لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الخامس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
صفين
الخطاب الشعري في معركة صفين
وفي مواجهة الطغيان الذي تلاها
ـ خرج والي الشام معاوية بن أبي سفيان على خليفة المسلمين، أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فأحدث بذلك أوّل انقسام في الدولة الفتيّة، وأسس لصراعٍ طال أمده. وكانت حجّته المعلنة الطلب بدم الخليفة عثمان، علماً أنه كان، إضافة إلى معاوية الأول عمرو بن العاص، من الذين أسهموا في صيرورة أحداث المدينة المنورة إلى ما صارت إليه من قتل لابن عفان، إذ أنه عمد إلى عدم نجدته في الوقت المناسب، علاوةً على أن ابن العاص كان واحداً من أبرز المحرّضين عليه. ويمكن للباحث أن يتبيّن أهداف والي الشام هذا، الخارج على قيادة الأمة الشرعيّة، من خلال الوثائق العائدة إلى تلك الحقبة.
تفيد هذه الوثائق أن معاوية كوَّن تحالفاً قبلياً «لا يقاتل إلا عن عَرَضِ الدنيا»، وقد استمرَّ هذا التحالف قائماً إلى أيام معركة مرج راهط، فأعاد سيرته الأولى، وفي هذا الصَّدد يروي المسعودي: «اشترط حسان بن مالك [الكلبي] على مروان ما كان لهم على معاوية وابنه يزيد. ومن هذه الشروط أن يفرض لألفي رجل ألفين ألفين، وأن يكون لهم الأمر والنهي، وصدْر المجلس وكل ما كان من حلٍّ وعقد فعن رأي ومشورة، فرضي مروان. وقال مالك بن هبيرة [السكوني]: إنه ليس لك في أعناقنا بيعة، وليس نقاتل إلاّ عن عرض الدنيا فإن تكن لنا على ما كان لنا معاوية ويزيد نصرناك. وإن تكن الأخرى فوالله ما قريش عندنا إلاَّ سواء».
وقال النعمان بن جبلة التّنوخي، لمعاوية في صفّين، وكان صاحب راية قومه من تنوخ وبهراء: «ووالله، لقد نصحتك على نفسي وآثرت ملكك على ديني وتركت لهواك الرُّشد وأنا أعرفه، وحدث عن الحق وأنا أبصره، وما وُفِّقتُ لرشدي حين أقاتل على ملكك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوَّل مؤمن به ومهاجر معه … وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حُرمنا أثمار الجنة وأنهارها»([1]).
قام هذا التَّحالف على أساس منافع الدُّنيا، وإحراز الموقع وامتلاك السلطة، وقد أرساه معاوية وورثه يزيد ثم مروان، وقد قال معاوية في هذا الصدد:
«… أمَّا نحن فتمرَّغنا في الدُّنيا …»، وخاطب صعصعة بن صوحان، مرَّةً، قائلاً: «الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذت من مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزاً لي». فقال له صعصعة:
«تُمنِّيك نفسك ما لا يكون
جَهْلاً، معاوي لا تأثم»
وقال عمرو بن العاص لمَّا حضرته الوفاة: «اللهم، لا براءة لي فأعتذر، ولا قوَّة لي فأنتصر، أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا» وشبَّه نفسه مرَّة بماسك البقرة لآخر يحلبها([2]).
وحكم الأمويين، كما جاء في كتاب الخوارج والشيعة «إنَّما هو حكم القوَّة الباطشة، الماكرة معاً، الخلوّ من كل سبب، أو سند يعترف به العقل، أو تدعو إليه التقاليد والعرف»([3]).
واستخدم معاوية، في تسويق هذا التَّحالف، التضَليل، فزعم أنه يطلب دم عثمان، وأشاع أن الإمام علياً عليه السلام وأنصاره قوم لا يصلُّون، وأنهم قتلوا خليفة المسلمين، وصدَّق الأعراب هذه الادّعاءات، فمن الاخبار التي تفيد ذلك، ما يرويه نصر بن مزاحم في «وقعة صفين» من أن فتىً من قبيلة غسان التقى هاشماً بن عتبة بن أبي وقاص (المرقال) في المعركة، ودار بينهما حوار، سأله فيه هاشم: فيم تقاتلنا؟ فأجابه الغساني: «فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلِّي كما ذكر لي، وأنكم لا تصلُّون، وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله». فقال له هاشم: «وأما قولك إن صاحبنا لا يصلي فهو أول من صلى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله وأولاه برسول الله. وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب لا ينامون الليل تهجُّداً، فلا يغرُرْك عن دينك الأشقياء المغرورون»، وأثمر الحوار، فأعلن الفتى الغساني توبته. ويروي المسعودي أخباراً تصوِّر مدى ما بلغته سياسة معاوية في التَّضليل يمكن مراجعتها في موضعها([4]).
كان الحوار يدور في صفِّين، وكان يثمر في كثيرٍ من الأحيان، ومن نماذج ذلك الجدل الذي دار بشأن الصِّحابي الجليل عمار بن ياسر (رض)، فقد احتجّ رجلان في سلبه وفي قتله؛ فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لهما: ويحكما، أخرجا عنِّي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولعت قريش بعمّار «ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار». وأتى حذيفة بن اليمان رهطٌ من جهينة يسألونه في الأمر نفسه، فقال: «إن ابن سميَّة [يعني عمَّاراً] لم يخيِّر بين أمرين قط إلا اختار أرشدهما، فالزموا سمته». ومشى عبد الله بن سويد الحميري سيِّد جُرش إلى ذي الكلاع الحميري، يسأله، فأخبره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطب به عماراً، وهو: تقتلك الفئة الباغية»، وكان ذو الكلاع قد سمعه من عمرو بن العاص في وقتٍ سابقٍ على صفين.
وقد أثمر هذا الحوار فاحتجّ ذو الكلاع، وتردّد في مواصلة القتال. «وخرج عبد الله بن عمر العنسي، وكان من عبَّاد أهل زمانه ليلاً فأصبح في عسكر عليّ» فحدَّث الناس، وأنشد:
…. واليوم أبرأ من عمرو وشيعته
ومن معاوية المَحْدُو به العِيرُ
لا، لا أقاتل عمَّاراً على طمع
بعد الرواية حتى يُنفخ الصُّور
يا ذا الكلاع فدع لي معشراً كفروا
أولاً، فدِينك عَيْنٌ فيه تعزيز
ما في مقال رسول الاله في رجلٍ
شكٌّ، ولا في مقال الرُّسل تحبير
وقد واجه معاوية هذا الحوار، فمنع رواية الحديث، وقال لعمرو: «أفسدت عليّ أهل الشام، أكلُّ ما سمعت عن رسول الله تقوله؟ فقال عمرو: قلتها … ولا أدري أن صفين تكون». ثم أمعن في التضليل، وقال: «إنما قتله [ويقصد عماراً] من أخرجه، يخدع بذلك طغام أهل الشام»، ومن الصدف المثيرة للتساؤل أن يقتل ذو الكلاع في اليوم الذي قتل فيه عمار، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: «… ما أدري بقتل أيّهما أنا أشدُّ فرحاً، والله لو بقي ذو الكلاع حتى يقتل عمَّار لمال بعامة قومه إلى عليَّ ولأفسد علينا جندنا»، أو «أمرنا»([5]).
يُفيد ما سبق أن معاوية أقام حلفاً أساسه المصلحة / عَرَضُ الدُّنيا، ومارس التّضليل ليشوّه الحقائق، ومنع الحوار ورواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. والعجبُ من إنسانٍ مسلم، يتصدَّى لخلافة المسلمين وولاية أمرهم، ويعمل بخلاف حديث يرويه هو نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد أوضح الإمامُ علي عليه السلام طبيعة المعركة وحقيقة إسلام هؤلاء، فقال: «… والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسرّوا الكفر، فلما وجدوا أعواناً أظهروه … رجعوا إلى عدواتهم منَّا؛ إلاَّ أنهم لم يدعوا الصَّلاة»([6]).
يلفت، في خطاب الإمام علي عليه السلام، القسم الذي يشكل فضاء يوحي بتفتح الخلق والخصب والخير: «فلق الحبة»، وبالجو الناعم اللطيف: «برأ النسمة»، ومقابلته، بمكر الذين أسرُّوا الكفر وانتظارهم الفرصة ليعودوا إلى عداواتهم، وهم إذ يستغلّون هذه الفرصة إنما يحولون دون نعمة الله. وهكذا يجسّد الخطاب طبيعة المعركة، فهي بين إيمان يتفتح فيه الخير، وبين استسلامٍ يُظهر الإسلام ويسرُّ الكفر، ويخرج على الإسلام عندما يجد أعواناً.
وقد أوضح عمار بن ياسر طبيعة هذه المعركة فجاء في إحدى خطبه: «… ولكنَّ القوم ذاقوا الدُّنيا فاستحبوها واستَمْروها، وعلموا لو أن صاحب الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون فيه منها. ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقُّون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوماً ليكونوا بذلك جبابرة وملوكاً»([7]).
وفي رسائل معاوية إلى الإمام علي عليه السلام ما يفيد بحقيقة أهدافه، فكثيراً ما ورد فيها: «وقد كنت سألتك الشام … وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس». وكان الإمام عليه السلام يرفض تقسيم الدولة، ويمضي في موقفه فيجيب: «… وإني لو قتلت في ذات الله وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرّة لم أرجع عن الشدّة في ذات الله والجهاد لأعداء الله … فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك منها أمس». وقد حاول معاوية أن يدَّعي فضلاً فعاد إلى النَّسب، وإلى ما قبل الإسلام، فقال في رسالته: «ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل»، فأجابه الإمام، واضعاً القضية في السياق التاريخي الذي كوّنه الإسلام: «فلعمري إنا بنو أبٍ واحد، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحقُّ كالمُبطل، وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز وأعززنا بها الذليل»([8]).
وقد كانت إجابة عمار بن ياسر لأحد المتسائلين عن طبيعة هذه المعركة واضحة، وجاء فيها: «… فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب»([9]).
خطاب المعركة الشعريّ
كشف الواقع وتبيُّن الحقيقة
وقد جسّد الشعر الذي قيل في صفين تجربة فرسان مسلمين خاضوا المعركة ورأوا إليها، وقد هالهم ما فعله معاوية، وأَرِقوا يفكّرون في الأمر، وفي ما يمكن أن تؤول إليه الأمور، فقال عمرو بن الحمق الخزاعي:
تقولُ عِرْسِي لما أنْ رأت أرَقي:
ماذا يَهِيجُك من أصحاب صِفِّينا؟
ألستَ في عُصبَةٍ يَهدِي الإلهُ بهم
لا يَظلِمونَ، ولا بغياً يُريدونا؟
فقلت: إنِّي على ما كان من رُشُدٍ
أخشَى عواقبَ أمر سوف يأتينا
إدالةَ القومِ في أمرٍ يُرادُ بنا
فاقْنَيْ حياءً وكفِّي ما تٌقولِينا([10])
وقد صدق حدسه؛ إذ كان ممن قتلهم معاوية صبراً بعدما آل الأمر إليه.
وإن تكن هذه الفتنة التي أثارها معاوية على رأس تحالف قبلي يقاتل عن الإمرة وعرض الدنيا «مثل ظهر الليل مظلمة»، فإن العودة إلى كتاب الله تفرجها وتظهر حقيقتها، كما قال خالد بن المعمر:
وفتنةٍ مثلِ ظَهر اللَّيلِ مُظْلمةٍ
لا يستبين لها أنفٌ ولا ذَنبُ
فرَّجتُها بكتابِ الله فانفرجَتْ
وقد تحيَّرَ فيها سادةٌ عَرَبُ([11])
والعودةُ إلى كتاب الله تعني اتباع تعاليمه ورجوع الحق إلى سبيله، فمعركة التأويل استمرار لمعركة التنزيل، كما قال عمار بن ياسر:
نحن ضربناكم على تنزيلهِ
فاليوم نضربْكم على تأوِيلِهِ
ضرباً يُزيلُ الهامَ عن مَقيلِهِ
ويذْهِل الخليلَ عن خليلِهِ
أو يَرجِعَ الحقُّ
إلى سبِيلِهْ([12])
ولما قتل عمار رثاه الحجاج بن غزية الأنصاري بأبيات منها:
قال النبيّ له: تقتلك شَرْذَمةً
سطت نجومهم بالبغي فجَّارُ([13])
وقد جسَّد الشعر انتماء صفين إلى الصراع نفسه الذي انتمت إليه بدر وأحد وحنين والأحزاب، فقال قيس بن سعد الأنصاري، مخاطباً معاوية:
يا ابن هند دع التوثُّب في الحر
ب، إذا نحن بالجياد سَرَيْنا
…. ليتَ ما تطلُبُ الغَداةَ أتانا
أنَعَمَ اللهُ بالشَّهادةِ عَيْنا
إنّنا إنّنا الذين إذا الفتحَ
شَهِدْنا وخَيبراً وحُنَينا
بعدَ بدرٍ وتلك قاصِمةُ الظَّهر
وأحْدٍ وبالنَّضِير ُثنْينا
يومَ الأحزابِ، قد علم النَّاسُ،
شفَينا مِنْ قبلكم واشتفينا
وجسَّد الشعر انتماء فرسان صفين إلى المؤمنين الأبرار الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى، أن يشربوا في جنانه كأساً مزاجها زنجبيلاً، وفي هذا المعنى قال عمار بن ياسر، في تعبير يصوغه تمثل القرآن الكريم وتدبّره:
صدقَ اللهُ، وهو للصِّدقِ أهلٌ،
وتعالَى ربِّي وكانَ جَليلا
ربِّ عجِّلْ شهادةً لي بقَتْل
في الذي قد أحَبَّ قتلاً جَميلا
مقبلاً غيرَ مدبرٍ إنَّ للقَتْلِ
على كلِّ مِيتَةٍ تَفضِيلا
إِنَّهم عند ربًّهم في جِنانٍ
يَشربون الرَّحيقَ والسَّلسَبِيلا
مِن شَراب الأبرار خالطه المِسْكُ،
وكأساً مِزاجُها زَنْجَبيلا
وقال مالك الأشتر، وهو يتهيَّأ للمعركة:
بقّيتُ وِفْري، وانحرفت عن العلى
ولقيتُ أضيافي بوجهٍ عبوس
إن لم أشنّ على ابن هندٍ غارة
لم تخل يوماً من نهاب النفوس …
وارتجز، وهو في أوج احتدامها:
في كلِّ يومٍ هامتي مقيَّره
بالضَّرب أبغي مِنَّةً مؤخَّره
والدِّرع خير من برودٍ حَبِرَه
يا ربُّ جنِّبني سبيل الكفره
واجعل وفاتي بأكفِّ الفَجَره
لا تعدل الدنيا جميعاً وبره
ولا بعوضاً فـ
ـي ثواب البرره([14])
تبدو، في هذه المقطوعات، صورة الفارس المسلم الذي يأبى الذلّ ويثق بقائده وانتمائه وصدق موقفه، وله من انتصاراته، ومن تاريخيّة هذه الانتصارات، خير معين، فيقسم بقيمه الأصيلة، ويعد نفسه برضوان الله وثوابه الذي أعدَّه للأبرار.
وكان الفرسان يخوضون المعركة مدركين أنَّهم على يقين من أمرهم، فقال عامر بن الأمين السُّلمي:
… ورَجعت، وقد أبصرُ أمري
كلَّه وعرفت ديني إذ رأيت يقينا
أبلغ معاوية السَّفيه بأنني
في عصبةٍ ليسوا لديك قطينا
لا يغضبون لغير ابن نبيِّهم
يرجون فوزاً، إن لقوك، ثمينا(
[15])
ومدركين أن أعداءهم باعوا دينهم برضاء عُبُدٍ، ولم يسعوا في سبيل مرضاة الله، فخاطب ابن الكوَّاء القبائل التي تقاتل في جيش معاوية قائلاً:
ألا مَنْ مُبلغٌ كلباً ولخماً
نصيحةَ ناصحٍ فوقَ الشَّقيقِ
فإنكُم وإخوتَكم جميعاً
كبازٍ حَادَ عن وَضح الطَّرِيقِ
وبِعتم دينَكم برضاء عُبْدٍ
أضَلَّ بها مُصافَحَةُ الرَّقيقِ
وقمتم دوننا بالبِيضِ صَلْتاً
بكلَّ مُسانِعٍ مثلِ الفَنيقِ
وساروا بالكتائب حول بَدْرٍ
يضيء لَدَى الغُبار من البريقِ([16])
والبدر المضيء هو الإمام علي عليه السلام، وقد رأى فيه هؤلاء الفرسان هادياً، ووصيًّا، وعاصماً من التفرُّق، فقال حجر بن عدي الكندي:
يا ربَّنا سلِّم لنا عليًّا
سلِّم لنا المهذَّبَ النقيّا
المؤمنِ المستَرْشَدَ المرضيَّا
واجعلْهُ هادي أُمّةٍ مهديّا
لا أَخْطَلَ الرّأي ولا غَبِيّا
واحفظْهُ ربِّي حفظَك النّبيا
فإنّه كان لهُ وليّا
ثم ارتضاهُ بعده وَصِيّا([17])
وقال أبو شُريح الخُزاعي:
يا ربِّ قاتِلْ كلَّ مَن يريدُنا
وكِدْ إلهي كلَّ مَن يَكيدُنا
حتّى يُرَى معتدِلاً عمودُنا
إنَّ عليًّا للَّذِي يقودُنا
وهو الذي بفِقهه يؤودُنا
عن قُحَم الفِتْنةِ إذْ تريدُنا
وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلميّ:
ألا أبلغ معاويةَ بنَ حربٍ
أما لَكَ لا تُنيبُ إلى الصّوابِ
أكلَّ الدهر مَرْجوسٌ لغَيرٍ
تُحارِبُ مَن يقومُ لدى الكِتابِ
فإنْ تَسْلَم وتَبْقَ الدّهرَ يوماً
نَزُرْكَ بجحفلٍ شبه الهضابِ
يقودُهم الوصيُّ إليك حتّى
يردّك عن عُوائِك وارتياب
وإلاَّ فالتي جَرَّبْتَ منّا
لكمْ ضرِبُ الهنَّد بالذُّؤابِ([18])
والشعر في ذلك كثير، وقد رأى كثيرون أن الإمام عليًّا نهض بأمر عظيم كان مقصوراً عليه، وهو بناء قبة الإسلام بعد انهدامها، ومن نماذج ذلك ما يقوله أبو محمد نافع بن الأسود التميمي:
أَلاَ أُبْلِغا عنِّي عليًّا تحيّةً
فقد قَبِل الصَّماءَ لمَّا استقَلَّتِ
بنى قُبَّة الإسلام بعد انهدامها
وقامت عليه قَصْرَةً فاستقرَّت
كأن نبيًّا جاءَنا حِين هَدْمِها
بما سنَّ بعدما قد أُبِرَّتِ([19])
وقد تبيَّن فرسان صفّين، وهم شعراؤها، موقع الإمام علي وابنيه الحسنين، فقال الشَّني:
أبا حسَنٍ أنتَ شمسُ النَّهارِ
وهذان في الحادِثَانِ القَمَرُ
وأنتَ وهذان حتَّى المماتِ
بمنزلةِ السّمع بعد البَصَرْ
وأنتم أناسٌ لكم سُورَةً
يقصِّرُ عنها أكفُّ البَشَرْ
يخبِّرنَا الناسُ عَنْ فضلِكم
وفضلكُم اليومَ فوقَ الخبرُ
عَقَدْتَ لقومٍ ذوِي نَجْدَةٍ
من أَهل الحياء وأهل الخطَرْ
مساميحَ بالموتِ عندَ اللقاءِ
مِنَّا وإخوانِنا من مُضَرْ([20])
وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:
يا شُرطَة الموت صبراً لا يهولَكُم
دَينُ ابن حربٍ فإنّ الحقَّ قد ظَهَرا
وقاتلوا كلَّ من يَبغِي غوائلَكم
فإنَّما النصرُ في الضَّرَّا لمن صَبَرا
سِيفُوا الجوارح حَدَّ السَّيفِ واحتسِبوا
في ذلك الخيرَ وارجُوا اللهَ والظَّفَرا
وأَيقِنوا أنَّ من أضحى يخالفكم
أضحى شقِيًّا وأضحى نَفْسَه خَسِرا
فيكم وصيُّ رسولِ الله قائدُكم
وأهلُه وكتابُ الله قد نُشِرَا
ولا تخافوا ضَلالاً لا أبا لكم
سيُحفَظُ الدَّيْنُ والتقوى لمن صَبَرا([21])
فأبو حسن شمس النهار، يضيء دروب السالكين، وأبناه القمر، وفي هذا تصوير لموقع الإمام الذي ينظم شؤون الحياة، وهو في موقعه هذا يلبِّي حاجة الناس إلى المعرفة، فيغدو بمنزلة سمعهم وبصرهم، فضلاً عن أن القرآن الكريم بوَّأ آل النبي منزلةً تقصر عنها أكف الشر، ولهذا فإن أنصارهم، يغدون «مساميح بالموت»، وليس من دون دلالةٍ أن يلتقي الشنِّي والمغيرة، فيخاطب هذا أنصار الإمام بقوله: «يا شرطة الموت» ويضع كتاب الله ووصيَّه وآله في جانب، وفي الجانب الآخر المعادي «دين ابن حرب» ، أو «دين ابن هندٍ» كما سمّاه المعري بن الأقبل الذي تبيَّن الحق سريعاً.
لم يكن صعباً على المرء أن يعرف حقيقة «دين ابن حرب»، فمنذ اليوم الأوّل من أيام صفّين سبق معاوية إلى الماء، وقال: لا سقاني الله، ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتى يقتلوا بأجمعهم عليه، فقام إليه المعرّي بن الأقبل، وكان ناسكاً، وقال: «هذا أوَّل الجور …» فأغلظ له معاوية، فقال ابن الأقبل في ذلك:
لعمرو أبي معاويةٍ بن حربٍ
وعمروٍ ما لدائهما دواءُ
سوى طعنٍ يحار العقلُ فيه
وضربٍ حين يختلط الدِّماءُ
فلستُ بتابعٍ دينَ ابنِ هندٍ
طَوَالَ الدَّهْرِ ما أَرْسَى حِرَاءُ
لقد ذهبَ العتابُ فلا عتابٌ
وقد ذهب الوَلاء فلا ولاءُ
وقولي في حوادث كلِّ أمرِي
على عمروٍ وصاحبهِ العَفاءُ
ألا لله درُّك يا ابنَ هندٍ
لقد برح الخفاءُ فلا خفاءُ
أتحمون الفراتَ على رجالٍ
وفي أيديهم الأسلُ الظِّماءُ
وفي الأعناق أسيافٌ حدادٌ
كأنَّ القوم عندهم نِساءُ
فترجو أن يجاوِرَكم عليٌّ
بلا ماءٍ وللأحزاب ماءُ
ثم سار في سواد الليل ولحق بالإمام علي عليه السلام.
وارتفع صوت في المعسكر، يمثل صوت الجماعة ينادي:
أيمنعنا القوم ماءَ الفرات
وفينا عليٌّ وفينا الهدى؟
وفينا الصَّلاةُ، وفينا الصيامُ
وفينا المناجون تحت الدُجى
أيمنعنا القوم ماءَ الفرات
وفينا الرِّماحُ وفينا الحجف
وفينا الشوازب مثل الوشيج
وفينا السيوف وفينا الزَّغف
وفينا عليٌّ له سورة
إذا خوَّفوه الرَّدى لم يخف([22])
ولمّا استولى جيش الإمام عليه السلام على الماء أباحه للشاربين، فبدا الفرق واضحاً لكلِّ ذي بصر وبصيرة.
وعرف المسلمون حقيقة «دين ابن هندٍ»، وذلك عندما نذر معاوية أن يسبي نساء ربيعة ويقتل مقاتليها، فقال في ذلك خالد بن المعمر:
تمنَّى ابنُ حربٍ نَذْرةً في نسائنا
ودُونَ الذي ينوِي سيوفٌ قواضبُ
ونَمنح ملكاً أنتَ حاولتَ خَلْعَه
بني هاشم قولَ امرئٍ غير كاذبِ
ثم وقع من سمّوا، في ما بعد، بالخوارج في فخِّ خديعة رفع المصاحف، وتحالفوا مع عدوّهم اللَّدود الأشعث بن قيس الكندي الذي توصَّل على ما يبدو إلى اتفاق مع رسل معاوية، ولم يطع الطرفان الإمام عليه السلام، فكان ما كان من أمر القبول بالتحكيم، وقد أذهل عصيان هؤلاء للإمام عليٍّ عليه السلام وطاعة أهل الشام لمعاوية الناس المؤمنين، فتساءلوا متعجبين، وصاغ النجاشي هذا التساؤل قال:
كفى حزناً أنّا عصينا إمامنا
عليًّا وأن القوم طاعوا معاويه
فسبحان من أرسى ثبيراً مكانه
ومن أمسك السَّبع الطباق كما هيه
أيُعْصَى إمامٌ أوجب اللهُ حقَّه
علينا، وأهل الشام طوعٌ لطاغيه([23])
هذه النماذج الشعرية أنشدها فرسان لم يحترفوا نظم الشعر، إذا استثنينا النجاشي. وقد جاءت تعبيراً عفوياً صادقاً يصدر عن تجربةٍ خاضوها، فأدركوا طبيعة المعركة وحقيقة الصراع، وجسّدوا صورة الفارس المسلم الواثق من أنه يقف مع الحق، ومن أنه ملاقٍ النصر أو الشهادة.
وقد جعل وعي هذه الحقائق الرثاء حزيناً، فيمنع فقد الأحبَّة الرقاد ويكون «معدناً ووساداً»، لكن العزاء يتمثّل في أن هؤلاء الأحبة إنما هم مثل أولئك الذين ثووا في أُحُد، فيكتفي الراثي بأن يطلب لهم الرحمة، ومن نماذج هذا الرثاء ما قالته أمينة الأنصاريًّة في رثاء مالك بن تيهان:
منع اليومَ أن أذوقَ رقادا
مالكٌ إذْ مضى وكان عِمادا
يا أبا الهيثم بنَ تيهانَ إنِّي
صرتُ للهمِّ مَعْدِناً ووِسَادا
إذْ غدا الفاسقُ الكَفورُ عليهمْ
إنَّه كان مثلَها مُعتادا
أصبحُوا مثلَ مَنْ ثَوى يومَ أُحْدٍ
يرحم الله تِلكُم الأجْسَادا([24])
ظاهرة الشعر النسائي
تحريض واع كاشف
ولم تكن أمينة الأنصاريَّة المرأة الوحيدة التي عُنيت بأمر المعركة وتبيّنت حقيقتها، فقد شاركتها في هذا الموقف نساء كثيرات، ما شكَّل ظاهرة يمكن للباحث أن يجد ما يمثّلها في كتاب «العقد الفريد»، فقد خصَّص مؤلّفه ابن عبد ربه الأندلسي قسماً من «كتاب الجمانة في الوفود» للوافدات على معاوية، وهنَّ سودة ابنة عمارة وبكارة الهلاليّة وأم سنان بنت جشمة المذحجيّة وعكرشة بنت الأطرش وأم الخير بنت حريش والزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية وأروى بنت الحرث بن عبد المطلب.
ويبدو أن معاوية راح يستدعي، بعد أن استتبَّ الأمر له، وجوه أنصار الإمام علي عليه السلام، ويحاسبهم، وكان من هؤلاء النسوة اللواتي أورد ابن عبد ربّه أخبارهن، ولعله وجد في مواقفهن فرادة قلَّ نظيرها في النساء فسجّل هذه المواقف، إضافةً إلى ما يبدو من رغبته في إظهار حلم معاوية.
كان معاوية يستدعي المرأة من العراق، ويحاسبها في مجلسٍ يضمُّ أعوانه من أمثال عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص. وفي هذه المجالس كان السؤال يتركَّز على مواقف هؤلاء النسوة في صفِّين، ويبدو من الحوار الذي كان يدور أن النِّسوة كنَّ يحرِّضن في صفِّين على القتال، ويعين أهداف هذا القتال، وأنهن اتخذن مواقفهن بعد اقتناع بها، ومعرفةٍ واضحةٍ بموقع الإمام علي ونهجه، إضافةً إلى وفائهن له ومجاهرتهن بذلك بجرأة وثقة، ويمكن أن نتبيّن هذه الأمور من خلال بعض النماذج في ما يأتي:
كان معاوية، أو أحد جلسائه، يذكِّر المرأة بقولها، ويبدو أنهن جميعاً كن يحرِّضن على القتال، فقد خاطبت سودة ابنة عمارة بن الأشتر أخاها، فقالت:
شمِّر كفعل أبيك يا ابن عماره
يوم الطِّعان ومُلتقى الأقران
وانصر عليًّا والحسين ورَهْطَه
واقصد لهندٍ وابنِها بهوان
إنَّ الإمام أخا النبي محمد
علَم الهدى ومنارة الإيمان
فُقد الجيوشَ وسرْ أمام لوائه
قُدُما بأبيض صارمٍ وسنان([25])
وقالت بكارة الهلالية تخاطب ابنها:
ـ يا زيد دونك فاحتفر من دارنا
سيفاً حساماً في التُّراب دفينا
قد كنت أدَّخره ليوم كريهةٍ
فاليوم أبرزَه الزَّمانُ مصونا
ـ أترى ابن هند للخلافة مالكاً
هيهات ذاك وإن أراد بعيد
منَّتك نفسك، في الخلاء، ضلالةً
أغراك عمرو للشَّقا وسعيد([26])
وقالت أم سنان بنت جشمة المذحجية تخاطب قومها:
عزب الرّقادُ فمقلتي لا ترقدُ
واللَّيل يصدرُ بالهموم ويوردُ
يا آل مذحج لا مقامَ فشمِّروا
إن العدوّ لآل أحمد يقصدُ
هذا عليٌّ كالهلال تحفّه
وسطَ السَّماء من الكواكب أسعدُ
خيرُ الخلائق وابنُ عمِّ محمد
إن يهدكم بالنّور منه تهتدوا
ما زال مُذ شهرَ الحروب مظفِّراً
والنَّصرُ فوقَ لوائه ما يُفْقَدُ([27])
تمثَّل هذه المقطوعات موقفاً تحريضيًّا، فكلُّ شاعرة تثير الهمم وتحدّد وجهة التحرك، وتوضح ذلك، مركّزة على ما يتصف به الإمام علي عليه السلام، فهو أخو النبي صلى الله عليه وسلم وعلم الهدى ومنارة الإيمان، والهلال الذي يضيء ليالي الناس ويهديهم بالنور وخير الخلائق، ومستغربة تطّلع ابن هندٍ للخلافة، فتلك أمنية ضلال أغراه بها عمرو بن العاص وسعيد بن العاص.
وقد قلن، في رثاء الإمام عليٍّ عليه السلام، أبياتاً منها ما قالته سودة ابنة عمارة:
صلى الإله على روح تضمَّنَه
قبرٌ فأصبحَ فيه العدلُ مدفونا
قد حالفَ الحقَّ لا يبغي به ثمناً
فصارَ بالحقّ والإيمان مقرونا([28])
وقالت أم سنان:
أمَا هلكت أبا الحُسين فلم تزل
بالحقِّ تُعرف هادياً مهديًّا
فاذهب عليك صلاةُ ربِّك ما دعت
فوق الغصون حمامةٌ قمرياً
قد كنتَ بعد محمَّد خلفاً كما
أوصى إليك بنا فكنْتَ وفيًّا
فاليوم لا خلق يؤمِّل بعده
هيهات نأمل بعده إنسيَّا([29])
يتحول التحريض المباشر، بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، إلى إحساس بفداحة الفقد وجلل المصاب وإدراك أن أحداً من الناس لن يكون مثل أبي الحسن عليه السلام. لكن هذا الإحساس يولد وعياً بأن مثله لا يموت، فإن يكن القبر قد تضمَّن روحه، فإن هذه الروح التي صارت مقرونة بالحق والإيمان والعدل، لا يمكن أن تفنى، إنها خالدة، من طريق خلود ما تمثّل.
وهكذا يكون من واجب الأنصار أن يمضوا في هذه الطريق، وهذا تحريض غير مباشر، على المضي في طريق هي طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا تأخذ الوصاية معناها، فالإمام علي عليه السلام كان استمراراً للنبي، وعلى أنصاره أن يواصلوا المسيرة، وهذا كله لا يدفع إلى البكاء وإنما إلى الدعاء، بأن يصلي الله على هذه الروح ما دعت فوق الغصون حمامة قمريًّا، وفي هذا التعبير كناية عن خلود هذه الصلاة ما دام هناك حياة، وفيه إيحاء بأن هذه الصلاة تتم في مناخ الحزن والسلام والطهارة والخضرة والحب الذي يمثله دعاء الحمامة فوق الغصون …
ويبدو أن هؤلاء النسوة كن قادرات على إدراك الفرق بين نهجيّ الحكم، ويملكن الجرأة على قول ذلك، والمطالبة بتغييره. فقالت سودة لمعاوية «… هذا ابن أرطأة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة، فإما عزلته فشكرناك وإما لا فعرفناك …»، فهدَّدها معاوية، فأنشدت بيتيها في رثاء الإمام علي، وقارنت بين النهجين، وقالت: قد جاءتكم بيَّنةٌ من ربكم، وروت حادثة حكم فيها الإمام وفق قول الله تعالى:﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم* ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾ [سورة هود: الآيتان: 85 و86]، وعزل واليه([30]).
وجاء في حوار دارمية الحجونية ومعاوية: «قال لها: يا هذه، هل رأيت عليًّا؟ قالت: إي والله. قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطست»([31]).
وقال معاوية لأم الخير بعد أن ذكَّرها بأقوالها: ولو قتلتك ما حرجت في ذلك، فقالت له: «والله ما يسوءني أن يجري قتلي على يديّ من يسعدني الله بشقائه»([32]).
نهج في مواجهة الطغيان
وقد بدا واضحاً لمعاوية أنَّ أنصار الإمام عليٍّ كانوا يمتلكون القدرة على أمرين أوَّلهما رؤية الحق وثانيهما الجرأة في قوله والسَّعي إلى جعله واقعا. ولهذا كان يقول، وهو يستجوب النساء: «هيهات لمَّظم [أي علَّمكم وذوَّقكم] ابن أبي طالب الجرأة»، ويعيد القول: «يا أهل العراق، نبَّهكم علي بن أبي طالب فلم تطاقوا». وكان يعجب لوفاء هؤلاء الأنصار فيكرر قوله: «والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته»([33]).
كان معاوية يعجب أن يبقى أنصار الإمام علي عليه السلام أوفياء له بعد وفاته، وهم في الحقيقة كانوا يتبعون نهجاً أرسى أسسه الإسلام، وكان يضيق بهذا النهج الذي يتَّصف أصحابه بالوعي والجرأة وطلب الحقّ. ولهذا صمَّم على القضاء عليه، فبدأ باستدعاء أنصار الإمام عليّ واستجوابهم ممهِّداً لذلك السَّيل الجارف من الطغيان.
وهذا لا يتاح له إلا إذا كان الناس مسلوبيّ تلك القدرة على الرؤية والعمل على جعلها واقعاً، أي إلا إذا كانوا جهلةً مطيعين طاعة عمياء. ومن الأمثلة التي تفيد ذلك نذكر ما يأتي:
ففي صدد التضليل المفضي إلى الجهل منع معاوية رواية السيرة النبوية والحديث الشريف كما مرَّ بنا. وأثمر ذلك جهلاً، من نماذجه: «قال بعض الإخباريين لرجلٍ من أهل الشام، من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب الذي لعنه الإمام على المنبر؟ فقال: أراه لصًّا من لصوص الفتن. وحلف أشياخ من أهل الشام، من أرباب النِّعم والرئاسة، من سائر أجناد الشام، لأبي العباس السفَّاح، أنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم «قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أميَّة حتى وليتم الخلافة»([34]).
وفي صدد الطاعة العمياء، نذكر تلك الحادثة التي شهد فيها خمسون رجلاً من أهل الشام أن بعير العراقي ناقة لشاميّ، فقال معاوية للعراقي: «أبلغ عليًّا أني أقاتله بمئة ألفٍ ما فيهم من يفرِّق بين الناقة والجمل»([35]).
وقد كان واضحاً للإمام وأصحابه ما سوف يفعله معاوية إن انتصر، فكتب عقبة بن مسعود إلى سليمان بن صرَّد الخزاعي: «أما بعد فإنهم ﴿إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا﴾ [سورة الكهف: الآية 20] فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين»([36]).
ويلاحظ، في هذه الرسالة، إيجازها ووضوحها، وتضمنها الحكم القرآني في القضية موضوع الرسالة وهو أنه ليس أمام المجاهدين سوى الجهاد والصبر لأن الهزيمة تفضي إلى أحد أمرين: إما الرَّجم أو العودة إلى ملَّة الأعداء، أي إلى ما سمّاه الخطاب الشعري «دين ابن هند»، أو «دين ابن حرب»، وليس من فلاح في كلا الأمرين.
بدأ معاوية باستدعاء أصحاب الإمام عليّ واستجوابهم، وقد مرَّ بنا شيء من ذلك، ومن هؤلاء الأصحاب كان عديّ بن حاتم الطَّائي الذي دار بينه وبين معاوية بن أبي سفيان الحوار الآتي: قال معاوية: ما فعلت الطَّرفات؟ [يعني أولاده]. قال: قتلوا مع عليّ. قال: ما أنصفك عليّ، قتل أولادك وبقي أولاده. فقال عدي: ما أنصفْت علياً إذ قُتِل وبقيتَ بعده. فقال معاوية: أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلاّ دم شريف من أشراف اليمن، فقال عدي: «والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا وإنَّ أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا! ولئن أدنيت إلى الغدر فتراً لَندْنُيَنَّ إليك من الشرّ شراً، وإن حزَّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسِلْمُ السيف، يا معاوية يبعث السَّيف»([37]).
لم يجب معاوية وانتظر إلى أن جاء زياد، فاختار هذا وجوه أهل العراق، ممن سمَّاهم «طواغيت هذه الترابيَّة …» لأنهم أنكروا عليه شتم الإمام عليّ عليه السلام، زوروا شهادات تفيد أنهم خرجوا على الطَّاعة، وأرسلهم إلى معاوية، فقتلهم هذا صبراً، وكان حجر بن عدي الكندي، من بينهم، وفي رثائه تقول هند بنت زيد بن مخرمة الأنصاريّة:
ترفَّع، أيُّها القمرُ المنيرُ
تبصَّرُ هل ترى حُجراً يسيرُ!؟
يسيرُ إلى معاوية بن حربٍ
ليقتله كما زعم الأميرُ
ويصلبَه على بابيّ دمشقٍ
وتأكلَ من محاسنه الطيورُ
تجبَّرت الجبابر بعد حجرٍ
وطابَ لها الخورنقُ والسَّدير
وأصبَحَت البلادُ لها مُحولاً
كأنَّ لم يُحْيِها مزنٌ مطيرُ
ألا يا حجرُ حجرَ بني عديٍّ
تلقَّتك السَّلامةُ والسُّرورُ
اخافُ عليك ما أردى عَديًّا
وشيخاً في دمشق له زئيرُ
يرى قَتْلَ الخيار عليه حقًّا
له من شرِّ أمَّته وزيرُ
ألا يا ليت حجراً مات موتاً
ولم يُنْحر كما نُحِر البعيرُ
فإن تهلك فكلُّ زعيم قوم
من الدّنيا إلى هلكٍ يسيرُ([38])
في هذه القصيدة حزن، وهي ترثي سيِّداً عرف بالتقوى والإيمان والشجاعة والكرم … ويتصف بصفات الفارس المسلم الذي يعرف الحقَّ ويمضي في دربه قائلاً لجلاَّده: «إن الصبر على حدِّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه [التبرّؤ من الإمام علي ولعنه]، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيّه أحبُّ إلينا من دخول النار»، غير أن فيها أشياء أكثر من الحزن على فرد وأشدّ عمقاً، فيها ما يعني الإنسان في ذلك العصر وفي كل عصر.
تدعو الشاعرة القمر ليترفَّع وينير، ويتبصَّر، من ثمَّ، في ضوءٍ كامل ما يحدث …، ويلي الدعوة سؤال يخرج عن طلب المعرفة، إلى الحث على تأمّلها في الضوء، فالقضيَّة هي سير حجر، وهذا السير يذكّر بأن الفارس سار من قبل، وفتح «مرج عذراء»، وللمفارقة أنه قتل فيها، ولكنه هذه المرة يسير إلى معاوية بن حرب وليس إلى فتح وجهاد كما تعوَّد، ويسير إلى معاوية ليقتله بذنبٍ زعمه، ثم يصلبه على بابي دمشق، ما يفيد إما أنه قطع جثته نصفين، وضع كل قسم على باب، أو صلبه مدة على هذا الباب ومدَّة أخرى على الباب الآخر، وقد طالت المدة حتى أن الطيور تعودته فصارت تحطّ عليه وتأكل من محاسنه.
تريد الشاعرة من القمر أن ينير هذه الجريمة، ويريها للآخرين وأن يتبصر الجميع فيها، لتقاوم التعتيم والتضليل القائمين.
وهذه دعوة لرؤية مسير حجر موجهة إلى الكون جميعه، وليس إلى الناس وحدهم، لترى الكائنات جميعها ما يحدث وفي ضوء القمر المنير. وهذه الدعوة ترتفع بحجر وبمسيره إلى معاوية ليلقى مصيره: القتل بزعم كاذب والصلب، إلى مستوى الحدث الرهيب، الهائل التأثير الذي تهمّ الكون أجمع رؤيته ومعرفته والتبصُّر بنتائجه، حجر يصلبه معاوية، إنها جريمة العصر وعلى القمر أن ينيرها ليتبصر الكون ويتبيّن فظاعتها ونتائجها.
وتلي الحركة الثانية في القصيدة، وهي نتائج هذه الجريمة، فبعد حجرٍ تجبرت الجبابرة وطاب لها الخورنق والسدير، وهذا كشف لما آلت إليه خلافة المسلمين من ملك استبدادي يعيد الأمور إلى ما كنت عليه قبل الإسلام، إذ إن الخورنق والسدير هنا رمزان للملك الاستبدادي الذي عرفه العرب في جاهليتهم.
ولم يكن للجبابرة أن يتجبروا وأن تطيب لهم الحياة في قصورهم إلا بعد قتل حجر، وهكذا كان هذا الفارس المسلم الحائل دون تجبُّر الطغاة وممارستهم طغيانهم وغواياتهم، إذ بعده تطيب قصورهم. وإن يكن تجبر الجبابرة هو النتيجة الأولى فإن النتيجة الثانية أشد فظاعة، وهي ذلك المحل الذي أصاب البلاد، كأنها لم تعرف المطر، أو كأن المطر لم يحيها …
وهذا الجدب وليد الطغيان، وكان حجرٌ يحول دونهما، وهكذا تأتي الحركة الثالثة سلاماً على حجرٍ في خطاب رقيقٍ يدعو له بالسلامة والسرور، تتبعه في حركة رابعة مقارنة بينه وبين معاوية، وكنَّت عنه بشيخ في دمشق له زئير، ما يفيد بانتمائه إلى عالم آخر غير إنساني، هو ووزيره الذي يرى قتل خيار الناس عليه حقاً، ولهذا فهو «شرّ الأمّة»، وهنا نلحظ التضاد الواضح بين الخيار وشر الأمّة، ما يعيد إلى الذاكرة صورة الصّراع الذي دار، وما ينفكّ يدور، بين الشرّير ـ الوحش (الخنزير البري في الأسطورة) والخيِّر ـ الإنسان المحب المحبوب. ويا لفداحة المصاب فالخيِّر يُقْتَل والشرِّير يَقْتُل ويكون وزيراً لشيخٍ لا يملك إلا أن يزأر مرهباً الناس كأنَّه يحيا في غابةٍ لم تعرف التَّحضُّر.
وتتكشف هنا المفارقة إذ يفترض أنه خليفة يحكم باسم الإسلام، ويزعم أنه «خليفة الله» ولكنَّ هذا لا يوصل إلى موقف يائس، فتأتي الحركة الخامسة لتقول إن الموت حقٌّ: …. وهذا يعني أنَّ هلاك حجر ليس النهاية، وإن يكن هذا البيت:
فإن تهلك فكل زعيم قومٍ
من الدنيا إلى هلك يسير
لم يصل إلى مستوى:
أمَّا هلكت أبا الحسين فلم تزل
بالحق تعرف هادياً مهديًّا
ربما لفارق المكانة إلا أنه يشاركه في عدم التهالك. فإن تحدَّث البيت الثاني عن خلود الإمام على الرغم من موته فإن البيت الأول تحدث عن موت الزعيم، وهذا أمر طبيعي و«زعيم» يتلاءم مع الموقف العام الذي تعبّر عنه هذه القصيدة؛ إذ أنها تصور الوضع الذي وصلت إليه الأمة وموقع حجر منه.
معاوية يريد أن يتجبر في سعادة الملوك، وأن يحيل خصب الناس محلاً ويخاف حجراً وأصحابه فيقتلهم، وهكذا يمثل حجر رمز مقاومة التجبّر والطُّغيان اللذين يمثلهما معاوية متمثلاً بصوته الوحشيّ المرهب.
وفي هذه القصيدة دعوة للناس وكائنات الكون كي يروا هذا الأمر بعد أن ينيره القمر، وتضع معاوية الذي يزأر مرهباً ويرى قتل الخيار واجباً هو ووزيره «شر الأمة» في جانب وحجر بن عدي المعارض لهذا الاتجاه، والممثل للاتجاه المعادي في جانب آخر. والدعوة هذه مبتكرة وفيها الكثير من الخصائص الجديدة.
كما أن التركيز على أن هلاك حجر أمر طبيعي، يعبّر عن إيمان بحتمية الموت، وهو مصير كل زعيم يتصدى لمثل هذه الأمور، وهذا موقف أساسي يبثّ الثقة والحماس والعزم في النفوس. وهذا ليس حزناً ينفّس قهراً وإنما هو موقف سياسي واضح يجسد تجربة إنسانية، ويكشف واقعاً قائماً، ويوضح طبيعة السلطان الأموي ويبث الثقة في النفوس. وفي هذا ردٌّ على الطغيان والإرهاب وعمل على تفويت نتائجهما.
الدكتور عبد المجيد زراقط
في أعقاب صفين
شارك معاوية والده أبا سفيان في كل معاركه في قتال الإسلام، وبعد فتح مكة كان من المؤلفة قلوبهم. أما بعد استيلائه على الحكم الإسلامي فنترك الكلام لبعض المفكرين المسلمين (من غير الشيعة):
قال الشيخ رضا صاحب مجلة المنار في الصفحة 955 من الجزء 12 من المجلد 12 ما يلي: «لقد حول معاوية شكل الحكومة الإسلامية إلى حكومة شخصية استبدادية جعلت مصالح الأمة كالمال يرثه الأقرب فالأقرب إلى المالك وإن كرهت الأمة كلها، فكان هذا أصل جميع مصائب الأمة الإسلامية» انتهى.
وقال المفكر الفلسطيني الكاتب الدكتور وليد قمحاوي في مجلة العربي ما يلي:
واستطاع معاوية بن أبي سفيان أن يجعل الوطن العربي ملكاً يتوارثه الأبناء والأحفاد، وكأنه إقطاعية كبيرة وشعبه قطيع ضخم من العبيد. وقد كان التمرد ظاهرة شائعة، لا يكد يكبت في مكان حتى يبدو في عدة أمكنة، ولا يخمد شهراً حتى يستعر أواره شهوراً.
ولجأ الحكام إلى الطريقة المعروفة لامتصاص نقمة الشعب وتلهيته عن أوضاعه الداخلية، وذلك بسوق الناس إلى الميادين الخارجية تحت ستار وآخر. وأول من دعا إلى استغلال هذه الطريقة، كان الذي أشار على عثمان بن عفان بقوله: «رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون هم أحدهم إلا نفسه». انتهى.
أما أسلوب حكمه فيكفي أن نأتي بالأمثلة الآتية:
كانت وصية معاوية لقائده بسر بن أبي أرطأة حين أرسله إلى الحجاز واليمن: «سر، حتى تمر بالمدينة فأطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا». ووصى معاوية أيضاً قائده الأخر سفيان بن عوف الغامدي حين أرسله إلى العراق: «أقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك واخرب كل ما مررت به من قرى».
ولما أرسل منكوخان أخاه هولاكو لغزو البلاد الإسلامية كان من جملة وصيته له: «أما من يعصيك فأغرقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به، وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرب القلاع والحصون».
فأي فرق بين هذه الأوامر التترية وأوامر معاوية، مع العلم أن جيوش معاوية كانت تغزو بلاداً إسلامية عربية، وتطبق هذه الأوامر على العرب والمسلمين، ويدّعي صاحبها العروبة والإسلام. ويصف ابن الأثير بعض ما نفذته جيوش معاوية من أوامره على يد بسر بن أبي أرطأة في اليمن قائلاً: … وأخذ ابنين لعبيد الله بن العباس صغيرين هما عبد الرحمن وقثم فقتلهما، وكانا عند رجل من بني كنانة بالبادية، فلما أراد قتلهما، قال له الكناني: لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟! فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، فقتله وقتلهما بعده … فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن: يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين … والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام، والله يا ابن أبي أرطأة إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء…
وعلى هذا المنوال كانت تجري الأحكام، فمن ذلك أن سمرة بن جندب والي معاوية على البصرة أيام ولاية زياد ابن أبيه على الكوفة، إن سمرة هذا أقبل من المدينة مرة فلما كان عند دور بني أسد خرج من بعض أزقتهم رجل ففجأ أول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة، فأتى عليه سمرة وهو متشحط بدمه، فقال ما هذا؟ قيل: أصابته أوائل خيل الأمير. فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا!.
وهذا الأمير ممثل معاوية في البصرة قتل في يوم واحد ثمانية آلاف قتيل صبراً، وكان زياد ابن أبيه قد تركه في البصرة وذهب إلى الكوفة ثم عاد إليه في البصرة وقد قتل هذا العدد. فقال له زياد: هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً، فقال سمرة: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت!. وكان قد قتل فيمن قتل من قوم أبي سوار العدوي وحدهم سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن. كما يروي ذلك كله الطبري. وعن أثر تولي معاوية الحكم في المسيرة الإسلامية وتقهقر المسلمين الفكري والعقلي يقول الكاتب المصري فهمي هويدي من مقال له في مجلة «العربي» الكويتية، جزء تموز سنة 1980، الصفحة 46:
…. عصر تتسارع متغيراته يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة.
شباب مسلم نبت في تلك الظروف، فلم يملك سلاحاً يشق به طريقه إذ كانت الأسلحة التي بين يديه عاجزة وغير فعّالة. وكان المخرج المتاح أمامه هو هذا الانسحاب والاعتزال والتمرد.
ولنا أن نقرر أن هذا الواقع الماثل أمامنا، ليس نابعاً هذه المرة من حيرة ومفاجأة، فقد مضى وقت كاف للمعايشة وإيجاد تلك الصيغة أو الجسر الذي يلحق المسلم بركب العصر، دون عنت أو شعور بالذنب. ولكن رد الفعل الذي نشهده لدى هؤلاء الشبان نبع في حقيقة الأمر من إحساس بالعجز، وربما اليأس من حل هذه المشكلة.
* * *
وحتى نكون منصفين، فينبغي أن نقرر أن القضية ليست وليدة قرنين من الزمان، وأن الصدمة التي مني بها عالم الإسلام لم تحدث فجأة وبغير مقدمات. وإنما يتراكم وراء هذا الشعور بالصدمة رصيد تراثي هائل، تكون منذ حدث ذلك الانفصال بين الدنيا والدين في واقع المسلمين وأعماقهم وفكرهم.
منذ انفصل القرآن عن السلطان وقعت الواقعة في عالم الإسلام!
لم تكن هناك مشكلة عندما كان السلطان موظفاً لصالح القرآن بوعي وبصيرة، ولكن التحول حدث عندما انقلبت الآية. وأصبح القرآن موظفاً لصالح السلطان!
وأستاذنا مالك بن نبي يعتبر معركة «صفين» في العام الثامن والثلاثين بعد الهجرة بداية هذه المرحلة، التي أدت إلى انفصال القرآن عن السلطان، أو «انفصال الضمير عن العلم»، على حد قوله.
منذ خرج علي بن أبي طالب دفاعاً عن القرآن. وخرج معاوية بن أبي سفيان طمعاً في السلطان، ثم كان انتصار معاوية انتصاراً للسلطان. منذ ذلك الحين، حدث الانقلاب الأول في التاريخ الإسلامي.
وقد كان هذا الانقلاب أعمق وأخطر مما نتصور، لأن حدود التغيير الذي أحدثه امتدت إلى رقعة أوسع بكثير مما رصده المؤرخون ذلك أن الانقلاب السياسي، أفرز انقلاباً فكرياً على نفس المستوى!
فانفصال القرآن عن السلطان، أقام بمضي الوقت حاجزاً ما بين العقيدة والشريعة، وانتصار السلطان على القرآن، أدّى تلقائياً إلى تزايد الاهتمام بفقه العبادات. وتعطيل نمو فقه المعاملات.
وذلك نتيجة منطقية. إذ أن غيبة التطبيق الأمين للشريعة. لا بد أن ترتب إحدى نتيجتين: إما أن يتأخر نمو رصيدها الفكري، أو أن ينمو هذا الرصيد نمواً غير طبيعي، في غير الاتجاه الصحيح.
وفي ظل منطق الانصراف إلى تثبيت السلطان كان طبيعياً أن تظهر على سطح الحياة الفكرية الإسلامية تيارات تتحرك ـ ربما عن غير قصد ـ نحو الإنصراف عن تثبيت القرآن.
ومن هنا نمت مدارس تفسير النصوص وحفظ المتون، التي لا ترى جوهر الإسلام وحقائقه الأساسية، ولكنها تقف جامدة أمام الكلمات والحروف، عاجزة عن النفاذ إلى ما هو أبعد من ذلك. صار الإسلام نصاً وليس فكرة ورسالة، وغلبت مباحث اللغة على مقاصد الشريعة، حتى كتب محيي الدين بن عربي ـ مثلاً ـ رسالة عنوانها «كتاب الميم والواو والنون» باعتبارها «أسنى الحروف وجوداً، وأعظمها شهوداً»!.
وكان طبيعياً في هذا المناخ، أن ينصرف كثير من علماء المسلمين إلى الاشتغال بفلسفة الكلام، وعلم التوحيد، وفقه العبادات، وفقه اللغة، أو أي شيء آخر لا علاقة مباشرة له بحياة الناس أو واقعهم.
وكان طبيعياً أن يدور محور القضايا المثارة، والمعارك الفكرية الكبرى، حول القرآن وهل هو أزلي أم حادث، وحول التناسخ والحلول ووحدة الوجود، وحول صفات الله وهل هي حقيقية أم مجازية. ثم الإنسان وهل هو مخير أم مسير (الجبر والاختيار)، والقرآن ظاهره وباطنه.
وكان طبيعياً أن تنمو التيارات الداعية إلى الدروشة والتصوف، والزهد والاعتزال …
وكان طبيعياً أن تجد الخوارق والمعجزات وكرامات الأولياء مكاناً في الفكر الإسلامي، حتى تحدثنا الرسالة القشيرية ـ مثلاً ـ عن الذين يطيرون في الهواء من المكشوف عنهم الحجاب. والذين يظهرون للجائعين خبزاً بغير حاجة إلى طحن دقيق؟
وكان طبيعياً أن تموت بمضي الوقت روح البحث والابتكار حتى لدى بعض أجيال الفقهاء، وأن تتحول المعرفة إلى حفظ ونقل وتقليد. حتى جاءت أزمنة لم يعد يحتج فيها الفقهاء لا بقول الله ولا برسوله، ولكن بما ردده السلف من أصحاب المذاهب.
وسجلت كتب التراث أن واحداً من شيوخ الحنفية المتأخرين ـ أبو الحسن الكرخي ـ قال في هذا الصدد: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ!
وإذا كان المسار الرئيسي للفقه والفقهاء لم يمنع من ظهور نماذج فذة في تاريخ الفكر الإسلامي، لا زلنا نستضيء إلى الآن بثمار علمهم، إلا أنهم ظلوا بمثابة ومضات عابرة، تركت بصماتها على المسيرة بغير شك، لكنهم ـ أيضاً ـ لم يتمكنوا من تغيير مسارها، أو يحدثوا تحولات ذات قيمة فيها.
* * *
لقد كانت هذه الخلفية هي التي هيأت مجتمع المسلمين لتلقي شعور الصدمة عند أول احتكاك بالعالم الغربي، فيما بعد عصر النهضة. وهي ذاتها التي أسهمت في النمو غير الصحي للتفكير الإسلامي حتى اللحظة الراهنة.
وأعني به ذلك التفكير الذي يقوم أساساً على التفرقة بين الدين والدنيا، وإقامة علاقة شك وارتياب بين المسلم ودنياه.
فنحن أمام تراث فكري وبناء نفسي «أخروي» بالدرجة الأولى غرست فيه منذ انفصال القرآن عن السلطان بذرة إلغاء الدنيا من اهتمامات وتوجهات المسلم ـ وتحقيرها أحياناً ـ بحجة التطلع إلى الآخرة والإعراض عن مصادر الشر والغواية.
وكانت نتيجة هذا الغرس أننا عرفنا ـ على المستوى الفردي ـ نموذج المسلم «العابد»، بالمعنى التقليدي للعبادة، لكننا افتقدنا في الوقت ذاته صورة المسلم «العامل» أو الفاعل.
لقد أصبحت طريق المسلم إلى الآخرة سالكة، في أحسن الأحوال، لكن طريقه إلى الدنيا ظلت بحاجة إلى مغامرة الاقتحام والاكتشاف.
وإزاء هذه الحقيقة، فقد ظل نصيب المسلم من الدنيا، الذي نبهه إليه القرآن الكريم، مهدوراً ومهضوماً، إذا ما أراد أن يحصل عليه من باب الإسلام وتحت مظلته.
(انتهى مقال فهمي هويدي)
نتائج صفين الرهيبة([39])
إن كاتباً سعودياً مفكراً هو عبد الله الحامد كتب في أوائل شهر تموز سنة 1999 سلسلة مقالات في جريدة الحياة يعبر فيها عن تحسسه بما يحيق بالمسلمين من تقهقر حضاري مستديم حار المفكرون في أسبابه واستمراره عصراً بعد عصر.
وقد حرصتُ على أن أصف هذا الكاتب المفكر بـ (السعودي) وأزيد على هذه الصفة ثلاث صفات: (النجدي الحنبلي الوهابي) ـ حرصت على ذلك لئلا يتهمه الذين لا تعجبهم الحقائق، ويعيشون في ظلام دائم يتهمون فيه من يصور الأمور بصورتها الحقيقية بتهم مذهبية، فيقيمون عليه النكير، ويصيحون بالويل والثبور!…
يفتتح الحامد كلامه الذي جعل عنوانه (متى بدأت مؤشرات مرض الحضارة العربية الإسلامية ـ يفتتحه بهذا القول:
تمر الأمة الإسلامية منذ قرون عدة بأزمة حضارية حادة أدت إلى السقوط الحضاري الشنيع فهو يقر بأن الأزمة أزمة قرون متطاولة، وإذا كان هنا لم يحدد تلك القرون فإنه يعود فيحددها قائلاً بعد كلام طويل:
«ولكي نفرز أسباب السقوط من مظاهره، لا بد من إعادة قراءة التاريخ الإسلامي من الباطن لكي نحاول تتبع الخلل الذي اتسع شيئاً فشيئاً حتى أدّى إلى ما نحن فيه. واستقراء التاريخ يؤكد أن الخلل جاء بسبب كارثتين: الأولى الفصام بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية الذي حدث منذ صدر الإسلام ولكن آثاره لم تظهر إلا بعد حين، وهو أمر أدى إلى تداعيات تتابعت كما تتساقط حبات العقد إذا انفرط سلكه. فالتدهور في حياة المسلمين إذن قديم منذ اضطر المسلمون الأولون إلى تسليم زمام الأمور إلى الفئات التي كانت حديثة عهد بالإسلام».
وهو بهذا القول يتبنى رأي عبد الحميد أبو سليمان في كتابه (أزمة العقل المسلم). ويزيد هو على ذلك قائلاً:
«واجه المسلمون الأولون تحديات ضخمة، فانطلقوا يصدون الاعتداء الفعلي والمحتمل من الفرس والروم، وجاهدوا في ذلك جهاداً كبيراً. لقد تدافع حدثاء الإسلام من العرب إلى الجهاد أفواجاً ليعوضوا أنفسهم عما فاتهم من صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم الشريفة، وعما فاتهم من شهود ميادين الجهاد أو الاستشهاد.
وأرادوا أن يدركوا من فضل النضال على تخوم الروم والفرس ما لم يدركوه في عصر النبوة، فانطلقوا من أنحاء الجزيرة، من الحواضر والبوادي العربية، فحققوا لأنفسهم دوراً كبيراً أبرزهم قُوى ضخمة من قوى الضغط الاجتماعي.
وتعاملهم مع الخليفتين عثمان وعلي، رضي الله عنهما، يدل على أمرين:
أ ـ كثرتهم وفعاليتهم.
ب ـ كما يدل على ضعف الوعي الديني والحس السياسي.
فلم يكونوا في أغلبهم من ذوي الرأي العام المستنير، لأنهم حدثاء عهد بالإسلام لم يتعمقوا في الدين كما تعمق السابقون الأولون، ولم يستطيعوا أن يتخلصوا من خلفياتهم القبلية الفردية ولا أن يهضم سلوكهم القيم المدنية والسياسية في الدين».
وأقول: إن ما ندعو إليه هو عين ما يدعو إليه الكاتب من «إعادة قراءة التاريخ الإسلامي لكي نحاول تتبع الخلل الذي اتّسع شيئاً فشيئاً حتى أدّى إلى ما نحن فيه». ولكن على شرط أن نقلع عن نظرة التقديس التي ننظر بها إلى بعض رموز ذلك التاريخ، النظرة التي تحظر علينا القول بأخطاء كانت لهم، ساهمت في هذا الذي يشير إليه الكاتب. بل نقول أكثر من ذلك: إن بعض هذه الأأخطاء كان من أهم العوامل التي أدّت إلى ذلك المآل.
إننا من أجل أن نصل إلى النتيجة التي دعا الكاتب إلى الوصول إليها يجب أن ننظر إلى الذين صنعوا تاريخنا ـ ننظر إليهم بصفتهم رجال ذلك التاريخ الأفذاذ الذين كان لهم من الفضل ما يستحقون عليه كل تمجيد وإكبار، ولكن كان لهم إلى جانب ذلك أخطاء أدت إلى نتائج عكسية، وأن لا يمنعنا احترامنا لهم واعترافنا بفضلهم من أن نشير إلى تلك الاخطاء، وأن لا نثور على من يذكر تلك الأخطاء ونرميه بكل عظيمة!…
يعترف الكاتب بأن الفصام بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية الذي حدث منذ صدر الإسلام، كان إحدى الكارثتين اللتين أديتا إلى ما أديتا إليه …
ويتبنى القول بأن سبب الكارثة هو اضطرار المسلمين الأولين تسليم الأمور إلى الفئات التي كانت حديثة عهد بالإسلام. ونقول نحن: إن النبي العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان إلى جانب نبوّته ورسالته السماوية ذا نظر بعيد يستشف به الغيب، وكان يدرك مراميه البعيدة في إنقاذ الإنسانية مما تعانيه من شرور ـ لا بد لنجاحه من أن يتولى قيادته رجال خلقوا في صميمه وتربوا فيه ونشأوا على مبادئه. وكان هؤلاء لا يزالون شباناً في طراوة العمر، فلم يمنع سنهم الشاب من أن يعهد لهم النبي بالقيادات الكبيرة وثوقاً بكفاءاتهم واعتماداً على المبادئ التي نشؤوا عليها.
فرأيناه يعهد بقيادة الجيش الإسلامي الكبير الذي أعدّه للسير إلى الشام ـ يعد بقيادته إلى الشاب اسامة بن زيد، ويجعل في ذلك الجيش بقيادة أسامة كبار صحابته الكهول والشيوخ، وفيهم من تولى بعد ذلك الخلافة الراشدة باستثناء علي بن أبي طالب الذي لم يدخله في ذلك الجيش.
فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خوفاً من المصير الذي آل إليه الإسلام والذي أشار إليه الكاتب وهو الفصام بين القيادة السياسية والقيادة الفكرية.
ولكن لسوء حظ الإسلام والمسلمين مرض النبي قبل مسير الجيش واشتد به المرض فتوقف الجيش عن المسير، ثم مات النبي وقاوم الخلافة. فماذا جرى؟
الذي جرى أن أسامة بن زيد أقصي عن القيادة، وعين للقيادة العامة من روعي ـ أول ما روعي فيه ـ أن يكون من الأسرة الأرستقراطية (قريش)، وعين إلى جانبه قائد للقوة التي لنا أن نسميها بمثل ما يسمى أمثالها في العصر الحاضر: (القوة الضاربة)، وهو يزيد بن أبي سفيان، فكان هو القائد العملي الفاعل.
وهنا تحقق ما قاله الكاتب وهو: «تسليم زمام الأمور إلى الفئات التي كانت حديثة عهد بالإسلام». ونحن نقول أكثر من ذلك، وهو ما كان على الكاتب أن يقوله وهو: «تسليم زمام الأمور إلى الفئات التي لا يكتفي في وصفها بأنها حديثة عهد بالإسلام، وإنما بصفتها الحقيقية وهي: (الفئات التي اضطرت للتدين بالإسلام وهي الحاقدة عليه، الموتورة منه، ذات الثأر عليه، الثأر الذي لا يمكن أن تنساه. فيزيد بن أبي سفيان لا يمكن أن ينسى أبداً أن المسلمين يوم بدر قتلوا أخاه حنظلة وقتلوا جده عتبة وقتلوا أخا جده شيبة وقتلوا خاله الوليد وأذلوا أسرته.
والكاتب يقول إن المسلمين اضطروا إلى ذلك!… ونحن نقول له: إنهم لم يضطروا، بل فعلوا ذلك مختارين، وما الذي اضطرهم ليولوا يزيد بن أبي سفيان قيادة الجيش الإسلامي الضارب، ثم يولوه الشام، ثم يولوا بعده أخاه الذي يملك صفات أخيه نفسها وحقده نفسه وثأره نفسه.
وهنا نقع في البلاء الذي أوقع فيه من سماهم الكاتب: (الحديثي العهد بالإسلاام) ـ أوقعوا فيه المسلمين الذين أرادوا أن يناقشوا مثل هذه الأمور، فجعل (الحديثو العهد بالإسلام) هذه المناقشة طعناً في (الصحابة) الذي يؤدي الطعن بهم إلى القتل.
النبي اختار لقيادة الجيش أسامة بن زيد، ومن جاؤوا بعد النبي عزلوا أسامة من القيادة واختاروا قيادة جديدة، فمن هو المخطئ؟ أهو النبي أم من جاء بعده؟ فإن أخذت بالقول الثاني قامت القيامة عليك واتهمت بالطعن بالصحابة الذي عقوبته الإعدام.
ولا يتذكرون أن عدم الأخذ بهذا القول معناه الطعن بالنبي الذي كانت صحبته هي الحصانة التي يحتمي بها من يحتمي.
وهنا نعود إلى ما قلناه من قبل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بتولية أسامة بن زيد قيادة الجيش، أن يتولى السير بالإسلام من خلقوا في صميمه وتربوا فيه وتشبعوا بمبادئه.
وهذا ليس طعناً بمن كانوا بقيادة أسامة من الكهول والشيوخ، فقد كان إيمانهم كالجبال، ولكنه كان درساً للآخرين ليعلموا أن عهداً جديداً قد بدأ، يختلف عما عرفوه من عهود.
واستثناء علي بن أبي طالب من الدخول بقيادة زيد، هو من هذا الباب، مؤداه أن النبي الذي ولي قيادة الجيش شاباً نشأ في الإسلام، كان يعد لقيادة المسلمين العامة شاباً آخر نشأ هو أيضاً في الإسلام، وما دام قد أعد للقيادة العامة فهو مستثنى من الدخول في قيادة زيد.
صقلية
صقلية (Sicile) بثلاث كسرات مع تشديد اللام والياء. وأكثر أهل صقلية يفتحون الصاد واللام (معجم البلدان):
جزيرة تبلغ مساحتها 5815كم. تتبع إيطاليا بحكم ذاتي، ويفصلها عنها مضيق مسينا([40]) قاعدتها (بالرمو). وهي أكبر جزر البحر المتوسط وأكثرها سكاناً، وتبعد 165ك.م. عن شمال أفريقيا.
في سنة 827م بدأ غزو العرب لها وأخذوا يحتلون معاقلها الواحد بعد الآخر. وفي سنة 878م كانوا يملكونها كلها بسقوط سرا قوسه في أيديهم. فقامت لهم فيها حضارة من أزهى الحضارات، فنهضت الزراعة والتجارة والعلوم والفنون، وصارت المعاهد العربية مقصداً لعلماء أوروبا، واستمرت تلك الحضارة مزدهرة حتى خلال الحكم النورماني. وقد بدأ النورمان([41]) يستصفونها حتى تم لهم ذلك سنة 1990م على يد روجر الأول (1060 ـ 1091).
إليها ينسب الشاعر ابن حمديس الصقلي، واسمه عبد الجبار بن حمديس. ولد عام 1055م في مدينة سراقوسة على الساحل الشرقي من صقلية، ثم بارح بلده عندما استولى عليها النورمان سنة 470هـ (1078م) وأقبل إلى الأندلس وألم ببعض نواحيها، ثم استقر في إشبيلية وحظي من المعتمد بمكان جميل وصاحبه إلى ميادين حروبه، وعندما أُسر المعتمد في إغمات رافقه ابن حمديس إليها.
ثم انصرف إلى أفريقيا وعاش ردحاً من الزمن في المهدية. ثم انتقل إلى تونس وظل فيها إلى آخر أيامه([42]) وله في الحنين إلى صقلية من أبيات:
ذكرت صقلية والأسى
يهيج للنفس تذكارها
ومنزلة للتصابي خلت
وكان بنو الظرف عمارها
فإن كنت أخرجت من جنة
فإني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكاء
حسبت دموعي أنهارها
ومن الشعر الذي ذكر فيه ابن حمديس صقلية قوله:
فرغت من الشباب فلست أرنو
إلى لهو فيشغلني الرحيق
ولا أنا في صقلية غلام
فتلزمني لكل هوى حقوق
ليالي تُعمل الأفراح كأسي
فما لي غير ريق الكأس ريق
تجنبت الغواية عن رشاد
كما يتجنب الكذب الصدوق
وإن كانت صبابات التصابي
يلوح لها على كلمي بروق
ولابن حمديس في رثاء صقلية من قصيدة:
أعاذل دعني أطلق العبرة التي
عدمت لها من أجمل الصبر حابسا
لقدّرت أرضي أن تعود لقومها
فساءت ظنوني ثم أصبحت يائسا
وعزيت فيها النفس لما رأيتها
تكابد داء قاتل السم ناحسا
وكيف وقد سيمت هوانا وصيرت
مساجدها ايدي النصارى كنائسا
إذا شاءت الرهبان بالضرب أنطقت
مع الصبح والإمساء فيها النواقسا
صقلية كاد الزمان بلادها
وكانت على أهل الزمان محارسا
فكم أعين بالخوف أمست سواهراً
وكانت بطيب الأمن منهم نواعسا
أرى بلدي قد سامه الروم ذلة
وكان بقومي عزة متقاعساً
وكانت بلاد الكفر تلبس خوفه
فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا
عدمت أسوداً منهم عربية
ترى بين أيديها العلاوج فرائسا
هم فتحوا أغلاقها بسيوفهم
وهم تركوا الأنوار فيها حنادسا
يخوضون بحراً كل حين إليهم
ببحر يكون الموج فيها فوراسا
فلم تر عيني مثلهم في كتيبة
مضارب أبطال الحروب مداعسا
أما ملئت غزواً (قولرية) بهم([43])
وأردوا بطاريقا بها واشاوسا
ثم يصف هجوم النورمان بالسفن الحربية على شواطئ صقلية وإطلاق النار اليونانية عليها:
وبحرية ترمي بمحرق نفطها
فيغشى سعوط الموت فيها المعاطسا
تراهن في حمر اللبود وصفرها
كمثل بنات الزنج زفت عرائسا
إذا عثنت فيها التنانير خلتها
تفتح للبركان عنها منافسا
أفي قصريني رقعة يعمرونها([44])
ورسم من الإسلام أصبح دارسا
ومن عجب أن الشياطين صيرت
بروج النجوم المحرقات مجالسا
وأضحت لهم (سرقوسة) دار منعة
يزورون بالديرين فيها النواوسا
مشوا في بلاد أهلها تحت أرضها
وما مارسوا منهم أبيا ممارسا
ولو شققت تلك القبور لأنهضت
إليهم من الأجداث أسداً عوابسا
ولكن رأيت الغيل إن غاب ليثه
تبختر في أرجائه الذئب مائسا
وقال يتذكر صقلية بعد احتلال النورمان لها:
ولو أن أرضي حرة لأتيتها
بعزم يعد السير ضربة لازب
ولكن أرضي كيف لي بفكاكها
من الأسر في أيدي العلوج القواصب
أحين يعاني أهلها طوع فتنة
يضرّم فيها ناره كل حاطب
ولم يرحم الأرحام منهم أقارب
تروي سيوفاً من نجيع الأقارب
وأضحت بهن أهواؤهم وكأنها
مذاهبهم فيها اختلاف المذاهب
إذا ضاربوا في مأزق الضرب جردوا
صواعق من أيديهم في سحائب
لهم يوم طعن السمر أيد مبيحة
كلى الأسد في كرائهم للثعالب
تخب بهم قب يُطيل صهيلها
بأرض أعاديهم نياح النوادب
مؤللة الآذان تحت إلالهم
كما حُرّفت بالبري أقلام كاتب
إذا ما أدارتها على الهام خلتها
تدور لسمع الذكر فوق الكواكب
إذا ما غزوا في الروم كان دخولهم
بطون الخلايا في متون السلاهب
يموتون موت العز في حومة الوغى
إذا مات أهل الجبن بين الكواعب
إلا في ضمان الله دار بنَوْطسٍ
ودرت عليها معصرات الهواضب
أمثلها في خاطري كل ساعة
وأُمري لها قطر الدموع السواكب
أحنَّ حنين النيب للوطن الذي
مغاني غوانيه إليه جواذبي
ومن يك أبقى قلبه رسم منزل
تمنى له بالجسم أوبة آيب
ومن أهم مدن صقلية اليوم: كاتانيا ومسّينا. وكان العرب يسمون مسّينا: (مسّيني) وفيها يقول ابن قُلاقس الإسكندري([45]) من ذا يمسّيني بمسيني.
وصقلية من المناطق التي آلت إلى الخلافة الفاطمية بمجرد فرار آخر الأمراء الأغالبة في رقادة.
وغداة دخول الداعي الفاطمي رقادة أقر عامل الجزيرة القديم علياً بن أبي الفوارس وأمره بالغزو في البر والبحر وخص جزيرة صقلية في كتاب الأمان الذي منح لأهل أفريقيا بإشارة هامة تضمنت الوعد بإصلاح شؤونها وتحصينها وشحنها بالمجاهدين ليستمر الجهاد وحركة نشر الإسلام في مراكز نفوذ الروم في جنوب إيطاليا.
وفيما الفاطميون يعدون العدة لكل ذلك ويسيرون قدماً في تقوية الجيش والأسطول للوقوف في وجه الفرنج المتهيئين للانقضاض على الأرض الإسلامية، إذا بالانفصاليين المذهبيين يتهؤون هم الآخرون لمشاركة الفرنج في محاولة تحطيم القوة الإسلامية المتنامية.
ففي سنة 300هـ (912 ـ 913م) قامت حركة انفصالية سياسية مذهبية، قدّم بها الانفصاليون رجلاً من بقايا بني الأغلب هو أحمد بن زيادة الله وأعلنوا الثورة على الفاطميين وسيطروا على الجزيرة وكان من أبرز ما عملوه أن أحرقوا الأسطول الفاطمي في مرسى لمطة([46]) في الشمال الإفريقي وأسروا كثيراً من بحارته وقتلوا أمير الأسطول وحملوا رأسه في صقلية. ثم ىخربوا ميناء صفاقس، وحاولوا الوصول إلى طرابلس ففشلوا. واستمروا بأعمال القرصنة في السواحل الفاطمية.
تجاهل هؤلاء الانفصاليون المذهبيون الخطر الفرنجي الجاثم حولهم، وتركوا أساطيله سالمة مطمئنة وشفوا حقدهم المذهبي بإحراق أسطول المسلمين وتخريب موانئهم والقرصنة في سواحلهم ثم أكملوا مخازيهم بالاستنجاد بالبيزنطيين.
ولكن كان الله لهم بالمرصاد فلم يلبثوا أن انخذلوا واستطاع عبد الله المهدي إعادة السيطرة الفاطمية على الجزيرة، وعين والياً عليها سالم بن أبي راشد الذي لم يلبث أن تفرغ للفرنج فعنت له ثغورهم ومعاقلهم. ثم تلاه يعقوب بن إسحاق الذي يرتبط باسمه فتح كبرى مدن جنوب إيطاليا وهي جنوى، كما أوقع رجاله بسكان جزيرة سردينية وأحرقوا مراكبهم ومراكب كورسيكا وعادوا ظافرين.
وفي سنة 330هـ (947 ـ 948م) عين الخليفة الفاطمي المنصور والياً على صقلية الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، فبعد أن أمنها من الأخطار الخارجية استأنف سكان (قلورية) إرسال أموال الجزية إليه كما تتبع عناصر الشغب وزعماء الفتنة. وبعد أن اطمأن على الوضع الداخلي عاود النضال في جنوب إيطاليا الذي أسفر عن عدة نتائج في مقدمتها:
ـ اتخذ الحسن الكلبي منذ 340هـ ـ 952م مسينا مركزاً هاماً للانطلاق والراحة، في فصل الشتاء ومنها عبر البحر إلى ريو Regyio فانساح المسلمون في قلورية، وألجأوا «جراجة» لدفع الجزية مقابل فك الحصار عنها، كما تتبعوا قوات البيزنطيين حتى اضطروهم إلى الالتجاء إلى قاعدتهم في باري ـ على بحر البنادقة (الأدرياتيكي) دون أن يجرؤوا على مواجهة قوة المسلمين.
وعندما عاد الروم، واجههم الحسن الكلبي بجوار جراجة، فهزم السرغوس، وأعيد حصار المدينة ولم ينصرف المسلمون عنها إلا بعد أن طلب الأمبراطور قسطنطين بوفرو جنشيوس الهدنة من الحسن الكلبي الذي وافق ورجع إلى ريو، التي أصبحت خالصة للمسلمين، فبنى فيها مسجداً بمئذنة، واشترط لبقاء الهدنة، احترام عقائد المسلمين فيها، وعلى أن يكون لم الحرية في ممارسة عقائدهم وتوسيع مسجدهم إذا أرادوا، وألا يدخله نصراني، ومن دخله من أسرى المسلمين، ولو كان مرتداً، تكون له الحصانة، ثم إن بقاء كنائس الروم في صقلية وأفريقيا رهن ببقاء هذا المسجد. وقد بقي الروم أوفياء لهذه الشروط طيلة ولايته التي انتهت بعد وفاة المنصور 341هـ (952 ـ 953م) وعندما نقض الروم الهدنة أثناء ولاية ابنه أحمد واستولوا على عدة مراكز، وحاصروا نابولي المحالفة للمسلمين وهدموا مسجد ريو، عاد الحسن من جديد سنة 345هـ (956 ـ 957م) فأرجع الوضع إلى سالف عهده، وألجأ الروم إلى طلب الهدنة، على أن يستمر دفع الجزية، كما كان من طرف سكان قلورية الذين احتفظوا بدينهم.
وقد استغل أحمد قوة مركز المسلمين، وهدوء الوضعية، في القيام بحركة توسع كبرى في شرق الجزيرة، على حساب الروم ففتحت طرمين بعد حصار طويل في ذي القعدة 351هـ (962م) وأخرج سكانها منها، فالتجأوا إلى رمطة القريبة منها ثم عمرت بجاليات إسلامية وسميت المعزية.
وحول رمطة التي استعصت على المسلمين منذ بدأوا حصارها في رجب 352هـ (963م) بقيادة الحسن بن عمار بسبب مناعتها وعناد سكانها، ومن انضم إليهم من طبرمين والروم، تحول الصراع من أجل افتتاحها، أو تحريرها من قبضة المسلمين، إلى مواجهة كبرى بين قوة الجناح الغربي من ديار الإسلام الذي كان يمثله الفاطميون، وقوة دار الحرب التي كانت تمثلها الأمبراطورية البيزنطية، التي خيل لأمبراطورها نقفور فوكاس أن الفرصة مؤاتية لضرب دار الإسلام في الغرب كما سبق أن ضربها بنجاح في الجبهة الشرقية، فأرسل مانويل على رأس قوات ضخمة، كما أسندت قيادة الأسطول الفاطمي إلى الحسن الكلبي الذي تمركز في بالرمو، وأنجد قائد حصار رمطة بقوات كافية لكنها كانت دون قوة الروم الذين خيل إليهم أنهم يستطيعون تحطيم قوة ابن عمار بعد تبديد شمل قواته، وبالتالي يحررون رمطة التي قويت مقاومتها بوصولهم، غير أن إدراك ابن عمار لوضعه الدقيق جعله يقاتل في جبهتين لأحكام حصار رمطة، ثم لدحر الروم، وقد تمكن ببراعته من هزيمة الروم وقتل قائدهم، وتبديد شمل قواتهم في معركة عرفت باسم معركة رمطة، والحفرة أيضاً، وانهزم الروم أقبح هزيمة، فأكثر المسلمون فيهم القتل، كما أنهى حصار رمطة واقتحمها بقواته وأدّب سكانها وصبغها بصبغة إسلامية.
أما فلول الروم وبقايا السيوف من سكان رمطة الذين غادروا (ريو) بحراً في طريقهم إلى (باري) أو إلى بيزنطة، فقد اقتفى أثرهم والي الجزيرة أحمد بن الحسن، وغامر بقواته ودخل البحر واشتبك معهم، وأنزل بهم هزيمة عند مضيق مسينا سنة 354هـ (956م) عرفت بموقعة المجاز، وهي المعركة التي خلدها شاعر الفاطميين ابن هاني بقصيدة من أروع قصائده ذكر بعضها في مكان آخر من هذا البحث.
وهكذا كانت النتائج عظيمة وتمثلت في:
ظهور قوة المسلمين والإسلام في الجزيرة وما جاورها، وتأكيد مبدأ تبعية قلورية مع مراكز أخرى في إطار دفع الجزية لولاة الفاطميين في الجزيرة.
ويلاحظ أن مركز المسلمين في الجزيرة لم يتأثر بوفاة الحسن الكلبي عقب الانتصار([47]) لأن ابنه أحمد بقي محافظاً على المكاسب الإسلامية في الجزيرة حتى استقدمه المعز لدين الله 358هـ (968 ـ 969م) لنفس السبب الذي استقدم به أباه من قبل، وهو أن يشرف على رئاسة الأسطول الفاطمي.
وفي الدراسة الثانية حديث أوسع عن بعضص ما مر وعن علاقة الفاطميين بصقلية كتبها الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف.
سن الخليفة عبد الله المهدي لمن خلفه من الفاطميين نظاماً جديداً يقضي بأن يكون إلى جانب والي هذه الجزيرة جيش فاطمي قوي يدفع خطر الأعداء عنها. وكوّن بعض الولاة لأنفسهم على مر الزمن عصبية قوية، وتمتعوا بشيء غير قليل من الاستقلال، وخير مثال لذلك الأسرة الكلبية؛ فولى الخليفة المنصور «الحسن بن علي الكلبي» في سنة 336هـ وأصبح حكم هذه الجزيرة مقصوراً على هذه الأسرة. فلما ولي المعز لدين الله الخلافة أقر الحسن في ولايته واستطاع هذا الخليفة أن ينتصر بمساعدة ولاة هذه الجزيرة من الكلبيين على أعدائه من الأمويين أولاً، ثم على الروم ثانياً، كما استطاع أن يهدد إيطاليا، وأن يلقي الفزع في قلوب أهالي الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط.
ولما ولي المعز الخلافة في سنة 341هـ، كان الحسن الكلبي يلي جزيرة صقلية، وقد عمل منذ تقلد ولاية هذه الجزيرة في عهد الخليفة المنصور الفاطمي على إخضاع جميع الروم فيها إلى نفوذ الفاطميين، ولم ير مسيحيو صقلية وقلورية بداً من الالتجاء إلى أباطرة الدولة البيزنطية، الذين استجابوا إلى ندائهم، لذلك أرسل الأمبراطور قسطنطين الثامن (307 ـ 333هـ: 919 ـ 944م) جيوشه إلى هذه الجزيرة، واشتبكوا مع جيوش الحسن الكلبي الصقلية وجيوش الخليفة المنصور المغربية، وكان قد أمد بها الحسن في أواخر حياته، فاستولت على كثير من أمهات مدن قلورية وصقلية الموالية للروم مثل جراتشي Geraci حيث حلت الهزيمة بالجيش البيزنطي وقتل قائده، وأرغم الأمبراطور على طلب الصلح وتعهد للحسن الكلبي، بأن يدفع أهل قلورية الجزية للفاطميين، وأن يحترموا الشريعة الإسلامية. واستطاع الوالي الفاطمي ـ كما يقول ابن خلدون ـ أن يبني المساجد في المدن الرومية. وإن قرب صقلية من إيطاليا قد أتاح له الفرصة للإغارة على جنوبها، وفتح قلورية وإخضاع هذه الجزيرة للفاطميين، ولذلك اصطدم مع أباطرة الدولة الرومانية الشرقية. وعلى الرغم من مهادنة أباطرة الروم في أواخر حكم المنصور، الحسن الكلبي، ظل الصراع عنيفاً بين الفاطميين والروم.
وفي عهد المعز لدين الله، لم يحترم الامبراطور قسطنطين الثامن شروط الهدنة التي عقدها مع الحسن الكلبي؛ وشجعه على ذلك ما أحرزه من الانتصارات الباهرة في المشرق، وطمع في أن يحرز في المغرب ما أحرزه من الانتصارات في المشرق. وقد عول على أن يشغل المعز بهذه الحروب. ولذلك أرسل في سنة 345هـ (956م) حملة برية بحرية، وركز الروم جهودهم في فتح بلرمو، وكانت موالية للمسلمين، ففتحوها بعد حصار طويل شاق. وأخذت انتصارات الروم تتوالى في قلورية التي عجزت عن صد جيوش الفاطميين، واستطاع الروم بعد هذه الانتصارات أن يرسلوا جيوشهم إلى صقلية نفسها، ويستولوا على مدينة ترميني Termini التي تبعد عن بلرمو بأربعة عشر ميلاً. غير أن الروم لم يتمتعوا بثمار هذه الانتصارات الرائعة في صقلية، وعادوا أدراجهم إلى قلورية.
ونستطيع أن نصور في إيجاز موقف الفاطميين في خلال هذه الحروب التي استمرت قرابة خمس سنين. فقد كان الحسن الكلبي في صقلية على رأس جيش فاطمي قوي، وكان أخوه عمار على رأس جيش فاطمي آخر في قلورية، إلا أن الحسن كان أكثر حرية في العمل من أخيه؛ فقد تخلص بإخراجه الروم من «ترميني» من الخطر الذي كان يتهدده في صقلية. أما أخوه عمار فقد كانت جيوش الروم تطارده من مكان إلى مكان، ولم يخلصه إلا انضمام أخيه الحسن إليه (347هـ). فقد استطاع أن يعبر خليج مسيني بين صقلية وقلورية، وينضم إلى جيوش الفاطميين بقيادة أخيه عمار، وما زال الحسن وأخوه يغزوان مدن قلورية واحدة إثر أخرى، وإمدادات الفاطميين تتوالى عليهم، حتى اضطر الأمبراطور البيزنطي أن يرسل إلى الفاطميين في سنة 350هـ رسولاً من قبله يسمى «سقراط»، يطلب عقد هدنة مماثلة لتلك الهدنة التي أبرمت في عهد الخليفة المنصور الفاطمي، وتقضي بأن تدفع قلورية الجزية للمسلمين.
وهكذا انتهى الدور الأول من هذه الحروب التي شنّها المعز لدين الله على الروم في صقلية وقلورية إلى هذا النصر المؤزر، وزال خطر الروم عن هذه البلاد إلى حين، وذلك بفضل جهود الحسن وأخيه عمار، وغيرهما من أفراد الأسرة الكلبية. على أن الأمبراطور قسطنطين لم يقف مكتوف اليدين أمام المعز والكلبيين، فاتفق مع عبد الرحمن الناصر الأموي على محاربة الفاطميين في صقلية وعلى مهاجمة إفريقيا نفسها من الشرق، في الوقت الذي يهاجمها منه عبد الرحمن الناصري الأموي في الغرب؛ ولكن جيوش المعز استطاعت أن تحبط هذا المشروع الخطر، وانتصرت على الروم في البحر الأبيض، كما انتصرت على الأمويين. واضطر الأمبراطور البيزنطي إلى طلب الصلح بعد أن حلت به هذه الهزائم المتتالية، وعقدت بينه وبين الخليفة الفاطمي المعز هدنة أمدها خمس سنين.
وقد أفاض المؤرخون في ذكر الحرب التي قامت بين أنصار الفاطميين وأنصار البيزنطيين في صقلية؛ فقد استطاع أحمد بن الحسن بن أحمد الكلبي أن يستولي في سنة 351هـ، على قلعة طبرمين ـ وكانت من أمنع القلاع في صقلية ـ بعد مقاومة عنيفة. وطلب أهلها «أن يؤمنوا على دمائهم، ويكونوا رقيقاً للمسلمين وأموالهم فيئاً»([48]). وقد أقام أحمد بن الحسن الكلبي في هذه المدينة جماعة من المسلمين، وطرد أهلها عنها؛ ولم يكتف بذلك بل سماها ـ كما قال ابن الأثير([49]): ـ «المعزية» تيمناً باسم المعز لدين الله. وكان لسقوط هذه المدينة أثره في المدن الأخرى المعادية للفاطميين، فقد أخذت تفتح أبوابها للجيوش الفاطمية التي أخذت في احتلالها؛ إلا أن مدينة «رمطة» أبت أن تستسلم للفاطميين الذين حاصروها بقيادة الحسن بن عمار في رجب سنة 352هـ، وأرغم أهلها على طلب النجدة من الأمبراطور «نقفور فوكاس» ( 352ـ 359هـ: 963 ـ 969م)، وكان قد انتصر على العباسيين والحمدانيين ثم على الربضيين بجزيرة إقريطش. وقد عمل هذا الأمبراطور على أن يتشبه بمن سبقه من الأباطرة البيزنطيين في الاتجاه نحو الغرب، لينال فيها ما ناله من شرف الانتصار في الشرق، وليشغل الفاطميين خاصة عن التطلع إلى بلاد المشرق.
وقد بلغ من اهتمام الأمبراطور نقفور فوكاس بمحاربة الفاطميين، أنه أعد أسطولاً ضخماً ملأه بالمؤن والذخيرة، واختار له مشهوري قواده، وأعد جيشاً يقرب من خمسين ألف رجل مجهزين بأحسن آلات الحرب، وأمر عليه رجلين، أحدهما مانويل Manuel وكان يمت إليه بصلة القرابة. وكان الروم يعتقدون أن النصر معقود لهم، ولا عجب فإن صقلية لم يدخلها من قبل جيش بلغت قوته قوة الجيش البيزنطي، على ما ذكره ابن الأثير.
أما جهود المعز لدين الله وأنصاره في صراعهم مع نقفور فوكاس وأنصاره من أهل صقلية، فتتجلى في إعداد أحمد بن الحسن الكلبي، والي صقلية، الأسطول إعداداً كاملاً، وفي إعداد جيوشه البرية وتوزيعها على موانئ صقلية الشمالية الشرقية، وفي ذلك المدد الذي أمد به المعز واليه على هذه الجزيرة. وقد وصل أسطول الفاطميين إلى هذه الجزيرة في منتصف سنة 353هـ (964م) وقسم الحسن الكلبي وابنه أحمد الجيوش الفاطمية الرئيسة قسمين: قسماً بقيادة الحسن بن عمار، وقد عهد إليه بحصار مدينة رمطة Rametto والقسم الأكبر برياسة الحسن الكلبي وقد عسكر في بلرمو.
ومهما يكن من شيء فإن وصول المدد الإفريقي إلى صقلية قد تم قبل وصول الروم إليها. ويرجع ذلك إلى قرب المسافة بين تونس وصقلية، وحسن إعداد الجيوش والأساطيل المعزية. أضف إلى ذلك أن المعز لدين الله أصبح بعد إخضاع جميع بلاد المغرب تقريباً، على يد جوهر الصقلي، آمناً على نفسه من خطر الحروب الداخلية في المغربين الأقصى والأوسط، ولم يعد يخشى امويي الأندلس أنفسهم ولذلك ألقى بكثير من قواته البرية والبحرية في المعركة. وعلى الرغم مما بذله الفاطميون من جهود في هذه السبيل، استطاع الروم أن يستولوا على مسينا التي تبعد عن رمطة بتسعة أميال، وذلك في شهر شوال من سنة 353هـ (964م)، كما استولوا على ترميني Termini وغيرها، وحالوا دون وصول المدد الفاطمي إلى الحسن بن عمار الذي كان يحاصر رمطة.
وكان اهتمام الحملة البيزنطية يتركز حول إنقاذ مدينة رمطة، والقضاء على جيوش الحسن بن عمار التي كانت على حصارها. ولذلك اندفعوا إلى هذه المدينة كالسيل المنهمر، وأدرك الحسن بن عمار، كما أدرك سائر قواد الفاطميين، خطر اندفاع الروم إلى رمطة، فاتجه أحمد بن الحسن الكلبي من بلرمو إلى رمطة، لإنقاذ ابن عمه الحسن بن عمار، ولكنه لم يستطع أن يسبق الروم إليها، واشتغل باسترداد ترميني.
أما الحسن بن عمار فلم يعبأ بكثرة الروم، وقسم جيشه الصغير أربعة أقسام: جعل قسماً منها على حصار رمطة نفسها، ليمنع أهلها من الاتصال بالجيش البيزنطي المهاجم؛ ووضع قسمين آخرين على رأس الواديين اللذين يوصلان إلى المدينة، وكان العدو يستطيع التسلل منهما إليها، واتجه على رأس البقية الباقية من جنده لمقابلة جيوش مانويل الرئيسة، وقد تمكنت جيوش الحسن المحاصرة لمدينة رمطة من منع أهالي هذه المدينة من الاتصال بالروم، وأدرك الحسن ومن معه من الجنود أنهم دون العدو عدداً وعدةً، فاستماتوا في الققتال، وتعاقدوا فيما بينهم على أن يموتوا كراماً. وهكذا «تقدم الروم إلى القتال، وهم مدلون بكثرتهم. بما معهم من العدد وغيرها. والتحم القتال، وعظم الأمر على المسلمين وألحقهم العدو بخيامهم، وأيقن الروم بالظفر؛ فلما رأى المسلمون عظم ما نزل بهم اختاروا الموت، ورأوا أنه أسلم.
ويظهر أن ثبات المسلمين أمام الروم. واندفاعهم نحوهم على الرغم من قلتهم، كان مفاجأة تامة لهؤلاء الروم، الذين كانوا يوقنون أنهم سيحيطون بجيوش ابن عمار، ويبيدونها في ساعات قليلة، ومن ثم أخذ الهلع يدب إلى نفوسهم ولما أدرك قائدهم مانويل حرج مركزه، تقدم صفوف جنده، وجعل يثير الحماسة في نفوسهم ويحذرهم مغبة الهزيمة أمام فئة قليلة من المسلمين([50]).
أما الحسن بن عمار فقد قابل هذا التحدي بمثله، وأعمل هو ورجاله السيف في رقاب الروم، وأحاطوا بقائدهم مانويل، وعقروا فرسه وقتلوه. وكان ذلك الظفر ضربة قاضية على الروم الذين عز عليهم قتل قائدهم، فولوا لا يلوون على شيء، وحالت الأمطار والعواصف بينهم وبين النجاة، ووقع سوادهم الأعظم في الأسر، «وقتل جماعة من البطارقة، وانهزم الروم، وتتبعهم المسلمون بالقتل وامتلأت أيديهم من الغنائم والأسرى والسبي»([51]). فكان هذا النصر انتقاماً من البيزنطيين الذين عبثوا بجريزة أقريطش([52]).
وهكذا تلقى الحسن بن عمار سيول الروم وحده، ونال شرف الانتصار عليهم وحده، وغنم منهم ما لم يكن يدور بخلده. حتى كان الأسرى يعدون بالألوف. أما الغنائم فلم تكن تقع تحت حصر. أضف إلى ذلك أن تلك الموقعة قد قررت مصير رمطة، بل قررت مصير صقلية نفسها؛ فقد كانت هذه المدينة مركز المقاومة الرئيس في وجه الحكم الفاطمي في الجزيرة، من ثم اندفعت فلول الروم نحو الساحل لاجئين إلى أسطولهم، تاركين حماة رمطة يلاقون حتفهم وحدهم ويجنون ثمار ما قدمته أيديهم من الاتصال بالروم، فقد ضيق المسلمون عليهم الحصار، حتى اضطروا إلى إخراج نسائهم وأطفالهم إلى المسلمين، فلم يشأ ابن عمار أن يغدر بهم وأبقى عليهم.
وعلى الرغم مما وصل إليه أهالي رمطة من بؤس وشقاء، لم يشاؤوا أن يلقوا سلاحهم، واستمروا يقاومون إلى أن تسلق المسلمون الأسوار، واقتحموا مدينتهم واستولوا عليها عنوة، وغنموا ما فيها([53]). ثم عمل المسلمون على تعميرها وسكنها طائفة منهم. وهكذا سلمت تلك المدينة الحصينة للفاطميين، بعد حصار دام ثمانية أشهر. ولو انتصر أهل رمطة وحلفاؤهم الروم، لتغير تاريخ الفاطميين في صقلية.
وما كاد أحمد بن الحسن الكلبي، ابن عم الحسن بن عمار، يعلم بهزيمة الروم في رمطة، حتى اندفع نحو مسينا، ليقطع على فلولهم خط الرجعة؛ ولكنه علم أنهم هربوا إلى جزيرة ريو Riggio وقصدوا القسطنطينية، فلحق بهم وانتصر عليهم في موقعة تعرف بموقعة «المجاز» التي لا تقل خطراً عن موقعة «رمطة»؛ فقد «زحف إليهم أحمد بن الحسن في الماء، وقاتلهم، واشتد القتال بينهم، وألقى جماعة من المسلمين بأنفسهم في الماء وخرقوا كثيراً من المراكب التي للروم فغرقت، وكثر القتل في الروم، فانهزموا، لا يلوي أحد على أحد، وأسر قائدهم، وهو ثاني اثنين من قواد هذه الحملة، وأرسل إلى سجن المهدية بإفريقيا».
وفي معركة المجاز هذه يقول شاعر الفاطميين ابن هاني الأندلسي من قصيدة:
يوم عريض بالفخار طويل
لا تنقضي غرر له وحجول
مسحت ثغور الشام أدمعها به
ولقد تبل الترب وهي همول
قل للدمستق مورد الجمع الذي
ما أصدرته له قنا ونصول
سل رهط (منويل) وأنت غررته
في أي معركة ثوى (منويل)
منع الجنود من القفول رواجعاً
تباً له بالمنديات قفول
وبعثت بالأسطول يحمل عدة
فأثابنا بالعدة الأسطول
أدّى إلينا ما جمعت موفراً
ثم انثنى بأليم وهو جفول
ومضى يخف على الجنائب حمله
ولقد يرى بالجيش وهو ثقيل
لم يتركوا فيها بجعجاع الردى
إلا النجيع على النجيع يسيل
نحرت بها العرب الأعاجم أنها
رمح أمقّ وصارم مصقول
ثم يخاطب المعز قائلاً:
لا تعدمنك أمة أغنيتها
وهديتها تجلو العمى وتنيل
ويظل ابن هاني يتحدث عن تلك المعارك فيقول من قصيدة أخرى:
لو كان للروم علم بالذي لقيت
ما هنئت أم بطريق بمولود
ألقى (الدمستق) بالأعلام حين رأى
ما أنزل الله من نصر وتأييد
فقل له: حال من دون الخليج قنا
سنمر وأذرع أبطال مناجيد
ثم يخاطب المعز:
ذموا قناك وقد ثارت أسنتها
فما تركن وريداً غير مورود
حميته البر والبحر الفضاء معاً
فما يمر بباب غير مسدود
قد كانت الروم محذوراً كتائبها
تدني البلاد على شحط وتبعيد
وشاغبوا اليم ألفي حجة كملاً
وهم فوارس قارياته السود
فاليوم قد طمست فيه مسالكهم
من كل لا حب نهج الفلك مقصود
هيهات راعهم في كل معترك
ملك الملوك وصنديد الصناديد
ويصف ابن هاني الأسطول الفاطمي الذي انتصر في تلك المعارك مخاطباً المعز من قصيدة:
لك البر والبحر العظيم عبابه
فسيان أغمار تخاض وبيد
وما راع ملك الروم إلإ اطّلاعها
تنشّر أعلام لها وبنود
عليها غمام مكفهر صبيره
له بارقات جمة ورعود
مواخر في طامي العباب كأنه
لعزمك بأس أو لكفك جود
أنافت بها أعلامك وسمالها
بناء على غير العراء مشيد
من الراسيات الشم لولا انتقالها
فمنها قنان شمخ وريود
من الطير إلا أنهن جوارح
فليس لها إلا النفوس مصيد
من القادحات النار تضرم للصلى
فليس لها يوم اللقاء خمود
إذا زفرت غيظاً ترامت بمارج
كما شب من نار الجحيم وقود
فأنفاسهن الحاميات صواعق
وأفواههن الزافرات حديد
لها شعل فوق الغمار كأنها
دماء تلقتها ملاحف سود
تعانق موج البحر حتى كأنه
سليط لها فيه الذبال عنيد
فلا غرو أن أعززت دين محمد
فأنت له دون الأنام عقيد
غضبت له أن ثل في الشام عرضه
وعادت من ذكر العواصم عيد
وكان من أثر انتصار الفاطميين في هاتين الموقعتين أن أخذت المدن الثائرة في صقلية تسلم الواحدة تلو الأخرى، ولم يقف أثر هاتين الموقعتين عند ذلك الحد، فقد ساد الخوف من المسلمين في «قلورية»، واستولى الفزع على أهلها، فعقدوا الهدنة مع أحمد بن الحسن الكلبي، وأقروا على أنفسهم بدفع جزية للفاطميين. فكان هذا نصراً مؤزراً للمعز لدين الله الفاطمي، ودليلاً قاطعاً على قوة الخلافة الفاطمية، حتى لقد شعر أباطرة الروم بأنها ليست سهلة المنال.
وكان لهذه الانتصارات المتتالية التي أحرزها أحمد بن الحسن، والحسن بن عمار أثرها في نفس عامل تلك الجزيرة الأكبر، وهو الحسن بن أحمد الكلبي؛ فقد سره تدفق الأسرى والغنائم الرومانية، كما سره قدوم الجيوش الفاطمية المظفرة في بلرمو، حاضرة هذه الجزيرة. وقد أجهد الحسن الكلبي نفسه في الحفاوة بالجند الفاطميين بمصافحتهم ومعانقتهم، حتى أنه خر صريعاً تحت تأثير نشوة الفرح، في أواخر سنة 354هـ (1965م) ([54]).
هكذا مات الحسن الكلبي بعد أن مد نفوذ المنصور والمعز في صقلية وقلورية وساهم مساهمة فعالة في هزيمة الروم براً وبحراً غير مرة، وهزم أسطول الأمويين في عقر داره. إلا أن الدور الذي قام به في عهد المعز كان أبلغ أثراً.
تخوف أمبراطور الدولة الرومانية الشرقية من ناحية الفاطميين، فعمل على تحسين العلاقة بينه وبينهم، لأن ذلك قد يؤدي إلى بقاء ممتلكاته في قلورية، ويحول دون القضاء على نفوذ دولته في إيطاليا. وإذا علمنا أن الأمبراطور جستنيان قد وضع سياسة الاستقرار في إيطاليا وان أباطرة الدولة البيزنطية كانوا يعتقدجون أنهم الورثة الحقيقيون لهذه البلاد، أدركنا سبب تشبث هؤلاء الأباطرة بالبقاء في كالابريا ومحاولتهم طرد المسلمين من صقلية. على أن هؤلاء الأباطرة لما وجدوا أنه لا قبل لهم بطرد جيوش الفاطميين من هذه الجزيرة. اتجهت سياستهم، وبخاصة سياسة نقفور فوكاس، إلى أن يحتفظوا بالبقية الباقية من أملاكهم في إيطاليا ولا سيما في كالابريا.
على أن هناك خطراً جديداً قد حدا البيزنطيين على مهادنة الخليفة المعز لدين الله الفاطمي بعد أن حلت بهم الهزيمة في رمطة والمجاز، ذلك الخطر هو رغبة الأمبراطور أوتو الأكبر في توحيد إيطاليا، والقضاء على النفوذ البيزنطي والفاطمي فيها؛ فقد كاد يقضي على النفوذ البيزنطي هناك بانتصاره على ملك إيطاليا الروماني في سنة 350هـ (961م)، ونال بذلك إعجاب البابا، فعينه أمبراطور مقدساً.
وقد بدأ أوتو يتطلع إلى ممتلكات البيزنطيين وخاصة في قلورية، وأصبح يهدد الدولة البيزنطية والخلافة الفاطمية معاً، فعمل نقفور فوكاس على مهادنة الفاطميين لدفع الخطر الجرماني عن ممتلكاته البعيدة في إيطاليا.
وصل نيقولا سفير أمبراطور الدولة البيزنطية إلى أفريقيا (سنة 457هـ) في الوقت الذي كانت جيوش الفاطميين تتأهب لغزو مصر. وقد هاله ما رأى من عظمة المعز، وما شاهده في قصره من مظاهر الأبهة، وعلم أن الروم قد أخطؤوا حين أطلقوا عليه «ملك المتبربرين» وأيقن أن هذا الخليفة الفاطمي سوف يخلف العباسيين في أمبراطوريتهم.
الحسن بن علي الكلبي وأسرته
في حكم صقلية
مر بعض الحديث عن ذلك وهنا بعض التفاصيل:
عندما استقر المهدي في رقادة، أرسل الحسن بن أحمد بن علي بن كليب، المعروف بابن خنزير، ليكون والياً عليها وكان في معيته أخوه علي وحامية كتامية كبيرة، وقاضي الجزيرة الجديد إسحاق بن أبي المنهال.
وبينهما استقر الحسن منذ عاشر ذي الحجة 297هـ/ يوليو 910م في مازر على الساحل الغربي من الجزيرة، عين أخاه على مدينة جرجنت التي وقعت جنوبها. وبدون شك استقر قاضي الجزيرة إلى جانب عاملها في مازر. أمّا الحامية الكتامية، فقد وزعت على المدينتين.
ويلاحظ أن دخول عناصر السلطة الجديدة إلى الجزيرة لم يقترن بأدنى مقاومة، لا من طرف السكان ولا من جهة بقايا الأغالبة ومواليهم وجنودهم. وهذا الوضع الهادئ استغله والي الجزيرة في التوسع ضد دمنش وغيرها.
ولهذه الاعتبارات ظهرت مقاومة عنيفة لحكم بني خنزير، وكان طابعها سياسياً مذهبياً.
وهكذا أثمرت حركة المقاومة، فأسر ابنا خنزير وحبسا ثم طردا خارج الجزيرة غير أن الثوار خشوا عاقبة الثورة وحلول النقمة بهم، فشرحوا وضعيتهم للمهدي وأوضحوا له أن حركتهم الاحتجاجية لا تحمل طابع العصيان أو الثورة السياسية أو المذهبية ضد سلطان الفاطميين وإنما هي لفت نظر للسلطة الجديدة تجاه نوع الولاة الذين يسيئون إلى نفوذها، وقد طلب السكان العفو فاستجاب لهم المهدي، وعين على بلادهم علياً بن عمر البلوي، وكان شيخاً عربياً طاعناً في السن يميل إلى السلم ويكره العنف، وفي طبعه لين، فوصل مازر آخر ذي الحجة 299هـ/ 911/ 912م.
وفي عهد هذا الوالي، الذي ترفق بالسكان وصانعهم، بدأت اتجاهات الثورة الانفصالية تظهر في مدن الجزيرة يدفع سكانها إلى ذلك، رغبة بقايا أسرة بني الأغلب في الثأر لسقوط الإمارة وانفصال إفريقية عن سلطان الخلافة العباسية السنية في بغداد، من جهة أخرى، هذا إلى جانب استضعاف السكان لوالي المهدي، الذي لم يكن من رجال الحرب، ومن ثم أطاحوا به بسهولة وقدموا من تلقاء أنفسهم، وحسب خطة موضوعة رجلاً من بقايا بني الأغلب، هو أحمد بن زيادة الله بن قرهب سنة 300هـ/ 912 ـ 913م، وفي عهده صار الانفصال السياسي والمذهبي لجزيرة صقلية، حقيقة ملموسة، وأمراً واقعاً، إذ بعد فترة أعداد نفسي، وتهيئة مادية، تأكد أثناءها من ثقة الناس فيه، وإجماعهم حوله، وعلى ما يتخذه من خطوات سياسية في الجزيرة أعلن الثورة ضد الفاطميين.
ومن مركزه الحصين في جزيرة صقلية. مارس نشاطاً ثغرياً، في أرض قلورية، وضد طبرمين على الساحل الشرقي من الجزيرة منذ سنة 300هـ. كما قام بأعمال كبرى ضد سواحل بلاد المغرب، ترضية للعباسيين، وإذا كان لم يقدر لابنه علي ـ الذي أرسل لفتح طبرمين، وحاصرها ثلاثة أشهر، أن ينجح في مهمته لحصانة المدينة واختلاف الجند عليه، ورغبة بعضهم في التخلص منه، فإن ابن قرهب نجح في ميدان بلاد المغرب، حيث أحرق رجاله، أسطول الفاطميين في مرسى لمطة([55])، وأسروا كثيراً من بحارته، وقتل أمير الأسطول وهو عامل صقلية القديم، الحسن بن أحمد بن أبي خنزير، وحملوا رأسه نكاية فيه إلى ابن قرهب في صقلية، وهذا الانتصار أغرى ابن قرهب، بتوسيع مجال عمله التخريبي ضد سواحل بلاد المغرب، إرهاباً للفاطميين الذين كانت قوتهم البحرية في هذه الفترة ضعيفة وموزعة، خاصة بعد الخسائر الأخيرة.
وهكذا خرب أسطوله ميناء صفاقس، ونفذ إلى طرابلس لنفس المهمة ثم انصرف عنها لأسباب خاصة، لكنه بقي يمارس نشاطاً بحرياً واسعاً، وحركة قرصنة ضد سواحل الفاطميين حتى حلت به الهزيمة، وأخذت معظم قطعه غنيمة خالصة للفاطميين، وعندئذ بدا نجم ابن قرهب في الأفول، وأمره في التراجع والخمول، وتنكر له سكان الجزيرة قبل غيرهم، لأنهم إذا كانوا قد خشوا بأسه لظفره في الحرب في قلورية، وضد إفريقية فانهم الآن بعد انكساره، وضياع أسطوله أصبحوا يفكرون في وسيلة للتقرب من المهدي، والتخلص منه، وتحميله مسؤولية ما حصل في الجزيرة وتصدرت مدينة جرجنت، وهي التي سوف تبقى قلعة ثورية ضد الولاة ـ حركة العصيان ضده، وربطت صلاتها بالمهدي، وأعلنت ولاءها واقتدى بها سائر سكان المدن الأخرى، خوفاً من عاقبة الاستمرار في الانفصال والثورة ضد الفاطميين.
وفي غمرة الفتن بين أنصار ابن قرهب، الذي رغب في مغادرة الجزيرة ومعارضيه، تغلب الأخيرون وتحفظوا عليه وعلى ابنه علي وقاضيه ابن الخامي، وعلى بعض خاصته، وأرسلوهم مقيدين إلى سوسة، رجاء في العفو، وطلبوا عاملاً وقاضياً ورفضوا استقبال الجند، وتظاهروا بالاستغناء عن المعونات المالية من الدولة.
وكان ردّ المهدي ـ على سكان صقلية، كفؤاً لتقلب أهوائهم وشغبهم واستعدادهم للعصيان في كل حين، حيث رماهم بحشد من كتامة وشيوخها وبقائد حازم هو أبو سعيد موسى بن أحمد الضيف.
وبوصول هذا القائد، إلى صقلية اشتعلت نار الثورة في طرابنش وجرجنتي، وبالرم، وسائر مدن صقلية، وأصبح الموقف خطيراً، إذ استعصى السكان وتمنعوا عليه، بعد حصار عدة أشهر اضطر الثوار للاستسلام ولم يضعفوا حتى اشتدت الضغوط عليهم من كل جانب، وكثرت حشود كتامة، وتقاطرت نجدات المهدي على قائد الحصار، فرجع موسى بن أحمد الضيف إلى رقادة بعد أن ترك حامية كتامة ومستخلفاً عنه في الجزيرة، وهو سالم بن ابي راشد، الذي عين أثر ذلك عاملاً رسمياً من طرف المهدي.
وأهمية سالم بن أبي راشد، في صقلية تظهر فيما مارسه من نشاط ثغري في جنوب إيطاليا، وفي مساعدته للبعوث البحرية التي ألحت على هذا الإقليم منذ سنة 305هـ/ 917 ـ 918م فقد تمكن مسعود الفتي سنة 310هـ/ 922 ـ 923م من القيام بغزو بحري ناجح افتتح أثناءه مدينة أغاثي Santa Afati وغنم منها غنائم ثم انصرف إلى المهدية (220)، وتلاه جعفر بن عبيد الحاجب ففتح مدينة واري (Aria) بعد معركة حاسمة جرت سنة 313هـ/ 923 ـ 926م وقتل أثناءها خلق كثيرة، كما غنم غنائم، وأخذ سبايا، وأسر بطريق المدينة، الذي افتدى نفسه، بخمسة آلاف مثقال.
ويبدو أن الهدوء النسبي الذي عرفته الجزيرة حتى سنة 313هـ، والتوفيق الذي حصل عليه قادة الحملات الثغرية هو الذي دفعه إلى القيام بحركة توسعية في إقليم أنكربدة([56]) وخليج تارنتو، تمكن أثناءها من فتح عدة مراكز وقلاع، ومن إقرار الوضع في قلورية Calabria التي أصبحت مركزاً للراحة إلى ما يليها من مراكز الروم في جنوب إيطاليا، وأكمل مهمته بعد انسحابه إلى بالرم، صابر الفتى الذي ابتدا منذ سنة 315هـ/ 927 ـ 928م، سلسلة من الحملات البحرية، ضد مراكز الروم، فغنم غنائم كثيرة، وفتح مدناً، وقلاعاً، وشدد الحصار على سلير (سالونو) وعلى نابل (نابلي) ولم ينصرف عنهما 316هـ/ 928 ـ 929م إلا بعد صلح طلبه سكانهما مقابل أموال وأمتعة نفيسة، وبعد أن استراح الجند، قام بفتح مدينة ترموله 317هـ 929 ـ 930م بعد هزيمة أنزلها بالسردغوس Serguis قائد البحرية المعادية، وأثر ذلك رجع إلى المهدية. فواصل النشاط الثغري بعده، سالم بن أبي راشد، ثم يعقوب بن إسحاق، الذي كلف في بداية عصر القائم بأمر الله بمواصلة النشاط الثغري ضد الروم حيث يرتبط باسمه فتح كبرى مدن جنوب إيطاليا وهي جنوة، كما أوقع رجاله بسكان جزيرة سردينية، وأحرقوا مراكبهم ومراكب كورسيكه وعادوا ظافرين.
وفي ظل اضطراب أوضاع صقلية، بسبب قسوة الولاة، أو ضعفهم وانقسام سكانها، إلى جنسيات مختلفة، ونحل متعددة تهيأت الظروف المناسبة لظهور قوى سياسية جديدة، وانبعث النشاط في جانب الروم الذي استنجد بهم ثوار جرجنتي من قبل.
وقد انضاف إلى ذلك، الفراغ السياسي الهائل الذي تركه خليل بن إسحاق بعد انسحابه سنة 329هـ لأن عطافا الأزدي بعده، عجز عن كبح جماح الأسر الإقطاعية، والزعامات المحلية، التي عطلت نفوذه، كما أن سكان قلورية استغلالاً لهذه الظروف، أوقفوا أموال الهدنة التي قررت عليهم من قبل. وبدأ جانب المسلمين أثناء هذه الفترة ضعيفاً، لأن الغزو الثغري توقف، وانشغل السكان بالفتن وبتأييد الزعامات المحلية التي اشتهر من بينها: أسرة بني الطبري، وبني ماضوض، وبني أخيه، والذين لم يكتفوا بالتحجير على عطاف الأزدي واغتصاب سلطانه بل ثاروا ضده وألجأوه إلى قلعة الخالصة واستولوا على ذخائر وأموال الولاية، وبقي حتى عزله المنصور وعين على الجزيرة والياً عربياً، هو الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي ابتداء من سنة 336هـ/ 947 ـ 948م مكافأة له على إخلاصه للدولة ودوره في إنهاء ثورة أبي يزيد وهو الذي أصبح رأس أسرة عربية جديدة في صقلية هي أسرة الكلبيين.
وبمهارته وإخلاص جند كتامة له، تمكن من فرض سلطانه على سكان الجزيرة، فأمنهم من الأخطار الخارجية واستأنف سكان قلورية إرسال أموال الجزية إليه كما تتبع عناصر الشغب وزعماء الفتنة، وشرد كثيراً منهم، وقتل آخرين، بعد أن استرجع منهم ما أخذوه من أموال، في عهد سلفه عطاف الأزدي([57]).
وبعد أن اطمأن على الوضع الداخلي استأنف النشاط الثغري في جنوب إيطاليا الذي أسفر عن عدة نتائج هامة في مقدمتها:
اتخذ الحسن الكلبي منذ 340هـ/ 951 ـ 952م مسينا مركزاً هاماً للإنطلاقة والراحة، في فصل الشتاء، ومنها عبر البحر إلى ريو Reggio فانساح المسلمون في قلورية، وألجأوا «جراجة» لدفع الجزية مقابل فك الحصار عنها، كما تتبعوا البيزنطيين حتى اضطروهم إلى الالتجاء إلى قاعدتهم في باري ـ على بحر البنادقة (الأدرياتيكي) دون أن يجرؤوا على مواجهة قوة المسلمين.
وعندما عاد الروم، واجههم الحسن الكلبي بجوار جراجة، فهزم السرغوس، وأعيد حصار المدينة ولم ينصرف المسلمون عنها إلا بعد أن طلب الإمبراطور قسطنطين بروفر وجنتيوس الهدنة من الحسن إالكلبي الذي وافق ورجع إلى ريو، التي أصبحت خالصة للمسلمين، فبنى فيها مسجداً بمئذنة، واشترط لبقاء الهدنة، احترام عقائد المسلمين فيها، وعلى أن يكون لهم الحرية في ممارسة عقائدهم وتوسيع مسجدهم إذا أرادوا، وألا يدخله نصراني، ومن دخله من أسرى المسلمين، ولو كان مرتداً، تكون له الحصانة، ثم إن بقاء كنائس الروم في صقلية وإفريقية رهن ببقاء هذا المسجد. وقد بقي الروم أوفياء لهذه الشروط طيلة ولايته التي انتهت بعد وفاة المنصور. 341هـ/ 952 ـ 953م.
وعندما نقض الروم الهدنة أثناء ولاية ابنه أحمد، واستولوا على عدة مراكز، وحاصروا نابولي المحالفة للمسلمين وهدموا مسجد ريو، عاد الحسن من جديد سنة 345هـ/ 356 ـ 956م فأرجع الوضع إلى سالف عهده، وألجأ الروم إلى طلب الهدنة، على أن يستمر دفع الجزية، كما كان من طرف سكان قلورية الذين احتفظوا بدينهم.
وقد استغل أحمد قوة مركز المسلمين، وهدوء الوضعية، في القيام بحركة توسع كبرى في شرق الجزيرة، على حساب الروم ففتحت طبرمين بعد حصار طويل من ذي القعدة 351هـ/ ديسمبر 962م ـ وأخرج سكانها منها، فالتجأوا إلى رمطة القريبة منها ثم عمرت بجاليات إسلامية وسميت المعزية.
وحول رمطة التي استعصت على المسلمين منذ أن بدأوا حصارها في رجب 352هـ/ يوليو 963م بقيادة الحسن بن عمار، بسبب مناعتها وعناد سكانها، ومن انضم إليهم من طبرمين والروم، تحول الصراع من أجل افتتاحها، أو تحريرها من قبضة المسلمين، إلى مواجهة كبرى، بين قوة الجناح الغربي من دار الإسلام، وقوة دار الحرب التي كانت تمثلها الإمبراطورية البيزنطية، التي خيل لإمبراطورها، نقفور فوكاس، من الأسرة المقدونية أن الفرصة مؤاتية لضرب دار الإسلام في الغرب، كما سبق أن ضربها بنجاح في الجبهة الشرقية، فأرسل مانويل على رأس قوات ضخمة كما أسندت قيادة الأسطول الإسلامي إلى الحسن الكلبي، الذي تمركز في بالرمو، وأنجد قائد رمطة بقوات كافية لكنها كانت دون قوة الروم الذين خيل إليهم أنهم يستطيعون تحطيم قوة ابن عمار، بعد تبديد شمل قواته، وبالتالي يحررون رمطة التي قويت مقاومتها بوصولهم غير أن إدراك ابن عمار لوضعه الدقيق جعله يقاتل في جبهتين، لأحكام حصار رمطة، ثم لدحر الروم، وقد تمكن ببراعته من هزيمة الروم وقتل قائدهم، وتبديد شمل قواتهم في معركة عرفت باسم معركة رمطة، والحفرة أيضاً، وانهزم الروم أقبح هزيمة، فأكثر المسلمون فيهم القتل، كما أنهى حصار رمطة، واقتحمها بقواته وأدب سكانها وصبغها بصبغة إسلامية.
أما فلول الروم وبقايا السيوف من سكان رمطة الذين غادروا ريو بحراً في طريقهم إلى باري أو إلى بيزنطة، فقد اقتفى أثرهم والي الجزيرة أحمد بن الحسن، وغامر بقواته ودخل البحر واشتبك معهم، وأنزل بهم هزيمة عند مضيق مسينا، سنة 354هـ/ 956م عرفت بموقعة المجاز.
وهكذا كانت النتائج عظيمة وتمثلت في:
ظهور قوة المسلمين والإسلام في الجزيرة وفيما جاورها.
تأكيد مبدأ تبعية قلورية مع مراكز أخرى في إطار دفع الجزية لولاة الفاطميين في الجزيرة.
ويلاحظ أن مركز المسلمين في الجزيرة لم يتأثر بوفاة الحسن الكلبي عقب الانتصار، لأن ابنه أحمد استقدمه المعز لدين الله سنة 358هـ/ 968 ـ 969م لنفس السبب الذي استقدم به أباه من قبل، وهو أن يشرف على رئاسة الأسطول الفاطمي، وعين على الجزيرة مولى من موالي أبيه يسمى يعيش. وقد أدى الأمر إلى حالة من الفوضى والاضطراب وانعدام الأمن بسبب ثورة السكان ضد يعيش الذي عجز عن التوفيق بين جند الدولة ومواليها من جهة، وبين الثائرين في مدن بالرمو وسرقوسة، وغيرها من قلاع صقلية.
وأمام هذه الوضعية السيئة، سلك الخليفة مسلكاً وسطاً، فأبعد يعيش عن الولاية لاستضعاف السكان له وأقر من حيث المبدأ، ولاية أحمد بن الحسن على الجزيرة سنة 359هـ/ 969 ـ 970م، لكنه احتفظ به إلى جانبه، للقيام بالمهمة التي أسندت إليه من قبل، وأرسله إلى مصر، حيث توفي في طرابلس وأرسل إلى الجزيرة مستخلفاً عنه، أخاه أبا القاسم بن الحسن، الذي تجلى عند ظهوره في الجزيرة، صدى ما يكنه سكانها من حب وتقدير لأسرته، فمالوا إلى السلم، والهدوء في إطار التبعية له حتى توفي في سنة 372هـ/ 982 ـ 983، فوليها ابنه جابر، ثم قريبه جعفر بتقليد من العزيز بالله([58]) منذ 373هـ/ 983 ـ 984م. واستقر الحكم في الأسرة الكلبية وراثة، إنما في إطار التبعية السياسية والمذهبية للخلفاء الفاطميين في مصر.
الدكتور موسى لقبال
بعد الفاطميين([59])
وبعد هذا ننشر بحثاً عما آل إليه أمر صقلية بعد انقضاء عهد الدولة الفاطمية في مصر، وبعد احتلال النورمان للجزيرة.
بدأ فتح العرب لجزيرة صقلية في عهد الأمير الأغلبي زيادة الله الأول بحملة قامت من سوسة في صيف عام 212هـ (827م) بقيادة القاضي الشهير أسد بن الفرات، وسُرعان ما استولى العرب على معظم الجزيرة من أيدي الروم البيزنطيين واتخذوا بلرم (Palermo) عاصمة لهم، ولو أن بعض معاقل الروم في شرق الجزيرة لم تسقط في أيدي المسلمين إلا بعد فترة طويلة. وقد ظلَّت جزيرة صقلية تحت السيادة العربية أكثر من قرنين ونصف القرن (212 ـ 484هـ/ 827 ـ 1091م).
ومما يذكر أن سكان صقلية بعد الفتح الإسلامي: تحسنت أحوالهم وأصبحت خيراً من أحوال إخوانهم في جنوب ايطاليا، ولم يُفرض عليهم كذميين سوى دفع الجزية. وقد ازداد عدد المسلمين في الجزيرة بعد الفتح نتيجة لتدفق المستوطنين من أفريقيا([60])، وكذلك نتيجة لاعتناق الكثيرين من سكان الجزيرة الدين الإسلامي. ولما زار الجزيرة الرحالة المشرقيُّ ابن حوقل في منتصف القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ـ أي بعد قرن ونصف من بدء الفتح ـ ذكر بأن بلرم وحدها كانت تضم نيفاً وثلاثمائة مسجد، مما يدل على مدى التغلغل الإسلامي في الجزيرة([61]).
كانت صقلية بادئ الأمر ولاية تابعة للأغالبة في القيروان، وبعد زوال تلك الإمارة أصبحت الجزيرة تابعة للفاطميين في أفريقيا أولاً ثم في مصر. ومن أشهر ولاة الجزيرة على عهد الفاطميين بنو أبي الحسن الكلبيون (يدعوهم ابن خلدون بالملوك([62]) وابن حوقل بالسلاطين([63])) وكانوا من أخلص أعوان الفاطميين فولوا أمر الجزيرة بالتوارث قرناً من الزمن (336 ـ 431هـ/ 947 ـ 1040م)، وفي عهدهم بلغت الجزيرة أوجها الحضاري. وإجمالاً فإن فترة سيادة المسلمين على جزيرة صقلية تميزت بالتسامح الديني والارتقاء الحضاري كما تميزت بالازدهار الزراعي والنشاط التجاري خاصة مع أفريقيا ومصر. وطالما اعتُبرت صقلية، شأنها في ذلك شأن الأندلس، ثغراً من ثغور المسلمين على حدود الروم والفرنجة، وكثيراً ما يُشير أكبر شعراء صقلية ابن حمدس (ت 527هـ/ 1133م) في قصائده إلى مواطنيه ببني الثغر([64]).
قدوم النورمان
مرّت صقلية الإسلامية في منتصف القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) بفترة من الفتن والمنازعات الداخلية أشبه ما تكون بفترة ملوك الطوائف المعاصرة لها في الأندلس. ونتيجة للانقسامات الداخلية، فإن صقلية وقعت فريسة في أيدي المغيرين النورمان من جنوب إيطاليا.
والنورمان هؤلاء، كما يُستدل من اسمهم (Northmen, Vikings) هم أصلاً من أهل شمال أوروبا أي اسكندناوة، وكانوا منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) قد دأبوا على شن غارات بحرية سريعة ومفاجئة على سواحل أوروبا الغربية بما فيها الأندلس (حيث عُرفوا باسم المجوس) واستقر بعضهم في شمال فرنسا حيث استقلوا بإمارة عُرفت إلى الآن باسمهم وهي نورماندي التي غزا منها أميرها وليام الفاتح إنجلترا واستأثر بملكها بعد انتصاره على ملكها هارولد السكسوني في معركة هاستنجز (Hastings) سنة 1066م، وذلك في نفس الوقت الذي بدأ فيه إخوانهم في جنوب إيطاليا بالغارة على صقلية الإسلامية. ونورمان جنوب إيطاليا قدموا من نورماندي بشمال فرنسا وعملوا بادئ الأمر فرساناً مرتزقة في صفوف الجماعات المتحاربة في جنوب إيطاليا، وقد برزوا في ميدان التنظيم العسكري كما اشتهر فرسانهم بالجرأة والإقدام، وإن لم يكونوا على حظ من الحضارة. وفي جنوب إيطاليا كانت مقاطعتا أبوليا (Apulia) وقلورية (Calabria) تابعتين للبيزنطيين، وكانت نابولي وأمالفي (Amalfi) جمهوريتين، وكانت بنيفنتو (Benevento) وسالرنو (Salerno) إمارتين لمبادريتين. وقد عمل الوافدون المغامرون النورمان أولاً كجنود مرتزقة في خدمة أمير سالرنو ضد البيزنطيين ونجحوا في توطيد أقدامهم في جنوب إيطاليا على حساب هؤلاء في أبوليا وقلورية، وانتزع زعيمهم روبرت جيسكارد عام 1060م من أيدي البيزنطيين طارنت (Taranto) وريو (Regio) بوابة صقلية. وفي الوقت الذي شغل فيه روبرت بمحاربة البيزنطيين، وجّه أخوه رجار، الذي التحق به فيما بعد، كلّ اهتمامه إلى صقلية التي اجتذبته لثرائها وخصب أراضيها، ثم لأن أحد القادة المسلمين ـ ابن الثُمنة صاحب سرقوسة ـ استنجد به على خصومه مؤملاً، في وهمه في أن يعزز بذلك مركزه، ولكن قدوم النورمان منذ استيلائهم على مسينة عام 1061م كان بغرض الفتح والاستقرار وانتزاع السيادة على الجزيرة من أيدي المسلمين. وقد كان النورمان طوال تاريخهم انتهازيين جشعين يتطلعون دائماً إلى الاستيلاء على أراض يتخذونها إمارات لهم على النمط الإقطاعي السائد آنذاك في غرب أوروبا. على أن استيلاء النورمان على صقلية لم يكن مع ذلك بالأمر الهيّن، فقد صمد العديد من المعاقل والمدن الإسلامية في وجههم نحو ثلاثين عاماً إلى أن تم للنورمان آخر الأمر فرض سيادتهم على الجزيرة عام 484هـ (1091م).
حكم النورمنان صقلية قرناً من الزمن (1091 ـ 1194م) ونظراً لقلة أعدادهم وكثرة الأعداء من حولهم، وخاصة في جنوب إيطاليا، فإنهم إجمالاً انتهجوا سياسة تسامح عنصري وديني، في فترة كانت فيها الحروب الصليبية، تحت شعار الدين، على أشدها، ومع ذلك فإن ملوك النورمان أحسنوا معاملة المسلمين في الجزيرة لاستمالتهم إليهم، كما اعتمدوا عليهم في جيوشهم وأفادوا من مهارة المسلمين في الجزيرة في فنون الحرب، كبناء المجانيق وأبراج الحصار المتحركة، في حروبهم المستمرة في جنوب إيطاليا ضد البيزنطيين تارة وضد الأمبراطورية الرومانية المقدسة تارة وضد قوات الباباوات وحلفائهم تارة أخرى. لذلك فإن ملوك النورمان، في بادئ الأمر على الأقل، قاوموا المحاولات التي بذلتها الكنيسة لتنصير المسلمين وحموهم ما استطاعوا من اضطهاد الإقطاعيين من الفرسان وضد المستوطنين الجدد من اللمبارد. ولما كان النورمان حديثي عهد بالحضارة، فإنهم اعتمدوا على المسلمين في الإدارة وفي الدواوين والبلاط الملكي، وفي أعمال البناء والتشييد. والزائر لصقلية اليوم يلاحظ أن الكاتدرائيات والقصور من عهد النورمان في الجزيرة هي ذات طابع معماري وزخرفي إسلامي، تماماً كما هو الحال في إسبانيا المسيحية التي اعتمدت على مهرة الصُناع من مدجني المسلمين في كثير من أعمال بناء الكنائس والقصور. وكان لرجار الثاني عباءة ملكية صُنعت بدار الطراز على حاشيتها كتابة عربية بالخط الكوفي والتاريخ الهجري 528هـ. كما أحاط رجار هذا نفسه، على غرار ما درج عليه ملوك المسلمين، بالمُدَّاح من الشعراء. وله وتحت رعايته صنف الشريف الإدريسي كتاب (نزهة المشتاق) في الجغرافيا. وظلت العملة العربية وهي المعروفة بالرُباعي الطري هي العملة المتداولة في صقلية وجنوب ايطاليا، تماماً كما كانت الدنانير، المثاقيل المرابطية والموحدية هي المتداولة في ممالك إسبانيا المسيحية حتى بعد تقلص نفوذ المسلمين وأراضيهم في الأندلس.
رجار الأول (1091 ـ 1101م)
اقتسم الأخوان روبرت جيسكارد ورجار صقلية بينهما، وسمَّى روبرت أخاه رجار كونت (قومس) صقلية، ثم لم يلبث أن تعزز مركز رجار في الجزيرة بعد وفاة أخيه (1085م)، وكون جيشاً جُله من المسلمين أعانه على توطيد الأمن والاستقرار في الجزيرة. ويقول الإدريسي عن الكونت رجار: «ولما صار أمرها إليه … نشر سيرة العدل في أهلها، وأقرّهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته …» ([65]). ويؤيد ذلك من الجانب المسيحي ما ذكره (وليام) غليام الأبولي ومالاترّا (Malaterra) من أن رجار لما فتح بلرم (يناير 1072م) وعد المسلمين بأن لا يؤذيهم بشيء، وأن لا يُكره أحداً على تبديل دينه([66]).
وكان من مصلحة رجار أن يستميل المسلمين ليساندوه ضد الأشراف النورمان إذا هم حاولوا الخروج على طاعته، كما كان يحدث كثيراً للملوك في بعض ممالك أوروبا التي تفشّى فيها نظام الإقطاع آنذاك. وكان أفراد البيت النورماني الحاكم انتهازيين إلى أبعد حد، فقد أحسنوا معاملة المسلمين طالما كان ذلك في مصلحتهم الشخصية([67]).
إن سنوات حكم الكونت رجار الأول تميزت بالتسامح الديني، ولم تحدث ثورات داخلية ضده. وقد رفض ضغوط الكنيسة الكاثوليكية عليه لتنصير المسلمين لأسباب تتعلق بكيان دولته الفتية وأمنها. فقد كان المسلمون يشكلون أكثرية السكان، كما كان العنصر الإسلامي بارزاً في جيشه. ويحدثنا صاحب سيرة القديس أنسيلم (St. Anselm) بأن رجار منع رجال الدين الكاثوليك من تحويل جنوده المسلمين إلى المسيحية([68]). ومع ذلك فإن الكونت رجار بادر إثر دخول بلرم إلى تحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة وكذلك فعل ببعض مساجد المدينة مما حدا بمؤرخ أوروبيا إلى التعليق على ذلك بقوله: «وهذا موجز للرحمة التي كانت أوروبا تقدِّمها دائماً للعرب، فهي مشروطة بالقضاء على دينهم، وفي عزلهم ليكونوا جماعة ذات كيان منفصل»([69]).
ومن الناحية الاقتصادية كان الفتح النورماني ذا أثر سيئ على أوضاع المسلمين الاقتصادية والمعيشية في صقلية. ففي أثناء القتال دُمّرت القرى على نطاق واسع، وكان على المسلمين ـ كاليهود ـ دفع إتاوة أو جزية مرتين في العام، مما أدى إلى هجرة أعداد منهم إلى أفريقيا. وبدخول النورمان إلى الجزيرة دخلها النظام الإقطاعي (Feud- al System) إذ أقطع رجال أقرباءه وأصحابه أراضي واسعة كانت للمسلمين، واتخذ هؤلاء المقطعون المسلمين في الأرياف عبيداً أو أقناناً في أراضيهم (Serfs) ـ وهم المشار إليهم في السجلات النورمانية ـ التي احتفظت باسمها العربي الدفاتر / (Defetari deptari) باسم رجال الجرائد (Villeins) أما أهل المدن، فقد كانوا أحسن حالاً نسبياً إذ كان تسليم مدنهم، كما حدث في بلرم، بموجب اتفاقيات حفظت لهم، ولو إلى حين، حقوقه المدنية والدينية، في حين أن أهل الضياع والقرى فقدوا معظم أراضيهم للفرسان النورمان والكنيسة، وأصبح الكثيرون منهم عبيد أرض للسادة الجدد. ولعل ذلك يفسر قول ابن الأثير «وملك رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين، ولم يترك لأحد من أهلها حماماً ولا دكاناً ولا طاحوناً ولا فرناً»([70]).
كان المسلمون عند استيلاء النورمان على صقلية يشكلون أكثرية السكان في غرب الجزيرة (ولاية مازر (Val di mazara وكانوا يكونون نسبة كبيرة من السكان في جنوبها الشرقي من الجزيرة فقد كان المسلمون أقلية متناثرة في ولاية دمنش (Val Demone) إلا أن خريطة الجزيرة السكانية لم تلبث أن أخذت في التبدل على حساب المسلمين لتوالي هجرة المسلمين من الجزيرة إلى أفريقيا والأندلس والمشرق، ولوفود جماعات من النورمان من شمال فرنسا، ثم لتوالي هجرة اللمبارد من جنوب إيطاليا. وكان هؤلاء اللمبارد شديدوا التعصب ضد المسلمين، وقد ارتكبوا ضدهم ألواناً من الاضطهاد طوال العهد النورماني، وهم في ذلك شبيهون بالوافدين الجدد من الصليبيين إلى الأراضي المقدسة في فلسطين الذين يتحدث أسامة بن منقذ عن شدة تعصبهم الديني نحو المسلمين كما لمس ذلك بنفسه في بيت المقدس([71]).
ويمثل شعور المثقفين المسلمين واستياءهم لما آل إليه وضع مسلمي صقلية بعد وصول النورمان قول الشاعر عبد الحليم بن عبد الواحد([72]) (وهو إفريقي المنشأ صقلي الموطن):
عشقت صقلية يافعاً
وكانت كبعض جنان الخلود
فما قُدر الوصل حتى اكتهلتُ
وصارت جهنم ذات الوقود
رجار الثاني (1111 ـ 1154م)
بعد فترة من الوصاية لأمه أدلايد، تولى رجار أمر صقلية. ورجار الثاني أشهر ملوك النورمان، وهو الذي وحد ممتلكات النورمان في جنوب إيطاليا وصقلية، وانتزع لنفسه من البابا ـ لقاء تأييده له ضد خصومه ـ لقب «ملك صقلية» عام 1130م، بعد أن كان أبوه يحمل لقب «كونت» (قومس) يقول الإدريسي: «أقام الدولة وزين المملكة وشرف السلطنة وأعطى الأمور أقساطها من النظر الجلي والعقل المرضي، مع نشور العدل وإقامة الأمان»([73]).
ونظراً لما لقيه من معاداة البيزنطيين وأباطرة الأمبراطورية الرومانية المقدسة الطامعين في مملكته، فإن رجار سار على سياسة أبيه في تجنيد المسلمين والاعتماد عليهم في مواجهة أعدائه. يقول ابن الأثير أن رجار (أكرم المسلمين وقرَّبهم. ومنع عنهم الفرنج فأحبوه) ([74]). والحقُ أن رجار وجد من مصلحته إزاء الأخطار المحدقة به أن ينتهج سياسة توازن الطوائف والملل والعناصر بين رعاياه.
ومما يذكر أن الملك رجار الثاني حقق فتوحات في شمال أفريقية (استولى على جزيرة جربة سنة 529هـ/ 1135م، وعلى طرابلس الغرب سنة 541هـ/ 1146م، وعلى المهدية سنة 542هـ/ 1147م وعلى معظم مدن الساحل التونسي سنة 543هـ/ 1148م وعلى بونه/ عنابه سنة 548هـ/ 1154م) وأضاف إلى ألقابه لقب «ملك أفريقيا». وقد سهل عليه أمر الاستيلاء على موانئ أفريقيا حالة الضعف والتفكك السائدة هناك بسبب الفرقة والمنازعات، وسوء الأحوال الاقتصادية بسبب توالي أعوام الجفاف والقحط. ومما حفزه على الاستيلاء على موانئ الساحل الإفريقي أن المسلمين ما فتئوا يغيرون منها على مراكب النصارى وعلى سواحل صقلية، إذ لم ينسوا ضياع صقلية من أيدي المسلمين، تماماً كما حدث بعد ذلك بأربعة قرون بالنسبة لمراكب الإسبان وسواحل الأندلس على أيدي النازحين من الأندلسيين، فكما أن الإسبان سعوا في أوائل القرن السادس عشر إلى الاستيلاء على عدد من موانئ الشمال الإفريقي أملاً في وقف غارات النازحين الأندلسيين، كذلك فعل النورمان في منتصف القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) بالنسبة لموانئ أفريقيا. ولا شك في أن مما يسر الأمر بالنسبة للنورمان انشغال المرابطين في تلك الفترة بقيام الموحدين الذين قضوا نهائياً على دولة المرابطين (541هـ/ 1146م) ولم يتفرغ الموحدون للنورمان إلا بعد ذلك ببضع عشرة سنة.
لقد عرف رجار الثاني قيمة الحضارة العربية واستفاد منها، وقلد العرب مناصب سامية في دولته. وله وتحت رعايته ألف الإدريسي كتابه (نزهة المشتاق)، وسماه كتاب رجار ـ كما تقدم ـ وفي مقدمة الكتاب وصف الملك «بالملك المعظم المعتز بالله المقتدر بقدرته». ولا شك في أن وجود الإدريسي، العالم الجغرافي الكبير والشريفي المحتد. رفع من مكانة رجار في أعين رعاياه من المسلمين. وليس من الغريب أن يتناقل الناس إسلامه. لقد وصفه أماري بأنه (سلطان عربي يحمل تاجاً كملوك الفرنج)، واتهمه النصارى بأنه كافر (Pagan)([75]) ودفعاً للظن عن نفسه فإن رجار أقبل على تشييد الكنائس، كما أنه شجع في أواخر أيامه حركة التنصير بين المسلمين واليهود. وقُبيل وفاته، غضب رجار على قائد أسطوله فيليب المهدوي لأنه أغضى عن جماعة من صلحاء المسلمين وعلمائهم عند استيلائه على بونة (عنابة) سنة 548هـ/ 1154م حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى المجاورة. فلما عاد إلى صقلية أمر رجار بالقبض عليه وعن ذلك يقول ابن الأثير: «وكان فيليب يقال إنه وجميع فتيانه مسلمون ويكتمونه، وشهدوا عليه أنه لا يصوم مع الملك وأنه مسلم. فجمع رجار الأساقفة والقساوسة والفرسان، فحكموا بأن يُحرق فأحرق في رمضان. وهذا أول وَهَنَ دخل على المسلمين بصقلية»([76]). وقد يكون من أسباب تغير سياسة رجار في أواخر أيامه ظهور دولة الموحدين كقوة كبيرة في المغرب. مما هدَّد مواقع النورمان على الساحل الإفريقي. لا بل ووجودهم في صقلية ذاتها.
وليام غليام الأول
(1154 ـ 1166م)
في السنوات الأولى من حكمه زاد نفوذه كبير وزرائه (مايو) مايون/ Maion زعيم حزب القصر الذي ناصره كثير من المسلمين لاعتمادهم، وخاصة فتيان البلاط وحجابه،على الملك لحمايتهم من بطش حزب النبلاء المعادي والذي كان يمثله المؤرخ النورماني فلقندو (Falcandus) وهو الذي أضفى على الملك (وليام) غليام الأول صفة السيئ (The Bad) وهي صفة لم يكن الملك في الحقيقة جديراً بها، وإنما نعته فلقندو بذلك لا لشيء إلا لأنه أبدى تسامحاً نحو المسلمين.
ومع أن المسلمين ظلوا مخلصين للملك الذي كان حاميهم الوحيد في جو مشحون بالعداء نحوهم من جانب النبلاء واللمبارد ورجال الدين النصارى، إلا أنهم دفعوا ثمن انتصار الموحدين على النورمان في المهدية 555هـ (1160م) إذ انتعشت آمالهم بظهور قوة الموحدين، وبعد إخراج النورمان من مدن الساحل الإفريقي ما بين عامي 1156 و1160م. لذلك، وتحوطاً، فقد جُرد المسلمون في بلرم من السلاح، مما جعلهم لقمة سائغة للبارونات والوافدين من اللمبارد في الثورة التي قام بها هؤلاء ضد الملك ووزيره وفتيانه (1160ـ 1161م) وفي تلك الثورة الدامية اغتيل الوزير(مايو)مايون، وقتل العديد من فتيان القصر وموظفيه المسلمين كما قُتل كثير من المسلمين في أحياء بلرم وسلبت أموالهم «وقتل الفرسان كثيرين في متاجرهم وفي الدواوين ومن وجدوه يتجول خارج منزله في شوارع المدينة»([77]).وعلى أثرهذه الثورة الدامية،بل المذابح، لم يعد العرب يستشعرون الأمن في وسط مدينة بلرم،فتجمعوا في حي من المدينة يسهل عليهم منه الدفاع عن أنفسهم([78]).وكان من بين ضحايا هذه الثورة الدمويةوهي الأولى من نوعهافي العهدالنورماني الشاعرالقفصي يحيى بن التيفاشي ولعل الإدريسي كان من بين ضحاياها أيضاً([79]).
وكانت أحوال المسلمين في الأرياف أسوأ من ذلك، إذ تعرضوا لفتك نبلاء النورمان وأتباعهم، ونجا بعضهم متزيياً بزي النصارى، وقد انتابهم رعب شديد في المناطق التي كان يسكنها اللمبارد حتى أنهم لأجيال ظلوا يتحاشون المرور بتلك المناطق ما أمكنهم ذلك([80]). ولما استرد الملك زمام الموقف وقمع الثورة، بادر باتخاذ إجراءات صارمة ضد الثائرين مستعيناً بجيشه الذي كان يضم عدداً وافراً من الجنود المسلمين.
إن العداء للمسلمين من جانب الإقطاعيين من البارونات ومن جانب الأعداد المتزايدة من اللمبارد الذين وفدوا من إيطاليا للاستقرار في الجزيرة كان مبعثه التعصب الديني، ثم الغيرة لما كان للمسلمين من مناصب ونفوذ في القصر ونشاط في مجال التجارة. كذلك فإن الإقطاعيين ما فتئوا يحاولون توسيع ممتلكاتهم بانتزاع المزيد من الأراضي من أيدي المسلمين بحجة أنها كانت في الأصل للنصارى([81]) أضف إلى ذلك ظهور قوة الموحدين وخشية النصارى من تواطؤ مسلمي صقلية معهم لإعادة السيادة الإسلامية على الجزيرة. ولم يكن شعور مسلمي صقلية هذا بالأمر المستغرب، فقد كانوا دائماً يتلقطون، عن طريق الحجاج والتجار المسلمين المارين بالجزيرة، أخبار المسلمين في المشرق والمغرب، كما يتبين مما ذكره الرحالة الأندلسي ابن جبير في رحلته.
ويقول الهروي أنه اجتمع في صقلية بالقائد أبي القاسم بن حمود زعيم مسلميها فسلَّمه كتاباً إلى السلطان الموحدي يحثُّه فيه على الاستيلاء على الجزيرة([82]). وعند مرور ابن جبير بصقلية (581هـ/ 84 ـ 1185م)، كان أبو القاسم بن حمود مغضوباً عليه من الملك النورماني إذ، كما يقول ابن جبير، «ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزوَرة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين، أيدهم الله، فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة، وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفاً على الثلاثين ألف دينار مؤمنية، ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقي دون مال». ومما يذكر بأن الشاعر المصري ابن قلاقس كان قد حلّ ضيفاً على ابن حمود (563هـ/ 1168م)، قبل أن ينتكبه الملك النورماني، ومدحه بعدة قصائد وألَّف له كتاب (الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم)([83]).
لقد كان القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) فترة اندلاع الحروب الصليبية في المشرق، وكذلك فترة بزوغ الدولة الموحدية في المغرب والأندلس، فليس من الغريب أن نجد العامل الديني ذا أثر كبير في أوضاع المسلمين في صقلية الذين شعروا بالانقطاع عن دار الإسلام، وبأنهم رهائن تحت رحمة النصارى. فهذا ابن الأثير ينقل لنا ما قاله صاحب صقلية (وليام) غليام الأول وقت استيلاء السلطان الموحدي عبد المؤمن بن علي على المهدية/ 555هـ (1166م): «إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية، قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حُرمَهم وأموالهم»([84]) مما يبين بأن مسلمي صقلية أصبحوا كالرهائن في يد الملك النصراني يتصرف بهم حسبما تمليه عليه الظروف وعلاقاته بالدولة الإسلامية خارج الجزيرة.
ومما يبين اشتداد روح الاضطهاد الديني في الفترة التي أعقبت إخراج النورمان من شمال أفريقيا ما حدث لروبرت كالاتابيانو ـ (Robert Calatabiano) الذي اتُّهم ـ بإظهار النصرانية وحسن معاملة المسلمين، فاضطهد وزُج به في السجن حيث مات مسجوناً([85]). «وبالتأكيد فقد كان أمراً خطراً بالنسبة لمسيحي ـ حتى أو بالأخص إذا كان ثرياً ـ أن يكون له أصدقاء من العرب، حتى أو بالأخص إذا كان هؤلاء من رجال البلاط»([86]).
ومع ذلك فإن المسلمين في صقلية رأوا في الملك حاميهم الوحيد ضد الفرسان واللمبارد وغلاة النصارى المتربصين بهم، فآزروه عليهم لردعهم وخضد شوكتهم. ويقول فلقندو: إن نساء بلرم المسلمات شيَّعن نعشه («وليام» «غليام الأول») يوم مات بدموع صادقة لا تشبه الدموع الرسمية التي كانت تسيل من عيون سائر النُدَّاب([87]).
وليام غليام الثاني
(1166 ـ 1189م)
وبعد وفاة (وليام) غليام الأول وتولي أرملته الوصاية على ابنها، قدمت عام 1167م شكاوى من النصارى ـ خاصة اللمبارد ـ في بلرم ضد مسلمين يشغلون مناصب هامة كانوا قد تنصّروا ولكن خصومهم اتهموهم بكتمان إسلامهم. لذلك فقد رأى بعض المسلمين، بما فيهم رئيس حجاب القصر، أن الوقت قد حان للنزوح إلى ديار الإسلام في المغرب ببعض مالهم([88]).
كان (وليام) غليام الثاني في الثالثة عشرة من عمره عند وفاة أبيه، ولم يباشر الحكم بنفسه إلا في عام 1171م. وبخلاف أبيه، فقد كان محبوباً من رعاياه النصارى، ولذلك أطلقوا عليه لقب، «الطيِّب» (The Good) ولعل رضاهم يرجع إلى موقف هذا الملك من رعاياه المسلمين، وإلى نشاطه في محاربة المسلمين في المغرب والمشرق. فقد جهَّز حملات عبر البحر المتوسط بدافع ديني في المقام الأول، وكذلك لحماية تجارة صقلية الخارجية، ولتأمين المواصلات البحرية بين أوروبا والأراضي المقدسة أثناء الحملات الصليبية. وفي الفترة ما بين 1174م و1178م شنَّ أسطوله عدة غارات على سواحل مصر دون جدوى، وفي عام 1180 ـ 1181م أرسل وليام الثاني أسطولاً لمهاجمة الجزائر الشرقية (جزر البليار) التي كانت آنذاك تحت سيطرة بني غانية المرابطين، ولكن الحملة باءت بالفشل، إذ أن الجنوبيين حلفاء وليام الثاني عقدوا صلحاً منفرداً مع بني غانية. وأبرم وليام الثاني في هذه الفترة اتفاقية مع السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور لأسباب تجارية، فضلاً عن عداء الجانبين لبني غانية.
وكان وليام الثاني من بين أول من حمل الصليب من ملوك أوروبا في بداية الحملة الصليبية الثالثة (1189 ـ 1191م) التي قامت إثْر انتصار حطين 863هـ/ 1178م واسترداد بيت المقدس من أيدي الصليبيين. ومع أن وليام الثاني لم يشارك شخصياً في الحملة الصليبية الثالثة، إلا أن أسطوله لعب دوراً هاماً في العمليات الحربية قرب ميناء اللاذقية. ويعلق على ذلك مؤرخ حديث بقوله: «لم يكن البلاط النورماني شديد الحماسة للفكرة الصليبية، إلا أنه كان دائماً على استعداد لاستغلال ولاء النصارى لهذا الغرض»([89]).
كان وليام كأبيه وجده من قبله ملمًّا بالعربية كما كان يولي اهتماماً كبيراً للعلوم والمعارف العربية، وخاصة في مجال الطب والفلك. وقد كانت فترة حكمه فترة هدوء وسلام في الداخل. إن أوضاع المسلمين في صقلية في عهد وليام الثاني واضحة بفضل ما تركه لنا الرحالة الأندلسي ابن جبير في رحلته الشهيرة.
ابن جبير في صقلية
مرَّ الرحالة الأندلسي ابن جبير بصقلية في طريق عودته إلى بلاده بحراً بعد تأدية فريضة الحج، وكان ملكها آنذاك (وليام) غليام الثاني. أمضى ابن جبير في الجزيرة قرابة أربعة شهور، وترك لنا في رحلته انطباعات تُلقي ضوءاً ساطعاً على وضع المسلمين في الجزيرة بعد قرن من انتهاء السيادة الإسلامية عليها. وما ذكره هذا الفقيه والأديب الأندلسي يُعد بحق وثيقة تاريخية صادقة وبالغة الأهمية عن أوضاع المسلمين في الجزيرة لذلك العهد وقد دون ابن جبير انطباعاته على شكل يوميّات أورد فيها ما رآه بنفسه وما سمعه من المسلمين الذين اجتمع بهم.
وصل ابنُ جبير إلى ميناء مسّينة قادماً على ظهر مركب جنوبي أقله ورفاقه الحجاج من عكا بفلسطين. وعن المسلمين في مسّينة يقول ابن جبير إنه ليس فيها من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن، ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب([90]). وهو بذلك يؤكد ما هو معروف من أن أعداد المسلمين في الركن الشمال الشرقي من الجزيرة كانت قليلة، بخلاف الحال في الأجزاء الجنوبية والغربية منها.
ويحدثنا ابن جبير عن الملك النورماني (وليام) غليام الثاني فيقول: «وشأن هذا الملك عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب، وكلهم أو أكثرهم كاتم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام …. وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم. ووزراؤه وحُجَّابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة، هم أهل الدولة …. ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وعلامته، على ما أعلمنا به أحدُ خدمته المختصين به: الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله شكراً لأنعمه»([91]).
ويثني ابن جبير على أولئك المسلمين في خدمة الملك لصيامهم وتصدقهم وافتكاكهم الأسرى من المسلمين. ومع ذلك فإنهم كانوا يكتمون إيمانهم، ويبدون التحفظ والحذر، من ذلك أن ابن جبير لقي منهم بمسّينة «فتى اسمه عبد المسيح من وجوههم وكبرائهم … فاحتفل في كرامتنا وبرّنا، وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال لها كلَّ من كان حوله ممّن يتهمه من خدّامه محافظة على نفسه … وقال لنا: أنتم مدلَّون بإظهار الإسلام … ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سراً، مُعتقلون في مملكة كافر بالله، قد وضع في أعناقنا ربقة الـرق، فغايـتـنا التـبرك بـلقـاء أمـثالـكم مـن الحـجاج …»([92]). ويضيف ابن جبير أن «من عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذاً من مجلسه فيقضون صلاتهم …» ([93]). وعلم ابن جبير أنه كانت قد وقعت في صقلية زلازل فكان «هذا المُشرك (وليام الثاني) يتطلَّع في قصره فلا يسمع إلا ذاكراً لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته، فكان يقول لهم: ليذكر كلّ أحدٍ منكم معبوده ومن يدين به، تسكيناً لهم»([94]).
وبعد أن أمضى ابن جبير تسعة أيام في مسينة، توجه بحراً قاصداً العاصمة بلرم التي يقول إن المسلمين يعرفونها بالمدينة أو بمدينة صقلية، بينما يعرفها النصارى باسم «بلارمة»، فمرّ بمدينة شفلودي (Cefalu) على ساحل صقلية الشمالي، ولاحظ أن المدينة تسكنها طائفة من المسلمين، ثم مر ببلدة ترمة (Termini) «وللمسلمين فيها ربضٌ كبير لهم فيه المساجد». ومن ثرمة توجه ورفاقه براً إلى بلرم.
أقام ابنُ جبير في العاصمة بلرم أسبوعاً وترك لنا وصفاً حياً شيقاً لأحوال المسلمين فيها: «وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان، يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم. ويصلّون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسي. ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون للصلاة فيه … وأما المساجد فكثيرة لا تحصى، وأكثرها محاضرُ لمعلمي القرآن. وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمْن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم»([95]).
من هذا يتبين أن مسلمي بلرم كانوا يعيشون في حالة فزع مستمر من الاضطهاد والبطش. كما يلاحظ أن الخطبة في العيدين تكون الدعوةُ فيها للخليفة العباسي في بغداد، وكان ضعيفاً نائياً في بغداد، وليس للخليفة الموحدي القوي الأقرب إليهم في المغرب، وذلك للعداء المستمر بين الموحدين والروم سواء في الأندلس أو في صقلية النورمانية.
ويتحدث ابن جبير عن الجزية التي فرضها النورمان على مسلمي الجزيرة، فضلاً عن القيود الأخرى، فيقول إنهم: «ضربوا عليهم إتاوةً في فصلين من العام يؤدونها، وحالوا بينهم وبين سعةٍ في الأرض كانوا يجدونها»([96]).
ومن بلرم قصد ابن جبير ميناء أطرابنش (Trapani) في غرب الجزيرة، وهو الميناء الذي كان يُبحر منه الحجاج والتجار المسلمون المتوجهون إلى الأندلس والمغرب، ومرَّ في الطريق ببلدة علقمة (Alcamo) ولاحظ أن سكانها وسكان الضياع في الطريق كلهم مسلمون، مما يدلُّ على أنه حتى بعد قرن من زوال السيادة الإسلامية على الجزيرة، بقيت الأجزاء الغربية منها، وخاصة الأرياف، مأهولة بالمسلمين.
طال مقام ابن جبير في أطرابنش مضطراً، وذلك لتعذر الإبحار منها بسبب الأنواء والأحوال الجوية، وقد مكَّنه ذلك لحسن الحظ من المزيد من التعرف على أحوال مسلمي البلدة ومسلمي صقلية عامة، فترك لنا معلومات بالغة الأهمية عن حالة القلق التي كان يشعر بها مسلمو الجزيرة وخوفهم مما يخبِّئه لهم المستقبل: فهو يقول: «وفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرّفنا ما يؤلم النفوس تعرّفُه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عبَّاد الصليب بها، دمَّرهم الله، وما هم عليه معهم من الذل والمسكنة والمقام تحت عهد الذمة وغلظة الملك …. فمنها قصةٌ اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم (يعني بلرم) …. ويُعرف بابن زرعة، ضغطته العمالُ بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام»([97]).
ثم يحدثنا ابن جبير عن اجتماعه بزعيم مسلمي صقلية القائد أبي القاسم بن حمود، المعروف بابن الحجر، وقد قدم أطرابنش أثناء مقام ابن جبير فيها، فيقول: «وكان هذه المدة تحت هجرانٍ من هذا الطاغية (وليام الثاني) ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين … وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفاً على الثلاثين ألف دينار مؤمنية (نسبة لعبد المؤمن بن علي أول سلاطين الموحدين) …. فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه، وأمره بالنفوذ لمهم أشغاله السلطانية، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله. وصدرت عنه عند وصوله إلى هذه البلدة (يعني أطرابنش) رغبةٌ في الاجتماعة بنا، فاجتمعنا به، فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يُبكي العيون دماً، ويذيب القلوب ألماً، فمن ذلك أنه قال: كنتُ أودُ لو أُباع أنا وأهلُ بيتي، فلعل البيع يخلصنا مما نحن فيه، ويؤدي بنا إلى الحصول في بلاد المسلمين ….
ومن عِظم هذا الرجل الحمودي في نفوس النصارى، أبادهم الله، أنهم يزعمون أنه لو تنصَّر لما بقي في الجزيرة مسلمٌ إلا وفعل فعله أتباعاً له واقتداء به …» ([98]).
ونتيجةً للضغوط التي كان يتعرض لها المسلمون في صقلية فإن روابط الأسر قد تفكَّكت، ولم يعد للأب سلطة على أبنائه، وعن ذلك يحدِّثنا ابن جبير فيقول: «ومن أعظم ما مُني به أهلُ هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجته أو تغضب المرأة على ابنتها فتلحق المغضوب عليه أنفةٌ تؤديه إلى التطارح في الكنيسة فيتنصَّر ويتعمد، فلا يجد الأب للابن سبيلاً، ولا الأم للبنت سبيلاً. فتخيل حال من يُنى بمثل هذا في أهله وولده، ويقطعُ عمره متوقعاً لوقوع هذه الفتنة فيهم. فهمُّ الدهر في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال»([99]). كل ذلك جعل بعيدي النظر من المسلمين في الجزيرة يخشون أن يحلَّ بهم ما خلص بمسلمي جزيرة أقريطش (كريت) بعد استيلاء البيزنطيين عليها من أيدي المسلمين عام 961م «فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعد الشيء حالاً بعد حال حتى اضطروا إلى التنصُّر عن آخرهم، وفرَّ منهم من قضى الله بنجاته»([100]).
مما ذكره ابنُ جبير يستخلص القارئُ أن المسلمين في جزيرة صقلية بعد قرن من زوال السيادة الإسلامية على الجزيرة، كانوا معرَّضين للقيود والاضطهاد: فبعضهم تنصر مُكرهاً ولكنه كان يكتمُ إيمانه، وصلاة الجمعة كانت محظورة عليهم، وكان عليهم دفع إتاوة تقابل الجزية التي كان أهل الذمة يدفعونها للمسلمين، وكانت عملية التنصير قائمة وتلقى التشجيع من جانب الكنيسة، وأخيراً فإن زعماء المسلمين، كأبي القاسم بن حمود، كانوا دائماً عرضة للاتهام بالتواطؤ مع الموحدين. كان الموحدون، آنذاك في أوج قوتهم في المغرب والأندلس، فليس من الغريب أن يتطلع مسلمو صقلية إلى عونهم ونجدتهم ـ كما تطلَّع مسلمو الأندلس إلى نجدة المرابطين قبل ذلك بقرن من الزمن ـ وأن ينظر النورمان بالتالي بعين الريبة إلى رعاياهم المسلمين. كل ذلك كان يشجع على الهجرة إلى أرض الإسلام، وهذه الرغبة كثيراً ما عبَّر عنها لابن جبير زعماءُ المسلمين في الجزيرة في أحاديثهم الخاصة معه. وكما يقول مورينو «الحاصل كان التوازن بين أتباع الديانتين عادم القرار، رغماً عن مجهودات الحكام، فما كان للمسلمين أن يرضوْا بالخضوع بعد أن كانوا أسياداً وأن لا يرنوا إلى إعادة الأمور إلى نصابها، خصوصاً وأن رايات الموحدين الخفاقة في سماء المغرب كانت تُنعش عزائمهم»([101]).
تانكريد
(1190 ـ 1194 م)
لم يخلِّف (وليام) غليام الثاني عقباً، فأوصى بأن تخلفه على عرش صقلية عمَّته كونستانس ابنةُ رجار الثاني التي كانت متزوجة من الأمبراطور الألماني هنري السادس. إلا أن النبلاء الإقطاعيين في صقلية اختلفوا فيما بينهم، وأتى فريق مناهض للألمان منهم في عام 1190م بتانكريد (Tancred) إلى العرش، وحتى قبل أن يتولى تانكريد المُلك، حدثت مذبحة للمسلمين في بلرُم عام 1189م. وكان تانكريد شديد التعصب ضد المسلمين، وكان قد قاد عام 1160م غارات استئصال ضدهم في بثيرة (Butera) في جنوب شرقي الجزيرة، فليس من الغريب لذلك أن يتشاءموا عند توليه المُلك، بتأييد من أعدائهم، وأن يقوموا بثورة عارمة أشغلته طوال السنة الأولى من حكمه (استمرت هذه الثورة من نهاية عام 1189م إلى أكتوبر عام 1190م).
وإذْ تعرض مسلمو بلرم للمذابح ـ كما حدث لهم من قبل في عام 1160 ـ 1161م ـ فرَّ معظمهم معتصماً بالمناطق الجبلية في وسط الجزيرة وغربيها، حيث احتلوا عدداً من المعاقل المنيعة. وانضم إليهم فيها عبيدُ الأرض المسلمون الكادحون في إقطاعيات نبلاء النورمان. وقُدر عدد هؤلاء المسلمين الثائرين في غرب الجزيرة بنحو مائة ألف، بما فيهم النساء. «وقد كانت هذه الثورة وقمعها بداية النهاية للوجود الإسلامي في جزيرة صقلية»([102]).
وانتهت الآن فترة التعايش جنباً إلى جنب بين الطائفتين. ولعل الأخطار الخارجية المحدقة بتانكريد من ناحية الألمان من جهة، ومن ناحية الموحدين من جهة أخرى، زادت من تعسُّف تانكريد وغلوه في سياسته نحو المسلمين تحوُّطاً وكسباً للرأي العام النصراني في الجزيرة وخارجها.
إن وضع المسلمين في صقلية أصبح حرجاً للغاية في فترة الفوضى التي سادت الجزيرة بعد وفاة وليام الثاني (أي بعد خمس سنوات فقط من مرور ابن جبير بالجزيرة) إذ أن أمنهم كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بوجود سلطة مركزية قوية، أما الآن وقد ضعفت سلطة الملك في أواخر الفترة النورمانية، فقد أصبح وضع المسلمين صعباً، لأن طبقة النبلاء الإقطاعيين تحالفت مع الكنيسة الكاثوليكية التي رأتْ في تنصير المسلمين عملاً دينياً صالحاً([103]). أما أولئك المسلمون الذين رفضوا التنصر، فقد لجأوا إلى الهجرة. وكانت هجرة المسلمين من صقلية إلى شمال أفريقيا والأندلس والمشرق قد بدأت في الحقيقة منذ أن وطئت أقدام النورمان أرض الجزيرة، نزح أشهر شعراء صقلية ابن حمديس عن مسقط رأسه سرقوسة بعد كفاح ضد المغيرين النورمان سنة 471هـ (1078م) واستمرت الهجرة طوال فترة حكم النورمان للجزيرة. ومن الطبيعي أن هذه الهجرة كانت تزداد في فترات الاضطهاد وعدم الاستقرار كما حدث عام 1153م وأثناء مذابح عام 1160 ـ 1161م، وأصبحت الهجرة على نطاق أوسع بسبب المذابح والثورة عام 1189 ـ 1190م.
وبعد وفاة تانكريد عام 1194م، خلفه ابنه الصبي وليام الثالث تحت وصاية والدته. وفي هذه الأثناء زحف الأمبراطور الألماني هنري السادس جنوباً، واستولى على مملكة صقلية باسم زوجته كونستانس مُنهياً بذلك الفصل النورماني من تاريخ الجزيرة (1194م).
ولعلَّ من المناسب ختاماً لهذه البحث اقتباس ما قاله المؤرخ اللاتيني النورماني المعاصر لتلك الأحداث والمتحمس لاستقلال الجزيرة أوغو فلقندو (Hugo Falcandus) عن الفترة العصيبة التي مرتْ بها صقلية بعيد وفاة الملك وليام الثاني. فقد أهاب المؤرخ ـ عبثاً ـ بأهالي صقلية على اختلاف أجناسهم ودياناتهم توحيد الكلمة وجمع الصفوف لمواجهة الأخطار المحدقة بالجزيرة قائلاً: «لو تَوَّج أهالي صقلية رجلاً مقراً له بالمقدرة، ولو زال التنازع بين المسيحيين والعرب، لتمكن الملك الذي يختارونه من رد حملات الأجانب، ومن إصلاح أمر الدولة البادية علائم انحلالها. ولكن بعد أن سادت الفوضى، وعاد الناس لا يخافون سلطة الملك، قد أصبح، وللأسف، من المتعسر أن يكف النصارى عن التعدي على العرب، وأن يكفَّ هؤلاء، وهم مسيئو الظن بهم وناقمون ظلمهم، عن التمرد وعن كبس حصن على البحر تارةً وقلعةٍ في الجبال طوراً. فإذا وقع ذلك، فكيف يتمكن الصقليون من مقاومة غزوات العرب بيد (يقصدُ الموحدّين) ومحاربة الألمان … بالأخرى؟».
الدكتور أمين توفيق الطيبي
تطورات النهاية
ولى الخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر الله على صقلية الحسن بن أبي الحسين الكلبي، وكان الكلبيون من أخلص رجال الفاطميين في أفريقيا، وأثبت الحسن الكلبي أنه والد قدير فهدّأ البلاد وجمع كلمة أهلها. وظل أولاده وأحفادهم يحكمون الجزيرة 95 سنة هي العصر الذهبي للحكم الإسلامي في الجزيرة فساد الأمان واستتب النظام وازدهرت الحضارة، وأصبحت (بلرم) قاعدة إسلامية كبرى وخاصة بعد أن بنى مسجدها الجامع العظيم.
وبلغت أسرة الكلبيين ذروة مجدها أيام أبي يوسف الكلبي الملقب بثقة الدولة (379 ـ 388هـ/ 989 ـ 998م). وكان آخر الكلبيين هو الحسن الصمصام بن يوسف الكلبي (416 ـ 461هـ/ 1025 ـ 1068م) وقد شغب عليه الشاغبون فأخرجوه من الجزيرة واستقل كل منهم بناحية وأهمهم:
القائد ابن منكود استقل بغرب الجزيرة: ماذر وأطرابنش والشاقة ومرسي علي. وكذلك استقل ابن الحواس علي بن نعمة بوسط الجزيرة: قصريانة وجرجنت. وأما محمد بن إبراهيم بن النمنة (القادر بالله) فاستقل بشرق الجزيرة وجعل سرقوسة عاصمة له.
واشتدت العداوة بين محمد بن إبراهيم بن الثمنة وابن الحواس علي بن نعمة، وفي أثناء الحروب انهزم ابن الثمنة فاستنجد برجار النورماندي صاحب جنوبي إيطاليا سنة 440هـ/ 1048م فأقبل بقواته إلى الجزيرة وبدأ يستولي على معاقلها.
وكان النورمان يتطلعون إلى صقلية منذ قيام دولتهم في جنوبي إيطاليا، ولكنهم كانوا في حاجة إلى عون معنوي من البابوية لكي تصبح حكومتهم شرعية، فانضموا إلى البابوية فأجازت لهم انتزاع جنوبي إيطاليا من البيزنطيين، وأصبح النورمان حلفاءها ضد الأمبراطورية الألمانية من ناحية، والبيزنطيين من ناحية أخرى (408هـ/ 1017م).
وتلخص الحوادث بما يلي:
سنة 451هـ/ 1059م كان البابا نيقولا الثاني لاجئاً في أمالفي هرباً من الأمبراطور فاتفق مع روبرت جسكارد رئيس النورمان على أن يؤيده في صراعه مع أعدائه في مقابل منح البابا له الحق في حكم أبوليا وكلابريا اللتين انتزعهما من البيزنطيين، كذلك منحه البابا الحق في صقلية إذا استولى عليها من أيدي المسلمين.
وفي سنة 452هـ/ 1060م فرغ روبرت جسكارد من بسط سلطانه على كل جنوبي إيطاليا: أبوليا وكلابريا (قلورية) وبازيليكانا والقنبانية (وقاعدتها سالدو وفيها تقع أمالفي).
وفي سنة 453هـ/ 1061م أرسل روبرت جسكارد أخاه روجر الأول (رجار) لغزو صقليا عندما استغاث به ابن الثمنة. سقطت سنة 453هـم 1061م بمساعدة ابن الثمنة.
وفي سنة 465هـ/ 1072م أتم الاستيلاء على الجزيرة بما في ذلك (بلرم) عاصمة صقلية الإسلامية.
وفي سنة 484هـ/ 1091م أتم الاستيلاء على الجزيرة كلها وأبقى الحكام المسلمين على ولاياتهم أول الأمر، ثم أخذ يعزلهم واحداً بعد الآخر ويولي مكانهم حكاماً من النورمان أو الصقليين. لم يبق إلا على عدد قليل من العرب ممن توسم فيهم الإخلاص له.
وفي سنة 506هـ/ 1112م بلغ ابنه روجر الثاني سن الرشد وتولى العرش وأعلن نفسه ملكاً على صقلية وجعل عاصمته (بلرم) واستمر على سياسة التسامح مع المسلمين.
وفي سنة 549هـ/ 1154م توفي روجار الثاني وانتهى عهد التسامح الديني في صقلية وبدأ اضطهاد المسلمين.
وفي هذه السنة خلف غاليام الأول أباه روجر الثاني فقضى على بقايا المسلمين في صقلية وتلاشى كل وجود سياسي للمسلمين في جنوب إيطاليا، وانتقلت سيادة الحوض الأوسط للبحر المتوسط إلى أيدي النورمان وأهل الجمهوريات الإيطالية التجارية.
مدينة بلرم (باليرمو)
حاضرة صقلية في ظل الحكم الإسلامي
المسلميون بعد استيلائهم على صقلية اتخذوا بلرم، بدلاً من سرقوسة ـ على الساحل الشمالي للجزيرة عاصمة لهم سنة 831م. وظلّت بلرمُ حاضرة صقلية الإسلامية إلى أن سقطت المدينة في أيدي المغيرين النورمان من جنوب إيطاليا في سنة 1072م، أي أنها بقيت «حاضرة» عربية نحو قرنين ونصف القرن من الزمان.
كانت صقلية بادئ الأمر ولاية تابعة لأمراء الأغالبة في القيروان، ثم أصبحت تابعة للفاطميين في أفريقيا أولاً، ثم في مصر. وفي عهدهم بلغت الجزيرة في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي أوجها الحاضري، كما تميزت بالازدهار الزراعي والنشاط التجاري، وبخاصة مع أفريقيا (البلاد التونسية) ومصر ومدن جنوب إيطاليا. وكانت بلرم تضاهي قرطبة عمراناً ورخاء.
إن بلرم، ذات الموقع الجغرافي الممتاز والميناء الطبيعي، أسسها الفينيقيون في القرن السابع ق.م. ثم آلت إلى الرومان بعد الحرب البونية الأولى. إلا أن عظمة المدينة لم تبدأ إلا بعد أن اتخذها العرب عاصمة للجزيرة. أما في العهود السابقة، فكانت بلرمُ ميناء صغيراً ذا أهمية ثانوية، وكانت سرقوسة على ساحل الجزيرة الشرقي ـ لا بلرم ـ هي عاصمة الجزيرة في العهود الهلينية والرومانية والقوطية والبيزنطية. يقول المؤرخ اليوناني توسيديد ـ من القرن الخامس ق.م. أنه لما بدأ المستوطنون اليونان يفدون إلى الجزيرة بأعداد كبيرة، أخذ الفينيقيون يتخلّون عن معظم مواقعهم في شرق الجزيرة ويتمركزون في غربها لكون المسافة من غرب صقلية إلى قرطاجنة أقصر المسافات. واحتفظ الفاتحون العرب في القرن التاسع الميلادي بنهج الفينيقيين، ما أدى إلى انتقال المصالح الاقتصادية والثقافية في صقلية من شرق الجزيرة إلى غربها، إلى يومنا هذا. وقد عُرفت بَلَرْمُ لدى اليونان باسم بنورموس (Panormus)، بمعنى المرسى الأمين، ومن هذه التسمية اشتُق اسم بَلَرْمُ ـ (PA – LERMO). وكان سقوط بلرم في يد الجيش الأغلبي في شهر رجب سنة 216هـ/ آب ـ أيلول ـ سنة 831م، بعد حصار قصير للمدينة، واستسلم والي المدينة البيزنطي بعد اشتداد المجاعة في المدينة المحاصرة. يقول ابن الأثير إن صاحب المدينة طلب «الأمان لنفسه ولأهله ولماله، فأُجيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم. ودخل المسلمون البلد … فلم يروا فيه إلا أقل من ثلاثة آلاف إنسان».
وبعد نصف قرن فقط من اتخاذ العرب بَلَرْمُ حاضرة لهم في صقلية، زار المدينة الراهب تيودوسيوس من سرقوسة، فوصفها بأنها مدينة عظيمة، تعج بالسكان من مختلف الأجناس. وكان المسلمون يتوافدون إليها من أفريقيا والأندلس ومصر وبلاد الشام. يقول الراهب تيودوسيوس أن بَلَرْمُ «مدينة شهيرة كثيرة السكان من أصليين ووافدين، وهي تبدو وكأن كافة المسلمين قد تدفقوا لاستيطانها. فمن الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى البحر، لم تعد المدينة تتسع للوافدين الجدد، ولذلك فإنهم أخذوا في تشييد منازلهم خارج الأسوار، فظهرت قرب المدينة عدة مدن لا تقل عن بَلَرْمُ رخاء، وهي أيضاً أرباضٌ مسورة».
وفي سنة 325هـ/ 937م، اختطّ الوالي الفاطمي خليل بن إسحاق مدينة الخالصة. وحصّنها في ظاهر بَلَرْمُ ـ على غرار مدينة المهدية عاصمة العبيديين بأفريقيا ـ فأصبحت مقراً للوالي والدواوين وحامية المدينة، كما كان بالخالصة دار صناعة لإنشاء السفن.
وفي سنة 336هـ/ 948م تولى السلطة في بلرم الوالي الفاطمي الحسن بن علي الكلبي، وأسس أسرة حاكمة ـ تحت السيادة الفاطمية ـ ظلت قائمة زهاء قرن. وتعتبر فترة الولاة الكلبيين بالنسبة إلى بَلَرْمُ ـ وبالنسبة إلى جزيرة صقلية عموماً ـ أزهى عصور السيادة العربية في الجزيرة وأكثرها استقراراً ورخاء.
زار جزيرة صقلية في سنة 361هـ/ 972م الرحالة المشرقي ابن حوقل، فذكر أن مدينتها الكبرى هي بَلَرْمُ ، وعليها سور عظيم من حجارة شامخ منيع، يسكنها التجار، وفيها مسجد الجامع الأكبر، وكان بَيْعة للروم قبل فتحها. والمدينة مستطيلة ذات سوق قد أخذ من شرقها إلى غربها، يُعرف بالسماط، مفروش بالحجارة، عامر من أوله إلى آخره بضروب التجارة. ويقول ابن حوقل إن ببلرم خمس حارات: القصر (وتُعرف اليوم باسم (CAS – SARO، الخالصة (وتُعرف اليوم باسم (CALSA، وحارة المسجد، والحارة الجديدة في الجنوب، وحارة الصقالبة في الشمال. وينساب الوادي المعروف بوادي عبّاس ORETO اليوم، على طرف حارة المسجد المعروف بابن سقلاب. وتقع أكثر الأسواق فيها بين مسجد ابن سقلاب والحارة الجديدة، كسوق الزيّاتين والصيارفة والحدادين، وأسواق القمح وباعة البقل وأصحاب الفاكهة، والخبازين، وطائفة من الجزارين والأسكافة والدباغين والنجارين. ويمضي ابن حوقل فيقول: «ويدل على قدرهم وعددهم صفة مسجد جامعهم ببلرم، وذلك أني حزرت المجتمع فيه إذا غص بأهله سبعة آلاف رجل ونيفاً. وبمدينة بَلَرْمُ نيف وثلاثمائة مسجد، ولم أرَ لهذه العدة من المساجد بمكان ولا بلد من البلدان الكبار.
وأُعجب ابن حوقل بكثرة البساتين والجنّات حول مدينة بَلَرْمُ ، وبالأراضي الخصبة المفلوحة في سائر أنحاء صقلية. وقد استخلص بعض الباحثين من رواية ابن حوقل بأن سكان مدينة بَلَرْمُ كانوا يتجاوزون ثلاثمائة ألف نسمة، أي أنها كانت أكبر من أية مدينة أخرى في أوروبا، باستثناء القسطنطينية وقرطبة.
الفوارات والجناين
أما الجغرافي الفلسطيني المقدسي، وقد زار صقلية بعد ابن حوقل بعشر سنوات، فقد وصف بَلَرْمُ بأنها «قصبة صقلية، وهي أوسع من الفسطاط، إلا أنها متفرقة … تحدق بها الفوّارات والجناين، ويسقيها نهر يقال له وادي عباس … كثيرة الفواكه والخيرات … ولها مدينة داخلة بها الجامع، والأسواق في الربض، ومدينة أخرى خارجة مسوّرة تسمى الخالصة بأربعة أبواب … وبها أيضاً جامع ولها أسواق».
ويصف الحميري بَلَرْمُ بأنها قاعدة جزيرة صقلية ومدينتها العظمى، وهي المسماة بالمدينة حسب ما عناه ابن رشيق في قوله في ذكر هذه البلدة:
أختُ المدينة في اسم لا يشاركها
فيه سواها من البلدان والتمس
وعظم الله معنى ذكرها قسماً
قلد إذا شئت أهل العلم أو فقس
في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، مرّت صقلية بفترة من الفتن والمنازعات الداخلية([104])، ما جعلها تقع فريسة في أيدي المغيرين النورمان من جنوب إيطاليا. ففي سنة 1064م، حاول زعيم النورمان روبرت جيسكارد أخذ مدينة بَلَرْمُ ، وحاصرها براً وبحراً لمدة ثلاثة أشهر من دون جدوى. فأدرك أنه كاد يواجه في مسلمي صقلية عدواً شديد المراس، بخلاف ما خبره في حروبه السابقة مع اللمبارد والروم البيزنطيين في جنوب إيطاليا.
ولعلّ الهزيمة التي أوقعها النورمان بعد ذلك بجيش يقوده الأمير الزيري أيوب بن المعز بن باديس صاحب أفريقيا ـ قرب بلدة منزل الأمير MISILMERI القريبة من بَلَرْمُ ـ كانت نذيراً بقرب سقوط بلرم في أيدي النورمان. إذ أصبحت المدينة بعد تلك الهزيمة من دون نصير([105]). وأدرك النورمان ضرورة بناء قوة بحرية فعالة لإحكام الحصار على المدينة براً وبحراً، فوصل الكونت رجار النورماني إلى ظاهر بَلَرْمُ رأس جيش قوامه عشرة آلاف رجل في شهر آب (أغسطس) سنة 1071م، ثم لحق به أخوه الدوق روبرت جيسكارد على رأس الأسطول.
وأبدى المدافعون عن المدينة بسالة شهد لهم بها، وأمطروا المهاجمين بوابل من النبال والحجارة. ووصل أسطول من أفريقيا الزيرية لنجدة المدينة المحاصرة. ويذكر مؤرخ نورماني أن الأسطول الزيري كاد أن ينتصر على أسطول جيسكارد، ويُضيف بأن المسلمين غطّوا مراكبهم بخيام من اللباد اتقاء من القذائف، إلا أن الأسطول النورماني تغلّب في النهاية وأحرق عدداً من المراكب الراسية في الميناء.
وفي الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني (يناير) العام 1072م، شنّ مشاة النورمان هجوماً على حارة القصر وسط المدينة، ودارت معركة طويلة دموية أبدى فيها المدافعون بسالة عظيمة، وردّوا المهاجمين على أعقابهم. وفي هذه الأثناء، اشتدت وطأة المجاعة في بَلَرْمُ بعد أن طوق الكونت رُجار المدينة وحال دون وصول المؤن والإمدادات إليها. فقدم وفد للتفاوض بشأن تسليم المدينة، وأمّن جيسكارد السكان على أرواحهم وممتلكاتهم، وتعهد باحترام ديانتهم وشرائعهم، وطلب منهم في المقابل إعلان الولاء له ودفع جزية سنوية. ودخل الإخوان النورمانيان مدينة بَلَرْمُ، وبدرا بتحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة، هي اليوم كاتدرائية بَلَرْمُ.
كان سقوط بَلَرْمُ حاضرة صقلية الإسلامية على مدى قرنين ونصف القرن ـ بعد مقاومة وصمود باسلين داما خمسة شهور، في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الثاني سنة 464هـ/ اليوم العاشر من شهر كانون الثاني سنة 1072م.
أما كيف كانت بَلَرْمُ عند سقوطها في أيدي النورمان فإنه لم يصلنا وصف للمدينة آنذاك، إلا أن المؤرخ الإنكليزي جوليوس نوريتش JULIUS NORWICH يعلّق على ذلك بقوله: لما كان التغيير يحدث ببطء في القرون الوسطى، فغن مدينة بَلَرْمُ كانت عند سقوطها غير بعيدة عما وصفها به ابن حوقل في أواخر القرن العاشر الميلادي.
ومع أن مدينة بَلَرْمُ اتسعت كثيراً في يومنا هذا خارج الأسوار، إلا أنها احتفظت بالمظاهر الأساسية للمدينة الإسلامية. إن ما بقي في بَلَرْمُ من آثار من فترة السيادة العربية ضئيل جداً: موقع مسجد قرب كنيسة القديس يوحنـا شفيـع النـُسّـاك S. GIOVNNI DEGLI EREMETI، وبقايا برج داخل القصر النورماني وهو البرج المعروف باسم «برج بيش» TORRE PISANA، وهو مقتبس عن قصر المنار في قلعة بني حماد بشرق الجزائر الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. كما نجد أثر المسلمين باقياً في أسماء بعض الأماكن في بَلَرْمُ، كما في اسمي حيّ القصر (CASSARO) وحي الخالصة (CALSA)، وكذلك في اسم سوق العطّارين (LATTA – RINI).
تفاصيل
ونذكر فيما يلي بعض التفاصيل لبعض ما مر موجزاً عن النهاية الإسلامية في صقلية.
بعد أن انتزع النورمان من جنوب إيطاليا السيادة على جزيرة صقلية من أيدي العرب حكموا الجزيرة قرناً من الزمن (1091 ـ 1194م) انتهجوا فيه إجمالاً سياسة تسامح ديني تجاه مسلمي صقلية في وقت كانت الحروب الصليبية قائمة في المشرق. ولما كان النورمان أقلية في الجزيرة، فإنهم جنّدوا العرب وحموهم من اضطهاد النبلاء الإقطاعيين والمستوطنين الوافدين على الجزيرة من اللمبارد. ومع ذلك، فإن مسلمي صقلية تعرَّضوا للاضطهاد والمذابح أكثر من مرة خلال الفترة النورمانية ـ وبخاصة في سنة 1160 ـ 1161م وسنة 1189 ـ 1190م ـ حينما انتهز أعداؤهم فرصة ضعف سلطة ملوك النورمان.
وفي الربع الأول من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، عمَّت الفوضى والاضطرابات الجزيرة في بداية حكم الأمبراطور فردريك الثاني، وقام عرب صقلية بدورهم بحمل السلاح والثورة لحماية أنفسهم وما تبقى من ممتلكاتهم، وتمكّنوا من السيطرة على منطقة جبلية واسعة في غرب الجزيرة لفترة تقرب من ربع قرن.
وبعد أن انتُخب فردريك أمبراطوراً على رأس الأمبراطورية الرومانية المقدسة سنة 1220م، عقد العزم على أن يحكم جزيرة صقلية حكماً فردياً استبدادياً، فاتخذ تدابير للحدِّ من سلطة البارونات الإقطاعيين والكنيسة والمدن في الجزيرة، ثم بادر إلى شن سلسلة من الحملات ضد الثائرين المسلمين بغرب الجزيرة، وكان يتزعّمهم محمد بن عباد العبسي([106]) ثم ابنته من بعده. ولما نجح فردريك آخر الأمر في قمع هذه الثورة، اتخذ قراراً ـ في منتهى القسوة ـ بترحيل العرب من صقلية وإسكانهم في مستوطنة لوشيرة / لوجاره (Lu – Cera) شرقي نايلي بجنوب إيطاليا، حيث أصبحوا تحت رحمته، فاستغلَّهم في حروبه العديدة في شبه الجزيرة الإيطالية.
ثورة عرب صقلية
تمّ في بَلَرْمُ سنة 1198م تتويج الملكة كونستانس وارثة عرش صقلية وابنها الصغير فردريك الذي كان يناهز الثالثة من العمر. وبعد وفاتها في أواخر تلك السنة، تولَّى البابا أنوسنت الثالث الوصاية على فردريك. وقد تواصلت الاضطرابات في صقلية أثناء فترة طفولة فردريك، وثار عرب صقلية، واعتصموا بالجبال في غرب الجزيرة، واتصلوا بسلاطين الموحدين في المغرب معلنين ولاءهم لهم. يقول ابن عذاري المراكشي إنه في سنة 607هـ/ 1211م وصلت الأنباء إلى مراكش عاصمة الموحدين بتغلب المسلمين «على كثير مما في أيدي الروم من معاقل صقلية، ووصول أعيانهم ووجوههم إلى مدينة تونس إلى الشيخ أبي محمد بن أبي حفص، وإطلاق الخطبة في بلادهم بالدعوة المهدية الموحدية، وإنكارهم سواها من المقصورة على العباسية»([107]).
بعد أن تُوِّج فردريك أمبراطوراً سنة 1220م، قطع على نفسه عهداً بالمشاركة في حملة صليبية مرضاة للبابا الذي كان يلحّ عليه بذلك، بعد فشل الحملة الصليبية الخامسة في مصر (1217 ـ 1221م). ثم لم يلبث فردريك أن اعتذر عن تجهيز حملة صليبية بحجة انشغاله بتوطيد الأمن في جزيرة صقلية وقمع ثورة العرب فيها. وكان عرب صقلية ـ بعد كل ما عانوه من فقدان للممتلكات، ومن اضطهاد ومذابح ـ يرون أن خضوعهم لفردريك لن يجلب لهم سوى المزيد من الشقاء والتبعية الإقطاعية، ولذلك فإنهم واصلوا ثورتهم نحواً من ربع قرن بزعامة محمد بن عباد العبسي.
إن ثورة مسلمي صقلية كانت نتيجة لسوء أحوالهم الاقتصادية، ولما كانوا يتعرضون له من اضطهاد وبطش من جانب أعدائهم البارونات والإقطاعيين في الجزيرة. أضف إلى ذلك أن ضريبة العُشر (Tithe) ـ عُشْر المحاصيل ـ التي نادى بجبايتها البابا أنوسنت الثالث لتجهيز الحملات الصليبية أحدثت بالخصوص استياءًا كبيراً بين المسلمين في صقلية، وكانوا يتابعون بكل اهتمام أخبار الحروب الصليبية الدائرة في المشرق آنذاك وما يتحقق من انتصارات. ولا بد كذلك من أن روحهم المعنوية قد قويت وانتعشت آمالهم في تلك الآونة للانتصارات التي أحرزها الموحدون في الأندلس في عهد السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور (انتصر على ملك قشتالة في وقعت آلآرك Alareos سنة 591هـ/ 1195م).
وقد جابت جماعات من المسلمين أنحاء جزيرة صقلية الوسطى والغربية لاسترداد ممتلكاتها المغتصبة، وتمكَّنت من الاستيلاء على عدد من المعاقل والضياع. واستولى الثائرون على مدينة جرجنت Girgenti على ساحل الجزيرة الجنوبي تأميناً لمواصلاتهم مع شمال أفريقيا. كما أن رئيس أساقفة دير مونريال Monreale ـ القريب من بَلَرْمُ ـ فقد السيطرة على جانب كبير من ممتلكات ديره([108]). وقد قُدِّر عدد الثائرين المسلمين سنة 1220م بما يتراوح بين خمسة وعشرين وثلاثين ألف رجل([109]).
ولدى عودة فردريك الثاني من ألمانيا بعد تتويجه أمبراطوراً سنة 1220م، بادر إلى شن حرب واسعة النطاق للسيطرة على «منطقة الحرام» في داخل الجزيرة، والتي كان يُشار إليها إحياناً باسم «ثغر المسلمين»([110]).
مصادر ثورة ابن عباد العبسي
كان على رأس الثائرين العرب في صقلية ـ رجل تشير إليه المصادر اللاتينية باسم Mirabetto/ Morabit، وقد تبين الآن من المصادر العربية أنه محمد بن عباد العبسي، وكان أجداده قد وفدوا إلى جزيرة صقلية من جزيرة شريك (شبه جزيرة بون / الرأس الطيّب) بالبلاد التونسية، والتي تنسب إلى شريك العبسي الذي كان عاملاً عليها([111]).
إن اسم هذا الزعيم العربي الصقلي لم يكن معروفاً لدى الباحثين إلى عهد قريب إلى أن اهتُدي إلى نص في كتاب «التاريخ المنصوري» لأبي الفضائل محمد بن علي بن نظيف الحموي ـ وكان معاصراً للأحداث ـ ورد فيه اسم هذا الزعيم. يذكر أن نظيف الحموي ضمن حوادث سنة 620هـ أنه دخل إلى ابن عباد «ولد القاضي ـ قاضي صقلية ـ وقال له: المصلحة أن تخرج إلى طاعة الملك (فردريك) … فلما كان صبيحة تلك الليلة، خرج القاضي وابن عباد معه إلى الأنبرور (الأمبراطور)، وحضر بين يديه، فانتهره وضربه برجله وفيها المهماز شقّ جنبه وتركه في خيمة ناحية، ثم بعد سابع يوم قتله وشقّ بطنه وأخذ ماله وربط أولاده في أذناب الخيل، وتملّك الأنبرور الجزيرة، وبقيت بقية من القلاع في يد المسلمين، في يد بعض أقارب ابن عباد مثل القائد مرزوق، وهو ختنه (زوج ابنته)، عمل حيلة حسنة، وهي أنه سيّر إلى الأنبرور وقال له: «تعلمُ أن ابن عباد قد راح وما بقي لنا إلا أنت، فنفِّذ إليَّ ثقاتِكَ وخواصكَ لأسلِّم البلاد إليهم والقلاع وننزل إليك، فما أنت إلا أنت. فسيَّر الأنبرور أخصّ الناس عنده وأقربهم إليه مقدار مائة وخمسة عشر نفراً، فقتل الجميع وأخذ دوابهم وغلمانهم وقال: هؤلاء عوض ابن عباد يا عدوّ الله. فجرى على الأنبرور ما لا يوصف، وبقي الأنبرور على هذه الحالة»([112]).
وجاء في فقرة بكتاب «المغرب في حلى المغرب» عن ابن عباد العبسي أنه «ثار في أنطلة محمد بن عباد، وعظم أمره، واجتمع إليه المسلمون، ودام أمره إلى أن كبر الأمبراطور، فاشتغل بحربه حتى أذعن ابن عباد لما تكاثر عليه الفرنج، ولم ير أحداً من المسلمين ينصره، فغدر به الأمبراطور وقتله، وبقيت بعده بنته في أنطلّة، وغدرت بثلاثمائة فارس من فرسان الأمبراطور أطلعتهم على أن تمكنهم من الحصن، وقتلتهم ثم قتلت نفسها»([113]).
وكما يقول المستشرق الفرنسي ليفي ـ بروفنسال فإن رواية ابن سعيد المقتضبة التي تخلو من السنوات لم تتسن الاستفادة منها كثيراً. أما معقل أنطالة الذي اعتصم فيه محمد بن عباد وابنته من بعده فهو يعرف اليوم باسم صخرة أنطالة Rocca d’Entella ويقع إلى الجنوب الغربي من مدينة بَلَرْمُ، وإلى الغرب قليلاً من مدينة قرليون Corleone.
رواية الحميري عن بطولة ابنة
محمد عباد العبسي
أورد صاحب كتاب «الروض المعطار» رواية عن بطولة ابن عباد وابنته أكثر تفصيلاً مما أورده ابن نظيف الحموي وابن سعيد المغربي. ويرى ليفي ـ بروفنسال أن من المحتمل أن يكون الحميري وابن سعيد من قبله قد استمدا روايتهما من مصدر واحد لعله تاريخ مجهول الاسم يعود إلى أواخر أيام دولة الموحدين، أي إلى منتصف القرن الثالث عشر للميلاد ـ وعلى المصدر ذاته اعتمد الحميري كثيراً في المواد التي أوردها في معجمه الجغرافي عن المغرب والأندلس فيما يتعلق بالأحداث التي وقعت في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي) ([114]).
ونورد فيما يلي النص الكامل لرواية الحميري عن استبسال ابنة محمد بن عباد العبسي، التي لم يصلنا مع الأسف اسمها الأول، لما يحتويه من مغزى وعبرة عن مثل بطولي في الفطنة والدهاء، والبسالة وصدق الجهاد، ضربته هذه الفتاة العربية المجهولة الاسم منذ نيف وسبعة قرون.
يقول ابن عبد المنعم الحميري تحت مادة «أنطالة»:
«أنطالة حصن عظيم ومعقل منيع من حصون جزيرة صقلية، فيه تحصن محمد بن عباد القائم بأمر المسلمين في جزيرة صقلية. فلما كانت سنة ست عشرة وستمائة (1219 ـ 1220م) عقد الصُلح مع الأنبرور طاغية جزيرة صقلية وغيرها، على أن يدخل تحت طاعته ويأخذ جميع أمواله وذخائره ويجهِّزه في قطائع إلى ساحل أفريقيا، ولا يقتله. وأبت ابنته أن تدخل في هذا الصلح، وامتنعت في هذه القلعة وقالت لأبيها: أنا فداك، فإن لقيت خيراً أتبعتك، وإن كان غير ذلك فلا بد أن أنكي أعداءك وآخذ بثأرك على قدر الاستطاعة.
ولما جذفت به القطائع وغابوا عن العيون، قال له الموكلون به: إن السلطان قد وفى لك ولم يحنث في يمينه، وها نحن قد توجهنا إلى أفريقيا، وهو لم يقتلك، ونحن نغرقُك ونريح دين المسيح منك، فالذي صنعت في هذه الجزيرة مثله لا ينسى. ثم غرقوه وعادوا بجميع أمواله إلى الأنبرور، وحمدت ابنته رأيها، وزادت بصيرة في الامتناع بذلك المعقل المعانق للسحاب، وجعلت تغادي شن الغارات وتُراوحها بمن خاف غدر الأنبرور من فرسان المسلمين ورجالهم. ثم أرسلت في سنة تسع عشرة وستمائة (1222 ـ 1223م) إلى الأنبرور: إني امرأة، وقد بُليتُ بمحاربة الرجال ومداراتهم، وقد ضقت ذرعاً بالأولياء منهم والأعداء، وضعفت نفسي، ومعي من صناديد الأبطال من لا ينقاد لمرادي، فأرحني وأرح نفسك وأهل مملكتك من هذا النصب الدائم، بأن توجه لي ثلثمائة من أبطالك الذين لا يهابون ولا ينخدعون، لأدخلهم ليلاً إلى هذا الحصن ويحتوون عليه، فإذا ملكوه ودخلت أنا بعد ذلك في طاعتك، لم يكن بعد ذلك شيء يتوقع منه عائد، فأفكر فيما خاطبتك به، والله يخيَّر ويختار. قال: وكان الأنبرور قد طالت إقامته وإقامة جموعه على حصارها، فرأى ذلك غنيمة لا يجب أن يؤخِّرَ انتهاز الفرصة فيها، فاختار ذلك العدد وأرضاهم وأنفذهم في الليل، ففتحت لهم باب قلعتها وفرقتهم على أبطاله بحيل تمت عليهم. فلما ولّى الظلام وتبينت الوجوه، ركب الأنبرور إلى جهة الحصن يطلع على أعلامه كيف هي على سوره، فإذا رؤوس أبطاله معلقة ما بين شرفاته، وأعلام المسلمين منشورة وطبولهم عاملة وكلمتهم عالية، فسقط في يده، ونظر الفرنج إلى ما لم يكن في حسابهم، ولا خطر لهم أنه يتم في المنام بالأحلام. قال: فأراد الأنبرور أن يبلغ في هذه القضية غرضه بحيلة تتوجه عليها، فأرسل إليها: أنت قد عشت، ولا أبالي من مات من أهل ملتي، وقد ظهر لي أن ما في الدنيا امرأة تصلح أن يكون لي منها ولد غيرك، فتعالي حتى نتم ذلك، فأنتِ إن بقيتِ على ما أنتِ عليه وحصلت في أيدي الفرنج، قطعوك عضواً عضواً، فاختاري لنفسك ما ترينه مصلحة. فأجابت: وصلني كتابك، وفهمت حقه وباطله، وأبلغني بعض عيوني الذين لم أزل أبثهم، عليك أنت قلت: إن هذا عجب، امرأة تمكر بثلثمائة رجل. وليس هذا بعجب، وقد أنزل في الكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذكر النساء ﴿إن كيدكن عظيم﴾([115]). فهذا من ذلك، وإنما العجب مني ومنك، إذ أنا مقيمة في نشزة من الأرض ولا ناصر، وأنت تملك مسيرة نصف شهر، ولك الجيوش التي تغص بها الأرض، والخزائن، والأموال، والخواص أصحاب الآراء، وقد أثر فيك توقفك، وشغلتك عن مهمات أمورك، وقدرت عليك أكثر مما قدرت عليّ، وأنكيت فيك أشد من نكايتك في، وها أنا أقطع عليك السلاسل في الحيل، فتكفي حيلتك في أبي ثم حيلتي في أبطالك.
ومن الآن فايئس أن أحصل لك في يد وفي جسدي روح، وأنا مقاتلتك ومكايدتك حتى تفنى ذخائري التي بهذا الحصن، ويعجز أهل حمايتي، فإذا انتهيت إلى هذا الحد، فعلت ما سيبلغك. قال: فيئس الأنبرور منها وقال: ما لهذه إلا المطاولة. فبنى حصناً في مرابطة حصنها، وصار جنده يترددون على ذلك الحصن، كلما كلّت طائفة استجد غيرها إلى أن بلغت الحد الذي وعدت به، فسمّت نفسها»([116]).
أما ابن خلدون فإنه يذكر ـ خطأ ـ أن ثورة مسلمي جزيرة صقلية بزعامة ابن عباد العبسي نشبت عقب وفاة سلطان تونس الحفصي أبي زكريا يحيى، أي بعد أكثر من ربع قرن من قيام الثورة، فهو يقول: «ولما بلغ الخبر بمهلك الأمير أبي زكريا (23 جمادى الآخرة 647هـ/ 3 تشرين الأول 1249م) إلى صقلية، وكان المسلمون بها في مدينة بَلَرْمُ قد عقد لهم السلطان (أبو زكريا) مع صاحب الجزيرة (فردريك الثاني) على الاشتراك في البلد والضاحية فتساكنوا، حتى إذا بلغهم مهلك السلطان بادر النصارى إلى العيث فيهم، فلجأوا إلى الحصون والأوعار، ونصبوا عليهم ثائراً من بين عبس، وحاصرهم طاغية صقلية بمعقلهم من الجبل، وأحاط بهم حتى استنزلهم وأجازهم البحر إلى عدوته، وأنزلهم لوجارة من عمائرها»([117]).
لجأ فردريك الثاني في الفترة ما بين عامي 1222 و1224م إلى اتخاذ تدابير عسكرية صارمة ضد الثائرين المسلمين، منها إحراق المحاصيل لإجاعتهم وإهلاكهم جوعاً، أو حملهم على الاستسلام. ولعل الهزيمة الكبرى التي لحقت بالموحدين في الأندلس في وقعة العقاب سنة 609هـ/ 1212م ـ وما تلاها من انهيار لسلطانهم في الأندلس والمغرب ـ كانت أحد العوامل الرئيسية التي فتت في عضد المقاومة العربية في صقلية وأفقدتها الأمل في تلقي العون منهم.
وبعد أن قضى فردريك على ثورة عرب صقلية، اتخذ الخطوة الحاسمة لتصفية الوجود الإسلامي في الجزيرة بانتهاج سياسة ترحيلهم منها جملة وإسكانهم في مستوطنة لوشيرة (لوجارة (Lucera لمقاطعة بولية (Apulia) إلى الشمال الشرقي من مدينة نايلي. ومما يُذكر أن لسلطان مصر الكامل ـ وكان على علاقة وديّة بصاحب صقلية ـ أوفد مبعوثاً إلى فردريك للتوسط بشأن عرب صقلية، طالباً أن يتركوا وشأنهم في صقلية، أو أن يُسمح لهم بالهجرة إلى مصر، إلا أن مسعاه هذا لم يؤد إلى نتائج عملية([118]). ويورد ابن نظيف الحموي ـ ضمن حوادث سنة (627هـ/ 29 ـ 1230م) ـ تفاصيل ذلك فيقول إنه «وصل إلى الكامل بحران شخص يُقال له أحمد بن أبي القاسم المعروف بالرمان من جزيرة صقلية، من أهل مشائخ غلو من جبال صقلية … والجزيرة كلها بيد الأمبراطور إلا هذه الجبال التي فيها القلاع الخارجة عنه التي فيها هذا الرجل … وسببُ وصوله أن الأمبراطور غدر بأصحاب الجبال هناك، وعدتها أحد عشر جبلاً …
وذكر هذا الحاج المذكور أن الأمبراطور من جملة من أخذهم إلى البر الكبير (شبه الجزيرة الإيطالية) وأخرجهم من أوطانهم وأخذ أموالهم مائة وسبعين ألفاً، وقتل من الشطار مثلهم، دخلت هذه الجبال. والذي يطلب من السلطان الكامل ردهم إلى أوطانهم، فإن كان الأمبراطور لا يفعل، فيمكننا من الخروج إلى ديار مصر ولا يؤذي أحداً. فكتب له السلطان الكامل كتاباً إلى الأمبراطور بذلك، وسار عائداً من حرّان»([119]).
أمين الطيبي
بقايا العروبة في صقلية
لا تزال اللغة في صقلية تحتفظ بآثار اللغة العربية فمن ذلك أسماء بعض العائلات مثل: عائلة بوشيما (أبو شامة) وماغافرو (مغور)، ومورابيتو (مرابط)، وشورتينو (شرطي)، وسلادينو (صلاح الدين).
وفي غير أسماء العائلات هناك كلمات أخرى بغير حصر يتداولها الناس، وهي عربية في الأساس، فالقلعة عند الصقليين هي (كالتا)، والفندق هو: (فونداكو)، ومرسالا (مرسى الله)، وفادالا (وادي الله)، وتيرازي (الطراز)، ومسكينوا (مسكين)، وجارا (الجرة)، وجبلينا (جبل)، وترابيا (تربيعة). أما كلمة: ريس فتنطلق كما هي بالصقلية … وهكذا …
ويبدو التأثير العربي واضحاً أيضاً في الكلمات المستخدمة في الزراعة والموازين، فكلمة زاكر (زهرة)، ومارجينوا (مرج)، وباستكا (البطيخ)، ونارانزو (النارنج)، زاكيا (الساقية)، وروتلو (الرطل)، وكنتارو (القنطار). وهذه الكلمات لا تستخدم في الصقلية فقط، بل في اللغة الإيطالية أيضاً.
وهناك دراسة واسعة تجري حول موضوع الكلمات ذات الأصول العربية في اللغة الصقلية في معهد الدراسات الشرقية بجامعة (باليرمو).
ويرى بعض المستشرقين الصقليين أن كلمة (مافيا) ذاتها عربية الأصل، من معافى أو معفى، أي الشخص الذي أعفى نفسه من الخضوع للقانون (الخارج على القانون).
والتأثير العربي لا يزال باقياً أيضاً في بعض العادات ومظاهر السلوك. والإيطاليون يتندرون على الصقليين لأنهم يلتقون بالأحضان عندما يطول فراق الأصدقاء، ولا تزال أفراحهم يتخللها الغناء الجماعي والموسيقى الصاخبة، ومآتمهم مبالغ فيها كما يفعل العرب تماماً، من البكاء والنواح وارتداء الملابس السوداء. ولعذارة البنت قيمة لا تزال أكثر الأسر الصقلية تتمسك بها، حتى أن أحد المزارعين أطلق الرصاص على ابنته وقتلها انتقاماً لشرفه، وهو الأمر الذي أدهش الصحافة الإيطالية فأبرزت الخبر على صفحاتها الأولى.
المؤثرات العربية الأندلسية
في اللهجة الصقلية المعاصرة
تضم لغة أهل صقلية المعاصرة العديد من الكلمات ذوات الأصول العربية مثل: العين والنار والرحل والقلعة والبرج، وتوجد أكثر من 107 كلمات تبدأ بمفرد الرحل، و20 كلمة بالقلعة و8 كلمات بالمنزل، إضافة إلى تسميات الأنهار والوديان والجبال والخنادق. وهناك أكثر من 100 كلمة واسم في منطقة نوتو (نوطس) مسقط رأس الشاعر الصقلي ابن حمديس. هناك تعبيرات غير خاضعة للدلالة اللفظية، ولكن بالتصرفات والتصرف في الملفوظات التي قد تكون مركبة على الأسس والقواعد النحوية والصرفية العربية وإن كانت بمفردات وكلمات إيطالية. ويوجد تحديداً 551 لفظاً عربياً في اللغة الحديثة الصقلية واللغة الدارجة الصقلية تندرج تحت 19 مجالاً سيمانطيقياً. ويؤدي كل هذا إلى أن صقلية لها شخصية وهوية محددة سواء في الحقبة اليونانية أو البيزنطية، إضافة إلى تأثير الثقافة العربية الإسلامية إبّان عهدها الذهبي، وهو تأثير استمر ليس في الثقافة الصقلية فحسب، بل امتد إلى أكثر الثقافات الواردة على صقلية فيما بعد، وهو ما يقود الباحث إلى فرضية التزاوج والتداخل اللغوي في صقلية، فقد كانت العربية سائدة كشكل ومحتوى ووسيلة اتصال وتعبير شعبي في صقلية خلال العهدين العربي والنورماندي، بل استمرت بعد ذلك إلى عهد روجار الأول والثاني. فكانت اللغة العربية تستخدم إلى جوار اليونانية واللاتينية على حد سواء. ولكن بتداعي السلطة السياسية والاقتصادية العربية الإسلامية وببروز التعصب الديني بين أهل الجزيرة تلاشت اللغة العربية من السجلات الرسمية والتوثيق.
إن تلاشي العربية من السجلات الرسمية والتوثيق لم يكن نهايتها في تلك الجزيرة ذات التاريخ العريق، بل استمر تأثير اللغة في الحديث الدارج لأهل الجزيرة.
وفي القديم كانت صقلية تضم أعلاماً وعلماء في اللغة امتدت شهرتهم إلى الكثير من الديار الإسلامية، وزار صقلية أشهر اللغويين الذين أقاموا فيها ومارسوا التدريس ومنهم الأندلسيون بشكل خاص مثل موسى بن أصبغ المرادي القرطبي الذي نظم فيها «المبتدأ» في ثمانية آلاف بيت، ومحمد بن قطري الزبيدي النحوي الإشبيلي، وابن قرة الأندلسي.
وفي المدرسة اللغوية الصقلية تخرج ابن القطاع وأبو العرب وابن مكي الصقلي. إضافة إلى أن ابن رشيق ضم جهوده إلى جهود هذه المدرسة وقوى فيها الناحية الأدبية النقدية، لذلك فإن كثيراً من علماء صقلية وجدوا مكانة مرموقة في الديار الإسلامية الأخرى وحازوا شهرة واسعة مثل: الربعي الصقلي الذي هاجر إلى قرطبة، ومحمد بن عبد الله الصقلي الذي عاش في غرناطة، وعباس الوراق الصقلي الذي كتب عن ابن الفرضي صاحب تاريخ علماء الأندلس، وكتاب تثقيف اللسان لابن مكي يعتبر أصدق نتائج للمدرسة الصقلية اللغوية بصورة خاصة، ويقول مؤلفه إنه كتبه استجابة لرغبة سائل سأله أن يجمع له مما يصحفه الناس في ألفاظهم وما يغلط فيه أهل الفقه.
وهذا دليل على استقلال هوية صقلية في طابعها اللغوي وهو مؤشر إلى وعي قومي في نفس المؤلف الذي قام بتقسيم كتابه إلى خمسين باباً، تحدث فيها عنه التصحيف والإبدال والزيادة في الأسماء والنقص فيها وتأنيث ما هو مذكر وتذكير ما هو مؤنث. ويمكن استخدام هذا الكتاب أيضاً كدليل أثناء دراسة هوية أهل الجزيرة وانتماءاتهم، لأن تذكير المؤنث، وتأنيث المذكر دليل على اختلاف الأصول العرقية القبلية للناس الذين ترجع أصولهم إلى قبائل تميمية وقيسية وكلبية، أو تكشف عن أصولهم إلى قبائل تميمية وقيسية وكلبية، أو تكشف عن أصولهم الجغرافية خصوصاً أولئك الذين جاؤوا إلى سوريا أو مصر أو المغرب، ومنهم أصول غير عربية من بربرية وفارسية، إضافة إلى نتاج مختلط من الأندلس …. لذلك لم يكن لأهل صقلية لهجة محددة.
إن ذلك الخليط كان في إطار لهجة صقلية سائدة أقرب إلى لهجة الشمال الإفريقي المغربي، ولكن بها من عناصر الإمالة والإلحاق ما يجعلها أقرب إلى تأثير اللهجة المشرقية التميمية. ولا تزال بقايا هذه اللهجة تتمثل في الهمز والحلقيات التي يتحدث أهل صقلية اليوم بكلمات إيطالية، ولكن التركيب اللغوي أقرب للغة العربية.
إن أصل اللحن في اللغة يعود إلى الحقبة العربية في صقلية أيضاً، فيذكر أن مثقفي وعلماء الجزيرة لم يتحرجوا من اللحن اللغوي، أو التصحيف والتحرر من القواعد الصحيحة للغة إن ابن حوقل شهد خطيباً في باليرمو في يوم جمعة وسمعه يجزم الأسماء مع الصلة، ويجر الأفعال من أول خطبته إلى آخرها، ولم يكن بين الناس من يعترض عليه مع أنه خطبهم نحو حولين ويذكر ابن مكي امتداد اللحن إلى مجال الكتابة فيقول: «أصبح التصحيف في المشهور من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، واللحن الواضح في المتداول منه، وتعمد الوقف في مواضع لا يجوز الوقوف عليها في كتاب الله عز وجل، وتغيير أشعار العرب وتصحيفها. وفي تصنيف كتب الفقه وغيرها، ملحونة تقرأ كذلك فلا يؤبه إلى لحنها، ولا يفطن إلى غلطها».
الصغانيان
إلى غرب نهر الوخش، ناحية يحدّها من جنوبها نهر جيحون، سماها العرب الصغانيان، وكتب اسمها بالفارسية جغانيان. وكان القسم الشرقي من هذه الناحية يعرف بالقباذيان نسبة إلى مدينة بهذا الاسم كانت على أول نهر يلتقي بجيحون غرب وخشاب. وصف ابن حوقل قباذيان، أو قواذيان، بقوله: «هي أصغر من ترمذ بكثير، وتسمى فز. ونهر القباذيان الذي تقوم عليه المدينة في غاية الطول. وكان في هذه الناحية، على ما ذكر المقدسي، كثير من المدن الجليلة، منها أوزج، ولعلها أيوج الحالية. وهي على ضفة جيحون الشمالية فوق ترمذ وتحت رباط مِيْلَه الذي في الضفة اليسرى. وذكر ياقوت أن الناحية مشهورة بفواكهها.
وفي أعالي نهر القباذيان واشجرد، وهي على ما ذكر الإصطخري «نحو ترمذ في الكبر». وعلى شيء يسير من جنوبها، قلعة شومان أو الثومان العظيمة. وكان يكثر في هذه الناحية حول شومان: الزعفران ومنها يحمل إلى سائر الآفاق. وأشار المقدسي إلى شومان فقال: «شومان من الأمهات، عامرة طيبة». وزاد ياقوت على ذلك قوله في أهلها «قوة وامتناع عن السلطان».
وكانت في أيامه من الثغور الإسلامية أمام الترك. وكثيراً ما أشار علي اليزدي إليها في وصفه لحروب تيمور، باسم حصار شادمان وغالباً ما اختصره بلفظة حصار أو حصارك فقط. وتعرف اليوم بحصار أيضاً.
ومدينة الصغانيان، هي مدينة سر آسيا الحديثة على ما يحتمل، في أعالي نهر الصغانيان، ويقال له أيضاً نهر زامل. كانت الصغانيان في المئة الرابعة (العاشرة)، على ما ذكر الاصطخري.
«مدينة أكبر من ترمذ إلا أن ترمذ أكثر أهلاً ومالاً. وللصغانيان قلعة» وكانت تقوم على جانبي النهر. أما المقدسي فقال: الصغانيان تكون مثل الرملة في فلسطين وجامعها وسط السوق، «وهي من معادن أجناس الطيور وموضع الصيد». ومن أعمالها 6000 قرية.
على أن أجل مدن ناحية الصغانيان، مدينة ترمذ في شمال مضيق نهر جيحون وهو آت من بلخ بالقرب من ملتقى نهر زامل به. وكان لترمذ في المئة الرابعة (العاشرة) قلعة فيها دار الإمارة، والربض حول المدينة التي كان عليها سور داخل، وعلى الربض سور ثان، ومسجدها الجامع من اللبن في أسواق المدينة. وكانت أسواقها بالآجر ومعظم سككها مفروش بالآجر. كانت ترمذ فرضت التجارات المحمولة من الشمال إلى خراسان. وللمدينة ثلاثة أبواب، كانت على قول المقدسي حصينة منيعة.
وفي سنة 617هـ ـ (1220م) غزتها جحافل المغول وهي في طريقها جنوباً إلى خراسان. وقامت بعد هذه الغزوة مدينة جديدة في نحو من القديمة كبراً على ما ذكر ابن بطوطة، وقد زارها في المئة التالية لها فقال بنيت هذه الحديثة على ميلين من القديمة المهجورة. وقد أحاطت بها البساتين الكثيرة وبها العنب والسفرجل كثير متناهى الطيب.
وفي يمين نهر جيحون، على شيء يسير أسفل ترمذ، كانت نَوِيده. وفيها يعبر النهر من أراد سمرقند من بلخ. وفي نويده مسجد جامع في وسط البلد، وكانت آخر ما على نهر جيحون من مدن الصغانيان. وعلى مرحلة شمال غربي ترمذ، في طريق كش ونخشب في الصغد، مدينة هاشم جرد، وقد كان لهذه المدينة بعض الشأن في المئة الرابعة (العاشرة). وعلى مرحلتين من شمالها كان الطريق يجتاز باب الحديد المشهور.
صنعاء
ـ 1 ـ
تقع مدينة صنعاء في قاع يسمى «قاع سنحان» بين جبلين كبيرين هما: جبل «نقم» الذي يطل عليها من الشرق وجبل «عيبان» الواقع في الجهة الغربية منها.
كما تقع في شمالها مناطق «شعوب والروضة والجراف»، وتشتهر بالكروم والمياه الجوفية المتدفقة وإلى الجنوب منها تقع «حدة» التي أصبحت الآن جزءاً من صنعاء لامتداد العمران. ومن الضواحي القريبة «سنع» التي تشتهر مع حدة بالمياه العذبة والشلالات والأشجار الكثيفة.
منظر عام لمدينة صنعاء
وترتفع صنعاء عن سطح البحر بحوالي 2200 متر، وهذا يجعل جوها معتدلاً تقريباً بحيث لا تصل درجة الحرارة فيها إلى أقل من خمس درجات مئوية شتاءاً، ولا ترتفع أكثر من خمس وثلاثين درجة في الصيف، والزائر لهذه المدينة يحس بأن جوها ومناظرها الطبيعية لهما نكهة خاصة ترتاح النفس إليها.
وصنعاء اليوم تفتح ذراعيها لاستقبال حداثة العصر إلا أنها تحتضن حياة الماضي المتمثل في المحافظة على طراز مبانيها القديمة، حيث ما زالت الحجارة المنحوتة والعقود والنقوش القديمة، تغلب على طابع التجديد فيها إذ استثنينا بعض المباني الحديثة، لأن الصنعانيين يعتزون بطرازهم المعماري القديم اعتزازهم بأزيائهم الوطنية المتعددة الألوان، والخناجر المغروسة في حزام كل واحد منهم، وكمحافظة غالبية نسائهم على العباءة والنقاب الذي لا تظهر منه سوى العينين.
ومن معالم صنعاء التي ما زالت موجودة، بقايا سورها ذي الثمانية أبواب وقصر غمدان وجامعها الكبير وقصر الحجر الواقع في أحد الأودية القريبة منها، بالإضافة إلى بعض المعالم الحديثة كجامعة صنعاء ودار الكتب الوطنية.
وكانت صنعاء إحدى عواصم الملوك الحميريين حتى أن أحد ملوكهم وهو «شعير أوتر» في القرن الثاني الميلادي بنى سوراً حولها، وأعقبه بعد ذلك الملك المدعو «كرب إل وتر» الذي ساهم بعد سلفه في بناء هذا السور. وعندما جاء «طغتكين الأيوبي» سكن خارج صنعاء في بستان السلطان بسور المدينة القديم الذي بناه الحميريون، وكان هذا العمل قبل ثمانمئة عام.
باب اليمن خلال الاحتفالات بأعياد الوحدة اليمنية في صنعاء
هذا السور كانت له ثمانية أبواب لم يبق منها إلا باب واحد فقط هو «باب اليمن». أما الأبواب الأخرى التي لم تعد موجودة الآن فهي: «باب السلام، وباب خزيمة، وشعوب، والسج، وعصر، والبلغة، وباب الروم»، وقد استبدلت هذه الأسماء جميعها بأسماء حديثة كباب صنعاء الجديدة، وباب الإذاعة، وباب الشراعي …. إلخ.
كما أنشئ متحف صنعاء حديثاً ويضم كثيراً من الآثار. ولا تزال الأسواق القديمة ومحلات صنع وبيع الصناعات التقليدية موجودة بكثرة حيث تعرض الخناجر والسيوف والحلي التي تجتذب الزائرين والسياح لشرائها وهذا ما يجعل تلك الأسواق غاصة بالمشترين الأجانب.
ويقع قصر غمدان الأثري القديم على أكمة سوق القبو بالقرب من سوق النجارين والحدادين حالياً، ويمتد إلى الجامع الكبير وإلى مكان يسمى «عديل»، ولا يزال ما تبقى من بنائه شامخاً على تلك الأكمة.
وينسب قصر غمدان إلى آخر ملوك القرن الأول بعد ميلاد المسيح عليه السلام، وهو الملك «أليشرح بن يحصب». وقد أورد ياقوت الحموي في معجم بلدانه، والهمذاني في «صفة جزيرة العرب» أن هذا الملك هو الذي بناه، وكان ـ كما يقول المؤرخون ـ يتكون من عشرين طابقاً.
وتدل بقاياه على أنه قد شيد من حجر الجرانيت ومن الرخام والمرمر. ويقال: إن الملك الذي شيده أقام بلاطه في أعلى طبقة منه، ولما بلغ غرفته العليا غطاه برخامة شفافة كان يميز من خلالها نوع الطائر الذي يمر به.
ومما أورده المؤرخون أن أركانه الأربعة كانت عليها تماثيل أسود صنعت من البرونز مجوفة وقد صممت بحيث تكون رجل الأسد في الدار ورأسه وصدره خارجان عن القصر، وما بين فمه إلى مؤخره محركات مدورة إذا هبت الريح ودخلت أجوافها سمع لها زئير كزئير الأسود.
وبسبب ارتفاعه الشاهق كان يشاهد ليلاً من مسافات بعيدة عندما يسرج ليلاً بالقناديل، وفي إحدى قصائد الهمذاني وصف له وقد تجلبب بالغيوم:
يسمو إلى كبد السماء مصعداً
عشرين سقفاً سمكها لا يقصر
ومن السحاب معصب بعمامة
ومن الغيوم ممنطق ومؤزر
وبكل ركن رأس نسر طائر
أو رأس ليث من نحاس يزأر
وقد احتفظ هذا القصر ببنائه حوالي 630 عاماً أي حتى أوائل القرن الهجري الأول، ولا تزال أجزاء منه باقية ومدفونة تحت التراب ربما تضيف ـ مستقبلاً ـ أشياء جديدة إلى الآثار الموجودة حالياً في متاحف اليمن.
وتختلف الروايات حول بناء الجامع الكبير فبعضها يذكر أن بانيه هو «وبر ابن يُحَنِّسْ الأنصاري» بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها يقول: إن «أبان بن سعيد بن أمية» والي صنعاء من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الذي بناه بأمر منه. ورواية أخرى تشير إلى أن «فروة بن مسيك المرادي» هو الذي أسسه عندما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى صنعاء.
هذه بعض روايات جاءت ضمن أقوال متعددة عن تأسيس وبناء «جامع صنعاء الكبير»، ومهما يكن الأمر ومهما تختلف الروايات فإن هذا الجامع يعد أثراً من آثار عاصمة اليمن فهو يعكس بتاريخه اهتمام الحكام المسلمين ـ في مختلف عصورهم ـ بالحفاظ على بيوت الله عامرة ليذكر فيها اسمه وتقام فيها شعائره.
ومن الذين ساهموا مساهمة كبيرة في بناء هذا الجامع الملكة الصليحية «أروى بنت أحمد» التي يستغرب المؤرخ اليمني زيد بن علي عنان من أين جاء لها هذا الإسم؟ أسم «أروى»، إذ يقول: إن اسمها الحقيقي هو «السيدة بنت أحمد» التي لا تمر مناسبة إلا وتغنى اليمنيون بأمجادها حيث عاشت بلادهم عهداً زاهراً أيام حكمها تجارة وعمراناً وأمناً ورخاء.
ويقال: إن فترة من الفترات التي حكمت فيها هذه الملكة الصليحية هطلت على اليمن أمطار غزيرة، وانحدرت سيول جارفة على مدينة صنعاء، تهدمت على أثرها الدور والمنازل، وأحدثت خراباً كبيراً، كان من ضمنه ما لحق ببعض أجزاء الجامع من تصدع وانهيار. كان ذلك في القرن الخامس الهجري إبان حكم هذه الملكة، فأمرت ببناء الجزء الذي حدث فيه التصدع وهو الجزء الشرقي أو الجناح الشرقي كما يحلو للصنعانيين أن يسموه.
ولعل ما يدعو إلى الغرابة حقاً أنه رغم ما هو متعارف عليه من أن الملكة أروى أو السيدة بنت أحمد الصليحي هي التي بنت هذا الجناح، إلا أن تاريخ الجنداري ينفي أن تكون الملكة الصليحية قد قامت بشيء من هذا العمل.
وآخر وضع لهذا الجامع هو ما وضعه عليه «محمد بن إبراهيم بن يعفر، ومعظم أحجاره مأخوذة من قصر غمدان، يدل على ذلك بعض الرسوم والنقوش الموجودة على أبنيته.
وعندما كان «سنان باشا» ـ أحد حكام الأتراك ـ موجوداً في اليمن في القرن العاشر الهجري بنى القبة الموجودة حالياً في وسط صحن المسجد، وكان الغرض منها حفظ زيت السمسم «السَّليط» الذي كان يستعمل للإضاءة في ذلك الوقت وإيداع النقود التي يحصل عليها الجامع من دخل الأوقاف التابعة له.
والأسواق التقليدية تمثل جانباً بارزاً من جوانب الحياة اليمنية القديمة في العاصمة صنعاء.
حوانيت متجاورة وباعة ومتجولون لا توجد أسواق متخصصة لأنواع معينة من البضائع، لكنها أماكن متداخلة ومتجاورة. البعض يبيع أصحابها الزبيب اليمني الجيد واللوز البلدي الذي يرتفع ثمنه عن الأنواع الأخرى، والبعض يباع فيها البن وأخرى تعرض فيها البهارات والتوابل.
الحداد قريب من بائع الذهب والبقال يجاور بائع الكتب، وآنية الفخار يطل صاحبها على بائع الخناجر والسيوف، ومشتري الطعام لا يجد صعوبة إذا أراد شراء قماش أو عطور.
أنماط مختلفة من التجارة يتداخل بعضها في بعض، وهذا لا يعني أن صنعاء تخلو من الأسواق الحديثة والمعارض والمكتبات وإنما هي صور تقليدية لا تخلو منها أي مدينة من المدن التاريخية العريقة لكنها في صنعاء أكثر وضوحاً منها في أي مدينة أخرى.
وتضم أرفف مكتبة الجامع مجموعة نفيسة من المخطوطات في مختلف العلوم تبذل نحوها عناية كبيرة من المسؤولين عنها من حيث المحافظة عليها ومن حيث الترتيب والتصنيف، وقد بلغ حرص هؤلاء المسؤولين ـ وهم شيوخ أجلاء ـ أنهم لم يسمحوا بتصويرها خوفاً من تسرب بعضها بطريقة غير مشروعة، ولعل هذا التراث يرى النور على أيدي المحققين وأصحاب الاختصاص ففي ذلك إثراء كبير للمكتبة العربية.
وتوجد في جامع صنعاء مجموعات من حلقات الدرس، فهذه حلقة يقوم فيها معلم بتدريس القرآن الكريم، وثانية يدرس فيها الحديث الشريف، وثالثة لتدريس الفقه وأصوله، وفرادى هنا وهناك بعضهم يستظهرون القرآن وبعضهم يقرؤون علوماً مختلفة.
وفي مساجد أخرى كمسجد قبة البكيرية ومسجد المتوكل يوجد بعض المعلمين الذين يقومون بتدريس الطلاب من البنين، وعملية التدريس هذه تتم بالشرح على أجزاء ـ تشبه السبورات ـ من حيطات المسجد، وهذا يعود إلى ازدحام المدارس التي يضم الفصل الواحد منها ما بين 80 ـ 110 من الطلاب، وهذا النوع من التدريس في المساجد يقتصر على القرآن الكريم والقراءة والحساب.
ومتحف صنعاء واحد من مجموعة من المتاحف التي أنشئت حديثاً في المدن اليمنية تمتلئ صالاته وجنباته بنماذج مختلفة من الآثار، والزائر له يشاهد الآثار السبئية والحميرية والمعينية التي تروي ـ رغم صمتها ـ تاريخ أمم عاشت لتعمل وتبني.
ومع أن العناية المبذولة للحفاظ على تلك الآثار جيدة إلا أن معظمها مجهول النسبة، ويقول المسؤولون: إنه رغم السطو غير المشروع على الآثار اليمنية، بالإضافة إلى ما عثر عليه بطريقة البحث والتنقيب، فإن ما اكتشف حتى الآن لا يتجاوز 2 % منها، وإنهم ليتمنون اليوم الذي يتمكنون فيه من اكتشاف كنوز التراث الهائل وضمه إلى التراث الحضاري والإنساني.
وفي الشمال الغربي من مدينة صنعاء يقع «وادي ظهر» بجباله الشاهقة وبساتينه وأشجاره وآثاره الحميرية. طوله يبلغ حوالي 6 كم وبجواره تقع قرى «القابل والروض» بحصونهما الأثرية «كطيبة وفدّة» وغيرهما. لكن أبرز ما في هذا الوادي هو «قصر الحجر» الذي لم تورد المصادر التاريخية عنه شيئاً يشبعن شهية الباحث. ورغم اهتمام المؤرخين اليمنيين بكل قطعة أثرية في بلادهم إلا أنه إذا ذكر فلا يشار إليه بأكثر من أنه بناء عظيم في هذا الوادي أو أن «الإمام الناصر» هو الذي بناه وأنه تهدم بعد ذلك وأعيد بناؤه في عهد قريب بشكله الذي هو عليه الآن.
ونعود مرة ثانية إلى قلب صنعاء نعبر العصور ونتجاوز الأزمنة لنصل إلى بعض معالمها الحديثة الهامة وهي: «دار الكتاب الوطنية» التي تعتبر إحدى ثمار التعاون بين اليمن وبعض البلدان العربية الشقيقة.
بدأ بناؤها في سنة 1964م، وتسلمتها الجهة المختصة في سنة 1969م، وانطلاقاً من الخوف الشديد والحرص على صيانة المخطوطات القديمة أبقيت في مكتبات الجامع الكبير واكتفى بنقل الكتب المطبوعة فقط إلى الدار الجديدة التي تراود القائمين عليها فكرة إنشاء بناء آخر بجانب الدار أو إقامة طابق آخر فوقه تمشياً مع الرغبة في توسعته ليتمكن من استيعاب أكبر عدد ممكن من الكتب في شتى نواحي المعرفة. أما المخطوطات فستبقى في الجامع الكبير.
وأنشئت «جامعة صنعاء» في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من سنة 1970م.
وقد بدأت تمارس نشاطها العلمي في العام الدراسي 70/ 1971م، بكليتين: الأولى «كلية التربية» وكانت تضم الطلاب الراغبين في دراسة الآداب أو العلوم أو التربية، والثانية «كلية الشريعة والقانون».
… أحيطت بالمباني السكنية لعزلها عن المارة
وفي عام 71/ 1972م، تم تعديل اسم كلية التربية لتصبح «كلية الآداب والعلوم والتربية»، وفي العام 73/ 1974م، انقسمت هذه الكلية إلى كليات ثلاث هي: «كلية الآداب» و«كلية العلوم» و«كلية التربية»، وفي نفس العام افتتحت شعبة للتجارة والاقتصاد ألحقت آنذاك بكلية الشريعة والقانون ثم استقلت وأصبحت كلية للتجارة والاقتصاد في 74/ 1975م.
واستناداً إلى الإحصاءات فقد بلغ مجموع طلابها في العام الدراسي 79/ 1980م (4123)طالباً وطالبة، كما بلغ مجموع الخريجين في العام الدراسي 78/ 1979م (1111) خريجاً وخريجة.
وفي الحنين إلى صنعاء يقول محمد بن يوسف بن أقنونة:
يا ليت شعري هل الأيام محدثة
من طول غربتنا يوماً لنا فرجاً
وهل ترى الشمل يضحى وهو ملتئم
وينهج الله صباً طالما حرجا
لا حبذا بيت ريب لا ولا نعمت
عينا غريب يرى يوماً بها بهجا
وحبذا أنت يا صنعاء من بلد
وحبذا عيشك الغض الذي درجا
أرض كأن ثرى الكافور تربتها
وماؤها الراح بالماذي قد مزجا
تهدي إلى الشم أنفاس الرياح بها
ما هبت الريح فيه العنبر الأرجا
ويأتي شاعر حديث آخر يقول:
«صنعاء» يا دار الحضارة والعلى
ومحط كل سميدع ومليك
«باريس» دونك في الجمال ولندن
وعواصم الرومان والأمريك
فجمال تلك مزخرف متكلف
وجمالك المطبوع من باريك
وقديماً قال الحادي:
لا بد من صنعا وإن طال السفر
إبراهيم عبد الله مفتاح
صنعاء
ـ 2 ـ
لمحة تاريخية
تعتبر صنعاء من أقدم وأعرق المدن العربية بيد أن تاريخ إنشائها وبداية عمرانها لا يعرف على وجه تطمئن إليه النفس.
وذكر الحسن بن أحمد الهمداني، وهو من أعلام المائة الرابعة ـ أن صنعاء أقدم مدن الأرض([120]). ووصفها في كتابه صفة جزيرة العرب بقوله «هي أم اليمن وقطبها لأنها في الوسط بينها وبين عدن كمثل ما بينها وبين حدود اليمن من أرض نجد والحجاز وأن اسمها في الجاهلية (أزال)([121]) ثم ذكر أن أزال اسم أحد أولاد قحطان وما تزال تعرف صنعاء بأزال إلى اليوم» وبخاصة عند الشعراء في شعرهم، ولعلها من الأزل بمعنى القدم.
وهناك مصدر آخر وهو النقوش أو الكتابة الحميرية المزبورة على الأحجار، فقد ورد في بعضها ذكر صنعاء ويعود تاريخه إلى أوائل القرن الأول الميلادي في عهد الملك نشأكرب يهنعم بن إلى شرح يحضب الأول الذي بنى قصر غُمدان.
وتقع صنعاء في السفح الغربي من جبل نُقم عند ملتقى ثلاث قبائل وهي (بني الحارث) من الشمال و(سَنْحان) من الجنوب و(بني مر) من الغرب. وكانت مقسمة إلى أحياء تعرف بالدروب، منها دَرْب السِرار، وكان في الجانب الشمالي من صنعاء، وهو المعروف الآن بسوق البقر وداود وطلحة، ودرب القطيع، وكان في الجانب الجنوبي من المدينة وهو باب اليمن وما حوله شرقاً وغرباً وشمالاً. وتعرف أحياء صنعاء الآن بأسماء المساجد الواقعة فيها. وكانت السائلة التي تنحدر من نُقُم عند نزول الأمطار تشق صنعاء من الشرق إلى الغرب ثم حول مجراها إلى شمال المدينة كما هي عليه اليوم بعد أن خربت جامع صنعاء في المائلة الثالثة الواقعة على عدوتي السائلة.
تتميز صنعاء بجمال مبانيها الفريدة الطراز الذي ظلت محافظة عليه منذ عهود موغلة في القدم، وكان من مبانيها الشهيرة غُمدان، وهو قصر كان بديع الصنعة شامخ البنيان، فقد ذكر الهمداني في الجزء الثامن من الإكليل أنه كان مكوناً من عشرين سقفاً، وكان فيها بين كل سِقْفَين عشرة أذرع، وكانت غرفة الرأس العليا مجلس الملك اثنتي عشرة ذراعاً عليها حجر من رخام، وكان في زواياه الأربع أربعة أسود من نحاس أصفر خارجة بدورها فإذاهبّت الريح في أجوافها زأرت كما يزأر الأسد. وقد بناه إلى شرح يحضب وكانت حمير تنزله وتزيد فيه حتى أخرب في أيام عثمان بن عفان.
وذكر الهمداني أنه بقي من حد غمدان القديم قطعة ذات جروب متلاحك عجيب فهي قُبالة الباب الأول والثاني من أبواب الجامع الشرقية وباقي غمدان تل عظيم كالجبل، وكثير مما حوله من منازل الصنعانيين فمنه بنيت، وفي تله تحصن ابن الفضل القرمطي يوم دخل صنعاء ووافى مسجد صنعاء وانقض على سلطانها وأهلها([122]) ولمكانة هذا القصر في نفوس أهل اليمن فقد بنوا قصراً آخر في أعلى مكان من صنعاء من جهة الشرق. وكان يعرف بقصر غُمدان أيضاً وأحياناً كان يسمى قصر صنعاء وما يزال إلى اليوم، ولكن التسمية قد تغيرت وصار يعرف من بعد قيام الثورة بقصر السلاح تمييزاً له عن القصر الجمهوري ويوجد فيه عدد من المباني المتعددة الأغراض ففيه مخازن للأسلحة ومخازن للحبوب والطعام وطاحون وفرن، ويوجد فيه مسجدان عدا قبة المرادية التي بناها مراد باشا أحد رجال الدولة العثمانية سنة 984م ويوجد فيه ايضاً سجنان، كما يوجد فيه بعض القصور ومنها (الدار الحمراء).
وكان يعتقل فيها بعض الشخصيات الكبيرة من أمراء ورؤساء وزعماء البلاد ولكنها هدمت، وبنى الإمام يحيى مكانها المفرج الموجود إلى اليوم كما بنى داراً عالية وقد هدمت منذ بضع سنوات حينما اعتصم بها الشيخ أحمد عبد ربه العواضي بعد أن قتل حراسه فأمر القاضي عبد الرحمن الأرياني رئيس المجلس الجمهوري آنذاك بهدمها عليه مخافة أن يهرب منها.
وفي القصر أيضاً جربة المدافع، وقد بناها الفريق أحمد فيضي باشا أحد قادة الجيوش العثمانية في أوائل المائة الرابعة عشرة.
ويبلغ ارتفاع بعض بيوت صنعاء في أيامنا ثمانة أدوار (طبقات) ويفصل بين كل دور وآخر زمنار(حزام من الخارج ويبنى من مادة البناء نفسه بأشكال هندسية رائعة الزخرفة. وكل دور مستقل بمرافقه وله باب يدعى باب الحاجز، ويبنى الدور الأرضي وأحياناً الدور الأول من الحجر البيضاء والنوافذ والأركان بالحجر السوداء (الجبش) وكان يستعمل الدور الأرض مخازن للحب والحطب وحظائر الماشية وعلفها وحجرة للمطاحن كما تسمى الساحة الممتدة من باب البيت إلى الداخل بالدهليز، ويوجد في بعض البيوت حجرات فوق الطابق الأول تسمى المحاكم (جمع محكمة) إذا كان صاحب البيت قاضياً شرعياً أو عاملاً للنظر فيها في شؤون الشكاوى المرفوعة إليه من المتنازعين، كما كان يخصص بعضها لنزول الشركاء الذين يأتون لصاحب البيت بنصيبه من غلة أرضه بعد الحصاد ويأتي فوقها الدور الأول (الحافة السفلى) وتسمى الحجر الموجودة فيه بالدواوين (جمع ديوان) لاتساعها فبعضها يكون بطول البيت ويخصص استعماله لاجتماع المناسبات عند صاحب البيت كالعرس أو الولادة أو الموت، والدور الثاني (الحافة الوسطى) تكون خاصة بالنساء والأطفال للجلوس والأكل والنوم ولشؤونهن الخاصة وللاجتماعات وتدعى كل حجرة فيه بالمنظر وللتمييز بين تلك المناظر فإن كل واحدة تعرف بالجهة مثل المنظر العدني (الجنوبي) والمنظر القبلي (الشمالي) والمنظر الشرقي والمنظر الغربي والأدوار العليا ينفرد بها الرجال.
يوجد في كثير من بيوت صنعاء حجرات في اعالي البيوت تسمى الواحدة منها مفرج. والجمع مفارج وهي مستطيلة الشكل ذات نوافذ واسعة منخفضة ليرى الجالسون فيها أثناء القيلولة حقول صنعاء وضواحيها وأرباضها ويبني المفرج عادة فوق قطب الدار ومن تحته طابق حتى يرتفع المفرج عن مستوى التجواب([123]) ويوجد في كل بيت من بيوت صنعاء بئر وفي بعضها بئران وتستعمل مياهها للغسل والتنظيف فقط.
وكانت شوارع صنعاء مفروشة بالحجارة كما حكى ابن رستة في الأعلاق النفيسة وابن بطوطة في رحلته حينما جاء إلى اليمن في ايام الملك المجاهد الرسولي في المائة الثامنة فإذا نزل مطر غسل جميع أزقتها وأنقاها.
وتمتاز صنعاء بمساجدها الكثيرة ومآذنها السامقة وقبابها الساطعة ففيها من المساجد ما ينيف على المائة، منها واحد وعشرون مسجداً بمآذن، وخمسة بقباب وأهم تلك المساجد هي المسجد الجامع (الجامع الكبير) فهو أشهر وأعظم مساجد اليمن على الإطلاق وقد بناه وبر بن يحنس الأنصاري في السنة السادسة بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بناه فروة بن مسيك المرادي وتم توسيعه في زمن الوليد بن عبد الملك. ولما ولى داود بن علي بن عبد الله االعباسي على الحجاز واليمن أناب على اليمن عمر بن عبد المجيد بن عبد الرحمن بن الخطاب فكان أول من بوّب الجامع. أما الباب الذي كان يدخل منه الولاة والأئمة والملوك المجاور للمحراب فهو من الأبواب القديمة وعليه كتابات حميرية مزبورة على صفائحه الحديدية، ويقال: إنه من أبواب قصر غُمدان: ثم جدد بناء الجامع الأمير علي بن الربيع المداني الحارثي أحد ولاة بني العباس سنة 136 كما يفيد النص المزبور بالخط الكوفي على حجرة بيضاء من البلق المثبتة حديثاً في جدار مدخل المكتبة الشرقية وكان لا يعرف موقعها في الجامع من قبل. ثم عمره محمد بن يُعفر الحوالي سنة 265 وقيل سنة 266 بعد أن خربه السيل وقد ذكر الجندي في كتابه السلوك نقلاً عن القاضي سري الدين بن إبراهيم العرشاني المتوفى بصنعاء سنة 626هـ قاضي صنعاء أن تاريخ التجديد وجد مكتوباً في اللوح بالقرب من سقف الجامع وأن بعض الولاة حسد ابن يُعفر على ذلك وأراد محوه واعتنى به قلم يقدر على ذلك لصلابة الخشب الذي نقر فيه الكتاب([124]).
وقد أضاف إليه اسعد بن أبي يعفر إبراهيم بن محمد بن يُعفر المجنب الشرقي والغربي (الجناح الشرقي والجناح الغربي) كما أفاد المؤرخ أحمد بن صالح بن أبي الرجال في مطلع البدور في ترجمة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد الأكوع وبلغ ما أنفق بنو يُعفر عن عمارة الجامع ـ كما روى المؤرخ عبد الرحمن بن محمد الحُبَيْشي في كتابه الاعتبار في التواريخ والأخبار ـ خمسة وعشرين ألف دينار، والدينار اليعفري يومئذ ثلاثة دنانير ملكية. والجامع منذ ذلك التاريخ على ذلك البناء كما أفاد عبد الرحمن بن علي الدبيع المتوفى سنة 944 فقد قال: (ولما رجع أي محمد بن يعفر ـ من الحج بنى جامع صنعاء على الحال التي هو عليها الآن) ([125]).
منظر داخلي للجامع الكبير في صنعاء
وقد بنى الجامع من أحجار ودعائم قصر غُمدان الذي كان موقعه بحذاء مكان الجامع من جهة الشرق والشمال ومعظم دعائمه قطعة واحدة من حجر البلق وقد نحتت نحتاً فنياً بعضها عليها كتابات حميرية.
ويعتبر سقف الجامع الكبير آية فنية في جمال الزخرف البنياتية المتنوعة والأشكال الهندسية المختلفة ويحيط به من كل مكان حاشية من الخشب محفور عليها سور من القرآن الكريم بالخط الكوفي. وقد تعرض سقف مقدم الجامع للتلف في بعض أخشابه بطريقة شوهت جماله وأفسدت روعته وهو يحتاج إلى عناية خاصة لترميمه وإصلاح ما فسد منه ودهن السقف كله بمادة خاصة تحفظ عليه بهاءه وتطيل عمره.
ومن المساجد الأثرية المشهد (الجبانة) لصلاة العيدَيْن ويقع في الشمال الشرقي من صنعاء وقد بناه الصحابي فروة بن مُسَيك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأت وزارة الأوقاف أن تهدمه بعد أن بنى مشهد آخر أوسع ويقام الآن مسجد في مكان المشهد القديم.
وكان يتبع كل مسجد بئر لتوفير الماء للمسجد وبجوارها قبة لاغتراف الماء منها وحوض لسقي الماشية من خيل وجمال وبغال وحمير وبقر وكانت مياه كل مسجد تخرج إلى المقشامة (البستان) الخاصة بالمسجد لريّ البقول والخضروات والأشجار الموجودة فيه والتي يستثمرها قشام المسجد (المنظف).
الأسواق:
يوجد في صنعاء سوق خاصة لكل حرفة فهناك سوق البَزّ، سوق البقر، سوق الحب، سوق الحرير، سوف الحلقة، سوق الزبيب، سوق العَلَف، سوق العِنب، سوق الفتلة، سوق الفِضة، سوق القِشر، سوق القَضْب، سوق الكوافي، سوق المبْساطة، سوق المِخْياطة، سوق المِلح، سوق النحاس، ويوجد في معظم هذه الأسواق سقايات للشرب.
حمامات صنعاء
يوجد في صنعاء عدد من الحمامات وقد ذهب كثير منها وبقي منها أربعة عشر حماماً منها حمام سبأ وحمام شُكر وهما من أقدم الحمامات بصنعاء وبعضهم يذكر أنها من قبل الإسلام.
وكان لصنعاء سور ذكر الهمداني في الجزء الثاني من الإكليل([126]) أن شعرم أوتر هو الذي أوصل بنيان القصور وأحاط على صنعاء بحائط([127]).
وقد تعرض للخراب مراراً ولا نعرف تفاصيل ذلك إلا أنه جاء في شرح الدامغة بأن الإمام الداعي يوسف بن يحيى بن أحمد بن الناصر بن الإمام الهادي أخرب درب صنعاء وأن قيس الهمداني قد عمره وكان أن السلطان حاتم بن أحمد اليامي من أعيان المائة السادسة أمر بهدمه أثناء حروبه مع الإمام أحمد بن سليمان فلما جاء السلطان طُغتكين بن أيوب إلى اليمن أعاده وأدخل في الحي الذي استحدثه لنفسه وأهله وخاصته وجنوده في الجانب الغربي الجنوبي من المدينة وقد وصفه يحيى بن الحسين بقوله: «وأدخل في صنعاء البستان المعروف ببستان السلطان نسبة إليه ـ وبنى الدور وأجرى إليه غيل البرمكي وبنى الدار السلطانية في صنعاء وبالغ في بنائها وزخرف غُرفها بالذهب وألوان الصناعات وجعل فيها صنوف الأشجار وأنواع الرياحين والأزهار وقد أخربها الإمام عبد الله بن حمزة المتوفى سنة 614هـ»([128]).
ولسور صنعاء ستة أبواب ثلاثة جنوبية وهي باب ستران وباب اليمن([129]) وباب خزيمة وبابان شمالية وهي باب شعوب([130]) وباب الشقاديف وباب غربي هو باب السبحة([131]) وكان في هذا السور عدد كثير من الأبراج وبين كل برج وآخر من المسافة ما بين الأبراج الأخرى. وكان في وسط السور ممر لفارسين يمشيان معاً ثم كان يستعمل هذا الممر لعربات المدافع عند الحاجة لحماية العاصمة.
وقد استحدث في العهد العثماني الأول في المائة العاشرة حي جديد في الجانب الغربي من صنعاء يدعى (بير العزب) نسبة إلى رجل من بني العزب إذ أن الحي أول ما ظهر بجوار بئر العزب ثم توسع فتغلب هذا الاسم على الحي كله، وكان معظم من يسكنه من موظفي الدولة العثمانية، وكان طابع البناء فيه يختلف عن بناء بيوت صنعاء إذ أن الطابع الغالب عليه هو الطابع التركي وكان أجمل أحياء صنعاء من حيث اتساع شوارعه ونظافتها وكثرة حدائقها فكل بيت له حديقة وفي كثير من بيوته توجد مفارج في البستان وأمامها فسقية تتصاعد منها نوافير المياه وتظللها أشجار مثمرة وحولها عرائش الأعناب.
ولما رحل العثمانيون عن اليمن في أواخر المائة الحادية عشر سكنه أغنياء أهل صنعاء ورجال الدولة وأخذ البناء الصنعاني يتغلب على البناء العثماني. وقد أحيط به سور يتصل بصنعاء عن طريق باب السبحة، وله بابان إلى الجنوب ويسمى باب البلقة وباب عبيلة إلى الشمال وموقعه الآن بجوار وزارة الزراعة وباب الروم وكان موقعه بجوار رئاسة الوزراء والإذاعة.
وفي المائة الحادية عشر أمر الإمام المهدي أحمد بن الحسن (1029 ـ 1092م) بإخراج اليهود من صنعاء([132])، واستحدث لهم حياً خاصاً بهم في الطرف الغربي من بير العزب سمي بقاع اليهود([133])، وفصل بينه وبين بير العزب بسور له بابان هما باب البونيه وباب الشبه وله باب إلى جهة الغرب يسمى باب القاع. والإمام المنصور علي بن المهدي العباس (1151 ـ 1224م) وهو الذي أحاط هذا الحي وحي بير العزب بسور متصل بسور صنعاء.
وقد أتى على سور صنعاء بأحيائه الجديدة العمران الذي انتشر على غير نظام من جميع جهات صنعاء فدمّر جميع أجزائه إلا بقايا قليلة كما أخربت أبواب صنعاء وأحياؤها الجديدة وأعظمها شأناً باب السبحة الذي بناه في مطلع القرن الرابع المشير عبد الله باشا.
القاضي إسماعيل الأكوع
صنعاء
ـ 3 ـ
استطاعت صنعاء أن تصمد أمام عوامل التغيير المختلفة لتحافظ على رونقها وجمالها المعماري. هذه المدينة الفريدة خرجت إلى العالم من أعماق التاريخ بعد زمان من العزلة لتؤكد أن القديم ليس رمزاً للتخلف، وأن خبرة الأجداد تناسب متطلبات العصر.
تنظر من صنعاء إلى عظمة ماضي الشرق كأنك أمام لوحة استطاع الفنان أن يبدعها وذلك للتناغم بين مادة البناء وأسلوب التصميم والتخطيط لذلك أدرجتها اليونسكو ضمن المدن التاريخية التي يجب المحافظة عليها.
نشأة المدينة القديمة
صنعاء مدينة سبأية أمر باختطاطها الملك (هلك أمر بن كرب آل وتر يهنعم) ملك سبأ وذي ريدان في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي باسم «هجران صنعوا» كما ورد في النقوش السبأية القديمة وتعني ـ مدينة.
صنعاء ـ منظر عام للمدينة القديمة
وبعض المؤرخين يذكر أن أول من اختطها هو سام بن نوح، وذلك بعد الطوفان باسم مدينة سام. ثم سميت آزال نسبة إلى آزال بن يقطن بن العبير بن عامر.
والقلعة التي بنيت في الطرف الشرقي من المدينة ربما تمثل نواتها الأولى. ثم تطورت لتصبح مدينة ذات سور دائري يتوسطها «القليس» الذي بناه أبرهة قبل الإسلام ثم توسطها الجامع الكبير بعد الإسلام.
تقع صنعاء في المنطقة الوسطى الشمالية في اليمن يحدها شرقاً جبل نقم وجبل عيبان غرباً، حزيز جنوباً ومدينة الروضة شمالاً. وتقع على ارتفاع 2400 متر فوق مستوى سطح البحر تقريباً.
تبلغ مساحة المدينة القديمة حوالى 157 ـ 168 هكتاراً يسكنها حالياً 52000 نسمة تقريباً بكثافة سكانية 30م2 / فرد. ولا أحد يعرف عدد سكانها عند بنائها. وتشير التقديرات إلى أن عدد سكانها في الماضي بلغ حوالى 20000 نسمة عام 1905م أي أن كثافتها السكانية كانت 78,5م2 / فرد.
وكانت المباني في الماضي تشكل 30 في المئة من إجمالي المساحة و70 في المئة من إجمالي المساحة كانت فراغات ومساحات خضراء أما حالياً فقد انعكست هذه النسبة تماماً، إذ أصبحت المباني تشكل 70 في المئة من إجمالي المساحة، و30 في المئة من إجمالي المساحة تشكل مساحات خضراء وفراغات.
العامل الديني
سنتحدث هنا عن الإسلام كعامل ديني مؤثر على عمارة مدينة صنعاء القديمة ويلاحظ تأثرها بهذا العامل بجلاء من خلال الجامع الكبير الذي يتوسط المدينة ويمثل نواتها، والجوامع الصغيرة المنتشرة في كل أحياء المدينة فلكل حي أو حارة جامعها الخاص. فالجامع هو مكان العبادة ومكان لتلقي العلوم المختلفة فكان الجامع بالإضافة إلى دوره كدار للعبادة يؤدي دور المدرسة أيضاً. وكانت تتوقف لكل جامع مساحة من الأرض تجاوره تسمى (المقشامة) تستفيد من ماء الوضوء في الجامع لتزرع بعض أنواع الخضار وتنفق عليه من دخلها.
وبسبب تحريم الإسلام استخدام الأشخاص أو الصور الحيوانية في الموضوعات الفنية عمد المعماريون إلى استخدام الأشكال الهندسية والنباتية والكتابة في زخارفهم وبرعوا في زخرفة الحوائط والأسقف الداخلية والواجهات الخارجية لمساجدهم ومبانيهم. ولجأ المعماريون إلى نحت القمريات وتثبيت الزجاج الملون فيها وزينوا واجهاتها.
إلى العامل الديني لعب العامل الجغرافي دوره أيضاً، إذ كان لتحول قوافل التجارة القديمة من مدن الأودية الواقعة في الأجزاء الشرقية الصحراوية من اليمن (طريق اللبان) إلى مدن الأحواض الجبلية أثراً في تطور عمارة صنعاء القديمة حين صارت بموقعها محوراً يدور حوله النشاط الاقتصادي، ونقطة عبور مهمة لقوافل التجارة والحجيج. ونتج هذا التحول عن قيام دولة قوية في المناطق الجبلية (سبأ) وانهيار دولتي الأجزاء الشرقية قتبان وحضرموت.
العامل الطبيعي
تتأثر العمارة إلى حد كبير بما يوجد من ثروات طبيعية؛ (الأخشاب ـ الحجارة ـ الطين) هذه المواد كانت متوافرة في المدينة القديمة، لذلك نجد مبانيها شيدت بالأحجار، مع استخدام الطين كمادة لاحمة أو بالطين الموضوع في قوالب والمجفف بأشعة الشمس والمعروف باللبن.
ولأن الطين المجفف والمحروق (الآجر) أخف وزناً يستخدم عادة في الأدوار العليا من المباني. كما رصفت شوارعها وأزقتها بالأحجار وبني سورها البالغ طوله حوالي 6,2 كلم باللبن والأحجار والحصى واستخدمت الاخشاب في الأسقف والأبواب والشبابيك، والأحجار الطويلة أو الأخشاب في تعتيب الفتحات.
واستخدم الحديد كأدوات قطع للأحجار.
وعرف اليمنيون أهمية المياه فابتكروا أساليب تساهم في الحفاظ على موارده منها العلاقة بين البئر والبيارة فإذا البئر يغذي منشآت صنعاء بالمياه فإن البيارة كانت تغذي حوض مياه صنعاء الجوفي بالماء العائد إليها من منشآت المدينة بعد استخدامه في الأغراض المختلفة. وكان لكل منشأة في المدينة بيارة خاصة بها.
العامل المناخي
اهم ما يميز مدينة صنعاء هو الاختلاف المناخي بين حرارة الليل والنهار إذ تتراوح درجة الحرارة في فصل الصيف من 12م ليلاً لتصل إلى 30م نهاراً. وفي فصل الشتاء تتراوح درجة الحرارة بين 22م نهاراً وتهبط إلى 6م تحت الصفر أحياناً. عكس هذا الاختلاف الكبير في مناخ ليل ونهار صنعاء نفسه بقوة على عمارة المدينة فتأثرت به من خلال تخطيط شوارعها وأزقتها الضيقة لتظليل واجهات المباني للمحافظة على اعتدال الحرارة أثناء النهار. وكذلك اعتماد كاسرات الشمس في أعلى الفتحات. كما أن الجدران الخارجية للمباني سميكة لتسمح بخزن أكبر قدر من الحرارة نهاراً وبثها إلى داخل المسكن أثناء الليل.
إن تنوع الفتحات في مباني صنعاء القديمة وتوظيفها للحفاظ على توازن المناخ جعل فتحات المرافق الخدمية في المسكن (الحمام ـ المطبخ ـ السلالم) في الواجهة الشمالية للمبنى الباردة نسبياً، وكان حجم هذه الفتحات صغيراً نوعاً ما. في حين اتسعت فتحات الواجهة الجنوبية الأكثر دفئاً واستغلت هذه الواجهة قدر الإمكان. وفي الوقت ذاته كان لهذه الفتحات أكثر من درفة للتحكم في دخول أشعة الشمس بقدر الحاجة إليها صيفاً أو شتاء.
والتهوية للغرف تتم عبر الشاقوص شتاء وهو فتحة صغيرة توجد في الجزء الأعلى من النافذة أو أعلاها ويسمح بتهوية الغرف مع الحفاظ على درجة حرارتها من التسرب. أما صيفاً فتتم تهوية الغرف بواسطة ظلفات الشباك الكبيرة.
الحمام البخاري
تتوزع الحمامات البخارية في الأحياء السكنية من صنعاء القديمة لخدمة هذه الأحياء ويوجد في المدينة القديمة أكثر من 14 حماماً. ومن أشهرها حمام سبأ وحمام ياسر وتشير الدراسات أن هذين الحمامين وجدا في المدينة القديمة قبل الإسلام.
وتتأثر عمارة صنعاء القديمة بحياة الناس الاجتماعية، إذ نجد أن الشوارع في الأحياء السكنية ضيقة ومتعرجة ومنكسرة لعزل المساكن عن أعين المارة.
كما أن المقشامة، أو البستان التابع لجامع الحي، أحيطا بالمباني السكنية بعناية وذلك لإخفائها عن أعين المارة من أجل إعطائها الخصوصية التامة كمتنفس للسكان المحيطين بها والذين يعتبرون كأسرة واحدة هذا التدرج في الانعزال وإعطاء الخصوصية يبلغ ذروته في عمارة المسكن. فنجد أن الدور الأرضي من المسكن تكون فتحات نوافذه صغيرة ومرتفعة نوعاً ما عن الأرض وعادة ما يخصص للحيوانات.
كما نجد أن غرفة استقبال الضيوف انعزلت بحمامها تماماً عن باقي غرف المسكن. كما أن تعدد أنواع الفتحات وأحجامها واستخدام المشربيات لتوفير أكبر قدر من الخصوصية لسكان المنزل.
إن تقارب المساكن وتشابكها وكذلك وجود المتنفس المشترك للسكان (المقشامة أو البستان) وكذلك الجامع الخاص بالحي تؤدي إلى تقوية الروابط الاجتماعية بين سكان الحي وتفاعل الجار مع جاره. فالامتداد الشاقولي لمساكن المدينة يبرره وجود متسع لسكن الجد والأب والحفيد في المسكن نفسه وهنا تبلغ ذروة تأثر عمارة المدينة بهذا العامل الاجتماعي.
العامل الاقتصادي
إن موقع مدينة صنعاء في طريق القوافل سواء التجارية التي تأتي إلى أسواق اليمن الموسمية أو تلك المارة إلى مدن أخرى وكذلك القوافل الذاهبة إلى الحج قبل الإسلام وبعده فهذا الموقع المتميز جعل من أسواق المدينة رائجاً اقتصادياً. وعليه فإن العامل(الاقتصادي) وللأسباب السالفة كان له تأثير على نمط العمارة والتخطيط ويتجلى من خلال العناصر الآتية:
المقماشة في وسط صنعاء القديمة
ـ الشوارع: في أسواق المدينة أكثر اتساعاً وأيسر وصولاً وذلك من أجل تسهيل وصول البضائع والزبائن.
ـ التخصص: كان لرواج التجارة أثره في وجود أسواق متخصصة فكان لكل سلعة سوقها الخاص. فهناك سوق للحبوب، سوق البز، سوق الأحذية، سوق الجنابي وغيرها من الأسواق المتخصصة.
ـ السماسر: كانت السماسر بمثابة البنك التجاري الذي تخزن فيها البضائع والأموال. كما كانت بمثابة الفنادق لخدمة المسافرين المارين بالمدينة وحفظ أمتعتهم وأموالهم. وتوزعت هذه السماسر بالقرب من الأسواق. ومن أشهرها سمسرة النحاس التي تحولت إلى مركز حرفي، وسمسرة المنصورة، وسمسرة العمراني التي أصبحت مخزناً لأعلاف الحيوانات في سوق البقر، وسمسرة وردة التي لا تزال تستخدم كسابق عهدها (لنوم الغرباء).
ـ المعصار: عادة ما تكون المعاصر في الدور الأرضي والأدوار العليا تستخدم كسكن لصاحبها وكانت تنتج أنواعاً مختلفة من الزيوت التي تعتبر مادة دوائية مهمة، ولا يوجد أثر للمستشفيات في عمارة صنعاء القديمة. فالمعاصر ودكاكين العطارين والحجامين وبيوت المشعوذين كانت تتكامل مع بعضها لأداء وظيفة المستشفى إلى حد ما.
ـ الأسوار: وما كانت المدينة تؤمها قوافل التجارة والمسافرين الغرباء، كان لا بد من حمايتها من اللصوص فأحيطت بسور شبه دائري يعلوه ممر للحراسة وأبراج المراقبة والحراسة وله عدد من الأبواب أهمها باب اليمن وباب السلام. وكانت تغلق ليلاً ولا يسمح بالدخول أو الخروج منها إلا في ساعات معينة.
حسبت كل هذه العوامل في عمارة صنعاء القديمة لتشكل وحدة منسجمة انصهرت فيها لتبرز للعالم مدينة فريدة على مر العصور.
منور عز الدين عبد الصمد
مكتبة الجامع الكبير
في صنعاء
يذكر الرازي أن في زمنه (500هـ) وجد في صنعاء 106 مساجد، واليوم عدد المساجد لا يتجاوز هذا الرقم. ومن بين هذه المساجد، يعتبر مسجد صنعاء الكبير أقدمها، له مميزات معمارية لا يزال أكثرها قائماً كما أن موقعه لم يتغير منذ إنشائه في العام السادس للهجرة.
ويقول عفيف البهنسي في كتاب له عن الجامع الكبير في صنعاء، نشر سنة 1991م وصدر عن «اليونيسكو» والهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، أن شكله الأولي المؤلف من حرم وصرح لم يتغير وإنما أجريت إصلاحات متتابعة عليه فيما بعد حولت بعض ملامحه.
وفي العام 1965م، حصلت أمطار غزيرة في صنعاء أتلفت الجدار القبلي للجامع الكبير، وتصدع قسم من السقف من جهة الشمال الغربي. وخلال أعمال الإصلاح والترميم التي أشرفت عليها وزارة الأوقاف، اكتشف العمال في الركن الشمالي الغربي خزانة مهجورة تحتوي على أكداس من المخطوطات القرآنية التي تعرضت للتلف والرطوبة والماء. فأنقذها العمال ونقلوا خمسة أكياس منها حفظت في خزانة الأوقاف.
وفي العام 1973م، ظهر انتفاخ كبير في الجدار الشمالي عرّضه للسقوط، فعمدت وزارة الأوقاف مرة أخرى إلى ترميم الجدار تحت إشراف الهيئة الأثرية. وفرضت الأعمال إزالة الخزانة المكتشفة سابقاً، فما أن رفع سقفها حتى ظهرت أكوام أخرى من أوراق المصاحف الشريفة التي جمعتها الهيئة الأثرية في أكياس بلغ عددها عشرين كيساً، نقلت أولاً إلى المتحف الوطني ثم أعيدت إلى الخزانة الغربية في الجامع الكبير.
وقال محمد حسين السدمي، وكيل الهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات في اليمن لـ «الحياة» إن الدولة بدأت تهتم بالمخطوطات بعد قيام الثورة سنة 1962م وأن أبرز ما تعمله هو اقتناء المخطوطات الموجودة في مكتبات خاصة، وتحتفظ بها للباحثين والمحققين كي يستفيدوا منها. وأضاف: «في العام 1980م، أنشئت دار المخطوطات وعندما أسست هيئة الآثار، كلفت باقتناء المخطوطات من أصحابها الذين لا يرغبون بالاحتفاظ بها فاشترينا عدداً كبيراً من المخطوطات، بين 300 و400 مخطوطة خلال 15 سنة، إلى جانب المخطوطات الموجودة من قبل. وفي الجامع الكبير في صنعاء مكتبة، كما في كل جامع، يضاف إلى ذلك أن بعض الأشخاص يوقفون مخطوطاتهم.
ويقول السدمي: «عثرنا في خزانة الجامع الكبير على نحو 25 ألف قطعة، معظمها مخطوطات قرآنية وبعضها مراسلات، 95 في المئة منها منسوخ على الرق. بقي المتحف الوطني يحتفظ بها حتى سنة 1980م، وعندما أسست هيئة الآثار تم الاتفاق مع جامعة غوتنغن الألمانية لترميمها. كما تم تدريب عدد من اليمنيين على أعمال الترميم محلياً وفي ألمانيا. وفي السنوات العشر الماضية رممنا نحو 15 ألف قطعة. ولا يزال المشروع مستمراً، وأصبح عندنا اليوم مرمم يمني لديه خبرة واسعة وشهرة في العالم العربي».
وإلى جانب الجامع الكبير في صنعاء القديمة، هناك «دار المخطوطات اليمنية» وتضم صالة واسعة تعرض فيها نماذج من المخطوطات التي تبرز تطور الخط من الخط الحجازي إلى الخط الكوفي والكوفي البدائي من زخارف يمنية، كما تعرض المصاحف الأموية والمصاحف الصغيرة، ومخطوطات منسوخة بالخط المشتق والخط الكوفي الشرقي. ويعمل في الدار فريق يمني، بينهم المرمم عبد الواحد محمد الشامي وخبيرة نمسوية (أورسلاد رايبهولتس) يعنيان بصيانة وتوثيق المخطوطات والرقوق والمجلدات على اختلافها، إضافة إلى تقديم خدمات القراءة والتصوير.
وتعتبر مكتبة الجامع الكبير في صنعاء، التي تم تأسيسها في العام 1925، أول مكتبة عامة تظهر في اليمن تحتوي على المخطوطات الإسلامية، وتمت فهرسة معظم محتوياتها فنشر في العام 1984م، عن وزارة الأوقاف والإرشاد، «فهرست مخطوطات الجامع الكبير» من أربعة أجزاء أعده أحمد عبد الرزاق الرقيحي وعبد الله محمد الحبشي وعلي وهاب الآنسي.
وتحتوي مكتبة الجامع الكبير على 3409 مجلدات، إلى جانب المجاميع والكتب والرسائل التي بلغ عددها 124 مجلداً. ووصل عدد مجلدات علم التفسير وفروعه إلى 397 مجلداً وعلم الحديث إلى 294 مجلداً وعلم الكلام إلى 254 مجلداً في حين خصص لعلم الفقه وفروعه 857 مجلداً ولعلم التصوف 51 مجلداً ولعلم النحو واللغة والبلاغة والأدب 437 مجلداً، وعلم التاريخ في 100 مجلد والطب في 61 مجلداً وحددت المتفرقات في 96 مجلداً.
وتعرض في المكتبة بعض المجلدات، بينها المصحف الشريف من وقف المهدي عباس (1162هـ)، ونسخه «محمد بن قاتباي الجركسي الملكي الأشرفي في يوم الأحد 4 شهر الله المحرم سنة (836هـ)، والجزءان الرابع والثامن من كتاب سيبويه في علم العربية و«كتاب الإسعاف»، تخريج أبيات القاضي والكشاف «علم التفسير» للشيخ خضر بن عطاء الله، ومرجع الإجراءات السبع (900هـ)، ومصحف شريف من وقف أحمد بن علي بن أحمد المتوكل، نسخة أبو القاسم بن محمد طاهر الحكيم (1148هـ).
ومن المخطوطات النادرة التي كانت في مكتبة الجامع الكبير وتحفظ في خزانات خاصة، المصحف الشريف الذي أرسله الخليفة عثمان بن عفان إلى اليمن، وتنسب نسخة إلى الإمام علي بن أبي طالب مكتوبة بالخط الكوفي على صحائف من الرق، وأضيفت إلى حروفها علامات الإعراب في وقت لاحق. وكذلك مخطوطة مقامات الحريري التي أنجزها بخطه محمد دغيش (1121هـ).
ويعتبر عفيف البهنسي في كتابه «الجامع الكبير بصنعاء» أن المخطوطات الصنعائية الموجودة في مكتبة الجامع «تتمتع بميزات متعددة، من أهمها أنها كتبت بخطوط جميلة رائعة». ويعود البهنسي إلى المصادر فيقول إن الكتاب «الإكليل» لأبي محمد الحسن الهمداني تحدث عن الاهتمام بالخط والخطاطين في صنعاء واليمن بعامة، وأن علي الحسن الخزرجي يروي صورة عن التقاليد والمراسم التي كانت ترافق إنجاز مخطوط كبير فيقول: «عندما أفرغ القاضي مجد الدين محمد يعقوب الشرازي (800هـ) كتابه المسمى بالأصعاد، حمل إلى باب سائر الفقهاء والقضاة والطلبة، وساروا أمام الكتاب إلى باب السلطان، وهو ثلاث مجلدات يحمله ثلاثة رجال على رؤوسهم، فلما دخل على السلطان وتصفحه أجاز مصنفه المذكور بثلاثة آلاف دينار».
ومن المشاريع الجديدة في مجال الاهتمام بالمخطوطات والوثائق اليمنية، إنشاء «المركز الوطني للوثائق» في صنعاء سنة 1991م وتعيين القاضي علي أحمد بن ابي الرجال رئيساً له.
صنعاء
ـ 4 ـ
تمتاز صنعاء بمناخ مناسب طوال العام وأمطارها في الصيف والخريف وغالباً ما تكون في فترة بعد الظهر والمساء. وفي هذا يقول إبن إسحاق: «وصنعاء لا تمطر إلا في حزيران وفي تموز وآب وبعض أيلول ولا تمطر إلا بعد الزوال في أغلب الأمر يلقى الرجل الرجل نصف النهار والسماء مصحية صافية فيقول له عجل قبل أن تصب السماء لأنهم قد علموا أنه لا بد من المطر في ذلك الوقت». وأطلق عليها بعض من عرفها من الأجانب اسم فينيسيا العرب أو فينيسيا المغمورة بالرمال. ومما قاله عنها الروائي الإيطالي البرتومورافيا: «فبندقية صنعاء من الطين والتبن بدلاً من الحجارة وغبار الشوارع الضيقة بدلاً من الماء وارتفاع حوالي 2250 متراً تقريباً عن سطح البحر بدلاً من العمق في البحيرة الضحلة. هذه البندقية تغرق في الرمال يوماً بعد يوم، وبدلاً من قناة البندقية الكبرى فهذه البندقية لها مجرى نهر مملوء بالغبار ويغطى بالماء مرة واحدة في السنة في فصل الأمطار. هذه البندقية ليست سياحية وليست استهلاكية ولكنها رائعة». وأضاف يقول: «بين البيوت الملتصقة كخصلة الشعر أرى هنا وهنا أشجاراً خضراء زرقاوية. ربما تكون أشجار الأوكاليبتوس أو التمر الهندي. البيوت ذات لون رملي مدهونة بالأبيض المآذن وردية اللون القباب ناصعة البياض. ما من شك إن هذا هو الشرق الذي وصفه رحالة القرن الثامن عشر المتيمون بجوه الفن الشرقي العربي الإسلامي. بنقائه المحير وبجوده ذي العزلة الخرافية بجوه الممنوع والمغلق وشرق ألف ليلة وليلة الذي رآه فلوبير. لا أستشهد إلا بإسم مشهور».
وهي اليوم مدينة عصرية تتمتع بكل الخدمات، وتضاعفت مساحتها عدة مرات حتى امتلأت بين جبليها من ناحيتي الشرق والغرب. وتمتد حالياً باتجاهي الشمال والجنوب محتوية المدن والقرى التي كانت تعتبر من ضواحيها مثل مناطق بني الحارث وهمدان وبني حشيش وبلاد سنحان.
وصنعاء من أهم المدن اليمنية التي تستقبل الهجرات الداخلية للسكان من جميع أنحاء البلاد بغرض العمل والتجارة، وهي مزدانة بالعديد من الشوارع والميادين التي تربط أجزاءها المختلفة. وفيها الكثير من الجامعات الحكومية والخاصة التي تغطي معظم التخصصات العلمية والدراسات اللغوية والأدبية والإجتماعية والدينية، إلى جانب المعاهد الفنية والمتوسطة والمدارس الخاصة العربية والأجنبية … بالإضافة إلى حوالي ثلاثمائة مسجد وجامع.
وتقع صنعاء على الهضبة الوسطى ضمن السهل الشرقي. وتفترش السهل الزراعي المنبسط الواقع بين جبلي نُقم من الشرق وعيبان من الغرب والذي يمتد جنوباً حتى منطقتي حده وحزيز وشمالاً حتى منطقة الرحبة وهي على ارتفاع 2250 متراً تقريباً وتبعد 30 كلم شرقاً عن جبل النبي شعيب الذي يرتفع عن سطح البحر بحوالي 10800 قدم (3600 متر) تقريباً وتعتبر قمته أعلى قمة في شبه الجزيرة العربية، وهي مكونة من المدينة القديمة ومن الأحياء والضواحي التي تشكل المدينة الجديدة.
ومن خلال موقعها هذا. استطاعت في الماضي أن تراقب خطط القوافل التجارية عدا عن كونها سوق اليمن الرئيسي حيث كانت تشتهر ببيع وتصدير القهوة والزبيب، وكانت أيضاً مركزاً مهماً للتبادل التجاري ولعرض السلع المختلفة التي تأتي من كل أنحاء اليمن من منتجات حرفية ونباتية كالحبوب بأنواعها، وأيضاً للثروة الحيوانية المتمثلة في الخراف والأبقار والجمال وغير ذلك الأمر الذي سمح لها بأن تكون حاضرة اليمن وأن تحظى بالديمومة والتطور.
الساحات الخضراء داخل المدينة القديمة في صنعاء
كانت المدينة القديمة مكونة من ثلاثة تجمعات رئيسية أحدها يقع على سفح جبل نُقم، وهو صنعاء
القديمة وكانت محاطة بسور مصنع من الزابور (الطين النيء) ما زالت أجزاء كبيرة منه باقية إلى اليوم. وكان للسور العديد من أبراج الحراسة وصل عددها إلى مائة وثمانية وعشرين برجاً بحسب قول الرحالة الإنكليزي سكوت توزعت عليه بشكل منتظم، كما تخللتهُ عدة أبواب وصلت إلى ثمانية أشهرها الباب الجنوبي المسمى «باب اليمن» وهو أجملها وأدقها بناءً وتصميماً. وكانت هذه الأبواب تقفل عند غروب الشمس ولا تفتح إلا بعد صلاة الفجر بحيث لا يمكن لأحد الدخول أو الخروج والثاني منطقة بئر العزب، والثالث منطقة القاع أو ما عُرِفَ بقاع اليهود وكانت تقع خارج السور الرئيسي باتجاه الغرب.
تنقسم المدينة القديمة إلى حارات (أحياء) يربو عددها على 27 حارة وهي تجمعات عمرانية مكتملة العناصر فيها المنازل والمساجد والبساتين (المقاشم) والساحات العامة وآبار المياه وتميزت بتخطيط عمراني متطور جداً بالمعايير الحديثة وتمت مراعاة كافة الجوانب التخطيطية مثل عزل المناطق السكنية عن مناطق الأسواق وتوفير المساحات الخضراء وأيضاً المساحات البيضاء (الساحات العامة) لاستيعاب مختلف الأنشطة الإجتماعية علاوة على انتهاج أسلوب الشوارع والأزقة الضيقة المختلفة الأبعاد والمتعرجة الإتجاه التي تشكل شرايين الحياة بالنسبة إلى المدينة وتعمل أيضاً كخطوط دفاع أولية لحماية المدينة إلى جانب دورها في خلق التيارات الهوائية اللطيفة وتوفير الظل للمارة.
ولعل أهم ما يميز المدينة منازلها الجميلة متعددة الطوابق والتي يصل بعضها إلى سبعة أدوار وهي مبنية من الأحجار في أدوارها السفلية وهي الآجر (الطين المحروق) لبقية الأدوار. وتتجلى معجزة المعمار اليمنى في أبيات الشعر التي ينظمها البناؤون على واجهات المنازل. فتجد واجهات آية في الجمال والإبداع للزخارف التي تكسوها وللإتقان الذي تبدو عليه الأمر الذي يدلل على امتلاك البناء اليمنى لحس مرهف ودراية عميقة في علوم البناء وفنونه مكنته من الاستفادة المُثلى من أدوات حرفته وتوظيفها لتذوقه ولاحتياجاته في نفس الوقت.
ومن معالمها أيضاً. السماسر (الخانات). والحمامات البخارية، ومعاصر الزيوت. والسُبُل. والساحات والميادين وأكبرها ساحة الميدان التي يوجد بها قصر السلاح (القلعة العسكرية الرئيسية التي لعبت أدواراً مهمّة في التاريخ اليمني)، وبعض المباني العسكرية التركية، وجامع البكيرية. وسوق الملح (ولأجله سميت صنعاء بسوق اليمن الكبير) وهو على غرار الأسواق العربية الإسلامية القديمة يحوي عدة أسواق متخصصة ولعل من أهم ما يوجد في المدينة الجامع الكبير معلم إسلامي وتاريخي فريد من نوعه وقد ناله الكثير من التوسيع والتحسين وأهم ما يتميز به اليوم مصندقاته الخشبية الرائعة التي تزين سقوفه الغنية بالزخارف والنقوش الإسلامية ويشتهر أيضاً بمكتبته العامرة بأمهات الكتب والمخطوطات الإسلامية النادرة بما في ذلك أوائل النسخ الأصلية من القرآن الكريم.
ومنطقتا الجراف والرحبة والرضة من جهة الشمال. منطقة نُقُم من الشرق، منطقة بستان السلطان وبئر العرب من الغرب، ومنطقة الصافية والقاع وبيت معياد وحده من الجنوب.
وجامعة صنعاء جامعة العلوم والتكنولوجيا، جامعة الملكة أروى، جامعة سبأ، جامعة العلوم التطبيقية والإجتماعية، وجامعة الإيمان ومعظم المدارس الدينية بشكل عام توجد في مساجد وجوامع المدينة القديمة وقد لعبت دوراً ثقافياً ودينياً هاماً في المجتمع اليمني علاوةً على قيامها بالدور القضائي. ومن المكتبات الموجودة: مكتبة الجامع الكبير. مكتبة دار الكتب مكتبة الدراسات والبحوث مكتبة المركز الثقافي، ومكتبات الجامعات.
وكان للمدينة القديمة ما يقارب الأربعين سوقاً متخصصاً بشيء منها الآن حوالي ثمانية وعشرين يحويها جميعاً سوق الملح. وهو على غرار الأسواق العربية والإسلامية التقليدية يحوي العديد من الأسواق المتخصصة مثل سوق البز (الأقمشة) وسوق الحَبّ (الحبوب). وسوق الحدادة. وسوق النجارة وسوق المعطارة. وسوق المصباغة. وسوق المخلاص (للذهب والفضة وأعمال العقيق اليماني المشهور). وسوق النظارة (للزيت والكيروسين). وسوق الفتلة. وسوق المدر. وسوق المنقالة (الإسكافيين)، وسوق الحباكين (مجلدي الكتب) … وهكذا كما تتمركز فيه معامل ومحلات الحرف اليدوية التقليدية.
أما في المدينة الجديدة فتتوزع مناطق التسوق في عدة شوارع إلى جانب المراكز والتجمعات التجارية التي تأسست حديثاً وهي على شكل مبانٍ ضخمة على النمط السائد في البلاد الغربية وموزعة في أنحاء العاصمة وبالنسبة للأسواق الشعبية فهناك سوق الزمر، باب السلام، سوق دلال سوق باب السعبَح وهي تقع في المدينة القديمة والأسواق الموجودة في شارع تعز في المدينة الجديدة.
وتقع جميع الخانات في المدينة القديمة وهي تسمى سماسر وأشهرها، سمسرة النحاس (مركز الحرف البدوية التقليدية الرجالي)، سمسرة المنصورة (مركز الفنون التشكيلية) سمسرة الذماري (مصنع الفوانيس ومركز الصناعات الحديدية التقليدية) قيد الافتتاح سمسرة إبن الحسن (دار المال وكان يتم فيها تبادل العملات الفضية والذهبية وأيضاً لخزن وحفظ النقود والصكوك) بإنتظار الترميم سمسرة المجلة سمسرة الجمارك (سمسرة الزبيب) وهي تستخدم لبيع الزبيب حالياً. وغير ذلك من السماسر التي ما زالت تنتظر أعمال الترميم.
وتتمركز معظم الصناعات في المدينة القديمة ومنها: حرفة صناعة العقيق اليماني المشهور: حرفة صناعة الفضيات والحلي حرفة صناعة النسيج. حرفة صناعة النحت على الخشب وأعمال النجارة التقليدية حرفة صناعة الجلديات حرفة صناعة النصال (الخنجر الخاص بالجنبية) صناعة الأدوات الزراعية التقليدية.
إلى حرف البناء المختلفة مثل صناعة القمريات وهي العنهصر الدائري الذي يعلو النوافذ في المباني الصنعانية وتكون مصنوعة من الجبس المطعم بالزجاج الملون بأشكال وزخارف بديعة الجمال والإتقان وكذلك أعمال زخرفة الآجر ونحت الأحجار.
صنهاجة
ـ 1 ـ
لا ريب أن أكبر مجموعات فرع البرانس من قبائل البربر كتلة صنهاجة أو حلف صنهاجة القوي، وقد اختلف المؤرخون والنسابة حول نسبها([134]).
فهل ترجع إلى أصل عربي جنوبي؟ أو إلى أصل أمازيغي من كنعان بن حام؟
وإلى الرأي الأول، مال أغلب المؤرخين والنسابة المسلمين. وبينما الرواية المشرقية التي يمثلها الطبري، وابن الكلبي (ت 204هـ/ 819م). تجعلهم من نسل أفريقش بن قيس، وهو من ملوك التبابعة ينفرد ابن النحوي وهو من مؤرخي فرع صنهاجة في الأندلس، برواية تجعلهم من نسل مالك بن عامر بن حمير الأصغر بن سبأ، والفرق الوحيد بين الروايتين أن الأخيرة تجعلهم من فرع عربي موغل في القدم يرقى إلى سبأ وهي أقدم من قبائل حمير.
أما نسابة البربر فيرون أن صنهاجة مثل غيرها من فروع البرانس تنتسب مباشرة إلى برنس بن برين مازيغ بن كنعان، وابن خلدون بعد أن استعرض كل هذه الآراء مال إلى جانب الرأي الثاني واعتبر ما سوى ذلك سواء، بالنسبة لصنهاجة أو لغيرها من قبائل البربر في المنطقة آراء فطيرة وأساطير ومزاعم لا أساس بها من الحقيقة التاريخية وقد دعم رأيه وتأييده للقول الثاني بجملة من الاعتبارات منها:
قرب مواطن هذه القبائل من بعضها البعض.
ثم اشتراكها في لهجات أعجمية بعيدة عن اللسان العربي، ربما تنم عن تفرعها عن أصل لغوي واحد.
ثم ملاحظة بعد مجالاتها ومضاربها عن مجالات العرب.
وعلى ذلك فلا داعي في نظر ابن خلدون للتفريق بين قبيل وآخر في الأصل النسبي لأن ما صح بالنسبة لأغلب سكان المنطقة يصدق أيضاً على بعضهم إذ الاحتمالات قائمة بالنسبة إليهم جميعاً وإلا أضحى في الأمر قدر غير يسير من التحكم بدون براهين واضحة. ولخص رأيه هذا بوضوح في قوله: «فالحق الذي شهد به الموطن والعجمة أنهم بمعزل عن العرب إلا ما تزعمه نسابة العرب في صنهاجة وكتامة، وعندي أنهم من إخوانهم».
ومميزات كتلة صنهاجة هي:
وفرة عددهم منذ القدم، وحتى عصر ابن خلدون الذي لاحظ أنهم ينتشرون انتشاراً واسعاً، في المناطق السهلية الداخلية والصحراوية، وفي المناطق الساحلية وفي المرتفعات الجبلية أيضاً، ومن ثم قيل إنهم يبلغون وحدهم ثلث مجموع البربر وقد لاحظنا من قبل أن البرانس وحدهم يمثلون ثلثي مجموع البربر كلهم، ومعنى ذلك أن كتلة صنهاجة وحدها، تظفر بنصف مجموع البرانس.
أما الكتلة الصغيرة نسبياً فهي كتلة البتر التي لم يبق لها حسب هذا التقدير الإجمالي غير ثلث مجموع السكان.
ومن مميزات صنهاجة، وجود طابعي الاستقرار والبداوة في بعض بطونها مثل هوارة. فبينما عاشت صنهاجة الشمال حياة مستقرة متطورة وبنت الأمصار والمدن وعرفت الأنماط الحضارية المتقدمة والتفكير السياسي المبكر، في ظل حكومة الأمراء الزيريين من بطن تلكاتة، حتى وصفهم ابن خلدون بأنهم «أهل مدر ومواطن».
نلاحظ أن صنهاجة الجنوب بفروعها التي تضرب في الصحراء، وتتاخم نهري النيجر، والسنغال والبحر المحيط، بقيت في إطار الحياة البدوية، فالرحلة على ظهور المهاري، والبساطة في العيش، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية والمدنية من صفاتهم، ولذلك استحقوا لقب «أهل الوبر» عند شيخ المؤرخين المغاربة للأشعار بأنهم يهتمون بالإبل وبالأنعام، لأنها أساس حياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وهكذا حرم فرع من صنهاجة الجنوب، الذي هاجرت بطونه من الشمال إلى الصحراء في ظروف تاريخية غير واضحة ـ من نعيم الحضارة، وبريق المدينة، ولذة الاستقرار التي نعم بها فرع صنهاجة الشمال في المغرب الأوسط وهم إخوانهم في الأرومة وفي المواطن الأولى.
وابن خلدون على حق حين يؤكد رابطة الأصل المشترك لفرعي صنهاجة في قوله: «وكان الملك في صنهاجة في طبقتين الطبقة الأولى تلكاتة ملوك أفريقيا والأندلس، وهم أهل مدر، في المغرب الأوسط وأفريقيا. والثانية مسوفة ولمتونة وجدالة وشرطة بالصحراء، من الملثمين من ملوك المغرب. المسمين بالمرابطين وهم أهل وبر».
وقد حدد ابن حوقل ملامح صنهاجة الجنوب عندما وصفهم بنقاء الأبدان وجمال الألوان وبالفروسية وبالسرعة في اختراط السيوف وقوة الأجساد وصحتها. وأشار إلى أن ركابهم المهارى وهي أقوى تحملاً، وأشد عدواً من الجمال في الصحراء. ولم يلحظ الرحالة من وجوه القوم غير عيونهم وذلك لأنهم يلبسون اللثام وهم أطفال وينشأون على ذلك، ومن ثم سموا بالملثمين وأهل اللثام، ومن أعجب ما رواه عنهم أنهم «يزعمون أن الفم سوءة تستحق الستر كالعورة لما يخرج منه».
وعن سلطانهم على الصحراء، ومراقبتهم للحياة التجارية بين منابع التبر في السودان الغربي وبين بلاد المغرب وغيرها أشار إلى أن «لهم لوازم على المجتازين عليهم بالتجارة من كل جمل، وحمل، ومن الراجعين بالبر من بلاد السودان وبذلك قوام بعض شؤونهم». أما بالنسبة لفرع صنهاجة الشمال فقد ذكر كثيراً من فروعها، والطريف عنده أنه يميز بين نوعين منها، نوع يسميهم الخلص، ونوع آخر يسميهم الأخلاط، والميزة الأخرى لكتلة صنهاجة في الصحراء، تمتد مسيرة ستة أشهر ولا شك أن مضارب المستقرين في غير الصحراء، من صنهاجة متسعة أيضاً. ففي المغرب الأوسط تمتد من المسيلة وبجاية إلى جزائر بني مزغنة بحراً، وعمقاً ومنها في الداخل إلى أشير في سفوح جبال تيتري عبر متيجة ولمدية ومليانة، أما في المغرب الأقصى فمجالاتهم الناحية الواقعة من نهر كرط، ومنطقة الريف إلى البحر الأبيض المتوسط، وفي الصحراء تمتد البلاد، من غدامس إلى نهري السنغال والنيجر «وحد بلادهم في القبلة مسيرة 7 أشهر طولاً ومسيرة 4 أشهر عرضاً من نول لمطة إلى قبلة القيروان من بلاد أفريقيا وما يحيط بين بلاد البربر، وبلاد السودان»([135]).
وأكثر مدن صنهاجة في المغرب الأوسدط توجد في ولاية تيتري وهي أشير بني زيري وجزائر بني مزغنة، ولمدية، ومتيجة ومليانة، ثم حمزة والمسيلة وأزفور وهي حد صنهاجة هذا بالإضافة إلى المراكز والقرى الصغيرة التي تنتشر بين هذه الحواضر الكبرى.
ثم يضاف إلى ذلك بعض مراكز فروع صنهاجة التي اندمجت في مضارب بعض القبائل الأخرى([136]). ومن مميزات صنهاجة ولاؤها لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولرهط العلوية، كما أن مغراوة الزناتية كانت موالية لعثمان بن عفان ورهط العثمانية. فكانت صنهاجة علوية النزعة بقدر ما كانت مغراوة وسائر زناتة أموية النزعة.
والميزة الأخرى التي تضاف إلى ما سبق ذكره هي قوة الرابطة الدموية بين فرعي صنهاجة في الشمال والجنوب بسبب إحساس القوم بوحدة الأصل واللهجة والتراث، ووجود العدو المشترك لكليهما وهو قبائل زناتة ولذلك لاحظنا أن الزعامة لما عقدت لفرع الشمال، وهم تلكاتة انتقم رجاله من قبائل زناتة، أعدائهم التقليديين وربطوا بين تصفية نفوذ زناتة أتباع المروانية من المنطقة وبين التأييد التام لحزب العلويين وهم الشيعة الفاطميون.
وحروب صنهاجة مع زناتة، هي السبب في انهيار وتشتت هذه الأخيرة في المغربيين الأوسط والأقصى وفي الأندلس وبالتالي نستطيع أن نقول إن عمل صنهاجة الشمال سهل على إخوانهم فرع صنهاجة الجنوب وهم الملثمون فيما بعد، مهمتهم في القضاء على ما بقي لمغراوة الزناتية وغيرها من نفوذ في المغرب الأقصى.
ومما لا دلالة خاصة أن المرابطين لم يتجاوزوا في إطار توسعهم في المغرب الأوسط حدود مدينة الجزائر ربما تقديراً منهم للرابطة العرقية التي تربطهم بالزيريين ولقد كان في إمكانهم لو أرادوا أن يصفوا نفوذ الزيريين والحماديين في أفريقيا وفي المغرب الأوسط كما فعل بعدهم الموحدون الذين ينتمون إلى مجموعة حلف مصمودة ولا سبب لذلك غير انعدام صلة القربى بين فرعي صنهاجة وكتلة مصمودة الكبرى التي ظهرت لتتوسع على حساب الاثنين ولتعفي على آثارهما في المغرب والأندلس([137]).
ويذكر المؤرخون والنسابة لصنهاجة الشمال رجالاً نبغوا في العصر الذي تلا عملية انتهاء الفتح الثقافي والسياسي في بلاد المغرب العربي منهم: ثابت بن وزيردن، الذي تشير الرواية إلى ثورة تزعمها في المنطقة بعد سقوط نظام الدولة الأموية في المشرق وفي بداية عصر أبي العباس السفاح، ثم منقوس وهو جد الزيريين الأول، وابنه مناد الذي تشير بعض النصوص إلى أنه حكم جزءاً من أفريقيا والمغرب الأوسط تحت طاعة العباسيين وبواسطة ممثليهم وأتباعهم في أفريقيا ومنطقة الزاب، وهم الأغالبة كما تذكر بعض النصوص أنه ذهب إلى الحجاز للحج سنة (201هـ/ 816 ـ 817م) أي في نفس السنة التي ذهب فيها يونس مجدد نحلة برعوطة. ويبدو أنه أمضى فترة في حكم إحدى القلاع القريبة من سجلماسة مستقلاً عن أي نفوذ، وهي التي احتفظت باسمه وأصبحت تعرف بالمنادية، ومن رجال صنهاجة زيري بن مناد، الذي اختط أشير في سفح جبل تيطري، وانحاز للفاطميين منذ عصر القائم بأمر الله.
ويضاف إلى هؤلاء القادة السياسيين مجموعة من رجال العلم والأدب والتصوف منهم أبو عمر بن ميمون بن خطاب الذي رفع نسبه الصنهاجي إلى قحطان، وأحمد ومنصور اللذان وصفا بـ «الشيخين الفقيهين» وكانا فيما يبدو مرابطين، بمكان يعرف بمازيغين على ساحل صنهاجة، ثم أبو العباس بن العريف، وكان من رجال القرن السادس للهجرة، وقد ترك إنتاجاً أدبياً منه كتاب عرف، بمحاسن المجالس، ثم أبو عبد الله محمد بن محوت وأبو عمرو ميمون بن أبي جمل الذي يوصف في بعض النصوص بأنه ابن أخت طارق بن زياد. ثم أبو عبد الله بن القاضي الصنهاجي الذي اشتهر في ميدان الأدب، وأبو محمد عبد الوهاب الذي شغل خطة الخطابة لفترة في جامع قرطبة بالأندلس ثم أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد وابن عيسى بن ابي بكر الصنهاجي وهو أصلاً من قرية حمزة وقد تفقه على شيوخ من بلده، وانتقل إلى القلعة والي بجاية للدراسة والتدريس، حيث أخذ عنه كثيرون. وقد تولى القضاء في سلا، وإقليم الجزيرة الخضراء كما وليه في أزمور لأنها أيضاً من مضارب صنهاجة.
وينسب إليه إنتاج تاريخي عن قبيلة صنهاجة عرف «النبذ المحتاجة في أخبار صنهاجة بأفريقيا وبجاية» كما اختصر تاريخ الطبري وشرح مقصورة ابن دريد في الحكم وكان معاصراً للغوث أبي مدين دفين تلمسان، وتوفي بعد سنة 628هـ/ 1230 ـ 1231م بعد حياة حافلة بالنشاط العلمي والإداري.
ومن الطريف أن ابن خلدون قسم كتلة صنهاجة الكبرى إلى أهل مدر وهم المستقرون في الشمال وسماهم كما أسلفنا أهل الطبقة الأولى، وإلى أهل وبر وهم الرحالة الملثمون في الجنوب وسماهم أهل الطبقة الثانية. أما فروع صنهاجة المنتشرون في شمال المغرب الأقصى (منطقة الريف) فسماهم أهل الطبقة الثالثة، وقسمهم إلى:
أ ـ صنهاجة العز، وهم الذين يعتصمون بالأماكن المرتفعة، حيث لا تنالهم أيدي الجباة والسعاة، ومن هؤلاء بنو زروال وسكان الجبال المطلة على تادلا.
ب ـ وصنهاجة البز، وهم الضاربون حول نهر ورغة ويشتغلون بالحياة وبالزراعة والغراسة وقد تم استعرابهم، على عكس غمارة التي تجاورهم.
ج ـ وصنهاجة الذل، وهم سكان نواحي مدينة أزمور وقد سموا بهذا الاسم إشارة إلى أن الأحكام تنالهم، ويد الجباة عليهم مبسوطة، وخضوعهم للسلطة المخزنية ظاهرة مألوفة.
أما صاحب كتاب «الأنساب في معرفة الأصحاب» فيقسم صنهاجة التي تجاور المصامدة إلى قسمين:
صنهاجة الظل: وهم سكان الجبال الظليلة والأراضي المرتفعة المليئة بالأشجار والعمران، فهم أشبه بصنهاجة العز، وصنهاجة القبلة وهم سكان الأماكن السهلية المنبسطة القريبة من وادي درعة المعرضة دوماً لحر الشمس المحرقة وهم أشبه بصنهاجة البز.
وآثار هذا التقسيم تبدو الآن في بقايا صنهاجة في شمال المغرب الأقصى الذين يميز فيهم بين:
صنهاجة غدو شمال إقليم تازة. وهم مستقرون.
صنهاجة السراير بإقليم الحسيمة.
صنهاجة مصباح شمال فاس وهذه بدورها يميز فيها بين صنهاجة الشمس وصنهاجة الظل.
لم تكن صنهاجة في الواقع مجرد قبيلة، بل كانت حلفاً عظيماً تعددت قبائله وافترشت فروعه جهات كثيرة من بلاد المغرب، حتى قيل إن عددها بلغ سبعين فرعاً تحت كل فرع منها عمائر، وبطون وأفخاذ أهمها في المغرب الأوسط.
تلكاتة، وينتسبون لتلكات بن كرت، وكانت لهم الزعامة على سائر فروع صنهاجة الشمال، ولهم منزلة بينها أشبه بتلك التي تبوأتها لمتونه، ورهط بني ورتنطق منها، بين صنهاجة الجنوب. وأظهر فروع تلكاتة بنو مناد بن منقوس الذين مثلوا دوراً سياسياً رئيسياً في بلاد المغرب والأندلس ومنهم الزيريون وبنو حماد.
ومن آثارهم قلعة المنادية بإقليم سجلماسة ومدن أشير وبنية (منزه وقلعة بنت السلطان)، ومليانة ولمدية وجزائر بني مزغنة ومتيجة في المغرب الأوسط
وبجاية وتوجد في المناطق الجبلية غرب وادي الصومام ولها منفذ مأمون على البحر وقرب مرسى قديم لهذه القبيلة، بنى الناصر بن علناس الحمادي مدينة سماها الناصرية سنة 460هـ/ 1067 ـ 1068م وقد جاءت في الشعر والنثر لكن اسم القبيلة ـ وهو بجاية ـ بقي شائعاً وغالباً، على مدينة الناصر بن علناس.
ومن فروع بجاية، بنو ورياكل، ومضاربهم حول ضاحية ملالة التي نزل بها لأول مرة ابن تومرت مهدي الموحدي عند رجوعه من المشرق العربي فاكرموه، وحموه من بطش العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس الحمادي، بسبب ما بلغه عنه من أنه يحتسب على الناس ويباشر تغيير المنكر جهاراً، ويعزر المخالفين أمام الملأ، وفي ملالة، ابتسم له الحظ، عندما اتصل بأحد العشرة المقربين من أصحابه، وهو أبرزهم، ووارث المجد السياسي بعد وفاة المهدي ذلك هو عبد المؤمن بن علي الكومي.
ويظهر أن رهطاً من بجاية هاجروا إلى أفريقيا (تونس) لأننا لاحظنا في شمال تونس، اسم بجاوة، وينتسب إليها كثير من النبهاء في عصرنا. والنسبة إليها كالنسبة إلى بجاية (بجاوي) وعلى ذلك إن صحت نسبتها إلى بجاية الأم في المغرب الأوسط، تكون هي واسم مدينة بجاية آخر ما بقي من آثار هذه القبيلة الصنهاجية العتيدة.
وبقرب بجاية وفي المنطقة بينها وبين مدينة تيزي وزو الحالية يوجد من بقايا صنهاجة.
فرع بني خليل، وعرفوا في الجهة باسم «بني خليلي» كما ذكر بعض الرحالة فرعاً باسم بني أبي خليل في منطقة الونشريس. ويوجد بنو جعد قرب حمزة (البويرة حالياً).
وبنو وارث (بنو وارثن بالبربرية) يوجد أثرهم بجهة بجاية ويعرفون بمشتاهم (أيت وارث واعلي) وقد أشار البكري([138]) إلى فرع منهم في الطريق بين تامدلت وأودغست ثم في الطريق من درعة إلى الصحراء. وهم هنا مندمجون في إطار أبناء عمومتهم صنهاجة اللثام.
بنو عمران على مقربة من بجاية هم من صنهاجة أيضاً، وهم في دوار أبرارين ومنهم في قرية الأربعاء وقرب برج منايل، أما بنو عمران الجبالة والسفلية فهم قرب مرسى جيجل غير بعيدين عن مضارب كتامة.ومن فروع صنهاجة الباقية فرع بطيوة، وآثاره توجد قرب مدينة أرزيو ناحية وهران بالإضافة إلى قرية وقبيلة بهذا الاسم في نفس الجهة، ويبدو أن فريقاً منها هاجر إلى تونس للرباط، حيث عثرنا على اسم محرس بطوية ضمن محارس ورباطات مدينة صفاقس ويعتبر هذا المحرس أهمها، ويشتمل على منار فريد للكشف يصعد إلى قمته بعد مائة وست وستين درجة كما أشير إلى مضارب لهذه القبيلة قرب إقليم نكور.
وترغة (تاركة ج توارك، توارق) من بقايا صنهاجة اللثام وآثارها في جبل الهقار في المغرب الأوسط ومن كبرى قواعدهم الآن تامنراست ويحتفظون حتى اليوم باسم التوارق وبهم فيما يبدو سميت مدينة ترغة وهي في مجال إقليم سجلماسة وأقدم منها لكن بتمصير سجلماسة 140هـ خلت ترغة، كما أقفرت مدينة زير أيضاً بعمارتها وتمصيرها([139]).
وقبيلة جزولة هي الأخرى توجد بقاياها في جهات من المغرب الأوسط ويدل عليها شيوخ لقب الجزولي، وإشارة الجغرافيين والرحالة إلى وجود جبل باسم جزول أو كزول تقع عليه أو في سفحه مدينة تاهرت.
ووانوغة من فروع وبقايا صنهاجة أيضاً قرب الجزائر، وقد اندمجوا في إحدى القبائل ومنها قبيلة بني مكلا قرب قرية يسر، وإليهم ينسب بعض الفقهاء والعلماء وأهمهم الوانوغي شارح المدونة في الفقه المالكي. وتذكر بهذه القبيلة كتلة جبلية حول مدينة سور الغزلان تعرف بجبال وانوغه. ومتنان (متنه) تضرب عشائرها بقرب قرية عين بسام (ولاية تيطري) ويوجد فرع لها هاجر في ظروف غير محددة في الطريق الذي يربط بين طنجة وسبتة، ويحتفظ بنفس الاسم التاريخي القديم.
وفرع مزغنة من صنهادجة كان يضرب حول الأخضرية، ومدينة الجزائر، قبل تأسيسها ولذا أخذت المدينة نفس اسم القبيلة وعرفت عند الرحالة بجزائر بني مزغنة (مزغناي أو مزغنان)، وتندمج مزغنة في قبيلة بني سليمان الشراقة، مع احتفاظها بالاسم القديم، وتضرب الآن على ضفة وادي يسر غير بعيد عن قرية الأربعاء.
وفرع ملوانة (إيلوانة باللهجة المحلية) من صنهاجة، ويوجدون ـ قرب مدينة الجزائر ـ وفي أرضهم توجد حمامات معدنية طبيعية للاستشفاء تعرف بحمامات ملوان.
ويوجد فرع بني حميد، في إطار قبيلة يسر الغربي شرقي الجزائر وربما فرع بني عثمان أيضاً. أما بقايا بني سليب فآثارها في ناحية فالمة من مضارب كتامة، كما أن فرع مليانة على العدوة الشرقية لنهر شلف وفرع لمدية في جبال التيتري والزناكة في تلمسان وبني دركول بناحية زمورة قرب مدينة غليزان، وبني زروال (بني رزويل أحياناً) بقرب البيض في الصحراء الغربية من بقايا صنهاجة الشمال، وإلى بني زرويل ينسب أبو الحسن علي بن أحمد مصباح وهو الفقيه الزرويلي الذي يعتبر أحد مصادر كتاب «تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر» لمحمد بن أحمد العقباني التلمساني.
أما بنو الغلظ، وبنو دارج قبيلة الشاعر أحمد بن دارج القسطلي، فيمثلون فروعاً من صنهاجة الشمال التي استقرت في بيئة الأندلس.
الدكتور موسى لقبال
صنهاجة
ـ 2 ـ
قبيلة صنهاجة من أقوى قبائل المغرب الأوسط وقد لعبت دوراً هاماً في تاريخ الفاطميين بالمرحلة المغربية ذلك نظراً للخدمات التي قدمتها لهم في ظروف حرجة للغاية فبفضل سيوف رجالها تمكن المنصور الخليفة الثالث من القضاء على أكبر ثورة وأخطرها واجهته هي ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد وبفضل إمكانياتها العسكرية وموطنها الاستراتيجي تمكنت أيضاً من كبح جماح قبيلة زناتة التي طالما أقلقت بالهم وهددت سلطاتهم، هذه الأمور كلها جعلت الخلفاء الفاطميين يعتنون بها عناية خاصة ويعملون على موالاتها واكتساب صداقتها وحينما عزم المعز على الرحيل إلى مصر اختارها من بين القبائل الأخرى واستخلفها على المغرب وبالغ البعض في دورها حتى أنه جعلها هي التي حملت لواء الدعوة الفاطمية من بدايتها حيث قال: (ومن بلادهم قامت دعوة بني عبيد، وهم الذين أظهروها ونشروها ونصروها) ([140]).
إن صنهاجة تجاور كتامة من جهة، وزناتة من جهة أخرى فيمتد وطنها من المسيلة جنوباً إلى ساحل البحر شمالاً حيث يشتمل على المسيلة وحمزة ـ البويرة ـ وجزائر بني مزغنة والمدية. ومليانة فيعتبر موطنها مركزاً استراتيجياً بالنسبة للفاطميين، وذلك لمجاورتها لزناتة، ولعل هذا أحد الأمور الهامة التي جعلت الفاطميين يعملون على استمالتها إليهم واصطناعها لخدمة مصالحهم السياسية ومن جهة أخرى فإن موطنها يعتبر من أخصب مناطق الجزائر إذ يشتمل على سهول منتجة وهي أخصب منطقة في الجزائر، ويقول ابن خلدون عن موطنها: (وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمزة إلى الجزائر ولمدية ومليانة) ([141]).
ولا شك أن الفضل في توطيد رابطة صنهاجة بالفاطميين يعود إلى زعيمها زيري بن مناد الصنهاجي حيث انحاز إليهم على اعتبار أنهم من نسل علي بن أبي طالب عليه السلام، فكان من أعظم أوليائهم، واستطال بهم على خصومه من زناتة الذين والوا من جهتهم الأمويين بالأندلس بحيث كان للعامل السياسي أيضاً دور هام في الانضواء تحت لوائهم. وقد لعبوا دوراً هاماً في حرب صاحب الحمار أبي يزيد مخلد كما ذكرنا فزاد هذا من مكانتهم.
ويقول ابن خلدون عن هذا: «ولما كانت فتنة أبي يزيد التات أمر العبيديين بالقيروان والمهدية كان لزيري بن مناد منافرة إلى الخوارج أصحاب أبي يزيد وأعقابهم وتسربت الحشود إلى مناصرة العبيديين بالقيروان»([142]). وعلى كل فكلا الطرفين الصنهاجي، والفاطمي رأى في موالاة الآخر مصلحة سياسية. فالصنهاجيون انضووا تحت لوائهم كي يستطيعوا بهم على خصومهم الزناتيين خاصة. والفاطميون أيضاً عملوا على استمالتهم كي يجعلوهم بمثابة سد في وجه زناتة أيضاً وقد توطدت الصلة بينهم أثناء حرب صاحب الحمار حيث قدم زيري لمنصور عوناً عسكرياً له قيمته في ظروف خطيرة للغاية فخلع عليه ووصله، وعقد له باسمه على قومه ومن اتصل بهم من البربر وذلك سنة 335هـ ـ (947م) فعظم شأنه وزادت مكانته وساهم أيضاً مساهمة فعالية إلى جانب المعز حينما خرج إلى المغرب لتأديب الثائرين سنة 342هـ (954م) كما كان من ألمع القواد مع جوهر لما دخل المغرب سنة 346هـ ـ (958م)([143]). وبفضل جهود قومه تمكن جوهر سنة 347هـ ـ (959م) من القضاء على خصوم الفاطميين، بالمغرب وفتح فاسا([144]).
لقد اجتمعت قبيلة صنهاجة ومن والاها من قبائل المغرب الأوسط وبايعت زيري بن مناد بالزعامة والرئاسة وإطاعته قبل أن يقدمه المنصور باسمه على قومه أثناء حرب صاحب الحمار فحينما كثر أتباعه بمدينة أشير سنة 324هـ (936م) على الراجح كما ذكر عن النويري سنة 364هـ ـ (958م) كما ذكر ابن الأثير([145]). لأننا نجد الحديث عنها قبل التاريخ الذي ذكره ابن الأثير واستقر فيها وأصبحت من أعظم المدن في المغرب الأوسط حيث اتسعت خطتها واستبحر عمرانها وقصدها العلماء والأدباء والتجار من مختلف النواحي. ولما انتصر المنصور على صاحب الحمار عقد له أيضاً على تاهرت وأعمالها([146]). فزادت مكانته وباستقراره في مدينة أشير حد من نشاط زناتة التي كانت تغير وتفسد، ولما سمع القائم سر كثيراً لأن عملاً كهذا يخدم مصلحة الفاطميين. وأخذ زيري يقدم خدمات للفاطميين فقد ظهر بقبيلة غمارة شخص ادعى النبوة فسار إليه وغزاه وقتله ثم ظهر بأوراس رجل خالف على المنصور يقال له سعيد بن يوسف فسار إليه زيري فالتقى به عند راغبه، وقتله فزاد هذا من مكانته عند المنصور أيضاً كما كانت له مواقف حسنة في نصرة الفاطميين في عهد المعز([147]). وبقي جندياً مخلصاً له حتى قتل سنة 360هـ (971م) هو وعامل تيهرت في شهر رمضان أثناء محاربته لجعفر ويحيى ابن علي بن الأندلسي، حينما تنكر للمعز وقصد زناتة الموالية للأمويين([148]). وبعد قتله أولى المعز مكانه بلكين.
إن تنكر جعفر بن علي بن الأندلسي عامل المسيلة وأخيه يحيى للفاطميين يعود إلى محاباة المعز لزيري وتقديمه له عليهما. وقد كان جعفر يطمح بأن يستخلفه المعز على المغرب، فاستطال عليه زيري مما جعل جعفر بن الأندلسي يكيد له ويتواطأ مع زناتة للوقوف في وجهه، حيث أخذ يطلعهم على أسرار الدولة الفاطمية نكاية بزيري وأثناء محاربة الأخير لزناتة، وتمكنه من قتل محمد بن الخير الزناتي عثر على مكاتبات لجعفر، عامل المسيلة، ومحمد بن الخير. كما كان يهاديه، ومن جملة هداياه أن فرساً من عتاق الخيل وهبها المعز له وجدها زيري عند محمد بن الخيرأهداها له جعفر بن علي بن الأندلسي، فأخبر زيري بذلك المعز الفاطمي فتهدده وبعث إليه يستقدمه إلى المنصورية فخاف على نفسه ولذا خرج من المسيلة هو وأخوته وجميع أفراد عائلته ومع جميع أمواله سنة 360هـ ـ (971م) والتجأ إلى زناتة كما ذكرنا([149]). وعاد معهم لقتال زيري بن مناد فالتقوا بملوية فكبا بزيري جواده فقتل، كما قتل كثير ممن كان معه([150]). فبادر جعفر بإرسال رأس زيري إلى الحكم المستنصر الأموي وبعد ذلك قام بلكين يطالب زناتة بدم والده فخشيت صولته وعزمت على الغدر بجعفر وإلقاء القبض عليه وتقديمه إليه للتخلص من انتقام الصنهاجيين. ولما علم جعفر بذلك التحق بالحكم المستنصر في الأندلس ونجا من المكيدة فقبله وأسند إليه الوظائف السنية وبقي محترماً مكرماً إلى أيام الوزير ابن أبي عامر فقتله سنة 367هـ ـ (977م) وبعث برأسه إلى بلكين([151]).
وهذا يدلنا على أن المعارضين للفاطميين، والأمويين يجدون حماية ورعاية عند خصم الآخر كما يدلنا على مدى تقلب المصالح السياسية. ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر فكر فيمن يستخله على المغرب فقد كانت كتامة صادقة التشيع لكنها غير مجاورة لزناتة. كما أن كثيراً من أبطالها أنفقتهم في حروب تأسيس الدولة وإخماد الثورات بالإضافة إلى هذا فإن علاقتها بالفاطميين كانت تصاب أحياناً ببعض الفتور ولذا لم يستخلفها المعز، ولم يغضبها في نفس الوقت حيث لم يجعل لغيرها عليها سبيلاً، وأعفاها من الضرائب([152]).
ووقع اختياره على صنهاجة نظراً لقوة عصبيتها من جهة ومجاورتها وعداوتها القديمة لزناتة من جهة أخراى. بالإضافة إلى الخدمات التي قدمتها للفاطميين وزيادة على الاعتبارات المتقدمة فلبلكين دراية بأمور الدولة وقد كان بطلاً شجاعاً قوي الشخصية في عصبية قوية من قومه.
لقد اطمأن المعز إلى بلكين بصفة خاصة للاعتبارات التي ذكرناها وكناه بأبي الفتوح وسماه سيف الدولة لكنه لم يجعل له سلطة على صقلية حيث أبقاها للكلبيين كما جعل على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي. وجعل على ولاية الخراج عبد الجبار الخراساني وحسن بن يخلف المرصدي. كما جعل على جباية الأموال بأفريقيا زيادة الله بن القديم وأمر الجميع بالطاعةى والانقياد لبلكين وأطلق يده في الأموال والأعمال وأوصاه بأن قال له: (يا يوسف إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنسى ثلاثاً ألا ترفع الجباية عن البادية ولا ترفع السيف عن البرابرة، ولا تولي أحداً من أهل بيتك فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك وأوصيك خيراً بأهل الحاضرة([153]). وحثه على غزو المغرب وقتال الناكثين به فعمل بوصيته وافتتح عهده بقتال زناتة فغزاهم في جموع صنهاجة وكتامة ففرّ أمامه أبو خزر صاحب المغرب الأوسط إلى سلجمانة، وبلغه خلاف أهل تاهرت فقصدها وأخضعها ولما اجتمعت زناتة بتلمستان، مرة أخرى سار إليهم وفرق جموعهم ووطد نفوذه وأقرّ الأمن والنظام ونقل الناكثين بتلمسان إلى أشير حيث اقتدى في ذلك بأبي القاسم لما غزا المغرب الأوسط سنة 313هـ ـ (927م) فنقل بعض الذيبن توقع منهم الشر من المسيلة إلى القيروان.
بقيت صنهاجة([154]) محافظة على الولاء والطاعة للفاطميين فامتد سلطانها وعظم شأنها حتى أن ابن خلدون يعتبر ملكها أعظم ملك وأضخمه عرف عند البربر فيقول عن ذلك «وكان أضخم ملك عرف البربر بأفريقيا وأشرفه وأبذخه»([155]). فازدهرت الأوضاع في عهدهم من صناعة وتجارة وكثرت الأموال حتى كانوا يصنعون توابيت كبرائهم من العود الهندي بمسمار الذهب، ولكن جو الصفاء والود بينهم وبين الفاطميين لم يطل به العهد، وتكدر فلما توفي المعز وتولى ابنه العزيز (365 ـ 386هـ) ـ (976 ـ 996م) خشي جانب الصنهاجيين وتوقع انفصالهم عن دولته ولذا لجأ إلى محاولة أضعافهم كي يبقوا على طاعتهم وولائهم فبعث سنة 371هـ ـ (981م) إلى أبي الفتوح يوسف الصنهاجي يأمره بأن يختار ألف فارس من أخوته وأقاربه الأبطال مثل ماكسن وزاوى وحبوس وحمامة وبني زيري حمامة بن مناد وأن يرسلهم إليه ولعله أراد بذلك أن يجعلهم كرهائن عنده. فكتب إليه أبو الفتوح يخبره بأن أمراء الأندلس الأمويين تغلبوا على المغرب وأن الدعاء لهم فيه على المنابر، وأنه خرج لمحاربتهم بمثل هؤلاء الرجال الذين طلبهم وقال له إن عزمت على أن أرسلهم إليك تركت المغرب وجئت بنفسي معهم فلم يرجع إليه العزيز جواباً([156]).
ولكن العزيز بقي يدبر المكائد للصنهاجيين حيث بعث داعياً له إلى كتامة يقال له أبو الفهم يدعوهم إلى طاعته وغرضه أن تميل كتامة إليه ليقاتل بهم المنصور الصنهاجي واسم هذا الداعي (الحسن بن نصر) ([157]). فدعاهم أبو الفهم هذا وكثر أتباعه وقاد الجيوش على المنصور وعظم شأنه فبعث المنصور بدوره إلى العزيز يخبره بأمره، ويعرفه الحال التي أصبحت عليها الأوضاع. فأرسل إليه رسولين هما أبو العزم ومحمد بن ميمون الوزان يأمره بعدم التعرض له وأمر الرسولين أن يسيرا بعد ذلك إلى كتامة وعند ذلك أدرك المنصور الحيلة فحينما وصل إليه الرسولان أغلظ لهما في الحديث وأمرهما بالمقام عنده. ثم تجهز لحرب كتامة وأبي الفهم وسار بعد عيد الأضحى من سنة 377هـ ـ (978م) فقصد ميلة فأخضعها وخرب سورها ثم توغل في بلاد كتابة والرسولان معه يشاهدان أعماله وهو يهدم القصور والدور ويخرب المدن حتى بلغ سطيف فاقتتل مع كتامة وأبي الفهم قتالاً شديداً، اضطر على أثره هذا الثائر على الفرار إلى جبل وعر بقبيلة بني إبراهيم فتهددهم المنصور بسببه فقبضوا عليه وسلموه له، ثم عاد إلى المدينة أشير وأطلق سراح مبعوثي العزيز فعادا إلى مصر وأخبراه بكل ما شهدا وقالا له: «جئنا من عند شياطين يأكلون الناس»([158]). ولما فشلت خطته هذه بعث هدايا إلى المنصور الصنهاجي ليطيب خاطره.
بقي العزيز يتوجس خيفة من عظمة الصنهاجيين ولذا بقي يغري كتامة بهم ولم يجعل لهم سلطاناً عليهم ولا شك أن المعز أثناء رحيله إلى مصر حباها بميزات لمثل هذه الدسائس من ذلك أنه ظهر خلاف أيضاً ببلادها سنة 379هـ (989م) بقيادة رجل يقال له أبو الفرج لا يعرف أصله ادعى أنه ابن القائم أبي القاسم، والتفت كتامة حوله وعمل أكثر مما عمله أبو الفهم، واتخذ بنوداً له وسك عملة خاصة به وجرت بينه وبين عساكر المنصور وقائع كثيرة، وحروب طاحنة بميلة وسطيف([159]) وغيرهما وأخيراً دارت الدائرة عليه وعلى أنصاره الكتاميين وقتل منهم الكثير فالتجأ إلى غار فوثب عليه بعض أتباعه وجاؤوا به إلى المنصور فقتله وشحن بلاد كتامة بالعساكر وبث عماله فيها ولم يدخلها عامل له من قبل فأخضعوها وجبوا أموالها، وضيقوا على أهلها وعاد المنصور بعد ذلك إلى مدينة أشير([160]).
وبعد هذه الأحداث بقيت العلاقات بين الطرفين يسودها فتور بمرور الزمن، وتطورت من سيئ إلى أسوأ وأخذت تتدهور بينهم بسرعة منذ بداية عهد المعز بن باديس بن المنصور الصنهاجي 406 ـ 454هـ (1016 ـ 1064م) لأنه كان منحرفاً عن مذهب الفاطميين فتشجع عامة من هم على غير مذهبهم وبادروا بشن حملة من العنف والإرهاب ضد أتباع الفاطميين منذ سنة 407هـ ـ (1017م) في مختلف مدن أفريقيا فقتلوهم حيث وجدوهم، ونهبوا أموالهم، وهدموا دورهم وقتلوا حتى نساءهم وصبيانهم وبلغت بهم الحال إلى أن أحرقوهم بالنار، ويقول القاضي عياض بهذا الصدد: (فقتلوا حيث وجدوا وأحرقوا بالنار فلم يوجد أحد منهم بمدن أفريقيا وأعمالها إلا من اختفى ولجأت الرافضة إلى مساجد البادية فقتلوا فيها أبرح قتل) ([161]) وعلى هذا فإن بوادر الانفصال ظهرت بوضوح منذ بداية عهد المعز بن باديس.
لقد اختلفت الروايات بين المؤرخين في تاريخ إعلان انفصال المغرب وقطع الخطبة للخليفة المستنصر (427 ـ 487هـ) (1036 ـ 1057م) فذكر ابن الأثير أن ذلك كان سنة 435هـ (1044م) حينما وصل كتاب التولية على المغرب للمعز الصنهاجي من قبل الخليفة العباسي، ونصه: (من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد ثقة الإسلام وشرف الإمام وعمدة الأنام ناصر دين الله قاهر أعداء الله ومؤيد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين لولاية جميع المغرب وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين([162]).
وقد وصله هذا العهد يوم الجمعة والخطيب على المنبر فقطعت الخطبة فوراً من ذلك اليوم، غير أن ابن عذارى فصل الحديث في هذه النقطة تفصيلاً أوفى وأشمل فذكر في أحداث سنة 433هـ (1042م) ما نصه: «وأظهر المعز الدولة([163]) العباسية وورد عليه عهد القائم بأمر الله»([164]) كما ذكر بأن الخطبة إنما قطعت سنة 440هـ (1050م) ونصه أيضاً «قطعت الخطبة لصاحب مصر، وأحرقت بنوده، وأمر بالدعوة للعباس بن عبد المطلب([165]) كما أنه أمر في سنة 441هـ (1051م) بتغيير السكة وإزالة أسماء بني عبيد منها، ومعاقبة من تعامل بسكة عليها أسماؤهم([166]). وأمر في سنة 443هـ ـ (1053م) بلبس السواد في القيروان وغيرها وهو شعار بني العباس([167]). الأمر الذي ألب عليه الخليفة الفاطمي فأغرى قبائل العرب بغزو المغرب في نفس السنة انتقاماً من الصنهاجيين ودخلت طلائعها القيروان سنة 444هـ ـ (1054م) ([168]). كما ذكر ابن خلدون بشأن قطع الخطبة ما يؤيد هذا([169]).
غير أن السلاوي ذكر بأن قطع الخطبة إنما كان سنة 443هـ ـ (1053م) وأثر ذلك تفاوض الخليفة المستنصر مع وزيره اليازوري في الأمر، فأشار عليه بأن يضرب خصومه بقبائل العرب من بني هلال وبني سليم وغيرهم وبذلك يتخلص من مشاغباتها من جهة ويثأر بها من خصومه الصنهاجيين من جهة أخرى فعمل المستنصر على استمالة مشائخ هذه القبائل وأغراهم بالمال، وأولاهم ما يفتحونه من المغرب، وأباح لهم عبور النيل. ثم كتب اليازوري بعد ذلك إلى المعز بن باديس قائلاً: «أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولاً فحولاً وأرسلنا عليها رجالاً كهولاً ليقضي الله أمراً كان مفعولاً»([170]).
وإثر ذلك شرعت قبائل العرب في عبور النيل. ولما وصلت طلائعهم إلى برقة كتبوا إلى من بقي منهم يرغبونهم في اللحاق بهم، فسمح لهم الخليفة المستنصر بعدما أخذ من كل واحد دينارين حيث استعاد منهم المال الذي زود به السابقين عليهم فاندفعت جحافلهم كالسيل العرم والتحقوا بإخوانهم وانتشروا جميعاً في بلاد المغرب كالجراد المنتشر([171]). ولكن التيجاني ذكر أن هذه القطيعة حدثت سنة 444هـ ـ (1054م) ([172]).
ومن خلال استعراضنا لمختلف الآراء السابقة يتضح لنا مدى تعارضها واختلافها ولكن يبدو أن ما ذكره كل من ابن عذارى، وابن خلدون، بهذا الشأن أرجح. فلو قطعت الخطبة كما ذكر ابن الأثير سنة 435هـ (1044م) لما تأخر انتقام الفاطميين من خصومهم الصنهاجيين عدة سنوات ومن هنا نستنتج أن هذا التاريخ الذي ذكره المؤلف إنما تدهورت فيه العلاقات بين الطرفين تدهوراً كبيراً حيث أظهر المعز الصنهاجي ميوله الواضحة للعباسيين منذ سنة 433هـ (1042م) كما ذكر ابن عذارى أما ما ذكره السلاوي والتيجاني فإنما هو تاريخ غزو القبائل العربية التي وصلت طلائعها إلى تونس سنة 443هـ (1042م) ونشرت فيه الفوضى والتخريب على نطاق واسع بأفريقيا في السنة الموالية. كما أن ما يجعلنا نرجح ما ذكره كل من ابن عذارى وابن خلدون، أن كلاًّ منهما أكثر تخصصاً في تاريخ المغرب من غيره وعلى هذا فهما أدرى بهذه النقطة من غيرهما.
الدكتور مرمول محمد الصالح
سبب انقلاب المعز بن باديس
يعلل حسن أحمد محمود انقلاب المعز بن باديس على الفاطميين بما يلي:
إن مربي المعز بن باديس هو أبو الحسن علي بن أبي الدجال وكان على غير مذهب الفاطميين ومعادياً لمذهبهم، إذ كان مالكي المذهب، ولم ينتبه باديس لذلك فعهد إليه بتربية ابنه الصغير، ويرى ابن عذارى في البيان المغرب ج 1 ص 285 أن باديس وغيره كانوا يجهلون حقيقة مذهب ابن أبي الرجال إذ كان يخفيه.
ويقول حسن أحمد محمود: «إن ابن أبي الرجال طوى النعش على المذهب الذي كان يعتنقه حتى يستطيع أن يحقق غايته ويؤدي رسالته وهي الفوز بالمعز بن باديس وجذب قلبه وتنشئته على كره المذهب الإسماعيلي وبغض الخلفاء الفاطميين».
ولم يكن هذا آخر عهد الفاطميين في المغرب، بل أن الخطبة عادت لهم بعد انقضاء عهد المعز بن باديس وعهد ولده تميم حيث تولى يحيى بن تميم بن المعز فعاد إلى طاعة الفاطميين. (انتهى).
الصوارم المهرقة
ألف ابن حجر الهيتمي ـ المتوفى سنة 973هـ ـ كتابه «الصواعق المحرقة» سنة 950هـ في مكة المكرمة وقد أثارته كثرة الشيعة فيها كما ذكر في خطبة الكتاب.
فردّ عليه في الديار الهندية القاضي نور الله التستري، الشهيد سنة 1019هـ بكتاب سمّاه «الصوارم المهرقة».
ورد عليه بالديار اليمنية أحمد بن محمد بن لقمان، المتوفى سنة 1029هـ بكتاب سماه «البحار المغرقة» ذكره الشوكاني في البدر الطالع 1: 118.
صور (عُمان)
بنى الفينيقيون صور العمانية وأوجدوا فيها قواسم مشتركة مع صور اللبنانية. وصور عمان تتوسط شواطئ المحيط الهندي الصاخب بحركته والضاج بسير البشر على مياهه سفراً وتجارة وملاذاً للرزق دائم الاخضرار على رغم الزرقة التي تبدو لامتناهية.
في المنطقة الشرقية من عمان يمضي السائر إلى صور قرابة 350 كيلومتراً تقريباً. يعبر وسط عمان في اتجاه الطرف الآخر من البلاد حيث تنتظره صور كآخر طرف في حدود الخريطة، وهي أول طرف عربي يستقبل شعاع الشمس كل صباح. ولذا فإنها تستيقظ مبكراً على صوت البحر وأشعة الشمس لتدخل في حميمية كل يوم، إذ الأمواج تنادي الربابنة وتحاور الصيادين وتشرف على البيوت التي اختارت النظر إلى الزرقة كل حين، ومن هذه الصورة يغدو للصوريين منفذ إلى آلاف الحكايات التي تخرج من بين الأمواج فيتلقفها البشر وتتعدد الأسفار وفي كل سفر ألف حكاية وفي كل حكاية ألف معنى.
الصوري يتواصل مع الموجة ليغازلها تارة في أوقات الصفو الروحي وتارة يعمل بجانبها في صنع سفينة يعبر فوقها إلى موانئ العالم. وعلى امتداد الشاطئ هناك قوارب مقبلة وأخرى مبحرة وأخرى تصنع على رغم أن الألوان تختلف، فالحداثة وصلت إلى قوارب الصيد لكن السفن بقيت نسيج هذا الصوري الذي يجلس ليحيك بأنامله ملامح سفينة فيحول الأخشاب المكدسة حواليه حتى تكاد تغطيه تحفة عابرة للموج، هذه الأخشاب التي كانت قبل زمن حاضنة كأشجار لمئات العصافير ها هي تحتضن بعد قليل نداءات الموج وأصوات النواخذة وغناء البحارة: «من البحر ياللي دائم ما ننساك … يا بحر طاب ليلي معاك»، ويتواصلون: «البحر سفر سعيدة …. والهواء ربي يزيده».
وقد تنكر البشر إلى حد ما لهذا الفن الجميل لكن ما زال العشرات يعملون الليل والنهار في صناعة السفن وتتكدس الأخشاب في مناجر يجلس بين أجزائها صناع السفن يختارون أي الأخشاب إحدى لأجزاء هذا الكائن الذي يتكون بين أيديهم، فعمان لا تمتلك من الأخشاب إلا المأخوذة من أشجار السدر والقرط وهي قليلة، لكن الأشجار العملاقة التي تقدم الأفضل لهذه الصناعة موجودة في الهند والساحل الشرقي ومن أنواع هذه الأخشاب الساج والينقلي والفيني والكندل.
وفيما تسكب الشمس المحرقة أشعتها على رؤوس هؤلاء الكادحين فإن الألواح تبقى ملاذاً ظليلاً يحتمون تحتها أو بأغطية قماشية، هؤلاء يواجهون الصيف بما هو معروف عنه من درجة حرارة تصل إلى الخمسين ودرجة رطوبة تقترب من المئة، لكن عرق الرجال متواصل من أجل الهواية والرزق على مدار العام، وفي الشتاء فإن الطقس لن يكون أكثر إراحة للجالسين أمام تيارات الهواء الآتية من المحيط.
تستغرق السفينة حتى تكتمل صناعتها أشهراً عدة بحسب حجمها، وتبدأ أولاً من قطع ألواح الخشب وتسويتها بحسب مقاسات محددة لكل وجهة في السفينة، وهناك من السفن ما يحتاج إلى سنة كاملة، ومن هذه الأنواع «الغنجة» و«البغلة» ويعمل فيها عشرة عمال على الأقل على مدار العام، وتراجعت صناعة السفن الضخمة التي كانت تحمل المسافرين والتجار إلى موانئ الساحل الإفريقي والهند والبصرة وإيران وباكستان، والإقبال يدور حالياً على مراكب من نوع «السنبوق» التي تستخدم للصيد.
ويحدد العمود الفقري للسفينة حجمها وهو ما يأتي في المرتبة الثانية في الصناعة، فبعد تهيئة الأخشاب يقام العمود الفقري من الأخشاب العملاقة ويبدأ العاملون في التوزع على السفينة تحت إشراف عارف بالصناعة يوجه ويحدد ويخطط لتتحمل هذه السفينة السير في المحيطات والبحر نصف قرن على الأقل ومواجهة الحيتان التي تتكاثر في المحيط.
وفي مساءات صور الراهنة يجلس النواخذة ومهرة الصناع يتذاكرون حكايات السفن التي صنعوها وقادوا أشرعتها ووجهوا بوصلاتها إلى أماكن مختلفة في أطراف هذا المحيط، ولدى كل واحد منهم ذكريات عن سفينة أبدعتها أياديه فإذا هي على سطح الماء تحمل أسفاراً وأسراراً ومواجهات صعبة مع البحر، يتمنون أن تعود أمجادهم. فسواعدهم اعتادت وذاكراتهم تسبح بهم إلى البعيد حيث البحر وذكرياته، وهناك في صور أكثر من منجرة تود لو أن الشباب يقبل للعمل فيها. وعلى رغم الأجر الجيد إلا أن صناعة الماضي لم تعد مفيدة لبناء المستقبل، فالنواخذة الصوريون لم يعودوا كما هم والبحارة أصبحوا موظفين حكوميين لا يأمنون للبحر بسبب ما سمعوه عن مفاجآته على رغم أن عشق البحر قائم على المغامرة بما في ذلك من لذة لا تقاوم.
وعلى الشارع البحري في صور تقف سفينة يشير إليها كل من يزور صور، وفي المساء يجلس إليها الصوريون يتبادلون أطراف الحكايات والذكريات، يسمونها «فتح الخير» أو «الخضراء» وحكايتها لا تختلف كثيراً عن حكايات البحر، فهذه السفينة التي صنعت عام 1951م ظلت مع البحر على علاقة استمرت 43 عاماً منها 25 عاماً مترددة على صور حيث مالكها الأصلي ومن ثم 18 عاماً في دبي واليمن، تحمل «فتح الخير» طاقم بحارة يتكون من 20 بحاراً وطولها 76 ذراعاً وعرضها 40 ذراعاً والعرض في الوسط 14 ذراعاً والارتفاع من الداخل حتى السطح 10 أذرع.
هذه السفينة زارت عشرات الموانئ وهي من نوع «الغنجة»، وبيعت إلى أكثر من شخص لكنها عادت إلى نقطة إبحارها الأولى وإلى أول موجة قبلتها على الشاطئ الصوري، وسميت «فتح الخير» لأن المطر هطل بغزارة في أول يوم بنائها، ومقدمتها على شكل طائر الهدهد وبيعت عام 1975م إلى تاجر في دبي اسمه سيف الجرواني الذي باعها لتجار من اليمن، وفكر الصوريون بأن يسترجعوا هذه السفينة لما فيها من تاريخ وحميمية مع هذه المدينة وتبرع كبار التجار بأكثر من 80 ألف دولار أميركي لشرائها وقاد مسيرتها من ميناء المكلأ اليمني إلى مسقط رأسها نوخذة صوري.
ومن البحر إلى اليابسة غادرت «فتح الخير» زرقة المياه لتطل عليها عن قرب وحولها عشاقها يتسامرون في حكاياتها وحكايات كل صوري غرس بيارقه في البحر.
إنها السفن المتجددة دوماً والتي يصعب أن تغادر عيون من يشاهدونها ومخيلاتهم.
سيف الرحبي
صور
مدينة فينيقية قديمة على البحر المتوسط جنوبي صيدا. وقد أسسها الفينيقيون في الألف الثالث قبل الميلاد وأصبحت أولى المدن بعد أن هاجر إليها أهل صيدا. وفي القرن الثاني عشر ق.م. قامت بينها وبين مصر علاقات تجارية وثيقة. ولقد اشتهر من بين ملوكها حيرام الأول معاصر سليمان بن داود. ومن صور هاجرت ديدون (أليسا) لتؤسس قرطاجة في أفريقيا سنة 813ق.م. وقد اشتهرت بمقاومتها لحصارات الآشوريين في القرن الثامن ق.م. والبابليين سنة 573ق.م. واسكندر الكبير سنة 332ق.م. وقد احتلها الرومان سنة 64ق.م. ودخلها العرب الفاتحون سنة 13هـ (638م). وفي السنة 690هـ (1291م) استعادها الأشرف صلاح الدين خليل من الصليبيين الذين طال احتلالهم لها فخربها وخرب صيدا.
قال ياقوت في معجم البلدان: صور مدينة مشهورة سكنها خلق من الزهاد والعلماء وكان من أهلها جماعة من الأئمة ونسب إليها طائفة من العلماء. وفي أنساب السمعاني: صور بلدة كبيرة من بلاد ساحل الشام وكان بها جماعة من العلماء والمحدثين.
وفي صبح الأعشى عند ذكر أعمال صفد: السابع عمل صور وهي مدينة قديمة بساحل دمشق وبناؤها من أعظم أبنية الدنيا وكانت من أحصن الحصون التي على ساحل البحر فلما فتحها المسلمون في سنة 690 مع عكا خربوها خوفاً أن يتحصن بها العدو وهي خراب إلى الآن (أي ما بعد السبعمائة) ويقال إنها أقدم بلد بالساحل وأن عامة حكماء اليونان منها قال الشريف الإدريسي: وكان بها مرسى يدخل إليه من تحت قنطرة عليها سلسلة تمنع المراكب من الدخول.
وقد وصفها ناصر خسرو عندما وصف رحلته من بلخ إلى مكة المكرمة سنة 437 ومر بصور سنة 438 فقال عند ذكر صور: إنها بلدة على ساحل البحر ليس أكثر من مائة ذراع في الأرض وباقيها داخل في البحر وأبنيتها من الصخور المنحوتة وما بينها مدروز بالقير كي لا تؤثر عليها أمواج البحر وهي خمس أو ست طبقات بعضها فوق بعض وفيها نوافر كثيرة ونعم وافرة وهي معروفة بالمال والقوة بين البلاد الساحلية وأكثرها أهاليها شيعة وقاضيها رجل سني يقال له ابن أبي عقيل رجل قوي البنية حسن المنظر وعلى باب البلد أساطين عليها قناطر وأطواق يجري عليها الماء إلى البلد. (انتهى).
وقال ابن الأثير: قصد بغدوين ملك الفرنج مدينة صور وحصرها وأمر ببناء حصن عندها على تل المعشوق فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار فأخذها ورحل. وفي سنة 505هـ حاصر الفرنج صور وهي للآمر بأحكام الله الفاطمي ثم رجعوا وعنها ولم تزل صور للخلفاء الفاطميين بمصر إلى سنة 516هـ فاستولى عليها الفرنج وتفرق أهلها ولم يبق بها إلا الضعيف.
هكذا ذكر ابن الأثير ولكن في معجم البلدان: إنها بقيت في أيدي المسلمين إلى سنة 518هـ فنزل عليها الإفرنج «الصليبيون» وحاصروها وضايقوها حتى نفذت أزواد أهلها وكان الآمر صاحب مصر قد أنفذ إليها أزواداً فعصفت الريح على الأسطول فردته إلى مصر فتعوقت الأزواد عن الوصل إليها فلما سلموها وصل بعد ذلك بدون العشرة أيام وقد فات الأمر وسلمها أهلها بالأمان وخرج منها المسلمون ولم يبق بها إلا صعلوك عاجز عن الحركة وتسلمها الإفرنج وحصنوها وأحكموها. (انتهى)*.
وامتنعت على صلاح الدين في حربه للصليبيين حتى عجز عن فتحها فإنه تهاون بأمرها أولاً وترك المجال للفرنج المستأمنين والهاربين من المدن التي كان يفتحها أن يدخلوا صور حتى صارت ملجأهم وقووا بها وحصنوها وفتحوا لها خليجاً من البحر الى البحر شرقيها حتى صارت كالجزيرة في وسط البحر ونازلها مراراً حتى عجز عنها فتركها.
ومر بها ابن جبير سنة 580هـ وكانت في إبان عمرانها وقد وصفها في رحلته وصفاً كافياً وكانت يومئذ بيد الفرنج إلى سنة 690هـ ومر بها ابن بطوطة في رحلته سنة 725هـ وقال إنها خراب بخارجها قرية معمورة وأكثر أهلها أرفاض.
وفي أواخر المائة الثانية عشرة للهجرة لم يكن فيها إلا محل حقير على شاطئ البحر يقال عنه ملاحة أي مستودع للملح الذي يجلب في البحر ليباع على أهل البلاد وله ملتزم يلتزمه من الحاكم ثم بناها وسكنها الأمير الشيخ عباس بن محمد بن نصار المعروف بالشيخ عباس المحمد الذي كان حاكماً على ناحية ساحل قانا وكانت صور داخلة في حكمه فجاء إليها وأنشأ بها الأبنية الجسيمة منها السرايا التي كانت في المحل المدعو بالخراب ومنها البناء الذي كان على باب المدينة والجامع القديم والحمام وعدة مخازن وجلب إليها السكان وجعلها مقر حكومته إلى أن توفي فيها سنة 1189 ولا يعلم هل عمرت بعد مرور ابن بطوطة بها وقبل تعمير الشيخ عباس المحمد لها فإن لم تكن عمرت يكن خرابها قد استمر نحو 400 سنة والله أعلم. وصور اليوم مدينة عامرة وهي مركز قضاء باسمها.
مدينة صور
في كتابات المؤرّخين والرحّالة
من الفتح الإسلامي حتى التحرير من الصليبيين
كانت صور عند بداية حركة الفتوحات الإسلامية تعتبر داخلة في قطاع جُند الأردن، ولذلك كان المكلَّف بفتحها القائد «شُرَحبيل بن حسنة»، الذي أُنيطت إليه مهمة فتح هذا القطاع، وتمكن من فتحها في أواخر سنة 13هـ([173])/ 633م.
ووجدت المدينة العناية مبكراً من المسلمين، روى «هشام بن الليث الصوريّ» عن أشياخه قالوا: نزلنا صور والسواحل وبها جُندٌ من العرب وخلْق من الروم. ثم نزع إلينا أهل بلدان شتى فنزلوها معنا، وكذلك جميع سواحل الشام([174]). ولذلك قال «اليعقوبيّ» عن صور: «وكان أهلها أخلاطاً من الناس»([175]).
وفي سنة 59هـ/ 679م تمكّن البيزنطيون من الاستيلاء عليها وعلى صيدا وتسلقوا جبال لبنان بمساعدة الجراجمة([176])، ثم استعادها المسلمون.
ثم جرى تجديد بنائها بعد أن كانت خربة([177])، وارتفع شأنها بين المدن الساحلية حين نقلت إليها دار الصناعة البحرية، وكانت الصناعة من قبل في الأردن بعكا.
وقام البيزنطيون بغزوة بحرية إلى صور سنة 107هـ/ 726م. فتصدّى لهم «خالد بن الحسفان الفارسي» وأجبرهم على الفرار بعد أن استولى على سفينة لهم كانت رست على جزيرة قبالة صور، وأسر من فيها([178]). ومن المرجح أن «ابن الحسفان»، وهو فارسيّ الأصل، كان والياً على صور ومن غُزاة ثغرها، وكان أمير البحر بها «يزيد بن أبي مريم» الذي عُزل لتهاونه في مواجهة الغزاة، وولّي إمْرة البحر مكانه «الأسود بن بلال المُحاربيّ»، فقطع «الأسود» البحر في سنة 111هـ/ 730م، ردًّا على تلك الغزوة([179]).
وكانت مهمة الدفاع على طول الساحل الشامي تُناط بأمير البحر، ولذلك ترى «الأسود» يخرج لمطاردة الغُزاة البيزنطيين حين هاجموا سفينة تجارية عند ثغر بيروت([180]). وقام بغزوة إلى قبرص في سنة 120هـ([181])/ 738م. ثم بغزوة إلى جزيرة أقريطش في السنة التالية أو التي بعدها([182]).
ثم زادت سُلطات «الأسود» فاصبح أميراً على جيش البحر في ساحل الشام كله، وقاد حملة كبيرة إلى جزيرة قبرص فنزل عليها في سنة 125هـ/ 743م. وأتى بطائفة من أهلها واسكنها «الماحوز» بين صيدا وصور([183]).
ثم تمّ ترميم ميناء صور على يد كبير البنّائين «زياد بن أبي الورد الأشجعي» الذي ترك اسمه منقوشاً في عبارة تردّدت في ميناء صيدا وعكا ومرعش، وحتى آذربيجان([184]):
وكانت صور من أهم ثغور الشام عند المرابطين المنقطعين للجهاد والغزو، حتى إن الإمام «الأوزاعي» كان يفضّل الإقامة والرباط فيها على بيروت، وعبر عن ذلك بقوله لحسّان بن سليمان الساحلي: «عليك بصور فإنها مباركةٌ مدفوعٌ عنها الفِتن، يُصبح فيها الشر فلا يُمسي، ويُمسي فيها فلا يُصبح قبر نبيٍّ في أعلاها …. ولو أنني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما عَدَلْتُ بها بلداً»([185]).
وكان سفيان الثوريّ» يحدث بعسقلان، فربما حدّث الرجل الحديث فيقول له: هذا خير لك من ولايتك عسقلان وصور([186]).
ومن الأمراء والغُزاة والمرابطين الذين نزلوا بها ووصلتنا أسماؤهم في هذه الحقبة: الأسود بن بلال أمير البحر، وخالد بن الحسفان الفارسي أحد الغزاة، وأبو عليّ حسان بن سليمان الساحلي الذي رابط فيها وروى عنه أبو حفص عمر بن الوليد الصوري([187]).
ويظهر أن الفُرس الذين نقلوا إليها قاموا ببناء مسجدٍ خاص بهم، ولذا عُرف بمسجد الفُرس([188]).
وفي العصر العباسي بدات كتابات الرحالة والجغرافيين تتوالى في وصف مدينة صور، وكانت البداية مع «ابن الفقيه الهمداني» الذي اكتفى بالقول: «صور: مِنْبَرُها إلى دمشق، وخَرَاجُها إلى الأردن»([189]).
وبعد أن تمكَّن «عيسى بن الشيخ» والي فلسطين من التغلُّب على «الموفّق الخارجي» في سنة 251هـ/ 865م. طلب من الخليفة العباسي «المستعين بالله» أن يكتب إلى صاحب صور في توجيه أربع مراكب بجيمع آلتها لتكون تحت تصرُّفه([190]).
وحين رفض «ابن الشيخ» البيعة للمعتمد بالخلافة، وغلب العباسيون لجأ بآل بيته إلى صور وتحصّن بها، وحتى لا تتعرّض المدينة وميناؤها للتخريب آثر الخليفة أن يُخرجه منها بالتفاوض، فأرسل إليه الفقيهين: «إسماعيل بن عبد الله المروزي» و«محمد بن عُبَيد الله الكريزي القاضي»، وبعث معهما رسوله «الحسين الخادم» المعروف بـ «عَرَق الموت»، فعرضوا على «ابن الشيخ» أن ينصرف من الشام آمناً ويتولّى بلاد أرمينية، فوافق، وخرج من صور بطريق الساحل إلى ولايته بين سنتي 256 ـ 357هـ/ 870م([191]).
وما إن أعلن «أحمد بن طولون» استقلاله بحكم مصر على العبّاسيين وضمّ بلاد الشام إليه في سنة 264هـ/ 878م، حتى قام بجولة تفقّد فيها السواحل، فمرّ بثغر صور، وعكا ويافا، وكانت صور بحالة جيدة فأعجبه بناؤها العجيب وأدهشه، وحين وصل إلى عكا وجد أنها لم تكن بحصانة صور فجمع صُنّاع البلاد وعرض عليهم منعة صور واستدارة السور على مينائها، وطلب إليهم أن يبنوا سور عكا وميناءها على غرارها، فاعتذروا له وقالوا: «لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان!»، ثم ذُكر له «أبو بكر البنّاء»، وقيل: «إنْ كان عند أحدٍ عِلم هذا، فعنده».
وهنا أترك الجغرافي الرحالة «المقدسي» المعروف بـ «البِشاريّ» وهو حفيد «أبي بكر البنّاء» يحدثنا عن كيفية بناء سور عكا البحري، ومن خلال هذا الوصف يمكن أن نتصوّر ما كان عليه ثغر صور في ذلك الوقت.
يقول «البِشاريّ» إن جده أتى بفِلَقٍ من شجر الجُمَّيْز الغليظة، فصَفَّها على وجه الماء بقدْر الحصن البرّي، وخيّط بعضها ببعض، وجعل لها باباً من الغرب عظيماً، ثم بنى عليها بالحجارة والشَيْد، وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظٍ ليتشدّ البناء، وجعلت الفِلَق كلما ثقُلَت نزلت، حتى إذا علم أنها قد جلست على الرمل تركها حَوْلاً كاملاً، حتى أخذت قرارها، ثم عاد فبنى من حيث ترك، كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيَّطه به، ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء، وتُجرّ السلسلة مثل صور. قال: فدفع إليه ألف دينار سوى الخِلَع وغيرها من المركوب، واسمه عليه مكتوب»([192]).
ويقول «قُدامة»: «وسواحل جُنْد الأردن: صور، وعكا. وبصور صناعة المراكب»([193]).
ويقول «اليعقوبي»: «ولجُنْد الأردن من الكُوَر: صور، وهي مدينة السواحل، وبها دار الصناعة، ومنها تخرج مراكب السلطان لغزو الروم، وهي حصينة جليلة، وأهلها أخلاط من الناس»([194]).
ويقول «الإصطَخْري»: «وصور: بلد من أحصن الحصون التي على شطّ الحر، عامرة خصبة، ويقال إنها أقدم بلد بالساحل، وإن عامة حكماء اليونان منها»([195]). ومثله قال «ابن حوقل»([196]). وترددت عبارته في أكثر من مصدر عند المؤرخين والرحّالة.
ويقول «المقدسي البِشاري»: وصور مدينة حصينة على البحر، بل فيه، يُدخل إليها من باب واحد على جسر واحد، قد أحاط البحر بها، ونصفها الداخل حيطان ثلاثة بلا أرض، تدخل فيه المراكب كل ليلة، ثم تُجَرّ السلسلة التي ذكرها محمد بن الحسن في كتابه (الإكراه)، ولهم ماء يدخل في قناة معلَّقة. وهي مدينة جليلة نفيسة، بها صنائع ولهم خصائص. وبين عكا وصور شبه خليج، ولذلك يقال: عكا حذاء صور إلاّ أنك تدور، يعني حول الماء.
وقيل: صور: بل هي في البحر، لأنه يدور عليها ويُدخَل إليها على جسر، ويدخل إليهم الماء في قناة معلَّقة، وهي نصفين، نصف كبْس، ونصف حيطان في الماء على ما ذكرنا من عكا. وله «باب»، «وإنما تدخل المراكب هذا الحيِّز، وتُجرّ السلسلة كي لا يعبر عليها الروم في الليل، وصور مدينة نفيسة، بها صنائع كالبصرة وخصائص، ومنها أكثر سُكّر الشام. ولهم ماء غزير. ومزارع القصب بها كثير». «ومن صور: السُكّر والخَرز، والزجاج المخروط، والمعمولات»، «وماء صور يحصُر»([197]).
ويُنسب إلى صور «القفيز»، وهو مكيال للوزن، يساوي ثُلُثَي مُدْي إيليا، كما يُنسب إليها «الصاع» وهو مكيال للقمح، وكَيْلَجَة إليا تساوي نحو صاعٍ ونصف صاع صوريّ([198])، وكما نُسبت بعض المكاييل إلى صور منذ ذلك التاريخ المبكر، فقد نُسب إليها في فترة لاحقة «الدينار الصوريّ»، ونوعٌ من الكاغد أو الورق يُعرف بـ «الطاق الصوري» كان يكتب عليه المصحف بماء الذهب([199]).
وما دمنا بصدد ما نُسب إلى صور، فلا يفوتني في هذا المجال أن أذكر البحّار «دَمْيان» المعروف بـ «دميان الصوري» الذي أرعب البيزنطيين هو والبحّار العظيم «اليو الطرابلسي»([200]) وكان ممّن أسهم في إسقاط الدولة الطولونية في مصر([201]).
وفي سنة 296هـ/ 908م يحقّق أسطول صور البحري انتصاراً على الروم بقيادة القاضي «محمد بن العباس الجُمَحيّ»([202]).
وتدخل صور بحوزة القائد العباسي «محمد بن رائق» سنة 327هـ/ 938م فينزل بها لبعض الوقت ومعه غلام له يُدعى «مشرق»، فيُنشده أحد أدبائها بقوله:
يَصْفَرُّ لوني إذا أبصرتُ به
خوفاً، ويَحْمَرُّ وجهه خجلاً
حتى كأنّ الذي بوجنته
من دم قلبي إليه قد نُقِلا([203])
وقبل أن يتوجه «ابن رائق» إلى بغداد سنة 329هـ/ 940م أضاف صور وعَمَلَ الأردن إلى «بدر بن عمّار» صاحب طبرية ـ وقيل صاحب طرابلس ـ فقال «المتنبي» يهنّئه ويمدحه وهو بطبرية:
تَهَنّأ بصورٍ أمْ نُهَنِّها بكا؟
وقلّ الذي صورٌ وأنت له لكا
وما صغر أوردن والساحل الذي
حُييتَ به إلاّ إلى جنب قدركا
تحاسَدَت البلدان حتى لو أنّها
نفوسٌ لسار الغرب والشرق نحوكا
وأصبح مصرٌ لا تكون أميرَه
ولو أنه ذو مُقْلةٍ وفمٍ بكى([204])
وتتناول المصادر التاريخية وغيرها أحداث صور السياسية في العصر الفاطمي بشكلٍ مفصَّل نسبياً عمّا في العهدين السابقين الأُمويّ والعباسي، ومن أهمها ثورة «العلاّقة» في سنتي (387 ـ 388هـ/ 997 ـ 998م) وهي معروفة لدى الباحثين. ولكنّ ما لا يعرفه الكثيرون من الباحثين أن صور دخلت في دائرة نفوذ والي طرابلس الفاطميّ «علي بن حيدرة» في سنة 400هـ/ 1009م، حيث قام بتعيين عامل عليها من قِبَله بعد حربٍ أثارها بنو كِلابٍ في جنوب «لبنان» إذ دخلوا صور وانتزعوها من الدولة الفاطمية، فخرج «ابن حيدرة» لقتالهم وهزمهم بعد معركة طاحنة، وقد سجّل الشاعر «الحسن التّهامي» تلك الموقعة في ديوانه بقصيدة، فأفادنا بمعلومة تاريخية مهمة لا نجدها في أي مصدرٍ تاريخيّ بحت، فيقول ممتدحاً «ابن حيدرة»، ويشير إلى تعيينه أحد غلمانه عليها:
غادرْتَ أُسْد بني كِلاب أكلُبا
إذْ زرتَهُمْ، وزئيرهنُ نُباحا
فنَسُوا النساء، ودمّروا ما دبّروا
ورأوا بقا أرواحهم أرباحا
… وتركتَ أعيُنَهم بـ «صور» وفي الوغى
صُوَراً، وقد جاح ما جاحا([205])
ومن قصيدة أخرى:
أعْدَى ندى كفَّيْه «صورَ» وأهلَها
والبدرُ يقلبُ طَبْعَ كلّ ظلامِ
ولو أنّ «صوراً» جنّةٌ ما استكثرتْ
ـ وأبيك ـ من غلمانه لغُلامِ
يعفو، فيفعل حِلْمُهُ بعدوّه
ما تفعلُ الأسيافُ بالأجسامِ([206])
وفي سنة 438هـ/ 1047م، يمر الرحالة الفارسي «ناصر خسرو» بمدينة صور فيقول إنها «قد بُنيت على صخرةٍ امتدت في الماء، بحيث أن الجزء الواقع على اليابس من قلعتها لا يزيد على مائة ذراع، والباقي في ماء البحر. والقلعة مبنيّة بالحجر المنحوت الذي سُدَّت فجواته بالقار حتى لا يدخل الماء من خلاله. وقد قدّر المدينة بألف ذراع مربّع. وأربطتها من خمس أو ست طبقات، وكلّها متلاصقة، وفي كثيرٍ منها نافورات، وأسواقها جميلة كثيرة الخيرات.
وتُعرف بين مدن ساحل الشام بالثراء، ومعظم سكانها شيعة، ولكن قاضيها رجل سُنّي اسمه ابن أبي عقيل، وهو رجل طيّع قريّ. وقد بُني على باب المدينة مشهد به كثير من السجاجيد والحصير والقناديل والثريّات المذهَّبة والمفضَّفضة. وصور مشيَّدة على مرتفع، وتأتيها المياه من الجبل. وقد شُيَّد على بابها عقود حجرية، يُمرّ من فوقها إلى المدينة. وفي الجبل وادٍ مقابلٌ لها، إذا سار السائر فيه ثمانية عشر فرسخاً ناحية المشرق بلغ دمشق»([207]).
ونستخلص من وصفه لصور أنها كانت مثل طرابلس من ناحية المساحة والعمران والسكان، فهي حسب تقديره تبلغ مساحتها ألف ذراع مربَّع، وترتفع مبانيها أربع أو خمس طبقات، ومنها ما هو ست طبقات أيضاً. مما يدل على أن العمران كان يأخذ اتجاهاً عمودياً، وليس توسُّعاً أفقياً، فمساحة المدينة ـ حسب تقديره ـ أقل من ثلاثة أرباع الكيلومتر المربّع الواحد.
أما «ابن أبي عقيل» الذي يذكره، فهو واحد من قضاة صور وأمرائها الذين استقلّوا بها عن الدولة الفاطمية، وكوّنوا إمارة عُرفت بإمارة بني أبي عقيل دامت نحو ربع قرن (482 ـ 555هـ/ 1064 ـ 1089م) ([208])، وهو «علي بن عياض بن أبي عقيل» الملقّب بـ «عين الدولة» وكان من كبار رجالات عصره، فضلاً وتقدُّماً ورياسة، ففي سنة 448هـ/ 1057م. نجده يشارك مشاركة فعالة في أحداث بلاد الشام والتطورات الخطيرة التي كانت تجري في حلب، وطرابلس، حيث تعرّضت هذه الأخيرة إلى حملة الأسطول البيزنطي المؤلف من (80) قطعة بحرية، فطلب قاضيها «أمين الدولة ابن عمّار» المساعدة من «عين الدولة» فأنجده بقوات كثيرة في البرّ والبحر([209]).
مما يؤكد أهمية صور وإمكاناتها العسكرية في ذلك الوقت، والقُدُرات السياسية التي توفّرت لدى أمرائها من بني أبي عقيل، وأثبتت أنها جديرة بأن تكون إمارة مستقلّة تحكم نفسها بنفسها. ونظراً لتلك الاهميّة فقد حرص الأتراك السلاجقة أن تكون ميناء مفتوحاً لتجارتهم، في الوقت الذي بذل فيه الفاطميون كل جهدهم لاستعادتها والإفادة من موقعها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وتمّ لهم ذلك على يد «منير الدولة الديوشي» الذي أتاه الشاعر «ابن الخياط الدمشقي» فامتدحه سنة 484هـم 1091م. وذكر أخْذه للمدينة من بني أبي عقيل فقال من قصيدة:
رأى أرض صور نُهْبةً لمغالِبٍ
ينازلها يوماً ويوماً يُغيرُها
تَدَاركها والنصرُ في صدر سيفِهِ
أخو عزماتٍ لا يُخافُ فتورُها([210])
وقد دخل الأمير الأديب والمؤرخ الشاعر «أسامة بن منقذ» دار بني أبي عقيل فرآها بعد أن تهدّمت وتغيّرت زخارفها، فكتب على بعض رُخامها:
دار سكنتُ بها كرْهاً وما سكنتْ
نفسي إلى سَكَنٍ فيها ولا شَجَنِ
والقبرُ أرفقُ لي منها وأجمل بي
إنْ صدَّني الدهرُ عن عَوْدٍ إلى وطني([211])
وقد تقدم أن صور كانت تتبع جُند الأردن قديماً، فلما دخلت بحوزة الفاطميين أصبحت ثغراً وولاية مفردة لها أعمالها، وفي ذلك يقول «ابن شداد»:
«ولم تزل صور ـ على ما حكيناه ـ من تنقُّل ولايات جُنْد الأردن في أيدي الولاة إلى أن ملك العُبَيْديّون مصر ودمشق وما بينهما من البلاد، فولّوا في الثغور وُلاةً من جهتهم، وأقطعوا من الأعمال، ورتّبوا فيها غُزاةً برًّا وبحراً»([212]).
وأما عدد سكان صور في العصر الفاطمي فكان يقارب سكان صيدا، أي نحو أربعين ألفاً، ثم زادوا حتى قاربوا سكان طرابلس. ففي سنة 486هـ/ 1093م فرض الفاطميون على أهلها مبلغ ستين ألف دينار جناية لعصيان «منير الدولة الجيوشي» عليهم([213])، والمرجح أن عدد السكان ستون ألفاً، فكان على كل رأس دينار واحد. وما من شك في أن هذا المجموع ازداد على مدى الثلاثين سنة التالية قبل أن تسقط بيد الصليبيين، خاصة أن كثيراً من سكان المدن الساحلية كانوا يخرجون نازحين للإقامة فيها بعد سقوط طرابلس وبيروت وصيدا وغيرها، بين سنتي 502 ـ 504هـ/ 1109 ـ 1111م.
وكانت صور في سنة 504هـ/ 1111م أكبر من مدينة حماه بثلاثة أضعاف ونصف مساحةً وسكاناً، إذ في تلك السنة صالح أمير صور الإفرنج على سبعة آلاف دينار، بينما صالحهم صاحب حماه على ألفين فقط، ولهذا قال الحافظ الذهبيّ، في تاريخه: إن حماه كانت صغيرة جداً([214]).
وتكاد صور تماثل طرابلس بغِنى الحركة الفكرية وكثرة العلماء الذين أخرجتهم، أو العلماء الذين نزلوا فيها، وأثْروا حياتهم العلمية والأدبية والدينية، كما تماثلها في التمتُّع بحق صك النقود، وإن كانت طرابلس أسبق منها في ذلك([215])، كما أن طرابلس تتميز عنها بدار علمها ومكتبتها التي حوت ثلاث ملايين مخطوط أحرقها الصليبيون عند اقتحامهم لها سنة 502هـ/ 1109م([216]).
وقبل سقوط صور بيد الصليبيين بعدّة سنين كانت الغِلال تُحمل إلى موانئ الإسكندرية ودمياط، وتِنّيس، لتُسَيَّر إلى ثغر عسقلان وثغر صور، بحيث يُسَيَّر إليهما في كل سنة مائة وعشرون ألف أردب، يذهب منها إلى عسقلان خمسون ألفاً، بينما كانت حصة صور سبعين ألفاً فتُخَزَّن هناك ذخيرةً، ويُباع منها عند الغِنى عنها([217]). وقد حدث مثل ذلك سنة 507هـ/ 1114م بحيث رخصت الأسعار بصور، وحسُنَت أحوال الناس، فقصدها التجار والسُّفار من جميع الأقطار([218]).
وفي العودة إلى قول «ناصر خسرو» من أنه «شُيّد على باب صور عقود حجرية، يُمَرُّ من فوقها إلى المدينة»، فالمرجح لديّ أن العقود الحجرية تلك، هي التي جدد عمارتها والي صور «منير الدولة» بين سنوات 482هـ/ 1089 ـ 1093م. ولذا سُمِّيت باسمه فأصبحت تُعرف بـ «قنطرة منير الدولة». أما الجامع القريب من باب المدينة الذي يذكره في رحلته، فهو المعروف بـ «مسجد عتيق»، وبجواره مقبرة دُفن فيها «أبو إسحاق إبراهيم بن علي العتّابي» سنة 471هـ/ 1079م وكان شيخ الصوفية بثغر صور، وأصله من بلاد ما وراء النهر، استوطن صور نحواً من أربعين عاماً حتى نُسِب إليها.
كما دُفن فيها صوفيّ آخر أصله من بلاد طالقان المروز، وكان يتردد إلى صور ثم استوطنها حتى مات فيها. وأرّخ له «غيث الأرمنازي» في «تاريخ صور» وقال إنه دُفن عند قنطرة منير الدولة خلف مسجد عتيق. كما يُحتمَل أن هذه المقبرة هي التي كانت تعرف بـ «الخربة» حيث دُفن فيها شيخ الصوفية في وقته «ابن عطاء الرُّوْذَباريّ»، وهي تُعتبر بظاهر المدينة في ذلك الوقت.
وكان بصور «دار وكالة» يتولّى النظر عليها «أبو محمد بن السمسار» أيام قاضيها «الناصح محمد بن أبي عقيل» وقد عرض فيها الشاعر «ابن حَيُّوس» بضاعة له للتجارة.
ومن معالم صور في العصر الفاطمي أيضاً الخندق الذي بناه أميرها «مبارك الدولة فتح القَلْعيّ» حول سورها في مدّة ولايته بين سنتي 407 ـ 408هـ/ 1016 ـ 1017م وذكره «عبد المحسن الصوريّ» في ديوانه. وفي سنة 463هـ/ 1071م هدم «أَتسِز الخُوَارَزْمي» سور صور عند حصاره لها.
ويتكرر وصف صور وموقعها داخل البحر عند «وليم الصوري» فيقول: وتقع صور في قلب البحر أشبه بجزيرة تحيط بها المياه من كل جانب. ويضيف: أنها تضم في نطاق أعمالها أربع عشرة مدينة كبرى. وقد زُلزِلت أسوار صور وأبراجها من كثرة الرمي عليها في سنة 505هـ/ 1111م، ولكن أهلها قاموا بترميم ما تشعّث من السور، وحفروا الخنادق حوله، وحصّنوا البلد بعد أن رفع الصليبيون حصارهم. كما حفروا سراديب تحت الأرض، وكان بسَرَبٍ منها نِفْطٌ مخزون، كما يقول «ابن الأثير».
وعندما حاصرها الصليبيون الحصار الأخير قبل سقوطها سنة 518هـ/ 1124م لم يكن يربطها بالبرّ إلا برزخ ضيق، غير أن تحصيناتها جرى بناؤها على طراز جيد. إلاّ أن نقطة الضعف كانت تتمثل في ساقية المياه الآتية من شرقي المدينة، بينما يفتقر شبه الجزيرة الذي تقوم صور فوقه إلى مياه الشُّرب، حسب وصف «فيلشر أوف شارتر».
ويوجز «ابن الأثير» القول بأنها كانت من أحصن البلاد وأمنعها. ويصفها «وليم الصوري» أيضاً بالمدينة الشديدة الحصانة، ذات الميناء الفسيح، ويُسمّى عين الماء التي بظاهرها «نبع الجنان» ويقول إنه نبع معروف، غزير الماء، يُعَدّ أُعجوبة من أعاجيب الدنيا، وحوله البساتين الفسيحة التي تفيض بكل ما تشتهيه الأنفُس من الطيّبات.
ومن أعمال صور في الشمال «نهر الليطاني» وكان «مبارك الدولة فتح القلْعيّ» أنفذ إلى «عبد المحسن الصوريّ» بيتاً من الشعر، وطلب منه أن يُجيزه بأبيات، يذكر فيها نهر «الليطاني» باسم «ليطا» والبيت هو:
لا يوم في الدنيا كيو
مينا بشاطي ليطا
فقال الصوريّ:
والطَّلُّ ينشر كلَّ وقتٍ
لؤلؤاً فيها سقيطا
وجواهر الأنوار تطلع
من زَبَرجدها خليطا
فإذا رأيت الدُّرَّ أبصرْتَ
العقيقَ به مَنُوطا
والطَّير تسْتَبقُ النشيدَ
بها وتعتقِبُ البسيطا
والبحر محتشمٌ يرى
من جُودها البحرَ المحيطا
حالٌ ترُدُّ إلى التّصابي
كلّ كَسْلانٍ نشيطا([219])
وما دمتُ بصدد الحديث عن «عبد المحسن الصوريّ» فلا بد من القول بأن ديوانه يأتي في مقدّمة المصادر التي تستحق التوقف عندها، ليس لدراسة شعره وأغراضه ومُحَسّناته الأدبية، بل لأن الديوان يُعتبر مصدراً أساسياً للتاريخ السياسي، والاجتماعي، والثقافي، ليس لمدينة صور فحسب، بل لساحل الشام كله، لِما فيه من أسماء شخصيات كان لها موقعها السياسي، والعسكري، والديني، والإداري، والاجتماعي، والفكري، في عصره.
ومن هذا الديوان نقف على معلومات تاريخية هامة لا يوفّرها أي مصدر تاريخي آخر عن العصر الفاطمي، فالصوريّ المُتَوَفَّى سنة 418هـ/ 1029م يمدح في ديوانه الخليفة العزيز بالله، والحاكم بأمر الله، والشيخ المفيد ابن النعمان إمام ااشيعة، وعدداً كبيراً من القُضاة والأعيان والأمراء والقادة وكبار الموظفين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، من شيعة وسُنّة، ونصارى ويهود، ما بين حاجب، وكاتب، وطبيب، وتنقّل بين بلده صور، وصيدا، وبيروت، وطرابلس، ودمشق، وحمص، والمَعَرّة، والرملة، وطبرية وقَيْسارية، وعكا، وكفرطاب، فمدح، وهجا، وتغزّل، ووصف، ورثا.
ويكاد «غيث بن علي الأرمنازي» ينافس «عبد المحسن الصوري» في حشد المعلومات التاريخية والأدبية عن صور خاصة، وساحل الشام عامة، بكتابه «تاريخ صور» المفقود والذي حفظ لنا «ابن عساكر» كثيراً من نصوصه في «تاريخ دمشق» الذي لا يزال مخطوطاً في مُعظمه حتى الآن([220]).
وكانت صور عند سقوطها بيد الصليبيين سنة 518هـ/ 1124م كما وصفها «وليم الصوري»: «أشبه ما تكون بجزيرة لوجودها في بحر لُجّي الأمواج، شديد الخطورة بسبب الصخور ذات الارتفاعات المختلفة التي لا تراها العين المجرَّدة. ومن هنا كان شرّها لا يؤمن على الحُجّاج وغيرهم ممن لا دراية لهم بالمكان إن هم حاولوا الاقتراب من المدينة من ناحية البحر، ولم يكن لمثل هؤلاء أن يصلوا إليها دون أن تتعرّض سُفُنهم للعطب على الصخور. وما لم يكن معهم مرشد مُلِمٌّ بالبحر المحيط بهم، عارفٌ به فيجنّبهم الغرق.
وكانت صور مُحاطة من ناحية أبحر بسور مزدوج ذي أبراج شاهقة، يفصل الواحد منها عن الآخر مسافة مثل التي بينه وبين الذي يليه. وكان لها من ناحية الشرق ـ حيث يمكن الوصول إليها براً ـ سورٌ ثلاثي الشكل بعض الشيء. وأبراج بالغة الضخامة قد تقارب بعضها من بعض تقارب شديداً كاد أن يجعلها متلاصقة، كما يوجد رصيف بحري يتيسّر للأهالي أن يبلغوا البحر عبره من كلا جانبيه.
أما من الناحية الشمالية فيقوم على حراسة مدخلها برجان ويحرسان أيضاً الميناء الواقعة داخل أسوارها، وتصطدم الأمواج أول ما تصطدم عند انكسارها بساحل الجزيرة الخارجي الذي يُضعف من عنف البحر العاصف. ومن ثمّ نشأ مرسى صالح للسفن يصل بين الجزيرة والبر، وهو آمِن للغاية من كل الأمواج إلا ما يجيء من ناحية الشمال.
وكانت صور آهلة بكثير من عِلْية القوم الذي أصابوا حظاً كبيراً من الجاه والثروة بفضل رحلاتهم التجارية المستمرة إلى معظم البلاد المُطلّة على البحر المتوسط فجنّوْا من وراء ذلك ثروات ضخمة، وعادوا بكمّيات هائلة من السلع الأجنبية التي زادت في موارد المدينة المالية، يُضاف إلى ذلك أن أعداداً كبيرة من أعيان وأثرياء قيسارية وعكا وصيدا وجبيل وطرابلس وغيرها من المدن الساحلية التي وقعت في أيدينا فرّوا إلى صور يلتمسون الحماية وراء تحصيناتها. كما ابتاعوا لهم فيها الدُّور الغالية. ولم يجر قط في حسبانهم أن تقع مدينة حصينة كهذه المدينة في أيدي المسيحيين تحت أيّ ظرف من الظروف. وكان الحامل لهم على هذا التقدير أنهم كانوا يعُدُّونها عريناً يستحيل اقتحامه، وحصناً منيعاً يستحيل التغلّب عليه، وأنها فريدة لا يوجد لها ضريبٌ في كافة أرجاء الإقليم»([221]).
ويأتي «الشريف الإدريسيّ» بوصف مقتضب عن صور قُبيل سنة 548هـ/ 1154م وهو لا يختلف عمّا سبق من كتابات غيره، فيبدأ بالاسكندرون التي تُخطئ جميع النسخ المطبوعة من كتابه «نزهة المشتاق» بتسميتها بالاسكندرية! فيقول إن منها إلى مدينة صور خمسة عشر ميلاً، وأن صور مدينة حسنة على ضفة البحر، وبها للمراكب إرساء وإقلاع، وهو بلد حصين قديم، والبحر قد أحاط به من ثلاثة أركانه. ولهذه المدينة رَبَضٌ كبير، ويُعمل بها جيّد الزجاج والفخار، وقد يُعمل بها من الثياب البيض المحمولة إلى كل الآفاق كل شيء حسن عالي الصفة والصنعة ثمين القيمة، وقليلاً ما يُصنع مثله في سائر البلاد المحيطة بها هواءً وماءً.
ويهتم «الإدريسي» بالمسافات والمراحل فيثبت في كتابه الأبعاد بين صور والبلاد المحيطة بها، مما يؤكد دقته ومشاهداته بنفسه لكل ما يذكره ويصفه، فيحدد المسافة من صور إلى طبرية بيومين كبيرين، ومنها إلى عدلون ـ وهو حصن منيع على البحر ـ ، ومنه إلى صرفند عشرون ميلاً، وهو حصن حسن، ومنه إلى صيدا عشرة أميال. وبين صور وصرفند يقع نهر لينطة (ليطة/ ليطاني)، ومنبعه من الجبال ويقع هناك في البحر … ومن صور إلى دمشق أربعة أيام([222]).
وفي سنة 580هـ/ 1184م زار الرحّالة الأندلسي «ابن جُبير» مدينة صور وهي تحت احتلال الصليبيين وقال إنها «مدينة يُضرب بها المثل في الحصانة، لا تُلقي لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدّها الإفرنج مَفْزعاً لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم، هي أنظف من عكة سِككاً وشوارع، وأهلها ألْيَن في الكُفْر طبائع، وأجرى إلى برّ غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح، ومنازلهم أوسع وأفسح، وأحوال المسلمين بها أهون وأسكن وعكّة أكبر وأطغى وأكفر. وأما حصانتها ومناعتها فأعجب ما يُحدَّث به، وذلك أنها راجعة إلى بابين: أحدهما في البر، والآخر في البحر، وهو يحيط بها إلا من جهة واحدة، فالذي في البر يُفْضي إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيَّدة محيطة بالباب. وأمّا الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيَّدين إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعاً منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاث جوانب ويُحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجَصّ. فالسفن تدخل تحت السور وترسو فيها، وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، فلا مجال للمراكب إلا عند إزالتها، وعلى ذلك الباب حُرّاس وأمناء، ولا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج إلا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع، ولعكّة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حَمْل تلك وإنما ترسو خارجها، والمراكب الصغار تدخل إليها. فالصورية أكمل وأجمل وأحفل.
فكان مقامنا بها أحد عشر يوماً، ودخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادى المذكورة، وهو آخر يوم من شتنبر (سبتمبر/ أيلول)، وذلك أن المركب الذي كنّا أمّلنا الركوب فيه استصغرناه فلم نر الركوب فيه.
مرفأ صور للرسام دافيد روبرتس 1839
ومن مشاهد زخارف الدنيا المحدَّث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها، وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالاً ونساءاً، واصطفوا سِمَاطَين عند باب العروس المُهداة، والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهْوِيَّة، حتى خرجت تتهادى بين رجلين يُمسِكانها من يمين وشمال، وكأنهما من ذوي أرحامها، وهي في أبهى زيٍّ، وأفخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحباً على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسهم عُصابة ذهب قد حُفّت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لَبَّتِها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حَلْيها وحُلَلها، تمشي فِتراً في فتر مشْي الحمامة أو سير الغمامة، نعوذ بالله من فتنة المناصر. وأمامها جِلّة رجالُها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية، تُسْحَب أذيالها خلفهم، ووراءها أكفاؤها ونُظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفُلْن في أرفل الحُلى، والآلات اللهوية قد تقدَّمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النُّظار قد عادوا في طريقهم سِمَاطَيْن يتطلّعون فيهم ولا يُنكِرون عليهم ذلك، فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها، وأقاموا يومهم ذلك في وليمة. فأدّانا الاتفاق إلى رؤية هذا المنظر الزُخرُفيّ المستعاذ بالله من الفتنة فيه.
…. وهاتان المدينتان ـ عكة وصور ـ لا بساتين حولهما، وإنما هما في بسيط من الأرض أفْيَح، متصل بسيف البحر، والفواكه تُجلَب إليهما من بساتينهما التي بالقرب منهما، ولهما عمالة متسعة، والجبال التي تقرب منهما معمورة بالضياع، ومنها تُجبَى الثمرات إليهما. وهما من غُرّ البلاد …. ولصور عند بابها البرّي عينٌ معينة ينحدر إليها على أدراج.
والآبار والجباب بها كثيرة لا تخلو دار منها»([223]).
ويتناول «القزويني» المُتوَفّى سنة 682هـ/ 1283م بشكل خاص وصف القنطرة بصور، والتي أرجّح أنها «قنطرة منير الدولة الجيوشي»، وذلك في وصفه الموجز للمدينة، فقال إن صور مدينة مشهورة على طرف بحر الشام، استدار حائطها على مبناها استدارة عجيبة، بها قنطرة من عجائب الدنيا وهي من أحد الطرفين إلى الآخر على قوسٍ واحد. ليس في جميع البلاد قنطرة أعظم منها. ومثلها قنطرة طُلَيْطُلَة بالأندلس إلا أنها دون قنطرة صور في العِظَم، يُنسب إليها الدنانير الصورية التي يتعامل عليها أهل الشام والعراق([224]).
الآثار الرومانية في مدينة صور
أما «ياقوت الحمويّ» فلا يقدم لنا جديداً عن صور في كتابيه: «معجم البلدان» و«المشترك وضعاً والمفترِق صِقْعاً»([225])، وتأتي مادته عنها ترداداً لكتابات سابقيه من الرحالة والجغرافيين.
كما نقل «ابن عبد المنعم الحِمْيَريّ» عبارة «ابن جبير الأندلسي» المتقدمة قبل قليل في وصف صور حرفاً بحرف، وعبارة «الإدريسي» كذلك. ولكنه ضمّن مادته عن المدينة معلومةً فريدة لم أجدها في أي مصدر آخر حول اللحظات الأخيرة من سقوطها بيد الصليبيين، حيث كتب، وهو في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي:
«وأخذت الروم صور من أيدي المسلمين سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وكان أهلها عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا عليهم سيوفهم غَيْرةً من تملُّك النصارى لهم، ثم يخرجوا إلى عدوّهم بعزمة نافذة، ويصدموهم حتى يموتوا على دمٍ واحد ويقضي الله قضاءه لهم، فمنعهم من ذلك فُقهاؤهم والمتورّعون منهم، فأجمعوا على دفع البلد والخروج عنه بسلام، فكان ذلك، وتفرّقوا في بلاد المسلمين، ومنهم من استهواه حُبُّ الوطن فأقام بها»([226]).
وكانت صور في عهد الصليبيين قاعدة معاملةٍ واسعة تابعة لمملكة بيت المقدس، وقبل تحريرها بسنوات قليلة في عهد السلطان الأشرف خليل كان يتبع صور (93) ثلاث وتسعون قرية وضيْعة ورد ذكرها جميعاً في نص الهدنة المنعقدة بين السلطان المنصور قلاوون وسيدة صور الملكة «مَرْغريت» سنة 684هـ([227])/ 1285م. منها قرى معروفة بأسمائها حتى الآن، مثل قانا، والعَيْشِيَة، وعبّا، والبازوريّة، والمالكية، وحَنَويْه، والمعلّيَة، ودوردغيّا، والمجادل. ومنها ما صُحِّف، مثل «باتوليه» حيث وردت «بابوليه»، و«دير قانون» حيث وردت «دير قالون» و«رقلية» وردت «رفلية»، و«يا نوح» وردت «بابوح» و«كفردونين» وردت «كفردبين» و«صريفا» وردت «أصريفيا» و«باريش» وردت «بارين»، وغيرها.
ومنها قرى وضِياع غير معروفة الآن وقد نُسيت أسماؤها، مثل: سُدُس، وقحلب، والمرفوف، والجارودية، والجمادية، ورأس العين، وبرج الاسبتار، والطالية، والدهرية، ووادي الحجّاج، ودير عمران، والتعتبية، والكبّية، وغرابغال، والزيادات، وربعين، وبني دفنع، ومارتين، وفقتة، والخميرا، وغيرها([228]).
وليت الباحثين من أهل صور وقُرائها يصوّبون هذه الأسماء أو يحدّدون مواقعها توضيحاً لما غُمض منها، وتقويماً للبحث العلمي.
الدكتور عمر عبد السلام تدمري
عبد المحسن الصوري
وقد نبغ في صور الشاعر عبد المحسن الصوري كما انتهى إليها ومات فيها محمد بن علي الكراجكي. ونشر فيما يلي تعريفاً بهما:
يعدّ عبد المحسن الصوري من كبار الشُّعراء المجيدين في عصره، فابن خلكان يبدأ ترجمته له بقوله: «أبو محمد، عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون الصوري. الشاعر المشهور. أحد المحسنين الفضلاء، المجيدين الأدباء، شعره بديع الألفاظ، حسن المعاني، رائق الكلام، مليح النِّظام، من محاسن أهل الشام. له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان».
وعلى الرُّغم من مكانة الصوري الشعريَّة فإن كتب التراجم التي يرد ذكره فيها توجز في الكلام على حياته وشخصيَّته وخصائص شعره، ولعلَّ ذلك يعود إلى طبيعة شخصيته ونمط حياته، فقد كان ميَّالاً إلى العزلة، قليل الخروج من مدينته: صور، إلى غيرها من البلدان، فقلَّ لذلك، كما يقول السيد محسن الأمين، «العارفون به، الواقفون على أحواله».
وإن كان لنا أن نتقدم، في ما يأتي، معرفة بالشاعر وشعره، فإننا سنعتمد ما توفِّره المصادر التي وردت فيها ترجمته من معلومات ونماذج من شعره، فعسى أن نمهِّد بذلك إلى البحث عن ديوانه المخطوط وتحقيقه وطباعته ودراسته.
ولد عبد المحسن الصوري في مدينة صور، ونُسب إليها، وعاش فيها إلى أن توفِّي «يوم الأحد، تاسع شوال، سنة تسع عشرة وأربعمئة، وعمره ثمانون سنة، أو أكثر»، ما يعني أنه ولد في حدود 340هـ.
تلازم البؤس وحرفة الشِّعر
تفيد قراءة شعر الصوري أنه عاش حياة بائسة، وأنه عانى معاناة شديدة من مصائب الدَّهر، فهو يقول: إن «نوائب الدهر» أصابته، فجعلت أيامه تظهر في صورتين: سوداء وطويلة، وهل أمرُّ من الأيام إن اجتمع لها السَّواد والطُّول!؟ وقد بلغ به الفقر حدًّا جعله لا يعرف تمييز المال، فهو يقول إنه يحتاج إلى من يعرِّفه النظار = الذهب من اللُّجين = الفضة، لأن عهده بكلٍّ منهما بعيدٌ جداً….
وتعود هذه الحالة البائسة، كما يقول الشاعر الصوري، إلى «حرفة الشعر»، أي إلى تكسّبه بالشِّعر، واحترافه تلك الصنعة التي لا تؤتي سوى العوز والفقر، أو التنقُّل بين قصور أولي الأمر والمال، وبذل ماء الوجه لهم.
وهذا الأمر لم يكن ابن غلبون يجيده، فعاش حياة من أدركتهم «حرفة الأدب»، من دون أن يجيدوا التعامل مع شروط «السوق» الأدبية بما تقتضيه من إنتاج الشعر المناسب لها، ومن إتقان تسويق هذا الإنتاج، علاوة على أن عصر الشاعر كان، وكما يفيد شعره، يضع المال في المرتبة الأولى من سلَّم القيم، ولهذا لا نعجب إن قرأنا بعد قليل أن أخا الصوري الثَّري ما كان يعرف أخاه في وقت الحاجة إليه.
الإجادة في إقامة البناء الشِّعري
نقرأ الخطاب الذي يصوِّر فيه الشاعر حالته في قصيدة مدح بها علي بن الحسين، والد الوزير أبي القاسم بن المغربي. تفيد قراءة هذه القصيدة، فضلاً عن تصوير حالة الشاعر، مهارته في توظيف مقدِّمة الغزل التَّقليدية في بيان حالته، وتوظيف هذا البيان في الخروج إلى المديح وإجادة البناء الشعري المتماسك على هذا النَّحو، وهذه المزية من أبرز خصائص شعر الصَّوري.
يذكر ابن خلَّكان هذه القصيدة، فيقول: فمن محاسن قوله:
أتُرى بثأرٍ أم بدَيْنِ
عَلِقت محاسنُها بعيني
في لحظِها وقِوامِها
ما في المهنَّد والرُّديني
وبوجهها ماءُ الشَّبا
ب خليط نارِ الوجنتين
بكرت عليّ، وقالتِ: اخـ
ـتَرْ خصلةً من خصلتين
إمَّا الصُّدود أو الفرا
قُ، فليس عندي غير ذين
فأجبتُها، ومدامعي
تنهلُّ مثل المأزمين:
لا تفعلي، إن حان صـ
ـدُّكِ أو فراقك حان حيني
فكأنَّما قلت: انهضي
فمضت مسارعةً لبَيْني
ثم استقلَّت أين حَلَّـ
ـت عيسُها رُميت بأين
هذه مقدِّمة غزليَّة، لغتها سهلة عذبة، تصدر عن تساؤل مشبع بالمرارة، فمحاسن فتاته علقت بعينه لسبب من سببين: طلب الثأر أو الدين، وهذان وجهان للرغبة في النيل منه. ثم يصف هذه المحاسن، ويروي قصته مع جميلة تخيِّره بين أمرين، وهما في الواقع أمر واحد: الصّدود = الفراق، ثم تنهض، وأينما تحلّ يبقى دائم السُّؤال عنها … وهذه نائبة من نوائب الدَّهر، لكنها ليست الوحيدة، فنوائب الدهر أظهرن أيامه في صورتين: السواد والطول …
ويلاحظ أن طرفي كل ثنائية من الثُّنائيات التي يكشفها الصوري، في قصيدته هذه، وجهان لصورة واحدة هي صورة دنياه، فتعلُّقه بفتاته، أو حبّه لها، يشعره بأنه مطالب بثأر أو بدَيْن، وفتاته تخيِّره بين أمرين: الصدود أو الفراق، وأيامه، تظهر في صورتين: السواد والطّول …
وقد نقول: إن هذه المرأة تمثِّل، على مستوى آخر، الدُّنيا التي لم يلق منها سوى النوائب.
وأيًّا يكن الأمر، فهذه المقدِّمة الغزلية تمثِّل، من نحو أول، تقليداً شعريًّا متداولاً يجيد الشاعر صياغته. وتمثِّل، من نحو ثان، تجربة الشاعر المريرة مع هذه الحياة، ما يفضي إلى تصوير هذه التجربة، فيكمل الشاعر، ويقول:
ونوائبٍ أظهرن أيّا
مي إليَّ بصورتين
سوَّدنها وأطلنها
فرأيتُ يوماً ليلتين
هل بعد ذلك من يُعَـ
ـرَّفني النُّضار من اللُّجين
متكسِّباً بالشّعريا
بئس الصِّناعة في اليدين
ويرغب في تغيُّر، وهنا يفضي الكلام إلى المديح، فيقول:
كانت كذلك قبل أن
يأتي عليُّ بن الحسين
فاليوم حال الشِّعر ثا
لثة لحال الشِّعريين
أغنى وأعفى مدحه الـ
ـعافين عن كذب ومَيْنِ
وقد عُرفت هذه القصيدة، وشُهرت، وتداولها الشُّعراء، وحفظها الأمراء. ومن الأخبار الدَّالَّة على ذلك، كما يروي ابن خلَّكان، أن أحد الشُّعراء انتحلها، ومدح بها أحد الأمراء، فأعطاه الأمير جائزةً، فقال الناس للأمير: هذه القصيدة لابن غلبون الصُّوري، وقد انتحلها هذا الشاعر! فقال الأمير: أنا أعرف هذا، وأحفظ القصيدة، لكن هذا الشاعر أضاف إليها بيتاً أحببت أن ينتشر، وهو:
ولك المناقبُ كلها
فلم اقتصرت على اثنتين!؟
فقر …. وثراء خُلقٍ ولغة شعرية
وبلغ به الفقر أن أعطاه بعض الأمراء عمامةً حسنةً فلبسها أياماً، ثم باعها، ولبس عمامة لطيفة ومشى، فقال بعض من رآه: ثقلت عليه العمامة فباعها، فقال ارتجالاً:
قالوا: عسى ثقُلت عليـ
ـه فباعها من غير عدم!
والله ما ثقُلَت علـ
ـيَّ عمامتي بل خفَّ كمِّي
وفي هذين البيتين مقابلة لطيفة: ثقلت عمامتي =خفَّ كمِّي تفيد أن ليس معه مال، لأن المال كان يوضع في جيب في الكمّ. وهذا يفيد سرعة الخاطر وحضور البديهة وإتقان صناعة الشعر وثراء اللغة الشعريَّة.
وكان، إذا أضرَّت به الحاجة، يطلب من ممدوحه، العطاء، ولكن بلغة شعرية راقية، تتمثَّل مشهداً يحفل بالصُّور وينبض بالحياة، ومن نماذج ذلك قوله:
عندي حدائق شكرٍ غرسُ جودكمُ
قد مسَّها عطشٌ فلْيَسْقِ من غرسا
تداركوها وفي أغصانها رمقٌ
فلن يعود اخضرارُ العودِ إن يبسا
غير أنه، وإن ألمح إلى سوء حاله، لم يكن يرتضي لنفسه «الذلَّة»:
عجبت من نفسي ومن أنَّها
كأنَّها تكثر بالقلَّة
تعتزُّ بالفقر متى استشعرت
أن الغنى يُؤْخَذ بالذلَّة
وكان يتساءل متعجِّباً عمَّن يلقى بصناعته العربيَّة، وأين يسير، وأين يقيم كأن الدُّنيا ضاقت عليه:
وصناعتي عربيَّةٌ وكأنّني
ألقى بأكثر ما صنعتُ الرُّوما
فلمن أقول؟ وما أقول؟ وأنَّى لي
فاسير؟ أولاً، أين لي فأقيما؟
ويبدو أن الشاعر الصوري حاول، في شبابه، أن يتصل بأولي الأمر في عصره على عادة الشعراء، فخرج إلى صيدا وبيروت ودمشق وطبريَّة والرَّملة، وهذه، أي الرَّملة، كانت في أيامه معسكراً ينزله قادة الفاطميين ونوَّابهم، وقد اتصل بجماعة منهم ومدحهم، ورغب في الخروج إلى مصر، وهي بلد الفاطميين آنئذ، غير أن شاعراً تعتزّ نفسه بالفقر متى استشعرت أن الغنى يؤخذ بالذلَّة، ما كان ليجد له مكاناً في ذلك الزمن. ولهذا كان يردِّد كما قلنا قبل قليل:
فلمن أقول؟ وما أقول؟ وأنّى
فأسير؟ أولاً، أين لي فأقيما؟
ونجد، في شعره، ما يفيد برغبته في الذَّهاب إلى مصر؛ لكن «عدمه» = فقره الشديد يحول دون ذلك فنقرأ له:
حصلت بمصر همَّتي واستوطنت
وأفادني عدمي سواها موطنا
في الزمن الأخير …. يعوذ بالأمل القصير
وعندما يكتب إليه الشاعر أحمد بن سليمان الفخري أو النحوي (المتوفى سنة 393هـ)، قائلاً:
أعبدَ المحسنِ الصُّوريِّ لِم قدْ
جثمتَ جثومَ منهاضٍ كسيرِ
فإن قلتَ: العبالةُ أقعدتني
على مضضٍ وعاقت عن مسيري
فهذا البحر يحملُ هُضْبَ رضوى
ويستثني بركنغ من ثبيرِ
وإن حاولتَ سيرَ البرِّ يوماً
فلستَ بمثقلٍ ظهرِ البعيرِ
إذا استحلى أخوكَ قلاك يوماً
فمثلُ أخيكَ موجودُ النَّظيرِ
تحرّكْ علَّ أن تلقى كريماً
تزولُ بقُربِه إِحَنُ الصُّدورِ
فما كلُّ البريّةِ من تراهُ
ولا كلُّ البلادِ بلادُ صورِ
يجيبه عبد المحسن:
جزاك اللهُ عن ذا النُّصحِ خيراً
ولكن جاءَ في الزَّمنِ الأخيرِ
وقد حدّتْ ليَ السَّبعون حدًّا
نهى عمّا أمرتَ من المسير
ومذ صارتْ نفوسُ النَّاسِ حولي
قصاراً عُذتُ بالأمل القصيرِ
نفيد من الرِّسالة وجوابها جملة أمور: أوَّلها أن الصوري أقام في صورة إقامةً تشبه جثوم الطائر المنهاض الكسير، وثانيهما أنه كان معروفاً على الرُّغم من قلّة تنقُّله، ويرغب الشُّعراء الآخرون في لقائه، وثالثها أن صاحبه يبدأ بتفيند حججه بحجة «العبالة» مازحاً، ما يفيد أن الصّوري كان سميناً، ثم يناقش الحجج الأخرى، وهي الحجج الحقيقية، ومفادها أن الصُّوري آل إلى اليأس من هذا الزَّمن بعد أن جرَّبه، وعاش لياليه السُّود الطَّويلة.
وأمرُّ التجارب كانت مع أخيه عبد الصَّمد، وكان من الأثرياء، وقد قال فيه:
قال لي: أنت أخو الكلب، وفي
ظنّه أن قد تناهى واجتهدْ
أحمد الله كثيراً أنَّه
ما درى أني أخو عبد الصَّمدْ
ورابعها أن الصوري كان، وقد صار في السَّبعين، قد ركن إلى رؤية إلى العالم مفادها:
ومذ صارت نفوس النَّاس حولي
قصاراً عذتُ بالأمل القصير
ويصوِّر الصّوري أناس عصره، والأثرياء منهم بخاصّة، في صورة رجل يقال إنه جواد كريم، فقصده بعد أن مسّه الجوع بقرح، ونزل في داره فأصاب هذا النُّزول الثَّريَّ بقرح، ودار بين الاثنين حوار فيه سخرية وتضمين للحديث الشريف، يفيد كلٌّ من صاحب الدَّار والضَّيف منه ما يناسبه، وهذا يمثِّل براعة الشَّاعر في تصوير الحالة بلغة سهلة طُوِّعت للسرد والحوار:
وأخٍ مسَّه نزولي بقرحٍ
مثلما مسَّني من الجوع قرحُ
قيل لي إنَّه جوادٌ كريمٌ
والفتى يعتريه بُخلٌ وشحُّ
بتُّ ضيفاً له كما حكم الدَّهـ
ـر، وفي حكمه على الحرِّ قبحُ
فابتداني بقولٍ، وهو من السّكـ
ـرة بالهمِّ طافحٌ ليس يصحو:
لم تغرَّبت؟ قلت: قال رسول الله،
والقول منه نصحٌ ونجح:
«سافروا تغنموا». فقال: وقد قال
تمام الحديث: «صوموا تصحّوا»
وقد أفضت به هذه التجارب إلى اختيار للعزلة، فقال:
آنست بوحدتي حتى لو أنِّي
رأيت الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقاً
أميلُ إليه إلاَّ ملتُ عنه
ولكنها عزلة «صاحب الأمل القصير» الذي لا يجري في طلب مباهج الدُّنيا، وليست عزلة المنقطع عن الشُّعراء والعلماء، فهذا الشاعر عبد الله، المعروف بـ «ابن القوَّالة»، وهو من أهل الرَّملة، ومن فحول شعراء الشام في ذلك العصر، يكتب إليه في إحدى مراسلاته:
لا تَسَلْني وسَلْ أخلايَّ عنِّي
أنها في خلْطَتِي بحيث التَّمنِّي
لك ودّي وعشرتي وافتقادي
وانقيادي وما تخيَّرت منِّي
وهذا يعني أن الصُّوري كان يختار أصحابه، بعدما خبر الدُّنيا، وكان هذا معروفاً عنه، وكان الشُّعراء يفتقدونه، ويمحضونه الودَّ، ويرغبون في عشرته …
سريع البديهة، يجيد المناظرة
وإن كان الصُّوري قد أنس بوحدته، فإنه كان، كما تفيد بعض الأخبار التي وصلتنا عنه، سريع البديهة يجيز الشِّعر ارتجالاً ويجيد في ذلك، كما كان يجيد التحدُّث والمناظرة، ويصل بمحاوره إلى الاقتناع، ونكتفي هنا بذكر خبرين، يفيد أوَّلهما سرعة بديهته وحضور شاعريَّته، ويفيد ثانيهما إجادته المناظرة والإقناع.
جاء في «بدائع البدائِه»، بإسناده عن بكّار بن علي الرياحي، أنه قال: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى دمشق جاءني المجدي الشاعر فعرّفني به، وقال: هل لك أن نمضي إليه ونسلّم عليه؟ فأجبت، وقمت معه حتى أتينا إلى منزله، وكان ينزل دائماً إذا قدم إلى دمشق في سوق القمح، وكان بين يديه دكّان قطّان وفيها رجلٌ أعمى، فوقفت به عجوز كبيرة فكلّمها بشيء وهي منصتة له، فقال المجدي في الحال: «مُنصتةٌ تسمع ما يقولُ».
فقال عبد المحسن في الحال: «كالخلد لمّا قابلته الغولُ».
فقال له المجدي: أحسنت، والله، يا أبا محمد، أتيت بتشبيهين في نصف بيت، أعيذك بالله.
وجاء في أعيان الشيعة أن الصوري قال من الشعر ما يفيد أنه التقى أبا العلاء المعري وأن هذا وافقه على القول بالبعث واليقين بالآخرة، بعد مناظرة جرت بينهما، والنَّصُّ الشعري المعني هو:
نجا المعرِّي من العار
ومن شناعات وأخبار
وافقني أمس على أنه
يقول بالجنَّة والنَّار
وأنه لا عاد من بعدها
يصبو إلى مذهب «بكَّار»
تكسُّب المبدع!
إن هذا جميعه يجعل الشاعر بين أمرين: أوَّلهما الشُّعور بالرّضا لأنه كان من أهل الأدب المبدعين، وبالسُّخط لأن الواقع كان يقضي بالتكسّب بهذا الأدب، فيعاتب اللَّيالي فتمنّ عليه أن ميَّزته بأن كان من ذوي الأدب، لكنها لا تدري أن أقبح ما فعلته وتفعله أن جعلت الشعر مصدر تكسُّب، فكأنه بهذا يرغب في الاستغناء عن هذه الحرفة التي يصفها بأنها أقبح ما يكون، ولكن أنَّى له ذلك في زمن أصبحت فيه نفوس الناس قصاراً!؟ وإن كان لا بدَّ من المديح، فليكن، من دون أن يضطرّ إلى الكذب. ولنقرأ له أبياتاً يصوِّر فيها معاناة المبدع الذي تضطرّه الحياة إلى التكسُّب بإبداعه:
أرى الليالي، إذا عاتبتُها، جعلت
تمنّ أن جعلتني من أهل الأدبِ
وليس عند الليالي أنَّ أقبحَ ما
صَنَعْنَ بي أن جَعَلْن الشِّعر مكتسبي
إن كان لا بدَّ من مدحٍ فها أنا ذا
بحيث آمن في قولي من الكذب
بعض خصائص شعره
نظم الصوري في جميع أغراض الشِّعر، وأجاد فيها، غزلاً ومديحاً ورثاء إلخ …
إجادة بناء القصيدة الطويلة الناطقة برؤيته
وقد لاحظنا، قبل قليل، إجادته بناء القصيدة المدحيّة الطويلة، من طريق توظيف أقسامها في سياق متماسك. وتظهر هذه المزية، فهو يبدأ قصيدته بالغزل بامرأة يصدّ عنها، فيدعوه إلى الوصل طَرْفُها، فإذا سارع بالإجابة صدَّت … ويصرف عنها همَّته، ثم يثنيه عن ذلك تثنِّيها، فكأنها الدُّنيا تماطله وتغريه …. ثم يرى في هذه «الأمة»، صورة للأمَّة التي بغت على آل البيت عليهم السلام. وقد صبر هؤلاء على البغي، وهو إنما يقتدى بهم فيصبر.
ولنقرأ هذه القصيدة التي يصوِّر فيها تجربته المرَّة مع هذه «الأمَة»: الدنيا، وتجربة أهل البيت مع تلك «الأمَّة»، ما يجعلنا نرى أنه في قصيدته السابقة، وفي هذه القصيدة، إنما شير إلى الدُّنيا وإلى أناسها: الأمَّة = الأمَة.
تَوَقَ إذا ما حرمةُ العدلِ جلّتِ
ملامي لتقضي صبوتي ما تمنّتِ
أغرّكَ لم تستفزَّكَ لوعةٌ
بقلبي ولا استبكاك بَيْنٌ بمقلتي
لك الخيرُ هذا حين شئتَ تلومُني
لجاجاً فألاّ لُمْتَ أيّام شِرّتي
غداةَ أجيبُ العيسَ إذ هي حنّتِ
وأحدو إذا وِرْقُ الحمائمِ غنّتِ
وأنتهبُ الأيّامَ حتى كأنّني
أدافع، من بعد الحُلول، منيّتي
وأستصغر البلوى لمن عَرَفَ الهوى
وأستكثرُ الشكوى وإن هي قَلّتِ
أطيل وقوفي في الطلولِ كأنّني
أحاولُ منها أن تَرُدَّ تحيّتي
لياليَ ألقى كلَّ مهضومةِ الحشا
إذا عدلتْ في ما جناهُ تجنّتِ
أصدُّ فيدعوني إلى الوصلِ طرفُها
وإن أنا سارعتُ الإجابة صدّتِ
وإن قلتُ سُقمي وكّلَتْ سقمَ طرفِها
بإبطالِ قولي أو بإدحاضِ حجّتي
وإن سمعتْ وانار قلبي شناعةً
عليها أجابتني بوانارِ وجنتي
وأصرفُ همّي عن هواها بهمّتي
عزوفاً فتثنيني إذا ما تثنّتِ
وأنشدُ بين البينِ والهجرِ مهجتي
ولم أدرِ في أيِّ السبيلين ضلّتِ
وما أحسبُ الأيّامَ أيّامَ هجرِها
تطاولُني إلاّ لتقصرَ مدّتي
دعوا الأمَةَ اللاّتي استحلّت دمي تكنْ
مع الأمَّة اللاّتي بغتْ فاستحلّتِ
فما يُقتدى إلاّ بها في اغتصابِها
ولا أقتدي إلاّ بصبرِ أئمّتي
أليس بنو الزَّهراءِ أدهى رزيّةً
عليكمْ إذا فكّرتمُ في رزيّتي
حُماتي إذا لانت قناتي وعدّتي
إذا لم تكنْ لي عدّةٌ عند شدّتي
أقامتْ لحربِ اللهِ حزب أُميّةٍ
إذا هي ضلّتْ عن سبيلٍ أضلّتِ
قلوبٌ على الدينِ العتيقِ تألّفتْ
لهمْ ومن الحقدِ القديمِ استملّتِ
بماذا تُرى تحتجُّ يا آلَ أحمدٍ
على أحمدٍ فيكمْ إذا ما استعدّتِ
وأشهر ما يروونه عنه قولُهُ
تركتُ كتابَ اللهِ فيكم وعترتي
ولكنّ دنياهم سعتْ فسعوا لها
فتلك التي فلّت ضميراً عن التي
طول المعاني وقِصَر النَّشيد
وإن كان الصوري يجيد بناء القصيدة الطويلة فتأتي متماسكة تمثِّل تجربة عميقة وتنطق برؤيته إلى الأمَّة = الأمَة، فإنه كان، في معظم شعره، يميل إلى المقطوعات، وقد أُخذ عليه ذلك، فأجاب من يأخذ عليه هذا المأخذ بأنه إنما يجيد أداء المعنى وإن لم تطل العبارة، وهذه مزيّة جيدة، وهي مدعى اعتزاز، ومن شعره في هذا الصَّدد:
قال يخاطب أحد الممدوحين:
لقد انفردْتَ، فكنت وحدك سامعاً
وقد انفردتُ، وكنتُ وحدي شاعراً
ولطالما كثرت أقاويل الورى
فأتيتُ بالنَّزر القليل مكاثرا
وقال في «لؤلؤ البشاري»:
سأنظم من سميِّك فيك عقداً
وأترك ما تبقى للنثار
فرية ما أطال النَّاس قولاً
فطاول ذلك القول اختصاري
وقال في أبي الحسن بشارة:
أبا حسنٍ ربَّ شعرٍ أُطيل
وإن قيل إني اعتمدت اختصاره
إذا ما معانيه طالت فما
يضرُّك أن لا تطول العباره
وقال في إحدى قصائده:
أطلت معانيها، وقصرت نظمها
وأوردتها بكراً وتصدر أيَّما
وهكذا كان الصُّوري يقصد إلى تكثيف المعاني وإجادة تمثيلها لغةً شعريَّة مجوَّدة منقّحة تؤدّي موجزة ما تؤدِّيه القصائد الطّوال من معان. وهذا ما يفيده تعريفه للشعر:
والشّعر ما طالت معا
نيه، وإن قصُرَ النَّشيد
لغة شعرية متميِّزة
وتجد، في شعره، المعنى الطَّريف المكثَّف بالإيجاءات المؤدَّى توريةً وتعريضاً وتصويراً، ومن نماذج ذلك قوله في فتى اسمه «عمر»:
نادمني من وجهُهُ رَوْضَةً
مشرقةٌ يمرحُ فيه النَّظرْ
فانظر معي تنظر إلى معْجزٍ
سيف عليٍّ بين جفنيّ عمرْ
ومن لطيف قوله خطابه صديقاً استعار كتاباً منه، وحبسه عليه:
ماذا جناه كتابي فاستحق به
سجناً طويلاً وتغييباً عن النّاس
فأطلقه نسأله عمَّا كان حلَّ به
في طول سجنك من ضرٍّ ومن باسِ
وخطابه رجلاً اسمه نبهان يهيم بـ «الفكرة ـ العروس» ويقبِّلها عشراً، لكنَّه يطلِّقها عشراً إن عرف أنها تطلب مهراً. في اختيار الاسم دلالة، وفي الكناية عن الشعر بالعروس تمثيل ناطق بواقع الحال:
زَفَفْتُ إلى نبهان، من عفو فكرتي،
عروساً غدا بطنُ الكتاب لها خدرا
فقبَّلها عشراً، وهام بذكرها
فلمَّا ذكرتُ المهرَ طلَّقها عشرا
وتتمثَّل المعاني المكثَّفة الطَّريفة في لغة شعرية متميِّزة بمعجمها اللغوي السهل العذب الذي يبدو كأنه لغة الحياة اليومية، وبوفرة المحسِّنات البديعيَّة الموظَّفة بعناية، في أداء الدَّلالة، وبالصّور المبتكرة، ومن نماذج هذا الشعر المتميِّز نذكر:
قال في الشَّيب:
وناجمةٍ أنذرتني الغروب
فليت الغروب على النَّاجم
تضيء وباطنها مظلمٌ
كما زخرفت حجَّةُ الظَّالم
وقال في الصَّبر على الجور:
وكم آمرٍ بالصَّبر لم ير لوعتي
وما صنعت نارُ الأسى بين أحشائي
ومن أين لي صبرٌ، وفي كلِّ ساعةً
أرى حسناتي في موازين أعدائي!؟
وقال في الغزل:
بالذي ألهم تعذيبي
ثناياك العذابا
والذي ألبس خدّيك
من الشَّهد شرابا
والذي صيِّر حظِّي
منك هجراً واجتنابا
ما الذي قالته عينا
ك لقلبي فأجابا؟
والذي قالته للدّمـ
ـع فواراها انصبابا
يا غزالاً صاد باللَّحـ
ـظِ فؤاداً فأصابا
عَمْرَك اللهُ بصبٍّ
لا يُرى إلاَّ مصابا
وقد استفاد الشيخ البهائي من هذه الأبيات في قوله:
يا بدرَ دجىً فراقه القلبَ أذاب
مذ ودَّعني فغاب صبري إذ غاب
بالله عليك أيَّ شيءٍ قالت
عيناك لقلبي المعنَّى فأجاب
تمثُّل تجربة الآخر وتمثيلها
ويبدو الصوري بارعاً في اختيار أبيات من الشعر الجيِّد وتضمينها شعره، وقد مرَّ بنا تضمينه شعره الحديث الشريف. ونقرأ، في ما يأتي، نماذج تصدر عمَّا يمكن تسميته بـ «تمثُّل تجربة الآخر وتمثيلها»، إما عن أنموذج شعري يختاره هو، أو عن أنموذج يطلب منه إجازته، فمن النمط الأول يقول الصوري مبتدئاً ببيت لعلي بن اسحاق الزاهي (المتوفَّى سنة 325هـ):
«سَفَرْن بدوراً وانتَقَبْنَ أهلَّةً
ومِسْن غصوناً والتفتن جآذرا»
وأبدين أطراف الشعور تستُّراً
فأغدرت الدُّنيا علينا غدائرا
وربَّتما أطلعنَ، والليلُ مقبلٌ،
وجوه شموسٍ توقفُ اللَّيل حائرا
فهنَّ إذا ما شئن أمسين أو إذا
تعرَّض أن يصبحن كنّ قوادرا
ومن النمط الثاني ما يقوله الصوري مجيزاً أبياتاً أنفذها إليه مبارك الدَّولة. وكان قد نظمها على نهر «ليطة» (الليطاني)، ومنها:
لا يوم في الدُّنيا
كيومينا بشاطي ليطا
فقال الصوري:
والطَّلُّ ينشر كل وقتٍ
لؤلؤاً فيها سقيطا
وجواهر الأنوار تطلع
من زبرجدها خليطا
فإذا رأيت الدُّرَّ
أبصرت العقيق به منوطا
والطَّيرُ تستبق النَّشيد
بها وتعتقب البسيطا
والبحر مجتسم يرى
من جودها البحر المحيطا
حال ترُدُّ إلى التّصابي
كل كسلان نشيطا
نماذج من شعره
نظم الصوري في أغراض الشعر جميعها، وأجاد في نظمه، ويتضمَّن ديوانه الذي لا يزال مخطوطاً خمسة آلاف بيتٍ ونيِّف، وتوجد منه نسخة في مكتبة المجمع العلمي العربي بدمشق. ومن شعره نذكر، إضافة إلى ما سبق، بعض النماذج في ما يأتي:
لما ماتت أمُّه ودفنها وجدّ عليها وجد كثيراً، فقال:
رهينة أحجارٍ ببيداء دَكْدَكِ
تولَّت فحلَّت عُروة المتمسِّك
وقد كنتُ أبكي إن تشكَّت، وإنَّما
أنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي
وقال في رثاء الشَّيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، المفيد (المتوفى سنة 413هـ):
تبارك من عمَّ الأنام بفضله
وبالموت بين الخلق ساوى بعدله
مضى مستقلاًّ بالعلوم محمَّدٌ
وهيهات يأتينا الزَّمان بمثله
واجتاز يوماً بقبر صديقٍ، فقال:
عجباً لي وقد مرَرْتُ على قبرك
كيف اهتديتُ قصد الطَّريق!
أتراني نسيت عهدك يوماً
صدقوا ما لميِّتٍ من صديق!
وقال يهجو رجلاً رديء الحديث، مستخدماً مجزوء الرجز:
حديثه كالحدث
يرفث كل الرفث
يودّ من يسمعه
لو أنه في جدث
وقال يهجو أبا التقي الصَّيداوي:
وقارب في العلوم وكن تقيًّا
وإلاَّ لم دعيت أبا التَّقي
ولا تظهر لمن تلقى ولاءً
فعندهم علامات الولي
وقال يمدح أبا الحسن بشارة، وهو من أمراء جبل عامل:
نوائبُ، إنْ لم يقطع الله بينها
بجود من الأستاذ، طال اتّصالُها
فيا غيثُ لا تعرضْ ليُمناه بعدما
بدا لك، عند الجود والبأس، حالها
وخيلٍ تلقّاها بخيل، فلم تزل
تقارب حتى ضاق عنها مجالها
وقد صبغت بيضُ الظبا بدم الطَّلا
فغيّر منها حسنها وصقالها
وقد ظلَّلتها للغبار غمامةٌ
يزيد على حرِّ الشموس ظلالها
فلمَّا انجلت كانت لأروع ماجدٍ
يروع فترتاع الوغى ورجالها
أبا الحسن الآمال جاءت تقودني
أوامر منها يستخف اقتبالها
وما جسرت لولاك إن تضمن الغنى
ولكن على جدوى يديك اتكالها
مكارم إن فاز الكرام بفعلها
وتاهوا به عجباً ففيه كمالها
تكاد القوافي أن تنوء بحملها
ويظهر منها ضعفها وكلالها
وقال يمدح رئيس الرؤساء أبا الحسين، عمَّار بن محمد، من وزراء الدولة الفاطمية بمصر، وقد تولَّى ديوان الإنشاء في أيام الحاكم بأمر الله:
أرأيتَ ما صنع الغريبُ النَّائي
أيام أغرب في حديث بكائي؟
متساقط العبرات كالجمرات من
حولي، فواعجبي لجمر الماء!
وأظل أعترض الرياح تنسُّماً
فأعالجُ الأهواء بالأهواء
ومهفهف صَحَتْ على طول الضنى
أجفانُه فدواؤه من دائي
إن نختلط فقد اختلفنا فانظروا
فالخلف داعي فرقة الخلطاء
كم أحمل الهم الغريب لصاحب الحـ
ـسن الغريب بليت بالغرباء
لا ينكرن العاذلون تفرُّدي
من دونه بالوجد والبرحاء
جعلت مراشفه تلوذ بلحظه
حتى حمى اللمياء بالنجلاء
نثلت كنانتها وقامت دونها
ترمي فم الداني وعين الرائي
لئن احتمت لقد احتمت من قبلها
بأبي الحسين رياسة الرؤساء
وأباحها لمن استقل نعيمها
فأباح منها أصعب الأشياء
قوموا انظروا ما قام يصنع فانظروا
ما يستحق به من الأسماء
لقد استقام على طريق في العلى
خشناء موحشة من الرفقاء
ربط المكارم في جوانب بيته
لحوادث يحدثن في العلياء
نهضت لتدبير الممالك نفسه
فاستنهضته لأثقل الأعباء
فقواطع الأسياف في أغمادها
محبوسة كقواطع الآراء
ألا تكن نلت الوزارة ناشئاً
فلقد نشأت مدبِّر الوزراء
في نور مكرمة ونار عزيمة
يتناهبان غياهب الظَّلماء
يلاحظ، في مدح الصوري، عنايته بالمقدّمة الغزليَّة، فهو يطيلها ويجوّدها، ويأتي بصيغٍ وصور مبتكرة، بالغة الجمال، ومن نماذج ذلك، على سبيل المثال قوله: «فواعجبي لجمر الماء»، فالدَّمع هو جمر الماء، وفي هذا التركيب يتمثَّل الإبداع، فمن المتضادين: الجمر = الماء يتكوَّن متآلف عجيب صنعته الغربة والبعاد ….
مكانته الشعريَّة
يمثل ديوان عبد المحسن الصوري ثقافة عصره في مختلف جوانبها؛ وذلك في الوقت الذي يمثِّل فيه اتجاهاً شعرياً، من أبرز خصائصه إجادة بناء القصيدة الطويلة، وتوظيف مختلف أقسامها في أداء دلالة كلِّية، والقصد إلى اعتماد المقطوعات القصيرة وتجويد لغتها الشعريَّة: معجماً عذباً سلساً، وصوراً مبتكرة ومحسِّنات بديعيَّة لطيفة. هذه اللغة المتميِّزة التي تؤدِّي معاني مكثَّفة طريفة عميقة هي التي جعلت عبد المحسن الصوري يحتل منزلة عليا في تاريخ الشعر العربي على الرُّغم من عزلته في مدينة صور.
ومما يدل على رفعة هذه المنزلة هذا الحوار الذي دار بين أبي العلاء المعري والشاعر أبي الفتيان بن جيوس. قال المعري بعدما سمع أبياتاً للصوري: «هذه لقصيرك»، فرد ابن جيوس: «هو أشعر من طويلك»، ويقصد المتنبِّي. إن شاعراً يقارن بالمتنبِّي، ويفضل عليه لجديرٌ بأن يحتفى به ولو بطباعة ديوانه محقَّقاً على الأقل …
الدكتور عبد المجيد زراقط
أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي
توفي سنة 449هـ.
حكى السمعاني في «الأنساب» عن شيخه إسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ أن (كراجك) قرية على باب واسط، وعليه عول ياقوت في «معجم البلدان»، وغيره، وقيل أيضاً قرية من قرى حلب.
ومهما كان فليس الكراجكي منسوباً إلى إحداهما، وإنما هو منسوب إلى (الكراجك) وهو الخيمة، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: والكراجكي هو الخيمي، وقال في العبر 3/ 220: وأبو الفتح الكراجكي ـ والكراجكي: الخيمي ـ رأس الشيعة ….
وفي لسان الميزان 5/ 300: محمد بن علي الكراجكي ـ فتح الكاف وتخفيف الراء وكسر الجيم ثم كاف ـ نسبة إلى عمل الخيم، وهي الكراجك، بالغ ابن أبي طي في الثناء عليه …
وفي شذرات الذهب 3/ 283: أبو الفتح الكراجكي ـ أي الخيمي ـ رأس الشيعة وصاحب التصانيف ….
مولده ووفاته
لم يشر التاريخ إلى شيء عن مولده، لا عن زمانه ومتى كان؟! ولا عن مكانه وبأي بلد كان! إلا أنهم قالوا عنه؛ نزيل الرملة ـ وهي في فلسطين ـ فيبدو أنه ليس منها وإنما هو نزيلها، فأين بلده ومولده ومنشؤه؟ لا ندري!
رحل في طلب العلم، وتجول في البلاد، ولقي المشايخ، وأدرك الكبار كالشيخ المفيد والمرتضى وغيرهما، فقد رحل إلى بغداد ولبث بها فترة، كما رحل إلى القاهرة ولبث بها، وحج بيت الله الحرام وزار الحرمين الشريفين ودخل طبرية وحلب وطرابلس ـ ويبدو أنه أقام بها ردحاً من الزمن وألّف بها جملة من كتبه ـ ودخل صيدا وصور وبها توفي في يوم الجمعة ثاني (ثامن) ربيع الآخر سنة 449هـ.
مكانته العلمية والاجتماعية
كانت للكراجكي شخصية علمية متفوقة ومشاركة في علوم عصره، ومكانة اجتماعية مرموقة، وصفوه بشيخ الشيعة وفقيه الأصحاب، ونحو ذلك.
وقد ترجم له كثير من المؤرخين وأصحاب المعاجم والتراجم، وأطروه بكل جميل وأثنوا على علمه وثقافته.
فمنهم الذهبي، قال عنه في تاريخ الإسلام: «أبو الفتح الكراجكي شيخ الشيعة … وكان من فحول الرافضة، بارع في فقههم وأصولهم، نحوي، لغوي، منجم، طبيب، رحل إلى العراق ولقي الكبار كالمرتضى …».
وقال في سير أعلام النبلاء: «شيخ الرافضة وعالمهم، أبو الفتح محمد بن علي، صاحب التصانيف …».
وقال في العبر: «أبو الفتح الكراجكي … رأس الشيعة وصاحب التصانيف … وكان نحوياً، لغوياً، منجماً، طبيباً، متكلماً، متفنناً، من كبار أصحاب الشريف المرتضى …».
وقال في تذكرة الحفاظ: «شيخ الرفض أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي».
وقال عنه الصفدي في الوافي بالوفيات: «شيخ الشيعة … وكان من فحول الرافضة، بارعاً في فقههم، لقي الكبار مثل المرتضى …».
ووصفه اليافعي في «مرآة الجنان» بقوله: «رأس الشيعة، صاحب التصانيف، كان نحوياً، لغوياً، منجماً، طبيباً، متكلماً، من كبار أصحاب الشريف المرتضى».
وقال الشيخ منتجب الدين ابن بابويه في (الفهرست): «الشيخ العالم الثقة … فقيه الأصحاب…».
وأثنى عليه المحدث الحر العاملي في «أمل الآمل» بقوله: «عالم فاضل متكلم، فقيه، محدث، ثقة، جليل القدر …..» ([229]).
وقال المجلسي في بحار الأنوار 1/ 35: «وأما الكراجكي فهو من أجلّة العلماء والفقهاء والمتكلمين، وأسند إليه جميع أرباب الإجازات، وكتابه كنز الفوائد من الكتب المشهورة التي أخذ عنه جلّ من أتى بعده، وسائر كتبه في غاية المتانة»([230]).
وأطراه المحدث القمي في «الفوائد الرضوية» بقوله: «الشيخ الأجلّ الأقدم الأعلم الفاضل، المتكلم، الفقيه، المحدث، الثقة، الجليل القدر، شيخ مشايخ الطائفة …».
وقال المامقاني: «ومن لاحظ كتابه [كنز الفوائد] ظهر له غاية فضله وتحقيقه وتدقيقه وكمال اطّلاعه على المذاهب والأخبار وعليك بمطالعته تماماً إن شاء الله تعالى فإنه من نفائس الكتب».
وقال عنه التستري في مقابس الأنوار: «الشيخ المحدث، الفقيه، المتكلم، المتبحر، الرفيع الشأن والمنزلة، القاضي أبي الفتح … وكان من أكابر تلامذة المرتضى والشيخ [الطوسي] والديلمي، والواسطي، وروى عن المفيد …».
مشايخه في الفقه والكلام والحديث وغيرها
1 ـ أبو العباس أحمد بن إسماعيل بن عنان الحلبي.
2 ـ الشريف أبو منصور أحمد بن حمزة الحسيني العريضي.
3 ـ أبو سعيد أحمد بن محمد بن أحمد الماليني الهروي.
ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد 4/ 371 وأرّخ وفاته سنة 412هـ، قال: «وكان ثقة صدوقاً متقناً خيّراً صالحاً».
4 ـ القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحرّاني، نزيل بغداد، مترجم في بغية الطلب: 1551.
5 ـ أبو الصلاح الحلبي تقي الدين بن نجم.
6 ـ أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن كامل الطرابلسي.
7 ـ أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن علي بن الواسطي.
ترجم له في لسان الميزان 2/ 298، قال: «من رؤوس الشيعة، يشارك المفيد في شيوخه، ومات قبل 420هـ».
8 ـ أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد القمي.
9 ـ أبو عبد الله الحسين بن محمد بن علي الصيرفي البغدادي.
10 ـ أبو يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي.
11 ـ الشريف أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني.
12 ـ أبو محمد عبد الله بن عثمان بن حماس.
13 ـ أبو الحسن علي بن أحمد اللغوي، المعروف بابن زكار.
14 ـ أبو الحسن علي بن الحسن بن منده.
15 ـ الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي البغدادي.
16 ـ الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمزة.
17 ـ أبو الحسن علي بن محمد السباط البغدادي.
18 ـ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن ابن شاذان القمي.
19 ـ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي.
20 ـ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن طلحة الصيداوي.
21 ـ الشريف أبو عبد الله محمد بن عبيد الله الحسين بن طاهر الحسيني.
22 ـ أبو المرجى محمد بن علي بن أبي طالب البلدي.
23 ـ القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي البصري الضرير، المتوفى سنة 443هـ.
24 ـ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد البغدادي.
25 ـ أبو القاسم هبة الله بن إبراهيم بن عمر الصواف.
26 ـ الشريف يحيى بن أحمد بن إبراهيم طباطبا الحسني.
تلامذته
لم تشر مصادر التراجم إلاّ إلى قلّة من تلامذته وهم:
1 ـ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي.
2 ـ الشيخ عبد العزيز ابن البراج.
3 ـ ريحان بن عبد الله الحبشي.
4 ـ شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه حسكا القمي.
5 ـ ظفر ابن الداعي مهدي العلوي الاسترآبادي.
6 ـ المفيد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين الخزاعي النيسابوري.
7 ـ الحسين بن هبة الله بن رطبة.
الجدول الزمني لتجوله ونشاطاته
سنة 399هـ([231]) كان بميفارقين في شمال العراق ويبدو أنه كان في طريقه إلى بغداد.
سنة 407هـ([232]) كان بمصر.
سنة 410هـ([233]) كان بالرملة.
سنة 412هـ([234]) في جمادى الآخرة كان بالرملة.
سنة 412هـ([235]) كان بمكة المكرمة.
سنة 416هـ([236]) كان بالرملة.
سنة 418هـ كان بصور.
سنة 424هـ([237]) كان بالقاهرة.
سنة 426هـ([238]) كان بمصر.
سنة 436هـ([239]) كان بطرابلس.
سنة 441هـ كان في صيدا.
رسالة في فهرست مصنفات الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي الخيمي، المتوفى 449هـ، عملها بعض تلامذته من أولاد العلماء المعاصرين له، وجدتها ضمن مجموعة برقم 6955، من مخطوطات المكتبة المركزية في جامعة طهران، فاستنسخت عليها لنفسي في غرة جمادى الأولى سنة 1403هـ، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
فهرست الكتب التي صنّفها الشيخ الفقيه أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان بن علي الكراجكي رضي الله تعالى عنه وأرضاه:
الحمد لله، وصلاته على سيدنا محمد رسوله وعلى الطاهرين من آله وسلامه.
الكتب الفقهية
1 ـ كتاب الصلوات (الصلاة) وهو: روضة العابدين ونزهة الزاهدين.
ثلاثة أجزاء، فالجزء الأول في ذكر الفرائض، والثاني في ذكر السنن، والثالث في ذكر التطوع الذي ليس بمسنون، وما ورد في الجميع من علم وعمل، يشتمل على ثلاثمائة ورقة، عمله لوالده([240]).
2 ـ الرسالة الناصرية في عمل ليلة الجمعة ويومها:
عملها للأمير ناصر الدولة رضي الله عنه بدمشق، جزء واحد، خمسون ورقة، يشتمل على ذكر المفروض والمسنون والمُستحب([241]).
3 ـ كتاب التلقين لأولاد المؤمنين:
صنّفه بطرابلس، جزء لطيف، كراستان.
4 ـ كتاب التهذيب:
متصل بالتلقين، صنّفه بطرابلس، يشتمل على ذكر العبادات الشرعية بقسم (بتقسيم) يقرب فهمه ويسهل ضبطه، كثير الفوائد، جزء واحد، سبعون ورقة.
5 ـ كتاب في المواريث، وهو: معونة الفارض على استخراج سهام الفرائض:
فيه ذكر ما يستحقه طبقات الوارث والسبيل إلى استخراج سهامهم من غير انكسار، كتاب مفيد، صنّفه بطرابلس لبعض الإخوان، جزء واحد، ستون ورقة([242]).
6 ـ كتاب المنهاج إلى معرفة مناسك الحاج:
وهو منسك كامل يشتمل على فقه وعمل وزيارات، جزء واحد يزيد على مائة ورقة، صنّفه للأمير صارم الدولة رحمه الله يحج به.
7 ـ كتاب المقنع للحاج والزائر:
سأله القائد أبو البقاء فور بن نزال، جزء لطيف.
8 ـ المنسك العصي:
أمره بعمله الأمير صارم الدولة وعصره ذو الفخرين بطبرية، قد ذاع في الأرض نسخه.
9 ـ منسك لطيف في مناسك النسوان:
أمر بعمله الأمير صارم الدولة، حرس الله مدته.
10 ـ كتاب نهج البيان في مناسك النسوان:
أمر بعمله الشيخ الجليل أبو الكتائب أحمد بن محمد بن عمار، رفع الله درجته، فصنّفه بطرابلس، وهو خمسون ورقة.
11 ـ كتاب الاستطراف، في ذكر ما ورد في الفقه في الأنصاف:
وهو معنى غريب لم يسبق إلى مثله، يتضمن ما اختص بذكر النصف في الفقه، صنّفه للقاضي أبي الفتح عبد الحاكم.
12 ـ مختصر كتاب الدعائم للقاضي النعمان:
وهو من جملة فقهاء الحضرة!
13 ـ كتاب الاختيار من الأخبار:
وهو اختصار كتاب «الأخبار» للقاضي النعمان، يجري مجرى اختصار الدعائم([243]).
14 ـ كتاب ردع الجاهل وتنبيه الغافل:
وهو نقض كلام أبي المحاسن المعري الذي طعن به على الشريف المرتضى رحمه الله في المسح على الرجلين، عمل بطرابلس([244]).
15 ـ البستان في الفقه:
وهو معنى لم يطرق، وسبيل لم تسلك، قسم فيه أبواباً من الفقه، وفرع كل فرع (فن) منها حتى حصل كل باب شجرة كاملة، يكون نيفاً وثلاثين شجرة، صنّفه للقاضي الجليل أبي طالب عبد الله بن محمد بن عمار، أدام الله سلطانه، وكبت شانئيه وأعداءه.
16 ـ كتاب الكافي في الاستدلال على صحة القول برؤية الهلال:
عمله بمصر، نحواً من مائة ورقة.
ومن الكتب الكلامية
17 ـ نقض رسالة فردان بعد([245]) المروذي في الجزء:
أربعون ورقة.
18 ـ كتاب غاية الإنصاف في مسائل الخلاف:
يتضمن النقض على أبي الصلاح الحلبي رحمه الله([246]) في مسائل خالف (خُلف) بينه وبين المرتضى، نصر فيها رأي المرتضى، ونصر والدي رحمه الله وأبي([247]) المستفيد رضي الله عنهم.
19 ـ كتاب حجة العالم في هيئة العالم:
هذا كتاب يتضمن الدلالة على أن شكل السماوات والأرض كشكل الكرة، وإبطال مقال من خالف في ذلك، جزء لطيف.
20 ـ كتاب ذكر الأسباب الصادرة عن معرفة الصواب:
جزء لطيف.
21 ـ رسالة نعتها بـ: دامغة النصارى:
وهي نقض كلام أبي الهيثم النصراني في ما رام تثبيته من الثالوث والاتحاد، جزء واحد.
22 ـ كتاب الغاية في الأصول:
نجز منه القول في حدوث العالم وإثبات محدثه.
23 ـ كتاب رياضة العقول في مقدمات الأصول:
جزء لطيف، لم يتم.
24 ـ كتاب المراشد، المنتخب من غرر الفوائد:
يتضمن تفسير آيات من القرآن، مائتا ورقة([248]).
25 ـ جواب رسالة الأخوان (الأخوين):
يتضمن الرد على الأشعرية وإفساد أقوالهم وطعنهم على الشيعة، ستون ورقة.
ومن الكتب في الإمامة
26 ـ كتاب عدّة البصير في حج يوم الغدير:
هذا كتاب مفيد يختص بتثبيت إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه من النص عليه في يوم الغدير، جزء واحد، مائتا ورقة، بلغ الغاية فيه حتى حصل في الإمامة كافياً للشيعة في هذه المسألة، عمله بطرابلس للشيخ الجليل أبي الكتائب عمّار، أطال الله بقاءه.
27 ـ كتاب التعجب في الإمامة من أغلاط العامة:
هذا كتاب جمع فيه بين أقوالهم المتناقضة الشاهدة بمذاهبهم الفاسدة، نحو من المائة ورقة([249]).
28 ـ كتاب الاستبصار([250]) في النص على الأئمة الأطهار:
هذا كتاب يتضمن ما ورد من طريقي الخاصة والعامة من النص على أعداد الأئمة صلوات الله عليهم، جزء لطيف([251]).
29 ـ كتاب معارضة الأضداد باتفاق الأعداد:
في فن من الإمامة، جزء لطيف.
30 ـ المسألة القيسرانية:
في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة، جزء لطيف.
31 ـ المسألة التبانية:
في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع البرية سوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم([252]).
32 ـ مختصر كتاب (التنزيه) تصنيف المرتضى رحمه الله:
نجز منه ذكر الأنبياء وبقي ذكر الأئمة صلوات الله عليهم([253]).
33 ـ كتاب الانتقام ممن غدر بأمير المؤمنين عليه السلام:
وهو النقض على ابن شاذان الأشعري في ما أورده في آية الغار، لم يسبق إلى مثله([254]).
34 ـ كتاب الفاضح:
في ذكر معاصي المتغلبين على مقام أمير المؤمنين عليه السلام، لم يتم.
ومن الكتب النجومية وما يتعلق بها
35 ـ كتاب مزيل اللبس ومكمل الأنس.
36 ـ كتاب نظم الدرر في مبنى الكواكب والصور:
وهو كتاب لم يسبق إلى مثله، يتضمن ذكر أسماء الكواكب المسماة على ما نطقت به العرب وأهل الرصد.
37 ـ كتاب إيضاح السبيل إلى علم أوقات الليل:
هذا الكتاب يتضمن ذكر المنازل الثمانية والعشرين وكواكبها، ومواقع بعضها من بعض، وصورها، والإرشاد إلى معرفتها، والاستدلال على أوقات الليل بها، وهو كثير المنفعة، جزء واحد، مائتا ورقة.
38 ـ كتاب في الحساب الهندي وأبوابه، وعمل الجذور والمكعبات المفتوحة والصم.
ومن الكتب المختلفة
39 ـ العيون في الآداب.
40 ـ كتاب معدن الجواهر ورياضة الخواطر:
يتضمن من الآداب والحكم ومما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم([255]).
41 ـ رياض الحكم:
وهو كتاب عارض به ابن المقفع.
42 ـ كتاب موعظة العقل (العقلاء) للنفس:
عملها لولده، كراسة واحدة([256]).
44 ـ كتاب إدكار الإخوان بوجوب (حق) حقوق الإيمان:
أنفذها إلى الشيخ الأجلّ أبي الفرج البابلي، كرّاسة.
45 ـ نصيحة الإخوان:
أنفذها إلى الشيخ أبي اليقظان أدام الله تعالى تأييده.
46 ـ كتاب التحفة في الخواتيم:
جزء لطيف.
47 ـ الرسالة العلوية:
في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر البرية سوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عملها للشريف أبي طالب، جزء لطيف([257]).
48 ـ كتاب الجليس:
هذا كتاب لم يُسبق إلى مثله، عمله كالروضة المنثورة، ضمّنه من سير الملوك وآدابهم، وتحف الحكماء وطرفهم، ومن ملح الأشعار والآداب، ما يستغنى به عن المجموعات وغيرها، لم يصنّف مثله، بالجملة يكون خمسة أجزاء خمسمائة ورقة.
49 ـ كتاب انتفاع المؤمنين بما في أيدي السلاطين:
حدا على عمله الإخوان ـ حرسهم الله ـ بصيدا.
50 ـ كتاب الأنيس:
يكون نحواً من ألفي ورقة، جعله مبوباً في كل فن، لم يسبق إلى مثله، مات رحمه الله ولم يبلغ غرضه من تصنيفه.
ومن الأنساب
51 ـ مختصر كتاب ابن خداع للشريف رحمه الله:
في ذكر المعقبين من ولد الحسين والحسن عليهما السلام، لم يسبق إلى مثله([258]).
53 ـ كتاب الزاهر في آداب الملوك:
عمله للأمير صارم الدولة ذي الفضيلتين أدام الله علوه، لم يسبق إلى مثله، جزء لطيف([259]).
54 ـ كتاب كنز الفوائد:
خمسة أجزاء، عمله لابن عمه، يتضمن أصولاً من الأدلة، وكلاماً في فنون مختلفة، وتفاسير آيات كثيرة، ومختصرات عملها عدة، وأخباراً سمعها مروية من الآداب نظراً ونكتاً مستحسنة، تسلية الرؤساء، عملها للأمير ناصر الدولة رضي الله عنه، جزء لطيف([260]).
55 ـ كتاب التأديب:
عمله لولده، جزء لطيف.
56 ـ المجالس في مقدمات صناعة الكلام:
أمر بعملها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين ـ حرس الله عمره ـ لما آثر الاطلاع في هذا العلم، نجز منها ثمانية مجالس ولم يتم، ولم يسبق إلى مثل ترتيبه.
57 ـ كتاب الإقناع عند تعذّر الإجماع:
في مقدمات الكلام، لم يتم.
58 ـ كتاب الكفاية في الهداية:
في مقدمات أصول الكلام، لم يتم.
59 ـ كتاب الأصول في مذهب آل الرسول صلى الله عليه وسلم.
يتضمن الأخبار بالمذهب من غير أدلة، عملها للإخوان بصور في سنة 481، جزء لطيف.
60 ـ مختصر البيان عن دلالة شهر رمضان:
يتضمن القول بالعدد في معرفة العالم([261]) الشهور، وهو الكتاب المنقوض، عمله بالرملة لقاضي القضاة، جزء لطيف([262]).
61 ـ جواب الرسالة الحازمية:
في إبطال العدد وتثبيت الرؤية، هي الرد على أبي الحسن ابن أبي حازم المصري، تلميذ شيخي رحمه الله عليه، عقيب انتقالي([263]) عن العدد، أربعون ورقة.
62 ـ القول في معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة وسائر اللغات:
عمل بالقاهرة لأبي اليقظان، كراسة([264]).
63 ـ الرسالة العاملية:
في الجواب عن مسألة سألت عنها الغلاة، أمر بعملها الأمير قوام الدولة وإنفاذها إلى العامري القاضي، جزء لطيف، عملت بالقاهرة، مختصرة.
64 ـ مختصر طبقات الوارث:
عمل للمبتدئين بطرابلس، لطيف.
65 ـ الجدول المدهش:
سأله في عمله سائل([265]).
66 ـ الرسالة الصوفية:
وهي في خبر مظلوم ومراد، سأل في عملها بعض الإخوان.
67 ـ كتاب الإيضاح عن أحكام النكاح:
أمر بعمله الأمير ذخر الدولة بصيدا في سنة 441هـ، يخرج في جزء واحد فيه الخلاف بين الإمامية والإسماعيلية.
68 ـ رسالة التنبيه على أغلاط أبي الحسين البصري:
في «فصل في ذكر الإمامة» لطيف([266]). /
69 ـ الكتاب الباهر في الأخبار:
لم يتم.
70 ـ نصيحة الشيعة:
لم يتم.
71 ـ مسألة العدل في المحاكمة إلى العقل.
72 ـ كتاب هداية المسترشد:
لم يتم.
ويشتمل «كنز الفوائد» على مختصرات عدّة:
73 ـ منها: الذخر للمعاد في صحيح الاعتقاد.
74 ـ منها: الإعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين عليه السلام [وأولاده الكرام]([267]).
75 ـ منها: رسالة في وجوب الإمامة([268]).
76 ـ منها: التذكرة بأصول الفقه([269]).
77 ـ منها: البرهان على طول عمر صاحب الزمان عليه السلام([270]).
78 ـ منها: رسالة في مسح الرجلين في الوضوء([271]).
79 ـ منها: التنبيه على حقيقة البلاغة.
80 ـ منها: الإيضاح بين طريقي الزيدية والإمامية.
81 ـ ومجلس الكر والفر.
82 ـ منها: الكلام في الخلأ والملأ.
83 ـ منها: الرد على الغلاة([272]).
84 ـ منها: الرد على المنجمين([273]).
85 ـ منها: تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام.
استدراك
وللكراجكي كتب لم يرد ذكرها في هذا الفهرست، فلعله ألّفها بعد هذا الفهرست، وهي:
1 ـ الإبانة عن المماثلة، في الاستدلال لإثبات النبوة والإمامة([274]).
2 ـ كتاب التفضيل([275]).
3 ـ الجواب عن ثلاث آيات([276]).
4 ـ البيان عن اعتقاد أهل الإيمان([277]).
5 ـ دليل النص بخبر الغدير([278]).
6 ـ شرح الاستبصار في النص على الأئمة الأطهار([279]).
7 ـ شرح «جمل العلم والعمل» للشريف المرتضى علم الهدى.
8 ـ كتاب الوزيري.
9 ـ المزار.
10 ـ مختصر زيارة إبراهيم الخليل عليه السلام.
11 ـ أخبار الآحاد.
12 ـ مسألة في كتابة النبي صلى الله عليه وسلم.
13 ـ النوادر([280]).
14 ـ رسالة في جواب سؤال عن وجوب الحج وبعض علله ومناسكه([281]).
15 ـ روضة العابدين([282]).
16 ـ تهذيب المسترشدين([283]).
17 ـ كتاب الفهرست([284]).
18 ـ كتاب المنازل([285]).
19 ـ كتاب المؤمن([286]).
وهناك كتب للكراجكي نسبت إليه بغير أسمائها وهي:
1 ـ مسألة في العدد، وعدم نقص شهر رمضان، الذريعة 29/ 389. هو الذي تقدم برقم 60 بعنوان «مختصر البيان عن دلالة شهر رمضان»، يتضمن القول بالعدد…
2 ـ كتاب النجوم، الذريعة 24/ 78.
وللكراجكي عدة كتب في النجوم: «مزيل اللبس»، «نظم الدرر»، «إيضاح السبيل»، تقدمت بالأرقام 35، 37، وله كتاب «الرد على المنجمين» ضمن «كنز الفوائد» تقدم برقم 84..
3 ـ النصوص، بحار الأنوار 1/ 18، الذريعة 24/ 179.
وهو كتاب «الاستبصار» المطبوع، المتقدم برقم 28، ما نبه عليه في «الذريعة» عند ذكره.
4 ـ نصيحة الشيعة، الذريعة 24/ 182.
أظنه كتاب «نصيحة الإخوان» المتقدم برقم 45، أو هو «إدكار الإخوان بوجوب حقوق الإيمان» المتقدم برقم 44، أو هو «موعظة العقل للنفس» المتقدم برقم 42.
5 ـ الوصية، الذريعة 25/ 103.
لعله هو كتاب «التعريف بحقوق الوالدين» المتقدم برقم 43 وأنه عمله لولده، كما نبه عليه في الذريعة، فقد كتبه يوصي به ابنه، بدأه بقوله:
اعلم أيها الولد الحبيب البار … وختمه بقوله: أن أجعل لك تذكرة، ولمن سواك تبصرة …
أو هو كتاب «التأديب» المتقدم برقم 55 وأنه عمله لولده.
6 ـ رسالته إلى ولده، كما عبّر عنه العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار 1/ 18.
وهذا أيضاً لعله «التعريف» أو «التأديب» المتقدمين.
عبد العزيز الطباطبائي
الصومال
جمهورية الصومال الديمقراطية هي دولة فتية أعلن مولدها في اليوم الأول من شهر يوليو عام 1960 بعد فترة عشر سنوات قضتها تحت الوصاية الدولية. وفي 21 أكتوبر 1969 استولى مجلس ثوري مكون من قوات الجيش والشرطة على مقاليد الحكم فيها، واستعان بوزارة من المدنيين لمساعدته في حكم البلاد.
وقبل هذا التاريخ كان الصومال منقسماً إلى خمسة صومالات، ترمز إليها الأطراف الخمسة للنجمة البيضاء التي تتوسط الرقعة الزرقاء في علم الصومال. وهذه الصومالات الخمسة كانت: الصومال الإيطالي، فالبريطاني، فالفرنسي، فالكيني، فالحبشي. كانت كلها أرضاً واحدة تخضع لأمر سلطان زنجبار، حتى منتصف القرن التاسع عشر، وبعدها جاء المستعمرون الأوروبيون واستولوا على البلاد، فقسموها وأقاموا الحدود، تفصل بين الأخ وأخيه.
وجمهورية الصومال الحالية تشمل أراضي الصومالين الإيطالي والبريطاني فقط، وعاصمتها مقدشو. وعدد سكان2,094,000 نسمة (تقدير الأمم المتحدة عام 1972) إلا أن الأهالي يقدرون عددهم بأكثر من خمسة ملايين نسمة.
ومما يذكر أن المنطقة التي كانت تعرف باسم الصومال الإيطالي هي أغنى الصومالات الخمسة، ومساحتها 181,625 ميلاً مربعاً وعدد سكانها نحو 1,270,000 نسمة. وكان سلطان زنجبار قد تنازل عن موانيها لإيطاليا عام 1905 مقابل 144 ألف جنيه استرليني!!
أما الصومال البريطاني فمساحته 68,000 ميل مربع وله ساحل يمتد 450 ميلاً على خليج عدن، وهو إقليم جاف حار يعيش فيه نحو 750000 أغلبهم من الرعاة، وعاصمتهم كانت مدينة هرجيسة، وأهم موانيه زيلع وبربرة، وهي موانئ صغيرة.
واقتصاد الصومال ضعيف، يعتمد على المساعدات التي تأتيه من مختلف أنحاء العالم، من: الولايات المتحدة، وروسيا، وإيطاليا، ومصر وأهم أعمال الأهالي تربية الماشية والزراعة. أما منتجات الصومال الرئيسية فتشمل البخور واللبان، والسكر، والموز، والسرجوم Sarghum وهو نبات شبيه بالذرة، الصمغ، والجلود، والقبك Kapak وهي ألياف حريرية.
أما معادن الصومال فما زال أغلبها غير مستغل، وتشمل الحديد والقصدير، والجبس، والحجر الرملي والبوكسيت Boscite وهو خام الألومنيوم، والمرشوم Meers-chaum وهو معدن قوامه سليكات المغنيسيوم تصنع منه غلايين التدخين، ومعدن التيتانيوم Titanium وهو عنصر فلزي وغيرها من المعادن.
وفي عام 1968 أعلنت حكومة الصومال عن اكتشاف رواسب كبيرة من اليورانيوم في أراضيها.
وأما الصومال الفرنسي فهو ما يعرف باسم «جيبوتي» وتبلغ مساحتها 23 ألف كلم 2. ويحدها من الشمال والغرب والجنوب الحبشة. ومن الجنوب الشرقي: الصومال، ومن الشرق خليج عدن.
وقد أعلن استقلالها في 27 حزيران سنة 1977، وبتاريخ 21 أيلول 1977، حصلت جمهورية جيبوتي على مقعد لها في الأمم المتحدة. وبعد ذلك بيومين فقط، حصلت على مقعد مماثل في جامعة الدول العربية.
ويبلغ عدد سكان جمهورية جيبوتي حوالي 400 ألف نسمة، يعيش نصفهم في العاصمة وحدها. وبالإضافة إلى السلالات الرئيسية من «العفر» و«العيسويين»، تشتمل جيبوتي على أقليات عربية ـ من اليمن ـ يقدر عددهم بحوالي 10 آلاف مواطن.
والعفريون يشغلون الجزء الأكبر من البلاد، إلا أن عددهم أقل من العيسويين، الذين يمثلون حوالي 60 % من مجموع السكان، و80 % من سكان العاصمة وحدها.
وقد يكون من المستغرب اعتبار المواطنين الذين ينتمون إلى عرق عربي في جمهورية جيبوتي «أقلية» بينما يدل التاريخ على أن أصل سكان جيبوتي، من عرب اليمن، الذين هاجروا في حوالي القرن السادس قبل الميلاد، وخاصة بعد خراب سد مأرب، كما أن مدينة جيبوتي ـ العاصمة ـ التي تم بناؤها في الفترة من 1886 ـ 19 قد شيدت من بيوت ذات طابع عربي. ولا تزال أسواقها القديمة عامرة بالتجار العرب، من أصل يمني.
ويلاحظ زائر جيبوتي أن معظم شوارعها وميادينها تحمل أسماء فرنسية، كما أن اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة، حيث يتحدث بها جميع من يعيشون على أرض جيبوتي وقليل منهم يتحدث العربية (بغير طلاقة طبعاً) وقلما تجد كلمة عربية على جدار أو لافتة محل تجاري، باستثناء بعض المحلات الصغيرة في الأسواق الشعبية، والتي يمتلكها مواطنون من أصل يمني. وتتعامل كافة الوزارات والدوائر الحكومية باللغة الفرنسية حديثاً وكتابة.
واللغات السائدة هي الفرنسية والصومالية، والأثيوبية، والعربية.
وتمثل جيبوتي نقطة استراتيجية مهمة على مفترق طرق القارات ومشارف المحيط الهندي، وعند مدخل البحر الأحمر إلى الجنوب من اليمن الجنوبي.
واقتصاد جيبوتي قائم على موردين أساسيين: خط السكك الحديدية، الذي يربط العاصمة الأثيوبية أديس أبابا بمرفأ جيبوتي، ثم الميناء، وهو من أهم مؤسساتها الاقتصادية.
وأما الصومال الذي يقع على حدود كينيا وكان تابعاً لبريطانيا فقد ساوم الإنكليز عليه كينيا فضموه إليها بشرط إبقاء 30 ألف بريطاني من المزارعين في كينيا. كما أن القسم الأخصب الحبشي ظل تحت حكم الحبشة.
وعندما نالت الجمهورية الصومالية استقلالها ألغت كل الاتفاقات الاستعمارية غير الشرعية التي قسمت القطر الصومالي إلى خمسة أقسام وأعلنت أنها لا تلتزم بهذه الاتفاقيات لأنها لا تتمشى ومبدأ حق تقرير المصير وآمال وتطلعات الشعب الصومالي وإضافة إلى ذلك ثبتت الصومال، كما جاء في الدستور الصومالي لعام 1960 سياسة السعي لتحقيق إعادة وحدة القطر الصومالي بالوسائل السلمية، ومنذ ذلك الوقت بذلت الصومال جهوداً متواصلة للدخول في مفاوضات مع أثيوبيا بغية الوصول إلى تسوية دائمة وعادلة للنزاع الإقليمي. وانطلاقاً من سياستها هذه أثارت الصومال هذه القضية في منظمة الوحدة الإفريقية وفي الأمم المتحدة وأعلنت مراراً عن رغبتها في قبول الوساطة الإفريقية.
وبينما كانت الحكومة الصومالية تبحث باستمرار عن تسوية لنزاعها الإقليمي مع الحبشة فإن هذه الأخيرة تبنت سياسة مناوئة وأعلنت حالة الطوارئ في إقليم الصومال الغربي المحتل وحالت دون الهجرات الموسمية التقليدية وذلك بإنكار حق الصوماليين الشرعي في الوصول إلى مواقع الماء والمرعى. كما أنها حشدت قوات كبيرة على امتداد حدود الأمر الواقع وأعملت القتل والنهب والحرق في قرى صومالية باكملها.
وقد تصاعدت هذه الأعمال العدائية من قبل الحبشة التي شنت عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الصومال في شباط (فبراير) 1964.
وبطلب من الحكومة الصومالية تدخلت منظمة الوحدة الإفريقية في النزاع واتخذ مجلس وزراء الخارجية في دورته المنعقدة في دار السلام ولاغوس قرارات بوقف إطلاق النار بعد مفاوضات جرت في الخرطوم تحت إشراف الرئيس السوداني، إلا أن الحبشة حشدت من جديد في ربيع 1965 قوات كبيرة على امتداد حدود الأمر الواقع، كما فرضت إجراءات قمع ضد الشعب الصومالي في المناطق المحتلة.
وفي عام 1967 اتفقت الحكومتان الصومالية والأثيوبية في مؤتمر القمة الإفريقي الذي انعقد في (كينشاسا) على الدخول في مفاوضات لتسوية النزاع طبقاً لروح ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية. ولكن هذه المفاوضات كسابقاتها لم تكلل بالنجاح.
وبحلول ثورة تشرين الأول (أكتوبر) في الصومال بنهاية عام 1969 برئاسة الجنرال محمد سياد بري أخذت الجمهورية الصومالية عهداً على نفسها طبقاً لميبثاق الثورة بالسعي لتحقيق تسوية عادلة وسلمية للنزاع، ولكن كل مبادرات الصومال باءت بالفشل. وفي العامين الأخيرين حشدت أثيوبيا قوات كبيرة على الحدود الصومالية واخترقت طائراتها مراراً المجال الجوي الصومالي، كما أنها قامت باعتداءات متكررة على شعب الصومال الغربي المحتل ورفضت أن تمنح سكان المنطقة حق تقرير المصير، ولهذا قامت ثورة مسلحة في الصومال الغربي (الأوغادين) ضد الحكم الأثيوبي وألحقت بجيشه خسائر فادحة واستطاعت أن تحتل وتحرر كثيراً من المدن والقرى المحيطة بمدينة هرر و(ديره داوه) وغيرها من المدن الصغيرة وتمكنت من تعطيل الخط الحديدي وهو الشريان الحيوي الذي يربط أديس أبابا بمرفأ جيبوتي. ونسفت الجسور وقطعت المواصلات البرية والطرق التموينية مما اضطر السلطات الأثيوبية إلى نقل المواد الغذائية إلى جيشها المحاصر في المنطقة الثائرة بالطائرات.
وبعد أن بات مؤكداً انتهاء ثورة الأوغادين بالنصر على الحبشة تدخل الاتحاد السوفياتي وتدخلت كوبا، فأمد الأول الأحباش بالسلاح الثقيل والطائرات والخبراء العسكريين، وأمدتهم الثانية بالرجال، فعاد انتصار الأوغادين هزيمة، واستنجد الصومال عبثاً بأمريكا وغيرها، فتراجع الثائرون وانتهى الأمر بانتصار الحبشة.
وتمزق الصومال اليوم الحروب الأهلية المستمرة.
الشيعة في الصومال
ويوجد في الصومال أعداد من الشيعة هم من أصول هندية.
اللغة الصومالية
قال محمد أحمد محمين:
اللغة الصومالية كأية لغة تأثرت بالاحتكاك الثقافي نتيجة لظروف مختلفة، وغير خاف عنا أن أي احتكاك يحدث بين لغتين أو لهجتين أياً كان سبب هذا الاحتكاك ومهما كان مقداره فإنه يؤدي إلى تأثر كل منهما بالأخرى ويختلف ما تأخذه لغة عن أخرى باختلاف العلاقات التي تربط بين الشعبين وما يتاح لهما من فرص الاحتكاك المادي والثقافي. ويذكر التاريخ أن علاقة الصومال بالعرب والبلدان العربية بدأت قبل ظهور الإسلام حين تعددت رحلات العرب وهجراتهم إلى الساحل الإفريقي الشرقي الذي يعتبره الجغرافيون امتداداً طبيعياً للجزيرة العربية بل يصفون البحر الأحمر بأنه مجرد كسر أخدودي في القشرة الأرضية في أرض واحدة يجمعها مناخ وتضاريس متشابهة، وهذا الساحل قام بدور حاسم في نشر العقيدة الإسلامية واللغة العربية لأنه من أهم المسالك التي سلكها دعاة الإسلام وعلى هذا تأثرت اللغة الصومالية كثيراً باللغة العربية.
وتضم اللغة الصومالية اثنين وعشرين حرفاً هي: «أ ـ ب ـ ت ـ ج ـ ح ـ خ ـ د ـ ر ـ س ـ ش ـ ط ـ ع ـ غ ـ ف ـ ق ـ ك ـ ل ـ م ـ ن ـ و ـ هـ ـ ي» وتنطق جميع هذه الحروف كما هي ما عدا حرف «ط» فينطق بين الدال والطاء وفيه يقلب اللسان لملامسة سقف الفم وينطق حرف «غ» الصومالي كالجيم القاهرية غير المعطشة.
وتتميز اللغة الصومالية بوجود خمس حركات قصيرة وطويلة هي كالآتي:
كسرة قصيرة خالصة، وكسرة غير خالصة كما هي الإمالة. وفتحة قصيرة وضمة غير خالصة وضمة خالصة ولكل حركة نظيرها الممثل في حركة طويلة.
كسرة قصيرة خالصة ب.
كسرة قصيرة غير خالصة ب([287]) كما في كلمة «بنت» ابنه.
فتحة قصيرة ب.
ضمة غير خالصة([288]) كما في «بن»([289]) القهوة.
ولم يتفق الصوماليون حتى الآن على رسم معين لكتابة الصومالية ولم يستقر الرأي على اتخاذ حروف معينة وهناك تيارات قوية متصارعة فالبعض ينادي بكتابتها بحروف القرآن والبعض ينادي بالحروف العثمانية تشابه الحروف الأمهرية وتكتب من الشمال إلى اليمين وهي بهذا تبدو متأثرة باللاتينية كما أن ترتيب حروفها ووجود حروف مد للحركات الطويلة يشابه العربية وهي تتكون من تسعة وعشرين حرفاً وقد ظهرت منذ أكثر من 30 عاماً. وهناك تيار قوي لكتابتها بالحروف اللاتينية، وقد شكلت الحكومة الصومالية سنة 1961 لجنة لغوية لبحث هذه المشكلات وقد قدم للجنة ثماني عشرة طريقة لكتابة اللغة الصومالية ثم قدمت اللجنة نتائج دراستها وتوصياتها للحكومة حتى يعرض الموضوع على الجمعية الوطنية لاتخاذ الرأي النهائي في هذا الشأن، وقد نمت محاولات كثيرة في الماضي وكتبت اللغة الصومالية بحروف عربية، ومن الذين كتبوا الصومالية بحروف عربية منذ أكثر من خمسين سنة الشيخ قاسم البراوي وفي سنة 1962 قام الأستاذ إبراهيم حاشي وهو أحد أبناء الوطن الصومالي وخريج كلية اللغة العربية، بإصدار كتاب أطلق عليه الصومالية بلغة القرآن وهو محاولة لكتابة الصومالية بالحروف العربية مع استبدال الحروف بالحركات. فالكسرة تمثلها الياء والألف تمثل الفتحة والضمة تمثلها الواو، ومن الجدير بالذكر أن حزب وحدة الشباب الصومالي كان قد أعلن في برنامجه سنة 1956 أن من أهدافه أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة في مقديشو عدة مدارس لتعليم الصومالية بالحروف العثمانية إلا أن البعض يعارض هذه الحروف على أنها ستكون مقصورة على الصومال وأن حروفها لا مثيل لها في العالم ….
وفي سنة 1966 أصدر أحد الصوماليين ويدعى «شرى جامع» مجلة أطلق عليها «افتنكا افتنا» أي ضوء المعرفة وهي بحروف لاتينية. وكما أن للحروف العربية أنصاراً. فهناك أيضاً أنصار لكتابة الصومالية بالحروف اللاتينية والحروف العثمانية وهناك كذلك فريق آخر ينادي باتخاذ العربية لغة رسمية للبلاد. ولقد وجه أنصار اللاتينية طعنات إلى اللغة العربية وحروفها من حيث قصور حركاتها بالنسبة للكسرة غير الخالصة والضمة غير الخالصة ويمكن بسهولة تمثيل الأولى كما ذكرت كالآتي ب([290]) والثانية وهي الضمة غير الخالصة ب([291]) ولو بحثنا الأبجديتين العربية واللاتينية بطريقة علمية لاتضح لنا أن الأبجدية العربية أنسب لكتابة الصومالية، فالحروف اللاتينية في اللغة الإنجليزية على سبيل المثال تتكون من ستة وعشرين رمزاً، سبعة منها حركة أو جزء من حركة مثل Deiguwy والباقي تسعة عشر حرفاً، في حين أننا نجد أن الأبجدية العربية تستعمل كلها كحروف صامتة وقد يستعمل اثنان منها حركتين طويلتين وهما الواو والياء.
كذلك نجد أن اللاتينية تنقص عن الأبجدية العربية «الحاء ـ الخاء ـ الصاد ـ الضاد ـ الطاء ـ الظاء ـ العين ـ الغين» وتمثل بعض الحروف الأخرى بحرفين مثل الثاء والذال والشين وكل هذه إمكانيات صوتية تتفوق بها الأبجدية العربية كذلك يختلف نطق بعض الحروف من كلمة لأخرى مثل: حرف C كما في School وحرف G كما في Give وEdge وبالنسبة للحركات فالنطق بها غير ثابت كما في الأمثال الآتية Area, man, was وكذلك الحال بالنسبة للحركة O في Brother, no, word وكذلك بالنسبة للحركة W لا ينطق بها في who كالنطق بها في How وهناك عديد من الأمنثلة.
ومما يوجب استخدام الأبجدية العربية انتشار آلاف من «الدكسيات» وهي تشبه نظام «الكتاتيب» يتعلم فيها الأطفال الصوماليون الأبجدية العربية على ألواح من الخشب يبلغ طولها نحو مترين ثم يتعلمون القرآن الكريم.
ولا شك أن استخدام العربية سوف يؤدي إلى بقاء الوعي بالدين الإسلامي والمحافظة عليه لا سيما أن الشعب الصومالي شعب مسلم يحتاج دائماً إلى دراسة القرآن والدين بلغة الدين وهي العربية ودراسة الدين واجبة بنص الدستور أما إذا اتخذت أي حروف أخرى غير العربية فقد يؤدي هذا على مر السنين إلى الابتعاد التدريجي عن لغة الدين.
والواقع أن هناك علاقة كبيرة بين اللغة الصومالية واللغة العربية وأن هذه العلاقة سابقة على الإسلام فكما يتكون المجتمع من أفراد فكذلك تتكون اللغة من ألفاظ أو كلمات لكل شخصيتها القائمة بذاتها. وبعض كلمات اللغة أو أفرادها تنتقل وتهاجر من لغة إلى أخرى، وحدث أن هاجرت كلمات حضارية كثيرة من العربية إلى الصومالية وقد اتضح لي من بحث قمت بإجرائه أن نحواً من ثلاثين إلى خمس وثلاثين في المائة من الكلمات الصومالية من أصل عربي وتصوملت وأخذت طابع وخصائص الكلمات الصومالية من حيث الاشتقاق والتصريف كما يتضح من الأمثلة الآتية: قلم: قلن، معلم: معلن، آدم: آدن والسبب في قلب الميم التي في نهاية الكلمة الأولى إلى نون أنه لا توجد أسماء في اللغة الصومالية تنتهي بالميم، وإلى جانب إبدال الحروف في بعض الكلمات العربية التي حدث فيها قلب مثل إحسان: إسحان، أبره: أربه.
وإلى جانب هذه الكلمات هناك ألفاظ كثيرة تتعلق بالشريعة الإسلامية دخلت كما هي في اللغة الصومالية مثل صلاة، أخلاق، أصحاب، أصنام، إسلام، بريء، بارود، تقوى، توحيد، جاهل، حرام، حقوق، حلال، حكم، خسارة، دواة، دولة، رسول، رؤيا، رزق، رخيص، وإلى غير ذلك من آلاف الكلمات، وإلى جانب الكلمات المشتركة هناك أيضاً قواعد مشتركة مثل ما الاستفهامية والنافية كما نوضح الأمثلة الآتية:
ما رأيت: ما أركن.
ما رأيت؟: ما أركتي؟
كما تبدأ بعض الأفعال الصومالية بحروف «أنيت» الدالة بشروطها على المضارع في العربية كالآتي:
أعرف: أقانا، تعرف: تقانا، نعرف: نقانا، يعرفون: يقانين، يعرف: يقانا، تعرفون: تقانين، أكون: أهي، يكون: يهى، تكونين: تهى، تكون: تهى، يكونون: يهين، تكونون: تهين، نكون: نهى.
ونلاحظ بين لغة شمال الصومال ولغة الجنوب اختلافاً يسيراً لا يحول دون التفاهم ويتمثل هذا الاختلاف في بعض الكلمات الإيطالية في لهجة الجنوب وبعض الكلمات الإنجليزية في لهجة الشمال نتيجة للاحتلال البريطاني لشمال الصومال 1883 والاحتلال الإيطالي لإقليم الصومال الجنوبي سنة 1896 ومن أمثلة الكلمات الإيطالية التي دخلت الجنوب كلمة «بكيري» أي كوب. شكوما: منشفة ومن أمثلة الكلمات الإنجليزية التي دخلت الشمال غلاس: كوب، تول: منشفة. ويلاحظ أن الإذاعة تلعب دوراً هاماً في تعميم بعض الألفاظ الأجنبية بحسب ثقافة المذيع ومن أمثلة ذلك كلمة استفتاءكا، ورفر ندمكا، والأخيرة مأخوذة من كلمة Referendum الإنجليزية من إضافة أداة تعريف المذكر في نهاية الكلمة وهي «دكا».
الصيد والذبائح عند الشيعة (كتاب)
من وجهة النظر التحليلية لعلم الإنسان فإنّ كل عادة وتقليد يرجعان إلى أسلوب اقتصادي قديم، كما أن الصيد والاصطياد اللذين بدءا بتقليد رياضي وعادة للتنزه، وطريقة للبحث عن الطعام ـ أحياناً ـ في بعض التجمعات البشرية، هما بقايا عصر الطعام الحيواني (عصر الصيد)، من عصر جمع الطعام للجماعات البشرية.
وعندما جاء عصر إنتاج الطعام (عصر الزراعة) تحولت تلك الطريقة الاقتصادية القديمة إلى تقليد وسُنة، وبقيت في بعض الأحيان كما كانت بشكلها الإنتاجي السابق.
لذا فإنّ البحث عن الطعام في عصر الصيد والعصور الأخرى، التي أصبح بها تقليداً وعادةً قد أعطى للبشر وثقافتهم فنوناً متشعبة وطرقاً وتجارب مهمة في توفير طعام الصيد.
وبما أنه لا بد لإحراز أيّ أسلوب معيشي من توافر عوامل أساسية، كالمواد الأولية (الحيوانات المصيدة) فإن العمل بالصيد قد عُد ـ منذ الأزمنة القديمة ـ صناعة، فقد قال أبو عبد الله البازيار الفاطمي نقلاً عن أرسطو: «أول الصناعات الضرورية الصيد، ثم البناء، ثم الفلاحة…».
وفضلاً عن علاقة المسلمين ورغبتهم في الصيد والتصيد وطرقهما المختلفة، فإن الصيد في نظرهم ضرب من ضروب الرياضة واللعب والترويح عن النفس، وطريقة من طرق اكتساب المعاش.
ومن جراء تدقيقهم لأحوال الحيوانات وأنواعها حصلوا على معلومات هامة في علم الحيوان والبيطرة والصيدلة، التي نستطيع ملاحظة نماذجها في (البازنامات) أو كتب الصيد والجوارح، ولذلك فإن تأليفات متعددة عن حياة الحيوانات ـ سواء كانت بصورة مستقلة أو بصورة فصول وأبواب ضمن كتب الطبيعيات والموسوعات العامة ـ قد شاعت بين المسلمين، ويتطلب عدها تنظيم قائمة مسهبة بذلك.
وفضلاً عن كتب الحيوان والكتب العامة، فإن كتباً خاصة كثيرة قد ألفت في اللغة العربية مثل كتب الخيل، وفي الفارسي مثل «آسب نامه» أو «فرس نامه» وغيرها.
هذا، وأن بعض الكتب التاريخية والمؤلفات الأدبية قد حوت فصولاً في معرفة حيوانات الصيد وفنونه.
وبوجه عام فإن كتب الصيد العربية والفارسية التي ألفت طوال العصور الإسلامية لم تخل من نوعين:
1 ـ الكتابات الرسمية الفنية.
2 ـ الكتابات الشرعية الفقهية.
فالأولى: تبحث في الصيد والقنص وآدابهما فنياً ـ كتقليد أو صنعة ـ وتتعرض إلى الجوارح وأمراضها وعلاجها، وتسمى كتباً لصيد البيزرية هذه غالباً باسم كتب «الصيد والجوارح».
والأخرى: تبحث في الصيد والمصيدات شرعياً ـ كطعام أو ذبيحة ـ وترجع ذلك إلى الأصول الفقهية والأحكام الشرعية، وتسمى هذه الكتب الصيدية الفقهية غالباً باسم كتب «الصيد والذبائح» أو «الصيديات والذبيحات» بغض النظر عن اختلاط بعضها ببعض في قليل جداً من هذين النوعين.
ونحن في هذا البحث نقدم فهرساً للكتب العربية والفارسية من النوع الثاني، أي كتب الصيد والذبائح الفقهية، التي هي من تصانيف الشيعة فقط.
ومما هو جدير بالذكر هنا الإشارة إلى المصادر العامة وأقدمها:
* كتاب «منافع الحيوان» لابن بختيشوع الأهوازي (القرن 2 ـ 3 للهجرة).
* كتاب «الحيوان» الذي ألّفه الجاحظ البصري في منتصف القرن الثالث الهجري، الذي قام على البحث والدرس والتجارب ومناقشة الأمم القديمة في هذا المضمار، وإن حوى في الغالب منازعة الكلاب والديوك ـ بلا جدوى ـ .
وهناك إشارات مفيدة جداً في هذا المجال وردت في تاريخ السمعودي البغدادي، المعروف بـ «مروج الذهب» فمنها:
* وصف نوع من البزاة في بحر جرجان.
* من أخبار هارون الرشيد في الصيد بالبازي.
* وصف الحكماء والملوك للبزاة.
* أول من لعب بالصقور أبو كندة الحارث بن معاوية بن ثور الكندي وقد اتخذها العرب وسيلة للصيد بعده.
* قسطنطين والشواهين.
* اللعب بالبزاة عند اليونانيين.
ولقد قيل: إنّ أبا الفرج الأصفهاني صاحب «الأغاني» (284 ـ 356هـ) كانت له يد في علوم البيزرة والبيطرة أيضاً.
واشتهر أمراء الفرس من حكام الولايات بشغفهم بالبيزرة، حتى أن بعضهم قد ألّف فيه الكتب والرسائل، ولعل من أشهر هؤلاء أمير جرجان كيكاوس بن اسكندر الزياري الذي صنّف لولده كتاب «قابوس نامه» (سنة 475هـ) خص الباب الثامن عشر منه للبيزرة.
ومن الكتب التاريخية والأدبية الفارسية التي يمكن ذكرها:
* «نور وزنامه» المنسوب إلى الحكيم عمر الخيام النيسابوري (القرن 5 ـ 6 الهجري).
* «راحة الصدور» للراوندي، الذي ضم فصلاً في الاصطياد وآداب الصيد، وفتاوى في الحلال والحرام منه.
* «آداب الحرب والشجاعة» لفخر الدين مبارك شاه (القرن 6 الهجري)، أبوابه الثامنة والتاسعة والعاشرة، وقد حوت فصولاً في معرفة حيوانات الصيد وفنونه، أو ما حصل عليه من الترجمات الفارسية لكتب الحيوان العربية التي ألّفها علماء الإسلام.
وبعد أن ألّف كمال الدين محمد الدميري (م 708هـ) كتابه المُسمى «حياة الحيوان الكبرى» سنة 773، والذي حذا فيه حذو الجاحظ في كتابه «الحيوان» إلى حد ما، قام بعض العلماء مثل الدماميني (828)، والفاسي (832)، والسيوطي (911)، والقاضي الشيبي (837) بتذييله وتلخيصه.
والترجمة الفارسية الأولى للكتاب تمت على يد الحكيم شاه محمد القزويني باسم السلطان سليم خان الأول العثماني، والثانية على يد منصور بن الحسن الملقب بـ «غياث» بن علاء الدين الدبيني الأيجي الشبانكاري تحت عنوان «صفات الحيوان» حوالي سنة 930، والثالثة تمت على يد الميرزا محمد تقي التبريزي في عهد حكم الشاه عباس الثاني الصفوي، والتي سماها «خواص الحيوان»([292])، والرابعة «ترجمة حياة الحيوان» لعلي بن محمد هارون الهروي وتحقيقه لها في سنة 1249هـ.
نقولُ ـ إذاً ـ إنّه لم يتحدث عن الصيد وآدابه وحيواناته والمصيدات في رسائل خاصة مفردة، أو في كتب علم الحيوان العامة والموسوعات ـ كما مرَّ باختصار ـ فحسب، بل إن كتباً في الصيد والذبائح ألفت منذ بدأ التأليف في الفقه الإسلامي، نظراً لأحكامها الشرعية وتلازمها مع الأمور الدينية. ومن مطالعاتنا للمجموعات الفقهية الموسعة ـ العربية منها والفارسية ـ والكتب الموثقة للمذاهب الإسلامية، نعثر على كتب الصيد والذبائح.
وقد ذكر ابن النديم في الفهرست كتب من تقدمه من الفقهاء المشهورين، ونأتي بها بحسب ترتيب السنين كما يلي:
* كتاب «الصيد والذبائح» لأبي يوسف يعقوب بن الحسن (المتوفي سنة 189هـ).
* كتاب «الصيد» لأبي عبد الله الشافعي (المتوفى سنة 204هـ) وله كتاب «الصيد والذبائح» أيضاً.
* كتاب «الصيد والذبائح» لأبي نصر محمد بن مسعود العياشي، الفقيه الشيعي.
* كتاب «الصيد» لأبي سليمان داود الأصفهاني (المتوفى سنة 270هـ).
وأمثال هذه الرسائل كثيرة جداً. ولفهرسة ما في الفارسية منها ـ على غرار الرسائل العربية ـ تحتاج إلى فهرسة جميع الكتب الفقهية.
غير أننا نذكر هنا كل ما عثرنا عليه من مفردات الكتب والرسائل لعلماء مذهبنا ـ الشيعة فقط ـ ونوردها على الترتيب الزمني كما يأتي:
1 ـ كتاب الصيد، لأبي محمد الوشاء (م 208هـ) جعفر بن بشير البجلي الزاهد الشيعي الملقب بفقحة العلم، المعاصر للمأمون العباسي والمتوفى بالأبواء سنة ثمان ومائتين([293]).
2 ـ كتاب الصيد والذبائح، لأبي جعفر محمد بن الحسن بن سنان الزاهدي الشيعي (المتوفى 220هـ) من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام.
3 ـ كتاب الصيد والذبائح، للحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي الكوفي الشيعي، من موالي علي بن الحسين، من أصحاب الرضا عليه السلام الذي صحب مع أخيه الحسن ابن سعيد أبا جعفر بن الرضا عليه السلام أيضاً.
4 ـ كتاب الصيد والذبائح، لأبي الحسن علي بن مهزيار الأهوازي الدورقي الشيعي (226هـ فما بعد) وكيل الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام.
5 ـ كتاب الصيد والذبائح، لأبي جعفر محمد بن أورمه القمي.
6 ـ كتاب الصيد والذبائح، لمحمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي الشيعي (المتوفى 290هـ).
7 ـ كتاب الصيد والذبائح، لأبي النضر محمد بن مسعود العياشي السمرقندي الشيعي الإمامي (عاش في النصف الثاني للقرن الثالث الهجري فما بعد).
8 ـ كتاب الصيد والذبائح، لأبي الفضل محمد بن أحمد بن إبراهيم الجعفي الصابوني المصري (350هـ فما بعد).
9 ـ أحكام الصيود والذبائح، للمولى أبي الحسن (بن أحمد الكاشي) الفقيه، رسالة مختصرة بالفارسية، ألفها باسم السلطان صدر، من حكام دولة السلطان شاه طهماسب الأول الصفوي (930 ـ 984هـ).
10 ـ كتاب الصيد والذبائح، للسيد حسين بن روح الله الحسيني الطبسي الدكني (النصف الثاني من القرن العاشر الهجري)، كتبه باسم السلطان إبراهيم قطب شاه بن سلطان قلي قطب الملك الدكني؛ (957 ـ 989هـ)، وقد ذكر فيه بعد أن وصف كل حيوان حكمه على المذاهب الخمسة وذكر خواصه، وكتبه في أحكام الصيد والذبائح على طريقة مذهب الشيعة، مشيراً إلى رأي أهل السنة في ذلك.
11 ـ رسالة في الصيد، آدابه ومحسناته، ألّفها المولى محمد سليم الرازي شيخ الإسلام بطهران (بين سنوات 1061 ـ 1069هـ)، باسم الأمير صدر السلطنة بمشهد خراسان.
12 ـ رسالة في الصيد والذبائح، لمحمد بن الحسن الشيرواني (المتوفى 1098هـ).
13 ـ كتاب الصيد والذبائح، للميرزا محمد بن محمد رضا بن إسماعيل القمي المشهدي المحدث المفسر صاحب (كنز الدقائق)، الذي قرظ عليه في سنة 1102هـ.
14 ـ كتاب الصيد والذبائح، وأحكامها، مبسوط، للشيخ علي بن الحسين الكربلائي، ألّفه باسم الشاه سلطان حسين الصفوي (1105 ـ 1135هـ).
15 ـ كتاب الصيد والذبائح، (أو) الرسالة الصيدية، للشيخ محمد علي بن أبي طالب الزاهدي الأصفهاني، المتخلص بحزين اللاهيجي، والمعروف بالجيلاني (1103 ـ 1181هـ)، فارسي، في أحكام الصيد والذباحة، وخواص الحيوانات وأنواعها، وأحكامها الشرعية من حلالها وحرامها، وهو غير مصنفيه «التذكرة في علم البزدرة» و«خواص الحيوان».
16 ـ كتاب الصيد والذبائح، للشيخ محمد علي بن الشيخ عباس البلاغي النجفي الفقيه الأصولي المتوفى سنة 1234هـ)، استدلالي كبير، موجود في خزانة الشيخ علي آل كاشف الغطاء في النجف.
17 ـ رسالة في الصيد والذبائح، للمولى محمد تقي بن علي محمد النوري (المتوفى سنة 1263هـ).
18 ـ كتاب الصيد والذبائح، للمولى علي القاربوز آبادي القزويني الزنجاني (المتوفى 8 محرم من سنة 1290هـ) بزنجان، كتاب استدلالي فارسي مبسوط، وقد طبع بطهران في 1288هـ.
19 ـ رسالة في الصيد، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني (المتوفى 1302هـ) ذكر في «قصص العلماء»: إنها بلسان العرفان في مائتي بيت.
20 ـ أحكام الطعام من الطيور والأنعام، (أو) رسالة في الصيد والذبائح، للسيد إعجاز حسين الأمروهي، صهر المفتي مير عباس التستري وتلميذه (المتوفى سنة 1306هـ).
21 ـ رسالة صيدية، مجهولة المؤلف، ضبطت برقم 1244 في الذريعة 11: 207، وعلى ظني أنها يمكن أن تكون هي كتاب الصيد والذبائح «رقم 10» للسيد حسين الطبسي، (النصف الثاني من القرن العاشر الهجري) سابق الذكر.
22 ـ كتاب أحكام الصيد الذي ذكره العاملي في أمل الآمل 2: 99، لأبي عبد الله الحسين بن علي البزوفري (350 ـ 410هـ) فإنه ضبط في رياض العلماء 2: 152 والذريعة 1: 299 بعنوان «كتاب العبيد» وهو الأخير على الظاهر، والله أعلم.
الدكتور برويز أذكائي
صيدا
ـ 1 ـ
هي صيدون القديمة: مدينة ساحلية جميلة على البحر المتوسط تبعد عن بيروت 45 كم كانت من أهم المدن الفينيقية ولعبت دوراً كبيراً مع أوغاريت وصور وأسست أمبراطورية تجارية على سواحل المتوسط بين القرنين الخامس عشر والثالث عشر قبل الميلاد. وقد فتحها الآشوريون نحو سنة 840 ق.م. ودمرها أسرحدون 680 ـ 670ق.م. وصارت من بعدهم تحت نفوذ البابليين ثم الفرس فاستعادت شيئاً من مجدها الغابر في استقلال إداري داخلي إلى أن أحرقت نفسها أمام أرتحششتا الثالث. واستسلمت للإسكندر سنة 333ق.م. وحكمها السلوقيون والرومان والبيزنطيون.
ودخلها العرب الفاتحون سنة 13 للهجرة (638).
وتعرضت أول مرة لهجوم الصليبيين سنة 502هـ إذ قصدها بلدوين ملك القدس فحاصرها براً وبحراً ووصل في أثناء ذلك الأسطول الفاطمي لحمايتها فاشتبك بأسطول الفرنج واستطاع التغلب عليه مما أدى إلى رحيل الفرنج عن صيدا. وبعد سنتين أي سنة 504 (1111) فاجأها بلدوين فحاصرها من البر والبحر وكان الأسطول الفاطمي يدافع عن صور المحاصرة هي أيضاً فلم يستطع إنجاد صيدا.
وكانت طرابلس وبيروت قد سقطتا بعد حصار طويل فأعمل الفرنج في أهلهما السيف فخشيت صيدا بعد أن رأت عجزها عن الدفاع أن يحل بها ما حل بطرابلس وبيروت فأرسلت وفداً يفاوض على التسليم بشروط فوافق الفرنج.
ويقول المؤرخون: «فأمنوهم على أنفسهم وأموالهم والعسكر الذي عندهم ومن أراد المقام أمنوه أو المسير لم يمنعوه فخرج جماعة إلى دمشق» ورحل عنها بلدوين عائداً إلى القدس، ثم عاد إليها فقرر عليها عشرين ألف دينار فأفقرها.
في السنة 583هـ (1291م) استرد المسلمون مدينة صيدا بعد معركة حطين وسقوط القدس ودمروا تحصيناتها. وفي السنة 690هـ (1291م) خربها المماليك بعد استردادهم لمدينة صور وتخريبها.
مرفأ صيدا (للفنان دافيد روبرتس 1839)
وقد أعاد بناء صيدا فخر الدين المعني الثاني فأصبحت مركزاً تجارياً مزدهراً بفضل التجار الفرنج إلى أن طردهم الجزار سنة 1791م. وفي سنة 1660م كانت قاعدة ولاية عثمانية.
وهي اليوم قاعدة من محافظة.
صيدا
ـ 2 ـ
اسمها، باللاتينية واليونانية، «صيدون». وفي العبرانية «صيدو». والاسم مشتق من كون السمك في شواطئها كثير، أو أن أهلها الأقدمون صيادو سمك.
وذكرت صيدا في الكتاب المقدس مرات كثيرة، كما ذكرها المؤرخ اليهودي يوسيفوس: في تاريخه: «انتشار الناس على وجه الأرض» إن من أبناء كنعان «صيدونيوس» الذي بنى مدينة أسماها باسمه «قدميات: 37 و6 ع 2» كما وأن العهد القديم من الكتاب المقدس يذكر أنه عندما جاء الإسرائيليون إلى الأرض المقدسة، كانت مدينة صيدون مشهورة لأن يشوع بن نون دعاها بـ «صيدون العظيمة». مما يرجح أن تاريخ بناء هذه المدينة لا بد أن يكون قد تم قبل تاريخ مجيء يشوع بزمان بعيد حتى تستحق في عصره أن يتحدث عن عظمتها وقوتها.
ويقول جاك نانتي، المؤرخ الفرنسي، في كتابه «تاريخ لبنان»:
إن أول مدينة أسسها الفينيقيون هي مدينة صيدا حوالي سنة 2800ق.م. ثم بنيت مدينة جبيل فأرواد فطرابلس.
وقد بنى الصيدونيون مدناً أخرى على طوال الساحل ولكن أشهرها كانت مدينة صور وقد بنيت حوالي سنة 2750ق.م.
ويذكر جاك نانتي أن مؤسس مدينة صيدا هو ابن كنعان البكر صيدون الذي أخذت اسمها منه.
ويقول الشيخ أحمد عارف الزين في مؤلفه «تاريخ صيدا»: إن صيدا من أقدم مدن العالم واسمها مأخوذ من بكر كنعان حفيد نوح وكان ذلك سنة 2218ق.م. أو قبل ذلك، وكانت في أيام يشوع بن نون أم المدن الفينيقية، وحدا لتخم سبط أشير إلا أن الإسرائيليين لم يمتلكوها.
أما القديس أغسطينوس فيؤكد قائلاً: «إن أقدم وأشهر الممالك الكنعانية هي مملكة صيدون التي وضع أساساتها بكر كنعان «صيدونيوس» ودعيت مدينة الصيادين إشارة إلى سلطانه الأبوي وشجاعته، وإن هذا الاسم لا يدل على القوة والحذاقة في صيد الحيوان فحسب بل على الشجاعة والمهارة في التسلط على الناس واسترقاقهم، وهكذا فقد رفع هذا البطل (أي صيدون) مقام عشيرته بشهامته وحسن سياسته في صدر الأجيال الأولى، فجاء شعباً مقداماً سعى وراء المنافع، ونال قصبات السبق في التسلط على البحار، وضارع بذلك نمرود الكوشي. ولقب شعب صيدون وكل الشعب الكنعاني بالصيدوني، إلا أن هذه المملكة لم تكن متسعة الحدود لأن العشائر المتسلسلة منها قد أخذت استقلالاً منفرداً عنها، ولكنهم كانوا جميعاً مشتركين في اللغة والدين والعادات يضافرون بعضهم بعضاً إبان الشدة ويدعون الخارجين عنهم أميين، كراهة وتحقيراً كما ذكر هيرودوتس».
ويقول المؤرخ موسكاتي ص 98: «إن فلسطين وسورية الجنوبية والغربية كانت مأهولة بشعوب سامية منذ أوائل الألف الثالث قبل المسيح وفي ذات العصر الذي جاء فيه الساميون إلى جهات ما بين النهرين حيث أسسوا بعد فترة من استيطانهم أمبراطوريات كبيرة، كما يذكر التاريخ إخواناً لهم من نفس الجنس والعنصر جاؤوا إلى جهات البحر الأبيض المتوسط وسكنوا الشواطئ، ولقد أطلقت على منطقة ـ سورية الجنوبية والغربية المتوسطية ـ اسم أرض كنعان وشعوبها اسم الشعب الكنعاني.
«وهكذا نرى أن الفينيقيين أنفسهم هم جزء من الشعب الكنعاني السامي ويؤكد ذلك الفينيقيون أنفسهم الذين درجوا على العادات الكنعانية فأسماؤهم كنعانية وكذلك أسماء مستعمراتهم مثل قرطاجة ـ القرية الحديثة ـ كانت تعني ذلك، وظلوا محتفظين بتلك التسمية والانتماء إلى الكنعانيين حتى أيام القديس أوغسطينوس اهـ».
حكومة صيدون
لمدينة صيدون حكومة تدير شؤونها، وهي مستقلة عن غيرها من المدن الفينيقية. وهذه الحكومة من جماعة الأعيان الذين كانوا يعضدون السياسة الأرستقراطية ـ أي المنسوبة إلى فئتهم وحزبهم فيسيرون أمور مدينتهم الإدارية وفق مصالحهم المادية ـ وهي قريبة في تشكيلها من مجالس الإدارة في العهد العثماني، أو مجالس المحافظات في عهد الانتداب ـ يجتمعون في دار الندوة كلما دعت الحاجة إلى ذلك برئاسة زعيم المدينة الذي يسمونه ملكاً.
ونمت صيدون نمواً هائلاً وتزايدت مواردها فأضحت كعبة للتجارة والمغامرين وتضاعف عدد سكانها لدرجة أن بعض المؤرخين بالغ في القول:
إن سكان مملكة صيدون بلغ في ما بعد القرن العشرين قبل الميلاد مليوني نسمة ونيف وذلك خلال فترة عمرانها وزهوها واستفحال سيطرتها التجارية.
وكانت حدود مملكة صيدون تمتد بعيد تأسيسها من الدامور شمالاً وحتى جبل الكرمل جنوباً وإلى منحدرات الجبال شرقاً.
أما مدينة صيدون القديمة فقد كانت منقسمة إلى محلتين: صيدون الكبرى وهي الرابضة على شاطئ البحر، وصيدون الصغرى وهي الواقعة على مسافة منها، قريبة من الجبل.
التجارة والحضارة
تاريخ صيدون القديم يقتصر على معرفة تاريخ تجارتها وصناعتها وملاحتها والمستعمرات التي أنشأتها والهجائية التي انبعثت منها فكانت نوراً للمعرفة في العالم.
وبفضل ما كان يتاجر به سكان صيدون مع البلاد العريقة في قدمها وما كانوا يستوردونه من تلك الأصقاع البعيدة المختلفة لحسابهم ثم يعيدون تصديره إلى مناطق مفتقرة إليها، بات ميناء صيدون يعج بالمراكب التي كانت تحمل إليه الواردات التالية:
من بلاد العرب: البخور والمر والعقيق.
ومن الهند: الحجارة الكريمة، الماس، البهارات وجميع أنواع التوابل، العاج والأخشاب الثمينة.
ومن مصر: الخيل والكتان والأصواف.
ومن تونس والجزائر: الأبنوس، العاج، ريش النعام.
ومن إسبانيا: القمح، الفضة، الزئبق.
ومن إنكلترا والدنمارك: القصدير، الكوربا والعنبر.
ومن جزر الأرخبيل: النحاس، الرخام الأبيض والأصواف.
ومن بلاد ما بين النهرين: الأقمشة الثمينة، الطنافس والسجاد وأنواع الطيوب والحبوب.
ومن القوقاز: المعادن بمختلف أنواعها والعبيد.
أما صناعات صيدون فكانت التالية:
1 ـ الصباغ الأرجواني.
2 ـ الزجاج.
3 ـ إنشاء السفن.
4 ـ صناعة التعدين.
وصناعة البرفير أو الأرجوان المنسوب إلى صور، ليس هنالك من دليل على أنها سبقت صيدا إلى اكتشافه اللهم إلا تلك الرواية المتداولة عن أن كلب ابنة ملك صور تلوث فمه بلون أحمر بنفسجي يوم كانت تتنزه على شاطئ البحر وعندما بحثت عن سبب تلوثه بهذا اللون الجميل اكتشفت ومن معها أنه ناتج عن صدف الموركس الموجود بكثرة على الشواطئ.
ولكن الموجود جبل كامل في صيدا ـ عند أباروح ـ من هذه الأصداف والتي يعود تاريخها إلى أوائل الألف الثاني قبل المسيح يظهر بوضوح إلى ذلك إلى أن آثارات مصانع الأرجوان حول مدينة صور تعودان إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد فقط. وهكذا تكون صيدون هي مكتشفة الصباغ الأرجواني.
لقد اكتشف مادة صباغ الأرجوان في حيوانات بحرية ذات أصداف تسمى بالموركس وكان لونها أحمر بنفسجياً وعمد الصيدونيون والصوريون إلى استعماله في صباغة الحرير والقطن والصوف الناعم. ثم تفنن الصوريون بعدئذ في استعماله فكان لهم قصب التفوق في صناعته.
وعمل الصيدونيون في نسج الصوف والكتان وصبغهما بعدئذ.
وهم أول من اصطنع الزجاج ولا سيما الشفاف منه وأنشأوا لصناعته المعامل المهمة. وكانت مصانعهم في صيدون والصرفند أشهر معامل من نوعها في العالم المعروف وقتئذ. وفي متاحف أوروبا الآن الكثير من مصنوعات صيدون الزجاجية الملونة الجميلة.
وبرع الصيدونيون كذلك في صنع الأواني الخزفية فكانت من أخص أصناف تجارتهم، وهم أول من نقل هذه الصناعة إلى بلاد اليونان، كما تفوقوا في صناعة الحفر والنقش وصب الذهب والفضة ومختلف المصنوعات المعدنية وامتازوا بالمصنوعات النحاسية التي تناهت في الزخرف ودقة الصنعة وبرعوا في صنع الأسلحة وحلي العاج واشتهروا أيضاً في زراعة الكرمة واستخراج الخمر منها. وكان للخمر الصيدوني شهرة كبيرة ولا سيما في بلاد اليونان، وضعوا آلات الحراثة ومهروا في هندسة البناء وهم أول من عنوا بتبليط الشوارع. وأحرزوا في صناعة السفن نصيباً وافراً من المجد والشهرة وكانوا أسبق الأمم إلى ركوب البحر والتوغل فيه.
صيدا
ـ 3 ـ
على مسافة 40 كلم جنوب بيروت، تقع مدينة صيدا إحدى أهم المدن وأكثرها شهرة في العصور القديمة، وأن هذا التاريخ القديم ما زال يكتنفه الغموض بسبب قلة أعمال التنقيب الأثرية التي تناولتها من جهة، وبسبب الهدر الذي تعرض له تراثها من جهة أخرى.
على أثر الفتح الإسلامي دخلت صيدا كنف الدولة الإسلامية عام 636م وسيطر عليها الفرنجة عام 1110م لتظل في أيديهم حتى عام 1187م. واعتبرت المدينة بمثابة ميناء مهم لدمشق، لذلك كان هذا المركز الاستراتيجي سبباً لنزاع دائم بين الممالك للسيطرة عليه، فأعاد الفرنجة عام 1197م السيطرة على المدينة وبقيت بحوزتهم حتى عام 1291م عندما حوصرت من قبل المماليك فدخلوها ودمروا دفاعاتها.
وفي أيام المماليك، ومن بعدهم في أيام العثمانيين في مطلع القرن السادس عشر استعادت صيدا مكانتها وأهميتها، ولا سيما في القرن السابع عشر في ظل حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني (1572 ـ 1635م) الذي جعلها عاصمة له عام 1594م فرمم أسوارها وأقام فيها قصراً وحمامات وخانات وشجع فيها النشاط الاقتصادي.
أينما توجهت في صيدا، تقع عيناك على آثار إسلامية متمثلة بمساجد أو مقامات، ويأتي في مقدمتها الجامع العمري الكبير الذي يقع غرب المدينة على شاطئ البحر وهو بمنظره العام يشبه القلاع الحصينة، كان أساساً قاعة اجتماعات لفرسان القديس يوحنا المعمدان حوالي العام 1260م وظلت كذلك حتى عام 1291م وذلك عندما حولها المماليك إلى جامع عرف باسم الجامع العمري الكبير.
المسجد عبارة عن بناء مستطيل الشكل مدعم خارجياً بدعائم حجرية لاصقة في الجدار الجنوبي وله مدخلان: شمالي وهو الأساس ويفضي مباشرة إلى الصحن الذي تحيط به القناطر من جميع الجهات وهو أشبه ما يكون بساحة الجامع الأموي في دمشق لكن على صورة مصغرة، والمدخل الشرقي مستحدث يمتد على طول الحديقة التي كانت قائمة.
قاعة الصلاة الحالية تشمل الجدران الأربعة للبناء القديم ويلاحظ أن الحائط الجنوبي يخترقه محرابان للصلاة، محراب كبير مزيّن بالرخام الملون وتعلوه لوحة تحمل كتابة قرآنية، والمحراب الثاني يقع إلى يسار الأول أصغر منه قياساً وقد تتقدم قاعة الصلاة مباشرة فسحة تغطيها قبة تعلوها مئذنة ذات قطاع مستدير، ومن خلال النصوص التاريخية وخصوصاً وصف النابلسي نستنتج أنه كان في هذا المسجد بركة ماء لم يعد لها أثر اليوم، وما تجدر ملاحظته إن هذا المبنى تعرض للقصف والتدمير أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وأخيراً أعيد ترميم وبناء ما تهدم.
وإذا تابعنا التجول في المدينة نشاهد أكثر من جامع أهمها:
ـ جامع باب السراي «جامع المحتسب»:
يقع المسجد إلى الشرق من ساحة باب السراي، داخل صيدا القديمة. عرف هذا المسجد باسم جامع باب السراي لأنه يقع على بعد أمتار عدة من سراي آل معن، داخل صيدا القديمة حيث كانت تقوم منازلهم، كان هذا الجامع يعرف باسم «جامع المحتسب» ومؤسس هذا الجامع هو عمدة الطالبيين في صيدا. وجاء في لوحة على مدخل المسجد الشمالي: «بسم الله الرحمن الرحيم أنشأ هذا الجامع المبارك العلاّمة الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام عمدة الطالبيين مولانا شيخ أبو اليمن ابن العبد الفقير إلى الله تعالى ابن العلامة مولانا شيخ الإسلام أبي إسحاق إبراهيم بن …. الدين أواخر رمضان 598هـ». ويعتبر هذا البناء أقدم مساجد صيدا.
ـ جامع البحر:
يقع المسجد إلى الشمال من مدينة صيدا ويشرف مباشرة على ميناء المدينة، وقد أقيم الجامع الأصلي عام 775هـ/ 1373م وشيده حسن بن سواح كما يظهر على اللوحة المنقوشة فوق المدخل الرئيسي للمسجد، ونقش عليها : «بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، أنشأ هذا المسجد حسين بن سواح، في شهر رمضان المبارك سنة سبعماية وخمسة وسبعين هجرية».
غلب اسم جامع البحر على هذا المسجد، ربما لوقوعه قرب ميناء صيدا، وكان للمسجد باب رئيس واحد، هو الباب الشرقي الذي يفضي إلى الميناء، أما القسم الغربي من المسجد فكان مدرسة لتعليم القرآن الكريم، وجدد المسجد خلال فترة حكم فخر الدين في صيدا، ورمم الجامع أيضاً منذ فترة وجيزة.
ـ جامع الكيخيا:
يقع المسجد إلى الشمال من مسجد قطيش قرب مقهى القزاز وحمام الشيخ داخل صيدا القديمة. شيد هذا المسجد مصطفى الكتخدا عام 1033هـ أي بعد نحو ربع قرن من بناء جامع قطيش. عرف هذا الجامع الكتخدا بكسر الكاف، لكن صعوبة لفظ الكتخدا وكثرة تداول الاسم حرفت الكلمة إلى الكيخيا، وأصبح الجامع يعرف باسم جامع الكيخيا، ولا يوجد داخل المسجد نقش يدل على زمن بناء أو زمن الانتهاء من بناء المسجد، وهو أصغر من الجامع العمري، ومنبره من رخام وفيه بركة ماء معينة، واشتهر هذا المسجد بساعته الشمسية التي كانت تزين مدخله.
ـ جامع القطيشية (قطيش):
يقع المسجد داخل صيدا القديمة إلى الشمال من ساحة المصلبية، وإلى الجنوب من جامع الكيخيا. بني هذا المسجد على نفقة علي بن محمد بن قطيش عام 1001هـ/ 1592م وقد دفن بالمسجد بعد وفاته.
وجدد المسجد أحفاده عام 1228هـ/ 1871م. وأشار الرحالة النابلسي إلى المسجد عند زيارته إلى صيدا عام 1117هـ/ 1700م بقوله: «وهو جامع جديد منوّر وفيه بركة ماء وفسقية صغيرة من الرخام يجري إليها ماء عذب» وهو أصغر من جامع الكيخيا، وكان المسجد في الأصل يتكوّن من رواق مطل على ساحة تتوسطها بركة وضوء، ويتبع الرواق بيت الصلاة به مئذنة ومنبر من الرخام، وتشغل المئذنة الركن الشمالي الشرقي ويتكون من بدن مستدير يرتكز على كرسي المئذنة المربع، وللمئذنة شرفة مستديرة تنتهي من أعلى بمخروط شاع في العصر العثماني، ويبلغ ارتفاع المئذنة الكلي 14,35 متر.
إلى جانب المساجد القديمة الموجودة بكثرة في مدينة صيدا، هناك عدد من المقامات المرتبطة بأحداث تاريخية وأسطورية وهي:
ـ مقام النبي صيدون:
يقال إن المقام كان هيكلاً للإله الفينيقي صيدون. ويقال إن المقام يعود إلى أحد أبناء يعقوب عليه السلام ويدعى صيدون، واليهود يدعون أنه لأحد أنبيائهم ويدعى زبلون.
لا يوجد داخل المقام تاريخ يدل على الزمن الذي شيّد فيه وإنما كان توجد فوق الضريح ستائر عليها آيات قرآنية وكلمات عبرية، «وكانت اليهود تزور المقام في عيد الفطير وكانت تقضي نهاراً كاملاً أمام المقام، كما أن المسلمين يزورون المقام أيضاً».
كان المقام يحوي حاكورة بعل مشجرة بأغراس مختلفة تبلغ مساحتها 1792متراً مربعا وضمنها مقام للنبي صيدون مؤلف من غرفة وإيوان مسقوف. وبجانب هذا المقام غرفتان للسكن، إحداهما حديثة البناء، وتوجد ضمن الحاكورة بركة ماء وبئر ماء نبع.
تعرض المقام للتصدع بعد القصف الإسرائيلي الذي تعرضت له صيدا عام 1982، وأزيلت الستائر عن المقام نتيجة هذا التصدع فتبين للمشاهد وجود محراب إلى جهة القبلة، ويمكن القول إن المقام عبارة عن مصلى تؤدى فيه الصلوات، وبئر الماء الذي في الخارج للوضوء. ويوجد إلى جهة المحراب شاهدان لقبر تبلغ المسافة بينهما 240 سنتيمتراً، كما أن الشاهد الذي يدل على موضع الرأس هو إلى جهة الغرب، مما يوحي أن القبر أقيم وفق الشريعة الإسلامية لأن رأس المدفون كان إلى جهة القبلة.
ـ مقام أبي روح الكلاعي:
يقع المقام جنوب غربي المدينة قرب المسلخ.
ـ مقام النبي يحيى: يقع في منطقة حارة صيدا.
ـ مقام شرحبيل بن حسنة: القائد الإسلامي الشهير الذي توفي في صيدا ودفن في المنطقة المعروفة حالياً باسمه.
ـ مقام أبو نخلة: الذي يعود نسبة إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
بالنسبة إلى المرافق العامة فإن هذه المدينة كانت غنية بالحمامات والخانات، مثل باقي المدن الإسلامية ولكن لم يبق منها إلا القليل وهي:
ـ حمام الأمير: وهو مطل على البحر بُني أيام الأمير فخر الدين الثاني، وأُغلق قبل زمن طويل، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي قامت الجرافات بتدميره وجرفه.
ـ حمام السوق: ويقع داخل أسواق صيدا القديمة ويتكون من فناء واسع تحيط به غرف للاستحمام ويغلب على بنائه الطابع العثماني.
ـ حمام الورد: ويقع قرب المدخل الرئيسي للجامع العمري الكبير ويعود بناؤه إلى الفترة العثمانية وتحديداً عام 1728م ويمزج بين ملامح العمارة العثمانية والفن الإيطالي وبسبب الإهمال فإن الخراب غطى على الكثير من جماليته وأغلق عام 1981م.
ـ حمام الشيخ: يقع داخل صيدا القديمة مقابل جامع الكيخيا ويمتاز برحابة غرفه ومغاطسه الجميلة، حالياً مقفل ومتوقف عن العمل.
ومما لا شك فيه فإن أشهر مرفق إسلامي في مدينة صيدا الآن هو خان الفرنج، الذي بناه الأمير فخر الدين مع خانات أخرى لاستقبال التجار والبضائع، وهو بناء مربع، جدرانه من الحجر. يتوسطه صحن مربع الشكل وفي وسطه حوض تحيط به الأشجار ويدور حول الصحن أربع عمارات كل منها يتألف من سبعة عقود متكسرة تطل على غرف داخلية.
كان هذا الخان مركز النشاط التجاري في صيدا حتى القرن التاسع عشر، ثم تحول إلى مقر لقنصل فرنسا في المدينة ومن بعد مقر للآباء الفرنسيسكان، فإلى ميتم للبنات تديره جمعية راهبات «مار يوسف الظهور»، أما اليوم فأضحى بعد ترميمه مقراً للمركز الثقافي الفرنسي.
ويتألف الخان من ثلاثة أجزاء:
البيت القنصلي: وله مدخلان ويتألف من طابقبن، الطابق الأول يحتوي على ممر مسقوف مقبب يؤدي إلى الطابق الإرضي، وفي البيت القنصلي غرف متنوعة كانت مخصصة لممثل الملك الفرنسي في ذلك الوقت.
الخان الكبير: وهو بناء أرضي مستطيل الشكل وهنا كانت تقام معارض التجار لبيع سلعهم.
الطابق العلوي: وهو تابع للخان الكبير ومخصص للمخازن وفيه غرف نوم التجار.
ومن الأبنية الإسلامية الشهيرة في صيدا: البرج الإسلامي في القلعة البحرية، ويثبت ذلك الكتابة التي تعلو نافذة البرج المشرفة على ساحة القلعة وجاء فيها «بسم الله الرحمن …. أنشأ هذا الحصن السعيد …. على نية الغزاة في سبيل الله تعالى سنة اثنين وخمسون وسبعماية» (752/ 1352).
وهناك أيضاً قلعة المعزّ أو القلعة البرية وتبدو ملامحها الإسلامية في البناء المستطيل في أعلى القلعة وفي الأبراج الدائرية التي لا تزال واضحة للمشاهدين، وهي اليوم عبارة عن تلة خربة مهملة.
رياض علاء الدين
صيدا
ـ 4 ـ
انحصرت حدود مدينة صيدا، حتى منتصف القرن التاسع عشر، شمالاً بنهر الأولي، وشرقاً بسفوح المرتفعات الجبلية المشرف على المدينة، وغرباً بالبحر، وجنوباً نهر البرغوث، الذي تتجمع مياهه من الأمطار، وما يصب فيه شتاء من أودية الجبال المجاورة. وكانت المدينة قد تعرضت للخراب الكامل، بسبب الحروب الصليبية، فتأخرت كثيراً وانحط شأنها، ولم يكن هذا الانحطاط والخراب من نصيب صيدا فقط، وإنما أصاب كل المدن الساحلية الشامية، ذات المرافئ الهامة في هذا العهد. ذلك أن المماليك كانوا يخشون من عودة الإفرنج الذين كانوا قد أجلوا إلى قبرص ورودس، حيث جعلوا من هاتين الجزيرتين موقعين متقدمين، للإغارة على الساحل الشامي، هذا الخوف دفع المماليك إلى طمر المرافئ وتخريبها، لمنع سفن الأعداء من الاقتراب منها ودخولها.
السكان
لكن سرعان ما أعاد المماليك بناء صيدا لكنهم اختاروا لها موقعاً داخلياً، ثم جددوا تحصيناتها وأسوارها، وأضافوا إليها فيما بعد، كما عملوا على تأهيل المدينة بعناصر بشرية موالية لهم، فاستقدموا حاميات من السنّة يأمنون جانبهم، ينتمي بعضها إلى عشائر التركمان؛ ليكونوا لها كمرابطين أو مراكز مسلحة متقدمة، تحمي المدينة من غزوات الفرنج بحراً، وغارات الشيعة والموارنة والدروز براً، الذين كانوا بنظر السلطة الشرعية المملوكية بمثابة هراطقة. ولقد سبب وجود هؤلاء الخصوم، إلى جانب وجود المدينة نفسها في منطقة جغرافية منبسطة، كان سبباً في تحديد مظهر التجمع البشري والمركز السياسي للمدينة. فقد كان سكان صيدا يخشون بصورة دائمة، تعرضهم لهجوم من المناطق المجاورة لهم، مما جعل المدينة تحرص للغاية على أن تنغلق على نفسها، خلف أسوارها، وتتجنب تشكيل ضواح، رغم الازدياد البارز في عدد سكانها خلال العهد العثماني، ومن الناحية السياسية، فإن المدينة كانت شديدة الولاء للباب العالي العثماني، الذي كان يدافع عنها في عالم معادٍ لها، فخلال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني، لم تعرف صيدا التمرد ضد حكّامها، وحتى في العام 1730، حين تمردت كل المدن الشامية، بما في ذلك أبسطها، فقد ظلت صيدا موالية للسلطان العثماني.
وظلت صيدا رغم استعادتها من قبل المماليك، في العام 690هـ/ 1291م، ورغم إعادتهم تجديد بناء حصونها وأسوارها، فقد ظلت المدينة، وحتى نهاية القرن السادس عشر، مدينة ضعيفة نصف متهدمة قليلة الأهمية، دون أي دور اقتصادي بارز، كغيرها من الموانئ المشرقية. زاروا المدينة في خلال القرون الثلاثة. ففي العام 721هـ/ 1321م، وصف أبو الفدا المدينة بأنها «صغيرة حصينة»، وبعد ذلك بسنوات وصفها (لودولف الدهيمي) بأنها «مدينة ساحلية …. مهجورة». وحين زار (جون مولونر) الأراضي المقدسة في عام 1421 ـ 1422، ذكر بأن خرائب المدينة التي شاهدها، تشهد بما كان لها من عظمة، وبأنه «خارج أطلالها بنيت مدينة أخرى صغيرة حقاً ولكنها حصينة وينقصها الرجال للدفاع عنها». ومع ذلك، فقد ظلت المدينة تستقبل مهاجرين جدداً سواء من إقليم الخروب المجاورة أو من الجنوب الإسلامي، علماً أن العديد من العائلات الصيداوية، تعود بأصولها إلى أصول مغربية.
وفي خلال الفتح العثماني، كانت صيدا كغيرها من مدن الساحل الشامي، باستثناء طرابلس، قليلة السكان والتجمع السكاني الموجود فيها لم يكن بإمكانه من حيث تعداده، أن يجعلها تتخذ الوضع الحقيقي لمدينة من حيث الحجم، ومع ذلك، فقد حاولت السلطات العثمانية إعادة تعميرها بالسكان، بهدف تحويلها إلى مركز دعم.
ولقد عرفت صيدا بعض التجديد ابتداء من العام 1560 وعلى الأخص مع بناء إبراهيم باشا الخان الكبير (خان الفرنج)، والذي ينسبه بعض المؤرخين إلى فخر الدين المعني الثاني، واتخاذ الأمير المذكور المدينة في العام 1594 قاعدة لإمارته ومقراً له، ثم سعيه لتجديد رسومها، وترميم ما تهدم من أبنيتها وقلاعها، وتحسين مرفئها وتوسيعه، وترويج تجارتها، والاهتمام بتنمية مواردها، عن طريق تنشيط الحركة التجارية، وحماية التجار من القراصنة الذين كانت مرافئ الساحل الشامي هدفاً لتعدياتهم، وتشجيع الصناعة وعلى الأخص صناعة الحرير والصباغة والصابون، وربط صيدا تجارياً بتسكانا وغيرها، وتزويد المدينة بالفنادق والخانات والمنشآت المدنية الحضرية والعسكرية. فاجتذبت هذه الإنشاءات والتسهيلات التجار الأجانب.
وبخاصة التجار الفرنسيين، فبدأت المدينة تشهد بعض النشاط التجاري ابتداء من العام 1612، فأخذ التجار الأجانب يتمركزون في المدينة، ويوسعون تجارتهم معها، وخصوصاً بعد أن فقدت طرابلس مركزها التجاري، فصار من الضروري إيجاد ميناء على الشاطئ الجنوبي للمشرق، ليكون مستودعاً لتجار الغرب فكانت صيدا، فانتقل التجار الأجانب من طرابلس إلى صيدا وحلب، وكانت صيدا وحلب تتنافسان على الزعامة الاقتصادية والتجارية في عهد فخر الدين.
ولعب موقع المدينة دوراً بارزاً في ازدهارها في خلال هذه الفترة، فقد كانت محاذية لمنطقتي إنتاج يكمل بعضهما بعضاً، جبل الدروز بحريره، وجبل عامل بقطنه. وبالإضافة إلى ذلك، كان لها اتصال سهل مع دمشق والداخل الشامي، في مرحلة فقدت حركة الترانزيت العالمية أهميتها لصالح المنتجات المحلية، وطريق صيدا ـ مرجعيون ـ دمشق طريق طبيعي وتاريخي، يدلنا على ذلك القلاع المبنية على طوله في مواقع استراتيجية، مثل: قلعة الشقيف وقلعة بانياس.
وفي حين كان عدد سكان صيدا ألفين وخمسمائة نسمة في نهاية القرن السادس عشر، فقد بلغ عددهم، ما بين ستة آلاف إلى تسعة آلاف في القرن السابع عشر، في حين عاد عدد السكان، وانخفض إلى خمسة آلاف، في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وفقاً لتقدير الرحالة الفرنسي ولني، وهذا النقص في عدد السكان، إنما كان نتيجة الاضطرار الأمني الذي أصاب بلاد الشام الجنوبية، حين انقسمت إلى حزبين: الأول يترأسه والي دمشق ويضم ولاة حلب، وطرابلس، وصيدا، والقدس وبغداد، والموصل، والثاني، ويرأسه ظاهر العمر ويسيطر على القسم الجنوبي من فلسطين، حول عكا، وصفد، وطبرية وغزة، ويناصره مشايخ جبل عامل بزعامة الشيخ ناصيف النصار وعلي بك الكبير بمماليكه في مصر، وأنزل الحزب الأخير بالحزب الأول هزائم مذلة في أكثر من موقعة حربية، وتضررت صيدا للغاية من هذا التمرد، وتعرضت للنهب والسرقة أكثر من مرة
نتيجة احتلال المتمردين لها، فاضطر ثلاثة أرباع سكانها إلى مغادرتها إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً، نصفهم انتقل إلى بيروت وأشارت إلى ذلك الوثائق الفرنسية المعاصرة بقولها.
«لم ينته شهر أيار (مايو 1772) حتى أصبحت المدينة (أي صيدا) خالية من جميع سكانها، بما فيهم المفتي والقاضي ونقيب الأشراف، وأصدر الدنكزلي (حاكم صيدا) في الثاني من حزيران (يونيو) أمراً بأن يغادر صيدا جميع الرجال الذين لا فائدة حربية منهم. ومن يبقى منهم في المدينة إلى ما بعد الساعة السادسة فسوف يتعرض للشنق».
ومما ينبغي الإشارة إليه، أن تصفية السلطات العثمانية لتمرد ظاهر العمر، واستعادتها لمدينة صيدا في العام 1775، لم يشجعا أهالي صيدا على العودة إلى مدينتهم، فقد خضعت المدينة لحكم متسلم تابع لوالي صيدا أحمد باشا الجزار (1775 ـ 1804). الذي نقل مقر الولاية من صيدا إلى عكا، وما تلى ذلك من تدهور مكانة صيدا الاقتصادية، واحتلال مدينة بيروت لمكانتها.
كما عانت صيدا أيضاً سياسة الجزار ومظالمه، والتمرد الذي قام به مرتزقة هذا الباشا عليه، في العام 1789. وبوفاة الأخير في العاغم 1804، وتولي خلفه سليمان باشا العادل مقاليد ولاية صيدا في العام 1805، وأتباعه سياسة تتسم بالعدل والتسامح. تبدل وضع مدينة صيدا، فعاد عدد سكانها يتضاعف، فبلغ عشرة آلاف وخمسمئة نسمة في العام 1811 وفقاً لتقدير القنصل الفرنسي في صيدا.
ومما ينبغي الإشارة إليه أيضاً أن سكان صيدا، في بداية القرن السادس عشر، كانوا متشابهين إلى حد ما من حيث المذهب الديني السائد فيما بينهم، رغم وجود حي لليهود، وآخر للموارنة، وعدد قليل من الروم الكاثوليك. فقد كان أغلب السكان ينتمون إلى السنّة على مذهب الإمام الشافعي، في حين اتّبع بعض أعيانها مذهب الحنفي، تقرباً من السلطات العثمانية الحاكمة، التي جعلت المذهب الحنفي مذهباً رسمياً طبقته المحاكم.
كما ارتبطت بعض الأسر الصيداوية مثل: الصلح، والبزري، وحمود، بزيجات مع أسر دمشقية، ذلك أن الكثير من أفراد هذه الأسر، كان يقطن ما بين المدينتين، لأن وجود الأسرة في الحاضرة الرئيسية، أي دمشق، كان يدعم الوضع المحلي للأعيان. وكانت هذه العلاقات موجودة أيضاً، لدى الأسر النصرانية في صيدا التي تشكلت ببطء منذ قدوم عناصر من دمشق. فهذه العناصر كانت من الروم الكاثوليك، وكانت أعدادهم وفيرة في دمشق، وكانوا قد انتقلوا إلى صيدا، نتيجة الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له، من قبل بطريرك الروم الأرثوذكس المعترف به، من قبل السلطات العثمانية.
كما جذب الازدهار الاقتصادي الذي عرفته المدينة عناصر أخرى من أصول متعددة، ممن هجروا مناطقهم الداخلية، هرباً من انعدام الأمن، وانتشار البؤس والتعاسة فيها. كما غادر أيضاً عدد من أبناء المقاطعات الجبلية اللبنانية مواطنهم الأصلية، سواء عن طيبة خاطر، كالموارنة، أو مطرودين، نتيجة قدوم عناصر بشرية أخرى. كشيعة جبل عامل، إلى أنه أصبحت مدينة صيدا في أواخر القرن الثامن عشر، مدينة مختلطة السكان.
وإذا حاولنا تأريخ قدوم هذه الهجرات، صَعُبَ علينا معرفة خصائصها؛ ذلك أن المنطقة الساحلية الشامية كانت في بداية القرن التاسع عشر، تشهد كثافة سكانية لم تعرفها القرون الثلاثة السابقة.
وكان المسيحيون واليهود من أبناء المدينة، يعتبرون ذميين، يدفعون الجزية ولا يتولَّوْن أعمالاً ذات مسؤولية، وحتى ما اشترعه القرآن الكريم والسنّة النبوية من حق حماية أهل الذمة، لم يكن ينقذهم ذلك من بعض المظالم أحياناً. فقد كان الناس يتعرضون لكثير من مصادرة الأملاك، وفرض الغرامات، وسوء المعاملة من قبل الولاة العثمانيين، لأسباب متعددة، وكان المسيحيون واليهود معرضين لذلك، على أن مثل هذه المغارم كانت تصيب المسلمين أيضاً، وما ذلك إلا بسبب سياسة الولاة العثمانيين الذين كانوا يفرضون هذه المظالم على جميع السكان؛ لتعويض المبالغ الضخمة والهدايا الثمينة التي تكبدوها في الآستانة، مقابل الحصول على مناصبهم تلك، وكذلك ضرورة الاستمرار في إرسال الهدايا والرشوات لذوي الأمر والنهي في المدينة المذكورة من أجل استمرارهم في مناصبهم تلك، أطول مدة ممكنة، وكذلك لإبعاد المؤامرات التي كان ينصبها ضدهم موظفو البلاط العثماني أو من أجل الترقي إلى مناصب أعلى.
ورغم الازدياد البارز في عدد سكان صيدا، فقد استمروا منغلقين حول أسوار مدينتهم، وتجنّبوا تشكيل ضواح، وكان هذا السور مؤلفاً من قسمين ينطلقان من القلعة البرية (قلعة المعز)، يتجه الأول شمالاً، وينتهي عند باب بيروت قرب قلعة البحر، حيث يقوم بدور حماية المدينة من جهة الشرق، ويحاذيه حالياً شارع البوابة الفوقا، حيث أقام الأهالي جدراناً لمنازلهم بما تبقى من هذا القسم.
أما القسم الثاني من السور، فكان يتجه غرباً، وينتهي عند ساحل البحر، حيث الحوض الجنوبي، ويقوم هذا القسم بحماية المدينة من جهة الجنوب، ويذكر بعض المؤرخين انه كان يحيط بالمدينة سور غربي من ناحية البحر. لكن الرحالة فولني الذي وصف المدينة في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، لم ير هذا السور، وذكر أن «ما من سور يصون المدينة من جهة البحر».
أما من حيث التقسيم الطوبوغرافي للمدينة، فقد كانت مقسمة قسمين واضحين: قسم شمالي يمتد من المرفأ إلى السراي، حيث قامت منطقة تتميز بخصائص تجمع النشاط الحرفي الصناعي إلى جانب التجاري، تتواجد فيها المستودعات والخانات والمصابن والأسواق المهمة، وقسم جنوبي، حيث تنغلق المدينة على نفسها بأحيائها، التي يقطنها الريفيون الذين يعملون في بساتين الجوار الفائقة الجمال.
وكل قسم من القسمين المذكورين، انقسم بدوره إلى عدد كبير من الأحياء المنفصلة (حارة، محلة)، وكل حي مكتفٍ بنفسه وله مبانيه العامة والخاصة به (المسجد، الحمام، السوق) وبوابته الخاصة، وهذا ما يؤكد الكيان المستقل للحي. كما شكل كل حي وحدة إدارية يرأسها شيخ الحارة، وتسكنه أسر كانت توجد فيما بينها بعض الروابط الطبيعية، كالأصل أو المهنة أو الدين (الفواخير، المصبنة، الموارنة، اليهود)، ومن هنا كانت تلك الأسر تكون مجموعة متجانسة. ولما كان عدد الحارات أقل من عدد الطوائف الحرفية المنفصلة، فيبدو أن نظام الحارات كان يستند إلى نظام طوائف الحرف وإن لم يتعارض معه.
وانحصرت طوائف الحرف الصناعية والتجارية، في باطن المدينة، حيث انتشرت الأسواق الرئيسية في المنطقة الواقعة حول خان الفرنج، فامتدت تلك الأسواق شمالاً حتى قاربت المرفأ الشمالي، باب صيدا على العالم الخارجي، وشرقاً حتى البوابة التحتا، باب صيدا على بيروت. وهذا التمركز إنما كان نتيجة حتمية، لوجود خان الفرنج، الذي ضم مخازن لتخزين البضائع، وحوانيت لبيعها بالجملة والمفرق، ومقراً لإقامة التجار الفرنسيين، وما أقامه الأمير فخر الدين المعني، من منشآت حضرية له في تلك المنطقة، كإقامة قصر له، وسراي، وحمام يدعى حمام المير، كل ذلك ساعد على تنشيط التجارة، فانتشرت خارج الخان على شكل أسواق متنوعة، متخصصة في إنتاج سلع محددة وبيعها.
وتركز العمل الصناعي في السوق، وهو ممر في الوسط تحف به على الجانبين الدكاكين، حيث يجري صنع السلع اعتماداً على الأيدي العاملة، ونادراً ما تلجأ إلى قوى محركة كالهواء والماء. كما لم يكن صانع في ذلك الوقت، يعمل على تكديس المادة الخام لديه بكمية كبيرة، ولم يكن الإنتاج ضخماً يستهلك فيه مادة خام كبرى، إنما في أغلب الأحيان، كان يقوم بصنع كميات محددة بناء لطلب بعض التجار والعملاء.
ويقدم التاجر أو العميل المادة الخام التي يقوم هو بصنعها حسب الطلب، ومع ذلك أن الصناعة لم تكن تتطلب رأسمالاً كبيراً، وإنما إتقان في العمل وسرعة في التسليم، ولم تكن الأجور في تلك الآونة مرتفعة، وإنما ذات مستوى منخفض، نظراً لمستوى الحياة العامة والأسعار، كما كان الصانع يستخدم لديه متمرنين بدون أجر.
فقد ساعد النمو السكاني الذي عرفته مدينة صيدا، والذي سبق وأشرنا إليه، مع ظروف الاستقرار والأمن التي كفلتها السلطات العثمانية للمدينة، انعكست آثاره في حال من الرواج الاقتصادي والازدهار الاجتماعي تجلّت من خلال أسواق المدينة، التي عرفت كافة أنواع البضائع الأساسية والكمالية، كما كانت هذه الأسواق بمثابة الواجهة التي كشفت عن مدى تنوع الحرف والصناعات المتعلقة بالحياة اليومية في المجتمع الصيداوي.
بيد أن طبيعة النظام السياسي في ذلك العصر، وهو نظام إقطاعي عسكري، وعلاقته بالرعية، وطبيعة النظام الاجتماعي وهو بناء طبقي في أساسه واتجاهاته، هي التي فرضت إلى حد ما، أنواع الحرف والصناعات التي ازدهرت في خدمة المجتمع الصيداوي في حياته اليومية. كما أنها هي التي جعلت بعض هذه الحرف والصناعات ترتبط بالناس العاديين في حياتهم اليومية، في حين ارتبطت أخرى بالحكّام والشريحة الاجتماعية الميسورة الذين استأثروا بالشطر الأكبر من ثروة المدينة ومواردها. وهكذا ازدهرت حرف وصناعات في خدمة الأغراض الاستهلاكية اليومية، وأخرى ارتبطت بحياة الحكام والشريحة الميسورة المولعين باقتناء التحف ومظاهر الرفاهية، فضلاً عن اهتمامهم بزينة ملابسهم، وأسلحتهم وخيولهم، وحرصهم الزائد على مظاهر الأبهة والعظمة في مواكبهم.
صيدا
ـ 5 ـ
تقوم مدينة صيدا الحالية في الموضع نفسه الذي كانت تشغله صيدون القديمة، أي على التلة التي أقيمت عليها القلعة البرية([294])، مع ملاحظة أن المدينة الحديثة امتدت في فترة لاحقة للاسترداد الإسلامي نحو الشمال الشرقي بحذاء الساحل، وأصبحت لا تتعمق كثيراً في الداخل([295]). وتشغل المدينة ما يشبه المثلث الكبير، قاعدته مدارة نحو اليابسة في حين قمته تفصل ما بين المرفأين الشمالي والجنوبي([296])، ويحد المدينة شرقاً الطريق الممتد من بوابة التحتا مروراً ببوابة الشاكرية وشارع المطران في الوسط وحتى بوابة الفوقا حيث تلف الطريق بالقلعة البرية وتتصل بالبحر عند رجال الأربعين وغرباً بالبحر، وتبلغ مساحتها الإجمالية، بما في ذلك الطرقات والزواريب المسقوفة والصوابيط (طريق قليلة الارتفاع ومغطاة بالقناطر) والعقارات المبنية قديماً وحديثاً 199,000,133 متراً مربعاً أي ما يقارب من مئتي دونم وتحتوي على 358 عقاراً خاصاً غالبيتها العظمى مبنية بناء قديماً بواسطة الأحجار الرملية للسكن الخاص والدكاكين والمحلات التجارية والمقاهي والمساجد وعددها ثمانية، والأماكن الأثرية مثل الزوايا والخانات والمقامات. والعقارات في معظمها مساحتها صغيرة تتراوح بين 100 م2 و600 م2، ما خلا الأماكن الأثرية والمساجد وما حولها يتخللها بعض الجنائن الخضراء الصغيرة الملحقة إما بالمساجد أوالأماكن الحكومية الرسمية القديمة ضمن الدور الخاصة([297]).
السور
وبما أن الفنون الحربية القديمة كانت تعتمد على تسوير المدن وانطوائها داخل أبوابها المحصنة بالطوابي والأبراج، لحمايتها من العدوان الخارجي في أثناء الخصومات المسلحة([298])، وهذا ما فعله حكّام صيدا على مدى التاريخ، فقد أحاطوا المدينة من جهة البر بسور وصفه الرحالة الذين شاهدوه سنة 1783 بأنه كان ضعيفاً دون أبراج وتحصينات([299])، ويحتاج بصورة دائمة إلى الترميم([300]).
وكان يحيط بالميناء مجموعة من الأبراج كانت قادرة على التصدي للقراصنة اليونان وتمنعهم من الاقتراب من الشاطئ([301])، وهذه الأبراج هي التالية:
برج الكتّان وكان يقع إلى اليمين من الميناء وعن يساره برج يقال له برج الشونة وعن يساره برج كير طيلان وعن يساره برج يسمى المعزة وعن يساره برج يقال له سطاية ويشرف على ما هو حتى باب القلعة والبرج الكبير الموجود في القلعة البحرية ويشرف على المدينة([302]). وذكر محمد عدنان بخيت أنه كان يوجد من جهة بيروت برج يقال له برج الجبلان وآخر يقال له برج الخياط([303]).
وهذا السور يفصل باطن مدينة صيدا عن الجوار الغني بمختلف أنواع الأشجار المثمرة التي تسقى من المرتفعات المجاورة([304])، وكان هذا السور مؤلفاً من قسمين ينطلقان من القلعة البرية (قلعة المعز)، يتجه الأول شمالاً وينتهي عند باب بيروت قرب قلعة البحر ويقوم بدور حماية المدينة من جهة الشرق، ويحاذيه حالياً شارع البوابة الفوقا حيث أقام الأهالي جدراناً لمنازلهم فيما تبقى من هذا القسم، أما القسم الثاني من السور فقد كان يتجه غرباً وينتهي عند ساحل البحر حيث الحوض الجنوبي ويقوم هذا القسم بحماية المدينة من جهة الجنوب.
وكان يحيط بالمدينة من الجهة الغربية المطلة على البحر سور يتصل بأبراج الميناء الداخلي المعروف بالميناء الشمالي، ويغلب الظن أن هذا السور المحاذي للبحر كان يحدق بالمناطق المعمورة قبلي المينة، وأن المسجد الجامع كان يدخل في نطاق السور أو على الأقل كان يلتصق بالسور من الجهة الجنوبية الغربية. ويؤكد د. عبد العزيز سالم([305]) في أنه كان ينفتح في هذا السور المحاذي للميناءين بابان آخران أحدهما يؤدي إلى الميناء الشمالي والآخر يفضي إلى الميناء الجنوبي، رغم أن الرحالة ناصر خسرو([306]) كان يشير إلى بوابات ثلاث فقط كانت تنفتح في سور المدينة في زمنه، أي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر ميلادي، لكنه لم يحدد موقعها.
قلعة صيدا البرية
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الرحالة (Volney) الذي زار المدينة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر لم يشاهد السور الغربي وأشار بأن المدينة كانت تخلو من الأسوار من ناحية البحر([307])، كما أشار التاجر (D’Arvieux)([308]) عن وجود ثلاثة أبواب للمدينة، لم يحدد موقعها أيضاً، هي التالية:
باب المدينة في الشرق (المدينة المنورة) وباب القبب وباب القيامة، وترد أسماء هذه الأبواب في وثائق محكمة صيدا الشرعية بخلاف ما ذكرناه، فقط أطلقت اسم البوابة الفوقا وباب عكا الذي يقع في الجهة الشرقية من السور الجنوبي، وبوابة الخيمة على الباب الذي ينتهي عند الميناء الجنوبي، والبوابة التحتا العرصة والبوابة العرصة على الباب المؤدي إلى بيروت الذي يقع على شاطئ البحر مقابل قلعة البحر الصليبية([309]).
والباب عبارة عن قوس محدب من الحجر يعلوه صف من الفتحات المعدة لرمي القذائف، وبقرب القوس المذكور من باطنه خشبة ضخمة تعترضه لها في طرفها ثقبان، وبناء الباب مربع الشكل تقريباً عرضه متران وسبعون سنتيمتراً تقريباً ومثله قياسه في العلو، وللباب شرفات مروسة بشكل تدريجي وهي أعلى من مستوى السور، كما يوجد مكان مخصص للحرس لضرب العدو على ارتفاع ثلاثة أمتار فوق مستوى الأرض، وفي هذا المكان كوى لرمي القذائف تحت تصرّف الحرس.
وللباب دفتان من الخشب مصفحتان من الخارج بعوارض حديدية ومسامير بارزة الرؤوس، وفي إحدى الدّفتين خادعة (أي فتحة صغيرة كانت تسمى شرّاقة) ([310]).
ويتناوب على حراسة هذه الأبواب بوابون (بواب، خفير) مسلحون مهمتهم مراقبة الأشخاص الذين يعبرون من هذه الأبواب في الاتجاهين، وعند آذان المغرب تُغلق الأبواب ولا يُسمح بفتحها إلا لمن يكون مزوداً بكلمة السر أو بتوصية من متسلم([311]) المدينة، بحيث تضطر القوافل التي تفد إلى المدينة ليلاً للانتظار خارجها حتى تفتح الأبواب في الصباح([312]). ولقد ترك لنا الرحالة روبنسون([313]) وصفاً لما جرى له حين اضطر إلى مغادرة المدينة بعد إقفال أبوابها بقوله:
«تركنا البيت في ساعة متأخرة وقد
أقفلت أبواب المدينة، فلا تفتح إلا بأمر
من القائد العسكري،
ولحسن حظنا كان قريباً منا
وفي خلال خمس دقائق
كنا خارج السور …..».
الحارات
وكان يُطلق على المنطقة الواقعة داخل السور «باطن المدينة»، في حين عُرف خارجها «سقي المدينة»، وانقسم باطن المدينة إلى عدد من الأحياء المنفصلة كانت تُسمى «محلة» أو «حارة» أو «صايح»([314])، تُشكل كل منها وحدة عمرانية تكاد تكون مستقلة عن غيرها لها مبانيها العاملة والخاصة (المسجد والحمام والسوق) وبوابتها الخاصة، وكان سكان كل حي يشكلون في الغالب وحدة متجانسة من حيث الأصل والمهنة والدين والمستوى المعيشي، ومن هنا كانت تلك الأسر تكوّن مجموعة متجانسة توجد فيما بينها بعض الروابط الطبيعية.
ويخضع كل حي لسلطة شيخ الحارة الذي يكون عادة شيخ الطائفة الحرفية المسيطرة في الحي، ذلك أن نظام الحارات كان يستند إلى نظام طوائف الحرف، فالحارة كانت بنية موازية لبنية الطائفة، إحداها تقوم على الحرفة والأخرى تقوم على مقر السكن([315]).
وقد ذكرت وثائق محكمة صيدا الشرعية عن وجود شيخ لحارة الدباغين القديمة وشيخ للحاكة وشيخ للخرامين وشيخ للنجارين([316])، وكانت مهمة الشيخ أن يرعى شؤون جماعته، ويفض المشاكل بين أفرادها ويسهر على نظام الحرفة ومصالحها، وكان اختياره يتم باتفاق معلمي الحرفة فيما بينهم على واحد منهم، إلا أن هذا الاختيار أو الانتخاب كان يحتاج ليصبح نافذاً إلى موافقة الحاكم الشرعي الذي يقر الشيخ على رأس حرفته([317]).
وكما هي الحال في كل المدن المشرقية فإن بعض أحياء وحارات باطن صيدا كان لكل منها باب يوجد عند مدخل الشارع المؤدي إليها، وكان يحرس هذه البواب (بوّاب، خفير)، ويكون المفتاح عادة بيد سكّان الحارة حتى يكونوا مطمئنين من حراسته لحارتهم.
وهذه الأبواب التي كان من السهل إقفالها بأقفال خشبية، لم تكن في الحقيقة مخصصة للقيام بأي دور دفاعي في أوقات الحرب، وإنما فقط لتأكيد الأمن الليلي بمنع تجوال اللصوص الطارئين. فما إن كان يحل الليل حتى كانت تغلق أبواب هذه الحارات، وكان على أولئك الذين يرغبون في التنقل في تلك الساعة أن يحملوا الفوانيس، ولم تكن البوابات تفتح إلا لأبناء الحارة نفسها وللزوار المعروفين منهم مقابل جعل متواضع للبوّاب. ومن حسنة هذا النظام أنه كان يساعد السلطات على مراقبة تحركات الأشخاص الذين ترتاب فيهم. وبخلاف تلك العطاءات الضئيلة والطارئة التي كان البوّاب يُحصّلها من الزوار، وبخلاف العطاء الإضافي الذي كان يمنح له وقت توزيع التركات، فقد كان البواب، فيما يبدو يحصل عن أجرة من قاضي المنطقة من حصيلة الضرائب التي كانت تحصل من الميسورين من أهل الحي([318]).
وزوّدتنا وثائق محكمة صيدا الشرعية باسم أحياء باطن صيدا، ولكن يلاحظ أن الوثائق المذكورة تستخدم عدة ألفاظ للدلالة على الحي، ومن هذه الألفاظ حارة ومنطقة ومحلة، وأحياناً الخط الذي يعادل الشارع الرئيسي، وكذلك المساحة الناتجة عن تقاطع شارعين أو أكثر. وحملت بعض الحارات اسم جماعة متجانسة نسبياً من الناس، فنسبت الحارة إلى عائلة واحدة تقطن عدداً من الدور تقع متقاربة لبعضها البعض في منطقة واحدة أو إلى أناس ينتمون لطائفة دينية معينة يقطنون معاً في منطقة واحدة أو يمارسون مهنة واحدة، وتنتمي أصولهم إلى بلدة واحدة. ونسبت حارات إلى وجود معبد أو اسم مقهى مشهور أو معالم مشهورة في المدينة أو إلى منشآت صناعية موجودة فيها أو إلى وجود مورد ماء([319]).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن تنظيم الحارات على خريطة باطن مدينة صيدا كان متأثراً بشبكة الطرق والشوارع التي تصل أطراف المدينة ببعضها، ويتجه معظم هذه الشوارع والطرقات من الجنوب إلى الشمال، بحيث خططت لتؤدي جميعها إلى الميناء، والبعض الآخر يخترقها من الشرق إلى الغرب لتفضي إلى الساحل والميناء. وبذلك شكّلت الشوارع والطرقات حدوداً لبعض الحارات. ولذلك فيمكن تحديد حارات باطن المدينة، من خلال قيامنا بمسح لها بالانتقال من السور الشرقي خطاً متجهين من الجنوب إلى الشمال، فنجد الأحياء التالية([320]):
على امتداد السور الشرقي في الخط الممتد من قلعة المعز جنوباً إلى شاطئ البحر شمالاً نجد فيه: محلة البوابة الفوقانية، ومحلة باب القلعة، أي قلعة المعز. ثم هناك محلة البوابة التحتا، وضمن هذه المحلة هناك محلة قهوة عساف. ويلي السور غرباً خط آخر هو الخندق الممتد بمحاذاة السور الشرقي وفيه محلة الخندق([321]). ويلي خط الخندق خط يحاذيه غرباً ويمتد من الجنوب إلى الشمال بمحاذاة السور والخندق، وهو الشارع الذي يربط القلعة البرية جنوباً بالساحل شمالاً مقابل قلعة البحر، وفي هذا الخط حارة الشارع ومحلة الشارع، ويتفرع من الشارع زقاق المهاترة مشكلاً محلة قناة المهاترة وحارة المهاتري([322]).
وفي الخط الذي يلي خط الشارع غرباً، محلة سطوح المعصرة ويليها محلة قهوة أبي دحروج، ويليها حارة الصديق، ثم حارة المسالخية، ويليها حارة الكنيسة الكاثوليكية، ويليها شمالاً غرباً حارة اليهود، ويليها حارة بيت حمص، وفي أقصى الشمال منها محلة الدباغة القديمة([323]). ويلي الخط المذكور خط خان الفرنج ووجدت فيه محلة وحارة الزويتين وتقع شرقي ساحة رجال الأربعين، ويلي ذلك السراي وساحتها وأطلق عليها محلة باب الساحة ومحلة باب السرايا، ويلي السراي شمالاً محلة المصلبية وضمت حارة السبيل في محلة البحر وحارة البير في ساحة المصلبية ومحلة سيدي أبي نخلة في الجهة الغربية الشمالية من الساحة المذكورة، وبالقرب من المقام إلى الجنوب الشرقي منه هناك محلة الفواخرية وحارة الفواخرية، وهناك محلة باب السوق ومحلة رأس السوق لجهة سراي صيدا مقابل باب خان الفرنج الجنوبي، ويليها محلة باب خان الفرنج، ويقابلها محلة خان الفرنج([324]).
وإلى الغرب من خط الإفرنج خط آخر ضم حارة المزبودي الملاصقة لصحن جامع الكيخيا، ويليها في الشمال الغربي منها حارة بيت دردوك في محلة البحر جنوبي جامع البحر، وفي محلة البحر المالح يوجد محلة وحارة الشيخ عمر الجلابي، ومحلة النبط، ويليها حارة اللبان([325]). وإلى الغرب من الخط الذي يلي خط الإفرنج خط وجدت فيه: جنوباً محلة وحارة الزويتين، يليها شمالاً حارة الكشك ومحلة الكشك، وإلى الشمال منها حارة بني هرموش، وحارة الزحليقة ومحلة الزحليقة في محلة الكشك، وحارة بني الرز بالقرب من جامع الكتخدا، ثم حارة الموارنة وفيها محلة كنيسة الموارنة وداخل هذه المحلة توجد حارة العجيمي، ويقابلها حارة بني جلال الدين، وإلى الشمال الشرقي من حارة الموارنة تقع محلة سوق الحاكة وحارة بني الرشيدي([326]).
وفي الخط التالي هناك محلة وحارة الكتان وتقع شرقي وجنوبي البحر وشرقي البرج الذي يقع في نهاية السور الجنوبي لباطن المدينة مقابل البحر، ويليها محلة بوابة الخيمة، نسبة إلى وجود الباب المؤدي إلى الميناء الجنوبي والمسمى بوابة الخيمة في السور الجنوبي للمدينة، ويليها شمالاً محلة قهوة الكجك، ويليها حارة القصاص، وإلى الشمالي الغربي منها محلة الجامع الكبير العمري، وبالقرب منها حارة حمام الورد. وذكرت الوثائق الشرعية محلة الزيتوني قريباً من البحر المالح ومحلة الجميزة، كما ذكرت الوثائق حارة المئذنة ثم حارة العلالي وحارة البرجان([327]).
الطرقات والأزقّة
وكأكثر شوارع المدن الشرقية كانت شوارع باطن مدينة صيدا وأزقتها عبارة عن ممرات ضيقة([328]) يتراوح عرض معظمها مترين أو أكثر قليلاً، ولكن ليس بينها ما يتجاوز الثلاثة أمتار، بحيث أن الذين يعبرونها كانت تتقاسم مواطئ أقدامهم مع قوائم دوابهم([329]). بعضها مكشوف والبعض الآخر مسقوف أو مستور بالأخشاب والحصر والأنسجة الخشنة([330])، ويعلو عدد كبير منها عقود منخفضة لا تلعب أي دور في تجميل المدينة، وقد جرى بناء هذه العقود بهدف ربط المنازل بعضها مع البعض وكذلك لمقاومة الهزّات الأرضية التي غالباً ما كانت تحدث وتسبب أضراراً كبيرة([331]).
مما أضفى جو العتمة على هذه الشوارع بحيث لا تُرى الشمس إلا من بعض كوى صغيرة، تتيح لقليل من الأشعة بالتسرب خلالها في الأيام المشرقة. وفي كل شارع رصيفان بينهما شبه ساقية يقف عليها المارة، ويتحامون في السير عليها وحل الشتاء، كما كانت تنتشر في تلك الشوارع أكداس مكدسة من الأقذار([332])، أو تجري على أرضها المياه المبتذلة، كما كانت جدرانها، ملطخة بالأسود وبالأخضر بسبب نمو الطحالب على الجدران لقدم الأبنية ولرطوبة الجو([333]).
وبالرغم من أن الشارع مستقيم في اتجاهه العام إلا أنه ينحني بطريقة غير ملحوظة ونتيجة لذلك فإن امتداد الطريق يبدو كأنه مسدود، مما يعطي للزائر تشوقاً ولهفة للتعرف على العناصر التي ستقابله في المرحلة القادمة، كما روعي عند تصميم هذه الشوارع علاقة بارتفاع المبنى وعرض الطريق، وذلك لتوفير التهوية والإضاءة الكافية داخل المباني. وكذلك عمل شطف بركن المبنى بالطابق الأرضي في حال وقوع المبنى على شارعين لإعطاء زاوية رؤية أفضل بالنسبة لحركة المواصلات([334]).
ويلاحظ المتتبع لشبكة الشوارع والطرقات التي تصل أطراف المدينة ببعضها، أن تلك الشوارع والطرقات تتجه بمعظمها من الجنوب إلى الشمال، بحيث تؤدي جميعها إلى الساحل، وبالتحديد إلى الميناء، كما يلاحظ أن البعض الآخر الذي يخترقها من الشرق إلى الغرب يؤدي أيضاً إلى الساحل والميناء، وتدعى الطرق الرئيسية «جادة»([335])، وتطلق عليه وثائق المحكمة الشرعية «الخط» وهو ما يعادل الشارع الرئيسي الذي تنتظم على طوله الحوانيت ثم الحارات، لكن الوثائق لم تستخدم لفظته خط بمعناها الاصطلاحي بصورة دائمة، ولم تقسم المدينة إلى خطوط، ثم محلات وحارات، بل استخدمت المصطلح بطريق الصدفة، فذكرت:
خط المصلبية وخط خان الفرنج، وخط باب البلد التحتاني، وخط قهوة عساف وخط حارة الكشك وخط ساحة الجميزة.
وتكون من تقاطع الشوارع والطرقات الممتدة من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب، ساحات مكشوفة تشبه الميادين الصغيرة تدعى «المصلبيات»، كما روعي تكوين مثل هذه الساحات خاصة أمام مداخل المباني الدينية حيث يتجمع عدد كبير من الناس، أثناء الدخول والخروج وقت الصلاة. وكانت هذه الساحات بمثابة مراكز تجارية واجتماعية، لعبت دوراً هاماً في تسهيل التقاء الناس ببعضهم لتأمين حاجاتهم اليومية من بيع وشراء، وترفيه وما شابه، فانتشرت فيها الحوانيت المختلفة وسبل المياه والمقاهي.
وهذه الساحات هي التالية([336]):
ساحة السرايا في وسط المدينة حيث تتقاطع ثلاثة شوارع ومن الجهة الرابعة حائط خان الفرنج حيث البوابة الكبيرة، وبالرغم من صغر هذه الساحة فقد كانت أكثر مناطق باطن صيدا ازدحاماً بالمارة، وتقام فيها الاحتفالات والاجتماعات العامة، كما كان يقع في وسطها بركة ذات نافورة، وتحيط بها عدة أشجار، وكان المنادي أو الدلاّل، يبدأ إعلانه أو نداءه من تلك الساحة ثم يطوف في بقية الأسواق والحارات([337]).
وساحة باب خان الإفرنج، وساحة البوابة التحتا وساحة بوابة الخيمة في محلة الزويتين، وساحة رجال الأربعين جنوبي محلة بوابة الخيمة، وساحة قهوة خان اللاظ، وساحة القمح في محلة الجميزة، وساحة الجميزة، وساحة باب الحمص، وساحة قناق باشا آغا في محلة المزبودي، وساحة الحارة شرقي جامع البحر، وساحة دار الأمير الملاصقة للجامع الكبير([338]).
وأُطلِقَ «زاروب» على الطرق الضيقة القصيرة عموماً والموصلة بين طريقين أكبر منها، وأحياناً يكون الزاروب مسدوداً بحائط في نهايته ولا يكون له سوى مدخل ومخرج واحد، كما أطلق على الزاروب «الزقاق» أو «الزاقوق»، واستعملت لفظته «قناق» في بعض الأحيان. وكانت تتخلل بعض الأزقّة قناطر تصل بناءين معاً، أو يقام عليها بناء كامل أو غرفة من غرف البيوت، وكانت تدعى «ساباط». وحتى اليوم فإن معظم هذه الأزقّة لا تزال تحتفظ باسمها، وهي التالية([339]):
زقاق الشارع في محلة الشارع، وزقاق المهاترة متفرع من محلة الشارع في محلة المهاترة، وزقاق بني حمص جنوبي سوق الصاغة، وزقاق آغا باشا في حارة المزبودي، وزقاق الحماري في محلة الحمام الجديد وزقاق العجيمي في محلة الموازنة، وزقاق الشيخ عبد الله في محلة سيدي أبي نخلة، وزقاق الكتاني في حارة الكتان([340]).
الأسواق
وتميز باطن مدينة صيدا بانقسامه طوبروغرافيا إلى قسمين، جنوبي حيث تنغلق المدينة على نفسها بأحيائها التي يقطنها الريفيون الذين يعملون في بساتين الجوار الفائقة الجمال، وقسم شمالي يمتد من المرفأ ولغاية السراي حيث قامت منطقة تجمع ما بين النشاط التجاري والحرفي الصناعي، تنتشر فيها الأسواق حول خان الإفرنج وتمتد شمالاً لغاية المرفأ الشمالي، باب صيدا على العالم الخارجي، وشرقاً حتى البوابة التحتا، باب صيدا على بيروت.
وانتشار الأسواق في هذه المنطقة إنما يعود إلى التطور العمراني الحضري والعسكري الذي أصاب هذه المنطقة، فقد أدّى إنشاء عدد من المنشآت الحضرية إلى تغير مطّرد في بنية هذا الجانب. ومن بين هذه المنشآت الخان الكبير المعروف بخان الإفرنج الذي ينسب بناؤه خطأ إلى إبراهيم باشا([341])، بينما ينسب (Cunet) بناءه إلى فخر الدين المعني([342]) الثاني (1595 ـ 1633) ولكن ثبت لنا أخيراً على ضوء وثائق مستخرجة من محكمة صيدا الشرعية([343])، ووثائق مرسلة من القنصل الفرنسي في بيروت هنري غيز إلى وزارة الخارجية الفرنسية([344])، إن خان الفرنج أمر ببنائه الصدر الأعظم محمد باشا كوقف إسلامي يعود ريعه إلى الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وأن إبراهيم خان كان ناظر أوقاف محمد باشا([345]).
واتخذ الفرنسيون خان الفرنج كمقر دائم لتجّارهم وقناصلهم في باطن مدينة صيدا، والخانات الاخرى التي أقيمت بالقرب من هذا الخان (ألحمص والدباغة والعدوي، واليهود) ([346])، فهذه الخانات كانت بمثابة مراكز إقامة للتجار الغرباء وللأجانب الذين يفدون إلى المدينة، كما كانت متخصصة بتجارة هذه السلع (الحمّص والأرز والجلود المدبوغة)، كما ضمّت مخازن لتخزين البضائع وحوانيتاً لبيعها بالجملة والمفرق. وكذلك ما أقامه الأمير فخر الدين المعني من منشآت حضرية ومرافق تمثلت في إقامة قصر له، وبناء السراي التي لم يكتمل بناؤها، وإنشائه الحمام المعروف بحمام المير، وتوسيع المرفأ، وتحسين وترميم قلعة البحر بحيث تستطيع التصدي لغارات القراصنة، وإقامة، مسجد فيها لا تزال كثير من عناصره باقية إلى وقتنا الحاضر. وما قدَّمه للتجار الأجانب من تسهيلات لحمايتهم من عدوان القراصنة، وتشجيع الصناعة وعلى الأخص صناعة الحرير والصابون والصباغة، وإقامة جسرين أحدهما على نهر الأولي والثاني على نهر القاسمية، جنوبي صيدا بينها وبين بلدة الصرفند([347]).
هذه المنشآت والمرافق الحضرية للتجار الأجانب، وعلى الأخص التجار الفرنسيين، فانتعشت التجارة وتمحورت حول خان الفرنج، ثم انتشرت التجارة خارج الخان على شكل أسواق متنوعة متخصصة في إنتاج سلع محددة وبيعها، وامتدت شمالاً حتى المرفأ والجمارك، وشرقاً حتى البوابة التحتا، منفتحة على العالمين الداخلي والخارجي([348]).
وهذه الأسواق عبارة عن ممرات في الوسط تحف على جانبيها حوانيت قليلة الارتفاع متقاربة، لكل دكان مظلة ساترة من القماش أو الخيش (الجنفيص) لحماية مدخل المحل من وهج الشمس أو زخّات المطر. ولكن صغر مساحة الدكان كان يستدعي بناء مصطبة أو مقعد أمام كل حانوت، يجلس عليه البائع يتجاذب أطراف الحديث مع جاره المواجه له أو للحديث مع زواره بانتظار مجيء الزبون، وعندما يرغب مغادرة دكانه للصلاة أو لأمر طرأ له، كان يضع شبكة على باب الدكان، ويعني أنه عائد سريعاً([349]). وجهّز داخل الحانوت برفوف تبسط عليها البضائع، وأوسع حركة يستطيع أن يأتيها البائع هي أن يميل يميناً أو شمالاً، أو يقف على رجليه عندما يريد الوصول إلى الرفوف العليا. في حين يقف المشترون أمام الواجهة التي توازي الدكان عرضاً وارتفاعاً، أما الصديق أو زبون المحل الذي يأتي بقصد التلهي لا الشراء، فيجلس في الزاوية الأخرى المقابلة لصاحب الدكان.
خان الإفرنج في صيدا
وبما أن القهوة موجودة في جميع الأسواق، فتصب القهوة المرة للضيف بناء على إشارة صاحب الدكان ويقدم له الغليون الذي لا يفارق فمه إلا في هذه المناسبة، نظراً لما كان يردده الهواة، بأن ما من لذة تعادل تناول جرعات من القهوة والتدخين عليها، فتتمازج وتطيب آناً بعد آن([350]).
وتقديم الغليون له دلالة على المكانة الاجتماعية للمقدَم إليه، ذلك أن مدخن الغليون لا يقدمه بتاتاً إلا لمن يعلوه في المرتبة الاجتماعية أو لمن هو مساوٍ له. أما بالنسبة للقهوة التي تصاحب الغليون بصورة دائمة فالأمر يختلف كلياً، إذ يجب أن تقدم لكل الضيوف، دون أي تمييز في المكانة الاجتماعية([351])، فالقهوة تصب للضيوف في كل المناسبات، تصب عند الباشوات وعند الفقير المعدم، وإذا لم تقدم القهوة لابن البلد لا يعزو هذا الأخير المنسي ذلك الإهمال إلى عدم التهذيب، بل يعتبر أن كرامته قد جرحت([352]).
وتختلف طريقة البيع من بائع إلى آخر، فالبائع المسلم يعرض بضاعته ويبيع بسعر محدود ولا يقبل المساومة، فإذا عُرض عليه أدنى من السعر الذي كان قد طلبه أعاد بضاعته إلى مكانها. في حين يطالب البائع المسيحي بسعر يفوق السعر الذي طلبه، فهو يعلم أن بعض الناس يرغب في المساومة ولا يشتري إلا إذا حصل على تخفيض، لهذا فهو يحتاط لهذا الأمر، أما البائع اليهودي فهو ذاته لا يختلف في كل البلدان وتحت كل الأردية، لا يعرف سوى ترديد الكلام الذي يصم الآذان، والقيام بالحركات المضحكة التي ترافق تحركه؟ يجلس ويقف ثم يتحرك كالمجنون تارة بحثاً عن وسيلة يكسب بها ثقة الزبون بكلمات معسولة، وبالظهور بمظهر المخلص السليم النية، وطوراً يثور ويتحداك أن تجد عند سواه سلعاً توازي جودة وسعر تلك الموجودة لديه، وسواء أكان ساخطاً أو كاذباً فيجب أن تأخذ حذرك منه دائماً([353]).
وحُرِّم على النساء الدخول إلى الحوانيت والجلوس فيها، حتى ولو كان ذلك بانتظار شراء شيء منها، كما كان محرماً عليهن الدخول للأماكن المخصصة للرجال فقط، بحيث كانت الشرطة تنظم محضراً بصاحب كل حانوت كانت تُشاهد نساء جالسات في حانوته، مما يجعلنا نستنتج أن الحوانيت في صيدا لم تكن تستخدم الإناث فيها لأي سبب كان. وهذا لم يكن يمنع أن بعض النسوة كن يقفن في بعض الأسواق إلى جانب الشيخ والشاب ينادين على بضاعتهن التي قمن بتبسيطها دون أن يعترضهن أحد. كما حظرت القوانين على الرجال دخول الأماكن المخصصة للنساء، وكذلك عدم القيام بأي عمل مخالف للآداب العامة في الأسواق والطرقات وخصوصاً المنتزهات، كما كان محرماً عليهم احتساء المشروبات الروحية علناً والسكر وإحداث الضوضاء وإزعاج العابرين. وكل من وجد مخالفاً لهذه التعليمات كانت الشرطة تنزل به أشد العقاب([354]).
ولا يقفل الباعة المسلمون حوانيتهم طوال يوم الجمعة، وإنما عند حلول موعد صلاة الظهر فقط، حيث يتوجهون لتأدية هذه الصلاة جماعة في الجامع، أما بقية أيام الأسبوع، فحين يعلن المؤذنون من على منائر جوامع المدينة عن حلول موعد صلاة الظهر، يؤدي التجار هذه الصلاة في أماكن عملهم، في حين يمضون بقية النهار وهم متربعون على سجادة في حوانيتهم يدخنون الغليون بانتظار قدوم الزبائن([355]).
والسوق هو أفضل مكان لملاحظة تنوع المذاهب الدينية لدى سكان مدينة صيدا، فهي تعكس صورة واضحة عن حالة الطوائف، فإذا كان من النادر أن يجد المرء كل الحوانيت مفتوحة، فمن النادر أن نجدها كلها مقفلة في يوم من الأيام، فيوم العمل عند إحدى الطوائف قد يكون يوم عطلة عند طائفة أخرى، فعلى مدى سبعة أيام من الأسبوع يكون منها ثلاثة أيام للعطل، الجمعة للمسلمين والسبت لليهود والأحد للمسيحيين، كما يعطل أيضاً الروم الأرثوذكس والأرمن والموارنة في أعياد عدد كبير من القديسين، بحيث أن التجار وصغار الحرفيين الذين يكسبون عيشهم من عملهم اليومي، يفقدون في هذه الأعياد أوقاتاً ثمينة من العمل([356]).
والسوق هو الحي الأكثر حيوية في المدينة، فهو أشبه بفانوس سحري حيث يتبدل المشهد باستمرار، هو المكان المفضل في المدينة لتأمل المظاهر والأزياء المختلفة، فرواده هم من الكهنة والدراويش والبدو والفلاحين والدروز والمصريين وعدد لا يستهان به من النساء والعبيد السود من كل الأصناف، الجميع في حالة ذهاب وإياب مسرعين، يتقابلون ويتصادمون ويتحركون في كل اتجاه([357]).
وفي كل سوق كان يجري صنع سلعة معينة اختص بصنعها حرفيو هذا السوق، حيث كان يجري العمل اعتماداً على الأيدي العاملة([358])، أو كان يجري بيع أنواع محددة من البضائع أو السلع، بحيث أطلق على السوق اسم الأسرة المهنية التي كانت تقطنه، علماً أن كثيراً منها لا يزال حتى الآن باسمه ورسمه، فيقال: سوق البياطرة حيث كان يباع فيه كل ما يتعلق بطب الحيوان، كالخيل والحمير والبغال، كما كان يجري فيه وضع «الحدوات» لحيوانات النقل لصيانة قوائمها، «وسوق الصرماتية» حيث كان فيه كل ما يتعلق بالأحذية([359]).
وكان هذا السوق يقع شمالي جامع السراي غربي حارة اليهود، وذكرت الوثائق الشرعية سوق الصرماتية الفوقاني شرقي خان الفرنج، ويلي سوق الصرماتية غرباً سوق الاسكافية حيث كانت تصنع الأحذية وتُصلح وتباع أيضاً، ويلي هذا السوق شمالاً غرباً سوق الصاغة بالقرب من خان الأرز تجاه حارة الدباغة القديمة بالقرب من زاقوق بيت حمص، وهناك سوق الصاغة الفوقاني امتداداً لسوق الصاغة، ويلي هذا السوق شمالاً سوق العقادين في خط خان الافرنج شماليه، وفي هذا السوق يجري صنع وبيع خيطان الحرير والصوف والقطن والشرايط وغيرها ويطلق على المعلم عقّاد، ويلي هذا السوق شمالاً، سوق اللحامين جنوبي جامع البحر بالقرب من باب خان الافرنج الشمالي.
ويلي هذا السوق، حيث كان يباع القماش بمقياس الذراع شمالي خان الإفرنج، يليه سوق الخدرية، حيث تباع الخضروات والبقول وغير ذلك. ثم سوق العطارين حيث يباع ويُصنّع أصناف شتى كالملبس والقضامة على سكر وراحة الحلقوم. ثم سوق الحاكة حيث تنسج الخيوط على هيئة معلومة، وتنتج أكسية تصنع ألبسة، ثم سوق الحبال، حيث تُصنع الحبال المعلومة بسائر أصنافها كالمرس والخيوط المصيص وتباع.
ثم سوق العتقجية، حيث يشتري القديم من الألبسة والآنية وما شاكل، ويباع. ثم سوق الغزل، حيث يُغزل القطن شُلَلاً ويُباع. ثم سوق الكنان في محلة الكنان. وسوق البوابة العرصة في محلة البوابة التحتا([360]).
وسوق البازركان حيث كانت تباع الأقمشة والأزرار والملابس وكل ما يتعلق بالخياطة وأسواق النجارين والحدادين والمنجّدين. وكذلك سوق الحراج (المزاد). وزقاق الدباغة حيث كانت تدبغ الجلود([361]).
وأشار التاجر الفرنسي (d’Arvieux) الذي أقام في المدينة لمدة عقد من الزمن في القرن السابع عشر، بأنه كان يتواجد في صيدا سوق يدعى سوق القطن وبأن هذا السوق كان من المعالم البارزة في حياة صيدا الاقتصادية([362])، وكانت هذه السوق تمتد من خان الإفرنج ولغاية طرف المدينة على شاطئ البحر. وكان يتم البيع والشراء في بازار هذا السوق يومي الاثنين والثلاثاء من كل أسبوع، حيث تحضر النسوة من المدينة والقرى المجاورة، ومع كل منهن كيس فيه رطل([363]) أو رطلان من خيوط القطن المغزول الرطبة، وبعد ثلاث أو أربع ساعات يقفل البازار، بعد أن يكون التجار الفرنسيون قد اشتروا كل القطن الذي بيع في البازار، ولا يجرؤ بقية التجار الأوروبيين على منافستهم نظراً لعدم وجود أموال نقدية معهم([364]).
ولا يحق لكل مؤسسة تجارية فرنسية من المؤسسات الموجودة في صيدا، أن يكون لها أكثر من وكيل واحد في بازار القطن، كما كان يحق لقباطنة السفن الفرنسية، الذين يشحنون البضائع إلى أوروبا، إذا كانت مراكبهم راسية في صيدا أو في صور أثناء افتتاح البازار، أن يضعوا فيه وكيلاً من قبلهم لشراء خيوط القطن لحسابهم، ولا يستطيع هؤلاء الوكلاء مباشرة الشراء إلا عند افتتاح البازار علناً، ويساعد الوكلاء ثلاثة مساعدين فقط، حددت المهام الملقاة على عاتق كل منهم، اثنان منهم لمعرفة محتويات الأكياس وثالث لتقديم الخيوط المعدّة للوزن إلى القبّان ودفع ثمن القطن الذي تم شراؤه.
ولا يحق لهؤلاء المساعدين التوجه إلى البازار إلا برفقة الوكلاء، ولا يجوز للأخيرين أن يستخدموا وكيلاً مطروداً من خدمة أحد التجار الفرنسيين، أو أي شخص آخر منهم أن يستخدم وكيلاً مطروداً من خدمة أحد التجار الفرنسيين، أو أي شخص آخر متّهم بتسهيل المخالفات، كما يحظر على المساعدين ترك كيس الوكيل أو المكان الذي حدده لهم عند افتتاح البازار.
ويجوب أرجاء السوق مفتش مهمته طرد أي شخص يدخل إلى السوق قد يكون موضع شبهة أو لا مصلحة له، وعند الحاجة يصار إلى اللجوء لطلب مساعدة آغا المدينة. وعندما تتجمع النسوة اللواتي يحملن قطناً مغزولاً لبيعه في البازار، يرسل أحد الانكشارية إليه ليخرج منه الرجال من أبناء البلاد، لأنهم قد يكونون عملاء للسماسرة. كما يتوجب على المفتشين الذين يكلفون كل أسبوع بمهمة التفتيش، البقاء في البازار طوال مدة ساعات العمل فيه، إلا إذا كان هناك عذر شرعي يحول دون بقائهم فيه.
ولا يحق للسماسرة شراء القطن المغزول في اي مكان غير البازار الذي يقام كل أسبوع في يومي الاثنين والثلاثاء، وأي شراء من هذه البضاعة يتم يوم الأحد وفي الأيام الأخرى من الأسبوع يعتبر مخالفاً لهذا النظام. ولا يحق للسماسرة، قبل افتتاح البازار، أن يشتروا القطن مباشرة من البائعين إن بطريقة غير مباشرة، كما لا يحق لهم أيضاً، بعد انتهاء البازار، شراء أية كمية منه، سواء عند مدخل الخان أو مخازنه أو في أي مكان آخر في المدينة، من النساء اللواتي رفضن بيع ما لديهن منه في أثناء البازار، وكل كمية من القطن المغزول التي تنقل بطريقة مشبوهة إلى الخان أو إلى المخازن التابعة له بعد إقفال البازار، تحجز إلى حين انتهاء التحقيق حول مصدرها، لمعرفة ما إذا كان شراؤها قد تم بطريقة مشروعة أو غير مشروعة([365]).
كما توجد في أسواق باطن صيدا أماكن يجري فيها التبسيط (وضع البضاعة على البسطة)، وكان يلجأ إلى هذه الأسواق الباعة القادمون إلى صيدا من خارجها، أو غير القادرين من أبناء صيدا على فتح حوانيت باسمهم، فكان الحوارنة مثلاً (الباعة القادمون من حوران)، يُبسّطون في الساحة التي تلاصق جامع السرايا ما لديهم من حبوب قدموا بها لبيعها([366]). كما كانت القرويات القادمات من الضواحي بألبستهن الوردية الزرقاء، يأتين كل صباح إلى صيدا لبيع الحليب من سكانها([367])، أو يبعن في الربيع في أسواق صيدا ما قمن بجمعه من نباتات بريّة خضراء من التلال المجاورة([368]).
وإلى جانب الدور الاقتصادي الهام الذي كانت تلعبه الأسواق في حياة باطن مدينة صيدا، فقد كان يتردد على هذه الأسواق يومياً عدد كبير من الناس إما كمشترين وزبائن للسوق، أو يقصدونها بغرض الفرجه والتنزه، أو باعتبارهم من أصحاب الحوانيت وغيرهم من أرباب السوق. فمن الطبيعي أن يتداول الناس الأخبار، ويتنافسون حول ما يشغلهم من أمور سياسية واقتصادية واجتماعية. وفي هذه الأسواق كان يتم توصيل أوامر الحكومة وقراراتها إلى أفراد الرعية، وذلك عن طريق المنادين الذين كانوا يختارون أماكن التجمع، ومنها الأسواق لإبلاغ الأهالي بمضمون النداء.
والنشاط الاقتصادي وكثافة حركة المرور الذي كانت تشهده أسواق وأحياء باطن مدينة صيدا، تطلب وجود طوائف حرفية مهمتها تقديم ما تحتاجه هذه الأسواق والأحياء من خدمات عامة في مجالي النظافة والأمن، وكان يتم ذلك عن طريق قيام نوع من التعاون المشترك ما بين الأهالي وممثلي السلطة العثمانية في باطن المدينة. فمسؤولية تنظيف الأسواق والأحياء من القاذورات والأوساخ، هذه المسؤولية كانت تقع على عاتق الكناسين، الذين يقومون بجمع القمامة في أماكن معينة، ويتقاضون رواتبهم عن ذلك من أصحاب الحوانيت([369]).
ثم يليهم الزبالون الذين يجوبون الشوارع والأحياء ومعهم دوابهم التي تحمل سرايج كبيرة وقفف من خوص ومجارف، فيقومون بجمع زبالة المنازل وتلك التي كان قد خلفها الكناسون، وحين تمتلئ السرايج بما يجمعون ينتقلون إلى البساتين فيأخذها الفلاحون الذين يحصلون بذلك على السماد مجاناً، والمدينة تتخلص مجاناً من نفايات منازلها وأسواقها([370]).
كما جرت العادة أن يجوب شوارع المدينة الرشاشون، وهم من يقومون برش الشوارع والأسواق الترابية بالمياه، لكي لا تتعرض للضرر بضائع الحوانيت من جرّاء الغبار المتصاعد بسبب كثافة حركة المرور، أو لإضافة جو من البرودة على الأسواق في فصل الصيف الحار. وجرت العادة على أن ترش الأسواق مرتين في فصل الصيف، مرة قبل فتح الحوانيت وأخرى وقت الظهر، نظراً لكثرة الغبار المتصاعد في هذا الفصل. وكان لكل شارع أو سوق رشاش مختص به أو أكثر حسب كبره أو صغره، ويقوم بعمله مقابل مبلغ يتقاضاه شهرياً من أصحاب الحوانيت([371]).
وكانت الحياة تتوقف في باطن مدينة صيدا عند غروب الشمس وحلول الظلام، وتقفل الأسواق وتختفي البضائع، وتقفل المداخل الرئيسية المؤدية إليها وتصبح كأرض مسورة، فينتقل المشترون والغرباء إلى خارج المدينة عائدين إلى قراهم، أو يكونوا خارج الأسواق وأيضاً خارج المناطق السكنية في خان. فقد هبط الليل فلم يعد هناك سوى أبواب تقفل منافذ المدينة على الخارج، كما تفعل الأبواب المؤدية إلى الطرق الرئيسية، وكذلك أبواب الأحياء([372]). والضوء الوحيد الذي يبقى متواجداً في الليل هو أضواء القناديل التي تضاء في بعض الشوارع والأسواق، وما يعلقه الأغنياء من المصابيح (الفوانيس) عند أبواب منازلهم، بهدف طمأنة الناس وتفادي المفاجآت.
ولنفس دواعي الأمن الليلي كان على الناس الذين يتجولون ليلاً أن يصطحبوا معهم السراج أو رجالاً يحملون مشاعل، والمشعل عبارة عن عمود خشبي مزود بقرص أسطواني من الحديد توضع به قطعة من الخشب المشتعل، وكل من يخالف هذا النظام يحتجز ويجري اقتياده تحت الحراسة إلى مركز الشرطة، ولا يتم إطلاق سراحه إلا في صباح اليوم التالي، بعد أن يتم استجوابه والتأكد من أنه لم يكن لديه أية نوايا سيئة. ولقد تم وضع هذا النظام بهدف التقليل من حوادث السطو التي يرتكبها اللصوص أو القراصنة المالطيون([373]).
د. حسين سلمان سليمان
التجار الأوروبيون
من خصائص التجارة المشرقية، وجود جاليات من التجار الأوروبيين في مختلف (أساكل) المشرق. الصفات المميزة لهذه التجارة، أنه في مطلع القرن السابع عشر كانت هناك جاليات أوروبية في مختلف (أساكل) المشرق، من الإسكندرية حتى إزمير واسطنبول، مروراً بأساكل سوريا ولبنان: عكا، صيدا، بيروت، طرابلس، الاسكندرونة.
هذه الجاليات مؤلفة من جنسيات عديدة، وأقدمها على الإطلاق الجالية الإيطالية، التي لحق بها الفرنسيون ثم الإنكليز ثم الهولنديون.
بالنسبة لصيدا والأساكل التابعة لها، لم يكن سوى فرنسيين، وأشار الرحالون إلى مرور بعض التجار الإنكليز الهولنديين والبنادقة في صيدا من فترة إلى أخرى. وفي بعض الأحيان كان التجار الهولنديون يقيمون في صيدا. ولم يقتصر ذلك على هؤلاء إذ أن الرحالة الفرنسي (كوبان) يذكر عام 1664 أن في خان صيدا تجاراً من جنسيات مختلفة. ويبدو أن الجالية الهولندية بقيت مدة طويلة في المدينة فالرحالة (لوبران) يذكر عام 1675 أن القنصل الفرنسي في صيدا يقوم برعاية شؤون الجالية الهولندية. أما الإنكليز فلم يكن لهم جاليات في (أساكل) سوريا الجنوبية. وكان الفرنسيون الجالية الأوروبية المسيطرة في صيدا وأساكلها. ولم يبق لهم في القرن الثامن عشر أي منافس، حتى أنهم استطاعوا منع تجار الدول الأخرى من الإقامة في مدينة صيدا. وفشلت محاولة الدانمركيين عام 1762، في إيجاد مؤسسة تجارية لهم في بيروت كما فشلت محاولة إيطالية عام 1760. ويؤكد الرحالة (فولني) أن لا وجود لغير الفرنسيين في صيدا في نهاية القرن الثامن عشر.
وكانت الجاليات الفرنسية في الأساكل مؤلفة من تجّار وحرفيين ومستخدمي التجار. وكانوا عموماً من الشبان الذين يعملون في (الأساكل) لحساب تجار كبار في مرسيليا وليون لقاء عمولة تبلغ 2 % من مجمل المبالغ التي يتجارون بها. يقضون في المشرق فترة قصيرة ثم يعودون إلى فرنسا بعد جمع ثروة محترمة. وليس لدينا معلومات واضحة عن ابتداء التجار الفرنسيين بالنزول في صيدا، غير أنه ورد في أحد المراجع ذكر لأحدهم عام 1606 وأخذوا من بعد يتوافدون على هذه المدينة بأعداد متفاوتة في الأهمية، حتى تألفت منهم جالية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وإن لم نتوصل إلى تحديد عددهم بدقة في تلك المرحلة.
بين عامي 1660 و1665 بلغ عدد التجار والوكلاء الفرنسيين في المدينة وجوارها 60 شخصاً، وفي عام 1670 كان في صيدا 14 مؤسسة تجارية فرنسية. وفي عام 1691 كان فيها 20 فرنسياً بين تاجر وحرفي. ومن عام 1685 إلى عام 1719 غادر فرنسا إلى صيدا 175 شخصاً، إلا أنهم كانوا يقضون فترات قصيرة في المشرق ثم يعودون إلى بلادهم. وفي عام 1715 كان عدد التجار الفرنسيين لا يتجاوز العشرين، وسبب بقاء هذا العدد ثابتاً بلا زيادة، رفض غرفة تجارة مرسيليا السماح لتجار جدد بالذهاب إلى المشرق، للحيلولة دون ازدياد أعداد الفرنسيين في (الأساكل) مما يقوّي المضاربة فيرفع أسعار البضائع الوطنية. حتى أن الإقامة في (الأساكل) أصبحت بعد عام 1743 بحاجة إلى إذن خاص من الحكومة الفرنسية.
وبقي عدد أفراد الجالية الفرنسية في صيدا ثابتاً بشكل عام حتى نهاية القرن الثامن عشر حين ارتفع إلى 60 شخصاً (عام 1789)، أما بالنسبة لتكوين هذه الجالية فلدينا أرقام تعود لعام 1764 وهي تتوزع كما يلي: رسميون 6، تجار 13، حرفيون 2، مستخدمون 13، المجموع 34.
وكانت السلطة العثمانية تفضّل تجمع الأوروبيين في أماكن محددة، لكي تستطيع مراقبتهم بسهولة وتمنع اتصالهم بأهالي البلاد، فأقام الأوروبيون، في عكا وصيدا وطرابلس وحلب في الخانات. والخان بناء مستطيل الشكل، مغلق على الخارج ومفتوح حول فناء داخلي، وهو مؤلف من طابقين الأول كناية عن دكاكين وزرائب ومستودعات للبضائع، والثاني منازل معدة لسكن التجار. تحتمي الجالية الأوروبية في الخان أثناء الاضطرابات، وبما أن إيجارات الخان تعود، في معظم الأحيان، إلى أحد المساجد فإن السكان كانوا يمتنعون عن مهاجمته أو التعرض له بسوء، إذ يتخذ وضعاً قانونياً شبيهاً بوضع «الوقف».
ويتخذ الخان دور المحجر الصحي، بالنسبة للجاليات الأوروبية، فتحتمي الجالية بأكملها في الخان أثناء تفشّي الأوبئة وتوصد الأبواب وتمتنع عن الاتصال بالخارج، وكثيراً ما يزدحم الخان بالتجار حتى يضيق بم فيضطر بعضهم إلى تأمين سكن مؤقت في المدينة، لكن ذلك أمر غير اعتيادي.
وكان في صيدا ثلاثة خانات معدة لسكن التجار، اثنان منها مخصصة للإفرنج. أحدهما على شاطئ البحر والآخر ـ وهو الأكبر ـ في داخل المدينة، وهو الخان الكبير المعروف بخان الإفرنج، والمخصص لسكن الفرنسيين دون سواهم. و«خان الفرنج» قديم البناء، ورد ذكره عند الرحالين في القرن السادس عشر، وقد رممه فخر الدين في مطلع القرن السابع عشر. والخان كما يصفه أحد التجار الفرنسيين «مبني بالحجارة، طابقه الأرضي مقسم إلى ردهات كبيرة، واسعة ومضيئة وقد قسم التجار هذه الردهات على عدة أقسام، منها ما هو معد لعمليات البيع والشراء. ومنها ما هو مهيأ للسكن، وآخر للتخزين.
وفي الخان سلّمان حجريان يقودان إلى السطوح حيث كان التجار يصعدون للتنزه واستنشاق الهواء ورؤية البحر دون أن يضطروا للخروج من الخان، وإلى الشمال يقع بيت القنصل الفرنسي وهو يشتمل على ست غرف واسعة مربعة الشكل. وكان الأمير فخر الدين قد بناه ليكون مسكناً لنسائه، ولكنه قدّمه بعدئذ للفرنسيين ليكون مركزاً تجارياً لهم.
يخضع خان الفرنج في صيدا لنظام دقيق، إذ أنه يقفل في المساء وتسلم مفاتيحه لأحد موظفي الباشا، ثم تعاد المفاتيح في الصباح، وذلك لمنع خروج الفرنسيين من الخان في الليل. كما كان الخان يغلق يوم الجمعة أثناء الصلاة ويمنع أي شخص من الخروج أو الدخول إليه، وما يجمع فيه من إيجارات مخصص للأوقاف والمساجد. والمسكن في الخان باهظ الإيجار، لضيق المكان، حتى بلغ عام 1664 حوالي 200 قرش.
وفي صيدا خانان آخران: لا يزال أحدهما قائماً حتى الآن، وهو الخان المعروف «بخان الرز»، وهو «قديم لا يعرف بانيه، مربع الشكل يدخل إليه من باب معقود، إلى يسار الباب سلم يؤدي إلى القسم الأعلى المؤلف من عدة غرف على نطاق رواق، تهدم قسم منه. وفي ساحة الخان، كالمعتاد بركة ماء وحوض».
أما بالنسبة للخان الثالث، الذي انقرضت معالمه، فإن التاجر دارفير يذكر أنه مبني على شاطئ البحر مباشرة «حتى أن الأمواج تصطدم بجدرانه».
يرتدي أفراد الجالية الفرنسية ثياباً خاصة بهم تميزهم عن سكان البلاد المسلمين منهم والمسيحيين، وذلك لكي يصعب اختلاطهم مع الأهالي على أن النساء الفرنسيات عندما سمح لهن بالعيش في الأساكل أخذن يلبسن ثياب شبيهة بثياب النساء المسيحيات من أهل البلاد.
عاشت الجالية الفرنسية في صيدا حياة بذخ وتبذير. وقد سهّل لها هذه الرفاهية وهذا الإسراف الرخص النسبي في الأسعار ثم الأرباح الطائلة التي كانت تجنيها من التجارة. وفي المراجع إشارات عديدة إلى حياة البذخ هذه، نكتفي للتدليل عليها، بشهادة أحد التجار أنفسهم:
«بعد أقل من عامين من مزاولتي التجارة، ربحت مبلغاً كبيراً جداً، مع أنني كنت أنفق بلا حساب، فلدي أربعة جياد، وستة من الخدم، وأعد دائماً مائدة تكفي لستة أشخاص وأكثر، ومائدتي حسنة الخدمة، وهي مفتوحة بلا تكلف، لأصدقائي من مختلف الجاليات. ولي منزل لطيف يطل من أكثر جهاته على البحر، وهو مؤلف من أربع غرف جميلة ومكتب كبير وغرفة طعام ومطبخ و ….. ومخزنان كبيران واسطبل ومساكن للخدم وأثاثه جيد. وكان لدي دائماً مؤونة كافية من مختلف أنواع النبيذ والمشروب». يزاد على ذلك أنه كان للتجار أفران ومطاعم خاصة بهم، يديرها فرنسيون أتوا للعمل فيها من بلادهم، كما أن الجالية كانت تقيم احتفالات بمناسبة وبلا مناسبة. «وهذه الاحتفالات تكلف أموالاً باهظة. ومن مظاهر الترف أن الجالية كانت تستقدم الأطباء خصيصاً من فرنسا لخدمتها في (الأساكل)، وهؤلاء الأطباء يقومون أحياناً بعيادة عدد من المتنفذين والوجهاء من أهل المدينة فيصبحون عن طريق مهنتهم صلة وصل بين مواطنيهم والسلطات المحلية».
تضم الجاليات الفرنسية، على العموم، عدداً من الشبان المغامرين، ذوي الأخلاق السيئة، الذين اضطروا لمغادرة مرسيليا والمجيء إلى المشرق لأسباب أخلاقية، فيتعاطون التجارة حسب أساليب فاسدة.
أصبحت صيدا مع مطلع القرن السابع عشر، وبخاصة بعد عام 1660، المركز التجاري الأساسي في سوريا الجنوبية. فهي مخزن كل إنتاج سوريا الجنوبية ـ أي لبنان وفلسطين. يرسل تجارها، لتجميع المحاصيل، وكلاء لهم إلى الرملة وعكا وبيروت وطرابلس. فيقيم الوكلاء طوال العام في مركزهم ويشترون البضائع ويشحنونها إلى صيدا على زوارق محلية وتعود إليهم بالمال والبضائع الأوروبية التي يحتاجون إليها وفي صيدا يهيأ الإنتاج ويشحن على السفن الذاهبة إلى الغرب. فأساكل سوريا الجنوبية إذاً على نوعين: أساكل تؤمن جمع إنتاج المناطق المحيطة بها، وأخرى (كصيدا) تقوم بجمع البضائع من الأساكل الصغيرة، ومن الأرياف بواسطة القوافل، وبتصديرها إلى الخارج.
ولا تقتصر البضائع المصدرة من صيدا على ما ينتجه الريف اللبناني ـ الفلسطيني، بل يتعدى ذلك إلى مواد آتية من دمشق ومن الداخل السوري. ومعظم صادرات صيدا، إن لم نقل كلها، مخصصة لفرنسا وتصدر بواسطة التجار الفرنسيين المقيمين في الأسكلة.
وكانت أهم صادرات صيدا القطن الخام، المغزول والمنسوج، ويليه في الأهمية الحرير، ثم الرماد ثم الحفص والقمح، والزيت والرز والصابون، والأقمشة الحريرية الآتية من دمشق وبعض المواد الأخرى. غير أن القطن يشكل وحده أكثر من نصف الصادرات. وقد ازدادت أهميته مع مرور الزمن، حتى أن صيدا أصبحت في القرن الثامن عشر، تؤمّن قسماً كبيراً من حاجات فرنسا من القطن وخاصة القطن المغزول والملون، فصدرت صيدا عام 1780 (وهو عام قليل النشاط بالنسبة إلى التجارة) ما يقدر بـ 450 ـ 550 طناً من القطن المغزول، وهذا الرقم يعطينا فكرة عن أهمية تجارة القطن في هذه المدينة.
وكانت منطقة صيدا (أي جبل عامل وشمالي فلسطين) تعتبر من أهم المناطق المنتجة للقطن في العالم، ومن أكبر أسواق المشرق على الإطلاق، وقد بقيت كذلك حتى بدأت زراعة القطن في مصر عام 1821. ويشكل الحرير قسماً مهماً من صادرات صيدا. وقد ازدادت صادرات الحرير في القرن الثامن عشر بسبب صعوبة وصول الحرير الفارسي إلى البحر المتوسط نظراً للحروب العثمانية الفارسية. ومن خصائص تجارة الحرير أن قيمة قسم من البضائع المصدَّرة كانت تسدد بواسطة حوالات مالية مجيَّرة من التجارة الفرنسيين في صيدا للباشا، على التجار الفرنسيين في اسطنبول.
الصيدنة (كتاب)
ألّف البيروني كتابه «الصيدنة»، وهو في الثمانين من العمر قبل وفاته في عام 440 هجري. والكتاب هو آخر مؤلفاته، معجم مرتب هجائياً تضمن أسماء الأدوية التي يحتاجها الصيادلة والأطباء في أعمالهم وأوصافها وأماكن وجودها في أنحاء العالم، وشمل كل ما يستخدم في الطب من أدوية سواء أخذ من نبات وحيوان وأحجار ومعادن. وكان يذكر اسم كل دواء بكل اللغات التي كان يعرفها كالعربية والفارسية والسريانية والهندية والسندية واليونانية والبيزنطية وغيرها. وتضمن الكتاب فائدة جليلة في هذا الباب حين ذكر أسماء بعض الأدوية بلهجات المدن والبلدان إذ نجد فيه أسماء باللهجات الشامية والخراسانية والأذربيجانية والبستية والخوارزمية والبخارية والعراقية.
ويكفي أن نشير إلى أهمية هذه اللغات واللهجات بالعمل الذي قام به هيننغ الأستاذ فبي جامعة باركلي بكاليفورنيا عندما اهتم بجمع الكلمات الواردة باللغة الخوارزمية في كتاب الصيدنة.
إلى المعلومات العلمية المتعلقة بالنباتات والأعشاب والحيوانات الواردة في الكتاب تضمن معلومات ثمينة كانت ترد بين ثناياه ذات علاقة بالمواضيع الجغرافية خصوصاً فيما ظل محلاً للغموض حتى في كتب الجغرافيا العربية كقوله مثلاً «مملكة النساء التي في داخل الصين» (ص 22) «آثار البلاد» عندما أشار إلى جزيرة النساء التي في «بحر الصين» (ص 33). وكقوله مثلاً عن سكان جزيرة واق واق إنهم سود (ص 22) وهو كلام ينفرد به من بين كل من ذكر هؤلاء القوم وتحديد جنسهم وكونهم سود البشرة.
وأهم ما في الكتاب ـ عدا مادته العلمية ـ فهي المصادر التي اعتمدها، ففضلاً عن المصادر المعروفة لدينا، وطبع بعضها طبعات ناقصة، مثل كتاب «النبات» لأبي حنيفة الدينوري وكتاب «الحاوي» لمحمد بن زكريا الرازي المطبوع طبعة كاملة في الهند، فهو ينقل عن المصادر المتقدمة. واستناداً إلى ماكس مايرهوف ـ وهو الخبير في كتب الأدوية وطبع «الصيدنة» مع مقدمة وافية بالألمانية ـ ومن خلال مقارنة بين كتاب «الصيدنة» للبيروني وكتاب ابن البيطار «الجامع لمفردات الأدوية»، فإن ابن البيطار ـ والكلام ما يزال لمايرهوف ـ نقل عن 150 مؤلفاً بينما نقل البيروني من 100 مؤلف. وأفضلية البيروني على ابن البيطار تكمن في أنه نقل عن كتب لم تكن معروفة حتى الآن ويمكن معرفة محتواها اعتماداً على هذه النقول، وهي المصادر التي فصَّل فيها القول مترجم «الصيدنة» إلى الروسية كريموف في مقدمته.
ويمكن أن نذكر من هذه المصادر النادرة «كنّاش الخوز» وهو الكتاب الذي ضمّ آراء أطباء مدرسة جنديسابور وينقل عنه الرازي في «الحاوي». ويذكر اسمه الآخر الذي عرف به وهو «شوسماهي». وكذلك كتاب «العطر» لأبي العباس محمد بن العباس الخشْكي من أطباء العصر العباسي المعروفين والمتوفى سنة 243 هجري، وكتاب «تفاسير الأدوية» لأبي معاذ الجوانكاني الذي نقل عنه البيروني في ما يقرب من 70 موضعاً، ونفل بدوره عن كتاب «الكافي» في الطب لابن مندويه أحمد بن عبد الرحمن الأصفهاني (المتوفى سنة 410 هجرية)، وعن علي بن ربّن الطبري من الأطباء المعروفين للنصف الأول من القرن الثالث الهجري.
وهو ينقل عن بشر السجزي من دون أن يذكر اسم كتابه، والمقصود أبو سهل بشر بن يعقود السجزي المتطبب صاحب «الكنّاش» أو «الرسائل الطبية» الذي ألّفه للأمير خلف بن أحمد المتوفى سنة 399 هجرية. كما ينقل عن أبي نصر الخطيبي، ويعني به نصر بن أحمد، الذي نقل عنه في كتابه «الجماهر» أيضاً.
وفي «الصيدنة» أيضاً حشد كبير من الشواهد الشعرية لشعراء قدامى ومحدثين نذكر من المحدثين ابن المعتز وابن الحجاج وأبي الحسن اللحام وأبي طالب الرقي وابن الرومي والبديهي وأبي القاسم الدينوري بل وحتى المقلّين منهم مثل حاتم بن علي الشامي.
اعتمدت طبعات «الصيدنة» التي صدرت حتى الآن على مخطوطة فريدة محفوظة في مكتبة غورشونلي زاده في مدينة بورصه بتركيا. وطلب ماكس مايرهوف في الثلاثينات أن تستنسخ له نسخة عليها وطبعها لاحقاً. كما استنسخت منها نسخة أخرى للأب أسنستاس الكرملي وهي محفوظة الآن في مكتبة المتحف العراقي وعليها هوامش وتعليقات على حواشي المخطوطة وبين الأسطر وكثير منها نقله عن كتاب ابن البيطار. وأدّت هذه الحواشي إلى خطأ جسيم وقع فيه محققا طبعة الكتاب التي صدرت في باكستان.
إلى طبعة مايرهوف، صدرت للكتاب طبعة بالروسية قام بترجمتها والتقديم لها والتعليق عليها و.ي. كريموف وصدرت في طشقند سنة 1973 وأثني عليها لدقّتها والفوائد التي اشتملت عليها مقدمتها وحواشيها. كما صدرت له طبعة بالفارسية وصدرت طبعتان بالعربية هما:
1 ـ الطبعة الصادرة في باكستان سنة 1973، وحققها كليم محمد سعيد ورانا إحسان إلهي. والخطأ الجسيم الذي وقعت فيه هذه الطبعة أنها اعتمدت المخطوطة التي استنسخت للكرملي بما فيها من إضافات كتبها الكرملي بين السطور، ولم يشر المحققان إلى ذلك فبدت الإضافات وكأنها للبيروني نفسه.
2 ـ طبعة صدرت بطهران سنة 1991 حققها الدكتور عباس زرياب وهي طبعة كاملة للأسباب الآتية:
أ ـ إلى مخطوطة بورصة الفريدة اعتمد المحقق على ترجمة فارسية قام بها في العقد الثالث من القرن السابع الهجري أبو بكر علي عثمان بن أسفرا الكاساني. وتوجد منها ثلاث نسخ اعتمدها محقق الكتاب واكمل نواقص المخطوطة العربية بما وجده في الترجمة الفارسية. ونبّه إلى أن هذه الترجمة الفارسية اعتمدت على مخطوطة أكمل للكتاب هي غير مخطوطة بورصه. وبلغ مجموع المواد التي عثر عليها في الترجمة الفارسية وأضافها الدكتور زرياب إلى طبعته 185 مادة كان حجم بعضها يزيد على صفحتين من المطبوع، وأبقاها بلغتها الفارسية في طبعته هذه ولم يترجمها للعربية.
ب ـ عثر زرياب في جامعة طهران على مخطوطة لكتاب «منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان» وهو كتاب في الأدوية المفردة من تأليف يحيى بن عيسى بن علي المعروف بابن جزلة الطبيب (توفي سنة 493 هجرية) واكتشف في حواشيها شروحاً أضافها سنة 626 هجرية طبيب يدعى الحسن بن علي بن الحسن الجاستي وتضمنت نقولاً من كتب ورسائل طبية منها كتاب «الصيدنة». وأكمل زرياب ما سقط من المخطوطة العربية بما وجده في حواشي منهاج البيان.
ج ـ استفاد محققها من الفوائد الجليلة التي تضمنتها طبعتا ماكس مايرهوف إلى الألمانية وكريموف إلى الروسية، إضافة إلى ما بذله من جهد في مراجعة ما وقع تحت يده من مصادر عربية وفارسية وفي لغات أخرى.
د ـ وضع محقق الكتاب أمام كل مادة اسمها العلمي باليونانية أو اللاتينية.
يقع متن الكتاب في طبعته هذه في 641 صفحة إضافة إلى مقدمة في 49 صفحة وفهارس وافية في 155 صفحة.
إن الحاجة ماسة إلى صدور طبعة عربية كاملة لرائعة البيروني هذه على أن تتضمن ترجمة النصوص الفارسية، التي بلغت 185 مادة، إلى العربية ليتم الانتفاع بهذا الكتاب سواء بمادته العلمية أم في مجال تحقيق نصوص مماثلة له من كتب الأدوية، أو حتى في تحقيق الكتب اللغوية والأدبية. ويكفي أن نشير إلى الكمية الهائلة التي نقل فيها عن كتاب “النبات” لأبي حنيفة الدينوري الذي لم تطبع منه حتى الأن سوى أجزاء عثر عليها هنا وهناك، أو إلى نقوله عن الكتاب الجغرافي المفقود «المسالك والممالك» للجيهاني الوزير الذي نعرفه فقط من خلال المقتطفات التي نقلت في بعض مصادر التاريخ والجغرافيا بالعربية والفارسية، ومثلهما كتاب «الموازنة بين الفارسية والعربية» لحمزة الأصفهاني وكذلك نقوله عن كتاب ديسقوريدس في «الحشائش» وهي كثيرة جداً.
يوسف الهادي
الصين
ـ 1 ـ
تضم جمهورية الصين الشعبية ربع سكان العالم وقد بلغ عدد سكانها في نهاية العام 2000 بليوناً و265 مليون نسمة، بحسب نتائج إحصاء أُجري في البلد الأكثر سكاناً في العالم، ونشرت بكين نتائجه أمس. وقال زهو زيكسين مساعد مدير اللجنة الرئيسية لخامس إحصاء يجري منذ إقامة الصين الشيوعية عام 1949، أن عدد سكان الصين ازداد 132 مليوناً و150 ألف نسمة. مقارنة مع الإحصاء الأخير الذي أجري عام 1990 وتبلغ مساحتها 9 ملايين و561 ألف كيلومتر مربع.
ولا يتضمن ذلك جزيرة فورموزا (تايوان) التي تبلغ مساحتها 35961 كيلومتراً مربعاً، وقد تخلت الصين عن الجزيرة لليابان عام 1895 ثم استعادتها عام 1945 وبعد النصر الشيوعي انفصلت باسم الصين الوطنية.
وتقع بكين العاصمة على مسافة حوالي 11107 كيلومترات من واشنطن وحوالي 5771 كيلومتراً من موسكو.
ويرجع تاريخ أول حكومة معروفة في الصين إلى 2000 سنة قبل الميلاد. ويسيطر الحزب الشيوعي الصيني على الصين منذ 1949.
وقد قبلت الصين في الأمم المتحدة يوم 25 تشرين الثاني 1971. وهي تطالب بجزيرة فورموزا وبعشرين ألف كيلومتر مربع من الأراضي الروسية.
تكثر فيها الجبال والأنجاد وتفصل بين جنوبها وشمالها سلسلة جبال (شين لينغ) التي تعلو أكثر من ثلاثة آلاف متر، تتصل منطقتها الشمالية بجبال التبت التي كانت موطن السلالة المقدسة (الدالاي لاما) المنتشر أتباعها في الهند والصين، وفي الجنوب الغربي هضاب يانان التي يصل ارتفاعها إلى ثلاثة آلاف متر أيضاً وفي سينكاينغ أعلى قمة تبلغ 7429 متراً والجبل المقدس (سانتونغ) علوه 1546 متراً، أما في الشال فتوجد صحراء جوبي المرتفعة.
المسلمون في الصين
هناك أرقام كثيرة، هي موضع الاختلاف، بصدد تعداد المسلمين في الصين ويذكر «كتاب الصين السنوي» لعام 1948 الذي صدر في تشونج كنج أن السكان المسلمين في الصين يبلغ عددهم 48104000 نسمة. والتقدير الرسمي للحكومة يقارب الخمسين مليوناً. ولكن السيد كاظم إمام وهو من الباكستانيين الذين عملوا في الصين مؤخراً أعمالاً متصلة بالدوائر الرسمية ذكر لنا مشافهة أن عدد المسلمين في الصين يبلغ مائة وثلاثين مليوناً، وأنه أخذ هذا الإحصاء من مصادر حكومية صينية. أي أن المسلمين هم ثاني الأجناس الخمسة التي تتألف منها الأمة الصينية عدداً، إذ أنهم يأتون بعد جنس هان، وتأتي بعدهم الأقليات المغولية ثم التبتية فالمانشوية.
أما ما يدّعي من أن عدد المسلمين عشرة ملايين فمردود. وأكثر ما يتجمع المسلمون في الولايات الشمالية الغربية والشمالية الشرقية ثم تتلوها ولايات هونان وهوياي يانج تسي أكثر من أية ولاية أخرى هناك. وأقل ولايات الصين في عدد مسلميها في الوقت الحاضر هي كيانجسو، وشكيانج وفوكيان وكولنج تونج على الساحل، أما فيما مضى فقد كان المسلمون يكوِّنون أغلبية سكانها ونستطيع أن نتصور ضخامة الجالية الإسلامية السابقة في تلك المنطقة إذا عرفنا أن أسرة منج عندما جعلت عاصمتها في نانكنج كان في تلك المدينة ستة وثلاثون مسجداً.
وقد دلّت التحريات الحديثة على أنه كانت في تايوان (فرموزا) جاليات إسلامية قديمة جداً، أما اليوم فليس فيها سوى ألوف، جلّهم صيادون يعيشون على محاذاة الساحل الغربي لجزيرة تايوان الوسطى. وتدل ملامحهم على أنهم وفدوا إليها من فوكيان. وقد كان للزمن وفقدان الزعامة الدينية والعزلة عن الوطن الصيني والرقابة اليابانية أن استولى الجمود على هذه الجماعة، كالأغنام التي ضلّت طريقها وهي بانتظار راعيها، ولم يبق من تمسكهم بدينهم سوى رفضهم أكل لحم الخنزير.
على أنه بعد قيام الحكم الشيوعي في الصين وهجرة من هاجر إلى تايوان بلغ عدد المسلمين عشرات الألوف.
وفي تايوان خمس مساجد، اثنان منها في تايبي، وواحد في تشونغلي، وواحد في تايشونغ، والخامس في كاوسيونغ الواقعة على البحر.
ومسجد تايبي أكبر المساجد، وخلافاً للمساجد في الصين الأم التي تبدو كالمعابد الصينية يتميز مسجد تايبي بهندسته العربية والفارسية وفيه مئذنتان ضخمتان. وتستوعب القاعة بقبتها العالية ألفاً من المصلين وللبناية قاعة احتفالات تتسع لـ 400 شخص.
وأقيم مسجدان جديدان، واحد في «تايشون» والآخر في «كاشفون».
الشيعة في الصين
يقول محمد علي سالمين الكاتب الهندي في مقال له في مجلة العرفان (الجزء العاشر الصادر في أيار سنة 1929) عن مسلمي الصين ما يلي:
«السواد الأعظم من مسلمي الصين هم سنيون من المذهب الحنفي، وقد صادفنا من بضع سنين أناساً صينيين شيعيين في مسجد العجم (موغل) في بومباي (الهند). وتبادلنا الأحاديث معهم ثم سألناهم عما إذا كانوا هم من الشيعة فأجابوا بالإيجاب».
ويقول الأستاذ أحمد علي، أستاذ اللغة الإنكليزية بالجامعة الوطنية المركزية بمدينة نانكين بالصين من مقال له:
«إن أكثرية المسلمين الساحقة في الصين تنتسب إلى المذهب السني الحنفي غير أن هناك عدداً كبيراً من الشيعة، فقد أخذ مذهب الشيعة ينتشر في الصين منذ القرن السابع عشر الميلادي».
وصول الإسلام
لا يتفق المؤرخون على التاريخ الذي دخل الإسلام فيه بلاد الصين، وليس في تاريخ العرب سجل لهذه الحوادث، وورد له ذكر مقتضب في الحوليات الصينية إذ جاء في «السجل القديم لأسرة تانج» أنه في السنة الثانية لحكم يونج وي (31هـ: 651م) قدم إلى البلاط الملكي وفد من بلاد العرب يحمل هدايا. وادّعى هذا الوفد أن دولته تأسست قبل إحدى وثلاثين سنة وهذا يدل على أن ذلك الوفد بلغ بلاط تانج في عهد الخليفة عثمان. وتقول الروايات المتداولة بين مسلمي الصين أن تلك الحادثة كانت تشير إلى أول مرة دخل الإسلام فيها الصين. وكان يترأس الوفد سعد بن أبي وقاص، وكان الوفد يضم خمسة عشر شخصاً جاؤوا عن طريق المحيط الهندي وبحر الصين إلى ميناء كوانجشو جنوبي الصين، ومن ثم عبروا براً إلى العاصمة تشانجان حيث قدموا فروض الاحترام للأمبراطور.
ومع أن الأمبراطور لم يسلم فإنه أعطى الحرية لسعد وجماعته لنشر دعوتهم وعبّر عن إعجابه بالإسلام فأمر بتشييد أول مسجد في تشانجان وهو حدث مهم في تاريخ الإسلام. ولا يزال هذا المسجد قائماً بحالة ممتازة في بلدة سيان الحديثة بعد أن امتدت إليه يد الترميم والتجديد خلال عصور طويلة.
وبعد سنوات عندما تقدمت السن بسعد وأمسى عليلاً أذن له بالعودة إلى بلاده، ولكنه ـ لسوء الحظ ـ توفي وهو في طريقه، ودفن في كوانجشو، وأقيم عند قبره مسجد ولا يزال قائماً إلى يومنا هذا. وهو المسجد التاريخي الثاني في الصين وقضى بعض أتباعه نحبهم في الصين وعاد بعضهم الآخر إلى مسقط رأسهم.
ومن البديهي أن القول بأن سعد بن أبي وقاص هو الذي ذهب إلى الصين ومات هناك هو قول يتنافى مع التاريخ ويبدو أن هناك شخصاً آخر يدعى سعد هو المعني بهذا القول فانصرفت الأفكار إلى سعد بن أبي وقاص.
وفي القرن ونصف القرن الواقع بين 31 ـ 184هـ (651 ـ 800م) وفد عدد غفير من رجال الأعمال العرب والفرس على الصين بحراً، واستقروا بادئ الأمر في كوانجشو، ولكنهم شرعوا يشقّون طريقهم ببطء على محاذاة الساحل إلى المدن الرئيسية حتى لقد بلغوا شمالاً مدينة هانجشو. وكانوا أنى ذهبوا يجمعون التبرعات ويقيمون المساجد لتكون مراكز لدينهم، وكانت تلك المساجد واسعة حسنة البناء بالقياس إلى غيرها وهذا يشهد على المركز الاقتصادي السليم لأولئك التجار. وما زال كثير من تلك المساجد التاريخية المهمة قائماً، ولكن في بعض الأماكن تضاءل عدد الذين دخلوا في الإسلام بمرور الزمن، وصارت المساجد هناك أنقاضاً تاريخية.
وبينما كان المسلمون القادمون بحراً يستقرون في الجنوب على محاذاة الساحل دخل الإسلام في شمال الصين الغربي عن طريق البر وقد أثارت قبائل هسيونج نو في شمال الصين الغربي وقتاً ما اضطرابات متواصلة على الحدود. وبعد أن تم للعرب الغلبة عليهم دخلت هذه القبائل تدريجياً في الإسلام. وفي عهد أسرة تانج، جوبه الأمبراطور هسوان تسونج عام 138هـ (755م) بثورة اضطرته إلى الإلتجاء إلى زشوان فبعث إلى المسلمين في شمال غربي الصين يطلب منهم العون والمساعدة فأرسلوا إليه ثمانية آلاف جندي ساعدوه في محاربة الثوار المتمردين. وعندما تم له النصر خيرهم ـ اعترافاً منه بفضلهم ـ بين العودة إلى أوطانهم محملين بالهدايا أو البقاء في الصين وعندما اختاروا جميعاً البقاء أعطوا مزارع يستوطنون فيها وثمانية آلاف امرأة شابة يتزوجونهن، وهكذا قدمت لهم الأراضي والبيوت، وأتيحت لهم الفرصة ليعيشوا بسلام وسعادة، وأصبح هؤلاء المستوطنون الجدد الآباء المؤسسين للجاليات الإسلامية في شمال الصين الغربي.
إن تحسن العلاقات مع قبائل (هسيونج تو) جلب إلى الصين أعداداً أكثر من المسلمين ممن يصلحون لمزاولة الأعمال التجارية، وفضل الكثير منهم الاستقرار هناك. وجاء فيما بعد تجار من الفرس والأفغان مجتازين الشمال الغربي إلى تشانجان مواصلين الدعوة إلى الإسلام في الصين عن طريق البر.
وفي عهد أسرة منج التي دامت في الحكم زهاء ثلاثة قرون، من عام 770 حتى 1054هـ (1368 ـ 1644م)، أسهم المسلمون كثيراً في حياة الصين، ووطد الإسلام أركانه وأصبح ديناً شائعاً بين الناس. في بداية أسرة منج كان قد مضى على دخول الإسلام الصين سبعة قرون. وكان العدد الكبير من المسلمين الذين استوطنوا في الصين قد وضعوا أسساً مكيناً راسخاً للإسلام، ولكنهم ظلوا طوال هذه السنوات السبعمائة غرباء، وكانوا طبقة خاصة تحرص على لغتها وعاداتها وطبائعها الخاصة، ولم تندمج تماماً مع الشعب الصيني (شعب هان). وأياً كان الأمر فإن المسلمين في الصين في حكم أسرة منج وباندحار النفوذ الأجنبي وتوقف الهجرة فقدوا تدريجياً مكانتهم الأجنبية وصاروا صينيين، وبدأت عاداتهم وطبائعهم تأخذ تدريجياً الطابع الصيني.
وقد يطلق على عهد أسرة «منج» العصر الذهبي للمسلمين في الصين «إذ أن سنين طويلة من السلم والرخاء أدت إلى ازدهار الفن والثقافة التي أسهم المسلمون فيها، وقد أسهم عدد من المسلمين البارزين في قيام أسرة منج. وفي حكم يونج لو الذي دام من عام 808 إلى 836هـ (1405 ـ 1433م) بعث الملك بالسياسي المسلم الشهير «شنج هو» لينشئ علاقات ودية مع البلاد الواقعة جنوبي المحيط الهادي، مع الهند وبلاد العرب وشرقي أفريقيا.
وظل المسلمون في عهد أسرة منج يتولون الحكم، حتى أن بعض المؤرخون يمضي إلى أبعد من هذا فيقول إن أسرة منج كانت أسرة إسلامية. بل أن هناك بينة تثبت الزعم القائل أن منج تاي تسو مؤسس الأسرةى كان مسلماً. ويشيرون إلى أن زوج تاي تسو، وهي الأمبراطورة «ما»، كانت مسلمة، وأن الكثير من رجال دولته المسؤولين كانوا مسلمين، وأنه لم يدخل بعد ارتقائه العرش معبداً للصلاة، وأنه حرم الخمر، ونظم نشيداً من مائة كلمة في مدح الرسول لا يزال منقوشاً على جدران المسجد الكبير في نانكينج ويشير المؤرخون إلى ملامح وجه الأمبراطور كانت غريبة وقد يكون سببها دم غريب، فهو منحدر من أصل فارسي أو غربي، وأياً كان الأمر فقد كان المسلمون يعاملون معاملة حسنة أيام أسرة منج، وكان بين المسلمين والصينيين انسجام ووئام.
وحكمت أسرة شنج من سنة 1054 إلى 1329هـ (1644 ـ 1911م). ولم تكن هذه الأسرة الأمبراطورية الأخيرة في الصين من شعب هان، ولكنها كانت من أقلية أجنبية هي المناشو. وقد أقام المانشو أمبراطورية شنج الاستعمارية التي سيطرت على الأغلبية من الهان والمسلمين والمغول والتيبتيين، وكانت سياستهم الغاشمة «فرق تسد» وتأليب فريق من الشعب على الفريق الآخر تعني بداءة اضطرابات وإيذاء لمسلمي الصين.
ولأن أسرة شنج كانت تشعر بالغيرة من نفوذ المسلمين وتخشى قيام ثورة معاكسة لاسترداد نفوذ أسرة منج، خلقت حوادث كثيرة لتؤلب الناس على المسلمين وتثير حدة الشعور المناوئ لهم. ورد مسلمو الصين على ذلك بالعنف مراراً عدة، ولكن أسرة شنغ قامت بجيشها تقابل المسلمين بالمثل وتنتقم منهم. ولأن جيشها كان بقيادة جنود الهان وتحت سيطرتهم، أدت هذه الأحداث إلى خلق عداء المسلمين إزاء الهان. وقامت أربع ثورات في الفترة الواقعة بين 1236 ـ 1293هـ (1820 ـ 1876م).
وكان ضياع الأرواح وفقدان الأملاك بسبب هذه الأحداث أمراً أداً، وكان رد الفعل الروحي والنفسي عند المسلمين شيئاً مؤلماً، فقد تولدت البغضاء والكراهية في نفوس المسلمين لرجال الدولة والشعب الصيني، وحرموا على أبنائهم دراسة الكتب الصينية أو العمل في مصالح الحكومة، ونما فيهم شعور سلبي نحو الحياة فانزووا ولم يسهموا بنصيب في الحكومة ولم يهتمو بالسياسة أو يكترثوا لها، واستلهموا راحتهم وطمأنينتهم من دينهم، وأدّى هذا إلى اختفائهم تدريجياً عن المسرح السياسي القومي ويمثل هذا الدور الجزر الواطئ لمكانة المسلمين ومركزهم في الصين.
وبسقوط أسرة مانشو وقيام الجمهورية الصينية دخل تاريخ المسلمين في دور جديد فقد أعلن مؤسس الجمهورية ـ وهو الدكتور صن يات ـ سن أن الجمهورية ملك للأجناس الخمسة التي تسكنها ـ وهي هان (الصينيون) ومان (المنشو) ومنج (المغول) وهوى (المسلمون) وتسانج (التيبتيون)، بأوضاع متساوية.
وفي ظلال العهد الجمهوري استعاد مسلمو الصين مكانتهم التي كانوا عليها سابقاً. وكان لسقوط أسرة مانشو ولسياسة التسامح التي سارت عليها الجمهورية أن استعاد المسلمون ثقتهم بالشعب فأسهموا في شؤون البلاد بنشاط، وأسهموا كذلك بالأموال وبالقوة البشرية.
الأثر الشيعي في مسلمي الصين
وعن مسلمي الصين قال فهمي هويدي فيما كتبه عن زيارته للصين وفي كلامه يبدو الأثر الشيعي العميق في مسلمي الصين:
يهون الأمر (في الصين) إذا ما اختلط ما هو سني بما هو شيعي، أو ما هو عربي بما هو فارسي … لكن الدهشة تتسرب إلى الذهن عندما تكتشف أن بقايا الطرق الصوفية ما زالت باقية إلى الآن، وأن إسلام المرء صار يتجسد في امتناعه عن أكل لحم الخنزير الذي بات هو الحد الفاصل بين الإسلام والكفر، وإن في قطاعات كبيرة منهم يحمل الرجل أو المرأة اسمين، أحدهما اسم الصين والثاني اسم الدين.
ومسلمو الصين هم من أهل السنة في غالبيتهم يتبعون المذهب الحنفي، لكن بصمات التأثير الشيعي واضحة في ثقافتهم وممارستهم، وهناك نسبة ضئيلة للغاية من الإسماعيلية (يقال إنهم 20 ألفاً فقط) ينتمون إلى قومية الطاجيك، ويتوزعون على الحدود الصينية الأفغانية.
لكن أكثر المسلمين لا يعرفون شيئاً عن المذهب الحنفي، ولا يدركون أن في ثقافتهم وممارستهم خلطاً بين ما هو سني وما هو شيعي، ولا بين ما هو عربي أو فارسي. فقد أراحوا أنفسهم ـ عن غير قصد ـ من الجدل الذي يمكن أن تثيره هذه القضايا.
وقد نشأت التأثيرات الشيعية والفارسية نتيجة الصلات القديمة، التي كان لتجاور بلاد فارس دور كبير فيها. وهناك نسبة ملحوظة من الآثار الإسلامية الباقية حتى منذ عهد أسرة تانج (بين القرنين السابع والعاشر) تحمل كتابات فارسية إلى جانب العربية.
وبعض كتب الفقه الحنفي المتداولة هناك، مكتوبة باللغة الفارسية. ليس هذا فقط، بل أن الصلاة وما يرتبط بها، ومسميات الفرائض الخمس كلها فارسية. فالصلاة «نماز» والأذان «بانك» والوضوء «آبديس» والصبح «بام بداد»، والظهر «بيشين» والعصر «دكر» والمغرب «شام» والعشاء «خوفتن» وهكذا.
وهم يترقبون المهدي المنتظر (الإمام الغائب) في جنوب الصين. ويفضلون اللون الأخضر لون عمامة «السادة» عند الشيعة، وقد كانت الجبة الخضراء هي الزي المميز للفقهاء في الماضي، ويحتفلون بذكرى السيدة فاطمة، ويعظمون الإمام (الذي يرتبط باسم علي بن أبي طالب) أكثر من الخليفة.
الأغرب من ذلك أنه لا تزال بينهم بقايا للطرق الصوفية، وكان ابن بطوطة قد أشار إلى وجود هذه الطرق عند زيارته للصين قبل ستة قرون. وهذه البقايا متمركزة في مناطق تجمع المسلمين، سينكيانج في الشمال الغربي التي تضم أكبر كثافة سكانية مسلمة في الوقت الراهن. ويونان في الجنوب، التي كانت معقل النشاط الإسلامي في الماضي، قبل تعريفها من سكانها.
ولا يزال هناك من ينتمي إلى الطريقة الخوفية (القريبة من النقشبندية)، والطريقة الجهرية (الأقرب إلى القادرية). الخوفية، الذين يتلون القرآن الكريم بصوت منخفض، وهم موجودون في قانصو وسينكيانج.
والجهرية، الذين يقرأون القرآن بصوت عال، ويعظمون الأولياء ويقيمون الأضرحة أو المزارات لشيوخهم، وهم موجودون في نينج شاه وقانصو، وأشهر مزارتهم في قرية شاجو بمقاطعة قانصو. وهناك قرية بأكملها تتبع الطريقة الجهرية في مقاطعة يونان الجنوبية، اسمها طاهوى سون، أو سوق هوى الكبير وهوى قومية المسلمين الأشهر في الصين.
وغير الخوفية والجهرية فهناك السلفيون والمحدثون.
وكل من هذين الوصفين له مدلول مختلف عما هو معروف في عالمنا العربي. فالسلفيون أو القدامة هم المتمسكون بكل التقاليد القديمة والمتوارثة، مثل قراءة القرآن باجر، والتلحين في التلاوة والصوم على التقويم الصيني، غير مظاهر أخرى تتعلق بصلاة الجنازة.
ويحتفل بذكرى الميت في اليوم الثالث لوفاته، ثم بعد أسبوع، وبعد أسبوعين، وفي الذكرى الأربعين. وتقام له الذكرى السنوية، وعندما تمر عشر سنوات يقام عزاء كبير، يتناوب فيه القراء تلاوة القرآن، وهو ما يتكرر بقدر أقل في كل هذه المناسبات.
وفي الأعياد تتم الاحتفالات في أفنية المساجد. واحتفال مسلمي الجنوب (يونان) بعيد الفطر أكبر من احتفالهم بالأضحى، على عكس مسلمي الشمال، الذين يهتمون أكثر باحتفالات عيد الأضحى. وفي الحالتين يكون الاحتفال بالغناء، والرقص ثم الولائم.
والتقليد في الشمال أن كل سبعة من الرجال والنساء يذبحون بقرة، وكل بالغ يذبح ماعزاً، يسمونها «قربة». وذبح الأبقار والماعز يتم في فناء المسجد، بعيداً عن مكان الصلاة.
وفي العادة يحتفل بعيد الفطر ليوم واحد، أما في عيد الأضحى فيحتفلون لمدة ثلاثة أيام (العطلة الرسمية يوم واحد) وابتهالاتهم لا تتوقف في ذكرى الإسراء والمعراج، أما في ليلة القدر فإنهم لا ينامون الليل.
وليس هناك إحصاء معلن لعدد المساجد، وإن كانت مجلة «بناء الصين» الرسمية قد ذكرت في عددها رقم واحد لسنة 80 أن 1900 مسجد أعيد فتحها في سينكيانج وحدها بعد الثورة الثقافية، أي فيما بين سنتي 78 و80. وحتى إذا افترضنا أن هذه هي كل مساجد المقاطعة، فإن الرقم يظل كبيراً ولا يستهان به. والمرجح أن مساجد سينكيانج لم تفتح كلها، لأن السياسة المتبعة تقضي بأن يتم إعادة فتح المساجد تدريجاً، لا سيما وأن بعضها ـ في مناطق الكثافة الإسلامية على الأخص ـ تعرض لعمليات هدم أثناء الثورة الثقافية، وترميمه يحتاج إلى وقت ليس قصيراً.
في سينكيانج مجتمع مسلم شديد الوضوح، لا تميزه ـ في الشكل ـ عن أي بلد إسلامي. وإذا كانت عمليات تهجير أبناء قومية الهان ليعيشوا وسط الويغوريين قد حاولت أن تغير من معالم هذه المسحة الخاصة، إلا أن تلك العمليات لم تفلح إلا في تحقيق قدر من هدفها في العاصمة أرموش وحدها، أما في القرى المنتشرة في الصحاري الواسعة، فلا زالت الحياة فيها كما هي، لم يتغير في ظاهر حياة الناس شيء عما كانوا عليه في عهد تركستان الإسلامية الشرقية … حتى معدلات الإنجاب العادية، وأسر الستة والثمانية أطفال لا تزال كما هي!
ورغم أن سكان المقاطعة عددهم 12 مليوناً، بينهم سبعة ملايين مسلم إلا أن الملايين الخمسة الأخرى ـ وهم نتاج عمليات الزرع والتهجير ـ يعيشون في مجتمع منفصل، سواء تمثل في قرى مستقلة، أو أحياء مستقلة في القرى المسلمية.
ولأن مسلمي سينكيانج الويغوريين شديدو التمسك بتقاليدهم الإسلامية تماماً مثل مسلمي يونان الهويين، فقد فشلت عمليات التهجير، برغم حجمها الكبير نسبياً، في أن تحقق هدف في هذه المجتمعات الإسلامية المتماسكة.
حقاً لقد أصبح مسلمو يونان «أقلية» في المقاطعة بسبب التهجير من ناحية ونتيجة للمذابح وعمليات الإبادة التي جرت من ناحية أخرى، ولكن تدهور أعدادهم، لم يؤثر على تمسكهم بالتقاليد الإسلامية الراسخة في أعماقهم.
وإحدى ميزات التواجد في سينكيانج أنه يتيح الفرصة للاقتراب من القوميات الإسلامية الأخرى، وأبرزها قومية «القازاق» التي تضم حوالي مليون مسلم، يعيشون كرعاة مقرهم الرئيسي سفوح جبال التاي في أقصى نقطة شمال غربي الصين. ولأنهم رعاة، فهم كثيرو التنقل بخيامهم اللبادية، وبخيولهم وأغنامهم يحطون رحالهم حيث يوجد العشب الأخضر.
الصين
ـ 2 ـ
هناك تفسيران عن انتشار الإسلام في الصين: أحدهما أن قفزة الإسلام في الصين هذه إنما هي تعبير عن اتساع حجم المصالح التجارية بين بلاد العرب والصين، أي أنها كانت تعكس مدى تنامي العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
والتفسير الثاني أن المغول كانوا في الأساس بغير دين، أو قل إن دينهم كان يقوم على عبادة نجمهم السعيد، مع السعي الذي لا يكل ولا يمل إلى استنزاله من السماء، وذلك على عكس الأسر التي حكمت الصين قبلهم، وكانت تدين بالبوذية وتتعصب لها رافعة شعار «لا دين غريب في الصين». وبسبب موقف المغول من قضية الدين، فإنهم لم يترددوا في أن يتساهلوا مع حملة الأديان الأخرى. ولأنهم شعب وافد من الخارج، بالغزو، فقد كان يهمهم إحداث قدر من توازن القوى داخل الصين. عن طريق فتح الباب لظهور قوى جديدة على سطح المجتمع، مما يدعمهم ويثبت أقدامهم، وربما يضعف، من ناحية أخرى، القوى الصينية التي تتحالف ضدهم.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الترك كانوا قد دخلوا الإسلام في تلك الفترة، وهم المعروفون بأنهم مقاتلون أشداء، فإن فتح أبواب الصين لهم قد يحقق هدف مساندة الحكم المغولي، وهو ما أقدم عليه المغول فعلاً.
ورغم أن كلاًّ من الرأيين له وجاهته، فإنه من المقبول أيضاً أن يكون اجتماعهما معاً قد ساهم في إحداث هذا التغيير الذي شهدته الصين في ظل أسرة «يوان». أعني أن يكون النمو الطبيعي للمصالح العربية الصينية، قد توافق مع هذه المصلحة التي ربما ارتآها المغول في فتح أبواب الصين للمسلمين، مما أفرز تلك النتيجة التي نحن بصددها.
وهناك عامل آخر ساهم في تكثيف عدد المسلمين بالصين خلال فترة الحكم المغولي، يتمثل في حقيقة أن المغول الذين استولوا على عرش الصين. كانوا هم الذين اجتاحوا أواسط آسيا، ووصلوا إلى بغداد ودمشق، مروراً ببلاد ما وراء النهر وخراسان وبلاد فارس، وكلها ديار للإسلام في ذلك الزمان. وكان المغول يجندون المسلمين في صفوفهم ـ من عرب وفرس وأتراك ـ فضلاً عن الزراع والصناع الذين أكرهوهم على الانتقال معهم، وكان بعض هؤلاء يجبر على الذهاب إلى الصين مع المغول، حيث بقوا ضمن جيوشهم، واستوطنوا هناك بمضي الوقت.
وأبرز أباطرة المغول الذين يرتبط اسمهم بالمد الإسلامي في الصين هو قوبلاي خان (1215 ـ 1294م)، الذي انقلب على المسلمين في بادئ الأمر، بسبب وشايات قيل إن مصدرها ابن أخيه (أباقا) ـ وهو ابن هولاكو الذي نعرف اسمه جيداً في العالم العربي ـ وكان أباقا متزوجاً من مسيحية، أوغرت صدره على المسلمين، فمضى بدوره يحذر عمه قوبلاي خان منهم ويحرضه ضدهم. فجردهم من حقوقهم وامتيازاتهم القديمة.
غير أن قوبلاي خان اكتشف بعد سبع سنوات من ممارسته لهذا الاضطهاد، أن المسلمين خرجوا تباعاً من الصين إلى جزائر الهند الشرقية، وامتنعوا عن التجارة مع الصين.
وتوجهت مراكبهم من جزر الهند الشرقية إلى العراق ومصر. الأمر الذي أدّى إلى نقص واضح في واردات حكومته، وهو ما اضطره إلى التراجع عن قراراته واحد تلو الآخر. وفي محاولة لاسترضائهم، فإنه بنى لهم مسجداً في (خان بالق) قيل إنه كان يسع مائة ألف.
وتذكر دائرة معارف القرن العشرين أن قوبلاي خان عين وزيراً مسلماً في حكومته، اسمه أحمد الناكتي (أهاما بالصينية).
من ناحية أخرى فإن بعض العرب الذين استقروا تلقوا التعليم الصيني، واجتازوا الامتحان الرسمي للخدمة بالحكومة، وأصبحوا من كبار الموظفين. ومنهم (بوشاوتشع) الذي عين قاضياً، ونظم ديواناً من الشعر الكلاسيكي، أما أخوه (بوشاو كنج) فكان مساعداً لرئيس وزراء قوبلاي خان ويذكر الأستاذ عبد الرحمن ناجوخ في كتابه عن تاريخ العرب هذين الاسمين بالنطق الصيني، ولكنه لم يشر إلى الاسم العربي لكل منهما للأسف.
ويتضمن سجل طبقة الأعيان الملكي لأسرة يوان أسماء أكثر من مائة شخص من المسلمين بلغوا رتباً رفيعة، استحقوا معها أن يضموا إلى السجل. وتشير وثائق الأسرة أنه في سنة واحدة (1333) حصل عشرة من الشبان المسلمين على الشهادة العلمية الملكية العليا، بعدما اجتازوا امتحانها الشاق.
ومن المسلمين الذين برزوا في الحياة الصينية خلال عهد أسرة يوان جمال الدين الفلكي، الذي يرجع إليه الفضل في وضع تقويم جديد، واختراع سبعة آلاف فلكية، أهداها إلى الأمبراطور، لا تزال تحمل أسماء عربية إلى الآن هي: ذات حلق، وذات سموت، ولخمه معوج ولخمه مستوى، وكرة السماء، وكرة الأرض، والأسطرلاب.
ومنهم أيضاً سعد الله الشاعر الشهير، الذي يطلق عليه الصينيون اسم تيان شيء. أو تشي تشاي، وقد تقدم في سلك الوظيفة حتى نال ـ بعد الامتحان ـ إحدى درجاتها الرفيعة التي تعرف باسم (جينشي)، مما أتاح له فرصة تولي مناصب الدولة العليا، حتى أصبح مسؤولاً عن الإسكان والبلديات في مدينة جينكو (تشنجيانج الآن) وتشير إليه الكتابات الصينية باعتباره الرجل الذي «نظم الأسواق وحدد المقاييس والمكاييل والموازين، حتى استقامت أمور البيع والشراء وشهدت الأسواق النظام التام».
السيد الأجلّ
لكن «السيد الأجلّ» هو الذي طبقت شهرته الآفاق بين المسلمين الذين اشتهروا في تلك الأسرة المغولية.
والسيد الأجلّ، هو اسم شهرة، اكتسبه الرجل لشدة ما عرف به من النزاهة والكفاءة. واسمه الحقيقي هو عمر شمس الدين، الذي يقال إنه كان من أهل بخارى، ووفد إلى الصين، حتى برز نجمه، فعينه قوبلاي خان في إدارة بيت مال الأمبراطورية. ثم عيّنه حاكماً على ولاية يونان، بعد فتحها وضمها إلى الصين. ومات في سنة 1270، وعرف في السجلات ـ يذكر توماس أرنولد ـ بأنه «كان حاكماً فطناً عادلاً، بنى في يونان معابد لأتباع كنفوشيوس، بقدر ما بنى فيها من المساجد».
وقد أطلق عليه الأمبراطور اسماً صينياً هو ساي تينتشعي (ترجمة حرفية للسيد الأجل) ثم خلع عليه لقب التشريف (أمير حسين يانج). وبعد وفاته ترك خمسة أبناء وتسعة عشر حفيداً برز منهم ابنه ناصر الدين الذي كان وزيراً وحاكماً لمقاطعة شانسي، وعين حاكماً ليونان، حيث توفي بها سنة 1292م. وخلفه أخوه حسين. وكان الأخوة الآخرون يتولون مناصب رفيعة في الدولة، وكذلك كان شأن أحفاده. ومن أحفاده الأبعدين مانشو أو ماجو (لعله ماجد) ـ (1630 ـ 1710م)، وكان فقيهاً عالماً، نشر مصنفه المشهور (إبرة الإسلام المغناطيسية).
ويذكر توماس أرنولد أن ذرية السيد الأجلّ لعبت دوراً هاماً في توطيد دعائم الإسلام في الصين، وأن أحد أحفاده حصل من الأمبراطور سنة 1335م على الاعتراف بأن الإسلام هو دين الله الحق الخالص)، وهو اعتراف ظل الإسلام يحمله إلى يومنا هذا. وأذن الأمبراطور سنة 142 لشخص آخر من سلالة السيد الأجلّ بأن يبني عدة مساجد في العاصمتين نانكين، وسنيانغو.
اللغة الفارسية في الصين
منذ القدم كانت هناك علاقات جيدة بين إيران والصين في مختلف المجالات التجارية والسياسية والثقافية، وينقل تاريخ الأساطير الإيرانية أن الملك الإيراني (فريدون) كان قد ولّى على أراضي الصين والثّبت أحد أولاده الثلاثة وهو (تورياطوج) وبناءً عليه فإن الصين كانت للإيرانيين، حتى إذا وقع الخلاف بين أبناء فريدون، انفصلت الصين عن إيران.
وبغض النظر عن صحة هذا الأمر أو سقمه فإن الإيرانيين كانوا بحارة يمارسون التجارة البحرية في عهود السامانيين والقرون الأولى للإسلام، وكانوا السبّاقين في المحيط الهندي وبحر الصين، ونقلوا الكثير من الأمور إلى الصين، حتى أضحوا آنذاك همزة الوصل بين الصين والغرب.
ذكر (أحمد اقتداري) في كتابه (من بحر فارس إلى بحر الصين): «ورد في الوثائق الصينية ذكر أناس غير صينيين باسم (بوسه أو بوسيو أو بوسه) وهو ما كان يطلق على الفرس وفارس والإيرانيين الذين كانوا يصلون إلى الصين قادمين من الطريق البحري لفارس.
لهذا يمكن القول إن ما ورد في الوثائق الصينية حول (البوسيويين) أو الفرس في مجال الإبحار والسفن والتجارة في فترة صدر الإسلام وما تلاه، وعن السفن الإيرانية والمهاجرين والتجار الإيرانيين في موانئ الصين كان مستنداً على شواهد عينية».
وإضافة إلى الطرق البحرية كان الإيرانيون على علاقة برية مع الصين أيضاً. فطريق الحرير الذي كان يربط الصين بأوروبا عبر إيران هو أحد الطرق التي كانت آنذاك معروفة عالمياً، وكان الكثير من التجار يترددون على الصين للتجارة معها عبر هذا الطريق. وكان لتردد الإيرانيين على الصين، وإقامتهم في مدنها المختلفة، وزواجهم من الفتيات الصينيات أثره في نفوذ اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية داخل الصين.
ليس محدداً تاريخ دخول اللغة الفارسية إلى الصين بشكل دقيق، لكن (زين بان شن) العالم الصيني تناول موضوع تأثير اللغة الفارسية على الصين فقال:
«من الصعب علينا أن نحدد بدقة زمان دخول اللغة الفارسية إلى الصين، لكن الأمر المسلّم به هو أن هذه اللغة دخلت الصين مع دخول الإسلام إليها. وقد وردت الإشارة إلى أول كتابات فارسية في الكتب الدينية القديمة، وعندما دخلت اللغة الفارسية إلى الصين أول ما درّست كان بين المسلمين الصينيين في الشمال الغربي للصين، ثم شاعت بسرعة في مقاطعة (سين كيانغ) فكان أهل تلك المقاطعة يستخدمون عبارات فارسية كثيرة في معاملاتهم اليومية وخاصة في صلواتهم مثل (أبدست، دوست، جمعة، نماز بامداد، نماز بيشين، نماز ديكر، وغير ذلك).
ثم قام المسلمون الصينيون بتعلم اللغة الفارسية بشوق شديد رغبة منهم في التعرّف أكثر على إيران وتمدّنها المشرق، لذلك فإن أكثر مساجد الصين شكلت حلقات تدريس اللغة الفارسية، وقام بعض المسلمين الصينيين الأذكياء الذين تعلموا اللغة الفارسية من الإيرانيين قاموا بتدريسها في المساجد لمواطنيهم الصينيين.
وألفت آنذاك عدة كتب لتعليم اللغة الفارسية، منها كتاب دراسي عام لتعليم اللغة الفارسية هو (منهاج الطلب) ألّفه عالم اسمه (محمد بن الحكيم الزينيمي) كان مقيماً في محافظة (شاندرونه) في الصين، وهو من أوائل الكتب التي ألّفت لتعليم اللغة الفارسية، وتاريخ تأليفه هو عام 1070هـ».
واستمر تردّد الإيرانيين ونفوذ اللغة الفارسية في الصين، وحتى بعد هجوم المغول على إيران استطاع الإيرانيون أن يؤثروا فيهم أيضاً، فأسلم عدد من زعماء المغول، مما زاد من التردد على الصين، خاصة في عهد حكومة (قوبيلاي قاآن) في الصين.
وكتب عبد الحسين نوائي في كتابه (إيران والعالم من المغول إلى القاجاريين).
«من الإمتيازات المهمة لعهد (القوبيلاي) كان انتشار اللغة الفارسية في بلاد [الصين] فعندما أراد هذا الملك فتح بلاد الصين الجنوبية الحصينة استدعى أشهر المهندسين من إيران والشام لإعداد وسائل الحرب والمنجنيق، ودفع بعدد كبير من إيرانيي ما وراء النهر وخراسان ليعملوا في مغولستان كصناعيين وحرفيين، وكان عددهم كبيراً إلى حد أنهم قاموا في بعض المدن ببناء مناطق خاصة بهم على طراز أوطانهم الأصلية. واستدعى (منغوقا) جماعة من الفضلاء والفنانين والحرفيين من إيران إلى مغولستان، وأمرهم بإعداد كتاب لغة ليستخدم في الدوائر الرسمية ودواوين قراقورم، على أن يضم ذلك الكتاب المصطلحات باللغات: الفارسية والصينية والأويغورية والتنغوتية.
إن توافد الإيرانيين بكثرة إلى الصين آنذاك، كان له الدور الكبير في نشر اللغة الفارسية وآدابها في الصين «وخلال عهد سلالة (يوان) أصدرت وزارة التربية والتعليم الصينية أمراً بتدريس اللغة الفارسية في البلاط الصيني».
ابن بطوطة ذلك الرحالة الإسلامية الكبير، قام بزيارة الصين في النصف الأول من القرن الهجري الثامن، أي بعد قرن من رحيل (قوبيلاي). فدخل المدينة الرابعة (خنسا) واستضافه أمير المدينة. فكتب ملاحظاته حول تأثير اللغة الفارسية على الصين:
«عند وداعي للأمير، أرسل ابنه معي إلى الخليج، فركبنا سفينة تشبه الحرّاقة، وركب ابن الأمير في سفينة أخرى، وكان معه عدد من المطربين والموسيقيين، وكانوا ينشدون باللغات: الصينية والعربية والفارسية. وكان ابن الأمير يحب الغناء الفارسي كثيراً، فكانوا ينشدون له أشعاراً فارسية، ويأمرهم بتكرار ذلك الشعر إلى حد أني حفظت ذلك الشعر وكان له لحن عجيب».
إن إنشاد أشعار سعدي الجميلة والمحببة في بلاط أمراء المغول هو دليل قوي على نقوذ اللغة الفارسية في الصين، وسبب ذلك يعود إلى أن الحكام المغول لم يكونوا يطمئنون لأهالي الصين، فكانوا يستخدمون في بلاطهم عدداً كبيراً من الإيرانيين، وكان المستوى الثقافي للإيرانيين أعلى من غيرهم، لذلك انتشرت اللغة الفارسية آنذاك في الصين، إلى درجة أن (ماركو بولو) الرحالة الإيطالي الشهير قد استخدم في كتابه عن رحلاته عدداً من المصطلحات الفارسية، مثلاً أطل اسم (بل سنكي) أي الجسر الحديدي على جسر (لوغاثو جياثو) الشهير الواقع في ضواحي بكين. وأطلق اسم (زرد دندان) ـ أي ذوي الهنان الصفر ـ على أهالي محافظة (يون تان) وكانوا يلبّسون أسنانهم بالذهب. وسمّى أمبراطور الصين (فغفور) وسمى اليهود في كتابه تاريخ (يوان شي) بالجهود، والمسلمين بمسلمان حسب اللغة الفارسية. وكانت مصطلحات كثيرة يستعملها مسلمو الصين في مساجدهم وخلال احتفالاتهم الدينية هي مصطلحات فارسية.
وخلال عهد السلاطين التيموريين الذين عاصروا أمبراطورية سلالة (مينغ) تردد كثير من الإيرانيين على الصين. وفي ذلك العهد بنيت مساجد جديدة في الصين، أشهرها مسجد مدينة هانجو الكبير، وفيه كتابات باللغة الفارسية وبالخط الفارسي مما يدل على نفوذ اللغة الفارسية في الصين.
وفي صيف عام (1977م) توجه إلى الصين الدكتور غلام رضا ستوده أستاذ جامعة طهران واثنين من الهيئة العلمية للجامعة، بناءاً لبرنامج تبادل ثقافي، ولافتتاح وإدارة اتحاد أساتذة اللغة الفارسية وآدابها، وزار مسجد هانجو وقرأ اللوحة المثبتة عليه وقال: «نقل لي مسؤولو التربية والتعليم الصيني أن هناك مسجداً في مدينة (هانجو) فيه كتابة فارسية، وأن بعضها قد انمحى بمرور الزمن، فحاولت قراءة تلك الكتابات فوجدت: (حق سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا مسجد أسس على التقوى … الحق إن القوة بالله تعالى. امتثالاً لحكم النص القاطع الرباني والبرهان الساطع الصمداني: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. والحديث النبوي والكلام المصطفوي: من عمّر بيت الله عمر بيته في الدنيا والآخرة. إن أي صاحب دولة نوّر بصيرته بنور: فاعتبروا يا أولي الأبصار. وكحل عين الباصرة بكحل: يهدي الله لنوره من يشاء. فسيكون عنده أظهر من الشمس وأبين من الأمس بأن أفضل الخيرات وأقدس المبرّات بناء المسجد و…. كما ينطق هذا الحديث: «من بنى لله تعالى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة. أسأل الله أن يكون هذا العمل مقبولاً عند الحضرة الأحدية والمنزلة المحمدية. ففي عهد هذا … القغفور على عموم الناس ومنور الأنوار ….»).
جاكر دركاه أو، خسرو جم اقتدار
بنده فرمان أو، قيصر خاقان تبار
إذ هنرش كاه رزم، وزكرمش روز بزم
رستم دستان خجل، حاتم طي شرمار
تاج سرا فرازيش، داده زكسرى نشان
تخت شنهنشاهيش، مانده زكي يا دكار
سطح زمين ….
باقي وباينده باد، دولت ….
مملكتش بر دوام، سلطنتش برقرار
هذه السعادة والدولة …. والهداية ببناء هكذا مسجد بأفضل حال وذخر مال من هو كفيل مصالح أهل الإسلام ومرجع …. أبواب ….
هذه جنان عدن فادخلوها خالدين.
عمارتي كه نداد بو كعبه سُبه ومثال
………………………………………..
تا أساس مسجد أقصى است اندر اسمان
در زمين كعبه وبيت الحرام است
و…….
أما الأقسام السفلية فكانت سوداء ويتعسر قراءة كلماتها، لكن جاء في آخر تلك الكتابة عبارة (الباني فخر الدين بن شهاب الدين بن علاء الدين الترمذي) وكانت واضحة مقروءة.
إن وجود هذه الكتابة دليل على الوضع الجيد للمسلمين والإيرانيين في الصين، وقد استفاد الإيرانيون المسلمون من وضعهم ذاك في ترويج ونشر الإسلام واللغة الفارسية في الصين.
وكان (شاهرخ) الملك التيموري على علاقة بالبلاط الصيني، وسعى دوماً إلى أسلمة الصينيين، وأرسل رسالة إلى ملك الصين يدعوه فيها إلى اعتناق الإسلام، جاء في قسم منها: «آمل بموهبة الله وكرمه تعالى أن يوفقكم للعمل بشريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يقوي المسلمين، لعل ملكية عدة أيام دنيوية تتصل بملكية الآخرة حيث أنه: ﴿وللآخرة خير لك من الأولى﴾.
فردّ عليه ملك الصين برسالة مطولة باللغة الفارسية يدعو فيها له وللعالم الإسلامي، ويقرّ فيها بأن المسلمين يحملون صفات أخلاقية وسيرة حسنة، ويتمنى استمرار التعاون بين البلدين، وتشجيع التجار على التجارة بينهم، ويرسل له هدايا ويؤكد له أنه يسعى دوماً للحكم بما يرضي الله تعالى.
إن إرسال مثل هذه الرسالة من قبل أمبراطور الصين إلى بلاط شاهرخ وباللغة الفارسية يدل على أن الأمبراطور نفسه يعرف اللغة الفارسية، أو أن في بلاطه من يجيد الفارسية. وهي دليل آخر على نفوذ اللغة الفارسية في الصين.
وخلال العهدين الصفوي والأفشاري حيث بسطت إيران حكمها على تركستان زاد انتشار اللغة والفارسية بين أهالي ذلك البلد، نتيجة لتعامل الإيرانيين معهم، إلى أن بلغ الأمر درجة كان أهالي (التبّت وكاشغر وقرقيزستان وتركستان) يتكلمون اللغة الفارسية إلى جانب لغاتهم المحلية الأصلية.
علاوة على ذلك فإن الكاتب (شين مائو) في عهد (مينغ) كتب كتاباً اسمه (شوان لن تانغ شونغ بوشوجي) وخصص منه فصلاً تحت عنوان (رحلات إلى الدول الواقعة في الجانب الآخر من البحر) ومن تلك الدول (دولة مكة) ويظهر من طريقة كتابته أن المترجم الذي كان يرافقه كان إيرانياً، فمثلاً يصف زمزم في مكة ما ترجمته بهذا الشكل:
«إنه ماء بئر حلو ولذيذ يسمّى آب زمزم» ومن تركيبة الجملة يتبين أن مترجمه كان إيرانياً ولغته فارسية، خاصة مع استعمال كلمة (آب).
وفي فصل آخر تحت عنوان (المدينة) نراه يستعمل كلمات فارسية أخرى مثل (سياه كوش) و(بيجاده) و(صابوني) وغير ذلك.
وفي الفصول النجومية والجغرافية من الكتاب نجد أنه قد أدرج المصطلحات باللغتين الصينية والفارسية، وكتب لفظ الكلمات الفارسية بالكتابة الصينية ليتمكن بذلك الصينيون الذين يفهمون اللغة الفارسية من تلفظ تلك الكلمات.
ومن ذلك مثلاً:
مجموعها أربعون مصطلحاً في النجوم، وأربعون أخرى في الجغرافيا، وأورد تلفظها بالصينية بشكل صحيح ودقيق جداً. ومثل هذه الوثائق تعد نادرة آنذاك.
وفي أوائل عهود شينغ (1616 ـ 1909م) ألف عالم صيني اسمه (شانغ جي مي) كتاباً سمّاه (قواعد اللغة الفارسية) ويعدّ هذا الكتاب أول كتاب صيني حول قواعد لغة أجنبية، بل لعله أول كتاب وجد في قواعد اللغة الفارسية في العالم.
ومن مظاهر تأثير اللغة الفارسية على الصين وجود نسخ خطّية لكتب في الاتحاد الإسلامي الصيني، وفي مكتبة بكين، وفي مسجد (دون شي) في بكين. هذا الأمر يشير بوضوح أن المثقفين المسلمين الصينيين استفادوا من تلك الكتب الخطية القيمة، وبذلوا محاولات للتعرف على التمدن الفارسي والتمدن الإسلامي. وأغلبه تلك الكتب دراسية، كما إن أغلب تلك الكتب تحمل ترجمات وعبارات باللغة الصينية، وكتبت هذه الكلمات بالخط الفارسي أيضاً وبين السطور، وجاءت أحياناً بخط صيني صغير إلى جانب السطور أو بينها.
أما مضامين هذه النسخ فتنقسم إلى عدة مواضيع:
1 ـ كتب دين وفقه وكلام.
2 ـ أخلاق دينية.
3 ـ سيرة الرسول الأكرم وأحاديثه.
4 ـ تفسير القرآن.
5 ـ التصوف.
6 ـ الآداب وديوان الشاعر سعدي.
ومن الجدير ذكره هنا أن سعدي هو من أشهر الشعراء الناطقين باللغة الفارسية عند الصينيين على مر القرون، فأدب ديوان شعره (كلستان) يعد من الكتب الدراسية المهمة في الصين، خاصة أنه قد امتدح الصين في عدة مواضع من ديوانه، وأقام في رحلاته الطويلة أيام شبابه في أرض (كاشغر سين كيانغ) ويوجد حالياً في مدينة (كاشغر) الصينية مسجد (آزينه) الذي زاره (سعدي الشيرازي) وقد حافظ المسجد على شكله القديم، ويتبادل أهالي المدينة قصة زيارة سعدي لهذا المسجد وصلاته فيه كذكرى تاريخية في مسار التبادل الثقافي بين شعبي إيران والصين.
وفي عام (1948م) قام مسلم صيني اسمه (وانغ صين) يتقن اللغة الفارسية، قام بترجمة (كلستان سعدي) لأول مرة إلى اللغة الصينية.
الشاعر الإيراني الآخر الذي تعرف إليه الشعب الصيني هو الحكيم (عمر الخيام) فقام الشاعر الصيني الشهير (غوموجو) بترجمة (رباعيات الخيام) من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الصينية. وتعرف الصينيون أيضاً على (الشاهنامة للفردوسي) حيث أورد كتاب (الأدب العالمي) أو (جن جن دو) شرحاً مفصلاً حول الفردوسي. وفي عام (1934م) نشرت مجلة (الآداب) الصينية المعروفة والرصينة مقالة تحت عنوان (ألفية الشاعر الفارسي الفردوسي). تناول الكاتب في مقالته تلك زمان تأليف (شاهنامة) والوضع الاجتماعي الذي كان سائداً آنذاك. وجاء في نفس العدد من المجلة أيضاً ترجمة لحكاية (جمشيد والضحّاك). وفي عام (1964م) نشرت ترجمة قصة (حرب رستم وسهراب) في مدينة (شنغهاي) الصينية.
وذكر (إيرج أفشار) في مقالة له تحت عنوان (كتابان نادران في الصين): «هناك كتابان يبدو أنهما غير موجودين إلاّ في الصين، وتوجد منهما عدة نسخ في كل من: مكتبات جامعة بكين، ومكتبة المسجد الجامع لبكين، ومكتبة الاتحاد الإسلامي لمدينة بكين، وهما:
1 ـ كتاب (الإرشاد) من تأليف (أبو محمد عبد الله بن محمد القلانسي) وموضوعه أصول الأخلاق الدينية، وأكثره كتب بأسلوب عرفاني. وقد ذكر مؤلف الكتاب كلاًّ من: الخواجة الإمام الخطيب أبو القاسم الكرابستي، والخواجة أبو تراب النخشبي، وأبو إسحاق البشاغري، والخواجة محمد بن علي حكيم الترمذي (الخواجة الحكيم) والحكيم الجوهري.
وقد زيّن المؤلف كتابه بأشعار يبدو أنها من نظمه هو، فيما ذكر اسماء شعراء مجهولين. ومن جملة ذلك أبيات ذكرها للشاعر (حيدر دهقان) أو ديهقان كما جاء في بعض النسخ:
هميشه راحت وشادي نيايد
همه عمر از غم آزادي نيايد
كماني بود بر تقدير ايزد
به يك ذره به بيداري نيايد
جه ايزد كرستاند يابماند
ازو جز شُكر وآزادي نيايد
بسا محت كه آن اد بهر شادي است
ثرا بر إيزد استادي نيايد
2 ـ الكتاب الآخر هو كتاب (الأربعون) او (خطب الرسول) وأصله العربي من تأليف (تاج الدين الحافظي البخاري) وترجمه إلى اللغة الفارسية (حسام الدين علاء الدين النوجابادي) عام 835هـ. وتوجد في هذه الترجمة نسختان في مكتبات الجامعة، وثلاثة نسخ في مكتبة المسجد الجامع، ونسختان في مكتبة الاتحاد الإسلامي. وجميع تلك النسخ كتبت قبل القرن العاشر الهجري.
وقد أورد المترجم في نصه هذا أبيات شعر فارسية كثيرة، خاصة من أشعار (ركن الدين المقاماتي) مصنفاً إياها في خانة الشعر العرفاني، وينقل حكايات أيضاً.
علاوة على ما ذكر، فإن هناك بعض الكلمات الصينية ذات الأصول الفارسية، فمثلاً: ما يزال المسلمون في شمال غرب الصين يسمّون أول يوم من السنة (نوروز) كما أن بعض مسلمي مدينة (يانغ شو) ما زالوا حتى الآن يستعملون بعض الكلمات الفارسية في مجاملاتهم كقولهم (كوارا) لمن يأكل الطعام من الضيوف، يبدو أنها مأخوذة من كلمة (كوارا) الفارسية. ويقولون عن الطعام الحسن (خوشه) التي يبدو أنها أخذت من كلمة (خوش) أي حسن أو جيد في اللغة الفارسية وهي عرف في إيران.
الاكتشافات الجديدة للآثار في الصين بينت خلال السنوات الماضية أشياء تؤيد تأثير اللغة الفارسية على الصين. فمن التماثيل التي وجدت في غار (جين شوان) في محافظة يونان في الصين لأشكال الأجانب، هناك تمثال بعلامات وكتابات الشعب الإيراني. وفي (بكين) تم اكتشاف أدوات طعام من بقايا سلالة (مينغ) حفرت عليها أشعار فارسية. وفي مدينة (يانغ شو) وجدت مرآة بإطار نحاسي لسلالة (تانغ) رسم عليها لعبة (شوغان) الإيرانية.
وبعد انطلاق الصين الجديدة، انطلقت عملية تعلم اللغة الفارسية ودراستها وتحقيقاتها من حيز المساجد، لتدرس في جامعة بكين، وجامعة راديو، والكلية الإسلامية، كلية الأقليات الوطنية للشمال الغربي. وقد تعلم حتى الآن مئات الطلاب الجامعيين اللغة الفارسية بمستويات مختلفة. وبرز بينهم أول مجموعة من علماء اللغة الفارسية في الصين. وقد نالوا امتيازاً بارزاً في تعليم اللغة الفارسية وفي بحوثها وفي تاريخ الأدب الفارسي، وساهموا في ترسيخ الصداقة والمودة بين الصين وإيران. ومنهم (جان هو نبان) أستاذ جامعة بكين الذي يعمل حالياً في كتابة تاريخ الأدب الفارسي. و(به بي ليان) أستاذ جامعة بكين الذي ألّف أخيراً كتاب (تاريخ الصداقة والمودة بين الصين وإيران). و(سين بين شون) العالم الصيني في مجال اللغة الفارسية وآدابها، الذي ترجم ديوان شعر حافظ إلى اللغة الصينية. و(جان هوي) العالم الصيني في اللغة الفارسية وآدابها والذي ترجم مختارات أبيات الشاعر الإيراني (رودكي) إضافة إلى ترجمة عدد آخر من الآثار الأدبية الفارسية إلى اللغة الصينية مثل: بوستان سعدي، مختارات من أبيات بهار، تاريخ الآداب الإيرانية، وترجمت أيضاً الكتب التالية: قصص محببة من الأدب الفارسي، ليلى والمجنون للنظامي الكنجوي. قام بترجمتهما إلى الصينية (جان هون نين).
إن نفوذ وتغلغل اللغة الفارسية في الصين أدى إلى وجود آثار إسلامية وإيرانية في بعض مناطق الصين، وخاصة في المدن الواقعة عند أطراف طريق الحرير الدولية، فعند أبواب المساجد مثلاً كتبت كلمة (نماز خانه) وعند مدخل خزانات المياه كتبت كلمة (سرداب) إضافة إلى أن كثيراً من الأسماء التي نقشت على لوحات القبور هناك هي كتابات وأسماء إسلامية وإيرانية. حتى أن اتحاد المسلمين قد أعدّ كراساً في تعليم آداب الوضوء والصلاة والغسل والصيام والنية والأدعية المتعلقة بتلك العبادات، وطبع ذلك الكرّاس فإننا نجد أن النية كتبت باللغة الفارسية وبالخط الصيني. وكذلك نية صلاة السّنة وصلاة الظهر والعصر.
أما الأدعية فقد كتبت باللغة العربية، وكتبت تحت كل عبارة عربية أو فارسية ما تعنيه باللغة الصينية. كما أن اللفظ الصيني لبعض أسماء الفواكه التي انتقلت من إيران إلى الصين يشير إلى أن تلك الأسماء قد أخذت عن كلمات فارسية الأصل، مثل:
«لفظة (بوتاء) الصينية للعنب قد تكون أخذت عن (بو ـ تاك) اي العنب الفارسي. وفي المجلد (89) من موسوعة (دامينغ يي توونغ جي) ذكر الفستق بلفظة فارسية (بسته) فصارت في الصينية (بي سي تن) وذكرت موسوعات أخرى أسماء أخرى للفستق، لكن كلها قريبة من اللفظة الفارسية.
وفي الفصل (18) من كتاب (يو يانغ تسه تسو) ورد أن: عناب فارس (الخرما) وردت الصين من إيران، وأنها تعرف بـ (كومان) اي الخرما. وفي كتاب آخر هو (زوغت لو) ذكر الخرما بلفظ (كولومه) ويقال إن اسم الخرما في بعض نقاط إيران ما يزال حتى الآن (كولومه).
إن استخدام بعض المصطلحات الفارسية، والإحساس بالحاجة لتعلم اللغة الفارسية في الصين دفع ببعض أساتذة جامعة بكين لإعداد قاموس فارسي ـ صيني. وقد طبع هذا القاموس، وهو متوسط الحجم، من (2600) صفحة، يحوي (60000) كلمة فارسية حديثة. وله (7) ملاحق، ويؤمن حاجة الباحثين وطلاّب الجامعات الصينيين الذين يقومون ببحوث ودراسات علمية أو يتعلمون الفارسية.
أما في مجال القاموس الصيني ـ الفارسي فهناك عمل متواضع قام به طالب إيراني في الصين قبل إعداد القاموس (الفارسي ـ الصيني) وأطلق عليه اسم (القاموس الصيني ـ الفارسي) في مجلدين.
وتوجد في الصين آثار كثيرة تشير إلى نفوذ اللغة الفارسية في الصين، من ذلك قطعتان من الفخار القديم جميلتان جداً، محفوظتان لدى الاتحاد الإسلامي في بكين في علبة زجاجية. إحداها محفظة قلم مثل المحفظة الإيرانية، كتب على جهة (خامه) وعلى الأخرى (دان). والأخرى مزهرية كتب عليها بيت شعر بالفارسية (هركس نازد به جيزي من بتو نازم بتو) وهما من عصر سلاطين (مينغ) ويبدو أنهما مما كان يعدّه صنّاع الخزف الصيني للإيرانيين، أي أنهما من نفس النسخ الذي كان يرسل منه للسلاطين الصفويين.
ومن الأشياء الجديرة بالمشاهدة في الاتحاد الإسلامي ببكين لوحة من الخط الفني لكلمة (يا مصطفى) وقد خطها رسام صيني بطريقة رائجة في الصين هي مزيج بين الخط والرسم، وذيلها في أطرافها بكلمات صغيرة عربية.
وعلاوة على الآثار الموجودة في الصين الدالة على تأثير اللغة الفارسية هناك، توجد في مناطق مختلفة في الصين لوحات ورخام منقوش باللغة الفارسية تدل على وجود الإيرانيين في الصين في المراحل المختلفة.
الأمر المهم أيضاً هو وجود عدد كبير من أهالي مدينة (تاشفرغان) في الصين يتكلمون اللغة الفارسية، وهذه المدينة هي من توابع (كاشغر) في محافظة (سين كيانغ) غرب الصين. إن سكان (تاشقرغان) هم من الطاجيك الناطقين باللغة الفارسية ومن القرقيزيين الناطقين باللغة التركية. ويطلق الطاجيك على لغتهم اسم (الفارسية الجبلية) ويتكلمون اللغة التركية الإيغورية ولغة (الوخي) أيضاً. لكن فارسيتهم تلك تعد لغة قديمة مقارنة بالفارسية الحالية في إيران، وهي أقدم من لغة طاجيك طاجيكستان وأوزبكستان.
ويلاحظ هذا القدم في مصادر الأفعال والضمائر. أما الأسماء فهي نفس الأسماء المعروفة في الفارسية الحالية، وأحياناً تكون أقدم وأحياناً تكون متفاوتة كلياً.
كبار السن الطاجيك يتكلمون الفارسية، ويحفظون الأشعار الفارسية، ويستخدمون الكلمات الفارسية في مراسلاتهم وكتاباتهم. ويقرأون دواوين شعر الفردوسي وحافظ وسعدي. أما تعلم كتابة اللغة الصينية عندهم فهو أمر جديد تعلموه خلال نصف القرن الماضي فقط.
والقصص الإيرانية القديمة ما زالت حية بينهم يتناقلونها على ألسنتهم، حول رستم والعين التي شرب منها، وحول النبي الإيراني.
الطاجيك شيعة إمامية وإسماعيليون، يعتبرون أن الشاعر ناصر خسرو (394 ـ 481هـ) شيخ طريقتهم، ويقرأون كتابه بعد صلاة الجمعة.
وفي الحال الحاضر، يُدرّس في المدارس الصينية العليا الأدب الفارسي إلى جانب الأدب الياباني والهندي كأهم أقسام الأدب الشرقي.
عندما ذهب ابن بطوطة
وقد تصادف أن قام الرحالة العربي الأشهر ابن بطوطة، برحلة إلى بلاد الصين في أواخر عهد أسرة يوان، في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي ـ سنة 1342م)، ونقل في كتاباته صورة لها دلالتها، ترسم إلى حد كبير معالم الوجود الإسلامي في الصين خلال تلك الحقبة.
فقد كان ابن بطوطة قد استقر به المقام لبعض الوقت في دهلي، كما كان ينطقها العرب القدامى، حاضرة الهند. حيث عمل قاضياً، وصار قريباً من سلطانها تفلق آنذاك. وذات يوم «بعث إليه السلطان خيلاً مسرجة، وجواري، وغلماناً، وثياباً ونفقة» ودعاه للقائه قائلاً إنما بعثت إليك لتتوجه عني رسولاً إلى ملك الصين فإني أعلم حبك في الأسفار والجَوَلان.
وهكذا صدر إليه التكليف بالسفر، الذي يروي قصته قائلاً:
وكان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك وجارية وخمسمائة ثوب من الكمخاء منها مائة من التي تصنع بمدينة الزيتون، ومائة من التي تصنع بمدينة الخنساء، وخمسة أمنان من المسك، وخمسة اثواب مرصعة بالجواهر، وخمسة من التراكش مزركشة، وخمسة سيوف، وطلب من السلطان أن يأذن له في بناء بيت للأصنام «يقصد معبد بوذي» في موضع يعرف بسمهل، وإليه يحج أهل الصين، وتغلب عليه جيش الإسلام بالهند فخربوا المعبد وسلبوه.
فلما وصلت هذه الهدية إلى السلطان كتب إليه بأن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية، فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، والسلام على من اتّبع الهدى.
«وكافأه على هديته بخير منها» هكذا يقول ابن بطوطة، وهو يسجل قائمة الهدايا الكثيرة والثمينة التي بعث بها سلطان الهند إلى ملك الصين.
بعد سلسلة من المغامرات في طريق البحر وصل ابن بطوطة ـ أول ما وصل ـ إلى تسي تون، أوتشوانتشو الآن، التي نطق اسمها الرحالة العربي على أنها مدينة الزيتون. «ويوم وصولي رأيت الأمير الذي توجه إلى الهند رسولاً بالهدية (إلى السلطان تغلق) …. وجاء إلى قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي، وهو من الأفاضل الكرماء، وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني، وهو من الصلحاء. وجاء إلى كبار التجار. فيهم شرف الدين التبريزي، أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند وأحسنهم معاملة، حافظ للقرآن مكثر للتلاوة.
«وهؤلاء التجار، سكناهم في بلاد الكفار، إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح، وقالوا: جاء من أرض الإسلام، وله يعطون الزكوات، فيعود غنياً كواحد منهم»!.
«وكان بها المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج المسجد، وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني».
«وإلى حين لقاء ملك الصين» أو القان كما يذكره في كتابه، فإن ابن بطوطة قام بجولة في بعض مدن الصين الساحلية، حيث وجد في كل مدينة من مدن الصين (يقصد جنوب الصين الحالية) مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم.
ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعيات (صلاة الجمعة) وسواها، وهم معظمون ومحترمون …. لكنه عندما يصل إلى العاصمة «خان بالق»، للقاء ملك الصين، فإنه لا يشير إلى قاض أو شيخ للإسلام. فقط يشير إلى اسم الشيخ برهان الدين، الذي لا يستبعد أن يكون حوله قلة من المسلمين الذين لا يشكلون «جالية». لكنه يسهب في وصف قصر «القان» بدقة مدهشة، ويذكر أنه لم يجده. في المدينة لدى وصوله، إذ خرج لإحباط تمرد في داخل المملكة. وبعد عودته التقاه، سلمه الرسالة، على النحو الذي سجله هو في البداية، ولكن ابن بطوطة لا يذكر شيئاً عن رد فعل ملك الصين، بل يهتم ـ في وصف الرحلة على الأقل ـ بالعودة آمناً إلى الهند.
وختم ابن بطوطة رحلته إلى الصين على هذا النحو.
ونستطيع أن نسجل عدة ملاحظات من قراءة ما كتبه أشهر الرحالة والفضوليين العرب، حول واقع المسلمين في الصين خلال القرن الرابع عشر، في مقدمتها:
ـ إن ثمة انتشاراً ظاهراً للمسلمين في الصين، له حجمه وله تقديره ومكانته.
ـ إن المسلمين يمارسون نشاطات تتركز أساساً في قطاع التجارة بمختلف فروعه.
ـ إن وجود المسلمين يتركز على السواحل، حيث مراسي السفن القادمة والمقلعة.
ـ إن المسلمين خليط من الفرس والعرب أساساً، والترك بعد ذلك. ولم يشر ابن بطوطة إلى مسلمين صينيين، بحيث يمكن يقال إنه حتى ذ لك الحين، فإن بذور الإسلام لم تغرس في التربة الصينية بعد.
عودة إلى العزلة
على هذه الصورة، طويت صفحة أسرة يوان المغولية، لتبدأ صفحة جديدة في ظل أسرة ملكية جديدة، أسرة مينج (1368 ـ 1644م) التي أعادت العرش إلى عرق الهان، الذي تنتمي إليه الأغلبية الساحقة من أبناء شعب الصين.
كان المسلمون قد استقروا كوافدين إلى الصين، وكانوا قد بدأوا ينخرطون في مختلف نواحي الحياة الأخرى، خصوصاً الجيش، من سلالة المجندين القدامى، والزراعة، حيث استقدم المغول أعداداً كبيرة من الزراع المهرة، مع غيرهم، من بلاد خراسان وما وراء النهر.
وبعدما كانت أسرة يوان تنتهج سياسة الانفتاح على الآخرين، فإن أسرة مينج، وهم الصينيون الأقحاح، كانوا أكثر ميلاً إلى سياسة العزلة، الأمر الذي قطع نسبياً جسور الاتصال بين المسلمين المقيمين في الصين، وإخوانهم في ديار الإسلام الأخرى. ولم تكن سياسة العزلة هذه موجهة ضد المسلمين بأي حال، ولكنها نهج طبيعي للسياسة الصينية، له أسبابه التي سنتعرض لها فيما بعد.
أفادت هذه العزلة، في أنها دفعت المسلمين إلى الاندماج في الحياة العامة للأهالي، فتزوجوا من صينيات، ونقلوا بعضاً من عادات أهل الصين وأخلاقهم.
وفي الوقت ذاته، فإن سياسة أسرة مينج تجاه المسلمين اتسمت بقدر معقول من الاعتدال بل والود أحياناً. الأمر الذي انعكس على امتيازات عديدة منحت للمسلمين، وأعداد كبيرة من المساجد بنيت في ظل تلك الأسرة.
ومن المسلمين الذين برزوا في تلك الفترة البحار تشنج هو (من مواليد مقاطعة يونان) الذي كان يقود أسطولاً تجارياً ضخماً، بمعايير ذلك الزمان، أبحر به 7 مرات خلال الفترة من 1405 ـ 1433م، حيث زار 35 بلداً آسيوياً وأفريقياً. في مقدمتها الموانئ العربية العاملة آنذاك. وهو حدث لم يكن له مثيل في تاريخ الإبحار قبل ذلك.
أما هاي زوي، فقد دخل التاريخ الصيني باعتباره موظفاً كفئاً ونزيهاً، وداعية إلى العدل والفضيلة. حتى قدمت سيرته وشخصيته في أكثر من عمل مسرحي وأوبرالي في السنوات الأخيرة.
ومن ناحية أخرى، أقام ملوك أسرة مينج علاقات طيبة مع الأمراء المسلمين الذين يحكمون الدول والمقاطعات غربي الصين، وأكثروا من تبادل السفراء مع الأمراء التيموريين، وقد انتهز أحدهم ـ الشاه رخ بهادر ـ فرصة قدوم أحد السفراء الصينيين للقائه سنة 1412م في قصره بسمرقند، وبعث برسالتين بالعربية والفارسية إلى ملك الصين يدعوه فيها إلى اعتناق الإسلام، وتطبيق شريعة الله.
وقد نشر الرسالتين عبد الرزاق السمرقندي في مؤلفه «مطلع السعدين ومجمع البحرين». ونقلها توماس أرنولد في كتابه «الدعوة إلى الإسلام».
ويعقب توماس أرنولد على الرسالتين بقوله، إنه ليس ببعيد أن تكون هاتان الرسالتان قد خلقتا القصة، التي نشأت في عصر متأخر، التي روت أن أحد أباطرة الصين قد تحول إلى الإسلام. وقد روى هذه القصة، مع غيرها من القصص، تاجر مسلم يدعى سيد علي أكبر، قضى سنوات قليلة في بكين، في نهاية القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، ويتحدث عن عدد كبير من المسلمين، فلم يؤدوا الضرائب، وتمتعوا بكرم الأمبراطور، الذي منحهم هبات من الأرض، ونعموا بالحرية في إقامة شعائر دينهم الذي كان الصينيون ينظرون إليه نظرة احترام وتقدير وترك أمر التحول إلى الإسلام حراً، وكان في العاصمة نفسها أربعة مساجد كبيرة، وما يقرب من تسعين مسجداً غيرها في الولايات الأخرى من الأمبراطجورية، وقد بنيت كلها على نفقة الأمبراطور.
من تظاهرات المسلمين في الصين
علماء أربعة
وعندما انتهى عهد أسرة مينج، وأطل على الصين عهد جديد لدولة مانشو (1644 ـ 1911م) كانت الأوضاع المستقرة للمسلمين قد أفرزت قيادات فكرية رفيعة المستوى. فظهر علماء متخصصون في علوم القرآن والحديث والفقه والتوحيد. وخلف هؤلاء رصيداً كبيراً من المؤلفات القيمة، التي اندثر أكثرها الآن. وفي مقدمة هؤلاء أربعة كبار يتناقل أسماءهم وسيرتهم العجائز من شيوخ المسلمين الآن، ولا تذكرهم أي من المراجع التي تتحدث عن المسلمين هناك. فقد عاشوا حياتهم جنوداً عظاماً، مجهولين، وماتوا ودفنت ذكراهم، ككل الأبطال المجهولين. والعلماء الأربعة هم:
ـ الشيخ وانج داي يو (حوالي 1560 ـ 1660) أول من كتب عن الدين باللغة الصينية، ومن مؤلفاته: «الأجوبة الصحيحة على الدين الحق» و«حقيقة الإسلام» وكتب أخرى في التوحيد والفقه وأحكام الدين.
ـ الشيخ ماتشو (1640 ـ 1711) مؤلف كتاب «إرشاد الإسلام» في عشرة أجزاء الذي طبع مرات عديدة.
ـ الشيخ ليوتشه (1655 ـ 1745) عالم معروف بكثرة مؤلفاته ومنها «حقائق الإسلام» في ستة أجزاء، «سيرة خاتم الأنبياء» في 20 جزءاً و«أحكام الإسلام» في عشرين جزءاً.
ـ الشيخ مافوتشو (1794 ـ 1873م) مؤلف مرموق وفقيه متعمق في علوم الدين كان يقوم بالتدريس ويمارس التأليف معاً، من مؤلفاته «خلاصة أصول الدين الأربعة» و«مقصد الحياة» و«تعريف روح الإسلام» و«أحكام الدين» إلخ.
ومن بين ما أفرزته هذه المرحلة أيضاً، أن المسلمين الذين صارت تجمعهم قومية هم ـ «المحمديون» ذوو الأصول الوافدة من الخارج ـ أصبحوا يحملون أسماء صينية إلى جانب أسمائهم العربية، وأن بعض الأسماء المتداولة في مجتمعات المسلمين أخذت صياغات صينية.
وعلى سبيل المثال فإن اسم محمود عندما دخل في القالب الصيني فإنه أصبح ينطق (ما) ومحمد أصبح (مو) وسعد الدين صار (سا) ونصر الدين أصبح (نا) ونور الدين (نو) …. وهكذا.
ومن حقائق هذه المرحلة أيضاً أن تجمعات المسلمين لم تعد مقصورة على المناطق الجنوبية والساحلية من الصين وحدها، ولكن ظهر الوجود المؤثر لمسلمي الشمال والغرب، ومنهم مسلمو تركستان ـ التي ضمت إلى الصين ـ والمسلمون من ذوي الأصول المغولية مثل الأوزبك والقزاق والتتار، وهم امتداد لقبائل بلاد ما وراء النهر.
أما المسلمون من ذوي الأصول العربية والفارسية، سواء كانوا جنوداً استقروا أو مجنّدين أكرهوا على الانتقال إلى الصين، وقد سموا بقومية هوى، فإنهم لم تكن لهم مناطق تجمُّع محددة، إذ كانوا مستجلبين قبل عدة قرون من الخارج، وليسوا من قبائل مناطق الحدود كالأوزبك أو الترك أو غيرهم. هؤلاء انتشروا في أنحاء الصين، وتداخلوا أكثر من غيرهم في المجتمع الصيني. وفيهم حدثت ظاهرة «تصيين» الأسماء الإسلامية.
وهذا الانتشار أدى إلى تنوع مجالات النشاط الاقتصادي للمسلمين. فبينما ظلت نشاطات مسلمي الجنوب هي التجارة أساساً، أصبحت نشاطات مسلمي الشمال والغرب مركزة في الزراعة والرعي.
لكن الأهم من هذا كله أن المسلمين في تلك المرحلة أصبحوا يتصرفون لا باعتبارهم أجانب وافدين، ولكنهم أصبحوا يتصرفون كمواطنين لهم حقوق يجب الدفاع عنها، الأمر الذي شجعهم على التمرد أكثر من مرة، والثورة أكثر من مرة، واستخدام السلاح في تحدي السلطة، في كل مرة، وهو ما دفع المسلمون ثمناً باهظاً له، وجر عليهم ويلات وخراباً لا حدود له، لكنه ـ من ناحية أخرى ـ سجّل تاريخياً لصالحهم، إذ صنّفهم باعتبارهم مناضلين شجعاناً ضد الاستغلال والظلم.
ولم يكن لهم في خيار ذلك، بعدما استمرت في ظل أسرة مانشو سياسة العزلة التي انتهجتها على مدى ثلاثة قرون تقريباً أسرة مينج التي سبقتها. وتقطعت بذلك صلاتهم بالعالم الإسلامي الذي كان غارقاً في شواغل وهموم أخرى. وكان على هؤلاء المسلمين أن يواجهوا قدرهم وحدهم. مسلحين بإيمانهم فقط!.
وقد بدأ عهد أسرة مانشو بداية لا تبشر بالخير، من وجهة نظر المسلمين ….
المسلمون يعلنون الثورة
فبعد 4 سنوات فقط من تولي السلطة الجديدة عام 1648م، أعلن مسلمو قانصو (هانج تشوفو) الثورة ضد الحكومة. ورفعوا ـ لأول مرة في تاريخ مسلمي الصين ـ السلاح ضد السلطة مطالبين بالحرية الدينية. والمعلومات المتعلقة بهذه الثورة الإسلامية الأولى، شحيحة للغاية. إلا أن الحديث في ذاته يعنينا، من حيث وقوعه أولاً، ومن حيث الأسباب التي أدّت إليه، والتي كانت مؤشراً لما هو قادم في المستقبل، وإن بعد نسبياً.
لقد أثارت نذر الظلم والتضييق على المسلمين واضطهادهم، التي هبّت ريحها مع قدوم أسرة مانشو، شعوراً عاماً بالاضطراب والتوتر في صفوف المسلمين. وقد حاول الامبراطور يوانج تشين في سنة 1731م أن يهدئ من روع المسلمين، فأصدر بياناً هاماً يحدد فيه سياسة حكومته تجاه المسلمين، قال فيه أن المسلمين: «أعتبرهم كأبنائي وأنظر إليهم كما أنظر إلى بقية رعيتي، تماماً، ولا أفرق بينهم وبين الذين لا يدينون بالإسلام. وقد تسلّمت من بعض الموظفين ظلامات سرية ضد المسلمين، سببها أن ديانتهم تختلف عن ديانة غيرهم من أهل الصين، وأنهم لا يتكلمون بلغة الصين، ويلبسون لباساً يختلف عما يلبسه سائر الأهالي.
وهم متّهمون بالعصيان والغطرسة والميول الثورية، وقد طلب مني أن أتخذ ضدهم تدابير صارمة. فلما بحثت هذه الظلامات والاتهامات لم أجد لها أساساً من الصحة». إلى أن قال: «فإذا ظل المسلمون بعد ذلك يتّصفون بما يتّصف به الرعايا الأخيار المخلصون، فسأبسط لهم رعايتي بقدر ما أبسطها إلى أبنائي الآخرين». وأضاف الأمبراطور في رسالته عن المسلمين: «إنهم يجتازون امتحاناتهم في الآداب كما يجتازها أي إنسان آخر. ويقومون بما يفرضه عليهم القانون من تضحية»([374]).
بعد صدور هذا البيان بثلاثين سنة، ثار المسلمون في كاشغر، في الشمال الغربي، وقد ساعد اثنان من بكوات الأتراك الصينيين على قمع هذه الثورة، فتعاطف معهم الأمبراطور كين لنج، وبنى في بكين ـ يذكر بروم هول في كتابه «المسلمون ودولة المانشو» ـ قصوراً لأمثال هؤلاء البكوات، ويقول إن الأمبراطور بنى أيضاً مسجداً ليصلي فيه بكوات الأتراك الذين يزورون القصر الأمبراطوري، وليصلي فيه أسرى الحرب الذي جيء بهم من كاشغر إلى العاصمة.
وكان بين هؤلاء الأسرى فتاة جميلة، أصبحت جارية للأمبراطور، ونالت حظوة عنده. ويقال إنه في سبيل حبها، بني هذا المسجد تجاه قصره مباشرة، كما بنى قبّة في فناء قصره، فتمكنت الجارية من أن تشاهد منها أبناء وطنها وهم يصلون، وأن تشاركهم في عبادتهم. وقد بني هذا المسجد من سنة 1763 إلى سنة 1764م، وهو يحتوي على نقش مكتوب بأربع لغات، كتب الأمبراطور نفسه النص الصيني منه.
وبعد ثورة المسلمين في كاشغر ، ثار المسلمون مرة أخرى في زنجاريا، مطالبين بالحرية الدينية، ولكن الثورة قمعت، ونقل إليها الأمبراطور كين لونج ذاته في سنة 1770م عشرة آلاف من العسكريين استجلبهم من أنحاء الصين، لإقرار الأمن هناك، ويقال إنهم دخلوا الإسلام بعد ذلك.
يبشرون بدينهم
ويستوقفنا في تلك المرحلة تقرير بعث به حاكم ولاية خوانشي إلى الأمبراطور كين لونج سنة 1773م، وهو يشير إلى أن المسلمين لم يتوقفوا عن الدعوة إلى دينهم بين الصينيين، حتى في ظل مرحلة يسودها التوتر والقلق، مثل حكم أسرة مانشو. وأن اشتغالهم بالتجارة والزراعة لم يلههم عن عملية التبشير بالإسلام في تربة الصين الوعرة.
في هذا التقرير يقول حاكم خوانشي:
«إن لي عظيم الشرف أن أحيط جلالتكم علماً بأن مغامراً يدعى هانفوين (الحنفي) من ولاية خوانشي قبض عليه بتهمة التشرد. فلما سئل عن عمله، اعترف بأنه قضى عشر سنوات يطوف بشتى ولايات الأمبراطورية كي يستطلع أحوال ديانته. وقد وجدنا في إحدى حقائبه ثلاثين كتاباً، كتب بعضها بنفسه، وكتب بعضها بلغة لا يفهمها أحد عندنا.
وتمجد هذه الكتب ملكاً من ملوك العرب يدعى «محمداً»، في أسلوب مسرف يدعو إلى السخرية وحين قدّمنا هذا الضال الذي ذكرناه من قبل للتعذيب، اعترف أخيراً بأن الغرض الحقيقي من رحلته أن يدعو لهذا الدين الزائف الذي يتعلمونه من هذه الكتب، كما اعترف بأنه قضى في ولاية شانسي مدة أطول مما قضاه في أية ولاية أخرى». وفي ختام رسالته يطلب من الأمبراطور:
«أن تأمروا بإحراق صحائف الطباعة التي في حوزة أسرته، وبالقبض على من حفوظها وبالقبض أيضاً على من ألّفوا هذه الكتب التي أرسلتها إلى جلالتكم، رغبة في الوقوف على ما ترونه في هذا الأمر».
إن نشاط مثل هذا الداعية المسلم، وظهور مفكرين وفقهاء مسلمين، مثل الأربعة الذين أشرنا إليهم، وهناك غيرهم بكل تأكيد، ذلك يعني أنه كانت في الصين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر على الأقل، بوادر «مد إسلامي»، لم يلق عناية من جانبنا، وهو الذي تنبّه إليه ورصده المبشرون الأجانب والمستشرقون.
فتوماس أرنولد يذكر ـ مثلاً ـ «أن أحد رسل الجزويت في بكين كتب في سنة 1721 يقول إن طائفة المسلمين يتزايد أعدادها شيئاً فشيئاً».
وينقل عن دوهلد أيضاً قوله عن مسلمي الصين في القرن الثامن عشر: إنهم سائرون منذ سنين في تقدم ملحوظ بفضل ما لهم من ثروة. فهم يشترون الأطفال الوثنيين حيثما كانوا ولا يجد آباء هؤلاء الأطفال غضاضة في بيعهم، لعجزهم دائماً عن توفير القوت لهم. وفي أثناء المجاعة التي خربت ولاية تشنتنج، اشترى المسلمون ما يربو على عشرة آلاف من هؤلاء الأطفال. ويتزوج المسلمون بالصينيات، ويشترون لهم الدور، أو يبنون لهم في المدينة أحياء مستقلة، بل قرى بأكملها، وحصلوا شيئاً فشيئاً على مثل هذا النفوذ بدرجات عدة، حتى أنهم لم يتيحوا لأي شخص لا يذهب إلى المسجد أن يعيش بين ظهرانيهم. وبمثل هذه الوسائل تضاعف عددهم إلى حد كبير، خلال القرن الماضي».
واتجاه المسلمين إلى التبشير بدينهم على هذا النحو، يعكس المدى الذي بلغه حرصهم على نشر الإسلام بمختلف الوسائل داخل الصين، وقد يكونون مدفوعين في ذلك بنية خالصة لوجه الله. وربما حفزهم على ذلك أيضاً حرصهم على الإكثار من أعدادهم باعتبار أقلية صغيرة للغاية ـ نسبياً ـ وسط بحر البشر من قومية الهان، التي كانت تتراوح معتقداتها بين البوذية والتاوية والوثنية.
مواطنون لا أجانب
ومع ذلك ظل المسلمون يتصرفون ـ ككل الأقليات ـ بوعي وحذر شديدين.
فقد كانوا حريصين على ألا يظهروا بأي مظهر متميز عن الصينيين، حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم، ولكي لا يتركوا انطباعاً لدى الصينيين بأنهم «أجانب». وأثناء جولتي في المدن والقرى الصينية، لاحظت أن أكثر المساجد بغير مآذن، ووجدت مساجد مصممة على الطراز الصيني. بحيث لا يمكن أن يفرّق الناظر إليها من الخارج، بينها وبين أي معبد أو منشأة عامة في الصين. من ذلك على سبيل المثال مسجد تشي جان راسي (بيت الله العليّ) في شيان، الذي بني في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
وقيل لي إن سر عدم بناء مآذن فوق مساجد المسلمين، يرجع إلى أنهم لجأوا إلى هذا الأسلوب مراعاة لشعور الصينيين، وتجنباً لاستفزازهم، وهم الكارهون بالطبيعة للأجانب.
وفي ثيابهم ومظهرهم كان المسلمون لا يتميزون في شيء عن الصينيين، بل كانوا يذوبون بينهم، حتى لا يكاد يعرفهم أحد لأول وهلة. فأغطية رؤوسهم، وثيابهم الفضفاضة الواسعة، وضفائر الشعر، هذه كلها كانت جزءاً لا يتجزأ من مظاهر المسلمين. في المسجد فقط، كان الشيوخ يضعون العمامة، والمصلون العاديون يرتدون «الطاقية» البيضاء في الأغلب، والسوداء استثناء.
وفي هذه النقطة يقول توماس أرنولد إن القانون فرض أن يكون في كل مسجد لوح للأمبراطور منقول عليه «عاش الأمبراطور الخالد إلى الأبد». وكان المسلمون يسجدون أمامها جرياً على العادة الصينية المتّبعة، وكانت لهم حيل عديدة في التخلص من ذلك، إرضاء لضمائرهم وتفادياً من الاتهام بالوثنية. حتى في بلاد التتار الصينية، التي كان مباحاً فيها للمسلمين امتياز خاص يخول لهم أن يعيشوا غير مندمجين في غيرهم، وأن يكونوا طائفة منفصلة، كان كبار الموظفين من المسلمين يرتدون الزي المخصص لمناصبهم، ويرسلون شواربهم، وجدائل شعر، ويقومون في أيام العطلة بما كان مفروضاً على الموظفين من شعائر الولاة المعهودة، لصورة الأمبراطور، وذلك بأن يسجدوا لها ثلاث سجدات.
وكذلك كان جميع أصحاب المناصب من المسلمين وغيرهم من الموظفين، في الولايات الأخرى، يؤدون في أيام الأعياد والشعائر الخاصة بوظائفهم في معابد كنفشيوس. والواقع أن المسلمين احتاطوا كل الحيطة كي لا يظهر دينهم بمظهر المعارض لدين الدولة، وقد نجحوا، من أجل هذا، في تجنب الكراهية التي كان الصينيون ينظرون بها إلى أصحاب الديانات الأجنبية، كاليهودية والمسيحية.
ورغم حذر المسلمين وحيطته البالغة، فإن هذا الحذر لم يمنع القدر!
مسلسل الثورات والمذابح
ذلك أن حكم المانشو ظل يمارس قدراً من الظلم على الناس، والاضطهاد للمسلمين، كان فوق طاقة احتمالهم، فهبّوا في ثورات متتابعة خلال القرن التاسع عشر، وشملت مقاطعات يونان وقانصوه وتركستان.
وكانت هذه الثورات تقابل بقمع شديد، وصل إلى حد المذابح ومحاولة الإبادة. الأمر الذي أدى بالفعل إلى تناقص عدد المسلمين في أنحاء تلك البلاد، بعدما راح مئات الألوف ضحية هذه المذابح الوحشية.
وكان ذلك كله يجري وراء أسوار الصين. دون أن يعلم أحد، وأكاد أقول إنه في تلك المرحلة لم يكن أحد في العالم الإسلامي مستعداً لغوث، أو حتى الاستماع إلى توسلات وأنين مسلمي الصين.
وخلال مائة سنة، في الفترة ما بين 1758 و1873م، انفجرت خمس ثورات كبرى لمسلمي الصين، نستطيع أن نتصور حجمها من عدد الكتب الرسمية التي صدرت عنها، مسجلة لكل تفصيلات أحداثها، كعادة مؤرخي الأباطرة في الصين منذ الأزمنة القديمة.
ففي سنة 1758م اندلعت ثورة المسلمين في ولاية قانصو بقيادة سوسي سان، وسجل تاريخها في 20 جزءاً من الكتب الرسمية.
ـ وفي مقاطعة سينكيانج، شبت ثورة جنقخ، واستمرت سنتين، من 1825 إلى 1827م وصدر في تاريخ وقائعها 80 جزءاً.
ـ وفي سنة 1855م انفجرت الثورة في مقاطعة يونان، بقيادة سليمان دومرين سياو، واستمرت 18 عاماً، وسجلت في 50 جزءاً.
ـ وفي سنة 1855م اندلع لهيب الثورة في مقاطعات سنكيانج وقانصو وشانسي واستمرت هذه الثورة بقيادة يعقوب بك، طوال 20 عاماً. وقد سجلت أحداث هذه الثورة في كتاب من 330 جزءاً!
وهكذا كانت أحاديث هذه الثورات الإسلامية العارمة قد ملأت مجلدات، مما يتعذر الإلمام به أو حتى تلخيصه، إلا أن ثورة يونان لها ملابسات خاصة جديرة بالذكر والانتباه.
من المسلمين إلى غلادستون
فتلك الثورة فجرها حادث صغير، بعض الصينيين والمسلمين اتفقوا في سنة 1855م على استخراج الفضة من منجم في منطقة (تالي فو)، وبعد انتهاء المهمة حاول الصينيون الاستئثار بالكسب، فثار المسلمون، الذين لم يسكتوا، واشتبك الفريقان وسقط منهم قتلى، ولكن حاكم المقاطعة انحاز إلى صف الصينيين، وكتب إلى الأمبراطور يطالب بقمع المسلمين. فتوجهت قوات الأمبراطور إلى مناطق المسلمين لتأديبهم، وكانت قيادة المسلمين لأحد العلماء، اسمه ماتيه سنج، وكان مساعداه هما القائدان ماهسين (محسن) ودووين سياو، وفي أول مواجهة انتصر المسلمون على قوات الأمبراطور، واضطرتها إلى طلب الهدنة. ولكن الأمبراطور استخدم الحيلة، واستمال إلى جانبه ماتيه سنج بالأنعام والعطايا، كما استمال ماهسين، بترقيته إلى رتبة قائد في الجيش الصيني.
وبعد أن تحركت قوات المسلمين واستولت بعد عناء على تالي فو عاصمة المقاطعة، وشقت طريقاً إلى بورما للحصول على التموين والسلاح، بعد ذلك نجحت حيلة الأمبراطور، وطلب ماتيه سنج وماهسين من المسلمين إلقاء السلاح. ولكن دووين سياو رفض الاستجابة لدعواهم، وأصر على تخليص يونان من عرش الأمبراطور، متشبثاً بالإنجازات التي حققها المسلمون.
ولقي دووين سياو تأييداً من المسلمين، حتى اختاروه ملكاً عليهم، ولقبوه بالسلطان سليمان سنة 1868. فجعل عاصمة ملكه تالي فو، وظل صامداً يقاوم القوات الصينية، ويحول بينها وبين السيطرة على يونان.
وهنا تروي (دائرة معارف القرن العشرين ـ فريد وجدي)، قصة ملفتة للنظر. تقول إنه في سنة 1870م وصل إلى الصين القائد الإنجليزي (سلادن) في بعثة سياسية، فسعى بعض زعماء المسلمين إلى لقائه، وطلبوا منه أن يحث حكومته على مساعدتهم في تأسيس مملكة إسلامية بالقرب من بورما، في مقابل تأييدهم للإنجليز عند اللزوم، فاشار سلادن على الزعماء المسلمين بأن يوفدوا الأمير حسن ابن السلطان سليمان إلى إنجلترا، ليبحث الأمر مع الحكومة الإنجليزية.
وبالفعل ـ تقول الرواية ـ سافر الأمير حسن إلى لندن، والتقى برئيس الوزراء الإنجليزي غلادستون الذي لم يرحب بالفكرة، واعتذر عن تدخل إنجلترا في شؤون مسلمي الصين.
وعندئذ قرر الأمير حسن أن يطرق باباً آخر. فاتجه إلى الآستانة، والتقى بالسلطان عبد العزيز، الذي أظهر رغبة شديدة في الاستجابة إلى طلبه، ولكنه اعتذر بأن الظروف لا تمكنه من ذلك.
وعندما عاد الأمير حسن إلى يونان في سنة 1873م، وجد أن الحكومة الصينية قد قضت على مقاومة المسلمين في يونان. وأن أباه انتحر بالسم في يناير من نفس السنة، وأن ثلاثين ألفاً من المسلمين قد ذبحوا، في حملة تأديب عنيفة، بينما لجأ ألوف آخرون إلى بورما.
وخلال حكم أسرة المانشو، لم يقتصر الأمر على هدم الدور والمساجد ومصادرة الحريات والأملاك، بل ذهبوا إلى حد تحريم ذبح البقر، ليضطر المسلمون إلى أكل لحم الخنزير، إمعاناً في المهانة والإذلال، الأمر الذي تصدى له المسلمون بكل عنف، وتحدوه بكل قوة. ومنع المسلمون من السفر لأداء فريضة الحج، فكانوا يتحايلون بأساليب مختلفة لأداء الفريضة، فأصدرت حكومة المانشو قرار يمنع المسلمين الذين يسافرون للحج أو حتى لطلب العلم، من دخول الصين عند العودة. فنشأت بينهم عادة غريبة، وهي عادة الحج بالنيابة. وتوافد عليهم فقراء المسلمين من الأمم القريبة لينوبوا عنهم في الحج بأسمائهم.
وقد كان سلاح الضرائب واحداً من السياط الحادة التي ظلت تلهب ظهور المسلمين طوال حكم أسرة المانشو.
وعلى سبيل المثال فإن مقاطعات الشمال المسلمة ظلّت تعيش في ظل أربعة من أمراء الإقطاع، الذين تولوا استغلال المسلمين وتأديبهم بصورة بشعة. فقد كانت الضرائب المفروضة على أهالي مقاطعة ينجشا تتسع لتشمل الخيول والأبقار والجمال والخراف، والطيور المنزلية، وحمل الملح، واستهلاك الملح، ولمبات الغاز، والطعام والخشب، والفخم، والجلود، والحفلات، والدخان، وذبح الحيوانات، والري والطواحين- والخضراوات، إلى غير ذلك من محتويات القائمة المذهلة التي لا يمكن أن يصدقها عقل!
وكان الأمراء يحتكرون تجارة الملح. ولذلك كان كل فرد ملزماً بأن يشتري كل شهر رطلاً من الملح، استعمله أم لم يستعمله، وكان محرماً عليه أن يبيعه، وإلا عوقب بالجلد، وإذا ما ضبط متلبساً بهذه «الجريمة الشنعاء»، فإنه يعاقب بالموت.
يموت المسلم إذا باع حفنة من الملح … هذه هي قيمته!.
بعثة السلطان عبد الحميد
ويبدو أنه ما إن قارب القرن التاسع عشر على نهايته حتى كان المسلمون قد انكسرت شوكتهم في الصين، بعدما هدتهم تلك الضربات القاصمة. فلجأوا إلى مهادنة الحكومة، مستخدمين «الأساليب السلمية» في ممارسة نشاطاتهم. ومن جهة أخرى، فإن حكومة لامانشو لم تمانع في هذه المهادنة، وقد اطمأنت إلى أنها قابضة على زمام الأمور في مناطق المسلمين بيد من حديد، ممثلة في عسكر الأمبراطور وقوانينه الصارمة.
لقد رأى كل طرف مصلحة له في المهادنة، لكن الجراح بقيت كما هي، غائرة وعميقة ومستعصية على الالتئام.
وتسجل السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين ظاهرة توجه المسلمين إلى مختلف النشاطات التربوية والتعليمية. فقد استطاع إمام مسجد بكين الشيخ الياس عبد الرحمن وانج، أن يحصل من السلطات الحكومية على موافقة لإنشاء أول معهد إسلامي بالمدينة، سنة 1903م، وأول مدرسة ابتدائية لأبناء المسلمين، كانت تدرس ـ لأول مرة ـ اللغة العربية إلى جانب اللغة الصينية، وتتداول فيها الترجمة الصينية للقرآن الكريم والأحاديث النبوية. وكان تعليم أبناء المسلمين يتم قبل ذلك ـ إذا تيسّر ـ من خلال «الكتاتيب» المنتشرة في القرى، ثم من خلال المدارس الحكومية بعد ذلك.
في تلك الظروف ـ تذكر الأنسكلوبيديا الفرنسية ـ حاول السلطان عبد الحميد أن يقيم علاقات مع مسلمي الصين، وأن يتقصّى أخبارهم. فأوفد أحد رجاله، أنور باشا، وهو غير ناظر الحربية الشهير، الذي وصل إلى بكين سنة 1900م، ولكن مهمته لم تنجح.
وفي الوقت ذاته، زار الآستانة إمام مسجد بكين، الشيخ الياس عبد الرحمن، الذي أتيح له أن يلتقي بالسلطان عبد الحميد، واقترح عليه إرسال بعثة إسلامية إلى الصين. ولقيت الفكرة قبولاً عنده، وهو الذي سعى إلى ذلك من قبل ـ فأوفد السلطان اثنين من المسلمين الأتراك، هما رضا وحسن حافظا، اللذان أسسا مدرسة ضمّت 120 طالباً في مسجد (نيوجاه) القائم إلى الآن في العاصمة.
ولكن العهد لم يطل بهذه الهدنة إلى الحد الذي يسمح للجراح بأن تندمل، لأن عرش أسرة المانشو كان يواجه أعاصير تزلزله. من ناحية أخرى كانت الجمعيات السرية قد انتشرت في الأمبراطورية، ثائرة على الفساد المستشري في الحكم، وعلى الطغيان والظلم، وعلى تحويل البلاد بصورة مهينة إلى منطقة نفوذ مقسمة لحساب الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وعلى تخاذل أسرة مانشو وهزيمتها أمام اليابان. و…. و… إلخ.
كان السوس قد استشرى في جسد أمبراطورية المانشو حتى بلغ النخاع، ولم يكن هناك بديل عن الثورة، واستئصال أصل الداء، أسرة المانشو، بل والإطاحة بالعرش الأمبراطوري كله.
وفي حين كان المسلمون يخوضون الصراع ضد أسرة المانشو، ويفجرون الثورات في الجنوب والشمال والغرب، كانت القوى الوطنية الصينية تمهد لخوض معركة مريرة وشرسة ضد الأسرة ذاتها، بكل ما يمثله نظام حكمها من شرور.
كان المسلمون والوطنيون الصينيون يقفون في خندق واحد، لأنهم كانوا في محرقة واحدة، ويكتوون بنار واحدة.
وعندما نجحت الثورة الوطنية وأعلنت الجمهورية في عام 1912م، بدأت صفحة جديدة في تاريخ الصين.
عهد الجمهورية
منذ اليوم الأول لإعلان الجمهورية في الصين ـ 10 (تشرين الثاني) أكتوبر سنة 1911م ـ كان معروفاً سلفاً في أي مربع يقف المسلمون، وربما كان معروفاً أيضاً أي ثمن دفعه المسلمون بسبب وقفتهم هذه. ومنذ ذلك اليوم الأول، سارع مسلمو جنوب الصين إلى تأييد الجمهورية، واستجابوا لنداء الدكتور صن يات صن الذي دعاهم فيه إلى إقناع مسلمي المناطق الشمالية والغربية بالوقوف وراء الثورة، والتضامن معها في القضاء على فلول أسرة آخر أباطرة الصين.
لذلك لم يكن غريباً أن تبادر الجمهورية الوليدة، برئاسة الكتور صن يات صن، إلى الاعتراف بالمسلمين باعتبارهم أحد العناصر الأساسية الخمس التي تقوم عليها البلاد.
ولم يكن غريباً أن تظهر إلى الوجود في عام 1912م، أول جمعية لمسلمي الصين، التي حملت اسم «جمعية التقدم»، واستقر بها المقام في يونان، حيث أصدرت بالصينية مجلة «المنبه الإسلامي». وكانت أول جمعية إسلامية صينية استأذنت شيخ الأزهر في إيفاد بعثة من شباب يونان المسلم للالتحاق بالأزهر الشريف.
ولم يكن غريباً أن يتوالى إنشاء جمعيات المسلمين، وإصدار صحف لهم. فأنشئت ـ بعد جمعية التقدم ـ الجمعية الإسلامية الصينية في شنغهاي، وتأسست بعدها في نانكين ـ العاصمة وقتئذ ـ «نقابة المسلمين» بإذن من الحكومة.
وشهدت هذه المرحلة أيضاً ظهور مجلة (نضارة الهلال) في بكين، و(نور الإسلام) في تينجان، و(مجلة العلوم الإسلامية) في كانتون، وفي أوائل الثلاثينات من القرن الحالي، سنة 1931م تحديداً، سافرت إلى مصر أول بعثة من أبناء مسلمي الصين لدراسة الإسلام في الأزهر، وكانت تضم خمسة أشخاص، أوفدتهم جمعية التقدم في يونان على نفقتها، بينهم عبد الرحمن ناجونح، الذي تخصص في التاريخ الإسلامي، ولا يزال يقوم بالتدريس والترجمة إلى الآن.
في تلك المرحلة، كانت نتائج تخلف التفكير الديني قد بدأت آثاره تظهر على السطح. وظهرت فرقة تعتقد في أن ما هو لونج الذي قاد ثورة مقاطعة قانصو في عهد أسرة المانشو، إنما هو «قطب» من الواصلين إلى الله سبحانه وتعالى وثبتت هذه الفكرة، حتى قيل إن منزلة القطب هذه انتقلت إلى خلفائه بعد استشهاده، مما أعطى بعض أقاربه حقاً في قيادة بعض مسلمي قانصو، في طريقة منسوبة إلى القطب الأب، ما هو لونج، عرفت باسم «الجهرية».
وهذه الطريقة الجهرية هي من إفرازات فكرة غريبة سادت في قانصو في أوائل القرن الحالي، وانتشرت بين المسلمين، ووجدت فرقاً تؤيدها وتدعو إليها. وخلاصة هذه الفكرة أن كلاًّ من الخلفاء الراشدين له «طرقة» تختلف عن الآخر، وتظهر معالمها في كيفية تلاوة القرآن الكريم، وقراءة بعض الأدعية والمأثورات عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأبو بكر رضي الله عنه طريقته «الخفية» ـ ينطقونها «خوفية» ـ حيث ينبغي أن يقرأ القرآن بصوت منخفض وغير مسموع. أما عمر فطريقته «الجهرية»، وأتباعها يقرأون القرآن بصوت جهوري مرتفع. وطريقة عثمان هي الكبارية أو الكبروية، على اعتبار أنه كان كبيراً في السن. أما علي بن أبي طالب فطريقته «القادرية»، والطريقتان الأخيرتان لهما أوراد وأدعية خاصة تميزهما عن الغير!
وأتباع ما هو لونج من هؤلاء الجهورية، الذين يقرأون القرآن بصوت عال، ويرخون أيديهم أثناء الصلاة، ويعتقدون في الأولياء وزيارة القبور.
وإلى جانب هذه الطرق أو الفرق، فقد شهدت بداية القرن الحالي ظهور جماعة أخرى من المسلمين تحمل اسم «الأخوان»، وهو الاسم الذي كان يحمله أتباع محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب الوهابي في الجزيرة العربية.
وقد بدأت هذه الجماعة عندما أتيح لأحد أبناء قرية كويروان (البستان) في مقاطعة قانصو، أن يؤدي فريضة الحج عام 1894م، وهذا الرجل اسمه الشيخ نوح ماكويوان، ويعرف بين المسلمين الصينيين إلى الآن باسم «الحاج بستاني».
عاد الحاج بستاني من الحج وهّابياً يدعو إلى مذهبه، إلا أن المسلمين إذا كانوا قد سعدوا بالاعتراف ببعض النشاطات التي كانت محظورة عليهم من قبل، فإنهم بمضي الوقت تعرضوا لمنغصات أعادت إليهم صور أحزان الماضي وآلامه.
الجحافل الحديدية
وتكشف الكتابات الصينية، المنشورة بعد انتصار ماو على شيانج كاي شيك ورجال حزب الكومنتانج (حزب الشعب) ـ عن أنه حدث صدام في أواخر عام 1911م، بعد إعلان الجمهورية بين المسلمين وحاكم مقاطعة سنتياج، أدى إلى قتل مائة ألف شاب وفتاة من المسلمين.
وفي سنة 1928م ـ يذكر كتاب الصين المتحررة الصادر في بكين عام 57 ـ حدث أن قام المسلمون في مقاطعتي قانصو وليشيا «بثورة مسلمة ضد فساد حكم شيانج كاي شيك وعصابته، وقد ذهب ضحية هذا الجهاد المسلح العادل ما يربو على عشرة آلاف مسلم قتلوا في مذابح بشرية بشعة، فضلاً عن إحراق منازلهم. وعاث الطغاة في قانصو فساداً، حيث دمروا المنازل وأهلكوا الحرث والنسل».
وحينما قام المسلمون يطالبون بحقهم في الحياة ـ يضيف الكتاب ـ فإن آلافاً آخرين ذبحوا فيما بين سنتي 1930 و1941، في مقاطعتي هيوان وكويوان. وقد بلغت قسوة رجال الكومنتانج حداً جعلهم يجبرون بعض الجنود المسلمين في الجيش، لكي يقوموا هم أنفسهم بهذه العمليات الوحشية ضد إخوانهم المسلمين.
«ولا ينسى المسلمون في الصين، ما قاسوه من فقر مدقع في عصر الكومنتانج، إذ كان لا يتسنى لأي فرد من المسلمين أن يذبح بقرة أو خروفاً، قرباناً لله، لضيق ذات يده. حتى أنهم أسموا عيد الفطر «عيد الدموع» وأطلقوا على عيد الأضحى اسم «عيد الذل».
ذلك فضلاً عما قامت به حكومة الكومنتانج من هدم لبعض المساجد في شيوشين، وبكين، وموشياشونج تسي، وتياستين.
ورغم أن الأمر قد لا يخلو من مبالغة، فرضتها اعتبارات الهدف الدعائي الذي كان مروجاً في الخمسينات، بعد انتصار ماو على شيانج كاي شيك، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الحقيقة على الأقل.
ولأن هذه المعلومات تتحدث عن واقع عانى منه المسلمون أياً كان حجمه، فإن ذلك يقودنا إلى معرفة المربع الذي وقف فيه المسلمون عندما احتدم الصراع بين كاي شيك وماو. الأمر الذي دفع المسلمين إلى تأييد خط القوى الوطنية الذي تزعمه الرئيس ماو ودورهم في المسيرة الكبرى من جنوب الصين إلى شماله شاهد على ذلك. فقد سمعت من شيوخهم الذين لا يزالون على قيد الحياة، من يقول إن اشتراك المسلمين في المسيرة كلفهم خسائر فادحة في الأرواح. لأنهم كانوا يقدمون على غيرهم، باعتبارهم مقاتلين أشداء، مما حملهم عبئاً أكبر من الآخرين طوال معارك الطريق.
ومن ناحية أخرى فإنه عندما دقت طبول حرب المقاومة الصينية ضد الاحتلال الياباني (1937 ـ 1945) كان موقف المسلمين يشرفهم حقاً، ليس فقط كوطنيين مخلصين، بل كمقاتلين شجعان أيضاً.
فقد شكل المسلمون أثناء حرب المقاومة «فصيلة قومية هوى» التي عرفت باسم «الجحافل الحديدية»، بقيادة ضابط مسلم دخل تاريخ الصين الحديث، لبسالته الفائقة، اسمه هابن تشاي.
وتحت قيادة هذا المقاتل الشجاع خاضت «الجحافل الحديدية» معارك طاحنة ضد اليابانيين في شمال الصين، حققوا فيها انتصارات باهرة، كانت سبباً في إيقاف محاولات اليابان الاستيلاء على منطقة سينكيانج.
ذلك على الصعيد العسكري وعلى صعيد آخر فإن المسلمين الصينيين شكلوا أربع بعثات، سافرت إلى العالم العربي وبعض دول آسيا الأخرى، في مهمة لكسب الرأي العام في تلك الدول إلى جانب الصين في معركتها ضد العدوان الياباني.
وفي المواجهة المسلحة بين شيانج كاي شيك، مؤيداً بالغرب والأمريكان، وبين ماوتسي تونج مؤيداً بالقوى الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الصيني، وهي ما يسمى في الصين الآن (بحرب التحرير 46 ـ 49)، فإن المسلمين وقفوا إلى جانب ماو، الذي كان نجمه يصعد باعتباره رمزاً لنضال الشعب وآمال جماهيره الفقيرة، ومن بين ملايين المسلمين في الصين، فإن الذين، اتجهوا إلى فورموزا، مع رجال كاي شيك، لم يتجاوز عددهم 40 ألفاً فقط!
وعندما دخل ماوتسي تونج بكين في أوائل أكتوبر سنة 1949، معلناً انتصار الثورة وبدء صفحة جديدة تماماً، فإن مسحة من التفاؤل الشديد عمت المسلمين، حتى تجددت ثقتهم في المستقبل الذي بدا مشرقاً ومفتوح الآفاق بغير حدود.
الفقهاء الأربعة
لقد كانت السنوات التي انقضت فيما بين عامي 1900 و1949 ـ ورغم كل ما تخللها من ملابسات ـ بمثابة مرحلة التقاط الأنفاس بالنسبة للمسلمين، مرحلة النهوض من الكبوة استعداداً لممارسة الحياة الطبيعية بغير كبت ولا قهر ولا اضطهاد.
كانت مدارسهم ومعاهدهم يتزايد عددها، ويتحول فيها المنهج التقليدي العتيق، إلى آخر أكثر عصرية وجدوى. وكانت جمعياتهم تُدعم وتوسع من نشاطاتها رأسياً وأفقياً.
وكانت صلاتهم بالعالم الإسلامي قد تجددت، عادت وفود الحجاج الصينيين إلى بيت الله الحرام، وقطعت الجمعيات الإسلامية الأهلية شوطاً لا بأس به في اتجاه إيفاد مبعوثين صينيين للدراسة في الأزهر. إذ سافر خمسة أشخاص عام 31، وخمسة آخرون في العام الذي يليه، ثم ثلاثة في عام 33، وستة في عام 34، ثم 16 مبعوثاً دفعة واحدة في عام 1937، وقد أطلق على هذه المجموعة التي سافرت إلى مصر اسم البعثة الفاروقية، مجاملة لملك مصر السابق «فاروق»، الذي حرصت أول بعثة صينية إلى الأزهر على مجاملة أبيه (الملك فؤاد) فحملت إليه عام 31 هدية من الشاي الصيني الذي لم يكن قد سمع به من قبل!
وبذلك بلغ مجموع الصينيين الذين درسوا في الأزهر 35 شخصاً، في الفترة ما بين عام 1911 و1949، رغم أن بعضهم واجه مشاكل في الاعتراف بشهاداتهم في ظل حكومة الكومنتانج.
وفي الوقت ذاته طبع المصحف الشريف باللغة العربية 4 مرات، وبدأت طباعة بعض الكتب الإسلامية الأخرى.
وكانت هذه هي المرحلة التي أفرزت عدداً من علماء المسلمين الذين برزوا فيما بعد، وبذلوا جهوداً مضنية من أجل تعريف مسلمي الصين بدينهم على وجه صحيح. بالتأليف والترجمة من العربية إلى الصينية، ومن هؤلاء:
الشيخ وانغ جينغ تشاي المتوفى في عشية التحرير، ومن مواليد تيانجين وقد عمل إماماً ومعلماً ومحرراً ـ صاحب المجلة ـ مجلة «نور الإسلام» التي أنشأها وساهم هو وأفراد عائلته في طبعها وتوزيعها … ولم تتح له فرصة دخول مدرسة نظامية. وإن استوعب بجهده الدائب اللغات الصينية والعربية والفارسية بل وخلف وراءه كثيراً من الترجمات، وأشهرها ترجمة «القرآن الكريم» المطبوع في سنة 1945، وهي أفضل وأكمل ترجمة للقرآن ظهرت بالصينية، ثم كتاب «العمدة» وهو الكتاب الفقهي الشائع في الصين منذ أكثر من ثلاثة قرون. و«كلستان» ديوان الشاعر الفارسي المعروف «سعدي»، ثم القاموس العربي الصيني.
الشيخ محمد تواضع يانغ شي تشيان المتوفى في سنة 1958. وهو عالم أزهري، كان ضمن المجموعة الأولى التي التحقت بالأزهر من أبناء مسلمي الصين، وقد عمل إماماً ومحرراً ومعلماً، فضلاً عن أنه أول من جلب حروف الطباعة العربية إلى الصين مما قدم مساهمات كبيرة في نشر الثقافة الإسلامية. وإضافة إلى ذلك فقد ألّف كتاباً بعنوان «ذكريات تسع سنوات في مصر» وترجم كتاب «تاريخ التشريع الإسلامي» وكتاب «رسالة الإسلام» وكتاب «مذاهب الدين الإسلامي» وغيرها من الكتب. كما نشر عديداً من المقالات في مجلة «هلال الصين» المطبوعة آنذاك.
وقد كان الشيخ تواضع على اتصال بجماعة الإخوان المسلمين خلال سنوات دراسته في مصر حتى أصدرت الجماعة له في الثلاثينات رسالة باسم «المسلمون في الصين».
الشيخ ماليانج جيون المتوفى في سنة 1957 كان ولا يزال موضع الاحترام والتقدير لدى المسلمين الصينيين وخاصة في سينكيانج، حيث يعتبرونه إمام الأئمة هناك. وكان يواظب على تأليف وترجمة الكتب الدينية باللغات الصينية والعربية والفارسية بل ولجأ، في الظروف السيئة جداً، إلى كل الوسائل الممكن اتباعها لنشر المطبوعات.
ولم تلق أعمال الشيخ ماليانج عناية من أحد، على كثرة ما ألّف وترجم. ولكن ما عرض من ترجماته لا يتجاوز المبسوط «للسرخسي» و«الخمخمسات» باللغتين الصينية والفارسية، وهي مجموعة كبيرة من القصائد الدينية.
الأستاذ محمد مكين عضو أول بعثة درست الإسلام في الخارج، الذي أشرنا إليه من قبل. أكمل دراساته في الجامع الأزهر ودار العلوم. وبعد وقت قصير من عودته من مصر ظل طوال 30 سنة يعمل أستاذاً في جامعة بكين حتى توفاه الله في عام 1978 … ومن مؤلفاته: «سيف محمد صلى الله عليه وسلم» و«موجز شرح القرآن الكريم» وترجماته: «القرآن الكريم» ـ قيد الطباعة ـ و«رسالة التوحيد» و«حقيقة الدين الإسلامي» و«تاريخ علم الكلام» و«تاريخ التعليم الإسلامي» و«منهاج التقويم الهجري» إلخ.
نقطة التحول
وكانت نقطة التحول الكبرى في الموقف، هي انتصار الرئيس ماو، ودخوله بكين ليتولى السلطة في عام 1949.
وكل الذين ناقشتهم من المسؤولين ورجال الجمعية الإسلامية الصينية يقسمون مسيرة ما بعد التحرير ـ بعد سنة 49 ـ إلى ثلاث مراحل: مرحلة ما بعد التحرير وإلى بداية الثورة الثقافية ـ ثم تجربة الثورة الثقافية ذاتها ـ ثم وفاة الرئيس ماو وسقوط «عصابة الأربعة»، وهي المرحلة المستمرة إلى الآن.
لكن المناقشات التي تجري خارج هذا الإطار الرسمي تكشف عن أن تلك المراحل أربع وليست ثلاثاً: مرحلة الإعداد لتأسيس الدولة (49 ـ 58) مرحلة بدء التطبيق الفعلي للنظام الشيوعي (58 ـ 66) ـ مرحلة الثورة الثقافية (66 ـ 76) ـ مرحلة ما بعد الثورة الثقافية، التي بدأت منذ عام 78 فصاعداً.
أي أن هناك مرحلة ساقطة في الخط الإعلامي للحزب هي تلك التي بين عامي 58 ـ 66. ولأنها تسبق مباشرة أحداث الثورة الثقافية، فإنها تلقي الضوء على طبيعة الغرس الذي جاء بتلك الثمرة، ومن هنا تكتسب هذه المرحلة أهميتها، ومن هنا أيضاً ينبغي أن تستوقفنا.
في البدء لا بد لنا أن نتصور الجو النفسي الذي عاشته قيادة الصين في أعقاب تولي ماو السلطة عام 1949. عندما أصبح على قمة بلد تعداده 500 مليون نسمة ـ وقتئذ ـ أنهكته المظالم والحروب والمجاعات، وصارت القيادة في موقعها الفريد هذا مطالبة بأن تضمد جراح الشعب، وتعوضه عما فاته، وتبدأ على الفور في الحشد والترميم والبناء.
كانت القضية الأولى هي تثبيت السلطة للنظام الجديد، وكأي سلطة ثورية، فإن شعاراتها ومثالياتها تظل مرحلة البداية عادة، حتى تغوص في الواقع وتتمكن منه، فلا تمانع بعد ذلك من التنازل عن بعض هذه الشعارات والتنازلات، لمقتضيات قد تتعلق بطبيعة الممارسة ذاتها، أو بالتوازنات الداخلية والخارجية، أو لضرورات الاستمرار والبقاء.
لقد كانت القيادة الجديدة في سنة 49 وخلال السنوات التي أعقبتها، تتحدث بلغة الثورة، ولم تكن قد تمرست بعد على حسابات قاموس لغة الدولة.
وفي هذا المناخ فإن قضية المسلمين لم تكن مثارة، إلا بالقدر الذي يحسن علاقات الصين مع دول العالم الإسلامي، التي تقبل أكثرها باستياء فكرة قيام دولة شيوعية في الصين. وأقلقها في الوقت ذاته مصير ملايين المسلمين في تلك البلاد النائية.
ولم يكن هناك سبب جوهري يدعو إلى قلق المسلمين في ذلك الوقت، ومن الواضح أنهم كانوا في حالة ترقب، انتظاراً لما ستسفر عنه التطورات الجديدة. يدلل على ذلك أننا لا نعثر على أثر لأي نشاط خارجي للجمعيات الإسلامية الموجودة آنذاك. فلا حجّاج سافروا إلى الأراضي المقدسة، ولا بعثات سافرت للدراسة في الخارج، منذ مغادرة «البعثة الفاروقية» للصين للدراسة في الأزهر في عام 1937.
ولكننا نعثر فقط على بوادر نشاطات للمسلمين في عام 1953، بعد أربع سنوات من تولي السلطة الجديدة. ففي ذلك العام ظهرت إلى الوجود «الجمعية الإسلامية الصينية» كجمعية وحيدة ممثلة للمسلمين في الصين. بينما لا نجد آثاراً لبقية الجمعيات التي كانت موجودة فيما قبل، ولا لأي نشاط صادر عنها بالتالي.
نلاحظ أيضاً أن الجمعية أوفدت بعثة للحج عام 53، فور إنشائها، ربما لتكتسب شرعية التعامل مع العالم الإسلامي، ولكن البعثة وصلت إلى باكستان فقط، ولم تواصل رحلتها إلى الأراضي المقدسة، لأنها لم تستطع أن تحصل على تأشيرة دخول للسعودية.
وقد أثير موضوع حج المسلمين الصينيين في مؤتمر عدم الانحياز الذي عقد بباندونج في العام التالي مباشرة، وذلك في اجتماع خاص بين شواين لأي رئيس وزراء الصين، وبين الأمير فيصل ابن سعود، وزير خارجية المملكة آنذاك. وفي هذا الاجتماع وافق الأمير فيصل على أن تسمح المملكة لعدد محدود من المسلمين الصينيين (20 شخصاً) بالحج كل عام. ومنذ ذلك الحين والاتفاق سار لم يطرأ عليه تعديل.
وسافرت أول بعثة صينية للحج من الصين الشعبية في عام 1955.
في هذه المرحلة أيضاً، نلاحظ انعقاد أول مؤتمر للمسلمين الصينيين في شهر مايو عام 53، ثم إصدار مجلة باسم مسلمي الصيبن في العام الذي يليه، وإنشاء معهد إسلامي تابع للجمعية في عام 55. ثم طبع القرآن الكريم باللغة العربية لأول مرة في عصر ما بعد التحرير.
وفي المرحلة ذاتها، صدر دستور 54 الذي تضمن إعلاناً للحريات، نص في المادة 88 منه على «حرية الاعتقاد الديني».
وكانت تلك الفترة قد شهدت اشتراك المسلمين في مجلس نواب الشعب (البرلمان)، وفي مختلف المجالس الإقليمية.
وربما نستطيع أن نصف هذه المرحلة ـ فيما يتعلق بالمسلمين ـ بأنها مرحلة تأميم النشاط الإسلامي، ونقل إدارته وتوجيهه من الجمعيات الأهلية إلى الدولة والحزب.
القفزة الكبرى
حتى جاء عام 58، الذي يصنف في القاموس السياسي الصيني بأنه عام «القفزة الكبرى».
وتمثلت هذه القفزة الكبرى في: إنشاء الكوميونات الشعبية، وتعميمها على الصين كلها، من أقصاها إلى أقصاها. واعتبرت هذه الكوميونات هي الانطلاقة الحقة في اتجاه التطبيق الاشتراكي. وكان واضحاً أن السلطة أقدمت على هذه الخطوة، لإحكام الهيمنة على النشاط الاقتصادي، بعدما استطاعت خلال الفترة من 49 إلى 58 ترتيب البيت من الداخل، وتثبيت السلطة السياسية.
ورغم أن إنشاء الكوميونات الشعبية أحدث هزة اقتصادية عنيفة في الصين، ورغم أننا لسنا في مجال تقييم هذه الخطوة وتتبع نتائجها، إلا أنها كانت أكثر ما مس مشاعر المسلمين في ذلك الوقت، وأيقظ فيهم عوامل القلق التي دفنت مع إعلان الجمهورية.
ولم يكن قلق المسلمين نابعاً من أي تأثير اقتصادي أصابهم، رغم الأهمية الحيوية لهذا الجانب، إلا أن قلقهم نشأ أساساً من أن تطبيق نظام الكوميونات، وتوزيع كل العاملين عليها، كل في اختصاصه، هذا التطبيق شمل رجال الدين، ودفع بهم إلى المزارع والمصانع فجأة، ودون أي مقدمات!
وكانت الخطوة التالية التي زادت من قلق المسلمين هي تلك الكتابات التي بدأت تظهر في الصحف، متسائلة عن جدوى ذلك العدد من المساجد المنتشرة بكثافة شديدة في بعض المقاطعات وداعية إلى استغلال أمثل لهذه «المنشآت»، «يوفر للأقليات حرية العبادة، ويتيح الفرصة لتوظيف تلك المنشآت توظيفاً اقتصادياً ملائماً». وتراوحت تلك الإشارات بين التلميح والتصريح والتنديد.
وكانت هذه الحملة الإعلامية التي تصاعدت نغمتها تدريجاً، مقدمة لقرارات اتخذت بإغلاق بعض المساجد، وتحويلها لأغراض اقتصادية تخدم «القفزة الكبرى».
وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عام 1949، التي تغلق فيها مساجد للمسلمين.
وبصدور مثل هذه القرارات، وتنفيذها، تلقى المسلمون صدمة ثانية، أشد وقعاً من تجنيد رجال الدين في الكوميونات، رغم أن الخطوة التي اتخذت بحق رجال الدين ابتداء، أدّت من الناحية العملية إلى تفريغ المساجد من الأئمة، وتعطيل إقامة الشعائر فيها.
ثم لوحظ أيضاً أن المعهد التابع للجمعية الإسلامية توقف عن استقبال الدارسين في عام 59، بعد أربع سنوات فقط من إنشائه. وكان هذا المعهد على تواضعه هو النافذة الوحيدة المتاحة أمام مسلمي الصين لدراسة الفقه والحديث وعلوم القرآن واللغة العربية. خصوصاً وأن الموقف من إرسال بعثات الدراسة في الأزهر، لم يطرأ عليه أي تغيير، وظل هذا الباب مغلقاً منذ آخر بعثة في عام 37.
وبذلك أصبح كل الذين أتيح لهم أن يدرسوا شيئاً عن الإسلام منذ عام 49 وحتى عام 58 على الأقل، لا يتجاوز عددهم مائة شخص فقط هم مجموع الذين تخرجوا من ذلك المعهد خلال سنوات عمله الأربع!
وبإغلاق معهد بكين الإسلامي، لم يبق أمام مسلمي الصين منفذ واحد يستطيعون من خلاله إعداد كوادر إسلامية تقوم حتى بتلك المهام البسيطة، من الإمامة إلى الخطابة ووعظ الناس.
ومع إغلاق المعهد توقف إصدار مجلة «المسلمون في الصين». رغم أن الطبعة الثانية من القرآن الكريم بعد التحرير قد صدرت في ذلك العام 1959.
وكان الإجراء الثاني الذي اتّخذ في هذه المرحلة هو: وقف سفر بعثات الحج بعد عام 1963.
ثم حدث ما هو أشد خطراً، فقد تمت عمليات تهجير واسعة في بداية الستينات، من وإلى مناطق الكثافة السكانية للمسلمين. نقلت آلاف الأسر الصينية من قومية الهان ـ القومية اللادينية ذات الأغلبية الساحقة ـ إلى سينكيانج على وجه التحديد. ونقلت آلاف الأسر المسلمة من يونان إلى مختلف مقاطعات الجمهورية.
وهذه الخطوة أحدثت ردود فعل غاضبة بين جماهير المسلمين، حتى ليقال إن انفجاراً شعبياً حدث لهذا السبب في مقاطعة سينكيانج عام 1962، وأن ألوفاً من المسلمين لجأوا إلى داخل الحدود السوفياتية بعد تدخل السلطة الصينية لقمع هذا التمرد.
وكانت تلك بعض النتائج التي أصابت المسلمين من جراء «القفزة الكبرى».
ثورة الملاعين
حتى لاحت نذر الثورة الثقافية في منتصف الستينات.
ولسنا هنا في مجال تحليل الدوافع التي حدت بالرئيس ماو إلى تفجير هذا الزلزال الذي قلب الصين رأساً على عقب طوال عشر سنوات، ولا ما أسفرت عنه هذه الثورة من نتائج، فتلك كلها مسائل لا زالت مثار جدل.
ولكن الذي يعنينا في هذا المقام هو تأثيرات هذه الثورة على مسيرة الإسلام والمسلمين في الصين، وهو جانب يمكن الخوض فيه بلا محاذير، لأن عناصره سلبية على طول الخط. وأي استطراد أو تفضيل في شرور عصابة الأربعة (لا يستخدم تعبير الثورة الثقافية في الإعلام الصيني)، هو مقبول بل مطلوب، لأنه ينسجم مع «الخط» المرسوم.
… تريد أن تعرف ماذا فعلت بنا عصابة الأربعة ـ سألني الحاج الياس شين نائب رئيس الجمعية الإسلامية ـ هذه مسألة يطول شرحها، بل الإلمام بها، لأنهم خربوا كل شيء …. في بلادنا.
ـ سمعت أن رئيس الجمعية، الحاج محمد علي تشانج، تعرض للضرب من قبل شباب الحرس الأحمر
ـ الملاعين، لم يتركوا واحداً منا إلا وأهانوه. لقد كان الأذى الذي تعرض له الحاج محمد علي محدداً من الناحية المادية، فادحاً وكبيراً، إذا ما راعينا منصبه. أما ما جرى معي فلا يمكن وصفه، فقد كان من الناحيتين المادية والمعنوية شيئاً فظيعاً للغاية. الحمد لله، فقد ذهبوا وراحت أيامهم السوداء!.
قالها الحاج الياس بمرارة، وعيناه زائغتان في الفضاء، تبحث عن شيء أو تستعيد شيئاً …
وعلمت فيما بعد أن الرجل قد ضرب ضرباً مبرحاً في «قانصوه»، حيث كان نائباً لرئيس الجمعية الإسلامية في المقاطعة، وواحداً من تسعة نواب للرئيس يباشرون نشاطات الجمعية في مختلف أنحاء الصين.
وقال لي مرافقي «محمد» إن رجال الدين الذين كانوا متواجدين في العاصمة لم ينلهم كأشخاص أذى بدني كبير، بسبب وجود سفارات الدول الإسلامية في بكين. وحتى لا يطلع الأجانب على عمليات كهذه يقوم بها شباب الحرس الأحمر. ولكن الذين كانوا في الأقاليم لقوا الكثير من الإهانات. فقد اعتقل كثيرون من رجال الدين، مئات منهم اقتيدوا إلى السجون، وعذبوا تعذيباً شديداً. والذين لم يسجنوا ضربوا في الشوارع، أو اقتيدوا وسط تهليل الجماهير وسخريتهم، وقد علقت على ظهورهم كلمات مثل الشياطين والأشباح والغيلان.
ليس هذا فقط، ولكن هؤلاء الشبان اقتحموا بيتهم، وأخذوا كل ما لقوه من مصاحف وكتب، وأحرقوه علناً في الشوارع، على اعتبار أن هذه الكتب ـ بقايا الثقافة الرجعية والبورجوازية وبسبب هذه الحرائق فقد المسلمون مئات من الكتب المخطوطة والنادرة.
وسمعت من الأستاذ عبد الرحيم ناجونح، أستاذ التاريخ الإسلامي في معهد اللغات الأجنبية ببكين، أن مكتبته الخاصة التي أفنى في تكوينها ثلاثين عاماً من عمره انتهبت كلها، وألقيت مراجعه حيث أحرقت، ولم يستطع أن ينفذ من هذا المصير المحزن سوى كتب بعدد أصابع اليدين!
لقد ظلت أعداد كبيرة من رجال الدين حبيسة البيوت أشهراً طويلة، خشية الخروج إلى الشارع والتعرض للإهانة والسخرية، ولكنهم لم يسلموا من ذلك المصير المؤلم، فقد كانوا ينتزعونهم من منازلهم، ويوجهون إليهم الشتائم والسباب وكلمات التجريح، باعتبارهم رموزاً للرجعية.
وامتدت الحملة إلى المساجد، التي أغلقت جميعها في خارج بكين، وهدم بعضها وحول البعض الآخر إلى ورش ومخازن ومحال تجارية. وتعرضت المقاطعات ذات الكثافة السكانية المسلمة إلى قدر متزايد من هذه الإجراءات. حدث ذلك في مقاطعات سينكيانج وقانصو ونينج شياه بوجه أخص.
وقد أبقوا على مسجد واحد في بكين (مسجد تونج سي بالو) ليصلي فيه الدبلوماسيون العرب في الأعياد والمناسبات.
حتى كفن الموتى!
وإلى جانب هذه الإجراءات، فقد اتخذت خطوات في الاتجاه ذاته.
ـ ألغيت عطلة عيد الأضحى والفطر، «حتى لا يتعطل الإنتاج»، وكانت من الأعياد المعترف بها، والتي يسمح للمسلمين بالتغيب أثناءها. وهما يومان فقط في العام، كانا ثلاثة من قبل حيث اعتبرت ذكرى المولد النبوي عطلة للمسلمين، ولكن لاعتبارات «استمرار عملية الإنتاج» حذفت عطلة المولد من الأعياد المعترف بها للمسلمين.
ـ منع المسلمون في مقاطعة سينكيانج من استخدام الحروف العربية في الكتابة، وأجبروا على استخدام الحروف الصينية. وهذه الحروف العربية يستخدمها المسلمون ذوو الأصول التركية، الذين يعرفون بقومية «الأويغور»، وعددهم ستة ملايين نسمة ـ حسب الإحصاء الرسمي ـ في سينكيانج.
ـ منع المسلمون في مناطق الكثافة السكانية الإسلامية من ارتداء ثيابهم القومية، وأجبروا على استخدام الثياب الرسمية الزرقاء اللون (الجاكت المغلق والبنطلون).
ـ جرت عمليات تضييق على المسلمين في تقاليدهم وحياتهم الخاصة. فقد أعلن وقتئذ أن كل مسلم ـ مثلاً ـ يموت يأخذ 15 قدماً من القماش الأبيض للكفن، وذلك بمقتضى كوبونات خاصة تعطي المسلمين هذا الحق في حالات الوفاة، احتراماً لشعائرهم. ولكن قيادة الثورة الثقافية اعتبرت هذا الاستثناء عبئاً اقتصادياً على الدولة، فضلاً عن أنه «عادة بورجوازية قديمة» يجب التخلص منها. وفعلاً أوقف صرف هذه الكوبونات للمسلمين.
وقد تم ذلك كله وسط جو إعلامي شن حملة عنيفة على الأديان جميعاً، وكل «الغيبيات الموروثة عن عصور الإقطاع والرأسمالية»، وداعية إلى «القضاء على بورجوازية الفكر والتقاليد التي تقف حجر عثرة في طريق التطبيق الاشتراكي» … إلى آخر تلك الصياغات التي تهدم في حقيقتها كل ما أعلنته الثورة في عام 1949 من شعارات وضمانات تحمي المتدينين وحرية الاعتقاد.
وكما أنه كان للإسلام موقع متميز بين الأديان الاخرى منذ بداية الثورة، فقد كان له نصيب متميز ـ بنفس القدر ـ من إجراءات وعمليات التشهير والتجريح. حتى أن الثورة الثقافية شكلت منذ بدايتها «مجموعة ثورية لمقاومة الإسلام». تولت ترتيب وإصدار كل هذه الإجراءات، وغيرها بطبيعة الحال.
وحتى يتوفر غطاء قانوني لهذا الاتجاه، فقد تم تعديل المادة 88 من دستور عام 54، التي تنص على ضمان الاعتقاد الديني لمواطن الجمهورية الصينية ضمن التعديلات الدستورية التي تمت في عام 1957. وكان نص المادة 28 من الدستور المعدل على النحو التالي: للمواطنين حرية الكلام والمراسلة والنشر والاجتماع والتنظيم والمسيرة والتظاهر، وتكوين الأحزاب. ولهم حرية الاعتقاد الديني، وحرية عدم الاعتقاد في الأديان، ونشر الإلحاد.
ومن التعديل الذي أدخل على الدستور الصيني، لم تعد حرية الاعتقاد الديني تنفرد بمادة مستقلة، بل أدمجت في قائمة مطولة من الحريات، يجيء الاعتقاد الديني في الترتيب التاسع منها.
لكن الأهم من ذلك أن النص يكفل ـ في الورق على الأقل ـ حرية الاعتقاد فقط، بينما يكفل في الجانب الاخر ليس فقط حرية الإلحاد، ولكن أيضاً حرية الدعوة إلى الإلحاد، وهي ميزة لا تتوفر لأصحاب الأديان، وتعني بوضوح أن حجم الحريات غير متكافئ بين المؤمنين والملحدين.
بهذه الصورة مرت على المسلمين سنوات الثورة الثقافية العشر، من 66 إلى 76، التي أعادت إلى أذهانهم ظلامات العهود الغابرة، وبددت كل ما تعلقوا به من أحلام وأوهام، وأهدرت كل ما أنجزوه وبنوه منذ إعلان الجمهورية في عام 1911، وسدت طريق الأمل الذي انفتح أمامهم عشية «التحرير» قاتماً وكئيباً، لا يرون في آفاقه سوى سحابات حزن لا نهائي.
الانتهاك بالقانون
تلاحقت الأحداث بسرعة في منتصف السبعينات. بدءاً بمحاولات ماو كبح جماح الثورة الثقافية، وحصار نشاطاتها، ثم وفاة الرئيس الصيني سنة 76، ثم الصراع على السلطة الذي انتهى «بسحق عصابة الأربعة»، والإعلان عن طي صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة عام 78.
وفي السياق الذي نحن بصدده، فإن هذه التطورات أسفرت عن «إعادة تنفيذ سياسة الحزب الشيوعي الصيني، حول المساواة القومية وحرية الاعتقاد الديني»، كما أعلن رئيس الجمعية الإسلامية في تقريره إلى المؤتمر الرابع لمسلمي الصين، الذي عقد في إبريل سنة 1980.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً، في محاولة للإجابة على السؤال الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، عند طرح هذه المقولة، والسؤال هو: ما هي بالضبط سياسة الحزب في شأن حرية الاعتقاد؟
وضعت السؤال أمام الحاج محمد علي تشانج، رئيس الجمعية الإسلامية، فكان رده أن الإجراءات التي أتخذت بعد سحق عصابة الأربعة كفيلة بالرد على السؤال. فقد حذف النص الذي كان قد أضيف إلى دستور 57 واستبدل بنص آخر أكثر تقدماً في دستور 78 يقضي بما يلي: جميع المواطنين لهم حرية الاعتقاد الديني، كما أن لهم الحق في عدم الاعتقاد، وفي الدعوة إلى الإلحاد.
ولضمان عدم الإساءة إلى المتدينين ورجال الدين ـ وإعراباً عن حسن النية من جانب السلطة الجديدة التي جاءت بعد وفاة الرئيس ماو ـ فقد أضيفت في عام 79 مادة إلى قانون العقوبات (رقم 147) تنص على أنه: يعاقب موظفو الحكومة بالسجن بحد أقصى سنتين، إذا ما أفرطوا في تجريد المواطنين من حريتهم في عقيدتهم الدينية، أو انتهكوا أعراف وعادات أبناء الأقليات القومية، على نحو غير شرعي.
وأضاف رئيس الجمعية، أن النص الجديد الذي أضيف إلى قانون العقوبات صدر بناء على اقتراح من رجال الدين (يقصد الجمعية) … حتى لا يتكرر ما حدث خلال تلك السنوات العشر المشؤومة.
ثم عدد الحاج محمد علي الخطوات الإيجابية التي اتخذت منذ عام 78، في اتجاه مراعاة مشاعر المسلمين واحترام شعائرهم وتقاليدهم، والتي تدور في فلك إحياء بعض نشاطات الجمعية الإسلامية (الوعد بإعادة فتح المعهد الإسلامي ـ طبع القرآن الكريم ـ للمرة الثالثة منذ عام 49 ـ إعادة إصدار مجلة «المسلمون في الصين»)، ثم استئناف إيفاد بعثات للحج، ومحاولة إعادة جسور الاتصال المختلفة مع العالم الإسلامي، مثل تبادل الزيارات وحضور الندوات والمؤتمرات الإسلامية! أول مؤتمر من هذا النوع مثل فيه مسلمو الصين كان الملتقى الإسلامي بالجزائر الذي عقد في سبتمبر (79)، ثم فتح المساجد المغفلقة (في سينكيانج وحدها تقرر إعادة فتح أكثر من 1900 مسجد تدريجياً) … وإعادة عطلتي المسلمين في عيدي الفطر والأضحى.
ورغم أن هذه الإجراءات يمكن اعتبارها إيجابية نسبياً، إذا قورنت بتجربة المسلمين خلال الثورة الثقافية، إلا أن الإطار القانوني الذي يفترض أنه يحمي نشاطات المسلمين، والمتدينين عموماً، من العدوان والانتهاك. هذا الإطار صياغته بأسلوب غريب ومثير للدهشة.
وذلك أنه إذا صحّت الترجمة ـ وأغلب الظن أنها صحيحة لأنني وجدت النص منشوراً بالصيغة ذاتها في بحث حول المسلمين في الصين بمجلة الصين المصورة (عدد واحد لسنة 80) ـ فإن كلمات النص الذي أضيف إلى قانون العقوبات، تعاقب الذين «يفرطون» في تجريد المواطنين من حريتهم في العقيدة الدينية، والذين ينتهكون أعراف وتقاليد الأقليات القومية «على نحو غير شرعي» وذلك معناه أن النص لا يجرم تجريد المواطنين من حرية العقيدة، من حيث المبدأ، ولا يعارض انتهاك تقاليد الأقليات من الأساس. أي أن التجريد إذا تم بغير تفريط، والانتهاك إذا تم على نحو شرعي، فإنه يصبح قانونياً، ومقبولاً!
إن القلق الذي يثيره وجود نص بهذه الصيغة، يفتح باب التجريد والانتهاك تحت مظلة القانون وفي حمايته، لا يمكن أن ينفصل عن مرحلة ما قبل الثورة الثقافية التي استمرت فيما بين عام 58 و66، والتي يخرجها الخط الإعلامي للحزب من نطاق الإدانة، معتبراً أن تخريب سياسة الحريات الدينية بدأ فقط في عام 66، وفي ظل سيطرة عصابة الأربعة.
وإذا كانت تلك السنوات الثماني مصنفة باعتبارها إحدى مراحل التطبيق السليم لسياسة الحريات الدينية، فإن ذلك يصبح مدعاة للتشاؤم الشديد في المستقبل. أما إذا اعتبرت ممارسة تلك المرحلة من قبيل عمليات تخريب السياسة الدينية، فلماذا تم تجاهلها إذن، وإسقاطها من كل صور التقييم الإعلامي، ولماذا العزوف عن إدانتها؟
هل هي حقاً سياسة الحزب؟
الذين سألتهم في بكين لم تخرج إجاباتهم عن حدود الخط الإعلامي الرسمي. الحزب مع حرية الاعتقاد، وتاريخ النشر في الصين الحديثة بدأ بظهور «عصابة الأربعة» على مسرح السياسة!
يقولون هذا الكلام بصياغات مختلفة، ويتركونك تضرب أخماساً في أسداس، وتصدق أو لا تصدق، واثقين من أنك بعد الإلحاح والتكرار، لا بد أن تصدق … هكذا يفعل الصينيون مع أنفسهم على الأقل!
ومع ذلك كله، فلا أحد ينكر أن سنوات ما بعد عام 78 قد جاءت بانفراج نسبي، عبرت عنه مجموعة الإجراءات الإيجابية التي اتخذت بحق المسلمين، وساعدت عليه عوامل كثيرة ذكرنا بعضها فيما قبل. لكن المشكلة أن هناك نوعاً من الجراح يصعب التئامه، لكثرة النزف من ناحية ولما يصيب خلايا الجسم من وهن وضعف، من ناحية أخرى. ثم إن هناك نوعاً من الضربات لا تحدث جروحا أو ندوباً فقط، ولكنها تحدث عاهات متسديمة أيضاً. وفي الجسد الإسلامي الصيني العديد من تلك الجراح الصعبة الإلتئمام، ومثلها من العاهات المستديمة!
نعم إن الكيان الإسلامي لا يزال حياً لم يمت، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تراه في المساجد، أحياناً، وفي الجنازات والمدافن أحياناً، وفي حفلاىت طهور الأطفال والزفاف والأعياد كثيراً، لكن الجراح والعاهات ومسيرة الأحزان غيرت منه الكثير. هدت قواه وبدلت ملامحه، ولم يبق فيه سوى القلب. وبات حالته فريدة من نوعها كأي جسد تلفت أعضاؤه وتعطلت وظائفه وماتت خلاياه، ولكن شاءت حكمة الله أن يظل نبض القلب فيه مسموعاً، تتردد دقاته، متحدية كل حسابات العقل والعلم.
ولكن ذلك كله إلى أجل … ولكل أجل كتاب!
العملاق الاقتصادي الصيني
ـ كانت حسابات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تبنى تقليدياً، حتى وقت قريب، على معدلات أسعار القطع التي أعطت الصين المركز العاشر في العالم من حيث الدخل القومي القائم. لكن هاتين الهيئتين اعتمدتا العام الماضي نظاماً مبنياً على معيار القوى الشرائية للنقد يأخذ في الاعتبار أموراً كالخدمات العامة التي هي عملياً مجانية في الصين مما رفع الدخل العام للفرد سنوياً من 350 دولار إلى ما بين 1500 و2000 دولار. ومع عدد سكان يصل إلى مليار ومئتي مليون ـ 10 أضعاف عدد سكان اليابان ـ فإن الدخل القومي القائم يضع الصين حالياً في المرتبة الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية واليابان. وإذا حافظت الصين على معدل نمو اقتصادي يبلغ 8 في المئة سنوياً، فسوف يحتل الاقتصادي الصيني المركز الأول في العالم بحلول السنة 2050.
وتشهد الصين بانتظام فترات من النشاط الزائد. إن معدل التضخم هو بحسب المصادر الرسمية، 16 في المئة ولكن يغلب على الظن أنه أقرب إلى 20 في المئة وحتى أكثر في المراكز المدينية والمناطق الساحلية، ولا أحد يعرف طريقة لإيصال الوضع إلى بر الأمان. ولو تفحّص أحدهم أوضاع المناطق الاقتصادية الخاصة حيث التضخم أعلى، يرى أن الإشراف الحكومي هو في حده الأدنى. وفيما عدا خفض سريع للكتلة النقدية والتي تتسبب في إيقاف النشاط الاقتصادي، لا تتوافر للسلطات أداة تنظيمية تمكنها من تفادي الأزمات الاقتصادية. وأزمات كهذه يمكن، في أحسن حال، تأجيلها كما حدث في العامين 1988 و1989 ولكن لا يمكن تفاديها.
إن التنمية الريفية هي المسألة التالية في الأهمية وإثارة النقاش. ففي الأعوام التي تلت 1979، استفاد الـ 900 مليون فلاح صيني الذين يشكلون العمود الفقري الاقتصادي والسياسي للنظام الشيوعي، من تحرير الاقتصاد. لكن الأحوال في الريف ما لبثت أن انحدرت ـ مقارنة مع أحوال القطاعات الأخرى ـ منذ عام 1986 إلى النقطة التي وصلت فيها المداخيل في المراكز المدينية اليوم إلى ضعفيها في المناطق الريفية. ولم تؤد الضغوط المالية والسيطرة البيروقراطية المتزايدة على سكان الأريقاف إلاّ إلى تحول سكاني جماعي من الريف إلى المدن.
وسوف تواجه بكين صعوبات أكبر بكثير من ذي قبل في السيطرة على الحكومات المقاطعية. ولا يزال دنغ شياو ينغ، وهو في التاسعة والثمانين من عمره، يسيطر على الحكومة الصينية، لكن الدور المستقبلي للحكومة المركزية سوف يصبح مسألة مهمة فيما السباق لخلافته يزداد حدة. كيف سيتمكن الجيل الصاعد من السياسيين من السيطرة على الأعمدة الثلاثة للسلطة السياسية في الصين، أي الحزب والبيروقراطية والجيش؟ يمتلك جيانغ زيمين([375]) الذي لم يلتحق بالجيش أبداً، مثلاً سلطة نظرية على الجيش.
بالإضافة إلى هذه القضايا الأساسية، هناك عدد من المشاكل يحتاج إلى حلول. إنها مشاكل البنية التحتية، فطرق المواصلات وإمدادات الطاقة غير كافية لمواجهة متطلبات البلاد. وقد أهملت سياسات حماية البيئة في السباق نحو تحقيق نمو اقتصادي مما سوف يخلق عدداً من المشاكل المستقبلية للمنطقة كلها. وقد بدأت الأمطار الحمضية من الصين تسقط فوق اليابان.
وهكذا يستطيع الواحد أن يرى أن الأرقام المؤثرة عن النمو المستقبلي هي تلطيف لمشاكل خطيرة محتملة، وقد يكون نمو الصين مستقبلاً، نتيجة لهذا، أكثر فوضوية مما يظن حالياً.
وتجري اتصالات الآن في الواقع على المستوى الاقتصادي بين حكومة بكين وكل من حكومات المقاطعات. بالتعبير السياسي لا بديل من مفاوضات مباشرة مع المركز. ولا نية لدى دول منطقة آسيا/ الباسيفيك لإثارة طرف ضد آخر، لأنه إذا حدث وتفككت الصين فسوف تكون العواقب مأسوية على كل من الصين ومنطقتها، إذ لا دولة مجاورة قادرة على التعامل مع سيل جماعي من المهاجرين الصينيين. بالإضافة إلى أنه من غير الواقعي تصور حصول المقاطعات على الاستقلال، فعبر تاريخ الصين تعاقبت فترات من سلطة مركزية قوية تخللتها فترات تنامت خلالها سلطة المقاطعات ولم تؤد هذه السلطة الذاتية المتنامية إلى الاستقلال إلاّ في حالات نادرة جداً. إنني مقتنع بأن الصينيين سوف يحافظون في المستقبل على مظهر الوحدة السياسية على الأقل. فالصين مزيج عرقي متجانس إلى درجة كبيرة ـ 90 في المئة من الصينيين يتحدرون من سلالة الهانز ـ وهم متعلقون جداً، عاطفياً وثقافياً على حد سواء، بمفهوم الصين الكبرى وبالأخص بعد الإذلال الذي عانوه خلال فترة الاستعمار.
تبقى حقيقة، مع ذلك أن المناطق الساحلية التي يبلغ تعداد سكانها 250 مليون نسمة كانت دائماً مفتوحة أمام الاقتصاد العالمي وتعتمد على الاستثمارات الدولية، وتميل هذه المناطق إلى إدارة علاقاتها الاقتصادية الخارجية بنفسها، مما يجعلها بالطبع أكثر استقلالية.
ولكن إذا ما كان لقاعدة السلطة المركزية أن تضعف وللفساد أن يخرج عن طور السيطرة، يصبح ممكناً تصور إمكان تمزق الصين وتفككها مع أن هذا يبدو بعيد الاحتمال.
في هذا الوقت بالذات، وعلى رغم المشاكل البيئية التي سوف يكون على هذه المنطقة التعامل معها سريعاً، أعتقد أن النجم الصاعد من دون شك هو مقاطعة غوانغدونغ حيث تقع مدينة كانتون ومنطقة شنزين الاقتصادية الخاصة، إلى هونغ بالطبع. لكن شانغهاي سوف تلحق، خلال العشرين السنة المقبلة، دون ريب بمنافستها الجنوبية، فهي تمتلك كل البنية التحتية التي تشمل شبكة مواصلات بواسطة القطارات والأنهار، إلى الموارد البشرية مع عودة العائلات الغنية التي كانت فرّت إلى هونغ كونغ والمعنية كثيراً الآن بالاستثمار في المنطقة. وفيما تشكل منطقة غوانغدونغ مصنعاً عملاقاً للعمالة التي تفتقد المهارات، اختارات شانغهاي أن تنمي خدمات الغد وصناعاته.
وعملياً، ما زال على الصين أن تتحول إلى جارة مناطقية حقيقية. بعض السبب لأن نظرة الصين إلى العالم كانت تقليدياً صينية ضيقة إلى حد التطرف، وبعضه يعود أيضاً إلى أن الحوار الفكري غائب اليوم عن الصين بسبب النزاعات بين الفصائل الحزبية المختلفة. ومع هذا تمكنا من إشراك الصين في مؤتمر وزراء خارجية مجموعة دول جنوب شرق آسيا، وتمكّنا أيضاً من مخاطبة السلطات الصينية حول ضرورة انفتاحها وارتقائها إلى مستوى دورها كقوة أساسية في المنطقة. بدءاً من السنة 1994، ومع الندوة المناطقية للمؤتمر المذكور([376]) يجب أن تمارس ضغوط من هذا النوع من كل جيران الصين. ويجب أن نبذل جهداً لإقامة حوار متعدد الطرف مع الصين، وإذا ما انتظرنا حتى تصبح قوة اقتصادية عظمى فسيكون الوقت قد فات.
وإن نوع النظم السياسية التي جرى تعميقها في المنطقة، على مدى السنين العشر الماضية، هو، قبل كل شيء، نتاج المصالح الاقتصادية. وكان على اليابانيين، للاحتفاظ بميزتهم التنافسية عشية إعادة تقويم قيمة الين بعد اتفاقية بلازا في العام 1985، أن يستثمروا في المنطقة، وقد أدّى ازدياد التبادل التجاري ونقل التكنولوجيا إلى تكامل اقتصادي أكبر بين دول شرق آسيا. وحذت الدول الصناعية الجديدة الأربع حذو اليابان وزادت تعاملها التجاري مع المنطقة، والصين آخر مشارك دخل هذه السوق المناطقية، هي اليوم مركز هذا التحول، وتنمو تجارتها مع المنطقة ـ 50 في المئة من مجمل تجارتها أي 100 مليار دولار أميركي ـ بمعدل 15 في المئة سنوياً تقريباً، وتبلغ الاستثمارات الآسيوية في الصين حدود 30 ـ 40 مليار دولار أميركي.
صحيح أن التطور الاستثنائي الذي تشهده الصين حالياً قد سمح للمنطقة بالحفاظ على معدلات نموها حتى خلال فترة الركود الاقتصادي التي شهدها العالم، وإن أكثر من خمس النمو الاقتصادي في جنوب شرق آسيا مصدره حالياً الصين، وسوف يرتفع هذا الرقم إلى نحو الثلث على الغالب قبل مضي عشر سنين. ولكن إذا كنا ننظر إلى الصين بديلاً من أسواق الغرب فمن المهم لنا أن نضمن ألا نتحول إلى الاعتماد كثيراً عليها، وكنا متعلقين كثيراً بوصول دورة الأوروغواي في مفاوضات الـ «غات» إلى خاتمة ناجحة، لأن على منطقتنا أن تنمي علاقاتها التجارية مع بقية العالم.
الإسلام في الصين
وإشكالية الأقليات القومية
ليس ثمة من مجال للفصل بين الحديث عن الإسلام في الصين وإشكال «الدولة الوطنية» كما يدل عليه المفهوم الذي عرفه القاموس السياسي مع تطورات اللعبة السياسية الكبرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث استعانت الدولة الوطنية الصينية، بالنموذج السوفياتي، لتنظيم التركيبة الفسيفسائية المعقدة للجماعات البشرية التي تضمها الخارطة السياسية الصينية، ما أدى إلى أن يظهر للوجود ـ في ما يتعلق بموضوع مسلمي الصين ـ عشر قوميات مسلمة، ضمن القوميات الخمس وخمسين، المعترف بها رسمياً، والتي تشكل التركيبة الكلية للدولة الصينية.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن الحديث عن هذه القوميات العشر، على رغم انتمائها كلها للإسلام، في المنطق نفسه؟ بمعنى، هل يمكن اختصار الإشارة إلى كل هذه القوميات بأنهم مسلمو الصين؟ وهل ثمة من إمكان للحديث عن صينيين مسلمين؟
على رغم أن السياسة الوطنية الصينية، استطاعت أن تفرض، من خلال برامج تعبوية مختلفة، معقدة وطويلة المدى، اللغة الصينية لغة وطنية مشتركة للإعلام، والتعليم الوطني (المركزي)، إلا أن معظم مسلمي الصين، بالمعنى السياسي للكلمة، لا يتحدثون في حقيقة الأمر اللغة نفسها. بل إنهم لا ينتمون إلى التاريخ نفسه، أو الموروث الحضاري، حيث يكاد يكون لكل قومية منهم لغة خاصة وتاريخ وحاضر ثقافي وحضاري خاص، بحيث لا يلتقي أو يتقاطع أحد أبناء هذه القوميات العشر مع غيره من أبناء القوميات الأخرى إلا في حقيقة الاعتقاد، وشهادة أن لا إله إلا الله.
على هذا الأساس، إذا ما أخذنا بوجهة النظر التي تطرحها أكثر النظريات رواجاً عن «العرقية» كاتجاه ثقافي أو لغوي صرف لتحديد «الهوية»، نجد أن مفهوم «الصينيين المسلمين»، غير صالح لأن يُطبق على غير أفراد قومية واحدة من هذه القوميات المسلمة، وهي قومية «الخوي». فهم وحدهم، بالمعنى العرقي والتاريخي والحضاري والأنثربولوجي، بل والسوسيولوجي أيضاً، من ينتمون إلى الأصل الصيني. وهم وحدهم من يستخدم اللغة الصينية، التي هي لغتهم القومية واليومية، ويعيشون ويتوزعون على كافة أرجاء الصين كغيرهم من الصينيين الذين يُعرفون بـ «الخان».
ومن هنا الإشكال الأول فيما يتعلق بمسألة الإسلام في الصين: على أي أساس يمكن فصل «الخوي» عن بقية «الخان» وتصنيفهم كأقلية قومية مختلفة؟ هل لمجرد اعتقادهم الديني؟ بمعنى، هل يجعل الإسلام من «الخوي» عرقاً آخر مختلفاً عن العرق الصيني؟!
وتحاول الدراسات الأكاديمية، خاصة المتعاطفة مع قضية «الخوي»، التأكيد على أن هؤلاء على رغم اعتقادهم بديانة سماوية، وهو الأمر الذي لا تعرفه العقلية الصينية، والتي لم تجعل مكاناً للماوراء في تاريخها الفكري، ليسوا عنصراً مختلفاً، ولا يمكن اعتبارهم بحال عرقاً آخر غير العرق الصيني، كما هو موقف درو جلاوني الخبير الأميركي في الدراسات الصينية في كتابه «الصينيون المسلمون»، ويذهب فيه إلى نحت تركيبة لغوية في اللغة الإنكليزية للتفريق بين مسلمي الصين، والصينيين المسلمين، مؤكداً على انتماء «الخوي» إلى هذا الفريق الثاني. أو موقف الفرنسية فرانسواز أوبان، مديرة مجموعة الأبحاث حول الإسلام في الصين، في مركز الدراسات الصينية في باريس، والتي تذهب في مقالة لها نشرتها مجلة «دراسات شرقية» في عددها الخاص عن الإسلام في الصين، إلى اعتبار حقيقة ودينامية الإسلام في الصين دليلاً كافياً على تفاهة الأحكام التي كانت تنشرها الدعاية التبشرية، أو المضادة لها في القرن الماضي، عن كون الصينيين قلما يميلون إلى الروحانيات أو التضحية بحياتهم من أجل هدف ديني. وهي تشير إلى نضال الصينيين المسلمين من «الخوي» في سبيل الدفاع عن معتقداتهم ومواجهة مختلف العمليات العسكرية التخريبية التي كان تشن ضدهم في محاولة لردهم عن دينهم وصرفهم عنه. أي أنها لا تتحدث، هنا، عن «الخوي» إلا باعتبارهم صينيين، وهو ما يشكّل حقيقة بديهية في خطابها الحضاري حول الصين نفسها كدولة وطنية.
مع ذلك، فإن هذا الموقف المتعاطف ـ إن صح التعبير ـ سيجد نفسه متناقضاً مع عواطف الخوي ذاتهم! الذين ظلوا يقاومون كل إفرازات الانصهار مع «الخان»، تمسكاً بدينهم وخصوصيتهم الحضارية على هذا الأساس. وكانوا يذهبون قدر الإمكان للتميز عن هؤلاء في مأكلهم وملبسهم، ومسكنهم، والانعزال عنهم، بل وضع حدود صارمة وشاملة بينهم وبين الخان، بحيث لا يأكلون طعامهم، ولا يجعلون من يأكل لحم الخنزير مثلاً يقترب من أوعية مأكلهم، أو …. أنهم قد يذهبون أنفسهم للقول بأنهم عرق مختلف.
«الخوي»، والقوميات الأخرى في الصين
قبل الذهاب إلى تحليل هذا الإشكال، نحتاج أولاً إلى التطرق لبقية القوميات المسلمة في الصين، والتي تم دمجها ـ على العكس من قومية الخوي ـ عنوة بالدولة الوطنية الصينية، حيث لا تزال غالبيتها تقطن أوطانها الأصلية، والتي ضُمّت للصين بقرار سياسي أو غزو عسكري مباشر، كما حدث مع بقية الإمارات الإسلامية الأخرى في آسيا الوسطى من طرف القوات الروسية. ولا تزال كل هذه القوميات تتحدث بلغتها الأصلية، وتكتب بها، وتعيش ذاكرتها الحضارية التي لا تمت إلى الصين بأي صلة، على رغم ضراوة الحصار التعبوي للثقافة المركزية.
فبعد قومية «الخوي»، تأتي قومية «الويغور»، بحسب آخر إحصاء رسمي على قائمة القوميات المسلمة الأخرى بالنسبة لعدد أفرادها.
والويغور هم مسلمو تركستان الشرقية، والتي تعرف اليوم بـ «سينكيانغ» وتعني باللغة الصينية الوطن الجديد أو الأرض الجديدة، باعتبار أن هذه الأرض قد تم ضمها حديثاً إلى الكيان الصيني الذي استقبلها كأرض جديدة.
فالويغور هنا في أرضهم الأم ـ رغم خصوصية هذا الانتماء قدموا إلى هذه الأرض حوالي سنة 840م، من منغوليا الداخلية.
فهل كانت التركستان أرضهم الأم قبل حلولهم في منغوليا نفسها؟ والتي قطنوها لمدة من الزمان تقارب المئة عام بعد انتصارهم على دولة الأتراك الغز حوالي سنة 745م، أم أنهم كانوا يستوطنون أرضاً أخرى؟ فإن ذلك لا يزال موضع تساؤل إلى الآن. إلا أننا نعرف أنهم هزموا في منغوليا على يد «القيرغيز» الزاحفين من الغرب عام 840م، ثم رحلوا نحو تركستان حيث توطنوا وألّفوا بالتدريج حياة المدنية والتحضر.
ويتحدث الويغور اللغة التي تُعرف بالويغورية، وهي من أرومة اللغة التركية القديمة، ويستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
تأتي قومية «القازاق» مباشرة بعد «الويغور»، وتعود بأصولها إلى شعب القازاق المعروف الذي تضمه الجمهورية التي حملت نفس الاسم ضمن الاتحاد السوفياتي السابق. وقازاق الصين يقيمون بشكل عام في تركستان الشرقية، وقانصو، وشنغهاي. ولغتهم كذلك من أرومة اللغة التركية، كما يستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
تأتي بعد ذلك قومية الدونغشيانغ، وهم شعب من أصول منغولية (يستخدم هنا مفهوم «منغول» بالمعنى الخاص للكلمة، للدلالة على الشعب الذي يسكن هضبة منغوليا الداخلية والسهول الواقعة ما بين سلاسل «تيان شان» وجبال «شاي»).
ويعد الدونغشيانغ وبحسب المصادر الصينية، أول من اعتنق الإسلام من المنغول، في عهد «أوغوتاي»، إلا أنهم اضطهدوا بسبب إسلامهم وأنزل عليهم البوذيون من المنغول سياط التنكيل، حتى أنهم اضطروا لترك أرضهم الأم، فارين نحو مناطق الصين الداخلية، حتى وصلوا إلى أراضي محافظة «منتشين» اليوم، في مقاطعة قانصو.
هناك انقسموا إلى قسمين: أحدهما دخل في سهول ختاد في منطقة منغوليا الداخلية، وهم المسلمون المنغول في ولاية آراشا الحالية، والآخر دخل دونغشيانغ (وتعني البلد الشرقي) في لينشيا اليوم. وقد أطلق عليهم في بداية الأمر اسم خوي خوي دونغشيانغ، أي مسلمو البلد الشرقي، ثم أعطت الحكومة الصينية اسم المكان الذي استقر فيه هذا الشعب لكامل القومية. غير أن ثمة رأياً آخر يذهب إلى اعتبار منغول دونغشيانغ هم بقايا من جنود المنغول الذين قادهم جنكيز خان أثناء حملته الغربية لغزو هذه المناطق، والذين فضلوا الاستقرار حيث وصلوا.
فالدونغشيانغ، وبأي الآراء أخذنا، هم شعب منغولي، يتحدث اللغة المغولية، ويتمتع بالحكم الذاتي في الجهة الشرقية من لينشيا، كما يسكن بعضهم في منطقة شيخيانغ.
القرغيز: تأتي بعد الدونغشيانغ قومية القرغيز، وهم من أصول تركية. عاشت قبائل القرغيز على حدود مناطق التركستان في آسيا الوسطى، في المناطق التي تعرف اليوم باسم جمهورية قرغيزيا والتي كان يضمها الاتحاد السوفياتي السابق.
وقد جاء ذكر القرغيز في المصادر الصينية المبكرة على أساس أنهم الشعب الذي هزم الويغور في منغوليا الداخلية وقضوا على مملكتهم هناك. ثم ورد ذكرهم مرة أخرى في القرن السادس عشر، حيث كانت الإشارة إلى أنهم يقيمون في منطقة «يدي صو» تحت حكم السلطان خليل بن الخان المغول أهم. ولا ندري ما إذا اعتنق بعض قبائل القرغيز الإسلام في هذه الفترة أم لا؟ على رغم إشارة بعض المصادر إلى جهود أحد شيوخ الصوفية، واسمه إسحاق ولي، لنشر الإسلام بين هذه القبائل، وأنه نجح في استمالة قلوب مئة وثمانين منهم، إلا أن معظم المصادر يؤكد على أنهم ظلوا على الشامانية حتى بدايات القرن الثامن عشر، عندما أرسلت لهم السلطات الروسية وفوداً من العلماء المسلمين من التتار لتعليمهم الدين الإسلامي … ويورد توماس أرنولد هذا الحدث في كتابه «تاريخ الدعوة» (ص 277)، باعتباره المثال الوحيد لحكمة مسيحية شاركت في نشر الإسلام في القرن الثامن عشر، وذلك لاعتقادها أن القرغيز، لشبههم الكبير للتتار من المسلمين في الصفات الجسدية، هم مسلمون مثلهم. وفي محاولة لكسب ولائهم في إطار الدولة الوطنية الروسية، سعت روسيا إلى إظهار عنايتها بخصوصيتهم الحضارية والدينية، وأبدت رغبتها في رفع مستواهم الحياتي والروحي، فأرسلت لهم البعثات الدينية والأموال الكافية لتشييد المساجد والمدارس الإسلامية. ويقول أرنولد: «يدين القرغيز بدخولهم الإسلام إلى هذه الحقيقة، وهي أن الروس الذين عدّوهم مسلمين، أصروا على معاملتهم كما لو كانوا كذلك، وقد منحوا الأموال الضخمة لبناء المساجد، وأرسل عدد كبير من العلماء لإنشاء المدارس وتعليم الأطفال مبادئ الإسلام …».
ولقومية القرغيز في الصين ولاية لها حكم ذاتي تابع لمقاطعة «السينكيانغ» الورغورية، وعاصمتها «أتوشي». واحتفظ القرغيز بلغتهم الخاصة، وهي كذلك من أرومة اللغة التركية، وهم يستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
* تأتي بعد قومية القرغيز قومية السالار، وهم قوم يتحدرون من قبائل الغز التركية. وتذكر المصادر القديمة أن الويغور كانوا قد قضوا على دولتهم في منغوليا الداخلية. وتجب الإشارة هنا إلى اختلاف المصادر التركية والفارسية والعربية في كتابة اسم السالار. فهم سالور أو صالور أو سلفر (كما أوردها الكشفري في ديوان لغات الترك)، مما يثير سؤال حقيقياً: هل هؤلاء هم نفس سالار الصين؟
تميل المصادر الحديثة لتأكيد هذه الفرضية، وتذهب إلى أن قبائل السالار كانت اضطرت لمغادرة أرضها الأم في مناطق تركمانستان الحالية، بسبب سياسة الدولة السلجوقية ضدهم، خلال السنوات الممتدة ما بين 1380 و1424، عبر طريق سمرقند وطرفان وصوتشو حتى وصلوا إلى مناطق التركستان الشرقية، وهم من يشكل شعب السالار في قانصو اليوم.
ويتمركز أغلب أبناء هذه القومية في محافظة «تشيهو» ذات الحكم الذاتي لقومية السالار في شنغهاي، وتنتشر البقية في محافظة هو الونغ المجاورة، وفي منطقة داخو جيا في ولاية ينشا ذات الحكم الذاتي لقومية الخوي في قانصو. أما لغتهم فهي من أرومة اللغة التركية، ويستخدمون كذلك الحروف العربية في الكتابة.
* الأوزبك: اتخذت قبائل الأوزبك اسم زعيمها أوزبك خان، الذي كان على رأس القبيلة الذهبية المغولية من سنة 1313 إلى سنة 1340، والذي اشتهر بحماسة للدين الإسلامي، إلى درجة القول إنه كان وضع خطة لنشر الإسلام في كافة أرجاء البلاد الروسية.
ومن المرجح أن تكون القبائل التي تسكن الصين اليوم من الأوزبك قد دخلت الإسلام في عهد أوزبك خان كذلك. ويتعايش الأوزبك بشكل خاص مع بقية الشعوب التركية في سينيكانغ، ولغتهم من أرومة اللغة التركية، التي تستخدم الحروف العربية في الكتابة.
* الطاجيك: وهم قوم سكنوا منذ القدم قمم هضبة «الباميير» التي تمثل محافظة تاشكور قاند اليوم. وهم من أصول فارسية، ويتحدثون إلى اليوم اللغة الفارسية، التي تتخذ الحروف العربية في الكتابة.
وينتمي طاجيك الصين في حقيقة الأمر إلى الشعب نفسه الذي تضمه جمهورية طاجيكستان الحالية على الحدود الأفغانية ـ الصينية. وفي الوقت الذي ينتمي طاجيك الصين إلى المذهب الإسماعيلي، كما هو الحال مع بعض أفراد الشعب الطاجيكي في طاجيكستان نفسها، إلا أن بقية هذا الشعب تنتمي إلى المذهب السني الحنفي (يقدر عدد السنة الأحناف في طاجيكستان حوالي ثلاثة ملايين نسمة) مقابل ألف وخمسمائة نسمة تقريباً من الإسماعيلية.
كما ينتشر بعض أبناء قومية الطاجيك في محافظات صينية أخرى مثل محافظة شاتشه وجو ولبشان، ويستقر بعضهم في منطقة تركستان الشرقية في تعايش ناجح مع الشعوب التركية هناك، على رغم استمرار استخدامهم لغتهم الأم: الفارسية، وينتمي الطاجيك المقيمون في تركستان إلى المذهب الحنفي.
* قومية «البوان»: وهم يمثلون الفرع الثاني من الهجرة المغولية نحو الصين، وجاءت تسميتهم نسبة إلى مدينة باوان في محافظة تو نغرن في مقاطعة شنغهاي حيث كانوا يقطنون. وقد اضطروا للهجرة منها نتيجة لاضطهاد حكام المنطقة الذين كانوا على الدين البوذي، ليستقروا بدينهم في ولاية خنشو (لينشا اليوم)، حيث لا زالوا يقطنون في حدود محافظة جيش ذات الحكم الذاتي لقوميات بوان ودونغشيانغ وسالار، وصارو يعرفون هناك بأهل باوانه.
وقد أعطت الحكومة الصينية هذا الاسم رسمياً لهذا الشعب أثناء التنظيم السياسي الأخير للصين. أما لغتهم فإنها تنتمي إلى أرومة اللغة المنغولية.
* تأتي أخيراً قومية التتار كعاشر قومية مسلمة في الصين. (وتستخدم كلمة تتار هنا بالمعنى الخاص، للدلالة على شعب محدد، يسكن حول نهر البلنبا في بلاد قزان، وحتى استراخان، وبعض منه في شبه جزيرة القرم وجزء من سيبيريا ممن يتكلمون اللغة التركية).
وتتار الصين بهذا المعنى ينتمون إلى هذا الشعب نفسه، ويتكلمون نفس اللغة التركية القديمة، وهم يستخدمون الحروف العربية في الكتابة.
ويتعايش التتار في الصين مع بقية الشعوب التركية في مناطق تركستان الشرقية.
الإسلام في الصين وإشكالية القوميات
من خلال هذه التقسيمات القومية كما أشرنا، كانت الدولة الصينية، تحاول الوصول إلى أفضل الطرق لفرض قبضتها على مختلف الشعوب. والأعراق التي أطبقت هيمنتها السياسية والعسكرية عليهم. ولكن الإشكال الذي تواجهه دراسة الإسلام في الصين ـ في ما بينها هنا ـ بالقياس إلى مثل هذا الخيار السياسي، هو ما إذا كان ممكناً الحديث عن مسلمي الصين هؤلاء وفق منطق واحد، بمعنى هل تصلح أدوات التحليل التي نستعملها في دراستنا عن الويغور مثلاً، لأن تطبق على الدونغشيانغ أو على الخوي أو على الطاجيك؟ خصوصاً أن لكل من هذه الأعراق لغة مختلفة، وتاريخاً مختلفاً، وحاضراً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً مختلفاً؟
ما يمكن التأكيد عليه من خلال هذا العرض السريع للموضوع، هو أن انتماء كافة المسلمين القاطنين أراضي الدولة الصينية للدين الإسلامي هو واحد بعينه.
ولا يكاد يفصل أو يفرق بين ممارساتهم وأعيادهم، وأفراحهم في هذا الاتجاه أي فاصل. بل تكاد الهوية «الإسلامية» أن تتحول إلى «الهوية القومية» لكل هؤلاء.
ومع ذلك يظل الجانب الثقافي والتاريخ السياسي والحضاري، والحاجز اللغوي يفصل بين هؤلاء، ويميز بينهم. ومن هنا يأتي الإشكال البحثي الذي كثيراً ما جرّ الدراسات المتعجلة التي حاولت التعرض لموضوع الإسلام في الصين، إلى مأزق منهجي صعب. ففي حقيقة الأمر يكاد يستحيل مثلاً تعميم أي من الملاحظات الميدانية: السوسيولوجية منها أو الأنثروبولوجية أو حتى السياسية، التي قد يتم جمعها عن المسلمين الويغور على غيرهم من مسلمي الصين.
فلا يمكن القول ـ على سبيل المثال ـ إن فكرة الجامعة التركية هي ما يزهر قلب سكان الباير من الطاجيك الفرس، أو إن أشعار الكشغري هي نزهة المشتاق للأدب أو الشعر عند البوان من المغول، أو إن الخوي كالويغور يسعون للإنفصال عن الدولة الصينية!
وعلى رغم ما قد يجمع ما بين القازاق والأوزبك والقرغيز والتتار مع الويغور من تاريخ ثقافي، ولغة مشتركة، إلا أن عامل الانتماء للأرض وهو المؤشر الذي أثار دهشة مختلف الدراسات ـ يجعل من الويغور وحدهم أصحاب شرعية في مناطق التركستان؟ بينما وفد الآخرون إليها من الخارج.
هكذا يرفض الويغور أي منطق يحاول أن يجعل من كل هؤلاء الشعوب التركية على مستوى واحد، أو أن يعطى لهم نفس الحق في تلك الواحات الويغورية الوارفة. وهم عادة ما ينتفضون بشدة ضد كل المحاولات المنهجية، أو العملية في هذا الاتجاه. وعلى رغم كل ترحيبهم بإخوانهم في الدين للإقامة بينهم، إلا أن ذلك لا يعطي لهؤلاء أي حق نهائي في أرضهم.
ويمكن أن نلاحظ في هذا الخصوص أن العديد من المصادمات المسلحة كانت تقع بين الويغور وإخوانهم في الدين من الخوي (وهم الصينيون المسلمون) ممن تم تهجيرهم نحو مناطق الويغور بقرار سياسي، في إطار السياسة التدريجية للحكومة المركزية لدمج التركستان نهائياً بالدولة الصينية، وذلك لاعتبار الويغور هؤلاء صينيين بالأساس لا يختلفون عن غيرهم من الصينيين الخان الذين جاؤوا لاحتلال أراضيهم.
على هذا الأساس، لا بد لمقولة «مسلمي الصين» أن تحمل بالضرورة كل هذا التنوع والاختلاف، لأنها تفقد، بالتالي، معناها إذا ما تم جرّها للحديث عن عرق واحد من هذه الأعراق بمعزل عن البقية
من ناحية أخرى، فإن مقولة «الصينيين المسلمين» غير صالحة للإشارة إلاّ لأفراد قومية «الخوي» من الصينيين، إذ أن الانتماء العقائدي والنفسي والثقافي للدين الإسلامي، يجعل من مشاعر كل هؤلاء تتبلور بعمق في ما يمكن تسميته بـ «الهوية الإسلامية» وهي ما يحاول الخوي أن يؤكدوا عليه من خلال إصرارهم على الاختلاف عن «الخان» وفق هذا المعنى.
وقد استطاعوا أن يطوروا لغة صينية خاصة بهم، يزركشها الشباب خاصة بالمفردات العربية والتعابير الإسلامية، فالحديث عن شهر رمضان الذي لا يعرفه «الخان» أو السؤال عن «الجماعة» ويقصد بها جماعة المسجد …. وغير ذلك. هذه اللغة يُشار إليها في اللغة الصينية بـ «خوي خوى خوا» وهو تعبير تصعب ترجمته، ويعني لغة الخوى (أي المسلمين) الخاصة.
وهذا التعبير يتخذه هؤلاء لإعلان هويتهم الإسلامية المتميزة.
مع ذلك يصعب النظر إلى هذه «الهوية» ـ إن صح التعبير ـ خارج الهوية الوطنية الصينية، لأن هؤلاء المسلمين (من الخوي) أنفسهم كانوا قدّموا حتى اليوم من دون حدود، ملايين الشهداء في سبيل أرض الوطن «الصين» أمام مختلف أشكال العدوان التي تعرّضت لها الصين عبر تاريخها. ولهذا كانت لهم مكانتهم الخاصة في قلب هذا الكيان الوطني الصيني الذي لا ينظر إليهم إلا باعتبارهم أبناءه من المسلمين. هذه الحقيقة يقابلها نضال الويغور وجهادهم في سبيل الاستقلال بوطنهم الأم «ويغورستان» عن الأراضي الصينية، والانفصال عن هذا الكيان السياسي الذي لا يحملون له أي ولاء.
سعاد الوحيدي
الضّد
قال السيد محسن الأمين:
اختلف الأصوليون في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده. وهذه المسألة من مهمات المسائل الأصولية لدقة مأخذها وكثرة فروعها في الفقه (وأهم ما فيها) أمران:
(الأول) تحقيق الحال في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص معنى لا لفظاً فإن ذلك هو محل الإشكال ومحط الأنظار وأهم ما فيه إثبات أن فعل الواجب هل يتوقف على ترك ضده فإذا ثبت التوقف كان ترك الضد واجباً بناء على ما هو الحق من وجوب مقدمة الواجب فيكون فعله حراماً وهو معنى النهي عنه وإلا لم يبق دليل على حرمة الضد.
(الثاني) إذا أمر بضدين أحدهما موسعاً والآخر مضيقاً ففعل الموسع هل يبطل إذا كان عبادة (أما الأمر الأول) فقد اختلف أنظار فحول العلماء في توقف فعل الضد على ترك ضده كما اختلف في توقف الترك على الفعل (والمراد) بالضدين الأمران الوجوديان اللذان لا يمكن اجتماعهما فإن كان لهما ثالث أمكن ارتفاعهما وإلا لم يمكن كالحركة والسكون (والذي) نسب إلى المشهور توقف فعل الضد على ترك ضده دون العكس (والعكس) محكي عن الكعبي وعن الشيخ الرئيس أنه قال وجود الضد سبب لانتفاء الضد الآخر انتهى وتوقف فناء الضد على طريائان الضد مشهور بين المتكلمين (والذي) اختاره سلطان العلماء والمحققون من أهل عصره وما قاربه وحكاه بعض المعاصرين عن سيد محققي الحكماء وعن الفاضل البهائي في الزبدة والفاضل الجواد في شرحها والمحقق السبزواري عدم التوقف من الجانبين وهو الحق (وعن) المحقق الخوانساري التفصيل بين رفع الضد الموجود وعم الضد المعدوم بالتزام كون الأول مقدمة لمجيء الضد الآخر وإنكار المقدمية في الثاني فهو مفصل بين الرفع والدفع في ترك الضد وأما فعل الضد فليس مقدمة للترك مطلقاً مستظهراً ذلك أيضاً من المحقق الدُّوَّاني فهذه أقوال أربعة (وزيد) فيها خامس وهو التوقف من الجانبين وعزي إلى الحاجبي والعضدي ولكن لا ينبغي عده بين الأقوال فإنه ما كان ليقول عاقل فضلاً عن عالم بالتوقف من الجانبين الذي هو دور محال (والذي) صدر منهما أنهما في مسألة الضد اعترفا بتوقف فعل الواجب على ترك ضده لكن منعا وجوب المقدمة وفي مسألة أُخرى وهي شبهة الكعبي في إنكار المباح اعترفا بأن فعل المباح مقدمة لترك الحرام ولكن منعاً أيضاً وجوب المقدمة فلزمهما القول بالتوقف من الجانبين ولا شك أنهما حين البحث في إحدى المسألتين غفلا عما ذكره في المسألة الأخرى ومثل هذا لا يعد قولاً في المسألة كما لا يخفى (والمقصود) بالبحث تحقيق توقف فعل الضد على ترك ضده وعدمه (أما العكس) فلا بحث لنا عنه.
(احتج) القائلون بتوقف فعل الضد على ترك ضده الذين فرعوا عليه اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده بأن الضدين متنافيان لذاتيهما بحيث يمتنع اجتماعهما في محلٍ واحد فإن ذلك هو معنى التضاد فيكون فعل كل ضد مانعاً عن الآخر إذ لا معنى للمانع إلا ذلك وعدم المانع شرط بالبديهة وعليه الاتفاق فترك كل ضد مقدمة شرطية لفعل الضد الآخر.
ولا مانع من كون العدم شرطاً في الوجود لأن الشرط ليس بمؤثر وإن توقف عليه تأثير المؤثر إنما الممتنع كون العدم هو المؤثر في الوجود وإلا لانسد إثبات وجود الصانع.
(وأورد) على هذا الاحتجاج بأن مجرد التنافي بين الشيئين وعدم اجتماعهما لا يقضي بالتمانع فقد ثبت التنافي وعدم التمانع في أمور كثيرة باعتراف من قال بتمانع الضدين وذلك كالنقيضين (وهما الأمران اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كالعدم والوجود) وكالضد ولوازم ضده وكالضدين اللذين يكون وجود أحدهما وعدم الآخر معلولين لعلة واحدة (وبالجملة) المانع ما يلزم من وجود العدم بمعنى أن يكون وجوده مقتضياً ومؤثراً في عدم الممنوع كالرطوبة المانعة من إحراق النار وحينئذ فيكون تأثير النار للإحراق مشروطاً بعدم الرطوبة وموقوفاً عليه ومجرد كون الشيئين لا يجتمعان في الوجود من غير ثبوت التمانع المصطلح بينهما لا يقتضي كون وجود أحدهما موقوفاً على الآخر كما لا يخفى.
هذا وقد استدل بعضهم على كون الضد مانعاً بأنا لو فرضنا وجود أحد الضدين وفرضنا وجود مقتضى الآخر جامعاً لجميع شرائط التأثير غير عدم الضد الموجود لم يؤثر إلا بعد ارتفاعه وهذا دليل على كون الضد مانعاً من ضده وإلا لترتب المقتضى على المقتضي لاستحالة تخلف المعلول عن العلة.
وأورد عليه بأمور (منها) أن توقف تأثير العلة على عدم الضد لا يقتضي كون الضد مانعاً لجواز أن يكون وجود الضد سبباً لانتفاء الشرط فيكون وجود الشرط موقوفاً على عدم الضد فيكون توقف تأثير المقتضي على عدمه عرضياً ناشئاً من توقف شرطه عليه فلا يكون وجوده مانعاً إذ سبب انتفاء الشرط لا يعد مانعاً ولما كان وجود العرض مشروطاً بقابلية المحل فإذا وجد السواد في محل انتفى شرط وجود البياض وهو قابلية المحل لاشتغاله بالسواد (لا يقال) إذا فرضت أن وجود الضد مشروط بقابلية المحل فهو موقوف عليه فإذا كانت قابلية المحل موقوفة على عدم الضد الآخر كان وجود الضد موقوفاً عليه أيضاً وصار وجود الضد الآخر مانعاً منه (لأنّا نقول) تظهر الثمرة في صورة تعدد الأضداد فلو كانت ثلاثة كالسواد والبياض فلو كان كل من السواد والبياض مانعاً من الآخر كان وجود كل منهما موقوفاً على عدم الآخر أما لو كان وجود كل منهما سبباً في فقدان شرط الآخر لم يكن وجود واحد منهما موقوفاً على عدم الآخر حال عدمه وإنما يكون موقوفاً على عدمه حال وجوده أما حال عدمهما فليس شيء منهما موقوفاً على عدم الآخر بل وجود كل منهما موقوف على عدم الحمرة الشاغلة للمحل والموجبة لفقد الشرط (ثم) إن حاصل هذا الرد يرجع إلى منع إمكان وجود مقتضى الضد جامعاً لجميع الشرائط سوى عدم الضد الآخر كما لا يخفى (منها) أنه مع تسليم ما ذكر إنما نثبت مانعية الضد في الصورة التي ذكرها لا على الإطلاق ويجوز كون الشيء مانعاً في حال والمفيد في المقام إثبات المانعية على الإطلاق.
احتج المانعون من توقف فعل الضد على ترك ضده بوجوه أقواها وجهان (الأول) إن من المعلوم بالوجدان أنه إذا حصلت إرادة المأمور به وانتفى الصارف عنه حصل هناك أمران فعل المأمور به وترك ضده فيكونان إذاً معلولي علة واحدة فلا وجه لجعل ترك الضد من مقدمات فعل الآخر وذلك مثل السبب الباعث على حصول أحد النقيضين فإنه هو الباعث على رفع الآخر من غير ترتب وتوقف بينهما بل هما موجودان في مرتبة واحدة (أقول) وهو جيد فإن من كان مشغولاً بالكتابة مثلاً ثم عرض له ما يوجب ذهابه إلى السوق فتركها وذهب إلى السوق فإنه يرى من نفسه أن الشوق والرغبة في الذهاب إلى السوق هو الذي نشأ عنه ترك الكتابة والذهاب في آن واحد ولا يجد ترتباً بينهما (وقال) بعض المحققين من المعاصرين: إن صريح الوجدان شاهد بأن ترك الضد إما مستند إلى إرادة الضد الآخر كاستناده إليها وينبعث منها كانبعاثه أو إلى الصارف الذي هو مقارن للإرادة وعلى التقديرين لا يكون لأحدهما تقدم طبعي على الآخر فكيف يكون مقدمة شرطية له (انتهى).
(وكأن) مراده الترديد بحسب الحالات فإنه مرة يوجد صارف عن أحد الضدين مقارن لإرادة الآخر ومرة لا يكون هناك صارف غير إرادة الآخرة.
(الثاني) إن ترك الضد لو كان مقدمة لفعل ضده لكان الفعل أيضاً مقدمة للترك بطريق أوّلي لأن منشأ التوقف الذي زعموه هو المانعية حيث عللوه بها وهي موجودة من الطرفين فإذا كان عدم الضد شرطاً في وجود ضده كان وجود ضده علة في عدمه لأن وجود المانع علّة تامة في عدم الممنوع إذ بوجوده يفقد جزء من أجزاء العلة التامة للوجود وهو الشرط من حيث إن عدم المانع شرط ومن المعلوم إن فقد جزء من أجزاء علة الوجود علة تامة في العدم وحينئذ فيتوقف كل من الفعل والترك على الآخر وهو دور محال فتوقف الفعل على الترك توقف المشروط على الشرط وتوقف الترك على توقف المعلول على العلة ولذلك قيل إنه أولى بالتوقف فإن توقف المعلول على علته أوضح وآكد من توقف المشروط على شرطه (وإلى هذا الوجه) أشار سلطان العلماء في حاشية العضدي على ما حكي عنه حيث قال: فلو كان ترك الضد مقدمة لفعل ضده فكون فعل الضد مقدمة لترك ضده أولى بالإذعان ولما كان منشأ توهم التوقف هو مقارنة الاتفاقية، حصل ذلك الاشتباه في المقامين مع أنه محال. اهـ.
(وقال) في حاشية المعالم في جواب احتجاج من احتج على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده بأن فعل الواجب لا يتم إلا بترك ضده … إلخ. ما لفظه: التحقيق في الجواب منع كون ترك الضد الخاص مقدمة وموقوفاً عليه للواجب وإنما يحصل معه في الوجود بلا توقف من الطرفين والعجب توهم الكعبي كون فعل أحد الضدين مقدمة لترك الضد الآخر على عكس المذكور هنا وأعجب من ذلك تسليم مصنف المختصر وشارحه ما ذكر الموضعين مع تنافيهما وإنما أجابا في الموضعين بمنع كون مقدمة الواجب واجباً مطلقاً انتهى.
وقد أجيب عن لزوم الدور المذكور بأنه وإن قلنا بتوقف فعل الضد على ترك ضده لا يلزم منه توقف الترك على الفعل حتى يلزم الدور فإنه إذا فقد المقتضي للضد كالصلاة مثلاً أو فقد جزء من أجزاء علته غير عدم المانع كان ذلك كافياً في عدمه ولا يتوقف على وجود المانع كالإزالة بل سواء وجد أو فقد تعدم الصلاة علّتها التامة نعم لو فرض وجمد مقتضي الصلاة وجميع أجزاء علتها غير عدم المانع وهو الإزالة بحيث لولا المانع لوجدت كان عدمها حينئذ موقوفاً على الإزالة فيجيء الدور إلا أن هذا الفرض يجوز أن يكون محالاً فلا يلزم الدور لأن الموقوف على المحال هكذا نقل عن المحقق الخوانساري مكتفياً باحتمال كون هذا الفرض محالاً لكفاية الاحتمال في رد الاستدلال.
وحاول بعض المحققين في حاشية المعالم إثبات استحالة مجامعة فعل الضد لتمام المقتضي لفعل ضده ولم يكتف بالاحتمال فقال ما حاصله: لأن وجود الضد لا بد له من إرادة سابقة عليه وهي كافية في سببية الترك لأن السبب الداعي إلى أحد الضدين صارف عن الآخر فلا يكون الترك مستنداً إلى فعل الضد في وقت من الأوقات فلا يكون فعل الضد مجامعاً لتمام المقتضي لفعل الضد الآخر إذ وجود الصارف ينافي وجود تمام المقتضي إذ من تمامه الإرادة وهي لا تجتمع مع إرادة الضد الآخر (ثم) اعترض على نفسه بإمكان تقرير الدور بين إرادة الضد ونفس الضد الآخر فإنهما أيضاً متضادان فيقال إرادة الإزالة سبب في ترك الصلاة كما ذكرت فلو كان ترك الصلاة مقدمة لإرادة الإزالة لزم الدور.
(وأجاب) بمنع التضاد بينهما لأن مجرد عدم الاجتماع لا يقتضي المضادة كما في لوازم المتضادين ومدار التضاد على عدم إمكان الاجتماع الذاتي وامتناع الاجتماع في المقام عرضي فإن امتناع اجتماع إرادة الضد مع ضده من جهة مضادة هذه الإرادة لإرادة الضد الآخر ولذا كانت إرادة أحدهما صارفة عن الآخر (وأجاب) بأن إرادة الفعل وعدمها إنما تتفرع على حصول الداعي وعدمه فقد لا يوجد الداعي إلى الضد أصلاً فيتفرع عليه عدم الإرادة من غير أن يتسبب ذلك عن إرادة الضد الآخر وقد يوجد الداعي لكن يغلبه الداعي إلى الضد الآخر المأمور به مثلاً فلا يكون عدم الإرادة حينئذ أيضاً مستنداً إلى إرادة الضد الآخر بل إلى غلبة داعيه وعلى أي حال فلا تأثير لنفس الإرادة في انتفاء الإرادة الأخرى بل كل من إرادة أحد الضدين وعدم إرادة الآخر مستند إلى علة واحدة وهي غلبة الداعي (ثم) أورد على نفسه بأنّا نجري الكلام بالنسبة إلى غلبة الداعي إلى الضد المأمور به وغلبة الداعي إلى ضده لكونهما ضدين وقد صار رجحان الداعي إلى الفعل سبباً لانتفاء رجحان الداعي إلى ضده والمفروض توقف الرجحان المذكور على انتفاء رجحان داعي اللزوم فيلزم الدور (وأجاب) بأنه لا سببية بين رجحان داعي الفعل وانتفاء رجحان داعي ضده بل رجحان الداعي إلى الفعل إنما يكون بعين مرجوحية الداعي إلى الضد فهما حاصلان في مرتبة واحدة من غير توقف بينهما حتى يتقدم أحدهما على الآخر في المرتبة فرجحان الداعي إلى المأمور به مثلاً مكافئ في الوجود لمرجوحية الداعي إلى ضده إذ الرجحانية والمرجوحية من الأمور المتضايقة ومن المقرر عدم تقدم أحد المتضايقين على الآخر في الوجود.
وأورد عليه (أولاً) بأنه صرح في دفع الدور بأن ترك الضد مستند إلى إرادة الضد لا إلى نفسه وفي جواب السؤال الثاني بأن ترك الضد مستند إلى عدم الداعي وهما متناقضان (وثانياً) بأن ما ذكره في دفع الدور من منع توقف الترك على الفعل قاض بعدم توقف الفعل على الترك أيضاً لأن مقدمية الترك للفعل إنما نشأت من كون كل من الضدين مانعاً من الآخر وعدم المانع شرط فإذا فرض استحالة استناد ترك أحد الضدين إلى فعل الآخر كما يدّعيه لم يكن وجود أحد الضدين مانعاً من الآخر لأن المانع ما يؤثر في عدم الممنوع والمفروض هنا خلافه (وثالثاً) إن ما ذكره من استحالة مجامعة فعل الضد لتمام المقتضى لفعل ضده ممنوع لجواز اجتماع تمام المقتضي مع الفعل بأن توجد الإرادة للضد ولم يبق مانع من وجوده إلا الاشتغال بضد آخر (وفيه) إن المسلم وقوعه هو حصول ميل وشوق إلى فعل الضد المعدوم لكن لا بد أن يكون الشوق والميل الحاصل إلى الضد الموجود أقوى منه وإلا لترك الموجود وأوجد المعدوم وحينئذ فلا يكون تمام المقتضي موجوداً لأنه عبارة عن الإرادة التامة التي يترتب عليها حصول الفعل لولا المانع والإرادة هنا ناقصة مغلوبة بإرادة الضد الموجود وهي التي نشأ منها عدم الضد لا من وجود الضد الآخر كما لا يخفى (ورابعاً) إن آخر كلامه استقر على أن إرادة أحد الضدين مستندة إلى غلبة الداعي وانتفاء إرادة الآخر إلى مغلوبية الداعي والغالبية والمغلوبية من الأمور المتضايقة التي لا توقف ولا ترتب بينها وهذا على خلاف مقصوده أدل لأن العلتين إذا كانتا في مرتبة واحدة بأن كانتا متضايقتين أو معلولتي علة واحدة كان معلولاهما أيضاً كذلك وكذا إذا كان لمعلوليهما معلول آخر وهكذا فإن النسبة الملحوظة في آخر مراتب العلل ثابتة في جميع مراتب المعلولات ويمتنع انقلابها من التضايف إلى الترتيب الطبيعي بين المعلولين والإلزم تخلف المعلول عن العلة (وخامساً) إن مرجع الجواب عن الدور بهذا الوجه إلى الدليل الوجداني الذي أقيم على عدم كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده حيث إن القائل بكون الفعل والترك متقارنان متساويان في الرتبة وليس لأحدهما تقدم على الآخر حتى يكون مقدمة له يقول إن ترك الضد وفعل الضد ينشآن من شيء واحد وهي إرادة الضد مثلاً وأن كلاًّ منهما يستند إليها ولا مدعى له سواه فقد جرى الحق على لسان المجيب من حيث لا يشعر.
وأما التفصيل في توقف فعل أحد الضدين على ترك الآخر بين رفع الضد الموجود فيتوقف وعدم الضد والمعدوم فلا يتوقف فهو من متفرداته ومع ذلك فلم يذكر له حجة وإنما اقتصر على قوله يجوز أن يقال إن المانع إذا كان موجوداً فعدمه مما يتوقف عليه وجود الشيء وأما إذا كان معدوماً فلا وقد احتج له بعضهم ببعض الوجوه الضعيفة فلا نطيل بذكرها وردها (هذا) الكلام على الأمر الأول.
(وأما الأمر الثاني) وهو أنه إذا كان أحد الضدين المأمور بهما موسعاً والآخر مضيقاً فهل يبطل الموسع إذا فعله قبل المضيق وكان عبادة فعلى القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده يلزم البطلان لاقتضاء النهي في العبادات الفساد وهذه هي ثمرة الخلاف في مسألة الضد مثال ذلك من صلى في الوقت الموسع ولم يزل النجاسة على المسجد مع علمه بها وقدرته أو صلى وعليه دين مستحق وصاحبه يطالب به ولم يؤده أو سافر إلى الحج وعليه من الخمس أو الزكاة أو الدين ولم يؤده مع عدم إمكان التأدية في السفر إلى غير ذلك (وأنكر) الشيخ البهائي رحمه الله هذه الثمرة فحكم بفساد الضد الموسع مع كونه عبادة لأن الأمر بالشيء مضيقاً إن لم يقتض النهي عن ضده فلا أقل من أن يقتضي عدم الأمر بضده فيفسد لعدم الأمر لعدم إمكان صحة العبادة بغير أمر.
وأورد عليه بأن يكفي في صحة الضد مجرد الرجحان والمحبوبية للمولى فيصح والحال هذه أن يتقرب به والضد بناء على عدم حرمته لم يخرج عن المحبوبية والرجحان لعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرب وإنما ارتفع الأمر المتعلق به فعلاً من جهة المزاحمة لا غير.
والحق عدم ارتفاع الأمر بالموسع بالكلية بل هو باقٍ لكنه مقيد بعصيان الأمر المضيق وبذلك يندفع محذور قبح اجتماع الأمر بالضدين لأن ذلك إذا كانا مطلقين أما إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً بعصيان الأمر بالمضيق والعزم عليه فلا كما هو واقع في العرفيات (وقولهم) بكفاية الرجحان والمحبوبية في صحة التقرب وإن لم يكن أمر فعلاً اعتراف منهم بما ذكرنا من حيث لا يشعرون وإذا كان هذا الفعل باقياً على الرجحان والمحبوبية فأي مانع من طلبه على تقدير العصيان أو العزم عليه.
ضوابط الأصول
للسيد إبراهيم الموسوي القزويني
السيد إبراهيم الموسوي القزويني، ابن محمد باقر (1214 ـ 1264هـ/ 1799 ـ 1848م).
كان أبوه من السادات الموسويين في «خويين» إحدى قرى ضواحي قزوين. ولد في قزوين، وهاجر في صباه مع أبيه إلى كرمانشاه ودرس على مدرسيها هناك، ثم قصد العراق وأقام في كربلاء ودرس فيها، ولم يلبث أن عاد إلى كربلاء. فأسّس حوزة للدرس في مدرسة «سَرْدار» تقاطر إليها الكثير من الطلاب، ونال الشهرة والمرجعية. وفي حوالي 1260/ 1844 بلغت فتنة الشيخية من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والسيد كاظم الرشتي أوجها في كربلاء. فتعرض القزويني الذي كان مناوئاً لهم إلى أذاهم وهجماتهم. وحين ضاق به المقام في كربلاء اضطر للتوجّه إلى الكاظمية، ثم ما لبث أن عاد إلى كربلاء. وكانت حوزة درس القزويني واسعة جداً، وموضع اهتمام، فقد درس فيها أغلب علماء إيران والعراق الشهيرين في القرن 13/ 19؛ ومن أهمهم الملاّ علي الكني والسيد أسد الله الشفتي ومحمد باقر الخوانساري وميرزا محمد التنكابني.
من مؤلفاته: ضوابط الأصول. وهو تقريرات درس أصول شريف العلماء، نتائج الأفكار في علم الأصول؛ دلائل الأحكام في شرح شرائع الإسلام.
الطائف
تبعد عن مكة 80 كلم وهي مدينة جاهلية قديمة، تنسب إلى وج بن عبد الحي من العماليق، وسميت باسمه (وج) ونسب إليها واديها فقيل: وادي وج، إلى أن بنت ثقيف حولها سوراً يمنعها من غارات المغيرين يطوف بها، ومن ذلك الحين سميت الطائف. فقال أبو طالب:
منعنا أرضنا من كل حي
كما امتنعت بطائفها ثقيف
أتاهم معشر كي يسلبوهم
فحالت دون ذلكم السيوف
كانت في العصر الجاهلي قريتان فقط، إحداهما تدعى طائف ثقيف وهو مما يلي الطائف، والأخرى على الجانب الآخر ناحية الوهط، والوادي يمر بين القريتين. وبالرغم من جودة محاصيل الطائف الزراعية وجودة فاكهتها وكثرة أعنابها وتفوق أهلها في عمل الدباغ وصناعة المنجنيق وتعاطيهم كل أسباب التجارة، إلا أن الطائف إذ ذاك كان على حالة سيئة: بيوتها لاطئة حرجة، وبقايا مياه الوادي تجري عليه مياه المدابغ التي يدبغ فيها الأديم تصرع الطيور رائحتها إذا مرت بها.
قال ياقوت([377]): وهي طيبة الهواء شمالية ربما جمد فيها الماء في الشتاء، وفواكه أهل مكة منها.
والجبل الذي هي عليه يقال له: غزوان، وكان بعض الملوك يقول: اغبط الناس عيشاً عبدي أو قال مولاي سعد. وكان يلي أمواله بالحجاز ويرتبع جدة، ويتقيظ الطائف ويشتو بمكة. كذلك وصف محمد بن عبد الله النميري زينب بنت يوسف أخت الحجاج بالنعمة والرفاهية قال:
تشتو بمكة نعمة
ومصيفها بالطائف
وبعد الإسلام بقي الطائف راكداً في عمرانه وتطوره اللهم إلا قبائل من قريش وثقيف كانت في مزارعها تحرث وتعمر وتصدر بعض الفاكهة إلى مكة، ويعتقد كثير من أهل العلم بالطائف الذين أدركناهم أن موقع الطائف القديم ومكان حصنه الذي بنته ثقيف وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، هو من الناحية الجنوبية عن جامع ابن العباس بينه وبين الجامع مسيل وادي وج، أي أعلى أرض أم نوبي بساتين حوايا وأرض المشايخ المسماة (زعيدة) بين شهار وعودة، وهذا من قبيل الترجيح بالظن، وربما كانت حجتهم هو ما جاء في تاريخ القاري([378]) عند الكلام على مجي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف المرة الثانية بعد الفتح في شوال سنة 8 هـ، حين خرج من حنين فسلك على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم بحرة الرغاء من ليّة، فابتنى بها مسجداً فصلى فيه، ثم من لية على نخب، حتى مرّ في طريق فسأل عن اسمها؟ فقيل: (الضيقة) فقال: بل هي اليسرى، ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، ثم مضى حتى انتهى إلى قرب حصن الطائف، ووقف به، وأمر بشهر الأسلحة وسمّي ذلك الموقع شهاراً لاشتهار الأسلحة، وشرب من بئره) إلخ.
وكان لثقيف ومن حالفهم من قريش وغيرهم كان لهم به مزارع متفرقة على جانبي الوادي هنا وهناك، وهذا ما لا خلاف فيه، أما مكان حصنه الذي بنته ثقيف وحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وقرية سكناهم حين الحصار، فهو في نظري يشمل: هضبة باب الربيع ـ جبل ابن منديل ـ هضبة القلعة ـ وبعض ما كان يسمى قديماً بقرية الهضبة، وبها اليوم مسجد الهادي وما يجاوره، هذا هو في نظري أهم أجزاء هذه القرية والحصن وحصار النبي صلى الله عليه وسلم كان من الناحية الشمالية ثم ارتفع إلى موضع مسجده اليوم أي من الناحية الشرقية. وذلك للأمور الآتية:
أولاً: أن ثقيفاً قد بنت حصنها لتأمين غارات المغيرين وهجمات المعتدين، ولتدافع عن نفسها وتحتمي به، وما كانت لتختار إلا موقعاً مرتفعاً مشرفاً على ما حوله، لتتمكن من صد أي غارة أو هجوم عليها، ومنطقة باب الريع شرقيّ محلة السلامة، هو الموقع الذي تتوفر فيه هذه الخصائص ولا بد أنهم حفروا بداخل الحصن بئراً في سفح الجبل أو على الأراضي القريبة تمدهم بالماء وقت الحاجة.
ثانياً: ويؤيد ذلك ما جاء في كتب السيرة([379]) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلاً حين حصار الطائف بوادي العقيق ولو كان الحصن على أرض أم نوبي وحوايا وقرية المشايخ وما جاورهما، لما وصلت سهام النبل من العقيق إلى الحصن ومن الحصن إلى العقيق، ويحتمل أن يكون الحصن شمال القرية أي أن الحصن على جبل القلعة والقرية على جبل ابن منديل لأنه لما أصيب ناس من المسلمين بجراح وقتل بعضهم، ارتفع إلى موضع مسجده الذي بالطائف اليوم، والحصن أكثر بعداً عن الجامع من القرية وهذا نص ما جاء في كتاب السيرة: (حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من الصحابة تحت دبابة ثم زحفوا إلى جدار الطائف ليخترقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا فيهم رجالاً فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون، فتقدّم بعضهم إلى الطائف مناديا ثقيفاً أن أمنونا حتى نكلمكم، فأمنوهما فدعوا نساء من قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما فأبين، فقال لهما ابن الأسود بن مسعود: ألا أدلكما على خير مما جئتم له؟ إن مال بني الأسود بن مسعود حيث قد علمتم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الطائف نازلاً بواد يقال له العقيق، إنه ليس بالطائف مالٌ أبعد رشاءاً وأشد مؤونة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود، وأن محمداً إن قطعه لم يعمر أبداً فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه الله والرّحم، فإن بيننا وبينه ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم. فأنت ترى في هذا القول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحاصر ثقيفاً وهو بالعقيق أو قرب العقيق، ولا شك أن بينه وبين الحصن نحواً من مسافة رمي النبل، وربما كان محل مزارع بني الأسود هي في محل مزارع العقيق الآن.
ثالثاً: ومما يؤيد أن موقع حصن ثقيف وقريتهم هو ما ذكرنا ما قاله الهمداني([380]) (وفي قبلة الطائف حائط أم المقتدر الذي دعى سلامة) ومعروف أن محلة السلامة التي سميت باسم الحائط تقع في قبلة باب الريع تماماً.
رابعاً: وربما تطورت هذه القرية وزيد فيها بعد الإسلام إلا أن أصلها على رأس الجبل الذي ذكرنا، فهذا ناصر خسرو([381]) يقول لنا في القرن الخامس الهجري: (… بلغنا الطائف يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 442هـ، والطائف ناحية على رأس جبل وقصبة الطائف مدينة صغيرة بها حصن محكم، وسوق وجامع صغيران، وبها ماء جار، وأشجار رمان وتين كثيرة، وبجوارها قبر عبد الله بن عباس، فقد بنى خلفاء بغداد هناك مسجداً كبيراً يقع القبر في زاويته، على يمين المحراب والمنبر، وبنى الناس هناك بيوتاً يسكنونها) فإذا تأملت قوله: إن الطائف ناحية على رأس جبل به سوق وجامع صغيران جوار قبر عبد الله بن عباس لم يخالجك شك أن موقع الطائف القديم ومكان حصنه في الموضع الذي ذكرنا.
خامساً: أما ما جاء في تاريخ القاري أن شهاراً سمّي بشهار لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بشهر الأسلحة فيه، وأنه شرب من بئره فهذا لم أر أحداً ذكره من المؤرخين غير القاري وهو متأخر.
نعم إن القول بأن الطائف القديم بساتين أم نوبي وما جاورها يتناقله الناس ولعل تناقلهم له من تاريخ القاري.
وفي العصر الأموي كان الطائف في كثير من الأحيان مرتبطاً بولاية مكة وكان الوالي على مكة من قبل الخليفة هو الوالي على الطائف، وبالرغم من نزوح كثير من السكان في الفتح الإسلامي ولا سيما بعد انتقال مركز الخلافة من الحجاز، فقد أقيم في هذا العصر بعض السدود وقد سار الإسلاميون([382]) على نهج المهندسين الجاهلين في بناء بعض السدود وهي قليلة جداً بالقياس إلى السدود التي بناها العرب قبل الإسلام ومن جملة السدود الإسلامية:
1 ـ سد أقيم في موضع يبعد عن الطائف زهاء ستة أميال يقال له (سد العياد). وكان ذلك في سنة (58) للهجرة وقد أقيم بالحجارة وحدها فلم يضع مهندسه، عبد الله إبراهيم، مادة من مواد البناء مثل الملاط أو الطين وما شابه ذلك بين الحجارة لتثبيتها وضمّ بعضها إلى بعض حتى تتماسك فتكون كأنها قطعة واحدة. وهي طريقة معروفة في اليمن واستعملها المهندسون الجاهليون كما يظهر ذلك من فحص الخرائب العتيقة الباقية من الأبنية والسدود الجاهلية ولا يزال هذا السد في حالة ممتازة يتحدث عن نفسه وعن عبقرية المهندس الذي أقامه في ذلك الزمن.
وقد شاهد (تويتشل) الذي كلفته الحكومة دراسة السدود القديمة وأماكن المياه، كما شاهد غيره هذا السد وجملة سدود جاهلية أخرى ووصفوها فذكروا في تقاريرهم عن مشاريع المستقبل في الاستفادة من بعض تلك السدود بعد إجراء بعض الإصلاحات والترميمات فيها، وأشاد بمقدرة من شيّدها وأقامها وبقابلياته الهندسية، ونبوغه الفني في إقامة تلك السدود بالرغم من ضعف القدرة الفنية وبدائية الأساليب التي استعملت في ذلك الزمن([383]).
وفي هذا العصر كانت قرى الحكرة والعرج والوهط وجفن ونخب ولقيم وغيرها آهلة بسكانها، مكتفية بمحصولها الضخم من الحبوب والفواكه والسمن والعسل، لا سيما قرية الوهط التي اشتهرت بكثرة أعنابها التي فاقت حد الوصف وفي العصر العباسي كثر سكان الطائف عما كان عليه وحصل بالتالي تطور وتقدم في العمران وحصلت عمارة المسجد العباسي وأول ما بني هذا المسجد في أيام الناصر لدين الله العباسي كما في تاريخ المرجاني والتقي الفاسي([384]) إلا أن محاصيله الزراعية أخذت تضعف وتقل حتى أن قرية الوهط التي كانت تمون الطائف ومكة بالفاكهة، وبها بساتين لرؤساء مكة والطائف غنية بالكروم، تدهورت حتى لم يبق منها من أشجارها في القرن السابع للهجرة إلا شجرة توت([385]).
وفي القرن السادس الهجري عمرت قرية بوادي وج دعيت بفرية «وج» ذكرها صاحب القاموس، وربما كانت هذه القرية قديمة جداً، ثم دمرت بعد عمارتها الأولى ثم جددت([386]) وتشمل هذه القرية مزارع وبساتين المثناة الشهيرة الناضرة وبساتين السلم وأم نوبي وأبو زبيدة وما حولها.
وفي حدود القرن التاسع الهجري ازدهرت قرية السلامة وكثر سكانها وأقيمت بها العمارات البارعة في نسق جميل وكان لكل دار بستان أو أكثر وبها عين ماء جارية، قال العجيمي([387]): (لا أدري متى كان ابتداء عمارتها وكان ينزل بها أعيان مكة وفضلاؤها بل غالب أهلها ثم خرجت في حدود 1080هـ وتحول أهلها ولم يبق منهم إلا القليل، وانتقل أكثر سكانها إلى قرية الهضبة وذلك بسبب الحروب والغزو السائد في ذلك، قال العجيمي: وكثر عمران قرية الهضبة منذ خربت السلامة وابتداء عمارتها بعد الألف.
قال الشيخ أحمد الغزاوي: (وقد ظفرت بنص تاريخي يستخلص منه أنها كانت معمورة قبل القرن السابع أو الثامن الهجريين: وذلك أن ابن فهد أرّخ لقاضي الطائف عبد الله بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله الطائفي فقال: أجاز له في سنة 794هـ فما بعدها التنوخي والبرهان علي بن فرخون وابن صديق وسليمان السقا وعبد القادر الحجّار ومحمد بن علي بن محمد البالي ومريم الأذرعية وجماعة … مات في رجب سنة 846هـ سنة ست وأربعين وثمانمائة بالسلامة من قرى الطائف.
وبهذا نعلم أن السلامة أقدم وجوداً من هذا المترجم بهذا الاسم …. إلى أن قال: (وأرجو من القارئ الكريم أن يرعى باله إلى هذه الامرأة أو (الريم) الأذرعية التي كانت من العلم بحيث تجيز القضاة في عصرها). وفي أوائل الألف للهجرة بدأت قرية الآبار تعمر حتى لم يمض عليها زمن يسير حتى امتلأت بالفضلاء وسميت بالآبار لكثرة الآبار بها وهي اليوم محلة (قروى) ولا أعلم كيف نشأ أو تحرف هذا الاسم عن الآبار؟
وكان بقروى بئر كثيرة العذوبة خفيفة الماء تدعى «بئر عجلان» ثم لما كثرت البيوت بجانبها منذ عام 1360هـ أخذت تلك البئر العذبة تملح وتغير ماؤها.
وكانت عين السلامة هي العين التي يستقى منها أهل الطائف حتى غيّر مجراها الشريف عبد الله بن محمد بن عبد المعين بن عون المتوفى سنة 1294هـ لما عمّر بلاده شبراً غيّر مجرى بلاد السلامة إلى بلاده شبراً. وجعل لسكان قرية الهضبة منهلين يستقون منهما وكان ذلك في حدود 1280هـ والقائم على بناء هذا المجرى المعلم محمد بن عتيق السالمي فأجرى دبل العين عن طريق خليج الشريف راجح المشوي الجودي الذي كانت مزارعه تشمل ما يسمى بركيب الحبسي (محلها الآن محلة الشرقية) وفي القرن الحادي عشر الهجري جددت عمارة المسجد العباسي وزيد في أروقته مما يدل على زيادة سكانه وفصل بينها وبين القبور التي في مؤخر المسجد بجدار. وأحدث به الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان صاحب مكة قبور جماعة منهم أم ولده، ثم كثرت هذه القبور حتى امتلأ نصف صحن المسجد بها، ولولا نهي الشريف زيد بن محسن في القرن الحادي عشر عن الدفن فيه لاستؤصل وصار جمعيه مقبرة، قال الدهلوي: ولا قبر في زماننا في صحن المسجد، قال ابن فهد: وليس في هذا المسجد جمعة ولا جماعة والظاهر أنهما كانا فيه قديماً لوجود المنبر به.
وفي القرن الثاني عشر زاد عمران قرية الهضبة، وزاد سكانها، وكثرت هجرة الأفغان والأكراد إلى الطائف ثم هجرة الهنود، واتصلت بعض قراه ببعضها وصارت تدعى محلّةً بدل قرية، لأنه لا يفصل بينها شيء ما مثل محلتي السلامة وقروى، ونتيجة لهذا العمران تميزت ثلاث حارات آنذاك:
حارة فوق. (2) حارة أسفر. (3) حارة السليمانية. هكذا كانت تدعى ثم استبدلت بلفظة محلة.
كما طوّق هذه الحارات الثلاث سور دائري مبني باللبن محفور تحته خندق محفوف به من ناحية خارج المدينة، جدد بناءه وإلى مصر آنذاك محمد علي باشا، وكان له ثلاثة أبواب: باب الحزم ـ باب الريع ـ باب ابن العباس وبالقرب من باب ابن عباس حمام صغير تسبب في بنائه محتسب الطائف (أحمد خيره) لا يزال بحالته السابقة حتى الآن يؤمه بعض الناس. وكان بالطائف في هذا العصر ستة مساجد عدا المسجد العباسي، منها: مسجد الهادي اليمني الذي أنشئ في حدود الخمسين بعد الألف.
ومسجد باعنتر الذي أنشأه نزيل الصانع في حدود سنة 1020هـ وأعان الشيخ أحمد باعنتر الحضرمي على الصلوات فيه ومدارسة القرآن. ومسجد باب الريع المشرف على السلامة المعروف بمسجد السنوسي لكونه بين بيوته. ومسجد الهنود بالسوق بين جامعي الهادي وابن عباس ونسب إلى الهنود لاجتماعهم به سابقاً ومسجد ابن عقيل بناه السيد عمر بن عقيل بن عمر العلوي المكي، ومسجد الوزير منسوب إلى وزير أمير مكة الشريف سرور عمره الوزير ريحان سنة 1089هـ.
وكانت حدود الطائف ما بين الهدة غرباً إلى بلاد غامد وزهران وبني مالك شرقاً، وإلى ركبة شمالاً، حتى الفرع وبلاد بني سفيان جنوباً، وربما امتدت إلى التهائم. أما اليوم فالمناطق التي تتبع أمارة الطائف من ناحية الغرب إلى الهدة ومن الشرق إلى بالحارث، ومن الشمال إلى ركبة، وما جاورها من بلاد القثمة والشيابين، ومن الجنوب إلى بلاد بني سفيان.
ومنذ عام 1360هـ أخذ عمران الطائف يحتل مكاناً بارزاً ويملأ ما بين قراه، حتى لا تكاد تسمع أمثال قرية: السلامة، قروى، العزيزية، مِعَضّى، الخالدية، العقيق، المثناة، شبرا، الشرقية، اليمانية، أم خبز، الريان، الشهداء الشمالية، الشهداء الجنوبية، شهار، القمرية، إلا على أنها محلات متلاصقة لا تكاد تميز حدود بعضها كما بلغت مساجد الطائف أكثر من 200 مسجد عدا القرى التابعة للطائف([388]).
وتتميز الطائف عدا عما تقدم ذكره بمواقعها ومبانيها الأثرية والتاريخية كمسجد القنطرة وسوق عكاظ التي من أبرز معالمها قصر عكاظ، وبركة الخراب التي كانت إحدى محطات الحج في درب زبيدة، وقصر الكاتب، وقصر شبرا الذي بني سنة 1323هـ وهو الآن متحف لتراث المنطقة. وتشتهر بزراعة الورد الجوري الطائفي الشهير وتقطير زيته الذي يعتبر الأفضل في العالم، وبفاكهتها كالرمان والعنب والبرشومي التين الشوكي)، وإنتاج العسل.
وتحتضن محافظة الطائف، ثلاثة ملايين دونم من الغابات الشجرية الكثيفة التي تضم عدداً ضخماً من أشجار العرعر والطلح والسيال والضهيان والقرض والسلم والضرم والإثل والعتم والسدر. وتتركز معظم الغابات الخضر في المرتفعات التي تشهد أجواء ماطرة، على مدار السنة تقريباً، وتمتد من مركز الهدا مروراً بمركز الشفا وبني سعد وميسان بالحارث وثقيف وحتى الوصول إلى بني مالك، وتزداد كلما زاد الارتفاع باتجاه الجنوب.
وفي الطائف 300 ألف دونم من الغابات تشكل ما نسبته 10 في المئة من مجمل الغابات في المحافظة، بينما تضم مرتفعات بني مالك 860 ألف دونم من الغابات الداكنة تشكل 28,6 في المئة من مجموع الغابات، وبني سعد 500 ألف دونم، وميسان بلحارث 740 ألف دونم، وثقيف 600 ألف دونم. وتوجد بين أشجار الغابات مجموعات نباتية من الأشجار والشجيرات والنباتات الدائمة والحولية.
وتوفر الغابات في الشفا والهدا والمراكز الجنوبية مساحات خضراً واسعة. والطبيعة في الطائف تضم السهول والتلال والجبال التي تحتضن بيئات وفصائل نباتية مختلفة.
ومن أهم غابات الطائف غابات الشفا والهدا ذات الكثافة المتوسطة وبمسافة لا يبعد عنها كثيراً تقع تجمعات شجرية في بعض الأودية لـ «عشيرة» و«القرحين»، وفي ناحية بني سعد غابات جميلة جداً بشفا ربيع ووادي الجمالين.
حديقة في الطائف
أما في ناحية ميسان بالحارث فتزدهر الغابات بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع المنطقة وزيادة هطول الأمطار عليها، وفيها غابات أعذب والصخرة وبيضان واثبة والهيجة إلى جانب غابات أخرى على طول المرتفعات.
وتشتهر ثقيف بغاباتها الكثيفة والدائمة الخضرة وطقسها الرائع على مدار العام. ومن غاباتها عمد ووادي موقر وحثوى وشعب الغول وغيرها. وفي بني مالك تصل غابات الطائف إلى الكثافة القصوى وبنسبة تصل إلى 70 في المئة من نواحي الصار وسيداء وأوقاه وجبل مروان وعقبة قاحس.
وتزدان بيئة الجبال المرتفعة بأشجار العرعر التي تنمو على ارتفاعات شاهقة وتساعدها الأمطار في الازدهار والنمو إلى جوار أشجار الشربين. أما في المناطق الأقل ارتفاعاً، فتنمو أشجار الزيتون (التالق)، وفي التلال التي لا يبلغ ارتفاعها مستويات شاهقة تزدهر الأكاسيا والطلح والسدر والسلم.
وتغدو بطون الأودية بيئة خصبة لهذه الأشجار التي تنمو في مجموعات كبيرة ومتفرقة. وفي السهول تكثر الحشائش مثل التمام والصعة والعسط وينتشر العوسج والسرح. ولا تقتصر فوائد الغابات على توفير مواقع للتنزه بل هي معدة للخشب والحطب، والسبغ العربي في أشجار الضهيان، والمواد الدباغية في قشرة أشجار الأكاسيا، والثمار في انواع مختلفة من أشجار الضرو والحماط والأثب والجميز والسدر والنيم، كما توفر الغابات علفاً للحيوانات.
وهناك استعمالات علاجية لبعض أعشاب الغابات كالشذب والسنوت والحبق والضرم والطباق والعثرب والعشر والذيبة والنيم والعرعر.
ولا يخفى على المتخصصين والمزارعين الفوائد الوقائية لأشجار الغابات في صيانة التربة والمحافظة عليها من التعرية والانجراف وتنظيم جريان المياه إضافة إلى الفوائد المناخية والبيئية.
الطالبيات
ما ألف عن أبي طالب والد علي عليه السلام.
ما أُلف في إسلامه.
ـ أبو طالب مؤمن قريش
ترجم إلى اللغتين الفارسية والأورودوية.
تأليف: الشيخ عبد الله الخنيزي المولود سنة 1350هـ في القطيف.
ـ إتحاف الطالب بنجاة أبي طالب.
تأليف: محمد فتحا بن محمد ضمّا.
ـ إثبات إسلام أبي طالب
تأليف: محمد معين التتوي الحنفي.
ـ إسلام أبي طالب
تأليف: الشيخ عبد الحسين نعمة المولود سنة 1925م في جبل عامل. رسالة موجزة.
ـ الجواب الصائب عن شبهة إيمان أبي طالب
رسالة فارسية موجزة.
تأليف: الشيخ عباس القمي (1298 ـ 1360هـ).
ـ إسلام أبي طالب
من خلال الآيات والأحاديث والأشعار والوقائع التاريخية.
تأليف: الدكتور لبيب بيضون المولود سنة 1938م في دمشق.
ـ أسمى المطالب في إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ كاظم المخزومي (1356 ـ 1396هـ).
ـ أسنى المطالب في إيمان أبي طالب
تأليف السيد محمد البرزنجي الشهرزوري.
ـ أسنى المطالب في نجاة أبي طالب
تأليف: أحمد زيني دحلان.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: أحمد بن داود بن علي القمّي.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: السيد جمال الدين أحمد بن سعد الدين آل طاووس المتوفى سنة 673هـ.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: أحمد بن القاسم الكوفي المتوفى سنة 411هـ.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف أبي الحسن أحمد بن محمد الجرجاني المتوفى سنة 450هـ.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: أبي علي أحمد بن محمد الكوفي المتوفى سنة 346هـ.
ـ إيمان أبي طالب
بالاوردوية.
تأليف: الشيخ تاج الدين بن ميان مهر الدين الحيدري جوهان، المولود في كوجران نواله سنة 1934م.
ـ إيمان أبي طالب
لبعض المؤلفين، يحتمل أنه:
السيد أبو عبد الله حسين المعروف بالأمير السيد حسين المجتهد، المتوفى بأردبيل 1001هـ.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ أبي الحسن شمس الدين سليمان بن عبد الله البحراني (1075 ـ 1121هـ).
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: أبي محمد سهل بن أحمد الديباجي (286 ـ 380هـ).
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: سهل بن اليسع بن عبد الله القمّي.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: السيد ظفر حسن بن دلشاد علي النقوي، المولود سنة 1307هـ/ 1889م.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: المولوي محمد حسن بن الميرزا محمد أكبر الشيرازي القندهاري الأفغاني، المولود بقندهار سنة 1319هـ/ 1901م.
ـ إيمان أبي طالب
المؤلف: مجهول.
نخسة في مكتبة جامعة طهران، رقم 2/ 10031.
ـ إيمان أبي طالب
المؤلف: مجهول.
نسخة في مكتبة المرعشي بقم، ضمن مجموعة برقم 255، من 65 ب ـ 72 ب.
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد ابن النعمان (338 ـ 413هـ).
ـ إيمان أبي طالب
تأليف: القاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي، المتوفى سنة 363هـ.
البيان عن خيرة الرحمن في إيمان أبي طالب وآباء النبيّ
تأليف: أبي الحسن علي بن هلال (بلال) الأزدي، من أعلام القرن الرابع الهجري.
الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب
تأليف: السيد شمس الدين أبي علي فخار بن معد المتوفى سنة 630هـ.
ـ إيمان أبي طالب وأحواله وأشعاره
تأليف: الشيخ الميرزا محسن آغا بن الميرزا محمد آغا ـ المعروف بـ: بالا مجتهد، من علماء القرن الثالث عشر الهجري.
بحث في إسلام أبي طالب عمّ النبيّ
المؤلف: مجهول.
نسخة في الجامع الكبير في صنعاء، ضمن مجموع.
بغية الطالب في إسلام أبي طالب
تأليف: المفتي عباس (محمد عباس) ابن علي أكبر لكهنو (الهند) (1224هـ ـ 1306هـ/ 1889م).
بغية الطالب في إسلام أبي طالب
في بيان أحواله وإثبات إيمانه وحسن عقيدته.
تأليف السيد محمد بن حيدر الموسوي العاملي (1071 ـ 1139هـ).
بغية الطالب لإيمان أبي طالب
تأليف: ابي الفضل جلال الدين السيوطي.
بلوغ المآرب في نجاة آبائه وعمه أبي طالب
تأليف: سليمان الأزهري اللاذقي.
حاشية على كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب (حجّية الذاهب إلى إيمان أبي طالب)
تأليف: الشيخ شير محمد بن صفر علي الهمذاني (همدان 1302 ـ النجف 1381هـ).
ـ حياة أبي طالب
في إثبات إيمان أبي طالب.
بالاوردوية.
تأليف: الشيخ خالد الأنصاري الهندي. في بهوبال (الهند).
ـ رسالة في إسلام أبي طالب
تأليف: السيد الميرزا أبي القاسم أمين الدين محمد بن كاظم الموسوي الزنجاني (1224 ـ 1292هـ).
ـ رسالة في إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ محمد حسين بن علي آل كاشف الغطاء (النجف 1294 ـ كرند / إيران 1373هـ).
ـ رسالة في صحة إيمان أبي طالب
المؤلف: مجهول.
نسخة في مكتبة السيد جلال الدين الأُرموي.
ـ الرغائب في إيمان أبي طالب
تأليف: السيد محمد مهدي بن علي الغريفي البحراني (1299 ـ البصرة 1343هـ).
ـ سلوة الشيعة
في تحقيق إيمان أبي طالب.
تأليف: الشيخ معين الدين مسعود بن علي الصواني البيهقي (ت 544هـ/ 1149م).
ـ الشهاب الثاقب لرجم مكفّر أبي طالب
تأليف: الميرزا نجم الدين محمد جعفر الشريف العسكري (سامراء 1313هـ/ 1895م ـ 1395هـ/ 1974م).
ـ العرفان في دلائل إيمان حضرة عمران
بالأوردوية.
تأليف: السيد خورشيد حسين بن حكيم علي شاه الشيرازي (كجرات الهند 1915 ـ 1982م).
ـ عصمة النبي ونجاة أبويه وعمه
تأليف: محمد زكي إبراهيم.
ـ عقيدة أبي طالب.
تأليف: الدكتور السيد طالب الرفاعي، المولود سنة 1350هـ.
فتح الغالب در (في) شرح المطالب در (في) إثبات إيمان حضرت أبي طالب
بالأُوردوية.
تأليف: ذاكر حسين حكيم كهمبان.
ـ فيض الواهب في نجاة أبي طالب
تأليف: أحمد فيض الجورمي الحنفي.
ـ القول الواجب في إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ محمد علي بن الميرزا جعفر علي الفصيح الهندي، نزيل مكة، المتوفى بعد 1299هـ.
مطلوب الطالب در (في) إيمان أبي طالب
بالأُوردوية.
تأليف: كاظم حسين بن ملك مكهنا خان أثير جاروي الباكستاني المولود سنة 1941م.
مقصد الطالب في إيمان آباء النبيّ وعمه أبي طالب
فارسي.
تأليف: شمس الدين (العلماء) الميرزا محمد حسين بن علي رضا الربّاني اللكركاني، (1263 ـ 1345هـ).
ـ منى الطالب في إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ محمد بن أحمد الرازي، من علماء القرن الخامس الهجري.
ـ منية الراغب في إيمان أبي طالب
تأليف: الشيخ محمد رضا بن عباس الخراساني (مشهد 1322 ـ قم 404هـ).
ـ منية الطالب في إيمان أبي طالب
فارسي.
تأليف: السيد الحسين بن غسماعيل الحسيني الطباطبائي اليزدي الحائري، المتوفى سنة 1318هـ.
ـ نجاة أبي طالب
تأليف: الشيخ كاظم بن سلمان الكعبي (1302 ـ 1379هـ).
ـ واقع أبي طالب المؤمن
تأليف: السيد عبد الكريم بن علي آل السيد علي خان (النجفي 1317هـ ـ بعقوبة 1411هـ/ 1991م).
ـ الياقوتة الحمراء في إيمان شيخ البطحاء
تأليف: السيد طالب الخرسان.
مؤلّفات أتباع المذاهب الأربعة في إيمان أبي طاللب وأدبه
ـ أبو طالب عم الرسول
من: سلسلة عظماء الإسلام، رقم 9.
تأليف: محمد كامل حسن المحامي.
ـ أبو طالب عم النبي (شيخ بني هاشم)
تأليف: عبد العزيز سيد الأهل المعاصر.
ـ أبو طالب كافل النبي وناصره (حياة أبي طالب)
تأليف: السيد أحمد بن خيري باشا بن يوسف الحسيني الحنفي (القاهرة 1324هـ/ 1907م ـ القاهرة 1387هـ/ 1967م).
ـ إتحاف الطالب بنجاة أبي طالب
تلخيص من كتاب «أسنى المطالب» لأحمد زيني دحلان.
تألف: أبي عبد الله محمد فتحا بن محمد ضمّا المعروف بجَنّون الصغير، المتوفى سنة 1326 أو 1328هـ/ 1908 أو 1910م.
ـ إثبات إسلام أبي طالب
تأليف: مولانا محمد معين بن محمد أمين بن طالب الله التتوي (ت 1161هـ).
ـ أخبار أبي طالب وبنيه
تأليف: أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف البغدادي المدائني (135 ـ بغداد 215 أو 225هـ).
ـ أسنى المطالب في نجاة أبي طالب
تأليف: أبي العباس أحمد بن زيني بن أحمد دحلان الشافعي المكي، مفتي الشافعية بمكة المكرمة (1232هـ/ 1817م ـ المدينة المنورة 1304هـ/ 1886م).
اختصر فيه خاتمة ما كتبه السيد محمد بن رسول البرزنجي، وأضاف عليه العديد من الترجمات.
ـ أسنى المطالب في إيمان أبي طالب (بغية الطالب لإيمان أبي طالب)
وهو الكتاب الذي اختصره وأضاف إلى خاتمته أحمد زيني دحلان.
تأليف: السيد محمد بن عبد الرسول الشافعي البرزنجي الشهرزوري (شهرزور 1040هـ/ 1630م ـ المدينة المنورة 1103هـ/ 1691م).
ـ بغية الطالب لإيمان أبي طالب وحسن خاتمته
تأليف: أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الخضري السيوطي (ت 911هـ/ 1504م).
ـ بلوغ المآرب في نجاة أبائه وعمّه أبي طالب
تأليف: سليمان الأزهري اللاذقي.
ـ ديوان أبي طالب
صنعة: الدكتور محمد التونجي.
ـ ديوان أبي طالب وذِكر إسلامه
لأبي نعيم علي بن حمزة البصري الحنبلي.
ـ ديوان شيخ الأباطح
لأبي هفّان عبد الله البصري العبدي.
ـ الرسول والرسالة في شعر أبي طالب
تأليف: معوض عوض إبراهيم.
ـ الروض النزيه في الأحاديث التي رواها أبو طالب عمّ النبيّ عن ابن أخيه
تأليف: محمد بن علي بن طولون الدمشقي.
ـ السهم الصائب لكبد من آذا أبا طالب
تأليف: أبي الهدى محمد بن حسن وادي الصيّادي اللفاعي (حلب 1266هـ/ 1849م ـ 1327هـ/ 1909م).
ـ طلبة الطالب في شرح لاميّة أبي طالب
تأليف: علي فهمي باشا الموستاري.
ـ عصمة النبي ونجاة أبويه وعمه وصحة معجزاته حقيقة قطعية الثبوت
تأليف: محمد زكي إبراهيم.
ـ غاية المطالب في بحث إيمان أبي طالب
تأليف:السيد علي كبير بن علي جعفر الهندي الإله آبادي (1212 ـ 1285هـ).
ـ غاية المطالب في شرح ديوان أبي طالب
تأليف: محمد خليل الخطيب.
ـ فيض الواهب في نجاة أبي طالب
تأليف: الشيخ أحمد فيضي بن علي عارف بن عثمان بن مصطفى الجورومي الحنفي (1253هـ/ 1837م ـ 1327هـ/ 1909م).
ـ القصيدة الغرّاء في إيمان أبي طالب شيخ البطحاء
نظم: أحمد خيري باشا الحنفي.
ـ محبوب الرغائب
ترجمة «أسنى المطالب».
ترجمة: محمد نجم الدين صاحب المدارسي.
ـ محمد في بيت عمه أبي طالب
تأليف: محمد عطية الإبراشي.
ما أُلّف في تاريخ حياته ودفاعه عن الإسلام
ـ أبو طالب
تأليف: أحمد بن محمد حسن المظفر، المولود بالنجف سنة 1345هـ/ 1926م.
ـ أبو طالب
فارسي.
تأليف: باقر قرباني زرّين.
ـ أبو طالب
تأليف: السيد مرتضى حسين صدر الأفاضل (الكهنو ـ السيد 1341هـ/ 1923م ـ لاهور 1407هـ/ 1987م).
ـ أبو طالب أول المؤمنين
تأليف: سعيد بن رشيد الشمّري، المولود بكربلاء سنة 1953م.
ـ أبو طالب بطل الإسلام
تأليف: السيد حيدر العرفي، المولود بدير الزور في سوريا سنة 1940م.
ـ أبو طالب بن عبد المطلب والد أمير المؤمنين علي عليه السلام
تأليف: حسين جواد الكديمي.
ـ أبو طالب حامي الرسول وناصره (إيمان أبي طالب برواية علماء السُنّة)، (كافل اليتيم أبو طالب)
تأليف:الميرزا أبي القاسم نجم الدين جعفر الشريف بن محمد العسكري (سامرّاء 1313هـ/ 1895م ـ 1395هـ/ 1974م).
ـ أبو طالب داعية الإسلام الأول
تأليف: السيد محمد بن عبد الحكيم الصافي، المولود في الناصرية بالعراق سنة 1932م.
ـ أبو طالب عملاق الإسلام الخالد
تأليف: محمد بن علي بن ضرغام، المولود بجبلة في سوريا سنة 1915م.
ـ أبو طالب كفيل الرسول
تأليف: من: سلسلة مجموعة سيرة الصحابة الأخيار، رقم 1.
ـ أبو طالب المحامي الأوّل عن الدعوة الإسلامية
تأليف: إبراهيم بن محمد الجنيدي، المولود في القلايع بجبلة في سوريا سنة 1935م.
ـ أبو طالب مع الرسول
من: موسوعة التاريخ الإسلامي، رقم 5.
تأليف: أ. م. مغنية.
ـ أبو طالب وبنوه
تأليف: السيد محمد علي بن عبد الحسين المدني آل السيد علي خان المدني (النجف 1339هـ/ 1921م ـ العزيزية 1391هـ/ 1971م).
ـ أخبار أبي طالب
تأليف: الحافظ القاضي أبي بكر محمد بن عمر الجعابي التميمي (284 ـ 355هـ).
ـ أخبار أبي طالب
تأليف: أبي المظفر محمد بن أحمد النعمي.
ـ ترجمة حياة أبي طالب عم النبيّ
تأليف: السيد عبد الحسين الكليدار بن علي آل طعمة الفائزي (كربلاء 1299هـ ـ كربلاء 1380هـ/ 1960م).
ـ حياة أبي طالب
تأليف: الشيخ محمد علي بن محمد رضا الطبسي (1359 ـ 1383هـ).
ـ دراسة عن أبي طالب
تأليف: الشيخ عبد الواحد بن أحمد ابن المظفّر، المولود سنة 1310هـ.
ـ رتبة أبي طالب في قريش ومراتب ولده في بني هاشم
تـأليف: أبي الحسن محمد بن القاسم التميمي السعدي البصري النسابة.
فرغ منه سنة 310هـ.
ـ سيد البطحاء
من: سلسلة دراسات في التاريخ والسير، رقم 1.
تأليف: الشيخ محمود البغدادي.
ـ عبد المطلب وعبد الله وأبي طالب
تأليف: الشيخ أبي جعفر محمد بن أبي الحسن علي بابويه الصدوق القمّي (306 ـ 381هـ).
ـ منية الطالب في حياة أبي طالب
تأليف: السيد حسن بن علي القبانجي المولود في النجف سنة 1328هـ/ 1910م.
ـ الموسوعة الإسلامية في أبي طالب
تأليف: الشيخ عبد الله بن صالح المنتفكي تصدر بالتتابع.
ـ نصرة أبي طالب للإسلام
تأليف: الشيخ نجاح بن محمد حسن الخزرجي، المولود بالنجف سنة 1957م.
ما كتب في فضائل ومناقب أبي طالب
ـ صفات أبي طالب عبد مناف
تأليف: الشيخ مزمل حسين الميثمي (1334 ـ 1420هـ).
ـ عمدة الطالب في مناقب أبي طالب
تأليف: السيد أبي الفتوح جلال الدين الحسن بن محيي الدين علي.
ـ فضائل أبي طالب وعبد المطلب وعبد الله أبي النبي
تأليف: أبي القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي (ت 299 أو 301هـ).
ـ معارج الفرقان في عصمة أبي طالب عمران من آيات القرآن
بالأوردوية.
تأليف: الشيخ خواجة محمد لطيف بن محمد عقيل الأنصاري (1305 ـ 1399هـ).
ـ مواهب الواهب في فضائل (إيمان) والد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
تأليف: الشيخ جعفر النقدي بن تقي (العمارة ـ العراق 1303 ـ 1369 أو 1371هـ).
ـ نبوءة أبي طالب
تأليف: الشيخ مزمل حسين الميثمي (1334 ـ 1420هـ).
في ما رواه أبو طالب عن الرسول صلى الله عليه وسلم
ـ الروض النزيه في الأحاديث التي رواها أبو طالب عم النبي عن ابن أخيه
تأليف: أبي الفضل شمس الدين محمد بن علي بن طولون الدمشقي الحنفي (880هـ/ 1475م ـ الصالحية ـ دمشق 953هـ/ 1546م).
ديوان أبي طالب
جمعاً وشرحاً وتحقيقاً
ـ الدُرّة الغرّاء في شعر شيخ البطحاء
جمع وتحقيق وشرح: باقر قرباني زرّين.
ـ ديوان أبي طالب
نسخة، في ليبزج، برقم 505 (رفاعية 33)، ضمن مجموعة تضمّ ديوان أبي الأسود الدؤلي وديوان سحيم.
نسخة أخرى، في فهرس Th. Noeldeke ZDMG XVIII, 220 ff.
ونسخة ثالثة، دار الكتب المصرية، مذكورة في فهرسها 3/ 115.
ـ ديوان أبي طالب
جمعه وعلّق عليه: الدكتور عبد الحق العاني.
ـ ديوان أبي طالب
هو غير الدواوين المعروفة.
بومبي، مطبعة فيض رسان، 1326هـ.
ـ ديوان أبي طالب
رسالة دكتوراه.
جمع وتحقيق: الدكتور يونس المتّصل نسبه بالأمير حسن بن يوسف بن مكزون السنجاري، ولد بمصياف في سوريا سنة 1944م.
ـ ديوان أبي طالب
جمع إبراهيم المنيني، المعاصر، المولود في بعلبك سنة 1929م.
وهو في أربعة فصول:
1 ـ إيمان أبي طالب.
2 ـ ديوان أبي طالب.
3 ـ شرح لامية أبي طالب.
4 ـ الثناء المنضّد على ناصر أحمد.
ـ ديوان أبي طالب
جمعه وحقّقه: الشيخ حيدر قلي خان، الشهير بالسردار الكابلي (كابل 1293 ـ 1372هـ).
ـ ديوان أبي طالب
جمعه وشرحه: الشيخ محمد هادي الأميني، المولود سنة 1355هـ/ 1935م.
ـ ديوان أبي طالب
جمعه وشرحه: الدكتور محمد التونجي، المولود في حلب سنة 1933م.
ـ ديوان أبي طالب
جمع وتحقيق وتعليق: الشيخ علي الزواد، المولود بسيهات في القطيف سنة 1377هـ/ 1957م.
ـ ديوان أبي طالب بن عبد المطلب وذكر إسلامه
تأليف: أبي نعيم علي بن حمزة البصري اللغوي الكوفي الحنبلي، المتوفى سنة 375هـ/ 985م.
نقل ابن حجر العسقلاني قسماً منه في ترجمته لأبي طالب في كتابه الإصابة ـ باب الكنى والألقاب.
وكذا عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب 1/ 261 و4/ 387.
ـ ديوان شيخ الأباطح أبي طالب (شعر أبي طالب بن عبد المطلب وأخباره)
جمعه: أبو هفان عبد الله بن أحمد العبدي البصري النحوي الأديب (ت 257هـ).
ـ شهاب ثاقب في شرح ديوان أبي طالب
بالأوردوية.
تأليف: السيد سبط الحسن بن فيض الحسن الهنسوي (هنسوة 1333 ـ علي كر 1398هـ).
ـ غاية المطالب في شرح ديوان أبي طالب
جمع وشرح: السيد محمد الخطيب النسيدي الأخميني المصري، المولود سنة 1909م.
شروح قصيدة أبي طالب اللامية
ـ زهرة الأدباء في شرح لامية شيخ البطحاء
تأليف: الشيخ جعفر النقدي (العمارة ـ العراق 1303هـ ـ 1371هـ/ 1951م).
ـ شرح قصيدة أبي طالب
تأليف: السيد المفتي مهر عباس الجزائري التستري (لكهنو ـ الهند 1224 ـ 1306هـ/ 1889م).
ـ شرح قصيدة أبي طالب
تأليف: السيد علي الغريفي (النجف 1328هـ/ 1911م ـ 1396هـ/ 1976م).
ـ شرح اللامية لأبي طالب
تأليف: الشيخ حيدر قلي خان الشهير بالسردار الكابلي (كابل 1293 ـ 1372هـ أو 1375هـ).
ـ طلبة الطالب في شرح لامية أبي طالب
تأليف: السيد علي فهمي باشا الطهطاوي الشهير بجابي زاده (1265هـ/ 1848م ـ كان حيًّا سنة 1327هـ/ 1909م).
دراسات في أدب أبي طالب
ـ أبو طالب
دراسة في شعره.
تأليف: قصي الشيخ عسكر الأسدي، المولود في البصرة سنة 1951م.
ـ أسنى المطالب في شرح خطبة أبي طالب
تأليف: عبد الكريم حبيب.
ـ أولين مداح رسول حضرت أبو طالب
دفارسي. تأليف: المولى علي حسين بن محمد قيّوم شيفته تاج الأفاضل، المولود بجونبور ـ باكستان سنة 1926م.
ـ الرسول والرسالة في شعر أبي طالب
نظرة في مواقف أبي طالب وشعره.
تأليف: معوّض عوض إبراهيم المصري.
ـ فصاحة أبي طالب
تأليف: السيد أبي محمد الحسن بن علي الشهير بالناصر الكبير، والمعروف بالأطروش، المتوفى سنة 304هـ.
ـ كلام أبي طالب
بالأوردوية.
تأليف: المولى علي حسنين بن محمد قيّوم شيفته، تاج الأفاضل، المولود بجونبور ـ باكستان سنة 1926م.
ط 1 : الهند.
أبو طالب في الشعر الإسلامي
ـ أبو طالب كفيل الرسول
ملحمة إسلامية من 2000 بيت.
نظم: سعيد العسيلي العاملي (رشاف ـ جبل عام 1929م ـ 1994م).
ـ بيست وششم رجب
أي: 26 رجب، وهي قصيدة فارسية (مترجمة إلى الأردوية) في أحوال أبي طالب.
نظم: الشيخ محمد حسن بن ميرزا محمد أكبر بن يوسف علي المولوي القندهاري الشيرازي الأفغاني (قندهار 1319هـ/ 1901م).
ـ القصيدة الغراء في إيمان أبي طالب شيخ البطحاء وشرحها
نظم: السيد أحمد بن خيري باشا بن يوسف الحسيني الحنفي المصري (1324هـ/ 1907م ـ 1387هـ/ 1967م).
يحتمل أن يكون شرحاً على لامية أبي طالب.
ـ كتاب ما قيل من الشعر في أبي طالب
تأليف: السيد علي بن الغريفي الشهير بالخطيب الهاشمي (1328 ـ 1396هـ).
مؤلفات في أبي طالب مترجمة إلى لغات أُخرى
ـ أبو طالب جهره درخشان قريش
ترجمة بالفارسية لكتاب «أسنى المطالب» لزيني دحلان.
ترجمة محمد مقيمي.
ـ أبو طالب مظلوم تاريخ
ترجمة بالفارسية لبعض الفصول الخاصة بحياة أبي طالب، من المجلدين 7 و8 من كتاب «الغدير».
ـ أبو طالب يكانه مدافع إسلام
ترجمة بالفارسية لكتاب «منية الراغب» للشيخ محمد رضا الطبسي.
ترجمة: الشيخ محمد محمدي اشتهاردي.
ـ ترجمة «أبو طالب مؤمن قريش»
بالأوردوية.
الأصل من تأليف: الشيخ عبد الله الخنيزي.
ط 4: لاهور، ص 326.
ـ ترجمة أسنى المطالب في نجاة أبي طالب
بالأوردوية.
الأصل من تأليف: أحمد زيني دحلان الشافعي.
ترجمة: المولوي الحكيم السيد مقبول أحمد بن غضنفر علي بن مراد علي الدهلوي (دلهي 1287هـ ـ دلهي 1340هـ).
كان نائب دبير أنجمن (مدير مكتب) في المدرسة الاثني عشرية بدهلي.
ط 1: كراجي ـ دهلي، مطبعة اليوسفي، عباس كتب خانه، 1313، ص 184.
انظر: الذريعة 4/ 78 رقم 331، تذكرة علماي إمامية باكستان: هامش ص 254، سند حديث شريف كساء: 47.
ـ ترجمة «شيخ الأبطح أبو طالب»
بالأوردوية.
الأصل من تأليف: السيد محمد علي بن عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي (ت 1372هـ).
ترجمة بعد خمسة أشهر من طبعته العربية الأولى: السيد ظفر مهدي كهر بن وارث حسين الجايسي الهندي اللكهنوي، المتخلص بأثيم، مدير مجلة «سهيل يمن» (ت حدود سنة 1360هـ).
ط 1 : نشر في مجلة «سهيل يمن»، الأجزاء 8 ـ 10 من المجلد الخامس.
ط 2، مستقلاً: الهند، 1350.
أنظر: الذريعة 1/ 79 رقم 378.
ـ محبوب الرغائب
ترجمة بالأوردوية لكتاب «أسنى المطالب في نجاة أبي طالب» لأحمد زيني دحلان الشافعي.
ترجمة: محمد نجم الدين علي صاحب المدراسي السُنّي.
ط 1: حيدر آباد الدكن، مطبعة محبوب شاهي، 1313، ص 235.
ط 2: طهران.
أنظر: قاموس الكتب 1/ 858.
طالش (جبال)
جبال طالش، تقع في أقصى شرقي آذربيجان وتمتد بمحازاة الساحل الغربي لبحر الخزر من الشمال إلى الجنوب، حيث تفصل منطقة آذربيجان عن الأراضي الساحلية والمنخفضة في كيلان «جيلان». وتعد جبال طالش من الناحية الجيولوجية امتداداً لسلسلة جبال ألبرز ويصل ارتفاع قممها إلى 3000م.
الطالقان
بلدتان: الأولى بخراسان بين مرو الروذ وبلخ مما يلي الجبال بينها وبين مرو الروذ ثلاث مراحل نبغ منها العلماء الأعلام من السنة والشيعة وفي سنة 617هـ دمرها جنكيز خان عن بكرة أبيها ولم يبق لها أثر. ويقال لها طالقان خراسان.
والثانية طالقان قزوين تقع بين سلسلة جبال ألبرز، وتنقسم إلى ثلاثة مناطق: طالقان العليا وطالقان الوسطى وطالقان السفلى، ويحدها من جهة الشمال ناحية شهسوار ومن جهة الجنوب برغان ومن جهة الجنوب برغان ومن جهة الشرق نوشهر ومن جهة الغرب ألموت وقزوين. وفي وسط الجبال واد واسع يجري فيه نهر اسمه نهر شاهرود ينحدر من الشرق نحو الغرب ويبلغ طوله أربعين كيلومتراً. ومنطقة طالقان قزوين عبارة عن مجموعة (82) اثنين وثمانين قرية تقع على ضفتي نهر شاهرود وفروعه.
وكانت من الناحية الإدارية تتبع قزوين وفي عصر البهلوي الأول ضمت إلى العاصمة طهران. وتبعد عن قزوين ثلاثين كيلومتراً وعن مركز ألموت خمسة عشر كيلومتراً.
أشار إلى بلدتي طالقان خراسان وطالقان قزوين أرباب معاجم البلدان وعلماء الجغرافيا، منهم المقدسي في كتابه [أحسن التقاسيم] قال الطالقان مدينة بالديلم وطالقان جوزجان …. ثم أضاف …. لها سوق كبير يشقها نهران من شعب جيحون: حبلاث وثراب وهي في غاية النزهة والخصب([389]) …. وقال زكريا القزويني في كتابه [آثار البلاد] (طالقان كورة ذات قرى بقهستان بين قزوين وجيلان في جبال الديلم، في جبالهم الزيتون والرمان، يجلب إلى قزوين منها الزيتون وحب الرمان الكثير …) ([390]).
ثم ذكر جماعة من علماء طالقان. وقال السمعاني المتوفى سنة 562هـ في كتابه [الأنساب]: (طالقان بلدة بين مرو الروذ وبلخ مما يلي الجبال وطالقان ولاية أيضاً عند قزوين ويقال للأولى طالقان خراسان والثانية طالقان قزوين. خرج منها ـ يعني من طالقان خراسان جماعة من العلماء قديماً وحديثاً أقمت بها يومين …) ([391]).
ثم ذكر جماعة من علماء طالقان خراسان وجماعة من علماء طالقان قزوين، وأضاف قائلاً: «وأما المنسوب إلى طالقان قزوين فهي ولاية بين قزوين وأبهر وزنجان وهي عدة قرى يقع عليها هذا الاسم خرج منها من المعروفين …» ([392]).
وذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان طالقان قائلاً: (…. بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ … وقال الاصطخري أكبر مدينة بطخارستان طالقان وهي مدينة في مستوى من الأرض وبينها وبين الجبل غلوة سهم ولها نهر كبير وبساتين ومقدار الطالقان نحو ثلث بلخ ثم يليها في الكبر وزوالين([393]) …
ثم ذكر جماعة من علماء طالقان خراسان وأضاف قائلاً: والأخرى بلدة وكورة بين قزوين وأبهر وبها عدة قرى يقع عليها هذا الاسم وإليها ينتسب الصاحب بن عباد([394]). ثم ذكر جماعة من عمار طالقان قزوين ونقل عن صفي الدين البغدادي في مراصد الاطلاع([395]).
وقال في مجالس المؤمنين: لا يخفى أن أهل الطالقان دائماً كانوا من محبي أمير المؤمنين عليه السلام وورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أحاديث كثيرة في فضل طالقان قزوين وأهله وفي كشف الغمة روى ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال ويحاً للطالقان فإن لله تعالى بها كنوزاً ليست بذهب ولا فضة ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته) ([396]).
يقول عبد الحسين الصالحي: هاجر جماعة من العلويين([397]) إلى طالقان قزوين وطالقان خراسان في أيام الإرهاب والبطش الأموي والعباسي على الشيعة وكانت هاتان البلدتان بعض قلاع وحصون الشيعة في خراسان وقزوين وقد ضربت طالقان خراسان في سنة 617هـ على يد جنكيز خان ولم يبق لها أثر اليوم.
وأما طالقان قزوين فهي عامرة وفيها جماعة من العلويين حتى العصر الحاضر وممن خرج في طالقان هو الشريف أبو جعفر ويقال أبو عيسى محمد الصوفي ابن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وكان عظيم الشأن جليل القدر فقيهاً عالماً فاضلاً من أهل الورع والتقوى خرج في طالقان يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم وبايعه جماعة واستقل بالحكم في أيام المعتصم [جلوس 198 ـ المتوفى 218هـ] وجرى بينه وبين العباسيين حروب طاحنة في جبال طالقان ثم قبض عليه بالخداع عبد الله بن طاهر وأرسله إلى بغداد فحبسه المعتصم ثم توارى من السجن أيام المعتصم وأيام الواثق ثم قبض عليه أيام المتوكل (جلوس 227 ـ المتوفى 232هـ) وسجنه ودس إليه سماً فمات في سجنه.
ذكره ابن الفرج الأصفهاني (284 ـ 356هـ) في مقاتل الطالبيين وسرد نسبه إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال: (… وأمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين ويكنى أبا جعفر وكانت العامة تلقّبه الصوفي لأنه كان يدمن لبس الثياب من الصوف الأبيض وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد ويرى رأي الزيدية الجارودية. خرج في أيام المعتصم بعد وقائع كانت بينه وبينه ثم ينقل بسنده عن إبراهيم بن عبد الله العطار الذي كان مع أبي جعفر محمد الصوفي قائلاً …. استجاب له أربعون ألفاً وأخذنا عليهم البيعة وكنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو وأهله شيعة كلهم فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير في جبل حريز فلما اجتمع أمره وعدهم لليلة بعينها فاجتمعوا إليه ونزل من القلعة إليهم([398])…. وقد سرد الحوادث بالتفصيل. كما ذكره ابن الأثير في كتاب [الكامل في التاريخ] في حوادث سنة مائتين وتسع عشرة (219) وقال في هذه السنة ظهر محمد بن القاسم …. بالطالقان ثم سرد الحوادث بالتفصيل([399]) ومن أشهر نساء طالقان دنانير جارية يحيى البرمكي توفيت سنة 210هـ عالمة بفنون الغناء وظلت موالية للبرامكة حتى آخر عهدها بالحياة فأمرها الرشيد بعد قتله البرامكة أن تغني فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت أن لا أغني بعد سيدي أبداً. فغضب وأمر بصفعها فصفعت وأقيمت على رجليها وأعطيت العود فأخذته وهي تبكي أحر بكاء واندفعت تغني:
تبكي مغازي الناس إلا غزوةً
بالطالقان جديدة الأيام
ولقد غزا الفضل بن يحيى غزوة
تبقى بقاء الحلّ والإحرم
ولقد حشمت الفاطميّ على التي
كادت تزيل رواسي الإسلام
وخلعت كفر الطالقان هدية
للهاشمي إمام كل إمام
ثم رمت بالعود وبكت حتى سقطت مغشية عليها وشرقت عين الرشيد بعبرته فردها وقام من مجلسه. نبغ من طالقان قزوين جماعة من أساطين الدين وأقطاب العلم جاء ذكر أكثر من خمسين عالماً منهم في أعيان الشيعة ومستدركات أعيان الشيعة ونذكر هنا أشهر الأسر العلمية الطالقانية:
1 ـ آل الصاحب ابن عباد نبغ من هذا البيت رجال حازوا فضيلتي العلم والزعامة والوزارة فكانت لهم مكانة مرموقة لدى سلاطين آل البويه منهم الشيخ أمين أبو الحسن عباد المتوفى سنة 350هـ ابن عباس الطالقاني من أكابر علماء الشيعة ووزير ركن الدولة البويهي وهو أبو الأسرة. له تفسير آيات الأحكام. ذكره السيد محسن الأمين في موسوعته أعيان الشيعة: «سمعت أبا العلاء أحمد بن طاهر المقدسي الحافظ يقول رأيت لأبي الحسن عباد بن العباس الطالقاني والد الصاحب إسماعيل في دار كتب ابن أبي القاسم إسماعيل بن عباد بالري كتاباً في أحكام القرآن ينصر فيه مذهب الاعتزال استحسنه كل من رآه»([400]).
ومنهم نجله الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد الطالقاني المولود في طالقان سنة 326 والمتوفى بالري سنة 385هـ. قال الثعالبي في يتيمة الدهر ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم وتفرده بغايات المحاسن وجمعه الشتات المفاخر …. سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: إن مولانا الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها ودرب ودرج في وكرها ورضع أفاويق درّها وورثها من أبيه كما قال أبو سعيد الرستمي([401]):
ورث الوزارة كابراً عن كابر
موصولة الإسناد بالإسناد
يروى عن العباس عباد وزا
رته وإسماعيل عن عباد
2 ـ آل الطالقان من مشاهير الأسر العلمية العريقة في المرجعية وهم بقايا آل بويه من ذرية عضد الدولة أبو شجاع قنا خسرو بن ركن الدولة أبي علي حسن ابن بويه الديلمي. شع ضوء هذه الأسرة وطار صيتها في العصر الصفوي في كل من طالقان وقزوين وكربلاء ومن أشهر رجال هذا البيت في العصر الصفوي الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى سنة 1094هـ. تصدر للتدريس في كربلاء وقزوين، ذكر الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل ج 2 ص 295 ومن أولاده أرشدهم الخاجة تواب وهو أبو آل النحوي في النجف والحلة وثاني أولاده الشيخ محمد مؤمن أبو آل النحوي في قزوين وثالثهم الشيخ محمد جعفر الطالقاني أبو آل البرغاني في كربلاء وقزوين نبغ من هذه الفروع الثلاثة فلاسفة وفقهاء وشعراء وأدباء منهم الشيخ محمد جعفر بن محمد كاظم الطالقاني القزويني المتوفى 1161هـ من أعلام الفلاسفة في عصره له كتاب اشتراط الحسن في الشهادة ومنهم الشيخ ملا محمد نعيم بن الشيخ محمد تقي بن الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد كاظم الطالقاني المتوفى 1160هـ له كتاب أصل الأصول من أجل الكتب الفلسفية.
3 ـ آل الرفيعي من البيوتات العلمية العريقة في طالقان وقزوين، ظهر منهم غير واحد من العلماء الأعلام ابتداء من القرن الحادي عشر الهجري واشتهروا بآل الرفيعي منذ عهد جدهم السيد مير رفيع بن السيد مير علي بن السيد مير عبد الباقي المتوفى سنة 1272هـ ومن أعلام هذا البيت في القرن الثاني عشر السيد مير محمد صالح بن السيد مير محمد زمان الطالقاني القزويني المولود 1089 والمتوفى 1175هـ من تلاميذ الآغا جمال الخوانساري ومن أشهر العلماء المعاصرين.
من هذا البيت السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني (1306 ـ 1396هـ) وهو شيخ الإمام الخميني زعيم الثورة الإسلامية في إيران.
4 ـ آل الطالقاني الذين هاجروا من طالقان إلى النجف الأشرف في العصر الصفوي. قال شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك الطهراني في موسوعته طبقات أعلام الشيعة [آل الطالقاني من أقدم بيوت العلم النجفية وأعرفها في الفضل والأدب نبغ في هذه الأسرة جماعة من أبطال العلم وجهابذة الرأي نال كثير منهم الزعامة الدينية والمرجعية التقليدية ولهم أياد بيضاء في نشر العلم وتأييد الشريعة كما أن لهم في النجف زعامة دينية. من قديم هاجر جدهم الأعلى القاضي الأمير السيد جلال الدين الحسيني من طالقان في أيام الشاه طهماسب الصفوي وذلك عام 935هـ فسكن النجف وأدرك بها المحقق الكركي فأخذ عنه وتعاقب فيها أولاده وأحفاده إلى اليوم ومنهم السيد أحمد بن السيد عبد الله الطالقاني النجفي المولود 1252 والمتوفى 1337-6 هـ، عالم فقيه([402]).
ولا نريد أن نستقصي أسماء العلماء الذين خرجوا من طالقان فإن ذلك يؤدي بنا إلى أن نخرج عن حدود الدراسة التي نحن بصددها. ومنذ عهد قريب زار كاتب هذه السطور طالقان قزوين ورأيت تأسيس سد ضخم على نهر شاهرود. وفيها بساتين خضراء وماء عذب وهواء نقي وأهم محصولاتها التفاح والجوز ومن معادنها الفحم الحجري ويعيش بعض السكان على تربية المواشي والدواجن.
عبد الحسين الصالحي
الطاهريون
ينتسب الطاهريون إلى طاهر بن الحسين الذي ولى خراسان للمأمون وكانت حدود إمارتهم في أوج قدرتهم تمتد من (قومس) إلى حدود جبال الهند ونهر السند. فضلاً عن خراسان وأفغانستان اليوم، كانت سيستان وما وراء النهر أيضاً ضمن سلطتهم المستقلة. لقد كانت (مرو شاهجان) مركز إمارة هذه الأسرة، ثم انتقلت بعدها إلى نيشابور. إن حكم الطاهريين يؤرّخ بداية استقلال إيران، لأن هؤلاء الأمراء كانوا أول سلالة في إيران تخرج سلطان إمارتها عن التبعية المباشرة للخليفة.
وفي عهد الساسانيين كانت هذه الأراضي الواسعة تحت حكم «سبهدي» الذي كان يحمل لقب «باذوسبان» ويتولى قيادة جهات الحدود الأربع وإدارة كل ربع منها. وكانت واردات خزينة الدولة التي تصل إليها من تلك الأنحاء سبعة وثلاثين مليون درهم. في أوائل الفتح الإسلامي، كانت (هرات) و(بادغيس) و(بوشنج) تحت إمرة أمير يذكره البلاذري بلقب «عظيم». كما ذكر حاكم (أبيودر) بهذا اللقب أيضاً. في أواخر عهد الساسانيين ومقارناً للفتوح الإسلامية، كان لكل من (نيشابور) و(مرو) و(سرخس) حماة مستقلون، وكان يحمل حاكم (طوس) لقب «كنارنك».
كان لخراسان في تلك الأيام أربع ولايات رئيسية، هي: (أبرشهر) أو (نيشابور)، (مروشاهجان)، و(هرات)، و(بلخ). ومدنها الأساسية الأخرى هي: (اسفراين) و(جوين) و(أبيورد) و(نسا) و(سرخس) و(افزار) و(بيهق) و(طوس) و(بادغيس) و(بوشنج) و(جوزجانان) و(مرو الروذ) و(باميان) و(غرجستان) و(طخارستان). وكانت (مرو) و(بلخ) مركز خراسان في أوائل الفتح الإسلامي، ثم أضحت (ابرشهر) مركز الإمارة في عهد الطاهريين. اشتهرت هذه المدينة ـ التي تدعى أيضاً (نيشابور) ـ من بين جميع مدن خراسان بعمرانها وطيبها ووفرة إنتاجها وازداد ذلك بالأخص في عهد الطاهريين. لقد كان لمضاربها وقصورها وأسواقها رونق وازدهار وتردها في كل يوم قافلة. كانت الأنهار ومجاري المياه تسقي المدينة ومزارعها، وتجري القنوات تحت منازلها.
واختار عبد الله بن طاهر ـ الذي اتخذ من نيشابور مركزاً لقيادته ـ بستاناً باسم (شادياخ) مقراً له. وعسكرت جيوشه بالقرب من (شادياخ)، فصار ذلك الموقع بالتدريج أهم مواقع نيشابور. أما (مرو) التي كانت عاصمة خراسان قبل (نيشابور)، فكانت لا تزال لها أهميتها في ذلك العهد. لقد سكنت القبائل العربية المهاجرة في المدينة وفي الواحات المحيطة بها منذ أوائل الفتح وخاصة في عهد الأمويين. أما (مروشاهجان) فقد كانت تضم مساجد وأسواق متعددة وأحياء وميادين، وبنى فيها أبو مسلم مسجداً جامعاً وميداناً وداراً عظيمة للإمارة. وبنى في دار الإمارة هذه قبة من الآجر يبلغ قطرها ـ على رواية الأصطخري ـ خمسة وخمسين ذراعاً، وتحت هذه القبة صبغت أول الثياب السود التي كانت لباس أهل السواد وصارت فيما بعد شعار العباسيين. وأقام الخليفة المأمون فيها عدة مرات، وأوجد الطاهريون في هذه المدينة أيضاً قصوراً وأحياء متعددة، وزادوا في رونقها وعمرانها. وكان يصدّر من (مرو) أنواع الحرير الخالص وأقمشة الحرير المشهورة إلى الأماكن الأخرى، كما اشتهر إجاصها وعنبها وخربوزها([403]).
على الرغم من ذلك، فإن مجاورة المدينة للواحات والأراضي الحصباء، كان يجعل الدفاع عنها من هجمات الأعداء صعباً، ويبدو أن هذا الأمر ـ الذي يزلزل تجارتها ويفقدها الثبات والاستقرار ـ كان من الأسباب الرئيسية التي دفعت إلى نقل مركز الإمارة في عهد الطاهريين من (مرو) إلى (نيشابور).
ولكن في عهد «سنجر»، كانت بعض المقتضيات والجهات الأخرى سبباً في أن تستعيد (مرو) أهميتها السابقة إلى حد ما. ولكن إقدام الطاهريين على نقل مركز حكومته من (مرو) إلى (نيشابور) كان على كل الأحوال من أسباب تنزل وانحطاط (مرو).
أما (هرات) في هذه المرحلة، فكانت مدينة كبيرة ومزدهرة، ولها قلعة وسور محكم له أربعة أبواب كبيرة. وكان في داخل المدينة أسواق وبني المسجد الجامع في وسط الأسواق. ولم يكن لهذا المسجد مثيل في خراسان من حيث العظمة والجمال وكثرة المصلين. وكان للنصارى والمجوس معابدهم خارج المدينة. وكانت تكثر في ضواحي المدينة المزارع الخضراء الوافرة المحاصيل، وكانت كثرة الأنهار الغزيرة ووفرة الطواحين المائية والهوائية فيها تدل على النشاط الزراعي الفعّال هناك. كانت هناك بساتين كثيرة حول مدينة (هرات)، وكان مناخها مشهوراً وخاصة الرياح الشمالية التي كانت تلطفه في الصيف.
وإلى الغرب منها كانت تقع مدينة (بوشنك)، التي تقوم في موضعها ـ تقريباً ـ هذه الأيام مدينة (غريان). ويطلق أيضاً على مدينة (بوشنك) اسم (فوشنج) و(بوشنج)، ويحيط بها سور وخندق له ثلاثة أبواب. كانت تقع المدينة في وادٍ مليء بالأشجار، ومنها كانت تحمل الأخشاب إلى الأماكن الأخرى. وكان في محيط المدينة سواقي وينابيع معدنية، وخاصة في أيام الربيع تزدان المراتع والمزارع بأنواع الورود والزهور. تكثر هناك أنواع الفاكهة.
وفي جنوب (هرات) كانت مدينة (اسفزار)، وفي شمالها (بادغيس). و(بادغيس) هذه، كانت في تلك الأيام ولاية واسعة عامرة، بينما هي في أيامنا صحراء تكاد تكون خالية من السكان. وكان فيها في تلك الأيام الكثير من المراتع والمزارع، وكان يعدّ الفستق الجبلي عمدة محاصيلها.
في مشرق (بادغيس) كانت تقع ولاية (غرجستان)، وكانت تعد ولاية عامرة وكان يطلق قديماً على أميرها (شار)، وفي الناحية الجبلية شرقها وجنوبها تقع ولاية (غور) ويقول المسلمون إنها بلاد كفر وإن الإسلام لم ينتشر فيها. بعد ذلك بعدّة قرون أضحى لولاية غور أهمية بالغة، صارت مركز سلطة الملوك الغوريين.
ولاية بلخ التي كانت تعدّ رابع رَبع مهم لخراسان، كانت من المدن العامرة القديمة في خراسان. وكانت هذه المدينة قبل الإسلام من المراكز المهمة للبوذيين، واشتهر فيها معبد (نوبهار) الذي كان يطلق على متوليه لقب (برمك). وقد أصاب (بلخ) الدمار في عهد الفتوح الإسلامية وأوائل العهد الأموي نتيجة الحروب والصدامات. وفي سنة 118هـ اتخذ «أسد بن عبد الله القسري» بلخاً مركزاً لإمارة خراسان بدلاً من (مرو). وفي عهد العباسيين، حكمها الأمراء الختليون. وفي ذلك الزمن كانت بلخ على طريق التجارة بين الصين والهند وتركستان وخراسان، وهذا الأمر سبب رونقها وأهميتها. وهذا الموقع وهذه الوضعية كانت تعطي لتجارتها ازدهاراً، ومن هنا اختصت بعض الأماكن في المدينة بالتجار اليهود والهنود. وقد عمرت أسواقها وامتلأت بمختلف التجار. وخارج المدينة أيضاً كانت البساتين المليئة بالنارنج والعنب وقصب السكر التي كانت تصدّر محاصيلها إلى الخارج. وقد كان لكثرة الأنهار ووفور الخيرات ورخص البضائع وسلطتها، أثره في إعطاء (بلخ) شهرة واسعة في جميع أنحاء خراسان.
في غربي بلخ كانت تقع ولاية جوزجان، وفي شرقيها (طخارستان) التي كانت من المواطن القديمة للشعوب الهفتالية والطخارية وكانت ذات سلطة ونفوذ على طرفي نهر (جيحون) إلى أوائل عهد الفتوحات الإسلامية، كان يروج فيها المذهب البوذي.
في الطرف الآخر من نهر (جيحون) كانت تقع بلاد ما وراء النهر التي كانت تشمل: (جغانيان) و(ختلان) و(وخشاب) و(نسف) و(بخارا) و(سمرقند) و(أشروسنة) و(فرغانة). وكانت في تلك الأيام بإمرة أمير خراسان. كما كانت أيضاً (سيستان) و(قومس) غالباً تابعة لسيطرته. وكان لخراسان في أواخر عهد الخليفة هارون الرشيد هذا الاتساع والأهمية.
كانت الولايات عامرة وواسعة وتعمل فيها الشعوب المختلفة بكل زخم ونشاط في الزراعة والصناعة والتجارة. كان للتجارة في هذه البلاد رونق كامل، والقوافل دائمة الحركة بين الصين وبلاد الترك والهند وإيران. كان يصدر من (مرو) و(نيشابور) الحرير والأقمشة، ومن (هرات) الحديد والآلات الفولاذية وبعض أنواع الأقمشة، ومن (بلخ) الحبوب الغنية بالزيوت، والفواكه المجففة والجلود والعطور وبعض المعادن. وفي (نسا) و(أبيورد) كانت تصنع جلود الثعالب وبعض أنواع المنسوجات بشكل جيد. وفي (طوس) ـ عدا عن الغلات ـ عرفت بعض الصنائع اليدوية إقبالاً عليها. وفي ما وراء النهر اشتهر الصابون والجلد والزيت والفواكه المجففة. وكانت الطرق المتعددة تصل ولايات خراسان ببغداد ودمشق.
لقد كان طاهر الملقب بذي اليمينيين القائد الكبير للمأمون وفتح بغداد له وقاتل أخيه الأمين والذي كانت قدرته ونفوذه في بداية خلافة المأمون تذكر بقدرة ونفوذ أبي مسلم في عهد السفاح.
وعلى الرغم من هذا كله، فإن المأمون لم يعد يطيق رؤية قاتل أخيه كل يوم في بلاطه، فلذا أراد أن يبعده عن ناظريه، فأرسله إلى إمارة خراسان. وكان يحكم باسم المأمون. ولكنه في آخر أمره أسقط اسم الخليفة من الخطبة وكان هذا إعلاناً بالعصيان عليه. مع أنه توفي ولم تدم له الحياة بعد ذلك يوماً أو أياماً، إلا أن المأمون قد ترك إمارة خراسان لأخلافه، وكذلك فعل المعتصم رغم عدم رضاه الكامل عنهم.
وفيما يتعلق بأحوال طاهر وتاريخ أسرته فإن لأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المتوفى سنة 319هـ كتاباً باسم (محاسن آل طاهر)، ولكنه مفقود وقد وردت معلومات هامة حول الطاهريين في كتاب (بغداد) لابن طيفور، وكذلك في تاريخ الطبري و(ديارات الشابستي) ومصادر أخرى كان جد والد طاهر وهو زريق بن أسعد مولى (طلحة الطلحات) الخزاعي فنسب إلى خزاعة، وكان جده مصعب بن زريق كاتباً لسليمان بن كثير الخزاعي صاحب دعوة بني العباس، ومات والده الحسين بن مصعب بخراسان سنة 199هـ وحضر المأمون جنازته وبعث إلى ابنه طاهر وهو بالعراق يعزيه.
كان مولد طاهر سنة 159هـ في بُوشَنْج وهي بلدة في خراسان على سبعة فراسخ من هرات، وكانت وفاته سنة 207هـ في مرو.
وعلى هذا، فإن أجداد طاهر كانوا من أهل (بوشنك) الخراسانية، وكانوا يعملون في بلاط العباسيين. وكان انتسابهم إلى العرب وقبيلة خزاعة من جهة الموالاة.
وفي زمن خلافة هارون، عندما كان علي بن عيسى والياً على خراسان، تولى طاهر حكم (بوشنك) من قبله، ويقال إنه كان يبلغ من العمر حينذاك اثنتين وعشرين سنة. وفي سنة 193 و194هـ أيضاً سار طاهر في ركاب جيش هرثمة بن أعين والي خراسان، لمحاربة رافع بن ليث قائد ما وراء النهر. وفي السنة التالية، عندما خلع الأمين أخاه المأمون، وقعت الحرب بين الأخوين، وأرسل الخليفة الأمين جيشاً بقيادة علي بن عيسى لقتال المأمون، أرسل المأمون جيشاً قليل العديد والعدة نسبة إلى جيش أخيه، وجعل طاهراً أميراً عليه بمشورة من وزيره الفضل بن سهل.
أسرع «طاهر» بجيشه إلى (الري) ووصلها قبل «علي بن عيسى». كما استعجل «علي بن عيسى» جنده إلى (الري) عن طريق (همدان)، فالتقى الجيشان خارج (الري). وقُتل «علي بن عيسى» أثناء القتال، وهزم جيشه، وكان ذلك في شوال من سنة 195هـ.
أرسل «طاهر» رأس «علي بن عيسى» إلى «المأمون» في خراسان مع كتاب الفتح، وأخذ البيعة من الناس للمأمون. ثم توجه بعد ذلك تلقاء بغداد، واشتبك بالقرب من (همدان) مع قائد آخر من قوّاد الأمين يدعى «عبد الرحمن الأنباري» فهزمه وقتله، وتقدم باتجاه (حلوان) و(خانقين). ثم جهّز المأمون جيشاً آخر بقيادة «هرثمة بن أعين» وأرسله إلى بغداد. وتم الاتفاق على أن يسرع «طاهر» إلى بغداد عن طريق (حلوان) عبر (الأهواز) إلى (البصرة) فبغداد، ويتوجه «هرثمة» عن طريق (النهروان) عبر داخل العراق، وهكذا تمت محاصرة بغداد.
وطالت مدّة الحصار، وتسلط عليها العيّارون. وفي النهاية، وبعد سنتين وعدة أشهر من المحاصرة، ملّ الناس ولجأوا إلى طاهر يطلبون الأمان. عندما لجأ الخليفة الأمين إلى هرثمة خوفاً من أمان طاهر، ولكن طاهراً لم يمهله، وأعطى الأمر بقتله، في المحرم من سنة 198هـ. واستولى طاهر على بغداد وأرسل رأس الأمين مع كتاب الفتح إلى المأمون. وهكذا تمكّن طاهر بجيشه من نقل الخلافة من الأمين إلى المأمون. ومن هنا أكرمه المأمون. وولاّه إمارة بغداد.
حكم طاهر بغداد باسم الخليفة، وبعد ذلك بأشهر، أعطى الخليفة ـ وبإشارة من وزيره الفضل بن سهل ـ إمارة بغداد مع حكم بلاد الجبال والأهواز واليمن والحجاز، للحسن بن سهل أخي الوزير، وأمر طاهر بالتوجه إلى (الرقة) ليقمع فتنة «نصر بن شبث» الخارجي، وأعطاه حكم الموصل والجزيرة والشام والمغرب.
لاقت إمارة الحسن بن سهل في بغداد المصاعب. فظهرت الثورات في أطراف المدينة ونواحيها، فاضطر المأمون إلى التوجه إلى العراق فالتحق به طاهر في النهروان. وبعد استقرار الأمور ظل المأمون يتذكر أن طاهراً قاتل أخيه، وعمل طاهر على الابتعاد عن عيني المأمون فوسط لدى المأمون من أقنعه بأن يوليه إمارة خراسان ونجح في ذلك.
ولكن لم يلبث أن أعلن تمرده على المأمون، على أن هذا التمرد لم يدم أكثر من يوم مات بعده طاهر. واستعمل المأمون بعده ابنه عبد الله، فسيّر إلى خراسان أخاه طلحة، إذ كان هو في الرقة يقاتل نصر بن شَبَث، وظل طلحة نائباً عن أخيه في خراسان حتى وفاته سنة 213هـ فقام بالأمر بعده أخوه علي إلى أن قدم أخوه عبد الله فكان الوالي على خراسان.
إن إمارة عبد الله بن طاهر على خراسان تعد في الواقع بداية مرحلة جديدة في تاريخ إيران بعد الإسلام. وذلك لأنه لم تسنح الفرص لأبيه وأخوته في أيامهم ليديروا منطقة نفوذهم كما سنحت لعبد الله. ويمكن القول إن إمارة الطاهريين المستقلة نسبياً في خراسان، تبدأ بعبد الله بن طاهر.
ولد عبد الله بن طاهر هذا في سنة 181 أو 182هـ. وقد ربّاه الخليفة المأمون كولد من أولاده وكان شديد الاعتماد عليه. وكانه يكثر مدحه في مجالسه وأمام حاشيته وأقاربه، ويفضله على أقرانه.
وضم المأمون إلى سلطة عبد الله بن طاهر ولايات (طبرستان) و(رويات) و(دماوند) و(الري). انصرف عبد الله إلى قمع الخوارج، واتخذ (نيشابور) عاصمة ومسكناً بدلاً من (مرو) و(بلخ) اللتين استوطنهما في الغالب والده وأخوته.
سعى عبد الله في نيشابور، ببسطه العدل، أن يستميل إليه الناس الذين كانوا في فترة طغيان الخوارج وغلبتهم قد تملكهم الرعب والنقمة. واشتكى إليه أهل نيشابور من نائبه محمد بن حميد الطاهري، الذي ارتكب الكثير من التعديات والتجاوزات. وادّعى الناس أنه بلغ به الظلم أن اقتطع جزءاً من الشارع العام وألحقه بمنزله، وتحقق عبد الله بالموضوع فلما تبيّن له تعدّيه عزله، ثم أصدر أمراً بهدم سور منزله وأعاد القسم المغصوب إلى الشارع.
أظهر عبد الله ميلاً لتأمين رفاهية الفلاحين والمزارعين، وأوصى عماله برعايتهم. يقول الكرديزي في هذا المجال إن عبد الله أرسل رسائل إلى جميع عماله كتب فيها ما مضمونه: «قد أخذت الحجة عليكم أن تصحوا من رقادكم، وتخرجوا عن لجاجتكم، وتروموا إصلاح أنفسكم، وتداروا المزارعين والفلاحين الذين أضحوا ضعفاء، وتعطوهم القوة، … فإن الله عز وجل أطعمنا بأيديهم، … وحرّم ظلمهم».
وفيما يتعلق بكيفية تقسيم المياه، وطريقة الاستفادة من القنوات التي كانت في تلك الأيام المشكلة الرئيسية للري والسقاية، كانت الدعاوى والخصومات قائمة دائماً في خراسان ونيشابور في هذا المجال بين عامة الناس، ولم يكن في تلك ا|لأزمان ما يتعلق بهذا الموضوع في كتب الفقه والأخبار، لذا دفع عبد الله فقهاء خراسان وبعض فقهاء العراق إلى تدوين قوانين ومحاكم مناسبة لفصل الدعاوى ومشاكل الناس وشكاواهم. فأُلّف بأمر منه كتاب في هذا المجال سمّي بـ (كتاب القني). وقد بقي الكتاب مدة طويلة ملاك ومرجع القضاة في هذا الباب.
لقد كان لعبد الله نفسه ميل إلى الزراعة، وكان يسعى في إنهاضها وإرشاد المزارعين. ويقال إنه خلال إقامته في مصر روّج زراعة نوع من البطيخ سمّوه باسمه: (البطيخ العبدلاوي).
وعندما وقع القحط والجفاف في سيستان (سنة 220هـ). أرسل ثلاثمائة ألف درهم إلى الفقهاء والمعتمدين هناك ليوزّعوها على الفقراء والمحتاجين.
ورغم مساعي عبد الله بن طاهر، لم تهدأ سيستان من فتن الخوارج، حتى أن بعض الحكام الذين كان يرسلهم عبد الله إلى سيستان كانوا يلتحقون بهؤلاء الخوارج. وكانت المعارك متواصلة باستمرار، مما سبب في ابتلاء سيستان بالاضطراب والدمار.
وعندما توفي المأمون، كان عبد الله بن طاهر في خراسان. ومع أنه المعتصم خليفته كان يحمل في نفسه ضغينة على عبد الله ـ على قول الكرديزي ـ بسبب جدال دار بينهما أيام كان عبد الله صاحب شرطة بغداد، لكنه لم يرد أو لم يستطع أن ينزعه من إمارة خراسان.
ومع هذا، بدأ شيئاً فشيئاً يثير اهتمام المعتصم به واعتماده عليه.
وكان نجاح عبد الله بن طاهر في عهد المعتصم بقمع أعداء الخليفة من أسباب اعتماد المعتصم عليه. ومن جملة ذلك ما حدث سنة 219هـ حيث خرج أحد العلويين في الطالقان وهو محمد بن قاسم المنتهي نسبه إلى علي بن الحسين عليه السلام. واجتمع معه جماعة. وأرسل عبد الله بن طاهر، إلى طالقان، جيشاً لقتاله. فهرب العلوي من الطالقان إلى نيشابور، وهناك ألقى عبد الله القبض عليه وأوثقه وأرسله إلى الخليفة. ومع أن العلوي فر من سجن الخليفة من الأذى، لكن كان سعي عبد الله في قمعه موضع اهتمام.
وكذلك كان لعبد الله الفضل في إخماد ثورة «مازيار اصفهبد» في طبرستان سنة 224هـ. وكان إخماد هذه الثورة التي بدأت إلى حد ما بتحريك من (الأفشين) قد زاد من تسلط عبد الله على طبرستان.
وهكذا نال عبد الله بن طاهر قبولاً تاماً لدى المعتصم وتغلب على خصومه وأعدائه الذين كان أخطرهم الأفشين قائد المعتصم المعروف وأمير (أشروسنة) الشهير. حتى أن عبد الله كان يرسل ولده طاهر بن عبد الله ـ الذي خلفه فيما بعد على إمارة خراسان ـ للغزو والجهاد في بلاد (الغز) و(التركمان) واستطاع بجيشه أن يصل إلى أراض لم تطأها أرجل المسلمين من قبل.
وبعد المعتصم، وفي عهد الخليفة الواثق، كان عبد الله بن طاهر لا يزال على إمارة خراسان. وفي نهاية المطاف، في عهد الواثق، وفي ربيع الأول ـ وعلى قول في ربيع الآخر ـ سنة 230هـ، مات في نيشابور وقيل إن وفاته كانت سنة 228، وليس صحيحاً.
كان عبد الله كأبيه، شاعراً بالعربية وكاتباً بليغاً، وتركا كلاهما ـ مجموعة من الرسائل. كما أنه كان ـ على المشهور ـ مولعاً بالموسيقى والغناء، وتنسب إليه بعض الأصوات والألحان التي كان ينقلها عنه فنانو ذلك العصر. كما وصفت أشعاره بالرقة. وكان يشجع الشعراء ويعطيهم جوائز حسنة. ويقال إن «حنظلة بادغيسي» الشاعر المشهور كان منتمياً إلى بلاطه.
ولم يكن عبد الله شاعراً متيناً فحسب، بل إن شعراء العرب قد مدحوه أيضاً، كما مدحه أبو تمام الطائي ـ الشاعر العربي المشهور ـ مراراً، حتى أنه سافر من العراق قاصداً إياه في خراسان. وفي هذه الرحلة توقف أبو تمام بسبب الثلج والبرد مدة في همذان، ودوّن هناك كتابه المعروف بـ (الحماسة).
كما اهتم عبد الله كثيراً بترويج العلم، وكان يشجع الناشئة في منطقة نفوذه على التعليم.
وتولى الإمارة بعد عبد الله بن طاهر ولده أبو الطيب طاهر بن عبد الله، وكان عند وفاة والده في طبرستان، فلما أعطاه الواثق إمارة خراسان، توجه من طبرستان إلى نيشابور.
ومع أنه كانت له كفاءة والده وتدبيره ولكن الظروف كانت أقوى منه فاستطاع الثوار فصل سيستان عن خراسان وقد تزامنت إمارته في خراسان مع بداية مرحلة ضعف الخلفاء العباسيين، ومن هنا لم يسلم نطاق حكمه من الدعاة إلى الانفصال، وظهرت آثار الهرج والمرج في الولاية التابعة له.
توفي عهد خلافة المستعين بالله سنة 248هـ.
أعطى المستعين إمارة خراسان من بعده لولده محمد بن طاهر، وفي بدء إمارته اتجهت دولة آل طاهر في خراسان إلى الضعف والتفكك. وفي هذا الظرف كانت بغداد وخليفتها تحت رحمة الترك. وكان الترك يقتلون أي خليفة يشاؤون، ويختارون من يريدون للخلافة. وكذلك الحال كانت بالنسبة إلى محمد بن طاهر أمير خراسان، فلم يكن أمره مطاعاً في سيستان وبلخ وما وراء النهر وطبرستان والري والبلاد البعيدة عن نيشابور.
وقد كان محمد بن طاهر هذا آخر أمير في سلالة الطاهريين في خراسان.
وفي عهده نهض الحسن بن زيد العلوي في طبرستان، وبعد عدة معارك مع جيش محمد بن طاهر، كانت العاقبة أن فرّ سليمان بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر عامل طبرستان منها. وانتزع أنصار الحسن بن زيد العلوي طبرستان من أيدي الطاهريين.
ويقول ابن الأثير: قيل إن سليمان انهزم اختياراً لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع وقال:
نبئت خيل ابن زيد أقبلت خببا
تريدنا لتحسينا الأمرينا
يا قوم إن كانت الأنباء صادقة
فالويل لي وجميع الطاهريينا
أما إنا فإذا اصطفت كتائبنا
أكون من بينهم رأس المولينا
فالعذر عند رسول الله منبسط
إذا احتبست دماء الفاطميينا
وكانت نهاية محمد بن طاهر على يد يعقوب بن ليث حيث استطاع القبض عليه سنة 259هـ واستولى على خراسان وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام.
وبسيطرة يعقوب بن ليث الصفاري على خراسان انتهت دولة الطاهريين بعد أن حكموا أكثر من نصف قرن.
قال ابن الأثير في الصفحة 6 من المجلد الثامن: سئل يحيى بن زكريا النيسابوري: ما السبب في أن آل مُعاذ لما زالت دولتهم بقيت عليهم نعمتهم في خراسان مع سوء سيرتهم وظلمهم، وأن آل طاهر لما زالت دولتهم عن خراسان زالت معها نعمتهم مع عدلهم وحسن سيرتهم ونظرهم لرعيتهم؟
فأجاب يحيى: السبب في ذلك أن آل معاذ لما تغير أمرهم كان الذي ولي البلاد بعدهم آل طاهر في عدلهم وإنصافهم واستعفافهم عن أموال الناس، ورغبتهم في اصطناع أهل البيوتات، فقدموا آل مُعاذ وأكرموهم، وأن آل طاهر لما زالت دولتهم كان سلطان بلادهم آل الصفار في ظلمهم وغشهم ومعاداتهم لأهل البيوتات ومناصبتهم لأهل الشرف والنعم فأتوا عليهم وأزالوا نعمتهم اهـ.
عرف عن الطاهريين عنايتهم بالأدب العربي وتشجيع الشعراء والأدباء والعلماء.
كما اشتهروا بأعمالهم في الري فأجروا القنوات في كل مكان. ولا يزل يطلق حتى الآن على القنوات القديمة في خراسان اسم: (القنوات الطاهرية). وينسب حفرها إلى (طاهر آب شناس)، أي: طاهر العارف بالماء.
طبرستان
ـ 1 ـ
طبرستان هو الاسم التاريخي، أما اليوم فهي تعرف باسم مازندران ـ كما سترى ـ ، ونحن خلال الدراسات سنستعمل الاسمين معاً حسب موضع الكلام:
كانت منطقة الجبال العالية ـ ويتألف معظمهما مما يعرف اليوم بجبال ألبرز الممتدة في حذاء الساحل الجنوبي لبحر قزوين، مما في شرق قومس وشمالها ـ تعرف لدى البلدانيين العرب الأولين بطبرستان. و«طبر» في لغة تلك البلاد معناها «الجبل». فطبرستان، تعني «بلاد الجبل».
وفي المئة السابعة (الثالثة عشر)، أي في نحو من زمن الفتوحات المغولية، بطل استعمال اسم طبرستان، على ما يظهر، وحلّ محله مازندران. ومنذ ذلك الحين أصبح مازندران الاسم الشائع لهذا الإقليم. وربما شمل اسم مازندران أيضاً إقليم جرجان المجاور له. ونوّه ياقوت، وهو أول من ذكر اسم مازندران، بأنه لا يدري متى أخذ بهذه التسمية. ومع أنه لم يعثر عليه في الكتب السالفة، فإنه كان شائع الاستعمال في جميع أنحاء البلاد. وقد كان الاسمان: طبرستان ومازندران في تلك الأيام مترادفين في واقع الأمر. ولكن بينما كان الاسم الأول يطلق على الجبال العالية بوجه خاص، ويشمل بصورة ثانوية الرقعة الضيقة من الأرض الخفيضة المحاذية للبحر، الممتد من دلتا (سفيد رود) إلى جنوب شرقي بحر قزوين، ظهر اسم مازندران أول مرة دالاً في بادئ أمره على هذه الأراضي الخفيضة فقط ثم شمل المنطقة الجبلية أيضاً. ولا يستعمل اليوم اسم طبرستان. على أنه استعمل لفترة قصيرة من سنة 1250 إلى 1290هـ بسبب بعض المسكوكات في مدينة ساري.
وقد كان آخر جزء من أجزاء الدولة الساسانية اعتنق أهله الإسلام. وظل ملوكه من أهل البلاد ـ ويعرفون بأصفهبذ أو أصبهبذ طبرستان نيفاً وقرناً من الزمان بعد فتح المسلمين بقية بلاد فارس مستقلين في بلادهم الجبلية، يضربون نقودهم وعليها الرموز الفهلوية حتى منتصف المئة الثانية الهجرية (الثامنة) الميلادية. كما ظل الدين المجوسي يهيمن على غابات الجبال العظيمة وغياضها.
وكانت قصبة طبرستان في العصر العباسي الأخير: (آمل). وإن أقام الطاهريون، في المئة الثالثة الهجرية (التاسعة) الميلادية في مدينة (سارية). وكانت آمل، على ما ذكر ابن حوقل، أكبر من قزوين وليس في نواحيها أعمر منها.
وقد خرّب تيمور مدينة آل في ختام المئة الثامنة الهجرية (الرابعة عشرة ميلادية) وأمر بنقض قلاع (ماهانة سر) الثلاث، وكانت هذه القلاع على أربع فراسخ من المدينة بإزاء ساحل البحر.
وكانت قصبة طبرستان الثانية، وهي القديمة، مدينة سارية، ويقال لها اليوم ساري، في شرق آمل. ولم ينته إلينا إلا شيء قليل عن سارية في أواخر أيامها، فقد عانت كثيراً من الأذى في المئة السابعة الهجرية (الثالثة عشرة ميلادية) خلال الفتح المغولي. وكانت حين كتب المستوفي خراباً يباباً.
ويهيمن جبل دماوند العظيم على أنحاء طبرستان لها، وترى قممه التي لا يفارقها الثلج من سهول بلاد إيران التي تبعد مئة ميل أو أكثر عن جنوب طهران. بل قال المستوفي: إنها ترى من مسافة مئة فرسخ، وأشار إلى أن قممه لا تفارقها الثلوج. وقال ابن حوقل: إن هذا الجبل يرى من قرب ساوه «وهو في وسط جبال يعلو فوقها كالقبة، ولم أسمع أن أحداً ارتقاه إلى أعلاه» وزاد على ذلك «ويرتفع من قلته دخان دائم، الدهر كله».
وسميت باسم دماوند، بلدة تقوم على قلله الجنوبية، قال المستوفي: إنها تعرف ببشيان أيضاً. كما سميت به الناحية الخصبة العريضة الشقة الممتدة حول سفوحه.
طبرستان
ـ 2 ـ
ومازندران (طبرستان) هي جزء من ولاية (فرشواركر) القديمة وهذه الولاية كنت تضم آذربيجان وآهار وطبرستان وكيلان والديلم والري وقومس ودامغان وكركان.
وكان منوجهر قد قرر لطبرستان حدودها كما يلي:
من الشرق النهر ومن الغرب بلدة (ملاط) التي تقع جنوب (هوسم) ومن الجنوب سهول الجبال التي تصب مياهها في بحر آبسكون (الخزر) التي تعتبر في حد ذاتها الحد الشمالي لهذه الولاية. إذاً فإن طبرستان كانت تشتمل على كركان واسترأباد ومازندران ورستمدار، وكانوا يضمون إليها بسطام ودامغان وفيروزكوه وخرقان أيضاً.
لقد وصف ابن حوقل في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ثلاث مناطق جبلية فادوسبان أو جبل بادوسبان وكان هذا الاسم اسم عائلة تحكم المنطقة وكان حكامها مستقلين نسبياً ولهم الحكم الذاتي من سنة 45 هجرية إلى سنة 665 أو 666 هجرية (سنة 1005 إلى 1696 ميلادية) على رستمدار.
وتوجد على طول هذه الجبال قرى كثيرة أكبرها: قريب منصور والأخرى ارم خواست التي تشتمل على القرية التحتانية وكانت المسافة بين جميع القرى ومدينة سارية (ساري) مسافة يوم واحد.
وكانت توجد بالقرب من فادوسبان ناحية جبلية تسمى جبل قارن وهو اسم عائلة معروفة وهذه الناحية كانت تشتمل على لاريجان الحالية وسوادكوه وهزار جريب. أما سلسلة الجبال الثالثة فهي جبال روبنج الواقعة شمال الريّ، فهي إذاً كانت تشتمل على رانه كوه التي هي ناحية صغيرة شمال أشكور.
وكان جبل قارن يطلق على سلسلة الجبال الشرقية إلا أن سلسلة الجبال الممتدة من آمل إلى استرآباد تنقسم إلى عدة سلاسل فرعية كان يسمى كل واحد منها باسم أحد الأمراء الحاكمين فيها. مثل (ونداد اميد كوه) إلى جوار جنوب آمل، و(أميدوار كوه) التي تحولت فيما بعد إلى (أميره كوه)، وهرموزد كوه التي ربما قد تكون وندا هرمز كوه التي تقع إلى الشرق من جبل شروين على طريق خراسان، وجبل شروين بين سواد كوه وفيروز كوه وتسمى اليوم جبل شلفين، وشهريار كوه التي ذكر ابن اسفنديار أنها تقع في فريم، كانت إلى جنوب من ساري على طريق دامغان إلى طبرستان.
ومن ويمه إلى طبرستان كانوا يعبرون جبل ونداهزه كوه، ومن هناك كان يقوم معبر ضيق من جبل شهريار. وذكروا أن ونداهزه كوه تقع على طريق نيسابور إلى طبرستان وفرخان فيروز كوه. وكان اسبهبد خورشيد قد نفى ابن عمه الذي كان قد تآمر على قتله إلى هناك وربما قد تكون هي التي نسميها اليوم فيروز كوه.
وكركان التي كانت تضم استرآباد أيضاً كانت من دينار جاري الحد الغربي من دهستان والحد الشرقي من طبرستان إلى غابات انجدان، وهي الحد الشرقي من طبرستان إلى غابات انجدان، وهي الحد الشرقي من مازندران، وربما لم تبعد انجدان عن تميشه كثيراً وكانت تميشه ناحية إلى الجوار الغربي من الخندق الذي كان اسبهبد فرخان الكبير قد حفره للدفاع أمام التورانيين وكانت استرآباد تطلق على خارج تميشه أما النواحي الشرقية من مازندران التي كانت متلاصقة بها فكانت تسمى خارج تميشه.
وكانت حدود مازندران من تميشه وغابات انجدان في الشرق إلى نمك آبرود في الغرب افلتي كانت تفصلها عن رستمدار، وكانت الناحية الأخيرة ممتدة من سي سنكان أو نهر ما نهير إلى ملاط ولكن بسبب فصل قسم من هذه الأراضي من قبل الإسماعيليين النزاريين وكذلك الاستيلاء على بعضها مما كان أبناء استندار قد وهبوها إلى نسائهم كصداق لهن فإن الحد المذكور انتقل إلى نمك آبرود (نمك آورود) من جانب كيلان وإلى البشرود بالغرب من آمل.
أما مازندران الشرقية فكانت تسمى اسبهبد أو اسبهبدان، بالألقاب التي كان يحملها أمراؤها وكذا كان الحال بالنسبة إلى رستمدار التي كانوا يسمونها استندارية.
وتقع مازندران بين الساحل الجنوبي من بحر الخزر وسلسلة جبال البرز. عرضها الجغرافي 35 درجة و45 دقيقة إلى 37 درجة وطولها الجغرافي 50 درجة و40 دقيقة و30 ثانية إلى 54 درجة و30 دقيقة وحدها الغربي في الغرب وهو نهر سرخاني وفي الشرق إلى جركلباد وشاه كوه. إن طول ناحية من مازندران الممتدة من الشرق إلى الغرب طولها 292 ميلاً (حوالي 80 فرسخاً) وإذا حسبنا المنعطفات الموجودة على الساحل فإن طولها أكثر من هذا. إن أكثر مناطق مازندران عرضاً هي الناحية الجنوبية من فرح آباد وما يقارب 68 ميلاً (حوالي 17 فرسخاً) وثلث هذا المقدار يتألف من السهول والباقي هي منطقة جبلية.
ويمكن تقسيم هذه الولاية إلى منطقتين من الناحية الجغرافية. الأولى السهول المكثفة بالأشجار وأراضيها منخفضة وتتألف من الأهوار والمستنقعات. عرضها على ساحل البحر مختلف يتراوح بين عشرة إلى ثلاثين ميلاً. والثانية المرتفعات والجبال المكثفة كذلك بالأشجار وتقع إلى الشمال من جبال البرز.
لقد أشار فريزر([404]) في كتابه إلى منطقة مازندران. إشارة ممتعة، فقد قال: «الأراضي الغير الزراعية منها إما أن تتألف من المستنقعات والأهوار الطبيعية والاصطناعية وأما أن تكون مكسوة بالأشجار وخاصةً الأشجار والأشواك الشوكية. إن هذه الأشجار والأشواك مكثفة للغاية بحيث يتعذر العبور منها، أما الجبال التي تتألف من سلسلتين فإنها تشرف على السهول والأراضي المنخفضة، إحدى هاتين السلسلتين مكسوة بالأشجار وهي تشبه السهول المكثفة بالأشجار الواقعة تحت هذه الجبال وتتفرع من هذه المرتفعات سلاسل من الجبال تمتد عادة إلى ساحل البحر. وفي الجانب الثاني من هذه المرتفعات توجد الوديان الجميلة جداً والوعرة التي يصعب اجتيازها، وتتصل هذه الوديان المكسورة بالأعشاب الخضراء، بهذه الجبال.
إن قمم هذه السلاسل من الجبال، هي قمم صخرية أعطتها بهاءً خاصاً. وإن هذه القمم مكسورة بالثلوج حتى في شهر (سبتمبر) وإذا صعد الإنسان فوق هذه الجبال فإنه مضطر أن يعبر أصعب الطرق الوعرة فيها. وتوجد في المناطق التحتانية وعلى بعض المرتفعات وفوق التلال المكسوة بالأشجار مصايف ومنازل صيفية يلجأ الناس إليها هرباً من حرارة الصيف.
وتوجد في جميع هذه الجبال المكسوة بالأشجار المكثفة طرق ومعابر كثيرة الإعوجاج والتعاريج يصعب على المرء العبور منها إلا بالاستعانة بالدليل، والطرق الطويلة الكثيرة الإعوجاج التي تمر من سهول التلال وعرة وصعبة العبور والاجتياز وقد يصاب المرء فيها بالدوران.
وتمتد هذه الطرق إلى جانب الأنهار الكثيرة الإعوجاج والتي لا يعرف إلى أين تصب وتأخذ بالمسافرين إلى المستنقعات والبوادي الرملية التي يتعذر حتى على الدليل الخلاص منها. حيث إن حالتها وشكلها يتغيران بعد كل فيضان أو بعد السيول وأن هذه الغابات والمستنقعات هي السبب في الكثير من الأمراض وهي خلايا للذباب والحشرات والزواحف والكثير من الأشياء الضارة الأخرى التي حملت إلى مازندران الكثير من الويلات.
أما الأراضي الرملية الساحلية التي تتصل بالسهول فهي عبارة عن شريط رفيع يتألف من الرمال التي تأتي بها أمواج البحر إلى الساحل وبسبب هبوب الرياح القوية من الناحية الشمالية فإن هذه الرمال تصطدم بالساحل الجنوبي، وفي الحقيقة فإن ساحل البحر ممتد بسلسلة من هذه التلال الرملية قد يصل ارتفاعها من 25 إلى 30 متراً وعرضها إلى 200 ياردة وتوجد مستنقعات كثيرة خلف الأنهار الكثيرة التي تنحدر من الجبال وتمنع هذه التلال الرملية من وصول مياه هذه الأنهار إلى البحر وأينما تمكن أحد هذه الأنهار من عبور هذه التلال الرملية والوصول إلى البحر فإنه جدال دائم بينها وبين أمواج البحر المتلاطمة وإن هذه الأمواج تألف سدوداً تغلق الطريق أمام هذه الأنهار وتمنعها من الوصول إلى البحر. وبالنتيجة تتوزع مياه هذه الأنهار خلف التلال الرملية في أراضٍ واسعة تمتد عدة كيلومترات وتشكل المستنقعات.
إن مياه هذه المستنقعات والأهوار تتوغل إلى بعض الممرات الرفيعة أو تسير تحت الرمال وإذا حصلت عاصفة فإن هذه السدود الرملية تزول وتحصل بالنتيجة بحيرات أو أرصفة يسميها أهالي المنطقة بالمستنقعات وأهمها مستنقع ساليان وانزالي ولنكرود ومشهد سرو استرآباد.
وتوجد أطراف هذه المستنقعات أو الأفضل أن نقول أطراف المياه الراكدة خلف التلال، أشجار كبيرة مرتفعة، منها أشجار التوسكا والجنارونارون (الزيزفون) ولسان العصفور والتبريزي وأنواع أخرى، فهي تكثر وتنمو عادةً في الأراضي الرطبة. وفي مواسم الأمطار تحصل فيضانات كثيرة في هذه المناطق فتظهر بالنتيجة مناظر جميلة من الغابات المكثفة التي تكسو هذه الأراضي الموحلة. وبالرغم من ذلك فإن المرء يواجه في وسط هذه المستنقعات وخلف التلال الرملية، قرى وبيوت قروية أغلبية سكانها يعملون في مزارع الرز الموجود هناك.
وتوجد في كل محلة طرق كثيرة تنتهي إلى ساحل البحر حيث إن الأهالي ينقلون بضاعتهم عن طريق البحر وأن أغلبية سكان هذه المناطق يعيشون على صيد الأنواع المختلفة من الأسماك خاصةً في فصل الخريف والشتاء حيث تكثر الأسماك على الساحل (انتهى).
وتتألف جبال مازندران جميعها من المرتفعات الشمالية من سلسلة ألبرز الممتدة نحو بحر الخزر.
وتزداد أو تقل المسافة بين هذه الجبال وبين ساحل البحر حيث تمتد في بعض الأماكن إلى ساحل البحر كما هو الحال في ناحية سمت سر وفي بعض الأماكن توجد أعوجاجات وتعاريج كثيرة لا تبعد كلها عن بحر الخزر كثيراً.
السلسلة الأصلية من هذه الجبال مرتفعة وعارية إلا أن الجبال المنخفضة والتلال مكسوة بمختلف أنواع أشجار الغابات ويمتد انخفاض هذه التلال رويداً حتى يصل إلى حافة الغابات.
أنهار مازندران جميعها تنبع من السهول الشمالية لجبال ألبرز ولهذا السبب فإنها جميعاً قصيرة وتقل مياهها في أشهر الصيف.
يقول هلمس في كتابه استطلاع عن سواحل بحر الخزر …. إن جميع الأنهار الساحلية في مازندران لها مصب رملي طويل يمتد من الغرب نحو الشرق وقبل أن تصب في البحر تنحدر موازية لساحل البحر. وهذه الحالة تشاهد حتى في الأنهار التي تصل إلى البحر من الناحية الجنوبية أو النوبية الغربية ومن هذا يظهر هبوب الرياح قوياً من الغرب والشمال الغربي. ومن ضغط الأمواج من جانب ومسير النهر من جانب آخر تحصل رويداً رويداً سواحل رملية.
وعندما كان هـ. ل. رابينو قنصلاً لإنكلترا في مدينة رشت من سنة 1906 إلى سنة 1912م قام برحلة في مازندران مرتين، مرة سنة 1908 ومرة سنة 1909 فكتب فيما كتب يصف طرقاتها يومذاك ونرى أن من الطريف هنا أن نذكر وصفه لتلك الطرق قال:
يوجد طريقان من مازندران إلى داخل إيران عبر جبال ألبرز الأول طريق آمل إلى طهران الذي يمر من السفح الشرقي من دماوند. إن المهندس النمساوي (كاستيكر) الذي كان يعمل لناصر الدين شاه هو الذي أنشأ هذا الطريق. والثاني طريق بارفروش إلى طهران عبر طريق سواد كوه ىالذي يمتد عبر الطريق الصخري القديم. والطريقان جيدان نسبياً. الطريق الصخري المعروف وهو الطريق الذي أمر الشاه عباس، الميرزا محمد تقي وزير مازندران أن يمده من فرح آباد على ساحل بحر الخزر إلى خوار عبر طريق ساري وعلي آباد وسواد كوه وهلي رود
وفيروز كوه ويبلغ طول هذه الطريق حوالي 45 فرسخاً ويقسم إلى تسعة مواقف. وتم آنذاك أيضاً إنشاء طريق صخري آخر من جاجرم إلى دشت مغان عبر جميع النواحي الإيرانية الواقعة جنوب ساحل بحر الخزر.
هذا الطريق الصخري الذي كان عرضه عشرين قدماً، اهتموا كثيراً في إنشائه وبذلوا الكثير من الجهد حيث إنهم جاؤوا بالصخور الكثيرة من الأنهار التي تجري عبر السهول المكثفة بالأشجار. وكانوا قد أوجدوا حفراً عميقة على جانبي الطريق لتجفيفه كما كانوا قد زرعوا أشجار الرمان البري الكثير الأشواك على جانبي الطريق إلا أن الطريق لم يكن عالياً بالمقدار الكافي عن سطح الأرض كما لم يجعلوا سواقي فيه لجري المياه من جانب إلى جانب آخر، إضافة إلى ذلك فإن عدم الاهتمام بتعبيد وإصلاح الطرق قد جعل الطريق كما هو الآن وأن هذا الطريق الذي هو دليل على كفاءة ودراية سلطان مدبر هو في نفس الوقت نموذج مؤسف لإهمال وعدم مبالاة من جاؤوا بعده.
وفي شرق استرآباد يصبح هذا الطريق عريضاً بحيث يشكل منعطف كركان الذي يقع على مسافة 50 ميلاً إلى الجنوب من الوادي. ويقال إن هذا الطريق مكسواً الآن بغابة مكثفة لا يمكن العبور منها وما زالت خرائب خانين همان رباط عشق ورباط قرابل قائمة إلى يومنا هذا بحيث يمكن المقارنة بهما بين الماضي والحاضر. لقد أصبح هذا الطريق وعراً وغير صالح في المسافة بين استرآباد وأشرف بسبب الإهمال حتى تضطر وسائط النقل إلى السير على حافة الطريق خير من الطريق الصخري الوعر الغير صالح للعبور.
ومن أشرف إلى ساري يسير الطريق الحالي موازياً للطريق الصخري الذي تكثر فيه الحفر العميقة والتي قد يبلغ عمقها في بعض الأماكن إلى متر واحد ولكن بالإمكان وبسهولة إنشاء طريق جيد مكان هذا الطريق القديم. ومن ساري إلى علي آباد ومن هناك إلى آمل وما زالت آثار الصخور موجودة.
ومن آمل إلى تميجان في رانكوه يمر الطريق الصخري عبر الغابات وقد سمعت أن قسماً من هذا الطريق وهو الحد الفاصل بين دانبال وبيشمبر في كلا رستاق بمسافة تقريبية تبلغ خمسة فراسخ ما زال قائماً. ومن تميجان يمر الطريق عبر سفوح التلال كما يمر من ملاط ويمتد حتى لاهيجان ورشت ودشت مغان ويمكن مشاهدة آثار هذا الطريق فقط في كيلان وفي ملاط وبالقرب من كوراب كسكر وربما المسافة بين ريك في كركان رود إلى أق أولفر وهو المحل الذي كان فريزر يعتقد أنه شاهد فيه آثار الطريق الصخري المعروف الذي تم إنشاؤه بين الجبال حتى مدينة أردبيل.
الطريق الأخرى في مازندران هي أحسن بقليل من طرق كيلان ولكنها رديئة ووعرة بحيث تؤدي إلى إنهاك الخيول التي تمر عليها بشدة إذا لم نقل إنها تؤدي إلى هلاكها.
الطريق الوحيد الذي هو صالح للسير نسبياً هو الطريق الفاصل بين رودسر في كيلان وبين بارفروش الذي يفضله أصحاب القوافل وهو الطريق الرملي الذي يمر إلى جانب ساحل البحر. ولكن على المرشدين أصحاب التجربة والكفاءة أن يرشدوا المسافرين وينبهوهم إلى الأنهار الكثيرة المليئة بالصخور والتي يتعذر فيها العبور وتؤدي إلى التعب والإنهاك.
ونذكر فيما يلي ما كتبه فريزر عن خطوط المواصلات في مازندران: «من الناحية العسكرية لم أشاهد قط أرضاً وعرة مثل هذه الأرض ولم يكن يخطر ببالي أنه كان يوجد في هذه الولاية طريق معبد عدا الطريق الصخري الذي تم إنشاءه في الماضي بأمر من الشاه عباس. وهذا الطريق مكسوٌ بالغابات وهو مهمل حالياً ويجب الاستعانة بالمرشدين من أجل العبور في هذا الطريق، إن هذا الطريق غير صالح للأغراض العسكرية لأنه طريق وعر جداً وفيه الكثير من الحُفر ولما كانت الغابات المكثفة بالأشجار قد أحاطت بهذا الطريق فإنه يساعد العدو على أن يستخدمه لهجماته المفاجئة»([405]).
لا يعرف طرق هذه الأرض إلا أهاليها حيث فيها معابر ضيقة لا يعرفها إلا أهلها، وقد يحدث كثيراً أن جداراً ضخماً من الأشجار الشوكية والأشجار التي تنمو في الغابات وكذلك المتسلقة الأخرى التي تتسلق إلى أعالي الأشجار تمنع الإنسان من اجتيازها وقد تمتد هذه الجدران النباتية إلى مسافة قريبة لمياه الأنهار وربما تنتهي إلى المستنقعات والغابات التي ذكرناها. وأن أي إنسان يجب أن لا يفكر في اجتياز هذه المعابر، غير أن الأهالي المحليين يعثرون على معابر ضيقة جداً تشبه بيوت الأرانب ويرشدون الإنسان إلى هذه المعابر حيث يجب اجتيازها والزحف فيها كالحية وكلما تقدم الإنسان في هذه المعابر توسعت رويداً رويداً. وعلى أي حال فإن العبور من هذه الطرق ليس بالأمر السهل والهين حيث توجد أمام الإنسان أنهار كثيرة تقطع الطريق وأنه يجب على الإنسان اجتياز هذه المعابر التي لا تخلو من الطين والمياه اللزجة وإذا كان معه حصانه أو فرسه فإن هذا قد يزلق في الوحل أو في هذه المياه، كما أن امام الإنسان توجد جسور خشبية قد تسبب المشاكل له.
كما أن هناك السواقي التي أوجدوها للري وقد يتفق أن يستخدمه الإنسان للسير فيها ولا يقل عمق هذه السواقي عن عمق الأنهار الطبيعية وأن الحصان المسكين بالحمل الثقيل الذي يحمله يضطر أن يعبر أو يمر في هذه السواقي مسافة طويلة حتى يصل إلى القرية أو المحلة التي يريد الوصول إليها وذلك بعد جهد مرير.
المناخ في مازندران رديء بصورة عامة والطقس متغير كثيراً ولا يقسم إلى أقسام وفصول طبيعية مثلاً فصل الرطوبة أو الجفاف أو البرد أو الحر. قد يحدث في سنة مثلاً أن تهطل الأمطار بغزارة في شهر واحد على التوالي وقد يحدث في السنة التالية وفي نفس الشهر من السنة أن يكون الطقس جافاً دون قطرة واحدة من المطر. وبالرغم من أن الرطوبة في مازندران أقل منها في كيلان إلا أنه يجب اعتباره إقليماً رطباً حيث لا يمكن للأهالي طوال أيام السنة أن يطمئنوا من حالة الجو.
إن نسبة الأمطار في هذه الولاية هي خمسة أضعاف الأمطار في جنوب إيران وأن الأمطار تهطل بغزارة في الفترة من شهر ديسمبر حتى إبريل ويكون الطقس بارداً في هذه الفترة. والصيف في مازندران حار جداً وأن الحرارة أيضاً غير ثابتة وقد تسبب الأمراض للأهالي. فمثلاً في فصل الشتاء يضطر الأهالي في بعض الأيام ارتداء الملابس الصيفية كما يتفق أن يلبسوا الملابس الشتوية في فصل الصيف والثلوج عادة تنزل في مازندران وبرغم من أنها لا تدوم كثيراً ولكنها قد تدوم في بعض الأحوال. والبرد في الصيف في مازندران مصحوب بالرطوبة.
إن سكان مازندران هم من الشيعة، إلا أنه يوجد بين العشائر الكردية هناك عدد من (العلويين)، وعدد قليل من السنة.
طبرستان([406])
ـ 3 ـ
تقع طبرستان بين مدينتي جرجان وجيلان على الساحل الجنوبي لبحر الخزر، وقد عرفت في التأريخ بأسماء مختلفة هي طبرستان ومازندران وأحياناً رويان. وهذا الساحل من الناحية الجغرافية هو اعتماد لمنطقة أورازياتيك الشمالية (Eurasiatique) ونظراً لما تتمتع به المنطقة من شتاء معتدل وأمطار غزيرة، ونتيجة لوجود الكهوف التي يستفاد منها كملاجئ، فإنها من أقدم المناطق الصالحة للسكن إذا ما قيست بالمناطق السهلية السكنية في إيران. كما يمكن مشاهدة بعض المعالم الضعيفة العائدة إلى العصر الحجري الحديث مثل طراز البيوت، الريفية، ووسائل الزراعة، وبشرة الناس، والتلال الترابية الواسعة التي تلاحظ هذا اليوم في المنطقة والتي يبدو منها أنها كانت مقراً لقرى أثرية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، وتؤيد المعلومات التي دلّت عليها التحقيقات الأثرية لكهوف المنطقة صحّة ما ذكرناه وبالإضافة إلى تلك الآثار العائدة إلى العصر الحجري الحديث فإنّ هناك آثاراً مدنية تعود إلى العصر الحجري الوسيط تم العثور عليها في كهفي «كمربند» و«هوتو» وهي تدل على وجود مجتمعات بشرية كانت تعيش في تلك الفترة، ومن هذه الآثار: بعض الغزلان، وحيوانات آكلة الفئران، وبعض كلاب البحر.
وتدل البحوث والتحقيقات التي قام بها العالم الفرنسي «دمركان» في أواخر القرن التاسع عشر على أن أُناساً كانوا يعيشون في شتى أرجاء ساحل بحر الخزر في العصر البرونزي وعصر الحديد، ولهم حضارتهم الخاصّة بهم. وقد بدأ هذا العالم بحوثه ودراساته في مد
ينة (لنكران) ثم مدن جيلان ومازندران وجرجان، وقد توصل إلى أننا نستطيع أن نعثر على الجذور البشرية للقاطنين حالياً على الساحل الجنوبي لبحر الخزر، وكلما اتجهنا من الشرق نحو الغرب يقل الاختلاط العرقي وذلك لأن السواحل الشرقية كانت عرضة لحملات بدو الصحراء المركزية أو الفاتحين الأريائيين والعرب.
إن التركيبة اللغوية الدارجة وجدت لطبرستان جذوراً كما يعتبر بعض المؤرخين والجغرافيين الإسلاميين أن الكلمة تتكون من مقطعين ـ الأول: «طبر» والثاني «ستان» والبعض يقول: إن أصل هذا الاسم الجغرافي هو كلمة «طبر» التي تعني «جبل» في اللهجة الشعبية الدارجة ومن أجل الاطلاع على سبب دقيق لهذه التسمية، فمن الضروري أن نتصفح التأريخ قليلاً في حديثه عن «المادا تروباتي» وهي أرض «الماديين» يقسّم الجغرافي اليوناني «استرابن» سكان الجبال القاطنين في تلك المنطقة إلى أربعة أقسام وهم: «الكرُتيون «Curtii، «الآمارديون «Amardi، «التابوريون «Tapuri، و«الكادوسيون «Cadusii. والكرتيون قوم يرجع إليهم الأكراد واللُّر والبختياريون (وهذا هو رأي «كسروى»، وهو موضع تأمل) علماً أن (كرد وكُرت وكُرتى) هي في الواقع كلمة واحدة بألفاظ مختلفة.
أما الآمارديين الذين كانوا يقطنون في مازندران الغربية فإنهم ابتعدوا عن مواطنهم وتفرقوا في الآفاق وذلك بعد الفتوحات التي قام بها «الأشكالنيون» لكن تخلفت منهم بقيّة في المنطقة كما يذكر البعض أن كلمة (آمل) [من مدن طبرستان] هي تحوير لكلمة «آمارد» أما التابوريون فقد كانوا يسكنون ـ على رأي ـ في شمال غربي خراسان، وعلى رأى آخر في مناطق قومس الشمالية وطبرستان الشرقية، وبعد أن أُجبر الآمارديون على الجلاء عن مازندران هبط التابوريون من الجبال واستقروا في تلك المنطقة. ويعتبر «ماركورات» و«بارتولد» التابوريين مثل الآمارديين من أهالي مازندران المتوطنين فيها والذين كانوا يعيشون في المناطق الجنوبية لبحر الخزر بعد مجيء الآريائيين، ثم التجأوا إلى جبال المنطقة الشاهقة بعد أن وطأت أقدام الإيرانيين المهاجرين أرضهم …. لكنهم تعودوا على التقاليد الآريائية شيئاً فشيئاً وتقبلوا الثقافة والحضارة الآريائيتين ثم بعد ذلك اعتنقوا الدين الزرادشتي.
يقول أسترابن في هذا الصدد: كان التابوريون يعيشون بين الهيركانيين والآريائيين. وبناءً على ما ذكرنا من معلومات سلفاً فإننا نستنتج منها أن الهيركانيين كانوا يعيشون في أرجاء استرآباد وجرجان. كما كان يعيش البارتيون في خراسان الشمالية. والآمارديون في المناطق التي تعرف هذا اليوم بآمل، نوشهر، شهسوار، وتنكابن. والجيلانيون في منطقة جيلان.
ومن هذا المنطلق يمكن التخمين أن أوّل مكان لحياة التابوريون هو (تبورستان) أو (طبرستان) وبمعنى أخص: مدن بهشهر، وسارى، وقائم شهر الحاليات.
يقول «ماركورات» في هذا الصدد: كان التابوريون حتى عصر الإسكندر يعيشون في الجبال الواقعة شمالي سمنان، ولم يجدوا مكاناً أوسع وأفضل للإنتشار والعيش إلا في عصر فرهاد الأول الإشكاني الذي دحر الآمارديين وشردهم إلى المناطق القريبة من الري. كما كان اسم «طبرستان» ـ في أواخر الحكم الإشكاني ـ يطلق على قسم معين مستقل من مدينة إيرانشهر، وكان «ماه كُشَنْسِبْ» «Mah Goshansb» حاكم طبرستان، فرشوادكر، جيلان، وديلمان، ورويان، ودماوند.
وفي رسالة «تنسر» لـ «ماه كشنسب» أوائل حكومة أردشير الساساني معلومات مفيدة في هذا المجال، وكانت طبرستان أيام الحكم الساساني جزءاً من «خوست» الشمالية، وتدار أيام الحكم الساساني جزءاً من «خوست» الشمالية، وتدار من قبل «بالتكوسيان» أو «بادوسبان». وذكر اسم طبرستان مرّتين في تمرد ويستهم (كستهم) ضد الحاكم الساساني هرمز الرابع. وفي المقارنة المذكورة لأسماء مدن طبرستان وقراها، والتي ذكرها البلاذري المتوفى سنة (279هـ) في فتوح البلدان، وابن رسته في الأعلاق النفيسة، والاصطخري في «مسالك الملك» (تأليف سنة 340هـ) يتضح لنا أن حدود مازندران القديمة تمتد من «جالوس» وحتى «بهشهر» الحاليتين.
لكن في العصر الذي لم تكن فيه استرآباد (جرجان الحالية) بشكلها الحالي كمدينة كبيرة ومركز لولاية مهمة، كانت حدود
طبرستان تصل إلى هذه المناطق أيضاً. وكانت منطقة «كنبدكاوس» والمناطق التركمانية تعتبر قرى في ذلك الزمان.
إبان القرن السابع الهجري حيث كانت حملة المغول، تُرِك اسم طبرستان على الظاهر وحل محله اسم مازندران كما يذكر «ابن اسفندريار» في تأريخ طبرستان (تأليف سنة 613هـ) «إن اسم مازندران اسم جديد» ويذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان (الجزء الرابع، ص 392) تحت كلمة مازندران قائلاً: «وما أظن هذا إلا اسماً محدثاً لها فإني لم أره مذكوراً في كتب الأوائل» وتحت كلمة طبرستان ينقل الحموي نفسه في الجزء الثالث من كتابه ص 502 ما نصه: «وطبرستان من البلاد المعروفة بمازندران ولا أدري متى سمّيت بمازندران، فإنه اسم لم نجده في الكتب القديمة وإنما يسمع من أفواه أهل تلك البلاد ولا شك أنهما واحد».
ويذكر حمد الله المستوفي في كتاب «نزهة القلوب» ص 197 وص 500: أن هناك فرقاً بين ولايتي مازندران وطبرستان، ويقول: كانت مازندران سبع تومانات([407])، هي جرجان، موروستاق، استرآباد آمل ورستمدار، دهستان، روغد، سياه روستاق (سارستان). وكانت طبرستان تشمل: سمنان، دامغان، فيروز كوه، داموند، وفريم.
ويعتقد «رابينو» أن طبرستان ومازندران مترادفتان لكن كلمة «طبرستان» تعني المناطق الجبلية، وكلمة «مازندران» تعني المناطق السهلية. أما اليوم فإن المناطق التي كانت تسمى في السابق «استرآباد، طبرستان، ومازندران» فهي الآن تسمى مازندران. يعتبر ابن اسفنديار مازندران جزءاً من ولاية قديمة تسمى «فرشوادكر» أو «فرشوادجر» وأصل هذه الكلمة هو «بذشخواركر» وهو اسم لسلسلة الجبال الجنوبية في طبرستان وقد ذكر المتقدمون أنه «بما أن (جر) تعني في اللغة القديمة الجبل الذي يمكن أن يُزرع وتنبت فيه أشجار وغابات، فإن سوخرائيان في القديم لقب «جرشاه» أي ملك الجبال».
يقول السيد ظهير الدين المرعشي: «إن طبرستان هي داخل فرشوادكر، وفرشوادكر هي نفسها آذربيجان، جيلان، وطبرستان».
يعتبر الدكتور مشكور الكلمات أعلاه تحويراً لكلمة «بتشخواركر»، بالرجوع إلى نقوش داريوش، والاشتقاق اللغوي للكلمة، فإن الدكتور مشكور يميل إلى تقديم الكلمة مكونة من ثلاث مقاطع: هي: «بتش» و«خوار» و«كر». أما «بتش» أو «بستش» فتعني «قبل» لأنها جاءت في بعض النصوص تحت عنوان «بيشخواركوه» وتعني: قبل الجبل. وأما «خوار» فتعني: ولاية «خوار»، وتمتد من الري حتى دامغان الحاليتين. و«كر» أو «جر» وتعني الجبل، وإجمالاً تعني الجبال التي تقع «قبل ولاية خوار».
أما مفتاح العثور على المعنى الجغرافي لكلمة «بتشخواركر» فهو الإصطلاح اليوناني «برخواثرس» الذي ذكره «استرابن» وقال في تعريفه: كان الجلّيون([408]) والكادويسيون والآمارديون يعيشون في الأجزاء الشمالية لهذه الجبال (جبال البرز الحالية) كما ذكر ذلك آنفاً ….
وإذا ما تقدمنا باتجاه الشرق ونهر «جيحون» فإننا نلتقي بالبارتيين ثم المركيين. بعد ذلك تأتي منطقة صحراوية يفصلها عن هيركانيا (جرجان) نهر سرنيسو. هذه السلسلة الجبلية التي تمتد من أرمنستان حتى الصحراء تسمى (برخواثرس).
يذكر السيد إسماعيل المهجوري صاحب الكتاب القيّم «تأريخ مازندران»: أن «برخواثرس» التي يستعملها استرابن هي بلا شك كلمة قد تيوننت من كلمة «بتيشو وريش» الفارسية القديمة أو من كلمة قريبة منها كانت تطلق على منطقة مترامية الأطراف من جبال البرز.
ومن المسلم به ـ كما يقول الدكتور «زربن كوب» ـ في الفترة ما قبل الساسانيين كانت هناك سلالة منسوبة إلى العرق الأردشيري ومنها «ويسبوهران» و«أصحاب البيوتات» الذين كانت لهم إمارة محلية في تلك المناطق تحت عنوان «بتشخوار كر شاه».
وعندما وجه الإسكندر جيشاً نحو إيران وسار باتجاه الشرق أرسل قسماً من أفراد جيشه بقيادة «كراتر» إلى أرض «سبورستان» لاحتلال المناطق الشمالية … وبما أن حارس المدينة «آتوفرادات» الهخامنشي أراد إعلان تبعيته لحكومة الإسكندر فقد ذهب إليه طالباً منه مرة أخرى أن يسمح له حتى يعود إلى مقره كحاكم على طبرستان.
في العصر الأشكاني عبّأ (أردوان الأول) جيشاً صوب مازندران وأخضع من خلاله الآمارديين لسيطرته. أما في زمن ولده «فرهاد الأول» فقد تمرد الآمارديون، وبعد اندحارهم أجبروا على الجلاء عن المنطقة، مما وفّر هذا العمل فرصة لملك جبال طبرستان أن يوسّع من رقعة المناطق التي تحت نفوذه بالسيطرة على المناطق السهلية. أو من الأفضل القول إنها كانت فرصة مؤاتية للتبوريين أن يتفرقوا في الأراض الساحلية المنخفضة. على أي حال فإنّ الذي يستفاد من الروايات أن زمام الأمور في ولايات طبرستان، رويان، جيلان، وأحياناً بعض ولايات الجبال، كان بيد أسرة «جُشنف» حتى عصر قباد الأول تحت نفس العنوان أي: «بتشخوار كر شاه» وكان قباد نجل فيروز ـ وبعد تربعه على العرش للمرة الثانية ـ يبذل جهوده في إخضاع جبال طبرستان لتنضوي تحت طاعته، لذلك أرسل ولده الكبير كيوس (كاوس) إلى تلك المناطق. وصل هذا الأخير إلى تلك المناطق وعمل على إنقاذ خراسان، جرجان، وطبرستان من هجمات الهياطلة وحملاتهم. وكان رجلاً سياسياً مجرّباً لكنه كان متعصباً للتعاليم المزدكية. ومما ينقل أن مزدك كان في سفر فمرّ على آمل وتوقف فيها قليلاً، لهذا ينسب البعض أساس هذه المدينة إلى الزنديق مزدك. وقد قام المزدكيون بتمرد على إقالته وتعيين نجله كيوس مكانه. على أي حال بعد المذبحة الجماعية التي قام بها قباد وخسروا نوشيروان ضد المزدكيين، وبعد محاولة «الموبدين» مساعدة أنو شروان في استلام مقاليد الحكم، قام كيوس ـ الذي يعتبر نفسه ولياً لعهد أبيه ونائباً عنه ـ بمحاربة خسرو لكنه اندحر في قتاله مع أخيه، وبعد ذلك أُلقي عليه القبض فأودع السجن وأخيراً قُتل.
في عصر أنو شروان تم تعيين «قارن» نجل «سوخرا» حاكماً على طبرستان، ومن هذه الفترة فما بعد لم يسمع لطبرستان ذكر حتى زمن التمرد الذي قام به «ويستهم» خال خسرو برويز ضد «هرمز» نجل «أنو شروان» مطالباً بالحكم. وقد بايعته مناطق آمل، رويان، شيرجان، وطبرستان لكنه لم يدم طويلاً حيث كُلّف «سمباط باكراتوني» أحد القادة العسكريين الأرمن وحامي ثغور جرجان في زمن خسرو، فقمع هذا التمرد وهزم «ويستهم».
في أواخر العصر الساساني وبعد فرار «يزدجرد» آخر الملوك الساسانيين، ومقتله، تعاقبت على تلك المناطق حكومات مختلفة هي حكومة القارنيين (السوخرائيين)، الباونديين، الدابويهيين (الكاوباركيين)، والبادوسبانيين.
حاز القارينون ـ الذين استقروا في تلك المنطقة منذ عصر خسرو أنو شروان تقريباً ـ حازوا على لقب كرشاه (جرشاه) أي ملك الجبال. وقد أطلق المؤرخون الإسلاميون عليهم لقب «أهل البيوتات» باعتبارهم إحدى الأسر السبع المعروفة والبارزة أبّان العصر الساساني.
كان مركز حكومتهم جبل قارن الذي يتصل «بفيروز كوه»، ومدينته «شهماز» وقلعته «بُريم» أو فريم (فيروز كوه). وأمراء سلسلة آل قارن بعد قارن نفسه كانوا على التوالي: آلندا، سوخرا، ونداهرمزد، قارن الثاني، ومازيار.
وسنتحدث قليلاً حول مازيار هذا فيما بعد …. وقد انقرضت حكومة آل قارن سنة 224هـ.
بعد ذلك جاء «الاسبهبده الباونديين» الذين ينقسمون إلى قسمين: كيوسية، وكينخوارية. وينتسب الكيوسية إلى كيوس نجل قباد الذي مرّ ذكره.
بعد الفتح الإسلامي لإيران عين أهالي مازندران «باو» حفيد كيوس اسبهبدا لطبرستان سنة (40) هـ. وأول شخص برز في التأريخ من السلسلة الباوندية وهو شروين بن سرخاب الذي أقطعه المسلمون السهول المتصلة بجبال البرز.
قام عبد الله بن خرداذبة ـ وهو والد المؤرخ والجغرافي المعروف ابن خرداذبة سنة (201) باحتلال لاريجان وشيرجان والأجزاء الجبلية في طبرستان وضمّها للدولة الإسلامية وأجبر شهريار نجل شروين على الاستسلام والطاعة. بعد وفاة شهريار سنة (210هـ) انتزع مازيار بن قارن الحكومة من نجله «شابور»، وبمؤازرة موسى بن حفج بن عمر بن العلاء سيطر على جبال شروين وأسر «شابور» ثم قتله.
أما الكينخوارية حكام طبرستان الآخرين فقد كانوا ـ مع أفراد من السلسلة الباوندية ـ قد سيطروا على مازندران، وكان على رأسهم أبو الملوك حسام الدين أردشير الملقب بـ «كينخوار» وآخرهم فخر الدولة حسن الذي سقطت حكومته سنة (750هـ) على يد كيا أفراسياب الجلابي. وقد حكم الكينخوارية طبرستان اعتباراً من سنة (635) حتى سنة (750) هجرية.
جاء بعدهم الدابويهيين أو آل دابويه الذين كانوا يعرفون بآل (كاوبره) وقد دام حكمهم مائة وأربع سنين. بدأ حكمهم سنة (40هـ) حين تسلم «دابويه» مقاليد الحكم بعد وفاة أبيه «كيل كاوبره»، وانتهى بموت خورشيد سنة (144هـ). ومن الجدير ذكره أنه مع وجود الأمر في توالي حكومة طبرستان من قبل «يزدجرد» آخر الملوك الساسانيين، كان أولاد «بادوسبان» هم الذين حكموا مناطق رويان، رستمدار، نور وكجور. و«بادوسبان» هذا هو الابن الآخر «لكيل كيلان»، الذي حكم قسماً من المناطق التي كان يحكمها أبوه، كانت أول سنة وجد الجيش الإسلامي له موطئ قدم في هذه المنطقة هي سنة (22هـ) وكان نعيم بن مقرن قد بقي في همدان بأمر عمر، وأرسل أخاه سويد إلى المناطق الشمالية في إيران عن طريق بسطام. وقام سويد بن مقرن لدى وصوله بمصالحة «مسمغان» دنياوند (دماوند)، وأسبهبد طبرستان الذي كان في تلك الفترة «آذرولاش» أو «كيلا كيلانشاه» وليس فرخان بن أميد الذي توفى سنة (107هـ)، نعم صالحهم في مقابل أن يستلم منهما شيئاً من المال.
وفي سنة (29هـ) لم يحقق سعيد بن العاص نصراً عسكرياً ساحقاً على ما يبدو. لهذا اضطر إلى مصالحة حاكمي «دنباوند» و«رويان» لكن على أي حال فقد وجد المسلمون موطئ قدم لهم في الأجزاء الشمالية من إيران. ولما تسلم معاوية زمام الأمور أرسل مصقلة بن هبيرة (المتوفى سنة 50هـ) إلى طبرستان، على ما ينقل البلاذري في فتوح البلدان، أنه سُحق وجميع أفراد جيشه. وفي سنة (78) إلى (79هـ) رحل قطري بن الفجاءة ـ الذي كان من الخوارج الأزارقة ـ إلى تلك المناطق فارًّا من بطش الحجاج، لكن علاقته بأسبهبد طبرستان كانت غير جيدة بسبب مشكلة حصلت بينهما لهذا سلّم نفسه لقوات الحجاج. وتوجه يزيد بن المهلب إلى جرجان ومازندران أواخر سني القرن الأول الهجري لكنه هو الآخر اندحر في مواجهة مع أسبهبد فرخان، وحتى أنه حوصر لفترة إلى أن توسط بينه وبين أهل طبرستان شخص يدعى «حيان» فأنقذه من ورطته التي وقع فيها.
على أي حال فإن الحروب التي وقعت في المنطقة، والتي تراوحت بين الكرّ والفرّ، والنصر والفشل مهّدت الطريق للمسلمين أن يصلوا إلى تلك الأنحاء. واعتبر أسبهبدة طبرستان أنفسهم مطيعين للخلفاء الأمويين على النحو الظاهر من خلال إرسال الهدايا وأحياناً الجزية مع أنه لم يتوفر هناك ما يدل على تلك الطاعة من الناحية العملية. وعندما كان الأمويون مشغولين في الحروب الداخلية، التي كان يشنها معارضوهم ضدّهم، إلى درجة كبيرة اتخذ طابع الاستقلال في تلك المناطق شكلاً أوسع من ذي قبل، وحقيقة الأمر أن حكومة مازندران كانت تدار من قبل أمرائها المحليين.
في زمن المنصور العباسي وبالتحديد سنة (141هـ) توجه عباس أبو الخصيب المرزوق الهندي يرافقه المهدي نجل المنصور، توجها إلى طبرستان عن طريق «زارم» و«شاه كوه»، وشدّ أبو عون بن عبد الملك الرحال إليها عن طريق جرجان ليلتحق بأبي الخصيب. ولما علم الأصفهبد خورشيد الثاني (من بني دابويه) بالأمر طلب من الناس الالتجاء إلى الجبال، وفر هو إلى الديلم. لهذا أفلح المسلمون في فتح آمل، بعد ذلك سلّم ابو الخصيب أمر الحكومة إلى أبي خزيمة خازم بن خزيمة فاشتبك معه الأسبهبد خورشيد. ولعل قيام خورشيد بمحاربة أبي خزيمة كان بهدف تخليص زوجته وولده واسترجاع ما نهب منه من أموال وكنوز، لكنه لم يفلح في تحقيق مراده فحسب، بل ذاق طعم الاندحار مرة أخرى فعاد إلى الديلم كما كان فيها من قبل. وفي سنة (145هـ) عُيّن روح بن حاتم المهلبي حاكماً على طبرستان بأمر الخليفة متمتعاً بصلاحيات تامّة فوضت إليه.
وفي هذه الفترة بالذات حاول خورشيد استرجاع المناطق التي كانت تحت نفوذه لكنه لم يوفق. وفي سنة (148هـ) تم تعيين خالد بن برمك حاكماً على طبرستان من قبل منصور. وحدثت بينه وبين خورشيد مواجهة تغلب فيها خالد بن برمك، فانتحر خورشيد بسمّ كان معه.
ظلت حكومة طبرستان بيد المسلمين إلى أن جاء عصر المهدي العباسي فعامل حاكمها عبد الحميد بن مضروب الناس بخشونة مما حدا «بونداد هرمزد» وهو من آل قارن من السوخرائيين أن ينسّق مع أصفهبدة مازندران لإعلان التمرد ضد الحاكم العباسي، وبالفعل قاموا بتمردهم سنة (168هـ) كان للمسلمين أربع وأربعين مركزاً ومغفراً في تلك المناطق، فلما تمرّد الناس قاموا بقتل كل من وجدوه فيها من هؤلاء الغزاة.
لما علم الخليفة العباسي بالأمر أرسل سالم الفرغاني على رأس جيش لمقاتلة «ونداد هرمزد» ولما أخفق في مهمته وقتل، أرسل «فراشه» ومعه عشرة آلاف جندي لكنه قتل هو الآخر …
وأخيراً استسلم «ونداد هرمزد» ولما أخفق في مهمته وقتل، أرسل «فراشه» ومعه عشرة آلاف جندي لكنه قتل هو الآخر ….
وأخيراً استسلم «ونداد هرمزد» في زمن الهادي فأصبح العباسيون حكّام المنطقة بلا منازع وواصلوا حكمهم فيها. مما أدى بالعرب الغازيين أن يتوطنوا فيها، وكذلك توافدت عليها أسر كثيرة أخرى للسكن والاستقرار. وفي زمن العباسيين تحرك «مازيار» نجل «قارن» وحفيد «ونداد هرمزد» فشغل الخلافة العباسية ما يقارب العقد من الزمن.
وبعد مقتله وقعت طبرستان في قبضة الطاهريين. وبعد استلام الداعي الكبير حسن بن زيد دفّة الحكم أصبحت لطبرستان حكومة شيعية مستقلة ليس لها أي علاقة أبداً بمركز الخلافة العباسي ولم تأخذ منها الأوامر.
بعد حسن بن زيد (250 ـ 270)، ومحمد بن زيد (القائم بالحق) (270 -287) كانت طبرستان قد اعتبرت جزءاً من الحكومة السامانية لأكثر من عشر سنوات. لكن سرعان ما قام الناصر الكبير أبو محمد حسن الأطروش المعروف بناصر الحق بتأسيس سلسلة أخرى من الزيدية حكمت طبرستان. وجاء بعده الحسن بن القاسم الذي كان إماماً دينياً وسياسياً للناس حتى سنة (316).
بعد مقتل الحسن بن القاسم سيطر «أسفار» على طبرستان بأسرها، وبعد احتلاله لساري توجه إلى قومس، ومن هناك إلى مدينة الري. ولحروب أسفار هذا، وما كان، ومرداويج الديلمي أهمية خاصة في تلك الفترة. ومن بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة أفلح مرداويج فقط في تشكيل حكومة إذ بعد مقتل أسفار، سيطر على طبرستان، جرجان، الري، قزوين، قم، كاشان، وحتى أنه احتل الأهواز.
ووصلت الحكومة الزيارية أوج قدرتها في زمن «وشمكير». ووقعت طبرستان تحت قبضة البويهيين مدة عشرين سنة، وكان مؤيد الدولة، وفخر الدولة، ومجد الدولة يديرون أمور استرآباد وطبرستان من سنة (371) حتى سنة (388) إلى أن سيطر قابوس بن وشمكير ثانية على طبرستان …. وبعد قابوس أفل نجم الحكومة الزيارية ووقعت طبرستان تحت احتلال الفزناويين الذين حكموها أكثر من عقدين من الزمن بشكل مباشر أو غير مباشر. مع كل الحوادث السياسية والعسكرية التي وقعت في تلك المنطقة زمان السلاجقة والخوارزمشاهيين، ظلت طبرستان جزءاً لا يتجزأ من الأمبراطورية الكبيرة التي حكمتها هاتان السلسلتان. ولم يواجه المغول مقاومة تذكر في مازندران. وكانت استرآباد وآمل من أهم مناطق طبرستان في زمانهم. واختيرت استرآباد مركزاً لحكومة «طغاتيمور» آخر الحكام المغول. وحكم السربداريون في تلك المناطق فترة قليلة.
وفي بداية نهضة المرعشيين كانت القوى الحاكمة في «مازندران هي: «آل باوند» «آل افراسياب» و«والكيالهيين الجلاليين». وأبرز زمن حكم من آل باوندج في تلك الفترة هم «الكينخواريه» حيث كانوا أصحاب القدرة والنفوذ، وآخرهم كان الحسن بن كيخسر المعروف بفخر الدولة».
أما الكياهيون الجلاليون فكانوا من أحفاد الكيا جمال أحمد أجل. وهذا الرجل كان مجرباً عظيماً، وفي زمانه هاجم الأمير مسعود السربداري مازندران فاستسلم الكيا جمال أحمد حقناً للدماء. وباستسلامه التحق آل الجلالي بالأمير مسعود. لكن الكيا جمال بنى علاقات مع «فخر الدولة الحسن الباوندي» و«جلال الدولة الإسكندر الرستمداري»، وبدأ يعمل سرًّا ضد الأمير مسعود … وبتنسيق هؤلاء الثلاثة فيما بينهم استطاعوا أخيراً القضاء على الأمير مسعود وقتله.
وهناك «الكياهيون الجلاويون» أو «آل افراسياب» الذين كانوا يعتبرون من أعداء الكياهيين والجلاليين. وقد اشتعلت نار العداء بين هاتين الأسرتين وحصلت بينهما اشتباكات أدّت إلى اضطراب الأوضاع في مازندران. من رؤساء هذه الأسرة يمكننا أن نذكر افراسياب الجلاوي ونجله الإسكندر الشيخي اللذين كان لهما دور أساس في القضايا السياسية.
عندما جاء العباسيون إلى الحكم وفرضوا جوًّا خانقاً على الناس وخصوصاً على العلويين، اضطر الشيعة وبقية القوى المعارضة للحكم العباسي إلى الهجرة إلى مازندران، وكان الوضع الطبيعي في طبرستان مساعداً حيث تهيأت فرصة لمختلف فرق الشيعة من أجل مواصلة نشاطهم التبليغي، ولو سنحت الفرصة أكثر لأسّسوا حكومة علماً أن البعض قد استطاعوا لكن بشكل محدود كالزيدية الذين أسسوا حكومة شيعية في طبرستان، وآل بويه الذين شكلوا حكومة شيعية كبيرة مقتدرة في جيلان.
في سنين تالية انتشر مذهب الإسماعيلية في مازندران، وهؤلاء قد التجأوا إلى مرتفعات البرز للعثور على وسط مناسب للتبليغ. واستطاعوا تشييد قلاع قوية هناك. ومما ساعدهم على ذلك وضع الديوان الحكومي ونظام الإقطاع المعقّد الذي مارسه السلاجقة والخوارزمشاهيون حيث شكل ضغطاً شديداً على أهالي مازندران وخصوصاً على الفلاحين مما أعطى الإسماعيليين فرصة مناسبة للتبليغ، لهذا فإن كثيراً من أهالي مازندران الذين يعيشون في الجبال والمرتفعات اعتنقوا المذهب الإسماعيلي.
وعندما جاء المغول بعد سقوط النظام المرتكز على الأفكار المناهضة للشيعة وبعدما بدأ المغول بالاتجاه إلى الإسلام اتجاهاً متواصلاً، كان الجو أكثر انفتاحاً لممارسة العمل التبليغي … وكان هناك توجه عام نحو التشيع ساعد عليه وجود علاقة بين شيعة خراسان وشيعة مازندران من جهة، وكذلك تبادل الأسس الفكرية للتشيع بين الري وخراسان من جهة أخرى.
في مازندران حيث كانت الأرضية متوفرة من قبل، وحيث كانت انتفاضة المرعيين على الأبواب، رحّب الناس عن بكرة أبيهم بقبول حكومة هذه الأسرة الاثني عشرية، وقد أفلح المرعشيون في تأسيس الحكومة كالسربداريين. ولعل ذكرنا لنكتة مهمة، مناسب في هذا المجال وهي أنه قبل تشكيل الحكومة المرعشية كان «أميرولي» وهو من أسرة «جاني قرباني» يدير أمور طبرستان من استرآباد لفترة.
بعد مقتل الشيخ حسن الجوري في حرب زاوة سنة (743)، وتعيين السيد عز الدين المرعشي إلى خراسان فوصلها وانتمى إلى سلك مريدي السيد عز الدين. أقام السيد قوام الدين ومعه عدد من مريديه في بيت السيد عز الدين واستفاد من تعليماته وتوجيهاته.
وقد وقف الشيخة([409]) منهم موقفاً كريماً وضيفوهم بحرارة وحفاوة بالغتين وحفظوا لهم حرمتهم.
وقد جلس السيد قوام الدين ـ الذي كان له مريدون وكان بارعاً في أصول الفقه ـ جلس مع الشيخية للمباحثة. وظل هذا السيد في خراسان حتى الفترة الأخيرة التي تمرد فيها (درويش هندوي مشهدي) ضد «شمس الدين علي السربداري» وبما أن بقية أعضاء الحركة الشيخية السربدارية قد شاركوا في هذا التحرك ومنهم السيد عز الدين، لهذا لما انتصر «شمس الدين علي» على «درويش» فرّ السيد عز الدين السوغندي ومعه السيد قوام متجهين صوب مازندران، وبهذا يكون السيد قوام الدين قد عاد إلى موطنه الأصلي مرة أخرى
كما ذكرنا سابقاً أن بين «كيا افراسياب الجلاوي» و«فخر الدولة حسن الباوندي» عداءاً ومنافسة، ولما قتل الأخير غدراً على يد كيا افراسياب، تمرد عليه جميع حكام مناطق مازندران وولايتها وانتفضوا ضدّه ولم ينصاعوا لحكمه وكانت ذريعتهم في ذلك فسقه وفجوره وفتكه وبطشه بالآخرين. وهذا كله مخالف للشرع.
في مثل هذه الظروف وجد السيد قوام الدين الفرصة مؤاتية لا سيما وهو شخص هادف وكان يطمح لتحقيق شعاراته الدينية والسياسية فانبرى لتبليغ تعالميه المعنوية والدنيوية وتوسيع رقعتها؛ فالتف حوله جمع غفير من المريدين والأنصار. وكان ـ بصفته يمثل مركز قوة دينية وسياسية ـ في وضع استطاع فيه القضاء على القوى السياسية الموجودة في مازندران بأسرع ما يكون، ويؤسس حكومة شيعية اثني عشرية.
تنقسم الحكومة المرعشية في طبرستان إلى مرحلتين هما: المرحلة المتقدمة: وتبدأ من سنة (760هـ) وفيها وقعت انتفاضة المرعشيين بكل مراحلها ومراتبها المختلفة متزامنة مع حملاتها الهجومية وتوسيع رقعة تلك الحملات في مازندران إلى أن وقعت مازندران بأسرها وكذلك قزوين تحت نفوذ الحكومة المرعشية. المرحلة الثانية: وتبدأ بعد مجيء «تيمور» سنة (795).
وفي الحقيقة لما مات تيمور وظهر الصفويون على المسرح السياسي انضوى ذوو السيد قوام الدين تحت لواء الحكومة المركزية. وفي العصر الصفوي انقرضت هذه الحكومة المحلية التابعة. وأرسل الصفويين حكاماً من قبلهم لإدارة تلك المناطق.
بعد العصر الصفوي كان تأريخ طبرستان كتأريخ استرآباد من حيث أحداثه ووقائعه ويلتقي الاثنان بتأريخ مشترك.
سيد حسين رئيس السادات
أحوال طبرستان الجغرافية في القرون الأولى الإسلامية
الموقع الجغرافي الخاص لطبرستان الذي كان دائماً مكاناً آمناً للاّجئين كان السبب في أن يتأخر انتشار الإسلام فيها زمناً طويلاً.
ابن خرداذبه في كتابه «المسالك والممالك» وهو أقدم كتاب في جغرافية الكثير من مناطق إيران، وقد كتبه المؤلف تزامناً مع ظهور العلويين في طبرستان. ابن خرداذبه هذا لا يشير إلى أن جرجان قطعة من طبرستان.
أما ابن واضح اليعقوبي فيقول في كتابه «البلدان» الذي ألّفه بعد فترة قصيرة من المسالك والممالك إن جرجان منفصلة عن طبرستان ويقول إن مدينة جرجان تقع على الديلم.
وقد فصل أبو علي أحمد بن عمر بن رسته في كتابه «الأعلاق النفيسة» ناحية رويان عن طبرستان.
أما أبو إسحاق الاصطخري المعروف بالكرخي فرسم في كتابه «المسالك والممالك» لأول مرة خريطة ديار الديلم وطبرستان شارحاً فيها الأحوال والأوضاع العامة لهاتين الناحيتين وكذلك ضواحي الديلم وطبرستان وجرجان في القرنين الثالث والرابع.
ويقول: ورسمنا بصورة منفصلة طارم وقسماً من آذربيجان وقسماً من الري وشمالي بحر الخزر وغربه وقسماً من آذربيجان ومدن إيران وشرقي جبال بدوبست وبادنوسيان وجبال قارن وجرجان وبحر الخزر. وجعلنا آذربيجان وآران ضمن أرمينية على حدود طبرستان وديلمان. أرض ديلمان قسم منها جبلي وقسم سهل. أما السهل فهو أرض جيلان على ساحل بحر الخزر وتحت جبال ديلمان. وأما الجبال فهي ديلمان الأصلية. وملك ديلمان يعيش في رودبار والملوك من أرجستان. وهذه الناحية جميعها غابات وأشجار في الجانب المطل على البحر.
وطبرستان أرض سهلة سكانها يعملون بالزراعة وفيها دواب كثيرة ومدن طبرستان هي آمل وناتل وشالوس وكلار ورويان وميله وبرجى وعين الهم ومعطير وسارى ومهروان ولمراسك وتميشه. أما استرآباد بسكون ودهستان فهي تابعة لجرجان.
أما ابن حوقل فقد فصل في كتابه «صورة الأرض» الديلم وطبرستان عن جرجان ويقول: «ناحية الديلم، تشتمل على السهل والجبل …. السهل هو جيلان والمدن … آمل وشالوس (جالوس) وكلار ورويان وميله وتريجى وعين الهم ومامطير وساريه (سارى) وطميسه، تابعة لولاية طبرستان. أما جرجان واسترآباد وآبسكون ودهستان فهي تابعة لولاية جرجان. ويقول المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» إن جرجان وطبرستان وديلمان وجيلان هي من مناطق الإقليم الخامس في العالم ثم يقول إن لهذا الإقليم الذي يقع شمال وشمال شرقي إيران خمس مناطق هي كما يلي:
خراسان وقومس وجرجان وطبرستان وديلمان ثم يقول إن استرآباد وآبسكون والهم الآخر والرباط هي المناطق التابعة لجرجان ويقول غن مدينة آمل هي مركز طبرستان وأن شالوس وميله ومامطير وبرجى وساريه وطميسه هي مدن تابعة لطبرستان وأخيراً يقول إن ديلمان ناحية صغيرة تضم بعض القرى. وجاء في أحسن التقاسيم أن مركز ديلمان هي مدينة «بروان».
فرشوازجر ومازندران
إن القسم الأكبر من طبرستان القديمة يسمى اليوم مازندران. وإن طبرستان وآذربيجان وجيلان والديلم والري وقومس ودامغان وجرجان كانت في الماضي تسمى فرشوازكوا وفدشواركر.
وأصل كلمة فرشوادكر هي بدشخواركر وهي تطلق على سلسلة الجبال الجنوبية لطبرستان. وعند تبديل كلمة «خو» إلى (واو) في اللغة الفارسية يكون مرادف كلمة «دشخوار» كلمة «دشوار».
إن سلسلة جبال بتشخوار أو بذشخواركر هي نفسها في عهد الساسانيين. وجاءت هذه التسمية في كارنامه أردشير بابكان. وهذا الجبل فرع من سلسلة جبال «أبارسن» القديمة التي جاء اسمها في الافستا باسم «أو بي ري سئنا» وهي نفس «بيشوارش» التي جاءت في كتابة داريوش وهي تعني «بيشخواركوه» أي الجبل الذي يقع أمام ولاية خوار.
يقول ماركوارت في كتاب ايرانشهر (طبع برلين سنة 1951) إن طبرستان في اللغة البهلوية هي تبورستان وباليونانية تبيروي Tapyroi وتبوى روي Tapoyroi أما الكُتّاب الصينيون فكتبوها في مؤلفاتهم Tho – Pa – Sa – Tan.
وقد أطلق استرابون العالم الجغرافي اليوناني اسم بتشخوار على سلسلة جبال ألبروز أسماها «براخواتراس». أما المؤرخ بروكوبيوس فإنه لما يتحدث عن كيوس الأخ الأكبر لخسرو أنو شروان يقول إن لقبه كان «بتشوارشاه» ويذكر أنه كان ابن قباد وأن أمه هي «زمبيكه» ابنة قباد.
ويقول فاسيلي ولاديمير وفيج بارتلد ـ المستشرق الروسي ـ في «تذكرة جغرافية تاريخ إيران» أنه في الأزمنة القديمة كان القسم الشرقي من مازندران الحالية جزءاً من هيركانيا إلا أنه في عهد علماء الجغرافية العرب كانت حدود طبرستان وجرجان تمتد على مسافة قليلة في الجانب الغربي من استرآباد.
كلمة بتشخوار أو بتسوخوار جاءت في كتب المؤرخين الإسلاميين حيث أن ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك يشير إلى كلمة «بدشواركر» بالفارسية و«بدشوارجر» بالعربية.
يقول أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية في ذكر ملوك الجبال «وأما الأصل الآخر فملوك الجبال الملقبون بأصفهبدية طبرستان، والفرجوار شاهية».
أما ابن اسفنديار فيشير في كتاب تاريخ طبرستان إلى الرسالة المفصلة التي أرسلها «جشنسف أمير طبرستان وفد شواركر وجيلان وديلمان ورويان ودنباوند» إلى تنسر ـ هربد الهرابدة ـ ويقول في فرشوازكر إنها كلمة مركبة وإن حدود فرشواذكر هي آذربيجان وسر وطبرستان وكيل وديلم والري وقومش ودامغان وجرجان وأول من عيّن هذا الحد هو منوجهرشاه ومعنى فرشواذ أنه «عِشْ سالماً صالحاً».
يقول بعض أهالي طبرستان إن كلمة فرشواذجر تتألف من فرش يعني سهل وواذ يعني جبل وكر بمعنى جر أي البحر ومعنى ذلك هو ملك الجبل والسهل والبحر. ويقول المتقدمون إن كلمة جر باللغة القديمة هي المنطقة الجبلية الصالحة للزراعة وفيها الأشجار والأدغال. وكان للسوخرائيين في قديم الأزمان لقب جرشاه أي ملك الجبال. ومازندران كلمة محدثة وهي تقع في الحد الغربي وكان في مازندران ملك. وعندما وصل رستم بن زال البطل الأسطوري إلى هناك قتل هذا الملك. ويطلقون على هذه المنطقة كلمة موزاندرون بسبب أن موز اسم جبل يمتد من حدود جيلان إلى لار وقصران ويسمى جبل موز كما يمتد حتى جاجرم أي أن هذه الناحية تقع داخل جبل موز.
أما هـ. ل. ـ رابينو فيقول في كتابه «مازندران واسترآباد» إن فرشوادكر ولاية تشتمل على آذربيجان وآهار وطبرستان وجيلان والديلم والري وقومس ودامغان وجرجان وذكر أسماء جبال هذه الناحية أيضاً باللغة اللاتينية.
بهذا يتعين أن المنطقة الواقعة بين ناحيتي جرجان وجيلان على ساحل بحر الخزر كانت تسمى في كتب التاريخ القديمة باسم مازندران وطبرستان وأحياناً كانت تسمى رويان. ولا يوجد ذكر لمازندران في كتابات داريوش عندما يشير إلى أقاليم وولايات بلاده الواسعة. قبل ذلك ايضاً وفي أعلام جغرافية افتسار في كتاب ونديداد جاء ذكر 16 بلداً وإقليماً ولا يوجد ذكر لمازندران. وفي عصر الملوك الاشكانيون لا يوجد ذكر لمازندران.
إن عدم وجود أية أنباء عن هذه المنطقة الخصبة الخضراء بشمال إيران دليل على أن ملوك إيران قبل الإسلام حتى قبل العصر الساساني لم تكن لهم سلطة على هذه المنطقة بسبب موقعها الجغرافي الخاص وكونها تقع خلف جبال ألبرز الصعبة ووجود الغابات الكثيفة حيث جعلت من هذه المنطقة حصناً حصيناً صانها من هجوم الآخرين.
ويعتبر ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» أن اسم مازندران اسم جديد ويقول لم أشاهد في آثار القدماء ذكراً لهذه المنطقة.
وفي كتاب رياض السياحة للشيخ زين العابدين وضمن شرح الأوضاع العامة في طبرستان يقول: «ناحية مازندران هي من مضافات طبرستان ويقول البعض إن أرض مازندران خارجة عنه كما قالوا إن مازندران تشتمل سبعة نواحي الأولى ناحية جرجان، والثانية ناحية موروستان. الثالثة ناحية استرآباد. الرابعة ناحية آمل. الخامسة ناحية رستمدار ودهستان. السادسة رعد. والسابعة سياه برسان.
أما المير ظهير الدين المرعشي فيقول إن مازندران تنسب إلى مازيار ويذكر أن اسم مازندران محدث حيث أن مازندران في المنطقة الغربية، وكان في الأصل يسمى غابة نارون ويقولون أيضاً إن ماز اسم جبل يمتد من جيلان إلى لار وقصران امتداداً إلى جاجرم ويقول البعض إن مازيار … أمر ان يصنع جدار من جاجرم إلى جيلان وأن عمارته ما زالت قائمة وأمر أن تُبنى بوابات في عدة أماكن كي لا يتمكن أحد من أن يدخل إليها أو يخرج منها بدون إذنه وكانوا يسمون ذلك الجدار ماز ويسمون داخلها أي ما وراء الجدار مازندرون.
ويعتقد دارمستتر Darmesteter أن لفظ مازندران كان في الأصل مون تر Mazanatara حيث أصبحت فيما بعد مازندران ومعناه، نحو وإلى جانب مازن، كما هي الحال في شوشتر يعني نحو شوش. ويقول نولدكه، إن مازندران معناه «في مازن» ويعتبر بطليموس أن حدود مازندران تقع بين يارت وآريا Ariea (هريرود) أي نهر هري. وجاء في كتاب بندهش ـ وهو من الكتب البهلوية المعروفة ـ أن أهالي مازندران ولدوا من آباءٍ وأجدادٍ ليسوا إيرانيين ولا عرب.
وعلى أي حال فإن المنطقة الجبلية المرتفعة الشامخة التي يشكل القسم الأعظم منها سلسلة جبال ألبرز الممتدة جنوب بحر الخزر وشرق وشمال قومس كانت تعرف لدى علماء الجغرافية القدماء العرب باسم طبرستان. ويبدو أنه منذ القرن السابع وتزامناً مع فتنة المغول توقف استخدام كلمة طبرستان وبدأ استعمال كلمة مازندران بدلاً من طبرستان كما يطلق هذا الاسم على هذه المنطقة حتى الآن. كما عمّ اسم مازندران وأصبح يطلق على المنطقة المجاورة أي جرجان أيضاً، رغم أن ياقوت لم يعرف منذ متى استعمل اسم مازندران كما لم يجد إشارة على ذلك في الكتب القديمة إلا أن استخدام هذا الاسم كان سارياً آنذاك. والحقيقة أن هذين الاسمين أي طبرستان ومازندران كانا بمعنى واحد وبينما كانت كلمة طبرستان تطلق على جميع المناطق البلية والأراضي السهلة الساحلية فإن كلمة مازندران كانت تطلق على الأراضي الساحلية المنخفضة الممتدة من دلتا نهر سفيد رود إلى الجنوب الشرقي من بحر الخزر. ثم أطلق هذا الاسم أي مازندران على جميع المناطق الجبلية والساحلية ولا تستخدم اليوم كلمة طبرستان أبداً.
يعتبر رابينو لأول مرة جرجان ضمن منطقة طبرستان ويقول إن منوجهر بن قابوس الأمير من آل زيار حدد منطقة طبرستان كما يلي: شرقاً: دينار جاري ـ غرباً: قرية ملاط التي تقع جنوب هوسم ـ جنوباً: الجبال التي تصب مياه أنهارها في بحر آبسكون (الخزر) وهذا البحر هو الحد الشمالي لهذه المنطقة، إذاً طبرستان تشتمل على جرجان واسترآباد ومازندران ورستمدار ويضاف إليها بعض بسطام ودامغان وفيروزكوه وخرقان. إن طبرستان في هذه الرسالة تمتد إلى حدود جرجان.
طبرستان وضواحيها
أصل كلمة طبرستان ومعناها:
كان بين أهالي مازندران القدماء قومان معروفان أكثر من الأقوام الأخرى الأول التبوريون أو التيبريون والآخر المارديون أو الآمارديون. وكانت جماعة التبوريين تعيش في الجبال الواقعة شمال مدينة سحنان والآمارديون كانوا يعيشون في أطراف مدينة آمل.
وحسب ما يقول استرا بن العالم الجغرافي اليوناني إن هاتين الجماعتين هُزمتا أمام جيش الإسكندر المقدوني، غير أن بارتولد المستشرق الروسي يقول إن المارديون هُزموا أمام الإسكندر المقدوني وبعد ذلك هُزموا أمام الإشكانيين وإن الإشكانيين في القرن الثاني دفعوا بهم إلى حوالي الري وأقاموهم هناك وإن التابورانيين سيطروا على أراضي ماردان السابقة.
وبعد أن يشرح استرابون سلسلة جبال توروس (أغرى داغ) يقول: إن المناطق الشمالية لهذه السلسلة من الجبال يعيش فيها جماعة كله Geloe (طالشي) وآماردي Amardi وبعض العشائر الجرجانية. ومن هنا ونحو الشرق وجيحون، فإن جماعة برتو (بارت) ومركياني (مروي) وجرجاني يعيشون فيها وإن سلسلة الجبال الممتدة من أرمينيا إلى هنا تسمى براخواتراس.
هناك اختلاف في الرأي حول معنى كلمة (طبر) وإضافتها لـ (ستان) وكذلك حول كلمة طبرستان المركبة. يعتقد بارتولد أن كلمة طبرستان مُعربة لكلمة تابورستان التي نشاهدها على المسكوكات في عهد الساسانيين.
أما أبو الفداء فيقول في كتابه «تقويم البلدان» حول تسمية طبرستان ما مؤداه، بما أن سكان هذه المنطقة لوجود غابات كثيفة فيها كانوا يستخدمون الفاس (تبر) لقطع الأشجار فإن هذه المنطقة سُميت طبرستان. وتوجد حكاية في الكتب القديمة حول هذا الموضوع.
خلاصتها أن جماعة من المجرمين المحكومين بالإعدام اجتمعوا في بلاط أحد ملوك الأكاسرة فاستشار الملك ووزراءه في هؤلاء وعددهم فقالوا إن عددهم كثير جداً. فأمر أن يبحثوا عن مكان لا يعيش فيه أحد لإسكانهم فيه بصفتهم سجناء، فبدأ أفراد الجيش بالبحث عن هذا المكان في جميع أنحاء البلاد فوجدوا مكاناً فارغاً في جبال طبرستان ونقلوا الأمر إلى الملك.
ثم تم إسكان المجرمين في الجبال المذكورة، وبعد مرور عام سأل الملك عن أحوال معيشتهم. فقالوا إنهم ما زالوا أحياء ولكن حياتهم قاسية، فسأل ماذا يريدون؟ كانت المنطقة في تلك الأيام مليئة بالغابات والأشجار، قالوا الطبر، الطبر (أي الفأس) لقطع الأشجار وإقامة البيوت. فلبّى كسرى طلبهم وأمهلوهم سنة واحدة ليصنعوا بيوتاً لأنفسهم، ولما انتهت المهلة وجاءت الأخبار أن السجناء صنعوا البيوت الخشبية، سأل ماذا يريدون الآن؟
قالوا النساء، النساء. فأمر كسرى أن تُنقل جميع النساء السجينات إلى تلك المنطقة وبذلك نشأ جبل سمي طبرزنان أو تبروزونها وأن العرب حولوا هذه الكلمة إلى طبرستان.
ويقول صاحب كتاب رياض السياحة: «إن أهالي تلك الديار كانوا يستعملون الفأس (طبر) لهذا سُميت بطبرستان».
أما المير سيد ظهير الدين المرعشي ففي خلال وصفه قلعة طبرك في كتابه تاريخ طبرستان ورويان ومازندران، يقول عن «طبر»: وباللغة الطبرية فإن «طبر» معناها الجبل ولما كانت توجد في صحراء قلعة الري تلال كبيرة فإن تلك التلال سميت طبرك أي جبال صغيرة. ويقول رابينو ولسترنج في تأييد ما جاء أعلاه. إن طبر في اللغة المحلية معناه الجبل إذاً فإن طبرستان معناه الناحية الجبلية.
نواحي طبرستان
من مجموع العبارات التي نقلناها حول جرجان وطبرستان نستنتج ما يلي:
1 ـ طبرستان: منطقة تشتمل على الجبال والسهول والبحر وكانت حتى القرن الرابع الهجري تضم المدن التالية:
آمل ـ نائل ـ شالوس ـ كلار ـ رويان ـ ميله ـ الهم ـ ساري ـ برجي ـ مهروان ـ لمراسك ـ مامطير ـ تميشه.
2 ـ جرجان: أرض مجاورة لطبرستان تشتمل على استرآباد ـ آبسكون ـ آخر ـ رباط ـ دهستان ـ ويشه. وكانت في كتب التاريخ القديمة تارة تابعة لخراسان وتارة مستقلة وتارة أخرى تعتبر من نواحي مازندران.
وفيما يلي دراسة عن الأوضاع العامة في طبرستان وجرجان عند ظهور العلويين وخلال عهد هذه السلالة.
1 ـ الأوضاع العامة في طبرستان: حسب اعتقاد جميع المؤرخين علماء الجغرافية أن طبرستان أرض فخمة، خضراء يانعة، فيها سلسلة جبال شديدة وأنهار كبيرة، مناخها طيب وأهاليها على وضاءة وأرضها خصبة. وتزامناً مع نفوذ الإسلام في تلك المنطقة فإن ملوكها كانوا يلقبون بالاسبهبد. وأهم مدينة فيها هي مدينة آمل.
وعندما استولى مازيار بن قارن على طبرستان تلاشى حكم الخليفة فيها. ومنذ ذلك الحين أصبحت لطبرستان قلاع كثيرة. تقع مدينة طميس أو تميشه على الطريق بين طبرستان وجرجان وكانت هذه المدينة تعتبر بوابة طبرستان. لا يمكن الدخول والخروج من طبرستان إلا منها.
وسهل طبرستان قابل جداً للزراعة وتربية المواشي والأهالي يتكلمون لغة بعض كلماتها عربية وبعضها فارسية، بحيث كان يتعذر على سكان المناطق المجاورة فهم عباراتهم. والبنايات في طبرستان من الخشب والقصب وسطوح المنازل مفروشة بالخزف الأحمر والأمطار غزيرة دائمة، وربما استمرت طيلة السنة بلا انقطاع والشمس غير ظاهرة ورجال تلك الديار يتكلمون بسرعة وأجسامهم مكسوة بالشعر والحاجبان ملتصقان. طعامهم كما هو اليوم أيضاً يتألف من الخبز والرز والسمك والثوم.
كان حرير طبرستان معروفاً في جميع أنحاء العالم ولا توجد منطقة في الدول الإسلامية وغير الإسلامية تنتج الحرير كما تنتجه طبرستان. والأشجار في غابات طبرستان مليئة بالثمار والفواكه، والأخشاب التي تحصل من أشجار الغابات مثل الخدنك وموزنكين والشمشاد والشوحط لا مثيل لها.
وتنسج في طبرستان ملابس مختلفة ثمينة، وفيها السجاد الأسود العجيب والأقمشة المنسوجة بالخيوط الذهبية، والأقمشة القطنية. ذهبها ومصوغاتها الذهبية معروفة والطلب عليها كثير.
وتمتد أرض طبرستان التي تشتمل على السهول والجبال والبحر من ناحية ديلمان إلى حدود تميشه. وجميع هذه المنطقة عامرة خضراء خصبة والنعمة فيها كثيرة. كانت ديانة أهالي طبرستان إلى ما قبل ظهور الإسلام، الديانة الزرادشتية وبعد استقرار الإسلام فيها أصبح قسم منهم من الشيعة وجماعة من الحنفيين والبقية ما بين حنابلة وشوافع. ظهر في طبرستان الكثير من أرباب العلم والأدب والشريعة. يأتي الكلام عنهم فيما بعد.
منذ قديم الأيام كانت طبرستان ملجأ الأكاسرة والجبابرة وكانت بمثابة خزينة لذخائرهم.
وكل ملك أو عظيم كان يهزم أمام العدو ويتعذر عليه أن يعيش في أرض أخرى كان يتوجه إلى طبرستان لصيانة نفسه وثروته وأمواله من مكائد الأعداء. إن سبب الأمن والراحة الموجودة في طبرستان هو موقعها الخاص، وكان يحكم فيها واحد وكان لأهلها اكتفاء ذاتي في حياتهم ولم يكونوا بحاجة إلى استيراد أي شيء.
يقول أبو الحسن اليزدادي: سألت عجوزاً في المائة من العمر عن الآفاق فأجاب: سافرت إلى الأقاليم السبعة وقضيت حياتي في السياحة فلم أجد مكاناً مثل طبرستان فيه الأمن والراحة والعيش الهنيء والنظافة، ومن قال غير ذلك لم يكن محقاً.,
قلاع طبرستان ومدنها
أشار علماء الجغرافيا القدماء إلى أسماء الكثير من القلاع والمدن في طبرستان مما لا وجود له اليوم على الخرائط. إن هذه المدن والقلاع إما دُمرت وأبيدت في الزحف المغولي على إيران أو خلال هجمات تيمور لنك المكررة في أواخر القرن الثامن على مازندران. كما أن أسماء أغلبية هذه المدن والقلاع التي دُمرت أو أبيدت غير مذكورة في كتب المسالك. ولا يمكن تحديد موقعها ومكانها ولو بالتقريب على الخرائط.
ويشير ابن حوقل في القرن الرابع إلى ولايات جبلية كان فيها غابات كبيرة وأراضيها خصبة صالحة للزراعة كانت تقع جنوب مدينة ساري على مسافة يوم واحد إلى جانب الغرب حتى حدود الديلم في ولاية جيلان. من تلك الولايات: جبل فادوسبان وكان الإيرانيون يسمونها بادوسبان. وهذه الكلمة كانت اسم العائلة الحاكمة هناك وهم الذين حكموا هذه المنطقة حوالي ثمانمائة سنة أي منذ هجوم المسلمين حتى فتنة المغول.
وكانت توجد في هذه المنطقة الجبلية قرى كثيرة أهمها قرية منصور. وكانت قرية أخرى أقل أهمية من قرية منصور وهي قرية «ارم خاست» أو «ارم خواسته» وكانت تشتمل على قسمين، العلوي والسفلي وكانت على مسافة يوم واحد من مدينة ساري ولكن لم تكن توجد في هذه المنطقة الجبلية معمورة كبيرة فيها جامع كبير. وبالقرب من فادوسبان كانت تقع ناحية قارن الجبلية وكانت قاعدة لحكومة آل قارن. ويقال إن نسب هذه العائلة يعود إلى البارتيين، وعلى أي حال فإن أسماء حكام قارن مذكورة في تاريخ الساسانيين وكانوا ما زالوا حكام تلك المنطقة في العهد الإسلامي. أقوى حصن لآل قارن كان تحت سلطتهم منذ العصر الساساني كان يسمى فرم أو «فريم».
وأهم مدنهم كانت تسمى سهار أو شهار وكان فيها المسجد الوحيد في تلك المنطقة، ومع الأسف لم يحدد مكان فريم في أي من كتب المسالك بصورة دقيقة إلا أن ياقوت ذكر ذلك في كتابه. ويقول حمد الله المستوفي في القرن الثامن: إن البعض يعتبرها من قومس والبعض الآخر من نواحي مازندران والأغلب أنها تعود إلى ساري وإلى حاكمها.
ومن تلك النواحي الجبلية ناحية روينج وتقع شمال الري وكانت أقرب إلى حدود الديلم ولم تصلنا أسماء المدن والقرى الواقعة في هذه الناحية ولكن حسب ما نُقل إلينا أن هذه الناحية كانت خضراء خصبة للغاية وأن سفوحها مكسوة بالأشجار. على مسافة طريق يوم واحد أي مسافة خمس فراسخ إلى الغرب من مدينة آمل وفي سهل قريب إلى الساحل كانت تقع مدينة ناتل أو ناتله. وعلى نفس المسافة إلى الغرب من مدينة ناتل تقع مدينة سالوس أو شالوس.
يقول المقدسي إن فيها قلعة مبنية من الصخر وفي جانب منها يوجد جامع وعلى أطرافها تقع مدينتان الأولى يسمونها كبيرة والأخرى يسمونها كجه. إن اسم مدينة شالوس جاء ضمن حروب ومعارك تيمورلنك باسم جالوس والظاهر أن تيمور خلال غزواته في هذه المنطقة قد دمرها جميعها كما دمر المدن الجبلية الأخرى التي كانت تقع إلى الجنوب منها يعني رويان ورستمدار. ومدينة كلار التي يسميها ياقوت مدينة كجه تقع على مسافة يوم واحد من شالوس في الجبل والمسافة من كلار إلى حدود الديلم، يوم واحد. لقد وقع سهواً امتزاج في هذه الأسماء. فليس من المستبعد أن تكون كلار وكجه ورويان مدناً متصلة الواحدة بالأخرى. كما من المحتمل أن تكون ثلاثتها اسم مدينة واحدة. إن رويان إضافة إلى هذا كان اسم قرية كبيرة تقع في الجبال الحدودية غربي طبرستان.
ويقول أبو الفداء إن مدينة رويان التي تسمى شارستان أيضاً تقع على قمة جبل وهي مطلة على ممر جبلي على مسافة ستة عشر فرسخاً إلى قزوين. ويقول ياقوت إن رويان عاصمة منطقة طبرستان الجبلية وأن آمل هي عاصمة الأرض السهلة والأراضي الساحلية. وتوجد في رويان بنايات جيدة وبساتين مليئة بالفواكه والثمار. وتقع بالقرب من رويان (أو كلار) مدينة سعد آباد. إن قلعة طاق العظيمة على حدود الديلم التي كانت آخر ملجأ لإسبهبد طبرستان خلال غزو جنود الخليفة العباسي المنصور قد تكون في منطقة رويان ….
وكانت طاق قلعة حصينة ومحكَّمة وكانت في الأزمنة القديمة خزينة ملوك إيران وكانت على شكل نقب في مرتفع جبل صعب العبور. وكان هذا النقب كنافذة إذا دخل منها الإنسان يجب أن يمشي مسافة طويلة في الظلام ثم يصل مكان يبدو كأنه مدينة تقع وسط مجموعة من الجبال. وكان في هذا الوادي الواسع مغارات كثيرة في وسطها عين ماء كبيرة تخرج من بين الصخور وبعد مسافة تدخل وسط صخرة أخرى ….
وتقع ولاية رستمدار عند منبع نهر شاهرود الكبير وهو الفرع الشرقي لنهر سفيدرود. ويقول حمد الله المستوفي عن ذلك إن ما يقارب الثلاثمائة قرية تابعة لهذه الولاية مناخها يميل إلى الحرارة وإن مياه أغلبية مناطق الولاية من مياه نهر شاهرود وفروعها المتعددة. وتقع ولاية رويان بين قزوين وآمل في الجانب الشرقي. وكانت أهم قلاع الإسماعيليين تقع على ضفة نهر شاهرود وربما كانت قلعة «كلام» تقع في ناحية رستمدار. إن هذه القلعة التي وصفها ياقوت بأنها القلعة التاريخية لطبرستان كانت في يد الإسماعيليين وأن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي أرسل جيشاً لاحتلالها ودمرها تدميراً كلياً.
وتقع مدينة ميلة على مسافة فرسخين شرقي مدينة آمل على الطريق الساحلي. وعلى مسافة ثلاثة فراسخ منها تقع مدينة برجي بالقرب من ساري. ومدينة ممطير أو مامطير تقع أيضاً بين آمل وساري على مسافة ست فراسخ من البحر. ومدينة بارفروش اليوم هي نفس مدينة مامطير.
ويقول ياقوت في وصف هذه المدينة: فيها جامع كبير وفي أطرافها قرى كثيرة. وبالقرب من مدينة ساري وربما في شرق هذه المدينة كانت تقد مدينة نامية أو (نامشة) وبالقرب منها قرية جميلة. ومدينة مهروان كانت على مسافة عشرة فراسخ من مدينة ساري وفيها جامع ومعسكر يضم الف شخص. ولا نعرف اليوم مكان هاتين المدينتين بدقة. وفي نهاية الحد الشرقي من طبرستان وعلى طريق استرآباد تقع مدينة طميس أو طميسة إلى جانب معبر كبير يمتد من الجبل إلى منتصف المستنقعات الواقعة على ساحل البحر.
يقول ياقوت إن أنو شروان الملك الساساني هو الذي أنشأ هذا المعبر ليكون طريق الذين يخرجون من طبرستان. ويقع خليج آشوراده في الجنوب الشرقي من بحر الخزر وأمام هذا الخليج برزخ حصوي طويل يمتد غرباً حتى قريب ساحل جرجان. ويقول حمد الله المستوفي إن هذا الخليج والجزيرة أو شبه جزيرته تسمى «نيم مردان»، ويضيف: هي جزيرة فيها سكان كثيرون وأن السفن التي تأتي من أروس وجيلان ومازندران ترسو هنا. والمسافة بينها وبين استرآباد ثلاث فراسخ، والمدينة التي تقع خلفها تسمى شهرآباد، والولاية المجاورة لهذه الناحية التي ينتج فيها الحرير وفيها مزارع القمح وبساتين العنب تسمى كبودجامه وهي أرض خصبة للغاية ولكن بسبب غزوات تيمور لنك دُمّرت في أواخر القرن الثامن. والظاهر أن مدينة روعد أو روغد التي جاء اسمها ضمن حروب تيمور وكانت على طريق قواته في غزوه لمازندران كانت تابعة لولاية كبودجامه. ويقول حمد الله المستوفي في وصفه لهذه المدينة: هي مدينة متوسطة مساحتها أربعة آلاف قدم وتقع بين أراضي خصبة.
جرجان وضواحيها
ولاية كركان أو حسب قول العرب ـ جرجان ـ ناحية واسعة تشتمل على سهول كبيرة ووديان تسقى وتروى من نهري هما نهر «جرجان رود» ونهر أترك وتقع في القسم الجنوبي الشرقي من بحر الخزر. وفي القديم كانت هذه الولاية تعتبر ضمن نواحي خراسان ولكن الواقع أنها ولاية مستقلة وكانت عاصمة ملوك طبرستان. إن التغييرات والتعديلات التي حصلت نتيجة فتنة المغول جعلت ولاية جرجان تابعة لمازندران وبعد ذلك وخلال غزوات تيمور في نهاية القرن الثامن دمرت تماماً.,
جرجان كما هو الحال في طبرستان، منطقة تكثر فيها الأمطار وأراضيها قابلة للزراعة وفيها سكان مرحون مؤدبون أقوياء أسخياء مقاتلون نظيفون مضيافون ذو مروءة وكرم. بناياتها من الطين، تربتها أكثر جفافاً من تربة آمل ويقسمها نهر هرند إلى قسمين: الجانب الشرقي مدينة جرجان والجانب الغربي محلة بكر آباد.
إن حرير جرجان وطبرستان ينتج في هذه الناحية ويربط الجانب جسرٌ. قراها الواسعة وقلاعها الكبيرة ومحاصيلها السنوية والصيفية معروفة جداً. وكان ميناء على البحر يسمى آبسكون يسافر الناس منه بالسفن إلى باب الأبواب والجيل والديلم وغيرها. وكانت جرجان تتصل بصحراء تمتد إلى أرض خوارم وكان أتراك تلك المناطق يغزون الشمال والشمال الشرقي من إيران عبر هذا الطريق. وكان في ضواحي جرجان قلاع كثيرة وجبال صامدة كان يعيش فيها أحياناً أكثر من ألف نسمة ويدفعون بعض الضرائب إلى حكام المنطقة. وفي كثير من الأوقات كان سكان القلاع الجبلية يرفضون دفع الضرائب.
من أهم أنهار جرجان ـ الذي يسمى اليوم نهر جرجان ـ كان يسمى في القرن الرابع نهر «طيفورى» وأطول من هذا النهر كان نهر أترك الذي كان ينبع من سهول خراسان وبعد طي مسافة خمسين فرسخاً يصب في بحر الخزر. وأمام دار الإمارة في جرجان كانت ساحة كبيرة، وكانت للمدينة تسع بوابات. بكر آباد مدينة صغيرة فيها عدة جوامع. وبناياتها على ضفاف النهر بمحاذاة الساحل الشرقي. استرآباد بالقرب من مازندران كان مناخها أطيب من جرجان، قلعتها دمرت خلال المعارك التي وقعت بين البويهيين وآل زيار.
وجامعها الكبير الذي كان قد بُني في المرحلة الأولى من الفتوحات الإسلامية كان قائماً حتى القرن الرابع داخل السوق بالقرب من بوابة المدينة. في آبسكون كان يوجد سوق كبير لتجارة الحرير وكان يقع على طريق الأتراك وقبائل الغُز. كان فيها قلعة قوية مبنية من الآجر (الطابوق) وكان جامع المدينة يقع في السوق. كانت آبسكون الميناء الكبير لجرجان وبحر الخزر إلى درجة أنهم كانوا يطلقون اسم بحر آبسكون على بحر الخزر. وبشمال آبسكون ـ وعلى مسافة أربعة مواقع من مدينة جرجان ـ كان منطقة تسمى دهستان في ولاية بنفس هذا الاسم وكانت في القرن الرابع موطن الأتراك. كانت دهستان تضم عدة قرى وبستاناً ساحلياً وسكانها منتشرون، وبالقرب منها يوجد خليج ترسو فيه القوارب وكان سكان المناطق المجاورة يصيدون الأسماك منها.
أهم قرية في دهستان كانت تسمى «آخور» كانت في القرن الرابع مدينة يتبعها أربعة وعشرون قرية وكانت أكبر المدن في ولاية جرجان. وكان في المدينة منارة أو برج يشاهد من مسافة بعيدة. في شرقي آخور وعلى طريق خوارزم كانت مدينة لها ثلاث بوابات تسمى رباط، دمر حاكمها في القرن الرابع القلعة الموجودة فيها. وكانت رباط مدينة عامرة فيها سوق كبير وبنايات جميلة المنظر وجامع جيد يسمى الجامع العتيق فيه أعمدة من الخشب. وفي القرن الرابع كان نصف هذا الجامع تحت الأرض وكان في المدينة جامع آخر فيه منارات جميلة.
وعلى مسافة أربع مواقع من دهستان ـ إلى جانب الصحراء ـ على طريق خوارزم كانت تقع مدينة تعيش فيها ألف عائلة تسمى «فراوة» وتعتبر الحدود مع الغُز، فيها خان كبير ومعسكر يحفظ المنطقة من غزوات الأتراك، ويقولون إن بنيانها يعود إلى عهد الخليفة المأمون وأن عبد الله الطاهر هو الذي بناها. ويبدو أن فراوة هي نفس قزل أروات وربما كانت مأخوذة من كلمة قزل رباط.
طريق مواصلات جرجان وطبرستان
لم تكن توجد طرق مواصلات كثيرة في منطقة جرجان وطبرستان حيث أن جبال طبرستان كانت تحول دون إنشاء الطرقات فيها، وأشار الاصطخري والمقدسي إلى الطريق الممتد من الري إلى الشمال عبر جبال المنطقة. وكان هذا الطريق يمر من أسك وبلور وينتهي في آمل. إن تعيين وتسمية المواقف على هذا الطريق صعب بل ومحال. أما الطريق الذي كان يمتد من آمل نحو الغرب على امتداد ساحل البحر فقد أشار إلى مواقعه كل من ابن حوقل والاصطخري وكان يمتد إلى نائل وجالوس ومنها إلى حدود جيلان الديلم.
كما ذكر المقدسي فإن المواقف الموجودة على الطريق الممتد من آمل نحو الشرق إلى استرآباد وجرجان تمتد منها إلى الشمال وتصل إلى دهستان. كما يذكر الطريق الذي يمتد من بسطام إلى مدينة جرجان عبر المعابر الجبلية ماراً بجهينة. وكما يذكر ابن حوقل فإن جهينة كانت قرية إلى جانب نهر جميل.
طبرستان
في القرون الثلاثة الأولى الهجرية
خلال القرون الثلاثة الأولى الهجرية عندما كان حكام الإسلام يركزون نفوذهم من مشارف إسبانيا إلى تخوم الصين، كان القسم الشمالي من إيران أي الأرض التي كانت تسمى آنذاك طبرستان وتدعى اليوم مازندران، كان يخضع لملوك من عنصر إيراني أصيل يحكمونه وكان كل واحد منهم يحكم قسماً من المناطق الجبلية الوعرة في طبرستان تزامناً مع حكومة الساسانيين وكانوا قد أسسوا سلالات نوردها كما يلي:
ـ سلالة قارنيان أو سوخرائيان (آل قارن أو السوخرائيون).
ـ سلالة باونديان (أو آل باوند).
ـ سلالة دابويهيان أو كاوباركان (الدابُوَيهيون أو الكارباركانيون).
ـ سلالة بادوسبانان (البادوسبانيون).
1 ـ سلالة قارنيان أو السوخرائيين ـ هذه السلالة كانت قد أطلقت على نفسها منذ القديم لقب «جرشاه» يعني ملك الجبال ثم لُقّبت فيما بعد باصفهبد أو اسبهبد وتنسب هذه السلالة إلى (سوخرا) بن (قارن) أو برواية أخرى هي من أبناء كاوه الحداد.
في سنة خمسين قبل الهجرة قتل خسرو أنو شروان أخاه «كيوس» وهو والد شاهبور وكان آنذاك حاكماً على طبرستان وأعطى «شهرياركوه» أي جبل شهريار وجبل قارن إلى قارن بن سوخرا وعيّنه حاكماً على إقليم طبرستان.
قلنا إن مركز حكومة آل قارن كان في جبل قارن المتصل بفيروزكوه. وكانت المدينة تسمى «شهمار» كما كانت قلعتها تسمى فبريم أو بريم. حكم آل قارن أو السوخرائيون مدة 274 سنة في جبال طبرستان وبعد وفاة مازيار بن قارن سنة 224هـ أي قبل ربع قرن من ظهور العلويين في طبرستان، انتهت حكومة هذه السلالة.
2 ـ سلالة الباونديين أو آل باوند: إن أول من جاء اسمه في التاريخ من هذه السلالة هو شروين بن سرخاب، وجبال شروين على حدود قومس مأخوذ من اسمه. حكم آل باوند طبرستان مدة 77 سنة، من سنة 45 حتى 750هـ ـ وكان حاكم هذه السلالة يلقّب بملك الجبال وكان عنوانهم اسبهبد كما كان الحال في سلالة السوخرائيين.
بعد استيلاء المسلمين على إيران، اختار أهالي طبرستان باو بن شاهبور وهو حفيد كيوس حاكماً على طبرستان سنة أربعين هجرية وهو جد آل باوند.
وكانت أسرة ملوك باوند مأمن الخائفين وملاذ الملهوفين وملجأ السلاطين والملوك. وكل من كان يعاني مشكلة كان يتوجه إلى بلاط هؤلاء وكانت رعايتهم للاّجئين مهما كانت منزلتهم تصل إلى درجة أن لا يسألوهم عن شيء ولا يحققوا معهم.
انقسمت سلالة آل باوند منذ بدايتها حتى زوالها إلى ثلاث فروع. الأول: الكيوسة، المنتسبين إلى كيوس شقيق أنو شروان. وكان رجلاً قوياً شجاعاً كريماً، وكان سكان الولايات يرتاحون لدى اجتماعهم به، وتمكن كيوس بالتعاون معهم أن يطرد الأتراك من جميع أنحاء خراسان. الثاني: الاسبهبدية وكان أمراؤها يحكمون طبرستان وكيلان والري وقومس. وكانت عاصمتهم مدينة ساري. إن ظهور هذه السلالة يعود إلى الأعوام التي أخذت فيها أسرة العلويين في طبرستان بالانقراض. الثالث: الكينخوارية وكانوا يسيطرون على آمل ومازندران وكان رئيس هذه السلالة أبو الملوك حسام الدولة أردشير الملقّب بكينخوار واستمرت حكومتهم في طبرستان من سنة 635 حتى سنة 760هـ.
3 ـ سلالة الدابُوَيهيين أو كاوباركان: آل دابويه ينسبون عن طريق والدهم إلى جاماسب، الشقيق الثالث لقباد (والد أنو شروان وكيوس). حكموا طبرستان مدة مئة وأربعين سنة. كان مؤسس هذه السلالة يسمى جيل بن جيلانشاه. تسلم أمر حكومة طبرستان من يزدجرد آخر ملوك الساسانيين كما أن أهالي تلك المنطقة منحوه لقب كاوباره وكيل كيلان فرشواز جرشاه. كان لجيل بن جيلانشاه ولدان: دابُويه وبادوسبان. جلس دابويه على العرش في كيلان وتسلم بادوسبان حكومة رويان. كان دابويه عظيماً سياسياً ذا هيبة، سيئ الخلق وكان لا يعفو ولا يغفر ذنب أحدٍ. خلّف ولداً لُقّب بذي المناقب فرّخاغن الكبير، زحف بجيوشه نحو طبرستان واستولى على المنطقة إلى حدود نيسابور.
كان الجميع يطيعونه وبنى الكثير من المدن … وعمّر طبرستان بحيث لم يسبق لها مثيل وحاول الأتراك في عهده الزحف نحو طبرستان ولكنه وقف أمامهم وكان أول ملك بدأ بإنشاء مدينة أصفهبدان وبنى فيها قصراً.
4 ـ سلالة البادوسبانيين: بدأت حكومة أمراء هذه السلالة منذ سنة 45 هجرية حتى عهد الشاه عباس الكبير وكانوا يحكمون على رستمدار ورويان ونو وكجور. اختار هؤلاء في البداية لقب اسبهبد ثم عنوان استندار وأخيراً عنوان «الملك». كان أمراء بادوسبان يتلقون أوامرهم من الأمراء العرب والعلويين وأمراء خراسان.
وكان العلويون يعيشون تزامناً مع أيام حكومة أسبهبد شروين بن رستم والأمراء الذين جاؤوا بعده وسلالة آل باوند في مازندران، وفريدون بن قارن بن شهريار والأمراء الذين جاؤوا بعده وسلالة بني بادوسبان، الكيل الأول في رويان ونور وكجور وفي عهد بعض أمراء الكيل الثاني بينهم فخر الدولة نامور بن شهريار.
الأحوال السياسية والاجتماعية
نستنتج من مجموع الإيضاحات أعلاه أن حكّام إيران الشمالية إذا لم يكونوا خلال ظهور الإسلام وأيام تأسيس السلالة الساسانية، من أحفاد ملوك السلالة المذكورة، فقد كانوا تحت سيطرة هذه السلالة. إن هيكل الحكومة والتقسيمات الإدارية، وحتى الألقاب التي كان يختارها حكّام طبرستان كانت تقريباً على غرار تلك الأساليب التي كان يستعملها أنو شروان. ونعلم أن أنو شروان كان قد قسّم البلاد من الناحية الإدارية إلى أربعة أقسام لأربع جهات. وسمى كل منطقة باسم بازكس وكان يسمى رئيسها بازكسبان. وبازكسبان معناه (أمير الناحية) وهو العنوان الذي سميت به السلالة الرابعة من حكام إيران في طبرستان.
كما كان يلقب بعض أمراء طبرستان بلقب استندار وهو تقليد من الاستنداران يعني مدراء الأملاك والعقارات الحكومية في عهد الساسانيين. ويبدو أنه في فترة زمنية خاصة كانت جميع المناصب العسكرية والمدنية الساسانية سارية المفعول في طبرستان وهذا يتزامن مع محاولة بيروز الثالث ابن يزدجرد الثالث الساساني استعادة سلطنة والده من المسلمين بمساعدة الصينيين.
من الناحية الدينية كان حكام طبرستان على وجه العموم زرادشتيين، وأنصار دين مزديسنا ويعبدون النار. يقول الكرويزي في زين الاخبار أن هؤلاء مرتدون ويسميهم ابن الأثير في الكامل مشركين.
عندما انتصرت الجيوش الإسلامية على يزدجرد وهزم إلى الري كان باوْ معه، فطلب من يزدجرد أن يسمح له بالعبور عبر طريق طبرستان إلى «كوسان» لزيارة المعبد الذي بناه جده كيوس هناك ويلتحق به في كركان. فسمح له يزدجرد بذلك.
يقول مؤلف رياض السياحة: إن طبرستان أرض طيبة فسيحة وكان أهاليها قبل ظهور الإسلام زرادشتيين. ولما احتلها المسلمون أصبحت فيها مذاهب مختلفة إلى ظهور الملوك الصفويون.
العلويون في طبرستان([410])
يعتبر القرن الثالث الهجري في إيران بداية تأسيس حكومات مستقلة من النوع الاستيلائي السلطوي.
وكانت إحدى سياسات الخلفاء العباسيين تفريق العلويين القاطنين في العراق والحجاز، ففروا إلى مناطق بعيدة عن نفوذ العباسيين وبطشهم. وكان كل فرد أو مجموعة منهم يطمح من وراء فراره؛ إما إلى الدعوة لمقاومة الحكومة الجائرة؛ أو الحصول على مأوى يطمئّن إليه ويستقرّ فيه. وكانت مناطق إيران نعم الملاذ لهم إذ تلقاهم المسلمون، بالترحيب الحار، وشاطروهم آلامهم.
كانت هذه القضية مقدّمة لإرساء دعائم التوجه نحو الإسلام في بعض المناطق، لكن لا على أساس معتقدات المذهب الرسمي السائد، بل على أساس المعتقدات الشيعية، وكان هذا طبعاً بفضل جهود المبلّغين والدعاة من الشيعة، إذ كان بعضهم ـ كالزيدية ـ مثلاً ـ يرى وجوب القيام بالسيف، ويجيز إمامة المفضول على الفاضل.
وحينما كان الشيعة الاثنا عشرية بقيادة الأئمة يجاهدون في سبيل توطيد الأركان الأساسية للتشيع، وتبيين معالمه الوضّاءة، وإثبات أحقيّته، وبناء القواعد الشعبية الإسلامية النظيفة والواعية، كانت هناك أُسرٌ من العلويين، ممن هاجر إلى إيران من قبل بقبولها للمعتقدات الزيدية، وإقامتها لحكومة معارضة للخلافة، تكون قد أسّست أول حكومة شيعية في إيران أواسط القرن الثالث الهجري.
هناك ملاحظة جديرة بالبحث والدراسة. وهي أن الولاة الطاهريين([411]) في مناطق آمل، ساري، كلار، ورويان، كانوا مشغولين بالقرصنة والسلب والنهب … إذ كان سليمان بن عبد الله الطاهري وبقية الولاة من أمثال محمد بن أوس البلخي وجابر بن هارون قد استغلوا التصرف بكل ما يرجع للملكية العامّة بتسجيله كصوافٍ للسلطان، وصعّدوا من ظلمهم للناس بأخذ الإتاوات والضرائب التعسفية. ومما زاد الطين بلّة هو السلوك الأهوج لأبناء هؤلاء الولاة، الأغرار([412])، إذ أدى إلى تذمر عام وامتعاض متواصل لدى الناس … فانتفض أهل كلار وكالوس وقاموا بعمل بطولي جريء إذ هجموا على جابر بن هارون وأجبروه على الفرار، ولما تصاعدت حِدّة الحركة طلب أهل مازندران النجدة من جيرانهم الديالمة. من ناحية أخرى اعتبر سليمان بن عبد الله هذا الشكل من التحرك تمرداً على الخليفة، فأصبحت المواجهة أمراً حتمياً.
كانت كل تلك الحوادث تجري في وقت كان العلويون المقيمون هناك- لما كانوا عليه من زهدٍ وتقوى ـ قد وجهوا أبصار الناس نحوهم، فانشدّوا إليهم معتقدين بهم وحافظين لحرمتهم. ومن وحي هذا الاعتقاد توجه الثوار نحو محمد بن إبراهيم العلوي ـ وهو من سلالة زيد بن الحسن ـ ليقود تحركهم.
كان محمد بن إبراهيم من العلماء السائرين على خط زيد في الكفاح المسلّح وكان مقيماً في منطقة رويان … ولمّا عرف نوايا الثوار أرشدهم إلى أحد العلويين ممن ينتسب إليه وهو الحسن ابن زيد، وكان مقيماً في الري. فبعثوا وراءه، وذهب مبعوثهم «مبعوث» أهالي «رويان» و«كلار» إلى الري ومعه رسالة من محمد بن إبراهيم، علماً أن الحسن ابن زيد هو ممن فتح عينيه على الدنيا في المدينة المنوّرة، وقضى مدّة من عمره في الري.
لبّى هذا العلوي دعوة أهالي مازندران، وبعد أن بايعه أهل «كجور» و«كلار» التابعتين لمازندران سنة (250) ألقى أول خطبة له في يوم عيد الفطر، أكّد فيها على وجوب اتّباع الكتاب والسُنّة، والعمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبعد مدّة قصيرة استطاع تثبيت سلطته في جزء من أرض طبرستان بعد طرد الطاهريين منها في مواجهة حدثت بينهما.
كانت مواجهة حسن بن زيد ـ الذي كان قد ذهب إلى آمل ـ مع محمد بن أوس، مبعوث سليمان بن طاهر، الذي كان قد تحرك من ساري لإخماد الانتفاضة، أمراً لا يمكن تجنبه، لهذا نشبت معارك كثيرة بين الطرفين كانت (آمل) و(ساري) فيها مسرحاً لاحتلال متناوب بين الطرفين وأخيراً فرّ سليمان بن عبد الله والي طبرستان في آخر حرب خاضها مع الحسن بن زيد.
بعد أن تمكن (الحسن بن زيد) من سيطرته على الوضع، ومسك زمام الأمور، اتّخذ ساري عاصمة لحكومته، وسلم إصْفَهْبُدَةُ([413]) الجبال (جبال طبرستان) أنفسهم معتذرين طائعين.
بعد ذلك أرسل الدعاة إلى دماوند وفيروزكوه والمناطق التابعة للري، واستطاع بكل سهولة أن يضم تلك المناطق للحكومة العلوية. ولما رأى نفسه قوياً، وحكومته مستقلة دون أي منازع أو معارض، أصدر أمراً بالكتابة إلى كافة المناطق التي تحت نفوذه أن تعمل حسب المذاهب الشيعية بذكر «حي على خير العمل» في الأذان والإقامة مثلاً، أو الجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» أثناء الصلاة، أو اعتبار القنوت واجباً في صلاة الصبح …. وقال ما نصه: «تأمرهم بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبالقنوت في صلاة الفجر، والتكبيرات الخمس على الميت، وترك المسح على الخفين، وبإلحاق حي على خير العمل في الأذان والإقامة».
وشدّد النكير على من يقولون: «إن كلام الله غير مخلوق».
استقرت حكومة العلويين في طبرستان بعد انتفاضة الحسن بن زيد.
كما أن نطاق سلطتهم في طبرستان قد تبدل إلى نطاق خلافة جديدة.
لُقّب الحسن بن زيد بحالب الحجارة نتيجة شدّته وقوته وصلابته، وكان يعرف بين العلويين بالداعي إلى الحق، والداعي الأولى.
بعد أن أحكم هذا السيد العلوي سيطرته على طبرستان، أرسل جيشاً إلى جرجان سنة (253) وكلما كان يمر هذا الجيش على منطقة كان يقابل بالحفاوة والترحيب وانشداد الناس إليه. كما أنه قبل مهمّته هذه كان قد فتح الري، وبعد فتح الري، ثم فتح مناطق قزوين، زنجان، وأبهر، وانضمت هذه المناطق تحت سلطة الحسن بن زيد بمساعدة [جستان بن وهسودان] أمير الديلم سنة (252هـ)([414]).
لما سمع السادة والعلويون القاطنون في الحجاز والشام والعراق به تقاطروا عليه ليحطوا رحالهم عنده؛ ووصلت قدرته حدًّا أصبح يشكّل فيه شبحاً مخيفاً للخليفة العباسي؛ فأرسل يعقوب بن الليث الصفّار على رأس جيش للقضاء عليه، وبعد أن قضى يعقوب على الدولة الطاهرية في خراسان، توجه نحو طبرستان، فحصلت مواجهة بينه وبين الحسن بن زيد. ورغم أن الحسن بن زيد قد هُزم في بادئ الأمر من قبل قوات يعقوب، لكن يعقوب نفسه لم يبق في تلك المنطقة إلا مدة قليلة، إذ عاد الحسن بن زيد واستعادها منه؛ فأصبح حاكم طبرستان ورويان دون منازع.
في سنة (270هـ) توفي الحسن ابن زيد بعد معاناة سنة كاملة من مرض ألمّ به. وجاء بعده علوي آخر كان يلقّب بالقائم على طبرستان لكنه لم يمكث طويلاً، إذ قُضي عليه بعد دخول محمد بن زيد إلى ساري سنة (271هـ).
قام هذا الداعي الجديد بطرد رستم ابن قارن، إصفهبد الجبال، من طبرستان. لكن وساطة عمرو بن الليث وإصراره جعل محمد بن زيد يسمح له بالعودة إلى طبرستان بشرط أن يدفع ما عليه من خراج سابق، وأن لا تكون له أيّة قوّة عسكرية.
اتّخذ محمد بن زيد جرجان عاصمة له، وكان حاكماً عليها في زمن حكومة أخيه وبعد الذي جرى بينه وبين رستم بن قارن وجّه جيشاً صوب الري لكنه اندحر بشدّة من قبل واليها التركي سنة (272هـ) وواجه محمد بن زيد مرة أخرى استفزازات جديدة من قبل رستم بن قارن أدت به أن يحرر الجبال من قبضته. فذهب رستم على أثرها إلى رافع بن هرثمة في خراسان وكان نائباً لعمرو بن الليث …
بقي محمد بن زيد سبعة أشهر في مقر الإصفهبد في جبال قارن … وقام رستم بتحريض رافع بن هرثمة على احتلال جرجان …. وبالفعل تحرك رافع وتمّت المواجهة بينه وبين محمد بن زيد فتراجع الأخير متقهقراً إذ لم يستطع الدفاع عن جرجان فانسحب إلى استرآباد ومنها ذهب إلى آمل. فلحقه رافع بجيشه وطارده حتى ولاية الديلم سنة (277هـ) لكن رافع لم يحالفه الحظ كثيراً إذ انقلب الوضع عليه حين اندحر من قبل «أحمد بن عبد العزيز العجلي»، وأيس من إمداد الخليفة له؛ فبايع محمد بن زيد، ورفع علماً أبيضاً معلناً فيه تمرده على الخليفة سنة (282هـ). حتى سنة (287) أي السنة التي انتصر فيها (إسماعيل الساماني) على عمرو بن الليث ووقوع الأخير في قبضته، ولم يواجه محمد بن زيد قضية مهمّة تذكر.
في تلك الفترة كانت خراسان بأسرها قد وقعت تحت نفوذ الحكومة السامانية، وبما أن محمد بن زيد كان يعلم أن السامانيين هم الولاة المنصوبون من قبل الخلفاء العباسيين بصورة مباشرة، وأنهم لن يسكتوا عن جرجان وطبرستان إن عاجلآً أو آجلا (بادر إلى تعبئة جنوده في جرجان قاصداً من وراء ذلك إيقاف إسماعيل عند حدّه … وعلى أثر ذلك عبّأ إسماعيل جيشه بقيادة أحد أمرائه وهو محمد بن هارون السرخسي …. ودارت بين الطرفين معركة قتل فيها محمد بن زيد واندحر جيشه … وبمقتله واندحار جيشه، تم إلحاق طبرستان وجرجان بالحكومة السامانية سنة (287هـ) ففرّ السادة والعلويون نحو «كيلان» و«ديلمان».
عاشت طبرستان مدة ثلاث عشرة سنة في فوضى واضطراب ومناوشات عسكرية بين إسماعيل الساماني وأمراء جيشه.
خلال تلك السنين نهض سيد حسيني هو أبو محمد الحسن بن علي الأطروش من أنصار محمد بن زيد ومقرّبيه، وكان فقيهاً، وأديباً، وزاهداً، ومجاهداً … وكان يلقّب بناصر الحق وبالناصر الكبير أيضاً.
رأى هذا السيد أن الوقت مناسب للخروج مرة أخرى، وإحياء أمر الحكومة الزيدية في طبرستان، وهو ممّن له خبرة وتجربة من خلال اشتراكه في الحروب التي خاضها محمد بن زيد مع أعدائه. وعُرف بالأطروش لأنه حدث له مرّة أن تعرض لهجوم قام به أعداؤه فأصيب في أذنه وابتُلي بالصمم، لهذا لُقّب به.
هذا قول وقول آخر يذكر: على أنه أصيب في أذنه من جرّاء التعذيب الذي لاقاه عندما وقع في أسر قوّات رافع بن هرثمة.
عندما رأى الأطروش أن عدداً يُعتدُّ به من أهل «كيل» و«الديلم» قد التفّ حوله متّبعاً تعليماته، عاملاً بتوجهاته تهيّأ للخروج مطالباً بالثأر لدم «محمد بن زيد» والذي شجّعه أكثر هو التفاف أكابر تلك المناطق حوله ومبايعتهم له، لذا أعلن عن خروجه. وبالفعل كان ما أراد.
إذ هزم السامانيين في طبرستان سنة (301هـ)، وفوّض أمور جيلان لأحد الحسنيين وهو الحسن بن القاسم، لكن الأخير تنكّر لذلك الجميل فيما بعد وألقى القبض على السيد الأطروش وأودعه السجن في قلعة لاريجان … بيد أنه استطاع الخروج من السجن بمساعدة «ليلي بن النعمان» ومع أنه كان قادراً على الانتقام من الحسن بن القاسم لكنه عفا عنه وعيّنه نائباً له.
من الأعمال المهمّة التي قام بها هذا العلوي تقسيمه لأراضي طبرستان بين القرويين ….
ومن الحوادث التي وقعت في زمانه قيام عدد من الروس بقيادة (ايكور) أمير ولاية (كيف) بعبور نهر (دينبر) بخمسمائة قارب، ومن ثم دخولهم في البحر الأسود، ومن هناك ذهبوا إلى نهر (دن) ومنه دخلوا بحر الخزر من طريق نهر (ولكا) … فهاجموا جيلان و طبرستان وبقيّة المدن الساحلية، وسلبوا ونهبوا من هذه المناطق ما شاؤوا، وبعدها عادوا إلى بلادهم.
اعتزل السيد الأطروش الإمارة في آخر حياته وانشغل بالتدريس والعبادة إلى أن توفي سنة 304هـ تربع على كرسي الإمارة بعده الحسن بن القاسم الملقّب بالداعي الصغير … وفي زمانه حدثت مواجهة بينه وبين (سيمجور) أحد الأمراء السامانيين، اندحر على أثرها ففرّ إلى آمل ومعه أميران من أمراء جيشه هما (ماكان كاكي) و(علي بن بويه) الذي لقب بعماد الدولة فيما بعد.
لكنه ما لبث أن عاد ليتدارك هزيمته ويعوّض عن تلك الخسارة الكبيرة، وبالفعل فقد أفلح في دحر (سيمجور) سنة (310هـ) وطرد السامانيين من جرجان.
في سنة 314هـ سيّر النصر بن أحمد الساماني جيشاً نحو طبرستان لكنه هُزم من قبل الداعي الصغير، ودفع له الساماني مبلغ ثلاثين ألف دينار كغرامة.
وفي آخر المطاف قتل هذا الداعي سنة (316) في معركة خاضها مع أحد الأمراء الديالمة وهو (أسفار بن شيرويه) وبمقتله أصبحت طبرستان تحت نفوذ «آل زيار».
في ختام حديثنا عن العلويين يمكن القول إن وجودهم في طبرستان شجّع كثيراً من أهل جيلان ومازندران وجرجان على اعتناق الإسلام، وبذلك عم الإسلام جميع تلك المناطق.
وبما أنهم كانوا شيعة زيدية فقد تركوا بصماتهم على المناطق الشمالية لإيران، ومنذ تلك الفترة تعد هذه المناطق من المراكز الشيعية في إيران.
سيد حسين رئيس السادات
علماء من طبرستان
من أشهر علماء الشيعة المنتمين إلى طبرستان: الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن وغيره من المؤلفات المتوفى سنة 568هـ.
وأحمد بن علي بن أبي طالب أبو منصور الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج المتوفى حدود سنة 555هـ وأبو نصر حسن بن فضل الطبرسي صاحب كتاب مكارم الأخلاق المتوفى حدود سنة 580هـ.
وأبو الفضل علي بن حسن الطبرسي صاحب كتاب مشكاة الأنوار المتوفى بعد سنة 600هـ.
ومن العلماء المتأخرين المنتمين إليها: السيد إسماعيل نوري الطبرسي صاحب كتاب كفاية الموحدين المتوفى في مدينة الكاظمية بالعراق سنة 1321هـ.
والميرزا حسين الطبرسي. ووالده الميرزا محمد تقي المازندراني كان من كبار فقهاء عهد فتح علي شاه القاجاري.
أما هو فمن مؤلفاته:
نفس الرحمن في ترجمة سلمان، ومستدرك الرسائل في ثلاثة مجلدات وقد توفي سنة 1320هـ.
والشيخ زين العابدين المازندراني الذي كان من كبار مراجع عصره المتوفى سنة 1309هـ في كربلاء.
والشيخ أبو الحسن بن شاه محمد بن عبد الهادي المازندراني الحائري المتوفى سنة 1306هـ وكان من أصحاب الشيخ مرتضى الأنصاري.
والشيخ أبو طالب المازندراني من تلاميذ الملا لطف الله اللاريجاني والسيد محمد حسن الشيرازي.
والشيخ محمد حسن بارمزوش المازندراني الذي كان مرجع التقليد في منطقة مازندران والمتوفى سنة 1345هـ وله عدة تأليف.
والشيخ عبد الصمد بن الملا علي بار فروش المازندراني المتوفى سنة 1337.
والشيخ عبد الله بن محمد نصير المازندراني المتوفى سنة 1330هـ.
وفي طبرستان يقول أبو العلاء السروي:
إذا الريح فيها جرّت الريح أعجلت
فواختها في الغصن أن تترنما
فكم طيّرت في الجو ورداً مُدَنًراً
تقلبه فيه وروداً مدرهما
وأشجار تفاح كأن ثمارها
عوارض أبكار يضاحكن مغرما
فإن عقدتها الشمس فيها حسبتها
خدوداً على القضبان فذاً وتوأما
ترى خطباء الطير فوق غصونها
تبث على العشاق وجداً معتّما
طبرستان
ـ 4 ـ
في القرون الثلاثة الهجرية الأولى وفي الوقت الذي كان فيه نفوذ المسلمين السياسي والديني يمتد من سواحل إسبانيا إلى حدود الصين كان القسم الشمالي من إيران، والذي يعرف آنذاك بطبرستان، وأصبح اليوم يعرف بمازندران، ما يزال تحت سيطرة ملوك إيرانيي الأصل، لم يستطع أحد الوصول إليهم وقهرهم بسبب حصانة أماكنهم وصعوبة الوصول إليها. وكان هؤلاء الملوك بشكل عام، بين مزدكي وزرداشتي وعابد نار. ولذلك نجد المؤرخين يسمونهم بالمرتدين تارة، وبالمشركين تارة أخرى.
وكانت طبرستان من الناحية الجغرافية بلاداً جبلية وعرة المسلك يصعب الوصول إليها، ويلجأ إليها الهاربون من السلطة لاطمئنانهم بأنهم في أمان ما داموا فيها. والمناطق الجبلية ليست هي كل ما في طبرستان، بل فيها بالإضافة إلى ذلك مناطق ساحلية لأنها تقع على ساحل بحر مازندران.
وقد تعددت الآراء واختلفت في معنى كلمة طبرستان، فقيل: هي محرفة من كلمة تابورستان، وهو الاسم الذي يشاهد منقوشاً على النقود الساسانية وقال السيد ظهير الدين المرعشي: (طبر) في اللغة المحلية تعني الجبل و(ستان) كلمة بمعنى مكان. فيصير المعنى: مكان الجبل أو المنطقة الجبلية.
وفي أوائل القرن الثاني للهجرة حل الدين الإسلامي محل المزدكية وعبادة النار في طبرستان، غير أن سيطرة الخلفاء المسلمين على هذه المنطقة ونفوذهم فيها لم يتحقق إلا بعد صعوبات كثيرة وحوادث دامية استمرت حوالي مائتي سنة.
وقد ذكر الطبري في تأريخه، والبلاذري في فتوح البلدان، وابن واضح اليعقوبي ما يمكن أن يستفاد منه، أن طبرستان كانت تحت سيطرة الخلفاء المسلمين، عند السنة الثانية والعشرين للهجرة، أو ما يقرب منها، لكن المحق أن ما ذكروه من الحوادث لا يعدو في الواقع أن يكون عبارة عن غارات وحروب شنت على تلك المناطق، وليس هناك ما يدل على استقرار المسلمين فيها واستيلائهم عليها.
وكانت الحملة الثانية على طبرستان وجرجان، في عهد سليمان بن عبد الملك تحت قيادة يزيد بن المهلب. ومع أن يزيد هذا، قد أكثر من الظلم وعاث في الأرض فساداً، إلا أن ما واجهه من مقاومة الملوك الزرادشتيين ومخادعة الناس له، لم يمكّناه من فتحها حتى سنة 98هـ حينما عاهد الله أنه، ما لم يطحن القمح على دمائهم ويأكله، فلن يرجع من أرض طبرستان، وقد نفذ يزيد عهده هذا وقتل خلقاً كثيراً جداً، وأسر ستة آلاف منهم وباعهم كالعبيد، إلا أنه مع كل هذا فقد كان عدد كثير منهم، لا يزالون أولياء للدين الزرادشتي، يدينون به ويحامون عنه. والملاحظ أن كتب التأريخ، قد سكتت عما إذا كان قد أعيد النظر، في فتح طبرستان، منذ ذلك التأريخ وحتى ظهور العباسيين. أي: ما يقرب من ستين سنة، أم لا؟
وعندما حلت سنة 132هـ التي انقرض فيها الأمويون واستولى السفاح فيها على الخلافة، بعث السفاح أحد عماله إلى طبرستان، بعد أن أمره بإتيان الناس من طريق الصلح والمداراة.
ولكن ما إن تولى المنصور حتى نشبت الحرب ثانية، وعادت الخصومات إلى سابق عهدها، واستطاع رسوله «أبو الخصيب» بعد حروب استمرت عدة سنوات، أن يفك حصار الملوك الإيرانيين، ويبدأ في حكم «طبرستان» كأول وال يحكمها.
وقد استمر إرسال الولاة إلى طبرستان ، حتى سنة 227هـ وكان آخر ممثل فيها هو محمد بن أوس. ونظراً لما كانت تتمتع به هذه المنطقة، من حصانة طبيعية، فقد كان يلجأ إليها العلويون الهاربون من سلطان العباسيين والأمويين فينشرون فيها الإسلام ونجحوا بذلك إلى أبعد حد. ولذلك فقد أقام في جبال طبرستان خلال هذه المدة، عدد من هؤلاء العلويين، وكان لهم أثر كبير في تأريخ المنطقة وكانوا السبب في نشر الإسلام فيها، وكان أن استجار بهم عدد كبير من سكان المنطقة الأصليين، يطلبون منهم الثورة على الولاة المبعوثين من بغداد.
والقيام بأمر الحكم والخلافة في طبرستان بأنفسهم، وذلك لإنهاء النفوذ والسلطان العباسي في المنطقة نظراً لما عانته من اضطهاد الولاة وظلمهم.
وابتدأت ثورة العلويين، على العباسيين والأمويين، منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها زيد بن علي بن الحسين، على حكم الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك، واستشهد ثم صلب.
وقد أجمع المؤرخون، والنسّابون على أن زيداً كان من كبار العلماء، كما كان من كبار خطباء بني هاشم، وشعرائهم. وما إن استشهد زيد، حتى قام ابنه يحيى في خراسان يطالب بدمه. ومع أنه كان لا يزال حدث السن، فقد أخذ البيعة من الناس، في أول الأمر سراً، وبقي حتى سنة 125هـ حينما استشهد على إثر إصابته بسهم في جبهته، ثم صلب وقطع رأسه، وحمل إلى الوليد بن يزيد في الشام. وقيل إن جثته بقيت معلقة، حتى ظهر أبو مسلم الخراساني وأنزلها.
وبعد استشهاد زيد في الكوفة، وابنه يحيى في خراسان، توجه جماعة من العلويين إلى بلاد الديلم وجيلان، كما ذهب آخرون إلى مناطق أخرى، كالحجاز واليمن، وآذربيجان، وأصفهان وغيرها. وكان أكثر حفدة الإمام الحسن عليه السلام قد سكنوا في المناطق الشمالية من إيران، وكانوا يعيشون متخفين منزوين.
يقول ستانلي بول، صاحب كتاب «طبقات سلاطين الإسلام» «استطاعت فرق الأئمة العلويين أن تشكل دولة في سنة 250 هجرية، من ولايات ساحل بحر خزر ـ يعني الديلم وجيلان وطبرستان ـ كما ضربت نقوداً باسمها».
ويقول اشبولرر: «أسس الزيديون في السواحل الجنوبية لبحر الخرز، في سنة 864 للميلاد دولة تركت في التاريخ أثراً بارزاً».
والواقع أن هذه المنطقة صارت، مكاناً خصباً لنشر التشيع والدعوة إليه، وكان أول من حكم طبرستان من العلويين هو الحسن بن زيد، الملقب بالداعي الكبير. وقد بقيت حكومة العلويين هناك، حوالي مائتي سنة، تعاقب فيها على الحكم أربع عشر حاكماً ثمانية منهم كانوا حفدة الامام الحسن عليه السلام، والستة الباقون كانوا من حفدة الإمام الحسين عليه السلام. وهؤلاء الأربعة عشر هم:
1 ـ الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الملقب الداعي الكبير أو الداعي الأول ظهر في خلافة المستعين بالله سنة 250، بسبب ظلم عامل الخليفة على طبرستان محمد بن أوس البلخي، واستولى على مدن في طبرستان، وأمر أن ينادي في الأذان بحي على خير العمل، وأن يجهر في الصلاة ببسم الله.
وكان قوياً شديد المراس، لا يلين له جانب، كما كان شاعراً عالماً، ترك عدة مؤلفات منها، كتاب الحجة، وكتاب الجامع وكتاب البيان، وقد مات ولم يخلف من الأولاد سوى ابنته كريمة.
2 ـ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم البطحاني بن الحسن بن زيد بن الحسن عليه السلام، صهر الداعي الأول أخذ الخلافة من أخيه محمد، ولم يدم ملكه أكثر من عشرة أشهر. قيل إنه قتل على طريق «ساري» قتله أصحاب محمد بن زيد.
3 ـ محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام: المشهور بـ (القائم بالحق). حكم طبرستان ست عشرة سنة.
وكان معروفاً بالعلم والفضل والبلاغة. قتل في بعض الحروب ودفن رأسه في جرجان.
4 ـ أبو محمد الحسن بن علي العسكري بن الحسين بن علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي عليه السلام أحد أحفاد الإمام الحسين عليه السلام وهو الملقب بالأطروش الملقب بالناصر الكبير كان معاصراً لمحمد بن زيد، وكان من فضلاء عصره. خرج في سنة 287 يطلب بدم محمد، وبايعه كثير من أهل جيلان والديلم، وانتقل بسببه كثيرون من الزرادشتية إلى الإسلام وكان شاعراً وعالماً وإماماً في الفقه، كما كان عادلاً في رعيته حكم طبرستان ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، ثم توفي ويعتقد كثير من الزيدية أنه قد ألف وصنَّف ما يقرب من مائة مجلد، لم يبق منها سوى خمسة عشر مجلداً.
5 ـ أبو محمد الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عليه السلام. الملقب بالداعي الجليل، أو الداعي الصغير، والمكنّى بأبي محمد، وهو أحد أحفاد الإمام الحسين عليه السلام، وكان عادلاً عالماً، كما كان حسن السيرة، ويقول أهل طبرستان : أنهم لم يروا في أي عهد من العهود، ما لقوه في عهده من الأمن والرفاه والعدالة.
6 ـ أبو الحسين أحمد بن الحسن بن علي العسكري بن الحسين بن عمر الأشرف بن علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي عليه السلام: الملقّب بالناصر الأول، وهو ابن الناصر الكبير، وكان يعرف بصاحب الجيش.
وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى في سنة 311هـ بعد أن حكم مدة من الزمن.
7 ـ أبو القاسم جعفر بن الحسن بن علي العسكري بن الحسين بن عمر الأشرف بن علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي عليه السلام: الابن الثاني للناصر الكبير، تسلط على طبرستان بعد موت أخيه، حكمها أكثر من سنة بقليل.
8 ـ أبو علي محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن عمر الأشرف بن علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي عليه السلام حفيد الناصر الكبير الأطروش الملقب بالناصر الثالث وقد استلم الحكم في طبرستان بعد أبي القاسم، واشتهر باسم الناصر الصغير وكان معروفاً بالقوة والجلادة.
9 ـ أبو جعفر محمد بن أحمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن عمر الأشرف بن علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي عليه السلام.
المعروف بصاحب القلنسوة، جلس في الحكم مكان أخيه أبي علي وكان رجلاً ظالماً، سفاكاً للدماء. مات سنة 416هـ في الحرب التي خاضها مع «مرداويج ابن زيار» في آمل عندما وقع عن فرسه، بعد إصابته بحربة ذات رأسين.
10 ـ أبو الفضل جعفر بن أبي عبد الله بن الحسين بن أبي الحسن العسكري بن أبي محمد الحسن بن عمر الأشرف بن علي السجاد بن الحسين بن علي عليه السلام.
حفيد الناصر الكبير والملقب بالثائر، خرج في طبرستان واستولى عليها، وبنى فيها كثيراً من المساجد والمدارس والخانات كما ضرب نقوداً باسمه، وكان آخر من حكم طبرستان من حفدة الإمام الحسين عليه السلام.
11 ـ أبو عبد الله محمد بن الحسين بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسين بن علي عليه السلام. الملقّب بـ : (المهدي لدين الله القائم بحق الله). بايعته جماعات الديلم، في الوقت الذي كان فيه معز الدولة مقيماً في الأهواز، فاغتاظ المعز لهذا الأمر واعتقله، ونكل بمن بايعه. وبعد خروجه من السجن ذهب إلى بغداد. واشتغل بالتعليم والتفقيه. وكان خروجه على معز الدولة في سنة 353، وكان عابداً زاهداً، مات مسموماً في سنة 359 هجرية.
12 ـ أبو الحسن أحمد بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن بن علي عليه السلام السيد المؤيد بالله، ظهر في الديلم وكان ـ كما يرى الزيديون ـ هو وأخوه (أبو طالب) أكثر الأئمة الذين جمعوا شرائط الإمامة.
وكان عالماً في النحو واللغة، وكان فقيهاً جامعاً لأحاديث أهل البيت عليهم السلام. ترك عدة مؤلفات، ككتاب التجريد، وكتاب الشرح، وكتاب البلاغة، وكتاب النصرة، وكتاب الإفادة. وكانت ولادته في آمل سنة 333هـ، وقد وصل إلى الخلافة سنة 380، وتوفي في سنة 411هـ في السابعة والسبعين من عمره.
13 ـ أبو طالب يحيى بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن عليه السلام. الملقّب بالسيد الناطق بالحق. وصل إلى الخلافة بعد موت أخيه، وكان قد حضر الشيخ المفيد وبلغ درجة كبيرة من العلم حتى قال الزيدية فيه أنه لم يكن ثمة أحد أعلم منه. وقد توفي في سنة 422 هجرية.
14 ـ أبو القاسم زيد بن أبي طالب الحسن بن صالح بن محمد بن الأعلم بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن الحسن السبط الكبير بن علي عليه السلام. آخر أئمة علويي طبرستان، وهو الملقب بالمسدد بالله.
ويبدو من دراسة آثار المؤرخين والكتّاب أن العلويين كانت لهم اليد الطولى، في اللغة العربية والآداب، وكان بلاطهم على الدوام الملجأ والمأوى للمحققين في العلوم الدينية، وغيرهم من الفضلاء. ولا تزال الألسن والشفاه، حتى يومنا هذا، تتداول قصيدة أبي مقاتل الرازي الشاعر الأعمى التي خاطب بها الحسن بن زيد والتي ابتدألأها بالحرف ـ لا ـ وبهذا المطلع:
لا تقل بشرى ولكن بشريان
غرة الداعي ويوم المهرجان
فقال له الداعي: «إن الشعراء لا يبدأون شعرهم بحرف النفي ـ لا ـ لئلا يتشاءم المستمع. ألم يكن الأحسن أن تقرأ هذا البيت بتقديم عجزه على صدره فتقول:
عرة الداعي ويوم المهرجان
لا تقل بشرى ولكن بشريان
فقال أبو مقاتل: كلا يا مولاي، فإن أحسن ما يذكر به الله يبتدئ بـ (لا) وهي كلمة (لا إله إلا الله).
فقال الحسن: «أحسنت، فأنت في هذا الأمر أكثر معرفة مني».
وقد حفل بتاريخ الزيديين في طبرستان، وغيرها من البلاد بعدد كبير من أعلام الفقه واللغة والأدب، لا يسعنا استعراض أسمائهم وتراجمهم إلإ أنا سوف نأتي على ذكر بعضهم في هذا المقال، بقدر ما يتسع له في صدر هذا الحديث:
1 ـ زيد بن محمد بن زيد: كان شاعراً حساساً، دقيق الملاحظة وقع أسيراً في يد إسماعيل بن أحمد فنفاه إلى بخارى.
2 ـ السيد الإمام الحسن بن علي بن الناصر الكبير: أحد كبار علماء الزيدية وكان له اليد الطولى في الشعر والأدب الفارسي أيضاً. وكان له أربعة أولاد ذكور أحدهم (أبو الحسن علي) المشهور بالشاعر، والذي كان يدعى في الأصل بأبي الحسن الشاعر.
3 ـ ابو الحسين وأبو طالب أخوا هارون كانا عالمين في الفقه والأدب، وكانا من فضلاء عصرهما.
ويقول رابينو في كتابه «دودمان علوي» السيد أبو الحسن المؤيد بالله كتب رسالة في أفضلية علي بن أبي طالب، بلغت من الفصاحة والإتقان حد الإعجاز.
4 ـ حمزة العلوي: السيد الإمام الفقيه العالم المتكلم الزاهد المكنى بأبي القاسم كان في الشعر وحيد عصره، كما كان من كبار الأدباء في طبرستان. وقد روي أن الناصر الكبير مع كثرة فضله وكمال فصاحته كان يقول: «إن كان ثمة شعر يليق أن يقرأ وقت الصلاة، فقد كان شعر أبي القاسم».
5 ـ الأستاذ الكبير ابن هندو، المكنى بأبي الفرج، والمعاصر لأخوي هارون كان بارزاً في الفلسفة والأدب وقد نشأ في نيسابور، وترعرع فيها وتوفي سنة 420هـ في جرجان.
6 ـ أبو العباس بن سعد بن أحمد الطبري: قال الثعالبي في يتيمة الدهر: هو شاعر قدير، وفنان مبدع، دقيق التفكير.
7 ـ أبو هشام العلوي الطبري: كان له مع الصاحب بن عباد مطارحات في الشعر، وكان من فضلاء عصر العلويين في طبرستان.
وثمة آخرون كثيرون، لا يتسع المجال لذكرهم.
الدكتور أبو الفتح حكيميان
«راجع: الزيدية وراجع الديلم».
التشيع في طبرستان
لقد هاجر السادة العلويو النسب إلى شمال إيران، فكانوا يأتون من مصدر الشام وغيرهما، فيبلغ عددهم كل عام بين ألفين إلى ثلاثة آلاف (سيد). وكان حكّام شمال إيران يساعدونهم، لما كانوا يحملون من ميل نحو التشيع، بحيث أنه في مرة واحدة خرج من الخزانة (23000) دينار آملي، فأرسلت إلى طبرستان والري لتوزع على السادة العلويي النسب الفقراء هناك.
وكان للسادة حضور في الساحة الطبرستانية، وكانت الزعامة الدينية الشعبية لهم، مما أدى إلى إيجاد حكومات ميالية للتشيع في تلك الديار.
ففي عام (466هـ) استطاع (حسام الدولة شهريار) أن ينقذ طبرستان من اعتداءات التركمان السلجوقيين، فجعلها تحت سلطته.
وعندما مات (ملك شاه السلجوقي) عام (487هـ) دب الخلاف بين ابنيه (السلطان بركيارق) و(السلطان محمود) وبعد عدة سنوات استقرت الحكومة على ما أراده (السلطان محمد) وكان (أخوه) (السلطان سنجر) يحكم شمال شرقي إيران. فطلب السلطان محمد من حسام الدولة أن يسلم نفسه للسلاجقة، فرفض حسام الدولة ذلك، فأرسل السلطان محمد أحد أمرائه (سنقر بخارى) في طلبه. فوصل إلى (آمل).
يقول المرعشي: (قدم التكاكلة على سنقر حفاة الأقدام مكشوفي الرؤوس وقالوا له: نأتي نحن إلى ساري لنقضي على نطفة الرافضة. ولما دارت المعركة بين حسام الدولة والقوات السلجوقية، هزم سنقر، وقتلت قواته أو اعتقلوا. وجاء دون تكاكلة آمل، فأتى بهم حسام الدولة إلى المدينة وصب عليهم غضب محمد وعلي).
وبعد حسام الدولة تولى الحكم ابنه الأكبر (نجم الدولة) لكن سيرته لم تكن حسنة، حتى تمكّن (علاء الدولة) الابن الآخر من تسلم الحكم منه بمساعدة السلطان محمد. وبعد فترة وقعت مواجهة بينه وبين أخيه الأصغر (بهرام) وكان علاء الدولة عوناً للسلطان محمود وابن السلطان محمد. لكنه عندما قتل سنجرشاه السلطان محمود، أرسل علاء الدولة (رستم) إلى سنجر، ورغم ذلك وقعت الحرب بين علاء الدولة وسنجر، ودعم سنجر (بهرام) لكن بهرام هزم في الحرب، ثم قتل بمكر من علاء الدولة.
في تلك المرحلة عقد السلطان سنجر عدة اتفاقات سياسية مع الإسماعيليين، فكانوا يهبّون أحياناً لنصرته. وكان سنجر ينوي مخالفتهم في البداية، لكنه وجد أنهم قادرون على قتله، فصالحهم. هذا التحالف أدى إلى اتهام السلطان سنجر بالاغتيالات التي قام بها الإسماعيليون في (آل باوند) وخاصة (رستم بن علي وابنه) واعتبروه ملحداً من الملاحدة([415]).
بعد هذه الاغتيالات توجه آل باوند لمواجهة الإسماعيليين، وظهر الخلاف بينهما، وكان آل باوند يضيقون الخناق على الإسماعيليين لدرجة أن أحداً من الإسماعيليين لم يكن يجرؤ على الخروج من منطقة (آلموت).
وعندما جاء (ابن رستم بن علي) قام الإسماعيليون بقتل (كردبازو) الذي كان متعاهداً معه، عندما قام (ابن رستم) بشن هجمات عديدة على قلاعهم.
وكان للسادة العلويي النسب نفوذ كبير في عهد (رستم بن علي) بحيث أنه أمر بتنفيذ ما كتبه أحد العلويين واسمه (مرتضى) دون أن يوقعه هو، وأمر أن يصرف المال الكثير لبناء مدرسة في الري، وكانت تلك المدرسة في محلة (در زاد مهران) وهي محلة شيعية، وقد تحدث (ابن اسفنديار) عن تلك المدرسة وأساتذتها.
وانتشر الزيديون في مناطق شمال إيران، والتحقوا بالمذهب الإمامي خلال القرون التالية. ففي زمان الرازي ـ مؤلف كتاب النقض ـ أي في القرن السادس الهجري كان هناك عدد كبير من الزيديين يقطنون في شمال إيران.
حيث تحدث الرازي عن مقر الزيديين ومأواهم فقال: (لقد ظهر هذا المذهب واشتهر في عدة بلدان من العالم مثل: جبال كيلان، وبلاد الديلم، واليمن، والطائف، والكوفة، ومكة حيث حرم الله. دون أن يعتمدوا التقية في المذهب. وكثير من سادات الري ونقبائها ورؤسائها كانوا على هذا المذهب).
ويقول في مكان آخر: (وقد انتشر الزيديون في اليمن والطائف ومكة والكوفة وأكثر بلاد جيلان وجبال الديلم وبعض بلاد المغرب، وقد ضربوا المسكوكات بأسمائهم).
وفي عهد حكومة (الناصر لدين الله) كانت مازندران ذات ميول شيعية إمامية.
رسول جعفريان
طبرية
تقع مدينة طبرية في فلسطين على الشاطئ الغربي للبحيرة التي تحمل الاسم نفسه، تحت السفوح الشرقية لجبال الجليل، على بعد عشرين كيلومتراً إلى الجنوب من مصب نهر الأردن في البحيرة، وتسعة كيلومترات إلى الشمال من مخرج النهر في الزاوية الجنوبية الغربية من بحيرة طبرية. وهي تعتبر جزءاً من قسم الأردن الأوسط، وهو أحد الأقسام الخمسة التي تشكل في مجموعها غور الأردن.
وهذه الأقسام هي: الأردن العلوي (وادي الحولة)، والأردن الأوسط (بحيرة طبرية والأودية المحيطة بها)، والأردن السفلي، والبحر الميت، ووادي عربة. وتبعد المدينة مسافة 160كم عن القدس، و141كم عن اللد، و86كم عن عكا، و194كم عن المجدل وعسقلان، و71كم عن القنيطرة في هضبة الجولان، و137كم عن دمشق.
شيد المدينة، العام 20 ميلادية، الحاكم الروماني هيرودوس انثيباس الذي استمر حكمه طيلة 42 سنة، وشملت سلطته المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني وبحر الجليل وسهول عكا وصور. وهو بنى المدينة تقرباً من الأمبراطور الروماني طيباريوس على موقع مدينة «الرقة» الكنعانية ونقل إليها مركز حكومته، وزينها بالأشجار والنباتات، وحصّنها فأصبحت أمنع مدن الجليل.
ويبدو أن اختياره للموقع يعود إلى كونه الموقع الدفاعي الوحيد حول البحيرة. وأهميتها العسكرية هذه دفعته إلى بناء قلعة قريبة من شاطئ البحيرة، ويضاف إلى ذلك قرب المكان من الحمامات المعدنية التي اهتم بها الرومان اهتماماً بالغاً. وزادت أهمية المدينة في العصور اللاحقة، لوقوعها على طريق القوافل التجارية بين دمشق ومصر.
توطدت علاقات طبرية بالعرب منذ أقدم الأزمان، فكانت الدراهم الطبرانية القديمة التي ضربت في المدينة هي العملة النقدية المتداولة في تعامل عرب الجاهلية مع الرومان. وسيطر عليها العرب تماماً عندما فتحها القائد شرحبيل بن حسنة العام 634م، فأصبحت عاصمة جند الأردن، وسكنها عدد من القبائل العربية، خصوصاً قبيلتي الأشعريين واللخميين.
وخلال الحملة الصليبية استولى عليها القائد تنكرد، وزاد في تحصينها لتكون مركز إمارته في الجليل كله، إلى أن استعادها المسلمون بعد هزيمة الصليبيين في حطين، وعين صارم الدين النجمي والياً عليها. لكن الصليبيين احتلوها مرة أخرى العام 1240م، وظلوا فيها طيلة سبع سنوات حتى تمكنت قوات الصالح أيوب بقيادة الأمير فخر الدين بن الشيخ من استردادها. غير أن المدينة فقدت الكثير من عمرانها وأهميتها بفعل الدمار الهائل الذي لحق بها إبان الغزوات الصليبية وهجمات التتار اللاحقة، فكادت تندثر، وحلت مدينة بيسان محلها في الاهمية على طريق القوافل التجارية.
وقعت طبرية تحت الحكم العثماني، في العام 1517م، مع غيرها من بلاد الشام. وحكمها ظاهر العمر الزيداني بأمر من والي صيدا، فزاد في عمرانها وحصونها، وأقام فيها قلعته الشهيرة والجامع الكبير، قبل أن يهجرها ليتخذ عكا عاصمة لحكمه بعد استيلائه عليها. وعاد الازدهار إلى طبرية، فترة قصيرة، إبان الحكم المصري لفلسطين (حملة إبراهيم باشا)، قبل أن يدمرها زلزال العام 1837، وبلغ عدد الضحايا فيها وحدها أكثر من 600 قتيل، إلى جانب عدد كبير من الجرحى.
وصفها المقدسي الذي عاش في القرن الرابع الهجري، فقال: «طبرية، بلد وادي كنعان …. ضيقة … سوقها من الدرب إلى الدرب، والمقابر على الجبل. بها ثمانية حمامات بلا وتيد، ومياص عدة حارة المياه، والجامع في السوق كبير حسن. قد فرشت أرضه بالحصى على أساطين حجارة موصولة (…) ولها سور حصين يبدأ من الشاطئ ويمتد حول المدينة. أما من جهة البحر فلا سور لها. ويتركز المسجد في وسط المدينة، كما يوجد في الجانب الغربي منها مسجد اسمه مسجد الياسمينة».
وتضم طبرية في جنباتها مجموعة واسعة من المعالم التاريخية التي تظهر عراقتها، ففيها آثار دراسة لكنائس مسيحية، ومعابد يهودية، وجوامع إسلامية، كما تعد موقعاً أثرياً ضخماً يحتوي على أسوار المدينة القديمة، وآثار بلدة رومانية قديمة كبيرة المساحة تحدها البحيرة شرقاً، ووادي القصب جنوباً، وفي الجنوب الغربي خط مواز للشاطئ يمتد على بعد 600 متر حتى يصل إلى نقطة في الغرب عند قصر بنت الملك، ويمتد من هناك شمالاً حتى محطة الكهرباء الجديدة، ويحدها من الشمال خط يبدأ عند المحطة وينتهي إلى البحيرة ويشمل بعض الأطلال والمدافن الرومانية.
تميزت طبرية، حتى الحرب العالمية الأولى، ببيوتها المبنية من حجارة البازلت السوداء، كما في مدينة حمص السورية.
وهذه البيوت متلاصقة، وجميعها تقريباً ذات أشكال منشورية (مربعة أو مستطيلة أو متوازية المستطيلات)، وسطوحها كلها مغطاة بالكلس والتراب.
وتشتهر طبرية، أساساً، بحماماتها الدافئة الجميلة المرتفعة الحرارة، والواقعة على مسافة كيلومترين إلى الجنوب منها. ويتردد عليها الناس من جميع أنحاء البلاد للاستشفاء، خصوصاً من أمراض الجلد والروماتيزم، إذ هي غنية بالمعادن والمواد الكيماوية المختلفة مثل الصوديوم والملح واليود والكبريت والمنغنيز. وأنشأ الكنعانيون عندها مدينة «حمات» بمعنى (الينابيع الحارة). وعرفت في العهد الروماني باسم (أماتوس). وتقوم الحمامات اليوم على أنقاض أبنية شيدها الرومان ثم العرب. أما بركتها المشهورة باسم الحمام الكبير فقد بنيت في عهد والي عكا عبد الله العام 1830.
بحيرة طبرية
ويطلق على بحيرة طبرية أحياناً اسم بحر الجليل لوقوعها في الطرف الشرقي لمنطقة الجليل. وهي جزء من مجرى نهر الأردن وتبلغ مساحتها 165كم مربعاً ويندرج انخفاض مستوى سطح مياهها من 209 إلى 214 متراً دون مستوى البحر المتوسط وذلك حسب الفصول وكميات الأمطار السنوية، وتقع أعمق أجزاء البحيرة على مستوى 254 متراً دون مستوى البحر وذلك بالقرب من وسط البحيرة وفي الجزء الشمالي الشرقي منها.
ومياه البحيرة ضاربة إلى الملوحة حتى إن نهر الأردن يخرج من البحيرة بمتوسط ملوحة يبلغ 350 جزءاً لكل مليون بعد أن كان متوسط ملوحته قبل دخوله البحيرة 20 جزءاً لكل مليون.
والبحيرة مصدر هام للثروة السمكية، وهي حد طبيعي بين سورية وفلسطين.
وفي سنة 1964 انتهت إسرائيل من تنفيذ مشروع نهر الأردن ـ النقب الذي تضخ المياه بموجبه من بحيرة طبرية في قنوات وأنابيب إلى النقب، وبالإضافة إلى ذلك تزود البحيرة الأراضي الزراعية في منطقة سهل بيسان جنوبي البحيرة بالمياه عن طريق الأنابيب.
تهويد طبرية
كان أكثر سكان طبرية سنة 1947 من اليهود إذ يبلغون 6,000 نسمة ويبلغ العرب 5,000 نسمة وكان اليهود مسلحين تسليحاً قوياً في حين كان تسليح العرب في منتهى الضعف، ومع ذلك فقد صمدوا لليهود صموداً بطولياً. وفي ليل 15 ـ 16/4/1984 قام اليهود بهجوم قوامه 400 مقاتل يقابلهم 200 مقاتل عربي واستمر القتال حتى صباح 16 نيسان ثم توقف بهدنة مدة ثلاثة أيام وفي اليوم الثالث للهدنة شنّ اليهود هجوماً مركزاً على الأحياء العربية حشدوا له قوات كبيرة جيدة التسليح حتى استطاعوا التغلب على المدافعين العرب.
وبسبب وصول أخبار المذبحة التي نفذها اليهود في قرية ناصر الدين راح سكان طبرية العرب يرحلون عن المدينة حتى خلت منهم.
وقد ألّف إبراهيم يحيى الشهابي سنة 1999 كتاباً عن طبرية سماه (طبرية ـ تراث وذكريات) كتب عنه وسيم الأحمر ما يلي:
يشكل هذا الكتاب حلقة ضمن سلسلة كتب تصدر في دمشق حول القرى والمدن الفلسطينية، تسجل شهادات لكتاب معاصرين يحاولون عبر دراسة تاريخ هذه المدن الرد على الصهيونية التي غيرت أسماء المواقع الفلسطينية وأعطتها أسماء إسرائيلية باتت تستخدم في كثير من الخرائط الجغرافية بدلاً من الاسم الأصلي للأراضي الفلسطينية.
ويتناول المؤلف معالم مدينة طبرية الجغرافية والاستراتيجية وموضعها في قسم الأردن الأوسط (أحد أقسام غور الأردن) في مكان منخفض متسلقة سلسلة جبال وكأنها تتأهب للقفز من تلك السفوح إلى البحيرة المعروفة باسمها، ومن هنا يرجح اشتقاق تسمية المدينة من كلمة «طبر» التي تعني قفز أو اختبأ. كما تعد طبرية ممراً تجارياً على طريق القوافل بين دمشق ومصر.
أما مدينة طبرية فبنيت في عهد هيرودس العام 22م على يد طيباريوس الروماني (سميت باسمه)، وفي العام 15هـ فتحها المسلمون لتصبح عاصمة لجند الأردن ومركزاً إدارياً تتبع له مدن عدة. وشهدت خلال الحكم الإسلامي أحداثاً مهمة مثل مرور موكب النصر المتجه من الأندلس إلى دمشق بقيادة موسى بن نصير اللحمي العام 96هـ/ 715م، ومهاجمة القرامطة لها وغدرهم بأهلها العام 293هـ، ثم استيلاء العثمانيين عليها في العام 922هـ/ 1517م، لتصبح مركزاً لقضاء يضم 26 قرية.
وفي القرن الثامن عشر نزلت قبيلة «الزيادنة» في طبرية وعمل أبناؤها في الزراعة، ثم اتخذها ظاهر العمر مقراً له في العام 1730، قبل أن ينقل مقر حكمه إلى عكا. واستولى نابليون بونابرت على طبرية العام 1799، ثم أصبحت في القرن التاسع عشر مركزاً إدارياً لقضاء يتألف من اثنتي عشرة قرية، وساهمت أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين كبقية المدن الفلسطينية في الإضراب الشامل (إضراب الـ 36)، وفي مرحلة الـ 48 احتلها اليهود وطردوا أهلها منها.
يعرض المؤلف أبرز الملامح الأثرية والسياحية في مدينة طبرية، إلى جانب أهميتها الدينية للمسيحيين والمسلمين، إذ تعمد السيد المسيح في نهر الأردن الذي يصب في بحيرة طبرية.
ويزعم أن قبر أبي عبيدة بن الجراح وزوجته موجودة في طبرية. ومن المعالم الأثرية فيها قلعة طبرية التي رممها ظاهر العمر العام 1730 واستخدمت مقراً للدوائر الرسمية وأصبحت تعرف بـ «السرايا القديمة»، وكانت تعرف بالسرايا الصفدية.
وبنى العمر أيضاً الجامع الكبير الفوقاني (الزيداني) وأضاف أجزاء جديدة لسور المدينة، وشاد جامعاً آخر في الحي الشمالي من المدينة. وتضم طبرية كنائس عدة تقع جميعها على شاطئ البحيرة وتعود إلى أيام تنصر قسطنطين الروماني، ولكن الفرس هدموها عند احتلالهم فلسطين.
يقدم المؤلف سجلاً باسماء العائلات الطبرانية التي سكنت طبرية منذ نشأتها، ويتحدث عن التعليم فيها إذ كان للمسلمين مدرستان أثناء العهد العثماني هما المدرسة الرشيدية ومدرسة جامع الظاهر الزيداني. وكان للمسيحيين ثلاث مدارس (الروم الكاثوليك، والروم الأرثوذكس، والبروتستانتية)، وفي تلك الفترة كان لليهود مدرسة واحدة هي الأليانس. وفي عهد الانتداب البريطاني قسمت مراحل التعليم إلى الابتدائية والثانوية ومرحلة الشهادة الجامعية المؤلفة من سنتين.
ويرى المؤلف أن سياسة الانتداب في فلسطين تجاه العرب كانت التجهيل بينما كانت لليهود سياسة تنوير وتعليم. ولم يكن في طبرية سوى صحيفتين يوميتين («الدفاع» و«فلسطين»). وصحيفة أسبوعية يصدرها هاشم السبع باسم «الصريح».
واليوم يحاول اليهود أن يجعلوا مدينة طبرية من أكثر مدن العالم جذباً للسياح ويقيمون الفنادق والمنتزهات، كما يقيمون متحفاً تاريخياً للآثار ضمن جامع إسلامي ومبنى عثماني أقيما على أساس قلعة صليبية. ويرى المؤلف أن هذه الإجراءات تصب في إطار المحاولات المستمرة لتهويد طبرية وتزييف تاريخها لإظهار دورها في حياة اليهود وإقناعهم بأن طبرية ستكون منطلق الخلاص!
التشيع في طبرية
ينقل صاحب (خطط الشام) عن المقدسي قوله عن مذاهب الشام في القرن الرابع الهجري: «وأهل طبرية ونصف نابلس وقدس وأكثر عمان شيعة».
والرحالة الفارسي ناصر خسرو في رحلته التي ابتدأت سنة 437هـ واجتاز فيها بفلسطين، ذكر أن سكان ظاهر طبرية هم من الشيعة.
ومن مشهوري الشيعة في طبرية محمد بن حمزة من أحفاد العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد ذكر صاحب (عمدة الطالب) ما نصه: «واتخذ بمدينة الأردن وهي طبرية ضياعاً وجمع أموالاً فحسده ضفر بن خضر الفراعني فدس إليه جنداً قتلوه في بستان له بطبرية في صفر سنة 291 ورثته الشعراء، وكان عقبه بقطبرية يقال لهم: بنو الشهيد».
وقال المؤرخ الفلسطيني عبد الله مخلص فيما هو منشور في «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية» في بحث فلسطين ما يلي:
«ذكر الهروي وياقوت أن قبر سكينة ابنة الحسين بظاهر طبرية وقالا: والحق أن قبرها بالمدينة المنورة، وهو قول صحيح لا غبار عليه. والرقيم التاريخي المثبت في الضريح يثبت أنه مشهداً لها ولعبد الله بن العباس بن علي (رضي الله عنه) إذ جاء فيه ما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً.
أمر بعمارة هذا المشهد المبارك وهو مشهد الست سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام العبد الفقير إلى الله تعالى فارس الدين البكي الساقي العادلي المنصوري نائب السلطنة بالممالك الصفوية والساحلية وذلك في غرة رجب سنة أربع وتسعين وستمائة.
وإلى جانب هذا الرقيم رقيم آخر في ثمانية أسطر أسماء وأوصاف وأعيان الوقف التي وقفها منشئ العمارة فارس الدين المذكور بين أراض وبساتين وحواكير وكروم في مدينة طبرية نفسها.
يقول عبد الله مخلص:
وقد أثار اهتمامي وجود قبر لسكينة وقبر لعبد الله بن العباس رضي الله عنهما في طبرية على أنهما لم يدفنا فيها، وأخذت أتقصى الأخبار حتى عثرت على خبر ربما كان له صلة ببناء القبرين، وهذا الخبر قد ورد في السفر الرابع من كتاب «المغرب في حلى المغرب» لعلي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن عمار بن ياسر العنسي الأندلسي المتوفى سنة 673هـ في فصل (العيون الدعج في حلى دولة بني طغج) على الوجه الآتي:
(قال ولم يزل طغج على دمشق وطبرية وابنه محمد المعروف بالأخشيد يخلفه على طبرية. وكان بطبرية أبو الطيب العلوي محمد بن حمزة بن عبد الله بن العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العمامر (كذا) بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. وكان وجه طبرية شرفاً وملكاً وقوة وعناقاً، فكتب الأخشيد إلى ابنه طغج يذكر له أنه ليس له أمر ولا نهي مع أبي الطيب العلوي فكتب له أبوه أعز نفسك. فأسرى إليه محمد بن طغج وأبو الطيب في بستان له فقتله.
فالظاهر أن آل أبي طالب وشيعتهم لم يستطيعوا سبيلاً إلى بناء ضريح الشريف المقتول غدراً وغيلة من قبل السلطة الحاكمة الغاشمة، وقد تكون قتلت معه زوجه أو إحدى محارمه من سيدات آل البيت فقاموا على بناء ذلك المشهد في المكان الذي وقعت فيه الواقعة ونسبوه إلى سكينة بنت الحسين وعبد الله بن العباس رضي الله عنهما يرمزون بذلك إلى الشريفين المقتولين، فإن المشهد المذكور يقع في ضاحية مدينة طبرية وحوله آثار بئر وبركة وبقايا بستان.
وجاء بعد مئات السنين الأمير فارس الدين البكي الساقي العادلي المنصوري نائب السلطنة بالمملكة الصفدية فعمر المشهد المذكور ووقف عليه بعض الأعيان لبقاء عين الوقف ودوام عمارته. والغريب أن أحداً من المؤرخين والجغرافيين والرحالين لم يشر إلى هذا المشهد قبل الهروي المتوفى سنة 611هـ الذي كان أول من ذكره. وفي ذكره له أثبت وجود هذا المشهد قبل الأمير فارس الدين الذي تولى عمارته سنة 694هـ (انتهى كلام عبد الله مخلص).
قد انقرض التشيع سواء من طبرية نفسها أو من ظاهرها.
طرابلس
ـ 1 ـ
تقع مدينة طرابلس، على بعد 85 كيلومتراً إلى الشمال من بيروت، وهي مدينة امتزج فيها الحاضر بالتاريخ، وتضم عدداً من العمارات التاريخية من مساجد ومدارس وخانات وحمامات تعود في معظمها إلى العصر المملوكي.
على إثر الفتح الإسلامي بعد عام 635م أصبحت طرابلس قاعدة بحرية رئيسة للأسطول الإسلامي. وفي القرن الحادي عشر للميلاد بفضل بني عمار تحولت إلى مركز ثقافي وعلمي من الطراز الأول.
وفي مطلع القرن الثاني عشر حاصر الفرنجة طرابلس ودخلوها عام 1109م فخربوا عمرانها وألحقوا الأضرار بمكتبة «دار العلم»، وأصبحت المدينة في أيام عاصمة «كونتيسة طرابلس». وبعد أقل من مئتي عام على ذلك حاصرها السلطان المملوكي قلاوون وفتحها عام 1289م، ثم أمر بتدمير المدينة التي كانت تقع آنذاك عند طرف شبه جزيرة الميناء، وبإنشاء مدينة أخرى عند أقدام تلة القلعة في موضع كان يقوم فيه في ما مضى ربض يشرف على الطريق التي تعبر نهر «أبو علي» ويحوي عدداً من الأبنية المدنية والدينية تعود إلى العصور السابقة.
وهناك الأبراج البحرية وأهمها: برج السباع. ويعتبر من أجمل الأبنية الحربية في المنطقة ويقع شمال القلعة بين الميناء القديم ومصب نهر قاديشا، ويشكل هذا البرج واحداً من سلسلة أبراج أقيمت لحماية الساحل من غزوات الفرنجة الذين استقروا في قبرص على إثر طردهم من الشاطئ الشامي في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.
وأقيم في أواسط القرن الخامس عشر، وعلى رغم كون اسمه الأصلي ما زال موضع أخذ وردّ. فقد عُرف بهذا الاسم بسبب الأسود المحفورة التي كانت تزين مدخله، ويتم ولوج البرج المؤلف من طبقتين عبر بوابة مبلقة، وتظهر في جدرانه أعمدة رومانية من الغرانيت استعملت كمرابط تربط البانية الخارجية بالبانية الداخلية لتمتين البنيان.
وهذا البرج كان مهدداً بالانهيار فرمم ودعم من جانب المديرية العامة للآثار سنة 1937. ومن الأبراج المهمة أيضاً: برج رأس النهر، الذي أنشأه المماليك سنة 1475م. و
هو عبارة عن مربع مدعم في كل زواياه بدعامة حجرية أسطوانية لاصقة بالجدران، ويتألف من صالة مفتوحة يخترق جدارها الغربي راميتان للسهام، وجدارها الشرقي رامية واحدة، أما الباب الرئيسي لهذا البرج فيوجد في الجهة الجنوبية.
ومدينة طرابلس من أشهر المدن اللبنانية بالمساجد وأهمها: الجامع المنصوري الكبير الذي شيّد بين عامي 1294م و1315م.
جامع طينال: أقيم هذا الجامع سنة 1336م، مكان كنيسة الكرمليين التي كانت تقوم على ما يبدو على أنقاض معبد روماني مكرس لعبادة «زوش القدوس» أو «البعل القدوس». ويمتاز هذا الجامع بعدد من أعمدة الغرانيت ومن تيجان الأعمدة التي تعود إلى العصر الرومالني المتأخر التي أعيد استعمالها في قاعة الصلاة الخارجية، أما البوابة التي تفصل بين قاعتي الصلاة بمقرنصاتها ومأطوراتها وكسوتها المرمرية الملونة فتعتبر من أبدع منجزات الفن في بلاد الشام.
والجامع المعلق: يعود تاريخ بناء هذا الجامع إلى أواسط القرن السادس عشر الميلادي. ويبدو أنه سمّى بالمعلق لكونه أقيم فوق الطبقة الأرضية، ولا يفضي بالتالي إلى الطريق العام كما كانت العادة تقضي بذلك.
جامع البرطاسي ومدرسته: بني هذا المجمع الذي يضم مدرسة وجامعاً في الربع الأول من القرن الرابع عشر للميلاد.
إلى هذه المنشآت القائمة في المدينة، هناك أيضاً مرافق عامة ومهمة تكاد تندثر ويمحوها الزمن نتيجة الإهمال ومنها المدارس والخانات والحمامات نذكر منها:
المدرسة القرطاوية: بنيت في الربع الأول من القرن الرابع عشر للميلاد، وهي تعتبر من أجمل مدارس طرابلس زخرفاً، وتتميز بوابتها بمقرنصاتها وبمأطورتها الرخامية المتعددة الألوان بينما تتميز قاعة صلاتها بقبتها البيضاوية الفريدة.
المدرسة الطواشية: أقيمت هذه المدرسة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي. والمدرسة النورية شيدت نحو سنة 1333م والمدرسة الظاهرية شيدت عام 1396م والمدرسة السقرفية عام 1359م والمدرسة الخاتونية عام 1374م والمدرسة الرفاعية نحو عام 1465م.
وهناك الحمامات:
حمام عز الدين: أقام هذا الحمام نائب السلطنة في طرابلس الأمير عز الدين أيبك الموصلي الذي توفي عام 1298م.
ويشغل بناء الحمام موقعاً كان يقوم عليه بيمارستان وكنيسة «القديس يعقوب» وما زالت سقيفة الحمام تحمل لوحة رُقم عليها اسم القديس باللغة اللاتينية بين محارتين ترمزان إليه، بينما يحمل ساكن الباب كتابة أخرى ونقشاً يرمزان إلى الحمل الفصحي. وتعرّض هذا البناء للتدمير وهو اليوم قيد الترميم.
حمام العبد (قرب خان الصابون): بني هذا الحمام في نهاية القرن السابع عشر للميلاد وهو البناء الوحيد من نوعه الذي ما زال يعمل حتى اليوم.
الحمام الجديد: أنشئ هذا الحمام الذي يعتبر من أكبر حمامات طرابلس وأفخمها نحو عام 1740م. وقامت المديرية العامة للآثار بترميمه في نهاية الستينات وهو مقفل منذ ذلك الحين.
حمام الحاجب: بناه حاكم المدينة الأمير الكدجي سنة 1301م، وحمام النوري بناه الأمير نور الدين سنة 1333م.
وهناك الخانات:
خان الخياطين: بناه الأمير بدر الدين نحو سنة 1341م، يتألف خان الخياطين من رواق طويل مسقوف تعلوه غرف النزلاء وأمام مدخله الغربي عمودان من الغرانيت، ما زال أحدهما يحتفظ بتاج كورنثي الطراز يعود إلى العصر الروماني المتأخر.
خان المصرين: أقيم هذا الخان على ما يبدو في غضون النصف الأول من القرن الرابع عشر للميلاد على المخطط التقليدي لمثل هذا النوع من الأبنية، فهو يتألف من فناء تتوسطه بركة ماء تحيط به طبقتان، خصصت السفلى منها للبهائم والبضائع، وخصصت العليا للنزلاء، وتطل هذه الغرف على الفناء من خلال أروقة معومدة.
الخانقاه: أقيم هذا البناء الفريد في غضون النصف الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد، وكان في ما مضى حصراً لإقامة الزهّاد والمتعبّدين، ثم تحول في فترة من الفترات إلى دار للعجزة.
خان العسكر: بناه الأمير الكدجي في مطلع القرن الرابع عشر للميلاد.
خان المنزل: بناه أيضاً الأمير الكدجي في مطلع القرن الرابع عشر للميلاد وواجهته في القلعة.
خان الشاويش: ويقع على مقربة من سوق العطارين.
رياض علاء الدين
طرابلس
ـ 2 ـ
هي التي عرفت في التاريخ باسم: طرابلس الشام، تمييزاً لها عن طرابلس الأخرى الواقعة في ليبيا التي تعرف باسم طرابلس الغرب.
عندما أسسها الفينيقيون، قبل نحو ألف عام من ميلاد المسيح، كانت تتألف من ثلاثة أحياء عمرانية، وردت أسماؤها في نقش إخباري يتحدث عن غزوة «آشو نصر بال» لفينيقية حول سنة 870ق.م. وهي: «محلاتا»، و«مايزا»، و«كايزا»، وارتقى شأنها بين المدن الفينيقية حين تعرضت للاحتلال الفارسي، حيث أصبحت عاصمة للاتحاد الفينيقي، أو «متروبول فينيقيا «Métropole la Phénicie. ثم اتخذت اسماً «سامياً» هو: «أثر» أو «آثار» نراه على قطع النقود المسكوكة فيها بتاريخ 189 ـ 188ق.م.
وقد استبدل «أثر» بـ «تريبوليس» وهو اسم يوناني أُطلق على المدن الثلاث التي تألفت منها المدينة كاسم اتحادي رئيسي. وعندما جاءها الفاتحون العرب عربوا الاسم إلى «أطرابلس» بإضافة الهمزة في أولها، تمييزاً لها عن طرابلس المغربية. ولذا كانت النسبة إليها «أطْرَابُلُسي».
إن المعلومات التاريخية القديمة عن طرابلس قليلة لا تروي ظمأ الباحثين، ولكن يمكن القول إن موقعها كان موطناً «للحياة في العصور المتقدمة»، فقد عُثر على بقايا قربها عند نهرها المعروف بنهر «أبو علي» تعود إلى العصر الحجري المتأخر، ووجد، إلى جانبها عظام الوعل المتحجرة والغزال والذئب. وفي منطقة «أبو حلقة» جنوبي المدينة، وُجد مأوى «كان مستعملاً» في العصر الحجري الأعلى (الأورينياسيه الأسفل) ثم في عصر (الأورينياسيه الأوسط) السوري …
وأولى العناصر السكانية التي عرفنا أنها سكنت طرابلس هي عشيرة الحويين الكنعانية التي نزحت من فلسطين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولذا عُرفوا فيما بعد بالطرابلسيين.
ولما كان النزاع ينشب دائماً بين أرواد وصيدا وصور حول السيطرة على المستعمرات الفينيقية، فقد اختار الفينيقيون طرابلس كموقع حيادي لتاسيس مجلس شورى (بوليوتريون) يجتمع فيه ممثلو تلك المدن، عن كل مدينة مائة عضو، وبذلك أصبحت عاصمة المدن الفينيقية. وفي ذلك يقول (ديودور الصقلي): «في فينيقيا مدينة ذات شأن، تدعى طرابلس (المدينة المثلثة)، وهي تحمل هذا الاسم بحق، إذ تتألف من ثلاث مدن يفصل كلاً منها عن الأخرى مسافة ملعب (ستاديا)، وتدعى إحداها: الأروادية، والثانية الصيدونية، والثالثة الصورية. وهذه المدينة لها أهمية زائدة لدى الفينيقيين، إذ فيها يعقدون مجامعهم ويتشاورون في أمورهم المهمة».
وعندما اجتاح الملك «آشور نصر بال» المدن الفينيقية حول سنة 870ق.م. فأخضع طرابلس بين تلك المدن، وأصبحت محتلة من قِبَل الفرس نشبت فيها أول ثورة عارمة ضد الاحتلال الأجنبي حول سنة 52 ـ 351ق.م. وذلك بعد تأزم العلاقات بين أفراد الشعب الفينيقي والموظفين الفرس الذين كانوا يعاملونهم بفظاظة وقسوة، فتنادي مندوبو المدن الفينيقية إلى عقد مجلس الشورى واتخذوا قراراً خطيراً بإعلان الثورة على المحتلين الفرس، وطردوا حكامهم في عهد الملك «أرتحتشتا الثالث أوخوس» (359 ـ 338ق.م.).
وفتحت طرابلس أبوابها للقائد المقدوني الإسكندر بعد انتصاره الكبير على «داريوس الفارسي» سنة 333ق.م. ومع دخول الإغريق إليها أصبح اسمها «تريبوليس». وفي سنة 315ق.م. استطاع بطليموس أن ينتزع جزيرة قبرص من الملك «أنتيغانوس»، فقام «أنتيغانوس» بالزحف على سورية واحتلال بعض مدن الساحل الفينيقي ومنها طرابلس سنة 312ق.م.
وأمر ببناء أسطول بحري فيها لموقعها القريب من شجر الأرز، كما أنشأ فيها مراكز لجمع غلال القمح. وهاجم بالأسطول الطرابلسي مدينة صور واقتحمها سنة 311 ق.م. ثم استرجع قبرص. ولكن بطليموس استرجع طرابلس سنة 307ق.م. لتصبح خاضعة لحكم البطالسة حتى سنة (284)ق.م.
ومنذ أن تملك «أنتيغانوس» طرابلس سنة 312ق.م. وهي تصك نقودها مؤرخة تبيعها للسلوقيين تحت إسم «تريبوليتان ª«Tripolitan وواصلت صك النقود في عهد «بتوليمي الخامس» (205 ـ 180ق.م.) وكانت نقودها بين فضية وبرونزية. وكان استمرارها في إصدار النقود دليلاً على أهميتها في ذلك العصر، وزادت أهميتها عندما جاءها «ديمترويوس الأول» سنة 162ق.م. بحيث عادت تلعب دورها بالتفوق على المدن الفينيقية، إذ جعل إقامته فيها وجملها بالأبنية الفخمة واتخذها عاصمة له وقاعدة بحرية لأسطوله، وانطلق منها لمقاتلة خصومه في أنطاكية، حيث دخلها واسترجع عرش أبيه، ثم تفرغ لقتال الماكبيين واستطاع أن يقتل ملكهم «يهوذا المكابي» ثم صالحهم سنة 158ق.م. وبعد سنتين اعترف به الرومان ملكاً على سورية.
وفي أواخر العهد السلوقي انحازت إلى جانب «انتياخوس التاسع 96-122) > ق.م.) ضد منافسه على العرش وقدمت له المساعدة ضد «هركان» ملك اليهود. فكافأ أهلها بمنحهم الاستقلال، ولذلك اتخذوا لهم تاريخاً وطنياً مستقلاً أثبتوه على النقوذ التي ضربوها سنة 105ق.م. وهي تحمل نصاً يؤكد استقلال طرابلس «المدينة المقدسة والمستقلة» La Ville Consacrée et autonnime.
ويمكن القول إن طرابلس دخلت في فترة سادتها الفوضى كغيرها من مدن فينيقيا، حيث ظهر الانقسام جلياً في الدولة السلوقية بقيام ممالك وولايات محلية صغيرة، ورافق ذلك امتداد نفوذ القبائل العربية التي كانت تقيم في مناطق حوران من سورية ـ وهم الذين عرفوا بالأيطوريين ـ إلى الأرز، ثم انحدروا غرباً إلى الساحل حيث أضحت طرابلس مركزاً رئيسياً لنفوذهم. ومنها قاموا بحركة انتشار واسعة شملت الساحل الشمالي والجنوبي من لبنان في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد.
ومن سوء طالع طرابلس أن تولى حكمها ملك طاغية يدعى «ديونيسيس» استبد بأهلها وسامهم سوء العذاب، فلقي جزاءه بقطع رأسه بالفاس سنة 63ق.م. عندما قام القائد الروماني «بومبي «Pompéeª بحملته المظفرة على سورية والساحل الفيينقي.
وحظيت طرابلس في عصر الرومان باهتمام كبير من أباطرتهم، وشهدت قيام الأبنية الفخمة، ومنها ساحة الألعاب التي شارك في بنائها «هيرود الكبير» ( 62 -4ق.م.) وعندما أصبح «أنطونيو» حاكماً للشرق وهب طرابلس لعشيقته «كليوباترا» وتذكاراً لهذا الإهداء، فقد أصدرت طرابلس نقداً يحمل تمثالاً لملكة مصر في سنتي 37-36 ق.م.
وفي هذه الفترة خرج من طرابلس الحكيم «ثاوذوسيوس» الذي ترك عدة مصنفات في الرياضيات والهندسة.
واستمرت المدينة تتفوق على عدد كبير من المدن الفينيقية، فأفادتنا مسكوكات نقدية ضربت فيها على عهد «هادريانوس» ( 138-117ق.م.) بأنها كانت تحمل لقب «المدينة المقدسة المستفيدة من حق الوحدة المستقلة، وتنعم بسلطة بحرية».
وفي عهد الإمبراطور «كاراكالا» (217 ـ 211ق.م.) كانت مركزاً «دينياً مهماً يحتوي على عدة معابد رومانية ضخمة البناء، منها معابد لعشتارت وزيوس، كما كانت مركزاً «إقليمياً» لصك النقود الفضية، فوصلتنا نقود بإسم الإمبراطورة «جوليا دمنه» والإمبراطور «ماكرين» و«الأجابالوس» الذي صكت المدينة في عهده نقوداً تحمل اسم «نيوقور «Neocore مالك المعبد المخصص للعبادة القيصرية، لتنفرد بذلك من بين المدن السورية الأخرى.
وكان ملعبها الأولمبي (الأستاد) لا يزال يحتفظ بشهرته وأهميته، حيث كان يستقبل في ذلك الوقت وفود المتسابقين في المباريات الرياضية على غرار المباريات الدولية الآن. وقد تحدث أحد اللاعبين من أنطاكية أنه مثل مدينته في عدة مباريات رياضية، فحقق انتصارين في طرابلس.
ومنذ أن تأسست القسطنطينية في عهد الإمبراطور «قسطنين الأول الأكبر» (306 ـ 337م). أصبحت طرابلس تابعة للإمبراطورية البيزنطية، وفي عهده أصبحت النصرانية مباحة كغيرها من الأديان بعد صدور مرسوم «ميلان» سنة 313م. فحقق انتشاراً واسعاً في المدينة حتى أصبح لها أسقف مثلها في المجامع الكنسية.
وحول منتصف القرن الخامس الميلادي تعرضت مبانيها لزلزال شديد قلب مجاريها وقصورها وحماماتها العامة رأساً على عقب. وما تزال آثار حمام يعرف بالحمام المقلوب عند شاطئ البحر في الميناء، يقال إنه انقلب في ذلك الزلزال.
وكان في تلك الحمامات تماثيل من الشبه صنع مشاهير النحاتين الرومان أمثال «إيكار» و«ديدال»، تعتبر من روائع فن الحفر، فكان فيها تمثال «بيغاس» حصان «بيليروفون» الأسطوري.
وقد بذل الإمبراطور «مورقان» (450 ـ 455م). الأموال بسخاء لإعادة بناء المدينة وتزيينها. ولكن الزلازل تعاقبت عليها فضربتها في سنة 494 وسنة 539 و543 و551م. حيث غمرتها مياه البحر. فكان الأباطرة البيزنطيون يعيدون بناءها من جديد، ويشيدون فيها الأبنية التي تمجد أعمالهم.
وتفيدنا المراجع التاريخية أن إمبراطور «بوستنيانوس الأول» (527 ـ 565م). أنشأ في طرابلس كنيسة ضخمة عرفت باسم كنيسة «لاونتيوس» لعلها هي الكنيسة التي وجدها العرب عند فتحهم للمدينة وكانت تقع خارجها بالقرب من أحد حصونها في الجهة القبلية (الشرقية) منها كما يقول «ابن عساكر».
وقد أبقى المسلمون على هذه الكنيسة، فكانت ما تزال قائمة إلى ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري، ونرجح أنها كانت تقوم في الموضع الذي يقوم عليه الجامع المنصوري الكبير الآن.
ووجدت تحصينات المدينة عناية فائقة من البيزنطيين حيث واجه المسلمون عند فتحها ثلاثة حصون داخل رأسها عند البحر وسوراً ضخماً يحيط بها من الجهة الشرقية أمامه خندق عظيم. ودل على ذلك المقاومة العنيدة التي أبدتها المدينة أمام الفاتحين العرب، وتأخر فتحها عن جميع مدن الساحل الشامي حتى نهاية الربع الأول من القرن الأول الهجري.
وبعد موقعة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون على جيوش «هرقل» إمبراطور الروم، انفتحت الطريق أمام العرب المسلمين للوصول إلى مدن ساحل الشام، فكانت المدن تتساقط في مدة يسيرة، ولكن الأمر كان مختلفاً عند طرابلس المثلثة ذات الجزر البحرية المتناثرة أمام مينائها، والنهر الذي يحدها من الشرق. فقد استعصت، ولم يطمع المسلمون في فتحها إلى أن كانت سنة 25 فحاصروا المدينة من الشرق وبنوا على بعد ميلين منها حصناً فكانوا يغزون أهلها منه، حتى كتب الروم من سكانها إلى الإمبراطور «قنسطانز» يطلبون نجدته، فبعث إليهم المراكب حيث فروا بها ليلاً وأخلوا المدينة إلا من جماعة قليلة من اليهود، فدخلها المسلمون ظافرين، لتبدأ مسيرة طرابلس العربية المسلمة دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، ولتصبح ثغراً ورباطاً للصحابة وللمرابطين والمجاهدين والغزاة في سبيل الله ضد البيزنطيين والجراجمة والمردة، وضد الصليبيين والتتار وقراصنة الإفرنج من بعدهم.
وبعد فرار الروم من المدينة، أنزل الحكم فيها جماعة كبيرة من يهود الأردن، ثم أسكنها الفرس حول سنة 41. كما استأمن بعض الروم، فأُذن لهم بالإقامة فيها.
ويتسم تاريخ طرابلس في أواخر العهد الأموي ومطلع العهد العباسي بالغموض، حيث ينقطع ذكرها من المصادر التاريخية طوال القرن الثاني، والنصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولا شك أن ذلك كان متأثراً بانتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد، وقد انضوت كغيرها من بلاد الشام للدولة العباسية في سنة 132هـ. ثم دخلت في وزارة «أحمد بن طولون» سنة 264هـ/ 878م.
ومنذ سنة 250هـ، يعود تاريخ طرابلس ليأخذ مكانه بين كتابات المؤرخين فنقرأ، في هذه السنة، ولادة أكبر محدث أخرجته المدينة في تاريخها على الإطلاق هو «خيثمة بن سليمان القرشي الأطرابلسي» الذي لقب بمسند طرابلس ومحدث الشام، وقد ترك عدة مصنفات مخطوطة في الحديث. ثم يخبرنا المؤرخ «اليعقوبي» عن النشاط البحري لثغر طرابلس وأهميته فيذكر ميناءها بأنه «ميناء عجيب يحتمل ألف مركب».
ونطالع تفاصيل الغزوة الكبرى التي قام بها صاحب طرابلس أمير البحر «ليو الطرابلسي» إلى مدينة سالونيكا باليونان سنة 291هـ/ 904م، يرويها لنا «يوحنا كامياتس» أحد قساوسة المدينة الذي وقع في الأسر مع 22 ألفاً من أبنائها اقتادهم المسلمون إلى سواحل الشام. وتتبوأ طرابلس موقع الصدارة بين الثغور الشامية بفضل أسطولها البحري وشجاعة أميرها «ليو» الذي كان يزرع الخوف والرعب في قلوب الروم، ويجوب بأشرعة مراكبه الإسلامية بين جزر بحر إيجه، وبحر الأرخبيل اليوناني، وينزل الهزيمة بالوزير «هيميريوس» قائد الأسطول البيزنطي سنة 299هـ. وتعود طرابلس إلى العباسيين لفترة قصيرة، فيزورها «أبو الطيب المتنبي» ويمدح صاحبها «ابن خراسان» مسجلاً لأهلها بيتاً من الشعر يتغنون به على مر الأزمان:
أكارِمٌ حَسَدَ الأرضَ السماءُ بهم
وقصَّرَتْ كلُّ مِصرْ عن طَرَابُلُس
ثم تنضوي المدينة تحت لواء الدولة الأخشيدية، ويصفها «الاصطخري» حينئذ، بأنها مدينة عامرة واسعة ذات نخل وقصب وسكر وخصب. وتتعرض المدينة في السنة الأخيرة من الحكم الأخشيدي لحملة يقودها الإمبراطور «نقفور فوكاس» (357 ـ 358هـ/ 968م). لكنه يرتد حسيراً أمام صمود أهلها، فينتقم منهم بإحراق ربضها.
في العهد العباسي كانت طرابلس عاصمة لكورة صغيرة تضم: عرقة وأنفة والبترون. وبعد انضوائها للفاطميين أصبحت مركز ولاية كبيرة تمتد سلطة واليها حتى جونية ونهر الكلب قرب بيروت في الجنوب، وتصل إلى أعمال حلب في الشمال، فكان قاضيها أو واليها يتمتع بحق النظر على سائر الحصون في تلك المنطقة كلها، حيث أفردها الفاطميون عن دمشق، واتخذوها، كغيرهم ممن سبقهم، قاعدة رئيسية للأسطول في ساحل الشام، وموقعاً برياً متقدماً في مواجهة البيزنطيين، وعينوا عليها ولاة مارس بعضهم دوراً كان يفوق أحياناً والي دمشق وحلب.
وصدت في عهدهم ثلاث حملات قادها الإمبراطور «زيمسكس» والإمبراطور «باسيل الثاني» حتى شبهت المدينة بصخرة جبل طارق.
وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري في العهد الفاطمي تبدأ معلوماتنا عن انتشار المكتبات الأهلية في مساجد المدينة ودور علمها، ثم خزائن الكتب التي أوقفها بنو عمار لطلبة العلم وأهله، فنرى «أبا العلاء المعري» يشد الرحال إليها، فينهل العلم فيها ويتردد على مكتباتها ولا يصرفه عنها إلا نعي أبيه سنة 377هـ. ويزداد شأن المدينة ارتفاعاً في العهد الفاطمي، فتزدهر صناعاتها، وتنشط حركتها التجارية، ويزداد حجم أسطولها الحربي والتجاري وتكثر محصولاتها الزراعية، ويتسع عمرانها.
ويترك لنا الرحالة والعالم الفارسي «ناصر خسرو» وصفاً رائعاً لطرابلس عند زيارته لها سنة 438. (1047م) فيقول إن أهلها شيدوا فيها مساجد جميلة وبيوتاً على مثال الأربطة تسمى مشاهد، وأنه كان يوجد خارج المدينة مشهدان أو ثلاثة. ويتبع طرابلس كثير من السواد والقرى، وهي محصنة تحصيناً قوياً يأخذها البحر من ثلاثة أوجه. وفي الجهة الشرقية يقوم حصنها ذو الحجر المصقول الذي يحيط به خندق عظيم، ويمتد حول سورها ذي الحجر المنيع، ووراء الخندق يقوم باب المدينة الرئيسي المحكم المصنوع من الحديد الثقيل.
ويكثر في مزارعها وبساتينها المحيطة بها قصب السكر وأشجار النارنج والترنج والموز والتمر وشجر الزيتون والكروم وأنواع الفواكه وضروب الغلات، فتنتج الفاكهة بنوعيها اليابسة والرطبة. وكانت صناعة السكر بأشكاله المختلفة تلقى رواجاً لدى تجار جنوا والبندقية، كما كانت مصانع طرابلس تنتج أجود أنواع الورق بمختلف أنواعه وأحجامه، والذي يفوق الورق السمرقندي جودة وإتقاناً. وبلغ ارتفاع المباني أربع وخمس طبقات، وبعضها ارتفع إلى ست طبقات. وشوارعها نظيفة حتى يخيل لمن يراها أنها كالقصور المزينة.
وكانت المكوس تحصل في مينائها فتدفع السفن الآتية من بلاد الروم والفرنج والأندلس والمغرب العُشْر للسلطان، فيدفع منه أرزاق الجند، وله بها سفن تسافر إلى بلاد الروم وصقلية والمغرب للتجارة. والوارد والصادر إليها كثير، وهي معقل من معاقل الشام، مقصود إليها بالأمتعة وضروب الأحوال وصنوف التجارات.
وتجد طرابلس أزهى عصورها في عهد أمرائها من بني عمّار الذين استقلوا بها أول الستينات من القرن الخامس الهجري، وحكموا إمارة تمتد من جبلة شمالاً إلى جونية جنوباً، واهتموا بتشجيع الحركة العلمية والثقافية، فكان لأمين الدولة ابن عمّار مؤسس الإمارة خزانة كتب تضم أكثر من مائة ألف كتاب، ثم تضاعف عدد هذه الكتب بشكل هائل في عهد ابن أخيه جلالة الملك الذي جدد بناء دار العلم سنة 472هـ. ووصل عدد مخطوطاتها إلى ثلاثة ملايين، على حد رواية المؤرخ «ابن أبي طيء».
وكانت المدينة تضرب الدنانير الذهبية، وتتمتع بأسطول بحري وتجاري كبير ساهم في الدفاع عنها وفي صمودها حين تعرضت للحملات الصليبية حتى سقطت بأيديهم بعد مقاومة استمرت عشر سنوات، ودخولها في أواخر سنة 502هـ/ 1109م. وأحرقوا دار العلم التي كانت تضم أروع مكتبات الدنيا.
وحين دخلها الصليبيون اتخذوها عاصمة للإمارة ـ الكونتية الرابعة ـ التي تأسست في الشرق العربي بعد: الرها، وأنطاكية، وبيت المقدس. وخضعت طرابلس لهم (180) عاماً ميلادياً، واشتهر في عهدهم معهد الطب «الأكاديمي» الذي اعتبر أعظم المعاهد الطبية في بلاد الشام على الإطلاق. ونتج عن وجود الصليبيين. في طرابلس وساحل الشام أن تأثروا وأثروا في تطور العلاقات بين الشرق والغرب، فكانت المدينة بموقعها وتراثها ودورها وحضارتها الإسلامية تمثل معبراً هاماً من معابر الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا في العصر الوسيط.
وازدهرت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية وبالعكس، فتخرج من معاهدها المؤرخ والعالم المعروف بـ «ابن العبري» ووضعت الدراسات عن الإسلام والمسلمين من قبل علماء الإفرنج والنصارى الوطنيين، واشتهر من بينهم «وليم الطرابلسي» الذي قرأ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، واطلع على العلوم الفلسفية والتاريخية، ودرس اللغة العربية حتى أتقنها، ووضع أفضل كتب ظهرت عن الإسلام في العصور الوسطى، وبرهن في كتاباته على بصيرته النافذة في عبقرية الإسلام ومميزاته.
وتعرّف الفرنجة، لأول مرة على «البوصلة» وطريقة استخدامها على أيدي البحارة المسلمين في ميناء طرابلس، وتذوقوا قصب السكر لأول وهلة فأعجبوا بطعمه ونقلوا منه وزرعوه في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا. وأدهشتهم صناعة الحرير في مصانعها القائمة على ضفاف النهر، والتي كان فيها آلاف الأنوال وأدوات الغزل والنسيج.
واستعصت على المسلمين في محاولاتهم لاسترجاعها حتى جاء السلطان المنصور قلاوون الذي حررها في سنة 688هـ. (1289م). ثم هدم المدينة القديمة وأمر ببناء المدينة المستجدة القائمة الآن. ولم يبق من آثارها سوى قسم من قلعة طرابلس القائمة الآن، وبعض الأديرة والكنائس التي تحولت إلى مساجد ومدارس إسلامية.
دكت أبنية المدينة القديمة إلى الأرض، وصدر الأمر ببناء مدينة جديدة قرب القلعة والحي اللاتيني على بعد ميلين إلى الشرق من المدينة الفينيقية، فأزال السلطان المنصور قلاوون بقراره هذا كل المعالم القديمة التي كنا نود اكتشاف آثارها. وسرعان ما استعادت أهميتها وموقعها، فاتخذها سلاطين المماليك طوال قرنين وربع القرن من الزمان عاصمة لنيابة السلطنة، وأقيمت فيها عشرات المساجد الجامعة، والمدارس، والزوايا، والتكايا، والخوانق، والربط، والحمامات، والخانات، والقياسر والطواحين، وأقيمت لها عدة بوابات في مختلف الاتجاهات، وجرى توسيع القلعة وأعيد بناؤها وتحصينها.
واتسعت أسواقها، وتشعبت حاراتها ودروبها وأزقتها الملتوية والممتدة تحت عقود الدور والمنازل التي توفر لها حماية طبيعية بحيث تحولت في معظمها إلى سراديب ودهاليز وساباطات سرية. وأقيم على امتداد ساحلها البحري سبعة أبراج حربية للمرابطة والدفاع عن المدينة إذا دهمها العدو.
وعادت المدينة إلى تأدية دورها القيادي في مجاهدة الصليبيين وطردهم من ساحل وجزر بحر الشام، فشارك جندها في تحرير جزيرة أرواد من الصليبيين، وكان ميناء طرابلس القاعدة الأمامية التي انطلق منها أسطول المسلمين لفتح قبرص سنة 829هـ. (1426م). ومن مينائها أيضاً انطلق المسلمون لغزو جزيرة رودس في سنتي 747 -748هـ. (1443 و1444م).
حسن الأمين أمام باب قلعة طرابلس سنة 1997
وقد ترك «ابن فضل الله العمري» وصفاً للمدينة بعد نحو ربع قرن من فتحها وبنائها من جديد، فقال: «بنيت عند الفتح عوض أطرابلس العتيقة، وكانت تسمى قديماً بدار العلم، وتداولها ملوك بني عمار، وكانوا في الأول لهم القضاء بها … ولها نهر يحكم على ديارها وطبقاتها، يتخرق الماء في مواضع من أعالي بيوتها التي لا يرقى إليها إلا بالدرج العلية، وحولها جبال شاهقة صحيحة الهواء خفيفة الماء، ذات أشجار وكروم ومروج وأغنام ومعز، ومجتمع بها الجوز واللوز وقصب السكر والبلح، ويعمل بها السكر، ويهوي إليها وفود البحر، وترسي بها مراكبهم، وهي موضع زرع وضرع.
وهي الآن مدينة ممتدة كثيرة الزحام، ذات مارستانين ومساجد ومدارس وزوايا وأسواق جليلة وحمامات حسان موصوفة، وجميع أبنيتها بالحجر والكلس، مبيضاً ظاهراً وباطناً، تحيط بها غوطتها، ويحيد بغوطتها مواضع مزروعاتها، بديعة المشرف، تحسن بعين من يشرف من هضبة عليها. وهي مملكة ذات جيش وتركمان وخاصة …».
ويصفها «شيخ الربوة» بأنها: سهلية جبلية، بحرية برية. ويصفها «ابن حبيب الحلبي» بأنها: برية بحرية، شامية مصرية. ويصفها «ابن بطولة» بأنها: إحدى قواعد الشام وبلدانها الضخام.
ودخلت طرابلس تحت السيادة العثمانية حين انتصر الأتراك في «مرج دابق» على المماليك في سنة 922هـ. (1516م). وأبقوا على النظام المتبع فيها بتعيين الكُفَّال والنواب لبعض سنوات، إلى أن أصبحت تؤجر للإقطاعيين الذين ينيبون عنها من يعول حكمها وذلك اعتباراً من سنة 928هـ. (1522م).
وقد احتفظت المدينة بأهميتها السياسية ودورها الحربي فاتخذها الأتراك حاضرة لولاية كبيرة في ساحل الشام كان يتبعها من الأعمال: جبيل والبترون وجبة بشري والكورة والزاوية والضنية. ثم أصبح إقليم عكار من ملحقاتها بعد أن أصبحت طرابلس «باشوية» أيام واليها «يوسف باشا ابن سيفا» في سنة 988هـ. (1580م). فكانت جموع الغزاة من الجنود في أنحاء بلاد الشام تحشد في طرابلس للجهاد، ولذا أقام العثمانيون في الطرف الشمالي من المدينة خاناً أو معسكراً للجند يعرف بخان العسكر، وفي الطرف الجنوبي من المدينة أقيم رباط للمجاهدين والغزاة يعرف برباط الخيل.
وأوجد الأتراك عدة مناطق سكنية جديدة أحاطت بمدينة المماليك، فازدادت عمراناً واتساعاً، وتضاعف عدد مساجدها ومدارسها وزواياها وتكاياها وحماماتها وخاناتها، وتجاورت المساجد والمدارس، بل تلاصقت، وكثر عددها بشكل يثير العجب، حتى أن المدرسة كانت تفصلها عن المدرسة القريبة منها مدرسة أخرى مجاورة، حتى بلغ عددها قبل نحو ثلاثة قرون أكثر من ثلاثمئة وستين مسجداً ومدرسة.
وأعاد الأتراك بناء القلعة والأبراج والحصون الساحلية والبوابات. واستعادت الميناء دورها التجاري فكثرت فيها القنصليات الأوروبية، وأقيمت الوكالات والمخازن لاستيعاب المنتجات الصادرة والواردة من القطن والسكر والصابون وغيره.
ويعتبر عهد الأتراك في طرابلس أطول العهود الإسلامية التي خضعت لسيادتها، حيث امتد حكم الأتراك نحو أربعة قرون ونيف، باستثناء ثماني سنوات خضعت فيها طرابلس للحكم المصري حين دخلها «إبراهيم باشا» ابن محمد علي الكبير سنة 1832م، واتخذها قاعدة عسكرية في حملته على بلاد الشام، وعادت إلى الأتراك بعد جلاء المصريين سنة 1840م، ثم خضعت للانتداب الفرنسي سنة 1918.
وفي سنة 1920م. أعلن الجنرال «غورو» دولة لبنان الكبير التي ضمت فيما ضمت طرابلس وبيروت وصيدا وصور. ونال لبنان استقلاله في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943م، وجلا آخر جندي استعماري عن أرضه في 31 كانون الأول (ديسمبر) عام 1946م.
ويعيد التاريخ نفسه، فنجد طرابلس الفيحاء الآن طبوغرافيا أشبه ما تكون بـ «تريبوليس» القديمة، حيث تتألف من ثلاث مناطق عمرانية. فقسم منها يقوم على هضبتين ترتفعان عن سطح البحر بين 50 و70 متراً، يفصل بينهما نهر «قاديشا» المعروف بـ «أبو علي» الذي ينحدر من سفح جبال الأرز فيسقي بساتين المدينة ويصب في البحر، وتعرف الهضبة الشمالية بـ «القبة» والجنوبية بـ «أبو سمراء».
وتكاد القلعة تتوسط بينهما، وتشكل الهضبتان الجهة الشرقية من المدينة، وفي سفحهما يمتد العمران في المرج المنبسط غرباً ليصل إلى الميناء ساحل البحر حيث يقوم القسم العمراني الثالث.
وقد تزايد سكان طرابلس في السنوات الأخيرة ليبلغوا نيفاً ونصف مليون نسمة، أربعة أخماسهم من المسلمين يمثلهم أربعة نواب في المجلس النيابي، بالإضافة إلى نائب عن طائفة الروم الأرثوذكس الذين يشكلون الخمس الباقي من سكانها. وهي تبعد عن بيروت 82 كيلومتراً.
وتقوم شوارع طرابلس الفسيحة الحديثة، الجميلة بمبانيها الفخمة العالية، وأزهارها وأشجارها المتناسقة، مع أسواقها القديمة الضيقة المزدحمة بالناس والبضائع الوطنية والمستوردة، ومعالمها التاريخية وأشهرها، القلعة، والجامع المنصوري الكبير، وجامع طينال، وجامع البرطاسي، وجامع العطار، والمدرسة القرطاوية، والنورية، والناصرية.
حسن الأمين في ظاهر قلعة طرابلس سنة 1997
وخان الخياطين، وخان المصريين، وخان العسكر، وخان الصابون، وخان التماثيلي، وحمام عز الدين، وحمام النوري، والحمام الجديد. وبرج السباع، وبرج عز الدين، وبرج الشيخ عفان، وبرج رأس النهر، والتكية المولوية، وقناطر البرنس، وسبيل التينة، وسوق حراج، وخانقاه الصالحة، وساعة التل …
الدكتور عمر عبد السلام تدمري
طرابلس
ـ 3 ـ
تبعد عن بيروت نحو تسعين كيلومتراً على ما يقرب من منتصف الساحل الشرقي لحوض البحر المتوسط وتتألف من قسمي المدينة وتفصل بينهما الحدائق والبساتين الممتدة على أوسع المساحات.
وتقع المدينة شرقي الميناء على ضفة نهر قاديشا المعروف بنهر أبي علي ويقوم على ضفته اليسرى تل يطل على المدينة وفي أعلاه قلعة تعود إلى أيام الصليبيين والمماليك تعرف بقلعة صنجيل.
وهي التي بناها (ريموند دي سان جيل) كون دي تولوز سنة 1103م حينما كان يحاصر طرابلس القديمة المشرفة على البحر وقد سماها قلعة الحجاج نسبة إلى التل الذي أقيمت عليه والذي كان يسمى تل الحجاج ولما استولى المنصور قلاوون على طرابلس كان العمران قد تقدم وراء القلعة فاختار قلاوون هذا المكان لبناء طرابلس الجديدة مكان القديمة (الميناء) التي هدمها ونمت المدينة الجديدة نمواً جعلها من أعظم مدن الشام في عصر دولتي المماليك البحرية والشراكسة.
وما زالت هذه المدينة بآثارها الإسلامية من مدارس ومساجد وقباب وخانات وحمامات وأسواق تؤلف القسم الأعظم من طرابلس الحالية ويمتد هذا القسم على جبل أبي سمراء (تل الحجاج) وعلى النشز الواقع شرقي نهر أبو علي وهو المسمى بتلة القبة وعلى جانبي الطريق المؤدي إلى بيروت جنوباً وإلى اللاذقية شمالاً وفي السهل الفاصل بين طرابلس المدينة وطرابلس الميناء.
أما طرابلس الميناء فتقع في نهاية السهل الخصب الممتد من طرابلس القلاوونية إلى الساحل الذي ينتهي بشبه جزيرة تحيط بها مياه البحر من الشمال والجنوب والغرب. وتكتمل منطقة الميناء بأربع جزر صخرية صغيرة وأهمها الجزيرة التي يسميها أهل طرابلس جزيرة الأرانب.
(والميناء) الحالية هي الموضع الذي كانت تقوم فيه مدينة طرابلس القديمة إلى أن هدمها قلاوون سنة 1289م. والفينيقيون هم الذين أنشأوا طرابلس وليس من تاريخ معروف لهذا الإنشاء وأقدم ما عرف من تاريخها يعود إلى سنة 359 قبل الميلاد في عصر الحكم الفارسي فإنه من المعلوم أنها في هذا التاريخ كانت تتألف من ثلاثة أحياء تمثل المدن الفينيقية الثلاث صور وصيدا وأرواد: حي للصوريين وحي للصيداويين وحي للإرواديين.
وخضعت طرابلس كغيرها من المدن الفينقية للحكم الفارسي ثم احتلها الإسكندر في فتوحه الكبرى وانتهى بها الأمر إلى الحكم الروماني. ولما اجتاحت الجيوش الإسلامية بلاد الشام دخلت طرابلس في سلطة هذه الجيوش حتى عهد أحمد بن طولون ثم ابنه خمارويه فكانت طرابلس في عداد المدن الشامية التي خضعت لذاك العهد ثم استعادها نفوذ بغداد ثم عادت إلى حكم مصر في عهد محمد ابن طغج الأخشيدي وظلت أخشيدية الحكم حتى تولى الفاطميون على بلاد الشام ففصلت طرابلس عن إقليم دمشق وأصبحت مدينة يتولاها عامل من قبل الخليفة الفاطمي في القاهرة وبلغت طرابلس في عهد الفاطميين شأناً رفيعاً كما يبدو مما وصفها الرحالون والجغرافيون في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري.
كالإصطخري في كتابه الممالك والمسالك والمقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم وكذلك الرحالة ناصر خسرو في النصف الأول من القرن الخامس الهجري. وذكر هذا الرحالة بأن طرابلس في عهده كانت شيعية بأكثريتها الساحقة.
وظلت طرابلس تابعة للخلافة الفاطمية حتى استقل بها قاضيها أبو طالب الحسن بن عمار.
بنو عمار
وبنو عمار أسرة شيعية عريقة كان رجالها قضاة طرابلس ثم صاروا أمراءها فبلغت في عهدهم ذروة تألقها فمنهم أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار المتوفى سنة 464 ثم جلال الملك أبو الحسن علي بن عمار المتوفى سنة 492 ثم فخر الملك عمار بن عمار المتوفى حوالي سنة 514 وأبو المناقب شمس الملوك أبو الفرح محمد بن عمار المتوفى بعد سنة 501 وقد تولى لفترة وجيزة نيابة عن فخر الملك. وقد بدأ حكمهم لطرابلس سنة 457هـ أو قبل ذلك بقليل. وهم على التوالي: أمين الدولة أبو طالب بن عمار المتوفى سنة 464هـ، ثم جلال الملك أبو الحسن علي بن عمار المتوفى سنة 492هـ، ثم فخر الملك بن عمار المتوفى حوالي سنة 514هـ، ثم أبو المناقب شمس الملك أبو الفرج محمد بن الحسن بن عمار المتوفى سنة 501 وقد تولاها نيابة عن ابن عمه فخر الملك لمدة قصيرة.
وكان استقلالهم بطرابلس سنة 462 (1070) وكانت إمارتهم تمتد حتى تخوم بيروت من جهة وحتى أرباض أنطاكية من جهة ثانية. ويمكن القول إن حدودها السياسية امتدت من نواحي جبلة في سورية حتى لتصل إلى قلعة صافيتا وحصن الأكراد والبقيعة وفي لبنان حتى الهرمل والضنية وجبة بشري وبلاد العاقورة شرقي بلاد جبيل. وكانت جونيه من أعمال طرابلس في عصر (الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ الذي زار طرابلس سنة(462هـ).
وقيل عن الحسن بن عمار: «كما كانت حلب في عهد سيف الدولة مركزاً للشعر، كذلك كانت طرابلس في عهد الحسن بن عمار وقد ازدهرت المدينة في عهده فأصبحت مركزاً للحياة الفكرية في بلاد الشام، وأنشأ مدرسة كبيرة ومكتبة، وقالت مجلة الثقافة: (ومن هذه المكتبة انتشر العلم في أنحاء المدينة حتى قال المؤرخون أن طرابلس جميعها دار علم وكان في هذه المكتبة مائة وثمانون رجلاً لا عمل لهم إلا نسخ الكتب يتناولون مقابل صناعتهم مرتبات ولها أناس متخصصون للبحث عن الكتب وشرائها لجمعها في هذه المكتبة والفضل الأعظم بل الفضل الأول في هذا لأبي طالب الحسن بن عمار).
وقد نشطت فيها حركة الترجمة من الكتب اللاتينية والفارسية وغيرهما إلى العربية وبالعكس ولدينا شهادة بذلك من المستشرق (دي لاسي أوليري) في كتابه (علوم اليونان وسبل انتقالها إلى الغرب).
واجتذبت مكتبات طرابلس ومدارسها ومجالس علمائها كثيراً من طلاب العلم، واكتظت المدينة بالعلماء والأدباء والشعراء والمحدثين والفقهاء والأساتذة في كل فن وعلم وقصدهم الطلبة من كل صوب وحدب. وقد ذكر المؤرخ (السامي) في كتابه (مختصر التواريخ) (ص 277 نسخة مخطوطة بدار الكتب في القاهرة) أن مدينة طرابلس كانت مملوءة بالعلماء حين دهمها الصليبيون وأن من يتصفح كتب التاريخ والتراجم ليقف على هذه الحقيقة سيجد أن طلاب العلم ورجالاته جاؤوا طرابلس من الأندلس ومن بلاد المغرب، ومن مصر، ومن الحجاز، ومن العراق، ومن بلاد فارس، ومن أنحاء بلاد الشام، ومن آسيا الصغرى وغيرها ….
كذلك تميزت إمارة بني عمار بالمشاريع المائية التي أمنت لطرابلس رياً منظماً من نهرها الذي عرفت باسم أمير المدينة أبي علي بن عمار، فقد نظم هذا الأمير أبو علي، نهر قاديشا ومنع فيضانه، وأمن الأقنية منه للري، فأطلق الأهالي على النهر اسم نهر أبي علي.
ونمت إمارة طرابلس الشيعية([416]) نمواً عظيماً حتى أصبحت في القرن الحادي عشر أعظم مدينة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وكانت أساطيلها تنتقل في أنحاء البحر المتوسط معيدة إلى الأذهان ذكرى أساطيل الفينيقيين ودورهم التجاري والحضاري في العالم القديم.
وقال ناصر خسرو الرحالة (القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي): «وللسلطان بها سفن تسافر إلى بلاد الروم وصقلية والمغرب للتجارة».
وفخر الملك عمار بن محمد بن عمار كان يلقب بملك الساحل وهو الذي صمد بوجه الصليبيين عشر سنوات يدافعهم مستبسلاً في النضال عن طرابلس وقد دفع أثناء الحصار الصليبي إلى جميع المدافعين عن المدينة من الأجناد براً وبحراً رواتب عن ستة أشهر مقدماً. ولما رأى أن قوى الصليبيين بتزايد وأن الخطر على وطنه في تفاقم مضى إلى دار الخلافة بغداد يستنجد بها ولكن بغداد التي كانت تحت سيطرة السلاجقة لم تنجده فعاد خائباً.
وحين ملك (صنجيل) الفرنجي مدينة جبيل وأقام على طريق طرابلس وأقام حصناً مقابلها وأقام مراصد لها خرج فخر الملك ومعه ثلاثمائة فارس من فرسان طرابلس الأشداء فأحرق ربضه، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المذهبة المحترفة ومعه جماعة فانخسف بهم ومرض ومات.
وقد كانت بطولة عمار بن محمد بن عمار وكفاحه مادة خصبة لشعراء عصره فمدحوه مشيدين بشجاعته ووطنيته واستبساله في رد الأعداء عن بلاده.
وأكثر من مدحه الشاعر (ابن الخياط) فإن له فيه قصائد كثيرة([417]).
وفي النهاية سقطت طرابلس بأيدي الصليبيين سنة 502 ـ (1109).
وكان عهد بني عمار عهد إزدهار اقتصادي وعلمي وأدبي وفي هذا العهد اشتهرت طرابلس بصناعة الورق الذي كان يفوق ورق سمرقند الشهير وشجع بنو عمار زراعة قصب السكر الذي كان ينمو بغزارة على ضفاف نهر أبو علي وفي بساتينها وأقاموا المصانع داخل المدينة لعصره وتجفيفه وتصنيفه بشكل رقائق أو ناعم أو بشكل حلوى([418]) وكان لبني عمار أسطول يقاتل الصليبيين ويدافع عن طرابلس فقد ذكر ابن الأثير في الجزء العاشر أن حملة ميرة بحرية خرجت من اللاذقية لإنجاد الصليبيين المحاصرين لطرابلس فأخرج إليها فخر الملك أسطولاً فجرى بينه وبين القادمين قتال شديد ظفر فيه المسلمون بقطعة من الروم فأخذوها وأسروا من كان بها.
حسن الأمين مع الشيخ حسن سليم والسيدين دياب أبو قاسم وأبو علي محسن في ظاهر قلعة طرابلس سنة 1997
وقد امتدت آثار بني عمار إلى خارج إمارتهم، فهم الذين بنوا الجهة الشرقية من الجامع الكبير في مدينة حلب كما يثبت ذلك المؤرخ ابن الشحنة الحلبي في كتابه (الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب) (ص 63 المطبعة الكاثوليكية بيروت 1909). كما كانوا يبعثون القضاة والخطباء إلى المدن الشامية، ومن ذلك ما ذكره (ابن تغري بردي) في كتابه (النجوم الزاهرة) عن ابن تلتمش أنه عندما فتح حصن انطرطوس من الروم سنة 475 بعث إلى صاحب طرابلس القاضي جلال الملك يطلب منه قاضياً وخطيباً ليقيم بها (ج 5 ص 115 طبعة دار الكتب المصرية) كما تولى الخطابة في جامع جبلة والصلاة والوقوف بها، القاضي الحسين بن أحمد المعروف بابن النقار، وكان قد أقام قبلها في طرابلس وتعلم بها القرآن الكريم، وأرسله إليها جلال الملك ابن عمار بعد أن دخلت في حوزته وظل في جبلة يؤدي مهمته حتى طرقها الصليبيون فخرج إلى دمشق بعد خروج فخر الملك ابن عمار من طرابلس سنة 501 (1108م) (تهذيب التاريخ الكبير لابن عساكر ج 4 ص 356، 357 طبعة روضة الشام 1331هـ).
وأصبحت طرابلس بعد دخول الصليبيين مركزاً لإمارة لاتينية تولاها بيت تولوز وكانت تضم جبيل وعرقة وطرطوس ثم خضعت لأمراء أنطاكية ثم أعلنت جمهورية مستقلة تحت حماية جمهورية جنوى سنة 1288م. وسيأتي خلال البحث حديث آخر عن بني عمار.
وفي أول الثاني سنة 688 و26 نيسان سنة 1289م دخلت جيوش السلطان قلاوون مدينة طرابلس بعد حصار دام 38 يوماً ثم أمر السلطان بهدم المدينة فهدمت ودكت إلى الأرض وأمر ببناء مدينة أخرى بعيداً عن البحر واختار لذلك الربض الواقع أدنى قلعة صنجيل.
وهكذا خضعت لدولة الممالك المصرية وسميت نيابة أسوة بباقي النيابات التي أسسها المماليك في بلاد الشام. وفي مطلع الفتح العثماني سنة 1517م ولى عليها العثمانيون أول حاكم لهم، وظل الحكام العثمانيون يتعاقبون عليها واحداً بعد واحد حتى سنة 1579 حيث جعلوها «باشوية» أو «ولاية» مثل دمشق وحلب، وقد تضمنت خمسة ألوية هي: حمص وحماه. وجبلة والسلمية وطرابلس. ولواء طرابلس كان يشمل: بلاد جبيل والبترون وجبة بشري والكورة والزاوية والضنية وعكار والحصن وصافيتا.
وفي العام 1841 أعاد العثمانيون تنظيم البلاد. فأحدثوا ولاية جديدة باسم ولاية سورية شملت ثمانية ألوية أو متصرفيات هي: دمشق وطرابلس واللاذقية وعكا وحماه والبلقاء وحوران، وكانت متصرفية طرابلس تشمل أقضية طرابلس وعكار وصافيتا والحصن.
ثم خرجت من حكم العثمانيين في نهاية الحرب العالمية الأولى وضمت إلى لبنان عند تكبيره.
وطرابلس اليوم ثاني مدينة في الجمهورية اللبنانية بعد العاصمة وهي قاعدة محافظة.
دار العلم في طرابلس
وعن دار العلم في عهد بني عمار بطرابلس يقول الدكتور مصطفى جواد:
من دور العلم التي اشتهرت في العالم الإسلامي القديم «دار العلم» بطرابلس الشام، وقد اختلف المؤرخون في تعيين الزمن الذي أسست فيه، وأثر هذا الاختلاف في سيرة أديب العرب وفيلسوفهم أبي العلاء المعري. قال القاضي كمال الدين عمر بن العديم: «وقد ذكر بعض المصنفين أن أبا العلاء رحل إلى دار العلم بطرابلس، للنظر في كتبها واشتبه عليه ذلك بدار علم في أيام أبي العلاء، وإنما جدد «دار العلم» بها القاضي جلال الملك أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمار في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وكان أبو العلاء قد مات قبل جلال الملك في سنة تسع وأربعين وأربعمائة ووقف ابن عمار بها من تصانيف أبي العلاء كتاب الصاهل والشاحج والسجع السلطاني والفصول والغايات والسادن وإقليد الغابات ورسالة الإغريض([419]) اهـ».
قلنا: ومن الحق أن في النفس ما فيها من قول ابن العديم: «وإنما جدد دار العلم بها القاضي جلال الملك» فالتجديد عند أهل العربية: إعادة شيء عتيق إلى حالة حسنة مستأنفة فليس هو بتأسيس ولا بناء، ولو كان هذا العالم الكبير متثبتاً في قوله لقال: «وإنما أنشأ دار العلم» أو «وإنما أسس دار العلم» فهو محجوج مفلوج على دعواه بذكره التجديد دون التأسيس والإنشاء، وبذلك تسقط دعوى من أنكر دراسة أبي العلاء المعري بدار علم طرابلس لأن التجديد يدل على أن دار العلم كانت منشأة قبل ذلك فأصابها تلف أو حريق استوجب تجديدها، وقد رأيت في بعض التواريخ ما يؤيد رأيي هذا، قال ناصر الدين بن الفرات المصري في حوادث سنة (688) من تاريخه تحت عنوان «ذكر بعض أخبار طرابلس الشام».
«ثم تغلب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار ولم يزل بها إلى أن توفي في سنة أربع وستين وأربعمائة ـ كما هو مذكور ـ في ترجمته. وكان ابن عمار هذا رجلاً عاقلاً فقيهاً سديد الراي، وكان شيعياً من فقهائهم، وكانت له «دار علم» بطرابلس فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفاً، وهو الذي صنف كتاب «ترويح الأرواح([420]) ومفتاح السرور والأفراح المنعوت بجراب الدولة» ولما مات أمين الدولة كان بطرابلس سديد الملك بن منقذ، هرب من محمود بن صالح «ابن الروقلية» فساعد جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن عمار([421]).
فهذا الخبر واضح الدلالة على أن دار العلم كانت من إنشاء أمين الدولة أبي طالب الحسن بن عمار المعاصر لأبي العلاء المعري، ولا يتعارض هو وقول ابن العديم من تجديد القاضي جلال الملك لها، وخصوصاً بعد علمنا أن هؤلاء الأمراء القضاة كانوا يتنافسون في نشر العلم بين الناس وفي ادعاء نشره، فكانت إضافة عدة عشرات كتب إلى دار العلم كافية في إثبات أن الأمير الذي أضافها جدد «دار العلم» في نظره ونظر محبيه وحاشيته المرائين ووليجته المداهنين.
وقد وجدنا في الغريب قول المؤرخ المصري المذكور في ذكر أمين الدولة أبي طالب الحسن بن عمار «وهو الذي صنف كتاب ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح المنعوت بجراب الدولة». أما أولاً فلأن كتاب «ترويح الأرواح» من كتب الفكاهة والهزل والباطل، وهذا قاضي وأمير ذو ديانة متينة. وأما ثانياً فلأن «جراب الدولة» عند المطلعين على التاريخ الإسلامي جاء في حالتين: أولاهما كونه لقباً للإنسان الذي ألف «ترويح الأرواح». والأخرى كونه إسماً لكتاب ألفه القاضي ابن عمار المذكور في اقتصاديات الدولة الإسلامية وشؤونها الأخرى، وقد أخذ ابن الفرات المصري إسم الكتاب الهزلي ولقب مؤلفه فجعلهما اسماً لكتاب القاضي ابن عمار وهذا من أشنع الغلط وأفظعه وجل من لا يسهو ولا يغلط.
قال ياقوت الحموي في ترجمة الهازل الملقب «جراب الدولة»:
«أحمد بن محمد جراب الدولة: هو أحمد بن محمد بن علوية من أهل سجستان ويكنى أبا العباس، وكان طنبوريا، أحد الظرفاء والطياب، وكان في أيام المقتدر وأدرك دولة بني بويه فلذلك سمى نفسه بجراب الدولة، لأنهم كانوا يفتخرون بالتسمية في الدولة، وكان يلقب بالريح([422]) وله أيضاً كتاب «ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح» لم يصنف في فنه مثله اشتمالاً على فنون الهزل والمضاحك([423]) اهـ».
أما «جراب الدولة» الذي ألفه القاضي أبو طالب الحسن بن عمار فهو من أجل الكتب وأجزلها قوائد وأشرفها موضعاً، قال القاضي ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون في فصل «إن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها»: «وكذلك وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي نقلته من جراب الدولة: غلات السواد … كسكر. كوردجلة… حلوان …. الأهواز … فارس»([424]).
وذكر الارتفاع أي الواردات لمملكة المأمون بأسرها، فأين موضوع هذا الكتاب من موضوع الكتاب الباطل العاطل؟.
أما وقد استطردنا إلى ذكر جراب الدولة كتاباً ولقباً فنعود إلى «دار العلم الطرابلسية»، فنذكر أن لها اسماً في ديوان أبي عبد الله أحمد بن الخياط الدمشقي (450 ـ 517هـ) فقد جاء فيه ما نصه:
«وكتب إلى القاضي أبي الفضل دوح، وكان قد أمر القاضي جلال الملك أن يفرق على أهل «دار العلم» فلم يصله منه شيء، وكان ابن أبي دوح متولي دار العلم فأعطاه من ماله لما كتب إليه هذه الأبيات:
أبا الفضل كيف تناسيتني
وما كنت تعدل نهج الرشاد
فأوردت قوماً رواء الصدور
وحلأت مثلي وأني لصاد([425])
وذكر أبياتاً تدور حول الدرهم والدينار ولا تدخل دار العلم فلم نر حاجة إلى ذكرها، ونختم كلمتنا هذه بأن نقول إننا على بعدنا من موضع دار العلم الطرابلسية وتاريخ طرابلس رأينا غلطاً في النجوم الزاهرة طبعة دار الكتب المصرية في حوادث سنة (464) هذا نصه:
«وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عثمان القاضي أبو طالب أمير الدولة الحاكم على طرابلس الشام المتولي عليها كان كريماً كثير الصدقة عظيم المراعاة للعلويين، مات في نصف شهر رجب([426]).
والصحيح «عمار» لا عثمان و«أمين الدولة» لا أمير الدولة، فهو أمين الدولة ابن عمار القاضي أمير طرابلس، فكيف يخفى مثل هذا ا|لأمر على من يتصدى لطبع التواريخ؟ جل من لا يسهو ولا يغلط أقولها ثانية.
الدكتور مصطفى جواد
بنو عمار
ينحدر بنو عمار في الأصل من قبيلة «كتامة» المغربية الأفريقية. وقد اعتنقت هذه القبيلة المذهب الشيعي الذي انتشر في شمال أفريقية. وعندما قامت الدولة الفاطمية، تولى شيوخ هذه القبيلة مراكز قيادية في مصر والشام، فكان منهم «أبو محمد الحسن بن عمار»([427]). وقد ظهر على مسرح الأحداث في عهد الخليفة الفاطمي «العزيز بالله» سنة 381هـ. ويبدو أنه فتح الطريق لأبناء قبيلته لينتقلوا إلى الشام. فنجده برسل القائد «أبا تميم سليمان([428]) بن جعفر بن فلاح الكتامي» إلى دمشق. ثم يقوم أبو تميم هذا بوضع أخيه «علي بن جعفر بن فلاح الكتامي»([429]) والياً على طرابلس سنة 386هـ([430]).
غير أن المصادر التي بين يدي تصمت عن تاريخ وكيفية مجيء بني عمار إلى طرابلس لأول مرة. إذ أخبارهم في فترة هذه الأسرة بعد موت جدها أبي محمد الحسن بن عمار سنة 386هـ. فلا نقف على أخبارهم في فترة تزيد عن نصف قرن، حتى نطالع إسم «الشيخ الجليل أبي الكتائب عمار» الذي وضع له «أبو الفتح الكراجكي المتوفي سنة 449هـ، كتاباً عن حادثة الغدير([431]). ولا أدري ماذا كان منصب عمار بطرابلس في ذلك الوقت إذ لم أجد ترجمة له.
ثم نطالع اسم القاضي «أبي طالب الحسن بن عمار» الملقب بأمين الدولة([432])، في سنة 457هـ ـ 1065م. عندما دخل طرابلس «الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان»([433]) حيث ساعده أبو طالب في الاستيلاء عليها وانتزاعها من بني أبي الفتح([434]). وهذا ينفي ما ذهب إليه الدكتور السيد عبد العزيز سالم من أن «مختار الدولة بن نزال» كان والياً على طرابلس من سنة 407هـ. حتى 462هـ([435]).
وكان القاضي بطرابلس يمارس سلطة واسعة، ويعدل لقبه لقب الوالي، ولذا نرى القاضي أمين الدولة يتدخل بين سلطان سنة 459هـ. وبين محمود ابن الروقلية صاحب حلب، واستطاع أن يصلح بينهما([436]). وأن قيام أمين الدولة بهذه المهمة ونجاحه فيها لدليل على نفوذه ومكانته، مما يعني أنه الشخص الأول في طرابلس. وأنه كان قاضياً ووالياً في نفس الوقت.
واستمر أمين الدولة ابن عمار على ولائه للدولة الفاطمية من سنة 457 حتى سنة 462هـ ـ 1070م. حيث أعلن استقلال طرابلس عن الفاطميين([437]).
ولم يطل حكم أمين الدولة بعد استقلاله بطرابلس، إذ توفي سنة 464هـ ـ 1072م. وبعد صراع على الحكم تم لجلال الملك ابن أخ أمين الدولة الانفراد بحكم طرابلس([438]). وطالت مدته فيها حتى توفي سنة 492هـ([439]). وقد شهدت طرابلس في عهده ازدهاراً ورخاء عظيمين. ففي عهده اتسعت رقعة إمارة طرابلس المستقلة. ودخلت جبلة وعرقة وانطرطوس وجبيل في حوزته.
وكانت طرابلس تبعث الحكام والقضاة والخطباء إلى تلك البلاد([440]). ومن الذين بعثتهم طرابلس القاضي «ابن النقار» حيث تولى الخطابة في جبلة حتى حاصرها الصليبيون([441]). وجلال الملك هو الذي قام بتجديد دار العلم بطرابلس، وبنى جامعاً بإسمه([442]). وقد «ضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمه أثر لكفايته»([443]).
ثم خلفه في الحكم أخوه فخر الملك الذي سطرت طرابلس في عهده سجلاً من الصمود تفخر به طرابلس على مر التاريخ، حيث وقفت بقيادته تتحدى الهجمة الصليبية عشر سنوات حتى سقطت بأيديهم سنة 502 ـ 1109م. ثم وزر الأمير الموصل حتى عام 513هـ([444]). وانقطعت أخباره بعد سنة 514هـ.
وهناك عدد من أفراد هذه الأسرة أذكر منهم هنا: شمس الملك بن أمين الدولة المعروف بأبي المناقب([445]). وقد ناب عن ابن عمه فخر الملك بحفظ طرابلس أثناء سفره إلى بغداد سنة 501هـ. لطلب النجدة على الصليبيين. ويذكر المؤرخون أن أبا المناقب أصيب بالجنون([446]).
ومن هذه الأسرة اشتهر جلال الدولة([447])، أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار وكان قاضياً في الإسكندرية، وكان من مؤيدي نزار بن المستنصر الخليفة الفاطمي وقد قتله الأفضل بن بدر الجمالي([448]) سنة 488هـ. فقد حدث أن المستنصر أوصى بالخلافة لابنه نزار، وعندما توفي خلع الأفضل بن بدر الجمالي طاعته، وأمر الناس فبايعوا أحمد بن المستنصر أخاه، ولقبه بالمستعلي، فهرب نزار إلى الإسكندرية … جلال الدولة بن عمار» فقصده الأفضل فحاصره وقاتله نزار ثم انهزم فوقع هو والقاضي في الأسر، وأدخلا السجن، فكتب ابن عمار إلى الأفضل يستعطفه وهو في السجن هذين البيتين:
هل أنت منقذ شلوي من يدي زمن
أضحى يقد أديمي قدّ منتهسِ
دعوتك الدعوة الأولى وبي رمق
وهذه دعوة والدهر مفترسي
فلم تصل إليه الورقة حتى كان قد قتل. وقال عنه ابن تغري بردي إنه كان من حسنات الدهر([449]).
وقد بلغ المستوى الحضاري والثقافي أوجه في طرابلس على عهد هذه الأسرة، التي فاقت شهرتها في العلم «كل ما كان لها من صفات حربية»([450]). واهتم رجالها ببناء المساجد في طرابلس وحلب وغيرها من مدن الشام، ويذكر «ابن الشحنة» أن قضاة بني عمار([451]) أصحاب طرابلس الشام هم الذين بنو الجهة الشرقية في الجامع الكبير بحلب([452]). وهو المعروف الآن بالجامع الأموي.
وكان أمين الدولة ـ أول حكام طرابلس من هذه الأسرة ـ رجلاً عاقلاً فقيهاً سديد الرأي([453]) ومن فقهاء الشيعة. كما كان كاتباً مجيداً، ألف كثيراً من الكتب النفيسة([454]).
ومن مفاخر بني عمار ـ غير ما تقدم ـ أن مجالس العلم كانت تقام في (دار العلم) التي أقيمت خصيصاً لتدريس العلوم المختلفة، ومن حلقات التعليم في هذه الفترة الحلقة التي يقيمها أبو عبد الله الطليطلي، الناظر على دار العلم وقد حضر حلقته الكثير من الأدباء والشعراء والمهتمين بدراسة اللغة والنحو، وقد تخرج على يديه الشاعر الفارس المؤرخ (أسامة بن منقذ) صاحب كتاب (الاعتبار) حيث درس عليه النحو قرابة عشر سنين. كذلك فقد غشي حلقته الدراسية بطرابلس الشاعر المشهور (ابن الخياط) صاحب الديوان.
وإلى جانب حلقات التعليم كانت هناك لقاءات أدبية تتم بين عدد من الأدباء أو الشعراء في أماكن غير المسجد والمدرسة، مثل اللقاءات التي كانت تتم في دكان أحد العطارين بطرابلس، ويدعى أبو الفضل النصراني، أو عند متنزهات طرابلس وفي أسواقها، فابن الخياط كان يتردد مع أبي الحسن هبة الله بن الحسن الحافظ على دكان العطار ويتجاذبان الأشعار([455]) كما كانوا يخرجون إلى عين ماء خارج طرابلس الفقهاء والشعراء في قصور بني عمار، ومنها المناظرة التي جرت بين القاضي ابن أبي روح وبين بعض فقهاء المالكية([456]) والمناظرة بين الحسين بن بشر الاطرابلسي المتولي على دار العلم وبين الخطيب البغدادي([457]).
كما كان بنو عمار يقيمون مسابقات الشعراء يتبارون فيها على تأليف القصائد. فقد ذكر العماد الأصفهاني نقلاً عن ابن النقار الطرابلسي أن فخر الملك اقترح على الشعراء أن يعملوا قصيدة على وزن قصيدة ابن هاني المغربي (الأندلسي) وجعل للفائز جائزة ففاز بها الشاعر أبو الحسن علي بن إبراهيم المصري([458]).
وكان الطرابلسيون إذا استشكل عليهم أمر فقهي يكتبون إلى أشهر العلماء والفقهاء في البلاد يسألونهم ويستفتونهم، والمسائل الطرابلسية التي أجاب عنها السيد المرتضى تدل على ذلك. ومن بين المسائل التي أجاب عنها، مسائل تعرف بالمسائل (التبانية) نسبة إلى التبانة وهي حي من أحياء طرابلس القديمة على ما يبدو، ولعل موقعه في (باب التبانة) الحالية.
أمين الدولة مؤسس دار العلم
كان أمين الدولة ـ أول حكام طرابلس من أسرة بني عمار ـ رجلاً عاقلاً فقيهاً، سديد الرأي ومن علماء الشيعة، كما كان كاتباً مجيداً، ألف كثيراً من الكتب النفيسة.
كذلك فإن أمين الدولة اتخذ له دار علم جمع فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفاً. وكان يرسل المراسلات إلى أقطار البلاد ويبذل الأثمان الباهظة، ويجلب الكتب النادرة لهذه الدار ويهتم بالعلم ويحنو على العلماء، ويستميل طلاب العلم إلى عاصمة إمارته. وجاء عمله هذا شبيهاً بما قام به سيف الدولة الحمداني في حلب.
وكانت بطرابلس مدرسة عرفت باسم «دار الحكمة» وقد استقبلت عدداً كبيراً من طلاب العلم، حتى وقفت جنباً إلى جنب مع «دار الحكمة» بمصر الفاطمية. فنشرت العلوم والآداب والثقافة. وأصبحت طرابلس بذلك ميدان علم ودرس ومباراة في التعليم. ومركزاً من أعظم المراكز الشيعية في العصر الوسيط وكعبة يحج إليها طلاب العلم للأخذ من علمائها مختلف العلوم والفنون من فقه وحديث ولغة وأدب وفلسفة وهندسة وطب وغيره، وللإطلاع على المصنفات والمخطوطات العلمية والأدبية والدينية والفلسفية التي كانت تحتويها مكتبتها.
وكانت بطرابلس عدة حلقات علمية يعقدها كبار العلماء نذكر منهم المحدث المشهور «خيثمة بن سليمان القرشي الاطرابلسي» و«ابن أبي الخناجر» الطرابلسي، وأحمد بن محمد الطليطلي التي كانت له حلقة عامرة بالطلبة يلقي عليهم فيها دروساً في العربية والأدب، وقد حضرها الشاعر «ابن الخياط» صاحب الديوان المعروف باسمه. وكان يتردد على دار العلم أيضاً.
تاريخ بناء دار العلم
يخطئ بعض المؤرخين بنسبة تأسيس دار العلم إلى جلال الملك في سنة 472هـ. وتدحض هذا القول روايتا «ابن شداد» و«ابن الفرات» من أن أمين الدولة كانت له دار علم فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفاً. وبما أن الهدف من إنشاء هذه الدار كان سياسياً ودينياً، إلى جانب كونه عملاً إنسانياً وحضارياً عظيماً لنشر العلم والمعرفة، فمن البديهي أن يبادر أول حكام طرابلس من أسرة بني عمار إلى إقامتها لتكون قاعدة سياسية ودينية وعلمية لنشر مذهبهم الشيعي وبث أفكارهم الدينية. ولتوطيد سلطانهم السياسي في طرابلس ونواحيها، بعد أن استقلت ثقافياً وفكرياً وسياسياً عن مصر، لهذا كان من الطبيعي أن يبادر أمين الدولة إلى وضع حجر الأساس لهذا الصرح العلمي، فور استقلاله بطرابلس سنة 462هـ أو قبل ذلك.
كذلك فإنه لا يمكننا أن نتصور هذا العدد الضخم من الكتب، والذي بلغ مائة ألف كتاب ألا وهي موجودة في دار كبيرة تتسع لها، وأن هذه الدار كبيرة كان يرتادها من يريد الإطلاع فيها، طالما أن الكتب التي بين جنباتها كانت كتباً «موقوفة».
ومن المحتمل أن يكون جلال الملك قد تصدى لجمع المكتبات الأهلية الموجودة في طرابلس والتي كانت تضم خزانات كتب موقوفة، إلى جانب مكتبة عمه أمين الدولة، كون منها ومن الكتب التي جمعها هو، دار كتب ضخمة، تواضح الكثير من المؤرخين على تعداد ما احتوته من المؤلفات. وكان تجديد هذه الدار من سنة 472هـ ـ 1082م. حيث توفر لجلال الملك ما يساعده على إقامة هذا الصرح، ما لم يتوفر لأمين الدولة من قبل، إذ كانت الأحداث في وقته لا تساعده على ذلك، وكان استقلال طرابلس عن الدولة الفاطمية ما يزال في مرحلته الأولى. بينما استقر حكم جلال الملك وامتد زهاء 28 عاماً، وازداد ثراء إمارته، واتسعت ممتلكاتها، ونشطت تجارتها وكانت طرابلس في عهده تبعث الحكام والقضاة والخطباء إلى البلاد المتابعة لها مثل جبيل وعرقة وانطرطوس وجبلة. وفي عهده أيضاً ثم بناء جامع كبير في طرابلس.
ومهما يكن من أمر فإن جلال الملك قد اهتم بهذه الدار وأوقف على طلابها الجرايات فكان يفرق على أهلها ذهباً تشجيعاً لهم. وكان يكلف الناظر على الدار القيام بمهمة توزيع هذه الجراية وكان الشاعر ابن الخياط ممن تصرف له تلك المنحة، وقد ذكر ذلك في ديوانه.
وفي عهد جلال الملك ازدحمت طرابلس بالعلماء والأديان وطلاب العلم حيث قصدها معظم أهل دمشق أبان الفتنة «اتسز بن آف بن الخوارزمي الذي دخل دمشق سنة 468هـ. فغلت فيها الأسعار حتى بلغ سعر غرارة الحنطة أكثر من 20 ديناراً، ونقص عدد سكانها من نصف مليون نسمة إلى ثلاثة آلاف فقط! وكان شعراء الشام يقصدون طرابلس لمدح أمرائها من بني عمار وهي الأسرة التي اشتهرت بالفضل والعلم أكثر من شهرتها الحربية حتى أصبحت دار العلم التي بنوها تقارن بالمكتبات الكبرى التي بناها ملوك العرب في الأندلس. إلى حد أنها اعتبرت «أروع مكتبة في العالم»([459]).
نظار دار العلم
وصلت إلينا أسماء ثلاث ممن تولوا النظر على دار العلم بطرابلس أولهم هو: «الحسين بن بشر بن علي بن بشر الطرابلسي» المعروف بالقاضي. وقد ذكره المؤرخ «ابن أبي طيء» بين رجال الشيعة. وقال إنه كان صاحب دار العلم بها. وقد نقل ابن حجر ذلك عنه ولم يذكر له تاريخاً.
وكان القاضي أبو الفضل، أسعد بن أبي روح هو الرجل الثاني الذي تولى النظر في دار العلم وقد ذكره ابن الخياط في ديوانه.
أما آخر من تولاها فكان العالم الأندلسي «أحمد بن محمد، أبو عبد الله الطليطلي». وقد ذكره أسامة بن منقذ في كتابه فقال إنه كان متولياً لدار العلم بطرابلس وذلك قبل سقوط طرابلس بأيدي الإفرنج. ولم يذكر أسامة تاريخ ولاية أبي عبد الله على دار العلم، ولا تاريخ مجيئه إلى طرابلس، ويقول الدكتور سالم: لعله رحل من الأندلس بعد سقوط مدينة طليطلة في أيدي القشتاليين في سنة 478/ 1085م. فنزل بطرابلس الشام واستقر بها.
وأياً ما كان الأمر فإن هذا يعطينا صورة واضحة عن شهرة طرابلس العلمية، حيث اجتذبت إليها أهل العلم من أقاصي البلاد ودانيها، في العصور الوسطى.
ومن مطالعتنا لترجمة هؤلاء النظار الثلاثة، نلاحظ أنه قد روعي في التولية لهذا المنصب، تكليف رجال لهم وزنهم ومكانتهم العلمية.
فابن بشر، كان خطيباً مفوهاً يضاهي بخطبه، خطب «ابن نباتة» صاحب الديوان. وقد اشتهر عن ابن بشر أنه جرت بينه وبين الخطيب البغدادي الحافظ صاحب «تاريخ بغداد» مناظرة في الخطابة، وذكر هذه المناظرة «الكراجكي» في رحلته وقال إنه حكم لابن بشر على الخطيب البغدادي «بالتقدم في العلم».
أما أبو الفضل فكان قاضياً لطرابلس في عهد جلال الملك، وكان متعبداً، زاهداً، راهباً، ورأس الشيعة بالشام. وقد أخذ القضاء عن عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي المتوفى سنة 481هـ. والذي ولي قضاء طرابلس من 10 إلى 30 عاماً. وذكره ابن أبي طيء فقال: «أسعد بن أحمد بن أبي روح، عقدت له حلقة الأقراء وانفرد بالشام وطرابلس وفلسطين بعد ابن البراج» ويروي ابن أبي طيء عن ابن عساكر قوله: إن أبا الفضل كان «جليل القدر، يرجع إليه أهل عقيدته، وكان عظيم الصلاة والتهجد، لا ينام إلا بعض الليل، وكان صمته أكثر من كلامه». وقد بحثت في تاريخ ابن عساكر فلم أجد ذكراً، ولعل ابن طيء نقل ذلك عن نسخة خطية لابن عساكر لم تصلنا. وحكى أبو اللطف الداراني: قال: ما استيقظت من الليل قط إلا وسمعت حسه بالصلاة وبالغ في وصفه، وحكى له كرامة.
وقيل إنه كانت له دار كتب خاصة جمع فيها أزيد من أربعة آلاف مجلدة وأنه اتخذها في حيفا عند تحوله إليها، وقيل إنه قتل فيها عندما ملكتها الفرنج، وقيل إنه قتل في صيدا وقيل إنه انتقل إلى دمشق ومات بها قبل سنة 520هـ.
وله عدة مصنفات سيأتي ذكرها. وذكر ابن الخياط في ديوانه أنه كتب إلى القاضي جلال الملك أن يفرق على أهل دار العلم ذهباً، فلم يصله منه شيء، فأعطاه من ماله لما كتب له قصيدة منها:
أبا الفضل كيف تناسيتني
وما كنت تعدل نهج الرشاد
فأوردت قوماً رواء الصدور
وحلأت مثلي وأني لصاد
أما أبو عبد الله الطليطلي، فكان رجل علم، ومن الحفظة المكثرين، وكان يتمتع بملكة نادرة في حفظ العلوم، وقد أشار أسامة بن منقذ إلى ذلك في كتابه، عندما اختبره في متانة حفظه، إذ كان يتهذب على يديه، حيث لبث يتعلم على يديه النحو مدة عشر سنين.
ويقول أسامة عن شيخه وأستاذه ما نصه: «الشيخ العالم، أبو عبد الله الطليطلي النحوي سيبويه زمانه، قرأت عليه النحو، نحواً من عشر سنين، وكان متولي دار العلم بطرابلس … وشاهدت من الشيخ أبي عبد الله عجباً. دخلت عليه يوماً لأقرأ فوجدت بين يديه كتب النحو، كتاب سيبويه، وكتاب «الخصائص» لابن جني، وكتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي وكتاب «اللمع» وكتاب «الجمل» فقلت: يا شيخ أبا عبد الله هل قرأت هذه الكتب كلها؟! لا والله! إلا كتبتها في اللوح وحفظتها. تريد تدري؟ خذ جزأ وافتحه واقرأ من أول الصفحة سطراً واحداً، فأخذت جزءاً وفتحته وقرأت منه سطراً، فقرأ الصفحة بأجمعها حفظاً حتى أتى على تلك الأجزاء جميعها، فرأيت منه أمراً عظيماً ما هو في طاقة البشر.
وكان لأبي عبد الله حلقة عامرة بالطلبة في طرابلس يلقي عليهم فيها دروساً في العربية والأدب وكان الشاعر ابن الخياط يغشى هذه الحلقة، وفي ذلك يقول الذهبي: «قال أبو عبد الله أحمد الطليطلي: كان وهو شاب، يغشاني في حلقتي وينشدني ما استكثره له فأتهمه، لأنني كنت إذا سألته عن شيء من الأدب لا يقوم به، فوبخته يوماً على قطعة عملها، وقلت: أنت لا تقوم بنحو ولا لغة، فمن أين لك هذا الشعر؟
فقام إلى زاوية ففكر ثم قال اسمع:
وفاضل قال إذ أنشدته نخبا
من بعض شعري وشعري كله نخب
لا شيء عندك مما يستعين به
من شأنه معجزات النظم والخطب
فلا عروض ولا نحو ولا لغة
قل لي: فمن اين هذا الفضل والأدب
فقلت قول امرئ صحت قريحته
إن القريحة علم ليس يكتسب
ذوقي عروضي ولفظي جله لغتي
والنحو طبعي فهل يعتاقني سب
فقلت: حسبك الله، والله لا استعظمت لك بعدها عظيماً. ولزمني بعد ذلك فأفاد من الأدب ما استقل به.
ويبدو أن أبا عبد الله كان يتمتع بشهرة عظيمة في علمه، مما حدا بوالد أسامة، وعمه، أن يبعثا بمال إلى الصليبيين المحاصرين لطرابلس افتدياه به من أيديهم، كما افتديا معه شخصاً يدعى «يانس الناسخ» واستخلصاهما لأنفسهما، فأصبح أبو عبد الله أستاذاً لأسامة بينما عمل «يانس» في نسخ الكتب، أو على الأرجح في نسخ المصحف الشريف، إذ كان والد أسامة مولعاً بنسخ المصاحف.
وليس من العسير أن نستدل من إسم «يانس الناسخ» على أنه كان أحد النساخين أو الخطاطين الذين كانوا يعملون في نسخ الكتب بدار العلم بطرابلس، وإن عمله قد غلب على اسمه فلقب به. وهو الإسم الوحيد الذي وصلنا من بين مائة وثمانين ناسخاً كان دأبهم نسخ المصنفات والمؤلفات القديمة والثمينة.
وكما رأينا نبوغ ابن بشر، في الخطابة، وسعة علم أبي الفضل، ومتانة حفظ أبي عبد الله، فإن يانسا هذا كان ماهراً أيضاً في فنه فقد ذكر عنه أسامة أنه: «قريب الطبقة في الخط من طريقة ابن البواب» وابن البواب خطاط مشهور ابتدع الخط الريحاني ونسخ القرآن الكريم بيده 64 مرة.
ويقول أسامة: أن يانسا، أقام عنده بشيزر مدة ونسخ لوالده مرشد بن علي، أبي سلامة، ختمتين من المصحف الريف ثم سافر إلى مصر ومات بها.
أسماء بعض المصنفات في المكتبة
يقول ابن العديم في «الإنصاف والتحري» أن جلال الملك، أبا الحسن ابن عمار. أوقف بدار العلم بطرابلس من تصانيف أبي العلاء ما يلي:
«الصاهل والشاحج» ومقداره 40 كراسة، ويتكلم فيه عن لسان فرس وبغل. و«السجع السلطاني» ومقداره 80 كراسة، ويشتمل على مخاطبات الجنود والوزراء وغيرهم و«الفصول والغايات» ومقداره 100 كراسة، وقال عنه ابن الجوزي أنه وضعه في معارضة سور القرآن الكريم وآياته، على حروف المعجم في آخر كلماته. و«السادن» ومقداره 20 كراسة، وهو مختصر يبحث في الغريب من كتاب «الفصول والغايات» و«أقليد الغايات» ومقداره 10 كراريس. و«رسالة الأغريض» وهي رسائل قصيرة من ديوان الرسائل لأبي العلاء.
ومن المرجح أن الكتب التي ذكرها أسامة بن منقذ عند حديثه عن أستاذه الطليطلي، كانت موجودة في دار العلم بطرابلس أيضاً وهي:
«كتاب النحو» لسيبويه، وكتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي، العالم بالنحو، وأحد الأعلام الذين قدموا طرابلس. و«كتاب اللمع» لابن نصر السراج، يبحث في النحو، وقال عنه الروذراوي أنه «مع قلة حجمه يوفي على الكتب الكبار التي من جنسه في عبارة قوة وجودة صنعة. و«كتاب الجمل» وهو لابن خالويه النحوي».
كذلك نضيف إلى ما تقدم مؤلفات أبي الفضل المتولي على دار العلم ومنها: «عيون الأدلة في معرفة الله» وكتاب «التبصرة في معرفة المذهبين الشافعية والإمامية» وكتاب «البيان في خلاف الإمامية والنعمان» وكتاب «النور في عبادة الأيام والشهور» وكتاب «البيان عن حقيقة الإنسان» وكتاب «الفرائض» وكتاب «البراهين» ومسألة تحريم الفقاع، واشياء أخرى. ثم كتاب أستاذه ابن البراج «روضة النفس».
هذا إلى جانب كتاب «شرح الإيضاح» في النحو، وكتاب «شرح ديوان الحماسة» اللذين وضعهما زيد بن علي الفارسي المتوفي بطرابلس سنة 467هـ. وكتاب «شرح اللمع» الذي وضعه أبو البركات النحوي الطرابلسي المتوفي بها سنة 466هـ. وكتاب «عدة البصير في حج يوم الغدير» الذي ألفه أبو الفتح الكراجكي بطرابلس للشيخ أبي الكتائب عمار.
و«المسائل الطرابلسية» التي وضعها أبو الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني الطرابلسي تلميذ السيد المرتضي و«كتاب التصريح في شرح قصيدة كثير وابن ذريح» لابن بركات الراشدي الطرابلسي والمتوفي سنة 540هـ. وكان تلميذاً لأبي الفضل صاحب دار العلم بطرابلس.
هذا عدا عن كتب العلماء والأدباء والمحدثين، ودواوين الشعراء، الذين كانوا يفدون إلى طرابلس أو التي كان يقتنيها محبو الكتب من أهل طرابلس أو التي كان يبتاعها بنو عمار من البلاد البعيدة.
وكان في هذا المدخر العلمي الكثير من كتب اليونان والرومان والفرس إلى جانب المصنفات العربية فقد نشطت في هذه الفترة والفترة التي تلتها حركة الترجمة من الكتب من العربية وإليها وشاركت طرابلس أخواتها من الحواضر العربية الإسلامية بهذا الدور الحضاري.
وكانت الكتب كلها أو أغلبها «من أجمل الكتب المجلدة والمزخرفة والمحلاة بالذهب والفضة، بالخطوط المنسوبة لأشهر الخطاطين، وفيها عدد كبير جداً من الكتب بخطوط مؤلفيها».
عدد المصنفات في المكتبة
اختلف المؤرخون في إحصاء عدد المصنفات التي احتوتها مكتبة طرابلس، في عصر بني عمار، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر ميلادي) فكانوا بين مقل ومكثر. فمنهم من قال: أن المكتبة ضمت (10000) عشرة آلاف مجلد([460]). ومنهم من قال: أن عدد الكتب كان يزيد على (100000) مائة ألف مجلد وقفاً([461]) وتواضع على هذا الرقم كثير من المؤرخين العرب والمستشرقين على السواء([462]). ومنهم من قال: أن المكتبة كانت تشتمل على (300000) ثلاثمائة ألف مجلد([463]) ومنهم من قال: أنها كانت تحتوي على نحو مليون كتاب([464]).
وأورد الأب أغناطيوس الخوري رواية عن النويري يقول فيها: أنه كان في مكتبة طرابلس (ألف ألف كتاب) ويورد رواية أخرى عن المؤرخ ابن أبي طيء يقول فيها: إن عدد الكتب بلغ (3000000) ثلاثة ملايين. ويورد الأستاذ محمد كرد علي رواية شبيهة، ولكنه يعزوها لابن الفرات. فيقول نقلاً عنه: إن كتب دار العلم بطرابلس «ثلاث آلاف ألف». ولا أعرف ما هي النسخة التي اعتمد عليها في ذلك إذ النسخة التي بين يدي لا تذكر هذا الرقم.
وذهب كثيرون من المؤرخين العرب والمستشرقين إلى أن عدد الكتب في مكتبة طرابلس قد وصل إلى ثلاثة ملايين كتاب. وأخص من المستشرقين بالذكر، كلاً من «أرنولد» و«غروهمان» و«غيبون» و«شوشتري» الذي يذكر في كتابه «مختصر الثقافة الإسلامية» أن مكتبة طرابلس كانت تحتوي أكبر عدد من الكتب عرف أن مكتبة ما حوته حتى ذلك الزمن، ألا وهو ثلاثة ملايين وهذا الرقم يعني أنه كان بها ثلاثة أرباع ما تحويه مكتبة بودليان الآن: أو أكثر من نصف ما تحويه جميع مكتبات الهند وباكستان في العصر الحاضر. ونقل الكونت فيليب دي طرازي عن الأستاذ أحمد زكي قوله عن المستشرق الفرنسي «كاترمير» أن هذا الأخير لم يخالجه أدنى شك في تقدير العدد بثلاثة ملايين.
ولكن الأستاذ محمد كرد علي لا يوافق على هذا العدد، بل يعتقد أن من الجائز أن يكون مجموع كل الكتب في مدينة طرابلس ثلاثة ملايين كتاب، وليس في دار العلم فقط. وهذا نراه أصوب الآراء.
إلا أن الأب أغناطيوس الخوري يعترض على هذه الأرقام ويرى أنها مبالغ فيها. وكذلك المستشرق «تومبسون» في كتابه «المكتبة في العصور الوسيطة».
أما ابن القلانسي، وابن الأثير فقد تجنبا تحديد رقم معين، بل ذكرا أن كتب دور العلم الموقوفة بطرابلس وما كان منها في خزائن أربابها «ما لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر».
ومن المحتمل أنه كان في المكتبة مائة مائة ألف كتاب في أول أمرها عندما أنشأها أمين الدولة ابن عمار حسب روايات ابن شداد وابن الفرات والنويري، وإن هذا العدد ارتفع حتى بلغ ما يزيد عن المليون، وذلك في عهد جلال الملك بن عمار، عندما قام بتجديد دار العلم سنة 742هـ. على حد رواية ابن العديم. وارتفع هذا العدد على مر الأيام إلى ثلاثة ملايين في عهد فخر الدين بن عمار، حيث كان النساخة يدأبون على نسخ المصنفات ليل نهار. ومن الجائز أن هذا الرقم لا يقتصر على كتب دار العلم فقط، بل يدخل تحته ما في المدينة كلها من كتب. وليس بمستغرب أن تكثر الكتب والمكتبات في طرابلس في ذلك العصر، فقط اشتهرت المدينة خلال هذه الفترة التي نبحث لها، بمصانعها التي تنتج الورق بمختلف أنواعه، والذي أبدى الرحالة ناصر خسرو، إعجابه بجودته عند زيارته لطرابلس سنة 438هـ.
وقيل أن المكتبة حوت جميع أنواع وفروع المعرفة الإنسانية من طب وفلك وتنجيم وهندسة وفلسفة وأدب وتاريخ وحديث وفقه وشعر، إلى جانب وجود عدد كبير من المصاحف الشريفة، التي ذكر بعضهم أنها (50000) خمسون ألف نسخة وأعداد كبيرة من التفاسير، فقال بعضهم أنها بلغت (20000) عشرين ألف نسخة. وقال بعضهم أنها بلغت (80000) ثمانين ألف نسخة([465]).
مكتبة طرابلس ومقارنتها بالمكتبات الأخرى
وهذه إحصائية لأعداد الكتب التي كانت موجودة في مكتبات العالم الإسلامي خلال العصر الوسيط. ومقارنة بين المكتبات الكبرى المشهورة في ذلك الوقت وكانت مكتبة طرابلس منها، وهي على الوجه الآتي:
1 ـ مكتبة سابور في بغداد عدد مجلداتها 10,400.
2 ـ مكتبة الحكم في قرطبة عدد مجلداتها 60,000.
3 ـ خزائن القصور بالقاهرة عدد مجلداتها 1,600,000.
4 ـ دار الحكمة بالقاهرة عدد مجلداتها 100,000.
5 ـ مكتبة طرابلس الشام عدد مجلداتها 3,000,000.
ومن مطالعتنا لهذه الإحصائية يتضح لنا أن عدد مجلدات الكتب في مكتبة طرابلس، كان يفوق عدد جميع الكتب في المكتبات المذكورة مجتمعة.
ويلاحظ أن الإحصائية اقتصرت على المكتبات الإسلامية فقط، إذ لم تكن هناك مكتبات أخرى غيرها، لها حجمها وخاصة في أوروبة، فقد كانت الأديرة الأوروبية في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، تقيد العدد القليل من الكتب، والذي قد لا يتجاوز العشرة، بالسلاسل، نظراً لندرتها وخوفاً عليها من الضياع. وكانت أغنى مكتبة في أوروبا سنة 1300م. هي مكتبة كنيسة كنتربري. وتضم خمسة آلاف كتاب.
وفي هذا القرن أيضاً لم يستطع ملك فرنسا شارل الخامس الملقب بالحكيم، أن يجمع أكثر من ألف مؤلف يكاد ثلثها يكون خاصاً بعلم اللاهوت واحتوت مكتبة كلوني في القرن الثاني عشر خمسمائة وسبعين كتاباً.
أن مدينة كان عدد سكانها لا يتجاوز 50,000 خمسين ألف نسمة على أبعد تقدير أثناء حكم بني عمار تحتوي على ثلاثة ملايين كتاب لهي مفخرة حقاً لطرابلس العربية الإسلامية (الشيعية) على مر تاريخها إذا قورنت الآن بدولتي الهند والباكستان اللتين يناهز عدد سكانهما الستمائة مليون نسمة، وليس فيهما سوى ضعف واحد مما كان بها من الكتب وذلك بشهادة مؤرخ من شبه القارة الهندية([466]).
إن مكتبة مثل هذه تضم هذا العدد الضخم من المجلدات، كانت ولا ريب، تتطلب بناء ضخماً، متسع الأرجاء، وتحتاج إلى موظفين وعمال ومشرفين كثيرين، وبالطبع كانت ترصد لها ميزانية ضخمة للإنفاق على العاملين بها من موظفين وخطاطين، ومترجمين، ومجلدين، ووراقين، والنساخة، الذين بلغ عددهم لوحدهم 180 ناسخاً، هذا إلى جانب التجار الذين كانوا يطوفون البلاد ليأتوا بنوادر الكتب مهما غلا ثمنها([467]).
وكانت مكتبة طرابلس ومدرستها «دار الحكمة» والمكتبات الأهلية. كلها موجودة في منطقة الميناء الحالية، حيث كاتنت تقوم هناك المدينة القديمة.
وعلى الأرجح فإن دار الحكمة التي كانت تقوم الدراسة فيها على أسس دينية، وكذلك دار العلم، كانتا تقومان في مبنى واحد، وذلك ليسهل على الدارسين مراجعة الكتب والإطلاع، وإن كنا نتصور أن لكل منهما جناحاً خاصاً، يفصل بينهما أو فناء.
ويبدو أن المكتبة كانت مقسمة إلى عدة غرف وأجنحة، كل غرفة منها تختص بنوع معين من الكتب، على غرار مكتبة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، في القاهرة.
ونستدل على ذلك من رواية (يغيبون) يذكر فيها أن أحد غرف دار العلم كانت تحتوي على نسخ للقرآن الكريم، وهذا يعني أن هناك غرفاً أخرى، مخصصة لمصنفات معينة، كما كان في المكتبة قاعة خاصة أو عدة غرف معدة لجلوس النساخ والخطاطين فيها، وهي مزودة بكل ما يحتاجونه من الأوراق والأقلام والمحابر وغيرها كذلك كانت هناك قاعات ومناضد مخصصة للمطالعين ورواد الدار.
وكنا نود معرفة المكان الذي أقيمت فيه هذه المكتبة من الميناء، ولكن يد التدمير الصليبية والإحراق قد شملت هذه المكتبة العظيمة.
مصير مكتبة طرابلس
في سنة 502هـ (1109م) دخل الصليبيون مدينة طرابلس بعد أن قاوم بنو عمار حصارهم عشر سنوات متتالية، وقد اندفع الجنويون في شوارع المدينة يقتلون وينهبون ويحرقون وعندما وصلوا إلى دار العلم، دخلها الكاهن المنقطع لخدمة الكونت «برترام» بن ريموند الصنجيلي. وأخذ يطوف في أرجائها، فوجدها ملأى بالكتب، ويبدو أنه دخل القاعة المخصصة للمصاحف الشريفة، فأراد أن يتصفح أحدها فوجده قرآناً كريماً، فألقى به أرضاً، وتناول نسخة ثانية فإذا بها قرآن كريم أيضاً، فألقى بها وهكذا كلما التقط نسخة وجدها قرآناً كريماً، وظل يفعل الشيء نفسه حوالي 20 مرة، فلما وجد أن جميع النسخ التي تصفحها كانت قرآناً كريماً، اعتقد بجهله أن المكتبة كلها لا تضم سوى المصاحف الشريفة أو التفاسير، ولذلك غضب وتأججت في نفسه روح الصليبية وحقدها، وقال غاضباً: «هذه مكتبة مملوءة بالمصاحف، أحرقوها»، فنزل الكونت برترام عند رغبته، وهكذا نفذ أمر ذلك الكاهن المتعصب الجاهل وأميره الصليبي، وأشعلت النيران في دار العلم التي أتت على جميع ما احتوته هذه المكتبة الثمينة، حتى أصبحت أثراً بعد عين([468]) ولم يكن إتلاف المكتبة الرائعة سوى مقدمة لما حل بالمكتبات الإسلامية الأخرى، من جراء الأعمال التدميرية التي أتاها المغول عندما اجتاحوا دول الإسلام. كما كان مصير مكتبات الأندلس الإسلامية، الإحراق والتدمير على أيدي رهبان وأمراء أوروبة المتعصبين. لم يقتصر الأحراق في طرابلس على المكتبة، بل تعداه إلى مدرسة الحكمة، ومصنع الورق أيضاً([469]).
ومن الملاحظ أن المؤرخين الأفرنج وغير المسلمين، لا يتعرضون لذكر عملية أحراق هذه المكتبة، إلا في سياق سردهم للأحداث التاريخية فهم يذكرون ذلك عرضاً بصورة موجزة بهدف التقليل من أهمية هذا العمل اللاحضاري بل أن بعضاً من كتابهم حاولوا التشكيك بحادثة أحراق المكتبة.
وممن حاول التشكيك في أمر إحراق الصليبيين لمكتبة طرابلس. المستشرق الفرنسي «كاترمير» حيث يزعم أن هذه الحادثة «موضوعة» وهي من وضع المؤرخين الشرقيين، (يقصد المسلمين)، وإن هذه الحادثة، إن لم تكن مخترعة، فمن الجائز أنها محرفة أو مبالغ فيها بسبب العصبية القومية. وذلك لأن المسلمين قد اتهموا أحياناً بإحراق خزانة الاسكندرية. ويضيف هذا المستشرق إلى زعمه فيقول: «ولا شك أن ضمائرهم «أي المسلمين» ترتاح لإيقاع تهمة من هذا النوع على عاتق النصارى كذلك».
وإذا كان «كاترمير» قد أبدى تشكيكه في مسألة إحراق المكتبة فهو لم يذكر أين ضاعت، وكيف ولمَ لم نسمع عنها شيئاً أيام الاحتلال الصليبي لطرابلس طوال مائة وثمانين عاماً. وهل نأخذ رواية المؤرخين أمثال «ابن القلانسي» و«ابن الأثير» و«ابن الفرات» وغيرهم على أنها روايات مختلفة ومكذوبة وموضوعة حين يقولون أن الصليبيين دخلوا طرابلس وانتهبوا المكتبة ودور علمها؟
ومن المحاولات التي بذلت للتقليل من أهمية دار العلم بطرابلس وأمر إحراقها، هي التي جاء بها المستشرق «هنري لامنس» في كتابه «مختصر في تاريخ سورية». فهو يزعم أن دار العلم بطرابلس لم تكن مدرسة جامعة بل مدرسة صغيرة لتلقين العلم الديني.
وقد رد الأستاذ محمد كرد علي على ما يزعم «لامنس» مستشهداً بقول مستشرق آخر، فقال: «بيد أن المؤرخين مجمعون على أن طرابلس كان فيها دار حكمة على مثال بيت الحكمة في بغداد، وقد قال الأثري العلامة فان برشم في مفكراته: «ازدهرت طرابلس زمن القاضي ابن عمار وقد جعلها مركزاً من مراكز التشيع وأنشأ فيها بيت حكمة جهزه بمائة ألف مجلد من الكتب. وكان فيها على عهده مدرسة جامعة ومدارس دينية وخزائن كتب وربما كانت طرابلس قبل استيلاء الصليبيين عليها، أول بلدة علمية في الشام».
ويصف «ابن القلانسي» دخول الصليبيين إلى المدينة وما فعلوا بها فيقول: «إنهم ملكوها بالسيف، ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها، ودفاتر علمها، وما كان منها في خزائن أربابها، ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر».
ويقول ابن الأثير: «ونهبوا ما فيها وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأموال، وغنموا من أهلها الأموال والأمتعة وكتب دور العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يحصى. فإن أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالاً وتجارة». ويقول في موضع آخر: «وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات وأخذت دفائنهم وذخائرهم في مكامنهم».
وذكر «السلامي» أن مدينة طرابلس كانت مملوءة حينذاك بالعلماء من المسلمين، ففني منهم خلق كثير بعد أن فشا الجوع فيها والضائقة والقتل.
هذه هي مكتبة طرابلس التي عرفت بإسم «دار العلم» وقد أصبحت هذه التسمية تطلق على المدينة كلها، وقد عرف «ابن فضل الله العمري» و«ابن الشحنة» المدينة باسم دار العلم. وذكر أنها سميت بذلك قديماً. كذلك أشار الشاعر الكاتب «شهاب الدين محمود» إلى هذه التسمية في أشعاره فقال مقالاً من قصيدة طويلة:
وهي أيضاً بدار علم تسمى
إنما ليس كالجبل الآكام
بلدة سالمت حماها الليالي
وسهت عن ربوعها الأيام([470])
عمر عبد السلام تدمري
وعن بني عمار يقول الدكتور عيسى حمادة: استطاع العماريون بعد تربص في طرابلس استمر أكثر من نصف قرن، استطاعوا العودة إلى مسرحها السياسي عام 462هـ/ 1070م وإعلان استقلالهم([471])، بها مبعدين عنهم أية تبعية دينية لمصر وذلك بتحولهم إلى المذهب الاثني عشري. يبدو أن بداية الدولة العمارية كانت تمثل نهاية التجربة الفاطمية إذ إنها توافقت وترافقت مع أمور أكثر خطورة من قيام الدولة العمارية ألا وهي: قدوم السلاجقة إلى سورية ثم الصليبيين من بعدهم مما أدى إلى شيوع حركة تقسيم وتجزئة وتحويل في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السورية ـ اللبنانية وذلك على الخطين الإسلامي والصليبي. وأن ما قام به الفاطميونه من استعادة لطرابلس في غياب أميرها فخر الملك ابن عمار عنها لا يقع ضمن الخط الذي أردنا تناوله في دراستنا هذه، إنما يمكن أن يكون من ضمن الخط الانتقامي الفاطمي من هذه الأسرة التي تنكرت لأسيادها وقامت عليهم متعاونة مع السلاجقة.
لقد كانت التجربة العمارية أقسى وأصعب من التجربة الحمدانية نظراً لموقع الإمارة الحساس ولوجود قوى كبيرة عديدة كانت تسعى لامتلاكها: الفاطميون (الذين كانوا يملكون أسطولاً قوياً) والصليبيون، وهذا ما جعل العماريين يتعاونون مع السلاجقة رغم كل خلاف لأنهم القوة الوحيدة التي تمثل حداً أقل من المطامع بإمارتهم.
كانت المرونة العمارية مثيرة للعجب، لكن لما لم يكن بالإمكان التعاطي مع الصليبيين من ضمن هذا المنطق، انتقل العماريون إلى مجابهة الحصار والقتال بالقتال إلى أن سقطت المدينة بيد الصليبيين بعد سلسلة حصارات استمرت سبع سنين (502هـ/ 1109م).
لا بد قبل التصدي للتجربة العمارية من قول كلمة في هواهم المذهبي، وهو أمر يمكن أن يساعد على فهم علاقاتهم بكل من الفاطميين والسلاجقة، وقد أمدتنا مصادر الحقبة بمعطيات يستفاد منها أن العماريين كانوا شيعة، وشيعة على نمط غير النمط الفاطمي، وهو الاثني عشري الذي كان سائداً في طرابلس ونواحيها في هذا العصر والذي ساهم الكتاميون في ترسيخه إذ غدا أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار([472]) قاضي طرابلس الشيعي ابتداء من 440هـ/ 1048؛ ولا تتحدث المصادر بشكل صريح عن تشيع العماري أبي الحسن علي جلال الملك، ولكن بالإمكان الاعتماد على ما قام بينه وبين قاضي جبلة محمد بن عبيد الله بن منصور المعروف بابن صليحة عندما أطلق هذا الأخير الخطبة العباسية ثم سلم جبلة إلى السلاجقة ورحل عنها إلى دمشق فبغداد([473])، في حين كان حكم العماري فخر الملك حافلاً بالأحداث الكبار التي شغلته والمؤرخين فتفرد منهم ابن القلانسي فأشار إلى بني عمار على أنهم شيعة طرابلس([474]).
ومهما يكن من أمر فإن بني عمار خدموا التشيع الاثني عشري بدار العلم التي أقامها القاضي أمين الدولة والتي تخصصت في العلوم الإسلامية من كلام وتفسير وحديث([475])، والتي احتوت على مكتبة غنية ضمت مئة ناسخ ومجموعة من الاختصاصيين لتزويدها بالكتب من كل مكان.
يبدو أن الخلاف الفاطمي ـ العماري يرجع بجذوره إلى ما قام بين الحسن بن عمار والسلطة الفاطمية في مصر، وهو خلاف على النفوذ والسلطة توسع وتشعب، وذلك دون أن يتمكن الفاطميون من التصدي لهذا النشاط الكتامي في طرابلس ومنطقتها وهو أمر أخفقوا فيه من قبل في دمشق حيث كان للمحيط الرأي الفصل في ذلك. ولم تبرح السلطة الدينية العمارية في طرابلس أن ولدت سلطة سياسية إذ استولى أبو طالب بن عمار على السلطة في المدينة (462هـ/ 1069) بعد وفاة حاكمها مختار الدولة بن بزّال واستقل بها عن الفاطميين([476]).
كان حكم أبي طالب قصيراً فخلفه ابن أخيه جلال الملك وتابع سياسة الاستقلال والانسلاخ عن الفاطميين دون إسقاطهم من حسابه([477])، فتجاوز العماريون المسألة المذهبية وتعاونوا بمنتهى الدبلوماسية وحتى الإخلاص أحياناً مع السلاجقة بغية رد العدو الصليبي المشترك.
لقد مرت العلاقات العمارية ـ السلجوقية بدورين:
ـ الأول قبل أن يشعر العماريون بخطر الوجود الصليبي الداهم، فتصدوا للحلف الثلاثي المكون من تتش ـ آق سنقر ـ وبوزان (485هـ/ 1093) وذلك دون أن يسقطوا من الحساب إمكانية إبعاد الخطر بإبراز مناشير لهم من قبل السلطان ملكشاه([478]). وقد تعامل العماريون مرة أخرى مع السلاجقة عام 494هـ/ 1101 وذلك دون الدخول معهم في صراع سافر ومفتوح، كان ذلك عندما اختلف العماريون مع قاضي جبله ابن صليحة، فاستنجد هذا الأخير بدقاق الذي أوفد إليه تاج الملوك بوري، لكن فخر الملك استولى على المدينة([479]) وعامل بوري بشكل لائق وأعاده إلى دمشق([480]).
ـ الثاني بعد بروز خطورة الوجود الصليبي حيث نشهد العماريين يتصرفون على أساس كون السلاجقة أمراء وسلاطين، القوة الوحيدة التي يمكن التعاون معها لصد هذا الخطر؛ تجلى هذا الأمر ابتداء من 495 هـ/ 1102 إذ أخذ الملك يستنجد بدقاق وبجناح الدولة صاحب حمص([481])، ثم نراه عام 498هـ/ 1105 يفتش عن عون رضوان صاحب حلب([482]) وسكمان بن أرتق صاحب حصن كيفا، وكان سفر ابن عمار إلى كل من دمشق وبغداد لطلب المساعدة، القمة في هذا النمط والنهاية بالنسبة للوجود العماري في طرابلس، إذ أن هذه السفرة، رغم حسن استقبال السلطان السلجوقي محمد والخليفة المستنصر للأمير العماري، فإنه لم يحقق غايته من السفر([483]) فغدت طرابلس فاطمية قبل أن تقع في يد الصليبيين.
ابن عمار والصليبيون:
أظهر ابن عمار تفهمها ومرونة جديرين برجل من كبار العصر إذ كانت إمارته في ورطة أصعب بكثير مما صادفه الحمدانيون من قبل، فوضع لإنقاذها كل إمكانياته المادية والعسكرية والسياسية.
دشن ابن عمار هذه السياسة منذ بروز سان جيل أمام عرقة، فدخل معه في مفاوضات عارضاً عليهم الخيل والبغال والمؤن، ولكنه رغم سقوط أنطرطوس حاول التملص من تعهداته مما جل الصليبيين يحاصرون عاصمته، ولما بدأ الصليبيون بناء قلعة قبالة المدينة على جبل الحجاج، انتقل فخر الملك إلى سياسة جديدة هي سياسة القوة بدل سياسة المال والدواب. لقد شهدت سنة 497هـ/ 1104 حصاراً صليبياً للمدينة، وهجوماً عمارياً على القلعة([484])، ويبدو أن الهجوم الإسلامي كان فعّالاً إذ تم الاتفاق في السنة التالية على تسليم خارج المدينة للصليبيين على أن يطلقوا حرية العبور منها وإليها([485])؛ أما هجوم 499هـ/ 1106 العماري على قلعة سان جيل على أثر حصار المدينة، فقد أدى إلى حريق القلعة ومحاولة تخريبها، كما أودى بحياة سان جيل([486]).
وقد اضطر فخر الملك تحت وطأة الحصار الدائم والتصميم الصليبي على أخذها، إلى مغادرتها بحثاً عن نجدة سلوقية فاستمر هو وسقطت مدينته (502هـ/ 1108).
كانت تجربة طرابلس العمارية، حكاماً وسكاناً من أصعب ما عانته إمارة في ذاك الوقت، إذ كان عليهم الدفاع عن كيانهم السياسي وعن وجودهم المادي المنوي اقتلاعه بيد عناصر غريبة، أو أن يبعدوا الصليبيين عنهم بالمرونة الدبلوماسية.
ولاية طرابلس الشام تتمرد على واليها سليمان باشا وإبراهيم باشا العظم
(1725 ـ 1734)
كانت ولاية طرابلس تشمل البلاد الممتدة بموازاة البحر بين اللاذقية ونهر الكلب، ويحدها من الغرب مجرى هذا النهر وسلسلة الجبال المطلة على نهر العاصي، ومعظم أراضيها جبلية وليس فيها أرض منبسطة إلا تلك التي تقع بين طرابلس واللاذقية. وقد ساعدت الجداول العديدة التي تجري في أرض هذه الولاية على زيادة خصب /تربتها([487])، وقدرت الوثائق الدبلوماسية الفرنسية عدد سكانها بحوالي 267,490 نسمة([488]).
وتضم الولاية مجموعة من المقاطعات هي التالية من الشمال إلى الجنوب:
مقاطعة طرطوس، وهي مدينة تضم حوالي ألفي نسمة، معظمهم من المسلمين يعملون كحرفيين وبحارة في حين اشتهرت مقاطعة صافيتا بغناها في القمح والشعير والحرير والخضار، ويقطنها حوالي أربعون ألفاً من النصيرية يقيمون في قلاع قديمة عرف أمراؤها باسم «مشايخ الجبل»، وتحت إمرتهم شباب ينفذون أوامرهم في القيام بعمليات في غاية الجرأة. في حين أقطتعت عكار إلى آل الأسعد (المرعبي)، وهي منطقة سهلية تنتشر فيها الأخشاب. وسكانها محمديون قدر عددهم سنة 1812 بحوالي ثلاثون ألفاً. والتزم آل الرعد مقاطعة الضنية الواقعة شمال طرابلس، وقدر عدد سكانها في سنة 1812 بحوالي خمسة آلاف نسمة يدينون بالإسلام.
أما مقاطعة الميناء فقد جعلها والي طرابلس تابعة له وكمالكانه، وتقع في أسفل الضنية وقدر عدد سكانها بحوالي الألف مسلم. في حين كان التزام إقليم جبل لبنان أو مقاطعة جبيل يخص الأمير الحاكم من آل شهاب، وتقسم المقاطعة الاخيرة إلى عدة نواحي([489]).
أ ـ ناحية جبة بشري حيث مرتفعات بشري في الشرق من طرابلس، ويقيم فيها حوالي عشرة آلاف ماروني تقريباً.
ب ـ ناحية الزاوية في الجنوب الشرقي من طرابلس، ويلتزمها آل الخازن من أمير جبل الدروز ويقطنها سبعة آلاف تقريباً نسمة معظمهم من الروم.
جـ ـ ناحية الكورة العليا والسفلى عدد سكانها عشرة آلاف تقريباً، في العليا يوجد روم وقليل من المسلمين مساو لعدد الروم. وتنتج هذه الناحية تبغاً يفضل على تبغ اللاذقية.
د ـ ناحية البترون على شاطئ البحر، وذات ميناء قليل الفائدة، وفيها قرية دوما المشهورة بمناجم الحديد، يلزمها أمير جبل الدروز إلى بعض العائلات مقابل مبلغ سنوي مقداره عشرون كيساً. والمعدن المستخرج منه ذو خامة ناعمة، ويستخدم في صناعة حدوات الخيل في كل أنحاء بلاد الشام. ويحقق مستثمروه أرباحاً طائلة.
هـ ـ ناحية جبيل على شاطئ البحر، ويبلغ عدد سكانها مجتمعين مع البترون حوالي خمسة وعشرون ألف نسمة([490]).
ويقيم في مدينة طرابلس وآل مطلق السلطة في الشؤون العسكرية والإدارية والمالية، ويلتزم الولاية لمدة سنة قابلة للتجديد، مقابل مبلغ سنوي مقداره سبعمائة وخمسون كيساً يؤديها للباب العالي. ويتوجب عليه مقابل ذلك تأمين ما تحتاجه قافلة الجردة([491]) من مؤن تقدر تكاليفها بأربعمائة وخمسين كيساً، يدفعها من عائدات المدينة التي تدر عليها حوالي خمسمائة وإحدى وثلاثين كيساً، على أن يقوم بنفقات القوات التي تحت تصرفه.
ويعتاض عن ذلك بالرسوم والضرائب والمغارم التي قدرت سنة 1811 بمبلغ مقداره 1200 كيس تقريباً موزعة كما يلي، وفقاً لتقرير (الفونس غيز) قنصل فرنسا في طرابلس.
عن تلزيم مقاطعة الولاية 192,731 قرش
خراج طرابلس 004794 قرش
ضريبة الحرير 035000 قرش
من الجزارة 001560 قرش
مداخيل الجمرك 18746 قرش
من بستين طرابلس 002580 قرش
من المطاحن 00325 قرش
مداخيل غير منظورة 06000([492]) قرش
وهكذا يتبين لنا أن التزام الولاية لم يكن مربحاً من الناحية العملية، ولكن الوالي اعتاد تعويض الخسارة عن طريق المبالغ التي كان يجمعها ظلماً بحجة تموين قافلة الجردة.
وتبعد مدينة طرابلس عن الشاطئ حوالي ثلاث كيلومترات ولا تضم أسواراً ولا خنادق، إنما تشكل منازلها الحجرية المتلاصقة ما يشبه السور ويفصلها نهر قاديشا إلى قسمين متساويين يتصلان بواسطة جسر، وشوارعها مبلطة وتخترقها قناطر حجرية لتمتين المنازل الموازية لها، وتستخدم أيضاً كقنوات لنقل الماء من مسافة ساعتين ونصف الساعة من الشمال الشرقي، وتسيطر على المدينة قلعة من طراز الصليبيين([493]) سوف يكون لها دور بارز في تاريخ المدينة.
وبلغ عدد سكان طرابلس في سنة 1812 حوالي 14200 نسمة، بمن فيهم سكان بلدة الميناء وعددهم حوالي ثلاثة آلاف نسمة. ويرتفع الرقم إلى حوالي خمس عشرة ألفاً في فصل الشتاء حين تغطي الثلوج الأرض في المناطق الجبلية الشمالية، فينتقل إليها من تلك المناطق عدد من العائلات المارونية مع أبقارهم. لعجزهم عن إيجاد أي عمل في تلك المناطق، وللتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً في الكهوف المنتشرة في ضواحي المدينة. ويتوزع تعداد السكان وفقاً للوثائق الفرنسية كما يلي تقريباً.
2700 روم 0800 اشراف([494])
0200 موارنة 9000 مسلم
100 حراس للساحل([495])
100 يهود 1300 يرلية([496])
ومنذ أواخر القرن الثامن عشر لم يعد للمدينة ما كان لها من أهمية تجارية بالنسبة إلى تجار فرنسا كسوق وكمركز استهلاك، وتدنت نوعية الحرير الذي كان يصدر منها إلى مرسيليا لصناعة الشرائط. وصار نادراً رسو السفن في مينائها. وإلى حد دفع قنصل فرنسا العام في حلب الكتابة إلى حكومته طالباً تحجيم قنصلية طرابلس([497])، وبأنه لم يعد هناك أية فائدة لوجود القنصل ويكفي وجود وكيل بسيط([498])، إذ لم يعد في المدينة سوى فرنسي واحد سنة 1812، ففي حين كانت البيوت التجارية الفرنسية تحتكر شراء كل الحرير([499]). فقد كانت المدينة سوقاً وميناء للمدن السورية الداخلية مثل حمص وحماه وحلب، وكانت تقوم بها تجارة تؤمن حاجة السكان والريف المتوسط الثراء وصناعة متوسطة. وبلغ حجم تجارة المدينة سنة 1825 حوالي أربع ملايين قرش([500]).
بروز الأسرة العظيمة
استطاع السلطان أحمد الثالث (1703 ـ 1730) ووزيره داماد إبراهيم باشا (1730 ـ 1718) أن يؤمنا للأمبراطورية العثمانية حقبة من أزهى حقباتها، ففي السنة الأولى من حكم داماد باشا عقد معاهدة باساروفيتز (Passarovitz.) مع آل هابسبورغ عام 1718، وتم التوصل إلى اتفاق مع بطرس الأكبر (1682 ـ 1725) عام 1724([501]).
وبالوصول إلى هذين الاتفاقين وبداية الحرب مع فارس، تسلطت الأنظار على الجانب الآسيوي من الامبراطورية، وقد يكون السبب والدافع إلى ذلك لدى داماد باشا منجزات حسني باشا في العراق، الذي استطاع أن ينشئ أسرة تبوأت الحكم بحيث عززت السيطرة العثمانية على المنطقة، أو أن أحدث بلاد الشام جعلته يشعر بالخطر، بحيث أنها أصبحت فجأة قريبة جداً من الجبهة الرئيسية للأمبراطورية، أو يرجح أكثر بسبب اختلال أمور الحج والتي هي من الأمور البالغة الحساسية بالنسبة للأمبراطورية. وبأية حال يبدو أن بروز آل العظم في بلاد الشام قد يكون ذا مغزى متصل بسياسة الباب العالي العامة في هذا الوقت([502]).
وقبل بروز آل العظم في بلاد الشام، استمر الولاة في هذه الفترة، يعينون من أصل رومي، وكانوا عادة يبقون في مناصبهم مدة سنة أو سنتين، خلافاً لما كان يحدث في القرن السادس عشر، وتعكس هذه الظاهرة من ناحية وجود كثرة من المرشحين لمناصب ولايات بلاد الشام، وتظهر من ناحية أخرى، نفوذ المعينين لهذا المنصب وقوة وكلائهم في استامبول. وقد ظهر اتجاه في أواخر هذه الحقبة، نحو إطالة حقبة حكم ولاة دمشق بسبب توليهم إمارة الحج الشامي، وأصبح الوالي يستمر في منصبه عدة سنوات طالما أنه يحافظ على سلامة الحج. إلا أن اعتبارات أخرى، مثل خوف السلطان من ازدياد سلطة هؤلاء الولاة إذا استمروا في مناصبهم مدة طويلة جعلته يعزلهم([503]).
وقد اسندت السلطات العثمانية ولاية دمشق مرتين إلى عثمان باشا أبو طوق الأولى ما بين 1719 ـ 1721، والثانية بين 1723 و1725، وكان أحد أبنائه في أثناء ولايته الثاتية على دمشق يحكم ولاية صيدا. وقام أبو طوق بكثير من المظالم وابتزاز المال في دمشق. معتمداً على دعم السلطان والصدر الأعظم في استامبول والتف حوله جماعة من العوانية([504])، مارسوا الظلم وابتزاز المال من الأهلين، وفي عام 1724 اشتدت النقمة في دمشق ضد أبو طوق وبلغت حد توجيه الشكاوى عن طريق علماء المدينة، مما أدى إلى عدم استطاعة السلطان تجاهل نقمة الدمشقيين على واليهم، فأصدر أمراً بإقالة أبي طوق من منصبه، لكن أبا طوق دخل في صراع مع خصومه في المدينة، وقاوم علناً تعليمات استامبول، وفي كانون الثاني (يناير) 1735 قدم قبوجي([505]) باشا من استامبول وهو يحمل أوامر بعزل أبي طوق ونقله إلى عند ابنه والي صيدا([506])، وعين اسماعيل باشا العظم مكانه في أوائل آذار (مارس) 1725. وكان إسماعيل باشا أول وال من الأسرة نفسها في دمشق وصيدا وطرابلس. وكان ظهور آل العظم كولاة في هذه الفترة جزءاً من ظاهرة عمت كثيراً من الولايات العربية وغيرها في القرن الثامن عشر، حين تسلم الحكم ولاة من أصل محلي برضى السلطة المركزية العثمانية أو رغماً عنها([507]).
ولقد اشتهر مؤسس الأسرة العظيمة، إبراهيم العظم، كجندي يدافع عن السلطة العثمانية في معرة النعمان. وقد قتل في حوالي منتصف القرن السابع عشر في المعارك التي نشبت بين أهل المعرة والتركمان المجاورتين واستمر أفراد هذه الأسرة في خدمة العثمانيين، وعينوا بين سنتي 1725 و1728 على ولايات الشام وصيدا وطرابلس. وقد ساعدهم على البروز كأسرة محلية في بلاد الشام فالغنى والنفوذ والدعم في استامبول. وهي أشياء أساسية في مقاييس تلك الفترة للحصول على الحكم مدة طويلة وتعيينهم على ولاية الشام مدة ثلاث وأربعين سنة بشكل متقطع. في القرن الثامن عشر، يدل على وجود أسباب أخرى أتاحت لهم ذلك. أن بلاد الشام الجنوبية، وولاية دمشق بالذات، كانت تجاور البادية حيث القبائل البدوية التي هددت قافلة الحج وكان تكليف ولاة دمشق بإدارة الحج، في الربع الأول من القرن الثامن عشر، نتج عنه إطالة حكم هؤلاء الولاة ما داموا يؤمنون سلامة الحج.
وقد أمن آل العظم ذلك فاستمروا في الحكم، ووطدوا بالإضافة إلى ذلك، الأمن في ولاياتهم ودفعوا المال الميري، ولم تحدثهم نفسهم بالثورة والاستقلال بل قنعوا بالحكم في ظل السلطان فتسامح بوجودهم، لا سيما وأنه كان بإمكانه عزلهم أو نقلهم من مكان إلى آخر سيما وأنه كان بإمكانه عزلهم أو نقلهم من مكان إلى آخر وحتى مصادرتهم كما حدث في عام 1730، ويفسر تعيين آل العظم حكاماً أيضاً على ولايتي صيدا وطرابلس. وأحياناً حلب، بقوة النفوذ الذي وصلوا إليه، وبمحاولة الدولة إيجاد الانسجام بين الولاة لينصروا أمراء جردة الحج، وهم عادة من ولاة طرابلس أو صيدا، خير المؤازرين لأمراء الحج([508]).
بالإضافة إلى هذه العوامل التي أشرنا إليها، لا بد من ذكر الغنى الوافر الذي حققه آل العظم من (مالكاناتهم) ([509]) في المعرة وحماة وحمص، واستفادتهم من الازدهار الاقتصادي الذي عم ولاية طرابلس، نتيجة النشاط الذي شهدته هذه الولاية بسبب تجارة التبغ والحرير بعد انقطاع حرير فارس، الذي كان يتم استيراده من قبل التجار الإنكليز عن طريق حلب والاسكندرونة، أثر غزو قيصر روسيا بطرس الأكبر لبلاد فارس الشمالية كما صدرت من ولاية طرابلس مادة القلي([510]) إلى أوروبا لصناعة الصابون والزجاج فيها. هذا الغنى الذي حققه آل العظم ساعدهم على الدعم المتزايد في استامبول عن طريق الوكيل الذي يرعى مصالحهم ويسمى خليل أفندي الذي استمد نفوذه من كاخيا الصدر الأعظم([511]).
وتتفق معظم المصادر على أن آل العظم أسرة([512]) محلية اشتهرت في منطقة معرة النعمان ـ حماة، وتوصلت إلى حكم هذه المنطقة في الربع الأول من القرن الثامن عشر. حين عين اسماعيل إبراهيم العظم حاكماً على المعرة وحماة، وبواسطة والي حلب عارفي أحمد باشا فأعطي اسماعيل طوخين([513])، وعين والياً على طرابلس في أوائل العشرينات من القرن الثامن عشر([514])، وأعطي بهذه المناسبة إدارة جردة الحج في عام 1724، ثم عين متصرفاً (حاكم) على دمشق وأميراً للحج بالإضافة إلى منصبه الأساسي والي طرابلس وباشبوغ الجردة، وألحق بإدارته سنجق نابلس وغزة والقدس وعجلون، على أن تعود عائداتها للإنفاق على الجردة. ويرجح أن يكون ترك طرابلس لإدارته إنما كان بهدف الإنفاق على الحج، وقد ترك شقيقه سليمان مكانه في طرابلس([515]).
وفي صيف 1725 قاد اسماعيل باشا الحجاج إلى الحجاز وأنقذهم من عطش مميت بفضل النجدة التي أتى بها شقيقه قائد الجردة، واستطاعا رد غارات البدو والعودة في أواخر تشرين الأول (اكتوبر) إلى دمشق سالمين. فكان لذلك صدى جيد في استامبول، فرقي اسماعيل إلى رتبة وزير كما رقي شقيقه سليمان إلى رتبة باشبوغول برتبة بيلربك وأحيلت إليه ولاية طرابلس([516]).
وبلغ آل العظم درجة كبيرة من السلطة بين 1725 و1740، وفي سنة 1727 عين إبراهيم إسماعيل العظم على ولاية طرابلس، ونقل سليمان باشا إلى أورفه، ولكنه عزل عنها في سنة 1728 وعين على ولاية صيدا، وهكذا حكم آل العظم ولايات دمشق وطرابلس وصيدا في آن واحد. وعين إبراهيم باشا ابنه ياسين بك حاكماً على اللاذقية التي كانت تتبع ولاية طرابلس، كما عين إسماعيل باشا ابنه أسعد متسلماً (نائباً) له على «مالكانات» حماة والمعرة([517]) بالإضافة إلى هذه المناصب فقد عين أفراد آخرين من آل العظم على غزة ونابلس وليدا والرملة والأزارقة، والأخيرتين كانتا قلعتين على طريق الحج. وحدثت حالات سابقة كان فيها أشقاء يتولون ولايتي صيدا وطرابلس، أو آباء وأبناء على دمشق والقدس، كما اعتاد كل الولاة على تعيين بعض أقربائهم أو أتباعهم أو مماليكهم على بعض المناصب في ولاياتهم، ولكن كانت هذه المرة الأولى التي تتولى فيها أسرة واحدة كل البلاد الممتدة من العريش ومصر إلى حدود حلب([518]).
وضع ولاية طرابلس
تسلم سليمان باشا ولاية طرابلس ولم يكن سوى قلة من الأهالي راغبين في تلقي أوامره، وكانت المدينة تضم عدداً من فرق الإنكشارية المتمردين لا يطيعون إلا الأوامر الصادرة لهم عن قادتهم، كما كانت المدينة تضم عدداً كبيراً من الأشراف كانوا يشكلون العناصر الأكثر تمرداً وباستثناء بعض الأقلية السنية، كان سكان الولاية يتألفون من النصيرية والموارنة والمتاولة، كانوا يقدمون الولاء والطاعة لمشايخهم([519]).
وتواجد في طرابلس نائب قنصل فرنسي ومعه عشرة تجار مع مستخدميهم، وعدد قليل منهم يعيش في اللاذقية، كما كان لبريطانيا نائب قنصل في طرابلس ووكيل في اللاذقية، وهؤلاء التجار كانوا البائعين الرئيسيين لمنتجات المنطقة من حرير، وكذلك منتجات مستوردة من البلاد وأرز من دمياط، ويبادلون عليها بتبغ اللاذقية، وحددوا أسعار السلع بالفرنك، وفشل الوالي في تحصيل أسعار عالية من رعاياه. وبموجب قوانين الامتيازات كانوا يتمتعون بحماية سفرائهم في استامبول، الذين كانوا أقوى نفوذاً من الوالي، وكانت هذه الحقوق تشتمل أيضاً في شكل براءات([520]) إلى عدد من السكان المحليين معظمهم من اليهود والنصارى يخدمون الأوروبيين كتراجمة أو وكلاء. ولم يكن للوالي أية سلطة على هؤلاء نظراً لأن اقتصاد الولاية كان يعتمد عليهم، وكذلك أيضاً على عدد من رعايا السلطان العاملين في خدمتهم.
كما كان النفوذ الفرنسي يمتد أيضاً على المبشرين الكاثوليك الذين نجحوا في تحويل بعض الروم إلى الكنيسة اللاتينية أو الوحدة. وكانت أديرة وكنايس الكاثوليك قد تم بناؤها تحت حماية القنصل الفرنسي رغم مخالفة ذلك للقوانين العثمانية([521]).
وكان ملوك فرنسا بالنسبة لمعظم موارنة الولاية بمثابة حماة لهم، وكانوا يلجأون إليهم بصورة دائمة للحماية بدلاً من السلطان، وكان يجري الاحتفال بالأعياد الملكية الفرنسية في طرابلس بالطريقة ذاتها التي يجري الاحتفالا بها في المدن الفرنسية([522]).
وعانى التجار الفرنسيون الذين كانوا موجودين في مدينة طرابلس من الاقتتال الدموي الذي شهدته مقاطعات جبل لبنان، والذي أدى إلى توقف النشاط التجاري الذي يقوم به سماسرتهم في هذا الأقليم، بسبب امتناع ملتزمي هذا الأقليم من آل حمادة عن دفع الضرائب المتوجبة عن التزامهم هذا الأقليم إلى والي طرابلس، واستطاعوا بازدياد نفوذهم من التعاقب على التزام مقاطعات جبل لبنان وعكار في فترات متقطعة منذ سنة 1636([523]) وحتى أوائل القرن الثامن عشر، إلا أن التعديات والتجاوزات التي بدرت منهم ضد السكان المحليين، والنتائج السيئة التي عانت منها البلاد نتيجة حروبهم وممارساتهم، باعدت بينهم وبين السكان المحليين، ودفعت بعض الولاة الأقوياء إلى محاربتهم وطردهم خارج حدود التزامهم، ولكن هؤلاء الولاة لم يتمكنوا من تدعيم نفوذهم فيها وإحكام سيطرتهم عليها ولا حتى الإحتفاظ بها على الدوام والاستمرار.
إزاء هذه الحالة، بدأ وجود الجند الإقطاعي المحلي أمراً ضرورياً لإعادة الاستقرار إلى ربوع عكار ومقاطعات جبل لبنان، إلا أن تكليفه بتنفيذه هذه المهمة، بدا عديم الجدوى بعد أن بات وجوده يقتصر على إقطاعيين صغار من أصحاب التيمار فقط، وبعد أن زالت القوة الإقطاعية الضاربة التي تمثلت في الماضي بآل سيفا، وخلق حالة من الفوضى والتعديات تمثلت في السلب والنهب، هذه الحالة حملت بعض ولاة طرابلس للقيام بخطوة لإنقاذ الأوضاع.
عندما لجأ أحدهم عام 1691 بتلزيم عشيرة آل دندش الصالحة ضد آل حمادة ومنعهم من العودة إلى التزام عكار وإثارة الشغب في وجه بعض ولاة طرابلس الضعاف. لكن هذه الخطوة فشلت في تحقيق النتائج المرجوة، فوقع اختيار ولاة طرابلس على آل المرعبي لتحقيق هذه المهمة([524]).
وفي عام 1127هـ/ 1714م لزَّم والي طرابلس حسن باشا إلى الشيخ شديد المرعبي جباية أموال عكار، على أثر ذلك انتقل زعيم آل حمادة الشيخ عيسى إلى دير عينطورة، وبدأ يرسل رجاله إلى تخريب عكار أملاً في إخراج الشيخ وبالتالي إجبار والي طرابلس على إعادة تلزيمها له.
فما كان من الشيخ شديد المرعبي إلا أن عمد إلى ملاطفة الشيخ عيسى ومسايرته، فوعده باقتسام حكم عكار مناصفة بينهما، وعندما اطمأن الشيخ عيسى لوعود الشخ شديد اتفق هذا الأخير مع والي طرابلس على محاربة الشيخ عيسى، فأمدَّه الوالي بالرجال من عسكر اللاوند ورجال من آل رعد حكام الضنية آنذاك وبعض سكان عكار، فسار بهم إلى دير عينطورة وباغت الشيخ عيسى وهو أمر عجز عنه كل ولاة طرابلس، وقطع الباشا رأس الشيخ وأرسله إلى استامبول، وقضى نهائياً على نفوذ آل حمادة في عكار، فلم يتمكنوا من العودة إلى التزامها في المراحل اللاحقة لذلك التاريخ([525]).
ومهد الشيخ شديد المرعبي بذلك السبيل أمام أبنائه وأحفاده لتولي مهام التزام بلاد عكار من بعده([526]). في حين فرَّ الشيخ اسماعيل حماده ملتزم جبيل إلى دير القمر والتجأ عند الأمير حيدر الشهابي، والتمس منه المعونة وإعادته إلى دياره ملتزماً، وتعهد باستمرار طاعته لوالي طرابلس وبدفع الأموال المتأخرة عليه ومقداره مئتان وخمسون ألف قرش. فتكفل الأمير للوالي بدفع المبلغ وأطلق الأخير المشايخ المعتقلين لديه، وجعل الأمير حيدر المسؤول من قبله عن مقاطعات جبل لبنان، يولي التزامها لمن يشاء، وبذلك يكون الأمير حيدر قد جمع في عهدته شطري جبل الدروز وجبل لبنان([527]).
وبعد فترة وجيزة من تولي سليمان باشا العظم عام 1725 مسؤولية ولاية طرابلس، وجد الفرصة مناسبة لتلقين اقطاعيي الجبل درساً، فقد تمكن مجموعة من الموارنة من صد هجوم قام به مناصرو آل حمادة في مقاطعات جبل لبنان، فاشتكى موارنة المقاطعات المذكورة إلى سليمان باشا الذي أرسل فوراً قوة إلى المنطقة قامت بطرد المتاولة، وجرى بعد ذلك الإغارة على منطقتي جبيل والبترون ونهبها دون التفرقة بين متوالي وماروني، وتم إبلاغ الباب العالي عن حدوث تمرد من قبل عصاة الشيعة، وإنه تم إخماد العصيان دون الإشارة بأي شيء عن الموارنة، وأرسلت حملات أخرى إلى بقية مقاطعات الولاية لبث الرعب بين سكانها. وكتب راهب ماروني: «منذ كانت جبالنا تحت السيطرة العثمانية. لم تقدم فروض الطاعة كما هو اليوم لسليمان باشا»([528]).
ثم توجه سليمان باشا من قنوبين إلى بقية القرى، فأحرق ودمر المنازل والكنائس في طريقه وصادر مئات الخراف، وأوقف الرهبان والأعيان بهدف افتداء أنفسهم وسلبت النساء واقتيدت أسرى([529]).
وما إن عاد سليمان باشا إلى طرابلس، حتى حاول جاهداً أن يخفض من شان كل القضية، فكتب إلى الباب العالي بأنه تمكن من سحق تمرد آخر قام به المتاولة. وأتاح للقنصل الفرنسي في مدينة طرابلس عدة مقابلات معه بهدف مصالحته، وفقط حين رجع القنصل ومعه رسائل من السفير الفرنسي في الأستانة ومن الباب العالي، عاد سليمان باشا إلى سابق عهده، فأرسل ترجمانه لإبلاغ القنصل علانية، بأن الموارنة هم رعايا السلطان ولا دخل للفرنسيين معهم([530]).
ويبدو جلياً من خلال تقرير سليمان باشا عن غارته على جبيل، اعترافه بالمصاعب التي يواجهها من خلال تعامله مع الفرنسيين والمحميين من قبلهم. لكنه سرعان ما حدثت تطورات أشارت إلى أن الوقت كان مناسباً لمحاولة إضعاف قوتهم، فقد انهار النفوذ الذي كان لسفيرهم في الأستانة، منذ عقد صلح بساروفيتز، وعلى الأخص في فترة مرض الفيكونت أندرزل([531]) الذي توفي فترة خدمته، وترك مكانه شاغراً لمدة عشر سنوات([532])، وباشر الصدر الأعظم داماد إبراهيم باشا بمساندة الروم الأرثوذكس، مقابل البعثات التبشيرية الكاثوليكية، كما اتخذ إجراءات أخرى الهدف منها الحد من نشاط الفرنسيين في المشرق. بحيث أنه مع تضاؤل الإشراف المباشر من قبل الإدارة المركزية على الولايات، صار الفرنسيون يتعرضون إلى المزيد من التعديات، ووصل التعامل معهم إلى ذروة العنف في عام 1719، حين جرى نهب منازل القنصلية في طرابلس وكذلك منازل تاجرين([533]).
إن العاصفة الأولى التي أثارها سليمان باشا ضد الفرنسيين، إنما كان سببها ما كان لهم من نفوذ في ولاية طرابلس، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1735 دخل موظفو الباشا إلى البازار وباشروا بعمليات الشراء، واضطر الفرنسيون إلى بيع خامات الحرير والسلع الأخرى التي كانوا يصدِّرونها إلى سليمان باشا وبأسعار حددها هو، ومارس المتسلم هذه العادة في اثناء غياب سيده، واستطاع الباشا بذلك أن يجمع ثروة كبيرة، دون أن يبدوا أية إشارة للخسارة التي كانت تلحق بالفرنسيين([534]).
يفسر نجاح سليمان باشا العظم مع الفرنسيين إلى أنه لاحظ منذ البداية أنه لن يكون أي حظ بمنافسة التجار الفرنسيين المهرة، إلا إذا تمكن من كسب بعض وكلائهم إلى جانبه، ووجد معظم التراجمة، الذين يعتمد عليهم الأوروبيون في تعاملهم مع أبناء البلاد، في سليمان باشا فرصة لزيادة مكاسبهم، وتأمين ثروة تنفعهم عند الشيخوخة، لذا وضعوا خبرتهم وصلتهم في الأسواق تحت تصرفه. وكان أكثر هؤلاء منفعة لسليمان باشا، ابراهم من ليون، وهو يهودي كفؤ أصبح المستشار الرئيسي لديه، واستمر في هذا المنصب بالرغم من كل شكاوي القنصل وتهديداته. وأخيراً وجد القنصل أن الطريقة الوحيدة لإيقاف ليون، إنما تكون بعزل سليمان باشا. فكتب إلى وزارة الخارجية قائلاً:
«طالما أن الباشا وهذا اليهودي هما متفقان، لن يستطيع التجار الفرنسيون إلا أن يكونوا خاضعين لهم، ولكن من المؤكد بأنه إذا تم تغيير الباشا، سوف تزول كل الشكاوى لأن لهذا اليهودي أخصاماً بين النافذين في هذه المدينة، فلن يبقى دقيقة واحدة، ولن يتدخل الباشا الجديد في قضايا التجارة»([535]).
وفي حزيران 1725 قام قرصان مالطي يرفع العلم الأفرنسي بالإغارة على الساحل المجاور لطرابلس. فاعتبر الأهالي القنصل الفرنسي مسؤولاً عما أصابهم من أضرار وأصروا على تغريمه بقيمة الأضرار، إلى حد أنهم هددوا القنصل بالإنتقام إذا لم يبادر إلى ذلك. واستمر سليمان باشا بلوم الفرنسيين برسائل شديدة اللهجة، وتحريض رجاله عليهم في طرابلس، ولكن حين تلقى القنصل الفرنسي رسالة مؤيدة له من الباب العالي، طلب مقابلة سليمان باشا، وقابله الأخير بمظاهر التكريم، واحتفى به حفاوة مبالغاً فيها، بحضور كل أفراد الديوان، وقدم له القنصل هدية قيمة، وصرح علانية بأن الفرنسيين ليسوا مسؤولين عن غارات القراصنة، وبأنه يتمنى عودة العلاقات الطيبة مع الباشا وأفراد ديوانه، وقبل مغادرة القنصل طلب إليه سليمان باشا، أن يرسل تقريراً إلى السفير الفرنسي في استامبول، يمتدح به الباشا، وأن يشير بتقريره إلى الطريقة التي سويت فيها القضية([536]).
وبعد هذا الاجتماع توقفت تماماً كل التعديات والتدخل بشؤون تجارة الفرنسيين، وبعد ذلك بوقت وجيز، نظرت محكمة سليمان باشا بقضية نزاع جرى بين راهبين روم أرثوذكس وأربعة موارنة يعملون وكلاء في البازار لدى الفرنسيين، وبما أن النظر في هذه القضية كان من حق القنصل، فقد اعتذر له سليمان باشا، ووجه اللوم إلى أفندي الديوان([537]).
وأحد الأسباب الرئيسية في فشل سليمان باشا في صراعه مع نفود الفرنسيين، أنه لم يكن شديد الاهتمام بالمظهر السياسي لهذا الصراع، بقدر ما كان مهتماً بما يحققه من مكاسب مالية، فقد كان لا يمانع في أن يجري الطمع فيما يكون قد أنجزه، كما كان بإمكانه أن يبدل أية سياسة مقابل هدايا قيمة، ونظراً لأن القنصل الفرنسي لم يكن مسموحاً له في ذلك الوقت أن يقدم هكذا هبات، أدى ذلك إلى تطور النزاعات وإلى أزمات جديدة([538]).
وفي نهاية آذار 1726 وجه سليمان باشا ضربة للموارنة الذين كانوا يشعرون أنهم بأمان تحت الحماية الفرنسية، وكانت الحجة التي استخدمها لهذه الغاية هي رسالة كان قد ضبطها سيلفستر بطريرك الأرثوذكس، وكانت موجهة من كل من سيريل بطريرك الكاثوليك المنفي والبطريرك الماروني يعقوب عواد إلى السفير الفرنسي، بأنهما يساندان الروم الكاثوليك ضد رئيسهم الشرعي وضد الباب العالي، فأثار ذلك غضب سليمان باشا ودفعه للقيام بعمل ما.
واتخذ حجة لضرب الموارنة بأنهم مدينين له بمبلغ مقداره 25000 قرش وهي قيمة الضريبة السنوية المفروضة عليهم، متناسياً بأنهم في تلك السنة كانوا قد دفعوا له الجزية والخراج، بهدف عدم إتاحة الفرصة له لاتخاذ هذه الحجة فغادر سليمان باشا طرابلس في الليل يرافقه بضع مئات من الجنود، وبعض الروم الأرثوذكس الذين حثوه على القيام بهذه الحملة، وبالرغم من حرص الباشا فقد فشل في مفاجأة البطريرك عواد، لأن الأخير كان قد فرَّ من قنوبين قبل وصول سليمان باشا. فأمر بإحراق منزل البطريرك وكنيسته وتمزيق الفرش وصورة البابا والملك الفرنسي، ثم سار الباشا من قنوبين إلى بقية القرى فدمر وأحرق تلك القرى التي فرَّ أهاليها([539]).
وقد عانت الطبقات الفقيرة من طمع سليمان باشا، الذي كان يحكم الولاية كأنها ملك خاص به، فقد كان يبيع الأملاك ويصادر الأراضي لنفسه، ورغم أن المحاصيل الزراعية كانت وفيرة خلال هذه الفترة، فقد كان الطعام قليلاً لأن ابتزازات سليمان باشا. سلبت الأهالي كل ما كان تبقى لديهم بعد الحرب الفارسية، كما أن جنود سليمان باشا الحقوا أضراراً باعتداءاتهم على الأهالي ولم يؤمنوا لهم الحماية اللازمة للتمتع بثمار عملهم([540]).
لهذه الأسباب جميعها كان سليمان باشا مكروهاً من قبل أهالي ولاية طرابلس رغم سياسته الخشنة مع الفرنسيين وعلاقته الحسنة مع العلماء، وابتنى مسجداً ومدرسة في اللاذقية ومع ذلك لم يكن مقبولاً من الأهالي. ولهذا بعد صدور قرار عزله بوقت قصير قتل أحد جنوده رجلاً في المحكمة، تحول الاستياء العام إلى ثورة عنيفة لم تتوقف إلا بإسراع الباشا بمغادرة المدينة إلى منصبه الجديد في أورفا في آذار (مارس) 1727([541]).
وحين تسلم إبراهيم من عمه سليمان باشا ولاية طرابلس في آذار 1727، وجد بأن الولاية في حالة هيجان. فالأطعمة نادرة الوجود، والطرقات غير آمنة، والناس في حالة استياء من آل العظم، وكانوا لا يزالون ساخطين بسبب جريمة القتل المتعمد التي حدثت في المحكمة، لكن إبراهيم باشا لم يعط الأهالي أية وعود خادعة، وكتب القنصل الفرنسي «لا يبدو أن الأهالي مرتاحين من هذا الحاكم الجديد وأكدوا لي بأنه أشد ظلماً من عمه»([542]).
وسلك إبراهيم باشا حياته في الاعتماد على هذه التوقعات، فجدد تعيين إبراهيم لإدارة أعماله المالية، وبناء لرغبة الأخير اشترى من المخازن كميات كبيرة من المواد الغذائية الرئيسية، بهدف بيعها فيما بعد بأسعار مرتفعة، وبهذه الطريقة نجح في جمع ثروة ضخمة خلال وقت وجيز، وتمكن من بناء سرايا جديدة كبيرة([543]).
واستمر إبراهيم باشا في سياسة عمه الظالمة، ولكنه لم يكن له مواهب الأخير ومهارته، فقد عجز عن تأمين طلب الباب العالي بإمداد الأخير بألفي رجل وعدد من الجمال لإرسالها إلى الجبهة الفارسية، محتجاً بأنه يتوجب عليه تزويد متطلبات قافلة الجردة. ومما لا شك فيه بأنه لم يكن ناجحاً في حفظ النظام في الولاية([544]).
وبالإضافة إلى كل ذلك ففي حين نجح سليمان في كسب الأهالي المسلمين بسبب موقفه المعادي للفرنسيين، فقد كانت تربط إبراهيم بهم مودة وصداقة، بحيث كان هو ونائب القنصل الفرنسي يتبادلان الزيارات والهدايا وسمح لهم إبراهيم ببناء أديرة وكنائس كاثوليكية. وسمح إلى أحد رعاياه الفرنسيين الذي قد سبب خطأ مقتل فلاح من أهل البلاد، بمغادرة المنطقة دون عقاب، ويستجيب لطلب نائب القنصل من حيث السماح لبطاريات بتحية المدفعية الفرنسية، ويرفض اعتراض القاضي حول الاحتفال بذكرى ميلاد دوفين الابن البكر للملك الفرنسي، ويحترم حماية فرنسا للموارنة، ويستجيب لرجاء نائب القنصل بالسماح للبطريرك الماروني بزيارة طرابلس، رغم أن التقاليد المحلية لا تجيز حدوث هكذا زيارة([545]).
وحين أمر إبراهيم باشا بإعادة صب عيارات الأوزان في البازارات، كان هذا التصرف الأكثر إثارة بين القرارات التي اتخذها إبراهيم باشا، رغم أن هذا القرار كان قراراً حكيماً، لأن الأوزان القديمة كانت مهترئة، ولم يستفد السكان منها بل على العكس تماماً، ذلك أنهم كانوا يتقاضون بسبب ذلك مبالغ أقل من مبيعاتهم من الحرير وبقية الأصناف، كما أن تصرف إبراهيم باشا لم يكن بعيداً عن الأنانية، فقد تلقى رشوة مقدارها ألف قرش من الفرنسيين، وبدل موقفه العدائي منهم، دون أن يبلغ الديوان بذلك، فتجربة عمه سليمان باشا في طرابلس، أقنعته بأن الفرنسيين هم العنصر الأكثر نفوذاً في ولاية طرابلس، وبأنه لا داعي لأن يهتم كثيراً بردود فعل السكان المسلمين، فقد أثبتت أحداث تشرين الأول (أكتوبر) 1730 بأن الدرس غير صائب([546]).
نكبة آل العظم
لكن حكم آل العظم في ولايات الشام وصيدا وطرابلس لم يستقر طويلاً، بسبب الأحداث الهامة التي كانت تجري آنذاك في استامبول، وقد قاسى آل العظم من نتائجها، فقد أدت انتصارات نادر شاه الأفشاري ملك إيران الجديد على العثمانيين، حيث قام بتهديد الولايات العثمانية في العراق ومحاصرة بغداد والموصل أكثر من مرة([547])، وقيام الصدر الأعظم داماد باشا وزعماء الإصلاح بالتنبه للوسائل التي حققت به أوروبا قوتها، والقيام باتصالات منتظمة بالسفراء الأوروبيين المقيمين بالأستانة وإرسال السفراء العثمانيين إلى العواصم الأوروبية، والطلب من الأخيرين تزويد الدولة بمعلومات عن قوة أوروبا العسكرية، وبخاصة فيما يتعلق بالتنظيم العسكري والأسلحة الحديثة، والعمل على إدخال الإصلاح التقليدي في جهاز الدولة العسكري عن طريق مزج القديم والحديث، وتأثر السلطان أحمد الثالث بأوروبا في مجال بناء القصور والإسراف والبذخ، وقيام الأغنياء وعلية القوم إلى اقتباس العادات الأوروبية الخاصة بالأثاث وتزيين الدور وبناء القصور وإنشاء الحدائب وبخاصة في منطقة البسفور([548]).
مجموعة هذه العوامل أحدثت هيجان في استامبول، وثار الانكشارية في المدينة في (15 ربيع الأول 1143/ 28 أيلول 1730) وطالب الثائرون بقتل الصدر الأعظم وكاخيا والقبطان باشا (قائد الأسطول). فنفذ السلطان أحمد الثالث طلبهم وكان هذا بداية الضعف من جانبه، وكانت خطوة الثائرين التالية عزل السلطان أحمد الثالث وتنصيب محمود الأول مكانه، وبذلك وضع حد للإدارة التي كانت تحكم الأمبراطورية العثمانية خلال ثلاثين سنة([549]).
وقاسى آل العظم من هذه الثورة لأن وكيلهم في استامبول خليل أفندي. فقد نفوذه بمقتل كاخيا([550]) الصدر الأعظم، ونتج عن الثورة أيضاً تبدل واسع بين كبار الموظفين في الولايات. ويبدو أن سياسة الولاة من آل العظم في ابتزاز الأموال في أثناء حكمهم، قد أثارت على بعضهم السكان المحليين والمسؤولين الذين تلقوا عدة شكاوى حول ذلك. ولم تحدث ثورة في دمشق ضد إسماعيل باشا لأن سياسته في السابق، كانت تقوم على ابتزاز الأموال واسترضاء السكان في آن واحد، وأيضاً لأن القابي قول واليرلية استغلوا أبناء الثورة للقتال فيما بينهم، وربما ألهى ذلك السكان عن إسماعيل باشا.
أما سليمان باشا والي صيدا فقد تجنب ثورة السكان ضده لأنه تودد في أثناء ولايته إلى سكان المدينة، بينما شدد قبضته على الفلاحين في الريف الذين أصبحوا أغنياء نتيجة للإزدهار الاقتصادي الذي عم المنطقة، وبسبب ازدياد شراء الفرنسيين للقطن والحرير والقلى المنتجة محلياً. أما إبراهيم باشا والي طرابلس وابنه ياسين بك حاكم اللاذقية فقد حدثت ثورة شعبية ضدهما، بمجرد أن وصلت إلى مناطق حكمهم أنباء التمرد الذي حدث في استامبول، وقد بدأت ملامح هذه الثورة في اللاذقية والجبال المجاورة لها([551]).
وفي 26 تشرين الأول (أكتوبر) أصدر إبراهيم باشا أمراً إلى آغا الانكشارية بقيادة 200 رجل معه إلى اللاذقية لمساعدة ياسين بك. وحين باشر الآغا تنفيذ الأمر رفض الانكشارية الانصياع وأعلنوا الثورة، وانضمت إليهم بقية الفرق العسكرية وكذلك أهالي المدينة، فاحتلوا السجون وأطلقوا سراج السجناء وقتلوا سبعة من رجال إبراهيم باشا، وقصفوا سراي الباشا طوال النهار، ولم يكفوا عن القصف لو لم يتدخل بعض أعيان المدينة لتهدئة الوضع ليلاً.
وفي صباح اليوم الثاني في السابع والعشرين منه عادت الثورة من جديد، ولكن شارك بها في هذا الوقت الإشراف الذين رفعوا الأعلام الخضراء، ولتهدئة المتمردين وعد إبراهيم باشا بأنه سوف يعمل على تخفيض أسعار الخبز والمواد الأخرى الضرورية، وبالفعل أصدر أوامره بتنفيذ هذه الوعود، لكن هذه الإجراءات جاءت متأخرة ذلك أن المتمردين الذين قتلوا قاسم آغا البغدادي أحد كبار ضباط إبراهيم باشا، طالبوا برأس عبدي آغا الذي كان الترجمان الأول لدى إبراهيم باشا، والسبب الرئيسي في المظالم التي كانت تصيب الأهالي. ولكي يحفظ إبراهيم ومعاونوه رؤوسهم، أمر بقتل عبدي وألقوا جثته للثائرين الذين نهبوا منزلي هذين الأغاوين وقتلوا الكثير من رجالهما.
في اليوم الثامن والعشرين منه توجه المتمردون إلى المحكمة، فطلبوا من القاضي أن يصدر لهم فتوى تجيز قتل كاتب العربي والخزندار عبد الرحيم آغا المحكمة، وتم نهب منازلهم وطالبوا بتسليم أبراهام مترجم الباشا، لكن الأخير كان قد تمكن من الفرار دون أن يترك أثراً يدل عليه، في حين أعلن الفرنسيون بأن أبراهام كان عدوّهم وبأنهم لن يحموه.
ووصلت الثورة ذروتها في اليوم التاسع والعشرين منه، حين رست في الميناء سفينتان عثمانيتان مما شجع إبراهيم باشا على الصمود في وجه الثائرين، فوجه مندوبين من قبله إلى المدينة ليعلن للأهالي بأنه قد ثبت في منصبه، ثم طلب من قباطنة السفينتين باعتقال قادة التمرد، لكن القبطانين لم يكتفيا برفض الاستجابة لطلب الباشا، بل أنهما انتقدا ظلمه وأبلغاه بأن الصدر الأعظم يرغب في عزله، بسبب المظالم التي ارتكبها بحق الشعب الذي عانى من ظلمه في إبان ولايته.
وإزاء انتشار هذه الأنباء تشجع الثائرون، وهاجم خمسمائة منهم السراي ونجحت خمس قذائف مدفعية بتحطيم بابها، وحين شاهد إبراهيم باشا بأن جنوده قد تخلوا عنه حاول الفرار، لكن الانكشارية تمكنوا من القبض عليه فأجبروه تحت تهديد السلاح على الانسحاب من حكم الولاية بانتظار أوامر من استامبول، وما لبث أن تمكن من إنقاذ نفسه بمساعدة بعض الضباط وعدد من أعيان المدينة الذين أمنوا له مخبأ في جناح الحريم.
وأخيراً عاد الهدوء إلى طرابلس. والمدن الأخرى حذت حذوها، في حين استمر الانكشارية في الانتقام من رجال إبراهيم باشا ونهب منازلهم وفتشوا كل أنحاء المدينة عن أبراهام مترجم الباشا والمسبب الرئيسي للمظالم التي كان يلحقها الباشا بهم، ولكن ذهبت جهودهم عبثاً، ولكن ضباطهم عادوا وتمكنوا من إيقافهم، وأقاموا حرساً في كل أنحاء المدينة ومنازل الفرنسيين.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) وصل من استامبول إلى طرابلس قبوجي مرسل من الباب العالي، وتولى مسؤولية ولاية طرابلس بصفة متسلم (نائب الوالي)، وبمجرد عودة الهدوء إلى المدينة جمع أعيان المدينة في الديوان([552])، وقرأ عليهم الفرمان القاضي بعزل إبراهيم باشا وتوقيفه بالقلعة، ومصادرة كل ممتلكاته حيث تم جمع ما لديه من أموال وتحف وجواهر وأقمشة ومؤن وخيول ومواشي وأراضي([553])، بما بلغ مجموع قيمته 3,000,000 قرش ضبطت في طرابلس، كما وجد جزءاً من ثروته مخبأ عند حريمه، كما قدّرت قيمة ما صودر من مقتنياته في جوار المدينة بحوالي 400,000 قرش، كما صودر أكثر من ذلك في اللاذثقية حيث كان يحكم ياسين بك الذي اعتقل وصودرت ممتلكاته([554]).
وفي الشهر نفسه تلقى آل العظم الضربة الأخيرة، فقد جرى عزل رأس الأسرة إسماعيل باشا واعتقل في قلعة دمشق وصودرت ممتلكاته. كما انتشر في أنحاء ولاية دمشق عدد من القبوجيين مهمتهم عزل آل العظم واعتقالهم ومصادرة مقتنياتهم وممتلكاتهم، وجدوا ثروات في دمشق وغيرها في مدن حماه وحمص، ومعرة النعمان موطن آل العظم، وكانت هذه المقتنيات مخبأة في آبار مخازن وأقبية منازلهم([555]).
وكان سليمان العظم والي صيدا آخر من تم عزله من أفراد هذه الأسرة، ففي الحادي عشر منه وصل قبوجي إلى صيدا، ومعه فرمان مماثل بعزله واعتقاله في قلعة صيدا، ومصادرة ممتلكاته التي قدرت بحوالي 4,000,000 قرش باستثناء تلك التي لم يتم اكتشافها([556]).
والواقع أنه يصعب علينا أن يقرر عما إذا كان الصدر الأعظم الجديد، قد اعتبر آل العظم كجزء من الجهاز الإداري التابع لداماد باشا، أو أن يكون قد أغرته ثورتهم الضخمة، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية بأمس الحاجة للمال لتغطية النفقات على الجبهة الفارسية.
وتشهد كثرة الأموال التي صودرت منهم على غنى آل العظم، واستخدامهم مناصبهم كعادة حكام ذلك الزمان للإثراء، أو أن مجيء موظفين جدد إلى الحكم في استامبول أتى بمرشحين آخرين لحكم الولايات، أو التخلص من حيث المبدأ من الجهاز الإداري الذي أقامته هذه الأسرة في ولايات بلاد الشام. ولكن قد قرر خلع آل العظم من ذلك الجزء في الإمبراطورية([557]).
واستقبل الأهالي في كل مكان أنباء عزل آل العظم من مناصبهم بفرح وسرور، وانتشرت في كل أنحاء بلاد الشام إشاعات عن المصير الذي سوف يلقاه آل العظم. إحدى هذه الإشاعات كانت مبالغة للغاية. فقد توقعت بأن كل آل العظم سوف يتم نقلهم إلى طرابلس حيث سيقوم بمحاكمتهم قاضي البلد، وبأنه سيكون هناك وزير للاستماع إلى الشكاوي الصادرة بحقهم حيث سيعاملون كمجرمين، ومهما يكن المصير الذي سوف يلقاه أفراد هذه الأسرة، ولكن مما لا شك فيه بأن الدور الذي لعبته هذه الأسرة في حياة بلاد الشام، قد انتهى نهاية غير سعيدة([558]).
وفيما كان آل العظم معتقلين في قلاع بلاد الشام، عينت استامبول بديلاً عنهم فقد عين عبد الله باشا محسن زاده، آغا الانكشارية سابقاً، والياً على دمشق وأميراً للحج، كما عين حافظ أحمد باشا، ابن والي دمشق سابقاً أبو طوق والقبطان باشا سابقاً، على ولاية صيدا، وعينت عثمان باشا، محصل حلب سابقاً، على ولاية طرابلس وقائداً لقافلة الجردة، وسرعان ما استبدل الواليين الأولين من منصبهما([559]).
أما في طرابلس نفسها وهي المدينة التي نشبت فيها الأزمات فقد اتخذت الأحداث مجرى آخر، فلكي يعيد عثمان باشا الأمن والاستقرار والنظام إلى المدينة فقد لجأ إلى إقامة حكم صارم، وذلك بدخول المدينة بمظاهرة صاخبة ومصحوباً بعدد غفير من الجند التابعين له، لم يعتد أي والٍ من الولاة الذين حكموا طرابلس أن يصحب معه هذا العدد من الجند، ولقد استخدم هذه السياسة فقط، لإقناع كل الذين تورطوا في ثورة تشرين الأول (أكتوبر) بأن الباشا قد قرر الانتقام منهم.
وبالرغم من كل شيء فإن محاولات عثمان باشا لإعادة الهدوء إلى الولاية ولتجنب النزاعات غير الضرورية. فقد استمر القلق والتوتر في المدينة، وبقي انكشارية المدينة وبقية شبابها متيقظين من الباشا، وانتشرت شائعات بأن الأخير يستعد للانتقام بعد عيد رمضان من زعماء التمرد.
وسرعان ما انتشرت فوضى في المدينة أثر حادث تافه اندلع في الرابع من نيسان (أبريل) 1731 بين جندي من قوات الباشا وآخر من الانكشارية بسبب حمل من الحطب يحمله فلاح. وتحول النزاع الفردي إلى اقتتال بالسكاكين والسيوف بين الانكشارية وقوات الباشا، وجرت معارك بين الطرفين في كافة أرجاء المدينة تبادل فيها الطرفان إطلاق النيران لمدة ثلاث أيام دون انقطاع، ونجح في النهاية الانكشارية على إجبار قوات الباشا على الانكفاء داخل السرايا وتحصين أنفسهم بها ومنعوا من دخول المدينة أي فرد من قوات الباشا الذين خارجها، وأجبروا الباشا على إقالة كخياه، الذي هو شقيقه، وبعض ضباط قواته، وتم إخراج جنده من المدينة، واضطر الباشا إلى إلباس قادة التمرد عباوات وقام بعض رفاقهم يقدّر عددهم بخمسين أو ستين بزيارة أعيان المدينة والقنصل الانجليزي، وانتزعوا منهم أقمشة ودراهم وملابس كهدايا، ودخلوا الحي الفرنسي وانتزعوا من الفرنسيين هدايا مماثلة، وهمس قائد المتمردين في أذن القنصل قائلاً له «إذا كنت من أصدقائي فاكتب للاستانة لصالحي لأنك تعرف الأمور ليست على ما يرام بعد هذه الفوضى وكانت إجابتي له أن القناصل لا يتدخلون بهذه الأمور». وتولى الانكشارية والأشراف إدارة شؤون ولاية طرابلس، بحيث أن الوالي عثمان باشا أصبح كدمية بين أيديهم([560]).
ولم يلبث بعد شهر على هذه الأحداث التي شهدتها مدينة طرابلس. أن توجه عثمان باشا بقيادة قافلة الجردة إلى دمشق، وقدم شكوى إلى استامبول بحق قادة التمرد الذي حصل في المدينة، فعلى الفور أصدر الباب العالي فرمانات تقضي بتوقيف قادة التمرد، وبوصول هذه الفرمانات وعند عودة عثمان باشا عاد التمرد من جديد إلى طرابلس([561]).
العفو عن آل العظم
وفي هذه الأثناء بدأت تنتشر في الولايات الشامية إشاعات بأن ولاة آل العظم وعلى الأخص سليمان باشا، سوف يجري إعادتهم إلى مناصبهم لكي يعود الأمن والنظام إلى الولايات الشامية، ونظراً لأن الفرنسيين وبقية نصارى مدينة صيدا كانوا هم ضحايا الفوضى المنتشرة، صاروا يترددون بصورة دائمة على سليمان باشا في قلعة صيدا، ويقدمون له الكثير من الخدمات وحذا حذوهم العديد من كبار علماء المدينة، وكان سليمان باشا قد حاول الفرار بمساعدة بعض أنصاره ولكن محاولته لم تنجح، فقد اعتقله قائد القلعة وقيّده بالسلاسل، فمكث ينتظر مصيره([562]).
ولكن لم يطل انتظار سليمان باشا، فلم تكد تمضي سنة واحدة على سجن ولاة وحكام الأسرة العظيمة ومصادرتهم، حتى أطلق سراح اسماعيل باشا وأبنائه في جمادي الأول 1144/ تشرين الثاني (نوفمبر) 1731، وعين إسماعيل باشا والياً على كريت حيث توفي في 1145/ (1732/ 1733) ورافقه إلى كريت ابنه إبراهيم باشا من آل العظم الذي عُيَّن على ولاية محلية، إذا ما كاد يطلق سراحه من قلعة صيدا في 15 ربيع الثاني 1144/ 17 تشرين الأول 1731 حتى عين والياً على طرابلس([563]).
وعفو الدولة العثمانية عن آل العظم وتعيينهم مجدداً إنما حدث نتيجة حدوث تطورات لصالحهم في استامبول، إذ قضى فيها في آذار (مارس) 1731 على زعماء التمرد واستعاد خليل أفندي، وكيل آل العظم. بعض نفوذه وعاد إلى حماية مصالح آل العظم. والجدير بالذكر أن سليمان برز الآن أكثر من أخيه وأبنائه لأنه عين على ولاية طرابلس، بينما عُيّن إسماعيل باشا على كريت التي كانت تستخدم كمنفى. ولم يعط أحد من أبناء إسماعيل باشا أية ولاية، ويفسر تعيين سليمان باشا على ولاية طرابلس بعدم تمكن واليها الذي خلف إبراهيم باشا العظم، من القضاء على التمرد الذي قام ضده في المدينة. واتفق ذلك مع ازدياد نفوذ آل العظم، فعُين سليمان باشا على ولاية طرابلس، دون أخيه وأبنائه، لأن سجل هؤلاء في طرابلس واللاذقية، وحتى في دمشق، لم يكن نظيفاً. أما سليمان باشا فقد عرف عنه حين ولي طرابلس (1725 ـ 1727) وصيدا (1728 ـ 1730). تودده إلى سكان المدينتين وتشديد قبضته على سكان الريف الضعفاء، ويستدل من ذلك أيضاً أن سليمان باشا كان أوسع نفوذاً من أخيه إسماعيل، وقد بقي بعد ذلك الشخصية المسيطرة بين آل العظم حتى وفاته في 1743 وانتقال زعامة الأسرة إلى ابن أخيه أسعد باشا العظم([564]).
وفي كانون الأول (ديسمبر) 1731 دخل سليمان باشا مدينة طرابلس وتولى مسؤوليات حكم الولاية، وتمكن بعد جهد كبير من إخماد تحرك قادة المتمردين وأوقف العديد منهم وكان لتعيينه صدى ارتياح من قبل الفرنسيين والمتمردين، وعاد الهدوء مرة أخرى إلى المدينة، ولكن سليمان باشا كان على معرفة بما هو متوقع منه، ولذا لم يكن مرتاحاً من الهدوء السطحي المنتشر، ولذا فقد وجه سراً إلى استامبول لائحة بأسماء قادة التمرد الذين كان معظمهم من الإشراف، طالباً من السلطات منحه الأذن بمعاقبتهم، وبالفعل قد استجيب لطلبه، وفي شباط (فبراير) 1731 وصل طرابلس قبوجي معه الإذن المطلوب. وبدا سليمان باشا مستعداً لبدء التنفيذ.
وفي 24 شباط (فبراير) اختار مجموعة من الجند ووجههم إلى ضواحي طرابلس حيث كان متحصناً سيد بكري قائد المتمردين، ودخل الجند إلى الضواحي بصفة زوّار، ولكنهم وجدوا أن الثوار يفوقونهم عدداً، فأخلوا المكان دون الإدلاء بأية معلومات عن سبب زيارتهم، وقرر حينئذ سليمان باشا أن يؤجل ضربهم إلى أوائل رمضان.
وفي مساء 28 شباط وزّع سليمان باشا جنوده في المراكز الاستراتيجية للمدينة ومن ثم أعطاهم إشارة الهجوم، وقتل في الهجوم ثمانون شخصاً على رأسهم السيد بكري وولده، وألقيت الجثث في النهر وقطعوا رؤوسهم. وجلبوها إلى سليمان باشا الذي كان جالساً في السراي، فدفع ثمن كل رأس جلبوه له حسب أهميته. ووزع الجند على كافة أنحاء المدينة بحثاً عن المتمردين، وأتم سليمان سحق الثورة التي قامت في طرابلس، ووجه أنظاره إلى اللاذقية حيث جرت مجزرة أخرى وساد الذعر في كل أنحاء الولاية، ولم يعد يفكر أحد بالتمرد على سليمان باشا، وأشارت المصادر المعاصرة إلى أن سحق التمرد الذي قام به سليمان باشا كان خطة منه لتركيز سلطته في بلاد الشام، وإعادة أفراد عائلته إلى مناصبهم في الولايات الشامية.
وبقدر ما كان سليمان محظوظاً في سحق التمرد، بقدر ما كان حذراً خلال قيادته للجردة في نفس العام، بعد ثلاثة أشهر من إخماد تمرد طرابلس، فقد سنحت له فرصة أخرى لكسب رضى الباب العالي، فقد هاجم 40,000 من البدو قافلة الحج، في الوقت نفسه الذي كان على سليمان باشا أن يقدم للإنقاذ مع قواته. وفي نهاية القتال ذهب ضحيته ثمانمئة من البدو وتم اعتقال ستون من بينهم ثلاثة من كبار مشايخهم.
وبعودة سليمان إلى طرابلس مكللاً بأكاليل الغار، وصلت إشاعات إلى المدينة من استامبول، بأنه صدر أمر بتعيينه على ولاية دمشق، واحتفلت طرابلس بالانتصار لمدة ثلاثة أيام، وفي نهاية آب (أغسطس) وفي أقل من شهر من عودة سليمان. بقافلة الجردة، وجه الباب العالي مركباً إلى كريت لكي يعيد إسماعيل وإبراهيم إلى بلاد الشام، كما أذيع في الوقت نفسه بأن سليمان سوف يحل مكان عبد الله باشا الأيضنلي على ولاية دمشق.
ولم تمض سنة واحدة على صدور هذا الوعد، ففي شباط 1743 أذن لسليمان ان يرسل كيخياه موسى آغا إلى دمشق ليكون متسلماً للولاية، ثم ما لبث أن لحقه هو بعد فترة وجيزة، وهكذا باشر سليمان باشا مهام منصبه في دمشق، وبذلك يكون ثاني فرد من الأسرة العظيمة يتولى هذا المنصب([565]).
د. حسين سلمان سليمان
ابن منير وابن البراج
وممن نسب إلى طرابلس: الشاعر ابن منير الطرابلسي، والقاضي عبد العزيز البراج. وفيما يلي تعريف بهما:
ابن منير الطرابلسي
أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، أبو الحسين، مهذب الدين، الملقَّب بعين الزمان، المشهور بالرفاء.
ولد ابن منير([566]) في طرابلس سنة 473هـ/ 1081م، وإليها نسب. وقد ولد في زمن كانت فيه طرابلس عاصمة لإمارة بني عمار، وكانت تشهد حركة ثقافية وعلمية مزدهرة، ولعله تعلم في «دار العلم» التي أنشئت قبل مولده بسنة، بعدما تم تجديد مكتبة طرابلس، على يد القاضي «جلال الملك بن عمار».
كان والده «منير بن أحمد» شاعراً يتمتع بصوت حسن، وينشد في أسواق طرابلس مدائح آل البيت عليهم السلام، وقصائد الشاعر العوني، وهو شاعر اشتهر بقصائده التي مدح فيها آل البيت عليهم السلام، وقد مرت ترجمته في الجزء الثاني من كتاب: «شعراء الغدير».
لقب منير بـ «الرفاء» لأنه كان يرفو الثياب على ما يذكر ابن عساكر، وقد تعلم ابنه أحمد هذه المهنة فاشتهر بها، أيضاً، وكان يكسب رزقه منها إلى أن غادر طرابلس.
بدأ ابن منير يقرض الشعر في آونة مبكرة من حياته، وعرف في طرابلس بوصفه شاعراً مجيداً، وعندما حاصر الصليبيون طرابلس خرج منها حوالي سنة 502هـ/ 1109م، كما خرج كثير من أهلها، وقصد دمشق، وأقام فيها، متقرباً من حاكمها «ظهير الدين طغتكين»، لكن هذا غضب عليه بعد مدة، لسببين كما يقول الرواة: أولهما بكلام له بقصيدة أولها:
من ركب البدر في صدر الرُّديني
وموَّه السَّحر من حدِّ اليماني
وثانيهما أن أعداء ابن منير أوغروا صدر الحاكم التركي طغتكين، وكان لا يجيد فهم الشعر العربي، وأفهموه أنَّه يهدده في قصيدته التي مدحه بها، ومطلعها: «مني ومنك استفاد الناس ما كسبوا».
استطاع ابن منير، بمساعدة حاجب الحاكم «يوسف بن فيروز»، الهرب إلى بغداد، وهناك تعرف إلى وزير الخليفة العباسي المسترشد بالله، وجلال الدين بن صدقة، ومدحه بقصيدة مطلعها: «أهتوف أيك في سرار الوادي»، وإلى نقيب العلويين الشريف المرتضى الموسوي، وهو غير الشريف المرتضى أخي الشريف الرضي، لأنَّ هذا توفي قبل مولد ابن منير. ونشأت صداقة بين الرجلين، وإليه وجه الشاعر قصيدته «الرائية» أو «التترية» التي سيأتي ذكرها بعد قليل.
توفي طغتكين سنة 522هـ، فعاد ابن منير إلى دمشق، وتقرب من ابنه «تاج الملوك بوري»، ومدحه بالقصيدة «النونية» التي يصف فيها متنزهات دمشق، ومطلعها:
حي الديار على علياء جَيْرُون
مهوى الهوى ومغاني الخرد العين
لكن أعداءه سرعان ما ألبوا الحاكم الجديد عليه، فسجنه، وعزم على قطع لسانه، فشفع له الحاجب «يوسف بن فيروز» فأطلق سراحه، ونفي من المدينة، فخرج إلى حلب، فأقام فيها مدة التقى خلالها الحسن، أبا نزار النحوي، المعروف بـ «ملك النحاة» (489 ـ 568هـ)، والشاعر محمد بن نصر الخالدي، المعروف بابن القيسراني (478 ـ 548هـ)، نسبة إلى مدينة قيسارية، حيث نشأ. ودارت بين ابن منير وهذين الرجلين معركة هجاء دامت طويلاً، وتذكر بالهجاء الذي دار بين الفرزدق وجرير.
ولما توفي «تاج الملوك بوري» سنة 526هـ، عاد ابن منير إلى دمشق، وتقرب من ابنه إسماعيل، ثم ساءت علاقته به، وأراد الحاكم أن يصلبه، فهرب، واختبأ في مسجد الوزير بظاهر دمشق، ثم خرج من المدينة ليتنقل بين حلب وحماة وشيزر، ثم عاد إلى دمشق بعد مقتل إسماعيل، وتولي ابنه «مجير الدين آبق» الحكم، لكنه لم يلبث أن هرب خائفاً من وزيره «ابن الصوفي» حوالي سنة 531هـ، ليقيم في شيزر عند أميرها «أبي العساكر سلطان بن منقذ».
لم يعد ابن منير إلى دمشق على الرغم من أن «زين الدين بن حليم» حضر إلى شيزر ورغبه في العودة إليها وخدمة مقدم جيشها «معين الدين أنر».
ويستفاد من الأخبار المتفرقة أنه ذهب إلى الموصل سنة 534هـ، ومدح أمير الأكراد «أبا الفوارس الشنوي».
ثم انتقل إلى حلب، ومدح الأتابك «عماد الدين زنكي» بعدة قصائد، ثم مدح ابنه «نور الدين محمود»، وصار مقرباً منه، فأوفده إلى «معين الدين أنر»، في سنة 541هـ في مهمة خاصة.
وقد أثمرت علاقة الشاعر والأمير قصائد تسجل انتصارات هذا العسكرية على الصليبيين، ما جعل شاعرنا يستحق لقب «شاعر الجهاد».
ثم انتقل الشاعر إلى حماة، وهناك أصيب بمرض أقعده، لكنه بقي يقول قصائد المديح في نور الدين ويرسلها إليه، وعندما أبل من مرضه قصد نور الدين إلى حمص سنة 546هـ، وعاد معه إلى حلب، حيث عاوده المرض وتوفي يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأولى سنة 548هـ، ودفن في سفح جبل جوشن خارج مدينة حلب، وقبره معروف هناك.
وقال ابن خلكان: زرت قبره ورأيت عليه مكتوباً:
من زار قبري فليكن موقناً
أنَّ الذي ألقاه يلقاهُ
فيرحم الله أمرأً زارني
وقال لي: يرحمك الله
وهكذا، كما يبدو، كانت حياة ابن منير غير مستقرة، فما أن يقيم في بلد وينشئ علاقات حتى يضطر إلى مغادرتها، وهو يقول في ذلك:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله
في بلدة فالحزم أن يترحلا
كالبدر لما أن تضاءل جدَّ في
طلب الكمال فحازه متنقلا
سفهاً لحلمك، إن رضيت بمشرب
رنْقٍ، ورزق اللهِ قد ملأ الفلا
فارق ترق كالسيف سُلَّ فبان في
متنيه ما أخفى القراب وأخملا
لا تحسبنَّ ذهاب نفسك ميتةً
ما الموت إلاَّ أن تعيش مذَلَّلا
للقفر لا للفقر هبها إنَّما
مغناك ما أغناك أن تتوسلا
لا ترض عن دنياك ما أدناك من
دنسٍ، وكن طيفاً جلائم انجلى
وصلِ الهجير بهجر قومٍ كلَّما
أمطرتهم عسلاً جنوا لك حنظلا
من غادر خُبثَتْ مغارسُ ودِّهِ
فإذا محضت له الوفاءَ تأولا
أو حلف دهر كيف مال بوجهه
أمسى كذلك مُدبراً أو مُقبلا
للهِ علمي بالزَّمانِ وأهلِهِ
ذنبُ الفضيلة عندهم أن تكملا
طُبعوا على لؤم الطباع فخيرُهم
إن قلتَ قال وإن سكتَّ تقوَّلا
واعٍ خطابَ الخطبِ وهو مجمجمٌ
راعٍ أكلَّ العيس من عدم الكلا
زعمٌ كمنبلج الصبلاح وراءَهُ
عزمٌ كحدِّ السَّيف صادفَ مقتلا
ويعود ذلك إلى أمور منها، أولاً، تشيُعه إلى آل البيت عليهم السلام، وعيشه بعد أن غادر طرابلس التي كانت شيعيَّة في عصره، في جو سني، وثانياً أنه كان معتدًّا بنفسه، جريئاً … لا يرتضي النيل منه، فكان يواجه خصومه ويردُّ عليهم، ويقول فيهم الشعر، فوصف بـ «الهجاء»، وثالثاً، أن الزمن الذي كان يعيش فيه كان زمناً رديئاً، يكثر فيه الحسّاد، وتسوده المكائد، وهو يقول في وصف هذا الزمن وأناسه:
عدمتُ دهراً ولدت فيه
كم أشربُ المرَّ من بنيه
ما تعتريني الهمومُ إلاَّ
من صاحب كنت أصطفيه
فهل صديقٌ يُباع حتى
بمهجتي كنتُ أشتريه؟
يكون في قلبه مِثالٌ
يشبه ما صاغ لي بفيه
وكم صديقٍ رغبتُ عنه
قد عشتُ حتَّى رغبتُ فيه([567])
شاعر موسوعي المعرفة
كان ابن منير شاعراً موسوعي المعرفة، ويقول الدكتور «عمر عبد السلام تدمري» في هذا الصدد: «ويظهر من شعر «ابن منير» أنه كان متمكناً من ناحية اللغة العربية ومفرداتها، متقناً لفنون البلاغة والأدب والكتابة النثريَّة، مجيداً للنحو والصرف والعروض، فضلاً عن إلمامه بالتاريخ، والفقه، والعقائد، وخصوصاً بمذهب الشيعة أتباع الأئمة الاثني عشر. وقد بلغ من العلم درجة جعلته مقبلاً على عقد مجالس لتدريس الأدب واللغة في مدينة حلب، فكان يغشى مجلسه جماعة من المتأدبين من أهلها للقراءة عليه، وكان يعنف بعضهم إذا أخطأوا في القراءة، وفي ذلك قال «أبو البقاء علي بن هداب العلثي» ما نصه: كنت أغشى مجلس أبي الحسن «كذا» ابن منير للقراءة عليه مع الجماعة بحلب، فقرأ عليه إنسان: (كليني لهم يا أُمَيْمَة ناصبِ) فصحفه وقال: (كُلَيْبَتي لهم يا أُمَيْمَة باضت)، فقال له ابن منير: ويْحَك، أما علمت أن كل سكاء تبيض، وكل ذات أذنين تحيض؟ فقال بعض من حضر: واللهِ لقد انتفعنا بتصحيفه أكثر مما انتفعنا بصحيحه»([568]).
شاعرٌ مجيدٌ هجَّاء
يجمع مؤرخو الأدب على أن ابن منير شاعر مجيد، ولغوي بارع، ويكثر القول في الهجاء، ويذكر بعضهم اتهامات استخدمت في النيل منه وأدت إلى أن يحيا حياة قلقة لم يكف فيها عن الرحيل من مدينة إلى أخرى. وفي ما يأتي نقدم شهادات بعض هؤلاء المؤرخين([569]):
قال ابن القلانسي: ابن منير «كان أديباً شاعراً، عارفاً بفنون اللغة وأوزان العروض، لكنه مرهوب اللسان، خبيث الهجاء، مجيد فيه، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه منعم عليه ولا مسيء فيه، وكان طبعه في الذم أخف منه في المدح، وكان يصل بهجائه لا بمدحه».
وقال «ابن عساكر»، ومثله «ابن خلكان» و«ابن شاكر الكتبي» و«الحافظ الذهبي»: «الشاعر الرفاء»، كان أبوه منير منشداً ينشد أشعار العوني في أسواق طرابلس، ويغني، فنشأ ابنه، وحفظ القرآن، وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً خبيثاً يعتقد مذهب الإمامية، وكان هجاءً خبيث اللسان يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه الألفاظ العامية».
وكتب «أسامة بن منقذ» عنه: … شرف الأدباء أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي، أوحد عصره ولسان دهره، تأخر زمانه وتقدم فضله وبيانه، فهو زهير الفصاحة وابن حجاج الملح والطرافة، في أشعاره لطافة تستخف القلب وتملك السمع، وكل فن من فنون الشعر يقصده يستولي على محاسنه وفنونه، ويحرز أبكار معانيه وعونه».
وقال الملك «المنصور الأيوبي»: «كان شاعراً فحلاً من فحول الشعراء المشهورين المكثرين المجيدين. وكان ظريفاً مطبوعاً، فريد زمانه، وأوحد أوانه. وكان في وقته كأبي عبد الله بن الحجاج في عصره، وكان شعره: مدحه وهجاؤه، وجَدُه وهزله، مليحاً مطبوعاً، لا يسقط له بيت، ولا قلل شعره بعسى وليت. ولم يزل في وقته مشهوراً في فنه الذي سلكه في شعره. وكان بينه وبين القيسراني وابن قسيم الحموي معارضات ومجاوبات في شعرهم».
وقال «العماد الكاتب»: شعره ككنيته حسن، ونظمه كلقبه مهذب، أرق من الماء الزلال، وأدق من السحر الحلال، وأطيب من نيل الأمنية، وأعذب من الأمان من المنية».
وقال «مجد العرب العامري»: «ابن منير، ذو خاطب منير، وله شعر جيد لطيف، لولا أنه يمزجه بالهجو السخيف».
وقارنه بعضهم بالمتنبي وفضله عليه، فمما يروى أنه اجتمع يوماً القاضي أبو محمد بن الخشاب الحلبي، والوجيه ابن أبي الحنيك في دار القاضي العسكر بحلب محمد بن يوسف بن الخضر، وهو يذاكره بأقطاع من شعر ابن منير، فذكر ابن أبي الحنيك هذه الأبيات التي مدح بها نور الدين محمود بن زنكي، وقد كسر عسكر الفرنج بالروج، وقتل ملكهم «البرنس»:
صدم الصليب على صلابة عوده
وتفرَّقت أيدي سبا خشباتُه
سقى «البِرِنْسَ» وقد تبرنس ذلَّةً
بالرُّوج ممقر ممَّا جَنَتْ غدراتُه
تمشي القناة برأسه وهو الذي
نَظَمَتْ مدار النَّيِّرَيْن قناتُه
فقال ابن الحُنيك للقاضي: ما يقدر ابن عبيدان السَّقا يقول مثل هذا، يعني أبا الطيب المتنبي.
ويخلص الدكتور «عمر تدمري» إلى القول: «وإذا أردنا أن نلقي الضوء على شخصية ابن منير بكلمات قصيرة، فنقول إنه كان ذا شخصية قوية، معتدًّا بنفسه، حاد الذكاء، جريئاً، مرهف الحس، واسع الخيال، فيه ميل للمداعبة والمزاح، متحمساً لقضية تحرير بلاد الشام من الغزاة الصليبيين، وهذا ما تعبر عنه قصائده الحماسية الكثيرة أمام عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود»([570]).
شعر الجهاد
يقول الدكتور «عمر تدمري»: ويتضح من شعر «ابن منير» في «عماد الدين» و«نور الدين» أنَّه يفيض حماسة وتشوقاً إلى تحرير بلاد المسلمين من الإفرنج، ويتسامى في قصائده الحماسية عن الصغائر والسفاسف من العنعنات المذهبية وغيرها، فهو على تعصبه «العلوي» يمدح الملوك الزنكيين السُّنَّة الذين ينافحون عن الدين الإسلامي ويجاهدون في الله حقَّ جهاده، ويحرِّرون البلاد من قوات الاحتلال الصليبية.
ولقد صورت لنا قصائده الحماسية تلك، عصر الجهاد ضدَّ الصليبيين بما فيه من الوقائع الحربية، وفتح المدن والحصون، وسقوط القتلى والجرحى والأسرى في تلك المعارك، فذكر اسماء الكثير من الأماكن التي شهدت جولات الصراع الحربي بين المسلمين والصليبيين، وارخ لها في شعره. وجاء ذلك من خلال (6) ست قصائد في «عماد الدين»، و(47) سبع وأربعين قصيدة في «نور الدين»، ذكرها «أبو شامة» في «كتاب الروضتين».
وفي هذه القصائد يظهر أسلوب شاعرنا واضحاً في تصنعه البياني والبديعي، واشتقاق الأفعال التي تتجانس مع أسماء ملوك الفرنجة وأمرائهم.
مثل قوله من قصيدة يمدح فيها «عماد الدين زنكي»:
بعماد الدين أضْحَتْ عُرْوَةُ الدِّينِ
معصوباً بها الفتح المُبين
همَّ «قِسْطَنطينُ» أن يُفرِّعَها
ومضى لم يحوِ حوايا «جُوسِلين»
بَرْنَسْتَ رأس «ِبرِنْسِ» ذلَّةً
بعدما جاست حوايا «جُوسِلين»
وسَرُوج» مُذْ وعت أسراجه
فرّقت جماعها عنها عِضين
سَل بها «حَرَّان» كم حرَّى سقت
بَرَداً من يوم رُدَّتْ «مارِدين»
سمطت أمس «سميساط» بها
نظْم جيشٍ مُبْهِجٍ للنَّاظرين
وقوله من قصيدة في «نور الدين»:
سل بصيراً: كم أعتقت يوم «بُصْرِي»
من أسار الموت الرُّؤام عتاقَهْ
كم عرام على «العُرَيْمة» شبت
ضاق منه على الصَّليب خناقهُ
ولَكَم هبوةٍ بـ «هاب»
وأُخْتَيْهَا لها صكَّت الأسارى رباقةُ
بسط الذُلُّ فوق بَسْطة «باسوطا»
ولكن طواه عنه ارتفاقهْ
غديريَّته
تعد هذه القصيدة من أشهر قصائد «ابن منير»، وأورد «ابن حجة الحموي» القصيدة، في «باب الهزل الذي يراد به الجد»، فقال: «فمهذب الدين أحمد بن منير الطرابلسي، قائد هذا العنان، وفارس هذا الميدان، وما ذاك إلا لأنه هاجر إلى مدينة السلام بغداد، و«الشريف الموسوي» نقيب الأشراف بها، وبابه حرم الوافدين، وبه ينابيع الفضل التي هي مناهل الواردين. وكان يقال: إن «الشريف» المشار إليه من كبار الشيعة ببغداد، وعلى هذا أجمع غالب الناس. فجهز إليه «ابن منير» عند قدومه بغداد هدية مع مملوكه «تتر» بل معشوقه الذي اشتهر به في الخافقين غرامه، وأبدع في أوصافه الجميلة نظامه، فقبل الشريف هديته واستحسن المملوك، فأدخله في الهدية، وقصد أن يعوضه عن ذلك بأضعافه»، فلما شعر ابن منير بذلك كتب إلى الشريف على الفور قصيدة عرفت بـ «التترية» نسبة إلى الغلام «تتر»، وبـ «الرائية»، وهي قصيدة طويلة تبلغ عدة أبياتها مئة وستة أبيات، أوردها كاملة «ابن حجة الحموي» في ثمرات الأوراق، وأوردها محققة الدكتور «عمر تدمري» في ديوان «ابن منير» الطرابلسي([571])، ومنها:
عذَّبتَ طرفي بالسَّهرْ
وأذبتَ قلبي بالفِكَرْ
ومزجتَ صفوَ مودَّتي
من بَعد بُعدِك بالكدرْ
ومنحتَ جثماني الضَّني
وكحلتَ جفني بالسَّهرْ
وجفوتَ صبًّا ما له
عن حسنِ وجهِكَ مصطبرْ
يا قلبُ ويحك كم تخادعُ
بالغرورِ وكم تُغرْ
وإلى مَ تكلفُ بالأغنّ
من الظِّباءِ وبالأغرْ
لئنِ الشَّريف الموسويّ
ابنُ الشريف أبي مُضرْ
أبدى الجحودَ ولم يردّ
إليَّ مملوكي تَتَرْ
واليت آل أُميَّة الطُّهرَ
الميامينَ الغررْ
وجحدت بيعةَ حيدر
وعدلتُ عنه إلى عمرْ
وأُكذّبُ الرَّاوي وأطعن
في ظهورِ المنتظرْ
وإذا رووا خبرَ (الغدير)
أقول: ما صح الخبرْ
ولبستُ فيه من الملابسِ
ما اضمحلَّ وما دثرْ
وإذا جرى ذكرُ الصحابة
بين قوم واشتهرْ
قلتُ: المقدَّمُ شيخ تيم
ثم صاحبُه عمرْ
ما سلَّ قطّ ظباً على
آلِ النَّبيّ ولا شهرْ
كلا ولا صدَّ البتولَ
عن التُّراتِ ولا زجرْ
وأقولُ: إن يزيدَ ما
شربَ الخمورَ ولا فجرْ
ولجيشِهِ بالكفَّ عن
أبناءِ فاطمةٍ أمرْ
والشِّمرُ ما قتل الحسين
ولا ابنُ سعدٍ ما غدرْ
وحلقتُ في عشرِ المحرَّم
ما استطالَ من الشِّعرْ
ونويتُ سومَ نهارِهِ
وصيامَ أيَّامٍ أُخرْ
ولبستُ فيه أجلَّ ثوبٍ
للمواسمِ يُدَّخرْ
وسهرتُ في طبخ الحبوب
من العشاءِ إلى السَّحرْ
وغدوتُ مكتحلاً أصافحُ
من لقيتُ من البشرْ
ووقفتُ في وسط الطَّريق
أقصُّ شاربَ من عبرْ
وأكلتُ جرجيرَ البقولِ
بلحمِ جريَّ الحفرْ
وجعلتها خيرَ المآكلِ
والفواكهِ والخضرْ
وغسلتُ رجلي حاضراً
ومسحتُ خُفَّي في السَّفرْ
آمينَ أجهرُ في الصَّلاةِ
بها كمن قبلي جهرْ
وأسنُّ تسنيمَ القبورِ
لكلِّ قبرٍ يُحتفرْ
وأقول في يوم تحارُ له
البصيرةُ والبصرْ
والصُّحفُ يُنشر طيِّها
والنَّارُ ترمي بالشَّرزْ
هذا الشَّريفُ أضلَّني
بعد الهدايةِ والنَّظرْ
فيقال: خذ بيد الشريف
فمستقرُّكما سقرْ
لوَّاحةً تسطو فما
تُبقي عليه وما تذرْ
واللهُ يغفرُ للمسيء
إذا تنصَّلَ واعتذَرْ
إلاَّ لمن جحد الوصيَّ
ولاءه ولمن كفرْ
وقال «ابن حجة الحموي»: إن هذه القصيدة مبنية على القسم وجوابه، وأما هزلها الذي يراد به الجد فإنه غاية لا تدرك وطريق ما رأينا لغيره فيها مسلك، فابن منير يخاطب الشريف الموسوي ويقسم … إنه إذا لم يرد عليه مملوكه سيفعل كذا وكذا …، وهو يهزل في ذلك ظاهراً، لكنه يستخدم هذا الأسلوب الهزلي في ظاهره ليجد في بيان ما يعتقده، وقد كان لهذه القصيدة أثرها الكبير فخمَّسها شعراء منهم إبراهيم بن يحيى العاملي، فقال:
أفدي حبيباً كالقمرْ
ناديتُهُ لمَّا سَفرْ
يا صاحبَ الوجه الأغرْ
عذَّبتَ طرفي بالسَّهرْ
وأذبت قلبي بالفَكَرْ
أبلى صدودُك جدَّتي
وتركتني في شدَّتي
وأطلتَ فيها مدَّتي
ومزدت صفو مودَّتي
من بعد بُعدِك بالكدرْ
واتبع طريقتها في بناء القصيدة على القسم وجوابه … وأسلوبها في الهزل الذي يراد به الجد عدد كبير من الشعراء يذكر العلاَّمة الأميني عدداً منهم، فيقول: ولهذه القصيدة أشباه ونظائر في معناها سابقة ولاحقة، منها:
1 ـ مدح الخالديَّان أبو عثمان سعيد بن هاشم وأخوه أبو بكر محمد ـ من شعراء اليتيمة ـ الشريف الزبيدي أبا الحسن محمد بن عمر الحسيني، فأبطأ عليهما بالجائزة، وأرادا السفر فدخلا عليه وأنشداه:
قل للشريف المستجارِ بهِ
إذا عدم المطرْ
وابن الأئمَّة من قريشٍ
والميامينِ الغررْ
أقسمتُ بالرَّيحانِ والنَّغم
المضاعف والوترْ
لئن الشَّريفُ مضى ولم
يُنعِمْ لعبديه النَّظرْ
لنشاركنَّ بني أُميَّة
في الضَّلال المشتهرْ
ونقول: لم يغصب أبو
بكرٍ ولم يظلمْ عمرْ
ونرى معاويةً إماماً
من يخالفه كفرْ
ونقول: إنَّ يزيد ما قتل
الحسين ولا أمرْ
ونعدُّ طلحة والزُّبير
من الميامين الغُرَرْ
ويكون في عنق الشَّريفِ
دخولُ عبديه سقرْ([572])
فضحك الشريف لهما، وأنجز جائزتهما.
2 ـ حبس الشريف الحسن بن زيد الشهيد وزيره لتقصيره، فكتب إلى الشريف بقوله:
أشكو إلى اللهِ ما لقيتُ
أحببتُ قوماً بهم بُلِيتُ
لأشتُمُ الصَّالحينَ جهراً
ولا تشيَّعتَ ما بقيتُ
أمسح خفِّي ببطنِ كفَّي
ولو على جيفةٍ وطيتُ
3 ـ كتب أبو الحسن الجزَّار المصري. الآتي ترجمته ـ إلى الشريف شهاب الدين ناظر الأهراء([573]) ليلة عاشوراء، عندما أخر عنه إنجاز موعده، بقوله:
قل لشهاب الدين ذي الفضل النَّدي
والسَّيِّدِ ابن السَّيِّدِ ابن السَّيِّدِ
اقسمُ بالفردِ العليَّ الصَّمدِ
إن لم يبادرْ لنَجازْ موعدي
لأحضرنَّ للهناء في غدِ
مكحَّلَ العينين مخضوبَ اليدِ
والإثم في عنقَ الشّريفِ الأمجدِ
لأنَّني جُنِنتُ في التَّردُّدِ
حتَّى نصبتُ وكسرتُ عددي
في شهر حزني وجزمتُ لدَدي
4 ـ كتب القاضي جمال الدين علي بن محمد العنسي إلى شريف عصره، قوله:
بالبيت أُقسمُ أو بأهل
البيت سادات البشرْ
وبصولة المولى الذي
تاهتْ به عليا مضرْ
إن طال غضب مطهَرٍ
عمد الدَّراري واستمرْ
لأُقلَّدنَّ أبا حنيفةَ
صاحبَ الرَّأي الأغرْ
ولأسمعنَّ له وإن
حلَّ النَّبيذَ المعتصرْ
حبًّا لقومٍ أنزلوا
بمطهَّرٍ أقوى ضررْ
أعني بهم أبناءَ خاقانَ
الميامينَ الغررْ
ولأتركنَ الترك ترفلُ
من مديحي في حبرْ
ولأنظمنَّ شوارداً
فيهم تحارُ لها الفَكرْ
وأسوقها زُمَراً إلى
زُمَرٍ وتتلوها زُمَرْ
ولأبكينَّ على حسناً وإن
فعلَ القبيحَ فمغتفرْ
وأقولُ: إن سنانَهُم
سيفٌ نضتْهُ يدُ القدَرْ
ما جار قطُّ ولا أراقَ
دماً وبالتَّقوى أمرْ
وإذا جرى ذكر الخمور
ومن حساها واعتصرْ
نزَّهتُهم عنها سوا([574])
لامَ المفنِّدُ أو عذرْ
أستغفرُ الله العظيمَ
سوى النَّبيذِ إذا حضرْ
فالرّأي رأيُهمُ السَّديدُ
وقد رووا فيه خبرْ
ولأمقتنَّ([575]) على بكيرٍ
في العشايا والبُكرْ
وأقضي بتربته الفروضَ
ومن زيارتِهِ الوطرْ
ولأملأنَّ على العوامِ
مسائلاً فيها غَرَرْ
نقضي بتطويل الشَّواربِ
عند تقصير الشِّعرْ
ولأرخينَّ من العمائم
ما تكوِّر واعتصرْ
ولأرفعنَّ إلى الصَّلاةِ
يدي وأرويها أثرْ([576])
وأقولُ في يومٍ تحارُ
له البصائرُ والبصرْ
والصُّحفُ تنشر طيّها
والنَّارُ ترمي بالشَّرزْ:
هذا الشَّريفُ أضلَّني
بعد الهداية والنَّظرْ([577])
5 ـ كتب في هذا المعنى أبو الفتح سبط ابن التعاويذي إلى نقيب الكوفة الشريف محمد بن مختار العلوي، يعاتبه على عدم الوفاء بما كان وعده به.
قصيدة تأتي في ترجمة أبي الفتح أولها:
يا سمي النبي يا ابن علي
قامع الشركِ والبتولِ الطهورِ
نماذج من شعره
ومن شعره الجميل نورد بعض النماذج:
في الغزل:
ألِفَ الصُّدُودَ وحين أسرف اسفعا
فازْوَرَّ عتباً ثمَّ زار تعطُّفا
لَبِسَ الدُّجى في ليلةٍ هو بدرُها
والبّدْرُ أشهر ما يكون إذا اختفى
طلع الهلال وقد بدا مُتَلثِّماً
حتَّى إذا حسَرَ اللِّثامَ تنصَّفا
يا طرفَهُ، مالي أراكَ خلقت لي
داءً، فَهَلاَّ كنت لي منه شفا
واهي مناط الخَصْر، سُنَّةُ عيَنْهِ
تُقْتَصُّ في قتل النُّفُوسِ وتُقْتَفَى
يبدو فتقرأُ في صحيفة خدِّهِ
من مَشْقِ أقلامِ المَلاحةِ أحرُفا
ذو وَجْنَةِ نُقِشَتْ بنُقْطَة خالِه
ونباتِ عارِضِه فخيلَتْ مُصْحَفا([578])
* قَفْ قليلاً لأسألكْ
مَنْ مِنَ الأُفْقِ أنزَلَكْ؟
صِرْتَ في الأرضِ ماشياً
بعدما كنتَ في الفَلَكْ
أيُّها البدرُ بالّذي
لِمُحَاقي قد أكملكْ
أي شرعٍ أباح طَرْ
فك إتلاف ما ملك؟([579])
إن كنتَ لستَ معي فالذِّكرُ منك معي
يراك قلبي وإن غيَبْتَ عن بصري
العينُ تنظرُ من تَهْوى وتفقدُهُ
وناظر القلب لا يخلو عن النَّظَرِ([580])
تبادل ابن منير الهجاء مع «ابن القيسراني» و«ملك النحاة» و«ابن قسيم الحموي».
نقل «ياقوت الحموي» عن «البلطي» أنه قال:
«كان ملك النحاة قدم إلى الشام فهجاه ثلاثة من الشعراء: ابن منير، والقيسراني، والشريف الوطسي([581]). واستخف به ابن الصوفي([582]) ولم يوفه قدر مدحه، فعاد إلى الموصل ومدح جمال الدين([583]) وجماعة من رؤسائها، فلمَّا نبت به الموصل قيل له: لو رجعت إلى الشام، فقال: لا أرجع إلى الشام إلاَّ أن يموت ابن الصوفي، وابن منير، والقيسراني، والشريف الواسطي. فقتل الشريف الواسطي، ومات ابن منير، والقيسراني في مدة سنة، ومات الصوفي بعدهم بأشهر»([584]).
وكتب «أبو نزار ملك النحاة» إلى أحد القضاة، وتصنَّع في الكلام، فقال: «العاصوي»، فاستهجنها «ابن منير» وهجاه بهذه الأبيات:
أيا ملك النَّحو الحاءُ مَن
تَهَجِّيه من تحت قد أعجموها
أتانا قياسُك هذا الذي
يُعَجَّمُ أشياءَ قد أعربوها
ولمَّا تصنَّعت في «العاصوي»
غدا وجه جهلك فيه وُجُوها
وقالوا: قَفَا الشِّيخ «إنَّ الملوكَ
إذا دخلوا قريةً أفسدوها»
فأجابه «أبو نزار» بقوله:
أيا بنَ منير حسبتَ الهجاءَ
رُتْبةَ فَخرٍ فبالغتَ فيها
جمعتَ القوافي من ذا ومن ذا
وأفسدتَ أشياءً قد أصلحوها
فقالوا: قفا الشَّيخ إنَّ الملوكَ
إذا أخطأت سوقة أدَّبوها
ويعلق الدكتور «عمر تدمري» على الهجاءين فيقول: وبالمقارنة بين الهجاءين نجد أنَّ ابن منير قد أجاد باستخدامه الآية الكريمة من القرآن ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾ [سورة النمل، آية: 34]، بينما استخدم أبو نزار عبارة عادية لا ترقى إلى ما أتى به ابن منير([585]).
واشتهر عن ابن منير هجوه لمنافسه القيسراني الشاعر، فكان بينهما مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وهما مقيمان في حلب، ومتنافسان في صناعتهما مثل جرير والفرزدق، وهما كفرسي رهان، وجوادي ميدان.
قال «ياقوت الحموي»: كان ابن القيسراني وابن منير يشبهان بجرير والفرزدق للمناقضات والوقائع التي جرت بينهما»([586]).
ومما يؤسف له أن شيئاً من الشعر الهجائي المتبادل بين ابن منير والقيسراني لم يصلنا.
* في الوصف والتأمل، قال يصف النواعيل، ويشبهها بالأفلاك التي قسمت أرزاق الناس قسمة جاهل بهم:
لنَواعيرِهَا على الماءِ ألحانٌ
تَهيجُ الشَّجا لقلْبِ المشُوقِ
فَهْيَ مَثْلُ الأفلاكِ شكلاً وفعلاً
قُسِمَتْ قَسْمَ جاهلٍ بالحقوقِ
بين عالٍ، سامٍ، ينكِّسُهُ الحظُّ
ويعلو بسَافِلٍ مرزوقِ
عبد العزيز البراج
سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن براج الطرابلسي، تلميذ السيد المرتضى، وزميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف بالقاضي تارة، وبابن البراج أخرى، فقيه عصره، وقاضي زمانه، وخليفة الشيخ الطوسي في بلاد الشام.
وهو أحد الفقهاء الكبار في القرن الخامس بعد شيخيه: المرتضى والطوسي، صاحب كتاب «المهذب» في الفقه وغيره من الآثار الفقهية فهو اقتفى خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب والتفريع، ويعد هذا الكتاب من الموسوعات الفقهية البديعة في عصره.
ونورد هنا بعض أقوال العلماء في حق المترجم:
1 ـ يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرس عنه: القاضي سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن براج، وجه الأصحاب، وفقيههم، وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات، منها: «المهذب» و«المعتمد» و«الروضة» و«المقرب» و«عماد المحتاج في مناسك الحاج» أخبرنا بها الوالد، عن والده، عنه.
2 ـ ويقول ابن شهر ىشوب في معالم العلماء: أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز، المعروف بابن البراج، من غلمان([587]) المرتضى رضي الله عنه، له كتب في الأصول والفروع، فمن الفروع: الجواهر، المعالم، المنهاج، الكامل، روضة النفس في أحكام العبادات الخمس، المغرب، المهذب، التعريف، شرح جمل العلم والعمل للمرتضى رحمه الله.
3 ـ وقال الشهيد في بعض مجاميعه، في بيان تلامذة السيد المرتضى ـ : ومنهم أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن براج، وكان قاضي طرابلس، ولاه القاضي جلال الملك رحمه الله.
وكان أستاذ أبي الفتح الصيداوي، وابن رزح [كذا]، من أصحابنا.
وقال الشيخ علي الكركي في إجازته للشيخ برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي ـ في حق ابن البراج ـ : الشيخ السعيد، خليفة الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية، عز الدين عبد العزيز بن نحرير بن البراج قدس سره.
4 ـ وقال بعض تلامذة الشيخ علي الكركي، في رسالته المعمولة في ذكر اسامي مشائخ الأصحاب: ومنهم الشيخ عبد العزيز بن البراج الطرابلسي، صنف كتباً نفيسة منها: المهذب، والكامل، والموجز، والإشراق، والجواهر، وهو تلميذ الشيخ محمد بن الطوسي.
5 ـ وقال الأفندي في الرياض: وقد وجدت منقولاً عن خط الشيخ البهائي، عن خط الشهيد أنه تولى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته على السيد المرتضى كل شهر إثنا عشر ديناراً ولابن البراج كل شهر ثمانية دنانير، وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته جميعاً.
6 ـ ونقل عن بعض الفضلاء أن ابن البراج قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة إلى أن مات المرتضى، وأكمل قراءته على الشيخ الطوسي، وعاد إلى طرابلس في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، واقام بها إلى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وقد نيف على الثمانين([588]).
7 ـ ونقل صاحب الروضات عن «أربعين الشهيد» نقلاً عن خط صفي الدين المعد الموسوي: إن سيدنا المرتضى ـ رضي الله عنه ـ كان يجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه الله أيام قراءته عليه كل شهر اثنتا عشر ديناراً وللقاضي كل شهر ثمانية دنانير، وكان وقف قرية على كاغذ(كافة) الفقهاء.
8 ـ وقال عنه التفريشي في رجاله: فقيه الشيعة الملقب بالقاضي، وكان قاضياً بطرابلس.
9 ـ وقال المولى نظام الدين القرشي في نظام الأقوال عبد العزيز ابن البراج، أبو القاسم، شيخ من أصحابنا، قرأ على المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكمل قراءته على الشيخ الطوسي وعبر عنه بعض ـ كالشهيد في الدروس وغيره ـ بالقاضي، لأنه ولي قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين، مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
10 ـ وقال الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل: … وجه الأصحاب وفقيههم وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات، ثم ذكر نفس ما ذكره منتجب الدين في فهرسه، ابن شهر آشوب في معالمه، والتفريشي في رجاله.
11 ـ وقال المجلسي في أول البحار: وكتاب المهذب وكتاب الكامل وكتاب جواهر الفقه للشيخ الحسن المنهاج، عبد العزيز بن البراج، وكتب الشيخ الجليل ابن البراج كمؤلفها في غاية الاعتبار.
12 ـ وقال التستري في مقاييس الأنوار: الفاضل الكامل، المحقق المدقق، الحائز للمفاخر والمكارم ومحاسن المراسم، الشيخ سعد الدين وعز المؤمنين، أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي الشامي نور الله مرقده السامي، وهو من غلمان المرتضى، وكان خصيصاً بالشيخ وتلمذ عليه وصار خليفته في البلاد الشامية، وروى عنه وعن الحلبي، وربما استظهر تلمذته على الكراجكي وروايته عنه أيضاً([589]).
وصنف الشيخ له ـ بعد سؤاله ـ جملة من كتبه معبراً عنه في أوائلها بالشيخ الفاضل، وهو المقصود به والمعهود، كما صرح به الراوندي في «حل المعقود»، وكتب الشيخ أجوبة مسائل له أيضاً، وكان من مشائخ ابن أبي كامل، والشيخ حسكا، والشيخ عبد الجبار، والشيخ محمد بن علي بن محسن الحلبي، وروى عنه ابناه الأستاذان أبو القاسم وأبو جعفر اللذان يروي عنهما القطب الراوندي وابن شهر آشوب والسروي وغيرهم، وله كتب منها: المهذب، والجواهر، وشرح جمل المرتضى، والكامل، وروضة النفس، والمعالم، والمقرب، والمعتمد، والمنهاج وعماد المحتاج في مناسك الحاج، والموجز، وغيرها، ولم أقف إلا على الثلاثة الأول، ويعبر عنه كثيراً بابن البراج.
13 ـ وقال المتتبع النوري: … الفقيه العالم الجليل القاضي في طرابلس الشام في مدة عشرين سنة تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة، وكان يجري السيد عليه في كل شهر ديناراً (الصحيح ثمانية دنانير)، وهو المراد بالقاضي على الإطلاق في لسان الفقهاء، وهو صاحب المهذب والكامل والجواهر وشرح الجمل للسيد والموجز وغيرها … توفي ـ رحمه الله ـ ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة 481هـ، وكان مولده ومنشأه بمصر.
إلى غير ذلك من الكلمات المشابهة والمترادفة الواردة في كتب التراجم والرجال التي تعرف مكانة الرجل ومرتبته في الفقه وكونه أحد أعيان الطائفة في عصره، وقاضياً من قضاتهم في طرابلس.
ميلاده وموطنه
ميلاده: لم نقف على مصدر يعين تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق، غير أن كلمة الرجاليين والمترجمين له اتفقت على أنه توفي عام 481هـ وقد نيف على الثمانين، فعلى هذا فإن أغلب الظن أنه ـ رحمه الله ـ ولد عام 400هـ أو قبل هذا التاريخ بقليل.
وأما موطنه فقد نقل صاحب «رياض العلماء» عن بعض الفضلاء أنه كان مولده بمصر، وبها منشأه وأخذ منه صاحب «المقاييس» كما عرفت، ولكن الظاهر أنه شامي لا مصري.
الرزق بحسب الدرجة العلمية
قد وقفت في غضون كلمات الرجاليين والمترجمين أن السيد المرتضى كان يجري الرزق على الشيخ الطوسي اثني عشر ديناراً وعلى المؤلف ثمانية دنانير، وهذا يفيد أن المؤلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة والبراعة بعد الشيخ الطوسي في مجلس درس السيد المرتضى، كيف وقد اشتغل الشيخ بالدراسة والتعلم قبله بخمسة عشر عاماً، لأنه تولد عام 400هـ أو قبله بقليل وولد الشيخ الطوسي عام 385هـ.
وحتى لو فرض أنهما كانا متساويين في العمر ومدة الدراسة ولكن براعة الشيخ وتضلعه ونبوغه مما لا يكاد ينكر، وعلى كل تقدير فالظاهر أن هذا السلوك من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية.
هو الزميل الأصغر للشيخ
لقد حضر المؤلف درس السيد المرتضى عام 429هـ، وهو ابن ثلاثين سنة أو ما يقاربه، فقد استفاد من بحر علمه وحوزة درسه قرابة ثمان سنين، حيث أن المرتضى لبى دعوة ربه لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436هـ.
فعندما لبى الأستاذ دعوة ربه، حضر درس الشيخ إلى أن نصب قاضياً في طرابلس عام 438، وعلى ذلك فقد استفاد من شيخه الثاني قرابة ثلاثة سنوات، ومع ذلك كله فالحق أن القاضي ابن براج زميل الشيخ في الحقيقة، وشريكه في التلمذ على السيد المرتضى.
ويدل على أن ابن البراج كان زميلاً للشيخ لا تلميذاً له أمور:
1 ـ عندما توفي أستاذه السيد المرتضى رحمه الله، كان القاضي ابن براج قد بلغ مبلغاً كبيراً من العمر، يبلغ الطالب ـ في مثله ـ مرتبة الإجتهاد، وهو قرابة الأربعين، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذ.
2 ـ إن السيد المرتضى عمل كتاباً باسم «جمل العلم والعمل» في الكلام والفقه على وجه موجز، ملقياً فيها الأصول والقواعد في فن الكلام والفقه.
وقد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه، وهو ما عبر عنه بـ «تمهيد الأصول» وقد طبع الكتاب بهذا الإسم وانتشر.
بينما تولى القاضي ابن براج. المترجم له ـ شرح القسم الفقهي.
ومن هذا يظهر زمالة هذين العلمين، بعضهما لبعض في المجالات العلمية، فكل واحد يشرح قسماً خاصاً من كتاب أستاذهما.
3 ـ إن شيخنا المؤلف ينقل في كتابه «شرح جمل العلم والعمل» عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الأجناس الزكوية ما هذا عبارته: «وقد ذكر في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي الله عنه، من الرواية الواردة، من الدرهم أو الثلثين، والأحوط إخراجها بقيمة الوقت، وهذا الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا أبي جعفر الطوسي، ورأيت من علمائنا من يميل إلى ذلك».
وهذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث والتحرير. هذا فضلاً عن أن المترجم عندما يطرح في كتابه (المهذب) آراء الشيخ يعقبه بنقد بناء ومناقشة جريئة، وهذا يعطي كونه زميلاً للشيخ لا تلميذاً آخذاً عنه.
4 ـ إن الناظر في ثنايا كتاب «المهذب» يرى بأن المؤلف ـ المترجم له ـ يعبر عن أستاذه السيد المرتضى بلفظة «شيخنا» بينما يعبر عن الشيخ الطوسي بلفظة «الشيخ أبو جعفر الطوسي» لا بـ «شيخنا» والفارق بين التعبرين واضح وبين.
وهذا وإن لم يكن قاعدة مطردة في هذا الكتاب إلا إنها قاعدة غالبية. نعم عبر في «شرح جمل العلم والعمل» عنه بـ «شيخنا» كما نقلناه.
5 ـ ينقل هو رأي الشيخ الطوسي ـ بلفظ «ذكر» أي قيل، وقد وجدنا موارده في مبسوط الشيخ ونهايته.
ولا شك أن هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن أستاذه.
استمرار الاجتهاد والمناقشة في آراء الشيخ
لقد نقل صاحب المعالم عن والده ـ الشهيد الثاني ـ رحمه الله بأن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به، فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاماً مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ وأن الشهرة إنما حصلت بمتابعته.
قال الوالد ـ قدس الله نفسه ـ وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد: الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين بن طاووس، وجماعة.
وقال السيد في كتابه المسمى بـ «البهجة لثمرة المهجة»: أخبرني جدي الصالح ـ قدس الله روحه ـ ورام بن أبي فراس ـ قدس الله وجهه ـ أن الحمصي حدثه أنه لم يبق مفت للإمامية على التحقيق بل كلهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك: والآن فقد ظهر لي أن الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام المتقدمين.
ولكن هذا الكلام على إطلاقه غير تام، لما نرى من أن ابن البراج قد عاش بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة، وألف بعض كتبه كالمهذب بعد وفاة الشيخ وناقش آراءه بوضوح، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على إطلاقه: «لم يبق مفت للإمامية على التحقيق بل كلهم حاك».
وخلاصة القول أن في الكلام المذكور نوع مبالغة، لوجود مثل هذا الفقيه البارع.
مدى صلته بالشيخ الطوسي
قد عرفت مكانة الشيخ ومنزلته العلمية، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر إليه بنظر الإكبار والإجلال، ولأجل ذلك نرى أن الشيخ ألف بعض كتبه لأجل التماسه فها هو الشيخ الطوسي يصرح في كتابه «المفصح في إمامة أمير المؤمنين» بأنه ألف هذا الكتاب لأجل سؤال الشيخ ابن البراج منه، فيقول:
سألت أيها الشيخ الفاضل ـ أطال الله بقاءك وأدام تأييدك ـ إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه([590]).
كما أنه ألف كتابه «الجمل والعقود» بسؤاله أيضاً حيث قال:
أما بعد فأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل ـ أدام الله بقاءه، من إملاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات([591]).
ونرى أنه ألف كتابه الثالث «الإيجاز في الفرائض والمواريث» بسؤال الشيخ أيضاً فيقول:
سألت أيدك الله إملاء مختصر في الفرائض والمواريث([592]).
ولم يكتف الشيخ بذلك، فألف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضاً إذ يقول:
أما بعد فإني قد أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه، من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الأئمة من بعده إلى زمن القائم ـ عليه السلام ـ ، ثم أذكر من تأخر زمانه عن الأئمة من رواة الحديث([593]).
ويقول المحقق الطهراني في مقدمته على «التبيان» عند البحث عن «الجمل والعقود».
قد رأيت منه عدة نسخ في النجف الأشرف، وفي طهران، ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، وهو القاضي ابن البراج، وقد صرح في هامش بعض الكتب القديمة بأن القاضي المذكور هو المراد بالشيخ، كما ذكرناه في الذريعة ج 5 ص 145.
ويقول المحقق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب «الرسائل العشر».
وفي هامش النسخة من كتاب «الجمل والعقود» التي كانت بأيدينا، قد قيد أن الشيخ هو ابن البراج.
وعلى ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة هو الشيخ القاضي ابن البراج، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في أول كتاب الفهرس حيث قال:
ولما تكرر من الشيخ الفاضل ـ أدام الله تأييده ـ الرغبة في ما يجري هذا المجرى، وتوالى منه الحث على ذلك، ورأيته حريصاً عليه، عمدت إلى كتاب يشتمل على ذكر المصنفات والأصول ولم أفرد أحدهما عن الآخر … وألتمس بذلك القربة إلى الله تعالى، وجزيل ثوابه، ووجوب حق الشيخ الفاضل ـ أدام الله تأييده ـ وأرجو أن يقع ذلك موافقاً لما طلبه إن شاء الله تعالى([594]).
ونرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعني «الغيبة» حيث يقول:
فإني مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل ـ أطال الله بقاءه ـ ، من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان([595]).
وربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس، هو الشيخ المفيد، ولكنه غير تام لوجهين.
أولاً: أنه قد عين تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول عمره حيث قال:
فإن قيل ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات، مع بقائه على قولكم ـ كامل العقل تام القوة والشباب، لأنه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
ومن المعلوم أن الشيخ المفيد قد توفي قبل هذه السنة بـ 34 عاماً.
أضف إلى ذلك أنه يصرح في أول كتاب الغيبة بأنه «رسمه مع ضيق الوقت، وشعث الفكر، وعوائق الزمان، وطوارق الحدثان، وهو يناسب أخريات إقامة الشيخ في بغداد، حيث حاقت به كثير من الحوادث المؤسفة المؤلمة، حتى ألجأت الشيخ إلى مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف، حيث دخل طغرل بك السلجوقي بغداد عام 447، واتفق خروج الشيخ منها بعد ذلك عام 448، فقد أحرق ذلك الحاكم الجائر مكتبة الشيخ والكرسي الذي يجلس عليه في الدرس، وكان ذلك في شهر صفر عام 449([596]).
أضف إلى ذلك أن شيخ الطائفة ألف كتاباً خاصاً باسم «مسائل ابن البراج». نقله شيخنا الطهراني في مقدمة «التبيان» عن فهرس الشيخ.
أساتذته
لا شك أن ابن البراج أخذ أكثر علومه عن أستاذه السيد المرتضى، وتخرج على يديه، وحضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي سمعت، غير أننا لم نقف على أنه عمن أخذ أوليات دراساته في الأدب وغيره.
وربما يقال أنه تتلمذ على المفيد، كما في «رياض العلماء» وهو بعيد جداً، لأن المفيد توفي عام 413هـ، والقاضي بعد لم يبلغ الحلم لأنه من مواليد 400 أو بعام قبله، ومثله لا يقدر على الاستفادة من بحث عالم نحرير كالمفيد.
وقد ذكر التستري صاحب المقاييس أنه تلمذ على الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، أحد تلاميذ المفيد ثم السيد، ومؤلف كتاب «كنز الفوائد» وغيره من المؤلفات البالغة ثلاثين تأليفاً([597]).
وقال في الرياض ناقلاً عن المجلسي في فهرس بحاره: إن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي من تلاميذ أبي الفتح الكراجكي، ثم استدرك على المجلسي بأن تلميذه هو القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، لا عبد العزيز بن نحرير.
غير أن التستري لم يذكر على ما قاله مصدراً نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ عن مثله.
وربما يقال بتلمذه على أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، صهر الشيخ المفيد وخليفته، والجالس محله الذي وصفه النجاشي في رجاله بقوله: بأنه متكلم فقيه قيم بالأمرين جميعاً.
ولم نقف على مصدر لهذا القول، سوى ماذ كره الفاضل المعاصر الشيخ كاظم مدير شانه جي في مقدمة كتابه لشرح «جمل العلم والعمل» للقاضي ابن براج.
وربما عد من مشايخه أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين المولود عام 347 والمتوفى عام 447، عن عمر يناهز المائة، وهو خليفة الشيخ في الديار الحلبية، كما كان القاضي خليفته في ناحية طرابلس.
كما يحتمل تلمذه على حمزة بن عبد العزيز الملقب بسلار المتوفى عام 463، المدفون بقرية خسروشاه من ضواحي تبريز، صاحب المراسم ولم نجد لذلك مصدراً وإنما هو وما قبله ظنون واحتمالات، وتقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر «مجير شانه جي»، وعلى ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبي عبد الله جعفر بن محمد الدويريستي، ثقة عين، عدل، قرأ على شيخنا المفيد، والمرتضى علم الهدى([598]).
وقد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبد الرحمان الرازي، والشيخ المقرئ ابن خشاب، ونقله عن فهرس منتجب الدين، غير أنا لم نقف على ذلك في فهرس منتجب الدين وإنما الوارد فيه غير ذلك.
فقد قال الشيخ منتجب الدين: الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد الحسين النيسابوري الخزاعي، شيخ الأصحاب بالري، حافظ، ثقة واعظ، مسافر في البلاد شرقاً وغرباً، وسمع الأحاديث عن المؤالف والمخالف، وقد قرأ على السيدين علم الهدى المرتضى، وأخيه الرضي، والشيخ ابي جعفر الطوسي، والمشايخ سالار، وابن البراج، والكراجكي.
وقال أيضاً: الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقرئ الرازي فقيه الأصحاب بالريّي، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلمين من السادة والعلماء، وقد قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه وقرأ على الشيخين سالار وابن البرّاج([599]).
عام تأليفه كتاب «المهذب»
قد ذكر القاضي في كتاب الإجازة تاريخ اشتغاله بكتابه باب الإجارة وهو عام 467.
فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية، ومزاولة طويلة شغلت عمر المؤلف مدة لا يستهان بها، وعلى ذلك فهو ألف الكتاب بعد تخليه عن القضاء لأنه اشتغل بالقضاء عام 438، ومارسه بين عشرين وثلاثين عاماً، فعلى الأول كتبها بعد التخلي عنه، وعلى الثاني اشتغل بالكتابة في أخريات ممارسته للقضاء.
وعلى ذلك فالكتاب يتمتع بأهمية كبرى، لأنه وقف في أيام توليه للقضاء على موضوعات ومسائل مطروحة على صعيد القضاء، فتناولها بالبحث في الكتاب، وأوضح أحكامها، فكم فرق بين كتاب فقهي يؤلف في زوايا المدرسة من غير ممارسة عملية للقضاء، وكتاب ألف بعد الممارسة لها وأو خلالها.
ولأجل ذلك يعتبر الكاتب الحاضر «المهذب» من محاسن عصره.
تلاميذه
كان المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يؤلف في موضوعات فقهية وكلامية، وفي نفس الوقت كان مفيداً ومدرساً، فقد تخرج على يديه عدة من الأعلام نشير إلى بعضهم:
1 ـ الحسن بن عبد العزيز بن المحسن الجبهاني (الجيهاني) المعدل بالقاهرة، فقهي(فقيه)، ثقة، قرأ على الشيخ ابي جعفر الطوسي، والشيخ ابن البراج، رحمهم الله جميعاً.
2 ـ الداعي بن زيد بن علي بن الحسين بن الحسين الأفطسي الحسيني الآوي، الذي عمر عمراً طويلاً كما ذكره صاحب المعالم في إجازته الكبيرة، وهو يروي عن المرتضى، والطوسي، وسلار، وابن البراج، والتقي الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم وجميع ما رووه وأجيز لهم روايته.
3 ـ الشيخ الإمام شمس الإسلام الحسن بن حسين بن بابويه القمي، نزيل الري، المدعو حسكا، جد الشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقه: فقيه، ثقة، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر جميع تصانيفه بالغري ـ على ساكنه السلام ـ ، وقرأ على الشيخين: سلار بن عبد العزيز، وابن البراج جميع تصانيفهما.
4 ـ الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسن بن الحسين النيسابوري الخزاعي.
5 ـ الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن علي المقري الرازي.
وقد توفي بطرابلس، ودفن في حجرة القاضي، كما حكي عن خط جد صاحب المدارك، عن خط الشهيد وكان حياً إلى عام 503.
وقد عرفت نص الشيخ منتجب الدين في حق الرجلين.
6 ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين الحلبي، فقيه، صالح، أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي.
وقال في «الرياض»: إنه يظهر من إجازة الشيخ علي الكركي للشيخ علي الميسي وغيرها من المواضع، أنه يروي عن القاضي عبد العزيز بن البراج الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلي([600]) وينقل عنه.
وقال في تلك الإجازة في مدح ابن البراج هكذا: الشيخ السعيد الفقيه، الحبر، العلاَّمة، عز الدين، عبد العزيز بن البراج ـ قدس الله سره ـ .
7 ـ عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عز الدين الطرابلسي، سمي شيخنا المترجم له، يروي عن المترجم له، والشيخ الطوسي، وسلار، ويروي عنه عبد الله بن عمر الطرابلسي كما في «حجة الذاهب».
8 ـ الشيخ كميح والد أبي جعفر، يروي عن أبي البراج.
9 و10 ـ الشيخان الفاضلان الأستاذان ابنا المؤلف: أبو القاسم([601]) وأبو جعفر اللذان يروي عنهما الراوندي والسروي وغيرهم.
11 و12 ـ أبو الفتح الصيداوي وابن رزح، من أصحابنا.
هؤلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم، وليست تنحصر فيمن عددناهم.
تنبيه
1 ـ إنه كثيراً ما يشبه الأستاذ بالتلميذ لأجل المشاركة في الإسم واللقب، فتعد بعض تصانيف الأستاذ من تآليف التلميذ.
قال في «رياض العلماء»: وعندي أن بعض أحوال القاضي سعد الدين عبد العزيز ابن البراج هذا، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي.
ويظهر من الشهيد الأول في كتابه «الأربعين» في سند الحديث الثاني والثلاثين، وسند الحديث الثالث والثلاثين مغايرة الرجلين.
قال الشهيد الأول في سند الحديث الثاني والثلاثين … القطب الراوندي، عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلي([602])، قال: حدثنا الشيخ الفقيه الإمام سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي، قال: حدثنا السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، إلى آخره، وفي سند الحديث الثالث والثلاثين … الشيخ أبو محمد عبد الله بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، عن الشيخ الفقيه المحقق أبي الصلاح تقي بن نجم الدين الحلبي، عن السيد الإمام المرتضى علم الهدى … إلى آخره.
ولاحظ الذريعة ج 23 ص 294 فلا شك ـ كما ذكرنا ـ فإن القاضي ابن أبي كامل تلميذ القاضي بن نحرير.
2 ـ يظهر من غضون المعاجم أن بعض ما ألفه في مجالات الفقه كان مركزاً للدراسة، ومحوراً للتدريس، حيث أن الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي ـ الشهير بالقطب الراوندي ـ كتب بخطه إجازة لولده على كتاب «الجواهر في الفقه» لابن البراج عبد العزيز وهذه صورتها:
قرأه على ولدي نصير الدين أبو عبد الله الحسين ـ أبقاه الله ومتعني به ـ ، قراءة إتقان، وأجزت له أن يرويه عن الشيخ أبي جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنف([603]).
ولم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب «الجواهر» بل كان كتابه الآخر وهو «الكامل» كتاباً دراسياً أيضاً.
ولذلك نرى أن الشيخ أبا محمد عبد الواحد الحبشي، من تلاميذ القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، قرأ الكامل عليه.
والكامل من مؤلفات المترجم له.
3 ـ نقل صاحب الرياض أنه تولى القضاء في طرابلس، لدفع الضرر عن نفسه بل عن غيره أيضاً، والتمكن من التصنيف، وقد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق الشيعة، وقد نصبه على القضاء جلال الملك عام 438هـ.
4 ـ وقد عبر العلاَّمة الطباطبائي في منظومته عن القاضي بالحافي، ولم نجد له مصدراً قبله.
قال في منظومته:
وسن رفع اليد بالتكبير
والمكث حتى الرفع للسرير
والخلع للحذاء دون الاحتفاء
وسن في قضائه الحافي الحفاء([604])
تآليفه
خلف المترجم له ثروة علمية غنية في الفقه والكلام، تنبئ عنه سعة باعه في هذا المجال، وتضلعه في هذا الفن.
وإليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم:
1 ـ الجواهر: قال في رياض العلماء: رأيت نسخة منه في بلدة ساري، من بلاد مازندران، وهو كتاب لطيف، وقد رأيت نسخة أخرى منه بأصفهان عند الفاضل الهندي، وقد أورد فيه المسائل المستحسنة المستغربة والأجوبة الموجزة المنتخبة.
2 ـ شرح جمل العلم والعمل.
3 ـ المهذّب.
4 ـ روضة النفس.
5 ـ المقرّب في الفقه.
6 ـ المعالم في الفروع.
7 ـ المنهاج في الفروع.
8 ـ الكامل في الفقه، وينقل عنه المجلسي في بحاره.
9 ـ المعتمد في الفقه.
10 ـ الموجز في الفقه، وربما ينسب إلى تلميذه ابن أبي كامل الطرابلسي.
11 ـ عماد المحتاج في مناسك الحاج.
ويظهر من الشيخ ابن شهر آشوب في «معالم العلماء» أن كتبه تدور بين الأصول والفروع كما أن له كتاباً في علم الكلام.
ولكنه مع الأسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية، ولم يبق إلا الكتب الثلاثة: الجواهر، المهذب، شرح جمل العلم والعمل.
ويظهر من ابن شهر آشوب أنه كان معروفاً في القرن السادس بابن البراج، وهذا يفيد بأن البراج كان شخصية من الشخصيات، حتى أنه نسب القاضي إلى هذا البيت.
هذه هي كتبه وقد طبع منها «الجواهر» ضمن «الجوامع الفقهية» على وجه غير نقي عن الغلط، فينبغي لرواد العلم إخراجه وتحقيق متنه على نحو يلائم العصر.
كما أنه طبع من مؤلفاته، «شرح جمل العلم والعمل» بتحقيق الأستاذ كاظم مدير شانه جي.
جعفر السبحاني
طروس الإنشاء وسطور الإملاء
كتاب في الأدب العراقي بنهاية القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين
في سياق التطور الثقافي تراجعت إلى الخلف تلك الظاهرة التي كانت تسود التأليف الأدبي التي كانت تكشف عن جوانب خارج الكتاب بمعناها الإبداعي.
غابت الرسائل والتعليقات والوقائع الحياتية الصغيرة والكبيرة من حياة الكاتب لمصلحة النص الذي ظل مبهماً سواء كان كاتبه معروفاً على مستوى شخصي أو غير معروف.
وما التراث الذي جمعه في كتب الأدب الجاحظ أو القالي أو التوحيدي أو القيرواني أو ابن عبد ربه وغيرهم سوى مثل هذه الرسائل والوقائع الحياتية الصغيرة والكبيرة التي غابت عن حياتنا الثقافية.
ولا يزال تاريخ الأدب العربي في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من هذا القرن يحفل بوقائع يومية على شكل طرف وتعليقات تخص العداوة الشعرية التقليدية بين شاعرين من شعراء العراق.
وبصدور كتاب «طروس الإنشاء وسطور الإملاء» لأبي المعز السيد محمد القزويني الذي حققه حفيده المحقق والشاعر جودت القزويني نكون قد تعرفنا على مثل تلك الوقائع والعلاقات في الآدب العراقي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فهو مجموعة من المراسلات الأدبية بين أبي المعز القزويني وأدباء عصره من المشاهير.
وبعض تلك المراسلات لم تكن، من الناحية الأدبية على الورق، كما هي الرسائل، وإنما تمت بواسطة التلغراف.
ولعل القرن المقبل يشهد جميع رسائل الأدباء عبر الفاكس أو الـ «انترنت»؟
وأبو المعز القزويني، المؤلف ولد في مدينة الحلة عام 1845م ودرس العلوم الدينية في النجف و نال درجة الاجتهاد وكان من علماء عصره وزعيم أسرته وتوفي عام 1916، وقد كتب عدد كبير من معاصريه عنه.
ومن أولئك السيد محسن الأمين والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ محمد علي اليعقوبي والدكتور محمد مهدي البصير.
يكشف «طروس الإنشاء» عن طبيعة الأدب الأخوانية في أدب نهاية القرن التاسع عشر في العراق، ويكشف جزءاً من الحياة الإجتماعية والثقافية السائدة. كما يعبر من ناحية أخرى عن مواقف ووجهات نظر عدد من أدباء تلك الفترة.
هذه القصائد المتبادلة بين أبي المعز القزويني وشعراء عصره، التي تكرس المشاعر الأخوية الشخصية تجاه الشخص الآخر وجوابه عليها شعراً، وهي الطريقة التقليدية للمراسلات بين الأدباء في ذلك العصر، حيث كان الشعر في تلك الفترة التي تمازجت فيها ملامح التجديد مع ملامح الركود التي اعتبرت امتداداً للفترة المظلمة.
وكتب إبراهيم الواعظ سنة 1953 في كتابه «شخصيات عرفتها» مقالة عن أبي المعز نشرها في جريدة «البلد» العراقية وصفه فيها بأنه: «كان شاعراً مبدعاً وناثراً متضلعاً، ومن ألطف ما حفظه له برقيته التي طيرها إلى السيد سلمان نقيب بغداد سنة 1315 هجرية حينما قطع وكلاء النقيب الماء عن كربلاء قال فيها:
لك عصبة في كربلا تشكو الظما
من فيض كفك تستمد رواءها
أتراك يا ساقي عطاشى كربلا
وأبوك ساقي الحوض تمنع ماءها
ومن الظريف أيضاً ما كتبه برقياً إلى والي بغداد سري باشا سنة 1307 يشكو عمل المهندسين الذي تأخر عن إيصال الماء إلى الحلة قال فيها:
إلى أن يعود الماء في النهر جاريا
ويخضر جنباه تموت الضفادع
كما كتب عبد الرزاق الهلالي في مجلة «العربي» الكويتية عام 1964 مقالة عن أبي المعز وصفه فيها بأنه آخر رعاة الحركة العربية في العراق.
وفي الفصل المعنون «في المراسلات البرقية والمخابرات التلغرافية» نقرأ شعراً قصة وصول الحاج محمد حسن كبة إلى مدينة الحلة من بغداد وكان شاعراً وفقيهاً إذ يبعث إليه تلغرافاً شعرياً يقول فيه:
في (بابل) طاب عيشي
مع كل خل رشيق
فصرت (نعمان) دهري
لو أن عندي (شقيقي)
فأجابه المخاطب برقياً أيضاً:
رصافتي رصفتها
مدامعي بالعقيق
بها صبغت الأقاحي
لكي يعود شقيقي
وهكذا تمضي بقية الموضوعات التي تتحول شعراً بين المتخاطبين إذ يكتب إلى الشيخ نعمان الآلوسي الذي عاد من القسطنطينية يحمل لقب رئيس المدرسين في المدرسة المرجانية في بغداد:
حباك مولاك سروراً كما
حباك في عز وتأييد
ونلت من دهرك أقصى المنى
بالفرحتين العود والعيد
وتبدو أكثر الأشعار إشارات لحوادث يومية عابرة فهي يوميات شعرية أخوانية أكثر منها إبداعاً شعرياً إذ يقول: «ونظرت يوماً في جريدة «الزوراء» فرايت فيها قصيدة لذي الفضيلة السيد الحاج علي أفندي الوسي زاده ولم أكن قبل ذلك رأيته فكتبت إليه من النجف:
بدر من (الزوراء) أشرق
وضياء نور قد تألق
قد انبأت عنه (الجريدة)
وهي في الخبار أصدق
وروت حديث نظامه
خبراً لدي غداً محقق
ونسيت عند حديثه
خبري (جرير والفرزدق)
وتفصح الحوادث الشعرية عن أسماء كثر من أعلام الأدب والقضاء والفقه ورجال الدولة العثمانية في بغداد والأستانة والحلة وسامراء والنجف وكربلاء الأمر الذي يوحي بالإنسجام الاجتماعي والتقارب الفكري آنذاك بين تلك الأسماء.
فهو يتراسل شعراً مع جميل صدقي الزهاوي عبر أخيه (ذي السعادة رشيد باشا زهاوي زاده) بحسب أسماء وألقاب ذلك الزمن.
كما يتراسل شعراً مع معروف الرصافي قائلاً: وكتب لي من بغداد أبياتاً تتضمن الوداد والشوق على البعاد، ذو الفضيلة، والمآثر الجميلة، معروف أفندي الرصافي، على غير اجتماع منا ولا مشاهدة.
قف بالديار الدارسات وحيّها
وأقر السلام على جاذر حيّها
وأنشد هنالك للمتيم مهجة
فنيت من الأهواء في عذريها
(وهي قصيدة طويلة) ويقول أبو المعز: «فكتبت له في الجواب على الروي والقافية إلا أنها مضمونة:
هي روضة قد رشها وسميها
طلأ وفاح بعطره جوريها
وحديقة قد أينعت أشجارها
وشدا على أغصانها قمريها
وجرياً على هذه الطريقة نستطيع التعرف على مراسلات أبي المعز وعلى ملامح ثقافية واجتماعية وسياسية في تلك الفترة التي لا تزال قيد الدرس والبحث والإستقصاء.
وقد بذل المحقق جودت القزويني جهداً كبيراً في الهوامش التي أكملت مهمة التعريف بشخصيات تلك الفترة وبكتبهم وإنتاجهم الأدبي، فضلاً عن تزيين الكتاب بصور نادرة سواء عن الشخصيات الأدبية والاجتماعية والسياسية أو عن الحياة في ذلك العصر.
نبيل ياسين
الطغراء
من وظائف الدولة السلجوقية المهمة وظيفة «الطغراء» والمقصود بصاحبها رئيس الديوان، «السلطاني والبلاط» وكان يلقب الطغرائي، ومن الامتيازات التي لهذا الموظف أنه يتمتع بصلاحيات الوزير حين يكون الوزير الأصلي خارج دار الملك مع السلطان في حرب أو صيد مثلاً.
وكثيراً ما يعهد للطغرائي نيابة الوزارة، ويشمل الديوان فروعاً وشعباً تدخل كلها في تقسيمين هما ديوان الطغراء وديوان الرسائل والإنشاء، ويعمل فيهما عدد من الموظفين باسماء كتاب الرسائل والمنشئين وأضرابهم.
والطغرائي في الإدارة السلجوقية هو حامل الأختام، ويتولى استصدار الأوامر السلطانية وتبليغها إلى الجهات موشحة بشعار الطغري والختم السلطاني.
ويعهد السلطان بمنصب الطغراء للذي تتوفر فيه مؤهلات معينة، كأن يكون متميزاً بالتدبير وأصالة الرأي وقوة الشخصية ومن الطبقة المثقفة والمعروفة بالجاه والمال والدهاء، لكي تتم له الإحاطة الكاملة باختصاصاته الدقيقة والتفرغ للعمل والمحافظة على كل المراسيم والشروط، وبعد التوثق من حسن إدارته، يحظى الطغرائي بالمزيد من العناية والثقة والرعاية من جانب السلطان.
ويبدو أن قوانين الدولة السلجوقية تلزم الصدور (الوزراء) والأكابر والأمراء والرؤساء والأعيان والوجوه والمشاهير وجميع الحشم والخدم ومختلف طبقات الناس اعتبار احترام الطغرائي، على أساس أنه المنتخب من قبل السلطان للعمل بديوان الطغراء، وأن يعنوا به عناية شاملة، ويعدوا احتشامه وتوقيره وتكريمه من الأمور الواجبة ويمر بعض المناشير السلطانية بهذا فيقول مخاطباً جميع الموظفين: «وعلى هذا فلينهجوا ويعملوا ويعتمدوا».
أما ديوان الطغراء فإن اختصاصه لم يكن مقتصراً على عمل الطغرائي الذي يوصل إلى السلطان ما يرد إليه من الرسائل والكتب ويصدر عنه الأوامر الموقعة بتوقيعه والموشحة بالشعار الخاص بالسلطان، وإنما هناك جانب ثان من هذا الديوان، هو ديوان الرسائل والإنشاء وهو الديوان الذي يتولى تحرير الكتب والفرامين، والرسائل والتبليغات، ويدير هذا الديوان شخص يسمى بالرئيس أو الوزير أو (صاحب ديوان الرسائل) وهو يرأس عدداً كبيراً من الكتاب والمحررين وكل منهم موضع الاعتماد من حيث الكتمان واللياقة، إذ كثيراً ما يختار صاحب الديوان، الرسل إلى الجهات من موظفي ديوانه وكتابه.
ونتبين مما سبق أن هذا الموظف كان يختار من الذين يعتمد عليهم السلطان ويعتقد فيهم الكفاية والأهلية في إدارة وتولية هذا الديوان، فإذا ما وقع اختيار السلطان على أحد الثقاة لتولي ديوان الطغراء، استصدر منشوراً (مرسوماً) في تعيينه.
ومما يدل على أهمية هذا المنصب الإداري الكبير، إن السلطان السلجوقي كان يختار له، العناصر المعروفة بالقوة والجد، ونقلاً من مناصب إدارية كبيرة، فالسلطان السلجوقي أراد إخراج (مختص الملك) من ديوان الطغراء فاختار لذلك المنصب الأمير (محمد الجوزقاني) عميد بغداد، وليس أكبر من هذا المنصب بعد الوزارة إلا منصب الاستيفاء، وتظهر أهمية هذا أيضاً بأن منصب الطغراء كان كثيراً ما يؤهل صاحبه لسدة الوزارة، فقد استوزر (مؤيد الدين المرزبان بن عبيد الله الأصفهاني) نقلاً عن الطغراء.
وممن عرفوا بلقب الطغرائي من رجال الشيعة: مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي، وهو شاعر عربي كبير ولد سنة 453هـ (1061م) في (جي) من أصفهان وتولى الكتابة للسلطان السلجوقي ملكشاه وابنيه محمود ومسعود في إربل والموصل ثم ولي الوزارة لمسعود.
ولما وقعت الحرب بين الأخوين: مسعود ومحمود كان الطغرائي مع مسعود فانتصر محمود وأسر الطغرائي فقتله محمود بتهمة الإلحاد سنة 515هـ (1121م) وهي تهمة لا أصل لها.
واشتهر الطغرائي بقصيدته المسماة (لامية العجم) وقد نظمها في بغداد سنة 505هـ (1111م) وشرحت عدة شروح كما ترجمت إلى لغات أجنبية، وعارضها وشطرها كثيرون وسارت أبياتها مسيرة الأمثال.
قال في مطلعها:
أصالة الراي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
والقصيدة تصوير صادق لتجربة عاشها الشاعر بكل خلجات نفسه، وصورها على خير ما يكون التصوير: عواطف متقدة، وثورة جامحة، وهدوء عاقل، وحزن وقور، وحكمة بالغة.
الطف
موضع في الشمال الشرقي من كربلاء سمي بالطف لوقوعه على جانب نهر العلقمي وفيه عدة عيون ماء جارية قال ياقوت الحموي في معجم البلدان:
(… وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، قال الأصمعي وإنما سمي طفًّا لأنه دنا من الريف من قولهم خذ ما طف واستطف أي ما دنا وأمكن.
وقال أبو سعيد: سمي الطف لأنه مشرف على العراق من أطف على الشيء بمعنى أطل، والطف طف الفرات، أي الشاطئ، والطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه …) ([605]).
يقول عبد الحسين الصالحي: وهو على شاطئ نهر العلقمي في شمال شرقي كربلاء وكان من مراكز المراقبة في عصر الإمبراطورية الساسانية وكان يقيم فيه حراس من الجيش الساساني للمراقبة وحراسة الحدود في شرق خندق شابور الملك الساساني الذي حفره بينه وبين العرب. وبعد حرب القادسية سنة 14 هجرية أخذه المسلمون.
يقول ياقوت الحموي: (… وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية منها الصيد والقطقطانة والرهيمة وعين جمل وذواتها وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم وذلك أن سابور أقطعهم أرضها يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجاً. فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب … غلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي بعضها في ايدي الأعاجم) ([606]).
مر به الحسين عليه السلام في يوم الخميس ثاني محرم الحرام سنة 61 هجرية ومنعه الحر ورجاله من النزول فيه فاجتازه الإمام عليه السلام حتى حل بقرب منه أرض كربلاء.
وقد ورد كثيراً في مراثي الحسين عليه السلام ذكر الطفوق، وقتلى الطف، وأرض الطف، ويوم الطف وهو تعبير عن كربلاء فمن المراثي التي ورد فيها إسم الطف.
قول الشيخ أحمد آل طعان المتوفى سنة 1315 هجرية في قصيدة مطلعها:
على الطف عرج ولا تعجلا
ففيه التعجل لن يجملا
وقول السيد ميرزا الطالقائي المتوفى سنة 1315 هجرية:
فكم لهم يوم الطفوف نوائب
بكتها السماء والأرض بالأدمع الحمر
وقول الشيخ محمد حسن دكسن المتوفي سنة 1368 هجرية:
قطرتُ على الضراء ما ريع لي حشماً
ولكن يوم الطف روع لي قلبي
وقول السيد محد حسين الكشوان:
أين الحفاظ وفي الطفوف دماؤكم
سفكت بسيف أمية وقناتها
قال أبو دهبل الجمحي:
مررت على أبيات آل محمد
فلم أرها أمثالها يوم حُلّت
فلا يبعد الله الديار وأهلها
وإن أصبحت منهم برمي تخلت
ألا أن قتلي الطف من آل هاشم
أذلت رقاب المسلمين فذلت
وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية
ألا عظمت تلك الرزايا وجلت
وقال أيضاً:
تبيت السكارى من أمية نوما
وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وما أفسد الإسلام إلا عصابة
تأمر نوكاها فدام نعيمها
فصارت قناة الدين في كف ظالم
إذا اعوج منها جانب لا يقيمها
وهناك جماعة من رجال التدريس في كربلاء (يعرف) الواحد منهم بمدرس الطف، منهم السيد أبو الفتح عز الدين نصر الله الحائري المعروف بمدرس الطف الشهيد في استانبول سنة 1160 هجرية([607]) والشيخ علي تقي الحائري آل الصالحي المعروف بمدرس الطف المتوفى سنة 1320 هجرية([608]).
كانت أرض الطف منبسطة واسعة خصبة للزراعة وذات عيون جارية وفيها بساتين ونخيل من أجمل وأروع القرى في هذه الناحية يقول ياقوت الحموي في وصفها:
(… وكان مجرى عيون الطف وأعراضها مجرى أعراض المدينة وقرى نجد وكانت صدقتها إلى عمال المدينة فلما ولي إسحاق بن إبراهيم بن معد السواد للمتوكل ضمها إلى ما في يده فتولى عماله عشرها وصيرها سوادية فهي على ذلك إلى اليوم. ثم استخرجت فيها عيون إسلامية يجري ما عمر بها من الأرضين هذا المجرى …) ([609]).
ولا تزال أراضي الطف معمورة بالبساتين الخضراء وفيها الحمضيات وغيرها من الفواكه الكثيرة.
طنجة
مدينة قديمة معروفة بالمغرب الأقصى وتقع عند الطرف الغربي بمضيق جبل طارق بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ولا يفصلها عن الشاطئ الإسباني المقابل سوى مسافة 18 كلم. وقد عرفت في القديم أيام الفينيقيين والرومان باسم تنجى Tungi ومعناه البحيرة البربرية.
ولما فتح المسلمون بلاد المغرب كانت طنجة قاعدة المجاز الكبرى إلى الأندلس. ثم سيطر عليها حكام دولة برغواطة في تامسنا (الشاوية) وجعلوا منها ومن ثغر سبتة قواعد بحرية لأعمال القرصنة على السفن التجارية المارة في مضيق جبل طارق.
واستطاع زعيم الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين أن يقضي بعد ذلك على هذه الدولة البرغواطية براً وبحراً ويحتل سبتة وطنجة، وقد شارك معه في هذه العمليات بعض وحدات الأسطول الأندلسي التي بعث بها إليه المعتمد بن عباد ملك أشبيلية.
وظلت طنجة بعد ذلك خاضعة للدول الغربية التي تعاقبت على حكم المغرب كالمرابطين والموحدين وبني مرين.
ومنذ بداية العصور الحديثة تعرضت طنجة لهجوم الاستعمار الأوروبي من مختلف دوله: البرتغال والإسبان والإنجليز والفرنسيين.
ولما فرضت الحماية الأجنبية على المغرب سنة 1912 واحتلت الجيوش الفرنسية قسمه الجنوبي. كما احتلت الجيوش الإسبانية قسمه الشمال، صار لمنطقة طنجة نظام دولي خاص، واستمر الوضع كذلك إلى أن استقل المغرب سنة 1953 فصارت طنجة جزءاً لا يتجزأ من التراب المغربي وأصبحت الآن المصيف الرسمي للدولة المغربية.
طهران
ـ 1 ـ
تقع طهران في أحضان جبال ألبرز في خط مستقيم جنوب بحر الخزر. والموقع الحالي لطهران لم يكن في العصور الغابرة التي سبقت الإسلام وحتى العصور الأولى من الإسلام يعدو كونه قرية صغيرة أو قصبة تحمل هذا الإسم، ليس لها أدنى حظ من الأهمية بل كانت مجهولة تماماً، حيث لم يذكر اسمها أي من الجغرافيين المشهورين مثل الاصطخري والمسعودي اللذين كانا يعيشان في القرن الرابع الهجري، رغم أنهما دوَّنا رحلاتهما بالتفصيل وذكرا المناطق المحيطة بطهران جميعاً وبالتفصيل أيضاً.
من بين الكتب المتوفرة لدينا اليوم والتي تتحدث عن طهران «تاريخ طبرستان» تأليف محمد بن الحسن بن اسفنديار الذي صنفه في عام 613هـ وسيأتي ما ذكره عن طهران في موضعه، وأقدم المصادر ـ بعد هذا الكتاب.
ممن تحدثت عن طهران. كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي (575 ـ 626) الذي فرغ من تأليفه عام 621، ونقل عن المصدر الأخير بعض الكتاب مثل زكريا بن محمود بن محمد القزويني المعروف (600 ـ 682)، مع شيء من التصرف، وفيما يلي نورد ما ذكره تلخيص القزويني في كتابه الموسوم بـ (آثار البلاد)([610]) المصنف عام 661هـ حيث يقول:
«طهران([611]): قرية كبيرة من قرى الري([612])، تحتوي على حدائق وبساتين كثيرة([613]) وأشجار وفاكهة وفيرة. ويبني أهلها بيوتهم تحت الأرض كبيوت النمل، وكلما هاجمهم العدو دخلوا بيوتهم واختفوا فيها فيحاصرهم العدو بضعة أيام ثم ينكفئ راجعاً، فيخرج أهل طهران من بيوتهم ويباشرون بالفساد والقتل والنهب وقطع الطريق، وهم في أغلب الأوقات خارجون على سلاطينهم ولا دواء لهم إلا المداراة.
تحتوي طهران على اثني عشر محلة وكل محلة مشغولة بعدائها لمحلة أخرى وبالصراع المستمر معها([614])، وعندما يدخل أهلها في طاعة السلطان يقدم عليهم عامل الخراج فيجمع شيوخهم ويطلب إليهم دفع خراجهم، فيقبلون ثم يبدأ الأهالي بالدفع فيجلب أحدهم ديكاً ويقول هذا دينار ويأتي أحدهم بقدح ويقول هذا بدل عن دينار وهكذا حتى يدفعون خراجهم، وإلا فلا فائدة ترتجى منهم لأنهم يتحينون الفرص للخروج على طاعة السلطان.
ويكتفي السلطان بمجرد إعلانهم الطاعة ودفعهم الخراج([615])، وهم لا يزرعون أو يستفيدون من الأبقار لأنهم يخشون أن تؤخذ خلال تمردهم ومن ثم يصلحون زرعهم بالرفوش، وليس لهم مواشي ودواب لأنهم يخشون أن يعمد أعداؤهم الكثر إلى سلبها. وتتميز طهران بكثرة فاكهتها وجودتها وخصوصاً الرمان الذي لا مثيل له في سائر المدن الأخرى»([616]).
يذكر ياقوت الحموي عدداً من العلماء والمشاهير ممن ينسبون إلى طهران ويقول إن بعض هؤلاء ينسبون إلى طهران التي هي قصبة قريبة من أصفهان ولكنه يذكر بأن أبا عبد الله محمد بن حماد ينسب إلى طهران القريبة من الري، ويقول بأنه من ثقات أهل الحديث وقد سافر إلى مصر ثم عاد منها إلى الشام وفي عام 261 ذهب إلى عسقلان من توابع فلسطين ومات فيها.
ويذكر ابن اسفنديار كذلك في كتابه «تاريخ طبرستان» الذي صنفه عام 613هـ في معرض حديثه عن حروب افراسياب ومنوجهر فيقول: «عسكر افراسياب في هذا المكان الذي هو طهران ودولاب([617]).
ونحن نستنتج من هذه العبارة أن طهران كانت موجودة في زمن افراسياب ومعروفة إلى حد ما، وكذلك دولاب التي كانت آنذاك كبيرة نسبياً وتحظى ببعض الشهرة.
وفي كتابه «نزهة القلوب» الذي فرغ منه في أواسط القرن الثامن الهجري يذكر حمد الله المستوفي طهران باسم تيران، ويتحدث عن هذا المكان بأسلوب يستفاد منه وجود مدينة مهمة وكبيرة نسبياً في ذلك الوقت وهو يفضلها على الري في مناخها.
يبدو أن السفير الإسباني إلى بلاط الأمير تيمور في كوركـان الـدون روي دي كلاويو (Don Ruy Diclavijo)([618]) هو أول، السائحين الأجانب الذين تحدثوا عن طهران، وقد كان هذا الشخص في طهران في الخامس والعشرين من ذي القعدة عام 806هـ، فوصفها بقوله:
«مدينة طهران مدينة كبيرة ولكن لا حائط لها (المقصود هو السور) وهي محل فسيح وجميل وكل شيء فيها متوفر بكثرة ولكن سكانها يشكون من مناخها ويقولون إن الحرارة فيها عالية جداً.
وبعد هذا التاريخ بما يقارب المائتي سنة أي في عام 1004هـ يتحدث مجد الدين محمد الحسيني الأصفهاني في كتابه «زينة المجالس» عن طهران فيذم مناخها ويقول بما مضمونه؛ غالباً ما يحل الوباء في هذا المكان أما هواؤه فحار ومتعفن لكون سلسلة جبال ألبرز قد سدت جهته الشمالية ويبلغ الماء والهواء في رداءتهما حداً أن ملك الموت يفر من هذا المكان».
ويبدو أن الشاه طهماسب (930 ـ 984) وهو الملك الثاني في السلالة الصفوية، كان أول شخص يمنح طهران اهتماماً ملكياً ولكن الشاه عباس بعد أن ساءت حاله لإفراطه في تناوله الفاكهة في هذا المكان أقسم أن لا يطأه مرة أخرى، ثم نصب خاناً في حكومة طهران وغادر هو إلى مكان آخر.
في غضون ذلك أي في زمن الشاه عباس (996 ـ 1038) زار طهران عدد من الأوروبيين، ومن أشهرهم السائح الإيطالي المعروف بيي تيرو دولافاله([619]) حيث زار طهران في عام 1027هـ وكتب عنها في مذكراته ما يلي:
«طهران مدينة كبيرة وهي أوسع من كاشان إلا أنها لا تحتوي على عدد كبير من السكان وليس فيها بيوت كثيرة وبدلاً من ذلك تحتوي على بساتين واسعة جداً، وتتوفر هناك جميع أنواع الفاكهة وهي من الجودة بمكان بحيث تحمل إلى جميع المناطق المجاورة.
يسكن الخان عادة في طهران ذاتها، وتجري المياه في جداول تخترق الأزقة، وتتعرج كثيراً حتى تصب في البساتين وفي الحقيقة فإن هذه المياه تمثل المصدر المغذي الرئيس لهذه المدينة. وتشتمل أزقتها على العديد من الأشجار ويصل حجم بعض هذه الأشجار حداً بحيث تستلزم الإحاطة بجذعها عدة أشخاص، وفيما عدا ذلك فليس في طهران شيء يستحق الذكر حتى ولا بناية واحدة.
بعد سياحة هذا السائح الإيطالي، قام سائح انجليزي بزيارة طهران في عام 1039 أي بعد سياحة الأول بسبع سنوات، وقد كتب هذا السائح المعروف بـ (السير توماس هربرت)([620]) موضوعاً عن هذه المدينة يتحدث في بعض أجزائه عن مرح نسائها وجمالهن وفيما يلي خلاصة لما قال.
«تقع (طيرون) وسط سهل منبسط واسع، وأغلب بيوتها من الطوب، وهي تحتوي على ثلاثة آلاف بيت وبناية وأفضلها السوق والقلعة، ولكن أي منهما غير جدير بالاهتمام، ويتكون السوق من جزءين: أحدهما مكشوف والآخر مسقوف، وثمة نهر صغير ينقسم إلى فرعين ويمر عبر المدينة فيسهم كثيراً بتقوية الإنتاج فيها، أما أهلها فهم أناس على قدر كبير من الجمال والطول، ونساؤهم لطيفات وودودات، ونساء المدينة ورجالها يسعون كثيراً للحصول على الأشياء الجديدة ولكن غيرة الرجال تحد من شوق النساء ورغبتهن ورغم هذه الغيرة، فإن المقدار القليل الذي يبدينه كفيل بإرادتنا أن المرء حريص على ما منع».
في عهد آخر الملوك الصفويين كانت طهران في بعض الأوقات مقراً مؤقتاً للبلاط الملكي، وقد بنى الملك سليمان (1078 ـ 1109) قصراً في هذه المدينة، واستقبل الملك سلطان حسين (1109 ـ 1140) السفير العثماني فيها.
يبدو أن تافرنيه (J. B. Tavernier) السائح والتاجر الفرنسي الذي زار إيران عدة مرات بين عام 1038 و1086 لم ير مدينة طهران رغم أنه تطرق لذكرها، ويصفها شاردن الشهير الذي زار إيران بعد تافرنيه بأنها «مدينة صغيرة».
تعضت طهران في عام 1135 لحملات جيوش الأفغان ودمرت عن آخرها تقريباً، ولكن على الرغم من ذلك فإن السائح الإنجليزي جوناس هنوي([621]) الذي زار إيران من عام 1156 إلى 1165 ذكر هذه المدينة باسم طُهيران (Toehiran) في كتابه (المجلد الأول صفحات 37 ـ 359) في فهرست مراحل مشهد.
خلال عودته من الهند في عام (1152) أقام نادر شاه في طهران مجلساً، ضم جميع علماء المذاهب، والمعروف أنه كان عازماً على تشكيل مذهب وطني جديد، وفي هذا المكان سمل عيني ابنه رضا قلي ميرزا ثم قتل هذا المسكين في نفس المكان في وقت لاحق.
ثم وسع كريم خان زند (1163 ـ 1193) طهران وغير قلعتها ولكنه احتفظ بأكثرها لفنسه، علي مراد خان زند ابن أخت كريم خان سار هذا بجيوشه إلى مازندران للتصدي لمحمد خان قاجار وتوقف في طريقه إليها في مدينة طهران، ولكن البداية الحقيقية لأهمية وعظمة هذه المدينة تنطلق من محمد خان قاجار الذي اتخذها عاصمة له في عام 1202، حيث راحت تتوسع باستمرار ويكثر العمران فيها يوماً بعد آخر ولكن على الرغم من ذلك يقول أوليفييه (G.A. Olivier) الذي زار طهران في 1211:
«على رغم كل جهود محمد خان التي يبذلها لإسكان الأهالي في هذه المدينة وسعيه لجذب التجار إليها، إلا أنها لا تحتوي على أكثر من خمسة عشر ألف نسمة، هذا إذا أحصينا معهم القوات العسكرية التي يبلغ عددها ثلاثة ألاف مقاتل».
ولكن بعد عشر سنوات من ذلك أي في عام 1222هـ حينما قدم الجنرال كاردان إلى إيران موفداً من قبل نابليون، يقول بأن عدد سكان طهران يصل إلى خمسين ألف شخص في الشتاء ولكن أغلب هؤلاء يتفرقون في فصل الصيف في البلاد ولا يبققون في طهران خلال هذا الفصل([622]).
بعد هذا التاريخ ببضع سنين يقدر موريه([623]) صاحب كتاب (حاجي بابا أصفهاني) المعروف وأوزلي([624]) الذي كانا في إيران خلال ذلك، يقدران عدد سكان طهران بنفس هذا العدد تقريباً حيث ذكر الأول أن مجموع بيوت طهران يقترب من اثني عشر ألف بيت بينما يقدر الثاني عدد السكان بأربعين إلى ستين ألف نسمة.
كان شكل طهران قبل سلطنة ناصر الدين شاه كثير الأضلاع، ويبلغ محيطها 4 أميال انجليزية أو يزيد، ولها اثنتي عشر بوابة وسور من الطين ولكن ناصر الدين شاه عزم في عام 1286 على تطوير المدينة، فطمر الخندق القديم وهدم السور والبرج وأقام سوراً جديداً يحتوي على ثمانية وخمسين برجاً حسب مخطط قبان»([625]).
اكتمل العمل في السور والأبراج في عام 1291هـ وأضحت طهران على شكل ثماني غير متساوي الأضلاع، يبلغ محيطه مع رؤوس الأبراج 19,596 متراً ومساحتها الداخلية أي الجزء المحاط بالسور والأبراج حوالي نصف فرسخ مربع (7,5 ميل مربع)، وكان قد بنى قبل هذا التاريخ بعض الأبنية العالية مثل مسجد الشاه الذي يرجع تاريخ تشييده إلى عام 1256هـ.
عندما عزم ناصر الدين شاه في عام 1287هـ على تجديد المدينة جدد الخندق وبناء السور والأبراج كما مر ذلك آنفاً، واكتمل البناء خلال سنتين.
ويذكر كرزن أن أغلب الأموال التي جمعها في بريطانيا (صندوق مكافحة المجاعة في إيران) وأرسلها إلى إيران في عام 1288، أنفقت في حفر الخندق الجديد وإقامة ساتر ترابي حول طهران، وأضحت طهران بعد ذلك مدينة واسعة يبلغ محيطها فرسخين وثلاثة أرباع الفرسخ.
استمرت طهران تتوسع بعد ذلك الوقت ولا تزال تتوسع إلى الآن.
طهران
ـ 2 ـ
إن أقدم المصادر التي تحدثت بالتفصيل عن طهران بعد (تاريخ طبرستان) لابن اسفنديار هو معجم البلدان لياقوت الحموي، ولا بد أن المقصود هو المصادر التي تقيد بكلمة «بالتفصيل» فإذا ما استثنينا هذه الكلمة فإن هناك العديد من المصادر التي سبقت معجم البلدان في الحديث عن طهران، ولا نريد التتبع والاستقراء وإنما نذكر مصدرين أو ثلاثة أولها الاصطخري:
ذكر المستشرق (دوخويه) صاحب سلسلة «الجغرافيون العرب» في حاشية ص 209 من نفس هذا الكتاب أن الإصطخري ذكر اسم طهران ولكن هذا الاسم ورد محرفاً في بعض النسخ حيث حرف إلى (بهزان) وطبع بهذه الصورة، فقد قال: «ومن رساتيقها (أي رساتيق الري) المشهورة قصران الداخل والخارج وبهزان (نسخة أخرى، نهنان) والسن وبشاوته الخ» ويعلق دخويه في هذه الحاشية قائلاً «لعل هذه الكلمة هي تهران» ويرجع تأليف الإصطخري إلى حدود عام 340هـ.
وقد ذكر ابن حوقل (حدود عام 366) والمقدسي (حدود عام 375) بهزام من جملة رساتيق الري، ولكن يبدو أن ناشر سلسلة الجغرافيين العرب بعد أن طبع كلمة بهزان عند الإصطخري وهو أول كتاب في هذه السلسلة، اعتاد على هذا الأمر وطبع نفس الكلمة عند ابن حوقل والمقدسي، ولكن السمعاني لم يذكر اسم بهزان مطلقاً، بينما يقول ياقوت الحموي أن بهزان مدينة تبعد عن الري مسافة سبعة فراسخ وكانت الري في الأصل في هذه المنطقة ولكنها خربت فانتقل أهلها إلى الري الحاضرة، ويبدو أن ياقوت بإيراده كلمة «قالوا» ليس له اطمئنان في صحة هذا القول.
لنتحول من الإصطخري وابن حوقل والمقدسي الذين تكتنف أقوالهم بعض الشكوك، إلى السمعاني، حيث يقول في كتاب الأنساب الذي صنفه عام 555هـ، ما خلاصته: «الطهراني بكسر الطاء المهمة وسكون الهاء وفتح الراء وفي آخرها النون هذه النسبة إلى طهران … وطهران قرية بالري وإليها ينسب الرمان الحسن … وأما المنتسب إلى طهران الري وهي أشهر من طهران أصبهان، خرج منها أبو عبد الله محمد بن حماد الطهراني الرازي … وكانت وفاته بعسقلان من أرض الشام سنة 261».
ويتضح من هذا أن ياقوت اعتمد الأنساب للسمعان مصدراً في حديثه عن محمد بن حماد هذا، والحديث عن هذا الشخص في الأنساب أكثر تفصيلاً من حديث ياقوت الحموي.
وحسب الترتيب الزماني فإن الكتاب الذي يلي الأنساب في الحديث عن طهران هو (راحة الصدور وآية السرور) في تاريخ سلاجقة إيران تأليف أبي بكر محمد بن علي بن سليمان بن محمد بن أحمد بن الحسين بن همة الراوندي الذي صنفه في عام 599 حيث ورد في هذا الكتاب في الحديث عن سلطنة أرسلان بن طغرل([626])، ما ملخصه:
«في يوم السبت الواقع فيه اليوم السابع من شهر رجب عام 561 تحركت والدة السلطان (أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه) وقائد الجيش الأمير مظفر الدولة والدين قزل أرسلان من المعسكر (في الري) متجهين إلى نخجوان، فحطوا رحالم في أعالي طهران، وفي يوم الثلاثاء الواقع في الخامس عشر من شهر رجب سنة إحدى وستين رحل القائد الأعظم وأمراء الدولة إلى فيروز كوه ومكث السلطان في دولاب الخ».
ويأتي حسب الترتيب الزماني بعد راحة الصدور في الحديث عن طهران تاريخ ابن اسفنديار (سنة 613) ثم معجم البلدان لياقوت الحموي (سنة 621) ثم أثار البلاد الذي صنف عام 674 وليس عام 661هـ، حيث كان عام 661 هو تاريخ تأليف النسخة الأولى ولكن تاريخ النسخة الثانية والنهائية هو 674هـ([627]).
ويأتي بعد آثار البلاد حسب الترتيب الزمني أيضاً ـ كما يبدو لي (فقد ذكرت أن هدفي ليس هو الاستقراء فلا أراني قادراً عليه ولا لدي الوقت الكافي له) هو الكتاب المعروف بـ (جامع التواريخ) لرشيد الدين فضل الله وزير غازان وأولجايتو، ويرجع تاريخ تأليف هذا الكتاب إلى عام 710هـ، فقد ورد في الكتاب المذكور في معرض الحديث عن حرب أرغون بن آباقا بن هولاكو بن تولي بن جنكيز خان مع اليناق، أحد أمراء السلطان أحمد تكودار التي دارت في حوالي (آق خواجه) في حدود قزوين، والتي انتهت بهزيمة جيش اليناق، حيث يقول: «رأى أرغون هناك أن يعود أدراجه فوصل طهران الري.
ثم يأتي بعد هذا كتاب «نزهة القلوب لحمد الله»، وقد ألف هذا الكتاب في عام 740هـ.
ثم ورد بعد هذا المصدر اسم طهران في العديد من كتب المؤرخين والسائحين ومن ذلك كتاب «هفت إقليم» للأمين أحمد الرازي، المصنف عام 1002 (أي قبل زينة المجالس بعامين)، وقد ورد الحديث بالتفصيل في «هفت اقليم» عن طهران وشميران وكتد وسلقان (سولوقان) ولما كان هذا الكتاب متوفراً فقد أعرضت عن ذكر ما ورد فيه.
وفي الختام أرى من المفيد الإشارة إلى كتاب (مرآة البلدان) لمحمد حسن خان اعتماد السلطنة، فقد ورد الحديث بالتفصيل عن طهران منذ عام 944 وما بعده، وذلك في المجلد الثاني، وهو يذكر بمزيد من الإشباع أغلب الحوادث التاريخية المتعلقة بطهران، ومن ثم فهو يحظى بأهمية كبرى في هذا المجال.
طهران
ـ 3 ـ
كانت مدينة طهران في القرن السابع الهجري قرية صغيرة لا تتعدى مجموعها من المغاور تقطنها قلة من الأفراد وتقع إلى جانب مدينة الري التاريخية الحافلة بالعمل والتجارة والعريقة في الأدب والثقافة آنذاك وجاء ذكر هذه القرية في (معجم البلدان) بأنها قرية أقيمت تحت الأرض وليس فيها أزقة تربط فيما بين سراديبها كما أشار لها (القزويني) في كتابه (آثار البلاد) ووصفها بقوله:
إن مساكن طهران قد أقيمت تحت الأرض وكأنها بيوت نمل، فإذا داهمهم الخطر اختفوا في تلك المغاور وأمنوا عيشهم بما احتفظوا به في سراديبهم.
وبعد مضي ثلاثة قرون على ما ذكر تطرق إليها (أحمد الراز) المؤرخ المعروف في كتاب (هفت أقليم) أي الأقاليم السبعة بقوله: طهران هي جنة الدنيا، فالحياة فيها تجعل الإنسان في بحر الأحلام الشاعرية الهادئة، لها مياه جارية عذبة، وأشجار باسقة، وبساتين غناء يانعة، وثمار طيبة وافرة، تزيد الإنسان سلامة وتمد في عمره.
ولما حل عام 617 للهجرة هوجمت مدينة (الري) من قبل المغول وأباحوا القتل وسفك دماء الأبرياء وهرب قسم من سكانها والتجأوا إلى قرية طهران، وهذا الحدث كان بداية تحول كبير في هذه المنطقة.
وأبان هذه الفترة لم يسمح أهالي قرية طهران لأحد من الغرباء بالعيش فيها إلا أن ما أصاب أهل مدينة الري العريقة قد دفعهم لأن يعيشوا إلى جنب أخوانهم أهل طهران ويدفعوا لهم الضريبة مما يملكون من الدواجن بدل الفضة والذهب.
وقيل إن أول ملك اهتم بتطور هذه المنطقة هو (الشاه طهماسب الأول) إذ أنه كلما توجه من قزوين عبر طهران لزيارة مرقد جده الأكبر |(سيد حمزة المدفون بالقرب من شاهزاده عبد العظيم في مدينة الري كان يقضي في طهران أياماً للصيد والقنص ويتمتع بجمال منظرها الأخاذ الأمر الذي أدى إلى إصداره أمراً (في عام 961 للهجرة) لإحاطتها بأسوار وأبراج (بلغت 14 برجاً) يوم لم تتعد مساحتها 6000 متر مربع، وكانت الأميرة شقيقة الملك طهماسب معجبة بهواء طهران الطلق ومناظرها الخلابة ولذا أقبلت على تشييد أول تكية وأول حمام ومدرسة فيها وعرفت الثلاثة باسم تكية خانم وحمام خانم ومدرسة خانم.
وخلافاً لما كان يظهر الملك طهماسب وشقيقته إزاء طهران فقد كان الشاه عباس لا يهوى هذه المنطقة وقيل إن أسباب ذلك يعود إلى أنه حينما عزم على إخماد حركة الأزبكيين توجه من قزوين قاصداً خراسان ماراً بطهران فمرض مرضاً شديداً وهذا ما جعله ينفر من طهران وهوائها ويبغض حتى سماع اسمها.
ثم أخذت في النمو والاتساع حتى اختارها آغا (محمد خان) مؤسس الأسرة القاجارية في بداية القرن الثالث عشر الهجري لتكون عاصمة البلاد، فأخذت تسير نحو التوسع في العمران نتيجة هذا الاختيار وازداد عدد سكانها من خمسين ألفاً إلى 250 ألفاً في زمن ناصر الدين شاه القاجاري، ثم تضاعف هذا العدد حتى بلغ نصف المليون زمن السلطان أحمد شاه آخر الأسرة القاجارية. وأصبحت اليوم مدينة عصرية تضارع أكبر العواصم في العالم وتضم الملايين من الناس.
وتقع في موضع تعانقت فيه السهول والجبال على الأحضان الجنوبية من سلسلة جبال (ألبرز) حيث تطل عليها قمة «دماوند» التي تتكلل دائماً بالثلوج وتطوف فوقها السحب البيضاء في أكثر الأحيان والمتوجة بالخضرة تحيط بها مئات المصائف والمنتزهات الجميلة البديعة وتعتبر السفوح الجنوبية لهذه السلسلة معبراً يصل خراسان بأذربايجان وزاكروس.
تحيط بمدينة طهران ضواح عديدة تعتبر من أجمل المصائف وخاصة ضواحيها الشمالية، ففيها يقع منتزه تجريش ودربند على سفوح جبال ألبرز الشاهقة، وفي شمالها الشرقي مصيف آب علي وفشم وأوشان وميكون وفي غربها مدينة كرج الجميلة ذات السد الذي يشكل خلفه بحيرة عظيمة.
كيف صارت طهران عاصمة إيران
آقا محمد قاجار هو أول ملوك الأسرة القاجارية التي بدأ ملكها في إيران سنة 1193هـ.
وهو أكبر إخوانه. ولد في «جرجان» في شهر المحرم سنة 1155هـ. وفي سنة 1160هـ. غزا «علي شاه أفشار» المتلقب بلقب «عادل شاه»، وهو ابن أخي «نادر شاه» أفشار ـ وكان يملك في خراسان ـ مازندران لإخضاع «محمد حسن خان»([628]) أبي «آغا محمد خان»، أو بسبب ما وقع يومئذ في خراسان من قحط وغلاء. وخشي «علي شاه» ففر من مازندران إلى صحراء جرجان. وأسر «علي شاه» ولديه وأمر بخصاء الأكبر منهما «آغا محمد خان»، وكان في الخامسة أو السادسة من عمره، فخصي في سنة 1661هـ([629]).
وقد أثر فيه هذا الحادث تأثيراً سيئاً على ما هو معروف في علم النفس. فأصبح من ذلك الحين رديء الأخلاق شرساً فظاً غليظ القلب سفاحاً حقوداً منافقاً سيئ الظن.
بعد ذلك خرج «إبراهيم خان أفشار» أخو «علي شاه أفشار» على أخيه ووقعت بينهما حرب. ثم انتهى أمرهما كليهما إلى القتل. وفر «آغا محمد خان» من خراسان والتحق بأبيه «محمد حسن خان». وخلا الميدان، بموت الأخويين الأفشاريين، لـ «محمد حسن خان» فاستولى على جرجان ومازندران وجيلان، وأخذ يسعى للوصول إلى العرش. وكان ينافسه على ذلك «كريم خان زند».
ووقعت بينهما حروب انتهت بهزيمة محمد حسن خان» ومقتله في مازندران سنة 1172هـ، واستقام الملك لـ «كريم خان». وكان «آغا محمد خان» يرافق أباه في كل وقائعه.
وأقام «آغا محمد خان» بعد مقتل أبيه مع أخيه الشقيق «حسين قلي خان» (أبي فتح علي شاه) وإخوته لأبيه الآخرين وبضعة نفر من أقاربه مدة في صحراء جرجان وصحراء «قبشاق» بين طائفة «جعفر باي» التركمانية، متستراً حائراً.
وفي سنة 1175هـ، وكان في العشرين من عمره، أغار مع جماعة من التركمان على جرجان بقصد السلب والنهب، ولكنه رجع عنها خائباً إذ تصدى لدفعه حاكمها المقتدر عدو طائفة قاجار قوانلو» اللدود «محمد حسين خان قاجار دولو([630]). وعاد «آغا محمد خان» إلى ما كان عليه من تستر وحيرة.
وكان على مازندران حاكم مقتدر من قبل «كريم خان زند» اسمه «محمد خان سوادكوهي» واشتهر باسم «دادو»([631]). فعلم بمجيء «آغا محمد خان» إلى جرجان وعرف المكان الذي فر إليه. فأرسل جماعة من الفرسان فاعتقلوه وجاؤوا به إلى «بابل». وأرسل هذا الحاكم إلى «كريم خان»، وكان في طهران، تقريراً بذلك، فأمره بإرسال «آغا محمد خان» إلى طهران، ففعل.
واستقبل «كريم خان» أسيره هذا استقبالاً كريماً وعامله بالحسنى وبالغ في الرفق به واستمالته وأمَّنه حتى جعله يطمئن إليه كل الاطمئنان. ثم طلب منه أن يذهب بنفسه إلى جرجان فيأتي بإخوته وأقاربه كلهم إلى طهران. فذهب إليه وجاء بهم كما طلب منه. وأقامهم «كريم خان» في طهران أياماً ريثما استراحوا ثم أرسلهم إلى ولاية «دامغان» فأسكنهم في «تويه دروار».
وظل «آغا خان وأقاربه في «دامغان» من سنة 1175هـ إلى سنة 1177هـ»، وهم مراقبون. وكان «محمد حسين خان دولو» حاكم جرجان، وهي قريبة من «دامغان» حيث يسكن «آغا محمد خان قوانلو» وإخوته أبناء «محمد حسن خان قوانلو» وأقرباؤهم، قد سبق أن أرسل إلى «كريم خان» تقريراً أشار عليه فيه أن لا يغالي في الاطمئنان إلى هؤلاء، وأن يزيد في مراقبتهم والحذر منهم. وبناء على هذا أمر «كريم خان» بإعادتهم إلى طهران فأعيدوا.
ورأى «كريم خان» أن يفرق بينهم، فقسمهم إلى فريقين، فريق من «آغا محمد خان»، وكان يومئذ في الثلاثين من عمره، وأخيه الشقيق «حسني قلي خان» وأقربائهما من خؤولتهما، وحملهم معه إلى شيراز، وفريق من سائر أبناء «محمد خان» لأبيه وأقربائهم، وأرسلهم إلى قزوين وأسكنهم فيها.
وأكرم «كريم خان» مثوى «آغا محمد خان» وأقربائه ومرافقيه وبلغ في معاملته غاية المحبة والعطف، حتى إنه كان يستشيره أحياناً في بعض أموره، ويناديه باسم «بيران ويسه»([632]).
ومكث «آغا محمد خان» في شيراز دة ستة عشرة عاماً، من سنة 1177هـ إلى سنة 1193هـ، محترماً ناعم البال مرفه الحال هو وذووه، ولكنه مراقب. وظل في أوائل إقامته ممنوعاً من مغادرة المدينة. ثم ما زال يحصل شيئاً فشيئاً على الثقة به والاطمئنان إليه من «كريم خان»، وخصوصاً في أواخر حياة هذا، حتى سمح له بمغادرة المدينة والخروج إلى الصيد والنزهة متى شاء، وأن يختار لركوبه أحسن جياد الاصطبل.
وبعد وفاة «كريم خان زند» سنة 1193 هـ فر «آغا محمد خان» من شيراز إلى أصفهان.
ولم يمكث فيها إلا مدة يسيرة اجتمع فيها بفريق من رجاله، ثم تابع سيره إلى «ورامين» حيث ضم إليه من كان فيها من القاجاريين.
وحين وصل إلى أصفهان في فراره هذا ذهب إلى علاف فيها اسمه «محمد حسين» كانت بينه وبين رؤوساء القاجاريين معاملة، فطلب منه أن يبيعه علفاً بنسيئة، فمنحه ما طلب بلا تردد. ولما وصل «آغا محمد خان» إلى منصب الملك كافأ العلاف على ما اسلفه من جميل بأن قربه إليه ثم ارتفع إلى منصب الصدر الأعظم ولقب بلقب «اعتماد الدولة».
مضى «آقا محمد خان» برجاله من أصفهان إلى طهران فأقام فيها يوماً واحداً ثم سار إلى مازندران حيث انضم إليه جماعة من القاجاريين. ولكن القاجاريين لم يكونوا كلهم له ولا سيما قرابته الأدنون. فإنه أراد المضي من مازندران إلى جرجان فقاوموه. وقام أحد إخوته «مرتضى قلي خان» بنفسه بمنعه من دخول جرجان. ووقعت بينهما حروب دامت أربع سنوات كانت بينهما سجالاً. وفي إحدى هذه الحروب انكسر «آقا محمد خان» وأسر وأوشك أعداؤه أن يعموا عينيه، ولكنه استطاع النجاة، وعاود حربهم. وكانت عدة من استطاع تجييشهم من القاجاريين، بعد فراره من شيراز والتحاقه بالقبيلة القاجارية، ثلاثين ألفاً قاسى في جمعهم مشقات شديدة.
قام «آقا محمد خان» في سعيه إلى الملك بجهود مضنية حتى يمكن القول إنها امتدت إلى آخر عمره. ووقعت عدة حروب بينه وبين إخوته وبينه وبين الزنديين من خلفاء «كريم خان زند» مثل «علي مراد خان» و«جعفر خان»، وكان أهم هؤلاء في مقاومته «لطف علي خان» آخر ملوك الزنديين. وانتهت به دقة تدبيره ودأبه على العمل إلى التفوق عليهم كلهم.
وفي سنة 1203هـ اختار «آغا محمد خان» طهران عاصمة له. وفي شهر ذي القعدة سنة 1209هـ أصبح ملكاً على إيران بلا منازع.
ومن ذي القعدة سنة 1209هـ إلى 13 ربيع الثاني سنة 1344هـ، وهي سنة خلع «أحمد شاه قاجار» آخر ملوك القاجاريين، كان قد انقضى على تملك هذه الأسرة 134 سنة و4 أشهر وبضعة أيام بحساب التقويم القمري. ولكن المؤرخين الإيرانيين من متحلقي البلاط القاجاري قدموا بداية ملكهم فجعلوها بداية تملك قبيلة «آق قويونيلو» في أذربيجان سنة 780هـ وجعلها آخرون سنة 133هـ سنة خروج «فتح علي خان» في عهد الشاه «سلطان حسين الصفوي». وهو قول مردود لا يصح.
وبعد أن تغلب «آقا محمد خان» على «لطف علي خان» تيسر له أن يسيطر على مختلف نواحي إيران. ولم يبق خارجاً عن يده غير خراسان حيث كان يملك أعقاب «نادر شاه أفشار». وكان المالك يومئذ حفيده «شاه رخ شاه». وحين كانت أسرة «زند» تملك على إيران لم يتعرض أحد للأمراء الأفشاريين المالكين هناك.
كان رئيس طوائف الأفشاريين يومئذ «علي خان افشار» وكان يقيم في أذربيجان. فاغتنم فرصة تضعضع الأحوال فقام يطلب الملك لنفسه، وجمع حوله جماعةً يناصرونه. فسار «آقا محمد خان» بجيش إلى محاربته. فلما صار قريباً منه أرسل إليه رسولاً يمنيه بالمواعيد وما زال به يخادعه حتى انخدع الأفشاري به وسالمه وصافاه.
وفي يوم من الأيام استدرجه «آقا محمد خان» إلى منزله، فلما وصل انقض عليه جماعة كان قد هيأهم فاقتلعوا عينيه. وفي اليوم التالي هجم «آقا محمد خان» على رجاله فقضى عليهم.
وبعد ذلك أراد «آقا محمد خان» أن يأمن جانب إخوته. ففر ثلاثة منهم إلى خارج إيران خوفاً منه. وظفر بآخر منهم فأعمى عينيه. ولم يبق أحد من إخوته سوى «جعفر قلي خان». وكان الفضل في أهم انتصاراته يعود إلى أخيه هذا.
ولكن «آقا محمد خان» كان قد نصب لولاية عهده «فتح قلي خان» المعروف بلقب «بابا خان»([633]). وهو ابن أخيه الشقيق «حسين قلي خان» المعروف بلقب «جهان سوز» (أي حارق الدنيا)، وقد خشي «آقا محمد خان» أن يقصي أخوه «جعفر قلي خان» بعد وفاته ابن أخيه هذا عن الملك ويلحق به الأذى.
ولذلك أراد التخلص منه، وكان جعفر هذا حاكماً على مازندران. وكان «آقا محمد خان» في طهران. فاستدعى أخاه هذا إليه، فامتنع في بادئ الأمر من الحضور خوفاً من أن يكون قد بيت له شراً. ولكن «آقا محمد خان» ما زال به يخادعه حتى حضر إليه. ثم قتله اغتيالاً.
وبعد مقتله سار «آقا محمد خان» بجيش إلى محاربة التركمان. مع أن التركمان كانوا على مدى سنين متطاولة ينصرون أسرته. وكانوا دائماً أعواناً لأبيه. ولكنه نقم عليهم لنصرتهم لأخيه «جعفر قلي خان» فأراد الانتقام منهم. وقد سفك دماء كثيرة في هذه الحرب. وأسر كثيراً من نساء التركمان وأطفالهم وحملهم معه في عودته. وانتحرت جماعة من النساء في أثناء الطريق أبين أن يخضعن للأسر والعبودية.
ومن ذلك اليوم حمل تركمان إيران أشد الحقد على الأسرة القاجارية. وما زالوا على مدى المدة التي ملك فيها القاجاريون يغيرون على النواحي التي تجاورهم كلما استطاعوا الإغارة. ولا سيما الطريق ما بين خراسان وطهران، فقد ظلت دائماً هدفاً لغاراتهم، يسلبون المسافرين ويأسرون أبناءهم ونساءهم، ويجعلون ذلك انتقاماً لتلك الواقعة. وكان موظفو الدولة، في المقابل، يجددون تلك الواقعة كلما تغلبوا على التركمان. وإلى اليوم الذي منعت فيه النخاسة في إيران كان النخاسون يتعاطون المتاجرة بالإماء التركمانيات في مدن إيران المركزية.
وظلت بلاد الكرج (جورجيا) حتى السواحل الشرقية من البحر الأسود جزءاً من أرض إيران في كل المدة التي ملك فيها الصفويون. وكان ملوك الكرج نصارى وكان الصفويون يمنحونهم شيئاً من الاستقلال. وكان أولياء العهد الكرجيون وبعض أمراء البيت الكرجي المالك يقيمون دائماً في البلاط الصفوي بأصفهان رهائن. ولكنهم يعاملون بمنتهى الاحترام. فإذا مات الملك الكرجي حمل ولي عهده من أصفهان محاطاً بكل ما يقتضيه منصبه من التشريفات الملكية إلى عاصمة الكرج «تفليس» ليخلف أباه على العرش. بل كان بين الأسر الكرجية النبيلة ومثيلاتها من أسر أصفهان قرابة. فأكثر رجال هذه الأسر الإيرانية كانوا أصهار الكرجيين. واتخذ الملوك والأمراء الصفويون زوجات لهم من أميرات الكرج ونبيلاتهم.
فلما انقرض الصفويون وضعف البلاط الإيراني أخذت فكرة الاستقلال تساور ملوك الكرج شيئاً فشيئاً. ومن جهة أخرى أضافت روسيا أرضاً أخرى إلى ما كانت تحتله من أرض في جنوبها حتى صارت تجاور الشمال من بلاد الكرج. واقتضى ذلك أن صار ملوك الكرج يسعون إلى التقرب من البلاط الروسي والتقوي به كلما ساء ظنهم بالبلاط الإيراني وخافوا منه شراً.
ولما خرج «آقا محمد خان» على الأسرة الزندية اغتنم «هراكليوس» الثاني عشر ملك الكرج فرصة تضعضع الأوضاع في إيران، فانحاز إلى روسيا واستظل بحمايتها. ولما ارتفع شأن «آقا محمد خان» وانتصر في سنة 1209هـ أخذ يعد العدة الغزو بلاد الكرج وإخضاع ملكها.
وكان يعتمد أسلوب المباغتة في الحرب، ويتقن هذا الأسلوب إلى درجة فائقة. فسار بجيشه من طهران بمنتهى السرعة المستطاعة متجهاً شمالاً: وأخضع بلداناً وأقام فيها حاميات، وتابع سيره بأربعين ألف جندي قاصداً «تفليس» عاصمة بلاد الكرج.
ولما بلغ نبأ هذا الغزو إلى «هراكليوس» كان الأمر قد سبقه فلم يجد وقتاً يستطيع فيه الاستنجاد بروسيا. ودهمه «آقا محمد خان» فلم يستطيع فيه الاستنجاد بروسيا. ودهمه «آقا محمد خان» فلم يستطع دفاعاً مع ما أبداه جنده من شجاعة عظيمة في دفاعهم. فانهزموا من وجه الغازي وفر «هراكليوس» إلى الجبال القائمة في نواحي «تفليس».
ولما احتل «آقا محمد خان» المدينة أعمل السيف في أهلها وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسر ستة عشر ألفاً من أطفالها وبناتها وحملهم معه إلى إيران.
وقد ألحقت هذه الفظاظة بإيران ضرراً كبيراً، إذ أنها ملأت قلوب الكرجيين حقداً على إيران، فأبعدتهم عنها. وانفصلت بلاد الكرج بعد ذلك عن إيران فلم تعد إليها.
وإلى ما قبل تلك الواقعة لم يكن «آقا محمد خان» قد طلب لنفسه منصب الملك على إيران. ولكن انتصاره في تلك الغزوة بلغ من الغاية من الاعتزاز بنفسه. فعاد لا يرى مانعاً له من إعلان نفسه ملكاً على إيران.
ولذلك دعا في سنة 1210هـ رؤساء عسكره إلى الحضور في طهران. وعقد منهم مجلساً. وأخذ بيده تاجاً كان قد سبق أن صيغ له، وقال لهم: إن كنتم ترضون بي ملكاً وقعت التاج على رأسي، ولكن لي شرطاً عليكم هو أن يقسم كل الحاضرين على أن لا يتقاعسوا على نصرتي والوفاء لي ما داموا أحياء. فأقسموا. وحينئذ وضع التاج على رأسه. وكانوا قد أحضروا سيف الشاه إسماعيل موضوعاً عند رأس قبره، فتقلده «آقا محمد خان». وبذلك جعل نفسه خليفة الصفويين والملك المملَّك. وضرب النقد باسمه.
وقال بعضهم إنه توج سنة 1209هـ بعد اعتقال «لطف علي خان» ومقتله.
وفي أواخر سنة 1210هـ سار «آغا محمد خان» إلى خراسان لزيارة ضريح الإمام الرضا عليه السلام في الظاهر، وضم خراسان إلى سائر النواحي التي يحكمها من إيران في الواقع، إذ كانت خراسان لا تزال في حكم «شاهرخ شاه أفشار» الأعمى آخر ملوك الأفشاريين وابن «رضا قلي ميرزا» ابن «نادر شاه» وكذلك الاستيلاء على ما في يد «شاهرخ شاه» من بقايا جواهر «نادر شاه أفشار» الغالية.
فلما قرب «آقا محمد خان» من (مشهد) رأى «شاهرخ شاه» مصلحته في أن يستجير به ليبقى آمناً. فأجاره «آقا محمد خان» وأقسم له في رواق مقام الإمام الرضا عليه السلام. بحضور أعيان خراسان على أن لا يمسه بسوء. ولكنه لم يلبث، بعد أن اطمأن إليه، أن طالبه بما يحتفظ به من الجواهر، فرفض «شاهرخ شاه» طلبه. فما كان من «آقا محمد خان» إلا أن وضعه في العذاب.
واستمر في تعذيبه حتى أوشك أن يموت، وحينئذ لم يجد وسيلة للسلامة من الموت سوى التسليم، فدله على مخبأ الجواهر واستولى «آقا محمد خان» عليها. وذكروا أن بعض هذه الجواهر كان ياقوتات كبيرة مما كان «أورنك زيب» ملك الهند التيموري يرصع بها تاجه من جواهر وقد حملها «نادر شاه أفشار» معه من الهند من جملة ما حمله من نفائس.
وبعد أن استولى «آقا محمد خان» على جواهر «شاهرخ شاه» أرسله مع رجاله كلهم إلى مازندران ولكن «شاهرخ شاه» مات في الطريق متأثراً بالجراح التي أوقعها به التعذيب. وكان عمره يومئذ أربعة وستين عاماً. وبذلك انقرضت أسرة «نادر شاه أفشار» الملكية في سنة 1210هـ.
وبعد أن بلغ «آقا محمد خان» غايته بضم خراسان إلى ملكه والقضاء على ملك الأفشاريين وحيازة جواهر «نادر شاه» الغالية، كان أكثر اهتمامه بإعادة حدود إيران إلى ما كانت عليه أيام السلاطين الصفويين و«نادر شاه»، واسترجاع الأجزاء التي انفصلت عن إيران أيام الفتن والثورات بعد أن كانت جزءاً منها مدة قرون طويلة.
من أجل ذلك أرسل بعض رؤساء عسكره المعتمدين إلى الملوك الذين يحكمون في بلاد الأفغان وبخارى ينذرهم بإعادة المدن الإيرانية التي فصلت عن خراسان وألحقت بمجال حكمهم. فأجابوه كلهم بالموافقة على طلبه.
وأراد المضي إلى بلاد ما وراء النهر لإخضاع خان بخارى الذي استقل عن إيران بعد مقتل «نادر شاه».
ولكن وصله قبل تحركه من (مشهد) لهذا الغرض خبر بأن روسيا أرسلت نجدة إلى ملك الكرج وأن الكرج عادوا فاستولوا على النواحي التي كان قد احتلها وأن العسكر الروسي دخل القفقاس وأجاز نهر أرس ووصل إلى أذربيجان. وبذلك انتقضت خطة «آقا محمد خان» كلياً، وعزم على معاودة غزو القفقاس لدفع الروس وإخضاع الرؤساء والخانات المحليين الذين واطؤوهم. فسار في أواسط ذي القعدة سنة 1211هـ إلى أذربيجان ومنها سار إلى «قره باغ».
وفي أثناء هذا الغزو أسعفت الظروف «آقا محمد خان» بأن «كاترين» الثانية أمبراطورة روسيا (في تشيرن سنة 1796 وجمادى الأولى سنة 1211هـ) وكانت سنداً قوياً للكرج، وخلفها ابنها «بوس الأول» وعلى أثر ذلك جلا العسكر الروسي عما احتله من أرض وعاد إلى روسيا. وبذلك خفت على «آقا محمد خان» الموانع التي تعترض طريقه.
وكان «إبراهيم الخليل جوانشير» حاكم «قره باغ» قد ارتبط بروسيا وإنحاز إليها. فلما علم بقدوم «آغا محمد خان» إلى «قره باغ» أمر بتخريب الجسر المعقود على نهر «أرس» ليمنع «آقا محمد خان» من عبوره ثم حول مياه النهرالى الاراضي التي تقع في طريقه فأغرقتها ومع ذلك لم ينصرف ” آغا محمد خان” عن عزمه وظل ثابتاً على تصميمه. فبادر بإصدار الأمر بتهيئة القوارب والسفن للعبور عليها. ومع أن جماعة من عسكره «شيشه» مقر الحاكم وقبل أن يدخلها خرج منها الحاكم وفر إلى داغستان.
دخل «آقا محمد خان» إلى «شيشه» في 17 ذي الحجة سنة 1211هـ وبعد أربعة أيام من دخوله، أي في 21 ذي الحجة من تلك السنة قُتِل. قتله ثلاثة من خدمه وهو في السابعة والخمسين من عمره. وبعد قتله على هذا النحو الفجائي تفرق جنده كلهم وأغار أهالي «قره باغ» على معسكره فنهبوا ما بقي فيه. وكان له معسكر كبير آخر على الساحة الأخرى من النهر في أمرة «حسين قلي خان قاجار» أخي «فتح علي شاه» و«سليمان خان قاجار» «اعتضاد الدولة» و«الحاج إبراهيم خان اعتماد الدولة» فتفرق جنود هذا المعسكر أيضاً. ولم يعد من ذلك الجيش أحد سوى البندقيين([634])، الذين هم من أهل فارس ومازندران. عاد بهم «الحاج إبراهيم اعتماد الدولة» بما هيأه من تدابير صائبة إلى طهران.
أما سبب اغتيال «آغا محمد خان» فهو أن ثلاثة من خدمه ارتكبوا مساء يوم خميس ذنباً فأمر بقتلهم. فنبهه «صادق خان شقاقي» إلى أن الوقت ليلة الجمعة، وطلب منه تأجيل قتلهم إلى يوم آخر مراعاة لحرمة الجمعة فقبل. ولكنه لم يوقفهم بل تركهم طليقين يقومون بأعمالهم المعتادة ريثما يحل ميعاد قتلهم.
وقيل في سبب هذا التفريط الفاحش إنه شدة غروره بنفسه فلم يخطر بباله أن أحداً منهم يمكن أن يتجرأ عليه. وقال «الحاج إبراهيم اعتماد الدولة الشيرازي» إن سببه اختلال في قواه العقلية كان قد اعتراه في تلك الأيام.
طهران تصبح عاصمة
في يوم الأحد حادي عشر شهر جمادى الأولى سنة 1200هـ الموافقة سنة 1785م ـ وكان يوم عيد النيروز ـ نودي بآقا محمد خان ملكاً على إيران ثاني مرة. وكانت المرة الأولى في «مازندران». ولكن لم تقم له مراسم التتويج المعتادة بل أقيمت هذه فيما بعد، وفي ذلك اليوم نفسه أصدر مرسوماً باتخاذ طهران عاصمة لملكه، وضرب النقد باسمه وخطب له على المنابر. ونصب ابن أخيه «فتح علي خان» الملقب بـ «خان بابا خان جهان باني» الذي أصبح بعد ذلك «فتح علي شاء» نائباً عنه يقوم بمهام الملك كلما تغيب «آقا محمد خان» عن العاصمة. وقيل بل نصبه في هذا المنصب في يوم آخر من تلك السنة.
وينسب مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون إلى «آقا محمد خان» القيام بأعمال عمرانية ضخمة كثيرة في طهران وأنه وسع مساحتها. وكل القرائن تجعلنا نقطع بأنها مزاعم غير صحيحة. وكل ما فعله أنه بنى فيها أربعة أسواق وأنشأ مصنعاً كبيراً للماء وأقام بعض العمارات في أطرافها الشمالية لتكون مصطافاً له. وما حدث في طهران من إعمار وخدمات أخرى كجر المياه إليها إنما حدث في عهد «فتح علي شاه» و«محمد شاه» و«ناصر الدين شاه».
وفي ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الثانية سنة 1300هـ، وكان «آقا محمد خان» نائماً في إحدى العمارات التي أقامها «كريم خان زند» في طهران، زلزلت أرض العاصمة واهتزت العمارة وسائر البيوت مدة بضع ثوان. فخاف «آقا محمد خان» مع شجاعته إذ لم يكن قد عرف زلزلة قبل ذلك. ومن تلك الليلة أخذ ينام في خيمة نصبت له في ساحة مكشوفة من العمارة. ثم أمر ببناء منام له لا تؤثر فيه الزلازل على نحو ما يبقى في بعض نواحي خراسان حيث تكثر الزلازل. وظل ينام في الخيمة إلى أن تم بناء المنام الذي أمر به.
وفي سنة 1200هـ، إذ اتخذ «آقا محمد خان» طهران عاصمة له، كان مجال حكمه يشمل نواحي «بسطام» و«شاهرود» و«جيلان» و«طالش» و«كرمانشاهان» و«أصفهان» و«أستر آباد» و«مازندران» أما سائر النواحي فكان يحكمها أمراء مستقلون. وبعضهم كان يتخذ لنفسه لقب «الملك».
ففي خراسان كان يحكم «شاهرخ شاه» حفيد «نادر شاه». وفي «كردستان» يحكم «خسرو خان» ويدعوه أتباعه «خسرو شاه». وفي جنوب إيران يحكم الزنديون على ما بينهم من خلاف. وفي أذربيجان جماعة من الأمراء المحليين ورؤساء القبائل مستقلون بالحكم عن المركز. وقد ظل «آقا محمد خان» إلى سنة 1205هـ، لا يستطيع دخول تبريز.
بل كانت حاشية «آقا محمد خان قاجار» أنفسهم في بدء ملكه لا ينقادون إليه يشغبون عليه ويثورون، إذ اتخذ «آقا محمد خان» طهران عاصمة له ونودي به ملكاً، إلى سنة 1212 أو سنة 1211هـ، إذ قتل في مدينة «شوشي» في القفقاس، اتفق مراراً أن خرج عليه حكام كان قد نصبهم لإدارة شؤون بعض الولايات. وكل ما كان يحملهم على التمرد عليه هو كونه خصياً. فيستهينون به، إذ يرون أنفسهم رجالاً أسوياء فيحسبون أنهم، لذلك، قادرون على التغلب عليه واستخلاص الملك من يده، غافلين عن نبوغه وقدرته على إتقان أعماله. ومن هؤلاء إخوته الآخرون، غير ذينك الذين انتهى أمر أحدهما إلى التعيش من الحفر على المعادن ثم مات في خراسان، وانتهى أمر الآخر إلى الفرار من إيران إلى روسيا والمكث فيها إلى أن مات. فقد خرج عليه اثنان آخران من إخوته، فقتل أحدهما وأعمى الآخر.
إن «آقا محمد خان»، وقد خصي ـ في أصح الروايات ـ في مطلع شبابه، وسلم ـ ولم يكد ـ من الموت والعمى، وبات أسيراً عند «كريم خان زند»، كان يعاني من ذلك عقدة ولا شك. ومن مظاهر هذه العقدة أنه لم ير ضاحكاً قط. إلا أنه حين كان أيام أسره يحضر في بلاط «كريم خان زند» ويتفق أن يضحك لشيء يسايره «آقا محمد خان» بضحكة مغتصبة تأدبا. فلما تحرر من الأمر ثم أصبح ملك إيران لم ير ضاحكاً قط، ولا انفرجت شفتاه ببسمة أو ضحكة مهما سمع أو رأى من المضحكات.
وكذلك لم ير باكياً قط إلا في مجالس تعزية الحسين عليه السلام. وزاد في عقدته شدةً خيبة أمله برجاله ومن كان يراهم موضع ثقته واعتماده، إذ كانت خيانتهم له لا تنقطع، حتى عاد امرءاً قاسياً لا يرحم. وأخبار قساوته وفظاظته في معاقبة خصومه تقشعر من ذكرها الأبدان.
طوس
ـ 1 ـ
يتصور أغلب الباحثين أن طوس مدينة من مدن خراسان. ولكن عندما نلاحظ كتب الجغرافيا العربية والفارسية القديمة ـ مع ما فيها من الاختلاف ـ يبدو لنا أن طوس كانت وما زالت ناحية لا مدينة قال السمعاني: «طوس ناحية في خراسان فيها ألف قرية».
وقال ياقوت الحموي: «طابران إحدى مدينتي طوس، لأن طوس عبارة عن مدينتين أكبرهما طابران، والأخرى نوقان» على أن ياقوت يعود فيقول حين يتحدث عن طوس: «هي مدينة بخراسان تشتمل على بلدتين يقال لأحدهما: الطابران وللأخرى نوقان، ولهما أكثر من ألف قرية».
وقد جاء في كتاب (حدود العالم) وهو الكتاب الفارسي المؤلف قبل أكثر من ألف سنة، والمجهول المؤلف: «إن طوس ناحية وفيها أقضية كطوران ونوغان وبروغن ورايكان وبنوادة. وتقع بين الجبال وفي تلك الجبال المحيطة بها توجد معادن الفيروزج والرصاص والنحاس والكحل. وتصنع القدور الحجرية من جبالها. وإلى نوغان حيث مرقد الإمام علي بن موسى الرضا تتوجه الناس للزيارة. وفيها أيضاً قبر هارون الرشيد».
يوضح لنا هذا النص بأن طوران لغة هي «طابران» قاعدة منطقة طوس. وطابران هي المدينة التي تعرضت للغزو سنة 791هـ من جيش تيمور بقيادة ميران ابنه الثاني، والأمير آق بوغا والي هرات حيث قتل السكان عن آخرهم وتحطمت المدينة شر تحطيم مما لم يمكن معه إعادة بنائها إلى يومنا هذا.
والغالبية العظمى من علماء طوس ينتسبون إلى هذه المدينة الزائلة.
ونوغان: تقع على بعد ميل من جنوب سنا آباد التي يقوم فيها قبر الإمام الرضا عليه السلام وبروغن: أخطأ مؤلف كتاب «حدود العالم» في ضبطها، والصحيح هو: «تروغيذ» أو «تروغوذ» وهي مدينة وسط الجبال تسمى اليوم «ترغبة» وينتسب إليها العديد من المحدثين والعرفاء والزهاد، أمثال: أبا الحسن النعماني بن محمد أحمد التروغيذي الطوسي المتوفى سنة 350هـ وأبو عبد الله التروغيذي الزاهد العارف في زمانه.
ورايكان: هي مدينة «راتكان» أو «رادكان». وصحفت التاء بالياء. وفي مثل هذه الصورة تلفظ الكلمة في اللغة الفارسية بالتاء والدال. وتقع مدينة «رادكان» على بعد عشرة فراسخ عن طابران. وفيها ولد نظام الملك الطوسي وأبو محمد عبد الله بن هاشم الطوسي وأبو الأزهر حسن بن أحمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة 530هـ وإلى جانب مدينة رادكان بالذات تتراءى مروج طوس الشهيرة في التاريخ، وفيها اعتلى العرش ملك شاه السلجوقي بأمر من أبيه ألب إرسلان.
كما توج فيها علاء الدين تكش خوارزم شاه. وظلت هذه المروج مرتعاً لخيول السلاطين، وكثيراً ما كان يقصدها ملوك إيران للصيد والنزهة يوم الراحة.
بنوادة: لا وجود لهذا الإسم أصلاً، لا بين المدن ولا بين القرى، ولعل تحريفاً حصل في ضبط هذا الإسم.
وبهذا يتضح أن طوس اسم منطقة كانت تضم أربع مدن وألف قرية.
ولا بد من القول أن خراسان كانت في القرون الإسلامية الأولى أوسع نطاقاً مما هي عليه الآن، وإن ما يطلق عليه اليوم اسم خراسان ليس إلا جزأ من خراسان القديمة. وحتى أوائل القرن السابع الهجري كان إقليم طوس يعد من توابع نيسابور. وبعد تعرض مدينة طابران للغزو والدمار من جيش تيمور الأمر الذي حولها إلى قفر، أخذت مدينة «مشهد» تتسع يوماً بعد يوم. ومنذ ستة قرون أصبحت مدينة نيسابور أبرز المدن التابعة لها.
وخلاصة ما يستنتجه المتتبع لكتب البلدانيين أن تحديد أقليم طوس من الناحية الجغرافية هو عبارة عن الصحراء الواقعة بين سلسلتي جبال «هزار مسجد» أي: ألف مسجد، و«اجدر كوه» أي جبل الثعبان شمالاً، وجبل نيسابور جنوباً.
ويتراوح ارتفاع جبال طوس بين 700 متر و3000 متر.
ويعود تاريخ طوس إلى عهود بعيدة قبل الإسلام وقد استولى عليها المسلمون في زمن عثمان بن عفان على أننا لا نجد في المصادر القديمة مثل كتاب (أوستا) أي ذكر لطوس ولكن في قسم الأحكام والأساطير الذي هو في الحقيقة شرح لهذا الكتاب وكتب بعده، نجد أن الشارحين للكتاب يرون أن كلمة «أوروارا» الواردة فيه إنما يقصد بها: «طوس».
كما نجد في القصص الأسطورية أن تاريخ طوس يرجع إلى جمشيد بيشدادي، وجاء فيها أن طوس و ابن تون اسفهبد إيران، وقد قام بتجديد وتعمير طوس وإن صحراء طوس سميت باسمه منذ ذلك الوقت، وهذا ما يرتئيه أيضاً محمد الله المستوفي في تاريخ طوس.
ولا بد من القول أن ما تحويه هذه المنطقة من أنهار وينابيع وما تتمتع به من خصوبة التربة كان له الأثر الكبير في تقدمها على مر العصور. وفي صحراء طوس عينان كبيرتان والعديد من العيون الصغيرة.
1 ـ عين كلست أو عين كيلاس التي تقع على بعد أربعة فراسخ من الجانب الغربي لمدينة طابران، وعلى بعد ثمانية فراسخ من الجانب الغربي لمدينة «مشهد» كما أن هذه العين كانت تجري إلى طابران، وهي الآن تجري إلى مشهد.
2 ـ عين سو، وكلمة «سو» مخففة عن «سوز» ويطلق عليها الآن إسم «ششمه سبز» أي: العين الخضراء، وتقع في الجنوب الغربي لمدينة مشهد على بعد 12 فرسخاً.
وفي الآونة الأخيرة حفرت آبار عميقة في صحراء طوس مما أدى إلى جفاف بعض الأنهر الصغيرة. ومن جبل في شمالي صحراء طوس تجري مياه ثلاثة أنهار جبلية وتنحدر نحو طوس. وهي: نهر رادكان ونهر بغدج ونهر اندرخ. ويوجد في الجبل الجنوبي عدد أكثر.
ولا تزال في صحراء طوس بقايا أثرية لكل من الغزنويين والسلاجقة والمغول وأحفاد تيمور والصفويين والإفشاريين.
وقد خلدت شهرة طوس بدفن الإمام علي الرضا عليه السلام في بداية القرن الثالث الهجري، في سناباد منها. وقد أكسبها ما قيل فيها من الشعر بالعربية والفارسية مدحاً ورثاء بالإمام صيتاً بعيداً فمن ذلك ما قاله أبو عبد الله الخواني من قصيدة:
يا أرض طوس سقاك الله رحمته
ماذا حويت من الخيرات يا طوس
طابت بقاعك في الدنيا وطيبها
شخص ثوى بسنا آباد مرموس
وقال دعبل الخزاعي من قصيدة:
ألا إلا أيها القبر الغريب محله
بطوس عليك الساريات هتون
وقال علي بن عيسى الأربلي من قصيدة:
أيها السائر المجد قف العيس
إذا ما حللت في أرض طوسا
والثم الأرض إن رأيت ثرى مشهد
خير الورى علي بن موسى
وقال السيد صالح القزويني من قصيدة:
سقاك يا طوس وسمي الحيا وهمى
في أجرعيك وروى الرند والبانا
وقال السيد محسن الأمين في مطلع قصيدة:
حي طوسا لا بارح الغيث طوسا
في ثراها الهدى غداً مرموسا
وهناك العدد الكثير من المشهورين الذين أنجبتهم طوس ونسبوا إليها نذكر منهم:
أبو جعفر الطوسي المعروف بشيخ الطائفة ومؤسس معاهد النجف الأشرف. وأبو حامد الغزالي. والفردوسي صاحب الشاهنامه. ونصير الدين الطوسي وكثيرون «راجع: مشهد».
عبد الحميد مولوي
طوس
ـ 2 ـ
السر برس سايكس Sir P.M. SYKES أحد المستشرقين المعروفين له مؤلفات ودراسات كثيرة عن إيران وتاريخ إيران القديم. وكان قد قضى فترة من الزمن في مهمة في خراسان وكتب مقالاً دقيقاً عن هذه المحافظة لمجلة «الجمعية الملكية الآسيوية» (JOURNAL OF THE ROYAL ASIATIC SOCIETY) نشرت في تلك المجلة سنة 1910م ولما كان المقال يحتوي على معلومات دقيقة نقدم ترجمتها فيما يلي([635]): قبل الدخول في الحديث عن المراكز المهمة لفت الانتباه على أن هذا المقال يتحدث عن منطقة خراسان كما هي الآن وليس عن خراسان القديمة التي كانت تمتد من لوط إلى حدود الهند ومع ذلك فإن خراسان الراهنة ولاية واسعة، كبيرة فيها الكثير من الآثار التاريخية الهامة: طوس ـ طوس حضارتها عريقة تعود إلى ما قبل التاريخ. وحسب الدراسات والحقيقات التي قام بها البروفسور براون E.G. BRAWNE هي عبارة عن «أورواي وانديدا» وهي الأرض الثامنة من الأراضي الست عشرة التي خلقها أهورامزدا.
وهذه الحضارة العريقة تطابق الرواية الإيرانية المنقولة في الشاهنامة. حيث نقرأ في الشاهنامة إن مؤسس هذه المدينة كان قائداً يعمل في جيش كيخسرو الملك الأسطوري للسلالة الكيانية وكان اسمه طوس.
ولما نطالع رحلة الاسكندر الكبير المعروفة … يتضح لنا هذا الموضوع أكثر فأكثر جاء في الكتاب الثالث، الفصل الخامس عشر من تاريخ الاسكندر تأليف «جينيوك». إن الاسكندر خلال هذه الرحلة توجه نحو بارت ومنها إلى حدود وثغور آريا وسوسيا وهي إحدى مدن هذه الولاية. وحسب اعتقادي أن «سوسيا» آدين هي نفسها «طوس».
ولما كان الحزم والاحتياط لا يسمحان بأن نعتمد على الأساطير والروايات إلا أن وادي كشف رود [نهر كشف] هو بطبيعة الحال أخصب منطقة في خراسان حيث توجد فيه مياه كثيرة فمن المؤكد إذاً أنه كان من المراكز الهامة في العصور التاريخية القديمة وفضلاً عن خصوبتها فإنها معتدلة المناخ.
ولكن إذا طرحنا هذا السؤال وهو: هل انقاض وخرائب طوس القائمة الآن هي نفس خرائب وانقاض المدينة القديمة في هذا الوادي؟
الجواب الإيجابي يبدو صعباً على هذا السؤال. وهنا تطرح مسألة أخرى وهي هل أن طوس كان اسم منطقة أو أنه اسم مدينة؟ وحسب اعتقادي إن هذا الاسم كان يستخدم للمنطقة وللمدينة في العصور التاريخية.
أما عن موقع طوس الحقيقي فقد تحدثت مع أشخاص كثيرين في خراسان وكانت نتيجة هذه التحقيقات والمطالعات أنه توجد الآن خربة اسمها «شهربند» كانت في الأصل تسمى «كخا» كانت تقع في حوالي عشرة أميال في شمال غرب مدينة مشهد وحوالي أربعة أميال جنوب شرق طوس. ويبدو أن هذه الخربة كانت أقدم موقع في الوادي.
وتقع في الجانب الأيمن من ساحل كشف رود على مسافة وإلى حوالي ميل واحد. وبما أنه توجد انقاض وبقايا سدٍ قديم على هذا النهر على مسافة نصف فرسخ شمال طوس فمن المحتمل أن هذه المدينة التاريخية كانت تروى بواسطة السلطات المحلية.
إن جدران «شهرنبد» أصبحت اليوم على شكل تل ترابي وهي كثيرة الشبه بسواحل النهر. إن الفضاء الداخلي واسع جداً ولا شك أن مدينة كانت موجودة في هذه المنطقة وأن أحد هذه الجدران قد شيد قبل عدة قرون من بناء جدران طوس. ويوجد بالقرب من هذا المكان مستنقع يعرف بـ «النك كخا» وهو يقع خلف قرية «كخا» وقد حافظ على اسمه القديم. ونعود ثانية لنتحدث عن طوس في العصور الإسلامية.
حسب ما قاله «لوسترانج» (LESTERANGE) أن طوس كانت في القرن الرابع ثاني مدينة بعد نيشابور (كانت نيشابور عاصمة خراسان آنذاك) وكانت تتألف من مدينتين متقابلتين وهما «طابران» و«نوغان».
في القرن الثالث وحسب قول ياقوت: إن نوغان كانت أكبر من النصف الثاني من مدينة طوس ولكنها توسعت بعد قرن واحد وكانت تشكل النصف الأكبر في عهد ياقوت وبعدها ونتيجة زحف المغول دمرت وأصبحت خربة.
القضية الأولى هي معرفة طابران وتوغان وحسب اعتقادي أن طابران هي نفسها التي تسمى اليوم طوس وللتأكيد على ذلك نتصفح كتاب «جهار مقاله» للعروضي الذي يعتبره البروفسور براون أهم وأقدم مصدر تاريخي:
في هذا الكتاب يقول النظامي السمرقندي إن السلطان محمود الغزنوي أرسل الهدية التي كان من المقرر أن يقدمها إلى الفردوسي وقصتها معروفة. أرسل هذه الهدية بعد تأخير زمني إلى طابران ولكن الشاعر الفردوسي كان قد توفي قبل أن تصل الهدية. والجدير بالذكر أن الفردوسي دفن في هذا المكان الذي يسمى اليوم طوس. إذاً فإن طوس الآن يجب أن تكون طابران.
أما نوغان الآن منطقة واسعة في الجانب الشرقي من مدينة شهد، تبدأ بالقرب من جوران المدينة الجديدة وتنهى في حسين آباد ومهر آباد. شاهدت من قريب مقبرة نوغان الكبيرة ورأيت على الكثير من القبور صخوراً منقوشة بعضها بالخط الكوفي وخط الثلث وتاريخ الكثير من هذه الألواح الصخرية هو بين سنوات 760 و1099 هجرية.
نظراً لأن الكثير من المقابر في إيران باتت متروكة لا يهتم إليها أحد فإن الألواح الصخرية قليلة جداً أو قلما يمكن قراءتها وقبل حوالي عشر سنوات عثر في إحدى الحمامات على صخرة طريفة جداً تم نقلها إلى مدينة مشهد.
وعلى أي حال أن هذه المحلات الخربة تشير إلى أن نوغان في عز ازدهارها كانت منطقة كبيرة. أقرب بوابة من هذا المكان وكذلك تلك المنطقة من مشهد التي تقرب من البوابة تسمى نوغان إذاً مما لا شك فيه أن طوس الآن هي طابران القديمة.
ولقد أجريت دراسة كاملة في هذا الموضوع ويبدو أن المؤرخين لم يتمكنوا من تشريح هذا الموضوع ويظهر من تصريحاتهم أن هاتين المدينتين كانتا واحدة في حين أن المسافة بينهما كانت حوالي 16 ميلاً (أربعة فراسخ) وكانتا على ضفتي النهر ومن أهم أسباب اشتهار طوس هو أنها مكان ولادة الفردوسي.
وحسب قول مؤلف كتاب (جهار مقاله) أن هذا الشاعر الحماسي كان ملاكاً من أهالي (باز) من توابع طابران طوس ولا توجد اليوم قرية بهذا الإسم في هذه الضاحية ولكن على مسافة حوالي خمسة عشر ميلاً (حوالي أربعة فراسخ) إلى الشمال من مدينة مشهد توجد قرية باسم «باز» وهذه القرية كان اسمها في الوثائق القديمة «باز» والاعتقاد بأن هذه القرية القديمة التي تقع بالقرب من الممر الجبلي على طريق كلات نادري كانت بيت الشاعر الإيراني الكبير يكون أمراً معقولاً.
البوابة التي أشرنا إليها لا شك أنها هي نفس البوابة التي يدخل منها القادمون من غزنين. ولكن في الوقت الحاضر لا يوجد هناك معبر مائي أقرب من سواحل حلمند وهذه الناحية في الوقت الحاضر خارجة من هذه الحدود.
الدراسات والمطالعات الكثيرة التي تمت تشير إلى أن القسم الشمالي من الناحية الجبلية بين طوس ونيشابور التي تسمى اليوم «كوهبايه» [سفح الجبل] كانت في عهد الفردوسي وبسبب قرية «بار» المهمة التي كانت على مسافة فرسخ واحد من «جاغرق» ـ كانت معروفة باسم «رودبار» …
أما قضية بوابة «رزان»، أو الأصح «رِزان» فليس هناك أي اختلاف حيث أنه توجد الآن قرية بهذا الإسم على مسافة تسعة أميال شمال شرقي طوس وعلى مسافة أربعة أميال من القسم الشمالي لشمال غرب (باز).
ونعود ثانية إلى موضوع تاريخ طوس فنقول: أن هذه المدينة في العصور القديمة كانت مقر القس «النسطوري» الكبير وكان فيها شخصيات علمية لا سيما في علم الفلك.
تعرضت هذه المدينة للزحف المغولي كما تعرضت هرات ونيشابور لهجوم قوات جنكيز سنة 616 هجرية وكانت وظلت تعاني هذه الهجمات طوال قرن ونصف قرن وآخر ضربة قاضية أصابت المدينة كانت على أيدي ميران شاه ابن تيمور لفك سنة 791هـ حيث أحال ميران شاه هذه المدينة إلى صحراء. أما بقية أهالي المدينة الذين كانوا قد نجوا من هذه المذبحة فإنهم لجؤوا إلى أطراف «المزار» وسكنوا هناك وأصبحت مدينة مشهد عاصمة خراسان منذ هذا التاريخ.
وفيما يلي بعض المعلومات عن طوس في الوقت الحاضر([636]): عندما نغادر مدينة مشهد نحو طوس نصل في منتصف الطريق تقريباً إلى قرية كبيرة تسمى «خوش ميتي» التي كان المهدي والد هارون الرشيد قد بناها. ثم نصل إلى مكان «كخا» الذي أشرنا إليه فيما تقدم ثم نصل جسراً من (الطابوق) شُيد على (كشف رود) وسمي باسم الفردوسي.
وبعد العبور من الجسر نصل إلى بعض الجدران التي تبعد مائة متر عن الجسر، وهذه الجدران مبنية من طابوق كبير جداً ورغم مرور مدة طويلة من الزمن عليها فما زال ارتفاعها يبلغ عشرة أمتار.
هناك أبراج وقلاع كثيرة ولكن المدينة الرئيسية ليست عظيمة وبعد التدقيق على الخرائط تبين أن محيط الدائرة كان أربعة أميال ونصف الميل فقط. وبعد العبور من هذا المكان الذي لا شك أن بوابة رودبار كانت فيه هناك فإن أول شيء يلفت الأنظار هي مقبرة خربة أطلق عليها أسماء مختلفة مثل «كنبد» أو «مزار» أو «قصر» أو «قلعة». داخل هذا المكان هو خرابة وليس معلوم ماذا كانت هذه البناية ومن هو الذي أنشأها ونشاهد في الجانب الشرقي وعلى الجدار هذه العبارة «الدنيا ساعة».
كما توجد صخرتان على قبرين لا شك أنهما نقلا من الخارج، نقش على إحداهما اسم مهوش خانم وعلى الثانية اسم رجل سيد. بعد العبور من هذا المزار المجهول نصل إلى طريق ينتهي إلى (الأرك) أو القلعة القديمة ويبدو أن هذه القلعة بنيت فوق تل من التراب. وتتألف هذه القلعة من قسمين:
القسم الخارجي والقسم الداخلي، القسم الداخلي مستطيل أحد أضلاعه 65 ياردة والأخرى 45 ياردة وفي الجانب الجنوبي الشرقي من هذه القلعة توجد بنايتان خربتان بإسم «نيلخانة» ولم نعرف السبب في هذه التسمية. أما موضوع قبر الفردوس ونتحدث عنه في نهاية هذا الموضوع. نعود ثانية إلى الوثائق والمستندات التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة.
يقول مؤلف (جهار مقالة): كان آنذاك واعظ في طابران، كان متعصباً جداً أعلن بصورة سافرة أنه لا يسمح بدفن جنازة الفردوسي في مقبرة المسلمين حيث كان يقول أن الفردوسي شيعي ….
ويضيف مؤلف جهار مقالة أنه كان خارج بوابة «رزان» بستان يعود للفردوسي فوقفوا جماعة فيه وما زال راقداً هناك وقد زرت قبره سنة 510 هجرية …
هذه المعلومات التي نقلناها عن جهار مقالة تطابق التحقيقات التي أجراها «حمد الله المستوفي وبقية المحققين ويؤكد بالتحقيق أن جثمان الشاعر الكبير دفن خارج جدران طابران. ولما قمت بزيارة هذه المقرة للمرة الثالثة تبين أن أحد الحكام البارزين في خراسان قرر قبل قرن أن يبني عمارة فوق قبر الفردوسي وقام بالتحقيق عن مكان دفنه ولكنه لم يحصل على معلومات صحيحة. وخلال تلك الأيام رأى رجلاً سيداً في منامه حيث كان يشير إلى المكان الأصلي لقبر الفردوسي وعلى أساس هذه الرؤيا المضحكة بدأ بإنشاء المقبرة ولم تمض مدة طويلة حتى عزل الحاكم من منصبه وتوقفت أعمال البناء خارج بوابة «رزان» لا توجد أية علامة من المقبرة وستبقى هذه القضية على حالها إلى أن تتم التحقيقات والمطالعات الأثرية ليتبين المحل الحقيقي لقبر هذا الشاعر الكبير.
موجز عن الماضي التاريخي لناحية طوس
لقب حكام طوس منذ العهد الساساني بـ (أسبهبد كناركك) أي حاكم الولاية.
وبعد دخول الإسلام إلى أرض خراسان، وسقوط الحكومات المحلية، فتحت (طابران) وتوابعها عام (29هـ) وفي زمان خلافة (الوليد بن يزيد) كان (الحسن بن زيد) على حكومة طوس.
وخلال عهد هارون والمأمون العباسيين كان (حميد بن قحطبة) والياً على خراسان، وحاكماً على طوس. وخلال عهد اقتدار الغزنويين تولى (أبو الحارث أرسلان) إمارة منطقة طوس، وتقع مقبرته على بعد (35) كيلومتراً شرق مدينة مشهد، قرب (سنك بست) وما زالت قائمة، أما أشهر حكام طوس وأكثرهم إعماراً لها فهو (أبو منصور عبد الرزاق الطوسي) من أسرة الكناركنيين.
تعرضت طوس عدة مرات لحملات تخريب، وكان أشدها إيلاماً وغماً حملة الغزيين والمغول، وكان آخرها هجوم (تيمور). وقد دمرت طوس على يد (تولوي) ابن جنكيز، ثم أعيد بناؤها في عهد خلفه (أوغوي) وبقيت مدة مقراً للحكام المغول الإيلخانيين.
وبعد سقوط مغول إيران، أصبحت طوس تابعة لدولة (أرغون شاه) الصغيرة، إلى جانب مدن أخرى مثل: فوجان، كلات، أبيورد، نساء، واحة مرو. لكن ابن (أرغون شاه) وخلفه قتل على يد (تيمور) بعد أن أطاح به.
بعد الضربة المدمرة التي وجهها جيش (تيمور) وقضائهم على أهالي (طابران) هرب كل من سلم من ضربتهم تلك إلى جوار التربة الطاهرة لثامن الأئمة عليهم السلام، وسكنوا في أطراف مدينة (نوقان) والحرم المطهر. بعد (تيمور) تمّ ترميم قلعة طوس بشكل عادي، حتى فقدت عظمتها السابقة.
خلال عهد (شاهرخ التيموري) كلف الخواجه السيد الميرزا بتجديد بناء عمارة طوس، وإسكان المهاجرين فيها. لكن المهاجرين الساكنين حول الحرم المطهر رفضوا العودة إلى طوس، عند ذلك قام ببناء سور حول بيوتهم الطينية المجاورة لمرقد الإمام الرضا عليه السلام، وذلك بموافقة (شاهرخ).
هذا الموضوع، وتصريح بعض مؤرخي القرنين الثامن والتاسع حول طوس، واكتشاف مسكوكات العهد الإيلخاني المغولي في هذه المنطقة، وخاصة وجود مسكوكة إيلخانية مضروبة في طوس في المتحف الوطني الإيراني، وما نقله رحالة القرن الثامن، كلها تدل على استمرار حياة (طابران) بعد الحملة المغولية وحتى النصف الأول من القرن التاسع، وأنها كانت مأهولة وفيها سكان وعامرة. لكن منذ النصف الثاني للقرن التاسع تقريباً اختفى إسم (طابران) وطوس من الخريطة الجغرافية، وحل مكانها اسم المدينة الجديدة (مشهد طوس) أو (مشهد المقدسة) ([637]).
وكان لمدينة (طابران) اثنا عشر مدخلاً، أشهرها بوابة (رزان) وبوابة (رودبار) وبوابة (نوبهار). وفيها خمسة محلات، منها: محلة اسفنديار، ورودبار، وكوي ترسيان.
وعاشت خلال القرون الثالث إلى الثامن الهجري قمة الإزدهار والعمران، فالأسواق والمباني الكبيرة القائمة فيها آنذاك تدل على العظمة والجهد والحياة النابضة فيها حينئذ إلى درجة جعلت الرحالة المغربي (ابن بطوطة) يعتبرها أكبر مراكز خراسان، وأعتبر أن محلة كلاويخو فيها مدينة عامرة، والأكثر سكاناً بين المدن والقرى الواقعة بين السلطانية وتلك الناحية.
ومن أشهر مبانيها المدرسة المنصورية، وقد درس فيها الخطيب (الأنوري) الذي وصفها في أشعاره وقصائده، لكن لم يبق اي أثر للمدرسة تلك. ومما يزيد من أهمية هذه المدينة وتطورها وجود قرى عامرة وافرة الماء والمحاصيل الجيدة تابعة لها.
وقد عاش في أحضان هذه المدينة وترعرع جمع من العلماء والشعراء.
أما الآثار الباقية من مدينة (طابران) فهي:
1 ـ مقبرة أبو القاسم الفردوسي، ومؤلف (الشاهنامة) ويقع قبره في حديقته قرب بوابة (رزان) داخل سور المدينة([638]). وكان قبره على شكل مقبرة وقبه صغيرة من الكاشي العادي، فاندثر مع مرور الزمان، حتى أقيم البناء الحالي الضخم خلال العهد المعاصر.
2 ـ بقايا السور القديم للمدينة، وهو من الطين والطوب، وطوله ستة كيلومترات تقريباً، وفيه الأبواب التي ذكرت، ومائة وستة أبراج، وتبلغ سماكة جدران السور عند القاعدة أكثر من خمسة أمتار، وبقي قسم من تلك الآثار تخضع للحماية وفي الجهة الشمالية الشرقية توجد داخل السور بعض الآثار المعمارية من الطين ما زالت قائمة وهي لقرويين من العهد القاجاري.
3 ـ آثار قلعة طوس التي كانت مركزاً لحكومة المدينة، وهي عبارة عن خندق وسور خارجي وبوابة وأبراج طينية. وفي مركز القلعة يقوم مبنى وبرج وآثار معمارية داخله. نقل الأتربة للزراعة، والحفر غير المجاز اللذين وقعا في الماضي قضيا على معظم الآثار، أو دمرا قسماً منها.
ورغم كل ذلك فإن أي تنقيب علمي قد يحصل سيكشف عن بعض البناء المدفون وسيبرز الخريطة الأساسية للمكان. ويبدو من ظاهر تركيبة الآثار والتآكل الطبيعي للسور والأبراج ومن استنتاج عمليات التنقيب التي قامت بها هيئة اكتشاف الآثار لمنظمة الميراث الثقافي الإيراني، ويبدو أن هذه المباني قد بنيت خلال العهد الإيلخاني باستخدام الآجر والطوب غير المطبوخ، ثم رممت في أوائل العهد التيموري بالطوب والطين.
4 ـ البناء المعروف بالهارونية: وهو أثر قيم، وهو المبنى الوحيد الباقي في طابران والذي بنيت قبته بجدارين، وقد رمم حديثاً لإنقاذه من خطر الإنهيار. وبعض المحققين وعلماء الآثار اعتبروا أنه من مباني القرن السابع الهجري أي من العهد الإيلخاني، معتمدين على الشكل المعماري له، لكن ماضيه التاريخي والهدف من بنائه يدلان على أنه أقدم من ذلك.
حيث عرف هذا المبنى لمدة بالنقارخانه أي مكان قرع الطبول، وأحياناً بالقبة الهارونية، بينما أطلق عليها الرحالة الأفرنج اسم العمارة المجهولة، وقد عرفت فيما بعد بالهارونية، ولا تعرف علة هذه التسمية بدقة، لكن عدداً من عامة الناس يظنون أنه مكان دفن (هارون الرشيد) لكن مكان دفنه واضح جداً، وهو داخل الحرم المطهر للإمام الرضا عليه السلام، حتى أن صندوق قبره كان موجوداً حتى أوائل القرن الثامن.
ويعتقد آخرون أن هذا المبنى هو سجن لهارون الرشيد وفيه دفنت رؤوس ستين رجلاً من السادة الشهداء الذين قتلهم (حميد بن قحطبة) لكن هذا الاعتقاد غير صحيح أيضاً، ذلك لأن شكل البناء وتركيبه لا يعود إلى عهد خلافة هارون الرشيد، وقد ساهم اعتقاد الأهالي بأنه مدفن للسادة في المحافظة على المبنى وعدم هدمه وأخذ أحجاره. وبعض المحققين قالوا: بما أن (خانقاه) الخواجة (عثمان بن هارون) كان هناك، لذلك سمي المعبد باسم والده بالهارونية. على أي حال فإن الظن السائد بين الأهالي هو أنه سجن هارون، وأنه لذلك سمي بالهارونية.
وحول الهدف من إيجاد هذا المبنى واستخدامه هناك عدة آراء أيضاً، فيعتقد البعض أنه كان مدرسة للغزالي، بينما يعتقد آخرون أنه مقبرته لوجود صخرة قبر فيه، واستناداً إلى ما ورد في كتاب (مهمانخانه بخارى) ويعتقد غيرهم أنه من بقايا المسجد الدامع لطابران، وأنه بني وزين على يد الأمير عبد الرزاق الطوسي، وجدد بناؤه بأمر من الخواجه (نظام الملك) من أهالي رادكان طوس.
ومن مجمل الكتابات التاريخية والوضع الحالي للبناء يستنتج أن هذا المكان هو جزء من مجموعة مباني كانت تشمل: مسجداً وخانكاهاً صوفياً ومدرسة، لم يبق منها سوى هذا الأثر، بينما تلاشت باقي المباني بمرور الزمان، ونتيجة للحوادث والعوامل الطبيعية، وبأخذ ونقل أحجارها.
ومما يدل على ذلك:
أ ـ ذكرت بعض الكتب التاريخية أن قبر الغزالي والمعشوق الطوسي ومقبرة الفردوسي تقع جميعها في الجانب الشرقي لطابران. وحالياً هناك محل يعرف عند الأهالي بقبر الغزالي ويقع داخل سور طوس وخارج حدود الهارونية، ولا يستبعد أن تكون الصخرة الموجودة في الهارونية هي لقبره، وقد نقلت من مكانها إلى هناك، ذلك لأنه لم يعثر على أي قبر خلال ترميم البناء، ونقل الأتربة، وتبليط أرض الهارونية.
ب ـ يوجد محراب من الجفصين عند الجهة الخارجية للضلع الشمالي للمبنى، وهو يدل على أن جزءاً من المجموعة كان هناك، فوجود محراب من الجفصين في جو مكشوف خارج مبنى يعد أمراً غير منطقي.
ج ـ جاء في كتاب (مطلع الشمس) لمحمد حسن خان صنيع الدولة: (وإلى جانب القبة المذكورة ـ الهارونية ـ هناك مئذنة عالية، بقي منها (15 ـ 20) قدم، وليس فيها ما يشير إلى زمان بنائها). هذا الموضوع مهم جداً، حيث يشير إلى وجود تلك المئذنة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وهي تابعة للمسجد المذكور. كما إن الرحالة الإنكليزي (فرز) أكد بدوره على وجود المئذنة المذكورة إلى جانب المسجد.
د ـ ذكر أن مكان المسجد الجامع لطابران هو وسط المدينة، وأن الأسواق تحيط به، وأكثر ما ينطبق ذلك الوصف على المكان الحالي للهارونية. ويذكر بعض الذين شاركوا في الترميم من الأهالي أن كميات كبيرة من الطابوق والآجر والكاشي وألواح الرخام استخرجت من الأراضي المحيطة بالهارونية، وأن لوحين من الرخام ما يزالان داخل المكان محفوظين.
وعلاوة على ذلك هناك آثار مشتتة في فواصل من نواحي طابران السابقة، ومن قريتي طوس وإسلامية الحاليتين، وأهمها:
مقبرة وتلة العشاق الأثرية، وتلة هشت الأثرية، وتراب اثري موجود داخل أراضي زراعية في شرق قرية الإسلامية، وبرج أخنجان (أخنكان) وهي مقبرة من العهد التيموري تقع على بعد كيلومترين شمال شرق طوس، وقلعة قديمة في قرية (باز أو فاز) وهي مسقط رأس الفردوسي، وتقع على بعد فرسخ واحد شمال شرق طوس. وجسر ذو إحدى عشرة فتحة على (نهر كشف) الواقع بين طريق مشهد إلى كلات، ويعرف بجسر (شاهي). وكذلك جسر آخر يقع على نفس النهر قرب بوابة طابران وطريق مشهد، وقد تلاشى حالياً، وبني جسر جديد عند بداية مدخل تلك المنطقة.
ذبيح الله خلوصي راد
ظفرنامه
1 ـ أقدم كتاب سمي بـ (ظفرنامه) هو عبارة عن رسالة موجزة تشتمل على أسئلة أنوشيروان (كسرى الفرس) وأجوبة بوزرجمهر (الحكيم الفارسي)، وقد ترجمت هذه الرسالة عن الفهلوية إلى الفارسية في عهد السامانيين وقد نُسبت الترجمة لابن سينا، قال صاحب كشف الظنون: (ظفرنامه: إسم أسئلة أنوشيروان ثم أمر نوح بن منصور الساماني وزيره ابن سينا بنقلها إلى الفارسية فنقلها) لكن المشكلة هي أنه إذا كانت الترجمة لابن سينا فلماذا عده حاجي خليفة وزيراً لنوح الساماني؟
وإذا كان مترجم الرسالة هو وزير نوح فإن نسبتها إلى ابن سينا خطأ، ومع مقارنة سريعة بين مؤلفات ابن سينا الفارسية وهذه الرسالة يتضح خطأ نسبة الترجمة إليه إلا أن نعتقد بأن كُتاباً آخرين تصرفوا في النص الأصلي الذي ترجمه ابن سينا.
على أن المشهور اليوم أن ظفرنامه منسوبة لابن سينا وقد اشار إلى ذلك جورج قنواتي في كتابه (مؤلفات ابن سينا) ذاكراً مخطوطاته في مكتبات العالم. ولهذه الرسالة طبعات عديدة طبعها مرة «شارل شفر» في مجموعة (منتخبات فارس) وهو يشير إلى أن الرسالة كانت قد طبعت عام 1293هـ بطهران حيث أدرجها ميرزا محمود مؤلف تأديب الأطفال في نهاية كتابه. كما طبعت مرة أخرى بطهران تحقيق الدكتور مهدي بياني.
وكذلك فإن هذه الرسالة مترجمة إلى التركية ونسختها موجودة، والترجمة من عصر بايزيد العثماني حيث قدمت الترجمة إليه.
وهناك (ظفرنامه) أخرى منسوبة للوزير بوذرجمهر وهي عبارة عن محاورات بين أرسطو وبوذرجمهر الوزير، وقد ترجمت هذه الرسالة من الفارسية إلى الإنكليزية وترجمها Balu Narasinba Datta.
2 ـ ظفرنامه.
مؤلفها حمد الله المستوفي القزويني وهي رسالة منظومة في التاريخ نظمها في 75000 بيت من الشعر وتحدث فيها عن تاريخ إيران منذ الفتح الإسلامي حتى عصر المؤلف (850هـ). توجد نسخة كاملة منها في المتحف البريطاني.
3 ـ ظفرنامه.
لنظام الدين الشامي وهو كتاب يتحدث فيه مؤلفه عن فتوحات تيمورلنك وقد قام المؤلف بكتابة هذا التاريخ بأمر من الملك المذكور عام 804هـ. طبع هذا الكتاب باهتمام فليكس تاور بيروت عام 1937م.
4 ـ ظفرنامه.
لشرف الدين علي اليزدي (م 858هـ) وهو كتاب عن حياة تيمورلنك وسيرته، وبرغم أن المؤلف قد تأثر واستفاد من كتاب سلفه نظام الدين الشامي لكن هذا التأليف أشهر من تأليف الشامي. وقد طبع الكتاب في كلكته باهتمام المولوي محمد هداد عام 1887م.
5 ـ ظفرنامه.
للهاتفي الشاعر (المتوفى عام 927) من أهالي جام، والكتاب تاريخ منظوم لحياة تيمورلنك وسيرته واقتفى من تأليف أثر ظفرنامه اليزدي.
6 ـ ظفرنامه.
للحاج محمد جان قدسي المشهدي (المتوفى عام 1054هـ) وهي منظومة في حياة وسيرة الملك المغولي في الهند شاه جهان، وتوجد من هذه المنظومة نسخ عديدة، والملاحظ أن المشهدي لم يتم منظومته فأكملها كليم الكاشاني (المتوفى 1061هـ) وتسمى هذه المنظومة أيضاً (بادشاه نامه).
7 ـ ظفرنامه.
هي منظومة تتحدث عن السنوات الخمس لبداية ملك آورنك زيب الملك المغولي (المتوفى عام 1118هـ) وتوجد لهذه المنظومة نسخ عديدة.
8 ـ ظفرنامه كابل.
وهو كتاب حول وقائع مدينة كابل والحروب والفتوحات التي قام بها أحمد شاه الدراني، وقد نظمت هذه المنظومة عام 1260هـ.
9 ـ ظفرنامه.
تتحدث عن حياة Ranjit Singh وقد طبعت في جامعة بنجاب عام 1927م، كما كانت طبعت عام 1876 بمدينة لاهوار.
10 ـ ظفرنامه.
منظومة تاريخية تتحدث عن أحداث منطقة (بهرتيور) فـي الهـنـد الـتـي فتـحـت عـلى يـد (Lord Lake) البريطاني. وناظمها المولوي فضل أعظم.
11 ـ ظفرنامه.
منظومة في وقايع وفتوحات Gobind Singh وقد طبعت عام 1871م بلاهور.
اليرج أفشار
الظواهر وحجيتها
1 ـ إن البحث عن حجية الظواهر من توابع البحث عن الكتاب والسنّة، أعني أن الظواهر ليست دليلاً قائماً بنفسه في مقابل الكتاب والسنّة، بل إنما نحتاج إلى إثبات حجيتها لغرض الأخذ بالكتاب والسنّة، فهي من متممات حجيتهما، إذ من الواضح انه لا مجال للأخذ بهما من دون أن تكون ظواهرهما حجة. والنصوص التي هي قطعية الدلالة أقل القليل فيهما.
2 ـ إن الأصل حرمة العمل بالظن ما لم يدل دليل قطعي على حجيته، والظواهر من جملة الظنون، فلا بد من التماس دليل قطعي على حجيتها ليصح التمسك بظواهر الآيات والأخبار. وسيأتي بيان هذا الدليل.
3 ـ إن البحث عن الظهور يتم بمرحلتين:
الأولى: في أن هذا اللفظ المخصوص ظاهر في هذا المعنى المخصوص أم غير ظاهر. والمقصد الأول كله متكفل بالبحث عن ظهور بعض الألفاظ التي وقع الخلاف في ظهورها، كالأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد … وهي في الحقيقة من بعض صغريات أصالة الظهور.
الثانية: في أن اللفظ الذي قد أحرز ظهوره هل هو حجة عند الشارع في ذلك المعنى، فيصح أن يحتج به المولى على المكلفين ويصح أن يحتج به المكلفون؟
والبحث عن هذه المرحلة الثانية هو المقصد الذي عقد من أجله هذا الباب، وهو الكبرى التي إذا ضممناها إلى صغرياتها يتم لنا الأخذ بظواهر الآيات والروايات.
4 ـ إن المرحلة الأولى ـ وهي تشخيص صغريات أصالة الظهور.
تقع بصورة عامة في موردين:
الأول: في وضع اللفظ للمعنى المبحوث عنه، فإنه إذا أحرز وضعه له لا محالة يكون ظاهراً فيه، نحو وضع صيغة افعل للوجوب والجملة الشرطية لما يستلزم المفهوم … إلى غير ذلك.
الثاني: في قيام قرينة عامة أو خاصة على إرادة المعنى من اللفظ. والحاجة إلى القرينة إما في مورد إرادة غير ما وضع له اللفظ، إما في مورد اشتراك اللفظ في أكثر من معنى.
ومع فرض وجود القرينة لا محالة يكون اللفظ ظاهراً فيما قامت عليه القرينة، سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة.
وإذا اتضحت هذه التمهيدات فينبغي أن نتحدث عما يهم من كل من المرحلتين في مباحث مفيدة في الباب:
طرق إثبات الظواهر
إذا وقع الشك في الموردين السابقين، فهناك طرق لمعرفة وضع الألفاظ ومعرفة القرائن العامة:
منها: أن يتتبع الباحث بنفسه استعمالات العرب ويعمل رأيه واجتهاده إذا كان من أهل الخبرة باللسان والمعرفة بالنكبات البيانية. ونظير ذلك ما استنبطناه (ج 1 ص 54) من أن كلمة (الأمر) لفظ مشترك بين ما يفيد معنى الشيء والطلب، وذلك بدلالة اختلاف اشتقاق الكلمة بحسب المعنيين واختلاف الجمع فيها بحسبهما.
ومنها: أن يرجع إلى علامات الحقيقة والمجاز كالتبادر وأخواته.
ومنها: أن يرجع إلى أقوال علماء اللغة. وسيأتي بيان قيمة أقوالهم.
وهناك أصول اتبعها بعض القدماء لتعيين وضع الألفاظ أو ظهوراتها؛ في موارد تعارض أحوال اللفظ. والحق أنه لا أصل لها مطلقاً، لأنه لا دليل على اعتبارها.
وهي مثل ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز، ومثل أصالة الحقيقة لإثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازاً.
أما أنه لا دليل على اعتبارها، فلأن حجية مثل هذه الأصول لا بد من استنادها إلى بناء العقلاء، والمسلم من بنائهم هو ثبوته في الأصول التي تجري لإثبات مرادات المتكلم دون ما يجري لتعيين وضع الألفاظ والقرائن. ولا دليل آخر في مثلها غير بناء العقلاء.
حجية قول اللغوي
إن (أقوال اللغويين) لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف وضع الألفاظ، لأن أكثر المدونين للغة همهم أن يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها من دون كثير عناية منهم بتمييز المعاني الحقيقية من المجازية إلا نادراً، عدا الزمخشري في كتابه (أساس اللغة)، وعدا بعض المؤلفات في فقه اللغة.
وعلى تقدير أن ينص اللغويون على المعنى الحقيقي، فإن أفاد نصهم العلم بالوضع فهو، وإلا فلا بد من التماس الدليل على حجية الظن الناشئ من قولهم، وقيل في الاستدلال عليه وجوه من الأدلة لا بأس بذكرها وما عندنا فيها:
أولاً: قيل: الدليل الإجماع.
وذلك لأنه قائم على الأخذ بقول اللغوي بلا نكير من أحد وإن كان اللغوي واحداً.
أقول: وأنى لنا بتحصيل هذا الإجماع العملي المدعى بالنسبة إلى جميع الفقهاء؟ وعلى تقدير تحصيله فأنى لنا من إثبات حجية مثله؟ وقد تقدم البحث مفصلاً عن منشأ حجية الإجماع، وليس هو مما يشمل هذا المقام بما هو حجة، لأن المعصوم لا يرجع إلى نصوص أهل اللغة حتى يستكشف من الإجماع موافقته في هذه المسألة، أي رجوعه إلى أهل اللغة عملاً:
ثانياً قيل: الدليل بناء العقلاء.
لأن من سيرة العقلاء وبنائهم العملي على الرجوع إلى أهل الخبرة الموثوق بهم في جميع الأمور التي يحتاج في معرفتها إلى خبرة وأعمال الرأي والاجتهاد، كالشؤون الهندسية والطبية ومنها اللغات ودقائقها، ومن المعلوم أن اللغوي معدود من أهل الخبرة في فنه. والشارع لم يثبت منه الردع في هذه السيرة العملية، فيستكشف من ذلك موافقته لهم ورضاه بها.
أقول: إن بناء العقلاء إنما يكون حجة إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وإمضاؤه لطريقتهم. وهذا بديهي.
ولكن نحن نناقش ما يلي:
إن موافقة الشارع لبناء العقلاء تستكشف من مجرد عدم ثبوت ردعه عن طريقتهم، بل لا يحصل هذا الاستكشاف إلا بأحد شروط ثلاثة كلها غير متوفرة في المقام:
1 ـ ألا يكون مانع من كون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في البناء والسيرة، فإنه في هذا الفرض لا بد أن يستكشف أنه متحد المسلك معهم بمجرد عدم ثبوت ردعه لأنه من العقلاء بل رئيسهم. ولو كان له مسلك ثان لبينه ولعرفناه، وليس هذا مما يخفى.
ومن هذا الباب الظواهر وخبر الواحد، فإن الأخذ بالظواهر والاعتماد عليها في التفهيم. مما جرت عليها سيرة العقلاء، والشارع لا بد أن يكون متحد المسلك معهم لأنه لا مانع من ذلك بالنسبة إليه وهو منهم بما هم عقلاء ولم يثبت منه ردع. وكذلك يقال في خبر الواحد الثقة فإنه لا مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في الاعتماد عليه في تبليغ الأحكام ولم يثبت منه الردع.
أما الرجوع إلى أهل الخبرة فلا معنى لفرض أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في ذلك لأنه لا معنى لفرض حاجته إلى أهل الخبرة في شأن من الشؤون حتى يمكن فرض أن تكون له سيرة عملية في ذلك لا سيما في اللغة العربية.
2 ـ إذا كان هناك مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء فلا بد أن يثبت لدينا جريان السيرة العملية حتى في الأمور الشرعية بمرأى ومسمع من الشارع، فإذا لم يثبت حينئذ الردع منه يكون سكوته من قبيل التقرر لمسلك العقلاء.
وهذا مثل الاستصحاب فإنه لما كان مورده الشك في الحالة السابقة فلا معنى لفرض اتحاد الشارع في المسلك مع العقلاء بالأخذ بالحالة السابقة، إذ لا معنى لفرض شكه في بقاء حكمه، ولكن لما كان الاستصحاب قد جرت السيرة فيه حتى في الأمور الشرعية ولم يثبت ردع الشارع عما يستكشف منه إمضاؤه لطريقتهم.
أما الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغة فلم يعلم جريان السيرة العقلانية في الأخذ بقول اللغوي في خصوص الأمور الشرعية، حتى يستكشف من عدم ثبوت ردعه رضاه بهذه السيرة في الأمور الشرعية.
3 ـ إذا انتفى الشرطان المتقدمان فلا بد حينئذ من قيام دليل خاص قطعي على رضا الشارع وإمضائه للسيرة العملية عند العقلاء. وفي مقامنا ليس عندنا هذا الدليل، بل الآيات الناهية عن اتباع الظن كافية في ثبوت الردع عن هذه السيرة العملية.
ثالثاً: قيل: الدليل حكم العقل.
لأن العقل يحكم بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم، فلا بد أن يحكم الشارع بذلك أيضاً، إذ أن هذا الحكم العقلي من الآراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء، والشارع منهم، بل رئيسهم. وبهذا الحكم العقلي أوجبنا رجوع العامي إلى المجتهد في التقليد، غاية الأمر أنا اشترطنا في المجتهد شروطاً خاصة كالعدالة والذكورة لدليل خاص. وهذا الدليل الخاص غير موجود في الرجوع إلى قول اللغوي، لأنه في الشؤون الفنية لم يحكم العقل إلا برجوع الجاهل إلى العالم الموثوق به من دون اعتبار عدالة أو نحوها كالرجوع إلى الأطباء والمهندسين. وليس هناك دليل خاص يشترط العدالة أو نحوها في اللغوي، كما ورد في المجتهد.
أقول: وهذا الوجه أقرب الوجوه في إثبات حجية قول اللغوي، ولم أجد الآن ما يقدح به.
الظهور التصوري والتصديقي
قيل: إن الظهور على قسمين: تصوري وتصديقي.
1 ـ (الظهور التصوري) الذي ينشأ من وضع اللفظ لمعنى مخصوص. وهو عبارة عن دلالة مفردات الكلام على معانيها اللغوية أو العرفية. وهو تابع للعلم بالوضع سواء كان في الكلام أو في خارجه قرينة على خلافه أم لم تكن.
2 ـ (الظهور التصديقي) الذي ينشأ من مجموع الكلام. وهو عبارة عن دلالة جملة الكلام على ما يتضمنه من المعنى، فقد تكون دلالة الجملة مطابقة لدلالة المفردات وقد تكون مغايرة لها كما إذا احتف الكلام بقرينة توجب صرف مفاد جملة الكلام عما يقتضيه مفاد المفردات. والظهور التصديقي يتوقف على فراغ المتكلم من كلامه فإن لكل متكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من القرائن فما دام متشاغلاً بالكلام لا ينعقد لكلامه الظهور التصديقي.
ويستتبع هذا الظهور التصديقي ظهور ثان تصديقي، وهو الظهور بأن هذا هو مراد المتكلم، وهذا هو المعين المراد المتكلم في نفس الأمر. فيتوقف على عدم القرينة المتصلة والمنفصلة، لأن القرينة مطلقاً تهدم هذا الظهور، بخلاف الظهور التصديقي الأول فإنه لا تهدمه القرينة المنفصلة.
أقول: ونحن لا نتعقل هذا التقسيم، بل الظهور قسم واحد، وليس هو إلا دلالة اللفظ على مراد المتكلم. وهذه الدلالة هي التي نسميها الدلالة التصديقية. وهي أن يلزم من العلم بصدور اللفظ من المتكلم العلم بمراده من اللفظ، أو يلزم منه الظن بمراده. والأول يسمى (النص)، ويختص الثاني باسم (الظهور).
ولا معنى للقول بأن اللفظ ظاهر ظهوراً تصورياً في معناه الموضوع له، إن ما يسمونه بالدلالة التصورية ليست بدلالة، وإنما كان ذلك منهم تسامحاً في التعبير، فلا علم ولا ظن فيها بمراد المتكلم، فلا دلالة، فلا ظهور، وإنما كان خطور. والفرق بعيد بينهما.
وأما تقسيم الظهور التصديقي إلى قسمين فهو تسامح أيضاً، لأنه لا يكون الظهور ظهوراً إلا إذا كشف عن المراد الجدي للمتكلم إما على نحو اليقين أو الظن، فالقرينة المنفصلة لا محالة تهدم الظهور مطلقاً، نعم قبل العلم بها يحصل للمخاطب قطع بدوي أو ظن بدوي يزولان عند العلم بها، فيقال حينئذ قد انعقد للكلام ظهور على خلاف ما تقتضيه القرينة المنفصلة.
وهذا كلام شايع عند الأصوليين وفي الحقيقة إن غرضهم من ذلك الظهور الابتدائي البدوي الذي يزول عند العلم بالقرينة المنفصلة، لا إنه هناك ظهوران ظهور لا يزول بالقرينة المنفصلة وظهور يزول بها، ولا بأس أن يسمى هذا الظهور البدوي الظهور الذاتي وتسميته بالظهور مسامحة على كل حال.
وعلى كل حال، سواء سميت الدلالة التصورية ظهوراً أم لم تسم، وسواء يسمى الظن البدوي ظهوراً أم لم يسم، فإن موضع الكلام في حجية الظهور هو الظهور الكاشف عن مراد المتكلم بما هو كاشف، وإن كان كشفاً نوعياً.
وجه حجية الظهور
إن الدليل على حجية الظاهر منحصر في بناء العقلاء. على نحو ما تقدم في الدليل على حجية خبر الواحد من طريق بناء العقلاء.
وتفصيلهما هنا أن نقول:
(المقدمة الأولى): إنه من المقطوع به الذي لا يعتريه الريب أن أهل المحاورة من العقلاء قد جرت سيرتهم العملية وتبانيهم في محاوراتهم الكلامية على اعتماد المتكلم على ظواهر كلامه في تفهيم مقاصده، ولا يفرضون عليه أن يأتي بكلام قطعي في مطلوبه لا يحتمل الخلاف. وكذلك هم ـ تبعاً لمسيرتهم الأولى ـ تبانوا أيضاً على العمل بظواهر كلام المتكلم والأخذ بها في فهم مقاصده، ولا يحتاجون في ذلك إلى أن يكون كلامه نصاً في مطلوبه لا يحتمل الخلاف.
فلذلك يكون الظاهر حجة المتكلم على السامع يحاسبه عليه ويحتج به عليه لو حمله على خلاف الظاهر، ويكون أيضاً حجة للسامع على المتكلم يحاسبه عليه ويحتج به عليه لو ادعى خلاف الظاهر. ومن أجل هذا يؤخذ المرء بظاهر إقراره ويدان به وإن لم يكن نصاً في المراد.
(المقدمة الثانية): إن من المقطوع به أيضاً أن الشارع المقدس لم يخرج في محاوراته واستعماله للألفاظ عن مسلك أهل المحاورة من العقلاء في تفهيم مقاصده بدليل أن الشارع من العقلاء بل رئيسهم، فهو متحد المسلك، معهم ولا مانع من اتحاده معهم في هذا المسلك، ولم يثبت من قبله ما يخالفه.
وإذا ثبتت هاتان المقدمتان القطعيتان لا محالة يثبت على سبيل الجزم أن الظاهر حجة عند الشارع: حجة له على المكلفين، وحجة معذرة للمكلفين.
هذا، ولكن وقعت لبعض الناس شكوك في عموم كل من المقدمتين، لا بد من التعرض لها وكشف الحقيقة فيها.
أما (المقدمة الأولى) فقد وقعت عدة أمور فيها:
1 ـ في أن تباني العقلاء على حجية الظاهر هل يشترط فيه حصول الظن الفعلي بالمراد؟
2 ـ في أن تبانيهم هل يشترط فيه عدم الظن بخلاف الظاهر؟
3 ـ في أن تبانيهم هل يشترط فيه جريان أصالة عدم القرينة؟
4 ـ في أن تبانيهم هل هو مختص بمن قصد إفهامه فقط، أو يعم غيرهم، فيكون الظاهر حجة مطلقاً؟
وأما (المقدمة الثانية): فقد وقع البحث في حجية ظواهر الكتاب العزيز، بل قيل: إن الشارع ردع عن الأخذ بظواهر الكتاب فلم يكن متحد المسلك فيه مع العقلاء. وهذه المقالة منسوبة إلى الإخباريين.
وعليه، فينبغي البحث عن كل و احد واحد من هذه الأمور، فنقول:
1 ـ اشتراط الظن الفعلي بالوفاق:
قيل: لا بد في حجية الظاهر من حصول ظن فعلي بمراد المتكلم، وإلا فهو ليس بظاهر. يعني أن المقوم لكون الكلام ظاهراً حصول الظن الفعلي للمخاطب بالمراد منه، وإلا فلا يكون ظاهراً، بل يكون مجملاً.
أقول: من المعلوم أن الظهور صفة قائمة باللفظ، وهو كونه بحالة يكون كاشفاً عن مراد المتكلم ودالاً عليه، والظن بما هو ظن أمر قائم بالسامع لا باللفظ فكيف يكون مقوماً لكون اللفظ ظاهراً، وإنما اقصى ما يقال إنه يستلزم الظن فمن هذه الجهة يتوهم أن الظن يكون مقوماً لظهوره.
وفي الحقيقة أن المقوم لكون الكلام ظاهراً عند أهل المحاورة هو كشفه الذاتي عن المراد، أي كون الكلام من شأنه أن يثير الظن عند السامع بالمراد منه، وإن لم يحصل ظن فعلي للسامع، لأن ذلك هو الصفة القائمة بالكلام. والمدرك لحجية الظاهر ليس بناء العقلاء فهو المتبع في أصل الحجية وخصوصياتها.
ألا ترى لا يصح للسامع أن يحتج بعدم حصول الظن الفعلي عنده من الظاهر إذا أراد مخالفته مهما كان السبب لعدم حصول ظنه، ما دام أن اللفظ بحالة من شأنه أن يثير الظن لدى عامة الناس.
وهذا ما يسمى بالظن النوعي، فيكتفي به في حجية الظاهر، كما يكتفي به في حجية خبر الواحد كما تقدم، وإلا لو كان الظن الفعلي معتبراً في حجية الظهور لكان كل كلام في آن واحد حجة بالنسبة إلى شخص غير حجة بالنسبة إلى شخص آخر. وهذا ما يتوهمه أحد ومن البديهي أنه لا يصح ادعاء أن الظاهر ليكون حجة لا بد أن يستلزم الظن الفعلي عند جميع الناس بغير استثناء، وإلا فلا يكون حجة بالنسبة إلى كل أحد.
2 ـ اعتبار عدم الظن بالخلاف:
قيل: إن لم يعتبر الظن بالوفاق فعلى الأقل يعتبر ألا يحصل ظن بالخلاف.
قال الشيخ صاحب الكفاية في رده: «والظاهر أن سيرتهم على اتباعها ـ أي الظواهر ـ من غير تقييد بإفادتها الظن فعلاً، ولا بعدم الظن كذلك على خلافها قطعاً، ضرورة أنه لا مجال للاعتذار من مخالفتها بعدم إفادتها الظن بالوفاق ولا بوجود الظن بالخلاف».
أقول: إن كان منشأ الظن بالخلاف أمر يصح في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم، فإنه لا ينبغي الشك في أن مثل هذا الظن يضر في حجية الظهور بل ـ على التحقيق ـ لا يبقى معه ظهور للكلام حتى يكون موضعاً لبناء العقلاء لأن الظهور يكون حينئذ على طبق ذلك الأمر المعتمد عليه في التفهيم، حتى لو فرض أن ذلك الأمر ليس بإمارة معتبرة عند الشارع، لأن الملاك في ذلك بناء العقلاء.
وأما إذا كان منشأ الظن ليس مما يصح الاعتماد عليه في التفهيم عند العقلاء فلا قيمة لهذا الظن من ناحية بناء العقلاء على اتباع الظاهر، لأن الظهور قائم في خلافه؛ ولا ينبغي الشك في عدم تأثير مثله في تبانيهم على حجية الظهور. والظاهر أن مراد الشيخ صاحب الكفاية من الظن بالخلاف هذا القسم الثاني فقط لا ما يعم القسم الأول.
وليس مراد القائل باعتبار عدم الظن بالخلاف هو القسم الأول فقط، لا ما يعم القسم الثاني، فيقع التصالح بين الطرفين.
3 ـ أصالة عدم القرينة:
ذهب الشيخ الأعظم في رسائله إلى أن الأصول الوجودية ـ مثل أصالة الحقيقة وأصالة العموم وأصالة الإطلاق ونحوها التي هي كلها أنواع لأصالة الظهور ـ ترجع كلها إلى أصالة عدم القرينة، بمعنى أن أصالة الحقيقة ترجع إلى أصالة عدم قرينة المجاز وأصالة العموم إلى أصالة عدم المخصص … وهكذا.
والظاهر أن غرضه من الرجوع أن حجية أصالة الظهور إنما هي من جهة بناء العقلاء على حجية أصالة عدم القرينة.
وذهب الشيخ صاحب الكفاية إلى العكس من ذلك، اي أنه يرى أن أصالة عدم القرينة هي التي ترجع إلى أصالة الظهور. يعني أن العقلاء ليس لهم إلا بناء واحد وهو البناء على أصالة الظهور، وهو نفسه بناء على أصالة عدم القرينة، لا إنه هناك بناءان عندهم:
بناء على أصالة عدم القرينة وبناء آخر على أصالة الظهور والبناء الثاني بعد البناء الأول ومتوقف عليه، ولا أن البناء على أصالة الظهور مرجع حجيته ومعناه إلى البناء على أصالة عدم القرينة.
أقول: الحق أن الأمر لا كما أفاده الشيخ الأعظم ولا كما أفاده صاحب الكفاية، فإنه ليس هناك أصل عند العقلاء غير أصالة الظهور يصح أن يقال له: (أصالة عدم القرينة)، فضلاً عن أن يكون هو المرجع لأصالة الظهور أو أن أصالة الظهور هي المرجع له.
بيان ذلك: أنه عند الحاجة إلى إجراء أصالة الظهور لا بد أن يحتمل أن المتكلم الحكيم أراد خلاف ظاهر كلامه. وهذا الاحتمال لا يخرج عن إحدى صورتين لا ثالثة لهما:
الأولى: أن يحتمل إرادة خلاف الظاهر مع العلم بعدم نصب قرينة من قبله لا متصلة ولا منفصلة. وهذا الاحتمال إما من جهة احتمال الغفلة عن نصب القرينة أو احتمال قصد الإيهام، أو احتمال الخطأ، أو احتمال قصد الهزل، أو لغير ذلك ـ فإنه في هذه الموارد يلزم المتكلم بظاهر كلامه، فيكون حجة عليه، ويكون حجة له أيضاً على الآخرين.
ولا تسمع منه دعوى الغفلة ونحوها، وكذلك لا تسمع من الآخرين دعوى احتمالهم للغفلة ونحوها، وهذا معنى أصالة الظهور عند العقلاء، أي أن الظهور هو الحجة عندهم ـ كالنص ـ بإلغاء كل تلك الاحتمالات.
ومن الواضح أنه في هذه الموارد لا موقع لأصالة عدم القرينة سالبة بانتفاء الموضوع، لأنه لا احتمال لوجودها حتى نحتاج إلى نفيها بالأصل. فلا موقع إذن في هذه الصورة للقول برجوع أصالة الظهور إلى هذا الأصل، ولا للقول برجوعه إلى أصالة الظهور.
الثانية: أن يحتمل إرادة خلاف الظاهر من جهة احتمال نصب قرينة خفيت علينا ـ فإنه في هذه الصورة يكون موقع لتوهم جريان أصالة عدم القرينة، ولكن في الحقيقة أن معنى بناء العقلاء على أصالة الظهور ـ كما تقدم ـ أنهم يعتبرون الظهور حجة كالنص بإلغاء احتمال الخلاف، أي احتمال كان ومن جملة الاحتمالات التي تلغى إن وجدت احتمال نصب القرينة. وحكمه حكم احتمال الغفلة ونحوها من جهة أنه احتمال ملغى ومنفي لدى العقلاء.
وعليه، فالمنفي عند العقلاء هو الاحتمال، لا أن المنفى وجود القرينة الواقعية، لأن القرينة الواقعية غير الواصلة لا أثر لها في نظر العقلاء ولا تضر في الظهور حتى يحتاج إلى نفيها بالأصل، بينما أن معنى اصالة عدم القرينة ـ لو كانت ـ البناء على نفي وجود القرينة، لا البناء على نفي احتمالها، والبناء على نفي الاحتمال هو معنى البناء على أصالة الظهور ليس شيئاً آخر.
وإذا اتضح ذلك يكون واضحاً لدينا أنه ليس للعقلاء في هذه الصورة الثانية ايضاً أصل يقال له (أصالة عدم القرينة)، حتى يقال برجوعه إلى أصالة الظهور أو برجوعها إليه، سالبة بانتفاء الموضوع.
والخلاصة: أنه ليس لدى العقلاء إلا أصل واحد، هو أصالة الظهور، وليس لهم إلا بناء واحد، وهو البناء على إلغاء كل احتمال ينافي الظهور: من نحو احتمال الغفلة، أو الخطأ، أو تعمد الإيهام، أو نصب القرينة على الخلاف أو غير ذلك. فكل هذه الاحتمالات ـ إن وجدت ـ ملغية في نظر العقلاء، وليس معنى إلغائها إلا اعتبار الظهور حجة كأنه نص لا احتمال معه بالخلاف. لا أنه هناك لدى العقلاء أصول متعددة وبناءات مترتبة مترابطة، كما ربما يتوهم، حتى يكون بعضها متقدماً على بعض، أو بعضها يساند بعضاً.
نعم لا بأس بتسمية إلغاء احتمال الغفلة بأصالة عدم الغفلة من باب المسامحة، وكذلك تسمية إلغاء احتمال القرينة بأصالة عدمها ….
وهكذا في كل تلك الاحتمالات ولكن ليس ذلك إلا تعبيراً آخر عن أصالة الظهور. ولعل من يقول برجوع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة أو بالعكس أراد هذا المعنى من أصالة عدم القرينة. وحينئذ لو كان هذا مرادهم لكان كل من القولين صحيحاً ولكان مآلهما واحداً، فلا خلاف والحمد الله.
4 ـ حجية الظهور بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام:
ذهب المحقق القمي في قوانينه إلى عدم حجية الظهور بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه بالكلام. ومثل لغير المقصودين بالإفهام بأهل زماننا وأمثالهم الذين لم يشافهوا بالكتاب العزيز وبالسنة، نظراً إلى أن الكتاب العزيز ليست خطاباته موجهة لغير المشافهين وليس هو من قبيل تأليفات المصنفين التي يقصد بها إفهام كل قارئ لها.
وأما السنة فبالنسبة إلى الأخبار الصادرة عن المعصومين في مقام الجواب عن سؤال السائلين لا يقصد منها إلا إفهام السائلين دون سواهم.
أقوال: إن هذا القول لا يستقيم، وقد ناقشه كل من جاء بعده من المحققين، وخلاصة ما ينبغي مناقشته به أن يقال: إن هذا كلام مجمل غير واضح، فما الغرض من نفي حجية الظهور بالنسبة إلى غير المقصود إفهامه؟
1 ـ إن كان الغرض أن الكلام لا ظهور ذاتي له بالنسبة إلى هذا الشخص فهو أمر يكذبه الوجدان.
2 ـ وإن كان الغرض ـ كما قيل في توجيه كلامه ـ دعوى إنه ليس للعقلاء بناء على إلغاء احتمال القرينة في الظواهر بالنسبة إلى غير المقصود بالإفهام، فهي دعوى بلا دليل، بل المعروف في بناء العقلاء عكس ذلك، قال الشيخ الإعظم في مقام رده: «إنه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد».
3 ـ وإن كان الغرض ـ كما قيل في توجيه كلامه أيضاً ـ إنه لما كان من الجائز عقلاً أن يعتمد المتكلم الحكيم على قرينة غير معهودة ولا معروفة إلا لدى من قصد إفهامه، فهو احتمال لا ينفيه العقل، لأنه لا يقبح من الحكيم ولا يلزم نقض غرضه إذا نصب قرينة تخفى على غير المقصودين بالإفهام. ومثل هذه القرينة الخفية على تقدير وجودها لا يتوقع من غير المقصود بالإفهام أن يعثر عليها بعد الفحص.
فهو كلام صحيح في نفسه إلا أنه غير مربوط بما نحن فيه، أي لا يضر بحجية الظهور ببناء العقلاء.
وتوضيح ذلك: إن الذي يقوّم حجية الظهور هو نفي احتمال القرينة ببناء العقلاء لا نفي احتمالها بحكم العقل، ولا ملازمة بينهما، أي أنه إذا كان احتمال القرينة لا ينفيه العقل فلا يلزم عنه عدم نفيه ببناء العقلاء النافع في حجية الظهور.
بل الأمر أكثر من أن يقال لا ملازمة بينهما، فإن الظهور لا يكون ظهوراً إلا إذا كان هناك احتمال للقرينة غير منفي بحكم العقل، وإلا لو كان احتمالها منفياً بحكم العقل كان الكلام نصاً لا ظاهراً.
وعلى نحو العموم نقول: لا يكون الكلام ظاهراً ليس بنص قطعي في المقصود إلا إذا كان مقترناً باحتمال عقلي أو احتمالات عقلية غير مستحيلة التحقق مثل احتمال خطأ المتكلم أو غفلته أو تعمده للإيهام لحكمة أو نصبه لقرينة تخفى على الغير أو لا تخفى.
ثم لا يكون الظاهر حجة إلا إذا كان البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذه الاحتمالات، أي عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر.
وعليه فالنفي الادعائي العملي للاحتمالات هو المقوم لحجية الظهور، لا نفي الاحتمالات عقلاً من جهة استحالة تحقق المحتمل، فإنه إذا كانت الاحتمالات مستحيلة التحقق لا تكون محتملات ويكون الكلام حينئذ نصاً لا نحتاج في الأخذ به إلى فرض بناء العقلاء على إلغاء الاحتمالات.
وإذا اتضح ذلك نستطيع أن نعرف إن هذا التوجيه المذكور للقول بالتفصيل في حجية الظهور لا وجه له، فإنه أكثر ما يثبت به أن نصب القرينة الخفية بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه أمر محتمل غير مستيحل التحقق، لأنه لا يقبح من الحكيم أن يصنع مثل ذلك، فالقرينة محتملة عقلاً.
ولكن هذا لا يمنع من أن يكون البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذا الاحتمال، سواء أمكن أن يعثر على هذه القرينة بعد الفحص ـ لو كانت ـ أم لا يمكن.
4 ـ ثم على تقدير تسليم الفرق في حجية الظهور بين المقصود بالإفهام وبين غيره، فالشأن كل الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز والسنة:
أما (الكتاب العزيز) فإنه من المعلوم لنا أن التكاليف التي يتضمنها عامة لجميع المكلفين ولا اختصاص لها بالمشافهين. وبمقتضى عمومها يجب ألا تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين. بل لا شك أن المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم.
وأما (السنة)، فإن الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمن تكاليف عامة لجميع المكلفين أو المقصود بها إفهام الجميع حتى غير المشافهين، وقلما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على أسئلة خاصة. وإذا قصد ذلك فإن التكليف فيها لا بد أن يعم غير السائل بقاعدة الاشتراك. ومقتضى الأمانة في النقل وعدم الخيانة من الراوي المفروض فيه ذلك أن ينبه على كل قرينة دخيلة في الظهور، ومع عدم بيانها منه يحكم بعدمها.
5 ـ حجية ظواهر الكتاب:
نسب إلى جماعة من الإخباريين القول بعدم حجية ظواهر الكتاب العزيز، وأكدوا: أنه يجوز العمل بها من دون أن يرد بيان وتفسير لها من (عن) آل بيت العصمة عليهم السلام.
أقول: إن القائلين بحجية ظواهر الكتاب.
1 ـ يقصدون حجية كل ما في الكتاب، وفيه آيات محكمات وأخر متشابهات. بل المتشابهات لا يجوز تفسيرها بالرأي. ولكن التمييز بين المحكم والمتشابه ليس بالأمر العسير على الباحث المتدبر، إذا كان هذا ما يمنع من الأخذ بالظواهر التي هي من نوع المحكم.
2 ـ لا يقصدون ـ أيضاً ـ بالعمل بالمحكم من آياته جواز التسرع بالعمل به من دون فحص كامل عن كل ما يصلح لصرفه عن الظهور في الكتاب والسنَّة من نحو الناسخ والمخصص والمقيد وقرينة المجاز…
3 ـ لا يقصدون ـ أيضاً ـ أنه يصح لكل أحد أن يأخذ بظواهره وإن لم تكن له سابقة معرفة وعلم وتأمل ودراسة لكل ما يتعلق بمضمون آياته. فالعامي وشبه العامي ليس له أن يدعي فهم ظواهر الكتاب والأخذ بها.
وهذا أمر لا اختصاص له بالقرآن الكريم، بل هذا شأن كل كلام يتضمن المعارف العالية والأمور العلمية وهو يتوخى الدقة في العبير. ألا ترى أن لكل علم أهلاً يرجع إليهم في فهم مقاصد كتب ذلك العلم، وأن له أصحاباً يؤخذ منهم آراء ما فيه من مؤلفات.
مع أن هذه الكتب والمؤلفات لها ظواهر تجري على قوانين الكلام وأصول اللغة وسنن أهل المحاورة هي حجة على المخاطبين بها وهي حجة على مؤلفيها، ولكن لا يكفي للعامي أن يرجع إليها ليكون عالماً بها يحتج بها أو يحتج بها عليه بغير تلمذة على أحد أهلها، ولو فعل ذلك هل تراه لا يؤنب على ذلك ولا يلام على تطفله. وكل ذلك لا يسقط ظواهرها عن كونها حجة في نفسها، ولا يخرجها عن كونها ظواهر يصح الاحتجاج بها.
وعلى هذا، فالقرآن الكريم إذ نقول إنه حجة على العباد، فليس معنى ذلك أن ظواهره كلها هي حجة بالنسبة إلى كل أحد حتى بالنسبة إلى من لم يتنور بنور العلم والمعرفة.
وحينئذ نقول لمن ينكر حجية ظواهر الكتاب: ماذا تعني من هذا الإنكار؟
1 ـ إن كنت تعني هذا المعنى الذي تقدم ذكره، وهو عدم جواز التسرع بالأخذ بها من دون فحص عما يصلح لصرفها عن ظواهرها وعدم جواز التسرع بالأخذ بها من كل أحد ـ فهو كلام صحيح. وهو أمر طبيعي في كل كلام عال رفيع، وفي كل مؤلف في المعارف العالية. ولكن قلنا: إنه ليس معنى ذلك أن ظواهره مطلقاً ليست بحجة بالنسبة إلى كل أحد.
2 ـ وإن كنت تعني الجمود على خصوص ما ورد من آل البيت عليهم السلام، على وجه لا يجوز التعرض لظاهر القرآن والأخذ بها مطلقاً فيما لم يرد فيه بيان من قبلهم، حتى بالنسبة إلى من يستطيع فهمه من العارفين بمواقع الكلام وأساليبه ومقتضيات الأحوال، مع الفحص عن كل ما يصلح للقرينة أو ما يصلح لنسخه ـ فإنه أمر لا يثبته ما ذكروه له من أدلة.
كيف، وقد ورد عنهم عليهم السلام إرجاع الناس إلى القرآن الكريم، مثل ما ورد من الأمر بعرض الأخبار المتعارضة عليه، بل ورد عنهم ما هو أعظم من ذلك وهو عرض كل ما ورد عنهم على القرآن الكريم، كما ورد عنهم الأمر برد الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود، ووردت عنهم أخبار خاصة دالة على جواز التمسك بظواهره نحو قوله عليه السلام لزرارة لما قال له:
«من أين علمت أن المسح ببعض الرأس»؟ فقال عليه السلام: (لمكان الباء) ويقصد الباء من قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾. فعرّف زرارة كيف يستفيد الحكم من ظاهر الكتاب.
ثم إذا كان يجب الجمود على ما ورد من أخبار بيت العصمة فإن معنى ذلك هو الأخذ بظواهر أقوالهم لا بظواهر الكتاب. وحينئذ ننقل الكلام إلى نفس أخبارهم حتى فيما يتعلق منها بتفسير الكتاب، فنقول: هل يكفي لكل أحد أن يرجع إلى ظواهرها من دون تدبر وبصيرة ومعرفة، ومن دون فحص عن القرائن وإطلاع على كل ما له دخل في مضامينها؟
بل هذه الأخبار لا تقل من هذه الجهة عن ظواهر الكتاب، بل الأمر فيها أعظم لأن سندها يحتاج إلى تصحيح وتنقيح وفحص، ولأن جملة منها منقول بالمعنى، وما ينقل بالمعنى يحرز فيه نص ألفاظ المعصوم وتعبيره، ولا مراداته. ولا يحرز في أكثرها أن النقل كان لنص الألفاظ.
وأما ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي، مثل النبوي المشهوي: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» ـ فالجواب عنه أن التفسير غير الأخذ بالظاهر والأخذ بالظاهر لا يسمى تفسيراً. على أن مقتضى الجمع بيها وبين تلك الأخبار المجوزة للأخذ بالكتاب والرجوع إليه حمل التفسير بالرأي ـ إذا سلمنا أنه يشمل الأخذ بالظاهر.
على معنى التسرع بالأخذ به بالاجتهادات الشخصية من دون فحص ومن دون سابق معرفة وتأمل ودراية. كما يعطيه التعليل في بعضها بأن فيه ناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً.
مع أنه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها إلا أهل الذكر، وفيه ما يقصر عن الوصول إلى دركه أكثر الناس. ولا يزال تنكشف له من الأسرار ما كان خافياً على المفسرين كلما تقدمت العلوم والمعارف مما يوجب الدهشة ويحقق إعجازه من هذه الناحية.
والتحقيق إن في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهوراً وخفاء، وليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس، وكذلك كل كلام، ولا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهراً يصلح للاحتجاج به عند أهله. بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كل أحد وظهور آخر يحتاج إلى تأمل وبصيرة فيخفى على كثير من الناس.
ولنضرب لذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿أعطيناك الكوثر﴾، فإن هذه الآية الكريمة ظاهرة في أن الله تعالى قد أنعم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإعطائه الكوثر. وهذا الظهور بهذا المقدار لا شك فيه لكل أحد. ولكن ليس كل الناس فهموا المراد من (الكوثر) فقيل: المراد به نهر في الجنة وقيل: المراد القرآن والنبوة.
وقيل: المراد به ابنته فاطمة عليها السلام. وقيل غير ذلك. ولكن من دقق في السورة يجد أن فيها قرينة على المراد منه، وهي الآية التي بعدها ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ والأبتر: الذي لا عقب له، فإنه بمقتضى المقابلة يفهم منها أن المراد الأنعام عليه بكثرة العقب والذرية. وكلمة ﴿الكوثر﴾ لا تأبى عن ذلك، فإن (فوعل) تأتي للمبالغة، فيراد بها المبالغة في الكثرة، والكثرة: نماء العدد. فيكون المعنى: إنا أعطيناك الكثير من الذرية والنسل. وبعد هذه المقارنة ووضوح معنى الكوثر يكون للآية ظهور يصح الاحتجاج به ولكنه ظهور بعد التأمل والتبصر. وحينئذ ينكشف صحة تفسير كلمة ﴿الكوثر﴾ بفاطمة لانحصار ذريته الكثيرة من طريقها، لا على أن تكون الكلمة من أسمائها.
محمد رضا المظفر
العادل شاهية (الدولة)
يوسف عادل شاه هو ابن السلطان محمد فاتح القسطنطينية، وحينما توفي محمد الفاتح تقرر أن يخلفه على عرشه ابنه الأكبر السلطان بايزيد، ولم يكن يتورع العثمانيون عن أن يقتلوا إخوان السلطان لمنع وقوع الاختلافات في جهاز الدولة، وكان يوسف حين وفاة والده صبياً في الثانية عشرة من عمره. فرأت أمه وهي في الأصل من الأقوام القفقازيه أن ابنها مقتول هذه الليلة لا محالة، فاتفقت مع واحد من كبار التجار الإيرانيين الذين تربطهم بالملكة روابط تجارية وكان حينها قد قدم إلى القسطنطينية أن تدفع إليه ابنها بدلاً عن غلام جركسي، فأخذ التاجر الإيراني واسمه (الخواجه عماد الدين محمود البادكوبه) أي الأمير وألحقه بخدمه ثم غادر اسطنبول في ليلته متوجهاً إلى إيران وفي المقابل أخذت الملكة الغلام الجركسي وهو في سن ابنها فأنامته في سرير الأمير ثم رشت قائد الجند الذي قدم ليلاً لقتل ابنها وأنعمت عليه فخنق الغلام وأخرج نعشه زاعماً أنه الأمير يوسف.
وأفلح الخواجه محمود والأمير (الغلام) في مغادرة الأراضي العثمانية بسلام، فأسرع الأمير لحمل النذور التي نذرتها أمه طلباً لنجاته إلى الخانقاه الصفوي في أردبيل، ثم دخل في شكل مريدي هذا الخانقاه.
وقعت الحادثة في زمن الشيخ جنيد، فلما آل الأمر إلى الشيخ حيدر أمر الخواجه محمود بحمل الأمير إلى الهند.
وسلك الخواجه محمود البادكوبه اي طريق البحر في سفره فوصل ميناء مصطفى آباد في سواحل الدكن ثم انتقل منه إلى أحمد آباد بيدر وهي مركز سلطنة الملوك البهمنيين، وكان الخواجة محمود يرتبط بصداقة قديمة مع وزير البهمنيين الخواجه محمود كاوان الكيلاني، وكان الأخير الملقب بخواجه جهان يستقدم أبناء بلده لا سيما أبناء مدن سواحل الخزر ويوليهم عناية خاصة ويعينهم في وظائف دولته ويسعى دائماً لإعزاز الإيرانيين وتكريمهم، ولذلك اشترى الأمير يوسف واثنين من الغلمان الجركس، ثم راح يصف لنظام شاه بهمن ووالدته مخدومه جهان صفات يوسف وسعة إدراكه وجمال وجهه وحسن سيرته، فألحقه الملك بغلمانه.
وأخذ الغلام يوسف يتدرج في المناصب حتى أصبح قائداً كبيراً باسم يوسف عادل خان.
وضعفت شوكة البهمنيين وتفرق جمعهم فادعى كل رأس من رؤوسهم الزعامة والقيادة، واستغل يوسف عادل خان الفرصة فجمع حوله جيشاً من الإيرانيين والتركمان وغيرهم وأعلن نفسه ملكاً في ولاية بيجابور بإسم الملك يوسف عادل شاه.
وضعفت شوكة البهمنيين وتفرق جمعهم فادعى كل رأس من رؤوسهم الزعامة والقيادة، واستغل يوسف عادل خان الفرصة فجمع حوله جيشاً من الإيرانيين، والتركمان وغيرهم وأعلن نفسه ملكاً في ولاية بيجابور بإسم الملك يوسف عادل شاه.
ودخل عادل شاه في حروب عديدة مع أعدائه الأقوياء، وأحسن باشتداد الأمر عليه، فعزم على الإيفاء بوعده الذي قطعه على نفسه، فاجتمع مع كبار قادته الإيرانيين مثل الميرزا جهانكير القمي وحيدر بيك التبريزي وغيرهم في مسجد بيجابور الجامع في أحد أيام الجمعة من عام 908هـ، وخطب بإسم الأئمة الاثني عشر، فثارت ثائرة ملوك وحكام الولايات المجاورة واتحدوا فيما بينهم وشنوا عليه الحرب، إلا أنه رفض تغيير موقفه وأصر على إبقاء المذهب الشيعي المذهب الرسمي لدولته، ثم بعث سفيراً إلى البلاط الصفوي اسمه السيد أحمد الهروي فأبلغ الملك إسماعيل بما أقدم عليه الملك عادل شاه.
ومكث السيد أحمد الهروي في البلاط الإيراني إلى حين ثم عاد ألى الدكن برفقة سفراء الشاه إسماعيل.
وبعد وفاة الملك يوسف عادل شاه خلفه ابنه إسماعيل عادل شاه، فسار على خطى أبيه بل فاقه في حب العائلة الصفوية، فمثلاً حينما ورده كتاب الشاه إسماعيل مهنئاً باعتلائه العرش وقرأ في الكتاب خطاب (مجد السلطنة والحشمة والشوكة … إسماعيل عادل شاه) أقام احتفالاً كبيراً وقال بافتخار: الآن حلت في أسرتنا حقيقة الملك، لأن الملك الصفوي يخاطبني بلقب الملك([639]).
وأمر منذ ذلك الحين جميع رجال بلاطه وعساكر دولته بإرتداء تاج الفزلباش الأحمر وأمر بتغريم المتخلف اثني عشر خروفاً، فإذا تكرر التخلف منه، خلعت عمامته واقتيد إلى السوق ليتعرض لإهانات الناس واستهزائهم، وقرر أيضاً الدعاء للشاه إسماعيل ولخلفائه من بعده وقراءة الفاتحة لهم في خطب الجمعة وأيام العيد. وظلت هذه العادة قائمة في الدكن حتى نهاية الحكم العادل شاهي الذي استمر مائتي سنة.
وعندما بلغ الشاه إسماعيل خبر وفاة يوسف عادل شاه بعث إبراهيم بيك التركماني سفيراً عنه إلى بلاط الدكن وحمله نطاقاً وسيفاً مرصعاً وتحفاً كثيرة إلى الملك إسماعيل عادل شاه.
وكان تأسيس الدولة العادل شاهية وتأييد الدولة الصفوية لها سبباً في وجود دولتين شيعيتين أخريين في الدكن إحداهما الدولة القطب شاهية والأخرى الدولة العماد شاهية، وارتبطت هذه الدول الثلاث حتى نهايتها بعلاقات ودية وثيقة بإيران وحدث مراراً أن استعانت بقوة الملوك الصفويين في تثبيت وجودها وتقوية شوكتها وسعت أيضاً لدعم نفوذ إيران في الهند.
إلا أن وجود هذه الدول أخذ يتزلزل في أواخر الحكم الصفوي بعد ظهور ملك دلهي المتعصب أورنك زيب، فقد اشتد عداؤه لإيران بعد فشله في فتح قندهار، ثم هاجم الدكن فأقام فيها عشرين سنة وطفق يشن الحملات المتتالية على الدول الشيعية المذكورة حتى أزالها من الوجود.
سلطان علي أصغر رحيم زاده
العارضيات
اسم لأربعة أنهر صغيرة متقاربة الصدور تقع على مسافة قليلة من مقدم بلدة الرميثة، منسوبة إلى عشيرة بني عارض، وقعت عندها إحدى أكبر معارك الثورة العراقية على الإنكليز سنة 1920 فسميت باسمها: (معركة العارضيات). «راجع الثورة العراقية».
وفي ذلك يقول الشيخ جواد الشبيبي من قصيدة:
ماج العراق ببأس الناهضين به
فالخصم مضطرب والعزم مضطرم
وفي الفرات مناجيد مواقفهم
مع العدى بجبين الدهر ترتسم
الباقيات مع الدنيا مخلدة
يخطها لهم في لوحها القلم
حي الفرات وحي النازلين على
ضفافه حيث يعلو العز والشيم
وبين (ذي الكفل) والفيحاء ملحمة
فيها تباشرت العقبان والرخم([640])
جاء العداة لها عصراً بفيلقهم
فزايلوها مزاراً بعدما اعتصموا
و(العارضيات) فيها عاد خصمهم
يؤمها ناكصاً لما به اصطدموا
أصاخ للمدفع الرعاد جمعهم
كأنما الرعد في آذانهم نغم
تسلسل الجيش مأسوراً وقادته
خافوا مقارنة الأصفاد فانهزموا
مذنبات العوالي في متونهم
فأينما انحرفوا عن شهبها رجموا
وبعد ذلك خلال الحكم الوطني سنة 1935 م (1354م) حين كان ياسين الهاشمي خارج الحكم وكان يرأس حزب الأخاء الوطني وكان معه في الحزب بعض رؤساء العشائر، فأراد الوصول إلى الحكم بأية وسيلة فأغرى من معه من رؤساء العشائر بأن يثوروا على الحكومة القائمة ففعلوا وثارت عشائرهم فاستقال رئيس الوزراء على جودت الأيوبي، فلم يدع الهاشمي لتولي الحكم، بل دعي جميل المدفعي فواصلت العشائر ثورتها، فأبى جميل المدفعي أن يخمد الثورة بقوة الجيش لأن الأمر سيعود حرباً أهلية تذكيها شهوة الحكم فاستقال قبل أن يكمل الشهر في وزارته. فعند ذلك استدعي ياسين الهاشمي لتولي الحكم.
وكما كان للهاشمي أنصار بين رؤساء العشائر، كان لخصومه أنصار كذلك فحركوا خوام العبد العباس فثار بعشيرته بني زريج متحالفاً مع رؤساء بني حجيم. ولكن الهاشمي أسرع فأعلن الأحكام العرفية في 11 أيار سنة 1935 وساق الجيش لقتال العشائر مستعملاً الطائرات، فاصطدم الجيش بالعشائر في العارضيات ووقعت معارك حامية انتهت باحتلال الرميثة.
فقال الشيخ محمد علي اليعقوبي في ذلك من قصيدة:
واها على الشعب العزيز قد هان
من نكبات لم تكن بالحسبان
يبكي لها الحر ويرثي الغيران
ما فعلت نوابنا والأعيان
نهر العاصي ينبع من شمال لبنان ويمر في سوريا متابعا إلى لواء الاسكندرون في تركيا. والليطاني في جنوب لبنان تستغل اسرائيل جزءاً منه، إلى مياه الحاصباني والوزاني والمياه الجوفية.
أين مضت عهودهم والإيمان
أين ذوو المجد وأهل الوجدان
هذي ديار يعرب وقحطان
بالعارضيات جرت كالطوفان
والنفس ليس لها من أثمان
قد أزهقتها نزغات الشيطان
وياسين الهاشمي الذي أسقط وزارة جميل المدفعي بثورة العشائر، أسقط وزارته بكر صدقي بثورة الجيش.
العاصي (نهر)
يتكون نهر العاصي في لبنان من عدة ينابيع تقع في البقاع الشمالي وتغذيها الطبقات الكلسية Cenomanien المتشققة في الجبال الساحلية والداخلية. أن هذه الينابيع ناتجة عن تجمع المياه في واد عريض بشكل Synclinal حيث تظهر على سطح الأرض عندما يمتلئ الوادي ويفيض دون أن تظهر معها طبقة مانعة.
إن مياه هذه الينابيع ومياه السيلان تشكل مجرى يتجه نحو الشمال في مقر واد عميق ويطفو على سطح الأرض في سهل حمص حيث يغذي البحيرة ويمر في حماه والغاب وجسر الشغور والدركوش وجسر الحديد ثم يتجه نحو الأراضي التركية فيمر في الطرف الجنوبي من السهل ويلتوي نحو الغرب فيمر في انطاكية قبيل مصبه في البحر.
إن مساحة الأراضي التي تصرف مياهها في نهر العاصي هي:
في لبنان 1870 كلم2، في سوريا 13630 كلم2، المجموع: 15500 كلم2.
يتبين، إذن، أن نهر العاصي هو نهر دولي يشترك فيه لبنان وسوريا وتركيا، ويقتضي بالتالي تجهيز هذا النهر أخذاً بعين الاعتبار هذه الصفة الدولية.
من الناحية الهيدرولوجية ولإعطاء فكرة واضحة عن تصريف النهر وأهميته الهيدرولوجية نبين في الجدول المرفق المعدل الشهري لتصريف النهر بالمتر المكعب وبالثانية عند عين الزرقاء ابتداء من سنة 1931.
ويتبين من الجدول رقم 1 أن الفرق بين الحدين الأقصى والأدنى هو ضئيل ولا سيما إذا ما قيس بسائر الأنهر اللبنانية.
ومن جهة ثانية، لنأخذ فكرة عن تطور تصريف النهر ابتداءً من الهرمل ولغاية انطاكية، نبين في الجدول رقم 2 خلال سنة 1931 معدل التصريف الشهري الأقصى والأدنى في محطات الكيل المتوفرة بين النبع والمصب، كما نبين الارتفاعات التقريبية عند هذه المواقع.
إن هذه الينابيع باستثناء عين الزرقاء تستعمل بكاملها للري في أيام الصيف ولا تساهم إطلاقاً في زيادة تصريف نهر العاصي.
وللاستفادة من مياه نهر العاصي ضمن الحدود اللبنانية يقتضي بادئ ذي بدء ري أراضي منطقتي القاع والهرمل وتنشيط الزراعة فيهما لا سيما وأن قسماً لا يستهان به من هذه الأراضي يبلغ حوالي 5500 هكتار قابل للري.
وهذه المساحة هي موزعة كما يلي:
في القاع: 2600 هكتار بالجاذبية 1200 هكتار بالضخ.
في الهرمل: 1400 هكتار بالجاذبية 300 هكتار بالضخ.
إن كمية المياه اللازمة لري هذه الأراضي تبلغ 6 م3 بالثانية كحد أقصى على أساس مقنن مائي يساوي لتر بالثانية وبالهكتار.
إن هذه الأراضي لا يروى منها حالياً إلا قسم من بساتين القاع من مياه اللبوة التي تجري بواسطة قناة ترابية يبلغ طولها 23 كلم تقريباً. أن هذا الري الجزئي المتقطع مرهون بتوفر المياه في اللبوة وزيادتها عن حاجات المنطقة المحيطة بها.
وتجدر الإشارة إلى أن أراضي القاع كانت تروي في الماضي بواسطة نفق روماني يبتدئ على نهر العاصي عند بلدة شواغير ويسمى بقناة البيضا. وقد حاولت الإدارة منذ عدة سنوات فتح هذا النفق المردوم ودرست إمكانية الاستفادة منه من جديد ثم عدلت عن ذلك نظراً لكلفة المشروع وعدم اندماجه ضمن مشروع عام شامل. ومما يلفت النظر وجود آبار عامودية مردومة على طول محور النفق وعلى مسافة 30م بين البئر والآخر وقد ساعد وجود هذه الآبار على اكتشاف النفق المذكور.
بالإضافة إلى استعمال مياه العاصي لري أراضي القاع والهرمل يمكن الاستفادة من المشروع لتوليد الطاقة الكهربائية.
معدل التصريف:
في الوادي: عين الزرقاء 14,50 م3 بالثانية الشواغير 0,20 الهرمل 0,420 .
سفح الجبل الغربي: القصر 180,0 جونين 0,250.
سفح الجبل الشرقي: لبوة 1,1800 فاكهة 0,050 رأس بعلبك 0,050.
العبادات
العبادات لها دور كبير في الإسلام. وأحكامها تمثل جزء مهم من الشريعة والسلوك العبادي يشكل ظاهرة ملحوظة في الحياة اليومية للإنسان المتدين.
ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثل أحد أوجهها الثابتة التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة وظروف التطور المدني في حياة الإنسان إلا بقدر يسير، خلافاً لجوانب تشريعية أخرى مرنة ومتحركة، يتأثر أسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطور المدني في حياة الإنسان كنظام المعاملات والعقود.
ففي المجال العبادي يصلي إنسان عصر الكهرباء والفضاء ويصوم ويحج كما كان يصلي ويصوم ويحج سلفه في عصر الطاحونة اليدوية.
صحيح أنه في الجانب المدني من التحضير للعبادة قد يختلف هذا عن ذاك، فهذا يسافر إلى الحج بالطائرة، وذلك كان يسار ضمن قافلة من الإبل، وهذا يستر جسده في الصلاة بملابس مصنعه أنتجتها الآلة وذاك يستر جسمه بملابس نسجها بيده، ولكن صيغة العبادة العامة وطريقة تشريعها واحدة، وضرورة ممارستها ثابتة لم تتأثر ولم تتزعزع قيمتها التشريعية بالنمو المستمر لسيطرة الإنسان على الطبيعة ووسائل عيشه فيها.
وهذا يعني أن الشريعة لم تعط الصلاة والصيام والحج و الزكاة وغير ذلك من عبادات الإسلام كوصفة موقوتة، وصيغة تشريعية محدودة بالظروف التي عاشتها في مستهل تاريخها، بل فرضت تلك العبادات على الإنسان وهو يزاول عملية تحريك الآلة بقوى الذرة كما فرضتها على الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي.
ونستنتج من ذلك أن نظام العبادات يعالج حاجة ثابتة في حياة لإنسان خلقت معه وظلت ثابتة في كيانه على الرغم من التطور المستمر في حياته لأن العلاج بصيغة ثابتة يفترض أن الحاجة ثابتة ومن هنا يبرز السؤال التالي:
هل هناك حقاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ بدأت الشريعة دورها التربوي للإنسان، وظلت حاجة إنسانية حية بإستمرار إلى يومنا هذا، لكي نفسر على أساس ثباتها ثبات الصيغ التي عالجت الشريعة بموجبها تلك الحاجة وأشبعتها، وبالتالي نفسر استمرار العبادة في دورها الإيجابي في حياة الإنسان؟.
وقد يبدو بالنظرة الأولى أن فتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً، ولا ينطبق على واقع حياة الإنسان حين نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد، لأننا نجد أن الإنسان يبتعد ـ بإستمرار ـ بطريقة حياته ومشاكلها وعوامل تطورها عن ظروف مجتمع القبيلة الذي ظهرت فيه الشريعة الخاتمة ومشاكله الوثنية وهمومه وتطلعاته المحدودة. وهذا الابتعاد المستمر يفرض تحولاً أساسياً في كل حاجاته وهمومه ومتطلباته، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها، فكيف بإمكان العبادات بنظامها التشريعي الخاص أن تؤدي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدة زمنياً من حياة الإنسانية، على الرغم من التطور الكبير في الوسائل وأساليب الحياة.
ولئن كانت عبادات كالصلاة والوضوء والغسل والصيام مفيدة في مرحلة ما من حياة الإنسان البدوي، لأنها تساهم في تهذيب خلقه والتزامه العملي بتظيف بدنه وصيانته من الأفراط في الطعام والشراب، فإن هذه الأهداف تحققها للإنسان الحديث اليوم طبيعة حياته المدنية وأسلوب معيشته اجتماعياً. فلم تعد تلك العبادات حاجة ضرورية كما كانت في يوم من لأيام، ولم يبق لها دور في بناء حضارة الإنسان أو حل مشاكله الحضارية.
ولكن هذه النظرة على خطأ، فإن التطور الاجتماعي في الوسائل والأدوات، وتحول المحراث في يد الإنسان إلى آلة يحركها البخار أو تديرها الكهرباء، إنما يفرض التغير في علاقة الإنسان بالطبيعة وما تتخذه من أشكال مادية، فكل ما يمثل علاقة بين الإنسان والطبيعة، كالزراعة التي تمثل علاقة بين الأرض والمزارع، تتطور شكلاً ومضموناً من الناحية المادية تبعاً لذلك.
وأما العبادات فهي ليست علاقة بين الإنسان والطبيعة لتتأثر بعوامل هذا التطور، وإنما هي علاقة بين الإنسان وربه، ولهذه العلاقة دور روحي في توجيه علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وفي كلا هذين الجانبين نجد أن الإنسانية على مسار التاريخ تعيش عدداً من الحاجات الثابتة التي يواجهها انسان عصر الزيت وانسان عصر الكهرباء على السواء. ونظام العبادات في الإسلام علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ولمشاكل ليست ذات طبيعة مرحلية، بل تواجه الإنسان في بنائه الفردي والاجتماعي والحضاري بإستمرار ولا يزال هذا العلاج الذي تعبر عنه العبادات حياً في أهدافه حتى اليوم، وشرطاً أساسياً في تغلب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية.
ولكي نعرف ذلك بوضوح يجب أن نشير لى بعض الخطوط الثابتة من الحاجات والمشاكل في حياة الإنسان، والدور الذي تمارسه العبادات في إشباع تلك الحاجات والتغلب على هذه المشاكل.
وهذه الخطوط هي كما يلي:
1 ـ الحاجة إلى الارتباط بالمطلق.
2 ـ الحاجة إلى الموضوعية في القصد وتجاوز الذات.
3 ـ الحاجة إلى الشعور الداخلي بالمسؤولية كضمان للتنفيذ.
وإليكم تفصيل هذه الخطوط:
1 ـ الحاجة إلى الارتباط بالمطلق
نظام العبادات طريقة في تنظيم المظهر العملي لعلاقة الإنسان بربه، ولهذا لا ينفصل عند تقييمه عن تقييم هذه العلاقة بالذات ودورها في حياة الإنسان، ومن هنا يترابط السؤالان التاليان:
أولاً: ما هي القيمة التي تحققها علاقة الإنسان بربه لهذا الإنسان في مسيرته الحضارية؟، وهل هي قيمة ثابتة تعالج حاجة ثابتة في هذه المسيرة أو قيمة مرحلية ترتبط بحاجات موقوتة أو مشاكل محدودة، وتفقد أهميتها بانتهاء المرحلة التي تحدد تلك الحاجات والمشاكل.
ثانياً: ماهو الدور الذي تمارسه العبادات بالنسبة إلى تلك العلاقة ومدى أهميتها بوصفها تكريساً عملياً لعلاقة الإنسان بالله؟
وفيما يأتي موجز من التوضيح اللازم فيما يتعلق بهذين السؤالين.
الارتباط بالمطلق مشكلة ذات حدين
قد يجد الملاحظ ـ وهو يفتش الأدوار المختلفة لقصة الحضارة على مسرح التاريخ ـ أن المشاكل متنوعة والهموم متباينة في صيغها المطروحة في الحياة اليومية، ولكننا إذا تجاوزنا هذه الصيغ ونفذنا إلى عمق المشكلة وجوهرها استطعنا أن نحصل من خلال كثير من تلك الصيغ اليومية المتنوعة على مشكلة رئيسية ثابتة ذات حدين أو قطبين، متقابلين يعاني الإنسان منهما في تحركه الحضاري على مر لتاريخ، وهي من زاوية تعبر عن مشكلة: الضياع واللاانتماء وهذا يمثل الجانب السلبي من المشكلة، ومن زوية أخرى تعبر عن مشكلة الغلو في الانتماء والانتساب بتحويل الحقائق النسبية التي ينتمي إليها إلى مطلق، وهذا يمثل الجانب الإيجابي من المشكلة. وقد اطلقت الشريعة الخاتمة على المشكلة لأولى إسم: الالحاد، باعتباره المثل الواضح لها، وعلى المشكلة الثانية إسم: الوثنية والشرك، باعتباره المثل الواضح لها أيضاً، ونضال الإسلام المستمر ضد الالحاد والشرك هو في حقيقته الحضارية نضال ضد المشكلتين بكامل بعديهما التاريخيين.
وتلتقي المشكلتان في نقطة واحدة أساسية، وهي: اعاقة حركة الإنسان في تطوره عن الإستمرار الخلاق المبدع الصالح، لأن مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أنه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى مطلق، يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقة الطويلة المدى، ويستمد من إطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف، ويربط من خلال ذلك المطلق حركته بالكون، بالوجود كله، بالأزل والأبد، ويحدد موقعه منه وعلاقته بالإطار الكوني الشامل فالتحرك الضائع بدون مطلق تحرك عشوائي كريشة في مهب الريح، تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثر فيها وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مر لتاريخ إلا وهو مرتبط بالاستناد إلى مطلق والالتحام معه في سير هادف.
غير أن هذا الارتباط نفسه يوجه من ناحية أخرى الجانب الآخر من المشكلة، أي مشكلة الغلو في الانتماء بتحويل النسبي إلى مطلق، وهي مشكلة تواجه الإنسان بإستمرار، إذ ينسج ولاءه لقضية لكي يمده هذا الولاء بالقدرة على الحركة ومواصلة السير، إلا أن هذا الولاء يتجمد بالتدريج ويتجرد عن ظروفه النسبية التي كان صحيحاً ضمنها، وينتزع الذهن البشري منه مطلقاً لا حد له، ولا حد للاستجابة إلى مطالبه، وبالتعبير الديني يتحول إلى إله يعبد بدلاً عن حاجة يستجاب لإشباعها. وحينما يتحول النسبي إلى مطلق إلى إله من هذا القبيل يصبح سبباً في تطويق حركة الإنسان، وتجميد قدراتها على التطور والإبداع، وإقعاد الإنسان عن ممارسة دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾. (سورة الإسراء، الآية: 22).
وهذه حقيقة صادقة على كل الآلهة التي صنعها الإنسان عبر التاريخ سواءاً ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنية من العبادة، أو في المراحل التالية فمن القبيلة إلى العلم نجد سلسلة من الآلهة التي أعاقت الإنسان بتأليهها، والتعامل معها كمطلق عن التقدم الصالح.
نعم من القبيلة لتي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجة واقعية بحكم ظروف حياته الخاصة، ثم غلا في ذلك، فتحولت لديه إلى مطلق لا يبصر شيئاً إلا من خلالها، وأصبحت بذلك معيقة له عن التقدم.
إلى العلم الذي منحه الإنسان الحديث ـ بحق ولاءه، لأنه شق له طريق السيطرة على الطبيعة، ولكنه غلا أحياناً في هذا الولاء فتحول إلى ولاء مطلق، تجاوز به حدوده في خضم الافتتان به، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم منه مطلقاً يعبده، ويقدم له فروض الطاعة ولولاء، ويرفض من أجله كل القيم والحقائق التي لا يمكن قياسها بالأمتار أو رؤيتها بالمجهر.
فكل محدود ونسبي إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما مطلقاً يربط به على هذا الأساس، يصبح في مرحلة رشد ذهني جديد قيداً على الذهن الذي صنعه بحكم كونه محدوداً ونسبياً.
فلا بد للمسيرة الإنسانية من مطلق.
ولا بد أن يكون مطلقاً حقيقياً، يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانية ويهديها سواء السبيل مهما تقدمت وامتدت على خطها الطويل، ويمحو من طريقها كل الآلهة الذين يطوقون المسيرة ويعيقونها.
وبهذا تعالج المشكلة بقطبيها معاً.
الإيمان بالله هو العلاج
وهذا العلاج يمثل فيما قدمته شريعة السماء إلى الإنسان على الأرض من عقيدة (الإيمان بالله) بوصفه المطلق الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته به، دون أن يسبب له أي تناقض على الطريق الطويل.
فالإيمان بالله، يعالج الجانب السلبي من المشكلة، ويرفض الضياع، والإلحاد، واللا انتماء، إذ يضع الإنسان في موضع المسؤولية وينيط بحركته وتدبيره الكون، ويجعله خليفة الله في الأرض. والخلافة تستبطن المسؤولية والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين، بين مستخلف يكون الإنسان مسؤولاً أمامه، وجزاء يتلقاه تبعاً لتصرفه، بين الله والمعاد، بين الأزل والأبد، وهو يتحرك في هذا المسار تحركاً مسؤولاً هادفاً.
والإيمان بالله يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ مشكلة الغلو في الانتماء التي تفرض التحدد على الإنسان وتشكل عائقاً عن اطراد مسيرته ـ وذلك على الوجه التالي:
أولاً: أن هذا الجانب من المشكلة ينشأ من تحويل المحدود النسبي إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهني، وتجريد للنسبي من ظروفه وحدوده وأما المطلق الذي يقدمه الإيمان بالله للإنسان. فهو لم يكن من نسيج مرحلة من مراحل الذهن الإنساني، ليصبح في مرحلة رشد ذهني جديد قيدا على الذهن الذي صنعه. ولم يكن وليد حاجة محدودة لفرد أو لفئة، ليتحول بانتصابه مطلقاً إلى صلاح بيد الفرد أو الفئة لضمان إستمرار مصالحها غير المشروعة. فالله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له، ويستوعب بصفاته الثبوتية كل المثل العليا للإنسان الخليفة على الأرض، من إدراك، وعلم، وقدرة، وقوة، وعدل، وغنى. وهذا يعني أن الطريق إليه لا حد له فالسير نحوه يفرض التحرك بإستمرار وتدرج النسبي نحو المطلق بدون توقف. ﴿يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾ (سورة الانشقاق، الآية: 6).
ويعطي لهذا لتحرك مثله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل، وغيرها من صفات ذلك المطلق، الذي تكدح المسيرة نحوه. فالسير نحو مطلق، كله علم، وكله قدرة، وكله عدل، وكله غنى يعني أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلاً بإستمرار، ضد كل جهل، وعجز، وظلم، وفقر.
وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق، فهي إذن ليست تكريساً للإله، وإنما هي جهاد مستمر من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق تلك المثل العليا له. ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين﴾ (سورة العنكبوت، الآية: 6)، ﴿فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ (سورة الزمر، الآية: 41). وعلى العكس من ذلك، المطلقات الوهمية والآلهة المزيفة فإنها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكل تطلعاتها، لأن هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز، أو حاجة الإنسان الفقير، أو ظلم الإنسان الظالم، فهي مرتبطة عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمر ضدها.
ثانياً: إن الارتباط بالله تعالى بوصفه المطلق الذي يستوعب تطلعات المسيرة الإنسانية كلها يعني في الوقت نفسه رفض كل تلك المطلقات الوهمية التي كانت تشكل ظاهرة الغلو في الانتماء، وخوض حرب مستمرة ونضال دائم ضد كل ألوان الوثنية والتأليه المصطنع. وبهذا يتحرر الإنسان من سرب تلك المطلقات الكاذبة، التي تقف حاجزاً دون سيره نحو الله وتزور هدفه وتطوق مسيرته. ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده﴾ (سورة النور، الآية: 39). ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ (سورة يوسف، الآية: 40). ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ (سورة يوسف، الآية: 39). ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ذالكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ (سورة فاطر، الآية: 13).
ونحن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد: (لا إله إلا الله)، نجد أنها قرنت فيه بين شد المسيرة الإنسانية إلى المطلق الحق، ورفض كل مطلق مصطنع وجاء تاريخ المسيرة في واقع الحياة على مر الزمن ليؤكد الارتباط العضوي بين هذا الرفض وذلك الشد الوثيق الواعي إلى الله تعالى، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن الإله الحق ينغمس في متاهات الآلهة والأرباب المتفرقين: فالرفض والاثبات المندمجان في (لا إله إلا الله) هما وجهان لحقيقة واحدة، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانية على مدى خطها الطويل، لأنها الحقيقة الجديرة بأن تنقذ المسيرة من الضياع، وتساعد على تفجير كل طاقاتها المبدعة، وتحررها من كل مطلق كاذب معيق.
العبادات هي التعبير العملي
وكما ولد الإنسان وهو يحمل كل إمكانات التجربة على مسرح الحياة وكل بذور نجاحها من رشد وفاعلية وتكيف، كذلك ولد مشدوداً بطبيعته إلى المطلق، لأن علاقته بالمطلق أحد مقومات نجاحه وتغلبه على مشاكله في مسيرته الحضارية كما رأينا ولا توجد تجربة أكثر إمداداً وأرحب شمولاً وأوسع مغزى من تجربة الإيمان في حياة الإنسان، الذي كان ظاهرة ملازمة للإنسان منذ أبعد العصور وفي كل مراحل التاريخ فأن هذا التلازم الاجتماعي المستمر يبرهن ـ تجريبياً ـ على أن النزع إلى المطلق، والتطلع إليه وراء الحدود التي يعيشها الإنسان، اتجاه أصيل في الإنسان مهما اختلفت أشكال هذا النزوع، وتنوعت طرائقه ودرجات وعيه.
ولكن الإيمان كغريزة لا يكفي ضماناً لتحقيق الارتباط بالمطلق بصيغته الصالحة، لأن ذلك يرتبط في الحقيقة بطريقة إشباع هذه الغريزة وأسلوب الاستفادة منها، كما هي الحال في كل غريزة أخرى، فإن التصرف السليم في إشباعها على نحو مواز لسائر الغرائز والميول الأخرى ومنسجم معها هو الذي يكفل المصلحة النهائية للإنسان، كما أن السلوك وفقاً لغريزة أو ضدها هو الذي ينمي تلك الغريزة ويعمقها أو يضمرها ويخنقها فبذور الرحمة والشفقة تموت في نفس الإنسان من خلال سلوك سلبي، وتنمو في نفسه من خلال التعاطف العملي المستمر مع البائسين والمظلومين والفقراء.
ومن هنا كان لا بد للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق، لا بد لذلك من توجيه يحدد طريقة إشباع هذا الشعور ومن سلوك يعمقه ويرسخه على نحو يتناسب مع سائر المشاعر الأصلية في الإنسان.
وبدون توجيه قد ينعكس هذا الشعور ويمنى بألوان الانحراف، كما وقع بالنسبة إلى الشعور الديني غير الموجه في أكثر مراحل التاريخ.
وبدون سلوك معمق قد يضمر هذا الشعور، ولا يعود الارتباط بالمطلق حقيقة فاعلة في حياة الإنسان، وقادرة على تفجير طاقاته الصالحة.
والدين الذي طرح شعار (لا إله إلا الله)، ودمج فيه الرفض والإثبات معاً هو الموجه.
والعبادات هي التي تقوم بدور التعمق لذلك الشعور، لأنه تعبير عملي وتطبيقي لغريزة الإيمان، وبها تنمو هذه الغريزة وتترسخ في حياة الإنسان.
ونلاحظ أن العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمطلق يندمج فيها عملياً الاثبات والرفض معاً، فهي تأكيد مستمر من الإنسان من الارتباط بالله تعالى، وعلى رفض أي مطلق آخر من المطلقات المصطنعة فالمصلي حين يبدأ صلاته بـ (الله أكبر) يؤكد هذا الرفض، وحين يقيم في كل صلاة نبيه بأنه عبده ورسوله يؤكد هذا الرفض، وحين يمسك عن الطيبات ويصوم حتى ضرورات الحياة من أجل الله متحدياً الشهوات وسلطانها يؤكد هذا الرفض.
وقد نجحت هذه العبادات في المجال التطبيقي في تربية أجيال من المؤمنين، على يد النبي صلى الله عليه وسلم والقادة الأبرار من بعده، الذين جسدت صلاتهم في نفوسهم رفض كل قوى الشر وهوانها، وتضاءلت أمام مسيرتهم مطلقات كسرى وقيصر وكل مطلقات الوهم الإنساني المحدود.
على هذا الضوء نعرف أن العبادة ضرورة ثابتة في حياة الإنسان ومسيرته الحضارية، إذ لا مسيرة بدون مطلق تنشد إليه وتستمد منه مثله ولا مطلق يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الطويل سوى المطلق الحق سبحانه، وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكل حتماً بصورة وأخرى عائقاً عن نمو المسيرة. فالارتباط بالمطلق الحق إذن حاجة ثابتة، ورفض غيره من المطلقات المصطنعة حاجة ثابتة أيضاً، ولا إرتباط بالمطلق الحق بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكده ويرسخه بإستمرار، وهذا لتعبير العملي هو العبادة فالعبادة إذن حاجة ثابتة.
2 ـ الموضوعية في القصد وتجاوز الذات
في كل مرحلة من مراحل الحضارة الإنسانية وفي كل فترة من حياة الإنسان يواجه الناس مصالح كثيرة، يحتاج تحقيقها إلى عمل وسعي بدرجة وأخرى، ومهما اختلفت نوعية هذه المصالح وطريقة تحقيقها من عصر إلى عصر ومن فترة إلى أخرى فهي دائماً بالإمكان تقسيمها إلى نوعين من المصالح، أحدهما مصالح تعود مكاسبها وإيجابياتها المادية إلى نفس الفرد، الذي يتوقف تحقيق تلك المصلحة على عمله وسعيه.
والآخر: مصالح تعود مكاسبها إلى غير العامل المباشر، أو إلى الجماعة الذين ينتسب إليهم هذا العامل، ويدخل في نطاق النوع الثاني كل ألوان العمل التي تنشد هدفاً أكبر من وجود العامل نفسه، فإن كل هدف كبير لا يمكن عادة أن يتحقق إلا عن طريق تظافر جهود وأعمال على مدى طويل.
والنوع الأول من المصالح: يضمن الدافع الذاتي لدى الفرد في الغالب توفيره والعمل في سبيله، فما دام العامل هو الذي يقطف ثمار المصلحة وينعم بها مباشرة، فمن الطبيعي أن يتواجد لديه القصد إليها والدافع للعمل من أجلها.
وأما النوع الثاني من المصالح: فلا يكفي الدافع لضمان تلك المصالح، لأن المصالح هنا لا تخص الفرد العامل، وكثيراً ما تكون نسبة ما يصيبه من جهد وعناء أكبر كثيراً من نسبة ما يصيبه من تلك المصلحة الكبيرة. ومن هنا كان الإنسان بحاجة إلى تربية على الموضوعية في القصد وتجاوز للذات في الدوافع، أي على أن يعمل من أجل غيره من أجل الجماعة.
وبتعبير آخر: من أجل هدف أكبر من وجوده ومصالحه المادية الخاصة. وهذه تربية ضرورية لإنسان عصر الذرة والكهرباء، كما هي ضرورية للإنسان الذي كن يحارب بالسيف ويسافر على البعير على السواء، لأنهما معاً يواجهان هموم البناء والأهداف الكبيرة والمواقف التي تتطلب تناسي الذات والعمل من أجل الآخرين، وبذر البذور التي قد لا يشهد البذر ثمارها. فلا بد إذن من تربية كل فرد على أن يؤدي قسطاً من جهده وعمله لا من أجل ذاته ومصالحها المادية الخاصة، ليكون قادراً على العطاء وعلى الإيثار وعلى القصد الموضوعي النزيه.
والعبادات تقوم بدور كبير في هذه التربية الضرورية، لأنها كما مر بنا أعمال يقوم بها الإنسان من أجل الله سبحانه وتعالى، ولا تصح إذا أداها العابد من أجل مصلحة من مصالحه الخاصة، ولا تسوغ إذا استهدف من ورائها مجداً شخصياً وثناءاً اجتماعياً وتكريساً لذاته في محيطه وبيئته، بل تصبح عملاً محرماً، يعاقب عليه هذا العابد، كل ذلك من أجل أن يجرب الإنسان من خلال العبادة القصد الموضوعي، بكل ما في القصد الموضوعي من نزاهة وإخلاص وإحساس بالمسؤولية، فيأتي العابد بعبادته من أجل الله سبحانه وفي سبيله بإخلاص وصدق.
وسبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان، لأن كل عمل من أجل لله فإنما هو من أجل عباد الله، لأن الله هو الغنى عن عباده ولما كان الإله الحق المطلق فوق أي حد وتخصيص ولا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهة، كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء. فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً، وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك.
وكلما جاء سبيل الله في الشريعة أمكن أن يعنى ذلك تماماً سبيل الناس أجمعين، وقد جعل الإسلام سبيل الله أحد مصارف الزكاة، وأراد به الإنفاق لخير الإنسانية ومصلحتها. وحث على القتال في سبيل المستضعفين من بني الإنسان وسماه قتالاً في سبيل الله ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾ (سورة النساء، آية: 76).
وإذا عرفنا إلى جانب ذلك أن العبادة تتطلب جهوداً مختلفة من الإنسان، فأحياناً تفرض عليه جهداً جسدياً فحسب كما في الصلاة، وأحياناً جهداً نفسياً كما في الصيام، وثالثة جهداً مالياً كما في الزكاة، ورابعة جهداً غالباً على مستوى التضحية بالنفس أو المخاطرة بها كما في الجهاد…
إذا عرفنا ذلك استطعنا أن نستنتج عمق وسعة التدريب الروحي والنفسي، الذي يمارسه الإنسان من خلال العبادات المتنوعة … على القصد الموضوعي وعلى البذل والعطاء، وعلى العمل من أجل هدف أكبر في كل الحقول المختلفة للجهد البشري.
وعلى هذا الأساس تجد الفرق الشاسع بين إنسان نشأ على بذل الجهد من أجل الله، وتربى على أن يعمل بدون إنتظار التعويض على ساحة العمل وبين إنسان نشأ على أن يقيس العمل دائماً بمدى ما يحققه من مصلحة، ويقيمه على أساس ما يعود به عليه من منفعة، ولا يفهم من هذا القياس والتقييم إلا لغة الأرقام وأسعار السوق، فإن شخصاً من هذا القبيل لن يكون في الأغلب إلا تاجراً في ممارساته الاجتماعية مهما كان ميدانها ونوعها.
وإهتماماً من الإسلام بالتربية على القصد الموضوعي، ربط دائماً بين قيمة العمل ودوافعه، وفصلها عن نتائجه فليست قيمة العمل في الإسلام بما يحققه من نتائج ومكاسب وخير للعامل أو للناس أجمعين، بل بما ينشأ عنه من دوافع ومدى نظافتها وموضوعيتها وتجاوزها للذات. فمن يتوصل إلى إكتشاف دواء مرض خطير وينقذ بذلك الملايين من المرضى، لا تقدر قيمة هذا العمل عند الله سبحانه وتعالى بحجم نتائجه وعدد من أنقذهم من الموت، بل بالأحاسيس والمشاعر والرغبات التي شكلت لدى ذلك المكتشف الدافع إلى بذل الجهد من أجل ذلك الاكتشاف، فإن كان لم يعمل ولم يبذل جهده إلا من أجل أن يحصل على امتياز يتيح له أن يبيعه ويربح الملايين، فعمله هذا يساوي في التقييم الرباني أي عمل تجاري بحت لأن المنطق الذاتي للدوافع الشخصية كما قد يدفعه إلى اكتشاف دواء مرض خطير يدفعه أيضاً بنفس الدرجة إلى اكتشاف وسائل الدمار إذا وجد سوقاً تشتري منه هذه الوسائل. وإنما يعتبر العمل فاضلاً ونبيلاً إذا تجاوزت دوافعه الذات وكان في سبيل الله وفي سبيل عباد الله، وبقدر ما يتجاوز الذات ويدخل سبيل الله وعباده في تكوينه يسمو العمل وترتفع قيمته.
3 ـ الشعور الداخلي بالمسؤولية
إذا لاحظنا الإنسانية في أي فترة من تاريخها نجد أنها تتبع نظاماً معيناً في حياتها، وطريقة محددة في توزيع الحقوق والواجبات بين الناس، وأنها بقدر ما يتوفر لديها من ضمانات لالتزام الافراد بهذا النظام وتطبيقه تكون أقرب إلى الإستقرار، وتحقيق الأهداف العامة المتوخاة من ذلك النظام.
وهذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء لأنها من الحقائق الثابتة في المسيرة الحضارية للإنسان على مداها الطويل.
والضمانات منها ماهو موضوعي، كالعقوبات التي تضعها الجماعة تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده ومنها ما هو ذاتي، وهو الشعور الداخلي للإنسان بالمسؤولية تجاه التزاماته الاجتماعية، وما تفرضه الجماعة عليه من واجبات، وتحدد له من حقوق.
وعلى الرغم من أن الضمانات الموضوعية لها دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه، فإنها لا تكفي في أحايين كثيرة بمفردها، ما لم يكن إلى جانبها ضمان ذاتي ينبثق عن الشعور الداخلي للإنسان بالمسؤولية، لأن الرقابة الموضوعية للفرد مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادة أن تضمن الاحاطة بكل شيء واستيعاب كل واقعة.
والشعور الداخلي بالمسؤولية يحتاج لكي يكون واقعاً عملياً حياً في حياة الإنسان إلى إيمانه برقابة لا يعزب عن علمها مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وإلى مران عملي ينمو من خلاله هذا الشعور ويترسخ بموجبه الاحساس بتلك الرقابة الشاملة.
والرقابة التي لا يعزب عن علمها مثقال ذرة تتواجد في حياة الإنسان نتيجة لارتباطه بالمطلق الحق العليم القديم الذي أحاط علمه كل شيء، فإن هذا الارتباط بنفسه يوفر للإنسان هذه الرقابة، ويهيئ بذلك امكانية نشوء الشعور الداخلي بالمسؤولية.
والمران العملي الذي ينمو من خلاله هذا الشعور الداخلي بالمسؤولية يتحقق عن طريق الممارسات العبادية. لأن العادة واجب غيبي، ونقصد بكونها واجباً غيبياً أن ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مستحيل، فلا يمكن أن ينجح أي اجراءات خارجية لغرض الإتيان بها، لأنها متقومة بالقصد النفسي والربط الروحي للعمل بالله، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعية من خارج، ولا يمكن لأي إجراء قانوني أن يكفل تحقيقه.
وإنما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة الناتجة عن الارتباط المطلق بالغيب، الذي لا يعزب عن علمه شيء. والضمان الوحيد الممكن على هذا الصعيد هو الشعور الداخلي بالمسؤولية. وهذا يعني أن الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يختلف عن أي واجب أو مشروع اجتماعي آخر، فحين يقترض ويوفي الدين، أو حين يعقد صفقة وينفذ شروطها، وحين يستعير مالاً من غيره ثم يعيده إليه يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعية رصده، وبهذا قد يدخل بشكل آخر التحسب لرد الفعل الاجتماعي على التخلف عن أدائه في اتخاذ الإنسان قراراً بالقيام به.
وأما الواجب العبادي ـ الغيبي ـ الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلا الله سبحانه وتعالى فهو نتيجة للشعور الداخلي بالمسؤولية، ومن خلال الممارسات العبادية ينمو هذا الشعور الداخلي ويعتاد الإنسان على التصرف بموجبه. وبهذا الشعور يوجد المواطن الصالح، إذ لا يكفي في المواطنة الصالحة أن لا يتخلف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين المشروعة خوفاً من رد الفعل الاجتماعي على هذا التخلف، وإنما تتحقق المواطنة الصالحة أن لا يتخلف الإنسان عن ذلك بدافع من الشعور الداخلي بالمسؤولية، وذلك لأن الخوف من رد الفعل الاجتماعي على التخلف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح لأمكن التهرب من تلك الواجبات في حالات كثيرة، حينما يكون بإمكان الفرد أن يخفي تخلفه، أو يفسره تفسيراً كاذباً، أو يحمي نفسه من رد الفعل الاجتماعي بشكل وآخر، فلا يوجد في هذه الحالات ضمان سوى الشعور الداخلي بالمسؤولية.
ونلاحظ أن المرجع غالباً في العبادات المستحبة أداؤها سراً وبطريقة غير علنية، وهناك عبادات سرية بطبيعتها كالصيام فإنه كف نفسي لا يمكن ضبطه من خارج، وتوجد عبادات اختير لها جو من السرية والابتعاد عن المسرح العام كنافلة الليل (صلاة الليل) التي يطلب أداؤها بعد نصف الليل، وكل ذلك من أجل تعميق الجانب الغيبي من العبادة وربطها أكثر فأكثر بالشعور الداخلي بالمسؤولية.
وهكذا يترسخ هذا الشعور من خلال الممارسات العبادية، ويألف الإنسان العمل على أساسه، ويشكل ضماناً قوياً لالتزام الفرد الصالح بما عليه من حقوق وواجبات.
ملامح عامة للعبادات
إذ لاحظنا العبادات التي مرت بنا في هذا الكتاب بنظرة شاملة، وقارنا بينها يمكن أن نستخلص بعض الملامح العامة في تلك العبادات، ونذكر فيما يلي جملة من تلك الملامح العامة:
1 ـ الغيبية في تفاصيل العبادة
عرفنا فيما سبق الدور المهم الذي تؤديه العبادة ككل في حياة الإنسان وأنها تعبر عن حاجة ثابتة في مسيرته الحضارية.
ومن ناحية أخرى: إذا أخذنا التفاصيل التي تتميز بها كل عبادة وآدابها بالدرس والتحليل، فكثيراً ما نستطيع على ضوء تقدم العلم الحديث أن نتعرف على الحكم والأسرار التي يعبر عنها التشريع الإسلامي بهذا الشأن واستطاع العلم الحديث أن يكشف عنها.
وقد جاء هذا التطابق الرائع بين معطيات العلم الحديث وكثير من تفصيلات الشريعة وما قررته من أحكام وآداب، دعماً باهراً لموقف الشريعة وتأكيداً راسخاً على أنها ربانية.
ولكن على الرغم من ذلك نواجه في كثير من الحالات نقاطاً غيبية في العبادة، أي جملة من التفاصيل لا يمكن للإنسان الممارس للعبادة أن يعي سرها ويفسرها تفسيراً مادياً محسوساً، فلماذا صارت صلاة المغرب ثلاث ركعات وصلاة الظهر أكثر من ذلك؟! ولماذا اشتملت كل ركعة على ركوع واحد لا ركوعين وعلى سجدتين لا سجدة واحدة؟! إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن أن تطرح من هذا القبيل.
ونسمي هذا الجانب الذي لا يمكن تفسيره من العبادة بالجانب الغيبي منها. ونحن نجد هذا الجانب بشكل وآخر في أكثر العبادات التي جاءت بها الشريعة، ومن هنا يمكن اعتبار الغيبية بالمعنى الذي ذكرناه ظاهرة عامة في العبادات ومن ملامحها المشتركة.
وهذه الغيبية مرتبطة بالعبادات ودورها المفروض ارتباطاً عضوياً، ذلك لأن دور العبادات كما عرفنا سابقاً هو تأكيد الإيمان والارتباط بالمطلق وترسيخه عملياً، وكلما كان عنصر الانقياد والاستسلام في العبادة أكبر كان أثرها في تعميق الربط بين العابد وربه أقوى. فإن كان العمل الذي يمارسه العابد مفهوماً بكل أبعاده واضح الحكمة والمصلحة في كل تفاصيله تضاءل فيه عنصر الاستسلام والانقياد، وطغت عليه دوافع المصلحة والمنفعة، ولم يعد عبادة لله بقدر ماهو عمل نافع يمارسه العابد لكي ينتفع به ويستفيد من آثاره.
فكما تنمي وترسخ روح الطاعة والارتباط في نفس الجندي خلال التدريب العسكري، بتوجيه أوامر إليه وتكليفه بأن يمتثلها تعبداً وبدون مناقشة، كذلك ينمي ويرسخ شعور الإنسان العابد بالارتباط بربه بتكليفه بأن يمارس هذه العبادات بجوانبها الغيبية انقياداً واستسلاماً. فالانقياد والاستسلام يتطلب افتراض جانب غيبي، ومحاولة التساؤل عن هذا الجانب الغيبي من العبادة والمطالبة بتفسيره وتحديد المصلحة فيه يعني تفريغ العبادة من حقيقتها، كتعبير عملي عن الاستسلام والانقياد، وقياسها بمقاييس المصلحة والمنفعة كأي عمل آخر.
ونلاحظ أن هذه الغيبية لا أثر لها تقريباً في العبادات التي تمثل مصلحة اجتماعية كبيرة، تتعارض مع مصلحة الإنسان العابد الشخصية، كما في الجهاد الذي يمثل مصلحة اجتماعية كبيرة تتعارض مع حرص الإنسان المجاهد على حياته ودمه، وكما في الزكاة التي تمثل مصلحة اجتماعية كبيرة تتعارض مع حرص الإنسان المزكي على ماله وثروته فإن عملية الجهاد مفهومة للمجاهد تماماً، وعملية الزكاة مفهومة عموماً للمزكي، ولا يفقد الجهاد والزكاة بذلك شيئاً من عنصر الاستسلام والانقياد، لأن صعوبة التضحية بالنفس وبالمال هي التي تجعل من إقدام الإنسان على عبادة يضحي فيها بنفسه أو ماله، استسلاماً وانقياداً بدرجة كبيرة جداً.
إضافة إلى أن الجهاد والزكاة وما يشبههما من العبادات لا يراد بها الجانب التربوي للفرد فحسب، بل تحقيق المصالح الاجتماعية التي تتكفل بها تلك العبادات، وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الغيبية إنما تبرز أكثر فأكثر في العبادات التي يغلب عليها الجانب التربوي للفرد كالصلاة والصيام.
وهكذا نستخلص أن الغيبية في العبادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدورها التربوي في شد الفرد إلى ربه وترسيخ صلته بمطلقه.
2 ـ الشمول في العبادة
حين نلاحظ العبادات المختلفة في الإسلام نجد فيها عنصر الشمول لجوانب الحياة المتنوعة، فلم تختص العبادات بأشكال معينة من الشعائر، ولم تقتصر على الأعمال التي تجد مظاهر التعظيم لله سبحانه وتعالى فقط، كالركوع والسجود والذكر والدعاء، بل امتدت إلى كل قطاعات النشاط الإنساني. فالجهاد عبادة وهو نشاط اجتماعي، والزكاة عبادة وهي نشاط اجتماعي مالي، والخمس عبادة وهو نشاط اجتماعي مالي أيضاً، والصيام عبادة وهو نظام غذائي، والوضوء والغسل عبادتان وهما لونان من تنظيف الجسد وهذا الشمول في العبادة يعبر عن اتجاه عام في التربية الإسلامية يستهدف أن يربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى، ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه، ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الاتجاه وزعت العبادات الثابتة على الحقول المختلفة للنشاط الإنساني، تمهيداً إلى تمرين الإنسان على أن يسبغ روح العبادة على كل نشاطاته الصالحة، وروح المسجد على مكان عمله في المزرع أو المصنع أو المتجر أو المكتب، ما دام يعمل عملاً صالحاً من أجل الله سبحانه وتعالى.
وفي ذلك تختلف الشريعة الإسلامية عن اتجاهين دينيين آخرين، وهما أولاً الاتجاه إلى الفصل بين العبادة والحياة، وثانياً: «الاتجاه إلى حصر الحياة في إطار ضيق من العبادة كما يفعل المترهبون والمتصوفون».
أما الأتجاه الأول الذي يفصل بين العبادة للأماكن الخاصة المقرر لها، ويطالب الإنسان بأن يتواجد في تلك الأماكن ليؤدي لله حقه ويتعبد بين يديه، حتى إذا خرج منها إلى سائر حقول الحياة ودع العبادة وانصرف إلى شؤون دنياه إلى حين الرجوع ثانية إلى تلك الأماكن الشريفة. وهذه الثنائية بين العبادة ونشاطات الحياة المختلفة تشل العبادة وتعطل دورها التربوي البناء في تطوير دوافع الإنسان وجعلها موضوعية، وتمكينه من أن يتجاوز ذاته ومصالحه الضيقة في مختلف مجالات العمل.
والله سبحانه وتعالى لم يركز على أن يعبد من أجل تكريس ذاته وهو الغني عن عباده، لكي يكتفي منهم بعبادة من هذا القبيل، ولم ينصب نفسه هدفا وغاية للمسيرة الإنسانية لكي يطأطيء الإنسان رأسه بين يديه في مجال عبادته وكفى، وإنما أراد بهذه العبادة أن يبني الإنسان الصالح القادر على أن يتجاوز ذاته ويساهم في المسيرة بدور أكبر. ولا يتم التحقيق الأمثل لذلك إلا إذا امتدت روح العبادة تدريجاً إلى نشاطات الحياة الأخرى، لأن امتدادها يعني ـ كما عرفنا ـ امتداد الموضوعية في القصد والشعور الداخلي بالمسؤولية في التصرف، والقدرة على تجاوز الذات وانسجام الإنسان مع إطاره الكوني الشامل مع الأزل والأبد اللذين يحيطان به.
ومن هنا جاءت الشريعة ووزعت العبادات على مختلف حقول الحياة وحثت على الممارسة العبادية في كل تصرف صالح، وأفهمت الإنسان بأن الفارق بين المسجد الذي هو بيت الله وبين بيت الإنسان ليس بنوعية البناء أو الشعار، وإنما استحق المسجد أن يكون بيت الله لأنه الساحة التي يمارس عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به هدفاً أكبر من منطق المنافع المادية المحدودة، وأن هذه الساحة ينبغي أن تمتد وتشمل كل مسرح الحياة. وكل ساحة يعمل عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به ربه والناس أجمعين فهي تحمل روح المسجد.
وأما الاتجاه الثاني الذي يحصر الحياة في إطار ضيق من العبادة فقد حاول أن يحصر الإنسان في المسجد، بدلاً عن أن يمدد معنى المسجد ليشمل كل الساحة التي تشهد عملاً صالحاً للإنسان.
ويؤمن هذا الاتجاه بأن الإنسان يعيش تناقضاً داخلياً بين روحه وجسده ولا يتكامل في أحد هذين الجانبين إلا على حساب الجانب الآخر. فلكي ينمو ويزكو روحياً يجب أن يحرم جسده من الطيبات، ويقلص وجوده على مسرح الحياة، ويمارس صراعاً مستمراً ضد رغباته وتطلعاته إلى مختلف ميادين الحياة، حتى يتم له الانتصار عليها جميعاً عن طريق الكف المستمر والحرمان الطويل، والممارسات العبادية المحددة.
والشريعة الإسلامية ترفض هذا الاتجاه أيضاً لأنها تريد العبادات من أجل الحياة، فلا يمكن أن تصادر الحياة من أجل العبادات. وهي في الوقت نفسه تحرص على أن يكسب الإنسان الصالح روح العبادة في كل تصرفاته ونشاطاته، ولكن لا بمعنى أن يكف عن النشاطات المتعددة في الحياة وتحصر نفسه بين جدران المعبد، بل بمعنى أن يحول مختلف النشاطات إلى عبادات. فالمسجد منطلق للإنسان الصالح في سلوكه اليومي، وليس محدداً لهذا السلوك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إن استطعت أن لا تأكل ولا تشرب إلا لله فافعل».
وهكذا تكون العبادة من أجل الحياة، ويقدر نجاحها التربوي والديني بمدى امتدادها مضموناً وروحاً إلى شتى مجالات الحياة.
3 ـ الجانب الحسي في العبادة
أدراك الإنسان ليس مجرد إحساس فحسب وليس مجرد تفكير عقلي وتجريدي فحسب، بل هو مزاج من عقل وحس من تجريد وتشخيص. وحينما يراد من العبادة أن تؤدي دورها على نحو يتفاعل معها الإنسان تفاعلاً كاملاً وتنسجم مع شخصيته المؤلفة من عقل وحس، ينبغي أن تشتمل العبادة نفسها على جانب حسي وجانب عقلي تجريدي، لكي تتطابق العبادة مع شخصية العابد، ويعيش العابد في ممارسته العبادية ارتباطه بالمطلق بكل وجوده.
ومن هنا كانت النية والمحتوى النفسي للعبادة يمثل دائماً جانبها العقلي التجريدي، إذ تشد الإنسان العابد إلى المطلق الحق سبحانه وتعالى وكانت هناك معالم أخرى في العبادة تمثل جانبها الحسي. فالقبلة التي يجب على كل مصلي أن يستقبلها في صلاته، والبيت الحرام الذي يؤمه الحاج والمعتمر ويطوف به، والصفا والمروة اللذان يسعى بينهما، وجمرة العقبة التي يرميها الحصيات، والمسجد الذي خصص مكاناً للاعتكاف يمارس فيه المعتكف عبادته.
كل هذه الأشياء معالم حسية ربطت بها العبادة، فلا صلاة إلا إلى القبلة، ولا طواف إلا بالبيت الحرام، وهكذا، وذلك من أجل إشباع الجانب الحسي في الإنسان العابد وإعطائه حقه ونصيبه من العبادة.
وهذا هو الاتجاه الوسط في تنظيم العبادة وصياغتها وفقاً لفطرة الإنسان وتركيبه العقلي الحسي الخاص.
ويقابله اتجاهان آخران، أحدهما: يفرط في عقلنة الإنسان ـ إن صح التعبير ـ فيتعامل معه كفكر مجرد، ويشجب كل التجسيدات الحسية في مجال العبادة، فما دام المطلق الحق سبحانه لا يحده مكان ولا زمان ولا يمثله نصب ولا تمثال فيجب أن تكون عبادته قائمة على هذا الأساس، وبالطريقة التي يمكن للفكر النسبي للإنسان أن يناجي بها الحقيقة المطلقة.
وهذا الاتجاه لا تقره الشريعة الإسلامية، فإنها على الرغم من اهتمامها بالجوانب الفكرية حتى جاء في الحديث (إن تفكير ساعة أفضل من عبادة سنة)، تؤمن بأن التفكير الخاشع المتعبد مهما كان عميقاً لا يملأ نفس الإنسان، ولا يعبئ كل فراغه، ولا يشده إلى الحقيقة المطلقة بكل وجوده لأن الإنسان ليس فكراً بحتاً.
ومن هذا المنطلق الواقعي الموضوعي صممت العبادات في الإسلام على أساس عقلي وحسي معاً، فالمصلي في صلاته يمارس بنيته تعبداً فكرياً وينزه ربه عن أي حد ومقايسة ومشابهة، وذلك حين يفتتح صلاته قائلاً (الله أكبر) ولكنه في نفس الوقت يتخذ من الكعبة الشريفة شعاراً ربانياً يتوجه إليه بأحاسيسه وحركاته، لكي يعيش العبادة فكراً وحساً، منطقاً، وعاطفة، تجريداً ووجداناً.
الاتجاه الآخر: يفرط في الجانب الحسي، ويحول الشعار إلى مدلول والإشارة إلى واقع، فيجعل العبادة لهذا الرمز بدلاً عن مدلوله، والاتجاه إلى الإشارة بدلاً عن الواقع الذي تشير إليه، وبهذا ينغمس الإنسان العابد بشكل وآخر في الشرك والوثنية.
وهذا الإتجاه يقضي على روح العبادة نهائياً ويعطلها بوصفها أداة لربط الإنسان ومسيرته الحضارية بالملطق الحق، ويسخرها أداة لربطه بالمطلقات المزيفة، بالرموز التي تحولت بتجريد ذهني كاذب إلى مطلق. وبهذا تصبح العبادة المزيفة هذه حجاباً بين الإنسان وربه، بدلاً عن أن تكون همزة الوصل بينهما.
وقد شجب الإسلام هذا الإتجاه، لأنه أدان الوثنية بكل أشكالها، وحطم الأصنام وقضى على الآلهة المصطنعة، ورفض أن يتخذ من أي شيء محدود رمزاً للمطلق الحق سبحانه وتجسيداً له.
ولكنه ميز بعمق بين مفهوم الصنم الذي حطمه ومفهوم القبلة الذي جاء به، وهو مفهوم لا يعني إلا أن نقطة مكانية معينة أسبغ عليها تشريف رباني فربطت الصلاة بها، إشباعاً للجانب الحسي من الإنسان العابد، وليست الوثنية في الحقيقة إلا محاولة منحرفة لإشباع هذا الجانب استطاعت الشريعة أن تصحح انحرافها، وتقدم الأسلوب السوي في التوفيق بين عبادة الله بوصفها تعاملاً مع المطلق الذي لا حد له ولا تمثيل، وبين حاجة الإنسان المؤلف من حس وعقل إلى أن يعبد الله بحسه وعقله معاً.
4 ـ الجانب الاجتماعي في العبادة
العبادة في الأساس تمثل علاقة الإنسان بربه وتمد هذه العلاقة بعناصر البقاء والرسوخ، غير أنها صيغت في الشريعة الإسلامية بطريقة جعلت منها في أكثر الأحيان أيضاً اداة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وهذا ما نقصده بالجانب الاجتماعي في العبادة.
ففي العبادات ما يفرض بنفسه التجمع، وإنشاء العلاقات الاجتماعية بين ممارسي تلك العبادة، كالجهاد، فإنه يتطلب من المقاتلين الذين يعبدون الله بقتالهم أن يقيموا فيما بينهم العلاقات التي تنشأ بين وحدات الجيش المقاتل.
وفي العبادات ما لا يفرض التجمع بنفسه ولكن مع هذا ربط بشكل وآخر بلون من ألوان التجمع، تحقيقاً للمزج بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأخيه الإنسان في ممارسة واحدة.
فالفرائض من الصلاة شرعت فيها صلاة الجماعة التي تتحول فيها العبادة الفردية إلى عبادة جماعية، تتوثق فيها عرى الجماعة، وتترسخ صلاتها الروحية من خلال توحدها في الممارسة العبادية.
وفريضة الحج حددت لها مواقيت معينة من الناحية الزمانية والمكانية فكل ممارس لهذه الفريضة يتحتم عليه أن يمارسها ضمن تلك المواقيت، وبهذا تؤدي الممارسة إلى عملية اجتماعية كبيرة.
وحتى فريضة الصيام التي هي بطبيعتها عمل فردي بحت ربطت بعيد الفطر، باعتباره الوجه الاجتماعي لهذه الفريضة، الذي يوحد بين الممارسين لها في فرحة الانتصار على شهواتهم ونزعاتهم.
وفريضة الزكاة تنشيء بصورة مواكبة لعلاقة الإنسان بربه علاقة له بولي الأمر الذي يدفع إليه الزكاة، أو بالفقير أو المشروع الخيري الذي يموله من الزكاة مباشرة.
وهكذا نلاحظ أن العلاقة الاجتماعية تتواجد غالباً بصورة وأخرى، إلى جانب العلاقة العبادية بين الإنسان العابد وربه في ممارسة عبادية واحدة وليس ذلك إلا من أجل التأكيد على أن العلاقة العبادية ذات دور اجتماعي في حياة الإنسان، ولا تعتبر ناجحة إلا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيهاً صالحاً.
ويبلغ الجانب الاجتماعي من العبادة القمة فيما تطرحه العبادة من شعارات تشكل على المسرح الاجتماعي رمزاً روحياً لوحدة الأمة وشعورها بأصالتها وتميزها. فالقبلة أو بيت الله الحرام شعار طرحته الشريعة من خلال ما شرعت من عبادة وصلاة، ولم يأخذ هذا الشعار بعداً دينياً فحسب، بل كان له أيضاً بعده الاجتماعي بوصفه رمزاً لوحدة هذه الأمة وأصالتها، ولهذا واجه المسلمون عندما شرعت لهم قبلتهم الجديدة هذه شغباً شديداً من السفهاء على حد تعبير القرآن([641])، لأن هؤلاء السفهاء أدركوا المدلول الاجتماعي لهذا التشريع، وأنه مظهر من مظاهر إعطاء هذه الأمة شخصيتها وجعلها أمة وسطاً([642]).
هذه ملامح عامة للعبادات في الشريعة الإسلامية.
وهناك إضافة إلى ما ذكرنا من الخطوط العامة التي تمثل دور العبادات في حياة الإنسان وإلى ملامحها العامة التي استعرضناها، أدوار وملامح تفصيلية لكل عبادة، فإن لكل من العبادات التي جاءت بها الشريعة آثار وخصائص ولون من العطاء للإنسان العابد، وللمسيرة الحضارية للإنسان على العموم.
ولا يتسع المجال للإفاضة في الحديث عن ذلك فتترك الأدوار والملامح التفصيلية، واستعراض الحكم والفوائد التي تكمن في تعليمات الشارع العبادية في كل عبادة من العبادات التي جاءت بها الشريعة إلى مستوى آخر من الحديث([643]).
عبادان
مدينة ومرفأ على نهر شط العرب، وفي جزيرة كانت تسمى قديماً جزيرة الخضر لمزار فيها منسوب إلى الخضر.
كانت عبادان مركزاً لأول (خانقاه) للصوفيين بناه سنة 150 للهجرة أتباع عبد الرحمن بن زيد أحد تلامذة الحسن البصري، كما كانت مزاراً للعرفانيين مدة طويلة.
وتبدو لنا من خلال مدونات الرحالين الذين زاروها مثل ناصر خسرو في القرن الخامس الهجري وابن بطوطة في القرن السادس مدينة جميلة رائعة، وكانوا يطلقون عليها اسم (المدينة العامرة) إلا أنها مع الأيام خربت خراباً تدريجياً، ثم عادت تتألف ثانية ابتداء من السنة 1909 (1327هـ) بعد أن اختارتها شركة النفط الإيرانية البريطانية محطة نهائية لخطوط النفط.
كما شيدت الشركة فيها العام 1912 مصفاة لتكرير النفط الخام تعتبر من أكبر مصافي النفط في العالم، وبذلك كانت عبادان معدودة من المراكز الرئيسية لإنتاج النفط ومشتقاته ثم لتصدير ذلك إلى الخارج، إلا أنه مع نشوب الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980 أصيبت المصفاة بأضرار كبيرة كما تهدمت أكثر مباني المدينة وخربت مراكزها الاقتصادية والصناعية وهاجر أكثر سكانها إلى المدن الإيرانية الأخرى، وكان يبلغ عدد سكانها قبل الحرب وقبل الهجرة منها 294068 نفساً.
بقي أن نقول أن هناك من يقول أن أصل كلمة عبادان هو (أوباتان) بالباء الفارسية التي تلفظ كلفظ حرف (P) اللاتيني. فلفظ (أو) يعني الماء و(باتان) مشتقة من مصدر (بابيدان) وهو بمعنى حراس الحدود البحرية. ولفظة (أوبا) تعني المكلف بحراسة ضفاف الأنهار في القرى حتى لا يذهب الماء هدراً. ولا زالت هذه الكلمة تستعمل في إقليم خوزستان الواقعة فيه عبادان وفي الموانئ الإيرانية الجنوبية حتى اليوم.
ولكن ياقوت في معجم البلدان يقول عن ذلك العباد الرجل الكثير العبادة، وأما إلحاق الألف والنون فهو لغة مستعملة في البصرة ونواحيها، إنهم إذا سموا موضعاً أو نسبوه إلى رجل أو صفة يزيدون في آخره ألفاً ونوناً كقولهم في قرية عندهم منسوبة إلى زياد بن أبيه زيادان وأخرى إلى عبد الله عبد الليان وأخرى إلى بلال بن أبي بردة بلالان. وهذا الموضع (عبّادان) فيه قوم مقيمون للعبادة والانقطاع، وكانوا قديماً في وجه ثغر فسمي الموضع بذلك.
والمقدسي في المئة الرابعة (العاشرة) وصف عبادان بأن ليس وراءها بلد ولا قرية غير البحر، فيها صناع الحصر من الحلفاء التي تنبت في الجزيرة وحولها مسالح عظيمة لحراسة فم الفيض. وقال ناصر خسرو، وقد حل فيها سنة 438 (1047)، إن البحر في زمنه كان يبتعد عنها أقل من فرسخين في أثناء الجزر.
وقد أقاموا فيه ما عرف بالخشاب، وهو بمثابة منار «يتكون من أربعة أعمدة كبيرة من خشب الساج على هيئة المنجنيق وهو مربع قاعدته متسعة وقمته ضيقة ويرتفع عن سطح البحر أربعين ذراعاً وعلى قمته حجارة وقرميد مقامة على عمد من خشب كأنها سقف ومن فوقها أربعة عقود يقف بها الحراس …. ففي الليل يشعلون سراجاً في زجاجة بحيث لا تطفؤه الرياح وذلك حتى يراه الملاحون من بعيد فيحتاطون وينجون».
إن «الخشاب» تحريف «الخشبات» فقد ذكرها المسعودي في المروج (1: 87) من الطبعة المصرية الجديدة بصورة «الخشبات» وقال «وخبر الموضع المعروف الحدارة وهي دخلة من البحر إلى البر من نحو بلاد الإبلة، ولهذه الحدارة اتخذت الأخشاب في فم البحر مما يلي الإبلة وعبادان، عليها أناس يوقدون النار بالليل على «خشبات» ثلاث كالكرسي في جوف الليل خوفاً على المراكب الواردة من عمان وسيراف وغيرهما أن تقع في تلك الحدارة فلا يكون لها خلاص».
وقال ابن سعيد المغربي في جغرافيته «دار الكتب الوطنية بباريس 2234 ورقة 75» في وصفها «الخشبات وهي علامات في البحر للمراكب وفي شرقي الخشبات دجلة الأهواز». وقال ابن الوردي في خريدة العجائب «ومن عبادان إلى الخشبات ـ وهي خشبات منصوبة في قعر البحر بإحكام وهندسة وعليها ألواح مهندسة يجلس عليها أحراس البحر».
وجاء في حوادث سنة 644 من كتاب الحوادث الجامعة ـ ص 12 ـ «وفي هذه السنة وصلت الطيور الحمام من عبادان وخشبات». وهذه نصوص لا تدع شكاً في حدوث التصحيف، وكانت عبادان كثيرة الجوامع والرباطات ولكنها حين مر بها ابن بطوطة في المئة الثامنة كانت قد صارت قرية كبيرة بينها وبين الساحل ثلاثة أميال. ومع ذلك فإن المستوفى، معاصر ابن بطوطة. قال في عبادان إنها ميناء كبير وروي أن جبايتها بلغت أربعمائة وواحد وأربعين ألف دينار بصرف زمنه تدفع إلى بيت مال البصرة.
واشتهرت عبادان في العصر الحديث بكونها ـ كما تقدم ـ تنتهي فيها أنابيب النفط الإيراني الممتدة من مسجد سليمان إليها مسافة 137 ميلاً. وبعد أن كانت عبادان قرية أصبحت بلدة آهلة بسبب مصافي النفط المنشأة فيها. وصارت ميناءاً كبيراً تؤمه السفن ولا سيما حاملات النفط.
وفي الأمثال العربية القديمة: ما وراء عبادان قرية.
وقال شاعر عربي قديم:
من مبلغ أندلساً أنني
حللت عبادان أقصى الثرى
الخبز فيها يتهادونه
وشربة الماء بها تشترى
ولا بد أن عبادانياً أغضب هذا الشاعر فحمّل المدينة كلها تبعة إغضابه له، وهل أطرف من قوله إن شربة الماء تشترى في المدينة الواقعة على نهر شط العرب الذي تجتمع فيه مياه الأنهار الثلاثة: دجلة والفرات وكارون.
العباسيون والطالبيون([644]*)
أبو العباس السفاح
بويع أول الخلفاء العباسيين أبو العباس السفاح فكانت بيعته إجماعية، أجمع عليها أهل بيته وأنصارهم، وبهذا الإجماع امتازت بيعته على بيعة غيره ممن جاء بعده أو خلفه في هذا المنصب، أي أن عصر السفاح امتاز بعدم ظهور منافس له أو ثائر عليه، ومع أن أخاه وخلفه من بعده المنصور أكبر منه سناً إلا أنه كان في مقدمة من بايعه.
لم يحدث في خلافة السفاح حدث على أهل بيته أو أبناء عمومته خلافاً لما وقع في خلافة المنصور، لأن السفاح كان معنياً باستئصال الأمويين في هذا الدور، وهو دور التأسيس والبناء.
بطش العباسيون الأُوّل بطشة جبارة ببني أمية، قتلوهم أينما وجدوا، حتى توارى عن الأنظار كل متصل بنسب إلى بني أمية، بيد أن كثيراً من أهل الشام حاضرهم وباديهم وكثيراً من عرب الجزيرة وديار بكر، وهم من ربيعة ومضر وتغلب وبكر بن وائل، ظلوا ناقمين على الهاشميين أو العباسيين، لأسباب شتى، وهم يستظلون بظل الراية العباسية، بل أجهد العباسيين بعد ذلك استئصال شأفة كثير من الناقمين عليهم في حواضر الشام والجزيرة وبواديها، فانطوى هؤلاء على كثير من الغل وفساد النيات.
أصبح هؤلاء الناقمون عوناً لكل ثائر على العباسيين، ولو لم يكن ذلك الثائر من بني أمية فكثرت الفتن في الشام والجزيرة وفي ديار بكر وربيعة وفي ديار مضر وتعدد خروج الخوارج في هذه البلاد، ولا يخلو تأريخ بلد قديم غلب أهله على أمرهم من محاولة للثورة والانتقاض على الغالب. فقد ثار الحجاز وثار العراق وثار غيرهما من الأقطار على حكم بني أمية، فلماذا لا تثور الشام؟
ولماذا لا تثور الجزيرة على حكم بني العباس وقد تعددت الفرص لمن ينتهزها من ذوي المطامع والأغراض البعيدة، وفي البلاد المذكورة ـ وهي الجزيرة والشام ـ بقية باقية من أنصار بني أمية ومن مواليهم الضالعين معهم، ولنا أن نقول: أن القطر الشامي وما إليه قد استحال بسبب سخط الساخطين وبسبب وجود عدد لا يستهان به من موالي الأمويين وأنصارهم إلى بيئة صالحة للخروج على بني العباس وللدعوة إلى مناهضتهم وخصومتهم من أية ناحية جاءت هذه الخصومة.
أبو جعفر المنصور
وما أن وافى السفاح أجله ليخلفه أخوه الأكبر أبو جعفر المنصور حتى كشرت الفتن عن أنيابها، وحتى توالت القلاقل في دولته ولكنه ـ أي المنصور ـ واجهها بما عرف عنه من صرامة وفطنة ودهاء، وقد تخلص ـ بموجب خطة رسمها ـ من خصومه واحداً بعد الآخر ـ تخلص من عمه عبد الله بن علي الثائر عليه بأبي مسلم الخراساني صاحب الدولة، ثم تخلص من أبي مسلم كما تخلص من زعماء آخرين توسم في بقائهم خطراً على دولته، وخلع ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد ـ وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور ـ وعيسى هو الذي حارب له الأخوين محمداً وإبراهيم من أبناء العالم الإمام فظفر بهما، فكوفئ بخلعه من قبل المنصور، وعهد بولاية عهده إلى ولده المهدي ثم إلى عيسى بن موسى هذا، والأقربون أولى بالمعروف، فكان من يبايعه يقبل يده ويد المهدي ثم يمسح على عيسى ولا يقبلها.
نقل ذلك ابن تغرى بردي وأعقبه بقوله: «إن البلاء والرياء قديمان»، ثم إن المهدي خلع ابن عمه المذكور من ولاية العهد وعقدها لولده الهادي، وكانت أول ثورة على المنصور ثورة الأمير عبد الله بن علي عم الخليفة.
عبد الله بن علي
يعد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بين أنبه الأمراء العباسيين، وأبوه علي ـ وهو الذي انتشر الخلفاء العباسيون من نسله ـ ، من أوائل الهاشميين الذين رشحوا للخلافة بعد أن نضجت – فكرة الثورة على الأمويين وإحلال الهاشمين محلهم في هذا الشأن، وقد أعقب أكثر من عشرين ولداً ذكراً، من أشهرهم:
عبد الله هذا، وأخوه محمد وصالح ابنا علي، وكان لكثير من أولاده شأن في تأريخ الدولتين الأموية والعباسية، إلا أن الخلافة العباسية كانت من نصيب أولاد محمد بن علي وهو أكبر من أخيه عبد الله، ولم يبايع بالخلافة أحد من ولد عبد الله بن علي المذكور، ثم هو الأمير الذي ندبه السفاح لقتال مروان الجعدي فظفر به وبغيره من أمراء بني مروان في واقعة الزاب وعلى يده انقرضت دولتهم، من ثم استخلص الشام ومصر، وكان ساعده الأيمن في ذلك أخاه صالح بن علي الذي جهزه السفاح على طريق السماوة فطارد مروان وفلول الجيش الأموي إلى مصر وقتله في (أبي صير)، وهو ـ أعني عبد الله بن علي ـ بعد ذلك عم السفاح، لذلك كان يحدث نفسه بالخلافة، بل كان يرى أنه أحق العباسيين بعد السفاح بأن يكون خليفة.
أحق من المنصور وأحق من سائر أمراء بني العباس، وكان يظن أن ابن أخيه ـ أي السفاح ـ لا يعدوه في الوصية بولاية عهده لأنه نائبه في الجهاد وقيادة الجيوش وغزو الروم، ولكن السفاح عهد في مرض موته بولاية العهد إلى أخيه المنصور ثم إلى ابن أخيه عيسى بن موسى وما أن علم عبد الله بن علي ببيعة المنصور في العراق وكان ـ كما قلنا ـ يتحين الفرص للمطالبة بحقه في الخلافة، حتى جاهر بالدعوة إلى نفسه وعدل بجيشه إلى العراق، ولكن خانه الحظ وأخفق في الوصول إلى بغيته، وانتهت حياة بطل الزاب بالموت في سجن ابن أخيه المنصور بعد هزيمته في واقعة «نصيبين» على يد أبي مسلم الخراساني، وهكذا أخفق عبد الله بن علي في الوصول إلى غايته المنشودة، ومرد إخفاقه فيما نراه إلى قصر نظره وافتقاره إلى شيء كثير من الدراية والحنكة السياسية، وكان دون أخيه محمد بن علي ربان الدعوة العباسية في كل شيء.
كان دونه في عقله الراجح وكان دونه في حزمه وخبرته الواسعة، وقد ارتكب في دعوته إلى نفسه أغلاطاً فظيعة أمر بقتل عدد كبير من الخراسانيين كانوا في جيشه لتوهمه بميلهم إلى أبي مسلم الذي ندب لقتاله. وهمّ أيضاً أن يفتك ببعض القحاطبة وهم من أشهر القواد في جيشه.
وكان جل جيشه الباقي مؤلفاً من أهل الشام الذين غلبوا على أمرهم في واقعة الزاب ولا بد لنا من القول: أن المنصور اضطرب الاضطراب كله في بدء هذه الحركة التي قام بها عمه حتى أنه هم بالخروج إلى مناجزته بنفسه، وكان لا يرى من بعده أهلاً للقيام بحرب عبد الله إلا أبا مسلم الخراساني، ولذلك قال له:
«ليس لهذا الأمر إلا أنا أو أنت فأمتثل أبو مسلم أمر المنصور في قمع هذه الثورة، ولم تقمع إلا بعد أن مضت عليها أشهر غير قليلة، وهي أول حرب تقع في صدر الخلافة العباسية بين أهل خراسان بقيادة أبي مسلم وأهل الشام في الجزيرة بقيادة عبد الله بن علي المذكور.
دور الطالبيين
ومن أهم الأحداث في خلافة المنصور، أن لم يكن أهمها، تلك الثورات التي قام بها فريق من زعماء الطالبيين. وقد بدأت في خلافة المنصور، ولم يكن لها أثر في أيام السفاح، بل لم يحدث في خلافته حدث على الطالبيين كما لم يحدث من الطالبيين حدث عليه. وقد أقضت هذه الأحداث مضاجع الخلفاء العباسيين الأولين، خصوصاً وهم يعلمون أن النفوس في كثير من الأقطار إلى خصومهم أميل، وأن الرأي العام فيها يجنح إلى تفصيل آل أبي طالب على بني العباس، وكان المنصور يعرف أن لآل أبي طالب مكانة مكينة في نفوس الجمهور لا يحلم بها أكثر العباسيين، فكان يخشى ـ لذلك ـ جانبهم ومطالبتهم بحقوقهم التي يعضدهم كثير من الناس في المطالبة بها، ومن هنا جاء حقد المنصور على الطالبيين وقتل من قتل منهم من ساداتهم وأشياخهم الثائرين وعاملهم بقسوة منقطعة النظير.
جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي ما نصه: «وفي سنة 145 كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من أهل البيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبل ذلك شيئاً واحداً». وقال أيضاً: «وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس، وقيل له: أن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين.
كانت ثورات الطالبين مصدر قلق للطبقة الأولى من خلفاء بني العباس، وقد ألحقت بهم ما ألحقت من الأضرار البليغة بالأرواح والأموال، وقد حاول قوم من المحدثين المعنيين بالتأريخ أن يعدوا ثورات الطالبيين المتوالية على أبناء عمومتهم من بني العباس من جملة العوامل الفعالة في زوال الدولة العباسية، وفي هذا الرأي ما فيه من التكلف والمبالغة؛ لأن أخطر تلك الأحداث والبثوق التي انبثقت من ناحية الطالبيين إنما وقعت في صدر الدولة العباسية وفي خلافة خلفائها الأول كالمنصور والمهدي والهادي وآخرين من القوم.
وقد تمكن العباسيون الأولون من قمعها بشيء غير قليل من الغدر والقسوة والغلظة المتناهية على بني العمومة المذكورين، على أننا نرى أن شيوخ هذين البيتين من طالبيين وعباسيين عاشوا في صفاء تام في معظم عصور الدولة العباسية الأخيرة، وهي العصور التي مُنيت فيها الدولة المذكورة بالضعف الشديد.
وفي هذه العصور أحدث منصب نقابة الطالبيين، وهو من المناصب الجليلة، وقد تولاه كثير من أشياخ الطالبيين ووجوه العلويين في العصور العباسية المذكورة، لذلك لا يصح القول إطلاقاً بوجود علاقة أكيدة أو صلة مباشرة بين الثورات الطالبية المشار إليها وبين انحلال الدولة العباسية.
وقد خصص أبو الفرج الأصفهاني الشطر الأكبر من كتابه المسمى: «مقاتل الطالبيين» يذكر زعماء آل أبي طالب الذين قتلوا في عصور الدولة العباسية عصراً عصراً، وقد ابتدأ بمن قتل منهم في خلافة المنصور الذي بز جميع العباسيين في ذلك، وقد حفلت عصورهم بهذه الأحداث إذا استثنينا عدداً قليلاً من خلفائهم كالسفاح والأمين والواثق بن المعتصم والمنتصر مالوا إلى محاسنة الطالبيين، وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب.
قال أبو الفرج الأصفهاني: «بلغ منهم ما لم يبلغ أحد من الخلفاء قبله إلى أن قتل، فعطف عليهم ابنه المنتصر. كان يرى مخالفة أبيه المتوكل، ويظهر ذلك العطف على أهل البيت، فلم يجر عليهم مكروه في خلافته».
كانت غلظة المتوكل في هذا الباب من الأسباب التي استحل بها ولده المنتصر هدر دمه كما هو معروف وكان المتوكل يكره كل عباسي قبله ظهر منه شيء من الميل إلى آل أبي طالب، وقد روى بعض المؤرخين أن الفقهاء أشاروا على المنتصر بقتل أبيه بعد أن حكى لهم عنه أموراً قبيحة.
ومن الخلفاء العباسيين الذين اقترن تاريخهم بشدة الوطأة على الطالبيين ـ كما جاء في كتاب المقاتل ـ المهدي والهادي والرشيد. والمستعين والمعتز والمهتدي وهكذا إلى خلافة المقتدر (295 ـ 320)، وحسبك أن مصارع الطالبيين في عصور الخلافة العباسية استوعبت جل كتاب المقاتل على ضخامة حجم الكتاب المذكور.
هذا ويحسن بالمؤرخ في هذا المكان الإلمام بتاريخ هذا الخلاف أو النزاع بين أعيان هذين البيتين الهاشميين والوقوف على علله وأسبابه، وذلك على الصورة الآتية.
أصل الدعوة وصبغتها العامة
كانت الدعوة إلى انتزاع السلطان من بني أمية هاشمية عامة في أصلها شارك فيها الهاشميون: الطالبيون منهم والعباسيون، وكانت الجمعيات السرية القائمة بها أواخر عصور الدولة الأموية تتألف من وجوه العلويين والعباسيين، وممن حضرها السفاح والمنصور، وكانت الدعوة تبث أو تعلن بشكل يتناول الهاشميين جميعاً، أي أن الدعوة كانت تعلن بالإضافة إلى (آل محمد أو أهل البيت).
وقد بويع من بويع من وجوه الفاطميين بالخلافة سراً، بايعه العباسيون أنفسهم ومنهم السفاح والمنصور، فكانت الدعوة الهاشمية في أخريات عصور الدولة الأموية على جانب عظيم من التنظيم والقوة. وقد امتاز الدعاة الهاشميون بدهائهم وخبرتهم الواسعة.
اتجه الدعاة في أول الأمر بعد سبر أحوال بني العباس والمقارنة بينهم وبين الطالبيين إلى تفضيل الطالبيين، ولكن سادات أهل البيت من الطالبيين كانوا على جانب كبير من الورع فلم يعبأوا بالأمر، وقد رفض بعضهم مقترحات الدعاة بشأن البيعة، وكان الأمويون على وشك الاستفادة من انقسام الهاشميين لولا أن الدعوة نمت نمواً هائلاً وسرت سري النار في الهشيم، وذلك لملاءمة البيئة إليها، وهي بيئة مشبعة بالسخط والثورة النفسية على سياسة الأمويين، وهكذا كانت الدولة من نصيب بني العباس.
هذا على أن بعض المؤرخين، وأكثرهم من الفرنجة المستشرقين يغمزون العلويين بالعجز عن انتهاز الفرص، وأن العباسيين فاقوهم بالحزم والمضاء وبعد النظر في هذه الناحية.
والواقع: أن الطالبيين أكرهوا على الثورة في كثير من الأحيان لشدة طلب العباسيين لهم، إلى أن صارت الثورة على حكم العباسيين شعاراً لهم كما كانت من قبل على حكم الأمويين. وقد انتهز بعض الطالبيين والعلويين طغيان الموالي والأتراك في الدولة العباسية واضطراب الأمور فيها بعد ذلك فقاموا بثورات عدة وحاولوا الاستقلال بجزء من البلاد الخاضعة للدولة العباسية، وقد نجحج بعض زعمائهم في إنشاء دولة لهم بطبرستان، وهي الدولة الزيدية العلوية عاشت أكثر من مئة سنة.
عيسى ولي عهد السفاح
عقد السفاح ولاية العهد قبيل وفاته سنة 136 لاثنين من العباسيين. أولهما أخوه المنصور وثانيهما ولد أخيه عيسى بن موسى المشار إليه، وقد أخذت البيعة للثاني وهو أمير على الكوفة، ويبدو لنا من التأمل في تاريخ الطبقة الأولى لبني العباس أن صلة عيسى بن موسى بأعمامه كانت صلة وثيقة منذ فجر شبابه ـ فإنه ترعرع في كنف أعمامه وهو يتيم في الحميمة.
وصحبهم بعد ذلك في حلهم وترحالهم، وشاركهم في سرائهم وضرائهم صحب أعمامه في رحلتهم من الحميمة إلى الكوفة وفيهم السفاح والمنصور ـ بعد حبس إبراهيم الإمام في «حران» ـ ، وهي رحلة اهتز لها كيان الدولة الأموية. لأن القوم خرجوا متكتمين خائفين إلى أوليائهم وأنصار دعوتهم في الكوفة. حيث ظهر أمرهم وخطب السفاح في الكوفيين وأخذت البيعة له في يوم مشهود.
يغامرون في طلب الحرية
وتعد هذه الحركة أو الرحلة ـ ومردها إلى طغيالن الأمويين واضطهادهم للهاشميين ـ من أشهر المغامرات الجريئة في التاريخ، إذ ما عسى أن تصنع شرذمة عدتها أقل من عشرين في قطر تسيطر عليه جيوش جرارة للأمويين يقودها رؤساؤهم وكبار رجالهم، فهذا مروان بن محمد يطل على العراق من «حران»، وهذا ابن هبيرة أمير العراقيين من قبله يدافع عن واسط قلب العراق، ولكنها الحرية يعشقها أقوام، ومن عشق شيئاً غامر في سبيله، ولكنه طلب السؤدد لا مناص من المخاطرة فيه، ومن طلب الحسناء لم يغله المهر.
غرابة المغامرة
كانت حركة القوم من الحميمة يريدون الكوفة مدعاة للاستغراب، استغرب القيام بها فريق من مشيخة بني العباس أنفسهم، وفي مقدمتهم داود بن علي عم السفاح، وفي هذا الباب يقول هذا الشيخ العباسي الكبير للسفاح: «يا أبا العباس تأتي الكوفة وشيخ بني أمية مروان بن محمد بحران مطل على العراق في أهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب ابن هبيرة بالعراق».
الزعيم أبو سلمة
أوقفناك ـ فيما مر ـ على رأي داود بن علي عم السفاح في رحلة ابن أخيه، ولننظر الآن إلى رأي الزعيم الكوفي المسؤول عن القيام بالدعوة الهاشمية في المشرق، وهذا الزعيم هو أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال أول وزير للسفاح في الكوفة ويقال له «وزير آل محمد» فإنه لم يكتم خوفه ولا وجله على هؤلاء النفر المغامرين، وقد جاهر بأن رحلتهم مبتسرة أو سابقة لأوانها، وعبثاً حاول أبو سلمة إبقاءهم في البادية ولكن من يضمن لهم الأمن فيها، ومن يمنع جيوش الأمويين منهم إذا قصدتهم في الصحراء!
وأخيراً لم يسعه إلا الإذن لهم في الدخول إلى الكوفة على كره منه فإن جيش العدو منهم غير بعيد، وهذا الجيش مرابط بهيت، وكتم أبو سلمة أمر القوم شهرين في الكوفة محتجاً بالخوف، ولا خوف يعتد به في تلك الأيام.
نقل البيعة إلى العلويين
لم يكن ذلك رأياً من أبي سلمة وإنما كان يتعلل بعلل مختلفة وينتحل أعذاراً شتى قائلاً للعباسيين إن أمركم لم يتم بعد وإن بني أمية قادرون على الحرب، إلى معاذير أخرى لا غنى له عن كسب الوقت فيها، وكان أبو سلمة في هذه الفترة العصيبة يسبر غور العباسيين ويوازن بينهم وبين العلويين إذ كانت في عنقه بيعة لإبراهيم بن محمد الإمام ولكنه في حل منها الآن لأن إبراهيم بن محمد قد مات، فهو يريد أن يخلص إلى رأي قاطع بعقد البيعة من بعد إبراهيم كما خلص قبل ذلك إلى رأي قاطع بشأن الدعوة فجعلها للهاشميين عامة لا للعباسيين خاصة، والظاهر أن أبا سلمة خلص إلى ذلك الراي فهو يريد نقل البيعة إلى العلويين وهو يبعث إلى ساداتهم المقيمين في المدينة بكتبه يعرض عليهم ذلك، ولكن هذا الانحراف جاء متأخراً عن وقته فإن البيعة عقدت للسفاح في الكوفة بإشراف أهل بيته وذويه وأنصاره، وفي مقدمتهم عمه داود بن علي، وكان أبو سلمة آخر من بايع نزولاً على حكم الأمر الواقع واعتذر من أبي العباس.
لم تخف محاولات أبي سلمة على أبي العباس وأخيه جعفر فقتل في الكوفة، ولم يقتل إلا بعد استشارة أبي مسلم الخراساني، فأبو مسلم شريك في مقتل أبي سلمة وزير السفاح بلا شك، وقد شارك بمقتله وكان رأيه من رأي داود بن علي ـ وهو من أهل الرأي والمشورة ـ ويروي ابن قتيبة أن السفاح أمر بطلب أبي سلمة بعد ذلك وهكذا قتل أول وزير لأول خليفة من العباسيين.
نجاح المغامرة
وعلى كل حال فإن مغامرة العباسيين في الوصول إلى الكوفة عبر بادية الشام تمت بنجاح ووصلت القافلة المخاطرة إليها بين مظاهر الحماس البالغ الذي غلب على شباب بني العباس وأنصار دعوتهم، فكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة قال: «إن نفراً أربعة عشر رجلاً خرجوا من ديارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همتهم كبيرة نفوسهم شديدة قلوبهم».
مباشرة العمل
وعني أبو العباس أول ما عني به فور أخذ البيعة له وانفراده بالسلطة في الكوفة بعد مقتل أبي سلمة بتنظيم معسكره وتوزيع رفاقه على ميادين الحرب والثورة، وكانت واسط محاصرة يدافع عنها يزيد بن عمر بن هبيرة أمير العراقيين من قبل مروان بن محمد.
ويشدد الحصار عليها الحسن بن قحطبة من أشهر قواد السفاح، فانضم الأمير عيسى بن موسى إلى هذا القائد بأمر السفاح، وشارك في حصار واسط، وهو أول عمل يقول به عيسى بن موسى بعد إعلان الثورة على الأمويين في العراق، ومما هو جدير بالذكر أن ابن هبيرة سلم واسطاً لابن قحطبة بعد قتال دام سنة تقريباً، وسلم معه قواد جيشه، وقدم على المنصور بأمان منه ثم قتل هو وقواد جيشه بعد ذلك، وهو عمل يلام عليه السفاح وقد عده محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية وصمة في تاريخ الدولة العباسية وولى عيسى بن موسى الكوفة بعد الفراغ من أمر واسط فحل محل داود بن علي الذي نقل إلى ولاية المدينة في السنة الأولى من خلافة السفاح.
عيسى سند المنصور
كان عيسى وهو في عنفوان شبابه مستودع أسرار أبي العباس السفاح، وقد ائتمنه على وثيقة سجل فيها عقد الولاية لمن يعده، وبموجب هذه الوثيقة أخذت البيعة للمنصور، أخذها له في الحجاز حاجبه الربيع بن يونس وأخذها ـ وكان حاجاً ـ في العراق عيسى بن أخيه هذا، وكتب بذلك إلى الأمصار وقام بأمر الناس، ثم شرع في ضبط الدواوين وحفظ الخزائن والأموال حتى تسلمها المنصور.
ولنا أن نقول: أن أبا جعفر المنصور مدين ـ إلى حد ما ـ ببيعته واستقراره في دست الخلافة خلال هذه الفترة لابن أخيه عيسى بن موسى، وكان أميراً على الكوفة من عهد السفاح إلى أيام المنصور ولا تقل مدة إمارته عليها عن ثلاث عشرة سنة، ثم صار والياً على المدينة، وتتضارب الروايات بشأن موقف عيسى بن موسى هذا بعد موت أبي العباس السفاح في الأنبار وقبل مجيء ولي عهده المنصور من مكة، ومرد هذا الاضطراب في الروايات إلى سقم الأصول وكثرة الأغلاط فيها.
مات السفاح وبويع أخوه المنصور وعيسى بن موسى ابن أخيهما على ولاية الكوفة، وقد كثرت الفتوق والأحداث في السنوات العشر الأولى من خلافة المنصور، ومن أشهرها خروج محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية في الحجاز، ثم خروج أخيه إبراهيم في العراق، وقد عظمت شوكة إبراهيم هذا، وانضم إليه وهو يطلب بثأر أخيه جل أهل العراق، وأرجف المرجفون بمصير الدولة العباسية الناشئة في العراق، وضويق المنصور ـ وهو في معسكره بالكوفة ـ مضايقة شديدة، وكان هذا المعسكر محاطاً بما لا يقل عن مائة ألف من أنصار الطالبيين يتربصون الدائرة بالمنصور حتى تحدث المتحدثون بخروجه من العراق إلى بلاد فارس، وقد حفظت لنا كتب التاريخ مراسلات دارت بينه ـ أي بين أبي جعفر المنصور ـ وبين الطالبي الثائر في الحجاز، وتعد من عيون الرسائل، ومن محاسن الكتب في معناها وهو لا يخرج عن الأدب والتاريخ والأنساب والواقع أن ثورة محمد بن عبد الله من أخطر الثورات التي واجهها المنصور، وقد اضطرب لها جداً، ولم يبق أحد من أهل الرأي إلا استشاره في كيفية التغلب على الثائرين.
في هذه الفتوق وما إليها ندب المنصور ابن أخيه هذا إلى قتال الطالبيين الثائرين في الحجاز وفي العراق بعد ذلك، وقدر لعيسى أن يتغلب على الأخوين محمد وإبراهيم بعد معارك طاحنة تجلى فيها إخلاص هذا الأمير لعمه وللدولة العباسية.
كم الأفواه ومناهضة المعارضة
وركن عمال بني العباس وولاتهم ـ وفي مقدمتهم عيسى هذا والي الكوفة، وجعفر بن سليمان بن علي والي المدينة ـ إلى الشدة المتناهية في مناهضة المعارضين لأساليبهم في قمع تلك الثورات فحاول الأول أن يفتك بأبي حنيفة في الكوفة لمجاهرته بآرائه في الخلاف ثم أشخصه منها إلى بغداد، وفعل الثاني ما فعل بفريق من فقهاء المدينة، وفي مقدمتهم مالك بن أنس، بيد أن إخلاص هذين الأميرين كان وخيم العاقبة عليهما فعزلا وأوذيا إيذاء شديداً بعد ذلك، حرم جعفر بن سليمان من مال طائل جاءه عن طريق الأرث وخلع الثاني من ولاية العهد، قال السيوطي وهو يذكر المنصور «كان عيسى هو الذي حارب الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرهاً وعهد إلى ولده المهدي».
أثارت سياسة المنصور في شدتها وصرامتها، وأثار إسراف قادته وعماله في سفك الدماء سخط جمهرة من أعلام عصره ما في ذلك من شك حتى تعرض من تعرض منهم إلى صنوف من الأذى والمحن، ويقول لنا السيوطي في هذا الصدد «آذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما ـ أي محمد وإبراهيم ـ أو أمر بالخروج قتلاً وضرباً وغير ذلك، منهم أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان».
أجمعت كلمة المؤرخين على أن عهد المنصور كان عهد محنة لهؤلاء الطالبيين ولأنصارهم من أهل الفقه والعلم على اختلاف مذاهبهم ـ كما رأيت في قول السيوطي ـ ، ولكن هؤلاء المؤرخين وبعض المحدثين والمؤلفين اختلفوا في ماهية الأسباب، منهم من يجعلها أسباباً سياسية ومنهم من يردها إلى غير ذلك.
معركة بين النظار
ودارت معركة حامية الوطيس بين النظار في هذا الشأن تضاربت فيها وجهات النظر فمنهم من ينفى عنهم الخوض في السياسة وينفى الروايات والأخبار المشعرة بصدور فتوى صريحة أفتاها هؤلاء الفقهاء بجواز الخروج على المنصور مع من خرج عليه من العلويين والسادات أو في جواز التحلل من بيعته، لما في الخروج على السلطان من المفاسد ـ وإن كان السلطان جائراً ـ فهو الذي يحمي الثغور ويحفظ السبل ويقيم الشعائر، والخروج عليه ينافي أصولاً معروفة في العقائد على ما يدعون، فهؤلاء يقولون: «أن مالكاً ما كان يخوض في السياسة ولا كان يحرض على السلطان، وأنه لزم بيته في النزاع بين المنصور والطالبيين، أي أنه كان على الحياد، ولم يقصد بفتواه في يمين المكره وفي طلاق المكره الدعوة إلى التحلل من بيعة المنصور، وإن حملت هذه الدعوى على ذلك واحتج بها عامل المدينة على ضربه في محنته المعروفة، أما أبو حنيفة فإنه ـ على أصح الأقوال ـ أشد وأعنف من صاحبه لم يتردد في الجهر بالخلاف، كما ستقف عليه مفصلاً بعد قليل.
العامل السياسي في النزاع
لا يجوز فيما نرى إغفال العامل السياسي قط فيما نحن فيه، ولا يصح تجاهل روح العصر الذي عاش فيه أولئك الفقهاء الأعيان من حجازيين وعراقيين، وهذا العصر العصيب عبارة عن الفترة الواقعة بين أواخر الدولة الأموية وأوائل العباسية، وفيها ساءت الأحوال السياسية وتتابعت الفتن واستشرى الشقاق، وهي بعد ذلك فترة يتناقل المحدثون من أبنائها عن آبائهم أو يروون عن أجدادهم وقائع الطف، والحرة واستباحة الحرمين، وفتنة ابن الزبير والثورات القبلية بين عرب الشمال وعرب الجنوب وغير ذلك من الوقائع التي استبيحت فيها كثير من المحارم، وانتهكت الحرمات.
وفي هذه العصور انقلبت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، تقطعت بسببه الأرحام وسفك الدم الحرام، فلا غرو إذا رأينا كثيراً من فقهاء هذا العصر وأئمته ناقمين على الدولة، ساخطين على الساسة والحكام، نافرين من تقلد الأعمال العامة في تلك الأيام.
جعفر بن محمد وأبو جعفر
تروى أخبار الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام مع أبي جعفر المنصور بكثرة في كتب الحديث وفي الكتب المعنية بسيرة أهل البيت، ويلاحظ أن كتب التاريخ المشهورة كتاريخ الطبري ومروج الذهب والكامل وتواريخ الخلفاء العباسيين خلت من الإشارة إلى أخباره في هذه المحنة إلا نادراً مع أنه أنبه السلالة الطالبية ذكراً في عصره بالمدينة، عاصر المنصور في السنوات العشر الأولى من ملكه، وقد أجمعت كلمة المؤرخين والمحدثين على رواية مالك وأبي حنيفة وتحملهما عنه، عاش أبو حنيفة من بعده مدة وعاش مالك أكثر من عشرين سنة، وكلاهما تحمل عنه في المدينة فأما أبو حنيفة فإنه كان نزيل المدينة هاجر إليها من العراق مضطهداً من قبل ابن هبيرة عامل بني أمية على الكوفة، وأما مالك فإنه ـ كما لا يخفى ـ من أهل المدينة.
لم يقل لنا أحد من المؤرخين أن جعفر الصادق عليه السلام حُبس أو أُوذي في المحنة كما ضرب أو حبس غيره بأمر من المنصور أو من عامله على المدينة ـ ، وليس معنى هذا السكوت من المؤرخين في الغالب أن الإمام سلم من المحنة مطلقاً، والحق أن موقفه كان غاية في الدقة بين الطالبيين الذين يطالبون بحقهم ويحاولون درأ المظالم عنهم وبين الذين انقادت لهم الأمور في العراق وخراسان، أي أن محنته كانت من نوع آخر فإنه عاش عيشة مشوبة بالكدر منغصة بالوعيد والتهديد محاطة بالعيون والجواسيس في عصر أبي العباس السفاح وعصر أخيه أبي جعفر المنصور، وقد عانى من بعض الولاة والأمراء العباسيين في عصر السفاح ما عانى من الأذى والكيد، لأن الوشايات إليه كانت أسرع من السيل إلى المنحدر، وستطلع على أسباب ذلك.
أمير المدينة في دولة السفاح
بالغ الأمير داود بن علي عم السفاح وواليه على المدينة في اضطهاد الطالبيين المقيمين فيها، ومرد هذا الاضطهاد إلى شعور بأن هناك وثبة لا بد من قيام الطالبيين بها على الدولة العباسية، فكان يلاحق أتباع الطالبيين وأنصارهم ويضايقهم، وفي أيامه وبأمر منه قتل «المعلى بن خنيس» من أتباع جعفر الصادق عليه السلام.
وصودرت أمواله، وفي سبب قتله أقوال منها: أن المعلى المذكور امتنع من رفع قائمة بأسماء شركائه في رأيه فقتله «السيرافي» صاحب شرطة الأمير والي المدينة في قصة تدل على تفاني المعلى في طاعة الإمام المذكور وفي إخلاصه له ورد بعضهم قتله لقيامه بالدعوة لمحمد بن عبد الله النفس الزكية.
كان لهذه الحادثة أسوأ الأثر في نفس جعفر الصادق عليه السلام، وقد رأى في هذا الاعتداء اعتداء على حقه وحرباً معلنة عليه، يدل على ذلك عنف الاحتجاج الذي احتج به على الأمير والتهديد الذي هدده به، فقد أجمعت روايات الباحثين في سيرته أنه مشى إلى ديوان الأمير وهو محنق على خلاف عادته وألقى خطاباً موجزاً قال فيه: «قتلت مولاي وأخذت مالي أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب!»، وقد جرى أثر الخطاب أخذ ورد ـ بين الإمام والأمير ـ لا يخلوان من العنف، ولكن الأمير حاول التنصل وإحالة التقصير على صاحب شرطته فكانت الحجة واهية ولم يكن للأمير مهرب من القود، فأمر بقتل «السيرافي» ولما أخذ ليقتل صرخ قائلاً:
«يأمرونني بقتل الناس فأقتلهم لهم ثم يأمرون بقتلي»، وهي كلمة تدل على أن القاتل كان مأموراً بإزهاق روح «المعلى بن خنيس» وأنه امتثل أمر الأمير داود بذلك، فيا لها من كلمة تدل على منتهى الشعور بسوء المنقلب وبأنه ـ أعني السيرافي ـ أطاع المخلوق بمعصية الخالق ويا له من إسراف في سفك الدماء واستخفاف بحرمة الأرواح.
هذا وفي كتب اصحاب السير أقوال مضطربة في تاريخ هذه الحادثة، قيل: أنها وقعت في خلافة المنصور ـ وهذا مستحيل ـ ، والصحيح أنها وقعت في عصر سلفه ابي العباس السفاح، فقد أجمعت كلمة المؤرخين على أن داود بن علي مات في خلافة ابن أخيه السفاح بعد الحادثة المذكورة بقليل، ومرد هذه الأوهام في كتب أصحاب السير والمؤرخين إلى سقم الأصول، وقد تكون من أوهام المؤلفين المتأخرين.
المنهج المرسوم
عانى جعفر الصادق عليه السلام كثيراً في سبيل إزالة المخاوف والأوهام التي ساورت السلطان بشأن خطته أو منهجه المرسوم، فهو زعيم بيت ناهض دولاً وناهضته دول وأقلق حكاماً وفُني من فُني من رجاله وشبابه في ميادين القراع، فإذا قيل: إن جعفر الصادق عليه السلام موتور وجد من يقبل ذلك، وإذا قيل: إنه يهم بالانتقام والخلاف لم يستكثر ذلك عليه فكان هدفاً للسعاة والوشاة غير أنه ـ والحق يقال ـ ما كان في هذا الدور من أدوار حياته معنياً بطلب الثأر ولا منطوياً على الانتقام ولم يكن له منهج مرسوم غير أحياء السنن ونشر المعارف والآثار.
لذلك عني بحسم مادة تلك المخاوف الأوهام التي ساورت أمراء بني العباس وخامرتهم بشأنه، فقاطع فريقاً من خصومهم المنابذين لهم سواء أكانوا خصوماً في السياسة أم في غيرها، قاطع طبقة معروفة من الأعلام في الحديث والرواية لأنها طبقة غير مرغوب فيها من قبل السلطان، ويلاحظ أن الجفاء كان شائعاً جداً بين أمراء الدولة العباسية وهذه الطبقة من النساك بل كان يتبرم باتصال من يتصل به منهم وينهاهم عن غشيان مجلسه لعلمه بأن ذلك يزعج الحكام ويثير هواجسهم وهو يريد اتقاء شرهم على كل حال، تدلنا على ذلك قصته المعروفة مع سفيان الثوري ـ ولا تخفى منزلة سفيان في الحديث والرواية ـ فإنه دخل على جعفر بن محمد فقال له: «أنت رجل يطلبك السلطان وأنا رجل أتقي السلطان قم فاخرج غير مطرود».
اتصال الوشايات
هذا ولم تنقطع السعايات والوشايات بجعفر بن محمد، وأكثرها يدور على اتصاله بأنصاره وأوليائه في الحجاز وفي العراق وخراسان وأنهم كانوا يحملون زكاة أموالهم إليه، وقد وضعت على لسانه كتب إلى هؤلاء الأنصار يدعون فيها إلى خلع الخلفاء العباسيين، بيد أن المنصور لم يعبأ بكثير من هذه السعايات، وهكذا سلم أبو عبد الله الصادق من القتل ونجا من الحبس ولم يرتكب منه ما ارتكب من بعض أعلام المدينة والعراق في عصر المنصور.
ويميل بعضهم إلى تعليل هذه البادرة بادرة المحاسنة والرفق من قبل المنصور وقلة اكتراثه بتلك السعايات بعلل لا يخلو بعضها من المبالغة، وقد يستندون في ذلك إلى روايات لا يصبر أكثرها على النقد والتمحيص.
كان الخطر محدقاً بجعفر بن محمد الصادق ـ ما في ذلك شك ـ ولكنه سلم على كل حال، وكانت سلامته في الواقع وسلامة كثير من أهل بيته وأصحابه أعجوبة في المحنة المذكورة، ولم يسلم إلا بشق النفس وبتوطينها على كثير من التحرز والتوقي، يدل على ذلك حديثه المشهور بل كلمته الحكيمة البليغة: «عزت السلامة حتى لقد خفي مطالبها فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول، فإن طلبت في الخمول فلم توجد فيوشك أن تكون في التخلي ـ وليس كالخمول ـ فإن طلبت في التخلي فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت ـ وليس كالتخلي ـ فإن طلبت في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح، والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها، وقوله: «أقلل من معرفة الناس وأنكر من عرفت منهم وإن كان لك مائة صديق فاطرح منهم تسعة وتسعين وكن من واحد على حذر».
ومن أقواله في العزلة: «إذا أمكنك ألا تُعرف فأفعل»، ومرد سلامته ـ فيما نرى ـ إلى منهجه السلمي البحث البعيد عن العنف في معارضة المنصور وإلى أخذ نفسه بالقصد والحذر الشديد والاحتياط التام، يدل على ذلك رده للأموال ورفضه للرسائل التي أمر المنصور بكتابتها إليه وإلى غيره من الطالبيين على لسان أنصارهم وأوليائهم في العراق وخراسان لتكون حجة بيد المنصور عليهم، وهو في هذه الناحية منقطع النظير بين الطالبيين.
كان المنصور أخبر العباسيين قاطبة بموقف جعفر بن محمد وأكثرهم اطلاعاً على منهجه السياسي، وتروى له مع المنصور أخبار غير قليلة، وفي رواية لابن طاووس أن المنصور استدعاه سبع مرات، ولا تخلو بعض هذه الأخبار من التناقض فبينما نرى المنصور في منتهى العنف والشدة مع أبي عبد الله إذ نراه في غاية اللطف والرقة، بيد أنه على كل حال كان يدافع عن سكان دار الهجرة ـ بلده ومسقط رأسه ـ وعن كرامة أبنائها ومصالحهم العامة كلما رأى ما يدعو إلى ذلك في ديوان المنصور وفي أندية أمراء الدولة، يظهر ذلك من احتجاجه على الربيع بن يونس حاجب المنصور لما قدم الوافدين من أهل مكة على الوافدين من أهل المدينة زاعماً أن مكة هي «العش» فأجابه جعفر بن محمد قائلاً: «أجل ولكنه عش طار خياره وبقي شراره».
لقي المنصور جعفر بن محمد واتصل به مراراً، بعضها في عصر بني أمية وبعضها في عصر بني العباس، وضمتهما محافل عدة عنى الهاشميون بعقدها للمداولة في كيفية التخلص من حكم بني أمية، ومن الواضح أن لعبد الله ولولديه محمد وإبراهيم آراءهم في الإمامة وفي الخلافة وما إلى ذلك، وهي تختلف عن المعلم المعروف من آراء جعفر بن محمد، ولا تخلو بعض كتب الحديث والسير من الإشارة إلى هذا الاختلاف وإلى أنه بلغ حد المشادة في بعض الأحيان.
الرياسة بين الهاشميين
عني بنو هاشم في أواخر المروانية بالمداولة فيما يعانونه من عسف أمراء الدولة المذكورة وفي سأم الناس من سياستهم وانحرافهم عنهم في اجتماعات عدة عقدها الهاشميون سراً في الحجاز، وشهدها أعيان القوم طالبيوهم وعباسيوهم، شهدها جعفر بن محمد وعبد الله بن الحسن وابناه محمد وإبراهيم من الطالبيين، وشهدها أبو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور وعماهما صالح وعبد الصمد ابنا علي وغيرهم من العباسيين، وكان نصب الرئيس واختيار الإمام من أهم الموضوعات التي دار عليها البحث في المحافل المذكورة، واختير للرياسة فيها محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية.
بايع الهاشميون محمد بن عبد الله إلا الإمام جعفر بن محمد فإنه اعترض على هذه البيعة معلناً أنها سابقة لأوانها.
عبد القيس
والأصول الدينية والسكانية
في الجزيرة العربية
نشرت مجلة «The Moslem World» في عددها 23 الصادر عام 1933 مقالاً بعنوان «الخلاف السني ـ الشيعي في شرق الجزيرة العربية بقلم «B. D. HAKKEN» تناول فيه مسألة الانقسام المذهبي في الداخل الإسلامي مقاساً على الانقسام في نظيره المسيحي.
وكتصوير للانقسام الحاد في الإسلام ذكر الكاتب بأن «مما هو معلوم تماماً بأن هنالك مذاهب مختلفة في الإسلام تتراوح بين الوهابيين ذوي العقيدة التوحيدية الصارمة، والعلي ـ اللهية الذي يؤلهون علياً».
لسنا معنيين كثيراً بهذا التصنيف المذهبي إلا بما يساعد على رسم فكرة أولية حول الخلفية المعرفية للكاتب، الذي أراد أن يعكس الواقع الانقسامي على قاعدة مذهبية في البحرين، أي في المنطقة التي كان يعمل فيها. وأقول البحرين لأننا سنجد لاحقاً كيف شوش نص هاكيم الرؤية بسبب تداخل صور متعددة في هذا النص.
يقول هاكيم «ينقسم السكان بصورة متساوية تقريباً إلى سنة وشيعة. فالمجتمع السني يتكون من العرب، والهنود وقلة، ولكنها مجموعة نافذة من الفرس. والشيعة مؤلفون من البحارنة، والفرس وقلة من الهنود».
ثم تحدث عن الروابط الداخلية لكل جماعة مذهبية. فالسنة ـ يقول هاكيم ـ يشكلون وحدة مترابطة مع بعضها رغم أن المذهب الوهابي له مساجده الخاصة به.
والشيعة، من جهة ثانية، وهم في الغالب إثني عشرية (مع أن هناك مجتمعاً صغيراً للبهرة يذهب مذهباً مستقلاً في إقامة أعياده وصلواته إلى آخره وهم بالتالي يعيشون بصورة منفصلة عن رفاقهم الشيعة).
الفرس، كما يقول هاكيم، يمثلون وحدة أيضاً لهم مدارسهم ومساجدهم ومآتمهم الخاصة، ولكن شيخهم الديني هو نفسه لدى البحارنة».
فهذان النصان يعكسان، ودون أدنى شك، وبصورة محددة الحالة المذهبية في البحرين، المكان الذي كتب منه هاكيم مقالته والمكان الذي عناه بصورة مباشرة، كما صرح بذلك في مقدمة الفقرة المنقولة عنه وأيضاً مهر به مقالته.
المثير للدهشة أن الكاتب المصري الدكتور عبد الفتاح أبو علية الذي نقل عن هاكيم رأيه حاول بعمد أو خلافه تمديد المساحة الجغرافية للنص، بتطبيقه وبصورة قسرية على الإحساء، مستخدماً لغة ضبابية يقول أبو علية «إن في المنطقة أصلين أساسيين للسكان هما الأصل العربي، والأصل الفارسي «ناسباً هذا الرأي إلى هاكيم، ثم يقيم أبو علية على هذا التقسيم حكمه الغاشم».
والسنَّة في الإقليم يرجعون إلى أصل عربي، وهم أحفاد العرب الأوائل الذين قطنوا هذا الإقليم منذ زمن بعيد … أما الشيعة فيرجعون في أصولهم إلى أصل أعجمي والقليل منهم إلى أصل هندي»([645]).
إذن هنا نحن أمام مخالفة علمية صريحة وخطأ تاريخي. فالدكتور أبو علية خرق حريم نص هاكيم وجعله مفتوحاً على منطقة واسعة وهو ما لم يكن قد قرره هاكيم بحال في مقالته. فالأخير صريح في حديثه عن الحالة المذهبية في البحرين الحالية وليس البحرين التاريخية، ولا نظن أن مثل أبو علية بحاجة إلى هذا التفريق.
من جهة ثانية، تتأكد صراحة هاكيم هذه في الفقرة التي نقلها عنه أبو علية حول الأصول السكانية لشعب البحرين. فهاكيم لم يتحدث عن «المنطقة» التي تشمل البحرين والإحساء وربما كل شرقي الجزيرة العربية كما يفرضها وبسطوة نص أبو علية.
حديث هاكيم باختصار يتمركز حول البحرين البلد الذي كان يخضع للإدارة الإنجليزية، وتفاصيل المقالة تؤكد ذلك، نعم، هناك استطرادات في المقالة حول شيعة القطيف كالتي أشار إليها أبو علية حول الضرائب السنوية التي كانت تفرض على شيعة القطيف خلال الدول السعودية المتعاقبة في مقابل استثنائهم من سياسة التجنيد إبان الحروب السعودية([646]).
وإذا كان للدكتور أبو علية أن يتصرف بنص هاكيم وبطريقة الجراح فيقتطع منه ما يراه معترضاً مع وجهته، ويحمل بعضه أو كله على رأي قار سلفاً في محفظته، فإن التاريخ يبقى أميناً على مستودع أخباره وحافظاً لمجريات أحداثه.
وإذا كان للدكتور أبو علية أن ينفخ في نص هاكيم ويجعل منه أساساً لتقرير الادعاء القائل بالأصل العربي للتسنن والأصل الأعجمي وربما الهندي للتشيع فهنا تصبح القضية أكبر من كونها تعاملاً مختلاً مع نص (وبخاصة نص انجليزي قد يغتفر فيه فهم معناه)، ليضعنا الادعاء برمته في حقل آخر ألا وهو التاريخ للتحقق من أصل الادعاء. وحينئذ نكون قد أحلنا كل أوراق القضية إلى التاريخ وليس للذوق الشخصي والميول الخاصة في التعامل مع نص الآخر.
الجذور التاريخية للتشيع في الإقليم
ثمة رأي ساد وسط العلماء المعاصرين حتى نهاية القرن التاسع عشر وربما إلى مطالع القرن العشرين مفاده أن التشيع فارسي المنشأ. وقد تبنى الرحالة الغربيون هذا الرأي واستعملوه أداة لتفسير الوقائع الاجتماعية والسياسية في المنطقة.
فالرحالة الدانماركي نيبور رسم صورة لطبيعة العلاقة بين العرب الذين يعيشون على الساحل الغربي والفرس على الساحل الشرقي من الخليج. هذه الصورة ترجمت في هيئة عبارات تحمل تحريضاً إلى جانب التسليمية المطلقة من قبيل «هؤلاء العرب هم السنة.
إنهم يعتبرون الفرس، أي الشيعة، مورد مقتهم ولذلك تحاشوا أي تحالف معهم. أن الكراهية المتبادلة، على حد نيبور ـ بين المذهبين كانت أحد أسباب فشل محاولة نادر شاه في إخضاع هؤلاء العرب»([647]).
في تصنيفه للمذاهب الدينية في الجزيرة العربية، يذكر نيبور التشيع بوصفه المذهب «الذي يلتزم به ويمارسه المجتمع الفارسي. وفي الأجزاء الشرقية من الجزيرة العربية ـ يضيف نيبور ـ يوجد بعض الملتزمين بهذا المذهب الذي يسود على طول حدود الخليج الفارسي([648])، وهذا النص كفيل بزرع انطباع في ذهن القارئ بأن التشيع تمركز في فارس التي منها انبثاثاته الواسعة نحو الغرب.
وهكذا تتواصل الإنشاءات في وقت لاحق لتضع من رأي نيبور مرتكزاً لتفسير الظواهر الاجتماعية ـ دينية في الجزيرة العربية. يكرس جون لويس بركهاردت رحلته إلى الجزيرة العربية التي انطلقت في فبراير 1812 لتبدأ من الناحية العملية من الحجاز في يوليو 1816 لرسم خارطة التشكيلات القبلية في الجزيرة العربية بالنظر إلى الانتماء الديني لكل قبيلة. وقراءة سريعة لملاحظات بركهاردت يمكن استخراج صورة عاجلة بعدد من الأمثلة.
ـ أن بدو جبل شمر تشتمل مجموعة من العشائر التي تزاول الطقوس الشيعية مثل الزيجرت المتحدرين من بني الديغم إحدى القبائل القديمة المعروفة والتي ورد اسم رئيسها عرار في القصص والحكايات البدوية. الزيجرت هم فلاحون في جوار الإمام الحسين([649]).
ـ «بنو حسين، القبيلة الرحالة في الجزيرة العربية، هم كما الفرس من أتباع علي. ورغم أنه يفترض تبنيهم للعقائد الوهابية إلا أنهم ما زالوا ملتصقين، بصورة سرية، بالعقيدة الفارسية أو الشيعية([650]). فهنا يستخدم التشيع والفارسية باعتبارهما مترادفان يرمزان إلى شيء واحد.
«بنو علي وهم ينتمون إلى قبيلة حرب، يعيشون في شرق المدينة المنورة، هم يعتنقون «العقيدة الفارسية وهم أتباع علي»([651]).
«بنو يام وهم الفلاحون في وادي نجران قبيلة مولعة بالحرب والتي عجز الوهابيون عن العثور على أية وسيلة لإخضاعهم. بعض أعضاء هذه القبيلة تزاول العقيدة الفارسية»([652]).
دوزي Dozy من بين علماء غرب آخرين، خضع تحت تأثير رواية الرحالة الغربيين، وقرر بأن «الشيعة كانوا في الأساس مذهباً فارسياً» ويلحق هذه الحقيقة المقررة بشرح لخلفية التبني الفارسي للعقيدة الشيعية على قاعدة اختلاف قومي «وهنا يكمن الاختلاف بشكل واضح بين العنصر العربي الذي يعشق الحرية والعنصر الفارسي الذي ألف عبودية الرق. بالنسبة للفرس، فإن مبدأ الانتخاب لخليفة النبي كان شيئاً لم يسمع عنه ولا يمكن الإحاطة به.
فهم ـ أي الفرس ـ عرفوا مبدأ التوريث فحسب. ولذلك اعتقدوا بأنه طالما لم يخلّف النبي ولداً، فإن ابنه السببي، أي زوج ابنته، يجب أن يخلفه وأن السيادة تكون وراثية في أهل بيته. وكنتيجة لذلك، فكل الخلفاء، باستثناء علي، في نظرهم غاصبون ولا يصح لأحد أن يدين لهم بالطاعة. فالكراهية التي تركوها للحكومة وللسيادة العربية أكدت هذا الرأي بالنسبة لهم»([653]).
لقد دافع أ. مولر Muller عن هذا الرأي وأضاف إليه بعداً جديداً مستدعياً صورة مفترضة للماضي. يقول بأنه قبل بزوغ فجر الإسلام بفترة طويلة، كان الفرس واقعين تحت تأثير الأفكار الهندية التي كانت تميل إلى الرأي القائل بأن الشاهنشاه كان تجسيداً للروح الإلهية، التي انتقلت من الأب إلى الابن لتلهم القبيلة الحاكمة»([654]).
لقد مثلت هذه الآراء وأشباهها مرتكزاً قوياً لعدد من الباحثين والرحالة الغربيين الذين درسوا التاريخ الثقافي والديني في هذه المنطقة. فقد افترض زويمر بأن «سكنة القطيف هم في الغالب شيعة من أصول فارسية»([655]).
وقد تسمع بين فترة وأخرى عن آراء متشابهة تأتي تارة كخلاصة لأبحاث علمية وأكاديمية ترجو العثور على الحقيقة، وتارة ترمى هذه الآراء جزافاً لا يراد منها سوى تبرير أوضاع سياسية وثقافية واجتماعية معينة.
وأياً كان الحال، فإن الآراء المذكورة سلفاً اعتصمت بمصادر وأدوات تحليلية لم تكن تأخذ في الحسبان مصادر تاريخية رصينة ومنهج تحليلي أكثر شمولية. فقد بدأ اتجاه جديد في الظهور في بدايات العشرينيات من هذا القرن أطاح بالاعتقاد السائد، وسخر من النتائج التي توصل إليها الجيل الأول من الباحثين والرحالة الذين كانت تنقصهم المعرفة التاريخية والتحليل التاريخي العلمي. ويأتي D.G. Hogarth في طليعة العلماء الغربيين المعاصرين الذين وضعوا أساساً جديداً لاستكشاف الأصول التاريخية والاجتماعية للتشيع من زاوية مختلفة.
يقول: بأن «عدم التوافق بين شبه الجزيرة العربية والنظام الخليفي القائم سواء كان خاضعاً من الناحية الإدارية إلى سوريا أو العراق يزيد من واقع الانعزال عن الإمبراطورية الإسلامية. فالأمر على درجة من الأهمية، لأن الطابع الديني والسياسي المخادع يحكم عدداً كبيراً من المجتمعات في الوقت الحاضر لشبه الجزيرة العربية. فهناك من العرب أكثر مما يفترض، ما زال يمارس عقائد ضد ـ سنية، وهذا يصدق، على سبيل المثال، على أغلب اليمنيين سواء من سكنة الهضاب أو الزيدية، أو الإسماعيلية، أو الداوودية، وأيضاً سكان المناطق النائية من نجران إلى الجوف.
وهكذا الحال بالنسبة لجمهرة رجال القبائل في عمان مع أجزاء من الإحساء وعدد من العشائر في مختلف القبائل البدوية، بما في ذلك بنو علي الذين تقع ديارهم بالقرب من المدينة المنورة وما يدخل في حيازة قبيلة حرب. أما بقية سكان الشرق والوسط، فينتمي قسم منهم من الناحية الإسمية إلى المذاهب السنية الأربعة، وهناك قلة نادرة من اتباع المدرسة الطقسية، أي الحنبلية»([656]).
ثم جاء جوليوس فلهاوزن ليهدم كل الأسس النظرية التي أقام دوزي ومولر عليها آرائهما قائلاً «ليس ثمة شك في أن الأفكار الشيعية حازت على إعجاب الفرس، ولكن ذلك ليس على سبيل إثبات أن هذه الأفكار نشأت وسط الفرس. فالمصادر التاريخية تتحدث عكس ذلك تماماً. فالتشيع الصريح، على حد هذه المصادر، ظهر بشكل كبير في بيئة عربية، ومن هناك تحديداً انتقلت هذه الأفكار إلى الموالي وأصبحت جزءاً منهم»([657]).
يضيف فلهاوزن بأن القبائلف العربية وليس الموالي هي التي ناصرت الأفكار الشيعية ودافعت عنها. فالقبائل العربية (التي تبنت العقيدة الشيعية) كانت على وجه الخصوص من نهد، خريف، ثور، شاكر، شيبان، همدان.
وفي السياق نفسه ركز آدم ميز، وبكفاءة عالية، على التطور التاريخي والتمددي الجغرافي للتشيع. تأسيساً على رؤية فلهاوزن بأن التشيع لم يكن كما كان يعتقد سابقاً بأنه رد فعل على الروح الإيرانية المضادة للإسلام، فإن آدم ميز يعتقد بناء على ذلك «أن التوسع الجغرافي للمذهب ـ الشيعي ـ في القرن الرابع يقدم دليلاً قوياً بالاستناد إلى رواية الخوارزمي الذي وصف بابل باعتبارها التربة التقليدية للتشيع وأن الكوفة، التي تضم قبر علي، هي مركز قيادته»([658]) أي قيادة التشيع.
وكمحاولة لتقديم رؤية داخلية لانبثاق النزعة الشيعية وسط القبائل العربية في الكوفة، يتوسل Marshal G. S. Hodgson بأدوات التحليل السيسيولوجي في استكشاف طبيعة تلك النزعات ومحركاتها يقول:
إن نزعة الشراكة والتحزب بين الكوفيين تمظهرت بدرجة أساسية في النظر إلى عائلة علي بكونها تمثل الاستقلال بالنسبة لهم. ومثل ذلك قائلاً «في حالة شهيد كحجر بن عدي، فإن الكوفيين لم يندبوا شخصاً وطنياً فحسب بل أيضاً ضحية النزعة المتعاظمة لنبذ الإحساس العربي بالكرامة التي لا تنتهك لرجل القبيلة([659]).
مونتغمري وات كرس اهتماماً كثيفاً لبحث الأصول المبكرة لنشأة حركة التشيع وقد لحظ بأن «البدايات الأولى لحركة التشيع كانت في يوم من أيام سنة 658م حيث أقسمت جماعة من أتباع علي بأن توالي من يواليه وتعادي من يعاديه، ولحظ أيضاً بأن «عدداً كبيراً من رجال قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية كانوا بين الشيعة»([660]).
وخلص وات إلى أن «التشيع انتقل من العرب إلى الموالي وعلى وجه التحديد إلى الفرس»([661]). وإجمالاً، فقد بات واضحاً وبشكل دامغ بأن «الشيعة الأوائل لعلي كان عرباً»([662]) وأن اعتناق غير العرب، وبشكل ملحوظ الموالي، للإسلام ومن ثم للتشيع إنما كان على يد العرب.
بالنسبة لـ Heinz Halm يحتمل التشكيك بعد الآن، فقد قرر حقيقة مبدئية بما نصها «إن مركز ونقطة بداية التشيع الديني والسياسي كان حاضرة العراق أي الكوفة على الفراتين، التي كان يقطنها العرب منذ البداية. فالتشيع، إذن، ظهر في العراق في بيئة عربية خالصة».
ومن ثم يخلص قائلاً بأن هذه الحقيقة يجب التأكيد عليها، سيما وأن ثمة ادعاءاً سيتكرر المرة تلو الأخرى بأن التشيع هو ظاهرة إيرانية وأنها أجنبية كلية عن العقلية العربية».
ويذكر هالم بالأسباب التي ساهمت في تبني زعم الأصل الإيراني للتشيع قائلاً بأن «في القرون اللاحقة، وخصوصاً عقب تشييع إيران في القرن السادس عشر، فإن الأعراف والتقاليد الإيرانية القديمة وجدت طريقها إلى العقيدة الشيعية»([663]).
من جانبه ناقش ف. عمر الراوية التاريخية حول الوجود الفارسي في المنطقة. وقال بأنه «لا يجوز للمرء المبالغة في الروابط بين الساسانيين وسكان البحرين، وهي روابط لم تكن قوية على الإطلاق. فالحكم الساساني في البحرين كان اسمياً وفي مناطق ساحلية محددة حيث كانت السفن الساسانية ترسو في الميناء.
ويبدو أن اهتمامهم كان بصورة أساسية لمنع العرب من القيام بأعمال عدوانية ضد المصالح الفارسية، وخصوصاً التجارية منها بوجه خاص. فمن المحتمل أيضاً بأن الساسانيين قاموا بمحاولات عقيمة لوقف هجرة العرب إلى الساحل الشرقي من الخليج العربي والتحكم في الصلات بين العرب على الساحلين الشرقي والغربي من الخليج».
وبحسب رواية الطبري فإن مملكة فارس أثارت طمع المناطق المجاورة، وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، فورد جمع عظيم من الاعراب من ناحية البحرين وكاظمة إلى أبرشهر وسواحل أردشير خره، وكان أهل هذه المنطقة من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم، ولسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة، حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشير خره وأسياف فارس، وأتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جمع عظيمة حتى أغار على السواد، فمكثت مملكة فارس حيناً لا تتمنع من عدو لوهي أمر الملك([664]).
ثم لما قويت شوكة المملكة الفارسية شنت الغارات على المنتجعين في بلاد فارس ثم امتدت إلى البحرين وقد بالغ ملوك فارس في ترهيب سكانها وكأنهم أرادوا إبلاغ سكان البحرين رسالة تحذير من مغبة السير إلى بلاد فارس.
قبل وصول الإسلام، أقام سيبخت، مرزبان الساسانيين، في هجر مع حامية قليلة. ومن هناك تم تبادل الرسائل بينه وبين الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم التي دعاه صلى الله عليه وسلم فيها إلى زيارة المدينة، عاصمة الدولة الإسلامية. وعلى أي حال، فإن سيبخت، حسب ف. عمر، لم يقبل الدخول في الإسلام، ولكنه في ذات الوقت رفض التحالف مع قوى معادية للإسلام، وحتى مع المرتدة في البحرين.
وهذا الموقف المحايد الذي أخذه المرزبان لم يرض الساسانيين، الذين عزلوه وعينوا مكانه مرزباناً جديداً يدعى المكعبر فيروز وكان قائد الحامية الفارسية في البحرين. مقاومة المكعبر للإسلام لم تدم طويلاً، فقد انهزم وقتل في سنة 13/ 634، في عهد الخليفة أبو بكر.
وبعد هزيمة المرتدين، أصبحت البحرين جزءاً من دولة المسلمين، وبقي المنذر التميمي حاكماً فعلياً للبحرين، بمساعدة رؤساء القبائل الأخرى، صحيح أن الحاكم المسلم كان مسؤولاً عن المحافظة على السلام والنظام، إلا أن نفوذه كان ضئيلاً([665]).
المستند التاريخي
تاريخ التشيع في الواحة يستعيد قصة استيطان عبد القيس في المنطقة، هذه القبيلة التي قدر لها أن تلتحم بالإسلام وبالتشيع منذ بداياته المبكرة. فقبيلة عبد القيس اتجهت من تهامة، موطنها الأصلي، شرقاً ناحية البحرين التاريخية والتي تشمل هجر والقطيف وأوال، وكان بها حينذاك بشر كثير من بكر بن وائل وتميم فلما نزلت عبد القيس زاحمت هاتين القبيلتين في تلك الديار، وقاسمتهما في المواطن. ونشير إلى أن تاريخ عبد القيس يتصل بإمارة اللخميين وكانت أكثر علاقاتهم سلمية أكثر منها حربية، فاتصلوا بعمرو ابن هند وقابوس بن هند والنعمان بن المنذر([666]).
ومع وصول الإسلام، استجابت قبيلة عبد القيس وبصورة سلمية لدعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل البحرين فقدم عليه في السنة التاسعة عشرون رجلاً منهم رأسهم عبد الله بن عوف الأشج، في بني عبيد ثلاثة نفر، وفي بني غنم ثلاثة نفر، ومن بني عبد القيس اثنا عشر رجلاً معهم الجارود، وكان نصرانياً. وحين وصولهم رحب بهم الرسول وقال مرحباً بهم، نعم القوم عبد القيس».
وقد اكتسبت أهمية خاصة في عصر الخلافة الراشدة، يظهر ذلك بصورة جلية من خلال هوية الولاة الذين جاؤوا إلى المنطقة. هذه الأهمية بقيت حتى انفجار عصر الفتوحات في عهد الخليفة عمر ثم استئنافها بشكل واسع في العصرين الأموي والعباسي، وعلى أي حال، مثلت البحرين مركز ثقل هام بالنسبة لدولة الخلافة الراشدة. ومع تبدل مركز الجاذبية من الحجاز إلى العراق منذ حركة التمصير استجاب سكان البحرين لهذا التبدل فانتقل قسم منهم إلى العراق وإلى البصرة والكوفة المصرين المستحدثين في عهد الخليفة عمر ثم تحول هذين المصرين إلى قاعدتين صلبتين لحركة التشيع مع انتقال عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة في عهد الإمام علي.
ولنا هنا وقفة تحليلية لروايتين حول متى بدأ التشيع في المنطقة. رواية ذكرها الشيخ محمد رضا المظفر في (تاريخ الشيعة) والسيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة)، وقد أرجع كلاهما بداية انغراس التشيع في الواحة إلى أبان بن سعيد بن العاص، ومن بعده عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم([667]).
اعتمد المظفر والأمين على روايات تاريخية نذكر أهمها:
ـ كان خالد وأبان وعمراً بنو سعيد بن العاص رجعوا عن أعمالهم حين بلغتهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: «ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إرجعوا» إلى أعمالكم، فقالوا: لا نعمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لغيره، فخرجوا إلى الشام فقتلوا جميعاً، وكان خالد على اليمن وأبان على البحرين وعمرو على تيماء وخيبر([668]).
ـ جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أم خالد بنت خالد ابن سعيد ابن العاص قالت: قدم أبي ـ خالد بن سعيد بن العاص ـ من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر فقال لعلي وعثمان: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟. وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايع أبا بكر([669]) …
وفي «أسد الغابة» جاء «وكان أبان أحد من تخلف عن بيعة أبي بكر لينظر ما يصنع بنو هاشم فلما بايعوه بايع»([670]).
إن تفحص هذه الروايات والتأمل في دلالاتها، رغم ما تحوي من إشارات على موقف سياسي احتجاجي ضد معادلة الخلافة بالشكل الذي استقرت عليه بعد اجتماع السقيفة، فإنها لا تمدنا بحال بأكثر من الماحات إلى موقف اعتراضي مناوئ لخط بني عبد مناف الذي ينتمي إليه الخليفة أبو بكر وميل عاطفي إلى علي. وبصورة إجمالية، لا تزودنا هذه الروايات بدليل أو حتى تساهم في بناء دليل رصين يفيد بأن أبان غرس بذرة التشيع في الواحة، فحتى تلك اللحظة لم تتبلور الاتجاهات السياسية والعقدية في الاجتماع الإسلامي. ثانياً أن الجماعة التي شكلت نواة لشيعة علي في المدينة مثل عمار وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد لم تأخذ شكل الحلف السياسي أو الديني ـ الاجتماعي، بحيث يمكن القول بأن هذا الحلف فرز نفسه بشكل واضح عن التيار العام.
تأسيساً على تلك النتيجة المفترضة، سنحاول التعامل مع التسلسل الموضوعي للأحداث التاريخية لجهة استكشاف بدايات دخول التشيع إلى الإقليم.
ويمكن اعتماد هجرة بعض عبد القيس إلى العراق وتحديداً إلى البصرة والكوفة بداية لتبرعم التشيع في قالب ثنائي سياسي ـ ديني. ويمكن إرساء تورخة تقريبية لهجرة عبد القيس بعد معركة القادسية واندحار الفرس سنة 16 هـ وفتح المدائن. ففي هذا العام بدأ الخليفة عمر في ترتيب الأوضاع الإدارية. وفي سنة 18 نزل المسلمون الكوفة واختطوا بها الخطط وبنوا المنازل ونزلها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلاً([671]).
وفي هذه المرحلة الحاسمة «أسس العرب ستة أمصار كأساس للجند (المقاتلة) وعوائلهم كما أسسوا مراكز إدارية للمناطق المحتلة من قبل جيش ذلك المصر»([672]). والأمصار هي: الجابية، جواثي، المدينة، الكوفة، البصرة، والفسطاط([673]).
وفيما تم الغاء المصرين الأوليين (الجابية وجواثي) شكلت الأمصار الأخرى مراكز جاذبية اجتماعية للقبائل العربية. فكان الحالق البحرين إدارياً بولاية البصرة خلال عهد الخليفة عثمان (23 ـ 35هـ) عاملاً مشجعاً ساعد في زيادة الهجرات القبلية من البحرين إلى العراق([674]).
ونتيجة الملاحظات التي يقدمها F. M. Donner فإن «العقدين الواقعين بين فتح العراق واندلاع الحرب الأهلية الأولى في سنة 35هـ/ 656م شهدا هجرة ملحوظة لرجال القبائل إلى الكوفة والبصرة([675]).
ومن هنا بدء عمليات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، حيث انتقلت قبائل من اليمن واستقرت في المدائن والكوفة، كما هاجر بعض وجوه عبد القيس إلى البصرة، وبذلك أصبحت قبيلة عبد القيس منتشرة على طول الساحل الشرقي من الخليج من البصرة وحتى عمان. وهؤلاء المهاجرون شكلوا نواة المجتمع الجديد في العراق.
وفيما يتصل بهجرة عبد القيس إلى العراق، يشير أحد المصادر إلى أن هجرة عبد القيس الفعلية، بدأت إلى حامية العراق، بما في ذلك الكوفة، في سنة 21هـ وبخلاف الرأي القائل بأن البصرة بنيت لإسكان جيش عتبة بن غزوان فإن رأياً آخر معارضاً يقول بأن خلفية بنائها جاء «لتوفير مستوطنة للمسلمين المهاجمين لفارس من شرق الجزيرة العربية (البحرين) … وهجرة المسلمين من الأخيرة إلى البصرة بعد الفتوحات بقليل، قدّر لها أن تتحول إلى عامل هام في تطور هذه المدينة([676]).
فبينما فضل كثير من رجال القبائل العربية المهاجرة من الجنوب الاستقرار في المدائن والكوفة، قررت جموع كبيرة من عبد القيس تكثيف وجودها في البصرة (سيما بعد الإلحاق الإداري للبحرين بها)، وهذا من شأنه أن يفسر، جزئياً على الأقل، انتشار عبد القيس على طول الساحل الغربي من الخليج، من البصرة إلى عمان.
ومن الوجوه البارزة في عبد القيس التي انتقلت إلى البصرة كان عمرو بن تغلب العبدي، عد من أهل البصرة، وهو في الأصل من أهل جواثي([677])، وكان ورد فيه عدد من الأحاديث منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاءنا الليلة شيء فآثرنا به قوماً فخشينا هلعهم وجزعهم، ووكلنا قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الإيمان، منهم عمرو بن تغلب». وكان عمرو بن تغلب يقول: ما يسرني بها حمر النعم.
وقد سجل عمرو بن تغلب العبدي في عداد المهاجرين. وقيل: هاجر من بكر بن وائل أربعة: رجلان من بني سدوس: الأسود بن عبد الله من أهل اليمامة، وبشير بن الخصاصية، وعمرو بن تغلب من النمر بن قاسط وفرات بن حيان من بني عجل([678]).
وورد في (الطبقات الكبرى) لابن سعد أسماء عدد من العبقسيين الذين نزلوا البصرة، ومنهم من كان في الوفد الذي التقى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل الزارع بن الوازع العبدي، وعمرو بن المرجوم وقد جاء في ترجمته «وهو الذي أقدم عبد القيس البصرة»([679]). ففي غضون فترة زمنية قصيرة، حظيت عبد القيس بمكانة متميزة سيما بعد نزول بعض وجوهها البصرة.
النقطة الجديرة بالاهتمام هنا، أن الأمصار وبدرجة أكبر البصرة والكوفة تحولت إلى مراكز نشطة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للعرب طيلة القرن الهجري الأول([680]). فالقبائل العربية التي استوطنت العراق شكلت البيئة الاجتماعية الخصبة التي تولدت فيها حركات اعتراضية وسياسية وفكرية تركت بصمات واضحة في تكوين المسلمين السياسي والاجتماعي والثقافي.
وفي هذه البيئة على وجه التحديد، أخذ التشيع يجسد نفسه في بنية مجتمع المهاجرين في الكوفة والبصرة والمدائن، ليستكمل بفعل التطورات السياسية السريعة إجراءات تشكله التنظيمي والسياسي في ظروف التوتر الاجتماعي خلال عهد الخليفة عثمان، وليمهد التجسيد السياسي للتشيع لأشكال أخرى قانونية وكلامية لاحقة.
فهذه القبائل التي استقرت في البصرة والكوفة مثلت، في حقيقة الأمر، خط الدفاع الأول عن قضية علي وبنيه. وقد ظهر ذلك بوضوح أولاً في الحركة الاحتجاجية الواسعة النطاق التي تفجرت من داخل هذه القبائل ضد الخليفة عثمان، في تعبير اعتراضي على المركزية القرشية التي أخذت شكلاً تفاضلياً في هذه الفترة وأكد نفسه في حوادث حرب الجمل.
المناصرة المستميتة التي أظهرها مقاتلو عبد القيس في حرب الجمل سنة 36هـ([681]) كانت تعبيراً شديد الوضوح على مناهضة خط القبيلة الحاكمة والأثيرة أي قريش.
إن هذه المناصرة في لونها التضحوي ظهر أولاً في موقف الحكيم بن جبلة العبدي وابن عباد العبدي المصادر التاريخية تذكر بأن البصرة تعرضت إلى غارة من بعض أنصار أم المؤمنين عائشة، في موقف وصف بأنه كسر للهدنة المقررة بين الفريقين، فقاموا بتعذيب والي البصرة عثمان بن حنيف وصادروا بيت المال.
وفي رد فعل من جانب وجوه ورجال البصرة، قاد الحكيم العبدي، وكان يعرف بأحد سادة عبد القيس([682])، ثلاثمائة من رجال عبد القيس وهاجم جيش عائشة. وقد أبدى حكيم، كما تقول المصادر، شجاعة نادرة حين قطعت ساقه. تقول المصادر بأنه زحف كي يلتقط ساقه ثم رمى بها قاطعها فأصابت جسده وأطاحته ثم أجهز حكيم عليه([683]). وواصل حكيم القتال حتى آخر رمق من عمره([684]). وقد احتسب الموقف البطولي لحكيم علامة فارقة وفضيلة تذكر في سيرة عبد القيس.
يذكر المؤرخون أيضاً تقارير عديدة من الدور المركزي لقبيلة عبد القيس في أحداث الجمل وصفين. فبعد مقتل سبعين رجلاً من عبد القيس دفاعاً عن البصرة أي قبل اندلاع حرب الجمل، أبدى علي حزنه العميق لمقتل هذه المجموعة، وقال ناعياً «يا لهف نفسي على ربيعة ربيعة السامعة المطيعة»([685]).
وفي مثل هذه الحوادث، برز من عبد القيس رجال مثل المثنى بن مخربة الذي وصف بأنه «صاحب علي»([686]). كما برز رشيد الهجري كأحد أقرب الحواريين من شيعة هجر إلى الإمام علي. وكان رشيد من أصحاب علي الذين يحملون عنه العلم ـ علم الحرب ـ إلى جانب الحارث الأعور وأبو الطفيل عامر بن واثلة وحبة العرني، وحويزة بن مسهر، والأصبغ بن نباتة، وميثم التمار، والحسن بن علي([687]).
ففي معركة صفين، أصبحت عبد القيس وبشكل واضح قوة حاسمة. وحسب المسعودي: «وقد كانوا أنصاره وأعوانه والركن المنيع من أركانه». وهذا ما يفهم أيضاً من فحوى كلمة علي فيهم «أنتم درعي ورمحي»([688]).
ويبرز من قيادات جيش علي العبقسيين صعصعة بن صوحان العبدي وأخواه زيد وسيحان. فقد وقفوا جميعاً في جبهة علي في الجمل وصفين. فقد رفض زيد، على سبيل المثال، العرض الذي تقدمت به عائشة لتحريض أهل البصرة ضد علي، ونصح أم المؤمنين بعدم المضي في قرار المواجهة العسكرية مع علي([689]). وحين اندلعت شرارة حرب الجمل، كان زيد من قادة جيش علي، وقد قتل زيد في هذه الحرب.
أما صعصعة فقد عرف عنه بأنه أحد صانعي الخطط والسياسة في الكوفة، كما عرف بطلاقة لسانه حتى وصف بـ «الخطيب الشحشح». وقد نفي إلى سوريا بأمر من الخليفة عثمان، وهو قرار لم يلق ترحيباً من معاوية، الحاكم المطلق في بلاد الشام، فقرر التخلص منه بعد أن فشل في استمالته في صفه. وحين تولى علي الخلافة كان صعصعة من بين الحواريين المخلصين له. وفي المقابل، أوكل علي لصعصعة دوراً رئيسياً في فصل الخصومة بينه وبين معاوية، فقد عينه في مرتبة الموفد الشخصي له إلى معاوية. بتقديم البيعة إلى علي، وفي نفس الوقت تحذيره من نوايا إعلان الحرب ضد الخليفة الشرعي. معاوية بدوره كان معجباً بالطريقة التي كان صعصعة يدير فيها دبلوماسية التفاوض معه، وقد صرح بذلك حتى لرجاله: «مثل هذا، فلتكن الرجال»([690]).
وفي عقب شهادة علي، ومن ثم وصول الحسن إلى الخلافة، دافع صعصعة عن موقف الحسن، مستنكراً محاولات معاوية المتكررة لمصادرة الخلافة([691]).
وبصورة إجمالية، فقد كانت عبد القيس من القبائل الشيعية في البصرة التي كانت موضع ثقة الإمام علي والإمام الحسن، كما كان من وجوهها من كاتبه الإمام الحسين لنصرته في نازلة كربلاء. فقد كتب الإمام الحسين بن علي كتاباً إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمى سليمان نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، سلام عليكم، أما بعد، فإني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، والسلام([692])، وهناك من رجال عبد القيس من اختلط دمهم بدماء سيد الشهداء وأهل بيته في سنة 61هـ.
وأن ما يمكن تقريره كنتيجة مستخلصة من كل ما سبق عرضه، أن عبد القيس إلى جانب القبائل العربية المهاجرة من جنوب الجزيرة العربية مثلت الحواضن الأولى الكبرى للتشيع، كما شكلت جزءاً من الرأسمال الاجتماعي الذي وظف لصالح توطين التشيع في العراق والبحرين واليمن ومن ثم استثمر لجهة نشر التشيع لمناطق أخرى مجاورة. ولهذا السبب ليس غريباً، أن تكون الكوفة وهجر وصعدة البؤر الأولى في تاريخ التشيع، وهذا كان واضحاً حتى في العلاقة بين البؤر ومراكز السلطة في بلاد المسلمين.
ففي ظل الحكم السلالي الأموي والعباسي، تفجرت الحركات الاعتراضية بصورة متصلة في البحرين بقيادة رجال من عبد القيس حتى بات واضحاً أن إقليم البحرين ظل بنزعته الشيعية الصريحة شديد العداء لحكام بني أمية وبني العباس. هذه النزعة الشيعية لسكان إقليم البحرين انعكست في مذكرات المؤرخين والرحالة العرب والمسلمين من القدامى والمتأخرين.
تحدث المقدسي (335 ـ 390هـ) عن الحالة المذهبية في الجزيرة العربية، وفيما عد سواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية، قال «وبقية الحجاز وأهل الراي بعمان وهجر وصعدة شيعة»([693]).
يشرح آدم ميز رواية المقدسي حول جغرافية التشيع ويقول «باستثناء المدن، فإن شبه الجزيرة العربية كانت بكل تأكيد شيعية، وحتى بين المدن مثل عمان وهجر وصعدة فإن الغالبية العظمى فيها شيعة»([694]). مثل فلهاوزن، فإن ميز يعتقد بأن «التشيع، في جذوره، كما الإسلام عربي الأصل»([695]).
نشير هنا إلى أن المقدسي رغم تقريره بأن سكان هجر من الشيعة، إلا أنه استدرك لاحقاً بأن عملهم كان «على مذهب القرامطة»([696])، وهذا يقودنا إلى تسليط بعض الضوء على هذا المقطع التاريخي المضطرب الذي قدّر لأن يتجند له بعض الرحالة المسلمين القدامى مثل المقدسي وناصر خسرو وغيرهما.
نذكر أنه في نحو 880م، كان العرفاني اليمني همدان القرمطي الذي تلقى تعليمه الديني في الكوفة يطوف في شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية بحثاً عن مؤيدين لحركته الجديدة التي حاول أن يثبت قواعدها إلى المراكز الشيعية. وكان عبيد الله، ابنه، يمثل الروح الفاعلة في الحركة الجديدة.
فمن بين ثلاث حركات مذهبية أنشأها عبيد الله بالإضافة إلى الإسماعيلية والفاطمية، اخترقت القرمطية شرقي الجزيرة العربية في آخر عقد من القرن التاسع الميلادي. وفي نحو 900 فرض أبو سعيد الجنابي سيطرته السياسية على الحركة القرمطية واحتل القطيف ونقل عاصمة البحرين الإقليمية إلى واحة الإحساء ومن ثم قام بتحصين المدينة الجديدة.
وبطبيعة الحال ليس من مهمة هذا البحث مناقشة تفاصيل الاحتلال القرمطي للمنطقة. الغرض الأساسي من هذا العرض المقتضب هو فهم الأسباب التي دفعت أبا سعيد الجنابي لاختيار الإحساء قاعدة حصينة لانطلاقته. وفي حقيقة الأمر إن أبا سعيد الجنابي عول كثيراً على أن عودته ستلقى قبولاً وسط الشيعة، الذين يمثلون الأغلبية السكانية الساحقة في واحة الإحساء.
نقل ناصر خسرو في «سفرنامه» خلال إقامته التي دامت حسب روايته تسعة شهور بعضاً من القوانين التي فرضها القرامطة على السكان المحليين فقد منع الحاكم وكان يدعى الشريف الناس من مزاولة فروض الإسلام وأسقط عنهم الواجبات مثل الصلاة والصوم زاعماً بأنه السلطة النهائية في مثل هذه الأمور، حتى بدأ يرسي حركة باسمه البوسعيدية.
وكان أبو سعيد قد أخبر أتباعه بأنه سيعود بعد موته، وأن ستة من أبنائه يجب أن يتناوبوا الحكم من بعده على أساس العدل والمساواة وأن لا ينشب خلاف فيما بينهم إلى حين عودته من بعد الموت.
صورة أخرى هي نقل الحجر الأسود من البيت الحرام في مكة المكرمة إلى الإحساء. وحسب ناصر خسرو فإن القرامطة قالوا بأن الحجر كان «مغناطيساً بشرياً» يجذب إليه الناس، دون إدراك بأن مقام ووجاهة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي التي جذبت الناس إلى هناك([697]).
ورغم ما تثير المصادر التي تناولت تاريخ القرامطة من استفهامات كثيرة نظراً لاضطراب المعلومات حول القرامطة وتبعاً لضعف نزاهة المؤرخين نتيجة الميول السياسية المناهضة للقرامطة لصالح الخلافة العباسية، إلى جانب العامل المذهبي الذي يلعب دوراً خفياً في توجيه المعلومات والتساهل فيما ينشأ عن ذلك التوجيه من ترتيب آثار نهائية، إلا أن كل ذلك لا يلغي حقيقة كون القرمطية حركة تخريبية لم تتردد في استعمال كل وسائل التدمير والقتل.
ومما يبدو من مصادر أخرى، أن القرامطة دخلوا في مواجهة مباشرة مع السكان الأصليين الشيعة في المنطقة. وتذكر المصادر بأن أبا سعيد لما دخل هجر عام 300هـ أرسل على جميع الرؤساء والأعيان والقراء للتشاور معهم في إصلاح البلاد فلما اجتمعوا أضرم عليهم النار ومن فر أخذته السيوف. وقد ثبت الشاعر ابن المقرب العيوني (الشيعي) هذه الحوادث في قصيدة له جاء فيها:
سل القرامطة من شظى جماجمهم
فلقا وغادرهم بعد العلى خدما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم
وأرجفوا الشام بالغارات والحرما
وحرقوا عبد قيس في منازلها
وصيروا العز من ساداتها حمما([698])
ولعل ما ذكره المقدسي وناصر خسرو حول سيطرة المذهب القرمطي يأتي عقب سلسلة حملات الكراهية التي شنها الحكام القرامطة ضد السكان المحليين لإخضاعهم للحركة الجديدة تحت ضغط التهديد والتوعيد. وما يلزم ملاحظته هنا أن القرامطة لم يكونوا يلقوا ترحيباً من السكان الشيعة المحليين. بل على العكس واجهوا مقاومة عنيفة.
وفي نهاية الأمر، فإن القرامطة كسلطة سياسية وكمذهب ديني «اختفى في القرن الحادي عشر»([699])، على يد الأمراء العيونيين الشيعة، الذين أقاموا دولة شيعية لمدة 190 عاماً اي حتى عام 636هـ، ثم تلى ذلك قبائل بني عصفور بنو جروان التي حكمت المنطقة حتى 821هـ.
ويبدو واضحاً مما سبق ان التشيع نشأ على تربة عربية خالصة، وأن العرب هم المتبنون الأوائل له والناشرون لتعاليمه. بل وجب التذكير أيضاً بأن التشيع لم يصبغ منطقة البحرين فحسب، بل أن المصادر التاريخية القديمة تؤكد على أن التشيع غطى أغلب مساحة الجزيرة العربية بما في ذلك منطقة نجد.
فقد أوردت مصادر تاريخية عديدة تقارير حول شبه الدول الشيعية التي كانت قائمة في وسط الجزيرة العربية، وأبرزها دولة بنو الأخيضر المتحدرة، حسب الحسن الهمداني، من أخيضر بن يوسف العلوي([700]).
ويصف ناصر خسرو اليمامة في «سفر نامة» بأن حكام اليمامة، من قديم الزمان، علويون، وبقيت كذلك حيث لا ملك ولا حاكم يحيط بهم. وأن هؤلاء العلويين أقوياء، وأنهم يمتلكون ما بين 300 ـ 400 فارس. وأن مذهبهم الزيدية، ويقولون في إقامتهم للصلاة «محمد وعلي خير البشر وحي على خير العمل»([701]).
وفي المنطقة الغربية من الجزيرة العربية، فقد كان للتشيع سيطرة شبه تامة، كينبع على سبيل المثال، في شمال غرب المدينة، ينبع كانت عادة تحت حكم أشخاص متحدرين من الحسن بن علي بن أبي طالب، وكذلك حكم القبائل الشيعية المهاجرة من اليمن مثل قبيلة حرب، وإضافة إلى ذلك يمكن القول بأن المنطقة الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة كانت واقعة تحت سيطرة قبائل مضر التي ينتمي إليها الحسنيون والجعافرة([702]).
إن الصورة التي يمكن رسمها من خلال هذه التقارير التاريخية تتمثل في أن التشيع كان في بعض فترات التاريخ الإسلامي ولا سيما القرن الرابع الهجري متمركزاً في اليمن والحجاز واليمامة والبحرين. وهذا حدث في زمن كان فيه التشيع في بلاد فارس رمزياً للغاية. فباستثناء المناطق المتاخمة لبلاد العرب، والعراق تحديداً، والمدينة الدينية قم، التي كانت عوائل شيعية هاجرت إليها من العراق مثل الأشعريين، لم يكن للتشيع هذه المكانة التي تجعل من فارس المركز الشيعي الرئيسي الذي اكتسبته منذ العصر الصفوي.
بطبيعة الحال، فإن الخارطة الجغرافية للتشيع خضعت لتبدلات سريعة، ولكن إقليم البحرين التاريخي حافظ على صفته كحاضنة مركزية للتشيع. فثمة أصالة واستمرارية للتشيع في المنطقة الشرقية تكشف عنها بجلاء كتب الرحالين والمؤرخين.
ففي غضون حكم بني جروان الشيعة، نجد وصفاً ـ ولكن متحاملاً ـ للحالة المذهبية في إقليم البحرين، سجله الرحالة المشهور ابن بطوطة الذي فرغ من تقييد رحلته في 13 ذي الحجة 756هـ 9 ديسمبر 1355. يقول عن مشاهداته في القطيف بما نصه: «ثم سافرنا إلى مدينة القطيف. وضبط اسمها بضم القاف كأنه تصغير قطيف وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة يظهرون الرفض جهاراً لا يتقون أحداً: ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن علياً ولي الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل ويزيد بعد التكبير الأخير: محمد وعلي خير البشر، من خالفهما فقد كفر»([703]).
بداية التشيع في إيران
كانت إيران حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ما تزال ذات أغلبية سنية ساحقة، باستثناء المناطق الساحلية التي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعراق وخصوصاً بالعرب المتشيعين. فجميع المشرق كان الغلبة فيه لأهل السنّة إلا أهل قم. فالمصادر التاريخية تجمع على أن إيران ظلت سنية حتى القرن العاشر الهجري([704])، وأن أكثر أهلها كان على مذهب الإمام الشافعي([705])، وحين اعتلى الشاه إسماعيل العرش في تبريز أقر المذهب الشيعي مذهباً رسمياً لجميع إيران، وأعلن قراره في خطب الجمعة.
ولكن القرار لم يحقق نجاحاً سريعاً وفاعلاً ويرجع هينز هالم ذلك بشكل كبير إلى «حقيقة كون قلة من العلماء الكفؤوين كانت قادرة على نشر التشيع. فشاهات الصفوية وبخاصة الشاه طهماسب (1524 ـ 1576) ـ خليفة إسماعيل ـ اعتمدوا ـ في وقت لاحق ـ على مساعدة العلماء من البلاد العربية من جنوب العراق، وجبل عامل والساحل الغربي من الخليج.
وهكذا ولأسباب سياسية ودينية سعى الصفويون ومنذ بداية عهد الشاه إسماعيل الصفوي المؤسس لترويج وتدريس التشيع وتشجيع هجرة علماء الشيعة من المناطق الاخرى لفارس. فكان هؤلاء العلماء من المناطق العربية من جبل عامل والبحرين، والتي تشمل الإحساء والقطيف والمناطق الساحلية المحيطة.
وقد أتى الشيخ يوسف البحراني في «لؤلؤة البحرين» والحر العاملي في أمل الآمل» على طائفة كبيرة من العلماء الذين شاركوا في حركة نشر المذهب الشيعي في إيران([706]). فقد أحضر الحكام ـ الصفويون ـ عدداً كبيراً من علماء الشيعة من هذه المناطق لوضع البنية الأساسية للتشيع في إيران([707]). وهكذا تحمل عبء مسؤولية نشر التشيع في إيران 120 داعية من علماء الشيعة العرب قدموا من جبل عامل (لبنان) والقطيف (شرق الجزيرة العربية) والبحرين([708]).
ثم بدأت موجات من علماء الشيعة العرب تهاجر من جبل عامل والبحرين والقطيف ساعد ذلك أولاً الاضطهاد الذي تعرض له بعض علماء الشيعة في بلاد الشام على يد السلطات المحلية الحاكمة، ثم دخول البحرين في الحيازة السياسية الصفوية ثم القاجارية، والتي تطلب انتقال عدد من علماء الشيعة في البحرين إلى إيران لتولي مناصب قضائية، وهكذا انخرط هؤلاء العلماء في حملات الدعوة التشييعية في إيران وفي بيروقراطية الدولة الصفوية، وأخيراً شكلوا البنية الأساسية للجهاز الديني والقضائي الصفوي([709]).
إن خلاصة ما يمكن قوله مما سبق، أن المعادلات السكانية والدينية الراهنة هي ـ بالنسبة للفريق الأول ـ الحاصل النهائي للقراءة العكسية للتاريخ، وبالتالي سيكون عسيراً بالنسبة لأولئك الذين يفترضوا بأن التشيع هي غرسة إيرانية أن يقبلوا بأن القبائل العربية وفي القلب منها قبيلة عبد القيس كانت الوعاء الأول الذي احتضن التشيبع وتمرر عبره إلى فارس، كما سيكون عسيراً أيضاً على أولئك القبول بأن عالماً مثل الشيخ إبراهيم القطيفي أن يكون ثاني اثنين من علماء الشيعة يستعين بهم الشاه الصفوي لقيادة حركة تشييعية ضخمة في إيران.
إن كل ذلك يجعل من قراءة التاريخ عملية صعبة بالنسبة لأولئك الذين قرروا سلفاً الركون إلى الوقائع الراهنة دون النظر إلى نقاط التحول لحركة التاريخ والعوامل الفاعلة في الحوادث الاجتماعية والسياسية والدينية.
الأصول السكانية للشيعة المعاصرين
السؤال حول أصول الشيعة المعاصرين يبدو في غاية الأهمية نتيجة للغموض الكبير الذي يحيط بها، وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الجانب لم يحظ باهتمام كاف وخصوصاً من قبل الباحثين في موضوع الشيعة في الخليج.
فبناء على J. Shaw and D. Long فإن «الشيعة السعوديين وإن انتموا مع الإيرانيين إلى نفس المذهب، إلا أنهم عرب. ويقال عنهم أحياناً بحارنة وأنهم من الناحية الاثنية أقرب إلى مجتمع البحارنة في البحرين، والذي يحتمل منه جاء المصطلح «ويضيف الكاتبان «بأن الشيعة السعوديين هم على صلة وثيقة بالمجتمع الشيعي في الكويت»([710]).
يجدر التنويه إلى أن مصطلح «بحارنة هو، من الناحية اللغوية، جمع الكلمة العربية الكلاسيكية لبحراني، والتي تستعمل عادة لنسبة من يقطن البحرين([711]). وعلى أية حال، فإن المصطلح اكتسب دلالات وواقعاً متناقضاً في البحرين والسعودية، فبالنسبة لشيعة البحرين، عنى مصطلح البحارنة الشيعة العرب الخالصين في مقابل الشيعة من أصول فارسية أي الشيعة العجم.
وليس ثمة شك أن الشيعة العرب والبحرانيين يندرجون في نفس التصنيف الاثني نتيجة للتداخل الشديد والتزاوج بينهم والذي يعود إلى قرون بعيدة. وثمة حقيقة أخرى أيضاً وهي أن ثمة تاريخاً مشتركاً يضم كلا المنطقتين، وهذا الواقع قدّر له أن يستمر حتى وصول المستعمرين البرتغال إلى منطقة الخليج في القرن الخامس الهجري ثم سيطرتهم عليها الكاملة في العقد الأول من القرن السادس عشر.
وقد ظهرت قوى استعمارية جديدة في الخليج، كانت الإحساء والقطيف خاضعة للإدارة العثمانية الإسمية التي استمرت قرابة 120 عاماً حيث ظهور القوة السعودية التي نجحت في تصفية الوجود العثماني فيما تقرر خضوع البحرين للإدارة البريطانية حتى مطالع السبعينيات من القرن الماضي.
وما هو جدير بالملاحظة، أن فترة التحول السياسي هذه شهدت عمليات هجرة لعوائل شيعية من الإحساء والقطيف إلى البحرين ومناطق أخرى مثل الكويت والعراق. فالشيعة في الكويت يطلق عليهم الحساوية نسبة إلى موطنهم الأصلي الإحساء، كما استعمل مصطلح الحساوية للتمييز بين الشيعة العرب، والشيعة العجم.
وباستثناء المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، فإن دول الخليج ضمت في داخلها مجتمعات شيعية من إثنيات متعددة، عربية، إيرانية، وهندية. والسبب في ذلك أن هذه الدول شكلت، ولقرون عديدة، مناطق جذب اقتصادية لكثير من عوائل التجار الإيرانيين والهنود الذين بدأوا في ترتيب أوضاعهم على أساس الاستقرار والانضواء داخل المجتمعات المحلية. وعلى الضد من ذلك، أن النشاط الاقتصادي في المنطقة الشرقية كان مقتصراً بدرجة كبيرة على الزراعة وحسب J. G. Lorimer([712]).
وباستثناء تجارة التمور بأنواعها المختلفة باعتبارها الرابط التجاري الوحيد بين المنطقة وأسواق الهند وغيرها، فإن النشاط التجاري في المنطقة لم يشكل عامل جذب قوي من قبل التجار الأجانب، والإيرانيين والهنود بوجه خاص، الذين قرروا منذ البداية تركيز جهودهم على البحرين والكويت حيث كانت تجارة اللؤلؤ وتبادل البضائع بارزة. ثمة عامل سلبي آخر وهو المستويات المعيشية السائدة في منطقة الخليج، حيث كان التجار الهنود والإيرانيون يفضلون العيش في مناطق تتمتع بمستوى معيشي معتدل، ومناخ اجتماعي منفتح نسبياً، ولعل في الكلام الشيعي «ما خلو شي أهل البحرين» تحمل دلالة على تطور المستوى الاقتصادي والمعيشي فيها قياساً إلى المنطقة الشرقية التي كانت منصرفة كلية إلى النشاط الزراعي وصيد الأسماك وقليل من اللؤلؤ.
وبعد اكتشاف النفط بكميات تجارية والتغيرات الملحوظة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الخليج، بدأت كثير من العوائل الإيرانية وإلى حد ما الهندية في التكامل مع المجتمعات المحلية بصورة نهائية وهكذا تعزيز مواقعها الاجتماعية والاقتصادية.
كتب J. Bill عام 1984 عن الشيعة الإيرانيين في الخليج وقال «بأن أعدادهم كبيرة في الكويت والإمارات العربية المتحدة. كما أن لهم حضوراً بأعداد أقل في البحرين وقطر»([713]).
وفيما نصل إلى نقطة الحسم في هذا البحث، فإن السؤال يظل قائماً: فإذا كان الشيعة في المنطقة الشرقية والشيعة البحارنة في البحرين من أصول عربية، فكيف يمكن التحقق من هذه الأصول وما هي المعايير التي يمكن استعمالها للتثبت من كل ذلك؟
يجب القول بأنه من المؤسف أن المؤرخين المعاصرين والدراسات الحديثة عن المجتمعات الخليجية فشلت في تزويدنا بمعلومات موثوقة بخصوص هذا الموضوع. ولعل حالة اليأس التي أصابت بعض الباحثين هي انعكاس مباشر لهذا الفشل. فبعد أن شعر Sir Robert Hay بأن لا سبيل لإكمال البحث في تحديد هوية الشيعة البحارنة، أقفل النقاش بتقرير كونهم «شيعة عرب بلا نسب»([714]). ولعل في هذه النتيجة أراد الباحث إيصال رسالة لمن يخلفه في أن يستكمل البحث في تحديد النسب العربي لهؤلاء الشيعة.
ثم جاء بعده باحث آخر فقرر اعتبار المجتمع الشيعي في الإحساء «متحدرين من قبائل عربية كانت سائدة في الجزيرة العربية منذ ثلاثة آلاف سنة»([715]).
في اعتراضه على فرضية الأصول الأعجمية للشيعة في البحرين يقرر الباحث الكويتي د. محمد الرميحي عروبة هؤلاء الشيعة، ولكنه ينسبهم إلى أصول عراقية، بناء على «أن اللهجة العربية (التي يتحدثون بها) هي التي يتحدث بها عرب العراق»([716]). وهذا الرأي، على كل حال، يواجه صعوبة كبيرة، فالمطلعون على اللهجات الخليجية بإمكانهم وببساطة التفريق بين اللهجتين البحرانية والعراقية، بل أن المشتركات في اللهجتين العراقية والكويتية هي أكثر مما هي عليه في الأوليين.
بالنسبة لـ Yann Richard فيقترح أصولاً لشيعة البحرين كما يلي: «يرجع البعض في أصوله إلى المخزون الاجتماعي المحلي القديم، وبعض من المستعمرات الإيرانية السابقة (بحارنة البحرين)، والبعض الآخر وصل مؤخراً من قبائل عراقية فقيرة»([717]). وهذا الرأي على أية حال، لا يستند على أساس تاريخي. فالحقيقة أن هذا الرأي يقوم على أوهام أكثر منه على حقائق. فمن المستحيل تقريباً، من وجهة تاريخية، العثور على مثال واحد على انخراط قبيلة عراقية في التركيبة السكانية للبحرين أو المنطقة الشرقية والعكس صحيح.
فهناك عوائل شيعية عديدة وهكذا قبائل عديدة من مناطق مختلفة من الجزيرة العربية هاجرت إلى العراق وأصبحت جزءاً من تركيبة المجتمع العراقي وفي حياته السياسية والاجتماعية. فقد شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر هجرة أقسام من قبائل معروفة في الجزيرة العربية إلى العراق وذلك بين عامي 1791 ـ 1805([718]). وعلى حد باحث عراقي فإنه خلال الحملات العسكرية دفعت قبائل آل ظافر، وأجزاء من قبيلة عنزة وحرب (بما في ذلك الجبور) وشمر جرباً للهجرة إلى العراق([719]).
وبالنسبة للقبائل الشيعية، فإن حنا بطاطو يلقي الضوء على أنواع الأراضي الزراعية في جنوب العراق التي كانت تدعى حساوية من الإحساء والتي إليها، حسب بطاطو، ترجع أصولهم([720])، ولا حاجة لتكرار القول بأن بحارنة، كما يتحدث المصطلح عن نفسه، يشير إلى كل من سكن البحرين، ولهذا فيمكن استعماله كعامل تمييز بين العرب، أي البحارنة والفرس، وليس كما خيل لـ Yann Richard.
وأياً كان الأمر، فإن التداخل الثقافي والاجتماعي بين شيعة البحرين والجزيرة العربية يعتبر حقيقة غير قابلة للإنكار. ولكن، يبدو مستحيلاً تقريباً الحديث عن نمط من التفاعل الاجتماعي بين العراق وشرق الجزيرة العربية، فقد ظل هناك اتصال من جانب واحد تعكسه الهجرات المتكررة من الجزيرة العربية إلى العراق.
مما سبق يدعو للجزم بأن الأصول السكانية للشيعة البحارنة والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية هي عربية خالصة، وأن الغموض المحيط بهذه الأصول يمكن إرجاعها إلى عاملين أساسيين:
الأول: هو الانتماء الديني للشيعة، بمعنى أن التشيع في بعده الاجتماعي، مثل هوية بديلة ومنافسة للهويات التقليدية القائمة على أساس رابطة الدم والروابط العائلية والعرقية. وهذا لا يعني القول مطلقاً بأن هذه الروابط فقدت تأثيرها نهائياً في الحياة الاجتماعية للسكان الشيعة. وبالإمكان هنا إدراك أهمية الدور الاجتماعي للتشيع باللجوء إلى الخطاب الاثني، بمعنى أن التشيع نجح في تطوير هوية قادرة على استيعاب المعتقدين به.
وبمرور الوقت، تعززت هذه الهوية بفعل عوامل عديدة ذاتية وموضوعية. أما العامل الآخر، فله علاقة بنمط الاستيطان والنشاط الاقتصادي للسكان الشيعة.
فثمة ميزتان بارزتان في هذا الصدد، الأولى أن (سكان) المنطقة تدخل في نطاق المجتمعات المستقرة (في مقابل المترحلة)، والثانية النشاط الزراعي الذي كان يشتغل به سكان المنطقة والانعكاسات التي تتركها هاتان الميزتان على هوية وتركيبة السكان. ولا بد هنا من الاستعانة بالرؤية السيسيولوجية الخلدونية والتي تمدنا بتفسير عقلاني لاختبار نقاوة النسب عند المجتمعات المترحلة والمستقرة.
يقدم ابن خلدون مقارنة بين أجيال البدو التي نشأت في بيئة صحراوية، حيث استطاعت تأكيد خصائصها وصفاتها الطبيعية، حيث لم تصادف احتكاكاً من قبل أمم أخرى تشاركها شروطها، كما لم يشعر أي عضو من مجتمعات أخرى بالانجذاب إلى خطها السلالي، فإذا صادف أحدهم وسيلة ما أو طريقة تمكنه من هجرة بيئته الصحراوية فإنه يفقد وبصورة طبيعية تلك العلائق الطبيعية التي تربطه بمجتمعه الأصلي. ولذلك يمكن الوثوق بأن نسب هذا المجتمع لم يتعرض للاختلاط، فقد حافظوا على نقاوة أصولهم الاجتماعية. ويسوق ابن خلدون أمثلة على ذلك: قريش، كنانة، ثقيف، بنو أسد وآخرين، الذين حسب ابن خلدون، «عاشت حياة صعبة في أماكن حيث لم تكن هناك زراعة، أو تربية حيوان».
في المقابل، هناك هؤلاء العرب الذين عاشوا في التلال وعند مصادر الرعي الخصبة والحياة الوفيرة، فهؤلاء العرب، كما يرى ابن خلون، لم يعنوا كثيراً في المحافظة على نقاوة الأصول النسبية لعوائلهم وجماعاتهم ويضيف أيضاً بأن العرب في الحقول الخصبة تأثروا بالاتجاه الإنساني العام الرامي إلى التنافس على الأراضي الخصبة والمراعي الصالحة([721]).
إن تطبيق هذه الرؤية الخلدونية يفتح نافذة معرفية على التحولات الهيكلية التي تعرضت لها المجتمعات البدوية التي قدر لها تبديل أنماط استيطانها ونشاطها الاقتصادي، ففي العراق، على سبيل المثال، إن انتقال بعض القبائل من الحياة البدوية إلى النشاط الزراعي ساهم في تمزيق نظامها القبلي وخلق أزمة كبيرة وسط رجالها، اضطرتهم لإعادة بناء هويتهم»([722]).
وهذا المثال يقرب كثيراً صورة التحولات التي جرت في البنية المجتمعية للسكان الشيعة في المنطقة الشرقية، حيث ينحدر الكثير منهم من قبائل عربية مشهورة مثل قحطان وعنزة وبني هاجر، وسبيع، وشمر إضافة إلى بني خالد ذات التاريخ العريق في المنطقة الشرقية([723]).
فؤاد إبراهيم
تاريخ التشيع في المنطقة
إن تواجد الشيعة فيما سمي بالملكة العربية السعودية أصبح اليوم من الظواهر الشديدة الإثارة التي فرضت نفسها على الباحثين والدارسين. وبعد أن كان الشيعة في المملكة أقلية لا تثير اهتمام أحد، بل لم يكن يشعر بوجودها الأقربون فضلاً عن الأبعدين. وبعد أن كان الاستغراب والدهشة يصدمان العديد من الناس حول أصل وجود هذه الأقلية في بلد تحكمه أقلية مذهبية أخرى، بدأ العالم منذ نوفمبر 1979، أي بعد انتفاضة الشيعة ضد الاضطهاد الموجه إليهم، يتابع تحركهم ويدرس أحوالهم وظروفهم ـ وعلاقة ذلك بالاضطراب السياسي وتأثيراته المستقبلية على كيان المملكة بشكل عام.
وفي خضم هذا التوجه والاهتمام المتزايد أثير الكثير من المسائل المتعلقة بوجود الشيعة في أهم منطقة في المملكة، ليس حول معتقداتهم، وإنما حول أساس تواجدهم ومناطق سكناهم وتاريخهم وظروفهم وأحوالهم.
إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات يبدو أمراً ضرورياً للغاية، وإن تم بصورة سريعة، نظراً لأن واقع أي شعب، مرتبط بتاريخه وتراثه الثقافي والفكري.
التشيع كمذهب ليس جديداً فيما يعرف اليوم بالمنطقة الشرقية في المملكة «الإحساء والقطيف»، باتفاق جميع من أرخ لها من الماضين والمعاصرين، ولكنهم اختلفوا في تحديد المدة التي دخلها التشيع، هل هي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أم في عهد الإمام علي بن أبي طالب، حيث يرى الشيعة أن التشيع كان معروفاً في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وأن العديد من الصحابة عرفوا بموالاتهم للإمام علي، ويعتقدون أن أول من بذر بذور التشيع فيما عرف قديماً بمنطقة البحرين، والتي كان تشمل (أوال والخط وهجر، والمعروفة اليوم باسم البحرين، والقطيف والإحساء على التوالي) …
هو الصحابي الجليل أبان بن سعيد بن العاص الأموي، الذي ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم البحرين مسؤولاً عن بيت المال، وكان أبان من الموالين للإمام علي، فغرس بذور التشيع في المنطقة، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبايع أبان أبا بكر بالخلافة حتى بايع الإمام علي نفسه، وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن سبب عزل أبان عن منصبه بعد وفات الرسول مباشرة يعود إلى موقفه هذا.
بيد أن المؤرخين الآخرين يقولون بأن التشيع لم يكن معروفاً حتى خلافة علي بن أبي طالب، وأن منطقة البحرين «القديمة» اعتنقت التشيع في عهده، وأنها شاركت الإمام في حروبه كلها (الجمل وصفين والنهروان).
وأياً كان الأمر، فإن التشيع ليس جديداً على هذه المنطقة، وإنما عمره يزيد على أربعة عشر قرناً. ويثبت المؤرخون لهذه المنطقة أن رجالها من الصحابة والتابعين والشعراء كانوا من الشيعة، وهم أكثر من أن يذكروا.
منهم على سبيل المثال: الصحابي الجليل حكيم بن جبلة العبدي، وقد تولى إمارة السند في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وكان مشهوراً بالشجاعة والولاء، واستشهد في معركة الجبل (الأصغر) هو وابنه، واتباعهما بعد أن رفضوا نزع البيعة من الإمام، وقد ذكره الإمام علي في تبرير قتاله للخارجين عليه بقوله:
«… قتلوا شيعتي وقتلوا أخا ربيعة العبدي، رحمة الله عليه في عصابة من المسلمين، قالوا لا ننكث كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم ـ إلى أن قال ـ فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي، فقتلتهم بهم».
ومن رجال الشيعة الذين نبغوا من هذه المنطقة، زيد من صوحان العبدي، وقد قتل يوم الجمل، وكان أحد سادات الشيعة في المنطقة، وقد وقف الإمام علي عليه عند مقتله وفيه رمق، فقال:؛ رحمك الله يا زيد، فلقد كنت خفيف المؤونة. كثير المعونة. فرفع زيد رأسه وقال: وأنت رحمك الله يا أمير المؤمنين، ما علمتك إلا بالله عليماً، وفي أم الكتاب عليًّا حكيماً. وأن الله في صدرك لعظيم، والله ما قاتلت معك على جهالة.
ولكني سمعت أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فكرهت أن أخذلك فيخذلني الله تعالى.
ومن الصحابة، صعصعة بن صوحان العبدي، أسلم على عهد رسول الله، وكان من سادات عبد القيس وخطبائهم المفوهين، قاتل مع الإمام علي في معاركه، واستشهد أخواه سيحان وزيد في الجمل، توفي في عهد معاوية وقيل أنه قتله غيلة.
ومنهم التابعي صحار بن العياش العبدي، شهد مع الإمام علي جملة مواقعه … وكذلك حويرثة بن سمي العبدي، وقدامة بن مسروق العبدي الذي استشهد مع الإمام علي في صفين …
ومنهم الصحابي الجليل عمرو بن المرجوم العبدي، كان أبوه أحد رؤساء عبد القيس في الجاهلية، قاتل مع الإمام في الجمل وصفين، وكان من أوائل المجيبين لدعوة الإمام لقتال معاوية، كانت له وقفة مشهودة قال فيها مخاطباً الإمام علي «وفق الله أمير المؤمنين، وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلين القاسطين، الذين لا يقرأون القرآن: نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون، فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا».
ومنهم الحارث بن منصور العبدي الذي شهد صفين مع الإمام علي، والحارث بن مرة العبدي، الذي قاد …. في صفين، وهو الذي غزا الهند سنة 39هـ بعد أن استأذن الإمام في ذلك.
ويذكر المؤرخون أن قبائل الشيعة في البحرين (الإحساء والقطيف والبحرين الحالية)، وهي قبائل ربيعة (عبد القيس وبكر بن وائل)، كانت من أشد الأنصار لعلي، ولذلك كان يعتمد عليها في حروبه أكثر من أي قبيلة أخرى ….
وذكروا أن الإمام علي كان لا يعدل بها أحداً من الناس، كما كان كثير الثناء عليها، ومن جملة مديحه لها في صفين قوله لرؤسائها: أنتم درعي ورمحي … أنتم أنصاري ومجيبو دعوتي، ومن أوثق حي في العرب في نفسي ….
ووصف الإمام علي رايات ربيعة (عبد القيس وبكر بن وائل تحديداً) بأنها رايات الله … وكان الإمام قد رأى رايات خفاقة فقال: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: هذه رايات ربيعة. فقال: بل هي رايات الله. عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم … وفي صفين أعجب الإمام بزحف حامل راية ربيعة الحمراء (الحضين بن منذر) فقال من أبيات:
لمن راية حمراء يخفق ظلها
إذا قيل قدمها حضين تقدما
جزى الله عني والجزاء بكفه
ربيعة خيراً ما أعف وأكرما
وليس هناك من شك في أن الغالبية العظمى من سكان الإحساء والقطيف كما البحرين الحالية، كانوا شيعة موالين لأهل البيت منذ عهد الإمام علي، وقد استمر تشبثهم بولائهم هذا بعد وفاة الإمام وسيطرة الأمويين على الحكم الذين حاولوا ترسيخ أقدامهم في المنطقة إلا أنهم فشلوا في ذلك لكثرة المناوئين لهم، ولنزوح الكثير من المعارضين للحكم الأموي إلى تلك المنطقة سواء من الحجاز أو من العراق أو غيرها ….
ومن الثابت أن منطقتي الإحساء والقطيف كانتا بؤرة معارضة للدولة الأموية حتى انحلالها واستيلاء العباسيين على الخلافة.
وكما حدث للأمويين، فإن العباسيين أهملوا إقليم البحرين لاضطرابه، وكانت ولايتهم عليه إسمية، وقد اتخذ العباسيون المنطقة منفى للمعارضين، ربما لكثرة المعارضة فيها، ولم يكن لهذه المنطقة في نهاية القرن الثالث الهجري أي علاقة بالخلافة العباسية.
وفي هذه الفترة سيطر القرامطة على المنطقة، وأمعنوا في الشيعة قتلاً وتحريقاً على النحو الذي وصفه شاعر الشيعة ابن المقرب العيوني.
وحرقوا عبد قيس في ديارهم
وصيروا الغر من ساداتها حمما
واستطاع العيونيون الشيعة في سنة 466هـ إنهاء حكم القرامطة والإجهاز عليهم، وحكموا المنطقة نحو 170 عاماً.
وإلى هنا فإن معظم سكان المنطقة من الشيعة، وقد بقوا كذلك في عهد الدويلات المتعاقبة كبني عقيل وآل عصفور وآل جروان وآل جبر وآل مغامس … وحين زار ابن بطوطة المنطقة لاحظ شيعيتها ـ بغض النظر عن موقفه المذهبي المعادي ـ فقد قال: «ثم سافرنا إلى مدينة القطيف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير، يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً لا يتقون أحداً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن علياً ولي الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل … ويزيد بعد التكبير الأخير ـ أي بعد الانتهاء من الأذان ـ محمد وعلي خير البشر.
كما اشار ابن بطوطة إلى هجر فقال إن بها من النخيل ما ليس ببلد سواها، وأن أهلها عرب، أكثرهم من قبيلة عبد القيس ابن أقصى.
بعد هذا سيطر البرتغاليون على المنطقة في أول استعمار غربي صليبي لمنطقة الخليج، وجاء العثمانيون وحكموا المنطقة من سنة 960هـ إلى سنة 1080هـ، حيث استطاعت قبيلة بني خالد القوية أن تنهي الحكم العثماني وتحكم المنطقة حتى سنة 1207هـ. وفي عهد الخوالد هذا، وبعد أن فرضوا حكمهم بالعنف في بدايته، اندمجوا مع الشيعة، وتحولت كثير من أفرع قبيلتهم إلى جماعات مستقرة تعتنق المذهب الشيعي.
ومنذ عهد السعوديين الذي بدأ سنة 1207هـ، وحتى سنة 1233هـ، بقي العنصر الشيعي مؤثراً سكانياً واقتصادياً، واستمر هذا الحال طوال العهد المصري ثم السعودي الثاني، حتى عودة العثمانيين ثانية إلى المنطقة سنة 1288هـ وحكمهم لها أكثر من أربعين عاماً وبالتحديد حتى عام 1331هـ، أي إلى أن أجلاهم عبد العزيز بن سعود عنها … طيلة هذه السنين كانت الغلبة السكانية لصالح الشيعة حتى الوقت الحاضر.
وملخص القول أن التشيع كان ولا يزال المذهب الأول في المنطقة، منذ دخول الإسلام إليها وحتى اليوم … ولا صحة للأقوال المغرضة التي تقول بأن التشيع انتشر أو وفد من إيران، بل أن الصحيح عكس ذلك … فأهل هذه المنطقة كانوا عنصراً هاماً في فتوحات فارس، وكانت الهجرة منهم إليها وليس العكس. فضلاً عن أن المذهب السني كان هو المذهب الرسمي في إيران قبل قيام الدولة الصفوية، أي أن عمر التشيع في إيران لم يزد عن خمسة قرون.
في الجانب الأدبي برز من قبائل الشيعة الكثير من الشعراء، وظهرت في أشعارهم مسحة التشيع لأهل البيت، نذكر منهم: الأعور الشني (بشر بن منقذ العبدي): وكان أحد أهم شعراء الإمام علي في الجمل وصفين، قال بعد حرب الجمل محرضاً الإمام على قتال معاوية:
قُلْ لهذا الإمام قد خبت الحربُ
وتمت بذلك النعماءُ
وفرغنا من حرب من نقض العهدَ
وبالشامِ حيّة صمّاءُ
تنفثُ السمّ ما لِمن نهشتهُ
فارمها قبل أن تعضَ شفاءُ
إنه والذي يحجّ له الناسُ
ومن دون بيتهِ البيداءُ
لضعيفُ النخاع إن رُميَ اليومَ
بخيلٍ كأنّها الأشلاءُ
جانحاتٍ تحت العجاج سخالاً
مجهضاتٍ تخالها الأسلاءُ
تتبارى بكلّ أصيدَ كالفحلِ
بكفيه صعدةٌ سمراءُ
ثم لا ينثني الحديدُ ولِما
يخضبُ العاملين منها الدماءُ
إنْ تذرهُ فما معاويةُ الدّهر
بمعذيك ما أراك تشاءُ
ولنيلُ السماك أقرب من ذا
ونجمُ العيوق والعوّاءُ
فاضربِ الحدّ والحديد إليه
ليس والله غير ذاكَ دواءُ
وجاء الأعور الشني إلى الإمام في صفين وقال له: «زاد الله في هداك وسرورك، نظرت بنور الله فقدمت رجالاً وأخرت رجالاً، فعليك أن تقول وعلينا أن نفعل، أنت امام، فإن هلكت فهذان من بعدك ـ يعني الحسن والحسين ـ ، وقد قلتُ شيئاً فاسمعه. قال الإمام: هات.
فأنشد الشاعر:
أبا حسن أنتَ شمسُ النهار
وهذان في الحادثات القمر
وأنت وهذان حتى الممات
بمنزلة السمع بعد البصر
وأنتم أناسٌ لكم سورةً
يقصر عنها أكفّ البشر
يخبرنا الناس عن فضلكم
وفضلكم اليوم فوق الخبر
عقدت لقوم ذوي نجدةٍ
من أهل الحياء وأهل الخطر
… ضربناهمُ قبل نصف النهارِ
إلى الليل حتى قضينا الوطر
ولم يأخذ الضربُ إلاّ الرؤوسَ
ولم يأخذ الطعنُ إلا الثَغَر
فنحن أولئك أمسنا
ونحن كذلك فيما غَبَر
وقال مفاخراً بربيعة التي ينتمي إليها مبدياً إعتزازه بمديح الإمام علي لها، واعتماده عليها:
أتانا أمير المؤمنين فحسبنا
على الناس طراً اجمعين بها فضلاً
على حين أن زلت بنا النعلُ زلةً
ولم تترك الحربُ العوانُ لنا فحلاً
وقد أكلت منّا ومنهم فوارساً
كما تأكل النيران ذا الحطب الجزلا
وكنّا له في ذلك اليوم جنّةً
وكنّا له من دون أنفسنا نعلا
فأثنى ثناءُ لم يرَ الناسُ مثله
على قومنا طرًّا وكنّا له أهلا
وهجا في صفين أحد أعدائه فقال:
ما زلتَ تنتظرُ في عطفيك أبهةً
لا يرفع الطرف منك التيهُ والصلفُ
لا تحسبُ القومَ إلاّ فقعَ قرقرةٍ
أو شحمةً بزّها شاو له نُطفُ
حتى لقيتَ ابن مخزوم وأي فتى
أحيا مآثر آباءِ له سلفوا
…. لما رأيتهمُ صُبحاً حسبتهمُ
أسدُ العرينِ حمى أشباله الغُرُفُ
ناديتَ خيلك إذْ عضّ الثقافُ بهم
خيلي إليّ، فما عاجوا ولا عطفوا
هلا عطفت على قتلى مصرعة
منها السكون ومنها الأزدُ والصدفُ
قد كنتَ في منظر من ذا ومستمع
يا عُتبُ لولا سفاهُ الرأي والسرفُ
فاليوم يقرعُ منك السنّ عن ندمِ
ما للمبارز إلا العجز والنصفُ
وكان الشني من الرافضين للتحكيم، كما كان رافضاً أن يكون الأشعري، قال ممثل جيش الإمام، وحين أجبر الإمام علي على قبول أبي موسى الأشعري، قال الشني ساخطاً وساخراً من شريح بن هاني الذي تولى تجهيز أبي موسى:
زففت ابن قيس زفاف العروس
شريحُ إلى دومةِ الجندلِ
وفي زفكَ الأشعري البلاءُ
وما يُقضَ من حادثٍ ينزلِ
وما الأشعري بذي إربةٍ
ولا صاحب الخطبةِ الفيصلِ
ولا آخذاً حظ أهل العراقِ
ولو قيل ها خُذهُ لم يفعلِ
يحاول عمراً وعمروٌ له
خدائعُ يأتي بها من علِ
فإن يحكما بالهدى يُتبعا
وإن يحكما بالهوى الأميلِ
يكونا كتيسين في قفرةٍ
أكيلي نقيفٍ من الحنظلِ
وفشا في الناس أن أبا موسى سيخلع الإمام علي قبل أن يصل دومة الجندل، فأرسل له الأعور الشني راكباً ومعه هذه الأبيات:
أبا موسى جزاك الله خيراً
عراقك إن حظك في العراقِ
وإنّ الشام قد نصبوا إماماً
من الأحزاب معروف النفاق
وإنّا لا نزال لهم عدواً
أبا موسى إلى يومِ التلاقي
فلا تجعل معاوية بن حرب
إماماً ما مشت قدمٌ بساقِ
… ولا تحكم بأنّ سوى عليّ
إماماً، إنَّ هذا الشرّ باقِ
وجاءت النتيجة المتوقعة من التحكيم، ورجع وفد الإمام علي إلى الكوفة مكتئباً، فقال الشني متألماً:
ألمْ تر أن الله يقضي بحكمهِ
وعمروُ وعبد الله يختلفان
وليسا بمهدي أمّة من ضلالةٍ
بدرماء سخما فتنةٍ عمِيَانِ
أثارا لما في النفس من كل حاجةٍ
شديدانِ ضراران مؤتلفانِ
أصمّان عن صوتِ المنادي تراهما
على دارة بيضاء يعتلجان
وهناك شعر كثير للأعور الشني، الذي يعد من فحول الشعراء.
الصلتان العبدي: واسمه قثم بن خبيئة من بني محارب من عبد القيس … كان من شيعة الإمام علي، وقد رافقه في حروبه، كالجمل وصفين، كما كان أحد شعرائه المشهورين في تلك المعارك.
من شعره في صفين، هجاؤه لأحد أعدائه بعد أن وسدته السيوف الثرى:
ألا يا عُبيد الله ما زلت مولعاً
ببكرِ لها تُهدي اللغا والتهددا
كان حماة الحي من بكر وائل
بذي الرمث أسدٌ قد تبوّأن غرقدا
وكنت سفيهاً قد تعودت عادةً
وكل امرئٍ جار على ما تعودا
فأصبحت مصلوباً على شرّ آلةٍ
صريع قناً بين العجاجةِ مُفردا
تشق عليك الجيب ابنةُ هانئ
مسلبة تبدي الشجا والتلدّدا
وكانت ترى ذا الأمر قبل عيانه
ولكن أمر الله أهدى لك الردى
وقالت: عُبيد الله لا تأتِ وائلاً
فقلت لها: لا تعجلي وانظري غدا
فقد جاء مما منيتها فتسلّبت
عليك وأمسى الجيب منها مقدّدا
حباك أخو الهيجا حُريث بن جابرٍ
بجياشةٍ تحكي الهديرَ المندّدا
وقال في التحكيم:
لعمرُك لا ألفي مدى الدهر خالعاً
علياً بقول الأشعري ولا عمروِ
فإن يحكما بالحق نقبلْهُ منهما
وإلاّ أثرناها كراغية البكرِ
ولسنا نقول الدهرَ ذاك إليهما
وفي ذاك لو قُلناهُ قاصمةُ الظهرِ
وما اليوم إلاّ مثلُ أمس وإننا
لفي وشلِ الضحضاحِ أو لُجةِ البحرِ
وللصلتان شعر يفيض حكمة، يقول:
أشاب الصغير وأفنى الكبير
مرور الغداةِ وكرّ العشي
إذا هزمت ليلة يومها
أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته
وتبقى له حاجة ما بقي
… بني بدا خبء نجوى الرجال
فكن عند سرك خبء النجي
وسرك ما كان عند امرءِ
وسر الثلاثة غير الخفي
كما الصمت أدنى لبعض الرشاد
وبعض التكلم أدنى لعي
وقال في تحكيمه بين الفرزدق وجرير:
فإن كنتما حكمتماني فأنصتا
ولا تجزعا وليرض بالحق قانعُ
فإن ترضيا أو تجزعا لا أقلكما
وللحق بين الناس راضٍ وجازعُ
فإن يك بحر الحنظليين واحداً
فما تستوي حيتانه والضفادعُ
وما يستوي صدر القناة وزجّها
وما يستوي شم الذرى والأكارعُ
وليس الذنابى كالقدامى وريشها
وما تستوي في الكف منك الأصابعُ
ألا إنما تحظى كليب بشعرها
وبالمجد تحظى دارم والأقارعُ
زيار الأعجم: سكن إصطخر فغلبت العُجْمَةُ لسانه، عاش حتى أواخر الحكم الأموي، مدح العباسيين في البداية ثم عاد فهجاهم بعد أن نكلوا بآل البيت الذين أخذوا الحكم بإسمهم، وقال:
يا ليت جور بني مروان دام لنا
وليت عدل بني العباس في النار
قيل أن الفرزدق أراد هجاء عبد القيس، فبعث له زياد بأبيات جعلته يتراجع، منها:
وما ترك الهاجون لي إن هجوته
مصحاً أراه في أديم الفرزدق
ولا تركوا عظماً يرى تحت لحمه
لكاسره أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوه لي من عظامه
وأنكث مخ الساق منه وانتقى
وإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا
لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق
محمد بن ثمامة العبدي: عاصر العهد الأموي، ومن شعره:
اتزعم أنني أهوى خليلاً
سواك على دنو أو بعاد
جحدتُ إذاً موالاتي علياً
وقلت بأنني مولى زياد
يحيى بن بلال العبدي: عاش في صدر الدولة العباسية، من شعره:
أما الدعاة إلى الجنانِ فهاشمٌ
وبنو أمية من دعاة النار
أأمي مالك من قرار فالحقي
بالجن صاغرة بأرض بوار
فلئن رحلت لترحلن ذميمة
وإذا أقمت بذلة وصغار
الأمير علي بن المقرب العيوني: ومن شعره في مديح تاج الدين إسماعيل العلوي:
أباؤه من قريش خيرها حسباً
وعزّ حاضرها فيهم وباديها
الضاربون الطلى والهام ضاحية
في الحرب حين يهز الحرب جانيها
والطاعنو الخيل شزراً نافذة
نجلاء تبرق منها عين أسيها
والموقدون إذا نار القرى خمدت
وعام بين اللقاح الخور راعيها
قوم لهم ذروة العلياء يعرفها
داني معدّ إذا عُدّت وقاصيها
عافوا الظواهر من أم القرى وبنوا
أبياتهم عزةً في سر وآديها
وأصبحت كعبة الله الحرامُ وقد
أضحتْ ومنهم برغم الخصم واليها
سادوا قريشاً عُلاً في جاهليتها
ومن يسامي قريشاً أو يباريها
وكل علياء في الإسلام فهي بهم
تبنى وقطب الرحى منهم وهاديها
يا من يسامي إلى مجد بني حسن
عدمت رشدك هل خلق يساميها
قبيلة من رسول الله عنصرها
ومن علي فتى الدنيا ومفتيها
إن القروم السوامي من بني حسن
يحصي التراب ولا تحصى أياديها
الشيخ جعفر بن محمد بن حسن العبدي الخطي (المعروف بأبي البحر) ومن شعره في وطنه القطيف:
إن القطيف وإن كلفت بحبها
وغلت على استيطانها زفراتي
إذ أين جزت رأيت فيها مدرجي
طفلاً وترابي بها ولداتي
لأجل ملتمسي وغاية منيتي
إني أقيم بتلكم الساحات
فسقى الغمام إذا تحمل ركبه
تلك الحراب الفيح والعرصات
وهزل الشيخ أبو البحر مرة بشاعر قطيفي سنة 1007هـ فقال:
يا خليلي من ذوابة شيبان
ويدعى لما ينوب الخليل
إن هذا الفتى الذي وسم الشعر
بعار ما أن نراه يزول
قد نضا مدية الجهالة يفري
ودج الفضل فهو منه قتيل
يا حماة القريض هبوا لأخذ
الثأر فالخطب لو علمتم جليل
وخذوا بالترات من قاتل الشعر
فما الحزم أن تضاع الذحول
لاك في فيه شحمة الشعر من لم
يدرِ ما فاعل ولا مفعول
وادّعى رتبة البلاغة في القول
غبي لم يدر «أيش» يقول
ورثى شيخ القطيف الأكبر أبو علي عبد الله بن ناصر بن مقلد من بني وايل، فقال:
أكف الرايا من تراثهم صفر
وبيض المنتايا من دمائهم حمر
وخيل الرزايا ما تزال معدة
تقاتلنا فرسانها ولها النصرُ
تكرّ علينا البيض والسمر بالردى
فتبلغ مما لا تبلغ البيض والسمرُ
… خليلي من أبناء بكر ووائل
قفا واندبا شيخاً به فجعت بكر
وبدراً تراءى للنواظر فاهتدت
به برهة ثم اختفى ذلك البدر
وعضباً ثنت أيدي النوائب حدّه
فهلا اعتراها من مضاربه عقر
أرامي الردى أخطاتنا وأصبته
أسأت لنا جذت أناملك العشرُ
الشيخ فرج الخطي: من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، ومن شعره:
هلا شممت روائح التفاح
سحراً بقبة خامس الأشباح
ورأيت نور الله يشرقُ عندهُ
كالشمس يخمد نير المصباحَ
وبكيت مصرعهُ المهول بلوعةٍ
تفري العيون بدمعها السفّاحِ
وسهرت ليلك باكياً لمصابه
وشكوت ذاك لفالق الإصباحِ
خطبُ إذا استشعرت أيسر أمره
عسرت عليّ مسالك الأفراحِ
إني لأعجب عند ذكر خطيره
لتعلق الأبدان بالأرواحِ
الشيخ حسن التاروتي: صاحب الرائعة المشهورة في رثاء الإمام الحسين، واللتي يقول فيها:
اللراعبية بالأجرع
صبابة وجدٍ فلم تهجعِ
أم استوجدت وأتت مورداً
تمضمض منه ولم تجرعِ
أجارتنا ليس دعوى الأسى
بأنَّ تخضبي الكفّ أو تسجع
إليّ حمامة جرع الحمى
فليس الشجي كمن يدعي
فإما استطعت حنيناً له
يلف الحنايا وإلاّ دعي
ودمعَ إذا فار تنورهُ
دماً لم أقل يا جفوني أقلعي
… وداعٍ دعاه إئتنا للهدى
ولم يكُ هيابة إذ دعي
ومن حوله تبع إن دعا
فما حميرٌ مَنْ دعا تُبع
كان النجوم بهم تهتدي
إذا حلها البدرُ في مطلعِ
… فيا راكباً ظهر مجدولةٍ
شأتّ أربع الريح في أربع
إذا لمعت نار طور الغري
فأنتَ بوادي طوى فاخلعِ
وصل وسلّم وصلْ واستلم
لقدس أبي الحسن الأنزعِ
وناد وقل يا زعيم الصفوف
ومركز دائرةِ الأجمعِ
… أثرْ نقعها فحسين قضى
وغلّة أحشاه لم تنقعِ
وقد وتَرَتهُ أكُفَ الترات
فأغرقت الرمي بالمنزعِ
إذا قعدَ السمرُ في صدره
فما لقعودك من موضعِ
الشيخ يوسف ابو ذيب، ومن شعره:
كأني به والفيلقُ اللجبُ حوله
وكل لهامِ يقتفيهِ لهامُ
يعبَي بقلب ثابت الجاشِ جيشه
لخوض عبابٍ شبَ فيه ضرامُ
ويرمي بهم زج المغاوير غارة
كما زجَ من عوج القسي سهامُ
مدججة تغشى الوغى فكأنّه
على الهولِ للحرب الضروس لحامُ
… قضى بين أطراف الأسنَّة والضبا
بحرّ حشا يذكي لظاه أوامُ
ومن حوله أبنا أبيه وصحبه
كمثلِ الأضاحي غالهنّ وحمامُ
على الأرض صرعى من كهول وفتيةٍ
فرادى على حرّ الصفا وتوامُ
مرملة الأجساد مثل أهلّةٍ
عراهنَّ من مورِ الرياح جهامُ
وتلك النساء الطاهرات كأنها
قطا بين أجراعِ الطفوف هيامُ
يطفنَ على شمّ العرانين سادة
قضوا وهمُ بيضُ الوجوه كرامُ
ويضربن بالأيدي النواصي تولّهاً
وأدمعها كالمعصرات سجامُ
وتهوي مروعات بأروع أشمط
طليق المحيّا إن تعبسَ عامُ
الشيخ محسن فرج، ومن قصائده:
لعمرك ما البعاد ولا الصدود
يؤرقني ولا ربع همودُ
ولم يجر الدموع حداء حادٍ
ولا ذكرى ليال لا تعودُ
ولكنْ أسبلَ العينين خطبٌ
عظيمُ ليس يخلقه الجديدُ
عشيّةَ بالطفوفِ بنو عليّ
عطاشاً لا يباح لها الورودُ
تذادُ عن الفرات وويل قوم
تذودهمُ أتعلمُ من تذودُ؟
ألا ويلُ الفرات ولا استهلّت
على جنبيهِ بارقة رعودُ
الشيخ علي بن حبيب التاروتي، ومن شعره:
سمعاً مهفهفة الهفوف من هجرِ
أنغمة الصوت ذا أم رنّة الوترِ
وذا الذي عطّر الآفاق فاتحةُ
ترديد نفسك ذا أم نفحة العطرِ
وصفحة الوجه تبدو منك مسفرةً
أم قرص شمس الضحى أم غرّة القمر
وذا الذي فوق متن الظهر منسدل
ستر الدّجى مرتخٍ أم دجنة الشعر
وهذه الوجنةُ الحمراء خدّك أم
نار بثلج فلا بدعاً من القَدَرِ
الشيخ علي نقي إبن الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي: قال يرثي ابنه حسن، وهو من أعزّ أولاده:
أبني لا بكت العيون سواكا
وترادفت سحاً على مغناكا
فلقد بكيت بدمعة مهراقةٍ
تسقي من الدمع الملثَ ثراكا
ولقد بكيتك والعيون نواعس
أرق الجفون بمدمع يغشاكا
قد كنتُ أمل أن تعيش لحادث
من بعد ما يغشى الحمام أباكا
وتكون بعدي لليتيمة كافلاً
تبكي أباها حسرةً فتراكا
نصبَ المنون عليك أشراك الردى
في قبّة لم تنقشع بسواكا
سهمٌ أصابك لا رماك وليتما
أصمى فؤادي صائبٌ اخطاكا
… إني وعيشك لا أعيش بفرحةٍ
من أجل موتك أو أرى لقياك
ورثى زوجته «نوار»، فقال:
… نوارٌ لقد حلّت بتربك رحمة
تعطّر منها ساكن البرّ والبحر
نوار خذيها بالتحيّة واعلمي
بأن الليالي وصلها ليلة القدر
سقى الله قبراً يا نوار إكتنفنه
هواطل غيث ضم قلبي من قبر
وأردف قبراً ضمّ جسمك لحده
روافل مزن الغاديات مدى الدهر
وأسكن قلبي بين جسمك والثرى
بقي ناعماً عن ناعم الترب في القبر
إذا متّ فأدفني بجانب قبرها
لعل فؤادي يبرد اليوم من حرّ
… أما والذي صلّى الإنام لوجهه
وقامت له الأشياء بالنهي والأمر
لقد خامرت قلبي فلم يبق موضع
تحلّ سواها فيه في عامر الدهر
وقال في الفخر راداً على بعض أعراب نجد:
إذا افتخرت قومي بمجدٍ مؤثلٍ
ففخركم شغر وحلب عشار
… لقد كانت الأنساب في جنب وائلٍ
كمثل سراج في ضياء نهار
فمن ذا يداني للمكارم غيرنا
ومن ذا يداني غيركم لشنار
أقول له كف الفخار فإنما
مفاخركم بين الأنام عواري
تفاخرُ قوماً كنتمُ أعبْداً لهم
تباعون فيهم صفقة بخسار
فخلّوا سبيل المجد تنمى لأهلها
ودونكم ذلاً بكلّ صغار
لبسنا من المجد الأثيل ملاحفاً
وإنّا عن العار الملم عواري
وقال في الفخر أيضاً:
… وإنّي أمرؤ لا أرتجي ذا خصاصةٍ
أتته الليالي فضل نائلها المرّ
ولا أسأل الأسقاط فضل نوالهم
فما الحرّ إلا أن يقال أخو الصبر
ولست بملاقٍ أضحاكُ عابساً
فما ذاك من خلقي وما بي من كبر
وما أنا ركاب المفازةِ طالباً
مطامعٍ تستندي من المدح والشعر
… سأنفق مالي مما حييت على العلا
فإن قلّ مالي كنتُ أنفقُ من صبري
أعفّ تقي حتى لقد ظُنَّ أنني
نكولٌ إذا ما الأمر ضاق به صدري
وأسطو لدى الهيجاء إن شبّ جمرها
كما الليث يسطو حين هيج في الخدر
وأحمي ذماراً شرف الله أصله
بفعل المعالي والمكارم والفخر
أنا ابن أباة الضيم لا أحمل الأذى
ولو كان فيه مورد البيض والسمر
حمزة الحسن راجع: المنطقة الشرقية
عبقات الأنوار
ـ 1 ـ
إن صلتي بكتاب «عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار» تعود إلى عام 1385 … وهي السنة التي شرعت فيها بتلخيص هذه الموسوعة الفذّة الخالدة، ونقلِها إلى اللغة العربية، بتوجيه من حفيد مؤلفها، السيد محمد سعيد، وواصلت العمل في هذا المشروع الضخم إلى أن نجز أكثره، وطبع منه حتى الآن 9 أجزاء باسم «خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار».
ولما كان هذا التراث العظيم بحاجة ماسة إلى تعريف كامل ودراسة شاملة، فقد كتبت خلال عملي فيه كتاب «دراسات في كتاب العبقات» في 180 صفحة، وطبع في مقدمة الجزء الأول من كتابنا «خلاصة عبقات الأنوار».
التعريف بالكتاب
هو منهل الباحثين في الإمامة والكلام، ومشرعة المحققين في العقائد والفرق وأسوة المؤلفين في الخلاف بين المذاهب الإسلامية، فكان بغية الرجالي، ومعتمد المؤرخ، ومستند المحدث …
سبب تأليفه
موضوعة «إثبات إمامة الأئمة الأطهار» … فقد ألف رداً على الباب السابع من كتاب «التحفة الإثنا عشرية في الرد على الإمامية الاثني عشرية» هذا الكتاب الذي ألفه المولوي عبد العزيز بن أحمد وليّ الله الدهلوي، المتوفى سنة 1239 فأحدث ضجة في البلاد الهندية، وانبرى للرد عليه ثلة من أعاظم علماء الإمامية … لكن كتاب «العبقات» امتاز من بينها بالعجز عن رده فكان القول الفصل، والكلمة الأخيرة الحاسمة في باب الخلافة والإمامة … هذا ما جعل كبار علمائنا يقولون فيه مال لا يقولونه في غيره من مؤلفات أصحابنا ـ على كثرتها ـ في هذا الباب.
مجلداته
إن كتاب العبقات في منهجين، موضوع أحدهما: الآيات القرآنية التي ذكرها صاحب «التحفة» وأجاب بزعمه على استدلال الشيعة بها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد السيد المؤلف في هذا المنهج وقرر استدلال الشيعة بتلك الآيات، وردّ على مناقشات المخالفين واثبت دلالتها على المطلوب، وقد جاء في «الذريعة»: أن هذا المنهج تام ومخطوط محفوظ في المكتبة الناصرية بلكهنو، والآيات المبحوثة هي:
1 ـ ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.
2 ـ ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
3 ـ ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾.
4 ـ ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾.
5 ـ ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾.
6 ـ ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾.
وموضوع النهج الثاني: الأحاديث التي تعرض لها صاحب «التحفة» وناقش فيها بزعمه وهي اثنا عشر حديثاً … وقد جعل صاحب العبقات الرد عليه بإثبات كل حديث من تلك الأحاديث في جهتين، الأولى جهة السند والأخرى جهة الدلالة … وخص كلاً منهما بمجلد مشتمل على الجهتين، وتلك الأحاديث هي:
1 ـ حديث الغدير: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ….
2 ـ حديث المنزلة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى».
3 ـ حديث الولاية: «إن عليًّا مني وأنا منه، وهو وليّ كل مؤمنٍ من بعدي …».
4 ـ حديث الطير: «اللهم ائتني بأحب الناس إليك وإليّ يأكل معي هذا الطير ….».
5 ـ حديث مدينة العلم: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد …».
6 ـ حديث الأشباه أو التشبيه: «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح …».
7 ـ حديث المناصبة: «من ناصب عليًّا الخلافة فهو كافر».
8 ـ حديث النور: «كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله قبل أن يخلق آدم …».
9 ـ حديث يوم خيبر: «لأعطيّن الراية غداً رجلاً …».
10 ـ حديث الحق: «رحم الله عليًّا، اللهم أدر الحق معه حيث دار …».
11 ـ حديث المقاتلة: «إنك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله».
12 ـ حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ….» وقد بحث في ذيله حديث السفينة: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح …».
أسلوبه
هذا ولخصائص هذا الكتاب ومميزاته في أسلوبه، استحق أن يوصف على لسان كبار العلماء بأحسن الصفات، واعترف بالعجز عن الرد عليه أعلام المخالفين له. فما هي تلك الخصائص والمميزات المجتمعة فيه والمتفرقة في غيره؟
إن إثبات أي موضوع أو حكم مختلف فيه بحديث، يتوقف على الفراغ من البحث حول ذلك الحديث، ولهذا البحث مرحلتان:
الأولى: أن يكون الحديث واجداً لشرائط الاحتجاج عند الخصم ـ أعني اعتباره سنداً وصحة الاستدلال به ـ وذلك لا يتم إلا بدفع كل ما قيل أو يمكن أن يقال من قبل الخصم في كلتا الناحيتين، وإن شئت قسم هذه المرحلة بمرحلة الاقتضاء.
والثانية: أن يجاب عن كل ما ذكر أو يمكن أن يذكر معارضاً للحديث المستدل به، وإن شئت قسّم هذه المرحلة بمرحلة عدم المانع.
ولقد أحسن وأتقن السيد المؤلف البحث في هاتين المرحلتين مع كمال الإخلاص والإنصاف، والتتبع الشامل، والاستقراء الدقيق، ونحن نشير إلى بعض جزئيات أسلوبه في هذا المضمار:
1 ـ عدم نقل المؤلف في هذا الكتاب الكبير شيئاً عن غير أعلام أهل السنّة في كل علم … حتى في الاستدلال أو الاستشهاد بقاعدة نحوية مثلاً …
2 ـ إثباته تواتر الأحاديث المبحوث عنها، بنقل كل حديث عن جماعة من رواته في كل قرن حتى القرن الثالث عشر الهجري، مراعياً في ذلك سني وفيات الرواة وطبقاتهم … ومترجماً لكل راوٍ عن عدّة من علماء رجال الحديث وأئمة الجرح والتعديل …
3 ـ الكشف عن مداليل الأحاديث المبحوث عنها، عن طريف فهم الأصحاب السامعين للحديث والمعاصرين لزمان صدوره، ثم فهم التابعين، ثم اعتراف أكابر علماء أهل السنَّة في القرون المختلفة.
4 ـ وحيث يحتاج إتمام دلالة الحديث على المطلوب إلى البحث والاستدلال، تراه لا يحتج إلا بالقواعد المقررة في كل علم، والمسلمة عند أئمة ذلك العلم.
5 ـ التعرض لما ذكر أو يمكن أن يذكر معارضاً للحديث المستدل به، ثم تفنيده بالطعن في سنده، والمناقشة في دلالته، على ضوء كلمات علماء أهل السنّة المعتمدين، ثم نقضه أو معارضته بحديث آخر هم رووه … فبهذه الوجوه أو بعضها أو غيرها، تتم المرحلة الثانية من الاستدلال بعد إتمام المرحلة الأولى.
وكم كشف في هذه البحوث عن تناقضات الآخرين فيما بينهم. بل تناقض الواحد منهم في كلماته ـ وعن تحريف بعضهم للأحاديث ونصوص الكلمات، وعن دعاوى وأكاذيب، وعن أسانيد لا أصل لها، وعن أحاديث موضوعة، وعن رواة كذابين أو مدلسين، وعن نسبة كتب إلى مؤلفين ـ إثباتاً أو نفياً ـ بلا دليل ….
مصادره
ومصادر هذا الكتاب تعدّ بالآلاف … وقد بذل السيد المؤلف كل ما كان بإمكانه لتحصيل تلك المصادر، فمنها ما كان في مكتبة والده التي اشتهرت فيما بعد بالمكتبة الناصرية، ومنها ما اشتراه في بعض أسفاره إلى البلدان المختلفة، ومنها ما طلب إرساله إليها منها، ومنها ما رآه واستفاد منه في المكتبات العامة والخاصة في بلاده وخلال أسفاره.
علي الميلاني
عبقات الأنوار
ـ 2 ـ
مضافاً إلى البحث المتقدم عن هذا الكتاب ننشر البحث التالي عنه لما فيه من تفصيلات، وإن جاء فيه تكرار أحياناً:
خصص مؤلف (التحفة) الباب السابع منه بالإمامة ورتبه على منهجين:
الأول: في الآيات القرآنية، مما استند إليه الشيعة في إثبات الإمامة، واكتفى منها بست آيات وحاول تأويلها والنقاش في دلالاتها.
والمنهج الثاني: في الأحاديث، واقتصر منها على اثني عشر حديثاً، موهماً الناس أن هذا كل ما تمتلكه الشيعة في دعم ما تذهب إليه، وحاول جهده الخدش إما في إسنادها أو في دلالتها.
فتصدى له السيد حامد وردّ عليه في هذا الباب وأفرد لكل حديث مجلداً أو أكثر، فنقض كلامه حرفاً حرفاً في عدة مجلدات ضخام، وأشبع القول في كل جوانب البحث، بإيراد الأدلّة والنصوص والشواهد والمتابعات، وتعديل الرواة واحداً واحداً، وتوثيق المصادر المستقى منها([724]).
وهذا مجهود كبير لا يقوم به إلا لجان تتبنى كل لجنة جانباً من ذلك، ولكن نهض هذا العملاق بمفرده بهذا العبء الثقيل مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، انتصاراً لله ولدينه ولنبيّه بلا شك، ولولاه لما تم له ذلك، وقد قال عز وجل: ﴿ومن جاهد فينا لنهدينه سبلنا …﴾ .
على أنه لم يعمّر أكثر من ستين عاماً، ولم تكن هذه الموسوعة نتاجه الوحيد، بل أنتج عدّة مؤلفات ضخمة قيّمة غيرها.
أما ردوده على المنهج الأول فهي عدة مجلدات لم يكتب لها أن تقدم للطبع فلم تر النور حتى الآن.
وأما ردوده على المنهج الثاني فهي أيضاً عدّة مجلدات ضخام طبع أكثرها في حياته رحمه الله وبعضها لم يطبع حتى اليوم! وإليك تفاصيل ذلك.
المجلد الأول
يبحث عن حديث الغدير، وهو قوله: صلى الله عليه وسلم: «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه» فتناوله المؤلف رحمه الله بدراسة شاملة إسناداً ومتناً، فهو يقع في قسمين ضخمين:
قسم يضم أسماء الصحابة الذين رووا هذا الحديث، وهم مائة نفس أو يزيدون، ثم التابعين الذين رووه عن الصحابة، ثم أتباع التابعين، ثم الحفاظ وأئمة الحديث من غير الشيعة حسب التسلسل الزمني حتى عصر المؤلف، مع الإسهاب في تراجمهم وتوثيقاتهم ومصادرها، وتوثيق تلك المصادر، وقد أتى بالعجب العجاب مما يدهش العقول ويحير الألباب.
والقسم الثاني يتناول متن الحديث ووجوه دلالته على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، والقرائن المحتفّة به الدالة على ذلك، ودفع شبه الخصوم ودحض كل الشكوك والأوهام والتمحلات الباردة والتأويلات السخيفة، وما إلى ذلك من دراسات وبحوث حول هذا الحديث.
وهذا المجلد طبع على الحجر بالهند بقسميه في حياة المؤلف، في سنة 1293هـ، في ثلاث مجلدات ضخام.
القسم الأول وهو ما يخص أسانيد الحديث ومصادره ورواته ومخرجيه، وما يدور في فلكها من بحوث ودراسات شاملة ومستوفاة، طبع على الحجر في 1251 صفحة بالحجم الكبير.
وطبع القسم الثاني سنة 1294هـ في مجلدين يزيدان على ألف صفحة.
وقد أعيد طبع القسم الأول أيضاً في طهران سنة 1369، فطبع على الحروف في 600 صفحة بالحجم الكبير.
وأعيد طبع المجلد الأول في قم، فطبع القسم الأول منه بتحقيق العلاَّمة الجليل الشيخ غلام رضا مولانا البروجردي، وقد صححه، وخرج أحاديث، وقارن النصوص والنقول مع مصادرها، وعيّن أرقام أجزائها وصفحاتها، وسوف يصدر في خمسة أجزاء.
وسوف يباشر بطبع القسم الثاني منه، وهو عازم على متابعة المهمة والإستمرار في طبع بقية المجلدات طبعة حروفية محققة إن شاء الله وفّقه الله تعالى وأخذ بناصره.
وطبع هذا المجلد أيضاً بقسميه معرّباً، عرّبه بتلخيص السيد علي الميلاني حفظه الله، فصدر في أربعة أجزاء في عام 1405 باسم «خلاصة عبقات الأنوار» مع إلحاق مستدرك عليه ذكر فيه 189 عالماً وراوياً رووا هذا الحديث ممن لم يذكروا في الأصل، مع تراجمهم وتوثيقهم وفق منهج المؤلف في الأصل.
كما ويطبع الآن تعريب هذا القسم ـ مجلدي حديث الغدير ـ بتعريب السيد هاشم الأمين الحسيني نجل المغفور له الأمين العاملي سيد الأعيان، فقد عربه بكامله من دون حذف، ولا تلخيص شيء، وها هو الآن تحت الطبع ولما يصدر بعد.
ثم إن الشيخ عباس القمي ـ المتوفى سنة 1359 ـ لخص هذا القسم من عبقات الأنوار ـ قسم حديث الغدير ـ بمجلديه وهذبه ورتّبه وسماه «فيض القدير بما يتعلق بحديث الغدير» وفرغ منه في النجف الأشرف سنة 1321هـ، وبقي مخطوطاً زهاء خمسة وثمانين عاماً إلى أن قيّض الله له الشيخ رضا الأستادي فسعى في تخريجه، ثم نشره، وصدر عن مؤسسة «در راه حق» في قم سنة 1406، في 462 صفحة.
المجلد الثاني
وهو يتناول البحث عن حديث المنزلة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي».
أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من الحفاظ في الصحاح والسنن والمسانيد، وفي الاستيعاب: «هو من أثبت الآثار وأصحها» وقد جاوز حدّ التواتر، حتى أن محدّثاً واحداً من أعلام القرن الخامس، وهو الحافظ أبو حازم العبدوثي قال: «خرّجت هذا الحديث بخمسة آلاف طريق».
فتناول مؤلف العبقات هذا الحديث على غرار المجلد السابق فجمع ما أمكنه من أسانيده وطرقه ونصوص أعلام بتواتره وما إلى ذلك، ثم تكلم عن معناه ودلالته على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وبسط القول في وجوه دلالته بدراسة شاملة وبحث مستوفى، وقد طبع على عهد المؤلف في لكهنو بالهند في سنة 1295هـ على الحجر في 977 صفحة بالحجم الكبير.
ثم أعادت مؤسسة «نشر نفائس المخطوطات» في أصفهان طبعه بالأفست مع تصغير حجمه في مطبعة نشاط بأصفهان في سنة 1406 وذلك بمناسبة مرور مائة عام على وفاة مؤلفه رحمه الله، وذلك برعاية السيد محمد علي الروضاتي فأشرف على طبعه، وقدم له مقدمة، وعمل له فهرساً لعناوين بحوثه وقائمة بمصادره، فجزاه الله خيراً.
المجلد الثالث
في حديث الولاية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن عليًّا مني وأنا منه، وهو وليّ كل مؤمن من بعدي» فتناوله بالبحث المستوفى والدراسة الشاملة، إسناداً ودلالة، وأثبت دلالته بوضوح على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنه من النصوص الواردة على استخلافه على غرار ما تقدّم.
طبع بالهند في حياة المؤلف في سنة 1303 طبعة حجرية في 585 صفحة بالحجم الكبير.
حول حديث الطير، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ـ ولما أهدي إليه طير مشويّ ـ : «اللهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير» فجاء علي عليه السلام وأكل معه.
فتكلم عن الحديث وطرقه وأسانيده ووجوه دلالته بدراسة شاملة منقطعة النظير على غرار ما تقدم منه رحمه الله.
وطبع في جزءين في 512 و224 صفحة بالحجم الكبير على الحجر بالهند في لكهنو سنة 1306هـ.
المجلد الخامس
حول حديث مدينة العلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها».
فتكلم المؤلف ـ على عادته ـ عن الحديث إسناداً ومتناً، وتناوله بالبحث من كل جوانبه، واستعرض وجوه دلالته على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بما لا مزيد عليه، وهو أيضاً في قسمين، قسم يخص أسانيد الحديث وما يحوم حوله من بحوث، وقسم يخص دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ووجوه الاستدلال به، والإجابة على النقود الموردة وتزييفها، ودحض كل الشبهات والشكوك والأوهام، وقد طبعا بالهند في لكهنو على الحجر، فالقسم الأول طبع سنة 1317، في 745 صفحة بالحجم الكبير، والقسم الثاني طبع هناك سنة 1327، في 600 صفحة.
المجلد السادس
حول حديث التشبيه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في خلقه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى عيسى في سنّته، وإلى محمد في تمامه وكماله، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب».
ويسمّى «حديث الأشباه» وألفاظه مختلفة وطرقه كثيرة، راجع الغدير 3: 355. وتناوله المؤلف رحمه الله بالبحث المستوفى والدراسة الشاملة وإسناداً ومتناً ودلالة، تطرق فيه إلى فوائد كثيرة، ودفع الشبهات وأزال الشكوك شأن سائر مجلّدات الكتاب.
وطبع على عهد المؤلف في لكهنو سنة 1301 على الحجر في قسمين، في 456 و248 صفحة بالحجم الكبير.
المجلد السابع ـ الثامن
وهما في حديث المناصبة، وحديث النور.
وهذه المجلّدات الخمسة من الثالث إلى الثامن ـ ما عدا السابع ـ أعادت طبعها بالأفست مدرسة الإمام المهدي عليه السلام في قم سنة 1406هـ، بمناسبة مرور قرن على وفاة المؤلف.
المجلد التاسع
في حديث الراية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في يوم خيبر: «لأُعطيّن الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه».
وهو حديث متفق عليه، مخرج في الصحيحين وفي سائر الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم، وله طرق لا يحويها عدّ، قد جاوز حدّ التواتر.
المجلد العاشر
في قوله صلى الله عليه وسلم : «علي مع الحقّ والحقّ مع علي».
المجلد الحادي عشر
في قوله صلى الله عليه وسلم : «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله… ولكن خاصف النعل» وكان قد أعطى عليّاً نعله يخصفها.
وهذه المجلدات الثلاث لم تبيَض في عهد المؤلف فلم ترى النور.
المجلد الثاني عشر
حول حديث الثقلين، هو قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً؛ كتاب الله وعترتي ».
وهو أيضاً حديث متواتر روي عن عدّة من الصحابة بطرق كثيرة، رواه مسلم في صحيحه وسائر الحفاظ وأئمة هذا الشأن، وهذا أيضاً في مجلدين كبيرين.
طبع في لودهيانا سنة 1293هـ، في 1251 صفحة.
وطبع المجلد الأول منه في لكهنو بالهند سنة 1314هـ على الحجر، في 664 صفحة بالحجم الكبير.
وطبع المجلد الثاني منه بها أيضاً سنة 1327هـ، في 600 صفحة.
وطبع الثاني أيضاً سنة 1351هـ، في 891 صفحة.
وألحق المؤلف به ـ كشاهد له ـ حديث السفينة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
فأولاه المؤلف دراسة شاملة ومستوفاة على عادته في كل بحث يستعرضه وألحق في الطبع بآخر المجلد الثاني من مجلدي حديث الثقلين.
ثم تبنّى ثلّة من أفاضل أصفهان كالسيد محمد علي الروضاتي والشيخ مهدي الفقيه الإيماني فقاموا بطبع هذا المجلد (الثاني عشر) في أصفهان طبعة حروفية منقحة فصدر بإشرافهم ورعايتهم من سنة 1379 ـ 1382 في ست مجلدات عن مؤسسة نشر نفائس المخطوطات في أصفهان مع دراسة عن حياة المؤلف وموسوعته الثقافية (العبقات) وفهرس شامل لبحوث الأجزاء وفوائدها وقائمة بالمصادر المستخدمة في هذا المجلد (الثاني عشر).
ولخّص الشيخ قوام الدين القمي الوشنوي هذا المجلد فاستخرج منه عصارة موجزة بأسماء الحفاظ والمستحدثين ممن أخرجوا هذا الحديث وذكر مصادره في نحو مائتي صفحة، نشرته دار التقريب في القاهرة سنة 1370 بإسم «حديث الثقلين» ثم أعيد طبعه بالأفست أكثر من مرة.
وعرّبه أيضاً السيد علي الميلاني وطبع في قم في مجلدين سنة 1398 مع ضم ملحق لي استدركت فيه من لم يذكروا في الأصل من رواة هذا الحديث ومن أخرجوه في مصنّفاتهم فبلغوا (121) رجلاً في 120 صفحة طبع منضماً إلى المجلد الأول.
ثم إنّ السيد الميلاني أعاد النظر في عمله هذا وأجرى فيه تعديلات طبع مرة ثانية مع مقدمة حافلة في ترجمة المؤلف وأسرته، وصدر عن قسم الدراسات الإسلامية لمؤسسة البعثة في طهران سنة 1405 في ثلاث مجلدات.
وأما حديث السفينة الذي كان ملحقاً بحديث الثقلين في المجلد الثاني عشر من الأصل فقد أفرده السيد الميلاني في التعريب وطبع في جزء مستقل مع ملحق في استدراك بقية مصادر الحديث.
محاولات تعريب الكتاب
حيث أنّ كتاب (التحفة الاثنا عشرية) كان بالفارسية فالردود عليه أيضاً كانت فارسية ومنها هذا الكتاب (عبقات الأنوار في إثبات إمامة الأئمة الأطهار) الذي هو في الرد على الباب السابع منه فإنه فارسي التأليف وإن كانت العربية تطغى على الجانب الفارسي منه من نصوص الأحاديث والتواريخ والتراجم وأقوال العلماء وما إلى ذلك كلها وذكرها بالعربية ومع كل هذا فقد قامت محاولات لتعريب الكتاب بكامله وعرفنا منهم ثلاثة:
1ـ السيد محسن نواب بن السيد أحمد اللكهنوي، المولود سنة 1329، والمهاجر إلى النجف الأشرف لطلب العلم فقام هناك بهذه المهمة وأتمّ تعريب وتلخيص عدّة مجلدات منه.
2ـ السيد علي نجل السيد نور الدين الميلاني، تصدّى لتعريب الكتاب مع حذف المكررات وأنهى العمل أو كاد، وطبع من ذلك حتى الآن تسعة أجزاء بإسم «خلاصة عبقات الأنوار» وسوف يصدر بقية الكتاب تباعاً في عدّة أجزاء أخرى إن شاء الله.
3ـ السيد هاشم الأمين، فقد بدأ بتعريب الكتاب بكامله من دون حذف أو تلخيص وقد أنجز تعريب المجلّد الأول بقسميه.
عبد العزيز الطباطبائي
العبقات العنبرية
في طبقات الجعفرية
كتاب للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954)، أرّخ فيه لتاريخ المرجعية الدينية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. حقّق الكتاب الباحث الدكتور جودة القزويني. والذي لا يعلم أن تسمية الأسرة مرتبطة بعنوان كتاب الشيخ جعفر «كشف الغطاء»، الذي ردّ فيه على مقالات الإخباريين، يوم كان الخلاف حامياً بينهم وبين الأصوليين، حول الموقف من الكتب الأربعة وهي: «الكافي» للكليني «ومن لا يحضره الفقيه» للشيخ بابويه المعروف بالشيخ الصدوق، وكتابا شيخ الطائفة الطوسي «الاستبصار» و«التهذيب».
في هذا الكتاب إيضاح لاغتيال الميرزا الإخباري، في حياة موسى كاشف الغطاء، بالكاظمية السنة 1817، وقيل بفتوى أصدرها الشيخ موسى ضده، بعد أن أبعده والده الشيخ جعفر إلى إيران. غير أن الشيخين حسن وعلي كاشف الغطاء حاولا معالجة الأحداث المستجدة في زمانهما بعيداً عن إراقة الدماء، لذا حاول الشيخ حسن، الذي تولى المرجعية بعد وفاة أخيه الشيخ علي، أن يتجنب قدر الإمكان المواجهة الحادة مع من لهم اجتهاد ومخالفة.
ومنها إجابته على من استفتاه في جواز الصلاة خلف الإخباري أو الشيخي، فقال: «أمّا الإخباري فلا بأس بها خلفه إذا طابق علمه رأي مجتهد من الأحياء، أما الشيخي فهو مجهول الحال عندي». وعبرة ذلك أن الشيخ حسن، رغم انحراف مقالة الإخباري والشيخي أثناء مرجعيته وشروط مذهبه إلاّ أنه لم يذهب إلى تكفيرهما، وبالتالي كانت إجابته نوعاً من الحماية والاعتراف باختلافهما عنه. وهذا خلاف ما تصرف به أخوه الشيخ موسى وقبله والده الشيخ جعفر تجاه الإخباريين.
وقبل ذلك رفض الشيخ علي كاشف الغطاء مواصلة محاكمة رئيس الشيخية كاظم الرشتي، في مجلس عقده حاكم كربلاء سعيد أفندي لهذا الغرض، بعد أن أفتى الشيخ محمد حسن النجفي صاحب «جواهر الكلام» بكفره، وكانت حجته في رفض محاكمة الرشتي أن الحدود تدرأ بالشبهات، وترك الناس على غفلاتهم أفضل من كشف سوآتهم.
وفي محاكمة أحد البابية ببغداد وقف الشيخ حسن ضد حكم القتل، الذي أصدره المفتي أبو الثناء الألوسي، معتمداً في رفضه للحكم على فقه الإمام أبي حنيفة الذي تدين به الدولة العثمانية، وعلل الأمر ببساطة القول: «نحن في جوار المرقد العلوي وهو قصب بواد غير ذي زرع، وحرم تقصده الناس من كل فج عميق على اختلاف مللها وطرائقها، ومن سائر أصناف الدراويش وأرباب الفال، فلو إنا نعاقب كل من يدخل إلينا من هذا، أو من أرباب العقائد الفاسدة ويسألنا الوالي عنهم لما قرّ لنا القرار، ولكن مرض دواء، ودواء مثل هذا الإعراض عنه وعدم الاحتفال به فيتلاشى بالطبع ويضمحل».
كان كلام الشيخ حسن موجهاً إلى نجيب باشا وزير العراق، الذي كان يشرف على محاكمة البابي شخصياً، وأخيراً أنقذ الشيخ حسن الرجل من الموت، لا لشيء إلاّ كراهيته لسفك الدماء.
الكتاب مصدر أساسي لمرحلة هامة من مراحل تاريخ العراق والنجف الأِشرف، وهو كتابان ورسائل فقد ضمنه المحقق كتاب «نُبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري» للشيخ عباس بن الشيخ حسن كاشف الغطاء. ومع انسجام الكتاب مع «العبقات الجعفرية» وتاريخ آل كاشف الغطاء لكن نشره بكتاب مستقل يكون أكثر فائدة، وأكثر يسراً للباحثين، فطريقة نشره غيبته تماماً، ومن يدري فربما الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قد قام بتضمين الكتاب إلى كتابه بنفسه.
كانت لحواشي المحقق فائدة كبيرة في تشخيص الحوادث وتعريف الأشخاص، إلاّ أن ذلك لم يُغن عن الفهارس العلمية، التي تجعل الكتب مفتوحاً بكل تفاصيله أمام القارئ والمهتم الباحث عن معلومة أو رواية.
رشيد الخيُّون
العتيقة
قرية كانت بالجانب الغربي من بغداد قبل أن يبني أبو جعفر المنصور مدينته وكانت تدعى: (سونايا)، فلما بناها على مقربة منها سميت: (العتيقة) بالتعريف لأنها كانت أعتق من مدينة المنصور، وقد بني فيها مسجد للشيعة منسوب إلى الإمام علي عليه السلام لأنه مرّ من هناك فصلى في موضع المسجد وعرف أيضاً بمسجد العتيقة ومشهد العتيقة ومسجد السوط ومشهد المنطقة. كما هو معروف اليوم بالمنطقة بين بغداد والكاظمية. ذكره في مراصد الاطلاع وذكر أنه كان في أيامه قبل سنة 739 يسمى مشهد المنطقة وأنه ليس هو بمسجد براثاً كما ظن جماعة.
عدن
الميناء الطبيعي لليمن وأعظم أسواقه التاريخية من أيام التبايعة والعصور الأولى ولا زالت محتفظة بهذه الخاصية، فهي مركز هام للتجارة التي تصل بين الشرق والغرب ولا يخلو أسبوع من سفن جاثية ذاهبة ورواد عليها وبضائع شتى ومتاجر متنوعة، وهي من أمهات مدن تهائم اليمن وأحسنها وأعظمها إلاّ أن زمن الحر فيها يرتفع بشدة بسبب خسارة في النفوس أو إغماء، وتسمى عدن أبين احترازاً من عدن لاعة، وهي المدينة العريقة ذات التاريخ العريق وتعتبر أحد أهم الموانئ الطبيعية في العالم القديم كانت عدن المنفذ والبوابة الأولى إلى الشرق وصارت محطة بين أفريقيا وآسيا.
ويعد ميناء عدن من أفضل الموانئ الطبيعية في المنطقة العربية لأنه محمي بالمرتفعات الجبلية والسهول الرملية ويشتمل على تسهيلات وخدمات أساسية لحركة السفن. استقبل عام (1990) حوالى 80 ألف حاوية ويتوقع أن يرتفع الرقم العام الحالي إلى 300 ألف في إطار نشاطه المتنامي. وما يلفت الانتباه في عدن وجود المطار داخل المدينة في منطقة خور مكسر لكنه لا يتسبب في أي ضوضاء إذ تهبط الطائرات وتقلع فوق المسطحات المائية لخليج عدن.
وفي جزيرة عدن الصغرى المعروفة بالبريقة توجد شركة مصفاة عدن التي أسسها الإنكليز عام 1954 خلال احتلالهم شطراً من اليمن الجنوبي وهي من أهم الصروح الاقتصادية وفيها تعالج قرابة 100 ألف برميل يومياً من النفط الخام وهي تسد حاجة الاستهلاك المحلي من المشتقات النفطية. وعندما تتجول في أحياء عدن تشاهد بعض المنازل المصنوعة من حصير القصب في كريتر وبها شيدت حمامات عدة عند احتلال الفرس لها.
وتشتهر منطقة الشيخ عثمان بوجود الحرف والصناعات التراثية القديمة كالصياغة والحياكة وغيرهما. وفي الحي نفسه أنشئ ضريح في عشرينات هذا القرن لولي يدعى هاشم بحر تقام له زيارة سنوية ومهرجان شعبي يجذب الآلاف من اليمنيين من القرى والمناطق المجاورة.. وتربض على عتبات عدن قلعة عملاقة هي قلعة صيرة التي ترجع إلى القرن الخامس عشر وقد شيدت مأوى وحماية للميناء من القراصنة والغزو الخارجي.
ومن مساجدها التاريخية مسجد العيدروس الذي بناه الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس المتوفى سنة 1508م في أواخر عهد الدولة الظاهرية، فضلاً عن 20 مسجداً تاريخياً. ووجدت في عدن كنائس ومعابد أهمها كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية في التواهي وكنيستا القديس أنطونيوس والكنيسة الأنكليكانية في التواهي، إضافة إلى معابد هندوسية في منطقة كريتر.
ويعد وادي الطويلة من أهم المواقع التاريخية والأثرية في عدن وفيه تقوم سلسلة الصهاريج المعروفة في مساحة 750 قدماً. ويكاد جبل شمسان يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم لولا منفذ يفضي بها إلى المدينة. وتبدو في هذا الوضع كأنها جاثمة تحت قدمي الجبل تتلقف المياه المنحدرة من قممه من خلال شبكة دقيقة من القنوات والمصارف.
ويقدر عدة صهاريج عدن بنحو 50 صهريجاً حُفرت في عهد الحميريين.لكن المتبقي منها في الوقت الحاضر 18 صهريجاً فقط. ويقارب عمر الصهاريج ألفي عام بحسب معظم المراجع التاريخية والمؤرخين القدامى من أمثال ابن بطوطة والهمداني وغيرهما. لكنها تبقى من أهم معالم مدينة عدن وأشهرها على الإطلاق… إنها صهاريج عدن التي عاصرت المدينة طوال تاريخها المكتوب.
وكان من الضروري وجودها في منطقة يشح فيها المياه ويتعرض من عاش فيها للمشقة إن هي حوصرت وانقطع عنها المياه فيعتمد أهلها على بعض آبارها الشحيحة أو ما خزنته هذه الصهاريج من مياه الأمطار التي تهطل في مواسم متباعدة. وقد نسب حفر الصهاريج إلى الفرس والأتراك.
لكن ابن بطوطة ينفي ذلك ويؤكد نسبتها إلى الحميريين. وقالت الجمعية الجغرافية الملكية في تقرير لها عام 1835م. أن خزانات عدة معلّقة شيدت عبر النحت في الصخر تلتقط مياه السيول المنحدرة من الجبل وفيها تجويف عميق يستقبل المياه الفائضة المنحدرة إلى أعلى.
وتوجد أيضاً صهاريج ضخمة و300 بئر. ووصف أحد ضباط الجيش البريطاني الصهاريج عام 1846 بقوله أنها كانت مطلية بالجص والرخام وعليها قباب رائعة. وأياً كانت روعتها في القدم فلم يبق منها سوى آثارها ولهذه الخزانات أبعاد مختلفة ذات أشكال بيضوية يبلغ طول بعضها 68 قدماً وعمقه 20 قدماً.
أما ذلك النظام المعروف بصهاريج الطويلة والصامد كمعلم تاريخي وأثري اشتهرت به المدينة خلال القرن المنصرم فله هدف مختلف عن الصهاريج القديمة لأنه عبارة عن خزانات متلاصقة هي في الواقع مصارف جبلية تتلقى مياه الأمطار التي تسقط كشلالات على هضبة جبل شمسان المحيطة بعدن ولم تمتلئ صهاريج الطويلة بالمياه منذ حوالى مئة سنة إلاّ مرتين أو ثلاثاً عند هطول أمطار غير عادية على عدن. وعطّلت السدود المجاري القديمة فاتخذت المياه لنفسها مخارج أخرى في الهضبة نفسها.
ويذكر المؤرخ اليمني عبد الله محيرز أنه بعد عقدين من احتلال الإنكليز عدن، وعندما فرضت السلطة العبدلية حصاراً على المدينة وهددت بقطع المياه عنها، لجأت سلطات الاحتلال إلى الكشف عن الخزانات المدفونة في الطويلة وأعادت ترميمها لا كمصارف لتحويل المياه إلى خزانات داخل المدينة، ولكن إلى صهاريج أخرى.
وأضافت صهريجاً آخر ضخماً لم يكن موجوداً عرف بصهريج «كوجلان» وينسب ابن المجاور تاريخ الصهاريج إلى «الصرائف». وهم قوم مجهولون استوطنوا عدن في عهود سحيقة إلى نهاية حكم الفراعنة.
فنسب بناؤها إلى قوم جاؤوا من جزائر القمر «استوطنوها بعدما طردوا من وطنهم الأصلي بمراكب وملكوا الجزيرة بعد أن أخرجوا الصيادين بالقهر وسكنوا ذروة الجبل الأحمر وحقان وجبل المنظر وآثارهم إلى الآن باقية».
وإحياء لهذا المعلم التاريخي الذي تميزت به عدن ويضم الآن حديقة صارت متنزهاً لأهل عدن وضيوفها قررت وزارة الثقافة والسياحة اليمنية إقامة مهرجان ثقافي سنوي بإسم «مهرجان الصهاريج الثقافي» تقام فيه أعمال ثقافية وفنية كبيرة تجذب الأنظار إلى عدن وتراثها الحضاري كواحدة من أهم المدن العربية التي استقطبت اهتمام الرحالة وشدت أنظار المستعمرين منذ أقدم العصور إلى موقعها الاستراتيجي ووجود ميناء مشهور يتحكم في طريق التجارة الدولية.
إبراهيم محمود
وقد هجا شاعر عدن قائلاً:
هي عدن ولكنها من جهنم
عندها يمر من الصحيح ويسقم
فردّ عليه الشاعر أبو بكر بن شهاب:
عدن وهي في الحقيقة عدن
جنة أزلفت لمن سوحها أم
بلد طيب ورب غفور
وقصر سرور سكانها عم
ومغان كأنها في جنان
وغوان كالحور أو هي أنغم
حيث يدعى الذمام والجار يحمى
ويعز القطين فيها ويكرم
عذرا
بلدة تقع شمال شرقي دمشق بعد (دوما) على طريق (ضمبر) على بعد 25كلم عن دمشق، ويبلغ عدد سكانها 25 ألفاً.
في المرج المنسوب إليها قتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه رضي الله عنهم. وكان قد أقيم على ضرائحهم بناء لا يدري من أقامه ولكن يبدو أنه أقيم في أحد العهود الشيعية التي توالت على حكم بلاد الشام.
وفي سنة 1351هـ زاره السيد محسن الأمين فكتب عنه ما يلي: «قصدنا عذرا لزيارة قبر حجر وأصحابه فوجدناهم مدفونين في ضريح وعليهم قبة ببنيان محكم تظهر عليه آثار القدم في جانب مسجد واسع فيه منارة عظيمة قديمة. وقبتهم التي فيها ضريحهم الشريف مهملة مهجورة قد نسجت عليها العناكب وتراكمت فيها الأتربة وليس في أرضها إلاّ تراب. وزيارتها متروكة عند أهل هذه البلاد.
ورأينا مكان صخرة كانت على باب القبة وبقي محلها ظاهراً، ولا شك أنه كانت عليها كتابة كما أخبرنا بذلك بعض أهل القرية. وأردنا صخرة غيرها صغيرة مطروحة في أرض القمة مكتوبة بخط قديمة لا تاريخ فيها مكتوب عليها إسم حجر وأسماء بعض أصحابه.
وفي العام 1991م تمّ بناء مزار جديد ضحم وإلى جواره مسجد، بنيا بما بذله بعض الإيرانيين من مال. كما فرشت أرض المزار والمسجد بالسجاد، وأقيم إلى جواره مطعم وملحقاته.
والمزار يقع في أول البلدة إلى يمين الطريق الموصل من دوما إلى عذرا. وساحة المقام 17 × 12م والمسد 17 × 17م.
وقفص الضريح مصنوع من الفضة المطعمة، وهو الأثر الوحيد الذي يلفت النظر في ذلك المزار. أما المسجد فهو مسجد بسيط من الداخل والخارج.
وقد استغرق العمل في بناء المسجد والمزار ثمانية أشهر.
وقد شُيّد على القبر منارة عالية وقبّة رمادية اللون برّاقة، وباحة عريضة حول مرقده. وتوزّعت على جدرانه المعلّقات والهدايا الثمينة، وبُني حول قبره ضريح من المعادن الثمينة وفرشت أرض الحرم الطاهر بالسجّاد الثمين. ويَؤمُ المرقد جمع غفير في كشل يوم من الزوار.
على أحد جدرانه علقت لوحة فنية جميلة مطرز عليها بخيوط الحرير أبيات من الشعر جاء فيها:
ماذا أقول بحجرٍ بعد تضحية
نفسي الفداء لِحجر وهو مقتولُ
حب الإمام علي كان منهله
قد ذاب في حبه والسيف مسلول
ما أنت يا حجر إلاّ رمز تضحية
في كل جيلٍ له حمد وتهليل
كنت الشهيد وفي التاريخ مفخرة
وذكر خصمك في التاريخ مرذول
وإلى جانب المرقد الشريف شيّد جامع كبير يُسمى جامع حجر بن عدي تقام فيه صلاة الجماعة يومياً، ويزدحم به أهل القرية التي يقع فيها المقام والجامع خصوصاً يوم الجمعة.
بالإضافة لذلك يحتوي المقام على قاعة واسعة نسبياً لاستقبال الضيوف مجهّزة بوسائل الراحة. وما زال العمل جارياً لتوسيع المقام وبناء ممراته الأساسية، ولكأن «مرج عذراء» مهيّأة لتتجول إلى قرية كبيرة زاخرة بالحركة والنشاط بفضل وجود هذ ا الصحابي الجليل فيها.
وإذا تقدمت إلى القبة تجد صخرة كُتب عليها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. سكان هذا الضريح أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، حجر بن عدي، حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفي بن فسيل الشيباني، وقبصة بن ضبيعة، وكرم بن حيان، ومحرز بن شهاب السعدي وشريك بن شداد الحضرمي».
شهداء مرح عذراء
حجر بن عدي وأصحابه (رضي الله عنهم)
تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة يتحوّل بها المكان من الوجود الجغرافي إلى الوجود التاريخي الإنساني. يعطي الإنسان، في هذه الحالة، المكان وجوده هذا، فيذكر ليكون معلماً من معالم حياته.
ومن العلاقات الفريدة بين الإنسان والمكان ما نشأ بين حجر بن عديّ الكندي ومرج عذراء.
وأوّل ما يلاحظ، في شأن هذه العلاقة، مفارقة نادرة وفريدة في التاريخ الإنساني، تتمثل في أن الصحابيّ الذي يفتح بلدة «عذراء» ويكون أول مسلم يكبّر فيها، ويرسي فيها أسس الدين الحنيف، لا يلبث أن يقتل فيها بأمر ممَّن تولّى الحكم باسم الإسلام. جاء، في سير أعلام النبلاء، أن حجراً قال لما صار هو وأصحابه إلى عذراء: «أما والله، إني لأول مسلم نبَّح كلابها في سبيل الله»([725]).
يصور الكاتب اللحظة التي عاشها حجر، وهو يتقدم مصفّداً بالقيود إلى مرج عذراء، فيقول:«و … أعادته الكلمة إلى عقد من الزمن ويزيد، عندما كان يتقدّم بنفسه، وهو يقود كتيبة من الجيش الإسلامي، ليفتح مرج عذراء، فكان أوّل من وطأتها قدماه، وأول من نبحته كلابها في سبيل الله، ولا تكاد المحنة التي أصابته تؤثر على نفسه، أو تفلُّ شيئاً من عقيدته»([726]).
لهذه المفارقة قصّة تروي سيرتيّ المكان والإنسان، وهاتان السيرتان تمثلان جانباً من جوانب التحول التاريخي الذي حدث بعد أن خرج والي الشام، معاوية بن أبي سفيان، على قيادة الأمّة الشرعية، وتمكن في ملابسات معروفة من استلام الحكم.
نبدأ هذه القصة بالتعرف إلى المكان، يقول ياقوت الحموي (المتوفي سنة 626هـ).
«عذراء.. قرية بغوطة دمشق، من إقليم خولان معروفة. وإليها يُنسب مرج. وإذا انحدرت من ثنية العقاب، وأشرفت على الغوطة، فتأملت على يسارك، رأيتها أول قرية تلي الجبل، وبها منارة. وبها قتل حجر بن عديّ الكندي، وبها قبره. وقيل إنه هو الذي فتحها. وبالقرب منها «راهط» الذي كانت فيه الوقعة بين الزبيرية والمروانيّة. قال الراعي:
وكم قتيلٍ يوم عذْراء لم يكُن
لصاحبه، في أوّل الدَّهر قاليا»([727])
وعذراء من قرى غوطة دمشق، تقع في الشمال الشرقي منها. وتبعد عنها خمسة عشر ميلاً، وقال ابن منظور: عذراء قرية بالشام معروفة… قال ابن سيده: أراها سُمِّيت بذلك لأنها لم تُنل بمكروه ولا أصيب سكانها بأذاة عدو([728]).
ويا مَن عن نجدِ العقاب، ويا سرتْ
بنا العيس عن عذراء دار بني الشَّجْب
وهي، الآن، بلدة عامرة يقصدها زائرو مقام حجر بن عديّ وأصحابه. وفيها قبور: مدرك بن زياد الفزاري وسعد بن عبادة وأسيد الخزرجيّ ودجية الكلبي.
فمن هو هذا الصحابيُّ الجليل الذي اتّبع الحقَّ، ولم يحد عن دربه، وقدَّم حياته راضياً مرضياً في سبيله.
هو حُجْر بن عدي الكندي (بضم الحاء وسكون الجيم)، قتيل مرج عذراء. عُرف بحجر بن الأدبر وبحجر الخير تمييزاً له من ابن عمه حجر بن يزيد، الموصوف بحجر الشر، الذي شهد صفين في جيش معاوية. أمّا كنيته فأبو عبد الرحمن. وُصف بالكندي نسبة إلى قبيلته كندة، وبالكوفي نسبة إلى إقامته في مدينة الكوفة.
لم تذكر المصادر من أسرته سوى ابنيه: عبيد الله، وعبد الرحمن اللذين قتلهما مصعب بن الزبير صبراً. ولعل دافعه إلى قتلهما هو أنه خشيهما، لما لهما من مقام في نفوس الناس ولما يمكن أن يؤدياه من دور في توجيه المسار السياسي العراقي باتجاه الخط الرافض لكل من السياستين: الأموية والزبيرية.
تجمل موسوعة «أعيان الشيعة»([729]) ما ذكرته المصادر في فضل حُجر بن عدي ومقامه. فكانت صفات خلقية في جانب منها، ر كزت على «رياسته وشجاعته» الموجبة لاستحقاقه تولي قيادة الجيوش التي سيّرها الإمام علي عليه السلام في مواجهة أعدائه. وظهرت شجاعته في اقتفائه آثار الضحاك بن قيس، قائد جيش معاوية، من العراق إلى تدمر حتى اضطره إلى الفرار ليلاً.
وأمّا «إباء نفسه» فقد حمله على تمني الموت قبل الرغم والذل، وأما «مجاهرته بالحق ومقاومته الظلم» فهو مما اشتهر به فلم يغُّره زخرف الدنيا، وقد بذل زيادٌ له ما يجب إن هو كفَّ عما هو فيه فلم يفعل.
وكانت صفات إيمانية في جانب آخر. فهو من «خيار الصحابة» كما شهد له بذلك كبار العلماء، وهو «عابد» وصفه الحاكم في «مستدركه» بأنه راهب الصحابة، وأنه ما أحدث إلاّ توضّأ، وما توضأ إلاّ صلّى، وهو «زاهد»، «عارف»، «مستجاب الدعوة»، وهو «مسلم لأمر الله تعالى» سلم نفسه للقتل اختياراً دون البراءة من علي (عليه السلام)، وهو لو فعل ذلك دفعاً عن نفسه لكان معذوراً لا إثم عليه وهو إلى ذلك موالٍ علياً عليه السلام، من أعيان الصحابة على حد تعبير ابن الأثير في «أسد الغابة»، وكان ثقة معروفاً لم يرو عن غير علي عليه السلام شيئاً كما في «الإصابة». صحبه وكان من شيعته، وهو أول من قتل صبراً في الإسلام بسبب قناعته بخط علي عليه السلام.
وذكر ابن سعد في «طبقاته» أن حجر بن عدي وفد مع أخيه هانئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مسلماً، فكان إسلامه بداية صحبة مباركة، وفاتحة درب جهادي طويل. سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث شريفة حفظها، فكانت جزءاً من السُنّة النبوية المتبعة.
أجاب داعي الجهاد «فكان مع الجيش الإسلامي الذي فتح الشام كما ذكر ابن عساكر، ولعل حكمة إلهية شاءت أن يكون قائد الفرقة العسكرية التي فتحت مرج عذراء الذي شهد، في ما بعد، مأساة مقتله بسبب تمسكه بأوامر الإسلام ونواهيه». ولم تفته القادسية التي أبلى فيها بلاء حسناً.
لفت انتباهه الخلصاء من رجال الصحابة، فلم يكن حضوره موت أبي ذر الغفاري بالربذة مصادفة، ولكنه يعني أنه يسير على خطى ذلك الصحابي الجليل في مقاومة أي انحراف عن جادة الإسلام المستقيمة. ومع هذا فانه لم يشترك في الثورة التي اشتعلت ضد عثمان، لأنه كان موجوداً في الكوفة لم يغادرها.
وإذا شارك في أعمال الدعوة والفتح بشكل نشيط، فإنه كان نشيطاً في مقاومة الانحراف والفتنة أيضاً. لما أرسل علي عليه السلام إلى أهل الكوفة يستنجدهم يوم الجمل، قام حجر بن عدي فيمن قام، فقال: «أيها الناس أجيبوأ أمير المؤمنين وانفروا خفافاً وثقالاً مروا وأنا لكم». ولم يقتصر دوره على استنهاض الهمم، ولكنه خاض المعركة من موقع القيادة القتالية على كل من مذحج والأشعرين.
وكان حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يعلنان البراءة واللعن من أعداء علي يوم كان علي عليه السلام يعدّ العدة لحرب صفين، فنهاهما عن ذلك قائلاً: «كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين تشتمون وتتبرأون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا.
كان أصوب في القول وأبلغ في العذر». فقبلا عظة الإمام وقام حجر بن عدي معلناً استعداد قومه للحرب قائلاً: «نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها». وقد أمّره علي عليه السلام على كندة حضرموت وقضاعة ومهرة في أثناء تلك الواقعة.
ولما أغار سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار وقتل حسان بن حسان البكري، وندب علي عليه السلام أصحابه إلى الجهاد تباطأوا فقام حجر بن عدي وسعيد بن قيس الهمداني فقالا: «لا سواك يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه. فوالله ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدت، ولا على عشائرنا إن قتلت في طاعتك».
ويبدو موقفه أكثر وضوحاً في تقديم التضحيات طاعةً لله، حين اختاره علي عليه السلام سنة 39هـ لرد أذى الضحاك بن قيس الذي أرسله معاوية، ليعيث فساداً في الأرض، ويشيع الذعر في أطراف المناطق التي يسيطر عليها جيش الإمام عليه السلام. فما كان من حجر بن عدي إلاّ أن تعقبه من العراق حتى التقاه عند تدمر، فقتل تسعة عشر رجلاً من رجال الضحاك الذي اعتصم بالليل واتخذه دريئة للفرار.
ولقد ظلت رؤيته للأمور واضحة في مختلف الظروف والأحوال، وظل في موقع القيادة القتالية في مواجهة الفتنة، خاض مع علي عليه السلام جميع حروبه ضد الخوارج فكان على ميمنة الجيش يوم النهروان الشهير.
ولما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة كان لا يدع ما وصّاه به معاوية من شتم علي عليه السلام والدعاء لعثمان. فيقوم حجر بن عدي فيقول: «بل ِإياكم قد ذمّ الله ولعن… وإني أشهد أن من تذمونه أحق بالفضل ممن تطرون».
وما كان حجر ليرتدع من تهديد المغيرة وتخويفه. حتى إذا ليم المغيرة من قبل قومه في احتماله حجراً، قال: «إني قد قتلته، سيأتي بعدي أمير فيحسبه حجر مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شرّ قتلة».
فهل كانت نظرة المغيرة حكيمة، أم أنه لم يستطع أن يفهم رجالاً باعوا أنفسهم لله ينتظرون الشهادة. وما بدَّلوا تبديلاً؟
وولّى معاوية زياد بن سميّة، أو ابن أبيه، العراق، في صفقة معروفة. قدم زياد الكوفة وهدّد أهلها، وقال في ما يتعلق بحجر بن عدي: «ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا ً لمن بعده. ويل أمّك، يا حجر([730]).
ويروي، في السبب المباشر لأمر حجر، أن زياداً خطب يوماً في الجمعة، فأطال الخطبة وأخَّر الصلاة. فقال له حجر:«الصلاة»، فمضى في خطبته. ثم قال: «الصلاة». فمضى في خطبته. فلما خشي حجر فوت الصلاة، ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس. فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه، فكتب إليه معاوية أن شدّه في الحديد، ثم احمله إليَّ:
حاول زياد أن يعتقل حجراً، فأرسل إليه الشّرط، فقاتلهم بمن معه، فانفضوا عنه. ولما لم يستطع زياد الوصول إليه توسَّل الحيلة، فأبلغه بوساطة محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وحجر بن يزيد الكندي، وهو المعروف بـ«حجر الشر» وجرير بن عبد الله، وعبد الله بن الحارث، أخي الأشتر أنّه يؤمِّنه، ويبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه.
أقبل حجر حتى أتى زياداً، فنكث هذا بوعده، وأمر بحبسه. وقال عبيد الكندي ثم البدِّي، وهو يعيِّر محمد بن الأشعث خذلانه حجراً ويقتله في ما بعد «وافد آل محمد»، أي مسلم بن عقيل:
أسْلَمت عمَّك لم تقاتل دونه
فرقاً، ولولا أنت كان منيعا
وقَتَلْتَ وافد أل بيت محمد
وسلَبْت أسيافاً له ودُرُوعا
وراح زياد يطلب رؤساء أصحاب حجر، فغادر رفاعة بن شداد وعمرو بن الحمق الكوفة إلى الموصل، فقبض عاملها على عمرو وكان مريضاً، وطعنه تسع طعنات فمات في الأولى منهم أو الثانية، واستطاع رفاعة الإفلات من الشرط بعدما فرَّقهم، وراح يرميهم بسهامه.
اعتقل زياد أربعة عشر رجلاً من أصحاب حجر بعدما خدعهم بالأمان، واللافت في الأمر ذلك الحوار الذي كان يدور بينهم وبينه، ومن نماذجه ما دار بينه وبين صفيّ بن فسيل، وقد بدأه زياد بقوله:
ـ يا عدوّ الله، ما تقول في أبي تراب؟
ـ ما أعرف أبا تراب.
ـ ما أعرف أبا تراب.
ـ ما أعرفك به؟
ـ ما أعرفه.
ـ أما تعر ف عليّ بن أبي طالب!؟
ـ بلى.
ـ فذاك أبو تراب.
ـ كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، عليهما السلام.
ويتدخل صاحب الشرطة قائلاً: يقول لك الأمير هو أبو تراب، وتقول أنت لا!
يبتسم صفي، ويقول: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب، وأشهد له على باطل كما شهد!؟
يغضب زياد، ويصيح: وهذا أيضاً مع ذنبك، عليَّ بالعصا. ويلتفت إلى صاحب شرطته ويأمره:
ـ اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض.
فضُرب حتى لزم الأرض، فقال زياد لشرطته:
ـ اقلعوا عنه..
والتفت إلى صفي، وسأله:
ـ إيه، ما قولك في علي؟
فأجابه: والله، لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلاّ ما سمعت منِّي.
اشتد غضب زياد، وعاد يصيح: لتلعننَّعه أو لأضربنَّ عنقك.
ابتسم صفيّ، وقال: إذاً تضربها والله قبل ذلك. فإن أبيت إلاّ أن تضربها رضيتُ بالله وشقيتَ أنت.
فانتفض زياد، وصرخ: أوقروه حديداً وألقوه في السجن.
واستدعى زياد رؤساء الأرباع في الكوفة، وأمرهم أن يكتبوا شهادة تفيد أن حجراً «جمع إليه الجموع…» ففعلوا، ثم رأى أن ذلك غير كاف، فأمر أن تكتب شهادة أخرى باسم أبي بردة يوقعها سبعون رجلاً، فتم له ذلك.
يورد الطبري نصّ الشهادة كما يلي:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما ِشهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين. شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين، وكفر بالله عزّ وجلّ كفرة صلعاء».
ويضيف الطبري: إنّ زياداً دعا رؤساء الأرباع والناس، وقال: «اشهدوا على مثل هذه الشهادة، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق هذا..»، ففعل ذلك حوالى سبعين رجلاً عاتبهم قومهم على ما فعلوا بقولهم: شهدتم على أوليائنا وخلفائنا؟! فأجابوا: ما نحن إلاّ من الناس.
وكتب زياد، في المشهود، اسمي شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ الحارثي، فأما شريح القاضي فقال: سألني عنه، فأخبرته أنه كان صوّاماً قواماً. وأمّا شريح بن هانئ فكان يقول: ما شهدت. ولقد بلغني أن قـد كـتـبت شهادتـي فأكـذبـتـه و … ([731]).
بعث زياد بحجر وأصحابه إلى معاوية، فأنزلهم قرية عذراء وأمر بأن يؤمروا بالتبرء من علي ولعنه فإن رفضوا يقتلوا. ولم يدخلهم مدينة دمشق خوفاً من أن يعرف الناس حقيقة ما يفعل. واللافت أن شريح بن هانئ أرسل كتاباً إلى معاوية، فقرأه فإذا فيه:
«… فإنه بلغني أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الندم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه»([732]).
وعاد زياد فكتب إلى معاوية: «.. فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردَّنَّ حجراً وأصحابه إليّ..» ([733]).
وحدثت وساطات، فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إذا أُمِرْنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ، واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم. وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفى عن ذلك فابرؤوا من هذا الرجل؟؟ نخلِّ سبيلكم.
قالوا: اللهم، إنّا لسنا فاعليّ ذلك، فأمر بقبورهم فحفرت، وأُدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون ولما أصبحوا، قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، تتبرؤون من هذا الرجل؟ قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرّأ منه، فأخذ كل رجل منهم رجلاً ليقتله. ثم إن حجراً قال لهم: دعوني أتوضأ. قالوا له: توضأ.
فلما أن توضأ قال لهم: دعوني أصلِّ ركعتين فأيمُنُ الله ما توضأت قط إلاّ صليت ركعتين. قالوا: ليصل. فصلى ثم انصرف، فقال: والله ما صلّيت صلاة قط أقصر منها، ولولا أن تروْا أن ما بي جزعٌ من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحَتْه كلابُها.
وإني والله، إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتله الجلاّد، وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستة.
وأُرسِل عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي إلى معاوية، فشفع بالثاني ابن عمه شميرٌ الخثعمي، فخلى سبيله على أن لا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان. ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال له: إيهٍ يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ. قال: دعني ولا تسألني، فإنه خيرٌ لك. قال: والله لا أدَعك حتى تخبرني عنه. قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً.
قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم وارتجَ أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلتُ ولا ربيعة بالوادي (يقول حين كلم شمِرٌ الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلمه فيه) فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه:
أمّا بعد فإن هذا العنزي شرُّ من بعثت، فعاقبه عقُوبته التي هو أهلها واقتلْه شرّ قتلةٍ.
فلما قُدِم به على زياد بعث به زياد إلى «قُسِّ الناطف» فدفن به حياً.
ويُروى أن عائشة كانت تقول: أما والله أن كان حجرٌ، ما علمتُ، لمسلماً حجاجاً معتمراً.
ويروى، كذلك، أن معاوية حين حج مرّ على عائشة فاستأذن عليها، فأذنت له. فلما قعد قالت له: يا معاوية أأمنت أن أخبِّئ لك من يقتلك؟ قال: بيتَ الأمن دخلتُ: قالت: يا معاوية، أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم.
ويروي الطبري أن الناس كانوا يقولون: أوّل ذُلٍّ دخل الكوفة: موتُ الحسن بن علي عليه السلام وقتل حجر بن عدي (رضي الله عنه) وعودة زياد (أي نسبة زياد إلى أبي سفيان، والد معاوية).
وقال معاوية عند موته: يوم لي من ابن الأدبَرِ طويل، ثلاث مرات، يعني حجراً.
ويروي الطبري: قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير، عن الحسن البصري، قال: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزَّها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمِّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحَجرُ»، وقتله حجراً، ويْلاً له من حجر وأصحاب حجر مرتين.
وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصارية وكانت ترثي حجراً.
تَرفَّع أيهـا القمر المنيرُ
لعلك أن ترى حُجراً يسيرُ
يسيرُ إلى معاوية بن حرْبٍ
يَقْتُلـَهُ كمـا زعم الأميرُ
تجبَّرَتَ الجَبابِرُ بعـد حجْر
وطابَ لها الخَورتقُ والسدِيرُ
وأصبحتِ البلادُ لها مَـحُولاً
كأن لم يُحْيها مُزْن مَطِيرُ
ألا يـا حُجْرُ حجْرَ بني عَدِيٍّ
تَلّقتْكَ السلامةُ والسُّرُورُ
أخـافُ عليك مـا أرْدى عَدِيّـاً
وَشيخاً في دِمَشْقَ له زئيرُ
يـرى قَتلَ الخِيارِ عليـه حقــاً
له مـن شَرِّ أمَّتهِ وَزيـرُ
ألا يـا ليـتَ حُجْراً مات مَوتـاً
ولم يُنحَرْ كما نُحِر البَعيرُ
فـإن يَهـلك فكـلُّ زعيمِ قـومٍ
من الدنيا إلى هُلكٍ يَصيرُ
أمّا من قتل مع حجر فهم: شريك بن شداد الحضرمي، وصَيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة ابن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المِنْقَري، وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي، فبعث به إلى زياد فدفن حياً بقسّ الناطف، فهم سبعة.
د. علي زيتون
العُذيب
ويقال عُذَيب الهجانات: قال ياقوت الحموي في كتابه [معجم البلدان]: (… تصغير العذب وهو الماء الطيب وهو ماء بين القادسية والمغيثة بينه وبين القادسية أربعة أميال وإلى المغيثة اثنان وثلاثون ميلاً وقيل هوواد لبني تميم من منازل حاج الكوفة إليه…)([734]).
يقول عبد الحسين الصالحي: هو أحد مراكز المراقبة ومعسكر في عصر الإمبراطورية الساسانية يقع وراء الخندق الذي حفره شابور حاجزاً بينه وبين العرب وكان فيه دور وقصر وماء عذب وبعد حرب القادسية سنة 14 هجرية تحالف الفرس الساكنون فيه مع بني تميم وصار لبني تميم وبنو فيه مسجداً يقول ياقوت الحموي نقلاً عن أبو عبد الله السكوني (… العذيب.. يخرج من قادسية الكوفة إليه وكان مسلحة للفرس بينها وبين القادسية حائطان متصلان بينهما نخل فإذا خرجت منه دخلت البادية ثم المغيثة…) ([735]).
نزل الحسين عليه السلام في العذيب يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة والحر معه يراقبه ويستفاد من أقوال جملة من المؤرخين والباحثين منهم الطبري أن في هذا الموضع بلغه قتل قيس بن مسهر الصيداوي رسوله إلى الكوفة وكذلك وافاه فيه أربعة خارجون من الكوفة للإلتحاق به وهم عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه ومجمع العائذي وابنه ونافع بن هلال الجملي ودليلهم الطرماح بن عدي الطائي حتى إذا قاربوا الحسين عليه السلام حدا بهم الطرماح فقال:
يـا نـاقتي لا تذعري مـن زجر
وامضي بنا قبل طلوع الفجر
بـخيـر فـتيـان وخيـر سفـر
آل رسـول الله آل الفـخر
السـادة الـبيض الوجـوه الـزهر
الطاعنين بـالرمـاح السمر
الضاربيـن بـالسيـوف الـبتـر
حتى تحلي بـكريم التجر
المـاجد الجد الـرحيب الـصدر
أصـابه الله بـخير أمـر
عمره الله بقـاء الدهـر
يـا مالك النفع معاً والضر
أيـد حسينـاً سيدي بـالنـصر
عـلى الطغـاة من بقايا الكفر
وقد اختلف الباحثون والمؤرخون في الموقع الذي أنشد فيه الطرماح هذه الأبيات قال الخوارزمي في مقتله عندما أراد الحسين عليه السلام الخروج من العذيب قال لأصحابه… فيكم من يعرف الطريق على غير الجادة فقال الطرماح أنا يا ابن رسول الله فقال له سرّ أمامنا فسار أمام الموكب وهو يرتجز بهذه الأبيات وقال الآخرون كان ذلك حين خروجه من الكوفة وقال جماعة غير ذلك ويجوز الجمع بين هذه الأقوال يكون الطرماح حدا بهذه الأبيات في أكثر من مكان.
وحين وصل هؤلاء إلى الحسين سألهم عن رأي الناس فأخبروه بأن الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب سائر الناس معك والسيوف عليك وأخبروه عن قتل قيس بن مسهر الصيداوي وأجاب الحسين عليه السلام (منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا) اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك… وقال الطبري فتقدم الحر إليهم فقال إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادهم فقال له الحسين عليه السلام لامنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصاري وأعواني وقد كنت أعطيتني إلاّ تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب من ابن زياد فقال أجل لكن لم يأتوا معك قال هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي… وكف عنهم الحر…) ([736]) ثم ترك الحسين عليه السلام العذيب والطرماح أمام القافلة يرتجز الأبيات المتقدمة.
عبد الحسين الصالحي
العراق
الوضع الجغرافي
يقع العراق بين خطي العرض (25ـ 37) و(5 ـ 29) وبين خطي (45 ـ 48) و(45 ـ 38) وهو يكوّن الجناح الشرقي للهلال الخصيب، فيشكل مثلثاً متساوي الأضلاع تقريباً أولى زواياه في شط العرب وثانيته في نقطة التقاء الحدود التركية السورية، أما الزاوية الثالثة فهي في الرطبة.
وأكثر أراضي العراق مستوية سهلة وهي تقع في الجنوب بينما الأراضي الشمالية منه متموجة جبلية، ففي جنوب خط العرض (35) يبلغ ارتفاع الأرض حوالى 500 متر ثم يرتفع إلى حوالى 2000 متر عند خط العرض (37) وإلى 3000 متر في بعض الجبال الشرقية، وهناك بعض الذرى الجبلية تصل إلى (3500 ـــ ـ3600 متر). ويطلق على القسم الجبلي أي الشمال الشرقي منطقة كردستان حيث فيها جبال شاهقة ووديان ضيقة وطرق منيعة، وتصد الجبال الامطار فتجعلها سيولاً سريعة الجري تنحدر إلى الجنوب حاملة معها غرينا تضعه على ضفاف الأنهر مما يزيد في خصوبة الأرض ويؤدي إلى تكوين أرض غنية جديدة تضاف إلى سهول الدلتا الخصبة.
ويتميز سطح العراق بوفرة المياه من نهريه العظيمين (الفرات ودجلة) اللذين يخترقانه من الشمال إلى الجنوب ومن روافد نهر دجلة التي تخترقه من الشرق إلى الغرب فتكون في القسم الجنوبي منه عدداً من البحيرات والأهوار. أما الإنحدار في سفح العراق فهو من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
التقسيمات الإدارية:
يقسم العراق إدارياً إلى عدة محافظات وكل محافظة تنقسم إلى عدة أقضية، وكل قضاء يتألف من بضع نواح، ويتولى إدارة المحافظة، محافظ وإدارة القضاء قائمقام وإدارة الناحية مدير. أما القرى فلكل منها مختار يتولى شؤون إدارتها ويرتبط بمدير الناحية، هذا عدا البوادي الثلاث ـ البادية الشمالية والبادية الجنوبية وبادية الجزيرة ـ التي تتمتع بإدارة خاصة بها. ويوجد في كل مركز قضاء ـ وهو قضاء مركز المحافظ ـ تلحق به النواحي المجاورة لمركز اللواء، إلاّ أنه في أكثر الحالات لم يعين قائمقامون في هذه الأقضية فتقوم المحافظة نفسها بتولي شؤون هذه النواحي مباشرة، كذلك يوجد ناحية في كل مركز قضاء ـ هي ناحية مركز القضاء ـ ومرتبطة بقائمقام القضاء مع بقية النواحي التابعة له، إلاّ أنه في أكثر الحالات لم يعين مدراء لهذه النواحي فتقوم القائمقامية بتولي شؤونها.
الحدود السياسية:
يحدّ العراق من الشمال الجمهورية التركية ومن الشرق الجمهورية الإسلامية والمملكة الأردنية الهاشمية ومن الجنوب خليج البصرة وقسم من أراضي المملكة العربية السعودية والكويت. ويبلغ مجموع طول الحدود البرية حوالى 2600 كيلومتر والبحرية 60 كيلومتراً.
1 ـ الحدود العراقية التركية:
أما الحدود الشمالية التي تحدّ العراق من الجمهورية التركية فيبلغ زهاء 350 كيلومتراً وهي واقعة بين نهر دجلة وحدود إيران وتمر بمنطقة الجبال الوعرة التي تؤلف سفح جبال طوروس الجنوبية وتتصل بجبال حكارى الشاهقة وتقطعها ثلاثة أنهر وهي الهيزل والخابور والزاب الكبير.
تبدأ هذه الحدود من مصب نهر الخابور بنهر دجلة في شمال قرية فيشخابور بقليل وتمتد في وسط نهر الخابورحتى تصل إلى نقطة ملتقاة بنهر الهيزل في غرب زاخو، ثم تسير بعد ذلك في وسط نهر الهيزل، ومن ثم ينعطف خط الحدود نحو الشمال الشرقي ثم يعود فينحدر في الاتجاه الجنوبي الشرقي ماراً بذرى الجبال تارة وقاطعاً الأودية أو سائراً بموازاتها تارة أخرى حتى يصل نهر الخابور، فيسير في وسطه منحدراً نحو الجنوب الشرقي مسافة حوالى ثلاثة كيلومترات، ثم يترك نهر الخابور فيستمر في سيره شرقاً متبعاً قمم الجبال في معظم الأقسام حتى يصل إلى نهر الزاب الكبير، وبعد أن يعبر نهر الزاب الكبير يستمر في اتجاهه نحو الشرق ثم ينعطف نحو الجنوب إلى أن يلتقي بالرافد آوى مآرك فيسير في مجراه ثم يلتقي بروبارشين في جنوب قرية أورامار التركية، ومن ثم يصعد الجبال الشاهقة ويتوجه إلى الجنوب حتى يلتقي بالرافد شمسدينان صو وبعد أن يعبره ينزل إلى روبار روكجوك ثم يمر بروبار حاجي بك فيسلكه تاركاً في جنوبه قمة سركراوة الشاهقة، ويلتقي بالحدود العراقية الإيرانية في مضيق (كدير) في شمال رواندوز.
وقد ثبتت الحدود العراقية التركية في سنتي 1925 و1926 لجنة دولية قامت بمسح الحدود فنظّمت خرائط بمقياس 1: 50,000 ثم وضعت عدداً من الدعامات الثابتة على طول الحدود ولا تزال هذه الدعامات مع الخرائط الأساس المعمول عليه في تعيين الحدود العراقية التركية في الوقت الحاضر. ويبلغ عدد هذه الدعامات 99 دعامة وهي مرقمة بالتسلسل من الغرب إلى الشرق وأن الدعامة الأخيرة تقع في نقطة الحدود التركية الإيرانية العراقية.
2 ـ الحدود العراقية الإيرانية:
وأما الحدود الشرقية وهي الحدود الواقعة بين الأراضي الإيرانية والأراضي العراقية فيبلغ طولها زهاء 1150 كيلومتراً وتبدأ من مصب شط العرب بخليج البصرة فتسير في النهر تاركة الجانب الأيمن للعراق والأيسر لإيران فتجتاز عبادان والمحمرة في الجانب الإيراني حتى إذا ما وصلت إلى نقطة في شمال المحمرة بمسافة 25 كيلومتراً تقريباً تركت شط العرب متجهة إلى الشمال على خط مستقيم ثم تنعطف بعد ذلك إلى الغرب مقتربة من القرية ثم تعود فتتجه نحو الشمال قاطعة هور الحويرة والأودية التي تنحدر من جبال بشتكوه.
ويمر خط الحدود بعد ذلك بسفوح جبال بشتكوه متجهاً نحو الشمال الغربي بموازاة نهر دجلة، وبعد أن يقطع عدداً من الأودية المنحدرة من الجهة الإيرانية يجتاز كلال بدرة في سيره الشمالي الغربي تاركاً قريتي بدره وزرباطية في ناحية العراق، وبعد أن يعبر كلال ترساق وكلال الدره يمر بشرق مندلى قاطعاً وادي كنكير الذي ينحدر نحو مندلي ثم يدخل منطقة الجبال. وفي شرق خانقين يقطع خط الحدود نهر الوند ثم يقطع طريق (خانقين ـ قصر شيرين) فيمر بروابي آمد داغ ويجتاز وادي قوريتو الذي ينحدر نحو نهر ديالي فيسير وسط الوادي بضعة كيلومترات في الاتجاه الشرقي، ثم يعود فينحرف نحو الشمال متسلقاً قمم الجبال الواقعة في جنوب حلبجة والتي يتراوح ارتفاعها بين 2750 و3400 قدم ثم يصعد قمة جبل بامو البالغ ارتفاعها 5867 قدماً ومنها إلى قمة بيزل داغ البالغ ارتفاعها 5280 قدماً، وبعد أن يعبر نهر سيروان ينعطف نحو الشرق سالكاً مجرى سيروانه نفسه ثم يتركه في نقطة تقع في جنوب شرقي حلبجة فيتجه نحو الشمال سالكاً قمم الجبال تاركاً قصبة الطويلة في الجانب العراقي، وهنا يبلغ ارتفاع قمة الجبال التي يمر منها خط الحدود 7520 قدماً، وبعد أن تجتاز الحدود قصبة بيارة الواقعة في الجانب العراقي أيضاً تتسلق جبال هه ورامان التي يتراوح ارتفاعها بين 7000 و9600 قدم تاركة ناحية خورمال في الجانب العراقي وتستمر في سيرها المتعرج نحو الشمال حتى تصل إلى قرب بنجوين فتنعطف نحو الشرق سالكة اتجاه وادي قزلجة، ثم تترك الوادي فتتسلق قمم الجبال متجهة نحو الشمال الشرقي فتمتد على طول قمة بوشتي سناهيدار البالغ ارتفاعها 8169 قدماً، ثم تعود فتنعطف نحو الغرب مشكلة شبه نصف دائرة فتستمر في سيرها في هذا الاتجاه متسلقة قمم الجبال سالكة سلسلة جبال سوركي الشاهقة حتى تلتقي بنهر الزاب الصغير، ويتراوح ارتفاع قمم الجبال التي تسلكها الحدود في هذا الامتداد بين 6000 و9000 قدم. ويسير خط الحدود بعد ذلك في وسط نهر الزاب الصغير بضعة كيلومترات في الاتجاه الغربي أيضاً ثم يتركه منعطفاً نحو الشمال فيتسلق جبال قنديل الشاهقة ماراً بقممها التي يتراوح ارتفاعها بين 8000 و11800 قدم فيترك قلعة دزة في الجانب العراقي وبعد أن يعبر عدداً من الأودية التي تنزل في الجبال يصل إلى قرب حاج عمران فيقطع الطريق العام الذي يتجه نحو تبريز الإيرانية ويستمر في سيره في نفس الاتجاه الشمالي فيترك جبال هلكرد أو حصار روست([737]) في الجانب العراقي ثم يتسلق جبال سياه كوه ويمر بقممها البالغ ارتفاعها 11735 قدماً إلى أن يلتقي بالحدود التركية العراقية قرب نبع وادي حاجي بك. وكانت الحدود الإيرانية العراقية موضع نزاع بين تركية وإيران في العهد العثماني عندما كان العراق جزءاً من الإمبراطورية العثمانية ويرجع تاريخ هذا النزاع الذي يبدأ مع بدء التنافسي العثماني الإيراني إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي، ولم تنقطع هذه المنازعات طيلة القرون التي تلت فاستمرت حتى سنة 1913 عندما توسطت روسيا وبريطانيا لحل النزاع فعقدت اتفاقية في 4 تشرين الثاني 1913 تمّ فيها تعريف الحدود بين الدولتين.
3 ـ الحدود العراقية السورية:
أما الحدود الغربية التي تبدأ بالحدود السورية العراقية من الجهة الشمالية الغربية فهي أشبه بالخطوط الهندسية منها إلى خطوط مستندة إلى عوارض طبيعية أو عوامل اقتصادية وتمر هذه الحدود من أراضي شبه صحراوية خالية من العوارض المهمة.
يبدأ خط الحدود السورية العراقية من ضفة دجلة اليمنى شمال قرية فيشخابور ويمتد نحوالجنوب الغربي حتى يصل إلى الفرات بين قريتي البوكمال والقائم، ثم يسير جنوباً في البادية على خط مستقيم إلى أن يلتقي بالحدود العراقية الأردنية، ويبلغ طول الحدود العراقية السورية حوالي 600 كيلومتر ويخترقها طريق (الموصل ـ نصيبين) وطريق (الموصل ـ دير الزور) في قسمها الشمالي كما يخترقها طريبق (بغداد ـ وادي حوران ـ تدمر) وطريق (بغداد ـ الرطبة ـ دمشق) في قسمها الجنوبي.
4 ـ الحدود العراقية الأردنية:
وتلي الحدود السورية العراقية جنوباً الحدود الأردنية العراقية التي تمتد إلى مسافة 145 كيلومتراً وهذه تبدأ من نقطة ارتفاعها بالحدود العراقية السورية وتمتد بشكل خط مستقيم إلى الجنوب مع انحراف قليل إلى الشرق وتنتهي عند جبل عنيزة حيث تتصل بالحدود السعودية العراقية.
ويقطع خط الحدود طريق الرطبة ـ عمان المحاذي لخط أنابيب النفط ويستند تثبيت هذا الخط بالدرجة الأولى إلى تعيين نقطة التقاء الحدود العراقية بالحدود السورية من الشمال وإلى نقطة التقاء الحدود العراقية بالحدود السعودية من الجنوب وعلى هذا الاعتبار فإن الحدود العراقية الاردنية مرتبطة إرتباطاً كلياً بالحدود العراقية السورية من جهة وبالحدود العراقية السعودية من الجهة الأخرى.
5 ـ الحدود العراقية السعودية:
يبدأ خط هذه الحدود من ملتقاه بالحدود الأردنية عند جبل عنيزة ويمتد في الاتجاه الجنوبي الشرقي إلى مكر النعام فجديدة عرعر فالمناعية فالليفية فقصر العثيمين فالعكبة فالجمجمة فالأنصاب، وينعطف خط الحدود من هناك إلى الشرق حيث تبدأ منطقة الحياد بين العراق فتشكل معيناً يحتوي على آبار عديدة غزيرة المياه تستفيد منها القبائل العراقية والسعودية على السواء، أما رؤوس هذا المعين فهي الأنصاب والأمغر والعودة في الجانب العراقي والوﮕبة في الجانب السعودي.
6 ـ الحدود العراقية الكويتية
وفي منتهى منطقة الحياد الواقعة على الحدود العراقية السعودية تبدأ الحدود العراقية الكويتية من نقطة العوجة الواقعة في الرأس الشرقي لمعين منطقة الحياد وهي نقطة التقاء وادي العوجة بوادي الباطن فتسير وسط وادي الباطن متجهة نحو الشمال الشرقي ثم تترك الوادي فتجتاز مخفر صفوان ومنه تتجه إلى الجنوب الشرقي حتى تنتهي عند ميناء أم قصر الواقع على خور الزبير.
الأراضي
يبلغ مجموع مساحة العراق 444,474 كيلومتراً مربعا أو نحو 171,000 ميل مربع (177,789,600 دونم عراقي)([738]) وتقسم أراضيه بصورة عامة إلى قسمين: القسم الشمالي والقسم الجنوبي، فالأول الذي يمكن أن يسمى «المنطقة المطرية»(Rainfull zone) هو القسم المرتقع الذي يروي بالأمطار وبالمياه التي تمدها المجاري الدائمة من الجبال في حين أن القسم الثاني الذي يمكن أن يسمى «المنطقة الإروائية» أو منطقة الري (Irrigation zone) هو القسم الأول في المحافظات الشمالية وهي الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية والقسم الثاني في المحافظات الأخرى.
1 ـ المنطقة المطرية
وتنقسم إلى قسمين، القسم الأول وهو القسم الجبلي الذي يمتد على طول الحدود التركية العراقية والحدود الإيرانية العراقية في الجهة الشمالية الشرقية، ويتكون هذا القسم من جبال عالية يتخللها مراع وغابات وبعض مزارع شتوية تعتمد في ريها على الأمطارِ، وتبلغ مساحته حوالي (30,000) كيلومتر مربع.
أما القسم الثاني فهو قسم السهوب (اسيبس) الذي ينحدر إلى داخل الأراضي العراقية في الاتجاهين الغربي والجنوبي، وتتكون معظم أراضيه من الأراضي الديمية كما يطلق عليها هذا الاسم في عرف العراقيين أي الأراضي التي تزرع على الأمطار. وتقدر مساحته بحوالي (45,000) كيلومتر مربع، وتدخل في هذه المساحة الأراضي التي يمكن استثمارها للزراعة بواسطة المضخات أو الري في أعالي دجلة وديالى والعظيم والزابين الكبير والصغير. وتقدر مساحة الأراضي التي تزرع فعلاً في كل سنة في منطقتي الجبال والسهوب بما لا يزيد عن عشرة آلاف كيلومتر مربع بضمنها المزروعات الشتوية والصيفية.
وكثر غابات البلوط في المنطقة المطرية ويوجد فيها أيضاً عدد كبير من الأشجار المثمرة في المناطق التي تكثر فيها مياه العيون كاللوز والجوز والكمثري والخوخ والتين وغيرها من أشجار الفواكه كما توجد أشجار العنب الديمي على السفوح في أكثر المناطق الجبلية.
2 ـ المنطقة الإروائية
وهي الأراضي الدلتاوية الواسعة التي يمكن استثمارها للزراعة في منطقة الري وهي تتكون من معظم السهول الواقعة في هذا القسم عدا الصحارى الرملية والتلول الحجرية الكائنة على أطرافه.
وبالإضافة إلى ذلك هناك مستنقعات وأهواز وبحيرات يتجمع الغرين فيها بصورة مستمرة مما يؤدي إلى تحويل قسم كبير منها إلى أراضٍ زراعية وإضافتها إلى الأراضي القابلة للزراعة. وفي الأهواز مساحات كبيرة تزرع الآن على الأكثر بالرز ولكنها تختلف في سعتها ومواقعها وتتحول من مكان إلى آخر بتحول المياه وتراكم الطمي، ويقدر أن مساحة بساتين النخيل الواقعة على شط العرب وحده تبلغ حوالي (500) كيلومتر مربع. أما فيما يتعلق بمجموع مساحة بساتين النخيل في العراق فيمكن تقدير ذلك بواسطة مجموع عدد النخيل في العراق البالغ حوالي 30 مليون نخلة، فإذا فرضنا أن كل كيلومتر مربع يشغل 25,000 نخلة فيكون حينئذٍ مجموع الأراضي المغروسة بالنخيل حوالي 1250 كيلومتر مربع.
الجبال:
تقع جبال العراق في القسمين الشمالي والشمالي الشرقي منه وتؤلف ثُمن الأراضي العراقية تقريباً بينما تؤلف السبعة الأثمان الأخرى أراضي سهلة مكشوفة تعلو في بعض أنحائها رواب رملية وتلول صغيرة، وترتفع الأرض عن سطح البحر كلما تقدمت من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق، وتتصل جبال العراق من ناحية الشمال بجبال الأناضول الممتدة على الحدود العراقية ـ التركية ومن ناحية الشرق بجبال إيران الممتدة على الحدود العراقية ـ الإيرانية. وتتصل جبال الأناضول وإيران والعراق بعضها ببعض في جبل أرارات الذي يبلغ ارتفاعه سبعة عشر ألف قدم فوق سطح البحر، وتمتد هذه الجبال نحو الغرب حتى تتصل بجبال طوروس. ويمكن أن تقسم جبال العراق من حيث الوصف الطوبوغرافي العام إلى ثلاثة مناطق، المنطقة الشمالية والمنطقة الوسطى والمنطقة الجنوبية.
1 ـ المنطقة الشمالية
تقع المنطقة الشمالية في أعلى المناطق الجبلية العراقية المعروفة بمنطقة كردستان فتسير بصورة عامة بمحاذاة الحدود العراقية التركية وبموازاة القسم الشمالي من الحدود العراقية الإيرانية متصلة بجبال الأناضول من جهة الشمال وبجبال إيران من الجهة الشمالية الشرقية، وتشكل هذه المنطقة شبه قوس يسير مع الحدود الشمالية والشمالية الشرقية من العراق سالكاً ملتوياتها وتعرجاتها، وتخترق هذه السلسة من الجبال الشاهقة عدة أودية تجري في وسط مضايق عميقة تنحدر من أعالي الجبال فتصب في الأودية الرئيسية لأنهر الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير وديالى داخل الحدود العراقية مؤلفة سلسلة من الأودية العميقة من الداخل تمتد على طول سفوح سلسلة الجبال المذكورة. وأولى سلسلة الجبال ابتداء من الجهة الغربية هي سلسلة «جياكيره»([739]) التي يبلغ ارتفاع قمتها 3890 قدماً فتسير شرقاً ثم تتصل بسلسلة «جياديري» التي يبلغ ارتفاع قمتها 4040 قدماً، وتشرف هاتان السلسلتان على وادي السندي أو وادي الخابور وبعد أن تتركان قصبة «شرانش» مركز ناحية سندي (قضاء زاخو) على إحدى قممها تتصلان بسلسلة جبال رشوني الواقعة إلى الشمال الشرقي منهما والتي يبلغ ارتفاع أعلى قممها 6703 أقدام. وتمتد هذه الأخيرة إلى الشمال من «باطوفة» مركز ناحية ﮕلى (قضاء زاخو) حتى تتصل بنهر الخابور الذي يخترق الحدود التركية العراقية عند دعامة الحدود المرقمة 23 شاقاً طريقه وسط الجبال نحو الجنوب.
وتؤلف الزاوية الواقعة بين نهر الخابور ونهر الهيزل من جهة وبين الحدود التركية العراقية من جهة أخرى منطقة وعرة ذات قمم شامخة يتراوح ارتفاعها بين 4000 و7000 قدم وهي تغذي نهر الهيزل بالمياه من جهة الغرب وتغذي وادي الخابور بالمياه من جهة الشرق والجنوب وتتصل هذه المجموعة من الجبال العالية بسلسلة جبال الأناضول.
ويشق نهر الخابور بنزوله من الحدود التركية العراقية جنوباً السلسلة الجبلية الممتدة إلى الشرق فيشكل مضيقاً عميقاً يجري في وسطه ثم تستمر السلسلة الجبلية في امتدادها شرق الخابور حتى تصل إلى عمود نهر الزاب الكبير الذي يخترق الحدود التركية العراقية عند الحدود المرقمة 46، وتعرف هذه المنطقة الواقعة بين الخابور والزاب الكبير باسم «برواري بالا» وهي تشكل سلسلتين متوازيتين من الجبال يتوسطهما واد هو أشبه بحوض منه بواد تتجمع فيه المياه المنحدرة من طرفيهما فتنقسم إلى قسمين القسم الغربي ينصب في الخابور عن طريق الرافد «آوى سيراروه» والقسم الشرقي ينصب في نهر الزاب الكيبر عن طريق الرافد «بخلافي» الذي يخترق الحدود التركية عند دعامة الحدود المرقمة 39 وهو الرافد الذي تقع عنده قصبة «كاني ماسي» (مركز ناحية برواري بالا التابعة إلى قضاء العمادية), وتتصل السلسلة الشمالية بجبال الأناضول وأهم قممها قمة «جيا زوزاني هرور» البالغ ارتفاعها 7908 أقدام، أما السلسلة الجنوبية فتمتد بين الخابور والزاب الكبير ويعرف القسم الغربي منها باسم «جيا متين» ويبلغ ارتفاع أعلى قممه 6870 قدماً ويقع على سفحه الجنوبي «مصيفا بامرني» و«ارادن».
أما القسم الشرقي فيسمى «سر عمادية» ويبلغ ارتفاع قمته 7650 قدماً وعلى سفح هذا القسم تقع بلدة العمادية مركز قضاء العمادية. وتتصل سلسلة سر عمادية بجبل «سر بيزني» الذي ينتهي إلى نهر الزاب الكبير ويبلغ ارتفاع قمة الجبل الأخير 6240 قدماً.
وتنحدر السيول من سفوح السلسلة الجنوبية من جهة الجنوب فتشكل وادياً فسيحاً تنقسم عنده مجاري تلك السيول فيتجه بعضها غرباً نحو الخابور عن طريق الرافد «آوى ساركه» ويتجه البعض الآخر شرقاً نحو الزاب الكبير عن طريق الرافد «آوى كاره». وفي داخل هذا الوادي المسمى «وادي سبنه» يمتد طريق دهوك ـ العمادية فيترك ارادن وبامرني على الطرف الشمالي من الوادي ومصيف سرسنك على الطرف الجنوبي، وتشرف العمادية على الوادي من الشمال كما تشرف قمة سوارة توكا عليه من الجنوب.
وتستمر سلسلة الجبال المجاورة إلى الحدود التركية العراقية في امتدادها نحو الشرق فتخترقها عدة روافد تنحدر من جبال الأناضول فتشق طريقها وسط الجبال الوعرة ثم تصب في وادي الزاب الكبير.
والرافد الرئيسي الأول من الشرق هو «شمدينان صو» الذي يخترق الحدود التركية العراقية عند دعامة الحدود المرقمة 80، ولهذا الرافد عدة تشعبات تنحدر كلها من جبال الأناضول وتتصل به قبل أن ينصب في وادي الزاب الكبير وأول هذه الفروع «آوى مارك» ويخترق الحدود التركية عند دعامتي الحدود المرقمتين 60 و61 والثاني «آوى ارتوش» ويخترق الحدود التركية عند دعامة الحدود رقم 65، ويخترق الثالث الحدود التركية عند دعامتي الحدود 70 و71. وتسمى المنطقة الواقعة بين الزاب الكبير و«شمدينان صو» «نروه ريكان» وهي ناحية ومركزها قصبة «بيبو» الواقعة بين «آوى مارك» وواديء الزاب الكبير. ومن الجبال البارزة في هذه المنطقة جبل «كوهي زير»وارتفاع قمته 7490 قدماً وجبل «سوكي» وارتفاعه 6364 قبدماً وجبل «لينكي» وارتفاعه 7499 قدماً وجبل «بيمشكوت» وارتفاعه 7825 قدماً وجبل «سرميدان» وارتفاعه 8799 قدماً.
ويلي رافد شمدينان من الشرق رافد رئيسي آخر يسمى«روبار حاجي بك» فيبدأ من نقطة التقاء الحدود التركية الإيرانية العراقية عند دعامتي الحدود التركية المرقمتين 98 و99 ويسير مع الحدود التركية العراقية في الاتجاه الغربي الجنوبي مسافة حوالي 40 كيلومتراً ثم يترك الحدود عند الدعامة المرقمة 91 ويتجه نحو وادي الزاب الكبير فينصب فيه بالقرب من بلدة «بله» في منطقة الزيبار ويعرف في قسمه الأخير باسم «روكجوك» وتقع في هذه المنطقة المحصورة بين هذا الرافد ورافد شمدينان بلدة «شيروان مازن» مركز ناحية مزوري بالا التابعة إلى قضاء الزيبار، وأهم الجبال الواقعة في هذه المنطقة سلسلة «جيا شيرين» البالغ ارتفاع قمتها 7400 قدم، أما القمم المحاذية للحدود التركية فيبلغ ارتفاعها أكثر من 8000 قدم.
وبانتهاء منطقة الحدود التركية العراقية تبدأ جبال المنطقة المحاذية لإيران وهذه تمتد بصورة عامة من الشمال إلى الجنوب رغم تعرجاتها والتواءاتها المتناوبة بين الشرق والغرب. وتتحول الآن روافد الزاب الكبير الأخرى فتنبع في المنطقة الإيرانية مستمدة مياهها من أعالي جبال إيران الشاهقة وأبرزها سلسلة جبال قنديل التي تمتد قممها مع الحدود العراقية. وأهم هذه الروافد وأكبرها الرافد المسمى «روبار رواندوز» وهو يستمد مياهه من أعالي سلسلة قنديل على الحدود الإيرانية ومن القمم العراقية المجاورة لها. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن القمم العراقية المحصورة بين «روبار رواندوز» وروبار حاجي بك» هي أعلى القمم الواقعة داخل الحدود العراقية أعلاها قمة «حصار روست» أو قمة «هلﮕر د» الواقعة شمال طريق راوندوز رايات قرب الحدود الإيرانية غرباً وارتفاعها 11831 قدماً (3607 أمتار وتليها في الارتفاع قمة «سركراوة» الواقعة شمال غربي قمة «حصار روست» وارتفاعها 11148 قدماً (3399 متراً، ومن الجبال المهمة في هذه المنطقة «جيا برادوست» البالغ ارتفاع قمته 6847 قدماً و«سربيران» وارتفاع قمته 6250 قدماً وجبل «شاكيف» وارتفاع قمته 10068 قدماً. وهناك سلسلة جبال قنديل التي تمتد على طول الحدود الإيرانية العراقية وتتراوح قممها في هذه المنطقة بين 7000 و11800 قدم، وأعلى هذه القمم قمة «حاج إبراهيم» الواقعة جنوب رايات بقليل وارتفاعها 11807 أقدام ويلي هذه القمة في الارتفاع قمة ” سياه كوه” الواقعة شمال رايات وارتفاعها 11735 قدماً ثم تليها قمة «قنديل» الواقعة جنوب قمة «حاج إبراهيم» وارتفاعها 11324 قدماً ثم قمة «ﮕلالا» الواقعة جنوب قمة «قنديل» وارتفاعها 10151 قدماً, وتقع في هذه المنطقة ثلاث نواحي هي ناحية برادوست ومركزها بلدة «سيدكا» وناحية مركة سور ومركزها بلدة «ميركه» وناحية بالك ومركزها »ﮕلاله». كما يقع فيها مصيف حاج عمران البالغ ارتفاعه 4838 قدماً (1780 متراً).
ويكوّن وادي «روبار راوندوز» الحدّ الفاصل بين المنطقة الجبلية المحاذية لإيران ومنطقة الجبال الداخلية فيستمر في امتداده بموازاة الحدود الإيرانية عن طريقة الرافد المسمى «روبار دلماوان» ثم يبدأ وادي الزاب الصغير عند دشت بيتوين (سهل رانية) فيصبح هو الحدّ الفاصل بين المنطقتين فيسير جنوباً تاركاً منطقة قلعة دزة إلى الشرق منه حتى إذا ما وصل إلى جنوب دوكان بقليل تحول الحد الفاصل إلى وادي «جيم حقلاة» الذي يتجه نحو مدينة السليمانية فيترك هذا الوادي سلسلة جبال سورداش وبيره مﮕرون وباخيان وازمر وﮕويزه ومدينة السليمانية إلى الشرق منه ومن ثم يتصل بـ«آوى تانجرو» وسهل شهر زور ثم بـ«آوى سيروان» (ديالي) حلبجة إلى الشرق منه ويستمر في سيره مع نهر سيروان إلى الجنوب حتى يصل إلى دربنديجان وهو الموقع المقترح إنشاء سد فيه لإحداث خزان أمامه في وادي سيروان.
ويتضح مما تقدم أن الخط الذي يبتدئ بوادي الخابور ويمتد إلى وادي الزاب الكبير ثم إلى وادي الزاب الصغير ومنه إلى وادي ديالي يؤلف شبه حوض متسلسل يمتد بصورة موزاية تقريباً للحدود التركية العراقية والحدود الإيرانية العراقية ويفصل هذا الحوض الجبال العراقية العالية المحاذية لتركية وإيران عن مجموعات الجبال الداخلية بحيث يصح أن تعتبر الأولى جزءاً متمما لسلسلة جبال تركية وإيران. ويستخلص مما تقدم أيضاً أن وادي الخابور يستمد مياهه كلها من جبال الأناضول المتصلة بجبال العراق من الناحية الشمالية بينما يستمد وادي الزاب الكبير قسماً من مياهه من جبال الأناضول وقسماً آخر من جبال إيران المتصلة بجبال العراق من ناحية الشمال والشرق. أما واديا الزاب الصغير وديالى فيستمدان مياههما من جبال إيران وجبال العراق المتصلة بها.
2 ـ المنطقة الوسطى
هذا فيما يختص بالمنطقة الجبلية الشمالية والشمالية الشرقية المتصلة بجبال الأناضول وإيران، أما فيما يختص بالمنطقة الوسطى ونعني بها المنطقة الجبلية الداخلية فتبدأ جبالها من ملتقى الخابور بدجلة وتمتد شرقاً بمحاذاة وادي الخابور (وادي زاخو) جنوباً وذلك مقابل سلسلة جيا كيره وجيا ديري الواقعة في المنطقة الشمالية على الطرف الشمالي من الوادي متجهة من جنوب زاخو نحو دهوك تاركة وادي الخابور، وسهل السندي في الوسط بين السلسلة الشمالية وبينها. وتنبع في قمم هاتين السلسلتين المقابلتين مجموعتان من المجاري تنحدر أولاها من سفوح السلسلة الشمالية متجهة نحو وادي الخابور جنوباً وتنزل الثانية من سفوح السلسلة الجنوبية فتتجه شمالاً نحو وادي الخابور أيضاً. ووادي الخابور هذا هو مبدأ الخط الفاصل بين جبال المنطقة الشمالية وجبال المنطقة الوسطى.
وتعرف السلسلة الجنوبية التي تبدأ من ملتقى الخابور بدجلة باسم جيا سبي أو جبل بيخير أو جبل زاخو أو جبل الأبيض كما يسمى أحياناً ويتراوح ارتفاع قممها بين 3000 و4300 قدم ويخترق هذه السلسلة فتحة ضيقة يسير فيها طريق دهوك ـ زاخو ثم يخترقها طريق دهوك ـ عمادية بين قمة جبل كمكه البالغ ارتفاعها 4019 قدماً من جهة الغرب وبين قمتي جبل سبيرس وكيري حم بكر([740]) البالغ ارتفاعهما 3690 و4364 قدماً على التوالي من جهة الشرق كما يخترقها وادي ارتوش (ﮕوميل صو) وطريق عين سفني اتروش، ثم تترك هذه السلسلة وادي الخابور فتمتد شرقاً تاركة دهوك واتروش إلى الجنوب منها وسواره توكا وسرسنك إلى الشمال منها فتسير مقابل جبال متين وسر عمادية وشيرين وبموازاتها تقريباً تاركة في الوسط وادي سبنه وفيه آوي سركه الذي ينصب في نهر الخابور ووادي آوى ﮕارة الذي ينصب في نهر الزاب الكبير ووادي نهر الزاب الكبير نفسه بعد أن يتصل آوى ﮕاره به.
وتتكون هذه السلسلة من مجموعة من الجبال الشاهقة تمتد إلى الشمال من سلسلة جبل بيخير فتسير في الاتجاه الشرقي أيضاً متجهة نحو عقرة وأهم جبال هذه المجموعة كيري ربتكي وجيا خيري وجيا باكرمان وعقره داغ([741]) ويبلغ ارتفاع قمة الأول 5224 قدماً وارتفاع قمة الثاني 5500 قدم وارتفاع قمة الثالث 3360 قدماً وارتفاع قمة الرابع 5080 قدماً.
وتقع مدينة عقرة في الطريق الجنوبي من هذه السلسلة على سفح عقرة داغ ويخترق هذه السلسلة وادي نهر الخازر في نقطة بين جيا خيري وجيا باكرمان. وتمتد إلى الشمال من هذه المجموعة سلسلة أخرى تسير في نفس الاتجاه الشرقي بصورة موازية لها وهذه تحادد وادي سبنه وهو الوادي الفاصل بين المنطقة الجبلية الشمالية والمنطقة الوسطى وهو ﮕارة داغ وبيرس داغ وبرات داغ ويمتد ﮕارة داغ بمحاذاة وادي «آوى ﮕارة» مقابل سلسلة جبل سر عمادية وارتفاع قمته 7300 قدم كما يمتد بيرس داغ بمحاذاة وادي الزاب الكبير مقابل جيا شيرين وارتفاع قمته 6400 قدم.
أما برات داغ فيبلغ ارتفاع قمته 5422 قدماً وهو يسير بمحاذاة وادي الزاب الكبير أيضاً مقابل جبل برادوست الواقع على الطرف الشمالي من الوادي وينتهي إلى نهر الزاب الكبير عند مضيق بيخمة فيؤلف هنا جرفاً عمودياً في الجانب الغربي من نهر الزاب الكبير يقابله في الجانب الشرقي سلسلة أخرى من الجبال العالية تمتد بموازاة روبار رواندوز جنوباً حتى تنتهي إلى وادي الزاب الصغير.
ومضيق بيخمة المار الذكر يقع جنوب مصب روبار رواندوز بنهر الزاب الكبير بقليل وهو المضيق الذي اقترح إنشاء سدّ عال فيه لإحداث خزان واسع تخزن فيه مياه فيضان روبار رواندوز ونهر الزاب الكبير للاستفادة منها لأغراض الري وتوليد قوة كهربائية. وتعرف السلسلة التي تبدأ من الجانب الشرقي لمضيق بيخمة باسم حرير داغ وجبل شاور وتمتد هذه السلسلة في الاتجاه الشرقي مع انحراف قليل إلى الجنوب حتى تنتهي إلى وادي الزاب الصغير. وتمتد بموازاة هذه السلسلة من الجنوب سلسلة أخرى من الجبال العالية بين الزاب الكبير والزاب الصغير منها جبل «بيرمام» وارتفاعه 3575 قدماً (1090 متراً) و«سفين داغ» الذي تقع في السفح الشمالي منه بساتين شقلاوة وقرية «نازنين» الجميلة، ثم يتصل جبل سفين بسلسلة آوه ﮕرد فتسير هذه السلسلة في الاتجاه الشرقي أيضاً مع انحراف قليل إلى الجنوب حتى تتصل بـ«هيبة سلطان داغ» البالغ ارتفاع قمته 3958 قدماً وهو الجبل الذي تقع بلدة كويسنجق على سفحه الجنوبي، ويمتد جبل هيبة سلطان في نفس الاتجاه المذكور حتى إذا ما اجتاز كويسنجق اتصل بجبال كوسرت التي تنتهي عند الساحل الغربي من نهر الزاب الصغير جنوب مرزا رستم بالقرب من مضيق دوكان.
وتمتد من الساحل الشرقي لنهر الزاب الصغير مقابل مضيق دوكان سلسلة أخرى تتجه نحو الجنوب الشرقي أيضاً فتسير بموازاة سلسلة جبال سورداش وبيره مﮕرون وياخيان جنوباً تاركة وادي جم جقلاوة في الوسط فيقطعها طريق جمجمال السليمانية عند مضيقي بازيان وطاسلوجة.
وتستمر هذه السلسلة بامتدادها نحو الجنوب الشرقي بموازاة ازمر داغ وجبل ﮕويجه جنوب مدينة السليمانية ثم تسير بموازاة وادي جم جقلاوة بين داقوق صو وديالي وتعرف هنا باسم سكرمة داغ البالغ ارتفاعه 5668 قدماً وقرة داغ البالغ ارتفاعه 6148 قدماً فتترك بلدة قرة داغ إلى الشمال منها وبعد أن تتصل بجبل زردة البالغ ارتفاعه 5893 قدماً تمتد بموازاة جبل برانان جنوباً حتى تنتهي إلى حافة نهر سيروان (ديالي) جنوب موقع مضيق دربنديخان بقليل.
3 ـ المنطقة الجنوبية
أما المنطقة الجنوبية فهي المنطقة شبه الجبلية المتموجة التي تحادد المنطقة الوسطى من الجنوب فيتخللها عدة جبال وتلال منفردة ومتباعدة عن بعضها، ويمكن القول بصورة عامة أن حدود هذه المنطقة تنتهي في الخط الذي يبدأ من الحدود السورية العراقية في نقطة تقع مقابل جبل سنجارو يمتد شرقاً بمحاذاة سلسلة جبل سنجاروتل اعفر وجبل إبراهيم مشكلاً شبه قوس ثم ينحرف الخط إلى الجنوب فيتصل بجبل مكحول ومن ثم يقطع نهر دجلة عند مضيق الفتحة ويسير مع حدود سلسلة جبل حمرين فيقطع نهر العظيم عند السد القديم المعروف باسم «بند العظيّم» وبعد أن يقطع نهر ديالي عند سد ديالي النابت يتصل بالجبال الممتدة على الحدود الإيرانية العراقية.
وأهم ما هذه المنطقة الجنوبية من الجبال المنفردة جبل سنجار البالغ ارتفاعه 4800 قدم وجبل إبراهيم البالغ ارتفاعه 1753 قدماً وجبل مكحول البالغ ارتفاعه 1600 قدم وهذه تقع غرب دجلة بين الحدود السورية ونهر دجلة. أما المنطقة الواقعة شرقاً بين نهر دجلة ونهر الزاب الكبير ففيها من الجبال جبل بعشيقة البالغ ارتفاعه 2177 قدماً وجبل مقلوب وارتفاعه 3484 قدماً وجبل عين الصفرة وارتفاعه 2223 قدماً وجبل زرك برده رش وارتفاعه 1640 قدماً ومن جبل قرة جوق واتفاعه 2871 قدماً وبين نهر الزاب الصغير والحدود العراقية الإيرانية نفط داغ وارتفاعه 1161 قدماً وجبل كفري ورتفاعه 1180 قدماً.
الأهوار والمستنقعات([742])
تقع الأهوار والمستنقعات على ضفتي نهري دجلة والفرات وهي تمتد من العمارة حتى الحدود العراقية الإيرانية شرقاً ومن العمارة حتى نهر الفرات غرباً وتنحصر في المحافظات الجنوبية وهي العمارة والمنتفك والديوانية والبصرة، وتبلغ مجموع مساحة هذه الأهوار في الأربعة المذكورة (9324) كيلومتراً مربعاً.
ولا يزيد عمق مياه هذه المستنقعات والأهوارعن بضعة أقدام وتوجد فيها عدة جزر فوق مستوى المياه تقع عليها القرى التي يسكنها زراع الشلب ورعاة الجاموس، وتنبت في أكثر أقسام هذه الأهوار غابات كثيفة من القصب والبردي وتمر فيها بعض المسالك المائية الخاصة. ويستعمل القصب والبردي في إنشاء بيوت المزارعين المعروفة بالصرائف، وللقصب فوائد أخرى منها صنع الحصران المعروفة بالبواري (جمع بارية) وتستعمل هذه في بناء وفرش البيوت ولأغراض أخرى وتستعمل شتلات القصب وهي صغيرة لرعي الجاموس.
وتجف بعض المستنقعات في بعض السنين حينما تقل الأمطار وينخفض الطغيان في الأنهر. ويزرع الرز على سواحل هذه الأهوار على سطح الترسبات الغربية التي تأتي بها مياه الأنهر من المناطق الجبلية وتنصب أكثر مياه نهر دجلة بعد اجتياز العمارة في الأهوار حتى يصبح النهر بين العمارة والعزير صغيراً جداً لأنه يكون قد فقد 80 بالمائة من مياهه في المسافة الممتدة بين القرية والعزير، إلا أن بعض هذه المياه يعود إلى النهر في المسافة الممتدة بين القرية والبصرة وهي المسافة التي يتكون فيها شط العرب. أما نهر الفرات فيصب مياهه في الأهوار جنوب الناصرية إلاّ أن بعض هذه المياه يتصل بشط العرب أيضاً عند كرمة علي في جوار البصرة.
ومن أهم أهوار هذه المنطقة وأكبرها هور الحويزة الواقع على ضفة نهر دجلة اليسرى بين العمارة والقرنة ويتصل هذا الهور بمستنقعات الحويزة في بلاد إيران وتصب فيه جداول كثيرة فتحت لتأخذ المياه من نهر دجلة وتروي أراضي الشلب هناك. وتبلغ مساحة هذا الهور داخل الحدود العراقية أكثر من 1200 كيلومتر مربع. وفي موسم الفيضان تكثر المياه في الهور المذكور حيث يصب فيه بعض مياه روافد كارون ووديان جبال لورستان.
ومنها هور الحمّار وهو بقايا الخليج القديم الذي كان يغطي جنوب العراق ويمتد هذا الهور من سوق الشيوخ على نهر الفرات ومن القرنة على نهر دجلة إلى أن يتصل بشط العرب في كرمة علي وتسكن على الضفة الشمالية من هذا الهور قبائل المنتفك أما ضفته الجنوبية فأرض قفراء لا نبت فيها ولا سكنى. ويسمى القسم الجنوبي من الهور الذي يمتد من ذنائب نهر الفرات إلى كرمة علي باسم هور السناف. و
هذا القسم يغذى كله تقريباً بمياه نهر الفرات ويصب في شط العرب في الماجدية وكرمة علي والمصب الذي في كرمة علي والذي يقع في الجنوب يزود شط العرب بكمية من المياه أكثر مما يزوده المصب في الماجدية. أما القسم الشمالي الشرقي من البحيرة الذي يأخذ مياهه من أهوار دجلة فإنه يصب في شط العرب في القرنة والشافية. وتبلغ مساحة هذا الهور حوالي 2500 كيلومتر مربع ولا يزيد عمق المياه فيه عن القدمين أو الثلاث أقدام. وكانت القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى قد فتحت فيه ترعة توصل القرنة بسوق الشيوخ وذلك بواسطة جدول يسير في أثر ذنائب مجرى الفرات القديم وهي الطريق الأقصر الذي يربط البصرة بالناصرية، أما الآن فقد اندرست تلك الترعة لتراكم الأتربة فيها.
ومنها أهوار منطقة الشامية والمشخاب المعروفة ببحر الشنافية ويبلغ طول هذه المنطقة التي تغطيها المياه خلال موسم الفيضانات زهاء 65 كيلومتراً، أما عرض هذه المنطقة فيبلغ معدله 25 كيلومتراً ومعظم هذه المساحة عبارة عن أهوار، وبهذا يظهر أن مجموع مساحة الأراضي الواقعة ضمن هذه المنطقة والتي تغمر بمياه الفيضان هي نحو 650,000 مشارة ويزرع ربع هذه المساحة تقريباً بالشلب في كل سنة. أما عمق المياه في هذه الأهوار ففي الأقسام الشمالية يبلغ بضعة سنتمترات وفي الوسط يتراوح بين مترين وثلاثة أمثار فوق مستوى مجاري البزول، وإذا اتجهنا إلى الجنوب نجد أن عمق الماء يتفاوت من نقطة إلى أخرى وذلك لأن المياه في هذا القسم تشق لها مجار عميقة في طريقها إلى المنازل.
وينتظر أن تتقلص مساحة هذه الأهوار والمستنقعات أو يجف بعضها بعد إنشاء الخزانات على نهري دجلة والفرات التي تسحب أكثر مياه الفيضان الأمر الذي يؤدي إلى استحالة أكثر أراضي الأهوار إلى أرض زراعية.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد هو أن وضع هذه الأهوار في تغير مستمر وللترسبات الغرينية التي تلقيها مياه النهرين في الأهوار تأثير مباشر في إحداث هذا التغير، وبقدر ما يلقي من الترسبات في داخل الأهوار حوالي 90 بالمائة من مجموع الترسبات التي يحملها النهران دجلة والفرات بعد تركهما بغداد وهيت([743])، لذلك نجد أن حدود الأهوار تتقلص بين حين وآخر نتيجة لحدوث أراضي جديدة على سواحل الأهوار كما أن مستوى قعر الأهوار يستمر في الارتفاع سنة بعد أخرى حتى يصبح بمستوى أرض الدلتا مما يؤدي إلى إضافة أراضي زراعية جديدة فيها. فضلاً عن ذلك أن الترسبات التي تصل إلى الفاو من مياه نهري دجلة والفرات مع الترسبات التي يلقيها نهر كارون في شط …
وتدل المعلومات التاريخية على أن ساحل البحر كان في أوائل الألف الأول قبل الميلاد يسير شرقي الحويزة وقلعة صالح ثم يمتد في موازاة الجبال في الاتجاه الشمالي الغربي، وبعدها ينعطف الساحل البحري نحو الجنوب الغربي فيقطع شط الغراف في جنوب الشطرة ويمتد إلى شرق الناصرية، ثم يغير اتجاهه فيسير نحو الجنوب ويستمر في اتجاهه هذا حتى يصل منتهى خليج الكويت، وهذا يدل على أن بلاد خوزستان ومحافظة البصرة جميعها وقسماً من محافظة المنتفك كانت تحت الماء في تلك الأزمنة، أما قبل ذلك فقد كان البحر شمال تلك الشواطئ وكانت أنهر كارون ودجلة والفرات تصب رأساً في البحر، فهذه الأنهار ونهر الكرخة ونهر الجراحي في بلاد ووادي البطن في جزيرة العرب كانت جميعها تأتي بكميات كبيرة من الطمي والأتربة إلى البحر، فيدفعها المد إلى الوراء ويضطرها إلى الترسب في قعر البحر بالقرب من مصب تلك الأنهار، وهكذا أخذت الجزر تتكون في البحر بالقرب من الساحل وبينها الخلجان والبحيرات، فانسحب البحر إلى الجنوب حتى أصبح في القرن الرابع قبل الميلاد يحوي جزراً عديدة تتخللها بحيرات ومستنقعات يكثر فيها القصب والبردي والحلفاء تكاد تكون كلها في المنطقة الواقعة شمال البصرة وجنوب الأهواز، وبعد أن جفّت البحيرات واتصلت الجزر ببعضها تقدم الساحل نحو الجنوب إلى أن أصبح رأس الخليج اليوم في جنوب البصرة على بعد حوالي 60 ميلاً منها أو 100 ميل تقريباً من جنوب القرنة.
وقد لعب نهر كارون ووادي البطن دوراً رئيسياً في ذلك التكوين إذ كان نهر كارون يصب مياهه في الخليج قرب مدينة المحمرة الحالية كما أن وادي البطن الواقع في الجهة المقابلة لمصب كارون كان عبارة عن نهر واسع داخل قلب الجزيرة ويصب في الخليج أيضاً أمام مصب كارون.
وكان هذان النهران يحملان معهما كميات كبيرة من الطمي تعادل الكمية التي يجملها الرافدان معاً فيتركانها على شكل أكوام كبيرة عند مصبهما في الخليج، ولما كثرت هناك هذه الأكوام التقى بعضها ببعض فكوّن حاجزاً أرضياً يقطع الخليج في وسطه. وأوجد هذا الحاجز في شمالي الخليج بحيرة على شكل آنية تلتقي عندها كل الترسبات التي كان الفرات ودجلة يحملانها إليها، تلك الترسبات التي كانت تذهب ضياعاً في بحر الخليج الواسع قبل تكوّن الحاجز المذكور.
وبعد ذلك استحالت المياه المالحة في هذه البحيرة إلى مياه عذبة، وأخذ قاعها يرتفع بمرور السنين تدريجياً حتى غدت ضحلة فظهرت فيها الجزر، وبعد مدة من الزمن ظهرت فيها غابات من القصب المختلطة بالرمال والأطيان التي تتخللها الأهوار والمستنقعات، وكان نهرا دجلة والفرات يشقان طريقهما في هذه المنطقة خلال ممرات غير ثابتة ليصبان مياههما في الخليج.
ولم يزل شط العرب يدفع البحر رابحاً منه سنوياً مساحة جديدة من الأراضي الصلصالية الرملية. وقد دلت الاحصاءات على أن دلتا العراق تفوق بقية دلتاوات العالم في سرعة تقدمها نحو البحر إذ تقدر سرعة التقدم فيه بستة أضعاف ما هي عليه الحال في دلتا النيل.
وكان التقدم في عصور ما قبل التاريخ أسرع منه اليوم حيث كان المناخ مساعداً على هطول أمطار غزيرة تطغي بها الأنهر أكثر من يومنا هذا، فنتج عن ذلك توفر كميات أكبر من الغرين عند مصب الأنهر في الخليج، أضف إلى ذلك أن مياه تلك الأنهر كانت تنصب رأساً في البحر فتترك غرينها فيه مباشرة دون أن تضيع القسم الكبير منه في طريقها. وقد توصل الآثاريون إلى أن تقدم دلتا العراق كان بمعدل زهاء ميل واحد في كل ثلاثين سنة، وذلك بدليل أن دلتا العراق تقدمت زهاء مائة وعشرين ميلاً نحو البحر في خلال الخمسة والعشرين قرناً الماضية.
وقد أيّدت الأبحاث الآثارية صحة ذلك باعتبار أن دلتا العراق تقدمت بمعدل 53 متراً (170 قدماً) في السنة الواحدة وذلك خلال المدة الواقعة بين سنة 1793 وسنة 1833 الميلادية. أما إحصائيات الوقت الحاضر فقد دلت على أن معدل تقدم الدلتا نحو الجنوب يكاد لا يتجاوز الميل الواحد في كل سبعين سنة ـ أي خمسة وعشرين قدماً في كل سنة.
وهناك بحيرات دائمة المياه أهمها بحيرة الحبانية ومساحتها 350 كلم2 وبحيرة أبي دبس ومساحتها 650 كلم2 وبحيرة الثرثابر ومساحتها 350 كلم2. وبحيرة الشارع ومساحتها 120 كلم2 وبحيرة الشويجة ومساحتها 600 كلم2.
المناخ
يعتبر العراق من حيث المناخ داخلاً في المنطقة القارية ـ شبه الحارة ـ وذلك نظراً إلى بعده عن البحر، وأهم الخصائص التي يتميز بها المناخ هي (أ) التفاوت الكبير في درجة الحرارة بين الليل والنهار وبين الشتاء والصيف (ب) قلة الكميبة من بخار الماء الموجودة في الجو (ج) قلة الأمطار.
أ ـ درجة الحرارة
إن الخاصة البارزة في مناخ العراق هي ارتفاع درجة الحرارة في أشهر الصيف ارتفاعاً شديداً وأشد شهور السنة حرارة هما تموز وآب حيث تبلغ درجة الحرارة فيهما أحياناً حداً عالياً يزيد على 120 درجة فارنهيت، وتكون نسبة الرطوبة في هذا الوقت نحوة 15 في المائة في الساعة الثانية بعد الظهر.
أما أبرد شهور السنة فهي كانون الأول وكانون الثاني وشباط حيث تهبط درجة الحرارة فيها إلى 19 درجة فارنهيت، وحيثما تهبط درجة الحرارة هبوطاً كثيراً فإن المياه تتجمد هناك وخاصة في الأقسام العليا من العراق حيث قد تهبط درجة الحرارة إلى أكثر من 30 درجة تحت الجليد، وفي هذا الفصل يكون معدل نسبة الرطوبة في الهواء نحو50 في المائة.
ويمكن للإنسان أن يلاحظ بوضوح التفاوت بين الليل والنهار بالنسبة إلى درجة الحرارة طيلة فصول السنة، فقد تصل درجة الحرارة في أشهر الصيف إلى أعلى حد في النهار ولكنها سرعان ما تهبط في الليل إلى حد قد يصل إلى درجة 65 فارنهيت وهو أدنى حدّ تصل إليه درجة الحرارة في الليل في فصل الصيف، وكذلك نجد أن درجة الحرارة في فصل الشتاء يمكن أن ترتفع إلى درجة 85 فارنهيت نهاراً ثم تراها تهبط في الليل إلى درجة 19 فارنهيت.
ويجد القارئ في الخرائط احصائيات شهرية لمختلف الأوقات عن المعدلات اليومية لدرجة الحرارة والنهاية القصوى لأعلى درجة وأوطأ درجة للحرارة وكذلك عن كميات الرطوبة الموجودة في الهواء لكل من بغداد والموصل والبصرة.
ب ـ الضغط الجوي
ويلاحظ اختلاف كبير في درجة الضغط حيث يكون الحد الأعلى للضغط في فصل الشتاء في حين أن الحد الأدنى للضغط إنما يكون في فصل الصيف.
إن درجات الضغط لطبقات الهواء تبدو في شكل ثابت نوعاً ما في أشهرالصيف حيث تهب فيها الرياح الموسمية التي تأتي من الجنوب الغربي من الجزيرة العربية، وبذلك يخف ضغط الهواء تدريجياً كلما سرنا من الشمال إلى الجنوب فيكون الضغط شديداً في آسيا الصغرى ثم يأخذ في الهبوط بشكل تدريجي كلما اتجهنا إلى الخليج الفارسي الذي يدخل في منطقة الضغط الخفيفة التي تشمل جنوب إيران وبلوجستان.
أما في الشتاء فإن الضغط في طبقات الهواء يأخذ في الهبوط فجأة ابتداء من منطقة بحر قزوين في اتجاه البحر الأحمر حيث يكون هبوط الضغط في الهواء من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي على وجه العموم، لكن هذا الضغط الجوي في هذا الفصل يتعرض إلى بعض التبدلات التي تحدث من حين إلى آخر والتي هي نتيجة من نتائج تغير الضغط في حوض البحر الأبيض المتوسط والتي تؤدي إلى اتجاه الرياح نحو الشرق تلك الرياح التي تسبب في النهاية سقوط المطر.
ج ـ الرياح
إن الرياح السائدة في العراق طول فصول السنة على وجه العموم هي الرياح التي تأتي من الشمال والشمال الغربي المعروفة بإسم «الرياح الشمالية»، وتظهر هذه الرياح بشكل واضح في أشهر الصيف خاصة حيث يكون نحو 75 في المائة من مجموع الرياح التي تهب على العراق. ويرجع السبب في هبوب هذه الرياح إلى أن حوض الفرات ودجلة يقع على أطراف منطقة الضغط الشديد الكائنة في أواسط آسيا.
أما الرياح الجنوبية والجنوبية الشرقية فأنه يندر وجودها خلال أشهر الصيف لكنها توجد غالباً في أشهر الشتاء حيث يرافقها عادة حرارة في الجو وغيوم وأمطار على الأكثر. وهذه الرياح تنشأ عن العواصف التي تهب خلال أشهر الشتاء من حوض البحر الأبيض المتوسط متجهة إلى الشرق، فهذه العواصف هي التي تحدث تبدلاً في اتجاه الرياح من الشمالية الغربية إلى الجنوبية الشرقية، وفي هذا الجو المضطرب تسقط الأمطار. وبهذا يظهر أن اتجاه الرياح هو في موازاة النهرين دائماً.
وتدل المعلومات المتعلقة بسير الرياح أن هناك اختلافاً كبيراً في سرعتها خلال فصول السنة، فتصل الرياح أشد سرعتها عادة في شهر تموز في حين أنها تبلغ أدنى سرعتها في شهر تشرين الثاني. وتكون الرياح في أهدأ حالاتها خلال فصل الخريف أي في أوائل فصل الشتاء وتكون عنيفة جداً خلال شهري حزيران وتموز.
د ـ سقوط المطر
يمكن أن يقال إن موسم سقوط الأمطار في العراق ينحصر في الفترة بين شهر تشرين الأول وشهر مارس، أما خلال الأشهر الأخرى الباقية من السنة فإنه يكاد يكون المطر معدوماً فيها، ومع هذا فهناك حالات خاصة يسقط فيها المطر بصورة استثنائية وذلك خلال الأشهر بين حزيران وأيلول. وتدل الإحصاءات المتوفرة لدينا للمدة بين سنة 1887 وسنة 1919 على أن الأمطار هطلت في بغداد خلال شهري آب وحزيران، فقد بلغ سقوط المطر في بغداد 13,2 ميليمتراً في شهر آب من سنة 1890 في حين انه بلغ ميليمتراً واحداً خلال شهر حزيران من سنة 1888، أما في البصرة فقد بلغ 32 ميليمتراً في شهر أيلول من سنة 1901.
إن معدل الأيام التي يسقط فيها المطر في الأقسام الشمالية من العراق هو أكثر من المعدل في أقسامه الباقية، فإذا أحصينا معدل الأيام التي تسقط فيها الأمطار في السنة الواحدة بمعدل يزيد على الأربعة ميليمترات فإننا نجد أن عددها في كل من مدينة البصرة وبغداد والحلة هو 26 يوماً في حين أنه في الموصل بلغ 60 يوماً.
ومع أن مواسم المطر تحدث بانتظام في كل شتاء حيث تزود سهول العراق بكميات من المطر غير أن هذه الكميات تختلف اختلافاً كبيراً من سنة إلى أخرى، يضاف إلى ذلك أن معدل هذا الاختلاف بين كميات المطر بالنسبة إلى الحالة الاعتيادية العامة يظهر بشكل واضح في الأقسام التي يقل فيها سقوط المطر نسبياً.
وقد بلغ الحد الأعلى لسقوط المطر في بغداد خلال المدة بين 1887 ـ 1888 و1918 ـ 1919 ارتفاع 439 ميليمتراً وذلك في فصل سنة 1889 ـ 1890، أما الحد الأدنى في الفترة نفسها فقد بلغ 51 ميليمتراً وذلك في فصل سنة 1908 ـ 1909. وفي البصرة بلغ الحد الأعلى لسقوط المطر خلال المدة بين 1899 ـ 1900 و1918 ـ 1919 ارتفاع 271 ميليمتراً وذلك في فصل سنة 1910 ـ 1911، هذا في حين أن الحد الأدنى خلال المدة نفسها بلغ 53 ميليمتراً وذلك في موسم سنة 1916 ـ 1917.
أما إذا سرنا في ناحية الغرب حيث تقع النجف وكربلاء والحلة والسماوة والرمادي فإن كمية الأمطار هناك تصل إلى 40 ميليمتراً أو أقل من هذا وذلك في مواسم شح الأمطار، ففي الحلة مثلاً بلغت الأمطار حداً واطئاً جداً وهو 21 ميليمتراً وذلك في سنة 1929 وفي السماوة بلغ المطر 11 ميليمتراً فقط في سنة 1932 في حين أنه بلغ في كربلاء في السنة نفسها 17 ميليمتراً. أما في المنطقة شبه الجبلية كمنطقة الموصل وخانقين وكركوك فقد بلغ الحد الأعلى للمطر السنوي نحو 762 ميليمتراً، فقد بلغ الحد الأعلى لسقوط المطر في هذه المنطقة خلال الفترة بين سنة 1908 و1917 ارتفاع 724 ميليمتراً وذلك في مدينة الموصل في سنة 1914 ـ 1915، أما الحد الأدنى فقد وصل إلى 280 ميليمتراً وذلك في مدينة كركوك في سنة 1916 ـ 1917.
1ـ المنطقة الجبلية
تشمل هذه المنطقة الجبال العالية والمرتفعات المتموجة أو الشبه جبلية وتشغل زهاء 20% من مساحة العراق وتمتد في جهات القطر الشمالية والشمالية الشرقية إلى حدوده المشتركة مع سورية وتركية وإيران وتتلاشى عند حدود السهل الرسوبي والهضبة الصحراوية في الجنوب والغرب. تندرج أرض العراق في إلارتفاع كلما سرنا فيها من الجنوب إلى الشمال ومن الغرب إلى الشرق.
وتكون مرتفعاتها في بادئ الأمر على شكل سلاسل متوازية بينها سهول واسعة متموجة ثم تصبح الجبال أكثر ارتفاعاً وأعظم حجماً، تكسوها الحشائش والأشجار ثم تصبح شاهقة الارتفاع تجلل قممها الثلوج طيلة أيام السنة وتغطيها الغابات والحشائش. وتتميز المنطقة الجبلية بوفرة مياهها وتنساب منها روافد نهر دجلة، وهي صالحة للزراعة ولا سيما في أقسامها الشمالية إذ يبلغ معدل سقوط المطر سنوياً نحو 60 سم وفي أجزائها الجنوبية نحو 25 سم مما جعلها صالحة للمراعي وتربية الماشية أيضاً.
ويستفيد سكان هذه المنطقة من الأمطار في زراعتهم الشتوية وخاصة القمح والشعير. أما المحاصيل الصيفية كالخضروات فيُعْتَمَد في ريها على المياه الجوفية من العيون والآبار. وتوجد في هذه المنطقة جبال عالية ومرتفعات متموجة يتراوح ارتفاعها بين أكثر من 1000 متر إلى حوالى 3600 متر وتتكون الجبال من صخور نارية ومتحولة ورسوبية شديدة المقاومة. أما السهول والوديان فتتكون من صخور أقل مقاومة. وأهمها سهل شهرزور ورانية.
أما المنطقة المتموجة فهي امتداد نحو الجنوب والجنوب الغربي للمنطقة الجبلية العالية المتاخمة لها وتتكون من سلاسل جبلية واطئة أو تلال منخفضة متقطعة تفصلها سهول وأحواض تنتهي في الجنوب أو الجنوب الغربي بمرتفعات جبل حمرين وامتداده جبل مكحول. وتتلاشى هذه الأراضي المتموجة في منطقة الجزيرة الشمالية ما عدا بعض المرتفعات القائمة بصورة منفردة مثل مرتفعات سنجار.
ومن أشهر سهول المنطقة سهول كركوك وأربيل ومخمور التي اشتهرت بزراعة الحبوب وخاصة القمح والشعير معتمدة على الأمطار الشتوية. وفي هذه المنطقة عاش إنسان العصور القديمة في سفوح المرتفعات كما ظهرت أولى القرى الزراعية.
2 ـ الهضبة الصحراوية
تحتل هذه الهضبة حوالي 60% من مساحة العراق الكلية ويتراوح ارتفاعها بين 100 ـ 1000 متر ويسير فيها عدد كبير من الوديان، وتمتد إلى الطرف الغربي من العراق، وتقسم إلى قسمين متميزين من حيث السطح والتربة والنبات والأمطار، وهما:
أـ هضبة الجزيرة
الجزيرة مصطلح جغرافي أطلقه البلدانيون العرب على أرض ما بين النهرين العليا وهو يرادف تقريباً التسمية الإغريقية Mesopotamia في استعمالاتها القديمة. تمتد الجزيرة بين مرتفعات مكحول ـ سنجار شمالاً والسهل الرسوبي جنوباً ومجرى نهر الفرات والحدود السورية غرباً وجبال حمرين شرقاً. ويتكون سطحها من أراضٍ منبسطة تتخللها هضاب وروابي وكثبان رملية وأحواض وبحيرات وأودية ومنخفضات.
وأهم منخفض الثرثار الذي يبلغ طوله 300 كيلومتر ومعدل عرضه 45 كيلومتراً. وقد حوّل هذا المنخفض في السنوات الأخيرة إلى خزان كبير لخزن مياه دجلة وإنقاذ بغداد والقسم الجنوبي من الغرق بعد إنشاء سد سامراء في عام 1956. وتمّ إيصال هذا المشروع بترعة تربطه بنهر الفرات شمال مدينة الفلوجة في عام 1977. وتتمتع الجزيرة أيضاً بسقوط الأمطار الكافية تقريباً للزراعة والرعي كما توجد فيها مياه جوفية وفيرة. وجميع هذه الموارد المائية كانت سبباً في ازدهارها منذ عصور ما قبل التاريخ كما تدل على ذلك التلول الأثرية الكثيرة المنتشرة فيها، واشتهرت الجزيرة منذ أقدم الأزمان بكونها من مناطق الاتصال المهمة بين العراق وبلاد الشام وموانئ البحر المتوسط وبلاد الأناضول، وكذلك من المصادر المهمة لهجرات القبائل من الجزيرة العربية إلى العراق وسورية.
ب ـ هضبة البادية الغربية
تجاور البادية الغربية مجرى نهر الفرات من الغرب وتشترك مع بادية الشام، وتمتد إلى قلب الجزيرة العربية. ويتخللها عدد من الأودية التي تجري فيها مياه الأمطار. أرضها رملية منبسطة في بعض المناطق ومتموجة تقطعها أودية ومنخفضات في مناطق أخرى. وأهم منخفضاتها منخفض الحبانية ومنخفض أبو دبس. ويتكون القسم الجنوبي من الهضبة في الغالب من أراضٍ منبسطة تتخللها أراضٍ صخرية وتنتشر فوقها بعض الكثبان الرملية. وفي ِأقصى الجنوب تأخذ الأرض بالانبساط ما عدا منطقة جبل سنام.
وتوجد في هذا القسم مجموعة من الوديان التي يسميها البدو (شعبان) تنحدر نحو حوض الفرات. الأمطار قليلة في هذه الهضبة فلا يزيد معدلها السنوي في قرية السلمان مثلاً على 7,2 سم فقلّ ترحال القبائل فيها لقلة المراعي وندرة مياه الشرب وتبرز أهمية البادية من الناحية الحضارية في أنها كانت مصدراً لهجرات الأقوام الجزرية إلى العراق منذ أقدم عصور التاريخ.
3 ـ السهل الرسوبي
يبلغ طول هذا السهل 650 كيلومتراً وعرضه 250 كيلومتراً، ويشغل حوالى 20% من مساحة العراق، ويمتد بين مدينة سامراء على دجلة ومدينة هيت على الفرات من جهة الشمال، والحدود العراقية الإيرانية من جهة الشرق، والهضبة الصحراوية من جهة الغرب، والبادية الجنوبية والخليج الفارسي من جهة الجنوب. يتراوح ارتفاع السهل بين مستوى سطح البحر و100 متر فوق هذا المستوى.
ولذلك يقل فيها انحدار مجاري الأنهار، إذ يبلغ الحد الأقصى لانحدار مياه الفرات 10,5 سم وانحدار مياه دجلة 6,9 سم في الكيلومتر الواحد. ولا يزيد ارتفاع سطح الأرض عند بغداد أكثر من 32 متراً عن سطح البحر.
تكوّن هذا السهل نتيجة الرواسب التي تنقلها مياه دجلة والفرات من الشمال، والرواسب التي تأتي بها السيول المنحدرة من وديان الهضبة الصحراوية مثل وادي حوران والأبيض والبطن. ولقد ملأت المنخفض الكبير الذي تحتله هذه المنطقة. ويُعْتَقَد أن هذه الرواسب كانت في بداية تكون السهل أكثر ما هي عليه الآ ن لشدة الانحدار بين المرتفعات الشمالية وبين الالتواء المنخفض ولغزارة الأمطار في العصور المطيرة القديمة. ويترسب معظم المواد العالقة بمياه دجلة والفرات في الوقت الحاضر في الأهوار والمستنقعات المتناثرة في السهل الرسوبي، ويصل القليل منها إلى الرواسب ولم تملأ منخفض السهل الرسوبي بدرجة متساوية إذ لم تزل هناك منخضفات على شكل أهوار ومستنقعات. ويفسر بعض الباحثين وجودها بهبوط حوض السهل الذي انخفض وما يزال ينخفض لثقل الرواسب وللحركات التكوينية في داخل الأرض. ويعتقد البعض الآخر أن المنطقة المحيطة ببغداد قد انخفضت وجذبت إليها مجرى النهرين دجلة والفرات واتجه نحوها مجرى نهر العظيم وديالي أيضاً. ويرى فريق آخر أن تكوين المستنقعات والأهوار ظاهرة طبيعية تصاحب تكوين دلتا الأنهار. فالأنهار وفروعها تملأ عادة المناطق المجاورة لها أكثر مما تملأ المناطق البعيدة عنها، وحدث أن بدلت الأنهار مجاريها عدة مرات في العصور القديمة فكونت في المناطق التي جرت فوقها ضفافاً عالية وتركت أرض واطئة بين مجاريها، وبعض هذه المناطق الواطئة كانت وما تزال تصل إليها مياه الفيضانات مكونة أهواراً ومستنقعات. وتقدر المساحة التي تشغلها الأهوار الآن زهاء 15 ألف كيلومتر مربع ويمكن تقسسيمها إلى ثلاث مجموعات، هي:
1ـ الأهوار الشرقية في منطقة دجلة وأكبرها هور الحويزة وهور شويجة.
2 ـ الأهوار الوسطى في منطقة الفرات مثل الحبانية وأبو دبس,
3 ـ الأهوار الجنوبية وأكبرها هور الحمّار بين الناصرية والبصرة.
من تاريخ العراق القديم
في الطرف الأعلى من الخليج تمتد أرض العراق سهلاً منبسطاً واسعاً، يجري فيه على طوله نهرا دجلة والفرات من الشمال إلى الجنوب، يقتربان حينا ويبتعدان حيناً آخر حتى يلتقيا قرب نهاية ذلك السهل ليكونا نهراً واحداً هو (شط العرب) الذي يصب في الخليج بعد أن يمد الأرض بمعين الحياة لتزهو فيها حقول الحبوب والخضار، وتنضر بساتين النخيل وأشجار الفواكه، فتجعله من أخصب سهول الدنيا وأغنى بقاع الله على الأرض.
وتطل على الأطراف الشمالية الشرقية من سهول العراق رواب، ومن ورائها سلاسل من الجبال العالية تمتد متوازية حيناً ومتلاقية حيناً آخر، تداعبها الغيوم وتتوج بعض هاماتها الثلوج، وتكسو سفوحها الخضرة.
وتتصل أطرافه الجنوبية بمياه الخليج التي تفتح له منافذ رحبة تذهب بعيداً إلى أقطار الهند وما وراءها.
أما أطرافه الغربية فمفتوحة إلى جزيرة العرب.
لقد كشفت الآثار والتنقيبات أنه منذ أول إشراقات الحضارة البشرية، كان العراق موطناً للإنسان وتحتفظ المتاحف اليوم بآثار تعود إلى ما وراء الخمسين ألف سنة للحياة البدائية المبكرة في أرض العراق ولتؤكد وجود إنسان (اليندرتال) الأول فيه.
غير أن الإنسان الموغل في القدم في العراق لم يجمد على الحياة البدائية وإنما عمل على النمو والتقدم، فأصبحت الحياة في العراق تعني الحضارة. وقد ظهر ذلك جلياً منذ أوائل الألف الخامس قبل الميلاد في عدد من المستوطنات البشرية في أواسط العراق، وعند السومريين وهم بناة أول حضارة في تاريخ البشر.
ويعد السومريون في تاريخ العراق من أقدم الشعوب العريقة التي استطاعت وضع لبنات الحضارة الأولى في القسم الجنوبي من العراق القديم الذي عرف ببلاد سومر. وقد سكن السومريون المنطقة الممتدة من حدود مدينة (نفر) إلى أقصى الأراضي الجنوبية من وادي الرافدين. وكان يجاورهم إلى الشمال من هذه المنطقة مباشرة الأكديون الذين هم من القبائل التي نزحت من جزيرة العرب واستوطنت العراق في وقت مبكر جداً. وقد عاش هؤلاء جنباً إلى جنب مع السومريين وتفاعلوا معهم قبل أن يتمكنوا من الاستيلاء على دفة الحكم.
وخلافاً للسومريين الذين ما يزال أصلهم وأصل لغتهم مجهولين إلى الآن، فإن الأكديين يمثلون واحدة من أقدم هجرات قبائل الجزيرة إلى وادي الرافدين. كما أن لغتهم تعود في أصولها إلى أسرة لغات الجزيرة الأم التي تفرعت إلى فروع منها الأكدية والبابلية والآشورية والعربية والعبرية والآرامية. وهي التي كانت تسمى باللغات السامية.
ثم جاء العصر البابلي القديم وهو الحقبة الواقعة بين حدود سنة « 2006- 1595ق.م.» ومن أهم أحداث هذا العصر دخول موجة بشرية جديدة إلى وسط وجنوب العراق هي الموجة الآمورية من القسم الشمالي الغربي (الجزيرة الفراتية)، وسيطرت هذه الفئة سياسياً على غالبية البلاد، وشكلت سلالات أو ممالك في عدة مدن منها، ثم وحدت العراق إحدى السلالات التي كونتها فئة من هذه الموجة عرفت بسلالة بابل الأولى. وأشهر ملوك هذه السلالة هو ملكها السادس حمورابي الذي حكم اثنتين وأربعين (سنة 1793ـ1751ق.م).
وكان اختيار الأموريين بابل عاصمة لمملكتهم موفقاً لأنها تقع وسط العراق تقريباً ووسط المناطق التي يتركز فيها العمران والسكان إلى جانب منطقتها الجغرافية. وقد جلب الألف الثاني ق.م. إلى بابل كثيراً من الرخاء وخاصة زمن الملك حمورابي.
وبعد فترة حكم الكشيين في العراق رغم طولها (1595 ـ 1157ق.م) أكثر حقب التاريخ البابلي غموضاً لقلة المصادر المدونة والآثار الخاصة بها، ولذلك اعتبرها الكثيرون فترة مظلمة. والكشيون أجانب لا نعرف عنهم شيئاً قبل غزوهم البلاد، ولا كيف دخولها، وهم في الأصل من المنطقة الوسطى لسلسلة جبال زاكروس المعروفة الآن بلرستان.
أقدم ما وصل إلينا من خرائط العراق ونترك الكلام هنا للدكتور أحمد سوسة
إن أقدم خارطة معروفة من التاريخ القديم كانت قد وضعت في بابل قبل حوالي أربعة آلاف سنة وقد رسمت على لوح من الطين وهي تصور منطقة الفتوح التي تمت على يد سرجون السامي ملك أكد (2300ق.م). وهي تمثل العالم بأسره بالنسبة لذلك العصر. وكان الرأي السائد في تلك العصور القديمة أن الأرض سهل فسيح على شكل دائرة أو جزيرة متسعة يحيط بها بحر سيماوي لا نهاية له وإن على أطرافها بلاد يسكنها الجنس البشري وغيرهم من الأشباح الوهمية، وغلب على الناس زعم أن الأرض طافية على المياه، والخارطة التي بين أيدينا هي عبارة عن دائرة تضم بلاد بابل وبلاد آشور ثم الجبال في الشمال باعتبارها مركز العالم وقد انتشرت مواقع المدن الأخرى على شكل دوائر صغيرة.
ويحيط بهذه الدائرة الأقيانوس السماوي (المطر) وعلى أطرافه جزر رسمت على شكل مثلثات دونت عليها المسافات، واللوح الأصلي الذي رسمت عليه هذه الخريطة محفوظ في خزانة المتحف البريطاني (انظر خارطة العالم كما وضعها البابليون قبل 4000 سنة الخارطة رقم 1).
وهناك خرائط أخرى تعد أقدم الخرائط المعروفة من العالم القديم وقد وضعت في العراق أيضاً، منها خارطة كادستر وتعود إلى عهد حكم سلالة أور الثالثة في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد (عهد أبي سن 1969-1945 ق.م)، وهذه هي أقد خريطة كادسترو معروفة من العالم القديم تشتمل على مقاطعة من الأراضي تبلغ مساحتها حوالى (800) دونم عراقي (1) وقد قسمت إلى قطع بأشكال ذوات أضلاع مستقيمة مسحها مساحان ودونت نتائج ذرعاتها عليها بالمقياس القديم المعروف بالإيكو. والإيكو هو أحد المقاييس البابلية القديمة للذراعات المربعة ويساوي دونماً عراقياَ تقريباً.
وقد عثر على هذه الخريطة في خرائب (تلو) بجوار بلدة الشطرة في منطقة الغراف وهي مرسومة على لوح من الطين محفوظ في متحف استنبول في الوقت الحاضر (انظر الخارطة رقم 2). والمهم في هذه الخارطة أن الأسلوب المتبع في مسح الأرض بحيث يمكن القول أن ما نتبعه اليوم في المسح بهذه الطريقة يعود بالأصل إلى عهد الحضارة البابلية.
وقد عثر على خارطة أخرى مماثلة في إطلال مدينة (أوما) القديمة المعروفة بقاياها اليوم بـ(تل جوخة) ويقع هذا التل في منطقة الغراف أيضاً يربي تاريخ هذه الخارطة إلى نفس العهد الذي تعود إليه الخارطة السابقة وقد تمّ مسح قطعة الأرض على هذه الخارطة، وقد سميت بحقل (إيكوردار)، بالطريقة نفسها التي اتبعت في مسح الخارطة المتقدمة وكان هذا الحقل البالغ مساحته حوالي (60) دونماً عراقياً قد مسح بأمر الملك (بورسين) ثالث ملوك سلالة أور الثالثة في السنة الثانية من حكمه وقد خصص إلى الآلهة (نينورا) زوجة الإله (شارا) الإله الرئيس لمدينة (أوما). وكانت العادة أن توقف أراضٍ زراعية معينة على الآلهة لإنفاق عائدها على المعبد (انظر الخارطة رقم 3).
ومن الخرائط القديمة الأخرى التي عثر عليها خريطة تصور جانباً من مدينة (نفر السومرية) كانت قد وضعت في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد وقد عثر عليها في مدينة (نيبور) القديمة المعروفة بقاياها اليوم بإسم تلول (نفر) وهي تقع على مسافة حوالى سبعة كيلومترات إلى الشمال الغربي من مدينة عفك الحالية، وهي التلول التي ترجع آثارها إلى العهد السومري البابلي القديم.
وقد رسمت هذه الخريطة على لوح طيني وهي تصور القسم الشرقي من مدينة (نفر) القديمة ويقع هذا القسم على ساحل نهر النيل القديم الذي يشطر المدينة إلى شطرين متساويين تقريباً. وتبلغ مساحة هذا القسم حوالى مائة دونم عراقي. وقد كتب في وسط الخريطة اسم (إين ـ ليل ـ كي) أي (نيبور). وأهم ما في هذا القسم من المدينة المعبد المسمى (أي كور) وقد أحيط بسور فيه عدة أبواب ويحاذي السور في الزاوية اليسرى منه بنايات تشير الكتابة فيها إلى أنها خاصة بالمخازن. وفي أعلى الخريطة نهر واسع يمتد بمحاذاة السور من الخارج سمي (أود ـ كيب ـ نون ـ هي) أي الفرات والمهم في هذه الخريطة أنها اتخذت دليلاً الحفريات فكانت النتائج السابقة لما رسم عليها (انظر الخارجة رقم 4).
ومن الخرائط ذات الصبغة الطوبوغرافية خريطة عثر عليها بين إطلال مدينة (نوزي) القديمة الواقعة في جوار كركوك وقد وضعت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد لتعيين موضع مقاطعة معينة بالنسبة إلى المناطق المجاورة لها. والبارز في هذه الخارطة أنها تشير إلى الغرب والشرق والشمال، أما الجنوب منها فقد ثلم القسم الذي كانت الكتابة عليه. وتشاهد في هذه الخارطة سلسلة من الجبال في الحدود الشرقية وسلسلة أخرى في الحدود الغربية كما يشاهد مجرى نهر رئيسي يتفرع منه جدول ذو ثلاثة صدور.
وقد ذهب بعض خبراء الآثار إلى أن من المحتمل أن يكون النهر الكبير نهر دجلة وذهب البعض الآخر إلى أنه نهر الفرات. أما رأيي الخاص فهو أن المجرى هو مجرى نهر الزاب الصغير والجدول الذي يتفرع منه هو جدول الفيل القديم الذي يرجع تاريخه إلى عهود سحيقة ويقع في منطقة الحويجة الحالية (انظر الخارطة رقم 5).
وهناك خارطة خاصة بتنظيمات الري يعود تاريخها إلى العهد الكاشي أي إلى قبل حوالى 3500 سنة في منطقة نفر القديمة وهي توضح طراز الحياة الريفية القديمة وكيفية تنظيم جداول الري وتثبيت ملكيات الحقول والقرى الزراعية. والظاهر من الكتابات على الخارطة أن هذه الخارطة وضعت لتثبيت موقع حقل ملكي بالنسبة إلى الحقول المجاورة بدليل أنها وجدت بين السجلات الملكية التي عثر عليها في (نفر) ويشاهد موضع هذا الحقل في وسط الخريطة وقد كتب عليها (حقل القصر).
ويلاحظ أن القرى أشرت في الخارطة على شكل دوائر كتبت داخلها أسماء القرى. ومما يلفت النظر إن هناك طريقاً عاماً يمتد إلى القرية الجنوبية أشر عليه أنه (ملك عام). واللوح الذي رسمت عليه هذه الخارطة محفوظ في متحف جامعة بينسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية (انظر الخارطة رقم 6).

يتضح مما تقدم أن العراق كان أول من وضع أسس فن صناعة الخرائط وعلم المساحة ثم جاءت بعد ذلك الحضارة اليونانية فأخذت عن الحضارة البابلية حيث نبغ عدد من علماء اليونان وفلاسفتهم فكان أول من حاول رسم خارطة للمسكونة كلها الفيلسوف أناكسيماندر وكان ذلك سنة 560 قبل الميلاد فجعل بلاد اليونان مركز المعمورة وسائر البلدان تحيط بها، ثم قام هيكاتايوس فصمم خارطة للعالم سنة 517 قبل الميلاد واستمر علماء اليوان في تتبعاتهم حتى ظهر بطليموس في أواسط القرن الثاني للميلاد فوضع خرائط مفصلة وألّف كتاباً في الجغرافيا. وأعقب ذلك خمول دام أكثر من أربعة قرون حتى برز العهد العربي الإسلامي على مسرح الحضارة البشرية فازدهرت فيه العلوم وسطع نور الاجتهاد والدرس والاستقصاء في سبيل اكتشاف أسرار هذا العالم فراج سوق الجغرافيا حتى بلغ أوج تقدمه في عهد المأمون وترعرع حتى أصبح الركن الأساسي الذي تستند إليه الدراسات الجغرافية في هذا العصر.
ولقد مرت حقبة ضعفت فيها السلالة الكشية وتميزت بتهديد الآشوريين والعيلاميين وهجماتهم على بلاد بابل.
وبعد العصر الكشي عصر جمع وترتيب لتراث البلاد الأدبي الذي جمع على نطاق واسع في العصر البابلي القديم ورتبت المعاجم وكتب الفأل.
وعرفت سلالة الكشيين بسلالة بابل الثالثة التي دام حكمها أكثر من أربعة قرون (1595 ـ 1157ق.م).
وسقط الحكم «الكشي» بهجوم العيلاميين على بابل في حدود 157ق.م. ودمّر العيلاميون خلال غزوهم العاصمة بابل ومدناً أخرى.
وعلى الرغم من اعتداءات العيلاميين المتكررة ومحاولتهم تكريس الاحتلال إلاّ أن البابليين لم يذعنوا وظلوا في تمرد مستمر حتى استطاعوا طرد الحامية العيلامية وإقامة سلالة وطنية جديدة التي دعيت بسلالة بابل الرابعة.
ومن هذه السلالة جاء ملكها الرابع (نبوخذنصر) ([744]) الأول الذي يعد واحداً من أشهر ملوك بلاد وادي الرافدين ممن استطاعوا مقارعة العيلاميين ووضع حد لتجاوزاتهم واعتداءاتهم على البلاد، وقد حكم زهاء إحدى وعشرين سنة (1124 ـ 1103ق.م) أعاد خلالها هيبة الحكم إلى البلاد ورفع من معنويات الشعب بعد أن خيّم عليه كابوس الاحتلال طيلة العصر الكشي الذي جاوز أربعة قرون ومن بعده الاحتلال العيلامي على ما أشرنا إليه من قبل.
وقد استطاع نبوخذنصر الأول هذا مهاجمة (عيلام) وتحقيق نصر ساحق عليها، ومن بعده واجهت بلاد بابل تحديات من الآشوريين الذين عادوا قوة فعّالة في شمال وادي الرافدين، كما واجهت ضغوطاً من القبائل الآرامية. على أن الأمر انتهى إلى تصادم عسكري بين الآشوريين والآراميين.
وكان الآشوريين قد استقروا في القسم الشمالي من العراق ربما في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، واندمجوا بالسكان الذين عرفوا بالسوباريين وتكلم الآشوريون لهجة من لهجات اللغة الأكدية، وهي اللغة التي انتشر استعمالها في أنحاء العراق منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد حتى أواخر الألف الأول قبل الميلاد، واستخدموا الخط المسماري الذي ابتدعه السومريون وطوّره الأكديون والبابليون. وكان التشابه الحضاري الكبير بين الشمال والجنوب في العراق ولا سيما بين الأكديين والآشوريين في عهدهم القديم قد دفع البعض إلى الاعتقاد بان الآشوريين كانوا قد استقروا في بداية أمرهم في جنوبي العراق ثم نزحوا إلى الشمال في فترة متأخرة نسبياً.
ومنذ أن استوطن الآشوريون القسم الشمالي من العراق عرفت المنطقة في النصوص المسمارية ببلاد آشور. وقد توالى على حكم بلاد آشور عدد من الملوك الأقوياء استمر في عهدهم نمو قوة الدولة الآشورية. وكانت بلاد آشور مهددة بالأخطار من جهاتها المختلفة حيث كانت القبائل والأقوام المجاورة لها تعمل على تقويض سلطانها، وكان على الملوك الآشوريين أن يعملوا جاهدين لمواجهة تلك الأخطار. وقد خلقت تلك التحديات قادة عظاماً وجيشاً قوياً.
وعندما انتهى سنة 612قِ.م. كيان الدولة الآشورية السياسي وأسدل الستار على أعظم وأقوى أمبراطورية عرفها التاريخ القديم حتى حينئذٍ، ظلت الحضارة الآشورية وتأثيراتها على الأقوام والبلدان المعاصرة لها ظاهرة تحكي قصة الأشوريين ومجدهم.
وكانت نهاية الأمبراطورية الآشورية نتيجة للتحالف البابلي بقيادة (نبوبولاصر) والماذي بقيادة (كي أخار) وكان الفرعون المصري (ينخو) الثاني (610 ـ 595ق.م) قد جرد حملة عسكرية نجدة لحليفه الملك الآشوري فاستولى على سوريا ومملكة يهوذا ثم (كركميش) على الفرات التي تعتبر ذات أهمية عسكرية كبيرة بالنسبة لسلامة الدولة البابلية، لذلك أرسل (نبوبولاصر) جيشاً عهد بقيادته إلى إبنه (نبوخذنصر) لطرد المصريين فانتصر البابليون وطردوا المصريين وبينما كان نبوخذنصر متجهاً بجيشه إلى مصر بلغ خبر وفاة والده فعاد إلى بابل تاركاً قيادة الجيش لأحد رجاله. وظل بعد ذلك يتردد على سوريا بقواته، وفي هذه الأثناء ثار (يهوياكيم) اليهودي في فلسطين على نبوخذنصر بتحريض من الملك المصري. ولكن الملك البابلي أخمد الثورة اليهودية، ودخل نبوخذنصر القدس في 10 آذار سنة 597ق.م. وحمل معه إلى العراق ما يقرب من الثلاثة آلاف من أسراء اليهود وفيهم النبي (حزقيال) المدفون في الكفل التابعة لمحافظة الحلة. وقام اليهود بثورة ثانية على نبوخذنصر، فحاصر الملك البابلي القدس ثم سقطت في يده، فعاد هذه المرة إلى بابل بأكثر من خمسين ألف أسير يهودي.
ويظهر من الكتابات اليهودية أن الذين تمّ أسرهم وإسكانهم في بابل من اليهود قد عاملتهم السلطة البابلية معاملة حسنة للغاية وأعطتهم الحرية لحكم أنفسهم بأنفسهم وممارسة عباداتهم الخاصة والعمل كما يشاؤون.
وفي سنة 539ق.م. دخل كورش الفارسي العراق غازياً حيث اصطدم بالجيش البابلي وانتصر عليه ودخل بابل. ويبدو أن اليهود ساعدوه على احتلال بابل لذلك سمح لهم بالعودة إلى فلسطين.
وقد طبّق كورش في بابل سياسته الخاصة بالانفتاح على أهالي المناطق التي يحتلها فاحترم المعتقدات البابلية. واستمر الحكم الأخميني الفارسي في بابل حتى مجيء الإسكندر في عهددارا الثالث وتقابل الجيشان الفارسي والمكدوني في كوكميله (تل كومل 35 كيلومتر شرق الموصل) قرب نهر الزاب الأعلى سنة 331ق.م. فانتصر الإسكندر وهرب دارا الثالث ثم قتله أحد حكام الأقاليم الشرقية. وتوجه الإسكندر إلى بابل فاستسلمت له.
وبعد وفاة الإسكندر وما أعقبه من خلاف على عرشه تمّ توزيع مناصب حكام الأقاليم على القواد. وأصبح أحدهم سلوقس حاكماً على إقليم الشرق وبضمنه العراق واستطاع سنة 311ق.م أن يشتهر باسم سلوقس الأول نيكاتور. وأصبحت بابل ركناً رئيسياً من أركان الإمبراطورية السلوقية، وبالرغم من أنها لم تعد العاصمة بعدما أسس سلوقس عاصمته سلوقيا على نهر دجلة وأسكن فيها 600 ألف شخص من بينهم قسم من سكان بابل أنفسهم الذين رحلوا إليها وذلك قبل أن ينتقل إلى عاصمته الثانية أنطاكية فيما بعد. وقد أصبح سلوقس سيداً بلا منازع على إمبراطورية هيلينستية شرقية كبيرة تمتد على الأقاليم التي فتحها الإسكندر من حدود الهند حتى البحر المتوسط.
وجاء القرن الثاني قبل الميلاد وبلاد الرافدين غارقة بالدم نتيجة للصراعات بين المكدونيين وبتشجيع من روما، ولقد ساعد هذا على ظهور الفرثين قوة في شمال إيران، وأخيراً دولة محاذية للإمبراطورية السلوقية في القرن الثاني ق.م. مما جعلها مصدر خطر على الحكام السلوقيين.
وخلال الفتن والنزاعات على العرش في بابل استطاع الفرثيون الوصول إلى بابل سنة 153ق.م. ولكنها استردت منهم سنة 141ق.م. ثم استعادوها سنة 140ق.م.
وقد استمرت الإمبراطورية الفرثية في حكم المنطقة بأكملها وبضمنها بلاد الرافدين إلاّ أن الضغف أصابها نتيجة حروبها المستمرة مع الرومان، وقد قامت آخر الثورات الداخلية في الأعوام 220م. ـ 227م. وتحالف الثائرون مع أردشير بن بابك بن ساسان فقتل الملك الفرثي فولغاش (ولجش) الخامس في إحدى هذه الحروب وحلّ معه أرطبان الخامس الذي اندحر وقتل سنة 226م وهرب بقية الفرثيين إلى الجبال بقيادة ابنه الذي استمر يحارب الساسانيين بضع سنين ثم أسر وأعدم في طيفون (المدائن).
وهكذا حكم الساسانيون بلاد الرافدين طيلة الحقبة التي بدِأت باستيلاء أردشير على الحكم منتزعاً العرش من الفرثيين حتى الفتح الإسلامي.
جنوب العراق مهد الحضارات الإنسانية الأولى
تعاقب على العراق (بلاد ما بين النهرين) العديد من الحضارات الإنسانية على مرّ العصور، وكان لها دور متميّز في تاريخ العراق القديم وانطلقت منها صنوف المعرفة كالعلوم والآداب والفنون والعمران. وشهد جنوب العراق بزوغ أولى هذه الحضارات، وكانت مدينة «أور» مسقط رأس النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، و«الوركاء». اللتان ما زالت آثارهما قائمة إلى يومنا هذا ـ دليلاً على عراقة هذه المنطقة، إذ كانتا تعتبران من المدن الحضرية المأهولة بالسكان وبصورة مستمرة منذ حوالي أربعة آلاف عام قبل الميلاد وحتى القرن الخامس الميلادي.
وسكن هذه المنطقة التي يعود تاريخها إلى ستة آلاف عام السومريون والأكديون والبابليون والكيثيون، وشيّدوا فيها المعابد والقصور ثم حكمها الآشوريون فالكلدانيون والفرس والأخمينيون، وبعدهم أنشأ الإغريق السلوقيون والفرثيون منشآت ضخمة، وفتحها المسلمون العام 14هـ (635م).
وكانت محط اهتمام الآثاريين والمستشرقين والسواح، لكنها عانت خلال العقود الثلاثة الأخيرة الكثير من الظلم والاضطهاد والإهمال، إذ تمّ تفريغها من معظم سكانها الأصليين وتغيير بيئتها وطبيعتها الخلاّبة ـ التي كانت تتمثل بالتراث الجميل والرائع لبيوت القصب المنتشرة في الأهوار وقد منحتها طابعاً سحرياً أضفى على المنطقة البهجة والسرور للسائحين والزوار ـ وذلك بعد أن قامت السلطة الحاكمة بتخفيف معظم الأهوار، والقضاء على الكثير من المصادر الاقتصادية الرئيسية كالثروة السمكية والطيور والحيوانات المائية ونباتات القصب والبردي.
وهكذا أضحت منطقة جنوب العراق في الآونة الأخيرة من المناطق المنكوبة، بعد أن كانت مسرحاً لمعارك طاحنة استمرت سنوات عدة واستعملت فيها أنواع الأسلحة المحرمة دولياً.
أور
أما أشهر المدن الأثرية في جنوب العراق فهي:
أور: تعد من أشهر المدن الحضارية في العراق، إذ كانت عاصمة للسلالات السومرية الثلاث، وظلت مركزاً للإشعاع الحضاري على مدى قرون عدة. وقد ورد ذكرها في الكتب القديمة، كما جاء اسمها في الكتب والمصادر التاريخية الإسلامية كتاريخ الأمم والملوك للطبريِ. وتقع المدينة على بعد 15 كيلومتراً. جنوب غرب مدينة الناصرية، وعلى بعد 365 كيلومتبراً جنوب بغداد. الأدوار الحضارية التي مرت بها أور هي:
1 ـ الدور الحضاري الأول: وهو دور العبيد ويعد أقدم دور حضاري في حياة المدينة، ويمكن أن يكون السومريون الأوائل هم أناس هذا الدور.
2 ـ الدور الحضاري الثاني: وقد عرف بدور جمدة نصر في حدود 2900 قبل الميلاد (عصور ما قبل السلالات) وهو الذي أعقب دور الوركاء الأخير، وتميز بالرقي الحضاري متمثلاً بالكتابة وفن النحت والحفر على الأختام.
3 ـ الدور الحضاري الثالث: وهو عصر فجر السلالات: ويعد رقي النحت المجسم وصناعة الذهب والتطعيم وصناعة الأختام الاسطوانية من أبرز مظاهره الحضارية. وقد خضعت مدينة أور لحكم سرجون الأكدي الذي وحّد القسمين الأوسط والجنوبي في العراق القديم للفترة من 2371 ـ 2230 قبل الميلاد، فعاشت المدينة فترة ركود انتهت بقيام حاكمها «أورنمو» بثورة استطاع من خلالها تأسيس حكم السلالة الثالثة 2113 ـ 2006 قبل الميلاد. وتعد فترة سلالة أور الثالثة العصر الذهبي في تاريخها، إذ أصبحت المدينة عاصمة سياسية ودينية كبيرة. ويعتبر «أورنمو» من أوائل المشرعين في تاريخ العراق القديم، ومن الأعمال البارزة التي تركها ملوك «أور»: بناء الصروح المدرجة (الزقورات) في أور والوركاء ونفر وأريدو، فضلاً عما خلفوه من تراث ثقافي تمثل بالكتابات المسمارية.
ثم دخلت «أور» عهداً جديداً من الركود بعد سقوط حكم هذه السلالة على يد العيلاميين الذين عاثوا فيها خراباً وأهملوها لفترة دامت حوالي مئتي عام. وظلت المدينة في ركودها السياسي والحضاري إلى أن عاد إليها الاهتمام من قبل الملك «كوريكالزو الثالث» 1345 ـ 1324 قبل الميلاد، إذ رمم بعض أبنيتها، وأعاد بناء هيكل نيتار، وجدد أساس زقورتها. وبعد أن استطاعت الدولة الآشورية بسط سيطرتها على العراق وطرد العيلاميين، ظلت «أور» تعيش وضعاً قلقاً يتراوح بين الإهمال والتعمير، إلى أن جاء الملك الكلدي نبوخذ نصر الثاني الذي رمم القسم الأكبر من أبنيتها، ومن بعده أعاد الملك نبونائيد بناء الزقورة، وبنى قصراً، بالإضافة إلى أعمال أخرى. وظلت هذه المدينة الأثرية وخلال قرون عدة بحاجة إلى من يعيد إليها مجدها ورونقها العمراني.
بقاياها الأثرية
مدينة أور المسكونة على شكل مستطيل طولها 1200 متر وعرضها 700 متر، يحيط بها سور بيضوي الشكل شيّد من اللبن، يتسع من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي. وأبرز معالمها العمرانية:
1 ـ البرج المدور (الزقورة): بدأ ببنائها في زمن أورنمو وربما أكمل البناء بعده ابنه شولكي، وهي عبارة عن بناء مشيّد من اللبن مغلف بالطابوق (الآجر)، تتجه زواياه الأربع إلى الجهات الرئيسية، وتتكون من طبقات عدة يعلوها معبد صغير، هو المعبد العلوي. ولها ثلاثة سلالم بجانبها المعبد السفلي، ويحيط بهذه الأبنية فناء واسع وسور فيه غرف لسكنى الكهنة والإدارة والحرس. والارتفاع الحالي للزقورة يبلغ 17,50 متر ويقدر في الأصل بـ 26 متراً. وجوانب الزقورة الأربعة مزينة بطلعات ودخلات.
وتعتبر زقورة أور مثالاً حياً للفن المعماري للمعابد العالية المتبقية في العراق. وتمت إعادة بناء طابقها الأول بأركانه الأربعة، والسلم الرئيسي وملحقاته والبرجين الساندين للسلم الوسطي بالأسلوب الهندسي القديم، إضافة إلى صيانة الكثير من جدرانها والطلعات والدخلات، وتبليط الصحن الكائن في نهاية السلالم العلوية وغير ذلك من قبل المؤسسة العامة للآثار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد طبقات هذه الزقورة أصبح سبعاً في العصر البابلي الحديث.
2ـ المعابد: شيّدت في مدينة أور معابد كثيرة وفي أماكن مختلفة فيها وأشهرها:
*ـ معبد نن ـ كال: ويقع أمام الواجهة الجنوبية الشرقية للزقورة، وهو مبني باللبن، وتمّ العثور فيه على مجموعة نفيسة من الآثار، وكذلك في المطبخ الكائن خلف محراب الهيكل.
*ـ معبد نون ـ ماخ: ويعود تاريخه إلى سلالة أور الثالثة، ويقع شرق معبد دب ـ لال ـ ماخ، وإلى شمال شرق الزقورة، وقام نبونائيد بترميمه.
*ـ معبد أنكي: بناه الملك أمر ـ سن، ويقع جنوب شرق المدينة، يحيط به جدار مستطيل، وعلى جوانبه غرف ومرافق تشرف على الساحة الداخلية.
*ـ معبد كيك ـ بار ِـ كو: ويعود تاريخه إلى عهد الملك أمر ـ سن، حفيد أورنمو، وهو مستطيل الشكل وقد جُدد بناؤه في عهد الملك نبونائيد، وقد وجدت فيه مجاميع أثرية تعود لعهود مختلفة.
*ـ معبد الميناء: ويقع جنوب قصر نبونائيد، شيّد في زمن نبوخذنصر الثاني. وهناك معبد آخر قرب الزقورة يعود إلى العصر الكشي.
3ـ القصور: وتعتبر من أهم معالم مدينة أور الأثرية، ومن أشهرها قصر شلوكي، وهو على شكل مربع طول ضلعه 55 متراً، وتتميز جدرانه بالضخامة وهي مشيّدة بالطابوق (الآجر) والقار، كما يتميز القصر بكثرة ممراته ومرافقه. وهناك قصر آخر يقع في شمال ِشرق المدينة يعود تاريخه إلى زمن نيونائيد.
4ـ البيوت السكنية: وتقع في القسم الجنوبي الشرقي للمدينة، وتقسم إلى بيوت وأزقة تلتقي بنقطة المركز، وهذه البيوت تتشابه في تصاميمها إلى حد كبير وقد شيّدت أسسها بالآجر والطين. أما جدرانها فقد شيّدت باللبن والطين. وهناك مجموعة البيوت البابلية، إلى جانب مجموعة بنائية تقع جنوب الزاوية الجنوبية للزقورة.
5ـ المقبرة الملكية: وتقع شرق منطقة المعابد، وهي من أغنى المقابر المكتشفة في العراق القديم وأغلبها يقع في المنطقة الجنوبية من المقبرة.
مدينة الوركاء الأثرية
تعتبر هذه المدينة الأثرية الواقعة إلى الشرق من مدينة السماوة في جنوب العراق بحوالى 30 كبلومتراً، إحدى أشهر المدن السومرية القديمة، وهي أطلال المدينة التاريخية «أوروك» التي ورد ذكرها في التوراة «أراك». وكانت هذه المدينة سابقاً تطل على نهر الفرات قبل أن يغير مجراه، وتبعد عنه حالياً حوالى 12 كيلومتراً. ولعبت الوركاء دوراً كبيراً في حضارة وادي الرافدين لمدة طويلة، وتعود أهميتها إلى عاملين رئيسيين هما العلوم والدين، ويؤكد ذلك القطع الطينية الأثرية التي يعود تاريخها إلى بداية الكتابة قبل خمسة آلاف عام.
وتنبع أهميتها كذلك من أنها كانت مركزاً لعبادة الآلهة أينانا، والتي هي عشتار في بابل، وكان يرمز لها بكوكب الزهرة (فينوس). وهذه الآلهة ظهرت عند الإغريق والرومان باسم «فينوس» أو«أفرودويت». وكانت الوركاء تعد من أبرز المراكز الدينية والمدنية، والتي استمرت السكنى فيها حتى عصر صدر الإسلام.
مرت المدينة بأدوار تاريخية وهي:
1ـ عصر العبيد: (4500 قبل الميلاد إذ تقدمت المدينة في مضمار الحضارة التي تجلت في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد (عصر الوركاء)، متمثلة بفن العمارة وذلك بتِشييد المعابد التي زينت بالمسامير الفخارية الملونة، فضلاً عن تطور الصناعة في مجالي التعدين والصياغة والنحت.
2ـ بدأ تدوين الحوادث التاريخية في 3000 قبل الميلاد، كالحروب وسير الملوك وما تمّ من أعمال عمرانية، فضلاً عن اثبات أسماء الملوك، وقد أشارت الأساطير السومرية إلى بعضهم، وأشهر ملوكها في الأساطير القديمة الملك كلكاش صاحب الملحمة المشهورة بإسمه.
3ـ في العام 2350 قبل الميلاد، أصبحت الوركاء في جملة ممتلكات سرجون الأكدي، الذي وحّد بلاد الرافدين. ولكنها ظلت مركزاً دينياً وعمرانياً وثقافياً مزدهراً.
تتألف بقايا الوركاء من تلول ومرتفعات، يبلغ مجموع مساحتها سبعة كيلومترات، وكان يحيط بها سور ضخم طوله حوالى 9,50 كيلومتر مازالت بقاياه قائمة إلى يومنا هذا، وكان له بابان وهو مكوّن من جدارين متلاصقين يبلغ عرض الجدار الداخلي نحو5 أمتار والخارجي نحو مترين، وتلاصق السور الداخلي سلسلة من أنصاف الأبراج عددها نحو 900 برج.
ومن أهم الآثار التي اكتشفت في المدينة زقورة اينانا التي يبلغ ارتفاعها 16 متراً، ِشيّدت فوق قاعدة مربعة اصطناعية، تبلغ أبعادها (60 متراًx 60 متراً). ويعود تاريخ هذه الزقورة إلى قبل أربعة آلاف عام في زمن أورنمو. واكتشفت في المنطقة المجاورة لهذه المدينة آثار المعبد، وآثار لمعبد آخر يعرف بمعبد إله السماء آنو، وقد شيّد من الآجر الطيني قبل خمسة آلاف عام، وبجانبه معبد آخر للإله آنو وزوجته ويعود تاريخ تشييده التقريبي إلى 2200 قبل الميلاد، وقد تمت صيانته في مراحل تاريخية مختلفة. كذلك توجد مبانٍ أخرى أحدث من المباني السابقة يعود تاريخها إلى 110 ميلادية، زيّنت واجهاتها بزخارف آجرية، وقد نقشت عليها صور الحيوانات وأشكال هندسية جميلة.
نُفّر
تعتبر إحدى الحواضر السومرية الكبيرة، إذ كانت في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد مركزا دينياً وثقافياً لبلاد سومر. وتقع على بعد 35 كيلومتراً تقريباً إلى الشمال الشرقي من مدينة الديوانية في جنوب العراق.
خضعت المدينة في بداية الألف الثالث قبل الميلاد للسومريين، ثم للأكاديين فالبابليين الكيشيين ثم الآشوريين. ويبدو ان ابتعاد نهر الفرات عنها يكمن وراء هجرة سكانها لها، فقد كانت مدينة كبيرة في العهدين الأموي والعباسي، ثم تركت حوالي 800 سنة بعد الميلاد.
أما أبرز معالمها العمرانية فهو البرج المدرج (الزقورة) وأبنية ومعابد أخرى متفرقة، أشهرها معبد «أنّا» سيدة الحب والحرب، والتي عرفت في العصر البابلي وما بعده بإسم عشتار.
أريدو
تقع أطلال هذه المدينة ـ المعروفة اليوم بتل «أبوشهرين» ـ في أرض قفراء، في منخفض غرب مدينة الناصرية بحوالي 40 كيلومتراً، وجنوب غرب أور بحوالي 18 كيلومتراً، وأريدو مدينة سومرية قديمة مقدسة كانت في عصور ما قبل التاريخ من أوسع المدن المعروفة في جنوب العراق، فآثار عصر العبيد منتشرة في داخلها بكثرة، وكذلك خارج سورها. وقد اعتبر السومريون هذه المدينة أول مدينة خلقتها الآلهة. وكانت في حدود سنة 3500 قبل الميلاد من أشهر المدن العراقية القديمة، وفي حدود سنة 2500 قبل الميلاد أصبحت مدينة المعابد، ومركزاً دينياً لا يسلكه إلاّ الكهنة والسدنة. وأبرز معالمها العمرانية الأثرية سورها الكبير ومبانٍ ومعابد شاهقة شيّدت من الحجر والجص.
رؤوف الأنصاري
جذور العربية قبل خمسة
آلاف عام في العراق
في أواخر العام 1989 نشرت مكتبة «المشرق» في لبنان نصاً محققاً لما أطلقت عليه أقدم نص أدبي في العالم. وجاء النص الذي سبق تحقيقه ونشره في اللغات الأوروبية على نطاق ضيق مفاجأة سواء بلغته أم ببنيته أم بتاريخ كتابته أم بمكان وجوده، النص عربي اللغة ينتمي إلى مدينة اكدية من مدن وسط بلاد ما بين النهرين والعراق هي (كيش)، وبنيته هي بنية التعاويذ المعروفة حتى الآن في التراث الثقافي العربي، ويرجع تاريخه التقريبي إلى أواسط الألف الثالث ق.م. أما كتابته فكانت بالحرف المسماري.
ويشبه المحققان ألبير نقاش وحسين زينة علاقة لغة النص بالعربية المعاصرة بعلاقة نص إنكليزي لشاعر مثل شوسر (القرن الرابع عشر الميلادي) بالإنكليزية المعاصرة، مع ملاحظة أن ما يفصلنا عن هذا النص الأكدي ليس ستمئة عام بل خمسة آلاف عام تقريباً.
إنه لأمر مدهش بالطبع أن نقرِأ في النص الأكدي هذه اللغة: «اخذ فاك ش رقت/ اخذ برمات عينك/ اخذ عرك ش تنت».
وهي الصبغة التي كان ينطق بها النص في العصر الذي كتبت فيه، ثم نستعين بالمعاجم العربية القديمة فنقرب هذا الكلام إلى عربيتنا المعاصرة فيصبح مع الحفاظ على التركيب الأكدي نفسه.
«اخذت فاك ذا الرقة/ اخذت الزرقاوين عينيك/ اخذت عرك ذا التنت».
وأخيراً نعيد تركيبه وفق تركيب اللغة العربية المعاصرة فتكون النتيجة هكذا: «اخذت فاك ذا الرقة/ اخذت عينيك الزرقاوين/ اخذت حرك ذا التنية»([745]) .
لم يقرأ نص أكدي بهذا المنهج من قبل على حد علمنا، وظلت القراءات معتمدة على الترجمات من اللغات الأوروبية التي كانت تسقط من النصوص الحروف الحلقية، فتستبدل الهمزة بالعين والهاء بالحاء… وهكذا.
وكان ما يصل بعد كل هذا نصوص ابتعدت عن الأصل درجتين. ولكن من الممكن أن نستدرك في هذا المضمار بقراءات العالِم الجليل طه باقر الذي انتبه إلى هذه المآزق، فبدأ يترجم عن الأصول المسمارية كما فعل حين أخرج ترجمة على جانب كبير من الأهمية لملحمة «جلكامش» في العام 1970.
ويبرر الباحثان هذه المنهج الذي يعتمد النقل من العربية إلى العربية مباشرة بالقول: «أننا لا نعدو نقل النص الأكدي إلى صورة تليق به. وتمكننا وتمكن القارئ معنا من تلمس الصلات التي تصل الثقافتين الأكدية والعربية».
الأمور الجديرة بالإيضاح في هذا الصدد متعددة، منها ما هو تاريخي ومنها ما هو لغوي. فحتى وقت قريب من الشائع بين الدارسين والمثقفين بعامة أن الحضارة السومرية في جنوب العراق هي حضارة متميزة وسابقة على الحضارة الأكدية التي انتشرت في الوسط وبسبب غلبة الخط المسماري الذي ابتكره السومريون وتبناه بعد ذلك العرب الأكديون نسيت حقيقة أن لغة أكد والتي عرفت عنها لغة بابل وآشور، وتطوراتها هي لغة عربية، إذا أردنا قول ما تقوله غالبية العلماء التي توقفت عن استخدام مصطلح «السامية» المصطنع.
وفي هذا المضمار تلاحظ الباحثة هارييت كراوفورد في أحدث دراسة عن السومريين أن هنالك أدلة متواترة بشكل متزايد في سجلات الألف الثالث ق.م. في المدن الجنوبية على تكاثر الأسماء السامية، أي العربية. وظهرت هذه الأسماء في ألواح العصرالسومري المسمى بفجر السلالات وبخاصة في موقع «أبو صلابيخ»([746]). وترجع الباحثة أن يكون أصحاب هذه الأسماء من سكان القرى الشمالية الأكدية أكثر من كونهم من البدو المترحلين. وتلاحظ أيضاً أن الميزان الألسني لم يعد يميل لصالح السومريين في حوالي العام 2000ق.م. إذ لم يعد أحد يتحدث السومرية. ومع العام 1800ق.م. صارت السومرية لغة ميتة، وأصبح من الممكن الافتراض أن السكان بدأوا يعتبرون «السامية» أي العربية لغتهم الأم.
وهذه ملحوظات تقارب ما ذكره طه باقر منذ العام 1980 أي قبل إحدى عشرة سنة من أن «إشارات دالة على أن الأكديين نزحوا من الجزيرة وأطرافها إلى وادي الرافدين منذ أبعد العصور وفي أواخر ما تسمى عصور ما قبل التاريخ. ولا يستبعد أنهم سبقوا السومريين وهم الذين برزوا على مسرح الأحداث سياسياً وثقافياً ولغوياً ولا سيما في العهد الذي عرف بإسم فجر السلالات (2800 ـ 2370ق.م) وليس أدل على ذلك من أن أسماء حكام تلك الدويلات السومرية كانت أسماء عربية قديمة([747]) .
أما من الناحية اللغوية، فمن الملحوظ أن اللغة الأكدية في بواكير تدوينها بالخط المسماري في العصر الأكدي (2370 ـ 2160ق.م) وحتى نهاية سلالة أور الثالثة (2112 ـ 2004ق.م) ظلت محتفظة بالأصوات العربية القديمة ـ وهذا ما يؤكده نص الأخذة ـ ومنها الأصوات الحلقية: «ولكنها أخذت في الضياع بعد ذلك بسبب اتخاذ الخط المسماري في تدوينها، وهو خط للغة السومرية الخالية من أصوات الحلق المميزة للغة الأكدية([748]) .
وحافظت الأكدية، كما يقول طه باقر، إلى ما بعد نهاية البابلية القديمة، على حركات الإعراب مع صيغة «التمييم» التي تقابل صيغة التنوين في العربية، ثم أخذ الإعراب بالزوال بعد العصر البابلي والآشوري القديم، وطرأ الإهمال على حركات الإعراب المضاهية للعربية وهي الضم للرفع والفتح للنصب والكسر للجر، في الوقت الذي حافظت الجملة الأكدية على ترتيب وضع الفعل في آخر الجملة، والمرجح أن هذا من تأثير اللغة السومرية.
وبالطبع، هذا هو السبب وراء إبدال وقلب الحروف الملحوظ في اللهجتين البابلية والآشورية مثلاً استبدال الألف بالعين في لفظة (عباب) العربية التي أصبحت في الأكدية وفرعيها (أبابو)، وقلب الثاء شيئاً كما في (اثل) العربية و(اشلو) في الأكدية، وقلب الفاء باء كما في (اسفين) العربية و(سبينو) البابلية، وقلب مع استبدال كما في (دبس) العربية وقد صارت (دشبو) البابلية، ولا يتسع المقام هنا لايراد بضع مئات من أمثال هذه الألفاظ التي تدل بشكل لا يقبل الجدل على قدم العربية وعلاقتها الأمومية بهذه اللهجات التي شاعت تسميتها باللغات «السامية».
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن نص كيش الأكدي تضمن قلباً لكاف النسبة إلى شين كما في لفظة «زورش» أي «زورك» و«مهرش» أي «مهرك» وهو قلب ما زال مستخدماً حتى هذه اللحظة في لهجة بعض القبائل اليمانية والعراقية، فيقولون (هلا بش) بدلاً من (هلا بك) ويقولون (مرحبا بش) بدلاً من (مرحبا بك).
إن مجمل هذه الملحوظات التاريخية واللغوية يدفع بنا إلى تأييد المحققين في اعتقادهما الجازم «بأن الألفباء العربية والخط العربي أليق من الألفباء والخط اللاتينيين بكتابة التراث المشرقي القديم»([749]) كما أنه يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من أن الكثير من سوء الفهم والخلط الجغرافي والتاريخي بل والإيديولوجي سببه قد يكون أخطاء في الترجمة، بالإضافة إلى الإطار النظري المسبق ووضع الغاية قبل المنهج وعلى حسابه.
محمد الأسعد
جاك غلاسنير
يفكك رموز الكتابة المسمارية في سومر
فكك الباحث جان جاك غلاسنير، بطريقة غير معهودة سابقاً، رموز الكتابة المسمارية التي ابتكرها السومريون، في مؤلفه الصادر حديثاً «الكتابة في سومر: ابتكار الكتابة المسمارية» (منشورات سوي، سلسلة «عالم تاريخي»، 304 ص).
نموذج من الحروف المسمارية القديمة
هل لأنها أوائل الدلالات المعروفة لنوع من الكتابة، حرمت الزوايا الغربية التي رسمها أبناء بلاد ما بين النهرين في القرن الرابع ق.م. في الصلصال الطري، من اكتشاف سرها إلى اليوم؟ هل بدائيتها قادت إلى تجريدها من التي حملتها هذه الرموز الحادة مثل مسامير، منذ البداية: أي الرغبة التي عبر عنها مجتمع بلاد ما بين النهرين في التفكير بعلاقته بالعالم وبنفسه، وبطريقة مختلفة.
الأسئلة التي طرحها ج. جاك غلاسنير، مدير البحث في «المركز الوطني للبحث العلمي» (باريس)، سوف تثير سخط أكثر من لغوي وأكثر من عالم في الدلالات (السيميائية)، بقدر ما تقلب النظريات المسلم بها إلى الآن رأساً على عقب.
لأنه منذ مدة ليست طويلة، كما يذكرنا غلاسنير، كان لا يزال يعتبر وجود أصل واحد للكتابة أمراً مثبتاً كان يرى في الزوايا المنقوشة في الألواح السومرية طفولة نظام في الكتابة، تبسيطي وعديم المهارة، لم يتوقف عن التطور وصولاً إلى الأبجدية الحديثة، كشكل مثالي له.
كانت تلك الفرضية متوقفة مع تعريف بسيط للكتابة، وموروث مباشرة من علم الدلالات (السيميائية) عند أرسطو: ليست الكتابة سوى ظاهرة متفرعة، نقل خطي لرسالة شفهية. علمنا اللغوي السويسري فرديناند دو سوسور (1857 ـ 1913) بأن «اللغة والكتابة نظامان لدلالات مغايرة، وأن المبرر الوحيد لوجود الثانية هو تجسيدها للأولى».
للانتهاء إلى حل مع هذه النظرة المنقصة لقيمة الكتابة المسمارية، شرع جان- جاك غلاسنير، بصفته مؤرخاً بِإعادة النظر في مصادر الكتابات في بلاد ما بين النهرين، التي لم تلق الدراسة الكافية برأيه، إلى ذلك الحين. بدأ بوصف دقيق للاجراءات المنظمة لابتكار حوالى 640 دلالة معروفة شكلت نحو العام 3400 ـ 3200ق.م، أول قاموس سومري ميّز فيه وجود 3 مقاربات مختلفة للدلالة الخطية (المكتوبة)، متداخلة بشكل وثيق. تذكر الأولى بظاهر الدلالات، تعيدنا الثانية إلى المضامين والأصوات التي تنقلها، تعبر الثالثة عن التماثل الرابط للدلالات بالكلمات التي تدل عليها. رأى في ذلك رغبة أبناء بلاد ما بين النهرين بأن يضبطوا، منذ البداية، نظاماً تعبيرياً اشارياً (Logogra-phique) مكوناً من تعدد المعاني (للكلمة الواحدة) (Polysemie) وتعدد الأصوات (Polyphonie) نظاماً يستدعي الصوتية (Le Phonetisme) ويحيل التماثل (إذن الكتابة التصويرية) إلى صورة ضمن صور أخرى في مجموعة الروابط التي تقرن الدلالات الكتابية بمراجعها (أي ما تشير إليه اللفظة اللغوية).
الكتابة في بلاد ما بين النهرين، التي لا يزال تاريخها الاجتماعي بحاجة لمن يقوم بصوغه، استطاعت أن تفرض نمطاً جديداً للعيش في المجتمع، كذلك استطاعت أن تساعد في ولادة الملكية الناشئة، وتفيد في نشر القانون. لكن جان ـ جاك غلاسنير رغب في البحث في مكان آخر للعثور على المحرك الحقيقي لابتكار كتابة تمّ تصويرها كي تكون «مكاناً (محدداً) للمعرفة». طرح كفرضية مميزة رغبة أبناء بلاد ما بين النهرين، الذين كانوا يعيشون في «عالم مسحور»، بأن «يظهروا للعيان ما هو مختف عن النظر» وخصوصاً ما هو مختف عن النظر في الإشارات التي ترسلها الآلهة للناس. عبر طرحهم للغة الشفهية كإبداع إلهي، حاول أبناء بلاد ما بين النهرين التخلص من هذا النظام الإلهي عبر ابتكار الكتابة، كنظرة جديدة للعالم وشكل جديد للسلطة.
في كتابة «الكتابة في سومر: ابتكار الكتابة السماوية» (منشورات سوي، سلسلة «عالم تاريخي»، 304ص). لم يكتف الباحث جان ـ جاك غلاسنير، باستعادة الابتكار السومري للكتابة المسمارية، بل قدم تكريماً لكل كتابة كتعويض من عدد من الإهانات التي لحقت بها.
ابتسام خير الدين
المدرسة الجغرافية في وادي الرافدين
وتأثيراتها في الفكر العالمي
نشأت في وادي الرافدين القديم، قبل آلاف السنين، بشهادة العلماء والباحثين والمنقبين، أولى الحضارات في العالم، ونمت وانتشرت منه إلى سائر الأصقاع.
ولعل الظروف المناخية التي سادت جو وادي الرافدين القديم كانت، إضافة إلى العقلية الابتكارية الأصلية، من الدوافع المهمة لقيام هذه الحضارة وتطور الزراعة والري والصناعة والتجارة ونظم الحكم والإدارة وتقدم علم الحساب والهندسة وقياس الأطوال والزوايا والمساحات والأحجام والمكاييل ووحداتها، وتطور علم الفلك والتقاويم، وبلغ سكان تلك المنطقة من الشرق الأدنى القديم مراحل متقدمة في المعرفة الرياضية كهندسة الأحجام والمتواليات والمثلثات والساعات المائية لتعيين الوقت وتقسيم الفصول والأشهر والأيام.
طور الإنسان في وادي الرافدين معلوماته الجغرافية الفلكية بصورة متزامنة مع مراحل تطوره في الميادين الأخرى المختلفة، وفي هذا السياق شكل الفلك أقدم وأهم وأغنى زيادة جغرافية كما جاءت به المدونات الفلكية.
تمكن إنسان وادي الرافدين من جعل الشمس والقمر والنجوم دلائل ووسائل لحساب الأيام والشهور والفصول والسنين، كما تمكن من تحديد مسارات حركته بين الأماكن المختلفة، تلك الحركة التي سببت زيادة المعرفة الجغرافية. وذلك يكون البابليون أول من طور علم الفلك الرياضي في تاريخ الفلك مما يدحض الآراء التي تقول إن التنجيم هو الذي طوّر الفلك والعكس هو الصحيح فإن التنجيم هو نتيجة ثانوية لعلم الفلك.
حدد البابليون في الألف الثاني ق.م. الأسبوع بسبعة أيام واليوم بـ 24 ساعة، كما اعتبروا الشهر يكون من أربعة أسابيع. وبذلك يكون البابليون استوعبوا الكثير من مظاهر السماء وتأثيراتها معتمدين في ما توصلوا إليه من نتائج إلى براعتهم العلمية التجريبية ممثلة بالرصد ودقة الحسابات مما كان بحكم المجهول عند اليونانيين الذين كانت علومهم الفلكية نظرية بالدرجة الرئيسية.
واستمر تطور علم الفلك حيث تمكنوا من تقسيم دائرة السماء أو دائرة الأبراج إلى 12 قسماً بواسطة مجموعة من النجوم الثوابت، أطلقوا على كل مجموعة منها إسم حيوان وهذا ما يعرف بالأبراج الاثني عشر وبالصيغة المعروفة في الوقت الحاضر وفي مختلف أنحاء العالم مما يؤشر تأشيراً معرفياً بالغ الأهمية تطبيقياً.
إن ما ساعد على تطور المعرفة الفلكية هو امتلاك البابليين لإرصاد تراقب النجوم وجداول خاصة بحركات الشمس والقمر في اليوم والشهر والسنة وطوروها باستمرار، كذلك فقد تمّ حساب مواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر. وفي هذا المجال زاد اهتمام البابليين بالنجوم المتعبرة أكثر من الثوابت. ومن الكواكب التي عرفها البابليون عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.
وبخصوص طول السنة فقد قسّم البابليون الدائرة إلى 360 درجة والدرجة إلى 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية والسنة إلى 360 يوماً، وبذلك وضغوا النظام الستيني للعدد والحساب بالسنين وهو النظام الذي نشأت منه لاحقاً النظم الإثني عشرية.
أما الكلدانيون، أي البابليون الجدد، فقد وضعوا السنة عن 365 يوماً و6 ساعات و15 دقيقة و41 ثانية وهو ما يقارب إلى درجة كبيرة الطول الحقيقي للسنة وهو تطوير كبير لطولها عند البابليين القدماء والذين حاولوا مطابقة السنة القمرية بالسنة الفلكية (الشمسية والنجمية) وذلك من خلال إدراكهم لكبس السنين.
وطوّر فلكيو العراق لاحقاً وللمرة الأولى في العالم الاسطرلاب البابلي الذي انتقل إلى حضارات أخرى مما يفيد في وضع المعلومات الفلكية وفق ترتيب ونظام علمي كما هو مدوّن على ألواح الطين. وانعكست أهمية متغير الزمن عند البابليين على اختراعهم الساعات المائية التي مكّنتهم من قياسه ليلاً، إلى جانب الساعات الشمسية مما انتقل ِإلى أمم أخرى وبذلك يكون البابليون مزجوا بين النظرية والتطبيق وتمكنوا بواسطة ما يمتلكونه من ثروة معرفية في مجال الجغرافية الفلكية من تحديد الاتجاهات الأربعة الرئيسية وتطوير الإدارة والاقتصاد وقياس الزمن بوحداته، محتاطين لما يمكن أن يحدث خلاله. وأكثر من ذلك ربط سكان وادي الرافدين القدامى كما فعل الآشوريون بين الزمان والمكان حين دوّنوا قوائم بالأحداث في أجزاء بلادهم والبلدان المجاورة.
تكلم سكان وادي الرافدين عن سطح الأرض وما تحته بصيغة أو بأخرى، مما يشكل بدايات مبكرة للجغرافيا الطبيعية وعلم الأرض، فهناك دلائل توضح أن مظاهر مثل الممرات والأودية والبحار كانت معروفة مما تستلزمه تنقلات الإنسان في بيئته. جاء ذلك دليلاً على امتلاكهم قوة الملاحظة التي من خلالها تمكنوا من دراسة الطبيعة مسجلين أغنى المعلومات لأغراض المعرفة المجردة أحياناً والتطبيقية أحياناً أخرى.
ترك سكان وادي الرافدين كما كشفت الوثائق ثروة جغرافية تغطي البيئة المحلية والعالمية آنداك من جملتها:
ـ قوائم بالأقاليم موضحة في الثبت الخاص بفتوحات الملك سرجون.
ـ وثائق بتعليقات جغرافية وتفسيراتها.
ـ وثائق لعلها أول أدلة للسفر.
ـ وثائق خاصة بالأغراض الإدارية.
ـ وثائق غنية بمعلومات جغرافية توظف لخدمة أعمال موظفي الدولة في مختلف الأقاليم.
ـ حدود المناطق البابلية بالنسبة للبلدان الأخرى والأرض والكون.
ـ تمكنوا من تقسيم الأرض إلى ما يمكن اعتباره أربعة أقاليم، وذلك بحسب القرب من بابل.
ـ امتدت معرفتهم لتغطي الشرق الأدنى القديم بما فيه مصر.
ـ كما تركوا قوائم بأسماء البلدان والجبال والأنهار والمدن وخطوط المواصلات.
وظفت المعلومات الجغرافية لدى البابليين لتطوير التجارة بين وادي الرافدين وبلدان أخرى حيث استوعبت أهمية موقع وادي الرافدين بين البحر الأعلى (المتوسط) والبحر الأسفل (الخليج العربي) وفي الوقت نفسه يرتبط مع الأقاليم الغربية والشرقية بطرق برية، وعرفت خصوصية كل إقليم من ناحية إمكان الإنتاج الزراعي فيه.
خريطة قديمة للعراق، رسمه الاصطخري، العالم الجغرافي الشهير، في القرن التاسع للهجرة
كما تمكن البابليون من فهم بيئتهم الطوبوغرافية والمناخية حيث ان عدم كفاية الأمطار دفعهم إلى تطوير مشاريع للري ما زالت آثارها شاخصة مثل مشروع النهروان الذي أسس قبل 4000 سنة.
تمكن البابليون استناداً على الثروة المعرفية الجغرافية بما فيها الجغرافية الفلكية والرياضيات من إنتاج خرائط جغرافية منقوشة على ألواح الطين متعددة الأغراض، وفي مقدمة تلك الأغراض إنجاح عملية جمع الضرائب التي كانت هي الأخرى دافعاً لتطوير الخرائط وإن أقدم خريطة بابلية تعود إلى عام 2500ق.م. وهي المحفوظة في متحف الساميات في جامعة هارفرد الأميركية، وأن بعدي تلك الخريطة 7×9 سم وقد بيّن عليها نهر متجه جنوباً ومحاط من جانبيه برموز تمثل مرتفعات. كما يظهر في الخريطة دلالات للجهات الأربع.
إلى تلك الخريطة توجد لوحات لخرائط تمثل الأقاليم والمدن البابلية في المتحف البريطاني. هذا إلى جانب خريطة بابلية دقيقة أخرى لمدين (نر) السومرية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد. يتضح من هذه الخريطة أنهم اعتبروا مدينة بابل مركز العالم، كما يظهر فيها نهر الفرات نابعاً من الجبال متجهاً نحو الجنوب ماراً في طريقه ببابل ثم يصب في المستنقعات. ومن جملة عناصر الإبداع في هذه الخريطة تحديد الاتجاهات في العالم مما أثر في عمل صنع الخرائط لاحقاً.
لقد أظهر سكان وادي الرافدين القدماء استيعاباً متقدماً للظاهرة الحضرية ممثلة بالمدينة إذ أنهم أقاموا مدناً وفي أقاليم مختلفة وفي مواقع ومواضع مناسبة، وبصيغ تخطيطية وعمرانية منسجمة مع استعمالات الأرض التي تقدمها وكانوا على دراية مسبقة بالعوامل التي تقام المدن من أجلها وبمخططاتها وأقاليمها التابعة، مما يمكن من الاستنتاج أن أصولاً مهمة لدراسة المدن قد وضعت في وادي الرافدين وبشكل مبتكر كررته حضارات أخرى.
وتجاوز سكان وادي الرافدين بمعلوماتهم المدينية إلى الأقاليم وإلى العلاقات بين المدن والأقاليم حيث توضح بعض الألواح، كما أشير إلى ما يمكن أن يعتبر دليلاً للمسافرين يظهر المسافة بين مدينة وأخرى والزمن الذي ستستغرقه الرحلة الأمر الذي يعكس تطوراً كبيراً في التجارة. وبذلك عرفوا نظام المراحل بين المدن.
كما طور البابليون هندسة متقدمة مقاسة بالمرحلة الحضارية التي ظهرت فيها، ومن معالم ذلك التقدم والتي ما زالت قائمة، هي شق السراديب والأنفاق المتشعبة والمائلة الممتدة تحت الأرض مما يعكس معرفة الطبيعة البنيوية للصخور التي شقت فيها. ومن دلائل معرفتهم في علم الأرض هو جردهم للأحجار المختلفة وتصنيفها في قوائم خاصة.
وتدل الوثائق العديدة المتعددة المتعلقة ببعض القرى والحقول والبيوت على أن لسكان وادي الرافدين معرفة رياضية متقدمة تمكنوا من خلالها تذليل صعوبات المسح ووضعوا ذلك لرسم مخططات مدنهم.
تأثيرات جغرافية
إنها لحقيقة ملموسة الآن كما كانت سابقاً، وهي أن الأغريق والرومان قد اقتبسوا وتعلموا في أكثر من ميدان من ميادين المعرفة الجغرافية التي أبدعها وادي الرافدين زمن السومريين والبابليين وخصوصاً العلوم الفلكية والعمارة والتخطيط يضاف إلى ذلك تأثير المدرسة الجغرافية العراقية في المرحلتين اللاحقتين.
إن من يستقرئ مقومات الحضارة الإغريقية التي تبلورت في الفترة من 1100 ـ 650ق.م. يتضح له أنها استقت من الحضارات التي نشأت في الشرق الأدنى القديم. ذلك أن وادي الرافدين طور علاقات مختلفة مع جزيرة كريت التي تكونت منها الحضارة (اليمنية) في الألف الثالث قبل الميلاد وامتدت فترة ازدهار العلاقة مع كريت للفترة من 2000 ـ 1400ق.م. إن ترتيب بنايات بعض القصور في كريت حيث وجود الساحة الوسطية يدل على أنهم استقوا هذا العنصر المعماري من وادي الرافدين وسورية ومصر.
أخذ اليونانيون والرومان فكرة سكان وادي الرافدين التي تصور الأرض على أنها مستديرة تأخذ صورة الجزيرة المحاطة بالمحيط من كل الجهات حيث تصور هوميروس العالم على هيئة قرص محاط بالمحيط العظيم.
اعتبر سكان وادي الرافدين القدامى بابل مركزاً للعالم وانتقلت هذه الفكرة إلى بلاد اليونان حيث اعتبروا جبل أولمبوس مركزاً للعالم وكذلك الرومان حيث اعتبروا روما مركزاً للعالم وذلك حتى القرن السادس عشر.
استعار اليونان من سكان وادي الرافدين فكرة وضع خريطة معروفة في ملاطية (ملتيوس) المدينة اليونانية بآسيا الصغرى في الفترة 610 ـ 545ق.م. ويضاف إلى ذلك تأثر كتاب مارينوس الصوري الذي ترجم إلى السريانية فالعربية وخرائط بالمعرفة الجغرافية الفينيقية المتأثرة بالفكر الجغرافي البابلي وبهذا تأثر بطليموس في مؤلفه المرسوم بـ(جغرافيا) وخصوصاً في اعتماده على مادة وجداول وخطوط الطول والعرض والخرائط.
أما في مجال المعرفة المرتبطة بالمعرفة الجغرافية الرياضية فلم يكن بمقدور الإغريق والرومان تطوير معلوماتهم الفكية من دون استيعاب وفهم إرث وادي الرافدين والذي توزع على الكثير من الإنجازات المتطورة.
ورصد البابليون الكواكب والنجوم والقمر وحركاتها على مدار السنة بصورة دقيقة. وأعدوا جداول بذلك وقوائم بما عرفوه من كواكب ونجوم، وقدروا حجم كل من الشمس والقمر وبعديهما عن الأرض. كما استوعب البابليون أن ِأشعة الشمس وزوايا سقوطها على سطح الأرض هي العامل الرئيسي لتوزيع الحرارة ومن معالم تأثر اليونانيين بأساتذتهم البابليين هو الإبقاء على أبراج النجوم أسماء لآلهتهم كما فعل البابليون.
وبالنسبة للأرض اعتبروها مركز الكون الثابت كما اعتقدوا بكروية الأرض بصيغة أو أخرى. وبرز من فلكيي البابليين نابو ريماني الذي وضع جدول بحركات الشمس والقمر. وكدينو الذي وضع جداول لإرصاداته وحدد دورة الشمس والقمر السنوية وبخطأ قدره ثانية واحدة لكل سنة فقط.
أخذ اليونانيون بما توصل إليه علماء الفلك البابليون كما أن (طاليس) الفينيقي وأبو العلم كما لقبه. اليونانيون المتأثرون به يعود إلى عائلة فينيقية وهو متأثر إلى حد بعيد بالمعرفة الفلكية البابلية وأنه بتجاربه بيّن أن هناك نواميس وأسساً وقوانين ثابتة يخضع الكون لها مما شكل خط الانطلاق للبحث العلمي.
أدخل طاليس، الذي توقع الكسوف قبل حصوله، الكومون، وهو إشارة على ساعة شمسية لقياس الوقت بالظل الذي تسببه ويقاس بواسطة الانتقال الشمسي والاعتدالين الذي أخذه الإغريق عن البابليين.
إيلي سعادة
خانات القوافل في العراق
تعتبر خانات القوافل من المعالم المعمارية الإسلامية البارزة في العراق، ازدهرت خلال العهود الإسلامية بسبب توسع الحركة التجارية بين البلدان الإسلامية، وسميت بخانات القوافل لأنها تقع على الطرق التي تربط بين المدن المهمة وتسلكها القوافل التجارية وقوافل الحجاج في مواسم الحج والزيارات. والخانات هي تلك الأبنية المخصصة لاستراحة المسافرين والتجار والحجاج.
وجاء في «لسان العرب» لابن منظور كذلك في «لغة تامة» للغوي الإيراني علي أكبر دهخدا أن الخان لفظة فارسية معرّبة عن كلمة «كاروانسرا» وتعني مكان القوافل أو منزل القوافل.
إلى خانات القوافل يوجد في العراق نوعان آخران من الخانات وهما:
1ـ الخانات الواقعة في مركز المدينة ضمن الأسواق أو بالقرب منها.
2ـ الخانات الموجودة في أرباض (محيط) المدينة.
ازدادت أهمية خانات القوافل إبان الحكمين الصفوي والعثماني للعراق خلال القرنين العاشر والحادي عشرالهجريين (16 ـ 17م.)، وتمّ تشييد الكثير منها في العراق نظراً لفقدان الأمن على الطرق الخارجية من ناحية ولاستمرار حركة التجارة الخارجية من ناحية أخرى، فكانت المأوى الأمين للقوافل والمسافرين. ويوجد في العراق الكثير من خانات القوافل قسم منها في أطراف بغداد مثل خان ضاري وخان المشاهدة وخان بني سعد وخان اليوسفية وخان المحمودية وخان الإسكندرية. ومن خانات القوافل الأخرى هو الخان الذي يقع على الطريق الذي يربط مدينتي الموصل وسنجار في شمال العراق، كذلك خان الضلوعية الذي يقع في جنوب مدينة سامراء.
وتعتبر الخانات التي تقع على طريق بغداد ـ كربلاء ـ النجف من أهم خانات القوافل في العراق نظراً لوقوعها على طريق قوافل الحج البري. ومن أهم هذه الخانات هي: خان العطيشي وخان النخيلة وخان الحماد (خان النص) وخان المصلى وخان العطشان.
وما زال البعض من خانات القوافل قائماً كما هو منذ نشأته الأولى، وقسم منها أصابه الخراب بسبب الظروف الطبيعية والإهمال، وأخر منها أصابه التغيير نتيجة الصيانة غير المدروسة من الناحية المعمارية الذي أزال جزءاً من معالمه العمرانية الأصيلة.
ففي أبنية الخانات القديمة الباقية تجتمع الشواهد الحيّة لممارسات النشاط الفني والتطور العمراني الذي أظهره المعماريون في تلك الحقبة من الزمن، وتوفرت فيها الجوانب الجمالية إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمناخية.
وتتشابه خانات القوافل فيما بينها من النواحي التخطيطية والمعمارية، وهي على شكل مربع أو مستطيل، تتألف من الصحن (الفناء المكشوف) وهو واسع، وتطل عليه سلسلة من الغرف تتقدمها الأواوين أو الأروقة التي تعلو واجهاتها عقود (أقواس) دائرية أو مدببة، ويتوسط صحنها أكثر الأحيان بئر الماء لتزويد نزلاء الخان بالماء، وتحيط بالبئر دكة أو أكثر مرتفعة عن مستوى أرضية صحن الخان مخصصة للصلاة، وتشكل غرف الخانات أماكن نوم واستراحة بالنسبة إلى التجار الوافدين والمسافرين والحجاج والزوار، أما صحنها فيكون عادة محلاً لعرض البضائع وبيعها كذلك لربط الحيوانات كالخيول والجمال.
وتتميز خانات القوافل ببنائها الواسع وبأسوارها العالية المدعوة بأبراج في أركانها الأربعة، زود الجزء العلوي من هذه الأبراج والأسوار بمزاغل (فتحات من الجدار) لرمي السهام وذلك لحماية الخان من اللصوص. ولهذه الخانات مداخل ضخمة تغلق أثناء الليل، وغالباً ما تعلو المداخل غرف أنيقة تعلوها قباب أو أقبية منخفضة تخصص هذه الغرف للمسافرين من الشخصيات المهمة. واستخدمت في بناء خانات القوفل العناصر المعمارية التقليدية كالعقود والقباب والأقبية، وباستعمال مواد البناء المحلية كالطابوق (الآجر) والجص.
ومن أهم خانات القوافل في العراق:
أـ خان بني سعد ـ يقع هذا الخان في منتصف طريق بغداد ـ بعقوبة القديم، في مركز ناحية بني سعد. ويعد هذا الخان أحد أهم خانات القوافل في العراق. شيّده الوالي العثماني عمر باشا عام 1100هـ (1688م). ويمثل تخطيطه نموذجا مكشوفا يتوسطه بئر لماء الشرب، وتحيط بالساحة الغرف والأواوين الكبيرة التي تتقدمها الأروقة التي تطل على الساحة وتعلو واجهاتها الأقواس المدببة، وقد تمّ تسقيفها بعقود مركبة آجرية مدببة أيضاً.
بني هذا الخان من الطابوق (الآجر) والجص وكسيت معظم جدرانه الداخلية بالجبص الأبيض الناصع. وأجريت لهذا الخان أعمال التحري والصيانة في نهاية عام 1977 حين تمّ الكشف عن بعض أسس الخان التي كان قسم منها مدفوناً تحت الشارع العام.
ب ـ خان العطيشي ـ يعتبر هذا الخان أحد أهم خانات القوافل في العراق، ويقع في قرية العطيشي التابعة لناحية الحسينية، إلى الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على الطريق القديم الذي يربط بين بغداد وكربلاء.
وفي فترة متأخرة اتخذ هذا الخان مخفراً لشرطة قرية العطيشي، وفي الوقت الحاضر تهدمت وتداعت معظم جدرانه ومرافقه، خصوصاً الأواوين القائمة في الأبهاء.
إن نظام تخطيط عمارة خان العطيشي يشبه بناء الخانات التي أقيمت خارج المدن في تلك الفترة من الزمن، وهو مستطيل الشكل طوله 65 متراً وعرضه 51 متراً، ويبلغ ارتفاع جدرانه الخارجية حوالى 5 أمتار وسمكها متر واحد، وزود الجزء العلوي منها بمزاغل تستخدم للدفاع وحماية الخان من اللصوص، وأركان الخان الخارجية مدعمة بأربعة أبراج كبيرة يبلغ نصف قطر كل منها 4,50 متر. ولهذا الخان مدخل يتوسط الواجهة الجنوبية الغربية بارز عن مستو الجدار يبلغ ارتفاعه حولي ثلاثة أمتار وعرضه متران، ويعلوه قوس كبير مدبب الشكل.
يتوسط الخان ساحة داخلية مكشوفة طولها 50 متراً وعرضها 35 متراً تحيط بها الغرف التي تتقدمها أواوين ذات قياسات مختلفة تعلوها عقود (أقواس) مدببة الشكل. أما الطريقة المتبعة في عملية تسقيف الغرف والأواوين فهي تستخدم الأقبية المدببة. وشاع استخدام هذا الطراز من التسقيف في بناء بعض العمائر الدينية والمدنية التي أقيمت في العراق خلال فترة الحكم العثماني للعراق. وفيما يتعلق بتقبية الأبراج استخدمت القباب ذات شكل نصف كروي تقوم على رقبة أسطوانية.
واتبع البناء رصف الطابوق (الآجر) والجص بشكل دائري على غرار الأسلوب القديم المتبع في بناء القباب التي بنيت في وسط وجنوب العراق خلال العصور الإسلامية. وزيّنت الواجهة الخارجية للمدخل الرئيسي للخان بالزخارف الآجرية المتشابكة التي تشبه نسيج الحصير. واستعملت مواد البناء المحلية في بناء خان العطيشي كالطابوق (الآجر) والجص.
ج ـ خان النخيلة ـ يعتبر هذا الخان أحد أبرز الخانات التي تقع على طرق كربلاء ـ النجف، ويبعد عن مدينة كربلاء بحوالى 14كلم، إلى الجنوب الغربي منها، وهناك خانان آخران يقعان على الطريق نفسه وهما خان الحماد (خان النص) وخان المصلى.
ومن الناحية التاريخية يعود خان النخيلة والخانات الأخرى التي تقع على طريق كربلاء ـ النجف إلى فترة الحكم الصفوي والعثماني للعراق. ويتشابه خان النخيلة من الناحية التخطيطية والمعمارية مع خانات القوافل الأخرى التي تقع على الطرق الخارجية التي تربط بين المدن العراقية، حيث يتوسطه الصحن (الفناء المكشوف) تحيط به مجموعة من الغرف التي تتقدمها الأواوين التي تعلوها عقود (أقواس مدببة الشكل). ويتميز هذا الخان بأسواره العالية ومدخله الذي يتألف من طابقين تتوسطه بوابة كبيرة، واستخدمت الأقبية المدببة في تسيقيف الغرف والأواوين واستعمل في بنائه الطابوق (الآجر) والجص.
د ـ خان العطشان ـ يقع هذا الخان في المنطقة الواقعة بين كربلاء والنجف وعلى بعد 16 كلم باتجاه الغرب من خان النخيلة، وإلى الجنوب الغربي من مدينة كربلاء بنحو 30 كلم. وهو بناء قديم يعود تاريخه إلى الفترة التي بني بها قصر الأخيضر الشهير في مطلع العصر العباسي، ويستدل من طراز بناء هذا الخان وعناصره الزخرفية على أنه لم يكن سوى دار استراحة لوالي منطقة الأخيضر في رحلته إلى مدينة الكوفة. أما تسمية المبنى بالخان فأغلب الظن أنها أطلقت عليه في فترة متأخرة لنزول المسافرين والقوافل التجارية.
ويذكر بعض المصادر التاريخية أن خان العطشان من منشآت الدولة الصفوية والدليل على ذلك وجود (تل مزعر) بالقرب منه، وهذا التل هو المكان الذي كان تقف فوقه قوفل التجار والزوار والمسافرين لرؤية قبة الروضة الحسينية خلال فترة العهد الصفوي. ولا تزال أطلال هذا الخان باقية إلى يومنا هذا.
رؤوف الأنصاري
أول احتكاك للمغول بالعراق
كان انهيار الدولة الخوارزمية على الشكل الذي مرّ ذكره في الفصول السابقة في بحثي (بخارى) و(سمرقند) إيذاناً بسيطرة المغول، إذ لم يكن أمامهم قوة إسلامية أخرى كافية لصد زحفهم وإيقاف تقدمهم وكان استيلاؤهم على ما استولوا عليه من البلاد الإسلامية في عهد جنكيز خان بعض ما كانوا يهدفون إليه من إقامة ملك مغولي يستوعب أكثر ما يمكن استيعابه من العالم. وقد وفق جنكيز في السيطرة على الصين الشمالية وأواسط آسيا وإيران وجورجيا والقفقاس وروسيا وبولندة وأجزاء أخرى من أوروبا الشرقية. وهذا كما نرى أمبراطورية مترامية الأطراف.
وإذا كان العراق وبقية العالم الإسلامي قد نجت من يد جنكيز فإن العراق وغيره لم ينج من يد هولاكو حفيد جنكيز. فبعد أربعين سنة من بدء تعرض جنكيز للعالم الإسلامي (616 ـ 1219م) استولى هولاكو على بغداد (656هـ) وكنت أمبراطورية المغول وقت سقوط بغداد تضم أغلب بلاد الصين وتركستان وجزءاً من الهند وأكثر إيران وآسيا الصغرى وأكثر روسيا.
أما العالم الإسلامي فلم تكن موارده يومذاك بالموارد القليلة، بل كان لا يزال واسع الرقعة مكتظاً بالناس، كثير الرجال والسلاح والمال، ولكن كان ينقصه التماسك وتعوزه الزعامة. ولم تكن خلافة بغداد جديرة بما يفترض فيها من الدعوة إلى الوحدة وقيادة الناس. ففي الوقت الذي كان فيه المغول يتهيؤون لما يتهيؤون له من الامتداد واختراق البلاد كانت سلطة بغداد تشتغل بإعداد المذابح المذهبية والهجوم بفريق من الشعب على فريق آخر بقيادة ابن الخليفة نفسه فيحرقون وينهبون ويسفكون الدماء ويسبون النساء المسلمات. ويوالون ذلك مرات ومرات.
لذلك كان من العبث ترقب شيء من حكام بغداد وكانت سلطة الخليفة المستعصم بالله (640 ـ 656) = (1242 ـ 1257م) تشمل في ذلك الوقت جزءاً من عراق اليوم يمتد من تكريت إلى الفاو ومن حدود إيران إلى عانة بما في ذلك خوزستان. وكان الخليفة يستقل بما تحت يده استقلالاً كاملاً منذ انقضاء السيطرة السلجوقية على الخلفاء ومن قبلها السيطرة البويهية، وفشل السيطرة الخوارزمية في الحلول محلهما.
هذا إذا نظرنا إلى السلطة المادية، أما سلطته المعنوية فقد كانت تشمل كل ما بقي سالماً من العالم الإسلامي من النيل إلى سيحون، إذ كان يخطب باسمه على منابر الإسلام في كل مكان، وينظر إليه كرمز إسلامي يمثل المسلمين كافة. وبهذا كان مستطيعاً أن يهيب بدنيا الإسلام من جميع أطرافها ويجمع الشمل ويوحد الكلمة للوقوف في وجه الطغاة الزاحفين ولكن شيئاً من ذلك لم يقع ولا كان أحد يؤمل أن يقع مما سهل على هولاكو إنهاء أمر الخلافة بأقل جهد. ولما تفاقم الأمر في عهد المستعصم وطلب إليه العمل الجدي كان يقول: «إن بغداد تكفيني ولا يستكثرونها عليّ إذا نزلت لهم عن باقي البلاد، ولا أيضاً يهجمون عليّ وأنا بها وهي بيتي ودار مقامي»([750]) .
بهذه الروح الانهزامية كان رأس الأمة وخليفة المسلمين يعالج الخطر المغولي، وبهذا التفكير كانت تقابل احتشادات العدو. وإذا كان الرجل الأول يرى مثل هذه الآراء، وهذه هي همته وهذا هو عزمه فكيف بالآخرين.
بعد جنكيز
العام 620هـ (1223م) كان جنكيز قد حقق أهدافه، الأولى في البلاد الإسلامية فعاد إلى بلاده ومات بعد أربع سنين، فتولى بعده ابنه (أوغاناي). وقد رأينا محاولات جلال الدين منكوبرتي في مقاتلة المغول وما كان من أفاعيله في المسلمين ثم نهايته وقتله سنة 628هـ (1230م) وما كان من وصول المغول إلى الفرات.
ثم كانت لهم بعد ذلك غزوات اصطدموا فيها بقوات المسلمين غربي مدينة أربيل سنة 629هـ (1231م)، ثم سنة 633هـ (1235م) حول أربيل نفسها، كذلك سنة 634هـ (1236م) حيث اجتاحوا أربيل وارتكبوا فيها ما اعتادوا عليه من فظائع، ثم رحلوا عنها حين بلغهم أن الخليفة المستنصر جهّزعليهم الحملات. وفي سنة 635هـ (1237م) وصل المغول إلى (سامراء) وعادوا عنها منهزمين ثم رجعوا في السنة نفسها ووصلوا (خانقين) وهزموا جيوش الخليفة وغنموا غنائم عظيمة.
وفي سنة 639هـ (1241م) ملكوا أرزن الروم وقتلوا منها كثيراً. وفي السنة التالية عقد حلف بين سلطان الروم غياث الدين كيخسرو وجمع من اليونانيين والفرنج والكرج والأرمن والعرب وساروا لمحاربة المغول فالتقوا بهم بنواحي أرزنكان فانتصر المغول، وكان من نتائج هذا النصر أن انتشروا في آسيا الصغرى يقتلون وينهبون. وبسقوط آسيا الصغرى صار العراق مطوقاً من الشرق والشمال وفي سنة 641هـ (1243م) غزوا أطراف الشام ووصلوا إلى قرب حلب.
وفي سنة 642هـ (1244م) تقدموا من همدان نحو العراق فوصلوا خانقين واقتربوا من بعقوبا. وفي سنة 647هـ (1249م) كبسوا أبواب خانقين ووصلوا إلى «البت» و«الراذان» وهما من نواحي بغداد وقتلوا هناك مقتلة عظيمة ووصل الهاربون إلى بعداد. وعاد المغول بعد أن قتلوا في «دقوقا» خلقاً وأسروا آخرين.
وتوقف المغول عن التعرض للعراق حتى حملة هولاكو سنة 656هـ (1258م) على أنهم أغاروا على بلاد الجزيرة الواقعة إلى شمال العراق سنة 650هـ (1252م) حتى بلغوا حران والرها ونهبوا ديار بكر وميافارقين.
التحولات الفكرية والسياسية في العراق
خلال القرنين الأخيرين
يرى الفيلسوف الألماني (هيغل) أن التاريخ عملية تغيير الإنسان لبيئته، وحيثما لا يوجد تغيير، فليس ثمة تاريخ، وعليه أن يكون العراق في الفترة التي نحن بصددها [لا تاريخياً] أي عديم التاريخيَّة!! وهذا الرأي قريب من اتجاه ابن خلدون، إذ يعتقد هذا المفكر الإسلامي المغربي، إن التاريخ يرص الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض عليه من أحوال، أي يشكل كل ما حدث ويحدث من تحولات في الحياة الاجتماعية على اختلاف أنواعها… والعراق في العهد العثماني كان قطعة من الزمن الخاوي… وكانت هناك أكثر من بؤرة توتر جاهزة لكسر هذا الجمود، ولكن الظروف الموضوعية لم تكن في خدمة هذه البؤر المتوثبة… ثورات العشائر والعلماء من ذوي الوعي الديني المتحفز…
هذه الممكنات هي عبارة عن قوة باتجاه التطور، إلاّ أن العوائق كانت أقوى وأقدر!! ـ إذن ليس ظلماً ولا تجنياً على الفكر والعلم إذا أطلقوا على الفترة العثمانية في حكم العراق عنوان أو إسم أو مصطلح «الفترة المظلمة»، ولعلّ مراقبة الحركة السكانية والتعليمية ومتابعة تطوراتها تؤكد ذلك… ففي سنة (1869م) وصل عدد السكان إلى [1,000,726] نسمة، يشكل الصحراويون والقرويون (75%) والباقي (25%) من سكان المدن، وفي مطلع القرن العشرين [1905م] ارتفع العدد إلى [2,250,000] (76%) من الصحارى والأرياف، بينما كان (24%) من المدن. ومما لا ريب فيه أن هذه المسيرة السكانية تدلل على تخلف قطاعات الصحة والإعمار والاقتصاد… ويستمد هذا الواقع دليلاً إضافياً من قطاع التعليم، فحتى سنة [1914] كان عدد المدارس في الولايات الثلاث (192) مدرسة رسمية وأهلية وأجنبية ومجموع الطلاب على جميع المراحل والمستويات [15398] والطالبات [2763]، وبالتالي فالمجموع [18161] طالباً، أي لكل عشرة آلاف نسمة من السكان (62) طالباَ، إذ قدر سكان الولايات بـ[2,849,282] في عام [1919]…
إن معدل النمو السكاني كان ضئيلاً، وهو على مستوى حركة العلم كان بائساً، وذلك إلى الربع الأول من القرن العشرين!!. وممّا لا ريب فيه أن هذه الحقائق تدعو إلى العجب. فالمعروف أن العراق غني بمياهه وأرضه الخصبة ووفرة معادنه، ومعروف أيضاً بمناخه الصحي وذكاء أبنائه الخارق.
ولكن عجلة التاريخ لا بد أن تدور، خاصة بالنسبة للعراق لأن الأسباب التاريخية والموضوعية تؤول إلى هذا الاستنتاج…. إن المجتمع العراقي يختزن في ضمير أجياله المتعاقبة أضخم تجربة حضارية مرت بها البشرية… لأن أكثر وأرجح الدراسات التي طرقت أبواب التاريخ الإنساني، تؤكد أن أرض الرافدين كانت المهد الأول للإنسان، وعلى ربوعها الخصبة نشأت ظاهرة [المدينة ـ الدولة] في (4000)ق.م. وقد شهدت أول أمبراطورية عالمية في عصر حمورابي، وكانت مقر الخلافة في عهد الإمام علي عليه السلام، وعندما نضجت التيارات الفكرية والكلامية في الحاضرة الإسلامية، كانت البصرة والكوفة مصدري إشعاع علمي ناضج وفاعل ومتحرك، وقد نعم العراق بعد الفتح الإسلامي بحركة عمرانية سريعة، ففي [14هـ ـ 929م] شيّدت البصرة، ثم بعدها الكوفة، وفي [146هـ ـ 763م] بنيت بغداد، ثم سامراء…
وتشير بعض المصادر إلى أن عدد سكان العراق في الدور الأول من العصر العباسي [750 ـ 840] كان يتراوح بين [25 ـ 30] مليون نسمة منهم [2,5] مليون في مدينة بغداد وحدها. وقد بلغت أعظم مرحلة عمرانية في المساحة وعدد السكان، وقد وصلوا إلى المليون والنصف في القرن العاشرالميلادي.
وليس سراً أنَّ العراق كان ميداناً للنازحين بعد سقوط الدولة العباسية، منهم البويهيون والمغول في الموجة الأولى عام [1258م] والموجة الثانية بقيادة تيمورلنك في [1392]، والتركمان بدولة الخروف الأبيض ودولة الخروف الأسود [1411]، ثم الصفويون [1502 ـ 1535]، بعد ذلك جاء العثمانيون في [1535] وحتى الاحتلال البريطاني عام [1917] ما عدا فترة اعتراضية عاد بها الفرس لحكم العراق. وهنا نقطتان من الضروري الإشارة إليهما.
الأولى: الذكاء العراقي
وهذه حقيقة ملموسة، وهي محل اعتراف وإشارة العباقرة والمفكرين، فقد روي عن الإسكندر حين ضاق ذرعاً بأهل العراق، أنه قال لأرسطوطاليس «لقد أعياني أهل العراق، ما أجري عليهم حيلة، إلا وجدتهم قد سبقوني إلى الخلاص، فخلصوا قبل إيقاعها بهم. وقد عزمت على قتلهم عن آخرهم» فأجابه الفيلسوف الإغريقي المشهور «وإذا قتلتهم. فهل تقدر على قتل الهواء الذي غذى طباعهم. وخصهم بهذا الذكاء؟! فإن ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم».
الثانية: الامتزاج السلالي:
فالعراق كان موقعاً للانصباب البشري المستمر، وذلك لعشرات من الجذور البشرية المتعددة والمتنوعة، فقد نزح إليه السومريون الذين نجهل إلى الآن أصلهم، كذلك المجموعات السامية على شكل موجات من شبه الجزيرة العربية [الأكديون، البابليون، الآشوريون]، والأقاليم الجبلية الشمالية من القبائل الزعوية في جبال كردستان [الجوثيون، الحيثيون، الميديون] ثم الفرس [الأخمينيون، الفرثيون، الساسانيون، الصفويون]، وحتى الإغريق، إذ غزا العراق الإسكندر المقدوني [1339 ـ 331ق.م.] وانتهى بوفاة سلوقس أحد قادة الإسكندر الذي أسس المملكة السلوقية، وعلى الرغم من استقرار العرب في المنطقة، واتسامها بروحهم وفطرتهم. لم تنقطع سلسلة الانصباب البشري في هذه البقعة الحساسة، فمن سنة [945م] وحتى الاحتلال البريطاني [1917م] توافد على أرض الرافدين المقدسة البويهيون والمغول والعثمانيون من أواسط آسيا.
والذي نستفيده من كل هذه الحقائق والإمارات إنَّ الضمير العراقي حصيلة فذَّة من الفطنة والتجربة، وأنَّه صيرورة يتفاعل في داخلها الذكاء والخبرة، لأن هذه الموجات المتعاقبة والمتباينة في أصولها النسبية والجغرافية، لا بد أن تتبادل الفكر والعادات والتقاليد، فتفرز حالة في محصلة هذه التفاعلات الضخمة، وهي محصلة بلا ريب لها ثقلها ووزنها في القابلية والوعي.
عملية التاريخ لا بد أن تدور… إنَّ نظرة سريعةً إلى تاريخ العراق القديم منه والوسيط والإسلامي، لا تسمح بالوقوف، لقد كان العراق حركة مستمرة Continuous Movement، ولذا فإن هذه الفترة [اعتراضية] أو [استثنائية] والبنية الداخلية للمجتمع العراقي كانت تنطوي على بذرتين أو بؤرتين ـ هما العشائر العربية والعلماء، هذان القطبان اللذان لعبا دوراً بارزاً في صناعة العراق الحديث والمعاصر… بل إن حركتهما هي التي أوجدت [العراق] بمساحته وحدوده الحالية، وهذا يتطلب استعراض الحركة التطويرية التي مرَّ بها هذان القطبان.
أولاً: العشائر العربية
بعد أن اجتاحت أقوام المغول أرض العراق أصبح المجتمع العراقي عشائرياً، ولقد مرَّ بعدة مراحل عبر سنين طويلة، تكونت من خلال خبرتها التنظيمية والسياسية.
المرحلة الأولى [التنظيم المستقل]:
وذلك بعد أن وطأت جماعات المغول أرض العراق، وقد شكّلت العشيرة في هذه الفترة المظلمة تنظيماً سياسياً واقتصادياً مستقلاً، والقبيلي يشعر بانتماء جذري وروحي ومصيري لهذا التنظيم، حيث ينقذه من محنة الغربة في عالم يقوم على الحجة والعصبية والولاء، ولذلك كان شديد الإخلاص له.
المرحلة الثانية [الإمارات/ 1534 ـ 1749]
وقد أسست فيها العشائر العراقية الاتحادات الكبيرة والإمارات المستقلة وكانت تتمتع بنفوذ تام، وحاولت السلطة تحطيمها وتدميرها بشن الحملات العسكرية، ولكنها أخفقت، مما أدى إلى الإقرار المتبادل بالأمر الواقع، فالإمارات لها حق الوجود ضمن حدودها، ولكن قبال مبالغ مالية تدفع للحكومة المركزية، ومن أشهرهذه الإمارات [اتحاد عشائر المنتفق، طي، زبيدات، الخزاعل، شمر…].
المرحلة الثالثة [الثورات/ 1749 ـ 1831]:
تصاعدت فيها وتائر الثورة العشائرية ضد الحكومة وقدمت الأخيرة، جهوداً عسكرية ضخمة للقضاء عليها، إلاّ أن الحصيلة كانت هي الفشل. ومن أخطر وأشهر الثورات هي:
أـ ثورة عشائر المنتفق التي بدأت سنة [1738م] ولم يتم القضاء عليها إلاّ في سنة [1741م].
ب ـ ثورة شيخ الخزاعل حمد الحمود في الفرات الأوسط [1772م].
ج ـ ثورة بني عُمير وبني تميم وشمَّر الباوي والرفاعي والنجادة في المحمودية سنة [1817م].
د ـ ثورة عشائر الخزاعل وزبيد في الفرات الأوسط سنة [1813م].
هـ ـ ثورة [1787م]، وقد جاءت على أثر تكتل عشائري ضخم أفرزت عن حكومة عربية قبلية في البصرة، ولم يتمكن العثمانيون من القضاء عليها إلاّ في [1790م] بعد معارك دامية وطاحنة.
و ـ ثورة صقور البادية في خريف [1818م].
ويحصر خبير في تاريخ العشائر العراقية هذه المرحلة بـ[1749 ـ 1831م] ولكن هذا لا يبعني أن ثورات أخرى لم تحصل في الفترة أو الفترات التي تلت هذا التاريخ، ويكفي أن نذكر هنا.
ثورة الدغارة سنة [1769م].
ثورات القبائل الكردية في كردستان [1839 ـ 1842] [1843 ـ 1846] و[1848 ـ 1849].
ولكن الفترة المسماة كانت مطبوعة بالثورة العارمة التي كانت تهز كيان السلطة، وتهددها بخطر المصير المظلم.
المرحلة الرابعة [التوطين/ 1869]:
وتعتبر محاولة الوالي مدحت باشا هي المدخل الرئيسي لهذه الفترة الحساسة في تاريخ وصيرورة المجتمع العشائري العراقي، لقد اعتقد هذا الرجل أن تمليك الأراضي الأميرية لأبناء القبائل، لقاء أقساط قليلة على مدى أجيال طويلة من شأنه توطينها وبذلك تخمد الثورات والاضطرابات، كما أنه بذلك يوجه ضربة قاصمة لنظام المشيخة الذي كان مدعاة قلق بالنسبة للحكومة العثمانية، فتشعر السلطة بمزيد من القوة والاستقرار ولكن مدحت باشا أخفق في هذا المشروع لسببين:
الأول: سوء إدارة التسجيل والتوزيع.
الثاني: خوف العشائري من الضريبة والجندية.
المرحلة الخامسة [الإقطاع]:
عندما امتنع الفلاح عن الخضوع لنظام مدحت باشا، سارع الشيوخ وبتشجيع من السلطة العثمانية إلى حيازة الأرض، وبذلك نشأت «في بعض مناطق العراق» الإقطاعيات الكبيرة. لقد انحصرت عملية التفويض هذه بعدد محدود من شيوخ القبائل، وبالأخص شيوخ المشايخ، أي زعماء الاتحادات القبلية التي تحدثنا عنها في المرحلة الثاثة، ومن هؤلاء [فهد الهذال، عجيل الياور، آل السعدون…] وبذلك تحول بعض الشيوخ إلى مُلاّك، وأضحى الفلاح أجيراً بعد أن كان مشاركاً، لأن ملكية الأرض [الديرة] كانت ملكاً جماعياً… ثم إنّ بعض الموظفين وجملة من التجار في المراكز المدنية، هم الآخرون هرعوا ليكونوا أصحاب سندات، ومن هنا نشأت طبقة [الملاك الغائبين]، ولقد أصبحت الجماعة المالكة نائبة عن الحكومة العثمانية.
وقد باشر الولاة بعد مدحت باشا في توسيع هذه الظاهرة لتشمل كبار الموظفين والجيش، ثم جاء عبد الحميد الثاني ليعطي الإقطاعات الواسعة!! وكانت العملية تتم باسمه، حيث شملت [30 %] من الأراضي الزراعية في ولاية بغداد، و[40 %] في ولاية البصرة، وقد بلغت مساحتها [546200] هكتاراً.
إن هذه السياسة التي كان مقرراً لها أن تبدأ منذ [1858م] لم تؤد إلى نشأة الإقطاع فحسب، بل مكّنت الحكومة العثمانية من بعض الشيوخ الكبار وأوجدت شرخاً خارقاً بين الفلاح وقيادته العشائرية. وأصبح الفلاح يشعر بظلم مركب (Gross Injustice) إذ هو مطالب أمام الإقطاعي والحكومة وفقد أرضه التي كان يحس من خلالها أنه جزء في كيان متكامل، وحددت حريته التي درج علبها. ومن هنا تعددت آفاق رفضه، وأصبحت لديه حاسة جديدة. وقد ظهرت آثار هذه الحقيقة على عشائر الفرات بدرجة أعمق.
لقد تجلّت هذه الحاسة بالثورات العنيفة ضد الشيوخ والعشائر، منها ثورة الدغارة، كذلك في المصادمات العنيفة بين الجماهير الفلاحية وكبار الملاكين، خاصة في الديوانية والحلة، وكانت السلطة تساند رجالها الجدد بشن الحملات العسكرية على الثائرين، وقد استمرت هذه الحالة حتى سنة [1911م]..
لقد تبلور إحساس أعمق لدى الفلاح ولقد توفرعلى وعي آخر، إذ الظلم يهب الإنسان مزيداً من الاعتزاز بالذات ما يلبث أن يتفجر ليعلن غضباً مسؤولاً وواضحاً ورسالياً، ولقد زامن هذا الواقع المستحدث اختفاء تدريجي للحروب القبيلية المتبادلة، وانعكس على سطح البنية الاجتماعية للعشائر قطبان متنافران، الإقطاع من جهة والفلاح من جهة أخرى ومنبع القوة الرسمية مع حاملي السندات. وذلك بحكم المصالح المشتركة… على أن أمراً لا بد من توضيحه هنا، إن النزعة الطائفية والسياسية ساهمت في صياغة أبعاد هذا التفويض، فليست موقفاً اعتباطياً، أن ينعم زعماء العشائر في الشمال والموصل، ومن كان منهم موالياً في الجنوب والوسط بالمنح الواسعة، فيما يحرم منها الآخرون.
ثانياً علماء الدين
المرجعية الدينية لدى الشيعة مرت بأطوار تكاد تكون تكاملية، فقد اعتمدت في بدايتها الاتصال الفردي، وذلك حتى عصر العلامة الحلي [647 ـ 726هجرية] ثم انتقلت إلى مرحلة الجهاد الذي يتألف من مركز وأقطاب وقد تأسس على يد الشهيد الأول [1133 ـ 1384م] بعد هذه القفزة دخلت المرجعية دور الاستقطاب، حيث هناك التواصل والتنسيق والتعاهد، وكان بطل هذا العمل هو الشيخ جعفر كاشف الغطاء، واحتفت بالجهاد القيادي ضد الاستعمار العالمي، ويعتبر السيد محمد حسن الشيرازي عملاق هذه الفترة [1814 ـ 1895].
لقد تأثرت مسيرة المرجعية الدينتية بتراكم التجارب، وانفعلت وتفاعلت بتطورات الواقع السياسي والفكري والحياتي، كما أنّ الطاقة الذاتية العالية، التي يتمتع بها كل واحد من الرموز المسؤولة هي الأخرى كان لها الأثر البالغ في ترسيم النتائج وإعطاء المحصلة… ولقد كان العراق مركز الإنطلاق النوعي لهذه الصيرورة المتلاحقة في المرحلتين الأخيرتين، ومن الضروري أن تحيط إجمالاً بالعوامل التي ساعدت على إبراز هذا الواقع… إنها وباختصار شديد:
1ـ القدرة الفكرية الفذة لـ[جعفر كاشف الغطاء].
2ـ التجربة الإدارية التي تطعمت فيها حياته ضمن أطروحة المراجع الأربعة المشهورة [السيد بحر العلوم للتدريس ـ الشيخ كاشف الغطاء للإفتاء ـ الشيخ حسين نجف للصلاة ـ الشيخ ابن محيي الدين للقضاء].
3ـ قيادته الميدانية للجماهير النجفية ضد هجمات الوهابية [1806م/ 1221هـ].
4ـ معاركة العقائدية والعلمية والسياسية الجادة مع الإخباريين، خاصة مع المرزا محمد، ولقد نجح الشيخ في إقناع الشاه فتح علي ببطلان المنهج المستحدث وذلك بعد أن حاول الزعيم الإخباري جذبه إلى اتجاهه.
5 ـ وجود الجذور الاعتقادية بولاية الفقيه في فكر الشيخ كاشف الغطاء.
هذا في خصوص مرحلة الاستقطاب التي وضع ركائزها الشيخ الكبير، أما فيما يتصل بالقفزة التالية، فمما ساهم في بلورتها وصياغتها العوامل التالية:
1ـ اللياقات الشخصية الفائقة للسيد الشيرازي، وذلك على صعيد المقدرة العلمية الذهنية وتشخيص المواقف وتحديد السياسة المطلوبة في اللحظات الحرجة، وقد تجلّت هذه العبقرية في ممارساته العملية ولعلّ منها.
*ـ رفضه استقبال ناصر الدين شاه عندما زار الأخير العراق عام [1870م].
*ـ توزيعه الأموال على المسلمين لتخفيف الضائقة عنهم. على أثر مجاعة مفاجئة.
*ـ سكوته عندما تعرض ابنه للاعتداء من قبل بعض المتعصبين مذهبياً عام 1893م، وطرده للمبعوث الإنكليزي الذي حاول استثمار الحادثة بطريقة خبيثة لتأجيج الفتن الطائفية، وقد أرسل السلطان العثماني ممثلاً عنه إلى المرجع الكبيرليشكره على هذا الموقف الإسلامي الواعي، وكان ذلك في سامراء إذ انتقل إليها من النجف في إحدى فترات حياته.
كل هذه المزاولات تدل على لياقة عالية في مواجهة الأحداث، وتبرهن على كياسة فائقة في السيطرة على المفاجآت التي قد تربك الأوضاع. وتدعو إلى تصرفات غير موزونة بمعادلات الربح والخسارة على الصعيد الإسلامي. ولذا كان السيد محل احترام وتقدير وإجلال كل المسلمين.
2ـ تبنيه الجاد لمصالح الأمة ضد الطغاة والمستكبرين. وقد تجلّى ذلك في تصديه لإسقاط مؤامرة [التنباك] تلك الوقفة الجريئة التي اضطرت حكومة ناصر الدين الشاه القاجاري إلى إبعاد الاتفاقية المعقودة مع بريطانيا. وذلك على أثر الفتوى الشهيرة التي أصدرها سنة [1891م] قد جاء فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان ومن استعمله كمن حارب الإمام عجّل الله فرجه».
حيث تجاوبت مع الفتوى كل طبقات الشعب الإيراني، وخرجت المظاهرات الصاخبة تندد بالسلطة والإنكليز، الأمر الذي أكد للشاه أن السيد المجدد هو الذي يملك زمام المبادرة في الشارع فاضطر إلى الإذعان، ومما يجدر ذكره أنَّ الفتوى صدرت بعد أن توافدت على المرجع العظيم شكاوى الأمة، ومطالبها إياه بإنقاذ مظان رزقها من المؤامرة. مما يكشف عن مدى التفاعل آنذاك بين المرجع والجماهير، وهذا الرجل الفذ لم ينطق بفتواه إلاّ بعد أن استفرغ كل ما في وسعه من أساليب أقل صرامة، فقد أرسل للشاه ليثنيه عن توقيع الاتفاقية ولكن الأخير أصرّ على موقفه، وقد بيّن السيد في الأثناء عبر الرسائل الآثار السلبية للاتفاقية المذكورة على مصالح الشعب. ولكن الشاه لم يسمع ولم يستجب، مما حفز القائد الديني العظيم إلى الإعلان عن تلك الفتوى التاريخية.
لقد واصلت هذه [المرحلة] حلقاتها بين مدّ وجزر، وذلك في إيران والعراق، ولعلّ التجارب السياسية والكفاحية في المشروطة والمستبدة، وإعلان الجهاد ضد الإنكليز الغزاة في [1914]، وثورة النجف الأشرف، في [1917] وثورة العشرين في [1920]، ورفض مشرع انتخابات المجلس التأسيسي [1923]، وانتفاضة السيد الكاشاني في [1952]، والثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني… لعل كل هذه المفردات إنما هي استمرار لها بشكل من الأشكال.
على أنَّ هذه القفزات في تاريخ المرجعية الدينية لم تكن نتيجة عبقرية ذاتية لهذا المرجع أو ذاك فحسب، بل هناك أيضاً الظروف والأجواء الموضوعية، ولكي تكون على بصيرة من هذه الحقيقة ولنحرز معرفة واعية في فهم جذورنا، نشير باختصار إلى مواضع الاستشهاد في هذا المضمار.
*ـ الاضطهاد العثماني المركب بحق الشيعي، ذلك الاضطهاد الذي طال قادة الشيعة من الفقهاء والمفكرين وعموم قواعدهم من العزَّل والمحرومين، سواء في سوريا أو العراق، ونحن نقول [مركب] لأنه كان نتيجة لأكثر من سبب:
أـ التشيع، أو موالاة أهل البيت عليهم السلام.
ب ـ عدم الخضوع السياسي أو العسكري للدولة والقيام بانتفاضات عشائرية عارمة مضادة للولاة والحكام والعسكريين.
ج ـ لأن غالبية الشيعة آنذاك كانوا عرباً أو فرساً…
*ـ تطور الفكر الأصولي على خطى عملاقة سريعة متلاحقة، وذلك منذ أن تولى الوحيد البهبهائي المسؤولية الفكرية للشيعة الأصولية في كربلاء في القرن الثاني عشر الهجري. ولعله ليس صدفة أن يكون [كاشف الغطاء] أحد مفاصل التاريخ المرجعي هو من التلاميذ المتقدمين عند الوحيد، وأن يخلفه في الدور الأرقى السيد [محمد حسن الشيرازي] وهو ممن تتلمذ على يد الشيخ مرتضى الأنصاري الذي يعتبر مؤسس علم أصول الحديث.
*ـ مشكلة الوهابية في هجومها على المدن المقدسة وظهور الخط الإخباري، كذلك المدرسة الشيخية. وما آلت إليه من نتائج خطيرة تمسّ جوهر العقائد الإسلامية، وروح المتبنيات التي جاء بها الدين العظيم.
*ـ توقد الصراع الطائفي في بعض الأحيان بسبب السياسات الخاطئة للحكومات.
كما أن هناك عاملاً مساعداً في هذا المضمار، وذلك أن العراق لم يتأثر باتجاهات التفكير القومي، على غرار ما دخل في شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب، أي كان على شاكلة مصر والسودان والمغرب الأقصى .
القطبان [الانطلاق ـ الانتهاء]
في نهاية القرن التاسع عشر أو قبل القرن العشرين انفرز القطبان الأساسيان في كل حركة تاريخية:
الأول: رجل الفطرة [العشائري].
الثاني: رجل الفكرة [العالم الديني/ الإسلامي].
ولم يكن النمط الأول من الرجال الذين يقبلون من الأشياء بالعدم!! إنها الفطرة التي تنطوي على وعي ذاتي معجون بالألم، ومشبع بالتجربة المرة، بل هو أرفع من أن يطالب بحقه في الحياة والوجود، وأعمق بكثير من محاولة حائرة بين خيارات مفروضة عليه، إن العشائري العراقي سُلب بالقوة أمراً يشكل جوهر فهمه لذاته وكيانه ومصيره… [الأرض والحرية]، فهو وعي يجاهد بحرقة لاسترجاع موضوع واضح ليس ثورة غامضة وإنما ثورة مشرقة بفضل المطلب البين… النير… بعيدة عن الاستجداء، غريبة على العفوية في أسها وجذرها.
ولم يكن النمط الثاني العالم الديني/ الإسلامي من الرموز التي تتعامل مع الفكر بمنظور اللّذة العقلية، ولا من النماذج التي تسخر العلم لاستحصال المادة. وإحراز الجانب المرهوب. بل هو يفكر لينقذ الإنسان، يبحث، ويحقق، ويقارن، ويوازن ليصل إلى الرأي الصحيح القادر على بلورة الموقف الجاد من الحياة، إنهم يحملون همَّ الإنسان، يحبون هذا المخلوق الكريم، فيجهدون ليل نهار في سبيل راحته وسعادته واستقراره، ومن هنا حاربوا وقاتلوا… لم يكونوا هياكل علمية بل كانوا علماً جهادياً.
إن المعادلة التي تحكم فكرهم ونشاطهم وهمومهم هي [الفكر«الإسلام» ـ الإنسان]. هذا هو الواقع في حياة الشيخ جعفر كاشف الغطاء والسيد محمد حسن الشيرازي، مفصلي التاريخ المرجعي في المرحلتين الأخيرتين. وكما يرى الأستاذ مالك بن نبي، أن رجل الفطرة يمثل نقطة الإنطلاق ورجل الفكرة يمثل نقطة الانتهاء، إي أن الحركة الحضارية تحتاج [رجالاً يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى]، وها هم الرجال في متن الواقع، إذن ما هي النتيجة؟!… إن المعادلة لم تكن محكمة بالدرجة التي تصنع الأمل في ذلك الوقت، لأن التواصل الجاد والمصيري بين نقطة الانطلاق ونقطة الانتهاء لم يبلغ أوجه… كان بارداً… وقتياً… إن القضية التي نحن بصددها لا تتطلب تواجد وتوافر القطبين، بل إضافة إلى ذلك ـ وهو الأهم ـ تطابقهما والتقاؤهما على خط استراتيجي ثابت، وهذا لم يكن حاصلاً بالدرجة الفاعلة… كان موجوداً ولكنه هادئاً وليس هذا هو المطلوب… وليس سراً أنه كان بمقدور رجل الفكرة أن يختار هذه الفجوة، لأنه يمتلك كل الصلاحيات التي تؤهله لمثل هذه العملية العملاقة، بدليل أنّ الأدوات البسيطة التي تدور في فلك هذا الرجل أحدثت تطوراً عميقاً ومؤثراً في التركيبة العقائدية والمذهبية لبنية العشائر، فبواسطة خطباء المنبر الحسيني الذين يفدون على القرى للقراءة في مراسم عاشوراء، دخل أفواج من الناس في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
تتابعت الأيام وهي زاخرة بالأحداث والتطورات لتشكل أنساقاً جديدة للحياة على أرض العراق، فقد قلنا إن عجلة التاريخ لا بدّ لها أن تدور وتتحرك في هذا الجزء الحسَّاس من العالم، فلماذا الجمود إذن؟! إنَّ ذلك يتناقض مع طبائع الأشياء، ويصطدم بقانون الحركة… إنَّ أخطر حقيقة تمخضت عنها هذه الأحداث والتطورات هي بروز إنسان المدينة!!
أي الإنسان الذي يمتلك تطلعاً نحو التجديد والانفتاح ينحو إلى التغيير في أساليب التفكير وأنماط السلوك السياسي والاجتماعي، ولقد ساعدت جملة عوامل متنافرة على خلق وإيجاد هذا النموذج، وقبل أن نوغل في الحديث عن طبيعة هذا النموذج ودوره في مداخلات التاريخ والحضارة في العراق، يجدر بنا أن نستعرض باختصار بعض مصاديق ومشخصات تلكم العوامل.
أولاً: التطور المدني
شهد القرن التاسع عشر في ثلثه الأخير تقدماً مدنياً سريعاً، ومهما قيل عن دور الأسباب الاقتصادية والتجارية في هذا التطور المدني المذهل، إلاّ أن حيوية الإنسان العراقي، وقدرته على الإبداع وتجاوبه مع الظروف الجاهزة (Normal Circumstances) تُعدَّ في طليعة المؤثرات الإيجابية في هذا المضمار.
لا نقول هذا طبقاً لمزاج أو هوى، وإنما التاريخ هو الذي يشهد بهذه الحقيقة الكبيرة، ولعلّ من نافلة القول والفكر أن أي حركة ليست نتيجة لمؤثرات خارجية فحسب، بل هي تتوقف إلى حد كبير على موضوعها فيما يبديه من استعدادٍ وطاقة وقابلية… على أي حال لا يمكننا معرفة مدى السعة في هذا التطور ما لم نسجل معالمه بالأرقام.
1 ـ العمارة [1861].
2 ـ علي الغربي [1864].
3 ـ العزيزية [1865].
4 ـ قلعة صالح [1868].
5 ـ المحموديّة [1868].
6 ـ الكوت [1869].
7 ـ الهندية [1870].
8 ـ الرمادي [1870].
9 ـ الناصرية [1870].
10 ـ شيخ سعد [1871].
11 ـ الصويرة [1872].
12 ـ قلعة سكر [1873].
13 ـ الشطرة [1873].
14 ـ أبو صخير [1875].
15 ـ المجر الكبير [1876].
16 ـ الكميت [1878].
17 ـ البغيلة [1882].
18 ـ الرفاعي [1893].
وكما يبدو من هذا العرض أن حركة التطور المدني كانت سريعة وتسير بمعدل متقدم، خاصة إذا أخدنا بنظر الاعتبار اضطراب الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق وذلك على مستوى العلاقة بين الحكومة والنسبة الغالبة من العراقيين، نقصد العشائر، والأمر الذي لا ريب فيه أن هذه القفزات توسع من فرص الانتقال إلى طور القيم والأعراف المدنية. وهذا يقود إلى لون جديد من السلوك والتفكير لدى الإنسان العراقي المتواجد في المدن، وتدخله في إطار أرحب من الأمنيات والتطلعات.
ثانياً: الحياة الدستورية
وممَّا ساعد على بروز [ابن المدينة] رقماً مؤثراً أوائل القرن العشرين من تاريخ العراق، فكرة الدستور في إيران وتركيا، أي:
1 ــ المشروطة الإيرانية عام [1906] التي تمَّ بموجبها تشكيل أول مجلس شورى في إيران، يشرف عليه خمسة مجتهدين للنظر في أحكامه وقراراته.
2ـ الدستور التركي عام [1908] الذي جاء على أثر انقلاب ضباط الاتحاد والترقي، حيث تمّ تنحية عبد الحميد الثاني في [1909] وتنصيب رشاد الخامس بدله…
وليس سرّاً أن الحدثين تركا انعكاسات خطيرة وهامة على بنية العراقيين السياسية والفكرية فقد تأسست [جماعة المشورة] في العراق لمقاومة الدعوة إلى الدستور، وتحركت في هذا الميدان سياسياً وفكرياً لإلغائه وحذفه. كما أن الجماهير في الكاظمية وكربلاء والنجف انقسمت إلى شقين بالنسبة للمشروطة بين مؤيد متحمس، ورافض أكثر حماساً، وذلك تبعاً لانشطار الرأي والموقف من قبل العلماء والمجتهدين، ولقد حصلت مباراة فقهية وخطابية بين الفريقين تخللها صدامات عنيفة في كثير من الأحيان. ولقد أصبحت الكلمات السياسية والاجتماعية محل أخذ وردّ، وذلك مثل [الاستبداد، الحرية، الدستور، الانتخاب، رأي الأمة…]، وكل هذا بعث مناخاً مشحوناً بالنزاع والصراع اللذين امتزجت فيهما الأفكار والمناورات.
وبغض النظر عن كل ملابسات [المشروطة ـ المستبدة]، وما كانت تنطوي عليه من خفايا وأسرار وتناقضات. إلاّ أنها ولا ريب، ساهمت في بلورة نفسية أخرى لابن المدينة، جعلته أكثر تفاعلاً مع العالم الخارجي، وأعمق تعاملاً مع الأفكار والآراء السياسية والاجتماعية، وصنعت منه رقماً في تحريك الأحداث وتقرير المصير، خاصة وأن موضوع [المشروطة- المستبدة] يمسّ صميم الحكم، ويدخل في تقرير لون الحياة السياسية الذي يجب أن يسود، وللعينات البارزة التي تشكل العمود الفقري في المجتمع دخل أساسي في خضم المعادلة المذكورة، وذلك حتى علماء الدين المجتهدين وضباط الجيش الكبار والوجهاء والزعماء…
ثالث: انتشار الصحيفة
ومن المؤثرات التي لها سهم بارع ورئيس في هذه القضية الظاهرة الصحفية الملفتة للنظر في هذه الفترة [1908 ـ 1914] ويكفي أن نذكر أن عدد الجرائد والمجلات التي ظهرت في غضون ثلاث سنوات بلغت نحو السبعين، وذلك إلى سنة [1911]، أكثرها يحمل اتجاهاً دينياً وفكرياً وسياسياً، وحصلت في هذه المدة الزمنية القصيرة مباراةٍ صحفية صاخبة فيها الفكر والنصيحة والتوجيه والإرشاد والتشهير والفضح…إلخ. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الأجواء تدفع بابن المدينة إلى عالم أكثر سعة مما يحيطه، وتفتح بين عينيه حياة مليئة بالحركة وزاخرة بالأسرار.
رابعاً: معطيات المدنية الأوروبية
أ ـ الباخرة خلال القرن التاسع عشر.
ب ـ التلغراف: وكانت البادرة الأولى في مستهل [1861م] ثم امتدت خطوط التلغراف في مختلف أنحاء العراق، وأصبح من المعالم البارزة في البلاد، إلى قبيل الاحتلال الإنكليزي [1914].
ج ـ السيارة: في سنة [1908] دخلت أول سيارة العراق عن طريق حلب، وعند إعلان الحرب العالمية الأولى كان عدد السيارات أقل من اثنتي عشرة.
د ـ شهد العراق انتشار دوائر البريد في أواخر القرن التاسع عشر.
هـ ـ المطبعة: تطورت حركة الطباعة في العراق بسرعة نسبية، فبعد أن كانت حجرية في عام [1821] أنشئت اثنتان من النوع نفسه في عام [1856] في كربلاء، وفي [1861] جلب أحدهم مطبعة إلى بغداد من إيران، وبادر تحسين باشا إلى تأسيس مطبعة للولاية في [1975]، أكثر تطوراً، سميت بمطبعة دار السلام، وفي [1902] أسس الحاخام عزرا دنكور أكبر مطبعة في حينها، وفي [1907]، كانت مطبعة الشابندر تدار بمحركين بخاريين، وتطبع ثلاث آلاف نسخة في الساعة.
ومن البديهي بمكان أن مثل هذه الظواهر الجديدة تخلق في الإنسان دهشة، لأنها حديثة عليه بدرجة غريبة. إذ لم تكن تطرأ على ذهنه وهي تناقض ما ألف من التفكير والآمال، ويعتبرها نوعاً من الشبهات إذا صارت محل كلام أو رأي أو أمنية إلاّ أن هذه الدهشة تتحول إلى إعجاب، ثم يجتذب موضوعها الرغبة في التفاعل الحي والإيجابي ليصح بعد ذلك [تطلعاً].
انعكست هذه التطورات في صيغ من التحول اللافتة للنظر، وذلك على الصعيد الفكري والسياسي والاجتماعي، وكان من أبرزها العمل الحزبي، وهو دالة على بروز ابن المدينة في سياق معرفي وسلوكي جديد، فإن العمل الحزبي إنما ينشأ في الحواضر، وعلى أثر مقدمات معقدة ذات طابع متقدم. إنه قفزة في كيفية الممارسة السياسية، كما أنه يكشف عن تلاحم قوي بين الفكر والمسؤولية…
إن الظاهرة الحزبية لا تنشأ من فراغ بلل لا بد أن يسبقها دافع متحرك وزاخر ومتحفز…. نقول ذلك لأنها -الظاهرة الحزبية ـ رؤية وأسلوب وهدف وصراع وغاية ومؤسسة واهتمام وعمل وحساب، يعطي للدقة حجمها، وللمسؤولية وزنها، والعمل الحزبي حتى إذا كان حديث العمر بطيء الحركة إلا أنه يساهم بفاعلية في تهيئة فرص التطلع وإذا لم يخلق روح المنافسة فإنه ولا ريب يصعد من أدوارها، ويوفر مجال الإبداع على طريق الكفاح من أجل الهدف المأمول، ويكون سبباً في تسريع النمو السياسي والفكري، ويصنع الإنسان الذي تتحول كل إرادته إلى قصد.
لقد كانت الفترة [1908 ـ 1914] ناشطة في تأسيس الأحزاب والجمعيات السرية منها والعلنية وذلك في معظم العواصم [العربية] في القاهرة وبيروت ودمشق والحجاز واليمن وبغداد، كما أن بعض هذه الأحزاب تم إنشاؤها في باريس والآستانة. وللعراقيين مساهمة جدية في تكوينها وصيرورتها، وهي معلم رئيس على الحالة الجديدة …
1 ـ جمعية الإخاء العثماني العربي [1908]، ولم تعش طويلاً لأنها ولدت ضعيفة وكانت تفتقر إلى التجانس بين أفرادها وأعضائها.
2 ـ جمعية المنتدى العربي [1909] استمرت في العمل والنشاط حتى سنة [1915]، وكان لها ناد ثقافي وفكري وسياسي، أغلقت الحكومة النادي المذكور، وطاردت أعضاء الجمعية. من الجدير بالذكر أن أكثر عناصرها لعبوا دوراً بارزاً على مسرح السياسة في المستقبل.
3 ـ الجمعية القحطانية [1909]، وكانت سرية واستوعبت الضباط من العرب، وقد عاشت حتى الحرب العالمية الأولى [1914].
4 ـ جمعية العلم الأخضر [أيلول / 1912] انضمَّ إلى صفوفها الطلاب، وكان مؤسسوها من المتخرجين على الفكر المدرسي الحديث، وكلهم عراقيون.
5 ـ الكتلة البرلمانية.
6 ـ جمعية اليد السوداء.
7 ـ جمعية العربية الفتاة [1908] أخطر الجمعيات [العربية] السرية، تأسست في باريس على يد طلاب [عرب]، قصدوها بعد أن أتموا دراستهم في الآستانة، وهم: الدكتور أحمد قدري، عوني عبد الهادي، رستم حيدر … انتقل مقرها إلى سوريا سنة [1912|]، واتخذت من بيروت مقراً لها، وبعد إعلان الحرب انخرط في صفوفها ياسين الهاشمي وفيصل بن الشريف حسين.
8 ـ حزب الاتحاد والترقي [1908]، تشكل في الآستانة، وفتح له فرعين في بغداد والبصرة. كانت عضويته من موظفين كبار وضباط جيش وبعض اليهود، سرعان ما انفرط عقد الحزب. لأنه قائم على رد الفعل. وكان في صورته وهدفه حزباً مقلداً لـ [حزب الاتحاد والترقي] التركي الذي قام بما يسمى بـ [انقلاب دستور 1908].
9 ـ الحزب الحر المعتدل [1909] تأسس في اسطنبول وهو أول حزب معارض في عهد ما يسمى بالدستور، عمل فيه [طالب رجب النقيب]، فتح له فرعاً في البصرة بالتعاون مع الأتراك الذين واجهوا الاتحاديين، انتمى إلى الحزب أعضاء [الاتحاد والترقي] بعد أن تقدموا باستقالتهم، من أعضائه علماء دين مثل الشيخ جواد الجواهري وشيوخ عشائر معروفون [علوان الياسري، مبدر الفرعون، عطية أبو كلل …] ووجوه اجتماعية بارزة [يوسف السويدي، الحاج نجم البدراوي، عبد القاسم السعدون … الخ]، ويرى بعضهم أن الحزب المذكور، يمثل واجهة [المحافظين] في المعارضة.
10 ـ حزب الحرية والائتلاف [8/11/1911] أنشئ في اسطنبول أيضاً، وافتتح له فرعاً في البصرة، وقد انتقل إليه معظم أعضاء وعناصر الحزب السابق [الحر المعتدل] ومن بقي في [الاتحاد والترقي]، وكان يدعو إلى مبدأ اللامركزية، ولذلك اجتذب العديد من العناصر غير الحزبية.
أكثر هذه الأحزاب تأسست خارج العراق ولم يكن لها فرع في إحدى ولاياته، رغم اشتراك بعض الرموز العراقية في إيجادها وحركتها، باستثناء [الحر المعتدل] و[الحرية والائتلاف]، إذ وجدا امتداداً لهما في بغداد والبصرة، ولقد اتسمت بالسطحية والبساطة في الفكر والبنية والتنظيم، يظهر ذلك واضحاً من حالة الجزر السريعة التي تمر بها بعد لحظة التأسيس. وأصبحت كأنها ميداناً تجريبياً لتحقيق طموحات شخصية وليست رسالة وفكراً وهدفاً ويبدو أن كل هذه المفارقات كانت سبباً في نشوء أحزاب عراقية] خاصة. وكان من أكثرها خطورة وتماساً بتاريخ العراق:
أ ـ الجمعية الإصلاحية / البصرة [28/2/1913]:
قام بتأسيسها طالب رجب النقيب، تنتهج أفكار وآراء حزب [اللامركزية الإدارية العثمانية]. والأخير أنشأه السوريون المهاجرون إلى القاهرة بتاريخ [1912 ـ 1913] وقد دعا إلى المؤتمر العربي في باريس [1913]، حيث حضره عراقيان هما (توفيق السويدي) وكان يدرس المحاماة هناك و(سليمان عنبر)، وهو يمتهن التجارة في باريس … انضمّ إلى الحزب أعيان البصرة ووجهاؤها وبعض الضباط. وكان النقيب محوره المتحرك والفاعل.
ب ـ النادي الوطني العلمي / بغداد [ربيع/ 1913]:
حزب [بغدادي] أسَّسه ثلة من المتأثرين بالفكر الإسلامي الأوروبي، نتيجة الاطلاع على هذا الفكر عبر الصحف التي بشرت به، والتي كانت تفد العراق من القاهرة وبيروت أو من خلال الاتصال بالجمعيات [العربية] في الخارج، من أبرز روَّاده مزاحم الباججي وحمدي الباججي ومحمد رضا الشبيبي وباقر الشبيبي وعبد المجيد كنه وعاصم الجلبي وتحسين العسكري، وأصدر النادي [الحزب] جريدة [النهضة] لأحد عشر عدداً ثم أغلقت من قبل اسلطة.
ج ـ جمعية العهد [28/11/1913]:
قام بتشكيلها عزيز علي المصري أغلب أعضائها من الضباط الذين كانوا يشتغلون في الجيش العثماني، ومنهم: ياسين الهاشمي، جميل المدفعي، علي جودت الأيوبي، نوري السعيد، طه الهاشمي، مولود مخلص، … والجمعية سرية وكانت لها صلة بـ [العربية الفتاة] التي تأسست في [1909] بإشراف سوريين مدنيين … من الجدير بالذكر أن مركز التأسيس هو الآستانة، ولقد لعب ضباط العهد الدور الأكبر في سياسة العراق حتى عام [1958م].
وقبل أن نودع الحديث عن بدايات العمل الحزبي في العراق يجدر بنا أن نسلط شيئاً من الأضواء الكاشفة على الطبيعة السياسية والفكرية والاجتماعية لها أو على العموم يمكن إدراج الملاحظات التالية.
* لم تتبلور في مناهج هذه الأحزاب منظومة فكرية أصيلة. بل انتهجت رؤى مطروحة من قبل أحزاب أخرى نشأت في الخارج. فالجمعية الإصلاحية والنادي الوطني التزما الخط السياسي لحزب [اللامركزية الإدارية]، ونحن نعرف أن جوهر الدعوة في هذا الحزب هي الحكم الذاتي (Autonomy) للعرب في نطاق الدولة العثمانية، وحتى [العهد] كان متأثراً بهذا الاتجاه، ومن هنا جاء الاعتقاد بأنها فروع للحزب المذكور.
* كان عمادها [فرداً] بارزاً، فالسيد طالب النقيب هو مركز الثقل في التأسيس والتوجيه والصيرورة للإصلاحية والنادي الوطني، بينما عزيز المصري هو نقطة الارتكاز في العهد.
* اتسمت بالصفة الإقليمية، فالإصلاحية حزب بصري، والنادي حزب بغدادي.
* غلب على تركيبها الطابع [الاجتماعي ـ الفئوي]. فالعهد على الضباط العرب، أكثرهم من أصل عراقي، والإصلاحية من الأعيان والتجار، أما النادي الوطني فمن خريجي المدارس المدنية وحملة الفكر الأوروبي الإصلاحي.
* لم تتصف بظاهرة الانتشار الجماهيري، بل كانت أحزاب نخبة، وجمعيات تضم عينات معروفة بنشاطها الاجتماعي وانتماءاتها الأسرية.
لوحظ اقتصارها على ولايتي بغداد والبصرة، وانحسارها واضح في الموصل إلا العهد، فقد مثله أشخاص معدودون جداً.
ومن هنا يذهب رأي إلى أن هذه [الحركة العربية] لم تؤثر بعمق في الوسط العراقي، وتوعز هذه النتيجة إلى جملة أسباب، منها أن قدسية الخلافة الإسلامية ما زالت متغلغلة في الضمائر والنفوس، كما أن لبعض العناصر المؤسسة لهذه الأحزاب والجمعيات سلوكاً مشبوهاً سواء على الصعيد الشخصي المحض أو السياسي، إضافة لذلك إن الأفكار التي بشر بها العمل الحزبي كانت حديثة الوفادة على أرض الرافدين، أي على العكس تماماً من سوريا. وقد واجهت البرامج التي حملتها هذه التشكيلات مقاومة من الفقهاء والكثرة الكاثرة من جماهير الشعب العراقي. ولعل هذه الأسباب منعت أيًّا من التنظيمات من إعلان الانفصال عن جسم الخلافة. بل ودعت أكثر الأحزاب العربية الخارجية وجميع الأحزاب العراقية إلى بقاء الخلافة في آل عثمان …
كان المحور الذي تدور حوله أفكار وبرامج العمل الحزبي في العراق لا ينفصل في روحه واتجاهه عن العمل الحزبي العام في سوريا ومصر … إنه الحكم الذاتي في نطاق الدولة العثمانية، ولقد سطرت الأحزاب ذلك فقرة أساسية ورئيسية في دساتيرها ومناهجها، بل أن أغلبها كان يؤكد على ضرورة حصر الخلافة في آل عثمان!!
حتى المؤتمر (العربي) في باريس لم يخرج في قراراته عن هذا الإطار، أي (حقوق العرب) في الدولة العثمانية، على أي حال إن طموحات العمل الحزبي العراقي كانت امتداداً لهذه التصورات … ولقد جاء في أحد بنود أخطر حزب في العراق آنذاك [العهد] ما يلي:
«ترى جمعية العهد ضرورة بقاء الخلافة الإسلامية وديعة مقدَّسة بأيدي ملوك آل عثمان».
وفي الحقيقة أن التفكير كان هو التيار السائد في المدن، فهم يطالبون برفع الحيف السياسي والوظيفي والفكري، ولم تخالط أذهانهم وتصوراتهم قضية الانفصال عن الدولة العثمانية، وحتى الثورات إنما كانت تعطي مثل هذه الدلالة …
فقد كانت تلح على الاستقلال والحرية في إطار الوحدة القاطعة والحاسمة للخلافة العثمانية، بل هناك توكيد على خطر التفكير المضاد في هذا الصدد، مع إشارة إلى عدم نظافة الدوافع والبواعث وراءه، وقد صرَّح بذلك حتى المتهمون بالنوازع العلمانية.
ـ وقوف العراقيين من أهل المدن، علماء وقواعد إلى جانب الدولة العثمانية عندما تعرضت ليبيا إلى الغزو الإيطالي والانخراط في جيش الدولة لخوض حرب التحرير المقدسة ضد القوات الغازية.
ـ الانتصار للدولة والتفاعل معها عاطفياً وعسكرياً في الحرب البلقانية.
ـ وأخيراً وليس آخراً مقاومة الاحتلال الانكليزي في (1914) في ظل القيادة العثمانية.
إن كل هذه المظاهر تدل على بروز ابن المدينة رقماً فاعلاً مؤثراً، ولكن ما هي المعادلة الفكرية السياسية التي تمظهر من خلالها هذا العنصر؟! … إنها في الواقع [التطلع ـ الاستقلال].
إن المعادلة وإن كانت لا تخص النخبة من أبناء المدن العراقية آنذاك، إلا أنها في الوقت نفسه لم تكن واضحة بينة، ولم تكن مبرمجة بشكل مفصل ودقيق، وهذا طبيعي لأنها كانت بداية، وهي تتباين في درجات فعليتها ووضوحها من مدينة إلى أخرى، فقد تبدَّت حالة عامة ـ تقريباً ـ في ولاية بغداد، خاصة في النجف وكربلاء والكاظمية، وليس من ريب أن وجود الحركة العلمية في هذه المدن، وتماسها المباشر بأحداث إيران، واختلاطاتها الجنسية عوامل مساعدة لإنضاج وبلورة وترشيح التطلعات وأماني الاستقلال، فيما نجدها صفة نخبويةً محصورة إلى حد ما في البصرة، فهي رسالة التجار والأعيان.
إلا إن الموصل تكاد تشذ عن هذه القاعدة، ولذلك أسباب موضوعية، لعل منها انشغال المدينة بالمعارك الضارية بين السري الجليلي والعمري، لأنها قريبة من مركز الخلافة وعلى علاقات تجارية واقتصادية قوية معها …. والمنطقة الكردية بقيت بعيدة عن هذه التفاعلات.
قبل الاحتلال البريطاني كانت في الأفق الاجتماعي ثلاث فقرات أساسية ومؤثرة في مجرى الأحداث المقبلة، هي:
الأولى: العلماء [الفكر ـ الإنسان].
الثانية: العشائر [الأرض ـ الحرية].
الثالثة: ابن المدينة [التطلع ـ الاستقلال].
وللأسف الشديد لم يكن بين هذه الفقرات الثلاث علائق متواصلة متفاعلة، بل هي شبه مستقلة عن بعضها، ولو قدر لها أن تجتمع لأحدث ذلك تطوراً هائلاً في بنية ومستقبل المجتمع العراقي، رغم أن بالإمكان توافر النقاط المشتركة والداعية إلى لقاء عميق وفاعل ….
ولأنها كانت متحفزة صوب شيء أرقى وأسمى، فإن أمراً إذا حصل قد يكون سبباً في تطابقها في حركة صاعدة، وهذا ما وقع فعلاً، فإن الاحتلال البريطاني للعراق وفر هذه الفرصة الذهبية، فقد تواصلت الجهود وتماثلت الأهداف في محورية محددة للغاية، ألا وهي طرد الغزاة ونصرة الدولة العثمانية، وفي بحر هذين الهدفين الكبيرين ذابت أحقاد وتهاوت ذكريات كانت تحفر في أخاديد الشعور والوجدان!!
ما معنى هذا؟! إن تلك الخميرة التي راحت تنبع على نار ساخنة في كل شريحة من الشرائح الآنفة، فانفجر العطاء المتجانس في لحظته الموعودة. ولكن ليس سراً أن العلماء كانوا مبدأ الإشارة، والفاعل الذي أخرج الحالة من قوتها الكامنة إلى فعليتها الجاهزة، ولم تكن مشاركة هؤلاء الأبطال مزاجاً شخصياً بقدر ما هو إيمان ورسالة.
وإلا كيف ينسون تلك المواقف القاسية والمؤلمة للسلاطين والولاة والعسكريين من حقوقهم وحقوق رعاياهم؟ والفلاح لم يكن في مشاركته عفوياً، فقد تبلورت في وجدانه الحر كرامة أرضه المحدودة. فكيف إذا تعرضت كل الأرض للاستهانة من كافر أجنبي؟! وابن المدينة أبى أن يكون صاحب الوجود المهلهل الوجود النصفي (Half – Existence) فصار حقيقة بارزة في المقاومة.
لم يكن الجهاد هبة سريعة كما يتصور البعض، لا أبداً، بل هو جهاد حقاً ولعل الملاحظات التالية تكشف عن تاريخيته الموضوعية التي كان من أجلها وفي سبيلها:
المعلم الأول:
استمرت روحه سارية في شعور الأمة بقيادة الأعلام الأبطال لسنوات طويلة. وقد تجلت هذه الحقيقة في ثورة النجف [1918]، وثورة [1920] والمطالبة بحكومة عربية إسلامية، وبمقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي … ومثل هذه الاستمرارية التي هي نتيجة تلك البداية المقدسة لا يمكن أن تكون مسيرة عفوية، بل هي مضمون يتفجر.
المعلم الثاني:
تطابقت فيه الإرادات المتباعدة والمتنافرة ـ ولو في حدود ـ فقد شارك معظم العلماء في الجهاد رغم تباين نظراتهم حول المشروطة والمستبدة، وتناسى شيوخ العشائر ذكرياتهم المرة مع الولاة ليكونوا جنوداً أمناء على الأرض والوطن والدين تحت قيادة العسكريين الأتراك، وتحرك أبناء المدن للهتاف بالخليفة العثماني وسقوط الإنكليز، رغم أنهم كانوا يرفعون لواء (الحكم الذاتي) وقد أجلوا الشعار كلاماً وواقعاً، وفي أول حملة عسكرية يقوم بها المجتهد الخالد محمد سعيد الحبوبي، كان في إمرته (1500) مجاهد كردي من أصل (13000) مقاتل في سبيل الله.
المعلم الثالث:
لم تفتر عملية الجهاد المسلح إلا في الوقت الذي تهاوت فيه القوة العسكرية العثمانية، ولو أن الجيش العثماني استطاع الصمود وردّ القوات الإنكليزية، لبقيت الجحافل المجاهدة على عهدها ولم أصابها وهن أو يأس. ونحن نعلم أن الأمور مرهونة بظروفها وأجوائها، لقد أعطى العراقيون في حرب المقاومة آلاف الشهداء، كما أنهم أفنوا الآلاف من الغزاة، وكثيراً ما كانت العشائر العربية تقاتل لوحدها ومن دون الاستعانة بالحكومة العثمانية، كما هو الحال في معركة (باهيزة) الشهيرة التي جرت في العراق.
على أن مبدأ الجهاد في الدين الإسلامي يلغي كل تصور عفوي يحاول أن يضيفه البعض على حرب المقاومة، فهو واجب إذا تعرض الوطن الإسلامي للتمزق والاحتلال، ولعل في هذا السياق نقرأ جملة صور مشرقة لا يمكن تفسيرها إلا بمنظور اعتقادي راسخ في الجهاد، وهذه بعضها:
صورة (1):
لقد كان جمع من شيوخ العشائر في السجون العثمانية، ولكن إبان الاحتلال أطلق سراحهم، فباشروا القتال ضد الانكليز لأنه كان أمراً جهادياً!! وهذا هو مبدر آل فرعون الذي كان على خلاف مع السلطة، بل كان في صراع معها يقول:
[إن الأتراك إخوتنا في الدين وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا].
صورة (2):
رغم إن السيد كاظم اليزدي لم يكن على علاقة حسنة مع الاتحاديين، واتخذ جانب المناصرة من [المستبدة] كما كانوا يسمونها، إلا أنه أفتى بالجهاد، وفي (19/1/1914م) صعد ابنه المنبر في الصحن العلوي الشريف يحث على قتال الإنكليز، وأوجب على الغني العاجز بدناً أن يجهز من ماله الفقير القوي، وكان لكلامه صدى عريض في أوساط الأمة.
صورة (3):
السيد عبد الرزاق الحلو من أكابر المجتهدين آنذاك يرحل مع أتباعه القليلين إلى السماوة، وعندما تصله استغاثة الوالي [جاويد باشا] يصيح هاتفاً:
[الله أكبر، الله أكبر سمعنا وأطعنا].
وفيما يتوسل إليه عبد العزيز القصاب في أن يؤجل الاستجابة لأن سفن النقل كانت مهددة بسبب تقلب الرياح، يجيب رحمة الله عليه:
[يا ولدي لقد وجبت عليَّ الحركة بناءً على الخطاب الوارد لي وإن تأخري يعد عصياناً].
صورة (4):
وفي (15/11/1914) يخرج المجتهد الخالد محمد سعيد الحبوبي في موكب جهادي رائع من النجف الأشرف. وقد تقلد سيفه والطبول تدق أمامه، وفي منتصف كانون الثاني (1915) يصل الناصرية ليحث العشائر على الجهاد المقدس، وقد شارك بنفسه مقاتلاً رغم كبر سنه.
صورة (5):
السيد مهدي الحيدري يقود جحافل مؤمنة للقتال ضد العدو، وذلك رغم أنه طاعن في السن، والرواية التالية تكشف عن عظمة موقفه.
لقد كان أحد كبار ضباط الجيش العثماني راقداً في المستشفى ببغداد ـ بعد معركة الشعيبة ـ فدخل عليه أحد رجال الدين الذين يشتغلون في السلك الحكومي، فلما وقع نظره عليه قال له: [… أنت ها هنا ترفل بالراحة والطمأنينة والنعيم مع إنك تتقاضى راتباً ضخماً من الدولة طيلة عمرك، وأن الإمام السيد مهدي الحيدري يحارب بنفسه الإنكليز ـ على شيخوخته وعظمته ـ وهو الآن في الصفوف الأولى، مع أنه لم يقبل من أموال الدولة قليلاً ولا كثيراً طيلة عمره].
صورة (6):
وبصورة جماعية تصل بغداد ثلة من العلماء الأفاضل في موكب جماهيري جهادي، وكلهم عزم وطيد على القتال، من هؤلاء:
[فتح الله الأصفهاني، السيد علي التبريزي، السيد مصطفى الكاشاني، الميرزا مهدي الخراساني، الميرزا رضا الشيرازي، الشيخ حسن القطيفي …] فيهم من كربلاء المقدسة، وفيهم من النجف الأشرف، وقد تضافروا مع مجاهدي بغداد وخرجوا سوية بتاريخ (9/ كانون الأول 1914) ونلاحظ بوضوح أن معهم الإيراني والعربي. الأمر الذي يتجلى من خلاله الإحساس الإسلامي العميق.
صورة (7):
ويجلس الحاج داود الصباغ في مسجده الواقع في محلة [صبابيغ الآل] وقد وضع أكوام [المجيديات] أمامه ليعطي لكل راغب في الجهاد ما يكفي مؤونته ومؤونة عائلته.
لقد قاد العلماء المقاتلون بالتعاون مع القيادة العسكرية العثمانية وقاوموا ببسالة نادرة، ولم ينسحبوا إلا بعد انكسار الجيش العثماني في معركة الشعيبة، وقد كان عدد المجاهدين المشاركين في شرف القتال (18000) إضافة لهم (3000) من قبائل عربستان.
إن حركة الجهاد لم تنقطع، إلا أنها أصبحت أقل فعالية إذ لم يعد هناك مجال لخوض المعارك الحربية النظامية، فراح العلماء يحثون الناس على قطع طرق الإمدادات، وبث الرعب في الأوساط العسكرية الإنكليزية ومساعدة العثمانيين بشكل من الأشكال وصورة من الصور حتى حدثت ثورة النجف الشهيرة.
وبعد انحسار حركة المقاومة المسلحة العراقية ضد الإنكليز بدأت رموز الجهاد تفكر جديًّا بانتهاج أسلوب عمل جهادي آخر وعلى هذا الأساس شهدت النجف الأشرف سلسلة ندوات تعقد للغرض المذكور، ومن أهم هذه الندوات هي:
1 ـ ندوة الشبيبيين [محمد رضا الشبيبي، محمد باقر الشبيبي].
2 ـ ندوة الجزائريين [عبد الكريم الجزائري جواد الجزائري].
3 ـ ندوة السادة آل كمال الدين [محمد سعيد، محمد علي].
4 ـ ندوة آل الصافي ويديرها [محمد رضا، الشاعر المعروف أحمد الصافي النجفي].
وكما يذكر المؤرخون إن هذه الندوات أفرزت وتمخضت عن أمرين خطيرين هما:
الأول: تاسيس جمعية النهضة الإسلامية، وهي جمعية سرية منظمة أسسها علماء ومتحمسون رساليون.
الثاني: قدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي من سامراء إلى كربلاء حيث باشر نشاطه السياسي مباشرة.
ثورة النجف التي بدأت شرارتها في [19/آذار/ 1918] بقتل الكابتن البريطاني إنما قامت بها [جمعية النهضة الإسلامية] التي أسسها جمع من العلماء والمفكرين الإسلاميين، وهي جمعية سرية هدفت إلى طرد الإنكليز بثورة شعبية ومن ثم إقامة حكم إسلامي ويذهب العارفون بهذه الثورة ممن عاصرها إلى أن فكرة قتل الضابط الإنكليزي إنما قدر لها أن تجرَّ الإنكليز للهجوم على النجف، وهذا يؤدي إلى اشتعال الثورة في الفرات، وعليه لم تكن هذه البداية التي أقدم عليها الحاج نجم البقال متهوراً، بل هي رؤية سليمة وجيدة بلحاظ الظروف والأجواء التي كانت سائدة، فالنجف هي المركز الروحي للمسلمين الشيعة، ولم تخضع في أواخر الدولة العثمانية وبداية الاحتلال البريطاني إلى سيطرة حكومية كما أنها موطن المرجعية الدينية والرفض الثوري، ولذا فإن تقدير البقال في ضوء هذه الحقيقة يُعد صائباً.
إن قوام الجمعية يتألف من:
1 ـ السيد محمد جواد الجزائري [الرئيس].
2 ـ السيد محمد علي بحر العلوم [نائب].
3 ـ السيد عباس الخليلي [سكرتير].
4 ـ السيد محمد علي الدمشقي [رئيس ثان].
5 ـ السيد عباس الرماحي [عضو].
6 ـ السيد عبد الرزاق عدوة [عضو].
7 ـ السيد كاظم صبي [عضو].
ولقد مهدت الجمعية للثورة بإثارة الغضب الجماهيري على الإنكليز بواسطة نشرة سياسية تمريقية يتم كتابتها باليد، وتوزع سراً، كما أن اتصالات ومشاورات مكثفة قام بها زعماء الجمعية مع رؤوس ووجوه المناطق في النجف وضواحيها، وهذا بطبيعة الحال ينفي عنها صفة العفوية المزعومة.
نستطيع أن نقول إن جمعية النهضة الإسلامية كانت حزباً حركياً منظماً، فهناك القيادة والفكرة والهدف والاتصالات والاجتماعات السرية والخطط والوسائل، كما أن هناك الدستور للعمل والتنظيم.
ولعلَّ مما يكشف عن جوهرها الإسلامي قصيدة الثائر الكبير محمد جواد الجزائري وهو نزيل السجن، فمما قاله فيها:
رعينا بها سُنة الهاشمي
نبي الهدى والكتاب المستبينا
وخضنا المعامع، وهي الحمام
ندافع عن حوزة المسلمينا
ولذلك لم تتورع الجمعية عن الاتصال بالأتراك، بل إن التعجيل بالثورة كان القصد منه التخفيف عن الجيش العثماني وعلى أمل أن ينتشر أوار الثورة بالتعاون مع بقايا القوات العثمانية المتواجدة في الفرات الأعلى، وهذا دليل آخر على الطابع الديني الرسالي للجمعية وثورتها، ولكننا لم نعدم حساً وطنياً. وهذا الحس طبيعي في حالات تعرض الأوطان لغزو عدواني خارجي …
وقد حاول البعض أن يعتبر الثورة عملاً فوضوياً. وهذا التصور لا يقوم على أساس علمي. بدليل أنها أثارت الفزع في روع الاحتلاليين، وبشهادة المعاملة القاسية التي لقيتها المدينة المقدسة من الجيش البريطاني، فقد حاصرها (46) يوماً، ومنع عليها الطعام والماء وكل مستلزمات الحياة، الأمر الذي أدى إلى موت العديد من أبنائها جوعاً وعطشاً، كما أن رصاص المحتلين لم يرحم النساء والشيوخ والأطفال خلال فترة الحصار، أضف إلى ذلك إعدام ثلاثة عشر قائداً من الثوار وسجن آخرين بأحكام قاسية جائرة … على أي حال إن فكرة (الجمعية) كحركة منظمة هادفة يمكننا أن نسجل لها النقاط الإيجابية التالية:
أولاً: إنها أول تنظيم حركي إسلامي سياسي في العراق.
ثانياً: مثلت طليعة الكفاح الإسلامي المسلح، وذلك قبل حركة نواب صفوي.
ثالثاً: اعتمدت [الفكر] أساساً سابقاً على كل اعتبار.
بعد أن تمكنت القوات الغازية من احتلالها للعراق عمدت إلى استفتاء الرأي العراقي بطريقة تكشف عن اتجاهه الصميمي ورغائبه السياسية وطموحاته المستقبلية.
إن الأسئلة المقدمة تؤكد هذه [النية] من عملية الاستفتاء، وهي:
السؤال الأول:
هل ترغبون بحكومة عربية مستقلة تحت الوصاية الإنكليزية، يمتد نفوذها من أعالي شمال الموصل إلى الخليج الفارسي؟!
السؤال الثاني:
هل ترغبون في أن يرأس هذه الحكومة أمير عربي؟!
السؤال الثالث:
من يكون ذلك الأمير الذي تختارونه؟!
والأسئلة فن دقيق لاصطياد الرغبة الأصيلة، وخطة محكمة لمعرفة ما للعدو وما عليه من إرادات ومواقف وآراء، أو كأن السائل يريد أن يدرك العمل المسبق أزاء حقائق سوف تبرز للعيان حيث يملك في مقابلها برنامجاً مبيَّناً وكاملاً.
ولقد كانت زبدة الجواب الذي أدلى به المسلمون الشيعة في بغداد وكربلاء والنجف والكاظمية على أن العراق وحدة شعبية جغرافية لا يتجزأ من أعالي شمال الموصل وحتى الخليج. وأنهم يريدون حكومة عربية [مضبطة بغداد] أو حكومة عربية إسلامية [مضبطة الكاظمية والنجف وكربلاء]. يرأسها ملك عربي مسلم من أنجال الشريف حسين بن علي على أن يقيد بمجلس تشريعي.
مرت الحركة الجهادية للشعب العراقي منذ الاحتلال بالمراحل التالية:
أولاً: المقاومة المسلحة الشاملة 1914 ـ 1917.
ثانياً: الثورة المحلية [ثورة النجف الأشرف] 19/3/1918.
ثالثاً: المواجهة السياسية [قضية الاستفتاء] 1918 ـ 1919.
وقد كان لعلماء الدين الدور الأكبر في التخطيط والتوجيه في هذه المراحل الجهادية، وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، بل نستطيع أن نقول إن حركة التاريخ في العراق آنذاك كانت تعبر بصورة واضحة عن الإرادة الإسلامية والوطنية الأصيلة متجسدة بالعلماء الأعلام قبل كل شيء ومن ثم القواعد الجماهيرية الضخمة.
إن المراحل السابقة قادت إلى بلورة موقف جديد، موقف يستند إلى رؤية واضحة في أسباب فشل المقاومة واندحار ثورة 19 آذار كما أن قناعة العراقيين بعدم الاستجابة لتقاليدهم هي الأخرى ساهمت في تحديد الموقف المذكور ولذلك نجد نشاطات من نوع جديد أعقبت القضاء على الثورة النجفية، لعلَّ من أبرزها:
أولاً: تأسيس الأحزاب السرية
1 ـ حزب حرس الاستقلال [شباط 1919]:
وترتكز أهمية هذا الحزب في مجملة نقاط حساسة ومثيرة. إذ تكشف عن مدى الوعي الفكري والسياسي لدى مؤسسيه، فهو:
ـ يرفض التعامل مع الإنكليز بأي عقد أو اتفاق، ويطالب باستقلال العراق اعتماداً على الإرادة الشعبية، وهذا سبب خلافاته العميقة مع حزب العهد الذي تأسس في نفس العام، إذ لا يمانع رجال الحزب المذكور من الاستعانة ببريطانيا، بل نص على ذلك في لوحة دستوره.
ـ أقدم على تأسيس المدارس لبث الفكر والعلم، ولتمكين شباب الأمة من الوعي السياسي، ومن أهم هذه المدارس، المدرسة الأهلية في بغداد. ومن الجدير بالذكر أن مالية هذه المدارس كانت تعتمد على عطاءات وتبرعات جملة من التجار العارفين بمسؤولياتهم الشرعية، وقد فتح الحزب فروعاً كثيرة للمدرسة، وذلك في كل من الكاظمية والنجف والشامية ودلتاوه.
ـ أكد الحزب في أحد بنود الدستور الذي اختطه على الاستقلال الكامل للعراق والعراقيين.
ـ أكد على ضرورة ضم العراق إلى لواء الوحدة العربية.
ـ أكد على إسناد شعب [الملوكية] إلى أحد أنجال الشريف حسين على أن يقيد بدستور ديموقراطي.
إن هذه الأعمال والبنود إشارة على طريق الوعي الكامل، وتبرهن على أن المؤسسين كانوا من ذوي الثقافة الجيدة، كما أنها تعطي صفة الأصالة والجذرية للعاملين فيه ….
ولا يخالجنا اي ريب أن الحزب ذو طابع إسلامي وديني، وذلك رغم ما جاء في مواده من كلمات توحي بالعكس، أمثال [الملوكية] [الديموقراطية] [الوحدة العربية]، لأن هذه المقولات لم تكن آنذاك على وفق ما عليه الآن من خلفية سياسية عريقة، ورؤى اجتماعية قد تصطدم بالإسلام أحياناً ….
إن كل هذه المصطلحات إنما طرحت بلحاظ الثقافة الإسلامية التي يحملها المؤسسون، إذ كان أغلبهم من المتشبعين بها. ولعل منهم السيد محمد الصدر والشيخ محمد باقر الشبيبي.
إضافة إلى ذلك إن مفهوم [الوطنية] الذي يعني التخلص من الاستعمار لا يتناقض مع الفكر الإسلامي، إنما تكون المعارضة إذا قاد المفهوم إلى تعصب أعمى لا يفرق بين حق وباطل. ولذا نجد أكبر المجتهدين وهو محمد تقي الشيرازي يطالب بحكومة وطنية.
كذلك الدعوة إلى ضم العراق لمجموع الدول العربية لا يتعارض مع متبنيات الإسلام، إذا كان العمل المذكور ضمن إطار إسلامي، ولعله هو المقصود على لسان المؤسسين، بدليل مادتهم الثقافية وخلفيتهم التربوية وانتماءاتهم البيئية، فالإسلام يشكل الجوهر الأول لكل هذه الآفاق التي تحيط بهم.
بل لعله هو المقصود بحكم الأجواء السائدة في المجتمع العربي في تلك الفترة، تلكم الأجواء التي قلما تخرج عن الإطار الإسلامي. ولم تكن الديمقراطية الواردة إلا التشريع الإسلامي، وذلك جرياً على تفسير الأمور بل يكتنفها من مناخات وظروف، وسيأتي توضيح أكثر لهذه الحقيقة الكبيرة.
2 ـ الحزب النجيفي السري [3/7/1918]:
أسسه الشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ محمد رضا الشبيبي، وانضم إليه أبرز المثقفين الإسلاميين [سعد صالح، محمد علي كمال الدين]، كذلك غالبية رؤساء العشائر في الفرات الأوسط [عبد الواحد سكر، علوان الياسري، كاطع العوادي]، وقد فتح له فروعاً في بغداد وكربلاء والحلة والرميثة والدغارة وعفك والهاشمية … هدف الحزب هو تحقيق الاستقلال الكامل للعراق.
3 ـ الهيئة العلمية:
أسسها المجتهد الكبير شيخ الشريعة الأصفهاني في أواخر [1918].
4 ـ الجمعية الوطنية الإسلامية:
تأسست في كربلاء المقدسة بعد قدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي، وقد حددت هدفها بمحاربة الغزاة وطردهم، كان الإمام الشيرازي هو الذي يتولى توجيهها وإرشادها، ثم أوكل المهمة إلى ولده الشيخ محمد رضا.
5 ـ الجمعية الوطنية الإسلامية:
وقد ترأسها الشيخ الشيرازي نفسه بعد أن ولى ولده على سابقتها ذات الإسم، وانضم إليها [عبد الحسين المندلاوي، مهدي المولوي، الشيخ مهدي الزرندي]. وكان الهدف الرئيسي الذي اضطلعت به الجمعية هو التوفيق بين رؤساء العشائر، وبث الدعاية ضد الإنكليز، وتحريض الأهالي على قتالهم.
ثانياً: توحيد الإرادات العشائرية
بعد أن تولى الشيخ محمد تقي الشيرازي المرجعية العامة في مارس 1919م، قام بالتأليف بين القيادات العشائرية المتناحرة، وقد تولدت رابطة سياسية بينه وبين هذه القيادات من خلال بثه للوعي في صفوفهم، وفي نطاق دعوته إلى استقلال العراق. ولقد وفرت هذه الممارسات حالة من الجو السياسي المشبع بالرفض للإنكليز، ومكنت رغبة أصيلة في الاستقلال من فكر وتوجهات رؤساء العشائر، وكان لذلك دور فاعل في نشوب الثورة العامة أي ثورة 1920م كما سنرى في الصفحات التالية.
ثالثاً: طرح مسألة الاستقلال
ومن النشاطات المهمة في هذه الفترة ـ بعد الاستفتاء ـ الاتصال بالملك حسين عبر رسائل ومذكرات، وطرحت من خلالها مسألة استقلال العراق، وقد طالب الموقعون الملك بالعمل الجاد على تحقيق هذا المطلب. وأهم رسالة في هذا الصدد تلك التي بعث بها الشيرازي وحملها الشيخ محمد رضا الشبيبي، وقد أجاب الملك على رسالة المجتهد الكبير من أنه سوف يبذل كل ما في وسعه على هذا الطريق ….
ومما يندرج في هذه المحاولات رسالتا الإمام الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني إلى الرئيس الأميركي ولسن، حيث أكدا له في الأولى معاضدتهما للأمير فيصل أثناء تواجده في مؤتمر باريس للمطالبة بحقوق العرب الاستقلالية، وفي الثانية أعربا فيها عن رغبة العراقيين بالاستقلال التام.
كل هذه الممارسات ترسم مرحلة جديدة في المسار الجهادي للعلماء والشعب العراقي، يمكن أن نسميها بمرحلة الإعداد لثورة شعبية عارمة، إذ كانت الأحداث والرغبات والمواقف تتداخل مع بعضها لتؤكد رفضها القاطع للاحتلال وتصميمها الحاسم على الاستقلال. فإذا ما حصل المطلوب والمأمول لم يكن هناك بديل عن القيام بانتفاضة جذرية تعتمد التضحية والفداء وهذا هو الذي حدث فعلاً.
[ثورة 1920 الكبرى]
جميع المفارقات السابقة في إيجابياتها وسلبياتها تمخضت عن ثورة 1920 الشعبية ولم تعدم بطبيعة الحال وجود جهود سابقة هادفة على طريق الثورة، وما العمل على توحيد وتأليف العشائر إلا مقدمة واضحة في هذا المجال ….
على أي حال إن الذي يفسر الثورة بأنها وليدة [العفوية] (Spontaneity) إنما يلغي فترة زمنية قوامها ست سنوات زاخرة بأحداث المقاومة الفكرية والسياسية والعلمية، ويضرب عرض الحائط بولادة الفلاح العراقي الجديدة عبر قرون من المعاناة، ويتناسى عملية النمو العقلي التي مرَّ بها ابن المدينة، وأخيراً يتغافل عن الطور اللاحق الذي دخله عالم الدين، بعد تجارب التنباك والمشروطة والاستفتاء ….!!
[العفوية] منطق غير قادر على تعليل الحوادث الضخمة، وثورة العشرين ليست من هذا النوع، بدليل النتائج التي آلت إليها، وفي مقدمتها استقلال العراق …. ولا يستقيم مع قيم التاريخ أن نقول إن ثورة العشرين ثمرة لمبادئ ولسن الأربعة عشر!
فإن مثل هذا الرأي يفرغ الأمة من كل مضمون حي، ويجرّد الشعوب من أي قدرة ذاتية على التحرك، والحال إن المقاومة المسلمة أثبتت عكس هذا التصور، لأنها أنبأت عن وعي كامن في ضمائر العراقيين، واستعداد كبير لديهم في الحفاظ على الوطن والدين، ولم يلقوا السلاح إلا في اللحظة التي تهاوى بها الجيش العثماني ….
إن الفترة الزمنية [1914 ـ 1920] بما انطوت عليه من حركات شعبية واعية ومنظمة ضد الإنكليز تنفي أي سبب خارج الإرادة العراقية في تفسير الثورة العظيمة … إن تتبع مجريات الثورة يكفي لإلقاء هذه الأضواء لنكتشف هذه الحقائق ….
إن الثورة كانت ملحمة تضافر في نطاقها الفكر والدم والسياسة والوعي، ومن أدلة هذه المقولة الملاحظات التالية:
أولاً: الوحدة الشعبية:
تجسدت في ثورة العشرين الوحدة الشعبية الكاملة في أقصى درجاتها.
ثانياً: الهدف الواضح:
وكان يتمثل بطرد جنود الاحتلال وإقامة حكومة إسلامية عربية مستقلة، على رأسها ملك مسلم من أنجال الشريف حسين مقيد بمجلس وطني، والهدف رفع منذ طرح الاستفتاء واستمر إلى ما بعد ثورة العشرين، أي إلى تاريخ انتخابات المجلس التأسيسي، الأمر الذي يكشف عن كونه خميرة تفكير ونظر، وليس هوى أو مزاج.
ثالثاً: الوعي:
ومن معالمه الواضحة أن يدخل الفلاحون في صدامات مع رؤساء العشائر الذين والوا الإنكليز. ولم يتحركوا ضد الاحتلال، ومن معالمه أيضاً أن يسارع الشيوخ الثائرون لاستلام المبادرة القيادية للعشائر بدل الشيوخ المتواطئين.
إن مثل هذه العلائم لا تنبئ عن ثورة ساذجة أو حركة هامشية حركتها العواطف والغرائز، وإنما تميط اللثام عن عمل رسالي سياسي هادف تتجلى فيه إمارات القصد المرسوم سلفاً، والمعد له قبل انفجاره.
ولقد سقط في سياق الحدث الكبير التيار [المحافظ]، التيار الذي مثله حزب العهد، فنحن نعلم أن من برنامج هذا الحزب هو الاستعانة بالحكومة البريطانية لنيل الاستقلال!! والغريب في الأمر أن الرؤوس البارزة في هذا الحزب هي التي لعبت الأدوار الرسمية في تاريخ العراق اللاحق.
دور العلماء العلني في الثورة
أولاً: تهيئة الأجواء:
وذلك بالإقدام على الممارسات المهمة التالية:
1 ـ بعث الرسائل إلى الأمير فيصل بن الحسين لإعلامه رغبة العراقيين بإنهاء الاحتلال وتأسيس الحكومة الإسلامية العربية، وتكليفه برفع هذه المطالب إلى الإنكليز والأميركان.
2 ـ المذكرات التي بعثها العلماء إلى الشريف حسين وحملها محمد رضا الشبيبي في صيف 1919 والتي يعلمونه بها إصرارهم على الوحدة الجغرافية للعراق من البصرة حتى الموصل، وعلى ضرورة الحكومة العربية المستقلة على رأسها أحد أنجاله.
3 ـ الرسالتان اللتان طيرهما الشيرازي وشيخ الشريعة إلى الرئيس الأميركي ولسن، حيث طالبا فيها منح الأمم المظلومة حقوقها، وإفساح المجال لاستمتاعها بالاستقلال حسب المبادئ الأربعة عشر. وكان ذلك في 12/ جمادى الأول / 1337، أي بمناسبة انعقاد مؤتمر باريس.
4 ـ رسالة الشيخين ذاتهما إلى الرئيس ولسن عن طريق السفارة الأميركية في طهران، وفيها أكدا ضرورة تأييد حقوق العراقيين في تقرير المصير، وكانت رسالة شديدة اللهجة، تضمنت هجوماً عنيفاً على قوات الاحتلال …. بتاريخ 5 / جمادى الأول / 1337.
الذي لا ريب فيه أن هذه الأعمال كانت تشحن الأجواء العراقية العامة بالوعي السياسي، أو تصعد من أواره ولهيبه، وتشجع على الانخراط في العمل من أجل استقلال العراق، ذلك لأنه صادر من مجتهدين كبار لهم الكلمة الأولى والمؤثرة في الأوساط العراقية آنذاك.
ثانياً: فتوى تحريم الوظائف:
وهي الفتوى التي أصدرها الإمام الشيرازي في الأول من آذار 1920م، وقد حرَّم فيها على المسلمين العمل الوظيفي لدى إدارة الاحتلال، واستجاب للفتوى العراقيون بتقديم الاستقالات المتتالية، وكانت خطوة جريئة إذ جاءت في الوقت الذي بدأت فيها عملية التوظيف تأخذ مجرى اعتيادياً. وشحذت من جديد شرارة العداء للاحتلاليين، إذ ركزت مفهوم العداء الحاسم بين المسلمين في العراق والغزاة.
ثالثاً: الإيعاز بالتحرك السلمي:
أصدر الإمام الشيرازي تعليماته إلى كافة العراقيين بالتحرك السلمي في طريق المطالبة بالاستقلال وذلك بعد المؤتمر الكبير الذي عقده في داره بمناسبة زيارة النصف من شعبان من نفس العام الذي اندلعت فيه الثورة. وأوصى الإمام الشيرازي بأن تكون مظاهر التحرك سلمية في البداية، حتى إذا استكمل هذا الجانب أغراضه ولم تتحقق مطاليب الأمة، فإن الخطوة اللاحقة هي العمل المسلح.
رابعاً: إعلان الثورة:
بعد أن خططت المرجعية وعلماء الدين طريق التحرك نحو انتزاع الحقوق العراقية من أيدي الإنكليز، وراحت هذه الخطوات تتلاحق تباعاً في السياق الزمني السريع، وصلت الأجواء في العراق إلى مرحلة النضج، وأصبحت الثورة المسلحة الحل الأخير في هذا الخصوص وهو ما تم بالفعل في 20 حزيران 1920م، حيث ترك علماء الدين أماكنهم في المدن المقدسة واتجهوا إلى سوح الجهاد، في أكبر وقفة شهدها تاريخ العراق الحديث.
(راجع الثورة العراقية الكبرى).
غالب الشابندر
تشيع القبائل العراقية
إن تحول القبائل العربية من نمط الإنتاج البدوي، القائم على التنقل والترحال من مكان إلى آخر وراء العشب والمطر، إلى نمط الإنتاج الحضري القائم على الاستقرار والزراعة في قرى ثابتة والارتباط بعلاقات اقتصادية واجتماعية جديدة، كانت قد لعبت دوراً هاماً كبيراً في تغيير نمط حياة تلك القبائل وأسلوب معيشتهم وطرق عملهم وتفكيرهم وكذلك قيمهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية.
وفي الواقع، لا يحدث هذا التغير والتغيير في الجوانب المادية من الحضارة فحسب، بل ايضاً في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية.
ومن المعروف أن كثيراً من الشعوب والقبائل الرعوية التي استقرت وتحولت إلى الزراعة تأثرت بهذه التغيرات البنيوية وفقدت بالتدرج كثيراً من خصائصها وقيمها وتقاليدها، إلى جانب فقدانها نمط الانتاج الرعوي الذي يقوم على التنقل والترحال من مكان إلى آخر.
مثل هذه التغيرات البنيوية التي أشرنا إليها في كتابنا الذي صدر باللغة الألمانية عام 1975([751]) أثارت انتباه الدكتور فرهاد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برلين الحرة، عند مناقشته للعلاقة بين الدين والسياسة في المجتمع العربي([752])، وجعلته يتساءل عن العلاقة بين هجرة القبائل العربية من البادية واستقرارها في جنوب العراق، وبين تحولها إلى التشيع، حيث قال على الرغم من الأمثلة التي يسوقها الحيدري لإثبات صحة نظريته لا تقدم لنا مع ذلك التفسير الكافي للإجابة على سؤال مهم: لماذا تؤدي الحياة المستقرة إلى التحول إلى المذهب الشيعي؟([753])
ومع أهمية السؤال الذي طرحه الدكتور فرهاد ووجاهته، كان عليه أن يصوغ السؤال على الشكل التالي: ما هي العوامل التي ساعدت على دفع كثير من العشائر العراقية «السنية» إلى التحول إلى التشيع بعد استقرارها وتحولها إلى الزراعة في جنوب ووسط العراق؟
وإذا لم يكن المجال قد سمح لنا آنذاك بتقديم شرح وتفسير وافيين للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية وغيرها، التي أدت إلى تحول كثير من القبائل العربية إلى التشيُّع، فإننا أشرنا إلى أهم تلك العوامل التي ساعدت على ذلك، ومنها ضعف إيمان البدو وعدم تمسكهم بالشعائر والطقوس، وقوة أو ضعف ارتباط القبائل بالبادية، واحتكاكها مع غيرها من القبائل المستقرة، وكذلك أثر المدن الدينية، وبخاصة النجف وكربلاء وما تلعبه المرجعية الدينية من دور ثقافي في منطقة الفرات الأوسط، إلى جانب أهمية الشعائر والطقوس الشيعية وغيرها من العوالم([754])، التي سنحاول معالجتها بشيء من التفصيل في هذا الفصل، محاولين، رصد التغيرات التي حدثت للقبائل التي استقرت في الجزيرة ـ في القسم الشمالي من العراق ـ والقبائل التي استقرت وتحولت إلى الزراعة في وسط العراق وجنوبه، وبخاصة في منطقة الفرات الأوسط، مبينين لماذا وكيف تأثرت هذه القبائل بالفكر الشيعي، وعلى وجه الخصوص بمراسيم العزاء الحسيني، ولم تتأثر بها القبائل في شمال العراق بالدرجة نفسها؟!
والواقع، إن هناك تغيرات بنيوية هامة حدثت في أنماط حياة كثيرة من القبائل العربية التي نزحت من البادية الغربية واستقرت في العراق وتحولت إلى الزراعة، حيث أخذت علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية تتغير بالتدريج. وكان أول التغيرات الحاسمة قد حدث في العناصر المادية في الحضارة، حيث أخذ الاهتمام يتضاءل بتربية المواشي، وتقل العناية بالجمال، وتفقد الخيول أهم وظيفتين أسياسيتين لها وهما:
وظيفتها كوسيلة نقل مستبدلة بوسائل نقل حديثة، وثانياً وظيفتها كوسيلة للفروسية في أوقات الحرب وحالات الغزو، بسبب التحول إلى الزراعة وكذلك قوة الدولة المركزية وامتدادها إلى القرى والأرياف([755]).
لقد اتخذ التغير الذي حدث في مجال عناصر الحضارة المادية أشكالاً عديدة ومختلفة. فالبدو الذين استقروا وأخذوا بأسباب التحضر، أصبحوا مزارعين يعيشون في قرى ومستوطنات صغيرة وفي مساكن طينية أو مبنية بالطابوق المفخور، وأخذوا يستخدمون في حياتهم اليومية آلات وأدوات زراعية ومنزلية وألبسة حديثة، ويستعملون وسائل نقل سريعة، وهو ما مكنهم من إقامة علاقات اجتماعية جديدة مع سكان القرى والأرياف، في الوقت ذاته، أخذوا يتأثرون بعاداتهم وتقاليدهم القروية وكذلك بمعتقداتهم، وشعائرهم وطقوسهم الدينية.
لقد ولّدت هذه التغيرات العميقة الأثر في نمط حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية الجديدة مشاكل وصعوبات لم يكونوا قد تعرفوا عليها من قبل، لأن نمط حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية الجديدة تتناقض تناقضاً كبيراً مع كثير من المبادئ والقيم الاجتماعية القديمة التي سادت في البادية، وهذا ما جعل حياة القبائل البدوية في تناقضات اجتماعية وقيمية حادة.
فمن المعروف أن من تقاليد البدو أن يقتل الرجل المرأة التي يشكك في سلوكها، ولما كان من النادر أن يشك الرجل في امرأة في البادية، بسبب أن المرأة البدوية نادراً ما تتكلم مع رجل غريب، ولهذا من النادر أيضاً أن يحدث مثل هذا الفعل. غير أن مثل هذه المشاكل تقع، بصورة خاصة، في الريف حيث تضطر المرأة الريفية لبيع بعض المحاصيل الزراعية في الأسواق، وهذا ما يعرضها أحياناً إلى بعض المحاولات اللاأخلاقية.
وفي الواقع فمنذ أن أخذ البدو بالاستقرار والزراعة وتربية البقر والدجاج بدأت إمكانية تعرض نسائهم لمثل هذه المضايقات. فالبدوي غالباً ما يعتبر بيع منتوجات البقر والدجاج عملاً شائناً من قبل المرأة، لأن المرأة التي تذهب للسوق لبيع منتوجاتها من الألبان والدواجن، قد تتعرض أو تجبر أحياناً لأعمال مخلة بالشرف أو الاشتباه بذلك. وقد تترك بيتها وقريتها وتذهب مبجرة إلى إحدى المدن.
ولكن حين يكتشف أمرها من قبل أحد أفراد عائلتها فسوف يقوم بقتلها «غسلاً للعار»، وإذا استطاعت المرأة المشتبه بها التخلص من القتل، فليس لها سوى الهرب إلى المدن الكبرى والعمل في الخدمة في البيوت. وقد تجبرها الظروف على بيع جسدها. وفي الواقع فإن عدداً ليس قليلاً من هؤلاء هن من أصل ريفي([756]).
وإلى جانب هذه المشاكل الاجتماعية ـ الأخلاقية تظهر المشاكل الاقتصادية، نتيجة لارتباط البدو الجدد في علاقات عمل زراعية جديدة لم يكونوا قد تعرفوا أو تعودوا عليها، ويصبحون بعد فترة قصيرة عرضة لاستغلال الملاكين الكبار. إلى جانب ظهور المشاكل الصحية التي لم يكن لها من وجود في حياتهم في البادية، لأنه نادراً ما توجد أمراض في الصحاري والبوادي مثلما هي في المدن والقرى.
ويعود ذلك إلى أن القبائل البدوية هي قبائل رحل تنتقل من مكان إلى آخر وبصورة مستمرة. كما أن الأرض ورمال الصحراء تبقى نظيفة أو تنظف بسبب حرارة الشمس الواقية من الجراثيم، ولذا نادراً ما نجد أمراضاً وتلوثاً بيئوياً في الصحراء.
غير أن الأمر يختلف حين ينتقل البدو إلى الريف ولا يغيرون من عاداتهم الصحية في الاعتناء بنظافة أجسامهم وغذائهم وبيوتهم وقراهم. إن العادات الصحية في الصحراء لا تتلاءم أبداً مع الحياة الريفية، التي تسبب أمراضاً عديدة. ولهذا يكون سكان الأرياف معرضين دوماً لأمراض وأوبئة مختلفة([757]).
وإلى جانب هذه المشاكل فعلى البدو المستقرين حديثاً، الإذعان لقوانين الحكومة، بدل العرف العشائري، وهو ما يسبب فقدان الثقة بالقوانين المدنية وعدم احترامها. كما يقع هؤلاء تحت رحمة الموظفين الإداريين من جهة، وجباة الضرائب من جهة أخرى، إلى جانب إجبارهم على أداء خدمة العلم بعد أن أعلنت الحكومة العراقية عام 1955 القانون العام للتجنيد الإجباري «قانون خدمة العلم».
وكذلك وقوعهم تحت الضغوطات المختلفة التي يمارسها عليهم شيوخهم القدماء بع أن تحولوا إلى ملاك أراضٍ كبار وأخذوا يستغلون أفراد عشائرهم بعد أن كانوا في الأصل سواسية معهم.
كل هذه الظروف والشروط الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تراكمت فوق كاهل المستوطنين الجديد جعلتهم ينتظرون من يخلصهم من ثقل آلامهم ومشاكلهم، خصوصاً أن الفلاحين البسطاء لا يجدون طريقاً للتخلص من أوضاعهم المزرية التي جابهتهم في حياتهم الجديدة في الريف والتي لا يمكن حلها بوسائل اجتماعية تقليدية.
في مثل هذه الظروف والأوضاع تصبح العقيدة الشيعية بشعائرها وطقوسها وقيمها الروحية أقرب إلى نفوسهم، حيث تعطيهم السلوى والأمل وتساعدهم في حل بعض مشاكلهم الاجتماعية والنفسية ومواجهة الصعوبات التي تواجههم في الحياة، وفي الوقت نفسه، تفتح لهم طريقاً للتنفيس عن رغباتهم المكبوتة.
وهناك حقيقة اجتماعية هامة هي أن البدو لا يميلون بقوة إلى ممارسة الشعائر والطقوس الدينية. هذا الرأي يؤيده عدد كبير من العلماء والمفكرين الذين درسوا حياة البداوة وكتبوا عنها.
يقول أوبنهايمر، أحد أكبر المستشرقين الألمان الذين اختصوا بدراسة البدو والبداوة، بعد أن عاش بينهم سنين طويلة، وكذلك أغلب العلماء الذين كتبوا عن حضارة البدو، بأن هناك شبه إجماع في الرأي، على أن البدو، في الواقع قليلاً ما يحترمون القواعد والواجبات الدينية وكذلك الشعائر والطقوس([758]).
كما أشار فيليب حتى إلى أن أهم ما يميز البدو بهذا الخصوص، هو أن الدين، في الحقيقة لم يتأصل بعمق في نفوسهم([759]).
وقد أشار علماء آخرون إلى أن الإسلام عند البدو هو إسلام غير عميق، فهم يميلون إلى التكيف مع معتقدات سكان المنطقة التي يعيشون فيها. وفي الواقع فإن الإسلام لم يزل عند البدو إلا لفظاً على ألسنتهم. وقد أكد علماء الأنثربولوجيا هذه الحقيقة، بعد دراسات وبحوث ميدانية عديدة لسلوك وتفكير البدو وممارساتهم العقائدية.
وقد لاحظ عالم الأنثروبولوجيا الألماني شتاين بأنه نادراً ما شاهد، وفي حالات قليلة جداً، إقامة فريضة الصلاة من قبل بدو شمر جربة في شمال العراق حتى أنهم لا يلتزمون بصيام شهر رمضان ولا الحج إلى بيت الله الحرام في مكة إلا في حالات نادرة([760]).
وفي الصحراء يلاحظ المرء بوضوح بأن البدو لا يعتقدون إلا بالله وبرسوله. ومن الملاحظ أيضاً أننا لا نجد في الصحاري والبوادي جوامع ومساجد وقبور أولياء ورجال دين إلا نادراً. وبهذا الخصوص يشير علي الوردي إلى رأي وجيه، هو أن عقيدة البدو وسلوكهم هو انعكاس لحضارتهم وحياتهم الاجتماعية البسيطة التي تطبع علاقاتهم الاجتماعية والسياسية وحروبهم المستمرة بعضهم مع البعض الآخر([761]).
وأن نمط الحياة وأسلوب الإنتاج الرعوي في البادية يجبر البدو على احترام العصبية القبلية وقيم الغزو والثأر والتغالب التي تتناقض مع أخلاقية الدين الإسلامي وتسامحه.
وبالعكس من ذلك يميل الحضر إلى ممارسات وشعائر وطقوس دينية تساعدهم على حل مشاكلهم وتقدم لهم العزاء في محنهم وتبعث فيهم الثقة والأمل والتفاؤل بالمستقبل. إن هذا العزاء والمساعدة والأمل يجدونها في الواقع في المؤسسات الدينية وفي شعائرها ومراسيمها وطقوسها الدينية، وبصورة خاصة، في العتبات المقدسة وعند الأولياء الصالحين حيث يقدمون صلواتهم وأدعيتهم ويطلبون منهم الخير والبركة والصحة والشفاعة.
ومن الجدير بالذكر أن التقرب إلى الله غالباً ما يتم عن طريق إمام من الأئمة أو ولي من الأولياء. وبهذا الصدد ذكر ابن خلدون في مقدمته بأن الحضر يخضعون دوماً، ومنذ قديم الزمان، لقهر الدولة وظلم السلاطين([762]).
ولذلك نجدهم خاضعين ومقهورين، لأن السيف مسلط على رؤوسهم دوماً.
إن الإنسان المقهور والمضطهد هو في خوف دائم على حياته وأولاده ورزقه في الحاضر، وقلق على مستقبله غير المعروف والمقدر، كما أن العجز عن مواجهة الواقع بسبب قلة الحيلة والقمع والاستغلال الذي يحيط به من كل مكان، يجعله متعلقاً برموز الخير والبركة، يتقرب إليهم من خلال الزيارات والأدعية والقرابين والنذور ويبثهم شكواه.
مثل هؤءلاء بحاجة إلى ملاذ يلجأون إليه في أوقات الشدائد والملمات لمجابهة تلك الصعوبات والمآسي، حيث تدخل الطمأنينة إلى قلوبهم والأمل والرجاء في حصول الخير والبركة والشفاعة، وهذا وحده كان يمنحهم شيئاً من الراحة والثقة، وشيئاً من التوازن النفسي ـ الاجتماعي.
إن مثل هؤلاء الناس يجدون في العتبات المقدسة ملاذاً وفي الإمام ولياً ونصيراً، وفي الوقت نفسه حامياً وشفيعاً لهم عند الله يوم القيامة. أما سكان البادية فهم على العكس من سكان المدن والقرى أكثر تحرراً من سلطة السلطان والدولة، وقد اعتادوا على أن لا يخضعوا لأي إنسان. ومن الملاحظ أيضاً أنهم يعملون مع شيخ القبيلة ويتعاملون معه نداً لند، ولا يطيعونه طاعة عمياء، كا يفعل الحضر تجاه رؤسائهم.
كما أنهم يتكلمون معه مباشرة وينادونه باسمه أو يخاطبونه بقولهم «يا محفوظ» أو «يا طويل العمر». وهذا النداء لا يتضمن في الحقيقة أي معنى تسلطي، وإنما يعكس نظام المشيخة، الذي يقوم على نمط الإنتاج الرعوي الأصيل.
ومن المعروف أيضاً أن الغالبية العظمى من البدو هم من أهل السنة والجماعة، غير أن هناك حقيقة واضحة هي أن كثيراً من أفراد القبائل البدوية الذين استقروا في الريف العراقي وتحضروا في القرنين الأخيرين، كانوا قد تحولوا بالتدريج إلى التشيع، وإن هذه العملية ما زالت مستمرة حتى هذه الأيام.
إن هذه الظاهرة كانت قد لوحظت من قبل بعض المؤرخين والسياسيين، ومنهم مس كرترود بيل التي لم تستطع توضيح تلك الظاهرة الاجتماعية([763])، كما أن إبراهيم فصيح الحيدري، وهو من علماء السنة والجماعة البارزين في بغداد، في كتابه «عنوان المجد» الذي ألفه في منتصف القرن الماضي (1869م/ 1286هـ).
كان قد ذكر أسماء بعض القبائل التي تحولت إلى التشيع، كما ذكر تاريخ تحولهم. فمثلاً تشيعت بنو تميم قبل ستين عاماً (1809م) والخزاعل قبل مائة وخمسين عاماً (1719) والزبيد قبل ستين عاماً (1809) وكعب قبل مائة عام (1769) وربيعة قبل سبعين عاماً (1799). إضافة إلى ذلك ذكر عدداً آخر من القبائل العربية التي تحولت إلى التشيع من دون أن يحدد تاريخ تحولها([764]).
كما ذكر مؤرخ المماليك ابن سند البصري عام 1826 أيضاً (توفي عام 1834) عددا|ً من القبائل العربية السنية التي تحولت إلى «روافض» بحسب قوله، منها عشائر الزبيد التي تشيعت في نهاية القرن التاسع عشر أو في أوائله. وقد أرجع سبب ذلك التحول إلى مبادرات الدعاة الشيعة الذين يتجولون في العراق([765]).
عند دراستنا جغرافية التشيُّع والتسنن في العراق نلاحظ أن توزيعها يرتبط بمناطق القبائل البدوية، كما أن التوزيع «المذهبي» فيه يرتبط ارتباطاً جدلياً بالصحراء، واتصال كل منطقة منها بالبداوة. ومن الملاحظ أيضاً أنه كلما كان الارتباط بالبداوة قوياً، كان انتشار التسنن في تلك المنطقة أقوى.
وينطبق هذا التوزيع الجغرافي على القسم الشمالي من العراق بصورة خاصة، حيث نجد أن القبائل العربية هناك تكاد تكون أقرب إلى البداوة في عقائدها وسلوكها وقيمها الاجتماعية، كما أن التشيع لم يستطع اختراق المنطقة الشمالية عموماً، مع أن الحمدانيين، وهم من المسلمين الشيعة، كانوا قد حكموا في الموصل بين عامي 905 ـ 979م. غير أنهم لم يؤثروا كثيراً في الولاء السني هناك.
كما أن بدر الدين لؤلؤ الذي حكم الموصل حوالي أربعين عاماً في النصف الأول من القرن الثالث عشر، وحاول نشر التشيع في الموصل وما حولها، لم ينجح في محاولته إلا باستثناءات قليلة، حيث أن المنطقة لم تتأثر كثيراً بالتشيع لوقوعها على أطراف البادية من جهة؛ وارتباطها بتركيا وسوريا وتأثرها بهما أكثر من وسط العراق وجنوبه([766]).
ويظهر التوزيع الجغرافي للسنّة والشيعة في العراق بوضوح أكبر حين نتتبع خط نزوح القبائل البدوية وتوزيعها واستقرارها الذي يبدأ بصورة عامة، من الجزيرة العربية، وبخاصة من هضبة نجد، مروراً ببادية الشام، منحدراً إلى «الجزيرة» في شمال العراق.
ونستطيع توضيح ذلك أيضاً حين نهبط من شمال العراق إلى الوسط ثم إلى الجنوب، لدراسة التوزيع الجغرافي للمذاهب بصورة عامة. ففي شمال العراق، وبصورة خاصة في الجزيرة، التي تقع بين نهري دجلة والفرات، وتكوّن القسم الشمالي والجنوبي ـ الشرقي من سوريا، نجد أن أغلب أهل المدن والقرى وكذلك القبائل على مذهب أهل السنّة والجماعة، وإنهم في عقائدهم وطقوسهم أقرب إلى بدو الصحراء في تقاليدهم وقيمهم الاجتماعية والدينية.
وبصورة عامة يمكننا القول، بأن القيم البدوية في هذه المنطقة هي أقوى بوجه عام، بالقياس إلى المناطق الأخرى في العراق، وذلك لكونها شبه صحراوية، ولأنها من الناحية الجغرافية امتداد لبادية الشام ولا يفصل بينهما سوى نهر الفرات، ولأنها في الوقت نفسه، أقرب عهداً بحياة الصحراء وأكثر اتصالاً بها وتأثراً بتقاليدها وقيمها الاجتماعية. ولذلك بقيت لهجة سكان هذه المنطقة أقرب إلى اللهجة البدوية([767]).
أما في جنوب الجزيرة فنلاحظ بأن أغلب القبائل هم من أهل السنّة، غير أن التصوف أخذ يتغلغل بينهم. وبهذا يمكننا القول، بأن التصوف، في هذه المنطقة، يمثل حداً وسطاً بين التسنن والتشيع.
أما في المنطقة الوسطى فنلاحظ بأن التسنن يأخذ بالاختفاء في بعض المدن والقرى ليحل التشيُّع محله، حيث تحول قسم من أهل السنّة إلى التشيع. ولهذا نلاحظ في كثير من مدن وقرى المنطقة الوسطى قيام تعايش بين أهل السنّة وأهل الشيعة بعضهم مع البعض الآخر.
ونحن نشاهد هذا التعايش أكثر وضوحاً بين مدينتين متجاورتين أو بين محلتين متجاورتين في مدينة واحدة تختلفان مذهبياً، وبصورة خاصة في منطقة ديالى حيث يكون الاختلاط والتعايش المذهبي أكثر وضوحاً ويصل إلى قمة التسامح. وليس من النادر أن يشارك أهل السنة في بعض المجالس الحسينية أو موكب العزاء في عاشوراء وكذلك زيارة قبور الأئمة من أهل البيت.
لقد عايشت مثل هذا التعايش عند زيارتي لمدينة خانقين في آذار في عام 1968 لقراءة الفاتحة بمناسبة وفاة أحد مشايخ خانقين من أهل السنّة والجماعة. وقد أقيمت بهذه المناسبة «منقبة نبوية» شارك فيها أهل السنّة والشيعة معاً. وقد أنشدت «الفرقة» موشحات نبوية وقصائد شعرية في مدح الرسول وأهل بيته. وقد صاحبت المجموعة فرقة من حملة الدفوف يرأسهم رجل ضرير ينشد قصائد المديح وبصوت شجي.
وعلى إيقاع الدفوف تردد المجموعة المحيطة به الشطر الأخير من كل مقطع شعري ينشده. وبارتفاع ضربات الدفوف وصوت المنشدين يبدا أفراد المجموعة بهز رؤوسهم إلى الأمام والخلف.
ومع تزايد حركة رؤوسهم وأجسادهم على إيقاع الدفوف المتواصل، يصل المنشدون إلى ذروة الحماس والتوتر حيث يأخذ الجميع ينشدون وبصوت متواصل «الله أكبر … الله أكبر …».
ومما يلفت النظر أن القصائد الشعرية والموشحات كانت حول مناقب الرسول وأهل بيته، وبصورة خاصة حول الإمام علي وولديه الحسن والحسين، وكذلك السيدة فاطمة الزهراء. ومن الملاحظ أيضاً تعليق لافتات سوداء وخضراء كتب عليها شعارات حسينية تعود إلى إحدى المجالس الحسينية هناك.
كما رفعت رايات خضراء كتب عليها «يا أبا الفضل العباس». وقد أخبرني البعض، بأن كثيراً من أهل السنّة في تلك المنطقة يشاركون في المجالس الحسينية ويحتفلون بيوم عاشوراء مع الشيعة ويذهبون لزيارة الإمام الحسين يوم الأربعين في كربلاء.
أما في المنطقة الجنوبية من العراق، التي تمتد حتى الخليج والتي أطلق العرب عليها «أرض السواد» عند الفتح الإسلامي لها عام 639م، والتي يلتقي فيها النهران دجلة والفرات، هي في الواقع أكثر المناطق أهمية من الناحية التاريخية والحضارية، ولأنها في الوقت نفسه، موطن أقدم الحضارات الإنسانية ومنها قامت حضارات سومر وآكاد وبابل، وذلك بسبب توافر المياه والظروف المناخية والجغرافية المناسبة، حيث كانت قاعدة زراعية غنية منذ أقدم العصور التاريخية والتي عرفت في الماضي بـ «مخزن غلال العالم القديم».
ومنذ آلاف السنين قام في المنطقة الجنوبية من العراق نظام ري فني ومتقدم لزراعة «أرض بابل» و«جنائنها المعلقة» والتي أصبحت فيما بعد موطن أهم مراكز الحضارة العربية ـ الإسلامية، هذه المنطقة المتميزة تاريخياً وحضارياً ودينياً كانت ولا تزال موطن التشيع ومنها انطلقت الثورات الاجتماعية ـ الدينية على امتداد التاريخ الإسلامي. ومنه أيضاً انتشر التشيع إلى أنحاء العالم الإسلامي([768]).
وكان لمدينتي النجف وكربلاء اللتين تقعان على أطراف الصحراء الغربية للعراق، ما ساعدهما أن تكونا بمثابة سوق صحراوية وكذلك مخزناً للحبوب والتمور والرز واللوازم الأساسية التي تحتاجها القبائل البدوية، مما جعلهما على اتصال دائم مع القبائل العربية المتنقلة عبر بادية الشام من جهة، ومن جهة أخرى مع مدن وقرى الفرات الأوسط، وبخاصة مدينة الحلة التي كانت مركزاً مهماً للتبادل التجاري خلال القرن التاسع عشر، إضافة إلى بناء قناة الهندية التي مولت من قبل مملكة أود الهندية عام 1803 لنقل الماء إلى النجف التي أحدثت تغيرات بيئية واجتماعية واقتصادية ساعدت على استقرار البدو واستيطانهم في المناطق المجاورة من كربلاء والنجف، مما سهل تحول كثير من أبناء القبائل العربية إلى التشيع.
ومن الجدير بالذكر أن أبا بكر الخوارزمي (928 ـ 933م)، أحد أكبر أئمة الكتاب واللغة والأنساب المسلمين كان قد حَسَد أهل العراق قبل ألف سنة تقريباً لقيام مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومقام الإمام الحسين، عندهم، إضافة إلى عروبة المسلمين الشيعة وأصالتهم([769]).
وفي الواقع فلا يتواجد من أهل السنّة في هذه المنطقة اليوم، لا في المدن ولا في القرى المحيطة بها ولا بين القبائل العربية إلا عدد قليل جداً نسبياً، في حين كان هناك وقبل مائتي سنة تقريباً عدد من القبائل التي نزحت من الصحراء وكانت من أهل السنَّة([770]).
لقد نزحت شمر طوقة في أوائل القرن الثامن عشر، وهي فرع من فروع شمر الكبرى واستقرت منذ زمن بعيد، على ضفاف نهر دجلة جنوب بغداد وهي الآن شيعية([771]). ونزحت فروع من عشائر الزبيد بداية القرن التاسع عشر ومنتصفه، وهي من أولى القبائل الكبرى التي هاجرت إلى العراق مع الفتح الإسلامي، وهي الآن شيعية([772])، مثلما تشيعت بنو لام، والبو محمد، التي تمثل الاتحادات العشائرية الرئيسية، وكذلك فروع من ربيعة، كالدفافعة وبني عامر والجعيفر.
أما تميم فقد نزحت من نجد في منتصف القرن الثامن عشر وتشيع أحد فروعها الكبيرة وهم بنو سعد. كما تشيعت عشائر الهندية والديوانية الخمسة، آل أقرع والبدير وعفك والجبور والشليحات، التي استقرت على قناة الدغارة([773]).
وقبيل القرن التاسع عشر تشيعت العبيد، ومعهم فروع من شمر وبني تميم ايضاً. كما نجد أن إتحاد المنتفق الكبير قد تشيع في القرن التاسع عشر كله تقريباً، باستثناء شيوخه من عائلة السعدون، مثلما تشيعت بنو حجيم من الزبيد والشبل من الخزاعل وآل فتلة من الدليم وبني حسن من مالك، التي استقرت في الفرات الأوسط([774]).
ومن الملاحظ أيضاً أن عشائر الجبور في الوسط والجنوب، والتي نزحت منذ وقت مبكر إلى العراق، هم من الشيعة. بينما الذين يسكنون الشرقاط جنوب الموصل، هم من السنّة.
أما في جنوب المنطقة الجنوبية في العراق، أي في المنطقة الواقعة على أطراف الصحراء، بالقرب من البصرة، فتوجد اليوم بعض «الجيوب» كما يطلق عليها علي الوردي، التي يتواجد فيها أهل السنّة. ومثالاً على ذلك أنه ما زال في الناصرية عدد من أهل السنّة، غير أن الأمر الجدير بالاهتمام هو أنهم تأثروا كثيراً بالتشيع واكتبسوا كثيراً من شعائرهم وطقوسهم الدينية، فأخذوا يقيمون مجالس العزاء الحسيني ويشاركون في مواكب العزاء في عاشوراء.
وهذا مؤشر على أنهم في طريقهم للتحول التدريجي نحو التشيع، وكذلك في ابي الخصيب، وإحدى المحلات في سوق الشيوخ. وقد ينطبق الأمر كذلك على مدينة الزبير التي تقع على حافة الصحراء الجنوبية ـ بشكل أقل. ومن المعروف أن أهالي هذه المدينة كانوا قد نزحوا إليها من البادية المجاورة منذ وقت قصير([775]).
وفي الواقع فقد تفاوتت نسب التشيع وعمقه من منطقة إلى أخرى، ومن قبيلة إلى أخرى، بحسب درجات التأثر والتأثير الديني ـ الاجتماعي، وكذلك بين منطقة الفرات الأوسط، القريبة من النجف وكربلاء، وبين منطقة شرق دجلة أو شماله البعيدة عنهما.
وفي الوقت الذي تشيعت الشريفات من اتحاد المنتفق، بقيت الشحيم سنية جزئياً حتى وقت متأخر من القرن العشرين([776]). أما في الكاظمية، شمال بغداد، فقد انقسمت الفداغة بين التشيع والتسنن، وكذلك بنو سعيد في المنتفق والزوبع من شمر في الكاظمية وسوق الشيوخ.
ومع أن أغلب بني تميم قد تشيع، فقد بقيت فروع قليلة منهم سنية. وينطبق هذا على الجبور أيضاً، حيث تشيع جبور الفرات، أما جبور دجلة فما زال أغلبهم من السنّة، وكلاهما من الزبيد.
وفي الحقيقة فقد لعبت عوامل عديدة في تسهيل عملية التحول إلى التشيع كان من أهمها حيوية الفكر الشيعي وفاعليته ووجود العتبات المقدسة وكذلك انتشار وكلاء المرجعية الدينية وخطباء المجالس الحسينية بينهم.
وإلى جانب العوامل الدينية، هناك عوامل اجتماعية وسياسية أخرى أثارت عداء القبائل ضد الدولة العثمانية والنزاعات معها، إلى جانب المقاومة والتمرد ضد تعسفها، بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر في أحيان أخرى، مما جعلها تنخرط في صراع مستمر مع الحكومة العثمانية من جهة، ومع الشيوخ من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه، وجد أفراد العشائر أنفسهم منجذبين بأفكار الشيعة وعقيدتهم وشعائرهم وطقوسهم، وبخاصة ما تعكسه تلك الشعائر والطقوس من قيم ومواقف ضد القهر والظلم والاستغلال.
وكذلك، فإنها تمنحهم هوية دينية تجعلهم يشعرون بكونهم مسلمين يكسبون قدراً من الإحترام والشرعية التي افتقدوها بعد استقرارهم في الريف، مثلما تشعرهم بقدر من الاعتبار عند ممارستهم للشعائر والطقوس الدينية، مثل زيارة العتبات المقدسة ومشاركتهم في مراسيم العزاء الحسيني وتحسين علاقاتهم الاجتماعية بعالمهم الداخلي والخارجي معاً، تلك العلاقات الجديدة التي كونت عندهم بداية جديدة لإعادة الثقة بالنفس والإحترام.
غير أن العلاقات الدينية والاجتماعية الجديدة لم تقوض تماماً قيمهم البدوية التي ما زالت مستمرة وفاعلة، والتي تحورت، في أحيان كثيرة، إلى أشكال أخرى لم تستطع القيم والتقاليد الإسلامية القضاء عليها، حيث بقي العرف العشائري ساري المفعول نسبياً ومتفاوتاً من مكان إلى آخر.
كما نحصر تطبيق الشريعة الإسلامية في مسائل الزواج والطلاق وبعض الشعائر الدينية، وبقيت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقرابية تحتفظ بمميزاتها، وبخاصة ما يرتبط بالعصبية القبلية والثأر والدية وغسل العار وغيرها.
وإلى جانب العوامل الاجتماعية هناك عوامل سياسية ذات أثر فعال. فقد عززت هجمات الوهابيين المتواصلة على مدينتي كربلاء والنجف المقدستين، وكذلك البصرة وأطرافها، الهوية الدينية بين أفراد العشائر العراقية وقوت مركزهم، وبخاصة في فترات ضعف السلطة المركزية، وساعدت ذلك بدوره على تمرد بعض العشائر في جنوب العراق، كما حدث في تمرد عشائر الزبيد والخزاعل والشامية وكذلك تمرد الظفير وشمر جربة والروالة في الشمال الغربي من العراق([777]).
أما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد كان من دوافع تمرد العشائر وقوف الشيوخ أمام محاولات الحكومات العثمانية لتحطيم سلطتهم من جهة، ورد فعل أفراد العشائر أمام مطالبة السلطات العثمانية بدفع الضرائب وتسجيل الأراضي في الطابو، وكذلك التجنيد الإجباري، وسوء العلاقات الاجتماعية ـ السياسية بين الشيوخ وأبناء العشائر، الذي «أثار الحاجة إلى إعادة تجديد موقعهم على الخارطة الاجتماعية لبيئتهم المحيطة» وأن يفسر، على نحو ما إحساسهم بالاغتراب ورد فعلهم على الأزمة التي مروا بها في أعقاب انهيار تنظيمهم الاجتماعي ـ الاقتصادي والسياسي السابق وانخراطهم في التشيع، وهو مؤشر على سعيهم إلى الاستقرار الاجتماعي([778]).
وكان الولاة العثمانيون يطلبون، من المجتهدين الشيعة، التوسط لوضع حد لتمردات عشائر عفك والخزاعل والظفير وغيرها، كما حدث في ولاية نامق باشا عام 1852. ومن الطبيعي أن يزيد قيام مجتهدي الشيعة بدور الوسيط في مكانتهم ويقوي نفوذهم بين أفراد العشائر العراقية.
هذه العوامل وغيرها جعلت من رجال الدين الشيعة محط أنظار العشائر العراقية لما كانوا يقومون به من دور ديني واجتماعي ـ ثقافي يخفف من حدة التوترات الاجتماعية والنفسية داخل العشائر وخارجها، لما يتمتعون به في واقع الأمر، من منزلة دينية واجتماعية من جهة، ولمعارفهم الدينية والثقافية التي جعلتهم يكونون وسطاء بينهم وبين الشيوخ من طرف وموظفي الحكومة من طرف آخر.
إضافة إلى أنهم يملكون قابليات غير متوافرة في القرى والأرياف وهي القراءة والكتابة وممارسة الشعائر والطقوس الدينية والاجتماعية وباعتبارهم وكلاء المرجعية الدينية في النجف. وهكذا اكتسب رجال الدين وبصورة خاصة السادة منهم، احترام شيوخ القبائل، مثلما اكتسبوا احترام وتقدير أبناء القبائل بحيث أخذوا يقسمون الإيمان بأسمائهم.
وكان السيد مهدي القزويني (توفي عام 1300هـ) قد هاجر من النجف إلى الحلة عام 1253هـ/ 1836م واستقر فيها وسعى إلى نشر المذهب الشيعي داخل الحلة وفي أطرافها، وبخاصة بين عشائر الزبيد([779]).
حيث «صار ببركة دعوته من داخل الحلة وأطرافها من طوائف الأعراب قريباً من مائة ألف نفس شيعياً ……»، وإنه لما ورد الحلة (أي القزويني) لم يكن في الذين يدعون التشيع من علائم الإمامية، وشعارهم، إلا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف. ولا يعرفون من أحكامهم شيئاً([780]).
إن حيوية الفكر الشيعي وحركته وتاريخه الثوري ودور العتبات المقدسة الديني والثقافي وكذلك الاحتفالات بذكرى استشهاد الإمام الحسين الدورية، كانت ولا تزال من العوامل الهامة إلى جانب عوامل أخرى، في جذب الكثير من أفراد العشائر العراقية إلى التشيع في العراق.
إن الدعوة إلى حب أهل البيت، التي ارتبطت بحقهم في الخلافة وقدسيتهم عند المسلمين، لعبت وما تزال تلعب دوراً مهماً في نشر التشيع وبخاصة، الخطب والقصائد والمراثي والشعارات والرموز التي تطرح في مراسيم العزاء الحسيني والزيارات والأدعية، والتي تبين الآلام والمصائب التي لاقاها الأئمة من أهل البيت، وبخاصة مأساة كربلاء المروعة، كان لها تأثير فعال، ديني واجتماعي ونفسي، عند أولئك الذين يعيشون ظروفاً سيئة ويشعرون بالضعف وعدم الاستقرار، هؤلاء الناس قد يتأثرون أكثر من غيرهم بالقيام والشعائر والطقوس الدينية التي تكون بالنسبة لهم، سلوى وعزاء في أوقات الشدائد والمحن، لأن هذه الشعائر والطقوس يمكن أن تكون من أنجح الوسائل التي تمنحهم الثقة والطمأنينة وتساعدهم على التنفيس عن هموم الحياة الثقيلة وصعوباتهم، وهي في الوقت نفسه، تضرب على الأوتار الحساسة في قلوب الناس فتجذبهم إلى التشيع.
كما تلعب الحوزات العلمية في المدن المقدسة دوراً بارزاً مما ترفده من علماء ومجتهدين وخطباء ووكلاء للمرجعية الدينية، الذين ينتشرون في جميع المدن والقرى والأرياف في العراق، إلى جانب الأدباء والشعراء والخطباء والنواح الذين يشاركون في إقامة الاحتفالات بذكرى استشهاد الحسين كل عام ويقومون بدور كبير في نشر الفكر الشيعي مؤكدين على مناقب أهل البيت وحبهم وولائهم لهم وطلب الشفاعة عندهم وإمكانية خلاصهم من الأوضاع السيئة عند ظهور الإمام المهدي «ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً».
والحال، فإن خطباء المنبر الحسيني ووعاظ الجوامع والمساجد يلعبون دوراً مهماً في نشر التشيع، لأنهم يضربون على أوتار قلوبهم الحساسة فيثيرون آلامهم وشجونهم، حين يقصون عليهم قصصاً تاريخية وأحاديث نبوية، وينشدون لهم المراثي الحسينية الحزينة التي تتلاءم مع مستوى ثقافتهم وتنسجم مع قيمهم وتقاليدهم الاجتماعية وتنزل على صدورهم برداً وسلاماً.
وفي الواقع فإن خطباء وقراء المجالس الحسينية يعرفون مع من يتكلمون وكيف يثيرون آلامهم وطموحاتهم المكبوتة. وهم يستندون في خطبتهم وأشعارهم وقصصهم واساطيرهم على كتب التاريخ والحديث وكتب المقاتل والسير وكذلك على الأساطير الشعبية.
وإلى جانب الوعظ والإرشاد، يركز الخطباء وقراء المجالس الحسينية على شرح مناقب الرسول واهل بيته الحميدة من جهة، وعلى ذكر المظالم والآلام التي وقعت عليهم من جهة كربلاء من آلام ومصائب مفجعة. فهم يسردون لهم قصص البطولة والتضحية والجهاد ويبينون لماذا ضحى الإمام الحسين بنفسه وبأهله وأصحابه.
وفي سردهم لهذه القصص والحوادث التاريخية المطعمة بالأساطير والقصص والقصائد الشعرية والمراثي والأمثال والحكم، يؤكدون فيها على ما كتب على الأئمة من أهل البيت من قدر، وما لاقوه من ظلم وجور، وما قاموا به في سبيل الله والحق والعدالة، ومقاومة الباطل والثورة عليه، مثلما فعل الإمام الحسين سيد الشهداء.
وبهذا فهم يفتحون أذان الناس وعيونهم ويجعلونهم واعين بتاريخهم وحاضرهم ويدفعونهم أكثر إلى الالتفاف حول أهل البيت والتمسك بأفكارهم والولاء لهم، لأنهم يجدون في افكارهم صدى لما في نفوسهم من جهة، ولأنها تتلاءم مع ظروفهم وحاجاتهم الاجتماعية والنفسية.
يقدم خطباء وقراء المجالس الحسينية قصصاً وحوادث تاريخية وقصائد شعرية فيها كثير من قيم البطولة والتضحية والإيمان بالحق والعدالة التي تثير فيهم القيم البدوية الجيدة الكامنة في أعماق نفوسهم. فالإمام الحسين هو رمز البطولة والشجاعة والمروءة، والفداء، وكذلك أخوه العباس بن علي، حامل رايته في معركة الطف بكربلاء، والذي يمثل رمز الفارس العربي المغوار الذي دافع عن أخيه الحسين وأهل بيته دفاع الأبطال الشجعان، فاستشهد من أجل الحق والكرامة.
وبذلك نجد أهل الريف في العراق معجبون بالعباس إعجاباً عظيماً، لأنه يمثل في نظرهم رمز الفارس العربي الشجاع الذي لا يهاب الموت، ورمز المسلم البطل الذي حارب من أجل العقيدة وضحى بنفسه في سبيلها، ومثلاً يعكس في الوقت ذاته، القيم البدوية القديمة في المروءة والبسالة والتضحية التي افتقدوها.
وإلى جانب هذا وذاك تقدم مجالس العزاء الحسيني قصصاً لحوادث تاريخية مفعمة بالحزن والأسى ممزوجة بقصائد في الندب والرثاء، بألحان عاطفية تثير ما في أعماقهم من آلام، وبذلك تتماثل أوضاعهم الاجتماعية ـ النفسية مع مأساة كربلاء وما لاقاه الحسين وأهل بيته وصحبه من ظلم واضطهاد وقتل وتشريد، وهذا ما يساعدهم على التنفيس عما في نفوسهم من قلق وما يعانونه من متاعب في حياتهم اليومية الجديدة.
إن التشيع في صيغته الفكرية له جاذبية طبيعية وتأثير اجتماعي ونفسي عميق الأثر عند ضحايا الظلم والاستلاب الاجتماعي، الذي ينبع من الومضات الثورية للفكر الشيعي من جهة، ومن اهتمام التشيع أيضاً بمعاناة الإنسان ومشاكله من جهة أخرى، إلى جانب مركزية الانفعال المتألم ومصداقيته([781]).
ومن الناحية السوسيولوجية فإن أية دعوة أو فكرة لا تستطيع لوحدها أن تنفذ إلى الأعماق ما لم تكن لها شرعية ومصداقية، وكذلك ظروف اجتماعية ملائمة لتقبلها، لأن أية دعوة أو فكرة وحتى أية دعاية لا تستطيع أن تؤثر في اية فئة من الناس ما لم تكن الوضعية الاجتماعية مهيأة لقبولها.
وإن الظروف والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعيش في ظلها القبائل العربية في العراق ساعدت على تأثر تلك القبائل وتقبلها لمثل هذه الأفكار التي لم تكن قد تعرفت عليها من قبل، إلى جانب الشعائر والطقوس الدينية ومناقب أهل البيت.
إن القبائل العربية التي استقرت في الريف العراقي هي بحاجة إلى مؤسسات دينية واجتماعية وترفيهية. ففي الظروف الاجتماعية الحرجة وفي أوقات الشدائد والمحن والأمراض والخطر يتوجه كثير من الناس إلى المؤسسات الدينية لمواجهة الشدائد والمحن سوية والحصول على الأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي، كل بحسب تجاربه الحياتية وثقافته وتربيته ووسطه الاجتماعي الذي يعيش فيه وكذلك استعداده النفسي وظروفه الاقتصادية.
مثل هذه الشعائر والطقوس والممارسات الدينية المختلفة تلعب دوراً هاماً في احتوائهم في المجموعة الاجتماعية، وبخاصة، أولئك الذين يجبرون على العيش في ظروف اجتماعية واقتصادية ليست سهلة، وحين يشعرون بالوحدة والقلق، فإنهم سيجدون فيها بديلاً مناسباً، في محاولة لإعادة بناء هويتهم وتحديد موقعهم في المحيط الاجتماعي.
هذه هي الجذور العميقة لتشكيل الوعي الديني ـ الاجتماعي لعدد كبير من الناس، كذلك الوعي الذي يوقظ المعاناة المضمرة ويرفعها إلى مستوى الشعور ويجعل منها رباطاً دنيوياً ـ اجتماعياً يشده إلى الديني ـ الأخروي.
إبراهيم الحيدري
السلاجقة في العراق
وموقف السنيين والشيعة منهم
سنة 447 بدت نية الملك السلجوقي طغرل بك في الاستيلاء على العراق، فأعلن أول ما أعلن أنه؛ يريد الحج وإصلاح طريق مكة([782])، وقد مهد بهذا الشعار ليبرر زحفه إلى العراق. ولم يكتف بهذا الإعلان، بل أضاف إليه أنه يريد المسير إلى الشام ومصر وإزالة المستنصر الفاطمي صاحبها.
وراح يعد لأمر الفتح عدته فاتصل بأنصاره بالدَّينَورَ وقَرْميسين وحلوان خاصة لقرب هذه المناطق من العراق، كما اتصل بغيرها مما هو أبعد منها، وأوصاهم بإعداد الميرة وجمع الأقوات والعلوفات والتهيؤ للتقدم عندما يطلب إليهم ذلك.
ثم لم يلبث أن مشى إلى حلوان وانتشرت جماعته في طريق خراسان، وأرسل إلى خليفة بغداد يعلن فيه تابعيته له وطاعته لأوامره، بل وعبوديته.
وكان في بغداد جماعات كثيرة من الأتراك فكتب إليهم يمنيهم ويعدهم بالخير العميم.
أما الخليفة فقد كان هواه مع طغرل بك فأمر الخطباء في جوامع بغداد بأن يخطبوا لطغرل بك، وأما الأتراك فقد أنكروا أمر طغرل بك وبعثوا إلى الخليفة برأيهم.
وأما الملك البويهي (الرحيم)([783]) فقد سلم أمره إلى الخليفة ليقرر ما يشاء، وكذلك فعل من كان مع الرحيم من الأمراء، فكان رأي الخليفة أن يرسلوا رسولاً إلى طغرل بك بإعلان الطاعة، ففعلوا.
ثم أرسل طغرل بك إلى الخليفة يستأذنه في دخول بغداد فأذن له، وخرج لاستقباله موكب حاشد فيه الوزير رئيس الرؤساء والقضاة والنقباء والأشراف وأعيان الدولة مع وجوه الأمراء من عسكر الرحيم. فلما علم طغرل بك بتوجه المستقبلين إليه أرسل وفداً من قبله لملاقاتهم وزيره أبا نصر الكندري مع بعض الأمراء ودخل بغداد.
إذا كان طغرل بك قد استقبل ـ حكومياً ـ بهذا الاستقبال الحافل، فإن عواطف الشعب لم تكن متوافقة مع هذا الاستقبال الحكومي.
ومن الغريب ـ كما سنرى ـ أن دخول طغرل بك إلى بغداد وإعلان اسمه في الخطبة، كان يعني نهاية الحكم البويهي الشيعي وحلول الحكم السلجوقي السني مكانه، ومع ذلك فإن البغداديين السنيين هم الذين بادروه بالمقاومة والثورة، في حين قابله الشيعة بالهدوء والسكنية وحماية جنوده من الاعتداءات السنية عليهم!!
إن المؤرخ لا يستطيع أن يمر بهذا الأمر دون أن يقف عليه وقوفاً طويلاً، ودون أن يتساءل لماذا قابل سنيو بغداد طغرل بك وحكمه السلجوقي، بهذه الغضبة الدموية، ولماذا كان هدوء الشيعة وسكينتهم؟!…
الحقيقة في ذلك تشرِّف البويهيين الشيعة وحكمهم، وتدل على أن البويهيين لم يكونوا يؤثرون فريقاً على فريق، فالسنيون لم يروا في زوال حكمهم زوال عهد كان لا ينصفهم ويتعصب عليهم، والشيعة لم يروا في ذلك خسراناً، لأن الحكم الزائل لم يكن يميزهم بشيء، فهم لا يخسرون شيئاً بزواله وحلول حكم آخر محله، وقد فضلوا أن يبادروه بالإحسان إليه ـ كما سنرى ـ والسكوت عنه اتقاء لشر يمكن أن يحل بهم منه.
وثورة السنيين إنما جاءت لما كان يتسرب إليهم من أخبار مظالم السلاجقة فيما كان بأيديهم من بلاد.
بدأت الاضطرابات ابتداء غريباً، فابن الأثير يقول([784]):
لما وصل السلطان طغرل بك بغداد دخل عسكره البلد للإمتياز وشراء ما يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم. ثم يقول: فلما كان الغد جاء بعض العسكر إلى باب الأزج وأخذ واحداً من أهله ليطلب منه تبناً، وهو لا يفهم ما يريدون، فاستغاث عليهم وصاح العامة بهم ورجموهم وهاجوا عليهم.
وسمع الناس الصياح فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك، فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد إلا أهل الكرخ (الشيعة) فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز، بل جمعوهم وحفظوهم (انتهى ابن الأثير).
في اليوم الأول كان التعامل حسناً بين الجنود (الغز) جنود طغرل بك وبين البغداديين، فالجنود امتاروا من تجار بغداد وأحسنوا التعامل معهم، وفي اليوم الثاني جاء جماعة منهم يريدون شراء التبن لدوابهم، ويبدو جلياً أنهم لم يكونوا يعرفون كلمة (التبن) العربية، فحاولوا إفهام أحد المارة ما يريدون فأخذوه جانباً ليتفاهموا معه، فظن أنهم يريدون به شراً، فاستنصر الناس فنصروه وتألب عليهم الجمهور وصاحوا بهم ورجموهم وتكاثروا عليهم!
لو كان البغداديون مبتهجين بزوال الحكم البويهي الشيعي لأغضوا عن استنجاد ذاك الفرد المستنجد ولأقبلوا إليه وإلى من استنجد عليهم محاولين الاستفهام عما يجري ويفضّوا المشكل بين الفريقين بأهون سبيل …
ولو كانوا مستبشرين بقدوم من أراحهم من حكم البوهيين لطيبوا خاطر الجنود الغز وتعرفوا إلى حاجتهم وبادروا بإرشادهم إلى باعة التبن واعتذروا إليهم عن سوء ظن ذلك الفرد بهم، ولتصافوا جميعاً وانتهى الأمر بالتوادد والتحابب.
ولكن البغداديين كانوا آسفين لانقضاء العهد البويهي غاضبين على من أنهاه، فلم يكادوا يسمعون صرخة الاستنجاد حتى هاجموا جنود طغرل بك ورجموهم دون أن يحاولوا الاستفسار عن سبب الخلاف، والاستعلام من الجنود عما يريدون.
على أن الأخطر من ذلك هو أن الأمر لم يقتصر على من شهدوا التجاذب بين البغدادي وجنود طغرل بك فهاجوا على الجنود ورجموهم، بل تعدى إلى الجمهور البغدادي السني كله، هذا الجمهور الذي وصفه ابن الأثير بقوله:
«وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرل بك فارتج البلد من أقطاره، وأقبلوا من كل حدب ينسلون، يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد، إلا أهل الكرخ (الشيعة) فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز وحفظوهم» اهـ.
ومعنى ذلك أن البغداديين حين علموا بتسليم الملك البويهي بالأمر الواقع وعدم مقاومته للاحتلال السلجوقي سكتوا وسلموا مثله بالأمر الواقع. ولكنهم حينما سمعوا الصياح ورأوا اشتباك مواطنيهم مع الغز جنود طغرل بك، ظنوا بأن الملك البويهي (الرحيم) غيّر رأيه وعزم على المقاومة، لذلك ارتج البلد بهم وأقبلوا من كل حدب ينسلون، وراحوا يقتلون كل من يصادفونه من الجنود، وأعلنوها ثورة عارمة على طغرل بك واحتلاله.
أما أهل الكرخ (الشيعة) فقد كان موقفهم مغايراً، ويبدو واضحاً أنهم لم يشاركوا في هذه الثورة، بل راحوا يجمعون الجنود الغز ويحفظونهم.
وهذا ما يدعو إلى التفكير الطويل، السنيون يثورون على المحتل السني القادم إليهم، وينتصرون للحاكم الشيعي ويثورون معه حين توهموا أنه ثائر على المحتلين، ولا يبالون أن يقتلوا الجنود السنيين حيث وجدوهم.
والشيعة يقفون على الحياد فلا ينتصرون للحاكم الشيعي، ولا يثورون على الحاكم السني، ويزيدون على ذلك بأن يجمعوا الجنود السنيين ويحموهم ويصونوا دماءهم!!
التفسير الصحيح لذلك ـ كما أشرنا من قبل ـ هو أن الحكم البويهي كان حكماً عادلاً غير متحيز لفريق على فريق، وأن السنيين كانوا راضين كل الرضا عن هذا الحكم الذي لم يسئ لا إلى حياتهم العامة ولا إلى مذهبيتهم، ولم يتدخل في طقوسهم وعقائدهم، بل تركهم أحراراً في كل شيء، والحرية هي مطمح الإنسان، فإذا حصل عليها فكل شيء بعدها يهون.
وكل ما فعله الحكم البويهي هو أنه كما ترك السنيين أحراراً، رفع الحيف عن الآخرين وأعاد إليهم حريتهم المغتصبة، وتركهم يمارسون هذه الحرية في طقوسهم وعقائدهم …
وبذلك تساوى الجميع، بعد أن كانت الحرية لفريق دون فريق …
وسمعة الحكم السلجوقي كانت سيئة لدى البغداديين، وأخبار مظالمه كانت تصل إليهم.
لذلك رأيناهم يقفون منه ذاك الموقف الحاد حين رأوه يصل إليهم. والإنسان لا تهمه حريته العقائدية فقط، بل تهمه حريته الكاملة، فماذا يجديه إذا كانت تُترك له حريته العقائدية في حين تُسلب منه حرية الحياة في كرامته وماله وعيشه واجتنائه العدل الاجتماعي.
ونحن هنا لا نريد أن نستعرض الحكم البويهي الذي قابل البغداديون انتهاءه بالثورة على من أنهاه، وحسبنا في ذلك أن نورد نماذج مما شهد به المؤرخون من نصاعة الحكم البويهي، فابن الأثير([785]) يقول مثلاً وهو يتحدث عن ظفر معز الدولة أبي الحسن أحمد بن بويه بياقوت وملك شيراز بعد معركة شرسة.
يقول: كان معز الدولة في ذلك من أحسن الناس اثراً، ثم يقول إن معز الدولة وجد فيما غنمه بعد النصر: برانس لبود عليها أذناب الثعالب ووجد قيوداً وأغلالاً، فسال عنها، فقال أصحاب ياقوت: إن هذه أعدت لكم لتجعل عليكم ويطاف بكم في البلاد.
فأشار أصحاب معز الدولة أن يفعل بهم مثل ذلك، فامتنع وقال: إنه بغي ولؤم ظفر وقد لقي ياقوت بغيه.
ثم أحسن إلى الأساري، وأطلقهم وقال: هذه نعمة والشكر عليها واجب يقتضي المزيد، وخيّر الأسارى بين المقام عنده واللحوق بياقوت، فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم وأحسن إليهم.
وسار من موضع الوقعة حتى نزل بشيراز، ونادى في الناس بالأمان وبث العدل، وأقام لهم شحنة يمنع من ظلمهم ….
ويصفه عند ذكر موته (ص 575) بقوله: كان حليماً كريماً عاقلاً.
وعندما يتحدث ابن الأثير (ص 670) عن ركن الدولة البويهي يقول:
كان حليماً، كريماً، واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه وجنده رؤوفاً بهم، عادلاً في الحكم بينهم، وكان بعيد الهمة، عظيم الجد والسعادة، متحرجاً من الظلم، مانعاً لأصحابه منه، عفيفاً عن الدماء، يرى حقنها واجباً إلا فيما لا بد منه. وكان يحامي على أهل البيوتات وكان يجري عليهم الأرزاق ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام، للصلاة، وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام.
ثم يختم ابن الأثير الحديث عنه قائلاً: رضي الله عنه وأرضاه.
ومثل هذا القول لا يقال إلا للخلفاء الراشدين.
ويقول ابن الأثير عن عضد الدولة: كان عاقلاً فاضلاً حسن السياسة كثير الإصابة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي محباً للفضائل وأهلها باذلاً في مواضع العطاء مانعاً في أماكن الحزم ناظراً في عواقب الأمور([786]). وبنى على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم سوراً([787]) وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقاً إلى معارضة من ليس من جنس الشافع ولا فيما يتعلق به.
حكي عنه أن مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال: ليس هذا من أشغالك، إنما الذي يتعلّق بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل مرتبة جندي وما يتعلق بهم. وأما الشهادة وقبولها، فهو إلى القاضي، وليس لنا، ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير شفاعة.
وكان يخرج في ابتداء كل سنة شيئاً كثيراً من الأموال للصدقة والبر في سائر بلاده، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه.
وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم به إذا عملوا. وكان محباً للعلوم وأهلها مقرباً لهم محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها: الإيضاح في النحو، والحجة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك، وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات (المستشفيات) والقناطر (الجسور) وغير ذلك من المصالح العامة.
هذه نماذج مما تحدث به المؤرخون عن رجال الحكم البويهي، لذلك لا تعجب إذا رأينا البغداديين الذين لم يكونوا على مذهبهم يغضبون لزوال حكمهم ويثورون على من أزال هذا الحكم.
أما الشيعة فلم يشاؤوا أن يورطوا أنفسهم في ثورة اعتقدوا أنها فاشلة، فيجعلوا للحاكم الجديد سبيلاً للإيغال في اضطهادهم، ورأوا أن يكون لهم يد بيضاء عنده في حمايتهم لدنوده وعدم التعرض لهم بالأذى وصون دمائهم. لعل هذه اليد تردعه عما يتوقعون من شره!….
وبالفعل فقد بدا أن موقفهم هذا قد أثمر ـ ولكن المؤسف أن هذا الإثمار كان إلى حين.
لقد بلغ طغرل بك ما فعله الشيعة من حماية جنوده، فأمر بإحسان معاملتهم وأرسل وزيره إلى نقيب العلويين عدنان بك الشريف الرضي الذي كان يتولى نقابة العلويين بعد وفاة عمه الشريف المرتضى، وقد كان عدنان هذا أبرز شخصية شيعية في بغداد، بل كان رأس الشيعة فيها.
أرسل الوزير إلى النقيب يطلب إليه الحضور لمقابلته، فجاء إليه فشكره باسم طغرل بك، وترك عنده خيلاً بأمر طغرل بك تحرسه وتحرس المحلة كلها.
ومعنى ذلك أنهم كانوا يتوجسون من اعتداءات ربما تقع على النقيب وعلى المحلة بسبب الموقف الحيادي الذي وقفته.
لقد كانت الثورة على الحكم الجديد ثورة هوجاء بدون قيادة وبدون تخطيط، فالعامة حين رأوا أنهم نجحوا في قتل من قتلوا من الجنود، خرجوا إلى ظاهر بغداد حيث يعسكر الجيش السلجوقي، وخرج معهم جماعة من العسكر، بقصد الاشتباك بالجيش.
وفي تقديرات ابن الأثير([788]) أنه لو خرج معهم الملك الرحيم ومن لديه من جنود لانتصرت الثورة.
وهذا غير بعيد، لأن في ذلك ـ على الأقل ـ وجود قيادة، ووجود جنود محترفين.
ولكن يبدو أن (الرحيم) لم يكن من رجال مثل هذا الموقف الذي يقتضي شجاعة وحزماً وحسن تدبير، لذلك تخلف عن الالتحاق بالثائرين وتخلف معه جنوده.
أما أعيان أصحابه فقد أسرعوا ـ دفعاً للتهمة عنهم ـ إلى دار الخلافة وأقاموا فيها.
ووقع الصدام خارج بغداد بين الجماعات الثائرة وبين الجيش السلجوقي وكثرت القتلى من الفريقين.
وكان من الطبيعي أن تكون نهاية تلك الجماعات: الهزيمة، لأنه كان يعوز ثورتها شيئان: التخطيط، والقيادة.
وكان هذان الشيئان الأساسيان مفقودين لدى الثوار المقاتلين، إذ أن ثورتهم انبعثت من انفعال جماهيري طارئ فانتهت إلى الهزيمة، وإحكام سيطرة طغرل بك على بغداد.
تحققت هواجس البغداديين فافتتح الحكم السلجوقي أمره بالنهب، ويصف ابن الأثير ما كان يجري قائلاً: ونهب الغز درب يحيى ودرب سليم، وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله فنهب الجميع. ورئيس الرؤساء هذا هو وزير الخليفة وهو الذي ذكرنا من قبل أنه خرج على رأس موكب حافل لاستقبال طغرل بك.
فلم يشفع له منصبه واستقباله وحفاوته، بل نهبت دوره ودور أهله.
ويسترسل ابن الأثير في وصف ما افتتح به السلاجقة حكمهم في العراق قائلاً: ونهبت الرصافة وتُرَب الخلفاء وأخذ منها من الأموال ما لا يحصى، لأن أهل تلك الأصقاع نقلوا إليها أموالهم اعتقاداً منهم أنها محترمة.
ووصل النهب إلى أطراف نهر المعلى، واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف.
وتجاهل طغرل بك ذلك كله، وكل ما فعله أنه أراد التخلص من ارتباطات وعوده للملك الرحيم التي كانت بتوسط الخليفة، فأرسل إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأجناده، ويقول إذا حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور أيقنت أن ما جرى إنما كان بوضع منهم. وأرسل للملك الرحيم وأعيان أصحابه أماناً لهم، فطلب إليهم الخليفة أن يذهبوا إلى طغرل بك وأرسل معهم رسولاً من قبله يبرئهم مما يتهمهم به طغرل بك.
فلما وصلوا إلى خيامه نهبهم الجنود ونهبوا رسل الخليفة وأخذوا دوابهم وثيابهم([789]).
ومع أن احتلال السلاجقة للعراق ودخول طغرل بك بغداد كان في حقيقة الأمر نتيجة تواطؤ بين السلاجقة والخليفة تخلصاً من سيطرة البويهيين على الخلافة، فإن هيبة الخلافة انتهكت من السلاجقة في أول يوم وصلوا فيه إلى بغداد، وذلك بإهانة رسل الخليفة ونهبهم وتجريدهم حتى من ثيابهم.
وزيد في الأمر أن الملك الرحيم ومن معه أنما ذهبوا إلى طغرل بك بضمان الخليفة ورسالته بتبرئتهم، ولكن طغرل بك لم يبال بذلك، فبمجرد دخولهم عليه، أمر بالقبض عليهم وسجنهم، ثم أرسل الملك الرحيم معتقلاً إلى قلعة السيروان.
وهال الخليفة ما لحقه من الإهانة بالقبض على الرحيم وأصحابه، وما كان قد جرى على رسله، ونهب بغداد على مرأى ومسمع منه، فأرسل إلى طغرل بك ينكر ما جرى من القبض على الرحيم وجماعته، والاعتداء على قصر الخلافة وعلى بغداد ونهبها وترويع أهلها.
ويقول في رسالته:
«إنهم (الرحيم وصحبه) إنما خرجوا إليك بأمري وأماني، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد، فإني إنما اخترتك واستدعيتك اعتقاداً مني أن تعظيم الأوامر الشريفة يزداد، وحرمة الحريم تعظم، وأرى الأمر بالضد».
وإزاء هذه الغضبة الخليفية أطلق طغرل بك بعض المقبوض عليهم، أما الرحيم ـ وهو المقصود الأول بكلام الخليفة ـ فقد احتفظ به مقبوضاً عليه وأرسله معتقلاً سجيناً إلى قلعة السيروان، كما مر.
وهكذا ظلت غضبة الخليفة بلا نتيجة عملية، فكان هذا بداية الاستهتار بمقام الخلافة، وبداية إذلالها وإحكام السيطرة عليها.
وأما ما يتعلق باحتجاج الخليفة على ما جرى على أهل بغداد، فقد قوبل بمد النهب والترويع إلى ما يتجاوز بغداد ويصل إلى سوادها وأريافها، وظل المد يتعاظم حتى صار مداه من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل([790]) ومن الشرقي إلى النهروان([791]) وأسافل الأعمال، كما ذكر ابن الأثير([792]). أي أن النهب شمل معظم العراق.
ويضيف ابن الأثير إلى ذلك قائلاً: وخرب السواد وأجلي أهله عنه([793]).
هذه هي فاتحة أعمال السلاجقة في العراق التي عموا بها العراقيين جميعاً السنيين منهم والشيعة.
على أنهم لم ينسوا أن يخصوا الشيعة الذين لم يشاركوا في الثورة عليهم، وحموا جنودهم من القتل وآووهم في دورهم ـ لم ينسوا أن يخصوهم بنوع من الجور لا يطال غيرهم. فالشيعة لا يقولون في أذان السحر: (الصلاة خير من النوم)، بل يقولون بدلاً عن ذلك (حي على خير العمل).
فإذا بأوامر طغرل بك من أول يوم تتدخل في شؤونهم المذهبية وتفرض عليهم أن يتركوا حي على خير العمل، ويبدلوها بالصلاة خير من النوم.
في حين أن البويهيين الذين طال حكمهم في بغداد والعراق لم يتدخلوا في مثل هذه الشؤون، وتركوا الناس أحراراً في طقوسهم المذهبية.
وسينال الشيعة ما هو أشد من هذا وأفظع.
طغرل بك في العراق
استقر طغرل بك في بغداد وأمضى فيها ثلاثة عشر شهراً وأياماً دون أن يلقى الخليفة([794]). وقد كان في هذا تجاهل لمقام الخلافة واستهانة بالخليفة.
وهذا الخليفة الذي تآمر مع السلاجقة على البويهيين، عامله السلاجقة بالمهانة منذ اليوم الذي دخلوا فيه بغداد، كما رأينا فيما تقدم من الأحداث. وتوالت هذه المهانة إلى الحد الذي لم ير فيه الملك السلجوقي أن عليه أن يزور الخليفة !…
وإذا كان ما لقيه الخليفة هو المهانة، فإن ما لقيه الشعب هو الإذلال والأفقار. يقول ابن الأثير([795]): «طال مقام السلطان طغرل بك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره، وضاقت عليهم مساكنهم ـ فإن العسكر نزلوا فيها ـ وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور».
هذه الصورة الموجزة في كلامها ترينا واقع الحال التي كان عليها أهالي بغداد في حكم السلاجقة: الجنود يشاطرونهم السكنى في دورهم.
ونستطيع أن نتصور بضعة جنود يساكنون أسرة في منزلها، الأسرة المكونة من رجال ونساء وأطفال. وعلى هذه الأسرة أن تتكفل بإطعام هؤلاء الجنود، وفوق ذلك يرتكب هؤلاء الجنود في الأسرة كل محظور!! والمحظورات التي لم يشأ ابن الأثير أن يعددها نستطيع أن نتخيلها ونحسها!
هال الخليفة القائم بأمر الله ما يلقاه الشعب البغدادي ـ لا سيما وأنه المسؤول الأول عن احتلال السلاجقة لبغداد ـ وما دام السلطان السلجوقي يتجاهله، فقد رأى أن لا يخاطبه، ولا يتصل به مباشرة، فكلف وزيره الملقب رئيس الرؤساء: أن يكتب إلى عميد الملك الكندري وزير السلطان أن يحضر لمقابلة الوزير فإذا حضر بيّن له عن الخليفة ما الناس فيه من البلاء، فإن أزال ذلك، وإلا يساعد الخليفة على الانتزاح عن بغداد ليبعد عن المنكرات([796]).
ولا شك أن الخليفة قد تصرف تصرفاً فيه كل الدقة (الدبلوماسية)، فهو لم يخاطب السلطان بنفسه، فدلل بذلك على أنه لا يعترف به. ثم هو لم يطلب من وزيره أن يذهب لمخاطبة وزير السلطان، بل طلب إليه استدعاءه إليه، فدلل على أنه هو ووزيره أصحاب السلطة الشرعية …
وجاء الكندري وتبلّغ أمر الخليفة ومضى إلى السلطان يبلغه ذلك. فاعتذر السلطان بكثرة العساكر وعجزه عن تهذيبهم وضبطهم، وأمر الكندري أن يبلغ عذره هذا إلى وزير الخليفة ….
وبذلك أبدى إصراره على استدامة الحال على ما كانت عليه، ورفض تعليمات الخليفة برفع البلاء، وعدم اكتراثه بتهديد الخليفة بالرحيل عن بغداد ….
وهنا حدث ما لم يكن بالحسبان: فقد حصلت عند سنجار معركة حربية بين (البساسيري) ـ سيأتي الحديث عنه ـ ومعه نور الدين بن دُبَيْس بن مَزْيد([797]) وبين قريش بن بدران صاحب الموصل ومعه (قتلمش) ([798]) فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم قريش وقتلمش وقتل العدد الكثير من أصحابهما.
أما قتلمش المنهزم بأصحابه فقد لقي هو وأصحابه من أهل سنجار الأذى البالغ.
وأما قريش بن بدران فقد جرح في المعركة، فجاء إلى نور الدولة دبيس بن مزيد، فرحب به دبيس وأعطاه خلعة كانت قد وصلت من مصر فلبسها.
وانضم إليهم. وساروا جميعاً إلى الموصل وأعلنوا انضمامها إلى الخلافة الفاطمية وخطبوا للخليفة الفاطمي المستنصر بالله.
وصلت أنباء ما جرى إلى طغرل بك في بغداد وهو في عنفوان تجبره واستعلائه على الخليفة وإصراره على اضطهاد الشعب العراقي.
ويبدو جلياً أنها وصلته في نفس اليوم الذي رد فيه على رسالة وزير الخليفة بما رد، وبعد أن حمل وزيره الكندري رده إلى وزير الخليفة.
فأمام الخطر الداهم الذي فاجأته أخباره عما جرى في الموصل، والخشية من تفاقم الأمور وامتداد العصيان باتجاه بغداد، وقد بدت طلائعه بما جرى على ابن عمه وممثله (قتلمش) في سنجار. أمام ذلك لم يجد بداً من التراجع عن طغيانه، واسترضاء الخليفة والبغداديين، وإيجاد مخرج لذلك، لا يبدو فيه ضعيفاً ومتخاذلاً، متراجعاً عما عزم عليه، خائفاً من الآتي.
كان المخرج هو ادعاؤه أنه رأى في تلك الليل في منامه النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة وكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه، وقال له: يحكمك الله في بلاده وعباده فلا تراقبه فيهم ولا تستحي من جلاله عز وجل في سوء معاملتهم وتفتر بإهماله عند الجور عليهم.
وتظاهر بأنه استيقظ فزعاً، وأحضر وزيره الكندري وحدثه بما ادعى أنه رآه وأرسله إلى الخليفة يعرّفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة.
وأخرج الجند من دور العامة، وأمر أن يظهر من كان مخفياً إلى غير ذلك ….
ثم تجهز طغرل بك وترك بغداد لإخماد تمرد الموصل، فلما بلغ بجيشه (أوانا) ([799]) نسي النبي صلى الله عليه وسلم ونسي المنام فأعمل جيشه النهب فيها وفي عكبرا([800]) وفي كل ما كان يمر به في طريقه. ووصل تكريت فسلمت البلدة بمال قدمه صاحبها لطغرل بك.
ولما وصل (البوازيج) ([801]) أقام فيها حتى دخلت سنة 449هـ فأتاه أخوه (ياقوتي) بالعساكر فسار بهم إلى الموصل واستخلصها.
ولما بدت لدبيس بن مزيد وقريش بن بدران مظاهر قوة طغرل بك أسرعا يوسطان من يشفع لهما عنده ويعفو عنهما ففعل.
ولكن إبراهيم ينال أخوه قال للوزير الكندري: من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم؟([802]). هذا هو احترام السلاجقة للعرب!… ([803]).
ثم سار طغرل بك إلى ديار بكر وجزيرة ابن عمر، ولما كان يحاصرها سار جماعة من الجيش إلى (عُمر أكمُن) ([804]) وفيه أربع مئة راهب فذبحوا منهم مئة وعشرين راهباً، وافتدى الباقون أنفسهم بستة مكايك ذهباً …
أرسلان البساسيري
البساسيري هو في الأصل مملوك تركي من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي ثم صار من جملة الأمراء عند البويهيين يرسلونه في مهماتهم، ثم ترقت به الحال وتقدم عند الخليفة القائم وقلده الأمور بأسرها وخطب له على المنابر وهابته الملوك ثم جرت بينه وبين وزير الخليفة الملقب رئيس الرؤساء منافرات فخرج البساسيري من بغداد وجمع واستولى على بغداد، وأخرج الخليفة منها، وخطب للمستنصر الفاطمي وقتل رئيس الرؤساء شر قتلة، واستولى على بغداد سنة كاملة. ـ في تفاصيل سنعرض لبعضها بقدر ما له ارتباطاً بموضوعنا ـ .
ومما يدل على كفاءة البساسيري، ما يذكره ابن الأثير في أحداث سنة 425([805]) من أنه فيها استخلف البساسيري في حماية الجانب الغربي ببغداد لأن العيارين اشتد أمرهم وعظم فسادهم وعجز عنهم نواب السلطان فاستعملوا البساسيري لكفايته ونهضته.
فهو يبدو هنا إدارياً حازماً معداً لمواجهة صعاب الأمور.
وفي أخبار سنة 432 نقرأ أن خلافاً قام بين جلال الدولة البويهي وبين قرواش بن المقلد العقيلي صاحب الموصل وأن جلال الدولة أرسل أبا الحارث البساسيري في مهمة عسكرية ناتجة من هذا الخلاف.
وفي أحداث سنة 441 نقرأ أن جمعاً من بني عقيل ساروا إلى بلاد العجم من أعمال العراق وبادوريا فنهبوهما وأخذوا من الأموال الكثير، وكانا في إقطاع البساسيري فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم، فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل بن المقلد، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى الفريقان فيه بلاء حسناً، وصبروا صبراً جميلاً وقتل جماعة من الفريقين.
وابن الأثير راوي هذا الخبر لم يحدثنا من قبل عن سفر البساسيري إلى فارس، ولا هو حدثنا هنا عما آلت إليه تلك الحرب!.
وإن نكن عرفنا أنه قد أصبح للبساسيري إقطاعات عديدة واسعة وأن له مقاتلين ينفرون معه لقتال أعدائه قتالاً شديداً.
ثم لا نلبث أن نقرأ أن حرباً شديدة قامت بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك الواسطين، وأنه بعد وقوع الهزيمة على الواسطين أرسلوا إلى بغداد يستنجدون جندها، وأنهم بذلوا للبساسيري أن يدفع عنهم نور الدولة، ويأخذ نهر الصلة ونهر الفصل لنفسه.
ثم نقرأ أن قرواشاً أساء السيرة في أهل الأنبار ومد يده إلى أموالهم، فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري في بغداد وسألوه أن ينفذ معهم عسكراً يسلمون إليه الأنبار فأجابهم إلى ذلك، وسير معهم جيشاً، فتسلموا الأنبار، ولحقهم البساسيري وأحسن إلى أهلها، وعدل فيهم، ولم يمكن أحداً من أصحابه أن يأخذ رطل خبز بدون ثمنه، وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد.
فها هنا يبدو البساسيري صاحب عسكر مستقل بأمره يُستنجد به فينجند ….
ثم نراه بعد ذلك يسير من بغداد إلى طريق خراسان ويقصد ناحية الدردار ويملكها ويغنم ما فيها، وكان سعدي بن أبي الشوك قد ملكها وقد عمل لها سوراً وحصنها وجعلها معقلاً يتحصن به ويدخر بها كل ما يغنمه فأخذه البساسيري جميعه.
وفي سنة 443 نرى البساسيري إلى جانب الملك البويهي الرحيم مع دبيس بن مزيد وغيره يشرفون على ما تحقق من نصر للملك الرحيم في التمرد الذي قام به جمع كثير من العرب والأكراد في خوزستان.
وفي أحداث سنة 444 نرى أن الملك الرحيم يسلم البصرة إلى البساسيري، وفي السنة نفسها يزوج نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصوراً بابنة أبي البركات بن البساسيري.
وفي سنة 445 يصل الخبر إلى بغداد بأن جمعاً من الأكراد وجمعاً من الأعراب قد أفسدوا في البلاد وقطعوا الطريق ونهبوا القرى، فيسير إليهم البساسيري ويتبعهم إلى البوازيج فيوقع بطوائف كثيرة منهم ويقتل فيهم ويغنم أموالهم وينهزم بعضهم فيعبرون الزاب عند البوازيج فلا يدركهم ولا يتمكن من العبور إليهم لزيادة الماء وبذلك نجوا وفي سنة 446 يرد اسم البساسيري خلال ذكر فتنة في بغداد هكذا: «وركب جماعة من الأتراك إلى دار الروم فنهبوها وأحرقوا البيع والقلايات ونهبوا دار أبي الحسن بن عبيد وزير البساسيري.
إذن فقد صار للبساسيري وزير، ولكن ما هو المنصب الذي يشغله ليكون له وزير؟ إننا حتى الآن وفي جميع الأحداث التي تقدم ذكرها، لم نعثر فيما كتب عنه على اسم المنصب الذي يشغله أو المناصب التي تدرج فيها إلى أن بلغ المنصب الذي يصح أن يكون له فيه وزير.
على أنه في كل ما مر ذكره من تصرفاته يبدو مستقلاً في هذه التصرفات لا يتلقى أوامره من أحد، مع أنه مقيم في عاصمة الحكم بغداد، وفيها الخليفة العباسي والملك البويهي!.
ويبدو أستقلاله الطاغي فيما حدث هذه السنة نفسها من هجوم بني خفاجة على الجامعين([806]) وأعمال نور الدولة دبيس ونهبهم وفتكهم في تلك النواحي، فأرسل نور الدولة إلى البساسيري يستنجده فسار إليه منجداً وعبر الفرات فانهزم الخفاجيون وأوقع البساسيري بهم ونهب أموالهم وشردهم كل مشرد، وعاد إلى بغداد ومعه منهم خمسة وعشرون رجلاً فقتل جماعة وصلب جماعة.
وهذا كله يدل على تفرد في السلطة لا يرجع فيه لا إلى الخليفة ولا إلى الملك ولا إلى الوزير. ولما حصر قريش بن بدران صاحب الموصل مدينة الأنبار وفتحها وخطب لطغرل بك فيها وفي سائر أعماله ونهب ما كان فيها للبساسيري وغيره، جمع البساسيري جموعاً كثيرة وقصد الأنبار وحربى فاستعادهما.
ليس في النصوص التي هي في أيدينا ما يدل على أن البساسيري كان يرجع إلى أحد في تنفيذ ما يريد تنفيذه، ولا أن أحداً ممن أنجدهم كان يطلب الاستنجاد من سلطة أعلى من البساسيري فتنتدب هي البساسيري لإنفاذ النجدة، فيما عدا ما رأيناه في أول عهده بالبروز من انتدابه لحماية الجانب الغربي ببغداد من تسلط العيارين عليه.
ولا أنه كان يستأذن أحداً في استعمال القوة في حماية ما يعتقد أنه من حقه. ثم رأينا أنه كان له وزير.
هذا يدل على انحلال سلطة الملك الرحيم المفروض فيه أنه هو صاحب السلطة الفعلية في الدولة، ويدل على عدم جدارته لتولي المنصب الذي وصل إليه، مما كان له الأثر الأكبر في تسهيل سيطرة السلاجقة على الخلافة، ودخول طغرل بغداد دون أن يلقى مقاومة بويهية كان سبب فقدانها، فقدان الكفاءة القيادية عند الملك الرحيم.
السلطة المطلقة التي صارت للبساسيري كان من الطبيعي أن لا تكون موضع رضاً لا من الخليفة ولا من وزيره الملقب (رئيس الرؤساء) لا سيما من الأخير، فكانا يكبتان غضبهما لعجزهما عن الوقوف في وجه تنامي نفوذ البساسيري.
وحدث أن اثنين مخاصمين للبساسيري يسميهما ابن الأثير: أبا الغنائم، وأبا سعيد ابني المحلبان صاحبي قريش بن بدران وصلا سراً إلى بغداد، ما ساء البساسيري وقال: هؤلاء وصاحبهم كبسوا حلل أصحابي ونهبوا وفتحوا البثوق وأسرفوا في إهلاك الناس، وأراد القبض عليهم فحيل بينه وبين ذلك.
ونسب ذلك إلى رئيس الرؤساء. واجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء فمنعها، وطالب بالضريبة التي عليها، وأسقط ما كان يدفع للخليفة شهرياً من دار الضرب، وكذلك ما كان يدفع لرئيس الرؤساء وبعض الحواشي، وأراد هدم دور بني المحلبان فمنع من ذلك. وقال: ما أشكو إلا من رئيس الرؤساء الي خرب البلاد وأطمع السلاجقة وكاتبهم.
ثم مضى إلى الأنبار، وأحرق ناحيتي (دُمّا) و(الفلوجة )، وكان أبو الغنائم بن المحلبان بالأنبار قد أتاها من بغداد. وجاء نور الدولة دبيس إلى البساسيري معاوناً له على حصر الأنبار.
ونصب البساسيري عليها المجانيق، ورماهم بالنفط، ودخلها قهراً، فأسر مئة نفس من بني خفاجة وأسر أبا الغنائم بن المحلبان بعد أن كان قد ألقى نفسه في الفرات فأخذ، ونهب الأنبار وأسر من أهلها خمس مئة رجل.
وعاد إلى بغداد، وأمامه أبو الغنائم على جمل، وعليه قميص أحمر، وعلى رأسه برنس، وفي رجليه قيد، وصلب جماعة من الأسرى.
وبالرغم من شدة هذا التحدي لرئيس الرؤساء وللخليفة نفسه، فقد قوبل بالصمت والهدوء، ما دل على عجزهما عن كبح البساسيري.
ولكن صدف بعد حين أن صديقاً نصرانياً للبساسيري كان ينقل في سفينة جرار خمر فاستُغل هذا الأمر وحرضت العامة بزعم أن هذا الخمر مرسل إلى البساسيري فتجمهر خلق كثير.
ومما يدل على أن هناك تحريضاً من رئيس الرؤساء أنه كان بين المتجمهرين موظف كبير من موظفي الدولة يصفه ابن الأثير بأنه (حاجب باب المراتب)، وهجم الجميع على السفينة وكسروا جرار الخمر وأراقوها.
وبلغ ذلك البساسيري، وبلغه ما أشيع باطلاً بأن جرار الخمر مرسلة إليه فعظم الأمر عليه، ونسب ما جرى إلى رئيس الرؤساء.
فكان أن استصدر فتاوى من فقهاء الحنفية بأن الذي فُعل، من كسر الجرار، وإراقة الخمر تعد غير واجب، وهي ملك رجل نصراني لا يجوز.
وحرض رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على الطعن في البساسيري وذمه والتشنيع عليه، ونسب إليه كل ما ينالهم من أذى.
فلم يلبثوا أن جاؤوا إلى الخليفة، يستأذنونه في التعدي على دور البساسيري، ونهبها فأذن لهم فساروا إليها ونهبوها وأحرقوها ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه في بغداد.
وراح رئيس الرؤساء يتناول في مجالسه البساسيري ذاماً له، ناسباً إليه التآمر مع الخلافة الفاطمية في مصر ومراسلة الخليفة المستنصر.
وفسدت الأمور بين الخليفة، والبساسيري إلى الحد الذي لا يمكن معه إصلاحها. وأرسل إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري فأبعده.
ويقرر ابن الأثير: أن هذه الحالة كانت من أعظم الأسباب في ملك السلطان طغرل بك العراق والقبض على الملك الرحيم([807]).
ثم حدثت معركة سنجار، والاستيلاء على الموصل التي أشرنا إليها فيما تقدم، وبذلك جاهر البساسيري بالثورة ومارسها عملياً وأعلن الانتماء إلى الخلافة الفاطمية.
وفي سنة 450 قام البساسيري بمحاولة ثانية للاستيلاء على الموصل، بالتعاون مع قريش بن بدران، فاستوليا على المدينة، ولم يستوليا على القلعة إلا بعد حصار أربعة أشهر.
وهنا كانت ثورة البساسيري قد أصبحت ثورة على الحكم السلجوقي الذي صار هو المسيطر على العراق، فلما بلغ طغرل بك ما جرى في الموصل سارع إليها فلم يجد أحداً لأن البساسيري وقريش كانا قد غادراها، فمضى وراءهما إلى نصيبين.
على أن طغرل بك واجه هنا انشقاقاً عائلياً هو انفصال أخيه إبراهيم ينال عنه وتوجهه إلى همذان.
وكان إبراهيم هذا قد انشق عن أخيه قبل اليوم، وكان أخوه طغرل يصفح عنه عندما يظفر به، ولكن بدا أن الانشقاق هذه المرة كان أبعد اتجاهاً، وأكثر خطراً من كل انشقاق سابق إذ قيل أنه كان نتيجة اتصال الفاطميين به، وتحالف بينه وبين البساسيري.
وكان البساسيري يواصل ثورته وتقدم فاحتل بغداد ومعه قريش بن بدران، ويفهم من نص ابن الأثير: أن قوته لم تكن تتجاوز أربع مئة غلام على غاية الضر والفقر، وقوة قريش بن بدران تبلغ مئتي فارس. كذلك يفهم منه أنه كان يقابله العسكر والعوام، ومع ذلك فإنه بهذه القوة القليلة واجه العسكر والعوام.
والعوام الذين يذكرهم ابن الأثير هنا ربما كانوا بعض المرتزقة، أو بعض من ينعقون مع كل ناعق. والدليل على ذلك أن ابن الأثير نفسه يقول بعد بضعة سطور من قوله هذا، وهو يذكر أن هناك من كان لا يرى الاصطدام عسكرياً بالبساسيري بسبب ميل العامة إلى البساسيري ـ يقول: أما الشيعة فللمذهب، وأما السُنّة فلما فعل بهم الأتراك (السلاجقة) ([808]).
هذا القول الذي سجله ابن الأثير في تاريخه يرينا حقيقة النقمة الشعبية على السلاجقة، فهو قبل أن يقول هذا القول، يذكر أن البساسيري أعلن الانضمام إلى الخلافة الفاطمية، وخطب في جامع المنصور للخليفة الفاطمي المستنصر، وأمر بالأذان بحي على خير العمل.
والخلافة الفاطمية خلافة شيعية، تعتمد أحد المذاهب الشيعية، والمستنصر خليفة شيعي يمثل ذاك المذهب. والأذان بحي على خير العمل كان يعتبر تحدياً للسنيين الذين لا يأخذون به، كما كان استبداله في أذان الصبح بالصلاة خير من النوم يعتبر تحدياً للشيعة.
وفي تلك العصور كانت إذا نشبت الحرب بين حكم شيعي وحكم سني، فإن انتصر الأول كان أول ما يفعله هو الأذان بحي على خير العمل وإلغاء: الصلاة خير من النوم في أذان الصبح، وإذا انتصر الثاني كان يفعل العكس.
فنور الدين محمود، مثلاً، عندما افتتح مدينة حلب ـ وكانت شيعية ـ كان أول أمر يصدره هو إبطال حي على خير العمل من الأذان، والإعلان بالصلاة خير من النوم في أذان الصبح، وهدّد كل من لا ينفذ هذا الأمر بالعقوبة الشديدة.
وأرسل مراقبين إلى مآذن المدينة كلها يرصدون له ما يجري، فجاء الجواب بأن أوامره نفذت في جميع المآذن ما عدا واحدة منها، رفض مؤذنها في أذان الصبح أن يؤذن بالصلاة خير من النوم. فأمر بأن يرمى من أعلى المأذنة إلى الأرض، ففعل به ذلك ومات تلك الميتة المروعة!….
وفي المقابل: عندما نجح إسماعيل الصفوي في إقامة الدولة الشيعية في إيران، كان إذا فتح مدينة، فأول شيء يفعله الأمر بالأذان: حي على خير العمل، وإلغاء: الصلاة خير من النوم من أذان الصبح.
وكان في ذهنه ما فعله نور الدين محمود في حلب، فأرسل مراقبين إلى جميع المآذن، فجاءه الخبر بأن مؤذناً واحداً أذّن صباحاً بالصلاة خير من النوم، فأمر بإلقائه من أعلى المئذنة إلى الأرض!…
بهذه الفظائع الوحشية كان التعامل نصرة للمذاهب وتأييداً ـ في زعمهم ـ للدين!!
أما السنيون في بغداد فلم يبالوا أن يؤذن في جامع المنصور بحي على خير العمل، وأن يُعلن انضمامهم إلى خلافة شيعية ما دام في ذلك تخلصهم من حكم السلاجقة.
إن في هذه الأحداث البغدادية من العبر ما علينا أن ننظر إليه بعمق وتفكر، وما يدل على أن العصبيات المذهبية التي طالما أدت إلى الفتن والتقاتل والتذابح ليست من أصالة الشعوب، بل إن الذين يحركونها إما أن يكونوا عمي البصيرة أو من المستغلين المستفيدين.
فهذا الشعب البغدادي الذي طالما قرأنا في كتاب (الكامل) لابن الأثير نفسه ما كان يثور فيه من الفتن المذهبية، نراه هنا صفاً واحداً في مقاومة الظلم.
هذا الشعب وغيره من الشعوب ممن كانوا يهيجونه لمجرد كلمة تزاد في الأذان، أو تبدل بكلمة أخرى، أو لغير ذلك من الأسباب، ها هو عندما يواجه الحقائق، يرى أن لا ضير على هذا الفريق أن لا يرى الفريق الآخر عين ما يراه هو في الشؤون المذهبية.
ولكن فقهاء السوء وحكام الجور هم الذين يؤججون العصبيات المذهبية والنعرات الدينية.
الأولون ليستغلوا براءة الشعب لمنافعهم، والاخرون ليشغلوه عن التصدي لجورهم والتمرد على ظلمهم.
فهذا البساسيري لما عدل بين الناس، ولم يتعصب لمذهب، كان السنيون والشيعة في مناصرته على السواء، ومضى السنيون على أصالتهم الفطرية يؤيدونه على الظالمين وإن كانوا من أتباع مذهبهم، ولم ينظروا إليه على أنه على غير مذهبهم.
وبالرغم من الرأي القائل بتفادي الصدام العسكري بالبساسيري لأن جماهير الشعب سنية وشيعية تؤيده، وأن لا قوى سلجوقية في بغداد تقاتله لأن طغرل بك كان بجنوده في الري منشغلاً بتمرد أخيه إبراهيم ينال عليه.
بالرغم من ذلك فإن رئيس الرؤساء استجاب للقائلين بالحرب، وكان بذلك يستجيب لأحقاده على البساسيري . فعندما جاء القاضي الهمذاني واستأذنه في الحرب، وضمن له قتل البساسيري أذن له، فخرج ومعه الخدم وجماعات مختلفة، وأبعدوا والبساسيري يستجرهم، فلما أبعدوا حمل عليهم فانهزموا، وقتل منهم جماعة، ومات في الزحمة جماعة من الأعيان، ونهب باب الأزج، وكان رئيس الرؤساء واقفاً دون الباب فدخل الدار، وهرب كل من في الحريم([809]).
وبعد هذا النصر رجع البساسيري إلى معسكره مترقباً ما يحدث، وإذا بالخليفة يأمر بدوام القتال على سور الحريم، ولكنهم فوجئوا بالزعيق ونهب الحريم، وهنا رأى الخليفة أن يلجأ إلى هيبة الخلافة ومظاهر قوتها، فركب جواده لابساً السواد شعار الخلافة، وعلى كتفه الابردة شاهراً سيفه، وعلى رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين، والخدم بالسيوف المسلولة، فإذا به يعلم أن النهب قد وصل إلى أبواب داره، وأن كل هذه التهويلات لم تجد شيئاً، فتراجع إلى الوراء، ومضى نحو أحد كبار رجاله صاحب لقب (عميد العراق) فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد المنظرة يائساً.
وبرز هنا وزير الخليفة رئيس الرؤساء الذي كان بحقده وقصر نظره سبب هذه المحنة ـ برز محاولاً حماية الخليفة الذي ورطه بهذا كله باستنهاض مروءة قريش، فصاح: يا علم الدين، يعني قريشاً: أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا منه قريش، فقال رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم يُنلها أمثالك. وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمام العربية.
ومعنى هذا: أن الخليفة يضع نفسه وأهله وأصحابه في حماية قريش، مستسلماً لقضاء الله!…
وكان قريش عند أمل الخليفة، فأجاب: قد أذم الله تعالى له، قال: ولي؟ ولمن معه؟ قال: نعم. وتوكيداً لذلك خلع قريش قلنسوته وأعطاها الخليفة، وأعطى مخصرته رئيس الرؤساء ذماماً.
فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وصاروا معه.
وبلغ خبر ما جرى البساسيري، فأرسل إلى قريش: أتخالف ما استقر بيننا، وتنقض ما تعاهدنا عليه؟!
وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء.
وحلاً للإشكال، وحذراً من وقوع الخلاف بينهما: اتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه وأن يحتفظ بالخليفة.
وهكذا انتهى الأمر به إلى أن يحفظ الذمام نصف حفظ فوفى للخليفة ولم يف لرئيس الرؤساء ….
ومضى برئيس الرؤساء ـ يا لضخامة اللقب !! ـ مضي به إلى البساسيري، فلما وقعت عينه عليه قال له: مرحباً بمهلك الدول ومخرب البلاد ….
فتذلل رئيس الرؤساء قائلاً: العفو عند المقدرة.
فقال البساسيري: لقد قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وركبت الأفعال الشنيعة مع حُرَمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب سيف.
يشير بذلك إلى أن رئيس الرؤساء لم يكن صاحب سلطة فعلية في ظل أصحاب السلطة الحقيقيين، ومع ذلك فقد فعل ما فعل.
وإما الخليفة، فإن قريشاً نقله راكباً إلى معسكره، محتفظاً له بكل مظاهر الكرامة: عليه السواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء. وأنزله في خيمة بالمعسكر، وأخذ زوجته، أرسلان خاتون، وهي ابنة أخ السلطان طغرل بك، فسلمها إلى أحد أخصائه ليقوم بخدمتها.
أما دار الخلافة فقد ظل النهب فيها أياماً.
وقد اختار قريش أحد بني عمه ممن فيهم مروءة ودين، فسلمه الخليفة ليوصله إلى مأمن خارج بغداد، فحمله في هودج وسار به إلى بلدة (حديثة عانة) وتركه بها.
جرى هذا كله والسلطان طغرل بك غائب بجنوده عن بغداد، فأسرع أصحاب الخليفة وخدمه إليه مستنفرين([810]).
سيطر البساسيري على بغداد، وجاء عيد الأضحى، فسار إلى المصلى تخفق عليه الألوية الفاطمية، معلناً بذلك التحاق بغداد بخلافة الفاطميين.
وأحسن السيرة في الناس، وبشهادة ابن الأثير: لم يتعصب لمذهب، وأجرى الجرايات على المتفقهة.
وكانت والدة الخليفة ـ وقد بلغت التسعين ـ لا تزال في بغداد، فأفرد لها داراً وأعطاها جاريتين من جواريه لخدمتها، وعين راتباً تعطاه لنفقاتها.
أما العدو اللدود رئيس الرؤساء، فقد كان رهين السجن فلما تفرغ له أخرجه من السجن مقيداً وعليه جبة صوف وطُرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود بعير، وهو يقرأ: ﴿قل اللهم ملك الملك تؤتي الملك من تشاء﴾ الآية.
ولما مروا به في الكرخ ـ وهو حي الشيعة ـ وكان شديد العصبية عليهم مؤذياً لهم، بصقوا في وجهه.
وبعد هذا التشهير به على ظهر جمل في شوارع بغداد، أعيد إلى معسكر البساسيري، وقد نصبت له خشبة وأنزل عن الجمل وألبس جلد ثور، وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في فكيه كلابان من حديد، وصلب .. ([811]).
ومد البساسيري سلطته إلى واسط والبصرة. وأرسل إلى المستنصر الفاطمي في القاهرة يعرفه ما فعل، على أمل أن يمده المستنصر بما يقوى به للسيطرة على العراق كله، والحؤول دون سيطرة السلاجقة.
وقد كان يمكن أن يتم ذلك فتسود الخلافة الفاطمية العراق ويتغير مجرى التاريخ … ولكن الأقدار كانت بالمرصاد، فقد كان وزير المستنصر أبا الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري، وفي نفسه عليه ما فيها، فلم يشأ له أن يفوز بهذه الأمجاد، وفضّل أهدافه الشخصية على أهداف الدولة التي جعلته وزيرها، فوقع في البساسيري وخفف من شأنه وهوّن فعله وحذّر من عاقبته.
فأهمل الجواب على رسائله مدة، ولما أجيب كانت الأجوبة بغير ما أمّل ورجا، وهكذا تُرك يواجه مصيره بنفسه.
كان طغرل بك خلال هذه الأحداث يعالج تمرد أخيه إبراهيم ينال، وأخيراً وقع الصدام بينهما بالقرب من الري، فانتهت المعركة بانهزام إبراهيم وأسره، وكان من قبل قد ثار على طغرل بك أكثر من مرة وظفر به وعفا عنه. أما هذه المرة فقد أمر بخنقه بوتر قوس. وكان ذلك في تاسع جمادى الآخرة سنة 451، وقال: إن من عوامل قتله أن تمرده كان السبب في عدم استطاعته حماية الخليفة.
وبانتهاء طغرل بك من أمر إبراهيم تفرغ لأمر البساسيري، ويبدو أنه وازن بين قواه وقوى البساسيري فرأى أن يحل الأمر سلماً مع البساسيري، فأرسل إليه وإلى قريش أنه يكتفي بأن تكون الخطبة له في بغداد وأن تكون السكة باسمه وأن يُعاد الخليفة إلى بغداد على أن لا يعود هو الى العراق.
فرفض البساسيري هذه المقترحات، فعند ذلك تقدم طغرل بك بقواته إلى العراق، وبوصول طلائعه إلى قصر شيرين غير البعيدة عن حدود العراق، كان البساسيري يبعد حرمه وأولاده عن الخطر، ثم يتبعهم خارجاً من بغداد، بعد سيطرته عليها سنة، إذ كان دخوله بغداد في شهر ذي القعدة سنة 450 وخروجه منها في ذي القعدة سنة 451.
وبرحيل البساسيري دبت الفوضى في بغداد، وحرك المحركون النعرات المذهبية فثار أهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوه، وأحرقوا درب الزعفران، وهو ـ على ما يقول ابن الأثير ـ من أحسن الدروب وأعمرها.
ووصل طغرل بك إلى بغاداد، وكان قبل وصوله قد أرسل من الطريق إلى قريش بن بدران أنه يشكره على ما فعله للخليفة ولابنة أخيه زوجة الخليفة.
وكان الخليفة قد اتجه ـ هو الآخر إلى بغداد ـ فارسل طغرل بك وزيره الكندري، وبعض الأمراء، والحجاب ومعهم الخيام العظيمة والسرادقات والخيل فلاقوا الخليفة وخدموه.
وبوصول الخليفة إلى النهروان خرج طغرل بك لاستقباله، فقبل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامة واعتذر عن تأخره وانشغاله بإخماد تمرد إبراهيم.
وسبق طغرل بك الخليفة في الوصول إلى بغداد، ثم وصل الخليفة بعده.
والذي يثير العجب هذا الانهيار السريع لموقف البساسيري، لا سيما وأنه قد رفض مقترحات طغرل بك وكلها في مصلحته وتأمين سلطته، فعلى اي شيء كان يستند في هذا الرفض؟
هل كان لا يزال يأمل بتأييد القاهرة؟
الذي يلوح أنه كان في انسحابه من بغداد يريد التوجه إلى الشام، فطغرل بك يقول للخليفة في أول لقاء له معه في النهروان: أنا أمضي خلف هذا الكلب (يعني البساسيري) وأقصد إلى الشام، وافعل في حق صاحب مصر ما أجازي به فعله.
وبعد استقرار طغرل بك في بغداد أرسل أحد قواده في ألفي فارس نحو الكوفة لمطاردة البساسيري، وكان قد قال لطغرل بك: أرسل معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري من الإصعاد إلى الشام.
وهذا كله يدل على أنه كان في نية البساسيري التوجه نحو الشام، وإن هذه النية كانت معروفة عند طغرل بك ورجاله. وربما كان قصده من الوصول إلى الشام أن يكون أقرب إلى مصر حيث يسهل عليه الاتصال بمن فيها، وإقناعهم بتجهيز حملة يستطيع بها السيطرة على العراق.
ومهما يكن من أمر، فقد تقدم من أرسلهم طغرل بك لمطاردة البساسيري، وسار هو في اثرهم، ووقع الصدام فسقط البساسيري جريحاً، فأخذه عميد الملك الكندري وقتله، وحمل رأسه إلى طغرل بك، فأمر بنقله إلى دار الخلافة وطيف به وصلب.
ويقول ابن الأثير: وأُخذت أموال أهل بغداد وأموال البساسيري مع نسائه وأولاده، وهلك من الناس الخلق العظيم([812]).
أوجز ابن الأثير الحال في بغداد أثر سيطرة طغرل بك عليها من جديد: أخذت أموال أهل بغداد، وهلك من الناس الخلق العظيم.
وكان قد قال قبل ذلك: سار أهل باب البصرة إلى الكوخ فنهبوه وأحرقوا درب الزعفران.
كانت الخطة المرسومة هكذا: إن التآلف الذي بدا بين السنيين والشيعة يجب إبطاله، ويجب إعادة الفتن المذهبية من جديد، وتأريث الأحقاد بينهما، لذلك جرى تحريض أهل باب البصرة السنيين على نهب الكرخ الشيعي، وجرى إحراق درب الزعفران الذي كان من أحسن الدروب وأعمرها.
ونحن إذا كنا نعرف من مطالعاتنا لابن الأثير إن باب البصرة سني والكرخ شيعي، فإننا لا نعرف مذهب درب الزعفران. إننا نرجح أنه سني، وذلك استنتاجاً منا أن الذين أغروا السنيين بنهب الكرخ أغروهم كذلك بإحراق درب الزعفران. وبعد أن تمّ لهم تأجيج النفوس بالأحقاد المذهبية عطفوا على الفريقين معاً فأعملوا فيهما النهب والقتل: «أخذت أموال أهل بغداد وهلك من الناس الخلق العظيم» هكذا قال ابن الأثير، وحسبه هذا القول لنرى الصورة الرهيبة لبغداد يومذاك.
وبعد فراغ طغرل بك من أمر بغداد انحدر إلى واسط، وعبر إلى الجانب الشرقي من دجلة. يقول ابن الأثير: وسار إلى قرب البطائح فنهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز([813]).
طغرل بك يريد مصاهرة الخليفة
طمع السلطان طغرل بك بمصاهرة الخليفة القائم بأمر الله على ابنته، ففي سنة 453 أرسل أبا سعيد قاضي الري خاطباً ابنة الخليفة فانزعج الخليفة من ذلك، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي وأمره أن يبلغ طغرل بك رفض طلبه، فإن أصر طغرل بك على الطلب فإن عليه أن يبعث ثلاثة مئة ألف دينار ويسلّم واسطاً وأعمالها.
فاتصل التميمي أول ما اتصل بالوزير عميد الملك وأبلغه رسالة الخليفة، فرد الوزير: بأنه لا يصح أن يُرد السلطان ولا يستجاب طلبه بعد أن سأل وتضرع، ولا يجوز مقابلته بطلب الأموال والبلاد، فهو يفعل أضعاف ما طلب منه
فقال التميمي: كما ترى، وما تقره يكون فيه الصواب، فاعتقد الوزير أن الموافقة قد حصلت. فأسرع وأخبر السلطان بذلك فسر كل السرور.
وقد كان مثل هذه الموافقة وقبول مصاهرة الخليفة لسلجوقي أمراً مستهجناً فمهما سما هؤلاء وأمثالهم فإنهم لا يعتبرون أكفاء لمصاهرة الأسرة العباسية لا سيما الخليفة، ويعتبر طلبهم إهانة ….
لذلك أسرع السلطان وجمع الناس وعرّفهم أنه قد حصل على ما لم يسبق أن حصل عليه غيره من الملوك من مصاهرة الجهة النبوية. وطلب إلى الوزير عميد الملك أن يذهب ومعه أرسلان خاتون زوجة الخليفة وأن يصحبها مئة ألف دينار وما شاكلها من الجواهر وغيرها، وأرفقه بعدد من وجوه الأمراء وأعيان الري.
ووصل الوزير إلى القائم بأمر الله وأوصل زوجة الخليفة إلى دارها، ثم ذكر للخليفة المهمة القادم بها وهي إتمام عقد الزواج. فاستنكر الخليفة ذلك وامتنع عن الإجابة إليها، وقال ما معناه: إنه يصر على الرفض فإن روعي رفضه وإلا فإنه يترك بغداد ويرحل إلى مكان آخر.
فقال عميد الملك ما مؤداه أن الامتناع لم يحصل من أول الأمر، وإذا حصل الآن فهو سعي على دمه، ثم ترك بغداد ونصب خيامه في النهروان.
وهكذا عاد التأزم من جديد بين السلطان والخليفة، فتوسط في الأمر قاضي القضاة وغيره وحذروا الخليفة مما يمكن أن يؤدي إليه رجوع الوزير عميد الملك إلى السلطان بهذه النتيجة.
فكتب الخليفة إلى عميد الملك: نحن نرد الأمر إلى رأيك ونعول على أمانتك ودينك. ويبدو أنه فهم من هذا الكلام موافقة الخليفة فجاء يوماً إلى الخليفة ومعه جماعة من الأمراء والحجاب والقضاة والشهود وقال للخليفة: اسأل مولانا أمير المؤمنين التطول بذكر ما شرّف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيما رغب فيه ليعرفه الجماعة.
ولكن رد الخليفة كان حاسماً فقال: قد سُطّر في المعنى ما فيه الكفاية. فانصرف عميد الملك مغضباً وترك بغداد. ولما بلغ السلطان ما جرى كتب إلى قاضي القضاة والشيخ أبي منصور بن يوسف قائلاً: هذا جزائي من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته وأنفقت أموالي في نصرته وأهلكت خواصي في محبته … وأطال العتاب ـ على حد تعبير ابن الأثير([814]) ـ وكمقابلة بالمثل فقد طلب السلطان طغرل بك ابنة أخيه زوجة الخليفة أن تعاد إليه.
ولما بلغ الأمر إلى هذا الحد وخيف حصول مضاعفات تؤدي إلى التقاطع التام، ورأى الخليفة شدة الأمر، اضطر إلى الاستسلام للواقع وأذن في إجراء عقد الزواج، فجرى العقد في شعبان سنة 450 بظاهر تبريز.
وقد كان فيما جرى وهن معنوي خطير للخلافة العباسية، إذ مهما علا شأن أمثال هؤلاء فإنه لا يمكن أن يكون كفؤاً للزواج من سليلات البيت العباسي الهاشمي.
ويقول ابن الأثير مشيراً إلى ذلك: «وهذا لم يُجر للخلفاء مثله فإن بني بويه مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فعله»([815]).
وأرسل السلطان أموالاً كثيرة وجواهر نفيسة للخليفة ولولي العهد ولابنة الخليفة ولأمها ولآخرين. وكان لزوجة السلطان المتوفاة إقطاعات كثيرة في العراق منها (بعقوبا) وغيرها، فجعل ذلك كله لزوجته الجديدة ابنة الخليفة.
وفي شهر المحرم من سنة 455 جاء السلطان إلى بغداد، وأتى الوزير عميد الملك يطالب الخليفة بانتقال زوجة السلطان إليه، فقوبل طلبه بالرفض وقيل له: أن المقصود بهذه الوصلة الشرف لا الاجتماع!. كما قيل له أن خطك موجود في الشرط.
وقد كان هذا الزواج من أعجب الزواجات في الدنيا!… ويبدو جلياً أن ما ذكره الخليفة كان قد سجل في الورق ووقعه فيمن وقعه شاهد الوزير عميد الملك نفسه.
ثم قال الخليفة: إنه إن كانت مشاهدة فتكون في دار الخلافة.
ومعنى ذلك: أن أقصى ما يوافق عليه الخليفة هو أن يتقابل العروسان مجرد مقابلة وأن تكون هذه المقابلة في دار الخلافة….
فقال السلطان: نفعل هذا.
ولكن يفهم من النص الذي ذكره ابن الأثير([816]) أن السلطان رأى، أن تكون المقابلة في مكان مخصص لها يليق بها، فأردف كلامه المتقدم بقوله: ولكن نفرد له من الدور والمساكن ما يكفيه، ومعه خواصه وحجابه ومماليكه فإنه لا يمكنه مفارقتهم.
وعلى ذلك نقلت العروس إلى دار المملكة.
ومضت مشاهد الرواية على هذا الشكل:
جلست العروس على سرير ملبّس بالذهب، ودخل السلطان إليها وقبّل الأرض وخدمها. ولم تكشف الخمار عن وجهها ولا قامت له.
وحمل معه لها شيئاً كثيراً من الجواهر وغيرها.
واستمر الحال على هذا المنوال: يحضر كل يوم يخدم وينصرف.
ومع ذلك فقد ظهر عليه سرور عظيم([817]) وخلع على الوزير عميد الملك لأن كل الذي جرى إنما جرى على يديه وبتوسطه.
وأقام الموائد عدة أيام ….
يقول ابن الأثير: إن السلطان ترك بغداد في شهر ربيع الأول ذاهباً إلى الري. وإذا كان قد جرى ما ذكرناه في المحرم فمعنى ذلك أن الأمر استمر على الصورة التي ذكرناها شهرين!..
إذ لم يذكر ابن الأثير ما يدل على أن شيئاً قد تبدل خلال الشهرين.
لم يترك السلطان بغداد وحده، بل اصطحب معه ابنة أخيه أرسلان خاتون زوجة الخليفة لأنها شكت اطَراح الخليفة لها فأخذها معه.
الخليفة الذي رفض إلا أن يكون زواج ابنته من السلطان السلجوقي زواجاً شكلياً، كل ما ينال السلطان منه مقابلة زوجته من وراء خمارها المسدول على وجهها. وإن في هذا من الشرف للسلطان ما يغنيه عن كل شيء.
الخليفة الذي رفض إلا أن يكون الأمر كذلك، رأى في مقابل هذا أن يطّرح زوجته ابنة أخي السلطان، فلاذت بعمها فأخذها معه.
وقد كان لنا أن ننتظر اكتمال هذه الرواية العجيبة فصولاً، لولا أن الموت أنهاها بسرعة إذ مرض السلطان طغرل بك في سفره هذا ومات في رمضان من السنة نفسها ….
ويذكر ابن الأثير أن عمره حين مات سبعين سنة تقريباً، وأنه كان عقيماً لم يلد ولداً.
إذاً فقد خطب ابنة الخليفة وعقد عليها وهو في السبعين من عمره. فلا بدع أن يقنع من عروسه بالنظر إليها من خلف الخمار … وأن يكون هدفه من هذا الزواج امتهان شموخ بيت الخلافة، والإدلال على منافسيه، بأنه وصل إلى ما لم يصل إليه أحد.
وإذا كنا قد حرصنا على ذكر هذا العرس ـ العباسي السلجوقي ـ ببعض تفاصيله، فلأن فيه نماذج من علاقات السلاطين السلاجقة بالخلفاء العباسيين.
ونلاحظ هنا أن ما ربط سلطنة طغرل بك بخلافة القائم بأمر الله كان سبع سنين وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً.
يرثي ابن الأثير السلطان طغرل بك قائلاً: كان عاقلاً حليماً من أشد الناس احتمالاً، وأكثرهم كتماناً لسره، وكان يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس، وكان لباسه الثياب البيض، وكان ظلوماً غشوماً، قاسياً، وكان عسكره يغصبون الناس أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك نهاراً وليلاً. وكان كريماً … (انتهى).
وحين نعود إلى ما رثى به ابن الأثير الملوك البويهيين ـ وهو ما مر بعضه ـ ونقارنه برثائه لهذا الملك السلجوقي ندرك البون الشاسع بين الحكام البويهيين والحكام السلاجقة، فابن الأثير لم يقل عن أحد من البويهيين إنه كان ظلوماً، غشوماً، قاسياً، ولا قال: كان عسكره يغصبون الناس أموالهم وأيديهم مطلقة نهاراً وليلاً.
بل قال عن معز الدولة مثل هذا القول ـ وهو يتحدث عن انتصاره ـ : ونادى في الناس بالأمان وبث العدل وأقام لهم شحنة يمنع الظلم.
ويقول عنه: كان حليماً، كريماً، عاقلاً.
ويقول عن ركن الدولة: كان حليماً، كريماً، واسع الكرم، كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه، وجنده، رؤوفاً بهم، عادلاً في الحكم بينهم، وكان متحرجاً من الظلم مانعاً لأصحابه منه عفيفاً عن الدماء، يتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات.
إلى غير ذلك من الأقوال التي قالها عن غير هذين الحاكمين والتي مر ذكر بعضها.
بعد طغرل بك
أسرع الوزير عميد الملك الكُندري بعد موت طغرل بك إلى إعلان حلول سليمان بن داود جفري بك، أخي طغرل بك، مكان طغرل بك في السلطنة، لأن طغرل بك، الذي لم يكن له ولد، قد عهد له بالملك بعده.
على أن الأمر لم يمض بسلام فإن (باغي سيان) و(أردم) لم يقبلا بذلك وأسرعا إلى قزوين وخطبا فيها لألب أرسلان محمد بن داود جفري بك.
وكان هذا يتولى في عهد طغرل بك خراسان ومعه وزيره نظام الملك، ويبدو أن ميل الناس كان إليه فاستسلم عميد الملك الكندري لهذا الواقع فأمر بالخطبة في الري للسلطان ألب أرسلان، وبعده لأخيه سليمان.
على أن ذلك لم يُنْجه من انتقام ألب أرسلان، فإن عميد الملك زار نظام الملك وزير ألب أرسلان ودفع له مالاً، واعتذر وغادر منصرفاً، فانصرف بانصرافه أكثر الناس، فراب ذلك ألب أرسلان مع ما كان من إعلان عميد الملك تسلطن سليمان فأمر بالقبض عليه واعتقله في مرو الروذ سنة، ثم أرسل إليه من قتله.
ويبدو أنه كان يتهم نظام الملك بالسعي به عند ألب أرسلان، إذ أنه لما قُرِّب للقتل قال للجلاد: قل لنظام الملك: بئس ما عودت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الديوان، ومن حفر قليباً (بئراً) وقع فيه.
والوزير عميد الملك هذا كان على طريقة سادته السلاجقة من التعصب المذهبي الذميم.
وهو لم يكتف بالتعصب على الشيعة الذين سماهم الروافض، بأن طلب من السلطان أن يُلعنوا على منابر خراسان فلبي طلبه، بل كان شديد التعصب على الشافعية وإمامهم الشافعي أيضاً.
قوبل عهد ألب أرسلان بثورات عليه استطاع إخمادها واحدة بعد الأخرى، فكان أول الثائرين عليه أمير ختلان، ثم أمير الصاغانيان.
وكان عمه (بيغو بن ميكائيل) في هرات فثار طالباً الأمر لنفسه.
أما الثائران الأولان فقد قتل الأول منهما في المعركة، وأما الثاني فقد أسر وقتل. وأما عمه فقد استسلم بعد الحصار والتضييق فابقى عليه وأكرمه وأحسن صحبته.
وكان مما فعله أن أعاد ابنة الخليفة التي عقد زواجها طغرل بك ـ أعادها إلى بغداد، وقال إنه إنما قتل عميد الملك لأنه نقلها من بغداد إلى الري بغير رضاء الخليفة.
كما أرسل إلى الخليفة طالباً إقامة الخطبة له في بغداد، فجلس الخليفة جلوساً عاماً وأعلن أمام رسل ألب أرسلان تقليد ألب أرسلان للسلطنة، وسُلّمت الخلع بمشهد من الناس. كما أن الخليفة أرسل إليه لطلب البيعة.
وعادت رسل ألب أرسلان إليه يصحبها رسول الخليفة، وهو في نقجوان بأذربايجان، فلبس الخلع وبايع للخليفة.
ثم قامت عليه ثورة سلجوقية أخرى قادها قُتلمش([818]) فقد بلغ ألب أرسلان خبر الثورة وهو في نيسابور، وأن قتلمش قصد الري ليستولي عليها، فسار إليه ألب أرسلان والتقيا في معركة هزمت فيها جموع قتلمش، ووجد قتلمش ميتاً ملقى على الأرض لا يُدرى كيف كان موته، قيل إنه مات من الخوف !…
مواصلة اضطهاد الشيعة
ونعود بعد هذا إلى ما كافأ به طغرل بك السلجوقي، الشيعة على حماية الجنود السلاجقة ودفاعهم عنهم فبعد التدخل في شؤونهم المذهبية، أحرقت مكتبتهم الكبرى التي كانت من دور العلم المهمة في بغداد، وكان مكانها في محلة بين السورين في الكرخ والتي أسست سنة 381 على مثال (بيت الحكمة) الذي بناه هارون الرشيد، وقد جُمع فيها ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتبت تآليف أهل الهند والصين والروم كما قال الأستاذ محمد كرد علي ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين.
قال ياقوت الحموي: لم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة الخ وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير وكانت من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد أحرقت هذه المكتبة العظيمة فيما أحرق من محال الكرخ الشيعية، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى عالم الشيعة الكبير ومدرسته الكبرى وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام، وعطلوا المدرسة.
قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448: وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ثم قال في حوادث سنة 449: وفي صفر في هذه السنة كبست دار ابي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع الخ. وتواصل الاضطهاد بكل أشكاله.
عمارة القصب في العراق لا سيما في الأهوار
يُعد استعمال القصب والبردي في البناء تقليداً موروثاً في جنوب العراق منذ الحضارة السومرية، وربما قبلها لدى الفراتيين. فالقصب كان مستعملاً في بناء بيوت وقوارب السومريين منذ سبعة آلاف عام وقد وجدت رقم طينية تبين رسوماً لها.
مما يؤسف له بأن مادة القصب غير قابلة للبقاء في الطبيعة لتدلل على أثرها فهي من صلب البيئة، وتعود إليها دون أن تترك بصمات يمكن أن تفيدنا في معرفة تاريخ وطبيعة البيوت التي ابتناها الأقدمون من هذه المادة.
ومن الجدير ذكره أن مدن البصرة والكوفة وهما أول حاضرتين عربيتين مصرهما الإسلام، كانتا قد شيدتا بالقصب عام 636 و638م.
والقصب مادة نباتية غير نفاذة للرطوبة والماء، لدنة المراس ومتينة الطبع نظراً لوجود المفاصل الداخلية التي تكسبها صلادة وانتصاباً. وإن حزمة من القصب يمكنها أن تتحمل أثقال الشد المتوسط عليها. ويطلق على عمود الدار المتكون من حزمة القصب (شَبْه) ومجموعها (شباب).
ويتم تقطيع القصبة بامتداد طولها إلى عدة شظايا تستعمل في عملية تقضيب ونسج الحصيرة من خلال تداخل هذه الأجزاء بشكل منحرف مع بعضها، ويطلقون عليها اسم (الباريَة) ومجموعها (بواري) وهي منسوجة لعدد من الاستعمالات، فهي إما حيطان للدار أو السياج أو للفراش لتكسية أرضية الديار، أو حتى تستعمل في طبقات التسقيف في العمارة الطينية ولا سيما في الخليج قبل عصر البترول.
بيت القصب أثناء عملية البناء ويبدو زخرفة القصب التي تعرف (بالمشبك)
إن كثيراً من مدائن أو قرى هؤلاء القوم هي في حقيقتها مجموعة من الجزر الطافية على صفحة الماء الساكنة، يتم التحضير لها باختيار الموقع في وسط حقل القصب الواقع في وسط (الهور).
ويبدأ التحضير له بعملية لي حزم القصب والبردي وارقادها بحيث تشكل في مجموعها مسطحاً على صفحة الماء تمتد جذورها في أرض البحيرة فيتم لاحقاً نقل الطمي والطين من قاع البحيرة وتكديسه مع طبقات البردي والقصب فوقها بأسلوب الدك، حتى تصل إلى الارتفاع المعقول والمقاومة المناسبة لتلك الجزيرة الصناعية العائمة التي يطلق عليها (جباشة) ومجموعها (جبايش) والتي عادة ما يتركون فيها حفراً مناسبة لإرساء دعائم البيت المنظور. ويبلغ بعد الحفرة عن الأخرى مسافة بين متر ومترين لتحتضن الأساطين.
ومن مجموع هذا العدد من الجزر يتألف التجمع القروي الذي يصل أحياناً عشرات أو حتى مئات كما في منطقة الصحين ومنطقة (الجبايش) بالنصارية. وإن القرية من هذه تدعى (سلف) وتكاد تختفي هذه الجزر عند النظر إليها من الجو وربما كان هذا أحد مبررات منعتها بحيث أصبح الوصول إليها صعب المنال ويمكن أن يكون هذا أهم أسباب اختيار تلك البيئة للحماية والوارد إليها يقتضي معرفته الدقيقة لمسالك الماء المحصورة بين غابات القصب والبردي الذي يرتفع إلى عدة أمتار.
ويتم اختيار الموقع لتلك القرى بدق وموازنة منطقية تتعلق بالمنعة من المهاجمين بقدر توفر عامل القرب من مصادر الرزق. ومن القرى ما تبنى على اليابسة مباشرة دون عناء صنع الجزر وهي أسهل بناء وأقل مناعة.
وبعد أن يتم التحضير للبيت المزمع إنشاؤه على البر أو في كنف الجزيرة (الجباشة) يشرع الجميع بعملية حزم القصب بأقطار تتفاوت بحسب وسع الدار وأهميتها، ولكن عادة ما يكون قطرها بين 15 و20 سم ويصل حتى إلى 30 سم في حالة المضائف الواسعة وهذه الحزم تشكل الهيكل الإنشائي للدار.
ثم تحزم بقوة بمعين أربطة مصنوعة من قصب مشطر (مفشق) ملوي مثل الحبال يدعى ([نود). وتكون هيئة تلك الأساطين سميكة في قاعدتها وأقل سمكاً وصلابة في طرفها العلوي بحسب سجية القصب. وعند اكتمال العدد المطلوب الذي يكون عادة مكرر العدد 5 أو 7 وذلك بحسب السعة وتبعاً لما يخطط لعدد أعمدة البيت مغروسة في صفين محوريين متقابلين ومتناظرين.
ويمثل البعد في ما بينها عرض البيت المزمع إنشاؤه ومجموع الأبعاد فيما بينها يشكل طول البيت. ويمتد توجيه البيت عادة من الشرق إلى الغرب ليتسنى لهم الاستفادة من الريح الغربي والشمالي الغربي البارد الذي يسمى في العراق (العذيبي). ويرفع كل عمود وتعزز قاعدته السميكة في الحفرة المخصصة وتملأ الحفرة بالتراب وتدك دكاً قوياً متقناً بأعمدة من خشب لضمان تماسك الأرض وعدم ميل العمود، ويكون وضعه مائلاً عادة إلى الوراء في الاتجاه الخارجي للدار.
ثم تتم عملية ثنيها باتجاه الداخل وذلك لتسبيق تحميله جهداً عاكساً لما سوف يعمل عليه ويتحمله، وتربط رؤوسها بما يشبه (المفصل (Articulation في الإنشاءات مكونة أقواساً هيكلية تحضر لشكل القبو النهائي الذي تظهر به. وتجهز خلال هذا الوقت حزم القصب التي توصل أفقياً بين الأعمدة والتي يطلق عليها اسم (هطر) ـ المقصود هنا أطر ـ وطولها عادة بمقدار طول البيت فتكون روابط لهيكل البناء تمنعه من الحركة أفقياً.
ويتم ربطها بالأعمدة على مسافة لا تزيد عن النصف متر بينها. والمهم هنا أن تكون الحنايا متقنة وبارتفاع واحد عن سطح البيت، وأن يكون اسمك «الهطر» وأكثرها بأساً هو الذي يقع في منتصف تقويس الحنيات من الأعلى بحيث يكون متقاطعاً مع كافة الأعمدة لأن العزوم في هذا المكان تكاد تكون على أشدها عادة.
ثم تبدأ مرحلة التغليف حيث فتحتا الصريفة الجانبيتان ـ الكواسر ـ ويكون الباب في الفتحة الجنوبية من الصريفة حيث الشمس الساطعة، وقد يعمل على جانبي الباب (مشربية) من القصب بشكل معينات متشابكة تدعى (مشبج)، الذي يساعد على نفاذية الدار وعدم جعله متضاماً ليسمح بحركة الهواء من خلاله التي توفر الراحة لساكنيه كما هي بيوت شرق آسيا، وهي صفة البناءات في المناطق ذات الجو الوخم.
ثم يكسى هيكل الدار كله بالحصران (البواري)، فتلقى أولاً الحصر الجديدة فوق الهيكل بوجوهها اللماعة إلى الجهة السفلى، وتلقى فوقها بطبقة ثالثة من الحصر الجديدة وتثبت كلها بالـ (هطر) الخارجية للصريفة، وتدفن أطراف الحصر السفلى الملامسة للأرض بالتراب لمنع دخول الهواء والمطر إلى داخلها.
ثم يتم دفن أرضية (الصريفة) بالتراب الناعم النظيف، وتدك جيداً وتسيج بالطين أحياناً وتفرش بالحصر (البواري) كذلك ثم تفرش بالبسط والسجاد وترمى فوقها الوسائد والمخدات للاتكاء عليها وهو الحال النهائي لها.
ويمكن التفنن في تركيب (الصرائف) مع بعضها وتخصيص الحجرات للضيوف وللعائلة ويمكن إقامة جزيرة مجاورة بفرض استقلال أبنائهم عند تكوينهم لأسرهم. وبما يخص منهجية التصميم المعماري فمن الجدير تذكره أنهم يقيمون عمارة من دون معماريين، ولا سيما فيما درج اليوم من تدخل ذوي الدراسة الأكاديمية التي يمكن أن يكون حدود تدخلهم ما يثري تلك المنظومة البنائية ويطور من ملكاتها ويرفع من مستوى الكفاءة لها. ويمكن تطوير تلك الأشكال ومواد البناء التجريبي وطرق التنفيذ بالاعتماد أساساً على كل الأعراف الموروثة.
ويعاني هذا الإرث المعماري اليوم من التدمير المنظم لأغراض سياسية لا يجهلها أحد. وتوج ذلك بتجفيف ينابيعها بما يسمى بعملية (النهر الثالث) الذي عاد وبالاً على بيئة المنطقة وحرماناً من ثقافة وطراز بناء لا يوجد إلاّ في العراق وعمره سبعة آلاف عام.
د. علي ثويني
راجع: الأهوار
ختام شعري
وختاماً لبحث العراق أورد القصيدة التالية التي نظمتها في العراق بعد أن قضيت فيه فترة تدريسية:
حي النخيل سهولة وهضابا
والشاطئين مضارباً وقبابا
واملأ من الحسن البهي نواظراً
ظمأى إلى الحسن البهي سغايا
تهواه في نور الخميلة وادعاً
وعلى العباب مواثباً غلابا
ظلاً على الوجنات رف ومنهلاً
وعلى الشفاه الحالمات سرابا
هذا النخيل وما ادركتُ عهوده
إلا ادكرتُ أحبة وصحابا
كم قد وقفت عليه أتلو حسنه
شعراً وأقرأ ضفتيه كتابا
يوحي الحياة جمالها وجلالها
والعيش حرباً والزمان غلابا
يعلو على هوج الرياح وينتخي
كالشائرين مطامحاً ورغابا
ويرق عاطفة وبعذب مبسماً
ويطيب ظلاً وارفاً ورحابا
ودنا فكان على البسيطة روضة
وعلا فكان على السماء سحابا
ولكم نزلناه فكان على الاسى
بشراً وكان على الأوام شرابا
هذا النخيل تباركت عذباته
ما كان أروع حسنها الخلابا
تسمو على هام الفضاء غدائراً
وترف في عين السما أهدابا
ويميس في كف النسيم عرائساً
وتصول في أيدي الرياح حرابا
يا نخل طبت على السهول مناظراً
وعذبت في أرج الصبا أطيابا
وفتنتي فإلى ظلالك ينتمي
قلبي وتهوي نظرتي إعجابا
وملأت نفسي في الحياة بشاشة
ولطالما ملئت أسى وعذابا
أهوى على التلعات فجرك والضحى
والبدر سال على الغصون وذابا
وأهيم بالشاطي النضير وأشتهي
في الضفتين ربيعك المخصابا
كم قد هفت نفسي إليك وناشدت
في البعد نهرك دافقاً والغابا
يا نخل وافاك الربيع وأقبلت
أسراب حسن تقتفي أسرابا
قد عاد للربوات ناضر حسنها
وزهت رباع كنّ أمس يبابا
النهر يشدو للرياض قصائداً
تنسي المغرد لحنه المطرابا
ويسير بين الضفتين مغمغماً
ويمر مذعور الخطى وثابا
والزورق الغافي ترنحه الصبا
فتمايل الأعطاف فيه طرابا
أهلاً بمنضور الربيع ومرحباً
وبالزهر ينسج للرياض ثيابا
وبعيد للأرض الموات حياتها
ويرد للدنيا صباً وشبابا
أيقظ على النخلات غافية الشذا
واستنهض الأزهار والأعشابا
وأذع لنا سر الورود نضيرة
وانشر لنا النسرين والعنّابا
أطلع لنا في كل أرض روضة
وبكل افق من سناك شهابا
يا نخل قد طال الفراق فهل ترى
بعد الفراق لنا إليك إيابا
سنظل نذكر في رباك صحابة
هيهات نبغي بعدهم أصحابا
ولما طغى صدام التكريتي وبغى في العراق قال الشاعر جودة القزويني:
أتيناك يا أرضنا
أعدْ صَولةَ الزمَنِ الأولِ
وجرِّدْ عِتادَكَ للجحفلِ
ولا تَسْتَهِنْ فَربُوعُ (العراقِ)
تُحيِّي منِ (الفاو) (للمَوْصلِ)
تُقدمَّ وَخْلٌ هَديرَ الرَصَاصِ
بصدرِ مباغتكَ الأرذلِ
فهذا (العراق) بقايا دمارٍ
ضحاياه تلتاعُ في (مِرْجَلٍ)
رأتْ فيهِ مأربَها (سلطةً)
تُديفُ المرَارة بالحَنْظَلِ
كما لاحَ بَرقٌ فَلُحْ للجهاد
فَقدْ آنَ للظُلْمِ أَنْ ينجلي
تَقدَّمْ أخا الحربِ بينَ اللهيبِ
وسدِّدْ رَصاصَكَ للمَقتَلِ
تقدَّمْ تقدَّمْ فكُلُّ الطلائعِ
تَهفو إلى سَيرِكَ الأمثلِ
تقدّمْ فليسَ سوى العمرِ درعٌ
ومثلُكَ بالعُمرِ لم يَبخلِ
تَقدَّمْ فُقرآنُكَ المُسْتَنيرِ
سلاحُكَ في كفِّكَ الأعزلِ
أ(صدّامُ)، يا عورةَ الكائنات
ويا صوتَ عاهِرها المُخجلِ
تَعَرَّشْتَ فوقَ جَماجمِ شعبٍ
يُكيِّلُ في عَقْلِكَ المُقفلِ
فيا اسوأَ الناسِ مِنْ معْشِرٍ
يَعيشونَ بالكونِ في مِعْزَلِ
خَسِئتَ فَلَسْتَ ببالغِ قَصدٍ
ودربُ (الشهادةِ) مني، و«لي»
العرف
تعريف العرف:
ذكروا للعرف تعريفات متعددة، لا يخلو أكثرها من بعد عن الفن نعرض نماذج منها:
فقد عرفه الجرجاني بقوله: «العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبايع بالقبول»([819]).
وعرفه الأستاذ علي حيدر في شرحه للمجلة عندما عرف العادة بقوله: «هي الأمر الذي يتقرر بالنفوس ويكون مقبولاً عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة» ثم قال: «والعرف بمعنى العادة»([820]).
وقريب منه تعريف ابن عابدين له([821]).
ويرد على هذه التعاريف أخذها شهادة العقول وتلقي الطباع له بالقبول في مفهومه، مع أن الأعراف تتفاوت وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فهل تختلف العقول والطباع السليمة معها أم ماذا؟!
ثم إن قسماً من الأعراف أسموها بالأعراف الفاسدة، فهل إن هذه الأعراف مما تقبلها العقول والطباع السليمة؟! وكيف يتسع التعريف لها وهي مجانبة للسليم من الطباع! مع أنهم جميعاً يذكرون في تقسيماته انقسامه إلى فساد وصحيح، إلى غير ذلك مما يرد عليها.
ولعل أقرب تعريفاته التي ذكروها إلى الفن ما ورد على لسان الأستاذ خلاف من أن «العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك» ثم قال: «ويسمى العادة»([822]).
الفرق بينه وبين الإجماع:
إن الإجماع لا ينعقد إلا باتفاق الأمة أو مجتهديها أو مجتهدي مذهب معين على اختلاف في المباني سبق عرضه، ولكن عنصر الاتفاق مأخوذ فيه بينما لا يؤخذ في العرف هذا العنصر بل يكفي فيه سلوك الأكثرية، ويشترك في هذا السلوك المجتهدون وغيرهم بما فيهم العامة والخاصة، والقارئون منهم والأميون، فهو أقرب إلى ما سبق أن سميناه بالسيرة.
تقسماته:
وقد ذكروا له تقسيمات متعددة نعرض أهمها:
أ ـ تقسيمه إلى عام وخاص.
1 ـ العرف العام.
ويراد به العرف الذي يشترك فيه غالبية الناس على اختلاف في أزمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ومستوياتهم، فهو أقرب إلى ما أسموه ببناء العقلاء. وينتظم في هذا القسم كثير من الظواهر الاجتماعية العامة وغيرها أمثال رجوع الجاهل إلى العالم، وعدم نقض اليقين بالشك وعادة التدخين.
2 ـ العرف الخاص:
وهو العرف الذي يصدر عنه فئة من الناس تجمعهم وحدة من زمان معين أو مكان كذلك أو مهنة خاصة أو فن، كالأعراف التي تسود في بلد أو قطر خاص، أو تسود بين أرباب مهنة خاصة أو علم أو فن، ويدخل في هذا القسم كثير من عوالم استعمال الألفاظ وإعطائها طابعاً خاصاً له تميزه عند أهل ذلك العرف، وقسم من المعاملات التي يتميزون بها عن غيرهم من أهل الأعراف الأخر، كما ينتظم في هذا أنواع السلوك التي تتصل بآداب اللياقة وأصول المعاشرة.
ب ـ تقسيمه إلى عرف عملي وقولي:
1 ـ العرف العملي:
وأرادوا به العرف الذي يصدرون عنه في قسم من أعمالهم الخاصة، كشيوع البيوع المعاطاتية في بعض البيئات.
2 ـ العرف القولي:
وهو الذي يعطي الألفاظ عندهم معاني خاصة تختلف عن مداليلها اللغوية، وعن مداليلها عند الآخرين من أهل الأعراف كإطلاق العراقيين لفظة الولد على خصوص الذكر بينما يطلق في اللغة على الأعم من الذكر الأنثى.
ج ـ تقسيمه إلى الصحيح والفاسد:
1 ـ العرف الصحيح: «وهو ما تعارفه الناس وليس فيه مخالفة لنص ولا تفويت مصلحة ولا جلب مفسدة، كتعارفهم إطلاق لفظ على معنى عرفي له غير معناه اللغوي، وتعارفهم وقف بعض المنقولات وتعارفهم تقديم بعض المهر وتأجيل بعضه، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من ثياب وحلوى ونحوها يعتبر هدية وليس من المهر»([823]).
2 ـ العرف الفاسد: وهو الذي يتعارف بين قسم من الناس، وفيه مخالفة للشرع كتعارفهم بعض العقود الربوية، أو لعب الشطرنج، أو ارتياد الملاهي، وشرب المسكرات وغيرها مما علم من الشارع المقدس الردع عنه.
مجالات العرف:
ومجالات العرف التي تقع ضمن نطاق حديثنا ثلاثة:
1 ـ ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه مثل الاستصناع وعقد الفضولي.
وإنما يكتشف منه مثل هذا الحكم بعد إثبات كونه من الأعراف العامة التي تتخطى طابع الزمان والمكان لنستطيع أن نبلغ بها عصر المعصومين ونضمن إقرارهم لها لتصبح سنة بالإقرار، ويدخل ضمن هذا المجال كل ما قامت عليه سيرة المتشرعة أو بناء العقلاء أو قل كلما كان من الأعراف العامة التي تتسع بمدلولها لمختلف الأزمنة والأمكنة بما فيها عصر المعصومين.
2 ـ ما يرجع إليه لتشخيص بعض المفاهيم التي أوكل الشارع امر تحديدها إلى العرف مثل لفظ الإناء والصعيد، ونظائرها مما أخذ موضوعاً في ألسنة بعض الأدلة.
والظاهر أن بعض الأحكام إنما وردت على موضوعات عرفية؛ فتشخيص مثل هذه الموضوعات مما يرجع به إلى العرف، وفي هذا القسم نرى تفاوت الأحكام بتفاوت موضوعاتها الناشئ من اختلاف الأعراف باختلاف الأزمنة والبيئات، فمصاريف الزكاة التي ذكرتها الآية المباركة أكثر مواضيعها عرفية.
فالفقير ـ وهو من لا يملك قوت سنته قوة أو فعلاً ـ تتفاوت مصاديقه بتفاوت الأعراف في تحديد القوت، وفي سبيل الله يتفاوت بتفاوت درجة حضارة الأمة ومستواها، فالأمة التي تحتاج إلى صنع مركبة فضائية ـ مثلاً ـ لضروراتها الحضارية التي لا تتنافى مع الشريعة، أو التي تستخدم لخدمة الدين وتركيز مبادئه كالتي تستعمل في البث التلفزي إذا استخدمت برامجه في خدمة الإنسان ورفع مستواه الخلقي والاجتماعي إلى ما تريده له الشريعة في تعاليمها الخالدة، أقول هذه الأمة ـ فيما أتخيل ـ لا تخرج في صنعها لها على موضوع (سبيل الله) المأخوذ في مصاريف الأموال الزكوية، والمقياس فيه هو سد حاجة عامة مشروعة فما انتظم في هذا العنوان كان سبيلاً لله وهكذا ….
3 ـ المجال الذي يرجع إليه لاستكشاف مرادات المتكلمين عندما يطلقون الألفاظ سواء كان المتكلم هو الشارع أو غيره، وينتظم في هذا القسم بالنسبة إلى استكشاف مرادات الشارع ما يرجع إلى الدلالات الالتزامية بالنسبة لكلامه إذا كان منشأ الدلالة الملازمات العرفية، كحكم الشارع مثلاً بطهارة الخمر إذا انقلب إلى خل الملازم عرفاً للحكم بطهارة جميع أطراف إنائه، كما ينتظم فيها كلما يصلح أن يكون قرينة على تحديد المراد من كلامه، وهكذا …
أما بالنسبة إلى استكشاف مرادات غيره فيدخل ضمن هذا القسم منه كلما يرجع إلى أبواب الإقرارات والوصايا والشروط والوقوف وغيرها، إذا استعملت بألفاظ لها دلالاتها العرفية، سواء كان العرف عاماً أم خاصاً.
هل العرف أصل؟
ومن هذه المجالات يستكشف أن العرف ليس أصلاً بذاته في مقابل الأصول.
أما ما يتصل بالمجال الأول فواضح لرجوعه إلى السنة بالإقرار، لأن المدار في حجيته هو إقرار الشارع له لبداهة أن العرف لا يكسبنا قطعاً بجعل الحكم على وفقه، فلا بد من رجوعه إلى حجة قطعية، وليست هي إلا إقرار الشارع أو إمضاءه له، والإمضاء إنما قام على أحكام عرفية خاصة لا على أصل العرف.
فالشارع أمضى الاستصناع أو عقد الفضولي مثلاً، وهما حكمان عرفيان، ولم يمض جميع ما لدى العرف من أحكام، بل لم يمض أصل العرف كما يتوهم ليكون أصلاً في مقابل السنة لعدم الدليل على هذه التوسعة.
أما المجالان الآخران، فلا يزيد أمرهما على تشخيص صغريات السنة حكماً أو موضوعاً، وقد مضى القول منا أن كل ما يتصل بتشخيص الصغرى لمسألة أصولية، فهو ليس من الأصول بشيء، فعد العرف أصلاً في مقابل الأصول لا أعرف له وجهاً.
حجيتة وأدلتها:
وما ذكر من أدلة حجيته لا يصلح لإثبات ذلك والأدلة التي ساقوها على الحجية هي:
1 ـ رواية عبد الله بن مسعود السابقة «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، وقد استدل السرخسي بها في (المبسوط) على ذلك يقول: «وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»([824])، كما استدل ابن الهمام بها على ذلك([825]).
ويرد على هذا الاستدلال: ما سبق أن أوردناه على الرواية من كونها مقطوعة، واحتمال أن تكون كلاماً لابن مسعود لا رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي لا تصلح للحجية بالإضافة إلى أن العرف لا علاقة له بعوالم الحسن لعدم ابتنائه عليها غالباً، وما أكثر الأعراف غير المعللة لدى الناس، والمعلل منها ـ أي الذي يدرك العقل وجه حسنه نادر جداً ـ فالاستدلال ـ لو تم ـ فهو أضيق من المدعى، وحتى في هذه الحدود الضيقة، لا يجعله أصلاً مستقلاً وإنما يكون من صغريات حكم العقل لما مرَّ من أن هذا الحديث لا يزيد على كونه تأكيداً لحكم العقل، أو أنه من أدلة الإجماع، فتكون المسألة على تقديرها من صغريات حجية الاجتماع.
2 ـ قولهم: «إن الشارع الإسلامي في تشريعه على عرف العرب في بعض أحكامه فوضع الدية على العاقلة واشترط الكفاءة في الزواج …. الخ»([826]).
والجواب عليه: أن الشارع لم يراع العرف بما أنه عرف، وإنما وافقت أحكامه بعض ما عند العرف فأبرزها بطريق الإقرار، ولذلك اعتبرنا إقراره سنة، وفرق بين أن يقر حكماً لدى أهل العرف لموافقته لأحكامه وبين أن يعتبر نفس العرف أصلاً، يرجع إليه في الكشف عن الأحكام الواقعية، فما أقره من الأحكام العرفية يكون من السنة وليس أصلاً برأسه في مقابلها.
3 ـ قولهم: «إن ما يتعارفه الناس من قول أو فعل يصير من نظام حياتهم ومن حاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنما يعملون على وفق ما تعارفوه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقضي به عرفهم؛ ولذا قال الفقهاء: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. وقالوا: إن الشرط في العقد يكون صحيحاً إذا اقتضاه العقد، وورد به الشرع أو جرى به العرف»([827]).
وهذا الدليل لا أعرف له محصلاً فكون ما يتعارفه الناس يصبح من نظام حياتهم لا يصلح دليلاً لاستكشاف الحكم الشرعي منه، وليس عندنا من الأدلة ما يسمى بنظام الحياة، والذي نعرفه من أنظمة الحياة التي تعارف عليها الناس أن بعضها ممضي في الإسلام فهو حجة، وبعضها غير ممضي فهو ليس بحجة ولا يسوغ الركون إليه، وكم من العادات والأعراف التي كانت سائدة في الجاهلية قد استأصلت في الإسلام وبعضها مجهول الحال لعدم الدليل عليه نفياً أو إثباتاً، ومثل هذا محكوم بالإجابة الظاهرية.
هذا إذا أريد من العرف العرف في مجاله الأول، أي العرف الذي يراد معرفة حكم الشارع منه، أما إذا أريد منه العرف في مجاليه الآخرين أعني ما أوكل الشارع تحديد موضوعاته إليه، أو ما استكشف منه مرادات المتكلمين فهو ـ وإن كان حجة بمعنى أنه المرجع لتحديد المراد أو تشخيص الموضوع ـ إلا أنه لا يشكل كبرى كلية تقع في طريق الاستنباط ليكون أصلاً في مقابل الأصول، وإنما وظيفته تنقيح الصغريات لموضوع الحكم الكلي، أو الصغريات لقياس الاستنباط وحال الثالث منه في بعض صوره حال مباحث الألفاظ في تنقيح الظهور للسنة أو الكتاب.
ولعل مراد العلامة الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي من قوله: «والعرف المعتبر هو يخصص العام ويقيد المطلق»([828])، هو هذا القسم ـ أعني خصوص الذي يستكشف منه مرادات الشارع فيما يصلح أن يكون قرينة عليها.
وبهذا ندرك أنه لا موضع للإطلاق في أمثال هذه الكلمات التي اشتهرت على ألسنة كثير من الفقهاء والحقوقيين:
العرف في الشرع له اعتبار.
العرف شريعة محكمة.
التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
الثابت بالعرف كالثابت بالنص.
العادة محكمة.
وأمثالها من التعميمات التي لا تستند بعمومها على أساس.
محمد تقي الحكيم.
- () المسعودي، أبو الحسين علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، بغداد: دار الرجاء، 2/ 106. وطبعة بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 3/ 132. ↑
- () المصدر نفسه، طبعة بيروت، 3/ 212 و235، ومحمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، القاهرة، المطبعة الحسنية، 6/ 168 شدو الربابة، 2/ 141. ↑
- () يوليوس قلهوزن، الخوارج والشيعة، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، الكويت: وكالة المطبوعات، ط 3، 1978، ص 17. ↑
- () نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة: المؤسسة العربية الحديثة ط 2، 1382هـ، ص 354 و355، والمسعودي، 3/ 222 و223. ↑
- () نصر بن مزاحم المنقري، ص 340 ـ 345. ولع به: إذا لجّ في أمره وحرص على إيذائه، دينٌ عين: دين رياء. ↑
- () المصدر نفسه، ص 215. ↑
- () المصدر نفسه، ص 319. ↑
- () المصدر نفسه، ص 47 و471. ↑
- () المصدر نفسه، ص 321. ↑
- () المصدر نفسه، ص 381. ↑
- () المصدر نفسه، ص 294. ↑
- () المصدر نفسه، ص 341. ↑
- () مروج الذهب، ط بيروت، مصدر سابق، 3/ 129. ↑
- () ما قاله قيس وعمّار والأشتر في وقعة صفّين، ص 447 و320 و429. ↑
- () المصدر نفسه، ص 264. ↑
- () المصدر نفسه، ص 295، عُبْدٍ: العبيد، والأصل فيها ضمّ الباء، وسكَّنها للشعر. والمصانع: الفرس الذي لا يعطيك جميع ما عنده من السير، والفنيق: الفحل المكرم. ↑
- () ما قاله قيس وعمّار والأشتر في: وقعة صفّين، ص 381. ↑
- () المصدر نفسه، ص 382، وفي قوله: «يردك عن عوائك» إشارة إلى اسم معاوية المشتق من العواء. ↑
- () المصدر نفسه، ص 492. ↑
- () المصدر نفسه، ص 426. ↑
- () المصدر نفسه، ص 385. ↑
- () المصدر نفسه، ص 164، و165. الحجف: جمع حجفة، وهي الترس من جلود الإبل. الشوازب: الخيل الضامرة. الوشيج: الرماح. الزغف: الدرع الواسعة الطويلة، خزانة الأدب، 3/ 248. والمسعودي، ط. الأعلمي، 2/393. ↑
- () ما قاله قيس وعمّار والأشتر في: وقعة صفِّين، ص 453. ↑
- () ما قاله قيس وعمّار والأشتر في: وقعة صفّين، ص 365. ↑
- () ابن عبد ربه الأندلسي، شهاب الدين أحمد، العقد الفريد، بيروت: دار مكتبة الهلال، ط 1، 1986، 1/ 218. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1/ 219. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1/ 221. ↑
- () ابن عبد ربه الأندلسي، شهاب الدين أحمد، العقد الفريد، بيروت: دار مكتبة الهلال، ط 1، 1986، 1/ 218. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1/ 221. ↑
- () ابن عبد ربه الأندلسي، شهاب الدين أحمد، العقد الفريد، بيروت: دار مكتبة الهلال، ط 1، 1986، 1/ 218 و219. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1/ 223. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1/ 225. ↑
- () ابن عبد ربه الأندلسي، شهاب الدين أحمد، العقد الفريد، بيروت: دار مكتبة الهلال، ط 1، 1986، 1/ 219 و220 و222. ↑
- () المسعودي، ط. بيروت، مصدر سابق، 3/ 223 ـ 225. ↑
- () المسعودي، ط. بيروت، 3/ 223. ↑
- () وقعة صفين، مصدر سابق، ص 313. ↑
- () المسعودي، ط. بيروت، 3/ 190. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، 6/ 152. الشعر منسوب إلى ابنة حجر في «مروج الذهب»، 3/ 189، وجاء فيه: «فلما صار [حجر] على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنة له تقول …». لكن القصيدة تفيد أن حجراً قتل. وهو منسوب إلى امرأةٍ من كندة، في الأغاني 17/ 78 و95. ولعلّ هؤلاء جميعاً قلن شعراً في حجر، وجُمع ما روي فشكل هذه القصيدة. ↑
- () قال عبد الحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا من مقال له: إن مفكرينا يقدسون ميراثنا السياسي والعلمي. فكل ما مضى كان فتحاً رائعاً وإنجازاً لا يتفوق عليه إنجاز. نواصل التعلق بأوصاف للماضي لا تبتعد عن الخرافة وننسب إلى أشخاص من العجائب ما لا نصدقه، كأننا نشعر بالنقص إذا كانت لتاريخنا ما لأي تاريخ آخر من الهفوات.
إن عرض ماضينا وحصيلة تراثنا عرضاً مدروساً بلا افتعال هو موقف انتقادي يجدر بنا اتخاذه. فليس عيباً إيضاح العيوب وإنما العيب في التغطية عليها وإظهارها بمظهر الحسنات. وعلينا ألا نخجل من جوانب تاريخنا المظلمة، فالاعتراف بها له ميزتان أولاهما ألا نتعلق به كأمر مقدس فيسعى بعضنا إلى استعادة أساليبه، وثانيتهما أن ننفض عنا خصلة التعلق بما هو خاطئ فنضفي على هويتنا العصرية عصر الصدق في مواجهة العيوب.
عاش أجدادنا العرب المسلمون وفق مقاييس زمانهم وإذا كان علينا ألا نطالب معاوية بن أبي سفيان بإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة فإن لنا أن ننزع عنه صفة التقديس، ففي ذلك ما يجعلنا نقف موقفاً واقعاً إزاء ما لنا من تاريخ.
وإذا كانت مراجعة تاريخنا وإزاحة أوصاف القداسة عنه أمراً لازماً لنا لإدراك حقائق ماضينا، على ما كانت عليه وليس على ما نتمنى أنها كانت عليه، فإن إدراك حقائق الماضي حافز لرؤية النفس بواقعية من دون زيف أو ادعاء، الأمر الذي يوقظ الإحساس بضرورة علاج العطب وتحسين المعطوف. ↑
- () عرّفها المؤرخ الأندلسي عبد الله بن علي اللخمي الرشاطي المتوفى بالمرية سنة 542هـ (1148م) بما يلي: صقلية جزيرة كبيرة، وصقلية اسم لإحدى مدنها الكثيرة وقلاعها الأثيرة، وطولها مسيرة خمسة أيام، وهي في البحر الشامي موازية لبعض بلاد إفريقيا. وأقرب المواضع إليها من بلاد إفريقيا رأس أدار (وهي كاب بون الحالية) بينهما مجرى يوم. وتوازي من الجهة الأخرى أرض الروم الكبيرة وهي قريب منها. ↑
- () النورمان ـ أو رجال الشمال ـ أمة بحرية أصلها من النروج والدانمارك نزلت في القرن التاسع للميلاد على أوروبا الوسطى واستولت بالتدريج على قسم من فرنسا عرف باسم (نورمانديا)، ثم انتصبت قهراً بجنوب إيطاليا وعلى الأخص بصقلية حيث أسست مملكة قوية مستقلة. ↑
- () مما يلفت النظر أن أديباً صقلياً معاصراً لابن بسام الشنتريني، أصله أيضاً من شنترين، هو علي بن جعفر بن علي الشنتريني ـ المعروف بابن القطاع ـ صنّف هو الآخر ديواناً سماه «كتاب الدرة الخطيرة في محاسن الجزيرة / من شعراء الجزيرة» جمع فيه أشعار أهل جزيرة صقلية في فترة مضطربة شبيهة بفترة ملوك الطوائف بالأندلس. وقد رحل ابن القطاع عن جزيرة صقلية سنة 454هـ/ 1061م عند بداية الغزو النورماني من جنوب إيطاليا للجزيرة سنة 1061م، واستقر فترة في الأندلس، ثم توجه إلى مصر حيث كان في مطلع القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وتوفي في القاهرة سنة 515هـ/ 1121م، أي قبل وفاة ابن بسام بنحو 27 سنة. وقد وصلتنا مقتطفات من كتبه عن شعراء جزيرة صقلية احتفظ بها العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر وجريدة العصر». وقد وقف هذا الأديب نفسه ـ كما فعل ابن بسام بالنسبة إلى الأندلس ـ للتنويه بمجد صقلية الإسلامية، وضمن كتابه مختارات من أشعار 170 شاعراً صقلياً. فهل تأثر ابن بسام الشنتريني بسميه ابن القطاع في اختيار عنوان كتابه، وموضوعه وغرضه؟ ↑
- () منطقة تقع في جنوب إيطاليا وهي المعروفة اليوم باسم (كلابريه (Calaberia. ↑
- () هو قصريانه: مدينة في شرقي صقلية ولكي نعرف وصف العرب لها في القديم ننقل عبارة معجم البلدان عنها وهو يتحدث عن صقلية: «وفي وسطها جبل يسمى قصريانه، هكذا يقولونه بكسر النون، وهي أعجوبة من عجائب الدهر، عليه مدينة عظيمة شامخة وحولها من الحرث والبساتين شيء كثير، وكل ذلك يحويه باب المدينة، وهي شاهقة في الهواء، والأنهار تتفجر من أعلاها وحولها، وكذلك جميع جبال الجزيرة. ↑
- () هو أبو الفتح نصر الله بن عبد الله اللخمي الإسكندري، ولقب بالقاضي الأغر، ولد بالإسكندرية سنة 532هـ وبها نشأ وتثقف ثم رحل عن مصر إلى اليمن فدخل عدن سنة 563 متكسباً بشعره ثم سافر إلى صقلية سنة 565هـ وشاء العودة إلى مصر فتوفي بعيذاب سنة 567هـ. فالشاعر كان يتجر بشعره ويرحل إلى الممدوحين بقصد الكسب، وبذلك كان مولعاً بالأسفار وركوب البحر ولذلك يقول:
والناس كثر ولكن لا يقدّر لي
إلا مرافقة الملاح والحادي
ويقول: ومروي بالبحر بحسب
أنني أرتاع بحرا
أو ما درى أني بتسهيل
المصاعب منه أدرا
ومن طرائف ابن قلاقس قوله وقد دخل بلدة (ترمة)، وترمة كما يقول ياقوت: بلد في جزيرة صقلية كثيرة البراغيث شديدة الحر:
فدخلت ترمة وهو تصحيف اسمها
فلولا حسين الندب ذو التحسين
في حيث شب النار جمرة قيظه
وبقيت في مقلاه كالمقلين
وشربت ماء المهل قبل جهنم
وشفعته بمطاعم الغسلين
حتى إذا استفرغت منها طاقتي
وملأت من أسف ضلوعي سفيني
أجفلت من (جُفلُوذ) إجفال امرئ
بالدَّين يُطلب ثم أو بالدين
مع أنه بلد أشم يحفه روض
يشم فمن مُنى ومنون
تجري بأعيننا عيون مياهه
محفوفة أبداً بحور عين
وتركتها والنوء ينزل راحتي
عن مال قارون إلى قارون
وجفلوذ كما يصفها ياقوت: هي قلعة جلفوذ، وهي مدينة حصينة بصقلية فوق جبل عال على شاطئ البحر.
قضى ابن قلاقس في صقلية نحو سنتين تنقل خلالها في نواحيها جميعاً، وفد عليها أوائل 563هـ (1168م) وفي سنة 565هـ (1170م) نجده في اليمن.
ولابن قلاقس يصف مركباً سار به إلى صقلية:
ثم استقلت بي على علاتها
مجنونة سحبت على مجنون
هوجاء تُقسم والرياح تقودها
بالنون إنّا من طعام النون
حتى إذا ما البحر أبدته الصبا
ذا وجنة بالمرج ذات غضون
ألفت به النكباء راحةَ عائث
قلبت ظهور مشاهد لبطون
وتكفلت (سرقوسة) بأماننا
في ملجأ للخائفيبن أمين
ومستطرف شعر الشعراء الصقليين قول أبي الحسن علي بن أبي إسحاق الودّاني المنسوب إلى مدينة ودّان الإفريقية. وقد قال عنه ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنه صاحب الديوان بصقلية:
من يشتري مني النهار بليلة
لا فرق بين نجومها وصحابي
دارت على فلك السماء ونحن قد
درنا على فلك من الآداب
دان الصباح ولا أتى وكأنه
شيب أطل على سواد شباب
↑ - () تقع لمطة قرب محرس المنتير، وقد أشار إليها البكري باسم ملاّحة لمطة. ↑
- () أبدى المعز لدين الله تأثراً عميقاً لوفاته، فكلف جوذر بتعزية ابنه، وهو والي الجزيرة. ↑
- () ابن الأثير ج 8، ص 195. ↑
- () المصدر نفسه ج 8، ص 209. ↑
- () ابن خلدون: العبر ج 4 ص 409. ويصف ابن الأثير (ج 8 ص 200) هذه الهزيمة بقوله: «انهزم الروم أقبح هزيمة. وأكثر المسلمون منهم القتل. ووصل المنهزمون إلى جرف خندق عظيم كالحفرة، فسقطوا فيه من خوف السيف، فقتل بعضهم بعضاً حتى امتلأت. وكانت الحرب من بكرة (الصباح) إلى العصر. وبات المسلمون يقاتلونهم في كل ناحية. وغنموا من السلاح والخيل وصنوف الأموال ما لا يحد، وكان في جملة الغنيمة سيف هندي عليه مكتوب: هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً. طالما ضرب به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إلى المعز مع الأسرى والرؤوس. ↑
- () Forunel: La Conquete de L’Afrique par les Arabes, PP. 336-7. ↑
- () ابن الأثير ج 8، ص 200. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () ابن خلدون: العبر ج 4، ص 209. ↑
- () تقع لمطة قرب محرس المنستر، وهو أجل محارس إفريقية وأربطتها وقصورها. وقد أشار البكري إليها باسم ملاحة لمطة، واعتبر ملحها أجود من غيره، وكان سلعة للتصدير: أنظر المغرب 84. ↑
- () اسم لجنوب إيطاليا ابتداء من نابلي حتى أقصى الساحل الجنوبي. ↑
- () أماري: المصدر السابق 257 ـ 258 (نقلاً عن ابن الأثير)، ابن خلدون: العبر، 4، 443، وما بعدها، عبد المنعم ماجد: العلاقات، 108 المدني: 142 ـ 143، العزيزي: المصدر السابق 71 ـ 72 وضمن وصية المنصور للحسن استعمال الصرامة والشدة لاسترجاع هيبة الدولة لأنه «في بلد قد أسكرت أهله النعمة وأبطرهم الإحسان، واعتادوا مع خليل أشياء لا يخرجها من رؤوسهم إلاّ السيوف»، ابن الأثير: الكامل، 8، 169 ـ 170 (471 ط. بيروت، ريزيتانو، 54، أبو الفداء 2، 101 ـ 102. ↑
- () ابن عذارى: البيان، 1، 340، أبو الفداء، 2، 102 ـ 103، وبعد جعفر 375هـ وليها عبد الله بن محمد (ت 389هـ) ثم ابنه أبو الفتوح يوسف بن عبد الله الذي أدرك شطراً من خلافة الحاكم، ووساطة قريبه الحسن بن عمار، وبعد وفاته عين ابنه جعفر بسجل من الحاكم ولقب بتاج الدولة وأثر عصيان السكان له، وليها أخوه تأييد الدولة أحمد الأكحل منذ 410هـ وعندما قتل 427هـ وولي أخوه صمصام الدولة الحسن، اضطربت أمورها حتى آلت إلى النورمان، وقد واجه معظمهم محاولات الروم للعودة إلى الجزيرة، ونشاط البابوية، والإمبراطورية، وحركات النورمان المخربة. ↑
- () عندما انتقل المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر عهد بولاية أفريقيا (تونس) إلى بلكين بن زيري، ثم ولي بعده ولده المنصور بن بلكين، ثم باديس بن المنصور، ثم المعز بن باديس. وكان المعز هذا قد عُهد بتربيته في صغره إلى الفقيه المالكي أبي الحسن بن علي الرجال، فأنشا على غير المذهب الفاطمي وعلى غير الولاء للفاطميين. فلما تولى السلطة افتتح عهده بمذبحة شعبية شملت النساء والأطفال، وفي سنة 435هـ أظهر الدعوة لبني العباس وورد عليه عهد من الخليفة العباسي القائم بأمر الله. وفي سنة 440هـ قطع خطبة الفاطميين، (وقطع بنودهم وأحرقها بالنار)، وهكذا فصل ولايته عن الخلافة الفاطمية.
وكانت جزيرة صقلية تتبع في حكمها أفريقيا، فانفصلت هي الأخرى عن الحكم الفاطمي بانفصال أفريقيا عنه وكان من أثر هذه الحركة الانفصالية أن تركت صقلية تعالج مصيرها بنفسها، وكان المعز بن باديس أعجز من أن ينجد صقلية إذا استنجدته. واضطرب أمر الجزيرة. ويصف صاحب كتاب (المؤنس) في أخبار أفريقيا وتونس (ص 83) الوضع كما يلي: (واضطربت الأحوال وكثرت الثوار، وانفرد كل إنسان ببلد، القائد عبد الله بن منكون بمازة وطرابنش وغيرهما، وابن الحواس بقصر يانة وجرجنتي وغيرها، والقائد ابن الثمنة بسرقوسة وقطانية، وقامت بينهم الفتن، فاستنصر ابن الثمنة بالإفرنج من مالطة وهون عليهم أمر المسلمين، وكان أمير النصارى اسمه روجار فساروا مع ابن الثمنة إلى البلاد التي بأيدي المسلمين …) إلى آخر ما قال.
ويقول الدكحتور موسى لقبال في كتابه (دور كتامة في تأسيس الدولة الفاطمية)، الصفحة 399 ـ 400 وحاشيتها وهو يتحدث عن صقلية: واستقر الحكم في الأسرة الكلبية وراثة إنما في إطار التبعية السياسية والمذهبية للخلفاء الفاطميين حتى اقتطعها روجر النورماني من دار الإسلام (484هـ/ 1091 ـ 1092م) مستغلاً عجز الزيريين عن حمايتها.
ويقول في الحاشية: إن ميول المعز (بن باديس الزيري) الانفصالية أساءت إلى الوضع في صقلية وإلى العلاقة مع الفاطميين لأنها قضت على الأمل في التنسيق بينهم وبين الزيريين لنصرة مسلمي الجزيرة. ↑
- () Lombard: The Golden Age of Islam, P. 144. ↑
- () ابن حوقل: صورة الأرض 115.
Lewis: The Arabs in History, P. 118. ↑
- () ابن حوقل 114. ↑
- () ابن خلدون: المقدمة 254. ↑
- () ابن حمديس، 413، 416. ↑
- () أماري: المكتبة العربية الصقلية 26. ↑
- () مورينو: المسلمون في صقلية 19. ↑
- () Daniel: The Arabs and Mediaeval Europe, P. 153. ↑
- () Ahmad, A: A History of Islamic Sicily, P. 68. ↑
- () Daniel, P. 148. ↑
- () أماري: المكتبة 278. ↑
- () أسامة بن منقذ: كتاب الاعتبار (الترجمة الإنجليزية) 163. ↑
- () أماري: المكتبة 582. ↑
- () أماري: المكتبة 27. ↑
- () المصدر نفسه، 278. ↑
- () حسين مؤنس: تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس 182.
مورينو: المسلمون في صقلية 22.
Lewis, P. 119. ↑
- () Daniel, P. 149. ↑
- () Ibid, PP. 149 – 150. ↑
- () إحسان عباس: العرب في صقلية 149. ↑
- () Daniel, P. 151. ↑
- () مورينو: المسلمون في صقلية 22. ↑
- () إحسان عباس: العرب في صقلية 290. ↑
- () ابن جبير: رحلة ابن جبير 279 ـ 280. ↑
- () إحسان عباس: العرب في صقلية 290. ↑
- () أماري: المكتبة 307. ↑
- () Daniel, PP. 150 – 151. ↑
- () Ibid, P. 151. ↑
- () مورينو: المسلمون في صقلية 22. ↑
- () ↑
- () Ibid, P. 152. ↑
- () رحلة ابن جبير 266. ↑
- () المصدر نفسه ص 267 ـ 268. ↑
- () رحلة ابن جبير 268. ↑
- () المصدر نفسه ص 269. ↑
- () المصدر نفسه ص 268. ↑
- () رحلة ابن جبير ص 273. ↑
- () المصدر نفسه ص 266. ↑
- () رحلة ابن جبير ص 279. ↑
- () المصدر نفسه ص 279 ـ 280. ↑
- () رحلة ابن جبير ص 280. ↑
- () المصدر نفسه ص 280. ↑
- () مورينو: المسلمون في صقلية ص 24. ↑
- () Ahmad A: A History of Islamic Sicily, P. 62. ↑
- () Ibid, P. 75. ↑
- () وذلك بعد الحركة الانفصالية التي قام بها المعز بن باديس الزيدي. ↑
- () كان ذلك بسبب ما جناه المعز بن باديس. ↑
- () ابن عباد آخر أبطال المقاومة الإسلامية للغزاة النورمان في شرق جزيرة صقلية من سنة 464هـ/ 1072م إلى سنة 479هـ/ 1086م. وقد ورد اسمه لدى مالاتيرا مؤرخ النورمان على صورة Bennvert. والغريب أنه لا يَرِدُ ذكر ابن عباد في المصادر العربية مع أنه ألحق هزيمة بابن الكونت رجار سنة 467هـ/ 1075م قرب مدينة قطانية. وفي العام التالي حاصره رجار في مدينة سرقوسة التي كانت ـ كما يبدو ـ مركزاً لمقاومة ابن عباد. وقد استُشهد ابن عباد في معركة بحرية في ميناء سرقوسة في 8 صفر 479هـ/ 25 مايو 1086م. ولم تصلنا أخبار كفاحه إلا عن طريق أعدائه الذين أشادوا ببسالته. ولا شك في أن من ذرية ابن عباد هذا محمد بن عباد العبسي الذي قاد بعده بقرن ونصف القرن ثورة كبرى للمسلمين في جزيرة صقلية ضد الأمبراطور فردريك الثاني صاحب الجزيرة (تنظر دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الأول ـ بالإنكليزية، ليدن ـ لندن 1960م، تحت مادة Benn-vert، ص 1166). ↑
- () ابن عذاري المراكشي: البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب (قسم الموحدين)، الدار البيضاء 1985م، ص 257. ↑
- () Smith, D. M. Medieval. Sisily, London 1969, P. 51. ↑
- () عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامية، تعريب وتعليق أمين الطيبي، الدار العربية للكتاب 1980م. ص 95. ↑
- () Smith, P. 52. ↑
- () البكري، أبو عبيد الله: المغرب في ذكر بلاد المغرب، باريس 1965م، ص 45. ↑
- () ابن نظيف الحموي، محمد: التاريخ المنصوري، دمشق 1982م، ص 100 ـ 101. ↑
- () ريتزيتانو، أمبرتو: «منتخبات من كتاب الروض المعطار لابن عبد المنعم الحميري»، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، مجلة 18، جزء أول (مايو 1956م)، ص 142 ـ 143. ↑
- () Levi – Provencal, E. «Une Heroine de la resistance musulmane en Sicile….», Oriente Molerno, 44 (1954), PP. 283 – 4. ↑
- () سورة يوسف، آية: 28. ↑
- () ابن عبد المنعم الحميري، محمد: الروض المعطار في خبر الأقطار، بيروت 1975م، ص 40 ـ 41. ↑
- () ابن خلدون، عبد الرحمن: كتاب العِبَر، المجلد السادسص، بيروت، 1979م، ص 280. ↑
- () عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامية، ص 98. ↑
- () ابن نظيف الحموي: التاريخ المنصوري، ص 194 ـ 195. ↑
- ()الإكليل 8/ 34. ↑
- ()صفة جزيرة العرب. ↑
- () ص (47 ـ 63). ↑
- () التجواب: جدار طوله متران يحيط بالباب (سطح الدار) من جميع جهاته ليسمح لنساء البيت بالصعود إليه دون أن يراهن أحد من الخارج. ↑
- () مساجد صنعاء للقاضي محمد الحجري. ↑
- () ذكر المؤرخ القاضي محمد بن أحمد الحجري في كتابه مساجد صنعاء ص 27 أن الباني للجناح الشرقي هي السيدة ابنة أحمد الصليحي في سنة 535 نقلاً عن المؤرخ يحيى بن الحسين في تاريخه أبناء الزمن وهو مردود عليه بأنه لم يأت لذلك ذكر في أعمال السيدة مع أن مؤرخي الدعوة الإسماعيلية لم يتركوا أثراً حسناً من آثارها إلا وأشادوا به، وإذا وجد ذكر لذلك في مصدر لم نطّلع عليه فإنه لا يعدو أن تكون ترميماً أو إصلاحاً هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ثلاثة مؤرخين هم الجُبيشي والديبع وابن أبي الرجال متفقون على أن الجامع بشكله الحالي هو من عمل بني يعفر يضاف إلى ذلك شاهد آخر وهو مشابهة الجناح الشرقي لجامع سبام الذي هو من بناء بني يُعفر بالإجماع ثم ليس من المنطق أن يكون جامع السيدة في ذي جبلة وهو كله من بنائها أقل مستوى من الجناح الشرقي بجامع صنعاء لو كان من بنائها فقد كان المنطق أن يكون مماثلاً له إن لم يكن طراز جامعها في ذي جبلة أحسن وأكثر روعة وجمالاً. ↑
- () الجزء الثامن، ص 60. ↑
- () وكان يسمى درب صنعاء. ↑
- () باب قصر صنعاء إلى خارج السور. ↑
- () كان باب اليمن ملتوياً فلا يرى من الخارج وقد هدمه الفريق أحمد فيضي باشا القائد العثماني سنة 1316هـ وبناه بناء متقناً على ما هو عليه اليوم وكان يأخذ من موظفي الدولة جعلاً معيناً لينفقه على عمارة الباب. ↑
- () باب شعوب كان ملتوياً ثم هدم وبناه العثمانيون بناء قريباً من بناء باب اليمن وقد هدم ولم يبق إلا موقفه. ↑
- () كان ملتوياً ثم هدمه وأعاد بناءه المشير عبد الله باشا القائد العثماني وكان باباً جميلاً له سقيفة أنيقة وقد هدمه بعض الحمقاء سنة 1386هـ (1966م). ↑
- () سمي الحي الذي كانوا يسكنونه في صنعاء بعد إجلائهم عنه بالجلاء وقد حولت كنيستهم إلى مسجد ويسمى كذلك بمسجد الجلاء وحمامهم بحمام الجلاء أيضاً. ↑
- () سمي بهذا الاسم لأنه كان يشتبه بمن يذهب من المسلمين إلى حي اليهود في أوقات معينة من الليل بأنه ذهب لقصد شرب الخمر. ↑
- () يلاحظ أن اسم صنهاجة قديم ورد عند بطليموس مع قبيلة أخرى هي Jenagus ربما هي زناتة فيما بعد. ومن صنهاجة اشتق اسم السنغال Jenegale. ↑
- () عن نول لمطة وهي آخر بلاد الإسلام وأول العمران في الصحراء تبعد عن وادي السوس ثلاثة أيام، أنظر البكري: 86، وهي في مجال جزولة ولمطة ولها نهر يصب في المحيط ومنها إلى وادي درعة ثلاث مراحل، وهي على ساحل المحيط أيضاً أنظر: 172 منه ويصف بني لمتونة من صنهاجة بقوله: «ظواعن رحالة في الصحراء، مراحلهم فيه مسيرة شهرين في شهرين ما بين بلاد السودان وبلاد الإسلام وهم إلى بلاد السودان أقرب، وليس يعرفون حرثاً ولا زرعاً ولا خبزاً، إنما أموالهم الأنعام وعيشهم من اللحم واللبن ينفذ عمر أحدهم وما رأى خبزاً ولا أكله إلا أن يمر بهم التجار من بلاد الإسلام أو بلاد السودان» 164 منه. ↑
- () أشير مدينة حصينة في مجال صنهاجة بناها زيري بن مناد وليس في جهتها ما هو أحسن منها ولا أبعد متناولاً ومراماً بين جبال شامخة محيطة بها دائرة عليها بنى سورها بلكين 367هـ. وخربها يوسف بن حماد بن بلكين واستباحها ورجع الناس إلى عمرانها بعد 455هـ بداخلها عينان ثرتان عين سليمان وتالانبيرغ. ↑
- () وهنا يشير إلى أن ضرورة تصفية زناتة تلمسان والونشريس هي التي دفعت بحركة توسيع المرابطين إلى ميدان المغرب الأوسط. فالأمر فيه تأمين من جهة، وخدمة لأهل العصبية من جهة أخرى. ↑
- () المغرب 157، 164 وبين تامدلست وسجلماسة إحدى عشرة مرحلة. وبينها وبين أودغست أربعون مرحلة وبين أودغست والقيروان مائة مرحلة وعشر. أنظر ص 159 منه. ↑
- () يقال إن معنى كلمة التوارك، الذين تركوا عبادة الله وأعرضوا عن دينه، وقد يكون معناها، شعب الرمل، وقد تكون القرابة بينهم وبين شعب الجارالمنت القديم في منطقة جرمة وهي مدينة فزان العظمى ـ أنظر البكري، ص 13 ـ 167. ↑
- () عبد الواحد المراكشي المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 147. ↑
- () كتاب العبر: 6: 312. ↑
- () المصدر نفسه، ص 60: 313. ↑
- () ابن أبي دينار، ص 63. ↑
- () ابن الأثير: ص 6، 354. ↑
- () ابن الأثير: 7: 47 بوروبية، أشير عاصمة بني زيري الأصالة عدد 13، ص 114، 115د.م. أ مجلد 7 (مقال أشير: 234). ↑
- () ابن خلدون: ص 6: 313. ↑
- () ابن الأثير: ص 7: 47. ↑
- () ابن حبان القرطبي، ص 36، 35، 32 ابن عذارى: 2: 242، 243، 244، ص 242 ابن خلدون: ص 4: 315. ↑
- () ابن حيان القرطبي، ص 32، 35، 36 ابن خلدون: ص 4، 315، ابن أبي دينار المؤنس، ص 74. ↑
- () ابن عذارى: ص 2: 242. ↑
- () ابن حيان القرطبي، ص 26 وما بعدها. ↑
- () خطط المقريزي 1: 352. ↑
- () ابن أبي دينار: ص 75. ↑
- () ابن خلدون: ص 6: 318. ↑
- () نفسه: ص 6: 318. ↑
- () ابن عذارى: ص 1: 238. ↑
- () Golvin. P. 74 – 75. ↑
- () ابن الأثير: ص 7: 133، ابن عذارى: ص 1: 243، 244، المقريزي، اتعاظ الحنفاء: ص 263. ↑
- () أنظر عنهما، البكري، كتاب المغرب، ص 64، 76 الإدريسي: ص 66، 70. ↑
- () ابن الأثير: ص 7: 141. ↑
- () ترتيب المدارك: ص 4: 625. ↑
- () الكامل في التاريخ، ص 8: 39. ↑
- () لعل الدعوة العباسية. ↑
- () البيان المغرب، ص 1: 275. ↑
- () البيان المغرب، ص 1: 277. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1: 279. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1: 280. ↑
- () المصدر نفسه، ص 1: 88، 290، 291، 293. ↑
- () كتاب العبر، ص 6: 325، 326. ↑
- () السلاوي، ص 1: 186، 187. ↑
- () ابن عذارى، ص 1: 288، 292، 293 ابن أبي دينار المؤنس، ص 82، 83، 84. ↑
- () رحلة التجاني، ص 328 E.I. T. 4 (Art. AENATA) P. 1293 et GOLVIN. P. 30-31. ↑
- () فتوح البلدان للبلاذري. ↑
- () فتوح البلدان 1/ 140. ↑
- () البلدان، لليعقوبي ص 327. ↑
- () المنتخب من تاريخ المنبجي ـ تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري ـ طبعة دار المنصور، طرابلس 1986م، ص 72. ↑
- () فتوح البلدان: ص 1/ 140، و170. ↑
- () تاريخ دمشق، لابن عساكر (مخطوطة المكتبة التيمورية 1041 تاريخ) مجلد 46/ ورقة 767. ↑
- () تاريخ الرُسل والملوك، للطبري 7/67، الكامل في التاريخ، لابن الأثير (طبعة دار صادر) 5/ 518. ↑
- () تاريخ دمشق 6/ ورقة 18، تهذيبه، لبدران 3/ 43. ↑
- () تاريخ دمشق 6/ ورقة 19. ↑
- () تاريخ دمشق 6/ ورقة 18، 19، تهذيبه 3/ 47 و4/ 390. ↑
- () المنتخب من تاريخ المنبجي 95. ↑
- () الوزراء والكُتّاب، للجهشياري 80. ↑
- () تهذيب تاريخ دمشق 4/ 140، 141. ↑
- () حلية الأولياء 6/ 369، 370. ↑
- () تاريخ دمشق 8/ ورقة 326، تهذيبه 4/ 140، 141. ↑
- () تاريخ دمشق 4/ ورقة 136 و26/ ورقة 115 وكان إمامه: إبراهيم بن إسحاق بن أحمد المقرئ. ↑
- () مختصر كتاب البلدان، لابن الفقيه 117. ↑
- () تاريخ الطبري 9/ 308، الكامل لابن الأثير 7/ 163. ↑
- () تاريخ اليعقوبي 3/ 508، تاريخ الطبري 9/ 475، الكامل لابن الأثير 7/ 238، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي 682، والوزراء والكُتّاب 82، والأنساب لابن السمعاني 8/ 432، 433، وانظر كتابنا: لبنان من قيام الدولة العباسية حتى سقوط الدولة الإخشيدية ـ طبعة جرّوس برس، طرابلس 1992، ص 61 و62. ↑
- () أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي 162، 163. ↑
- () الخراج وصناعة الكتابة 188، نُبَذْ من كتاب الخراج، لقُدامة 255. ↑
- () البلدان 325. ↑
- () مسالك الممالك، للاصطخري 45، الأقاليم، له 32. ↑
- () صورة الأرض 160. ↑
- () أحسن التقاسيم 162، 163. ↑
- () أحسن التقاسنيم 181. ↑
- () الأنساب 7/ 469. ↑
- () أنظر عن دميان الصوري واليو الطرابلسي في كتابنا: لبنان من قيام الدولة العباسية … ص 86 ـ 130. ↑
- () وُلاة مصر، للكندي 268 ـ 271، الوُلاة والقضاة، له 245 ـ 247. ↑
- () تاريخ دمشق 38/ ورقة 155 ـ 157. ↑
- () تاريخ دمشق 37/ ورقة 511 والأديب الصوري هو: أبو بكر محمد بن يحيى. ↑
- () ديوان المتنبّي ـ نشره د. عبد الوهاب عزّام 1/ 136، معجم البلدان، الياقوت 1/ 148. ↑
- () ديوان التهامي 13 (نشرة المكتب الإسلامي). ↑
- () ديوان التهامي 125، 126. ↑
- () سفرنامة، لناصر خسرو، ترجمة د. يحيى الخشّاب 48. ↑
- () أنظر عن إمارة بني أبي عقيل في كتابنا: لبنان من السيادة الفاطمية حتى السقوط بيد الصليبيين، طبعة دار الإيمان، طرابلس 1994، ص 105 ـ 138. ↑
- () مرآة الزمان، لسِبط ابن الجوزي (مخطوط بدار الكتب المصرية) ج 12 ق 1/ ورقة 16. ↑
- () ديوان ابن الخياط 136. ↑
- () المنازل والديار، لأسامة بن منقذ 236. ↑
- () الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، لابن شدّاد 2/ 164. ↑
- () أخبار مصر، لابن ميسَّر 29، ذيل تاريخ دمشق، لابن القلانسي 124. ↑
- () تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي ـ تحقيق عمر عبد اسلام تدمري ـ طبعة دار الكتاب العربي، بيروت (حوادث ووفيات 500 ـ 510هـ) ص 20. ↑
- () يعود تاريخ ضرب أول قطعة نقدية في طرابلس إلى سنة 365هـ/ 1010م. أنظر عن نقود طرابلس وصور في العصر الفاطمي، كتابنا: لبنان من السيادة الفاطمية …، ق 2 (الحضاري) ص 143 ـ 177. ↑
- () أنظر كتابنا: دار العلم بطرابلس ـ طبعة دار الإنشاء، طرابلس 1982، ولبنان من السيادة الفاطمية. القسم الحضاري، 2/ 223 ـ 302. ↑
- () نصوص من أخبار مصر، لابن المأمون البطائحي 95. ↑
- () ذيل تاريخ دمشق، لابن القلانسي 188، 189. ↑
- () ديوان عبد المحسن الصوري 1/ 368. ↑
- () أنظر دراستنا: نقد ديوان عبد المحسن الصوري ـ نشرت في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ـ العدد الزدوج 23 و24، السنة 1404هـم 1984م. عمّان ص 155 ـ 194. ↑
- () الحروب الصليبية ـ وليم الصوري ـ ترجمة الدكتور حسن حبشي ـ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ج 3/ 26، 27. ↑
- () نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ـ للشريف الإدريسي ـ نشره جيلديمايستر ـ بون 1885 ـ ص 15، 16. ↑
- () رحلة ابن جُبير الأندلسي ـ طبعة دار صادر، بيروت 1384هـ/ 1984م، ص 273 ـ 275 و277 ـ 279 و282، 283. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد، لزكريا بن محمد القزويني ـ طبعة دار صادر، بيروت 1960. ص 217. ↑
- () معجم البلدان، لياقوت ج 3/ 423، المشترك وضعاً والمفترق صقعاً، له 286. ↑
- () الروض المعطار في خبر الأقطار للحِمْيَري ـ تحقيق الدكتور إحسان عباس ـ طبعة مكتبة لبنان 1975 ـ ص 369. ↑
- () تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور ـ لمحيي الدين بن عبد الظاهر ـ تحقيق الدكتور مراد كامل ـ طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر 1961، ص 103. ↑
- () قمت بضبط معظم أسماء القرى والضياع وتحقيقها وتصويبها استناداً إلى بعض المراجع الجغرافية الخاصة بجنوب لبنان، وذلك في كتابي: «لبنان من السقوط بيد الصليبيين حتى التحرير» وهو تحت الطباعة حالياً. ↑
- () ومثله في رياض العلماء ولؤلؤة البحرين وروضات الجنات وفي سفينة البحار. ↑
- () ومثله في سفينة البحار. ↑
- () كنز الفوائد 1/ 333. ↑
- () كنز الفوائد 1/ 332، التعريف: 21 و27. ↑
- () كنز الفوائد 2/ 134، التعريف: 7. ↑
- () كنز الفوائد 2/ 120. ↑
- () التعريف: 16. ↑
- () كنز الفوائد 1/ 385. ↑
- () كنز الفوائد 1/ 353. ↑
- () كنز الفوائد 1/ 332. ↑
- () التعريف: 8. ↑
- () جاء في الذريعة 11/ 298: إنه صنفه لولده موسى. ↑
- () الأمير المظفر ناصر الدولة ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين ابن حمدان، ولي دمشق في سنة 433.
في تهذيب تاريخ ابن عساكر 4/ 170: الحسن بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي، الأمير، المعروف بناصر الدولة وسيفها، تولى إمرة دمشق في أيام الملقب بالمستنصر بعد أمير الجيوش الدزبري سنة 433هـ فلم يزل والياً بها إلى أن قبض عليه وسير إلى مصر أول رجب سنة 440هـ.
كان عند السيد ابن طاووس وينقل عنه في كتابه «جمال الأسبوع» باسم: عمل يوم الجمعة. ↑
- () مخطوطتان من كتاب المعونة في الإرث في مكتبة المسجد الأعظم في قم، في المجموعة 627 والمجموعة 631، ذكرتا في فهرسها ص 464 و465، وهو إما هذا الكتاب، أو هو تأليف سالم بن بدران المصري، فإنه أيضاً له كتاب «المعونة في الفرائض» مذكور في الذريعة. ↑
- () «الأخبار» للقاضي نعمان المصري، المتوفى سنة 363هـ، طبع في قم في ثلاث مجلدات سنة 1409 باسم: شرح الأخبار. ↑
- () القاضي أبو المحاسن المفضل بن محمد بن مسعر التنوخي المعري المعتزلي الحنفي، المتوفى سنة 442هـ، له رسالة في غسل الرجلين ووجوبه! ناب في القضاء بدمشق وولي قضاء بعلبك.
مختصر تاريخ دمشق 25/ 192، الجواهر المضيئة 3/ 495. ↑
- () كذا. ↑
- () أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الحلبي، من أعيان فقهاء الشيعة ومتكلميهم في القرن الخامس، له كتاب «الكافي في الفقه» طبع في قم سنة 1403. ↑
- () كذا. ↑
- () غرر الفوائد ودرر القلائد هو أمالي المرتضى علم الهدى قدس الله نفسه. ↑
- () نسخة منه في المكتب الهندي في لندن، ضمن المجموعة 471، كتبت سنة 1154.
وأخرى في مكتبة المجلس بطهران، رقم 1295، ذكرت في فهرسها 4/ 133. وفي مكتبة ملك في طهران، في المجموعة رقم 1236/ 9، وبأول المجموعة 1535، ذكرتا في فهرسها 5/ 250 و285.
وفي مكتبة تربيت في تبريز، رقم 64.
وفي مكتبة الإمام الرضا عليه السلام، برقم 8284، كتبت سنة 986هـ، وأخرى فيها في المجموعة 13559.
وفي مكتبة المرعشي، في المجموعة 67.
ومكتبة الوزيري في يزد، في المجموعة 1628.
وفي جامعة طهران في المجموعة 618، وأخرى فيها في المجموعة 3205 كتبت سنة 1015، ذكرتا في فهرسها 11/ 2160.
وطبع طبعة حجرية ملحقاً بكتاب كنز الفوائد سنة 1322. ↑
- () منه مخطوطة في مكتبة المجلس في طهران، في المجموعة 4566، كتبت سنة 960هـ.
وفي مكتبة المرعشي، في المجموعة 3694.
وطبع في النجف سنة 1346 باسم الاستنصار، وطبع بها مرة ثانية سنة 1356، مع «مقتضب الأثر» للجوهري. ↑
- () لعله التفصيل كما يأتي، وفي الذريعة 11/ 227: النباتية. ↑
- () كتاب «تنزيه الأنبياء والأئمة» للشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي، المتوفى سنة 436هـ، شيخ أبي الفتح الكراجكي، مطبوع. ↑
- () ابن شاذان الأشعري، هو أبو علي الحسن بن أحمد، من أ‘لام بغداد (337 ـ 426هـ)، وللشيخ الطوسي أيضاً النقض عليه في مسألة الغار، ولعل الكراجكي كان أسبقهما تأليفاً، ولذا قيل: لم يسبق إلى مثله. ↑
- () مخطوطتان منه في مكتبة المرعشي، في المجموعة رقم 1126، كتبت سنة 902هـ، ورقم 5681، تاريخها سنة 1100.
ومخطوطتان منه في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد، في المجموعة رقم 8285، كتبت سنة 986هـ، من الورقة 136 ـ 193، ورقم 2152، تاريخها سنة 1082.
ونشره صديقنا السيد أحمد الحسيني في مجلة «الهادي» الصادرة في قم، وطبعه بمفرده في قم سنة 1394.
وترجمة الشيخ عباس القمي رحمه الله إلى الفارسية باسم: نزهة النواظر، وطبع سنة 1339 و1357 و1367هـ. ↑
- () مخطوطة منه في المكتبة المركزية بجامعة طهران، بأول المجموعة رقم 2125. وأخرى في مكتبة المرعشي العامة في قم، في المجموعة 3694، كتبت سنة 1065.
وأخرى في مكتبة مدرسة المطهري في طهران، رقم 3881/ 6، كتبت سنة 990هـ، ذكرت في فهرسها 3/ 248 باسم: بر الوالدين.
حققه المحدث الأرموي وطبعه في طهران سنة 1370 باسم؛ حقوق الوالدين، وطبع سنة 1371 في طهران مع كتاب «قرة العين» ترجمته الفارسية للشيخ ذبيح الله المحلاني. ↑
- () لعل هذا هو كتاب «التفضيل» المطبوع. ↑
- () ابن خداع النسابة الحسيني، هو الشريف أبو القاسم الحسين بن جعفر ابن الحسين ابن جعفر بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله الباهر ابن الإمام زين العابدين عليه السلام، نسابة مصر في القرن الرابع، ولد سنة 310هـ، وكان حياً سنة 373.
وخداع اسم امرأة ربت جده الحسين بن جعفر بالحجاز، فغلب عليه اسمها، وأول من هاجر إلى مصر جده الحسين أو أبو جده جعفر ابن أحمد، كما في لباب الأنساب: 612.
له كتاب: المعقبين ـ أو ذكر المعقبين ـ من ولد الحسن والحسين، وهو الذي لخصه الكراجكي، وله؛ أخبار آل أبي طالب، أرّخ أخبارهم إلى سنة 373هـ، وله: المبسوط.
ذكره النسابة العمير في «المجدي» ص 146 وقال: وكان أبو القاسم النسّابة ذا فضل، وجمع من الحديث قطعة جيدة، وبرع في النسب، وكان ثقة.
وله ترجمة في «تاريخ مدينة دمشق» لابن عساكر، وأعيان الشيعة 5/ 466، ومنية الراغبين في طبقات النسّابين ـ للسيد عبد الرزاق كمونة النجحفي، المتوى سنة 1390 ـ 203، ومنه أخذنا مادة هذه الترجمة. ↑
- () وسماه ابن شهر آشوب في معالم العلماء: المشجر. ↑
- () في الذريعة 12/ 12: الزاهد. ↑
- () طبع على الحجر في إيران سنة 1322، وطبع في بيروت بتحقيق الشيخ عبد الله نعمة في جزءين وحذف منه! وفيه عدة رسائل مختصرة للمؤلف تأتي أسماؤها. ↑
- () كذا. ↑
- () حدث في القرن الرابع بين أصحابنا رحمهم الله في أن شهر رمضان هل يلحقه النقص، فربما كان 29 يوماً أو هو ثلاثون يوماً دائماً، فالفريق الأول يقال لهم: أصحاب الرؤية، والفريق الثاني يسمون أصحاب العدد، وكان الكراجكي يقول بالعدد، وألّف كتابه هذا لنصرة هذا الرأي، ثم عدل كغيره إلى القول بالرؤية، وألّف كتاب «الكافي» المتقدم برقم 16 في تأييد القول بالرؤية، كما ألّف «جواب الرسالة الحازمية» رقم 61 في إبطال العدد وتثبيت الرؤية.
وقد تعرضنا لهذا الخلاف بشيء من البسط في مقالنا «الشيخ المفيد وعطاؤه الفكري» المنشور في مجلة «تراثنا» الصادرة في قم، في العدد 30 ـ 31 الخاص بالشيخ المفيد، ص 82 ـ 86. ↑
- () كذا. ↑
- () سماه ابن شهر آشوب في «معالم العلماء»: مسألة في كتابة النبي صلى الله عليه وسلم. ↑
- () جعل صاحب الذريعة رحمه الله كلمة «الجدول» من تتمة الكتاب السابق، فقال في 5/ 91: الجدول في طبقات الإرث، للعلامة الكراجكي، المتوفى سنة 449هـ، عبر عنه في فهرس تصانيفه بمختصر طبقات الإرث.
وقال في 20/ 200: مختصر طبقات الإرث لطيف الجدول! للعلامة الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي.
وذكر في 20/ 250: المدهش، للعلامة الكراجكي. ↑
- () أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب، شيخ الاعتزال، المتوفى سنة 436هـ، له: كتاب المعتمد، وتصفح الأدلة، وشرح الأصول الخمسة، وغيرها. ↑
- () مدرج في «كنز الفوائد» مطبوع فيه في 1/ 257، وقد طبع في العدد 21 من مجلة «تراثنا». ↑
- () مطبوع في كنز الفوائد 1/ 321. ↑
- () مطبوع في كنز الفوائد 2/ 15. ↑
- () مطبوع في كنز الفوائد 2/ 114، وطبع مستقلاً في بيروت بتحقيق السيد حسن التبريزي. ↑
- () أظنه «القول المبين» المطبوع في كنز الفوائد 1/ 151، وقد طبع في العدد 19 من مجلة «تراثنا». ↑
- () لعله «الرسالة العامرية» المتقدمة برقم 63. ↑
- () لعله «حجة العالم» المتقدم برقم 19. ↑
- () مذكور في أمل الآمل ورياض العلماء والمصادر المتأخرة عنهما، وفي الذريعة 1/ 57 رقم 289: كتاب حسن لطيف، لم يسبق إليه، أثبت فيه تساوي طريقي إثبات الإمامة الخاصة والنبوة الخاصة على منكريهما، فيفرض مجلساً فيه إمامي ومعتزلي ويهودي، ويذكر الاحتجاج للنبوة على اليهودي، ومثله للإمامة على المعتزلي. وذكره في 1/ 501 باسم: إيضاح المماثلة …
أقول: منه مخطوطتان في المكتبة المركزية بجامعة طهران، بأول المجموعة رقم 3205، كتبت سنة 1016، ذكرت في فهرسها 11/ 2160.
وبأول المجموعة 7172، من مخطوطات القرن الثالث عشر، ذكرت في فهرسها 16/ 473.
ومنه نسخة ضمن المجموعة رقم 594، في المكتبة المركزية بجامعة طهران.
ومخطوطة في مكتبة البرلمان الإيراني السابق، رقم 1359 (1259)، كتبت سنة 1098، ذكرت في فهرسها 4/ 120. ↑
- () مذكور في لؤلؤة البحرين وأمل الآمل ورياض العلماء وروضات الجنات، وذكر في الذريعة 4/ 359 باسم: تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام، وطبعه المحدث الأرموي رحمه الله في طهران سنة 1370 بهذا الاسم.
أوله: «الحمد لله الذي عمّ خلقه امتناناً، وشملهم إحساناً، وصلواته على سيدنا محمد رسوله ….».
وهو في تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على غيره من سائر البرية ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثبت ذلك بأدلة من الكتاب والسنة، ولم يذكر له المتقدمون كتاباً بهذا الاسم، وإنما له بهذا الصدد كتابان بغير هذا الاسم: أحدهما: المسألة التبانية في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع البرية سوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتقدم في الفهرست برقم 31.
ثانيهما: الرسالة العلوية في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر البرية سوى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، المذكورة في الفهرست برقم 47.
وأظن «التفضيل» هو هذا الكتاب الثاني، أي «الرسالة العلوية»، لأنه جاء في الفهرست أن «الرسالة العلوية» عملها للشريف أبي طالب، وفي خطبة «التفضيل» أوعز إليه بعمل هذه الرسالة بقوله: سيدنا الشريف الجليل نقيب الطالبيين أطال الله بقاءه … خدمت حضرته.
وكذا في نهايته، قال: قد أوردت أطال الله بقاء سيدنا الشريف الجليل نقيب الطالبيين. فظهر أن «التفضيل» هو «الرسالة العلوية» و«الرسالة العلوية» قد طبعت باسم «التفضيل».
ومن مخطوطاته نسخة في مكتبة مدرسة السيد الكلبايكاني رحمه الله في قم، رقم 1751، كتبها العلامة السيد محمد بن محمد بن الحسن الحسيني، الشهير بابن قاسم العاملي العينائي سنة 1057، على نسخة كانت بخط الشهيد الثاني ـ قدس الله نفسه ـ المستشهد سنة 965.
وهي المخطوطة التي كانت في مكتبة المحدث الأرموي باسم «المعتمد» واعتمدها في طبع الكتاب، ثم انتقلت إلى مكتبة السيد الكلبكاني.
وقد رآها شيخنا صاحب الذريعة عند المحدث الأرموي وذكره في الذريعة 21/ 213 باسم «المعتامد في الإمامة» للكراجكي، اعتماداً على ما جاء على ظهر المخطوطة، ثم بعد أن طبع كتاب «التفضيل» ظهر أنه ليس للكراجكي كتاب باسم «المعتمد» وإنما هو «الرسالة العلوية» المطبوع باسم «التفضيل». ↑
- () وهو تفسير ثلاث آيات سئل عنها فأجاب، وأدرجه في كنز الفوائد في 1/ 286، وحيث بدأه ببسم الله وخطبته علمنا أنه من رسائله المستقلة المدرجة في (الكنز). ↑
- () مدرج في كنز الفوائد 1/ 240. ↑
- () مدرج في كنز الفوائد 2/ 84، ونشر في مجلة «تراثنا»، العدد 21، الخاص بالغدير. ↑
- () كانت مخطوطة منه في القرن الثاني عشر، قال صاحب رياض العلماء في تعليقته على أمل الآمل، ص 288؛ «عندي منه نسخة»، ومن هذا الكتاب إلى مسألة في كتابة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها له ابن شهر آشوب في معالم العلماء. ↑
- () ذكره له الشيخ منتجب الدين ابن بابويه في فهرسته. ↑
- () مذكور في روضات الجنات. ↑
- () ذكره في رياض العلماء 5/ 141 عن الكفعمي في المصباح. ↑
- () ذكر في رياض العلماء 5/ 141 عن الشهيد الثاني في كتابه في صلاة الجمعة، وأظنه «هداية المسترشد» المتقدم برقم 73، أو هو المتقدم في الفهرست برقم 4 باسم: التهذيب. ↑
- () كان عند السيد ابن طاووس ونقل عنه في الدروع الواقية، قال في ص 248: «وهذا جعفر بن أحمد [القمي] عظيم الشأن من الأعيان، ذكر الكراجكي في كتاب (الفهرست) أنه صنف مائتين وعشرين كتاباً بقم والري» وذكره شيخنا رحمه الله في الذريعة 16/ 393. ↑
- () ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، والصفدي في الوافي بالوفيات، كلاهما في ترجمة الكراجكي. ↑
- () ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، والصفدي في الوافي بالوفيات، كلاهما في ترجمة الكراجكي. ↑
- () بُ. ↑
- () ب. ↑
- () بن. ↑
- () بُ. ↑
- () ب. ↑
- () وجدت كتاباً آخر باسم «خواص الحيوان» بالفارسية ألفه محمد علي بن أبي طالب الزاهدي «حزين» الكيلاني «فرس نامه» أيضاً في «فهرس المخطوطات الفارسية للمتحف البريطاني» رقم 23562 ADD في انكلترا «رير» ج 2، ص 483، وتوجد صورته الفوتوغرافية في المكتبة المركزية لجامعة طهران (فهرست ميكروفيلمها، ج 1، ص 605). ↑
- () الدعوة إلى الإسلام ـ توماس أرنولد. ↑
- () لويس لورته. مشاهدات في لبنان، تعريب أكرم البستاني، منشورات دار المكشوف، بيروت، 1951، ص 97. ↑
- () عبد العزيز سالم، دراسة في تاريخ مدينة صيدا في العصر الإسلامي، جامعة بيروت العربية، 1970، ص 9. ↑
- () المصدر السابق، ص 97. ↑
- () كمال النقوزي، معلومات عمرانية وعقارية وهندسية عن مدينة صيدا، مقابلة أجراها معه مصطفى الدندشلي ونشرها في كتاب «تطور صيدا العمراني وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة» المركز الثقافي للبحوث والتوثيق، صيدا 1985، ص (92 ـ 93). ↑
- () طه الاولي. (يوم كان لبيروت سبعة أبواب وسور وأسواق)، مجلة المقاصد، السنة الثالثة، العدد 31، كانون الثاني، يناير، 1984، ص 44. ↑
- () A.E.B. 1979 Acre le 16/7/1783.
ملاحظة: تدل الأحرف الثلاثة الأولى إلى وثائق وزارة الخارجية الفرنسية المحفوظة تحت رمز (B1) في أرشيف دار الوثائق الفرنسية في باريس (Archives Nationale de Paris). وتدل الأرقام التي تليها إلى رقم السجل ويليه المركز القنصلي الصادرة عنه الوثيقة ثم التاريخ في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () إدوار روبنسون. يوميات في لبنان، ترجمة أسد شيخاني، جزءان، دار المكشوف، بيروت، 1949، ج 1، ص 58. ↑
- () A.C.C.M. 11 Damas le 30/3/1824.
ملاحظة: تدل الأحرف الأربعة الأولى إلى وثائق أرشيف غرفة التجارة والصناعة في مرسيليا وتدل الأرقام التي تليها إلى رقم المحفظة ويليه المركز القنصلي الصادرة الوثيقة عنه ثم التاريخ في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () دار الوثائق القومية في القاهرة (وثائق قصر عابدين)، محفظة رقم 56 مترجمة من الوثيقة رقم 99 ـ 1 من محفظة 231 تاريخ 23 رجب 1347هـ (29/12/1831). ↑
- () Bakhit, Muhamad Adnan, the Province of Damascus in the Sixteenth Century Beirut, 1982. P. 94. ↑
- () A.E.B. 979 Acre le 16/7/1783. ↑
- () دراسة في تاريخ صيدا، مرجع سابق، ص 22. ↑
- () سفرنامة، ترجمة يحيى الخشاب، القاهرة، 1945، ص 149. ↑
- () فرنسوا فولني، سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر، ترجمة حبيب السيوفي، جزءان دير المخلص، قرب صيدا، 1948 ـ 1949، ج 2، ص 33. ↑
- () Memoires du Chevalier d’Arvieux, 6 vols, Paris, 1735, V. 1. PP. (225 – 96). ↑
- () غسان منير سنو، مدينة صيدا (1818 ـ 1860)، دراسة في العمران الحضاري، بيروت، 1988، ص (27 ـ 29). ↑
- () طه الولي. مرجع سابق، المقاصد، ص (45 ـ 50). ملاحظة: هذه الأوصاف كانت سائدة في بناء أبواب بيروت ونعتقد بأنها كانت هي نفسها في أبواب صيدا، إذ أن أوصاف باب قلعة المعز أشبه بما كان سائداً في أبواب بيروت. ↑
- () المتسلم. شغل هذا المنصب موظفان كان كلاهما بمثابة نائب للوالي. فقد أطلق هذا اللقب على حكّام السناجق والمقاطعات الصغيرة أو المدن الهامة، وأيضاً على نائب الوالي في عاصمة الولاية، ويقصد هنا المعنى الأخير. ↑
- () إدوار روبنسون. مرجع سابق، ج 1، ص 58 Elondel, Edouard, Deux Ans en syprie et Palestine (1838 – 1839). Paris, 1840, P. 52. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () طلال المجذوب. تاريخ صيدا الاجتماعي، 1840 ـ 1914. المكتبة العصرية، بيروت ـ صيدا، 1983، ص 245. والصايح تعني المنطقة التي يصل إليها صياح الدلال. ↑
- () هاملتون جب وهارولد بون. المجتمع الإسلامي والغرب، ترجمة، أحمد عبد الرحيم مصطفى، جزءان، دار المعارف، القاهرة، 1970، ج 2، ص 117. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص 587 ـ 588. ↑
- () خالد زيادة. الصورة التقليدية للمجتمع المديني، معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الفرع الثالث، طرابلس، 1983، ص 143. ↑
- () أنريه ريمون. فصول من التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية، ترجمة زهير الشايب، كتاب روز اليوسف، العدد 17. القاهرة، 1974، ص (24 ـ 26): طلال المجذوب. مرجع سابق، ص 78. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص (35 ـ 45). ↑
- () المرجع نفسه. ص (46 ـ 47). ↑
- () المرجع نفسه. ص (47 ـ 53). ↑
- () المرجع نفسه. ص (53 ـ 56). ↑
- () المرجع نفسه. ص (60 ـ 64). ↑
- () المرجع نفسه. ص (67 ـ 84). ↑
- () المرجع نفسه. ص (84 ـ 93). ↑
- () المرجع نفسه. ص (93 ـ 98). ↑
- () المرجع نفسه. ص (96 ـ 104). ↑
- () لويس لورته. مصدر سابق، ص 97. ↑
- () طلال المجذوب، مرجع سابق، ص 346. ↑
- () المصدر السابق، ص 97. ↑
- () Blondel, Op. Cit. P. 12. ↑
- () طلال المجذوب. مرجع سابق، ص 247. ↑
- () لويس لورته. مصدر سابق، ص 97. ↑
- () مرجع سابق، ص 247. ↑
- () صالح لمعي مصطفى. التراث المعماري الإسلامي في مصر، جامعة بيروت العربية، بيروت، 1975، ص (91 ـ 92). ↑
- () طلال المجذوب. مرجع سابق، ص 245. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص (105 ـ 106). ↑
- () مرجع سابق، ص 247. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص (105 ـ 107). ↑
- () طلال المجذوب. مرجع سابق، ص 248. ↑
- () مرجع سابق، ص 108. ↑
- () عادل ومنير إسماعيل. تاريخ لبنان الحديث،ن الوثائق الدبلوماسية، القسم الأول، الأوضاع الاجتماعية والنشاط الاقتصادي والثقافي (1670 ـ 1945)، الجزء الأول (1670 ـ 1781)، دار النشر للسياسة والتاريخ، بيروت، 1990، ج 1، ص 64. ↑
- () Cuninet, Vital, Syrie, Liban, Palastine, Paris, 1896, P. 75. ↑
- () غسان الزعتري، (وثائق جديدة حول ملكية خان الفرنج في صيدا)، صحيفة الديار، 5/5/1989. ↑
- () Ismail, Adell Documents Diplomatiques et Consulaires, 32 Tomes Correspendances Commerciales et Consulaires, 4 Tones, Beyrouth (1975 – 1992) Voir Correspendance T. 1. PP. (401 – 410).
Ibid, Correspendances T 1, P. 403. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص (119 ـ 130). ↑
- () عبد العزيز سالم. مرجع سابق، ص (189 ـ 190). ↑
- () المرجع السابق، ص 110. ↑
- () طلال المجذوب. مصدر سابق، ص 171. ↑
- () هنري غيز. بيروت ولبنان منذ قرن ونصف قرن جزءان، دار المكشوف، بيروت، 1949 ـ 1950، ج 1، ص (29 ـ 30). ↑
- () Blonde, Op. Cit., PP. (22 – 23). ↑
- () هنري غيز. مصدر سابق، ج 1، ص (30 ـ 31). ↑
- () Op. Cit., PP. (22 – 23). ↑
- () طلال المجذوب. مرجع سابق، ص 170. ↑
- () Op. Cit., PP. (21 – 22). ↑
- () Ibid. P. 22. ↑
- () Ibid. P. 25. ↑
- () ليلى الصباغ. المجتمع السوري في مطلع العهد العثماني، دمشق، 1973، ص (67 ـ 68). ↑
- () طلال المجذوب، مرجع سابق، ص 168. ↑
- () غسان سنو. مرجع سابق، ص (110 ـ 118). ↑
- () المرجع السابق، ص (110 ـ 118). ↑
- () d’Arvieux, Op. Cit., V. 1, P. 323. ↑
- () الرطل هو وحدة وزن كانت مستعملة في أثناء الحكم العثماني، كما هو اليوم يُستعمل الكلغ كوحدة وزن، ويختلف وزنه وفقاً للمنطقة والسلعة المستخدم فيها، ما بين 2 كلغ و3 كلغ. ورطل صيدا الذي كان يستخدم في المدينة يساوي ما يقارب 2450 غرام.
Abdel – Nour, Antoine. Note Sur quelques question de métrologie Concernant la Syrie à l’époque Ottman, ARABICA, Vol. 24, 1977, P. 318. ↑
- () A. E. B. 1035 Syede le 2/6/1772. ↑
- () عادل ومنير إسماعيل. مرجع سابق، ج 1، ص (111 ـ 114). ↑
- () طلال المجذوب. مرجع سابق، ص (168 ـ 169). ↑
- () لويس لورته. مصدر سابق، ص 119، Ottomanem. ↑
- () المرجع السابق، ص 169. ↑
- () Abdel-Nour Antoine. Introduction a l’Histoire Urbain de Syrie Ottomane, Beyrouth, 1982, P. 208. ↑
- () Ibid. P. 207. ↑
- () محمد سعيد القاسمي. قاموس الصناعات الشامية: Ibid, P. 208 جزءان في واحد، باريس، 1960، ص 156. ↑
- () Bereadi, Roberto, «Espace et ville en pays d’islam», dans l’Espace Social, Paris, 1929, PP. 115. ↑
- () ملاحظته كان هذا النظام سائداً في كل المدن الشرقية.
Blonde. Op. Cit., P. 52. ↑
- () كان ذلك سنة 1980 أثناء رحلة للكاتب إلى الصين. ↑
- () جيانغ زيمين (66 عاماً) هو منذ عام 1993 الرئيس الصيني والأمين العام للحزب الشيوعي في جمهورية الصين الشعبية. ↑
- () تجمع هذه الهيئة المناطقية، بالإضافة إلى أعضائها الستة من مجموعة دول جنوب شرق آسيا (بروناي، أندونيسيا، ماليزيا، الفيليبين، سنغافورة وتايلند)، أوستراليا، كندا، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة الأميركية، اليابان، نيوزيلندا والاتحاد الأوروبي، كما والصين، لاوس، بابوا نيوغينيا، روسيا وفيتنام. ↑
- () معجم البلدان ج 4: 9 ـ 12. ↑
- () راجع ترجمته والكلام على تاريخه في مجلة العرب ج 2، السنة 2، ص 111 ـ 112. ↑
- () سيرة ابن هشام ج 4: 128، 129. ↑
- () صفة جزيرة العرب ص: 121. ↑
- () رحلة ناصر خسرو ترجمة وتعليق يحيى الخشاب، ولد ناصر خسرو في قباديان سنة 394هـ/ 1003م وتثقف ثقافة واسعة والتحق بخدمة السلطانين الغزنويين محمود ثم ابنه مسعود. ↑
- () تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8: 384. ↑
- () تويتشل: ص 50. ↑
- () عقود اللطائف للفاكهي ـ خ ـ . ↑
- () ابن المجاور 1: 21 وما بعدها. ↑
- () إهداء اللطائف ـ خ ـ . ↑
- () ↑
- () محمد سعيد حسن كمال. ↑
- () المقدسي: أحسن التقالسيم، ص 36 وص 239 بيروت، إحياء التراث العربي. ↑
- () زكريا القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، ص 402، بيروت، دار بيروت 1404هـ ـ 1984م. ↑
- () عبد الكريم السمعاني: الأنساب، ج 4، ص 29 ـ 31، بيروت، دار الجنان 1408 ـ 1988م. ↑
- () المصدر نفسه، ج 4، ص 30. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 6، ص 7، القاهرة، الطبعة الأولى 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () المصدر نفسه، ص 8. ↑
- () صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع ج 2، ص 876، القاهرة 1373هـ ـ 1954م. ↑
- () مجالس المؤمنين القاضي نور الله، ج 1، ص 96، طهران، الطبعة الأولى، 1375هـ. ↑
- () العلويو النسب. ↑
- () أبو الفرج الأصفهان: مقاتل الطالبيين، ص 382 ـ 385، النجف، المكتبة الحيدرية، 1385هـ. ↑
- () ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 6، ص 442 ـ 443، بيروت، دار صادر، 1402هـ ـ 1982م. ↑
- () أعيان الشيعة ج 7، ص 410، بيروت، دار المعارف، 1403 هـ ـ 1983م. ↑
- () عبد الملك الثعالبي: يتيمة الدهر، ج 3، ص 169، الطبعة ا|لأولى، 1353هـ ـ 1934م. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: نقباء البشر، ج 1، ص 107 ـ 108 ص 407، الطبعة الأولى النجفية. ↑
- () الخربوز: نوع مما يعرف في لبنان بالشمّام وفي سوريا بالبطّيخ الأصفر. ↑
- () B. Fraser كتاب الفترة الشتائية من القسطنطينية إلى طهران: طبع لندن سنة 1838 ـ ص 470. ↑
- () رحلة فريزر ـ ص 48. ↑
- () هذا الفصل مكتوب بقلم السيد حسين رئيس السادات. ↑
- () كان تقسيم المناطق في السابق على أساس الدخل الضريبي. ↑
- () وهم نفسهم الجيلانيون. ↑
- () تراجع مقالتنا حول السربداريين. ↑
- () لأنه أصبح لكلمة (العلويون) في العصر الحاضر معنى غير معناها القديم، نقول: إن ورود كلمة العلويون، في دائرة المعارف هذه حيثما تردد، إنما تعني العلويي النسب. ↑
- () نسبة إلى طاهر بن الحسين أحد قواد المأمون الذي أرسل من مكة لإخماد ثورة الخوارج في خراسان وبعد أن أفلح في عمله هذا استقل بالأمر وأسس الدولة الطاهرية هناك وحكم هو وأولاده وأحفاده مدة قرن تقريباً. (راجع: الطاهريون). ↑
- () جمع (غر) وهو الشاب الذي لا خبرة له. ↑
- () مفردها (إصفهبد) معرّبة عن (إسبهبد) الفارسية ولها عدة معانٍ …. أما معناها هنا فيعني سلسلة ملوك طبرستان. ↑
- () يقول بارتولد في كتابه (تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي) ص 338 ـ 339هـ، 1981م عن الحكم الشيعي في طبرستان ما يلي: إن قسماً من الأراضي الواقعة بين ولايتي طبرستان والديلم المطلتين على بحر قزوين كان ملكاً للخليفة فمنحه لمحمد بن عبد الله بن طاهر الذي كان حاكماً لبغداد في الفترة بين عامي 851 و867م وأوكل محمد إدارة هذه الأرض إلى رجل نصراني يدعى جابر بن هارون الذي وضع يده أيضاً على المراعي الملاصقة لأرض محمد، وهي المراعي التي تدعى فيها سائمة أهالي القرى المجاورة، والتي لم تكن ملكاً لأحد من الناس. وقد أدى هذا الاعتداء على حقوق الأهالي إلى اشتعال نيران ثورة شاملة تزعمها العلويون.
وفي عام 864 تمكن الحسن بن زيد من سلالة العلويين من جعل نفسه حاكماً على الولاية، وظل حاكماً لها فيما عدا فترات قصيرة حتى عام 884. فنحن إزاء حركة شيعية أشعلها الاعتداء على حقوق الزراع. ويبدو أن هذا الطابع الديموقراطي نفسه قد اتخذته الثورة التي اندلعت في 301هـ (913 ـ 914) على السامانيين بزعامة الحسن بن علي الأطروش.
وقد نجح الحسن في نشر الإسلام بين الديلم واستمال إليه الأهالي وظل متمتعاً بالإجلال والتوقير في نفوسهم حتى وفاته، ويثني المؤرخون المنصفون على حكمه العادل. غير أن البيروني بما عرف عنه من عاطفة نحو التقاليد الفارسية القديمة الذي وضع أساسه فريدون الأسطوري، وذلك بقوله: لا تملك أفريدون وما أمر به الناس من تلمك دورهم وأهاليهم وأولادهم وتسميتهم بالكذخذاه أي رب الدار …. وقد أزال الناظر الأطروش ذلك وأعاد اشتراك المودة مع الناس في الكذخذاهية. ومن هذا يتبين أن الحسن قد قضى على أرباب الضياع الكبيرة (انتهى بارتولد). ↑
- () كانوا يطلقون على الإسماعيليين لقب: الملاحدة. ↑
- () مما يدل على تواصل الشيعة في طرابلس مع المراكز الشيعية العالمية، أن للسيد المرتضى في بغداد ثلاث رسائل جوابية على مسائل وردته من طرابلس:
المسائل الطرابلسية الثانية:
لم أجد نسخة للمسائل الطرابلسية الأولى، ولكن الشريف أحال عليها في المسائل الطرابلسية الثانية مما يدل على أن هناك مسائل طرابلسية أولى. وهي رسالة صغيرة في 11 صحيفة، كل صحيفة 21 سطراً، ألَّفها «المرتضى» إجابة عن أسئلة وردت عليه من الشيخ «أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني».
والرسالة تتناول أصول المذهب الشيعي وما يؤخذ عليه من مأخذ ردّ عليها الشريف.
وقد أحال الشريف فيها على كتابيه «المقنع في الغيبة» و«الشافي في الإمامة».
المسائل الطرابلسية الثالثة:
رسالة مخطوطة تشتمل على ثلاث وعشرين مسألة وردت من الشيخ أبي الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني عام 427. فأجاب عنها الشريف، ويبدو من روح الأسئلة أن سائلها شيعي، يود إيضاح ما في نفسه من مشاكل كلامية، تتعلق بالمذهب، مثل معنى كون الله مدركاً للأشياء، ومعنى كون القرآن نزل جملة واحدة، ومعنى حياة الشهداء بعد الموت، وأخبار الكهان ومدى صحتها.
وأهمية الرسالة تعود إلى تصوير التطلع والتوثب الذهني الذي لازم الشيعة في القرن الرابع، وإلى تنصيص الشريف على وجوب الحذر من قبول أحاديث «كتاب الكافي» للكليني، في حين أنه من الأصول الأربعة للحديث عند الشيعة. وقد أحال السيد فيها على ما يأتي من كتبه: «الملخص»، «الذخيرة»، «تنزيه الأنبياء». ↑
- () ابن الخياط: هو أحمد بن محمد، عاش سبعاً وستين سنة وتوفى سنة 517هـ وهو دمشقي الأصل، وكان يعتبر في عصره شاعر الشام. روى عن نفسه فقال: دخلت في الصبا على الأمير ابن حيّوس بحلب وهو مسنّ فأنشدته:
لم يبق عندي ما يباع بدرهم
وكفاك مني منظري عن مخبري
ألا صبابة ماء وجه صنتها
من أن تباع وأين أين المشتري
فقال ابن حيّوس: لو قلت: وأنت نعم المشتري لكان أحسن. ثم قال: كرمت عندي ونعيت إليّ نفسي، فإن الشام لا يخلو من شاعر مجيد فأنت وارثي، فاقصد بني عمار بطرابلس فإنهم يحبون هذا الفن.
ثم وصله بثياب ودنانير ومضى إلى بني عمار فوصلوه ومدحهم. ↑
- () نرى هنا أن نشير إشارة تاريخية إلى قصب السكر مكتوبة بقلم علي الشوك: وكل الأدلة تشير إلى أن قصب السكر أصله من الهند. فلا تزال أحراش هذا النبات تنمو في الهند بصورة طبيعية (برية) كما أن قصب السكر ذكر في تعاليم مانو Manu وكتب هندية مقدسة قديمة أخرى وكلمة Sugur نفسها مشتقة من السنسكريتية Sarkara، وتعني: حصاة، حبيبة رملية، سكر. ومن المعروف أن الألفاظ الأوروبية استعيرت عن طريق اللفظة العربية، فاللاتينية.
وحسب الأسطورة الهندية أن أجداد بوذا جاؤوا من بلاد السكر، أو Gur، وهو الاسم الذي كان يطلق على البنغال. وتحدثت ملحمة رامايانا السنسكريتية (حوالي 1200ق.م.) عن وليمة «بموائد وضعت عليها أشياء حلوة، وعصير، وقصب سكر للمضغ …».
ومن الهند انتقلت زراعة السكر (أي قصب السكر) إلى الصين بين 1800 ـ 1700 ق.م. ويأتي مصداقاً على ذلك أن العديد من الكتّاب الصينيين ذكروا أن تقنية غلي سائل القصب لإنتاج نوع من السكر الخام استعيرت من أناس يعيشون في وادي الغانج. وفي كتاب «التاريخ الطبيعي» للكاتب الصيني Su-Kung من القرن السابع: «أن الأمبراطور Tai-Hung أرسل عمالاً ليتعلموا فن صناعة السكر في ليو Lyu (أي الهند)، وبالأخص في البنغال، وبعد زراعة القصب في الصين، كان باستطاعة البحارة نقله من آسيا إلى الفيليبين، وجاوة، وحتى هاواي. وعندما وصل البحارة الإسبان إلى المحيط الهادي، بعد ذلك بمئات السنين، كان قصب السكر موجوداً في العديد من الجزر.
وعن طريق الفتوحات والغزوات وقوافل التجارة، لا سيما الآشورية، انتشر قصب السكر في بلدان الشرق الأوسط كلها، من الهند إلى البحر الأسود، ومن الصحراء الكبرى إلى الخليج الفارسي.
ولعل أقدم إشارة إلى السكر في الأزمنة الكلاسيكية (المقصودة بذلك المرحلة اليونانية ـ الرومانية) ترجع إلى فترة احتلال جيش الاسكندر المقدوني. ففي 327ق.م. كتب نيارخوس، أحد ضباط الاسكندر، يقول: «يقال أن هناك قصبة في الهند تنتج عسلاً من دون وساطة النحل، كما أنها تنتج مشروباً مسكراً (Rum?) مع أن النبتة لا تثمر (أي لا تحمل فاكهة)، وبعد ذلك بخمسة قرون وصف جالينوس Galenolsn Rvmk.
وكانت عصارة السكر تعتبر من الأدوية النادرة جداً والغالية جداً، واستعملت كدواء من قبل المصريين والفينيقيين، ثم في اليونان وروما. وقال ثثوفراستوس في 371ق.م.: «هناك ثلاث أنواعغ من العسل، نوع من الأزهار. ونوع من الطل، وآخر يجري من قصبة» واعتبره بلينيوس وذيوسقوريدس وجالينوس دواء يستعمل في الطب فقط، ويعدل وزنه فضة. وحتى عند الأوروبيين في ما بعد، كان السكر أول، الأمر دواء غالي الثمن، أو مادة مترفة لا يقتنيها سوى الأثرياء والأقوياء، وطعاماً أسطورياً يجلب مما وراء الصحارى بواسطة قوافل تنقله إلى موانئ شرقي البحر المتوسط.
وأنشأ العرب أول مصنع لتكرير السكر على جزيرة كانديا أو كريت في حدود 1000م. واجتذبت رائحة عصارته الشهية الصليبيين كما يجتذب العسل الذباب. وكان السكر أشبه بمنجم ذهب، وأسهم في تكديس الثروة العربية. كما أن العرب اخترعوا طريقة حرق السكر، أي صنع الكراميل. فمن تحسين عملية التصفية، حصلوا على منتوج جديد، غامق اللون، ولزج وقوي الرائحة، سموه «ذاكرة الملح». واستعمل الكراميل لإزالة شعر النساء.
وقيل أن الشرق الأوسط كان يفوح برائحة السكر. فقد شم رائحته العذبة جوانفل Jonville الذي كان في صحبة الملك لويس التاسع في الحملة الصليبية، وهو في الطريق، وتحدث في يومياته عن «قصب السكر العذب، الذي منه يصنعون السكر». وفي ما بعد أرسل سلطان مصر هدية ثمينة إلى شارل التاسع ملك فرنسا، هي قنطار من السكر (مئة كيلو).
وكان السكر المسمى Musearrat من أفضل أصناف السكر، وذا صيت أسطوري. والكلمة بالإيطالية تدعى Mucchera ولعلها من كلمة «مكرر» العربية، كما جاء في كتاب «قاموس الغذاء». وكان القند الذي يدعى باللغات الأوروبية Candy يحتوي على بلورات كبيرة جداً. وكانت هناك خمسة أصناف منه في الصيدليات: القند العادي، والقند المنكه برائحة الورد، والبنفسج، والليمون، والكشكش. وهناك القند البربري من شمال أفريقيا.
ثم طور البنادقة (أهالي البندقية) مصانع تكرير السكر التركية، لكن الإنتاج الشرقي بقي أرخص حتى من المنتوج عبر الأطلسي (بعد أن عني المستوطنون الأوروبيون الجدد بزراعة قصب السكر في طعام الناس في القرن السادس عشر بعد أن كان يوصف كدواء. وكان لاستعمال القهوة والشوكولاته دور في زيادة استهلاك السكر. لكن سكر البنجر أحدث إرباكاً في سوق السكر في القرن التاسع عشر، لأنه أدى إلى هبوط أسعار السكر المستخرج من القصب الحلو، في جزر الهند الغربية والموانئ الفرنسية على الساحل الأطلسي. ومنذ 1575 أكد أوليفييه دي سير على أن البنجر يحتوي على نسبة عالية من السكر. لكن أحداً لم يصغ إلى كلامه. وفي 1745 قدم الكيمياوي الألماني ماغراف تقريراً إلى أكاديمية برلين العالمية عن «تجارب كيماوية للحصول على سكر حقيقي من مختلف النباتات التي تنمو في خط عرضنا». وكان أول من استخرج وصفى سكر البنجر. فتدهورت زراعة قصب السكر، ولم «ينقذها» سوى الحصول على يد عاملة رخيصة جداً لتواصل إنتاجها. ولم تتوافر مثل هذه اليد الرخيصة إلا باستخدام العبيد. وهكذا جيء بالملايين من الناس من شواطئ أفريقيا الغربية ليجبروا على العمل في زراعة قصب السكر، والقهوة، والكاكاو، والبازلاء، الخ، كالحيوانات.
وبهذا الصدد قال برناردين دي سان بيير في روايته المعروفة «بول وفرجيني» التي ترجمها مصفى لطفي المنفلوطي: «لا أدري إن كان السكر والقهوة ضروريين لسعادة أوروبا، لكنني أعلم جيداً أن هاتين النبتتين جلبتا النحس على طرفي العالم». ↑
- () الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري، في المجموع الموسوم بتعريف القدماء بأبي العلاء «ص 557» من طبعة دار الكتب المصرية سنة 1944. ↑
- () في الأصل «مصباح» ولا محل له. ↑
- () تاريخ ناصر الدين بن الفرات المصري «ج 8 ص 76 ـ 77» من طبعة الدكتور قسطنطين زريق والدكتورة نجلا عز الدين. ↑
- () لعله «يكنى بأبي الريح» لأن الجراب أبو الريح. ↑
- () معجم الأدباء ج 2، ص 3062، من طبعة مركليوث. ↑
- () مقدمة ابن خلدون «ص 98» من طبعة المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة 1322. ↑
- () ديوان ابن الخياط «ص 74 ـ 75» من طبعة المطبعة العلوية بالنجف سنة 1343. ↑
- () النجوم الزاهرة «ج 5، ص 89». ↑
- () يقول عنه أبو شجاع الروذراوري في ذيل كتاب تجارب الأمم ج 3 ص 222 مصر 1916 إنه «كان شيخ كتامة وسيدها، ويلقب بأمين الدولة، وهو أول من لقب في دولة المغاربة». ويقول عنه ابن القلانسي ص 20 «إنه من أجل كتاب الخليفة العزيز» (أنظر عنه أيضاً: دائرة المعارف الإسلامية، مادة بني عمار، بقلم سوبرنهايم ـ العدد رقم 5 ص 253 سلسلة كتاب التحرير. ↑
- () ذكره الروذراوري: «سالم» ج 3 ـ ص 223. ↑
- () ترجم له ابن الأبار: «أبو الحسن علي بن فلاح بن أبي مرزوق الكتامي، من كبار وزراء الدولة الفاطمية …. وكان يلقب بوزير الوزراء ذي الرياستين الآمر المظفر قطب الدولة» أنظر: الحلة السيراء ابن الإبار تحقيق د. حسين مؤنس ج 1 ص 305 (الهامس) القاهرة 1963. ↑
- () ابن القلانسي ص 48، الروذراوري ج 3 ـ ص 224. ↑
- () الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ـ ج 1 ص 115 ـ بيروت 1967. ↑
- () وهو نفس اللقب الذي لقب به جد هذه الأسرة (أنظر هامش الصفحة السابقة). ↑
- () كان قد ولي دمشق في شهر رمضان سنة 456هـ، أنظر عنه ابن القلانسي. ↑
- () مرآة الزمان، ابن الجوزي، ج 12، ق 1، ص 102، 103 ـ نسخة مخطوطة مصورة بدار الكتب بالقاهرة تحت رقم 551 تاريخ. ↑
- () طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي ـ د. السيد سالم ـ ص 66 ـ الاسكندرية 1967 وقد ناقش المؤلف هذا الموضوع في جريدة «صوت البلاد» الطرابلسية العدد 30 ـ 1972. ↑
- () أنظر في ذلك: النجوم الزاهرة ـ ج 5 ص 79. ↑
- () اختلف المؤرخون في تحديد السنة التي بدأ فيها حكم بني عمار في طرابلس، وفي تحديد سنة استقلالها عن الدولة الفاطمية. فسوبرنهايم يقول إن «ابن عمار» تم له حكم طرابلس في منتصف القرن الخامس الهجري (دائرة المعارف الإسلامية ـ مادة بني عمار ـ ص 353).
ويقول الدكتور عبد الكريم غرايبه أن ابن عمار استقل بطرابلس سنة 459هـ ـ 1066م (العرب والأتراك ـ ص 240 ـ دمشق 1961).
ويقول الأستاذ محمد كرد علي: إن أول من حكم من بني عمار هو أبو طالب، وذلك في دولة المستنصر الفاطمي في حدود سنة أربعين وأربعمائة (خطط الشام ج 6 ص 191 ـ دمشق 1935).
ويقول المستشرق (ستراستين) إن أمين الدولة استولى على طرابلس في حدود نيف وأربعين وأربعمائة (تاريخ المماليك وسلاطينهم، ص 246 ليدن 1919).
ويقول الأستاذ محمد كرد علي في موضع آخر من كتابه، إن استيلاء ابن عمار على طرابلس تم سنة 463هـ (الخطط ج 1 ص 255).
أما الدكتور فيليب حتي فيقع في شطط ظاهر، إذ يقول إن طرابلس «استقلت بعد سنة 1089م» أي بعد سنة 482هـ. وبصورة أوضح، أي في أواخر عهد جلال الملك ابن عمار. وهذا قول لا تثبت صحته مطلقاً، ولا أدري على ماذا استند لتقرير هذا الأمر. أنظر له: (تاريخ العرب، للطول ج 2 ص 749 ـ بيروت 1961). ↑
- () يخطئ المستشرق ستراستين فيقول إن جلال الملك هو «ابن عم» أمين الدولة. أنظر: تاريخ المماليك ص 246. ↑
- () الأعلاق الخطيرة ص 108، تاريخ ابن الفرات ـ تحقيق د. قسطنطين زريق ود. نجلاء عز الدين ج 8 ص 77 بيروت 1939 ويزعم الدكتور غرايبه أن جلال الملك توفي سنة 494هـ ـ 1100م. (العرب والأتراك ـ ص 240) ويبدو أنه استند في ذلك إلى ما جاء في «معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي» وهو للمستشرق «زامباور» ج 1 ص 160 القاهرة 1951. ↑
- () النجوم الزاهرة ج 5 ص 116. ↑
- () تهذيب التاريخ الكبير ج 4 ـ ص 357. ↑
- () طرابلس الشام ـ ص 70. ↑
- () الكامل في التاريخ ج 10 ـ ص 71. ↑
- () يخطئ المستشرق سوبر نهايم فيقول إن ابن عمار وزر له حتى عام 512هـ (دائرة المعارف الإسلامية ـ ص 353 ـ سلسلة كتاب التحرير ـ مادة بني عمار). ↑
- () يقال «ذو المناقب». ↑
- () نثر الجمان ـ الفيومي ج 2 ص 318أ ـ نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم 1746 تاريخ. ↑
- () جاء في معجم الأنساب «جمال الدولة» ج 1 ص 160. ↑
- () كان أبوه مملوكاً لبني عمار في طرابلس. ↑
- () النجوم الزاهرة ـ ج 5 ـ 144. ↑
- () تاريخ الحروب الصليبية ج 2 ـ ص 380. ↑
- () ذكرهم «بني عمار» بالدال. ↑
- () الدار المنتخب في تاريخ مملكة حلب ابن الشحنة، تعليق يوسف إليان سركيس الدمشقي ـ بيروت 1909 ـ ص 63. ↑
- () الأعلاق الخطيرة ـ ص 107. ↑
- () نفس المصدر، ابن الفرات ـ ج 8 ـ ص 77. ↑
- () تهذيب ابن عساكر ج 2 ص 67. ↑
- () تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام للذهبي. ↑
- () لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 2 ص 275 حيدرآباد 1329هـ. ↑
- () خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني (قسم شعراء الشام ج 2 ص 77 دمشق 1955). ↑
- () تاريخ الحروب (ستيفن نسيمان) ترجمة د. العريني ـ ج 2 ـ ص 113، بيروت 1969. ↑
- () الحركة الصليبية د. سعيد عبد الفتاح عاشور (ج 1 ص 117) القاهرة 1963. ↑
- () نهاية الأرب للنويري. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية. ↑
- () منجم العمران. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () الجامع في إخبار أبي العلاء. ↑
- () يقول ستيفن رنسيمان في كتاب تاريخ الحروب الصليبية، تعريب د. السيد الباز العريني ج 2/ 380 عن مكتبة طرابلس: «كانت أروع مكتبات الدنيا». ↑
- () يقول مؤرخ عن مكتبة بني عمار ما يلي:
ونحني هاماتنا أمام القضاة الأمراء من بني عمار الذين اتصفوا ـ بحسب شهادة مؤرخ الحروب الصليبية ستيفن رنسيمان ـ بأنهم كانوا يتمتعون بروح علمية مثل تمتعهم بالصفات الحربية، بل أكثر.
ولنا أن نطيل الصمت بخشوع، وأن نحبس أنفاسنا ونحن نجول بين قاعات وردهات المكتبة التي حوت أكبر عدد من الكتب عرف أن مكتبة ما حوته في الدنيا حتى ذلك الوقت، ألا وهو ثلاثة ملايين، بحسب عبارة شوشتري ويؤيده فيها كبار المؤرخين والمستشرقين: إدوارد جيبون، وأرنولد، وغروهمان، وكاترميار، وبروتز، وديرنبورغ، ناهيك بالمؤرخين والبحاثة العرب، مثل جرجي زيدان، وغيره من ثقات المؤرخين الذين لم يخالجهم أدنى شك في تقدير ذلك العدد الذي حصل عليه النويري ونقله ابن الفرات في تاريخه. ولا غرو، فمكتبة مؤسس إمارة بني عمار القاضي أمين الدولة ابن عمار كانت النواة الأولى وهي تضم مائة ألف كتاب. وقت كانت مكتبات أوروبة تقيد القليل من الكتب الذي قد لا يتجاوز العشرة من السلاسل لندرتها وخوفاً عليها من السرقة، وفي القرن الثاني عشر، كانت مكتبة ـ كلوني ـ تعتبر أكبر مكتبة في أوروبة ولا تحتوي سوى خمس مائة وسبعين كتاباً! ↑
- () المكتبات في الإسلام ـ ص 134 نقلاً عن المكتبات العربية في العصر العباسي ـ بينتو وأولغا. ↑
- () مختصر تاريخ العرب (سيد أمير علي) ترجمة عفيف البعلبكي (ص 288) بيروت 1961. ↑
- () في ختام القول عن طرابلس لا بد من الإشارة إلى ما زعمه زاعم عن العلاقة بين جلال الملك والصليبيين، معتمداً في ذلك ـ على زعمه ـ على نصين: الأول لابن الفرات والثاني لسبط ابن الجوزي. أما الزعم فهو أن جلال الملك أرسل رسولين إلى ريموند دي سانت جيل يعرض عليهم الدخول في طاعتهم ويتعهد بدفع الأموال لهم وتأمين مرور جيوشهم بإمارته بل بالغ فطلب إرسال أعلام صليبية ليرفعها فوق طرابلس للدلالة على التبعية. وتمخضت سياسة المهادنة التي اتبعها جلال الملك لتأمين سلامة إمارته من الخطر الصليبي بعد أن تعهد بدفع 15 ألف دينار للصليبيين وحرر نحو ثلاثمائة أسير وقدم لهم عدداً من الخيول. ويقال إنه تعهد بتسليم طرابلس للصليبيين إذا نجحوا في الاستيلاء على بيت المقدس.
ويكفي في الرد على هذه المزاعم أن نقول: إن جميع من أرخوا لتلك العهود لم يشيروا إلى ذلك أدنى إشارة مما يدل بوضوح على أن هذا القول هو افتراء على الحقيقة وتزوير للتاريخ.
وإليك أسماء هؤلاء المؤرخين: ابن القلانسي، وابن الأثير، وابن العديم، وأبو الفداء. ↑
- () كان العماريون قضاة طرابلس الشيعة ابتداء من 440هـ/ 1048، ولكن الاستيلاء على المدينة والاستقلال بها لم يتم إلا سنة 462هـ/ 1070 كما رأينا وهي تتطابق مع السنة التي اجتاز فيها ألب أرسلان الفرات ودخل الغز سورية من الشرق والشمال لإنهاء ما تبقى فيها من حكم فاطمي. ↑
- () ابن شداد، أعلاق (لبنان ـ الأردن وفلسطين) ص 107، أيضاً.
Sobernheim. Art. Ibn Anmar. E.L. T. 2. P. 382. ↑
- () ابن الأثير ج 10، ص 310 ـ 311. ↑
- () ابن القلانسي، ص 146. ↑
- () ابن شداد، ذكر سابق ص 107، أيضاً. Sobernheim, Op. ett P. 382. (B). ↑
- () ابن القلانسي ص 97 ـ 98 : أيضاً: مادة ابن عمار المذكورة سابقاً. ↑
- () G.Wiet. art Na…. EL. P. 2. ↑
- () ابن الأثير، الكامل (ب) ج 10، ص 203. ↑
- () ابن القلانسي، ص 139، أبو الفدا، مختصر ج 2، ص 213. ↑
- () المصدر السابق ص 214. ↑
- () ابن الأثير، ذكر سابقاً ص 344. ↑
- () ابن العديم، ج 2، ص 150. ↑
- () ابن الأثير ص 452 ـ 453، أبو الفدا، ج 2، ص 223. ↑
- () المصدر السابق، ص 217؛ ابن القلانسي، ص 146. ↑
- () المصدر السابق، ص 147. ↑
- () ابن الأثير (ب) ص 412، أبو الفدا، ج 2، ص 220 ـ 221. ↑
- () فولني، فرنسوا. سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر، ترجمة حبيب السيوفي. جزءان، المجلة المخلصية، صيدا، 1948 ـ 1949. ج 2 ص 16. ↑
- () ISMIL., Adel. Documents Diplomatiques et consulaires relatives à l’histoire du Liban et des pays du proches – orient de XVLL siècles à nos jours, 32 tomes. Editions des œuvres politiques et historiques. Beyrouth, 1975 – 1990. T. PP. 367. (F 12. 180e Tripolie le 19/3/1812) وثائق وزارة الخارجية الفرنسية المحفوظة في دار الوثائق القومية في باريس وترمز مجموعة الوثائق المذكورة إلى Par les Minitères et les administrations qui dependent (serie F) وأشرنا إلى المركز القنصلي الصادرة عنه هذه الوثيقة ثم تاريخها في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () ISMAIL. Op. Cit. T. PP. (379-76). ↑
- () Loc, Cit لمزيد من المعلومات حول مقاطعات ولاية طرابلس. راجع إسماعيل جودت، تاريخ جودت. ترجمة عبد القادر الدنا، بيروت، سنة 1308هـ، ص 353؛ هنري غيز، بيروت ولبنان منذ قرن ونصف قرن. ترجمة مارون عبود، جزءان، بيروت، 1949 ـ 1950 ج 1 ص 330: فرنسوا فولني. مصدر سابق، ج 2 ص 30. ↑
- () ملاحظة: الجردة قافلة مؤن غذائية وحبال يتوجه بها إلى البادية لملاقاة قافلة الحج الشامي. لمزيد من المعلومات راجع المصدر السابق، ج 1 ص 16: أحمد البديري الحلاق. حوادث دمشق الأهلية (1741 ـ 1763)، مخطوط نشر أحمد عزت عبد الكريم، القاهرة، 1959 ص 47. ↑
- () ISMAIL., A. Op. Cit., T. 4 P. 367. ↑
- () Ibid. PP. (364 – 66), F 12 – 1250e Tripoli le 19/3/1819. لمزيد من المعلومات حول قلعة طرابلس، راجع: أسد رستم. آراء وأبحاث. بيروت، 1965، ص (43 ـ 53). ↑
- () ملاحظة: شريف: جمع شريف: من كان من المسلمين من السلالة النبوية. ↑
- () ملاحظة: الانكشارية اليرلية: يظن أنهم من بقايا الحاميات العثمانية ممن أقامهم السلاطين العثمانيون عقب فتح سوريا حاميات في ولاياتها، ثم أهملت الدولة تجديد هذه الحاميات فلجأ رؤساؤها، وقد طال مقامهم في تلك البلاد، إلى تجنيد أخلاط من أبناء بلاد الشام من أهل الصناعات والحرف وغيرم، حتى أصبح يطلق عليهم اسم (انكشارية يرلية أو بلدية). ثم أصبحوا أشبه ما يكونون بالعصابات يلتف كل منهم حول زعيم، وعظم شأنهم. ↑
- () ISMAIL., Op. Cit, T. 4 P. 367, F 12 – 1850e Tripoli le 19/3/1812. ↑
- () Loc, cit, F2 – 1850e Tripoli le 19/2/1812. ↑
- () أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية مجموعة مذكرات ووثائق تركيا: Mèmires et Documents Fonds- Divers des Archives Etrangères, Turquie. سوف ترد هذه المجموعة الوثائقية في حواشي بحثنا تحت تسلسل (M. et D) Turquieli ويلي ذلك رقم المجلد ثم رقم الوثيقة (Doc) وتاريخها في اليوم والشهر والسنة. راجع (M. et D) Turquie T, 9 Doc. 24 Alep le 6/4/1816. ↑
- () F 12 – 1850 e Tripoli le 19/3/1812. ↑
- () (M. et D) Turquie, T. 20 Doc 36 le 1/9/1833. ↑
- () صلح باساروفيتز تم عقده بين العثمانيين من جهة والنمسا والبندقية من جهة أخرى، وأمكن التوصل إلى اتفاق انتزع بمقتضاه من العثمانيين بلغراد وسمندريا وأراضي أخرى منها مساحات كبيرة من الصرب، كما نص الصلح على أن يستعيد رجال الدين الكاثوليك امتيازاتهم القديمة في الأراضي العثمانية. مما أتاح للنمسا التدخل في شؤون الدولة العثمانية باسم حمايتهم. لمزيد من المعلومات، راجع: أحمد عبد الرحيم مصطفى. في أصول التاريخ العثماني. دار المشرق، القاهرة، بيروت، 1983. ص 156 ـ 157. ↑
- () SHAMIR, Shimon. The Azm Wali of Syria, (1724 – 1785). A dissertation presented to Faculty of Princeton in candidacy for the degree of philosophy, 1960, P. 22. ↑
- () عبد الكريم رافق. بلاد الشام ومصر من الفتح العثماني إلى حملة نابوليون بونابرت. دمشق، 1968، ص 318. ↑
- () ملاحظة: العوانية جمع عواني وأصبحت تطلق على الأشخاص الذين يساعدون أصحاب النفوذ في اعمال الإساءة وابتزاز المال، وعرف المال الذي يجمع على هذا الطريق باسم مال العوان. المرجع نفسه، ص (223 ـ 224). ↑
- () ملاحظة قبوجي: من الكلمة التركية «قابي» أي الباب، ألحقت بها جي أداة النسب إلى الصنعة، فالقابيجي هو بواب في دائرة قصر السلطان، كان يكلف ببعض المهمات لضبط مخلفات الولاة وكبار الموظفين المتوفين، والقابجي أو القابوجي باشا هو رئيس القابجية. ↑
- () عبد الكريم رافق، وج 3، ص 334: Shamir, op. cit, P. 17. ↑
- () المرجع نفسه، ص 335. ↑
- () RAFEK, (A.K) The province of Damascus (1724 – 1785), Beirut, 1966, PP. 6 – 9. ↑
- () ملاحظة: المالكانة: لما كان تلزيم الضرائب لسنة واحدة وانتقاله من يد لأخرى، وفي كل مرة تزداد قيمته حتى يصبح في النهاية عبئاً باهظاً على عاتق الفلاحين. أصدر السلطان مصطفى الثاني (1695 ـ 1703) في أوائل حكمه قانوناً بتحويل المقاطعات (الالتزامات السنوية) إلى مدى الحياة وأطلق عليها مالكانات، ويدفع صاحب المالكانة عدا الاميري المقرر على أرضه مالاً معجلاً أو حلواناً ورسوم أخرى متنوعة، على أن يكون له إيراد المالكانة كله. حتى إذا مات صاحب المالكانة عرضت للمزايدة. على أن يكون لأبناء المتوفي الحق بالاحتفاظ بها، إذا هم أظهروا جدارة باستغلالها وتأدية أموالها. أنظر: Gibb and Bown. Hamlton and Harold. Islamic Society and the West. V. 1 in 2 parts, London, 1951, T. P. 259. ↑
- () ملاحظة: القالي: نبات صحراوي يحرق في حفرة خاصة ويصدر رماده إلى أوروبا لصناعة الزجاج والصابون. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق. ص (316 ـ 317). ↑
- () ملاحظة: لم يصل عيسى اسكندر المعلوف إلى قرار نهائي حول أصل هذه الأسرة، راجع: (قصر أسعد باشا العظم) المشرق م 242/ 1926هـ، ص (5 ـ 6)، و(المرحوم جميل بك العظم)، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، م 14 ص 56؛ ويرجح يوسف جميل نعيسة أن أصول هذه العائلة تركية، راجع: مجتمع مدينة دمشق جزءان. دمشق، 1986، ج 2، ص 375. ↑
- () ملاحظة: الطوخ: في التركية توغ وطوغ، وهي من أصل صيني وعرفها الترك قديماً فكانت عبارة عن عمود يعلق به ذيل ثور، فقد كان الثور مقدساً وهو طوطم الأتراك الغز، حتى ليظن أن عشائرهم تسمت باسمه ثم استبدل الترك ذيل الحصان بذيل الثور. والطوغ عند الأتراك العثمانيين مزراق في رأسه كرة مذهبة قد يعلوها هلال، وتعلق بالمزراق تحت رأس الكرة خصله من ذيل مصبوغة باللون الأحمر. وقيل إن الكرة تمثل الشمس، والهلال يمثل القمر، وشعر ذيل الحصان يمثل أشعة الشمس. وكان لرجالات الدولة العثمانية أطواخ بحسب منازلهم. فللسلطان سبعة أطواخ وقيل ستة، وللوزير الأعظم خمسة أطواخ وقيل ثلاثة، وللوالي طوخان. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص 316. ↑
- () Shamir. Op. Cit. PP. (19 – 20). ↑
- () Ibid., P. 20. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص 318. ↑
- () مخايل بريك. تاريخ الشام، نشره قسطنطين الباشا، حريصا، 1963. ص (123 ـ 127): Shamir. Op. Cit, PP (33 – 36). ↑
- () Ibid., PP. (43 – 44). ↑
- () ملاحظة: براءات: مفرد براءة، من كلمة براءة العربية، بمعنى ميزة أو إعفاء، وبالتالي شهادة تعطي الإعفاء أو الميزة. أنظر: جب وبون، هاملتون وهارولد. المجتمع الإسلامي والغرب، ترجمة أحمد بن عبد الرحيم مصطفى، جزءان، دار المعارف، القاهرة، 1970 ـ 1971، ج 1 ص 174. ↑
- () والفكرة أن الإسلام خاتمة أديان السماء، وأنه قد حرص بمبادئه على حماية دور العبادة للأديان التي سبقته، فإن التوسع في بناء الكنائس في نظره لا مبرر له. ↑
- () Shamir. Op. Cit. PP. (43 – 44). ↑
- () Abu-Husayn, Abdul Rahim, provincial leader – ships in Syria (1575 – 1650). American university of Beirut, 1985. PP. (58 – 59). ↑
- () كان أفراد أسرة المرعبي يتمتعون بالشروط المطلوبة في المرشح للالتزام، فقد كانوا يحتلون مركزاً اجتماعياً لائقاً بدليل نعتهم بلقب المشايخ: يوم كان هذا اللقب يقتصر على وجهاء القرى في أرياف بلاد الشام. ويوم كان المشايخ يعملون كملتزمين صغار، وبالإضافة إلى ذلك فقد برع آل المرعبي بالأعمال العسكرية، فاروق حبلص. تاريخ عكار الإداري والاجتماعي، والاقتصادي (1700 ـ 1914)، ص (24 ـ 27): بولس مسعد الحلبي. (صفحة مطوية من تاريخ لبنان ـ الشيخ عيسى حمادة المتوالي)، المشرق. م 38، سنة 1940، ص (37 ـ 38). ↑
- () بولس مسعد الحلبي المصدر السابق، المشرق، م 38، ص (37 ـ 38). ↑
- () فاروق حبلص. مرجع سابق ص 37. ↑
- () Shamir, Op. Cit., 44. ↑
- () Ibid., P. 45. ↑
- () Ibid., P. 48. ↑
- () A, E, B 1116 Tripoli le 8/4/1726 ترمز الأحرف الثلاثة الأولى إلى وثائق الخارجية الفرنسية المحفوظة في أرشيف دار الوثائق الفرنسية في باريس تحت عنوان (Rèperatoire numerique de la sous-serie (b), correspondances consulaire, letters reçes). وتدل الأرقام التالية إلى رقم المجلد ويليه اسم المركز القنصلي الصادرة عنه الوثيقة ثم تاريخها في اليوم والشهر والسنة. ↑
- () ملاحظة: الفيكونت اندرزل: إنه جان باتيست لويس بيكون، سفير فرنسا في الأستانة (1734 ـ 1737). راجع: ISMAIL. Op. Cit., Y. 1 P. 404. ↑
- () Masson, Paul. Histoire du commerce Français dans le levant au XVII siècle. 1896 Paris, P. 254. ↑
- () Charles Roux, François. Les Echelles de Syrie et de Palestine, Paris, 1927, P. 46. ↑
- () Shamir. Op. Cit., P. 46. ↑
- () Ibid, Op. Cit, PP. (48 – 49). ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 30/11/1726. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 10/11/1726. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 15/3/1726. ↑
- () Shamir, Op. Cit. P. 48. ↑
- () Op. Cit. le 20/11/1725. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 2/3/1727. ↑
- () Ibid. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 25/10/1730. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 16/7/1730. ↑
- () Shamir, Op. Cit, PP. (56 – 57). ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli le 25/3/1727. ↑
- () عبد الكريم رافق، مرجع سابق، ص 300 وص (318 ـ 319). ↑
- () أحمد عبد الرحيم مصطفى. مرجع سابق، ص (158 ـ 159). ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص 319. ↑
- () ملاحظة: كاخيا: نحتها الأتراك نحتاً مرتجلاً من كتخدا وتعني الوكيل، وكانت تطلق على المندوب أو المعاون. والمساعد من أمور الدولة. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص 319. ↑
- () ملاحظة: الديوان: مصطلح فارسي يعني المكان الذي يجتمع فيه لفصل الدعاوي أو النظر في أمور الدولة. ↑
- () A.E.B’ 1116 Tripoli (revolte arrivée à Tripoli en octobre 1730). ↑
- () Shamir. Op. Cit. PP. (58 – 61). ↑
- () Ibid. PP. (60 – 61). ↑
- () A.E.B’ 1123 Seyda La 4/1/1731. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص 320: Op. Cit, P. 61. ↑
- () Shamir, Op. Cit., P. 61. ↑
- () Ibid, P. 62. ↑
- () A,E,B’ 1116 Tripoli le 12/4/1731. ↑
- () Ibid, le, 15/4/1731, Charles-Roux. Op. Cit, PP. (215 – 217). ↑
- () Ibid, A.E.B’ 1023 Seyda le 4/10/1731. ↑
- () عبد الكريم رافق. مرجع سابق، ص (32 ـ 321). ↑
- () المرجع نفسه، ص 321. ↑
- () Shamir. Op. Cit. PP. (65 – 68); A.E.B’ 1116 Tripoli, mars et may, 30/7/21 et 26/8/1732. ↑
- () راجع ترجمته في: الغدير، م. س، 4/ 437 ـ 452. ديوان ابن منير الطرابلسي، جمعه وقدم له د. عمر عبد السلام تدمري، بيروت: دار الجيل، ص 11 ـ 57، والمعلومات الواردة هنا مأخوذة من هذين المصدرين.
وتوجد ترجمته في: وفيات الأعيان، 1/ 151، رقم 64. الأنساب، 1/ 183، تاريخ مدينة دمشق، 6/ 32، رقم 274، مختصر تاريخ دمشق، 3/ 306، البداية والنهاية، 12/ 288، حوادث سنة 548هـ، مجالس المؤمنين، 2/ 537، أمل الآمل، 1/ 35، رقم 28، شذرات الذهب، 6/ 241، حوادث سنة 548هـ، نسمة السحر، مج 6/ ج 1/ 40، روضات الجنات، 1/ 261، رقم 82، الأعلام، 1/ 260، تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان، مج 14/ 248، تاريخ حلب، 4/ 220. ↑
- () ديوان ابن منير، م. س، ص 127. ↑
- () المصدر نفسه، ص 14. ↑
- () راجع: المصدر نفسه، ص 20 ـ 25. ↑
- () المصدر نفسه، ص 41. ↑
- () ابن حجة الحموي، المطبوع على هامش المستطرف، 2/ 44، ديوان ابن منير الطرابلسي، م.س، ص 160 ـ 170. ↑
- () أعيان الشيعة، م. س، 6/ 302. ↑
- () الأهراء: متاع البيت. ↑
- () أي: سواء. ↑
- () في أعيان الشيعة، 8/ 307: و«لأمضينَّ». ↑
- () في أعيان الشيعة: وأزويها أشر. ↑
- () الأبيات الثلاثة الأخيرة من قصيدة ابن منير. ↑
- () ديوان ابن منير، ص 91. ↑
- () المصدر نفسه، ص 91 و92. ↑
- () المصدر نفسه، ص 183. ↑
- () هو أبو الفضل، عبد القادر بن علي بن محمد الشريف الواسطي. اتصل بمحمد بن بوري، صاحب بعلبك، وكان يعلم ولده مجير الدين آبق. قتل سنة 548هـ. ↑
- () هو مجير الدين آبق الحيدرة بن الصوفي، أخو رئيس دمشق. ↑
- () هو وزير الموصل أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور، المتوفى سنة 559 وقيل 558هـ. وسيأتي التعريف بمصادر ترجمته في موضعها. ↑
- () معجم الأدباء، م. س، 8/ 127 و128. ↑
- () ديوان ابن منير، م. س، ص 31. ↑
- () معجم الأدباء، م. س، 19/ 46. ↑
- () المراد من الغلمان في مصطلح الرجايّين هو الخصّيص بالشيخ، حيث أنه تلمّذ عليه وصار من بطانة علومه. ↑
- () رياض العلماء، ج 3 ص 141 ـ 142. ↑
- () سيوافيك من صاحب رياض العلماء خلافه وأن الذي تتلمذ عليه هو تلميذ القاضي لا نفسه، وأن الاشتباه حصل من الوحدة في الاسم واللقب. ↑
- () الرسائل العشر ص 117. ↑
- () الرسائل العشر ص 155. ↑
- () الرسائل العشر ص 269. ↑
- () رجال الشيخ ص 2. ↑
- () فهرس الشيخ ص 24. ↑
- () الغيبة ص 78. ↑
- () لاحظ المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173، والكامل لابن الأثير ج 8 ص 81. ↑
- () ريحانة الأدب ج 5 ص 40. ↑
- () فهرس منتجب الدين ص 215 ـ 216. ↑
- () بحار الأنوار ج 102 ـ فهرس اشيخ منتجب الدين ـ ص 242. ↑
- () ووصفه الشيخ منتجب الدين: بالحلي كما نقلناه آنفاً. ↑
- () وبما أن كنية القاضي هو أبو القاسم، ملازم ذلك أن يكون اسم ابنه القاسم لا أبو القاسم، ومن جانب آخر فإن التسمية بنفس القاسم وحده بلا ضم كلمة الأب إليه قليل في البيئات العربية، فيحتمل وحدة الكنية في الوالد والولد. ↑
- () وقد عرفت أن الصحيح هو «الحلبي». ↑
- () قد مضى أنه من تلاميذ القاضي. ↑
- () روضات الجنّات ج 4 ص 205 والظاهر أن الحافي تصحيف القاضي. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 6 ص 51 الطبعة الأولى القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () نفس المصدر ج 6 ص 51. ↑
- () أنظر دائرة المعارف تشيع الفارسية ج 6 ص 43 طهران الطبعة الأولى 1376 شمية. ↑
- () مستدركات أعيان الشيعة ج 3 ص 145 ـ 146 بيروت دار التعارف. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 6 ص 51 الطبعة الأولى القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () آثار البلاد «طبع كوتينكن»، ص 17. ↑
- () ينقل ياقوت تفصيلاته عن طهران عن لسان شخص من أهل الري يدعى صادق. ↑
- () ورد في معجم البلدان أن المسافة بين طهران والري تبلغ فرسخاً واحداً. ↑
- () يذكر ياقوت هنا بأن هذه الأشجار والبساتين هي التي تحمي طهران من الأعداء. ↑
- () يقول ياقوت هنا بأن أهالي المحلة ينتقلون إلى محلة أخرى. ↑
- () لم ترد هذه العبارة التي تتحدث عن أمر عامل الخراج مع أهل طهران في معجم البلدان. ↑
- () لم ترد هذه العبارة التي تتحدث عن الفاكهة في طهران في معجم البلدان. ↑
- () وردت في الترجمة الإنكليزية للملخص «تاريخ طبرستان» طبع ليدن، صفحة 19 عبارة «في هذا المكان الذي هو طهران ودولاب» كما وردت في النص الفارسي. ↑
- () هو السفير الذي بعث ملك (قسطيلية) إحدى ممالك إسبانيا هنري الثالث (792 ـ 808) إلى سمرقند، وقد طبعت رحلته ومذكراته في كتاب إنجليزي تحت عنوان (Narrative of Embassy). ↑
- () Pietro della valle من أهل روما، اشتغل في السياحة في إيران وبلدان الشرق بين عام 1025 و1032. ترجمت مذكراته المعروفة بـ Viaggi di Petro della Valle إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وفي عام 1892م طبعت ترجمة حياته باللغة الإنجليزية. ↑
- () Sir Thomas Herbert، قدم هذا الشخص إلى إيران برفقة سفير الملك شارل الأول (1008 ـ 1059) ملك بريطانيا. ↑
- () Jonas Hanway مؤلف الكتاب الموسوم بـ (Historical account of British Trade over the Caspian) المصنف عام 1157. ↑
- () ورد ذلك في كتاب الموسوم Voyage dans l’Empire Othoman l’Egypte et la Perse) الذي يتألف من ستة مجلدات. ↑
- () كان James J. Morier في إيران خلال فترتين الأولى بين 1223 و1224 والثانية بين 1226 و1230. ↑
- () Sir W. Ouseley الذي كان في إيران في عام 1226. ↑
- () Vauban (1043 ـ 1119) مهندس عسكري فرنسي مشهور. ↑
- () النسخة الوحيدة في باريس، صفحات 118 ـ 119. (طبع الكتاب بعد ذلك). ↑
- () راجع مقدمة آثار البلاد، طبع ووستفلد ص 4 و11. ↑
- () كتب المؤرخ الفرنسي (جان غوره) كتاباً في سيرة آغا محمد خان بعنوان (الخصي المتوج) خالف فيه بعض المشهور من الروايات والآراء في هذه السيرة، وترجم ذبيح الله منصوري هذا الكتاب إلى الفارسية. وهو من مصادرنا الرئيسية، مضافاً إلى ما كتبه كل من سعيد نفيسي في كتابه (تاريخ إيران الاجتماعي السياسي)، ومهدي بامداد في كتابه (شرح حال رجال إيران). ↑
- () نقل المؤرخ الفرنسي «جان غوره» رواية أخرى في خصاء «آقا محمد خان». ↑
- () كان القاجاريون ينقسمون إلى شعب وطوائف. إحداها طائفة «قوانلو» أو «قويونلو» وإليها ينتمي «آقا محمد خان» وخلفاؤه في ملك إيران. وطائفة أخرى تعرف باسم «دولو» وكان بين الطائفتين عداوة شديدة. ↑
- () «دادو» معناها: العبد. ولعل أسلافه كانوا من العبيد فعرفت أسرته بهذه الشهرة. ↑
- () إسم وزير «أفراسياب» ملك «توران» على ما في «الشاهنامة». ↑
- () إذا كان سمي جده الأعلى فقد عرف في العائلة باسم «بابا خان». ↑
- () المحاربون بالبنادق. ↑
- () هذه الترجمة عن الفارسية المترجمة عن الإنكليزية التي ترجمها السيد غلام رضا سعيدي. ↑
- () وقت إقامة (سايكس) فيها سنة 1910. ↑
- () أول مرة ذكر فيها تعبير مشهد المقدسة، كانت في كتابات (بايستقر الميرزا شاه زاده التيموري). ↑
- () عند موت الفردوسي رفض فقيه المدينة آنذاك أن يدفن الفردوسي في مقبرة المدينة لأنه شيعي المذهب. فدفن في حديقته الشخصية، وكان مخالفوه يذكرونه بسوء خلال حياته عند لقائهم بالسلطان محمود. ↑
- () «تاريخ فرلاشته» فصل عاد لشاهية. ↑
- () ذو الكفل: إسم بلدة. والفيحاء: هي مدينة الحلة. ↑
- () ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ سورة البقرة، الآيتان: 142 ـ 143. ↑
- () ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ سورة البقرة، آية: 143. ↑
- () نأسف أن فقد منا إسم كاتب هذا البحث. ↑
- (*) المقصود بالطالبيين هنا: المنسوبون إلى علي بن أبي طالب والزهراء عليهما السلام. ↑
- () الدكتور عبد الفتاح أبو علية، الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبد العزيز، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز الرياض 1976 ص 47. ↑
- () المصدر السابق ص 48 نقلاً عن:
Vidal, The Oasis of (K. Hasa), P. 97 أنظر: The Moslem World, Issue 23, P. 304. ↑
- () M. Niebuhr (1792), Travels Through Arabia, translated into English by Robert Heron, EDINBURGH, Vol. II. P. 139. ↑
- () M. Niebuhr, P. 185. ↑
- () John Lewis Burckhardt, Notes on the Bedouins and Wahabys, reprinted in Reading 1992, P. 27. ↑
- () J. L. Burckhardt, P. 28. ↑
- () Burckhardt, P. 32. ↑
- () Ibid, P. 47. ↑
- () Dozy, R. P. A., Essai sur L’histoire de L’Islamisme, (Trans. By7 V. Chauvin) Leiden and Paris 1879, P. 220, quoted from j. Wellhausen (1975), The Religiopolitical Factions in Early Islam, Oxford, PP. 149 – 150. ↑
- () Muller, A., Der Islam in Morgen – Und Abendland, Berlin, 1885 – 87, quoted from J. Wellhausen, The Religio – Political Factions, P. 150. ↑
- () S. W. Zwemer, F. R. G. S. (1900), Arabia The Cradle of Islam, New York, P. 118. ↑
- () D. G. Hogarth (1922), Arabia, Oxford, P. 76. ↑
- () J. Wellhausen (1975) The Religiopolitical Faction in Early Islam, Oxford, P. 150. ↑
- () Adam, Mez, The Renaissance of Islam, Translated from Germany by Salahuddin Khuda Bakhsh and D. S. Margoliouth, PATNA 1937, P. 59. ↑
- () Marshal G. S. Hodgson, «How Did The Early Shi’a Become Sectarian» Journal of the American Oriental Society, 1955, LXXV, P. 3. ↑
- () W. Montgomery Watt (1961), Islam and The Integration of Society, Northwestem University Press, Great Britain, PP. 104 – 105. ↑
- () Op. Cit. P. 109. ↑
- () Yann Richard (1995), Shi’ite Islam, Translated by Antonia Nevill Oxford P. 23. ↑
- () Heinz Halm, (1997), Shi’a Islam. From Religion to Revolution, Translated from the German by Allison Brown, Princeton USA P. 170, also see: Heinz Halm, (1991), Shi’ism, Edinburgh, P. 156. ↑
- () الطبري، تاريخ الأمم والملوك، الجزء الثاني ص 55. ↑
- () F. Omar, The Islamization of the Gulf, in C. E. Bosworth, Charles Issawi, Roger Savoy, and A. L., Udovitch (eds) (1989), The Islamic World, Princeton, New Jersey P. 252. ↑
- () عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، مؤسسة الرسالة بيروت الجزء الثاني ص 726. ↑
- () السيد محسن الأمين العاملي. أعيان الشيعة، بيروت 1986، الجزء الأول ص 26، وأنظر «الشيخ محمد رضا المظفر»، تاريخ الشيعة، بيروت 1987، ص 255. ↑
- () ابن عساكر (499 ـ 571) ـ تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، بيروت 1997، ح 46 ص 25. ↑
- () ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر بيروت (د. ت) جد 4 ص 97. ↑
- () ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار إحياء التراث العربي. بيروت (د. ت) المجلد الأول ص 37. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 150. ↑
- () A. H. Hourani and S. M. stern (eds), The Islamic City (1970), Oxford PP. 88 – 90. ↑
- () محمد اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي المجلد الثاني ص 150. ↑
- () F. Omar The Islamization of the Gulf, in C. E. Bosworth, Charles Issawi, Roger Savoy, and A. L. Udovitch (eds) (1989), The Islamic World, Princeton, New Jersey P. 252. ↑
- () Fred Mcgraw Donner (1981), The Early Islamic Conquests, Princeton, New Jeresy, P. 231. ↑
- () Donner, Ibid, P. 230. ↑
- () القرطبي ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، 1995 الجزء الثالث ص 251 ـ 252. ↑
- () القرطبي ـ الاستيعاب ، المصدر السابق ص 251 ـ 252. ↑
- () ابن سعد ـ الطبقات الكبرى، الجزء الخامس ص 563. ↑
- () Saleh Ahmad al – Ali, The Foundation of Baghdad, in The Islamic City, P. 90. ↑
- () عمر رضا كحالة، قبائل العرب القديمة، مؤسسة الرسالة، بيروت الجزء الثاني، ص 727. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجواهر، بيروت 1970 المجلد الثالث ص 103. ↑
- () The History of al – Tabari, Translated by Aadrian Brockett, New York, Vo. XVI, P. 71. ↑
- () ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بيروت، المجلد الثاني ص 50. ↑
- () الطبري، تاريخ الطبري، بيروت 1998، الجزء الخامس ص 242. ↑
- () القلقشندي، نهاية الأرب ص 338. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 214. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، الجزء الثالث، ص 133 ـ 244. ↑
- () ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت 1990، الجزء الرابع، ص 126. ↑
- () المسعودي، مروج الذهب، مصدر سابق، الجزء الثالث، ص 231. ↑
- () المسعودي، هامش ابن الأثير، الجزء السادس، ص 7. ↑
- () أحمد بن داود الدينوري، الأخبار الطوال، ص 231. ↑
- () محمد بن أحمد المقدسي ـ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، اختار النصوص وعلق عليها وقدم لها غازي طليمات، دمشق 1980 ص 105 ـ 106. ↑
- () Adam Miz The Renaissance of Islam … P. 60 see also: Al – Muqaddasi (1994), The Best Divisions For Knowledge Of The Regions, Translated by Basil Anthony Collins, Reading U. K. P. 88. ↑
- () Adam Miz, The Renaissance of Islam … P. 74. ↑
- () المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 106. ↑
- () Naser – e Khosraw’s Book of Traveles (Safarnama) New York 1986, Translated from Persian By W. M. Thackstor., Jr pp. 87 – 88 – 90. ↑
- () الشيخ علي البلادي، أنوار البدرين في تاريخ علماء القطيف وهجر والبحرين، ص 394. ↑
- () Hogarth, Arabia, p. 81. ↑
- () الحسن بن يعقوب الهمداني، صفة جزيرة العرب، جمعها محمد بن علي الأكوع الحربي، الرياض 1974 ص 309. ↑
- () سفرنامه، رحلة ناصر خسرو، ترجمها إلى العربية د. يحيى الخشاب، بيروت 1970 ص 141 ـ 142. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض، بيروت 1979 ص 40 ـ 41. ↑
- () رحلة ابن بطوطة، تحقيق د. عبد الهادي التازي، الرباط 1997 المجلد الثاني ص 151 ـ 152. ↑
- () أنظر: عبد الله فهد النفيسي (1967)، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، الكويت ص 70. ↑
- () Peter Jackson and Lawrence Lockhart (eds), The Cambridge History of Iran (1986), Cambridge, CUP, Vol. 6, P. 656. ↑
- () Peter Jackson and Lawrence Lockhart (eds), The Cambridge History of Iran, Vol. 6. P. 661. ↑
- () Heinz Halm, Shi’a Islam …, P. 107. ↑
- () فهمي هويدي (1408هـ)، إيران من الداخل، القاهرة ص 58 نقلاً عن Said Arjomand, Shi’ite legitimate Domination in Iran. ↑
- () ينظر كتاب الشيخ يوسف البحراني (لؤلؤة البحرين) وكتاب (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والاحساء والبحرين) للشيخ حسن علي البلادي للاطلاع على قصص بعض علماء الشيعة المهاجرين إلى إيران في العهد الصفوي ومزاولتهم لمناصب قضائية عليا في فترات متفاوتة. ↑
- () John Shaw and David Long (1982), Saudi Arabia Modernization, the Impact of Change and Stabilit, New York, P. 89. ↑
- () M. G al – Rumaihi (1976), Bahrain, Social and Political Change since the First World War, London, P. 26. ↑
- () J. G. Lorimer, C.I. F., (1915), Gazetteer Of The Persian Gulf, Oman and Central Arabia, Calcutta (India). P. 665. ↑
- () James A. Bill, Islam, Politics, and Shi’ism in the Gulf, Middle East Insight No. 3 1981, P. 7. ↑
- () M. G. Rumaihi, Bahrain, Social and Political Change since the First World War, Op. Cit. P. 26. ↑
- () يوسف محمد السميط، الخليج العربي: دراسة في أصول السكان، القاهرة 1970 ص 26. ↑
- () M. G. Rumaihi, Op. Cit., P. 26. ↑
- () Yann Richard (1995) Shi’ite Islam, Translated by Antonian Nevill Oxford, P. 119. ↑
- () Yitzak Nakash (1994) The Shi’is of Iraq, Princeton, New Jersey, P. 26. ↑
- () Yitzak Nakash, ibid, P. 28. ↑
- () Hanna Batatu (1978), The Old Social Classes and The Revolutionary Movements of Iraq, New Jersey, P. 140. ↑
- () Ibn Khaldoun (1967), The Muqddimah, An Introduction to History, translated from Arabic by Franzy Rosen Thal, London, PP. 99 – 100. ↑
- () Yitzak Nakash, Op. Cit, P. 28. ↑
- () للمزيد من الاطلاع على معرفة أصول السكان الشيعة في المنطقة الشرقية أنظر: حمزة الحسن، الشيعة في المملكة العربية السعودية، بيروت 1993 الجزء الأول ص 32 ـ 67. ↑
- () وذلك على إثر قراءته عشرات الآلاف من الكتب ـ مطبوعها ومخطوطها ـ واستخراج ما في كل كتاب مما يصلح أن يستند إليه وفهرسته على ظهر الكتاب، فلا تجد كتاباً في مكتبته إلا عليه فهرس بخطه مستخرجاً منه فوائد تصلح أن تستخدم في هذا الصدد، ولا وقع في يده كتاب من المكتبات الأخرى إلا وفعل به ذلك، فقد تجد في سائر مكتبات الهند كتباً عليها خطه الشريف، مسجلاً ما فيها من فوائد، وبذلك تعلم أنه قد وقع بيد السيد فقرأه كله وسجل عليه ملاحظاته، ومن هذا النوع في مكتبات الهند كثير، هذا عدا كتب مكتبته التي كانت تبلغ 30,000 كتاباً. ↑
- () شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، حقق بإشراف شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 4، 1406هـ، 1986م، الجزء الثالث، ص 464 و465. ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، تحقيق يزيد عبد العزيز الجندي، الجزء الرابع، ص 103. ↑
- () حجر بن عدي، بيروت، مؤسسة أهل البيت، ط 1، 1408هـ، 1988م، ص 136. ↑
- () معجم البلدان، 4/ 103. ↑
- () ابن منظور، لسان العرب، مادة عذر، ج 4، ص 552. ↑
- () راجع أعيان الشيعة، بيروت: دار التعارف، ط ، 1986، ص 568 ـ 586. ↑
- () راجع أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيروت: مؤسسة الأعلمي، الجزء الرابع، ص 187 ـ 212. ↑
- () تاريخ الطبري، الجزء الرابع، ص 200 و201. ↑
- () المصدر نفسه، ص 203. ↑
- () المصدر نفسه، الصفحة نفسها. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 6 ص 131 الطبعة الأولى القاهرة 1324هـ ـ 1906. ↑
- () نفس المصدر ج 6 ص 131. ↑
- () أبي جعفر محمد الطبري: تاريخ الطبري ج 5 ص 405 القاهرة دار المعارف. ↑
- () إن قمة حصار روست هي أعلى قمة من قمم جبال العراق ويبلغ ارتفاعها 3607 أمتار. ↑
- () إن الوحدات الرسمية لمقاييس مسح الأراضي في العراق تستند إلى الذرعة المترية فالمتر المربع هو الوحدة الأساسية للمقاييس الكبيرة الرسمية كالدونم العراقي (المشارة) والأولك. ويساوي الأول 2500 متر مربع أما الثاني فيساوي 100 متر مربع. وعلى هذا الأساس يصبح الكيلو متر المربع مساوياً 400 دونم عراقي. ↑
- () كلمة «جيا» كلمة كردية معناها جبل. ↑
- () كيري كلمة كردية ومعناها جبل عال. ↑
- () داغ كلمة تركية ومعناها جبل. ↑
- () راجع في حرف الألف بحثاً مستقلاً عن الأهوار، ففيه تفصيل عن تجفيفها لا بدّ من مقارنته مع هذا البحث. ↑
- () إن معدل كمية الطمي السنوية التي تحملها مياه نهر دجلة في بغداد تقدر بـ 3,2 مليوناً من الياردات المكعبة، كما يقدر معدل كمية الطمي السنوية التي تحملها مياه الفرات في الفلوجة بـ 1,22 مليوناً من الياردات المكعبة، غير أن ما يصل منها إلى البحر في الفاحر لا يزيد على عشر هذه الكمية إذ تترسب الكيمات الأخرى في البحيرات والأهوار الواقعة شمال البصرة. وتقدر كمية الغرين التي تصل خليج البصرة في كل سنة عن طريق شط العرب بزهاء مليون وربع مليون ياردة مكعبة، معظمها من كميات الطمي التي تحملها مياه نهر كارون وروافده وحدها بزهاء مليون ياردة مكعبة أي ما يساوي 1,800,000 طن، أما مياه الكرخة فتترك كل….. الذي تحمله في الأهوار الواقعة على الجهة اليسرى من نهر دجلة شمال البصرة. ↑
- ()هو غير نبوخذ نصر الثاني الشهير الذي حكم من (604 ـ 562ق.م) والذي وصلت بلاد بابل في عهده أوج عظمتها. ↑
- ()أخذت كش ـ قدم نص أدبي في العالم ـ تقديم وتحقيق ألبير نقاش وحسين زينة ـ لسان المشرق ـ بيروت ـ 1989 ـ من 44 ـ 46. ↑
- ()Harriet Crawford, Sumer and the Sumeri-an, Cambridge University Press, Newyork, 1991, p.10 ↑
- () من تراثنا اللغوي القديم ـ طه باقر ـ مطبعة المجمع العلمي العراقي ـ بغداد ـ 1980 ـ ص 21. ↑
- ()المصدر السابق ـ ص 20. ↑
- () أخذت كش ـ ص 11. ↑
- () تاريخ مختصر الدول لابن العبري ـ ص 255 ـ طبع بيروت، 1958. ↑
- () Ibrahim Al – Haidari, Ibid, S. 100 – 04. ↑
- () فرهاد إبراهيم، الطائفية والسياسة في العالم العربي ـ نموذج الشيعة في العراق، ترجمة عن الألمانية، مكتبة مدبولي، القاهرة 1996، ص 46. ↑
- () فرهاد إبراهيم، المصدر السابق، ص 46. ↑
- () I. Al – Haidari, Ibid, S. 102. ↑
- () أنظر: Stim, Ibid, S. 119. ↑
- () Al – Haidari, Sociologie, S. 101 – 102. ↑
- () محمد توفيق حسن، نهاية الإقطاع في العراق، بيروت 1958، ص 50. ↑
- () Oppenheimer, I, S. 31. ↑
- () Hitti, F. S. 26. ↑
- () Stein, S. 28. ↑
- () علي الوردي، دراسة، ص 101. ↑
- () ابن خلدون، المقدمة، ص 390. ↑
- () Al – Haidari, Sociologie, s. 103. ↑
- () إبراهيم فصيح الحيدري، عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، ص 110 وما بعدها. ↑
- () عثمان بن سند البصري، مختصر مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود، القاهرة 1952، ص 169. ↑
- () حنا بطاطو، مجلد 1، مصدر سابق، ص 63. ↑
- () علي الوردي، دراسة، ص 144. ↑
- () Al – Haidari, Sociologie, S. 106. ↑
- () بطاطو، العراق، ج 1، ص 59. ↑
- () إبراهيم فصيح الحيدري، عنوان المجد …. ص 111. ↑
- () علي الوردي، دراسة، ص 236. ↑
- () Oppenheimer, Die Bedunien, Bd III, 198, S. 286. ↑
- () إبراهيم فصيح الحيدري، المصدر السابق، ص 115 ـ 118. ↑
- () Longrigg, Iraq, P. 25. ↑
- () علي الوردي، دراسة، ص 236. ↑
- () Longrigg, P. 22 (Iraq). ↑
- () Dawson, S. E. an Inquiry into Land Tenure and Related, P. 26. ↑
- () إسحاق نقاش، شيعة العراق، ص 71 ـ 73. ↑
- () محمد علي الأردوباي، المثل الأعلى في ترجمة أبي يعلى الحمزة بن القاسم، تحقيق جودت القزويني، لندن، 1993، ص 41. ↑
- () ميرزا حسين النوري، مستدرك وسائل الشيعة، تبريز، ج 3، ص 400. وكذلك مس بيل، فصول من تاريخ العراق الحديث، ص 26. ↑
- () Al – Haidari, Sociologie, S. 107 – 108. ↑
- () ابن الأثير: ج 9، ص 609. ↑
- () هو أبو نصرخُرّه فيروز بن أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه. تولى بعد وفاة أبيه أبي كاليجار سنة 440هـ. ↑
- () ج 9، ص 611. ↑
- () ج 8، ص 276. ↑
- () ابن الأثير: ج 9، ص 19. ↑
- () المصدر نفسه، ص 20. ↑
- () ج 9، ص 611. ↑
- () الكامل ج 9، ص 612. ↑
- () النيل: بلدة على نهر الفرات. والأصل في اسمها هو نهر حفرهُ الحجاج من الفرات وسماه نيل مصر، وبه تسمت البلدة، وهي اليوم قرية عامرة قرب بابل على بعد حوالي خمسة أميال من مدينة الحلة. ↑
- () النهروان: بلدة اندرست وكانت على صدر نهر النهروان جنوبي بغداد. ↑
- () ج 9، ص 613. ↑
- () السواد: يعني العراق. قال الخطيب البغدادي، وإنما سمي السواد سواداً لأن المسلمين قدموا يفتحون الكوفة، فلما أبصروا النخل قالوا: ما هذا السواد فكلمة السواد أصبحت مدلولاً على الأراضي الزراعية الخصبة المكونة من ترسبات دجلة والفرات. أما حدود السواد فإنها تكاد تكون منطبقة على حدود اسواد مع اختلاف الجغرافيين المسلمين في تحديد الحد الشمالي له، فمنهم من يرى أن حدود العراق هي: في الطول من حد تكريت إلى حد عبادان على خليدج فارس.
وفي العرض عند بغداد في قادسية الكوفة إلى حلوان، وعرضه بواسط ـ من واسط إلى قرب الطيب، وعرضه بالبصرة ـ من البصرة إلى حدود جبى. هذا ما قاله الاصطخري أما الخطيب البغدادي فإنه يحدد العراق: من بلد إلى عبادان، وعرضه من العذيب إلى جبل حلوان. ومدينة بلد التي يقصدها الخطيب هي الموضع المعروف اليوم: بأسكي موصل، وتعرف باسم ([لط) أيضاً، وتقع على بعد 40 كلم شمالي غربي الموصل على ضفة دجلة اليمنى.
وقد تطلق كلمة (السواد) مضافة إلى إحدى المدن، فيقال: سواد الكوفة وسواد البصرة وسواد بغداد. ↑
- () ابن الأثير: ج 9 ، ص 627. ↑
- () ابن الأثير: ج 9، ص 626. ↑
- () ابن الأثير: ج 9، ص 626. ↑
- () أمير الحلة. ↑
- () قتلمش: هو ابن عم طغرل بك، وهو جد الملوك أولاد قلج أرسلان أصحاب قونية وقيصرية وأقصر وملطية. ↑
- () بليدة كثيرة البساتين والشجر نزهة بينها وبين بغداد عشرة فراسخ من جهة تكريت. ↑
- () بليدة قرب أوانا. ↑
- () بلدة قرب تكريت على قم الزاب الأسفل حيث يصب في دجلة. ↑
- () الكامل: ج 9، ص 630. ↑
- () حين تقارن بين احتقار هذا السلجوقي للعرب وتمجيد الصاحب بن عباد وزير البويهيين لهم حين أنشده بعض الشعوبيين قصيدة في مدحه يعرّض فيها بالعرب ويثني على الفرس فغضب الصاحب وطلب إلى أحد الشعراء العرب أن يرد عليه في مجلسه، وقال للشاعر الشعوبي: جائزتك جوازك، إن رأيتك بعدها في مملكتي ضربت عنقك.
حين تقارن بين الاثنين نعرف من هم البويهيون ومن هم السلاجقة. ↑
- () قال في معجم البلدان وهو يتحدث عن (عمر كسكر): العمر: هو الدير للنصارى، ذكر أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات إن العمر الذي للنصارى إنما سمي بذلك لأن العمر في لغة العرب نوع من النخل، وكان النصارى بالعراق يبنون أديرتهم عنده فسمي الدير به.
وهذا قول لا أرتضيه لأن العمر قد يكون في مواضع لا نخل به البتة كنحو نصيبين والجزيرة وغيرهما، والذي عندي فيه أنه من قولهم: عمرت ربي أي عبدته، وفلان عامر لربه أي عابد، وتركت فلاناً يعمر ربه أي يعبده، فيجوز أن يكون الموضع الذي يُتعبد فيه يسمى العُمَر، ويجوز أن يكون مأخذواً من الاعتمار والعمرة وهي الزيارة، وأن يراد أنه الموضع الذي يزار، ويقال جاءنا فلاناً معتمراً أي زائراً.
ويقال عمرت ربي وحججته أي خدمته، فيجوز أن يكون العمر الموضع الذي يخدم فيه الرب، وقد يغلب الفرع على الأصل بالكلية. ويجوز أن يكون من العمر الذي هو الحياة كأنهم سموه بما يؤول إليه لأن النصراني يفني عمره فيه. فهذا هو الحق في اشتقاقه (انتهى).
فالعُمْر إذاً هو الدير، أما أكمن: فلم أجد لها ذكراً في معجم البلدان، مع أنه تحدث عن: عمر كسكر، وعمر الحبيس، وعمر نصر، وعمر واسط. ↑
- () ج 9، ص 437. ↑
- () الجامعين: هكذا تلفظ بلفظ المثنى المجرور هي مدينة الحلة نفسها الواقعة بين بغداد والكوفة، وعرفت بحلة بني مزيد. وكان أول من عمرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي، وكانت منازل آبائه الدور من النيل، فلما قوي أمره، وكثرت أمواله انتقل إلى الجامعيين موضع غربي الفرات وذلك في شهر المحرم سنة 495 وكانت أجمة تأوي إليها السباع فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن والدور، وصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدة حياة سيف الدولة. ↑
- () ج 9، ص 608. ↑
- () ج 9، ص 641. ↑
- () الكامل: ص 642. ↑
- () ابن الأثير: ج 9، ص 641 ـ 643. ↑
- () مهما كان ذنبه عند البساسيري فإن من الوحشية استعمال هذه الأساليب في الانتقام. ↑
- () ج 9، ص 649. ↑
- () ج 10، ص 8. ↑
- () ج 10، ص 22. ↑
- () ابن الأثير: ج 10، ص 22. ↑
- () م. ن، ج 10، ص 22. ↑
- () م.ن. ↑
- () هو ابن عم طغرل بك جد الملوك السلاجقة أولاده قلج أرسلان أصحاب قونية وقيصرية وأقصرا وملطية. ↑
- () سلم الوصول، ص 317. ↑
- () سلم الوصول، ص 317. ↑
- () سلم الوصول، ص 317. ↑
- () علم أصول الفقه، لخلاف، ص 99. ↑
- () مصادر التشريع الإسلامي، ص 124. ↑
- () سلم الوصول، ص 322 نقلاً عنهما. ↑
- () سلم الوصول، ص 322 نقلاً عنهما. ↑
- () مصادر التشريع، ص 124. ↑
- () مصادر التشريع، ص 124، والاستدلال به كسابقه للأستاذ خلاف فيما يبدو. ↑
- () مصادر التشريع، ص 125. ↑