لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثالث عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
رصافة بغداد
وقبور فقهاء الشيعة
هذا المقال كان يراد به في الأصل دراسة عن رصافة بغداد، ولكن كاتبه تطرّق فيه إلى عدّة أمور مهمة صحّح فيها بعض الأوهام التي كان لا بد من تصحيحها:
إنّ لأصحابنا الشيعة ببغداد اليوم قبوراً يزورونها ومواضع يتبركون بها منها قبر بسوق السراي وآخر بسوق الهرج وثالث بسوق العطارين ولكون أكثر أصحابنا الشيعة لم يدرسوا خطط بغداد ولا تاريخ مقابرها ومساجدها سهل على جماعة من القليلي التتبع إقناعهم بأنّ هذه القبور المبهم تاريخها هي من قبور فقهائنا الشيعة الأعلام ـ رضي الله عنهم ـ وجعلوهم يزورونها ويتبركون بها ويعمرونها عند الاستهدام ويرمّونها حين الاسترمام، ويدفنون موتاهم بجوارها، ولو علم هؤلاء الصافية قلوبهم الحسنة نيابتهم من أصحاب هذي القبور؟ لكان لهم معها شأن آخر واعتقاد غير هذا الاعتقاد، ولكن أين العلماء الدارسون لتاريخ خطط بغداد ومقابرها ومساجدها فيرشدوهم إلى حقيقة تلك القبور ويبيّنوا لهم غلطات أولئك القليلي التتبع الكثيري التسرّع في البحث عن تاريخ القبور ـ رحمهم الله ـ.
طالما كنت أرى هذه الأحوال وألحظ سريان تلك الاعتقادات فأذوب أسفاً من تفشّي الجهل والبقاء على الأوهام وتصديق من لم يكن لهم علم بهذه الأمور من القوم الراحلين الذين دفعهم حسن النية بلا بينة إلى أن قالوا ما قالوا عن هذه القبور ـ عفا الله عنهم لحسن طواياهم ـ ثمّ إنّي قد درست تاريخ خطط بغداد ومقابرها وأنهارها ومساجدها ثلاث سنوات، وعرفت ما لم يعرفه أحد من أصحابنا واطلعت على تاريخ أصحاب القبور التي تزورها الشيعة ولم أزل أراقب الأحوال وأتربّص الفرص لإرشاد الغافلين وتنبيه الواهمين فكتبت عن الخلاني مقالة في مجلة لغة العرب البغدادية ومجلة العرفان الصيداوية.
أين قبر محمد بن يعقوب الكليني؟
جاء في كتاب (أحسن الوديعة) ص226 تحت عنوان (مزارات الجانب الشرقي من بغداد المعروف بالرصافة)، وقد أراد بالرصافة بغداد الشرقية الحالية ـ كما ظهر من بقية قوله في الكتاب ـ ولم يدر أنّه افتتح كلامه بغلط ابتدأه بسقط لأنّ الرصافة محلة كانت بين قبر أبي حنيفة النعمان وموضع ما كان يعرف بالبلاط الملكي على دجلة، أمّا الجانب الشرقي من بغداد الحالية فقد استحدث بعد الرصافة بزمن طويل ويسمّى في الخطط (من بغداد الشرقية) و(من الجانب الشرقي منها) و(الشرقية) ولنذكر لك الأدلة على صحة ما قلناه على الرصافة، قال ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ (رصافة بغداد بالجانب الشرقي… وخربت تلك النواحي كلّها ولم يبق إلا جامع وبلصقه مقابر الخلفاء ولولا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره).
فلو كانت الرصافة تطلق على الجانب الشرقي كله ـ على ما ذهب إليه ذلك الكتاب ـ للزم خلو الجانب الشرقي من العمارة والناس في زمن ياقوت الحموي لأنّه قال (وخربت تلك النواحي كلّها ولم يبق إلاّ الجامع وبلصقه مقابر لخلفاء بني العباس) ثمّ كيف يجوز لهذا الكاتب ذلك القول على محل الرصافة وياقوت قد ذكر أنّها (بلصق محلة أبي حنيفة وقبره) فأين قبر أبي حنيفة من بغداد الشرقية الحالية؟ ولنذكر أيضاً قول صفي الدين عبدالمؤمن بن عبدالحق الحنبلي المتوفى بعد وفاة ياقوت بـ113 سنة أي سنة 739هـ في كتابه (مراصد الاطلاع على الأمكنة والبقاع) قال (ورصافة بغداد بالجانب الشرقي… وبها تربة الخلفاء فيها قبور جماعة من الخلفاء وقد كانت انقطعت العمارة عنها فبنى عليها الإمام المستنصر بالله سوراً حسناً بالآجر)([1]).
فقوله (انقطعت العمارة عنها) مؤذن بأنّها منفردة أفيجوز القول أنّ بغداد الشرقية في زمن صفي الدين الحنبلي هي الرصافة المنفردة لاعتقاد أنّ الرصافة هي الجانب الشرقي من بغداد كلّه؟ فإنّ بغداد في زمن ياقوت الحموي ودخول ابن جبير إياها وفي عهد صفي الدين الحنبلي وقدوم ابن بطوطة إليها كان الجانب الشرقي منها مشتملاً على محلات كثيرة، قال ابن جبير([2]) (وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهور) ثمّ قال: (وأمّا الشرقية فهي اليوم دار الخلافة وكفاها بذلك شرفاً واحتفالاً ودور الخليفة مع آخرها وهي تقع منها نحو الربع أو أزيد…) ثمّ قال: (والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلاّ الله تعالى الذي أحصى كلّ شيء عدداً وبها من الجوامع ثلاثة كلّ يجمع فيها [جامع الخليفة]([3]) متصل بداره([4])… وجامع السلطان وهو خارج البلد… وجامع الرصافة وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل، وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين([5])، فيستبين المتأمل من هذا القول اكتظاظ الجانب الشرقي بالسكان إذ ذاك ويعلم أنّ جامع السلطان كان خارج بغداد في زمن ابن جبير وأنّ بين هذا الجامع وجامع المهدي بالرصافة مسافة نحو الميل فما أبعد الرصافة عن الشرقية إذن! وقد أراد ابن جبير بذكره البلد (بغداد الشرقية المسورة) وذكر أنّ لها أربعة أبواب وأنّ أوّلها وكان في أعلى الشط هو باب المعظم اليوم ثمّ باب الظفرية وهو الباب الوسطاني الحالي ثمّ يليه باب الحلبة وهو باب الطلسم الذي نسفه الأتراك بالبارود والقذائف سنة 1917م ثمّ باب البصلية ويعرف أيضاً بباب كلواذي ثمّ قال: (هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط إلى أسفله وهو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة) وهذا السور المذكور بقي بعد ابن جبير على تعاقب العصور حتّى هدم أكثره مدحت باشا ولم يبق منه اليوم إلاّ القطعة الشمالية وهي جدار قلعة بغداد الشمالي وإلاّ باب الظفرية وهو المعروف بالباب الوسطاني وإلاّ باب كلواذي وهو الذي اتّخذه الإنكليز البروتستنت كنيسة لهم بالباب الشرقي وإلاّ قطعة من سوره هي جدار حديقة أمانة العاصمة الشمالي بالباب الشرقي اليوم، وحسبنا وحسب القارىء ممّا قدمنا. تمهيداً لطريق الجدال. ثمّ قال في الكتاب عن الكليني (قال العلامة في الخلاصة: ودفن بباب الكوفة بمقبرتها، قال ابن عبدون: ورأيت قبره في صراط الطائي وعليه لوح مكتوب عليه اسمه واسم أبيه) أقول: وفي رجال النجاشي ما صورته (قال لنا أحمد بن عبدون: كنت أعرف قبره وقد درس([6]) رحمه الله) فقبر محمد الكليني كان يعرفه ابن عبدون ورأى عليه لوحاً فيه اسمه واسم أبيه ثمّ أنّه درس وعفا وزال وانمحى حتّى قال ابن عبدون الذي كان يعرفه (كنت أعرف قبره وقد درس) فقد مضى على زوال قبره وانمحائه (تسعمائة سنة) في زماننا بل أكثر فكيف يأتي أناس لا علم لهم بفن الخطط ولا تواريخ القبور فيقولون (هذا قبر فلان وذاك قبر فلان)؟ والأمر كما قال ابن عبدون واتّخذه النجاشي حجة وسنداً ولو كان له اعتراض عليه أو سمع خبراً من أهل بغداد لذكره، ثمّ جاء العصر الثامن للهجرة والقبر مجهول فإنّ العلاّمة الحلي (الحسن بن مطهر) رضي الله عنه نقل قول ابن عبدون ولم يعقبه بشيء من الاستدراك والتعليق لثبوت زوال قبر الكليني عنده رواية وتحقّقاً فإنّه لم يذكره في موضع من المواضع ولا أفاد أنّه من القبور الباقية.
ثمّ نقل في الكتاب ما صورته (وقال العلامة محمد مهدي الطباطبائي النجفي وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة وعليه قبة عظيمة وفي رجال أبي علي، وقبره معروف في بغداد الشرقية مشهور تزوره الخاصّة والعامّة في تكية المولوية وعليه شباك من الخارج إلى يسار العابر من الجسر، وقال العلامة محمد مهدي القزويني الحلي في فلك النجاة: والكليني في الجامع ممّا يلي جسر بغداد ومعه قبر آخر يُقال إنّه الكراجكي والكيدري) قلت: ومثله ما في ص 553 من روضات الجنات، فمرحى مرحى لهؤلاء: قبر درس في منتصف القرن الخامس للهجرة وبقي دارساً إلى القرن الثامن ثمّ إلى مدّة طويلة بعده فيظهر في القرون الأخيرة، وإن تعجب فعجب قول محمد مهدي الطباطبائي (وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة) فإنّه قول يدل على جهل تام بخطط بغداد ويستدعي الشك في كلّ ما يقوله قائله من هذا الباب، ولا شك إنّك تستجهل من يقول لك (قبر الإمام موسى الكاظم في الجانب الشرقي من بغداد) أقبح الاستجهال ولكن القولين من وجهة الجهل سيان سويان، فإنّ ثبوت كون (باب الكوفة) في الجانب الغربي من بغداد كثبوت أنّ قبر الإمام موسى الكاظم في ذلك الجانب أبداً، ومن جهل إنّ باب الكوفة في الجانب الغربي حرم عليه الدخول في مثل تلك المباحث لأنّه جاهل لمبادىء خطط بغداد؛ فلا يعول على أقواله ولا يركن إلى آرائه، ولنتكلم على محل باب الكوفة ومقبرته فلا بدّ لنا من ذلك ما دام المجادل من لا علم لهم به.
أين باب الكوفة؟
ذكر الخطيب البغدادي وياقوت الحموي وابن الجوزي أنّ المنصور بنى مدينته المدورة بالجانب الغربي من دجلة وجعل لها أربعة أبواب فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة وإذا جاء من المغرب دخل من باب الشام وإذا جاء من الأهواز والبصرة وواسط واليمامة والبحرين دخل من باب البصرة وإذا جاء من المشرق دخل من باب خراسان، قال الخطيب «وجعل بين كلّ بابين ثمانية وعشرين برجاً. إلاّ بين باب البصرة وباب الكوفة فإنّه يزيد واحداً؛ وجعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع ومن باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع» ثمّ نقل رواية أخرى فقال: (قال وكيع: إنّ المدينة مدورة عليها سور مدوّر، قطرها من باب خراسان إلى باب الكوفة ألفا ذراع ومائتا ذراع ومن باب البصرة إلى باب الشام ألفا ذراع ومائتا ذراع([7]): قلت: وهذا هو الصحيح الوجيه الدال على علم بالمساحة لأنّ أقطار الدائرة متساوية وعرفان ذلك من مبادىء علم الهندسة، وإذا كان باب خراسان يقابل باب الكوفة وباب الشام مقابلاً لباب البصرة وجب أن تكون المسافتان بين كلّ بابين متقابلين متساويتين، وترتيب الأبواب إذن هكذا.
(باب البصرة ثمّ في غربه باب الكوفة ثمّ في غربه الشمالي باب الشام ثمّ في شمال باب خراسان باب البصرة فهذه دورة كاملة) قال ابن بطوطة عن غربي بغداد (ومن هذه المحلات محلة باب البصرة وبها جامع الخليفة أبي جعفر المنصور… وفي هذا الجانب الغربي من المشاهد قبر معروف الكرخي وهو في محلة باب البصرة([8])) وقال ابن جبير (وبإحدى هذه المحلات قبر معروف الكرخي([9])) وقال ياقوت في مادة قطفتا (قطفتا: بالفتح ثمّ الضم والفاء ساكنة وتاء مثناة من فوق والقصر: كلمة أعجمية… وهي محلة كبيرة ذات أسواق بالجانب الغربي من بغداد مجاورة لمقبرة الدير التي فيها قبر معروف الكرخي بينها وبين دجلة أقل من ميل([10])…) فالمفهوم من هذا أنّ محلة الفلاحات والفحامة وسوق حمادة الحالية والحصانة كانت تسمّى قطفتا وكان باب البصرة في غربها اعتماداً على خلاصة كلام ابن جبير وابن بطوطة وياقوت، ولنذكر لك موضعاً آخر كان في داخل مدينة المنصور المدورة لتعرف موضعها معرفة جيدة، فمن محلات بغداد داخل مدينة المنصور (المحلة العتيقة) وتسمّى بالسريانية (سونايا) وكان بها مسجد يدعى (مسجد العتيقة) وهو اليوم (مسجد المنطقة) في غربي بغداد في منتصف الطريق بين الكاظمية وبغداد من الجانب الغربي.
تحقيق تاريخ المنطقة
قلنا: إنّ مسجد المنطقة الحالي كان يعرف بمسجد العتيقة وكانت العتيقة تسمّى قبل بناء المنصور مدينته المدورة (سونايا) وكثير من جهال تاريخ الخطط والمقلدين لغيرهم غفلةً يدعون أنّه مسجد (براثا) ولكن:
راحت مشرقة ورحت مغربا
شتان بين مشرق ومغرب
قال صفي الدين الحنبلي كما في ص 273 من مراصد الاطلاع (العتيقة: بفتح أوّله وكسر ثانيه: محلة ببغداد بالجانب الغربي ما بين طاق الحراني إلى باب الشعير وما أفضل به من شاطىء دجلة، وإليها تنسب القنطرة العليا التي على الصراة وسمّيت العتيقة لأنّها كانت قبل بناء بغداد قرية يُقال له (سونايا) وإليها ينسب العنب الأسود ومساكن هذه القرية أماكن هذه المحلة) وقال في مادة سونايا (سونايا بضم أوّله وبعد الواو الساكنة نون وبعد الألف ياء مثناة من تحت وألف مقصورة: قرية قديمة كانت ببغداد ينسب إليها العنب الأسود دخلت في العمارة وصارت محلة من محالها وهي (العتيقة) وبها مسجد لعلي بن أبي طالب يعرف بمشهد المنطقة)([11]) كما في ص229 من المراصد وقال ياقوت (قيل: بل الحمام التي دخلها كانت بالعتيقة؛ محلة خربت أيضاً) كما في مادة براثا.
قال أبو بكر الخطيب ونقله عنه ابن الجوزي في المناقب: (وفي سوق([12]) العتيقة مسجد تغشاه الشيعة وتزوره وتعظمه وتزعم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) صلّى في ذلك الموضع ولم أرَ أحداً من أهل العلم يثبت أنّ علياً دخل بغداد ولا روي لنا في ذلك شيء غير ما أخبرنا القاضي أبو عبدالله الحسين بن علي الصيمري قال: نبأنا أحمد بن محمد بن علي الصيرفي قال: نبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر الجعابي الحافظ وذكر بغداد فقال: يُقال إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اجتاز بها إلى النهروان راجعاً منه وأنّه صلّى في مواضع منها، فإنّ صحّ ذلك فقد دخلها من كان معه من الصحابة) قال الخطيب: والمحفوظ أنّ علياً سلك طريق المدائن في ذهابه إلى النهروان، ثم قال: (حدّثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمداني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوماً عند أبي بكر بن الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلموا عليه ودفعوا إليه صرة فيها دراهم ثمّ قالوا له: أيّها القاضي إنّك جمعت أسماء محدّثي بغداد وذكرت من قدم إليها وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك، فقال: نعم يا غلام هات الكتاب، فجاء به فكتب فيه: وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يُقال أنّه قدمها. قال ابن زرقويه: فلمّأ انصرف القوم قلت له، أيّها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب من ذكره؟ فقال: هؤلاء الذين رأيتهم أو كما قال) اهـ.
قال مصطفى جواد: (لا يلزم من كون الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يمر ببغداد في حادثة النهروان أنّه لم يدخلها قط فيجوز أنّ الشيعة عنوا بدخوله إياها مروره إلى البصرة في حرب الجمل المشؤومة، والعجب العجاب من أبي بكر الخطيب الذي كان يدّعي التفرّد في الرواية كيف قال ما قال وروى ما روى وهو الذي نقل في ترجمة أبي الطفيل عامر بن واثلة خبراً مسنداً إليه بأنّه قال (سمعت عليّاً (عليه السلام) يقول بمسكن([13]). لا أغسل رأسي بغسل حتّى آتي البصرة فأحرقها ثم أسوق الناس بعصاي إلى مصر، فأتيت أبا مسعود فأخبرته فقال: إنّ عليّأً مورد الأمور مواردها ولا تحسنون أن تصدروها، علي لا يغسل رأسه ولا يأتي البصرة ولا يحرقها ولا يسوق الناس بعصاه إلى مصر عليّ رجل أصلع مثل الطست إنّما حوله مثل الشعرات (أو قال) زغيبات) اهـ.
فإنّ مصير الإمام علي (عليه السلام) إلى [مسكن] يدل على قربه من بغداد ولا يستبعد مروره بها ولا سيما وأنّه قد سار إذ ذاك إلى جهة الكوفة والبصرة، قلنا في الحاشية: إنّ مسكناً تعرف اليوم بمسجن قرب بليدة السميكة من بليدات دجيل ودونك تحرير خبرها:
مسكن وقبر مصعب بن الزبير
وإبراهيم بن الأشتر
قال صفي الدين الحنبلي كما في ص 370 من مراصد الاطلاع، ينقل كلام ياقوت في المعجم ثمّ يذكر ما يعرفه هو (مسكن بالفتح ثمّ السكون وكسر الكاف ونون… قال: وهو موضع من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق به كانت الوقعة بين عبدالملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل به مصعب وقبره هناك؛ قلت: مسكن اسم للطُّسوج الذي منه (أوانا) من أعمال دجيل والموضع الذي به قبر مصعب به على جانب دجيل الآن قرية ودير الجاثليق قريب منه) وكان قد قال في 175ـ6 ما صوّرته (دير الاثليق دير قديم البناء من طسوج (مسكن) من نواحي دجيل على غربيه على علوّ، عنده كانت الحرب بين عبدالملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل مصعب بقربه وقبره ظاهر عليه مشهد وقبة يقصد لزيارته).
قال مصطفى جواد: وقرب السميكة اليوم في طريقها إلى بغداد قبر يسمّونه (قبر الشيخ إبراهيم) والظاهر أنّه إبراهيم بن مالك الأشترك فإنّه قتل مع مصعب وربّما كانا في موضع واحد فسقط اسم مصعب ونبّه اسم إبراهيم.
رجع إلى تاريخ المنطقة
وذكر مشهد العتيقة النجاشي صاحب الرجال المعاصر لأبي بكر الخطيب، قال في ص 183 (وقرأت أنا كتاب الصيام عليه في مشهد العتيقة) وقال في ص 271 (رأيت أبا الحسن محمد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه كتاب الغيبة تصنيف محمد بن إبراهيم بن النعماني بمشهد العتيقة).
عود إلى تاريخ قبر الكليني
تقدّم أنّ باب الكوفة في الجانب الغربي من بغداد وأنّه أحد أبواب مدينة المنصور المدوَّرة التي كانت المنطقة داخلها وأنّ الحجاج والجدال فإثبات كون باب الكوفة في الجانب الغربي كالجدال لإثبات أنّ قبر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في ذلك الجانب ولذلك كان العلماء إذا قالوا (دفن فلان في مقابر الكوفة) علم العارفون أنّه في الجانب الغربي ومن ذلك قول ياقوت الحموي كما في (308:1) من معجم الأدباء بترجمة إبراهيم بن عرفة نفطويه (ودفن في مقابر باب الكوفة) وقال ابن خلكان كما في (72:2) من الوفيات بترجمة محمد بن يزيد المبرد (ودفن في مقابر باب الكوفة في دار اشتريت له) فقبر الكليني (رحمه الله) كان بالجانب الغربي وقد درس مع قبور العلماء الدارسة التي لم يحصها إلاّ الله، وبعد هذه الأدلة الواضحة لأهل الدين اليقين وذلك التفصيل الكثير المبين لا يجوز أن يُقال (إنّ القبر الذي قرب رأس الجسر من الشرق هو قبر الكليني، أمّا السؤال عن صاحب هذا القبر من هو؟ فذلك ليس من بحثنا ولا يهم أصحابنا الشيعة بعد إعلامنا إياهم أنّه ليس بقبر فقيههم العارف بالله المتأله (محمد بن يعقوب الكليني).
د. مصطفى جواد
رقَّادة
تعاقب على ملك إفريقيا الأمراء من بني الأغلب، منذ عهد إبراهيم الأوّل وبنيه وحفدته، يتخذون مدينة (العباسية) حاضرة لملكهم، وما منهم أحد إلاّ يزيد في عمارتها، ويحسّن من أبنيتها، ويستكمل مرافقها على مرّ السنين حتّى صار الأمر إلى إبراهيم الثاني بن أحمد سنة 261هـ، وقد رسخت فيها دعائم الرفاهية والرخاء، وذلك بفضل ما تمّ لها من فتوح في البحر المتوسط، فتسامت همّة إبراهيم الثاني إلى أن يتخذ له حاضرة جديدة، تُخلف (العباسية)، فطفق يبني مدينة (رقّادة) سنة 263هـ.
على أنّ رُوَاة التاريخ افترقوا في بيان السبب الذي حدا بإبراهيم الثاني على تأسيس مدينته، ويقول البكري([14]): «إنّ (إبراهيم) أرِقَ وشرد عنه النوم أياماً متتابعات، لما كان يتعهّده من داء السوداء (الماليخوليا)، فعالجه طبيبه (إسحاق بن عمران) فلم ينم، فأشار عليه الطبيب بالخروج والمشي في البرية، فلمّا وصل إلى موضع (رقّادة) نام، فسمّيت حينئذ (رقّادة)، واتّخذْت قراراً ومسكناً وموضع فرجة للملوك).
وبعضهم يزيد أنّ الذي أشار عليه بالخروج والمشي هو الطبيب (زياد بن خلفون القيرواني).
ويتسنّى لنا أن نستظهر ممّا ذكره المؤرخون السبب الحقّ لإنشاء الحاضرة الجديدة، ذلك أنّ إبراهيم حين تسنّم الإمارة، كانت إفريقيا قد بلغت المدى من قوّة الدولة العسكرية في البر والبحر، إذ كان لها أسطول في العُدّة والعديد، وأمّا الأهلون فكانوا في طمأنينة ورغد، والسابلة في أمن، والبلاد تدرّ خيراتها في ميدان الفلاحة وميدان الصناعة على السواء، وما تنتجه يروج في الآفاق، شرقاً إلى العراق، وغرباً إلى المحيط الأطلنطي، وشمالاً إلى الأصقاع الإسكندنافية، وجنوباً إلى أرض السودان. أضف إلى ذلك ازدهار العلوم والفنون في المدائن الإفريقية الكبرى، ولا سيما القيروان التي أمَّها طلاب العلم زرافات ووحداناً من بلاد الأندلس ومن أقطار الغرب، فأصبحت تلك المدينة مهبط القُصّاد من العلماء الأجلاء، والصنّاع المهرة، وأرباب الحرف والمهن والفنون من شتى الأصقاع قاصية ودانية.
لا غرو إذن أن يتّخذ إبراهيم الثاني مدينة فَتِيَّة، تكون مقراً له، وعنواناً على نهوض بلاده في العلم والفنّ والاقتصاد، ولكي تلائم ما أوتي من سعة الملك وبسطة السلطان، ولعله أضمر في نفسه أن يباري بمدينته الممالك القوية الأخرى، وربّما كان ينظر في ذلك إلى العراق وإلى مصر، فقد أنشأ المعتصم الخليفة العباسي مدين (سًرْ مَن رَأى) وأنشأ أحمد بن طولون صاحب مصر مدينة (القطائع) خارج الفسطاط.
لاحظ إبراهيم الثاني أنّ (العباسية) التي بناها جدوده، باتت لا تناظر حواضر إخوانه من ملوك العرب، ولا عواصم جيرانه من ملوك الإفرنج، فلم يكد يمضي على ولايته عام واحد، حتّى عقد عزمه على ابتناء مقرّ جديد للدولة، يباهي به نظراءه، ويوائم عصره، ويخلّد به اسمه، ويكون لخلفه من بعده، فوقع اختياره على مكان (رقّادة) وهو مكان طيب الهواء، جيّد التربة، قريب من العاصمة القيروانية الكبرى. قال البكري: «وليس بإفريقيا أعدل هواءً ولا أرق نسيماً، ولا أطيب تربة من مدينة (رقّادة)، ويُذكر أنّ من دخلها لم يزل ضاحكاً مستبشراً من غير سبب([15])…».
ويكفي أن نشير إلى أنّ مكانها كان معروفاً لمن تقدّم: «إذا كان مُنيَة للصيد، وفُسحة للأمراء، فكانوا يخرجون إليها في زمان الربيع للنزهة مع عيالهم وحريمهم»([16]).
تقع (رقّادة) في الجنوب الغربي من القيروان وتبعد عنها نحو ثمانية كيلومترات، وهي في بسيط من الأرض يحاذي مفرش وادي زرود، حيث ضريح عمر الكِناني الآن، وكان محيط دائرتها عند تأسيسها ـ بما يضاف إليها من حدائق وبساتين ـ أربعاً وعشرين ألف ذراع وأربعون ذراعاً (قرابة عشرة كيلومترات)، ثمّ اتّسعت رقعتها نحو الثلث من بعد، في أيام زيادة الله الأخير.
في خلال شهر صفر سنة 263هـ ـ تشرين الثاني سنة 876م ـ أمر إبراهيم الثاني بأن تخطّ المدينة الجديدة، ثمّ أدار بها سوراً محكماً يحيط بما ابتناه بعد ذلك من القصور والأبنية، وجعل منافذ المدينة في مدار السور سبعة أبواب، عليها صفائح الحديد، أعظمها قدراً «باب القيروان» الذي يتّجه منه إلى العاصمة.
وكان في مقدمة ما يُعنى به أمراء الأغالبة منذ تولوا الملك أن يجتلبوا الماء من ينابيعه، وإن بعدت عن الحواضر، عن طريق القنوات أو المجالب أو الحنايا وأن يتخذوا لحفظ الماء صهاريج للانتفاع بها حين احتباس الغيث، وكانت تلك القنوات والصهاريج محكمة الصنع، لتقاوم الأحداث. وإنّها لسياسة مائية رشيدة، ما كان أشدّ الحاجة إليها في بلاد لا يعوز اقتصادها الزراعي إلاّ أنّ أمطارها مختلّة النظام في إبان الزرع.
اتبع إبراهيم الثاني تلك السُّنة الحكيمة، فساق الماء إلى ربيبته «رقّادة» في قناة مشتقة من حنايا «القيروان»، فكان الماء يجري إلى المدينة الناشئة من مسافة ثمانين كيلومتر أو تزيد، واتخذ لخزن الماء صهاريج فساحاً بناها بالحجارة المنحوتة كهيئة الصناديق، على غرار الصهاريج الرومانية المتينة.
ثمّ شيّد لنفسه خاصّة قصراً فخماً عظيماً أسماه «قصر الفتح» وأرحب فيه الأبهاء للاستقبال، وأكثرَ من الحُجُرات للحَرَم والآل والأحراس، وعلى مسافة منه ابتنى قصوراً أقل شأناً من ذلك القصر العظيم، وفي مقدمة هذه القصور الأخرى قصره المسمّى «قصر الصّحن» وعلّة تسميته بذلك ـ فيما يبدو ـ أنّه احتوى على صحن في وسطه رحبة وسيعة، وكان هذان القصران يحفلان بمخادع خاصّة للحريم ومقاصير وحمّامات.
لم يفتر الأمير عن مواصلة البناء، فأنشأ «قصر بغداد» و«القصر المختار»، ومبلغ علمنا بهذين القصرين هو التسمية، ولكنّنا متحققون بأنّ هذه القصور جميعاً كان يتوسط كلاً منها بستان يختصّ به، ولا يخلو أحدهما من صهريج يواتيه بالماء.
وأنّ هذه البساتين والصهاريج لتتفاوت في رحابتها وضخامتها بتفاوت القصور في السعة والكبر.
نالت يد الحدثان من هذه القصور، حتّى عفَتْ عليها، إلاّ قليلاً من جدران «قصر البحر» ماثلة حتّى اليوم، عمد إليها بعضُ شيوخ العربان، فأجرى فيها بعض الترميم، واتّخذها سكناً، فحقّ عليها قول من قال:
إذا نظرت إلى البلاد وجدْتها
تشقَى كا تشقَى العبادُ وتسعدُ
ويناسب أن نلفت النظر إلى أن بني الأغلب كثيراً ما استعملوا في بناءاتهم أوضاعاً معمارية وأشكالاً هندسية اقتبسوها ممّن تقدّمهم من الأمم في إفريقيا، علاوة على الأمثال التي ورثوها من الحضارة الإسلامية الشرقية وأدخلوها البلاد.
ومن جملة ما قلّدوا فيه سالفيهم من الرومان والروم البيزنطيين استعمال الفُسَيْفَسَاء في فرش الغُرف وزخرفة جوانب صهاريج الماء بها ويمكن أن يشاهد ذلك إلى الآن في أنقاض رقّادة، لا سيّما في ساحة قصر «الفتح» فإنّه يوجد بقَايَا مهمة وجميلة من الفسيفساء ذات الألوان المختلفة الرسوم الهندسية وتماثيل للخمائل والزهور، وليس من شك أنّ أمراء بني الأغلب استعملوا في هذه الصناعة بقايَا الروم الذين اختاروا الإقامة في البلاد تحت ذمّة الإسلام، ولا يخفى أنّ هؤلاء النصارى بقوا على دينهم إلى أواسط القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد).
ويحتمل أيضاً أنّ الأمراء جلبوا بعضاً من أرباب تلك الصناعات من جزيرة صقلية، واستخدموهم في عمارة قصورهم ودورهم.
حدائق رقّادة
أمّا بساتين رقّادة فكانت جنات معروشات، وغير معروشات، اغترس فيها إبراهيم الثاني أصناف الأشجار والأزهار، فكان فيها ألفاف، الخمائل، وألوان الأزاهير، وربّما أتى ببعض ذلك من العدوة الإفرنية المشمولة بسلطانه.
حكى القاضي إبراهيم بن الكوفي قال([17]):
«دخلت هذه الجنان مع الأمير إبراهيم بن أحمد إلى جنان برقادة، فيه ثَمرٌ قد طاب، فأخذ الأمير بعض الثمر فناولنيه فأكلته ولم أقل شيئاً» فالتفت إليّ وقال:
«دخلت هذه الجنان ع عبدالله بن طالب (القاضي) في مثل هذا الحين، فناولته من بعض ثمره، فقال لي: «أيها الأمير، يجب عليك لله شُكران: بَلَّغَك إلى غراسته، ثمّ أكلت من ثمرته» فقلت له: «وما هذا الشُّكر؟ قال: أن تُصلّي ركعتين» فأمر ببساطين، فبسط لي واحد وله آخر، فصلينا ركعتين، ثمّ قال لي ابن طالب: «بقي أخرى. فقلت: وما هي»؟ فقال: «تبعث بصدقة إلى أهل الدمنة (مستشفى القيروان) فإنّ أهله أهل زُمانة وضعف» قال: ففعلت. ثمّ قال لي: «وبقي شُكر آخر. قلت: وما هو؟ قال: تعزل من عُمّالك من كان جائراً، وتجعل من يعدل في الرعية». قال: فأمرت بذلك. وسكت الأمير لحظة، ثمّ التفت إليَّ وقال: «ودخلتُ هذه الجنان مع غيره (من القضاة) فلمّا ناولته من ثمره، قال: الأمير يحبّ قاضيه، والرعية تمهنه. فانظر كَمْ بين الرجلين!»…
أسّس إبراهيم الثاني وسط مدينته مسجداً جامعاً، غير بعيد من قصره «الفتح» واصطفى له إماماً للصلوات الخمس، يجري عليه عشرة دنانير من الذهب كلّ شهر، وقد حلّى مسجده بِعُمَدٍ من الرخام جاء بها من جزيرة صقلية.
وكان في جانب المحراب مقصورة يؤدّي فيها الأمير صلاة الجمعة، وفي هذه المقصورة يجتمع بكبراء الدولة ووجوه الأمّة، للمشورة في مثل تسمية قاضي الجماعة للقيروان، أو إعلان الحرب، أو تجهيز غزوة من غزوات البحر، إلى غير ذلك من شؤون المملكة الجِسام.
ويسعنا أن نستدلّ بهذا على أنّ المسجد الجامع بمدينة القيروان كانت به مقصورة غير المقصورة القائمة اليوم. وهي التي أنشأها الأمير المعز بن باديس الصنهاجي، فإنّه لا يصحّ في العقل أن يكون بمسجد رقادة مقصورة يصلي فيها الأمراء، ويخلو من مثلها مسجد العاصمة الكبرى، خلال مدّة الولاة الأمويين والعباسيين جميعاً.
وممّا يؤدّي ذلك أنّنا نجد قوس باب مسدود في داخل المقصورة القائمة اليوم بمسجد القيروان، وذلك الباب المسدود أغلبي الطراز على وجه التحقيق، وأغلب الظن أنّ ذلك الباب كان لدخول الأمير إلى مقصورته، ونحن نشير إلى ذلك ليكون الباحثون بعدنا على بيّنة وإن كنّا لم نظفر بعدُ من النصوص بما يجلو لنا خفية الأمر.
لم يقتصر إبراهيم الثاني على أن تكون عاصمته مستقلة بمسكنه هو وحاشيته ودواوينه ومرافق حكومته، ولكنّه زوّد المدينة بالأسواق لمختلف التجارات، والفنادق لنزول المسافرين. والحمّامات العامّة.
وكان بين القيروان ورقادة طريق صادِر وارِد، لا ينقطع عنه الراجلون والراكبون صباحاً مساء، وفي ظاهر المدينة، خلف السور، مهَدَ إبراهيم الثاني ميداناً شاسعاً يسمّى «الملعَب» تجري فيه الخيل، ويتخذه الجند لأيام العرض، وفي جانب من هذا الميدان مصلّى العيديْن، وكان من شأن أمراء بني الأغلب أن يؤمّوا الناس في الصلاة ويخطبوهم في المواسم والأعياد.
وقد رخّص الأمير للشباب ولأهل الخلاعة واللهو أن يرتادوا الحانات في مدينة رقادة، وكان قد آذن بهذه الحانات أو غضَّ الطرف عنها في أرجاء المدينة، على حين أنّ بيع النبيذ كان محظوراً في مدينة القيروان، وذلك بعدما بعث أحد ظرفاء الشعر من أهلها أن يسأل الأمير:
يا سيد الناس وابن سيّدهم
ومن إليه رقابُ الناس منقاده
ما حرَّمَ الشُّرْبَ في مدينتنا
وهو حلال بأرض رقاده
ولم ينتهي إلينا بماذا أجاب الأمير عن هذا السؤال.
ومن طريف ما حكاه أبو إسحاق الرقيق ـ مؤرخ إفريقيا الكبير ـ قال([18]):
«كان بَكْرُ بن حمّاد ـ الشاعر الأديب ـ ينتجع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، ويمدحه بغرر القصائد، فغدا يوماً إلى رقّادة بمديح له، وقصد الفتى (بلاّغ) خادم الأمير، فقال له الفتى: الأمير عنّا مشغول في هذا اليوم. قال بكر: فالطف بي في إيصال رقعة إليه، فقال: إنّه مصطبح في جنان قصره مع الجواري، ولا يصل إليه أحد، فارتجل بكرٌ مقطوعاً كتبه في رقعة، واحتال (بلاّغ) في إبلاغها، مساعدة للشاعر، وكان في الرقعة أبيات، منها:
خلقن الغواني للرجال بليّةً
فهنّ موالينا ونحن عبيدها
إذا ما أردنا الورد في غير حينه
أتتنا به في كلّ حين خدودها
وكتب تحت الأبيات:
فإن تكن الوسائل أعوزتني
فإنّ وسائلي ورد الخدود
وبلغت الرقعة إلى الأمير، فلمّا قرأها دفعها إلى الجواري، فأنشدها وأظهرن سروراً بها، وشفعن إليه أن أخرج إلى بكر بن حمّاد بصرة مختومة فيها مائة دينار.
وقد علّق إبراهيم الرقيق على هذا الخبر بقوله:
«… ووصل إلى بَكْر من الأمير إبراهيم مال عظيم على مدائحه».
أسكن إبراهيم الثاني عسكره في ثكنة فسيحة تُعرف (بدار البِلَزْمِيين) كثيرة الحُجُرات ولها باب واحد، والبلزميون قوم من العرب كانوا يعسكرون في مدينة بِلزمة من معاقل الأغالبة في أرض الزاب، جنوب عمالة قسطنطينة فدعاهم إبراهيم الثاني إليه في حادثة طويلة دوّنها التاريخ، وكانوا يزيدون على الألف من عرب قيس وغير قيس([19]).
واتّخذ إبراهيم الثاني ثكنات أخرى لحرسه من رقيق السودان، مقتدياً في ذلك بجدّه الأكبر إبراهيم في مدينته العباسية، فاستكثر منهم حفيده، حتّى قاربت عدّتهم في أيامه عشرة آلاف. وفي بعض تلك الثكنات كانت تقوم أبراج «حَمَام الرسائل» لإنهاء الأوامر العاجلة إلى أطراف المملكة، والمأثور عن أمراء الأغالبة أنّهم كانوا يُعْنون بتربية هذا الجنس من الحَمَام، يستكثرون منه ويستخدمونه، فكانت الرسالة بينهم وبين جزيرة صقلية أو طرابلس تبلغ في يوم إنفاذها على جناح الطائر!.
وقد راعى إبراهيم الثاني في خطة المدينة أن تنفسح طرقاتها، لتجول فيها العَجَل (العربات)، وكان استعمالها كثيراً في العصر الأغلبي، عليها تنقل أثقال الجيش، وتحمل مواد البناء.
ومن معالم رقّادة التي تستحق الذكر: «دار الطراز»، وكانت مصنعاً تنسج فيه الأكسية من الحرير والقُطن والصوف، وكذلك العمائم والأحزمة إلى غير ذلك من الخِلَع التي يهبها الأمير في المواسم وعند تقليد المناصب لأعيان الأمّة ورجالات الدولة. وكانت هذه الخِلَع عليها كتابات موشِيَّة بخيوط الحرير والذهب، وهي تقوم مقام الأوسمة والنياشين في عصرنا الحديث.
لبث إبراهيم الثاني في ولايته قرابة ثلاثين عاماً، يعني فيها بمدينته أيّما عناية، ويتعهدها بألوان التنسيق والتنميق، وأنشأ بها الكثير من دواوين الحكومة، ومن الدور الرفيعة، ليقيم بها كبراء دولته وقضاته وحاشيته، حتّى قال (الرقيق) المؤرخ: «إنّ رقّادة صارت أكبر من القيروان…».
ظلّـ «رقّادة» دار ملك بني الأغلب، حتّى تولّى زيادة الله الأخير سنة 290هـ وقد نزل عن قصور جدّه إبراهيم لبعض ذوي قرباه ووزرائه، وابتنى لنفسه قصراً سمّاه «قصر البحر»، في وسط بستان مترامي الأرجاء، وفي جانب منه صهريج للماء طوله خمسمائة ذراع ـ نحو 225 متراً ـ وعرضه أربعمائة ذراع ينهمر إليه الماء بساقية، فلذلك سمّي القصر (بالبحر). وبعد حين ابتنى قصراً آخر أطلق عليه اسم (العروس)، أربع طبقات، أنفق عليه فيما قدره الخبراء وقتئذ مائة ألف دينار واثنين وثلاثين ألف دينار، أعني ما يقرب من ألف وخمسين كيلو ذهباً خالصاً.
وقد حفظ لنا التاريخ اسم الرجل الذي وكّل إليه زيادة الله الأخير أعمال العمران في مدينته، وهو القائد (أبو مسلم منصور بن إسماعيل بن يونس) وقد باشر ذلك في خلال سنة 292هـ (905م) فاكتمل للمدينة هندامها، حتّى قال عبدلله المهدي ـ وهو من هو ـ عند نزوله برقّادة بعد سقوط دولة بني الأغلب:
ـ «رأيت ثلاثة أشياء في إفريقيا لم أر مثلها قط في المشرق: الصهريج الذي بباب تونس (من أبواب مدينة القيروان)، وقنطرة باب أبي ربيع (في القيروان أيضاً) وقصر البحر برقّادة…».
دالت دولة بني الأغلب على يد الداعي أبي عبدالله الصنعاني سنة 296هـ (909م، وقامت مقامها الدولة الفاطمية، وغادر زيادة الله الثالث بلاد إفريقيا يبغي المشرق مخلّفاً وراءه ملكاً عظيماً اسسه أجداده وآباؤه.
ونزل الداعي الصنعاني (قصر الصحن)، وآلت أليه ذخائر الأغالبة وتراثهم، فادخرها حتّى يقدم عليه المهدي من سجلماسة، فوصل إلى رقّادة سنة 297هـ، ومعه ابنه أبو القاسم وحاجبه جعفر بن علي، وقد استقبلهم وجوه القيروان وسُراتها في مركب مشهود، وصفه المؤرخون، وحلّ عبدالله في (قصر الصحن)، وأنزل ابنه (قصر الفتح)، ووزّع رجال حاشيته سائر القصور والدور، ولحقت به بعد حين دواوينه وأجناده في الأماكن المعدّة من قبل، فلمّا استقرّ في رقّادة تسمّى (بالمهدي)، وتلقب بأمير المؤمنين.
واستأنفت رقادة مهمتها الأولى، فكانت مقرّاً للدولة الجديدة، حتّى خطر للمهدي أن يحوّل عاصمته إلى جهة البحر، فأسّس القاعدة التي جعل اسمها نسبة إليها، وهي (المهدية)، وانتقل إليها هو وآل بيته ورجال دولته وجنوده من البربر الكتاميين وغير الكتاميين، وكان له فيها قصر خاص به، ولولده أبي القاسم قصر مثله، وأحاط المدينة بسور.
وتسرّب الوهب من بعد ذلك إلى رقادة، وغاض بهاؤها شيئاً بعد شيء، ولم يدم لها العزّ والشموخ أكثر نم خمسة وأربعين عاماً نعمت فيها بجاه السلطان، وبُعْد الصيت، وروعة النضارة، حتّى باتت في عداد المدائن التي أسفرت عنها الحضارة الإسلامية، مثل (سر من رأى) العباسية بالعراق، و(الزهراء) الأموية بجانب قرطبة وتلك الأيام نداولها بين الناس…
حسن حسني عبد الوهاب
الرَّقَّة
تقع مدينة الرقّة في الجهة الشمالية الشرقية من سوريا وتبعد عن مدينة حلب 188 كلم باتجاه الشرق، وعن دير الزور 100 كلم. بنى الإسكندر الكبير مدينة في القرن الرابع قبل الميلاد في الموقع الحالي لمدينة الرقّة، سرى هذا الاعتقاد حتّى عام 1980 عندما عثرت البعثة السورية ـ الألمانية المشتركة على مجموعة رُقم فخارية تروي تاريخ الرقّة القديمة الذي يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وكانت القصة بدأت منذ اكتشاف رُقم ماري التي تحدّثت عن علاقات تجارية كانت تربطها مع مدينة «توتول» الواقعة عند نقطة التقاء نهري دجلة والفرات. ولم يحدّد الموقع تماماً حتّى اكتشاف هذه اللقى الأثرية في مواقع تل البيعة أو الرقّة القديمة، وبذلك أقيم البرهان على أنّ الجزيرة السورية حَوَت حضارات معاصرة لحضارة بلاد الرافدين ولا تقل أهمية عنها.
وكانت الرقّة محل أطماع الغزاة الذين احتلوا سوريا من رومان وفرس وبيزنطيين. وبعد استقرار الحكم الإسلامي أقام الخليفة العباسي المنصور مدينة على غرار مدينة بغداد سنة 772م وأطلق عليها اسم الرافقة. شكلها يشبه حدوة الفَرَس ولها ثلاث بوابات وهي: بغداد، وحران، وحلب. وسوران: أوّل ورئيسي بينهما فصيل.
ويسبق السور الأوّل خندق يحيط بالمدينة في حين يبلغ طوال الرئيسي خمسة كيلومترات بقي منه حتّى الآن كيلومتران تقوم مديرية الآثار بترميمها.
شغلت الرقّة مكانة هامّة زمن العباسيين لموقعها الهام وصناعاتها الزجاجية المشهورة التي يعرض منها الكثير من المتاحف الأوروبية والأميركية، لكن المغول عمدوا بعد احتلالها، في القرن الثاني عشر الميلادي، التي تدميرها عقب سقوط الدولة العباسية.
وفي الوقت الراهن تواكب الرقّة التطور الحضاري المتسارع كما هي المدن السورية الأخرى، وشهدت الخدمات المقدمة في المدينة والريف تحسّناً لافتاً لا سيّما في مجال شبكات الطرق الحديثة والهاتف الكهرباء والماء.
المواقع الأثرية داخل مدينة الرقَّة
1 ـ باب بغداد:
سمّي كذلك لأنّه يقع في جهة العراق وهو أحد الأبواب الثلاثة لسور الرافقة القديمة، يتموضع في الزاوية الجنوبية الشرقية ويعاصر بناء السور الرئيسي للمدينة. وأكد آخر التنقيبات إنّ زمن بنائه يعود إلى منتصف القرن الهجري الثاني، ثمّ أضيف بعض الزخارف في عصور لاحقة كما في الفترة الحمدانية.
يوضح المجسم الهندسي للباب الموجود في المتحف وظيفته العسكرية البحتة، إذ يعلو البوابة برج مراقبة يتلوه مدخل تكسر على شكل متعارض وفي الأعلى فتحات لصب النار في حال تجاوز المدخل الأوّل من البوابة.
2 ـ الجامع القديم (الكبير):
ويدعى جامع المنصور. وهو يقوم في الزاوية الشمالية من المدينة.
بني في مرحلة إسلامية مبكرة في القرن الثامن الميلاي، وعثر فيه على مجموعة من الثريات الزجاجية الفخمة وأوان خزفية عباسية فائقة الصنعة تميز الرقّة منذ عهود قديمة.
يعتبر النموذج المعماري للجامع فريداً من نوعه لأنّه يجمع بين مدرستين معماريتين مختلفتين وهما المدرسة السورية والرافدية، يتمثل ذلك في طريقة بناء الأسقف وفي شكل سور الجامع وحجارته الآجرية الوردية اللون الذي رمّم أخيراً.
3 ـ قصر البنات:
يقع بين باب بغداد والجامع الكبير. وتحوي سوريا الكثير من المواقع التي تحمل الإسم نفسه. وأكدت التنقيبات أنّ المنشأة ليست قصراً بل مجمعاً طبياً وربّما كان إحدى البيمارستانات التي تعود إلى الفترة الأيوبية، أمّا تاريخ البناء فيعود إلى فترة مبكرة.
4 ـ المتحف:
يحتل مبنى السرايا الحكومية القديمة ويعتبر من المتاحف الهامّة في العالم، يتوسط المدينة ويتألف من طابقتين، يقسم الأوّل إلى قسم الآثار القديمة وقسم الآثار الكلاسيكية وإلى جناح تعرض فيه أعمال فنية تشكيلية حديثة. أمّا الطابق الثاني فيتألف من قسم الآثار الإسلامية وقسم للتقاليد الشعبية المميزة لمحافظة الرقّة.
مناطق أثرية خارج المدينة
1 ـ الرصافة:
ينعطف إليها طريق حلب ـ الرقّة قبل الوصول إلى الأخيرة بـ 30 كلم. وهي تبعد عن حلب 170 كلم باتجاه الجنوب الشرقي، أقيمت في موقع كنيسة «سيرج» الروماني الأصل الذي اشتهر ببطولاته في الدفاع عن المسيحية بداية القرن الرابع الميلادي فأقيمت الكنيسة تخليداً لذكراه، وهو يحظى بمكانة هامة لدى المسيحيين.
يحيط بها سور مستطيل الشكل له أربعة أبواب من كلّ جهة، وتعتبر أنموذجاً للمدن البيزنطية مع وجود لمسات واضحة لفن العمارة الإسلامية بعدما حرّرها المسلمون، حيث أشاد فيها هشام بن عبدالملك قصرين مقراً لإقامته الصيفية لموقعها المتميز شمال بادية الشام.
2 ـ قلعة جعبر:
وهي إحدى القلاع الهامة في سوريا، تطل على نهر الفرات على شكل قرص فطر عملاق وتحيط بها مياه النهر من كلّ الجهات بعد بناء السد وكانت تبعد عن النهر كيلومترات عدّة، تعلو هضبة كلسية ارتفاعها 347م عن سطح البحر ويفصلها عن الرقّة 50 كلم، بنيت في القرن الخامس الهجري على يد جعبر بن سابق القشيري، تتميز بكبر حجمها إذ يبلغ طولها 347م وعرضها 320م وينيف عدد أبراجها عن 35 برجاً دفاعياً لعبت دوراً هاماً في صد الغزو في جميع الفترات.
3 ـ التلال الأثرية:
تحتوي الرقّة على الكثير من التلال الأثرية الهامّة التي تسود معالمها خريطة المنطقة، ومنها:
1 ـ تل البيعة:
يبعد عن سور المدينة 2 كلم باتجاه الشرق، وهو مدينة توتول التي ذكرتها رُقم ماري، ويعني الكنيسة التي بنيت في القرن العاشر الميلادي، عثر فيه على لقى أثرية تعود إلى عصور مختلفة، أقدمها يعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد مثل دمى بشرية وحلى للمباركة وأدوات عبادة تمثل حالة من الرقي الاجتماعي التي وصلت إليها المنطقة في هذه الفترة المبكرة من التاريخ، وعثر على مقابض وسكاكين وأوانٍ حجرية وإبر مصنوعة من العاج والكثير من التماثيل وألعاب الأطفال، كما وجدت أوان زجاجية في قمة التل تعود إلى عصور بيزنطية متأخرة وإسلامية مبكرة، تتميز الحديثة بدقة صنعها وجودتها، وجميعها معروضة في متحف الرقّة.
2 ـ تل خويرة:
متاخم للحدود السورية التركية ويبعد عن الرقّة 140 كلم، يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بدأت التنقيبات فيه سنة 1950 من قبل بعثة سورية ـ ألمانية مشتركة بإشراف معهد غوته للآثار.
كشفت التنقيبات عن شارع المعابد وهو عبارة عن مجموعة من المعابد القديمة التي تمثل تراكماً لحضارات الشرق الأدنى القديم ومن أهمها تمثال ربة العطاء، وعن كؤوس وجرر فخارية ونماذج تقليدية لرُقم فخارية كتب عليها بخطوط آشورية وحثية وميتانية تشكل وثائق هامة تنظم العلاقات التجارية بين الممالك.
3 ـ تل مريبط:
يبعد 100 كلم باتجاه غرب الرقّة، فيه خرج الإنسان من الكهف وبنى أقدم بيت في العالم منتصف الألف التاسع قبل الميلاد وانتقل إلى الاستقرار. يقول باحث الآثار محمد مكطش: أنّ «تنظيم حياة الإنسان واستقراره ترافق مع ظهور وتطور منظومة من الأفكار الاجتماعية مثل تنظيم التبادل التجاري، وانعكست هذه الأفكار بصناعة نوع من الدمى التي جسدت حالة الأنوثة التي تمثلها المرأة كآلهة للخصب». وغمرت الحياة التل بعد نقل محتوياته إلى المتحف.
4 ـ تل ممباقة:
يقع قرب تل مريبط، يعود تاريخه إلى الألف الثاني قبل الميلاد، تعتبر لقاه الأثرية نماذج متطورة مثل (ماكيتات) للمنازل وأوانٍ فخارية على شكل سلحفاة وتماثيل كبيرة للثور، منازله منظمة لا تختلف كثيراً عن البيوت العصرية ومقسمة إلى غرف للنوم وغرف للضيوف وساحة كبيرة وتنور.
تذكر مجموعاته الفخارية أسماء تجار أقاموا علاقات تجارية واقتصادية متميزة مع المدن الأخرى، وتحكي إحدى الوثائق التي ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد عن نموذج اقتصادي متطور من خلال تنظيم العلاقة بين تجار من مدينة إيمار (مسكنة حالياً) استدانوا مجموعة خراف مقابل قوارير من النبيذ الأحمر وحال الحول دون تسديد الثمن المقابل المتفق عليه.
5 ـ تل صبي أبيض:
يقع إلى الشمال من الرقّة ويبعد عنها 50 كلم على ضفاف نهر البليخ، عثر فيه على جرار فخارية تعود إلى حقب مختلفة وهي عبارة عن تراكمات حضارية مرّت على التل من دون انقطاع أقدمها يعود إلى الألف السادس قبل الميلاد وتمتد حتّى الألف الثاني.
6 ـ تل حمام التركمان:
يبعد عن الرقّة 50 كلم إلى الشمال، ترجع آثاره إلى الألف الرابع مرافقة لعصر الأورك في العراق وتشمل عصر البرونز الوسيط والحديث وعصر الحديد.
وهناك الكثير من التلال التي لم يكشف بعد عن حضاراتها، وكلّ يوم تطالعنا الأخبار عن مكتشفات جديدة تغني حضارة المنطقة.
خالد زنكلو
الرقّة المتمردة
في أخبار مسير علي (عليه السلام) في طريقه إلى صفين ما يلي:
… ثمّ سار إلى الرقّة وجل أهلها عثمانية فغلقوا أبوابها وتحصّنوا فيها، وأميرهم سماك بن مخرمة الأسدي في طاعة معاوية، وقد فارق علياً في نحو مئة رجل.
فقال علي لأهل الرقّة: اجسروا لي جسراً لكي أعبر من هذا المكان، فأبوا، وقد كانوا ضمّوا السفن عندهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر: أقسم بالله لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتّى يعبر منها لأجردن فيكم السيف ولأقتلن مقاتلتكم ولأخربن أرضكم ولآخذن أموالكم. فلقي بعضهم بعضاً فقالوا إنّ الأشتر يفي بما يقول وإنّ علياً خلفه علينا ليأتينا منه الشر. فبعثوا إليه إنّا ناصبون لكم جسراً فأقبلوا.
فأرسل الأشتر إلى علي فجاء ونصبوا له الجسر فعبر علي الأثقال والرحال. ثمّ أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتّى لم يبق أحد من الناس إلاّ عبر، ثمّ إنّه عبر آخر الناس.
على أنّها تحولت مع الأيام، فممن أخرجت من رجال الشيعة الشاعر أحمد بن خليل الدهان. قال عنه ابن الشعار: كان شاعراً مطبوعاً متشيعاً حسن التغزل. وقال الدكتور مصطفى جواد: كان شاعراً غزلياً انتقل من الرقّة إلى حران فأقام فيها، وأخباره عزيزة.
ومن شعره قوله:
أقسو عليه مكلفاً فيرق لي
طبعاً وأدعو الغير وهو يجيب
وأصر غضباناً فيقبل راضياً
عني فيصفيني الهوى فأتوب
وأغضه بالذنب مختلقاً له
درباً فيحلف صادقاً ويتوب
وأعز ثمّ يبين ذلّة صاغر
ويرى الخطا فيقول أنت مصيب
يرجو بذاك دوام أسري في الهوى
هيهات شأني في هواه عجيب
قسماً بابعادي له وتسخطي
برضاه وهو على البعاد قريب
إنّي وإبعادي هواه كعازب
عن طفلها وفؤادها مرعوب
ومن شعراء الشيعة المنسوبين إلى الرقّة: أبو الفرج ابن القاضي أبي الحصين علي بن عبدالملك الرقي.
كان أبوه أديباً وشاعراً وبينه وبين أبي فراس محاورات ومراسلات، وكان لأبي الحصين عدّة أولاد منهم أبو الهثيم وأبو الحسن أسرا ببلاد الروم ومحمد مات في حياته. وأبو الفرج، ذكره الثعالبي في تتمة اليتيمة فقال: أبو الفرج بن أبي حصين من أظرف الناس وأحلاهم أدباً وأبوه الذي كاتبه أبو فراس وساجله ومدحه السري وأخذ جائزته ولم أسمع لأبي الفرج أملح من قوله فيمن أبى أن يضيفه:
وأخ مسه نزولي بقرح
مثلما مسني من الجوع قرح
بت ضيفاً له كما حكم الدهـ
ـر وفي حكمه على الحر قبح
فابتداني يقول من السكـ
ـرة بالهم طافح ليس يصحو
لم تغربت قلت قال رسول اللّـ
ـه والقول منه نصح ونجح
سافروا تغنموا فقال وقد قا
ل تمام الحديث صوموا تصحوا
وقال يعاتب الدهر:
يا دهر مالك طول عهدك ترتعي
روض المعالي بأرضا وجميما
يا دهر مالك والكرام ذوي العلا
ماذا يضرك لو تركت كريما
وليس في الرقّة اليوم أحد من الشيعة.
تاريخ الرقّة
تأليف محمد بن سعيد بن عبدالرحمن القشيري الحراني وتحقيق إبراهيم صالح.
يقدّم كتاب تاريخ الرقّة نموذجاً مهماً لطبيعة السرد التاريخي التي سادت الثقافة الإسلامية في القرن الرابع، حيث تمّ التأسيس في عصر التدوين لمعظم العلوم إستناداً لحاجات المدارس الفقهية ووفق منهجها في العمل. والتراجم كعلم تمّ عبره تأسيس مدرسة الحديث دخل عملياً في معظم العلوم بما فيها التاريخ، فكان الاهتمام بتاريخ المدن يتشكّل عبر سير الصحابة والتابعين والعلماء الذين أقاموا بها أو درسوا فيها.
ونقف في كتاب تاريخ الرقّة عند صورة سريعة لعملية الفتح لها ثمّ تبدأ عملية الترجمة لمن نزل فيها من صحابة الرسول وأعلام الفقهاء والمحدثين. ولا يبدو هذا الأمر غريباً عندما نعرف أنّ المؤلف عاش ما بين نهاية القرن الثالث وبداية الرابع.
وتكتسب هذه المخطوطة أهميتها باعتبارها أوّل ما كتب عن مدينة الرقّة خلال مرحلة ازدهرت فيها مدارس العلماء في الجزيرة السورية. حتّى أنّ الكاتب لم يضطر لمغادرة مدينته طلباً للعلم وكان الطلاب يسعون إلى الرقّة من أجل لقاء العلماء.
تعطي مقدمة المحقّق لمحة عن حياة صاحب المخطوطة فأقدم ترجمة وصلتنا عنه كتبها السمعاني وهو من علماء القرن السادس، ونقل عنه في القرن الثامن الذهبي والصفدي في الوافي بالوفيات وذكره تغري بردي في النجوم الزاهرة، وترجم له أيضاً السيوطي في طبقات الحفاظ وابن العماد في شذرات الذهب، وكل ما ذكروه مأخوذ عن السمعاني الذي قال: أنّ اسم المؤلف هو أبو علي محمد بن سعيد بن عبدالرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن مرزوق القشيري، ولم يصلنا شيء من تاريخ ولادته أو مكانه. كلّ ما ذكره المترجمون أنّه الحراني، نزيل الرقّة، وتدل هذه العبارة أنّه من مواليد حران أكبر مدن الجزيرة الفراتية آنذاك وأهم قاعدة علم فيها.
ويشير الذهبي إلى أنّه(توفى) عن عمر يناهز الثمانين في العام 334 للهجرة. وعبر كتب التراجم المذكورة تصل إلى أنّه لم يسمع عن علماء خارج حران والرقّة والدليل على ذلك عدم وجود ترجمة له عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ولم يرد اسمه عند ابن عساكر في تاريخ دمشق كما أنّ غياب جزء المحمدين في تاريخ حلب يدعونا إلى التساؤل إن كان زارها أم لا؟! وعملياً فإن بقاءه في الجزيرة يضعنا أمام مؤشر حقيقي حول كثرة العلماء والمدارس فيها، وكان الكاتب من العلماء المحدثين الذين لا يقفون عن حدود مذهب معين بل عالماً مجتهداً بذاته. ورغم ملازمته للشيخ عبدالملك الميموني الذي كان من أتباع الإمام أحمد بن حنبل، بقي مستقل الفكر مجتهداً يطبق ما يراه صحيحاً من دون تقيد بمذهب معين، وعاش حياة هادئة بعيداً عن كلّ ما يمت بصلة إلى السلطة والسياسة وأبواب الخلفاء. فتفرّغ للعلم وكان الطلاب يتباهون بالتلمذة على يديه حتّى قال السمعاني: وكان ابن المقرىء إذا روى عنه قال: حدّثنا أبو علي الرقّي بالرقّة، الحافظ، الشيخ الجليل، الفاضل، الثقة، الأمين.
نسخة وحيدة
لتاريخ الرقّة نسخة وحيدة كتبت في القاهرة سنة (631) ثمّ انتقل بها ناسخها ومالكها محمد بن داوود بن ياقوت الصارمي إلى دمشق، فوضعت فترة في خزائن المدرسة العمرية بسفح قاسيون ثمّ انتقلت مع تأسيس المكتبة الوطنية إلى المكتبة الظاهرية.
وهي تقع في ثلاثة أجزاء صغيرة مكتوبة بخط نسخي دقيق ويبلغ عدد أوراقها 43 ورقة تتخللها خمس ورقات فارغة تفصل بين الأجزاء الثلاثة. ولكن هذه النسخة تعرّضت بفعل الزمن لبعض التشويه كالتصاق أوراقها نتيجة الرطوبة أو إحتراق الحبر ممّا جعل مكان بعض الكلمات بياضاً.
ويعتقد المحقق أنّ التشويه الأهم كان بفعل البشر حيث قام أحدهم بملء تلك الفراغات بعبارات وكلمات لا تمت غالباً إلى الأصل بصلة، ممّا أدّى لاستحالة قراءة بقايا الأحرف المطموسة نتيجة تأثير الزمن على المخطوطة. وقد أبعدت هذه العيوب الباحثين عن إعادة تحقيق المخطوطة إلاّ أنّ تحمّس الأستاذ طاهر النعساني لنشرها، وكان متولي قضاء الرقّة في عهد الانتداب الفرنسي، فبذل جهداً واضحاً لكنّه لم يستطع أن يعيد الكتاب إلى أصالته، فبقيت فيه فراغات كثيرة وأخبار مبتورة وظهرت فيه تصحيفات كثيرة كما جاءت حواشيه مطولة.
وأمّا الطبعة التي نشرت اليوم فاعتمد المحقق على إغفال كافة التصحيفات واعتمد على المصادر التي نقلت عن تاريخ الرقّة لتعويض النقص في النسخة الأصلية، وفي حال عجز المصادر قام بالاجتهاد والتقدير إستناداً لبقايا الحروف إن وجدت بشكل ينسجم مع المعنى وسياق النص، وقد بقيت بعض الفراغات القليلة التي تركها كما هي لأنّه لم يستطع تقدير الكلمات التي زالت بفعل الزمن.
يبدأ متن المخطوطة برواية عن عياض بن غنم حين بعثه أبو عبيدة بن الجراح إلى الرها وكان أهل الجزيرة هربوا إليها أثناء الفتح الإسلامي، فوقف بابها الشرقي ودعاهم إلى الإسلام فأبوا فطلب منهم أن يقرّوا بالصغار فقبلوا واشترطوا الأمان وأماكن عبادتهم، فقبل عياض بن غنم على أن لا يبنوا كنيسة جديدة ولا يرفع صليب ولا يضرب ناقوس إلاّ في جوف كنيسة. كما اشترط عليهم أن يشاطرهم المسلمون منازلهم ولا يغشوهم أو يساعدون أعداءهم وسمّي هذا الاتفاق صلح الجزيرة.
تراجم الصحابة
ويكتفي الكاتب بهذا الخبر عن تاريخ بداية الإسلام في المنطقة ثمّ يسرد بعد ذلك تراجم الصحابة الذين دخلوا للرقة، فينقل أخبار ثلاثة من الصحابة و12 من التابعين و108 بعد طبقة التابعين. ويختلف طول الترجمة والتفاصيل الواردة فيها بين رجل وآخر وذلك وفق موقعه حين دخل المدينة. فهناك من ترجم لهم بما لا يزيد عن سطرين بينما أطال الحديث عن آخرين خصوصاً من جيل الصحابة والتابعين، وبالطبع فإنّ الأسانيد احتلت الجانب الأكبر من الحديث عن الأشخاص ولعب أحياناً تعدّد الروايات دوراً في إطالة الترجمة. ولا نجد في كثير من الأحيان أي حديث عن حياة الرجال فيها سوى سني وفاتهم.
ولكن حجم التراجم المقدمة وطبيعتها تعطي الباحث أمرين أساسيين: الأوّل: متعلق بطبيعة الحياة العلمية التي سادت مدينة الرقّة منذ بداية الفتح الإسلامي، فنجد داخل المخطوطة سير فقهاء وعلماء وقضاة وقرّاء ورواة حديث.
فالرقّة كانت مركزاً علمياً مهماً في المراحل الأولى لتاريخها الإسلامي، والأمر الثاني: مرتبط بعمرانها حيث يتحدّث الكاتب أحياناً عن أماكن دفن من ترجم لهم أو موقع ولادتهم أو المناطق التي درسوا بها، وهذه المعلومات تعطي صورة عامة عن شكل المدينة وتطوّرها خلال القرون الأولى للإسلام.
نسخة تاريخ الرقّة المقدمة اليوم تحوي مجموعة من الفهارس التوثيقية لمساعدة الباحثين على تتبّع العمل داخل المخطوطة.
ممّا لا شك فيه أنّ هذا الكتاب، على رغم عدم تضمّنه لتاريخ الرقّة بالمعنى المعاصر، يضيء جانباً مهماً من حياة المدينة في صدر الإسلام.
نضال الخضري
الرماحية
من مدن العراق المنسية المنقرضة واقعة في (الشامية) في ديار خزاعة انشئت في أواخر القرن السابع الهجري أو العاشر على عهد السلطان سليم العثماني والمشهور على الأفواه أنّ المنشىء لها فريق من متصوفة الأتراك وإليهم تنسب بعض البقاع إلى الآن وكانت تسمّى (روم ناحية) على قاعدة العراقيين في تسميتهم الأتراك روماً ثمّ أدمجت الكلمات لكثرة الاستعمال فقبل رماحية وقد غفل عن ذكرها المؤرخون والرحالة وكانت طيبة الهواء عذبة الماء مصطافاً لعلماء النجف وأدبائها على عهد آل طريح آهلة بالسكان قبل أن يطم نهرها ويحوّل مجراه، ذات سور محكم وفيها سبعة حمامات وقد غزاها المولى علي بن محمد المشعشعي ملك الحويزة سنة 860هـ واستولى عليها وبنى على مقربة منها حصناً للحامية وحاصرها الوهابيون سنة 1223هـ وهاجموها بعد امتناع النجف عليهم فصابرتهم فرجعوا عنها إلى الحلة، وقد أمست هذه المدينة نسياً منسياً لا أثر لها ولا طلل.
الرملة
تعتبر مدينة الرملة الفلسطينية أوّل مدينة إسلامية أقيمت في بلاد الشام، بأمر من سليمان بن عبدالملك الذي أراد اتخاذها مقراً لخلافته نظراً إلى ارتباطه بأهلها الذين شهدوا أيام ولايته على فلسطين. ولكن سليمان اقتضته الظروف أن يعسكر في مرج دابق شمال الشام فترك الرملة مؤقتاً وفي نفسه العودة إليها، ولكن الأجل المحتوم لم يمهله فمات بعد حكم قصير يقارب الثلاث سنوات.
ولم يكن قبل الإسلام ما يعرف بمدينة الرملة. أمّا تسميتها نفسها فجاءت من غلبة الرمل على أرضها. وهذا يظهر بدوره أنّ الرملة لم تكن مدينة عامرة بالسكان قبل سليمان بن عبدالملك بل كانت أرضاً خراباً كثيرة الرمل.
وكان أوّل ما بناه سليمان في المدينة، حسب البلاذري في «فتوح البلدان» هو قصره ثمّ دار الصباغيين التي زوّدها بصهريج لجمع المياه من الأمطار في وسطها، وأقام بعد ذلك المسجد وفق خططه المرسومة له، ولكنّه ولي الخلافة قبل إتمامه. وكان أذن للناس أن يبنوا مساكن فيها، واحتفر لهم قناة تدعى «بردة» تجري فيها المياه من نهر أبي فطرس الذي يبعد عنها حوالي 12 كيلومتراً، ثمّ توالت عمليات البناء. وبدأت المدينة تنمو وتزدهر مع مرور الزمن. وازدادت أهميتها التجارية والسياسية فاتسعت خطتها، حتّى وصفها المقدسي في «أحسن التقاسيم» بقوله «مدينة فسيحة واسعة، بناؤها حسن المنظر، وهي خفيفة الماء مرية، محاطة ببساتين الفاكهة بين رساتيق جميلة وقرى نفيسة، وتتمتع بموقع تجاري متفرّد، وتصدر للخارج ما تنتجه خاصّة تينها الشهي المذاق». ويمتدح المقدسي موقعها، ويعبر عن إعجابه بفنادقها الرشيقة اللطيفة، وحماماتها الأنيقة، ونظافتها، واتساعها، وحسن منازلها ومسجدها، واتساع شوارعها، وتوسط موقعها بين البحر والجبل.
أصبحت مقراً لوالي إقليم فلسطين لمدّة طويلة. وشهدت جزءاً كبيراً من الحكم الأموي ثمّ العباسي حتّى قيام الدولة الطولونية عندما تبعت مصر، فأصبح واليها يعيّن من الفسطاط بدلاً من دمشق وبغداد. ثمّ خضعت فترة للحكم العباسي المباشر من 292 إلى 323 هجرية، عادت بعدها إلى تبعية الدولة الإخشيدية ثمّ الدولة الفاطمية في مصر، وأصبحت لها أهمية خاصة في ذلك العصر فهي مفتاح الشام وبداية الطريق إلى بغداد، ومعبر للفاطميين إليها، فاهتم بها هؤلاء كثيراً. ثمّ توسّع السلاجقة على حساب الأملاك الفاطمية، منذ منتصف القرن الخامس الهجري، فاحتلوا الرملة العام 463 هجرية، وبعد ثلاثين عاماً تبعت للغزاة الصليبيين، وسيطرت عليها حكومة بيت المقدس اللاتينية.
القصر (دار الإمارة): وهو أوّل بناء أنشأه سليمان بن عبدالملك في المدينة، بإشراف البطريق بن النكا كاتب سليمان. وظلّ القصر يطاول الزمن حتّى مطلع القرن العشرين، ولا يزال بقايا جدرانه قائمة حتّى الآن.
مسجد الرملة الكبير
شرع في بنائه أيام سليمان إلاّ أنّ القدر وافاه قبل اكتمال عمارته فأتمّه الخليفة عمر بن العزيز. وهو يقع في وسط السوق ويمتاز بكبره، ومحرابه يعتبر من أكبر المحاريب المعروفة، ومنبره يلي منبر بيت المقدس، وكثيراً ما أعجب الناس بمئذنته الجميلة الرائعة. وذكر بعض المؤرخين أنّ منارة الجامع مربعة الشكل على هيئة برج، وقد تأثّرت كغيرها في سوريا بما كان سائداً من طرز معمارية قبل الإسلام ومثلها منارة بصرى. وشبه الدكتور عفيف بهنسي في كتابه: «الشام ـ لمحات آثارية وفنية» هذه المئذنة (الرج) بمئذنة الجيرالدة (دوارة الرياح) الأثر الخالد في أشبيلية الأندلسية التي تعدّ من أضخم الأبراج الشرقية.
الأسوار: ذكر الرحالة ناصر خسرو أنّ للرملة أسواراً عالية متّسعة من الحجر والجبص منيعة متينة ولها أسوار من الحديد، إلاّ أنّ زلزالاً عنيفاَ ضرب المدينة في العام 425هـ دمّر نصفها وهدم الأسوار والمنشآت العمرانية، إلى أن قام الظاهر بيبرس بتجديد الأسوار بعد حوالي 240 سنة.
الأسواق: وجدت في المدينة أسواق عدّة كانت تعج بالمحلات التجارية الملأى بمختلف البضائع الواردة من خارج الرملة.
إنّ تلك الأسواق كانت متخصّصة نوعاً ما، وتقع داخل سور المدينة، وترتبط بشكل أو بآخر بأبوابها، ومنها: باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور، وباب نابلس، وباب الزيتون وغيرها. ومن هذه الأسواق: سوق القماحين، وسوق البصالين، وسوق القطانين، وسوق الكتان، والخشابين، والجزارين، والصياقلة، والسراجين وسواها.
بركة القديسة هيلانة: وهي عبارة عن صهريج ماء كبير، تقع إلى الشمال الغربي من الرملة وبها كتابات كوفية ترجع إلى عهد هارون الرشيد… ومخطط البركة رباعي غير منتظم، وينقسم إلى ست بلاطات بواسطة خمس بائكات نقطعها ثلاث باتجاه شمالي جنوبي، وكلّ منها يتضمن ستة عقود ترتكز على دعائم مصلبة القطاع، وهناك درج داخل الركن الشمالي الشرقي للبئر، وتوجد به فتحات علوية يبلغ عددها 24 فتحة.
أمّا عن التشيّع في الرملة فإنّ كلام محمد بن عثمان الكراجكي صاحب كنز الفوائد ونزيل الرملة ـ وقد عاش في القرن الخامس الهجري ـ يدل كلامه في ذلك الكتاب على أنّ أهالي الرملة كانوا شيعة.
على أنّه قيل إنّ الرملة التي يحكى عنها هي في مصر. وليس في الرملة اليوم شيعة.
الرهيمة
قرية صغيرة من ضواحي قضاء النجف تقع غرب مدينة النجف على طريق الحج البري، وتبعد عنها (24،5) كيلومتراً.
وهي قرية قديمة ذكرت في كتب البلدان، وكتب المقاتل التي تتحدّث عن الحسين (عليه السلام) ومصرعه، لأنّها من المناطق التي مرّ بها في طريقه إلى كربلاء.
المناطق التابعة لها: وهناك مناطق تتبع الرهيمة في تقسيمها الجغرافي والإداري، وأقلّ منها أهمية وهي:
1 ـ قرية الحياضية: تسمّى في التاريخ بـ «القطقطانة» وعند البدو في الوقت الحاضر بـ «الطكطكانه» وهي قرية قديمة زراعية فيها مجموعة كبيرة من النخيل وعدد من العيون ومجموعة من البيوت التي تعيش على زراعة القرية والطريق التي توصل بين الرهيمة والحياضية سبخة عكرة ملتوية إلى منتصف الطريق، وإلى الحياضية رملية مستوية ويبلغ طولها نحواً من 25 كلم.
2 ـ عين عطية: وكانت في السابق قرية مأهولة بالسكان، ثمّ أهملت واندرست، وفتحت فيها بئر ارتوازية تسكنها الآن مجموعة من البيوت تبلغ خمساً تشتغل في زراعة المنطقة، والطريق الموصلة لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف قليل نحو الغرب ويبلغ طولها نحواً من 28 كلم.
3 ـ الرهبان: وهي مدينة قديمة جدّاً فيها آثار لم تمتد إليها يد التنقيب يسكنها عدد من الأسر تبلغ خمساً تشتغل في زراعة المنطقة وتعتمد على بئر ارتوازية متدفقة، وصفة الطريق المؤدية لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو اليمين ويبلغ طولها نحواً من 10 كلم.
4 ـ عين نصار: وهي أرض زراعية متروكة لا تنبت فيها الآن سوى بعض النباتات الطبيعية والطريق المؤدية لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو الشمال ويبلغ طولها نحواً من 6 كلم.
5 ـ العزية: وكانت قرية مأهولة بالسكان تقع شرق الرهيمة وغرب مدينة الرهيمة في السابق تعتمد عليها في اقتصادياتها، ولكن ضعف عين العزية وموتها في النهاية أدّى إلى اندراسها وأرادت الحكومة إعادة القرية إلى السابق في حفر بئر ارتوازية لها، ولكنّها لم تفلح إذ لم تنجح تلك البئر بسبب عدم تدفق المياه، والطريق التي توصل بين الرهيمة والعزية رملية إلى منتصف الطريق، وطينية من المنتصف حتى العزية، ويبلغ طولها نحواً من 5 كلم.
6 ـ عين أم فرس: وهي أرض صالحة للزراعة فتحت بها الحكومة بئراً ارتوازية متدفقة تعيش عليها مجموعة من البيوت تبلغ سبعاً، وتعيش على زراعة المنطقة. فيها أكوام كبيرة وكثيرة من التراب يُقال إنّها آثار قديمة، والطريق المؤدية لها هي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو اليمين ويبلغ طولها نحواً من 28 كلم.
العيون والآبار: تشتهر قرية الرهيمة بعيونها القديمة الكثيرة التي كانت تعيش عليها وكلّها اندرست بمرور الزمن وأهم تلك العيون هي:
1 ـ عين غانم: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 3 كلم.
2 ـ عين أم جمل: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 5 كلم.
3 ـ عين الشرعمية: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 8 كلم.
وتعتمد القرية الآن على «عين واحدة» فقط هي المسماة باسمها «عين الرهيمة» وماؤها متدفق يكفي لرزاعة الأرض، وإرواء الحيوانات والسكان.
وهذه العين تقع في مرتفع بين مجموعة من التلول القليلة الارتفاع المتصلة مع بعضها وهي تشكل دائرة حولها، يبلغ طول قطرها حوالي 20م، وهي تبعد عن القرية بنحو ثلاثة كيلومترات ينحدر منها الماء قاصداً القرية في طريق ملتوية تتخلل بعضها أنواعاً من الأحراش والقصب والبردي، وتسبح فيها مجموعة من الأسماك الصغيرة التي لا يكبر حجمها أبداً لقلّة غذائها، وعدد هائل من الضفادع، والحيات المائية، ويستمر ماء العين يسير في نهر ضيق طيني مرّة ورملي أخرى حتّى يصل المزارع القريبة من القرية والمحيطة بها للإسقاء والإرواء والشرب وتتصاعد الأبخرة شتاءاً من العين مع الماء المتدفق ويخرج الماء دافئاً ويستمر إلى مسافات طويلة يبتدىء بعدها باكتساب البرودة، وفي الصيف يخرج الماء من العين بارداً جداً ولذلك ترى أولاد القرية يطفئون حرارة المنطقة الشديدة عن أجسامهم بالسباحة فيها باستمرار في كلّ يوم وأغلب النهار.
وطعم ماء العين ليس حلواً بل تشوبه شوائب الأملاح التي تمر بها المياه داخل الأرض قبل تدفقها إلى الخارج، والملاحظ أنّ طعم المياه يتحسن في الشتاء إذ يصبح مقبولاً أكثر بسبب برودة الجو.
والإسقاء يكون بواسطة تقسيم الأسبوع إلى ثمانية أيام كلّ يوم منها يخصّ فلاحاً لإسقاء مزروعاته لمدّة أربع وعشرون ساعة مبتدئين بالغروب ومنتهين به كذلك والفلاح الذي يكون نصيبه الإسقاء في اليوم التالي يكون مسؤولاً عن تغيير وجهة سير النهر إلى مزرعته وهكذا يتناوب الفلاحون في الاستفادة من ماء العين بهذه الطريقة.
وأمّا الشرب فيكون بواسطة حمل الماء من النهر بواسطة الصفائح «التنكات» أو المشارب «جمع مشربة أو ما تسمّى بـ ـ المسخنة ـ عند بعضهم» من قبل نساء القرية دون أن تراعي تلك النساء النظافة.
وأهم من ذكر الرهيمة من المؤرخين هو ياقوت الحموي([20]) (المتوفى عام 626هـ) قال ما نصّه: «الرهيمة: بلفظ التصغير، ويجوز أن يكون تصغير رهمة وهي المطرة الضعيفة الدائمة، والرهام من الطير كلّ شيء لا يصطاد، وهو ضيعة قرب الكوفة… قال السكوني: هي عين بعد خفيّة إذا أردت الشام من الكوفة بينها وبين خفية ثلاثة أميال وبعدها القطيَّفة مغرباً وذكرها المتنبي فقال:
فيالك ليلا على أعكش
أحم البلاد خفي الصوى
وردن الرهيمة، في جوزه
وباقيه أكثر ممّا مضى
فزعم قوم أنّ المتنبي أخطأ في قوله: جوزه، ثمّ قوله: وباقيه أكثر ممّا مضى لأّنه يجوز وسط الشيء، ولتصحيحه تأويل وهو أن يكون أعكش اسم صحراء الرهيمة عين في وسطه فتكون الهاء في جوزه راجعة إلى أعكش فيصح المعنى والله أعلم بالصواب».
وهناك منطقة قريبة من الرهيمة اسمها: «عكاش» لم تزل تحمل هذا الاسم إلى الآن.
وفي مراصد الاطلاع ما نصّه: «الرهيمة: بلفظ التصغير لرهمة ضيعة قرب الكوفة. وقيل: عين بعد خفيّة بثلاثة أميال إذا أردت الشام من الكوفة»([21]).
ومن الذين تحدّثوا عنها في كتب التاريخ يوسف رزق الله غنيمة في كتابه (الحيرة المدينة والمملكة العربية)([22]) في ثلاث مواضع بما نصّه: «الرهيمة: ضيعة قريبة من الكوفة قال السكوني: هي عين بعد خفية ثلاثة أميال وبعد القطيفة مغرباً([23]).
وفي حديثه عن الطف «… والقطقطانة (المقصود بها التي مرّ ذكرها) والرهيمة. وعين جمل وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم. فلمّا كان يوم ذي قار وانتصر العرب على الأعجام غلبت العرب على طائفة من تلك العيون([24]).
وفي حديثه عن القطقطانة (الحياضية أيضاً): «موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف به كان سجن النعمان بن المنذر، وقال أبو عبدالله السكوني: القطقطانة بالطف بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام ومنه إلى قصر مقاتل ثمّ القريات ثمّ السماوة و…» ([25]).
وفي ضوء ما بيّناه فإنّ المنطقة غنية بالآثار التي لا يعرف مدى قدمها، واضرب مثلاً واحداً: أنّ قرب القرية وعلى بُعد نصف كيلومتر منها مجموعة من أكوام الأتربة والأحجار المخلوطة معها، في مكانين متقاربين تسمّى «الگصور» يقول عنها أهالي القرية أنّها آثار قصور قديمة لا يعرف تاريخها ولكن قدمها عندهم لا يتسرب له الشك.
ومن الأمور العجيبة التي لفتت نظري أنّ قبراً ـ على بعد كيلومتر واحد غرب القرية ـ لبنت الحسن (عليه السلام) يزار وله كرامات يتحدّث عنها أهل القرية، ويعللون سبب وجود القبر أنّ قصراً للإمام الحسن (عليه السلام) قريب من هذا القبر، وبقربه شجرة طاعنة في السن كان الإمام الحسن (عليه السلام) يربط بها حصانه، وقدم الشجرة لا نقاش فيه، وتروى عنها بعض الحوادث التي تشبه الكرامات، ولذلك فإنّهم يتحاشون استعمال أخشابها حطباً للوقود، ولم أر في كتب التاريخ أنّ للإمام الحسن (عليه السلام) في هذا المكان قصراً.
عبد الرحيم محمد علي
الروزنامجة
لمّا عزمت على تأليف كتابي: «الصاحب بن عباد ـ حياته وأدبه» رأيتني مدفوعاً ـ بحكم ضرورة البحث وللاستقصاء ـ إلى مطالعة عدد كبير من كتب اللغة والأدب والتاريخ والتراجم؛ للاطلاع على ما سجَّله مؤلفو تلك الكتب على الصاحب بن عباد في شتى نواحي حياته؛ وسائر مقوّمات شخصيته التاريخية.
وكان من جملة الكتب التي قرأت اسمها في ثبت مؤلفات ابن عباد باسم «الروزنامجة» ذكره عدد من المؤرخين الذين عنوا بفهرست سائر ما أثر عن الصاحب بن عباد من مؤلفات وبحوث وتصانيف.
وكتاب «الروزنامجة» ـ كما يظهر من كتب الأدب ـ مجموعة رسائل يومية أرسلها الصاحب من بغداد عندما زارها بصحبة الأمير البويهي عام 347هـ إلى أستاذه الرئيس ابن العميد، يطلعه فيها على سائر مشاهداته ومسموعاته ومطارحاته واجتماعاته برجال العلم والأدب في ذلك البلد الذي كان منارة العلم ومهوى أفئدة ذوي الفضل في العصور الخالية، وقد اجتمع لدى الصاحب من تلك الرسائل ما تألّف منه كتاب كبير يضم نخبة قيمة من الأبناء والقصص المرتبطة بشتى فروع المعرفة التي كانت موضع البحث والمذاكرة في الحلقات العلمية في بغداد الأمس.
وهكذا حوت «الروزنامجة» من أنباء الأدب والتاريخ ما لا يجد له المرء مثيلاً في أكثر كتب الأدب والتاريخ، كما كانت في الوقت نفسه وثيقة اعترافات صريحة سجَّل الصاحب فيها على نفسه كثيراً من التصرفات والأعمال التي لا يستطيع مؤرّخ غيره أن يسجلها؛ لأنّها من تصرفات الخلوات وأعمال المجالس الخاصّة البعيدة عن أنظار الناس ومراقبتهم.
والمؤسف حقّاً أن تفقد المكتبة العربية هذا الكتاب كما فقدت الكثير من أمثاله، فقد تلفت نسخته أو نسخة المخطوطة على مرور الأيام، فلم يعد لها وجود في دور الكتب العامة والخاصة حسبما تدلنا عليه فهارس المخطوطات وترشدنا إليه معلومات الباحثين.
وتشاء الأيام ـ على جورها ـ أن تعدل قليلاً فتحتفظ بنتفٍ من هذا الكتاب النفيس، مبثوثة في أثناء بعض الكتب الأدبية والتاريخية القديمة بثّاً لا يهتدي إليه إلاّ من يسبر تلك الكتب ورقة ورقة وباباً وباباً، وهي ـ وإن كانت نتفاً قليلة لا تغني ولا تسمن بالنسبة إلى أصل الكتاب ـ حاوية لمجموعة قيّمة من المعلومات ومشحونة بكثير من المساجلات الأدبية والمطارحات المفيدة.
وكان لزاماً عليَّ ـ وأنا بصدد نشر آثار الصاحب بن عباد ـ أن أقوم بجمع شتات هذا الكتاب؛ وضمِّ ما بقي من أشلائه الموزَّعة في رسالة واحدة.
وكان منهجي في كتابة النص وتصحيحه أن أرجع إلى عدد ممكن من المصادر الراوية له ـ إن كان ذلك ـ، مع الإشارة في الهامش إلى موارد الاختلاف فيما بينها؛ والتنبيه على ما رجَّحت اختياره في قراءة النص إن لم أعثر على تصحيح له في المراجع المتداولة.
وأردفت ذلك بتراجم للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب؛ وإشارة إلى بعض الأماكن التي أشار إليها المؤلف، مراعياً في كلّ ذلك الإيجاز والاختصار؛ مع الإحالة على الكتب المطولة والموسوعات الكبيرة لمعرفة التفاصيل
محمد حسن آل ياسين
الروض النضير
في معنى حديث الغدير
تأليف: فارس حسّون كريم.
فصول سبعة تناولت جوانب متعدّدة من واقعة غدير «خُمّ» وقول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) المشهور فيها، وعهده بالإمامة والخلافة لوصيّه الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في ذلك المكان، وعند رجوعه من حجّة الوداع، في 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة.
يتعرّض في أوّلها لذكر خطبته (صلّى الله عليه وآله) كاملة، وفي ثانيها إلى دلالة الحديث الشريف، «من كنت مولاه فعليّ مولاه» وفي الثالث يستعرض بعض مصادر غير الشيعة ـ 252 مصدراً ـ لبيان تواتر هذا الحديث وهذه الحادثة، وعناية المسلمين بها على مدى التاريخ، وفي الرابع ذكر إجابات لبعض المسائل المتعلقة بهذه الحادثة، وأمّا في الفصل الخامس فقد ذكر ترجمة مختصرة لـ 61 صحابياً ممّن روى حديث الغدير، وفي السادس الإشارة إلى القدر المتواتر والمتّفق عليه بين طوائف المسلمين بخصوص هذه الواقعة وعهد الولاية الذي تضمّنه حديث الغدير المعروف، واشتمل الفصل الأخير على التعريف بيوم الغدير وحجّة الوداع ووصفهما، واستعراض عدّة حوادث كشواهد على ظاهرة الحسد والغيض المكنون ـ في صدور أقوام ـ ضدّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
روضة الأنس ونزهة النفس
كتاب لصالح أبي البقاء الرندي الشاعر الأندلسي الشهير صاحب قصيدة الاستنجاد للأندلس التي مطلعها:
لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
المولود سنة 661هـ والمتوفى سنة 680هـ . المولود سنة601 هـ والمتوفى سنة 684هـ.
يعدّ كتاب الرندي الذي سمّاه روضة الأنس ونزهة النفس في كتب الثقافة العامة التي شاع التأليف فيها؛ والتي كان مثالها البارز كتاب ابن قتيبة: عيون الأخبار. ويقول الرندي في مقدمة كتابه إنّه ألّفه كتاباً في الأدب جامعاً لعيون الفنون والآداب والأخبار والفرائد والفوائد، وأنّه انتقى «من الكتب دررها ومن أصناف الأدب غررها». ويكون (الأدب) الذي قصد إليه هو الأدب بمعناه الواسع الشامل الذي عرفه ابن خلدون بأنّ÷ الأخذ من كلّ علم بطرف.
وجعل كتابه في عشرين باباً تتوزعها الموضوعات التالية: الباب الأوّل: في العالم ومعالمه. والثاني: في الأرض والبلاد. والثالث: في بدء البشر. والرابع: في النبي (صلّى الله عليه وآله). والخامس: في الخلفاء وأهل البيت. والسادس: في الدولة الأموية. والسابع: في الدولة العباسية. واثامن: في أهل الردّة والخوارج. والتاسع: في جمل من الفتوح. والعاشر: في لمع من… والحادي عشر: في الحرب. والثاني عشر: في الملك والرياسة. والثالث عشر: في العلم. والرابع عشر: في الشعر. والخامس عشر: في المال. والسادس عشر: في النساء والبنين. والسابع عشر: في الناس والزمن. والتاسع عشر: في الحكايات. والباب الموفي عشرين: في الحكم والمواعظ.
وهو في هذه الفصول ـ في الاغلب الأعمّ ـ ناقل ومصنّف ومرتب، بيد أنّ له فضل العبارة الأنيقة والكلمة الرشيقة قال: «وقد ضممت في كلّ جزءٍ منها الشيء إلى ما يماثله، وألحقت به ما يشاكله. ولجأت إلى فكري في كثير من الفصول القصار واللفظ المختار. إذ كان القصد في ذلك الإجادة لا الرواية والإفادة لا الحكاية».
والموجود من الكتاب هو الجزء الأوّل، وينقطع في أثناء الباب التاسع «في جمل من الفتوح». وقد رفع الرندي كتابه إلى الأمير النصري محمد بن محمد وطرزه باسمه، احتفاء وتقديراً «فإنّه ـ أيّده الله ـ زان الملك بالذات الفاضلة والصفات الكاملة والنصبة الإمارية والنسبة الأنصارية، فمن همم تساوي المجد وتجاوز الجوزاء وشيمٍ شيم بها الدهر وينتسب لها الزهر، إلى جود تروي به الآمال ويسترق بمثله الأحرار». ولا يخفى المغزى من الوصف بالكرم والجود في خطبة الكتاب.
ومصادر الكتاب مختلفة متعددة، عرفنا منها عرضاً، وفي أثناء القسم الباقي من الكتاب: كتاب ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب المسعودي مروج الذهب ومغازي الواقدي. وهو نصَّ على النقل من ابن إسحاق (في السيرة) وعن (صاحب التيجان) وصاحب المجسطي، وصاحب الزهر (زهر الآداب). ولا شك في أنّ مصادره كثيرة وإن لم تتضح لنا جميعاً.
وكتاب الرندي من كتب الثقافة العامة التي يستفاد منها في الأغراض التعليمية وما يشبه ذلك. وليست في الكتاب جدة أو إبداع يلفت النظر. ولكن الأديب الشاعر كان يخرج عن موضوعه ليقدّم قطعاً وقصائد من شعره تلوّن الكتاب وتقدّم لنا ذخراً طيباً لشاعر غاب عنّا ديوانه.
تشيُّع الرندي
قال الرندي في كتابه الأنس، في أثناء أحد استطراداته: «وقد رثي الحسين قديماً وحديثاً. وممّن بكاه فأحزن ورثاه فأجاد وأحسن أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله([26]). ومن عجيب ما حكي عنه أنّه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبد المؤمن ـ رحمه الله ـ وهو صفر اليدين منقطع الحيلة: لا كيف ولا أين. لا يملك فتيلاً، ولا يجد للقاء السلطان سبيلاً. فعكف على رثاء الحسين يبكي مصابه، ويذكي به أوصابه، فنَبُه المنصور في الليل عليه، وأمر بالإحسان إليه بعناية نبوية جبرت فؤاده، وأقامت منآده. فاستحضر المنصور ـ رحمه الله ـ وكشف له عن غيبه، وأمكنه من سيبه. وبالغ في بلوغ أربه، وأنفذ له ما أمر به. وفي ذلك يقول مرج كحل([27]) من قصيدة له:
ونبئت عن صفوان نيل كرامةٍ
حباهُ بها الرحمن والخلفاءُ
ولله في صفوان أيَّة آيةٍ
تكشف عنها للعظام غطاءً
فما ضاع منه في الحسين انتصارهُ
ولا خاب عند الله فيه جزاءُ
وحسينياته رضي الله عنه كثيرة ومشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عز وجل فمن ذلك قوله:
أندبُ الطفّ وسبط المصطفى
بمراثٍ هي أسرَى مِنْ: قفا
لا ترمُ ضوء هدًى من بعدهِ
فسراجُ الهدي بالطفّ انطفا…
وممّأ أحسن فيه الإنشاء وأجاد ما شاء المخمَّسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم، وذيل مراكزها بأعجاز من قصيدة أمرؤ القيس التي أوّلها (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) منها:
ديار الهدى بالخيف والجمرات
إلى ملتقى جمع إلى عرفاتِ
مجاري سيول الغيم والعبرات
معارف هدي أصبحت نكرات
لمّا نسجتها من جنوبٍ وشمأل
قال صاحب الكتاب: وقد ألمعتُ بطريقة صفوان ـ رحمه الله ـ في رثائه (عليه السلام) بجملة حذوتُ فيها حذوه فبلغت شأوه بما هو في المعنى أغرب وإلى الحال أنسب. وذلك إنّي صنعت مخمسة على حروف المعجم مذيلةً بإعجازٍمن قصيدة زهير؛ فيها:
أبيتُ فلا يساعدُني عزاء
إذا ذكر الحسينُ وكربلاءُ
فخلّ الوجد يفعل ما يشاء
لمثل اليوم يدّخرُ البكاء!
عفا من آل فاطمة الجواءُ
بعينكَ يا رسول الله ما بي
دموعي في انهمال وانسكابِ
وقلبي في انتهابٍ والتهاب
على دارٍ مكرمة الجناب
عفتها الريحُ بعدك والسماءُ
بكيتُ منازل الصّبر السؤاة
بمكة والمدينة والفُرات
معالمُ للعُلا والمكرمات
عفت آثارُها وكذاك يأتي
على آثار منْ ذهب العفاءُ!
الرَّيّ
ـ1ـ
تحد مدينة الري من الجهة الشمالية والشرقية (طهران) ويحدّها من الجنوب (قم) وتحدّها غرباً: ساوه وكرج. وتقع في السهل الجنوبي من العاصمة طهران، وتمتاز بالطقس المعتدل لوقوعها على خط العرض الشمالي (35 º و34º) وعلى خط الطول الشرقي (51 º و63 º)، ولأجل وقوعها في منطقة خصبة تمتاز بخصوصية جغرافية نادرة، حيث تحيطها الجبال من جهة وتقتحمها الصحراء من جهة أخرى، وثمة خصوصية تأريخية لها، هي وقوعها في طول التاريخ حلقة وصل بين الشرق والغرب.
ويقع في الجهة الشمالية من هذه المدينة، مرقد السيد عبدالعظيم الحسني([28]).
إشتهرت هذه المدينة عند الكتّاب الإسلاميين بأم البلاد أو شيخها([29]) وذلك لوجود المعالم الحضارية والأثرية فيها بكثرة، فكانت موضع اهتمام علماء التأريخ وعلماء الجغرافيا، فاعتنوا بكلّ جوانبها، كتقدير مساحتها، وأهميتها التاريخية، إلى غير ذلك من الجوانب العديدة والمميزة فيها.
يقول المؤرخ أيزيدور خاراكسي في كتابه واصفاً مدينة الري: كانت الري تعتبر أكبر مدينة من مدن مقاطعات الحضارة الميدية([30]).
أمّا ابن حوقل فقد قال فيها ما مضمونه: لم نعهد مدينة أكثر عمراناً كمدينة الري بعد بغداد حيث بلغت مساحتها 1،5 فرسخ من 1،5 فرسخ([31]).
وتنقسم المساحة الممتدة في وسط المدينة من الناحية التأريخية إلى قسمين:
القسم الأوّل أي القسم الأمامي أو المتقدم منها هو مدينة الري القديمة وتسمّى بالري العليا وهي تقع جنوب نبع (چشمه علي)، وفيها سور عظيم، أنشىء قبل الإسلام، وهو يفصل المدينة القديمة عن المدينة الحديثة التي تسمّى بالري السفلى، وهو القسم الآخر من هذه المدينة الذي أنشىء في القرون المتأخرة وبموازاة مثيلتها في الجنوب الشرقي منها أي جنوبي جبل السيدة شهربانو([32]).
وهناك مخطوطة جغرافية مهمة للغاية لاحتوائها على أسماء المدن وتاريخ تأسيسها، وأسماء الجسور والطرق التي أنشئت، وكذلك أسماء الأبنية التي كانت قبل الإسلام في إيران. ولكنّنا لم نتمكن من معرفة المؤسس الأوّل لهذه المدينة لرداءة خطها واهتراء أوراقها([33]).
ومجمل القول أنّها كانت تضاهي مدن الصغد وبلخ وهيرگاه وهرات([34]).
أمّا الاسم الذي أطلق قديماً فهو (رگه) أو (رگاي) وبالأحرف غير العربية (Raga-Ragay) والتي ذكرته المصادر الأوروبية القديمة كالمصادر اليونانية وبالأحرف (Payai)وهو الاسم الذي يطلق على ما تبقى منها في الوقت الحاضر([35]).
وتدل على أهميتها الآثار المنكشفة الجزئية، التي يرجع تاريخها إلى حضرة ما قبل عصر التدوين وهو حقبة الألف الخامس إلى الألف السادس قبل الميلاد([36]). حيث وجد ذلك العالم الأثري المعروف (اريك اشميث) في موقع (چشمه علي) فيها آثاراً تتعلق بالألف الخامس والرابع قبل الميلاد([37]) وذلك في سنة (1935). فكانت النقوش المرسومة على بعض القطع الفخارية وعلى بعض أوراق الشجر والغصون تدل على ازدهار الزراعة والري في هذا العصر([38]).
وكانت الري تعتبر من المراكز التجارية المهمة المعدودة في التاريخ لأنّها كانت تربط غالب الطرق الرئيسية مع بعضها البعض، كطريق الري ـ شوش، والري ـ آذربيجان، والري ـ هكاتم پيلوس (أي دامغان)، والفيا الري ـ خراسان الكبرى([39]).
نستنتج من كلّ هذا بأنّ الري كانت لها من العظمة ما قلّ نظيره بين المدن وما قلّ أن يحظى غيرها بمثله من الصيت والدور الفعّال في طول التاريخ بحسب التقريرات التأريخية المؤيدة لذلك.
وقد نهضت منها بعض البيوتات التي اشتهرت بخدماتها. فأسرة اسپندياذ يجزم بعض المؤرخين أنّها قامت من الري. وبيت مهران ترجع سلالتهم إلى هذه المدينة، حيث هاجروا إلى (بارس) وسيطروا على أراضٍ واسعة من سهول الري وبارس.
وكان لهاذين البيتين شأن خطير في المواضع الاجتماعية ولا سيما في المناصب العسكرية والمدنية في إيران لا سيّما أسرة مهران التي اشتهرت أكثر من غيرها كما تؤكد المصادر التأريخية.
وقد أطلق عليها العباسيون في أيامهم اسم (محمدية) لإقامة محمد بن المنصور فيها وهو الذي لقب فيما بعد بالمهدي العباسي على أيام أبيه المنصور. وهو الذي اهتم بها وعمّر أكثر بقاعها وأحيائها، وولد ابنه هارون الرشيد فيها، وإضافة إلى ذلك فقد كانت تحتوي على مصنع لضرب النقود.
وتروي بعض المصادر أنّ (مرداويج الزياري) عندما غزا همذان وسيطر عليها عزم على نقل التمثال الصخري الذي كان منحوتاً على شكل صورة الأسد الذي كان هناك إلى الري، ولكنّه عدل عن رأيه لثقل التمثال، فأمر بكسر قوائمه. وهذا التمثال على رأي البعض هو من آثار سلالة الميديين. ولكن الآخرين يقولون إنّه من آثار السلالة الهخامنشية.
وبحسب وجود بعض الروايات المشابهة بين الاسم القديم الذي هو «سوران رود»، نسبة إلى سلالة سورن التي قامت من هذه البقعة، وسلالة سورن هي من البيوتات المعدودة، والمتميّزة في ذلك العهد في تاريخ إيران. ومن المحتمل قوياً بأنّهم هاجروا من مدينة الري إلى مقاطعة سيستان، واتخذوها مقراً لهم في نهاية المطاف على ما روته بعض المصادر التأريخية.
اعتبر المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) في تقسيمه للمناطق الجبلية العديدة في العالم ـ اعتبر أنّ مدينة الري واقعة ضمن المناطق الجبلية وذلك عند تقسيمه المناطق تقسيماً جغرافياً وسياسياً وإدارياً واقتصادياً كما كان دأب علماء الجغرافيا في القرون الأولى للسنين الهجرية عند المسلمين، وتشمل هذه المنطقة: الري وأصفهان إلى مقاطعة كرمانشاهان ولرستان وتمتد إلى خوزستان، إلى سواحل دجلة، ومنطقة آذرآبادگان وكردستان ممتدة إلى السليمانية ومرو والموصل من الجهة الأخرى.
ويضيف أبو الفداء عند حديثه عن مناطق الجبال، مدينة قزوين إلى مدينة الري، حيث يقول: إنّهما تقعان في هذه المنطقة، أي ناحية منطقة الجبال.
ويمكن اعتبار أهمية هذه المدينة على مستوى أهمية مدن تيسفون، واصطخر، وهمذان، ونيسابور و…، التي كانت تتميز باحتوائها المؤسسات العلمية والمكتبات المهمة والمراكز الثقافية الهامة ذات الطابع التحقيقي المرموق.
وبالاستناد إلى معالم عصر البيروني صاحب الكتاب القيّم التأريخي الشهير «الآثار الباقية» نستنتيج بأنّ بذرة العلوم والمعارف الأدبية والحكمية التي غرست في بغداد في العهد العباسي، أينعت ثمارها في مدن الري وخراسان وآذربيجان.
فزكريا الرازي الذي طار صيته في عالم الطب، والذي يطلق عليه الأوروبيون إسم (Razes) ويعتبرونه من الأطباء المسلمين البارزين، ومن ذوي الابتكارات العلمية والطبية المهمة، المكثرين في مجال التأليف والتصنيف. إنّ الرازي هذا، كما يدل عليه اسمه، هو أحد أبناء هذه المدينة العريقة ومن مفاخرها.
وخلاصة القول، أنّ هذه المدينة لها مكانة خاصة من بين الأقاليم والخطط التي توصف بالمكانة العلمية والتأريخية. واعتبرت ـ وبالخصوص في تاريخ إيران ـ من المراكز الطبية المهمة الشامخة لا سيما في القرون الإسلامية الأولى، لاحتوائها على المشافي والمراكز الصحية والتي ورثت مدرسة جندي سابور الطبية، حيث كان الرازي على رأسها ورأس الهيئة المشرفة التي كانت قد أنشئت في بغداد والتي تولّت تربية جيل من الأطباء البارزين في تاريخ إيران، واعتبروها على مستوى مراكز اكياتان وپرسبوليس، ومركز جندي سابوري في العهود الساسانية التي كانت تتمتع بإمكانيات واسعة حنيذاك. فكانت كعبة العلماء ونهاية مطافهم في شتى مجالات العلوم الإنسانية والإلهية والفلسفة والعرفان.
يقول جرجي زيدان في كتابه التمدن الإسلامي ما مضمونه: كان على طلاب الحديث والسيرة أن يقصدوا إحدى هذه المدن: مكة أو المدينة أو البصرة أو الكوفة أو مصر أو الري. فإذن كانت هذه المدينة إحدى الخطط المعدودة التي كان يقصدها طلاب ورواد الأحاديث في القرون الغابرة الإسلامية.
وهي كانت أيضاً مقصداً، للمؤرخين والأطباء وغيرهم في هذا العصر ومسقط رأس لبعضهم الآخر، فمسكويه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب أصله من الري. وخلال وجوده في الري درس على أبي الحسن العامري.
أورد الدكتور هنري أ. سيجريت عند رسمه بعض الخرائط الجغرافية لتحديد أماكن المراكز العلمية في طي العصور الغابرة ـ أورد فيما أورد: الري، واكياتان، وبرسپوليس.
يمكن اعتبار مدينة الري من العواصم المهمة، في العصور التأريخية لا سيما في القرون الوسطى منها. وكانت مركزاً سياسياً مهماً على طول التاريخ.
وإلى جانب احتوائها على المراكز المهة، فقد كانت تحتوي أيضاً المراكز الفنية الممتدة من الفن الإيراني الأصيل خاصة في القرون بين الثالث وحتّى القرن الخامس الهجري. وهي تذكرنا بالفنانين والمعماريين، والصاغة، ومهرة الفن الفخاري في هذه العصور.
وعلى الرغم من الضربات القاسية اليت انهالت من المغول على الفن والمعارف الإيرانية، إلاّ أنّها استمرّت في سيرها خاصّة في هذه المدينة وفي مدينة كاشان.
وتتفق أقوال علماء الآثار ـ نتيجة التنقيب ومطالعاتهم في الآثار المتبقة في خطط الري ـ على أنّها كانت تضاهي مدينة بلخ الأثرية، في أصالة الفن وعظمته.
ونقل ياقوت الحموي عن كتاب التنبيه ـ لحمزة بن الحسن الأصفهاني ـ بأنّ للإيرانيين خمس لهجات، وهي الپهلوية، والدرية، والفارسية، والخوزية، والسريانية.
فكانت الپهلوية لغة البلاط، وهي منسوبة إلى پهله هي: تعني اسماً لخمس مدن هي أصفهان، والري، وهمذان، وماه نهاوند، وآذربيجان.
يقول (ريچارد فراي): أنّ الري، أو پارگه، أو پارقه (باليونانية)، مدينة تقع ما بين جبال البرز من جهة والصحراء المركزية المالحة من جهة أخرى، وهي تعتبر من أواخر المدن الغربية الكبيرة في إيران، وهي تشرف على مفترق الطرق التجارية الشرقية، واعتبرت هذه المدينة على مستوى المدن التي تحتوي على المخازن الكبيرة بالنسبة لمثيلاتها من المدن، حيث جعلتها مركزاً مهماً للتسوّق، لاحتوائها على الأمتعة النفيسة أيام الديلميين.
واعتبرها بعض مؤرخي العرب هي ومدينة مرو من المراكز التجارية المهمة للإيرانيين.
أما العباسيون فالظاهر أنّهم قللوا من أهميتها، بعد بنائهم لمدينة بغداد.
وقد أصبحت ملجأ للأقليات الدينية المسيحية التي كانت تُلاحق من حين لآخر وبكلّ شدّة وبطش من قبل الكهنة الساسانيين. وقد اعتبرت من الملاجىء التي كان تقاوم دوماً كلّ هذه الشدائد التي كان تصب على تلك الأقليات، بموازاة مدينة شوش التي كانت هي الأخرى تعيش يومذاك نفس المأساة.
فاعتبرت الري أحد أبرز الأديرة الثلاثين في ذلك العهد للمسيحيين. لا تقل أهميتها من أهمية مدن أصفهان، وفارس، ونيسابور، ومرو، وهرات، وأخيراً مدينة سيستان.
وعندما سيطرت الكنيسة النسطورية وبلغت أوجها، توجه المسيحيون النساطرة إلى غرب إيران، ولسبب الملاحقة الدائمة لهم من قبل مناوئيهم، أصبحوا دوماً يبحثون عن مكان آمن لهم، وبذلك بنوا الأديرة في كردستان ولرستان وشوشتر، والأهواز، وشوش، والري.
وأشارت بعض المراجع التأريخية أنّ اليهود قاموا بتأسيس مقرات لهم فيها وذلك تحت اسم (كلن) لتوطين أبناء ملتهم.
وأمّا في العصور الإسلامية فأصبحت مدن، طبرستان، والري، وقم، من المراكز العلمية والدينية الشيعية المهمة، فبنيت المساجد على الطراز الإسلامي في كلّ من مدن الري، ونائين، ويزد، وشوشتر، وأردستان، ودماوند.
وفي إيران يوجد مزاران معروفان عند عامة الناس، أحدهما يطلق عليه اسم (شاه عبد العظيم) وهو الواقع في مدينة الري، والآخر يقع في شيراز وهو المعروف (بشاه جراغ)، وهما ملجآن للعلماء من ملاحقة الظالمين. ومن اللاجئين التاريخيين ابن سينا.
ولا بدّ من الإشارة إلى الموقع الطبيعي المرموق لمدينة الري، وعلى ما نقل العالم الجغرافي المعروف (سترابون) فإنّ الإشكانيين كانوا يقضون أيام الربيع وأيام الصيف فيها.
الدكتور اردشير خداداديان
الري قبل الإسلام
تعتبر مدينة الري من المدن العريقة في القدم في العالم، وقد وجدت نقوش قديمة على بعض القطع الفخارية التي عثر عليها علماء الآثار والتي يرجع تاريخها إلى ما يقارب الـ (6000ـ4000) سنة قبل الميلاد.
وأوّل من سكن هذه المدينة ـ على ما قيل ـ هم الآريون الذين توجهوا في هجرتهم إلى إيران.
واعتبرت هذه المدينة في أوائل القرن السابع قبل الميلاد أي على عهد الآشوريين إحدى ولاياتهم في مقاطعة الأراضي الميدية.
وكانت تعتبر المدينة المقدسة عند الساسانيين، وبرزت مركزاً دينياً مهماً لأتباع الزرادشتية، بناءً على ما قيل بأنّ مولد زرادشت كان فيها.
وسيطر عليها المسلمون في سنة (22) هجرية، بعد فتح أصفهان، وقزوين، وزنجان.
الدكتور اردشير خداداديان
الرَّيّ
ـ2ـ
تقع في الطرف الشمالي الشرقي من إقليم الجبال. وقد كانت في المئة الرابعة (العاشرة) على ما يظهر أكبر القصبات الأربع لإقليم الجبال.
وفي المدينة على قول ابن حوقل: «نهران للشرب، يسمّى أحدهما سور قَنَى ويجري على رُوذَة، والآخر الجيلاني يجري على ساربانان». وذكر ياقوت أيضاً نهر موسى الآتي من جبل الديلم، فقد يكون هذا النهر هو الجيلاني أو نهر كيلان.
وفي المئة الرابعة (العاشرة) قال ابن حوقل والمقدسي أنّ الري قد خرب أكثرها وتحوّلت تجارتها إلى أرباض المدينة القديمة. وكان يطل على المسجد الجامع الذي بناه الخليفة المهدي وفرغ من عمارته في سنة 158 هـ (775م)، على ما روى ياقوت، الحصن وهو على قلّة جبل صعب المرتقى «فإذا صعدت إلى تلك القلعة اطلعت على سطوح الري كلها» على وصف ابن رسته. أمّا ما رواه ياقوت عن الري فغير واضح كثيراً إلاّ أنّه اقتبس في شطر ممّا روى وصفاً خططياً قديماً للمدينة جاء فيه أنّ المدينة الداخلة فيها المسجد الجامع ودار الإمارة وحولها خندق. وأهل الري يدعونها «المدينة». والمدينة الخارجة كان غالبها يعرف بالمحمدية وقد كانت في أوّل أمرها ربضاً محصناً. وكان على قلة جبل يطل على المدينة التحتانية (الداخلة) وعلى ما نقله ياقوت كان هذا الحصن يعرف بالزبيدية (وقد ورد اسمه في بعض المخطوطات بصورة الزيبندي)([40]). وقد كان المهدي نزله أيام مقامه بالري. ثمّ جعل بعد ذلك سجناً ثمّ خرب وعمر في سنة 287(891م). وكان في الري قلعة أخرى يُقال لها قلعة الفُرُّخان وعرفت أيضاً بالجوسق. وفي المئة الرابعة (العاشرة) كره فخر الدولة البويهي القصر القديم القائم فوق تلة الجبل فابتنى له أبنية مشرفة على البساتين سمّاها فخر آباد.
وأشهر رساتيق الري في الأزمنة الأولى وأكثرها خصوبة: رستاق روذه (أو الروذه) وفيه قرية كبيرة بهذ الإسم في ما يلي ربض المدينة. وورامين وقد أخذت مكان الري بعدئذ وصارت أولى مدن ذلك القسم من إقليم الجبال. وبشاويه وما زالت قائمة تعرف باسم فشاويه. وأخيراً قوسين وديزه والقصران الخارج والداخل. وديزه اسم قريتين كبيرتين أو مدينتين على مسيرة يوم من الري وهما ديزه القصرين وديزه ورامين. وكلّ هذه الرساتيق وغيرها ممّا ذكره ابن حوقل كانت أشبه بمدن صغيرة «يزيد ما في أحدها من أهلها على عشرة آلاف رجل». وفي سنة 617 (1220م) استولت جحافل المغول على الري ونهبتها وأحرقتها ولم تقم لها قائمة منذ نزول هذه الكارثة بها. وحين مرّ بها ياقوت في ذلك الزمان قال: «رأيت حيطان خرابها قائماً وقد خربت دورها. وكثير منها مبني بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزرقة مدهون كما تدهن الغضائر»، ولم ينج من أذى المغول غير ربض الشافعية وهو أصغر أحياء المدينة. أمّا أحياء الحنفية والشيعة فقد خربت ولم يبق لها أثر.
وقد حاول غازان الملك المغولي المسلم تعمير الري وإنقاذها من الخراب المستحوذ عليها فأمر بإعادة بناء المدينة والسكنى فيها. ولكنّه خاب في ذلك لأنّ سكانها كانوا قد انتقلوا عنها إلى مدينتي ورامين وطهران المجاورتين لها لا سيّما إلى الأولى إذ كانت أطيب هواء من الري القديمة. وأضحت في مطلع المئة الثامنة (الرابعة عشرة) أكثر مدن هذه الناحية ازدهاراً. وخرائب ورامين على شيء يسير من جنوب الري. وإلى شمالها، على ما ذكر المستوفي، جبل طَبَرِك ـ وهو على ما يظن غير الجبل الذي بنى عليه (الخليفة) المهدي قلعته المارّة الذكر ـ. وكان فيه معدن الفضة ويأتي منه ربح كثير. وقلعة طبرك هذه، على ما في تاريخ ظهير الدين، قد بناها منوجهر الزياري في مطلع المئة الخامسة (الحادية عشرة). وروى ياقوت أنّ طغرل الثاني آخر سلاطين سلاجقة العراق خربها في سنة 588 (1192). وتحدّث طويلاً عن حصار هذا الحصن المنيع المشهور وقال إنّ جبل طبرك على يمين القاصد خراسان وعن يساره جبل الري الأعظم (ويظن أنّه موضع القلعة التي بناها المهدي). وهو متصل بخراب الري. ووصف المستوفي ضريح إمام زاده عبد العظيم بأنّه على مقربة من الري وما زال هذا المشهد من المزارات المكرمة في طهران اليوم.
ومن الولايات المشهورة قرب الري: ولاية شهريار. وذكر المستوفي عرضاً قلعة بهذ الإسم تقوم في شمالي المدينة. وقد أصبحت هذه القلعة بعد ذلك ذات شأن لأنّ شهريار أو ري شهريار هو الإسم الذي أطلقه علي اليزدي على الري حين وصف حروب تيمور. أمّا ورامين فكانت، أوّل المراكز الآهلة إلاّ أنّ الخراب قد نال من هذه المدينة في مطلع المئة التاسعة (الخامسة عشرة) وبعد زمن قام في موضعها مدينة طهران التي لم تكن في المئة السابعة (الثالثة عشرة) غير قرية من أكبر قرى الري.
الريّ
– (3) –
في معجم البلدان: الريّ مدينة مشهورة من أمّهات البلاد (إلى أن قال): «وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، اجتزتُ في خرابها وأنا منهزم من التتر سنة 617، فسألت رجلاً من عقلائها عن السبب فقال: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم؛ لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة. وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلاّ شيعة وقليل حنفية، فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظاهر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب حتّى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فوقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية حتّى أفنَوا الحنفية، مع أن الشافعية أقل إلاّ أن الله نصرهم عليهم([41])؛ فهذه المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية. وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية، وهي أصغر محال الري، ولم يبق من الشيعة والحنفية إلاّ من يُخفي مذهب» «انتهى كلام ياقوت».
والقسم الإيراني الذي حكمه البويهيون كان قسمه الشمالي يسمّى (بلاد الجبل).
وأهم مدنه أربع: كرمنشاه (قرميسين، والريّ، وهمذان، وأصفهان ـ وسمى السلجوقيون هذا الإقليم العراقَ العجمي).
وكانت عاصمة هذا الإقليم في العهد البويهي هي (الريّ)، قال الإصطخري: (والريّ مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها). وقال الأصمعي: (الري عروس الدنيا وإليه مَتجَر الناس).
والنسبة إليها رازي. ولمّا وصف المقدسي هذا الإقليمَ في العهد البويهي قال: (إن به الريّ الجليلة وهمذان والكورة النفيسة أصفهان). وقال: «فأما الريّ فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه جليلة القرى حسنة الفواكه خطرة الرساتيق. فيه علماء سراة، وعوامّ دهاة، ونسوان مدبّرات، لهم جمال وعقل. وبه مجالس ومدارس وقرائح وصنائع وخصائص، لا يخلو المذكِّر من فقه ولا الرئيس من علم ولا المحتسب من صِيت ولا الخطيب من أدب. هو أحد مفاخر الإسلام وأمّهات البلدان، به مشايخ وأجلّة وقرّاء وأئمّة وزهّاد وغزاة. وأئمّة الجوامع فيها مختلفة: يوم للحنفيين ويوم للشافعيين.
ومذاهب هذا الإقليم مختلفة. أما بالريّ فالغلبة للحنفيين، وبها حنابلة كثيرون لهم جَلَبة. والعوامّ قد تابعوا الفقهاء في «خلق القرآن». وأهل «قمّ» شيعة غالية، وهمذان وأجنادها أصحاب حديث، إلا الدينور فإن بها جلبة لمذهب سفيان الثوري. والإمامة في الجامع مثنى (يوم لمذهب ويوم لمذهب)، وعلى ذلك كان أهل أصفهان في القديم.
ويقع بالري عصبيات في «خلق القرآن». وفي أصفهان بَلَه وغلوّ في معاوية»(انتهى).
وتقع الري اليوم في طرف من أطراف مدينة طهران.(راجع: طهران)
الرَّيّ
ـ4ـ
الري: أرض قديمة، وحسب الدلائل الموجودة فإنها ترجع إلى القرنين السابع والثامن قبل الميلاد.
وقد ورد ذكر (الريّ) في كتاب (ونديداد) الذي يعتبر من الكتب المقدسة للزرادشتيين كما يلي: «وهي البلاد النزيهة الثانية عشرة التي خلقتها (اهورامزدا)([42])…»، وورد في كتاب مجمل التواريخ أن منوچهر قد بنى مدينة في هذه الأرض… وأسماها «ماه جان»([43]).
ويكتب (رضا قليخان هدايت) تحت ملحقات الناصري ما يلي: «لا ينبغي أن يخفى على الباحثين عن الحقيقة بأن «الري» و «راز» هما أخوان، وقد توافقا على بناء مدينة أسمَياها باسم أحدهما ري، وأسماها أهلها باسم الآخر رازي، لئلاّ يُحرَم أحدهما من الاسم»([44]) وكانت الري في التقسيمات التي سبقت الإسلام جزءً من (ماد) الكبيرة، وكانت تسمّى «ماد راكيان» أو «ماد رازي»([45]). وأثناء سلطة الملوك الاشكانيين كانت الري مقراً للإقامة الربيعية وكانوا يسمّونها «أرشكيه»([46])، وذكر حسين كريمان كلمات مختلفة منسوبة للري في الكتب اليونانية وغير اليونانية هي كما يلي: «ورد ذكر هذه الكلمة في كتاب (توبيت) بصورة (راكس ـ Rages)، وفي كتاب (جوديت) بصورة (راكو ـ Ragau)، وفي أوستا «رغه ـ Ragha)، وفي بيستون «ركا ـ Raga ، وفي اليونانية «راكو ـ Rhagoe وراكا ـ Rhaga وراكيا ـ Rhageia»، وفي السريانية ري ـ دورا: ـ Rai Dura»، وفي اللغة الأرمنية «ري ـ Re»، وفي اللغة الپهلوية «ري ـ رك ـ ركا: ـRai Rag ـ «Rak …» وفي ضمن ذلك يَحتمل كريمان أن تكون «راز» الشكل العلمي للكلمات «ركا» و «رغه» و «راكو» أو «راكس» التي كانوا يسمّونها (راجس) و (راكَز)([47]).
وفي عهد السلوكيين تعرّضت مدينة الري لزلزلة شديدة فتدمرت، وباشر بتعميرها سلوكوس الأول المعروف بـ (نيكاتر) عام ( 312 -280ق.م).
ثم تغير الاسم بعد ذلك إلى «ارشكيه» أو «ارساكيا»([48]).
ونحاول الآن تتبع نظريات مؤرّخي وجغرافيّي القرون الإسلاميّة الوسطى حول كلمة (ري)، فينقل ابن الفقيه عن ابن الكلبي ما يلي: «… كان في بادئ الأمر ثمة بستان في محل مدينة الري، فدَخَلَته يوماً ابنةُ روي بن بيلان وأخذت تأكل التين، وحينما سُئلت عمّا تأكل قالت: بورأنجير، أي أنها كانت تأكل التين، ومن ثم سمّي هذا المكان باسم «بورأنجير»، وغيّره أهل الري فيما بعد إلى بهرير»، وبعدها إلى (ري)([49]).
وذكر اسمَ المدينة في السابق الطبري والدنيوري وعدد آخر من المؤرخين والجغرافيين الإسلاميين على أنه «رام فيروز»([50]).
وذكر مؤلف نخبة الدهر بأن اسم (ري) هو (ري اردشير)، وإضافة إلى ذلك ذكر اسم (رام فيروز) لهذه المدينة([51]).
وحينما بُنيت المحمدية في مدينة الري على يد المهدي العباسي في أواسط القرن الثاني الهجري، أصبح هذا المكان يُدعى المحمدية تارة وتارة أخرى يدعى الهاشمية. وكانت مدينة المحمدية أهم مركز لضرب النقود في ولاية الري، بحيث يُشاهَد اسمها على أكثر النقود المتداولة في العصر العباسي.
وظلت تتعاقب الألقاب على الري منذ القرن السابع الهجري وما بعده، فيذكر حمدُ الله المستوفي مثلاً: «وسُمّيت (ري) أم البلاد في إيران، وسمّيت لقدمها بشيخ البلاد»([52]).
ويؤكد شاردن السائح المعروف في الدورة الصفوية ما يذكره المستوفي من ألقاب للمدينة ويضيف عليها باب الأبواب، سوق العالم، وبلدة البلاد([53]).
يذكر البلاذري فيما يخصّ فتح الري فيقول: «ينقل عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف: أن عمر بن الخطّاب كتب إلى عمّار بن ياسر عامله على الكوفة، بعد شهرين من حرب نَهاونَد، بأن يرسل عروة بن زيدِ الخيل الطائي إلى الريّ مع ثمانية آلاف مقاتل»([54]). وتقع الري ـ ولفظها الصحيح بتشديد الياء ـ في الجانب الشرقي لولاية (الجبال) ([55]). وبناء على أقوال بعض المؤرخين فإن هذه المدينة التاريخية التي خُسفت بها الأرض ما قبل الإسلام تقع على بعد اثني عشر فرسخاً عن الريّ الحالية وبالتحديد على طريق «خوار»، ولا تزال بعض آثارها قائمة إلى الآن([56]).
ويصف ابن الفقيه مدينة الري الحديثة نقلاً عن محمد بن إسحاق فيقول: «تعتبر الريّ عروس العالم ومفترق طرقه، والواسطة بين خراسان وجرجان والعراق»([57]). وفي أواسط القرن الثاني الهجري شيّد المهدي العباسي هذا القسم من المدينة، الواقع في الشطر الشرقي منها، جنوب جبل (بي بي شهر بانو) وحفر خندقاً حولها، وبنى مسجداً جامعاً على يد عمار بن أبي الخصيب… وأحدث قلعةً فيها وحفر حول هذه القلعة خندقاً آخر، وأسمى هذه البنايات بمجموعها (المحمدية)، بينما كان أهالي الريّ يسمّونها (المدينة) أو «شهرستان» ويسمون القلعة «كهندج»([58]).
وذكر ابن خُرداذَبه هذه المدينةَ في القرن الثالث في عداد بلاد الپهلويين([59])، وذكر ابن حوقل والمقدسي في القرن الرابع بأن أكثر مناطق المدينة قد تهدّمت، وانتقلت تجارتها إلى ضواحي المدينة القديمة([60]).
وكانت الريّ في القرن الرابع الهجري من أكبر المراكز الأربعة لولاية «الجبال». ويعتقد الجغرافيون والمؤرخون بأن الري «كانت تقع ضمن حدود ولاية الدَّيلم، فهي تدخل في ولاية «الجبال» وولاية خراسان، وليس ثمة مدينة في المشرق أجمل وأوسع من الريّ»([61]). ويكتب عن هذه المدينة أبو دُلَف الذي شاهد المدينة في أواخر القرن الرابع فيقول: تتصل أرض الري بجبال بني قارون ودنباوند وجبال الديلم وطبرستان. ويقول أيضاً: ويوجد في وسط الريّ مدينة عجيبة ذات بوابات حديدية وحصن عظيم ومسجد جامع، ويتوسطها أيضاً جبل عال تعتليه قلعة مُحكمة شيدها «رافع بن هرثمة» ولكنها الآن قد استحالت إلى أطلال([62]).
ويعتقد المؤلف بأن «أبو دلف» قد أخطأ في ما كتب، حيث تنطبق أوصاف المدينة التي ذكرها على المدينة التي شيّدها المهدي العباسي، ولأن موضع الريّ قد تغير في أواخر القرن الرابع إذ آلت المدينة بحصنها إلى الخراب وانتقل الموضع الجديد للري إلى سفح جبل يسمّى طبرك «ويقع بالقرب من چشمه علي الحالية».
وكان للري آنذاك حصن محكم، ويذكر ابن حوقل أسماء خمس بوابات لها وهي: بوابة باطاق في الجنوب الغربي، بوابة بليسان في الشمال الغربي، بوابة كوهك في الشمال الشرقي، بوابة هشام في الجانب الشرقي، وأخيراً بوابة سين في الجانب الجنوبي وتعرف ببوابة قم([63]). ويشير المقدسي إلى بنايتين مهمتين في الري في القرن الرابع قائلاً: وإحدى هاتين البنايتين هي دار البطيخ «خَربُزه خانه» ويستعمل هذا الاسم عادة لسُوق بائعي الفاكهة في المدينة، والأخرى هي دار الكتب «كتابخانه» وتقع في فندق أسفل محلة رودة([64])…»([65]).
وخرجت مدينة الري ونواحيها عن سلطة الخلفاء وخضعت لملوك آل بُوَيه منذ القرن الرابع وما بعده، وكانت هذه المنطقة تعتبر جزء من مناطق الديلم منذ ذلك الحين([66]).
وتنقسم الري في القرن الخامس إلى قسمين منفصلين عن بعضهما؛ القسم الأول هو الري القديمة أو الأثرية الواقعة جنوب «چشمه علي» وسط حصن عظيم، وقد أقيمت في العصور التي سبقت الإسلام، وتسمّى «ري برين» أو «ري عُليا». أما القسم الثاني فهو «الريّ الحديثة» وتقع جنوب شرقيّ القسم الأول وجنوب جبل «بي بي شهربانو»، وتسمّى «ري زيرين» أو «الري السّفلى»([67]).
ويذكر ياقوت الحموي الشطرين المهمين لمدينة الريّ التي شاهدها في أوائل القرن السابع، قبل حملة المغول. ولكنّ شرحه لتفاصيل المدينة وأبنيتها مبهم وغير واضح([68]).
وتعرّضت الري لغارات المغول عام 613هـ وضُربت على أيديهم، وكما يقول ياقوت فإن أغلب أبنيتها قد دُمّر ولم يَبقَ منها إلاّ سُورها([69]).
وينقل حمد الله المستوفي بأن غازان خان ـ ومن أجل الحيلولة دون دمار الري أكثر قد باشر بإحداث بنايات كثيرة وأسكن فيها جماعات من أهل الريّ في (واندك)، ولكن الري لم ترجع إلى سابق عهدها، لأن أغلب أهلها فضّلوا النزوح إلى موضعين مجاورين لها هما طهران وورامين، وعلى الخصوص منطقة ورامين التي تتميز بعذوبة هوائها أكثر من الري([70]).
وبعد هجوم المغول استُحدثت في الريّ تقسيمات جديدة، إذ قُسّمت إلى أربع مناطق كبيرة. ويشير حمد الله المستوفي في القرن الثامن إلى هذه التقسيمات فيقول: «الناحية الأولى هي ناحية بَهنام، وفيها ستّون قرية من أكبر قراها ورامين وخاوه. والناحية الثانية هي ناحية سبور قرج، وفيها تسعون قرية أكبرها قرى شندر وإيوان كيف. والثالثة هي ناحية فشابويه، وفيها ثلاثون قرية أكبرها قرى كوشك عُليا باد وكيلين وجرم وقوج آغاز. والرابعة ناحية غار، وفيها أربعون قرية أكبر هذه القرى هي طهران (وإمام زاده) حسن المشهورة بـ (جيان) وفيروز بهرام ودولت آباد»([71]).
وظلت هذه التقسيمات على حالها في الفترات التالية، ولكن المدينة وشوكتها قد آلتا إلى الضعف والخراب، بحيث يتحدث كلافيخو ـ السائح المعروف في العهد التيموري ـ عن هذه الخرائب فيقول: «لقد رأيت أبنية عظيمة في المدينة وكلها مهجورة وخربة، ولكن بعض الأبراج ظلت قائمة، وكذلك رأيت أطلال بعض المساجد. وكل هذه الآثار هي آثار مدينة الري التي كانت في الماضي أكبر مدن المنطقة، ولكنها الآن مجرد خرائب وأطلال خالية من السكان» ([72]).
وكذلك كانت حالها في العهد الصفوي، إذ بقيت على خرابها، ويتحدث عنها مؤلف كتاب: «ري باستان» نقلاً عن «زينة المجالس» فيقول: مدينة الري خربة في الوقت الحاضر، ولا تزال إلى الآن على حالها منذ مجازر المغول ولما يحصل فيها أي تغير بعد»([73]).
وشاهَد الري في العهد الصفوي السائحُ المعروف شاردن فكتب عنها: حدثت آخر أعمال التخريب في هذه المدينة إثر الحروب الداخلية، في العصر الإسلامي وغارات المغول على عراق العجم([74]).
مقام السيد عبد العظيم
ينقل حسين كريمان بأن السير روبرت كربرتر الإنكليزي ـ الذي كان قد زار المدينة الخربة خلال العصر القاجاري ـ يقول: وكان آخر حادثة لها دورٌ مصيري في تاريخ هذه المدينة هي من نتائج طلب السلطة والجاه والقساوة والوحشية التي كانت من المميزات البارزة لخلفاء جنگيزخان دون استثناء. ولم يكد يمضي على الغارات وأعمال التخريب والمحاصرات التي تعرّضت لها هذه المدينة أكثر من قرنين حتّى اختفى اسمها من الأذهان ولم تَعُد اسماً لمنطقة يقطنها بشر([75]).
أخيراً كانت الري الجديدة قرية يقع فيها مقام السيّد عبدالعظيم الحسني، وحظيت هذه القرية بالاهتمام والعمران، حتّى أضحت مدينة صغيرة جميلة مزوّدة بمختلف التأسيسات، واستعادت اسمها (مدينة الريّ) من جديد، وبدأ عدد سكانها يزداد باضطراد، وهي الآن قضاء إذا ما أُضيفت إليها قرية غار.
وتتضارب آراء المؤرخين حول الموضع القديم للري، فيقول اعتماد السلطنة مثلاً: «حسب زعم بعض الفضلاء» فإنّ (راكز) أو (الري) هي قلعة (إيرج) الواقعة بالقرب من مدينة ورامين، ولكن يغلب الظن بأنّ مدينة الري هي حدود الأراضي الجنوب شرقية لدار الخلافة طهران([76]). ويعتقد راولنسن بأنّ محل الري هو بعض أجزاء ورامين.
الدكتور حسين قره جانلو
التشيع في الري
وعن التشيع في الري يقول السيد رسول جعفريان: «يبدو أنّ أهل الري كانوا في بداية إسلامهم من غير الشيعة، المتعصبين على الشيعة، إلى حد النصب. بحيث أنّ (أبو مسلم) عندما قام بالقضاء على بني أمية صادر أموال أهل الري بجرم دفاعهم عن الأمويين. ثمّ أعادها لهم (السفّاح). وهذا التعصب كان نتاجاً لتربية الولاة لهم، فمنذ أن أرسل المغيرة ـ والي الكوفة ـ كثير بن شهاب والياً على الري كان حسب نقل ابن كثير: «يكثر من سبّ علي على منبر الري».
لكن ذلك لا يعني عدم وجود ميول شيعية في مدينة الري، بل على العكس من ذلك، فإنّ الميول الشيعية كان موجودة في الري منذ البداية وبشكل واسع، وكان للأئمة (عليهم السلام) أصحاب من الخواص منذ زمان الإمام الباقر (عليه السلام) والأئمة من بعده.
كما إنّ وجود مقبرة (حمزة بن موسى بن جعفر) في هذه المدينة هو دليل آخر على الوجود الشيعي في تلك الديار. وقد توفي في أواخر القرن الثاني الهجري أو في أوائل القرن الثالث. وكان السيد عبد العظيم الحسني (رض) يزور قبر حمزة. لكن (الصاحب بن عباد) ينقل أنّه كان يزوره سراً، وذلك خوفاً من الحكّام أو لعدم نفوذ التشيع بشكل واسع.
ذكر في نفس الرسالة أنّه عندما قدم إلى الري، نزل في بيت أحد الشيعة، واطلع الشيعة على قدومه تدريجياً. ممّا يدل على وجود التشيع في تلك المدينة. كما إنّ نفس مجيء السيد عبدالعظيم الحسني (رض) إلى الري عبر طبرستان لعله كان بأمر من الإمام علي الهادي (عليه السلام) لنشر التشيع في الري. كما إنّ لقاء عدد من شيعة الري للإمام الجواد (عليه السلام) يدل على وجود التشيع في الري أوائل القرن الهجري الثالث. ويشير (الإسكافي) إلى أنّ الري مرّت بمرحلة ناصبية، ثمّ تغيّرت وراج فيها الميل نحو التشيع. وهناك شواهد أخرى على وجود التشيع في الري قبل أواخر القرن الثالث الهجري. لكن يبدو ممّا نقله البعض ومنهم (الحموي) أن التشيع شاع في الري بعد تغلب (أحمد بن حسن المادراني) ونقل أنّه حتّى ما قبل سيطرته على الري عام (275هـ) كان غير الشيعة في الري، وقام هو بإظهار التشيع.
وقبله قامت حكومة العلويين في الري لمدّة ثلاثين عاماً تقريباً. وقد هيأت هذه الحكومة الأرضية للتشيع حتماً. ولعل هذه الأرضية كانت موجودة من قبل، وهي التي سمحت بقيام مثل هذه الحكومة. وقد أيّد آخرون أنّ التشيع شاع في الري بعد عام (275هـ).
ونقل القاضي نور الله الشوشتري أنّ أهل الري لم يكونوا شيعة في الأصل، حتّى تسلّط (أحمد بن حسن المادراني) عليها، فأظهر التشيع فيها، وقام علماء الري بتصنيف الكتب الشيعية إرضاءاً له، كما فعل ذلك (عبدالرحمن بن أبي حاتم) وغيره، حيث كتبوا في فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
وفي القرن الرابع تحوّلت الري إلى ندوة لطرح الخلافات العقائدية بين الشيعة والأحناف والشافعية، فتغلب الفكر الشيعي شيئاً فشيئاً حتّى عمّها.
وإلى جانب الري تقع منطقة (قصران) وتمثل حالياً طهران وشمالها، وكان المذهب الشيعي رائجاً فيها أيضاً. أمّا بعض المناطق مثل: ونك وكن وفرح زاد وأذون فقد كانت شيعية زيدية، ولعل ذلك ناشىء من تشيع طبرستان.
إنّ بروز كثير من علماء الشيعة من الري يدل على أنّ مدينة الري كانت مدينة علمية شيعية. ومن أولئك العلماء الكبار: الشيخ الكليني مؤلف كتاب (الكافي) و(كلين) المنسوب إليها هي قرية تقع على بُعد 30 كيلومتراً من الري. وقد ألّف كتابه الكافي في بغداد خلال عشرين عاماً.
الفن الزخرفي في الري
في القرن الثاني عشر سقطت الدولة الفاطمية بعزّها وفخامتها ورونقها في أيدي الأيوبيين الذين لم يباروا الفاطميين ولذلك انتقلت الصدارة في الفنون إلى الشرق الإسلامي، واشتهرت(فيه) مدن عدّة بصناعة الخزف، مثل الري وهمذان وقم وكاشان وسلطان آباد. وللمرّة الأولى شرع الخزّافون يدوّنون تاريخ صناعتهم على منتجاتهم.
وفي هذا العصر ظهر الخزف ذو البريق المعدني في إيران والعراق، أي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. وكان الخزف المسمّى بـ «الجيري»، يصنع في المصانع الشعبية في جهات متعددة في إيران، ولونه بني فاتح أو أخضر فاتح، ورسومه وزخارفه إمّا محفورة أو بارزة.
وكانت الري بالقرب من طهران مركزاً مهماً لصناعة الخزف وقد انتقلت إليها الزعامة في هذا الفن من القاهرة. وفيها عثر على الخزف ذي العجينة البيضاء، الرقيق الجدار، المرسومة زخارفه بالحزّ والحفر والتخريم، كما صنع فيها الخزف المجوّف عند تشكيله.
ويعد الخزف المينائي من أفضل منتجات مدينة الري، وهو يصنع من عجينة ملونة تغطي بطلاء قصديري معتم، ترسم فوقه الزخارف بألوان مختلفة من أزرق وأسود وأخضر وأسمر وأحمر. وتأثّرت زخارفه بمدرسة التصوير التي كانت تعتمد أحياناً على التذهيب الذي يضفي على هذا الخزف جمالاً مضاعفاً، وكانت الزخارف في هذا الخزف توضع تحت الطلاء الزجاجي أو فوقه، بحسب مقدار تحمّل الألوان لدرجة الحرارة المرتفعة أو المنخفضة اللازمة لتثبيت الطلاء أو الرسم في الفرن. وكثرت في موضوعات الزخرفة صور أمراء وأميرات بين رجال الحاشية ونسائها، أو رسوم صيد وقتال وطرب وفروسية. وقد اشتهر ثلاثة من الذين أنتجوا خزفاً مينائياً، هم: علي بن يوسف، أبو طاهر حسين، وأخيراً حسين. وكان سعد، الخزّاف الفاطمي، وغيره قد صنعوا الخزف المزخرف المخرّم ذا البريق المعدني في مصر، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومن المحتمل أن يكون الخزّافون الفاطميون هاجروا إلى الشرق حاملين معهم أسرار مهنتهم بعد سقوط الدولة الفاطمية.
ويطلق على الخزف المصنوع في إيران ـ المتميز بزخارفه المحوزة أو المحفورة حفراً غائراً والمدهونة بألوان الأزرق والفيروزي والأصفر أو البنفسجي الفاتح وبرسوم الحيوانات والطيور والتفريعات النباتية ـ اسم خزف «لقيي». ويوجد هذا الخزف في الري أيضاً، وأواني هذا الخزف من الأباريق لها رؤوس ومقابض على شكل حيوانات وطيور مجسّمة لم نرها على الخزف الفاطمي، وإنّما رأيناها على التحف المعدنية عندهم فقط. وفي متحف الفن الإسلامي إبريق، مسجل تحت الرقم 16124، يمثل هذا النوع من الخزف بزخارف منفذة بالبريق المعدني، بدنه كُمثريّ الشكل، برقبة قمعية ضيقة في منتصفها، وفوهته على شكل رأس ديك، وهو تقليد مألوف في الفن الساساني في إيران. أمّا المقبض فيصل بين كتف الإبريق والجزء الخلفي للفوهة.
وتتشكّل زينة الرقبة من مناطق زخرفية تدرو حولها، وتملأها أوراق نباتية محورة ودوائر، بينما تتألف زخرفة البدن من ثلاثة مناطق، العليا في داخلها قوائم رأسية تشبه الحروف باللون الأخضر، تحتها مباشرة شريط ضيق من دوائر صغيرة. والمنطقة الوسطى على البدن تملأها جامات مدببة على شكل قالب، في داخل كلّ منها ورقة نباتية كبيرة محورة، وتملأ المساحات المحصورة بين الجامات زخرفة نباتية محورة. أمّا زخرفة المنطقة السفلية لبدن الإبريق فهي تشبه زخرفة المنطقة الوسطى، إلاّ أنّ الجزء المدبب من الجامة يتجه إلى أعلى.
وتوجد في متحف الفن الإسلامي سلطانية خزف، مسجلة تحت الرقم 23990، من النوع المعروف باسم خزف جبري، تمثّل زخرفتها طائراً محوراً بمنقار ضخم وعين بيضاوية وجناح مروحي كبير، حوله أوراق نباتية محورة. وقد نفذت الزخرفة بالحفر العميق في طبقة البطانة البيضاء حتّى يظهر جدار الإناء الفخاري الأحمر، وجرى تلوين الزخارف وطلاؤها بالطبقة الزجاجية.
وخزف جبري من أعظم أنواع الخزف الإيراني وينسب إلى إنتاج إيران في القرون الخمسة الأولى للهجرة.
وإلى جانب الكتابات الكوفية تميّز خزف جبري برسوم طيور أو حيوانات حقيقية أو خرافية، فنرى عليه الأسد والثور والجمل وأبو الهول والجريفون (حيوان خرافي له جسم أسد وقوائمه وجناحان ومنقار يشبه منقار النسر)، كما نرى عليه الصقر والنسر والطاووس منفذة بالحفر العميق في البطانة البيضاء حتّى يصل الحفر إلى جدار الإناء الأحمر. وتوضع فوق الزخرفة الطبقة الزجاجية الشفافة بألوان صفر أو خضر أو سمر قاتمة وعثر على خزف جبري في مناطق مختلفة من إيران… وكانت مراكز صناعته تتركز في مناطق آمل وزنجان وهمدان.
وهذا النوع من الخزف كان ينتج في مدينة ساري وآمل واشرف في إقليم مازندران في إيران، وعرف باسم خزف ساري. وكان يرسم بأسلوب بسيط وبألوان متعددة تحت الطلاء وهي البرتقالي والأحمر والأخضر والأسود والبني والمنغانيز. وتتألف زخارفه من رسوم طيور محوّرة أو دوائر وأوراق نباتية لها سيقان طويلة.
ازدهرت صناعة الخزف ذي البريق المعدني في إيران بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد، وكانت مدينتا الري وكاشان من أشهر مراكزه الصناعية. وحتّى غزو المغول وتدمير مدينة الري (617هـ/ 1220م) وتدمير كاشان (621هـ/ 1224م)، لم تتوقف صناعة الخزف في هاتين المدينتين، إلاّ أنّ كمية الإنتاج أصبحت أقل. وأخذ صنّاع الخزف ينتجون لأصحاب الطبقة المتوسطة، فحدث تدهور في إنتاج النوع ذي البريق المعدني، تلته فترة ركود في صناعته بحلول القرن الخامس عشر، ثمّ عاد إنتاج هذا الخزف إلى الازدهار في العصر الصفوي.
وأنتج هذا النوع من الخزف في إيران بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين. وقد صنع معظم هذه التحف بطريقة الصب في القلب، وأنتجت منه قدور وأباريق وسلطانيات وتماثيل لأشخاص أو طيور أو حيوانات، وجُعل طلاؤه الزجاجي الشفاف بأحد اللونين الأزرق الغامق أو الأزرق الفيروزي.
واستخدمت في الخزف، المصنوع في أواخر القرن الثاني عشر ومستهل القرن الثالث عشر، طريقة الزينة البارزة المحفورة في البطانية البيضاء تحت الطلاء في زخرفة التماثيل. وفي متحف الفن الإسلامي تمثال من إنتاج «ساوه»، مسجل تحت الرقم 16185، من نوع الزخارف البارزة، لشخص واقف يرتدي ملابس عسكرية، ويبدو أنّه من الأمراء أو القادة. وقد أسدلت خصلات شعره وبرزت عن كتفيه. وهو منفذ بأسلوب الصب في القالب، وجرى طلاء بدن التمثال بالكامل باللون الأزرق الفيروزي، وخلا تماماً من الزخارف.
وتقع ساوه على طريق القوافل من الغرب إلى الشرق، جنوب غربي الري، في وسط الطريق بينها وبين همذان في الغرب وكاشان في الجنوب وكانت مركزاً لصناعة أنواع عدّة من الخزف أهمها ذو البريق المعدني. وقد جمعت منتجات ساوه من الخزف، بين العناصر الزخرفية لإنتاج مدينتي الري وكاشان. كما ينسب إلى ساوه إنتاج تماثيل الخزف التي كانت تطلي باللون الأزرق الفيروزي، وهو أسلوب قديم في زخرفة الخزف، استخدم في مصر الفرعونية في وادي النيل، وعرف باسم «الفايلنس المصري» أو «الأزرق النيلي» منذ آلاف السنين. وقد شاع في ذلك العصر استخدام اللون الأزرق الفيروزي والأزرق الكوبالتي.
وفي آمل، جنوب بحر قزوين، انتشر الخزف ذو الزخارف المحفورة في القرن الثالث عشر. وقد صُنع هذا النوع بطريقة الحز، وجاءت رسومه مبسّطة تقترب من الأشكال الكاريكاتورية ذات الخطوط المستقيمة. واستعمل الحز للحيلولة دون انسكاب اللون على الرسم. وعادة ما يستعمل اللون الأخضر في خزف آمل. ويمثل ذلك النوع من الخزف ذي الزخارف الكاريكاتورية في متحف الفن الإسلامي صحن سميك من إنتاج آمل، مطلي من الداخل باللون العاجي، ومزخرف بالحزّ بشريطين دائريين عليهما رسوم كاريكاتورية لطيور، يفصل بين الواحد والآخر خطّان متوازيان. ويتوسط الصحن رسم طائر محوّر بأسلوب تخطيطي (كاريكاتوري). ولون الزخارف والرسوم أخضر. كما يوجد في المتحف مثال آخر لصحن كبير سميك من إنتاج آمل أيضاً، يزخرف جداره من الداخل شريط دائري عريض، فيه رسم لستْ حمامات متعاقبة بأسلوب مبسّط الأرضية مظللة بخطوط متقاطعة خضراء اللون، ورسوم الطير وتفاصيلها منفّذة بالحزّ العميق فوق البطانة البيضاء. وقد أثار هذا النوع من خزف آمل إعجاب الأوروبيين، وإن كان من الناحية الفنية البحتة يخطو خطواته الأولى نحو النمو والتطوّر.
وأمّأ في كاشان، التي تقع على مسافة 125 كلم جنوب طهران، فقد كان يصنع الخزف المرسوم تحت الطلاء الملوّن بالأزرق، وزخارفه محفورة على البطانة التي لوّنت بالأسود. وقد أضيفت الأشكال المجسّمة والمرغة من الداخل إلى الأواني والأباريق لتزيينها.
ويعود اسم البلاطات الخزفية ذات البريق المعدني المسمّاة بـ «القاشاني» إلى قاشان التي كانت تصنع فيها أنواع من الخزف، منها البلاط الذي زيّنت به جدران أو محاريب الكثير من المساجد والقصور. وهذه البلاطات غنية بالزخارف النباتية وتفريعاتها وصور الآدميين والحيوانات والكتابة بخط النسخ بحروف كبيرة. وكانت الكتابة تشكل عنصراً أساسياً في الزخرفة أو التحلية، وكان من بعض هذه الكتابات أبيات من شعر عمر الخيّام.
محمود يوسف خضر
وممّا قيل في الري من الشعر قول عبدالله بن خليد المعروف بأبي العميثل:
أفي كلّ يوم غربة وتروحُ
أما للنوى من أوبة فتريحُ
لقد طلح البين المشب ركائبي
فهل أُرين البين وهو طليحُ
وأَرَّقني بالريّ نوح حمامة
فنحت وذو الشجو الشديد ينوحُ
على إنّها ناحت ولم تذر دمعة
ونحت وأذراف الدموع سفوحُ
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
ومن دون أفراخي مهامه سيحُ
رياض المسائل
في تحقيق الأحكام بالدلائل
تأليف السيّد علي بن محمد علي الطباطبائي (1161ـ1231هـ).
من كتب فقه الشيعة، استدلالي مبسوط، حاوٍ للأبواب الفقهية ـ عدا كتابي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمفلّس، وهو شرح مزجي دقيق ومتين لكتاب المختصر النافع للمحق الحلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي (602- 676هـ)، وهو الشرح الكبير للمصنف؛ إذ له شرح ثانٍ صغير مختصر من هذا الكبير.
الريَّان (جبل)
الريَّان: (ريع الريَّان وهو كثير الأعشاب طيب الهواء، يقع في وسط سلسلة جبل ثهلان)([77]). وذكر الهجري([78]): الريَّان جبل أحمر طويل من أحسن جبال الحمى، في أوّل حزيز أضاخ وآخر الحزيز النشاش وعرجة. وذكر أنّ هضب الريَّان بين حلِّيت وأضاخ، (أي أنّه في حدود حمى ضرية الشرقية) ([79]).
وقد أورد بعض الأشعار التي قالها الشعراء في جبل الريَّان، منها ما أورده للشريف الرضي:
أيا جبل الريَّان إن تعرَ منهُم
فإنّي سأكسوك الدموع الجواريا
ويا قرب ما أنكرتم العهد بيننا
نسيتم وما استودعتم السرَّ ناسيا
فيا ليتني لم أعلُ نشزاً إليهُم
حراماً ولم أهبط من الأرض واديا
وهذه الأبيات من قصيدة قالها الشريف الرضي مودعاً لركب الحجيج في شهر ذي القعدة عام 400 هجرية، ومطلعها:
أقول لركب رائحين: لعلكم
تحلون من بعدي العقيق اليمانيا
خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى
ونجدا وكثبان اللوى والمطايا
ومروا على أبيات حيٍّ برامةٍ
فقولوا: لديغ يبتغي اليوم راقيا
عدمت دوائي بالعراق فربما
وجدتم بنجد لي طبيباً مداويا
وجاء في كتاب (نخبة الدهر) لشيخ الربوة: «جبل الريَّان بالبلقاء ومنه يجري نهر اليرموك». وقال أيضاً في مكان آخر: «قلعة صرخد على جبل بني هلال ويسمّى هذا الجبل: الريَّان لكثرة انصباب الماء منه».
أقول يبدو أنّه هو المقصود بقول ابن عُنين:
إذا جبل الريَّان لاحت قبابه
لعيني ولاحت من سنير هضابه
وقامت جبال الثلج زهراً كأنّها
بقية شيب قد تلاشى خضابه
لثمت الثرى مستشفياً بترابه
ومن لي بأن يشفي غليلي ترابه
الزَّاب
1 ـ إسم مقاطعة في الجزائر تقع جنوب مقاطعة قسنطينة في سفوح الجبال الفاصلة بين سهول الحضنة والصحراء، قاعدتها مدينة بسكرة.
2 ـ الزَّاب الأعلى أو الأكبر: نهر من روافد دجلة في شمال العراق.
3 ـ الزَّاب الأسفل أو الأصغر: هو أيضاً من روافد دجلة ولكنّه أصغر من الأوّل.
ونرى هنا كيف يعرّف الأقدمون الزَّاب على لسان ياقوت في معجم البلدان:
الزَّابُ: بعد الألف باء موحدة، إنْ جعلناه عربيّاً أو حكمنا عليه بحكمه، فد قال ابن الأعرابي: زابَ الشيء إذا جرى، وقال سلمة: زاب يزوب إذا انسلّ هرباً. قال أبو تمام وكتب بها من الموصل إلى الحسن بن وهب:
قد أثقب الحسنُ بن وهب للندى
ناراً جلّتْ إنسانَ عين المجتلي
ما أنتَ حين تُعِدّ ناراً مثلَها
إلاّ كتالي سورةٍ لم تُنزّلِ
قطعَتْ إليّ الزّابِيينِ هِباتُه
والتاثَ مأمولُ السّحابِ المُسبَلِ
ولقد سمعتُ فهل سمعت بموطن
أرض العراق يضيف من بالموصلِ
وقال الأخطل وهم بزَاذَان:
أتاني، ودوني الزّابيانِ كلاهما
ودجلة، أنباء أمرّ من الصّبرِ
أتاني بأن ابني نزارٍ تناجيا،
وتغلب أوْلى بالوفاء وبالعذرِ
وإذا جُمعتْ قيل لها الزوابي: وهي الزَّاب الأعلى بين الموصل وإربل ومخرجه من بلاد مشتكهر، وهو حد ما بين آذربيجان وبابغيش، وهو ما بين قطينا والموصل من عين في رأس جبل ينحدر إلى واد، وهو شديد الحمرة ويجري في جبال وأودية وحُزُونة وكلّما جرى صفا قليلاً حتّى يصير في ضيعة كانت لزيد بن عمران أخي خالد بن عمران الموصلي، بينها وبين خدينة الموصل مرحلتان وتعرف بباشَزّا، وليست التي في طريق نصيبين، فإذا وصل إليها صفاً جدّاً، ثمّ يقلب في أرض حفيتون من أرض الموصل حتّى يخرج في كورة المرج من كُوَر الموصل ثمّ يمتد حتّى يفيض في دجلة على فرسخ من الحديثة، وهذا هو المسمّى بالزَّاب المجنون لشدّة جريه، وأمّا الزَّاب الأسفل فمخرجه من جبال السَّلَق سلَق أحمد بن روح بن معاوية بن بني أود ما بين شهرزور وآذربيجان ثمّ يمرّ إلى ما بين دقوقا وإربل، وبينه وبين الزَّاب الأعلى مسيرة يومين أو ثلاثة ثمّ يمتدّ حتّى يفيض في دجلة عند السنّ؛ وعلى هذا الزَّاب كان مقتل عبيدالله بن زياد ابن أبيه([80]).
وبين بغداد وواسط زابان آخران أيضاً ويسميان الزَّاب الأعلى والزَّاب الأسفل، أمّا الأعلى فهو عند قُوسَين ويصبّ عند زُرْفامية وقصبة كورته النعمانية في دجلة، وأمّا الزَّاب الاسفل من هذين فقصبته نهر سابُس قرب مدينة واسط؛ وزاب النعمانية أراد الحَيص بَيص أبو الفوارس الشاعر بقوله:
أجأُ وسَلْمى أمْ بلاد الزّابِ،
وأبو المظفّر أم غَضَنفر غابَ؟
وعلى كلّ واحد من هذه الزوابي عدّة قرًى وبلاد، ويوم الزَّاب: بين مروان الحمار بن محمد وبني العباس كان على الزَّاب الأعلى بين الموصل وإربل.
يوم الزَّاب
ـ1ـ
تمخض العالم الاسلامي في مستهل المئة الثانية عن حركة سياسية جديدة إلاّ أنّها حركة قوية في بواعثها وتنظيمها، وهي الدعوة إلى انتزاع الملك من بني أمية، وكانت الدولة الأموية تجتاز في مستهل المئة المذكورة الثلث الأخير من المئة التي عاشت فيها؛ لأنّ جميع ملك بني أمية إحدى وتسعون سنة أو نحو ذلك، كما كانت كثرة الشعوب في الدولة تتململ من الفتن وتئن من الجور وتستغيث من العبث بالمصالح العامّة، بل كان كلّ شيء في العصر المذكور يهيىء الأذهان لقبول الدعوة الجديدة.
نبتت الدعوة الهاشمية ووضعت أسسها وقواعدها في البلقاء من أصقاع الشام إلى الجنوب بينها وبين وادي القرى، وكانت عمان وهي الحاضرة المعروفة الآن قصبة الكورة المذكورة، ومنها أي من البلقاء خرج المبشرون بهذه الدعوة إلى الأمصار على يد محمد ابن علي العباسي ربان هذه الحركة في مطلع القرن المذكور. ثمّ انتقل الدعاة إلى العراق وخراسان، ويلاحظ أنّ النقباء الذين اختيروا للقيام بنشر الدعوة وعددهم إثنا عشر نقيباً من آحاد الرجال في الدراية والكفاية، ومع أنّ عمّال الدولة الأموية في العراق وخراسان لم يألوا جهداً في مقارعة الدعاة وأخذهم بالشدّة والتنكيل خصوصاً في خراسان إلاّ أنّ ذلك زاد البقية الباقية منهم مضاء وإصراراً على نشر دعوتهم، وفي سنة 132 أي بعد مضي ثلاثين عاماً على الشروع بالدعوة الهاشمية أعلنت الثورة العامة في الشرق باسره أي في خراسان وفارس والعراق إذا استثنينا بعض الجهات النائية.
مروان
وكان مروان بن محمد بن مروان على رأس جيش ضخم قدر عدده بمئة وعشرين ألفاً قوامه نخبة من أهل الشام وأشهر قبائلها([81]) يحاول الزحف بهم على العراق من الجزيرة.
وكان جيش مروان ضخماً حقاً من حيث العدد فقط ولكنّه في منتهى الضعف من حيث روحه ومن حيث معنوياته، فقد كانت روح الهزيمة والتواكل فاشية فيه، بل كان جنده يتحدّى أوامره ويجاهر بعصيانه([82]) إلى غير ذلك من المساوىء الشائعة بين أفراد الجيش وقواده على حد سواء، وهو من هذه الناحية يختلف عن جيش بني العباس.
الوقعة الحاسمة وموضع العبرة فيها
وكانت الواقعة الحاسمة بين الفريقين على الزَّاب الكبير أو الصغير في قول([83])، وفيها اندحر مروان وظفر عبدالله بن علي عم السفاح بالجيش الأموي كلّه، ويلاحظ أنّ جلّ قواد الجيش العباسي الذي قاتل مروان بقيادة عمّ السفاح المذكور من زعماء العرب المعروفين، ولوحق مروان وهو هارب بعد واقعة الزَّاب حتّى قتل في مصر في السنة المذكورة.(132هـ/750م)
وموضع العبرة في هزيمة مروان هو الخذلان العام، فإنّه ـ وهو ينتقل بين شواطىء دجلة إلى شواطىء النيل وبين أحياء العرب وحواضرهم في هذه الرقعة الشاسعة ـ لم يجد كهفاً يأوي إليه أو أحداً يحميه، ويلاحظ أنّ هذه الحالة التي أسفرت عن هزيمة مروان على الشكل الذي انهزم به لم تثر دهشة أو استغراباً في نفوس أهل الشام، وقد استقبل هذا الحادث بشيء غير متوقع من رباطة الجأش في عاصمة الأمويين، وأكثر من ذلك أنّا نجد أهل دمشق وحمص والأردن وفلسطين وثبوا على فلول الجيش المهزوم وأعملوا السيف في من يليهم من عسكر مروان ونهبوا أمواله وذخائره، ولا عجب فإنّ الديار الشامية كغيرها ـ في ذلك الحين ـ سئمت الفتن والفوضى وزهدت في تأييد قوم انغمسوا بالترف إلى الأذقان وشغلوا باللذات عن مصالح الناس، وكان عدد المطعونين في ديانتهم من الأمويين غير قليل في العصر المذكور.
علائم الأدبار
كانت تجيش في نفس مروان بعد إشرافه على الهزيمة أمور غريبة تخل بمركزه في الدولة وتنافي مصلحة الأمّة، ومن ذلك أنّه فكّر وهو على مقربة من الحدود بالخروج إلى بلاد الروم والإلتجاء إليهم إلاّ أنّ بعض من استشارهم فنّدوا رأيه في تحكيم أعداء الإسلام بنفسه وبأهل بيته ومن ينتمي إليه، وما هؤلاء الأعداء إلاّ الروم الذين لا يعرف عنهم الوفاء، فعدل عن ذلك([84])، وهذه من مروان خواطر تدل على منتهى الحيرة والارتباك.
انقرضت بمقتل مروان دولة الأمويين في الشرق، وخلفتها الدولة العباسية، وإذا استثنينا بعض الانتفاضات المتفرقة في الجزيرة، وفي جيوب من بادية قنسرين، وحوران، والبلقاء قام بها بعد واقعة الزَّاب بعض قوّاد مروان أو بعض الزعماء الذين تربطهم به رابطة مودة قديمة، فلا نجد أثراً للمقاومة في البلاد الشامية وما إليها، وليس في الانتفاضات المذكورة ما يعبر عن رغبة يعتد بها في الانتصار لبني مروان، كما توهم بعض الشرقيين أو المستشرقين، وقد نشأ بعضها عن الشك في مقتل مروان، فلمّا اتّضحت لهم الحقيقة ألقوا السلاح، ولا يستغرب حدث مثل هذه القلاقل في ذلك الحين([85]).
الجيش والسياسة
وقد رأينا أثر السياسة والعصبية القبلية معاً في خذلان مروان، وفي ظفر العباسيين به، فكيف تسرّب الفساد إلى ذلك الجيش؟
من رأي بعض المؤرخين، أنّ مرد ذلك إلى أثر الدعوة الهاشمية، وليس هذا الرأي بشيء، وإن كنّا لا ننكر بعض الأثر للدعوة المذكورة في جيش مروان.
إذا تأملنا تأريخ الدولة الأموية، لاحظنا أنّه طافح بأخبار التحزّب والعصبيات، ومن ذلك عصبية قيس وكلب، وعصبية قيس وتغلب في أيام عبدالملك بن مروان، وكانت كلب مروانية، وقيس زبيرية، وفي هذه الفترة انشق الأمراء من بني أمية على أنفسهم، واختلفوا باختلاف أمهاتهم من كلبيات وقيسيات، وكاد يكون بينهم شر([86]). ومن أشهر هذه العصبيات ما حدث ما بين عرب الشمال وعرب الجنوب، أو بين العدنانية واليمانية، في الشام وغير الشام وأينما وجدت القبائل المذكورة، ولم تسلم منها الأقطار الأندلسية([87]).
حدث هذا الانشقاق في صدر الدولة الأموية، واستمرّت نار الفتن تضطرم طوال العصر الأموي، وشطراً من عصر بني العباس، وأدّى ذلك إلى اعتزاز القبائل المذكورة، من عدنانية وقحطانية وقيسية وكلبية وتغلبية بدعوة الجاهلية. وكتب التأريخ الإسلامي طافحة بأخبار الفتن والحروب الناشئة عن هذه العصبيات الذميمة، ولا يبالغ من يقول: أنّها من أهم العوامل في تقويض دعائم الدولة الأموية.
إلى هذه العصبيات مردّ ذلك الفساد والتحزب الذي رأيناه في جيش مروان، فإنّ مروان تعصّب لقومه من نزار على اليمن، وكان حجابه يقدمون القيسية ويؤخرون القحطانية، ويسمعونهم في مجلسه وعلى بابه كلمات نابية يشعر باحتقار اليمن واليمانية، كما كان ابن هبيرة صاحب شرطة مروان ينقل لأهل اليمن أقوالاً يزعم قائلوها بأنّ اليمانيين تناسلوا من القرود إلى غير ذلك من المفتريات([88]). ولعل أصل هذه الخرافات ما جاء في بعض الروايات من أنّ أحد ملوك اليمن سبى قوماً منكري الوجوه تزعم اليمن أنّهم النسناس([89]). بيد أنّ اليمانيين أفحموا ابن هبيرة، ودافعوا عن محتدهم دفاعاً مجيداً أثار إعجاب مروان، وقد أضحكه هذا الجدل الغريب بين اليمانية والنزارية، ولعل (دارون) صاحب مذهب النشوء والارتقاء كان عيالاً على ابن هبيرة في مذهبه المذكور. ومجمل القول: بلغ الجفاء بين هذين الحيين من العرب حدّاً بعيداً في العصر الأموي المشار إليه، مع قرب العهد بدعوة الإسلام، وهي دعوة تمكّنت من صهر النعرات القبلية الغالية، وإذابتها في وحدة اجتماعية منقطعة النظير. ومهما كان منشأ هذه الشحناء بين القبائل العربية، فلا شك أنّ لخرق الأمويين وسوء تصرّف عمالهم أثراً كبيراً في تأجّج نيران الضغائن المذكورة بعد الإسلام وهكذا انحرف عرب اليمن عن الأمويين، وأصبحوا من أنصار الدعوة الهاشمية، وقد هاجت هذه الفتن بعد ذلك مراراً، وهي من أشهر الفتن في تأريخ الدولة الإسلامية([90]).
السياسة الخرقاء
وكانت ولاية نصر بن سيار على خراسان من قبل الأمويين شؤماً عليهم مع إخلاصه وتفانيه في سبيلهم، ومع شدّة وطأته على دعاة بني العباس، وتنكيله بهم. وإلى هذه السياسة الخرقاء مردّ تلك الفتن والخصومات العنيفة التي نجمت بين أحياء العرب في خراسان، وفي أيام نصر هذه، أي في سنة 126هـ تفاقم الجفاء بين النزارية واليمانية في تلك البلاد، إذ كان نصر يضلع مع النزارية واليمانية في تلك البلاد، إذ كان نصر يضلع مع النزارية على اليمانية، وكان للأزد وغيرهم من اليمانية زعماؤهم وفي مقدمتهم (جديع بن علي الأزدي المعني) زعيم اليمانية المعروف بـ (الكرمني)، ود سفكت دماء غزيرة من عرب خراسان في هذا النزاع([91]).
كانت هذه العصبية القبلية وما شجر بسببها من الخلاف، من أهم العوامل في اكتساح الدعوة العباسية للأقطار الخراسانية من أوّلها إلى آخرها، وهي التي يسرت لصاحب الدعوة العباسية أبي مسلم الخراساني السيطرة التامة على تلك البلاد([92])، وقد تعدّدت المعارك الدامية بين القبيلتين في مرو بزعامة الكرماني من جهة، وفرسان ربيعة وشيبان من جهة أخرى بزعامة نصر بن سيّار، وفي بعض هذه المعارك قتل الكرماني زعيم اليمانيين([93]).
أهواء متوارثة
تذكرت قبائل العرب في هذا العصر ما وقع بينها من الحروب الطاحنة في القرون الجاهلية الخالية، وكانت هذه الحروب سجالاً طوراً للقحطانيين على النزاريين وتارة بالعكس، ومن أشهرها حروب تبع الأكبر والحروب الناجمة عن تفرّق قبائل اليمن وهجرتها إلى الشمال([94])، فعادت هذه الذكريات بالعربي في العصر الأموي وبعض العصر العباسي إلى ضغائن مجهولة وأهواء متوارثة وأحقاد دفينة ما أنزل الله بها من سلطان، وما كادت تنطفىء النائرة بين هذه القبائل المحتربة لغير سبب معقول حتّى تتضرم أخرى، وكانت دعوتهم: يا لفلان، وما إلى ذلك من نجوى الفتنة ودعوة الجاهلية التي نهى عنها الإسلام وتوعّد أهلها بأشدّ العقوبة والنكال فقال الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله): من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)، إذ كان الفضل في تلك الجاهلية لمن طغى فسفك الدماء وسبى الحرم وقتل الذرية، وكان الجاهليون لا يتناهون عن منكر فعلوه من هذا القبيل، كانوا يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال والأولاد وما إلى ذلك من شؤون الحياة المادية وبأشياء أخرى قد يترفع أهل العقول عن المفاخرة بها وحدها، وكان جل فخر العرب بعد إسلامهم بالعقل والعلم والورع أي بالفضائل ومكارم الأخلاق.
حمية الأنذال
وكان حكماء العرب يسمّون هذا النوع من النخوة الاهلية (حمية الأنذال). قال الأحنف بن قيس حكيم العرب، وقد سئل عمّا فيه حياة العرب ما نصّه: «إذا تقلدوا السيوف، وشدّوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم تأخذهم حمية الأوغاد»، قيل له: «وما حمية الأوغاد» قال: (أن يعدوا التواهب فيما بينهم ضيماً([95])).
ولقد أصاب الأحنف فيما قال، فإنّ صلاح الأمم بالتعاطف والتواهب والتباذل والتحاب، وفسادها بالتعادي والتنافر والتواكل. وكانت دعوة الجاهلية، أو حمية الأنذال هذه، مبدأ بوار الأمّة العربية كما قال الأحنف بن قيس سيّد أهل البصرة رحمه الله. والغالب أنّه لاحظ بوادر هذه النعرات وسوء مغبة تلك الخصومات الشنيعة بين عرب زمانه، فأراد أن يصور ضررها وشناعتها وسقوط أهلها بهذه الكلمة القيمة. والحقيقة أنّ هذه العصبية الجاهلية لم توصف بأحسن من قوله: «حمية الأوغاد» ومن أخلص بذلك من الأحنف في دينه المتين وقلبه الكبير، وعقله العظيم؟ فما أوجعها من كلمة، وما أبلغها من عبارة!
وأبلغ دليل على ذلك هذا الضعف والفساد اللذان عصفا بحياة الأمّة العربية بعد عصر الأحنف، ولا منشأ لهما إلاّ الحروب التي دارت بين العدنانية والقحطانية فأفقدت العرب معيناً لا ينضب ومادة لا تنقطع كانت قبائل الجزيرة تمد بها الأمصار والثغور رجالاً أشداء، وسواعد مفتولة، وأخلاقاً رضية كريمة. وقد ظهرت نتائج هذه الحروب الداخلية بعد ذلك في جرأة الروم والصليبيين على غزو الدول الإسلامية، واجتياح حدودها، وتخلي الدولة المذكورة عن كثير من الثغور والأقطاع بعد أن كانت فرائص الروم والفرنجة ترتعد لمجرد ذكر العرب والمسلمين.
والواقع أنّ دعوة الإسلام جاءت رحمة للطبقة الدنيا من الناس، فرفعت أخملهم حسباً، وأوضعهم نسباً، وساوته بغيره في الحقوق والواجبات.
مساوىء الجاهلية ومحاسنها
لعرب الجاهلية مساوىء ومحاسن، ولبعض قبائلهم سير ذميمة في عقائدهم وأنكحتهم وتبرج نسائهم ووأد بناتهم وعضلهن ـ أي منعهن من الزواج حتّى الموت ـ وقتل أولادهن خشية الإملاق، ولهم عادات أخرى ممقوتة، حضرتها الشريعة الإسلامية، ولكن من حق أهل الوبر وسكان البادية من العرب على كلّ حال أن يفخروا على غيرهم بشمائلهم وسجاياهم، ومن أشهرها الأنفة من العار وحماية الذمار وقرى الضيف وأداء الحمالات أو الغرامات ورعاية العهود والوفاء بالوعود، وقد اشتهروا ببذل المهج والنفوس في هذا السبيل، وكان أهل الجاهلية لا يسودون إلاّ من تكاملت فيه ست خصال: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والتواضع، والبيان، وقد أضيف إليها الإسلام بعد ذلك أي بعد الجاهلية، ويمتاز الجنس العربي على غيره كذلك بخصائص ومميزات، في مقدمتها: حدّة الذهن، والفطنة، وصدق الفراسة، وكانوا يستدلون باللحظة وباللفظة، وهم إلى الخير أقرب ومن غيرهم أحفظ، بل هم أمراء البيان يفيض منطقهم بالحكمة وفصل الخطاب، وقد تأصّلت فيهم السجايا والأخلاق وتوارثتها أجيالهم في الجاهلية وبعد الإسلام.
محمد رضا الشبيبي
يوم الزَّاب
ـ2ـ
كانت موعة الزَّاب، على مقربة من الموصل، بقيادة عبدالله بن علي، وهو أحد الأعمام الكثيرين للسفّاح والمنصور. فتهافت الحكم الأموي إلى غير رجعة، وتوسّد مروان بن محمد درعه، وقد نزل في بُوصير، من قرى الفيُّوم بصعيد مصر التي بلغها هارباً. وقيل أنّه كان يفكّر باللجوء إلى بلاد الروم لاجئاً([96])! توسّد مروان درعه ونام عليها، وقد أعياه التعب من هذا الفرار المتواصل عبر الشام وفلسطين ومصر، نوماً لم يفق منه أبداً! وحمُل رأس مروان، الذي احتزّه رجل من الكوفة كان يبيع الرمّان([97])، إلى عبدالله بن علي في دمشق، فعزله جانباً. وكان المآل العجيب لآخر الأمويين أن «جاءت هِرّة فقلعت لسانه وجعلت تمضغه»([98])! وتضارب الروايات التاريخية في كيفة مقتل مروان بن محمد، وفيمن أو كيف قُطع لسانه([99])، وأين ذهب رأسه مسافراً حتّى وصل إلى أبي العبّاس السفّاح في الكوفة، حيث نُصب على قناة عند باب المسجد([100]). لكن هذه الروايات العديدة لا تؤخر في شيء من الحقيقة التاريخية، وهي أنّ رأس السلطة الأموية قد سقط! وتبدّد بهذا شعاعاً رجاء أشياع بني أمية([101]).
قال مروان بن محمد، وكان ما يزال بعدُ محتفظاً بلسانه، لاحد صَحْبه في يوم نهر الزَّاب: «إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنّا لله وإنّا إليه راجعون»([102])! فهل يصح هذا القول عند النظر الموضوعي إليه، وهل في تأجيل المعركة، ذلك اليوم الشهير، أمل لمروان بن محمد في استبقاء الخلافة الأموية حتّى يام عيسى بن مريم ورجعته؟ إنّ نشوء الدول أو زوالها ليس رهناً بعاطفة شخص، أو رغبة حاكم، أو حَدْس منجّم. فالأحوال لم تكن مهيأة لمدّ يد العون إلى مروان بن محمد.
وهنا تستوفنا أمور ينبغي لنا جلاؤها، إذا أردنا النظر إلى التاريخ الإسلامي نظرة متجددة تطمح إلى الفهم النقدي لمجرياته. أوّل هذه الأمور هو هذا التفسير الخرافي لنهاية الأمويين! وهناك استقصاء اللقب الذي شاع عن خاتمة سلسلة الخلفاء الأمويين، وهو مروان الحمار!
«قال الزبير بن بكار عن عمّه مصعب بن عبدالله: كان بنو أمية يرون أنّه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أُمّه أَمَة، فلمّا وليها مروان هذا أُخذت منهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة»([103]). والمعروف أنّ كثيراً من الخلفاء العباسيين كانوا أبناء إماء. فالمنصور، وهو من هو، أمّه أَمَة بربرية تدعى سلامة، والهادي والرشيد أمّهما الخيزران وهي جارية([104])… فكيف دامت خلافة العباسيين خمسة قرون وربع القرن في التقويم الهجري (132ـ656هـ)، أمّ أنّ الرواية أعلاه مختصة بالأمويين دون العباسيين؟!
وهذا الميل إلى التفسير الوهمي الخرافي للأحداث التاريخية يجمل بنا أن نأخذه بحيطة وحذر، مشفوعين بابتسامة ناعمة. فالشائع علمياً أنّ اختلاط الأجناس مفيد جدّاً، لأنّ المولود يرث عندها «الجينات» أو الوحدات الوراثية عن أمّه وأبيه معاً. فهو نتاج بيولوجي جديد ومتجدد. ومروان بن محمد لم يكن انحلال الدولة الأموية بسببه، وإنّما بسبب سلفائه من الخلفاء، «الأنقياء» بيولوجياً، والمائعين المنغمسين في معاقرة الخمرة والغوص بالمتع. فقد فشا الفسق والفجور والاستهتار البشع بين خلفاء بني أمية المتأخرين، الذين استهواهم الطرب واستغرقتهم لذائذ العيش.
وهذا الأسلوب المتقدم في التعاطي مع أحداث التاريخ، على نحو تنجيمي ضارب في الرمل، نجد له نموذجاً طريفاً آخر عندما نطّلع على رواية وردت عند ابن كثير تدعونا إلى القول إن الكلمات المتقاطعة وفن الأُحجيّة، أو الحزّورة كما نقول في اللغة العامية، قديمة عهد بين ظهرانينا. وإليكم البرهان من الصياغة الفلكلورية لنهاية آخر الخلفاء الأمويين: «كان يُقال في ذلك الزمان: يقتل ع بن ع بن ع، م بن م بن م، يعنون يقتل عبدالله بن علي بن عبّاس، مروان بن محمد بن مروان»([105])، وذلك أنّ جدّ مروان هو مروان بن الحكم بن أبي العاص.
إنّ لقب «الحمار» الشائع عن مروان بن محمد، والذي يحمل السامعين له على الضحك والقهقهة، ليس، في ما يتبادر إلى الذهن، بمعنى الحيوان الذي يُضرب به المثل بقلة القيمة وهبوط المستوى. فقد لُقب مروان بالحمار، وذلك لما اشتهر به من صلابة وصرامة وصبر على المكاره في الحرب([106]). وأكد لنا هذا الرأي الرواية التالية الواردة لدى البلاذري:
«حدّثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عيّاش الهمذاني قال: دخلتُ على أبي العباس أمير المؤمنين بعد مقتل مروان، فقلت: الحمدلله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النَّخَع ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وابن عبد المطّلب».
«قال الهيثم: وكان محمد بن مروان بن الحكم أخذ جارية لإبراهيم بن الأشتر النخعي حين حاربه أيام مُصعب، فولدت مروان بن محمد. وكان الجعْد بن دهرم قد أفسد دين مروان. وكان مروان عاتياً لا يبالي ما صنع، فكان يُقال: مروان أكفر حمار من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جباراً قتّالاً لا يبالي ما أقدم عليه، فسُمّي حمار الجزيرة»([107]).
ضربت العرب المثل في الكفر فقالت: «أكفر من حمار». وحمار هذا هو حمار بن مالك (أو حمار بن مُويلع) بن نصر الأسدي. وهو رجل من عاد (وقيل من العمالقة) كان يحل بوادي الجوف بأرض عاد، والذي يمتد طولاً مسيرة يوم وعرضاً في أربعة فراسخ، و«لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، فيه من كلّ الثمار»([108]). «كان مسلماً أربعين سنة في كرم وجود. فخرج بنوه عشرةً للصيد، فأصابتهم صاعقة فهلكوا. فكفر كفراً عظيماً، وقال: لا أعبد من فعل ببني هذا. وكان لا يمرّ بأرضه أحد إلاّ دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلاّ قتله. فأهلكه الله تعالى، وأخرب واديه وهو الجوف، وضُرب بكثره المثل»([109]).
إنّ اسم حمار ومشتقاته، كاسم علم، وارد الاستعمال في العربية([110]). فحمار اسم رجل من الصحابة، وحمار الأسديّ تابعي([111]). وهناك حُميْر وحُمَيْر، تصغير حمار، وتوبة بن الحُمَيْر هو صاحب ليلى الأَخْيَلِيّة([112]). كما سمّوا حُمران([113]).
وإذا ما كان مروان بن محمد عاتياً قتّالاً لا يبالي ما يصنع، كما جاء في رواية البلاذري، فسُمّي حمار الجزيرة، ففي التسمية مغزى ولها تفسير. ففي اللغة «يُقال: حَمِرَ فلانٌ عليَّ يحمَرُ حَمْراً، إذا تحرّق عليك غضباً وغيظاً. وهو رجل حَمِرٌ من قوم حَمِيرِين»([114]).
وكانت الجزيرة موطن مروان بن محمد ومعقله وركن دولته. وهكذا يتضح أنّ لقب مروان، «حمار الجزيرة» لم يكن باعثه الخفة بصاحبه، إنّما الاحتجاج، ربّما على شدّة مروان وثورة غضبه، والخوف ممّا قد يبدر عنه، وهو العاتي الجبّار. إنّه حمار وحشي حرون أهوج!
إنّ الناس باتوا يتذمرون من الخلافة الأموية ويقعدون عن طاعة خلفائها، لما انتابها من فساد، ويذكر المسعودي أنّ بعض شيوخ بني أمية سئل عن سبب زوال دولتهم، فكان ممّا قاله: «ظلمنا رعيّتنا، فيئسوا من إنصافنا، وتمنّوا الراحة منّا»([115]).
وهناك غير عامل أودى بالحكم الأموي وجعل سقوطه أمراً يكاد يدخل في باب الحتمية التاريخية. فحركات التمرّد والخروج على الأمويين لا يستهان بعددها، ولا بما بلغته من شأو وعتوٍّ. إنّ هذه الانتفاضات على السلطة الأموية اصطبغت بطابع المعارضة المبدئية أو السياسية، فأنهكت الأمويين وحفرت في خاصرتهم جرحاً فاغراً لا يلتئم.
ولم تكن كلمة الأمويين موحدة، فقد اضطرب حبلهم وشَجَر الخُلف بينهم، إذا استغوى منصب الخلافة الكثيرين منهم، فوثب بعضهم على بضع قائلاً سافكاً مدحرجاً الرؤوس. يقول ابن الطقطقي: «واضطرب حبل بني أمية واختلفت كلمتهم وقتل بعضهم بعضاً»([116]). وقد قيل لبعض بني أمية: «ما كان سبب زوال ملككم؟ قال: اختلافنا فيما بيننا، واجتماع المختلفين علينا»([117]).
وكما اتكل معاوية، على حادث مقتل عثمان لينادي لنفسه بالخلافة، وهكذا فعل مروان بن محمد، إذ بدا بمظهر المدافع عن الوليد بن يزيد ضد قتلته من الأمويين وقتلة أبنيه الحَكَم وعثمان، إلى أن ظفر، بواسطة قوّته العسكرية، على السلطة، ونال البَيْعة لنفسه سنة 127هـ. وإذا ما كان الخليفة الذي ندب معاوية نفسه، نفاقاً وبهتاناً، للدفاع عنه، بحيث جعل من قميصه مثلاً يُروى على الوصولية وتسخير الآخرين زوراً لتحقيق المبتغى. إذا كان الحال كذلك مع عثمان الذي كانت خلافته موضع أخذ ورد، لتهاونه وتوليته الأدنين وحرصه على الدنيا، فكيف يكون الحال مع الوليد بن يزيد الذي اتّخذه مروان بن محمد تكأة ينفذ من خلاله إلى غرضه في استلام السلطة! إنّ الوليد، كما تخبرنا أسفار التاريخ، كان متهتكاً ماجناً، وبلغ من الفسق أنّ أخاه سليمان زعم أنّه راوده عن نفسه! وهو أوّل من أتى بالمغنين من البلدان، وقد غرق في تعاطي الشراب وسماع العزف وقول الشعر، واستخفّ بالقرآن فحَرَقه. لكن الوليد بن يزيد كان القميص المناسب لمروان بن محمد عهد ذاك للادعاء بأنّ الشرعية لمروان بن محمد عهد ذاك للادعاء بأنّ الشرعية سقطت، وإنّ الخليفة قد تلطخت الأيدي باغتياله! وقد ساعده أنّ الساحة الأموية، المتضعضعة الأركان، كانت تفتقر إلى الرجال، وكان هو الرجل المناسب.
كانت القبليّة التي غذاها الأمويون وأثاروها فاشية مستفحلة ولكنّها صارت تدبّ في أوصال الخلافة الأموية وتنخر في عظامها([118]). إنّ القبائل العربية الحالة في خراسان كانت العداوة مستحكمة بين صفوفها، وكان نصر بن سَيَّار، والي الأمويين على خراسان، ضالعاً في هذا الانقسام القبلي، إذ قدّم تميماً وولاّها، وناصب ربيعة واليمن العداء.
ومن تجليات هذه القبلية الفاحشة التي خلّفها الأمويون وسخّروها لصالحهم، ثمّ غدت طعنة نجلاء في نحر مُلكهم، إنّ دمشق الحصينة عندما حوصرت، وكان مروان بن محمد قد أناب عليها زوج ابنته، الوليد بن معاوية بن مروان، حدث خلافاً بين أهلها، بسبب المضرية؛ واليمانية، فاقتتلوا وقتلوا الوليد([119])، ممّا سهّل لمحاصري دمشق عملية فتحها وقد ألهت الدمشقيين النزاعات العصبية عن الخطر المحدق بمدينتهم، «حتّى أنّهم جعلوا في كلّ مسجد محرابين للقبيلتين، حتّى في المسجد الجامع مِنبرين وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين»!.
لقد رمى والي خراسان، نصر بن سيّار، الدعوة العباسية بالتهم الجاهزة التي ترمي بها كلّ حركة معارضة منظّمة. فأتباعها أوباش بلا دين ولا حسب ونسب.
إنّ جيش مروان بن محمد يوم الزَّاب، صبيحة السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 132هـ، كان يفوق جيش عبدالله بن علي عدداً، إذ بلغ تعداده مائة ألف من الفرسان([120])، وقيل إنّه مائة وعشرون ألف مقاتل([121])، بل قيل بلغ مائة وخمسين ألفاً([122]). لمّا نظر مروان بن محمد، يوم نزل الزَّاب، إلى أصحابه وقد استبد بهم الفزع والجزع، قال: «إنّها لعُدّة، وما تنفع العدّة إذا انقضت المدّة؟»([123]). وهذه العبارة الحكمية قالها مروان، ذات مرّة، لأحد كتّابه: «إذا انقضت المدّة لم تنفع العُدّة»([124]). فهو جيش تدفع قبائله بعضها بعضاً لخوض المعركة. واحتاج مروان إلى أن يطرح قُدام جيشه الذهب ليحارب([125])! لقد ضاعت هيبة الخلافة وأفلت الزمام من بين أيديها، في حين أنّ الدعوة العباسية الجريئة كان يحرّكها «دينامو» العقيدة والثارات العتيدة! وكان تعداد جيش الدعوة العباسية عشرين ألفاً، وقيل: كانوا اثني عشرة ألفاً([126]).
فلم يكن العدد هو الذي ينقص مروان بن محمد، ولكن القلوب المؤمنة بقضيتها، فليس النصر آتياً من وراء المرتزقة دون هدف أعلى تسعى إليه([127]). يحدّث أحد الذين شهدوا موقعة الزَّاب فيقول: «لقينا مروان على الزَّاب، فحمل أهل الشام كأنّهم جبال حديدٍ، فجثونا على الرُّكَب وأشرعنا الرماح، فزالوا عنّا كأنّهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم»([128])! وذلك إنّ معسكر مروان حوى الكثير من السلاح والأموال، لكن أعوان مروان في الزَّاب كانوا قبائل متردّدة في النزال، فانهزم أهل الشام، وكان من غرق في عُباب الزَّاب منهم أكثر ممّن قُتل على شفرات السيوف وصدور القنا([129]).
إنّ سياسة الأمويين المالية أدّت بالموالي، إلى الوقوع بين براثن الظلم. فقد ظلّت للدهاقين الفرس من إقطاعيي الأرض وكبار المُلاّك الكلمة العليا، نظراً لأنّ هؤلاء الدهاقين احتفظوا بامتيازاتهم الطبقية، وتولّوا جباية الخراج، وصاروا عيون السلطة الأموية على الفلاحين المزارعين، وكدسوا الأموال الباهظة، وحالوا دون إصلاح الأحوال المتردية، لأنّ هذا الإصلاح يلحق الضرر بخزائنهم وخزائن الدولة.
وأمّا جماهير الموالي فقد كانت، من الناحية الطبقية، في مرتبة تتوسط بين الأحرار والعبيد، أي أنّهم نصف أحرار. فهم من غير العرب.
إنّ هذه الجماهير شفّها الضنى، لأنّها كانت محتقرة، مسترخصَة، تعامَل معاملة ذليلة، ويطبّق عليها نظام عنصري السمة، بحيث أنّها كانت، ويا للغرابة، لا تلج المساجد التي يؤمّها العرب للصلاة والعبادة، لأنّ لها مساجدها الخاصّة بها! وهذه الجماهير من الموالي كانت تُمنع عن أخذ «العطاء» المتأتي من خيرات البلاد المفتَتَحة، ثمّ هي تدفع الخراج عن أراضيها. وبلغ التمادي بالحجّاج إنّه أرغم الموالي الذين دخلوا الإسلام على دفع الجزية أيضاً([130])!.
من أجل ذلك لمّا ثار المختار بن أبي عُبيدالله الثقفي، الذي انتقم من قَتَلَة الحسين في كربلاء، كان عدد الموالي مطّرد التكاثر في صفوف جيشه، لأنّه جعلهم شركاء في الفيء يقاسمهم خيرات البلاد عطاءً مشروعاً([131]).
لقد أفلس الحكم الأموي الذي اشتهر أهل الشام بدعمه دون تحفّظ، من قول محمد بن علي، صاحب الدعوة العباسية، فيهم: «وأمّا أهل الشام فسفيانية مروانية»([132]). وفي هذا يستجيب محمد بن علي لنصيحة أبي هاشم محمد بن الحنفية الذي قال له عند مبايعته: «واجتنب الشام فليس ببلد يحتمل دعاتك ولا يصلح لهم»([133]). ولا أدل على انقلاب هذا الميزان ونفاذ هذه الطاعة من أنّ مروان بن محمد اضطر إلى إخضع الشام وهدم أسواق مُدُنها الكبرى، حتّى دانت لحكمه واستكانت فتنها المناوئة له. وعندما انهزم مروان عن الزَّاب في العراق إلى مدن الشام يستنهض قواها ضد الخطر العباسي المنافس ويسائلها العون، خذلته وزاغت عنه فلم يستظهره إلاّ نفر قليل([134]). بل صار مروان، وهو منهزم، عُرضة للطمع والنهب والاقتطاع، من قِبل جُند الشام وأهل حمص ودمشق([135])! وصار، كلّما مرّ في مكان من أرض الشام والأردن وفلسطين، هدفاً لمن يثب عليه!
ولم يُجْدِ مروانَ تعصّبه للنزارية المضرية شيئاً، بل خذلوه. وعندما قطع الفرات لم يرافقه سوى رجلين من قيس، أحدهما أخوه من الرضاعة([136]). مع العلم أنّ مروان قام في حَرّان بأرض الجزيرة، حيث كان يقيم أبوه، وحيث نشأ هو وانتصب عوده، وكانت إقامته هناك بين قيس التي ساندته وشكّلت العمود الفقري لجيشه المقاتل، في حين ساندت القبائل اليمانية من كلب وقُضاعة الثورة على مروان والانتقاض على حكمه.
وهكذا إذا بالمَوْصل تسوّد وتمنع مروان من دخولها. أمّا حرّان، فقد كانت دار مروان بن حمد وموطنه ومستقرّه، بل دمشق، إذ نقل إليها شؤون الحكم وخزانته وجيشه. وهو في ذلك أوّل خليفة أموي يُقدم على هذه النُقلة الرسمية، التي كانت عاقبتها خطرة على مروان، لأنّه سلخ عن دمشق سيادتها العتيدة([137]). وقد ابتنى مروان في حرّان قصره الذي أنفق عليه عشرة ملايين درهم، وهدمه بعدها عبدالله بن علي نكاية بمروان([138]). وكان أهل حرّان قد امتنعوا عن إلغاء لعن أبي تراب، أي على بن أبي طالب، عن المنابر يوم الجمعة عندما أزيل هذا التقليد، فتبدلت أحوالهم وسوّد من خلّفه مروان عليها، بعد أن خرج مروان مع عياله وخواصّه وبعض بني أمية عنها منهزمين([139]). أمّا دمشق، العاصمة التاريخية للأمويين، فإنّ أهلها اختلفوا، عند حصارها من أبوابها كافة، بين أمويّ وعباسيّ، فقتل بعضهم بعضاً، ثمّ سلّمت البلد([140]). على كلّ حال فقد اغتنم أهل الشام الفرصة فانتهبوا بيت المال([141])! هذا التهافت في الحكم الأموي لم يكن ابن ساعته، بل هو محصّلة للأحداث السابقة المتراكمة التي تحوّلت، مع ساعة الصفر العباسية، إلى انتقال السلطة من الأمويين المتهالكين على الشهوات المضعوفين إلى العباسيين. جاء في «العقد الفريد» عن بعضهم: «لم يزل لبني هاشم بَيْعة سر ودعوة باطنة منذ قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم نزل نسمع بخروج الرايات السّود من خُراسان وزوال ملك بني أمية حتّى صار ذلك»([142]).
وعندما أشرف مروان بن محمد على عبدالله بن علي وجُنده من المسودّة، يوم الزَّاب، قال لأتباعه: «أمّا ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع من الغمام سود؟»([143]). وتطيّر مروان يومها من الغرابيب السود التي كانت تحط على أعلام العباسيين السوداء، فقد انضى مع ذلك اليوم حُكم بني أمية في الشام من دون رجعة، وكان نهارهم أسود!
د. أحمد غلَبي
زاد المسافر
وقوت الحاضر
كتاب في الطب لأحمد بن الجزار. وقبل التعريف بالكتاب لا بدّ من التعريف بالمؤلف، وذلك كلّه مكتوب بقلم المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب:
بنو الجزار
في أواخر الدولة الأغلبية اشتهر بالقيروان أفراد بيت واحد برعوا في علم الطب واحترفوا به في حذق زائد وأمانة، وقد توارثوه خلفاً عن سلف وتناقلوه ما يزيد عن المائة عام وهم: (بنو الجزّار). ومن دواعي الأسف أن أغفل أصحاب الطبقات تراجمهم ولم يذكروا لنا منهم سوى واحد وهو أحمد الذي غمرت شهرته بقية الأُسرة.
أمّا (أبو بكر محمد بن أبي خالد بن الجزّار) عمّ أحمد، فقد تلقّى علم الطب في صغره عن إسحاق بن عمران وعن تلميذه إسحاق الإسرائيلي كما أخذ عن زياد بن خلفون وعن غيرهم من أطباء بني الأغلب، وقد وصفه ابن أخيه وتلميذه أحمد في تأليفه «نصائح الأبرار» فال: «كان عَمُّنا عالماً بالطب حسن النظر فيه» ـ وذكر في كتابه هذا عدّة أدوية وأشربة ومعاجين وترياقات ركّبها عمّه محمد، وقال: «وعالج بها سادة من ذوي الأقدار العالية وأهل الترفه والنعمة» ثمّ قال: «قد جرّبتها فحمدتها» ـ ويقصد بأهل الأقدار الخلفاء والأمراء من الفاطميين برقّادة والمهدية. ونقل ابن حماد([144]): أنّ ابن الجزار ـ أبا بكر ـ عالج المهدي عبيدالله في مرضه الذي مات به وسقاه دواء (حب السورنجان) لنقرس كان يشكوه ـ سنة 322هـ (933م) ـ ونعلم من ناحية أخرى أنّ من كبار حرفاء أبي بكر بن الجزار الحاجب جعفر بن علي البغدادي، حاجب المهدي، ويظهر من كلام ابن أخيه أحمد أنّ لأبي بكر هذا مؤلفات في الطب والنبات ولم نقف على أعيانها ولا على أسمائها لفقدانها.
وكانت وفاة أبي بكر في النصف الأوّل من القرن الرابع للهجرة، وقد جاوز السبعين من العمر.
إبراهيم بن أبي خالد الجزّار، هو أخو أبي بكر السالف ووالد الطبيب أحمد.
كان ممّن تعلم الصناعة الطبية وزاول فنونها مع أخيه، وكان يباشر مهنة الكحالة في القيروان في آن واحد مع أخيه، ولا ندري من أخباره إلاّ ما ساقه ابن جلجل في ترجمة ولده أحمد حيث يقول: «هو طبيب ابن طبيب وعمّه أبو بكر طبيب» وفي يقيننا أنّ شهرة ابنه أحمد حوّلت أنظار الباحثين عن أخبار سلفه، وذلك لنبوغه النادر وبعد صيته وكثرة تصانيفه ـ وهو بلا ريب مفخرة الأُسرة.
أحمد بن الجزّار
هو الدرّة الفريدة من القلادة وإحدى المفاخر الدائمة للعلوم للبلاد التونسية بل للعالم العربي بأسره، ونعني به أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزّار. ويكنى بأبي جعفر، ثالث الأطباء من أُسرته الفاضلة. ولد بالقيروان على عهد الأمير إبراهيم الثاني من بني الأغلب، وأخذ عن عمّه وأبيه. وصحب كبير أطباء القيروان في عصره إسحاق بن سليمان الإسرائيلي واستفاد من تعليمه كثيراً كما يذكره في مصنفاته، وبرع أحمد في غير ما علم لا سيما في الطب والطبيعة والفلسفة والتاريخ، وكان في زمن دراسته على غاية من الاجتهاد في البحث وحبّ الاطلاع والمواظبة. قال الطبيب ابن جلجل:
«كان ابن الجزار من أهل الحفظ والتطلع والدراسة للطب وسائر العلوم. حسن الفهم لها».
ولما آنس من نفسه حصوله على الملكة الكافية والتدربة المطلوبة فتح باب داره لمعالجة المرضى، وربّما كان ذلك بإشارة من أبيه وبالإجازة من معلّميه.
يستفاد ممّا حكاه ابن جلجل وغيره أنّه كان قد بنى عند باب داره محلاً مستقلاً لعيادة الزائرين، واتخذ فيه قسماً خاصاً للصيدلة أقعد فيه غلاماً له يسمى «رشيقاً» أعدّ بين يديه جميع الأودية من معجونات وأشربة ومَرَاهم وغير ذلك من المستحضرات، فإذا زاره المريض يفحصه مليّاً ثمّ يصف له ما يناسب من الأدوية ويكتب ذلك في ورقة يتحوّل بها المريض إلى «رشيق» فيعطيه الدواء المشار به ويقبض الثمن، وكان أحمد في كلّ يوم يتفقد قوارير الأدوية ويرى ما نقص منها ويخرج من داره إلى تابعه رشيق مقدار الأدوية الناقصة، ويحاسب غلامه على ما قبض من ثمن الأدوية المباعة، نزاهة بنفسه أن يأخذ من أحد شيئاً.
قال ياقوت: «وكان له معروف كثير. وأدوية يفرّقها على الفقراء» يعني يوزّعها على المعوزين بغير ثمن إحتساباً لله.
وحكى ابن جلجل: «حدثني عنه من أثق به قال: كنت عند ابن الجزار في دهليزه وقد غصّ بالناس إذ أقبل ابن أخي القاضي النعمان، وكان حدثاً جليلاً بإفريقيا يستخلفه القاضي إذا منعه مانع عن الحكم، فلم يجد في الدهليز موضعاً يجلس فيه إلاّ أبي جعفر فخرج أبو جعفر فقام له ابن أخي القاضي على قدم فما أقعده ولا أنزله، وأراه قارورة ماء كانت معه لابن عمّه ولد القاضي النعمان، واستوفى جوابه عليها وهو واقف، ثمّ نهض وركب وما كدح ذلك في نفسه، وجعل يكرّر المجيء إليه بالماء في كلّ يوم حتّى بُرِئَ العليل ـ ابن النعمان القاضي» ـ قال ابن جلجل: قال لي الذي حدّثني: فكنت عنده ضحوة نهارٍ إذ أقبل رسول النعمان القاضي بكتاب شكره فيه على ما تولّى من علاج ابنه ومعه منديل بكسوة هدية وثلاثمائة مثقال، فقرأ ابن الجزار كتابه وجاوبه شاكراً ولم يقبض المال ولا الكسوة. والله، لا كان لرجال مُعَدّ (الخليفة الفاطمي) ـ قِبَلي نعمة».
إتفقت كلمة من ترجم لأحمد بن الجزار أنّه كان قد أخذ لنفسه مأخذاً عجيباً في سمته وهدْيه. وإنّه لم يحفظ عنه مدّة حياته زلّة قط. ولا أخلد إلى لذّة. وكان يشهد الجنائز والأعراس ولا يأكل فيها، ولا يركب قط لأحد من رجال الدولة ولا إلى سلطانهم، إلاَّ إلى أبي طالب أحمد بن عبدالله المهدي، عم الخليفة المعز، وكان له صديقاً قديماً، فكان يركب إليه يوم الجمعة من كلّ أسبوع لا غير. وزاد ياقوت «إنّه لم يكن يقصد أحداً إلى بيته» لعلو همته وصيانته.
ولربّما يفهم من ذلك أنّه كان متكبِّراً ومعجباً بنفسه، بل الأمر الواقع أنّه كان على خلاف ذلك، وقد تقدّم أنّه كان يشهد جنائز الفقراء ويحضر أعراسهم. ومن عادته أنّه كان ينهض في كلّ عام إلى المرابطة فيذهب إلى المنستير ـ وهو الرباط المشهور البركة ـ فيكون هناك طول أيام القيْظ، ثمّ يعود إلى القيروان على ما جرت به عادة العلماء الزهاد المتواضعين. وبالجملة لو أَردنا استقصاء أخبار أحمد بن الجزار من الشيء القليل الذي وصل إلينا لطال بنا الكلام ويكفي للدلالة ما نقلنا من كلام المتقدمين فيه وما وصفوه به من الصفات النادرة كقول ياقوت: «كان أحمد طبيباً حاذقاً دارساً، كتبه جامعة لمؤلفات الأوائل، حسن الفهم لها، كان مع حسن المذهب صائناً لنفسه».
ورأيت عبارة أوردها المالكي عَرَضاً في كتابه «رياض النفوس» تشير إلى أنّ ابن الجزار ربّما كان يميل إلى شيء من التشيّع. حيث قال: «كان ابن الجزار الطبيب على خلاف السنة»([145]) وربّما كان مَيْله هذا لآراء الشيعة هو السبب الذي حمل أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على التغافل عن إيراد ترجمته في مصنفاتهم، لأنّا لم نر من بينهم من تكلم عليه لا بالكثير ولا بالقليل. وأوّل من أطال في التعريف به هو الطبيب الأندلسي سليمان بن حسَّان المعروف بابن جلجل، فجلّ أخباره منقولة عنه مع العلم بأنّ ابن جلجل قَرَأَ الطب على بعض تلاميذ ابن الجزار.
ومهما يكن من إهمال أصحاب الطبقات لترجمته فإنّ الأطباء التونسيين لم يرتابوا في تقدير علم ابن الجزار الواسع وتعظيم قدره، وبالآخر الانتفاع بفوائده الغزيرة. فقد قال الطبيب أحمد الخميري ـ من الأطباء التونسيين في القرن العاشر للهجرة ـ في «تحفة القادم» من تأليفه. «إنّ غالب المصنفات الكبيرة التي تنظر في علم الطب، مصنّفوها من غير هذا الإقليم الإفريقي، كابن سينا والرازي والمجوسي وغيرهم، والمناسب النظر في هذا الإقليم في تصانيف ابن الجزار لأنّه إفريقي، أمّا سائر كتب الطب فلا ينبغي لغير الطبيب الماهر المداواة بنصّهاعلى ما هي عليه إلاَّ بعد مراعاة قدر اختلاف الطبائع واعتبار الأقطار وتأثير الأدوية في قطر دون قطر، بحسب اختلاف عروض الإقليم والعادات… إلخ».
ولا مشاحّة أنّ تآليف ابن الجزار نالت شهرة بعيدة المدى حتّى في مدّة حياته. فهذا كُشَاجم الشاعر المشهور ـ ولم يدخل القطر الإفريقي ـ يقول في مدح أبي جعفر أحمد ويصف كتابه «زاد المسافر».
أبا جعفرٍ، أبقيتَ حيّاً وميّتاً
مفاخرَ في ظهر الزمان عِظاماً
رأيتُ على “زاد المسافر” عندنا
من الناظرين العارفين زِحاما
فأيقنتُ أنْ لو كان حيّاً لوقته
يُحَنّا لَمَا سمّى التمام تماما([146])
سـأحـمـدُ أفــعـالاً لأحـمــدَ لم تَــزَل
مواقـعُـهـا عـنـد الـكـــرام كــرامـــــا
والواقع إنّ من يستعرض ما صنّفه ابن الجزار من الكتب في غير المادة الطبية ومن أبحاثه في التاريخ والفلسفة والأدب، يتبيّن، ما كان لهذا الفذ النابغ من الثقافة الواسعة الأفق ومن قوّة العارضة ممّا يجعله مفخرة من مفاخر عصره، ويكفيه مزية عن أبناء العربية أنّ مؤلفاته الطبية ـ لا سيّما زاد المسافر ـ حازت من العناية بها في القارة الأوروبية ما جعلها تُتَرجم إلى سائر اللغات العلمية المنتشرة فيها حينئذ، وتُتَّخذ أصلاً متناً للبحوث من لدن أطباء الإفرنج في القرون الوسطى. فقد ترجمت إلى اليونانية واللاتينية والعبرية. وأخيراً إلى الفرنسية. كما ستراه عند ذكر مصنفاته.
ولا ننس أنّ ابن الجزار لم يفارق بلاده قط فيما علمنا ولم يتعلم في غير وطنه، والأمر الوحيد الذي نقل في ترجمته أنّه كان همّ في وقت ما بالرحلة إلى الأندلس، ولم ينفّذ ذلك.
وعاش ابن الجزار موقّراً محترماً في البيئة التي قضى فيها حياته الطويلة وقد بلغ من العمر الثمانين وربما جاوزها. ومات عُتِيّاً بالقيروان سنة 369هـ (980م) على ما رواه المحقق ابن العذاري نقلاً عن الرقيق فيما أظن.
وقد حصل اضطراب كبير بين من عَرَّفوا به في تعيين تاريخ وفاته. فقد قال ياقوت أنّه «كان في أيام المعز لدين الله في حدود سنة 350هـ أو ما قاربها» وقال الحاجي خليفة في كشف الظنون وكرّرها مراراً «المتوفى بعد سنة 400» وهذا لا يصحّ أصلاً. وآخر من ذكر ذلك المستعرب بروكلمان وجعل موته في سنة 395هـ ـ نقلاً لا محالة عن غيره. والصواب ما أثبتنا آنفاً.
وترك أحمد ثروة لا يستهان بها. قال ابن أبي أًصيبعة «وجد له أربعة وعشرون ألف دينار ذهباً. وعشرون قنطاراً من الكتب بين طبيّة وغيرها».
ومن أشهر الأطباء الذين تلقّوا العلم والعمل عن ابن الجزار (أبو حفص عمر بن بريق الأندلسي) فإنّه قدم إلى القيروان ولازمه مدَّة، وأخذ عنه الصناعة وروى عنه تآليفه ثمّ عاد بعد ذلك إلى الأندلس، وخدم بالطب الأمراء والأمويين خصوصاً عبدالرحمن الناصر الذي استخلصه لنفسه. وابن بريق هذا هو الذي أدخل كتب أستاذه إلى جزيرة الأندلس فتلقاها عنه جماعة من الأخصائيين بالصناعة الطبية ما بين مسلمين ويهود ونصارى ـ منهم سليمان بن جلجل المتقدم ـ فراجت كتبه بينهم أيما رواج وتُرْجمت إلى لغاتهم كما يأتي بيانه.
ولأحمد ب الجزار مصنفات كثيرة في شتى العلوم والمواضيع وأهمها الطب، وهنا نذكر منها ما وصل إلينا خبره، آملين أن تتاح لنا أو لغيرنا الفرصة للوقوف على ما لم يذكر منها ليعرّفوا بها.
في الطب
1 ـ «زاد المسافر. وقوت الحاضر» ـ في علاج الأمراض، مجلدان وهو من أهمّ الكتب الطبية العَمَلية التي وضعها المسلمون، والمظنون أنّ المؤلّف أهداه إلى صديقه الأمير أبي طالب أحمد بن عبدالله المهدي كما يفهم من مقدمته الرائعة، ويوجد منه نُسخ عديدة في المكتبات العمومية والخصوصية بأوروبا وبالمشرق، منها في مكتبة الشعب بباريس وفي الجزائر ودرسدن ألمانيا وفي البدليية في أكسفورد، وفي رنبور بالهند ومكتبة هافانا بهولاندا وغير ذلك([147]).
وقد اتجهت عناية الباحثين إليه من زمان قديم. وتقدّمت الإشارة إلى ما مدحه به كشاجم الشاعر. وأوّل من عرَفه إلى العالم العربي هو الحكيم قسطنطين المشهور بالإفريقي الآتي ذكره، فقد عمد إلى هذا الكتاب حينما كان يرأس كلّية (ساليرنو) في جنوب إيطاليا وترجمه إلى اللاتينية في أواسط القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر للميلاد) بعنوان (Peregrinantis Viaticum) وهي ترجمة كلمة «زاد المسافر» بالحَرْف لكنّه نسب الأصل إلى نفسه، كما تُرجم إلى اللغة اليونانية باسم (Ephodes) ويوجد من الترجمتين نُسَخٌ عديدة بمكتبات أوروبا. منها في باريس، وفي المتحف البريطاني، وفيورنسا بإيطاليا. وأقدم هذه النُسخ هي المحفوظة بمكتبة الفاتيكان في روما وتاريخها أواخر القرن العاشر للميلاد يعني بعد وفاة ابن الجزار بقليل.
ونقل زاد المسافر إلى اللغة العِبْريّة طبيب مشهور من يهود الأندلس يعرف بموسى بن طَيّبون. بعنوان (تزداد دراشم). ويوجد من هذا النقل أربع أو خمس نُسخ بإيطاليا وإنكلترا.
ونشر الحكيم شارل دارنبير (Daremberg) الفرنساوي في خلال عام 1851 بحثاً عن زاد المسافر تحت عنوان:
Recherches sur une ouvrage qui a pour titre: zad al mouçafir en arabe – Ephodes, en grec – Viaticum, en latin – et qui est attributé dans le texte arabe et grec a Abou Gafar et dans le texte latin a Constantin([148]).
وكتب بعده المستعرب الفرنساوي كوستاف دوقا (Gustave Dugat) مقالة إضافية في المجلة الآسيوية في عام 1853 بحث فيها عن زاد المسافر وحلّل فصوله وأبان فوائده وأهميته، وترجم منه إلى الفرنسية مقالتين وهما المتعلقتان بالعشق وبداء الكَلَب([149]),
ثم جاء الحكيم التونسي أحمد الشريف وبعد أن عرّف بابن الجزار ترجم إلى الفرنسية أيضاً من زاد المسافر ثلاث مقالات: في أسباب سقوط الشعر، وفي الإغماء وعلاجه، وفي دود المصران، نشرها في أطروحته في تاريخ الطب العربي بالقطر التونسي([150]).
2 ـ «العُدّة، لطول المدّة» ـ قال ابن أبي أُصيبعة «هو أكبر كتاب وجدناه له في الطب» ولا نعرف عنه شيئاً.
3 ـ «الاعتماد» ـ في الأدوية المفردة، ذكر فيه الأدوية المفردة التي عليها اعتماد الأطباء في معالجة الأمراض، يشتمل على أربع مقالات وقد ألفه لصاحبه الأمير أبي طالب بن عبدالله المهدي، وهذه النسخة مؤرخة بسنة 539هـ. وعدد أوراقها 140، ومنه نسخة موجودة بالجزائر وفي أيا صوفيا وفي المتحف البريطاني. وكان الطبيب الأندلسي المشهور عبد الرحمن بن إسحاق ابن الهيثم انتقد هذا الكتاب في بعض فصوله وسمّى اعتراضه: «الاقتصار والإيجاد، في خطأ ابن الجزار في الاعتماد» وليس لهذا الرّد وجود اليوم. وقديماً تُرجم كتاب «الاعتماد» إلى اللغة اللاتينية نقله إليها قسيس إسباني هو (اسطفيان السَرَقُسْطِي) في سنة 1333م (734هـ) وسمّى الكتاب (Pantegni) والمؤلف (ابن زيزار) وعرّبه إلى (Filius Carnificis) وهذه الترجمة توجد مخطوطة في مكتبة ميونيخ بألمانيا. وكتاب «الاعتماد» نُقِلَ أيضاً إلى اللغة العبرية بقلم الطبيب موسى بن طيبون المتقدم.
4 ـ كتاب «البغية» ـ في الأدوية المركبة. لا نعلم عنه شيئاً.
5 ـ «نصائح الأبرار» ـ وقد رأيت النقل عنه في كثير من كتب الطب، من ذلك في رسالة «طب المشائخ» الآتي.
6 ـ «قُوت المقيم» ـ وهو غير زاد المسافر وقوت الحاضر المتقدم ذكره. وقال ابن أبي أُصيبعة: «حكى الصاحب جمال الدين بن القفطي أنّه رأى له بقفط ـ في مصر ـ كتاباً كبيراً في الطب اسمه «قوت المقيم» وكان عشرين مجلداً».
7 ـ «المعدة وأمراضها ومداواتها» ـ جزء ذكره ابن الجزار في كتابه «طب المشائخ» الآتي ونقل عنه.
8 ـ «أصول الطب» ـ ذكره المؤلف في كتابه «طب المشائخ».
9 ـ «مُجرّبات» في الطب ـ جزء.
10 ـ «المختبرات» ـ جزء. وهو غير المتقدم قبله.
11 ـ «البُلْغَة» ـ في حفظ الصحة ـ جزء.
12 ـ «الفرق بين العِلَل التي تشتبه أسبابها وتختلف أعراضها» ـ جزء.
13 ـ «أَبدال الأدوية» ـ رسالة موجودة بمجموعة طبية في خزانة السيد أحمد خيري في البحيرة بمصر. وهو يأتي عقب «طب المشائخ» ومنه نسخة مصوّرة في مكتبتي.
14 ـ «التحذّر من إخراج الدم من غير حاجة دعت إلى إخرجه» ـ رسالة.
15 ـ «طب الفقراء والمساكين» ـ وهو غريب في بابه، موجود في مكتبة غوطة، والأسكوريال وقديماً في خزانة السيد عبد الحي الكتاني بفاس. وقد ترجم إلى العبرية قديماً.
16 ـ «النّصح» ـ ذكره في «طب المشائخ» وقال إنّه جمع فيه أدوية الملوك والخواص.
17 ـ «طب المشائخ» ـ رسالة تخرج في عشرين ورقة عالج فيها الحالات التي تعتري المسنّين والمعمّرين وما يجب عليهم اتباعه للمحافظة على العافية واستدامة صحتهم، وهو الفن المعروف اليوم عند الإفرنج باسم (Gèronthologie) وهذه الرسالة لم يرد ذكرها في قائمة مصنفاته التي جلبها ابن أبي أُصيبعة. ويوجد أصلها في مجموع طبّي مخطوط محفوظ في مكتبة أحمد خيري من أعيان البحيرة في مصر. وقد أُتيح لي استنساخها وجلبها إلى تونس. وعساها تنشر مع ترجمتها والتعليق عليها.
18 ـ «سياسة الصبيان وتدبيرهم» ـ موجود في مكتبة ننيانة بالبندقية بإيطاليا وفي الأسكوريال. ومنه نسخة مصوّرة بمكتبتي.
19 ـ «الخواصّ» ـ وقد ترجم قديماً إلى العبرية.
20 ـ «الزكام» ـ وأسبابه وعلاجه، رسالة.
21 ـ «الجُذَام» ـ وأسبابه وعلاجه، مقالة.
22 ـ «الوباء ونعت الأسباب المولدة له في مصر، وطريق الحيلة في دفع ذلك وعلاج ما يتخوّف منه» ـ جزء.
23 ـ «المُقْعدة» وأوجاعها ـ رسالة.
24 ـ «الحمّامات» ـ منافعها ومضارها ـ مقالة.
25 ـ «أسباب الوفاة» ـ رسالة.
وله في التاريخ والجغرافيا:
26 ـ «التعريف بصحيح التاريخ» ـ قال ابن أبي أُصيبعة: «يشتمل على وفيات علماء زمانه وقطعة جميلة من أخبارهم» وقال ياقوت: «رأيت كتابه «التعريف بصحيح التاريخ» في مجلدات تزيد على العشر» وقد ينقل عنه كثير من المؤرخين وأصحاب الطبقات كالقاضي عياض في «المدارك» وياقوت في حوادث سنة 208هـ (معجم البلدان ص61 إسم طنبذة) وغيرهما ـ ولا أثر اليوم لهذا الكتاب.
27 ـ «تاريخ الدولة» ـ وقيل «أخبار الدولة» يعني الدولة الفاطمية. وهو تاريخ حافل بسط فيه القول عن ظهور عبدالله المهدي بإفريقيا وانتشار دعوته بها وسقوط دولة بني الأغلب وما حصل من الأحداث في تلك المدّة. وعنه ينقل المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفاء» وغيره من المؤرخين. والغالب على الظن أنّ قطعة منه محفوظة في غوطة وهي التي ترجم منها المستعرب نيكلسون (Nicholson) بحثه المنشور في سنة 1840 بعنوان:
An Account of the Establishment of the Fatimite Dynasty in Africa.
ولا يبعد أن يكون هذا الكتاب موجوداً كاملاً في بعض خزائن الإسماعيليين (البهرة) بالهند.
28 ـ «مغازي إفريقيا» ـ في أخبار فتح العرب لبلاد تونس، ولم نر من بين المؤرخين من ذكره سوى أبي عبيد البكري في «مسالكه» فقد قال فيه: وقال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المتطبب القيرواني في «مغازي إفريقيا» ولا شك أنّ البكري نقل عن إبراهيم الرقيق الذي استفاد من هذه المغازي ما أورد من أخبار الفتح في تاريخه الكبير لإفريقيا([151]).
29 ـ «طبقات القضاة» ـ وكأنّه مخصّص لتراجم العلماء الذين تداولوا على قضاء إفريقيا إلى عصره. ينقل عنه القاضي عياض كثيراً في المدارك فيقول: قال ابن الجزار في كتابه «طبقات القضاة» ولم يرد في جملة مؤلفاته عند ابن أبي أُصيبعة.
30 ـ «عجائب البلدان» ـ وقيل «عجائب الأرض» وهو في تقويم البلدان ووصفها، ورد ذكره مراراً في الكتاب المعروف بجغرافية المأمون المنسوب إلى الفزاري، ونقل عنه فصلاً في وصف مدينة رومية، كما نقل ابن البيطار في مادة (زمرد) قال: «قال ابن الجزار في كتاب «عجائب البلدان» جبل الزمرد من جبال البّجاة موصول بالمُقَطّم جبل مصر»([152]). وذكره في كشف الظنون باسمه المتقدم ولم يزد عليه، وقد أُخبرت ممّن أثق به أنّه يوجد منه نسخة في خزانة كتب الباشا المصلوحي قائد بني رزين من بلاد غُمارة في ناحية الريف من المغرب الأقصى.
وله في الأدب وغيره:
31 ـ «المُكَلّل» ـ في الأدب والسياسة.
32 ـ «الفصول» ـ في سائر العلوم والبلاغات.
33 ـ كتاب «الأحجار الكريمة» ـ ومعادنها ومنافعها وخواصّها، ذكره مرّات كثيرة التفاشي القفصي الآتي في تصنيفه «أزهار الأفكار في جواهر الأحجار»، ومن جملة ما نقل عنه العبارة الآتية. قال أحمد بن خالد المعروف بابن الجزار في كتابه في الأحجار: «وعالجتُ أنا وصيفاً الخادم (الفاطمي) صاحب المظلّة من حصاة عظيمة كانت به وامتنع من الفتح عليها بالحديد. فلمّا فعلتُ به هذا الفعل (يعني إدخال مرود من فِضّة ألصق برأسه حجر الماس في مجرى البول) تشلّخت الحصاة حتّى صغرت وسهل عليه خروج ما بقي منها مع البول» ونقل عنه أيضاً في الكلام على حجر المغنظيس وعلى الفيروزج وفي غير ما موضع من كتابه المتقدم ـ ولم نقف له على أثر.
34 ـ «العطر» ـ ذكره عرضاً في كتابه «طب المشائخ» ويظهر أنّه خصّصه لصناعة الروائح العطرية وطرائق تقطيرها من النباتات والعقاقير التي يستخرج منها.
35 ـ «النفس واختلاف الأوائل فيها» ـ رسالة.
36 ـ «النوم واليقظة» ـ رسالة. قال الحاجي خليفة: كتبها إلى ابن أبي فضالة المتوفى سنة 360هـ وهو شخص لا نعرفه ويظهر أنّه كان من أصدقائه.
37 ـ «الاستهانة بالموت» ـ رسالة كتب بها أيضاً إلى بعض أحبابه.
ونختم هذه القائمة الطويلة بذكر مخطوط مجهول المؤلف موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق عنوانه «طبائع العقاقير على مذهب ابن الجزار» ولا ندري ما اشتمل عليه.
وليس من شك أنّ لابن الجزار غير ما حصرنا من المصنفات. وأنّ طبيبنا هذا محتاج لأنّ يوضع بحث مستقل في ترجمة حياته وتحليل مؤلفاته. وهو الأمر الذي نتمنى أن يقوم به بعض شبابنا التونسي المثقف.
وممّا تقدّم من إحصاء مآثره المتنوعة الأغراض في مختلف العلوم والفنون يتضح لك أنّ ابن الجزار كان في المرتبة الأولى بين أَعلام عصره من أصحاب الثقافة الواسعة المحيطة. وإنّه كان في الضفّة الغربية للعالم العربي بمثابة الفارابي وابن سينا والبيروني في المشرق، فإنّه درس مثلهم علم الأوائل ـ من إغريق وفرس وهنود وعرب ـ وهضم أقوالهم واستدرك عليها ما فاتهم وانتقدهم عند الحاجة، علاوة على ما استنبطته قريحته ودلته عليه تجاربه، وساقته إليه اختباراته وفطنته الوقّادة. والله يؤتي الحكمة من يشاء.
الزارة
الزارة مدينة تاريخية مشهورة كانت حاضرة الخط، وعاصمة بلاد البحرين([153])، طيلة العصر الجاهلي وحتى العصور الإسلامية الأولى. وصفها علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر قائلاً: «الزأرة، إسم بلدة من أقدم مدن الخط، عرفت ابان ظهور الإسلام، وجُهل تاريخها قبل ذلك، وكانت مقر والي البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً الى هذه البلاد في العهد الجاهلي». أما مؤرخ الخليج المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، فقال عنها أنها: «مدينة مشهورة في التاريخ الإسلامي وكانت حاضرة القطيف وكانت تقع بالقرب من العوامية، وقد خربها أبو سعيد الجنابي نكاية بأهل القطيف المعارضين لحكمه ومبادئه». وقد برز إسم الزارة ضمن مجموعة من الأحداث البارزة في التاريخ الإسلامي، كحركتي الردّة والقرامطة، لذا قلّما تجد كتاباً تاريخياً يخلو من ذكرها.
ونقل المؤرخون أن الزارة تعرضت الى عدوان انتقامي شنّه القرامطة، حيث نقل أنها «دمّرت تماماً وبقيت خراباً، ثم صارت نخيلاً وأشجاراً وأنهاراً تبعاً للعوامية». وما يزال في مدينة العوامية حي صغير يدعى بـ (فريق الزارة) ويتكون من مجموعة من البيوت التي تقع في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة، وتحيط بالفريق (الحي) مجموعة من بساتين النخيل، ذكر في صكوك ملكيتها القديمة، أنها تقع في أرض الزارة. كما لاتزال في هذا الحي عين تعرف بعين (الزارة) وربما تكون هي العين المشار اليها في المصادر الكثيرة التي تحدثت عن تاريخ الزارة، والتي سيرد ذكرها لاحقاً.
يظهر أن اسم الزارة كان يلفظ في الأصل (الزأرة) بالألف المهموزة، وقد حذفت الهمزة تخفيفاً، فهناك بعض المصادر أوردت إسمها بألف مهموزة والبعض الآخر بدون همزة. والزأرة لغةً هي الأجمة أي الشجر الكثيف الملتف وهي مأوى السباع، ومن هنا جاء قول بعض اللغويين أن اسم الزأرة مشتق من زئير الأسد.
أما موقعها فقد أكدت أغلب المصادر على كونها في بلاد البحرين. فجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي أن «الزارة قرية كبيرة بالبحرين وفيها مرزبان الزارة». وفي القاموس الحيط للفيروز أبادي «الزارة بالبحرين وبها عين معروفة»، وفي كتاب (البلدان) للحازمي «قال الأزهري: عين الزارة بالبحرين معروفة، الزارة قرية كبيرة وكان مرزبان الزارة منها» ، كما ذكرها أبن خرداذبه في كتابه (المسالك والممالك) بأنها من قرى البحرين، وقد خلص الشيخ حمد الجاسر في تحقيقه لموقعها على أن موقعها هو موقع قرية العوامية وأنها في الأصل محلة من محلاتها.
إلاّ أن هناك فريقاً آخر من المؤرخين قد التبس عليهم موقع الزارة حيث اعتبرها بعضهم مدينة من مدن فارس. وهذا الخطأ ناشئ عن وجود مرزبان من مرازبة الفرس في الزارة أثناء حصار المسلمين لها في حروب الردة، بينما نسبها اخرون إلى اليمن وهذا خلاف المشهور والواقع.
ويفهم من وصف بعض المؤرخين بأن الزارة كانت مدينة ساحلية، وأن بها فرضة (ميناء) فقد ذكر المسعودي بأنها تقع على ساحل بحر فارس، كما جاء في (معجم البلدان): «قراح سيف هجر و الزارة سيف القطيف » وورد في كتاب (المناسك) في كلام عن الزارة بأنها» فرضة من فرض البحر. أكثر غلتها النخل والسمك»).
ويغلب الظن على أن مدينة الزارة كانت تشمل على مساحة واسعة من الأراضي تشكل الآن أغلب مساحة العوامية.
اكتسبت مدينة الزارة أهمية إستراتيجية وإقتصادية بالغة. فمن الناحية الإستراتيجية كانت الزارة قاعدة الخط وحُماها وأهم الفرض بها، بالاضافة الى كونها عاصمة بلاد البحرين إذ كان يوجد بها مقر ولاة البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً إلى هذه البلاد في العهد الجاهلي.
ويمكن الإستدلال على أن الزارة كانت عاصمة لبلاد البحرين من الكتب التي وجهها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) إلى ساوي بن المنذر زعيم الزارة آنذاك يدعو فيها أهل البحرين للدخول في الإسلام فهذه الكتب توضح بأن ساوي بن النذر «يمثل أهالي اقليم البحرين وأن تمثيله لهم يوضح بأنه زعيم الإقليم وأن زعيم الإقليم لا يمكن أن يكون إلا في عاصمة الإقليم وهي الزارة». وقد أستمر اتخاذ الزارة لولاة البحرين حتى وقت تدميرها في نهاية القرن الثالث الهجري.
وكانت الزارة تمثل بالنسبة للفرس مركزاً إدارياً هاماً وقاعدة بحرية يشرف منها المزربان على الأسطول الفارسي الذي كان له اليد الطولى في مياه الخليج آنذاك، وفي بعض الفترات التاريخية كان نفوذ مزربان الزارة يشمل حتى المدينة ومنطقة تهامة. روى ذلك ياقوت الحموي من قبل مرزبان الزارة يجبي خراجه.
أما من الناحية الإقتصادية فأن موقعها الجغرافي المتميز خلق لها مركزاً إقتصادياً هاماً، فأشرافها على ساحل الخليج العربي أوجد فيها ميناءاً تجارياً كبيراً يعد أهم الموانئ في المنطقة حيث كانت تفد منه وإليه جميع أنواع السفن التجارية محملةً بالبضائع من والى مختلف بلدان العالم، هذا إضافة إلى اتصالها بخطوط التجارة البرية الأمر الذي جعلها بمثابة همزة وصل بين خطوط تجارة الشرق والغرب.
والزارة كبقية أنحاء إقليم البحرين كانت تتمتع برخاء إقتصادي ممتاز، كان أهم ما يرتكز عليه إقتصادها هو تجارة التمور والأسماك، إضافة إلى تجارة الؤلؤ الذي أشتهرت به المنطقة منذ القدم. كما عُرفت فيها بعض الصناعات المزدهرة مثل صناعة الرماح الخطية، وكان سوق الزارة التجاري يرتاده الناس من مختلف الأصقاع.
وتدل قوة تحصينات الزارة على مدى الأهمية الإستراتيجية والإقتصادية التي كانت تتمتع بها حيث كانت تعد أقوى مدينة في المنطقة، ولا غرو فهي حمى الخط الذي يضرب المثل في حماه، إذ كان يقال «حُمى قطيف الخط أو حمى فدك»، وكان إذا تعرض أهالي الخط إلى هجوم مباغت لم يقدروا على صده هرعوا إلى الإحتماء بحصونها، ولا أدل على قوة تحصينها من امتناعها عن المسلمين في حادث الردة طيلة خلافة أبي بكر ولم تفتح إلا في خلافة عمر بن الخطاب، كما أن صمود الزارة طويلاً أمام حصار القرامطة هو الذي حدا بهم إلى حرقها وتدميرها بعد استسلامها.
كانت الزارة في عهدها الغابر مركزاً لتلاقح الثقافات وصعيداً لإلتقاء الأفكار والتيارات، إذ كان موقعها الجغرافي المطل على البحر قد سهل لها عملية الإتصال والإحتكاك بالأمم والشعوب الأخرى، كما كان يعيش فيها أناس مختلفة الوانهم متباينة أديانهم فكان فيها عرب وعجم ومجوس وسبابجة ويهود ونصارى. هذا التعدد والتنوع في الأعراق والأديان يعكس مدى ثراء مناخ الزارة الفكري وانفتاحه وقابليته لاستيعاب الدعوات والمبادئ الجديدة، لذا عندما جاء الإسلام لاقى في الزارة قبولاً وترحيباً كبيراً، كما أن التشيع في بلاد البحرين سجل أول بذرة من بذوره في هذه المدينة، وهي نفس المكان الذي أختاره القرامطة ليزرعوا فيها بذور دعوتهم القرمطية باغين في ذلك استغلال وهج الزارة الفكري في نشر فكرهم في إقليم البحرين.
هذا وكان يعقد في الزارة سوقٌ أدبيٌّ من أشهر الأسواق التي عُرفت قبل، وكان هذا السوق بمثابة مؤتمر أدبي يشارك في إحيائه أقطاب الفكر ورجال الشعر والأدب العربي.
فلا عجب أن يرد اسم الزارة في قصائد الشعراء وأشعارهم مثل قول الشاعر أوس بن حجر:
وكأن ظعن الحي مدبرة
نخلٌ بزارة حملهُ السعد
وأغلب الظن إنها هي المقصودة في قول شاعر هذيل:
ونبعةٌ من قسِّ زارة زوراء
هتوفٍ عِرادُها غَرِدُ
ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه ( الإصابة في تمييز الصحابة): أن الأشج (أشج عبد القيس) واسمه المنذر بن عائد العبدي كان صديقاً لراهب ينزل بدارين، فكان يلقاه في كل عام، فلقيه عاماً بالزارة، فأخبر الأشج أن نبياً يخرج بمكة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. بين كتفيه علامة، يظهر الأديان. ثم مات الراهب، فبعث الأشج ابن أخت له يقال له عمرو بن عبد القيس، وهو زوج أبنته إمامة، وبعث معه تمراً ليبيعه، وضم إليه دليلاً يقال له الاريقط، فأتى مكة عام الـهجرة ولقى النبي (صلّى الله عليه وآله) ورأى العلامات فأسلم وعلمه النبي (صلّى الله عليه وآله) سورة الفاتحة وسورة اقرأ وقال له: ادعُ خالك إلى الإسلام، فرجع، وأخبر خاله الخبر فأسلم الأشج وكتم الإسلام حيناً، ثم خرج في ستة عشر رجلاً فقدموا المدينة، فخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) في الليلة التي قدموا في صبحها فقال: «ليأتين ركب من قبل المشرق لم يكرهوا على الإسلام لصاحبهم علامة فقدموا فقال اللهم اغفر لعبد القيس وكان قدومهم عام الفتح».
وفي سنة ست من الهجرة، وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العلاء بن الحضرمي، ومعه كتاب إلى المنذر بن ساوي أمير الزارة، وحاكم البحرين من قبل الفرس وقرأ المنذر كتاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) على أهل البحرين فمنهم من دخل الإسلام، ومنهم من بقى على دينه، وبعد ذلك بعث المنذر كتاباً إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) جواباً على كتابه يستفتيه في الأمر فيمن لم يدخل في الإسلام من مجوس ويهود وكان مضمون الكتاب: «أما بعد يارسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه. وبأرضي مجوس ويهود فأحدث لي في ذلك أمرك» فأجاب الرسول ( ص ) على استفتاء المنذر بكتاب ما نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله،وإني أذكرك الله الذي لا اله إلا هو، وأنه من ينصح فلنفسه، ومن يطع رُسلي فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد اثنوا عليك خيراً، وأني قد شفعتك في قومك، فاترك المسلمين ما أسلموا عليه، وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن قام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» وولي الرسول (صلّى الله عليه وآله) العلاء بن الحضرمي على إستيفاء الجزية من اليهود والمجوس، وهكذا أنتشر الإسلام في ربوع البحرين منطلقاً من مدينة الزارة.
وبعد فترة قام النبي (صلّى الله عليه وآله) بعزل العلاء بن الحضرمي وعيّن مكانه أبّان بن سعيد بن العاص والياً على البحرين، وهو من الموالين لعلي أبي طالب (ع) ويرى بعض المحققين أن ابّان بن سعيد هو غارس بذرة التشيع في بلاد البحرين وطالما عرفنا أن الزارة هي مقر ولاة البحرين، فمن الطبيعي اذن أن تكون أول مكان غرست فيها تلك البذرة وما لبث أن عم التشيع بلاد البحرين بأكملها، ومن المعروف أن قبيلة عبد القيس وبكر بن وائل من سكنة بلاد البحرين، وهي من القبائل العربية التي انتفضت على حكم عثمان مطالبته بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
نقلت العديد من المصادر التاريخية: أنه بعد انتقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى اجتاحت الردة معظم أقاليم الجزيرة العربية، وكانت البحرين – على حد قول تلك المصادر – فيمن ظهرت فيها الردة، ولما أرسل العلاء الحضرمي إلى البحرين لتصفية جيوب المرتدين فيها، استطاع أن يسيطر على جميع مدن وقرى منطقة البحرين بكل يسر وسهولة ما عدا مدينة الزارة فقد ظلت صامدة في وجهه وفرض حصاراً عليها استمر شهوراً عديدة، وذكرت بعض المصادر التاريخية: أنه بعد أن استطاع العلاء الحضرمي دحر قوة المرتدين في هجر، تحصّن المكعبر الفارسي بالزارة وأنضم إليه كثير من مجوس الخط (وهجر) ممن امتنعوا عن أداء الجزية ما أن علم العلاء بحالهم استنفر المسلمين اليهم، وفرض حصاراً عليهم، لكن حصانة مدينة الزارة جعل فتحها من الأمور الصعبة، وظل الحصار مفروضاً على الزارة لفترة طويلة، وفي أثنائه ظهر المكعبر الفارسي (مرزبان الزارة) يطلب من يبارزه فبرز له البراء بن مالك فتجاولا ساعة فقتل البراء المكعبر، وقطع يديه، وأخذ سواريه ومنطقته. فكان هذا أول سلب خمّس في الإسلام. قيل أنه بلغ أبعين ألفاً وظل العلاء على شرب القوم فأعطاه العلاء الأمان، لدله على «عين»([154]) خارجه عن الزارة فذهب إليها العلاء فسدّها، فلما رأوا ما فعله العلاء صالحوه على أن له ثلث المدينة، وثلث ما فيها من ذهب وفضة، وعلى أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها فكان فتح الزارة في عام (13هـ) وتم تولية العلاء الحضرمي واليا على بلاد البحرين.
لما استتب أمر زعامة خوارج اليمامة لنجدة عامر الحنفي، أرادا احتلال بلاد البحرين واتخاذ الزارة داراً لحكمهم ونقطة انطلاق توسعهم، ففي عام 67 هـ سار نجدة بجموعه نحو البحرين لاحتلال القطيف فانضم إليه الأزد فيما رفض بنو عبد القيس الدخول في طاعته فقالت الأزد لبنو عبد القيس «لا ندع نجدة يتولى أمرنا وهو حروري مارق»، وفي القطيف دارت معركة حامية الوطيس بين عبد القيس ونجدة كانت الغلبة فيها لنجدة واستطاع أن يدخل القطيف عنوة بعد أن قتل عدداً كبيراً من أهلها وصادر أموالهم وسبي نساءهم فأقام بالزارة ( العاصمة) وتابع نجدة نشاطه العسكري فوجه إلى بعض نوحي الخط قوة بقيادة داوود العكلي فاستولى عليها وبذلك قويت شوكته واتسعت دائرة نفوذه.
بعدها استطاع نجدة من أحكام قبضته على بلاد البحرين وعمان واليمن والطائف وتبالة حيث استولى عليهم جميعاً وعمد إلى مقاطعة الحجاز اقتصادياً.
دلّت بعض المصادر أنه كان في الزارة سجن يودع فيه كل من يخلف هوى السلطات الحاكمة، إذ ذكر الزمخشري في (الفائق) ما نصه: أن الجارود (الجارود بن المعلى) لما أسلم وثب عليه الحُطُم (الحكم بن ضبيعة) فأخذه وشدَّهُ وثاقاً، وجعله في الزارة.
وفي عهد الدولة الأموية اتخذ الأمويون الزارة منفى لمعارضيهم. فقد ذكر ابن جرير الطبري في أخبار عبيد الله بن زياد حينما ولي البصرة سنة الستين للهجرة أنه قال بعد أن عرف العرفاء على الناس: «وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه الينا صُلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء، وسيّر إلى موضع بعُمان الزارة»، كذا ورد النص ولعل صوابه (بعمان والزَّارة ).
كما قام عبيد الله بن زياد بنفي عمر بن سعد إلى الزارة. ومن ضمن الذين تم نفيهم إلى الزارة أيضاً المرقع بن ثمامة الأسدي وهو أحد أنصار الإمام الحسين (ع) في كربلاء فقد نقل ابن الأثير أن المرقع قد نثر نبله فقاتل فجاء نفراً من قومه فآمنوه فخرج إليهم، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى البحرين. قد تم نفيه إلى الزارة و أغلب الظن أن بختيشوع الذي غضب عليه المتوكل العباسي فقبض ماله ونفاه إلى البحرين. قد تم نفيه إلى الزارة أيضاً حيث لم يعرف في البحرين منفى آخر غير الزارة، وهذا معناه أن النفي إلى الزارة أستمر حتى في عهد الدولة العباسية.
ويرى بعض الكتاب أن اتخاذ الأمويين الزارة منفى لمن يقع تحت طائلة سخطهم هو من أهم الأسباب الكامنة وراء قيام عدد من حركات التمرد بهذا الاقليم.
بيد أن ظاهرة نفي المعارضين للزارة لهو أمر لا يخلو من الغرابة فالعادة المألوفة أن يتم نفي عناصر المعارضة إلى بقاع مجدبة قاحلة لا إلى بقعة هي من أخصب بقاع الجزيرة العربية، وإلى أماكن نائية ومعزولة لا إلى مدينة تضج بالحياة هي مركز من مراكز الحضارة والتجارة.
وقد علل الشيخ حمد الجاسر ظاهرة النفي إلى إقليم البحرين – حيث الزارة دار النفي فيها – بأن بلاد البحرين تكثر فيها المستنقعات المتولدة عن المياه العظيمة المتفجرة من العيون، فكانت هذه المستنقعات مكانا لتوالد البعوض المسبب للملاريا، وكان هذا المرض منتشرا بين سكان هذا الاقليم لدرجة انه اثر في الوانهم، فاحالها الى الصفرة، وسبب انتفاخا في بطونهم حتى عد بعض المتقدمين ان من خصائص هذه البلاد انتفاخ البطن، فقد نقل الثعالبي عن الجاحظ قوله من اقام بالبحرين مدة ربا طحاله وانتفخ بطنه.
وقيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله
ويغبط ما في بطنه وهو جائع
إلى جانب ذلك يمكن ان نضيف سببا اخر قد يكون مهما، وهو يرجع الى منعة وقوة تحصينات الزرارة، بحيث يستعصي على من يجبر على العيش في داخل حصونها الفرار منها.
لم تعرف الاوضاع السياسية في الزارة الثبات او الاستقرار في اي فترة من فتراتها التاريخية، فالفتن والثورات والقلاقل كانت العلامة البارزة في تاريخها السياسي. وهذا يعود الى امور عدة ساهمت بشكل او باخر في اضطراب الاوضاع واختلال الموازين. فنظرا لمكانة الزرارة واهميتها كعاصمة سياسية اصبحت محطا لانظار الطامعين في السلطة ومحورا لصراعات الطامحين في الحكم، كما ان اتخاذ الزارة منفى للمعارضين جعلها ارضا خصبة للتمرد والثورة، بالاضافة الى نوعية السياسة التي انتهجتها الدولتان الاموية والعباسية قد ناصبتا العداء لاهل البيت ومن يتشيع لهم، وبما ان معظم سكان الزارة وبلاد البحرين كانوا من الشيعة، فمن الطبيعي اذن ان تصب عليهم كلتا الدولتين جام غضبهما، وسخطهما، الامر الذي ادى الى حدوث ثورات وانتفاضات ضد حكم هاتين الدولتين، وحدا بالاهالي الى التعاطف مع اي شخص يحمل لواء المعارضة ضدهما.
ومن بين أبرز الثورات التي اندلعت في الزرارة ضد الحكم الاموي، ثورة ريان النكري عندما خرج معلنا عصيانه وتمرده على الوالي الاموي محمد بن صعصعة. الذي قام سنة (79 هـ) باستنفار الاهالي لمحاربة النكري فلم يستجب له بنو عبد القيس وهم السواد الاعظم من السكان، ولما فشل صعصعة في مقاومة الريان بالزارة ،ارسل الحجاج بن يوسف الثقفي جيشا في اثني عشر الف مقاتل بقيادة يزيد بن ابي كبشة، ودارت بين الفريقين معركة طاحنة في ميدان الزارة اسفرت عن مصرع الريان وصلبه مع عدد كبير من اتباعه.
وعلى أثر مصرع الريان، ثار داوود بن محرز بن عبدالقيس في جماعة من قومه واستولى على القطيف واقام بها – اي في الزرارة دار مملكة القطيف – وامر بانزال جثة الريان وغيره من المصلوبين ودفنهم وذلك بعد ان انزلوا الهزيمة بجيش اعده لقتالهم البهاء صاحب شرطة القطيف.
ومن الثورات والانتفاظات التي ظهرت في بلاد البحرين، انتفاضة مسعود بن ابي زينب المحارب من عبدالقيس سنة (86 هـ) اذ انتفض في جماعة من قومه وطردوا عامل الامويين الاشعث بن عبدالله بن الجارود العبدي، وفي سنة (151 هـ) انتفضت في البحرين جماعة اعلنت التمرد والخروج على ابي جعفر المنصور بزعامة سليمان بن حكيم العبدي، وفي سنة (190 هـ) ثار على هارون الرشيد في البحرين سيف بن بكير احد بني عبدالقيس.
في سنة (283 هـ) شهدت الزارة افول مجدها الزاهر ونهاية تاريخها الزاخر على أيدي القرامطة، الذين قاموا بحرقها وتدميرها عن بكرة أبيها.
حيث تفيد الروايات أنه بعدما استفحل أمر القرامطة أزمعوا على احتلال القطيف وكانت الرئاسة فيها لبني جذيمة من عبد القيس وكان أولو الأمر فيهم بني أبي الحسن بن مسمار، فسار إليها أبو سعيد الجنابي على رأس جيش من المرتزقة من الأعراب ومن أهل عُمان، فلما عجزت قوات بني أبي الحسن بن مسمار عن الوقوف في وجه زحف جيش أبي سعيد اعتصموا بالزارة، فحاصرها القرامطة مدة طويلة حتى أذعنوا للتسليم، عندها قام القرامطة بإعدام من كان بها، ثم قاموا بإحراق الزارة وتدميرها تدميراً كاملاً فلم تقم لها قائمة منذ ذلك الحين.
زاينده رود
من الأنهار الرئيسية في إيران الوسطى، ينبع على بُعد تسعين ميلاً غربي مدينة أصفهان ثمّ يمر بها، وقد يعبر عنه بنهر أصفهان. وفيه يقول الشاعر العربي القديم:
لتشرب مياه الزندرود إذا اشتكت
من السقم نفس كي يزول سقامها
زُبالة
بطريق مكة من الكوفة وهي قرية عامرة بها أسواق بين واصة والثعلبية… فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد ويوم زبالة من أيام العرب… وقيل: سمّيت زبالة باسم زبالة بنت مسعر امرأة من العمالقة نزلتها([155]) وأنشد البعض:
ألا هل إلى نجد وماء بقاعها
سبيل وأرواح بها غطراتِ
وهل لي إلى تلك المنازل عودة
على مثل تلك الحال قبل مماتي
فأشرب من ماء الزلال وأرتوي
وأرعى مع الغزلان في الفلوات
وألصق أحشائي برمل زُبالة
وآنس بالظلمات والظبياتِ
حلّ بها الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعاء 23 ذي الحجة سنة 60 هجرية في طريقه إلى كربلاء ومن أهم الحوادث في هذا الموقع هو خبر نعي مسلم بن عقيل.
اختلف المؤرخون في وصول خبر نعي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فمنهم من قال: كان في الثعلبية. ومنهم من قال: كان في زُبالة ولا منافاة بين الروايتين إذ يمكن الجمع بينهما بأنّ وصول الخبر كان في الثعلبية ثمّ تيقنه في زُبالة. قال السيد ابن طاوس في كتابه اللهوف: (… ثمّ سار الحسين (عليه السلام) حتّى بلغ زُبالة فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل فعرف بذلك جماعة ممّن تبعه فتفرّق عنه أهل الأطماع والارتياب وبقي معه أهله وخيار أصحابه… وارتجّ الموضع بالبكاء لقتل مسلم وسالت الدموع كلّ مسيل ثمّ أنّ الحسين (عليه السلام) سار قاصداً لما دعاه الله إليه…»([156]). جمع الدينوري المتوفى سنة 382 هجرية في كتابه الأخبار الطوال بين الروايتين كما أثبتناه وقال: (… ولمّا رحل الحسين (عليه السلام) من زرود تلقاه رجل من بني أسد (أي في الثعلبية أو بقرب منها) فسأله عن الخبر فقال: لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون عند الله نحتسب أنفسنا… فلمّا وافى زُبالة وافاه بها رسول محمد بن الأشعث وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره وخذلان أهل الكوفة إياه بعد أن بايعوه وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك فلمّا قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر وأفظعه قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ثمّ أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذي وجهه من بطن الرمة وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق فلمّا سمعوا خبر مسلم وقد كانوا ظنّوا أنّه يقدم على أنصار وعضد تفرّقوا عنه ولم يبق معه إلاّ خاصته…)([157]) وقال المجلسي في بحار الأنوار ج44، ص374: (لمّا نزل (عليه السلام) زُبالة أخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم فإذا فيه… بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبدالله بن يقطر فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ليس عليه ذمام… فتفرّق جماعة عنه حتّى بقي في خاصّة أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضموا إليه في الطريق وقد فعل الإمام (عليه السلام) ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب الذين اتبعوه يظنون أنّه سوف يدخل الكوفة وقد استقامت له طاعة أهلها.
يقول عبد الحسين الصالحي: يستفاد من أقوال المؤرخين أنّ زُبالة كانت مدينة صغيرة عامرة في وسط البادية لها سوق وجامع نبغ منها علماء ومحدثون يقول عبد الكريم السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية في كتابه الأنساب: (… نزلت بها غير مرّة وسمعت بها الحديث والمنتسب إلى هذا المنزل يُقال له الزُبالي…) ([158]). ومنهم أشهر علماء ومحدّثي زُبالة: حسان الزُبالي ومحمد بن الحسن بن عياش الزُبالي ومحمد بن عبدالله بن الزُبالي وغيرهم.
عبد الحسين الصالحي
الزجل
ـ1ـ
ننشر عنه بحثين يكمل أحدهما الآخر:
حين اتّسعت رقعة البلاد الإسلامية بالفتوحات الكثيرة شملت أقطاراً عديدة، واختلط العرب بالأمم وتأثّروا بهم في كلّ شيء، ضعفت لغة العرب، ودخل فيها الكثير من الألفاظ الأعجمية وصاروا يجدون صعوبة في التكلم بها، فتكملوا بلغات عامية جديدة تختلف بعض الاختلاف بين بلد وآخر. وتمتاز هذه اللغات، بسهولتها، وخلوها من الإعراب، وكثر الألفاظ الأعجمية فيها، واستعمال التعبيرات الشعبية والاصطلاحات اليومية، وطغت هذه اللهجات في العصر المغولي حتّى زاحمت العربية في كلّ ميدان.
وبدأ الشعراء يحاولون أن يكون شعرهم المنتزع من بيئتهم معبراً بنفس اللغة اليومية التي يتكلمون بها ويتعاملون، أي أن يكون شعراً عامياً خالياً من الإعراب، وساعد على ذلك وشجّعه السلاطين الأعاجم لصعوبة الفصحى وسهولة العامية. وقد امتنع الشعراء والأدباء في بادىء الأمر عن ذلك، وحاولوا محاربة الأشعار العامية، واعتبروها انحطاطاً بالشعر ونكسة بالأدب، ورجوعاً بالفن إلى الوراء، وظلّوا ينظمون الشعر الفصيح ويترفعون عن العامي. لكنّهم لم يجدوا بداً، في آخر الأمر، من السير في ركاب التطوّر، فنظّموا الشعر العامي.
والشعر العامي هذا عدّة أنواع أهمها أربعة فنون هي: الزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما. ومعرفتها ـ كما قال صفي الدين الحلي ـ بالطبع السليم، وآفتها من الفهم السقيم. فليس لها قواعد ثابتة تسير عليها، ونظم مؤكدة تتبعها بل يعتمد فيها على الذوق والفهم والطبع السليم. ولهذا كان من الصعب على الدارس أن يخضعها للدرس والبحث والنقد. ومع هذا فهناك قواعد عامة لكلّ فن، وميزات ظاهرة يجب أن تتوفّر فيه.
وقد ألّف الشاعر صفي الدين الحلي([159]) كتاباً في الأشعار العامية سمّاه (العاطل الحالي والمرخص الغالي في الأزجال والموالي) درس فيه فنون هذا الشعر من زجل وموالياً، وقوماً وغيره، وأنواعها وشروطها وتفاعيلها وأوزانها وقوافيها وما يجوز فيها وما لا يجوز. ومثل لكلّ نوع بنماذج من الشعر الأندلسي ونماذج من شعره هو. ويعتبر هذا الكتاب الوحيد في دراسة هذه الفنون بالرغم من أنّه لم يف بالغرض تماماً. فلم يؤلف أحد من قبل الصفي في دراسة هذه الفنون ولا من بعده.
والزجل أرفع الاشعار العامية رتبة وأشرفها منزلة، وأكثرها أوزاناً وأرجحها ميزاناً. أوزانه متجددة وقوافيه متعددة.
والزجل في اللغة الصوت، ويُقال: سحاب زجل إذا كان في رعد، ويُقال: لصوت الأحجار والحديد أيضاً والجماد: زجل([160]). والزجل التطريب ورفع الصوت([161]) وخصّ به التطريب، وأنشد سيبويه:
له زجل كأنّه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير([162])
اخترع هذا الفن أهل الأندلس فجاؤوا فيه بالغرائب واتّسع فيه للبلاغة مجال حسب لغتهم المستعجمة. وأوّل من أبدع في هذا الفن (أبو بكر بن قزمان)، فهو وإن كان هذا الفن قد قيل قبله بالأندلس لكنّه لم يظهر حلاه وروعته، ولا اشتهرت معانيه ورشاقته إلاّ في زمانه. فكان هو إمام الزجالين، وقد رويت أزجاله في بغداد أكثر منها في الأندلس([163]). وقيل: إنّ مخترعه غير هذا، ومنهم من قال: إنّه (عمر بن غرلة) وقد استخرجه من الموشح. ومنهم من قال: إنّه (مخلف بن راشد)، وكان إمام الزجل قبل (ابن قزمان)، فلمّا جاء ابن قزمان نظم السبل الرقيق فمال الناس إليه. وقيل: إنّه (مدغليس) ([164]).
وكانت الأزجال الأولى قصائد كقصائد القريض، وأبياتاً على عروض الشعر العربي بقافية واحدة، ولا تختلف عن القصيد إلاّ باللحن واللفظ العامي، ويسمّونه (القصائد الزجلية). ثمّ نوّعوا أوزانها وقوافيها وجعلوا لها أقفالاً وأوزاناً. ونوّعوا في الأوزان وخالفوا فيها فصارت كأوزان الموشح بعد أن كانت كالقصيد، وأصبحت قافية الزجل منوعة مختلفة.
وقد قسّمه مخترعوه أربعة أقسام، فرَّقوا بينها بمضمونها أو غرضها وبالأوزان واللزوم: الأوّل ما تضمن الغزل والنسيب والخمر والزهد ويسمّى (الزجل). والثاني ما تضمّن الهزل والخلاعة ويسمّى (البليق). والثالث ما تضمن الهجاء والثلب ويسمّى (قرقيا). والرابع ما تضمن الوعظ والحكمة ويسمّى (المكفر)([165]).
وأطلوا على ما أعرب جزء منه وأهمل الجزء الآخر اسم (المزنّم) فهو ملحق بالموشح لإعراب بعضه، وبالزجل للحن بعضه الآخر. فما أعرب هو الموشح وما خلا من الأعراب الزجل، والمزنّم وسط بين هذا وذاك.
ولكلّ أمّة زجل يجري على ألسنة شعرائها، بما في لغتها من خصائص ومميزات من إدغام بعض الحروف، ومن مدٍ وإمالة وقطع، ومن تغيير حرف بآخر، وغير ذلك. فللأندلسيين زجل، وللمصريين زجل، وللعرايين زجل…
ويمتاز الزجل بسهولة اللفظ، وحسن السبك، والرقة والعذوبة.
ولصفي الدين الحلي أزجال كثيرة وقد اتّبع فيها قواعد مخترعي الزجل، وامتنع ـ كما قال ـ عن العيوب التي يجب ألا يقع فيها الشاعر لئلا يُقال إنّه اضطر إلى ذلك لضعف قدرته، فها هو ينظم زجلاً على عروض زجل لشاعر مصري اسمه علي فيقول:
نعشق قمر قد طلع في تمامو
عقلي قمر حين خلع غيم لثامو
سيد السمر بالله معـ ـذب كلامو
مترَّك اللحظ أحور مستعرب اللفظ أسمر
ويقول إنّ الشاعر رغم أنّه نظّم ما لا يتبعه أحد في البلاد، فقد خلص لزوماته كما يجب، وكانت في كلّ بيت (إحدى وعشرين قافية)، فزادها الصفي قافيتين وجعلها (ثلاثاً وعشرين قافية).
ونلاحظ أنّ أكثر أزجال الصفي منظومة على عروض أزجال معروفة ليبرهن بها على براعته ومهارته، إذ يزيد عليها ويلتزم ما التزم شعراؤها في زجلهم، ويجوّد في معانيها.
وألفاظ الصفي في أزجاله سهلة مختارة، كثير منها قريب إلى ألفاظ الفصحى. ولم نجد في هذه الأزجال ـ وفي غيرها من فنون الشعر العامي ـ من الألفاظ العامية والتغيرات الشعبية ما بقي منتشراً حتّى اليوم إلاّ قليلاً بل قليلاً جداً. فقد وجدنا (اش عليّ) بمعنى أي شيء عليَّ، ويراد بها «ليس لي أي دخل» في مثل قوله:
صرتم حكيَّه شرحها نقل إليَّه
أنتم هتكتم عرضكم فأنا اش عليَّ
وكلمة (الزغلات) بمعنى الغش في اللعب في مثل قوله:
أي من لعب بقليبي بحكم شطرنج الهوى
وغرني وغلبني بكثرة الزغلات
ومن ذلك حذف همزة إن وإضافة الواو إلى النون فتكون (ون) كقوله:
ون طلب وصفو شعري
قال فكري صب لذا مجمعو
و«معذب» بمعنى ما أعذب. كقوله:
سيد السمر بالله معذب كلامو
ولعل سبب هذا أنّ الصفي كان يتكلم بلغة الخاصّة، لغلة الأدباء والعلماء، فهي مذهبة الألفاظ بعيدة عن كلام العامّة قريبة إلى الفصحى. وقد وجدنا الصفي يرفع أواخر بعض الكلمات التي يقف عندها، كما هو في العامية المصرية اليوم فيقول: «كلامو» أي كلامه و«أخاصمو» أي أخاصمه كما في قوله:
نعشق صغير لي شهر سيف عنادو
قلبي الكبير والنظر طوع مرادو
وقوله:
وقفت يوم لحبيبي حتّى أعتبو وأخاصموا
فقلت، وقال: جوابي بالغمز بالأجفان
هذا بينما العامية العراقية تحرك هذه الحروف بالفتح فتكون (عنادَه) و(مرادَه) و(أعتبَه) و(أخاصمَه).
ولكن معظم ألفاظ أزجاله ـ وغيرها من فنون الشعر العامي ـ من الفصيح يبين ذلك قوله:
يا من لقيت من دعج ذي المقله
قلبي يبيت منزعج كل ليله
وقد بقيت كنّي مجـ ـنون ليلى
أو قوله:
ليس غريب من فارق أوطانو
أو بعد عن ناظرو المحبوب
إلا من دارو قبل دارو
والحبيب عن ناظرو محجوب
حتّى عني حجبوه أهلو
وأسرفوا في جمع حفاضو
كلّ يوم لأجلو بغيظ قلبو
رب يحفظ الذي غاظو
ونجد في هذه الأزجال بعض المحسنات البديعة كقوله في الجناس:
أصير إن خطر
أسير في خطر
وأمّا معانيه فهي بديعة يختارها اختياراً، ويغوص عليها إلى الأعماق، ولسنا ندري أكل معاني أشعاره العامية بهذه الجودة أم أنّ هذه الجودة تختصّ بما اختاره وأثبته في هذا الكتاب فحسب؟
وهذه الأزجال كلّها في الغزل والخمريات ما عدا بليقين في الشكوى واحدة في شكوى مشقة الصوم. فمن خمرياته هذا الزجل الجميل:
جنى والكاس والزهرة والـ
ـراووق والطيور والسحاب
ستة في مجلس ثلاث تضـ
ـحك وثلاث في انتحاب
جيت صباح اليوم نستجلي
شمس الراح على وجه الحبيب
وبقيت نجتلي من ألفاظو
كل معنى غريب
ريت عشرة أشيا
مقسم قسمين أيش غريب من قريب
در ثغرو ولفظو والأقـ
ـراط والأقاح والحباب
وشعاع خدو والشفق والكـ
ـاس والشقيق والتراب
ومن أزجاله الغزلية الرقيقة ما نظمه جواباً (لشهاب الدين أحمد) في دمشق:
إش تجد لك بقتلتي غبطة يا الذي تعشقو
لو تدع ما تبقى من عمري كان عليك ننفقو
بالله يستعبد القلوب حسنك يا لطيف اللطيف
جل من لطفك ومن خصك بالفعال الكثيف
وجمع فيك مع قلّة نصافك كلّ معنى ظريف
قط ما نطلب من الجمال معنى ألا فيك نلحظو
لو تصيب من قديم جمال بالله كان تسرقو
ومهما يكن فأزجاله خفيفه، وليس فيها ثقل ولا ما ينبو عن الأذن والذوق.
وكان في مقدمة الزجليين المصريين كمال الدين ابن النبيه المصري المتوفى سنة 619هـ إلاّ أنّ الزجل اكتمل في خواصه الفنية والشكلية، وشاع في البلاد، بعد أن مارس النظم فيه «أبو عبدالله خلف محمد الغُباري» الذي كان موجوداً في أيام السلطان حسن المتوفى سنة 762هـ ويعد ابن قزمان عصره وكان الغُباري عالماً جليلاً طلب الفقه على أئمة الشافعية، وروى الحديث، وكان يكتب إزجاله في برود موشاة بالذهب، ومموهة بالفضة، ويرسلها إلى الولاة والحكام بالذين يتقبلون مواعظه بقبول حسن، ويتقربون إليه بالهدايا والزيارات وعرف «بالقيم الغباري»([166]).
وله يتغزل في أعرابية قال:
حبيب في العرب حبابه
تسبي الخلق في هودجها
الحُس الحسن برقعها
وتاج الجمال توجها
هذي لي هواها ينصاع
بعقلي وصار لي لازم
شبه صاغها الله من نور
لها ثغر كنه خاتم
من لولو وياقوت منظوم
في وصفه يحير الناظم
وفي قالب الحسن أحكت
سبيكة ذهب بهرجها
لها البدر فردة خلخال
ركن الهلال دملجها
ولمّا دخل الزجل الديار المصرية ونظمه المصريون حلو موارده بعذوبة ألفاظهم ورشاقتها وزادوا محاسنه بالزوائد المصرية وحلوه في الأذواق لما صارت حلاوة قاهرية، ثمّ تفكه بعد من أهل الشام بثمرات المعاني الشهية وحلوه بشعار التورية والنكت الأدبية.
وكان قد اشتهر بالزجل الحاج علي بن مقاتل الحموي المتوفى سنة 761هـ من بلاد الشام فقال:
دي الذي وصالوا عمري نرتجي
ما ندري في عشقو لمن نلتجي
وعد يوم الاثنين لعندي يجي
راح اثنين في اثنين وما ريت أحد
وكان الزجل قد بلغ ذروته في القرن الثامن الهجري في بلاد الشام حينما نظم فيه الحاج علي بن مقاتل الحموي ورسيله شهاب الدين أحمد الأمشاطي المتوفى سنة 735هـ فقد تباريا في نظم الزجل وأيهما أحسن واضطرب الإقليمان «دمشق وحماة» واتصلت القضية بالسلطان الملك الناصر محمد المتوفى سنة 741هـ وحكم في هذه المسألة الشيخ جمال الدين بن نباته المتوفى سنة 768هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة 734هـ وكتبوا تقاريظ تقضي أنّ زجل الحاج علي بن مقاتل هو الغالب.
وأمّا أهل دمشق فإنّهم كتبوا بخلاف ذلك لكون ابن الأمشاطي من عندهم ومطلع زجل الأمشاطي هو:
لك خد بح. مذ حاز ملح
روضو اصطبح. فيه واغتبق
خال لون سبح. يسبى المهج
زهرو خرج. وظهر فرج
من هام به ليس يلام
ومطلع زجل ابن مقاتل:
طرفي لمح. بدري اتضح
ليس فيه ملح. ما هو حدق
إذا اختلج. فيها الدعج
يسبي المهج. ولو نسج
رقام. عذرو لام
وأمّا الزجل في العراق فإنّ من أوائل من نظم فيه علي بن عبدالعزيز بن جابر المغربي البغدادي المالكي الشاعر المتوفى سنة 684هـ، وكان من أظرف خلق الله وأخفهم روحاً وتلاه صفي الدين الحلي وأبدع في نظم الإزجال والموشحات وجميع الفنون الشعرية المعربة وغير المعربة وفي الأغراض الشعرية كافة، ثمّ أعقبته فترة انحسار كان الزجل في العراق مبخوس القدر وقتاً طويلاً ولا ينظم في إلاّ شعراء قليلين ولكنّه شاع وانتشر في العراق في القرن التاسع عشر وتفنن الزجالة فيه، ومن ذلك ما نظّمه الشيخ يحيى الدولاني العذاري بنصف خرجه وقال:
درب الهوى سين ولام
حدر الدرك
الألف: آه من الهوى
چم حيد گلبه انجوى
حالات ملهن كل دوه
لمن تولع بي هام
حــــــــــــــــــــــال أخــــــــــبــــــــــرك
وعارضه الملا منصور العذاري بقوله:
درب الهوى دال اوقاف تحت الخطر
الألف:آ ه اشاهدت صدمات اصادف كل وقت
مني الذنب أني علت طير أو علا سعفه ابكيت
تحت الخطر
وعارضهما الشيخ عبد الصاحب الحلي بقوله:
درب الهوى دال أو ميم
ما بي شفه
الألف أمارة النفس
وياي ممشاها عكس
ما فاد وياها الدرس
كلبي مخرم تخريم شيروفه
الزجل
ـ2ـ
قال الدكتور حسين مؤنس: أصبح من الواضح ـ نتيجةً للأبحاث التي قام بها الأستاذ خُليان ريبيرا، أنّ أهل الأندلس الإسلامي كانوا يستعملون العربية الفصيحة كلغة رسمية يتعلمها الناس في المدارس ويكتبون بها الوثائق وما إليها؛ أمّا في شؤونهم اليومية وأحاديثهم فيما بين بعضهم وبعض فكانوا يستعملون لهجة من اللاتينية الدارجة أو العجمية el romance. وليس ذلك بغريب، لأنّنا إذا ذكرنا أنّ عدد العرب الخلص الذين دخلوا الجزيرة كان قليل جدّاً، تبينا أنّنا لا نستطيع اعتبار الأندلسيين المسلمين ساميين أو مشارقة، ابتداءً من جيلهم الثالث أو الرابع من بعد الفتح؛ ولنضف إلى ذلك أنّ شعوب أوروبا كانت تستعمل في ذلك الحين اللاتينية كلغة، وأنّ ناسها كانوا يتحدّثون إلى جانبها لهجات أعجمية romance مختلفة مشتقة من اللاتينية.
وكان هذا الازدواج في اللغة هو الأصل في نشوء طراز شعري مختلط، تمتزج فيه مؤثرات غربية وشرقية. وقد ازدرى أهل الأدب الفصيح والمعنيون بأمر هذا الطراز الجديد، بينما مضى الناس جميعاً يتناقلون مقطعاته سراً فيما بينهم، وذاع أمره داخل البيوت وفي أوساط العوام، وما زال أمره يعظم والإقبال عليه يشتد حتّى أصبح في يوم من الأيام لون من الأدب. وقد أخذ هذا الطراز الجديد من الأدب الشعبي صورتين: إحداهما «الزجل»، والثانية «الموشحة».
أمّا الزجل فشعر يصاغ في فقرات تسمّى أبياتاً. وتبدأ مقطوعته ببيت يعرف «بالمركز» أو «السمط» وتليه أغصان ذات قافية واحدة ووزن واحد، يتكوّن الغصن منها من ثلاث مصاريع أو أكثر، ثمّ يعقبها بيت في نفس وزن المركز وقافيته وهكذا.
وأمّا الموشحة فنظم تكون فيه القوافي اثنتين اثنتين كما هو الحال في الوشاح، وهو العقد يكون من سلكين من اللألىء كلّ منهما لون. فالتسمية هنا تشير إلى طريقة تأليف القوافي، وهي تشبه الزجل فيما عدا ذلك. أي أنّ الموشحة تتألف من فقرات تسمّى الأبيات، كلّ فقرة منها تتكوّن من عدد معين من أشاطر البيوت في قافية واحدة، وتعقب كلّ فقرة خرجة في بحر أشطار الغصن ولكن في قافية أخرى؛ ويلتزم الوشّاح قافية هذه الخرجة في كلّ خرجات موشحته، أمّا الأغصان فقد يكون كلّ منها على قافية ولكن من بحر واحد.
والزجل والمشحة في واقع الأمر فن شعري واحد، ولكن الزجل يطلق على السوقي الدارج منهما؛ إذ لا بد أن يكون في اللغة الدارجة، قد كان يُتغنى به في الطرقات. أمّا الموشحة فلا تكون إلاّ في العربي الفصيح، واسمها كذلك عربي كما هو الزجل الذي تستعمل فيه الفصحى أو ينظم في أسلوب أرفع من أسلوب الأزجال.
وإليك نموذجاً من أزجال ابن قزمان([167]):
يا مليـح الدنيــا قــولْ
على اشْ أنت يا ابن مَلُول([168])
أي أنـا عنـدكْ وجيهْ
يتمجّــجْ مــن وفيــهْ
ثمّ فاحلى مــا تتيــهْ
ترجعْ انسانكْ وصــول([169])
مُر بَعَد جيــدهْ سَــرَفْ
لم يُـــروا مثلُ نَصَــفْ
ولسّ أتْ إلا طـــــرفْ
والــذي قــلــنــــا فضــولْ([170])
إش لو أنْ يَـــذّا نــراكْ
إذ نَجِي وَقْــتَ جَـفَــاكْ
كــان تِـخَلِّـيـن كــذاكْ
هـــــاذَاهُ شـيـئــاً قــتولْ([171])
الوفا لَسُّ لِحَدْ
غير أمين عبد الصمدْ
لمديح تدخل بَعَدْ
تُرَى ما أملح ذا الدُّخول([172])
هَاذَاهُ يا ابن طُرَفْ
فَالمقام ضَرَّبْ وكَفْ
أهنا جا: قف! ووقَفْ
والكلامْ فيَّ يَطولْ([173])
فكذاك طالْ يَذَّ فيه
إنَّ عالم وفقيه
وإذا قلت نبيه
فيَجِبْ لك أن تقولْ([174])
والذي ماعُ أقَلْ
شرف أجدادْ ونَسَلْ
والأصَلْ قطّ الأصَلْ
لا فروع دون الأصولْ([175])
يا لُبَابْ كلّ لبابْ
القَ رِجلك في الرِّكابْ
فأنت فأصحابك شباب
فأنتَ هُ فالدَّوَلْ هَيُولُ([176])
ثمّ هم بيتَةْ خَطَطْ
القضا في الاثْمْ قَطّ
والثنا فيه أشَطْ
إنما اخترت الفصولْ([177])
قاسَى القلب رحيمْ
فاتقى غيظ الحليمْ
وإذا أُمِّلْ كريمْ
وإذا كُلِّفْ حمولْ([178])
وإلى هذا الجلالْ
منظرُ لَسْ لُ مِثالْ
أُجْ بحال دارة هِلالْ
أو بِحالُ وُجْ دَشُولْ([179])
لا نموتُ حتّى نراكْ
فَالبلدْ قاضي كذاكْ
وترى غاية مُناكْ
ولا يلحقك خمولْ([180])
ونفاقِ في كل راسْ
لس يَجِي معْ نُعاسْ
وبلا عرض وطولْ([181])
وترى عادْ ذا العملْ
وقيامْ صَخْبْ الجَبَلْ
كلّ شيء كانْ يُحْتَمَل
لو سلم هذا السُّبُولْ([182])
وصَحُو، والليل نهارْ
وشِتا ضُعيفُ صارْ
حَقَّ في مَرْسى غُبَارْ
إنّما فيه السيولْ([183])
ندعو الله المجيبْ
والفرجْ مِنُّ قريبْ
الهوا ذابْ يطيبْ
والشتا على النزولْ([184])
أرَّ ما شِيتْ لَسْ تَرُدْ
حُطْ قَطْ إشْمَا تَجدْ
الله الله كُدْ كُدْ
لس نريدْ مِنْهُ مُطُولُ([185])
ويمكننا أن نقارن هذا الزجل بزجل إسباني صرف من نفس الوزن والنوع للشاعر الإسباني ألڤاريذدِ ڤيليا ساندينو Alvarez de villasandino:
مركز أو سمط:
AA, dda Vivo ledo don razo’n
Amigos; toda sazo’n
أغصان:
D Vico ledo e sin pesar,
D pues amorme fizo amar
D a la que podre’llamar
خرجة:
A mas bella decuantas son
أغصان:
E Vivo ledo e vivré
E pues de amor alcancé
E que serviré ala que sé
خرجة:
A que me dara galardo’n.
وترجمته:
إنّني يا رفاقي أحيا حياة مرحة
كلَّ أيام حياتي، وأنا محق في ذلك
إنّني أعيش مرحاً دون هموم
أنّ الحب أتاح لي أن أعشق
تلك التي يمكننا أن نقول إنّها
أجمل النساء جميعاً
إنّني أعيش مرحاً وسأعيش [هكذا]
لأنّني عن طريق الحب وصلت
إلى من أعرف أنّها بخدمتي
لها ستجازيني خير الجزاء
ووزن أبيات هذا الزجل إذن: اا، ب ب ب ا، (ا ا)، حـ حـ حـ ا (اا)… إلخ. ولكن هذا الوزن تكون الخرجة فيه مكوّنة من شطر بيت أقصر في الوزن ممّن أشطار الغصن، وهذه الأشاطر بدورها تكون على نفس وزن المركز القصير. وهناك «أزجال تكون الخرجة فيها مكوّنة من بيت ذي شطرين، وأزجال أخرى تكون الأغصان فيها على أوزان مُضَفَّرَة متبادلة، وثالثة تكون فيها الأغصان أربعة أربعة بدلاً من ثلاثة ثلاثة، وأربعة تكون الخرجة فيها ثلاثة أشطار، وخامسة وردت من غير مركز… إلخ. وهذه الصور كلّها ذات أهمية خاصّة عند مقارنة الأزجال بأوزان الشعر الأوروبي.
مقدم بن معافى القبري، مبتكر الموشحة:
كان أوّل من استعمل هذا الفن الشعري مقدم بن معافى القبري الضرير الذي عاش بين سنتي 225/840 و299/912، وفي ذلك يقول ابن بسام تحت عنوان «فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء وإتيان جملة من شعره مع ما يتعلق بذكره»، قال: «قال أبو الحسن: وكان أبو بكر في ذلك العصر [الدولة العامرية والحمودية] شيخ الصناعة وإمام الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت له غرائبه: مرحباً وأهلاً… وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منارها ومرساها ومنادها، [وقوّم مليها وسنادها]، فكأنّما لم تُسمع بالأندلس إلاّ منه، ولا أخذت إلاّ عنه، واشتهر بها اشتهاراً غلب على ذاته وذهب بكثير من حسناته. وهي أوزان كثيرٌ استعمال أهل الأندلس لها في الغزل والنسيب، تُشَق على سماعها مصونات الجيوب، بل القلوب… وأوّل من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها ـ فيما بلغني ـ مقدم ابن معافى القبري الضرير، وكان صنعها على أشطار الأشعار، غير أنّ أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي أو العجمي فيسميه المركز، ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل إنّ ابن عبد ربه صاحب «كتاب العقد» كان أوّل من سبق إلى هذا النوع من الموشحات، ثمّ نشأ يوسف بن هارون الرمادي، فكان أوّل من أكثر فيها من التضمين في المراكز، يضمّن كلّ مركز يقف عليه في المركز خاصّة، فاستمرّ [على] ذلك شعراء عصره كمكرم بن سعيد وابني أبي الحسن. ثمّ نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير، وذلك أنّه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز. وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض كتابنا هذا، إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب».
ويؤيد ابن خلدون كلام ابن بسام بقوله: «وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنّاً منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهى عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفة الناس جملة: الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزّاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية».
ولم يبق لنا من نظم مقدم القبري شيء، ولكن يغلب على الظن أنّ موشحاته وأزجاله كانت من أبسط طراز، أي على ذلك الغرار الذي سبق بيانه. ولم نوفق ـ إلى الآن ـ إلى تعرّف المصدر الذي استوحاه مقدم عندما ابتكر فن التوشيح، فيذهب البعض إلى أنّ أصل الموشح أندلسي محلي، ويذهب البعض الآخر إلى أنّه جليقي، ويذهب نفر ثالث إلى أنّ أصله البعيد روماني roma’nica؛ بل قال بعضهم أنّ الموشحات أتت الأندلس من بغداد وأنّ أصلها يُلتمس في الرباعيات العربية الفارسية، وأخيراً حاول ميلياس ڤليكروسا Millas Villicrosa أن يجد علاقة ما بين الموشحة والزجل من ناحية والفن الشعري العبري المعروف بالپزْمون Pismon والتسبيحات اللاتينية التي يردّدها جمهور المصلين عقب كلّ فقرة من فقرات الترتيل الديني responsorio la’tino، وهي في الغالب آيات من الكتاب المقدس.
وقد حلّت الموشحات محل القصائد الفصيحة في كثير، وقد ذكرنا قول ابن خلدون أنّهم كانوا «ينسبون فيها ويمدحون كما يُفعل في القصائد»، وأنّهم «وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة: الخاصة والكافة، لسهولة تناوله وقرب طريقه».
وقد أشار منندذ پيدال إلى أنّ الطابع العربي الرومانسي للزجل دليل على امتزاج الثقافتين، وقال: «… والزجل عربي بلغته، وإن كانت هذه اللغة سوقية حوشية كثيرة الأخطاء، عربي بالتزامه قافية واحدة تراعي في أبيات الزجل الواحد كلّها، وعربي كذلك بهذين الموضعين اللذين يدور حولهما الكلام في كلّ مقطوعة: وهما الحب أو وصف مغامرة عشقية وقعت للشاعر، والتمدح في شخصية يرجى نداها. ولكنّه ـ على رغم ذلك ـ لا يبدو عربياً في نظمه على طريقة الفقرات (الأبيات، والبيت قفل وأغصان)، وهي طريقة غريبة تغاير ما جرت عليه القصيدة العربية من الأبيات ذات البحر الواحد والقافية الواحدة؛ وكذلك لا يبدو عربيّاً في استعماله «الخرجة» في نهاية كلّ فقرة، وفي وبعض الموضوعات التي يطرقها مثل الألْبَادَا la albada ـ أي الفَجْرِيّات وهي مقطعات شعرية عرفها اللاتين باسم أَلْباتَا albata تقال في افتراق الأحبَّة عند طلوع الفجر، وهو موضوع سينتقل بعد ذلك إلى الشعر الأوروبي ـ وفي خلّوة من الموضوعات التي تميز الشعر العربي من غيره، كوصف الرحلات في القفار المهجورة، وصفة حياة البداوة والتنقل والتحدّث عن المواقع التي غادرتها القبيلة إلى غيرها، والكلام عن الجمال وما إلى ذلك. ومن المحقق ـ أخيراً ـ أنّ الزجل إسپاني، لانّه يتحدّث عن أعياد ومواسم لا توجد إلاّ في التقويم اللاتيني، ولاستعماله ألفاظاً وعبارات من عجمية الأندلس مختلطة بلغته العربية الدارجة. هذا والأزجال ـ إلى جانب إهمالها للموضوعات الأدبية العربية ـ تبدو لنا حافلة بصور الحياة اليومية لمسلمي الأندلس، وفيها ذكر كثير من عادات المستعربين وتقاليدهم».
أوائل الزجالين
إذا ذكرنا الطابع الشعبي الدارج لهذا الفن الشعري، لم نستغرب من أصحاب مجموعات النظم والنثر ـ وهم متعصبون للفصحى وآدابها ـ أن يأنفوا من أن يوردوا في كتبهم نماذج منه. ولكن خُلْيان ريبيرا تمكن بفضل أبحاثه من العثور على ثروة حافلة من الأزجال وأصحابها.
فمن أوائل الذين نظموا الأزجال سعيد بن عبد ربه (توفي سنة 341هـ/953م) ابن عم صاحب «العقد»، وكان معنيّاً بكتابات الإغريق وعلوم الأوائل والفلسفة، وكان صعب العشرة يتكلم لهجة دارجة خشنة؛ واجتهد في تجويد الأزجال أبو يوسف هارون الرمادي شاعر المنصور، وكان يسمّى أبا جنيس El Ceniciento وهي الأصل الدارج الإسباني الذي أخذ عنه لفظ الرمادي)، وكان يرمى بالزندقة لكثرة اتصاله بالنصارى (توفي سنة 412هـ/1022م)، (ف15)، وكان «أوّل من أكثر من التضمين في المراكز، يضمّن كلّ موقف يقف عليه في المركز خاصّة، فاستمرّ على ذلك شعراء عصره» كما يقول ابن بسام؛ وعبادة بن ماء السماء (توفي سنة 415هـ/1025م أو 418هـ/1028م) الذي يقول ابن بسام: إنّه أحدث التضفير، وذلك أنّه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز».
وكان أبو عثمان بن سعيد المعروف بالبلينة (أي الحوت Ballena) يصنع أزجالاً يقلّد بها «المواليا»، وهو طراز من الشعر الشعبي عند المشارقة. ونظم ابن هانئ قصائد ذات قوافٍ مضفرة من طراز يختلف عن طراز الزجل والموشحة.
وأقبل على الموشحة شعراء كثيرون ممّن أجادوا نظم الشعر الفصيح على طريقة القدماء، منهم أبو بكر بن اللبانة الداني الذي رثى الرشيد بن المعتمد بموشحة، وأبو بكر محمد بن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة إذ كانت له موشحات ذاعت على ألسن أهل الأندلس، وأبو عبدالله محمد بن عُبادة القزاز([186]) الذي تغنى بمحامد بني صمادح أصحاب المرية في موشحات كثيرة.
ومنهم كذلك الأعمى التطيلي ـ أبو جعفر بن هريرة المتوفى سنة 534هـ ـ 1140م ـ وكان أدبياً فذّاً غلب أبا بكر بن بقي وأبا بكر الأبيض ونفراً آخر من الوشاحين في مساجلة في التوشيح، وذلك عندما قال موشحته:
ضاحكٌ عن جمانْ
سافرٌ عن بدر
ضاق عنه الزمانْ
وحواه صدري
فخرج كلّ منهم موشحته. وأبو القاسم الحضرمي الذي كان يأخذ بيد التطيلي حتّى لقب «بعصا الأعمى»، وكان شاعراً أديباً بارعاً؛ وابن بقي، وكان ماجناً مستهتراً وشاعراً من طبقة عالية، وكانت في شعره عذوبة أذاعت ذكره، وقد رمى المرابطين بالجهالة لأنّه عاش في عصرهم فقيراً.
وقد نظم أبو بكر بن زهر الطبيب أزجالاً وموشحات بلغت من الكمال مبلغاً جعل الناس يروونها كنماذج لهذين الفنين.
بيد أنّنا لا نجد بين أيدينا من هذه الأزجال والموشحات إلاّ أطرافاً قليلة وردت متناثرة في الكتب، فيما خلا «ديوان ابن قزمان» الذي وصلنا كاملاً على وجه التقريب، وهو لهذا يعطينا أكمل فكرة عمّا كان عليه فن الزجل.
ابن قزمان وديوانه
ينتسب أبو بكر محمد بن عبد الملك بن قزمان الأصغر إلى بيت بني قزمان، وكان من بيوت قرطبة العريقة. ولد في قرطبة بعد سنة 460/1068 وتوفي سنة 554/1160، وينبغي ألا نخلط بينه وبين عمّه وشبيهه في الاسم وزير المتوكل صاحب بطليوس، وكان شاعراً أيضاً، وقد توفي سنة 507/1114 كما بيَّن الأستاذ ليڤي بروڤنسال، وقد مدح ابن رشد الحفيد في آخر حياته.
وقد قال ابن قزمان في مقدمة ديوانه إنّه وُجد في الأندلس ضربان من الزجل جنباً إلى جنب: أوّلهما شعبي خالص جافٍ غليظ يستعمل الزجالون فيه اللغة الدارجة وعجمية أهل الأندلس el romance، وكان يوافق أذواق العوام؛ وثانيهما مصقول مهذب erudita مصطنع متكلف يستعمل الناس فيه حركات الإعراب التي لا تجري بها ألسنتهم في دارج الحديث. ولم يبق من النوع الأوّل شيء، لأنّ مصنفي كتب الأدب ازدروه وضربوا عنه صفحاً؛ وأمّا الثاني فلدينا منه أطراف، ولكنّها تخلو من الجاذبية وسهولة الطبع التي يمتاز بها النوع الأوّل.
ويقول ريبيرا ـ ونحن نتابعه هنا فيما نقول عن الزجل ـ إنّ ابن قزمان درس أزجال جميع من تقدّموه، ثمّ شق لنفسه طرقاً جمع بين الفريقين اللذين ذكرناهما، وعرف كيف يحتفظ بأحسن خصائصهما، فرأى أنّه من فساد الذوق والتكلف أن تستعمل حركات الإعراب في شعر يراد أن يُتغنى به جماعةً في جمهور من الناس، ومن ثمّ فلا مفر من استعمال لغة الكلام الدارجة حتّى يقرب من إفهام الناس كافة. وهو يريد «بلغة الكلام» اللهجةَ العامية الدارجة التي تشوبها كلمات وعبارات من عجمية أهل الأندلس، على أن يكون ذلك في أسلوب متخير رشيق، وهو يرى أنّ الزجال ينبغي عليه أن يختار من الموضوعات أحفلها بالفاكهة وأخفها، وينبغي أن يكون ما يختاره جذاباً شيقاً فياضاً بالحيوية ممّا يثير اهتمام الجمهور، وينبغي ألا تكون الموضوعات معقدة أو بلاغية متكلفة، وإنّما سهلة ممّا تجري به ألسنة عابري السبيل وممّا يستعمله الناس في حلقات الموسيقى الشعبية الصاخبة ومجالات اللهو والتسلبية، بل ينبغي أن تكون الموضوعات «حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الخاصّة، كما يقول ابن سناء الملك. أمّا قالب الأغاني وتركيبها فتستعمل له كلّ بحور الشعر الفصيح القائم على أسس العروض، ولا بد أن تصاغ القطعة على نحو سلس غير متكلف حتّى تجيء سهلة طبيعية صادرة دون تعمل ولا جهد.
سار ابن قزمان في هذا الاتجاه الوسط الذي انتهجه قبله أستاذه أخطل بن نمارة، «ولكن أزجال ابن قزمان حفلت بذكر الرذائل الملازمة لروح العوام، وخلت من أي تحفظ أو احتشام، ومن ثمّ فإنّنا نجد فيها فحشاً مخجلاً وألفاظاً مبتذلة ممّا كانت تجري به ألسنة أهل الأحياء المتطرفة من قرطبة».
يضمّ ديوان ابن قزمان تسعة وأربعين ومائة زجل، كلّ زجل منها يتكوّن ـ عدا الخرجة ـ من أبيات متساوية في عدد الأغصان، وهو يلتزم هذا النظام في كلّ زجل. «وكلّ من الأغصان يتكوّن من أربعة أشطار إلى اثني عشر شطراً، ففيها رباعيات وخماسيات وسداسيات وسباعيات وثمانيات وتساعيات وعشريات وآحاد عشريات». وأبسط أزجاله ـ وهي الرباعية ـ تبدأ بالقُفل أو الخرجة، وهي شطر من بيت ذي قافية تلتزم في كلّ خرجات الزجل بعد ذلك ونحن نرمز إليها هكذا: اا، ثمّ يلي ذلك ثلاثة أغصان على قافية واحدة نرمز لها بالحروف: ب ب ب، ثمّ تختم ببيت على قافية الخرجة الأولى([187]).
وعلى رغم هذا القالب الفني المبتكر، الذي يبدو من الأزجال بوضوح أنّه قائم على أساس مقرّر موضوع أو مصقول Cortesano، إلاّ أنّ الطابع الشعبي لها يدل على أنّها إنّما نظمت ليتغنّى بها المنشدون في الأسواق، أو المتسولون الجائلون في الطرقات، أو أصحاب المجون أو «النسوان والسكرى السكران»، كما يقول ابن سناء الملك. ولا تصاغ الأزجال ليتغنّى بها الإنسان منفرداً، «وإنّما ينشدها الناس جماعةً في الطرقات بصوت جهير وسط جمهور يتجمع أفراده حول المنشد، ثمّ ينشدون «الخرجة» جماعة عقب كلّ فقرة يلقيها المنشد وحده، تصاحب ذلك كلّه آلات الموسيقى كالعود والناي والطنبور والدف والصاجات، وربّما تخللها الرقص». ولم يكن من الممكن والحالة هذه أن تصاغ هذه الأغاني في قوالب الشعر الفصيح فحسب، «والواقع أنّ لغتها ليست لغة الشعر المعروفة التي كان المؤدِّبون يلقنونها للدارسين، بل الدارجة التي كانت جارية على الألسن في قرطبة، بما فيها من دعابات سوقية وعبارات مبتذلة وألفاظ مواخير وعبارات الطلاب التي يستعملونها في مباذلهم وألفاظ الصبيان إذ يلعبون في الطريق، وفيها الكثير من العبارات الاصطلاحية التي يتعارف عليها أهل كلّ حرفة، ولا تخلو كذلك من ذلك اللغو الفارغ الذي تحفل به أحاديث البيوت». ومن هنا كثر استعمال العجمية الأندلسية في الأزجال، فنجد فيها ألفاظ مثل: يناير، مايو، بربينه Verbena (نبات تُغلى أوراقه وأزهاره وتشرب)؛ بل نجد عبارات عجمية كاملة مثل: توتوبن Toto Ben، وكريو Creo (أعتقد)، وخشل دشول Mejilla de sol (خذ كأنّه الشمس).
أمّا أوزان هذه الأغاني، فعلى الرغم من أنّها مشتقة من تفاعيل العروض الشعري التقليدي، إلاّ أنّها لا تلتزم قواعد النحو، إذ أنّ ألفاظها من الدارج الذي لا يعرف حركات الإعراب. بل إنّ اللفظ بقوافي الأزجال لا يخضع لأشراط التقفية المعروفة في الشعر الفصيح، هذا على الرغم من أنّ ابن قزمان كان يستعمل الحروف الجامدة Consonants دائماً بطريقة أكمل ممّا نجده في الأشعار الأوروبية القديمة».
ويتحرّى ابن قزمان أن تكون الخرجة ممّا يستلفت انتباه السامعين ويجتذب أسماع الجمهور حتّى يصغوا إلى الزجل، ومن أمثلة ذلك:
أياماً ملاح، شرطه الخلاعة
حرام الذي يعمل صناعة([188])
وقوله في خرجة زجل آخر:
نعطي ثيابي وننفق مالي
فالشراب البالي([189])
ومن الأزجال ما يقصد منه إلى طلب المال أو الطعم أو الإحسان، ومنها السياسي، وأزجال المديح؛ بل منها ما يدور حول موضوعات حزينة.
ويسمّى ابن قزمان الجزء الأوّل من كلّ زجل: «التغزل»، وهو مطلع الزجل الذي يحوي أوّل موضوعاته، «ولا بد أن يكون في أمر عام أو تقليدي، وينبغي أن يصاغ في قالب سهل خفيف فكه، ويغلب أن يكون موضوعاً جنسياً أو خمرياً أو سخراً من المجتمع، لا هو بجارح ولا مثير، وإنّما مبتذل لا تحفظ فيه». ثمّ إنّنا نجد ابن قزمان يعالج الموضوعات الغرامية بطريقة لا نكاد نجد فيها أي طابع عربي صرف: فلا ذكر للجمل ولا للتجوال في القفار، ولا أثر للحياة البدوية الظاعنة، ولا نجده يذكر الديار التي هجرها أهلها، أو يشير إلى موضوع من موضوعات تاريخ العرب. بل إنّنا لا نجده يذكر الإسلام إلاّ في مواضع قليلة، ويكون ذلك عادة عند ذكره للفقهاء والأتقياء، وهو ينال منهم في غير حياء ويركبهم بألوان السخرية؛ فإذا ذكر شهر رمضان والصيام سخر من الصائمين وأطرى المفطرين والمقبلين على الخمر واللواط. وهو لا يذكر الدين إلاّ في ثلاثة مواضع أو أربعة في بعض أزجال المديح من ديوانه، ويلحظ القارىء بوضوح أنّ ذلك التوقير للدين صدر عن ابن قزمان وهو في معرض السخط على نصارى الشمال.
أمّا القسم الثاني من الزجل وهو المسمّى «بالمديح» فيتغنّى فيه ابن قزمان بفضائل من يهدي إليه الزجل، ثمّ يختم بطلب معروف أو رفد. وفي ديوان ابن قزمان زجل نقله الأستاذ ريبيرا إلى الإسبانية كاملاً، نجد فيه موضوع الشعر المسمّى في الشعر الأوروبي بالألبادا أو المقطعات الفجرية، وقد سبق به ابن قزمان أقدم ما في أيدينا من الشعر الپروڤنسي من هذا النوع بخمسين سنة، ونحن نجد فيه ذكر الرقيب ولقاء الحبيبين في ظلام الليل وخوفهما من طلوع الفجر وصراع الهوى في قلبيهما قبل الفراق؛ ولا بد أنّ هذا الموضوع كان قد قدم به العهد واضمحل في الأندلس، لأنّ ابن قزمان يسخر منه.
ولم يورد المؤلف نص هذا الزجل الذي يشير إليه، وهو الزجل رقم 141 من الديوان، وقد رأيت أن آتي ببيتين منه هنا؛ قال ابن قزمان:
تشــربْ المليـــحَ وتسقينــي
لا رقيبْ علينـــا ولا حاكــم
كـــــذا أمــــلـــح([190])
بتنافي رضى، قُبـــَلْ وعنَــقْ
أي تمور، اوش تريـــد تقلــقْ
وفّر الغرامــه لمــن يعشـــقْ
من صبــر لشدتي رالينـي
قل ما عليــه أنــا عـــــازمْ
فــــلا يفــــــلــــحْ([191])
الصِّبا يُشاكِل ما يَعْملْ
داعُ داعُ يجي ويدَّلّل
قد تَرَ إبت ولم نَراقَط أجملْ
مَن صَدْرُ لِظَمُّ يشتهيني
يَنبهر عليه نهدا قايمْ
ويتوقَّح([192])
مدرسة ابن قزمان
إنّ مجرد ذكر معاصريه ومن أتوا بعده ممّن انصرف إلى نظم الأزجال أمر يطول، ونكتفي هنا بذكر أبي عبدالله بن الحاج المعروف بمَدْغَلِّيس، الذي كان يعني بالأسلوب أكثر ممّا كان يعني به ابن قزمان، وأبي المتوكل، والهيمْ ابن أحمد بن أبي غالب الإشبيلي الذي كان «يملي على أحد الطلبة شعراً وعلى ثان موشحة وعلى ثالث زجلاً، كلّ ذلك ارتجالاً»، وأم الكرام بنت المعتصم ابن صمادح صاحب المرية، وكانت تبعث على محبوبها الأصمعي ببطائق منظومة منظومة أزجالاً، وإبراهيم بن سهل اليهودي، وابن المرعزي النصراني، والزاهد المتصوف أحمد بن وكيل، وأبي الحسن التشتري الوادي آشي، ومحيي الدين بن عربي المرسي، والفيلسوف الشاعر الموسيقي أبي الصلب بن أمية الداني، وابن زُهر الطبيب، وابن باجة، ونزهون بنت القلاعي الغرناطية، قال صاحب «المغرب» في حقها: «ن أهل المائة الخامسة، ذكرها الحجاري في المسهب ووصفها بخفة الروح والانطباع الزائد والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الأمثال، مع جمال فائق وحسن رائق، وكان الوزير أبو بكر بن سعد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها»، وكانت تلميذة لأبي بكر المخزومي الشاعر الضرير، وكان صحب سخر لاذع وصديقاً لابن قزمان.
وقد انصرف الناس إلى صناعة الزجل في كافة نواحي الأندلس، ففي أرغون (سرقسطة) ظهر أبو بكر أحمد بن مالك بن سيد اللخمي الشابي، وفي بلنسية ابنُ حريق وابنُ محمد الشاطبي تابع ابن مردانيش، وفي بلنسية ابنُ حريق وابنُ محمد الشاطبي تابع ابن مردانيش، وفي مرسية أبو عبدالله محمد بن ناجية اللورقي، وفي قرطبة محمد بن خيرة كاتب المرابطين. وكثر الزجالون في إشبيلية خاصة، حيث ظهر شعراء برعوا في نظم الزجل البديع المبتكر، من أمثال أبي الحسن علي بن جُحْدُر، وأبي بكر الصابوني، وأحمد بن جَنُّون، وابن أبي حبيب الجزري الذي صلبه الموحدون لزندقته، وأبي بكر بن صارم الذي رمي بالزندقة هو أيضاً وأوذي ثمّ مات محترقاً في حريق شب في بيته، وأحمد المقريني المعروف بالكساد، وعبد الغفار بن دشلون، وغيرهم كثيرون يصدق فيهم قول الشقندي: «وأمّا ما فيها (أي في الأندلس) من الشعراء والوشاحين والزجالين فما لو قسموا على بر العدوة ضاق بهم، والكل ينالون من خير رؤسائهم ورفدهم».
وحتّى في مملكة غرناطة أغرم الناس بهذا الفن الشعري، وأقبل عليه من أهل العلم والمعرفة نفر مثل النحوي أبي حيان بن حيان، وابن عبد العظيم الوادي آشي، وابن زَمْرَك الذي اشتهر «بصبحياته» albaadas، وذي الوزارتين ابن الخطيب الشاعر الناثر المعروف؛ بل إنّ ابن خلدون يذكر أنّه عندما زار غرناطة وجد «الزجل» الفن الشعري السائد هناك وكان الموريسكيون ينظمونه أيضاً.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين توجّه من أهل الأندلس نفر من الفقهاء والمتصوفين والأطباء وأهل الأدب إلى المشرق، وكان لهم أثر عظيم هناك. وعن طريق بعض هؤلاء انتقل الزجل إلى المشرق، وكان أوّل من علّم أهله صناعته أبو مروان بن زهر، الذي مارس الطب في بغداد، وأبو علي الشلوبيني النحوي، وابن وكيل الزاهد الذي عرف بابن الأقليشي، ومحيي الدين بن عربي، وعبد المنعم بن عمر ـ وكان كحّالاً وفيلسوفاً وأصله من جيان، وأصبح فيما بعد شاعر صلاح الدين الأيوبي ـ وابن سعد الغرناطي، الذي اجتمع في المشرق بشعراء أندلسيين هاجروا من بلادهم وانصرفوا إلى صناعة الزجل في مهاجرهم، ومن أولئك أبو الحجاج يوسف بن عقبة.
الدكتور حسين مؤنس
زراباد
قرية كبيرة واقعة في مقاطعة رودبار ألموت في شمال غرب (معلم كلايه) على بُعد 12 كيلومتراً منها وهي مركز ناحية تبعد عن مدينة قزوين 40 كيلومتراً على الخط الجغرافي 50 درجة و25 دقيقة طولاً و36 درجة و29 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 2360 متراً وحسب إحصائية عام 1987م بلغ عدد نفوسها 5600 نسمة وهي من أجمل قرى رودبار ألموت ويحدّها شمالاً تنكابن وشرقاً زواردشت وبحيرة أوان وجنوباً قرية كوشك ووره بن وميانخانه وغرباً قرية كرين وعلي آباد وكانت إحدى منتزهات الإسماعيليين النزاريين لا سيما زعيمهم حسن الصباح وقد اهتم بها السلاطين والأمراء حتّى العصر القاجاري فكان لهم فيها أملاك خاصّة ورأيت بعض صكوك هذه الأملاك. ويوجد في هذه الناحية الماعز الوحشي فيرتادها الصيادون من مختلف الطبقات لصيده وقد ازدادت أهمية زراباد السياحية لوجود قلعة ألموت عاصمة الإسماعيليين ومقر حسن الصباح قريباً منها، وكذلك بحيرة أوان الشهيرة التي تبلغ مساحتها 400 كيلومتر مربع وتتكوّن مياه هذه البحيرة من العيون التي تفور من جوفها([193]).
أهمّ محصولات زراباد الرز والحنطة والشعير وتغمرها البساتين الكثيفة التي تنتج البندق والجوز والتفاح وغير ذلك. كما يعتني أهلها بتربية المواشي وقد حدّثني مدير الناحية أنّ فيها أكثر من 500 رأس بقر و6000 رأس غنم ومعزى وأكثر من 200 فرس.
يقع في زراباد مزار إمام زاده علي أصغر من أحفاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وتعود عمارة هذه الروضة إلى العصر الصفوي وقد أمر بتجديدها الشاه طهماسب الصفوي الذي حكم ابتداء من سنة 930 وتوفي سنة 984هـ وكانت العمارة على شكل مربع يحيط بأضلاعه أربعة أواوين أمام كلّ إيوان أربعة أعتمدة وتتصل هذه الأعمدة بأضلاع المربع بحجر خشبي بديع الصنع وكانت جميع جدران الحرم والإيوان مزيّنة بالفسيفساء والسقف بالورود الكلسية وكانت هذه العمارة آية من آيات الفن المعماري الإسلامي وفي عام 1400هـ هدم هذه العمارة بعض السذج من العامة بحجة توسيع الروضة.
وممّا يجدر ذكره أنّه تقوم في صحن الروضة شجرة عادية ضخمة تعود إلى تاريخ بعيد تدور حولها قصص شعبية تتعلق بذكر الحسين (عليه السلام) أيام عاشوراء. وربّما كان أمر هذه القصص يعود إلى أيام الإسماعيليين وتعرف هذه الشجرة باسم (چنار خونيار) ومعنى الاسم: الشجرة الباكية دماً.
وقد خرج من هذه القرية جمع من العلماء الأعلام أشهرهم السيد المير فاضل الزراباري الحسيني المتوفى بعد سنة 1195 هجرية المدفون في الروضة المذكورة ومنهم السيد المير بابابن السيد المير فاضل الحسيني الزرابادي المتوفى حدود سنة 1212 هجرية من أئمة الأمور الشرعية في زراباد وتلك النواحي ومنهم السيد المير بزرك الحسيني الزرابادي المتوفي قبل سنة 1239 هجرية ومنهم السيد مهدي بن السيد المير البزرك الزرابادي المتوفى حدود سنة 1270 هجرية من أكابر علماء عصره ومنهم السيد علي بن السيد مهدي الحسيني الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1318 هجرية من فحول العلماء في عصره وأئمة الفتوى ومنهم الحكيم المتأله السيد موسى بن السيد علي الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1353 هجرية من أئمة الفتوى وأكابر علماء قزوين وهو والد السيد جليل الزرابادي أحد مشاهير علماء قزوين اليوم. ومنهم السيد رضى الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1325 هجرية ومنهم السيد مهدي بن السيد علي بن السيد مهدي الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1399 هجرية ومنهم السيد محمد بن السيد أحمد المعروف بـ (شهاب) من أكابر خطباء المنبر الحسيني المتوفى سنة 1410 هجرية ومنهم السيد حسين بن السيد محسن الزرابادي القزويني المتوفى حدود سنة 1310 هجرية من أئمة الفتوى وأكابر المدرسين في قزوين ومنهم السيد عبد الباقي المعروف بـ حاجي اعتماد المتوفي حدود سنة 1300 هجرية من أكابر خطباء المنبر الحسيني وخلفه السيد بهاء الدين والسيد ضياء الدين والسيد علي أكبر من أفاضل المعاصرين الساكنين في طهران.
عبد الحسين الصالحي
زرباطية
على ساعتين من الشمال الشرقي لبدرة تقع زرباطية وهي قرية صغيرة كثيرة النخل فيها نحو 32000 رأس، و7000 رأس منها يمتلكها الأكراد اللر إلاّ أنّ نخلها أضعف من نخل بدرة. وزرباطية واقعة عند التخوم العراقية الفارسية وليس وراء أعمالها في الشرق ـ وهي نحو ساعتين ـ أرض عراقية وإنّما هي بلاد الأكراد اللر.
وزرباطية حديثة العهد نسبة إلى قرية (جزمان) الخربة الواقعة على نصف ساعة من شمال زرباطية. وبناء البلدة من الطين كبدرة وجصان بلا فرق يذكر إلاّ أنّ هواءها وماءها أعذب ويبعد عنها وادي بادرايا نصف ساعة أو أكثر قليلاً وأهلها خليط وكثير منهم أكراد إلاّ أنهم ينطقون العربية، وتخترقها ساقية تحمل من ماء بادرايا، وتحيط بها من جهة الشرق عشائر الأكراد، يسابلونها، ومن الغرب بعض أفخاذ بني لام كالطعان وغيرهم. وأهلها كلّهم لا يعرفون أصل تسمية بلدتهم زرباطية وقد سألناهم عن ذلك ومعنى الكلمة (الحفنة الذهبية). وعلى مقربة تصنع البواطي والأقداح والجفان من أخشاب الجبل وهي مشهورة بالجودة وقد ترصع بالنحاس وغيره فلعل تسمية البلدة مأخوذة من ذلك.
زرهون (جبل)
جبل بالقرب من مدينة مكناس في المغرب يبلغ ارتفاعه 1119 متراً، وتحف به غابة من أشجار الزيتون والتفاح والليمون، ويمتاز بمناظره الطبيعية الخلابة ومياهه المتدفقة العذبة. وفي وسطه مقام إدريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب.
وبالقرب من هذا المكان توجد آثار المدينة الرومانية الشهيرة وليلي.
زرهون (مدينة)
على السفح الغربي لجبل زرهون، تمكّنت مدينة زرهون أو «المولى إدريس الأوّل» من احتلال موقع متميز لتؤسّس لنفسها حيزاً جغرافياً يرتدي بُعداً حضارياً ظلّت السجلات التاريخية تستقرىء أحداثه ومنعطفاته بنوع من التفصيل. ففي هذه المدينة استقرّ المولى إدريس بعيداً عن الخلافات والصراعات التي عرفها المشرق العربي، ومنها انطلق لينشر تعاليم العقيدة الإسلامية بين القبائل المغربية، العربية منها والبربرية، بل وفي إحداها عقد قرانه بفتاة اسمها كنزة.
لكن أهمية المدينة لا تتوقف عند هذا المعطى التاريخي والحضاري الفاعل، وإنّما تكمن أيضاً في مميزاتها السياحية والثقافية، إذ شكلت منذ عهود سحيقة ممراً تجارياً يربط غرب المغرب بمشرقه وجنوبه بشماله، وكذلك ثالوثاً سياحياً لا تفصله عن مدينة مكناس عاصمة المولى إسماعيل أحد الملوك العلويين سوى ثلاثين كيلومتراً، ولا تتجاوز المدّة الزمنية التي تفصلها عن مدينة وليلي الرومانية عشر دقائق على الأقدام، في حين تزيد المسافة الرابطة بينها ومدينة فاس التي أسّسها المولى إدريس الأصغر (ابن المولى إدريس الأكبر) عن ستين كيلومتراً. ومن خلال هذا الثالوث السياحي استطاعت المدينة أن تقفز إلى مصاف المدن السياحية المتوقعة وسط البلاد.
والحديث عن زرهون لا يمكن إلاّ أن يطال مختلف خصوصياتها الاجتماعية والثقافية التي يرجع حضورها إلى عهود ساحقة وفاعلة في التراث المغربي الأصيل، فما أن تطأ قدما الزائر هذه المدينة حتّى يتجمّع حوله عدد من الأطفال يحاصرونه بأسلوب رقيق يحاولون من خلاله استدراجه إلى أحد المعالم التاريخية التي تزخر بها المدينة، ويرافق أحدهم إلى منزله إذ غالباً ما تخصّص الأسر الزرهونية إحدى حجرات منزلها لإيواء الزوار.
إنّها دعوة مجانية يبقى الهدف منها اطلاع الزائر على أحد أسرار المدينة الذي يمكن تحسّسه في ما يصطلح عليه بزرهون العتيقة التي تضم مسجد وضريح المولى إدريس الأكبر. أحياء متداخلة تتوسطها أزقة ضيقة وملتوية تمتد على أرصفتها دكاكين صغيرة يعج بعضها بالمؤن الغذائية وتنحصر البضاعة الباقية في الشموع والحلي النحاسية والبلاستيكية. وهذه الضائع تحمل أكثر من مدلول رمزي وثقافي، فالشموع لدى الزائر تشير إلى نوع من التآزر والمحبة. وعادة ما يندفع هذا الأخير إلى شراء شمعتين توقد الأولى في المسجد بينما يحتفظ بالثانية في منزله ولا يوقدها إلاّ في مطلع ليلة القدر، وهي إحدى المناسبات المتميزة التي يئم خلالها عدد من القبائل المغربية المدينة لإحياء المناسبة سواء في رحاب ضريح المولى إدريس أو مسجده.
وعبر منفذ يخترق شمال الأحياء العتيقة سرعان ما يجد الزائر نفسه أمام أحد المعالم التاريخية: إنّه ضريح ومسجد المولى إدريس، منشأة ظلّت تغالب الزمن وفية للمعمار الإسلامي العتيق، تعلوها مئذنة مستديرة ضاربة في التاريخ يبلغ طولها 20 متراً تتوسطها مكبرات صوت تدعو المصلين إلى الفلاح. في حين انفرد فضاء الضريح والمسجد بما جادت به أنامل الصانع المغربي التقليدي: نقوش متباينة المضامين تحمل خطوطاً عربية إسلامية يمكن ملامسة نظائر لها في زخرفة الأغلفة الخارجية للكتب الإسلامية العربية القديمة. وهذه الخاصية المنفردة توحي للزائر بعمق ذلك الارتباط الذي كان يجمع مختلف الشرائح المغربية من حرفيين وفقهاء وعلماء.
وتعلو جدران الضريح المسجد قطع خشبية زيّنت مساحتها آيات قرآنية وأحاديث نبوية سرعان ما تقاطعها في الأسفل ستائر مستخلصة من الصوف والقطن والحرير الخالص. أمّا البهو فتغطيه عينات من السجاد المغربي الأصيل يحمل في طياته إرثاً ثقافياً ظلّ يجسّد إبداعات حبيسة القبائل المغربية والبربرية المتموقعة بالقرب من المدينة. وفي المدخل الخلفي للمسجد غالباً ما تطرق إذن الزائر أصوات أطفال يرتلون آيات من القرآن الكريم وأخرى تسعى إلى تكرار جمل منه بهدف حفظها إذ من الأعراف المنتشرة بين اسر المدينة أنّ الكتاتيب القرآنية تسبق المدارس العصرية، وتبقى هذه الخاصية الاجتماعية بمثابة تقليد متبع في أدبيات الشرفاء الأدارسة سكان المدينة بصفة عامة.
أمّا خزانة المسجد فتشكل بدورها مخزوناً علمياً لما تحويه من مخطوطات إسلامية وكتب ضاربة في عمق الأدب الإسلامي، وهي في متناول كلّ من يرغب في الاطلاع على الإرث الإسلامي وتاريخ دولة الأدارسة التي تمكنت من خلق ثروة فكرية وعلمية تستمد جذورها من مضامين العقيدة الإسلامية، بل ويرجع إليها الفضل في توحيد القبائل المغربية والحد من الغزوات الأجنبية التي هددت عدداً من المدن والمناطق المغربية.
زَرود
الزرد يعني البلع ولعلها سمّيت بذلك لابتلاعها المياه التي تمطرها السحائب لأنّها رمال واقعة بين الثعلبية والخزيمية: موضع بطريق الحاج من الكوفة إلى مكة بعد الرمل فيه قصر أصفر وبركة وحوض وهي خمسة أجبل جبل زرد وجبل الغرّ ومُربج وهو أشدّها وجبل الطريدة وهو أهونها حتّى تبلغ جبال الحجاز. ويوم زرود من أيام العرب مشهور بين بني تغلب وبني يربوع([194]) وقد روي أنّ الرشيد حج في بعض الأعوام فلمّا أشرف على الحجاز تمثّل بقول الشاعر:
أقول وقد جُزْنا زرودَ عشـيّةً
وراحتْ مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنني
أزيد بسيري عن بلادهم بُعدا
وأنشد مهيار الديلمي في طريقه إلى مكة:
ولقـد أحِـن ُّ إلـى زرود وطيـنـتـي
من غير ما جُبلَت عليه زرودُ
ويشوقني عجف الحجاز وقد طفا
ريف العراق وظلُّـــه الممدودُ
ويُغـرِّد الشــادي فـلا يهتــــزُّ بـي
وينــال مني الســائق الغــرِّيدُ
ما ذاك إلا أنَّ أقـمـــار الحِـمَـــــى
أفلاكُـهــن إذا طـلـعْـــن البـيـدُ
ورد فيه الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الاثنين 21 ذي الحجة سنة 60 هجرية وربما أعظم حدث في هذا الموقع هو لقاء الإمام الحسين(ع) لزهير بن القين البجلي الذي كان عثمانياً. قال الطبري بسنده عن الفزاري: (… قال: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين وإذا نزل الحسين تقدّم زهير حتّى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين حتّى سلم ثمّ دخل فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبدالله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه قال فطرح كلّ إنسان ما في يديه حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير (كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين) قال أبو مخنف: فحدّثتني… دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت. قالت: فأتاه زهير على كره فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم وحمل إلى الحسين ثمّ قال لامرأته: أنت طالق الحقي بأهلك فإنّي لا أحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير وقد عزمت على صحبة الحسين. ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها قال لأصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد منّي… ولزم الحسين حتّى قتل معه.
عبد الحسين الصالحي
الزمان وتجلياته
في الفكر الإسلامي
الزمان ظاهرة كونية طالما استعصى فهمها على الإنسان، فبدت له شديدة الوضوح أحياناً وعصية على التفسير في أحيان أخرى. فإذا نظر الإنسان إلى الزمان من زاوية طبيعية أو فيزيائية انصرف ذهنه لقسمته الرياضية إلى سنين وشهور وأيام وما شابه، وهي قسمة واضحة إلى حد كبير، يضبط الإنسان أوقاته عليها، ويرتب شؤون حياته طبقاً لها، ويستقرئ التاريخ تبعاً لمساراتها. غير أنّ الاقتصار على هذا المنظور لا يوقفنا إلاّ على سطح الظاهرة ولا يكاد ينفذ إلى أعماقها. فالزمان، كما عبّر عنه نصير الدين الطوسي في شرحه للإشارات، «ظاهر الإنية خفي الماهية». والإنيّة تمثّل الوجود العيني المحسوس وهي تقابل الماهية التي تمثّل الوجود العقلي المجرد. ولعل هذا التقابل بين التجلي الظاهري للزمان وبين حقيقته كمدرك عقلي خاف للعيان هو الذي أوقع المفكرين في حيرة من أمرهم بإزاء تشخيص حقيقة الزمان، تلك الحيرة التي أجملها أبو الريحان البيروني في كتابه «تحقيق ما للهند من مقوله» حينما قال عن الزمان: «إنّه بحث يدق جدّاً ويغمض، ولولا أنّه كذلك لما صار المختلفون فيه في غاية التباعد، حتّى قال بعضهم: أن لا زمان أصلاً، وقال بعض: إنّه جوهر قائم بذاته».
تطوّرت فلسفة الزمن عند المسلمين تبعاً لتطورهم الروحي والعقلي، وطبقاً لتطوّر الحضارة وتعقيداتها. ولكن لفهم ذلك لا بد من أن نشير إلى الرؤية الزمانية عند العرب قبل الإسلام، التي صوّرت الزمان كقوّة خفية تفعل فعلها في الاشياء وفي البشر، وغالباً مانسبت لها أنواع الشرور التي يزخر بها العالم والموت المحدق بهذه الحياة، وأطلقوا على هذه القوّة الخفية اسم الدهر. ويعتبر الشاعر الجاهلي خير معبر عن هذه الرؤية وخصوصاً في الوقفة الطلليّة التي تشكل فاتحة قصائد الشعراء في الجاهلية. فالأطلال هي الأثر الباقي والشاهد المحسوس لفعل الزمان في المكان. هذه الوقفة التي تلبّسها الشعراء العرب بعد الإسلام، وإن بشكل نمطي في أكثر الأحيان، لم يدرك عمقها شاعر كأبي نواس، فراح يسخر منها ويدعو الشعراء إلى نبذها، أو ربّما أدرك ذلك لكنّه رفض كشاعر مجدد متمرد بُعدها التقليدي عند شعراء العصر العباسي.
المنظور القرآني للزمان
أعاد القرآن الكريم تشكيل رؤية المسلم للزمان وأخصبها. وعلى رغم أنّ مصطلح الزمان لم يرد نصاً في القرآن فإنّ ألفاظاً كثيرة أخرى وردت دالة عليه كالدهر والحين والآن والمدّة واليوم والأجل والسرمد والأبد والخلد والوقت والعصر، وغيرها. وأصبح الزمن بُعداً أصيلاً في حياة الإنسان المسلم يضبط به عباداته ومعاملاته في هذه الدنيا التي يسودها الزمان النسبي المتناهي، ويتهيأ فيه للدار الآخرة التي يسودها الزمان المطلق اللامتناهي. فالصلاة (كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)، الصيام (أياماً معدودات)، والأهلة (مواقيت للناس والحج)، والحج (أشهر معلومات)، واليوم الآخر (لا ريب فيه)، والساعة الموعودة آتية (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون).
أمّا على الصعيد الكوني التحم تصوّر الزمن في القرآن بقضايا فلسفية شائكة ستكون منطلقاً للجدل العقلي الكلامي والفلسفي، بل الصوفي أيضاً الذي دار في الحضارة الإسلامية حول قدم الزمان أو حدوثه، وقدم العالم أو حدوثه، والفرق بين الزمان الطبيعي النسبي والزمان الإلهي المطلق أو السرمدي.
وردت في القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى قضية أصل العالم، هل هو قديم، أي موجود في زمان ماض غير متناه، أم حادث بمعنى أنّه خلق من العدم أو وجد بعد إن لم يكن له وجود في زمان سابق. وعلى هذه القضية يتأسّس الموقف الفلسفي من طبيعة الزمان، هل هو أزلي أبدي أم أنّه متناه؟
وتكررت الإشارات الواضحة في القرآن إلى خلق العالم في زمان معين: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]. وعلى رغم أنّ ابن رشد يرى في هذه الآية في كتابه «فصل المقال» دليلاً «على أنّ هنالك وجوداً قبل هذه الوجود، وهو العرش والماء، وزماناً قبل هذا الزمان، وهو المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك»، وهو أمر يحتاج إلى تأمّل وتفسير من فيلسوف يؤمن بالخلق كبداية للعالم.
والحقيقة أنّ مفاهيم الزمن في القرآن، مضافاً إيها معالجات الفكر الفلسفي السابق، وتصوّرات المفكرين المسلمين، شكّلت مدخلاً واسعاً لمعالجة المشكلة في أبعادها وتنويعاتها المختلفة الطبيعية منها، والميتافيزيقية، والروحية، والتاريخية.
الرؤية الفلسفية
على الصعيد الفيزيقي عولجت مشكلة الزمن باعتبارها جزءاً من العلم الطبيعي، من دون إلغاء الأبعاد الأخرى المتعلقة بالنفس والشعور وما بعد الطبيعة. فعند ابن سينا (رسالة الحدود) مثلاً يرتبط الزمان بالحركة، حيث أنّ تعريفه له ينطلق من هذا المفهوم. فالزمان هو «مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر»، ولا يمكن تصوّر الزمان إلاّ مع الحركة، ومتى لم يحس بحركة لم يحسّ بزمان مثل ما قيل في قصة أصحاب الكهف». وبما أنّ الحركة موضوع الزمان، والمتحرك مادة الحركة، كان للزمان وجود موضوعي مادي.
غير أنّ ابن سينا (عيون الحكمة) يفسّر الزمان من جانب آخر تفسيراً سيكولوجياً من خلال تبيانه بأنّ الحركة التي يرتبط بها الزمان فكرة تصوّرية تخلعها النفس على الأشياء، وأنّ «الحركة الموجبة للزمان نفسانية إرادية، فتكون النفس علة وجود الزمان». وبذلك يخفّف من غلواء النزعة الطبيعية التي درج عليها أرسطو وأتباعه من المشائين.
ثمّ إنّه يخطو خطوة أبعد بمحاولته التحرّر من شرط الحركة في الزمان، حينما يرى أنّ «نسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد، ونسبة الثابت إلى المتغير هي الدهر، ونسبة المتغير إلى المتغير هي الزمان». ومعنى ذلك أنّ هناك زماناً لا يدين بوجوده للحركة، وهو السرمد والدهر، وقد تكرر ذكرهما في القرآن. هذا الزمان مطلق لا يسري عليه التغير، على عكس الزمان الطبيعي النسبي الذي تتغيّر آناته وساعاته، ويشكل حجر الأساس الذي تقوم عليه العلوم الطبيعية. ومن هذا المدخل الزماني ينتقل ابن سينا من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، لكي يوازن بين عالم الروح وعالم المادة، ويؤكد مبدأ التوازن والوسطية الذي يعدّ سمة من سمات الحضارة العربية الإسلامية. هذا المبدأ الذي لا يلغي العالم الطبيعي المادي وهو يستشرف المطلق، ولا يتنكر للمطلق وهو غارق في مجريات هذا العالم.
جدلية التاريخ والزمان
إنّ لمشكلة الزمن في الفكر الإسلامي أبعاداً أخرى لعل أهمها البُعد التاريخي، لأنّ الزمن ووقائعه عموماً يشكلان لحمة التاريخ وسداه، ولأنّ الحسّ التاريخي عند المسلمين كان من القوّة والوضوح بمكان، وخصوصاً في فترات التوهج والازدهار التي سادت فيها الثقافة العربية الإسلامية خلال العصر الوسيط. والتاريخ، كما يذهب شمس الدين السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ»، «فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان». وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من وجود علاقة وثيقة بين الزمن والتاريخ وبين الإنسان.
والزمان له ثلاثة أبعاد هي الماضي، والحاضر، والمستقبل، ولخّصها أبو العلاء المعري بقوله:
ثلاثة أيام هي الدهر كلّه
وما هي إلاّ اليوم والأمس والغد
فعلى أي تلك الأبعاد يقوم التصوّر التاريخي عند المسلمين؟ على الماضي وحده أم على الماضي والحاضر من دون إغفال المستقبل؟ وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من الإشارة إلى أنّ الموف من الحاضر نجد له أساساً في الجدل الفلسفي الذي دار حول مشكلة (الآن) الذي عرّفه ابن سينا بأنّه «طرف موهوم يشترك فيه الماضي والمستقبل من الزمان» كما اعتبر صدر الدين الشيرازي (ت 1050هـ) (الآن) في كتابه «الأسفار الأربعة» فاصلاً للزمان في اعتبار، وواصلاً له في اعتبار آخر. أمّا كونه فاصلاً فلأنّه يفصل الماضي عن المستقبل، وأمّا كونه واصلاً فإنّه حد مشترك بين الماضي والمستقبل، ولأجله يكون الماضي متصلاً بالمستقبل.
وكانت رؤية معظم المؤرخين المسلمين تجعل من الماضي أساساً تبني عليه تصوّراتها، على أساس أنّ التاريخ في معناه الواسع هو كلّ شيء حدث في الماضي، وعبّر هؤلاء عن تلك الحقيقة بشكل أو بآخر. ونظرة عابرة إلى مؤلفاتهم تدلنا على ذلك، فسبط ابن الجوزي يعنون كتابه في التاريخ بـ (مرآة الزمان) وابن وصيف شاه بـ (واقع الدهور)، والذهبي بـ (خبر من غبر)، والبيروني بـ (الآثار الباية من القرون الخالية)… إلخ. غير أنّ التاريخ عند بعضهم قد يشمل الماضي والحاضر، وهو أمر نلحظه مثلاً عند المسعودي والمقريزي وابن خلدون حين حاولوا تسجيل وقائع الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي آنذاك، إلى اهتمامهم بماضي الأمم السابقة.
لكن الرؤية الدينية للزمان والتاريخ لا تغفل بُعداً من أبعاد الزمن الثلاثة، لأنّ التاريخ الديني محدّد ببداية ونهاية، البداية هي التكوين الأوّل، وخلق السموات والأرض والإنسان، والنهاية هي زوال هذا العالم وقيام القيامة ويوم الحساب، ولذلك سمّى ابن كثير الدمشقي تاريخه باسم «البداية والنهاية، محاولاً أن يتناول أوّل الخلق ثمّ آخره قبل يوم القيامة. ومعنى ذلك يتركز الزمان، وهو موضوع التاريخ، للوهلة الأولى في نقطتين هما: الماضي والمستقبل. أمّا الماضي فقيمته تنحصر في العبرة التي يستخلصها الإنسان من كلّ مجريات الماضي، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111]، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [القصص: 185].
وعلى رغم أنّ الحاضر شخّصه الإسلام كعرض زائل {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94]، لكنّه لم يدع إلى إهماله أو إلغائه، بل وازن بينه وبين المستقبل {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]. وبذلك يكون الإسلام وفق بين آنات الزمن وإيقاعاته المختلفة، وتكون الرؤية الدينية منسجمة مع الرؤية الفلسفية، وناقلة لها من عالم التجريد إلى عالم الواقع المحسوس.
لكن إلى أي مدى ينسجم الفكر العربي والإسلامي المعاصر مع المعطيات التي يطرحها التراث في الموقف من الزمن في أبعاده الثلاثة؟ إنّنا نلاحظ في هذا الجانب تمزقاً عبّر عنه المفكرون العرب والمسلمون منذ عصر النهضة وحتّى يومنا. فمن ملتصق بالماضي ويريد استعادته، ومن متجه للمستقبل أو متنكر للماضي. وهناك من حاول تقريب المسافة بين الطرفين، منطلقاً من فلسفة الزمن في الإسلام، سالكاً طريق الوسط العادل بين الإفراط والتفريط.
والحق إنّ الحاضر ـ كما يذهب لايبنتز ـ مفعم بالماضي، مثقل بالمستقبل. فلا خلاص إلاّ إذا أدرك الحلم أنّ زمنه نسيج تلك العلاقة المتشابكة والشفافة بين أطراف الزمان، دونما تغليب لطرف على آخر، مثلما يحاول البعض استئصال الماضي بغية بناء مستقبل منشود، او التنكر للحاضر والمستقبل أملاً في استرجاع لحظات الماضي السعيد. فالأمّة التي تعي تاريخها جيّداً تدرك أنّ الزمن لا يتجمد عند نقطة معينة أياً كان موقعها، وعلى الإنسان أن يكدح لتحقيق المستقبل الأفضل، وإلاّ غرق في شلال الزمن المتدفق.
إبراهيم العاتي
زنجبار
ـ1ـ
تقع جزيرة زنجبار سياسياً ضمن إطار دولة تنزانيا، أمّا جغرافياً فهي تقع على الساحل الشرقي لأفريقيا، وتبلغ مساحتها حوالي 1600 كم مربع، وعدد سكانها حوالي 300 ألف نسمة.
وزنجبار في اللغة كلمة عربية محرّفة عن كلمة «بُرج الزنج»، وتُجمِع الكتابات التاريخية والآثار أن العرب ـ وتحديداً العُمانيين ـ قد بسطوا سيطرتهم على الساحل الشرقي لأفريقيا منذ القرن الأول الميلادي، فقد امتدّ نشاط العرب التجاري إلى ساحل إفريقيا الشرقي حتّى الهند، وأقاموا المدن الزاهرة. وكانت الموانئ المنتشرة على طول الساحل محطّات ومرافئ للسفن العربية التي تخترق المحيط في طريقها إلى الهند.
ويدلّل المؤرّخون على ذلك بأن عُمان عندما استعصت على بني أمية، فوّض عبدُالملك بن مروان الحَجّاجَ بن يوسف الثقفي في بسط نفوذ بني أمية على عُمان. وبعد جولات طويلة أرسل الحجاج جيشاً عرمرماً فآثر سلطانا عمان سليمان وسعيد ابنا عبد الجلندي أن ينقذا أهلهما وجيشهما، فأخذا أهلهما ومن تبعهما من قومهما إلى أرض الزنج (زنجبار).
ويقول المؤرخ الدكتور عبدالمنعم عامر إنه: «يستحيل منطقاً أن يخرج سلطانا عمان من بلدهما إلى بلد لا يعرفان به، ولكن المنطقي أنهما ينتقلان إلى أرض بها وجود عماني كثيف يأمنان فيها على حياتهما ودينهما. وإذا كانت هذه الواقعة في القرن السابع الميلادي فمعنى ذلك أن هناك تاريخاً يمتد إلى زمن لا يقل عن ثلاثمائة عام، وقد يبلغ خمسمائة عام إذا استندنا إلى الآثار الموجودة».
وقد خضعت زنجبار تاريخياً لسلطنة حكّام عُمان، سواء عندما حكمها اليعاربة أو آل بو سعيد. وكان سلطان عُمان يمتد إلى ممباسا وماليندي ومقديشيو وأسمَرة ومدن كثيرة حتّى وسط أفريقيا. وقد ظلّت سيطرة العمانيّين على زنجبار وساحل شرق أفريقيا قرابة ألف عام، وكانت ممالك شرق أفريقيا كثيرة الثراء والازدهار. ويقدر «وندل فيليب» استناداً إلى وثائق أوربية أن إنتاج الذهب الذي كان يقدّمه ساحل شرق أفريقيا قارَبَ نصف مليون جنيه استرليني سنوياً في وقت ما من زمن الوجود العماني، بالإضافة إلى عائدات بيع المحصولات الرئيسية كجوز الطِّيب وجوز الهند والقُرنفُل والقَصَب، وبجانب هذين المصدرين المهمين كانت هناك تجارة الرقيق.
ولم تنقطع السيطرة العمانية على زنجبار وشرق أفريقيا إلاّ فترات قصيرة عانت فيها مناطق النفوذ العُماني من رحلات الاستكشاف البرتغالية ثم من الاستعمار البرتغالي، إلى أن طَرَد الإمام سلطان بن سيف البرتغاليين من عمان، ثم بعد ذلك من ساحل شرق أفريقيا.
وكان النظام المستقر في زنجبار وساحل أفريقيا الشرقي تابعَينِ لسلطان عُمان الذي كان يحكم من عُمان ويفوّض ولاة على زنجبار وبقية ممالك الساحل مقابل ضريبة سنوية. وفي عام 1828 ميلادية قام السلطان سعيد بن سلطان بزيارة إلى جزيرة زنجبار، وعندما وصل إليها استهواه جمالها وطِيب مناخها مُقارَنةً بهجير عمان، فجعل من الجزيرة مقرّه الرسمي وعاصمة لمملكة يحكم منها عُمان وساحل إفريقيا، وأصبحت زنجبار منذ ذلك التاريخ عاصمة لمملكة عُمان. وسرعان ما تعاظمت وتكثّفت هجرات العُمانيين إلى الجزيرة ملتحقين بسلطانهم، وإلى السلطان سعيد يعود الفضل لأنه أول من زرع شجر القُرنفُل في الجزيرة على الرغم من معارضة الأهالي، لتصبح زنجبار اليوم أكبر مصدر للقرنفل في العالم كله.
وقد ازدهرت زنجبار منذ ذلك الحين، فمُهِّدت الطرق، وأُقيمت القصور والمنازل والدور والمساجد، وأصبحت نقطة التقاء أشراف الساحل الشرقي والإفريقي والعمانيين، فالكل يذهب إلى عاصمة المملكة ومقرّ السلطان ولؤلؤة الممالك، وتضاءلت بجانبها المدن الأخرى الزاهرة مثل ممباسا وماليندي وكلوه، وهذا ما كان.
اللغة
ولغة الناس السائدة هي اللغة السواحلية، وهي مزيج من لغات افريقيّة قديمة واللغة العربية. ويقدّر بعض علماء اللغة أن 70 بالمئة من اللغة السواحلية من أصل عربي.
والألفاظ العربية التي نفهمها من اللغة كثيرة، مثل حكومة ووزارة، «وسانتي سانيا»، وهي نُطق مُحرَّف لجملة «أحسنتَ صَنيعاً»، وهكذا. وعلى الرغم من ذلك فما زالت اللغة العربية موجودة والناس تتحدّث بها، وهم ينطقونها بالفصحى، ولكنهم لطول عهدهم بها يبذلون جهداً ومشقة في الحديث.
وتنتشر القرى الصغيرة، وهي تجمّعات سكّانية، حول مزارع مكثّفة على طول الجزيرة، والتجمع المدني الرئيسي في قلب الجزيرة على المحيط هو بمثابة ما نسمّيه ـ نحن ـ بالعاصمة، ونشاط السكان الرئيسي هو الزراعة والصيد، وفي قلب العاصمة يتركّز النشاط التجاري.
كيف ضاعت؟
حتّى صباح يوم السبت 11 كانون الثاني عام 1964، كانت زنجبار جزيرة عربية مستقلة، يحكمها السلطان جمشيد بن عبدالله بوسعيد، أحد أحفاد السلطان سعيد بن سلطان. وفي مساء السبت عاد الناس إلى بيوتهم، والهدوء يلفّ الجزيرة، ومرّت الساعات الأولى من الليل رطبةً شتائية، وبعد منتصف الليل شقّ هدوءَ الجزيرة صوتُ رصاص، ولم يستمر كثيراً، وقد ظنّ الذين لم يكونوا قد استسلموا للنوم أن جندياً طائشاً أطلق بعض طلقات من بندقيته. وكلما مضى من الليل وقت ازداد الجو رطوبة وبرودة وثقلاً، وما هي إلاّ ساعة بعد انتصاف الليل حتّى اجتاحت الأحياء والدور فرق من الجنود، فنهبوا البيوت، وشرعوا في قتل السكان واستباحوا النساء، وسقط ما يزيد على عشرين ألف قتيل، وفي رواية أخرى قد بلغ عدد القتلى خمسين ألفاً. وما أن أصبح الصباح، صباح يوم الأحد 12 كانون الثاني 1964، إلاّ وزنجبار، برج الزنج، لؤلؤة الممالك، مقر سلطنة الحكام العرب، لم تعد زنجبار العربية!
فقد كانت طلقات الرصاص عملية اجتياح لمراكز الشرطة والاستيلاء عليها من قبل الجنود ذوي الأصول الإفريقية، وعملية حصار لمقر الحكم. انقلاب دموي كامل تمّ معظمه بالسلاح الأبيض في أكثر الانقلابات وحشيّة في القرن العشرين!.
ولا تكفي وقائع الانقلاب لِتُقدّم لنا إجابة عن أسباب ضياع زنجبار، والتساؤل عن الأسباب سوف يدفعنا إلى الإبحار قليلاً في بحار السياسة والتاريخ.
كان استقرار السلطان سعيد بن سلطان في زنجبار متوافقاً مع بدء إحساس الغرب بأهمية موقع زنجبار الاستراتيجي في ظل قواعده البحرية التقليدية، من حيث كونها موقع مواجهة مع ساحل افريقيا الشرقي القريب من الهند ومن ساحل الخليج العربي. وكانت الكشوف الجغرافية من قبل ولفنجستون وستانلي وغيرها في افريقيا سبباً كافياً لكي يلتهب خيال أوربا بالطمع في افريقيا بعامة وزنجبار بوجه خاص. يذكر لنا التاريخ المكتوب أن هناك صراعاً بريطانياً ألمانياً دار حول زنجبار وانتهى بتوقيع اتفاقية تحديد مناطق نفوذ، وأن هناك صراعاً إيطالياً فرنسياً بريطانياً أمريكياً، إلاّ أن أمريكا كانت أسبق الجميع حين وقّعت معاهدة صداقة مع زنجبار عام 1823، وحظيت أمريكا بموجبها على امتياز الدولة الأحق بالرعاية. وفي عام 1839 وقّعت بريطانيا معاهد مع زنجبار، اشترطت فيها على السلطان تحريم الرقيق، وتعهّد السلطان بتحريم هذه التجارة في كل ممتلكاته، وتعيين وكيل بريطاني لممتلكات السلطان للالتزام بالتحريم، كما أعطت المعاهدة للسفن البريطانية الحق في تفتيش السفن ومصادرة أيّ سفن تمارس هذه التجارة. وتحت هذا الستار وبمعاونة مكتب شركة الهند الشرقية بدأت الأصابع البريطانية تتدخل في المنطقة لضمان سيطرتها عليها، خاصة أن البريطانيين لم يكونوا في ذلك الوقت يملكون إلاّ طريق الحيلة، فثراء السلطان سعيد كان بلا حدود، وفي قصره كان يعيش ألف شخص للخدمة، ودَخلُه من تجارة العبيد وحدها كان قرابة 80 ألف جنيه استرليني في العام بأسعار ذلك الزمان.
ومن حيث القوة العسكرية كان السلطان سعيد يملك أسطولاً بحرياً قوياً، يتكون من خمسٍ وسبعين سفينة، في كل سفينة 56 مدفعاً. وكما يقول وندل فيليب في كتابه (تاريخ عمان) عندما يتحدث عن تلك الفترة من خلال الوثائق البريطانية، أن السلطان سعيد كان يستطيع أن يحقق لنفسه التفوق البحري في المحيط، فهو صاحب أقوى أسطول موجود في المنطقة الواقعة بين رأس الرجاء الصالح حتّى اليابان. والثابت تاريخياً أيضاً أنه أهدى فرقاطة بحرية مسلحة إلى ملك بريطانيا، وفرقاطة أخرى إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
صراع الاخوة
بعد وفاة السلطان سعيد بن سلطان في 19 تشرين الأول 1856، ثار الشقاق بين اثنين من أشقائه كاد أن يؤدي إلى حرب أهلية دامية. وكالعادة استعان أحد الأخوين بالبريطانيين، فشكّل البريطانيون لجنة تحكيم يرأسها اللورد «كانت» المندوب السامي في الهند، فقسّم الامبراطورية إلى جزءَين أساسيين، هما عُمان وقد جعلها من نصيب السلطان ثويني بن سعيد، وزنجبار جعلها من نصيب السلطان ماجد، ومنذ ذلك التاريخ انفصلت زنجبار عن عُمان. وداخل زنجبار ثارَ خلافٌ وشقاق؛ فقد حاول شقيق ماجد أن يغتاله في مؤامرة شاركه فيها بعض أفراد العائلة، فاستعان السلطان ماجد بالبريطانيين، فتولّوا حمايته بالقوة المسلحة. وحكم على برغش شقيق السلطان بالنفي إلى الهند. واستمر الموقف بنزاعات وشقاقات. وانتهز البريطانيون الفرصة ليبسطوا أيديهم أكثر على الجزيرة، حتّى جاء مؤتمر بروكسل، وفيه قُسّمت افريقيا بين القوى المتصارعة، وكان من ضمن ما قُسّم زنجبار. وفي تشرين الثاني 1886م قسّمت الجزيرة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وتعاظم الصراع بعد ذلك، وتوالى بشكل سريع، وتعاقب على حكم زنجبار ولاة لم يَدُم حكم بعضهم عامين، وعرفت الجزيرة الانقلابات والحروب، وفرض البريطانيون سلطتهم على الجزيرة، حتّى أنهم عزلوا حاكماً من حكامها بالقوة المسلحة لينصبوا آخر، وهكذا.
وخلال ذلك نشطت الجمعيات التبشيرية، وشجّعت بريطانيا توافد الأفارقة من الساحل الإفريقي إلى الجزيرة، وتدريجياً بدأ البريطانيون في تكوين قوى سياسية وطنية لهم داخل الجزيرة، وفي نفس الوقت عملوا على إذكاء حدة التفرقة بين العرب والأفارقة والتمييز بين ما هو عربي وما هو افريقي، وصبر البريطانيون طويلاً وزرعوا كثيراً، وكان لابد أن يُثمِر الزرع الذي زرعوه.
الأميرة العاشقة
أسهمت زنجبار بوضعها هذا وتاريخها في إثراء الكتابات عن افريقيا بعامة، وعن أحوال زنجبار وتاريخها بخاصّة. وأطرف ما كتب عن هذه الفترة مذكّرات الأميرة سالمة بنت السلطان سعيد بن سلطان التي عاونت أخاها برغش عندما تمرّد على السلطان ماجد وحاول اغتياله في الحرب التي نشبت بينهما وتدخل فيها الإنجليز لصالح ماجد، وحكموا على برغش بالنفي إلى الهند، ففي أثناء نفي برغش تصالحت الأميرة سالمة مع أخيها، ولمّا عفا السلطان عن برغش وعاد إلى زنجبار لم يغفر لسالمة تصالحها مع أخيها السلطان، وظلّت حياتها في زنجبار قلقة، فقد كانت صغرى أبناء السلطان سعيد، وبالتالي فهي أصغر أخواتها. ويبدو أن وضعها هذا قد هيّأها للدخول في مغامرة، فأحبت رجلاً ألمانياً، وهربت معه إلى ألمانيا، وعاشت هناك، ومن البعد كتبت مذكّراتها تصف أيام المجد والقصور، والمربيات وركوب الخيل، والثروة، وعزّ المملكة الذي كان.
وضعها الحالي
تقع زنجبار الآن سياسياً ضمن تنزانيا، وقد ظهرت تنزانيا ككيان سياسي عقب استقلال تنجانيقا في 9 كانون الأول 1961م وخروجها من تحت الوصاية البريطانية، بينما حصلت زنجبار على استقلالها من بريطانيا في كانون الأول 1963. وخلال هذين العامين بين استقلال تنجانيقا وزنجبار كانت بريطانيا قد هيّأت المسرح لما حدث بعد استقلال زنجبار بشهر ونصف فقط، حيث جرت وقائع الانقلاب الدموي الذي خُلع به سلطان زنجبار وفرّ إلى الخارج. وفي 26 نيسان 1964 أي بعد الانقلاب بأربعة أشهر أُعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنجبار، وأصبح اسم الدولة الجديدة تنزانيا، واختيرت دار السلام عاصمة لها. ونصّ اتفاق الوحدة ثم الدستور على أن يتولى الرئاسة جوليوس نيريري، وأن يليه في الرئاسة حاكم زنجبار. وتشكّلت حكومة محلّية لزنجبار وفوّضت في بعض الصلاحيات المحلية التي من خلالها حاولت الإدارة في زنجبار أن تحتفظ لنفسها بهوية مستقلة نسبياً إلاّ أن التاريخ لا ينسى، وقد ظلت الوظائف الإدارية العليا والإشرافية وبخاصة في الشرطة والجيش في أيدي الأفارقة ذوي الأصول غير العربية، ولكن هذا الاتجاه بدأ يقل تدريجياً بعد ضعف النعرات العرقية واستقرار الأحوال بالدولة الجديدة.
وقد انعكست آثار الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تنزانيا كلها على زنجبار، حيث انخفض مستوى المعيشة وأصبح الفقر لا تُخطئه عين، والغلاء يزداد كل يوم، وسعر العملة ينخفض في كل عام عن العام الذي قبله. وعلامات الأزمة الاقتصادية في تنزانيا كثيرة، فوِفْق أرقام البنك الدولي يبلغ إجمالي الدَّين الخارجي حتّى نهاية 1986 قرابة 3609 ملايين دولار، ويبلغ متوسط دخل الفرد من الناتج القومي 290 دولاراً سنوياً، ويبلغ معدل التضخم سنوياً 6, 19 %.
زنجبار
ـ2ـ
تقع على سواحل افريقيا الشرقية في المحيط الهندي على بعد عشرين ميلاً عن الساحل الإفريقي، وتحتوي على جزيرتَي: زنجبار وبمبا.
ولمّا قامت حركة الكشوف الجغرافية وبدأ البرتغاليون يقطعون البحار الشرقية خضعت لهم زنجبار مع غيرها من السواحل. ولم يَدُم ذلك طويلاً؛ فقد قامت حملة عربية بقيادة السلطان سعيد بن سلطان البو سعيدي حاكم عمان، واستطاع أن يطرد البرتغاليين ويمدّ ملكه في افريقيا ويشمل مقاديشو وساحل كينيا وساحل تنكانيكا وزنجبار، وفي هذه الأخيرة اتّخذ مقره.
ولمّا قامت الحرب العالمية الأولى كانت ألمانيا في دار السلام وإيطاليا في مقاديشو وانكلترا في كينيا وأوغندا. وكان الإنكليز قد عقدوا عام 1890 معاهدة مع سلطان زنجبار دخلت فيه زنجبار تحت الحماية البريطانيّة، واستمرّ ذلك 73 عاماً. وفي 11 ديسمبر سنة 1963 عقدت انكلترا مع زنجبار اتفاقية جديدة نالت فيها زنجبار استقلالها.
وفي كانون الثاني سنة 1964 قام الانقلاب الجمهوري، وفر السلطان إلى لندن، ثم اتّحدت زنجبار مع تنكانيكا وشكّلا جمهورية تنزانيا.
وفي زنجبار الكثير من الخوارج الإباضيّة وكانت الأسرة الحاكمة منهم، كما أن فيها عدداً غير قليل من الشيعة وهم في أصولهم من مهاجري الهند وإيران والبحرين والعراق وعمان، ولهم مسجدان كبيران وأربع حسينيات كبيرة وحوالي عشرين حسينية صغيرة وعدة مدارس. وفيها دار ضيافة ينزل فيها غرباء الشيعة مجاناً أنشأها الحاج رحمة الله تيجاني. ولهم مستوصف لمعاينة المرضى مجاناً أنشأه ناصر نور محمد، ودار توليد مجانية أنشأها داتو حماني، ولهم أوقاف كثيرة.
ويعود تاريخ إقامة المآتم الحسينيّة فيها إلى عام 1850 في عهد السلطان برغش، حيث كان عنده قائد عسكري إيراني أدى له ولبلاده الكثيرَ من الخدمات، مما حمل السلطان على أن يبدأ بإقامة المآتم في زنجبار، وأقيم أول مأتم في قصر السلطان نفسه.
تحوّلات في زنجبار
وفي أواخر سنة 1993 كان الوضع في زنجبار كما يلي:
منذ زيارة رئيس حكومة زنجبار المحلية سالمين عامور إلى مسقط عام 1991، وتقديم اعتذار للسلطان قابوس عن أحداث عام 1964، وزنجبار تشهد حركة ترميم واسعة للآثار العُمانية من فترة حكم سلاطين عمان لها من 1870 إلى 1964، وهي «قصر السلطان العُماني» و «قصر حريم السلطان» و «المتحف الوطني» الذي يضم متعلقات هذه الفترة في ما يوصف بأنه محاولة لإزالة آثار ثورة كانون الثاني (يناير) 1964 وإعادة النظر في العلاقات مع السلطنة.
وكانت ثورة زنجبار بقيادة أول رئيس لها عبيد كرومي قضت على حكم آخر السلاطين العُمانيين «جامشيد» الذي هرب على متن باخرته إلى مومباسا في كينيا. وأعمَلَ الثوارُ والأهالي من أصل افريقي وهندي التقتيلَ في السكان من أصل عربي الذين اضطروا إلى الهرب إلى كينيا وتنجانيقا أو العودة إلى بلدانهم الأصلية عمان واليمن والإمارات.
ولا تعبّر إزالة آثار الثورة عن محاولة عاطفيّة تمتزج بالشعور بالذنب فقط، إنما تأتي في إطار أزمة هوية يكتنفها البحث عن روابط بديلة لتحقيق المصالح بعد ضعف اتحاد زنجبار وتنجانيقا (تنزانيا) اقتصادياً وبنيوياً؛ فالشعب الزنجباري يعاني من تراجع معدلات التنمية وانخفاض مستوى الدخل السنوي، كما أن الوحدة تواجهها مخاطر الانفصال بسبب الرغبة في العودة إلى الأصول العربية والإسلامية.
ولا تنفرد الحكومة المحلية في زنجبار (ذات الحكم الذاتي) بهذه الرغبة والمحاولات؛ فعلى رغم أن سالمين عامور رئيس الحكومة كان أول من عبّر عنها وبادر بزيارة مسقط والتقى السلطان قابوس وقدم اعتذاراً وعاد ليقول للشعب إنهما اتفقا على نسيان الماضي، فإن المعارضة هي الأقوى والأكثر فاعلية في الشارع الزنجباري؛ إذ إن (حزب جبهة الاتّحاد المدني) هو الوحيد في تنزانيا يتخذ زنجبار مقرّاً ويشكّل ذوو الأصول العربية 90 في المئة من قياداته وأعضائه. كما أنه الأكثر تعبيراً عن الانتماء الإسلامي والعربي لزنجبار، علاوة على أنه الأكثر شعبية. كذلك فإن مسلمَينِ من أصل عربي هما سيف شريف حمادي رئيس الوزراء السابق وشعبان ميلو يتوليان منصب نائب الرئيس وأمانته العامة.
وتكاد هذه القضية أن تكون الوحيدة التي يتّفق فيها رأي الحكومة والحزب الثوري الحاكم مع المعارضة. وهذا التوجه لا يتفاعل معه سوى سلطنة عمان التي بادرت عقب زيارة عامور إلى تقديم مساعدات اقتصادية كبيرة، وأنشأت مطاراً دولياً ومدرسة تمريض، وقدمت مساعدات طبية للمستشفى الحكومي، كما افتتحت قنصلية عامة لرعاية شؤون العلاقات والمصالح في أول استئنافٍ للعلاقات منذ أحداث 1964. كذلك فإن دبي سيّرت خط طيران مباشر إلى الجزيرة لنقل البضائع والمساعدات.
ومن البديهي أن تَلقى محاولات الحكومة المحلية تغيير الانطباعات والأفكار السيئة عن فترة الحكم العُماني والتي عملت الحكومة المركزية في دار السلام على ترسيخها منذ 1964 صعوبات في هذا السبيل. غير أن وصول المساعدات، والمشاكل التي يواجهها الاتحاد مع تنجانيقا، إضافة إلى أزمة الهوية التي يعيشها الشعب، وآثار فترة حكم الحزب الثوري في تنزانيا.. جعلت مهمة التحول سهلة؛ فقبل عمليات الترميم سبقت حكومة زنجبار الحكومة المركزية في تحرير التجارة للسماح بعودة العرب الذين غادروها تحت غطاء التجارة والاستثمار.
ولا يزال ذوو الأصول الإفريقية والهندية يجدون من مخلّفات الحكم العُماني ما يستخدمونه في ضرب هذا التوجه، خصوصاً سجن العبيد، أحد الآثار التي لم يَطُلها الترميم الذي يروّج أن السلطان العُماني كان يأسر فيه الزنوج لبيعهم عبيداً للمستعمرين البريطانيين والفرنسيين في شرق افريقيا.
إلاّ أن الدعاية المضادة هذه لا تؤثّر حتّى الآن في استمرار هذا التوجه، حتّى أنّ التذكير بزيارة أنور السادات لزنجبار مُوفَداً من جمال عبدالناصر في كانون الأول (ديسمبر) 1963 لعرض تقديم مساعدات للسلطان العُماني، وقبل بدء أحداث كانون الثاني (يناير) 1964، بعد تسليم البريطانيين السلطة للسلطان، لا يجد صدى واسعاً داخل الأوساط المثقفة والمسيّسة في زنجبار، فأزمة الهوية هنا أقوى من دعايات مضادة.
من حال إلى حال
هل تملك جزيرتا زنجبار (انجوجا وممبا) ـ 1020 كيلومتراً مربعاً ومليون نسمة ـ مقومات الاستقلال إذا ما انفصلت عن تنجانيقا ؟
هذا هو السؤال المطروح حالياً على الساحة السياسية في زنجبار في ضوء التطورات الأخيرة وملامح أزمة «الهوية» التي تعمّقت بعد فشل محاولة حكومة زنجبار الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي وأدت إلى نكسة لمشاعر الرأي العام.
فمع ضعف الاتحاد وتدهور اقتصاد الدولة، بدأت تظهر نزعة استقلالية جادة، أبرز ملامحها إظهار الوجه الإسلامي لزنجبار، وظهور جماعات دينية وتوجّه نحو إعادة الروابط مع الدول العربية عموماً وسلطنة عمان خصوصاً، واستكشاف سبل بناء اقتصاد وطني مستقل حرصت زنجبار على التمتع به عند إنشاء دولة الاتحاد عام 1964.
نجحت زنجبار في تحقيق قدر من الاستقلالية في إدارة علاقاتها الخارجية، وأنشأت علاقات قنصلية مع مصر وعُمان وموزامبيق والهند والصين وروسيا (أغلقها الرئيس الروسي بوريس يلتسن عام 1991). وتتبع قنصلياتها سفاراتها في دار السلام ما عدا عُمان التي ليست لها سفارة في تنزانيا. كما نجحت في عقد اتفاقيات ثنائية مع هذه الدول حصلت بمقتضاها من مسقط على مساعدات اقتصادية، ومن مصر على خبراء في الزراعة والتصنيع وأطباء، ومن الصين على الإذاعة المحلية ومساكن للفقراء.
واحتفظت زنجبار ببعض مظاهر السيادة، مثل نظام تأشيرات الدخول والجمارك للأجانب ولأبناء تنجانيقا. ولا تملك الدولة الاتحادية (تنزانيا أو تنجانيقا) محطة تلفزيونية. وهناك محطة إرسال تذيع برامج مُهداة من تلفزيون كينيا وأوغندا وتمثليات إرشادية وخطب مسجلة للرئيس تذاع بعد إلقائها. وعلى رغم أن الحكومة المركزية في تنجانيقا أبطلت مفعول قرار حكومة زنجبار المحلية بالانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلاّ أن ما يثير الحساسية لدى الشعب هو نجاح تنجانيقا في منعها من حضور اجتماعات مؤسساتها من دون المرور على الحكومة الاتحادية في دار السلام أو الحصول على موافقتها.
فشعب زنجبار خليط من العرب والإيرانيين (20 في المئة من عدد السكان) والهنود (10 في المئة)، والأفارقة (50 في المئة) معظمهم من قبائل البانتو التي تعيش في شرق افريقيا، و 97 في المئة من السكان مسلمون على رغم اختلاف أصولهم العرقية. وأصبح من الصعوبة تحديد الأصول العربية أو الإيرانية للسكان بسبب الزواج المختلط.
وبينما يركّز ذوو الأصول العربية نشاطاتهم على التجارة اهتمّ الإيرانيون بالسياسة، واندمجوا مع العرب في علاقات مصاهرة.
وتحاول زنجبار تعويض فشلها في التركيز على وجهها الإسلامي وفتح علاقات مباشرة مع الدول العربية، خصوصاً سلطنة عُمان، وهو اتجاه يكتسب اهتماماً الآن على رغم أنّه بدأ منذ سنوات حينما حاولت حكومة زنجبار المحلية برئاسة إدريس عبدالوكيل عام 1986 طَرْقَ أبواب السلطنة وإعادة وصل ما انقطع من خيوط. ولم تنجح هذه المحاولات المستمرة إلاّ عام 1991 حين هبط الرئيس الحالي سالمين عامور في مطار مسقط، وحصل على مساعدات اقتصادية لبناء مطار ومستشفى ومدرسة للتمريض وفتح قنصلية عُمانية في زنجبار لمباشرة العلاقات.
وتمتد علاقات زنجبار مع السلطنة خصوصاً والعرب عموماً إلى حركة الكشوف الجغرافية عندما استعمرها البرتغاليون في القرن السادس عشر، واستنجد السكان ذوو الأصل العربي والديانة الإسلامية بسلطان عُمان بعد انتصاره على البرتغاليين في هرمز، فوصلت قواته إلى زنجبار عام 1650 وأصبحت إحدى ولايات السلطنة، إلى أن أعلنت بريطانيا الحماية في العام 1870.
وعرف شعب زنجبار تحت الحماية البريطانية التعددية الحزبية، برز خلالها حزب ASP الذي شكّل الحكومة الائتلافية الأولى في كانون الأول (ديسمبر) 1963 فور إنهاء الحماية وإعلان الاستقلال بقيادة رئيس الحزب الإفريقي كرومي.
وشهدت زنجبار في أيام معدودة بعد الاستقلال قلاقل واضطرابات مفاجئة قادها كرومي ضد الوجود العربي في الجزيرتين.
وسرعان ما تحوّلت الاضطرابات إلى أحداث دمويّة في 12 كانون الثاني (يناير) 1964، حين فتح «جون أكيلو» الأوغندي مخازن السلاح التابعة للسجون ومعسكرات الجيش البريطاني السابقة أمام الثوار الأفارقة التابعين لكرومي فأعملوا التقتيل في العرب ونهبوا ممتلكاتهم ما أدى إلى فرارهم إلى ممباسا.
وفور استقرار السلطة في يد كرومي ـ الذي أصبح أول رئيس لزنجبار ـ اتفق مع رئيس تنجانيقا جوليوس نيريري على إنشاء دولة اتحادية، وأقدم أحد أبناء ضحايا الثورة على قتل كرومي في عام 1972، وانتهج خلفه عبده جومبي السياسة نفسها ضد بقايا العرب، بل دمج حزبه الحاكم APS وحزب المعارضة في زنجبار TANU في الحزب الثوري الحاكم في تنجانيقا CCm عام 1977.
وعلى المنوال نفسه سار أسلاف غومبي ـ بعد استقالته 1978 ـ من حسن معيني (78م ـ 1985)، وانتهاءً بسالمين عامور الرئيس الحالي للحكومة المحلية.
وبعد استئناف العلاقات مع مسقط بدأت زنجبار تعيد النظر في الماضي تحت شعار «إزالة آثار الثورة»، وترجمت ذلك بقرارات تسمح للعمانيين والعرب الذين غادروها عام 1964 بالعودة، وتتيح ترميم آثار المرحلة السابقة بما فيها تلك التي استُغلّت خلال حكم كرومي في تشويه صورة العرب. وتواجه هذه السياسات الجديدة مشكلة التعاطي مع الشعارات التي رفعتها الثورة على مدى السنوات الماضية واتسمت بالكراهية وإثارة الأهالي ضد العرب «المسيطرين على الاقتصاد والتجارة»، «وباعوا الأفارقة كعبيد للمستعمرين البريطانيين والفرنسيين» في إطار حملة منظّمة ومستمرة. أما بناء اقتصاد وطني مستقل فهو أكثر التوجهات صعوبة في التنفيذ؛ فاقتصاد زنجبار يعاني أوضاعاً غير مستقرة. ويتعرض دخل البلاد الرئيسي ـ وهو عائد تصدير محصول القرنفل (يشكل 90 في المئة من الدخل الوطني) ـ للتدهور بسبب انخفاض أسعاره العالمية ودخول منافسين جدد (أندونيسيا)، حتّى أصبح غير كاف لتمويل استيراد الرزّ.
إلى ذلك لا تملك زنجبار مصادر ذاتية للطاقة، وتعتمد في تدبير احتياجاتها من البترول والطعام على تنجانيقا، وهو الأمر الذي يُعدّ معوقات الاستقلال.
ولا تبعث ملامح الاقتصاد الأمل على إمكان وجود اقتصاد وطني مستقل. وينعكس تردّي الوضع سلباً على أوضاع التعليم، فنسبة الأمية تقدر محلياً بنسبة 80 في المئة، ويوجد معهد واحد ينتهي التعليم فيه بالمرحلة الثانوية، وتتم الدراسة في الجامعات إمّا عبر جامعة دار السلام أو مِنح دراسية في الأزهر وبكين وموسكو. ولا يوجد سوى مدرستين ثانويتين للبنين والبنات ومدرستين فنيتين زراعية وصناعية إلى جانب معهد ديني، ويتم التدريب كذلك عن طريق الاتحادات الإفريقية أو منح التدريب من روسيا والصين ومصر.
وينعكس الوضع كذلك على الحالة الصحية، فهناك مستشفى حكومي واحد أطباؤه من روسيا والصين ومصر، إلى جانب عدد محدود من الوطنيين، ومستوصف خاص يملكه هنود.
إلى ذلك تعاني زنجبار أيضاً من أزمة سكانية حادة، إذ تنتشر في المناطق المحيطة بالعاصمة أكشاك خشبية وأكواخ من الصفيح يسكنها الفقراء، ولا يقلل من الأزمة حركة بناء مساكن شعبية تنفّذها الصين كجزء من المساعدات.
وتربط زنجبار بالعالم الخارجي رحلة أسبوعية لشركة «زانا» الجوية (شركة مشتركة بين زنجبار وتنجانيقا)، ورحلة أسبوعية أخرى غير منتظمة لشركة «إير تنزانيا»، إلى رحلة أسبوعية ثالثة منتظمة مع دبي لشركة طيران الخليج. وترتبط بتنجانيقا بحرياً عبر 4 رحلات يومية تقوم بها مناصفة شركة (See Ex – Press) وشركة (Flyin Hours).
وبسبب الفقر فوسائل النقل الداخلي التي تتنوع من سيارات «الدلا دلا» (قطاع عام) وهي عبارة عن سيارات نقل ونصف نقل جهّزت كأوتوبيسات للعمل بين القرى إلى سيارات التاكسي (قطاع خاص)، تعد الدراجات الوسيلة الأكثر انتشاراً وشعبية.
ملامح هذا الوضع الاقتصادي لا تشكل أساساً لدولة تتطلع إلى الاستقلال؛ فزنجبار تعتمد ـ وبشكل منفرد ـ على المساعدات الخارجية من مصر وعُمان والصين وشركة فنلندية (تنفّذ مشروع إقامة شبكات للمياه)، إضافة إلى شركات ألمانية وبلجيكية ودانمركية تقوم بتمويل مشاريع للطرق.
لمواجهة هذا الوضع تحاول الحكومة المحلية الحصول على مساعدات لتوظيفها في مشاريع صغيرة، كما تحاول إيجاد مصادر غير تقليدية للدخل مثل بيع الأعشاب البحرية (طعام ونشاط تصديري) شكل عائد مليون دولار العام الماضي، وينتظر أن يزيد في الأعوام المقبلة بعد فتح الأسواق الأميركية أمام هذا الصنف.
وتشجّع الحكومة السياحة، إلاّ أن ظهور التيارات الدينية المعادية لهذا التوجّه يقلل من فرص تشجيع السائحين، وتدخل في مفاوضات لإنشاء صناعات مرتبطة بالصيد كالتعليب ومن ثم التصدير.
إلى سعي زنجبار على المستوى الرسمي إلى تحقيق نوع أعلى من الاستقلال، يشهد الشارع والحياة اليومية نشاطات أكثر تعبيراً عن الهويّة. فعلى مدى الشهور الثلاثة الأولى من العام 1993 شهدت البلاد تظاهرتين ـ عقب صلاة الجمعة ـ تطالب بتطبيق «أحكام الإسلام»، و «إزالة آثار العلمانية»، وإغلاق نوادي الفيديو، ومحلاّت بيع الخمور التي أُحرق بعضها خلال أعمال عنف، ومنع السياحة.
كما ازدادت نشاطات جماعات إسلامية، حديثة النشأة، وجماعة «التبليغ والدعوة» في المساجد، وكتاتيب تحفيظ القرآن، ومعاهد لتدريس علوم الفقه والتفسير وسط تعاطف شعبي، وأصبحت شرائط تلاوة القرآن الكريم سلعة وحيدة لأغلب الباعة المتجولين وأساسيّة في كل المحلات.
ويتنازع حزبان الوجودَ السياسي في الشارع، هما فرع الحزب الثوري الحاكم في الدولة الاتحادية (تشاما تشاما ممندوس) أو الـ CCM برئاسة سالمين عامور رئيس زنجبار والنائب الثاني لرئيس الجمهورية بمقتضى الدستور، وحزب جبهة الاتحاد المدني CUF الذي يتزعمه سيف شريف حمادي ـ رئيس وزراء سابق لزنجبار ـ وهو من سكان جزيرة ممبا ويحظى منذ تأسيسه العام الماضي بشعبية كبيرة داخل زنجبار وحتى على مستوى الدولة الاتحادية. وهو ذو توجيهات دينية ـ وإن كان رسمياً ليس حزبا دينياً ـ ويضمّ غالبية السكان من الأصل العربي والمسلمين في تنزانيا. وأصبح شهر رمضان أحد التوقيتات التي تستغلها الغالبية المسلمة للتعبير عن انتمائها، إذ تشهد المساجد أكبر حضور، والمطاعم ومحلات الفيديو وبيع الخمور مغلقة، وعدد ساعات العمل تنخفض بمقدار ساعة، وتذيع المحطة المحلية الأناشيد والتواشيح الدينية. وهي ملامح كانت اختفت في بدايات الثورة عام 1964.
وتحوّل شهر ربيع الأول من السنة الهجرية كل عام إلى مناسبة احتفالية بمولود النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) تستمر مدة الشهر بكامله. وتحولت أكبر المساجد (الجامع الكبير والمسجد الحنفي ومسجد ماليندي) إلى مراكز تجمّع المسلمين في صلاة الجمعة كل أسبوع.
على ذلك فمستقبل تنزانيا (الدولة الاتحادية) في خطر، وأصبح استمرارها رهن رغبة شعب زنجبار في المزيد من الاستقلال ومدى قدرة الحكومة المركزية على التحمّل، خصوصاً أن استمرار الاتحاد على ما هو عليه الآن أمر مستحيل بالنسبة لشعب زنجبار في ضوء تصاعد المد الوطني والمشاعر الإسلاميّة.
ويرى الرأي العام هنا أن الأسباب التي أدّت إلى الوحدة قد زالت، وفي مقدمتها الحرب الباردة. كما يرى أن الغرب الذي كان نيريري قريباً منه، قبل تحوّله عام 1964، هو الذي فرض الوحدة بسبب مخاوف تحوّل زنجبار إلى قاعدة للاتحاد السوفياتي في المحيط الهندي.
الشيعة في زنجبار
للشيعة وجود بارز في زنجبار. وننقل هنا ما كتبه السيد مصطفى إمام زاده:
من مشاهير الشيعة تجب الإشارة إلى الملا عبد الحسين المرعشي الشوشتري المتوفى عام 1320هـ وقد شاءت العناية الإلهية أن تسخر هذا القديس العالم لنشر التشيع في إفريقيا الشرقية وفي إحدى السنين تأخّر الموسم وتلفت الحاصلات وقد تضرّعت جميع الطوائف إلى الله كلّ على طريقته الخاصة طلباً للمطر، ولم تؤد صلوات جميع الطوائف إلى نتيجة فطلب العاهل إلى الملا الشيعي أن يصلي على طريقته في المصلّى فذهب الرجل القديس وصلّى صلاة الاستسقاء طبقاً للتعاليم الشيعية ولم يكد ينتهي من صلاته حتّى هبت العاصفة وحملت معها الأمطار الكريمة التي طال انتظارها. وقد سبب ذلك أنّ عدداً كبيراً بما فيهم العاهل اعتنقوا المذهب الشيعي وكان ما أراده الله.
وتجب الإشارة أيضاً إلى (كلب علي) الضابط في المدفعية ووزير الحربية ولولا النفوذ السياسي لهذا الضابط النبيل الممتاز الذي كان يتمتع بثقة أثرياء الشيعة وثقة السلطان لما كان من الممكن أن يكون هناك للشيعة مساجد في زنجبار ولم نكن لنجهر من أعالي المآذن بنداء حي على خير العمل. هذا بالإضافة إلى أنّنا مدينون إلى الجنرال كلب علي بإنشاء المقبرة الجميلة التي يرقد فيها إلى جانب هذا الدفين الجليل عدد من العلماء الأعلام والوجهاء الذي يتكوّن معظمهم من أصل فارسي.
وإليكم ما نقش على قبر منشئ المقبرة: وفاة السعيد المرحوم المرور المأسوف عليه السيد محمد بن سلالة أفشار أورميا([195]) وفاته يوم الأربعاء 20 ربيع الأوّل سنة 1327هـ وقد كان نقش خاتمه:
«كلب أهل الكهف السبعة قد أنقذ من نار جهنم وكيف لا أنقذ وأنا كلب علي».
والجنرال كلب علي هو الذي نقل إلى زنجبار المدافع القديمة التي نالت إعجاب الجميع وقد انتزعت هذه المدافع عام 1621م من البرتغاليين في عهد الشاه عباس الأوّل شاه إيران وقد نقشت على فوهة أحد هذه المدافع باللغة الفارسية العبارة الآتية:
(في حكم منقذ العالم وإمبراطور الكون الشاه عباس الصفوي خادم الأمة وحاكم فارس ولارستان وكوه خيلويا والخادم الأمين لسيد الكون في سنة 1030هـ بعد غزوه لأرخبيل البحرين وقلعة (أورمز) قد انتزع هذه المدافع).
ولا ننسى كذلك اسم المرحوم علي ناتو الذي أدّى خدمات كبيرة لدولة زنجبار خلال الفترة الواقعة بين 1914ـ1918م وقد قال له السلطان ذات يوم اختر أنت بنفسك الجائزة التي تريدها مقابل خدماتك فأجابه على الفور:
كلّ ما أريده أن يكون اليوم الحادي والعشرون من الشهر التاسع القمري واليوم العاشر من الشهر الأوّل يومي عطلة رسمية. فوافق السلطان على ذلك. ومنذ ذلك اليوم تعطل الدوائر الرسمية كلّ سنة في ذكرى مقتل الشهيد علي ومقتل الشهيد الحسين. (انتهى ما أورده السيد مصطفى إمام زاده).
وهناك أيضاً الإسماعيليون النزاريون.
الإسماعيليون النزاريون في زنجبار
كان فريق الخوجة من الإسماعيليين النزاريون يعملون في التجارة بين غرب الهند وشرق أفريقيا منذ القرن السابع عشر الميلادي. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر بدؤوا بالإقامة الدائمة في تلك المنطقة. وأوّل مجموعة من النزاريين في الهند الذين رحلوا إلى شرق أفريقيا كانوا من كاچ وكتهياوار وسورات وبومبي وهي المدن الواقعة في غرب الهند. وأقاموا في بادىء الأمر في جزيرة زنجبار. وحتّى سنة 1820 كانت جماعة صغيرة من الخوجة النزارية قد استقرّت في زنجبار فأسّسوا بيتاً للجماعة في الجزيرة وكان يشرف عليها ويديرها مسؤولان أحدهم (مُكي) يعاونه (كامريا)([196]). وبعد سنة 1840 عندما نقل السلطان سعيد حاكم عُمان عاصمته من مسقط إلى زنجبار بدأ الخوجة النزاريون، والبُهرة الإسماعيليون وبقية المهاجرين الآسيويين، بدؤوا بالهجرة في أعداد كثيرة إلى شرق أفريقيا. ولما كان السلطان سعيد يرغب في تطوير التجارة الخارجية في بلاده، أخذ بتشجيع التجار الآسيويين للهجرة إلى زنجبار. فازداد استقرار عدد الخوجة النزاريين وبقية الفرق الهندية في زنجبار بنسبة عالية جداً بين عام 1840 و1870 ميلادية. إنّ هذه الفترة من الازدهار الاقتصادي والتجاري بخاصة في زنجبار كانت متزامنة مع فترة إعداد تسهيلات السفر من الهند إلى شرق أفريقيا. في تلك الأيام ونتيجة الجفاف والمجاعة التي اجتاحت گجرات. قرّر الكثير من الخوجة المزارعين الالتحاق بقوافل التجار الخوجة إلى شرق أفريقيا. وحتّى نهاية القرن التاسع عشر وبعد تعبيد الطرق ومد خطوط سكك الحديد داخل منطقة شرق أفريقيا ارتفع عدد الوحدات التجارية والتجار النزاريون ممن غادر زنجبار إلى داخل بلدان شرق أفريقيا. وبعد ذلك انتقل الخوجة النزاريون المهاجرون إلى المناطق البعيدة داخل شرق أفريقيا. وحتّى الحرب العالمية الأولى كانت الجماعات النزارية الهندية الأصل، تعيش في الكثير من مناطق شرق أفريقيا، بينما توزع أغلبية النزاريون المهاجرون داخل المدن النامية مثل زنجبار ومومباسا ودار السلام ونيروبي وكامپا وتنگا. وقد قام آغا خان الثالث بتفقد أنصاره في شرق أفريقيا لأوّل مرّة عام 1899م وحتّى ذلك التاريخ كان النزاريون في زنجبار في صراعات داخلية كما كان الحال بالنسبة للخوجة في بومبي قبل عشرات السنين. وبعض النزاريين المعارضين في شرق أفريقيا الذين كانوا يطرحون الأسئلة حول ادعاءات آقا خان وصلاحياته، انفصلوا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عن المجتمع النزاري، والتحقوا بالخوجة الاثني عشرية في زنجبار الذين لم تكن لديهم أيّة تنظيمات إدارية واجتماعية. إنّ زيارة آغا خان لهذه المنطقة لم تنه الفجوة التي كانت قد حصلت في المجتمع وأنّ الانفصال استمرّ لمدّة طويلة. وفي مثل هذه الأحوال وعندما قام آغا خان للمرّة الثانية بتفقد المنطقة في عام 1905 أصدر سلسلة من القوانين والقرارات كان في الحقيقة أوّل دستور للجماعة النزارية في شرق أفريقيا. وكانت التنظيمات الإدارية الجديدة قد دوّنت في هذا الدستور على شكل لجان كما وضعت قواعد وقوانين حول الأحوال الشخصية في المجتمع لا سيما ما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث، وفي غضون تلك الأيام عقدت أول لجنة نزارية في زنجبار التي كانت آنذاك قاعدة الجماعة النزارية في شرق أفريقيا. إنّ هذه اللجنة كان من واجباتها الإشراف على بيت الجماعة والدفاع مقابل الانفصاليين والمعاندين وكذلك الإشراف على شؤون الجماعات التي كانت داخل منطقة شرق أفريقيا. إنّ هذه الإجراءات كانت السبب في استمرار برنامج آغا خان لإعادة تنظيم وتطوير المجتمع النزاري في شرق أفريقيا.
وحتّى أوائل عام 1920 تأسّست مراكز جديدة للنشاطات الاقتصادية في أراضي أفريقيا الشرقية. وكان الخوجة النزاريون بتشجيع من آغا خان ينتقلون إلى هذه المناطق تدريجياً. وزنجبار التي كانت قد فقدت أهميتها مركزاً رئيسياً عاماً للتجارة في المنطقة لم تكن الآن أيضاً قاعدة رئيسية للمجتمع النزاري في شرق أفريقيا ولهذا كان المفروض إعداد منظمات إدارية خاصة للجماعات النزارية الكثيرة المتناثرة في بلدان شرق أفريقيا، في مثل هذه الظروف بدأ آغا خان الثالث بإعادة النظر في أوّل دستور في عام 1926. وأسّس مجالس أو لجان مركزية منفصلة في ثلاث مناطق وهي كينا وتانجانيقا وأوغندا. وكان أعضاء هذه اللجان ينتخبون من قبل آغا خان نفسه الذي كان يشرف أيضاً على الكثير من أعمالها. إنّ اللجنة الأصلية والرئيسية في زنجبار كانت لفترة من الزمان تقوم بتنسيق نشاطات اللجان الإقليمية. وقد انتقل ذلك فيما بعد إلى لجنة عليا كانت منفصلة عن لجنة زنجبار. وكانت قد تأسّست في كلّ واحدة من هذه المناطق الثلاث لجان للإشراف على النشاطات في أمور خاصة كالتعليم والصحة. وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة من إمامة آغا خان الثالث، نظّمت اللجان واللجان الفرعية التابعة لها وتطوّرت أكثر فأكثر على أساس إعادة النظر المنظم بالدستور لكلّ من اللجان والجماعات النزارية في شرق أفريقيا وجرت هذه التعديلات في الأعوام 1937 و1946 و1954 ميلادية. وحتّى سنة 1952 كان عدد الإسماعيليين النزاريين في شرق أفريقيا خمسين ألفاً، نصفهم في تنگانيگا.
زوّاره
جنة في لهيب الصحراء
تعرف صحراء إيران المركزية بالهضبة الصحراوية، وتقع في القسم الشمالي للفلوات الإيرانية، وهذه المنطقة هي الأكثر جفافاً في إيران، حيث لا تزيد نسبة هطول الأمطار عليها عن (100) مليمتر، وتقدر مساحة القشرة الملحية فيها بـ (53000) كيلومتر، ممّا يجعلها أكبر صحراء مغلقة في الكرة الأرضية. وقد عبر هذه الصحراء العديد من الرحالة والسائحين الأوروبيين، وشاهدوا وهج الطبيعة الذي لا يرحم، وقساوة المحيط فيها، فدونوا حولها أوصاف معبرة.
(الكولونيل سيم مك جيرجر) وصل إلى وسط هذه الصحراء فكتب: (يشعر الإنسان أنّه يقف في جزء من الكرة الأرضية يسيطر عليه جفاف أبدي، في مكان لن تعود إليه الحياة إلاّ بحصول تحوّل عام، وبتعبير آخر فإنّ الإنسان يرى فيها احتضار كوكب الأرض).
ولجنة الاستكشاف الروسية بقيادة (خانيكوف) زارت هذه المنطقة خلال عامي (1858ـ1859م) بتكليف من اتحاد جغرافيي (بطرسبورغ) ودونت: (السكون المطلق يخيم في كلّ اتجاه ملنخولي منها، وانعدام أي أثر لوجود الإنسان، يشعران الإنسان بالغم والوجوم، ويشعر أنّه يقف في أرض ملعونة خالية من أي كائن حي).
(سون أندرسون فون هدين 1865ـ1952م) زار إيران عام (1886م) وكتب: (في قلب تلك الصحراء يسحر الإنسان، ويفرّ حيثما يشاء، لكنّه يجد نفسه ما يزال عالقاً مكانه، لا يعينه إلاّ الليل، وإلاّ فإنّها لا نهاية لها).
(الملازم الهندي وغان) عبر هذه الصحراء عام (1888م) فكتب عنها: (عندما تركت آخر نقطة قبل دخول تلك الصحراء، فوجئت بطريق محيّر جدّاً أمامي، يبدو كالبحر المتجمد، يمتد يميناً إلى ما لا نهاية).
وعند ضفاف هذه البسيطة التي تفترش الأرض باليأس والخمود والاستسلام، تصدّى جمع من ذوي الهمم العالية والعزائم الراسخة إلى إعمار تلك الناحية وإحيائها، وإيجاد المدن الجميلة فيها، وكأنّ روح الصحراء هذه ـ رغم عصيانها ومشاكستها للبشر من حولها ـ قد جرت في أجساد أهلها بلطف عميق، ولعبت دوراً أساسياً في صياغة شخصياتهم كأفراداً صادقين، مقاومين، قانعين، مؤمنين. ومن بين تلك المدن مدينة (زوّارة) الواقعة عند الساحل الجنوبي لتلك الصحراء المقفرة.
علة التسمية
والشكل الجغرافي لزوّارة:
لفظ زواره، وردت في الآثار البهلوية مثل (بندهش) على شكل (أوزوارغ). أمّا المؤلفات العربية وآثار الرحالة المسلمين مثل معجم البلدان لياقوت الحموي فقد ذكرتها بـ (أُزوارة). أمّا سكانها والقرويون القاطنون في الجزء السفلي شرق المدينة فإنّهم يطلقون عليها لفظ (زُوواره) ولمّا كان (زواره) هو اسم لبطل تاريخي في إيران، ولوجود تشابه اسمي بينهما، لذلك فإنّ العوام من أهلها يعتقدون أنّه هو مؤسسها، مثلما يقول البعض بأن والد زواره ورستم هو الذي بنى (أردستان). ولكن هذا الاعتقاد لم يقم على أساس منطقي موثق، ورغم ذلك فقد وجد طريقه إلى الثقافة وإلى الآثار الجغرافية، حيث يقول (حمد الله المستوفي): (زوارة هي من الإقليم الرابع، تقع عند أطراف الصحراء، بناها زواره أخو رستم).
وقد استدل البعض على ذلك المدّعى بوجود محلة (سام ميدان) وأسماء بعض المعمورات المحيطة بزواره.
الدراسات التاريخية والقرائن التي وجدت هناك تشير إلى وجود بحر كان يغطي مساحة الصحراء الوسطى الحالية، وأنّه كان متصلاً ببحيرة (ساوه) الحالية، وأنّه جفّ بالتزامن مع ولادة الرسول الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) وأنّه كان هناك نهر ينبع من المحل الحالي لزواره، كان يصب في ذلك البحر الصغير، وهو يقسم مدينة زوارة إلى قسمين شرقي وغربي. ويقوي ذلك وجود مكان يسمّى بقعر النهر وكيفية تشكل الرسوبات فيه كظاهرة (جيومورفولوجيكية) وأنّ زوارة تعني طريق البحر، أو طريق النهر الذي يصب في البحر. ففي جنوب غرب قضاء (شيروان) في محافظة خراسان توجد قرية تسمّى (زوارم) مشتق اسمها من نهر جارٍ في تلك المنطقة.
المعنى الآخر المتصوّر لهذا اللفظ هو (الحي) حيث كان زوارة ميتة، وأحييت بجهود أهلها، فلعل تسميتها بزواره جاء بمعنى المدينة التي أحييت مجدداً.
تقع زوارة في درجة العرض الشمالي 33 و27 دقيقة، ودرجة الطول الشرقي 52 و29 دقيقة. وترتفع عن سطح البحر (978) متراً، وهي واحدة من مدينتين معروفتين في قضاء (أردستان) وتبعد عن مركز القضاء مسافة (15) كلم شمال شرقه، وعن مركز محافظة أصفهان مسافة (120) كلم، ويحدّها من الشمال الصحراء الوسطى أو المركزية وتحديداً مرتفعات (ريگستان) الرملية والحجرية، ومن الشرق بلوك السفلى، ومن الغرب قرية گرمسير، ومن الجنوب أردستان وبلوك برزاوند.
عند إجراء أوّل إحصاء سكاني عام (1956م) اعتبرت زوارة قرية يبلغ عدد سكانها (3997) شخصاً، رغم وجود بلدية فيها منذ عام (1953م). وفي عام (1966م) أصبحت زوارة المدينة الوحيدة التابعة لقضاء أردستان بعد مركز القضاء، وكان عدد سكانها (5031) شخصاً. وفي أحدث إحصاء سكاني أجري عام (1991م) بلغ عدد سكانها (8239) شخصاً في (1843) أسرة. منهم (5496) شخصاً متعلماً من فئة ما فوق (6) سنوات، و(1618) أميّاً من نفس الفئة. وعدد العاملين من فئة ما فوق (10) سنوات (2194) شخصاً، والعاطلين عن العمل (237) شخصاً.
وبسبب انزواء المنطقة من حيث ارتباطها، والحرارة العالية، والظروف الصحراوية القاسية، وقلة الإمكانات؛ فإنّ ظاهرة الهجرة منها قد تفشّت في العقدين الأخيرين، حيث هاجرت منها الطاقات الشابة والمتخصصة والفعالة، لتستقر في باقي المدن، وخاصة في طهران وأصفهان وكاشان.
لمحة عن الجغرافيا التاريخية:
القرائن المتعددة الموجودة تشير إلى أنّ وجود زوارة يعود إلى ما قبل الإسلام. فالحصن القديم الصامد على مدى العصور، والذي يحيط بزوارة من كلّ الجهات، بعشرات الأبراج، والأبوات الأربعة، استطاع أن يصون أهلها من هجمات القبائل المتوحشة. إنّه دليل هام على قدم هذه المدينة تاريخياً. في داخل السور هناك ثلاثة محال سكنية هي: بُنُكويه، بُنُبويه، بنجيره. ما زالت تعدّ من أهم محلات المدينة. وفي عصر السلاجقة جرى ترميم السور، وفي العصور المتأخرة أهمل السور فلم يبق منه سوى قسم في شرق المدينة، ويبدو جدار السور عريضاً مكوّناً من قطع طابوق طينية كبيرة، يسمّيها الأهالي بمقلع الطابوق لسعتها. وبناء (مدينة ليلاز) الواقع في مركز اللاسرية في نواحي شمال زوارة هو من الآثار الساسانية ولا يزال مدفوناً تحت تلال رملية، وقد ألحق بالآثار التاريخية بقرار صدر عن الحكومة عام (1931م) وهو شاهد آخر على تاريخ زوارة قبل الاسلام، ويؤيد ذلك أيضاً وجود قنوات مائية تسمّى بالآبار الزرادشتية، وأسماؤها القديمة مثل: قناة خسروشاه، وآذربانو، ومهر وغيرها. إضافة إلى وجود مبانٍ مثل: شيگرد، وچانو، وهرمزدآباد، ومهرآبادو، وأمهران، واشكستان في نواحي وضواحي زوارة.
وفي أوائل القرن الهجري الرابع تشيع أهالي زوارة نتيجة ارتباطهم بمدن: قم ومشهد والري لوقوعها على طريق القوافل الصحراوية، واستقبلوا عدداً من السادة الطباطبائيين. واستناداً إلى وثيقة الوقف التي نظمت باللغة العربية يتبين أنّ (أحمد بن محمد بن رستم بن مهريار القرشي) عامل خراج أصفهان قد وقف زوّارة وبعض النقاط الأخرى على السادة الطباطبائيين. وهذه الوثيقة تعدّ من أقدم وثائق الوقف في إيران، وهي دليل آخر على قدم زوّارة.
وفي القرن الخامس، حيث كان (أبو علي دهدار الزوّاري) من المقربين لدى (حسن الصبّاح) وكان له مكانة خاصّة في قزوين، وكان بعض أهالي قزوين قد استجابوا لدعوته، فقد قام ببناء قلعة سنگبستي في مركز هذه المدينة لتكون ملجأ للإسماعيليين، وبعد عدّة قرون أضيف إليها بناء طيني آخر ما زال باقياً.
وفي القرنين الخامس والسادس الهجرين قام السلاجقة بإعمار زوّارة، واختاروا المسؤولين من بين أهالي زوارة، فأنشأت في زوارة عدة مبانٍ جميلة هامة، منها: مسجد بنكويه والمسجد الجامع لزواره. اللذان يشكّلان معلماً بارزاً للفن المعماري السلجوقي.
وفي القرن السابع الهجري امتدت نيران المغول المحرقة المدمرة إلى زوارة، وهاجم المغول المتوحشون مصاصو الدماء زوارة بشكل وحشي، وقتلوا أهلها، ودمروا مبانيها الداخلية، وخربوا الآبار الموجودة خارج نطاق تواجدهم، وقد تمكّن عدد كبير من السادة الطباطبائيين أن يفروا عبر القنوات المائية والآبار الخاصة بهم، ليلجأوا إلى مدن أخرى مثل: تبريز وقزوين وبروجرد.
وفي العصر الصفوي تحوّلت زوارة إلى محطة لطرق أصفهان القديمة حسب نقل (مكسيم سيروي) الفرنسي. ولقد أقام السيد محمد غراب الطباطبائي فيها مضافة جميلة من الطابوق بقيت حتّى عام (1953م) حيث هدمت تحت ذريعة تأسيس مدرسة ثانوية. وخلال العصر الصفوي نمت ثقافة الإعمار الفني في زوارة على يد مشاهير أقاموا صروحاً من الأعمال المعمارية، وكان لتلك الأعمال والمشاعل الوضاءة أثرها في نشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) والثقافة العرفانية. وفي أواخر العصر الصفوي أقيمت حسينية من الحجر الطيني لإقامة مراسم العزاء على مصائب أهل بيت الرسول (عليهم السلام)، وفي أوائل العصر القاجاري جرى تزيينها بالآجر بشكل جميل، وأضيف إليها أقسام جديدة، ثمّ أقيم مبنى آخر لحسينية في القسم الشرقي لزوارة، وكلتا الحسينيتين تحوي قسماً مكشوفاً لفصل الصيف، وآخر مسقوفاً لفصل الشتاء.
وأقيم في ذلك العصر أيضاً مبنى مدرسة لطف علي خان الترشيزي، وسوق زوارة، وبعد إقامة ذلك السوق قام (محمد حسين خان عرب) من أقارب السادة في زوارة بإعمار بناء مرقد يحيى سليل الأئمة، وأمر بتزيين رواق المرقد وسقفه بالرسوم الجميلة. ومن بين التراث الثقافي لزوارة: مسجد بنكويه والمسجد الجامع، وسنتحدث عنهما بإجمال:
مسجد بكويه زوّارة:
عند الضلع الغربي للمسجد الحالي، كان هناك معبد للنار قبل ظهور الإسلام، وقد هدم ذلك المعبد بعد ظهور الإسلام وانتشاره ودخول أهالي زوّارة الإسلام، واقيم مكانه مسجد بأربعة جدران بسيطة وارتفاع متوسط من الطابوق والطين. وفي العصر السلجوقي تمّ ترميم المباني القديمة بالآجر، وأضيف لبناء المسجد المذكور سبعة إيوانات مع سبعة محاريب نفيسة، وأقيمت مئذنة في الزاوية الجنوبية الشرقية. بنى هذا المسجد زعيم القرية (أبو عبدالله محمد بن إبراهيم) وما زال اسمه موجوداً في كتابات مئذنة المسجد وفو بعض المحاريب.
وفي عام (1932م) قام الفرنسي (أندريه غدّار) بزيارة زوّارة لدراسة مبانيها، وعندما شاهد المحاريب المنتظمة والكتابات وأعمال الجفصين الجميلة؛ وقف مدهوشاً من أعمال الجفصين التي جاءت في طبقتين، إحداهما من العهد السلجوقي والأخرى من العهد المغولي. وقد هدم إيوان ومحراب منها عام (1368هـ) بحجة ترميم المسجد، وفي عام (1980م) أجريت عمليات صيانة للمسجد، لكن المحاريب تضررت خلال هذه العمليات، ولم يبق منها سوى ثلاثة مصوّنة. وفي هلال محراب الإيوان الأساسي توجد العبارة التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم، مما أمر ببناء هذا المحراب محمد بن إبراهيم المتهجد لله) ونقشت الآية (29) من سورة الأعراف داخل المحراب بخط نسخ بطريقة جميلة، أمّا باقي المحاريب فقد نقشت فيها الآيات (77 و78) من سورة الإسراء. ومنارة المسجد تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد، وقد أقيمت هذه المئذنة على قاعدة ثمانيّة الأضلاع، وترتفع حالياً عن سطح الأرض (20،5) متر، أمّا قمة المئذنة فقد تآكلت على مرّ العصور. والكتابة المنقوشة على المئذنة تقع على ارتفاع (4،5) متر، وتشاهد بوضوح قرب سقف المسجد،وهي بالخط الكوفي البسيط والبارز، وبعرض (90) سم، من الآجر المحفور، وباللغة العربية، ويعطي المئذنة رونقاً خاصاً، ويعدّ من أجمل خطوط القرن الخامس الهجري. واستطاع (أندريه غدار) أن يقرأ لفظ الجلالة وتاريخ (461هـ) الذي يحدّد تاريخ بناء المسجد والمئذنة. أمّا السيد محمد علي الرفيعي ـ من المعتمدين محلياً ـ فقد قرأ الكتابة كلّها على الشكل التالي: (أمر ببناء هذه المنارة محمد بن إبراهيم ابتغاء لوجه الله سنة إحدى وستين وأربعمائة) لذلك فإنّ هذه المئذنة تعدّ ثاني أقدم مئذنة في إيران بعد مئذنة المسجد الجامع في ساوه.
المسجد الجامع في زوّارة
بني هذا المسجد في العصر السلجوقي، في عهد معزّ الدين أبو الحارث السلطان سنجر السلجوقي المتوفى عام (552هـ) على يد (علي بن أحمد) زعيم زوارة، وقد حفر اسمه بالكتابة الكوفية على آجر صحن المسجد. ويعود بناء المسجد إلى العام (530هـ) ثمّ أضيف إليه محراب نفيس مزيّن بجفصين فاخر، وتزيين آخر أضيف إليه، أمّا تاريخ الانتهاء من بنائه فهو عام (551هـ) حسب الوثائق الموجودة.
عمارة متناسقة، جفصين منقوش بالورود والأشكال الهندسية، وأوراق شجر على هيئة خلايا النحل. كلّ تلك المزايا تدل أنّ هذا البناء قد أقيم مرّة واحدة خلال العصر السلجوقي. والمسجد الجامع في زوّارة هو أوّل مسجد في إيران يتشكل من أربعة إيوانات.
كتب أندريه غدار: (المسجد الجامع في زوّارة هو أقدم مسجد يحوي أربعة إيوانات).
أمّا محققو جامعة كمبريدج فقد قالوا: (لقد بني المسجد الجامع في زوّارة كوحدة متكاملة، في حين أنّ النواح الأخرى تشير بأنّ القبة قد بنيت بشكل منفصل، ثمّ تبين أخيراً أنّ البناء الموجود في أطراف القبة هو أقدم من القبة بكثير).
وماريا فرانتيه الإيطالي وضع رسماً جميلاً للمدخل الغربي للمسجد، واعتبره في مقالته أنّه أقدم مسجد يحوي أربعة أواوين.
يقع المسجد المذكور في مركز الثقل بمدينة زوّارة، هو مرتفع عن الأراضي المحيطة به مقدار متر واحد، ومساحته تبلغ (1200) متر مربع، وله مدخلان مزينان بالآجر والأقواس، ويقعان في الضلعين الشرقي والغربي للمسجد. الإيوان الذي لجهة القبلة أطول من الإيوان المقابل له وأكثر عرضاً، والإيوان الشمالي أطول من الإيوانين الشرقي والغربي. وفي أطراف الصحن والأطراف العليا توجد كتابات بالخط الكوفي البارز من الآجر هي الآية (18) من سورة التوبة، وفيها تاريخ بناء المسجد واسم بانيه. أمّا ساحة المسجد الأصلية فهي ساحة شكلها مربع مساحته (50) متراً مربعاً، تعتليها قبة مرتفعة تتشكل من (14) ضلعاً. عند عنق القبة وفي أطراف القاعة توجد ثمانية أقواس، يحتوي كلّ قوس منها على (3) أو (4) أقواس صغيرة. تحت هذه الأقواس توجد حاشية عريضة نسبياً مزينة بالجفصين المنقوش على هيئة ورود وأوراق شجر، ونشاهد كتابات للآيات (187 و188) من سورة آل عمران قد تآكل قسم منها. وفي القاعة هذه يوجد محراب من الجفصين الجميل والنفيس، وحوله كتابة كوفية للآية (52) من سورة الأعراف وداخله جملتان بخط النسخ إحداهما الآية 18 من سورة التوبة والأخرى الآيتين (187 و188) من سورة آل عمران. أمّا المئذنة الملحقة بالمسجد فإنّها خارجة عند الضلع الغربي منه وإلى يمين المدخل الغربي للمسجد، يتم الدخول إليها من داخل المسجد عبر سلالم ملتوية، ويبلغ قطرها (4،5) مترا، وارتفاعها (11) متراً، وهذا يعني أنّ ارتفاعها كان أكثر من ذلك، وأنّ قسماً مهماً منها قد تساقط. هذا المسجد يشكل مركزاً ناجحاً وكافياً لإجراء كافة النشاطات الدينية والثقافية والاجتماعية لأهالي المنطقة، ويعدّ حالياً أهم مكان ديني في زوّارة.
زوّارة والثقافة
وإذا ما قلبنا صفحات تاريخ زوّارة، نجد أنّها رغم كونها مدينة صغيرة تقع في منطقة صحراوية منزوية ويقطنها عدد قليل من السكان، فإنّ كلّ ورقة من أوراق كتاب تاريخها يبرز مشاعل وضّاءة، قام كلّ واحد منهم معتمداً على طاقاته ونبوغه الذاتي وجهده العلمي ليسابق أقرانه، وليحتل مكانه بين خيرة رجال التشيع في إيران الإسلامية، مقتحماً غمار الثقافة والأدب والعلم، وفيما يلي نشير إلى بعض أولئك المشاهير:
المولى جمشيد الأزواري: واسمه هو (السيد غياث الدين جمشيد). ويعرف (بسيدگازر) و(الميرزا جمشيد). وهو من المحدّثين والمفسّرين الشيعة المعروفين، عاش خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري وأوائل القرن العاشر. ورغم أنّ هذا العالم قد عاش خلال عصر تسلّط فيه أعداء أهل البيت وأعداء ناشري ثقافتهم، لكنّه كان يدرس تلامذته سرّاً ليساهموا في نشر حقائق آل محمد (صلّى الله عليه وآله) وفضائلهم. وقد نقل (علي بن الحسين الزواري) في مقدمة ترجمته الفارسية لكتاب (أحسن الكبار) وصفاً لتلك الأوضاع الصعبة نقلاً عن أستاذه (السيد غياث الدين) المذكور.
بعض أصحاب التراجم ومنهم المدرّس التبريزي خلطوا بين شخصيتين هما: (غياث الدين جمشيد الكاشاني) و(السيد گازر)، فأوردوا تفسيره في جملة آثار الرياضي والفلكي الكاشاني. وكذلك فإنّ (دهخدا) في كتابه (لغت نامة) و(الدكتور أبو الفتح حكيميان) في كتابه (فهرست مشاهير إيران) وقد وقعا في هذا الاشتباه ايضاً. وكان أوّل من فصل بين شرح حياة وآثار (غياث الدي جمشيد الكاشاني) وحياة (السيد الگازر) هو (السيد محمد محيط الطباطبائي). فإنّ تفسير الگازر هو من الآثار القيمة لهذا السيد العاشق لأهل البيت، وتفسيره هذا يكتسب أهميته من الناحية الدينية والمعنوية لجهة مضامينه الأدبية ونصه المتين اللطيف الجميل. وأقدم نسخة خطية موجودة لهذا التفسير هي للجزء الرابع منه، وقد كتب عام (984هـ) وهي لملك الشعراء بهار.
فخر الدين علي بن حسن الزوّاري: وهو (المولى علي بن حسن الزوّاري) وقد سمّاه (الميرزا عبدالله أفندي) بالملاّ حافظ الزوّاري ويعدّ من الوجوه المشرقة في عالم التشيّع. عاش في القرن العاشر الهجري، وقد بذل جهداً وافراً من أجل نشر ثقافة أهل البيت وترويج طريقة الشيعة في عصر لم يكن فيه أهل تلك المنطقة على معرفة كاملة بأحاديث أهل البيت وأخبارهم، وترك مؤلفات قيّمة. أهل التراجم ذكروا عنه أنّه كان فاضلاً زاهداً عارفاً متقياً مفسراً فقيهاً محدثاً أديباً.
وقال فيه الدكتور محمد شفيعي: (علي بن الحسن الزوّاري، من أهل زوّارة، ومن علماء القرن العاشر الهجري المعروفين).
أمّا الدكتور سعيد النفيسي فقد اعتبره من العلماء المشهورين في عهد الشاه طهماسب الأوّل، وقال عنه: (… وكان أوّل من ألّف كتباً باللغة الفارسية في طريقة الشيعة، وكان من أنشط علماء زمانه).
هذا المفسر الشيعي هو تلميذ مدرسة السيد الگازر، وتلميذ المحقق الكركي المعروف. ومن تلامذته كان (المولى فتح الله الكاشاني) صاحب تفسير (منهج الصادقين) القيم.
أشهر مؤلفات (أبو الحسن الزوّاري) هو (تفسير ترجمة الخواص) الذي يعرف بتفسير الزوّاري أيضاً، ويعدّ من فئة التفاسير المأثورة. ومن آثاره أيضاً: ترجمة المناقب في فضائل الأئمة الأطهار، ولوامع الأنوار في معرفة الأئمة الأطهار، وروضة الأبرار في ترجمة وشرح نهج البلاغة، وطراوة الطائف في ترجمة كتاب الطرائف للسيد ابن طاووس، ومفتاح النجاة، وغير ذلك.
رفيع الدين محمد الطباطبائي: هو حكيم العصر الصفوي، ولد في زوّارة عام (998هـ) وتتلمذ على الشيخ البهائي، والمولى عبدالله الشوشتري، والأمير أبو القاسم الفندرسكي. وغاص في بحر العلم والحكمة والمعرفة بإشراف تلك المشاعل الوضّاءة. وكان بدوره أستاذاً لعلماء أعلام مثل: المجلسي الشهير، والشيخ الحرّ العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة، والمولى رفيعاي الگيلاني، والأمير محمد صالح خاتون آبادي. ويكفي في تبيان قدره ما ذكره المجلسي عنه في كتاب إجازات الحديث عندما اعتبره ثالث أستاذ له وأخذه إجازة الحديث عنه فقال: (… وقدوة الحكماء المتألهين، وسيد السند الميرزا رفيع الدين…).
من مؤلفاته: الشجرة الإلهية، ثمرة الشجرة الإلهية (بالفارسية)، شرح أصول الكافي، حاشية على الصحيفة السجادية، حاشية شرح حكمة العين، ورسالة في أقسام التشكيك والحقيقة.
دفن في تخت فولاذ أصفهان، ومرقده من الآثار الفنية للعصر الصفوي.
الحكيم الميرزا أبو الحسن جلوه: وينسب إلى السادة الطباطبائيين، وهو من أحفاد الميرزا رفيعاي، ولد عام (1238هـ) ودرس العلوم العقلية في أصفهان، وتتلمذ على علماء منهم: الميرزا حسن الحكيم، والميرزا حسن بن الآخوند الملا علي النوري، والملا عبد الجواد الخراساني الحكيم. ذهب إلى طهران عام (1273هـ) ودرّس فيها الحكمة والفلسفة، وخاصّة كتاب الشفاء لابن سينا والأسفار للملا صدرا، وذلك لمدّة (41) عاماً في مدرسة دار الشفاء طهران. وفي أواخر عمره مال إلى العرفان، ومن مؤلفاته: ديوان شعر، حواشي على الشفاء لابن سينا، حواشي على الأسفار الأربعة للملا صدرا، حاشية المبدأ والمعاد للملاصدرا، حاشية على شرح الهداية للملا صدرا، حاشية على المشاعر للملاصدرا، تعليقة على رسالة الدر الفاخر.
توفي عام (1314هـ) في طهران، وشيّع في موكب مهيب، ودفن في مقبرة ابن بابويه.
الشهيد آية الله السيد حسن المدرس: هناك كتب ومقالات كثيرة كتبت حول حياة ومؤلفات ونضال هذا المجاهد الذي لم يعرف الكلل في محاربة عملاء الاستكبار ومظاهر الاستبداد، لذلك سنكتفي في هذه المقالة بالإشارة إلى بعض جوانب حياته. عاش حتّى سن السادسة مع والدته (خديجة الطباطبائي) في بيت متواضع في محلة (دشت زوّارة) التي ما زالت قائمة، وأصبحت تعرف بمنطقة المدرس. إنّ وجود الحديقة المدرسية وأملاك السيد عبدالباقي في زوّارة هي شاهد آخر على ادعائنا بأنّ هذا العالم المجاهد هو من أهلها. وفي شجرة أنساب المدرس التي أعدّها السيد المرعشي النجفي، أشار فيها إلى هذا الأمر. وخلال استعراض حياة الشهيد السيد حسن المدرس في صحيفة (اطلاعات) العدد (346) عام (1927م) أشير إلى أنّه أساساً من أهالي زوّارة. وقرية (سرابه گچو) الجبلية كانت مقراً صيفياً لتلك الأسرة، كما أنّ السيد إسماعيل الطباطبائي كان يزاول الوعظ والإرشاد في هذه القرية، وتنتسب هذه الأسرة إلى طائفة الأمير عابدين من السادة الطباطبائيين القاطنين في زوّارة.
السيد محمد محيط الطباطبائي: ولد أوائل شهر تموز عام (1902) في قرية (گزلاي) في زوّارة، وهي مصيف أسرة السيد إبراهيم والد السيد محمد محيط. تلقى دروسه الأولى في مكتب زوّارة على يد الملا علي الحاج حسن، ثمّ ذهب إلى أصفهان ليكمل دراسته، ثمّ إلى طهران عام (1923م)، دراسات هذا الأستاذ كانت جديدة، وطرح مسائل ملفتة، منها بحثه عن الشاعر الخيام، فاستطاع خلال دراسة موسعة أن يفصل بين الخيام الشاعر والخيام عالم الرياضيات. وأوّل مؤلفاته كان كتاب (الجغرافيا الجديدة) في مجلدين، وقد درس عام (1936م) في ثانويات إيران. ومن كتاباته الأخرى: مجموعة آثار الميرزا ملكلم خان، المحاكم في إيران، العلم والعلماء، تطوّر الحكومة في إيران بعد الإسلام، العقيدة الدينية للفردوسي، ومئات المقالات والخطب في مواضيع مختلفة ثقافية وأدبية واجتماعية وتاريخية وسياسية، بحيث لو جمعت لأصبحت في مئات العناوين.
توفي الأستاذ محيط الطباطبائي عام (1992م).
غلام رضا گلي زوّارة
الزيارة
الزيارة لغة هي الحضور عند المزور ولكنّها في عرف الشيعة هي الحضور في أحد المشاهد المقدسة وتكون في سائر الأيام ولكن عندهم لها مواسم مخصوصة وهذه المخصوصة للنجف وكربلاء فقط.
إنّ الزيارة عند الشيعة حضور روحي وأنّ الروحانية الكبرى للمزور ونفسيته الممتازة وصفاته القدسية تفيض على نفسية الزائر فتكتسب منها لتطمئن بعد اضطراب ولتسعد بعد شقاء وترجو بعد قنوط وتشرق بعد تجهم.
ولزيارة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) مواسم منها:
مواسم عامة يجتمع فيها الزائرون والوافدون من مختلف مدن العراق وأنحائه، ومن مختلف البلدان الإسلامية الأخرى، وهي على قسمين:
أ ـ ما تقع في يوم معين، وهي أيام الزيارات المخصوصة بأمير المؤمنين (عليه السلام) وهي الأيام التالية:
1 ـ يوم الغدير الثامن عشر من شهر ذي الحجة وهو اليوم الذي نادى فيه النبي بأمرة عليّ للمسلمين في غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع.
2 ـ يوم مولد البني (صلّى الله عليه وآله) السابع عشر من شهر ربيع الأوّل.
3 ـ يوم مبعث النبي (صلّى الله عليه وآله) السابع والعشرون من شهر رجب.
ب ـ وما تقع في شهر معين، وهي شهور الزيارات المخصوصة بالحسين (عليه السلام) في كربلا حيث أنّ أكثر الزوار والوفود الذين يؤمون كربلاء لزيارة الحسين (عليه السلام) يؤمّون النجف الأشرف أيضاً لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك قبل يوم زيارة الحسين (عليه السلام) أو بعده. وهي في الأشهر التالية:
1 ـ شهر المحرم، حيث اليوم العاشر منه وهو يوم عاشوراء زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
2 ـ شهر صفر، حيث اليوم العشرون منه وهو يوم الأربعين. زيارتان مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
3 ـ شهر رجب، حيث اليوم الأوّل منه، وليلة النصف منه زيارتان مخصوصتان بالحسين (عليه السلام).
4 ـ شهر شعبان، حيث ليلة النصف منه زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
5 ـ شهر رمضان حيث ليالي القدر (19ـ21ـ23) زيارات مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
6 ـ شهر شوال، حيث اليوم الأوّل منه وهو عيد الفطر زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
7 ـ شهر ذي الحجة حيث اليومان التاسع والعاشر منه وهما يوم عرفة ويوم عيد الأضحى زيارتان مخصوصتان بالحسين (عليه السلام).
ومواسم خاصة، وهي على قسمين أيضاً:
أ ـ مواسم عراقية يتجمع فيها العراقيون وحدهم غالباً وهي في اليومين التاليين:
1 ـ يوم دخول فصل الربيع (النوروز) الموافق (21) آذار، وعامة زوّاره من العشائر العراقية المجاورة لمدينة النجف الأشرف وبعض الإيرانيين الذين يفدون من إيران لهذه المناسبة.
2 ـ يوم ذكرى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) الثامن والعشرين من شهر صفر، حيث تفد فيه المواكب من أبناء المدن والعشائر القريبة من النجف الأشرف.
ب ـ مواسم نجفية يتجمع فيها النجفيون وحدهم غالباً وهي في:
1 ـ ليالي الجمع.
2 ـ ليالي القدر وهي ليلة التاسع عشر والحادي والعشرين والثالث والعشرين من شهر رمضان.
3 ـ أيام وفيات أهل البيت (عليهم السلام) حيث تفد على الحرم الشريف مواكب من أبناء النجف. وهي:
1 ـ (21) رمضان، ذكرى وفاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
2 ـ (15) جمادى الأول، ذكرى وفاة فاطمة الزهراء (عليه السلام).
3 ـ (7) صفر، ذكرى وفاة الحسن (عليه السلام).
4 ـ الأيام العشر الأوائل من شهر محرم، ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام).
5 ـ يوم (25) محرم، ذكرى وفاة علي بن الحسين (عليه السلام).
6 ـ يوم (7) ذي الحجة، ذكرى وفاة محمد الباقر (عليه السلام).
7 ـ (7) ذي الحجة، ذكرى وفاة جعفر الصادق (عليه السلام).
8 ـ يوم (25) رجب ذكرى وفاة موسى الكاظم (عليه السلام).
9 ـ يوم (17) صفر، ذكرى وفاة علي الرضا (عليه السلام).
10 ـ آخر يوم من ذي القعدة، ذكرى وفاة محمد الجواد (عليه السلام).
11 ـ يوم (3) رجب، ذكرى وفاة علي الهادي (عليه السلام).
12 ـ يوم (8) ربيع الأول، ذكرى وفاة الحسن العسكري (عليه السلام).
13 ـ يوم (14) رجب، ذكرى وفاة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام).
الزيدية
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، من أبطال الحرية وشهدائها في الإسلام، وأحد الذين لم يصبروا على ما ينزله الحاكمون من جور لشعب وتضييق عليه واستبداد به، لذلك عمد إلى الثورة المسلحة إيقاظاً للأمّة وتحذيراً للظالمين، وبذل دمه في سبيل ذلك.
ولد زيد عام 78 للهجرة واستشهد سنة 120. وقد شبّ وترعرع في عهد تحوّلت فيه حركة الإسلام العظيمة من دعوة للهدى والإصلاح والعدالة الاجتماعية وأنصاف للمحرومين، إلى ملك عضوض وسلطة فردية تستباح فيها حريات الشعب وكرامته ورزقه. وعاد ذاك الدين العظيم الذي جاء لإنقاذ البشرية من فساد الحكام وشرور الظالمين ـ عاد تسلطاً استبدادياً واستغلالاً مطلقاً لا تقيده حدود ولا توقفه شريعة ولا قانون.
فكان على الأحرار الأباة أن لا يصبروا على هذا ولو دفعوا الثمن دماءهم وأرواحهم، وقد ورث زيد عن جدّه العظيم الحسين بن علي بن أبي طالب سجية المفاداة والإباء والدعوة إلى التحرر ودفع الجور، ومقاومة الطغيان والظلم والاستبداد.
ولكي ندرك أهداف الثورة الزيدية يكفي أن نقرأ صورة البيعة الذي أخذها زيد على الثائرين معه وهي كما رواها ابن الأثير: «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين».
هذا هو بيان الثورة وهذا منهجها: جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين. ولعمري إنّه لمنهج حري بمثل زيد أن يقود الناس إلى تحقيقه، بعد أن عاد الشعب كلّه مستضعفاً محروماً، وعادت الخيرات كلّها تجبى إلى فئة يسيرة جعلت من الشعب عبيداً وخولاً ومن ماله نهباً وغنيمة.
وإنّنا اليوم وقد مضت على ثورة زيد هذه القرون المتطاولة لنرى في منهجه أفضل منهج شعبي تحريري تقدّمي يصلح لكلّ عصر وزمان.
ومن هنا كان زيد بطلاً من أبطال الحريات الشعبية، وثائراً من أبسل ثوار النهضات في الأمم.
وإذا كانت ثورته لم تنجح كما أريد لها بسبب الظروف التي اعتورتها فكيفي أنّها نجحت في تنبيه الأمّة وإرساء عقيدة الثورة المسلحة في وجه كلّ حكم ظالم.
أمّا الزمن الذي أعلن فيه زيد ثورته فكان زمن هشام بن عبدالملك، حيث كان قد استشرى الطغيان واستفحل الجور قبل هشام وظلّ مستفحلاً مستشرياً في عهد هشام، كما ظلّ كذلك بعد هشام. فرأى زيد أن يقصد الكوفة حيث استقبل بالترحاب وحدد موعداً للبدء بالتحرك، ولكن حدث ما اضطره للخروج قبل الموعد المحدد، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أوّل ليلة من صفر فعلم والي الكوفة لترتيبات زيد، فتعقب اثنين من أنصاره فقتلهما، وخشي زيد من انكشاف مكانه هو نفسه فتعجل الخروج قبل الأجل ممّا أدّى إلى فشل الثورة عسكرياً، ولكن «الزيدية» أصبحت مبدأ ثورياً تفرض مناهضة الطغيان والخروج بالسيف على الظالمين، وقد تتابع أبطالها واحداً بعد واحد واستشهدوا في سوح الكفاح.
أئمة الزيدية
قبل بدء الإمامة في اليمن
علي. الحسن. الحسين. الحسن المثنى. زيد. يحيى بن زيد. محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى. إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى. علي بن العباس بن الحسن المثنى. الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى (شهيدفخ) يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى (صاحب عهد الرشيد) إدريس بن عبدالله بن الحسن([197]) عبدالله بن محمد النفس الزكية. الحسن بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى. محمد بن ابراهيم. محمد بن جعفر بن محمد. محمد بن سليمان بن داود بن الحسن. القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل. محمد القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين. يحيى بن عمر بن علي بن الحسين بن زيد (مرثي ابن الرومي) علي بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (صاحب طبرستان). أخوه محمد بن زيد المعروف بالداعي بطبرستان.
الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب([198]) يحيى الهادي. وبه تبدأ الإمامة الزيدي في اليمن. كما سنفصله.
بدء الإمامة الزيدية في اليمن
الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الإمام الأوّل في اليمن ومؤسس الإمامة وناشر المذهب الزيدي فيه([199]) الذي بلغ عدد أئمته في اليمن منذ الهادي حتّى محمد البدر ستة وستين إماماً بدأ حكمهم من سنة 284 هجرية.
كان الهادي يسكن المدينة في الحجاز على قول أو الرس([200]) بين الحجاز ونجد على قول آخر فجاءه وفد من اليمن يدعونه للذهاب معهم ليلي الأمر هناك وذلك سنة 280.
إلى هنا والرواية معروفة، ولكن كيف كان الحال في اليمن، وما هي العوامل التي دعت لاختيار يحيى بالذات وكيف كان يحيى هذا يعيش في موطنه وكيف اشتهر أمره حتّى بلغ اليمن فدعاه أهله إليهم؟
كلّ هذا يختفي خلف جلباب من الغموض لم يفصح عنه أحد من المؤرخين في الكتب التي بين أيدينا، ولعل في مخطوطات اليمن الكثيرة ما يجلو بعض ما خفي من الحقائق.
على أنّي حاولت جلاء هذه النقاط مشافهة من بعض عرفاء اليمانيين فأكدوا أنّ ليس لديهم ما يوضح أكثر ممّا وضح لنا في هذه الأوراق.
ونحن هنا مضطرون للاستنتاج المنطقي المعقول، فلكي ياتي وفد من اليمن فيطالب يحيى بالذهاب معه ويضمن له النصرة والتأييد، يجب أن تكون هناك بذور زيدية متأصلة، وقواعد شيعية متمركزة، وإلاّ فليس من المعقول أن يقدم بضعة أفراد على هذه المغامرة ولا من المعقول أن يجيبهم إليها يحيى. أمّا التفاصيل عن هذه البذور الزيدية والقواعد الشيعية فهذا ما يحجبه عنّا ضباب التاريخ المجهول الذي لم يدون.
ولكن الذي نستنتجه أيضاً أنّ الشيعة الزيديين هناك لم يكونوا قد بلغوا من التنظيم والعدد ما يمكن أن يرتكز إليهم قيام دولة ناشئة والدليل على ذلك أنّ يحيى الذي سنطلق عليه بعد الآن لقبه الذي ارتضاه لنفسه وهو الهادي لم يلبث بعد أن أجاب الدعوة وذهب إلى اليمن وبويع هناك على النصرة والتأييد ـ لم يلبث بعد أن بلغ (الشرفة) من بلد (نهم) أن عاد إلى الحجاز لأنّه لم يجد النصرة الكافية والتأييد المطلوب، ويظهر أنّ الوفد كان قد بالغ في وصف القوى المؤيدة والعناصر المناصرة ولمّا وصل الهادي وتحقّق الأمر لم يشأ أن يدخل في مغامرة غير مضمونة العواقب فآثر العودة إلى موطنه في الحجاز.
وانقضت على ذلك أربع سنوات وأتت السنة 284 فعاود اليمانيون الرحلة إليه وأخذوه معهم من جديد ومضوا به إلى صعدة فاستتب له الأمر وتقدّم إلى نجران وبرط فملكهما وملك أعمالهما ثمّ استدعاه أبو العتاهية ابن الروية إلى صنعاء في المحرم سنة 288 ثمّ عاد إلى صعدة ويقول بعض المؤرخين اليمنيين إنّ الفوضى المنتشرة في اليمن يومذاك، والفتن السائدة كانت من العوامل الفعّالة في نجاح دعوة الهادي.
بعد الهادي
وفي هذا الحين لم يكن يربط اليمن بالخلافة العباسية إلاّ روابط واهية لا تتعدّى الخطبة والسكة.
على أنّ الطريق أمام الهادي لم يكن سهلاً، فكان لا بدّ له من أن يقاتل في سبيل توطيد إمامته في أكثر من ثمانين معركة دارت بينه وبين آل يعفر وآل الضحاك وآل طريف والدعام والأكيليين والقرامطة وجماعة علي بن الفضل.
ومات الإمام الهادي سنة 298 في صعدة ودفن فيها وضريحه هناك مهوى القلوب وموضع تقديسها واحترامها. والأئمة الذين حكموا اليمن بعده كانوا في معظمهم من نسله، وعددهم تسعة وخمسون إماماً، ثم الأئمة الحسنيون. وبويع خمسة أئمة حسنيين آخرين من غير نسله، كما بويع إمامان حسينيان([201]).
على أنّ سلطة الأئمة لم تتعدد شمال اليمن حتّى أوائل القرن الحادي عشر إلاّ في فترات متقطعة قصيرة وإن كان بعضهم كالمتوكل المطهر بن يحيى وولده المهدي ومن جاء بعدهما حتّى أواخر عهد محمد بن الناصر قد استطاعوا خلال القرنين الثامن والتاسع أن يسيطروا على صنعاء وذمار، ولكن سيطرة غير مستقرة تزعزعها المعارك بين الأئمة وبين آل رسول وآل طاهر.
والإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين (912ـ965) وولده المطهر (965ـ980) استطاعا أن يثبتا سيطرتهما على صنعاء في أوّل عهدهما إلى أن دهمهما الغزو التركي فأخرجهما من صنعاء ولاذا بالجبال.
وبعد أن حكم شرف الدين أربعين عاماً اعتزل الإمامة فقام مقامه ولده المطهر الذي صمد للأتراك صموداً كان مثار الإعجاب، ومن بعده صمد لهم الإمام المنصور القاسم (1006ـ1029) ثمّ ولده المؤيد الذي استطاع أن يجلي الأتراك ويخرجهم من اليمن.
على أنّ حكم الأئمة لم يستطع أن يخضع المناطق اليمنية الأخرى مثل أب وتعز وحضرموت وتهامة بل ظلّت دون متناول أيديهم ما عدا سنوات من الفترة التي حكم فيها الإمام شرف الدين، فقد استطاعت قواته السيطرة على تعز وأب من سنة (941ـ945) يقودها ولده المطهر الذي لم يتوان عن الفتك والبطش والقسوة في سبيل توطيد حكم والده وإيصاله إلى ما لم يكن قد وصل إليه من قبل.
على أنّ المطهر بعد تنازل أبيه له عن الإمامة فوجىء بالغزو العثماني كما تقدّم فاضطر للتخلي عمّا كان في يده والانسحاب إلى الشمال.
وفي أوائل القرن الحادي عشر بدأ الأئمة بالتغلغل في جنوب اليمن وتهامة حتّى امتدّ نفوذهم إلى حضر موت في أيام المتوكل إسماعيل وأولاده ومن تلاهم من آل القاسم بعد أن خلت البلاد من قوّة مناوئة بجلاء الأتراك الجلاء الثاني.
على أنّ الأمر لم يخل من ثورات وتمردات كثيرة كثورة همدان وبني حشيش وبني الحارث سنة 1102 التي قامت في وجه المهدي وثورة همدان سنة 1256 وثورة صنعاء سنة 1260 وغير ذلك من الثورات التي كان أكثر بواعثها النزاع حتّى بين الأسرة الواحدة كالنزاع بين آل القاسم أنفسهم الذي استمرّ حتّى سنة 1269 حين خرجت الإمامة منهم بقيادة الإمام المنصور محمد بن عبدالله.
ولم يكن يخلو الأمر من قيام أكثر من إمام في وقت واحد فتقوم المعارك بين المتنازعين كما حدث بين المهدي صاحب المواهب وبين ابن عمّه المنصور الحسين بن القاسم من جهة وبين المهدي وبين المتوكل القاسم بن الحسين من جهة أخرى، بل إنّ الأمر لم يخل في منتصف القرن الثالث عشر من قيام خمسة أئمة في عصر واحد في صنعاء وما حولها ممّا أدّى إلى إضعاف القوى ومكّن الأتراك من احتلال اليمن من جديد سنة 1252 بعد أن كان قد أجلاهم عنها المؤيد محمد بن القاسم 1045 كما سهل بعد ذلك للإنكليز مهاجمة عدن واحتلالها.
وقد صور المؤرخ اليماني (الجنداري) في كتابه (الجامع الوجيز) بعض هذه الأحوال بأسلوبه الخاص صورة تريك بعض ما كان يصل إليه الأمر في أواخر القرن الحادي عشر قال:
«وبعد موت المؤيد محمد بن المتوكل إسماعيل افترق آل الإمام فرقاً ومليء بعضهم من بعض فرقاً لطمع الكل بالإمامة وكادت تقوم القيامة، وكان المؤيد قد أوصى بالإمامة إلى ابنه يوسف لأنّه أحسن أخوته، فدعا يوسف بضوران. ودعا الحسين بن عبد القادر بكوكبان والحسن بن محمد بعمران وعلي بن أحمد بصعدة والحسين بن الحسن برداع، وصارت الأرض جيفة وفي كل قرية خليفة ودعا محمد بن احمد بالمنصورة وسمّي بصاحب المواهب وهو الذي غلب وصال عليهم ووثب وما ظفروا بغير اللقب».
وبعد أن خرجت الإمامة من آل المنصور عادت إليهم سنة 1307 عندما تولاها الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين.
ودام الاحتلال التركي خمسة وثمانين عاماً أي إلى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1337 حيث استطاع الإمام المتوكل يحيى بن محمد حميد الدين السيطرة على اليمن شماله وجنوبه.
وعرف عهده وعهد ابنه أحمد بعهد الحكومة المتوكلية وقد استمر هذا العهد من سنة 1332 إلى سنة 1382هـ.
وكثير من هؤلاء الأئمة كانوا يباشرون الحرب بأنفسهم في سبيل توطيد ملكهم وبعضهم كان يقتل في المعارك كما أنّ فيهم مؤلفين كالإمام المتوكل أحمد بن سليمان (532ـ566) صاحب كتاب (أصول الأحكام) المشتمل على ثلاثة آلاف وثلثمائة حديث وكتاب المدخل في أصول الفقه وكتاب (الحكمة الدرية) في أصول الدين. وقد جمع أحد أصحابه سليمان بن يحيى الثقفي سيرته في كتاب خاص.
وكالإمام المنصور عبدالله بن حمزة (583ـ614) الذي ينتهي نسبه إلى عبدلله بن الحسين بن القاسم الرسي أخي الإمام الهادي فإنّ له عدّة مؤلفات وفتاوى ومن مؤلفاته كتاب (الشافي) الذي يضمّ خمسين ألف حديث وكالإمام المعتضد يحيى بن المحسن (614ـ636) صاحب كتاب المقنع في الفقه، وكالإمام المهدي محمد بن المطهر (697ـ728) صاحب كتاب (المنهاج الجلي في شرح مجموع الإمام زيد بن علي) وكتاب (عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن) وغيرهما وكالإمام المؤيد يحيى بن حمزة (729ـ749) وهو من الأئمة الحسينيين وله كتاب (الطراز) في علم المعاني والبيان والبديع وكتاب (الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) وكتاب (الشامل) في علم الكلام وكتاب (نهاية الوصول في علم الأصول) وغيرها وكالإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (793ـ794) الذي بايعه علماء صعدة ولكن لم يطل به الأمر حتّى نازعه المنصور بن الناصر فانتصر عليه واعتقله في سجن صنعاء فكان هذا الاعتقال خيراً على العلم، إذ انصرف المهدي في السجن إلى التصنيف فألّف كتاب (الأزهار) في فقه الأئمة الأطهار (وكتاب الغيث المدار في شرح الأزهار) وكتاب البحر الزخار الجامع لعلماء الأمصار (وهو الذي طبع في القاهرة سنة 1954 مع تخريج للقاضي محمد بن يحيى لكن طابعيه حذفوا مقدمته مع أنّها من خير ما فيه وكتاب (القلائد في تصحيح العقائد) وكتاب (منهاج الأصول في شرح معيار العقول) وكتاب (القاموس) في الفرائض (وكتاب المنية والأمل في شرح الملل والنحل) وغير ذلك من الكتب التي ألّف معظمها في السجن فكان له من المنزلة الخالدة في قلوب اليمنيين ما لم يفز به أي إمام غيره ممّن تملكوا أو حكموا السنين الطوال وكالإمام المتوكل يحيى شرف الدين (912ـ965) مؤلف كتاب (الأثمار) في الفقه.
وكالإمام المنصور القاسم بن محمد (1006ـ1029) مؤسس الدولة القاسمية، وهو الذي استطاع أن يتغلب على الأتراك ويحصرهم في مناطق محدودة لا يتجاوزونها ومن مؤلفاته (الأساس في علم الكلام) والإرشاد في تيسير الاجتهاد (والاعتصام في الحديث).
الزيدية في طبرستان
والجيل والديلم
وفي نفس الوقت الذي كانت تقوم فيه الإمامة الزيدية في اليمن، كان هناك دعوات زيدية في طبرستان والجيل والديلم. ويبدو مما قاله صاحب (غاية الأماني) أنه كان هناك نوع من التواصل بين زيود هذه الجهات وبين زيود اليمن. فهناك مثلاً حركة الحسن بن زيد بن محمد الملقب بالداعي إلى الحق الكبير الذي ظهر سنة 250 في طبرستان، ثم فتح آمل وسارية والري وجرجان وقومس هازماً بني طاهر ثم توفي سنة 270 واستمرت تلك الدولة حتى سنة 345.
وهناك مثلاً دعوة الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن من ذرية زيد بن الحسن بن علي الذي ظهر في إقليم الديلم. وكان قبل ذلك نقيب العلويين في بغداد ولاه إياها معز الدولة البويهي ويروي صاحب (مآثر الأبرار) أبياتاً للرضي يمدحه فيها حين ولي النقابة وفيها يقول:
يا ابن علي بن أبي طالب
مثلك من دل على مثله
لو لم أقل بالنص من مذهبي
وكنت كالقاطع من حبله
لقلت قد قام إمام الهدى
واجتمع العالم في ظله
ثم كاتبه زيدية الديلم يبايعونه ووصل إليه وفد منهم فخرج من بغداد سراً ووصل الديلم سنة 353 فبويع في سهل الديلم وجبلها والجبل وطبرستان. توفي سنة 360 ودفن هناك.
وهناك دعوة أحمد بن الحسين بن هارون من ذرية زيد بن الحسن بن علي المولود في طبرستان سنة 333 والمتوفي يوم عرفه سنة 411. وهناك دعوة أخيه الذي كان يتنقل بين جرجان واسترآباد والديلم ثم توفى بالديلم سنة 424 عن نيف وثمانين سنة. وغير هؤلاء قام دعاة زيديون في تلك البلاد جهروا بإمامتهم ودعوا الناس إلى بيعتهم، وكانت سلطتهم تنقبض حيناً وتنبسط حيناً وكثيراً ما اصطدموا بدعاة الباطنية واشتبكوا معهم في حروب. كما كانت لهم صلات خارج مناطقهم كهذا الذي بين صاحب عمان الزيدي، وبين يحيى بن أحمد بن الحسين الذي خرج بجيلان سنة 502 ودانت له أكثر بلاد الجيل واتصل امره إلى هوسم وسرى إلى جبال ديلمان. ولم تقتصر صلاته على صاحب عمان بل أرسل من قبله وفداً إلى اليمن إلى صعدة نفسها وكان رسوله إليها أبو طالب بن أبي جعفر فقيه الزيدية في عصره وعالمهم. إنّ المصادر التي بأيدينا لا تحدد مهمة هذا الرسول، ولا حقيقة العلاقة بين الإمامة الزيدية في جيلان والإمامة الأخرى في اليمن ويروي صاحب مآثر الأبرار رسالة يقول إنّ يحيى أرسلها إلى السيد شرف الدين الحسين بن عبدالله بن المهدي بن عبدالله بن المرتضى بن الهادي ويسمّيها صاحب المآثر: العهد وينقل منها قوله: «فليعلم إخواننا حفظهم الله أنّ مولدنا بديلمان ومنشأنا بين جيلان وطبرستان والعراق وخراسان».
على أنّه يفهم مما جاء في غاية الأماني في أخبار القطر اليماني أنّ الرسالة كانت سنة 511 إلى الأمير المحسن بن أحمد بن المختار بن الناصر بن الهادي إلى الحق وأنّها كانت دعوة إلى الانضمام إلى الإمامة القائمة في جيلان، وأنّ الأمير المحسن «تلقاها بالقبول التام وقام بها أتمّ قيام ودعا الناس إليها فأجابه أهل جهات كثيرة كنجران وصعدة والجومين والظاهر ومصانع حمير» ثم يقول: «وملك حصن تلا وغيره».
ولما مات يحيى سنة 516 أوصى أن يدفن سراً ليخفى موضع قبره على الباطنية. ومن هنا تبدو شدّة الصراع التي كان بينه وبين الباطنية.
ويكتنف الغموض الحركة الزيدية في طبرستان وجيلان بعد ذلك فلا نرى من أخبارها إلاّ القليل كهذا الذي يذكره صاحب المآثر وهو يتحدّث عن الإمام عبدالله بن حمزة المتوفى في المحرم سنة 614 إذ يقول: «ولمّا صدرت تصانيفه إلى الديلم سنة 604 واطلع عليها السادة من أهل البيت وفقهاء الزيدية هناك تزاحموا إلى بيعته تزاحم الإبل العطاش عند الحياض وقالوا هو أعلم من الناصر مع أنّهم في الجيل خاصة لا يكادون يعدلون بالناصر أحداً».
فهل زالت الإمامة هناك وبقي أتباعها الزيود يرجعون إلى أئمة اليمن وحدهم؟ والذي لا شك في أنّ الأئمة في اليمن كانوا يرسلون دعاتهم إلى طبرستان، أو أنّ زيدية طبرستان أنفسهم كانوا يتصلون بالإمامة في اليمن.
وصاحب المآثر يتحدّث عن وصول تصانيف الإمام اليمني إلى الديلم ولكنّه لا يتحدّث عمّن أوصلها أهو صاحبها نفسه أرسلها أم أنّ الطبريين طلبوها؟
شروط الإمامة
ولا بد لنا قبل الختام من أن نبيّن شروط الإمامة في العقيدة الزيدية كما عرضها كاتب زيدي عريق كما يلي:
إن المشهور في صفات الصالحين من (أئمة الزيدية) على العموم لا تباين صفات (الخلفاء الصالحين) وهي تمثل تواضعهم واهتمامهم بأمور الرعية وتمسكهم بالشورى، أو ترفعهم عن سيئات الترف وموبقات الفساد، ليسوا بالملوك المتغلبين، ولا بالسلاطين الجائرين، دستورهم القرآن، وشرعتهم الإنصاف، ولست أدّعي أنّ تلك الصفات قد تمتع بها كلّ من حكم اليمن من (الأئمة الزيدية) وإنّما تنطبق على مجموعهم لا على جميعهم وعلى جلّهم لا كلّهم، وقد وجد من بين أفرادهم عبر التاريخ من تنكب عن الصراط المستقيم.
وشروط الإمامة بضعة عشر شرطاً وهي كما في كتب الأصول أن يكون: (مكلفاً، ذكراً، حراً، علوياً، فاطمياً، سليم الحواس والأطراف، مجتهداً، عادلاً، سخياً بوضع الحقوق في مواضعها، أكثر رأيه الإصابة، مقداماً، لم يتقدمه مجاب، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويستشير أولي الخبرة من المواطنين).
هذا في الحالات التي تسير فيها أمور المسلمين دون تسلط ظالم، أما في حالة وجود مغتصبين للسلطة ظالمين، فأن طريقها هو الخروج (الثورة).
فالخارج على الظلمة المستوفي لشروط الإمامة تجب نصرته ويكون هو الإمام.
وقد جاء في ديوان الإمام الزيدي: المنصور بالله عبدالله حمزة شروط الإمامة الزيدية خلال قصيدة طويلة له:
إنّ الإمام الواجب الحق: الذي
ينصب للشعوب والقبائل
من جمع الست الخصال واغتدى
مفزع كلّ هارب وسائل
علماً وزهداً وذكاً ونجدة
في الروع والجود ببذل النائل
ومنصباً من حسن أو صنوه
الحسين مع فضل شهير شامل
فمن حوى وقام ودعا
وخاض لج السمر والمناصل
وشق مدح الخيل غير هايب
وكان في الأزمة غير باخل
عدد الزيود
المدققون يقولون أنّ الزيود هم النصف من سكان اليمن ويقول البعض أنّهم خمسة وستون في المائة ويقول آخرون أنّهم ثلثا السكان، وغالبيتهم يقطنون في شمال اليمن وشرقها، أو في سلسلة جبال «السراة» التي تمتد من حدود الحجاز شمالاً إلى أن تصل إلى حدود «عدن» جنوباً.
الزيج كتاب لابن الأعلم
إبْنُ الأَعْلَم هو الشريف أبو القاسم علي بن أبي الحسن علي ابن أبي المجيب علي بن جعفر بن محمد الأعلم فيلسوف وفلكي.
هناك اختلاف حول محل ولادته، فالبعض يعتقد بأنّه بغداد، والبعض الآخر الكوفة.
ويعتقد القفطي أنّه توفي عام 375هـ في منزل عُسَيْلة أثناء عودته من الحج.
واصل دراسته في بغداد حتّى أصبح أستاذاً في الرياضيات وعلم الهيئة وفروعه وعارفاً بالقانون الفيثاغوري من الموسيقى. وقد عاصر ثلاثة خلفاء عباسيين هم المستكفي والمطيع والطائع، لكن ليست هناك معلومات عن طبيعة علاقته بهم. وحظي بمكانة عند عضد الدولة الديلمي واعتبره أستاذاً في حل الجداول الفلكية. وبعد وفاة عضد الدولة تردّى حاله وتأخّر أمره عند ابنه صمصام الدولة فانقطع عنهم وقصد الحج في 374.
ولا يستبعد أن يكون عضد الدولة قد أمره بإنشاء مرصد في بغداد لأنّ زيج ابن الأعلم الذي يعتقد أنّه ناسخ للزيجات القديمة مثل زيج يحيى بن أبي منصور، لا بدّ أنّه كان نتيجة دراساته الفلكية في مثل هذا المرصد. ولقب ابن الاعلم بـ«صاحب الزيج» بسبب تأليفه هذا الكتاب الذي عوّل عليه الفلكيون منذ عصر المؤلف وبعد عصره بقرون.
وقد أيّد عدد من العلماء كالبيروني وابن يونس وكوشيار بن لبّان الجيلي صحة أرصاد ابن الأعلم من خلال استخدامهم لها، ونقلوا آراءه في آثارهم حتّى إنّ البيهقي أشار إلى أنّ تقويم المريخ من زيج ابن الأعلم أصحّ وأقرب إلى التحقيق باتفاق المهندسين بأسرهم.
وممّا لا شك فيه انّ من عوامل نجاح زيج ابن الأعلم الباهر أنّه كان يصنع بنفسه أدوات الرصد أو يقوم بتصليحها عند الحاجة فهو دون شك من روّاد صناعة الزيج في تاريخ الفلك الإسلامي، ومع ذلك لا يمكن عده أوّل من عمل الزيج.
وذكر البيهقي ومن بعده الشهرزوري أنّ ابن الأعلم ألقى الزيج الذي له في الماء، ولا توجد منه إلاّ نسخة سقيمة، كما قالا إنّه كان في أخلاقه كالمجانين، وربّما كان هذا هو السبب الذي دفعه للقيام بمثل ذلك العمل. ونفهم من قول البيروني والقفطي أن ذلك الزيج كان موجوداً آنذاك وكان يعمل به. كما ورد في نامه دانشوران «أنّ من مؤلفاته أوّلاً زيج مفصل لا تزال نسخته موجودة»، ولم يذكر مكان وجودها. ويبدو أنّ الجداول الخمسة لـ زيج كوشيار الموجودة في مكتبة برلين مأخوذة من مصنف ابن الاعلم وهي: جدول تعديل الشمسي، وجدول تعديل مركز زحل، وجدول تعديل مركز المشتري، وجدول تعديل مركز عطارد، وجدول تعديل حصة عطارد..
وتنسب له مؤلفات أخرى هي: أحكام النجوم، رسالة في النجوم، أحوال المنجّمين في العصر الإسلامي، «الأعداد الفلكية» استخراج مواضيع فلكية، «عمل الاسطرلاب»، «فوائد علم الفلك»، «مشكلات علم الفلك»، كتاب في علم الأحكام باسم عضد الدولة الديلمي رسالة في بعض أحكام النجوم تنفع الأطباء، رسالة في الرد على أسئلة أبي ماهر الطبيب، رسالة في كيفية استخراج الأحكام، رسالة عن حياته وطريقة الرصد وإعداد معداته، رسالة في أقوال المنجّمين، رسالة في تصحيح زيج يحيى بن أبي منصور، رسالة في أقوايل أهل النجوم، رسالة في الرد على بعض أقوال الفلكيين؛ رسالة في حركة كواكب البروج، رسالة في بقاع الأرض، رسالة في القبلة، رسالة في البحار والجبال، رسالة في تصحيح كلمات بطليموس.
الزيج الجامع البالغ
تأليف أبو الحسن ويُقال أبي علي كوشيار بن لياليزور بن الحسين بن عيسى بن مهدي الجيلي هكذا سرد نسبه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج12 ص492 وقال كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: (كوشيار بن الجيلي اشتهر حوالي سنة 350هـ/ 966م) وذكره البيروني.
وجاء في أوّله بعد البسملة (قال الكنا الجليل أبو الحسن كوشيار بن لبان الجيلي أنّي لما تصفّحت الزيجات المؤلفة في صناعة النجوم وتأمّلتها فكان في بعضها فساد تحتاج إلى إصلاح وفي بعضها تطويل…).
وقد جعله في أربع مقالات كما في مقدمة المقالة الأولى في حساب الأبواب والمقالة الثانية في جداولها والمقالة الثالثة في الشرح والهيئة والمقالة الرابعة في البرهان على صحّة حساب الأبواب.
وصف حاجي خليفة هذا الكتاب في كشف الظنون ج2، ص968 قال: (الزيج الجامع والبالغ لكوشيار وهو كتابان في علم حساب الكواكب وتقاويمها وحركات أفركها وعددها مبرهنة بالبراهين الهندسية جمع فيها بين الأعمال الحسابية والجداول والهيئة والبرهان على حساب الأبواب).
وذكره شيخنا الأستاذ أغابزرك الطهراني في الذريعة ج12، ص88، تحت عنوان زيج كوشيار نقلاً عن محبوب القلوب ولطائف الظرائف وكشف الظنون ولم ير النسخة وذكره قطب الدين محمد اللاهجي الأشكوري في محبوب القلوب ص154، كما ذكر بعض النسخ كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي. أقول عندنا نسخة من القرن الرابع قريبة من عصر المؤلف كاملة عليها عدّة تمليكات أقدمها مؤرخة سنة 670هـ وهي من أنفس النسخ وأكلمها من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي في قزوين.
ساري
ـ1ـ
تقول إحدى الروايات التاريخية حول مدينة ساري: إنّ الملك منوجهر، أحد ملوك البشداديين كان يحتفظ بخزائنه في مدينة ساري. وتقول رواية تاريخية أخرى: إنّ رستم عندما قتل سهراب كان ابنه كالبر يعتزم نقله إلى زابلستان. ولكنّه بنى في ساري قصراً كان يعرف بقصر تور، نظراً للحرّ، ودفن سهراب فيه.
إنّ هذه الروايات التاريخية وغيرها تدلّل على قدم تاريخ مدينة ساري.
وتتحدّث رواية تاريخية عن تشييد وبناء ساري في العهد الإسلامي، حيث كانت هذه المدينة تحت ولاية القائد فرخان الكبير الذي كان حاكماً على ولاية طبرستان (مازندران) فبناها، وأطلق عليها اسم ابنه (سارويه).
ويتحدّث التاريخ عن أنّه لم يكن مضى وقت طويل على الشروع في بناء المدينة حين حمل عليها يزيد بن المهلّب أحد قادة الوليد بن عبد الملك الأموي، ممّا أدّى إلى خرابها. وبعد هذه الواقعة، جرى تعميرها شيئاً فشيئاً من جديد إلى حدود عام 144 هجري، حيث استولى عليها القائد أبو الخصيب مرزوق السندي بأمر المنصور العباسي، وبنى فيها المسجد الجامع الذي لا تزال آثاره باقية في موضع بيت النار (معبد الزرادشتيين).
وكانت ساري كما مدينة آمل مركزاً لعمال العباسيين والأسر المحلية وسلالات السادات من الزيدية والمرعشية وغيرهم.
في عام 260 للهجرة فتحها يعقوب بن ليث الصفاري، وبعده استولى عليها الأمير إسماعيل الساماني في عام 280 هجري. وفي عام 426 هجري دخل السلطان مسعود الغزنوي بجيشه إلى مازندران وجرجان، وقدم إلى ساري.
وبعد آل باوند، استولى السادة المرعشيون على مازندران وساري، واستمرّت سلطتهم حتّى قدوم جيوش الأمير تيمور واستيلائها على مازندران، حيث أعملوا في أهلي ساري القتل العام، وذلك عام 795 هجري.
وقد كان الصفويون على علاقة خاصّة واهتمام بالغ بمازندران. فالشاه عباس الكبير الذي يتصل من جهة بسلالة السادة المرعشيين، كان يولي اهتماماً منقطع النظير بمدينة ساري، حتّى إنّه أمر بفصل ميناء فرح آباد عنها.
ومن ملوك القاجار، فتح علي شاه وناصر الدين شاه، كلّ منهم قدم مسافراً إلى ساري، وجعل منها مركزاً لمازندران.
في أيام غصفة المشروطة كان لساري نصيب، وقد تأسّست فيها جمعية أو جمعيتان لنصرة القائلين بالمشروطة، ونشر الأفكار المطالبة بالحرية ورفع مستوى الوعي السياسي للناس. وقد حدثت على مقربة منها معركة مهمة بين أنصار الاستبداد بقيادة محمد علي شاه، وبين أنصار المشروطة، وذلك عند نهر (تجن)، وكانت ساري في حينها تحت سلطة أنصار محمد علي شاه.
وفضلاً عن الآثار التاريخية التي سيأتي ذكرها، فإنّ آثاراً تاريخية أخرى منها:
* مزار الولي إمام زادة علي الأكبر؛ ويُقال: إنّه من أبناء الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، ويقع هذا المزار في محلة أسا، قريباً من قريدة دارابكلا (على مسافة 16 كيلومتراً من ساري).
* مزار الولي إمام زاد العبد الصالح، ويقع في قرية مرزيت، ويُقال لها أيضاً: مرزود، على مسافة حوالي 15 كيلومتراً من ساري. وهو مؤرخ في مدخله بعام 846 هجري. ويشيع بين الناس أن صاحب المزار هو أيضاً من أبناء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
* مزار الولي إمام زادة إبراهيم، ويقع في قرية إيسندج (عيسى خندق) التي تبعد حوالي الفرسخ عن ساري. وقد أرّخ على الضريح بعام 859 هجري. وقد ذكر المستشرق الفرنسي دمرجان أنّه زار هذه المقبرة والتقط لها صوراً في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وقد نشر هذه الصور في كتابه المرسوم (مهمة علمية في إيران).
* المسجد الجامع؛ وينسب بناؤه الأصلي إلى أبي المغيب مرزوق السندي، عامل المنصور العباسي على مازندران، وفاتح ساري في عام 144 هجري على أنقاض معبد زرادشتي للنار.
لقد نشأ عدد من العلماء والأدباء والشعراء في ساري، وكانت مسقط رأس بعضهم، منهم:
1 ـ محمد بن جرير بن رستم السروي؛ أحد علماء الفقه والكلام والحديث، ومن تلامذة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وله كتاب (المسترشد)، وكتاب (حذو النعل بالنعل).
2 ـ أبو العلاء السروي؛ من أدباء طبرستان وشعرائها.
3 ـ ابن شهراشوب السروي (489ـ588) من مشاهير المحدثين وعلماء الرجال والأخبار، وهو أيضاً من الشعراء والأدباء والنحاة، واعظ، ومفسر، ومن العلماء الشيعة المؤلفين. من مصنفاته: معالم الأدباء، ومناقب آل علي (عليه السلام)، ومتشابهات القرآن، وغيرها.
4 ـ نشاطي خان، الذي ولد عام 1200 هجري في إحدى قرى ساري تعرف بـ (جهار دانكة). وقد تسنّم مكانة مرموقة لدى فتح علي شاه قاجار لفضله وأدبه وظرافة طبعه. وقد طبع ديوان شعره.
5 ـ سريري ساروي (1243ـ1304 هجري)؛ من الشعراء.
6 ـ محمد شفيع ساروي، المعروف بـ (مفتون)؛ من الشعراء.
الأسواق الموسمية في ساري
من طرائف الأمور في ساري هي الأسواق الموسمية التي تقام في هذه المدينة تبعاً لمناسبات معينة، منها: سوق إمام زادة عباس، وأترب بازار، وجيهارتن بازار، وجامخانة بازار، وجبار بازار، وملا مجد الدين بازار، سوق الثلاثاء (سه شنبة بازار).
من الأعياد المحلية
مضافاً إلى الأعياد الدينية كالفطر والأضحى والغدير، وكذلك الأعياد الوطنية كعيد رأس السنة الإيرانية (نوروز) التي يحتفل بها كلّ الإيرانيين، فإنّ أهل ساري والقرى والقصبات التابعة لها، لهم أعياد محلية خاصّة متوارثة لديهم منذ القدم.
أهمها هذا العيدان:
1 ـ عيد الليلة السادسة والعشرين من الشهر الإيراني (نوروز) حسب التقويم القديم. ففي أوائل الشهر الإيراني شهريور، وبعد أن يجري إتمام حصاد محصول الرز بالكامل، يحتفل القرويون في هذه الليلة شكراً على هذه النعمة.
وتشيع في هذه الليلة أعمال البر والصدقات والخيرات، ويتبادل الناس فيما بينها توزيع الحلوى، ويستضيف بعضهم بعضاً.
2 ـ عيد الليلة الثالثة عشر من الشهر الإيراني (تير)؛ ففي هذه الليلة ـ وطبقاً للتقاليد المتوارثة ـ يحضر الناس بعض الفاكهة كالرمان، والعنب، والبطيخ، والكشمش، والحلوى، وغير ذلك، ويسهرون إلى وقت متأخر من الليل، منشغلين بالتفؤل بديوان حافظ الشيرازي.
من الأكلات المحلية
تشتهر ساري بأنواع من الأطعمة والأكلات المحلية الخاصة، من بينها:
1 ـ يشتد زيك: وهي من المعجنات، وتتكوّن من عسل (أو محلول السكر الكثيف بدلاً منه)، والجوز (أو السمسم بدلاً منه)، يخلطان على نار هادئة.
2 ـ دلال: ولا يجري تناوله بصورة مستقلة، وإنّما كأدام مع الخس، يعمل من المقدونس، والنعناع، وماء الحصرم، والخس، والسمس، ومواد أخرى، ترش بالملح وتفرم، ويوضع عليها مقدار من الخل أو عصير النارنج.
3 ـ دشو: يعمل كأدام مع الرز، ويصنع من عصير فاكهة الخرمالو الصغيرة، ويغلى على النار، ويصفّى، إلى أن يصبح سائلاً كثيفاً.
4 ـ ساك: وهو أدام محلي يصنع من السبانغ والمقدونس.
5 ـ تيرنك تكي: يستفاد منه كغذاء لرعاة الماشية الذين يذهبون إلى الصحراء أو الجبال، فيصطحبونه معهم.
ساري
ـ2ـ
مدينة ساري هي مركز قضاء مازندران، وتقع إلى جوار بحر الخزر، وإلى الشرق من نهر (تجن)، في خط الطول 43 درجة و5 دقائق، وخط العرض 36 درجة و4 دقائق. ويفترق أفقها عن أفق العاصمة طهران بست دقائق وخمس ثوانٍ.
على مقربة من المدينة توجد قلعة تاريخية أثرية، كشف عن أنّ ظروفها مشابهة لظروف عصور ما قبل التاريخ، وهي بقدم تل دامغان الأثري، وتتصل بسهولة جبال ألبرز، ممّا يؤيد هذا الرأي الذي ينسبها إلى ما قبل التاريخ. ومن طرف آخر، فقد تمّ اكتشاف وجود عمران يعود في تاريخه إلى الفترة الساسانية، وهو من الآثار التي استمرّ بقاؤها عصوراً إلى ما قبل ظهور الإسلام.
ينسب إنشاء مدينة ساري إلى طوس بن نوذر، الذي كان يعرف أوّلاً باسم (طوسان)، وقد جرى تجديد بنائها على أيدٍ عدّة كابن اسفنديار، وفرخان بن دابويه من ملوك كاوبار. تقول الروايات التاريخية: إنّ هذا الملك الأخير كان حاكماً على طبرستان للسنوات ما بين 56 هجرية إلى 73 هجرية، وأنّه سمّى المدينة بـ (ساري) نسبة إلى اسم ابنه الذي كان يدعى بـ (سارويه).
إنّ التحقيق التاريخي يشير إلى أنّ اسم (ساري) هو اسم لبلاد أثرية في إيران، وكانت تطلق عليها تسميات (فناكة)، و(زدركرته)، و(سيرينكس).
وكان يزيد بن المهلّب أحد قادة الوليد بن عبدالملك الأموي قد خرّب المدينة، وحوالي عام 144 هجري فتح المسلمون هذه المدينة وبنوا فيها مسجداً جامعاًن ومنذ ذلك الحين أضحت ساري مركزاً للسادة المرعشيين، إنّ فتح ساري كان بأمر من المنصور العباسي.
وفي عام 260 هجري كان حاكماً على ساري، يعقوب بن الليث الصفّار، وبعده بسنتين الأمير إسماعيل الساماني. وقد استولى آل زيارة، وآل بويه كذلك على ساري، وقدمها السلطان محمود الغزنوي في عام 462 هجري.
لقد عرف الصفويون باهتمامهم البالغ بمدينة ساري، فقد أنشأ الشاه عباس الطريق المعروف بين مازندران وفرح آباد، وأمر بأن تفرش المسافة بين فرح آباد وساري بالحجر من أجل أن يأمن الأهالي في موسم الأمطار الغزيرة.
في عام 1225 هجري ضرب المدينة زلزال عنيف، وفي عام 1245 هجري أصاب أهاليها وباء الطاعون ممّا أدّى إلى هلاك عدد كبير منهم.
وفي أيام نهضة المشروطة كانت ساري مؤئلاً لطلاب الحرية، وعلى ضفاف نهر تجن، وعلى مقربة من المدينة، جرت معركة بين أنصار محمد علي شاه، وأنصار غصفة المشروطة انتهت بخسارة وانكسار أنصار الاستبداد.
موقعها الجغرافي
يحدّ مدينة ساري من الشمال بحر الخزر، ومن الجنوب جبل السواد، ومن الشرق محافظة بهشهر، ومن المغرب مدينة شاهي.
ولقرب ساري من بحر الخزر فإنّ ماءها وهواءها يتمتعان بالنقاوة والاعتدال.
أسماء محلات ساري
شكر آباد ـ باقر آباد ـ التكية الجديدة (نو تكية) ـ أربع تكايا (جهار تكية) ـ بهرام اتر ـ إمام زادة يحيى ـ همّت آباد ـ ميرسه روضة ـ التكية الرئيسة (پير تكية) ـ شاه فمازي ـ بغاشاه ـ كهنة (البستان القديم) ـ مير مشهد ـ سعيد سرنعلبندان ـ جال مسجد ـ باب مسجد ملا آقا بابا (در سمجد ملا آقا بابا) ـ محمد تقي خاني ـ إمام زادة عبدالله ـ دباغ جال ـ منطقة ثماني (بخش هشت) ـ بخش آبادي ـ مهدي آبادي ـ محلة البرابرة (بربري محلّة) ـ شهربند ـ أفغاني ـ تازة آباد ـ زقاق عمال وموظفي السكك الحديد (كوي كار مندان راه آهن) ـ سروينة باغ ـ رفاق الميرزا زماني (كوي ميرزا زمني) ـ زقاق البلديات (كوي شهرداري) ـ يا جنار ـ محلة ابن الملك حسين (شاهزادة حسين) ـ 25 معمل (بيست وينج وستكاه).
محاصيلها
تنتج ساري من المحاصيل الرئيسية: القطن ـ الرز ـ القمح ـ الشعير ـ السمسم ـ البطاطس ـ عباد الشمس ـ البرتقال ـ النارنج ـ اللالنكي ـ التبغ ـ البطيخ ـ الخيار.
وتشتهر بصناعة الزيوت والمنسوجات القطنية.
الآثار التاريخية
توجد في ساري آثار تاريخية متعددة، أهمها: مزار الولي إمام زادة يحيى ـ مزار الولي إمام زادة زين العابدين ـ مزار الولي إمام زادة عباس ـ قبر شازادة حسين ـ مير سر روضة ـ الملاّ مجد الدين ـ الولي إمام زادة عبدالله.
ضريح الولي إمام زادة يحيى
هو يحيى بن الإمام موسى الكاظم، أخوه حسين، وأخته سكينة، وعلى ضريحه شيّدت قبة على شكل أسطواني، والقسم العلوي من القبة هرمي الشكل، وفيه قنديل. وقد صنع باب الدخول إلى المرقد من أخشاب الغابات، وللقبة بابان، وعلى هذين البابين نقوش وزخارف، وفي القسم العلوي منهما كتب عبارة: (في الحادي عشر من شهر ربيع الأول سنة ستة وأربعين وثمانمائة).
بنيت هذه القبة على يد المعمارين القديرين حسين، ومحمد گيل. وتحتها يوجد ضريح الولي يحيى وعليه صندوق خشبي يعلوه صندوق خشبي آخر مزيّن بالنقوش والزخارف.
وفي هذا المزار توجد منارة عالية تستخدم كمئذنة ينادى منها في أوقات الصلوات الخمس. وقد تعرّض بنيان المزار وملحقاته باستثناء الضريح لحريق كبير عام 1212 هجري، الأمر الذي غيّر شكل البناء كلياً.
وتبركاً بما يذكر من أنّ الولي يحيى بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، وأخاه حسين، وأختهما سكينة مدفونون في هذه البقعة، فقد دفن فيها كذلك يحيى بن الأمير قوام الدين المرعشي.
مزار الولي إمام زادة زين العابدين
يقع هذا المزار ضمن الحدود القريبة من مزار الولي إمام زادة يحيى (الآنف الذكر)، وهو على هيئة قبة مكعبة الشكل ومستطيلة وفي الأعلى لها ثمانية أضلاع بأربع حلقات، بحيث تبدو هرماً ثماني الأضلاع.
مزار الولي إمام زادة عباس
يقع هذا المزار على مسافة تبعد ثلاثة كيلومترات من مدينة ساري، في قرية صغيرة أو قصبة تعرف بـ (آزاد گله). ويعود تاريخه إلى القرن التاسع الهجري، وقد تعرض بناؤه للتخريب، على أنّه جرى الاهتمام بترميمه مؤخراً.
ميرسر روضة
بعد أن تمكّن الأمير تيمور من الاستيلاء على مازندران قام مباشرة بنفي حاكمها السيد كمال الدين بن السيد مير قوام الدين المرعشي مع جميع أخوته وأفراد عائلته وأقربائه إلى تركمنستان، وهناك في منفاه توفي السيد كمال الدين وعدد من السادات الذين كانوا معه.
وبعد وفاة تيمور قام جماعة من الدراويش والمتصوفة الذين كانوا معلّقين بالسيد كمال الدين بنقل رفاته من تركمنستان إلى ساري، وتمّ دفنه في موضع يُقال له: ميرسر روضة.
وقد جرى إحداث متحف في هذه البقعة، ولكن ضريح السيد كمال الدين يقع خارج المتحف.
عادات وتقاليد أهالي ساري
في جميع منازل أهالي ساري الأصليين يجري إعداد نوع من الطعام يدعى (آش ترش) في آخر أربعاء من السنة الإيرانية، وهو المعروف في إيران باسم (جهار شنبة سوري)، ويتم تناولها في وجبة الغداء ذلك اليوم. ويعرف هذا اللون من الطعام عندهم بـ (آش كزنة).
* في أواخر الشهر الإيراني (إسفند) من كلّ عام، وكإعلام للناس بقرب حلول أعياد السنة الإيرانية (نوروز) يجوب إثنان يعرفان بقراء النوروز (نوروز خوان) شوارع ومحلات المدينة، وكلّما يصلان إلى منزل أحد الوجهاء والكبراء، يقفان عنده ويردّدان أشعاراً هيآها من قبل لهذه المناسبة، ويبتدئان باسم كبير العائلة وينشدان الأشعار التي تنتهي باسم زوجته، ويدعوان للعائلة من قبيل الدعاء بالتوفيق لحج مكة المكرمة، والدعاء بتزويج الابن والبنت، ويطلبان من العائلة أن تجود عليهما بشيء من المال.
* فإذا لم يعطيا ما أرادا من المال بدءاً بترديد أشعار تخصّ الابن الأكبر، ومن ثمّ يشرعان بأشعار تخصّ البنت. فإذا لم يحصلا على مرادهما آلحّا في إنشاد الأشعار التي تتضمّن طلب المال.
* يقوم أهالي ساري بتبييض وعاء نحاسي في أوائل الشهر الإيراني (اسفند)، استعداداً لحلو أعياد السنة الإيرانية (نوروز)، ويتجوّل مبيّضو النحاس في شوارع وأزقة المدينة، وهو يردّدون أقوالاً مخصوصة تطلب إلى الآخرين أن يقوموا بتبييض أوعيتهم النحاسية. فإذا كانت الأوعية النحاسية قليلة قام أهل الدار بتبييضها بأنفسهم. أمّا إذا كانت كثيرة فإنّهم يدعون مبيّضي النحاس الجوّالين وعليهم أن يعدّوا لهم طعام الإفطار أو طعام الغداء بالإضافة إلى أجورهم.
* يرتاد أهالي ساري ولمدّة 4 جمعات من الشهر الإيراني (فروردين) سوقاً خاصاً يدعى (بازار مخصوص نوروز) الذي يقام كلّ عام في أعياد رأس السنة الإيرانية في سوق أمام زادة عباس الذي يقع على مسافة 3 كيلومترات من المدينة.
* في اليوم الثالث عشر من بدء السنة الإيرانية والمعروف بـ (سنزده بدر) يخرج أفراد الأسر مجتمعين ـ كما هي حال أغلب الإيرانيين في هذه المناسبة ـ إلى البساتين والغابات الواقعة في أطراف وضواحي المدينة، ويكونون قد جهزوا طعامهم معهم، ويعملون ذلك طرداً للشؤم الذي يعتقدون أنّه يحلّ بمن لا يغادر الدار إلى هذه البساتين والغابات.
بعض اعتقادات أهالي ساري:
* يتصوّر أهالي ساري أنّه إذا ما جيء بقطعة من القماش بيضاء إلى منزل ما في أي يوم أربعاء فإنّ صاحب القطعة سينتهي مصيره إلى الموت سريعاً.
* لا يدع أهالي ساري النفساء لوحدها في أي وقت من الأوقات. فبعد الولادة يضعون إلى جانبها سيخاً (عموداً حديدياً صغيراً) فيه رؤوس من الصل، وأينما تذهب النفساء فإنّه يحملونه أو تحمله معها.
وبعد عشرة أيام، وعندما تغتسل النفساء من نفاسها فإنّهم يدخلونه معها إلى الحمام، وترفسه مرافقاتها بأرجلهن.
إنّهم يعتقدون أنّ عدم وجود سيخ البصل إلى جانب النفساء يؤدّي إلى فقدان الأهل، والأم، والطفل.
* عندما يقوم أهالي ساري بعيادة النفساء، فإنّ أهلها لا يسمحون لهم بحمل المفاتيح معهم، اعتقاداً بأنّ لسان الطفل سينعقد أو ينقفل أو يكون من المتلعثمين.
* إذا صوّت غراب على سطح منزل أحد الساريين، فإنّ أهالي ساري يعتقدون بأنّ ضيفاً سيحلّ عليهم.
* يعتقد أهالي ساري أنّ الأفعى يجب أن لا تقتل لأنّ زوجها سينتقم حتماً من القاتل.
* يعتقد أهالي ساري بأنّ المرأة الحامل إذا أحسّت بآلام الوضع عليها أن تدعو مؤذن المدينة لأنّ يطلب من الله سبحانه وتعالى أن ييسّر عليها ولادتها، وذلك أثناء مناجاته وأذانه.
إنّ الحامل في هذه الحالة ـ وحسب هذا الاعتقاد ـ ستضع سريعاً، وبمجرد أن يولد الطفل فإنّ عليها أن ترسل إلى المؤذن مبلغاً من المال.
من أمثال أهالي ساري
* البيضة الملوّنة تنفع لليلة العيد. ويعني: أنّ لكلّ مقال مقاماً.
* الفأرة التي لا تدخل الجحر، تمسك المكنسة بذنبها. ويعني أن يحضى كلّ امرئ على شاكلته.
* ليس في جيبه شيء، ولكن يحزم خصره بإحكام. ويعني همّة عالية وجيب خالٍ.
* قدح الجيران له رأسان، أحدهما يتألم. ويعني أنّ الصداقة والصحبة الحقيقية يجب أن تكون متقابلة ومتبادلة.
* إذا وقع الملقط في كانون النار، فإنّ خبره عند القطة. ويعني: أنّ الخائن يتخطف خوفاً من كلّ أحد.
* شبه الماء الجاري، شبه الحصى القادم. ويعني: إنّ الإنسان المرتكب للخطيئة كلّما يتوب، يعود إلى إثمه ومعصيته من جديد.
السامانيون([202])
كانت بلاد ما وراء النهر جزءاً من الأقطار الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ومع ما مرّت به من حروب كثيرة وتطوّرات سياسية ودينية منذ دخول المسلمين فيها، فقد كانت تعتبر من أكثر مناطق العالم الإسلامي عمراناً. إنّ كلمة «ما وراء النهر» هي ترجمة الكلمة الفارسية «ورارود» التي تعني تلك المنطقة الشاسعة الواقعة بين نهري جيحون (أمودريا)، وسيحون (سيردريا). وهناك سؤال يثار حول لغة هذه المنطقة وهو موضع تأمّل، والسؤال هو: عند ورود المسلمين إليها، هل كانت لغة أكثر أهاليها التركية أو الفارسة؟ وكما ذكرنا فهو موضع تأمّل ومثار نقاش، لكن الآثار الباقية والشواهد القوية البارزة تدلك على أنّ اللغة الرسمية ولغة العلم والأدب في القرن الرابع الهجري كانت اللغة الفارسية؛ لهذا فإنّ النظرية القائلة: إنّ نهر جيحون هو الحد الفاصل بين الفرس والأتراك، هي في معرض الشك والترديد إلى حدٍّ ما.
كانت بلاد ما وراء النهر، في العصر الذي نتحدّث عنه وكذلك في القرون التي تلته، تشمل أربع ولايات مستقلة. وهذا التقسيم طبعاً هو على أساس الموقع الطبيعي لتلك الولايات وليس على أساس الخصائص السياسية والاجتماعية لها. وولاياتها هي: ولاية جيحون في الجنوب، خوارزم في الشمال، الصغد في المركز، وسيحون في الغرب. ولو أردنا التحدّث بشكل أوسع نوعاً فينبغي أن نقسّم ولاية جيحون إلى قسمين: شمالي، وجنوبي. في القسم الجنوبي اعتبرت ولاية «بدخشان» جزءاً من بلاد ما وراء النهر. أمّا القسم الشمالي فكان يتكوّن من خسمة وديان كبيرة ووديان صغيرة كثيرة. ويشمل ولايات: «جغانيان»، «ختلان»، و«قباديان» التي تشكل الأقسام الرئيسة لجيحون. ولولاية الصغد أو مركز البلاد نهران هما: نهر «الصغد»، ونهر «كشكه دريا»، وعلى نهر «كشكه دريا» قرى عامرة، وبالإضافة إلى تلك القرى، فإنّ ضفافه قد وسعت مدينتي «كش» و«نسف» لتستقرا عليها. وعلى ضفاف نهر «الصغد» أو «زرآفشان» تقع مدينتا «سمرقند» و«بخارى». وللصغد مدينة تستحق الإعجاب بحيث أنّها وجّهت أنظار الفاتحين لها كما كان عدد سكانها كبيراً، أمّأ ولاية سيحون فكانت تتكوّن من «أسروشنه»، «فرغانه» و«چاچ» (الشاش). وأمّا خوارزم فكانت ولاية مستقلة لوحدها.
بعد أن اتّضحت لنا تلك الصورة عن بلاد ما وراء النهر، المنطقة الأصلية لحكومة السامانيين فلنا أن نلقي نظرة تأريخية على تلك السلالة التي هي مورد بحثنا هذا:
السامانيون أُسرةٌ إيرانية نسبت نفسها إلى «بهرام جوبين» أحد القادة الساسانيين، وكان الجد الأعلى لها يعرف «بسامان خُداة» الذي كان عمدة قرية «سامان» من مناطق بلخ، أو شيخ تلك القرية علماً بأنّ «سامان خُداة» لم يكن اسم شخص بل لقباً للعمدة أو الحاكم، ويشبه «بخارى خُداة» أي: أمير بخارى.
كان «سامان خُداة» من طبقة الفلاحين. وكان على الدين المجوسي. وبعد ذلك أسلم بتشجيع من أسد بن عبدالله القسري والي خراسان في زمن هشام بن عبدالملك ولا وجود لمصادر كافية تتحدّث عن وضعه الغامض والمشكلات التي واجهها، والتي بسببها طلب الحماية من أسد بن عبدالله. ولبّاه أسد وفوّض إليه إمارة «بلخ». ولعلّ حسن ظن أسد في تولية «سامان خُداة» إمارة بلخ هو الذي دعاه إلى تسمية أحد أولاده باسم «أسد».
بعد انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين زار أسد هذا المأمون العباسي في مرو، وهو في سِنيّ شيخوخته. وكان هذا في وقت سبقه مساعدة أولاده المناسبة للحكومة العباسية في مواجهتها مع رافع بن الليث، وهرثمة بن أعين؛ لذلك لما قرّر المأمون ترك خراسان بعد تعيين غسّان بن عباد ـ ابن عمّ الفضل بن سهل ذي الرئاستين ـ والياً عليها (203ـ206 هـ) أوصاه بأولاد أسد خيراً. وعمل غسّان بوصية المأمون بتعيينهم أمراء على بعض المناطق؛ فعيّن نوحاً أميراً على «سمرقند»، وأحمد على «فرغانه»، ويحيى على «چاچ» (الشاش) و«اشروسنة»، و«الياس» على هرات (204هـ).
لهذا السبب «فإنّ السامانيين في الحقيقة ـ قد حكموا قبل الطاهريّين، لكن حكومتهم لم تكن مستقلة بل خاضعة لوالي خراسان «غسّان بن عباد»، وبعده «طاهر ذي اليمينين». بعد وفاة الياس أمير هرات سنة (242) لم يحكم هرات أحد من سلالة «سامان خُداة» وذلك لأنّ إبراهيم نجل الياس، الذي كان قد عُيِّن قائداً لجيش الطاهريين، اندحر واستسلم ليعقوب بن الليث في مواجهة بينهما قريباً من «فوشنج».
في فترة حكومة طلحة بن طاهر على خراسان (207-212) توفي نوح حاكم سمرقند؛ لهذا فإنّ أخويه أحمد ويحيى الحاكمين على «فرغانه» «وچاچ» قسّما سمرقند بينهما بعد موافقة طلحة بن طاهر. بعد ذلك توفي يحيى سنة (241) فكانت فرصة بيد أحمد حاكم فرغانه أن يضم إمارة أخيه «چاچ» إلى نفوذه؛ لتصبح جزءاً من دائرة حكومته. وقام أحمد في حياته بتفويض حكومتي «سمرقند» و«شاش» لولديه «نصر» و«يعقوب». وظلّ هو في «سمرقند» أميراً بلا إمارة. ولعل لولديه هذين دوراً في ضمِّه إمارة أخيه يحيى لحكومته ونفوذه. وهناك مسكوكات نحاسية تعود إلى زمان أحمد هذا وقد ظلّت على حالها اعتباراً من سنة (244) فما بعد. وكان يعتبر عميد الأسرة السامانية حتّى سنة (250هـ).
خلّف أحمد تسع أولاد كلّهم قد رضوا بسيادة أخيهم نصر عليهم، وانضووا تحت لوائه. واغتنم نصر وإخوانه فرصة الاشتباك التي حصلت بين الطاهريين والصفاريين؛ فقاموا بتثبيت أركان حكومتهم وتوطيدها في بلاد ما وراء النهر. وتميز نصر على الآخرين بميزة عظيمة إذ لمّا كان في عنفوان تخطيطه لاستقرار سلطته وتثبيتها، كان بعيداً عن تلك الأجواء المشحونة بأوضار التنافس على السلطة والتصارع من أجلها، والتي كانت سائدة في إيران تلك الفترة.
في سنة (261هـ) أصدر المعتمد العباسي أمراً لنصر بن أحمد في تولي حكومة ما وراء النهر؛ لهذا أرسل نصر ـ من مقر حكومته (سمرقند) ـ أخاه إسماعيل إلى بخارى ليتولى زمام الأمور فيها نيابة عن أخيه علماً بأنّ ذهاب إسماعيل إلى بخارى كان على أثر مشاكل وقعت هناك من جرّاء مجيء الحسين بن طاهر إليها. ولا يخفى أنّ الخوارج قد تسلّطوا فترة قصيرة على تلك المنطقة بحجة التعاطف مع يعقوب. وأخيراً طلب فقيه بخارى أبو عبدالله بن أبي حفص الذي كان حاكماً عاماً للمنطقة، طلب من نصر بن أحمد أن يرسل والياً كفوءاً لينقذ الولاية من الفوضى التي كانت تعيشها. فأرسل نصر أخاه إسماعيل فسيطر إسماعيل على المنطقة واتُّخذ قراراً بأن يكون هو أميراً عليها «وحسين الخارجي» معاوناً له، وأدّى أفراد الجيش جميعهم اليمين على تنفيذ ذلك القرار.
أفلح إسماعيل في وضع حدٍّ لقطّاع الطرق، وقام بإبعاد عدد من المتنفذين والإشراف على سمرقند لفترة معينة. لكن لم يدم عمله طويلاً إذ في سنين لاحقة ظهرت على السطح قضايا مختلفة أدّت إلى حصول مواجهة بينه وبين أخيه نصر. ففي تلك الأيام ظهر رافع بن هرثمة أحد رؤساء صعاليك العرب رافعاً لواء المعارضة نيابة عن الطاهريين من بغداد مخاصمة لآل صفار في خراسان، وبما أنّه كان أميراً واستطاع ضمّ مدينة خوارزم إلى رقعة نفوذه وحكومته، فقد قام إسماعيل ببناء علاقات ودّية معه. فساء ذلك نصراً وثقلت عليه أخبار تقدّم رافع واكتساحه بعض المناطق، ولا سيّما وهو أمير بلاد ما وراء النهر من قبل الخليفة. ونتيجة تدخل الوشاة ومثيري الفتن فقد توترت العلاقات بين نصر وأخيه إسماعيل وتلبدت أجواؤهما بالغيوم. وممّا زاد النار أُواراً أنّ إسماعيل امتنع في نفس تلك الفترة عن إرسال الضرائب السنوية إلى سمرقند؛ لهذا فقد أعدّ الإخوان أنفسهما للمواجهة والقتال، ومع أنّ رافع بن هرثمة استطاع في مرّةٍ من المرّات إقرار الصلح بينهما، لكن حصلت المواجهة فعلاً ونشب القتال بين الطرفين عام 725هـ) وفيه أُسر نصر من قبل إسماعيل، ومع كلّ ما حصل بينهما فقد عفا إسماعيل عنه. وظلّ نصر أميراً اسمياً على بلاد ما وراء النهر طيلة الفترة الباقية من عمره وهي أربع سنوات.
في تلك السنين كانت العلاقات تزداد سوءاً على مرّ الايام بين الخليفة وعمرو بن الليث الصفّاري، ورغم كلّ المحاولات التي بذلها الخليفة لتنحيته عن منصبه، وإعلان ذلك لحجّجاج بيت الله الحرام، فإنّها قد ذهبت سدى ولم يكن لها تأثير يذكر على السامانيين ورافع بن هرثمة. وأخيراً نشب القتال بينه وبين قوات الخليفة بقيادة أحمد بن عبدالعزيز «أبو دلف»، وبد قتال ضارٍ دام استطاعت قوات الخليفة طرده إلى الشرق. وهناك نكتة أُخرى لا بُد من ذكرها: وهي: أنّه بعد القضاء على صاحب الزنج، استقرّ أمر حكومة بغداد إلى حدٍّ ما، لهذا أفلح «أبو طلحة منصور بن شركب» في الجنوب بطرد عمرو حتّى كرمان، ولكن في تلك السنين؛ وبعد أن خاض رافع بن هرثمة تلك الحروب والمناوشات العسكرية في إيران الشرقية والمركزية، اتّفق مع محمد بن زيد العلوي، ورفع له علماً أبيض، وصار يذكر هذا العلوي في الخطبة بدل الخليفة ممّا أدّى إلى أن يطلق الخليفة العنان لعمرو في قمع تحرّك رافع، وبالفعل قد حصل ذلك إذ قام عمرو بملاحقة سريعة متواصلة لرافع أدّت به أن يفرَّ صوب خوارزم، وهناك تمّ قتله على يد «خوارزم شاه». بعد ذلك نقل رأسه إلى الخليفة. إنّ انتقال رأس رافع إلى الخليفة من قبل «عمرو بن الليث» جعل الأخير في موقع جديد، فمن ناحية اتّضحت للخليفة القوّة الفاعلة والمؤثّرة المتمركزة في خراسان وإيران الشرقية والمركزية، ومن ناحية أخرى شعر عمرو أنّ الوقت قد حان للسيطرة على بلاد ما وراء النهر. على أيّ حال فإنّ عمرو قد ألحّ على الخليفة أن يصدر له مرسوماً بحكومة ما وراء النهر، لكن الخليفة كان قد أصدر مرسوماً لإسماعيل الساماني بحكومة ما وراء النهر، وقام إسماعيل بالتحرّك منتصراً صوب تلس (طراز) مبدّلاً كنيستها الكبيرة إلى مسجد. وفي تلك السنة انقرضت السلالة الأميرية المحلية الحاكمة في «اشروسنة»، وألحقت المنطقة المذكورة بالمناطق التي يسيطر عليها السامانيون مباشرة.
في كلّ الأحوال، فإنّ الخليفة نزل عند رغبة عمرو سنة (285هـ) حيث دعا عدداً من الزوّار الخراسانيين إلى دار الإمارة في بغداد وأبلغهم بأمره في عزل إسماعيل وتعيين عمرو مكانه. على أثر هذا الأمر توجّه رسوله وهو يحمل الهدايا مع أمره، إلى نيشابور حيث عمرو هناك. قبل عمرو الهدايا الإجبارية التي أرسلها الخليفة مستهزئاً، وحينما وضع الرسول الثياب المرسلة أمامه، أخذها عمرو ولبسها واحداً بعد الآخر، وحينما كان يرتدي ثوباً كان يعبّر عن شكره للخليفة بكلمات كان يسمعها الحاضرون. بعد ذلك وضع الرسول قرار الخليفة بتعيينه حاكماً على بلاد ما وراء النهر، بين يديه فقال عمرو: «ماذا أفعل بهذا القرار، وهذه المنطقة لا تتحرر من قبضة إسماعيل إلاّ بوجود مائة ألف سيف مسلول» فأجابه الرسول: «أنت الذي أردت هذا، والآن أنت تعلم ماذا تفعل».
ولمّا تسلّم عمرو قرار الخليفة طلب من «أحمد بن فريغون» أمير الجوزجان، وأبي داود أمير بلخ، وإسماعيل أمير بخارى، أن ينضووا تحت لوائه ويطيعوه.
تألّم إسماعيل لعمل عمرو هذا حيث ساواه مع الأمراء الصغار في مرتبة واحدة، واعتبر ذلك إهانة له. وبالمقابل فإنّ تشدّد عمرو في فرض طاعته دون قيد أو شرط، والرد الصريح الذي جوبه به من قبل إسماعيل أدّيا إلى أن تكون الحرب بينهما حتمية. وبالفعل نشبت الحرب بين الطرفين وفي سنة (286هـ) اندحر محمد بن بشر قائد جيش عمرو في مواجهته لإسماعيل وقتل. بعدها قام إسماعيل بإطلاق سراح جميع الأسرى دون أخذ الفدية، على أي حال ففي الحرب التي نشبت بعد ستة أشهر قريباً من بلخ (287هـ) التحق بعض الطلقاء من أولئك الأسرى بمعسكر إسماعيل. وقاتل عمرو في أطراف بلخ بشدّة، وبينما كان مشغولاً في ساحة المعركة ألقي عليه القبض وفق خطّة حربية وضعها إسماعيل نفسه وليس كما ينقل من أنّ جواده هو الذي سلّمه لعدوّه… بعد ذلك أُرسل عمرو مخفوراً إلى بغداد.
في الحقيقة إنّ كافّة أهالي ما وراء النهر وخصوصاً طبقة الأشراف و طبقة الفلاّحين كانوا من دعاة السلم وطلاب الهدوء والدعة والراحة؛ ولهذا السبب كانوا يميلون إلى الحكومة السامانية أكثر من ميلهم إلى آل صفّار المعروفين بمهاتراتهم وعنجهيتهم، والذين كانوا يرون أنّ ديمومة حكومتهم تتوف على السيف والقتال. ومن الجدير ذكره أنّ الخليفة العباسي كان يثير مشاعر المقاومة عند إسماعيل سرّاً، وإسماعيل كان يطمئن قادة جيشه وأهالي المنطقة أنّ الخليفة راضٍ وموافق في مواجهته لعمرو بن الليث. ولا يخفى فإنّ المؤرخين الذين تطرقوا إلى ذكر المواجهة بين السامانيين والصفاريين لا يتوانون في التعبير عن مشاعرهم تجاه السامانيين بالثناء عليهم وذكرهم بخير.
إنّ انتصار إسماعيل على عمرو بن الليث جعله موضع حُبّ الخليفة وتقديره بحيث بسط يده حتّى منطقة سيستان. لكن كان في جرجان الداعي العلوي السيد محمد بن زيد صاحب طبرستان والديلم فحصل نزاع بينه وبين الأمير الساماني، وكان الإثنان يسعيان إلى تملّك أكبر قدر ممكن ممن تركه آل صفار و اعتباره من حصتها، لهذا لمّا توجّه محمد بن زيد من طبرستان نحو جرجان لتحقيق طموحه بإخراج عمّال إسماعيل من خراسان، عبّأ أمير بخارى جيشاً جراراً بقيادة محمد بن هارون لمواجهته، ونشبت حرب بين الطرفين قتل على أثرها محمد بن زيد ووقع نجله في الأسر، بعد ذلك تمرّد قائد الجيش الساماني محمد بن هارون على إسماعيل، ولمّا علم إسماعيل بخبره عزم على التحرّك صوب طبرستان بعد سنة من وقوع تلك الأحداث ففرّ قائده المتمرد محمد بن هارون إلى الديلم. واستطاع إسماعيل مرّة أخرى أن يحكم قبضته على جرجان وطبرستان، وأن يثبّت أركان الحكومة السامانية في ذينك الإقليمين. وخضعت له الري وخراسان بأسرها أمّا سيستان وأصفهان فقد بقتا على استقلالهما، وظلّت بلاد ما وراء النهر وعاصمتها بخارى مركز حكم إسماعيل ومنطلق نفوذه وسيطرته.
كان إسماعيل وفياً للخليفة العباسي، لكن ليس في أيدينا من الوثائق ما يدل على أنّه أو غيره من الأمراء السامانيين كانوا يرسلون الخراج أو الضرائب الأخرى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية نعم، كان الأمراء السامانيون يرسلون الهدايا إلى الخلفاء العباسيين، لأنّ إرسال الهدايا كان تقليداً متَّبعاً تلك الفترة. وكان السامانيون يحيطون الخلافة العباسية علماً بنشاطاتهم ويوافونهم بالتقرير حول ذلك. وكانوا كذلك ينقشون اسم الأمير الساماني واسم الخليفة العباسي على النقود. كما كانوا يذكرون الاثنين في أدعيتهم اليومية حتّى ظهور آل بويه. والأكثر من ذلك أنّ العلاقات الوديّة ظلّت قائمة بين السامانيين والخلفاء العباسيين حتّى انقراض حكومة بخارى وكانت حسنة على ما يبدو، كما أنّ المصادر التأريخية ما فتأت تذكر الأمراء السامانيين بلقبهم كأمراء، وكان هذا اللقب يومئذٍ يعني نائب السلطان. كذلك فقد تمتع السامانيون بلقب السلطان مثل الخلفاء العباسيين. وعلى سبيل المثال كان نوح بن نصر يعرف بالأمير الحميد، كذلك كانت للأمراء السامانيين أسماء تطلق عليهم بعد الموت مثل «الأمير الماضي» الذي كان يطلق على إسماعيل، وكما يذكر المقدسي فإنّ لقب «الأمير الشهيد» أُطلق على أحمد بن إسماعيل كما سيتضح لنا فيما بعد.
مرض إسماعيل وطالت فترة مرضه حتّى صفر سنة (259هـ) إذ مات فخلفه من بعده نجله أبو نصر أحمد الذي عيّن أميراً لبلاد ما وراء النهر وخراسان بأمر من المكتفي. كذلك فوّض له الخليفة العباسي أمور سيستان. قام هذا الأمير في بداية حكمه بإلقاء القبض على عمّه إسحاق بن أحمد حاكم سمرقند وضمّ مناطق نفوذه لحكومته وذلك سنة 296هـ علماً أنّ إسحاق بن أحمد كان أهم شخصية معمّرة في الأسرة السامانية، وكان قد خرج على ابن أخيه أبي نصر أحمد. بعد ذلك خطّط لمنطقة سيستان وأفلح في القضاء على حكومة الأمير الصفاري معدل بن علي بن الليث، وبه يكون قد أنهى أمر الحكومة الصفّارية. أمّا سواحل بحر الخزر فقد كانت ـ كما تذكر المصادر ـ غير خاضعة لنفوذ السامانيين، بل كانت مستقلة تحت أمر الحسن بن علي المعروف بالناصر الكبير أحد زعماء الزيدية ورجالاتها. وقد اندحر أبو العباس أحد صعالك والي الري، ومحمد بن عبدالله بن عزيز وزير أحمد في مواجهتهما لهذا القائد الزيدي. وقد امتعض الأمير الساماني على أثر ذلك وبلغ امتعاضه حدّاً أنّه لم يكتف بالعدد الذي عبّأه لقتال الحسن بن علي، وكان ثلاثين ألفاً، لهذا جمع عشرة آلاف آخرين، وهدّد بإخضاع طبرستان لحكومة بخارى لكن الظروف لم تسعفه في تحقيق مراده إذ بعد تحرّكه من بخارى بقليل وبينما كان يغطّ في نوم عميق هجم عليه غلمانه فذبحوه وهو في لباس النوم في جمادي الآخرة سنة (301). كيف تمّ هذا القتل المريب؟ من هو المخطّط الحقيقي والممرّض الأصلي له؟ هذا لم يبت به المؤرخون بشكل يقيني… فهل لتذمر الجيش وسخطه من التوجه إلى طبرستان علاقة بهذا الحادث أم وجود المتعاطفين مع الزيدية بينهم هو السبب الآخر؟ من المسلّم به أنّ إمارات السخط والاستياء كانت بارزة في بلاط الأمير الساماني… وإنّ تصرّف هذا الأمير مع عمّه وبعض قادة جيشه أثار العداء ضدّه. ومع أنّ أحد موظفيه قد ألقى عليه القبض، وعذّب تعذيباً شديداً حتّى الموت؛ بتهمة التحريض على قتله، لكن من خلال الكلام الذي صرّح به ولده نصر حين تربّع على كرسي الإمارة وكان عمره يومذاك ثماني سنين، يتّضح أنّ لموظفي البلاط ضلع في الحادث.
وهناك رواية تقول: عندما كان الأمير في إحدى سفراته للصيد، ووافته أخبار سيئة عن طبرستان اغتم غمّاً شديداً ودعا على نفسه بالهلاك ويستفاد من هذه الرواية أنّ الأمير كان سريع التألم، ضيّق الأفق، كثير الجزع. ولا يخفى فإنّ شخصاً بهذه المواصفات يكثر عليه الساخطون بين أتباعه بأسرع ما يكون. ولعل من العوامل المحرضة على قتله هو أنّه قام في مرّة من المرّات بتأديب بعض غلمانه، فخاف الآخرون لأنّهم كانوا مذنبين أيضاً؛ لهذا كانوا يتحينون الفرصة لقتله، وبالفعل تمّ لهم ما أرادوا. بعد مقتل أحمد، رفع كبار رجال الإمارة نجله ذي الثماني سنين «نصر» على كرسي الإمارة سنة «301ـ331» وتمّ تعيين أبي عبدالله الجيهاني، الذي كان من علماء زمانه، وزيراً له. وبما أنّ هذا الأمير كان صغير السن؛ لهذا ادّعى بالإمارة كثيرون منذ أوّل وهلة لها، وأحد هؤلاء المدّعين هو عم أبيه إسحاق بن أحمد الذي مرّ ذكره، وكما قلنا فإنّ أحمد بن إسماعيل خلعه عن حكومة سمرقند وأودعه السجن في بخارى. استطاع إسحاق أن يفرَّ من السجن بعد مقتل أحمد. وبعد فراره جمع جيشاً وهاجم فيه بخارى لكنّه اندحر، فطلب الأمان، فآمنه أحمد.
من الأحداث التي وقعت في زمان هذا الأمير هي انتفاضة الحسين بن علي المروروزي. وكان إسماعيلي المذهب متأثراً في ذلك بنشاط المبلغين الإسماعيليين الذين وفدوا إلى خراسان من قبل الخلفاء الفاطميين في مصر. وبواسطته اتّبع كثير من أهل خراسان المذهب الإسماعيلي أو المذهب الباطني. ولمّا علم نصر بخبره أرسل له أحد أبناء الفلاحين من أهل مرو واسمه «أحمد بن سهل» وكان ينسب نفسه إلى يزدجرد واستطاع هذا تخليص نيشابور منه سنة (306)، بعد ذلك ألقى عليه القبض وأرسله إلى بخارى.
أُثيرت في زمن هذا الأمير فتن كثيرة تمّ إخماد القسم الأكبر منها بفضل شجاعة وحنكة قائد جيشه حمويه بن علي، وتخطيط أبي عبدالله محمد بن أحمد الجيهاني وأبي الفضل البلعمي.
اعتنق الأمير نصر أواخر حكومته المذهب الإسماعيلي ممّا أثار هذا حفيظة غلمانه وهم من الأتراك السنّة المتعصبين فامتعضوا منه كثيراً. وفي الأيام الأخيرة من حياته أبتلي بمرض التدرن الرئوي الذي عانى منه مدّة ثلاثة عشر شهراً، ممّا اضطره ـ وتحت ضغط الغلمان الأتراك ـ أن يتنحى عن منصبه ويفوّض أمور إمارته لنجله نوح وحينما مات لقب بالأمير السعيد.
بلغت الحكومة السامانية أوجهاً في عصر نصر وذلك بسبب تشكيل جمعية من العلماء والأدباء كانت تحظى بدعمه وتأييده. ومن بين أعضاء هذه الجمعية وزيره «الجيهاني» الذي كان على رأس الأمور من سنة (302) حتّى (310) ومن سنة (327) حتّى سنة (330)، ومنهم: أبو الفضل البلعمي الذي كان وزيراً من سنة (310) حتّى سنة (327).
كان الجيهاني كاتباً كثير التأليف والتصانيف، وكانت جغرافيته في حقول العالم الشرقي الإسلامي والصين وروسيا مصدراً للجغرافيين الذين جاؤوا بعده. أمّا البلعمي فكان نجله هو الذي ترجم تأريخ الطبري إلى الفارسية، وعرف بتاريخ البلعمي.
ويذكر أحد الباحثين نقلاً عن مقالة باللغة الألمانية أنّ كاتباً آخر اسمه «أبو دلف» كان يعيش في بلاط نصر، وأرسله نصر سفيراً عنه إلى الصين. فقام هذا بإعداد معلومات نافعة في مجال الرحلات.
ومن الشعراء الكبار في عصر الأمير نصر الشاعر «رودكي» الذي كان من أساتذة الكلام الفارسي وقد ترجم كتاب «كليلة ودمنة» من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية شعراً بأمر من نصر نفسه. وذكر الثعالبي في «يتيمة الدهر» أسماء شعراء كانوا ينشدون الشعر باللغة العربية في بلاط السامانيين، وأكثرهم كان يحاضر أيضاً باللغة الفارسية، كما يمكننا الاطلاع على حياة وآثار كثير من الأدباء والشعراء الذين عاشوا تلك الفترة من خلال كتاب «تأريخ الآداب» للدكتور صفا. وإجمالاً لقد بلغت اللغة الفارسية وآدابها أوج ازدهارها في عصر السامانيين. وقد لمع شعراء كان لهم دورهم من أمثال «رودكي» سنة «368» والشهيد «بلخي». وكان العلماء في عصر السامانيين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الكتّاب أو مسؤولو التحرير، العلماء المختصون بالعلوم الدينية، والأدباء، وكانت تظهر اختلافات بينهم في خراسان لكن الجدير بالملاحظة هو التفوق النسبي للأدباء على الآخرين. لكن لم تدم هذه الحالة على ما هي عليه وذلك؛ لأنّ السنين التالية شهدت توسعاً في رقعة الثقافة الدينية في عصر السامانيين ممّا أدّى هذا إلى حصول العلماء على مكانة خاصّة متميزة في فترة نفوذ الأتراك من الغزنويين والسلاجقة.
كما ذكرنا سابقاً من أنّه تمّ تعيين نوح خلفاً لأبيه وذلك من سنة (331) حتّى (343) حيث كان أميراً تلك الفترة وفي زمانه بدأ عصر انحطاط الحكومة السامانية لأنّه بدل أن يفوّض أمور البلاد إلى وزير ذي معرفة وخبرة، نجده على العكس فوّضها إلى رجل من الفقهاء والأتقياء وهو محمد بن أحمد السلمي الذي كان يعرف بالحاكم الجليل. لم يكن لهذا الرجل شغل بالأمور الإدارية والسياسية لأنّه كان رجل علم وعبادة لا هم له إلاّ تأليف الكتب الفقهية والانشغال بالأمور العبادية؛ لهذا حصلت اضطرابات وفوضى في إدارة أمور البلاد وادّعى الحكومة كثير من الأفراد منهم: أبو علي أحمد الجيغاني القائد العسكري لخراسان وحاكم نيشابور.
كانت منطقة النفوذ التي يسيطر عليها السامانيون تنقسم إلى قسمين هما: (1) ما وراء النهر. (2) خراسان أي جنوب آمودريا. والقسم الثاني كان يخضع لأوامر الحاكم العسكري الأعلى الذي كانت أمور حكومة تلك المنطقة بيده أيضاً، وكان مركز حكومته نيشابور.
أمّا «بخارى» فد ظلّت مركزاً للحكومة السامانية حتّى انقراضها. وكان يديرها جهازان هما: البلاط الملكي، والديوان الذي كان على رأسه الوزير، أمّا قائد الجيش فهو وإن كان ذا صلاحيات واسعة لكن الحاجب والوزير كانا أعلى منه منصباً على أي حال. كان تقسيم الوظائف السياسية بين البلاط والديوان الملكي يتبع النظام الوظيفي الموجود في بغداد. وكان منصب الوزارة أو «الخواجة الكبير» منصباً حسّاساً ومهمّاً جدّاً، لأنّ الوزير المقتدر كان بيده التعيين والعزل، وكذلك بيده القيادة العليا للجيش.
كان الوزير من الناحية النظرية رئيساً للديوان أو رئيساً لتشكيلات الديوان الملكي؛ لهذا كان يشارك رئيس البلاط أو الحاجب في إدارة الديوان الملكي؛ وما عدا الحاجب، فقد كان هناك مسؤول مهم وصاحب نفوذ كبير وهو الوكيل أو رئيس أهل البيت الملكي، وبما أنّ رئاسة البلاط الملكي كانت ترفع من قدرة الحاجب ومنصبه؛ لهذا كان هناك صراع سياسي بين الوكيل والحاجب والوزير.
عندما أقيل أبو علي أحمد الجيغاني من منصبه كحاكم عسكري من خراسان وحاكم نيشابور بسبب الشكاوى التي رفعت ضدّه، أعلن عن تمرّده وتحرّك باتجاه ما وراء النهر لكنّه اندحر قريباً من بلخ ففرّ إلى «جيغانيان» سنة «336». وأخيراً تمّ عقد صلح بين الأمير نوح وأبي علي وتقرّر أن يبقى نجل أبي علي رهينة في بخارى، ويعفو نوح عن أبيه. ظلّ أبو علي في جيغانيان اعتباراً من هذا التأريخ حتّى سنة (340هـ)، بعد ذلك اضطربت الأوضاع في خراسان وما وراء النهر مرّة ثانية، فاستدعى نوح أبا علي وعيّنه قائداً للجيش وأميراً على خراسان كما كان في السابق. فقام الأخير بإخضاع خراسان وفي سنة (342) كلف من قبل نوح بمساعدة (وشمگير الزياري) ومقاتلة ركن الدولة الديلمي.
توفي الأمير نوح سنة (343) فخلفه على الإمارة نجله عبدالملك. فقام هذا بتعيين أبي منصور محمد بن عزيز وزيراً. في بداية حكم هذا الأمير الجديد تمرّد الجيغاني المذكور مرّة أخرى في خراسان. وتوجّه ركن الدولة حسن البويهي إلى جرجان فقام قائد الجيش وهو أبو سعيد بكر بن مالك الفرغاني بإخماد تلك الفتن المضطرمة. لكنّه لم يدم طويلاً لأنّ لفيفاً من العسكرية الأتراك كانوا ممتعضين جدّاً منه، لهذا قتله عبدالملك، وعيّن مكانه «التبكين» وهو من الأمراء الأتراك، وكان غلاماً فرفعه إلى رتبة قائد عام للجيش وفوّض له أمور الجيش على أثر ذلك. وفي نفس تلك الفترة عيّن الأمير عبدالله أبا علي محمد بن محمد البلعمي نجل أبي الفضل البلعمي وزيراً.
بعد ذلك توفي عبد الملك في الحادي عشر من شوال سنة (350) على أثر سقوطه من على جواده إلى الأرض في لعبة الكولف. فجاء بعده أخوه أبو صالح منصور بن نوح وذلك بجهود بذلها الأمير أبو الحسن بن عبدالله فائق خاصة. وحدث في زمانه أن تمرّد أهالي سيستان ضد واليه خلف بن أحمد، فأرسل منصور جيشاً إلى هناك فأفلح في إخضاع سيستان وانتشالها من أيدي المتمردين وتسليمها لخلف نفسه لكن ما لبث أن طرد منها مرّة أخرى. على أي حال، فإنّه كان قد عاد إليها بفضل السامانيين لكن في هذه المرّة امتنع عن إرسال الأموال والخدم والملابس إلى بخارى علماً أنّه يجب عليه إرسالها فأرسل منصور جيشاً إلى سيستان، وبعد سبع سنين من القتال تمّ عقد الصلح بين الطرفين وصارت خطبة سيستان باسم منصور. وكما ذكر ابن الأثير: فإنّ هذا أوّل وهن تعرّضت له الحكومة السامانية، والذين لمسوا عصيان أنصار الحكومة وتمرّدهم طمعوا في الحكومة.
إنّ الاشتباكات التي دارت بين منصور وركن الدولة الديلمي ـ والتي كانت قد استؤنفت مرّة أخرى سنة «356»، وكذلك المشاكل التي واجهها في سيستان قد أعطت الفرصة لـ: التبكين قائده العسكري التركي أن يتمرد ضدّه. وبما أنّ التبكين هذا قد طرد من البلاط؛ لهذا توجه إلى بلخ معلناً عن معارضته لحكم منصور فأرسل له منصور جيشاً لردعه لكنّه اندحر، وعلى أثر اندحار الجيش توجّه إلى غزنة وتسلّم فيها مقاليد الأمور.
في سنة «363» توفي وزير المنصور «أبو علي البلعمي»، وأمّا وزيره الآخر أبو جعفر العتبي فقد أقيل من منصبه فاختار منصور «أبا عبدالله أحمد بن محمد الجيهان» لمنصب الوزارة، وظلّ هذا وزيراً طيلة الفترة التي حكم فيها منصور. وفي سنة (366) توفي منصور بن نوح فلُقّب بالأمير السديد بعد وفاته، بعد وفاة منصور تربع على عرش الإمارة ولده نوح الثاني وله من العمر ثلاث عشر سنة.
فوّض الأمير الجديد حكومة خراسان لابن الحسن السيمجوري، وعيّن عبدالله بن أحمد العتبي وزيراً له. وكما حدث سلفاً فإنّه قد حدث الآن إذ نشب الخلاف بين الوزير والحاكم العسكري في خراسان. وفي سنة «372» عيّن مكانه «أبا العباس تاش» الذي كان من غلمان أبيه القذافي. ولمّا علم أبو الحسن فرّ إلى قهستان التي كانت من إقطاعيات أسرته.
وبما أنّ الجيش الثابت للحكومة السامانية يومذاك هو جيش خراسان فإنّ هذا الجيش قد أعدّ عدّته لمحاربة آل بويه وذلك في أواخر سنة «372» وتوجّه إلى إيران المركزية، ورغم الانتصارات الأولى التي تمّ تحقيقها لكن كان الاندحار آخر الأمر من نصيب السامانيين ولولا وفاة عضد الدولة لهاجم البويهيون خراسان إذ حالت وفاته دون تحيق ذلك. وصمّم العتبي على تنظيم الجيش ثانية وذلك استعداداً للقتال لكنّه قبل أن يقوم بهذا العمل قتل على يد مرافقي أبي الحسن السيمجوري وفائق الذي كان قد عُيّن حاجباً للبلاط.
لا بدّ من القول أنّ قصّة انتهاء الحكومة السامانية كانت خليطاً من دسائس ومؤامرات الوزراء وأمراء الجيش. ولا يخفى فإنّ أحداث العشرين سنة الأخيرة من عمر الحكومة السامانية أي من 366 وحتّى سنة 387هـ، وهي فترة حكومة نوح، تبيّن لنا تكرار أسماء ثلاث شخصيات كثيراً. وهم: تاش وكان عبداً تركياً، وقد عيّنه الأمير نوح بن منصور أميراً على خراسان سنة (373). ويأتي بعده أبو الحسن السيمجوري وكان من إقطاعيّ قهستان جنوب هرات، وقد دارت حرب بينه وبين تاش حول إمارة خراسان. والثالث: الحاجب السالاري ويسمّى: فائق بعد مقتل العتبي استدعى الأمير الساماني «تاش» والي خراسان إلى العاصمة بخارى لإقرار النظم فيها حيث تعرّضت للفوضى والاضطرابات. وصل الأخير إلى العامصة، وهيّأ نفسه بالاتفاق مع فائق لخوض صراع ضد أبي الحسن ونجله أبي علي لكنّه كان يتوقع أنّ الحرب مع هؤلاء لا يمكن أن تؤدّي إلى متاعب له في المستقبل لهذا تصالح مع أعدائه وخصومه.
استطاع تاش إقناع الأمير الساماني تفويض حكومة «بلخ» إلى فائق، وحكومة «هرات» إلى أبي علي كما عاد أبو الحسن إلى قهستان وعاد هو إلى نيشابور. لكن سرعان ما انكشف بعد ذلك أنّ هذه التعيينات كانت خطأ وذلك لأنّ الوزير الجديد محمد بن عزيز كان عدواً للعتبي وخصماً لتاش، ولم تمر به فرصة إلاّ وهو يتحدّث مع الأخير محرّضاً إيّاه على عزل «تاش» عن ولاية خراسان وإعادة تعيين أبي الحسن السيمجوري مكانه، فاستغاث «تاش» فوراٍ بآل بويه، ورغم ما قدّموه له من مساعدة لكنّه دحر على يد السيمجوريين وفائق في أواخر سنة (377) ففرّ بعدها إلى جرجان وبعد فراره بسنة فارق الحياة.
إنّ انشغال السامانيين بالنزاعات الداخلية أعاقهم عن التحرّك صوب الشرق؛ لهذا جد الأتراك القراخانيين الفرصة سانحة لهم في تلك الأرجاء لتحقيق طموحاتهم بالحصول على نفوذ كبير مستغلين ضعف السامانيين الذي مكّنهم من الاستيلاء على مناجم الفضّة العائدة للسامانيين والكائنة في وادي زرافشان العلوي وذلك سنة (366).
في سنة (370) استسلمت مدينة «استيفجاب» لهم. والتحق بهم الملاكون الأتراك الذين كانوا عملاء مأجورين للسامانيين، وقد تفضل عليهم السامانيون بتفويض شؤون بعض الإمارات الصغيرة لهم جزاءً للخدمات التي قدّموها لهم.
في سنة «381» تحرّك «بغراخان» القائد العام للقراخانيين صوب منطقة نفوذ السامانيين ودحر الجيش الذي كانوا قد أرسلوه لردعه. وفي السنة التي تلتها وصل نوح بن منصور إلى بخارى بعد فراره، وما عودته إلى بخارى إلاّ بعد مرض بغراخان ووفاته، فاستعاد قدرته فيها. بعد ذلك تحرّك فائق، الذي ساعد القرخانيين في حربهم مع السامانيين، للتنسيق مع أبي علي حاكم خراسان وذلك لينهيا امر الحكومة السامانية فاستنجد نوح بالأمير التركي «سبكتكين» الذي كان قد عيّنه أميراً على التبكين في غزنه فأمده بما يريد فانكسر فائق وأبو علي واتجها صوب المغرب. على أثر ذلك عيّن نوح محموداً نجل سبكتكين أميراً على خراسان. لكن فائق وأبو علي لم يسكتا بل كانا يواصلان جهودهما للقضاء على نوح، ورغم الجهود المتواصلة التي كانا يبذلانها ظلّ نوح على رأس الحكومة السامانية الصغيرة، تلك الحكومة التي كانت تحكم في وادي «زرافشان» السفلي الذي يشمل معظمه بخارى وسمرقند. أمّا الغزنويون فقد سيطروا على خراسان وصارت من حصّتهم.
عندما تربع منصور نجل نوح على عرش الإمارة سنة «387» لم يحالفه الحظ كثيراً إذ بمجرد وصول خبره إلى «إيلك خان» التركي توجه صوب بخارى، والتحق به فائق على مشارف سمرقند. ولمّا علم منصور باتحاد الاثنين أصابه رعب فترك بخارى فارّاً إلى آمل على ضفاف «جيحون»، ولمّا وصل فائق إلى بخارى استغرب من عدم وجود منصور فيها فطلب منه أن يرجع إليها، ولمّا عاد منصور إلى بخارى لم تكن له سلطة حقيقية لأنّ زمام كافة الأمور أصبح بيد فائق. وفي تلك الظروف توفي الأمير سبكتكين، ولمّا علم ولده بوفاته واستيلاء أخيه إسماعيل على غزنين ترك خراسان مضطراً، فعيّن منصور «بكتوزون» الحاجب مكانه أميراً على خراسان على أي حال فإنّ المشاكل الأخرى التي واجهها السامانيون في خراسان جعلت محمد الغزنوي في وقع أقوى خصوصاً بعد قضائه على أخيه. وفي خضم تلك الظروف اتفق «بكتوزن» «وفائق» للقضاء على منصور خصوصاً وهما كانا ناقمين عليه، وبالفعل تمّ لهما ذلك في سنة (389) فأقالاه عن الإمارة ثمّ أعمياه. وعيّنا عبدالملك خلفاً له.
قام هذا الأمير الأخير ومعه «فائق» و«بكتوزون» اللذين أوصلاه إلى الحكم، قام باستعادة قواه لمواجهة خصمه العنيد محمود الغزنوي الذي كان قد استولى على خراسان. وتوجهوا بأجمعهم نحو خراسان لكن في الأثناء توفي فائق فأصاب الخطّة خلل عام. وفي تلك الظروف التي أعقبت تدهور الأحوال بعد وفاة فائق تحرّك «شمس الدولة أبو نصر» وهو أخو «إيلك خان» من كاشغر بجيش جرّار قاصداً بخارى بعدما علم بحقيقة الأوضاع. فحاول عبدالملك عندها تعبئة الناس أن لا يحاربوا القراخانيين المسلمين لهذا فإنّ إيلك خان، ومع أخذه بنظر الاعتبار الوضع المضطرب في خراسان وما وراء النهر، وقصده ـ كما يبدو ـ نجدة عبدالملك في مواجهته لمحمود الغزنوي الذي تطلّع للسيطرة على ما وراء النهر بعد احتلال خراسان، تحرّك في العاشر من ذي القعدة عام «389هـ» فدخل بخارى دون مقاومة تذكر. ولمّا علم «بكتوزون» خرج مع عدد من الأمراء لاستقباله، وعند مراسيم الاستقبال توجه الجميع إلى البلاط الملكي، وعندها أصدر هذا الأمير التركي أمراً باعتقال عبدالملك وكافة أفراد الأسرة الملكية والقادة والأمراء السامانيين، وإيداعهم السجن… وبهذا انقرضت حكومة هذه السلالة الإيرانية وطويت صفحتها.
سيد حسين رئيس السادات
وفيما يلي أسماء الملوك السامانيين:
إسماعيل بن أحمد: 279ـ295هـ، 892ـ907م.
أحمد بن إسماعيل: 295ـ301هـ، 907ـ912م.
نصر بن أحمد: 301ـ331هـ، 913ـ943م.
نوح الأول بن نصر: 331ـ343هـ، 943ـ ش954م.
عبدالملك الأول بن نوح: 343ـ350هـ، 954ـ961م.
منصور الأول بن نوح: 350ـ365هـ، 961ـ976م.
نوح الثاني بن منصور: 365ـ387هـ، 976ـ997م.
منصور الثاني بن نوح: 387ـ389هـ، 997ـ999م.
عبدالملك الثاني بن نوح: 389هـ ـ 999م.
الأوضاع الاقتصادية في بلاد ما وراء النهر وخراسان أيام الدولة السامانية
استمرّ العهد الساماني في بلاد ما وراء النهر حوالي مائة وثمانية وعشرين عاماً. وفي مرحلة عظمة واقتدار الملوك السامانيين السابقين كانت بلاد ما وراء النهر شاملة لأقاليم خراسان، وجرجان، وطبرستان، والري، وسيستان، وبلخ. وكان أمراء وملوك السلالة السامانية إلى ما قبل ستين سنة من الشروع والانفصال عن الدولة السامانية يتمتعون بنفوذ عال وسيطرة قوية.
وعلى مدى حوالي قرن من الزمان، كان الملوك السامانيون في منأى عن حملات الهجوم الخارجي، الأمر الذي يعدّ من أبرازعوامل الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته المنطقة في تلك الفترة.
وبفضل كفاءة، وخبرة، وحسن تدبير الوزراء المقتدرين مثل أبو الفضل البلعمي، وأبو علي محمد البلعمي، وأبو عبدالله محمد الجيهاني، بقيت مدن ما وراء النهر وخراسان لمدّة طويلة من المراكز التجارية المهمة، ومن تلك المدن؛ طراز، واسبيجاب، وبخارى، وسمرقند.
وعلى ما يقول ابن حوقل؛ فإنّ بخارى، في ذلك الزمان كانت تشتهر بصناعة الألبسة الرقيقة الفاخرة، وسجادات الصلاة، والأفرشة، والأواني، وأحزمة الخيول، والسروج، وقد كان السجناء يصعنونها أثناء سجنهم.
في أطراف بخارى، يوجد جبل يعرف باسم «دركت»، وتقع على سفحه قرية «دركت»، ويمتد إلى سمرقند، لينتهي بسلسلة جبال بوتم Bottam، ويتصل بآشروسنة وفرغانة. وفي هذه السلسلة الجبلية «بوتم» يوجد الكثير من المعادن المهمة، مثل: النشادر، والزاج، والزئبق، والحديد، والنحاس، والفيروزج، والأحجار الكريمة.
يقول المقدسي: إنّ منطقة سمرقند غنية من حيث مصادر الثروة المعدنية، وبخاصة الأحجار الكريمة التي توجد هناك بكثرة، وفضلاً عن ذلك، فإنّ هذه الولاية تزخر بأحجار الكلس، والزاج، والنشادر، وأحجار البناء.
ومن جملة الصناعات التي كانت تشتهر بها سمرقند: صناعة الورق، حيث كانت تلك المنطقة تقوم بتصدير الورق إلى مختلف بقاع المعمورة في ذلك الوقت، وكذلك الألبسة الموشّاة والمزركشة بالذهب، والألبسة المذهبة الزاهية، والأقمشة الحريرية الملوّنة. وكذلك، تصنع القدور النحاسية، وسروج الخيل، والأعلام، والبلور.
وكانت قرى سمرقند تصدر محاصيل البندق واللوز، أمّا كرمينية الواقعة بين بخارى وسمرقند فكانت تصدر أنواعاً مختلفة من الشال والعمائم، ومن دبوس يجري تصدير الأقمشة، ومن ربخبى اللباد الأحمر، والسجاد، والأقداح والجفان والقدور النحاسية، والجلود المدبوغة، وحبال الكتّان المتينة المحكمة، والكبريت، وكذلك أنواع من الرز الفاخر الذي يُحصّل في فصل الشتاء.
وعلى مقربة من مدينة سمرقند ينتصب جبل يعرف باسم «كوهك» ويمتدّ سفحه ليلامس سور المدينة، ويبلغ طوله نصف الميل تقريباً، ويستفاد من أحجاره لصناعة الأواني والجفان والقدور الفخارية، كما تُستمدّ منه أحجار البناء، ويستخرج منه معدن الزاج.
ولا تخلو تجارة الرقيق في سمرقند من أهمية وطرافة، حيث كانت تجري هناك عمليات بيع و شراء العبيد والغلمان والإماء.
يقول المؤرخ اليعوبي في هذا الصدد: أخبرني جعفر الخشكي أنّ المعتصم العباسي أرسله إلى نوح بن أسد في سمرقند أيام حكم المأمون (198ـ218 هجرية) ليشتري منه غلماناً من الترك، فكان يبعث إليه في كلّ سنة مجموعة منهم.
لقد كانت سمرقند في ذلك الزمان من أكبر وأهمّ مراكز التبادل التجاري، التي تستقطب أرباب التجارة في بلاد ما وراء النهر، حيث أنّه يجري في هذه المنطقة الحصول على جميع أنواع المحاصيل والمنتوجات والمصنوعات بأوفر من مدن ما وراء النهر وخراسان الأخرى، وذلك إلى عهد ولاية الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني، وقبل أن تتحوّل العاصمة إلى بخارى.
يقول مصنّف (حدود العالم): إنّه في ذلك العصر كانت صناعة الرماح والنبال والسهام والأقواس مزدهرة في مدينة (جاج)، وكانت الأقواس المصنوعة في تلك المدينة موضع رغبة كلّ الدنيا، حيث طبقت شهرتها العالم بأسره.
كما أنّ خوارزم كانت على قدر كبير من الأهمية في تلك الأيام، فأراضيها تتمتع بخصوبة زراعية عالية، بحيث أنّ مقداراً كبيراً من المحاصيل الداخلة في الصناعة (المحاصيل الخام) يفيض عن مقدار الحاجة في كلّ عام، وبخاصّة محصول القطن الخام.
وفي سهول خوارزم ومروجها الفسيحة ترى قطعان كبيرة من الأغنام والبقر التي تشكّل أصوافها وألبانها وجلودها عناصر مهمة من مصادرات خوارزم.
ومن الصادرات الطبيعية والصناعية الأخرى في خوارزم؛ الشمع، وجذوع الأشجار، والعنبر، وأخشاب الصفصاف، والأقواس، وأدوات الصيد، وكذلك الصناعات اليدوية من قبيل؛ الأغطية، والأقمشة والمنسوجات الحريرية، والحرير، والأقفال المحكمة، والقوارب النهرية الصغيرة. كانت خوارزم تعدّ أيضاً من المراكز المهمة لبيع الجلود، ويقصدها التجار من روسية والبلاد الواقعة على بحر الخزر لبيع وشراء الجلود.
وكما في سمرقند، فإنّ تجارة الرقيق كانت مزدهرة في خوارزم، وكان الغلمان والفتيات يؤتى بهم من البوادي، فيُشتَرَون، ويدرّبون على عادات وتقاليد وآداب معينة، ومن هناك يباعون إلى سائر الولايات والأقاليم، حيث يستفاد من الغلمان في الجيوش، والخدمة في حجابة الأمراء والملوك، وقد كان نفوذهم يتّسع إلى حدّ الإقدام على خلع الخلفاء والأمراء، وقتلهم، أو سمل عيونهم، أو حبسهم، فالبتكين مؤسس السلالة الغزنوية ـ على سبيل المثال ـ هو أحد الغلمان الأتراك، اشتري من سوق الرقيق لأحمد بن إسماعيل الساماني.
إنّ شكل المدن في العهد الساماني نموذج مشابه لشكلها في العصور الإسلامية الأخرى، وتتكوّن من القلاع والحصون القديمة، وحارات السكن والربض. وتكون القلاع والحصون عبارة عن قصور ملكية أو دور إمارة «دوائر حكومية» ويخصّص فيها محلّ للسجناء. وتتميّز أسوار هذه الأماكن بسمكها واحتوائها على أبراج محكمة، وبعد القلعة أو الحصن تشيّد دور الأهالي، وتقسّم إلى نواحٍ ومحلاّت وحارات. في أطراف أغلب الحواضر في ذلك الوقت أسوار مرتفعة «أسوار المدن». أمّا الربض فهي عبارة عن البنايات المستحدثة والأسواق والمحلات المنشأة خارج المدن التي عادة ما تكون محوّطة بأسوار قديمة.
ويعتقد أنّ الغرض من أسوار المدن هو الحفاظ على أهلها من هجمات الأعداء والمغيرين، وهذا ما يفسّر الإحكام الظاهر في بنائها، إذ يكون إنشاؤها غالباً من الأحجار القوية، ويضاف إليها الجص والآجر أحياناً. وعلى هذه الأسوار أبراج للمراقبة، تنفصل عن بعضها البعض بمسافات معينة، والغرض منها حماية المدينة وحراستها ومراقبة الطرق المؤدية إليها.
وتكون الأسواق عادة إمّا في داخل المدينة نفسها، أو في الربض والمحلات. ويغلب على هذه الأسواق كونها كبيرة وممتدّة، حتّى أنّ بعضاً منها يصل طوله إلى حوالي الفرسخ، وأغلبها مكسوّ بالآجر، مثل سوق «ترفذ». وكلّ سوق يحمل اسماً معيناً، نتيجة لنوع المعاملات التي تجري فيه، مثل: سوق الحذّائين، وسوق بائعي الفستق، وسوق العطارين، وغيرها.
وعلى جانبي السوق تجد التجارة، والمتسوّقين، والحمالين، وكذلك الدكاكين، والفنادق، وكلّ ما تتطلبه العمليات التجارية. إلاّ أنّ المدن الصغيرة تفتح أسواقها أبوابها في كلّ أسبوع، أو في كلّ شهر مرّة، وخلال أيام معدودة يتوجه الناس والتجار من الأطراف إليها لغرض البيع والشراء، وأغلب هذه الأسواق تكون مختصّة بسلع وبضائع محدّدة، مثل السوق الذي كان معروفاً في بخارى باسم «ماخ روز» والذي كان يفتح أبوابه في السنة مرتين فقط، وفي كلّ مرّة ليوم واحد، ويجري البيع والشراء فيه في ذلك اليوم بما يقرب من خمسين ألف درهم. وينسب هذا السوق إلى أحد رجالات الدولة المسمّى: «ماخ»، يذكر أنّه قد قام بإنشائه، وأمر النحاتين والمصورين أن يعملوا تماثيلهم ومجسّماتهم خلال مدّة سنة لعرضها في هذا السوق في اليوم الذي يفتح فيه.
وفي قرى بخارى كان يوجد سوق سنوي آخر باسم سوق «طراويس» وهو مخصّص ببيع وشراء الأشياء القديمة. وهناك أسواق أخرى تفتح لمدّة عشرة أيام في السنة، أو خمسة عشر يوماً، أو عشرين يوماً.
لقد كانت التجارة في خراسان على عهد السامانيين تحظى باهتمام بالغ، إلاّ أنّ الخلافات بين الأسر المتنفذة، مثل: السيمجوريين، والكامكاريين، والسردارنيين، أدّت إلى تدهور الأوضاع وتخلخل الوضع الأمني شيئاً فشيئاً، ممّا منع من اتساع التجارة إلى بلاد ما وراء النهر. وعلى العموم، فإنّ صناعة أنواع الأقمشة، والمنسوجات الحريرية، استمرّت في القرى، وكذلك فقد كان مستمراً تصدير الجلود المدبوغة، وأدوات الصيد، وحبوب السمسم، إلى خارج المنطقة.
وكانت مدينة (طوس) تصدّر الأواني المعدّة للطبخ، والحصران، والغلاّت، والأحزمة، والعباءات، النفيسة، وتصدّر (مرو) الحرير الخام، والخيوط، وأغطية الرأس النسائية (المقانع والخُمُر)، وأنواعاً مختلفة من الأقمشة، وتصدّر القرى التابعة لها زيت السمسم، والعطور، وتصدّر (بلخ) السمسم، واللوز، والجوز، والرز، وعصير العنب، فيما تشتهر أيضاً بصناعة نوع من الصابون الفاخر، كما كانت تصنع أنواعاً مختلفة من الزيوت، والعصير، والعطور، والعباءات النسائية، فضلاً عن توفّر بعض المعادن في أطرافها كالزاج والرصاص.
إنّ عمليات البيع والشراء في القرن الرابع الهجري كانت تجري بصورة المقايضة (استبدال جنس بجنس آخر) في الغالب، فتتم المعاوضة بين تجار المدن الكبيرة، والصغيرة، والقرى، والقصبات على حدّ سواء. وتتوفر النقود المسكوكة لغرض إجراء بعض المعاملات البسيطة والضرورية في المدن، ولكنّها غير ذات قيمة في غيرها.
إنّ المسكوكات المتداولة في ذلك العصر بعضها كان عالمياً، ويجري التداول بها بين التجار في مختلف مناطق العالم. وتقسّم هذه المسكوكات من حيث جنسها إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأوّل، وهي المصنوعة من الذهب، وتعرف بالدنانير، والقسم الثاني، وهي المصنوعة من الفضة، والقسم الثالث، وهي المصنوعة من مزيج الفضة والنحاس والرصاص، ويعرف القسمان الأخيران بالدراهم.
ويذكر الزشخي، والقدسي، وياقوت الحموي، والاصطخري في مصنفاتهم شروحاً مفصلة فيما يتعلق بالمعاملات التجارية في ذلك الزمان، والمسكوكات المتداولة، فيقولون:
لقد كانت معاملات أهل بخارى تجري بالدرهم، ولم يكونوا يبيعون ويشترون بالدنانير، وتعرف دراهمهم بالغطريفية، وهي سكّة معنية مصنوعة من الحديد والنحاس والرصاص المذاب. ولكن هذه الدراهم غير رائجة خارج بخارى وتوابعها، وتحمل هذه الدراهم صوراً ونقوشاً، وهي من المسكوكات الإسلامية. كما أنّ هناك مسكوكات إسلامية أخرى تعرف بالمسيبية، والمحمدية. وهذه التسميات الثلاث (الغطريفية، والمسيبية، والمحمدية) منسوبة إلى الذين ضربوا هذه السكك؛ غطريف، والمسيب، ومحمد. وقد كانت هذه المسكوكات سوداء اللون، وقد انتشرت بواسطة المحاربين إلى خارج بخارى، ثمّ طغى عليها البياض. وكانت الدراهم الغطريفية تصنع من ذوب الرصاص، والحديد، والنحاس الأصفر.
إنّ أهم وأبرز من ضرب السكة في بخارى هو السلطان (أوكانا نجار خداة) الذي حكم بخارى ثلاثين سنة، واتسعت التجارة على عهده مع كرباس وكندم. وكان قد اطلع على مسكوكات الحواضر والولايات الأخرى، فأمر بضرب السكّة الخالصة في بخارى على ما يشابه تلك المسكوكات، وأمر أن تنقش صورته بالتاج عليها. وقد كان ذلك في أواخر القرن الأوّل الهجري، وبقيت تلك الحال حتّى حكم هارون الرشيد العباسي (170ـ193 هجرية) الذي عيّن غطريف بن عطا والياً على خراسان. إنّ غطريفاً هذا هو شقيق أم هارون (الخيزران). وكان في اليمن، فقدم في شهر رمضان عام 185هـ من اليمن على هارون الرشيد، فولاّه على خراسان. ولدى قدومه إلى خراسان كانت سكة خوارزم هي الرائجة والمتداولة، فيما كانت سكّة بخارى قد فقدت أهميتها، فطلب إليه وجهاء بخارى أن يضرب سكة تكون مستقرّة في البلاد، فضربت الدراهم الغطريفية.
ويمتدّ طريق خراسان الرئيس من (سرخس)، ليصل إلى (مرو)، وهناك حيث يجتاز صحراء الملح في (آمل)، والمعروفة بـ (جهار جوي)، ينتهي إلى ساحل نهر جيحون، وبما أنّ هذا الطريق منطلق من خراسان فإنّه ينتهي في بخارى. وتوجد على هذا الطريق منازل لاستراحة القوافل، ما تزال محتفظة بأسمائها القديمة، وتعرف بها.
ومن (مرو) يتجه نهر كبير باتجاه الشمال الشرقي من طريق خراسان الكبير، ويمتدّ نحو (بلخ)، مجتازاً نهر جيحون، ويصل إلى (ترفذ)، وهناك يتفرّع إلى عدّة اتجاهات.
ومن جهة الشمال الغربي يمتدّ طريق آخر من ترفذ، باتجاه البوابة الحديدية (دروازه آهنين)، وفي منطقة يقال لها: (كندك) يتفرّع إلى جادتين: الجادة اليمنى تتجه إلى الشمال، ومن خلال كش القديمة تصل إلى سمرقند. أمّا الجادة الأخرى، فتمتد باتجاه الشمال الغربي، وعند وصولها إلى نخشب، تتفرّع عنها جادة ثالثة تلتوي عائدة إلى كش من جديد. غير أنّ الطريق الأصلي ما إن يجتاز بيابان حتّى ينتهي إلى بخارى.
وبدلتا نهر جيحون الذي يقع في ولاية خوارزم، ينتهي طريق يذهب من (آمل) بخراسان، موازياً للساحل الأيسر للنهر، ويتجه إلى طاهرية، ومن هناك يتجه نحو منطقة (هزار أسب)، ومنها باتجاه الطرف الأيسر، أي: من خيوة القديمة يصل إلى الجرجانية.
ويوجد طريق آخر يتجه إلى كات، والمدن السواحلية الواقعة على الضفة اليمنى من نهر جيحون. وطريق آخر يبدأ من الجادة الجنوبية الشرقية، ليجتاز بيابان، بصورة مستقيمة متجهاً إلى كات، ومنها يذهب إلى بخارى.
وفي منطقتي جرجان وطبرستان، لا توجد طرق كثيرة بسبب التعرجات في تضاريس سلسلة جبال البرز. وقد ذكر المقدسي والاصطخري من تلك الطرق: طريقاً يمتدّ من الريّ باتجاه الشمال، ويمرّ بأسك، وپلور القديمة، وينتهي بآمل.
كما يذكر ابن حوقل، والاصطخري منازل الاستراحة الواقعة على طريق من آمل باتجاه الغرب، على امتداد ساحل البحر، ويصل إلى كيلان.
وكذلك، يذكر المدسي طريقاً يبدأ من جرجان، ويمتدّ إلى المشرق، باتجاه اخراسان.
العمارة السامانية
تنويع متطور للأساليب الإسلامية العباسية
عرف العالم الإسلامي في القرن التاسع الميلادي تطورات مهمة تجسدت بالأخص في تشرذم الإمبراطورية التي أسسها العباسيون على أنقاض الدولة الأموية، ونشوء دويلات مختلفة في الغرب والشرق. ففي الأندلس أنشأ عبدالرحمن الداخل دولة مستقلة منشقة عن الدولة العباسية. وفي المغرب أسس الأدارسة دولة دامت نحو قرنين واتخذوا من فاس عاصمة لهم. أمّا في مصر فقد استقل أحمد بن طولون عن العباسيين وحافظت البلاد على هذا الاستقلال مدّة طويلة.
وكذلك حدثت حركات انفصالية مشابهة في الأقسام الشرقية من الإمبراطورية، تجسدت في نشوء دويلات كانت أولاها دولة بني طاهر في خراسان التي جعلت من مرو عاصمة لها، ثمّ الدولة الصفارية التي انطلقت من سجستان وامتدت حتّى فارس وكشمير. غير أنّ الدولة الأقوى والأهم كانت بلا شك الدولة السامانية التي أسسها نصر بن أحمد ودامت حتّى العام 999م، وشملت سجستان وكرمان وجرجان وما وراء النهر وخراسان. ومن المعروف عن السامانيين أنّهم كانوا من كبار مشجعي العلوم والفنون والآداب. وكانت عاصمتهم بخارى عاصمة ثقافية من الدرجة الأولى وقادرة على منافسة بغداد. وتؤكد الوثائق التاريخية أنّ الرازي الشهير قدم دراسة طبية لأحد الأمراء السامانيين أمّا ابن سينا فاطلع على مكتبتهم الغنية في بخارى. كذلك نشأت في الحقبة السامانية أوّل نهضة للغة الفارسية فتحت آفاقاً جديدة للأدباء الفرس.
وبالنسبة إلى النتاج الفني، فإنّ النماذج القليلة التي بقيت لنا من تلك الحقبة تعدّ من الروائع، وأوّلها الصروح المعمارية مثل ضريح الأمير إسماعيل الساماني في بخارى المشيد بين 913 و943م من الآجر. وتجدر الإشارة إلى أنّ الآجر كان مادة البناء الأساسية التي اعتمد عليها في العراق وبلاد فارس منذ آلاف السنين بسبب عدم توافر الحجارة الجميلة كما في مصر وبلاد الشام.
ضريح إسماعيل الساماني من أقدم الأضرحة في العالم الإسلامي، وهو على شكل مكعب له قبة ومفتوح من جهاته الأربع. ويؤكد البحاثة، ومنهم الفرنسي أندريه غودار، أنّ هذا الشكل مستوحى مباشرة من معابد النار الساسانية، ممّا يظهر امتزاج التقاليد الإسلامية بالتقاليد السابقة. ويتمتع هذا الضريح بجمال خاص ممّا يفسّر تركيز البحاثة عليه في مجمل الكتب التي تعني بالعمارة الإسلامية. وتعود شهرته إلى طريقة زخرفته المبتكرة، وهي تقوم على تغطية جدرانه الداخلية والخارجية بقطع الآجر الصغيرة بحيث تكون تارة نافرة وتارة أخرى غائرة ما يسمح بتجسيد تحولات اللون والضوء. صحيح أنّه سبق لنا التعرّف إلى مثل هذه الطريقة في استعمال الآجر في باب بغداد في مدينة الرقة السورية وفي بعض أبنية مدينة سامراء العراقية، لكنّها لم تبلغ أبداً درجة الكمال الفني التي تطالعنا في ضريح إسماعيل الساماني.
إلى جانب استعمال الآجر كمادة زخرفية، لجأ الفنانون أيضاً إلى مادة الجص (أو الجفصين بالعامية) لتكسية الجدران المبنية من الآجر وكانوا في البداية يصبونه لزجاً في القوالب الخاصة ثمّ يقومون بنقشه بأزاميل حتّى يصبح صالحاً لتغطية الجدران. ومن المعروف أنّ استعمال الجص كمادة زخرفية تقليد إسلامي يرجع إلى الحقبة الأموية. ويعدّ قصر الحير الغربي في سورية من أقدم الأبنية التي تشهد على استعمال الجص، وهو شيّد في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك (723ـ742م) ويقع على بُعد 60 كيلومتراً من تدمر، ويتألف من طابقين ومحاط بالأبراج الدائرية.
وخلال فترة حكم السامانيين تمّ تشييد مسجدين صغيرين استعمل فيهما الجص بصورة رائعة، يقع الأوّل في مدينة بلخ الأفغانية التي كانت قبل انتشار الدعوة الإسلامية مركزاً بوذياً مهماً، وعرفت في القرن العاشر ازدهاراً كبيراً، لكنّها اليوم قرية صغيرة منسية اكتشفت فيها منذ سنوات قليلة أنقاض جامع سمّاه المنقبون الأثريون السوڤيات «جامع القباب التسع» بسبب مخططه الغريب، إذ أنّه عبارة عن قاعة مسقوفة ومربعة تعلوها تسع قباب صغيرة، وهي مفتوحة من جميع الجدران باستثناء جدار القبلة الذي يتضمن المحراب. وشيّد هذا الجامع من الآجر وفق تقنية قديمة مستعملة في دمغان منذ الحقبة الساسانية. وتغطي جدرانه الزخارف الجصية الجميلة المتنوعة والمستوحاة خصوصاً من مفردات الأزهار والنبات المصاغة بشكل مجرد. ولا تقع هذه الزخرفة أبداً في الرتابة والتكرار، بل على العكس ترتدي في كلّ زاوية حلّة جديدة معتمدة على إيقاع موسيقي داخلي يمنحها أبعاداً جمالية عالية.
المسجد الثاني المشيد خلال المرحلة السامانية هو مسجد نايين الذي يعدّه البحاثة تحفة فنية بسبب زخارفه الجصية التي تطالعنا فوق المحراب والأعمدة والأقواس، وهي تصل هنا أيضاً إلى مستوى نادر من الجمال والإبداع. وكان المستشرق س. فلوري أوّل من أدرك أهمية هذا الجامع فكرّس له دراسة كاملة العام 1930 مع رسوم مفصلة لأبرز الزخارف التي تمزج بين الأشكال الهندسية والخط العربي والمفردات النباتية بأسلوب مذهب قائم على منطق متكامل.
إنّ مراجعة العمارة الفارسية خلال المرحلة السامانية، وهي تشكل امتداداً للعمارة العباسية التي سبق وتعرفنا عليها في سامراء عاصمة الخلفاء في القرن التاسع، تكشف عن مقدرة الفنانين المسلمين الكبيرة في استعمال المواد الهشة مثل الجص وتحويلها إلى مواد طيّعة قادرة على بلوغ مستويات جمالية عالية.
ومن شعراء الشيعة
في العهد الساماني
أبو عبدالله جعفر بن محمد الرودكي.
قال ولي الله زحمتكش فيما ترجم لنا من أقواله عن الفارسية:
ولد في قرية رودك من قرى سمرقند وتوفي سنة 329هـ ودفن في قريته التي كان قد ترعرع فيها.
حفظ القرآن وبدأ بنظم الشعر وهو لا يزال صبياً. وقد قربه الأمير نصر الساماني واهتم به، ولذا كبر اسمه وشأنه.
وكان أبو الفضل البلعمي الوزير العالم الساماني معجباً به وهو الذي شوّقه لنظم كليلة ودمنة.
وقدج قال عنه السمعاني في (الأنساب):
إنّه أوّل من قال الشعر الجيّد بالفارسية، وقال أبو سعد الإدريسي الحافظ: أبو عبدالله الرودكي كان في زمانه مقدماً في الشعر بالفارسية على أقرانه.
وكان أبو الفضل البلعمي وزير إسماعيل بن أحمد يقول: ليس للرودكي في العرب والعجم نظير»([203]).
وينقل عن العوفي في لباب الألباب وعن رشيدي السمرقندي أنّ أشعاره عُدّت فكانت مائة ألف بيت شعر.
وقد بقي من آثاره: ألف بيت من الشعر، وكتابه المنظوم كليلة ودمنة الذي ترجم إلى العربية في عهد الأمير نصر بن أحمد الساماني. وكان مترجمه أبو الفضل محمد البلعمي. ومن آثاره (عواس النفايس) و(تاج المصادر)، ومنظومة سندباد نامه (التذكار)، وما أشار إليه المؤرخون عن موته الغريب سنة 329هـ في قريته دليل على أنّ الرودكي في آخر أيام حياته طرد من قصور الملوك ولم يعودوا يهتمون به([204]).
والرودكي يوصف في كتاب تاريخ علوم إيران وأدبياتها بأنّه أبو الشعر الفارسي وسلطان الشعراء.
يقول ولي الله زحمتكش:
لأنّ الأمير نصر الثاني كان إسماعيلياً، وكان الرودكي إسماعيلياً أيضاً لذا كان الأمير يهتم به، ولكن بعد أن ساء وضع الإسماعيلية، وترك الأمير نصر الولاية وذهاب أبو الفضل البلعمي، نرى أنّ وضع الشاعر قد تغيّر وساءت حياته، وأهانوه كثيراً.
ونقول: إنّ القول بأنّ الأمير الساماني كان قرمطي المذهب لا يمكن التسليم به، وتنفيه وقائع التاريخ. والكاتب نفسه أضاف إلى قوله السابق كلمة (إسماعيلي)، فهو يخلط بين القرامطة والإسماعيليين، مع أنّ القرامطة والإسماعيليون متناقضون في كلّ شيء. ويمكن ان يكون نصر الثاني إسماعيلياً، وكذلك يمكن أن يكون الرودكي.
وللمعروفي البلخي بيت من الشعر يوضح فيه مذهب الرودكي، ومضمون هذا البيت:
سمعت من الرودكي سلطان الشعراء
لا تنظر في العالم أحداً سوى الفاطمية
وفي كتاب التشيع (سيري در فرهنگ وتاريخ تشيع) جاء:
«من الشعراء الأوائل الناطقين باللغة الفارسية: الرودكي والكسائي المروزي، وهما شيعيا المذهب اعتماداً على الروايات المختلفة، والرودكي أوّل شاعر فارسي ممتاز ومذهبه الإسماعيلية. بعد أن انتمى نصر بن أحمد الساماني إلى الإسماعيلية، والرودكي كذلك أصبح إسماعيلياً.
ومن الشعراء الشيعة
الكسائي المروزي من الشعراء المعروفين الذائعي الصيت في أواخر العصر الساماني وأوائل العصر الغزنوي. وهو السبّاق لناصر خسرو في إنشاء أشعار العظة والنصح وبث روح التحرر وسبّاق ناصر خسرو أيضاً في عقيدته الشيعية ونشر فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
إنّ ديوان شعره كان موجوداً حتّى القرن السادس الهجري وكان صاحب كتاب «النقض» ومؤلف كتاب «لباب الألباب» قد شاهدا ديوانه ولكن الذي يؤسف له أنّ هذا الديوان قد اختفى ويجب الآن التنقيب عن أشعاره في كتب الآخرين وفي التذاكر. والذين طالعوا ديوانه لا يشكّون في تشيعه وانتمائه إلى المذهب الإثني عشري. يقول عبد الجليل الرازي:
«… إنّ جميع أشعار ديوان الكسائي كانت في فضائل المصطفى وآل المصطفى (عليه وعليهم السلام) ومدحهم. ويقول أحد الذين جمعوا أشعاره:
كان الكسائي من الشيعة ومن أتباع آل العصمة والطهارة وأنّ عقيدته بالتشيع وإخلاصه لأسرة الرسول، قد أدّى به إلى أن يبرز بين بقية شعراء عصره.
والحقيقة أنّ أشعاره القليلة المتبقية تؤكد عقيدته بالتشيع. وإليك مضمون بعض أشعاره: «امدح واثن على الذي مدحه النبي وأثني عليه وقلّده جميع الأعمال. من هو ذاك؟ أيكون غير أسد الله حيدر الكرار، لو تخيلت دين الهدى كالدائرة فإنّ مركز هذه الدائرة يكون الرسول وخط الفرجار هو حيدر. لقن الرسول العلم علياً فكان مثل سحاب الربيع الذي يروي البساتين والحدائق».
والأمر الذي يؤكد تشيع الكسائي الخالص ويبرز عقيدته وقدرته على نظم الشعر في الفضائل هي قصيدته المطولة التي كانت قد ضاعت ولكن لحسن الحظ وبفضل جهود أحد المحققين المعاصرين في السنوات الأخيرة عثر عليها في إحدى مكتبات أسطنبول في تركيا إنّ هذه القصيدة تؤكد بوضوح أنّ شاعر مرو خراسان المعروف الذي كان يعيش في عصر كبت أبناء الشيعة (أوائل العصر الغزنوي) كيف تمكن وبكل صراحة وبدون أي خوف أن يبرز عقائده وأن يدافع عن التشيع وعن أهل البيت (عليهم السلام) بقوّة وباستدلال. كما أنّه لم يدافع عن الأعمال المتطرفة. وقد كان ينتقد بكامل قدرته الخلفاء الأمويين والعباسيين وكان يعاتب سبكتكين والپتكين (الغزنويين) اللذين كانا يوهمان أنّهما يدافعان عن الإسلام.
يقول الكسائي ما مضمونه: «ثلثمائة وسبعون سنة مضت منذ عهد الرسول وقد شبعت المنابر من أسماء وخصال سكين وتكين [أي سبكتكين والپتكين]. إنّ المنبر الذي تلوث بأقدام مروان ويزيد كيف يمكن أن يعرف منه اسم زين العابدين».
هذه القصيدة هي نموذج من أحد الآثار الأدبية في القرن الرابع ونموذج من الأشعار المفقودة لشاعر كبير وهي مهمة من ناحية التحقيق في الأحوال الفكرية في إيران آنذاك وتشير إلى أسلوب الدعاية والاستدلال عند الشيعة آنذاك وكيفية عقائدهم وإيمانهم».
وفيما يلي مضمون بعض أبيات هذه القصيدة: «إن كنت مؤمناً إفهم فضل أمير المؤمنين، فضل حيدر أسد الله المرتضى الطاهر. فضل ذلك الذي لو وضعت الرسول جانباً فهو الأفضل وهو عمود الإسلام إمام المتقين. فضل الأصفياء وصهر فخر الأنبياء. أيّها الناصبي إن لم تعلم فضل سر ذي الجلال فانظر إلى آية (القربى) وإلى (أصحاب اليمين). اقرأ {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ} [آل عمران: 16] وانظر لعنة الله من «نبتهل» إلى «الكاذبين». اقرأ «لا فتى إلاّ علي» واعلم تفسيره أو من قاله ومن يعرفه غير «الروح الأمين».
والشاعر المعروف (رودكي) الذي كان يعيش في بلاط السامانيين قد آمن بالتشيع قبل الكسائي المروزي.
سامراء
ـ1ـ
يجمع الباحثون الذين تناولوا تأسيس هذه المدينة بالدراسة، على أنّ إنشاءها يعود إلى زمن الخليفة العباسي المعتصم الذي تولّى الخلافة بعد وفاة أخيه المأمون سنة 218هـ (834م)، حيث كانت أكثرية جنده من الأتراك الذين ضاقت بهم بغداد بعد أن آذوا سكانها، لذلك فكر المعتصم بالانتقال منها واختيار موضع سامراء ليكون مقراً له ولجنده. وأراد أن تكون العاصمة الجديدة في موقع غير بعيد عن مدينة السلام كما كانت تسمّى بغداد آنذاك وكذلك أن يكون هذا الموقع على نهر دجلة ليؤمن الاتصال السهل مع بغداد ما يساعد في ازدهار الموقع الجديد ويوفر له السيطرة على بغداد عند الضرورة.
استقرّ رأيه سنة 221هـ (837م) على أن يشيد مدينة المعتصم (أو كما يسميها بعضهم مدينة القاطول نسبة إلى نهر القاطول الذي يسمّى الآن نهر القائم، على بعد عشرة كيلومترات جنوب سامراء الحالية عند المنعطف الحالي لنهر دجلة في الأراضي المعروفة بالقادسية وقامت على جانب النهر في موقع كان فيه بعض المزارع والأديرة والمساكن.
استقدم المعتصم العمال المهرة والفنيين من أنحاء البلاد الإسلامية لتشييد العاصمة العباسية، وجلب قسماً من مواد البناء من بغداد والبصرة والشام وغيرها من المدن الإسلامية. وأوّل ما قام به هو تشييد المسجد الجامع والأسواق، وبقي هذا الجامع إلى عهد الخليفة المتوكل، فضاق على الناس، فهدمه وبنى المسجد الجامع الكبير وبقربه المنارة (المئذنة) الشهيرة بـ «الملوية». كما قام ببناء مدينة خاصّة به، سمّاها المتوكلية على بُعد بضعة أميال من سامراء، وشيّد فيها مسجداً آخر، ونقل كثيراً من رجال دولته الذين بنوا لهم قصوراً فيها.
أصبحت المدينة هذه من أجمل المدن التي أنشأها الحكام المسلمون، وضمّت أجزاءً خاصّة لسكن فرق الجيش وموظفي الدولة وعامة الناس وأطلق عليها اسم سامراء (سر من رأى) وكانت في أيام ازدهارها سيّدة من مدن العالم.
لكن «سر من رأى»، ما فاجأت العالم بظهورها إلاّ لتفاجئه مرّة أخرى بكسوفها الدائم، نتيجة الوضع المتدهور والاختلاف الواقع في الدولة العباسية بسبب العصبية التي كانت بين الأمراء الأتراك المسيطرين على مجريات الدولة آنذاك، فقد هجرها الخليفة العباسي المعتمد سنة 279هـ (893م) هجراناً تاماً، وانتقل منها إلى بغداد العاصمة العباسية القديمة ليتخذ منها مقراً له لستة أشهر قبل وفاته في السنة نفسها، وحمل إلى سامراء ودفن فيها، وأصبحت سامراء وكأنّها لم تكن فانقلب ذلك المجهود الجبار بين عشية وضحاها أي بعد انقضاء نحو خمسين عاماً على تأسيسها إلى أطلال، حيث حكمها ثمانية خلفاء، هم: المعتصم بالله، والواثق بالله، والمتوكل على الله، والمنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، والمعتمد على الله.
ويشير ياقوت الحموي في «معجم البلدان» إلى خراب سامراء بقوله: «لم يبق منها إلاّ موضع المشهد ـ ويقصد مشهد الإماميين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام)، ومحلة (حارة) أخرى بعيدة منها يُقال لها كرخ سامراء، وسائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلّها أحسن منها، ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً».
وهكذا انتهت قصة سامراء العباسية لتقوم على جزء من أطلالها مدينة سامراء الحالية، التي كانت إحدى الحارات الشهيرة في أيام المعتصم المعروفة بـ «عسكر المعتصم». وإلى هذا الموضع نسب الإمام الحسن بن الإمام علي الهادي (عليه السلام) فعرف بالعسكري، وكان يسكن هذه الحارة، ودفن فيها من قبله والده، الإمام علي الهادي (عليه السلام) الذي توفي سنة 254هـ (868م)، ولما توفي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة 260هـ (873م) دفن إلى جوار أبيه وأصبح مشهد الإمامين المعروف بـ «الروضة العسكرية» نواة مدينة سامراء الحالية فشيّدت الدور والمنازل والأسواق والمباني الأخرى حولها، التي بنيت على الطراز الإسلامي، وباستعمال مواد البناء التي انتزعت من مباني مدينة سامراء القديمة، وهي الطابوق الطيني المفخور «الآجر». وقد حافظت المدينة على عمرانها ووضعها إلى ما بعد انقراض الدولة العباسية.
وفي عهد مدحت باشا الوالي العثماني على بغداد أصبحت مدينة سامراء الحالية مركز قضاء تتبع له مدن وقصبات كثيرة أهمها تكريت والدور.
وكان يحيط بسامراء الحالية سور ضخم يبلغ طول محيطه كيلومترين، شيّد سنة 1250هـ (1834م)، وأنفق على بنائه أحد ملوك الهند. وكانت لهذه السور أربعة أبواب هي: باب القاطول في الغرب، وباب بغداد في الشرق، وباب الناصرية في الشمال، وباب الملطوش في الجنوب. وهدم معظم هذا السور عقب توسع المدينة في كلّ الاتجاهات، وأصبحت مركزاً علمياً ودينياً وسياسياً مرموقاً بعد أن انتقل إليها المرجع الكبير السيد محمد حسن الشيرازي وآثر الإقامة فيها، وتشييد أحد أبرز المعاهد الدينية في العراق، حيث درست فيه العلوم الإسلامية كافة، وربّى جيلاً من العلماء أبرزهم المرجع الكبير الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي قائد الثورة العراقية الكبرى عام 1920م، وقد هدمت السلطات الحكومية هذا المعهد في السنوات الأخيرة.
وبعد قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921م. أصبحت سامراء قضاء تابعاً إلى بغداد.
ولمدينة سامراء اليوم أهميتها التاريخية، ومكانتها الإسلامية لوجود مشهد الإمامين، ولقربها من بغداد، ويجلب إليها وجود بعض الآثار العباسية الكثيرة من الزوار والسياح. أمّا أبرزها معالمها العمرانية فهي:
مشهد الإمامين
(الروضة العسكرية)
تقع الروضة العسكرية في قلب مدينة سامراء الحالية، وتعتبر أحد أبرز المعالم الحضارية والإسلامية في العالم الإسلامي، وهي مشيدة على أرض خصبة ورملية، ويحيط بها سور من الطابوق (الآجر) والجص، ويتوسط الروضة ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام).
وفي عهد ناصر الدولة الحمداني سنة 333هـ (944م) تمّ تشييد قبة الضريحين وإحاطتهما بسور متين. وفي العهد البويهي قام معز الدولة ثالث سلاطينهم بتعمير قبة الروضة العسكرية وسرداب الغيبة، وجعل لضريحهما صندوقاً من الخشب.
وقام عضد الدولة البويهي سنة 368هـ (978م) بتجديد عمارة الروضة والأروقة ووسع الصحن (الفناء المكشوف) وشيّد سور للمدينة التي أخذت بالاتساع.
وفي العهد السلجوقي سنة 495هـ (1102م) تّم تجديد أبواب الروضة وإعادة بناء سور لها وذلك من قبل الوزير مجد لدولة. وفي سنة 640هـ (1242م) شبّ حريق في الروضة، فأمر الخليفة العباسي المستنصر بالله بإعادة إعمارها بشكل أفضل.
وفي العهد الصفوي قام الشاه حسين سنة 1106هـ (1695م) بتزيين جدران الروضة من الداخل بخشب الساج، ودعم البناء، وعمل شباكاً من الفولاذ للضريحين وأمر بتبليط أرضيتها وملحقاتها بالرخام.
أمّا العمارة التي تشاهد اليوم للروضة العسكرية، فقد بدأ تشييدها سنة 1200هـ (1786م) من قبل أحمد خان الدنبلي من حكام أذربيجان وأتمّها ولده حسين قلي خان الدنبلي سنة 1225هـ (1810م)، وفي سنة 1285هـ (1868م) أمر ناصر الدين شاه القاجاري بتجديد شباك الضريحين وكسا القبة من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب، وكسا المآذن بالبلاط القاشاني المزخرف.
المئذنة العلوية (ملوية سامراء)
تعدّ مئذنة الجامع الكبير في سامراء والشهيرة بـ «ملوية سامراء» أحد أبرز المعالم المعمارية والإسلامية في العراق، ويعتبر هذا الجامع الذي بناه الخليفة العباسي المتوكل بين عامي 232ـ238هـ (847ـ853م) من أهم الآثار العباسية الباقية إلى يومنا هذا.
وتقع ملوية سامراء على مقربة من الجدار الشمالي للمسجد، وعلى المحور الممتد بين الباب والمحراب تماماً. وهي مخروطية الشكل، بنيت من الطابوق «الآجر» والجص، وتقوم على قاعدة مربعة الشكل طول ضلعها 32 متراً يبدأ فوقها سلم حلزوني مبني من الطابوق (الآجر) والجص أيضاً ويدور حولها خمس دورات باتجاه معاكس لدوران عقرب الساعة، وينتهي في القمة بغرفة مستديرة ارتفاعها ستة أمتار، لها باب من الجهة الجنوبية وتقوم فوقها قبة صغيرة، ويبلغ ارتفاع الملوية حوالي 52 متراً عن مستوى سطح الأرض.
وهذا النوع من المآذن التي يتم الصعود إلى قمته من خلال سلم متلوٍ مكشوف إلى الخارج وذلك بخلاف سائر المآذن في مساجد العالم الإسلامي، التي يتم الصعود إلى أعلاها من سلم يقع في داخل المئذنة.
مئذنة مسجد أبي دلف
تعتبر هذه المئذنة ثاني مئذنة ملوية في العراق، فهي تشبه من ناحية التصميم والبناء مئذنة المسجد الجامع الكبير (ملوية سامراء). ويعدّ مسجد أبي دلف الجامع حيث تقوم هذه المئذنة، من أهم المباني الأثرية التي بقيت من المدينة المتوكلية.
قصر المعشوق
ويعرف أيضاً باسم قصر العاشق، ويعتبر من القصور الأثرية العباسية المهمة في سامرء. شيّده الخليفة العباسي المعتمد على الله سنة 275هـ (889م) وأقام فيه قبل تركه سامراء نهائياً إلى بغداد.
ويقع القصر على طريق بغداد ـ الموصل الرئيسي على بُعد حوالي 125كلم إلى الشمال من مدينة بغداد على الضفة الغربية لنهر دجلة، مقابل دار الخليفة وإلى الجنوب من قصر الجص في الحويصلات.
قصر الخليفة المعتصم
وهو المسمّى بدار الخلافة والجوسق الخاقاني، شيّده الفتح بن خاقان بطلب من الخليفة العباسي المعتصم سنة 221هـ (837م)، ويبعد حوالي 2500 متر إلى الشمال من ملوية سامراء، وما تزال بقايا أطلاله على ضفة نهر دجلة، ومنها مدخله، ويصل المرء من مستوى النهر إلى مدخل القصر الذي يقع في الواجهة المطلة على نهر دجلة عن طريق به درجات (سلالم). وقصر الخليفة المعتصم كبير وواسع ويحيطه سور ضخم من اللبن مدعم بالأبراج.
قصر الجص في الحويصلات
يقع هذا القصر في الجانب الغربي لنهر دجلة إلى الشمال من قصر المعشوق. شيّده الخليفة العباسي المعتصم. ويتكوّن من بناية مربعة الشكل. ومواد بناء هذا القصر هي الطابوق (الآجر) والجص واللبن، وجدرانه بوجه عام مكسية بالجص، وقاعته مزخرفة الجدران.
القبة الصليبية
وتقع إلى الجنوب من قصر المعشوق غير بعيدة عنه، وعلى مرتفع يشرف على نهر دجلة من الجانب الغربي ويقابل الجوسق الخاقاني تقريباً.
تضمّ هذه القبة رفات ثلاثة خلفاء عباسيين ويحتمل أنّ التسمية مشتقة من تصالب أبوابها الأربعة، وهناك من يعتقد أنّها مشتقة من دين السيدة التي أمرت بتشييدها لدفن ابنها المنتصر بالله.
وقد شيّدت هذه القبة سنة 246هـ (861م)، ودفن فيها بالإضافة إلى المنتصر بالله، الخليفة المعتز بالله المتوفى سنة 255هـ (869م) والخليفة المهتدي بالله المتوفى سنة 256هـ (870م).
ورغم بساطة تخطيط القبة الصليبية، خصوصاً الغرفة المربعة، فقد اعتمد أساساً لمعظم المقابر والمشاهد التي شيّدت بعدها.
رؤوف الأنصاري
سامراء
ـ2ـ
سامراء هي العاصمة الثانية من عواصم خلفاء بني العباس أنشأها الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد سنة 835م في الجانب الشرقي من نهر دجلة لتكون عاصمة الخلافة بدل بغداد. وسكنها من بعده سبعة خلفاء كان آخرهم الخليفة المعتمد على الله الذي سكنها بضع سنين ثمّ هجرها لينقل مقر الخلافة ثانية إلى بغداد. فأخذت سامراء بالإضمحلال تدريجاً إلى أن أصبحت خراباً ولم يبق منها سوى الأطلاق باستثناء بعض معالمها التي ما زالت قائمة، من أهمها جامع الجمعة ومنارته الملوية.
وتذكر المصادر التاريخية أنّ المعتصم لدى اتخاذه مدينة سامراء عاصمة لحكمه أسّس الجامع أوّلاً. وبقي ذلك المسجد إلى أيام الخليفة المتوكل الذي بدأ بإنشاء جامع ضخم سنة 849م بدلاً من الجامع القديم، وانتهى من بنائه سنة 852م وما يزال هذا الجامع الذي شيّده المتوكل يعتبر من أكبر وأهم المساجد الأثرية الباقية التي شيّدت في العصور الإسلامية المختلفة.
يمتاز هذا الجامع بوسعه وضخامته وبمئذته الحلزونية، إلاّ أنّ معظم معالمه وطرزه المعمارية اندثر بسبب نقل مواده البنائية من قبل السكان واستعمالها لأغراض البناء الخاصّة ولم يبق منه سوى جدرانه الداخلية لارتفاع يتراوح بين 10 و12 متراً، والسبب يرجع إلى عظم سمكها الذي يزيد عن 2،5 متر.
كان يحيط بالجامع سوران، الخارجي مبني باللبن مستطيل الشكل مقاساته نحو 440م×276م يدعمه 68 برجاً. أمّا السور الداخلي فهو مشيّد بالآجر ومستطيل الشكل أيضاً مقاساته 240×156م مدعم من الخارج بأربعة وأربعين برجاً بهيئة نصف دائرية. هذا بالإضافة إلى وجود أربعة أبراج دائرية تقريباً كلّ منها في ركن من أركان الجامع وهي اكبر من باقي الأبراج ومشيدة على قواعد مستطيلة وقياسات أضلاعها 5,45×2,25م.
وتزين الأجزاء العليا من أضلاع الجامع الأربعة من الخارج زخارف هندسية قوامها مشكاوات مدورة ومقعرة ومحاطة بإطار منتظم مربع الشكل تقريباً ضلعه هو 1،70م وفوق المشكاوات وعلى ارتفاع 30سم تقريباً نجد افريزاً من الآجر. وفي أضلاع الجامع مزاريب عدّة كان الغرض منها تصريف المياه يتراوح عرضها بين 27سم ـ 40سم وعمقها بين 27سم ـ 30سم، استحدثت بواسطة نقر الجدران.
وتقوم منارة الجامع على بُعد 27,25 متر من الضلع الشمالي وتعرف باسم «الملوية» وهي مبنية على قاعدة مربعة طول ضلعها 33م مزينة بمشكاوات معقودة بأقواس مدببة عرض كلّ منها متر واحد وارتفاع القاعدة عن الأرض وحتّى رأس القوس 2،25م. ويبلغ مجموع عددها 33 مشكاة. وفوق القاعدة تنتصب المنارة على شكل حلزوني مؤلف من خمس طبقات تتناقص سعتها كلّما ارتفعت إلى الأعلى ويدور حولها درج يؤدي في نهايته إلى قمة المنارة وهي مزينة من الخارج بمشاكي عددها ثمان إحداها، التي تقع عند الجانب الجنوبي للمنارة، مفتوحة وبها باب يوصل إلى سلم شديد الانحدار يبدأ مستقيماً ثمّ يصير حلزونياً وفي نهايته نجد قمة المئذنة التي تعلو ارتفاعاً نحو خمسين متراً فوق سطح القاعدة.
وقد أبانت الحفريات عن جود سلم منحدر طوله 25م وعرضه 12م يبدأ من الواجهة الشمالية للجامع ثمّ يأخذ في الارتفاع حتّى يتصل بالقاعدة التي تقوم عليها الملوية في المكان الذي يبدأ فيه السلم الحلزوني الذي يؤدي إلى أعلى المنارة.
للجامع سبعة عشر مدخلاً أساسياً. واختيرت تلك المداخل بشكل يتناسب مع الأروقة الداخلية للمسجد وموزعة على أضلاعه الأربعة.
يشغل المسجد مستطيلاً طوله 240م وعرضه 156م. ويستدل من نتائج الحفريات التي أجريت في المسجد على أنّ طول جدار القبلة 150م وعمق بيت الصلاة 62م، وكان يضم تسعة أروقة للصلاة تحدّها تسعة صفوف من الدعامات. وكانت الدعامات مبنية بالآجر قاعدتها مربعة طول ضلع كلّ منها متران وترتفع بهيئة مثمن إلى ارتفاع يقرب من 10،5م، وعند كل ركن من أركان المثمن عمود طويل من الرخام أسطواني الشكل.
وفي أعلى الجدار القبلي 24 نافذة، 12 منها على يمين المحراب و12 إلى يساره. كان الغرض منها إضاءة بيت الصلاة، وكلّ نافذة بهيئة مشكاة محاطة بإطار مستطيل ارتفاعه نحو 2،5م وعرضه 1،90م أمّا صحن المسجد فهو واسع وفسيح، وتشير الحفريات الأولى التي أجريت هناك إلى أنّه كان فيه حوض ماء في وسطه نافورة لم يبق من آثارهما شيء من الوقت الحاضر.
أعمال الحفريات والصيانة
بدأ الاهتمام بجامع الجمعة منذ العام 1937 فقامت مديرية الآثار العامة في العراق بإجراء التحريات والحفريات التي ترافقت مع أعمال الصيانة الأثرية في مناطق كثيرة من أجزائه حيث نقلت كميات كبيرة من الأتربة والأنقاض من داخل المسجد ورممت جدرانه إلى مستويات مختلفة خصوصاً من الخارج كما رممت المنارة الملوية. بدأ العمل بتنظيف الرواقين الشرقي والغربي فظهر معظم أرضية الجامع المبلطة بالآجر الكبير كما عثر على أسس الدعامات الكائنة في بيت الصلاة وتمّ ترميمها. بعدئذ انتقل العمل إلى صحن المسجد فرفعت الأنقاض منه وظهرت في وسطه آثار الفوارة، كما نقلت كميات كبيرة جداً من الأتربة التي كانت متراكمة بين سوري الجامع الخارجي والداخلي حتّى ظهرت جدرانه التي تدخل على روعة في البناء. وبعد نقل الأتربة من الجامع بدأت أعمال الصيانة، فقلعت الأقسام المتآكلة من أضلاعه من الداخل وتمّت صيانتها إلى مستويات مختلفة بنفس المواد المستخدمة أصلاً وهي الجص والآجر، وتمّ التوصل إلى معرفة شيء جديد في تاريخ الجامع وهو تلك الفتحات الصغيرة في الجدران والقريبة من أرضية المسجد التي توحي للناظر بأنّها مداخل صغيرة إلاّ أنّها كانت شرفات.
أمّا في السنين اللاحقة فقد سار العمل على مرحلتين: الأولى إجراء التحري في المناطق الكائنة بين سوري الجامع الخارجي والداخلي لتبيان ما تبطنه تلك المناطق من مرافق بنائية يمكن الاهتداء بها إلى معرفة التقاسيم العمرانية والطرز المعمارية المستخدمة. والأخرى هي إجراء الصيانة في الأقسام العليا من أضلاع الجامع لغرض المحافظة على الزخرفة الهندسية التي تظهر فيها من الخارج، وترميم مناطق أخرى من المسجد.
بالإضافة إلى الأعمال السالفة الذكر فقد رمّم محراب جامع الجمعة الموجود في الجدار الجنوبي بصورة مقاربة لما كان عليه. ولعدم وجود معالم أصلية للأعمدة، ارتأت مديرية الآثار العامة وضع أعمدة من حجر الكلس كلّ منها بقاعدة وتاج بسيط لا يخرج عن بعض التفاصيل التي ظهرت في أعمدة أخرى كانت من بقايا مباني سامراء ومنها أعمدة جصية معروضة الآن في متحف سامراء.
سامراء
ـ3ـ
سامرّاء اسم آراميّ([205])، وهو في أصله مقصور كسائر الأسماء الآرامية بالعراق مثل «كربلا وعكبرا وحَرَوْرا وباعقوبا وبَتمَّار وتامَرّا» وقد مَدَّ العرب كثيراً من هذه الأسماء الآرامية المقصورة في استعمالهم إيّاها، وخصوصاً ذكرها في الشعر إلحاقاً لها بالأسماء العربيّة أو توهماً منهم أنّها عربيّة تجمع بين المدّ والقصر، مثل كثير من الأسماء التي انضمت عليها اللغة العربيّة ذات الأصول العربية.
رأيت «سامرّا» مكتوبة في نسخة تاريخ الطبري المطبوعة بمصر، أعني بالألف المقصورة وسيأتي النصّ وهكذا.
ولم يذكر لسترنج المستشرق المشهور العالم المحقق معنى «سامرّا» الآرامية، ولا مُترجما كتابه إلى العربية([206]) في الترجمة، وإذ كانت الآرامية فرعاً من فروع اللغة السامية الأمّ، وكان الغالب على «سينها» أن تبدل «شيناً» في العربية جاز أن يكون بين مادة «شمر» العربيّة و «سامرا» الآرامية صلة لفظية وصلة معنوية.
قال الأصمعي: «التشمير: الإرسال من قولهم: شمّرتُ السفينة: أرسلتها، وشمّرت السهم: أرسلته» . وقال ابن سيدة: «شمّر الشيء: أرسله، وخصّ ابن الأعرابي به السفينة والسهم». وقال أبو عبيدة في التسمير (بالسين) الوارد في الحديث: «وسمعت الأصمعي يقول: أعرفه بالشين وهو الارسال، قال: وأراه من قول الناس: شمّرت السفينة: أرسلتها، فحُوّلت الشين إلى السين»([207]). فغير بعيد إن كانت «سامرا» عند الآراميين فرصة كبيرة لإرسال السفن في دجلة أو دار صناعة لها، ولدجلة عندها خليج لا يزال على حاله القديمة يتبطّح فيه الماء عند الزيادة. مع هذا فتفسيري هذا لا يخرج عن عداد الحُسبان؛ وذلك لعُسر تفسير الأسماء الواغلة في قديم الزمان.
وقال الأب أنستاس ماري الكرملّي: «لا جَرَم أن الذي أسس سامرّا وبناها هو الخليفة العباسي المعتصم بالله.. أما اسم المدينة فليس من وضع المعتصم نفسه بل هو قديم في التاريخ، فقد ذكره المؤرخ الروماني أميانس مرقلينس الشهير الذي ولد سنة (320) وتوفي سنة (390) بصورة (سومرا Sumera (ونوّه به زوسميس المؤرخ اليوناني من أبناء المائة الخامسة للمسيح صاحب التاريخ الروماني بصورة (سوما) Souma ويظن أهل النقد من أبناء هذا العصر أنّه سقط من آخر الاسم حرفان والأصل (سومرا: Soumara) وورد في مصنفات السريان (شومرا) بالشين المنقوطة، وعرّفها ابن العبري باسم السامرة (كذا) وهذه عبارته([208]): «فلما جدّوا (أي الناس) في زمن بناء برج بابل في ذلك بأرض سنعار وهي السامرة، قات نمرود بن كوش راصفي الصرح بصيدة…». (راجع كتابه؛ مختصر الدول ص 19 من طبعة اليسوعيّين في بيروت). والغلط ظاهر إذ ليست السامرة في بلادنا بل في فلسطين، لكنّ مجانسة اللفظ الواحد للآخر خدعته فقال ما قال… أما الكلمة فليست بعربية صرفة وإن ذهب إلى هذا الرأي كثيرون من المؤرخين والكتبة واللغويين، وذلك لعتقها كما أوضحناه وهي عندنا من أصل سامي قديم ويختلف معناها باختلاف تقدير اللفظة المصحفة عنه، فإذا قلنا: إن أصلها (شامريا) فمعناها الله يحرس المدينة أو بعبارة أخرى (المحروسة)، وإن قدّرنا أصلها (شامورا) بإمالة الألف الأخيرة فمعناها الحرس أي منزل الحرس أو مواطن الحفظة بتقدير حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه، وهو كثير الورود في جميع اللغات السامية. وعليه نعتبر قولهم إن (سامرا) تخفيف (سُرَّ من رأى) أو (ساء من رأى) من قبيل الوضع، ولهذا لم يقبل أحد من المستشرقين هذا الرأي وعدّوه في منتهى السخف.
وزعم الأستاذ هرزفيلد أن اسم هذه البلدة قد جاء في الكتابات الآشورية بصورة (سرمارتا Su – Mar – Ta) وأنها كان لها في أيّام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان.
أما مدّ «سامرا» وجعلها سامراء فهو محدث أحدثه العرب إجراءاً منهم لهذا الاسم مجرى الأسماء العربية كما ذُكر انفاً، وكانوا يفعلونه حتّى مع اعترافهم بأن الاسم غير عربيّ.
قال ياقوت الحموي: عُكبرا بضمّ أوله وسكون ثانيه وفتح الباء الموحدة، وقد يمدّ ويقصر، والظاهر أنّه ليس بعربيّ…
وقال حمزة الأصبهاني: بزرج سابور معرب وزرك شافور وهي المسماة بالسريانية عكبرا([209]).
وللأستاذ كاظم الدجيلي مقالة جيّدة بعنوان: «أثار سامراء الخالية وسامراء الحالية» قال فيها: «أما اسمها فقد اختلفت الروايات فيه وفي معانيها (كذا) وكلها لا نصيب لها من الحقيقة، وأصدق لغة رويت في اسمها هو (كذا) سامراء بفتح السين بعدها ألف يليها ميم مفتوحة وبجانبها راء مثقلة مفتوحة ثمّ ألف ممدودة وفي الآخر همزة. وأما قولهم: إن الرواية الصحيحة هي (سُرَّ مَن رأى) أو (سام راه) فهذه وغيرها من مخترعات المخيلة، ومن التآويل التي أنتجتها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون والاكتفاء بما يرضيه. ولو فكروا قليلاً لأقرّوا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الاسم، ولعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأمم الخالية، فكيف يُطلَب لها معنى في اللغة العربية؟!».
قلت: قد ذُكر رُجحان المقصور «سامرا» على الممدود «سامراء» في كلام سابق لهذا، واستبانت أسباب الرجحان، ويضاف هنا أن مدّ الأسماء الأعلام غير مألوف في غير اللغة العربية من اللغات السامية، والغالب عليها فيها القصر، وإذ كانت اللغة البابليّة واللغة الآشورية واللغة الكلدانيّة مع تشابههنَّ من اللغات السامية كاللغة العبريّة فلا بأس في البحث عن معنى «سامرا» في اللغة العربيّة مع مُراعاة أطوار الأبدال والأوزان في اللغات المذكورة وهي في الصعوبة بمكان، بحيث لا يعلمها إلاّ متقن تلك اللغات ودارس علم الموازنة بينها. ومع ذلك فلا حرج في إقامة باعث على التفكير في معنى الاسم، أو إحداث فكرة تدور حولها، والبحث عن معاني الأعلام المدنية هو مما اعتاده المؤرخون المحدثون والآثاريون العصريون، لأنّه ذو فائدة لعلم التاريخ والحضارة البشرية وعلم اللغات، اعتاده أيضاً البلدانيون القُدامى كما ترى في معجم البلدان لياقوت الحموي، وإنّما الذي يؤخذ عليهم أنّهم كانوا يحاولون رجع معظم الأسماء الأعلام وعامّتها إلى اللغة العربيّة وهو الذي أنكره محقاً الكاتب الفاضل، مع أن البلاد التي أنشئت فيها تلك المدن والبلدان والقرى والنواحي المعمورة لم تكن قديماً من البلاد العربيّة، أما مواضع جزيرة العرب فكان لهم كلّ الحقّ في البحث عن معاني أسمائها لأن واضعيها كانوا عرباً. وكان من الغلط المبين قول أبي محمد الحريري: ويقولون: للبلدة التي استحدثها المعتصم بالله (سامرا) يوهَمُون فيه كما وَهِم البحتري فيها إذ قال في صَلب بابَك:
أخليتَ منه البذّ وهو قرارُه
ونصبتَهُ علَماً بـسامـرّاءِ
والصواب أن يقال فيها (سُرِّ من رأى) على ما نُطق بها في الأصل؛ لأن المسمّى بالجملة يُحكى على صيغته الأصليّة كما يقال: جاءَ تأبّط شراً.. وحكاية المسمّى بالجملة من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فلهذا وجب أن يُنطق باسم البلدة المشار عليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها ولا تغيير لها، وذاك أن المعتصم بالله حين شرع في إنشائها ثقُل ذلك على عسكره فلما انتقل بهم إليها سُرَّ كل منهم برؤيتها فقيل فيها سُرَّ من رأى، ولزمها هذا الاسم وعليه قول دِعبِل في ذمّها:
بـغداد دار الملوك كـانت
حتّى دهاها الذي دهـاهـا
ما سُرَّ من را بسُرَّ من را
بل هي بُؤسى لمن رآها
وعليه أيضاً قول عبيدالله بن عبدالله بن طاهر في صفة الشعري:
أقـول لـمـا هـاج قلبي ذكرى
واعتَرَضَت وسطَ السماء الشِّعرى
كـأنّـها يـاقـوتـةٌ في مِـدري
مـا أطـولَ الليـل بسُرَّ مَن را!
فنطق الشاعران باسمها على وضعه وسابق صيغته وإن كان قد حذفا همزة «رأى» لإقامة الوزن وتصحيح النظم.
وليس ما قاله الحريري بالمروي الصحيح وإنّما الصحيح أنّ المعتصم بالله سأل عن ذلك الموضع فقيل له: اسمه سامرّا، فأراد التفاؤل على عادة العرب، فقال: نسمّيها سُرَّ من رأى.
قال أبو الثناء محمود الآلوسي معقّباً: وما أنكر الحريري غير منكر، قال ابن برّي عن ثعلب وابن الأعرابي: وأهل الأثر يقولون، كما قال أيضاً: اسمها القديم ساميرا، سُمّيت بساميرا ابن نوح عليه السّلام لأنّه أقطعه إياها، فكره المعتصم ذلك فغيّرها، والأقرب أن يكون التغيير إلى سامرا. وحكى بعض أهل اللغة أنّها سميت (ساء من رأى) فحذفت همزة ساء وهمزة رأى لطول الكلمة. وقيل سامرا حكى بعضٌ فيها ست لغات: سُر من رأى، ببناء الفعل للمفعول، و(سرَّ من رأى) ببنائه للفاعل أو (ساء من رأى) و(سامرا) بالقصر و(سامراء) بالمدّ، و(ساميرا). وفي القاموس (سر من رأى) بضم السين والراء وبفتحهما وبفتح الأول وضم الثاني وسامراء، ومدّه البحتري بالشعر وكلاهما لحن، وساء من رأى، وسُرّاء ممدودة مشدودة مضمومة، والنسبة سُرَّمري وسامرّي وسرّي. ونقل بعد ذلك من معجم البلدان لياقوت الحموي.
وأنا لم أنقل التعقيب على الحريري على أنّه خبر تاريخي صحيح بكماله، بل نقلته لإثبات أن من القدماء من قال بقدم الاسم «سامرا»، وإن كان في رأيهم أنّه «ساميرا» ففي اللغة يُبدل أحياناً أحد الضعفين ياءاً كما قالُوا «إيبالة» في الإبّالة وهي الحزمة من الحطب والحشيش، وقالوا أصل الدينار «دنّار» بدلالة جمعه على دنانير، وقالُوا باطراد في مصدر «فَعَّل يفعَّلُ» تفعيلاً، وكان القياس يوجب أن يقولُوا «تفعِعْلا» لأن في الفعل عيناً مضعفة، ينبغي ظهورها في المصدر كما تظهر في «تفعَّل تفعُّلا».
ويُعلم مما قدمتُ أنَّ جميع لغات «سامرا» التي نقلناها، تلك التي يقول فيها ياقوت «سُرَّ من رأى وسُرَّ من رَى وسُرَّ من راء وساءَ من رأى وسام راه الفارسيّ وسُرور مَن رأى وسُرَّاء» صح ما هي إلا تلعبات باللفظ وتخريجات منه للتفاؤل تارة وللتشاؤم مرة أخرى، إلا أنَّ تسمية المدينة بُسرَّ من رأى غلبت على جميع التسميات لأن المعتصم شاء ذلك، ثم ضعفت بمرور الزمان، فكان من الناس من يسميها «سامرّا» وكان منهم من يسمّيها «سُرّ مَن رأى» على اعتبار أنّه الاسم الصحيح وليس بذاك، كما بيناه هناك.
وسامرّا كثرت فيها الأساطير ككل مدينة عريقة في القدم، فقال حمزة الأصفهاني: كانت سامراء مدينة عتيقة من مدن الفرس تُحمَل إليها الأتاوة التي كانت موظفة لملك الفرس على ملك الروم، ودليل ذلك قائم في اسم المدينة لأن (سا) اسم الأتاوة، و(مرّة) اسم العدد، والمعنى أنّه مكان قبض عدد جزية الرؤوس. فحمزة استنتج تاريخها من تحليل اسمها على الطريقة الفارسية؛ لأن اللغة الفارسية آرية أي تركيبية لا اشتقاقية كاللغات الساميّة، وهذا التحليل واهٍ، فإنّه يقال: ما الباعث على حمل الأتاوة إلى أهل هذه المدينة ولم تكن من مُدن الحدود بين المملكة الفارسيّة على اختلاف أطوارها والدولة الرومية على اختلاف فتوحاتها، لأنّ الدولة الرومية كانت في غرب المملكة الفارسية، فالأَولى أن يكون مكان القبض على الفرات لا على دجلة.
قال ياقوت: وقال الشعبي: وكان سام بن نوح له جمال ورُواء ومنظر، وكان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عند خروجه من السفينة ببازَبْدَى([210]) وسمّاها ثمانين([211])، ويشتو بأرض جُوخا، وكان ممرّه من أرض جوخا إلى بازبدا على شاطئ دجلة من الجانب الشرقيّ، ويسمّى ذلك المكان الآن (سام راه) يعني طريق سام.
وقال إبراهيم الجنيدي: سمعتهم يقولون إن سامراء بناها سام بن نوح عليه السّلام ودعا أن لا يصيب أهلها سُوء. فهذه أمثلة لما ابتُدع من الأهوال في تاريخ سامرا، وقد نسب بعضها إلى رجال ثقاة رغبة في ترويجها بين الناس، وهي طريقة مبتدعي الأساطير المألوفة عندهم المعروفة عند ذوي الأفكار الناقدة.
ومن الطريف ما ذكره ابن بشارٍ المقدسي قال: «سامرا كانت مصراً عظيماً ومستقر الخلفاء في القديم، اختطها المعتصم وزاد فيها بعده المتوكل وصارت مرحلة، وكانت عجيبة حسنة حتّى سُميت سرور من رأى ثمّ اختُصرت فقيل سُرْمَرى… فلما خربت وصارت إلى ما ذكرنا. سُميت ساء من رأى ثمّ اختصرت فقيل سامرا.
وقال مؤرخ آخر: حُكي في بعض الكتب أن سُرّ من رأى كانت مدينة عظيمة عامرة كثيرة الأهل فأخربها الزمان حتّى بقيت خربة وبها دير عتيق، وكان سبب خرابها فيما حكي في الكتاب المذكور أن أعراب ربيعة وغيرهم كانوا يغيرون على أهلها فرحلوا عنها».
الطيرهان
وكانت منطقة سامرا تعرف في أيام الساسانيين باسم «الطيرهان»، قال أحمد بن أبي يعقوب: «كانت سُرّ مَن رأى في متقدم الأيام صحراء من أرض الطَّيرهان لا عمارة بها، وكان بها دَير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار للسلطان المعروفة بدار العامة([212]) وصار الدير بيت المال». وقال أبو الحسن المسعودي في ذكر موضع سامرا: «وهو في بلاد كورة الطيرهان». وقال أيضاً: فانتهى المعتصم إلى موضع سامرا وكان هناك للنصارى دير عاديّ، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا. قال له المعتصم: وما معنى سامرا ؟ قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنّها مدينة سام بن نوح. فقال له المعتصم: ومن أي البلاد هي وإلامَ تُضاف ؟ قال: من بلاد طيرهان إليها تضاف. ويستفاد من وصف ابن سراخيون للنهر الإسحاقي أن الطَّيرهان كانت تشمل الجانب الغربي من هذه البقعة، فقد ذكر أن الإسحاقي كان يمر بطيرهان حتّى يجيء إلى قصر المعتصم «ص 18، 19».
وذكرها ابن خُرداذبه قال: تكريت… والطَّيرهان والسنّ والحديثة… قال ذلك في كتَّه كور الموصل. وقال قدامة: وإذ قد أتينا على أعمال المشرق فلنرجع إلى أعمال المغرب، فأولها حدّ الفرات تكريت والطَّيرهان والسنّ والبوازيج وارتفاعها على أوسط العبَر سبع مائة ألف ألف درهم. وكرّر ذلك في كتابه.
وهذه المنطقة كانت مشهورة منذ أواخر القرن الأول للهجرة على عهد الوليد بن عبدالملك، ومن بعده فقد جاء في أخبار الجاثليق النسطوري (صليبا زخا) أنه كان من أهل الطَّيرهان وتعلّم بالمدائن وأنه نصب فشيون الباجرمي أسقفاً على الطَّيرهان. وبقي هذا الاسم مستعملاً بعد ذلك بدلالة أن الجاثليق النسطوري سرجيس رتب قيّوماً تلميذه أسقفاً بالطَّيرهان وفي أيامه قُتل المتوكل على الله العباسي، وكان إيشوعَزْخا أسقفاً على الطَّيرهان في خلافة المعتمد على الله العباسي، وفي الربع الأول من القرن الخامس للهجرة كان إيليا الأول أسقفاً على الطَّيرهان، وفي أيام القائم بأمر الله العباسي كان مكيخا بن سليمان القنكاني أسقفاً على الطَّيرهان، وكان نرسي أسقف هذه المنطقة في بعض عهد الناصر لدين الله العباسي (575 ـ 622 هـ). وقرَضَ المغولُ الدولة العباسية سنة 656هـ، وكان عمانوئيل أسقفاً على الطَّيرهان بعد هذا التاريخ. وفي بعض عهد الملك أباقاخان ابن هولاكو (663 ـ 680 هـ) كان برخيشوع مطرانها.
وذكر ماري بن سليمان مؤرخ كرسي الفطاركة ما يفيد أن «الطَّيرهان» كانت معروفة بهذا الاسم قبل 393 من تاريخ اسكندر المقدوني وهي السنة التي توفي فيها مار ماري السليح. فالتسمية قديمة قد ترتقي إلى العصر الآرامي والعصر اليوناني بالعراق، واستمرت إلى أواخر القرن السابع للهجرة ولعلها بقيت إلى أكثر منه، إلاَّ أنَّ اسمها مذكور في الكتب النصرانية أكثر مما في الكتب الإسلاميّة، كما قدّمنا ونقلنا. وطيرهان في صورته اللفظية أقرب إلى اللغة الفارسية منه إلى اللغات الساميّة، بالضد من سامرا.
قِدَم السكن في سامراء
كانت مدينة «أربيل» الحالية المعروفة في التاريخ الإسلامي بإربل وفي التاريخ الآشوري بأربيلا تُعدّ أقدم بلدة مسكونة في عصرنا هذا، لاستمرار السكن فيها من العصر الآشوري إلى اليوم وبعده، ثمّ ظهر في أن سامرا هي القُدمى فقد أثبتت التنقيبات الأثرية في أطلالها أن موضعها كان آهلاً منذ أدوار ما قبل التاريخ. وقد كشف الأستاذ الآثاري الألماني هرزفيلد فيها عن مقبرة من تلك الأدوار بين السنّ الصخر وآثار العصر العباسي على نحو من ميل واحد من جنوب دار الخليفة أي دار العامة القائمة الأواوين الثلاثة، وعثر على نوع من الفخار المصبوغ أطلق عليها اسم (فخار سامرا) وهو يمثل دوراً من أدوار ما قبل التاريخ المشار إليه آنفاً وقد سمي (دور ثقافة سامرا) إضافة له إلى الموضع الأثري الذي كشف فيه عن هذا الفخار أول مرة، ثمّ عثرت مديرية الآثار العراقية على موضعين آخرين في سامراء يرتقي عصورهما إلى ذلك الزمن، أحدهما في شمالي المقبرة المقدم ذكرها والآخر في جنوبي سامرا على ضفة دجلة فوق صدر القائم ويسمّى تل صوان، وقد جاء اسم هذا الموضع في الكتابات الآشورية بصورة (سُرمارتا Su – Ur – Mar – Ta) وكان لهذا الموضع في أيّام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان خاصّة ولقربهِ من النهر المعروف بالقاطول الكسروي أي القناة الكسروية.
الدكتور مصطفى جواد
أسماء سامراء
في الشعر العربي
لسامراء عند الشعراء العرب أسماء عديدة منها: سامراء، قال البحتري:
وأرى المطايا لا قصورَ بـهـا
عـن ليـلِ سـامـراء تَذرعُهُ
وقال ابن حماد أبو الحسن علي بن عبيد الله البصري:
وأرض طوس وسامراء قد ضَمِنَت
بغدادُ بدرَين حَلاّ وسـطَ قَـبـرينِ
وما ذكره السيّد صالح البغدادي في قصيدته الميمية في مدح الإمام علي الهادي عليه السّلام بقوله:
وعاش بـسامراء عشرينَ حِجةً
يُجَرَّعُ مِن أعـداهُ سـمَّ الأراقمِ
سقى أرضَ سامراءَ مُنهمِرُ الحَيا
وحَـيـّا مَغـانيها هُبوبُ النسائمِ
وقول السيّد محسن الأمين:
يـا راكـب الشَّـدنيّة الوَجناءِ
عَرِّج على قبرٍ بـسـامـراءِ
أبكي، وهل يشفي الغليلَ بكائي
بَدرَينِ قد غَـرَبـا بـسامراءِ
وقول السيّد محمد القطيفي:
ثمّ عَـرِّج يا مُرشد النفس إلى
أرضِ سامراءَ تَنَشقْ مِن ثَراها
وسامرا مقصوراً، ومنه قول ابن حمّاد:
وفـي غربيِّ بـغـدادٍ وطوسٍ
وسامـرا نجـومٌ ظـاهـراتُ
وقول الشيخ مُفلح:
بـطوس وسامرا لهم وبطَيبةٍ
وبغدادَ أيضاً والغَريِّ منازلُ
وسر من رأى ذكره الحموي في المعجم قال: ومنه قول المنتصر:
إلـى الله أشـكـو عـبـرةً تَتحدّرُ
ولـو قد حدا الحـادي لَظلَّت تَحدَّرُ
فيا حسرةً إن كنتُ في سُرّ مَن رأى
مـقيـماً وبـالشـامِ الخليفةُ جعفرُ
ومنه قول الشاعر:
بنفسيَ مَن نالت به سُرَّ مَن رأى
فَخـاراً له تعنو النجومُ الكوانِسُ
ومنه شعر عضد الدولة البويهي:
وفـي أرض بغدادٍ قبورٌ زكيّةٌ
وفي سر مَن را معدِنُ البركاتِ
وسُرّ من را غير مهموز، كما في قول الحسين بن الضحاك:
سُـرّ مـن را أسَرُّ مِن بغدادِ
فالْهُ عن بعضِ ذِكرِها المعتادِ
تبدل سامراء
قال الدكتور أحمد سوسة: تقع مدينة سامراء الحالية على الضفة اليسرى من نهر دجلة على مسافة 130 كيلومتراً شمالي بغداد، وهي تبعد زهاء (175) كيلو متراً عن بغداد بطريق النهر، وقد بنيت على أطلال مدينة سر من رأى العباسية وتمتد على طول نهر دجلة إلى أبعاد شاسعة، فتمتد مسافة تسعة كيلو مترات تقريباً جنوبي المدينة الحالية وحوالي الخمسة والعشرين كيلومتراً شماليها أي أن مجموع طولها يبلغ زهاء (34) كيلومتر أما عرضها فيتراوح بين الكيلومترين والأربعة كيلومترات أي بمعدل ثلاثة كيلومترات وعلى هذا الأساس يمكن تقدير مساحة مدينة سامراء العباسية مئة وعشرة كيلومترات مربعة وإذا ما أضفنا إلى هذه المساحة حديقة حيوانات المتوكل (حير المتوكل) التي تقع في أقصى الحدود الجنوبية وهي نحو خمسين كيلومتراً مربعاً وكذلك مساحة منطقة القادسية الواقعة بجوار الحديقة المذكورة وهي حوالي سبعة كيلومترات مربعة جازلنا أن نقدر مساحة سامراء العباسية بحوالي (167) كيلومتراً مربعاً. ولو أضفنا إلى ذلك مساحة معسكر اصطبلات والقائم على ضفة نهر دجلة اليمنى وهي حوالي (58) كيلومتراً مربعا أمكننا اعتبار مجموع مساحة سامراء العباسية (225) كيلومتراً مربعاً. هذا عدا مشتملات المدينة من بساتين وحدائق وقصور على الجانب الأيمن من نهر دجلة وهي المشتملات التي تقع بين نهر دجلة ونهر الإسحاقي والتي تمتد على طول ضفة دجلة الغربية مقابل سر من رأى. ولا شك أن هذه المساحة الهائلة تجعل مدينة (سر من رأى) في عداد أكبر مدن العالمين القديم والحديث ـ إلى أن قال ـ: غير أن هذا الازدهار العجيب لم يستمر مدّة طويلة لأنّ المدينة تفقد صفة العاصمة التي كانت علّة وجودها وعامل كيانها قبل أن يمضي نصف قرن على نشأتها فأخذت في الإقفرار والإندراس بسرعة هائلة لا تضاهيها سرعة. وبعد أن كان الناس يسمّونها باسم سر من رأى أضحوا يسمونها ساء من رأى. وبعد أن كان الشعراء يتسابقون في مدح قصورها أخذوا يسترسلون في رثاء أطلالها. وفي الواقع ماتت سامراء ميتة فجائية بعد عمر قصير لم يبلغ نصف القرن وأمست رسوماً وأطلالاً.
سامراء الجديدة
وهيئتها الحاضرة
تبعد سامراء عن بغداد نحو مائة وعشرين كيلومتر يستطيع المسافر أن يقطعها بالقطار في مدّة أربع ساعات أو بالسيارة في نحو ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات. وتقع محطّة قطار سامراء في الجهة الغربية من نهر دجلة على بعد أربعة كيلومترات من ضفتها ومع هذا هناك خط فرعي يوصل القطار إلى الشاطئ فلم يترك على المسافر إلاّ العبور إلى الضفة الشرقية بالزورق. أما طريق السيارات فيمرّ من مخافر ومحطّات التاجي والمشاهدة والناذريات وسميكة وبلد والاصطبلات إلى أن يصل الجسر الذي يربط ضفتي النهر فيدخل المدينة الحالية. وتقع مدينة سامراء الحالية في الجهة الشرقية من نهر دجلة على بعد نصف كيلومتر من ضفتها. والمدينة الحالية مسوّرة بسور مضلع على شكل يميل إلى الاستدارة يبلغ طول محيط السور المذكور كيلومترين ولا يتجاوز قطره الأعظم ستمائة وثمانين متراً والمساكن والحوانيت متكاثفة داخل السور في دروب ضيقة مجتمعة حول الجامع الذي يحتوي على ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السّلام. ولسور المدينة أربعة أبواب: باب القاطول في الغرب، وباب النصارية في الشمال، وباب بغداد في الشرق، وباب الملطوش في الجنوب. ولقد هدم باب القاطول قبل بضع سنوات وبنيت دائرة الحكومة والمدرسة الابتدائية ودائرة البلدية، والمستشفى، خارج السور على طرفي الطريق الممتد من باب القاطول إلى الشريعة والمعبر والجسر كما بنيت على ضفتي النهر بناية تحتوي على مضخات الماء ومكائن الكهرباء وأسست خلف ذلك حديقة للبلدية، وقد أخذ الناس يبنون بعض الدور في العرصات الواقعة بين السور وبين شاطئ النهر. وكذلك هدم باب الملطوش وبني خارجه مسلخ ومذبحة، وأما باب بغداد فقد حول إلى متحف محلي تعرض فيه نماذج من الآثار المستخرجة من الحفريات التي تقوم بها مديرية الآثار القديمة في أطلال سامراء.
إنّ مدينة سامراء الحالية مبنية على أطلال المدينة القديمة ومحاطة بها من كل الجهات وتمتدّ أطلال المدينة القديمة على طول نهر دجلة إلى أبعاد شاسعة وتصل من جهة الجنوب إلى محل قريب من فم نهر «القائم» ومن جهة الشمال إلى صدر نهر «الرصاص»، ولذلك يبلغ طول الأطلال نحو أربعة وثلاثين كيلومتراً، تقع ثمانية منها جنوب المدينة الحالية والبقية في شمالها.
كلام الحَمَوي
في انحلال سامراء
قال في معجم البلدان عند ذكره سر من رأى: ولم تزل كل يوم سر من رأى في صلاح وزيادة منذ أيّام المعتصم والواثق والمتوكل إلى آخر أيّام المنتصر بن المتوكل. فلّما ولي المستعين وقويت شوكة الأتراك واستبدوا بالملك والعزل وانفسدت دولة بني العباس لم تزل سر من رأى في تناقص للاختلال الواقع في الدولة بسبب العصبية التي كانت بين أمراء الأتراك إلى أن كان آخر من انتقل إلى بغداد من الخلفاء وأقام بها وترك سر من رأى بالكلية المعتضد بالله فخربت حتّى لم يبق منها إلا موضع المشهد. ومحلة أخرى بعيدة منها يقال لها كرخ سامراء، وسائر ذلك خراب يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلّها أحسن منها ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً منها. فسبحان من لا يزول ولا يحول.
قال: وذكر الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه المسمّى بالعزيزي قال: وأنا اجتزت بسر من رأى منذ صلاة الصبح في شارع واحد عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت لم تعدم إلاّ الأبواب والسقوف، فأمّا حيطانها فكالجدد، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر حتّى انتهينا إلى العمارة منها وهي مقدار قرية يسيرة في وسطها. ثمّ سرنا من الغد على مثل تلك الحال فما خرجنا من آثار البناء إلاّ نحو الظهر، ولا شك أنّ طول البناء كان أكثر من ثمانية فراسخ.
كلام ابن المعتز في انحلال سامراء
«قال» في المعجم عند ذكره سامراء: كتب عبدالله بن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سر من رأى ويذكر خرابها: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكانها، وأقعد جدرانها. فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. فكان عمرانها يطوى. وكان خرابها ينشر وكلفت إلى الهجر نواحيها واستحث باقيها إلى فانيها. وقد تمزقت بأهلها الديار. فما يجب فيها حق الجوار. فالظاعن منها ممحو الأثر. والمقيم بها على طرف السفر. نهاره إرجاف وسروره أحلام ليس له زاد فيرحل. ولا مرعى فيرتع، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا بعدما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض. وقرار الملك. تفيض بالجنود أقطارها. عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد، كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول. على خيل تأكل الأرض بحوافرها. وتمد بالنقع سائرها، قد نشرت في وجوهها غرار كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين، ونيطت عذاراً كالشنوف في جيش يتلقف لأعدائه أوائله. ولم ينهض أواخره. وقد صب عليه وقار الصبر. وهبت له روائح النصر. يصرفه ملك يملأ العين جمالاً. والقلوب جلالاً. والناس في دهر غافل. قد اطمأنت بهم سيره. والدهر يسير بالمقيم يمزج البؤس بالنعيم، وبعد اللجاجة انتهاء والهم إلى فرج. ولكل سائلة قرار. وبالله أستعين ومحمود على كل حال. قال: وكان ابن المعتز مجتازاً بسامرا متأسفاً عليها، وله فيها كلام منثور ومنظوم في وصفها، ولما استدبر أمرها جعلت تنتقض وتحمل أنقاضها إلى بغداد ويعمرها بها، فقال ابن المعتز:
قد أقفرت سُـرّ مَن رأى
ومـا لــشـيءٍ دوامُ
فـالنـقض يـحمل منها
كــأنــهــا آجـامُ
مـاتــت كما مات فيلٌ
تـُسـلُّ مـنـه العظامُ
سامراء
ـ4ـ
تقع سامراء شمال مدينة بغداد على بعد نحو (130) كيلومتراً على الضفة اليسرى من نهر دجلة. وهي قضاء تابع لمحافظة بغداد من الناحية الإدارية.
أُسست مدينة سامراء بعهد الحاكم العباسي المعتصم بن هارون الرشيد سنة (221 هـ/836م) وهو ثامن خلفاء بني العباس ليجعلها عاصمة جديدة، ثمّ وسعها ابنه الواثق. وأوصلها إلى أقصى اتساعها المتوكل إلاّ أنّ المدينة تركت بعد ذلك وأعاد المعتمد مقر الخلافة إلى بغداد، ولم يكن قد مرّ عليها إلاّ أربع وخمسون سنة مَلَك خلالها ثمانية من خلفاء بني العباس وهم: المعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ، والمهتدي، والمعتمد.
ولا تُعرف مدينة اتسع عمرانها في بضع سنوات كما اتسع عمران مدينة سامراء حتّى امتد إلى مسافة (35) كيلومتراً على ضفتي نهر دجلة.
ومدينة سامراء الحالية مبنيّة على أطلال مدينة سر من رأى القديمة.
والناظر إلى مدينة سامراء يرى هناك قُبتَين؛ إحداهما مُغَشّاة بزلاج الذهب والثانية مغشاة بالكاشي الأزرق الملون.
أمّا القبّة الزرقاء فيقع تحتها الجامع الكبير، وما يسمّى سرداب الغَيبة، وهي مستديرة الشكل.
أمّا القبّة الذهبية فيقع تحتها ضريحا الإمامين؛ علي الهادي وولده الحسن العسكري عليهما السّلام، كما يوجد معهما في الضريح جعفر بن علي الهادي وأخوه حسين والشريفة حكيمة بنت محمد الجواد والشريفة نرجس زوجة الإمام الحسن العسكري، وغيرهم من آل البيت الأطهار، والقبّة الذهبية تقع في وسط الصحن الشريف.
إنّ قبّة الإمامين مطلية بالذهب الذي تبرّع به السلطان ناصر الدين شاه القاجاري وذلك سنة 1285 هـ كما هو مكتوب على القبّة نفسها. وهذه القبّة من أكبر قباب الأئمّة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، حيث يبلغ محيطها (68) متراً وقطرها (22) متراً و (43) سنتيمتراً، كما يبلغ عدد طابوق الذهب الملصوق بها (72000) طابوقة. وبالجهة الجنوبية من الحضرة تقع منارتان مُغَشّاتان بالكاشي الأزرق يبلغ ارتفاع كل واحدة منها من الأرض إلى فوق (36) متراً. وأمّا من سطح الحضرة فيبلغ (25) متراً، وفي داخل الصحن يوجد (45) إيواناً؛ 16 من الغرب و 9 من الجنوب و 20 من الشرق.
ويوجد في سامراء سرداب اسمه سرداب الغيبة، وهو سرداب الدار التي كان يسكن فيها الأئمّة عليهم السّلام وليس له ميزة غير هذه الميزة. وقد حاك أعداء الشيعة الأساطير عن هذا السرداب ونسبوا إلى الشيعة أنّهم يقولون إنّ المهدي غاب فيه وأنّه سيخرج منه. وكل هذا زور وبهتان، فلا يعتقد الشيعة إلاّ أنّه سرداب دار الأئمّة.
وللسرداب باب خشبي جميل باقٍ من عهد الحاكم العباسي الناصر لدين الله، أي أنّه مضى على صنعه أكثر من سبعة قرون.
وكان لسامراء نهضة علمية لمّا سكنها الميرزا السيّد محمّد حسن الشيرازي وصارت إليه الرحلة العلمية من الآفاق، وكانت في عصره مدرسة عظمى للشيعة في العلوم الدينية، وبعد وفاته سنة 1312هـ عادت إلى شبه حالتها الأولى. واليوم فيها جماعة من العلماء والطلاب.
الأقدم من نوعها في العالم
عرف العرب قبل الإسلام الكثير عن تقسيم الزمن وعن الساعات، ففي متحف «طوب قابي سراي» في استنبول توجد مزولة شمسية من الحجر على شكل ربع كرة ذات تجويف مقسم إلى اثني عشر قسماً، وهي محمولة على قاعدة حجرية وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد عثر عليها في «مدائن صالح» بالجزيرة العربية.
إن تقسيمات الزمن في العصر الإسلاميّ كانت مماثلة لما كان موجوداً في العصور السابقة. فقد استُعملت طريقتان في هذا المضمار نظراً إلى اختلاف آلات قياس الزمن نهاراً وليلاً. فالساعة الشمسية مثلاً هي أقدم أجهزة قياس الزمن، ولما كان النهار غير متساوٍ في طوله في جميع أيّام السنة، وجب أن يراعى ذلك الاختلاف في أي نظام لتقسيم الوقت. على أن استخدام الساعة المائية للقياس أوجد نظاماً جديداً في تقسيم النهار أو الليل إلى اثني عشر قسماً منتظماً، فأصبحت هناك ساعات شمسية مستوية، وساعات مائية زمانية.
عرف المشرقيون في العصر الإسلاميّ أنواعاً شتى من الساعات المائية، لكن أشهرها ساعة المدرسة المستنصرية التي أسهبت المراجع في وصفها والإعجاب بها وشرح كيفية عملها ليلاً ونهاراً. ففي سنة 1235 م اكتمل بناء الإيوان الذي أُنشئ مقابل باب المدرسة المستنصرية، وكان في صدره صندوق الساعات يعرف منه أوقات الصلاة. والصندوق قوامه دائرة فيها صورة الفلك تظهر عليها طاقات لها أبواب، وفي الدائرة بازان من ذهب في طاستين من ذهب وراءهما بندقتان من نحاس لا يراهما الناظر. وعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازَين وتقع منهما البندقتان. وكلما سقطت بندقة انفتح باب من أبواب الطاقات، وحينئذ تمضي ساعة زمانية. والبندقتان الواقعتان في الطاستين تذهبان من مواضعهما، ثمّ تطلع شموس من ذهب في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية وتدور مع دورانها وتغيب مع غيابها، فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر، ثمّ يبتدئ في هذه الدائرةالأُخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس فيعلم بذلك أوقات الصلاة.
وكانت هناك ساعات مائية أخرى أقدم عهداً من ساعة المستنصرية وذلك في بلاد الشام والمغرب والأندلس لكنها فُقدت جميعها، وما بقي منها متأخر في تاريخه. ففي جامع القرويين في المغرب ساعة غير متكاملة ترجع في تاريخها إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وفي مدينة تلمسان في الجزائر برج لساعة ترجع إلى التاريخ نفسه تقريباً، على أنه تبين أخيراً أن أقدم ساعة مائية موجودة في العالم هي تلك التي بمدينة فاس في المغرب وكُتب عليها تاريخ صنعها في سنة (763 هـ / 1362 م).
وهكذا كانت الساعات العربية ذائعة الصيت عجيبة الصنع، تَفاخَرَ في إهدائها الخلفاء والحكام والأثرياء. أما بالنسبة إلى الساعات الشمسية فقد كان للعرب فضل كبير في هذا الميدان إذ امتازوا بمهارة فائقة في اختراع ساعات الشمس وأعطوها شكلاً دائرياً يتوسط محوراً دائرياً وتمكنوا بواسطتها من تحديد موضع الشمس في كل حين ومن تحديد الوقت ووضع التقاويم الزمنية. وكانت ساعة الشمس أكثر اختراعاتهم أصالةً وفنّاً في هذا الحقل. ومن أهم أنواع الساعات الشمسية تلك التي كانت تُسمى «الرخامة».
الساعة الشمسية المكتشفة في سامراء
في سنة 1972 كان عمّال الهاتف في مدينة سامراء يقومون بأعمال الحفر لمدّ الأسلاك، وفجأة ظهرت لهم لوحة مربعة من الرخام المعروف في العراق، وأُصيبت ببعض التهشم عند استخراجها ثمّ جُلبت إلى المتحف الوطني في بغداد، فتمت معالجتها مختبرياً وترميمها فكانت المفاجأة حينما ظهرت معالمها وما تحمله من خطوط وكتابات عربية.. إذ أنها تمثل ساعة شمسية.
اللوحة مربعة الشكل تقريباً، طولها 80 سنتم وعرضها 76 سنتم، وفي أعلى اللوحة سطر من كتابة عربية محفورة على اللوحة بشكل حزٍّ عميق، قوامها عبارتان، تلك التي على الجهة اليمنى نصّها: «ساعات زمانية لغرض أد» (؟)، وعلى الجهة اليسرى عبارة: «صنعة علي بن عيسى»، وبأسفل ذلك خطوط يلاحظ منها خطان رئيسيان متقاطعان ومتعامدان، يوضح أحدهما اتجاه الشمال حيث كُتب في أعلاه كلمة «الشمال» وكتب في أسفله كلمة «الجنوب»، وتوجد على هذا الخط عبارة نصها «خط نصف النهار» مما يدل على كونه ينصف الساعة إلى نصفين متساويين. أما الخط الثاني الذي يتقاطع معه فيوضح الجهتين الأُخريين حيث كتبت على اليمين كلمة «المشرق» وعلى اليسار كلمة «المغرب». وهكذا يوضح لنا الخطان المذكوران الجهات الأربع، حيث يجب ضبط اللوحة (الساعة) حسب تلك الاتجاهات. وتوجد خطوط تمتد من الشرق إلى الغرب تتقاطع مع خط الشمال بشكل زوايا منفرجة مكوِّنة ستة حقول أفقية غير منتظمة في عرضها، إذ أنها تتسع كلما ابتعدت عن خط الشمال نحو الشرق والغرب. وعن يمين خط الشمال ويساره توجد خطوط عمودية موازية له تقريباً تقسّم اللوحة إلى (24) قسماً كل (12) قسماً على جانب من جانبَي خط الشمال، حيث كتبت عليها الساعات ابتداء من جهة اليسار أي جهة المغرب على اللوحة، وبقيت منها كلمات تشير إلى «ساعتان» و «ثلاث» و «أربع». وفقدت المعالم التي تشير إلى الساعات على الجانب الأيمن من اللوحة (الساعة) وهناك كتابات تشير إلى موعد وقت العصر حيث وردت عبارة في الجانب الأيمن نصها «ساعة وقت صلاة العصر». ومن المعلوم أن استخراج الوقت يتم بواسطة الظل الذي يتركه الوتد المثبت أسفل خط الشمال السالف الذكر، حيث لا يزال الثقب الصغير الذي يثبت فيه الوتد موجوداً على اللوحة. ويلاحظ أيضاً خط آخر يخرج من نفس موضع تثبيت الوتد باتجاه الجنوب الغربي يوضح بلا شك خط اتجاه القبلة (مكة المكرمة) بالنسبة إلى العراق.
استناداً إلى ذلك فإن ما ورد في ساعة سامراء من تقسيمات يُختَصر باثنتي عشرة ساعة من ساعات النهار. ففي أقصى جهة اليسار تبدأ الساعة الواحدة صباحاً وتنتهي في وسط النهار الذي هو وقت الظهر في الساعة السادسة، ثمّ ابتداء الشمس بالزوال ويزداد الظل تدريجاً حتّى يأتي وقت العصر، وعندما تغيب الشمس ينتهي النهار، وتكون الساعة حينئذ هي الثانية عشرة عندما يحل وقت المغرب. وما يزال هذا الأسلوب متَّبعاً حتّى الوقت الحاضر في تحديد أوقات الصلوات اليوميّة.
أما تاريخ صناعة ساعة سامراء فيُستَدلّ عليه من صانع الساعة علي بن عيسى الذي عاش في سامراء أواسط القرن التاسع الميلادي. وعلى هذا فهي أقدم ساعة من نوعها تعود إلى العصر الإسلامي اكتُشِفت في عاصمة العباسيين سامراء وعليها اسم صانعها، ولذلك تعد مفخرة من مفاخر الحضارة المشرقية في العصر الإسلامي.
سامراء
ـ5ـ
اشتهرت مدينة (سر من رأى) بقصورها العظيمة كان أبرزها قصر العاشق الذي تقوم بقاياه على يسار الطريق العام الذي يوصل (سر من رأى) بالموصل، ويطل على دجلة من مكان مرتفع نسبياً. ويقع في منطقة خالية من البناء تقريباً، عدا البناء المعروف بالقبة الصليبية إلى الجنوب منه وبقايا قصور أخرى إلى الشمال منه، ويعلو البناء ربوة تتألف من عدة تلول متقاربة استطاع المهندسون أن يوصلوا بينها لجعلها دكة لذلك البناء وليظهر وكأنّه قلعة حصينة على رغم صغر حجمه.
يشرف القصر على مساحات واسعة من (سر من رأى) من الشرق على نهر الإسحاقي من الشمال والغرب وأطلق عليه أيضاً المعشوق، لجاذبيته والرغبة الكبيرة للعيش فيه والتنزه حوله. وكان قصر العاشق يتصل بصور (سر من رأى) الأخرى من الجانب الشرقي بجسر تهدمت عقوده، وظلّت قواعدها ودعاماتها ماثلة للعيان حتّى وقت قريب قبل أن تغمره مياه سد الثرثار في وادي دجلة.
شيّد القصر للخليفة المعتمد على الله بن المتوكل الذي سكنه ما بين عام (265ـ269هـ / 878ـ882م) وقبل أن يهجر (سر من رأى) ويعود إلى بغداد. وذكر المؤرخون أبا الحسن علي بن المنجم (توفي عام 275هـ) بنى أكثر أجزاء هذا القصر. وكان لموقع البناء على الطريق العام الموصل بين بغداد والموصل أثر في الإشارة إليه. وذكر بعض أخباره من قبل المؤرخين والجغرافيين والرحالة مثل ابن جبير وابن بطوطة إذ يستدل ممّا ذكره هؤلاء وما كشفته التنقيبات التي أجريت فيه خصوصاً الإكساآت الجصية العديدة لجدرانه وبعض أعمال الصيانة والتقوية فيه، أنّ البناء استعمل في فترات لاحقة بعد أن هجره المعتمد على الله. وورد أنّ معز الدولة البويهي أمر بنقض أجزاء مهمة من القصر، كما ذكرت المصادر الأدبية أنّ معركة عنيفة بين جيش الخليفة المسترشد بالله العباسي وجيش عماد الدين زنكي ملك الموصل وقعت عند القصر تمام 526هـ/ 1131م. كما وتشير الوقائع أنّ قصر العاشق اتخذ كمأوى لأمراء بني عبادة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).
أهمية القصر والتحري
اختلف المتخصصون في شؤون العمارة العربية الإسلامية حول وظيفة هذا البناء وأهميته فبعضهم يعتقد أنّ الخليفة أراد أن يكون له حصن دفاعي بسبب الوضع المرتبك آنذاك والمشاحنات القائمة في حينها، فزاد في قوّة بنائه ومناعة سوره وجعل مدخله ذا طابع حربي، وهيّأ له خندقاً يمكن إيصال الماء إليه من نهر الإسحاقي. وإذا ما أخذت مساحته وتكشيلة مرافقه في الاعتبار والتشكيلات العمارية التي تزيّن وجوه جدرانه من الخارج وعدم وجود مسجد فيه ثمّ توسطه لمنطة ذات طبيعة أخّاذة ووجود السراديب، فإنّ هذه السمات مجتمعة ترجح كلّها بأنّ المعشوق كان قصر راحة وتنزّه خصوصاً وأنّ هناك عدداً من هذه القصور تحاذي دجلة من الغرب وتقابل دور (سر من رأى) في الجانب الشرقي. وشهد قصر العاشق الكثير من أعمال التحري والتنقيب فنجحت في الكشف عن جميع مرافقه ومدخله الرئيسي وقامت بصيانة الأجزاء المتآكلة منه ولا سيما جداره الخارجي وأبراجه. وكشفت عن لوحات مشغولة حفراً بزخارف جصية جميلة تفصح عن طراز وأسلوب هذا الفن الذي انتشر وازدهر في (سر من رأى) ومنها انتقل إلى كلّ أنحاء العالم الإسلامي تقريباً ممثلاً لطراز (سر من رأى) الذي يدعى بين المتخصصين بالطراز العالمي. لا يختلف تخطيط قصر العاشق في الأساس عن تخطيط بعض القصور العربية الإسلامية التي شيّدت في العراق والشام في الفترة السابقة على تشييده، فطراز التخطيط (حيري) إذ يتألف من جملة من المرافق تتكوّن كلّ وحدة منها من مجموعة من الغرف تطل على باحة وسطية أو ترتبط بها أبواب ومداخل وتتصل هذه الوحدات مع بعضها أيضاً.
ونظراً لانهدام أجزاء كبيرة من جدران هذه المرافق فمن الصعوبة بمكان إعطاء حكم قطعي حول عدد من أقسام هذه المرافق، أو إذا كان غرفاً وباحات وأوسع هذه الأقسام هي باحة أو قاعة مربعة الشكل طول ضلعها عشرة أمتار يتوسط كل من جدرانه مدخل يؤدي إلى أواوين ومشتملات مختلفة.
التخطيط ومواد البناء
شيّد قصر العاشق بلبن كلسي وجص وهذه هي المرّة الأولى التي يستخدم فيها مثل هذا اللبن إذ استخدم اللبن نفسه بعدها في بناء القبة الصليبية. وبناء قصر العاشق متين ويتصف بسمك جدرانه الخارجية ومناعتها، فهذه الجدران هي عبارة عن سور مرتفع يبلغ سمكه 1،60 متر ومدعم بأبراج، وتتسم أبراج هذا القصر بقواعدها العالية وشكلها المستطيل. واقتضت الضرورة ذلك لأنّ تصميم أساسات الجدران شيّدت مرتفعة لتربط بين عدد من تلول بني فوقها قصر العاشق لذلك بني سياج ضخم يحيط بتلك التلول لتكون أساساً لجدران القصر الخارجية، أمّا أبراج الأركان لهذا البناء فبنيت على قواعد مربعة، واستغل المهندسون بعض الانخفاضات الموجوة بين التلول لبناء سرداب القصر الذي يتألف من غرفتين كبيرتين متجاورتين معقودتين، وظاهرة السراديب معروفة وشائعة في عدد كبير من أبنية (سر من رأى) لأنّها تساعد على التخفيف من شدّة وقساوة مناخ المنطقة الحار صيفاً وخصوصاً عند الظهيرة.
تدعم جدران القصر 16 برجاً بضمنها أبراج الأركان وتتوزع على الجدران بصورة غير متساوية وغير متناظرة. فثلاثة منها تدعم الجدار الغربي وأربعة منها للجدار الشرقي، أمّا الجدار الجنوبي فتدعمه ثلاثة منها ويسند الشمالي اثنان فقط، ويعود ذلك إلى أنّ جزءاً كبيراً من واجهة هذا الجدار تشغله دكة المدخل الذي يقع في الضلع الشمالي وهو المدخل الرئيسي إلى القصر. وشيّدت وجوه الجدران بين الأبراج بهيئة حنايا غير عميقة مؤطرة بحافات مستطيلة ومتوجة بعقود أو أقواس مقصوصة (مدنية) وتؤطر الحنايا هذه وعقودها أقواس مفصصة ترتكز أطرافها على أعمدة نصف أسطوانية ذوات تيجان مربعة وتشكل الأعمدة هذه وعقودها المفصصة أطراً للحنايا وعقودها وتشغل المسافة بين كل برجين ثلاث من هذه الحنايا.
يقع مدخل البناء الرئيسي في الضلع الشمالي وبمستوى أساس الجدران الخارجي لذلك استوجب أن تبنى دكة لتسهيل مهمة الوصول إلى المدخل. ودكة المدخل هذه كبيرة إذ تشغل 15 و41 مترا من وجه الجدار الشمالي وتبرز عنه بـ26 متراً، وهي ذات تصميم معماري خاص فتبدأ واطئة عند مستوى سطح الأرض ثمّ ترتفع تدريجياً وانسيابياً ثمّ تلتوي بطريقة معينة لتؤدي إلى مدخل القصر. وهذا الطراز الفني في الوصول إلى القصر يعدّ فريداً من نوعه بين مداخل القصور ودور الإمار السابقة، وفي ضوء شكل المدخل وطريقة الوصول إليه ظنّ بعض المتخصصين أنّ الغاية من هذا التكوين هي دفاعية حربية صرفة. وثبت خطأ هذا التصوّر لدى إجراء المزيد من التحريات العلمية، فقد كان القصد من تكوين دكة المدخل والتوائها الوصول إلى القصر بأسهل طريقة لارتفاع بابه عن مستوى سطح الأرض التي تجاوره.
لطيف علي
القبة الصليبية
وعن القبة الصليبية في سامراء يتحدّث الأستاذ عبد اللطيف علي:
عُرفت الأبنية المشيدة على قبور مشاهير الأمة وقادتها في أمورها الدينية والدنيوية بأسماء مختلفة كالمقامات والمشاهد والترب والأضرحة والقباب والروضات. وممّا لا شك فيه أنّ بعض هذه النعوت يشير إلى إحدى سمات المبنى المتميزة، فمثلاً دعي بعضها بالقبضة نسبة إلى قبة البناء التي ميّزت هذه الأبنية في البداية. ويستدل من إشارات ونصوص وردت في كتب التاريخ والتراجم أنّ هذا النوع من الأبنية ابتدأ في العصر العباسي الأوّل أي قبل بناء سر من رأى، فجاء أنّ أبنية ذات قباب شيدت على قبور سيدات فاضلات وخلفاء مشاهير وسمّيت تلك الهياكل بالقباب.
وتهدم الكثير من القباب التي أشار إليها المؤرخون وأقدم ما بقي منها القبة المعروفة بالصليبية في سر من رأى. وهذا النوع من الأبنية الدينية له سمات تخطيطية وتصميمية ومعمارية وزخرفية تميّزه عن المساجد والقصور ودور الإمارة والمدارس في العالم الإسلامي. ولا تقتصر أهمية الصليبية على كونها أقدم الأمثلة لهذا النوع من العمارات العربية والإسلامية وكون تخطيطها فريداً وجديداً فحسب، بل أن تكوينها المعماري وعناصرها المعمارية ذات طابع متميز أيضاً فنجد فيها أقدم الأمثلة الكاملة لتحويل الشكل المربع إلى دائري وبواسطة مرحلة انتقال ثمانية الشكل ترتكز على أربع حنايا ركنية. وهذا التشكيل ابتكار عربي صرف غير معروف في الأبنية السابقة على الإسلام، وكانت بداياته ظاهرة في بعض الأبنية السابقة كقصر الأخيضر وقصر المعتصم (الجوسق الخاقاني).
تتبوأ هذه التربة مكانة مهمة وخاصة ليس بين مشاهد العراق فحسب بل بين مشاهد العالم الإسلامي أجمع. وتنبع هذه المكانة من كون القبة الصليبية أقدم المشاهد الشاخصة إلى الآن، وأنّ تخطيطها وتصميمها جديدان تماماً، وقد سادا وانتشرا في العراق وظلا مميزين لهذا النوع من الأبنية ولفترات طويلة بعد بناء القبة الصليبية.
يقوم البناء على مرتفع طبيعي أو تل في الجانب الغربي من دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق ويطل على حوض النهر في منطقة تقابل الجوسق الخاقاني تقريباً. والمعروف أنّ البناء يضم رفات ثلاثة من الخلفاء العباسيين الذين حكموا في سر من رأى وهم المنتصر بالله المتوفى العام 248هـ (862م) والمعتز بالله المتوفى العام 255هـ (868م) والمهتدي المتوفى العام 256هـ (869م). ويعتقد بأنّ القبة بُنيت العام 248هـ بأمر من أم الخليفة المنتصر بالله، والتسمية جاءت من شكل وتخطيط وتصميم البناء، فهو على شكل صليب إذا ما أخذ ترتيب الأبواب بعين الاعتبار.
وتخطيط البناء بسيط ولكنّه فريد بين تخطيطات الأبنية الدينية والمدنية، ويتألف من غرفة مربعة مسوّرة برواق مثمّن الأضلاع من الخارج، وللمرّة الأولى في تاريخ عمارة الأبنية العربية الإسلامية يكون تخطيطاً جديداً ليس في العراق فحسب بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويعتبر هذا ابتكاراً أضيف إلى مجمل الابتكارات أو الإبداعات التي قدّمها العرب والمسلمون.
وبناء الصليبية مشيّد بالجص ولبن كلسي ومكسو بطبقة غير سميكة من الجص أيضاً، وقد تساقطت سقوف أبنية هذه التربة ولكن الشاخص منها يكفي لإعطاء صورة عمّا كانت عليه أيام إكمالها وكمالها. وهي قاومت عوامل التخريب الطبيعية ولم تتعرض إلى هدم مقصود لبُعدها نسبياً عن بلدة سامراء (سر من رأى) الحالية بهدف استخدام موادها الإنشائية لأغراض أخرى. وجدران الغرفة المربعة متينة ويزيد ارتفاعها من دون القبة خمسة أمتار، أمّا طول ضلعها فهو 6،30 متر، ويتوسط كلاً من جدرانها مدخل ذو عقد مدبب. وتتعاقد هذه الأبواب مع الأبواب الأربعة التي تتسوط أربعة من أضلاع جدرا الرواق المثمّن الذي يدور حول هذه الغرفة، ويكون هذا التعامد شكلاً صليبياً. وأرض هذه الغرفة مستوية وليس فيها ما يشير إلى عدد الأشخاص الذين دفنوا فيها وتخلو جدرانها من أي تشكيلات زخرفية عدا حنايا ركنية قصد بها تحويل شكل الغرفة المربع إلى شكل مثمن ليسهل تهيئة قاعدة مستديرة لقبة الضريح، وهذه الحنايا الركنية ذات العقود المدبّبة هي البرهان الوحيد على وجود قبة كانت تسقف هذه الغرفة.
تبتعد جدران البناء المثمن الذي يسور الغرفة المركزية بحدود 2،60 متر وبصورة متساوية تماماً، ويبلغ طول كلّ من جدران الرواق من الخارج 7،70 متر وترتفع بارتفاع جدران الغرفة المربعة، ويستدل من بقايا سقف الرواق على وجود أقبية نصف أسطوانية متقاطعة.
وكشفت التحريات عن جملة مرافق تحيط بالبناء الرئيسي وتتصل به وتتألف من غرف مستطيلة الشكل صغيرة نسبياً ليست مرتفعة الجدران لكنها معقودة بأقبية نصف أسطوانية. ومعظم هذه الغرف مشيّد بالجص ويتصل بعضها مع البعض الآخر، وتتألف بصورة أساسية من أربع مجاميع متناظرة بشكل صليبي أيضاً، ويتوسط كلاً من هذه الوحدات مرفق ذو تكوين معين لا يختلف كثيراً عن تكوين الحمامات الشرقية المنزلية. وقد بلطت إحدى غرفه بالقار، وتتوسط هذه الغرفة حفرة كانت الغاية منها تصريف مياه غسل الموتى فيها. ومعظم الغرف المستطيلة الصغيرة خالية من القبور، ويظهر أنّه أريد لهذا المكان أن يكون مدفناً للعائلة العباسية ولكن هجران (سرى من رأى) ألغى هذه الفكرة.
كما أثبتت التحريات وجود ثلاث تكسيرات في أرضية الغرفة، وهو برهان على وجود قبور الخلفاء الثلاثة الذين دفنوا فيها. وقد تمّت صيانة القبة الصليبية فأعيد بناؤها بعقد سقف رواقها وبناء قبتها وبشكل نصف كروي مدبّب قليلاً.
السيد محمد حسن الشيرازي في سامراء
كان السيد محمد حن الشيرازي مرجعاً للشيعة مرجعية عامة شاملة كلّ أقطار الشيعة. وكان مقرّه ـ ككلّ مراجع الشيعة في النجف ولكنّه آثر الانتقال إلى سامراء في تفاصيل نذكرها فيما يلي:
ولد في شيراز سنة 1230هـ (1814م) بسامراء وحمل إلى النجف ودفن في المدرسة التي كان أنشأها ناصر علي خان الأفغاني المقيم في لاهور قرب باب الصحن الشريف العلوي الشمالي المعروف بباب الطوسي على يسار الداخل إلى الصحن ويمين الخارج منه وعمل على قبره صندوق وفوقه شباك من الشبه الأصفر. وآخر له شباك كبير من الحديد على الفضاء الذي يدخل منه إلى الصحن الشريف ليكون قبره ظاهراً للمارة. وحمل في كثير من الطريق على الأعناق فكلما قارب نعشه بلداً خرج أهلها إلى مسافة وحملوه على الرقاب وعند الخروج منها يحملونه أيضاً مسافة.
وكان ضعف في آخر أيامه وانقطع عن الدرس والصلاة جماعة ومرض أياماً قلائل وتوفي. وكان يوم وفاته يوماً عظيماً كثرت فيه الحسرات وسالت العبرات وأقيمت له مجالس الفاتحة في جميع مدن العراق وإيران وغيرها من بلاد الشيعة ورثاه الشعراء بالقصائد الكثيرة.
كان إماماً عالماً فقيهاً رئيساً دينياً عاماً ورعاً تقياً راجح العقل ثاقب الفكرة بعيد النظر مصيب الرأي حسن التدبير واسع الصدر يوقر الكبير ويحنو على الصغير ويرفق بالضعيف والفقير أديباً يحب الشعر وإنشاده ويجيز عليه ولذلك قصده الشعراء من سائر البلاد عرباً وعجماً وراجت بضاعة الأدب في أيامه وانتهت إليه رئاسة الشيعة الدينية العامة في عصره وطار صيته واشتهر ذكره ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع وقلّد في جميع الأقطار والأمصار في بلاد العرب والفرس والترك والهند وغيرها.
وجبيت إليه الأموال من أقصى الصين وما وراء النهر فما دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده عقاراً ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم في آرائه وافر العطاء ينفق الأموال في وجوهها ويعول ألوفاً من الناس في سائر البلاد منهم أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء ويعول سراً جماعات من أهل البيوت ومن التجار أخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون أن يعلم بذلك أحد. فلمّا توفي فقدوا ذلك وضاقت بهم الحال.
نشأ في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الأمر في ديوان دولة فارس في شيراز ثمّ ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعدما قرأ العلوم الآلية وشطراً من السطوح([213]) واستغنى عن القراءة في شيراز خرج إلى أصفهان سنة 1248هـ (1832م) وهي دار العلم يومئذ فقرأ على الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدّة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة اختصّ بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضاً وأكثر أخذه عن المدرس.
ثمّ توجّه إلى العراق فورد النجف سنة 1259هـ (1845م) وكان عازماً على الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنّه لما ورد النجف ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة إليه وحضر درسه وجد نفسه محتاجاً إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف.
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه. ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي التستري وسمع من كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى سنة 1281هـ (1864) التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو 22 سنة فقهاً وأصولاً. وكان من وجوه تلاميذه بل أوجههم وصار يشار إليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس الدرس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم في أثناء الدرس يصغي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت.
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع أفاضل تلاميذه في دار الميرزا حبيب الله الرشتي. قال الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي (المترجم) ـ وكان بينهم يومئذ ألأقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي والميرزا الرشتي والآشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس والصلاة وصاروا يرشدون الناس إليه وجعل يترقى ويتقدم.
وفي سنة 1287هـ زار الشاه ناصر الدين القاجاري العتبات المقدسة في العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلمّا قصد الشاه كربلاء خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب ومضى. ولمّا ورد النجف الأشرف خرج أيضاً لاستقباله علماؤها بعضهم إلى خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ من النجف فسلم عليهم راكباً أيضاً ومضى فلمّا دخل النجف حضر جميع العلماء لزيارته إلاّ المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى واحد مبلغاً من النقود فقبله و أرسل إلى المترجم فلم يقبل. فأرسل الشاه وزيره حسن خان إليه يعاتبه ويطلب منه أن يزوره فأبى. فقال له الوزير: لا يمكن أن يجيء ملك ايران الى النجف ولا يراك فهل تترقب أن يجيء الشاه لزيارتك فقال له: أنا رجل درويش ما لي وللملوك. فقال: هذا لا يمكن. ولمّا ألحّ عليه قال: اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك، وصافحه الشاه وقال له تفضّل وزر لنزور بزيارتك. فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا وزادت منزلة المترجم بذلك علواً عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك أوّل ما ظهر من مخايل كياسته وبُعد نظره في الأمور.
ولمّا كانت سنة 1288هـ (1870م) صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتّى جاء الرخاء. وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد.
وخرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة 1291هـ ووصلها في 21 منه ومضى فيها 21 سنة.
خرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291هـ ثمّ توجّه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة وأقام فيها أياماً ثمّ عزم على الإقامة فيها وأرسل على كتبه وأثاثه وتبعه أصحابه.
وقيل: إنّ سبب هجرته أنّه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلية فيها ـ أي الزكرت والشمرت ـ والذي يغلب على الظن أنّ السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك هو أدق وأسمى وأبعد غوراً ممّا يظن، وهو إرادة الانفراد لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء ومن يدّعي العلم فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها. والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب وفي البُعد عنهم الراحة واجتماع الأمر. وقد قال أمير المؤمنين (عليه لسلام) في عهده إلى الأشتر. إنّه ليس أشدّ مؤؤنة على الوالي من الخاصة. وربّما يكون ما يحدث في النجف من الطائفتين (الزكرت والشمرت) ما حدث من بعض الأعيان مقوياً للعزم على الهجرة، أمّا أن يكون هو السبب الوحيد فلا، وربّما يكون من مقويات العزم أيضاً إرادة عمران البلد وتسهيل أمور الزائرين الوافدين إليه ورفع ما كان يقع عليهم من المشقات.
فعمرت سامراء به وصارت إليها الرحلة وتردد الناس إليها وأمّها أصحاب الحاجات من أقطار الدنيا وعمر فيها الدرس وقصده طلاب العلوم وشيّد فيها المدارس والدور. ولكنّها بعد وفاته عادت إلى سيرتها الأولى كما ستعرف. وأمّا مدرسة النجف فلم تتأثر بخروجه إلى سامراء بل بقيت عامرة حافلة بالطلاب والدروس فيها قائمة ومجالس الدروس عامرة كثيرة منتشرة. ذلك لأنّ الذين خرجوا معه إلى سامراء جماعة معدودون وجمهور الطلاب والعلماء ومعظمهم بقي في النجف والطلاب تقدصها من جميع الأقطار ولا تقصد سامراء حتّى أحصيت طلاب النجف باثني عشر ألفاً فيما يُقال لكن إدرار النفقات والمشاهرات من سامراء لا ينقطع عن النجف.
عمران سامراء في عهده
كانت سامراء قبل سكناه فيها بمنزلة قرية صغيرة فلمّا سكنها عمرت عمراناً فائقاً وبنيت فيها الدور والأسواق وسكن فيها الغرباء ومن يطلب المعايش وكثر إليها الوافدون وصار فيها عدد من طلاب العلم والمدرسين لا يستهان به.
وكانت في أكثر الأوقات لا تزال محتشدة بالوافدين والزائرين حتّى اضطر إلى الحجاب إلاّ في أوقات مخصوصة يأذن فيها للناس إذناً عاماً ولخواص منهم إذناً خاصاً. وكان لا يخرج من داره إلاّ لزيارة المشهد وصلاة الجماعة وللحمام في أوقات مخصوصة وأهل درسه يقرأون عليه في داره.
وإذا كثر الزائرون خرج إلى دهليز داره فيوضع له كرسي ويجلس عليه في ثياب زهيدة الثمن ويأذن للناس إذناً عاماً فيدخلون عليه ويسلمون وينصرفون ومن كانت له حاجة أو استفتاء أفضى بها إليه.
أعماله العمرانية في سامراء
بنى فيها مدرسة كبيرة فخمة لطلاب العلم، فيها إيوان كبير وغرف جمة ولها ساحة واسعة وبنى سوقاً كبيراً بمال بذله بعض أغنياء الهند. ولم يكن في سامراء جسر وكان الناس يعبرون في القفف من غربي دجلة إلى الجانب الشرقي الذي فيه المدينة، وكذلك الدواب والأحمال. وكان أصحاب القفف يشتطون في الأجرة ويلقى منهم الزوار أذى كثيراً فبنى جسراً محكماً على دجلة من السفن بالطريقة المتبعة في العراق تسهيلاً للعبور ورفقاً بالزوار والواردين وكانت نفقته ألف ليرة عثمانية ذهباً وسلمه للدولة تتقاضى هي أجوره رجاء لدوامه. وبنى عدّة دور للمجاورين وبقيت هذه الأعمال قائمة مدّة حياته. وبعد وفاته بمدّة قليلة بطلت كلّ هذه الأعمال ولم يوجد من يقوم مقامه في إدارة شؤونها ونزغ الشيطان بينهم وتفرّقوا أيدي سبأ وتعطلت المدرسة. وفي السنين الأخيرة أشرفت على الخراب وكذلك السوق. وأمّا الجسر فما زال أهل البلد يسعون في خرابه لأنّه يضرّ بمنفعتهم المالية حتّى خرب وعادوا إلى سيرتهم الأولى.
ومع ما بذله المترجم من الجهود في عمران سامراء ودفع المشقات عن الزوار والإحسان إلى أهل سامراء الأصليين وما أسداه من البر إليهم وما أدر عليهم عمرانها وكثرة تردّد الناس إليها من الرزق لم يتم له ما أراده وعادت البلدة بعد وفاته إلى سيرتها الأولى.
بل في أواخر أيام وجوده كثر التعدي حتّى وصل إليه وكان ذلك بتحريك ممّن لهم الحكم وممّن يمت إليهم إذ تيقّنوا أنّها ستنقلب عن حالها إلى حال أخرى فهيج ذلك من نفوسهم فوقعت عدّة تعديات على الطلاب والمجاورين وعليه، والحاكمون يظهرون المدافعة في الظاهر ويشجعون في الباطن. فوقع لأجل ذلك اضطراب شديد وفتن وتعدّ على النفوس والأموال وغيرها وسافر لأجل ذلك إلى سامراء فقهاء النجف وعلماؤها وطلبوا إليه الخروج منها فأبى ولم تطل المدّة حتّى مرض وتوفي.
فسخ امتياز الدخان
سلطان الدين أقوى من كلّ سلطان
في سنة 1312هـ وهي سنة وفاته وقيل سنة 1309 أعطى الشاه ناصر الدين القاجاري امتياز حصر التتن والتنباك لشركة إنكليزية فشاع أنّ المترجم أفتى بتحريم التدخين بهما. ولا بدّ أن يكون أفتى بذلك، وإن كانت صورة الفتوى لم تنشر بين الناس. فترك جميع أهل إيران التدخين وكسرت كلّ نارجيلة وكلّ آلة تستعمل للتدخين في بلاد إيران، حتّى أنّ نساء قصر الشاه كسروا كلّ نارجيلة في القصر والشاه لا يعلم بذلك، فطلب من خادمه إصلاح نارجيلة والإتيان بها على العادة فذهب الخادم وعاد، وأبطأ حضور النارجيلة فأمره بإحضارها فذهب وعاد بدونها، حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات. وفي المرّة الثالثة غضب الشاه وانتهره فأجابه الخادم عفواً لم يبق في القصر نارجيلة واحدة وكلّها كسرتها الخانمات وقلن إنّ الميرزا الشيرازي حرّم التدخين. وهكذا ترك عشرون مليوناً في إيران التدخين عملاً بأمر الميرزا الشيرازي لأنّه بلّغهم أنّه حرّم التدخين فاضطر الشاه إلى فسخ الامتياز مع الشركة الإنكليزية ودفع ما خسرته بسبب ذلك.
فقياس بين هذا وبين ما جرى للدولة الفرنسية حين أرادت تجديد امتياز حصر الدخان في سورية ولبنان وساء ذلك البطريرك الماروني في لبنان وعلاقته بالفرنسيين وثيقة، فأرسل برقية من فلسطين التي هي تحت الانتداب الإنكليزي إلى دولة فرنسا يطلب فيها عدم تجديد الامتياز ولم يستطع إرسالها من سورية أو لبنان اللذين كانا تحت الانتداب الفرنسي. لكن الفرنسيين لم يلتفتوا إلى ذلك ومضوا في تجديد امتيازهم، دون أن يكون لذلك أي أثر في الشعب.
وكان يصرف على نفسه وعياله من حاصل أملاك له موروثة ولا يصرف ممّا يأتيه من الأموال شيئاً إلاّ ما يضطر إليه بل يصرف الجميع على الفقراء والطلاب والمصالح الخيرية.
التدخين([214])
بين الإباحة والتحريم
إذا كان السيد محمد حسن الشيرازي قد أفتى بتحريم التدخين، فاستجابت إيران لهذه الفتوى استجابة عامة، فقد كان هذا التحريم تحريماً (وطنياً) لا دينياً، بمعنى أنّ بواعثه في الأصل وطنيته، وأنّ تحريمه كان على سكان وطن واحد من أوطان المسلمين لأسباب تتعلق بهذا الوطن وحده.
إذا كان الأمر كذلك. فقد وجد في بعض المناطق الإسلامية من حرّمه في أوّل ظهوره تحريماً دينياً، ووجد من أباحه، فقامت حرب فتاوى بين الفريقين، وذلك في شمال إفريقيا وغربها، وهو ما سنعرض له فيما يلي مكتوباً بقلم: د. عبد العزيز عبدالله بطران. ولم يكن في المشرق الإسلامي للتدخين مثل ما كان له في المغرب من حرب تحليل وتحريم. سوى ما كان من تحريم الوهابيين له تحريماً لم يكن له أثر في غير الأرض التي سيطروا عليها. وما كان في مقدور أحد في مكان سيطرتهم أن يرد على التحريم، لأنّه إن فعل فإنّ السيف يتناول رقبته. ومع ذلك فإنّ الناس كانوا وظلّوا في السيطرة الوهابية يدخنون سراً.
ظهور التبغ في غرب وشمال إفريقيا
تؤكد المصادر العربية المعاصرة في شمال وغرب إفريقيا بأنّ منطقة تمبكت على نهر النايجر كانت المدخل الأوّل لنبات التبغ وعادة التدخين في البلاد الإسلامية من غرب إفريقيا وشمالها. ففي أواخر القرن السادس عشر استقبلت تمبكت التبغ من سواحل الغرب الإفريقي بعد أن نقله إليها البحارة الأوروبيون من موطنه في العالم الجديد. وتجمع المصادر على أنّ عادة التدخين انتشرت بسرعة مذهلة بين جميع طبقات المجتمع في تلك المنطقة، ثمّ انطلقت بعد ذلك إلى المغرب، ومنها بواسطة الحجاج المغاربة والسودانيين (التكارير)، لتعمّ في وقت وجيز كلّ الشمال الإفريقي([215]).
ولعل السبب المباشر لانتشار التدخين السريع هو الزعم بأنّ التبغ دواء شامل يستخدم في علاج الأمراض والأوبئة المنتشرة حينذاك. ويزكي هذه المقولة ما ورد في إحدى الوثائق المعاصرة بأنّه «~في السنة الخامسة بعد الألف(هـ) آب (أغسطس) 1596 آب (أغسطس) 1597 ظهرت أوراق شجرة في مدينة تمبكت… تسمّى طبغا. ابتلى الله المسلمين بتدخينها وشرب دخانها في كلّ وقت. وزعموا أنّ ذلك دواء لكل الأمراض وإنّهم وجدوا في شربه الإشفاء للأمراض حتّى استعملها خاصتهم وعامتهم.
فالتدخين إذا عادة وافدة على العالم الإسلامي منذ أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر. فهي عند رجال الدين، آنذاك، بدعة حديثة الظهور لم تعرفها الأجيال السابقة، ولم يرد لها ذكر في كتب الفقه. وكما حدث عند ظهور الحشيش والقهوة، فقد أدّى ظهور التبغ إلى إشعال جدل واسع طويل بين العلماء من جميع المذاهب، كان جوهره الأساسي رعاية المصلحة العامة، أو بمعنى أدق عمّا إذا كان التدخين ذا مصلحة أو ذا مفسدة، ذا فائدة أو ذا ضرر يعودان على المدخنين وعلى المجتمع فتضاربت آراء الفقهاء، وتباينت أحكامهم. وقد وردت بعض هذه الأحكام أو الفتاوى في عبارات مقتضبة، أو في أسطر معدودة. وأخريات أسهب أصحابها في سرد وتفنيد الأدلة والبراهين الشرعية، والاجتماعية، والعلمية التي تستند عليها هذه الأحكام. ويقدر الأستاذ حجي عدد الفتاوى الصادرة في هذا الموضوع بأكثر من ثلاثين فتوى. وهذه الفتاوى تعكس اهتمامات أصحابها المتعددة. ولهذا نجد العامل الديني البحت يمتزج بالعامل الاجتماعي، والعامل الاقتصادي والرغبة هي تصفية حسابات شخصية قديمة.
وكان من البديهي أن تجد وجهات النظر المختلفة والأحكام المتباينة هذه صداها لدى السلطات الحاكمة. فقد قبل بعض الحكام الرأي القائل أنّ التدخين مباح شرعاً، فأجازوه واستباحوه. واقتنع آخرون بعدم شرعيته، فمنعوه وحظروه، وفرضوا أحكاماً على المدخنين تفاوتت درجات قسوتها وجدتها.
فجَّر تعلق الناس بالتدخين تساؤلات كثيرة عن رأي الدين في هذه الظاهرة، وعن الأحكام المنوطة بها. وقد وُجّهت هذه الأسئلة إلى أكابر العلماء في تمبكت، وفاس، ومراكش والقاهرة وغيرها من المراكز الإسلامية ذات الثقل العلمي. ولا يفوت المتفحص لهذه الاستفسارات أن يلاحظ أنّها مشحونة بآراء مسبقة ومحددة. فالسؤال المقدم إلى قاضي تمبكت، القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن (1594ـ1608)، والذي أفتى على ضوئه بتحريم التدخين يصف التبغ بأنّه «شجرة ابتلى الله سبحانه وتعالى المسلمين بتدخينها». ويقرر السؤال الموجه إلى العالم الأزهري، وشيخ المالكية بمصر، الشيخ سالم السنهوري (ت. 1606)، أنّ التبغ «شجرة خرجت من بلاد الكفار…ويحصل لمن يشربها خدور، وبعضهم يغيب عقله خصوصاً في ابتدائها. فهل والحالة هذه يجوز تعاطيها، وشربها، وزراعتها، والتجر فيها أم يمنع ذلك؟ (وهل) يجب على ولي الأمر منع الناس في التجر فيها وزراعتها؟ وهل له ثواب في تأديب متعاطيها؟ أفتونا رحمكم» فجاء رد السنهوري متجانساً مع السؤال، إذ يقول أحمد بن أبي محلى (ت. 1613) «أمّا فتوى السنهوري في تحريم الدخان المذكور ومنع استعماله مطلقاً فمرتب على مقتضى سؤاله الخاص به. ويعضد هذه المقولة ما أورده قاضي وادي درعة، لقاضي أحمد بن محمد البوسعيدي تاكوجيل (ت. 1607)، بقوله «وأمّا جواب سيدنا سالم، نفع الله به، فهو صواب، لأنّ السائل ذكر له أن يغيب العقل. وما يغيب العقل حرام، سواء كان بالسكر، أو بالفساد، أو بالرقاد. فجوابه، رضي الله عنه، صواب ليس فيه ما ينتقد».
والاستفسار الذي طرحه مفتي ولاية الجزائر، أبو الربيع سليمان الأوراري، على مفتي الدولة العثمانية، الشيخ أبو محمد سعد الدين، يصف التدخين بأنّه من الرذائل التي تؤدي إلى إشاعة الفاسد. إذ يتساءل أبو الربيع.
رأيت الناس قد جنحوا لبلوى
وهي والله مفسدة الوبال
ودخان يشربون لكل وقت
وعم الخافقين على التوال
أفي المكروه يدخل شاربوه
جهراً أم حرام أم حلال؟
يقول المفتي:
سألت عن الدخان بحسن نظم
بديع في اللطافة كاللؤال
تيقن ليس فيه غير ضر
وما فيه سوى إتلاف مال
وإن أمعنت تضييعاً لوقت
ومسخ للنساء وللرجال
فما في ضمنه هلاك مرء
وبال، في وبال في وبال
كراهة ريح لا شك فيه
شراب عافه طبع الأهال
وأمّا شربه في كلّ وقت
من الأيام أناء الليال
خصوصاً شرب إدمان وفسق
وإعلان على وجه الضلال
حرم ليس فيه ثبوت شك
محال ذكره بين الحلال
وقد أفاض احمد بن ابي علي محلى في طرح الأدلة والبراهين تدعيماً لرأيه بأنّ التدخين لا يندرج في جملة الموبقات المحرمة شرعاً في السؤال الذي بسطه على الشيخ سالم السنهوري ورصفائه من العلماء ـ ذلك السؤال الذي أثار الحوار الكبير حول قضية التدخين.
وقد أطلق الفقيه علي بن أحمد الشامي (ت1622) هجوماً شرساً على التدخين في السؤال الذي طرحه على فقهاء فاس موضحاً في هذا المضمار الأضرار الصحية للتدخين، ومفصلاً الأسباب الشرعية، والاقتصادية، والاجتمعية، والاستراتيجية التي تحتم منع استعمال التبغ، وزراعته، واستيراده من العالم الجديد بواسطة التجار. قال الشامي: «ما قولكم في هذه العشبة الخبيثة الشهيرة بطابة؟ لا طابت معيشة مشتهيها، ولا ربحت تجارة بائعها ومشتريها، اختلقها الشيطان، واتخذها من جملة الإشراك، والأشطان وخدع بها من استثناه الله في قوله جل ذكره {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]… وتظاهر اللعين، أخزاه الله، مع أولياءه الكفرة على المؤمنين، وجعلها ذريعة لمراده من تضعيف الدين، وتقوية الضالين الملحدين، وغر بها الجهلة، فحسبوا أنّها من قبل الجائز الصراح، والفعل اللائق المباح، وزين لهم فيها أنواع المتاجر وتضعف الأرباح، فانكب من تجارهم على جلبها من أرض الكفرة الخاص والعام. وضاعفوا لهم أسوامها من الأثمان الكثيرة الجسام، والأموال الجزيلة العظام. وربما حملوا لهم فيها ما لا يجوز حمله كالسلاح، والطعام، والخيل، والبغال، وسائر الأنعام… فعمّت بها البلوى، وضجت بها الملائكة شاكية لعالم لنجوى إلى ما اشتملت عليه من منكرات لا تنكر ومفسدات… منها تسويد الجوف والمصران، وإطفاء نور القلب… ومنها إذاية الملائكة الحسان الموكلين على الفم والأنف وغيرها… ومنها تغيير خلقة شاربها، وتشويهه، وتمثيله بالمعذبين من أهل النار. ومنها إنّها جعلت وسيلة لغيرها من المنكرات، وذريعة لاجتماع أهل الفواحش يتنادمون بها مع الحشيشة وسائر المنكرات… ومنها لا يستعملها إلاّ سفهاء الناس وأراذلهم من الأجناس… فالمطلوب منكم، دامت سلامة جمعكم، بيان ما يرجع من أقوالكم السليمة، وإيضاح ما تقتضيه آراؤكم الكريمة، فيعول عليه».
لم تخب توقعات الشامي، إذ أصدر قاضي وفقهاء فاس حكماً شرعياً مطابقاً لوجهة نظره بأنّ التدخين موبقة محرمة يجب استئصالها. يقول قاضي فاس أحمد بن محمد المقري (ت.1631) «إنّ هذه الخبيثة التي لم تزل ألسن العلماء على تركها حثيثة، اقتضت القواعد الشرعية تحريمها، ومنعها لوجوه لا نطيق الآن تتبعها، وقد أشار السائل، حفظه الله، وأرشده إلى طرف منها».
بادر السلطان أحمد المنصور السعدي (1578-1603)([216]) بمنع تعاطي التبغ وتجارته. وتلاه في ذلك السلطان العثماني، أحمد الأوّل(1603 -1617) ومن بعده السلطان مراد الرابع( 1623 -1640). فرض أحمد المنصور حظره على التبغ عقب استشارته لفقيه فاس، محمد ابن القاسم القصار (ت1603)، وفقيه سلا، عبدالله بن حسون (ت1604) الذين أفتيا بحرمته وإزالته. كان ذلك إبان زيارة المنصور لمدينة فاس في عام 1602م. ويُقال إنّ كميات كبيرة من التبغ جمعت من التجار والباعة واحترقت في احتفال رسمي ولا يعرف إن كان أحمد المنصور قد وضع عقاباً على من تمرد على أوامره، بل الواضح أنّ المرسوم الملكي لم يتعد مدينة فاس، ولم تتأثر به مناطق زراعة التبغ آنذاك مثل وادي درعة، وحوض مراكش ـ أمزمز، وتمبكت، إذ لم تتوقف هذه المناطق عن زراعته وتصديره إلى المدن المغربية، والجزائر، وفزان، ومصر، وعموماً فإنّ الحظر في مدينة فاس ذاتها لم يستمر طويلاً، فسرعان ما عاود الناس التدخين، واستيراد التبغ فور وفاة أحمد المنصور وما صحب ذلك من الفتن والتنافس الطاحن على العرش بين أبنائه.
أثارت هذه «الردة» ثائرة العديد من أهل الورع والتقوى، والحادبين على المصلحة العامة من علماء فاس. فبرزت التساؤلات حول مشكلة التبغ. وقاد هذه «الصحوة»، كما أسلفنا، الفقيه علي بن أحمد الشامي محذراً ممّا سيؤول عليه حال الأمة من ضعف، ووهن من جراء تبديد ثرواتها بمقايضتها بالتبغ مع الاوروبيين. وبين الشامي المضار الصحية للتدخين، وتفشي الفساد والانحلال الخلقي المقرونين به. فهب جمع علماء فاس لاجتثاث جذور هذه الفتنة ودرء خطرها. فأصدروا مجموعة من الفتاوى تقطع بتحريم التدخين. كان على رأس العلماء القاضي أحمد بن محمد المقري، والفقيه أبو القاسم بن النعيم الغساني (ت1623) والعالم عبد الرحمن الفاسي (ت1626). جمعت هذه الفتاوي وأمهرها القاضي بإمضائه مظفياً عليها صبغة قانونية رسمية. وبالرغم من أنّ فتاوى العلماء تحظى بالاحترام إلاّ أنّه لم يكن من السهل إلزام جمهرة المدخنين وتجار التبغ بها لافتقارها العقاب الرادع وثقل الدولة. ولذا فإنّ فتاوى علماء فاس، كغيرها من الفتاوي باتت حبراً على ورق.
وفي الولايات العثمانية والإفريقية كان حظ التدخين متوقفاً على قناعات الولاة المحليين. فمنهم من تجاهل أو تساهل في تنفيذ أحكام الباب العالي، ومنهم من طبقه. فأمر السلطان أحمد الأوّل بمنع التدخين، وحرق التبغ، وإهدار دم العصاة، لم يأبه به دايات الجزائر، ولا دايات ولاية تونس. بل قيل إنّ مفتي ولاية تونس كان مدمناً للتدخين، وكان يعقد له مجلساً خاصاً، وإنّه أفتى بإباحته عندما استفتاه الوالي عثمن داي (1594ـ1610).
أمّا في مصر فقد كان الوالي محمد باشا (1607ـ1612) متشدداً قاسياً في معاقبة المدخنين خلافاً لخلفه، محمد باشا (1612ـ1615) الذي كان مرناً متسامحً معهم. وقد أقلى اللوم على مستشاره يوسف، ولعله من أصل يهودي، الذي قيل إنّه أوصاه بذلك. أمّا الوالي أحمد باشا الدفتردار (1615ـ1617) فقد عرف عنه الحزم والصرامة في منع التدخين. كن ذلك في بداية حكمه، ولكنه تراجع عن ذلك فيما بعد. ثمّ عاد لحظره مرّة أخرى «وأمر المنادي أن ينادي بأن من تعاطاه يقتل مكانه».
هدأت الحملة على التدخين في مصر نسبياً إثر وفاة السلطان أحمد الأوّل حتّى جاء أمر السلطان مراد الرابع بإقفال المقاهي وحظر التدخين الذي قيل إنّه تسبب في إشعال بعض الحرائق. ونادى السلطان مراد بإنزال أقصى العقوبات على المدخنين، وذكر أنّه أعدم الآلاف منهم. ويروي أنّ واليه بمصر، حسين باشا (1635ـ1637) «أمر بقطعه، وأمر منادياً ينادي في الأسواق أنّ من ظهر عليه في شيء من ذلك لا شافع فيه كائناً ما كان.
لم تنجح الحملات القمعية ولا الفتاوى الداعية لتحريم التبغ في الحد من التدخين، بل أدّت إلى نتائج عكسية. فقد ازداد التدخين رواجاً حتّى في فورة تلك الحملات ولا شك أنّ السبب في انتشاره، دون هوادة، بين جميع طبقات المجتمع، هو سيل الفتاوى المبيحة استعماله، والقول بأنّه البلسم لكلّ مرض، وانكباب أجلة العلماء عليه.
حرب الفتاوى جذور الجدل
حول شرب الدخان
شقت قافلة حجاج مغارة طريقها عبر الصحراء الكبرى منطلقة من وادي الساورة لتحط الرحال في حاضرة إقليم فزان في احد أيام شهر سبتمبر من عام 1905م. وكان على رأس الركب الفقيه أحمد بن أبي محلى. وكان أوّل ما لفت انتباه ابن أبي محلى. للتدخين ـ الحظر الحكومي المضروب عليه وعلى تجارة التبلغ في الإقليم. فبلغه أنّ الأمير اعتمد في ذلك على فتوى قاضي تمبكت، محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، وفتوى شيخ المالكية بمصر، الشيخ سالم النهوري. كانت تلك المرة الأولى التي يطلع فيها أبي محلي على نصوص الفتوتين. ومع قناعته التامة بخطأ الشيخين، إلاّ أنّه لم يجاهر ببطلان فتاواهم عندما استقرأ الأمير رأيه فيهما، ولم يتعارضهما صراحة. بل أرجأ حكمه عليهما حتّى يتلقى الشيخ سالم ويستفسره الأدلة التي استند عليها. فهو ملاقيه قريباً في القاهرة في طريقه إلى الحجاز. ولكنّه لم يتردد في إعلان تحفظاته وشكّه في صحة الفتاوى وصوابها. وعلى كل، ما كان له إلاّ أن يمتثل للحظر، أو كما قال «يعلم الحبيب الرقيب إذ منذ وقفت على فتوى الشيخ سالم، رضي الله عنه، بيد بعض طلبته من فزان مع كراسة السوداني المذكور، ما تناولتها حتّى الآن. لا لاعتقاد الحرمة، (بل) تقليداً لهما دون قاطع البرهان، وأوضح البيان. وإنّما احتطت لعرضي وديني حتّى يزول التوقف فيها بحكم الإيقان»([217]). وعلى هذه التحفظات رفع الأمير الحظر العام عن التبغ، بينما تمسك هو بالتوقف عنه.
التقى ابن أبي محلي الشيخ سالم عدّة مرّات. كانت المرّة الأولى في طريقه إلى الحجاز، والمرّات الاخرى في طريق العودة. ولظروف قاهرة، كما قال لم يستطع مفاتحة الشيخ في الفتوى المنسوبة إليه علماً بأنّ الشيخ أجاب سائلوه من رفاق ابن أبي محلي عنها في حلقة درس كان ابن أبي محلي يعلم بعقدها، لكنّه تخلّف عن حضورها لسبب ما. وتحاشى ابن أبي محلي مسألة القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن عندما التقاه بالقاهرة وكان القاضي وقتها جالساً يفسّر ويبرّر فتواه في التدخين. ولكنّه تحادث مع صديقه المدمن للتدخين، الشيخ علي الأجهوري المالكي (ت1656).
من الواضح أنّ ابن أبي محلي تجنّب الحوار المباشر مع من خالفه الرأي في مسألة التبغ، وآثر ان يودع أفكاره مخطوطاً وجهه إلى الشيخ سالم والعلماء الثقات من المذاهب الأربعة في مصر، والمغرب، والسودان. فهو لم يرض أن يكون حبيساً لمذهب واحد، ولا خاضعاً لري معين. ففي غداة وصوله أوجلة ألّف ابن ابي محلي الرسلة الطلبية مع الإشارة الشجرية. طار تلاميذ ابن بي محلي بنسخ الرسالة ليضعوها بين يدي علماء العصر. وأوصاهم ابن أبي محلي بالوقوف على من تلقى المخطوط حتّى يتسلموا الرد منه.
استطاع الرسول إلى مصر عرض الرسالة على الشيخ سالم السنهوري وعلى غيره من العلماء. فاعتذر الشيخ عن الرد متعللاً بضعف الصحة. ولم يجد بالإجابة من علماء القاهرة سوى الشيخ علي الأجهوري، وشيخ الشافعية، علي ابن يحيى الزيادي (ت1615)، ومن علماء المغرب القاضي أحمد بن محمد البوسعيدي تاكوجيل.
أضاف ابن ابي محلي الإجابات الثلاثة إلى الرسالة ومهّد لها بمقدمة بعنوان الحكاية الأدبية. ولا يخفى الإحباط الذي أصاب ابن أبي محلى من ندرة الأجوبة وعدم استيفاء ردود الأجهوري، والزيادي، وتاكوجيل. يقول ابن أبي محلي «أنّهم لم يشفوا غليلي بأتم جواب، وأبين خطاب في عامة المطلوب، غاظني منهم ذلك غيظ المحب على المحبوب، لا بسخط الضال على المغضوب». ثمّ قال مخاطباً علماء مصر والمغرب الذين لم يتفضلوا بالرد على سؤاله:
وما كان ظنّي أن يبوء سؤالي
وكفه صفر من عظيم نوال
وقد جاب في الركب المشارق داويا
يضل القطا من مغرب ابن هلال
ليسعدوا في ترحاله بمساعد
يجيب إلى مطلوبه غير سال
فعاد وقد طاف البلاد كما غدا
وعذراؤه في خدرها بجلال
فيا ليت شعري ما اعتذار فحولها
كأن ضربوا بمئسهم لمقال
وصلت الحكاية الأدبية والرسالة الطلبية إلى العالم أحمد باب التمبكتي (ت1627) وهو آنذال بتمكروت في وادي درعة عائداً إلى دياره في غرب إفريقيا بعد أن أطلق سراحه مولاي زيدان. تفحص أحمد بابا فحوى السؤال وجاء ردّه مفصلاً تفصيلاً دقيقاً في كراسة أطلق عليها اسم اللمغ في الإشارة لحكم التبغ. ووعد بكتاب آخر أكمل وتم بعنوان عين الإصابة في حكم طابه.
أشاد ابن أبي محلي بكراسة أحمد بابا قائلً «وأمّا جواب الفقيه، الرضى، الحافظ أبي العباس أحمد بابا… فقد أفاده فيه ما لم يفده غيره… على أنّه اعتذر في اقتصاره واختصاره بسفر هو في أثنائه». الحق ابن أبي محلي اللمغ بسفره الضخم الأصليت الخريت في قطع بلعوم العفريت النفريت، ذلك أنّ السفر الذي استعرض فيه رسوخ قدميه وعلو مقامه في العلم والمعرفة، وأعلن فيه انسلاخه وانطلاقه المدوي من الهامشية إلى القممية والمهدوية.
حرب الفتاوي: الجدل
حول شرب الدخان
جاءت فتاوي القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن والشيخ سالم السنهوري، كما أسلفنا، رداً على أسئلة يستفسر أصحابها عن الحكم الشرعي للتبغ. وتميزت فتوى السنهوري بالإيجاز الشديد والتحديد القاطع. تقول الفتوى:
«الحمد لله مستحق الحمد، ولا يجوز تعاطيها ولا زراعتها، ويجب على والي الأمر المنع منها ومن التجر فيها، ومعاقبة من خالف بما يقتضيه رأيه واجتهاده، والله أعلم. وكتب سالم السنهوري المالكي».
أمّا القاضي محمد فقد أسهب في سرد الأدلة والبراهين التي بنى عليها فتواه. وللأسف لم يصلنا من هذه الفتوى سوى المقتطفات التي أوردها ابن أبي محلي في الرسالة والشيخ إبراهيم اللقاني المصري المالكي (ت1631) في كراسته. ويلاحظ أنّ الشيخ انتقى ما راق له من الفقرات التي تدعم وجهة نظره. فبينما أورد ابن أبي محلي الأسانيد الفقهية التي أقام عليها القاضي فتواه، نقل اللقاني قول القاضي في المضار الصحية الناتجة عن التدخين. فالفقرة التي نقلها ابن أبي محلي تقول:
«وقد ورد النهي عن كلّ مُسكر ومُفَتّر. روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه عن أم سلمة، رضي الله عنها، قالت نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن كلّ مُسكر ومُفَتّر. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: قال شيخنا الخطابي: المفتر كلّ شراب يورث الفُتور في الأطراف وهو مقدمة السكر. نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السُكر. وأورده في مادة فَتَر… وقال المُفتّر الذي إذا شُرب أحمى الجسد فصار فيه فُتُور وهو ضعف. انتهى. وقال القسطلاني: هذا الحديث دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات. فإنّها إن لم تكن مُسكرة كانت مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ. انتهى… فلا شك أنّ هذا حال طابة أي التبغ، لأنّها تؤثر الفُتور في الأطراف لقوم، وتورث الكسل والفشل للآخرين. وحكمها أيضاً حكم الحشيشة التي اختلف المتأخرون فيها… وقد نقل الإجماع على تحريم الحشيشة غير واحد منهم القرافي وابن تيمية. قال: إنّ من أحلّها فقد كفر. انتهى. وعلى هذا فليحذر مستحل طابة على نفسه لئلا يكون كالباحث عن حتفه بظلفه أو الجادع إذن أنفه بكفه».
ونص ما نقله اللقاني من فتوى القاضي:
«إنّها (طابة) من غش الشياطين وتزيينه لهم وتلبيسه عليهم يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم والأدواء والأمراض في عاقبة الأمر. وقد قال جالينوس: اجتنبوا ثلاثة، وعليكم بالأربع ولا حاجة لكم إلى الطبيب. اجتنبوا الغبار، والدخان والتتن. وعليك بالدسم، والطيب، والحلوى، والحمام. انتهى كلام جالينوس. وفي كتاب البركة في باب الطيب، يستحب من الأطعمة ما كان أنضج طبخاً، وأحسن لوناً، وأزكى رائحة وأطيب طعماً، ليكون الطبع إليه أميل، فتقوى الهضمة على إخراجه، ويكون أبلغ في التغذية والقوة (انتهى). وتكرار الدخان يسود. فتتولد منه الحرارة، فيكون داء. وذلك يكون خطراً والعاقل لا يخاطر بنفسه. فإن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يجخل في عموم النهي عن قتل نفسه. وكتبه القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن».
أصابت ابن أبي محلي صدمة عنيفة حينما فوجئ في فزان بهاتين الفتويين وبالخطر المفروض على التدخين. وممّا زاد في حيرته وتعجبه استماعه في وقت لاحق لدفاع القاضي المستميت عن فتواه، وما جاءه من أنّ الشيخ سالم قد شرب الدخان للتداوي من وعكة ألمّت به ثمّ انقطع عنه عندما بلغه أنّه مسكر. فالتدخين عند ابن محلي، وهو المدمن له، جائز شرعاً لا يختلف في ذلك اثنان. وهو دواء خالي أصلاً من المواصفات الذميمة الموجبة للتحريم. وما على المعترض، على حد قوله: إلاّ أن يراجع في ذلك فتوى السوسي:
ومن يعتقد تحريمها فهو قائل
بوهم ولا يجد له من موافق
فعندي ميزان يفرق بينها
وبين ذوات السكر عند الحقائق
على العقل دار الحكم في كلّ مسكر
تفطَّن لما في فقهنا من طرائق
وزنت بميزان الشريعة حكمها
فألفيت من قد عابها مثل واشق
وكل الذي قلنا خلت منه إنّما
تخدر جسماً هل لذا من مشاقق
ولله قوم سلموا وتوقفوا
لم يذكروا عيباً لنزهة رامق
لم يكن في وسع ابن أبي محلي تجاهل فتاوى تحريم التدخين، خاصّة فتوى شيخه في العلم، الشيخ سالم السنهوري. فالشيخ سالم هو تاج علماء الأزهر في عصره وإمام المذهب المالكي. وهو قبلة الحجاج المغاربة، يهتدون بهديه، ويحملون إليه الهدايا. فكان لفتاواه ثقلها وفعاليتها لدى المالكيين قاطبة. وما كان بوسع ابن أبي محلي أن ينتقد الشيخ علناً أو يحكم ببطلان فتواه صراحة. فهو في أوّل المشوار. ولا زال إماً مغموراً في جوف الصحراء المغربية. لذا فقد أودع اعتراضاته ثانياً الاستفسار الذي طرحه على الشيخ بأسلوب ينضج باللياقة والأدب.
افتتح ابن أبي منحلي سؤاله بالثناء على الشيخ سالم، مقراً ومفتخراً بمقامه في العلم ـ فهو «جامع شتات العلوم رواية، وحامل رايتها على الرؤوس دراية. شيخ المذهب خصوصاً، وإمام الحديث عموماً… بالجامع الأبهر، والجامع الأزهر». وبعيداً عن هذه المجاملات التقليدية، كان لابن أبي محلي رأياً آخراً في شخص الشيخ لأنّه كان يفرّق في معاملته وتقييمه للأشخاص حسب وضعهم الاجتماعي. فقد تجاهل الشيخ سالم ابن أبي محلي عندما كان الأخير معدماً، فقيراً يحضر حلقات درسه أثناء حجته الأولى (1393ـ94). بينما تغيّرت معاملته له عند مروره بالقاهرة في حجته الثانية (1605ـ1606)، وهو ذو جاه وعز على رأس مجموعة من الحجيج. فقد زاره السنهوري في مكان إمامته، واستضافه في داره. سجل ابن أبي محلي هذه الوقائع بمرارة لا تخلو من العتاب والسخرية «وكنت حين الأخذ عنه في الحجة الأولى، رث الهيئة، في غاية الضعة، قد لا يعبأ بي الناظر… فكان لا يبالني يومئذ إذا سألته، كغيره، إلاّ قليلاً… فلمّا عدت (في الحجة) الثانية… بخلاف الأولى لأنّي صاحب ذلك الركب، ونزلنا من القاهرة بقرب جامع طولون، فما شعرنا إلاّ والإمام السنهوري… راكب على حماره من الجامع الأزهر يتلقانا ويهنينا… واستدعاني لداره في المقفل من الحجاز، فالكرم، ووداع وبالغ في القبول».
طلب ابن أبي محلي من الشيخ أن يشرح ويفسر فتواه، ويصحح المفاهيم في مسألة التدخين برمتها، وذلك بأن «تضعوا عن وجه مشكلها اللثام. فإذا تبيّنت الأحكام فحضوا إذا عليها الحكام بالعلم الصحيح، والحلم الصريح، لوضوح الدليل بأوجز قيل يكون فيصلاً بين الطلاب، وحجة لذوي الألباب». فالشيخ سالم هو محط رحال الأسئلة ومفك أقفال كلّ معضلة».
لم يخف ابن أبي محلي عن شيخه إدمانه التدخين ثمّ إقلاعه المؤقت عنه، وحضّه الناس على تركه، لا عن قناعة شخصية بحرمة بل «من أجل فتواكم، إنّ صحّت نسبتها إليكم». واعتذر بطرحه السؤال كتابة لا شفاهة بأنّه لمّا «اجتمعت بمصركم المعمور بفضلكم المشهور، وقد ضاق الوقت لعجلة الحجاج عن ذلك في الطلوع، وصوارف عاقت عن مشافهتكم بهذه المسألة يوم لقيكم ووداعكم في القفول، لذلك استدركت ما فاتني بهذه الرسالة في بلدة أوجلة… لمدونا بما يشفي الغليل». وقد اشتهر عن الشيخ سالم تشجيعه طلبته على الكتابة إليه ليأخذوا الجواب عنه عمّا خُفي عليهم من أحكام الشرع. وهكذا امتثل ابن أبي محلي في مخاطبته الشيخ سالم للعرف السائد في العلاقة بين الطالب وأستاذه.
حدّد ابن أبي محلي في رسالته الإطار الفقهي والضوابط الشرعية لتناول قضية التدخين:
أوّلها: التدخين ظاهرة حديثة العهد لا يوجد حكم لها في الكتاب أو السنّة، أو الإجماع. ولهذا «اضطرب الناس في حكمها، واختلفت فيها الآراء. فمن محل يمدح، ومحرم يذم، ومورع عنها وعن الخوض في شأنها».
ثانيها: لا يتصدر للإفتاء في قضية التبغ أو أي قضايا أخرى إلاّ المتخصص المعروف بالعلم والتقوى، المشهور له بالصدق والأمانة، فالفتوى أمانة يسأل عنها المفتي أمام الخالق. وحقيقة فإنّ «المحلل والمحرم إنّهما هو الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، بكتاب أو سنة مبينة للناس ما أنزل عليهم، فتكفل بحفظها الأئمة الراسخون، واشتد عَضَدُها بإجماع الأئمة».
ثالثها: يقام الحكم الشرعي على «القاعدة القرافية» أي الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات، وقاعدة المرقدات، وقاعدة المفسدات وفق ما نقله ابن غازي (ت1513ـ1514) في تأليفه حاشية على المدونة عن كتاب القرافي الفروق.
رابعها: يصاغ الحكم الشرعي على عادة التدخين لذاتها دونما اعتبار لما قد يصطحبها من منكرات وشوائب عارضة محرمة أصلاً. يقول ابن أبي محلي «وسؤالي هذا إنّما هو عن حكمها في نفسها، سالمة من عوارض القدح الخارجة عن ذاتها، من اجتماع على منكر مع نسوة، أو إحداث لغناء ولهو محرم أو مكروه، أو جعلها في آنية فضة أو ذهب، فإنّ ذلك لو اتفق على شرب ماء زمزم، مع الترغيب فيه، حتّى يخلص من شوائب التكدير، وكذا لم أسأل عن حكم من يتعاطاها في الطرق والأسواق إمّا لشرهه أو سوء نظره… فإن مطلق الأكل في السوق دناءة لذوي الهمم، ولا عبرة بالهمج من سائر الأمم».
لا بد لنا أن نستعرض المرجعية الفقهية الأساسية التي حدّدها ابن أبي محلي، ونعني بذلك القاعدة القرافية كما نقلها عن حاشية على المدونة لابن غازي ونصها:
«خاتمة: قال القرافي في الفرق الأربعين من قواعده: المسكرات، والمرقدات، والمفسدات، ممّا تلتبس حقائقها عن كثير من الفقهاء. والفرق بينها أنّ المتناول منها إمّا أن تغيب معه الحواس أو لا. فإن ّغابت معه الحواس كالبصر، والسمع، واللمس، والشم، والذوق فهو المرقد، وإن لم تغب معه فلا يخلو من أن يحدث معه نشوة وسرور عند المتناول له أو لا. فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلاّ فهو المفسد. فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمزر وهو المعمول من القمح، والتبع وهو المعمول من العسل، والسكركة وهو المعمول من الذرة. والمفسد وهو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج والسيكران. ولأصل اشتهار هذا المعنى في المسكرات أنشد القاضي عبد الوهاب المالكي:
زعم المدامة شاربوها
إنّها تجلي الهموم وتصرف الغما
صدقوا، سرت بعقولهم فتوهموا
إن السرور لهم بها تما
سلبتهم أديانهم وعقولهم
أرأيت عادم دين مغتما؟
فلمّا شاع إنّها توجب السرور، والأفراح أجابهم بهذه الأبيات. وبهذه الفروق يظهر لك أنّ الحشيشة مفسدة، ليست مسكرة لوجهين: أحدهما إنّا نجد من يأكلها يشتد بكاؤه وصمته. وأمّا المسكرات، كالخمر، فلا تكاد تجد أحداً ممن يشربها إلاّ وهو مسرور. وثانيها: إنّا نجد شراب الخمر تكثر عرابدهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح، ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو. ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك، ولم يسمع بينهم من العرابد ما يسمع عن شراب الخمر. بل هم همدة، سكوت، مسبتون، لو أخذت قماشهم أو سببتهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر. بل هم أشبه بالبهائم. ولذلك يوجد القتل كثيراً مع شراب الخمر، ولا يوجد مع أكلة الحشيش، فعلى هذين الوجهين اعتقدنا أنّها من المفسدات، لا من المسكرات، فلا يجب فيها الحد ولا تبطل بها الصلاة. بل يجب فيها التعزيز والزجر عن ملابستها. فتنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات فلا حد فيها ولا نجاسة. فمن صلّى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعاً. ويجوز تناول اليسير منهما. فمن تناول حبة من الأفيون، أو البنج، أو السيكران جاز ما لم يكن ذلك قدراً يصل إلى التأثير في العقل والحواس. أمّا دون ذلك فجائز. انتهى.
هذا «القانون القرافي» في رأي ابن أبي محلي، هو المرجعية الوحيدة لأي فتاوى تتعلق بالتدخين.؟ فهو «الميزان الشرعي» الذي اعتمده فطاحل العلماء المحققون الذين جاؤوا بعد القرافي. فبالرجوع إليه ينجلي الوصف الشرعي لعادة التدخين، ويتبين الحكم،, ويحسم الخلاف. ومع هذا، أفسح بن أبي محلي للرأي الآخر بأسلوب ينصح بالتواضع المبطن بالثقة في الرأي، فلربما أتى شيخه السنهوري بحجة مغايرة بديله، وهذا أمر مشكوك فيه. ولربما أبدى اعتراضاً ورفضاً للقرافي. يتساءل ابن أب محلي، وهو واثق تماماً من عجز الشيخ عن إبراز مرجعية فقهية معتمدة ومغايرة «وهذه الشجرة المذكورة، المتنازل فيها، هل الواجب في حكمها أن تعرض على قاعدة القرافي الموصلة في السؤال لتعرف منها من أي نوع هي فتلحق به في حكمه، وتنخرط في سلكه… أو لا تعرض عليه؟ فنقول: لأية علة تنصرف عنها؟ ولأية حجة تستند عليها؟ هل القاعدة فاسدة غير مسلمة وقد تقدم نقيضه عن الأئمة أم ماذا؟».
من المحقق أنّ الشيخ السنهوري لم يسق في فتواه آية أو برهان، وإنّما بنى رأيه من واقع الأوراق المرسلة إليه والتي تقول «ويحصل لمن يشربها خدور وبعضهم يغيب عقله خصوصاً في ابتدائها». ولهذا اعتمدت سلامة الفتوى على صحة تلك الشهادة حسبما اقتضته الأسس الشرعية المعمول بها والمتمثلة في القاعدة القرافية كما تقرّر عند ابن أبي محلي.
قيم ابن محلي تلك البينات وخلص إلى أنّها خاطئة، غير سليمة، وعليه فإنّ شيخه لم يوفق في حكمه على التدخين. ويقول ابن أبي محلي: «إذ عرضتها (فتوى الشيخ سالم) على تفاصيلها (القاعدة القرافية) فأبت أن توافق بعض عموم السؤال بجوابه». وعلى كل، لم يوصد ابن أبي محلي الباب في وجه الشيخ بل أفسح له ليخرج من (الورطة) التي زجّ نفسه فيها. فكون السنهوري عالماً كبيراً له قدره ومكانته الدينية لا يمنعه عن ارتكاب الخطأ. «فمقامه في شيوخنا لا يُجهل، بل يُجل. وفقهه مشهور، وعلمه منشور، وليس بغير النبي بمعصوم. والساهي في نادر الأحوال… إذا تَذكَّر، واستدرك بإنصاف ما فاته غير ملزم ولا مذموم. وإنّما العيب الجمود، والذنب الجحود». فالمطلوب من الشيخ سالم تصحيح الخطأ، إن وجد، بأن يأتي برد شامل، وواسع حتّى وإن اضطر إلى التراجع عن أقواله. يضع ابن أبي محلي هذا الخيار أمام شيخه في سماحة ودهاء «لعلّ شيخنا وإمام الإسلام له خلاف ما تقتضيه القاعدة المذكورة، ووقف على ما فيها هو، ولم نطلع نحن عليه لقصورنا، وكثرة جهلنا. أو وقع سهو ما لموجبة يومئذ في عموم المسألة أو نحو ذلك».
ندّد ابن أبي محلي بكلّ ما جاء في السؤال الموجه للشيخ سالم واصفاً إياه بالتعميم الذي يتنزه عنه العقلاء. فالاعتماد على ما فيه من بينات في صياغة الأحكام دونما دراسة متأنية واعية فيه مجازفة وبُعد عن الصواب. فالقول بأنّ التدخين يخدر الجسم قد يخالف الواقع العلمي لحد كبير فالأغلب الأعم من المدخنين بل «الجميع في غير المبتدىء لا تخدره بالذوق والمشاهدة».
وجه ابن أبي محلي أصابع الإتهام إلى السائل بتضليل الشيخ سالم. فالسائل لم يحدد بدقة عدد من يتأثر عقله بالتدخين في عبارته «وبعضهم يغيب عقله»، بل ترك تحديد العدد للاجتهاد الشخصي. فبينما قدر ابن أبي محلي ذلك العدد بالقلة النادرة، فإنّه لم ينف وجود من يقدره بالكثرة الغالبة لذا فلم يكن من المستغرب أن يظن الشيخ سالم أنّ ذلك «البعض» كبير جداً، فنادى بتحريم التدخين. هذا ما يشير إليه ابن أبي محلي في قوله الحذر «خفت أن يكون الشيخ، قد حسب أنّ ذلك البعض أن سلم وجوده، كما لا ننكره نحن ولا غيرنا، ليس بأقل من القليل فأفتى بالتحريم».
حصر القرافي مغيبات العقل المحرمة في المسكرات، والمرقدات، والمفسدات. إلاّ أنّ فتوى الشيخ سالم، في دلالتها الظاهرة، أدرجت عادة التدخين تحت “مغيباً العقل”. رفض ابن أبي محلي هذا المزج اللاعلمي. فهو قد أدمن التدخين منذ مدّة ليست بالقصيرة، ولم يعرف له تأثيراً على العقل. «فالإسكار المفهوم من القاعدة القرافية غير موجود فيها البتة بالذوق والمشاهدة، ولا سمعت أحداً يذكره عنها». ويتحدّى ابن أبي محلي المعترض أن يبرز دليلاً واحداً يثبت باليقين إسكارية التدخين» ومن جحد هذا العيان يكذبه أو يصدقه بحضور ألف أو يزيدون من شربتها بين يدي الحاكم، ليقف على الحقيقة بنفسه، حتّى يرى ما فيه المرء. وأبلغ من ذلك لو شربها عدل يعتقد الحلية لدليله من العلم، وهو سالم المزاج من الاختلاط مثلاً ليترقى بذوقه من المعاينة في نفسه. وهذا أمر ضروري، لا ينكرونها لا تسكر الإسكار المتقدم بيانه». أمّا الشيخ سالم، حسب قول ابن أبي محلي، فقد قبل ما نقل إليه من أنّ التدخين مسكر كالخمر المحرمة، فأفتى بتحريمه مستنداً على الحديث الصحيح «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام».
نفى ابن أبي محلي أن يكون التدخين من جملة المرقدات أو المفسدات. وحتّى لو افترض بأنّه مرقد أو مفسد، لا يجوز القطع بتحريمه، فقد رخص العلماء استعمال القدر القليل من مغيبات العقل، ما عدا الخمر، خاصة لتخفيف الألم عند العمليات الجراحية، هذا ما أورده الحطاب (ت1493) من قول زروق (ت1893) «الظاهر جواز ما يسقى من المرقد لقطع عضو ونحوه، لأنّ المرقد مأمون».
بقدر ما كان ابن أبي محلي حذراً في محادثته الشيخ سالم، بقدر ما يراع ذلك التسامح في تمحيصه لفتوى القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن. فهو لم يذكر اسم القاضي مطلقاً، بل ظلّ يشير إليه «بالسوداني» و«الطالب»، ويصفه (المخالف المدعي). فالقاضي، في رأيه تصدّى للفتوى عن جهل، واعتمد فيها على حديث واهي، ضعيف وهو «نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن كلّ مسكرومفتر». وبالتالي ارتكب خطأ فاحشاً في حق دينه، وحق المجتمع. فإن جاز القول بأنّ التدخين يفتر الجسم، فإنّ المفتر لا يقترن بالمسكر في خصائصه، ولا يتساوى معه في الأحكام الشرعية. فالمفتر لا يؤثر على العقل ولا على الحواس. إذاً، فالنهي عنه قد يؤدي إلى تحريم الكثير من المباحات شرعاً فإنّ السمن، لا سيما إن كان عتيقاً، إذا أكل منه في قائلة بالصيف أورث صاحبه بعض فتور. وكذلك بعض الأطعمة. وأبين من ذلك كثير من المسهلات الطبية يعقبها فتور ضرورة مع حليتها فيما نعلم. وكذلك الجماع يعقبه فتور ضرورة بعد الإنزال أحياناً. وكذلك عقب الخروج من الحمام». لذا ففتوى القاضي محمد باطلة. غير صحيحة، لأنّها تستند على أسس هشة، وحجة واهية.
كان ابن أبي محلي يعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ الشيخ سالم لن يتحرج من الرجوع عن فتواه. وكان مطمئناً أنّ القارئ من علماء مصر، والمغرب، والسودان لتشخيصه الدقيق لفتاوي الشيخين لن يتردد في الحكم بحلية التدخين ونفي الشبهات عنه. وكان يتوقع أن تنهال عليه الردود المؤيدة لرأيه. ولكن لم تصله سوى بضع أجوبة، وهي فتاوي الشيخ الأجهوري والشيخ الزيادي من مصر، وفتوى القاضي تاكوجيل من المغرب، وفتوى الشيخ أحمد بابا التمبكتي. وقد عرف عن الأجهوري، وتاكوجيل، وأحمد بابا إدمانهم التدخين. وأنّ الآخرين من مواطني المناطق المنتجة والمصدرة للتبغ. فمنع زراعته وتجارته قد يسبب أضراراً اقتصادية لمنطقتي تمبكت ووادي درعة. ولربما وضع الشيخان هذا العامل الاقتصادي في الحسبان عند دفاعهما عن التبغ.
اتفقت هذه الفتاوى على تحريم مغيب العقل حسبما اقتضته القاعدة القرافية. يقول أحمد بابا أنّه من الواجب عرض أمر التدخين «عليها، وعلى غيرها من قواعد المذهب ونصوصها، إن وجدت، وإلاّ فمن أين يؤخذ حكمها؟».
والتبغ أو طابة في الأصل نبات لا حرج في تعاطيه بمقتضى القاعدة التي أقرّها فحول علماء المذهب المالكي من أنّ النباتات كلّها مباحة، «حتّى يرد دليل على تحريمها». أو يثبت بالدليل العلمي إنّها تضر بمناولها رجوعاً إلى الآية {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]. وعليه يكون التدخين حراماً إذا أضرّ بالعقل وأفسده. فالعقل هو أساس التكليف في الشريعة الإسلامية، وهو «أشرف ما في الإنسان المميز له عن سائر أنواع الحيوان، ولذا وردت الشرائع كلها بوجوب حفظه… فتناول ما يفسده حرام قطعاً، وإن لم يسكر». ومن هذا المنطلق صرّح الأجهوري «الحاصل أنّها تحرم على من تؤثر في عقله، أي تغطيه». وأيّده الزيادي «إذ لم تضر بالعقل، لا يحرم استعمالها».
نفى الأجهوري صفة تغيب العقل عن التبغ «كما علمنا بالوجدان، وأخبرنا به جمع كثير، وشاهدناه فيمن استعملها أمامنا». ولكنّه اعترف بأنّ ثمة من يدعي، ربما عن تجربة، بأنّ للتدخين تأثير سلبي على العقل. ففي هذه الحالة النادرة يندرج التدخين تحت المفسدات أو المرقدات. وليس بأي حال من الأحوال تحت المسكرات. وحينئذ يكون محرماً على ذلك الفرد وحده دون غيره «لتصريحهم بأنّه يجوز للشخص أن يستعمل من المفسد أو المرقد الذي لا يؤثر في العقل، أي لا يغطيه. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص بلا مرية. فرب قدر يؤثر في عقل شخص، ولا يؤثر في عقل آخر».
وكان القاضي تاكوجيل قاطعاً في انتفاء تغيب العقل عن التدخين «وأمّا انتفاء السكر، والفساد، والرقاد عنه فأمر ضروري لا يمتري فيه عاقل. ومن أنكره فهو سفسطائي ومكالمته لا تفيد». ولم ير تاكوجيل مدخناً بدت عليه إمارات السكر، أو تصرف كما يتصرف السكارى: «وهل رأيتم سيدي أو سمعت إنّ شارب تبغ يتقلد سيفه، ويعربد على الناس؟ أو شربها واختلط عقله، واختل عقله، واختل كلامه أو مشيه؟».
ويقول أحمد بابا إنّه أفتى بإباحة استعمال طابة ردّاً على أسئلة طرحها عليه علماء المغرب، كقاضي فاس، وفقيهها أبو الحسن علي بن عمران، وكالقاضي تاكوجيل. وقد اعتمد في الفتوى على حقيقة أنّ التدخين لا يذهب بالعقل. ووفقاً لهذا لا يسوغ تحريمه تحريماً مطلقاً حتّى إن أزال العقل في الحالات القليلة النادرة.
أجمع العلماء الثلاثة على أنّ استعمال التبغ لا يشكل خطراً صحياً، بل هو العلاج السحري ذو المفعول القوي. فاستعماله مباح شرعاً إطلاقاً من المبدأ الأصولي الذي يقضي «بحل المنافع وتحريم المضار». وقد أشار أحمد بابا والقاضي تاكوجيل إلى استخدام التبغ في علاج كثير من الأمراض والوقاية منها. وعموماً حذر تاكوجيل عن مداومة أكل التبغ لأنّها خطر حقيقي على الصحة ممّا يؤدّي إلى الوفاة. واعتبر الأجهوري التدخين من مبطلات الصوم.
أصدر هؤلاء العلماء فتواهم بإباحة التدخين في حد ذاته، مجرداً ممّا قد يحيط به من ظروف عارضة ليست من خصائصه الأصلية الثابتة. ذلكم هو المذهب السليم في استنباط الحكم الشرعي. لأنّ الحكم الصحيح على الشيء «إنّما يكون من حيث ذاته، لا بحسب العوارض التي تؤدّي إلى لبسه، لأنّ العوارض لها أحكام في نفسها. فيجب اعتبار كلّ جزئية بحسبها. فمن ترك ذلك جازف، وعن الصواب انحرف». ومن منطلق هذا المبدأ اختلف تاكوجيل مع عدد من علماء مراكش الذين نهوا عن التدخين بحجة أنّه يقود إلى الاختلاط المشبوه بين الرجال والنساء. يتساءل القاضي إن كان اجتماع النساء مع الرجال على موائد الطعام يعني النهي عن «طواجين اللحم وغيرها»؟؟ فالحكم الصائب هو تشجيب وحظر ما يجري في تلك النوعية من المجالس، لا المنع من التدخين.
لم يتطرق الأجهوري لفتوى الشيخ سالم ولعله اكتفى في معارضته لها بإباحة واستحلال الدخان متجنباً الانزلاق في مواجهات مباشرة معه. فالشيخان تربطهما صداقة وزمالة. فهما من أعلام المذهب المالكي بمصر، وعضوان في هيئة التدريس بالأزهر، أمّا القاضي تاكوجيل فقد أيّد الشيخ سالم في تحريم كلّ مغيب للعقل. ولكنّه نفى صفة تغييب العقل عن التدخين. ومن جانب آخر بخس فتوى القاضي محمد واستهجنها.
كان أحمد بابا سافراً في تعقيبه على فتوى الشيخ سالم وفي إظهار أخطائها. فهو لم يعرف الشيخ معرفة شخصية، ولم يتتلمذ عليه، ولا يوجد ما يبرر اتباع أسلوب دبلوماسي متسامح معه. وفي اعتقادي أنّ أحمد بابا كان سيلتزم نفس الصراحة في انتقاده فتوى الشيخ سالم حتّى وإن كان الشيخ ما زال على قيد الحياة. فهو الرجل الذي لم يرهبه النفي ولا السجن. وكان حاداً فضاً مع القاضي محمد، إذ لم يغفر له «تقوله» على منصب قاضي تمبكت الذي كان يشغله عمّه أبو حفص عمر بن محمود (ت1594). فقد ألقى الباشا محمود بن زرقون، قائد القوات السعدية الفاتحة، القبض على تسعة من عمداء عائلة أقيت. كان من بين المقبوضين القاضي عمر وأحمد بابا وسيقوا مكبلين بالحديد إلى منفاهم في المغرب. ثمّ عيّن الباشا محمود القاضي محمد قاضياً في تمبكت خلفاً لأبي حفص عمر.
انتقد أحمد بابا اعتماد السنهوري على النقل دون تحقيق وإمعان النظر: «وهذا من آفات الفتوى، وهو البناء على ما يقتضيه ظاهر الكلام من غير تأمل فيما وراء ذلك». ورمى القاضي محمد بالجهل والتطاول على الإفتاء. فقد حشر القاضي نفسه في أمر لا يؤتمن عليه إلاّ الراسخين في العلم وهو الرجل الذي تعوزه الكفاءة والمؤهلات ولا يعدو أن يكون مقلداً، وليس بمجتهد مستقل برأيه. فمن واجبه أن يلتزم قواعد ومبادئ المذهب المالكي الذي يدين به لا الأخذ بما جاء في المذاهب الأخرى. «وإن خرج عن ذلك فقد تعدّى وظلم، وباء بإثم أعظم». ثمّ أورد أحمد بابا مقولة القاضي «فليحذر مستحل طابة على نفسه لئلا يكون كالباحث عن حتفه بظلفه» وقال معلقاً بسخرية «بل من حرمه بلا دليل هو الباحث بظلفه عن حتفه، والساعي بذلك إلى تلفه، لتعاطيه ما ليس في طرفه». فما أوضح أخطاء الرجل، وما أفدحها، وما أعظم «فساد مثله».
حرب الفتاوي ما بعد الأصليت
سقطت قضية التدخين من مذكرة ابن أبي محلي. فقد انشغل هذا الثائر الصحراوي، وصبّ جهده في الانقضاض على السلطة بالمغرب. فهبّ من منفاه الاختياري بوادي الساورة في ثورة غاضبة كاسحة حتّى دخل مراكش بعد أن لاذ مولاي زيدان بالفرار. وقد امتدّ نفوذه جنوباً حتّى منحنى نهر النايجر حيث دان له بالولاء الجيش السعدي القابع في تمبكت. ولكنّه لم يبق في الحكم طويلاً، إذ سقط قتيلاً في نوفمبر 1613 على يد بن عبدالله الحاحي.
التقط الشيخ إبراهيم اللقاني المصري الحوار حول قضية التدخين في رسالته نصيحة الإخوان باجتناب الدخان التي كتبها في 4 آذار (مارس) 1616، أب بعد مضي ما يقرب من الثلاثة سنوات على مقتل ابن أبي محلي. ولعل السبب في ذلك عدم اطلاعه على الأصليت قبل ذلك الوقت. أثارت نصيحة الإخوان ردّاً سريعاً من زميله الشيخ الأجهوري بعنوان غاية البيان لحل ما لا يغيب العقل من الدخان. وعلى الفور ألّف العالم الجزائري، الشيخ عبد الكريم الفكون (ت1663)، تعقيباً على الأجهوري سمّاه محدد السنان في نحور إخوان الدخان.
وهكذا انفتح باب الحوار حول قضية التدخين مرّة أخرى. ويلاحظ أنّ المتحاورين الثلاثة ينهجون المذهب المالكي. لهذا فقد التزموا جميعاً بقاعدة القرافي رغم اختلافهم حول الحكم الشرعي للتدخين. وراعوا في إصدار احكامهم أولويات، أو قواعد فقهية ثابتة هي «الأصل في المضار التحريم، وفي المنافع الحل» و«درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة».
عارض اللقاني القائلين بحلية التدخين، ودعى إلى تجنّبه وقدم الحجج التي تبرر تحريمه. فالتدخين، عنده، مضر بالصحة، مبدد للمال، مخل بالآداب، مانع لاداء الفرائض. وقد أمر بحظره الحكام، ونصح بالإقلاع عنه جهابذة الأطباء، وأفتى بحرمته فحول العلماء.
لفت اللقاني الإنتباه إلى عدم مصداقية احمد بن أبي محلي. فقد تجنّى هذا الرجل «المشعوذ» على الشيخ سالم. وهو ذات الرجل الذي أدخل عادة التدخين الكريهة في مصر، وقتل كثيراً من الأبرياء بتحدّيه الدامي للسلطة الشرعية بالمغرب «فعلى الفتنة عاش وعليها مات». لا شك أنّ هذا الهجوم الشرس على ابن محلي كان نابعاً من خلاف قديم وقع بينهما. فقد حاول ابن أبي محلي تصحيح اللقاني في مسألة نحوية أمام تلامذته بالأزهر ممّا أخرج اللقاني وأغضبه وأجبر ابن أبي محلي الزائر على مغادرة حلقة الدرس. فهذا الهجوم، كما يبدو، ليس سوى تصفية لحساب مزمن.
أنكر اللقاني أن تكون للتبغ قوّة إسكارية طبيعية. فهو لم يعرف مدخناً «يقع منه ما يقع من السكارى». ولكنّه لم يستبعد خلوه تماماً من النجاسات كالمواد الكحولية التي يمزجها به الزراع والتجار لإعطائه نكهة خاصّة. فإن صحّ ذلك، فإنّ حرمة التبغ تكون أمراً مفروغاً منه «إذ لا إشكال في نجاسة دخان النجاسة على المذهب».
كانت مصر تستورد التبغ مباشرة من مناطق زراعته في المغرب، وغرب إفريقيا (بلاد التكرور وما جاورها) وبواسطة التجار الإنكليز من العالم الجديد. وقد تواترت الأخبار بأنّ تجار التبلغ الأوروبيين كانوا يعدّونه للتسويق بعطنه في الخمر وشحم الخنزير. أمّا التبغ المستورد من المغرب وبلاد التكرور فقد كان سليماً من الخلط المنجس المفضي إلى التحريم. ولكن تبقى هناك مشكلة. فربما اختلط التبغ المشبوه بالتبغ السليم عند الباعة في الأسواق المحلية بحيث لا يمكن تمييز هذا عن ذاك. ففي هذه الحالة «فالكلام عن حرمة جميعه قياساً على امتناع أكل ذكية اختلطت بميتة».
لم يطلق اللقاني الإباحة الأصلية على التبغ رغم قناعته بعدم إسكاريته. بل أفتى بتحريمه واجتنابه لعدّة أسباب:
أولها: إدمان التدخين مضر بالصحة، مدمر لها بشهادة العلماء والأطباء والمتخصصين. فقد ذكر قاضي تمبكت محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أنّ التبغ مؤذي للإنسان إذ حذر جالينوس منه. وذكر القاضي أيضاً أنّ طبقات الدخان المترسبة في جوف المدخن تولد أمراضاً خطيرة مهلكة. ويؤيد هذا التشخيص ما جاء في رسالة أحد العلماء الأتراك، لم يذكر اللقاني اسمه، من أنّ الدخان مجفف للرطوبات البدنية، ممّا يصيب المدخن بالجفاف المؤدي إلى التهاب الكبد وتعطيل المخ والقلب. ويدل على صحة هذه المزاعم ما سمعه اللقاني من أنّ فريقاً من الأطباء الإنكليز أخذوا رجلاً مات باحتراق الكبد… وهو ملازم على (التدخين) فشرحوه، فوجدوه سارياً في عروقه وعصبه، حتّى أنّ مخ عظامه قد اسود. ووجدوا قلبه مثل السفنجة اليابسة وفيه أثقاب متنوعة منها الصغير والكبير. ووجدوا كبده كأنّه شوي على نار. وقد نبّه اللقاني بأنّ الأضرار الناتجة عن التدخين لا تطفح فجأة، خاصّة لدى الإنكليز، وهم الشعب الرائد لهذه العادة لأنّ «قطرهم شديد الميل عن خط الاستواء. فأرضهم شديدة البرد، وأبدانهم تغلب عليها الرطوبة والخلط البلغمي البارد، فلا يسرع فيها الجفاف بخلاف الأقطار الحارة خصوصاً الشديدة كالحجاز».
ثانيها: التدخين يقود إلى الإنفاق المسرف وإلى إضاعة المال وقبضه عن المحتاجين، ووضعه في أيدي الأوروبيين المعروفين بعدائهم للإسلام. فقد كان التبغ في مطلع عهده يباع بأثمان باهظة حيث بلغ سعر الرطل الواحد «نحو الدينار الشرعي».
كان غلاء أسعار التبغ السبب الرئيسي في انتشار التدخين الجماعي. إذ لم تكن لكثير من المدخنين القدرة على شرائه. فكانت مجموعات الأصدقاء تعقد المجالس الخاصة للسمر وشرب الدخان. وكان الجلساء يعمرون الغليون ويتناقلوه بينهم. ولم تذكر المصادر المعاصرة مضغ أو سف التبغ بل اقتصرت على القول بأنّ تناوله كان عن طريق التدخين. يعني هذا أنّ الوسائل الأخرى لتعاطي التبلغ سعوطاً أو مضغاً ربما ظهرت بعد انتشار زراعته، وهبوط أسعاره، إذ لا مجال للمشاركة في المضغ أو السف.
ثالثها: الانشغال بالتدخين والمرابطة في مجالسه تلهي عن أداء الفرائض، خاصّة الصلوات.
رابعها: التدخين وسيلة إلى الاختلاط غير المشروع بين الرجال والنساء حيث يتلاشى ضبط النفس، وتذوب التحفظات والحياء وترتكب الفواحش والمنكرات.
خامسها: رائحة التبغ الكريمة، «منتنة كالجيفة» ومؤذية لمن لا يستعمله. وهي أخبث من رائحة الثوم الذي نصح الحديث باجتنابه «من أكل هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا برائحة الثوم».
سادسها: يحرم التدخين إذا أمرت السلطات الحاكمة منعه حتّى ولو اعتقد عامّة الناس حليته لأنّ الشرع جعل طاعة الحاكم واجبة.
سابعها: عادة التدخين تشبه حالة المخلدين في النار فقد «جاء في الأثر أنّه يكون آخر الزمان دخان يملأ الأرض، يقيم على الناس أربعين صباحاً. فأمّا المؤمن فيصيبه منه منية الزكام، وأمّا الكافر فيخرج من أنفه وأذنيه، ودبره، وعينيه». وقد أمر الشرع بعدم التشبّه بأهل النار، وعدم السير على سنة أعداء الدين لئلا يقع المرء في مغبة إعلاء شأنهم على حساب أمّة الإسلام.
رفض اللقاني الزعم القائل أنّ التبغ دواء شافي ووقائي. هذه حجة كاذبة لا تعار انتباهاً، فقد جاء بمثلها المدمنون على الخمر متناسين بل متجاهلين عن قصد الحديث «إنّ الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». والمريض، عادة، يستخدم العقار الذي يقرّره الطبيب المختص بالطريقة التي يحدّدها، والتي تستهدف في نهاية المطاف الاستغناء عنه لا الإدمان عليه. فإنّ صحّ القول بأنّ التدخين دواء ناجح، فانتشاره الواسع بين طبقات المجتمع العليا يعني أنّ ذوي الجاه الموسرين المنعمين يعانون من أمراض أكثر وأخطر من الأمراض التي تصيب الفقراء المعدمين من الطبقات الدنيا. ويعني أيضاً إصابة جميع الناس بمرض واحد معين على مدار السنة، لا يبرأ منه إلاّ بهذه الوصفة المعينة دون استشارة طبيب. هذا افتراء وجهل بعلم الطب «فوالله أغلب من يتعاطاه لا مرض به حاصل، ولا يتوقع حصوله في الآجل».
لم تمض سوى بضع أسابيع على نزول نصيحة الإخوان حتّى التقط الأجهوري القفاز مدافعاً عن إجازته شرب الدخان. أشار الأجهوري في بداية حواره إلى أنّ مكونات نبات التبغ الطبيعية لا تسبب غياب العقل. فشرب الدخان إذاً جائز شرعاً، وتحريمه لا يقع لخصائص متأصلة فيه، بل ربما لظروف طارئة، خارج عن ذاته. وبتفادى هذه الظروف يظل حكم التدخين الإباحة الأصلية. ومزج التبغ الإنكليزي وتوليفه بالخمر لا يوجب بالضرورة إطلاق التحريم على كلّ الأصناف المعروضة في الأسواق. فمن المؤكد أنّ التبغ التكروري والمغربي لا يعطن في الخمر ولا في نجاسة أخرى. وعلى كل، فالمذهب المالكي لا يحظر استعمال دخان النجاسات ذاتها، ناهيك عن دخان ما امتزج بها من المباحات. فقد أكد ابن رشد (ت1198 «طهارة دخان النجس. وظاهر كلامه أنّه متفق عليه. وقد قبل كلامه ابن عرفة والشيخ خليل». والخمر نفسه إذا زالت إسكاريته وانعدمت «نشوته المطربة» نتيجة خلطه بالماء أصبح مجرد خميرة طاهرة مباحة. وعموماً فالمدمن يستطيع أن يميز بالمذاق بين التبغ الملوث والنظيف.
لم تثر فتاوى تحريم الدخان التي ذكرها اللقاني قلق الأجهوري. ففي جعبته العديد من الفتاوي التي تؤيده صادرة عن علماء أماجد من المذاهب الأربعة ويضم حشد أنصار التدخين الشيخ علي الزبادي (ت1615)، والشيخ عبدالله النحراوي الحنفي (1617)، والشيخ مرعي الحنبلي (ت1624)، والشيخ أحمد الشوبري الشافعي (ت1622)، والشيخ إسماعيل السجيدي الشافعي (ت1646).
عارض الأجهوري قول اللقاني إنّ التبغ يشكل خطراً بالغاً على الصحة. فقد شهد العلماء والأطباء من المسلمين والفرنجة بأنّه دواء له مفعول قوي جداً. وقدموا قوائم طويلة من الأمراض وبيّنوا طرق استخدام التبغ في علاجها وممن أشاد بمحاسن التبغ الشيخ أحمد بابا، وابن البيطار، وبيكولاس مونارديس الإسباني. وذكر الأجهوري أنّه عرف «بنفعه بالمشاهدة في بعض الأمراض كإزالة الطحال، وإزالة ما تكره رائحته». ولا يصح تعميم القول بأنّ الجفاف الناتج عن التدخين يؤدّي إلى الإصابة بأمراض مهلكة، لأنّ رطوبات الجسم «تحدث وتتجدد» تلقائياً ليحافظ الجسم على مناعته الطبيعية.
احتج الأجهوري على قول اللقاني بعدم استحلال تعاطي التبغ إذا أمر الحاكم حظره. فالتبغ دواء مباح مشروع. والحكام لا يملكون السلطة التي تخول لهم منع الناس عن التعالج به. وفي العموم. لا يحق لهم حظر المباحة إلاّ لمصلحة عامة مع إقرارهم بجوازها في المقام الأول. والانصياع لحظرهم غير ملزم إلاّ على الذين ينهجون ذات المذهب الذي يدينون به. لذلك فالمصريون المعروفون بنهجهم المذهب الشافعي والمالكي غير ملزمون بالإذعان لقرارات حكامهم الحنفيين بمنع التدخين. وما أصدره هؤلاء الحكام من أوامر ليس سوى «لغو فلا يعمل به». ولا يخفى أنّ فتوى اللقاني تنطوي على نزع مسؤولية إصدار الفتوى من العلماء وجعلها من اختصاص الحكام وحكراً لهم. وفي هذا تهميش لدور العلماء، خاصّة من كان منهم شافعياً أو مالكياً. وهي تصب في مصلحة الحكام العثمانيين في محاولتهم فرض المذهب الحنفي في مستعمراتهم الإفريقية والآسيوية.
وأخيراً نفى الأجهوري أن يكون إنفاق المال في شراء التبغ تبذيراً وإسرافاً غير مشروع. فالتبغ من المباحات، والصرف عليه لا يتطلب تحريمه، كما لا يحرم صرف المبالغ الطائلة على الفقراء والمحتاجين.
وقيل إنّ الشيخين الأجهوري واللقاني تناظرا حول التدخين أمام المصلين بعد صلاة جمعة. وتمسك كلّ منهما برأيه ودافع عنه بصلابة. ويزعم اللقاني أنّه اختتم المناظرة بالابتهال «اللهم من أصبح منّا أعمى فهو على باطل». وبالفعل أصيب الأجهوري بفقدان النظر فيما بعد.
تصدّى الشيخ عبد الكريم الفكون لفتوى الأجهوري واعترض على كلّ ما جاء فيها. ودفع بمحدد السنان في نحور إخوان الدخان نبراساً ينير الطريق لمن ضلّ وأضل (يقصد الأجهوري)، وفصلاً بين الكلمة الصادقة والجعجعة المتلاعبة بالقواعد الشرعية.
يقول الفكون إنّ هنالك حقيقة ثابتة وهي أنّ التبغ نبات شجيري. ولكن هذه الحقيقة لا تضفي الشرعية على تعاطيه أصالة، إذ ليس كلّ نبات مباح «هذا الخشاخش، والنبت المعروف بالحشيشة، والسيكران، وأشباهها من جملة النباتات ومع ذلك علم ما ذكره الأئمة في تناولها».
والتبغ أو الطباق، كما يسمّيه البعض، ليس هو الطباق الذي أشار إليه ابن البيطار كما زعم الأجهوري. وهو يختلف عنه تماماً «لولا ما توافق فيه الاسم والصفة في الرائحة، والورق». ومن الخطأ الشنيع إطلاق الإباحة الأصلية على كلّ النباتات التي أوردها ابن البيطار وغيره من العلماء لأنّ ابن البيطار عشاب من ذوي الخبرة بالأعشاب، شأنه جلب النبات في تأليفه وذكر فوائده الطبية، ولا يتعرض للحلال منها ولا للحرام. وهكذا شأن الأطباء فيما علمت من تواليفهم أن يذكروا خواص العقاقير… ولا يلزم ذكرهم لذلك أن يكون حلالاً، وإلاّ لزم إباحة كلّ ما ذكروه ممّا وردت في تحريمه النصوص القطعية».
قدم الفكون نخبة من العلماء أجمعت على منع تعاطي التبغ وتحريمه. تتفوق هذه المجموعة في مكانتها العلمية، حسب رأيه، على قائمة أنصار التدخين التي ذكرها الأجهوري، إن لم تقف معها، على أقل تقدير، على قدم المساواة. فمن الواجب إذاً الالتزام بأقوال هذه الصفوة التي تضم الشيخ إبراهيم اللقاني، وفقيه مكة، الشيخ خالد الزواوي، والفقيه أبو عبدالله محمد السوسي (ت1614)، والفقيه محمد بن أحمد الفاسي. وقد نظم هذا الأخير قصيدة في ذم شرب الدخان جاء فيها:
لا تميلو للبِغا
ولا تمصوا التبغا
فمن مصها فليمرضا
حتّى يكون حرضا
وهي من الملاهي
وأقبح الدواهي
تلهي عن الصلاة
والذكر والصلات
لأنّها كالخمر
أصغي أخي لذكري
لأنّ ما يفتر
كمثل ما يسكر
وكذلك في الآثار
عن النبي المختار
ولا يمص التبغا
إلاّ الجبان في الوغى
بذل الفكون جهداً كبيراً في محاولته إثبات إسكارية شرب الدخان، وآثاره المضرة على الصحة، وبالتالي تحريمه بالنص والإجماع. فقد تحقق عنده، نقلاً عن الثقات، بانّ التدخين مغيب للعقل. ولكن الواقع يشهد بأنّ المدخن لا تبدو عليه علامات السكر، ولا يتصرف كما يتصرف السكران الثمل. ويستطرد الفكون موضحاً بأنّ هنالك فرقاً كبيراً بين النشوة الناتجة عن الخمر والنشوة الناتجة عن التدخين. فنشوة الخمر تتجلى في «عربدة الساكر، وتمايله، ورقصة» وتفوّهه بعوار الألفاظ وبذيئها. أمّا نشوة التبغ فإنّها تكمن في القلب، إذ هي «منوطة بالباطن فقط». ومع كل، فلنشوة التبغ دلائل واضحة ليس من بينها «العربدة وسقط الكلام». يقول الفكون «ويدل لذلك ما ذكرناه من النشوة والطرب استغراق أربابه الأزمنة في شربه، وتفويت ما لديهم من الأموال في جلبه، ونسيان ما سواه من منافعهم، حالاً ومالاً، عن شربه، وعدم إلتفاتهم إلى لوم لائم، وعذل عاذل. وما ذلك إلاّ لما استفرقوا في شربهم إياه من السرور والنشوة. وبهذا استدل سيدي عبدالله المنوفي على أنّ الحشيشة ذات نشوة وطرب».
شدّد الفكون على منع تعاطي التبغ الإنكليزي خاصّة لأنّه مولف الخمر، وهذا الصنف اكتسب شهرة واسعة كأفخر أنواع التبغ وألذها نكهة. ولذلك صار مفضلاً على الأصناف الأخرى بالرغم من توليفته المحرمة بالنص. ومدمن التدخين، بطبعه، لا يهتم إن كانت التوليفة حلالاً أم حراماً. بل يصب كلّ اهتمامه في إشباع مزاجه وكيفه. فإن حصل على الإنكليزي «ينقض عليه… ويتلاشى ما لديه في الإدراك المميز به سالمه ومخالفه، سوى أنّه يتعنى بالسؤال عن قوته وضعفه، ولا يبالي بما وراء ذلك. وهذا حب مفرط لا يتصوّر مثله في استعمال هذا الدخان إلاّ للذة».
ويحرم التدخين لأنّه مفتر للجسم «أمّا ابتداء أو انتهاء». وليس في استطاعة المعترض على إسكاريته نفي افتاريته التي ثبتت بالدليل الملموس «كما سمعنا من شربته، ونقل من يوثق به».
أشار الفكون إلى خطر التدخين على الصحة مستنداً في ذلك على تقدير كبار الأطباء. فالدخان كما عرفه الأطباء، «هو أجزاء هوائية ممتزجة بأجزاء نارية». وعند التدخين تترسب الطبقات السامة من النيكوتين والقار فوق الشعب الهوائية فتنسد منافذ الهواء «فتكثر العفونات المؤذية والأخلاط المضرة». وضرر التدخين لا يظهر بشكل فجائي، بل مع مرور الوقت «وأن تخلف في بعض الأفراد، والرجوع في ذلك إلى شاهد الأطباء». ومن العقل بل الواجب شرعاً المحافظة على الصحة ووقايتها مما يتسبب في تحطيمها رجوعاً إلى الآية {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]. ومن العقل بل الواجب شرعاً ألا يقدم الإنسان على الانتحار «إذ لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه بحديدة أو حجر، أو يتحاشى الطعام والشراب، وبين أن يدخل على نفسه ما يورثه ضرراً أدناه الألم مع سلامة النفس، وأعلاه الموت».
والتدخين بصورته الجماعية المتعارف عليها يتسبب في نقل العدوى، لأنّ الغليون المتناقل يكون ملطخاً باللعاب وملوثاُ بالجراثيم. ومع اندفاع الدخان من الفم يتطاير البصاق عشوائياً على المجلس، «وريق الإنسان سم». فمن الواجب الاتقاء منه. «وقد نهى (صلّى الله عليه وآله) عن التنفس في الإناء، والنفخ في الطعام والشراب، وعلّل ذلك ببقايا بعض الريق. فيتناوله غيره، فيتأذى به».
من المعروف عن مدمني التدخين تكذيبهم ضرره وخطورته على الصحة، وإصرارهم العنيد على أنّه دواء يتناولوه لهذا الغرض. فأي دواء هذا الذي يستخدم دون استشارة الطبيب؟ وأي دواء هذا الذي يقتصر تعاطيه على المدعوين من الأصدقاء والمعارف، وتخصص له أماكن معينة، وتحدّد الأوقات لتناوله، ويفرط المرء في استخدامه؟ فالدواء مهما كانت شهرته العلاجية، يستغنى عنه ويستبدل بوصفات أخرى إن لم يظهر له تأثير في زمن معقول. والمريض عادة، لا يعتمد على دواء بعينه لفترات طويلة «فبعد اليوم الثاني أو الثالث ينفر طبعه من الدواء الذي لم يجعل له به الشفاء، ويقول انظروا غيره من سائر الأدوية». وعموماً، فإدمان التدخين، والاعتماد عليه كعقار يشكل خطراً بالغاً «لأنّ الدواء إذا تكرر ولم يظهر له أثر، كانت مفسدته أكثر من مصلحته، ومضرته تربو على منفعته».
ودخان التبغ تنبعث منه رائحة كريهة، مؤذية، تفوق في نتنها وخباثتها رائحة الثوم، والبصل والكراث. وقد أمر الشرع اجتناب خبيث الرائحة. وقيل عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يكره الروائح الخبيثة، وأنّه منع من تفوح منه رائحة الثوم من ارتياد المسجد حماية للمتعبدين. وقياساً على حظر العلماء الاحتفالات الدينية، والتردّد على معاهد العلم على من تفوح منه الروائح المستكرهة أياً كان مصدرها. فإنّ كان هذا هو حال من أكل الثوم والبصل، والكراث، وجميعها من «مصلحات الطعام»، فما بالك بحال من تعاطى التبغ عديم الفائدة ذي الرائحة الأشد نتناً وخبثاً؟ ويضاف إلى هذا أنّ التبغ لا يستلذ ولا يستطاب وليس من المباحات. فتعاطيه إذاً مكروه على المذهبين المالكي والشافعي. وحرمته لا جدال حولها «لأنّ الإدمان على المكروه حرام».
والتدخين الجماعي يقود إلى إضاعة المال في شراء التبغ بكميات كبيرة لإشباع نهم الجلساء علماً بأنّه باهظ التكاليف. وهو يقود إلى التفكك الاجتماعي والانحطاط الخلقي. ففي مجلس الدخان يختلط أجلة القوم وأكابره بالسفهاء وأراذل الناس. فيطيب السمر، وينزاح الحجاب، وتهتك الأعراض، وترتكب الفواحش، ويكثر «القيل والقال». وهذا الجو العامر بالأنس والدردشة والمتعة أغرى المدخنين وغيرهم بتمضية الوقت في مجالس الدخان لا على سجاجيد الصلاة. «وجلساء السوء كنافخ الكير بحيث لا يرجع الجليس منه إلاّ بمضرة بحرق في ثيابه أو خبث رائحته». وغالباً ما يتناقل المدخنون غليون التبغ بينهم مثلما يدار الكأس بين الندماء غير عابئين بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) «إذا شرب العبد الماء على شبه المسكر، كان ذلك حراماً عليه».
ومن أقبح العادات المعمول بها في مجالس الدخان «أنّهم يجعلون إناء لرمي ما بداخل الحلق من الأخلاط البلغمية والنخامات الخلقية، ويتراؤنها فيما بينهم. فكلّ يرى صاحبه ما خرج من فيه، وما أخرجه هذا الخبيث من باطنه، ليستدل بذلك على قوّة الدخان أو شدّته، وإنّه بالمكانة العليا من جذب ما بالرأس من فضلات. وهذا أمر تأباه الطباع وتنبو عنه مكارم الأخلاق. فهو مخالف للاقتداء بالسنة والسلف. وما خالفهما ضلالة صاحبها في النار».
وقد يبرر المدخنون من رعاع الناس تعاطيهم التبغ بأنّ صفوة العلماء مدمنون له «ولو كان حراماً ما فعلوه». هذا تبرير خاطئ ينم عن جهل فاضح وضيق أفق. ويكشف عن مآرب دنيئة بصدد إذلال كرام الناس والتقليل من شأنهم. وينبغي ألا يحظى مثل هذا الهراء بتقدير.
اختلف علماء السودان الشرقي، كزملائهم في شمائل وغرب إفريقيا، في مسألة التدخين. ويُقال إنّ الفقيه المتصوف إدريس بن محمد الأرباب (ت. 1650)، وكان معارضاً لتعاطي التبغ، راسل الشيخ الأجهوري في هذا الأمر. وكان ممّا اعتمد عليه رد الأرباب في تحريم التبغ شاهد رؤياه النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول بتحريم التنباك. ورد عليه الأجهوري بسخرية أن كان واحداً من الصحابة.
لم تهدأ نار الحوار حول قضية شرب الدخان في مدينة فاس، منارة العلم بالمغرب، إذ لم ينقطع سيل الاستفسار عن شرعيته. ومن علماء فاس الذين أدلوا بدلوهم في هذا الشأن في أواسط العشرينات من القرن السابع عشر، العالم محمد العربي الفاسي (ت. 1642).
تصدّى العربي الفاسي رأساً للحجج التي استند عليها معارضوا التدخين في فاس «لتطمئن القلوب المرتابة في حكمه». يقول الفاسي لا يوجد دليل ملموس على خطورة التدخين خاصة خطورته على الرئتين. فهناك الآلاف من المدخنين يتمتعون بصحة جيدة ولم تظهر عليهم أعراض الأمراض الفتاكة، ولم يلاقوا حتفهم نتيجة تناوله. والأحاديث التي اعتمد عليها المعارضون غير صحيحة بل مختلفة. والتدخين مسموح به قياساً على جواز استنشاق البخور، وإباحة استعمال الأدوية المحروقة مثل الطباشير وهو لا يؤدي إلى فقدان الوعي والإدراك «وما يقع نادراً لبعض من شربه ليس من تشويش العقل في شيء. إنّما هو مثل ما يقع لنافخ النار بما يشبه الدوار، والعقل بحاله، لم يتأثر بشيء من ذلك». ومن الخطأ إطلاق التحريم على التدخين بسبب خبث الرائحة أو فساد الأخلاق، أو تبذير المال على اقتنائه. هذه أسباب عارضة يمكن للمدخن تفاديها بسهولة. فيجوز منع المدخن من ارتياد أماكن العبادة ليس إلاّ، وقياساً على منع متناول الثوم من دخول المسجد. ويمكن الاستعاضة عن مجالس التدخين المخلة بالآداب بالتدخين الأنفرادي حيث لا مجال للمنادمة واللهو والمحرم. ويستطيع المرء أن يقنع بحصة قليلة من التبغ، أو يحصل عليه عن طريق الهبة، أو يعثر عليه عن طريق الحظ في مكان ما أو يقوم بزراعته وحصده بنفسه.
لم تخرج ردود الفعل عن الإطار العام الذي اعتمد عليه معارضو التدخين، ولم تأتي بجديد. فجواب عبد الرحمن بن محمد الفاسي (ت. 1626)، عم محمد العربي الفاسي، أكد افتارية شرب الدخان، وصحة حديث الإفتار الذي استند عليه الكثيرون في تحريم التبغ. فالإفتار هو المؤشر للنشوة. وقد ذاعت افتارية التدخين «ويكفي معه للسكر القليل من الخمر». ولهذا، حسب قول الفاسي، حرم تعاطي الدخان استناداً على الحديث «نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن كل مفتر ومسكر». وهذا الحديث الصحيح مثبت عند أحمد بن حنبل (ت. 855) وأبي داوود (ت. 889)، ورجع إليه العقلمي (ت. 1561-1562)، والقسطلاني (ت. 1517)، وزين الدين القرافي. وذكره السيوطي (ت. 1505).
ولولا صلاحيته للاجتهاد ما أفتى به هؤلاء، وهم رجال الحديث وجهابذته. وكان من أكبر هموم عبد الرحمن الفاسي امتصاص تجار التبغ الأوروبيين لثروات البلاد. ثمّ قدم الفاسي أدلة تحريم التبغ بوجه عام: «ومن البعض ما يقتدي الحرمة كالرائحة الكريهة، وإسقاط المروءة، والتشبه بهيئة أهل الخمر والفساد، وتعويد النفس ما لا ينفعها بل يضرها ويلهيها، وأكل المحترق ـ وقد منع لاضراره إلى غير ذلك من السفه ودفع المال فيها والسرف».
ولعل من أكثر المقولات اعتدالاً وموضوعية الفصل الذي خصصه أحمد ابن علي البوسعيدي السوسي (ت. 1637) لمناقشة قضية شرب الدخان. قرأ البوسعيدي مؤلفات اللقاني، والأجهوري، ومحمد العربي الفاسي وغايرهم. وسأل بنفسه كبار العلماء كالشيخ عبدالله بن سعد والشيخ عبدالله بن علي بن طاهر الحسني، والشيخ أحمد بابا، وسيدي الفضل بن أبي السجلماسي، وأبو القاسم بن النعم الغساني. ومع التزامه جانب التحريم إلاّ أنّه استحسن وضع الأمر برمته بين يدي الخبراء للوصول إلى قرار نهائي موحد: «يجب حينئذ على الإمام وعلى كل وال… أن يجمع أهل التجارب ومن حكمه ممارسة المنافع والمضار مباشرة، وامتحان خواص الأشياء مناولة ومسايرة، من النبات والمعدن من العلماء والأطباء والأذكياء من أهل القرآن، ومن أهل الكتابيين، إذا كانوا يصدقون، فيسألهم عن هذا الدخان. فإن اتفق نظرهم على أنّ فيه فائدة مهمة عامة لجميع الأشخاص، في جميع الأوقات لأنّ الناس لا يستوون على تيسر مرادهم كلّما أرادوا. ولا علم لجميعهم بما يلائم دائرة الفصول… فإذا تواطأ رأي المخبرين في الدخان وغيره بعدم المنفعة فحينئذ يحكم الفقيه بالتحريم. فمن يشير بعد ذلك إلى الإباحة فذلك من عدم الإنصاف… وإذا اجتمع رأي الملأ المذكورين على وجود الفائدة… حكم الفقيه بالحلية… فيجتهد الحاكم إذا ثبت الحكم الأوّل بما يرى لإزالته بالضرب أو السجن».
هذا ما كتبه د. عبد العزيز عبدالله بطران.
وهذه الحرب الدخانية كانت ـ كما رأينا ـ حرباً سنية بحتة. أمّا الشيعة فلم يبرز فيهم من قال بتحريم التدخين تحريماً دينياً، لذلك لم تنشب فيهم حرب فتاوى تدخينية.
وإذا كانت حرب الفتاوى التدخينية قد انقضت ومحي كلّ أثر لها في التاريخ، بل هي لم تترك في الأصل أي أثر في التاريخ، وعفى الزمن عليها.
إذا كان الأمر كذلك فإنّ فتوى واحدة في التدخين قد دخلت في تاريخ أمّة دخولاً أبدياً باهراً، وأصبحت جزأً مشرقاً من تاريخ تلك الأمّة، هي فتوى السيد محمد حسن الشيرازي.
ساوة
مدينة ساوة من المدن الإيرانية القديمة، وتقع على مسافة مائتين وثمانية كيلومترات جنوب غربي مدينة طهران.
تشتهر ساوة بزراعة وتصدير محاصيل القمح والشعير والقطن، كما أنّها تعرف ببساتين الرمان والتين. إنّ أراضي ساوة تعدّ من الأراضي الزراعية الخصبة.
وتمتاز ساوة كذلك بنقاء مياهها، ولطافة مناخها، بسبب السهول الواقعة في أطرافها، والتي تُكسبها بهاءً وجمالاً.
ومن الآثار القديمة في المدينة؛ بقايا مسجد تاريخي كانت تقام فيه الجمعة والجماعة، ويقع اليوم خارج المدينة، رغم أنّه كان في السابق واقعاً في وسطها ـ كما يقال ـ: ولو جرت تنقيبات وحفريات أثرية في الأراضي الواقعة بجوار المسجد لأمكن اكتشاف آثار عمرانية دالّة على المدينة القديمة.
على أنّه جرت بعض تلك التنقيبات، وتمّ اكتشاف بعض الآثار.
مساحة المسجد الأثري المذكور بحدود أربعين ألف متر مربع، ويلاحظ على جوانبه الأربعة أواوين وأروقة مسقوفة ومحاريب، إلاّ أنّ معالمها قليلة الوضوح. ويبدو من السقوف المحدِّبة (الطيقان)، والجدران أنّها قد بنيت من الطين والآجر الخام. وما يزال الإيوان والرواق الجنوبيان محفوظين بصورة نسبية. ويُشاهد على حافتي الرواق محرابان، وعليهما عبارات مكتوبة بالخطّ الكوفي. أمّا المحراب الرئيسي، فإنّه يقع إلى الأسفل من الرواق، وقد جرى ترميمه فيما بعد.
وقد كتبت سورة الدهر على أطراف الرواق، فيما كتبت سورة الجمعة بخطّ النسخ على أطراف المحراب.
وتنتصب خارج المسجد منارة عالية بارتفاع عشرين متراً، وهي على شكل أسطوانة دائرية متساوية التدوير في الأعلى والأسفل، ويبلغ قطر هذه المنارة حوالي اثني عشر متراً، وقد زيّنت بالآجر البارز، وخطّت عليها آيات من القرآن الكريم بالخطّ الكوفي.
وكذلك يوجد في ساوة مسجد آخر، تمّ بناؤه على عهد الشاه إسماعيل الصفوي في عام 924 للهجرة، ويقع على مسافة مائتي متر من هذا المسجد إيوان عظيم مشيّد بالآجر، ويبلغ قطر جداره حوالي أربعة أمتار. ويعرف هذا البناء أنّه «تكية»، إلاّ أنّ الظاهر أنّه من المقابر القديمة.
ومنذ سنوات قام الحاج تقي مقدّس زادة ببناء مدرسة على الطراز القديم يدرس فيها حوالي عشرة طلاب، وقد نصّب المرجع السيد حسين البروجردي الشيخ أبا القاسم النجومي القمي ناظراً ومدرّساً فيها. وكان الشيخ النجومي يجلس عند المغرب للقاء الناس، حيث تفتح المدرسة أبوابها.
ورغم عدم توفّر المطابع في ساوة. إلاّ أنّ صحيفة باسم «اشك دهقان» صدرت ووزعت في المدينة بإشراف وإدارة السيد آزمودة أردلان، وكانت تطبع خارج المدينة.
والنسبة إلى ساوة: ساوي وساوجي.
وقد ذكر ساوة أبو عبدالله محمد بن خليفة السنبسي شاعر سيف الدولة بن مزيد:
ألا يا حمام الدوح دوح نُجارة
أفق عن أذى النجوى فقد هجت لي ذكرا
علام ينديك الحنين ولم تُضع
فراخاً ولم تفقد على بُعد وكرا
ودوحك ميال الفروع كأنّما
يقل على أعواده خيماً خضرا
ولم تدر ما أعلام مرو وساوة
ولم تمس في جيحون تلتمس العُرا
السبئية
كان السبئية تعني ـ قبل اختراع قصة عبدالله بن سبأ ـ الانتساب إلى قبائل اليمن من سلالة سبأ بن يشجب. وقد ورد في القرآن الكريم {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}. {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ}.
وبذلك لقب بالسبئية عدد كبيرة من رواة الحديث في الصحاح الستة وقد عدّ السمعاني وابن ماكولا من رواة الحديث الذين اشتهروا بالسبئي لانتسابهم إلى سبأ بن يشجب كلاً من (عبدالله بن هبيرة السبئي) (وأبي رشد بن حنش السبئي) وقد روى عنهما مسلم في صحيحه، كما روى عنهما في سننهم كلّ من النسائي والترمذي وابن ماجه وأبي داود.
وكذلك أزهر بن عبدالله السبئي المتوفى سنة 250 هجرية. وأسد بن عبد الرحمن السبئي الأندلسي الذي كان حياً بعد سنة خمسين ومائة وسليمان بن بكار السبئي وجبلة بن زهير السبئي.
وهذه الأسماء التي ذكرناها إنّما ذكرناها كمثال لما قلنا وإلاّ فهناك الكثيرون غيرهم ممّن وردت أسماؤهم في شتى الكتب وممّن ذكرهم السمعاني وابن ماكولا وذكروا شيوخهم وتلاميذهم ولقد لقب كلّ منهم بالسبئي لانتسابه إلى سبأ بن يشجب.
وكان فيهم من وجد في مصر وفي الأندلس وفي اليمن وأقطار أخرى.
واستمر ذلك إلى أواسط القرن الثالث الهجري.
ومن هنا نعلم أنّه لم يكن في ذهن أحد عندما يذكر لفظ (السبئي) إلاّ الانتساب إلى اليمن، ولم يكن له أي مدلول آخر.
وبهذا المعنى أطلق لفظ السبئي على مجموعة القبائل القحطانية اليمنية التي تكتلت حول علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معاركه الكبرى والتي كانت تشكل جمهرة أنصاره بقيادة رؤسائها، أمثال: عمار بن ياسر ومالك الأشتر وكميل بن زياد وحجر بن عدي وقيس بن سعد بن عبادة وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وعبدالله بن بديل وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وسليمان بن صرد وغيرهم.
وجميع هؤلاء يمنيون سبيئيون بالنسب، على أنّ الأمر تطور في عهد زياد بن أبيه الذي اتخذ من هذه النسبة وسيلة للنبز بالألقاب. ويبدو أنّه حار فيما يطلق عليهم إذ ليس في أي لقب من الألقاب إلاّ ما يشرفهم لذلك اختار لهم لقب «السبيئيون» ليعود بهم إلى الأصل الجاهلي البعيد.
وعدا القبائل اليمنية، فقد كان جمهور (ربيعة) مع علي أيضاً وكانوا من المتفانين في تأييده، وعقد بينهم وبين اليمانيين حلفاً، جاء في نصه ما يلي: «هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها، وربيعة حاضرها وباديها».
ومن هنا كان لقب السبئية يلحق أيضاً الربعيين حلفاء اليمانيين.
وظلّت هذه التسمية (السبئية) تطلق نبزاً على أنصار علي والمتمسكين بولائه ولا تعني شيئاً غير هذا. حتّى أنّ زياد بن أبيه عندما هيأ الأسباب لمجزرة حجر بن عدي وأصحابه الأبطال ثمّ أرسلهم لمعاوية فقتلهم، لم ينسب إليهم شيئاً سوى قوله: «إنّ طواغيب من هذه الترابية السبئية» ثمّ يقول: «زعموا أنّ الخلافة لآل أبي طالب وأظهروا عذر أبي تراب والترحم عليه».
والمقصود بأبي تراب هو علي بن أبي طالب. إذن فإنّ كلّ جريمة (السبئية الترابية) هي «الزعم بأنّ الخلافة لآل أبي طالب»، و«الترحم على علي».
ولا شيء غير هذا حتّى عند سفاح مثل زياد ابن أبيه كان يخلق الذنوب خلقاً، فهو لم يستطع أن يقول غير ما قال.
وتطل لفظة (السبئية) من جديد في أوائل القرن الثاني الهجري، لنفس العوامل والأسباب، ولا يقصد بها حين تطلق إلاّ أنّها القول بنصر علي وبني علي.
وذلك حين حاول أبو سلمة الخلال تحويل الخلافة من العباسيين إلى الطالبيين قبل إظهار بيعة السفاح.
فقد خطب السفاح بعد أن بويع وقال فيما قال: «وزعمت السبئية الضلال «أنّ غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة».
إذن فكل ما استطاع السفاح نسبته إلى السبئيين هو أنّهم يرون غير العباسيين أولى بالخلافة، وهذا ضلال عند السفاح.
فهو كزياد ابن أبيه كان يودّ لو وجد لهم ذنباً آخر، أو لو عرف بهم انحرافاً عن الإسلام وقواعده ليشهر بهم ويكشفهم.
هكذا كان مدلول لفظ السبئية حتّى أوائل القرن الثاني الهجري.
إلى أن نشأ رجل في أواسط هذا القرن اسمه سيف بن عمر التميمي فإذا بالسبئية تأخذ على لسانه معنى جديداً وتتحول من النسبة إلى سبأ بن يشجب إلى النسبة إلى إنسان يخترعه ويسمّيه عبدالله بن سبأ، بل وإلى اتهام في العقيدة الإسلامية.
فمن هو ابن سبأ ومن هم السبئيون، وما هي دعاواه، وما هي أعماله، فيما يروي سيف بن عمر التميمي؟
يتلخص ما زعموا بأنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الإسلام في عصر عثمان واندسّ بين المسلمين وأخذ يتنقل في حواضرهم: الشام والكوفة والبصرة ومصر مبشراً بأنّ للنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) رجعة كما أنّ لعيسى ابن مريم رجعة، وأنّ علياً هو وصي محمد (صلّى الله عليه وآله) كما كان لكلّ نبي وصي. وأنّ علياً خاتم الأوصياء. كما كان محمد (صلّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء إلى غير ذلك من العقائد. وأنّ عثمان غاصب فيجب مناهضته لإرجاع الحق إلى أهله.
وسمّوا بطل قصتهم (عبدالله بن سبأ) ولقبوه بابن السوداء وزعموا أنّه بثّ في البلاد الإسلامية دعاته وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطعن في الأمراء فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين فيهم الصحابي والتابعي الصالح.
وزعموا أنّ السبئيين أينما كانوا أخذوا يثيرون الناس على ولاتهم ـ تنفيذاً لخطة زعيمهم ـ ويضعون كتباً في عيوب الأمراء ويرسلونها إلى غير مصرهم من الأمصار فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين بتحريض السبئيين وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره حتّى قتل فيها. وأنّ كلّ ذلك كان بقيادة السبئيين ومباشرتهم.
وزعموا أنّ المسلمين بعد أن بايعوا علياً وخرج طلحة والزبير إلى البصرة لحرب الجمل رأى السبئيون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون وأنّه إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرّروا أن يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم وأنّهم استطاعوا أن ينفذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقابلان. فناوش المندسون من السبئيين في جيش علي من كان بإزائهم من جيش البصرة.
والمندسون منهم في جيش البصرة من كان بإزائهم من جيش علي، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما وظنّ كلّ بخصمه.
وزعموا أنّ حرب البصرة المشهورة بحرب الجمل وقعت هكذا دون أن يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم.
إلى هنا ينتهي هذا القاص من نقل قصة السبئيين ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيئاً.
فما حقيقة عبدالله بن سبأ، وهل وجد حقاً، وهل كان له من الأثر ما كان، وهل استطاع فعلاً هذا اليهودي القديم أن يؤثر هذا الأثر؟
الواقع التاريخي بعيد كلّ البُعد عمّا ألفه بعض الناس من أقوال في الموضوع!
إنّ الذين اخترعوا عبدالله بن سبأ ونسبوه إلى اليهود، اخترعوا إلى جانبه دعوة، ثمّ اخترعوا جماعة تأخذ بتلك الدعوة، وسمّوهم «السبئية».
ويكفيك أن يكون بطل الأسطورة المخطط لها هو سيف بن عمر التميمي الذي أجمع رواة الحديث وعلماء الرجال على تكذيبه.
ورواة الحديث وعلماء الرجال يتشددون في صحة الرواية، لذلك كشفوا سيف بن عمر وأبانوا وضعه للحديث وافتراءه على الشريعة وصاحبها ودعوا إلى عدم الأخذ بما يرويه. على العكس من رواة التاريخ الذين يرون أنّهم ما دامت رواياتهم ليست مصدراً للتشريع ولا تمس الدين فهم في حل من الأخذ بكل ما يمر في طريقهم من أقاصيص، وهكذا استحل الطبري (المؤرخ) أن ينقل عن سيف بن عمر، في حين أنّ الطبري لو كان محدثاً لما استحل النقل عنه.
وجميع الذين كفروا قصة عبدالله بن سبأ كان مصدرهم الوحيد الطبري المستند إلى رواية سيف بن عمر.
وكي نعرف مقدار تورط الطبري في ما استند به إلى سيف، ومقدار ما ضلّل به الأجيال علينا أن نسمع رأي المحدثين وعلماء الرجال. قالوا يصفون سيف: «يروي عن خلق كثير من المجهولين. ضعيف الحديث ليس بشيء. متروك يضع الحديث. وهو في الرواية ساقط. يروي الموضوعات عن الثقاة. عامة حديثه منكر. متهم بالوضع والزندقة».
وكي تتأكد لك صحة ما قلناه يمكنك أن تراجع فهرست ابن النديم وميزان الاعتدال للذهبي (ج1) وتهذيب التهذيب (ج4) نقلاً عن جماعة من علماء الرجال كابن معين وأبي حاتم وأبي داود النسائي والدارقطني وابن عدي وابن حيان وعباس بن حيي وغيرهم.
أمّا في كتاب «الإصابة» (ج3) و«الاستيعاب» (ج3) فجاء في ترجمة القعقاع بن عمر: «وقال في ما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه. وسيف متروك وإنّما ذكرناه للمعرفة».
وفي الإصابة قال في موضع آخر: «سيف بن عمر ضعيف».
أمّا جلال الدين السيوطي فنقل عنه حديثاً واحداً في كتابه «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة»، ثمّ قال: «موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف».
هذا الضعيف الحديث، والذي ليس بشيء، والمتروك الذي يضع الحديث، الساقط الرواية.
هذا الموصوف بهذه الصفات عند علماء الرجال والمحدثين، سيف بن عمر هو الذي روى قصة عبدالله بن سبأ، واخترع ما اخترع حولها من أساطير.
وإنّ المحدثين وعلماء الرجال كانوا يدركون حقيقة سيف هذا، لذلك كشفوه ووصفوه بالكذب ودعوا إلى عدم الأخذ بما يروي ويخترع.
ولكن ما حدث المحدثون وعلماء الرجال الناس من الوقوع فيه، وقع فيه المؤرخون. أو الأحرى وقع فيه الطبري وعنه انتشرت أساطير سيف.
وقع الطبري في الشرك لأنّه كان يرى نفسه راوياً يستطيع أن يروي كلّ ما يقع تحت يده، ونسي تحذير الحفاظ وعلماء الرجال، فلم يشر بشيء إلى الصفات التي وصفت بها أقلام الثقاة الرجل الخطر سيف بن عمر التميمي.
والواقع أنّ سيفاً كان من أخطر الرجال يعرف كيف يأتي الإنسان من خلفه ومن بين يديه ليتلاعب بفكره كيف شاء، وليدس عليه ما يريد دساً محكماً رهيباً.
ولكن ماذا كان يريد سيف بن عمر؟ ولماذا شغل نفسه وشغل الناس بكل تلك الأساطير، وبينها أسطورة عبدالله بن سبأ؟
كان سيف يحمل في أعماقه ضغناً أي طغن على شيئين اثنين: على الإسلام، وعلى القبائل القحطانية، وكان هاجسه الوحيد تشويه الإسلام والنيل من القبائل القحطانية اليمانية التي انضمت إلى علي بن أبي طالب.
أراد أن يصوّر الإسلام بالصورة الدموية، وأن يجعل قادته سفاحين سفاكين، مستخفين بالدم فلا يبالون بأن يريقوه من عشرات الألوف بأمر يصدرونه.
كما أراد إبراز الإسلام ديناً خرافياً يؤمن أتباعه بالسخافات ويعتقدن بالخرافات.
وبعد ذلك أراد أن يشوه عقائد من يراهم أعداءه من القحطانيين، وأن يزيف اتجاهاتهم التي ارتضوها ومواقفهم التي اعتنقوها، فاخترع لهم عبدالله بن سبأ.
أمّا طريقه التي سلكها إلى هدفه الأكبر في الطعن بالإسلام وإخراجه كما أراد، ديناً دموياً خرافياً، فكانت على الشكل الآتي:
كان يختلق الأحداث الفاجعة ثمّ يموهها بجمل براقة تمدح القواد مدحاً مغرياً ويطلق ذلك كلّه دفعة واحدة، فيبهر المدح عقول الناقلين بهراً يجعلهم في غفلة عمّا أريد بهم وبالإسلام فيأخذون روايات سيف بالجملة، أو الأحرى يأخذها الطبري فتنتشر من يد إلى يد فتوحي باستهتار الإسلام ورجاله بالدم واستهانتهم بسفكه، استهتاراً واستهانة أين منهما استهتار جنكيز وهولاكو واستهانتهما من بعد.
وهاك مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة، وهو ما رواه سيف عن خالد بن الوليد في إحدى معاركه في العراق. قال سيف:
«وقال خالد: اللهم أنّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً قدرنا عليه حتّى أجري نهرهم بدمائهم.
ثمّ إنّ الله نصرهم، فنادى منادي خالد: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلاّ من امتنع. فأقبلت الخيول بهم أفواجاً مستأسرين، يساقون سوقاً، وقد وكّل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك يوماً وليلة، وطلبوهم الغد، وبعد الغد».
وبحسب رواية سيف ظلت المذبحة مستمرة بقصد أن يجري نهر من الدم لتبر يمين خالد، لكن دماء عشرات الألوف لم يكن في وسعها أن تبر تلك اليمين، لذلك قال له القعقاع وغيره كما يروي سيف:
«لو أنّك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فإنّ الدم ـ بعد قتل هابيل بن آدم ـ قد نهي عن السيلان إلاّ مقدار برده. فأرسل عليه الماء تبر يمينك. وكان قد صدّ الماء عن النهر، فأعاده، فجرى دماً عبيطاً، فسمّي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم، وبلغ قتلاهم من (اليس)([218]) سبعين ألفاً».
هذه رواية واحدة من روايات سيف بن عمر التي نقلها عنه الطبري مع ما نقل من قصص عبدالله بن سبأ، وعن الطبري أخذها ابن الأثير وابن خلدون.
ثمّ أعقب سيف هذه الرواية برواية تشير إلى أنّ خالداً بعد أن انتصر في مدينة (امغشيا) أمر بهدم (امغشيا وكلّ شيء في حيزها).
هذه الفظائع التي تعتبر فظائع جنكيز وهولاكو أمامها يسيرة قبلها الطبري وقبلها من أتوا بعد الطبري. ثمّ قبلها المغفلون في كلّ زمن حتّى هذا الزمن، قبلوها وسيظلون يقبلونها لأنّ سيف بن عمر عرف كيف يدغدغ عواطفهم بإضفائه الثناء على شخص خالد بن الوليد على لسان أبي بكر. ولأنّ في إنكارها إنكاراً لأسطورة عبدالله بن سبأ والسبئية، وهم ـ طعناً بالشيعة ـ يريدون الإبقاء على هذه الأسطورة بأي ثمن ولأنّ سيفاً حلى مفترياته بإطار من نشر مناقب الصحابة. ولقد نقلوا عن لسان أبي بكر أنّه قال بعد مجزرة أليس التي ذبح فيها بزعمهم سبعون ألف رجل، وبعد تهديم مدينة امغشيا: «يا معشر قريش غدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد».
وبهذا يكون أبو بكر شريكاً في مجزرة أليس وتخريب المدينة العامرة بحسب رواية سيف ابن عمر التميمي!!
هذا مثال عن إلباس سيف بن عمر للإسلام الثوب الدموي الرهيب وتصويره للمسلمين ناشرين للخراب والدمار والموت حيث يحلون.
أمّا عن إظهار الإسلام مظهر الدين الخرافي، فإليك نموذجاً منه يرويه الطبري عن سيف بن عمر:
نزل القائد أبا سبرة ـ خلال الفتوح ـ على مدينة سوس وأحاط بها المسلمون.
إلى أن يقول سيف: فأشرف الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب، إنّ ممّا عهد إلينا علماؤنا أنّه لا يفتح السوس إلاّ الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا.
فتقدّم رجل اسمه (صاف بن صياد) وكان مع المسلمين ومشتبهاً به أنّه الدجال، تقدّم صاف إلى باب مدينة السوس ودقّه برجله، وقال: «انفتح»، فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب!
كما يروي الطبري عن سيف في فتح حمص ما خلاصته أنّ سبب الفتح هو أنّ المسلمين كبروا أوّل مرّة فزلزلت المدينة وتصدّعت حيطانها ثمّ كبروا ثانية فتهافتت دور كثيرة وحيطان، فرأى من في المدينة أن يستسلموا.
ويروي الطبري عن سيف أنّ الأسود العنسي مدعي النبوءة، كان له شيطان يوحي إليه ويخبره بالغيب وذكر أموراً عجيبة عمّا أوحاه إليه الشيطان.
هذا الراوي الذي يروي كلّ هذا وما هو فوق هذا وأضعاف هذا، هو نفسه روى قصة عبدالله بن سبأ.
فإن كان صادقاً في هذا الذي ذكرنا بعضه هناك، فلنا أن نجعله صادقاً في حديثه عن عبدالله بن سبأ والسبئية. وإن كان كاذباً فهو كاذب في كلا الحالين وجميع الأمرين، لأنّ الحقيقة لا تتجزأ.
ولسنا وحدنا الذين نقول هذا فقد قاله في هذا العصر الدكتور طه حسين وقاله هشام جعيط. وألقى المؤرخ السعودي حسن بن فرحان المالكي محاضرة في مدينة (الرياض) قال عنها سعد الهمزاني في جريدة الحياة في عددها الصادر في 13 كانون الثاني سنة 1999 ما يلي:
في إطار إعادة مراجعة التاريخ الإسلامي ومساءلة أحداثه لفهمها ووضعها في سياقها الصحيح، شكك الباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي في حقيقة الدور الذي لعبه عبدالله بن سبأ في إشعال الفتنة التي وقعت أيام الخليفة عثمان بن عفان، وما ترتب عليها من أحداث جسام شكلت منعطفاً خطيراً في مسيرة التاريخ الإسلامي، لا تزال آثاره ماثلة حتّى اليوم، سياسياً وفكرياً وعقدياً، وذلك في المحاضرة التي ألقاها المالكي قبل مدّة في صالون الأديب راشد المبارك (الأحدية) بعنوان «عبدالله بن سبأ حقيقة أم أسطورة؟».
حصر المالكي في مستهل محاضرته نطاق بحثه في إنكار وجود دور لابن سبأ في الفتنة كما انفرد بنسبته إليه المؤرخ سيف بن عمر التميمي، وليس البحث في حقيقة وجود عبدالله بن سبأ من عدمه، أي الإجابة على أسئلة: «هل فعلاً قام عبدالله بن سبأ في خلال سنتين فقط بإفساد الناس على الخليفة عثمان بن عفان وتأليب الولايات عليه لتخرج الجيوش باسمه وكان فيها تحت قيادته ـ وهو يهودي ـ شخصيات من كبار الصحابة أمثال عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وعدي بن حاتم وجندب بن زهير وغيرهم رضي الله عنهم؟ وهل يعقل أن يكون هذا الدور لابن سبأ موجوداً من حيث مقارنة أحداثه في رواية سيف بن عمر مع الروايات التي ذكرها المؤرخون الآخرون؟ ومن هو سيف بن عمر الراوي؟ ومن هم شيوخه ومن هم تلاميذه؟».
والمالكي باحث من نوع خاص، ظلّ يعمل منذ سنوات على إنجاز سلسلة من الكتب تحمل شعار «نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي» صدر منها كتاب «إثبات البيعة بالإجماع لعلي بن أبي طالب» وكتاب آخر يحمل الشعار السابق (نحو إنقاذ…) هو عبارة عن «قراءة نقدية لنماذج من الأعمال والدراسات الجامعية» صدر ضمن سلسلة الكتب الشهرية التي تنشرها صحيفة «الرياض», وفي كتبه تلك، كما في محاضرته، ينطلق المالكي لإثبات نظريته من حقيقة أنّ علماء المسلمين كانوا يقصرون اهتمامهم في البحث والتأليف على روايات الأحاديث النبوية وتمحيص الصحيح منها والمكذوب، نظراً إلى أهميتها كمصدر ثانٍ للتشريع الإسلامي في زمن كان يعج بالوضاعين والكذابين في الحديث لأهداف شتى، فألفوا الكتب في علم الحديث ووضعوا المعايير الدقيقة لقبول أو رفض سند الحديث ومتنه، تاركين تمحيص الروايات والأخبار التاريخية لعدم أهميتها في استنباط أحكام الشريعة الإسلامية.
من هنا يوظف المالكي منهج علم الحديث في تناول الروايات التاريخية. وهذا التطبيق لعلم مصطلح الحديث على غير الحديث هو الجديد في كتابات المالكي وبحوثه التاريخية.
يبدأ الباحث محاضرته بسرد مختصر لقصة ابن سبأ التي رواها سيف بن عمر ولم يذكرها أحد غيره. وتقول القصة إنّ عبدالله بن سبأ رجل أسلم في آخر عهد عثمان بن عفان، وأراد إفساد المسلمين فبدأ بالحرمين الشريفين لكنه فشل، ثمّ ذهب إلى البصرة ونزل على رجل من بني عبد القيس ثمّ على حكيم بن جبلة العبدي فسمع به والي البصرة عبدالله بن عامر فأخرجه من هناك فذهب إلى الكوفة فأخرج منها ثمّ إلى الشام لكنّه فشل أيضاً، (وهنا يذكر المالكي أنّ سيفاً ناقض ما ذكره في رواية أخرى من أنّ ابن سبأ أضلّ أبا ذر الغفاري في الشام)، ثمّ خرج منها إلى مصر وبقي فيها فكاتب أعوانه في البصرة والكوفة ومصر يؤلبهم للخروج على عثمان بن عفان، وأخيراً أفسد مصر على عمرو بن العاص حتّى عزل من ولايتها وتولّى عبده عبدالله بن أبي السرح، ثمّ جعل أهل مصر يكسرون الخراج فلا يزرعون (كيف يؤثر ابن سبأ في الناس كلّ هذا التأثير لدرجة أن يامر دولة بكاملها ألا تزرع فتطيعه؟ يتساءل المالكي مع أنّ هذا الدور الكبير لو كان موجوداً لما أهمله المؤرخون الآخرون والمحدثون والنسابون) ثمّ يخرج جيش من البصرة وجيش من الكوفة وجيش من مصر، بعد أنّ بثّ ابن سبأ في الخارجين بحسب سيف بن عمر فكرة الوصية لعلي بن أبي طالب (لكن سيفاً يناقض فكرة الوصية نفسها حين يذكر أنّ أهل الكوفة حين خرجوا كانوا يريدون الزبير بن العوام، وأهل البصرة كانوا يريدون طلحة بن عبيدالله، وأهل مصر يريدون علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا فضلاً عن اتباع بعض كبار الصحابة لليهودي ابن سبأ كعمار بن ياسر.
ثمّ تستمر القصة حيث كان لهم ـ السبئية ـ دور في بيعة علي، ثمّ خروجهم معه، وبعضهم سبق إلى البصرة. وتضيف أنّ علياً كان على وشك الصلح مع جيش عائشة في معركة الجمل لولا أنّ ابن سبأ وأعوانه كعدي بن حاتم دبّروا مؤامرة انتهت بضرب الفريقين وهم نيام فظنّ كلّ فريق بالآخر سوءاً واشتعلت المعركة.
وفجأة تنقطع في البصرة أخبار ابن سبأ بعد هذه الموقعة في رواية سيف بن عمر، فلا يذكر عنه شيء في الكتب والروايات لا في موقعة صفين ولا في النهروان. والسبب كما يقول المالكي أنّ سيف بن عمر لم يؤلف كتاباً في هاتين المعركتين وإلاّ لذكر أنّ ابن سبأ كان له دور في القتال بين علي ومعاوية ودور في إضلال الخوارج، ما يؤكد أنّ دور ابن سبأ في الفتنة هو من اختلاق سيف بن عمر.
مع ذلك لا ينفي المالكي الروايات الأخرى التي تتحدّث عن غلو ابن سبأ في علي بن أبي طالب وقوله أنت الله، وتحريق علي له لكنّه يصنّفها ضمن عقيدة ابن سبأ، فهي لا تتحدّث عن دور له في الفتنة كما انفرد بروايته سيف بن عمر. ولكي يثبت المالكي نفيه لحقيقة الرواية الوحيدة لهذا الدور المزعوم لابن سبأ في الفتنة، ليس فقط من جهة التناقض في متنها أو لكونها من أخبا رالآحاد بل من جهة أنّ راويها سيف بن عمر كذاب وضاع بإجماع أهل الحديث وعلماء الجرح والتعديل. ويسرد قائمة من أقوال الأئمة فيه: فهو عند يحيى بن معين الذي كان أوّل من تكلّم عنه «فلس خير منه»، وهو «ضعيف» عند أبي زرعة الرازي، و«ليس بشيء» عند أبي داود، وعند أبي حاتم «متروك يشبه حديثه حديث الواقدي»، و«حديثه وروايته ليس بشيء» عند يعقوب بن سفيان، وهو «من باب أبي مخنف» عند الذهبي، وهو كما نقل ابن حبان عن ابن النمير «يروي الموضوعات عن الأثبات وقالوا أنّه كان يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة، و«وضاع منهم بالزندقة» عند الألباني، وعند ابن عدي «بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة». هذه الأقوال وغيرها التي تتفق مع متون روايات سيف تدحض قول الحافظ بن حجر عن سيف أنّه «ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ» الذي يتمسك به من يوثق رواية سيف. وإذا كانت هذه حال سيف عند علماء الحديث والجرح والتعديل، فكيف حال شيوخه الذين أخذ عنهم العلم؟
ذكر المالكي أنّه أحصى 376 شيخاً لسيف معظمهم كان من المجهولين كأبي حارثة وأبي عثمان والضحاك وغيرهم، وهو حين يروي عن المعروف منهم كهشام بن عروة وعبد الملك بن جريج لا يروي إلاّ أخبار قليلة وقصيرة حتّى لا ينكشف كذبه، في حين أنّه يسند معظم رواياته بتفاصيلها الدقيقة إلى أولئك المجهولين الذين يوجدون في كلّ مكان وزمان. وبهذه الحيلة التي كان سيف يتبعها بتطعيم أسانيد قصصه عن الرواة المجهولين برواة معروفين، وغيرها من الحيل الأخرى كروايته عن بعض الصحابة الذين لم يدركهم مثل أنس بن مالك، يفضي الصدقية على رواياته.
ولكن المالكي يفترض أنّ كلّ شيوخ سيف ثقات، لينتقل إلى تلميذه الذي روى عنه قصصه وهو شعيب بن إبراهيم الكوفي، لنجد أنّه راوٍ مجهول لم يذكره أحد على رغم أهمية ما رواه عن شيخه سيف. فالانقطاع في السند في روايات سيف حاصل من جهتين: روايته عن شيوخه منقطعة لأنّهم مجهولون، كما أنّ الرواية عنه منقطعة أيضاً لأنّ تلميذه شعيب الذي روى عنه 730 من أصل 800 رواية مجهول، وهو أخو سيف في الضعف والمنكرات. وعليه فلو كان البخاري مكان سيف لما قبلت أسانيده لأنّ شيوخه غير ثقات أو لانقطاع الإسناد.
ويرجع المالكي اتهام سيف بالكذب والزندقة إلى روايته للأساطير، ومن ذلك روايته لعبور المسلمين البحر في دجلة في العراق بخيولهم التي خرجت تنفص أعرافها لها صهيل، في حين كانت دجلة ترمي بالزبد، والناس يتحدثون في عومهم وكلامهم داخل البحر أكثر من كلامهم خارجه، وسعد بن أبي وقاص الذي غزا بلاد فارس طمعاً في أموال أهلها كان يسايره في الماء سلمان الفارسي، والمسلمون يخرجون من البحر ولم يفقدوا شيئاً أو يغرق منهم أحد لكن سيفاً يستدرك أنّهم فقدوا قدحاً واحداً بسبب أنّ علاقته كانت رثّة انقطعت فذهب في الماء، وينشأ جدال كبير بين المسلمين حول القدح: هل نزل في الماء بقدر الله أم بغير قدر الله؟ ولكن رجلاً من المسلمين قذفته الأمواج على الشاطئ رأى القدح صدفة وكان معه رمح فتناوله بها، ثمّ جاء به إلى صاحبه الذي كان اسمه مالك بن عامر، وهذا الأخير انتصر على الرجل الذي جادله واختلف معه في القدح وكان اسمه عامر بن مالك.
هذه الأسطورة التي يعلو فيها القدح في الأهمية على المعركة والفتح، تستمر في سرد التفاصيل من أجل تدعيم الشخصيات المختلفة كشخصية القعقاع بن عمرو التميمي الذي كانت إحدى أذني فرسه أطول من الأذن الأخرى، لهذا ثني عنان فرسه وهو في البحر لإنقاذ رجل من بني بارقة له فرس شقراء تعوم في الماء لكنّه كان غريقاً طافياً، ومن الصدف أنّ القعقاع بعد أن أنقذه اكتشف أن له خؤولة عليه، وأمّا جيش سعد فكانت خيوله التي تمخر الماء حين تعيا فرس منها ينبت من تحتها تلعة او جبل صغير ترتاح عليه ثمّ تواصل المسير ويختفي الجبل. وهذه القصص التي لا تقبل التصديق تكشف عن مخيلة قصصية ثرية كان يتمع بها سيف بن عمر الذي كان يطرب العوام بها.
ويضيف المالكي أنّ من أسباب تضعيف رواية سيف بن عمر انفراده بروايات مخالفة للروايات الأخرى عن فتوحات المسلمين وطعنه في أهدافهم وسيرهم في الحروب، حيث يروي ارتكابهم مجازر وأعمالاً وحشية كالرضخ بالحجارة والإحراق وغير ذلك، وذلك تضخيمه لأعداد القتلى في المعارك، بل وانفراده بذكر معارك مات فيها قرابة المئة ألف في حين أنّها ربّما لم تقع أصلاً، ومن ذلك قوله أنّ المسلمين أبادوا جيش كسرى عن آخره، وأنّ خالد بن الوليد أقسم أن يقتل من المشركين حتّى يسيل الدم أنهاراً فوكل من يقتلهم طوال ثلاثة أيام حتّى قتل منهم 100 ألف من دون ان تجري الدماء أنهاراً كما أقسم فاقترح القعقاع أن يصب الماء على الدم المتجمد ليسيل. وفي هذا الخصوص يشير المالكي إلى أنّ المستشرقين لم يصدقوا روايات سيف وقالوا إنّه يبدو عليها الاصطناع.
واشتهر سيف بتعصبه لقبيلته تميم عموماً وبني عمرو منهم خصوصاً، ومن ذلك اختلاقه الشخصيات العظيمة التي تمجد قبيلته كالقعقاع بن عمرو الذي لم تذكره الكتب التي ألفت في القرون الثلاثة الأولى، مع أنّه قام بأعمال وبطولات لم يقم غيره من القادة الذين ذكروا في كلّ الكتب التي لم تذكر شيئاً كذلك عن أخيه عاصم ولا عن دور ابن سبأ في الفتنة. وسيف بن عمر فوق ما سبق يأتي بروايات توفيقية ترضي العوام وتخدم أغراض السلطة الأموية التي كان سيف موالياً لها. ولا يضر أن تخالف الروايات الصحيحة كما في تحريفه لقصة اتهام المغيرة بن شعبة بالزنا بأنّه رؤي في بيت زوجته، أو بأنّ بيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأبي بكر تمت على الفور، وغيرها كثير… إذ يذكر سيف أنّ علياً وأنصاره من الصحابة اجتمعوا في البصرة على ضرب طفل. وهو بينما يطعن في كبار الصحابة خصوصاً من أتباع علي بن أبي طالب (عليه السلام) كعمار بن ياسر وعدي بن حاتم وغيرهم، واصفاً كلّ من خرج مع علي بأنّه خارج مع عبدالله بن سبأ، يجانب الحق منقاداً لميوله السياسية فيدافع عن أنصار معاوية كسعيد بن العاص والوليد بن عقبة وعبدالله بن أبي السرح وغيرهم من غلاة بني أمية ويبرر خروجهم على علي بن أبي طالب الذي ليس أكثر من تابع لابن سبأ!!
ويلفت المالكي إلى أنّ الاختلاف في اسم ابن سبأ، فهو عبدالله بن سبأ وابن السوداء وابن حرب وابن وهب الرافضي أو الهمداني، والاختلاف في موطنه بين صنعاء والحيرة، وتبرئة سيف لأهل الشام من التأثّر بابن سبأ، كذلك التناقض في التاريخ دخول ابن سبأ لمصر، وإدخال عبادة بن الصامت له على معاوية في دمشق في حين أنّ معاوية كان في حمص، وإلاّ لماذا تركه معاوية يرحل إلى مصر وهو يعلم أنّه يفسد الناس، كلّها دلائل على وجود اليد الأموية في صنع شخصية ابن سبأ. ويجزم المالكي بأنّ الطبري هو أوّل من ذكر روايات سيف بن عمر، وأنّها بقيت على حالها من الضعف، على رغم أنّ هناك ممّن أخذ بها وأثبتها من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً، كما أنّ هناك من أنكرها وأنكر حقيقة وجود ابن سبأ من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً من أبرزهم طه حسين، والحال كذلك مع المستشرقين أمّا السبئية فكانت تطلق، كما توصل المالكي، على المعارضين للحكم الأموي بشكل عام. والمالكي لم يبتدع فكرة عدم وجود دور لابن سبأ في الفتنة بقدر ما طبق منهج علم مصطلح الحديث في الجرح والتعديل على روايات سيف بن عمر، وكان استفهامه الإنكاري مبنياً على أنّه إذا كان سيف بن عمر باتفاق علماء الحديث وضاعاً كذاباً متهماً بالزندقة فكيف يصح لنا أن نصدق رواية من كان يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ ما قام به المالكي هو فقط التقاط الخيط من صديقه المؤرخ عبدالعزيز الهلابي الذي عقب على محاضرة المالكي قائلاً إنّه توصّل إلى نتيجة مشابهة لما توصل إليه المالكي عندما كان يعالج الموضوع نفسه منذ 15 سنة بعد أن شغله وأرقه ما في روايات سيف عن دور ابن سبأ في الفتنة من تناقض واستخفاف بالعقل، فكيف لرجل واحد يسلم العام 29هـ ثم يتنقل في جولات مكوكية بين اليمن والعراق والشام ومصر مؤلباً الناس على الثورة على خليفة المسلمين واعتناق أفكاره اليهودية كفكرة الوصية التي لم يكن العرب مهيئين لاستقبالها، فيتم له ما أراد في وقت قصير جدّاً، في حين أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام احتاج لسنين عدّة لنشر دعوته؟ وإذا كان تصديق وجود وسيلة نقل سحرية في ذلك الوقت ممكناً، فكيف يكون المسلمون على هذه الدرجة من الغباء بحيث يخدعهم رجل واحد يحاربون تحت لوائه؟
إنّه سؤال كبير يتهرب الكثيرون من مواجهته، فكيف يفسرون أسباب الفتنة التي حدثت بغير إلصاقها بشخصية معادية كابن سبأ حتّى يبرؤوا من مسؤوليتها؟ وكيف يمحون من ذاكرتهم ما قد نقش فيها من سيرة أبطال لا حقيقة لهم كالقعقاع بن عمرو؟ بل كيف يستقيم لهم فهم روايات سيف بن عمر بعدما ظهر لهم أنّ عيوبهم في حال صدقها هي أفدح من العيوب التي تظهر فيهم بعد تكذيبها؟
لعل ذلك الشعور بالحيرة وعدم الرغبة في التصديق كان الباعث لمعظم التعقيبات على محاضرة المالكي، حيث لا قدرة لدى المعقب على إثبات ما ينفيه المحاضر ولا رغبة في تصديقه لأسباب مجهولة، هذا من دون أن نغفل تعقيبات آخرين أيّدوا المالكي في طرحه غير مصدقين أنّهم كانوا غافلين عن هشاشة الرواية وخطورة تصديقها، لكنّها تعقيبات ليست كالأولى التي تتغذّى على كتب ورسائل علمية ألّفها مناوئون لما يتصدّى له المالكي في كتابيه اللذين أشرنا إليهما حتّى أعيتهم الحجة.
السببية الطبيعية والغزالي
(تهافت الفلاسفة) كتاب وضعه محمد بن محمد بن محرو بن أحمد، المكنّى بأبي حامد، والمشتهر بالغزالي والملقب من جملة ما لقب به بحجة الإسلام، وُلِدَ على الأشْهَر سنة (450هـ)، وتوفي سنة (505هـ).
عنوان الكتاب مركَّبٌ من جزئين، الجزء الأوّل منه: «تهافت» ومعناه كما في محيط المحيط.
«التساقط شيئاً بعد شيء» ومصدره الهَفْت.
والجزء الثاني منه «الفلاسفة» جمع فيلسوف. ويراد به «العالم بالفلسفة».
ويتضح، بعد تأملنا في عنوان هذا الكتاب بجزئيه، الغرضُ من وضعه، حتّى قبل أن نطّلع على محتوياته.
فالغرضُ، هو عرض آراء هؤلاء القوم، فيما يتعلق بموضوعات المسائل التي خاضوا فيها من «الإلهيات والطبيعيات» وركبوا لُجَّتها، لمحاكمتها. ومن ثمّ إصدار الحكم عليها. وهذا الحكم، كما يوحي به العنوان المذكور، هو الفساد والبطلان، وبالتالي السقوط عن الحجّية.
وكتاب «تهافت الفلاسفة» عندما نتصفحه، نجد أنّ مضمونه مطابق لمدلول عنوانه، إذ هو عبارة عن عشرين مسألة فهرسها الغزالي في ذيل المقدمة الرابعة من مقدمات كتابه هذا، أثارها وناقض فيها الفلاسفة.
والنص الذي بين يَدَيْ، هو عبارة عن المسألة الثامنة عشرة من هذه المسائل، وهي في نفس الوقت؛ الأولى من بين أربع مسائل خالف فيها الفلاسفة الطبيعيات، وقد تعرّض فيها الغزالي لما يسمّى بقانون السببية الطبيعية، وعنوانها في كتابه بعنوان «في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات».
والنص، بعد التأمّل فيه بدقّة، وإعادة لفّه ونشره بشكل مرتّب، يتكشَّف لنا عن نقطة مركزية فيه. هي دعوى إثبات فكرة السببية الطبيعية أو نفيها، وإحلال نظرية العادة محلّها. وفي مطاوي هذه الدعوى إثباتاً ونفياً، تبرز عدّة نقاط كلوازم لا ينفك بعضها عن دعوى الإثبات، كما لا ينفك بعضها الآخر عن دعوى النفي، تأتي في مقدمتها مسألة معجزات الأنبياء على دقتها، نظراً لما تستبطنه من هالة قداسة…
والمقصود بقانون السببية الطبيعية، عبارة عن الجزم بأنّ كلّ ما يحدث في عالم الكون والفساد لا بدّ له من محدث مناسب له. فلكل مسبَّب سبب، ولكلّ معلول علّة. وإن لا مصادفة ولا اتفاق في هذا الكون. بل إنّ نفس ضرورة أن يكون لهذا الكون في أصل وجوده وانبثاقه سبب. واستحالة وجوده مصادفة واتفاقاً، حاكمة بأن كلّ ما يجدّ فيه بعد وجوده من ظواهر وأحداث، هي معلولات ومسببات لا بد أن يكون وراءها عللٌ وأسباب ترتبط بها ولا تنفك عنها. «فليس في المقدور ولا في الإمكان، إيجاد السبب دون المسبَّب ولا وجود المسبَّب دون السبب…».
وبعد أن يعرض الإمام أبو حامد رأي الفلاسفة بإيجاز بمبدأ السببية هذا، في مطلع هذه المسألة، شأنه في ذلك، كشأنه في كلّ ما سبق من مسائل كتاب التهافت ولَحِق، يتبعه برأيه هو بهذا المبدأ، حيث نجده ينكر أيّة علاقة عقلية ضرورية بين حادثة وأخرى في هذا الكون.
«بل كلّ شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، إنّ إثبات أحدهما لا يتضمن على الإطلاق إثبات الآخر، ولا نفي أحدهما يتضمن على الإطلاق نفي الآخر. وليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر».
ثمّ نجد أبا حامد يمثّل لرأيه هذا بأمثلة كثيرة من المقترنات في الوجود كـ «الرمي والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة… إلخ».
وباعتبار أنّ الشواهد في المقترنات وجوداً وتحققاً في الكون كثيرة تستعصي على الحصر، نجده يعيّن مثالاً واحداً، ليجعله مصبَّ النقاش بينه وبين الفلاسفة:
«وهو الاحتراق في القطن… مع ملاقاة النار، فإنّا نجوّز وقوع الملاقاة بينها دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن رماداً محترقاً دون ملاقاة النار».
ثمّ نجده يقسّم كلامه مع الفلاسفة الذين يذهبون إلى عكس ما ذهب، ويرون النار علة للاحتراق إلى مقامين:
المقام الأول: يخصِّصه لمن يدّعي منهم بأنّ «فاعل الاحتراق هو النار بالطبع واللزوم» من دون إشارة إلى أيّة فاعلية للمبدأ الأول الذي هو الله.
والمقام الثاني: يخصَّصه لمن يعتقد منهم بفاعلية المبدأ الأوّل ويعزو إليه إفاضة مثل هذه الحوادث على المحالِّ، ولكنّهم يلتزمون في نفس الوقت أنّ مثل هذا الفيض ليس بالإرادة والاختيار، وإنّما هو مقيّد بقابلية المحل المفاض عليه واستعداده، ومن هنا افترقت هذه المحالّ بقبول الصور المفاضة تبعاً لاختلافها في هذا الاستعداد.
«فإنّ الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس ويردّه حتّى يستضيء به موضع آخر، والمدر لا يقبل… إلخ».
وبهذا يتّضح، على رأي هذا الفريق من الفلاسفة. أنّ قبول نور الشمس وعدمه، إنّما يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، دون أن يكون هنالك أي قصور في فيض النور من الشمس أو صدوره عنها، وهذا يدل على نظرهم. على عدم إنكارهم لفاعلية المبدأ الأوّل في الخلق، إذ لا منع عنده ولا بخل لديه، وإنّما المحل قد لا يكون قابلاً…
وما ذكر هنا، يسري في مثل احتراق القطن، عند ملاقاة النار، إذ لا يمكن للنار ـ باعتبار كونها محرقة بالطبع ـ أن تكفَّ عمّا هو طبعها ـ إذ لا اختيار لها ـ بعد ملاقاتها للقطن كمحل قابل للاحتراق.
ولا بدّ من التنبيه هذا، على أنّ فيلسوفنا كان قد ذكر في مطلع هذه المسألة، أنّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة، ولكنّي لم أعثر في النص على المقام الثالث. إذ لم يذكره ولم يُشِر إليه؟!
بعد هذا شرع الغزالي بالرد على كلا المقامين.
فنفى مدرك القول في المقام الثاني جملة، بنفيه أن تكون فاعلية الله أو المبادىء مقيّدة بشيء، فالله يفعل بالإرادة والمبادىء تفعل بالاختيار لا باللزوم والطبع. ونبّه على أنّه قد فرغ من إثبات ذلك والبرهنة عليه. في المسألة التي خصَّصها لمحاكمة الفلاسفة في هذا الكتاب، وهي مسألة حدوث العالم.
ومن ثبوت هذه الحقيقة الكبرى، حقيقة أنّ الله فاعل مختار مريد، ينطلق الغزاليّ لينسف مبدأ العلية بالمعنى المذكور، وقانون السببية الطبيعية من أساسه.
فالله هو الفاعل المختار المريد لهذا الكون، والمتصرف المطلق بما فيه ومَنْ فيه: ولذا فلا داعي بعد ذلك للبحث عن السبب لأي حادث حدث أو يحدث، لأنّ كلّ ما يحدث في هذا الكون، فهو ممكن، والله قادر على كلّ شيء، وهو الخالق لكلّ شيء، فهو السبب ولا سبب سواه على الإطلاق.
ومن هنا، يرفض الغزاليّ القول بأنّ النار فاعل الاحتراق بالطبع، ولا يمكنه الكف عمّا هو طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل، بل «فاعل الاحتراق يخلق السواد في القطن والتفرّق في أجزائه وجعله حراقاً أو رماداً هو الله تعالى أمّا النار فهي جماد لا فعل لها».
وكذا الحال في بقية المقترنات، إذ في مقدور الله «خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة… إلخ».
ويسري ذلك أيضاً، إلى فروع من الطبيعيات التي أشار إليها في مقدمته، ناسباً إياها إلى الفلاسفة كالطب والنجوم والحرف والصناعات. ولكن، ممّا لا إشكال فيه، أنّ هنالك تلازماً مشاهداً في الوجود. بين «الأسباب» و«المسببات»، فكيف يفسّر فيلسوفنا هذا مثل ذلك التلازم المحسوس؟
كيف يفسّر «ما يبدو» للحس من كون النار، «علة» للإحراق، و الأكل «علة» للشبع… إلخ؟
يجيب أبو حامد عن ذلك، بأنّ هذا التلازم الذي يبدو بين الأشياء في الكون، ليس تلازماً ضرورياً لا ينفك، فكلما وُجد أمران مقترنان. فمعناه وجود أمرين فقط، جرت عادة الله أن يوجد أحدهما عند وجود الآخر… ومثل هذا الاقتران بينهما يعود «لما سبق من تقدير الله سبحانه، يخلقها على «التساوق، لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق…» أي للافتراق.
ويبدو أنّ الغزاليّ، قد حدس بأن اعتقاد كون إحدى الحادثتين المتقارنتين علة للأخرى، ناشىء عن مشاهدتنا تكرّر هذا التقارن مرّة بعدَ أخرى تجسيداً للعادة الجارية في الإيجاد والخلق، فنتوهم بأنّ الأولى مؤثرة في الثانية تأثير العلة بالمعلول والسّبب بالمسبَّب، كتكرّر وجود الاحتراق عند وجود النار مثلاً.
وهنا، على ما يبدو، أراد أبو حامد، توجيه صدمة عنيفة علّها توقظ عقول هؤلاء فتزيح عنها مثل هذا التوهم، وذلك عندما يطالب الفلاسفة بالدليل والبرهان على ما يدّعون من التلازم العليّ بين النار والإحراق مثلاً.
والحقيقة، في نظره، أنّه لا دليل عندهم على مثل هذا التلازم الضروري، «إلاّ مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار» ولكن، هل هذا يكفي كبرهان على المدَّعي؟ كلا… لأنّ، «المشاهدة ـ كما يقول الغزالي ـ تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به وأنّه لا علة سواه…».
ثمّ نجد فيلسوفنا، يورد بعض الأمثلة التي تنسجم مع قضايا الخصم المسلّمة لديه ليدعم رأيه من خلالها فيقول: «إذ لا خلاف في أنّ انسلاك الروح والقوى المدركة والمحرّكة في نطفة الحيوانات…».
إذن، إذا لم يكن فاعل إلاّ الله، ولا سبب إلاّ إرادته، وليس لشيء تأثير في شيء ـ كما يقول الغزالي ـ بل هو المؤثّر الوحيد والمطلق، «إمّا بغير واسطة أو بواسطة الملائكة».
إنّ من يتخذ هذا الموقف المنكر لمبدأ السببية الطبيعية، لا بد وأن يلتزم بلوازمه، وقد تكون هذه اللوازم «محالات شنيعة».
إذ أنّ إرادة المخترع، الذي هو الله عند الإمام أبي حامد، ليس لها «منهج مخصوص متعيّن، بل أمكن تفنّنه وتنوّعه، فليجوّز كلّ واحد منّا أن يكون بين يديه سباع ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها لأنّ الله تعالى ليس يخلق.. إلخ».
وهنا نجد الغزالي، يجيب على كلّ ذلك، بالتنبيه على أنّ توصيف جميع القضايا التي ذكرها الخصم بالمحالات، ليس سديداً، لأنّ المحالات محصورة معروفة فيما يسمّى بالتناقض أو التضاد أو ما يرجع إليهما كـ «إثبات الشيء مع نفيه، أو إثبات الأخص مع نفي الأعم، أو إثبات الاثنين معاً، مع نفي الواحد، وما لا يرجع إلى هذا فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور».
نعم، إنّ الخصم قد أورد قضايا لا رابط بينهما، إذ بعض ما أورده مندرج في سلك المحالات ونحن نقرّ بأنّ: المحال غير مقدور عليه «وذلك كالجمع بين السواد والبياض، أو كون شخص في مكانين، وكذا انقلاب الأجناس، كانقلاب العلم قدرة، والسواد بياضاً، والصوت رائحة، وقياس هذه الأمور على باقي ما أوردوه قياس مع الفارق، إذ ليس بين ما سبق مادة مشتركة، في حين أنّ بين هذا الباقي مادة مشتركة باقية، والذي تغيّر فيها وتعاور عليها هو الصورة ليس إلاّ فإذا قلنا «انقلب الماء هواءاً بالتسخين»، أردنا «به أنّ المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقلبت صورة أخرى… إلخ».
وهنا، نجد الغزاليّ، يحاول أن يلزم خصومه بما ألزموا به أنفسهم ـ كما مرّ آنفاً ـ حيث ذهبوا إلى أن لا قصور في فيض المبدأ الأوّل، وإنّما القصور في المحلّ من حيث الاستعدادات، فلِمَ لا يلتزمون فيما أوردوه علينا بما التزموا به في غيره من الأمور، فيقولوا بأنّ ذلك لم يقع، لا لنقص في القدرة وإنّما في قابليَّة المحالّ فلما كان: «لا يقبل صورة الحيوان إلاّ النطفة… ولم يتخلّق من نطفة الإنسان إلاّ إنسان، ومن نطفة الفرس إلاّ فرس، من حيث إنّ حصوله من الفرس أوجب ترجيحاً لمناسبه صورة الفرس على سائر الصور… إذ لا تفيض على كلّ محل إلاّ ما تعيّن قبوله له بكونه مستعداً في نفسه، والاستعدادات مختلفة… إلخ.
ثمّ يلمّح الغزالي إلى نكتة وقوع خصومه في توهم أنّ عدم وقوع ما ذكروه، دليل على استحالته، مع أنّه لم يقبل بضرورة وقوعها خارجاً، بل كلّ ما قاله أنّه أمور ممكنة قابلة للوقوع واللاوقوع في نظر العقل «ويكون قد جرى في سابق علمه ـ أي الله ـ إنّه لا يفعله مع إمكانه… الله خلق لنا علماً بأنّ هذه الممكنات لم يفعلها…».
وهذه النكتة، التي أوقعت خصومه في توهمهم المذكور، هي: «إنّ استمرار العادة بها مرّة بعد أخرى ترسّخ في أذهاننا جريانها على وفق الماضية ترسُّخاً لا تنفك عنه…».
وأمّا مَنْ تحرّر عقله من هذا التوهم، فلن يرى مانعاً من «انكسار» هذه العادة، ولن يستغرب أبداً أن تتحرّك يد ميّت وينتصب على صورة حي حتّى يقعد ويكتب فتحدث من حركة يده الكتابة المنظومة…
«لأنّ الفاعل هنا هو الله وهو المحكم…» نعم، الإنسان يبقى بالتالي محدوداً في الزمان والمكان والتفكير، ممّا يجعله عرضة للسقوط في لجّة الخطأ في الحكم والتقدير، «وفي مقدورات الله غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها، فلِمَ ينبغي أن ننكر إمكانها ونحكم باستحالتها؟…».
ومن هذا الباب، أخطأ من تزعم بأنّ المشاهدة للاقتران بين أمرين في الوجود مع تكرر حصوله، كالنار والإحراق، كافية للجزم بأنّ الأوّل سبب لازم للثاني ضرورةً، كذلك يخطئ من ينكر إمكان عدم الاحتراق مع وجود النار، لمجرد عدم مشاهدته له باعتبار عدم مشاهدته وقوعه خارجاً عيناً، كمَنْ ينكر جواز أن يطلي إنسان «نفسه بالطَّلق»([219]) ثمّ يقعد في تنور موقدة ولا يتأثّر به…».
ومن هنا، يقفز الغزاليّ ليفلسف ظاهرة معجزات الأنبياء، التي صرّح في بداية هذه المسألة لزوم النزاع فيها لأنّه يرى في القبول بالسببية الطبيعية إحالة لجميع المعجزات التي وردت في القرآن والسنّة، كما نَسَب ذلك إلى الفلاسفة القائلين بهذا القانون عندما أشار إلى مسألة «نار إبراهيم». فنجده يقول: «نجوّز أن يلقى نبي في النار… إلخ» «وكذلك إحياء الميت، وقلب العصا ثعباناً…».
فإنّ الله قادر على أن يخلق الصور التي يريد، في الأجسام التي يريد، مع كون تلك الأجسام والمواد فيها من الاستعدادات ما عجزنا عن ضبطه ولم نقف على كنهه: ولم يكن لنا سبيل إلى حصره، وعندئذٍ يمكن أن يغيّر الله صفة في النار أو صفة في جسم النبي فلا يحصل الاحتراق وتَخْرَق العادة. «معجزة إبراهيم».أو أن يجعل في مادة الخشب صفة فتتحوّل إلى ثعبان «معجزة موسى».
أو يختصر الله القادرُ الزمنَ الذي تستغرقه أطوار خلق الإنسان، في وقت أقرب «وإذا جاز في وقت أقرب فلا ضبط للأقل فتستعجل هذه القوى في عملها ويحصل به ما هو معجزة النبي».
ولكن، متى يتم ذلكن متى يخرق الله العادة فتحصل المعجزة؟ يجيب الفيلسوف: «وقت استحقاق حصولها انصراف همة النبي إليه وتعيّن نظام الخير في ظهوره… إلخ».
بعد هذه الجولة الطويلة مع نص أبي حامد الغزالي، والذي أرجو ـ على ضيق الوقت وقلّة المصادر إن لم أقل نُدْرتَها لديّ ـ أن أكون قد وفَّيتُه جزءاً ممّا يستحق من تصميم وتعريف وتحليل للمفاهيم التي رمى إليها فيه فيلسوفنا الكبير.
لا بد لي الآن، من التعرّض ـ بإيجاز ـ لبنية هذا النص وخلفياته…
ولا شك ـ عندي ـ في أنّ أي نص من نصوص التراث أو التاريخ. لا بد وأن يتأطّر بشخصية صاحبه. وشخصية صاحبه أيّاً كان، إنّما تكون بدورها، متأطرة بالبيئة الاجتماعية والفكرية التي وجدت وعاشت منها.
فالبحث الفلسفي، لا ينحصر في صياغة الأفكار وبلورتها، وإنّما يتعدّى ذلك ـ في رأيي ـ إلى معرفة الظروف التي أحاطت بصاحب تلك الأفكار فدفعته إلى صياغتها.
وهذا ما يحتّم علينا، أن نسلك ـ لإلقاء الضوء على هذه النقطة ـ ما يسمّى بالمنهج التأريخي ـ أو الاستردادي ـ كما يحلو للدكتور بدوي أن يسميه.
ولست ـ طبعاً ـ بصدد كتابة سيرة الغزالي، فإنّ ذلك ليس غرضي، وليس دخيلاً في المهم ممّا أنا بصدده، وهو دراسة النص الذي بين يديّ. إذن لا بدّ من الاقتصار على ما له علاقة بتحقيق هذا المهم وذلك الغرض، وما له علاقة بذلك من حياة الغزالي نقطتان نتناولهما بإيجاز غير مخلّ:
الأولى: النشأة العلمية لأبي حامد.
الثانية: الظروف البيئية المحيطة.
1 ـ النشأة العلمية
لقد ابتدأ الغزالي، دراسته الأولى بطوس، من أعمال خراسان، على الفقيه الشافعي أحرر الرادكاني.
بعدها رحل إلى جرجان، فأخذ العلم عن الشيخ الشافعي أبي نصر الإسماعيلي، حيث علّق عليه التعليقة.
وفي المرحلة الثالثة، رحل إلى نيسابور، حيث التقى أبا المعالي الجويني فقيه فقهاء الشافعية ورئيس مدرستها النظامية، وأحد أصول المذهب الأشعري.
والظاهر، أنّ الغزالي كان قد جاز في هذه المرحلة على درجة النضج الفكري فقيهاً وُفْقَ مذهب الشافعي، وعقائدياً وُفْقَ مذهب الأشعري، حتّى أنّ الجويني أثنى عليه بقوله: «الغزالي بحر مغرِق».
2 ـ الظروف المحيطة
إذا ألقينا نظرة على الظروف البيئية ـ والواقع الفكري منها بخاصة ـ التي كانت تغلّف مجتمع صاحبنا ببغداد، حيث كتب هذا النص، نجدها عبارة عن تيارات متعددة أبرزها تياران:
الأول: التيار العقلي الذي كان يجسّده المعتزلة والشيعة والفلاسفة المسلمون، الذين استطاعوا أن يقيموا أصول العقيدة الإسلامية على أسس عقلية وقواعد منطقية ويمثّل هؤلاء المنحى التجديدي في الأمّة.
الثاني: تيار الحشوبة وأهل الحديث، الذين كانوا يتمسّكون بظواهر ألفاظ القرآن، والسنّة، ويتعبَّدون بالنص كما ورد، ويمثّل هؤلاء التيار التقليدي الجامد فيها.
فإلى أي فريق منهما كان ينتمي أبو حامد؟
لقد كان الإمام الغزالي، يدين بعقيدة الأشعري، بحكم تربيته العلمية، وتتلمذه على يد قطب من أقطابها ـ كما سبق وذكرنا ـ وهو أبو المعالي الجويني.
وإذا أضفنا إلى ذلك، أنّه كان أحد أبرز مدرّسي المدرسة النظامية في نيسابور بعد تخرّجه هناك، ثمّ من ألمع وأعظم مدرّسي المدرسة النظامية ببغداد، وأنّه حاز هذا المنصب الأخير، بعد لقائه لنظام الملك وزير السلجوقيين «وقلّما تقلَّد هذا المنصب الرفيع عالم وهو في هذه السن» ما معنى كلّ هذا؟
معناه ـ في نظري ـ أنّ العقيدة الأشعرية التي يدين بها «حُجّة الإسلام»، وهو أحد أصولها الثلاثة بعد مؤسسها أبي الحسن قد تحالفت مع النظام السياسي القائم آنذاك لتحقيق مصالح متبادلة.
فمن مصلحة السلطة، أن تشل التيار العقلي الذي يتيسَّر للناس من خلال طروحاته ومقولاته، أن يصبحوا أكثر وعياً، فيصبحوا مصدر قلق لها وخطر عليها، ولا شك في أنّ هذا، الهدف إنّما يتحقّق بتقوية التيار التقليدي الجامد، الذي يمثّله الأشاعرة، وذلك بتأمين الغطاء السياسي والمادي والمعنوي لتحرّكهم في هذا الاتجاه، وبذلك يتأمن للعقيدة الأشعرية أن تنتشر وتمتد وتتعمق، لتشمل أعرض قطاعات الأمة، وتقضي بالتالي على كلّ مناهضيها من شيعة ومعتزلة.
والذي يؤيد ما ادعيناه من مثل هذا التحالف ما يُذكر في هذا المجال، من أنّ الغزالي الأشعري قد ألَّف كتاب «المستظهري في فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» بناءاً على طلب الخليفة المستظهر بالله لمحكاربة أفكار هذه الفرقة([220]).
بعد كلّ ذلك، ربما تتضح الخلفية الحقيقية ـ في رأيي ـ لبنية هذا النص، الذي يدور كلّه، حول تدعيم فكرة الأشاعرة في إنكار السببية الطبيعية، ومحاولة هدم فكرة الفلاسفة والعقليين بشكل عام في إثباتها وتدعيمها.
بل تتضح الخلفية الحقيقية أيضاً لوضع الكتاب الذي يتضمَّن النص، ككل، إذ إنّ المتصفح لمسائلة، يجد أنّها تقريباً، هي نفس المسائل التي اصطرع فيها النقاش بين المدرستين الفكريتين اللتين برزتا على الساحة الإسلامية في تلك الحقبة الزمنية وما سبقها: مدرسة الشيعة والمعتزلة ومدرسة الأشاعرة: مدرسة العقل ومدرسة النقل.
ولكن هل نجح الغزالي فيما رمى إليه؟
الظاهر، أنّه قد نجح؛ فمن جهة، الناس ـ كما قيل ـ على دين ملوكهم ـ وإذا كانت السلطة في عصر صاحبنا تدين بمبدأ العداء للعقل، حقيقة، أو ادّعاء أو وسيلة، فلن تعدم الأسلوب لتحمل الناس على مثل هذا العداء.
ومن جهة أخرى، فإنّ العامّة من الناس. مطبوعون على النفور من الجديد بشكل عام، ومجبولون على تقديس ما ألفوه من نمط تفكير وأسلوب حياة، والعقل وما يتعلق به، ميّال بطبعه إلى الخلق الدائم للأفكار، التي تخلق بدورها أنماطاً للحياة جديدة، ومن هنا، ربّما استطاع الغزالي أن يؤلّب الناس معه على روّاد العقل آنذاك، حتّى كأنّهم رأوا فيه الذابّ عن حياض الدين، والمدافع بقوّة عن حياض العقيدة، فأطلقوا عليه ألقاباً تستبطن هذا المعنى، كحجة الإسلام، ومحجة الدين، وإمام أئمة الدين هذا فيما يتعلق بخلفية النص.
أمّا فيما يتعلق بالناحية الأسلوبية منه ـ فمن الواضح، أنّ أبا حامد قد استعمل الأسلوب الجدلي، الذي يطبع عادة المناظرات في القضايا العقائدية واللاهوتية، والذي يقوم على أساس النقض والحل، وإلزام الخصم بلوازم ممّا يلتزم به، من أجل دحض حججه أو إثبات تناقضه على نفسه.
وقد لا يخلو مثل هذا الأسلوب من المصادرات أو المغالطات ولعل ما فعله فيلسوفنا حيث عرض رأي القائلين بالسببية الطبيعية، مع إيمانهم بأنّ مبدأ الفيض هو الله الذي لا بخل بساحته ولا قصور، ولكن القصور في استعداد المحل وقابليته، ثمّ ألزمهم بما ألزموا به أنفسهم في ثاني مسلكي الجواب الذي أجاب به عن كلّ ما اعتبروه محالات مترتبة على القول بنفي السببية الطبيعية.
كلّما يبدو الإلزام، وكذا النقض والحل، جلياً، في مثل «فإن قيل» و«قلنا». وكذا في مثل «فقد قال» و«فنقول» وفي مثل «وأما قولكم» و«فنقول».
وأمّا تقدير القيمة البرهانية للنص، فقد لا أكون مؤهلاً لذلك، نظراً لكون حقل اختصاصي مختلفاً ـ وأنا أؤمن بالاختصاص…
ولكنّي مع ذلك، أودّ الإشارة إلى بضع خاطرات وردت في الذهن حول قيمة النص البرهانية، أذكر أهمها بإيجاز:
أوّلاً: لقد قلنا فيما سبق، أنّ الإمام الغزالي في هذا النص ـ شأنه في نصوص الكتاب الأخرى ـ قد اعتمد الأسلوب الجدلي، ومن المعروف في علم المنطق، هو أنّ «الجدل صناعة تمكّن الإنسان من إقامة الحجة من مقدمات خاصّة على أي مطلب حقاً أو باطلاً، والغرض منه عموم الاعتراف من الجمهور». إذن ليس الغرض منه الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو الفرق بينه وبين البرهان، لأنّ «البرهان قياس مؤلّف من مقدّمات يقينية وينتج يقيناً بالذات اضطراراً».
وقد صرّح بذلك الغزالي في مقدمة كتابه حيث قال: «نحن لم نخض في هذا الكتاب خوص ممهَّد، وإنّما عرضنا أن نشوّش دعاويهم ـ أي الفلاسفة ـ وقد حصَّل».
وهذا ـ في رأيي ـ يحط من القيمة البرهانية للكتاب وبالتالي للنص موضوع الدراسة.
ثانياً: عندما ينكر الغزالي السببية الطبيعية لأنّها تعتمد على الحس والمشاهدة، فلازم ذلك إنكار العلوم الضروية وبالتالي إنكار ما يتأتى من قِبَلها وهو العلوم الكسبية، ومعنى هذا إسقاط الاعتقادات كلّها بعد سقوط أصلها، إذ كيف يصح الفرع مع بطلان الأصل؟!
ثالثاً: إذا كان من جملة أغراض الغزالي ـ كما قد يدّعي أو يذعن له ـ إذا كان من جملة أغراضه التي دفعت إلى إنكار السببية الطبيعية هو تدعيم المنطق الديني الذي يرمي في فاعلية الله شمولية للكون وما فيه، والقول بالسببية الطبيعية فيه انقاص لتلك الشمولية في الفاعلية وهذه القدرة، فإنّ من الواضح اشتباهه إذ لا نرى أي تناف بين هذه القدرة الشاملة وبين القول بالتوقف على الأسباب، لأنّ المقدور بالواسطة مقدور أيضاً لله، وهذا ممّا يلتزم به القائلون بالسببية بالمعنى الفلسفي.
رابعاً: إنّ العادة التي حاول الغزالي أن يقيم على أساسها نظام الكون الطبيعي بعد أن أنكر السببية بين الممكنات، لا تصلح ـ في نظري ـ لذلك من عدّة جهات أبرزها:
أ ـ إمكان النقض على الغزالي في إثباته مثل هذه العادة بما نقض به على الفلاسفة في إثباتهم السببية بين الأشياء وذلك بأن يقال له: فما الدليل عليها ولا دليل إلاّ مشاهدة مثل هذه الاقتران المتكرر بين شيئين؟
فإن قال المشاهدة: فقد جوّز لنفسه ما أنكره على غيره. وإن قال العقل: فقد ألزم نفسه بما التزموا به. وإن قال النقل: فهي مصادرة وهروب من الجواب!
ب ـ إنّ العادة ملكة تحصل من تكرار الفعل، وهوة إلى مضي زمان، وعليه فماذا يقول أبو حامد في أوّل إحراق حصل في الكون ولم تستقر بعدُ لله «عادة» في ذلك؟ وكذا القول في الإحراق الأوّل الذي يحصل بعد خرق الله لعادته ـ كما يجوّز الغزالي ـ إذ من الواضح، أن تحقق عادة جديدة له، يحتاج إلى تكرار بعد أن انقطعت الأولى بمثل هذا الخرق؟!
خامساً: لقد قفز الغزالي، من فرض عدم العلم بالعلاقة السببية الضرورية بين النار والإحراق مثلاً إلى فرض العلم بعدم مثل هذه العلاقة، وهذا غير سديد، لأنّ عدم وجود دليل لا يدل على عدم وجدانه، كما لا يدل على ما ادعاه من جريان العادة على الخلق التساوقي الاقتراني.
سادساً: إنّ نفي السببية الطبيعية والارتباط الضروري بين الممكنات، معناه تجويز تفريق المتناسبات كالنار والاحتراق والأكل والشبع، والشرب والري. وإذ أجاز افتراق المتناسبات جاز اجتماع المتقابلات تقابل تضاد أو تناقض ولكن اجتماع المتقابلات مستحيل كما يقرّ به فيلسوفنا، فلا بد وأن يلتزم باستحالة تفرّق المتناسبات، وإلاّ سألناه عن الفرق.
سابعاً: أنّ ما ذكره أبو حامد في مسلكه الثاني من المقام الثاني من تجويزه «أن يلقي نبي في النار فلا يحترق إمّا بتغيير صفة في النار، أو بتغيير صفة النبي إلخ» فمن الواضح أنّه خارج عن موضوع الكلام، ومصب النقض والإبرام وكذلك تمثيله بمن يدهن جسده بالطلق فلا تؤثر فيه النار، إذ الكلام في أنّ الله قادر على أن يوجد الحاسة بدون الإحراق أو العكس. مع كون النار والحاسّ لها على طبيعتهما.
ولعل ما وقع فيه فيلسوفنا هنا، يكشف عن عدم اقتناعه الباطني بنظريته في جريان العادة لاستحالته فبان في فلتات لسانه.
ثامناً: إنّ ما ذكره الغزالي في الفقرة (4) من النص بقوله: «فأمّا النار وهي جماد فلا فعل لها» أنّه يريد به، أنّ الإرادة والاختيار في الفاعل شرط في حجة نسبة الفعل إليه. والحقيقة، أنّ هذا مناف للغة والعرف والاستعمال.
أمّا اللغة: فلأنّ الفاعل في اصطلاح أهلها هو المحدث لشيء ما، بقطع النظر عن كونه مختاراً أو غير مختار، إذ إنّ الاختيار وعدمه من الأمور الزائدة على كون الشيء فاعلاً.
وأمّا العرف: فإنّه لا يرى حرجاً أو محذوراً في قوله: أحرقت الناس الحطب مثلاً.
وأمّا الاستعمال: فقد ورد كثيراً في كلام العرب دفعه قول ذي الرّمّة:
وعينان قال الله كونا فكانتا
فَعولَيْن بالألباب ما تفعل الخمرُ
فقد نسب الشاعر العربي هنا الفعل إلى الخمر، وهو ممّا لا اختيار له. ومَنْ يدّعي بأنّ هذا الاستعمال وأمثاله، إنّما كان على سبيل المجاز لا الحقيقة لا بد وأن يُقيمَ الدليل على مدّعاه.
تاسعاً:أنّ إنكار السببية الطبيعية ينقض كلّ العلوم الطبيعية والعقلية لأنّها إنّما تقوم على أساس مقدمات تولّد نتائج تحمل حتّى جيناتها من صدق او كذب، وهذا ممّا لا يمكن أن يلتزم به عالم فضلاً عن عاقل.
وبعدَ، فلا أعتقد أنّ صاحب «تهافت الفلاسفة» استطاع في نصه هذا. أو في تهافته ككل، أن يوقف عجلة الزمن أو يشلّ عمل العقل ويقضي على مدركاته وإنجازاته، أو أن يخدم الشريعة كما ادّعى.
محمد جعفر شمس الدين
سبتة
ـ1ـ
مدينة فينيقية الأصل استوطنها القرطاجنيون واستعمرها بعدهم الرومان وغزاها الوندال ثمّ دخلت في حوزة القوطيين إلى أنّ فتحها العرب. وهي ميناء عظيم على شاطىء البحر الأبيض المتوسط في مواجهة جبل طارق في رأس داخل البحر يقطنها نحو 60 ألفاً من الإسبان ونحو 5 آلاف من المغاربة.
وقد لعبت هذه المدينة دوراً هاماً في تاريخ المغرب في عهد الفتح الإسلامي عندما نزل بها موسى بن نصير ومنها توجهت الحملات الإسلامية لفتح الأندلس وكانت مطمح أنظار الأمويين بالأندلس والفاطميين بإفريقيا وقامت بها إمارة بني عصام بالقرن الثاني ثمّ إمارة بني العزفي في العهد المريني ونبغ فيها عدد من فطاحل العلماء والأدباء كالقاضي عياض والشريف الإدريسي وغيرهما واستولى عليها البرتغاليون سنة 818هـ وهي أوّل مدينة إسلامية استولى عليها البرتغال بالمغرب ثمّ احتلها الإسبانيون بعد ذلك وما زالت في حوزتهم إلى الآن.
وبالمدينة عدّة آثار إسلامية مندثرة أو مطموسة المعالم كالمسجد والمدرسة والحمام والأبراج والأسوار والقناطر والأبواب. وجلّها من بناء المرينيين والأندلسيين.
ومساحة المدينة 19 كلم2 وهي أقرب ميناء مغربي إلى الشاطىء الإسباني حيث لا تتجاوز المسافة بين الضفتين 16 ميلاً وأمامها بعرض البحر على بُعد 12 ميلاً توجد جزيرة صغرى تسمّى بيرخيل أو جزيرة المعدنوس أو تاورة. إحتلها الإنكليز في القرن الماضي ثمّ احتلها الإسبان. وبضاحيتها توجد خلوة الولي الصالح أبي العباس السبتي دفين مراكش التي بناها الإسبان وأطلقوا عليها هذا الإسم تودّداً وتقرّباً للسكان المسلمين الذين يعيشون في حالة مزرية في أحياء خاصّة بهم كحي سيدي مبارك، والروصاليص وحي الأمير الفونصو قرب الحي الإسلامي بها المسمّى خادو. كما توجد أطلال منتزهات سبتة الشهيرة على عهد الموحدين والمرينيين كانت تشمل منطقة كبرى من الجنان والبساتين والحقول وعيون المياه الدافقة والأبنية والقصور خربها البرتغاليون سنة 1415 بعد احتلالهم سبتة. وبضاحيتها جبل موسى الذي ينسب إلى موسى بن نصير الفاتح العربي الشهير.
أمّا وضعية المدينة في الوقت الحاضر فهي جيب من الجيوب الاستعمارية لإسبانية بالتراب الوطني.
أمّا سكانها من المسلمين فهم يعتبرون أنفسهم مسلمين مغاربة، ويعتزون بدينهم وقوميتهم، كما يعتزون بمدينتهم ويتشبثون بها. ولكن إسبانيا تعتبرهم من الأجانب، وتعاملهم معاملة الأجانب. وكل المواطنين المسلمين في سبتة يعيشون في فقر مدقع، وإهمال واضح، وتمييز عنصري بغيض، وأغلبهم يشتغلون كعمال بسطاء وبأجور زهيدة، بينما اليهود والهنود يتمتعون في المدينة الأسيرة برعاية ملحوظة وامتيازات بارزة.
وفي سبتة من المساجد ثلاثة: المسجد الأعظم، ومسجد سيدي مبارك، ومسجد شارع الأمير، زيادة على خمس زوايا. وفي مجموع هذه المساجد والزوايا يذكر اسم الله في مختلف المناسبات الإسلامية.
تقع المدينة على بُعد 60 كلم شمال تطوان.
سبتة
ـ2ـ
تتحكّم مدينة سبتة بالملاحة في مضيق جبل طارق (بحر الزقاق)، وظلّت ـ بحكم ضيق المجاز وصلتها الوثيقة بالأندلس ـ أندلسية الطابع. وغصّت بالنازحين من الأندلس ابتداءً من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، حينما أخذت قواعد المسلمين في الأندلس ـ كقرطبة وأشبيلية ـ تتهاوى.
إشتهرت سبئة بالتجارة براً وبحراً. وكان يقصدها تجار المدن الإيطالية ـ وبخاصّة تجار جنوى ـ وكانت لهم فنادق فيها. كما كانت بداية لطرق القوافل المؤدية إلى غانا والسودان الغربي. كما اشتهر أهل سبتة بركوب البحر وإنشاء المراكب. وكانت فيها دار صناعة لإنشاء السفن، وكانت القاعدة الرئيسية لأسطول الموحدين، وكان لرماتها شهرة رماة الغُزِّ من التركمان في المشرق.
كان من بين النازحين عن سبتة بعد سقوطها في أيدي البرتغاليين (808هـ ـ 1415م) الفقيه محمد بن القاسم بن عبد الملك الأنصاري، السبتي الدار والنشأة والمولد.
وصنّف كتاباً بعد سبع سنوات من سقوطها، سمّاه «اختصار الأخبار عمّا كان بثغر سبتة من سنيّ الآثار»، استعرض فيه معالمها قبيل سقوطها، فذكر مقابرها ومساجدها وخزائنها العلمية ومحارسها وأزقتها وحماماتها وحوانيتها وفنادقها وديار الإشراف فيها ومطاميرها وطواحينها وأرباضها وأبوابها ومقاصرها ومراسيها ومصايدها. كما تحدّث عن أحواز سبتة، فذكر وفرة مياهها وغلاتها وفواكهها على مدار فصول السنة. ويتبيّن من هذا الثبت المفصل أنّ مدينة سبتة كانت ـ إلى أوائل القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ـ مدينة تنعم بالرخاء والازدهار والعمران وإنّ سقوطها كان كارثة، إذ تعرّضت المدينة وأهلها لأعمال النهب والسلب والتقتيل، ونزح عنها معظم سكانها.
يذكر الأنصاري أنّه كان بسبتة ألفُ مسجد، وأنّ عدد الخزائن العلمية (المكتبات) بها 62 خزانة، وأنّ عدد الروابط الزوايا 47، أمّا محارسُ المدينة فعددها 18 محرساً تمتدُّ إلى 12 ميلاً من خارجها من ناحيتيّ البحرين.
وكان بسبتة 22 حمّاماً، و174 سوقاً. أمّا المنجراتُ المُعدّةُ لعمل القسيّ فعددُها 40 منجرة. ولمّا كانت سبتة ميناءً تجارياً يقصده التجار الاغراب، فإنّها احتوت على 350 فندقاً لخزن الحبوب وإيواء المسافرين.
أمّا ديار الإشراف (الجمارك) حيث يقيم المشرفون الماليون ـ فعددها أربعة: دار الإشراف على عمال الديوان أمام فندق النصارى ـ وفنادقهم سبعة، ودار الإشراف لشدِّ الأمتعة وحلِّها، ودار الإشراف على البناء والنجارة، ودار الإشراف على سكّة المسلمين.
وكان بسبتة من المطامير لخزن الحبوب أربعون ألفاً يمكث الزرع (القمح) فيها «الستين سنة والسبعين سنة ولا يلحق تغيّر لطيب البقعة واعتدال الهواء، ولكونها جبلية. فسبتة في ذلك شبيهة بقاعدة طليطلة من بر الأندلس».
ولما عُني أهل سبتة بالرمي لأغراض الدفاع عن ثغرهم، فقد كان بسبتة من المرامي المعبّر عنها بالجلسات ـ أربعة وأربعون مَرْمى للرماة «إذ الرمي طبعٌ لأهل سبتة طبعوا عليها، فلا تلفي منهم شريفاً ولا مشروفاً، ولا كبيراً ولا صغيراً، إلاّ وله بصر بالرمي وتقدّم فيه، ومعظم رميهم بالقوس العقارة، وهو من حجة الأشياء التي تميّزوا بها».
وكان الشريف الإدريسي ـ وهو من أبناء سبتة ـ قد نوَّه بمصائد الحوت في سبتة، فذكر أنه يصاد بها من السمك نحو من مئة نوع، ويصاد بها السمك المسمّى التُن الكثير، كما يصاد ببحرها المرجان. وبسبتة ـ كما يقول الإدريسي ـ «سوق لتفصيل المرجان وحكه وصًنعه خرزاً وثقبه وتنظيمه، ومنها يتجهز به إلى سائر البلاد، وأكثر ما يحمل إلى غانا وجميع بلاد السودان (غرب إفريقيا) لأنّه في تلك البلاد يُستعمل كثيراً. وبعد الإدريسي بنحو ثلاثة قرون، يذكر الأنصاري أنّ بسبتة من المصايد 299 مصيداً مفترقة.
واشتهرت أحواز سبتة بوفرة مياهها وغلاتها، وخصوصاً في قرية بليونش إلى الجنوب من سبتة. ويذكر الأنصاري بليونش ـ ويرسمها بينونش ـ فيتحدث عن كثرة وتعدّد فواكهها الصيفية والشتوية والخريفية، بحيث توسق منها الأجفان وتسير إلى المغرب وبلاد الأندلس. كما تكثر في منطقة سبتة الغابات، وبها ضروب الشجر كالأرز والبلوط، ممّا يعود نفعه على ثغر سبتة ويُستعان به على إنشاء المراكب وما يرجع إلى الأمور الجهادية.
سبتة
ـ3ـ
اضطلعت مدينة سبتة بدور أساسي في تاريخ المغرب وتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط خلال العصر الوسيط. فقد كانت المدينة بوابة المغرب نحو العالم الخارجي ومعبراً من معابر التاريخ الكبرى بين أوروبا وإفريقيا. فلقد سمح لها موقعها الجغرافي المتميز أن تصبح إحدى المراكز الرئيسية في التجارة المتوسطية، والمنفذ الأساسي للتجارة الخارجية المغربية، وأهم نقطة على الساحل المغربي إرتادتها سفن تجار الضفة الشمالية للبحر المتوسط. كما أنّ المدينة ظلّت على امتداد تاريخها الإسلامي ممراً للفتح والجهاد بالأندلس، حتّى أنّها سمّيت بـ «باب الجهاد» و«فرضة المجاز» و«محل أساطيل المسلمين». كما أنّها كانت إحدى المراكز العلمية الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية لما أبدعه أعلامها من إنتاج علمي ولما ساهموا به من معرفة غطت جميع الميادين.
إنّ هذه الأهمية التي تمتعت بها مدينة سبتة محلياً ودولياً جعلتها تلفت نظر كثير من الدارسين، حتّى أنّ المكتبة العربية أصبحت غنية نسبياً بالدراسات «السبتية». فببليوغرافية المدينة تعدّ الآن من أهم الببليوغرافيات المتوفرة حول ماضي مدينة مغربية وسيطيّة. فتحقيق مؤلفات علماء سبتة ونشر تراثهم (أو إعادة نشره) وتنظيم الندوات والملتقيات العلمية وإنجاز الرسائل والأطروحات الجامعية داخل المغرب وخارجه ظاهرة تلفت الانتباه خلال السنوات الأخيرة، وتدل في نفس الوقت على خصوبة ميادين البحث التي يقدمها تاريخ المدينة، خصوصاً وأنّه يقدّم عناصر الإجابة على كثير من الإشكاليات التاريخية التي يطرحها تاريخ المغرب وتاريخ العلاقات المغربية الإيبيرية. هذا إضافة إلى أنّ المدينة شهدت ميلاد ظواهر تاريخية حاسمة في التطور التاريخي لبلاد المغرب بمختلف أبعادها السوسيو ـ دينية مثل ظاهرة «الشرافة» و«الاحتفال بعيد المولد النبوي» و«مؤسسة المدرسة»؛ الأمر الذي يجعل من تاريخ المدينة «مختبراً» لتتبع نشأة وتطور بعض الظواهر التي حددت مسار التاريخ المغربي، وفي نفس الوقت ميداناً خصباً لفحص إجرائية مختلف المناهج المستمدة من العلوم الاجتماعية المعاصرة.
إنّ صعوبة حصر ببليوغرافية سبتة تأتي من كون تاريخ المدينة يندمج اندماجاً كبيراً في تاريخ المغرب وتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط وتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية. فالإلمام بالكتابات المتعلقة بالمدينة يقتضي الاطلاع على تاريخ المنطقة كلها وهو الأمر الذي يتجاوز مقدرة باحث منفرد؛ خصوصاً وأنّ الأدوات الببليوغرافية المتوفرة تشكو من نقص في المعلومات وعدم الانتظام في توفرها. فنحن لا نتوفر على أي دليل ببليوغرافي أو نشرة «منتظمة» حول الإصدارات التاريخية حول تاريخ المغرب وبالأحرى تاريخ سبتة. أضف إلى هذا وجود شبه قطيعة بين الباحثين العرب (والمغاربة خاصة) المهتمين بتاريخ المدينة والباحثين الغربيين (الإسبان خاصة). فخيط التواصل يكاد ينعدم بين الصنفين. فلا الإسبان مطلعون بما فيه الكفاية على الدراسات العربية، ولا الباحثون العرب على علم وثيق بالإنتاج الإسباني حول المدينة. وهذا الجهل (أو التجاهل) المتبادل لا يقتصر على الدراسات العامة فقط، وإنّما نلاحظه حتّى في الدراسات المتخصصة وفي الأطروحات الجامعية.
إنّ الملاحظات التالية لا تدعي إعطاء مسح شامل وتام للإنتاج التاريخي الذي يتمحور حول موضوع سبتة ولا القيام بفحص دقيق لمنطلقاته المنهجية، وإنّما تطمح إلى تقديم توضيحات مقتضبة عن التوجهات الحالية والآفاق المحتملة للدراسات السبتية كما تستخلص من جرد ببليوغرافي لما يزيد عن 400 عنوان متعلق مباشرة بتاريخ سبتة منذ نشأتها حتّى سقوطها بيد البرتغاليين سنة 1415. إذ نعقد أنّه من المستحسن أن يتم الوقوف على التوجهات العامة بهدف إجراء مقارنات بين الأبحاث والمقاربات المختلفة، عوض تقديم لائحة تصنيفية إحصائية لببليوغرافية المدينة قد نجدها مثبتة في لائحة مراجع هذه الدراسة أو تلك.
1 ـ سبتة «ما قبل الإسلام»: حضور البحث الإسباني وغياب نظيره المغربي.
إتجهت أنظار الباحثين بصفة أساسية لتاريخ سبتة ما قبل الإسلامية. فهناك أطروحات شاملة ودراسات قطاعية لهذه الفترة تعتمد أساساً على نتائج الحفريات الأثرية وبصفة ثانوية على نصوص المؤرخين اللاتينيين الكلاسيكيين. إنّها دراسات غنية ومتباينة المواضيع ترمي إلى توضيح ظروف نشأة المدينة والأساطير والخرافات المصاحبة لها، كما تسطّر تاريخها السياسي منذ ما قبل التاريخ إلى نهاية العصر البيزنطي، مروراً بالعصر الفينيقي والروماني والوندالي. وتبرز دور المدينة في المبادلات التجارية في مضيق جبل طارق على ضوء نتائج الحفريات الأركيولوجية أو التنقيبات تحت البحرية، وتبحث في صناعاتها وخزفيتها وفي مسكوكاتها النقدية. كما تدقق في أصل تسمية المدينة وطبونيميتها وطبوغرافيتها الكلاسيكية، وجغرافيتها التاريخية ومشاكل تزويدها بالماء… إلخ. إنّ هاته البحوث تتزايد في الوقت الحاضر، ولكن نظراً لتبايناتها المنهجية والطابع التقني والدقيق لأكثريتها، فإنّها لم تقدم لحد الآن إلاّ القليل من الأعمال التركيبية.
إنّ أسباب هذه الأهمية المعطاة لتاريخ سبتة «ما قبل الإسلامية» من طرف الباحثين الإسبان مرتبطة بدون شك بالدينامية التي يعرفها البحث التاريخي بإسبانيا حالياً، وبالإمكانات المتوفرة وعلى رأسها وجود مؤسسات علمية مشجعة في عين المكان.
على أنّ هذه الأسباب تتجاوز قطعاً نطاق الاهتمام التاريخي العلمي الصرف لتلامس أرضية الإيديولوجية الاستعمارية الإسبانية. فهناك توجه قار في الدراسات الإسبانية يرمي إلى إيجاد ما يسمّى بروابط «الإستمرارية» بين سبتة «القديمة» وسبتة «الإسبانية». ومن هذا المنطلق لا تشكل الفترة المغربية الإسلامية إلاّ مرحلة عارضة لا تحظى باهتمام هذه الدراسات الإسبانية. إنّ عناوين بعض الدراسات فضلاً عن مضمون أغلبها، تعبّر عن ذهنية ومرامي هذا التوجه في الدراسات الإسبانية. وإلاّ فكيف تفسر كون الفترة الإسلامية لا تحظى إلاّ بحظ يسير جداً من الدراسات الأركيولوجية بينما باطن الأرض السبتية يغص بالبقايا الأثرية التي تعود إلى هذه الفترة، وهي البقايا التي لا تلقى سوى الإهمال باعتراف الأركيولوجيون الإسبان أنفسهم.
وعلى عكس هذا الاهتمام بسبتة «الما قبل إسلامية» من طرف الباحثين الإسبان يظهر أنّ نفس الفترة التاريخية لا تثير بتاتاً اهتمام زملائهم المغاربة. إنّه لمن اللافت للانتباه ذلك التغييب التام للفترة الما قبل الإسلامية في الدراسات المغربية والعربية عموماً. إنّ هذا الإهمال نلاحظه حتّى في الأطروحات الجامعية. فآخر دراسة مغربية صدرت حول سبتة وهي دراسة الأستاذة حليمة فرحات التي تحاول تتبع تاريخ المدينة «منذ النشأة» إلى القرن الرابع عشر لا تخصص سوى عشرين صفحة من عمل ضخم (حوالي 500 صفحة) للكلام عن أصول المدينة وكلّ تاريخها السابق على ظهور الإسلام. ويظهر أنّ الباحثة المغربية لم تأخذ بعين الاعتبار الإنتاج التاريخي الإسباني الغني والمتنوع حول هاته الفترة. أمّا باقي الدراسات العربية فإنّها لا تتعرض لتاريخ المدينة السابق للإسلام إلاّ على سبيل التمهيدات لدراسة الفترة اللاحقة. وهذه التمهيدات التي لا تتعدى بضعة أسطر في أغلب الأحيان تعيد صياغة ما سطره المؤرخون والجغرافيون العرب القدماء، بما في ذلك الأساطير والخرافات المصاحبة لأخبارهم. لا عجب إذاً إن وجدنا ندوة مغربية جامعية تحمل عنوان «سبتة: التاريخ والتراث» لا تتطرق مداخلاتها بتاتاً لتاريخ المدينة السابق على ظهور الإسلام.
إنّ أسباب هذا النقص في الدراسات المغربية كثيرة. يجب أن نشير أوّلاً إلى الإهمال الذي نوليه لفترة تاريخية انتهت مع ظهور الإسلام، وكأنّ الاهتمام بالفترة الإسلامية يتم على حساب الفترات السابقة لها. وممّا له مغزاه، هو ذلك الإهمال الذي يوليه التقليد الإستوغرافي المغربي لتاريخ المغرب القديم الذي يكاد يصبح في نهاية المطاف تاريخاً مقصياً من التاريخ الوطني. وإلى مختلف هذه الأسباب، ينضاف سبب آخر موضوعي يتمثّل في المعرفة الضحلة التي نتداولها منذ فترة طويلة حول هذه الفترة. إنّ الوثائق المستعملة في الدراسات العربية ما تزال تستند على الشهادات الأدبية الكتابية. ويجب أن نشير إلى الصعوبات التي تعترض الباحث المغربي، لأسباب متعددة، للحصول على المعطيات والمعلومات النابعة من الحفريات الأركيولوجية السبتية. فقد أضحت هذه الأخيرة حكراً على الباحثين الإسبان منذ أن استولت إسبانيا على مقاليد المدينة المغربية.
2 ـ سبتة الأسلامية: قلة الأبحاث التاريخية وهيمنة البعد الثقافي.
في الوقت الذي اتجهت فيه أنظار الباحثين الإسبان إلى تاريخ مدينة سبتة السابق على الإسلام، سيتخذ الباحثون العرب والمغاربة الفترة الإسلامية ميدان بحثهم المفضل. لقد عرفت عملية نشر مؤلفات العلماء السبتيين في السنوات الأخيرة نشاطاً نوّه به المهتمون بحقل الدراسات المغربية والإسلامية، ووضعت رهن الباحثين مادة تاريخية غنية. ومع ذلك، فإنّ هذا النشاط في النشر لم يستتبعه تراكم في البحث التاريخي التحليلي. إنّ المجهودات انصبت وبصورة قوية نحو دراسة الحياة الفكرية للمدينة وتراجم علمائها. فالندوات التي خصصت للمدينة بالمغرب اتخذت من الميدان الأدبي والحياة الفكرية موضوعاً لها. ولكن لم ينبثق لحد الآن عن هذه الدراسات الأدبية محاولات تركيبية مرتكزة على إشكالات تاريخية واضحة، تتجاوز مرحلة الوصف والافتتان بثقافة مدينة مغربية إسلامية كان إشعاعها العلمي قوياً طيلة العصر الوسيط. إنّها دراسات لا يمثّل فيها البُعد التاريخي إلاّ حيزاً ثانوياً. لكنّها تشكل ظاهرة تراكمية تجدر الإشارة إليها.
أمّا في الميدان التاريخي، فإنّ الدراسات الأكاديمية المتخصصة قليلة جداً. إذ لا يمكن أن نذكر سوى دراسة زليخة بن رمضان حول المعالم المادية والحضارية للمدينة (1986) ودراسة كاتب هذه الكلمات حول «سبتة على عهد الموحدين والمرينيين» (1987) ودراسة حليمة فرحات السابقة الذكر (1994)؛ بينما تظل الدراسات التاريخية الأخرى الوصفية والأكثر عمومية، والأقل تنظيراً (كدراسات محمد بن تاويت وإدريس خليفة والحاج السراج…) موجهة للجمهور العريض. أمّا باقي الدراسات الجامعية الأخرى فإنّها أعطت الأولوية للبُعد الأدبي (محمد الغازي، إسماعيل الخطيب، عبد السلام شقور وغيرهم).
وبغض النظر عن تباينها المنهجي فإنّ الدراسات المغربية يربطها دافع أساسي يتم التعبير عنه صراحة أو ضمناً وهو كشف تاريخ المدينة تعميقاً لمعنى مغربيتها وعروبتها وإسلاميتها وهو طابعها وهويتها الحقيقية. وليس جزافاً أن يعنون إدريس خليفة كتابه بـ «التاريخ المغربي» لمدينة سبتة. فهو يندرج في إطار كفاحي «يهدف إلى إظهار مغربية سبتة تاريخياً» وإقامة الدليل على مغربيتها «قبل الإسلام وبعده». وليس غريباً إن وجدنا نعت «الإسلامية» لصيق بأغلب عناوين الدراسات العربية. والواقع أنّ مدينة سبتة بوضعيتها السياسية الحالية ووضعها الاستعماري المفارق تعيش في عمق الضمير والوجدان المغربي، ولا يمكن تناول تاريخها دون الانخراط فيه بكلّ الجوارح.
في الببليوغرافية الإسبانية يظهر أنّ القرن العاشر الميلادي هو الذي يحظى باهتمام الباحثين الإسبان. إنّه القرن الذي كانت فيه مدينة سبتة «أندلسية» بخضوعها لسيطرة أمويي الإسبان. ولا شيء يعكس لنا بطريقة جلية هذا التوجه من دراسات «خواكين بالبي برميخو» Vallvé Bermejo وخاصّة أطروحته «مساهمة في تاريخ مدينة سبتة حتّى السيطرة المرابطية. وفي هذا العمل فتح الطريق أمام أبحاث أخرى تستلهم خطواته وقناعاته الإيديولوجية، خصّص المؤلف الفصل الخامس لما يسمّيه بـ «سبتة الإسبانية» وجعله واسطة عقد أطروحته. فبينما لم يخصص سوى تسع صفحات لـ «سبتةالإسلامية» (ص113ـ122) وعشر صفحات لـ «سبتة والقاضي وعياض» (ص207ـ217) نجده يخصص حوالي ستين صفحة لـ «سبتة الإسبانية» (ص123ـ179). ثم سيفرد لاحقاً دراسة مطولة حول التدخل الأموي في سبتة وشمال المغرب.
ومع ذلك نلاحظ أنّ تياراً ـ ولو أنّه ما يزال ضعيفاً كمياً ـ بدأ يأخذ مكانه في الدراسات الإسبانية المتعلقة بسبتة المغربية. يكفي أن نلقي نظرة على أعمال (Valencia, j. Zanon, M.I. Calero, Ramos Calvo, R. Velazquez Bassanta) وغيرهم لنلمس معالم هذا التيار الجديد. وهذا التوجه تدعمه دراسات أخرى جعلت من الجوانب المادية للمدينة المغربية موضوعاً لها؛ مثل الجوانب المعمارية الحضرية، والمسكوكات، والأقليات الإثنية والدينية والنشاط التجاري، وهي دراسات تطبعها إرادة إظهار اندماج المدينة في العالم المتوسطي فضلاً عن اندماجها في وسطها الطبيعي المغربي.
إنّ المساهمة الفرنسية في كتابة تاريخ سبتة تعود إلى عقود خلت. ولقد أولت اهتمامها أساساً إلى العلاقات التجارية للمدينة مع عالم حوض البحر الأبيض المتوسط. فباستثناء الملاحظات المقتضبة لـ «هنري طيراس» حول بعض معالم المدينة، نجد أنّ الدراسات الفرنسية الأخرى قد أولت اهتمامها لعلاقة المدينة مع الساحل الفرنسي، وخاصة مع مدينة مرسيليا استناداً على الوثائق العدلية المتعلقة بتجارة مرسيليا ومحاضر مينائها. كما أنّ بعض الباحثين الفرنسيين اعتمدوا في دراستهم على الأرشيفات الإسبانية، مثل Ch. E. Dufourcq أحد أكبر المتخصين في العلاقات المغربية الإيبيرية في العصور الوسطى. إنّ دراساته المختلفة حول العلاقات المغربية القطلانية وخاصة تلك التي خصصها لـ «سبتة في القرن الثالث عشر» لا يمكن الاستغناء عنها مثل أطروحته الرائدة «إسبانيا القطلانية والمغرب في القرن (13 و14)» التي تستند على كم هائل من الوثائق المحفوظة في الأرشيفات الأوروبية وخاصّة أرشيفات إسبانيا. وهناك من اعتمد الأرشيف الإيطالي لدراسة علاقات المدينة التجارية مع دول حوض البحر المتوسط. ويكفي أن نذكر العمل الحديث للباحث الفرنسي G. Jehel حول الجنيويين في غرب البحر المتوسط وهو عمل رائد وموثق بشدّة ومجدد فيما يخص استغلال قاعدة متينة من وثائق الأرشيفات الإيطالية التي تلقي أضواء كاشفة على مكانة سبتة في خارطة المبادلات التجارية في الحوض الغربي للبحر المتوسط.
إنّ إسهامات الدراسات الأنجلو سكسونية والإيطالية والبرتغالية ضعيفة مقارنة بالإنتاج التاريخي المغربي أو الإسباني أو حتّى الفرنسي. فبعض الباحثين الأميركيين ساهموا في الثلاثينات بأبحاث جيّدة حول نشاط التجار الإيطاليين ببلاد المغرب وخاصّة بسبتة، نذكر منهم W. Byrne وH.C. Krueger ولكن الباحث الإنكليزي J.D. Latham هو الذي أسهم مساهمة فعالة في تاريخ سبتة الإسلامية. إنّ دراساته حول النظام التحصيني للمدينة، وخاصّة دراساته حول العزفيين، تعتبر من أهم الدراسات المنجزة لحد الآن وأدقها حول هذه الأسرة التي طبعت تاريخ سبتة خلال العصر الوسيط، أمّا الباحثون الإيطاليون (Pistain, Balleto, Di Tucci…) فسيهتمون بسبتة في إطار اهتمامهم بأنشطة تجار بلدهم في مدينة الزقاق.
يظهر أنّ الدراسات «السبتية» لا تعيد نفسها ولا تشكو من اجترار نفس الموضوعات كما يدعى أحياناً. بل إنّها دراسات تتكامل وتستدعي بعضها البعض. وعلى الرغم من الغنى النسبي في الدراسات «السبتية»، فإنّ المدينة ما تزال مفتوحة أمام البحث التاريخي وخاصة ما يتعلق بحضارتها المادية خلال العصر الوسيط، وهي الحضارة التي لن تتضح بصفة جلية دون مساهمة الأبحاث الأركيولوجية. إنّ الأمر يقتضي تظافر مجهودات الباحثين المغاربة والإسبان عن طريق خلق جسور الحوار المشترك والتنسيق بين مراكز البحث الإسبانية ومثيلاتها المغربية. في هذا الميدان ما يزال ينتظرنا الكثير.
محمد الشريف
سبتة
ـ4ـ
على أوائل القرن السادس للميلاد، كان جستين الأول، يجلس على عرش الدولة البيزنطية بعد الإمبراطور انسطاسي([221]). وقد كان هذا الإمبراطور البلقاني المولد والنشأة الريفي الأصل، عارفاً باللاتينية التي كانت لغة التخاطب بإقليمه، لا يحسن فيما عداها إلاّ ممارسة الحرب، فكان جندياً من الدرجة الأولى، ولم يكن له عقب، لهذا اعتنى بابن أخته فعهد بتربيته تربية تؤهله لوراثة الإمبراطورية منه، وهو جستنيان الأوّل، الذي خلفه على العرش، بعدما قضى جالساً عليه عشر سنوات، فآلى هذا على نفسه أن يعيد مجد الإمبراطورية الرومانية، ورأى من الحكمة أن يعاهد الفرس معاهدة السلام، ليتفرغ إلى ما كان يحلم به…
وقيض لجستنيان قائد عظيم، كتبت له الانتصارات الباهرة في مواقفه الموفقة التي استطاع بها أن يستولي على بلاد شاسعة من أوروبا وعلى رأسها إيطاليا، كما استولى على بلاد من شمال إفريقيا. ولكنّه في الأخير وجدناه يستجدي ويعلن عن نفسه في استجدائه: «أنا القائد المظفر» «بيلزايوس»…
لقد انتهت جيوش الإمبراطور جستنيان إلى المغرب، ولكن الذي نال الرعاية الخاصة والاهتمام من الإمبراطور، إنّما هو «سبتة» التي حصنها سنة خمس وثلاثين وخمس مائة([222]).
ومنذا ذلك التاريخ، وولاة من الدولة البيزنطية يقومون على حكمها، إلى أن كان آخرهم يليان الكونت أواسط القرن السابع.
وكانت الجزيرة الإيبيرية آنذاك قد حمَى وطيسها واستولت الفتن والفوضى على ملوكها، فهذا «وتيزا» Watiza المعروف عند العرب بغطيشه يطيح بعرشه «رودريكو» أو لذريق الذي ثار عليه وقتله ثم جلس على عرشه. فتعرض يليان لخطره، إذ كان حليفاً لوتيزا القتيل على عرشه. ويُقال إنّه كان قد انغمس في هذه الفتنة التي قامت بالأندلس، وحاول أن يلعب رجاله دورهم فيها، حيث وجّه بهم إلى مناصرة حليفه، ولكن رجال لذريق كانوا أقوى شكيمة، فأنزلوا برجاله الهزيمة، وعادوا إلى سبتة، يجرون وراءهم جرير الخيبة والغلبة عليهم.
كان يليان أمير إقليم «موريتانيا الطنجية» Mauretania Tingtana وقد حكم يليان هذا الإقليم زمناً طويلاً آنس فيه من نفسه الاستقلال شأن الأمراء البربر بهذه البلاد. وفي الأخير نجده وهو يستقل بهذه الإمارة عن الدولة البيزنطية الخائرة القوة البعيدة الجغرافية يمكن لنفسه ويدعم قواعد استقلاله.
ولم يكن له بد من توثيق علاقته بجيرانه، فكان منهم فيما وراء البحار، أولئك القوط الذين كانوا يحكمون الجزيرة الإيبيرية، وكانوا كذلك تطوح بهم الأحزاب، وتنخر في هيكلهم النزعات والحزازات، فكان يليان يستغل هذا النزاع الحزبي لصالح إمارته المستقلة. ولم يكن في الواقع تابعاً لمملكة القوط في شبه الجزيرة، تماماً، بل كان مستقلاً بهذه الإمارة، يحسن علاقاته مع جيرانه، سواء منهم البربر المتاخمين له براً والقوط المقابلين له بحراً([223]).
الفتح الإسلامي لسبتة
في عام تسعة وثمانين من الهجرة، كان الاتصال بين المسلمين ويليان بإقليم طنجة، وإن كان ابن الأثير يذكر أنّ اللقاء كان من هذا التاريخ، وأنّ يليان نزل على حكم عقبة بن نافع عام ثلاثة وستين، موافقاً سنة ثلاث وثمانين وست مائة للميلاد، وكانت أنظار المسلمين قد اتجهت إلى سبتة.
ومن المحقق الذي لا يشك فيه التاريخ، أنّ طارقاً البربري النفزي، حاول الاستيلاء على سبتة بعد طنجة، ولما امتنعت عليه ارتأى مراودة زميله البربري([224]) بطريقة مقبولة للطرفين معقولة لهما، تقوم على التخلص من وطأة الروم وأذنابهم البغضاء ودرء خطر بقاياهم بالجزيرة.
ومهما يكن، فهذه الجزيرة تلوح إلى المسلمين وهم بالزقاق، تتراءى لهم وتداعبهم وهم بطنجة كل صباح ومساء، فهل من المعقول التوجه إليها، قبل أن يصفى الحساب تماماً؟
كلا، ليس هذا لو كان من الرشاد، ومن أجل ذلك، كان التغلب أو التفاهم واجباً مع ويليان، الذي كان يوجس خيفة من لذريق، ومن هذا المنطق السليم، وإن كان على صورة تخالف في التفصيل، وتوافق في المبدأ نجد أن يليان أشار على المسلمين بتصفية الجيوب المحاربة، قبل التوجه إلى البلاد الأندلسية، فيقال: إنّه قال: لموسى أو طارق، كيف تعبر البحر إلى الأندلس وتترك الكفار هكذا؟([225]) وكلمة «الكفار» هنا تعني أنّه كان قد أسلم.
وكما سلف فقد واجه يليان خطر لذريق المحدق، وكان لا بد له أن يلتمس نصيراً من هؤلاء المظفرين الجدد، الذين يجاورونه ويطوقونه من جانب البر والذين هم في عقليتهم وبساطتهم وجنسهم، أقرب إليه أو أخف ضرراً عليه، وفيهم هذا القائد البربري طارق، الذي كان جيشه نفسه بربراً على الحقيقة. ولم يكن فيه من العرب إلاّ القرّاء الذين يقومون بتلقين الجيش مبادىء الدين الحنيف، وبعض القواد الثانويين، فكان الاتفاق بين القائدين البربريين وكيداً.
هذه الظروف وهذه الاتجاهات هي التي جمعت بين الأميرين، وكان لها ما كان فيما بعد من الامتداد عبر الجزيرة «الإيبيرية» نفسها. أمّا قضية ابنته «فلورندا» ـ كما تسمّيها المصادر الأجنبية ـ وهتك العرض بها([226])، فذاك، إن كان، ثانوي بالنسبة إلى هذه الأهداف التي لا تغضي عنها السياسية ولو اغضت على غيرها. ولا يلتفت إلى ما ورد في تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية، وهو أنّ «يليان» كان تاجراً من تجار العجم، يختلف من الأندلس إلى بلاد البربر، ويجلب إلى «لوذريق» عتاق الخيل والبزاة من ذلك الجانب، فتوفيت زوجة التاجر، وتركت له ابنة جميلة، ثمّ أمره «لوذريق» بالتوجه إلى العدوة، فاعتذر له بوفاة زوجته، وأنّه ليس له أحد يترك ابنته معه، فأمر «لوذريق» بإدخالها القصر، فوقعت عينه عليها، فاستحسنها وهمّ بها فنالها، فأعلمت أباها بذلك عند قدومه، فقال للوذريق: إنّي تركت خيلاً وبزاة بالعدوة لم تر مثلها، فأذن له في التوجه فيها، فلم يكن منه إلاّ أن قصد طارق بن زياد، فرغبه في الأندلس انتقاماً منه.
إلى آخر ما في القصة من بساطة وسذاجة، وفجوات، تجعلنا نتساءل، أين وضع ابنته هذه المرّة، وهل اصطبحها معه، وكيف تأتّى له ذلك، وسمح به «لوذريق»؟ أسئلة يسلم بعضها إلى بعض، ولا نرى لأصلها حيزاً من الصحة معقولاً.
وعلى كلٍ فلم يتحقق منه التاريخ عندنا. وهو لا يعنينا هنا بقدر ما يعنينا أنّ مشاكل كانت تفرض عليه سلوكاً ونصحاً. وإنّ هذا ولا شك منطق سليم، ولكن يليان نفسه لا يؤمن عليه أن يطعن من الخلف، وهو جوزف بالجيش مجازفة لم ينج من العقاب عليها حتّى طارق. لهذا فقد أخذ بالحيطة واستعمل كلّ الدهاء والحنكة العسكرية، وكتب له الظفر المطلق والنصر المبين.
قالوا إنّ موسى حاول اقتحام القلعة السبتية، لأوّل مرّة([227])، ولكنّه ألفَى عند صاحبها «يليان» عدّة وقوّة ونجدة ليست تشبه ما قبلها فلم يطقهم، فرجع عنهم إلى طنجة، وجعل يجتث ما حولهم بالمغاورة فلم يطقهم». وهذا نص عتيق نشر ضمن ما نشر تحت عنوان «أخبار مجموعة» بمدريد. والمهم أنّ وفاقاً تمّ بين يليان وبين المسلمين، الذين أقرّوه على حكم سبتة على جزية يؤدّيها أو غيرها، وأنّه ساعدهم على فتح الأندلس بأجفانه ورجاله كما يُقال، وبنفسه كما في بعض الأخبار. فبقي أمير بلدته وإقليمها إلى أنّ هلك، تاركاً من أبنائه «بلكايش» الذي أسلم وحسن إسلامه. ولكنّه لم يخلف أباه في الحكم، بل صار حكم المدينة إلى الفاتحين مباشرة، ويبدو أنّه توجّه إلى الأندلس أو توجهت ذريته، التي كان أوّلها عبدالله، ثمّ الحكم فسليمان فأيوب، ثمّ سليمان آخر فأحمد توفي سنة 388هـ. وقد اشتهر الثلاثة الأخيرون بالعلم في الأندلس بالعهد الأموي، كما في كتب التراجم.
لقد ظلّ ساحل الزقاق، الممتد من سبتة، فجبل موسى فقصر مصمودة فطنجة، ساحلاً استراتيجياً قبل كلّ شيء، ولم تفتر أهميته بالنسبة للعرب، إلاّ حينما استقرّ أولاد موسى وطارق بالأندلس، بعدما غادراها معاً إلى إفريقيا مدعوين منها إلى العاصمة دمشق بدون رجعة. بعد ذلك حصلت الاضطرابات الخارجية في الشمال الإفريقي عامة، وحصل الانقلاب في الأندلس بقتل ابن موسى الأمير عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن حبيب. ويهمنا المغرب الذي كان فيه ميسرة الخفير يوالي الضربات على العرب، ويحاول أن يجتث شأفتهم، وقائدهم كلثوم بن عياض يتعثر في هزماته المتلاحقة، ويصاب في المواقع، كما يصاب حقيب بن أبي عبيدة بن عقبة والد عبد الرحمن. ويلجأ كلثوم مع ابن أخيه بلج بن بشر، وجيشه الشامي وفيه عبد الرحمن بن حبيب إلى سبتة ويتحصن فيها. ولكن رجال ميسرة يتتبعونهم، ويشددون عليهم الحصار بسبتة. وتشتد بهم المجاعة فيتوسلون إلى إخوانهم في الأندلس، حيث كان صاحبها عبد الملك بن قطن الفهري، فيتقاعس هذا عن إغاثتهم. ويخف بعض رجاله ببعث سفينتين تحملان إليهم مؤونة، فيقتله عقاباً له وانتقاماً من الشاميين.
ويموت القائد كلثوم بن عياض محصوراً بسبتة (كما يقول ابن حيان، وغيره يقول إنّه قتل في المعركة) ويتولّى الرئاسة ابن أخيه بلج. ويسمع البربر بقيام إخوانهم في المغرب وانتصارهم، فيثورون على رؤساء العرب بالأندلس، ويكادون يوقعون بهم ما وقع بالمغرب لإخوانهم لولا استنصار هؤلاء بالمحصورين في سبتة الذين انتهزوا هذه الفرصة الذهبية، وطاروا إليهم في السفن التي وافتهم من الأندلس، فاعصوصبوا وقاتلوا قتالاً مستميتاً، انتصروا في آخره. وطاب لهم المقام فأقاموا بالأندلس، وأثَّاقلوا لما طلب منهم «بلج» العودة إلى العدوة، كما كان الاتفاق معهم. ولم يكتفوا بهذا، بل قتلوا ابن قطن انتقاماً لما سلف منهم في حقّهم، حينما حوصروا وانقطعت ميرتهم حتّى أكلوا الجيف كما قالوا. ثمّ تقلدوا حكم الأندلس وعادت العصبية وذكرى الأيام الغابرة تشغلهم بحرب بعضهم بعضاً. في هذه الظروف نجد سبتة تنزوي وقد تقلص عنها ظل الاستقرار والحكم البربري معاً، ولا يسمع لها صوت، إلاّ حينما تولتها عائلة غمارية هي عائلة بني عصام، كما سنرى.
لقد صار مركز الثقل يتوجه ناحية الشرق المغربي، يحيط به النفزيون بصفة خاصّة، وهذا ما جعلنا نفهم، كون عبد الرحمن الاموي، لمّا لجأ إلى المغرب، أقام عند أخواله النفزيين البربر، بنواحي الريف، حيث المزمة التي صار يتصل منها برؤساء الأندلس ثمّ ركب منها إلى المنكب شرقي مالقة، فلم يقم بسبتة و لم يعبر منها.
أمّا فيما بعد فيبدو أن سبتة، انضوت تحت لواء الأدارسة الذين أسسوا دولتهم سنة توفي عبد الرحمن. ذلك أنّنا وجدنا سبتة كانت من ضمن إمارة القاسم بن إدريس، حسب إشارة جدّته كنزة النفزية([228])، كما في القرطاس. واستناداً على بعض المصادر فالغالب أنّ بني عصام، كانوا تابعين لهؤلاء الأدارسة تبعية ما، ولم يكونوا بذلك الاستقلال، الذي كان لبني صالح أصحاب النكور بالريف، ففي البيان المغرب، أنّ بني عصام كانوا يؤدّون الطاعة لبني إدريس، وهو ما قاله البكري في بلدانه. كما يؤخذ هذا من أعمال الأعلام كذلك، بل نجد فيما بعد أنّ إبراهيم بن القاسم الإدريسي يمتد نفوذه حتّى الأندلس، إذ كان يخطب له عمر بن حفصون الثائر على الأمويين في الأندلس مع آخرين. كما ذكر ابن حزم في الجمهرة. وهذا ما ينفي ادعاءات الأمويين فيه وفي جماعته([229]). وعلى كلّ حال، فهذا عصام يخلف أباه الرجل الصالح، ماكس الغماري، الذي عمر المدينة بعد خرابها وأشاع النظام بين سكانها المختلفين. ويذكر البكري أنّ ماكس كان مشركاً فأسلم. وتولَّى المدينة بعد عصام، الذي كان له شأن أعظم من والده، أولاده وأحفاده، فكان مجير الذي خلفه أخوه أو ابنه الرضي على ولائه للأمير الإدريسي إلى أن خرجت سبتة من يد أميره سنة تسع عشرة وثلاث مائة.
سبتة تحت سلطان الأمويين
في هذا التاريخ نجد كما في الأعمال، أنّ أبا العيش أحمد بن القاسم، كان يخطب على منبره بدعوة عبد الرحمن الناصر في جميع عمله وكان في سبتة([230]) على حين كان الفاطميون قد أخذوا بمخنقها([231]) بعدما استولوا على إمارة بني صالح، وجل البلاد المغربية. وعلى هذا فما كان من عبد الرحمن الناصر وقد أحدق به الخطر الفاطمي، إلاّ أنّ وجّه إليها أسطوله العتيد فاحتلها ثمّ اختار أبو العيش الهجرة إلى الأندلس فالتحق بالناصر وجاهد النصارى بالأندلس حتّى استشهد بها. وكان قدومه على الأندلس سنة ست وأربعين وثلاث مائة بعدما مضى على خروج سبتة من يده سبع وعشرين سنة كما يستفاد من ابن الخطيب([232]). وكان السبتيون لما حلّت الأساطيل بسبتة قد بادروا فوراً إلى الطاعة والانقياد لأموي الأندلس.
وقد استطاع الفاطميون سنة 324 أن يستهووا نواحي سبتة وطنجة فانتقضت على الناصر ووجّه إليها أسطوله بقيادة ابن أبي حمامة لإخضاعها، فلم يكن منهم إلاّ الخضوع والاستسلام على مضض، وقد وجدنا ابن هانئ يشير إلى هذا الصراع الأموي الفاطمي في غير ما قصيدة له.
فنجده يخاطب المعز بقوله:
لقيت بني مروان جانب ثغرهم
وحظهم من ذاك خسر وتثبيب
وعار بقوم أن أعدو سوابحا
صفونا بها عن نصرة الدين تنكيب
وقد عجزوا في ثغرهم عن عدوهم
بحيث تجول المقريات اليعابيب
والغالب أنّ المراد بالثغر هنا الأندلس نفسها. ويقول في قصيدة أخرى يُقال إنّها كانت أوّل قصائده فيه:
وأمية تُحفِي السؤال وما لمن
أودى به الطوفان يذكر نوحا
ويقول في أخرى عنه:
وضجت له الأصنام أنّ ضجيجها
صدّى من بني مروان حران يصرخ
ويقول في أخرى يمدحه كذلك:
خابت أمية منه بالذي طلبت
كما يخيب برأس الأقرع المشط
وحاولوا من حضيض الأرض إذ غضبوا
كواكبا عن مرامي شأوها شحطوا
ويقول في أخرى منه:
ومستكبر لم يشعر الذل نفسه
أبَى بأبكار المهول فاتك
ولو علقته من أمية أحبل
لجب سنام من بني الشعر تامك
ويقول من أخرى فيه:
قد جدت حتّى أملتك أمية
لو أنّ وتراً لم يضع تاميلا
خلدتم في العبشمية لعنة
خلقت وما خلقوا لها تعجيلا
ويقول أيضاً من أخرى:
فالفتح من أوّل النعمَى به وله
عواقب في بني مروان عن عجل
ويقول في أخرى:
فلا حملت فرسان حرب جيادها
إذا لم تزرهم من كميت وأدهم
ولا عذب الماء القراح لشارب
وفي الأرض مروانية غير أيم
وأولى بلوم من أمية كلها
وإن جلّ أمر من ملام ولوم
ويقول في أخرى يخاطبه:
لو يستطيع البحر لاستعدَى على
جدوَى يديك وأنّه لقمين
أمدده أو فاصفح له عن نيله
فلقد تخوف أم يُقال ضنين
وأذن له يغرق أمية معلناً
ما كلّ مأذون له مأذون
واعذر أمية أن تغص بريقها
فالمهل ما سقيته والغسلين
ويقول مادحاً القائد جعفراً:
كتائب شلت فابذعرت امية
فأوجهها للخزي أثفية سفع
وتلك بنو مروان نعلا ذليلة
لواطئ أقدام وأنت لها شسع
ويقول مادحاً ابنه إبراهيم:
وبالمغرب الأقصى قريع كتائب
نخب بمسراه فيرجف مشرقه
وهكذا يطل علينا المغرب الأقصى في مدح هذا القائد الأندلسي وكذلك يذكر المغرب في مدحه لعمّه يحيى بن علي في قوله:
نحّى المغرب الأقصى بسطوة بأسه
فغادره رهواً وقد كان مرتجاً
ويقول في مدحه للقائد أبي الفرج الشيباني:
من أصلح المغرب الأقصى بلا أدب
غير التشيع والدين الحنيفي
لله ما تنتضي من ذي الفقار وما
تشد من عضد الرأي الأمامي
لم يجهلوا ما تلاقى في التشيع من
تحريض شارية أو بأس شاري
وما تذلل من أهل العناد لهم
وما تدارى من الدين الإباضي
كوفيت عن ذلك الثغر المخوف فقد
تركته بالعوالي جد مكفي
ففي هذه الأبيات نجده يشير إلى الخارجية التي واجهها الفاطميون، وكانت لها بقية في تاهرت بإقليم وهران وسجلماسة بالجنوب عندنا.
وفي مدحه لجوهر قائد المعز، يقول عنه مخطاباً:
رمَى بك قارون المغارب عاتيا
وفرعونها مستجيبا ومذبحا
وأدركت سؤلا في ابن واسول عنوة
وزحزحت منه يذبلا فتزحزحا
وإلا أَبِنْهُ في العصاة فإنّني
أرَى شارباً منه يميل مرنجا
رأى ابن أبي سفيان فيه رشاده
وعفَى على أثر الفساد وأصلحا
وفي آل موسى قد شنت وقائعا
أهبت لهم تلك الزعازع لقحا
فلمّا رأوا أن لا مفر لهارب
وأبدت له أم المنية مكلحا
وأكدى عليهم زاخر اليم معبرا
وضاق عليهم جانب الأرض مسرحا
صفحت عن الجانين منّا ورأفة
وكنت حرياً أن تمن وتصفحا
وموسى الوارد في الأبيات هو ابن أبي العافية الذي كان قد انحاز إلى الناصر وصار يكاتبه برسائل فائقة كما نجد في المقتبس الجزء الخامس.
وفي هذا الصراع كان مجيء جوهر إلى المغرب بعدما انتهى إلى المعز أنّ قبائل زناتة والبربر رفضوا دعوته ودخلوا في دعوة بني أمية، فجاء جوهر بجيش جرار من كتامة وصنهاجة وغيرهما، فحصل اللقاء بينه وبين عامل طنجة من قبل الناصر، وهو يعلَى بن محمد اليفرني أمير زناتة فقتلته كتامة. ولا شك أنّ جيوشاً من سبتة قد شاركت في المعركة، ففي البيان المغرب، أنّ صاحب سبتة وجّه كتاباً إلى الناصر «يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر» وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. أي بعد هذه المعركة التي وقعت في تاهرت بسنة واحدة، وكان الظفر فيها للقائد جوهر الذي توجّه إلى سجلماسة، فاقتحمها وفرّ عنها صاحبها محمد بن الفتح بن ميمون بن مدار، ثمّ قبض عليه، وهو المقصود بابن واسول، ثمّ عطف على فاس، وقبض على أميرها من قبل الناصر، وهو أحمد بن أبي بكر، الزناتي واستمر مكتسحاً لبلاد المغرب قاتلاً لموالي المروانيين فقطع دابرهم وخطب للفاطميين على جميع منابر المغرب ـ كما يقول المؤرخون ـ وربما صارت طنجة ضمن ذلك، أمّا سبتة فلا. ولمّا صارت إلى الحكم الأموي تمّم بناء السور الذي أمر به والده سنة 346، فكان ذلك منذ سنة 352. وبعد هذا التاريخ بسنتين كتب سجلاً إلى أهلها رفع عنهم به جميع الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية وفيه «أنّ ما وقع عليها من المؤن السلطانية في التقسيط فهو مضروب على شرق إشبيلية». وبعد ذلك أجاز جيشه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة وكان هذا الجواز بعد عشر سنوات من مغادرة جوهر المغرب، فقاتل بأحواز طنجة الحسن بن كنون صاحب البصرة، الذي كان قد بايع للفاطميين وخلع رقبة الأمويين، لما كان جوهر بالمغرب. ثمّ لما غادره عاد الحسن إلى التمسك بدعوة الناصر، ثمّ ابنه الحكم، خوفاً من الأمويين لا حباً فيهم. فلمّا قدم بليكين بن زيري الصنهاجي الشيعي من إفريقيا لأخذ الثأر من زناتة التي قتلت أباه سنة 361 وحملت رأسه إلى المستنصر، سارع الحسن إلى بيعته. وصارت إليه طنجة من بليكين وقد قطع دابر المروانيين من جديد، وأعاد الدعوة إلى الفاطميين مرّة أخرى.
وفي الأبيات الواردة إشارة إلى فرار موسى بن أبي العافية وقومه وكان قد فرّ أمام القائد ميسور إلى الصحراء من الفاطميين([233]). وفي سنة 369 كان العزيز يوجه بليكين أيضاً إلى المغرب لسحق الموالين للأمويين فانتصر عليهم وفرّوا منهزمين إلى سبتة، واستغاثوا بالمنصور محمد بن أبي عامر المتولي مقاليد الحكم بالأندلس. فأجاز إلى سبتة عسكلاجة وانضم إليه القائد المغراوي زيري بن عطية بن عبدالله بن حرز. وكان العزيز قد بعث من مصر كذلك الحسن بن كنون فأدار المعركة بجيشه المتحمس. لكن المنصور أمدّ ابن عمّه بولده عبدالملك فهزم الحسن. فما أسرع ما وجد منفذاً للطعن في ابن أبي عامر، وفي تلاعبه بالخليفة القاصر، وقبضته الخانقة على صبح، التي كان زيري بدأ يتدخل في شأنها. فما كان من المنصور، وقد طرد زيري عماله وألجأهم إلى سبتة. إلاّ أن نفذ إليه مولاه واضحاً الفتَى الذي انهزم أمام جيش زيري الزناتيين إلى طنجة وكانت قد عادت إليهم. وكان قد عبر إليها، فامده المنصور بولده عبد الملك أيضاً الذي أجاز من الجزيرة الخضراء إلى سبتة، فكان له الظفر العظيم الذي لقب به بعد «المظفر». وكانت سبتة قد تعرّضت للضياع، فقد التاثت على ابن أبي عامر. فوجه واضحاً فتاه، فسكن في جبل حبيب (ابن يوسف الفهري) ثمّ وجّه ابنه عبد الملك إليها.
العهد الحمودي الشيعي
حكم الحموديين بأنفسهم
في هذا الفصل من العهد الحمودي، نجد الخلفاء الحموديين الذين حكموا الأندلس طيلة نصف قرن تقريباً، كانوا ينطلقون من سبتة إلى التربع على دست السلطان الذي أقصى عنه بنو أمية أو حيل بينهم وبين السلطان الحقيقي، فنشأت في الأندلس إمارات في الأطراف مستقلة بها على الحقيقة، وإن كانت في الظاهر تنتمي إلى الخلافة المحتضرة أو الخلافة الناجمة بهؤلاء الحموديين، الذين حلموا بها وعملوا ما أمكنهم على تحقيق هذا الحلم لولا اختلافهم. فكنّا نرى عرباً ومغاربة وبربراً وصقالبة، كلّهم على إمارته مستبداً بها وهي في حلقات، قد تتّسع لتشمل أقاليم وقد تضيق لتحيط بمدينة واحدة لا تتعداها، والحروب والمؤامرات المدبرة والدسائس المتخذة لا تخلو منها جهة من الجهات ولا مدينة من المدن الكبار آنذاك، وفي هذه المعامع تقف سبتة لتمد خيوطها فتجذب بها أو تنجذب أحياناً، ولكن هذه الخيوط ما انقطعت نهائياً إلاّ بقيام المرابطين وقضائهم على موالي الحموديين الذين خلفوهم على حكم سبتة كما نرى.
وعلى كلّ حال، نعود إلى المراحل الزمنية التي قطعتها سبتة الإسلامية، فنجدها في أوّل القرن الخامس تتعرّض لأحداث جسام متلاحقة، فهذه الفتنة البربرية التي تقوم بالأندلس، كما يسمّونها (ويسمّيها ابن عذارى بالفتنة الأندلسية) نجدها تتصاعد إلى سبتة، وإذا بهذه تخوض فيها مع الخائضين، وتتدخل بأمرائها في قلب الخلافة الأموية، وإذا بصاحبها يبايع بهذه الخلافة نفسها، كما سنرى.
فمن المعلوم أنّ خلفاء بني أمية، صاروا منذ ابن أبي عامر كالدمى في يد محركيها وإن كانت الخلافة في نفسها متماسكة غير متصدعة لما كان المحركون أقوياء العضلات أشداء القبضات، كما هو الشأن أيام محمد بن أبي عامر، ثمّ ابنه عبد الملك، وبعدهما تضعضعت الخلافة بضعف المستبدين بها، منذ أن تولّى عبد الرحمن بن أبي عامر، الملقب بسنجول، وقامت الفتن على ساقها، وتمزقت رقعة الخلافة، ولعب الأمراء الطامحون أدوارهم الخطيرة فيها، فكان منهم علي بن حمود الإدريسي الذي تمكن بأعماله البطولية من رضى الخليفة سليمان المستعين فجازاه على عمله بأن ولاّه على سبتة وغيرها سنة ثلاث وأربعمائة. هكذا يقول التاريخ ببساطة، ولكن الواقع لم يكن بها، فإنّ علياً كان هدفه الأوّل هو الجلوس على عرش الخلافة، وما كان عمله الحثيث لينتقل إلى العدوة، إلاّ للتمهيد بها والاستعانة بالمغاربة على تحقيق مطمحه، ويُقال إنّ المستعين نفسه، كان متوسجاً من علي، فأراد إقصاءه إلى العدوة، وهي سياسة عمل بها الأمويون، منذ كان مؤسس دولتهم بالأندلس، فكانوا يبعدون كل من يتخوفونه إلى المغرب، وكانت سبتة في مقدمة المنافي لذلك العهد.
لقد كان علي الحمودي يخشى هؤلاء الصقالبة العامريين، الذين استقل بعضهم بجهات من الأندلس، فما كان منه إلاّ أن استمال بعضهم وعلى رأسهم حاكم «المرية» خيران مولى المنصور، الذي نشط للدعوة له، ووجه به إلى سبتة، كما في كتاب المغرب لابن سعيد. ولم يرد ابن حمود أن يعتمد على دهائه الحربي فقط، بل أراد أن يدعمه بالفكرة الشيعية، فأعلنها في لباقة، وإن لم يفرضها، وأطلق العنان للشعراء الذين يخدمون الفكرة، فكان من المتشيعين عبادة بن ماء السماء القائل له:
أبوكم علي كان بالشرق بدء ما
ورثتم وذا بالغرب أيضاً سميه
فصلوا عليه أجمعون وسلموا
له الأمر إذ ولاه فيكم وليه
ومنهم ابن الحناط، ومن هؤلاء شاعر المنصور نفسه ـ، أحمد بن دراج، الذي اشتهر بهاشمياته، وأشاد بها ابن بسام في الذخيرة أيما إشادة، ومنها اللامية التي مدح بها علي بن حمود المذكور، وهو بسبتة، سنة أربع وأربع مائة يقول فيها:
لعلك يا شمس عند الأصيل
شجيت لشجو الغريب الذليل
فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع
وكوني رسولي إلى ابن الرسول
إلى الهاشمي إلى الطالبي
إلى الفاطمي العطوف الوصول
إلى ابن الوصي إلى ابن النبي
إلى ابن الذبيح إلى ابن الخليل
فأنتم هداة حياة وموت
وأنتم أيمة فعل وقيل
وسادات من حل جنات عدن
جميع شبابهم والكهول
وأنتم خلائف دنيا ودين
بحكم الكتاب وحكم العقول
ووالدكم خاتم الأنبياء
لكم منه مجد حفي كفيل
تلذ بحملكم عاتقاه
على حمله كل عبء ثقيل
ويطرقه الوحي وهنا وأنتم
ضجيعاه بين يدي جبرائيل
وهناك هاشمية أخرى مدح بها القاسم أخاه يقول فيها:
القاسم المقسوم راحة كفه
في بسط معروف وقبض مهند
الهاشمي الطالبي الفاطمـ
ـي الوارث العليا بأعلى قعدد
أهدي إلى الدنيا عليَّ هديه
في طي أردية النهي والسؤدد
يا ابن الشفيع بنا وأكرم أسوة
للمقتدين وأنت أجدر مقتد
يا ابن الوصي على أوص سميه
ألا يضيع سمى جدك أحمد
يا صفوة الحسنين كم قد أحسنا
أفاء ود النازح المتودد
ثم يخاطبه وأخاه بقوله:
فلأجعلن ثناء ما أوليتما
زاداً لكل مكوف([234]) أو منجد
حتى يسمّع طيب ما أثنى به
قبر بطيبة أو بصحن المسجد
يريد قبر علي بنجف الكوفة، الذي يقصده الشيعة، ويشير إلى ذلك بقوله «زاد لكل مكوف».
ويعجبني في هذا قول ابن خلدون «كان في نفوس المغاربة والبرابرة تشيع لأولاد إدريس متوارث من دولتهم» بعد أن قال في بني حمود «كانوا في لفيف البرابرة في بلاد غمارة، واستجدوا بها رياسة، استمرت في بني محمد وبني عمر من ولد إدريس، فكانت للبربر إليهم صاغية بسبب ذلك وخلطة وبقي الفخر منهم بتازغردة من غمارة».
ومهما يكن، فإنّ علياً وطأ لنفسه بسبتة، وكانت الريبة فيه وفي أخيه، تخامر المستعين، الذي حذره منهما القائد عبد الله البرزالي بقوله: «تأتي إلى خشاش ترده ثعابين» ويُقال كما تقدم إنّ المستعين تخوّف منهما بقرطبة، فأراد صرفهما عن الأندلس التي لم يسخ منها له إلاّ بالجزيرة. ولما حلّ علي بسبتة، وجد نفسه محاطاً بعيون سليمان، التي كان على رأسها قاضي سبتة ابن زوبع وكبيرها الفقيه ابن يربوع، فقضى على هذين الرجلين. كما يقال إنّ القاضي صار يثير العامة عليه، وكان علي يدعي أنّ هشام بن الحكم عهد إليه، وهو محاصر بقرطبة. وبهذا كتب إلى عامر بن فتوح الفائقي بمالقة، ثمّ أجاز إليها، تاركاً ابنه يحيى بسبتة. وانحاش إليه جماعة من القواد على رأسهم خيران العامري الصقلبي، صاحب المرية المذكور، وقواد من الصنهاجيين. فتوجه بهم إلى دار الخلافة، وقبض على المستعين، وأعلن نفسه خليفة متربعاً بالقصر. وما مضى وقت قصير حتّى صارت المؤامرات تدبّر ضده، من قبل الصقالبة الذين آزروه ومن الأندلسيين، الذين حاولوا إرجاع الخلافة إلى بني أمية. فكان خيران يبايع عبد الرحمن المرتضى ويدبر لاغتيال علي. وبعد صراع، تمكن ثلاثة غلمان له من اغتياله في حمام قصره. عندئذ بعثت زناتة إلى أخيه القاسم، الذي كان يكبره بعشر سنوات، وكان والياً على سبتة من قبله. فأتى إلى قرطبة، حيث بويع بها وحمل شلو أخيه، ووجه به إلى ابنه بسبتة، فدفن بها. وكتبت عليه رخامة، انتهت إلى تطوان بعد تسعة قرون أتى بها السفير ابن عثمان.
لم يرض يحيى على بيعة عمّه، لأنّه كان ولياً للعهد، فاعتزم القيام عليه، وبما أنّ مالقة كان عليها أخوه إدريس، فإنّه بادله بها سبتة، فعبر الأميران، ذاك إلى مالقة، وهذا إلى سبتة، التي لم يكتف بها، حسب خطة موضوعة منهما. فأضاف إليها طنجة التي كانت عدّة للقاسم، يعتدها للجوئه، إذا داهمه أمر بالأندلس. فاستولى إدريس على دخائره بها، على حين كان أخوه يحيى يطارد عمّه، الذي نجا بنفسه إلى إشبيلية. فبايعه قاضيها محمد بن إسماعيل ابن عباد، بعدما بويع يحيى بقرطبة. وكرّ عليه عمّه، فبويع له بها لثاني مرّة ثمّ تمكن منه يحيى فأسره بعد قتال، وبويع هذا مرّة ثانية. وظلّ القاسم في الاسر إلى أنّ لاقى حتفه بعد خمس عشر سنة.
وفي ليلة من ليالي يحيى، كان يقضيها بقرمونة، داهمه رجال ابن عباد، فخرج إليهم فرحاً بلقاء خصمه. ولكن كميناً أحاط به فصرع قتيلاً. فكتب «ابن بقنة» و«نجا» الصقلبي، مدبّرا دولتهم من مالقة إلى إدريس يدعوانه أن يعبر من سبتة إلى مالقة للمبايعة، فبايعاه على أن يجعل سبتة وطنجة لابن أخيه حسن بن يحيى وعلى هذا ظل خليفة بالأندلس إلى أن توفي أثر انتصار جيوشه على إسماعيل بن عباد وقتله سنة 431. وهنا يقع الخلاف بين المؤرخين فيمن تولى بعده، فابن عذارى يجعله أخاه حسناً، وأنه بويع بسبتة (فقام بأعباء الملك وتوفي سنة 434) وإن حسناً هذا خلفه ابنه يحيى فبويع وملك سنتين، ثمّ قام عمّه حسن بن يحيى ابن علي فخلعه.
أمّا عبد الواحد المراكشي وابن خلدون وآخرون فيجعلون حسن بن يحيى هذا خلفاً لإدريس مباشرة، وكان بسبتة، حسب الاتفاق السابق، ولا شك أنّه كان ولي عهد إدريس. وهذا هو الصحيح المعقول، يقول عبد الواحد: لماّ وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس إلى «نجا» الصقلبي، وكان بسبتة استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب له الأمر. فلمّا وصلا إلى مرسى مالقة، خارت قوى ابن بقنة([235])، وهرب إلى حصن كمارش. ودخل حسن و«نجا» إلى مالقة «فبايعوا حسن بن يحيى». ثمّ خاطب ابن بقنة وأمنه، فلمّا رجع إليه قبض عليه، وقتله، وقتل ابن عمّه يحيى بن إدريس([236]).
سبتة تحت حكم الموالي الحموديين
يؤخذ من سير الحوادث أنّ سبتة صارت يعهد بها إلى الصقالبة، بعدما كان يتولّى حكمها مباشرة أمراء الحموديين، وستستمر في عهدة غيرهم كما سنرى.
لمّا تمّ الأمر لحسن، ارتاب بأخيه إدريس، فأمر بثقافه في القصر، ولم تطل مدّته، إذ مات مسموماً من قبل زوجته أخت يحيى المقتول. ويذكر يوسف أشباخ أن قتل الحسن كان بتحريض «نجا» الصلبي الذي تزوج زوجته بعده. فمن زوجته هذه؟ أهي الأميرة الحمودية؟ هذا بعيد جداً. وفي ابن خلدون يُقال في صدد قتل يحيى، أنّه كان للحسن ابن صغير يقوم عليه بسبتة «نجا» الصلبي. فما كان من هذا إلاّ أن اغتاله وصمّم على محو أمر الحسنيين، كما في المعجب، وكان هذا الإبن ولي عهد أبيه. فلمّا مات كتب السطيفي إلى ابنه بسبتة وإلى نجا فيها يدعوهما للمجاز ليعقدا البيعة لولي العهد المذكور، فاغتاله «نجا» كما يذكر ابن خلدون. ثمّ ركب البحر، بعد أن استخلف على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة أيضاً. وزاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى الذي ثقفه أخوه. ثمّ توجّه إلى الجزيرة الخضراء ليستأصل شأفة محمد بن القاسم، الذي تولاها بعد قتل يحيى ابن عمّه. وبعد مناوشة وقتال، رجع عنها، مستحيياً من أم محمد هذا وأخيه الحسن معه، ثمّ توجّه إلى مالقة، وفي طريقه تآمر عليه البربر، وعلى رأسهم البرغواطيون، أخوال حسن بن يحيى وقتلوه. وتخلصت بذلك سبتة من كابوس هؤلاء الصقالبة الطغاة السفاكين، وأخرجوا إدريس من سجنه، وبايعوه سنة ثمانية وثلاثين وأربع مائة، فخرج من مالقة إلى سبتة، التي أزاح عنها أصحاب نجا الصقلبي. ولم يكن له في الواقع سلطان على سبتة، ولهذا نراه بإيعاز من الموالي قد أقام عليها رجلين من البرغواطيين على حكمها وهما سقوط([237]) ورزق الله.
وإدريس هذا هو ممدوح ابن مقانا الأشبوني، وكان نفسه أديباً شاعراً. ولكن المآسي التي واجهته في حياته ولدت فيه نوعاً من التناقضات والاستسلام.
ومهما يكن فإنّ إدريس لجأ إلى سقوط وصاحبه بسبتة، فاستقبلاه بالحفاوة والإكرام، ظاهرياً، ولكنّه ـ كما في المعجب ـ أصبح في حوزتهما محجوباً حجاباً شديداً، ولم يدعا أحداً من الناس يصل إليه، فتلطف قوم من أكابر البربر، حتّى وصلوا إليه، وقالوا له: إنّ هذين العبدين قد غلبا عليك، وحالا بينك وبين أمرك، فائذن لنا نكفيكهما، فأبى، ثمّ أخبرهما بذلك، فنفيا أولئك القوم الذين أرادوا إنقاذه وأخيراً أخرجا إدريس بن يحيى وبعثا به إلى الأندلس، وتمسكا بولده لصغره، إلاّ أنّهما في كلّ ذلك كانا يخطبان لإدريس بالخلافة.
وهكذا استبد الرجلان بسبتة وطنجة، وانتقل عنهما إدريس لاجئاً إلى الرندة، وصاحبها أبو قرة الأفراني.
أراد سقوط أن يصفي حساب هذه الأسرة، كما فعل نجا قبله، فقتل الحسن السامي أخا محمداً المهدي وولي عهده متظاهراً بالولاء لهم وقد جعله وراءه ظهرياً. ولهذا لما استنجد به صاحب الجزيرة الخضراء القاسم ابن محمد بن القاسم المذكور وهي محاصرة بجيوش المعتمد بن عباد، سكت عنه. فلمّا سقطت مدينته بيد الغزاة ولجأ إليه، أوصد عليه الباب حتّى سقط في يده. وكان على نباهته وجلالة عمله، أضعف امراء البربر شوكة، وأقلهم رجالاً. فنكب الأمير عن سبتة إلى المرية، وبقي بها إلى أن توفي.
لم يبق لسقوطْ الآن إلاّ أن يتخلص من شريكه، وهو الرجل القوي الذكي. وما ينتصف هذا القرن حتّى نجده قد حقق أمنيته وتخلص من شريكه «رزق الله» الذي أعدمه سنة ثلاث وخمسين، وأصبح الحاكم بل الملك المطلق، واتخذ لنفسه لقب «االمنصور المعان».
ولم يكتف المعتضد ابن عباد بإمارته في شبه الجزيرة، بل تاقت نفسه إلى سبتة، بعد سقوط الجزيرة الخضراء في يده، فقامت المعارك المبيرة بين الأسطول السبتي والأسطول الأشبيلي وانتهت أخيراً بالظفر للسبتيين، فأصبح المضيق تحت رحمتهم، وأصبح سقوط حذراً مما يأتي من خارج البحار، فلم يقبل حتّى لجوء إخوانه البربر إلى سبتة، حينما طردهم ابن عباد من بلادهم التي كانوا أصحابها في الأندلس، وعلى رأسهم أصحاب مدينة شريش الذي قتل ابن عباد صاحبهم بعد اغتيال أخيه، بتلك الطريقة الدنيئة العبادية.
وهكذا قدر لسقوط أن يصبح أميراً في بحر الزقاق، فامتدّت إمارته على ساحله، وكانت طنجة ضمن حكمه، فكانت المدينتان يتولّى حكم إحداهما مباشرة، ويتولّى ولي عهده يحيى ابنه حكم الأخرى، وهما يتمتعان بالاستقرار.
ويعمل سقوط جاهداً على جلب العلماء إليه، فيكون منهم ثلاثة يحسده عليهم المعتمد بن عباد، كما سنرى، وكان سقوط يكاتب ملوك الأندلس في توجيه رجال العلم إليه كما نجد في قصة، ورود رسائل ثلاث على ابن جهور اثنتان منها لأميرين أندلسيين يطلبان مغنية، والأخرى لسقوط يطلب مقرئاً جيداً.
نعم، هكذا كانت دولة سقوط الفتية النشيطة، ولكنها ما أوغلت في النصف الثاني من هذا القرن حتّى تعرّضت إلى خطر عظيم، سيكون ثالث الأحداث التي تواجهها سبتة في القرن الخامس. ألا وهو قيام دولة المرابطين.
سبتة في العهد المرابطي
عهد يوسف وابنه
في أوائل النصف الثاني من القرن الخامس، أصبحت أشباح الخطر تحملق في وجه «سقوط» الذي كان آنذاك قد اتخذ لنفسه طنجة مقراً له، وجعل على سبتة ابنه يحيى، هذا الخطر هو الزحف المرابطي نحو الشمال. وكان الشعور بالخوف والذعر يخيم كذلك على المغراويين، بفاس، وقد مكنوا لدولتهم، واطمأنوا إلى عاصمتهم التي صارت مأم القاصدين، من القيروان، التي اكتسحها الأعراب، ومن الأندلس نفسها، وقد اضطرمت بالفتن والأهوال، فكانت وشائج الحضارات تجمع بين الإمارتين، كما كانت نذر الخطر تؤلف بينهما.
وكانت فاس أقرب إلى خط النار ـ كما يقول العصر ـ من سبتة، فقد توجه يوسف نحوها، ودق إسفين الحصار أسفلها، وذلك بربط يوسف «المهدي» الجزنائي صاحب مكناسة بعجلته، فكان ذلك ممّا سهل عليه الاستيلاء على فاس سنة 454، بعد معارك جرت بين رجاله وبين معنصر بن حماد ابن منصور بن المعز بن عطية.
وهكذا صارت فاس تحت حكم المرابطين، واستمر يوسف في طريقه نحو الشمال، حيث فتح كثيراً من أقاليم غمارة. ولكن في سنة 456 كان أهل مليلية يستقبلون الأمير الحمودي محمد المستعلي، الذي فقد مالقة، فبويع على مليلية، وبقي حتّى توفي سنة 460. أمّا يوسف ففي انهماكه هذا جد معنصر الفرصة سانحة للعودة إلى فاس، واستردادها من عامل المرابطين، فنجح في المحاولة، واستعاد المدينة وقتل عاملها.
ولم يكن في مكنة يوسف أن يعود إلى فاس، وهو لما يثبت قدمه في تلك الجهات، فأوعز إلى عامل مكناسبة أو صاحبها بعون فلوله في إعادة فتح فاس. واستجاب الكزنائي أو الجزنائي له، وتوجه في المهمة، فما كان من معنصر إلاّ أن اعترض سبيله، وناجزه القتال الذي سقط المهدي فيه قتيلاً وأصبحت مكناسة يحدق بها خطر معنصر. فاستعان رجالها بيوسف الذي لم يكن له الآن محيص من التوجه إلى فاس أو إرسال جيشه الذي حاصر فاساً حصاراً شديداً، ومع هذا فلم تستلم بالرغم من سحق حاميتها وسقوط معنصر قتيلاً على أبوابها سنة 460، فبايعوا ابنه تميم، ولم يكتب له المكوث والاستقرار، حيث كان يوسف، بعد سنتين من مبايعته قد فرغ من مهمته في الشمال، وعاد إلى فاس، فاقتحمها وقتل تميماً هذا.
وفي هذه المرحلة الحاسمة، كان «سقوط» قد مدَّ يده بالبيعة للخليفة العباسي قبل أن تقدم يوسف بها إلى الخليفة العباسي. وكان يحاول أن يتعاون مع معنصر الذي وجدناه ما انتصر في حربه للمهدي الكزنائي وتمكن من قتله، حتّى وجه برأسه إلى سقوط.
فهذا الصنيع له دلالته الواقعية، ولم يكن كما قيل رمزاً للوفاء والتبعية للأدارسة الحموديين، الذين كان ظلّهم الخيالي مسدولاً على حكومة سقوط الذي قد تنكر لهم أخيراً، كما رأينا. بل إنّه كان بمبايعته للخليفة العباسي ـ مبايعة رمزية ـ يريد أن يسبغ عليه حلة الاستقلال عن غيره بالمغرب والأندلس على السواء.
لقد أقام يوسف بفاس سنة، ثمّ غادرها لإتمام فتوحاته في الشمال، ولكنّه فجع بموت زوجته زينب عام 464. فوجم لهذه المصيبة، ثمّ تابع فتوحاته. وكانت العقبة الكأداء في وجهه، هي مدينتي طنجة وسبتة، فبدأ بطنجة التي تجرّد للدفاع عنها «سقوط» نفسه، وهو يناهز التسعين من عمره، فخاض المعارك المريرة، التي انتهت بقتله ودخول طنجة سنة 470 في طاعة المرابطين، ولم يبق أمامه إلاّ سبتة، وبها يحيى البرغواطي معتصماً. فوجّه إليها ابنه المعز الذي أحكم الحصار عليها واقتحمها سنة سبع وسبعين وأربع مائة. فكانت بذلك نهاية البرغواطيين، الذين حكموا المدينة مدّة لا تقل عن مدّة حكم الحموديين لها بأنفسهم بل تزيد.
وعندما استفحلت دعوة محمد بن تومرت بشدّة، واجتمع نحوه أربعون ألفاً من الرجال، داهموا مراكش سنة إحدى وعشرين. وكان فيها علي بن يوسف فهزموا رجاله. وتوالت عليه المحن والهزائم في المغرب، وعلى رجاله في الأندلس.
وفي سنة 536 كان قد وصل رجال الموحدين إلى نواحي سبتة فتطوان. ولم تكن هذه الأحداث تصل إلى الأمير المرابطي حتّى كان يجود بنفسه سنة 537، فيبايع تاشفين ابنه.
وفي سنة ثمان بعدها، كانت أجفان النصارى تداهم سبتة، ولم يكن هؤلاء من الإسبان بل كانوا من النورمند فوقعت معارك شديدة بين أسطولهم وأسطول سبتة، انتهت برجوعهم عنها. وكان أمير البحر آنذاك أبو عبدالله محمد ابن ميمون الذي ظهرت كفاءته أيام المرابطين فالموحدين بعدهم.
ومنذ هذا التاريخ صارت سبتة تستعد لطي بساط المرابطين، لتنشر بها بساط هو بساط الموحدين الشامل.
سبتة في العهد الموحدي
طويت صفحة سبتة المرابطية، وها هي الآن صفحتها الأخرى تنشر على العهد الموحدي.
فكيف كان ذلك؟ لقد اتصل عبد المؤمن بريف سبتة، كما نقل ابن عذارى عن ابن حمادة سنة 536 أيام علي بن يوسف، ثمّ اتصل بسبتة وهو مشتبك مع تاشفين في قتال مرير. ولمّا نازلها امتنعت عليه بدفاع قاضيها عياض، ثمّ في سنة 539 مات تاشفين.
وفي سنة أربعين وخمس مائة وكان عبد المؤمن تحت أسوار فاس، وفد عليه قائد الأسطول المرابطي للأندلس، الذي كان يرابط حينذاك بمياه قادس، وهو علي بن عيسى بن ميمون، فبايعه، وقدم إليه طاعة مدينته، التي أقام الخطبة بجامعها للدولة الجديدة. ولا شك في أن السبتيين كان الأسطول يسيطر دائماً على مياه مدينتهم لهذا لم يتقدموا إلى هذه البيعة وأسطول المرابطين جاثم بها، فلمّا فارقها وعليه أبو عبدالله ابن ميمون ـ إلى وهران باستدعاء تاشفين ـ أوفدوا عياض على عبد المؤمن على رأس وفدهم ليقدم إليه طاعتهم ودخولهم في بيعته. وكان عبد المؤمن آنذاك قد ولّى وجهه نحو مراكش. وفي طريقه نزل بسلا فحل عليه بها القاضي عياض وقدم إليه طاعة قومه فتقبل طاعتهم، ووجّه إلى مدينتهم والياً من قبله، هو يوسف بن مخلوف، التينملي من مشيخة هنتاتة، فساكن الموحدون أهل سبتة في ديارهم واطمأنوا إليهم، كما في الاستقصا.
ويبدو أنّ بيعة سبتة كانت على اتقاء، لهذا ما أتيحت الفرصة التي رأتها للتخلص منها، حتّى خلعت من عنقها ربقة الطاعة سنة إحدى وأربعين، إثر ثورة محمدبن عبدالله بن هود السلاوي في جزولة واستيلاءه على غالب المغرب. ففتكوا بعامل الموحدين وأصحابه([238]). وعبر عياض البحر إلى ابن غانية فأتى عائداً إلى سبتة بأبي بكر الصحراوي صاحب فاس سابقاً، مولّى عليها من قبل ابن غانية المذكور وبايعته برغواطة سبتة، فقاتل بها عبد المؤمن. فلمّا قضى الموحدون على هذه الثورة العارمة الخطيرة، اضطر السبتيون إلى العودة إلى حظيرة الموحدين، الذين كانوا شددوا عليها الحصار. وكان واليها المذكور قد بايع عبد المؤمن سنة 542 بعد فشله كما ذكر البيذق في كتابه. فخرج القاضي عياض مستعطفاً القائد الموحدي يصلاسن بن المعز ومعتذراً عن مواطنيه فقبل عذره، وفسح له السبيل للتوجه إلى عبد المؤمن بمراكش لهذه الغاية. فقبل الخليفة هذا العذر ولكنّه ألزمه مجلسه وأن لا يعود لسبتة.
وكما فعل يوسف بن تاشفين، فجعل سبتة إحدى المراكز لانشاء الأساطيل فإنّ عبد الؤمن نجده، سنة سبع وخمسين، يأمر بإنشاء الأساطيل الجهادية، في مدن كانت سبتة من أهمها. وكان عبد الؤمن قد عبر من سبتة سنة 555. ثمّ عاد إليها من جهاده بالأندلس سنة ست وخمسين بعدما أقام بجبل طارق شهرين. وسماه جبل الفتح وبنى به المدينة التي ما زالت آثارها باقية. واستقبل الشعراء من الأندلس والمغرب، ودرس في إقامته شؤون الأندلس مع وفودها. وكان تقدّم بجيش للجهاد. فالتقى بفحص بلقون مع ألفونصو ملك طليطلة أو «فرديناند» ملك ليون فكان له الظفر عليه.
لقد توفي عبد الؤمن بعد سنة من أمره بإنشاء الأساطيل المذكورة، فلمّا بويع يوسف لم يلبث حتّى قامت الثورة بجبال غمارة سنة 560. ولمّا استفحل أمرها، توجّه الخليفة لإخمادها، ثمّ عقد لأخيه أبي علي الحسن على سبتة وسائر بلادهم، وكان ذلك سنة إحدى وستين. وفيما قبلها بسنة، كان أخو الخليفة، أبو حفص عمر، يركب البحر من طنجة إلى سبتة ومعه كاتبه عبد الملك بن عياش وبعض خاصته، والتحق به بقية ركبه، بطريق البر، للعبور منها إلى الأندلس، حيث كان أخوهما أبو سعيد قد تخلف عن البيعة، وهو رئيس الأندلس.
وفي سنة ست وسبعين وخمس مائة، نجد الأسطول البرتغالي، يتجه صوب سبتة، لضرب الأسطول الموحدي الراسي بمينائها، ولكن قائد الأسطول عبد الملك ابن جامع، أقلع من سبتة به لمواجهة الأسطول البرتغالي في عرض البحر، وانضم إليه قائد الأسطول بأشبيلية، أبو العباس الصقلي، فاجتمع الأسطولان بثغر قادس ثمّ التقيا بالأسطول البرتغالي، والتحمت المعركة التي انتهت بالظفر لأسطول الموحدين.
وفي سنة ثمانين وخمسمائة، كان الخليفة الموحدي يحل بسبتة مع جيشه، قاصداً العبور إلى الأندلس، بقصد وضع حد لاعتداء البرتغال. وفي إقامته هذه أمر بجلب الماء إليها من قرية بليونش، في قناة تحت الأرض. وشرع في العمل، ثمّ عرض ما أوجب التربص كما في الاستبصار. أمّا البرتغال فكانوا يعيثون فساداً في البر والبحر، وكان ملكهم قد نقض العهد الذي كان بينه وبين الموحدين، فعبر الخليفة إلى جبل طارق، وسار منه إلى الجزيرة الخضراء بأشبيلية، ومنها قصد إلى مدينة شنترين، شرقي لشبونة التي كانت أهم قواعد العدوان البرتغالي. وكان الخليفة يرى أنّ الاستيلاء عليها، سيكون ضربة لملك البرتغال ألفونصو هنريكي، الغادر الخائن، ولكن الخليفة أصيب في هذه الحملة بجراح توفي بها، وكان الخليفة في نفس هذه السنة، قد وجّه بسفارة له إلى حمد ابن غانية صاحب جزر البليار، وكان أبو الحسن علي ابن القائد «الروبيرتر» القاطالوني([239]) على رأس السفارة التي استقبلها ابن غانية بترحاب وأبدى استعداده للدخول في طاعة الموحدين. ولكن إخوته ثاروا ليه، وولوا منهم علياً، واعتقلوا السفير الموحدي ورجال أسطوله.
كان عبدالله ابن جامع، أبو إدريس وزير الخليفة، هو الذي يتولّى مدينة سبتة وجهاتها، وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم إلى أن مات الخليفة يوسف. ولمّا خلف يعقوب أباه أعدّ أسطولاً بقيادة أبي محمد بن إسحاق ابن جامع وأبي محمد بن عطوش الكومي وأبي العباس الصقلي. فكان الأسطول الهائل يخرج من سبتة لفك الحصار عن قسنطينة التي يطوقها علي ابن غانية. وبعدما قام الأسطول السبتي بمهمته، غادر مياه بجاية، عائداً إلى مراسيه بسبتة، سنة اثنتين وثمانين.
وكان يعقوب، قد ولّى وجهه في العبور إلى الأندلس، نحو القصر الصغير، ولهذا لم نطلع على نزول له بسبتة، حتّى في عبوره إلى الجزيرة الخضراء سنة خمس وثمانين ثمّ سنة إحدى وتسعين، ليسجل ذلك النصر المبين في موقعه الارك Alarcos القرية الواقعة بين قرطبة وقلعة رباح. وكذلك نجد ابن أبي زرع يذكر أنّ المنصور في جوازه الأوّل أجاز من القصر الصغير إلى الجزيرة الخضراء.
وفي عهد ابنه محمد الناصر، استمرّ الحال على ما كان أيام أبيه، فكان عبوره إلى الأندلس، بنصف مليون من الرجال، من القصر الصغير، فاحتل بمدينة طريف، ومع ذلك التحوّل فإنّه في أيامه كانت أحداث ذكر فيها الأسطول السبتي. ففي سنة 597 هاجم عبدالله بن إسحق الغاني جزيرة يابسة، التي كانت تحت حكم الموحدين، فقاومه أمير البحر ابن ميمون، وكانت الأساطيل الموحدية آنذاك راسية في مياه سبتة فأصدر الخليفة أمره إلى أسطول سبتة، وأسند قيادة الأسطول إلى عمّه أبي العلاء إدريس([240]) واستعمل على الجيش أبا سعيد عثمان بن أشياخ الموحدين، ففتحا جزيرة ميورقة عنوة، وقتل أميرها عبدالله المذكور. وكان ذلك الظفر سنة 599، ثمّ دخلا مراكش بالأسرى.
وبعد هذا جاءت الأخبار بتسلط يحيى بن إسحاق الميورقي على عاصمة إفريقيا([241]) وغيرها، فأصدر الخليفة أمره بتوجه الأسطول إلى مياه إفريقيا، فتوجّه أسطول سبتة على الفور لاستنقاذ إفريقيا، وسار هو على رأس جيشه براً. فلمّا علم يحيى باقتراب الأسطول السبتي منه فرّ وتمكّن الموحدون من المدينة واحتلوها، وأعطى قائدهم الأمان لأهلها فسرّ لذلك الناصر سروراً عظيماً، وطارد جيشه الميورقي في الغازي، وكان ذلك سنة 601.
يقول عبد الواحد المراكشي: وأعمال سبتة هذه في غاية السعة والضخامة، لأن بلاد غمارة كلّها ترجع إليها، وهي طولاً وعرضاً نحو من اثنتي عشرة مرحلة (فهذا وصف معاصر).
وبعد الموحدين توالت الأحداث على سبتة، فكانت بيد من عرفوا باسم العزفيين، ثمّ انتهت إلى بني مرين. وأخيراً آل أمرها إلى احتلال البرتغاليين سنة 1415 أيام أبي سعيد عثمان بن أبي العباس بن أبي سالم المريني، وأيام جوان الأوّل البرتغالي.
ولقد لقي البرتغاليون مقاومة شديدة من أهل الجبال من القبائل والمداشر المجاورة ومن القادمين من أماكن بعيدة وفي مقدمتها فاس.
وحال السبتيون الاستنجاد بابن أبي سعيد عثمان المريني، وهو عبد الحق المريني آخر ملوك مرين فلم يجد ذلك شيئاً.
وعندما ضمّت البرتغال إلى إسبانيا سنة 1580، وظلّت تابعة لها إلى سنة 1640 حيث تمّ الإنفصال بين الدولتين، ظلّت سبتة تابعة لإسبانيا، ولا تزال كذلك حتّى اليوم شأنها شأن مليلة بالرغم من استقلال المغرب وجلاء الفرنسيين والإسبان عنه.
محمد بن تاويت
سبزوار
كانت سبزوار واسمها القديم «بيهق» أو بيهة ومعناه أفضل المناطق وهي من أعمال خراسان وتعدّ ثانية المدن المهمة في خراسان بعد مدينة مشهد من حيث النسبة السكانية والحالة التجارية وهي تقع في أقصى الجانب الغربي من خراسان (بين 57 درجة و43 دقيقة «طولية شرقاً» و36 درجة و22 دقيقة عرضاً شمالياً عن نصف النهار بالنسبة إلى غرينوج وتحدّ هذه المدينة من الشمال مدينة اسفراين بمسافة 103 كيلومتراً بعيدة عنها ومن الجنوب مدينة كاشمر بعيدة عنها بمسافة 150 كيلومتراً ومن الشرق مدينة نيشابور بمسافة تبعد عنها حوالي 103 كيلومتراً، وتحدّها من الغرب مدينة شاهرود بمسافة تبعد عنها حوالي 250 كيلومتراً.
وتبعد سبزوار عن مشهد مركز محافظة خراسان حسب الجادة الجديدة حوالي 215 كيلومترا وتبعد عن طهران حوالي 660 كيلومترا واختلاف أفق سبزوار عن مركز محافظتها مشهد بعشر دقائق أمّا اختلاف أفقها عن طهران فحوالي 25 دقيقة تقريباً. كانت بيهق في إيران الأثرية جزءاً من العهد القديم وكانت منطقة واسعة يحكمها حاكمان واحد يحكم قصبتها والآخر يحكم منها ما يسمّى بخسروجرد، وكان في كلّ من الحكومتين أو الولايتين عمارات وأحياء سكنيّة كثيرة وعلى حد قول (عبد الرفيع حقيقت) أنّ المنطقة كانت تضم 321 قرية وخمس ولايات تحمل الأسماء التالية:
- الحومة، (2) داورزن، (3) صفي آباد، (4) جُعيّاي، (5) ششتمد.
فأمّا قصبتها فقد اتسعت نحو الجنوب ولمّا كان فيها نبع ماءٍ جارٍ باسمها (ماء القصبة) أيضاً فقد بدت المنطقة مخضرّة ملأى بالبساتين والأشجار ولذا فقد سمّيت بسبزوار (أي المنطقة ذات الخضرة) وتوجد روايات أخرى في سبب تسميتها بسبزوار…
وأمّا ما تسمّى بخسروجرد فتقع منطقتها على مسافة 5 كيلومترات غرب مدينة سبزوار وسبب تسميتها بخسروجرد كما قيل هو أنّ الملك خسرو الساساني كان قد بناها وربما كان اسمها خسروگراد أي المدينة التي عمرها وبناها خسرو و«كلمة» گراد تستعمل كثيراً في مدن روسيا كستالينگراد ولينينگراد أي مدينة ستالين ومدينة لينين فكذلك هذه المدينة خسروگراد أي مدينة خسرو.
ثمّ تبدل اسم هذه المدينة كما تبدلت أسماء المدن الروسيّة.
أمّا الارتفاعات والمنخفضات في سبزوار فهي باختصار جبال جفّاي التي تقع في الجنوب الأقصى من سلسلة جبال البرز وتقع هذه الجبال شمالي سبزوار، ثمّ هضبة جوين وهي تنفصل عن منطقة السهل الأصيل لسبزوار أمّا جنوب سبزوار فتحدّها جبال كومس أو (قوميس) هي تتمة لسلسلة جبال دامغان…
فمدينة سبزوار إذن عبارة عن وادٍ واقع بين الجبال الشمالية لجقباي وطبس والجبال الجنوبية لكومس أو قومس.
وترتفع مدينة سبزوار عن البحر حوالي 970 متراً وأعلى قمة لجبالها هي ANDEGAN آندجان وهي في ارتفاع 2373 متراً عن سطح البحر.
أمّا المعادن وكنوز الأرض في سبزوار فهي كثيرة وهي موضع فائدة جميع مدن محافظة خراسان كما يصدر بعضها إلى خارج البلاد ومن هذه المعادن الصخور التي تستعمل في المباني ومعادن الكروميت، والنحاس، والبورق، والرصاص، والقطن غير القابل للاشتعال والطين الأبيض وغيرها ولعل أهم هذه المعادن هو الصخور المرمرية…
ماء سبزوار وهواؤها:
للاطلاع على ماء سبزوار وهوائها ينبغي أن نعرف العوامل المؤثرة في الهواء والماء ودرجة الحرارة وهبوب الرياح ولعلنا يمكننا أن نصل إلى النتائج التالية إذا لاحظنا أقصى درجة للحرارة وأقل درجة فيها خلال السنوات التالية.
ميلادية هجرية شمسية
[1979م] 1355هـ 1360هـ
ميلادية شمسية ميلادية
[1981م] 1367هـ [1988م]
أدنى درجة للحرارة 13,6 تحت الصفر
9,5 تحت الصفر 10,8 تحت الصفر
أقصى درجة للحرارة 41,44 فوق الصفر
41 فهرنهايت 42,8 فهرنهايت
ولتوضيح الأمر نقول بأنّ أقصى درجة للحرارة في صيف سبزوار (حزيران وتموز) تبلغ 43 درجة فهرنهايت وأدنى درجة للبرودة تبلغ في شتاء سبزوار حوالي 11 درجة تحت الصفر تقريباً.
أمّا رطوبة الجوّ فناشئة عمّا ينزل من البرد والغيث وهما حوالي 160 إلى 165 مليمتر مكعب.
ما يروي سبزوار:
لا توجد في سبزوار أنهار دائمية سوى بعض العيون والروافد الصغيرة التي تأتي من سفوح الجبال العالية ومن هذه الروافد التي يمكن الإشارة إليه رافد يجري جنوب سبزوار بمسافة تبعد عنها حوالي 6 كيلومترات وهناك في منطقة جوين رافد مالح ماؤه ونسبة هذه المياه تتعلق بنزول الغيث طبعاً وكل ما أشرنا إليه يستفاد منه لري الأرض والزراعة.
أمّا ما يستقي منه الناس فهو من الموارد التالية:
1 ـ ماء قناة القصبة وكان منبعه واحداً من منبعي بيهق.
2 ـ قناة عبد الرحمن وهي في شمال سبزوار متصلة بماء القناة السابقة أيضاً.
3 ـ الآبار العميقة في قرية كشكن) على وزن (مَدْيَن) وتقع في نحو 12 كيلومتر غرب مدينة سبزوار.
4 ـ قناة عميد آباد في شمال غرب المدينة…
5 ـ قناة (دهزار) وتقع قريباً من قناة عميد آباد وأخيراً الآبار العميقة الواقعة في قرى بغرة وتقع على بُعد 30 كيلومتر غرب سبزوار تقريباً وتروي أهل المنطقة جميعاً بمائها…
الغطاء النباتي: رعاية النباتات والأشجار
لمّا كانت معظم أراضي سبزوار تقع على حافة أرض مالحة فالغطاء النباتي قليل فيها والأشجار نادرة أضف إلى ذلك أنّ الماء نزر في تلك المنطقة.
تثبيت الرمال والحصى المتحركة، بسبب ما ذكرنا آنفاً في الحديث عن الغطاء النباتي فإنّ الرمال والحصى الصغيرة تتحرّك مع هبوب الرياح حتّى الضعيفة منها جنوب سبزوار ويغبّر الجو وتتكدر حياة الناس إلا أنّه منذ سنة 1963م بدأ العمل الجاد إلى الحدّ من تحرّك الرمال وغرس الأشجار التي تستقر في الأرض المالحة وتقاوم أملاحها…
محمود البيهقي
التشيع في سبزوار
وعن التشيع في سبزوار يقول السيد رسول جعفريان:
أحد المؤلفين، أنّ هذه المدينة كانت مركزاً للتشيع، وأنّ التشيع راج فيها منذ عهد الطاهريين. وذكر أيضاً أنّ تشيعها كان إثني عشرياً، دون أن يذكروا دليلاً على ذلك.
وجاء في (معجم البلدان) أيضاً أنّ أكثر أهلها هم من الروافض الغلاة. لكن ذلك لا يدل على وجود التشيع منذ البداية فيها. على أي حال نُقل أنّ قنبر خادم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قد سكن في هذه المدينة، وأنّ في (بيهق) مسجداً باسم ابنه (شاذان بن قنبر) وهذا الأمر يشكل شاهداً مناسباً على وجود التشيع في هذه المدينة منذ البداية.
وبشكل عام فإنّ وجود هذه المدينة في خراسان ـ التي كانت تحمل ميولاً علوية ـ يقرب فكرة أنّ هذه المدينة كانت منذ البداية محلاً لانطلاق الميول الشيعية.
ونقل عن صاحب (تلخيص الآثار) أنّ هناك الكثير من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء من أهل هذه المدينة. ومع ذلك فإنّ المذهب الغالب حسبما ينقلون هو الرافضة المغالية. ومن العلماء المشهورين في هذه المدينة والمهتمين بالرفض: الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب الكتب المشهورة.
ومن الأدلة المطروحة على تشيع هذه المدينة: هجرة الكثيرين من السادات من المدن المختلفة وخاصة من نيشابور والري إليها، وكان عددهم كثيراً جداً.
ونقل عن السيد بحر العلوم قوله: «بيهق هي ناحية معروفة في خراسان، تقع بين نيشابور وبلاد قومس (مدينة دامغان حالياً)، ومركزها سبزوار، وهي من المدن الشيعية الإمامية قديماً وحديثاً، أهاليها أشهر في تشيعهم من أهالي خاف والخزر في تسننهم» وجاء أيضاً: أنّ أهلها من الإثنا عشرية منذ القدم.
يتضح من هذه العبارة أنّ التشيع كان موجوداً في هذه المدينة منذ القدم، لكن كلمة القدم هذه نسبية أيضاً. وذكر (المستوفي) أيضاً أنّ أهلها «هم من الشيعة الإثنا عشرية».
وفي أطراف (بيهق) هناك مدن مثل (نيشابور) تستثنى من الميل الشيعي الواسع، حيث كانت (نيشابور) مركزاً للعلماء السنيين وعلومهم الدينية وكان الشيعة فيها يعرضون للضغوط والمراقبة. ونقل أنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان قد أرسل توقيعاً لشيعة نيشابور، وأرسل إليهم مندوبين ليرجعوا إليهم. كما إنّ وجود شخص مثل (الفضل بن شاذان) المتوفى عام (260هـ) في نيشابور هو دليل على وجود أسر شيعية في تلك المدينة. وكان الفضل يعد من نوادر علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري، وكان يفوق كثيراً من العلماء الآخرين بدقته العلمية، وكتاب (الإيضاح) شاهد على ذلك. وقد تعرّض لضغط من قبل (عبيدالله بن طاهر) الذي نفاه فيما بعد إلى (بيهق).
المباني التاريخية والدينية في مدينة سبزوار
يحدّ مدينة سبزوار من الشرق (نيسابور) ومن الغرب (شاهرود) ومن الجنوب (كاشمر) ومن الشمال (اسفراين). وتقع في الدرجة (36) و(12) دقيقة عرض شمال، والدرجة (57) و(23) دقيقة طول شرق. وتبعد عن مدينة مشهد مسافة (226) كلم، وعن طهران (666) كلم. وتتقدم بأوقارتها الشرعية (25) دقيقة عن طهران.
وكثافة السكان فيها تصل إلى حدود (20) شخصاً في الكيلومتر المربع.
وجوّها جاف، ويختلف مستوى الجفاف من منطقة إلى أخرى، حيث ينهال المطر في شمالها أكثر من جنوبها، وهي من الإقليم نصف الصحراوي.
وأكثر سكان سبزوار هم من العرق الآري، مثل سائر نقاط إيران. وقد تعرّضوا فيما بعد لهجوم القبائل المختلفة، فاختلطوا معهم. ودين أهل سبزوار هو الإسلام، ومذهبهم التشيع، ويضرب بهم المثل في التزامهم بتشيّعهم في التاريخ بحيث كانت سبزوار تسمّى (دار المؤمنين).
بنيت سبزوار حوالي العام (300م) وهناك روايات أخرى في هذا المجال، لكن هذا التاريخ هو الأقرب إلى الصحة. ومن البديهي أنّها كانت في بداية الأمر قرية صغيرة، ثمّ اتّسعت حتّى بلغت محلاتها ونواحيها وضواحيها (395) منطقة في القرن السادس.
وكما ذكرنا فقد أسّست قبل الإسلام، وكلمة (بيهة) أو (بيهين) تعني كثير الإنفاق أو كثير العفو أو كثير الرحمة، وهي منسوبة إلى أهالي سبزوار، ومعربة لبيهق. وكان مركز مدينة بيهق هو (خسروگرد) ثمّ أصبحت سبزوار فيما بعد مركزاً لهذه المنطقة.
وقال القزويني في مقدمة تاريخ بيهق: «بيهق هو اسم قديم لناحية من نواحي خراسان، وسبزوار الحالية هي المدينة الأساسية فيها، وقد خرج من تلك المدينة في كل عصر وقرن عدد من العلماء والفضلاء».
وجاء في موسوعة دهخدا اللغوية: «في القرون الوسطى كانت سبزوار تسمّى بيهق. وهي أرض الخلافة الشرقية، وتقع في غرب نيسابور وأكبر مدنها: سبزوار وخسروگرد».
ونقل في دهخدا أيضاً: «إنّ سبزوار في الأصل كانت (سامويه) وقيل إنّه اسم لأحد أبناء (يزدجرد) الذي بنى سبزوار… وأهلها معرفون بالتشيع، وبحب أهل البيت».
وجه التسمية
ورد اسم سبزوار في النصوص المختلفة على شكل (سابزوار، سبزوار، سانزوار، سوزوار. بكسر السين وسكون الواو. وبضم الزاي في بعض لهجات القرى التابعة لها. وقد سئل بعض المسنين المحليين عن كيفية تسمية هذه المدينة، فلم يدع أحد منهم معرفة ذلك إلاّ رجل واحد أتى بتوضيح أسطوري هو: «… مرّ هولاكو بالصحراء متجهاً نحو خراسان، وقد عانى من صعوبة الطريق وقلة العلف لخيله، ولمّا اقترب من منطقة مأهولة سأل باللغة التركية: سبزي واردي، أو سبزه وارد. وكان بذلك يسأل مرافقيه هل بلغنا منطقة مزروعة لنطعم حيواناتنا؟ وسأل مرافقوه الأهالي نفس السؤال، فأجابهم الأهالي بالإيجاب، وبقي اسم سبزوار تتناقله الألسن خوفاً من هولاكو، حتّى سمّيت المدينة بهذه الاسم لئلا يتكدر خاطر هولاكو، ظنّاً منهم أنّه قد أطلق هذا الاسم على مدينتهم».
وسبزوار في اللهجة المحلية تلفظ بكسر أولها (سبزوار) وهكذا لفظهم أيضاً لكلمة سبزي التي تعني الخضار.
المساجد
1 ـ المسجد الجامع: وهو بناء قديم، يعود إلى حوالي النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، بناه شيعة ملتزمون، كانوا يطلقون على أرض سبزوار اسم دار المؤمنين. وكانت تقام فيه صلوات الجمعة والجماعة. أمّا الآن فهناك مصلّى جديد لصلاة الجمعة، يقع قرب المصلّى القديم لسبزوار، ويستخدم المسجد الجامع للصلاة اليومية جماعة.
وحول تاريخ بناء هذا المسجد جاء في موسوعة دهخدا اللغوية: «بناءاً على الكتابة الموجودة فيه فإنّه قد بني عام (1044هـ) على يد الخواجة علي المؤيد الحاكم».
ويقع هذا المسجد في الجهة الجنوبية لشارع بيهق، أي مقابل مرقد (إمام زاده يحيى). وكان مدخله الرئيسي من الإيوان الشمالي، أمّا الآن فهو مغلق، ويتم الدخول عبر ممرين من كلا البابين الكبيرين.
مساحة المسجد تبلغ أربعة آلاف متر مربع، منها (2835) متراً مربعاً مبنياً ومسقوفاً و(1065) متراً مربعاً مكشوفة.
الإيونان الشمالي والجنوبي لم يتغيّران كثيراً، بل حافظا على أصالتهما. والإيوان الجنوبي أجمل وأهم من سائر مباني المسجد، ففيه مئذنتان من الآجر، ورغم بساطتهما فإنّ لهما أبهة وجمالاً خاصاً. وعند بناء هذا المسجد لم يستعمل فيه أي نوع من الزينة من الكاشي أو الجفصين، وأسلوب بنائه يعود إلى أواخر القرن الهجري الثامن. وفوق محراب الإيوان كتب تاريخ (1292هـ)، وكتب داخل الإيوان تاريخ (25/6/347ش) أي (15/9/1968) وهذه التواريخ تشير إلى الإصلاحات التي أجريت على هذا البناء القديم. وعند جانبي الإيوان هناك لوحتان صغيرتان من الرخام الأسود، لكن للأسف من الرخام المتفتت، وقد ورد عليهما تاريخ (1136هـ).
على اللوحة الشمالية نقش: «هو الله، بسم الرحمن الرحيم الرحيم، إنّي ملك الولاية طهماسب الثاني أصدر حكماً: بما أنّ مخاذيل الأفغان والبلوش والتركمان قد عرضوا سكنة دار المؤمنين سبزوار ومتوطنيها ورعاياها لصدمات وخسائر، وزاد فيها وقوع السوانح عليهم، لذا فإنّ من اللازم مراعاة سكنة دار المؤمنين سبزوار ورعاياها وعجزتها والمتوطنين فيها، وعليه فقد قرر الملك رفع الضرائب عنهم، وألزم حكام سبزوار بالرفق بهم وطلب من قادة خراسان ومشهد المقدسة عدم مطالبتهم بشيء وعدم التعرّض لهم، بل إغاثتهم وإعانتهم». وأرخ ذلك بسنة 1136هـ.
وعلى رخامة موضوعة عند يمين الإيوان الشمالي لجامع سبزوار نقش: «هو المراد، بما أنّ الاضطراب والاختلال قد وقع في أوضاع رعايا وسكان ومتوطني بلدة ونواحي دار المؤمنين سبزوار بسبب هجمات ونهب جمع من الميشومة والأفغان… مخاذيل الدين وأعدائه الظاهرين، لذا وبناءاً على حصول دعاء الخير من جهة الذات الأقدس والوجود المقدس عن أرواح علمائنا فداء لتراب أقدامه المباركة، حيث سامح الرعايا من كلّ الضراب التي كان يجبيها الحكام السابقون، ليعيش أهل المنطقة رفاه الحال وفراغ البال، داعين بدوام حكمه، وليقوموا بإعانة البؤساء والفقراء، وسيعاقب كلّ من يطالب عجزة هذه الولاية… في شهر ذي القعدة سنة 1136هـ حرّره العبد محمد أمين الحسيني». وقد خطت هذه الرخامة بخط الثلث وبشكل حسن نسبياً.
وتوجد لوحة أخرى في الممر الأوسط لنفس هذا الإيوان بخط حسن جدّاً، وقد أتلفت أطرافها، وحوت فرماناً للشاه طهماسب الأوّل جاء فيه: صدر أمر همايوني مفاده أنّه بما أنّ غسل الأموات ودفنهم هو واجب كفائي، وأنّ أخذ أجرة التغسيل والدفن هو أمر غير مشروع، لهذا فإنّ نفحة من المراحم اللامتناهية قد شملت حال شيعة ولاية سبزوار، فقد تعهد بدفع مال التغسيل والدفن وجعلها من ضمن رواتب رعية ولايته. وقد تصادقنا بذلك مع بداية هذا العام، وقدمنا ثواب ذلك هدية لحضرات مراتب العرش المعصومين الأربعة عشر، ليعمل طبقاً للشرع ولا يطلب من أحد أجرة على ذلك، ولئلا يقع عدول وانحراف عن جادة الشريعة الغرّاء، وليطلع السادة والأرباب والأهالي والمخاتير في الولاية المذكورة على الأمر فقد أورد في هذا اللوح، على أن يعلّق في مكان مرتفع عند ممر الخلائق، ومن يعمل خلاف ذلك ويغيّر الأمر المذكور يكون من المردودين من الحضرة الإلهية، وعلى عمال ومتصدي المهام المالية وغسل الموتى في الولاية المذكورة العمل بموجب ذلك. ومع بدء هذا العام فقد تصدقنا مطلقاً بمال تغسيل الموتى ودفنهم، فلا يحول أي دينار منه، ولا نطالب مولانا محمد علي السبزواري وسائر الغسّالين والدفانين في الولاية المذكورة بأي شيء، وبعد ذلك من الممنوعات، وعليه يصار كلّ عام، ولا داعي لتجديد الحكم كلّ عام. حرّر في يوم الخميس أوّل ذي القعدة عام تسعماية وتسعة وسبعين».
القاعة الشمالية فيها تسعة نوافذ نور، ثلاثة منها في اليمين، ينفذ النور منها، وأمّا النوافذ الثلاث تلك فيوجد باب حديدي مشبّك وفيه قطع زجاجية.
القاعة الوسطى للمسجد كانت تستخدم لأداء صلاة الظهر، لأنّ أيام الصيف في سبزوار حارّة جدذاّ، وهذه القاعة مناسبة للمصلين. وفي شرق المسجد توجد قاعدة سفلية، وفوقها قاعة ربيعية، وبني في الوسط حديثاً مكان للدراسة.
القاعة الصيفية هذه بناها المعمارون القدامى، للتخفيف من تأثير حرارة الصيف على المصلين. وفي عام (1346هـ) هدمت، وزيد من ارتفاع أرضها، لتصبح في مستوى أرض المسجد. وقد استعمل سطح هذه القاعة للعبادة في الليالي أيضاً، أمّا الآن فلا يستخدم السطح إلاّ في ليالي شهر رمضان إذا جاء في الصيف.
وعند إعادة بناء هذه القاعة استخدم الآجر الملوّن والكاشي، ولم يكن الكاشي قد استخدم في بناء المسجد من قبل، وقد زيّن أعلى باب القاعة بالكاشي، وكتب عليه بخط النستعليق وباللون الأبيض على أرضية زرقاء لازوردية هذا النص: «بسمه تعالى، بسعي من حضرة آية الله العظمى الميرزا حسين فقيه السبزواري بناها المرحوم (حسين خان غني) وتمّ البناء عام 1385هـ». وورد اسم الخطاط وطابخ الكاشي أيضاً بخط النستعليق تحت ذلك النص على الشكل التالي: «بقلم الحاج محمد حسن رضوان كاتب الأستانة الرضوية المقدسة، وطبخ الكاشي الأستاذ محمود المعاوني» وجاءت عبارة «عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وعجلوا بالتوبة قبل الموت» بخط النستعليق الكبير على جانبي تلك الكتابة.
وعلى عمودي القاعة الشرقية زيّنت الأرضية بالأزرق اللازوردي وخط عليها بالثلث وباللون الأبيض«الله، محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين» وذكر تحتها «صنع مشهد» و«محمود معاوني».
وعلى باقي الأعمدة خط من الأعلى إلى الأسفل بخط أبيض عريض عبارة «لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، علي ولي الله» وقد كرّرت هذه العبارة في جميع الأعمدة.
وعند حافة جدار القاعة دوّنت سورة الجمعة المباركة بخط الثلث. وباللون الأبيض على أرضية زرقاء لازوردية، وجاء في نهاية السورة التي وصلت إلى القاعة الشمالية: «صدق الله العلي العظيم، كتبها: رضا قدس وفرازي».
أمّا الجدار الأوسط للمسجد فقد زيّن بالكاشي الملون بسبعة ألوان، وهو جميل نسبياً، وقد وضع الكاشي عام (1385هـ).
الإيوان الجنوبي للمسجد الجامع في سبزوار: وفيه مئذنتان، وهو من أهم مباني المسجد. فالبناء الأساسي للمسجد كان من الطابوق، وقد استخدم في بنائه الآجر الصيني العادي أحياناً، والمطبوخ كالكاشي أحياناً أخرى. وعندما أعيد بناؤه وترميمه استخدام الكاشي أيضاً. وأسلوب بناء المسجد يشبه مباني أواخر القرن الثامن الهجري.
أمّا مواصفات الإيوان فهي: سعته (9,25) متراً، عمقه حتّى جدار الإيوان (19,75) متراً، ارتفاعه (17,60) متراً، مساحة السقف (20) متراً، ويقع المحراب في آخر الإيوان، وكتب في أعلى المحراب: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنّه هو السميع البصير. اللهم اغفر لنا ولوالدينا. تحريراً في شهر رجب 1292هـ. كتبه محمد حسين بن محمد باقر».
وتستخدم المئذنة اليمنى للأذان، وقد أغلق مدخل الصعود إلى المئذنة اليسرى.
إلى جانب القاعة وعند الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد هناك باب صغير، يصل المسجد بزقاق (نوبان) وبهذا يكون للمسجد ثلاث مداخل، إثنان جهة شارع (بيهق) وهذا الباب هو المدخل الثالث.
وقد زيّنت حواشي الأبواب والقاعات والجدران بسورة قرآنية مباركة، خطّت على كاشي جميل، زاد من جمال بناء المسجد.
القاعة الوسطى للمسجد: وهي قاعة مستطيلة، لها تسعة فتحات، وتستعمل الفتحة الوسطى كمدخل لها، امّا المدخل الآخر لهذه القاعة فهو إلى جانب ممر الإيوان الشمالي. وكانت الجدران مزينة من الخارج بالآجر، أمّا الآن فقد استبدل آجر الأعمدة بالكاشي، وقد ورد في الكاشي اسم الجلالة واسم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بخط كوفي. وزيّن أعلى الممر بآية النور الشريفة بخط الثلث وباللون الأبيض. ودعّمت قواعد الأعمدة برخام (خلج) المشهدي. ويُقال إنّ بناء المسجد من بقايا عهد السربدرايين حيث ورد في كتاب مطلع الشمس: «المسجد الجامع في سبزوار يبدو أنّه من الأبنية السربدارية، وهو بناء عالٍ ومتين ومميز من كلّ الجهات».
أمّا تاريخ بناء المسجد واسم بانيه فليس معروفاً، ولكن يستفاد من كتاباته أنّه من عهد (نجم الدين الأمير علي مؤيد السربداري) ولعله من عهد الخواجة (شمس الدين السربداري)([242]).
مسجد آدينة (الجمعة) المعروف بمسجد پامنار:
يقع البناء القديم لمسجد پامنار إلى جانب شارع (بيهق) وقد تناولت عدّة مصادر ماضي هذا المسجحد بالتفصيل، ننقل موردين منها:
«… مسجد آدينة في قصبة سبزوار كان في عهد (حمزة بن آذرك الخارجي) خرباً، وكان الناس يصلون الجمعة والأعياد في خسروگرد، وكان هناك إمرأة متمولة. وفي أحد الأيام وقع نزاع بين أهالي خسروگرد وأهالي القصبة، وقالوا لا عيد لنا اليوم، حيث وقع اختلاف حول رؤية الهلال، فاقترح المشايخ أن يلجأوا إلى حديقة تملك المستورة المتمولة. فتوجهوا نحو بيتها، ولمّا سمعوا صرير مغزلها قالوا: يبدو انّه لا يمكننا أن نعتمد عليها. فقالت تلك العجوز، ما دام المسجد ضرورياً. فاكتبوا لأوقع على الوقف، اقطعوا أشجار هذه الحديقة، واصنعوا منها سقف المسجد، وسأدفع أجور العمال. فقال لها الرجال: شكر الله سعيك، فالسخاء ديانتك، لكن بوجود مثل هذه الهمّة والتدين: فالأولى أن تكوني فاتحة مصحف فما معنى غزلك بالمغزل رغم كبر سنّك؟ فقالت إنّ غاية صلاح النساء القعود، فلم أجد ما يعينن على القعود سوى الغزل.
فبني هذا المسجد في عهد الخليفة المعتمد بالله وإمارة الأمير أحمد بن عبدالله الخجستاني على خراسان، وحفر على المنبر اسم أحمد الخجستاني وتاريخ (266هـ) وكان المنبر من خشب الأبنوس ومواضع الأيدي منه من خشب الجوز، ثمّ أخذ المنبر العميد (عبد الرحمن بن إسماعيل بن حسين الدهان) وقد أعيد في الشهر السادس من (505هـ).
فمن الكتابات المذكورة يتبين أنّ مسجد پامنار سبزوار قد رمم بأمر من أحمد الخجستاني في عام (266هـ).
وقبل بناء هذا المسجد كان هناك مسجد جمعة آخر، لكنّه دمّر خلال هجوم (الحمزة بن آذرك). وكان سقف مسجد پامنار قد بني بداية من الخشب، ودفعت تلك العجوز المتمولة جميع تكاليف بنائه.
وجاء في تاريخ بيهق حول مسجد آدينة أيضاً: «ومرّة أخرى قام بتجديد بناء هذا المسجد الجامع الأمير (أبو الفضل زيادي) وذلك عام 317هـ، لكن البناء انهار عام (444هـ) بسبب هزّة أرضية ثمّ أعيد بناؤه خلال عامين.
وجاء في دائرة معارف الشرق لسعيديان: «مسجد پامنار مبني من الطوب والآجر، وفيه ثلاثة عشر عموداً، وبناؤه الأساس قام في العهد الصفوي».
ويبدو من تاريخ بيهق أنّ مسجد پامنار قد رمّم في عهد الغزنويين أيضاً.
داخل مسجد پامنار توجد قاعة فيها تسعة فتحات، ومساحة المسجد مع ساحته تبلغ (350) متراً، وقد أضيف إلى مساحته من جهة الغرب قطعة أرض صغيرة. وترتفع في شمال غرب المسجد مئذنته، وهي متحركة مثل مئذنتي أصفهان المتحركتين.
أعلى باب المسجد مزين بالكاشي الجديد، والمدخل الرئيسي للمسجد من جهة الشارع، رغم وجود مدخل آخر من الزقاق الجنوبي الشرقي للمسجد. وقد غلّفت جدران المسجد برخام صيني، وعلى الكاشي في أعلى الباب وردت الآية الشريفة «وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً» وغيرها من الآيات القرآنية. وذيلت الآيات بعبارة «المعمار الكربلائي الميرزا حسين الرضواني» وطابخ الكاشي «الحاج يوسف قدس».
وعند جانبي الباب وردت سورة الجمعة المباركة، وذيلت بعبارة «أقيم بسعي من حجة الإسلام الميرزا عبدالله برهان. كتبه جواهر قلم».
وعند حافتي المدخل وردت سورة الإنسان (الدهر) المباركة.
وعند موقف المؤذن كتب بالآجر عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم، الله، محمد، علي، فاطمة، حسن، حسين».
وفي سقف الغرفة الوسطى للقاعة كتب بالكاشي وبخط الثلث عبارة «إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. تذكار من أحقر الطلاب السيد عبد العلي ولد العالم العامل ساعي بيت الله الحاج السيد علي رضا والمرحوم… الميرزا عبد العلي والفقيه الكامل آقا ميرزا حسين والفقيه الأورع آڤا ميرزا عبد الرحيم».
ب ـ المقابر والمراقد
حرم سليل الأئمة (أمامزاده) يحيى:
يقع بناؤه مقابل البازار (السوق الرئيسية) عند الجهة الشمالية الشرقية للشارعين الأصليين (سرار) و(بيهق). وكان في الأصل بناء بسيطاً تحدّه أربعة أعمدة، ثمّ أضيف إليه فيما بعد: إيوان ومئذنتين وعدّة غرف. ونقل (محمد حسن خان اعتماد السلطنة) خلال زيارته له: «توجد في وسط سوق سبزوار بقعة ملاصقة له باسم سليل الأئمة، والأكثر شهرة (يحيى بن موسى بن جعفر (عليه السلام)) وقد أقيم فوق قبره صندوق خشبي متوسط، وفوقه قبة أصغر من الأخرى».
حتّى الآن لم يعثر على سند يبين تاريخ إقامة هذا البناء، لكن (اعتماد السلطنة) ذكر: «الحدس الأقرب إلى اليقين هو أنّ بناء هذه المقبرة يعود إلى القرن الهجري السادس» أمّا زينة الحرم من أعمال كاشي ورخام وزجاجيات وجفصين فكلّها جديدة لا علاقة لها بالأزمنة السابقة. وترتفع القبة (14) متراً عن سطح البناء، أمّا المآذن الواقعة جهة شارع (أسرار) فترتفع (29) متراً، وهناك مئذنتان صغيرتان إلى جانبي القبة لجهة شارع (بيهق) وفي الجدار المطل على شارع بيهق هناك شباك كبير فيه مشبك حديدي يدخل منه النور الى الحرم نهارا.
الضريح مصنوع من الحديد والنحاس، وقد صنع في أوائل القرن العشرين الميلادي.
وكلّ أرض الحرم من الرخام الأسود من منطقة (نه درّة مشهد) وتغطي الأرض سجادات من النذورات. وأعمال الكاشي فوق الباب وعند المآذن جرت عام (1380هـ).وبشكل عام فإنّ مقبرة أمامزاده يحيى قد بنيت قبل ثمانية قرون، لكن الآن لا تظهر آثار قدمها لأنّ كلّ أنحائها أعيد بناؤها من جديد.
مقبرة الفيلسوف الكبير الملا هادي السبزواري
ولد الملاّ هادي السبزواري عام (1212هـ) وتوفي عام (1289هـ) وبعد وفاته بمدّة قام (الميرزا يوسف مستوفي الممالك) ببناء مقبرته وسمّاها (مقبرة الأسرار)، وكان الملاّ هادي السبزواري قد خصّص ألف متر مربع من أرضه لهذا الغرض، لكن قامت البلدية بإيجاد ساحة، ممّا جعل تلك الأرض إلى جانب ساحة (زند) مباشرة.
وقرّر مستوفي الممالك أن يقيم مدرسة لطلاب العلوم الدينية إلى جانب المقبرة. لذلك ضم ّإليها قطعتي أرض من أملاك ورثة الحكيم السبزواري، فبنى فيها عدّة غرف، لكن حادثة وقعت منعته من إكمال ذلك الأمر الهام.
أمّا الابن الأكبر للملاّ هادي واسمه (الملاّ محمد السبزواري) فكان قد أنهى دراساته العليا، وتقرّر أن يدير المدرسة العلمية المذكورة، ويدرس مكان أبيه، لكنّه مات بعد موت والده بعامين، ممّا زرع اليأس لدى مستوفي الممالك، وجعله ينصرف عن إكمال بناء المدرسة.
الجدران المحيطة بالمقبرة بنيت من الآجر، وزينت الجدران بأقواس على شكل أبواب لكن لم يبق حالياً منها على البناء السابق إلاّ القليل، أمّا الباقي فقد أعيد بناؤه، بينما تهدّمت بعض جدران المقبرة عند إيجاد الساحة مكان مقبرة سبزوار القديمة، واستبدلت بسياج حديدي.
ومع ارتفاع مستوى الشارع والساحة أصبح مستوى أرض المقبرة منخفضاً عن رصيف المشاة وعن مستوى الساحة. فقام اتحاد الآثار الوطنية أخيراً بترميم أرض المقبرة، وأضيفت إليها بعض الملحقات.
ثمّ قام بعض أعيان سبزوار ببناء غرف وإيوانات صغيرة لتكون مقابر خاصّة لهم ولأسرهم. كما إنّ جميع أنحاء مقبرة الملاّ هادي السبزواري قد بنيت بالآجر، والمساحة المبنية تبلغ (370) متراً، والسقف بسيط ومن الجفصين غير المزين، امّا سقف القبة وسقف الإيوانات الأربعة فقد زيّن بالمرايا المقطعة خلال السنوات الأخيرة.
مقبرة مولانا حسين الكاشفي
من الفضلاء المشهورين في سبزوار مولانا كمال الدين الملاّ حسين الكاشفي الذي عاش في آخر العهد التيموري، وعاصر السلطان (حسين الميزرا بايڤرا) والأمير (علي شيرنوائي).
والكاشفي هو سبزواري الأصل، لكنّه عاش مدّة في (هرات) وكان واعظاً وكاتباً وفقيهاً، وكان صوته جميلاً مستفيداً من تلك الموهبة الإلهية في مواعظه وخطاباته وكان يعد فريد عصره في الحديث وعلم الكلام والنثر باللغة الفارسية، توفي هنذا العالم المشهور في سبزوار عام (1910هـ) وتقع مقبرته من الجهة الجنوبية الشرقية لسبزوار، إلى جانب شارع (نظام الملك) والباحة المحيطة بمقبرته مشجّرة، ومحاطة بجدران من ثلاثة جهات، بينما الجهة المواجهة للشارع مسيّجة. ومساحة أرض المقبرة مع باحتها ألف متر مربع، وبناء المقبرة خليط من الفن المعماري القديم والحديث، هذا البناء الحديث بني بثلاثة طوابق، والمساحة المسقوفة للطابق الأرضي (120) متراً، وترتفع أرض المبنى عن محيطه (70) سم تشكل ثلاثة درجات على امتداده.
من جهة الشمال والجنوب زيّن البناء بثلاثة أقواس جدارية من الأجر تشكل المداخل إلى المبنين وعلى شكل محاريب. وغطيت الجدران بطبقة خارجية من الآجر مع خطوط رفيعة من الكاشي، وتكرر الأمر نفسه في الطوابق الأخرى، لكن جدران المقبرة هذه تضم تحفة من الفن المعماري المتقن، وأقواس الطابق الأوّل إثنان من كلّ جهة، أمّا الطابق الثالث فقوس واحد من كلّ جهة. ورغم بساطة التصميم فإنّ الظل الناتج عن تقطيعات الجدران أضاف رونقاً على رونقه. أمّا رخامة القبر فقد ثبتت وسط المقبرة، وهي مقطعة كهرم ناقص.
وتوجد لوحة من النحاس على رخامة القبر تشير إلى تاريخ إيجاد البناء ذكر فيها: «بأمر من اتحاد الآثار الوطنية عام (1395هـ) الموافق 354هـ.ش».
وتقع هذه المقبرة بين مقبرة الملاّ هادي السبزواري ومصلّى سبزوار.
مقبرة ابن أبي الطيّب
تقع المقبرة في جنوب غرب سبزوار، في محلة كانت تسمّى قديماً (اسفريس) واسمها الحالي (سبريز). وقد فتح شارع (رضوي) جديداً فأدّى إلى تخريب المقبرة، ولم يبق منها سوى ثلاثة من جدرانها. وأهالي المنطقة يطلقون على هذه المقبرة اسم (شيخ الحاجات) إضافة إلى اسم (مزار سبريز).
كان ابن أبي الطيّب من علماء عهد الغزنويين، وقد كتب عدّة تفاسير على القرآن المجيد. وترجم له ابن فندق في تاريخ بيهق قائلاً: «الإمام الزاهد المفسّر علي بن عبدالله بن أحمد النيسابوري المعروف بابن أبي الطيّب. وقد ولد هذا الإمام في نيشابور، وسكن في قصبة سبزوار، وقد بنى له مدرسة في محلة اسفريس الخواجة أبو القاسم علي بن محمد بن حسين بن عمرو الذي كان من إقطاعيي تلك القصبة ومتموليها، وذلك في شهر رمضان من عام (418). وما زال أثرها باقياً، وكان أبو القاسم من مريديه. ومن مشايخ تلك القصبة أيضاً: الخواجه أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو، ومحمد بن الحسين بن عمرو جد الحسن بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عمرو رحمهم الله، والحاكم أبو سعد كرامة، والإمام أبو حنيفة بويابادي النيشابوري، والإمام حمزة المقراضي المتكلم. وكلّهم من تلامذة ابن أبي الطيب. أمّا تفاسيره فهي: التفسير الكبير في ثلاثين مجلداً، والتفسير الوسيط في خمسة عشر مجلداً، والتفسير الصغير في ثلاثة مجلدات، ويُقال إنّه عندما توفي رحمه الله، وجدوا في مكتبته أربعة مجلدات من الكتب واحد في الفقه، والثاني في الأدب، والثالث والرابع في التاريخ، لم يترك تركة غيرها. وتوفي في الثامن من شوال سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. ومرقده في مقبرة بقصبة سبزوار وله ديوان شعر، وبعض شعره في رثاء الأمير».
وجاء في كتاب مطلع الشمس عن مقبرة أبي الطيّب ما نصّه «وهناك مزار آخر داخل المدينة (سبزوار) يقع في جهة الجنوب، ويعرف بمزار (بيرحاجات) وهي بقعة من الطين والطوب، ومدخل المزار من جهة الشمال، وليس بداخله أي شيء حتّى الحصير والمصابيح غير موجودة أيضاً».
مقبرة شاه زاده شعيب
وفي جهة جنوب سبزوار، وإلى جانب الجهة الجنوبية من شارع (رضوي) توجد مقبرة شاه زاده شعيب العامرة، يدخل إليها من شارع الرضوي، وهي أعلى من مستوى الشارع قليلاً، وكانت فيما مضى خارج سور المدينة، وتستعمل مقبرة عامّة.
وذكر صنيع الدولة عام (1300هـ) هذه المقبرة بقوله: «… مزار سليل الإمامة شعيب بن موسى (عليه السلام) يقع في جنوب المدينة، خارج البوابة الخلفية، ويفصله عن البوابة مسافة عرض خندق. وللمزار بقعة حوله بنيت جدرانها من الطوب والطين، وفيها أربعة أبواب…».
أمّا وضع المقبرة الحالي، ففيها أربعة إيوانات صغيرة في أطرافها الأربعة، وقد زينت جميع الجدران والإيوانات بالمرايا المقطعة. ويقع الضريح وسط الحرم، والضريح صنع من الفضة، وطليت أعمدته بالذهب.
وذكرت عند حافة القفص أسماء: «يا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، فاطمة الزهراء، الحسن المجتبى، الحسين الشهيد، علي السجّاد، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد». وفي وسط الضريح: «علي الهادي، حسن العسكري، الحجة القائم» وكذلك «يا كريم، يا رحيم، يا سبحان، يا غفران، يا ديّان يا حنّان» وفي الجهة الجنوبية: «يا رضوان، يا برهان، يا قيوم، يا واحد، يا صانع، يا قديم، يا مانع، يا شامخ، يا دافع، يا رحمان، يا شافع، يا شاهد» وفي الجهة الغربية: «يا واسع، يا رافع، يا منّان، يا موسع، يا جامع، يا ماجد، يا ديوم [يا ديّان] يا كافي».
الحرم بما في ذلك الجدران من ارتفاع (1,85) سم غطيت بالمرايا المقطعة.
وعند تاج مدخل الحرم كتب على المرايا المقطعة بخط النستعليق ببيت شعر بالفارسية:
شاهي كه درگش ازمشك وعنبراست
يا حضرت رضا شه هشتم برادراست
ممّا يشير إلى أنّه ابن الإمام الكاظم، وأخو الإمام الرضا.
ضريح سليل الأئمة (شعيب) جميل في كل محتوياته، وقد روعيت الدقة الفنية في الكتابات والنقوش. وداخل القفص يوجد صندوق خشبي مغطّى بقماش من المخمل الأخضر. وارتفاع الحرم يبلغ عشرة أمتار تقريباً، وفيه أربعة منافذ للنور بنوافذ خشبية.
وعند تاج مدخل الإيوان الغربي خط بالنستعليق واللون الأبيض على كاشٍ لازوردي: «السلطان شعيب بن موسى بن جعفر» وعرض الإيوان ستة أمتار وارتفاعه (19) متراً تقريباً.
وعند جبهة الباب كتب «السلام عليك السلطان أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)» و«السلام عليك يا شعيب بن موسى الكاظم (عليه السلام)».
وعند تاج الباب الجنوبي للحرم زيّن بالكاشي، وكتب بخط النستعليق: «السلام عليك يا إمامزاده شعيب بن موسى».
وصحنا المرقد هما عبارة عن مقبرتين قديمتين عامتين، وقد بنيت غرف حولهما هي مدافن لبعض الأسر.
وقد أورد كتاب الآثار التاريخية لخراسان توضيحاً حول هذا المرقد نورده كما هو: «… يحتمل أنّ أساس بناء هذا المزار [سليل المعصومين شعيب] يعود للعهد الصفوي، أمّا واجهات المبنى كلّه والقبة من الداخل والخارج والإيوانات فهي جديدة» وليس بين أبناء الإمام موسى بن جعفر من اسمه شعيب، ولعل المدفون هنا هو من السادة الزهاد. وهناك ما يشبه المئذنتان في الشمال الغربي والجنوبي الشرقي للصحف، بارتفاع (25) متراً.
ج ـ المدارس القديمة في سبزوار
المدرسة الفخرية:
هي مدرسة قديمة جدّاً، وتعود إلى العهد الديلمي الذين كانوا من الشيعة كباقي السبزواريين، وكانت قد بنيت باسم (فخر الدولة الديلمي) وقد بقي من البناء الأساسي والقديم غرفتان وممر.
وعند شق طريق (بيهق) اقتطع جزء من مبنى المدرسة وقسم من باحتها وضمّا إلى الشارع، عند ذلك قام متولي المدرسة بشراء قطعة أرض خلف المدرسة وضمّها إليها، وبنى فيها غرفاً من طابق واحد وطابقتين. ويوجد طابق تحت الأرض في القسم الجنوبي للمدرسة الفخرية، يؤجر للباعة. وهو كبير المساحة (300) متر مربع تقريباً، يستخدم مستودعاً، ومدخله من خارج المدرسة.
وفي المدرسة (77) غرفة، وكلّ المساحة المبنية تعادل (650) متراً مربعاً.
وعند تاج باب المدرسة كتب بخط النستعلين «… هذه المدرسة من مباني عهد معز الدولة الديلمي، وأجري ترميمها باهتمام من إدارة أوقاف سبزوار برئاسة الإخوان صادقي، وافتتحت مكتبتها (25 شهر يور 1344هـ. ش)» وجاء تحت هذه الكتاب جملة «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».
ولمعرفة هذا البناء التاريخي أكثر نورد ما كتبه عنه صنيع الدولة في كتابه (مطلع الشمس) وقد سمّاها بالمدرسة القديمة (كهنه) لقدمها فقال:
مدرسة كهنه:
«بنيت هذه المدرسة بالأجر والجفصين، ويبلغ طولها (25) ذراعاً، وعرضها (19) ذراعاً، وفيها غرف أرضية وأخرى علوية، عدد غرفها في الطول ستة وفي العرض أربعة، وفوقها إيوان. الطريق إلى الغرف العلوية من الزوايا الأربع للبناء، وهي متصلة مع بعضها، ويبدو أعمال الترميم عليها، وليس فيها كاشي في الداخل، أمّا خارج المدرسة فهناك كاشي عند تاج مدخلها، لكن أكثره قد تساقط. وكان قد كتب على الكاشي عدّة عبارات بقي منها: (لإتمام عمارة هذه البقعة الميمونة الموسومة بالمدرسة الفخرية لا زالت راسخة البنيان، شامخة الأركان، في أيام معدلة الخاقان الأعظم مالك رقاب الأمم معزّ الدولة) الطابق الأوّل للمدرسة فيه ثلاثة أقواس واسعة، وسقفها مقرنس بالجفصين، وجدرانها مغطاة بالكاشي والآجر، وارتفاعها (12) ذراعاً تقريباً، وعرض كلّ قوس (6,5) ذراع، وفي وسط المدرسة بئر عمقه خمسة أذرع [ما زال باقياً] ماؤه جيّد، وأمام الإيوان لجهة الشمال يوجد حوض صغير خالٍ من الماء، ويفتح باب المدرسة لجهة الغرب».
المدرسة الفصيحية:
بنى هذه المدرسة العلمية الحاج (عبد الصانع الفصيحي ابن الحاج محمد مؤمن السبزواري) وقد وقفها لطلاب العلوم الدينية، وكان في باحة المدرسة مقبرة، لكنّها اقتطعت لصالح شارع بيهق، ولم يبق من المدرسة إلاّ خمسها، فقام أحفاد الحاج عبد الصانع بشراء أرض تقع خلف المدرسة، وضمّوها إلى المدرسة، وما زال طلاب العلوم الدينية ينزلون هذه المدرسة إلى الآن.
وكتب صنيع الدولة في (مطلع الشمس) عنها: «بنى هذه المدرسة (الفصيحية) الحاج عبد الصانع السبزواري، وأتمّ بناءها عام (1124) وهي مستطيلة الشكل، وطولها باتجاه الشرق والغرب، وفيها (32) غرفة أرضية وعلوية، يسكنها الطلاب، مع قاعتي تدريس أرضية وعلوية، وإيوانين كبيرين في الشرق والغرب، وفي باحتها توجد أربعة حدائق متوازية المساحة، وحوض ماء في الوسط.
وقد اكتسبت هذه المدرسة أهميتها عندما قام صدر الحكماء الملاّ هادي السبزواري بالتدريس فيها لمدّة أربعين عاماً، ومنها تخرّج تلامذته المشهورون، حتّى اشتهرت المدرسة الفصيحية بمدرسة (سركار حاجي).
ويمكن القول حقاً إنّها ضاهت أكبر المراكز العلمية الإسلامية.
مدرسة شر يعتمدار:
تقع مدرسة شريعتمدار مقابل المدرسة الفصيحية، وقد أسّست في أواخر القرن الثالث عشر الهجري بهمّة من الميرزا إبراهيم شريعتمدار السبزواري ابن الميرزا إسماعيل أحد أحفاد الشهيد الميرزا مهدي. وجدّه الأكبر هو (مير سيد ولي العلوي) الذي كان من مشاهير علماء سبزوار.
وخلف هذا القسم المتبقي من البناء يوجد مسجد صغير متصل به، يبدو أنّه تابع للمدرسة نفسها. مدخل هذا المسجد لجهة زقاق (نقابشك) ويعرف المسجد بمسجد شريعتمدار.
وهناك مبان أخرى كانت في سبزوار تحدّث عنها صنيع الدولة في (مطلع الشمس) ص (211) قائلاً:
«من مزارات سبزوار الأخرى: مقبرة إمامزاده فضل بن زيد (عليه السلام)، وتقع عند بوابة ارگ داخل المدينة، على قاعد مربعة ارتفاعها ستة أذرع وطول كلّ ضلع منها ستة عشر ذراع. وقد بنيت فوق القاعدة غرفة، تعلوها قبة بارتفاع خمسة أذرع، والغرفة مربعة طول كلّ ضلع منها خمسة أذرع أيضاً. طليت الغرفة من الداخل بالجفصين ومن الخارج بالطين والقش. في وسط الغرفة يوجد قبر وضريح خشبي طوله ذراعان وعرضه ذراع وقليل، وارتفاعه ذراع ونصف، وهو غير مزيّن. مدخل المقبرة لجهة القبلة، وأمامه صُفّة وسقف، وخلف المقبرة أربعة صفات كلّ منها بعرض ذراع في أطرافها الأربع.
ومن مزارات سبزوار أيضاً بقعة تقع في الضلع الجنوبي الشرقي عند مدخل المدينة يعرف باسم (مزار سبز) أو (القبة الخضراء) والمدفون فيها يعرف بشاه حبيب الله. وهي بقعة مستطيلة الشكل، طولها ستة أقدام وعرضها خمسة أقدام، وارتفاع البناء عشرة أذرع. ويرتفع القبر ذراع ودرجتين، وطوله ذراع وقليل، وعرضه ذراع. داخل البقعة مطلي بالجفصين ومزيّن، وفيه أربعة قناديل».
وذكر المولوي في المجلد الأوّل من كتابه (الآثار التاريخية لخراسان) ما نصه: «… مزار سبز هو مرقد الشاه طهماسب الصفوي وعباس ميرزا ابنه الصغير، وليخفى قبره… أطلق عليه اسم المزار الأخضر (مزارسبز) فعندما سافر (نادر شاه) إلى الهند لفتحها أمر ابنه رضا قلي ميرزا بقتل الشاه طهماسب بعد أن كان قد خلع من الحكم، فقتل آخر الملوك الصفويين في سبزوار» وأطلق على مقبرته اسم القبة الخضراء لتأمن أيدي أعدائه.
إنّ هذا المزار وقع أيضاً في طريق شارع الرضوي؛ واندثر.
د ـ المباني الأخرى
مصلّى سبزوار
في الناحية الوسطى لمدينة سبزوار يقع بناء مصلّى سبزوار. وكان في الماضي منفصلاً عن المدينة، أمّا الآن وبعد اتّساع المدينة أصبح قرب المنازل المسكونة. وهو بناء متين ومن الآجر، لكنّه معرض حالياً للانهيار، تعلوه قبة قوسية جميلة مرتفعة، أقيمت بمهارة. مساحة الأرض المسقوفة (242) متراً مربعاً، وفي شرقه مقبرة الكاشفي. هذا البناء من بقايا العهد الصفوي، أمّا مساحته الكلية فهي بحدود هكتار واحد، وكانت مسيجة بجدار، لكن لم يبق من ذلك شيء.
بوابة المصلّى لجهة الشمال، وترتفع (15) متراً، وهناك برجان عند طرفي الإيوان الشمالي متصلان به. بعض أقسام البناء قد تهدمت، ودرج السطح في الزاوية الشمالية الغربية للإيوان.
وتقع بالقرب من المصلّى مقبرة سبزوار، ومصلّى الجمعة الجديد أيضاً. وإلى جنوب المقبرة والمصلّى تقع جادة (سبزوار ـ نيشابور).
أمّا المباني الدينية والتاريخية الموجودة قرب سبزوار وخارجها فهي: مزار خسروگرد، مئذنة خسروگرد، بيرمراد.
مزار خسروگرد:
وهو مزار تعلوه قبة من الآجر الرفيع، وتخترق القبة أربعة شبابيك للنور، وقد أغلقت تلك النوافذ بالآجر. وسقف القبة الداخلي مطلي بالجفصين، وأرض المزار مفروشة بالموزائيك، وحافات الجدران غطيت برخام اسود بعرض (25سم) وفوقها إلى ارتفاع (1,20) متر رخام أبيض اللون موشح، المدخل الوحيد للمزار من الإيوان الجنوبي.
كتب في يمين مدخل الحرم الآيات: «الله نور السماوات والأرض» باللون الأسود على كاشٍ أبيض، وتمتد هذه الآيات حتّى الجدار الشمالي للحرم. وكتب في شمال المدخل بخط النستعليق وباللون الأبيض على الكاشي الأزرق اللجوردي نسب الإمام زاده على الشكل التالي: «السيد حسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب…» تبدأ هذه الكتابة من العمود الشمالي حتّى تصل إلى يسار المدخل.
أمّا الضريح فإنّه معدني ويقع في الوسط، وحوله شبكة معدينة. أمّا الجدران القديمة والغرف من الطوب والطين، وفي وسط الباحة حوض، وممرات من الاجر، كلّها تهدّمت، لكنّها سترمم وتجدّد.
مئذنة خسروچرد أو عموده:
الأهالي يطلقون على هذه المئذنة اسم العمود، وهي تقع إلى جانب جادة (سبزوار ـ شاهرود). في الماضي كانت خسروگرد مدينة عامرة، وكانت تبعد عن قصبة سبزوار، لكنّها تهدّمت بسبب الحروب المتعددة، وانتقالها من حكومة إلى أخرى، أمّا سبزوار فقد تنامت وتوسعت حتّى أصبحت خسروگرد قريبة منها.
جاء في كتاب (الآثار التاريخية لخراسان): «… وآخر خراب حل بها أدّى إلى فتورها الكامل، وكان ذلك عند انتقال السلطة من السلجوقيين إلى الخوارزمشاهيين».
يُقال إنّ مئذنة خسروگرد هي مئذنة المسجد القديم لتلك المحلة، وأنّها بنيت خلال انتشار الإسلام في المنطقة، ولعلها في عهد السلطان سنجر، ولم يبق من ذلك المسجد سوى مئذنته. وهي من الآجر المعرّق بزينة لوزية الشكل من الآجر أيضاً، ومنقوش عليها بالخط الكوفي بالآجر، وتاريخها (505هـ). ويحتمل أن يكون هذا التاريخ لترميم البناء.
لأنّ تاريخ بيهق ذكر أنّ تاريخ بناء المسجد والمئذنة هو (415هـ) وعلى نفقة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بلطوار، وبأمر من حاكم خراسان. ويحتمل أيضاً أن تكون المئذنة قد بنيت في السنوات التالية.
مدخل المئذنة من الغرب، ودرجها مدور على شكل المئذنة «ارتفاع مئذنة خسروگرد يبلغ (38) متراً، وجدرانها مزينة بطبقتين من الكتابة الكوفية والأشكال اللوزية».
وعند كلّ عدّة درجات يوجد ثقب للنور، وكان (علي يارخان) قد قام بترميمها وإعمار المكان كلّه، وذلك في عهد حاكم خراسان (فتح علي شاه).
مزار بير مراد:
يبعد هذا المزار مسافة كيلومتر واحد عن مساكن مدينة سبزوار، وليس هناك سند أو رخامة تشير إلى اسم ومواصفات هذا الشيخ، لكن من المعروف أنّه مدفن (أبو رفاعة المشهور بالخواجة خضر بير).
كانت هذه البقعة صغيرة وطينية، لكنّها بنيت من جديد بالآجر. ويقوم أهالي سبزوار ومن يعتقد به من سكان المنطقة بزيارته في أيام الأربعاء، ويبقون عنده منذ الصباح حتّى العصر، ويقدمون له النذورات.
وعند قمة جبل ميش في جنوب سبزوار توجد بقعة يُقال إنّها مدفن أخو الإمام الرضا (عليه السلام)، وقبة المرقد هي من الآثار التاريخية.
وفي الجبال الشمالية والشمالية الغربية لسبزوار هناك عدّة قبور لسليلي الأئمة لا نفصل ذكرهم حباً بالإيجاز.
محمود عنبراني
سبلان
كتلة جبال بركانية تقع شرقي آذربيجان ويبلغ طولها 60كم وعرضها بين 20ـ40 كم، وتمتد في الأقسام الجنوبية والشرقية بمحاذاة قره داغ باتجاه شرقي ـ غربي. ويفصل خط تقسيم المياه لكتلة سبلان، قره داغ، حوضي أرمية وبحر الخزر بعضها عن بعض. ويزيد ارتفاع قمم سبلان عن 4500م، ويبلغ ارتفاع أعلى قممها 4844م عن سطح البحر. ويحيط بسفوح هذه الكتلة البركانية ينابيع للمياه المعدنية تتمتع بأهمية طبية واقتصادية بالغة، وتغطي الثلوج القمم المرتفعة في سبلان في معظم أيام السنة. وكانت سفوحها منذ القديم مصايف قبيلة شاهسون المشهورة. وتقع أقضية أردبيل وأهرومشكين شهر المهمة عند حافات هذه الكتلة.
السجادية (الصحيفة)
الصحيفة السجادية ـ وتسمّى الصحيفة الكاملة»، هي من الآثار التي خلفها الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وفيها أدعيته ومناجاته ومختلف أقواله في هذا الباب.
تنتهي رواية الصحيفة السجادية إلى الإمام الباقر (عليه السلام) وزيد الشهيد، ابني علي بن الحسين زين العابدين، موصولة بالإسناد، وقد كتبها قبل عصر الطباعة مشاهير الخطاطين، كما طبعت عدّة طبعات وشرحت عدّة شروح وترجمت إلى الفارسية والإنكليزية.
ولم يكن زين العابدين علي بن الحسين، أقرب أهل البيت إلى معرفة الله، والخشية منه، ولم يكن كذلك أبعدهم منه عن التضحية والشجاعة والتأثّر بمناهج الإنسانية في الواقع.
ولكنّه كان منهم قريباً من هذا وذاك على أتمّ ما يكون القرب معرفة وخشية وتضحية وشجاعة، دون تفاوت بين درجته ودرجاتهم في الجوهر، وإن تفاوتت المظاهر والأعمال المستمدة من ظروفها، وممّا يلابسها من عوامل الزمن والحياة.
فالذي يختلف منهم (الظرف)، وهذا بطبيعته يستدعي تغيّر (الظواهر) في مواجهة التطور، وتوجيه التيارات المنبثقة من عصرها بما يقتضيه كلّ عصر من ألوان ومذاهب في الحياتين: العقلية والمادية.
ومن هنا كان حتماً أن يمتاز كلّ إمام من أهل البيت بخاصة تنبع من عصره وظروفه فتميزه ظواهرها عن غيره في موقف هذا وذاك من أطوار الإصلاح في أطوار العصور.
إنّ نفس زين العابدين اكتوت بنارين لا ندري أيتهما أشد وقعاً على نفسه. وقعة كربلاء وظفر الحكم الاستبدادي الغاشم. وهما ألمان لم يمن بمثلهما مجتمعين إمام من قبل ولا من بعد. وقد عانى في الأوّل مصرع ثمانية عشر من آله.
وعانى في الثاني خيبة الإسلام وتعطيل أحكامه تعطيلاً لا رجاء في دفعه إلى حين غير قريب على الأقل.
أمّا الألم الأول فتنبثق منه العاطفة تؤجج الحنان، وتوهج الرحمة.
وأمّا الثاني فتثور منه الحفيظة وتنصلت نزعة الإصلاح.
وهما معاً وعلى هذا النحو ينبوع يتدفق بالبيان والحكمة، ولا سيما في عصر لا يمكن فيه الإصلاح بغير البيان والحكمة.
وإنّنا لنعثر في تقليب هذه الوجوه على شيء يساعد على إيضاح امتياز زين العابدين في هذا الباب ألا وهو انصرافه إلى هذا الوجه دون غيره من وجوه الجهاد والتوجيه والنصح التي كان يشارك بها الأئمة من آله، ونشدّد على نقطة فنعلل انصرافه إلى هذا الوجه دون غيره بانّ غير هذا الوجه كان في عصره متعذراً لا سبيل إليه.
بهذا يتضح أنّ عصر زين العابدين المظلم لم يدع له من وسائل الإصلاح غير وسيلة (الدعاء) فكان من أجل هذا كلّه طرازاً في أدعيته فريداً عجيباً بين العظماء والمصلحين.
والثاني لماذا اقتصر على الدعاء في الدعوة والإصلاح بل لماذا امتنع عليه أن يصلح بغيره؟
وواضح أنّ الذي يعنيه هذا الاسم إنّما هو ما يرمز إليه هذا الاختصاص من الحب والذي يعنينا من الإشارة إلى هذا الحب نوع خاص ما يكشف عنه الحب ويؤول إليه من معرفة المحب للمحبوب واكتشافه من أسراره وجمالاته، بما يدعو إليه الحب من التأمل وطول النظر وحسن الاجتلاء.
وهذا ما حدث فعلاً بين زين العابدين، وبين الله فعاد زين العابدين منه ندي اللسان مخضل الشفتين بأسمى ما عرفنا من وجدانات الأنبياء والفلاسفة والمفكرين، بلغة حين نسمّيها (شعراً) نسمو بها عمّا عرفه العروضيون والأدباء من الشعرء، لأنّنا لا نقصد بها سوى شعور العالم الصادق يخرج من صميم الحياة ويهبط من علياء الوجود بالحقائق السافرة المشرقة تهز وتفتن وتوحي وتبدع وتعلم دون خيال ولا قافية ولا تكلف ولا تعقيد. ذلك هو الميدان الذي اختاره زين العابدين بحكمة ودقة وعمق لكفاح ما أجمعت عليه (الأموية) والدنيا من ورائها. ليكون في ميدانه هذا امتداداً لآبائه وهم أحد الصفين المتقابلين في الحرب الأزلية بين الحق والباطل، والإنسانية والعنصرية، والاستبداد والديموقراطية إلى القول: إنّ مناجاته لله هذه كفلت له أوسع ما يريد من الصدوع برسالة الإسلام، وأكمل ما تكلف من جهاد الأموية وصيانة الأهداف العلوية، قدر ما يتيح له عصره من جهاد تلك وصيانة هذه، فأدعيته وما يتبعها من قوله وعمله، كلّ ذلك كان مدرسة تربي الضمير وتدعو إلى النظام، وتعلم الثورة على الباطل وتصوّر الحرج الشديد الذي لحق بالعالم في ظل الحكم القائم المستند إلى الإقطاع والدكتاتورية والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الفاسدة.
كانت أدعيته وسيرته كلّها مدرسة تعلم دون أن تجعل عليها للسياسة سبيلاً ولا للساسة الذين أعفاهم من مطامحه ـ كما يعتقدون ـ طريقاً إلى إيذائه في نفسه، أو في طريقة جهاده المثلى. ونظرة إلى سيرته العظيمة تريك عمل هذه المدرسة العظيم، وفي صحيفته السجادية ألوان وأشكال من مجتمع عصره صورها وعالجها القلب، وجملة ما نراه من تلك الصور يخضع لذوق فني، مبدع خلاق، تنقاد له المعاني، وتطيعه الألفاظ، ويمدّه العلم ويسيطر عليه الحس، وتجتمع له عناصر الخلود كلّها، ومؤهلات الإعجاز في غير نقص.
وأعظم ما يطالعك في هذه الأقوال من أثر فني جانب النقد والتوجيه فيها، وهو بخاصة الجانب الشائك الخطير، لأنّ المكاشفة به تحت السيف المصلت، والمشانق الشاخصة، عمل يشبه أن يكون انتحاراً لا مبرر له، أو إجراء يلحق بالمغامرات الطائشة البينة الخسارة، لذلك كان لا بد من (الرمز) والإيحاء وهما وسيلتاه في هذا الجانب الخطير الذي أعلن مزيته الفنية العظيمة وبهما استطاع أن يوفق بين واجبه في النقد والتوجيه وبين تفادي ذلك الإرهاب الأعمى.
وهذه الميزة تتخذ طرقاً مختلفة في هذا الباب من قوله وعمله وأظهرها فيما رأيت أمور:
1 ـ (التجريد): إذ كان يجرد من نفسه شخصاً تصطلح عليه العيوب وتلتقي لديه الموبقات. وهذا أسلوب اختاره لأنّ النقد يقوي له فيه أتم الاستواء، فيمضي أوّلاً يستعرض العيوب والموبقات التي تؤخر الناس يومئذ، يستعرضها دون حرج، ولا إيذاء، ثمّ يضع إزاء هذه العيوب والموبقات ما يصحلها من طرق الخير والتهذيب التي يسندها إلى الله في حواراته الفنية البليغة مستخدماً في هذا وذاك السلب حيناً والإيجاب حيناً آخر. وفق ما تدعو إليه (البلاغة) وقوّة التأثير.
2 ـ نظرة في الكون والحياة: وله في هذا تأملات عميقة الأغوار، وهي في جملتها لم تكن عندي تأملات الفيلسوف ولا المتصوف الهادئ فقط، بدليل أنّها كانت بروحها تعمل عمل النقد والتوجيه، متصلة اشد الاتصال بالحياة الواقعة.
3 ـ حزنه الطويل بعد حادثة كربلاء. وهو على أنّه جدير بالحادث الفاجع كان يرمي إلى أبعد من البكاء.
لقد كان جزءاً من خطة زين العابدين متصلاً أقوى الاتصال بالتربية المبدئية، أو التعبئة المذهبية ـ كما نقول اليوم ـ فهو عمل لا يقل إن لم يفق، وسائل السياسة السلبية، ومناهج الحرب السلمية.
صدر الدين شرف الدين
سجستان أو سيستان
كان هذا الجزء من إيران المسمى بسيستان يسمّى في (الأوستا) باسم نهر ينبع منه وهو نهر «هئتومنت: Haetument»، وسمّي في النقوش الحجرية لداريوش باسم (زرنكه Zarnaka، وحمل هذا الجزء اسم سكستان بعد سيطرة قوم «سكا» عليه في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد([243])، وتعتبر أسماء سجستان وسيستان شكلان آخران لنفس هذا الاسم.
وتعتبر سيستان من المناطق الرئيسية في إيران طوال التاريخ المفعم بالحوادث لهذه البلاد، فكانت عرضة لأنواع الحوادث. وهي أرض كانت مهداً للحضارة والنعمة والقدرة طوال آلاف السنين وهي الموضع الحادي عشر الذي جعله (أهورامزد) في أحسن حال، ويذكر مؤلف تاريخ سيستان وإحياء الملوك أنّ گرشاسب(گرشاسف) لما رأى تجار الرمان والنخيل رغب في إعمار سيستان وبنائها.
وسيسان هذه هي مسقط رأس رستم ومحل تربية ونشأته. وهي مهد القصص القومية لإيران وسوح معارك الابطال الإيرانيين، وقد ذكر الفردوسي في ملحمته قصص هؤلاء الأبطال بصورة متكررة.
وقد استولى أردشير بابكان الملك الأوّل في سلسلة الساسانيين على سيستان في نفس الوقت الذي سيطر فيه على الولايات الأخرى. وفي الحقيقة يمكن أن يُقال إنّ قوم السكا كانوا من المؤيدين لأردشير.
وقد فتح بهرام الثاني سيسان ثانية وأرسل ابنه بهرام الثالث الذي أصبح ملكاً بعد أبيه ـ لتولي الحكم فيها. وأصبحت هذه الولاية مركزاً للمسيحيين النسطوريين في عهد الساسانيين. وفي الفتح الإسلامي، قدم يزدگرد الثالث إلى سيستان عن طريق كرمان، ومكث فيها حوالي خمس سنين ثمّ عزم على الذهاب إلى خراسان ليجمع قواته هناك ويقابل فيها الذين هزموه وانتزعوا ملكه منه. ويذكر البعض أنذ يزدگرد ذهب إلى سيستان، وهرب من هناك بألف من خيرة فرسانه إلى مرو([244])، وعندما كان مجاشع يتعقب يزدگرد اصطدم بأهالي سيستان وأرغم على الانسحاب([245]).
وكان فتح سيستان في البداية على يد عاصم بن عمرو وعبدالله بن عمر، ثمّ قدم الربيع بن زياد الحارثي بجيشه وأرغم أهالي الولاية على الاستسلام، ودخلت سيستان منذ ذلك الحين في عداد المدن الإسلامية.
ويذكر الطبري في تاريخه أن سيستان كانت آنذاك أكبر من خراسان وأشد منها تحصناً وأكثر سكاناً([246]).
آلت بعد ذلك سيستان إلى مأوى للخوارج، وتوسعت الصدامات والنزاعات فيها بالتدريج، وظهرت طائفة باسم (المطوعة) أخذت تقاتل الأجانب الذين صاروا بلاء على البلاد من أجل حفظ عقائدهم، وشيئاً فشيئاً أخذت العداوات تتوسع وتتأصل في النفوس حتّى أجهدت الأهالي وأتعبت نفوسهم وبدأ العمران يؤول إلى الزوال فيها.
وكان ليعقوب بن الليث الصفاري بعد إسلامه الدور المؤثر في تاريخ بلاد سيستان، حيث استطاع بمعونة أخيه عمرو تثبيت نفسه في سيستان والتغلب على الخوارج وغيرهم من المنافسين عام 253 هجري (867 ميلادي) وبدأ بالحرب مع الخليفة.
وبعد يعقوب وعمرو أبناء الليث الصفاري آلت الأمور في سيستان تارة إلى سلطة السامانيين وأخرى إلى أقارب آل الصفار، حتى انتهت إلى خلف بن أحمد الذي يعتبره ابن الأثير سبطاً لعمرو بن الليث، ثمّ انتزع السلطان محمود الغزنوي السلطة من خلف بن أحمد وأضحت سيستان خاضعة للغزنويين.
وتمتعت هذه البلاد في أغلب أوقاتها باستقلال محلي حيث كان سلاطينها يضربون العملة بأسمائهم.
ويستنتج من رواية الجويني في تاريخ الفتوحات أنّ المغول لم يحدثوا دماراً كبيراً في سيستان، بينما يذكر مؤلف (طبقات ناصري) إنّها تعرّضت آنذاك لأشدّ أنواع التدمير. وفي عام 651 هجري أرسل (منكوقاآن) الملك شمس الدين كرت لولاية سيستان، وقتل الملك شمس الدين علي لتصبح هذه الولاية جزءاً من ولايات آل كرت.
هجم الأمير تيمور گورگان على سيستان في زمن حكم الملك قطب الدين، ووفقاً لما ذكره الملك شاه حسين السيستاني صاحب كتاب إحياء الملوك، فإنّ أربعين ألف رجل قد تعاهدوا فيما بينهم على مهاجمة معسكر تيمور في وقت السحر. وخرجوا جميعاً لمهاجمة المعسكر، ونشبت حرب ضروس فاقت حكايات رستم وأفراسياب واسفنديار، وأصيب في هذه المعارك الأمير تيمور بسهم في رجله وأصبح أعرج من حينها، بينما قتل الأربعون الألف عن آخرهم، وكانت مجزرة لم يسبق لها مثيل ظلّت علاماتها طوال ثلاثة أيام، حيث امتلأت الأزقة والطرقات في المدينة بأكداس القتلى حتّى صعب على الفرسان تخطّيها بخيولهم… وطلب الجيش المشؤوم من الأهالي إلقاء أطفالهم في الشوارع وراحوا يطأونهم بخيولهم…، وبعد حبس الملك قطب الدين لثلاث سنين قتل بيد تيمور([247]).
ومنذ ذلك الحين وحتّى العهد الصفوي كان أغلب ملوك سيستان هم من أهلها، ومن ضمن هؤلاء: ملك الملوك، الملك قطب الدين علي، الملك محمود، الملك جلال، الملك نظام الدين يحيى، الملك محمد([248]).
وفي أواخر العهد التيموري، تمكّن السلطان حسين بايقرا من إعادة السيطرة على جميع مناطق خراسان وبلخ وكذلك سيستان. ونهض بديع الزمان ميرزا ابن السلطان حسين لمعارضة أبيه، وبعد قتال دار بينهما منح حكومة سيستان مع توسط العلماء والشخصيات البارزة. وبعد وفاة السلطان حسين بايقرا، اشترك بديع الزمان وأخوه مظفر حسين ميرزا في إدارة شؤون البلاد، ولكنّهما فقدا السلطة بسبب حملات التركمان.
سيستان في العهد الصفوي
كانت إيران عرضة للمجازر والغارات من قبل المغول والتيموريين خلال الفترة ما بين هجوم المغول وحتّى ظهور الدولة الصفوية عاد جزء كبير من إيران إلى القيادة الموحدة. وفي أواسط عهد سلطنة الملك إسماعيل الأول ( 907 -930هـ.ق. 24ـ1502م) مؤسس السلسلة الصفوية، بلغت إيران من بسط نفوذها وسعة أرضها ما لم تبلغه في أي عصر من العصور التي توالت في ما بعد. واستطاع الملك طهماسب الأوّل (930ـ984هـ.ق. 24ـ1576م) والملك إسماعيل الثاني (984ـ985هـ.ق. 76ـ1577م) الاحتفاظ بحدود ثغور البلاد على ما كانت عليه في وقت وفاة مؤسس السلسلة.
ولم يبق من البلاد إلاّ الحدود الأصلية لها، أثر الاضطرابات التي حصلت فيها والحملات المتكررة للعثمانيين والأوزبكيين في زمن السلطان محمد (985ـ995، 1578ـ1587م) وأوائل سلطنة الملك عباس الأول (995ـ1038هـ.ق) أي (1587ـ1629م) وكان الملك عباس الأول عازماً على إرجاع حدود مملكته إلى ما كانت عليه في أوج قوة الملك طهماسب الأول، ولكنّه غيّر رأيه وأخضع العراق لسلطته، أمّا خليفته الملك صفي (1038ـ1052، 29ـ1642م) فقد اضطر إلى إخلاء الجزء الأخير بينما ظلّ محتفظاً ببقية البلاد التي كانت على عهد أبيه. وحتّى حدود عام (1709م، 1121هـ) فإنّ هذه الحدود بقيت نفسها إلى أن سقطت قندهار في نفس هذا العام وآذنت بزوال هذه السلالة([249]).
وخضعت سيستان للصفويين فور انتصار الملك إسماعيل الأوّل علي شيبك خان، إذ أقبل حاكم سيستان الملك محمود السيستاني المنسوب إلى السلالة الكيانية إلى هرات عام 916 هجري لتقديم فروض الطاعة للملك إسماعيل الأوّل. وكان الملك محمود آنذاك مستولياً على نيه، قلعة گاه، خاش فهرخشك رود والأراضي الواقعة في الجانب السفلي لهيرمند (گرمسيرات جنب هيرمند)، وكان قد فتح في نفس تلك الأوقات أوق. وحينما قدم إلى الملك إسماعيل الأوّل، أقرّه هذا على البقاء حاكماً للأراضي التي كانت خاضعة له، ولكنّه أرسل معه ألف فارس من التركمان وأحد الأمراء كوكيل عنه. ويكتب صاحب إحياء الملوك بهذا الخصوص قائلاً: عندما وصل الملك إلى أطراف هرات، خرج الملك محمود من المدينة والتحق بموكب الملك المعظم، ولكون موكب الأوّل كان مميزاً فإنّ الملك إسماعيل سأل عنهم، فأخبره أحدهم بأنّه السلطان محمود السيستاني قادم لتقبيل أيادي الملك والسجود بين يديه، فأذن له بالقدوم. فأقبل السلطان محمود ثم ترجّل عن حصانه وسجد بين يدي الملك المعظم، ملاذ الدين وقبّل رجليه الشريفتين، فرفعه الملك المعظم وقبّله في جبينه واحترمه وبالغ في العناية به حتّى أثار حسد الأمراء عليه. ثمّ أركبه حصانه الخاص وأقره على كلّ ما كان تحت يده ومعه هرات. فالتمس الملك محمود جلالة الملك المعظم أن يمنحه سيستان لأنّها ملكاً توارثه آباؤه وأجداده، فقال له الملك قد وليتك ما بين هرات وسيستان، وانتهى الحديث في المجلس، ولكن الملك محمود أبدى رغبته فيما بعد بالاكتفاء بسيستان. فرحب الملك بهذا الاستغناء. وكان دائماً من المقربين للملك في مجلسه ويعتبر من أكابر إيران وأعيانها. وظلّ مرافقاً للملك طوال الفترة التي بقي فيها هناك، وكثيراً ما كان الملك يكسوه بأنواع الحلي الفاخرة والتيجان المرصعة، حتّى عزم الملك على السفر إلى العراق فاصطحبه إلى مشهد المقدسة، ومن هناك أذن له بالانصراف إلى سيستان بعد أن خلع عليه أنواع الحلي وأفخر الألطاف الملكية. فعاد مع أقاربه ومرافقيه إلى سيستان وأخضع لحكمه (أوق) أيضاً، بالإضافة إلى نيه وقلعه گاه وخاش وخشرود وگرمسيرات المحاذية لهيرمند.
وفي طريق عودته رافقه ألف فارس من التركمان ومعه مير بيرقَلى محملاً بأمر الوكالة.
وكان مير بيرقلي التركماني ـ بالإضافة إلى كونه صهر الملك محمود السيستاني ـ ممثلاً للملك إسماعيل لعشر سنين في حل وعقد كلّ الأمور المهمة في المنطقة، حتّى اتفق كبار سيستان وأهاليها على الطلب من الملك بأن يمنع مير بيرقلي من التدخل بأمر الوكالة وإلاّ فإنّهم سيهاجرون بأجمعهم إلى الهند، وواضح أنّ أهالي سيستان لم يكونوا مرتاحين للتركمان (القزل باش). وذهب مير بيرقلي فيما بعد إلى كرمسيرات، وعيّن بدلاً عنه مير محمد بأمرٍ من الملك محمود.
وبقي الملك محمود في منصبه بعد وفاة الملك إسماعيل، وفي زمن الملك طهماسب حدث أنّ هاجم أخو طهماسب سام ميرزا قندهار بقصد احتلالها، ودخل مع كامران ميرزا في قتال عنيف كانت الغلبة فيه للأخير، فجأ سام ميرزا إلى سيستان، واستقبله الملك محمود بغاية الترحيب.
ولمّا كان الملك طهماسب في خصومة مع أخيه سام ميرزا، فإنّه غضب لموقف الملك محمود من أخيه، ورماه بالنفاق والتقلب، ولكنّه لم يعزله عن ملكه، إنّما قال بأنّ الملك إسماعيل كان قد عيّن وكيلاً من جهته، وأنا أعين بدوري أحمد سلطان ليكون وكيلاً عني، ومنذ اليوم ستخضع كرمسير وخاش وخشكرود ونيه وبندان (نيه وبندان كانت تعتبر مقاطعة واحدة) لأحمد سلطان، وستخضع المقاطعات العشرة الأخرى من سيستان لملك الملوك، الملك محمود (مجموع مقاطعات سيستان آنذاك أربع عشرة مقاطعة).
تألم الملك محمود كثيراً لكلام الملك طهماسب، وتنازل عن كلّ أمواله وأملاكه وعزم على الرحيل عن البلاد إلى جوار ملك الهند، وعندما علم أحمد سلطان بالأمر أرسل مبعوثاً إليه ليصرفه عن عزمه فالتقاه في الحدود وقدم إليه رسالة أحمد سلطان فنظر إليها الملك محمود وقال: «إنّ لي في سيستان مئة ألف مقاتل لا يخرجون عن أمري وقد تخليت عن كلّ أملاكي وعن هؤلاء المقاتلين لكم، حينما تغيّر المزاج المبارك للملك، فلتكن أنت وكيلاً عنه في كلّ المقاطعات، لأنّي أتخلى عن كلّ ملكي الموروث لإرضاء قدوتي ومرشدي».
دخل أحمد سلطان المدينة خائفاً مذعوراً، وكتب بالأمر إلى الملك، فندم هذا لصدور حكمه، وأظهر أسفه وأخذ يقول: «إنّ الملك محمود كان موضع ثقة أبي (الملك إسماعيل)، وقد أجحفنا بحقه» وبعد خمس سنوات عاد الملك محمود إلى إيران بعد أن أمضى سنيه تلك في الهند، فأرسل الملك طهماسب جميع الأمراء وأعيان الدولة لاستقباله، وأعاد له ثانية جميع أراضي سيستان، ولكنّه مرض في قزوين بعد إقامة سنة فيها، ثمّ توفي عن عمر ناهز التاسعة والسبعين ، وبعد 43 سنة من الحكم. فأتي بجثمانه إلى سيستان ودفن في جبل الخواجه غلطان.
ويذكر مؤلف أحياء الملوك هذه الحادثة بأسى وحزن، ويقول بأنّ الحكم في سيستان قد آلت إلى التركمان القزل باش.
وكان من المتعارف عليه آنذاك أن يوكل الملك الحكم في نصف من سيستان إلى أحد أمراء القزل باش. لكن الملك بوفاته قد ترك الساحة مهيئة للآخرين دون معارض، فآلت الحكومة في تلك المناطق حتّى عام 986هـ = 1578م إمّا إلى أمراء القزل باش وإمّا إلى الأمراء الصفويين.
وحين لجوء ملك الهند إلى إيران (951هـ) كانت اولى الشخصيات السياسية التي بادرت إلى استقباله هي أحمد سلطان شاملو حاكم سيستان، ويكتب حسن بيك روملو عن هذا الأمر أنّه: «قدم الملك برفقة ثلاثين أو أربعين شخصاً من قافلة يخيم عليها الغم والهم، وسلكوا طريقاً غير معروفة للوصول إلى سيستان، وبعد طيّهم للطريق وصلوا الولاية المذكورة وهب لاستقبالهم حاكم الولاية احمد سلطان شاملو مع أكثر الأشراف والأعيان، والتقى الإثنان في موضع من مواضع الولاية ونزلوا جميعاً في بيت يليق بمكانة الملك ثمّ توجه الملك برفقة أحمد سلطان إلى هرات…» ([250]).
ورافق أحمد سلطان شاملو الملك إلى قزوين حيث التقيا الملك طهماسب هناك، ومن هناك ذهبوا إلى مدن تبريز وأردبيل([251]) وفي طريق العودة إلى الهند ظلّ أحمد سلطان ملازماً لملك الهند، وكذلك في فتح قندهار.
حكم أحمد سلطان في سيستان ثماني سنوات ثمّ صدر أمر الملك طهماسب بعزله وتنصيب محمد سلطان الاش أغلى بدلاً عنه.
ولم يستطع الحاكم الجديد محمد سلطان كسب ود الناس والأمراء والشخصيات في سيستان، وظلّ في تخاصم دائم مع أهالي الولاية، وهاجم عدّة مرّات حدود مكران، واستمرّت الخصومات بينه وبين الناس لسنين طوال، ويكتب صاحب إحياء الملوك: «قتل محمد سلطان الأش أغلى شاه قاسم كوثري مع اثنين من السادات، فأسرع محمد كوثري إلى بلاط ملاذ العالم (الملك طهماسب) وأخبره بقضية دماء هؤلاء السادة، وبعد أن تحرّى الملك جلية الأمر أجاز السيد محمد كوثري بالاقتصاص لدماء أقاربه، فعفى هذا عن الجناة صدقة للوجه المبارك للملك، فأنعم الملك عليه وأحسن إلى أولاد السادات الكوثرية بـ (السيورغال) ([252]) وهي لا تزال إلى الآن متداولة عندهم وتعود إلى أولادهم سنة بعد أخرى. وأوكل الحكم في سيستان إلى صافي ولي خليفة تواجي روملو. وكانت فترة حكومة محمد سلطان خمس سنوات»([253]).
كان صافي ولي خليفة روملو رجلاً عادلاً، ومحسناً في معاملته مع الأشراف و الأمراء. وبعد ثلاث سنين من حكم سيستان نُسِب من قبل الملك طهماسب في منصب (التواجي گري)([254]).
وبعد صافي ولي خليفه، توالى على حكم سيستان اثنان من أولاد أخي الملك طهماسب هما السلطان حسين ميرزا وبديع الزمان ميرزا أولاد بهرام ميرزا.
حكم السلطان حسين ميرزا بمساعدة حسين بيك استاجلو سيستان لثلاث سنين وكانت آنذاك مناطق نيه وخاش وخشكرود وسرحد ومكران خاضعة لحكمه. ثمّ عيّن السلطان حسين هذا بأمر الملك طهماسب حاكماً لولاية قندهار وزمين داور. ونصب أخوه بديع الزمان حاكماً لولاية سيستان بأمر من عمّه الملك طهماسب. ويكتب عنه الملك حسين سيستاني صاحب كتاب إحياء الملوك ما يلي: «كان بديع الزمان ميرزا خلاصة أولاد بهرام ميرزا بشرفه وأخلاقه وسخائه، وشجاعته وحلمه ووقاره، ولكنّه كان في الظاهر إنساناً بسيطاً وكان دميم الخلقة. وقد استعان في حكمه بإمام قلي بيك ابن ندرخان حاكم شيراز([255]). وفي عهد بُسط العدل والإنصاف في سيستان، وأعيد إعمار اكثر الخرائب. وحُدّد نوع من المعيشة للملوك العظام والأمراء والكرام وعامة الناس كل حسب حاله، وكان بعض ملوك سيستان يضاهونه في حاله». ويكتب في موضع آخر ما يلي: «كان حضرة الميرزا (بديع الزمان) عادلاً مع أهل سيستان وغير متكبر بينهم، وكلّ إنسان يستطيع الحديث معه دون وساطة أركان الدولة والمساعد أو الوزير. وخلال فترة الخمس وعشرين سنة([256]) التي أمضاها في حكم سيستان، لم يسمع منه كلاماً خشناً أو معاملة موهنة لأحد»([257]).
وفي أواخر فترة حكومة بديع الزمان ميرزا في سيستان صدر أمر الملك بتعيين تيمور خان ابن منشن خان مساعداً للأمير، فدخل سيستان مع خمسمائة شخص من أويماق استالجو. وبدأت الخلافات بين بديع الزمان ميرزا وتيمور خان منذ ذلك الوقت، وكان الأمير عازماً على إبعاد تيمور خان، ولكن الأمر انتهى بالعكس ومات في هذه الأثناء الملك طهماسب واعتلى العرش من بعده ابنه إسماعيل الثاني الذي باشر فور تسلّمه الحكم بقتل إخوان الملك والأمراء، وأرسل أحدهم ليقوم بقتل بديع الزمان. فدخل هذا سيستان واستطاع بمساعدة تيمور خان قتل الأمير بديع الزمان وابنه ابن السادسة من العمر بهرام ميرزا([258]). ومع انتشار خبر قتل الأمير، ترك العديد من ملوك وأمراء سيستان هذه المنطقة، وتفرّقوا في أنحاء سيستان.
وقد تأثّر أهالي سيستان غاية التأثّر، وألقى أحدهم ويدعى قاسم القبض على قاتل بهرام ميرزا وقطعه في السوق إرباً إرباً ثم لاذ بالفرار. وآل الحكم في سيستان لتيمور خان بعد مقتل بديع الزمان ميرزا([259]).
وفي عهد الملك إسماعيل الثاني؛ كان تيمور خان مشتغلاً في الحكم([260])، إلاّ أنّ الناس كانوا في غاية النفرة منه، ومال أكثرهم لحكومة الملوك.
واستغل الناس في سيستان الفوضى التي سادت البلاد في زمن الملك محمد خدابنده، فأظهروا سخطهم وأحكموا صفوفهم ثمّ انتفضوا بوجه تيمور خان. فوقعت عدة حروب إثر ذلك وانتهت بفرار تيمور خان من سيستان.
وفي زمن الملك محمد خدابنده، حكم بعض كبار سيستان هذه البلاد لفترة قصيرة، إلاّ أنّ الفوضى استمرّت حتّى عيّن الملك في حكومة سيستان جعفر سلطان أفشار. وكان في عهد هذا الأخير ثمة ألفان أو ثلاثة من القزلباش يمضون حياتهم في سيستان بمشقة في أغلب الأحيان. ويمكن الاستنتاج بأن تسلط القزلباش في عهد الملك محمد خدابنده أدّى إلى نتائج وخيمة حتّى يقول مؤلف إحياء الملوك عن ذلك بأنّ الأهالي في حوض دار وسرابان وآبخوران ومركز المدينة يمنعون مماشاة القزلباش»([261])، وقد انتخب الأهالي شخصاً من الأكابر هو الملك نجم الدين محمود بن ملك حيدر لقيادتهم، ونشبت بينهم وبين القزلباش حروب عديدة، انتهت بتركيع الأخيرين حتّى كان أمر إرسال الملك نجم الدين لعدد من أصحابه إلى المدينة لإبلاغ رسالته التي تفيد بأنّ «على أهالي افشار إخلاء المدينة بأموالهم وعرضهم بأمان تام على أرواحهم. وحتّى نهاية ذلك اليوم لم يبق أحد من الأفشار في المدينة، وقد أخرجوا معهم جميع أموالهم (985هـ)… وتهيأ الأمر لحكومة الملك نجم الدين باتحاد الناس حوله وتأييدهم له… فأصبح الملك إرثاً له في سيستان بعد أن أقره الملك على الحكم في هذه الولاية».
وعندما اعتلى الملك عباس الأوّل العرش في إيران أخذ بنظر الاعتبار وضع سيستان واتحاد أهلها، فرجح عدم إرسال أحدٍ من القزل باش إلى هناك، وأوكل الحكم في سيستان للملك محمود. ويكتب اسكندر بيك الكاتب الخاص للملك عباس حول هذا الموضوع ما يلي: «… ولكون الملك محمود يرجع في أصله إلى الولاة القدماء لسيستان ويرتبط نسبه بالصفاريين. ولمّا كانت الولاية المذكورة خالية من الأمراء القزل باش بعد وفاة إسماعيل ميرزا… فإنّه ـ الملك محمود ـ باشر بالمطالبة بالحكم في سيستان وحرضه على ذلك ملوك وأمراء سيستان الذين يرغبون في استقلال هذه الولاية. ومن ثمّ فقد نشبت الحرب بينه وبين جعفر سلطان أفشار الذي كان الملك المعظم قد عيّنه حاكماً لسيستان، وانتهت الحرب بانتصار الملك محمود الذي استقل بالحكم وانقاد له الصغير والكبير دون أن يرتفع صوت مخالف في أي ناحية من نواحي الولاية.
وعندما بلغ الخبر مسامع الملك عباس الأوّل، رأى الصلاح في إبقائه في الحكم وأرسل الأمر في ذلك بيد محمد خان التركماني (المساعد السابق لبديع الزمان ميرزا)([262]).
وفي هذه الأثناء توجّه مظفر حسين ميرزا ابن السلطان حسين ميرزا ابن بهرام ميرزا والي قندهار ومعه مساعده حمزة بيك في جيش كبير صوب سيستان، حسداً للملك محمود. وبعد محادثات ومفاوضات، توافقا على زواج مظفر حسين ميرزا بابنة الملك محمود، وزواج الملك جلال الدين بن الملك محمود من ابنة حمزة بيك، وإبقاء سيستان في يد الملك محمود. وبعد انعقاد الصلح بين الطرفين رجع مظفر حسين ميرزا مسروراً إلى قندهار. ونتيجة لذلك حسد رستم ميرزا أخو مظفر حسين ميرزا الذي عيّنه الملك عباس الأوّل حاكماً لكرمسيرات وزمين داور أخاه مظفراً وعزم على فتح قندهار. فاتّحدت قوات محمود مع قوات مظفر حسين وبعد حروب طويلة يأس الميرزا رستم من فتح قندهار، ثمّ ترسخ في ذهنه أمر الحكم في سيستان وأمر أخيراً بقتل الملك محمود، وهكذا قتل الملك السعيد ذو الأخلاق الفاضلة. وفي اليوم التالي هاجم الملك جلال الدين ابن الملك محمود رستم ميرزا مستعيناً بالملوك الآخرين في سيستان ولم يطق رستم ميرزا مقاومة كلّ هؤلاء فلاذ بالفرار([263]).
ويذكر رضا قليخان هدايت ما يلي: «اجتمع إلى رستم ميرزا بعض أمراء القزلباش الذين هربوا من الملك عباس الأول، وبعد أن استعد هؤلاء اتجهوا صوب سيستان فأخذوها وقتلوا الملك محمود فيها…»([264]) وبعد مقتل الأخير تولّى ابنه الملك جلال الدين الحكم في سيستان بمساعدة ملوك الولاية الآخرين. وفي زمن حكومة الملك جلال الدين هاجم الأوزبك سيستان عدّة مرّات واحتلوا بعض أجزائها. وقد صمد أهالي سيستان بوجه الأوزبكيين طوال الحروب التي دارت بينهم، ثمّ وضع الملك جلال الدين الأهالي في قلعة وذهب إلى الملك عباس في أصفهان فرحب به أيّما ترحيب، ثمّ رجع إلى سيستان. ولكن أولاد جاني بيك سلطان الذين أمرهم عبدالله خان باحتلال ولاية سيستان كانوا قد بلغوا غاية قوتهم، ورأى الملك جلال الدين أنّ لا طاقة له بردّهم فصمّم على الذهاب إلى ملك الهند، ولكنّه سمع بنبأ انتصار الملك عباس الأوّل على الأوزبك فسافر للالتقاء بالملك، وفوّضت له الحكومة في سيستان منذ ذلك الحين([265]).
ولا يخفى أنّ الملك عباس الأوّل، أعطى الحكم في سيستان([266]) إلى كنج علي خان حاكم كرمان أثناء إعادة فتح خراسان في 6/1007هـ/8ـ1599م. ولكن الملك جلال الدين أسرع إلى لقاء الملك، فأعاد هذا له الحكم في الولاية. ومنذ ذلك الحين ظلّ كبار سيستان تربطهم بالبلاط الملكي روابط حسنة.
وليس هناك معلومات دقيقة حول سيستان منذ موت الملك عباس الأوّل وحتّى هجوم الأفغان على إيران. ولكن يظهر أنّها ظلّت جزءاً من إيران، ويذكر تاقرنيه «بأنّ إيران قد قسمت إلى سبع عشرة ولاية، والولاية الثانية عشرة هي ولاية سجستان التي كان اسمها درانجيان، ومن أهم مدنها: سيستان وشالاك وكَسَ»([267]).
ويظهر أنّ سيستان كانت من المناطق الرئيسية في البلاد في زمن الملك سليمان الصفوي وكان لحاكمها المقام الشامخ في الديوان العالي. ويشير كمبڤر السائح الذي قدم إلى إيران في عصر الملك سليمان إلى سيستان ضمن إشارته إلى المناطق الرئيسية المهمة في إيران حيث يقول: «يسمّى الولاة الكبار باسم بكلير بيگى أي سيد السادات، ولكون الأقاليم التابعة لسلطة هؤلاء في غاية السعة، فإنّ ثمة خانات كثيرين خاضعين لهم. ومنزلة هؤلاء الـ (بيگلر بيگي) تعدّ من أعلى المنازل في الديوان الملكي.
ويوجد الآن أشخاص يحملون لقب (بيگلر بيگي) في الأجزاء التالية من إيران: ناحية فارس لولايات لرستان، خوزستان، كردستان، وسيستان، وفي ناحية خراسان لولايات مشهد، هرات، خراسان وقندهار([268]).
وأصبح لعنوان الوالي معنى أخص في زمن الملك عباس الأول، وكان الولاة كغيرهم من سائر الحكام يترقون إلى درجة الخان حين تنصيبهم. ويزعم شادرن أنّ لقب الوالي كان مختصاً بحاكم سيستان([269])، ولكن ليس له دليل في المصادر الفارسية. وفي أواخر العصر الصفوي اعتبرت سيستان جزءاً من المناطق الخاضعة لـ (بيگلر بيگي) (مرو) أي لحاكمها([270]).
وكانت سيستان معبراً للقوافل المهمة، وورد في كتاب إحياء الملوك ما يلي: «قدم ملاذ السيادة الأمير محمد أمين المشهدي ـ الذي أمضى سنين طوالاً في الهند، إلى سيستان في قافلة مكوّنة من عشرة آلاف بعير، والأمير محمد أمين هذا وإن كان أميراً للقافلة إلاّ أنّه كان يفوق الأشراف والأكبار بقابلياته وشخصيته وكان له علاقة حمية مع ملك الملوك في سيستان، بحيث نزل عنده شهراً كاملاً ومعه جميع أعضاء قافلته»([271]).
وكانت سيستان تعتبر في عصر الصفويين، مستودعاً للغلال والحبوب أيضاً، وفي هذا الخصوص يكتب صاحب إحياء الملوك: «وفي هذه الفترة وصلت من الديوان العالي مبالغ قدرها 1000 تومان من الذهب إلى وكلاء ملك الملوك والمسؤولين في سيستان لشراء السلع من كلّ مدن خراسان وكذلك ثمانية آلاف كيس غلة من سيستان»([272]).
وكذلك تعتبر سيستان في زمن الملك عباس الثاني واحدة من مراكز الغلال الرئيسية في البلاد، وجاء في كتاب «عباس نامه» ما يلي: «سُلّم مبلغ خمسة آلاف تومان من الخزانة العامرة إلى محمد قليخان جقتاي الحاكم السابق لأيروان من أجل ابتياع الغلة من مشهد المقدسة وتوابعها ودار السلطنة في هرات وفراه وسيستان»([273]).
وحسب قول شاردن فإنّ ثمة أشياء أخرى في سيستان إذ يقول: «هناك الأشجار المثمرة والحبوب الحناء والبزورات وكذلك الكثير من أشجار الفلفل والعرعر في كرمان وسيستان»([274]).
وكانت سيستان في زمن الصفويين تحوي أفضل مصانع الحصران إذ يقول شاردن: «امتاز الإيرانيون بمهاراتهم في نسج الحصران، وتمتاز الحصران الإيرانية بسهولة طيّها، وبظرافتها وبداعة نقوشها، وتتواجد في سيستان أفضل مصانعها، وكذلك تصنع هذه الحصران في الأهواز المجاورة لدجلة والفرات»([275]).
كانت أولى هجمات محمود الأفغاني على إيران باتجاه سيستان ومنها إلى كرمان. ومن ضمن كبار قواد جيشه في حملته على أصفهان كان ثمة رجل يدعى نصر الله وهو مجوسي من أهل سيستان و معروف باسم «كور سلطان» أي السلطان الأعمى، إذ كانت عادته أن يعصب إحدى عينيه في هجومه (ر.ك، كروز ينسكي في كتابه «تابرخي انقلاب إيران» ص274). وكان هذا قائداً صلباً، مدبّراً في الشؤون العسكرية وشجاعاً بحيث انتخبه الأفغان قائداً لهم برغم كلّ الاختلافات الدينية. وبينما كانت جيوش محمد الأفغاني تحاصر أصفهان، كان ثمة ثلاثة أشخاص من الخانات في طريقهم إلى أصفهان في خمسة آلاف رجل لنصرة الملك سلطان حسين. وعندما بلغ هذا الخبر محمود أرسل نصر الله كور سلطان مع أربعة آلاف مقاتل لصدّهم فالتقاهم على بُعد ثلاثة فراسخ من أصفهان وقاتلهم قتالاً عنيفاً حتّى قتل منهم ألف وخمسمائة رجل بينما لاذ الآخرون بالفرار.
وبعد فتح أصفهان، هاجر أبناء نصر الله كور سلطان ومعهم ألف ومائتا عائلة أفغانية من سيستان إلى أصفهان([276]).
وآخر الشخصيات السياسية في سيستان في العهد الصفوي هو الملك محمود السيستاني الذي يدعي رجوع نسبه إلى الصفاريين([277]).
طرد الملك محمود من ولايته، فهيأ قوّة في ناحية (تون)، وهناك هاجمه حاكم مشهد الأفشاري في جيش كبير، ولكن الملك محمود تصدّى له بقوّة قليلة وتمكّن من قتل القائد الإيراني وتشتيت جيشه، فنال بعدها الملك محمود منصب الحاكم المستقل لناحية تون.
وحينما كان الأفغان يحاصرون أصفهان، تحرّك الملك محمود بقوّة كبيرة قوامها عشرة آلاف مقاتل، واتّجه صوب گلنا باد. وهنا بدأت نفوس الإيرانيين تستعيد شيئاً من الأمل. ولكنّه انكفأ راجعاً عندما وعد بخراسان وسيستان وأعطي التحف والهدايا، وبذلك تحوّلت آمال الإيرانيين إلى هواء في شبك، وهكذا تخلّى الملك محمود عن إيران التي كانت في أمسّ الحاجة إليه من أجل نيل الحكم([278])، وبذهابه أخذت قواعد حكومة السلالة الصفوية تتزلزل وتهن.
وبعد عودة الملك محمود من أصفهان وتركها على حالها، فإنّه سارع إلى استغلال الوقت المناسب، وأحكم قبضته على مشهد عام 1136هـ ـ 1723م حيث كانت تسودها الفوضى والاضطراب.
وحينما أحكم السيطرة على هذه المدينة المقدسة، عمد إلى تتويج نفسه بتاج على طراز تيجان الكيانيين، وأعلن نفسه ملكاً مستقلاً وباشر بتهيئة جيش حديث مكوّن من الفرسان والمشاة والمدفعية. وفي أثناء غيبة بابا علي بيك جاء أحد مأموريه ووجّه إهانة إلى عائلة القائمقام، فعمد نادر قلي من فوره إلى قتل هذا المأمور وحماية عائلة القائمقام. وحينما سمع صاحب نادر بالنبأ أصيب بالذعر والقلق، ولكن نادر اقترح عليه بكلّ جرأة وشهامة أن يذهب بنفسه إلى مشهد ويعتذر هناك.
وفي مشهد اعتذر إلى الملك محمود بأنّ وفاءه أرغمه على الدفاع عن شرف هذا السيد، وعندها لم يكتف الملك محمود بالعفو عنه بل خلع عليه حلية، وأمره بشن هجوم على الأوزبك الغزاة وهكذا دخل في خدمته ونال أهمية وشهرة. ولكنّه أخذ يظهر باستمرار أنّه قد وعد بولاية خراسان جزاء لخدمته وراح يًصرّ في ادعائه هذا ممّا أدّى به إلى الضرب ثمّ إلى العزل.
ومنذ ذلك الحين استقرّ نادر بقوّته في كلات، ثمّ هجم على نيشابور التي كانت خاضعة للملك محمود واحتلها باسم الملك طهماسب الثاني الذي دخل في خدمته فيما بعد.
وبعد أن دخل نادر في ركاب الملك طهماسب ولقب بـ (قلي خان سپهسالار) فإنّه عمد إلى الهجوم على مشهد، وحدثت هناك معارك طاحنة وانتصر نادر في إحداها، ولكن مشهد لم تكن سهلة الفتح آنذاك فظلّت صامدة حتّى حدثت خيانة وسلمت إحدى بوابات المدينة (عام 1139هـ)، فدخل نادر إلى قلب المدينة، وظلّ الملك محمود يقاتل يائساً حتّى هُزِم، ثمّ سلم نفسه حينما أدرك سقوط مشهد بيد الملك طهماسب الثاني ونادر. فسمح له الأخير بالسكن في إحدى غرف الحرم الطاهر في مشهد، ولكنّه عاد واتهمه بالقيام بسلسلة من المؤامرات المعادية له، ثمّ أصدر أمراً بقتله([279]).
ويذكر مؤلف «تاريخ نادرشاه» إنّ: «الملك محمود وجميع أقاربه وإخوانه قد سعوا بكلّ قوّتهم لدفع الحصار عن قلعتهم، ولكن بانت عليه إمارات الضعف والعجز بعد حين، ثمّ اضطر إلى الصلح والمداراة، فقيد ومن معه من أقاربه بالسلاسل وأحضروا جميعاً إلى حضرة الخان المعظم والقائد الأعظم نادر وهم يبلغون الاثنين والعشرين نفساً وكلّ منهم كان يرى نفسه ثالثاً لرستم واسفنديار. فَأُمِر بالقائهم في السجن الملكي. وكان القائد الأعظم نادر متيقناً من خيانة الملك محمود خان وإخوانه فلم يُضعْ الفرصة وأمر بقتلهم جميعاً»([280]).
إنّ ما ذكرناه هو خلاصة لموقع سيستان المنجبة للأبطال، سيستان التي كانت لسنين طوال تتمتع بالاستقلال وكان سلاطينها يضربون النقد بأسمائهم، سيستان التي بلغ خراجها في القرن التاسع بعد تخريب تيمور وشاهرخ لها ـ سبعة ملايين وخمسمائة واثني عشر درهماً، وكلّ درهم يعادل مثقال فضة. سيستان التي كانت في القرن الحادي عشر (في عهد الملك عباس وما بعده) مترامية الأطراف، فكانت حدودها الشرقية تمتد من كشمير حتّى سواحل بحر الهند، وحدودها الغربية تمتد إلى كرمان بينما كانت اسفزار حد سيستان الشمالي والسند هو حدّها الجنوبي. إنّ سيستان هذه بدأت تفقد موقعها الطبيعي شيئاً فشيئاً إثر الحملات المتكررة للقبائل والطوائف المختلفة وسوء تدبير بعض السلاطين المحليين قديماً ومن ثم بعدهم ظلم وجور ولاة في العهد القاجاري، إضافة إلى قساوة الطبيعة التي أخذت تبتلع المعالم التراثية يوماً بعد آخر.
الدكتور حسين مير جعفري
سيستان
في معجم البلدان
هي عند ياقوت الحموي في (معجم البلدان) سجستان وقد ذكرها ياقوت بما يلي:
سِجِسْتَانُ: بكسر أوّله وثانيه، وسين أخرى مهملة، وتاء مثناة من فوق، وآخره نون: وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة، ذهب بعضهم إلى أنّ سجستان اسم للناحية وأنّ اسم مدينتها زَرَنج، وبينها وبين هراة عشرة أيّأم ثمانون فرسخاً، وهي جنوبي هراة، وأرضها كلّها رملة سبخة، والرياح فيها لا تسكن أبداً ولا تزال شديدة تُدير رحيّهم، وطحنهم كلّه على تلك الرحى. وطول سجستان أربع وستون درجة وربع، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وسدس، وهي من الإقليم الثالث. وقال حمزة في اشتقاقها واشتقاق أصبهان: إنّ أسباه وسك اسم للجند وللكلب مشترك وكلّ واحد منهما اسم للشيئين فسمّيت أصبهان والأصل أسباهان وسجستان والأصل سكان وسكستان لأنّهما كانتا بلدتي الجند، وقد ذكرت في أصبهان بأبسط من هذا؛ قال الإصطخري: أرض سجستان سبخة ورمال حارة، بها نخيل، ولا يقع بها الثلج، وهي أرض سهلة لا يرى فيها جبل، وأقرب جبال منها من ناحية فَرَه، وتشتد رياحهم وتدوم على أنّهم قد نصبوا عليها أرحية تدور بها وتنقل رمالهم من مكان إلى مكان ولولا أنّهم يحتالون فيها لطمست على المدن والقرى وبلغني أنّهم إذا أحبّوا نقل الرمل من مكان إلى مكان من غير أن يقع على الأرض التي إلى جانب الرمل جمعوا حول الرمل مثل الحائط من حطب وشوك وغيرهما بقدر ما يعلو على ذلك الرمل وفتحوا إلى أسفله فتدخله الريح فتطير الرمال إلى أعلاه مثل الزّوبعة فيقع على مدّ البصر حيث لا يضرّهم، وكانت مدينة سجستان قبل زَرَنج يُقال لها رام شهرستان، وقد ذكرت في موضعها، وبسجستان نخل كثير وتمر، وفي رجالهم عِظَم خلق وجلادة ويمشون في أسواقهم وبأيديهم سيوف مشهورة، ويعتمّون بثلاث عمائم وأربع كلّ واحدة لون ما بين أحمر وأصفر وأخضر وأبيض وغير ذلك من الألوان على قلانس لهم شبيهة بالمكّوك ويلفونها لفّاً يظهر ألوان كلّ واحدة منها، وأكثر ما تكون هذه العمائم إبريسم طولها ثلاثة أذرع أو أربعة وتشبه الميانبندات، وهم فرس وليس بينهم من المذاهب غير الحنفية من الفقهاء إلاّ قليل نادر، ولا تخرج لهم امرأة من منزل أبداً وإن أرادت زيارة أهلها فبالليل، وبسجستان كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم ولا يتحاشون منه ويفتخرون به عند المعاملة، حدّثني رجل من التجار قال: تقدّمت إلى رجل من سجستان لأشتري منه حاجة فماكسته فقال: يا أخي أنا من الخوارج لا تجد عندي إلاّ الحق ولست ممّن يبخسك حقك، وإن كنت لا تفهم حقيقة ما أقول فسل عنه، فمضيت وسألت عنه متعجباً، وهم يتزيون بغير زيّ الجمهور فهم معروفون مشهورون، وبها بليدة يُقال لها كَرْكُويَه كلّهم خوارج، وفيهم الصوم والصلاة والعبادة الزائدة، ولهم فقهاء وعلماء على حدة؛ قال محمد بن بحر الرُّهني: سجستان إحدى بُلدان المشرق ولم تزل لَقاحاً على الضيم ممتنعة من الضيم منفردة بمحاسن متوحدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان، ما في الدنيا سوقة أصح منهم معاملة ولا أقل منهم مخاتلة، ومن شأن سوقة البلدان أنّهم إذا باعهم أو اشتراى منهم العبد أو الأجير أو الصبي كان أحبّ إليهم من أن يشتري منهم الصاحب المحتاط والبالغ العارف، وهم بخلاف هذه الصفة، ثمّ مسارعتهم إلى إغاثة الملهوف ومداركة الضعيف، ثمّ أمرهم بالمعروف ولو كان فيه جدع الأنف؛ منها جرير بن عبدالله صاحب أبي عبدالله جعفر بن محمد الباقر؛ ومنها خليدة السجستاني صاحب تاريخ آل محمد؛ قال الرهني: وأجلّ من هذا كلّه أنّه لُعن علي بن أبي طالب، على منابر الشرق والغرب ولم يُلعن على منبرها إلاّ مرّة، وامتنعوا على بني أُميّة حتّى زادوا في عهدهم أن لا يُلعن على منبرهم أحد ولا يصطادوا في بلدهم قنفذاً ولا سلحفاة، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، على منبرهم وهو يُلعن على منابر الحرَمين مكة والمدينة؟ وبين سجستان وكرمان مائة وثلاثون فرسخاً، ولها من المدُن زالق وكَرْكُويَه وهيسوم وزَرنج وبُسْتُ، وبها أثر مربط فرس رُستم الشديد ونهرها المعروف بالهندمند، يقول أهل سجستان: إنّه ينصب إليه مياه ألف نهر فلا تظهر فيه زيادة وينشقّ منه ألف نهر فلا يرى فيه نقصان؛ وفي شرط أهل سجستان على المسلمين لما فتحوها أن لا يُقتل في بلدهم قُنفُذ ولا يصطاد لأنّم كثيرون الأفاعي والقنافذ تأكل الأفاعي، فما من بيت إلا وفيه قنفذ، قال ابن الفقيه: ومن مُدُنها اللرُّخَّج وبلاد الداور، وهي مملكة رُستم الشديد؛ ملّكه إيّاها كيقاوس وبينها وبين بُست خمسة أيام؛ وقال ابن الفقيه: بسجستان نخل كثير حول المدينة في رساتيقَها وليس في جبالها منه شيء لأجل الثلج وليس بمدينة زرنج وهي قصبة سجستان لوقوع الثلج بها؛ وقال عبيدالله بن قيس الرُّقيات:
نضَّرَ اللهُ أعظُماً دفنوها
بسجستان طلحة الطلحاتِ
كان لا يحرم الخليل ولا يعتـ
ـلّ بالنّجْل جيّب العذراتِ
وقال بعضهم يذمْ سجستان:
يا سجستان قد بلوناك دهراً
في حرامَيك من كلا طرفيكِ
أنتِ لولا الأمير فيك لقلنا:
لعنَ الله من يصيرُ إليكِ!
وقال آخر:
يا سجستان لا سقتك السحابُ
وعلاك الخرابُ ثمّ اليبابُ
أنت في القُرّ غُصّةٌ واكتئابٌ
أنت في الصيف حيّةٌ وذبابُ
وبلاءٌ موكَّلٌ ورياحٌ
ورمالٌ كأنّهنّ سقابُ
صاغك الله للأنامِ عذاباً
وقضى أن يكون فيك عذابُ
وقال القاضي أبو علي المسبحي:
حلولي سجستان إحدى النّوَبْ،
وكَوْني بها من عجيب العَجَبْ
وما بسجستان من طائلٍ
سوى حُسن مسجدها والرُّطَبْ
وذكر أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي قال: سمعتُ محمد بن أبي نصر قلْ هو الله أحد، خوان([281])؛ يقول أبو داود السجستاني الإمام: هو من قرية بالبصرة يُقال لها سجستان وليس من سجستان خراسان، وكذلك ذكر لي بعض الهرويين في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة قال: سمعت محمد بن يوسف يقول أبو حاتم السجستاني من كورة بالبصرة يُقال لها سجستانة وليس من سجستان خراسان. وذكر ابن أبي نصر المذكور أنّه تتبع البصريين فلم يعرفوا بالبصرة قرية يُقال لها سجستان غير أنّ بعضهم قال: إنّ بقرب الأهواز قرية تسمّى بشيء من نحو ما ذكره، و درس من كتابي هذا لا أعرف له حقيقة لأنّه ورد أنّ ابن أبي داود كان بنيسابور في المكتب مع ولد إسحاق بن راهويه وأنّه أوّل ما كتب كتب عند محمد بن أسلم الطوسي وله دون عشر سنين، ولم يذكر أحد من الحفاظ أنّه من غير سجستان المعروف؛ وينسب إليها السجزي، منهم: أبو أحمد خلف بن أحمد بن خلف بن الليث بن فرقد السجزي، كان ملكاً بسجستان وكان من أهل العلم والفضل والسياسة والملك وسمع الحديث بخراسان والعراق، روي عن أبي عبدالله محمد بن علي الماليسي وأبي بكر الشافعي، سمع منه الحاكم أبو عبدالله وغيره، توفي في بلاد الهند محبوساً، وسلب ملكه في سنة 399 في رجب، ومولده في نصف محرم سنة 326؛ ودعلج بن علي السجزي؛ ومنها إمام أهل الحديث عبدالله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود أصله من سجستان، كتب من تاريخ الخطيب هو وأبوه وزاد ابن عساكر في تاريخه بإسناد إلى أبي عليّ الحسن بن بندار الزنجاني الشيخ الصالح قال: كان أحمد بن صالح يمتنع على المُرْد من رواية الحديث لهم تعفّفاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه، وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابن أمرد يحب أن يسمع حديثه وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية فاحتال أبو داود بأنّ شد على ذَقَن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنّه ملتحٍ ثمّ أحضره المجلس وأسمعه جزءاً، فأُخبر الشيخ بذلك فقال لأبي داود: أمثلي يُعمل معه هذا؟ فقال له: أيّها الشيخ لا تنكر عليّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمْهُ حينئذ من السماع عليك، قالك فاجتمع طائفة من الشيوخ فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً وغلب الجميع بفهمه ولم يروِ له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً وحصل له ذلك الجزء الأوّل وكان ليس إلاّ أمرد يفتخر بروايته الجزء الأوّل.
سجستان عند الاصطخري
جدد الاصطخري في كتابه (المسالك والممالك) سجستان بما يلي: وأمّا سجستان وما يتصل إليها، فإنّ الذي يحيط بها ممّا يلي المشرق مفازة بين مكران وأرض السند وشيء من عمل الملتان، وممّا يلي المغرب خراسان وشيء من عمل الهند، وممّأ يلي الشمال أرض الهند، وممّأ يلي الجنوب المفازة التي بين سجستان وفارس وكرمان، وفيما يلي خراسان والغور والهند تقويس.
ويتحدّث عنها فيما يتحدّث قائلاً: وسجستان خصبة كثيرة الطعام والتمور والأعناب وأهلها ظاهرو اليسار.
سجلماسة
ـ1ـ
بكسر السين والجيم وسكون اللام: مدينة مندرسة في أقصى جنوب المغرب بالقرب من مدينة الريساني في مقاطعة تافيلات. ولعل الأطلال الموجودة هناك والتي يسمّيها العامة بالمدينة العامرة، هي أطلال هذه المدينة التاريخية. وقد وصفها الرحالة ابن حوقل ثمّ البكري وصفاً مستفيضاً فأشارا إلى كثرة نخيلها وأعنابها وقصورها وأبوابها، ثمّ تحدّثا عن غنى أهلها الذين كانوا يخرجون بالملح والنحاس والودع إلى بلاد السودان ويرجعون بالذهب التبر إلى بلادهم. ولهذا كانوا في سعة من العيش. كذلك كانت نساؤهم مهرة في غزل الصوف وعمل الأزر البديعة التي كان ثمن الإزار الواحد منهم خمسة وثلاثين ديناراً، فهي تفوق الذي بمصر.
ولقد جذبت سجلماسة كما يقول صاحب الاستبصار ـ عدداً من تجار اليهود لكونها مركزاً لتجارة التبر. ولقد تعرّض هؤلاء اليهود لكثير من أنواع الاضطهاد على عهد الفاطميين، لأنّهم هم الذين وشوا بعبدالله المهدي لدى حاكم سجلماسة اليسع بن مدرار. ويضيف البكري أنّ أرض سجلماسة كانت تزرع عاماً وتحصد عن تلك الزريعة ثلاثة أعوام لأنّه شديدة الحرارة، فإذا يبس زرعهم تناثر عند الحصار، وأرضهم متشققة فيقع ما تناثر منه في تلك الشقوق، فإذا كان العام الثاني حرث بلا بذر، وكذلك في العام الثالث.
سلجماسة
ـ2ـ
مدينة تاريخية اندثرت الآن، أسّسها في أواسط القرن الثاني بنو مدرار الخوارج الصفرية وبقيت مزدهرة العمران إلى أن احتلها الفاطميون وأسّس بها المهدي الفاطمي دولة الفاطميين قبل انتقاله إلى إفريقية في أواسط القرن الرابع. واستمرّت عمارتها إلى أن فتحها عبدالله بن ياسين وقضى على أمرائها من بني خزرون.
وكانت المدينة نقطة تجارية هامة بين المغرب والسودان وإفريقيا خلال عصر المرابطين ومن بعدهم كما ازدهرت بها الحركة العلمية والدينية.
وأنجبت طائفة من الأعلام وقصدها الطلاب من الجزائر والصحراء. وفي عهد المرينيين أخذت تسير في طريق الاضمحلال بعد الحصار الذي ضربه عليها أبو الحسن المريني سنة 734 واستعمل فيه المدافع لأوّل مرّة في المغرب. وبعد خرابها تفرّق سكانها إلى المناطق المجاورة بتدغة وغريس ودادس إلخ.
وفي هذه المدينة وما حولها استقرّ الأشراف العلويون عندما قدم جدّهم الأعلى الشريف الحسن بن قاسم أو الحسن الداخل، وذلك في آخر القرن السابع.
سحر بابل وسجع البلابل
اسم ديوان شعر للسيد جعفر كمال الدين الحلي ولد صاحب الديوان في (قرية السادة) المجاورة للحلة سنة 1861م، ودرس في النجف، وكان من أساتذته فيها الشيخ محمد الشربياني (1832ـ1904)، فكان من طرائف الحلي أن قال:
للشربياني أصحابٌ وتلمذةٌ
تجمّعوا فرقاً من ها هُنا وهنا
ما فيهمُ مَنْ له بالعلم معرفَةٌ
يكفيكَ أفضلُ كلّ الحاضرين (أنا)
نشر ديوان شعره الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء بعنوان «سحر بابل وسجع البلابل»، وطبعه في صيدا سنة 1913 معلقاً عليه حواشي مفيدة. ووصف الشيخ في مقدمته بلدة الحلة وصفاً جميلاً، فقال: إنّ لترتبها ومائها وهوائها تأثّر عجيباً في تلطيف الشعور وتنشيط القرائح وتوسيع الخيال. وأشار إلى ما اشتهرت به تلك البلدة في عهدها الأخير من كبار الشعراء وأمراء الفضل والأدب والخطابة والكتابة، وذكر صالح التميمي وأحمد النحوي وولده محمد رضا وصالح الكوّاز والسيد سليمان وابن أخيه السيد حيدر الشهير.
وذكر كاشف الغطاء السيد جعفر فقال: «ولمّا أحسّ من نفسه قوّة الملكة وحسن الاستعداد وأنّه يستطيع أن يستدرّ من شقّ قلمه لماظة عيشه ودرّة قوّته ومؤونة أهله، صارت هذه كبعض الدواعي له المثيرة لما في كامن قريحته، فأصبح يرثي العالم الكبير ويمدح العين الوجيه ويمرح ويسرح في أودية التهاني والرثاء والمديح والعزاء، ولكن في عزّة نفس، وشمم أنف، وعلوّ طبع، وتحت ستار حشمة ووقار.
وقال الدكتور محمد مهدي البصير في كتابه «نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر»: إنّ السيد جعفر كان شاعراً بالفطرة فقد رأى أن يستغلّ موهبته هذه، وأن يتكسب بشعره نزولاً على حكم الضرورة. فقد كان مملقاً شديد الفاقة، فمدح طائفة من الملوك والأمراء والعظماء، طلباً لنوالهم.
واصل الشاعر حياته بين الحلة والنجف يمدح ويرثي ويشارك في الحركة الأدبية حتّى أدركه الحِمام في النجف في 17 شباط 1898م، ولم يكد يبلغ السابعة والثلاثين من عمره. وقد كان شاعراً مكثراً طويل النفس شديد المبالغة والغلوّ، وشعره متين الأسلوب حسن الرصّ قلّما تجد فيه بارقة وجدانية. ومراثيه لأئمّة آل البيت، على قلتها، لا تداني قصائد الشريف الرضيّ ومهيار من المتقدمين، ولا السيد حيدر الحلي وسواه من المتأخرين. أمّا مواضيع شعره فيغلب عليها المديح والرثاء والتهاني والأخوانيات.
وقد احتُسب بولد له سقط من السطح وتوفي على أثر ذلك، فرثاه بقصيدة قال:
تركتك بين أطباق الصفيحِ
وعفتك راجعاً من غير روحِ
وهلتُ ثرى الضريح عليك عمداً
فليت عليّ هلتَ ثرى الضريحِ
بكل صبيحة خدّاك تسقى
دماء العين لا كأس الصبوحِ
فبعدك لا يزور النوم عيني
ولا قلبي يعي قول النصوح
بكيتُكَ، يا بُنيّ. وأنتَ منّي
كما عَلِمَ الأنامُ مكانَ روحي
كفاني أنّني مذ غبت عنّي
دعوتُ الله بالموت المريحِ
ومن لطيف شعره رثاؤه لعشاء فاخر لم يصبه وقد ظفر به (الهرُّ) قبله:
واأسفا على العشا
مطبّقاً مكشمشا
قد ظفر (الهرّ) به
ونال منه ما يشا
ولم يدع إلاّ طبيخاً
(ماشه) ما جرشا
فكيف يرجى أمنه
وهو سَرُوق يختشى
ما حاجة ينظرها
إلاّ لها قد خمشا
لما أتى العبد رأى
طبيخه مخربشا
من بعد ما كمّله
نضجاً له ونشنشا
وأتعب النفس به
من الصباح للعشا
بكى عليه وغدا
يمسح طرفاً أعمشا
وقال: ويل الهرّ، لا
يعلم فيمن (بلشا)
وجسمه من عزمه
جميعه قد رعشا
ثم يصف الشاعر هجوم الطبّاخ على الهر وصراعه معه، و«جعفر الحلّي عن قريضه قد دهشا». وفي نهاية الأمر بات الشاعر وصحبه جياعاً.
وخلاصة القول في الشاعر السيد جعفر آل كمال الدين الحلّي أنّه كان خير ممثل لأدب زمانه وبيئته الحلية النجفية.
السرائر
لابن إدريس الحلي
اِبْنُ إدريس هو أبو عبد الله إدريس العِجلي الحلّي (ح543ـ598هـ/1148ـ1202م)، من كبار الفقهاء. ويدل على جلال قدره شجاعته العلمية في كسر سنة التقليد لآراء الشيخ الطوسي، وإيجاد حركة في فقه الشيعة، وإخراجه من الركود والجمود وتشجيع الابتكار والفكر الحر، وقد كان جميع من جاء من الفقهاء حتّى مئة سنة من وفاة الشيخ الطوسي لا يحيدون عن آرائه حتّى يمكن القول إنّ باب الاجتهاد أصبح إلى حدّ ما مغلقاً في مثل هذا الوضع تجاوز ابن إدريس دائرة التقليد وبادر إلى إحياء الاجتهاد وإبداء الرأي الحر. وكان ينتقد أحياناً آراء الشيخ وكان حاد اللهجة أحياناً، ولكنّه مع ذلك لم يتوان عن احترام الشيخ، وذكره بعبارات مثل «الشيخ السعيد الصدوق تغمّده الله برحمته».
قال ابن داود: إنّه كثير التآليف، ولكن لم يبق من مؤلفاته سوى المطبوعة:
1 ـ السرائر أو الحاوي لتحرير الفتاوي، ويبدو من موضعين في الكتاب (ص170، 401) أنّه ألّفه خلال سنتي 587ـ588هـ/1191م.
2 ـ المنتخب في تفسير القرآن والنكب المستخرجة من كتاب التبيان، نشر في مجلدين بقم، 1409هـ.
سراج التواريخ
كتاب للملا فيض محمد
ولد المؤلف سنة 1279هـ في قرية (زردسنگ) من توابع قره باغ بأفغانستان وتوفي سنة 1350هـ هو كما يقول عنه الشيخ حسين علي يزداني: أكبر شخصية علمية شيعية في القرن الأخير في أفغانستان. ليس لدينا تفاصيل عن طفولته ودراسته الأولى، غير أنّ المعروف أنّه بعد دراسة المقدمات في موطنه قصد النجف الأشرف لفترة قصيرة ثمّ تابع دراسته في مدينة (لاهور) الهندية التي هي اليوم في الباكستان، كما أنّه درس في قندهار وكابل.
وفي سنة 1297هـ أثاروا فتنة بين السنة والشيعة تعرّض فيها الشيعة لمذابح لم يسلم منها حتّى الأطفال والشيوخ والنساء، ما اضطر الكثير من الأسر الشيعية لأن ترحل عن (محمد خواجه)* وتتجه إلى (ناهور) للاستقرار فيها وكان والد المترجم بين النازحين.
يعتبر المؤلف من أبرز مؤرخي أفغانستان، وقد ترك آثاراً تاريخية وعلمية قيّمة في مجال التاريخ والحكمة والكلام والفقه والأدب العربي وأصول الفقه والمنطق والكلام والرياضيات.
وكان يجيد اللغة العربية واللهجة البشتوية ويحسن الأردوية والإنكليزية([282]).
ويعتبر كتاب (سراج التواريخ) من أحسن الكتب الذي صنّفت في تاريخ أفغانستان، حيث يحتوي المجلد الأوّل منه على الحوادث التي جرت على عهد السلاطين السدوزائيين في فترة تبلغ 98 سنة وقد فرغ المؤلف من تأليفه سنة 1325هـ.
ويبدأ المجلد الثاني من بداية عهد (محمد زائيها) والحوادث التي وقعت فيه إلى سنة 1297 وانتهى المؤلف منه سنة 1331 وقد طبع المجلدان في نفس السنة أي سنة انتهاء تأليف المجلد الثاني في كابل في حجم 34×21سم، وبلغ مجموع صفحات المجلدين 378 صفحة.
وأمّا المجلد الثالث من الكتاب فقد كان حجمه أكبر من المجلدين الأولين، وهو ينطوي على الوقائع والحوادث التي وقعت في أفغانستان من سنة 1297هـ وهي السنة التي تولّى فيها المنصب الأمير عبدالرحمن إلى سنة 1314 أي ما يقارب ستة عشر سنة من الحوادث المؤلمة والمجازر الرهيبة والعهد المظلم أيام تقلد السلطة هذا الأمير الجلاد. ويبلغ عدد صفحاته (862) صفحة وبذلك يبلغ عدد صفحات مجموع الكتاب 1240 صفحة.
وقد بدئ بطبع المجلد الثالث في كابل في سنة 1333. ولكن بسبب ضخامة حجمه طالت فترة الطباعة ثلاث سنوات وقد كان الفراغ من طبعه سنة 1336.
وكان ترتيب طبعه هو أنّ المؤلف كان يكتب فصلاً يرسله إلى المطبعة. ولذلك نرى أنّ حوادث وردت في غير محلها أي سجلت في الفترة بين 1333 و1335 أي في فترة طبع الكتاب.
ولقد اعتمد مؤلف كتاب (سراج التواريخ) على الوثائق والمعاهدات، والفرامين الحكومية وعلى الإسناد والمدارك المختلفة التي كانت في دار الإنشاء في البلاط.
والقارئ لهذا الكتاب تتضح له أسباب تأخّر البلاد وما كانت تعاني. والعامل الأوّل هو سيطرة سلاطين ورؤساء جهلاء، أميين، أعداء للعلم والثقافة، فكان لهم الدور الأساسي في تحطيم البلاد وتأخرها في كل النواحي. فقد قصموا ظهر المجتمع الأفغاني بحيث لا يمكن النهوض، وهم عزلوا الشعب عن الاتصال بالعالم الخارجي والتطورات العلمية والفنية وعمدوا إلى التصفية الجسدية لكلّ الفعاليات النشيطة العاملة ذات المواهب الخلاقة البناءة من طبقات المجتمع، وكانت سجونهم مليئة بهم بغية التخلص منهم تدريجياً. ولم يكن لهم ذنب سوى أنّهم اتهموا بحب الوطن والإخلاص له وللحرية. ومن أبرز الثمار التي اقتطفوها إيقاعهم الفرقة بين الشيعة والسنة التي لا زالت باقية وتتطور يوماً فيوماً في البلاد.
وخلاصة القول إنّ الكتاب يعطي للقارىء صورة حقيقة واضحة لمأساة أفغانستان.
والجدير بالذكر أنّه لو لم يؤلف كتاب سراج التواريخ فلم نكن لنعرف تفصيلاً عن الجنايات التي ارتكبها عبد الرحمن.
وتبلغ مجلدات (سراج التواريخ) الخمسة، ولكن ليس لدينا سوى ثلاثة فقط. وقد ذكر الدكتور عبد الأحمد جاويد الأستاذ في جامعة كابل في مقال له تحت عنوان: نظرة إجمالية على الحالة الثقافية في عهد محمد الزائي، بأنّ عدد مجلدات كتاب سراج التواريخ خمسة.
وقد قالت هيئة التحرير في (آريانا دائرة المعارف) عن كتاب سراج التواريخ ما يلي:
«إنّ أكبر أثر تاريخي في عهد الأمير حبيب الله وما بعده من السلاطين هو كتاب سراج التواريخ تأليف فيض محمد الكاتب، وهو يقع في خمسة مجلدات ولم يطبع منها سوى ثلاثة، وقد بدأ في تصنيف المجلد الأوّل منه من بداية عهد الإبداليين…
وأمّا المجلد الخامس منه فقد اقتصر على الحوادث الواقعة في عهد أمان الله خان والنسخ الخطية للمجلدين (4ـ5) موجودة.
وقد ذكر الكتاب عبد الحي حبيبي المؤرخ الأفغاني الشهير مع ذكر عدد مجلداته كما يلي:
«يعتبر كتاب سراج التواريخ الأوّل من نوعه في ضبط الوقائع الإدارية في الحكومة الأفغانية، وهو يعتبر المصدر الأساسي للمؤرخين والمتطلعين وأصحاب الاختصاص الذين يرومون كتابة التاريخ الحديث.
واستطرد عبد الحي حبيبي قائلاً: وقد نقل لي الدكتور پهروز سنة 1982 أنّ الكاتب دون كتاب تاريخه هذا إلى حدود السنة الثامنة عن عهد أمان الله أي إلى سنة 1927، ودون حوادث السنوات الست الأخيرة في عهد الأمير عبد الرحمن والفترة التي تقع في عهد إمارة حبيب الله خان، فقد جمعها في مجلد واحد حيث يبلغ عدد صفحاته ما يقارب ثلاثة آلاف صفحة، وقد كان موجوداً في مكتبة المعارف، وقد جاء فيه تفصيل مقتل الأمير حبيب الله، ولكنّه فقد بعد ذلك، وقد رئي المجلد الخامس منه بخط المؤلف عند عبد الغفور عزقة، وكان يشتمل على الحوادث التي وقعت مدّة ثماني سنوات وثلاثة أشهر من عهد سلطنة أمان الله خان وهو مفقود أيضاً([283]).
ونفهم من الإعلانات المتعددة التي طبعت في جريدة سراج الأخبار الأفغانية سنة 1334ـ1335هـ لسنتها السادسة ـ نفهم منها أنّ المجلد الثالث أنجز طبعه، وأنّ المجلد الرابع تحت الطبع، ويحتمل أن تكون هناك نسخة لكلّ من المجلد الرابع والخامس عند الرئيس (عنايت الله خان) ابن الأمير حبيب الله، لأنّ الطبع كان يجري تحت إشرافه، فلا يبعد أن يكون قد احتفظ لنفسه بنسخة من كلّ مجلد.
لماذا أحرقوا كتاب سراج التواريخ؟
عندما صدر القسم الأوّل من المجلد الثالث من كتاب السراج إلى الأسواق وعرض للبيع، اقتناه بعض الموالين للسلطة، فتفطن لمدى خطورة الكتاب حيث يعتبر من أكبر الوثائق الحية لفضح جرائم عبد الرحمن وأسرته، فحذر السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، فصدرت الأوامر بجمع البقية الباقية من الكتاب من جميع المكتبات وجرى الشيء نفسه بالنسبة إلى المجلد الرابع والخامس الذي كان لا يزال تحت الطبع، فجمعت النسخ كلّها وأحرقت، إلاّ ما كان قد تسرّب إلى بيوت الناس، فإنّه سلم من الإحراق والإتلاف. ويقول غلام محمد غبار عن كيفية إحراق نسخ (سراج التواريخ) أنّه عندما طالعه الملك أمان الله حفيد الأمير عبد الرحمن وعرف تفصيل كيفية إهداء لقب الرئيس الشجاع الأعظم المحترم ونجم الهند لطبقة الأشراف إلى غير ذلك من الألقاب الرنانة والفخمة من قبل الملكة فيكتوريا. وظهرت له عمالة جدّه للبرطانيين. غضب الأمير ممّا جرى بين جدّه وبين الإنكليز، فأصدر فوراً أمراً بحرق جميع نسخ هذا الكتاب، وكتابة تاريخ جديد لأفغانستان يكون محل الاعتماد. ولكنّه غفل بأنّ الكتاب الذي أمر بحرقه هو التاريخ الصحيح لأفغانستان وأنّه يعدّ ثروة تاريخية ضخمة للبلاد، عن القرن التاسع عشر، ولكن بقي الكتاب ناقصاً لم يكمل.
وأورد غبار أيضاً ما يلي: إنّ المجلد الثالث والمجلد الرابع من كتاب السراج تلف في الاضطرابات التي حصلت في عهد بچه سقو في سنة 1929م.
والظاهر أنّ المراد بذلك هو القسم الثاني من هذا المجلد الذي يحتوي على فترة الخمس السنوات الأخيرة لعهد عبد الرحمن بصورة مفصلة لأنّ القسم الثاني منه يشتمل على الحوادث التي وقعت خلال 16 سنة في أوائل سلطنة عبد الرحمن ولم يتلف منه شيء، وهو أي غبار قد اعتمد في تدوين تاريخه عليه.
وللكتاب ـ أي السراج ـ قصة مؤسفة أخرى نذكرها كما يلي: وهي عندما تولّى السلطة نادرخان، أصدر تعليمات سرية لأعوانه الخاصين به، من جملتها إبادة بعض المستندات ومنها سراج الثالث منه لاحتوائه التاريخ الأسود لأسرة محمد زائي، وهكذا أبيدت البقية الباقية من نسخ هذا الكتاب وهي التي سلمت من أيدي أمان الله وجلاوزته. لذلك نرى أنّ نسخ الكتاب نادرة جدّاً وهي في أيدي قلّة من الناس.
ويمكن الجزم بأنّ النسخ الخطية للمجلد الرابع والخامس لكتاب السراج التي ورد ذكرها في (دائرة المعارف آريانا) كانت موجودة في مكتبة وزارة المعارف أي المكتبة الخاصة بهم وهي أيضاً أبيدت فيما بعد على أيدي أعوان نادر قطعاً، لأنّنا نرى أنّ تأليف دائرة المعارف قد بدئ بها في عهد رئاسة الصدر الأعظم هاشم خان.
فيمكن القول بأن المجلدين الأخيرين من كتاب السراج كانا موجودين حتّى ذلك الوقت أي في عهد رئاسة هاشم خان في المكتبة المذكورة، ولكنّهما فقدا بعد ذلك، وأمّا القسم الثاني من المجلد الثالث للكتاب فهو مفقود ولم يعلم عنه شيء.
ولكن في الآونة الآخيرة وجدت نسخة خطية بخط المؤلف عند نجله محمد علي، وهي تعتبر نسخة نادرة جداً وتقع في 416 صفحة، وهي تحتوي على جميع الفرامين والمستندات الصادرة في خمس سنوات أواخر عهد عبد الرحمن.
السربداريون
ـ1ـ
إنّ التشيع لم يكن مجرد حركة ثورية ولم يقتصر على ممارسة الجهاد فكراً وسلوكاً بوجه الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي والطبقي، الاستبداد الذي كان يمثّل قاسماً مشتركاً بين أجهزة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة الغزنوية والسلجوقية والمغولية والتيمورية والإيلخانية والتي اتخذت المذهب غير الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد آنذاك… لم يكتف الشيعة بكلّ ذلك بل عملوا بشكل جادّ وواعٍ وبأسلوب منظم ومدروس ومتينٍ على أيديولوجية رصينة وواضحة، على قيادة كلّ الحركات التحررية وتبنّي الشعارات والمشاريع الواضحة المطالبة بإقامة العدل ورعاية حقوق الجماهير المستضعفة. وبذلك اكتسبت الشخصية الشيعية طابعاً محورياً أهّلها لأن تكون مركزاً لاستقطاب جميع أصحاب التوجّهات الرافضة للوضع السائد والمتطلعة إلى واقع أفضل.
ونتيجة لذلك، نرى أنّ ازدياد الظلم وغصب الحقوق واضطهاد الطبقات المسحوقة ووخامة الأوضاع الاقتصادية والسياسية وشيوع حالات القمع الفكري والتعصب الطائفي وتبعية سلاطين الدين لسلاطين الدنيا واتساع الفوارق الطبقية وانتشار الفقر والفساد وغيرها من العوامل لم تفتّ في عضد الشيعة، بل على العكس من ذلك، زادتهم إصراراً على المضيّ في منهج مقارعة الظالمين وأكسبت جبهتهم صلابة وتماسكاً أكبر وخلقت أرضية مناسبة أكثر للتفاعل مع الشعارات التي يطرحونها وينادون بتحقيقها؛ الأمر الذي جعل التشيّع يتحوّل من عقيدة ومنهج خاص في التفكير والعمل إلى طريقة مثلى في فهم الإسلام وفكر أهل البيت في مقابل شيوع الفلسفة اليونانية وظاهرة التصوف الشرقي، ومن منهج نظري وعلمي مجرد إلى مشروع نهضة سياسية واجتماعية وثروة تمتدّ جذورها في أواسط المجتمع وبخاصة المحرومين منهم، وتقضّ مضاجع قوى الزور وعلماء الزيف والتزوير من الذين يستغلون عنوان المذهب غير الشيعي لتمرير مخططاتهم الرامية بالأساس إلى فرض الهيمنة على مقدرات الشعوب وتبرير أعمال السلاطين. وكان من شأن ذلك أنّ بعض الخلفاء والسلاطين ممّن كانوا يتمتعون بدرجة من التحرر الذهني والانفتاح السياسي كانوا لا يتوانون عن استقبال اليهود والنصارى والمجوس والدهريين في بلاطهم بينما يغيظهم ذكر الشيعة وكل ما يتعلق بالتشيع ويسجّر في قلوبهم غضباً وغيظاً لا ينطفي إلاّ بإراقة المزيد من دمائهم في أكبر هجمة استئصالية شهدها التاريخ الإسلامي ضد جماعة معينة.
لقد أصبح قتل الشيعة وصلبهم ونزع جلودهم وهم أحياء وقلع أعينهم وقطع ألسنتهم من القفا مظاهر يومية وسياسية رسمية، وممّا زاد الطين بلّة، الفتاوى التي كان يتبرّع بها الفقهاء والفلاسفة وعرفاء البلاط والتهم الجاهزة التي يلصقونها بالشيعة بلا حرج ولا تورّع. بل الأنكى من ذلك أنّهم كانوا يعتبرون تلك الفتاوى عبادة يستحقون عليها الأجر والثواب!
من هنا نفهم السر في تصريح السلطان محمود الغزنوي بالقول إنّه (سيطلب الشيعي أينما حلّ وكان)! ونتفهّم لماذا يصدر الفقيه غير الشيعي فتواه الشهيرة بتحليل زواج المسلم من الكتابية يهوديةً أو نصرانيةً أو مجوسيّة، وتحريم الزواج من المسلمة الشيعية!
عقيب هيمنة الأتراك على أوضاع الدولة الإسلامية، برزت ظاهرة التعصّب وضيق الأفق في الجانب الفكري والعقائدي، فيما برز على الصعيد الاجتماعي النظام الإقطاعي الذي كان يعمل على استغلال الشعب خاصّة الطبقات المحرومة وبشكل وحشي لا يرحم، ممّا أدى بتبع ذلك إلى لجوء السلطة الحاكمة إلى أسلوب النار والحديد ونصب المقاصل والأعواد بغية إرعاب الناس والسيطرة عليهم، وإلى جانب ذلك تحوّل المذهب غير الشيعي الذي مثّل على الدوام دين الدولة (الرسمي) إلى مجموعة شعائر طائفية وعقائد تبرّر الممارسات اللاإنسانية للجهاز الحاكم، وتتبرّع بأحكام وفتاوى جاهزة تناغم التوجه الرسمي للحكومات المتعاقبة وسلاطين الغزنوية والسلجوقية والمغولية، وأضحى الدين بمثابة آلة قمع وتنكيل بكلّ حركة إصلاحية تهدّد مصالح الأقوياء وأصحاب رؤوس الأموال والإقطاعيين.
وفي ظل هذه الأجواء برز التشيّع آنذاك، ليحمل راية الثورة والرفض الجماهيري وذلك على شكل حركات ثورية أو اتجاهات إصلاحية تختلف تطرفاً واعتدالاً، وتغلغلت في الغالب في أوساط الطبقات المسحوقة على الخصوص الفلاحين الذين كانوا يتعرّضون لأبشع أنواع الظلم والاستغلال، فيما شهد المجتمع الإسلامي تمرّداً فكرياً مستنيراً قاده بعض الصوفية المتحرّرين وذوي الميول الشيعية ضدّ مظاهر التحجر والعنف الديني التي كان يمارسها الفقهاء المسيّرون من قبل السلطة الحاكمة.
وقد جاءت الشيعة الإمامية كمذهب معتدل وغني بالمعارف لتمثل قمة هذا التوجّه الثوري التغييري والرافض للوضع السائد المدعوم من قبل السلطة، وقد ارتكز هذا المذهب في دعوته التربوية إلى ريكيزتين؛ الإمامة والعدل، وكان شعاره الثوري هو عاشوراء حيث استطاع من خلاله تعبئة الجماهير المتذمّرة من الوضع السائد متمّماً ذلك بالدعوة إلى انتظار الإمام المهدي وطرح قضايا من قبيل علامات الظهور وآخر الزمان، وإحياء الأمل والفرج بعد الشدّة، والإيمان بانكسار الباطل والظلم في نهاية المطاف، وابنساط العدل بالسيف وإعداد جميع المظلومين والمنادين بالعدالة إلى لحظة الثورة… وقد ترسّخ هذا النمط من التفكير في نفوس الناس إلى درجة أنّه في المدن ذات الأغلبية الشيعية يصار في أيّام الجمعة إلى وضع سرج على فرس بيضاء ثمّ يخرج الناس جميعهم وراء هذا الفرس في تظاهرة احتجاجية على رغم السلطة ترفع شعارات انتظار الفرج والتحرّر من الظلم والدعوة إلى الثورة… إلى غير ذلك من الشعارات التي تغيظ الحكام وتثير حفيظتهم.
في النصف الأوّل من القرن الثامن الهجري، تمكّن المغول من فرض سيطرتهم التامّة على إيران، وأمعنوا في إذلال أبناء الشعب عن طريق حملات الإبادة الجماعية التي أقدم عليها هولاكو وجنكيزخان. وأمسى كلام جنكيزخان بمثابة القانون، والسيف هو المنفذ لهذا القانون، واقتسم ملوك المغول وكبار قادة جيشهم ورؤساء طوائفهم مناطق إيران وحوّلوها إلى مقاطعات مملوكة وعمدوا إلى معاملة الأهالي القاطنين في تلك المناطق معاملة العبيد، وفي داخل المدن أصبح علماء الدين يعملون بإمرة الحكام المغول ويدعون الناس باسم مذهب (الجماعة) إلى الرضا والتسليم المطلق لإرادة الحكام الذين أشهروا وإسلامهم في الظاهر ولكنّهم عملياً استمرّوا يحكمون بسياسة جنكيزخان.
سوى ذلك كانت هناك طائفة أُخرى من العلماء من الذين أعرضوا عن الدنيا وبهارجها ولم يُسوّغ لهم ورعهم وتقواهم التضامن مع المغول وحكّام الجور، ولكنّهم بدل أن يتصدّوا لمواجهة الوضع الفاسد اختاروا العزلة والانزواء في صوامع التصوّف وعبّدوا الطريق بذلك أمام الحكام المستبدّين ليمعنوا في إذلال الأمّة وارتكاب أبشع الجرائم بحقّ أبنائها، وتركوا الناس الأبرياء تحت رحمة أسواط الجلادين والناهبين ووعاظ السلاطين.
في هذه الأجواء، ينبري إلى خط المواجهة رجل دين ينشد الحقيقة، كما نشدها سلمان الفارسي من قبل، وهو (الشيخ خليفة) الذي يحاول أن يطّلع بنفسه على كلّ مدرسة فكرية قائمة في ذلك العصر، فيبدأ بمدرسة الزهد، فيلتحق برجل زاهد يُقال له (بالو) علّه يجد عنده طريقاً للنجاة والتحرر، ولكنّه سرعان ما يكتشف أنّ الزهد هو في واقعه سكوت في مقابل الظلم، وليس هناك أكثر قبحاً وعاراً وأنانية من أن يكرّس المرء جهده لإنقاذ نفسه وإيصالها إلى الجنّة الموعودة في حال يرى بعينه الناس المحيطين به وهم يرزحون في جهنم الدنيا وعذابها ويذوقون ألوان الفقر والحرمان ويسمع صرخاتهم وهم يطالبون بمدّ يد العون إليهم فلا يأبه بذلك كلّه ويصمّ أسماعه دون تلبية نداءات استغاثتهم.
فيقرّر صاحبنا الإعراض عن (بالو) الزاهد والتوجّه نحو مدينة سمنان حيث يوجد ركن الدين عماد الدولة الذي ذاع صيت عرفانه وتصوّفه في الآفاق، ولكن لا يلبث أن يكتشف أنّ التصوّف، شأنه شأن الزهد، ليس إلاّ هروباً من مواجهة الواقع وتنصّلاً من المسؤولية وإعراضاً عن المجتمع ولا أبالية حيال المصير الذي ينتظره إذا استمرّ الظلم والعدوان. صحيح أنّ عماد الدولة رجل ذو قلب صافٍ منزّه عن الكدر ويتمتع بروحية سامية وإحساس لطيف، ولكن كيف يتسنّى له مع هذه الخصال أن يتحمّل سيل الدماء التي يسفكها سلاطين المغول على هذه الأرض، وكيف لا يهزّه من الأعماق خطر الفناء الذي يهدّد الإسلام والمسلمين في كلّ حين؟
وينفر الشيخ خليفة من ركن الدين، الذي كان يمثّل مدرسة التصوّف آنذاك، وينطلق إلى شيخ الإسلام الإمام غياث الدين هبة الله الحموي القاطن في (بحر آباد) لينتهل على يديه من أحكام الشرع المقدّس وفق «المذاهب الحقّة لأهل السنّة والجماعة» علّه بذلك يصل إلى ينبوع الحقّ والحقيقة!
ولكن هيهات! فقد وجد أنّ الفقيه يتوفّر على ألف مسألة شرعية في آداب التخلّي دون أن يقدّم مسألة واحدة وحكماً شرعياً واحداً يتعلّق بالمصير المشؤوم الذي ينتظر الأُمّة والبلاد!
وهكذا يصاب الشيخ بخيبة بالغة إزاء ما يصنعه رجال الدين والمذهب، ويصل إلى قناعة راسخة بأنّ ممارسات هؤلاء ما هي إلاّ «تأطير للقوّة والظلم بوشاح التقوى والورع» وينطلق ساخطاً على الحكم المغولي الجائر متحسساً لكلّ آلام وآمال المسلمين ويستعدّ للنهوض بأعباء المسؤولية عارفاً بأمور زمانه ومحتجاً على الوضع الراهن وعازفاً عن كلّ الدكاكين التي تروّج الدين كبضاعة تباع وتشتري، وليختار مذهب الرفض والشهادة!
قدم إلى سبزوار في زيّ درويش بسيط غريب، لا ناصر له ولا كفيل، واستقرّ في جامع المدينة ويبدأ بالوعظ والإرشاد؛ واعظ ناقم ومتمرد على كلّ شيء من شأنه أن يجعل الناس يرتضون الذل والجهل والجور والمهانة، نقمة وتمرداً مستنداً على دعامة منهج فكري وإيماني صلب وعنيد وتاريخ مضرّج بالدماء؛ ألا و هو التشيّع!
وشيئاً فشيئاً يَلتئم الناس المحرومون أفراداً وأفواجاً حول هذا الواعظ ليتحوّلوا في خاتمة المطاف إلى مركز قوّة جديد أصبح يشكّل خطراً لا يستهان به.
وها هنا يأتي الدور التقليدي لملالي السلطة حيث يبدأون أوّلاً بترويج الشائعات ومن ثمّ إصدار الفتاوى، وأخيراً الحكم «بالذبح على الطريقة الإسلامية».
«هذا الشيخ يتكلم في المسجد بأمور دنيوية».
«هذا الشيخ يُحدث في المسجد ولا يحترم بيت الله».
«هذا الشيخ يشوش على عقائد الناس وإيمانهم…».
وبهذه الطريقة يسعى الملالي جاهدين لخلق حاجز من عدم الثقة بين الشيخ وجموع الناس ويمهّدون الأرضية اللازمة للقضاء عليه بتعبيد الطريق لحاكم المغول لكي يزهق روحه!
كتبوا إلى السلطان المغولي بأنّ هذا الشيخ انحرف عن مذهب الحقّ لأهل السنّة والجماعة، وأنّه لا يكترث بمحاولاتهم المتكررة لإعادته إلى طريق الهدى والصواب، وهو سادر في غيّه و مستمر في التبليغ للدنيا داخل المسجد الجامع ونشر عقائد وأفكار الرافضة، وبالتالي فهو مهدور الدم وعلى السلطان (سعيد) أن يخلص المسلمين من شرّه!
وتتّسع دائرة الإشاعة وتشتدّ المساعي المحمومة لتفريق الناس من حوله ولكن دون جدوى، فلقد عثرت الطبقات المسحوقة من المجتمع في كلام هذا الشيخ على ما تريد، وغدت أقواله تنفذ إلى أعماق وجودهم وضمائرهم وتلامس آلامهم وآمالهم التي يتطلعون إليها.
وفي النهاية حدث ما كان متوقعاً في مثل هذه الحالات، ففي سحر إحدى الليالي وحيث كان الناس مشتاقين إلى لقائه في المسجد والاستماع إلى مواعظه وإرشاداته، وجدوه مقتولاً في باحة المسجد!
لم تكن هذه نهاية الطريق، إذ سرعان ما نهض تلميذه الشيخ حسن الجوري بأعباء الأمر، فأعلن التعبئة العامة ونظّم الجموع واعتمد مبدأ النضال السرّي، وأخذ يدور بنفسه في القرى والمدن ينشر بذور الوعي والثورة والرفض على طريقة التشيّع!
الآن أصبحت الفرصة مؤاتية للثورة، فقد بلغ النضج الفكري حدّاً كافياً، وأخذت مراجل الثورة تغلي في نفوس الناس، ولكن حجاب التقية يكبح جماح هذا الغليان الشعبي بانتظار ساعة الصفر!
وقدحةٌ واحدة تكفي!
ذات يوم، وفد ابن أخت السلطان كعادته إلى (باشتين) وهي قرية تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة سبزوار ويفصل بينهما ستة فراسخ.
دخل ابن أخت السلطان مع حاشية على بيت رجل يُقال له (عبد الرزاق) وهو من غياري القرويين ممن لم يؤثر فيهم ـ بعد ـ عمليات الإذلال المعتمد التي تمارسها أجهزة السلطة مستعينة بالأبواق المتلبّسة بلباس الدين.
طلب طعاماً فلبّي طلبه!
طلب شراباً!
طلبه الثاني كان له وقع الصاعقة في قرويّ مسلم شيعي من أتباع الشيخ خليفة ما زال صدى مواعظ الشيخ يدوي في أُذنيه، ولكن مع ذلك لبّى له الطلب!
دبّت الخمرة في رأس الضيوف! سكروا! وطالبوا بمؤنسات! وها هنا يبدأ الانفجار! بسرعة وبساطةٍ بالغتين!
ذهب صاحب الدار إلى أهل القرية، ونادى بالشيعة! صرخ فيهم بأعلى صوته: إنّ حاكم المغول يريد فتياتكم، بماذا ستجيبون؟
قالوا: «نصعد على أعواد المشانق ولا نطيق هذا العار، وسيوفنا هي مؤنسات أعدائنا!».
النتيجة واضحة، لقد صمّم الناس على شيء!
قتلوهم عن بكرة أبيهم، ولأنّهم أدركوا أنّ لا خطّ للرجعة اختاروا الموت بلا تردّد، ممّا منحهم قدرة عجيبة جعلت هذه القرية الصغيرة تصمد أمام نظام دمويّ وجيش جرّار وتنتصر في خاتمة المطاف!
هجم القرويون على المدينة وأعلنوا الحرب على جيوش المغول وفتاوى وعاظ السلاطين وكان حليفهم الانتصار!
والشعار:
العدالة والنجاة!
انهارت سلطة المغول وتلاشى نفوذ الملالي وتبدّدت سطوة الطبقة المالكة والإقطاعيين.
وسرعان ما التحق بركب الثورة باقي ضحايا جور المغول وجهل الملالي، وتحوّلت سبزوار إلى مركز قوّة وسرت الثورة في البلاد سريان النار في الهشيم…
واستوعبت ثورة الشيعة (السربدارية)([284]) تمام مقاطعة خراسان والقسم الأعظم من شمال إيران وقفزت شرارتها إلى الجنوب تتقدّمها سيوف القرويين الأبطال وأفكار الشيخ خليفة وتلميذه البار حسن الجوري وأنصارهم من العلماء الواعين طلاب الحقيقة واليقين.
ولأوّل مرّة، تقوم حركة ثورة على أساس التشيّع، لتقاوم الاستعمار الخارجي والاستحمار الداخلي على حدّ سواء؛ ثورة ضد سطوة الإقطاع والرأسماليين، هدفها إنقاذ الشعب المحروم، وشعارها نشر العدل وثقافة الاستشهاد، وقيادتها هم الفلاحون وغيرهم من أبناء الطبقات المسحوقة، حصل هذا قبل حوالي سبعمائة عام! وكان هو آخر تيار ثوري ذي طابع شيعي ويحمل هوية «التشيّع الأحمر» الذي فجّر في النفوس روح الثورة والرغبة بالتحرر وإقامة العدل ومقاومة الجور والفقر والجهل ببسالةٍ وعزم لا يلين.
الدكتور علي شريعتي
السربداريون
ـ2ـ
في زمان «الجايتو خدابنده» وهو أحد الملوك الإيلخانيين من أحفاد هولاكو [1304ـ1317] راج المذهب الشيعي وانتشرت إشاعاته فبلغت الآفاق البعيدة بصورة كافية لأنّه ـ إضافة إلى المناظرات المذهبية الحادّة التي ظهرت تلك الفترة ـ كان إلى جانبها نوع من التسامح الديني، ومع أنّ خليفة خدابنده أبا سعيد أخلى الجو لغير الشيعة ثانية وفسح لهم المجال لكن الشيعة كانوا قد ثبّتوا مواقعهم وأحكموها بحيث أعلنوا عن وجودهم كمدرسة لها أسسها ومبادؤها.
لو أردنا أن نذكر فقهاء كباراً من أمثال «الخواجة نصير الدين الطوسي» الذي بلور أفكاره الشيعية في قالب جديد، أو العلامة الحلي الذي صقل الأذهان الشيعية صقلاً عملياً من خلال مناظراته ومحاججاته مع فقيه كبير كابن تيمية، فإنّ علينا أيضاً أن نذكر القاضي البيضاوي المفسّر الكبير للقرآن الكريم الذي كان سنياً شافعياً، حيث أدخل مفاهيم جديدة إلى حقل المعرفة الإسلامية باستعماله كلمات وتعابير متزنة ومتينة.
إنّ محاولات الشيعة في زمن الإيلخانيين من أجل أن يكون مذهبهم رسمياً في كافة أنحاء البلاد يدلّل على أنّ التشيع كان يناضل للاعتراف به. وبالفعل كان له ما أراد ولعب دوراً في إدارة الشؤون المختلفة لكنّه برز في وقت كانت فيه كثير من المقاطعات والفرق والجماعات المختلفة تفكر بالاستقلال بعد وفاة السلطان أبي سعيد الذي مرّ ذكره والذي كان قد اعتبر المذهب السني هو المذهب الرسمي في البلاد…
وعلى ضوء هذا التوجه أي التفكير بالاستقلال كانت من بين تلك الجماعات جماعة السربداريين وهم من الشيعة الذين ظهروا في منطقة سبزوار التابعة لخراسان أيام المغول لمواجهتهم وتحرير مناطقهم من نير نفوذهم… وقد حكموا فترة من الزمان… وكان حكمهم طرحاً جديداً في شكل الحكومة، وتوجهاً حديثاً في كيفيتها… منهم القائد الديني للنهضة السربدارية الشيخ خليفة المازندراني الذي تتلمذ في شبابه على يدي عدد من الشيوخ والدراويش، ولمّا لم يحقق طموحه فيما تلقاه من تعليم يمّم وجهه صوب سمنان وحضر درس الشيخ ركن الدين السمناني. ثمّ تركه بعد مناقشة حصلت بينهما وتوجه إلى سبزوار، وفي سبزوار أثّرت مواعظه التي كان يلقيها على القرويين والشرائح الاجتماعية المختلفة التي كانت عموماً من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فصار له أتباع ومريدون…
لمّا رأى الفقهاء غير الشيعة هذا الوضع ضاقوا بالشيخ ذرعاً وقلقوا جدّاً من اتّساع نشاطاته فتواطؤوا على قتله، وبالفعل قتلوه في صباح ذات يوم في مسجده. وهرع الناس إلى المسجد فوجدوه معلقاً على الحبل وهو مصلوب سنة (736هـ). ولا شك من أنّ الشيخ قتل على أيديهم في حين هم أشاعوا أنّه قد انتحر.
بعد موته المفجع تزعّم النهضة الشيخ حسن الجوري أحد تلامذته ومريديه، ورحل عن سبزوار إلى نيشابور وفيها وعظ وخطب مروّجاً لآراء الشيخ خليفة وأفكاره فالتف حوله عدد من الأتباع والمتعاطفين.
واصل الشيخ نشاطه في الوعظ والتبليغ في مدن مختلفة مثل نيشابور، مشهد، ابيور، هرات، بلخ، ومدن أخرى في خراسان لمدّة ثلاث سنوات وسافر إلى العراق أيضاً. وقد كان متخفياً ملاحقاً في تلك المدن والمناطق جميعها إلى أن وقع في قبضة «الأمير أرغون شاه جاني قرباني» حاكم خراسان فأودعه السجن.
لقد ثار السربداريون قبل الوقت الذي كان يتوقعه الشيخ حسن الجوري وبصورة مفاجئة ودون تخطيط.
في ذات يوم طلبت مفرزة شرطة تابعة لعلاء الدين محمد هندو وزير إيلخان المغول من عائلة ريفية تقطن في قرية (باشتين) شراباً وغلاماً جميلاً لملذاتهم… أمّا الشراب فقد هيأوه لهم. وأمّا الغلام الجميل فقد اعتذروا… عندها صمّم أعضاء المفرزة على التحرّش بالآخرين والاعتداء عليهم للحصول على مرادهم فثارت ثائرة الناس و هبّ الاخوان حسن وحسين ولدا حمزة الباستيني فقتلا المعتدين. بعد هذه الحادثة أرسل علاء الدين قوةً من الشرطة إلى باشتين لإلقاء القبض على المذكورين فتأزم الوضع أكثر… وحدثت انتفاضة عارمة قادها الأمير عبدالرزاق الباشتيني الذي صرّح قائلاً: «يجب علينا وعلى جيمع المسلمين تقديم المساعدة لحسن وحسين لأنّهما من أهل الغيرة والحميّة لذلك عندما حدثت مواجهة بين هذا الأمير وبين مبعوثي علاء الدين محمد الوزير «تكلم الأمير بحدّة وغضب ممّا أدّى إلى حصول اشتباك بين الطرفين قتل على أثره عدد من المعتدين وفرّ الباقون» عندها تجمع الناس وقرّروا الثورة… وصرّح عبد الرزاق قائلاً: لو تساهلنا لقتلنا، والصعود على أعواد المشانق بعزّ ورجولة خير ألف مرّة من الموت بذلّ ومهانة».
لهذا عُرف هؤلاء بالسربداريين أي أصحاب الرؤوس المرفوعة على أعواد المشانق. وذكر المؤرخ الإيراني المعروف «حافظ أبرو» أنّ عبد الرزاق الباشتيني خطب في تجمّع للقرويين قائلاً: «لقد تسلط على الناس مفسدون يجورون ويظلمون، فلو وفقنا فإنّنا نصدهم وإلاّ فالصعود إلى المشنقة خير لنا من هذه الحياة إذ لا طاقة لنا على تحمّل الظلم والجور بعد».
وحول منطلق هذه الكلمة ذكر دولتشاه السمرقندي وهو مؤرخ آخر معروف أنّه «في صباح ذات يوم نصبوا مشنقة خارج قرية باشتين وعلّقوا عليها عمائم وقلنسوات «تمثّل رؤوساً مستعدة للموت» وبدأوا يرمونها بالنبال والحجارة وسمّوا أنفسهم «سربداريين». أي أصحاب الرؤوس المرفوعة على أعواد المشانق».
بعد اندحار قوات علاء الدين احتل السربداريون بقيادة الأمير عبد الرزاق سبزوار، وواصلوا تقدّمهم فاحتلوا «اسفراين» و«جاجرم» ومناطق أخرى. وبعد سنة تقريباً قتل عبد الرزاق على يد أخيه مسعود نتيجة مشاجرة حصلت بينهما.
استلم مسعود مقاليد الأمور فاستهل أعماله بعقد ميثاق مع الشيخ حسن الجوري الذي كان قد أطلق سراحه من سجن «قلعة طاق» شمالي خراسان… بعد ذلك قضى على قوات الأتراك والمغول والإقطاعيين المحليين الذي التحقوا بهم، بقيادة «الأمير أرغون شاه جاني قرباني». وهزمت قواته «الإيلخان طوغاي تيمور خان» خليفة «أبي سعيد» إيلخان المغول قرب نهر اترك…
عمل مسعود والشيخ حسن جنباً إلى جنب وكانا في البداية متفقين لكن سرعان ما بدا الاختلاف بينهما، وبينما سيّر السربداريون جيشهم نحو هرام واشتبكوا مع الملك «معز الدين حسين كرت» قريباً من زاوة، قُتل الشيخ حسن الجوري في تلك المعركة… فقال أكثر المؤرخين إنّ أحد السربداريين هو الذي قتله بأمر سرّي من مسعود نفسه، لأنّ الشيخ حسن كان يعتز باستقلالية في الرأي ولم يرغب أن يُعَدُّ شخصاً ثانياً بين أتباعه ومريديه…
على أي حال فإنّ موت الشيخ أدّى إلى اندحار السربداريين، ورجوع مسعود بعد تركه للمعركة. وبعد وصوله إلى سبزوار توجّه إلى مازندران فوقع قسم من أراضيها تحت الاحتلال السربداري وواصل مسعود تقدّمه حتّى آمل من مدن مازندران (طبرستان) لكن قوات الإقطاعيين المحليين نصبوا له ولجيشه كميناً في الوديان الجبلية المليئة بالغابات، فوقعوا فيه وتمّ القضاء عليه وعلى أكثر أفراد جيشه سنة (745هـ).
ومن الجدير ذكره أنّه بعد مقتل الشيخ حسن انقسم السربداريون إلى جناحين: الجناح الحسني أو جناح الدراويش، والجناح السربداري. وبعد مقتل مسعود كان كبار السربداريين مرّة مع الجناح المعتدل المحافظ وهو الجناح السربداري، وأخرى مع جناح الدراويش الراديكالي.
ومن أكثرهم إلفاتاً للنظر وإثارة للاهتمام القائد السربداري الخواجه شمس الدين علي [748ـ754هـ] ممثل الجناح الأصولي الراديكالي إذ مع أنّ بعض المؤرخين يكنّون له العداء لكن يذكرون أنّه رجل مقتدر وكفوء. وبالرغم من أنّ التنظيمات الاجتماعية للحكومة السربدارية في عصره لم تذكر على نحو من التفصيل، لكن يذكر عنه أنّه أقام علاقات قوية مع بائعي سبزوار والمهنيين فيها وله معهم صداقة… وكان كذلك صديقاً للدراويش أتباع الشيخ حسن الجوري… والناس في زمانه ذاقوا طعم السعادة والرفاه، وله في أوساطهم تأثير ونفوذ كبيرين.
بعد مقتله الذي كان سببه ـ في أغلب الظن ـ سياسياً، تسلّم مقاليد الأمور أحد كبار السربداريين وممثل الجناح المعتدل بينهم وهو يحيى الكرابي(754ـ760هـ).
بذل يحيى الكرابي جهوده في سبيل أن يكون مع الدراويش وإلى جانبهم منسجماً مع توجهاتهم؛ لذلك كان مع نوابه ومساعديه يلبسون زيّهم ليلفتوا أنظار الناس إليهم ويكسبوهم.
ازداد عدد أفراد الجيش في زمانه واتسع نطاق الحكومة السربدارية… كذلك استطاع السربداريون أن يحرروا طوس ومشهد من أيدي أمراء «جاني قرباني» وبما أنّ هذه المناطق كانت فقيرة ومدمّرة تماماً بسبب الاستغلال الوحشي للقرويين من قبل حكام المغول؛ لذلك بذلت الحكومة السربدارية جهوداً جبّارة في مجال الري وإحياء القنوات.
من أهم الأعمال التي قام بها يحيى الكرابي هي القضاء على «طوغاي تيمورخان» آخر من بقي من الحكام المغول الإيلخانيين حيث قتل في منطقة جرجان (گرگان).
جاء بعد يحيى الكرابي «البهلوان حسن الدامغاني» (762 إلى 766هـ) فتجدد النزاعات الداخلية بين السربداريين في عصره، وقد كانت موجودة من قبل بسبب الانشقاقات التي ظهرت عندهم.
إنّ هذا الأمير السربداري كان من كبارهم وكان يمثّل الجناح المعتدل… وقد نشبت في زمانه النزاعات بينه وبين الجناح الأصولي المتشدد بقيادة الدراويش من أتباع الشيخ حسن الجوري في طوس ومشهد. وكان بينهم الدرويش «عزيز» تلميذ الشيخ حسن، رجلاً قوياً مجدّاً متحمساً. فقام «الپهلوان حسن» بقمع هذا التحرك بعد ستة أشهر من بدايته وأبعد الدرويش عزيز عن بلاده… لكن لم يمر وقت طويل حتّى نهض قائد سربداري آخر هو «الخواجة علي المؤيد» فادّعى الحكومة. كان «الپهلوان حسن» في وقتها خارج سبزوار مشغولاً في قمع تمرد آخر ظهر مقاوماً له فقام «علي المؤيد» باستدعاء «الدرويش عزيز» الذي كان قد أُبعد إلى أصفهان للتنسيق ضد «الحسن» وبالفعل دخلا سبزوار معاً ومسكا زمام الأمور… لكن حكومتهما لم تدم طويلاً إذ قتل «الدرويش عزيز» على يدي «علي المؤيد» نفسه في مؤامرة دبّرها له.
كان علي المؤيد شديداً مع خصومه، إذ كانت معاملته قاسية مع أتباع الشيخ حسن الجوري والدرويش عزيز، وإضافة إلى هذه المعاملة، والعنف الذي واجههم به، ممّا سبب خسرانه للدعم الشعبي الذي كان يحظى به، فقد اندحر من قبل ملك هرات في حربه معه وفقد كافة الأراضي التي كانت تحت نفوذه حتّى نيشابور… وكذلك واجه تهديداً من الطرف الغربي من قبل «أميرولي» حاكم استرآباد، وظهرت في أيامه حركة تمرد داخلية بزعامة «الدرويش ركن الدين»… ومع أنّه أفلح في قمع تحرّك الدراويش لكن الضغوط الخارجية من قبل الملك «غياث الدين كرت» حاكم هرات و«أميرولي» أدّت به إلى أن يستغيث بفاتح آسيا الوسطى «تيمور» ويطلب منه النجدة… وتيمور في الوقت الذي قضى على السربداريين في سبزوار سنة (783هـ)، جعل سبزوار نفسها تحت تصرّف الشيخية (أتباع الشيخ حسن الجوري) وأخذ علي المؤيد معه إلى المناطق الغربية لإيران… وبعد سنتين قتل في إحدى حروب تيمور.
الشيخ خليفة
قبل الحديث عن حياة الشيخ خليفة، نتكلم حول البيئة التربوية التي عاش فيها، والقاعدة الفكرية التي استند إليها، ولعل الكلام هذا مهم للدخول في الحديث عن حياته.
لقد كانت مازندران ـ في الواقع ـ وسطاً خصباً لتجمّع أهل البيت (عليهم السلام) ونشر الأفكار التي تدعو إلى قيادة العلويين للمجتمع الإسلامي، وتؤكّد على منزلتهم المرموقة بين المسلمين.
إنّ ثورة يحيى بن عبدالله بن الحسن من سلالة الحسنيين في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وانتفاضة حسن بن زيد المعروف بالداعي الكبير، وكذلك التنسيق المباشر بين كبار أهل الديلم وطبرستان، كلّ ذلك يدلّل على عدم نفوذ المذهب الرسمي للحكومة بين الناس هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّنا نجد ـ من خلال دراستنا للتشيع في إيران ـ أنّ أشخاصاً من أمثال الشيخ أبي جعفر الآملي، وأمين الإسلام الطبرسي، وأبي نصر الطبرسي كانوا هم رجال الشيعة وقادتهم في منطقة مازندران.
ولو تفحصنا في سلسلة مشايخ الشيخ «بالوي زاهد آملي» ـ كما يذكر ذلك ظهير الدين المرعشي ـ فإنّنا نجد من الصعوبة؛ بمكان نسبة هؤلاء إلى الطريقة السنيّة في التفكير…
أقول هذا لأنّ الشيخ خليفة كان من المتعلقين بالشيخ «بالوي زاهد»…
نعم في مثل هذه الأجواء نشأ الشيخ خليفة، وكان قدوته الشيخ «بالوي زاهد» قد وضع حجر الأساس لميوله واتجاهاته من خلال مسائل وتعاليم أملاها عليه، فكان الشيخ خليفة يحثّ الخطى في البحث عنها والتحقيق فيها بلا هوادة.
بعد مدّة توجّه إلى سمنان لحضور درس الشيخ علاء الدولة، واستفاد من وجوده في سمنان وتعرف على الطلاب الذين كانوا يغدون على درس الشيخ من هنا و هناك، وأفاده هذا التعرّف في الاطلاع على الوسط الاجتماعي وطبيعة الذين يعيشون فيه ممّن لاحظ عندهم في حقل التطورات الاجتماعية، ولعل مناظرة الشيخ علاء الدولة معه حول موضوع كونه من أتباع أي مذهب حق، كانت حافزاً له لأن يترك سمنان ويتوجه إلى قرية «بحر آباد جوين» بعد أن أجاب بقوله: «إنّ ما أبحث عنه هو فرق جميع هذه المذاهب». في جوين حضر مدّة مجلس «الخواجة غياث الدين حموي» لكن لم يحصل على ما كان يرومه. عندها يمّم وجهه صوب سبزوار حيث أكثر أهل هذه المدينة وقراها المحيطة بها هم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام):
استُقبل الشيخ خليفة في سبزوار استقبالاً شعبياً رائعاً، والتف حوله الناس بسرعة. ولمجيئه إلى سبزوار سببان هما:
1 ـ وجود قاعدة شعبية فيها تلتف حول من يتكلم بالمسائل المعاصرة ويستطيع أن يربط من الناحية النفسية والدينية بين ما يجري على الناس، وما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) في التأريخ.
2 ـ عدم وجود عالم بارز وشخصية لامعة ممّن يجمع بين قابليتي التحدّث والتأثير، لذا عجّل إليها الشيخ واتخذ منها قاعدة لنشر أفكاره وتوسيعها. ولعله انتبه لها بعد بحث طويل فاحتمل أن تكون مناطقها مناسبة للتعبير عن الرأي وطرح الأفكار الاجتماعية؛ لأنّ العرف السائد آنذاك هو أنّ الحديث في المسائل الدنيوية يعتبر خروجاً عن الأعراف والتقاليد الرائجة… فبدأ الشيخ عمله هناك واجتمع حوله الناس.
أدّى تجمّع الناس حوله وتعلّقهم به إلى إثارة الفقهاء غير الشيعة المتواجدين في سبزوار عليه إذ وجدوا أنفسهم في خطر، وهم دائماً يقفون إلى جانب السلطة الحاكمة في كلّ الأحوال، فأقلقهم وضع الشيخ إلى أن منعوه من الجلوس في المسجد ووعظ الناس، فلم يأبه بمنعهم وتهديدهم إياه وواصل إلقاء دروسه ومواعظه، فلم يطيقوا وضعه فاجتمعوا لمناقشة اقتراح طُرِح على شكل سؤال، ونصه: أنّ شخصاً مقيماً في المسجد ويتحدّث في أمور الدنيا، زُجر فلم ينزجر، وأصرّ على عمله، هل يجب قتله أو لا؟ وإذا بجواب أكثر العلماء: «يجب» فكانت هذه فتوى صريحة بقتله… بعدها تعقّد الوضع كثيراً لأنّ للشيخ أنصاراً كثيرين في سبزوار وله منزلة خاصّة بين أهلها لذا لم يجرؤ حاكم سبزوار على تنفيذ هذا الحكم الشرعي. فأرسل الفقهاء صورة من الفتوى مرفقة مع رسالة إلى السلطان أبي سعيد ليصدر أمراً بقتل الشيخ… لكن إيلخان المغول وهو السلطان أبو سعيد كان على اطلاع وافٍ بمدى النفوذ المعنوي للدراويش بين الناس، لذا أجاب قائلاً: «لا شغل لي بدم الدراويش ولا أتعرض لهم، فعلى حكّام خراسان التفحص والعمل بموجب الشريعة المحمّدية المطهّرة» ولا بد من التنويه أنّه عندما كفّر هؤلاء العلماء الشيخ خليفة لتحريض الناس عليه، استفحل الخلاف بين الناس وأدى إلى حصول مواجهة بينهم، وكان من المسلّم به أنّ أتباع الشيخ وأنصاره لا يكتفون بطرد هؤلاء الفقهاء المأجورين من الساحة فحسب، بل يقلبون الوضع العام، وتكون هناك حركة تمرّد كبيرة، وبالفعل فقد حصلت بعض الاشتباكات الطفيفة.
في تلك الفترة بالذات التحق الشيخ حسن الجوري باتباع الشيخ خليفة، وكان يحظى بمنزلة اجتماعية رفيعة ونفوذ وتأثير في أوساط الناس، فأدى التحاقه إلى ازدياد أتباع الشيخ وأنصاره. لكن فقهاء السنّة وعلماؤهم واصلوا عدائهم للشيخ لأنّ تعاليمه وتعاليم الشيخ حسن أدّت إلى إضعاف موقعهم الديني والسياسي والاجتماعي، وكانوا يخشون ذهاب القيادة من أيديهم… وبما أنّهم لم يجرؤوا على قتله علناً تواطؤوا فيما بينهم على خطّة سريّة خبيثة وأعدموا الشيخ في نفس مسجده الذي كان يقيم فيه. وعندما جاء أتباعه وتلامذته إلى المسجد في صباح أحد الأيام من سنة [736] رأوا «حبلاً مشدوداً على عمود والشيخ مصلوباً في أعلاه وفي أسفل العمود عدد من الآجر مصفوفاً بشكل مرتفع بحيث لو وقف الإنسان بنفسه عليه يصل عنقه إلى أعلى الحبل لذلك ظنّ البعض أنّ الشيخ قد انتحر، لكن أتباعه قالوا إنّ الأعداء هم الذين قتلوه».
الخواجة علي المؤيد
عندما كان حسن الدامغاني مشغولاً في مواجهة تمرد قلعة «شغان» في «اسفراين» استغل «الخواجة علي المؤيد» وحليفه «الدرويش عزيز الجوري» الفرصة، فتحركا من دامغان مع عدد من السربداريين والمريدين متوجهين صوب سبزوار. ولمّا وصلوا سبزوار طلبوا من السربداريين المرافقين لحسن أن يقتلوه بأقصى سرعة حتّى يتمكنوا من العودة إلى سبزوار.
بعد مقتل حسن الدامغاني بدأ الحاكم السربداري الجديد حكومته مع درويش عزيز. لكن تحالف هذين القائدين السربداريين كان تحالفاً مؤقتاً لم يدم أكثر من تسعة أشهر؛ لأنّ الخواجة علي شعر بعد أشهر من حكومته أنّه سوف يكون مقيداً ولن يتمتع في حكومته بحرية مع وجود «درويش عزيز»، لذلك لمّا قرر الأخير الذهاب إلى نيشابور لمحاربة «پير علي كرت» حاكم «آل كرت» في هرات، رحّب الخواجة علي بهذا الأمر، ولمّا وصل الدرويش عزيز إلى نيشابور وقرّر التحرّك نحو هرات طلب الخواجة علي من أمراء جيشه سرّاً أن يتركوه وحده، ولمّا علم الدرويش عزيز بهذه الخطّة لم يبق أمامه إلاّ طريق واحد هو ترك خراسان والتوجه إلى العراق، ليتمكن في فرصة أخرى من القضاء على خصمه السياسي كما حدث لحسن الدامغاني… عندما علم الخواجة علي المؤيد بنوايا هذا التحرّك السياسي أرسل قوّة من جيشه لقتله، وبالفعل تمّ قتله مع سبعين من أنصاره في مواجهة غير متكافئة… ولم يكتف بهذا فقط بل أصدر أمراً بهدم قبري الشيخ حسن والشيخ خليفة، ومطاردة الدراويش الحسنية (أتباع الشيخ حسن الجوري). كان الخواجة علي المؤيد معتدلاً في سياسته، واعتداله هذا مع جهوده في سبيل رفاه الناس من خلال تقليل الضرائب وتوطيد الأمن، أدّى إلى أن يحكم مدّة أطول ممّا حكم الحكام السربداريون الآخرون. تنقسم حياة (علي المؤيد) السياسية إلى أربع مراحل: الأولى: تنسيقه مع السربداريين قبل التصدي لحكومة دامغان. الثانية: تحرّكه من دامغان مع «الدرويش عزيز الجوري» والسيطرة على سبزوار وتسلم مقاليد الحكومة السربدارية. الثالثة: خلو الجو السياسي من المنافسين له وقتل درويش عزيز. الرابعة: توتر الأوضاع واضطرابها عليه ممّا أدّى إلى سقوطه بعد مدّة قليلة تقريباً من تأزمها.
أمّا كيف وصل الخواجة علي المؤيد إلى هذه المرحلة؟ والجواب هو: بعد مقتل «الدرويش عزيز» ومطاردة الحكومة للدراويش، فرّ أتباعه ومريدوه كلّ إلى منطقة من المناطق، فالتجأ درويش محمد هندو ودرويش كمال الدين إلى الملك غياث الدين پير علي كرت، ولاذ شيخان آخران مع ثلة من الدراويش بالأمير تيمور في بلاد ما وراء النهر، وأخيراً لجأ درويش ركن الدين إلى الشاه شجاع عدو علي المؤيد.
لم يسكت هؤلاء بعد لجوئهم بل واصلوا نضالهم ضد علي المؤيد ودخلوا مع حماتهم في ساحة المواجهة واحداً بعد آخر إلى أن استطاعوا أن يقضوا على علي المؤيد والسربداريين.
في البداية اصطدم پير علي كرت مع علي المؤيد وكانت النتيجة انتصار الأخير تبعه اتساع رقعة أراضي السربداريين ووصولها حتّى سرخس، وقُتل الدرويشان كمال الدين ومحمد هندو من قبل علماء علي المؤيد. وعندما كان الحاكم السربداري أي الخواجة علي المؤيد مشغولاً في حربه مع حاكم هرات استغل «أمير ولي» حاكم استرآباد الفرصة فهاجم دامغان وسمنان واستولى عليهما. وباستيلائه على هاتين المنطقتين يكون قد أحكم حصاره على سبزوار سنة [776].
سمع علي المؤيد بهذا الخبر فتوجه إلى هناك بعد انتصاره في الشرق وأجبر «أمير ولي» على الانسحاب واستعاد دامغان وسمنان وأحكم سيطرته عليهما. وما إن فرغ من دحر «أمير ولي» حتّى ظهرت حركة تمرد أخرى سنة [777] بقيادة «الدرويش ركن الدين» خليفة «الدرويش عزيز جوري» إذ تواطأ مع «إسكندر شيخي» نجل «أفراسياب چلاوي» وقاتلا معاً لكنهما اندحرا، ففرّ الدرويش ركن الدين إلى أصفهان حيث نزل على شاه شجاع، وفرّ «إسكندر شيخي» إلى هرات ونزل على «پير علي». لكنّهما لم يسكتا بل عادا لمواجهة الخواجة علي المؤيد مرّة أخرى، فتحرّك الدرويش ركن الدين سنة [778] برفقة قوات إسناد عسكرية تابعة للشاه شجاع متجهاً نحو سبزوار، وتحرّك «إسكندر شيخي» بمؤازرة «پير علي» فسيطر على نيشابور، ولمّا سمع بتحرّك «الدرويش ركن الدين» التحق به، فتلاحمت قواتهما وحققت انتصاراً ساحقاً على علي المؤيد. ووقعت سبزوار في قبضتهم. عندها اضطر علي المؤيد للفرار متوجهاً نحو عدوّه القديم «أمير ولي» في استرآباد بعد هزيمته المنكرة علماً أنّ احتلال سبزوار تمّ بمساعدة الدراويش الذين كانوا مختفين أيام حكمه حذراً منه وخوفاً من بطشه إذ آزروا «الدرويش ركن الدين» والقوات المرافقة له؛ لذا إنّ علي المؤيد وقع فريسة الحملات الداخلية والخارجية عليه.
بعد احتلال سبزوار تمّ احتلال قلاع جاجرم وبحر آباد من قبل الدرويشين ركن الدين وإسكندر. ودامت حكومتهما زهاء عشرة أشهر.
تمتع الدراويش باستقلالهم في سبزوار مدّة عامين من حيث المجموع، وفي سنة [780] عاد علي المؤيد بمؤازرة «أمير ولي»، فاحتل سبزوار ثانية، وأبادهم.
ممّا ذُكر عن هذا الأمير أنّه كان يهتم بالشؤون الدينية، وكان في صدد تطبيق الأحكام الشيعية على أساس الموازين الفقهية؛ لذا حاول جاهداً أن يدعو علماء الشيعة وفقهاءهم من مختلف المناطق إلى خراسان ليسبغ على التشيع بُعداً فقهياً مقابل أعمال الدراويش الحسنية. ومن أجل ترويج مذهب التشيع في أقصى نقاط خراسان فقد أقدم على سك النقود بشعارات شيعية.
واستمرّ على هذا التوجه، وصمّم على نشر التشيع الفقهي (الفقاهتي) والتبليغ له، وكتب في هذا الصدد رسالة إلى الشهيد الأوّل أبي عبدالله شمس الدين محمد بن مكي ـ رضوان الله عليه ـ دعاه فيها إلى خراسان… وتدلل هذه الرسالة على عمق إخلاصه واهتمامه بالعلماء ومنهم الشهيد الأوّل ـ رحمه الله ـ لقد طلب من الشهيد الأوّل في هذه الرسالة بكلّ خضوع أن يأتي إلى مشهد قائلاً: «نحن قلقون أن يشملنا غضب الله ـ تعالى ـ لعدم وجود عالم نقتدي به. وليس في أوساطنا أحد نطمئن إلى فتواه من الناحية العلمية أو يأخذ الناس عنه عقائدهم، فإذا تفضّلت علينا متوكلاً على الله تعالى غير متعذر عن المجيء إلى سبزوار فسوف تحسن إلينا كثيراً».
لكن مع الأسف فإنّ الشهيد الأوّل ـ رحمه الله ـ كان يعيش ظروفاً حرجة، لهذا لم يستجب لذلك الطلب واكتفى بإرسال كتاب اللمعة الدمشقية في فقه الشيعة له ليعمل بموجبه علماً أنّ الشهيد الأوّل كان يعدّ من الناحية العلمية مرجعاً للمذاهب الخمسة.
والآن نأتي إلى العاقبة التي وصل إليها الخواجة علي المؤيد.
ذكرنا سابقاً المراحل الأربع في حياته السياسية وقلنا إنّ المرحلة الأخيرة كانت توتر الأوضاع واضطرابها عليه ممّا أدّى إلى سقوطه… ونوّهنا بعد ذلك عن فرار أتباع رفيقه «الدرويش عزيز» من الدراويش إلى مناطق مختلفة، وكان منهم الشيخان اللذان التجآ إلى الأمير تيمور… فالشيخان هما الشيخ داود السبزواري والشيخ يحيى الخراساني (الخوافي)([285]) وقد طلبا حق اللجوء من الأمير المذكور.
كان الأمير تيمور تلك الأيام مصمّماً على التوجّه إل خراسان، فتحرّك: «أمير ولي» حاكم استرآباد بالتواطؤ مع «علي بيك جاني قرباني» لمواجهته، وطلبا من علي المؤيد أن يتهيأ معهما للحرب، لكن لم يستجب لأنّه كان يأمل القضاء على منافسيه الساسيّين هذين بمجيء «الأمير تيمور» أوّلاً، وثانياً: أراد البقاء في سبزوار كحاكم لها.
لمّا علم الإثنان بعدم استجابته تحرّكا نحو سبزوار فحاصراها. ولمّا وصل خبرهما للأمير تيمور تحرّك هو الآخر بناءً على طلب علي المؤيد نفسه فدخل خراسان سنة (874). أمّا الشيخان المذكوران فقد طلبا من «الأمير تيمور» إخراج علي المؤيد معه من سبزوار، لهذا فإنّه رغم كلّ الاحترام الذي أبداه لعلي المؤيد، فقد سحب البساط من تحته بتسليم مركز الحكومة (سبزوار) لعدويه الشيخ داود والشيخ يحيى. قضى علي المؤيد سبع سنين بصحبة تيمورلنك وأخيراً في سنة [788] قتل في الحويزة في الحرب التي نشبت مع اللُّر الصفار ونقلوا جثمانه إلى سبزوار ودفنوه سرّاً خوفاً من الدراويش الحسنية لأنّهم كانوا على رأس الحكومة آنذاك.
وجيه الدين مسعود السربداري
بعد مقتل الأمير عبد الرزاق سنة (738)، صار أخوه وجيه الدين مسعود الباشتيني رئيساً للحكومة الجديدة التي أسّسها السربداريون.
لم تذكر المصادر بشكل عام عنه إلاّ خيراً، مثلاً في صراعه مع أخيه عبد الرزاق لو صحّ ـ فإنّه يبين لنا مدى تديّنه وتقواه. كما أنّه كان مشهوراً في جمعه بين الدين والسياسة.
أمّا تعلّقه بالشيخ حسن الجوري فلو كان وازعه سياسياً فإنّه يخبرنا عن شيء من إخلاصه كما أُشير إلى ذلك في رسالة الشيخ حسن له. على أي حال فإنّ مسعوداً كان واعياً لمدى نفوذ المرجعية الدينية وقوّة تأثيرها، لكن في تلك الأيام كان الشيخ حسن سجيناً بامر أرغون شاه في حصار طاق يازر في شمال خراسان. وفي رواية أنّ الأمير مسعود هو الذي أنقذه من السجن وجعله قدوة له.
لقد أصبحت الحكومة السربدارية منظمة وقوية أكثر من السابق بفضل اتحاد وتضامن الشيخ حسن كقائد فكري، ومسعود الباشتيني كقائد سياسي وعسكري. وهذا ـ في الحقيقة ـ يجب أن نطلق عليه اسم «الوحدة الوطنية الدينية المقدسة للتشيع»… وبعد هذا التلاحم بين الاثنين كان الخطباء في المسجد الجامع في سبزوار حينما يريدون إلقاء خطبهم يذكرون اسم الشيخ حسن أوّلاً، ثمّ اسم مسعود. وانتشرت أخبار التطورات الحاصلة لدى الحكومة السربدارية. وما أن وصلت هذه الأخبار لطغا تيمور حتّى أصدر أمراً لأمير أرغونه بإطفاء نار الفتنة السربدارية علماً أنّ هذا الأمير كان قلقاً هو الآخر بسبب اتساع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها السربداريون؛ لذا هو أيضاً كان يعدّ العدّة لمنازلتهم، وبالفعل نفّذ ما عزم عليه فتوجه بجيش جرّار قاصداً نيشابور لحرب مسعود. ولمّا سمع السربداريون جهزوا أنفسهم واستعدوا، ودارت بينهم الحرب… وكانت النتيجة أن هزم السربداريون عدوهم في ثلاث مرّات متوالية، حتّى أرغون نفسه نجا من المعركة بأعجوبة… وبناءً على ذلك وقعت نيشابور في قبضة القوات السربدارية.
بعد هذا الاندحار الذي تجرعه أرغون وجيشه حاول نجله أن يشق صفوف السربداريين من خلال رسالة بعثها إلى الشيخ حسن.
أراد من تلك الرسالة أن يوغر صدر الشيخ حسن علي مسعود من خلال إثارته لسؤال وجّهه إلى الشيخ حسن قائلاً: أنت رجل دين وتقوى، فكيف تتدخل في السياسة وتنسق مع مسعود وهو رجل عسكري ليس له هدف إلاّ توسيع رقعة سلطته؟
لكن الشيخ حسن فوّت عليه الفرصة من خلال جواب رائع بعثه له، أوضّح فيه كثيراً من الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية المتداولة آنذاك؛ فأحبط تلك الخطّة الخبيثة.
بعد هذا الفشل الذي مُني به أعداء السربداريين اتّحدت قوات «طغاتيمور» و«أرغونشاه» و«عبدالله مولائي» وقرّروا القضاء على السربداريين. ودارت حرب طاحنة بين الطرفين لعلها كانت في المنطقة الشمالية الغربية من خراسان، انتهت كذلك باندحار القوات المتحالفة سنة (741هـ).
إنّ الانتصارات المتوالية لمسعود بالتنسيق مع الشيخ حسن، وإن كانت في صالحه من الناحية السياسية والعسكرية، لكنّها أيضاً عزّزت المكانة الدينية والاجتماعية للشيخ حسن وأصبح في وضع أفضل من السابق، كما أنّ أنصاره مسكوا زمام الأمور، وكانوا ينظرون إليه نظرة تبجيل وإجلال، و يعتبرونه قدوتهم ومثلهم الأعلى، وينفذون أوامره وتوجيهاته دون مناقشة. على أي حال هذا الوضع الجديد كان ينذر بمستقبل سيء بالنسبة لمسعود، وكان تمهيداً لمشاكل مستقبلية تنتظره… وبالفعل فهو الذي أدّى إلى اندحار السربداريين في حرب «زاوه» التي دارت بينهم وبين الملك معز الدين حسين كرَت.
إنّ سبب هذه الحرب كان سياسياً ومذهبياً في آن واحد. فمن الناحية المذهبية كان الملك المذكور غير شيعي، ومن الناحية السياسية كان متحلفاً مع«طغاتيمور خان».
لقد تقابل الطرفان في منطقة زاوه (وهي مدينة «تربت حيدرية» هذا اليوم) على بعد مائتي كيلومتر جنوب شرق نيشابور. وكاد النصر أن يكون حليف السربداريين لولا مفاجأتهم بمقتل الشيخ حسن الجوري فتغيّر الوضع العسكري تماماً، إذ لمّا رأى أنصاره أنّهم قد فقدوا قائدهم ضعفت عندهم الروح القتالية وذوى ذلك الاستعداد السابق للتضحية، فاندحروا.
أمّا مسعود فيبدو أنّه كان راغباً في الرجوع وترك القتال بناءً على وصية الشيخ حسن ـ كما يدّعي ـ علماً أنّه لم يعد قادراً على مواصلة القتال، ولا يخفى فإنّ خلفية التخاصم بين الاثنين كانت موجودة قبل حرب زاوه، وهذا ممّا قوى الشبهة التي أثيرت آنذاك من أنّ الشيخ حسن لم يقتل على يد قوات العدو بل على يد أفراد من جناح مسعود.
هذا وعندما كان مسعود مشغولاً في قتاله مع حسين «كرت» وردت عليه أنباء تفيد أنّ طغاتيمور قد استغل انشغاله في الحرب فهاجم استرآباد واحتلها، فصمّم على قتاله، وبالفعل تحرّك مع جيش مجهز صوب الشمال فاحتل استرآباد ومازندران، ورغم تحالف ملوك مازندران وأمرائها مثل «الملك فخر الدين حسن الباوندي» و«جلال الدولة اسكندر» لكن مسعود واصل تقدّمه حتّى وصل مدينة «آمل» سنة (742). أمّا عدم معرفة مسعود بطرق مازندران، وخيانة بعض أنصاره والتحاقهم بالعدو، والأهم من ذلك كلّه: حرب العصابات، والغارات التي كانت تشنّها القوات المازندرانية بين الحين والآخر، وتدمير خطوط الاتصال… كلّ ذلك أدّى إلى أن يقع فريسة للقوات المازندرانية ويقتل عام (745) رغم كلّ جهوده من أجل تعزيز سلطته في تلك المنطقة، وبقائه فيها لسنتين.
الپهلوان حسن الدامغاني
عندما قتل يحيى الكرابي سنة (756)، لم يكن حيدر القصاب موجوداً في سبزوار، ولمّا علم بالخبر توجّه مسرعاً نحوها. وكان فيها ظهير الدين الكرابي وهو ابن أخي يحيى حاكماً للسربداريين اسمياً، ولمّا وصل حيدر أصبحت مجاري الأمور بيده عملياً. بعدها ظهرت حركة تمرد ومعارضة لدى بعض السربداريين، وحينما وصلت أخبارهم إلى سبزوار، اعتزل ظهير الدين الأمور تدريجياً بحكم شخصيته المسالمة، لقد بدأ التحرّك المعارض عندما اعتصم بعض السربداريين برئاسة نصرالله الباشتيني أخي مسعود السربداري في قلعة شغان في اسفراين، ويبدو أنّهم كانوا مشغولين في جمع قوات لهم باسم لطف الله نجل مسعود ليتسلموا زمام الحكومة السربدارية.
لمّا سمع حيدر القصاب بخبرهم كان لا بد له من العمل للقضاء عليهم كعقبة في طريقه، لا سيما وهم كانوا من أهل النفوذ والمنزلة بين الآخرين، لذا قرّر التوجّه إلى اسفراين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان هناك «لپهلوان حسن الدامغاني» أحد أنصار شمس الدين علي الحاكم السابق للسربداريين، وهذا كان ناقماً ممتعضاً لتصدّي يحيى الكرابي وحيدر القصاب للأمور، لذا قرّر التواطؤ مع السردباريين المعتصمين في قلعة شغان ضد حيدر القصاب، لماذا هذا الصراع على السلطة؟ لماذا كلّ هذه التغييرات الحاصلة؟ من حق القارئ والمتتبع أن يسأل وهو يتابع كثرة التغييرات الحاصلة بين الأمراء السربداريين.
إنّ المصادر التي بين أيدينا لم تذكر شيئاً عن أسباب تلك التغييرات الكثيرة الحاصلة بين الأمراء السربداريين، هل هي بسبب صراع الأجنحة الاجتماعية المتأخرة؟ أو حب البعض للمنصب والشهرة والبروز؟ علماً أنّ بعض هؤلاء الأمراء قد حظوا بتأييد شعبي واسع، وهناك احتمال قوي أنّ كبار السربداريين وأعيانهم قد سندوا ودعموا بعضاً منهم كلطف الله ونصر الله الباشتيني من الأوائل، والپهلوان حسن الدامغاني من المتأخرين.
على أي حال… ماذا عن حيدر القصاب؟ ماذا فعل في تحرّكه إلى اسفراين؟ وماذا عن الپهلوان حسن؟ هل أنّ حيدر القصاب الذي كان أحد الكسبة، وكان يعتبر أحد أنصار شمس الدين علي، بذل جهوداً لكسب الشيخية والدراويش من أتباع حسن الجوري وتحصيل مساعدتهم؟ كيف كان دور الدراويش من تلك المنازعات الأخيرة؟
إنّ الأحداث المتأخرة تفيد على أنّ سير الأمور لم يكن في صالح الشيخية زمان الپهلوان حسن، لكن حكومة ظهير الدين الكرابي القصيرة ومحاولات حيدر القصاب تثبيت سلطته تؤكدان على نكتة مهمة وهي أنّ الجناح المعتدل (المحافظ) كان راغباً أن تكون السلطة بيد خلفاء مسعود؛ لذلك حينما كانت اسفراين محاصرةً من قبل قوات حيدر، حاول الپهلوان حسن، ببنائه لعلاقة مع السربداريين المحاصرين من جهة، واصطحاب جمع من جنوده معه من جهة أخرى، القضاء على حيدر، فكانت نتيجة هذا الصرع على السلطة في صالح البهلوان حسن؛ لأنّه مع وجود الحكومة الصورية للميرزا لطف الله الذي كان معه مؤدبه ومربيه الميرزا نصر الله الباشتيني، أصبحت الحكومة بيد الپهلوان حسن رسمياً.
إنّ أوّل ما قام به الپهلوان حسن هو تعيينه لنصر الله الباشتيني حاكماً على دامغان. بعد ذلك قام إلى قلعة «دستجروان» حيث قتل هناك سنة (759)… بعدها مسك على قبضة أمور السربداريين بشكل تام مستقلاً بها دون منازع.
في زمن شمس الدين علي كان الدرويش عزيز الجوري قد عانى ما عانى وذاق الأمرّين حتّى هاجر إلى العراق، لكن في أيام حكومة حسن الدامغاني عاد إلى خراسان، فالتفّ حوله عدد من الأتباع من مشهد وطوس فأسّس حكومة وسَكَّ النقود… وتمخضت هذه التوجهات عن نهضة جماعية واسعة. هذه النهضة الجماعية كان يقودها أتباع الجناح المتشدد للسربداريين. والذي نستنتجه من سير الأحداث أنّ المرض الخطير الذي أصاب السربداريين هو انقساماتهم المستمرة وتناقضاتهم.
إنّ التناقضات الداخلية للسربداريين بلغت من الوخامة حدّاً أدّت إلى نشوب حرب أهلية علنية سنة (762) للهجرة، لكن ممّا لا شك فيه أنّ النهضة الشعبية هذه المرّة قد اتّسعت قاعدتها. على سبيل المثال إنّ الپهلوان حسن قد استطاع استرجاع طوس بعد حصار دام ستة أشهر فقط، وتبع ذلك احتلاله لمشهد.
لقد خمدت نار الانتفاضة لكن الپهلوان حسن لم يجرؤ على قتل درويش عزيز إمام الثائرين، بل كرّمه واحترمه وقدّم له مقدار 600 كيلو غرام من الحرير الخام قائلاً له: «أنت من أهل الطاعة، وإنّي أخاف الله أن أقتلك، فقم واخرج من بلادي» فخرج درويش عزيز وتوجّه إلى أصفهان وأقام هناك. إنّ هذا التعامل الطيب من لدن حسن الدامغاني تجاه درويش عزيز وإن كان قد أزال التشنج والاختلاف الموجود بين الجناحين بشكل مؤقت، لكن نار الانشقاق بقيت تلتهب تحت الرماد، ولمّا سنحت أوّل فرصة خرج ذلك اللهيب المستعر فكان أحد عوامل سقوط الپهلوان وأمّا القضية الثانية فهي تسييره للجيش نحو مازندران وحربه مع أميرولي الأسترآبادي.
من المعلوم أنّه بعد سقوط حكومة طغاتيمور خان في استرآباد وقسم من خراسان، وقتله على يد السربداريين، أصبحت كلّ الأرضي التي كان يحتلها تحت نفوذ السربداريين. وقد عيّن السربداريون من قبلهم أمراء وولاة للمدن والقلاع المهمة التي تمّت السيطرة عليها، لكن انشغال السربداريين بالإنقسامات الداخلية جعل اميرولي نجل الشيخ علي هندو، الذي التجأ سلفاً في خراسان لدى أمراء «جاني قرباني» بعد مقتل طغاتيمور خان، جعله يغتنم تلك الفرصة ليعود إلى مازندران ويهيئ الأرضية ضد السربداريين. هذا إضافة إلى السياسة التعسفية التي كان يتبعها أبو بكر الشاسماني ممثل حسن الدامغاني، الذي كان حامياً لقلعة شاسمان في استرآباد، حيث زادت الطين بلّة، وجعلت الناس يكونون إلى جانب أميرولي.
كانت نتيجة أوّل مواجهة بين أميرولي وحاكم استرآباد اندحارَ ممثّل السربداريين. بعدها دحر أميرولي أبا بكر الشاسماني، ففرّ أبو بكر إلى خراسان ونزل على حسن الدامغاني.
أدّى اندحار أبي بكر الشامساني من قبل أميرولي إلى أن يتوجه حسن الدامغاني مع ستة آلاف من جنوده نحو استرآباد. لكن تزامن مع سيره هذا تمرّد حامي قلعة شغان، لذلك خاف الپهلوان حسن المندحر المهزوم أن تتصاعد حِدّة التمرد في خراسان فقفل راجعاً إلى سبزوار ليتوجه منها إلى شغان، علماً أنّ اندحار القوات السربدارية من قبل أميرولي كان ذريعة قويّة بيد معارضيه لهذا أقالوه من منصبه وتسلّموا مقاليد الأمور.
على أيّ حال فإنّ سقوط مناطق واسعة من مازندران وفيروزكوه وسمنان جعلت الپهلوان حسن في موقع ضعيف، ليس محلياً فحسب بل إقليمياً، إذ وصل الأمر أن يتحرك الخواجة علي مؤيد مع درويش عزيز الجوري تحرّكاً تكتيكياً سريعاً ليُنهيا حكومته. أمّا كيف تمّ ذلك؟ ينقل المؤرخون أنّ علي مؤيد كتب رسالة إلى السربداريين من أتباع حسن الدامغاني قائلاً لهم: إنّ عوائلكم وذويكم هم تحت قبضتنا في سبزوار فاقتلوا حسن الدامغاني ونحن نطلق سراحهم…
وكم أراد المذكور منهم أن يرسلوه إلى «درويش عزيز الجوري» لأمله في إنقاذه، لكن لم يوافق أمراء الجيش وأصروا على تنفيذ أمر «الخواجة علي مؤيد» في قتله طاعة له، وحفظاً لعوائلهم وذويهم… لذا أنزلوه من جواده وتولّى فخر الدين الجويني قطع رأسه وذلك سنة 762هـ.
الشيخ حسن الجوري
إنّ أفضل وثيقة تبيّن لنا أحوال الشيخ حسن الجوري والفترة الزمنية التي عاشها، هي رسالته التي كتبها لمحمد بيك جاني قرباني نجل ارغونشاه، التي حوت كثيراً من المواضيع السياسية المتعلقة بتلك الفترة. بالإضافة إلى تلك الرسالة فإنّ ما ذكرته كتب التأريخ عن حياة الشيخ خليفة: مرشده، والسربداريين بشكل عام، يمكن أن يكون صورة مشرقةً عن جهوده الجبارة لإقرار العدل ومحاربة الظلم.
لقد قضى الشيخ حسن سنين من عمره في الدراسة كسائر زملائه الطلبة، وتتلمذ على يد أساتذة كثيرين، وواصل دراسته بجد ومثابرة حتّى صار في مصاف الأساتذة والمدرسين. عندها كان يحثّ الخطى بحثاً عن سبيل ينقذ به مجتمعه من عزلته السياسية والاجتماعية التي خلّفتها الحكومة المغولية المعتدية الغازية، وبحثه هذا هو الذي عرّفه بالشيخ خليفة، الذي كان يلقي خطبه ومواعظه في سبزوار، فانشدّ إليه الشيخ حسن وتعلّق به، وهذا التعلّق هو الذي سبّب شهرة الشيخ خليفة.
بعد مقتل الشيخ خليفة، لم ير الشيخ حسن مصلحة من بقائه في سبزوار؛ لذا عزم على الهجرة. ولهجرته سببان: الأوّل ـ تكهرب الأجواء بسبب وجود الدسائس والمكائد التي كانت تحاك من قبل وعاظ السلاطين والمسؤولين الحكوميين، وبشكل عام، المعارضين لخطّه الفكري. الثاني ـ التبليغ لتعاليم الشيخ خليفة في مختلف المدن، وكسب الأعوان والأنصار، والحصول على مزيد من العُدّة والقوّة.
واصل الشيخ حسن نشاطاته بإلقائه المستمر للخطب والمواعظ في مختلف المدن والمناطق… ولقد أقضّت خطبه مضجع الجهاز الحاكم «لجاني قرباني» و«طغاتيمور» لذلك فكر الأمير «أرغون شاه وجاني قرباني» من إلقاء القبض عليه، وحاول مرتين فلم يفلح، وفي المرّة الثالثة هوجم وضرب أتباعه وأنصاره ضرباً مبرحاً تكسّرت على أثره رؤوسهم وأيديهم، لذا ألقي القبض عليه وأودع السجن. لكن لم يستمر في الجسن طويلاً إذ سرعان ما نشر أتباعه خبره في أرجاء البلاد حتّى اجتمع منهم جماعة بقيادة الخواجه أسد وهاجموا قلعة طاق يازر في شمال خراسان وأطلقوا سراحه. وتذكر بعض المصادر أنّ وجيه الدين مسعود قد بذل جهوداً في هذا المضمار. أمّا الشيخ حسن فإنّه وإن لم يذكر في رسالته بشكل صريح اسم مسعود أو أسد، لكنّه ذكر على نحو الدقّة أنّ عدداً من أصحابه من سبزوار ونيشابور ترافقهم مجموعة الدراويش توجهوا إلى القلعة وأنقذوه وأخذوه إلى سبزوار. ومن المسلم به أنّ مسعوداً، بتخطيطه هو لإطلاق سراح الشيخ حسن، أو بعد إطلاق سراحه من قبل أتباعه الآخرين، الذي تمّ بعملية فدائية جريئة، قد أثبت صدق توجهه في تطبيق اقتراح الائتلاف مع الشيخ حسن عملياً.
بتحالف الشيخ حسن ومسعود، أصبح للحكومة السربدارية حاكمان، حاكم ديني وحاكم سياسي، والحاكم الديني مشرف على جميع الأمور، وصار للقيادة الدينية إشراف على القيادة السياسية؛ لأنّ اسم الشيخ حسن كان يذكر قبل اسم مسعود في خطبة المسجد الجامع في سبزوار كما جاء في مختلف المصادر. ورفع السربداريون الشيخ حسن إلى مقام الخلافة، وصار خليفتهم بالفعل.
في هذه المرحلة بالذات حاول الأعداء إيجاد الشقاق بين القوات المتحالفة من خلال رسالة «محمد بيك جاني قربان» نجل «أرغون شاه» إلى الشيخ حسن التي جاء فيها ما مضمونه: إنّك رجل دين وعلم، فلم تنسّق مع مسعود وهو رجل عسكري لا همّ له إلاّ الدنيا؟
هذه الرسالة هي التي أدّت بالشيخ حسن أن يكتب رسالته المعروفة التي تطرق منها إلى نبذة من حياته الجهادية وأعماله النضالية. وأكّد فيها على أنّ مسعوداً ـ أيّاً كان توجهه ـ فهو رجل ثائر ضد الظلم، وتوجهه هذا يفرض عليّ التحالف معه لاجتثاث جذور الظلم، وإذا لم يكن هناك ظلم، فلا حاجة إلى القلق أو إلى التفكير بالتحالف والتعاون.
أمّا بالنسبة لما آل إليه نشاط الشيخ حسن فيمكن القول إنّه بما أنّ شهرة الشيخ وصلت إلى أقصى نقاط خراسان، وأنّ أتباعه قد انبروا لممارسة كافة الأعمال وحلّ جميع المعضلات؛ لذا كانت هذه القضية ثقيلة الوطأة على الأمير وجيه الدين الذي وإن كان محبّاً للشيخ لكن من الناحية السياسية كان يرى الشيخ خصماً له. ولو أغضينا عن هذا كله، فإنّ أركان الحكومة السربدارية قد توطدت، وذاع صيتها في الآفاق… إضافة إلى ذلك فإنّ ما أوتيه الشيخ حسن من كفاءات في الحقلين السياسي والديني، وما حققه من تقدّم في هذين المجالين، أدّى كلّ ذلك إلى أن يكون له أتباع جدد حتّى في مدينة هرات، وهذا ممّا أغاظ مسعوداً كثيراً، فلمّا كانت حرب زاوة، كانت فرصة لمسعود للانتقام من الشيخ.
إنّ حرب زاوه التي قتل فيها الشيخ حسن كانت تمثّل في الحقيقة غاية مساعي النظرتين الشيعيتين السربداريتين، والنظرة السنية الكرتية لحكم خراسان، الشرقية.
إنّ مقتل الشيخ حسن في تلك الحرب بلغ من الأهمية حدّاً جعل المؤرخين يعلنون بصراحة أنّه كان خطة قام بها وجيه الدين مسعود وأنهت حياة الشيخ، مع الأخذ بنظر الاعتبار خصومة الاثنين، أمّا كيف تمّت عملية القتل؟ فهذا ما تحكيه السطور التالية:
في تلك الحرب قام سربداري اسمه نصر الله باشتيني بجرح الشيخ حسن بإشارة من مسعود، أمّا مسعود نفسه فقد قام «بقتل نصرالله دون تأمل» وأصدر أمراً بالعودة عام (742).
إنّ مقتل الشيخ حسن ـ بأمر مسعود أو دون أمره ـ قد أخلى الجولة فأصبح حاكماً دون منازع، مع أنّ السربداريين قد اندحروا من قبل الملك معز الدين.
إنّ اسنحاب مسعود وفراره من ساحة القتال كان حسب وصية الشيخ حسن كما يدّعي، إذ قال: إنّ الشيخ حسن أوصاه، إنّ هو قتل، يترك ساحة القتال، على كلّ حال إنّ أتباع الشيخ حسن يتهمون مسعوداً بأنّه هو الذي أمر بقتله، وما قتل نصرالله الباشتيني بعده إلاّ لكي تبقى كيفية قتل الشيخ حسن غامضة مجهولة.
شمس الدين علي الچشمي
بعد مقتل مسعود السربداري، تسلّم حكومة السربداريين ربيبه محمد آي تيمور الذي كان حاكم سبزوار نيابةً عنه. عندها قام معارضوه ـ الذين يتكون معظمهم من الدراويش ـ يؤازرهم جمع من أحفاد الخواجات والاشراف بزعامة شمس الدين علي قاموا بقتل آي تيمور سنة (747). وقد أدّى قتله أن يستلم «كلواسفنديار» مقاليد الحكم السربداري بدعم من شمس الدين علي وبما أنّ الحاكم الجديد كان من طبقة الكسبة العاديّين؛ لذا لم يكن اهتمامه بالمرموقين من السربداريين وأتباع الشيخ حسن الجوري بمقدار اهتمامه بالضعفاء والمحرومين والعبيد، إذ كان اهتمامه بهؤلاء أكثر… ممّا أدّى إلى إثارة مشاعر السربداريين واتباع الشيخ في آن واحد ضده حتّى خططوا للانتقام منه، وبالفعل كان ما أرادوا، فقتلوه سنة (748)، والظاهر أنّ شمس الدين عاتبهم على عملهم هذا… على أيّ حال بعد ذلك سلّموه زمام أمورهم.
إنّ أوّل عمل قام به شمس الدين علي هو تنظيم الجيش وتجهيزه، واستطاع أن يكوّن جيشاً ضمَّ ثمانية عشر ألفاً، وعيّن لهم رواتب، وقد دفع عمله هذا إلى الحيلولة دون حصول هجوم محتمل من قبل طغاي تيمور. وإن كانت بعض الأراضي التي كان يحتلها السربداريون قد خرجت من نطاق نفوذهم بسبب هذا الحاكم المغولي، وفي المرحلة التي تلت حكومة مسعود، لكن الإصلاحات العسكرية التي قام بها شمس الدين علي أجبرت طغاتيمور أن ينسحب من المواضع التي كان قد احتلها سلفاً ويذعن بأنّ «الولايات التي كانت تحت تصرّف الخواجة مسعود تبقى تحت تصرّف شمس الدين علي».
من أعماله الآخرى: إصلاحاته المالية وإلغاؤه للحوالات.
كان شائعاً في إيران أنّ رواتب الموظفين كانت تحوّل إلى الخزينة المحلية، أي لم توزّع مركزياً، بل كلّ منطقة تدفع رواتب موظفيها ممّا تجبيه من أموال وضرائب من عامة الناس، فكان الموظفون يتقاضون رواتبهم بما يجبونه من الرعية مقابل وصولات يقدمونها لهم، وعلى هذا الأساس كان مسؤولو الخزينة والشؤون المالية يتلاعبون ـ بشكل فظيع ـ في إصدار الوصولات ويستغلونها كثيراً؛ لذلك كانت سوق الاختلاس والرشوة والفساد المالي رائجةً في الشؤون الديوانية؛ فقرّر شمس الدين أن تدفع رواتب العسكريين والموظفين الحكوميين نقداً وهذا القرار فيه مكسبان: الأوّل: يستطيع جباة الضرائب من وراءه أن يفيدوا الخزينة مالياً الثاني: الحد من الظلم الذي كان يلحق الناس من جرّاء ذلك أو تخفيفه.
والآن نلقي نظرة على جانب من حياة شمس الدين السياسية.
بعد مقتل الشيخ حسن، انتخب مسعود السربداري السيد عز الدين السوغندي خلفاً له، ورضي به الشيخية قائداً، لهذا تصدّى السيد عز الدين لزعامة الشيخية إلى جانب «الدرويش هندوي مشهدي»، أمّا شمس الدين علي الذي كان من جناح الشيخية، وكان زعيماً سياسياً للسربداريين بعد وفاة مسعود، فإنّه كان يطمح للقيادتين الدينية والسياسية، لذلك لمّا علم بالأمر قام في البداية بتعيين «الدرويش هندوي مشهدي» حاكماً لدامغان، فساءت العلاقات بينه وبين الشيخية، ممّا دفع عز الدين أن يلتحق بالدرويش هندوي مشهدي في دامغان، ويرفعا لواء المعارضة ضد شمس الدين علي. واحتدم الصراع بينهم حتّى وصل درجة لا يمكن فيها تجنبه، لذلك صمّم شمس الدين علي على قمع ذلك التمرد فتقابل الطرفان وبعد أسبوع من القتال، وقتل جمع من أعضاء الجناح المتشدد للشيخية من أتباع الشيخ حسن الجوري المعروفين «بالحسنية» أيضاً، ثمّ أسر الدرويش، هندوي، واقتياده إلى سبزوار. وفي سبزوار فرضت عليه الإقامة الجبرية.
أمّا بقيّة خصوم شمس الدين علي إضافة إلى «طغاتيمور» الذي لم يجرأ على التقدّم شبراً واحداً في أرض السربداريين، كان «أمير أرغون شاه جاني قرباني» هو الآخر قد ضعف بعد اندحاره في مناطق «أبيورد» و«يازر» من قبل مسعود السربداري إلى الحد الذي قد خرجت فيه طوس من قبضته.
أمّا أمير علي رمضان حامي قلعة طوس فقد تمرّد هناك، وكان شمس الدين يتوقع مثل هذه الحادثة فتحرّك بجيشه قاصداً طوس، ولمّا علم به الملك معز الدين حسين كرت تجهز مع جيشه وتحرّك نحو مشهد وفراه جرد ممّا دفع شمس الدين علي إلى الانصراف عن احتلال طوس لأنّه سيكون في مواجهة مع حاكم هرات، وحامي قلعة طوس في آن واحد، وهذا يسبب له متاعب ومشاكل كثيرة إذ ربّما يستغل أرغون شاه وطغاتيمور الفرصة فيهاجما الأراضي التي هي تحت الاحتلال السربداري، لكن لا يخفى أن يحيى الكراوبي أحد الأمراء السربداريين جاء فيما بعد وحرّر قلعة طوس من قبضة أمير علي رمضان الذي كان حاميها من قبل جاني قرباني.
كانت مدّة حكومة شمس الدين علي خمس سنوات تقريباً، إذ قتل سنة (752) من قبل أحد السربداريين. وأسباب قتله كانت إضافة إلى المشاكل السياسية والانشقاق الداخلي الذي أوجده هو بنفسه بين صفوف الحركة السربدارية حيث شقّها إلى جناحين هما: الجناح المعتدل (المحافظ)، وجناح الشيخية الحسنية، كانت هناك أسباب شخصية… ومالية أيضاً… كذلك فإنّ شمس الدين رغم تحليه بالصفات الحميدة لكنّه كان مشهوراً بقساوته وبذاءة لسانه. هذه كلّها أدّت إلى قتله… أمّأ الشخص الذي قتله فهو حيدر القصاب… كما قلنا سابقاً: إنّ حيدر القصاب هو ربيب شمس الدين علي، وكان مسؤولاً عن استلام الضرائب… وقد حدث مرّة أنّه كان مشغولاً في تسديد الضرائب، فظهر عنده نقص، فتعرّض على أثرها إلى إهانة من الحاكم السربداري وعندما كان يستعد لتسديد ذلك النقص، تعرّض مرّة أخرى إلى ضغوطات لا تطاق وصلت إلى حد تحقيره فلم يطق أكثر من هذا فأخرج خنجراً وطعن شمس الدين طعنة أودت بحياته.
ممّا لا شك فيه أنّ قتل قائد السربداريين ليس أمراً هيناً ولا يحصل لولا اتفاق مسبق مع بعض أقطابهم المتنفذين. ووجود علاقة ضمنية لبعض الأشخاص من أمثال يحيى الكرابي الذي تسلم مقاليد الأمور بعد مقتل شمس الدين مباشرة يفسّر هذا القتل سياسياً.
يذكر مير خواند([286]) في كتابه: أنّه بعد مقتل شمس الدين، حاول حسن الدامغاني قتل حيدر القصاب لكن الخواجة يحيى الكرابي حال دون ذلك، فقال له حسن: «أيّها الخواجة! إنّي كنت أعلم أنّ هذا القتل قد وقع بعد استشارتك».
يحيى الكرابي
يحيى الكرابي بن حيدر من أهل كراب التابعة لسبزوار في خراسان، كان من المتنفذين في الحركة السَّربدارية([287]) وقد تسلّم مقاليد الأمور بعد مقتل شمس الدين علي على يد حيدر القصاب.
بعد وصول يحيى للحكم، لم يبد أفراد الجيش أي اعتراض، كما لم يكن في حسبانهم القيام بأي تمرد لذلك بادروا إلى تأييده معلنين طاعتهم له، امّا حيدر القصاب فقد كوفئ بتعيّنه قائداً للجيش.
لقد حاول يحيى منذ تصدّيه للسلطة أن يكون محافظاً ومعتدلاً في تعامله مع الدراويش الذين كانوا أصحاب السطوة والنفوذ، وذوي اتجاه المناداة بالمساواة يومذاك. وقد اهتم بأمرهم إلى الحد الذي أمر فيه مرافقيه وخدمه أن يرتدوا زي الدراويش.
من أعماله الأخرى في مجال السياسة الداخلية: يمكن ذكر دوره في تقوية الكيان العسكري للحركة السَّربِدارية.
وقد قام بزيادة عدد أفرادهم إلى اثني وعشرين ألفاً بعدما كانوا ثمانية عشر ألفاً في زمن شمس الدين علي. كذلك بذل كل ما في وسعه لتحسين أمورهم المعاشية ورواتبهم، ممّا أدّى هذا إلى تعزيز قوتهم العسكرية وتصعيد معنوياتهم، وكذلك أدّى إلى شل الخصوم والمعارضين من أن يقوموا بأي تحرّش أو اعتداء. حتّى أنّه بعد مقتل «طغاتيمور» جعل بعض الأراضي التي كان يسيطر عليها تحت تصرّف الحكومة السربدارية.
أمّا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لحركة السربدارية تلك الفترة، فإنّ يحيى الكرابي صالح السلطان غزّان حاكم بلاد ما وراء النهر وخراسان الشرقية. وقد أدّى هذا الصلح إلى تهدئة بال أعضاء الحركة بالنسبة إلى أحد جيرانهم. وسار يحيى قدماً في سياسته وفكّر في تأمين الوضع على حدوده الشمالية؛ لذا رأى السيطرة على المنطقة السهلية الواقعة بين جبال «هزار مسجد» و«بينالود» لتحقيق ذلك، وكان له ما أراد… وبعمله هذا أصبحت فكرة احتلال طوس، التي كانت تراود الحكومة السربدارية سابقاً، عملية.
إنّ السيطرة على طوس واحتلال قلعتها يعني السيطرة على أكبر ثروة اقتصادية حياتية في خراسان، كما أنّ القوى المؤمنة التي كانت من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت تسكن في ضواحي مدينة مشهد، يمكن أن يكون سنداً قوياً للحركة السربدارية.
إنّ أكبر حادثة سياسية وقعت في زمان حكومة يحيى الكرابي هي مقتل «طغاتيمورخان» إيلخان المغول على يد القوى السربدارية مع أنّ العلاقات بين الأمير السربداري وخان المغول في الداية لم تكن سيئة كثيراً، لكن بما أن «طوغاي تيمور» كان ينوي إلقاء القبض على يحيى وقتله، فإنّ يحيى وفي حفلة ضيافة كانت معقودة ـ بادر مع أحد مرافقيه المسمّى «حافظ الشغاني» فوجّه سهامه صوب خان المغول فأردته صريعاً.
عمّت معسكرات المغول فوضى عجيبة بعد مقتله، فأسرع يحيى مع قوّة مكوّنة من ثلثمائة شخص إلى مهاجمتها وسلب ما فيها و«بمغامرة جريئة أنجزوا عملاً عظيماً»([288]) خلّد ذكرهم؛ لذلك لم يقتل جم غفير من الغول فحسب وإنّما وقعت في قبضة السربداريين أنعام وغنائم كثيرة خلفوها وراءهم، كما فرّ منهم عدد كبير. وانضمت مازندران واسترآباد للحكومة السربدارية… وتمّ القضاء على آخر معقل للدولة المغولية الهولاكوية دون مقاومة.
أمّا بالنسبة للعاقبة التي وصلت إليها حكومة يحيى فينبغي القول: إنّ الاختلافات التي كانت موجودة منذ البداية لدى السربداريين والتي كانت من سماتهم البارزة سرت عدواها إلى يحيى نفسه. وكانت قد وصلت حدّاً من الوخامة بحيث أدّت إلى قتله في النهاية…
لم تتطرق المصادر التي بين أيدينا بشيء كثير عن سبب مقتل يحيى غير ما ذكره «دولتشاه السمرقندي»([289]) من أنّ يحيى «كان جزّاراً متهوراً وأحياناً كان يعتريه مسٍّ من جنون» وكذلك ما كتبه «مير خواند»([290]) بقوله: «تربِّت جماعة غير وفية على يده إذ غدرت به فيما بعد» وتدل الأحداث المتأخرة في تأريخ السربداريين أنّ مقتل يحيى كان على يد أخ زوجته «علاء الدين» الذي قُتل هو الآخر على يد يحيى نفسه في مواجهة دامية بينهما.
إنّ مقتل يحيى في الحقيقة كان خطة مدبّرة، وكان بعض رؤساء الحركة السربدارية على علم بها.
تذكر رواية «مجمع الأنساب» أنّ قتله كان على يد مجموعة يقودهم «حافظ الشغاني». على أي حال إنّ موت يحيى أدّى أن يبدأ النضال من أجل التصدّي للحكم من جديد، حتّى جاءت حكومة «حسن الدامغاني» وتسلّمت مقاليد الأمور.
الخواجة([291]) عبد الرزاق السربداري
تعتبر وفاة السلطان أبي سعيد سنة (736) بداية الوثبات والانتفاضات المرتبطة ارتباطاً حميماً بأتباع أهل البيت (عليهم السلام). هذه الفرصة فسحت مجالاً أكثر لنشاط الفصائل الدينية المستندة إلى الجماهير الإيرانية. وفي تلك الفترة بالذات سمّى «طغاتيمور خان» نفسه بـ «إيلخان»، وبمؤازرة «أرغونشاه» سيطر على خراسان بأسرها مع قسم من أرض «استرآباد».
كان حكّام خراسان ـ في الحقيقة ـ بعد عام (737هـ) هم: «طغاتيمور» حاكماً على الأجزاء الغربية منها، وسهل جرجان وقسم من مازندران، «أرغون» نجل «نوروز» حاكماً على الجزء الشمالي منها، آل كرت، حكّاماً على جزئها الشرقي. «وعلاء الدين محمد فريو مدى» وزير «طغاتيمور» ومستشاره، حاكماً على سبزوار من قبله.
كانت تلك مقدمة للحديث عن عبد الرزاق الباشتيني السربداري…
يعتبر المترجم له مفجّر انتفاضة السربداريين. أصله من قرية «باشتين» من توابع «بيهق». لم يعلم على وجه الدقّة تأريخ ولادته لكن الانتفاضة التي قادها بنفسه رست دعائمها سنة (737). بالنسبة لبداية عمله يمكن القول: إنّ وظيفة أخيه «أمين الدولة» في حكومة أبي سعيد هي التي ساعدته أن يعمل في الجهاز الحكومي «لإيلخان المغول» بوساطة من أخيه طبعاً.
لقد قضى عبد الرزاق مدّة مرافقاً للسلطان أبي سعيد وأحد أفراد حرسه. ثمّ عُيِّن مسؤولاً عن جمع ضرائب كرمان. فاستغل عمله هذا وتلاعب في الأموال التي كانت تحت تصرّفه بتبذيرها وابتزازها واضطر على أثر ذلك إلى ترك المنطقة. كان خروجه من كرمان متزامناً مع وفاة السلطان أبي سعيد كما كان وروده إلى سبزوار متزامناً مع القضية ولدي حمزة الباشتيني مع مأموري علاء الدين محمد هندو ـ التي ناقشناها في موضوع كيفية خروج السربداريين مفصلاً ـ حيث قتل فيها المأمورون الحكوميون على يد هذين الأخوين، فأرسل علاء الدين رسولاً لجلبهما، فتدخل عبد الرزاق. فكانت أوّل مصادمة بينه وبين الحكومة. وهو الذي قال، لمّا رأى الضجّة الناجمة عن منع الناس رسول الحكومة إلقاء القبض على الأخوين الباشتيينن قال: لقد ظهرت فتنة عظيمة، لو تساهلنا فيها لقُتلنا، وللصعود على أعواد المشانق بعزّ ورجولة خير ألف مرّة من الموت بذُلّ ومهانة».
على أي حال فإن شجاعة عبد الرزاق هي التي جعلت منه أن يكون مفجّر الانتفاضة ورائدها وكان هذا عندما جاءت مفرزة أخرى من الشرطة إلى باشتين لإلقاء القبض عليه وعلى الأخوين الباشتيين فحدثت مصادمة عنيفة بين الطرفين لم يتيسّر تجنبها. قد قتل على أثرها عدد من الشرطة وفرّ الباقون، بعدها دارت رحى حرب بكلّ ما للكلمة من معنى بين السربداريين بقيادة عبد الرزاق، وقوات علاء الدين محمد، استطاع السربداريون فيها إبادة هذه القوات وسحقها. وفرّ على أثرها علاء الدين فريو مدى إلى جرجان (گرگان)… وكان فراره نقطة انعطاف كبيرة في مسير الانتفاضة. أمّا عبد الرزاق فبعد أن حقق هذا النجاح النسبي لاحق علاء الدين وطارده، حتّى إذا التقى الجانبان في «كوهسار كبود جامة» في استرآباد تمّ لعبد الرزاق فيه القضاء على علاء الدين، وأصبح بعد مقتله حاكماً لخراسان الشرقية دون منازع.
ومن المحتمل أن يكون التبليغ الديني والسياسي للشيخ حسن الجوري، أحد قادة الانتفاضة، من تلك الفترة قد التقى مع توجهات الثوّار وطموحاتهم.
إنّ مواعظ الشيخ حسن الجوري وكلماته قلبت الوضع في سبزوار لصالح السربداريين، وجعلت منها قاعدةً مهيّأة للانتفاضة واستقبال خصوم علاء الدين محمد هندو.
إنّ احتلال مناطق جوين، اسفراين، جاجرم، وبيار جمند (بيارو جومند)، جعل عبد الرزاق في وضع عجيب لم يتصوره سابقاً أبداً، ولا بد أن تكون الفترة التي قضاها في حكومة أبي سعيد مرافقاً ومسؤولاً عن الضرائب في كرمان، قد أهّلته للزعامة ومعرفة شؤون الحرب والإدارة… لذا قام من جملة ما قام به آنذاك، قام بسك النقود باسمه، وجعل المراسيم والشعائر الشيعية رسميّة.
لقد كانت فترة حكومة هذا القائد السربداري الأوّل قصيرة جدّاً، ولعل القضيّة التي أدّت إلى قتله كانت ذريعة لا غير، وملخصها: إنّ عبد الرزاق كان ينوي الزواج من أرملة «الخواجة عبد الحق» وهي كريمة «علاء الدين محمد». فلمّأ سمعت فرّت من سبزوار، وكُلّف مسعود أخو عبد الرزاق بملاحقتها وإرجاعها… وامتثل مسعود للأمر، ومع أنّه عثر عليها لكنّها أفلتت من قبضته ـ بشكل من الأشكال ـ فعاد خائباً دون أن يظفر بها، وهذا ممّا سبب مشاجرة بينهما انتهت بمقتل عبد الرزاق.
إنّ من المسلم به أنّ صراع القوى التي وصلت إلى الحكم توّاً بحاجة إلى تصفيات وتضحيات من أجل ديمومة الانتفاضة بشكل معقول. والضحية هنا ليس إلاّ عبد الرزاق نفسه، الذي قتل على يد أخيه في مؤامرة مدبرة، فطوى بساطه وانتهت مدّته. علماً أنّ القوى المحافظة (المعتدلة) ابتهجت بالبديل، لأنّ مسعود نفسه عندما اختلف مع الشيخ حسن الجوري فيما بعد، كان اختلافه بسبب اعتداله مقابل التوجه الثوري للشيخ حسن.
الدرويش عزيز الجوري
سنتحدث في البداية عن نشاط الدراويش في نهضة السربداريين بعد مقتل الشيخ حسن الجوري. إنّ الواقع يشهد أنّ تعاليم الشيخ حسن ونفوذه، هي التي أدّت إلى اتساع نطاق حكومة السربداريين: ولهذا السبب كانت قرارات الدراويش في مختلف الشؤون السياسية حاسمة ومصيرية حتّى مقتل الشيخ حسن على يد مسعود السربداري. وبقي نفوذهم ساري المفعول حتّى بعد وفاة مسعود، ولولا نفوذهم ما استطاع الخواجة شمس الدين علي أن يتسلم زمام الحكومة، لأنّه استطاع ذلك بحجة أنّه من أتباعهم. وعلى هذا المنوال أيضاً عيّن درويش هندوي مشهدي حاكماً على دامغان، وعيّن السيد عز الدين السوغندي قائداً للشيخية بدلاً من الشيخ حسن. ومن الجدير ذكره أنّ شمس الدين الذي كان في يوم من الأيام مستشاراً للشيخ حسن كان يطمح للقيادتين الدينية والسياسية أن تكونا تحت تصرفه.
لم تستمر العلاقة الطيبة بين شمس الدين علي والدراويش طويلاً، فقد ساءت وتردّت بينهما على مرور الأيام، وتبدّل الدعم والتأييد إلى البغض والعداء. لذلك عندما أراد شمس الدين علي التحرّك نحو الأجزاء الشرقية للحكومة السربدارية لمنازلة معز الدين حسين كرت، نجد درويش هندوي مشهدي والسيد عز الدين السوغندي يرفعان لواء المعارضة ضده. ومن المسلّم به أنّ الدراويش كانوا يرفضون أن يكونوا تحت إمرة أحد، أو يكونوا قوّة من الدرجة الثانية، أو يستغلهم الحكّام من الناحية الإعلامية فقط.
نعم، لمّا رأى شمس الدين علي أنّ الظروف حرجة غير مساعدة، وأنّ الخطر محدق به توجّه إلى دامغان. وتمّ له قمع التمرّد الذي قام به الشيخية في أسبوع واحد. مع أنّ السيد عز الدين برفقة السيد قوام الدين المرعشي قد توجها إلى مازندران، لكن «الدرويش هندوي مشهدي» كان قد وقع في الفخ، واقتيد إلى سبزوار، وهناك صار حبيس بيته محتقراً مهاناً، علماً أنّ السيد عز الدين كان مشغولاً في الدعايات الإعلامية، وكسب الأنصار والأتباع، وإعداد القوات اللازمة في أطراف دامغان. لكن لما علم باندحار الشيخية وسقوط دامغان بيد السربداريين، فرّ إلى مازندران.
أمّا صاحبنا المترجم له أعني: «الدرويش عزيز الجوري» فقد كان أحد الدراويش المطلوبين للسلطة إذ كان مطارداً ملاحقاً من قبل شمس الدين علي؛ لذا فرّ إلى العراق، ولم يعد إلاّ في حكومة حسن الدامغاني حيث جاء إلى مشهد وأقام فيها، وكان ـ كما هو معروف ـ من أعضاء الجناح الشيخي الحسني (اتباع الشيخ حسن الجوري)، وهؤلاء كانوا قد سكتوا تلك الفترة عن ادعاء قيادتهم للسربداريين عموماً، لكن كانوا يتحيّنون الفرصة لتسلّم القيادة مرّة أخرى.
في مشهد انشغل الدرويش عزيز بالعبادة، والتف حوله الدراويش وغيرهم من الناس، ولمّا رأى إقبال الناس عليه تحرّك صوب قلعة طوس، وكانت يومذاك ضمن المناطق التي كانت تحت احتلال «محمد بيك» نجل «أرغونشاه جاني قرباني»، فصارت تحت تصرّفه ولعل عمل محمد بيك بتسليم قلعة طوس للدرويش عزيز كان ضد حسن الدامغاني أوّلاً، ولتضعيف موقع السربداريين بإثارة حرب أهلية فيما بينهم ثانياً. فأسس الدرويش عزيز حكومة في مشهد وطوس وقام بسك النقود. وقد تمّ العثور على إحدى المسكوكات النقدية العائدة للسربداريين وتاريخها سنة (759هـ) وتحمل شعاراً شيعياً هو «السلطان محمد المهدي» ويحتمل بعض المؤرخين والمحلليين المتخصصين في دراسة تلك الفترة التأريخية أنّ حكومة الدرويش عزيز هي التي قامت بسكّها.
على أي حال أنّ نطاق النهضة قد اتّسع دينياً وسياسياً ووصلت حدّاً جعل حسن الدامغاني يفضّل مواجهتها على حرب «أميرو لي»، وفعلاً عزف عن الحرب لقمع الدرويش عزيز وتحرّكه، لا سيّما وأنّ طوس هي طوس عدوه «محمد بيك جاني قرباني»، وبالفعل تمّ له ذلك وأحكم سيطرته على قلعة طوس وعامل الدرويش عزيز معاملة طيبة.
إنّ قوة تلك النهضة ومدى قدرة الدراويش تتضح من خلال ما تلا احتلال طوس من أحداث، منها مثلاً تلك المعاملة الطيبة من لدن حسن الدامغاني تجاه الدرويش عزيز.
لو طرحنا هنا سؤالاً هو: لماذا عامل حسن الدامغاني درويش عزيز معاملة طيبة؟ وبعبارة أخرى لماذا لم يقتله؟ وجوابه هو أنّ حسن الدامغاني قد أدرك أنّ قتل الدرويش عزيز ليس في مصلحته ولا مصلحة الدولة، وذلك لما يتمتع به الدراويش من قدرة ومنزلة اجتماعية، هذا أوّلاً، وأمّا ثانياً فوجود التعاطف الشعبي الواسع مع الدرويش عزيز. وربّما يؤدّي قتله إلى عواقب وخيمة لا تحمد، ويتفاقم الوضع سوءاً؛ لذا اكتفى بلومه وعتابه، بل وأعطاه ما مقداره ستمائة كيلوغرام من الحرير كنفقات لسفره ثمّ أبعده خارج نطاق دولته، فذهب إلى أصفهان واعتكف فيها.
لم يمكث الدرويش عزيز في أصفهان طويلاً لأنّه كان يرى بقائه فيها مرحلياً إذ عند اندحار حسن الدامغاني في استرآباد من قبل «أميرولي»، ونشوب فتنة حامي قلعة شغان في اسفراين، توجّه إلى سبزوار برفقة الخواجة علي المؤيد. أمّا كيف تمّ ذلك؟
عندما رأى «الخواجة علي مؤيد» «الپهلوان حسن» منهمكاً جداً في الشؤون الداخلية لبلاده أرسل شخصاً إلى أصفهان ليخبر «الدرويش عزيز» بالأمر، وكذلك أراد منه التنسيق والتعاون لاستلام السلطة. قبل «الدرويش عزيز» بهذا الموضوع لأنّه يحقق له آماله وطموحاته، فانبرى الإثنان للعمل والنشاط ضد الپهلوان حسن ولمّا علم الشيخية بالأمر تقاطروا عليهما… والتف حولهما أنصار كثيرون… وأعدّوا العدّة في دامغان لتأسيس حكومة للسربداريين. أمّا في سبزوار فكان الاحتمال راجحاً أنّ للاثنين أتباعاً بين وجهاء المدينة، والدليل على ذلك أنّه عندما كان الپهلوان حسن مشغولاً في إطفاء نار تمرد قلعة شغان دخل القادة الجدد سبزوار دون إراقة للدماء. فبدأت حكومتهما هناك لكن لم تستمر أكثر من تسعة أشهر، إذ أنّ سياسة علي مؤيد مع الدرويش عزيز كانت كسياسة وجيه الدين مسعود السربداري مع الشيخ حسن الجوري… فكان لا يفكّر إلا بنفسه وأهدافه السياسية، وكان يستغل الدرويش عزيز لتمشية أموره وتنفيذ قراراته، لأنّه قد تزامن مع حكمهم احتدام المواجهة بين القوات السربدارية وآل كرت في هرات وكان حاكمها يومئذ غياث الدين پير علي الحنفي الذي كان مستعداً لمواجهة السربداريين عملاً بفتوى أئمة السنّة الذين أفتوا بوجوب صد الشيعة ومواجهتهم، فانبرى لقتال علي مؤيد والدرويش عزيز الجوري اللذين كانا يفكران ليس في الثأر لدم الشيخ حسن من آل كرت فحسب بل وفي توسيع رقعة الحكومة الشيعية للقضاء على خصومهم السياسيين الوحيدين في المنطقة، فصمّم الإثنان على مواجهة آل كرت، وهنا استغل «الخواجة علي» «الدرويش عزيز» في تنفيذ المواجهة. على أي حال فإنّ الخواجة علي قد حقق أهدافه السياسية، ولمّا شعر أنّ الدرويش عزيز وأتباعه أصبحوا ذوي نفوذ وقوّة في ظل الحكومة السربدارية، وانّهم يشكّلون خطراً عليه، خطّط لإبعاده عن نطاق نفوذه وحكومته لإقحامه في حرب حاكم هرات، فأرسله إلى نيشابور ليرتّب الاستعدادات اللازمة لحرب غياث الدين.
وصل درويش عزيز إلى نيشابور ليتوجه منها إلى هرات… لكن لمّا عزم على التوجّه إلى هرات خذله الخواجة علي المؤيد، إذ لم يكتف بعدم إرسال المساعدات اللازمة له فحسب، بل كتب إلى وجهاء السربداريين وأمراء جيشهم أن يتركوه وحده ويعودوا إليه.
كانت رسالة الخواجة خطّة مدبّرة لخذل الدرويش عزيز. لكنّها قد انكشفت له، ولمّا علم بها شدّ الرحال مع عدد من أتباعه قاصداً أرض العراق.
وصل خبره إلى الخواجة علي مؤيد فاستدعى شخصين من قادة جيشه هما السيد تركمان والسيد شبر وأرسلهما في ألفين من الجنود لتعقبه… والتقى الجانبان ودار بينهما قتال عنيف جدّاً قتل على أثره الدرويش عزيز مع سبعين من أتباعه سنة (764هـ).
إنّ الصراع بين الجناحين الشيخي والسربداري يبرهن جيّداً على أنّ أعضاء الجناحين وهم أتباعه دين واحد ومذهب واحد كانوا قساة على بعضهم البعض ولم تكن بينهما شفقة أو تنازل لبعضهم الآخر مع أنّ أهدافهم الأولية لدى انبثاق الحركة السربدارية هي التحرر والانعتاق من نير الحكومة المغولية وهيمنتها، والحصول على الاستقلال الحقيقي.
سيد حسين رئيس السادات
الزعماء السربداريون
1 ـ عبد الرزاق باشتيني من 736ـ738.
2 ـ وجيه الدين مسعود 738ـ745.
3 ـ آقا محمد تيمور 745ـ747.
4 ـ شمس الدين 747ـ749.
5 ـ شمس الدين علي جشمي 749ـ753.
6 ـ يحيى كرابي 753ـ759.
7 ـ ظهير كرابي 759ـ760.
8 ـ البهلوان حيدر قصاب 760ـ761.
9 ـ ميرزا لطف الله بن مسعود 761ـ762.
10 ـ البلهوان حسن دامغاني 762ـ766.
11 ـ نجم الدين علي مؤيد 766ـ788.
أصداء ثورة السربداريين
لم تقتصر شهرة ثورة السربداريين في سبزوار على خراسان فحسب، بل تعدتها إلى جميع أنحاء إيران، وكان سبباً لاندلاع الثورة في كثير من هذه المناطق، إذ ثار العديد من الناس على حكام وقتهم متأسين في ذلك بالسربداريين في سبزوار، وقد أفلحت بعض هذه الثورات فيما فشلت أخريات ولم تحقق شيئاً.
وأهم الأشخاص الذين ثاروا على المغول هم:
أ ـ الأمير حسين زركش: وهو من السادات المشهورين في نيشابور، وقد ثار في هذه المدينة ولكنّه لم يحقق ما أراد، فلجأ إلى السربداريين في سبزوار ونقله هؤلاء بدورهم إلى قلعة خبوشان، ثمّ قتله فيما بعد طغا تيمور خان.
ب ـ أبو بكر البازاري: وهو حاكم مازندران من قبل السربدرايين، وكان في صراع مستمر مع طغا تيمورخان. وفي أثناء هجوم قوات حسن دامغاني على مازندران قتله طغا تيمورخان.
ج ـ صاحب حداد وأخوه حسين حداد: أعلنا الاستقلال في خرم آباد وطلبا المساعدة من السربداريين في سبزوار، وبعد وفاة صاحب حداد خلفه أخوه حسين، ولكنه لم يستطع الصمود بوجه الأمير ولي، ولم تكتمل ثورته.
د ـ مولانا زاده البخاري: ثار في سمرقند على المغول وأسمى نفسه (سربدار) وأصحابه (السربداريين).
هـ ـ أسد الخراساني: ثار في كرمان على ظلم واستبداد الملك شجاع، وقد كان قائداً للسربداريين في كرمان وسيأتي ذكر نضاله فيما بعد بالتفصيل.
و ـ ثار السادات والدراويش في مازندران بقيادة قوام الدين المرعشي والأمراء المحليين، وأسسوا دولة السادات.
ز ـ ثار الأمير علي كيا في گيلان بوجه الأمراء المحليين، وطلب المساعدة من سادات مازندران.
وهكذا الحال بالنسبة لسائر مدن إيران، حيث اقتدى الناس بالسربداريين في سبزوار وثاروا بوجه حكامهم وأسموا أنفسهم السربداريين.
وأكثر المؤرخين يسمّون ـ صراحة ـ الثوار في كرمان وسمرقند بالسربداريين. ومن حيث اللحاظ السياسي والأثر الاجتماعي فإنّ ثورة السيد قوام الدين المرعشي هي الأهم بين سائر الثورات الأخرى.
الجدير بالذكر أنّ شعلة السربداريين في سمرقند وكرمان ما لبثت أن انطفأت في إشعاعاتها الأولى، إذ أنهى تيمور عمر السربداريين في سمرقند وقضى الملك شجاع على السربداريين في كرمان.
في الصفحات التالية، نحاول دراسة تلك الثورات من وجهة نظر التاريخ:
أ ـ ثورة السيد قوام الدين المرعشي 751هـ.
ب ـ ثورة السيد أمير علي كيا في گيلان عام 763هـ.
ج ـ ثورة المولى ازاده البخاري في سمرقند عام 766هـ.
د ـ ثورة البهلوان أسد في خراسان عام 775هـ.
ثورة السيد قوام الدين المرعشي
تتغلغل جذور ثورة السادات في مازندران في أحشاء التاريخ، حيث ثار العلويون في طبرستان ومازندران ثورة شاملة في القرن الثالث الهجري، وحكموا هذه المناطق لمدّة ست وستين سنة، وتوالى على الحكم ثمانية رجال من العلويين حتّى قضى آل زيار على حكمهم في عام 316([292]).
تعتبر ثورة السيد قوام الدين المرعشي في مازندران من الناحية العقائدية والإيدلويوجية امتداداً لتلك الثورة. ومن الضروي بمكان أن نبين بأنّه كانت هناك علاقة وثيقة بين سادات مازندران والسربداريين في خراسان، ومن جانب آخر كانت ثورة السادات على غرار ثورة السربداريين تحت قيادة مجموعة من الدراويش والصوفيين، لا سيما أنّ التصوف لعب فيما بعد دوراً كبيراً في تأسيس وتكوين السلسلة الصفوية، إذ لم تكن ثورة السادات في مازندران عديمة التأثير في الصفويين.
حدثت ثورة السيد قوام الدين في زمن حكومة كيا افراسياب جلابي (جلاوي). وكان كيا افراسياب قد استولى على الحكم بعد أن قتل السلطان فخر الدين حسن (735-751) آخر سلاطين آل باوند. ثمّ قتل كيا افراسياب في حربه مع السيد قوام الدين.
وقبل أن نعرض إلى تفصيل ثورة السيد قوام الدين، نرى لزاماً علينا أن نشرح الأوضاع السياسية في مازندران في زمن الثورة.
الأوضاع السياسية في مازندران
في زمن الثورة
كانت هذه المناطق ـ في زمن ثورة السيد قوام الدين ـ تحت حكم آل باوند أو الباونديين والملوك الرستمداريين والرويين. وفي أواخر القرن السادس الهجري اعترى الضعف الطبقة الثانية من الملوك الباونديين بسبب حملات الخوارزمشاهيين، ثمّ بدأ حسام الدولة أردشير الذي وصل السلطة في عام 756 يتعرض لهجمات جيوش تكشن (568ـ596) ومحمد خوارزمشاه (596ـ617) وفقد أثر ذلك العديد من مناطق حكمه، حتّى استولى الخوارزمشاهيون على ساري عام 578هـ.ق، ولكن دور وأوضاع حسام الدولة انتعشت في أواخر حياته إثر دخوله في طاعة محمد خوارزمشاه حيث ولاه السلطان على بعض نواحي مازندران. وهكذا أصبح الباونديون ـ الذين كانت لهم قوة كبيرة حتّى أواخر السلاجقة ـ ولاة تابعين للخوارزمشاهيين.
توفي حسام الدولة أردشير في عام 602، ثمّ انتخب ابنه شمس الملوك رستم ملكاً، بعد أن كان سجيناً في زمن أبيه. ولم يمض وقت طويل حتّى وقع النزاع بين رستم وأخيه ركن القارن، ووقف الخوارزمشاهيون إلى جانب القارن وأصدروا حكماً بمنحه بعض مناطق دولة آل باوند.
وفي هذه الأثناء قويت شوكة الإسماعيليين في مازندران فقتلوا القارن، ولم يمض وقت طويل حتّى قتل أخوه شمس الملوك على يد أحد الساجات وهو أبو الرضا حسين المامطيري.
تزامنت هذه الحوادث والأزمات السياسية مع هجوم السفاح جنكيز على إيران وهجوم المغول على استرآباد ومازندران وحدوث المجازر الوحشية التي ارتكبوها في هذه المناطق.
ولم يمض على هجوم المغول عام 635 وقت طويل حتى انبر أحد الباونديين وهو أبو الملوك أردشير للمطالبة بالحكم ثمّ استولى على مازندران. وساهم أبو الملوك بدور كبير في تعمير وإصلاح البلاد وإيجاد التنسيق مع الملوك الرستمداريين ومد أواصل المودة معهم. وإذ كانت ساري محلاً لتردّد الحكام المغول، فقد انتخب آمل مركزاً لحكومته، وهكذا غيرت العاصمة في زمن الطبقة الثانية من الملوك الباونديين من ساري إلى آمل.
اقترن حكم أبي الملوك بالنجاح حتّى توفي عام 647هـ. ثمّ خلفه شمس الملوك محمد فحكم من عام 647 وحتّى عام 665هـ وفي هذه السنة قتله بعض حكام أباقاآن ابن هولاكو وعيّن بدلاً عنه أخاه علاء الدولة علي واستمرّ هذا في الحكم حتّى عام 675 ثمّ خلفه تاج الدولة يزدگرد الذي استولى على أكثر نواحي مازندران وباشر بتعمير مدينة آمل التي خربت في حملات المغول واستمر في حكمه حتّى عام 698، حيث توفي في هذه السنة أي في زمن سلطنة غازان خان (702ـ711)، وخلفه ابنه نصر الدولة شهريار واستمرّ حاكماً على مازندران حتّى عام 714.
وتولى على الحكم بعده العديد من حكام آل باوند، مثل تاج الدولة كيخسرو (714ـ728) وشرف الملوك (728ـ734) وفخر الدولة حسن (734ـ750) وتزامن حكم هؤلاء في آمل مع العديد من المشاكل ثمّ قتل آخر ملوكهم وهو فخر الدولة حسن أثر النزاعات والخلافات العائلية والمنافسات السياسية المحتدمة بين الأمراء في تلك النواحي. واستمرّت نار الحرب الأهلية والاضطرابات تستعر في مازندران لثلاث عشرة سنة، ولم تكن مازندران في زمن ثورة السيد قوام الدين خالية من هذه الأحداث. وفي الحقيقة فإنّ السيد قوام الدين قد استفاد من الأوضاع القائمة آنذاك بين الأمراء واستغل نفوذه بين أهالي تلك المناطق في تهيئة الأرضية المناسبة للانطلاق بثورته، وسنعرض لذلك فيما بعد.
الأوضاع السياسية لرستمدار
كان حكام آل باوند يسيطرون على أجزاء فقط من مازندران بينما كانت الأراضي الممتدة بين الديالمة وحتّى حدود آمل خاضعة لمجموعة أخرى من الحكام المحليين، واسمهم (ملوك رستمدار). الذين يرجع نسبهم إلى آنوشيروان، وعادة ما كانوا يحكمون جبال رستمدار ورويان بعنوان ولاة.
وفي أثناء قوّة الباونديين، كان الملوك المذكورين ـ في أغلب الأحيان ـ مطيعين لهم. وفي عهد سلطنة حسام الدولة أردشير، عمد بعد نزاعه مع الرويانيين إلى تولية أحد الأمراء وهو الأمير زرين كمرجستان الحكم هناك. واستمرّ حكمه 24 سنة حتّى توفي عام 610هـ وخلفه ابنه بيستون في الإمارة (610ـ620). وعلى الرغم من سيطرة الخوارزمشاهيين على مازندران في عهده، إلاّ أنّه ظلّ صامداً في معارضته لهم واستمرّ في المقاومة.
تولّى الحكم بعده ابنه نام آوريانيم آور (620ـ627)، ثمّ ابن نام آور حسام الدولة أرشدير ثمّ الابن الثاني لنام آور شهر آگيم (640ـ671) ثمّ نام أور ابن شهر آگيم (671ـ701) ثمّ شاه كيخسروين شهر آگيم (701ـ711) ثمّ شمس الملوك محمد بن كيخسرو (711ـ717) ثمّ نصير الدولة شهرياربن كيخسرو (717ـ725) ثمّ تاجر الدولة زيار (725ـ734) ثمّ جلال الدولة اسكندر (734ـ761) ثمّ فخر الدين شاه غازي (761ـ780) ثمّ عضد الدولة (780ـ800).
كان ملوك رويان ورستمدار ـ على غرار ملوك باوند ـ عرضة لحملات المغول، ولم تنتعش قوتهم السياسية إلاّ في الفترة التي امتدت في تاريخ إيران من سقوط الإيلخانيين حتّى ظهور تيمور، وغالباً ما كان حكمهم فيما وراء جبال ألبرز.
حينما كان جلال الدولة الإسكندر (734ـ761) ملكاً كانت قزوين خاضعة لحكمه لعدّة سنين. وقد ساعدت ثورة السادات المرعشي في مازندران على الحد ـ إلى أمد بعيد ـ من النفوذ السياسي لملوك رستمدار.
ثورة السيد قوام الدين
حدثت ثورة السيد قوام الدين في زمن حكومة أفراسياب جلابي (جلاوي) وهو أحد الأمراء المتنفذين من الباونديين. وقد فاق هذه العائلة بفراسته، وقتل آخر أمرائها وهو فخر الدولة حسن (735ـ751) وأخذ زمام الأمور في آمل وساري وأطرافهما. وحينما اندلعت ثورة السيد قوام الدين وأصحابه، دخل كيا أفراسياب في طاعته، ولكن في آخر المطاف تعكرت العلاقات بينهما ونشبت حرب بين الطرفين قتل فيها كيا افراسياب.
يعتبر السيد قوام الدين من الزاهدين العارفين المتقين وكان مشتغلاً في إرشاد الناس وأبوه قدوة لهم وينقل ظهير الدين أنّ هذه العائلة «كانت تجتنب المناهي والمعاصي وهم من حجاج بيت الله الحرام».
يعتبر السيد قوام الدين، السيد عز الدين السوغندي أحد مريدي الشيخ حسن الجوري، حيث درس السيد عز الدين في مدرسة الشيخ حسن الجوري. وعن هذا الأمر يكتب المرعشي ما يلي: «بواسطة الشيخ حسن الجوري ارتدى لباس الفقر الذي حاكه نساجو العناية الإلهية واكتمل بخياط المعرفة الربانية، ثم اشتغل بإرشاد وهداية أهل خراسان».
في الوقت الذي كان فيه السيد عز الدين السوغندي، مراد السيد قوام الدين موجوداً في خراسان، كانت هذه النواحي تحت نفوذ طريقة الشيخ حسن الجوري وكانت حكومة السربداريين في أوج شهرتها.
وبعد وفاة الشيخ حسن الجوري، تصدّى السيد عز الدين لزعامة الدراويش وباشر بإرشادهم، ولم يكن في نفوذه السياسي أقل من الشيخ حسن الجوري.
ورد في مجمع الأنساب بأنّ السربداريين قتلوا الشيخ حسن وانتخبوا السيد عز الدين السوغندي بدلاً عنه.
أخذ السيد عز الدين على عاتقه زعامة الدراويش بعد وفاة الشيخ حسن، وكان أتباع عز الدين يعتقدون أن نسب طريقتهم تعود بواسطة السيد عز الدين والشيخ حسن الجوري والشيخ خليفة والشيخ بالو الزاهد وجمع من الشيوخ الآخرين إلى بايزيد البسطامي (ت262 هـ) ومنه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)([293]).
وعندما كان الخواجة علي شمس الدين حاكماً في سبزوار، خشي من النفوذ المعنوي المتزايد للسيد عزالدين وعزم على طرده من خراسان. ورأى عز الدين الصلاح في مغادرة خراسان والذهاب إلى مازندران([294])، ولكنّه قضى نحبه في أثناء سفره.
وكان السيد قوام الدين قد أخذ منه لقب «الشيخ»، فقدم بعد وفاته إلى ساري وآمل في جماعة كبيرة من مريديه وباشر هناك بإرشاد الدراويش وانتصر على كيا افراسياب.
كيا افراسياب وثورة
السيد قوام الدين
قبل أن نعرض بالذكر لصراع افراسياب جلابي مع السيد قوام الدين والدراويش الآخرين، ينبغي أن نذكر باختصار جذور هذه الثورة التي قام بها السيد قوام الدين. وفيما يلي نذكر بعض عواملها:
1 ـ أصداء وانتشار ثورة السربداريين في مازندران، حيث تحرك هؤلاء في عدّة مرّات إلى مازندران، وكانوا يعتقدون بضرورة الاستيلاء على هذه المناطق من حيث دعم أسس حكومتهم ودورها في الإعلام السياسي.
2 ـ علاقة الناس بالسادات والدراويش المجاهدين والنفوذ المعنوي الذي كان هؤلاء يتمتعون به في أوساط الناس.
3 ـ الصراع المحتدم والمستمر بين الأمراء المحليين، الذي لم يكن يحمل معه إلاً الإضرار بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك النواحي.
4 ـ ظلم وجور الحكام المحليين وفرضهم الضرائب الكبيرة على الناس ومن ثم نفور الناس من أغلبهم.
يعتبر كيا افراسياب، الذي كان بدوره يطالب بالحكم، من أبناء أشراف مازنردان قائد جيوش فخر الدولة حسن آخر ملوك آل باوند. ومن جانب آخر كانت أخته زوجة لفخر الدولة حسن، فعمد افراسياب هذا إلى قتل فخر الدولة حسن والجلوس على سدة الحكم، متخذاً من آمل مركزاً لهذا الحكم. وقد اصطدم في بادئ الأمر بمعارضة جميع أمراء مازندران. ففي البداية اندلع القتال بينه وبين كيا جلال مامير حاكم فيروزكوه الذي كان يرتبط بعلاقة صداقة مع فخر الدولة حسن. ودخل كيا افراسياب في عدّة معارك مع كيال جلال في محاولة منه للاستيلاء على فيروز كوه وفي آخر المطالب استطاع أن يلحق به الهزيمة فاضطر كيا جلال إلى التحصن في القلعة.
في هذه الأثناء لزم بولاد قبادنام حاكم قلعة اسكن من قبل الأميرولي الذي كانت دماوند تابعة لمنطقة حكمه، أقول لزم العداء لكيا افراسياب جلابي، وانضم كيا اسكندر حاكم سواد كوه وقاتل الأمير قتلغ شاه إلى المخالفين لافراسياب جلابي ولزم العداء له كذلك.
وفي الحقيقة فإنّ جميع أمراء مازندران كانوا من المعارضين لكيا افراسياب، وحتى صهره كيا حسن الذي اقترن بأخته، وتولّى الحكم في لاريجان، فكان يرسل من لاريجان مراراً الرسائل والكتب العنيفة.
استسلام كيا افراسياب جلابي
كثرت المخالفات من قبل أمراء مازندران لكيا افراسياب جلابي، فسعى لإنقاذ الحكومة شبه الحية التي كان يتمتع بها من خلال مد يده إلى السيد قوام الدين والدخول في سلك مريديه، وفي الحقيقة لم يكن الدخول في هذا السلك هو الغاية، وإنّما غايته من وراء ذلك هي القضاء على ثورة السيد قوام الدين أولاً، وثانياً الاتكاء على النفوذ المعنوي الذي كان يتمتع به السيد ودراويشه، في سبيل دعم قواعد حكمه المتداعي.
وإضافة إلى ذلك، فهو بعد أن قتل فخر الدين حسن ووُجه بمعارضة الناس خلافاً لتوقعه أراد الاستعانة بقوّة ونفوذ السيد قوام الدين في جذب الناس إلى صفه. وهكذا استسلم افراسياب جلابي إزاء النفوذ اللامحدود للدراويش ومدّ يده للدخول في سلك المريدين. وما كان من السيد قوام الدين إلاّ أن عمد إلى قص شعر افراسياب وألبسه قبعة الدراويش وقبله في سلك المريدين، وكان الناس يعلنون توبتهم جماعات جماعات ويتخذون من السيد قدوة لهم.
أوّل انتصار للسيد قوام الدين
وتأسيس الحكومة الإسلامية
لم يكن افراسياب جلابي يعلم أنّ نهاية هذه الحركة ستكون تأسيس دولة إسلامية، وفي الحقيقة كان ذلك هو هدف السيد قوام الدين، بينما كان افراسياب يعتقد أنّه في اتحاده مع السيد يستطيع أن يتمدد في مناطق نفوذه ويقضي على أعدائه السياسيين ويستفيد من نفوذ السيد قوام الدين اللامحدود في الوصول إلى أهدافه الخاصة.
وبعد أوّل انتصار له، سعى السيد لإظهار خطّه السياسي من خلال تاسيسه لأوّل حكومة إسلامية بسيطة، فطلب تنفيذ الأحكام الإسلامية وإلغاء التشريفات الحكومية، وطلب من كيا افراسياب أن يعيش كسائر المريدين والدراويش ويواسي العامة في حياتهم البسيطة.
رضخ افراسياب جلابي لشروط قوام الدين. والشيء الملفت للنظر هنا أنّ الدراويش ومريدي السيد كانوا يرون في كيا افراسياب مريداً من مريدي السيد، ويعتقدون أنّه مساوٍ له بحيث يطلبون منه السلاح والمتاع وبلغ بهم الأمر أنّه حنيما كان يقدم كيا افراسياب وأولاده إلى الحمام، يأتي الدراويش ويرتدون لباسه، ويقولون لأصحابه أبلغوا كيا افراسياب بأنّا أيضاً من المريدين وليس لدينا عباءة، وأنت حاكم المدينة فاطلب غيرها لأنّها قد أخذت من قبل فلان الدرويش.
أو يأخذون سيفه وسيوف أولاده ويتركون له رسالة بأنّ سلاحك قد أخذه الدرويش الفلاني، ولديك مثله الكثير فاطلب ما شئت منها.
أو مثلاًن حينما يحين فصل جني المحصول يذهبون إلى مزارع كيا افراسياب ويلتمسون منه مقداراً من الرز بحجة أنّ الدراويش لم يزرعوا هذا الموسم. وكان افراسياب يأمر بإعطاء الدراويش شيئاً من الرز، ويحدث أحياناً أن يذهب الدراويش ليحملوا بأنفسهم بعض الرز.
استمرّ هذا النزاع بين الدراويش وأصحاب افراسياب، وكان هذا يتظاهر بأنّه في سلك المريدين وتابعي السيد، إلاّ أنّه في الواقع لم يكن يميل إلى هؤلاء الدراويش، فمن جانب لم يكن بإمكانه التخلي عن حكومته الملكية ومن جانب آخر كان قبول سلوك الدراويش أمر لا يطاق.
حينما رأى كيا افراسياب تنامي النفوذ السياسي للسيد، لم يَرَ بُداً في مخالفته، ولم يمض وقت طويل حتّى ترك حياة الدراويش البسيطة، وعزم على الانفصال عن السيد وأصحابه.
وكان يتربص الفرص لإقصاء السادات والدراويش عند الحكم، ولكنّه اضطر إلى استشارة الفقهاء في ذلك، وكان ردّهم: «سيلحق الضرر بملكك من أهل مازندران المحبين لهذا السيد».
سأل كيا افراسياب الفقهاء عن الحل للخروج من هذا المأزق قالوا له ادعه إليك برفق لنتباحث معه ونثبت له كون ما هو عليه بدعة «ثمّ نمنعه من الدروشة فإن أبى فالسجن أو الطرد».
اقتنع كيا افراسياب بصحة هذا الرأي وسداده، ومن ثمّ عزم على استدعاء قوام الدين إلى مجلس الفقهاء ليقابلهم، ولمّا كان السيد قوام الدين محيطاً بالمسائل الشرعية والفقهية، فقد لبّى الدعوة وحضر جلسة المناظرة مع الفقهاء، ولم يستطع الفقهاء أن يثنوه عمّا هو عليه. ثمّ عمد افراسياب إلى عمل متهور وغير مسؤول إذ أمر: «بأن يؤخذ السيد إلى و سط سوق آمل ويداه فوق رأسه، ليؤذوه ثمّ يقيدوه بالحديد ويلقوا به في السجن».
أصبح كيا افراسياب موضعاً لنفرة الناس جميعاً، حين أقدم على عمله هذا، ومن الطبيعي أنّه كان يهدف بعمله إلى الحط من قيمة السيد ونفوذه في أوساط الناس.
وبعد اعتقال السيد قوام الدين، خرج كيا افراسياب عن لباس الدراويش، ثم طفق يشرب الخمر ويعامل الناس بالشدّة، وأمر أن يؤخذ كلّ درويش يشاهد في المدن و القرى ويوضع في الحديد ويعذب.
في نفس الليلة التي أمر فيها افراسياب باعتقال السيد قوام الدين، مات أحد أبنائه بمرض القولنج واعتبر الناس ذلك دلالة على كرامات السيد، ثمّ اقتحموا السجن وأخرجوا السيد واصطحبوه معهم، وكان ذلك نصراً مؤزراً له.
أصيب كيا افراسياب بالذعر بسبب النفوذ المعنوي للسيد لا سيما بعد خروجه من السجن، فغيّر أسلوبه في الحكم واعتمد الاستبداد نهجاً له في حكمه لعشر سنين أي من عام 750 إلى عام 760 ومارس القتل والتعذيب بحق مريدي وأصحاب السيد واستمر بأعمال التعذيب والتقتيل.
تزامناً مع حكم افراسياب كان كيا فخر الدين يحكم في ساري وكيا ويشتاسب في قلعة تجي أو (اروجي)، فبادر كيا افراسياب إلى إرسال سفرائه ليلاً إلى هذين الحاكمين وأخبرهما بأنّ مريدي وأصحاب السيد آخذون بالازدياد وعاجلاً سوف تنطلق شعلة ثورتهم فما الحل؟ وكان جوابهم أنّ الحل يكمن في القضاء على السيد. ومن ثمّ عزم كيا افراسياب على الإيقاع ثانية بالسيد وبالتالي ـ على حد زعمه ـ يتمكن من القضاء على شرّه.
بعث كيا افراسياب إلى السيد قوام الدين يدعوه إلى قصره، فجلس السيد مع مريديه يستشيرهم وكان رأيهم عدم تلبية الدعوة لأنّه يستهدف روحه في هذه الدعوة.
انتصار السيد قوام الدين
وقتل كيا افراسياب
عندما رأى كيا افراسياب عجزه عن الإيقاع بالسيد بطريق الحيلة والسلام استشار أولاده وأصحابه في أن يذهبوا إليه بأنفسهم ويلقوا القبض عليه وإذا لزم الأمر فليقتلوه في هذه الأثناء انتشر وباء شديد أتى على عدد من ملوك باوند وعلى بعض أفراد أسرة كيا افراسياب. وعزم الأخير على قتال الدراويش واصطحب قادته وأولاده ـ عدا إسكندر الذي كان آنذاك طفلاً.
وقعت المعركة بين الطرفين بالقرب من آمل([295])، وعندما رأى أبناء السيد والدراويش مقاومة جيش افراسياب، تجمعوا في مزرعة قرب آمل وضربوا حولها سوراً من أغصان الشجر ثم اتخذوا مواقعهم القتالية وغمروا الأرض بالماء حتى أضحت مستنقعاً، يتعذر على الخيول دخوله. وكان افراسياب يتعقب الدراويش حتّى إذا بلغ هذا الموقع اصطدم بمواجهة عنيفة من هؤلاء الدراويش، وشرع هؤلاء يطلقون سهامهم فقتل افراسياب بأحد هذه السهام.
يتحدث عن هذا الأمر ظهير الدين المرعشي الذي كتب بالتفصيل الحوادث المرتبطة بثورة السادات في مازندران، فيقول: «في بادئ الأمر أصاب السهم الصدر الحقود لافراسياب فخرّ صريعاً عن ظهر جواده، وارتوى من كاس الفناء وقتل معه ثلاثة من أولاده».
دخل السيد قوام الدين وأصحابه مدينة آمل فاتحين، وعمدوا إلى قتل كل من صادفوه من أصحاب كيا افراسياب، وهكذا انتصرت ثورة السيد قوام الدين في عام 762هـ.
عائلة كيا افراسياب جلابي
كان لكيا افراسياب ثمانية أولاد؛ أكبرهم كيا سيف الدين الذي مات إثر مرضه بالقولنج وكيا حسن الذي قتل مع أبيه في حربه مع السيد قوام الدين وكذلك كيا سهراب، وكيا علي وكيا سهراسب وهؤلاء قتلوا جميعاً في الحرب.
والابن الآخر له هو كيا محمد الذي قتل في حرب ملك رستمدار مع افراسياب وكان قتله انتقاماً لمقتل فخر الدولة حسن. وأمّا ابنه كيا بيژن فكان قد سار إلى جلاب لإخماد ثورة أهلها على أبيه فقتل هناك، ومن ثم لم يبق له ولد، فحتى ابنه الأصغر كيا اسكندر كان قد قتل مع شخصين آخرين بأمر من تيمور في محل اسمه (شيرود هزار). ومن أحفاد كيا افراسياب كان كيا سهراسب في طالقان تحت حماية سادات گيلان.
خلفاء السيد قوام الدين
كان هدفنا من هذه الأسطر هو دراسة تأثير حركة السربداريين على الحركات الأخرى في القرن الثامن الهجري وحتّى بعد هذا القرن، ومن ثمّ نعرض عن الخوض في الحديث عن تفاصيل حكومة السيد قوام الدين.
عزم السيد قوام الدين بعد انتصاره على اختيار السيد عبدالله خليفة له، ولكن هذا السيد رفض وأجاب أباه بأنّه درويش ولا علاقة له بأمور الدنيا، وهو مشغول بالدعاء لإخوانه بعد عبادة الله تعالى، فمن الأفضل أن ينتخب السيد كمال الدين للنهوض بهذا الأمر، وبالفعل فقد انتخب السيد قوام الدين، السيد كمال الدين لهذا الأمر.
أرسل السيد كمال الدين من قبل أبيه إلى ساري، وكانت هذه المدينة حين قدومه خربة، فباشر هذا السيد بتعميرها واستمد العون في ذلك من أهل آمل، وبنى في داخل المدينة قلعة محكمة وفي خارجها مسجداً وحماماً وسوقاً، واستغرقت فترة بناء مدينة ساري ثماني سنوات (769ـ777) واشتغل السيد كمال الدين بإدارة المدينة ومحو الظلم والعدوان والفسق والفجور من صفحة الوجود وإرساء دعائم استقلال حكومته.
سقوط حكومة السادات
في مازندان
عندما شن (تيمور) هجومه على إيران الذي استغرق خمس سنوات (794ـ798)، كان في عزمه القضاء على العديد من الأمراء، إذ كان تيمور بحبه للجاه السياسي لا يطيق وجود الأمراء الصغار.
تحرّك تيمور من سمرقند متجهاً صوب إيران في يوم الجمعة 15 رجب عام 794 وبعد عبوره بخارى دخل جورى زر (تقع في داخل ولاية بخارى) ثمّ اجتاز جيحون والولايات الأخرى حتّى وصل أطراف استرآباد في الاثنين 20 شوال 794 وفي هذا المكان قدم إلى تيمور السيد غياث الدين ابن كمال الدين حاكم بابل وساري فكرمه تيمور ثمّ اتجه نحو ساري.
في هذه الأثناء عزم بعض سادات مازندران على مقابلة تيمور، وهرب السيد كمال الدين إلى السيد رضي في قلعة ما هانه سر التي تبعد عن آمل بأربعة فراسخ، وفي غضون ذلك جمع حكام آمل وساري كل ما لديهم من خزائن وأموال ووضعوها في هذه القلعة ثمّ استعدوا للمقاومة ، فأصدر تيمور أوامره للسيد غياث الدين بالسير إلى القلعة وإرجاع أبيه.
دارت بين قوات تيمور والسيد كمال الدين رحى الحرب، ولم يستطع السيد الصمود في هذه الحرب فالتمس العذر من تيمور بإرسال سفيراً إليه. فجعل تيمور قبول عذر السيد كمال الدين مشروطاً بأن يترك كلّ سيد من حكام ولاية مازندران ابنه معه ليبقى ملازماً له وليكون ضماناً للطاعة، فرفض السيد كمال الدين هذا الشرط واعتبره نوع من التحقير السياسي.
انتهت المفاوضات بالفشل ومن ثمّ أصدر تيمور أوامره بمحاصرة القلعة. ونتيجة لهذه المحاصرة والحرب قتل العديد من السادات وغنم جيش تيمور أموالاً طائلة وسقطت القلعة فاضطر السيد كمال الدين إلى الاستسلام وأمر تيمور بترحيل السيد كمال الدين وعائلته إلى خوارزم، وهكذا انتهت حكومة السادات التي استمرّت نيفاً وثلاثين عاماً.
بعد وفاة تيمور عام 807هـ، انتفض السادات في مازندران ثانية وأسّسوا حكومتهم، وعلى الرغم من أنّهم لم يستعيدوا قوتهم ونفوذهم الآفلين إلاّ أنّهم ظلّوا يحكمون هذه الولاية (مازندران) حتّى عهد الملك طهماسب الصفوي الأول. وكانت بين هؤلاء السادات والأمراء التيموريين والآق قويونلو والقرة قويونلو علاقات حسنة.
وفي زمن الملك طهماسب، كان هناك أحد أحفاد السيد قوام الدين وهو مير عبدالله خان الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي نسبي في مازندران وخصوصاً في آمل وساري. وقد تعرّض هذا السيد لسخط الملك فقتل. ثمّ حكم ابن عمّه مير سلطان مردمير شاهي في بعض أجزاء مازندران. وكان آخر حكام هذه السلالة التي حكمت مازندران، هو السلطان محمود المعروف بميرزاخان الذي قتل بأمر مهد عليا خير النساء بيگم أم الملك عباس الأول أثر خلافات سياسية بينهما.
سلمت مهد عليا الحكم في مازندران إلى أحد أقاربها وهو الأمير علي خان ولكن حكومته لم تستمر طويلاً. ثمّ قسمت مازندران بين ثلاثة أشخاص من الأمراء المحليين وهم الوند ديو والسيد مظفر المرتضائي وملك بهمن اللاريجاني، وفي عام 1006 استولى الملك عباس على جميع أنحاء مازندران وأنهى حكم السادات في هذه النواحي([296]).
استمرّت فترة حكم ورئاسة السيد قوام الدين عشرين سنة، وكان مجموع مدّة حكم السادات في الفترتين كما يلي:
الفترة الأولى من عام 750 إلى عام 795 انقرضت على يد تيمور.
الفترة الثانية من عام 807 حتّى عهد حكومة الملك طهماسب الأول (930ـ984).
ثورة السيد أمير علي كيادر
في گيلان
لم تكن ثورة السادات في كيلان في حجم ثورة السادات في مازندران، وكان هدف سادات گيلان الانعتاق من نير الظلم والجور، وفي سبيل ذلك استمدوا العون من سادات مازندران.
ثار السيد أمير كيا على الأمير الظالم ناصر ونديم يشين، ولكنّه لم يستطع المقاومة فرحل إلى رستمدار ومكث فيها عاماً ثمّ قصى نحبه في عام 763هـ.
عزم السيد علي (769ـ791) بعد أبيه السيد أمير كيا على تأسيس حكومة له، ولكنّه لم يحرز نجاحاً في هذا المجال فرحل مع إخوته وأقاربه إلى مازندران وحل فيها مع أتباعه في ضيافة السيد قوام الدين المرعشي. ثمّ استطاعوا بمساعدة سادات مازندران أن يشكلوا حكومة لهم في بعض نواحي گيلان، واستمرّت هذه الحكومة أكثر من قرنين (772ـ1001) وكان مركزهم في ذلك: (لاهيجان)، وفي زمن الملك عباس الأول فقد سادات گيلان قوتهم ونفوذهم السياسي.
ثورة السربداريين في سمرقند
(766ـ767)
تزامنت ثورة السربداريين مع بداية ظهور تيمور الگورگاني ونشوب الاضطرابات السياسية التي عمّت جميع أنحاء ما وراء النهر، ولم يكن تيمور قد أحكم إرساء قواعد حكمه بعد حينما انطلق السربداريون في حركتهم.
كان قائد ثورة السربداريين في سمرقند هو أحد العلماء واسمه مولانا زاده بخاري، وقد ثار ضد ظلم المغول الذي لا يطاق وأسس حكومته لبعض الوقت، ولهذا تعتبر ثورته جهاداً ضد المغول وسلوكهم الوحشي في فرضهم للضرائب ومعاملتهم القاسية للناس.
هاجم الأمير توغلق (تُغلق) حاكم كاشغر بلاد ما وراء النهر لعدّة مرّات وعرض مدنها للسلب والنهب. وفي هذه الأثناء حاول الأمير تيمور والأمير حسين الذين كانا ينسقان مع بعضهما في شؤون الحكم ـ دفع الأمير توغلق، ولكنّها لم يفلحا في دفعه، بل هزما وانكفأ راجعين.
استولى توغلق مرّة أخرى على سمرقند، وتوالت هجمات أمراء ما وراء النهر على المدينة فأحدثت الخراب فيها وضج منها أبناء سمرقند. وفي أثناء ذلك انبرى رجل حكيم حر يدعى مولانا زاده البخاري، فرفع راية التمرد ودعى الاهالي للتجمع في باحة المسجد وخاطبهم قائلاً:
«أيّها المسلمون: لقد نغص الكفار علينا عيشنا ومنعوا عنّا الأمان وسينتصرون عاجلاً أو آجلاً فعند ذلك يستولون على أرواحنا وأموالنا. فلا بد لنا من الثورة المسلحة بوجه المغول…».
واستمرّ مولانا زاده في خطبته وأخذ يكرر القول بأنّه: من الواجب على المسلمين أن يساهموا في هذا الأمر وإلاّ فسيتعرضون للحساب في يوم الجزاء، وأنتم الآن أيّها الناس مجتمعون في هذا المسجد، فأي شخص تنتخبون لقيادتكم، قولوا ما بدا لكم لساعتكم ولا تدعوا هذا الأمر يذهب في عالم النسيان.
وعندما رأى مولانا زاده السكوت مخيماً على الناس؛ قال إنّي أقبل قيادتكم بشرط انصياعكم لأوامري ومساعدتكم لي، وهكذا كان، وبعد سلسلة من الخطابات الحماسية التي ألقاها مولانا زاده على أهل المدينة تمّ انتخابه قائداً لسربداريي سمرقند، ثمّ أصدر أوامره لمقاومة المغول.
انتصار مولانا زاده البخاري
لم يكن نجاح مولانا زاده ممكناً دون امتلاك الأفراد المسلحين، ومن ثمّ عمد إلى تهيئة جيش مسلح ووضع الحراس على أبواب المدينة وسد الأزقة والطرق وأمر الحراس بعدم السماح لأحد بالدخول و الخروج وحثّ الناس على بذل مساعيهم لحراسة المدينة، والصمود إذا ما نشبت الحرب، ثمّ وزع الرماة والجنود على أطراف المدينة، وباشر بنفسه مع خمسمائة شخص من الرماة الاشداء النشطين في حراسة هذه المدينة.
وفي هذه الأثناء دخل القراولون وجنود المغول وجيش خان كاشغر، وفجأة صدرت أوامر مولانا زاده بالهجوم عليهم فقتل الآلاف وجرح العديد، وعمد السربداريون في سمرقند، بأمر مولانا زاده إلى «ضرب فرسان المغول بالحجر والخشب ولا تزال هذه القصة تروى إلى الآن في منغوليا في القصص والمحافل والمجالس»([297]).
وعلى الرغم من مقاومة الجنود المغول وجيش خان كاشغر، هزموا في نهاية المطاف. وصادف ذلك مع تفشي المرض في خيول وحيوانات خان كاشغر ومن ثمّ هلك العديد منها وهزم الجيش بعد ذلك، ويصف خواندمير ذلك بقوله: «عندما اقترب هؤلاء من سمرقند وأوشكوا على احتلالها والقضاء على أموال وديار المسلمين فيها، شاءت إرادة الله تعالى أن يتفشّى المرض بين خيول جيش إيلياس خواجه خان (ابن الأمير توغلق) بحيث لم تبقى من كلّ أربعة خيول أكثر من واحدة، فأصيب المغول بالخوف والذعر وحاروا في أمرهم فلم يروا بُدّاً من حزم أمتعتهم والعودة إلى ديارهم راجلين»([298]).
هجوم تيمور للقضاء على السربداريين
ومع انسحاب جيش إيلياس خواجه، شكل مولانا زاده حكومة شعبية مستقلة في سمرقند. وعندما سمع تيمورلنك بخبر عودة إيلياس خواجه، عزم على احتلال سمرقند، ولم يكد يمضي وقت طويل على هجوم خان كاشغر حتّى ابتلي سربداريو سمرقند بهجوم الأمير تيمور والأمير حسين.
يكتب خواندمير عن ذلك: قوله: «بدأ السربداريون في سمرقند يتجاوزون على أموال الناس بعد انتصارهم… وأصبح لهم دور في إثارة الفتنة والشر»([299]).
يعتبر خواندمير فتنة مولانا زاده البخاري هو السبب في شن تيمور هجومه على سمرقند، والحق أنّ خواندمير لم يصب في رأيه فهو كان يعتقد أن موالنا زاده وحتّى ما قبل هجوم تيمور على سمرقند قد ثار في سبيل حفظ وصيانة أموال الناس، بينما يكتب فيما بعد أنّه منشغل في نهب أموال المسلمين، ونحن لا نرى هذا الأمر إلاّ تناقضاً واضحاً في قوله.
أحرز السربداريون في سمرقند انتصاراً ساحقاً بعد هزيمة إيلياس خواجه (الياس خواجه) وأعلنوا استقلال جميع مدن ما و راء النهر.
والأمر الجدير بالذكر هنا هو كون مولانا زاده قائد الثورة في سمرقند متمتعاً باحترام وحب كبيرين في نفوس الناس، حيث يذكر معين الدين نطنزي أنّه: «كانت أخلاقه [مولانا زاده[ محبوبة دون تكلف بحيث كانت أوامره تنفذ بكل رغبة وطوعية وتبذل الأرواح في سبيل تنفيذها».
«كان مولانا زاده يتجول في المدينة ومحلاتها ويتابع شؤون الناس ويتفقد أحوالهم ويحثّهم على الصمود بوجه المغول».
أزعجت ثورة السربداريين في سمرقند الأمير تيمور غاية الإزعاج، فكاتب الأمير حسين في سبيل القضاء على هذه الحركة وحدّد موعداً للقائه، وكان الإثنان خائفين من حركة السربداريين في سمرقند فالتقيا في ناحية بقلان لتحقيق هدفهما.
وفي سبيل استغفال السربداريين، عمد هذان الأميران إلى المكر والحيلة، فقد أرسلا في البداية (يبكي همراة) إلى مولانا زاده في سمرقند وزوداه بكتاب تهنئة وتبريك وارتياح بمناسبة انتصاره وهكذا نجحنا في تضليل مولانا زاده.
«بعثا بكتاب ودي مع خلعة ونطاق وسيف باسم السربداريين وجملة الشخصيات والأكابر وأصحاب الحل والعقد وأرفقوها بنفر من الإيلحيين من ذوي الألسن الفصيحة»([300]).
ومن أجل أن يوغلا في تضليل السربداريين في سمرقند، اتفقا على أن يمضي الأمير حسين شتاءه في «سالي سراي» والأمير تيمور في نخشب وكش، وفي فصل الربع يتوجهان إلى سمرقند، وبينما كان الأمير تيمور في نخشب أصدر أوامره ببناء قلعة، وتمّ بناؤها في نفس العام.
نجحت حيلة الأمير تيمور والأمير حسين، فحين بلغت هدايا وتحف الأميرين مولانا زاده فرح بها فرحاً شديداً وبعث بهدايا إلى تيمور ردّاً على ذلك. وفي سبيل خداع السربداريين قدم تيمور إلى سمرقند عدّة مرّات لطمأنة مولانا زاده والسربداريين الآخرين وفي الحقيقة كان يهدف من وراء ذلك إلى أمور أخرى وهي استغفال السربداريين في الشتاء ومباغتتهم في فصل الربيع.
وفي رواية معين الدين نطنزي، بعث مولانا زاده بعض رجاله إلى جيحون وأطرافه لاستطلاع الأمور هناك، وعمد أحد عساكر حسين الصوفي إلى تقييد عباس بهادر، وهو أحد أصحاب مولانا زاده، وأرسله إلى حسين الصوفي ليطلعه على أوضاع وأحوال السربداريين في سمرقند.
احتلال جيش تيمور لسمرقند
في أوائل الربيع تحرّك الأمير حسين إلى سمرقند بجيش من بلخ وبدخشان وقندوز وبقلان وأندخور وشبرغان وكذلك فعل تيمور حسب ما اتفقا عليه، وبعث الأمير حسين إلى السربداريين في سمرقند كتاباً قال فيه: إنّي واثق من أنكم لن تستقبلونا ما لم نصل (كان كل)، وانطلت الحيلة على السربداريين وجرت الخطة على ما أريد لها.
حينما وصل الأمير حسين والأمير تيمور «كان كل» قدم إليه السربداريون مستقبلين ومعهم الهدايا، فأرجعاهم حتّى وصل في المرّة الثانية أهل سمرقند إلى ناحية (كرتاس) فأمر الأمير حسين بتقييدهم جميعاً.
ينقل عبد الرزاق السمرقندي أنّهم قيّدوا جميعاً ثمّ استثنى مولانا زاده وقتل الآخرون.
وهكذا انتهت حركة السربداريين في سمرقند دون تحقيق نتيجة واضحة، واعتزل مولانا زاده الأحداث بعد هذه الواقعة.
وعلى الرغم من كون مولانا زاده هزم في هذه الحركة إلاّ أنّ تأثيرها كان كبيراً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، فقد أظهر مولانا زاده لأهل سمرقند وغيرها من البلدان أنّ من الممكن التصدّي للظلم. وكانت حركة السربداريين في سمرقند انعكاساً لحركة السربداريين في خراسان ولكن تأثيرها السياسي بدا واضحاً في تصدّي أهالي المدن الإيرانية لتيمور السفاك.
باشر تيمور بإقصاء خصمه ومنافسه السياسي الأمير حسين من الساحة السياسية وانطلق في حملاته على إيران وتصدّى له الإيرانيون بكلّ صلابة. وما مقاومة السربداريين في سبزوار وثورة أهالي أصفهان إلاّ أنموذجان واضحان على ذلك. وقد استمرّت هذه المقاومة حتّى في زمن خلفاء تيمور ومثال ذلك الحركة الحروفية.
ثورة پهلوان أسد الخراساني
في كرمان 775ـ776
إنّ صفحات التاريخ لمليئة بالشغب والأزمات السياسية في زمن حكم الملك شجاع. فهو ما كاد يفرغ من الخلافات والثورات الداخلية حتّى واجهته الدسائس السياسية التي قام بها أمراء زمانه بحيث وصل الأمر به أن أنزل من عرشه في إحدى هذه الدسائس.
لم يمض وقت طويل على هذه الحوادث حتّى انطلقت ثورة السربداريين وثورة بهلوان أسد الخراساني في كرمان.
أعلن پهلوان أسد الخراساني استقلال كرمان وباشر بعزل بعض الزعماء وتنصيب آخرين وإرسال بعض الأمراء إلى قصر آخر. وعلى الرغم من كونه استعان في نهضته بالسربداريين في سبزوار إلاّ أنّ حدوث بعض الظروف سبب إنهاء نهضته ودخولها في عالم النسيان.
وقبل أن نتعرض لكيفية هذه الحركة وطبيعة تفصيلاتها، نرى لزاماً علينا أن نلقي نظرة موجزة على الحياة السياسية للملك شجاع.
حكومة الملك شجاع
والاضطرابات السياسية
الملك شجاع (760ـ786) هو الابن الأكبر للأمير مبارز الدين محمد، وحينما بلغ سدّة الحكم أوكل الحكم في ابرقو وعراق العجم إلى أخيه الملك محمود وحكومة كرمان إلى عماد الدين أحمد. ومن الحوادث التي جرت في بداية حكومته اعتقال الملك يحيى وسجنه في قلعة قهندز. وكان الملك يحيى يحظى بحب خاص لدى أبيه الأمير مبارز الدين ولهذا السبب كان إخوانه ينفرون منه لا سيما الملك شجاع، ومن ثم سجنه. وفي هذا الوقت أيضاً انتفضت قبائل أوغاني وجرمائي فبادر الملك شجاع إلى إخماد انتفاضتهم.
تصالح الملك شجاع والملك يحيى بعد ذلك ونصب الملك يحيى حاكماً على يزد ولكنّه لم يهدأ في يزد بل خرج على طاعة أخيه عدّة مرّات حتّى سار إليه الملك شجاع إلى يزد ثم انتهى أمر الأخوين بالصلح.
في عام 764 خرج الملك محمود حاكم أبرقو على طاعة الملك شجاع وأسقط في أصفهان اسم الملك شجاع من الخطب وقطع يد عماله عن المناطق الخاضعة له. فسار إليه الملك شجاع في جيش إلى أصفهان فاضطر الملك محمود إلى الدخول في الصلح ولكنّه في الحقيقة لم تستقم العلاقة بينه وبين الملك شجاع، فعمد هذه المرة إلى مؤامرة أكبر فحرض في بادئ الأمر السلطان أويس ملك جلاير (757ـ776) على الملك شجاع، ثمّ شن الملك محمود مع الملك يحيى والسلطان أويس والسلطان أحمد بن الملك شجاع ـ الذي كان غير راض على أبيه ـ هجومهم على شيراز ـ فلم يستطع الملك شجاع المقاومة فاستسلم ودخل الملك محمود بجلال وهيبة إلى شيراز ورحل الملك شجاع إلى كرمان، واشتغل هناك بالقضاء على حركات قبائل أوغاني وجرماني حتّى إذا فرغ من ذلك استعاد قوته المفقودة، وعندئذ دخل الملك يحيى والملك منصور في طاعته وانضما إلى صفوف أصحابه، فدخل الملك شجاع شيراز فاتحاً في شهر ذي القعدة عام 767 وهزم الملك محمود ثمّ رحل إلى أصفهان ولم يخلد هناك إلى الهدوء بل رفع راية العصيان فسار إليه الملك شجاع وانتهى أمر الأخوين إلى الصلح مرّة أخرى.
ليس ثمة شك في أنّ هذا العفو كلّه وهذه السماحة كلّها كانت تحمل جانباً سياسياً، إذ كان هدف الملك محمود هو القضاء على الملك شجاع ولذلك نلاحظه يفكّر مرة أخرى بفتح شيراز ومن ثمّ سار مع السلطان أويس جلاير لفتح شيراز وحتّى وزير الملك شجاع كان عازماً على فتح بوابات المدينة في حال اقتراب جيش الملك محمود منها. ولم يفلح الملك محمود في هذه المرّة، وكشف الملك شجاع خيانة وزيره الملك ركن الدين حسن اليزدي فقتله. وفي هذه الأثناء ثار السربداريون في كرمان بقيادة پهلوان أسد وفيما يلي نعرض بالتفصيل لذكر هذه الحركة.
حدث في عام 781 أن خرج عادل آقا في السلطانية تأييداً للسلطان حسين جلاير في خروجه على الملك شجاع ولكن الملك شجاع قضى على حركته ثمّ عفى عنه.
موت الملك شجاع
في عام 785هـ اتهم الملك شجاع ابنه شبلي بالسوء فحبسه في إقليد فارس ثمّ حرمه من ناظريه وفي نفس العام توفيت أمه مخدوم شاه ولحق بها أخوه الملك حسين. ثمّ سار الملك شجاع من قزوين إلى خرم آباد وشوشتر واصطدم مع جيشه ببرد قارص فلحق بالجيس إزاء ذلك أذى شديد وتوجه الملك شجاع صوب شيراز فوقع طريح الفراش إثر إفراطه في الشرب.
عندما حضرته الوفاة استدعى أولاده وإخوانه وأعطى ولاية عهده إلى السلطان زين العابدين وأوكل الحكم في أصفهان إلى السلطان أبي يزيد أخيه الصغير وفي كرمان إلى السلطان أحمد وكتب رسالتين واحدة إلى الأمير تيمور والأخرى إلى السلطان أحمد جلاير.
وفي آخر المطاف توفي في يوم الأحد الثاني والعشرين من شعبان عام 786 ودفنه في شيراز.
ثورة پهلوان أسد الخرساني
يعتبر پهلوان أسد الخراساني من الجنود الأشداء، الأقوياء في جيش الملك شجاع وحسب تعبير عبد الرزاق السمرقندي «كان حسن الوجه، محمود السيرة» وكان رجلاً عابداً زاهداً.
يُنقل أنّه كان في أحد أيام الشتاء القارسة البرودة يحاول كسر الثلج المتجمد على سطح الحوض فسأله الملك شجاع. ماذا تصنع؟ فأجابه: اكسر الثلج لأتوضأ. فأعجب الملك شجاع بهذا التدّين والالتزام وقال: إنّ شخصاً له كلّ هذا الالتزام ومتانة التديّن ماذا تراه صانعاً في دنياه».
وإذ أعجب الملك شجاع بصفات پهلوان أسد الحسنة، فولاه حكومة كرمان وهكذا أصبح أسد حاكماً على كرمان.
أهداف ثورة پهلوان أسد
كانت ثورة پهلوان أسد على غرار حركات القرن الثامن الهجري الأخرى تحمل في جنباتها الأهداف الاقتصادية والسياسية. ولكنّه كانت ثمة أسباب وعوامل ساهمت في تسريع هذه الثورة ومن أهم هذه العوامل:
1 ـ كانت الملكة مخدوم شاه أم الملك شجاع مقيمة في كرمان، وهي تعتبر نفسها الحاكمة المطلقة لكرمان، وما دامت مخدوم شاه في كرمان لم يكن پهلوان أسد يستطيع الشروع بثورته أو يعلن استقلاله في الحكم. ولم تكن مخدوم شاه راضية عن سلوك پهلوان أسد وكثيراً ما كانت تكتب لابنها أنّ پهلوان أسد يفكر بالعصيان والخيانة.
كانت مخدوم شاه تدرك جيّداً أنّ پهلوان أسد سوف يثور بقواته، ومن ثمّ كانت تبعث بكتبها إلى شيراز أن: «فكّر بحال البلاد فإن آثار العصيان بادية في أسد».
كان پهلوان أسد على غرار سائر الرجال الشجعان الآخرين لا يغمض له جفن على الظلم، ومن الخصال التي كانت تيمز هذا الصنف من الرجال في القرون الإسلامية المتعاقبة هي الوقوف بوجه الظالمين وما أجدر هؤلاء الرجال بإحقاق حق المظلومين وما أليقهم بالفداء.
كانت فترة حملات المغول وما تلتها من فترات من الأيام السوداء في تاريخ إيران وكان دور وخط أسد هو نفس دور وخط پهلوان عبد الرزاق وسائر الأبطال الآخرين، إذ نلاحظ صفحات حياة هؤلاء الأشخاص الأفذاذ مفعمة بالإيثار والتضحية.
ليس ثمة شك في أنّ الملكة مخدوم شاه لم تكن تستطع الصبر على وجود مثل هؤلاء الأبطال ومن جانب آخر لم يكن أهل (ديوان المستوفين) الذين هم بمثابة الخدم ليتورعون عن ارتكاب المظالم وإضافة إلى ذلك لم يكن من الممكن أن يحظى سلوك ام الملك شجاع برضى وقبول پهلوان أسد، وهكذا نشب الخلاف بين پهلوان أسد وأصحابه من جهة وعمال أم ملك شجاع من جهة أخرى، وانتهى الأمر بخروج پهلوان أسد علناً عن عمال الملك شجاع.
2 ـ اتهم الملك شجاع وزيره الخواجه قطب الدين سلميان شاه في شيراز بالسوء، فكبله بالحديد وسمل عيني ابنه غياث الدين محمود ثمّ بعث به إلى كرمان، حتّى إذا وصل الأمير غياث الدين إلى كرمان حرض پهلوان أسد على التمرد والخروج على الملك شجاع وامتلأ قلب پهلوان أسد حقداً على مليكه.
3 ـ كان الأمير سيور غتمش أوغاني، أخو زوجة الملك شجاع والمعارض له يحرّض پهلوان أسد باستمرار على الخروج على الملك شجاع، ويذكر عبد الرزاق السمرقندي: «لم يكن الأمير سيور غتمش أوغاني أخو الملك شجاع (؟) في وفاق مع الملك ومن ثمّ كان ومعه الملك يحيى يغذيان أسد باستمرار بالتفكير بالسلطان ويبعثون إليه برسائل مختلفة على ألسنة أمراء الملك شجاع يوصونه فيها بعدم الاعتماد على مزاج الملك.
وإذن كان الملك يحيى الذي لم تكن علاقته على ما يرام بالملك شجاع والأمير غياث الدين محمود يحرضان پهلوان أسد باستمرار ويبعثون إليه برسائل عن أمراء الملك شجاع يشجعونه فيها على الخروج والثورة.
واستمرّت التحريضات وزادت الأزمات الاقتصادية والسياسية الطين بلة. وكان پهلوان أسد يبحث عن ذرائع ليعلن عن ثورته وينهي حربه الباردة مع مخدوم شاه. وكانت الحادثة التي أطلقت الشرارة الأولى لثورة أسد الخراساني وساعدت على اتساعها هي قدوم مصارع يدعى پهلوان شمس جكبك إلى كرمان، وفي يوم العيد دخل في المصارعة مع مصارع كرماني يدعى پهلوان رئيس فخسر البطل شمس المصارعة.
ولمّا كانت الملكة مخدوم شاه أم الملك شجاع من أهل كرمان فقد سرّت بنتيجة المصارعة وأغدقت هداياها على پهلوان رئيس وأركبته على حصان وطيف به في أسواق ومحلات المدينة. وفي عصر نفس اليوم وبعد أن اطع پهلوان أسد على أحابيل مخدوم شاه السياسية أمر بإركاب المصارع الخراساني ومعه جماعة من أهل خراسان والطواف بهم في سوق كرمان، وأذاك تغيّر حال مخدوم شاه وقالت:
«ما معنى أن يطاف في سوق المدينة بمصارع خاسر ثمّ أمرت أهل كرمان بضرب الخراسانيين وطردهم من السوق، فوقعت معركة بين الكرمانيين والخراسانيين في وسط السوق وانتهت بقتل عدد من الطرفين وجرح آخرين».
ثمّ وصل الأمر بالملكة الأم (مخدوم شاه) أن عزمت على معاقبة پهلوان أسد والخراسانيين، ويُنقل أنّ الخواجة محمد الكرماني الملقب بقطب الدين وهو من أكابر كرمان قال لمخدوم شاه إطفاء لغضبها «لا حاجة بك لإيذاء نفسك، فإذا أجزتني أمرت بعضهم فخربوا قصر أسد على رأسه».
وهكذا بدأت الاضطرابات وأعلن پهلوان أسد انتفاضته وعلى الرغم من كون مخدوم شاه دأبت على مراسلة الملك شجاع وإعلامه أنّ پهلوان أسد خرج على الطاعة وكرمان استقلت عن دولته إلاّ أنّ شاه شجاع لم يكن يصدق وإنّما كان يخال أنّ پهلوان أسد كان يؤذي الأمراء القراختايين في قصر الملكة مخدوم شاه وأنّه هؤلاء الأمراء يسعون لدى مخدوم شاه لتحريضها ضد أسد. وتعسّرت الأمور على مخدوم شاه أكثر فرجحت الفرار فذهبت من گواشير إلى بلوك سيرجان وعندما كانت في طريقها إلى الخروج من كرمان قالت: «لا أقيم في كرمان ما دام أسد يريد إراقة ماء وجهي».
وعندما خلت المدينة لپهلوان أسد، شرع ببناء القلاع والأبنية الأخرى، وظلّت مخدوم شاه تصرّ على إخبار ابنها بعصيان أسد وهو يصرّ على عدم تصديقها، وإذ رأى پهلوان أسد أن قد دنا نصره، تأسى بالسربداريين في سبزوار وأطلق على نفسه اسم سربدار.
رغم أنّ عبد الرزاق السمرقندي مؤلف (مطلع السعدين) لم تكن تربطه بالسربداريين علاقة حسنة إلاّ أنّه يشير إلى هذه المسألة ويتحدّث بصراحة عن علاقة السربداريين في كرمان بالسربداريين في سبزوار فيقول: «باشر پهلوان بإنشاء القلاع والحصون وجمع من جانب آخر حشوداً من أهل خراسان ونواحي كرمان وأخذ مالاً وفيراً من أثرياء كرمان والمرتبطين بام الملك شجاع، ثمّ ادعى أنّه قرين للخواجه علي مؤيد، أمير السربداريين في خراسان ومن ثمّ فهو سربدار كرمان».
وهكذا فتحت أبواب النصر لپهلوان أسد، وفي أثناء ذلك خرج السلطان أويس، الابن الأكبر للملك شجاع على طاعة أبيه وكانت أمّه أخت للأمير سيور غتميش، فذهب من شيراز إلى جيرفت وكتب هناك كتاباً مختلقاً عن الملك شجاع و بعث به إلى پهلوان أسد، وهو: «لقد بعثنا بولدنا أويس للحكم في كرمان فليقدم پهلوان أسد إلى شيراز».
وعندما تسلم پهلوان الكتاب علم زيفه فبعث جوابه: «ثمة علامة بيني وبين الملك، فإذا كانت هذه العلامة سُلِّمت المدينة».
بداية استقلال پهلوان أسد
عندما رأى الأمير أويس أنّه لم يستطع بلوغ هدفه عن هذا الطريق، تحرّك بجيش كبير إلى أصفهان حيث كان عمّه الملك محمود حاكماً هناك.
كان پهلوان أسد يزداد قوّة يوماً بعد آخر، ويرسي قواعد استقلاله أكثر فأكثر وأخيراً هاجم شخصاً كان الملك شجاع قد عيّنه مشرفاً على القلعة، فدكّ هذه القلعة بالمنجنيق ففتحها واعتقل العديد من أصحاب مخدوم شاه ووضع يده على الكثير من الخزائن الموجودة فيها، واعتقل الخواجه محمد بعليا بادي وصادر أمواله ثمّ قتله ثمّ توجه إلى بيوت أخرى وأهلك بالسم الخواجه شمس الدين محمد الزاهد، وهو من أكابر ناحية إقطاع وهكذا «أرسى دعائم الظلم والجور بين الرعية وكان ذلك أوّل الخراب في كرمان ممّا لم تره من قبل».
كان پهلوان أسد محتاجاً إلى المال ليدعم به حكمه، ومن ثمّ لم يكتف بحبس بعض رجال مخدوم شاه بل صادر أموال العديد من الأثرياء وفي الحقيقة فإنّ أعماله هذه هي نفس الأعمال التي ارتبكها پهلوان عبد الرزاق الباشتيني بحق أموال وزير خراسان الخواجه علاء الدين محمد.
وعندما بلغت أصداء حركة پهلوان أسد مسامع الملك شجاع عمد قبل أن يرسل جيشه إلى كرمان لإرسال سفير يدعى الحاج بهاء الدين الفراش إلى الملك محمود في أصفهان في سبيل تجديد أواصر المودة والصداقة بينهما. وكان هدف الملك شجاع من وراء ذلك هو الحيلولة دون مساعدة الملك محمود للپهلوان أسد.
محاصرة كرمان ومقاومة
پهلوان أسد والسربداريين
حين اطمأن الملك شجاع إلى جانب الملك محمود تحرّك باتجاه كرمان، وكان برفقته أخوه السلطان بايزيد وابن أخيه الملك منصور، وذهب في البداية إلى (بَم) فاستقبله حاكمها من قبله الأمير حسين (الأمير سيف الدين حسين طغان) وأوضح له طبيعة حركة پهلوان أسد والوضع المتأزم في المدينة.
ولا شك في أنّ هدف پهلوان أسد في حركته هو قطع يد الملك شجاع وعماله عن كرمان ودفع الظلم والظالمين. وفي الحقيقة كانت هذه الحركة، ثورة سياسية ـ أجتماعية استمدّت طبيعتها من ثورة السربداريين، هي ثورة ارتكزت على الشعب المسلم والمقاوم في كرمان ومعهم پهلوان أسد الذي أحاطوه بحمايتهم وتأييدهم بكلّ صلابة.
لم تكن كرمان مهمة للملك شجاع من حيث اللحاظ السياسي فحسب وإنّما كانت مهمة من الجانب الاقتصادي أيضاً، وسقوطها يعتبر ضربة موجعة للكرامة السياسية لآل المظفر، ومن ثمّ كان قدوم الملك شجاع يهدف إلى عرض قوّته أوّلاً، وثانياً لإرعاب الناس.
وعندما سمع پهلوان أسد بخبر قدوم الملك شجاع باشر بإحكام قلاع المدينة وأرسل إلى الملك شجاع رسلاً لإثنائه عن عزمه، ولكنّه رفض واستمرّ حتّى دخل (ماهان) ثمّ وصل (شاه آباد) على بُعد فرسخ واحد من كرمان.
ورد في رواية محمود الكتبي صاحب تاريخ آل المظفر أنّ الملك شجاع خشي تفشي المرض ووقوع القتل بين الرعايا!! ومن ثمّ بعث برسائل تترى إلى الملك منصور والسلطان بايزيد، يثنيهم فيها عن احتلال المدينة، ثمّ ترك لهذا الأمر السلطان عماد الدين وجمع من الأمراء والعساكر وذهب هو إلى شيراز.
ولكن حقيقة الأمر ليس كما يذكرها محمود الكتبي، فقد كان السبب في رجوعه عن كرمان هو المؤامرة التي حيكت ضده في شيراز، فقد ورد في جملة الأسباب التي دعت إلى ظهور حركة پهلوان أسد، تحريض الملك يحيى له من يزد، وكان پهلوان أسد قد كتب إلى الملك يحيى يستمده العون لدعم حركته، ولكن الأخير كان في صلح مع الملك شجاع فلم يستطع أن يقوم بعمل مباشر في هذا المجال، وإنّما كتب إلى پهلوان خرم في شيراز ما يلي: «إذا كان مولدك ونشأتك في خراسان و پهلوان أسد من خراسان وجب عليك دعمه في هذا الأمر».
وفي خلال ذلك بعث پهلوان أسد إلى الخواجه علي المؤيد آخر أمراء السربداريين، يستمده العون، فأرسل إليه هذا بمائة فارس مسلح وعلى رأسهم پهلوان غياث توني من سبزوار.
ومع تحريض الملك يحيى في يزد، باشر پهلوان خرم بتهيئة السلاح وفي نفس الوقت بعث برسالة إلى الملك شجاع، ومفادها أنّه لا دخل له في علاقة الملك يحيى بالشيرازيين وإذا ما حدث طارئ لا يكون هو حينئذ مسؤولاً. (الكتبي ص 88).
أدرك الملك شجاع موضع رأس المؤامرة، فعزم على الرجوع إلى شيراز وترك وراءه السلطان أحمد المعروف بعماد الدين والسلطان زين العابدين وسلك هو طريق فارس.
وبذل السلطان أحمد كلّ ما بوسعه في سبيل فرض الحصار المحكم على (كواشير)، وفي أثناء الحصار بعث پهلوان اسد إليه بسفير وحمله رساله منه.
رسالة پهلوان أسد إلى السلطان أحمد
«إني صنيعة الملك وأنا خجل لجرأتي، فأملي أن يكون السلطان عماد الدين واسطة ليطلب من الملك العفو عني، وأنا أتعهد بإرسال المال إليه وضرب السكة وإلقاء الخطب باسمه، بشرط أن يوكل إليّ أمر الحفاظ على بلاد كرمان ورعيتها ولا يخلعني. وقد أمضيت عمري بالعمل المحمود ولم يخالط بدني الحرام فلا يُستحسن أن أكون شيطاناً في آخر عمري وأطوق باللعنة الأبدية، ويبتلي الرعايا الذين هم ودائع حضرة خالق البرايا».
وقام السلطان أحمد بإرسال كتاب پهلوان أسد إلى الملك شجاع ليعرف رأيه، وكان الملك شجاع يعرف تماماً أنّه إذا ما أبقى پهلوان أسد حاكماً على كرمان فإنّه سيخرج عليه مرّة أخرى، ومن ثمّ كتب رسالة إلى السلطان أحمد وطلب منه فيها استسلام المدينة ورفض طلبات پهلوان أسد، وكتب في ما ضمنه الرسالة أنّ على پهلوان أسد إرسال أخاه وابنه إليه وتسليم القلعة والمدينة إلى وكيله.
وكان واضحاً من الرسالتين، أنّه ليس ثمة توافق بين الرجلين وعندما سلم السلطان أحمد رسالة الملك شجاع إلى پهلوان أسد أصيب الأخير بالاضطراب، ولكنّه كان معلقاً آماله على الملك محمود وجيشه، ولذلك استمرّ في مقاومتة ورفض التخلي عن المدينة.
ومن جانب آخر كان پهلوان أسد يعرف أنّه إذا ما خرج من المدينة فإنّ جيشه سيهرب. ولذلك لم يخرج، وتحرّك السلطان أحمد إلى الجنوب باتجاه (جوين ماهان) وأقام هناك. ثمّ عمد الأمير محمد الجرماني وإخوان من أمراء جرما إلى تحطيم جسر البوابة والفرار إلى صفوف السلطان أحمد، وقبلهم السلطان ثمّ قدم بعد ذلك إلى بعد فرسخ عن المدينة.
استمرار الحصار
وبقي پهلوان أسد مستمراً في مقاومته وبقي السلطان أحمد مستمراً في فرضه الحصار وسعيه جاهداً لفتح المدينة ورفضه السماح لأي شخص بالدخول أو الخروج، وظلّت الطرق مسدودة فلا يمكن لأحد أن ينفذ إلى المدينة بشيء من الطعام.
وانعكس الحصار بشدّة على داخل المدينة وجعل الناس عرضة للجوع والقحط.
يتحدّث عن ذلك مؤلف تاريخ آل مظفر فيقول: «ساءت أحوال سكان المدينة وأصابهم قحط شديد وأصبح الخبز عزيزاً حتّى جرى ذكره على ألسنة أرواحهم ولكن هيهات الوصول إليه. ثمّ أجيز العجزة والفقراء والمساكين بالخروج من المدينة فهلك بعضهم في نيكويه وتفرّق بعضهم الآخر فلم يعودوا إلى مدينتهم.
وأخذ الناس يخرجون من داخل المدينة زرافات ووحداناً، ثمّ خرج أمراء الطائفة المسماة بالنوروزية وهم من أكابر المدينة ومعهم أربعمائة فارس تحت جنح الظلام والتحقوا بصفوف السلطان أحمد.
وخيم القحط الشديد على المدينة بحيث أخذ يموت من أهلها مائتان في كلّ يوم.
فأمر پهلوان أسد بإخراج الفقراء والمساكين من المدينة، فخرج منهم اثنا عشر ألف من بوابة غار سهر الواقعة في الشمال الشرقي لگواشير، ثمّ التحق هؤلاء الفقراء بمعسكر السلطان أحمد، الذي أعطاهم من الغذاء ما يكفيهم والتحق بجيشه من له خبرة بالحرب وتفرّق الآخرون في أطراف المدينة.
وهكذا اشتدّ الحصار على پهلوان أسد، وبات سقوط مدينة كرمان وشيكاً، ولكن پهلوان أسد ما زال ينتظر في كلّ يوم قدوم جيش آذربايجان وأصفهان.
وينقل عبد الرزاق السمرقندي أن پهلوان أسد حينما يئس من جدوى انتظاره بعث برسله إلى خراسان لاستمداد العون من الملك غياث الدين بير علي بن الملك معز الدين حسين وكان هذا في وفاق مع الملك شجاع، ومن ثمّ لم ينجح رسل أسد وجرعوا إليه بخفي حنين.
أصبحت كرمان قاب قوسين أو أدنى من السقوط واعتبرها أحمد شاه ساقطة، وكتب رسالة إلى الملك شجاع طلب منه فيها توليته الحكم في كرمان، ولم تكن خطوته هذه صحيحة من الجانب السياسي، ولم يجبه الملك شجاع جواباً إيجابياً.
رسالة السلطان أحمد
إلى الملك شجاع وجوابها
«تكاد گواشير أن تفتح ويكاد الطاغية بأمركم المبارك أن يذبح، ويلتمس هذا الخادم من سيده إناطة الحكم في كرمان إليه».
ورد عليه الملك شجاع بأنّه يفتخر به، وتتضح له قوّته وصلابته يوماً بعد آخر، ووعده بأنّ الأمر إذا ما انقضى فسينعم عليه بضم نواح إلى حكمه إن لم يعطه حكم كرمان.
عندما قرأ السلطان أحمد جواب الملك شجاع ذا الوجهين، ثارت ثائرته وخفف من وطأة الحصار. ولكي يكف سعيه لفتح المدينة كتب رسالة إلى الملك شجاع بأنّه لا طاقة له بالفراق ويتمنى اللحاق بشيراز للقاء السلطان، حيث جاء في رسالته:
«إني أرجح ملازمة حضرتكم على جميع مقاصد الدنيا والمآرب الأخرى ولا طاقة لي بالفراق أكثر من ذلك، أتمنى أن تفوض الأمر إلى غيري».
وقف الملك شجاع على كنه رسالة السلطان أحمد، فبادر لفوره إلى إرسال پهلوان خرم و پهلوان علي شاه المزيناني لقيادة الجيش وفتح كرمان.
وكان جواب الملك شجاع كالآتي: «أقدم أنت وابن أخيك السلطان زين العابدين إلى شيراز فقد اشتدّ شوقي إليكما».
وهكذا استمرّت وطأة الحصار على كرمان، حتّى نفدت في ذلك الوقت جميع مؤمن المدينة وعلفها، وألقى أسد نفسه وجهاً لوجه مع أزمة اقتصادية ونقص في المواد الغذائية، فلم ير بداً من الصلح فبعث إلى پهلوان علي شاه المزيناتي طالباً مقابلته، فدخل علي شاه المدينة وتصالح الطرفان وتقرّر أن يبعث پهلوان أسد بمحمد صغانشاه أحد أولاده برفقة پهلوان خرم إلى شيراز لطلب الصفح والعفو، ثمّ يتخلى عن المدينة إلى پهلوان علي شاه وعن القلعة إلى جنود الملك شجاع.
وحسب هذه المصالحة تقرّر أن يسلم پهلوان أسد قلعة مولانا صدر الدين الواقعة في وسط المدينة ويقيم هو في قلعة كوه حتّى تعود الرسل من شيراز، وأقام پهلوان علي شاه مع مائة فارس في القلعة وبعث بابن پهلوان أسد إلى شيراز. وللحيلولة دون حدوث اضطرابات جديدة وضع جنوداً مسلحين في جميع القلاع والأبراج. وكان القحط قد بلغ حدّاً في المدينة بحيث كان الناس يستبدلون رطل الطعام برطل ذهب يعطونه إلى الجنود.
كان پهلوان أسد متيقناً من حتمية سقوطه بدخول پهلوان علي شاه، ولكي يحد علي شاه من نفوذ پهلوان أسد باشر بإعلامه السياسي المعادي له، وظلّ أسد حائراً مضطرباً لا يدري ما يصنع فهو تارة يفكر بالاستسلام وأخرى بأخذ خزائنه وأمواله والسير إلى خراسان وثالثة يفكر بإعلان استقلاله عن علي شاه.
مؤامرة پهلوان علي شاه
على پهلوان أسد
على الرغم من أنّ پهلوان علي شاه كان يرى سقوط پهلوان أسد وشيكاً، إلاّ أنّه قام بمؤامرة كانت فيها حياة پهلوان أسد. حيث بعث علي شاه إلى الخاتون زوجة أسد، بأنّ پهلوان أسد إذا ما رحل عن هذه الدنيا فستصبح هي زوجة للملك شجاع وسيدة قصره، وقام قهرمان علي شاه ومولانا جلال الإسلام بهذه المؤامرة.
رسالة الملك شجاع
إلى زوجة پهلوان أسد
«كاتب هذه السطور هو الملك شجاع بن محمد وهو يعطي قولاً وعهداً، ويلزم نفسه في حال قامت الخاتون المعظمة زيدت رفعتها بإسداء هذه الخدمة الجليلة إلى أسرنا فسيخصها بأنواع الكرامات والعطايا وسيدخلها في عقد رعايته وحرم حمايته وستكون من جملة حرمه الخاص ويبذل لها كل التماس وأشهد الله تعالى وروح الأنبياء والأولياء على ما أقول وهذا خطي وعهدي».
وبعث علي شاه برسالة عن لسان الملك شجاع إلى الطبيب جلال الإسلام، طلب فيها المساعدة منه وكان لهذا الطبيب دور مؤثر في المؤامرة.
في خلال هذه الأزمة، مرض پهلوان علي شاه ووقع طريحاً في فراشه فطلب من پهلوان أسد طبيباً. ففرح أسد لذلك وبعث إليه بالطبيب جلال الدين، وسلم علي شاه رسالة الملك شجاع إلى الميرزا جلال الدين، وكان هذا يتردد كل يوم على حرم پهلوان أسد فأعطى زوجته رسالة الملك شجاع.
يُنقَل أنّ مولانا جلال الإسلام في عودته إلى بيت پهلوان أسد قال له: «ليس مرض علي شاه بالمرض المهلك ولكنّي سأجعله كذلك في سبيلك وأرجو أن أبعث به بعد شهر من فراشه إلى القبر».
عندما استلمت خاتون أسد رسالة الملك شجاع عزمت على اختلاق حيلة في سبيل القضاء على پهلوان أسد، فطلبت منه في بادئ الأمر أن يخلع أسلحة جنوده وألا يدع حارساً يدخل إليهم بسلاحه وعدته وطفقت تلح عليه، بأنّك قد جمعت من حولك الغلمان وهم يدخلون القصر بكامل عدتهم، فلربما اتفق منهم جماعة على الغدر، فالخير في أن لا يقدم إلى القصر أحد منهم بسلاحه وإنّما يضعون حرابهم وسيوفهم أولاً لدى البواب ثمّ يدخلون».
ومن جانب آخر كان أسد يكرر قوله لزوجته بأنّ الوضع إذا ما تأزم أكثر وقرب الأجل فسيعمد إلى قتلها أوّلاً ثمّ يقتل نفسه.
نهاية أمر پهلوان أسد
ضاق پهلوان أسد بطول الحصار وأصبح مزاجه حادّاً لا يطاق، وضاق الناس ذرعاً به وحتّى خاصته نفروا منه، وأصبح يستدعي الناس دونما سبب وفيما يلي نورد قصة كشاهد على تصرفاته:
«استدعى يوماً صانع حلوى ليعمل له شيئاً من الحلوى، وقبل مجيء صانع الحلوى أخبره أحد خواصه بأنّ ثمة غلام شرب الخمرة، فأمر پهلوان أسد باستدعاء الغلام ليؤدبه وفي أثناء ذلك دخل عليه الشخص الذي بعث به وراء صانع الحلوى وقد أحضره فقال جلبته. فقام پهلوان أسد بنزع نعليه وتأديبه بضربه بالعصا، وبالفعل فقد ضرب حتّى أغمي عليه. وفي أثناء ذلك دخلوا عليه بالغلام الذي شرب الخمرة فسأل پهلوان أسد: من هذا الشخص؟ فقالوا له: إنّه أحد غلمانك وقد شرب الخمرة، فسأل أسد، إذن من كان ذلك الشخص الذي ضرب بالعصا؟ فقالوا إنّه صانع الحلوى، فتألم لذلك وندم وقال لم أكن أعلم، ثمّ أمر بإعطاء صانع الحلوى مائتي دينار و أخذه إلى الدار».
كان پهلوان أسد يتصرف في أعماله بمثل هذا السلوك، وسقط في أعين الناس ومن جانب آخر كانت كرمان لا تزال تحت الحصار.
كانت خاتون (زوجة أسد) قد أصيبت بالذعر بعد أن أخبرها پهلوان أسد بعزمه على قتلها، إذا اقترب المصير المحتوم ومن ثمّ يقتل نفسه، ولا زالت في ذعرها و خوفها حتّى أصيبت بمرض في أعصابها وكان الميرزا مولانا جلال الإسلام يتردد عليها ويعاينها ثلاث مرّات كلّ يوم، وفي آخر المطاف أخبرها بالخطة وخدعها بالوعد.
أخذت خاتون في بادئ الأمر تفكّر بدس السم إلى پهلوان أسد ولكنّها لم تفلح في ذلك وكانت قد رتبت الأمر بهذه الصورة حيث جمعت بعض المقربين إليها وأخذوا سماً ليختبروه.
كانت تجربتهم في الدباية أن وضعوا مقداراً من هذا السم على بعض الشعير المصنوع من الحليب وقدموه لپهلوان علي سرخ أحد المقربين لپهلوان أسد. ولم يبق پهلوان علي سرخ بعد تناوله الطعام أكثر من ليلة ويوم.
بعد مقتل علي سرخ فكّرت زوجة أسد بأنّها إذا ما أطعمت زوجها هذا السم فسيقضي عليهم جميعاً بين ليلة ويوم، ومن ثمّ أخذت تفكّر بأمر آخر وهو أنّ القلعة العليا لم تكن تحوي حماماً بينما تحتوي القلعة السفلى على حمام وكانت هذه القلعة تسمّى بالقلعة الخضراء ويوجد بين القلعتين نفق يستعمله الناس في التنقل بينهما منذ زمن أردشير بابكان.
وكان في ذلك الوقت أحد الأشداء واسمه كرامير ومعه أربعمائة حارس يقومون بواجب الحراسة في هذه القلعة، فخدعت زوجة أسد كرامير وأصحابه وأرسلت إلى پهلوان علي شاه بيد الطبيب أن أدخل القلعة عن طريق النفق واقضِ على پهلوان أسد.
أرسل علي شاه مائة رجل مسلح في يوم الجمعة 15 رمضان عام 776هـ، فسلكوا النفق ودخلوا القلعة وبينما كان الپهلوان أسد يهمّ مع ثلاثة من مقربيه بالذهاب إلى الحمام دخل عليه هؤلاء وقتلوه.
وعن كيفية قتل الپهلوان أسد ينقل أنّ پهلوان علي شاه قام ومعه خمسون أو ستون وفي رواية مائة رجل مسلح بنقب النفق وفي أثناء النقب كانت زوجة پهلوان أسد قد أجلست أربعين جارية وفي أيديهن الهاونات بحجة أنّهن يقمن بدق الأدوية وكان الهدف من ذلك هو الحيلولة دون سماع صوت نقب النفق ومن ثمّ تحبط الخطة.
أرسل في ذلك الوقت پهلوان أسد أحدهم ليرى الحمام ساخناً أم لا، ففوجئ هذا الشخص بوجود المسلحين أمام ناظريه على باب النفق، فهمّ بإخبار الپهلوان أسد إلاّ أنّ هؤلاء الجند وصلوا واستطاعوا قتل پهلوان والأشخاص الاثنين أو الثلاثة المجردين من السلاح الذين كانوا برفقته.
وهكذا كانت نهاية حركة الپهلوان أسد والسربداريين في كرمان.
سرخس
ـ1ـ
هي إحدى المدن المركزية لمحافظة خراسان ولها تاريخ غابر محفوف بالحوادث والاضطرابات الكثيرة.
وقد تطرقت لمدينة سرخس ونواحيها أكثر كتب الجغرافية لوقوع قسم من المدينة في الأراضي الروسية.
يقول لسترنج: تعتبر مدينة سرخس أقصر الطرق من طوس إلى مرو الكبرى من الضفة اليمنى ـ أي على الساحل الأيمن من نهر مشهد ويطلق على هذا النهر اليوم اسم نهر تجند، والظاهر أنّ الجغرافيين في القرون الوسطى لم يتطرقوا لهذا النهر في كتبهم التي دوّنوها([301]).
وجاء في الموسوعة الجغرافية لإيران حول مدينة سرخس: «سرخس هي إحدى النواحي التابعة لمدينة مشهد، وهي تقع في الجهة الشرقية وعلى الحدود الإيرانية الروسية، ويحدّها من الشرق نهر هرى رود وهو يمتد من الشمال الشرقي من تل آس تيه إلى جسر بل خاتون وهو الحد الفاصل للأراضي التي تقع بين إيران وروسيا، ويحدّها من الشمال ناحية كلات التابعة لمدينة دره گز، ومن الغرب (جبل) كوه آلاداغ وقرية يائين ولايت من جهة فريمال، ومن الجنوب تحدها ناحية جنت آباد([302]).
ويمكن القول بأنّه كما أنّ حياة الفرد عرضة للتحولات في مدى عمره، فكذلك الحال بالنسبة إلى المدينة فهي أيضاً تكون مسرحاً للصراعات والاضطرابات على مرّ العصور، فطبيعي أنّه من الصعب أن تستقرّ وتثبت من حالة واحدة بدون أن تطرأ عليها الحوادث بين آونة وأخرى.
فالأدوار الزمنية، والتغييرات التضاريسية كهبوب الرياح وسقوط أشعة الشمس والأمطار والثلوج، والزلازل القوية وطروء الحوادث السياسية واضطراب الحالات الاجتماعية، إضافة إلى ذلك عدم اعتناء الذين تصدّوا لأمر هذه المدينة ثمّ تحول الناس من مسقط رؤوسهم وديارهم، كلّ هذه العوامل لها دور في تكوين تاريخ المدينة وازدهارها.
فمدينة سرخس لم تكن تستثنى من هذه القاعدة فبمجرد إلقاء نظرة خاطفة على مختلف التطورات الجغرافية التي طرأت على المدينة تتضح لنا الحقائق عياناً لما مرّت عليه المدينة من الأدوار المختلفة على مرّ العهود والأزمان.
يقول «بارتولد» عن تاريخ مدينة سرخس: لدينا معلومات عن ازدهار مدينة سرخس قبل الإسلام ولكن يمكن القول بأنّها كانت تعتبر مهمة في القرون الأولى في الإسلام حيث قدرت مساحتها بمقدار نصف مساحة مدينة مرو»([303]).
ويقول «بارتولد» أيضاً في موضع آخر من الكتاب: أنّه (يظهر بأنّ مدينة سرخس كانت منذ القدم أي من القرون الأولى وفي فترة دخول الإسلام إلى إيران تعتبر من المدن المزدهرة باعتبارها من الممرات الرئيسية آنذاك وهي من المدن التي كانت الأنظار تتوجه إليها.
ويظهر من كلّ هذه الأمور ـ وقد أيّد ذلك بارتولد ـ بأنّ مدينة سرخس كانت في عهد السلطان محمود وابنه السلطان مسعود الغزنويين تتمتع بأهمية بالغة كما يظهر من كلام وبعض إشارات المؤرخ أبي الفضل البيهقي حيث كان يتردّد على المدينة وحيث تتدفق علينا من بين سطوره التي دوّنها فيوض من المعلومات التي تروي دراساتنا.
يقول البيهقي: «وعندما رحل هذا العبد ـ يعني به السلطان ـ من بغلان متوجهاً نحو بلخ حيث مكث فيها قليلاً. وعندما وصل إلى سرخس كان هناك في استقباله رئيس جند خراسان الحاجب غازي وذلك عندما وصله الخبر بأنّ السلطان محمود قادم نحو المدينة([304]).
ويقول أيضاً من موضع آخر من كتابه في شرح كيفية وصول السلطان مسعود إلى السلطة: «وأمر السلطان بأن يكتبوا الرسائل والفرامين إلى بلاد هرات ويوشنگ، وطوس، وسرخس، ونسا، وبارود وبادغيس وگنج روستا، ويبشرونهم بالتطورات المستجدة من الجلوس على سدة الخلافة»([305]).
فيظهر من كتابات البيهقي بأنّ سرخس كانت تعتبر في أيام السلطان مسعود من جملة المدن البارزة كنظائرها طوس ومرو…
ويكتب البيهقي أيضاً في كتابه حول وضعية التركمان في ذلك العهد «أنّ رأي التركمان هو أن يطلب الخواجة الكبير من السلطان بأن يوكل أمر المدن المطلة على الصحراء كمدينة مرو وسرخس وبارود إليهم»([306]).
فيظهر ممّا ذكره البيهقي بأنّ مدينة سرخس كانت تتمتع بجميع المزايا التي كانت تتمتع بها سائر المدن آنذاك، فكانت تحتوي على دائرة البريد وصاحب البريد، وعلى سجن، وثكنة للجيش تستقبل السلطان وموكبه فهذه المزايا تشير إلى أهمية مدينة سرخس في ذلك العهد وعلى كل حال فإنّ المؤرخين الذين تأخروا بعد البيهقي قد تطرقوا إلى ازدهار مدينة سرخس في مختلف العصور.
وقد استعرض (لسترنج) في كتابه آراء لبعض الجغرافيين حول مدينة سرخس في مختلف كتبهم حيث تحدّثوا عن ازدهار مدينة سرخس، وحتّى الذين جاؤوا بعد لسترنج قد ألمحوا إلى ذلك وقد نشرت في الآونة الأخيرة تحقيقات مفصلة حول تطور مدينة سرخس ممّا لا نرى كبير فائدة من ذكرها. لكن لا بد لنا من أن نستعرض أمر مدينة سرخس في أواخر العهد القاجاري مستشهدين بالتقرير الذي أورده محمد حسين المهندس بصورة مفصلة، والذي رفعه في أواخر عهد ناصر الدين شاه باعتباره المبعوث الخاص له للتحقيق حول مدينة سرخس في سنة 1311هـ.
ومنه نعلم أنّ حال سرخس كانت متدهورة في عهد القاجاريين وقد بدأت بوادر هذا التدهور عند بداية الحرب الإيرانية الروسية ثمّ انتهى الأمر إلى عقد المعاهات الحدودية بين الجانبين.
فالقاطنون في هذه المنطقة الحدودية لا سيما الطرف الإيراني المشترك بين الأراضي الروسية والإيرانية لم يحظوا بنعمة الاستقرار ذلك لظلم الحرس الحدودي الروسي من جهة وظلم وتعديات الحكام الإيرانيين من جهة أخرى وحيث سادت الاضطرابات في الأراضي المشتركة الواقعة على الحدود بين الطرفين.
فكان الروس يلجأون إلى الأراضي الإيرانية هرباً من ظلم حكامهم وكذلك الإيرانيون يلجأون إلى الأراضي الروسية هرباً من الحكام المتسلطين عليهم.
محمد گلين
سرخس
ـ2ـ
قضاء سرخس، مركزه مدينة سرخس، مساحته (61000) كلم مربع، وعدد سكانه (60064) شخصاً حسب إحصاء عام (1991م) وتبلغ الكثافة السكانية فيه (9,8) في الكيلومتر المربع، الموقع الجغرافي للقضاء في الشمال الشرقي لخراسان، ومركزه يبعد (180) كيلومتراً شرق مدينة مشهد إلى جانب الحدود الإيرانية التركمانية. ويقع بين الدرجة (60) والدقيقة (32) والدرجة (61) والدقيقة (12) وعرضه الجغرافي بين الدرجة (35) والدقيقة (59) والدرجة (36) والدقيقة (45). ويحدّه من الشمال والشرق دولة تركمنستان، ومن الجنوب قضاء تربت جام، ومن الغرب قضاء مشهد. وفيه ناحيتان:
الأولى: مزرداران ومركزها قرية مزداوند ويشمل مزارع: پل خاتون، كل بي بي، مرزدا رن.
والثانية: المركزية ومركزها مدينة سرخس وتشمل القرى والمزارع: تجن، خانگيران، سرخس.
إنّ منطقة سرخس هي من حيث التشكل الطبيعي قسم من حوض رسوبي هو (كيه داغ) وأهم مرتفعاتها: جبال مزدوران، وقره داغ، وقمم ما هورهاي شورلق، وخانگيران. مرتفعاتها الغربية تتشكل عادة من أحجار رسوبية من الدورتين الثانية والثالثة. وتغطيها طبقة كلسية، وتداعيات هذه الجبال تتحول تلالاً وهضاباً تحوي تحتها مصادر غاز عظيمة، مغطاة بتراب رخام وأتربة لها أهمية في حفظ الغاز المذخور.
أمّا حوض مياه هضبة سرخس فهو واسع جدّاً، ففي داخل الحدود الإيرانية مساحته (3585) كلم مربعن وأهم أنهره: نهر الهرپر ونهر شورلق.
وصيفها حار وجاف، وشتاؤها قارس.
سكان سرخس كانوا عام (1991م) (22271) شخصاً، وكانت سرخس في الماضي البعيد مركزاً لولاية تاريخية، وكان لها أهمية قصوى في فترة ما قبل الإسلام إلى حملة المغول. ويعد موقعها حساس لارتباطها بمناطق مختلفة شرق إيران.
وتعدّ سرخس من مدن خراسان الكبيرة، وتقع على الطريق الدولي الذي يبدأ ببغداد وينتهي بمرو وهرات، عند تقاطع أو التقاء عدّة شعوب. وتقع على طريق الحرير التي تبدأ من مقاطعة (سيانك) عاصمة الصين القديمة، وتنتهي بروما في إيطاليا، حيث كانت سرخس تشكل المدخل إلى إيران من طريق الحرير، والمنازل الموجودة فيها مثل: منزل رباط شرف، ومنزل رباط ما هي كانت تشكل استراحات للمسافرين عبر طريق الحرير الدولية. وهي الآن مهدمة كلياً أو نصف مهدمة.
الظروف الإقليمية لخراسان القديمة كان تستدعي أن تمر الطرق الشرقية والغربية من سرخس، ذلك لأنّ مركز خراسان الشمالي كانت تلفه الصحارى المقفرة، وكانت تفصل بين معموراته الشرقية والغربية، وكانت سرخس عند المدخل الغربي على الحد الفاصل بين مرو ونيشابور، وكان المسافرون والقوافل القادمة من مرو نحو غرب خراسان تضطر إلى تحمل عناء عبور تلك الصحارى المقفرة حتّى إذا بلغت سرخس وجدت فيها نقطة أمل وساحل نجاة، لأنّها أوّل نقطة عامرة عند النصف الغربي لخراسان، ويستفيدون من نهرها ومياهه الحلوة. هذا النهر الذي يجري بشكل موسمي. وكان حال المسافرين عند بلوغهم سرخس كحال البحارة الذين يبلغون ساحل اليابسة بعد خوضهم غمار البحر المتلاطم، ورغم أنّ سرخس لم تكن أرضاً مليئة بالنعم والخيرات، لكنّها كانت في نظر أولئك القادمين هكذا، وكانت باعثة الأمل والبقاء في أنفسهم.
سرخس قبل الإسلام
لا توجد معلومات موثقة عن سرخس قبل الإسلام، لكن من المسلّم به أنّها كانت من نواحي ومعمورات خراسان، وكان فيها حاكم مستقل يلقب بـ(كنارنگ) وقد جرى الحديث عن سرخس بكثرة في كتب تاريخ إيران القديم خلال العهد الأشكاني والساساني، وينقل المؤرخون أيضاً أنّ الفردوسي كان يمتلك مصادر عن تاريخ إيران الشرقية، وقد فقدت فيما بعد، وهي تشير إلى أنّ اسم سرخس كان منذ التاريخ القديم، وقد ذكرها الفردوسي في أكثر من موضع في شاهنامته.
لكن مؤلف كتاب (إيران درعهد باستان) ينقل أنّ اسم سرخس كان (سريكا) وأنّها كانت من المدن الأساسية في مقاطعة هرات. ونقل في مكان آخر من كتابه أنّ الحكومة المركزية ضعفت في أواخر العهد الساساني، فأقام الأمراء المحليون حكومات نصف مستقلة، وخرجوا عن طاعة بلاط يزدجرد، ومن جملة أولئك كان (زارديونه) حاكم سرخس الذي أعلن فيها حكومة نصف مستقلة (حكم ذاتي) وكان آنذاك من خبراء خراسان الكبرى ومقتدريها.
سرخس بعد الإسلام
نقل الجغرافيون والمؤرخون العرب أنّ مرو ونيشابور كانتا في منافسة بينهما على ادعاء مركزية خراسان، وكانت إحداهما (دار الملك)، ويومها كان عدد نفوس سرخس يعادل نصف عدد نفوس مدينة مرو، وكانت في وسط الطريق بينهما ممّا يمنحها مزايا همزة الوصل، وتشير القرائن الموجودة أنّها كانت عامرة.
ومن خلال الأمور الهامة التي ذكرها الجغرافيون وكتّاب المسالك والممالك في القرنين الثالث والرابع الهجريين عن سرخس بشكل مباشر او غير مباشر، يمكننا الاستنتاج أنّ وجود الفضل بن سهل السرخسي ـ وزير المأمون ـ كان مؤثراً في عمران سرخس خلال القرنين الثاني والثالث الهجري. وللإطلاع أكثر على الوضع الجغرافي لسرخس خلال القرون السالفة، ننقل مقاطع من كتابات كتّاب المسالك والممالك حسب التسلسل التاريخي:
كتب الجغرافي (اليعقوبي) في عام (279هـ) ما مؤدّاه: (سرخس أرض عامرة ومدينة كبيرة، تقع في صحراء رپگزار، ويقطنها خليط من الناس. فتحها ـ في عهد عثمان ـ القائد عبدالله بن خازن السلمي، ويشرب أهلها من الآبار، وليس فيها أنهار أو عيون مياه، وخراجها مليون درهم، يضم إلى خراج خراسان).
و(ابن فضلان) زار سرخس عام (309هـ) وتحدّث عنها باختصار في باب مدينة سرخس، ممّا يشعر بأهميتها النسبية آنذاك.
و(إبراهيم الاصطخري المكنّى بأبي إسحاق) والمتوفى عام (346هـ) ذكر معلومات متنوعة عن سرخس، وممّا قاله ما مؤدّاه: (سرخس مدينة بين نيشابور ومرو، تقع في بحر جاف، وليس فيها مياه عذبة، إلاّ ما يزيد عن (بپوشنگ) وزراعتها قليلة، وهي تعادل نصف مدينة مرو، لكنّها مدينة عامرة ذات طبيعة جيدة، تحيط بها مراعٍ كثيرة، وأكثر شغل أهلها تجارة الجمال، ويشربون من الآبار والنواعير، وكتب في مكان آخر: (ماء نهر پوشنگ، يصل هذا النهر إلى سرخس، لكنّه يجف عندها في المواسم الحارة).
صاحب (حدود العالم) الذي ألّفه عام (372هـ) كتب عن سرخس ما مؤداه: (سرخس مدينة عند الطريق، وسط الصحراء، فيها نهر جاف يمر وسط سوقها، تجري مياهه عند هطول الأمار فقط، فيها زراعة هضاب كثيرة، أهلها أشداء، وأكثر كسبهم من الجمال).
وفي القرن الرابع الهجري ذكر (المقدسي) أنّ سرخس هي ملجأ نيشابور، وهي معبر خراسان ومدينة كبيرة وعامرة وممتلئة نعمة، لم تعرف العوز لوقوعها على مسير طريق الحرير، وأنّ التجارة والحركة فيها كانت إلى حد جعله يتردد بين اعتبارها مدينة أو قصبة، ثمّ قال: (سرخس هي مدينة كبيرة عامرة مشهورة، ولو كان لها قرى ومدن تابعة لكانت حقيقة بأن تكون ولاية، ولكانت مثل: مرو، ونَسا، وابيور. لأنّها تقع وسط خراسان وتشكل ريعها الأكبر، وكلّ الطرق مرتبطة بها، وقد سمعت من أبي أحمد قوله: لا ينقصنا شيء، ذلك لأنّه ما أن تغرب عنّا قافلة من جهة، حتّى تطل أخرى من جهة ثانية. ولا يمكننا اعتبارها تابعة لمرو، فهي مدينة قائمة بذاتها، وقد برز منها شيوخ عظام… ويقال إنّها ملجأ نيشابور وبوابة خراسان. واستناداً إلى الإحصاءات التي أعددتها بنفسي فإن الحبوب والغلات التي تمر فيها تعادل ما ينقل من مصر إلى القلزم، وهو ما منعني من تسميتها مدينة أو قصبة، فليست من ذي ولا تلك، وفي نفس الوقت هي كلاهما، فوضع سرخس معقد عندي، وقد وجدت في بعض الكتب الجغرافية أنّهم اعتبروا كلاً من (سرخس، وأبيورد، ونَسا ولاية لكنّي أرفض ذلك، لأنّ (نَسا، وابيورد) كلّ منهما ولاية، وفي كلّ منهما عدّة مدن تابعة لها، لذلك لا يمكن اعتبارهما من توابع سرخس، ولا اعتبار سرخس تابعة لأي منهما).
و(ياقوت الحموي) مؤلف كتاب معجم البلدان من أوائل القرن الهجري السابع تحدث عن سرخس قائلاً: ما مؤداه: (سرخس هي مدينة قديمة، من مدن خراسان… وهي كبيرة وواسعة، تقع بين نيشابور ومرو، يفصلها عن كلّ منهما مسافة ستة منازل، وهي مدينة عطشى، ليس فيها ماء سوى مياه الآبار، وهي مياه طيبة، ليس فيها نهر جارٍ سوى نهر موسمي وليس دائماً، وهو ممّا يزيد عن مياه هرات، والزراعة فيها على المطر، وتربتها جيدة، أغلبها مراعٍ، وقراها قليلة).
و(حمد الله المستوفي) مؤرخ النصف الأوّل من القرن الثامن، أي بعد مائة وعشرين عاماً من حملة المغول قال عن سرخس: (سرخس من الإقليم الرابع، ومحيط سورها خمسة آلاف خطوة، وهي قلعة حصينة، وجوّها حار، وماؤها من نهر ينبع من (هري) وهو ماء عظيم وطيب وهاضم، ومن فواكهها العنب والبطيخ الأصفر (الخربوزة).
وخلال الفترة نفسها اشتهرت سرخس بحياكة العباءات النسائية، والحواشي الحريرية الذهبية في خراسان الكبرى.
وقد اعتبرها (حافظ ابرو) في زمان حكومة شاهرخ التيموري جزءاً من توابع مقاطعة بلخ.
الحوادث التاريخية الهامة
في سرخس
بمطالعة جغرافيا سرخس منذ ما قبل الإسلام حتّى القرن الهجري التاسع، يبدو جلياً أنّ الموقع الجغرافي لسرخس مناسب جدّاً، وأنّ جميع الرحالة الذين زاروا خراسان تحدّثوا عن سرخس، وأنّ أوضاعها كانت حسنة ومتشابهة طوال القرون التسعة، بل حتّى عصر القاجاريين، لم يطرأ عليها اختلاف كبير. لكن لا بد من الإشارة إلى أنّ وقوعها عند ممر الطرق الدولية لم يكن دوماً لصالحها، بل أدّى أحياناً إلى وقوع حوادث مؤلمة كثيرة بعد الإسلام وحتّى العصر القاجاري، فقد تنازعتها رغبات السياسيين والحكام، وتلقت جرعات سموم المهاجمين. ولتوضيح الوضع السياسي والاجتماعي لسرخس خلال القرون الماضية والإطلاع على أوضاع المنطقة المحيطة بها نذكر بالتسلسل التاريخي أهم الحوادث التاريخية التي جرت:
كان دخول الإسلام إلى سرخس عام (19) أو (29) الهجري ولم تقاوم سرخس لضعفها أمام الجيش القادم، بل طلبت الأمان فأُمنت بشروط.
لكن أهل سرخس كانوا مفتونين بالزرادشتية ولم يرغبوا بالإسلام، لذا فإنّهم كانوا يضربون المسكوكات باسم يزدجر وخسرو برويز وهرمز الرابع حتّى عام (74هـ).
ولمّا تحرّك (أبو مسلم الخراساني) على الأمويين توجه عام (129هـ) مع قسم من جيش جامگان إلى سرخس، فبايعه أهلها، فباشر بالقضاء على معارضي العباسيين. وفي العام (130هـ) صلب (شيبان بن سلمة السدوسي) عند بوابة سرخس وكان هذا من زعماء الخوارج، بجرم عدائه لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وتعاونه العسكري المستمر طوال ثلاثة أعوام مع فتن الخوارج.
وروى ابن بابويه القمي عن أبي الحسن الضبّي أنّه سمع من جدّه أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عندما تحرّك من نيسابور نحو سرخس اجتمع محبّوه وشيعته في سرخس لاستقباله، وطلبوا منه التوقف فيها، وخلال الساعات التي توقف فيها هناك قضى فيها حوائج الناس وأجابهم في أمور.
وكان الفضل بن سهل الملقب بـ (ذي الرياستين) وزيراً وشخصية سياسية ذات أهيمة لدى الخليفة العباسي المأمون، وكان في البداية زرادشتياً، لكنّه أسلم عام (190هـ) على يد المأمون أو على يد يحيى البرمكي، وتولّى منصب الوزارة لدى الخليفة لعدّة أعوام، ولمّا كان يتولى الرئاسة على السيف والقلم سمّي ذوي الرياستين.
وكان له دور مؤثّر في اختيار الإمام الرضا لولاية العهد، وفي دعوته إلى خراسان، وكان يعدّ نفسه من محبّي أولاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفي عودة المأمون والإمام الرضا والفضل بن سهل إلى بغداد ووصولهم إلى سرخس، دخل الفضل الحمام فاغتيل فيه يوم الخميس (12/ شعبان/ 202هـ).
وكان أبو الحارث ابن الأمير نوح الساماني شاباً وسيماً شجاعاً متكلماً، تولّى السلطة بعد أبيه الذي توفي في شهر رجب عام (387هـ) وكان محمود الغزنوي في ذلك الوقت حاكماً جديد العهد على (بلخ وترمذ) فعرض عليه أن يتولى إمارة خراسان، لكنّه اعتذر عن ذلك. وكان على حكومة خراسان آنذاك اثنان من الأمراء السامانيين هما: بكتوزون قائد القوات في نيسابور، وفائق. وكانوا يوجسون خيفة من أبي الحارث، ومن أن يفضل السلطان محمود عليهما، ويسلّمهما إلى محمود فيعزلهما عن إمارة خراسان. فاتفقا في شهر صفر عام (389هـ) على القضاء على السلطان أبو الحارث، وأن يخلفه أخوه، وكانا في انتظار فرصة مناسبة، حتّى إذا قدم أبو الحارث في أحد الأيام من بخارى إلى سرخس. وبعد عدّة أيام خرج إلى الصيد برفقة مائتي رجل من غلمانه، وعند عودته دعاه بكتوزون في ضواحي سرخس ليستريح في خيمته ويتناول غداءه، فقبل أبو الحارث دعوته، لكن بكتوزون وفائق هاجماه، ثمّ خلعاه عن الحكم في يوم الأربعاء (12 صفر/ 389هـ) وبعد أسبوع من ذلك فقئا عينيه، وأرسلاه إلى بخارى أعمى، وسلما الحكم لأخيه الطفل عبد الملك.
في عام (429هـ) احتل السلاجقة مدينة سرخس، وشكلوا فيها حكومة، وبعد مدّة اختلفوا فيما بينهم على السلطة. وفي عام (490هـ) كان (ملك بوري بورس) يتولى إمارة خراسان بأمر من (بركيارق) وكان أخوه (ملك ارسلان أرغون بن آلب ارسلان) أميراً على همذان وساوه. فهاجم الثاني خراسان، ودارت بين الأخوين عدّة معارك، إلى أن تغلب الثاني على الأوّل وقتله وقتل وزيره (عماد الملك ابن نظام الملك الطوسي) بعد استلامه ثلاثماية ألف دينار، وهدم قلعة سرخس.
لكن أمره لم يدم، حيث قتله في نفس العام أحد غلمانه. وبعد مقتله شهدت سرخس أكثر من نصف قرن هدوءاً، حتّى هاجم الغزيّون خراسان، وأسروا السلطان سنجر السلجوقي. وبعد خلاصه من الأسر، توجّه (محمد المنور) حفيد الشيخ أبو سعيد أبو الخير على رأس جمع من المشايخ والقضاة وأئمة الجماعة من سرخس إلى مرو للقاء السلطان، وتهنئته بقدومه.
وفي أواسط القرن الهجري السادس كان (نصير الدولة الشاهنشاه غازي رستم) أميراً على مازندران، وكان ابنه (گرده بازو) رهينة في خدمة السلطان (سنجر السلجوقي) فقتل في حمام سرخس على يد اثنين من الإسماعيليين، فاعتبر نصير الدولة أنّ هذا الاغتيال كان بأمر من السلطان سنجر، وظلّ طوال حياته ينتقم لدم ابنه من الإسماعيليين.
وفي العام (552هـ) مات السلطان سنجر السلجوقي، فبايعت قبائل الغز ابن أخت سنجر (ركن الدين محمود بن ارسلان خان محمد بن بغراخان)، كما فعلوا عندما كان سنجر في الأسر، وتسلّم إدارة شؤون الحكم في خراسان نيابة عنه (مؤيد آي به) حاكم نيسابور، وكان محمود خان في سرخس مع جيشه.
وأراد الغزّيون أن يزيدوا من سلطتهم ويقتربوا من مركز خراسان، فتوجهوا في شهر شعبان عام (553هـ) من بلخ إلى مرو، وكانت تلك الحركة الاستقلالية خلافاً لميول (مؤيد آي به) فقام في أوائل شهر رمضان من نفس العام بمنعهم من دخول مرو، وحاربهم، وقتل عدداً كبيراً منهم خلال المواجهات، وصادر أموالهم، وعاد إلى سرخس ليلتحق بمحمود خان. واتفق مع محمود على الإغارة على الغزّيين، فبدأت الحرب بينهم من يوم السبت السابع من شهر شوّال حتّى منتصف ليلة الرابع الحادي عشر من شهر شوال، هُزم فيها الأتراك الغزّيون ثلاث مرات، لكنّهم تمكنوا فجر يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر شوال من التغلب على (محمود خان، ومؤيد آي به) وهزموهما شرّ هزيمة، وقتلوا الكثيرين من رجالهما واستولوا على مدينة مرو، وفرّ مؤيد إلى طوس، ومحمود خان إلى جرجان. فهاجم الغزّيون مدينة سرخس وقتلوا أهلها ونهبوا أموالهم ودمروا قسماً منها، فقتل فيها ما يقرب من عشرة آلاف شخص وهدموا ما وجدوه حتّى بلغ الهدم (رباط شرط) في الطريق إليها، ثمّ أغاروا على مدينة طوس، وعادوا بعد ذلك إلى مرو. وقد أورد البيهقي في تاريخه تفاصيل ذلك.
وفي العام (569هـ) استعان شاه خوارزم (علاء الدين تكش) بجمع من الأتراك الخطا للهجوم على مدينة سرخس، وكان عليها (ملك دينار) من الأمراء الغزّيين، واحتلها (تكش) واستمرّت المواجهة بين الطرفين عدّة سنوات، حتّى عام (585هـ) حيث تمكن (تكش) من الاستيلاء على عرش (مرغزار طوس).
وبعد موت (تكش) عام (596هـ) قام (غياث الدين) وأخوه (شهاب الدين الغوري) في نفس العام بالتوجه إلى خراسان لاحتلالها، فاستولوا على نيسابور، ثمّ مرو وسرخس دون مقاومة، وسلّما حكومة سرخس لابن عمهم (تاج الدين مسعود). لكن الأمر لم يدم طويلاً إذ تلقى السلطان (محمد خوارزمشاه) هزيمة ساحقة، وطرد من سرخس، فعاد عام (597هـ) ليهاجم سرخس بعد أن جمع جيشاً وطلب من خوارزمشاه أن يعتذر له وأن يسلمه بعض ولايات خرسان ومنها سرخس، فرفض خوارزم شاه ذلك، فهاجم (ملك شهاب الدين الغوري) طوس، ونهب أموال أهلها، وسخط عليه الجميع، فزاد ذلك من هزيمته.
وفي العام (615هـ) همّ السلطان محمد خوارزمشاه بعزل الخليفة العباسي وتسليم الخلافة إلى الأسرة العلوية، فأمر بإسقاط اسم الخليفة من الخطب في مرو وبلخ وبخارى وسرخس.
وخلال الهجوم المغولي هدمت معظم مدن خراسان، لكن لا توجد معلومات كافية من سرخس آنذاك. على أنّ صاحب كتاب (تاريخ المغول) كتب أنّ أهالي سرخس قرّروا عام (616هـ) أن يخضعوا لطاعة المغول دون مقاومة، وذلك باقتراح من قاضيهم (شمس الدين)، فاستقبلوهم بسلام. ثمّ توجّه (مجير الملك) حاكم مرو إلى سرخس، وقتل القاضي شمس الدين. لكن سرخس كانت خلال عهد السلطان جلال الدين بيد المغول، وكانت الفتن تقع فيها بشكل مستمر.
وفي العام (782هـ) توجه (الأمير تيمور لنك الگوركاني) إلى سرخس، فخرج آخر سلاطينها (الخواجة علي بن المؤيد 766ـ788هـ) لاستقباله، وبقي علي هذا مطيعاً لتيمور حتّى وفاته بعد سبعة أعوام([307]).
بعد موت تيمور اتخذ خلفاؤه بنوه (هرات) عاصمة لهم، ممّا أخرج مدينة (مرو) من مركزيتهم، فوقعت في معمعة مواجهات الأوزبك، وكذلك التركمان الذين تمكنوا تدريجياً من احتلال جميع ولايات سواحل مرغاب. ونتيجة لذلك فقد تعرّضت سرخس إلى لطمة شديدة لوقوعها على الطريق الدولية لمرو، وخسرت أهميتها كنقطة التقاء هامة على طريق خراسان، وفقدت حركتها الاقتصادية والتجارية.
وفي أوائل القرن العاشر الهجري، وإبان عهد الشاه إسماعيل الصفوي قام (محمد خان الشيباني) بفتح خراسان، ليقضي بذلك على حكم أعقاب (تيمور) ثمّ استولى على سرخس ونواحيها، وكانت في سرخس قلعة مهمة ومحكمة عسكرياً، وفي سرخس ونواحيها (175) ألف بيت. وبعد ذلك وفي عام (916هـ) توجه (الشاه إسماعيل) إلى خراسان لطرد (الشيباني) منها. ولما علم الشيباني بعزم الشاه إسماعيل على ذلك، أخرج جميع أهالي ولاية سرخس إلى ما وراء النهار، وترك سرخس مهدمة (….) من السكان.
وبعد (25) عاماً من ذلك تمكّن (الشاه طهماسب الصفوي) من أخذ ولاية سرخس من (عبد الله خان الشيباني) والي (طورات). وتحوّلت (سرخس وزور آباد) إلى حكومة مستقلة، وعين حاكم عليهما من قبل الشاه.
ونقل صاحب (نظام الولايات في الحقبة الصفوية) عن (خلاصة التواريخ) قوله: (كان رعايا كلّ من: سرخس وزورآباد. في حنق وضيق شديد بسبب الهجمات والمجازر المتعددة التي ارتكبها فيهم أوزبك أبيورد، ولم يكن المائتين والخمسين مقاتلاً من عشيرة ورساق حيث يستقر وزير مشهد يتمكنون من مواجهة الأوزبك، لذلك فقد جعلت سرخس وزورآباد حكومة مستقلة باقتراح من وزير الشاه وعيّن أحد السادة المحليين ممّن يلازمه دوماً خمسماية مقاتل حاكماً عليهما، لكن موارد سرخس وزورآباد لم تكن كافية لتأمين أجور وإنعام (250) جندياً في ورساق، لذلك كان الشاه يرسل إلى الحاكم كلّ عام مبلغاً من خراسان ليعينه). ممّا تقدّم يمكن القول إنّ سرخس بدأت تقهقرها الاقتصادي والسياسي منذ ذلك العهد، وأصبحت عرضة لهجوم الأجانب والاضطرابات.
سرخس في العهد القاجاري
ورثت سرخس في العهد القاجاري اضطرابات العصر الصفوي، وكانت دوماً عرضة للمواجهات بين الأوزبك والتركمان، ممّأ جعلها مدمرة وغير آمنة، وقد أثر ذلك سلبياً على مسيرة الرقي والتقدّم فيها. فبدل أن تلعب دورها كالسابق في حركة التجارة والقوافل العابرة لوقوعها على الطريق الدولية، أضحت مقرّاً للإغارة والنهب، حتّى قيل إن (450) سمساراً لبيع العبيد كانوا في سرخس، وأهل سرخس بدأوا يقلعون عن الزراعة بعد التجارة، وتوجهوا نحو الرعي الذي يساعدهم على الفرار عند وقوع أي هجوم، ويمكنهم من الدفاع عن أموالهم بصورة أضمن.
أمّا الأوروبيين فكان بعضهم يتردّد على هذه المنطقة لأهداف مختلفة، ومنهم (وولف) المبشّر المسيحي الذي دخل سرخس عام (1247هـ) بهدف إرشاد بعض المسيحيين المقيمين في سرخس، وتبشير التركمان. وبعد عام من ذلك وصل أوروبي آخر هو (بروتس). وممّا كتباه بهذا الشأن: (سرخس هي مكان لقلعة عسكرية صغيرة وخربة تقوم على مرتفع، فيها عدد من البيوت الطينية التي بناها يهود مشهد والتركمان القاطنين فيها هم أوفياء لخان خيوه بشكل مريب). وبملاحظة هذا الشرح يتبين لنا الوضع المزري الذي بلغته سرخس جغرافياً واجتماعياً إلى درجة وصفها بالقلعة الخربة، وأنّ أهلها أوفياء للأجانب.
عدم الاستقرار الأمني استمرّ حتّى نهاية الحروب الإيرانية الروسية، فتوجه ولي عهد (فتح علي شاه) عباس ميرزا إلى خراسان. فحمل على سرخس عام (1248هـ) وبعد ضغط شديد تمكّن من أخذ القلعة المذكورة من (أيل سالور) فهدم سورها وقتل أكثر أهلها، وأسر الباقين وأخذهم إلى مشهد، وأطلق بعضهم بعد تقديمهم الهدايا له.
وحتّى ذلك الحين كانت منطقة (ما وراء تجن) مقرّأ للتركمان، لكنّها كانت جزءاً من أرض إيران، دون أي شك، وكان حكّام إيران يحلمون بضبط الأمن والاستقرار فيها. لكن عاملاً سياسياً جديداً خيّم على المنطقة من جديد، هو المنافسة بين الإنكليز والروس، ممّا عقد مشاكلها أكثر. فبعد أن وقّع الروس مع إيران معاهدة (تركمان شاي، وگلستان) بدأوا بالتدخل في شؤون إيران الداخلية، ليفتحوا لأنفسهم طريقاً ومكاناً في آسيا الوسطى، ويصلوا بنفوذهم إلى هرات وإلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الإنكليز. وأخذوا يبدون تحسّسهم من أي تحرّك إيراني يهدف إلى إقرار الأمن في (ما وراء تجن) الذي يعدّ جزءاً مسلّماً به من أرض إيران الأساسية، ويؤلبون الأمور. فمثلاً عندما هزم فريدون ميرزا خصمه محمد أمين خان خيوه عام (1271هـ) خلال عهد ناصر الدين شاه، في (آق دربند سرخس) وقتل خان خلال تلك الحرب، وأرسل رأسه إلى طهران، أرادت روسيا أن تشغل حكومة إيران عن التدخل بشؤون شمال شرق إيران، فقامت بافتعال حرب هرات المشؤومة، ممّا دفع الحكومة البريطانية إلى التدخل، وخسرت إيران هرات خلال معاهدة باريس عام (1273هـ).
وفي عام (1277هـ) قامت حكومة إيران بعدّة تحرّكات للقضاء على التركمان في (تكة وسالور) لكنّها لم تحصد شيئاً نتيجة التحرّك الروسي. وفي عام (1291هـ) زار الرحالة الإنكليزي (نيبييه) شمال خراسان، وقال إنّ الروس سيقتطعون جزءاً من سرخس عاجلاً أم آجلاً من أجل إقامة قاعدة عسكرية لهم فيها. وقد وافقه على ذلك الرحالة (راولينسون). وبالفعل بعد عشر سنوا من ذلك هاجم الجنود الروس سرخس القديمة الواقعة عند ساحل نهر تجن ذريعة معاقبة التركمان واحتلوها، وتحقّقت بذلك توقعات راوليسنون.
وفي العام (1299هـ) وقعت اتفاقية (آخال) التي أكدت على أنّ سرخس هي أرض إيرانية. لكن الروس عدلوا عن تلك الاتفاقية عام (1302هـ) واحتلوا القسم المرتفع من سرخس، فأضحت سرخس قسمين: قسم روسي وآخر إيراني. واستمرّت سياسة روسيا القصيرية هذه حتّى عام (1339هـ) حتّى توقفت المرافعات الحدودية بين إيران وروسيا على حدود خراسان مع تغيير نظام الحكم في روسيا. وعقد اتفاق جديد بين الحكومة البلشفية الروسية والحكومة الإيرانية تقرّر فيه أنّ قرية فيروزه وجزر آشوارده لإيران، وسرخس القديمة تبقى تحت الاحتلال الروسي. وما زال هناك حتّى اليوم مدينتان عامرتان متقابلتان تسمّيان سرخس الإيرانية وسرخس الروسية.
سرخس الإيرانية
(سرخس الناصرية)
قلعة سرخس القديمة كانت قد هدمت على يد (عباس ميرزا) وكانت منطقة سرخس تشكل حدوداً طبيعية بين نواحي ما وراء نهر تجن وداخل إيران. وفي عهد (ناصر الدين شاه) أقيمت قلعة عظيمة كثيرة الأضلاع على بُعد نصف ميل يسار نهر تجن قرب سرخس القديمة التي احتلها الروس، وسمّيت تلك القلعة بسرخس الناصرية أو القلعة الناصرية.
وكان فيها (24) برجاً، وكان مجهزة بوسائل دفاعية ومواقع حربية تمكنها من الصمود بوجه هجمات التركمان الذين يهاجمونها عادة من مدينة مرو. وداخل القلعة ساحة مكشوفة كبيرة، وتضم مبانٍ إدارية ومساكن وأراضي زراعية.
الرحالة الروسي (لسار) نقل عام (1300هـ) أنّ هذه القلعة وتجيهزاتها لم تكن تخيف أعداء إيران والمهاجمين التركمان، بقدر ما كانت تمثل مأمناً للإيرانيين المقمين فيها، وكانوا سجناء فيها تقريباً، ولا يربطهم بالخارج إلاّ جهاز برقيات (تلغرافية).
الآستانة الرضوية المقدسة تملكت فيما بعد كثيراً من أراضي وأملاك سرخس فبدلتها من منطقة يابسة خاوية إلى أرض خضراء منتجة، ممّا جعلها أحد أقطاب خراسان الزراعية.
باطن سرخس يضم أحد أغنى مصادر الغاز الطبيعي، وقد دلّت الدراسات أنّ مخزونها من الغاز سيكفي محافظتي خراسان ومازندران لمدّة سبعين عاماً، وقد مدّت الأنابيب من مصفاتها إلى تلكما المحافظتين.
سكتة حديد مشهد ـ سرخس ـ تجن
من محطات التحوّل التاريخي لمنطقة سرخس إنشاء خط سكك الحديد بين مشهد وسرخس بطول (165) كيلومتراً، وذلك عام (1996م) ممّا حقق أمنية طالما راودت أذهان دول المنطقة، حيث افتتح هذا الخط ليربط مشهد بسرخس وتجن بحضور (11) رئيس جمهورية وعشرات رؤساء الوزراء والوزراء وممثلين عن خمسين دولة، وافتتحه الشيخ هاشمي الرفسنجاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأعيدت بذلك الحياة لطريق الحرير لتربط من جديد قارتي آسيا وأوروبا، وتحيي العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية بين شعوب الشرق والغرب.
خط سكك حديد الحرير هذا شكّل حياة للتجارة الدولية، وأعاد الدور التاليخي لإيران في سرخس كبوابة وتقاطع لاقتصاد الشرق والغرب، وبوابة إلى سوق يضم سكان منظمة (أكو) أي (إيران، أفغانستان، أذربايجان، قرقيزستان، قزاقستان، طاجيكستان، تركمانستان، أوزبكستان، باكستان، تركيا) من خلال اتصال خطوط السكك الحديدية من بندر عباس وبافق إلى مشهد فسرخس وتجن ممّا يعيد لإيران دورها التاريخي في هذه المنطقة.
إنّ خط سكك حديد مشهد سرخس له هدفان اساسيان:
1 ـ الأهداف الوطنية: الربط بين الأقطاب الاقتصادية والصناعية داخل إيران ومع الدول المجاورة، وتأمين نقل سريع ورخيص وبكميات كبيرة وباطمئنان؛ إضافة إلى نقل المسافرين بأمان أكبر وتلوث أقل. ويؤمن العملة الصعبة عبر طريق الترانزيت للبضائع الأوروبية، عبر روسيا.
2 ـ الأهداف الدولية: إنّ إنشاء هذا الخطب يوسع رقعة التجارة الدولية، ويمهد الأرضية اللازمة لتوسيع رقعة السياحة، وتعميق العلاقات بين دول المنطقة في مواجهة الاستكبار العالمي، وتأمين طريق لدول آسيا الوسطى للاتصال بموانئ الخليج الفارسي، وتأمين ارتباط مع أوروبا بمسافة تقل عن خط سيبيريا بثلاثة آلاف كيلومتر.
وتزامناً مع إنشاء خط سكك حديد (مشهد سرخس تجن) وإحياء طريق الحرير قامت الآستانة الرضوية بتبديل سرخس إلى نقطة اقتصادية فاعلة. فأوجدت مطار سرخس الدولي والمنطقة التجارية الصناعية الحرة (ألماس) خلال مدة مائة يوم، بذل خلالها المدراء والخبراء والعمال جهداً ملحوظاً. فكان طول مدرج المطار أربعة كيلومترات، وعرضه ستماية متر، ومساحة قاعته ستماية متر مربع بدت على شكل مجموعة فنية رائعة.
وتقع المنطقة الحرة على بُعد (12) كيلومتراً من المدينة جنوبي محطة القطار، بمساحة تبلغ خمسة آلاف هكتار، وجعلت المراكز التجارية فيها عشرة إشارة إلى الدول العشر أعضاء منظمة (أكو) وأعدت المنطقة لاستيعاب البنوك وشركات التأمين ومبنى للجمارك، وموقف للباصات، وموقف مسقوف.
وتشمل منطقة (ألماس) الصناعية ثلاثة أقسام رئيسية هي: القسم الصناعي بمساحة (875000) متر مربع، وقسم الصناعات الخفيفة بمساحة (883125) متر مربع، وقسم الصناعات الثقيلة بمساحة (262500) متر مربع. وجهزت جميع هذه الأقسام بأنظمة خدمات وأمن وإطفاء حريق ومصاعد وأدراج متحركة وشبكات غاز ومياه مراقبة من قبل شبكة حاسوب مركزية عبر التحكم من بُعد.
حقائق تاريخية
حول ماضي الثقافة في سرخس
لا يمكن إنكار أنّ سرخس كانت ذات يوم مركزاً للعلم والأدب والعرفان، وذات ثقافة غنية. لكن إذا أردنا أن ننظر إلى وضع التاريخ الثقافي لأي منطقة لا بد من ملاحظة مؤشرات التطور الثقافي فيها مثل:
1 ـ الشخصيات والأسر العلمية التي انطلقت منها.
2 ـ الشخصيات العلمية التي دعيت للتدريس فيها.
3 ـ العلماء الذين أنهوا دراستهم فيها.
4 ـ العلماء والمفكرين الذين هاجروا منها إلى مناطق أخرى.
الأسر المعروفة في سرخس: برزت في سرخس عدّة أسر معروفة مثل: أسرة السياسي سهل السرخسي، فكان أحد أبنائه (فضل بن سهل) الملقب بذي الرياستين، والآخر (الحسن بن سهل) وقد تولّى كلّ منهما منصب الصدارة والوزارة في عهد المأمون العباسي، وتوليا إدارة العالم الإسلامي. وكذلك: آل عمران السرخسي الذي اشتهروا في عهد السلاجقة والغزنويين بالرياسة والكياسة، وأبرزهم (علي بن محمد العمراني) الذي كان لمدّة مديدة من أمراء السلطان محمود الغزنوي وابنه مسعود. وأيضاً: أسرة العياضي السرخسي التي كان معظم أفرادها من رجال ونساء من أهل العلم والحديث، ومنهم: أبو نصر العياضي المعاصر لأبي سعيد أبو الخير العالم والعرفاني المعروف في خراسان. وأبو الفتوح العياضي السرخسي المتوفى عام (550) للهجرة كان من فقهاء عصره، وقد سمع عنه الحديث شيخ الإسلام القشيري، وخلفته ابنته العادلة العالمة (حورستي) وكانت من العرفاء ورواة الحديث في عصرها، وأبو عاصم العياضي الذي كان من أئمة العلم والعرفان في القرن الخامس الهجري، وكان مريداً لأبي سعيد أيضاً، وكان يرسل أولاده إليه ليدعو لهم. إضافة إلى عشرات العلماء من هذه الأسرة الذين بلغوا منازل علمية رفيعة، من لا يتسع المقام والمنال لذكرها.
وكذلك: الأسرة الحموية التي كانت من أشهر الأسر السرخسية، ومن رجالها: أحمد الحموية، وعبدالله بن أحمد الحموية.
ومدينة سرخس القديمة كانت تجتذب إليها العلماء والمفكرين المشهورين لسببين هما: أنّها كانت تشكل المركز في خراسان، أو كما قال البروفسور (غير شمث) كان تقع عند مفترق طرق عدّة أقوام، وتمر منها الطرق الشرقية والغربية، وكان على أولئك أن يمروا أو يقيموا فيها خلال سفرهم. ثمّ إنّها كانت خلال القرن الثاني إلى السادس الهجري مركزاً للسياسة والعلم والعرفان والحكمة، كما إن ّوجود حوزة علمية في سرخس وعلماء وعرفاء مثل: أبو علي الفقيه وبابا لقمان السرخسي كان سبباً لاجتماع عدد من العلماء والعرفاء والمشهورين آنذاك فيها.
وكان من جملة الذين هاجروا إليها:
1 ـ من العرفاء أحمد جام المتوفى عام (536هـ) الذي كان قد قضى (12) عاماً في ترويض نفسه في جبل نامق، ثم (6) سنوات في جبل بزدجام وذلك في أواخر القرن الخامس الهجري، ثمّ قدم إلى سرخس لهداية أهلها، وأقام فيها طويلاً، ثمّ هاجر إلى (سعد آبادجام) ومزاره فيها، وقد سمّيت ترتب جام نسبة إليه. وهي مزار مقصود.
العارف المعروف الآخر (محمد المنوّر) حفيد أبو سعيد أبو الخير، وصاحب كتاب (أسرار التوحيد) عاش مدّة في سرخس، مارس فيها التدريس. وكما ذكرنا من قبل عندما نجا السلطان سنجر السلجوقي عام (551هـ) من الأسر، توجّه المنور مع جمع من المشايخ والقضاة وأئمة مساجد سرخس إلى مرو لتهنئته.
العارف البارز الآخر هو الشيخ (سهلا) وهو من العرفاء ومريدي الشيخ (أحمد جام) أقام في سرخس، وكان يعدّ من عقلاء المجانين مثل (بابا لقمان)، وقبره داخل مقبرة بابا لقمان في سرخس. يبقى أنّ مقبرة بابا لقمان نصف المهدمة تعود إلى القرنين السادس والسابع الهجري، وما تزال مزاراً للناس.
2 ـ من العلماء: من العلماء والحكماء الذين هاجروا إلى سرخس: سعد الدين التفتازاني (712ـ792هـ) توجه من تفتازان إلى سرخس للتدريس، وأقام فيها مدة، ثمّ غادرها في أواخر عمره إلى (سمرقند) بأمر من تميور لنك گركاني) ومات فيها عام (792هـ) حملت جنازته إلى سرخس.
التفتازاني من التلاميذ البارزين لقطب الدين الرازي بدأ تأليفاته من عمر ستة عشر عاماً، وكان أوّل تأليف له (شرح تصريف العزي). في الصرف. ومؤلفه الثاني (تهذيب المنطق والكلام) في المنطق، وهو من الكتب التي تدرّس.
العالم الآخر هو قطب الزمان الطبسي الذي يعدّ من حكماء دهره، وقد ترك مؤلفات كثيرة، وهو من تلامذة أبو الفتوح بن أبو سعيد، وكان من علماء زمانه، و في عام (539هـ) أصيب بالفالح، ومات في سرخس.
3 ـ من الشعراء: سنائي الغزنوي، برندق الخجندي، مولانا يوسف البديعي.
فسنائي الغزنوي كان شاعراً قديراً،ـ عاشر السالكين العرفاء، ولمّا كانت سرخس مهداً للعلم والعرفان فقد زارها مرتين، ووضع في سرخس ديوانه (سير العباد إلى المعاد) المثنوي على وزن (حديقة الحديقة) في مدح سيف الدين محمد بن منصور قاضي سرخس.
وبرندق الخجندي كان من شعراء أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، عاش في بلاط تيمور وأبنائه وأحفاده، وكان أستاذاً قديراً في نظم القصائد مثل (الخاقاني) شاعر القرن السادس، وهو مدّاح (ميرانشاه بن تيمور) وصحبه في سفره إلى سرخس، وأقام فيها مدة.
ومولانا يوسف البديعي شاعر أواخر عهد التيموريين، كان أستاذاً في علم العروض والصنائع والبدائع الشعرية. هاجر من سمرقند إلى هرات ومنها إلى سرخس، فأقام فيها مدّة، حتّى توفي فيها عام (897هـ) ودفن في مزار بابا لقمان السرخس.
لقطات أخرى
من الرقي الثقافي لسرخس
إن دعوة عدّة أشخاص من العلماء والحكماء والعرفاء المعروفين للقيام بالتدريس في الحوزة العلمية لسرخس من أمثال: سعد الدين التفتازاني. هو دليل بارز على سمو المستوى الثقافي في سرخس. وفي القرن الرابع كان لأبي علي الفقيه المتوفى عام (389هـ) حوزة علمية عامرة في سرخس، جعلت أبو سعيد أبو الخير مثلاً أن يهاجر من مرو المعروفة آنذاك إلى سرخس لإكمال دراسته، فدرس فيها الفقه وتفسير القرآن.
وشخصية علمية أخرى هو إسماعيل الصابوني الذي تابع وأنهى دراسته في سرخس. وفي القرن الخامس الهجري أرسل أحمد جام أحد أبنائه (برهان الدين نصر) ليكمل دراساته العليا في سرخس، وكان المذكور من علماء عصره.
والعارف المشهور أبو المكارم محمد حفيد أبو سعيد أبو الخير، الذي لقب بالمطيع وكان من محدثي عصره أنهى بعض دراسته في سرخس.
وأبوطالب عبدالعزيز بن محمد بن السرخسي، صاحب كتاب (النحو الكبير) كان يدير حوزة علمية في مسجد (ترجمانية) بسرخس خلال القرن الرابع الهجري.
وفي القرن السادس الهجري أنهى علماء آخرون دروسهم وكمالاتهم في سرخس ومنهم: أبو الحسن البيهقي المعروف بابن فندق، وصاحب كتاب تاريخ بيهق، فقد درس في بيهق ونيسابور ومرو، لكنّه أنهى دراسته في سرخس.
وفي نفس القرن بنى أمير سرخس مدرسة تعادل الجامعة في عصرنا هذا، دعا إليها الأساتذة والعلماء من بخارى ليدرسوا فيها.
ومن مؤشرات ارتفاع المستوى العلمي لسرخس وجود مكتبة عظيمة فيها، يُقال أنّ أبو الفضل البيهقي هو الذي أوجدها عام (563هـ).
إبراهيم زنگنه
سرگودها
من مدن باكستان تبعد عن مدينة لاهور حوالي 127 ميلاً وهي مركز إقليم يتبعه أربعة ألوية: سرگودها ولايل بور وميانوالي وجهنك.
وهذا الإقليم منطقة زراعية تنبت الحبوب والأرز والقطن ويشتهر بالفواكه الكثيرة لا سيما البرتقال بأنواعه.
ويبلغ عدد الشيعة في المدينة قرابة خمس السكان ولهم فيها أربعة مساجد أكبرها وأحدثها مسجد القائم وقد تبرع بإنشائه من ماله الخاص الدكتور السيد أبو الحسن البخاري سنة 1961، كما أنّه يشيد الآن بماله حسينية متصلة بالمسجد.
كما أنّ للشيعة خمس حسينيات أخرى ولهم مؤسسة علمية دينية وهي دار العلوم المحمدية التي أنشأها سنة 1949م الشيخ محمد حسين وهو القائم عليها اليوم ويبلغ عدد طلابها ما يقرب من ثمانين طالباً. وقد أرسلت من طلابها إلى النجف حتّى الآن ثمانية طلاب عاد منهم أربعة سكن واحد منهم في راولبندي والثاني في بلتستان والثالث في مياوالي والرابع في ممباسا، وحين تدوين هذه المعلومات كان يتهيأ أربعة طلاب للسفر إلى النجف. وتعمل المدرسة على أن ترسل في كلّ عام واحداً أو اثنين أو ثلاثة إلى النجف، والذين يسافرون إلى النجف ترسلهم المدرسة على نفقتها ثم تؤمن لهم شهرياً بعض المال الذي يسد بعض حاجاتهم. ومنهاج التدريس فيها يبدأ بالمقدمات ويصل إلى كتاب المكاسب وشرح اللمعة. وفي الأصول إلى معالم الأصول والقوانين والكفاية وفيها اليوم ستة مدرسين بعضهم من خريجي النجف وبعضهم من خريجي لكنهو.
ومدينة سرگودها مركز عسكري جوي.
السعديون
دولة السعديين في المغرب هي الدولة الشيعية الحسنية النسب التي قهرت البرتغاليين في زحفهم البري بعدما كانوا قد ساروا بحراً في سواحل البحر الأحمر والخليج، ثمّ أراد ملكهم (سبستيان) التقدّم براً ليسودوا في الشمال الإفريقي سيادتهم فيما سادوا فيه شرقاً، فاصطدموا بالسعديين ما سنفصل القول فيه.
وقبل الدخول في تلك التفاصيل لا بد لنا من كلمة عن البرتغاليين وبلدهم البرتغال الذي كان جزءاً ممّا حكمه المسلمون في شبه جزيرة (إيپيريا) التي عرفوها كلها باسم (الأندلس):
تقع البرتغال في الجانب الغربي من شبه جزيرة أيبريا، يحدّها من الجنوب والغرب المحيط الأطلسي، ومن الشرق والشمال أيبريا، وتبلغ مساحتها نحو 89 ألف كيلومتر مربع. وأرض البرتغال على شكل شبه مستطيل محاذ للمحيط الأطلسي، أبعاده القصوى 560 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب و220 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب. ومع أنّ أراضي البرتغال تشكّل امتداداً طبيعياً لأراضي إسبانيا حيث لا تفصلهما حدود طبيعية، إلاّ أنّ الاختلاف في الطبيعة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية واضح وله جذور تاريخية تأصّلت أكثر حينما توحّدت أراضيها كدولة عرفت باسمها الحالي منذ القرن الثالث عشر، بعد أن كانت على هامش الأحداث والحركات الحضارية في أوروبا.
لم يكن اسم البرتغال معروفاً قبل دخول الجيوش العربية الإسلامية إلى شبه جزيرة أيبريا في أوائل القرن الثامن، كما لم تكن حدود البرتغال الحالية معروفة آنذاك ولم تكن هناك دولة موحدة ذات مقومات سياسية ذاتية ضمن تلك الحدود، حيث كانت أراضيه عرضة للحركات الاجتماعية التي ألمّت بشبه الجزيرة وللتحديات الأجنبية التي عمّتها. ويذكر التاريخ بأنّ هذه الأراضي قطنتها منذ القدم أقوام مختلفة أهمها قبائل لوسيتانيا، ثمّ دخلها الفينيقيون والإغريق (اليونان القدماء) وأسّسوا فيها مراكز تجارية بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد (ق.م.)، ثمّ جاء الرومان ليخضعوا تلك المناطق لحكمهم المباشر منذ عام 139 (ق.م.) أسوة بما فعلوه في غالبية إن لم يكن في جميع أرجاء شبه جزيرة أيبريا والتي أطلقوا عليها اسم (Hispanoa ul-terior). ومع أنّ قبائل لوسيتانيا التي قطنت المناطق الواقعة شمال نهر التاج ظلّت تقاوم الاحتلال الروماني في البداية، إلاّ أنّها لم تتمكن من انتزاع السلطة لمصلحتها، والمعروف أنّ يوليوس قيصر حكم مناطق البرتغال وأسّس عاصمتها في أوليسبو أو لشبونة عام 59 (ق.م.). كما أسّس الرومان مدناً كثيرا أعاد تعميرها وتطويرها العرب بعد دخولهم شبه جزيرة إيبريا، منها مدن أيفورا وباجة وشنتريم.
عندما اجتاحت الجيوش العربية شبه جزيرة إيبريا عام 711م وتقدّمت في جميع الاتجاهات، أصبح الجنوب البرتغالي والذي أطلق عليه العرب (أو The Moors)، كما يسميهم الغربيون بصورة عامة نسبة إلى موريتانيا التي اعتبروها منشأ أو مركز تجمّع المحتلين الجدد اسم الغرب (Algarve)، وهو الاسم الحالي لمحافظة الجنوب البرتغالي الساحلية، خاضعاً لهم منذ عام 713م، كما احتل العرب مدينة لشبونة (أو اشبونة كما عرفت آنذاك) عام 714م، واستمر تقدّمهم شمالاً ممّا حدا بالأقوام المسيحية (النصارى كما يرد ذكرهم بكتب المؤرخين العرب القدامى) إلى الانسحاب إلى شمال نهر المنيوه الذي يفصل مصبه شمال البرتغال عن إسبانيا حالياً، ويبدو أنّ المناطق الشمالية الغربية من شبه جزيرة إيبريا والواقعة شمال هذا النهر لم تخضع كلياً او بصورة دائمة للحكم العربي، بل بقيت بعض مدنها معاقل للقوى المسيحية كما كان الحال مع مدينة ليون الإسبانية وأحياناً حتّى براغا البرتغالية، في حين بقيت معظم مدن شمال البرتغال تخضع للحكم العربي بصورة مستمرة لفترة قاربت القرن والنصف قرن من الزمن.
انتهت بانسحاب المسلمين من جميع أراضي البرتغال في منتصف القرن الثالث عشر وظهور الدولة البرتغالية الحالية وكيانها السياسي المستقل.
لقد سقطت آخر معاقل المسلمين فيها وهي فارو والمسماة آنذاك بشنتمرية الغرب وذلك سنة 1249م، وبعدها انتقلت عاصمة البرتغال من كلمرية إلى لشبونة وذلك سنة 1256م وعندما حصل البرتغاليون على اعتراف مملكة قاشتيلا الإسبانية بمملكتهم وتأييدها سنة 1297م أصبحت البرتغال دولة موحدة مستقلة بحدودها الحالية على رغم الحروب والاحتلالين الإسباني والبريطاني لها لفترات طويلة ومتقطعة قبل أن تستقر كلياً خلال القرن الماضي.
لقد اشتهرت البرتغال الإسلامية بالعديد من أعلام العرب يعسر إحصاؤهم، ونذكر هنا بعضهم، فمنهم: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المولود في مدينة باجة بجنوب البرتغال سنة 1013م، وتتلمذ على يد بعض علماء الأندلس قبل أن يتوجه إلى المشرق العربي ليوسع آفاق اطلاعه ثمّ يعود إلى الأندلس تصحبه شهرة واسعة ومكانة مرموقة. ومن أهم ما تركه أبو الوليد شرح وافٍ لفقه مالك. كما عرف عنه بأنّه كان يسعى دائماً لعقد صلح بين ملوك الطوائف في محاولة لجمع الشمل، إلى أن توفي في ألميرا بعد أن قضى أيامه الأخيرة بصحبة المقتدر أمير سرغسطة.
والشاعر محمد بن عبدون صاحب الملحمة الشعرية التي عرفت بـ «القصيدة»، نظراً لمكانتها في الشعر الأندلسي وابن عبدون من مواليد يبره، عاش في ظل بني الأفطس في بطليموس.
نظم ابن عبدون أبيات تلك القصيدة التي تعتبر من أجمل الرثائيات في الشعر الأندلسي في رثاء بني الأفطس وأميرهم المتوكل الذي قتل غدراً على يد المرابطين وكان مطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا ألوك موعظة
عن نومة بين ناب الليث والظفر
ومنها:
بني المظفر والأيام لا نزلت
مراحل والورى منها على سفر
سحقاً ليومكم يوماً ولا حملت
بمثله ليلة في غابر العمر
والتي يقول فيها:
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن
وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمراً بخارجة
فدت علياً بمن شاءت من البشر
واردت ابن زياد بالحسين فلم
يبؤ بشسع له طاح أو ظفر
وقبل هؤلاء أو بالأحرى في القرن العاشر الميلادي، ولد في قرية القبذاق بنواحي لشبونة الشاعر أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا القبذقي الإشبوني الذي كرمه البرتغاليون ببناء نصب «تذكاري» حول قبره القائم إلى اليوم عند أحد مداخل تلك القرية. ولابن مقانا قصائد شعرية كثيرة، أكثرها شيوعاً تلك التي مدح بها أحد الحموديين، ويقول المقري صاحب كتاب نفح الطيب أنّ تلك القصيدة ألقاها ابن مقانا بمدينة ملقه في حضرة الخليفة الحمودي يحيى بن إدريس الفاطمي منها:
وكان الشمس لما أشرقت
فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
بن حمود أمير المؤمنين
انظرونا نقتبس من نوركم
إنّه نور رب العالمين
ومن الشعراء الذين اشتهروا على أرض البرتغال موسى بن عمران المرتولي، وهو من مدينة مرتولا، الذي قال:
إلى كم أقول ولا أفعل
وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترتوي
وأنصح نفسي فلا تقبل
أمّا ابن عبد البر المولود في شنتريم، فقد قال:
أحب الذي يهوى عذابي دائماً
وما لي فيه ما حييت نصيب
ولابن سري الشنتريني المنسوب إلى مدينة شنتر، أشعار طريفة منها:
لابنة الزند في الكوانين جمر
كالدراري في دجي الظلماء
خبروني عنها ولا تكذبوا
الديها صناعة الكيمياء
سبكت فحمها سبائك تبر
رصعتها بالفضة البيضاء
كلّما دل النسيم عليها
رقصت في غلالة حمراء
ومن أبناء شلب سلميان بن علي وابن الروح وابن المنخل، ومن أبناء لشبونة ابن السوار وابن المنذر وابن موسى والبكري الطبيب المشهور، ومن أبناء فارو الشاعران ابن عالم وأبي صالح، ومن أبناء لولي بالغرب الفيلسوف المتصسوف العرياني، ومن أبناء باجة الطبيب الجراح ابن سلمة، ومن أبناء مرتولا مثل ابن الفرج، ومن أبناء سانتاريم ابن البر الشنتريني وغيرهم من الأطباء والفقهاء وقد اشتهرت بعض بإنجاب عدد من الشعراء والأدباء منهم عائلة هارون التي كانت تستوطن جنوب البرتغال والتي حملت حاضرتهم اسمهم والذي بقي إلى اليوم اسم لأهم مدنه، وهي مدينة فارو ومن المراجع المهمة بهذا الشأن كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لأبي الحسن ابن بسام الشنتريمي (نسبة إلى مدينة Santarem).
ومن أجمل معالم الحضارة العربية الباقية إلى اليوم مدينة شلب والتي تتميز بقلعتها الوردية وسط حقول من أشجار الحمضيبات والزهور. والمعروف أنّ هذه القلعة المبنية بالحجر الأحمر على قاعدة عالية ومسجدها قد بنيت أيام بني عباد الذين حكموا البرتغال من عاصمتهم إشبيلية، وكانت من أواخر معاقل الحضارة الإسلامية العربية في البرتغال.
من جهة أخرى، تركت الحضارة العربية الإسلامية شواهد كثيرة على قوّة تمركزها في البرتغال تظهر في لغة الأدب وفي اللهجات المحلية. فالعبارات الموروثة والمقتبسة من اللغة العربية تتجاوز الألف وخمسمائة يتردد استعمالها يومياً وخصوصاً في الأرياف الجنوبية. وبسبب صعوبة اللفظ أو لعدم وجود الحرف الهجائي في اللغة البرتغالية والذي يتطابق مع ما تحمله الكلمة العربية من حروف، يصعب استبيان الأصول العربية للعبارة المستعملة إلاّ بعد انتباه مقصود. فهناك كلمات كثيرة في اللغة البرتغالية ذات جذور عربية أو محورة من الأصل العربي مثل: الخياط، المخدة، البحيرة، الحلوة، المد، الزيت، القرية، الغصن، الأرض، الضيعة، السوق، القفة، القائد، القصر، القنطرة، الفارس، القطيعة، العرض، الحرية، الحري، الجباب، اللقاط، فلان… إلخ.
أمّا أسماء البلدان والأماكن ذات الأصل العربي فهي كثيرة أيضاً وتنتشر في أغلب أصقاع البرتغال. فبالقرب من العاصمة لشبونة، هناك قرية المعدن على نهر التاج والتي زارها الرحالة والجغرافي العربي المشهور الإدريسي في أواسط القرن الثاني عشر ميلادي، وقال في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» أنّها مدينة بها منجم ذهب. كما توجد في نواحي لشبونة ضواحي عديدة تحمل أسماء عربية منها، قاسم وأبو عبدالله وتجيرة والخضرة وطاحونة والمقيم ومحفرة. أمّا في داخل مدينة لشبونة أو في ضواحيها، فتوجد أماكن بمسميات ذات جذور عربية منها البلاط والقنطرة والحمام وقلع اللوز. كما أنّ لجنوب البرتغال مواقع وحواضر كثيرة لها مسميات عربية منها: المسيل ووادي أميرة والمظفر والبحيرة وبئر قائم وهارون وابن مولى والمغرب والقصيرة والجزر والحمراء والريحانة وابن سالم والغار… إلخ.
الصراع العربي البرتغالي الأوّل
عانت البلاد الإسلامية، والعربية منها بخاصة ثلاث غزوات كاسحة كانت في حقيقتها تهديداً للوجود الإسلامي وللوجود العربي، هي غزوات المغول وغزوات الصليبيين وغزوات البرتغاليين. ومع ما رافق هذه الغزوات من أحداث خطيرة ووقعات مثيرة وحياة مريرة، فلم تلق من المؤرخين العرب ما كان يجب أن تلقاه من التدوين التفصيلي لا في القديم ولا في الحاضر([308]).
ونحن فيما ندونه هنا إنّما نلم إلماماً سريعاً بتاريخ فترة من تلك الفترات:
يتوقف كتاب (كشف الغمة)، لمؤلف مجهول، يتوقف عام 1728 ـ على ما يذكر أحمد عبيد لي فيما نأخذه عنه ـ وذلك بعد مرور قرنين وربع القرن على دوران الأوروبيين حول رأس الرجاء الصالح واحتلاهم لمناطق ساحلية مهمة عديدة من عمان، فواجهوا عندئذ القوى الإسلامية البحرية في المحيط الهندي، ومن أبرزها القوّة العمانية، ويتم تناول هذا الجانب الخاص من التاريخ العماني من ناحيتين: الأولى هي تتبع الأحداث المباشرة في تلك الفترة على ضوء ما أورد «الكشف»، والثانية رؤية مدى تأثير هذه القوة في النتاج العماني المدون في تلك الفترة.
أما فيما يخص النقطة الأولى فإنّ أوّل إشارة للقوى الأوروبية تبرز في الباب السادس والثلاثين الذي يخصصه للحديث عن حكم النباهنة وهي الفترة التي تسبق مجيء الإمام ناصر بن مرشد حيث يقول: «وصل مركب من الهند بعسكر كثير وفيه آلة الحرب فردته الريح إلى مسكد [مسقط] فأخذه الأمير عمير بن حمير وسار هو ومن معه من النصارى وغيرهم»([309]). ويستمر «الكشف» في تسمية الأوروبيين وهم برتغاليون أساساً في عمان بالنصارى، ولكنّه لا يورد أية تفاصيل عنهم ولا عن وجودهم في عمان على الأقل، ولا عن تأثيراتهم الجارفة في المياه التي كانت مجال العمانيين وساحة فعاليتهم المتميزة.
ولا تسعف المواد المحلية كثيراً لتحقيق مقارنة مع ما يورده «الكشف» حيث أنّ الذين تطرّقوا لهذه الفترة من الكتّاب العمانيين وزادوا على ما ذكره صاحب «الكشف» إنّما قدموا بعده، ولذلك ربما اضطر المرء إلى الاستعانة بمصادر أخرى من المنطقة المجاورة عنيت بتتبع وجود الأوروبيين بتلك البقاع، لترسم صورة يجري على أساسها تقويم ما أتى به «الكشف».
ولقد نشر الدكتور محمد بن عبد العال أحمد بعض النصوص اليمنية الجديدة التي دوّنت محاولات البرتغاليين الأولى لاختراق تلك المياه للسيطرة عليها([310]) وأوّل تلك النصوص كتاب «قرة العيون في أخبار اليمن الميمون» لابن الديبع([311]). ولقد وردت إشارة المؤلف الأولى لمجيء البرتغاليين في وصفه لرحلة قام بها فاسكوداگاما وقد غادرت البرتغال عام 1502، فقال وهو يصف أحداث عام 908/1502: «… وفي هذه السنة ظهرت مراكب الإفرنج في البحر بطريق الهند وهرموز وتلك النواحي، وأخذوا نحو سبعة مراكب، وقتلوا أهلها وأسروا بعضهم»([312]). وهو يستمر في ذكر الوجود البرتغالي وعملية المواجهة التي شنتها مصر المملوكية إضافة إلى القوى اليمنية المحلية على الوجود البرتغالي بتلك المياه. وممّا يذكره في حوادث سنة 919/1513 قوله: «وفي أثناء شهر المحرم من سنة تسع عشر وتسعمائة، وصل العلم إلى مولانا السلطان بزبيد بقدوم ثمانية عشر مركباً إلى بندر عدن فيها جمع عظيم من الإفرنج، فجهز السلطان عسكراً إلى ثغر عدن، وأمر بالتحفظ والتحرز فيه وفي سائر البنادر، وأمر بالقنوت عليهم بالصلوات الخمس وفي خطبة الجمعة، ثمّ حقّق أنّهم وصلوا إلى عدن بغتة، وكان بها عبد مولانا السلطان، مرجان الظافري أميراً لها، فأمر أهل البلد أن لا يعرضوا لهم بشيء، وأمر بالتحفظ والتحصن، وكان وصولهم ليلة الجمعة سابع عشر شهر المحرم، فمكثوا يوم الجمعة، ثمّ تجاسروا ووضعوا سلاليم تحت جدار السور، وطلعوا عليها ملبسين مستعدين للقتال، ونزل حماعة منهم إلى شوارع المدينة، فركب مرجان ولم يكن بها فارس غيره، فقاتلهم وقاتلوا معه أهل المدينة، فنالوا من المسلمين. ثمّ كانت الدائرة عليهم، فهزموا هزيمة منكرة، وقتل منهم جماعة، فرجعوا منهزمين لا يلوون على أحد، وانكسر منهم جمع وأخذت دروعهم وسلاحهم، وأصبح حزب الله هم الغالبون»([313]).
ويتتبع بامخرمة بدوره تلك الأحداث([314])، وتتطابق إشارته الأولى للقدوم الأوروبي وتلك التي وردت لدى ابن الديبع. وهو يتفرد في بعض ما يورده ومن ذلك ذكره لتطورات الموقف البرتغالي اليمني وخاصّة في تلك الفترة التي أعقبت سقوط دولة المماليك على أيدي العثمانيين، وما يذكره ضمن أحداث سنة 923/1517 قوله: «وفي هذه السنة وصل الفرنج من الهند إلى بندر عدن في ثلاثين خشبة ما بين برشة وغراب، مظهرين السعدة لأهل عدن على المصريين، ولم يغيروا شيئاً في البندر ولا غيره. ونزل منهم جماعة إلى الساحل، وواجههم الأمير مرجان بالساحل وقدم لهم الضيافة إلى مراكبهم، وطلبوا ربابين تسير بهم إلى جدةّ، فدفع إليهم الأمير جماعة ربابين من أهل الشام بالكره من الربابين لذلك، بعد أن أخيفوا و تجوروا، فلم يعذرهم الأمير في ذلك، كفاية لشر الإفرنج. فمكثوا في البندر أياماً، ثمّ ساروا إلى جدة فأرسوا ببندرها»([315]). ويسير بامخرمة على نفس هذا الاتجاه في تتبع مادته وذلك كما دونها في كتابه «قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر»([316]).
أمّا المؤرخ الثالث وهو قطب الدين النهروالي([317]) فقد تحدّث عن الوجود الأوروبي أثناء تتبعه لتاريخ اليمن في القرن العاشر الهجري في كتابه «البرق اليماني في الفتح العثماني».
وسيجد المرء تفصيلات أكثر وضوحاً لدى ابن رزيق عن «النصارى… المسمّون البرتكيس وولايتهم من الهندجوة، وهم يومئذ أشد النصارى قوّة في المملكة والسلطان، وإليهم سائر النصارى عضداً وأعواناً»([318]). وهو يقصد هنا البرتغاليين وأتباعهم من الهنود. إلاّ أنّ هذا التفصيل قليل جداً إذا تذكرنا أنّ المؤرخين العمانيين عاشوا والأوروبيين في بلد واحد وعقدوا الصلح مرات عديدة وتصادموا على مدى قرون عديدة، تبدأ منذ مجيء الأوروبيين حول رأس الرجاء الصالح، كما هو الحال مع المؤرخين العمانيين.
وليس للدارس أن يتلمس في تلك المصادر ـ يمنية كانت أو عمانية ـ رؤية شمولية بل حتّى جزئية للدور الأوروبي، وما كان يزمعه من تغييرات جارفة في تلك البقاع، ليست الناحية العسكرية السياسية إلاّ واحدة من مظاهرها فالمصادر اليمنية لا تشير إلى قدوم البرتغاليين إلاّ بعد خمس سنوات من ظهورهم في هذه الأرجاء([319]). والمصادر العمانية ترد الإشارة الأولى إليهم فيها عرضاً. ولا نجد شخصاً متأخراً مثل النهروالي يعطي لدوران فاسكو داچاما ووسيلته التي استفاد منها للإلتفاف حول رأس الرجاء الصالح أهمية كبيرة ولا يعبر عن هذه الحادثة إلاّ بعبارة فيها الكثير من التبسيط: «وقع في أوّل القرن العاشر، من الحوادث الفوادح النوادر، دخول (الفرتقال) اللعين، من طائفة الفرنج الملاعين، إلى ديار (الهند)…
وأغلب الإشارة المتيسرة كانت وصفاً سردياً للأحداث والمعارك تزيد أو تقصر حسب قدرة الكاتب والموقع الذي ينظر منه للحدث.
غير أنّه يمكن أن نولي ثلاثة مؤلفات عمانية تحدّثت عن هذه القوّة الحضارية العالمية الجديدة بها بعض التميز، إلاّ أنّها مؤلفات متأخرة نسبياً. أوّلها هو «تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار». ويمثل وصفاً لرحلة السلطان برغش بن سعيد([320]) من زنجبار إلى بريطانيا مروراً بمصر وفرنسا والبرتغال، وقد كتب الوصف زاهر بن سعيد وقام بإعادة ترتيبه وتصويبه القس لويس صابونجي([321])، مستعيناً بذلك بما دونته الصحف الفرنسية والبريطانية. ويسجل الكتاب بدقة جوانب تلك الرحلة وتنعكس فيه مظاهر الحضارة الأوروبية التي شاهدها السلطان وأعضاء وفده.
والكتاب الثاني هو «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» لسعيد بن علي المغيري، غير أنّ مؤرخه ينتمي للجيل الذي تلا السالمي، وهو يصل بتأريخه إلى العقد السادس من القرن العشرين.
وتتفرد الأميرة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان في مذكراتها التي كتبتها باللغة الألمانية لتحتل موقعاً بارزاً لا ضمن المؤرخين العمانيين وحسب وإنّما ضمن التراث العربي العام أيضاً([322]). غير أنّها لم تكتب من زاوية العناية بتاريخ عمان وإنّما كتبت عرضاً لمذكراتها بين زنجبار وأوروبا.
بعد مجيء الأوروبيين إلى تلك الأرجاء تشكل لدينا مصدر جديد متنوع للمعلومات إضافة إلى المصادر العمانية، وغيرها من المصادر العربية. ويتمثل هذا في مذكرات رحالة وتقارير قادرة وحكام وإداريين أوروبيين وليس هذا مجال التوسع في وصف هذه المصادر، ويكفي أن نشير منها إلى مذكرات الرحالة بيدرو والقائد البرتغالي البوكيرك، وكلاهما يتحدث عن القرن السادس عشر.
ومنها أيضاً ما ذكره الأب كاري عن رحلة قام بها عام 1674 حيث يقول: «أقلعت من كنج على السفينة سانت فرنسيس التي يقودها عربي أسمر جدّاً من أهالي مسقط تجنس بالجنسية البرتغالية، واعتنق المسيحية، وكان معظم العرب قد لاذوا بالفرار من مسقط بعد أن عاشوا في حروب متواصلة مع البرتغاليين، وكانوا يعانون من نقص المواد الغذائية والطعام. وكان الهولنديون قد أنشأوا مكتباً لهم في مسقط لنقل البريد»([323]).
البرتغاليون في الهند
وعن البرتغاليين في الهند يتحدث أمين الطيبي.
منذ استقلال البرتغال في منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، والبرتغاليون يناصبون المسلمين في الأندلس والمغرب أشد العداء. وبعد عدوانهم الغادر على مدينة سبتة المغربية واحتلالهم لها العام 1415م، وبداية حركة الكشوف الجغرافية على عهد الأمير هنري «الملاح» الصليبي النزعة، استهدف البرتغاليون محاربة المسلمين أنّى كانوا وكسر احتكارهم لتجارة التوابل مع الشرق. وكان البرتغاليون صليبيين قبل أن يصبحوا ملاحين، واحتفظوا بهذه الروح الصليبية المعادية للمسلمين إلى الربع الأخير من القرن السادس عشر([324]).
ولمّا وصل فاسكو داگاما البرتغالي إلى كليكوت على ساحل مليبار سنة 904هـ/1498م، كان من حسن حظ البرتغاليين أنّ الممالك الإسلامية في منطقة المحيط الهندي كانت تعاني ضعفاً شديداً: المماليك في مصر، والتيموريون في فارس، وسلاطين دلهي الغوريون. وظهرت على سواحل المحيط مدن مستقلة كعدن وهرمز، كما قامت على ساحل مليبار بضع إمارات أهمها كاليكوت وكُشي، وكان بينهما تنافس شديد. ولم يكن لهذه المدن سفن حربية لحماية تجارتها النشطة. كما أنّ السفن العربية والكجراتية لم تكن مزودة بالمدافع، ولم تكن مسمارية الصنع بل مخيطة بخيوط النارجيل، فكانت لذلك أوهى بنية وتركيباً من سفن البرتغاليين([325]).
وبعد وصول البرتغاليين إلى ساحل مليبار، أخذت مراكبهم تعود محملة بالتوابل وغيرها من سلع الشرق إلى أسواق أوروبا، ممّا عاد على ملك البرتغال بأرباح طائلة، وتحوّلت الطرق التجارية عن البحر الأحمر والخليج ومصر وبلاد الشام إلى طريق المحيط الهندي والدوران حول القارة الإفريقية. ولحقت بالتالي أضرار جسيمة بمصالح التجار المسلمين في موانئ مليبار ـ وكانوا يحتكرون تجارة التوابل ـ وبمصالح سلطان مصر المملوكي الذي كان يجبي رسوماً على السلع المارة عبر أراضيه([326]).
وقوبل فاسكو داغاماً بالعداء من قبل المسلمين في ساحل مليبار، وكان أوّل مظهر لهذا العداء الهجوم الذي وقع على القلعة التي شيّدها البرتغاليون في كاليكوت وأدّى إلى الفتك بمن فيها. وعلى الأثر، صمّم ملك البرتغال على الاحتفاظ بقوّة عسكرية دائمة في الشرق فأرسل في العام 1505م فرانسيسكو دي الميدا (Almeida) ونصّبه نائباً للملك. ورداً على ذلك، أرس سلطان مصر المملوكي قانصوه الغوري أسطولاً إلى المياه الهندية لمساعدة المسلمين على طرد البرتغاليين أوقع هزيمة بأسطول برتغالي قرب ميناء شيول (Chaul) في مطلع 1508. إلاّ أنّ ألميدا أوقع في مطلع العام التالي هزيمة بأسطول مصري كجراتي مشترك قبالة ميناء ديو على ساحل كجرات، وبذلك تخلص البرتغاليون من القوّة البحرية الإسلامية الوحيدة التي كان بمقدورها التصدّي لهم في المحيط الهندي فبسط البرتغاليون سيطرتهم على مياه المحيط الهندي قرابة قرن من الزمن.
وفي عهد ألفونسو دي ألبوكرك (Albuquerque) الذي خلف الميدا، تمّت للبرتغاليين السيطرة على جزيرة كووه (Goa) من سلطان بيجابور (تشرين الثاني/ نوفمبر 1510م) وملاقة (آب/ أغسطس 1511م) وهرمز (1515م). ولم تلبث كووه أن حلّت محل كاليكوت كميناء تجاري رئيسي على ساحل الهند الغربي وأصبحت مقراً لنائب ملك البرتغال.
وهكذا فإنّ البرتغاليين أدركوا منذ وصولهم إلى ساحل مليبار بأنّه لن يتأتى لهم إنهاء احتكار المسلمين لتجارة التوابل إلاّ عن طريق القوّة الغاشمة، لا عن طريق المنافسة السلمية. فمضوا إلى تحقيق هدفهم من دون رحمة أو هوادة وبسرعة مذهلة، واحتاجوا لذلك إلى عدد من الموانئ المحصنة لاتخاذها قواعد بحرية ومحطات تجارية لمراكبهم([327]).
ومن بين أسباب النجاح الذي أحرزه البرتغاليون أنّ الممالك الإسلامية الخمس بهضبة الدكن، والتي قامت على أنقاض المملكة البهمنية، كانت في منازعات مستمرة في ما بينها، وكذلك موقف السلاطين اللامبالي من الخطر البرتغالي المحدق بأراضي المسلمين ومصالحهم التجارية، إذ كان الكثيرون منهم يشاطرون سلطان كجرات بهادر شاه الرأي بأنّ «حروب البحار أمر يعني التجار وحدهم ولا يمس هيبة الملوك». أضف إلى ذلك العداء القديم بين صاحب كاليكوت وبين صاحب كشي ـ على ساحل مليبار ـ الذي استغله البرتغاليون وتمكّنوا من الاستحواذ على أوّل مواطئ قدم لهم على ساحل الهند، بمساندتهم صاحب كشي ضد خصمه([328]).
ولمّا تمكن البرتغاليون ـ عن طريق القوّة ـ من القضاء على احتكار المسلمين لتجارة التوابل في المحيط الهندي، عملوا على فرض نظام احتكار من جانبهم، فأعلنوا أنّ الإتجار بعدد من السلع ـ أهمها التوابل ـ احتكار للتاج البرتغالي. فأصبح لزاماً على أصحاب المراكب حمل ترخيص عرف بالبرتغالية باسم Cartas (قرطاس) ـ يُشير إليه المعبري تارة بالأوراق وتارة بالرقعات ـ في مقابل دفع رسم من قبل صاحب المركب أو التجار المعنيين، وشريطة دفع رسوم كذلك في كووه أو هرمز أو ملاقة على البضائع المذكورة. وأصبحت المراكب التي لا تحمل هذه الأوراق ـ وأحياناً حتّى المراكب التي تحملها ـ عرضة للمصادرة أو الإغراق من قبل السفن البرتغالية إذا كان أصحابها من المسلمين([329]).
وعلى رغم عدم التكافؤ في حجم المراكب وسلاحها فإنّ غزاة البحر المسلمين من موانئ مليبار نشطوا في هجماتهم على سفن البرتغاليين كما يذكر المعبري، وحتّى قرب قلاع كووه كان غزاة موبله (Moplah) المسلمون من ساحل مليبار يوقعون خسائر كبيرة في تجارة البرتغال الساحلية وذلك باعتراضهم سبيل قوافل المراكب البرتغالية الصغيرة (Cafilas) المشحونة بالأرز والمؤمن إلى قاعدة كووه البرتغالية. ومع ذلك، فإنّ هذه الهجمات ـ على رغم خطورة بعضها أحياناً ـ لم تقض على قوّة البرتغال البحرية في المحيط الهندي، ذلك لأنذ غزاة البحر المسلمين في مراكبهم الصغيرة ذات المجاذيف لم يكن باستطاعتهم أن يجابهوا بصورة فعالة وسط البحار السفن البرتغالية الكبيرة التي كانت تشكل نواة قوّة البرتغال البحرية. ويعتبر بعض المؤرخين صمود البرتغاليين في كووه وشيول العام 1571م مضاهياً للانتصار الذي أحرزه أمير النمسا دون خوان على الأسطول العثماني في معركة ليبانتو البحرية في العام ذاته([330]).
لم يقتصر نشاط البرتغاليين على ميداني الحرب والتجارة، بل شمل كذلك ميدان التبشير بالدين المسيحي. فقد صحب المبشرون الفاتحين والتجار البرتغاليين في الأراضي التي سيطروا عليها. وكما قيل فإنّ «المبشر كان يحمل الإنجيل، وكان التاجر يحمل المبشر». ولم تبدأ حركة التبشير جدياً إلاّ في عهد ملك البرتغال جون الثالث (حكم 1521 ـ 1557م) وبخاصة منذ وصول المبشر اليسوعي فرانسيس شافيير (Xavier) الذي قال: «حينما كنت أسمع عن عبادة الأوثان كنت أتوجه على الفور إلى المعبد يصحبني فوج من الصبيان يقومون بتحطيمها والبصق عليها ودوسها بالأقدام»([331]).
وصدر عن السلطات البرتغالية في كووه عدد من القوانين الجائرة تحظر مزاولة الإسلام والهندوسية والبوذية علناً في الأراضي الخاضعة لسيطرتها. ونص مرسوم صدر العام 1567م على تدمير المعابد غير المسيحية في الأراضي الخاضعة للبرتغاليين، وحظر ذكر اسم النبي (صلّى الله عليه وآله) في أذان المسلمين في المساجد، وطرد رجال الدين غير النصارى، ومصادرة وحرق الكتب المقدسة حيثما وجدت. واستثنيت من التدمير مساجد هرمز حيث السكان كلّهم من المسلمين ومراعاة لمشاعر الفرس الذين كانت قوّتهم في نمو وازدياد على عهد الصفويين([332]) ومع ذلك، فإنّه لم يتنصر عدد يُذكر من المسلمين على ساحل مليبار، واقتصر التنصر على النساء المعاشرات لرجال برتغاليين، وعلى أبّاق العبيد، والمعدمين الذي كان يشار إليهم ـ ازدراء ـ باسم نصارى الأرز([333]).
الوطاسيون 876ـ961هـ
ولتداخل تاريخ السعديين بتاريخ الوطاسيين كان لا بدّ لنا من الحديث عن الوطاسيين قبل الولوج في الحديث عن السعديين([334]).
قال صاحب الاستقصاء إنّ بني وطاس فرقة من بني مرين غير أنّهم ليسوا من بني عبد الحق. ولمّا دخل بنو مرين المغرب واقتسموا أعماله كان لبني وطاس هولاء بلاد الريف، فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم. وكان بنو الوزير منهم يسمون إلى الرياسة ويرمون الخروج على بني عبد الحق، وقد تكرر ذلك منهم. ثمّ أذعنوا إلى الطاعة وراضوا أنفسهم على الخدمة فاستعملهم بنوعبد الحق في وجوه الأعمال والولايات واستظهروا بهم على أمور دولتهم، فحسن أثرهم لديهم وتعدّد الوزراء منهم فيها. وقال ابن خلدون أنّ بني الوزير هؤلاء يرون أنّ نسبهم دخيل في بني مرين وأنّهم من أعقاب يوسف بن تاشفين اللمثوني، لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ووشجت فيه عروقهم، حتّى لبسوا جلدتهم، وكان لكثير من بني وطاس المراتب العالية والوظائف العظيمة في دولة بني مرين فمنهم من ساعد على ارتقائها وتنظيم أحوالها ومنهم من امتدّت يده إلى العبث بها واراد الاستبداد بسلاطينها.
وأوّل من ولي السلطنة من دولة بني وطاس هو السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ (876هـ)، بعد قهره للحفيد، وكان قبل ذلك يملك مدينة أصيلا وضواحيها. ولمّا رأى زوال دولة بني مرين واضطراب الأمور وطمع كلّ من كانت توسوس له نفسه بالاستيلاء عليها وحيازة ابن الأحمر لجميع ثغور الأندلس التي كانت لبني مرين، وقيام الفرنج للتغلب على المغرب، جمع جنداً عظيماً واستولى على مدينة فاس بعد أن حاصرها وضيّق عليها، ولمّا تمّت له البيعة التفت لتدويخ القبائل فدخلوا في طاعته. وفي زمنه استولى الإسبانيول تحت رئاسة ملكهم فردينند الخامس الكاثوليكي ملك أراغون وزوجته إيزابيله ملكة قشتالة على مدينة غرناطة (897هـ) ومحيت دولة بني الأحمر من الأندلس ولم يبق بها للمسلمين سلطان وتفرق سكانها أيدي سبا فذهب غالبهم إلى بلاد المغرب الأقصى وإلى تونس وطرابلس ومصر وغيرها. ولمّا سقطت غرناطة قدم على السلطان محمد الشيخ سلطانها أبو عبدالله بن الأحمر فاستوطن فاس تحت رعاية السلطان محمد الشيخ بعد أن خاطبه بقصيدة طنانة من إنشاء وزيره أبي عبدالله محمد العربي يقول في مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم
رعيا لمّا مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن
دار الزمان عليه دور منتقم
وهي طويلة وأصحبها برسالة في هذا المضمون وأقام ابن الأحمر بمدينة فاس بأهله وأولاده وحاشيته معززاً مكرماً إلى أن أدركته الوفاة (940هـ). وفي عصر هذا السلطان (907هـ) استولى البرتغال على ساحل البريجة بين أزمور وتيط وشيّدوا بها مدينة جديدة حصينة. ولم يتمكن بنو وطاس في تلك المدّة من مقاتلة هؤلاء البرتغال لاشتغالهم مع برتغال سبتة وطنجة وغيرهما. ولم يكتف البرتغال أيضاً بذلك بل استولوا على سواحل السوس فاحتلوا مدينة أكادير وكانت وفاة السلطان محمد الشيخ (910هـ).
وبعد وفاته بايعوا ابنه محمد الملقب بالبرتغالي. وفي عصره استولى البرتغال على غالب الثغور وضايقوا المسلمين أشد المضايقة. وقد اهتم هذا السلطان بأمرهم كثيراً وردّد عليهم الجيش بعد الجيش حتّى شغل بمقارعتهم عن النظر في أحوال البلاد فكان ذلك من أكبر الأسباب لظهور دولة السعديين (915هـ) وكان البرتغال استولوا على ثغر أصيلا مدّة والده، فلمّا ولى هذا الملك حاصرهم بهما (914هـ). ثمّ تمكن من دخولها وقاتل البرتغال وسط الأزقة يومين. ثمّ جاء المدد إلى البرتغال فتقهقر المسلمون لكنّهم لم يتركوا المدينة إلاّ خراباً ليس بها حجر على حجر. ثمّ جد البرتغال في إصلاحها وبقيت في يدهم إلى أنّ استردّها المسلمون فيما بعد. وفي تلك السنة أيضاً استولى البرتغال على ثغر أزمور وبعدها افتتحوا أيضاً ثغر المعمورة (921هـ) إلاّ أنّهم لم يقووا على البقاء بها حيث استردّها هذا السلطان. وفي عصر هذا السلطان أيضاً استفحل أمر السعديين بجهات السوس وطرد سلطانهم أبو العباس الأعرج البرتغال من تلك الجهات، ودخل في طاعته أهل مراكش فانتقل إليها (930هـ) بعد أن انتزعها من يد بني وطاس. وكانت وفاة هذا السلطان الوطاسي وبين أبي العباس السعدي سلطان مراكش وقسمت بينهم البلاد حقناً للدماء وتقرر الصلح بينهما بذلك (940هـ). ولم يمكث الحال على هذا زمناً طويلاً بل تغيّرت الأحوال بين الوطاسيين والسعديين فانتشب القتال بينهم ودام أياماً إلى أن كانت الهزيمة على الوطاسيين ( 943هـ). ثمّ أنّ السلطان أبا العباس أراد الأخذ بالثأر من السعديين فعقد مع برتغال آسفي والجديدة وأزور هدنة بثلاث سنوات وكتب البرتغال بذلك لملكهم. ثمّ حدث القتال بين الوطاسيين والسعديين فكانت النصرة في هذه المرّة أيضاً للسعديين (952هـ). وبذلك استولى سلطانهم محمد الشيخ السعدي على مكاسة (955هـ). ثمّ افتتح فاس بعد حصارها وأسر سلطانها أبا العباس الوطاسي (956هـ). ثمّ قبض على الوطاسيين أجمع وبعث بهم مقيدين إلى مراكش وكانت وفاة أبي العباس الوطاسي بمراكش (960هـ) وبذلك استقل الشيخ السعدي بأمر المغرب.
وقام بالأمر من بعده السلطان أبو حسون الوطاسي مرّة ثانية، وكان لما قبض الشيخ السعدي على بني وطاس عند استيلائه على فاس فرّ أبو حسون هذا إلى الجزائر، واستنجد بالعثمانيين الذين كانوا استولوا على المغرب الأوسط، وانتزعوه من يد بني زيان، وما زال أبو حسون يحضهم على مساعدته للاستيلاء على المغرب الأقصى ويعدهم بالظفر والغنائم والأموال الجزيلة إلى أن أجابوه إلى مطلبه وأقبلوا معه في جيش كثيف تحت قيادة صالح باشا المعروف بصالح رئيس، النائب عن خير الدين بربروس، الذي كان وقتها بالقسطنطينية، واستولوا على فاس بعد حروب عظيمة وفرّ منها الشيخ السعدي (961هـ)، ثمّ إنّ أبا حسون جمع لجند العثمانيين الذين نصروه وأجلسوه على كرسي أبائه مبلغاً من المال وصرفهم من فاس لشكاية الناس منهم وتخلف منهم نفر يسير.
أمّا السلطان محمد الشيخ السعدي فإنّه بعد فراره وصل إلى مراكش واستقرّ بها وأخذ في استنفار القبائل وبقية الجنود لقتال أبي حسون. ولمّا اجتمع له ما أراد نهض إلى فاس فقابله السلطان أبوحسون ثمّ دارت الحرب بينهما فكانت الهزيمة على أبي حسون ثمّ استولى السعدي أخيراً على فاس (961هـ) وبمقتل السلطان أبي حسون انقرضت دولة الوطاسيين أو الدولة المرينية الثانية من المغرب.
وقد كان البرتغال بعد قيام دولتهم وتقدمها في الفتوحات والاكتشافات، تمدّ أنظارها للاستيلاء على بلاد مراكش، خصوصاً لمّا رأت اختلال دولة بني مرين وقيام الثوار عليها في كلّ جهة وانتشار عقدها، إلاّ أنّها لمّا كانت مهتمة بالاكتشافات البحرية الجديدة وتوسيع نطاق مستعمراتها بجهات الهند، خافت من أنّ الاشتغال بذلك يصرف قوتها عن بلاد المغرب، فسعى ملوكها في إيقاع العداوة والبغضاء بين بني حفص ملوك إفريقية وبين بني مرين ملوك المغرب وساعدتها الفرص والأقدار على ما أرادت وتمكّنت من دسيستها هذه بوقوع الخصام بين الطائفتين المذكورتين. وقد ساعدت هذه الأحوال أيضاً الإسبانيول على مرغوبهم، ألا وهو طرد ما بقي من المسلمين بأرض الأندلس واستئصال سلطانهم منها فهاجموا مدينة غرناطة بحجة تمنع ملوكها من دفع الجزية المضروبة عليهم لملوك إسبانيا، وذلك بعد أن استولوا على ما يتبعها من الحصون والمعاقل. ولمّا تمّ لهم ذلك طمحت نفوسهم إلى الاستيلاء على ما خلف البحر من ثغور المغرب الأدنى والأوسط، فاستولوا على بجاية (910هـ) ووهران (914هـ) وغيرهما. وضعف بنو ريان عن مقاومتهم. ثمّ أرادوا التغلب أيضاً على مدينة الجزائر لولا أنّ صدّهم عنها خير الدين بربروس وأخوه أوروج وطردوهما من تلك الأطراف تماماً([335]).
الدولة السعدية
كان البرتغاليون قد توسعوا في سواحل المغرب فاحتلوا معظم المواقع على ساحل الأطلنطي، فطنجة وأصيلا والعرائش سقطت في أيديهم سنة 876هـ ـ 1471م، وقبل ذلك كانوا قد احتلوا الدار البيضاء التي كانت تعرف بـ (آنفا)([336]) سنة 874هـ ـ 1469م، ثمّ ماسة سنة 894هـ ـ 1488م، ثم أگادير سنة 911هـ ـ 1505م، ثمّ آسفي سنة 914هـ ـ 1508م، ثمّ مازغان سنة 920هـ ـ 1514م، وآزمور سنة 919هـ ـ 1513م، ثمّ العجوز سنة 925هـ ـ 1519م. وأخذوا يغيرون على الداخل فيأسرون الرجال ويسبون النساء وينهبون القرى.
ثمّ ازداد عدوانهم فأغاروا على (قارودانت) على نهر السوس وتوغلوا داخل البلاد حتّى أرباض مراكش.
وهنا تلفت المغاربة يبحثون عن قيادة تجمعهم في دفع البرتغاليين عن أرضهم، ويتطلعون إلى زعيم يؤلف شملهم ويوحد أمرهم في نضال الغزاة المعتدين. فكان أن اهتدوا إلى الأشراف السعديين في تفاصيل تأتي.
لقد احتلت إسبانيا مليلة([337]) وغساسة، واحتلت البرتغال سبتة والقصر، ولم يبق للمغرب في الشمال ميناء إلاّ تطوان([338]) التي ساق القدر لها (بنو المنظري) الذي حطوا فيها بعد رحيلهم من الأندلس، فكان في قلوبهم من الحقد على الإسبان الذين أجلوهم عن وطنهم ما يحفزهم إلى الاستبسال في حرب هؤلاء ودفعهم عن تطوان وما إليها، فكانوا ينطلقون في البحر من تطوان لمصاولة السفن الإسبانية والبرتغالية.
وفي سنة 1496 وجّه البابا نداء إلى المسيحيين ليوالوا فتوحاتهم، فزاد ذلك من الحماسة للتوغل في المغرب فتوالى سقوط الموانئ ميناء بعد ميناء.
على أنّ الإسبان جذبتهم الاكتشافات الأميركية فانصرفت طموحاتهم إليها، وظلّ البرتغاليون متوجهين بكلّ حماستهم إلى المغرب.
وكان البرتغاليون أسبق إلى التوسع في المغرب من الإسبان، ومرّ توسعهم في مرحلتين: مرحلة الاستيلاء على الثغور الشمالية من سنة 818هـ ـ 1415م إلى سنة 876هـ ـ 1471م.
والمرحلة الثانية مرحلة الاستيلاء على الثغور الغربية الجنوبية من سنة 908هـ ـ 1502م إلى 919هـ ـ 1513م.
ويمكن إجمال المرحلتين على الشكل التالي:
1 ـ سبتة([339]): بسقوط الأندلس والتفكير بإجلاء المورسكيين، خشي الإسبان والبرتغاليون من احتشاد المسلمين في الثغور المغربية الشمالية والإعداد لهجمات على (إيبيريا) لذلك سارعووا إلى احتلال هذه الثغور، فكان أن احتلت سبتة سنة 1415.
2 ـ القصر الصغير([340]): استولى عليه البرتغاليون سنة 1458 وحاول المرينيون استرداده سنة 1459 فلم يفلحوا.
3 ـ انفا، أصيلا، طنجة([341]): حاول البرتغاليون سنة 1437 الاستيلاء على طنجة فساقوا أسطولاً إلى سبتة ومنها إلى طنجة فأحسن المرينيون الدفاع عنها بعد أن أنجدتهم تجمعات شعبية من الجوار، فانهزم البرتغاليون عنها.
وفي سنة 1458 عاودوا المحاولة وكانوا هذه المرة بقيادة الملك الفونسو الخامس، فعاودتهم الهزيمة، ولكنهم احتفظوا بالقصر الصغير.
وبعد عشر سنين سنة 1468 كان البرتغاليون يغادرونها وهي خالية شبه خراب، فتركوها ليعودوا إليها بعد أربعين سنة.
وأمّا أصيلا فقد كانت سنة 876هـ ـ 1471م تقاوم بضراوة القطع الثلاثمئة من الأسطول البرتغالي، والثلاثين ألف مقاتل المصاحبين له، ولكن قواها ضعفت أمام الاندفاع البرتغالي البحري البري الأقوى فدخلها البرتغاليون فاتحين، وبعد أسبوع من فتحها امتدوا إلى طنجة، ولم تتخلص منهم إلاّ بعد قرنين.
وكما انشغل الإسبان من قبل باستكشافات أمريكا، انشغل البرتغاليون الآن باستكشاف أفريقيا، فلم يعاودوا فتوحهم في الشواطئ المغربية إلى بداية القرن السادس عشر (العاشر الهجري). وفي ثلاثين سنة وصلوا إلى إفريقيا الاستوائية سنة 1471 وهي السنة التي احتلوا فيها أصيلاً وطنجة. وفي سنة 1482 وصلوا إلى مصب الكونغو، ثمّ إلى رأس الرجاء الصالح سنة 1486 فانفتح أمامهم طريق الوصول إلى الهند.
وهكذا مرّت ثلاثون سنة ونيف بعد احتلال طنجة، وقبل أن يشرع البرتغاليون في إنجاز المرحلة الثانية التي هي مرحلة احتلال الثغور الغربية الجنوبية التي تبدأ في فترة قريبة جدّاً من قيام الدولة السعدية([342]).
وتبدأ المرحلة الثانية باحتلال أكادير سنة 1505 ثمّ آسفي سنة 1508 ثمّ أزمور([343]) التي سقطت سنة 1513.
وقد تمزقت البلاد وانحلت وحدتها، ولم يستطع (الوطاسيون) الذين حكموا من (1471ـ1533)، وظلّوا في فاس حوالي نصف قرن بعد قيام السعديين ـ لم يستطيعوا أن يعيدوا البلاد إلى وحدتها. وكان الأمر على هذا الشكل:
1 ـ مليلية (أو مليلة) وغساسة بيد الإسبان.
2 ـ سبتة وطنجة والقصر الصغيرة وأصيلا وأزمور وآنفا وآسفي وأكادير وغيرها بيد البرتغاليين.
وبقية البلاد تتنازعها سلطات محلية متنوعة. فقد كان نفوذ الوطاسيين قد أصبح لا يشمل إلاّ جزءاً من القسم الشمالي للمغرب، كما انحصر نفوذ (هنتانة) بمراكش وضاحيتها. أمّا في الجهات الجنوبية فقد كان الولاة يتنازعون على السلطة في صراع مسلح([344]).
السعديون
هم حسنيون من سلالة محمد النفس الزكية. ولمّا نجحت دولتهم قامت لها خصومات عمد خصومهم إلى محاولة الطعن في أنسابهم، على ما اعتاده المتخاصمون في مثل هذه الظروف.
وكلّنا نعرف المحاولة التي قام بها العباسيون بعد نجاح الفاطميين في إقامة الدولة ووصولهم إلى مصر، وخوف العباسيين من استمرار التقدّم، فلجؤوا إلى الطعن في نسبهم ونفي صحة انتسابهم إلى فاطمة وعلي (عليهم السلام).
وكذلك الشأن مع السعديين الذين ووجهوا بهذه المطاعن، فقيل إنّهم من بني سعد بن بكر بن هوازن الذي تنتمي إليه حليمة السعدية مربية النبي (صلّى الله عليه وآله)([345]).
وقيل إنّهم إنّما لقبوا بالسعديين تيمناً لأنّهم سعدوا بدولتهم([346]).
على أنّهم في الحقيقة من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقد اعترف بهذه الحقيقة أحفاد الذين أنكروها وكانوا أصل من طعن في نسب السعديين من عرفوا باسم (العلويين) الذين تألفت منهم الأسرة المغربية المالكة حتّى اليوم في المغرب. وهي الأخرى أسرة حسنية تشارك السعديين في انتمائهم إلى النفس الزكية. وقد أراد أحد سلاطينها أن يبرئ ذمة أسرته فروى عنه الزياني صاحب (الترجمان المغرب)([347]) ما يلي:
«والذي سمعته من مولانا أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبدالله رحمه الله لما جرى ذكرهم، وذكرنا له الخلاف في نسبهم قال: أسكت ولا تعد لهذه المقالة فإنّهم إخواننا وبنو عمّنا، وجدّنا وجدّهم واحد، وقريتنا وقريتهم بـ (ينبع) واحدة يُقال لها بنو إبراهيم وجدّهم أحمد، خرج للمغرب قبل جدّنا الحسن بنحو الثلاثين سنة وهم إخوان، لكنّهم لمّا ملكوا لم يعاملونا معاملة الإخوان، واقتصروا على التعظيم والاحترام، فكان سلفنا يحقدون عليهم إهمالهم لجانبنا… هذا موجب طعن سلفنا في نسبهم، وإلاّ فالحق أحق أن يتبع».
على أنّ الأمر في الخصومة لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه في الافتراء والبهتان إلى درجة التطاول على أبرز رجل في السعديين وهو: المنصور بن محمد المهدي (1539ـ1556م) بأنّه لم يكن ابناً شرعياً([348]).
قدومهم إلى المغرب
قدم السعديون إلى المغرب في أوائل القرن الثامن الهجري (الرابع عشر) في عهد بني مرين بطلب من فريق من أبناء (دَرْعَة)([349]) التقوهم حين أدائهم مناسك الحج فدعوهم إلى الرحيل إليهم في المغرب. وليست لدينا تفاصيل عمّن كان أوّل قادم منهم، وهل كان واحداً أو أكثر من واحد على أنّ (الزياني) يذكر أنّ جدّهم أحمد بن محمد بن القاسم قدم إلى المغرب في القرن السادس الهجري (الثاني عشر) الزياني، ترجمان، ص342)، كما يقول صاحب (السياسة والمجتمع).
والمعروف أنّهم في الأصل من مقاطعة (ينبع) في الحجاز، وإذا كان الدرعيون قد التقوا منهم بمن دعوه إلى بلادهم، فيقتضي أن يكون هذا اللقاء في مكة لا في ينبع. ويقول صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ)([350]) «يبدو أنّهم (الدرعيون) اتصلوا بهم وقت أداء مناسك الحج حتّى يتيمّنوا بوجودهم في استصلاح زروعهم وثمارهم» اهـ.
ونشك نحن في هذا السبب الذي يقول المؤلف أنّهم دعوهم لأجله، فلا نحسب أنّ أولئك الأشراف كانوا خبراء زراعيين متخصصين في استصلاح الزروع والثمار، بحيث يستدعون من الحجاز إلى المغرب لأجل ذلك؛ بل نرى أنّهم كانوا من أهل الفقه والصلاح والتقوى فتوسم فيهم المغاربة الخير لاستصلاح العقائد والتمسك بها. والمؤلف يستعمل كلمة (تيمّنوا) بهم، واستصلاح الزروع والثمار لا يقتضي التيمّن برجاله…
والمؤلف نفسه حين يتحدّث عن عوامل تأسيس الدولة السعدية يقول إنّ من تلك العوامل كون السعديين (أشرافاً) وإنّهم لجأوا إلى إقناع الناس بشرف نسبهم حتّى يبرروا أنّ لقيام دولتهم أساساً دينياً… اهـ.
واستصلاح الزروع والثمار لا علاقة لأصحابه بشرف النسب ونجابة الأصل، ولا يتوسل الخبير به بهذه الوسيلة ليدعو إلى نفسه. بل إنّ الذي يتوسل بها من يستدعي أو يدعو لنفسه إلى صلاح المجتمع والمكانة الرفيعة فيه والسيادة على أهله.
والمكان الذي حلّت به الأسرة السعدية في المغرب هو قرية (تاكمَدَارات) من نواحي درعة.
وجاء عهد أحدهم محمد بن عبد الرحمن الذي كان مقرئاً يقضي حياة شعبية قوامها البساطة والتعفف، منصرفاً إلى العلم متنفلاً في سبيل أخذه من مكان إلى مكان. ولما شبّ نجلاه أحمد ومحمد كان يصطحب أحدهما ذاهباً من تاكمدارات إلى أگادير ليقاتل مع المقاتلين زحوف البرتغال.
ويروى أنّه وجّه ولديه للانضمام إلى الوطاسيين المدافعين للبرتغال، في حين كان هو يقوم باتصالاته السرية في الجنوب، وانّ ولديه برزا كلّ البروز في المدافعة ما جعلهما موضع تقدير السلطان الوطاسي أبي عبدالله محمد.
وظلّ الأمر كذلك حتّى كان البرتغاليون قد استقروا في شمال ناحية السوس([351]) وبنوا حصن (أگادير) وبدا أنّهم سيتوغلون في البلاد. ورأى السوسيون الخطر الداهم ففاوضوا أحد صلحائهم محمد بن مبارك من (آقا) في أقصى الجنوب السوسي لينصبوه أميراً عليهم فتجتمع كلمتهم بقيادة موحدة في نضال البرتغاليين بعد أن تتم بيعته في المغرب كله([352]).
ولكن محمداً هذا رفض طلبهم وأشار عليهم بأن يولوا أمرهم محمد بن عبد الرحمن السعدي ففعلوا، وتمّت البيعة سنة 915هـ ـ 1510م في (تيدسي) وهي قرية قرب (تارودانت)([353]) تبعد عنها 22 كلم جنوب غربيها واعترف بهذه البيعة الشيوخ والقضاة والفقهاء من المصامدة. ولقب محمد السعدي بلقب القائم بأمر الله.
وافتتح محمد القائم عهده بالهجوم على البرتغاليين عند (أگادير)([354]) فأحرز عليهم عدّة انتصارات أدّت إلى أن يستقدمه أهل (الشياظمة) و(حاحا) ليقود جيوش مقاومة البرتغاليين في ديارهم وكانت وفاة محمد سنة (923هـ ـ 1517م).
خلفاء محمد القائم
تولّى بعد محمد ولده ولي عهده أبو العباس أحمد الأعرج فكان أوّل ما عني به هو إعداد جيش واستطاع أبو العباس الانتصار على البرتغاليين في آسفي([355])، وإيقاف زحفهم نحو الداخل. وبدأ انسحابهم من الشواطئ المغربية في أواسط عهد أبي العباس الأعرج، وكان خروجهم من آسفي حوالي سنة (933هـ ـ 1526م) وتتابع خروجهم على دفعات، وإن ظلّت لهم بعض المواقع.
وأخذت جيوش أبو العباس تزحف زحفاً سلمياً خلال الحرب مع البرتغاليين، بدعوة الاستنجاد على هؤلاء بالأمير الهنتاني (ناصر بوشنتوف) الذي أسرع فأمرهم بالنجدات، فكان أن دخلوا مراكش سنة 930هـ.
وقد أدّى ذلك إلى اشتعال الحرب سنة 935 بينهم وبين الوطاسيين([356]) الذي رفضوا تدخلهم في مراكش، فتدخل العلماء والصلحاء فتمّ الاتفاق على أن يعترف بسيادة الوطاسيين على الجزء الواقع فيما بين (تادلا) والمغرب الأوسط، وسيادة السعديين على ما بين تادلا والسوس. ولم يطل أمر هذا الاتفاق بل نقضه السعديون وهزموا الوطاسيين في معركة حاسمة سنة (943هـ ـ 1536م).
على أنّ صراعاً شبّ بين أبي العباس أحمد وبين أخيه محمد المهدي بسعايات بعض رجال الحاشية، أدّى إلى انتصار محمد وخلع أبي العباس سنة 946هـ.
وكان البرتغاليون لا يزالون يحتلون (أگادير) وبذلك ظلّوا يهددون منطقة السوس، فاستطاع محمد المهدي الانتصار عليهم وإخراجهم من أگادير سنة 948هـ وكان لمدافعه أثر كبير في هذا الانتصار.
وقد كان لهزيمة البرتغاليين هذه الهزيمة صدى بعيد في الأحداث التالية إذ أدّت إلى أن يأخذ البرتغاليون بالتخلي عن مواقعهم في المغرب موقعاً بعد موقع.
ولمّا كانت الدولة قد قامت على أكتاف أهل السوس فقد رأى محمد المهدي([357]) أن يتّخذ من مدينة مراكش عاصمة له ليظل قريباً من أنصاره السوسيين فاستقرّ فيها سنة 951هـ وظلّت منذ تلك السنة عاصمة لهم حتّى انتهاء دولتهم.
وتابع محمد فتوحاته عبر الشمال فاستولى على مكناس([358]) سنة 955 بعد استيلائه على حصن قشتاله. ثمّ حاصر مدينة فاس ودخلها سنة 959 مطارداً الوطاسيين في كلّ مكان ونجا من الأسر أبو حسّون علي بن محمد الوطاسي، فحاول أوّلاً الاستنجاد بالبرتغاليين والإسبان فلمّا أخفق في ذلك حاول الاستنجاد بالأتراك. فلمّا رأى ذلك محمد المهدي أسرع فغزا الأتراك في معقلهم في الجزائر.
وقبل أن يحل العام 957هـ بدأ بحصار تلمسان وكان بها يومئذ سلطان من بني عبد الواد تحت حماية الإسبان المباشرة، وظلّ على حصارها تسعة أشهر إلى أن أدخلها في السيادة السعدية. وهنا جاءت نجدات تركية هزمت الجيش السعدي و استردّ الأتراك تلمسان، وعندما حاول محمد المهدي معاودة غزوها فشل في ذلك فصرف النظر عن فكرة ضمّ المغرب الأوسط إلى الحكم السعدي، إذ كان عليه أن يجابه الأتراك والإسبان فضلاً عن الوطاسيين وبقايا البرتغاليين بالمغرب الأقصى.
أمّا أبو حسّون فإنّه سنة 956هـ انصرف إلى استرجاع دولته ففاوض نائب الملك في إسبانيا وشارل كان في ألمانيا فلم يجده ذلك شيئاً، فلجأ إلى البرتغاليين فأسعفوه بقوى بحرية فلم يلبث أن أسره الأتراك في عرض البحر. ولكنّه استطاع إقناع القائد التركي بالتحالف معه، فتألّفت قوّة جزائرية تركية لمحاربة محمد المهدي الشيخ، فلم يقو هذا على مدافعتها فسقطت (تازة)([359]) ثمّ فاس بيد الجيش التركي، فعاد الوطاسيون إلى حكم فاس.
وانتهى الأمر بقتل أبي حسّون في معركة مع السعديين بتادلا([360]) أواخر سنة 961هـ وبذلك قضى نهائياً على الدولة الوطاسية.
ظل محمد المهدي الشيخ مصمماً على عدم الاعتراف ـ ولو رمزياً ـ بالسلطة العثمانية على المغرب. ولمّا دعاه السلطان سليمان القانوني (1520ـ1566م) إلى الدعاء له على منابر المغرب بصفته خليفة المسلمين ردّ عليه بأنّه لا يجيبه حتّى يكون بمصر إن شاء الله.
ولكن العثمانيين دبّروا اغتياله في آخر سنة 964هـ وحملوا رأسه إلى البلاط العثماني…
وتولّى بعده ولده أبو محمد عبدالله الغالب، ولم تمض سنة على توليه حتّى هاجم الأتراك المغرب ولكنّهم فشلوا في هجومهم.
ولم يعترف ـ كأبيه ـ بخلافة العثمانيين وهادن الإسبان فناصروه أحياناً وخذلوه أحياناً أخرى، وممّا أخذ عليه ـ بحق ـ تسليمهم (حجر باديس) في الشمال فاتخذوه مقراً لمراقبة الأتراك.
ومن أياديه البيض تجرّده لمعاونة (المورسكيين) المسلمين في اضطهاد الإسبان لهم وقد أرسل لهم موفداً ولكن الإسبان اكتشفوه وقتلوه.
المورسكيون
المورسكيون: هم المسلمون الذين أرغموا على التنصّر بعد سيطرة الإسبان على الأندلس وقيام (محاكم التفتيش) وفظائعها بعد سقوط غرناطة فقد حاولت الكنيسة أوّل الأمر تنصير المسلمين بالوعظ والإقناع والتأثيرات المادية فلم يغنها ذلك شيئاً فانقلبت إلى العنف والمطاردة، فأغلقت المساجد وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم وانتهكت عقائدهم وشريعتهم. وفي شهر تموز سنة 1499م (905هـ) اتخذت وسائل فعالة لتنصير المسلمين، فجاء الكردينال (همنيس) إلى غرناطة ودعا أسقفها (الدون تالاڤيرا) إلى العمل الجدي في التنصير.
وقد فرض التنصير على المسلمين فرضاً، ولم تحجم السلطات الكنسية والمدنية عن اتخاذ أشد وسائل العنف. ولم يستكن المسلمون إلى هذا العنف دون تذمر ودون مقاومة، وسرت إليهم أعراض الثورة لا سيما في الجبال. وقرّر مجلس الدولة بأنّ المسلمين أصبحوا خطراً على الدين والدولة، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية. وسرعان ما سرت الحمية في المسلمين فأعلنوا الثورة في معظم نواحي غرناطة وفي ربض البيازين وفي البشرات وغيرهما واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم وحريتهم، ولكنّهم كانوا عزلاً، فكثر بينهم القتل والسبي، وقضي بالموت على مناطق بأسرها ما عدا الأطفال الذين هم دون الحادية عشرة، فقد حوّلوا إلى نصارى. وحمل التعلّق بالوطن وخوف الفاقة وهموم الأسرة كثيراً منهم على الإذعان والتسليم فقبلوا بالتنصير المغصوب ملاذاً للنجاة. وهكذا ذاع التنصر.
ثمّ بعد هذا كلّه كان من أظهر التنصر من المسلمين يكتم الإسلام خيفة فشدّدوا عليهم في البحث حتّى إنّهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك.
وقامت محاكم التفتيش في مطاردة المورسكيين بأعظم دور وتركت في مأساتهم أعظم الأثر.
وعمّ التنصر المورسكيين وصاروا يتكلمون ويكتبون القشتالية غير أنّهم لم يندمجوا بغيرهم.
وفي سنة 1609 تقرّر نفيهم إلى المغرب وإن عليهم أن يرحلوا خلال ثلاثة أيام وأن يحملوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم.
ونفذ قرار النفي في كلّ مكان بصرامة ووحشية.
وفي هذا الوقت الذي نكتب فيه هذا الكلام وفي الثالث عشر من كانون الأوّل (ديسبمبر) سنة 1998 بالذات عرفنا عن عقد مؤتمر إسبانيا يتعلق بالمورسكيين نذكر عنه هنا ما يلي:
بدعم من مستشارية الثقافة والتعليم في مقاطعة مدريد، أقامت «مؤسسة الجنوب للبحوث» في الفترة من 3 إلى 5 كانون الأوّل (ديسمبر) الجاري أوّل مؤتمر علمي حول «السياسة والمورسكيين في عهد البيت الملكي النمساوي في إسبانيا»، أي في الفترة ما بين 1517 و1700 ميلادية، أي بعدما يزيد قليلاً عن عقدين على سقوط غرناطة، والذي كان في رأي معظم المشاركين في المؤتمر مقدمة لأحداث تاريخية فظيعة تدل على مدى الشر الذي كان يكمن في العقلية الأوروبية المسيحية تجاه الإسلام والمسلمين، لأنّ المورسكيين في رأي معظم الباحثين لم يكونوا سوى أبناء الأمة الأندلسية التي اختلطت فيها الدماء العربية والبربرية الوافدة مع الفتح الإسلامي والدماء الأصيلة لسكان تلك البلاد قبل أن تقوم دولة الأندلس… تلك الأحداث التي تكررت في عالمنا المعاصر في أشكال أخرى مثل ما حدث في البوسنة والهرسك ويحدث الآن في كوسوفو.
شارك في هذا المؤتمر العديد من المستعربين الأوروبيين المتخصصين في الدراسات المورسكية، مثل ألفارو غالمث دي فيونتس ورودولفو خيل غيرماو وماريا خيسوس روبيرا ماتا ولويس فرنانديت برنابيه بونس من إسبانيا، وجان بيير مولينات من فرنسا، وأنطونيو ديازفارينا وإيزابيل ريبيرا مينديز ولويس كارميلو من البرتغال.
ومن الجانب العربي شارك في المؤتمر عدد من الباحثين المتخصصين، منهم: جمال عبد الكريم من مصر، وعبد الجليل التميمي وعبد الكريم سلامة من تونس، ومحمد بن عزوز حكيم وحسين بو زينب وفاطمة رشيدي من المغرب، ومحمد عبده حتم الله من الأردن.
تناولت البحوث التي ألقاها المشاركون مختلف جوانب حياة المورسكيين في ظل السياسة المسيحية التي مارسها ملوك إسبانيا الذين ينتمون إلى البيت الملكي النمساوي، والتي قامت خلالها محاكم التفتيش التي انتهت أخيراً بطرد ما تبقى من المورسكيين في إسبانيا بعد محاولاتهم استرداد حقوقهم الشرعية كمواطنين ولدوا وتربّوا على أرض الأندلس قبل أن تكون هناك دولة تسمّى إسبانيا.
ومن بين البحوث التي نوقشت في هذا اللقاء، بحث الدكتور جمال عبد الكريم نائب رئيس مؤسسة الجنوب والأستاذ بجامعة القاهرة، الذي أكد في بحثه على أنّ العودة إلى تناول أوضاع المورسكيين في تلك الفترة هدفها الكشف عن جذور الأوضاع التي تشهدها مجتمعات إسلامية أوروبية معاصرة، عاشت لسنوات طويلة تنشد السلام مع جيرانها من المجتمعات المسيحية، ولكنّها واجهت في النهاية تطبيقاً جديداً ومعاصراً لمحاكم التفتيش التي شهدها إخوة لهم على أثر سقوط دولة الإسلام في الأندلس.
تلك المحاكم لم تكن سوى أداة سياسية للقضاء على شعب بكامله لمجرد وجود تفرقة في العقائد، ليكون المورسكيون أوّل شعب يواجه عملية تطهير عرقي في أوروبا طوال تاريخها، لأنّ المورسكيين ـ في رأي الباحث ـ كانوا إسباناً مثلهم مثل أي إسباني آخر، وكلّ ما كانوا يتميزون به هو اختلاف عقيدتهم عن عقيدة ملوك إسبانيا الجدد الذين شنّوا على الأندلس حرباً صليبية.
من أبرز البحوث التي قدمت جديداً في هذا المجال، وحاولت أن تلقي الضوء على محاولات المورسكيين تطبيع علاقاتهم مع المسيحيين في ظلّ القوانين الجديدة التي كانت محاكم التفتيش تطبقها عليهم، جاء بحث «المؤامرات الغرناطية في الكتب الرصاصية» للباحث الإسباني لويس فرنانديث بونس الذي تناول تلك المحاولات المورسكية لتطبيع تلك العلاقات من خلال الكتابات السرية التي تمّ العثور عليها في «الساكرومونتي»، تلك الكتابات التي حاولت أن تموج المعتقد الإسلامي بالمعتقد المسيحي لتقدّم للمورسكيين شكلاً يجعلهم يحافظون على ديانتهم الإسلامية الحقيقية في الخفاء، وفي الوقت نفسه يظهرهم أمام المسيحيين بمظهر «المتنصرين» خصوصاً بعد فشل محاولاتهم التمرد على الأوضاع الجديدة.
أكد الباحث أنّ ظهور هذه المخطوطات فتح في المجتمع الإسباني نقاشاً واسعاً توصّل المشاركون فيه إلى نتائج متعارضة، وفي أحيان كثيرة متناقضة، إذ كان بعضهم يرى أنّها محاولة لإيجاد مخرج «مثالي» للمتنصرين الجدد لمواجهة حياتهم الجديدة في ظل معتقد جديد أجبرتهم عليه الأوضاع السياسية والاجتماعية الناتجة عن هزيمتهم على أيدي الملوك الكاثوليك.
لكن الباحث يؤيد الرأي القائل إنّ هذه الكتابات كانت تحاول أن تقدّم وجهة نظر إسلامية يمكن أن تؤثّر في الرأي العام الإسباني المسيحي لأنّ مخطوطات «الساكرومونتي» وغيرها من المخطوطات التي أمكن العثور عليها في ما بعد مثل «انجيل برنابا» الشهير، الذي يتبنى وجهة نظر إسلامية بحتة في ما يختص بأنّ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، وتطابقه مع القرآن الكريم في العديد من المسائل منها علامات «قيام الساعة».
كلّ هذه الكتابات المورسكية في رأي الباحث كانت تسير باتجاه واحد مخطط له بشكل جيّد من أجل تغيير رياح المواجهة مع المسيحيين، ومحاولة تبديل وضع المورسكيين فيه بحصولهم على حقوق ومكانة تسمح لهم بمواصلة الحياة على أرضهم التي ولدوا ونشأوا عليها. وأشار الباحث إلى أنّ رأيه الخاص في هذه المسألة هو أنّ ذلك المخطط، لو كتب له النجاح، لأمكنه أن يغيّر تماماً شكل المجتمع المسيحي الذي أجبر المورسكيين في النهاية على الرحيل إلى المغرب وشمال إفريقيا.
وتماماً، كما يحدث في المؤتمرات التي يلتقي فيها باحثون من الشرق والغرب، حدث خلاف شديد بين عدد من الباحثين حول كلمة «الاستعادة» التي يستخدمها الباحثون الإسبان عند حديثهم عن الحرب الكاثوليكية التي انتهت بسقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس. فقد وردت هذه الكلمة كثيراً على لسان الباحث الإسباني ألفارو غالميث، ما دعا الباحث المغربي الدكتور حسين بو زينب إلى التدخل محاولاً أن يبين أنّ تلك الكلمة خاطئة ويجب عدم استخدامها لأنّ مسلمي الأندلس كانوا يشكلون أمّة إسبانية أصيلة ولم يكونوا دخلاء على هذه الأرض كما يحاول أن يصوّر بعض الباحثين المسيحيين، وأنّ الحرب التي شنّها الملوك الكاثوليك لم تكن سوى حرب استعمارية قام خلالها شمال إسبانيا باحتلال الجنوب الذي كان في ذلك الوقت يمثّل الأندلس الإسلامية.
خلال هذا الحوار أعرب عدد من الباحثين الإسبان عن تأييدهم لوجهة نظر الباحث العربي، ومنهم الإسباني رودولفو خيل غيرماو، وطالبوا بمراجعة حقيقية لبعض الكلمات التي يجري استخدامها في البحوث الخاصة بالأندلس والتي لها أصول مسيحية وتعبّر عن وجهة نظر مسيحية، ولا تعبّر عن حقيقة الحدث التاريخي. (انتهى).
ونعود إلى ما كنّا فيه من الحديث عن السعديين.
في سنة (980هـ ـ 1573م) توفي عبد الله الغالب فتولّى بعده ابنه محمد المتوكل، ولكن أمره لم يطل فقد ثار عليه عماه أحمد وعبد الملك واستنجدا بالسلطان التركي فأحالهما على والي الجزائر الذي أرسل جيشاً لقتال المتوكل، فهُزم المتوكل سنة 983 في وادي سبو، ثمّ هزم مرّة ثانية في وادي الريحان قرب سلا، ممّا فتح أمام عمّه عبد الملك أبواب فاس في أواخر سنة 983هـ فتمّت بيعته فيها في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة سنة 983هـ وقد اهتم عبد الملك بأمور الجيش الذي تألف من عناصر عربية وبربرية وأندلسية وتركية وأسّس أسطولاً أرسى قطعه على موانئ الشمال والعرائش وسلا.
وقد حاول المتوكل أن يستقر في مراكش إلاّ أنّه لم يستطع الثبات، وختم حياته أسوأ خاتمة بالتجائه إلى البرتغاليين وملكهم (دون سباستيان) مستنصراً به.
ويبدو من مراقبة أحداث تلك الفترة أنّ المطامع البرتغالية بالمغرب وبما وراء المغرب لم تكن خافية وكان لا بد من التيقظ لها والإعداد لردّها عندما تثور، ولم يبد أنّ المتوكل كان متنبهاً لتلك المطامع أوّ أنّه كان في سبيل الإعداد وتجميع القوى لليوم الذي كان يلوح أنّه لا محالة آت.
وقد كان مبرر قيام الدولة السعدية في الأصل هو وجود الخطر الخارجي الذي يهدد الوطن أشد تهديد.
كان للإحتلال الصليبي للسواحل المغربية صدى عميق الأثر في نفوس الشعب، فقامت دعوات إلى حمل السلاح واقتلاع المغتصبين ممّا احتلوه على الشاطئ المغربي، في حين كانت البلاد غارقة في فتنها الداخلية.
ومن هنا كان التطلع إلى قيادة مخلصة حازمة توحد البلاد وتحارب المد الصليبي الزاحف وفي ذلك يقول الشاعر الهبطي:
فرحم الله أميراً قد سلك
نهج الهدى وما سواه قد ترك
كما به أخذ الحدود والحقوق
والأمر في حرز الديار والطرق
والصون للثغور حيث الكفار
دمرهم ربي سبوا للأبكار
فإن رأى أمراً يضرّ بالمسلمين
سدده ولم يكن في الغافلين
حنانه أيضاً على الرعية
مثل الأب المهموم بالذرية
ما أحوج الورى لذا شر زمان
إلى إمام قائم بالقرآن
فجد علينا يا عظيم المنة
بمن يقوم في الورى بالسنَّة
أمنن علينا بالإمام العادل
يهد بنيان الخنا والباطل
حتّى نرى الحق المبين ظاهراً
وكلّنا به يصير ظافرا
وعندما وجدت هذه القيادة في السعديين وقامت دولتهم على هذا الأساس لم يكن من الجائز السكوت على من يبدو مشكوكاً في تصرفاته وتوجهاته.
لقد قامت هذه الدولة وشعارها حماية البلاد من البرتغاليين الذين لم يخفوا في يوم من الأيام طموحاتهم في الفتح والسيطرة والتقدّم إلى أقصى البلاد الإسلامية. فإذا لم يبال مالك الأمر بهذا فلا بد من التخلص منه…
هذا ما يلوح للمطالع المتتبع، لذلك صمّم الأخوان عبد الملك وأحمد على خلع ابن أخيهما (المتوكل) غير المبالي بما يجري وغير المتحفز لإنماء القوى المغربية التي تستطيع إيقاف البرتغاليين عندما يمشون لاحتلال المغرب.
وقد رأينا كيف أنّ الأخوين لجآ لأكبر قوّة إسلامية في ذلك الوقت هي قوة العثمانيين للاستنصار بها، مع علمهم بمطامع العثمانيين بالمغرب. ولكنّهما قابلا بين احتلال برتغالي واحتلال عثماني، فلم يترددا واستنجدا بالعثمانيين.
وقد صحّت فراسة الأخوين بابن أخيهما، فلم يتورع عن الاستنجاد بالبرتغاليين وملكهم (دون سباستيان)، واتفق معه على تقاسم المغرب، بأن يكون للبرتغاليين: الساحل المغربي ويكون له الداخل.
ولقد رأينا كيف أنّ عبد الملك عمل أوّل ما عمل على تقوية الجيش البري وتقوية الأسطول البحري، وكيف أنّه لم يضع أي وقت في التفكير بغير ذلك([361]).
معركة وادي المخازن الحاسمة
لم يكن (دون سباستيان) بحاجة لمن يحرضه على غزو المغرب، فقد كان من تصميماته الأكيدة، ولم تكن مطامعه محدودة بالمغرب، بل كان يتطلع إلى ما وراء المغرب للوصول بفتوحه إليه.
ولم يكن انضمام المتوكل إليه هو العامل على أنفاذ الغزو، وكلّ ما كان لهذا الانضمام من أثر، هو أنّه ثبته في التوجه إلى إفريقيا بعد أن كان قد أهملها من سبقه من الملوك لا سيما الأمير جون الثالث الذي انصرف بكل جهده نحو أميركا الجنوبية.
على أنّ حاشية سباستيان والنبلاء لم يكونوا من رأيه، بل كانوا معارضين لهذا التوجه، ولكنّه أصرّ على أن يقود الغزو بنفسه فتوجّه من قادس إلى طنجة، ثم أبحر قسم من الجيش إلى أصيلا التي كان البرتغاليون قد أخلوها سنة 1551 ثمّ عادوا إليها في آخر سنة 1577 أمّا الجيش البري فقد توغل معظمه في المنطقة الشمالية متجهاً من طنجة نحو القصر الكبير وكان المتوكل في صميم القيادة البرتغالية ماشياً معها لاقتسام بلاده بينه وبينها.
ولهذا قلنا من قبل أنّ فراسة عبد الملك وأحمد في ابن أخيهما لم تخطئ، وإنّهما حين عملا على إطاحته كانا يخشيان على مصير الوطن. وها هو اليوم يحقق تلك الفراسة.
لقد بولغ في عدد الجيش المهاجم، كما بولغ في عدد الجيش المدافع، وساهمت في المبالغة كلّ من المصادر الأجنبية والمصادر العربية. فقد قيل إنّ عدد الجيش البرتغالي كان 125 ألفاً وقيل مئة ألف. هناك من أنزله إلى 60 ألفاً، ومن زاد في هذا الإنزال فجعله 14 ألفاً.
وصاحب كتاب «المغرب عبر التاريخ» ص259 ج2 ط1993 يرى أن أوسط التقديرات هي أنّ الجيش البرتغالي كان ما بين 40 و50 ألفاً وأنّ الجيش المغربي كان حوالي 60 ألفاً وأنّ عدد مدافع كلّ من الجيشين يكاد يكون متساوياً، فمدافع البرتغاليين كانت 36 مدفعاً، ومدافع المغربيين تقارب هذا العدد.
وبهذا نعلم الجهد الذي بذله عبد الملك في إعداد الجيش وتسليحه، وأنّه كان جديراً بالمهمة التي ندب نفسه لها عندما صمّم على إسقاط ابن أخيه المتوكل.
نفد الجيش البرتغالي خطته بأن عبر ـ كما قلنا ـ إلى طنجة ومنها مشى إلى أصيلا([362]) فاحتلها في تموز سنة 1578 وعسكر فيها. فقرّر عبد الملك أن لا يهاجم الجيش المهاجم وأن يفسح له المجال للتوغل في البلاد بعض التوغل فيبتعد بذلك عن المواقع التي يمكن أن تصلها الإمدادات بسرعة.
ويجمع المؤرخون على أنّه كان في الجيش البرتغالي متطوعون إسبان وفرنسيون وإيطاليون وألمان وقليل من المسلمين من أنصار المتوكل.
ويصف المؤرخ المغربي (الوفراني) حال الناس يومذاك قائلاً:
«وكان خروج النصارى في هذه الوقعة بجيوش حافلة وجموع عديدة يُقال إنّه زهاء مئة ألف وخمسة وعشرين ألف مقاتل وقصدوا هلاك المغرب وحصر المسلمين وإدارة رحى الهوان على أهل الدين. فعظم ذلك على الناس وامتلأت قلوبهم رعباً، وصدورهم كرباً وبلغت القلوب الحناجر واشتعلت على أهل العقول نيران الهواجر».
وأخيراً تقدم سباستيان بجيوشه نحو قصر كتامة عابراً قنطرة وادي المخازن. وهنا عمد عبد الملك إلى عمل عسكري في غاية الإحكام، فلم تكد الجيوش البرتغالية تعبر القنطرة حتّى أرسل عبد الملك كتيبة من الخيل دكّت القنطرة دكاً لئلا يستطيع البرتغاليون معاودة عبورهم في حالة هزيمتهم وليمكن استئصالهم كلّ الاستئصال.
وكان جيش السعديين يتألف من بربر وعرب وأتراك، تصحبه نخبة من الفقهاء والصلحاء انضموا إليه تنفيذاً لفريضة الجهاد، وتحميساً للمقاتلين.
وبالرغم من أنّ عبد الملك قد مرض خلال التعبئة مرضاً شديداً، فقد أصرّ على الحضور بنفسه في القيادة كما حضر أخوه أحمد.
ومضى البرتغاليون تتقدّمهم المدفعية لحماية المشاة وتحيطهم الخيالة من الجانبين، وانتظم المشاة في شكل مربعات متماسكة.
أمّا الجيش المغربي فقد استفاد عبد الملك في تنظيمه من الطريقة الاستراتيجية العثمانية في الحرب حيث كان قد شارك العثمانيين في حروبهم بالجزائر وتونس، فاعتنى بالرماة وسلحهم على النمط الانكشاري، كما اعتنى بالفرسان. وكانت له معامل للسلاح والذخيرة في فاس ومراكش وتارودانت، معتمداً في إنتاجها على معادن البلاد لا سيما النحاس.
ووقع الصدام يوم آخر جمادى الأولى سنة (986هـ ـ 1578م) ويصف المؤرخ المغربي صاحب (نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي) الصدام بقوله: «… ثمّ زحف عبد الملك إلى العدو بجيش المسلمين وخيل الله المسومة، وانضاف له من المتطوعة كل من رغب في الأجر وطمع في الشهادة وأقبل الناس سراعاً من الآفاق، وابتدروا حضور هذا المشهد الجليل فاتفقت الفئتان وزحف بعضهم إلى بعض وحمي الوطيس واسود الجو بنقع الجياد ودخان مدافع البارود، واشتد القتال وكثر الضرب والطعن واستمر النزال. فلمّا قامت الحرب على ساق والتفّت الساق بالساق توفي عبد الملك… ولمّا مات عبد الملك لم يظهر الذي كان سايس المحفة موته، فصار يقدم دواب المحفة نحو العدو ويقول للجند: الملك يأمركم بالتقدم. وعلم بموته أخوه فكتمه… ولم يزل كذلك والناس في المناضلة ومداناة القواضب واحتساء كؤوس الحمام إلى أن هبّ على المسلمين ريح النصر… وقتل الطاغية البرتغالي… ولم ينج من الروم إلاّ عدد نزر وشرذمة قليلة، وبحث في القتلى عن محمد المتوكل فوجد غريقاً في وادي لكوس» اهـ.
ولمّا وقعت الهزيمة تراجع المنهزمون نحو النهر فوجدوا القنطرة قد اندكت، وتراموا إلى النهر([363]) فغرق كثير منهم وفيهم دون سباستيان نفسه. وبلغ عدد قتلى البرتغاليين 8000 قتيل، كما أسر الكثيرون.
ويسمّي البرتغاليون هذه المعركة (معركة الملوك الثلاثة) لأنّ ثلاثة ملوك قادوها وماتوا فيها، هم: عبد الملك، ودون سباستيان، والمتوكل. ويسمّيها المغاربة معركة وادي المخازن.
ويذكر صاحب كتاب (السياسة والمجتمع في العصر السعدي) معركة وادي المخازن بهذه التفاصيل:
بعد أن وجد المتوكل نفسه أصبح معزولاً من كلّ سند شعبي أو عسكري في الداخل، مهدوداً بسبب الحروب التي خاضها ضد عمّه من غير جدوى، ثم تعقبه على إثرها في كلّ مكان، التجأ إلى أتراك الجزائر يطلب عونهم فرفضوا الاستجابة لطلبه. أمّا إسبانيا فلا يمكنها أن تجد مبرراً لمساعدته في الوقت الذي كانت علاقتها مع المعتصم هادئة عادية. وإنّما كان باستطاعة البرتغال وحدهم أن ينهضوا بهذا العبء علَّهم يدرأون عنه الخطر، ثمّ يسترجعون بعض ما فقدوه من التراب المغربي أو يعوضون عنه بما يريدون.
لذلك تبادل المتوكل مع دون سباستيان مراسلات بهذا الشأن عن طريق حاكم «البريجة» الذي لم يتردد في أن نصح الملك البرتغالي الشاب بالعدول عن هذه المغامرة. وكان المتوكل لا يطلب سوى نجدة عسكرية من أربعة آلاف جندي بقيادة ضابط كبير محنك([364]). إلاّ أنّ دون سباستيان فضّل أن يتولى القيام بمشروع حملة كبيرة يهدف من ورائها إلى غزو شامل للمناطق المغربية، وبالرغم من معارضة قريبه فيليب الثاني ملك إسبانيا([365]).
وحسب رواية المعسكري([366]) وابن القاضي([367]) فإنّ الملك البرتغالي اشترط على المتوكل أن يتنازل له عن مجموع المناطق الساحلية. وقد يكون المتوكل قام باتصال مباشر مع دون سباستيان في لشبونة([368]) ثمّ في طنجة حيث حضر الملك البرتغالي أكثر من مرّة.
وقبل أن يتهيأ سباستيان للحرب وجّه خطاباً إلى نبلاء بلاده يذكّرهم بماضي الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبما كان لأسلافهم من أمجاد في إنهاء هذا الوجود، ثمّ دعا مجموع الأمّة إلى حمل السلاح ضد المغاربة لإخضاعهم.
وكان ردُّ النبلاء على نداء الملك، أنّ مشروعه سيصادف صعوبات جمة، من حيث أنّ البرتغاليون لن يقاتلوا جيشاً واحداً ولا ملكاً واحداً، ولكن عدّة زعماء من الشعب([369]). غير أنّ سباستيان لم يحفل بنصائح من نبهوه إلى خطورة مشروعه، وتهيأ لحرب شاملة لم يكن يهدف من ورائها إلى أن ينجد المتوكل فحسبه بل وإلى أن يستجيب لنداء الدين والتاريخ أيضاً.
وهكذا قاد سباستيان نفسه جيشه متوجهاً من قادس إلى طنجة، ثمّ أبحر من الجيش إلى أصيلا التي كان البرتغال قد انجلوا عنها سنة 1551 ثمّ استرجعوها في آخر سنة 1577 بخيانة من قائدها عبد الكريم([370]). والظاهر أنّه لجأ إلى ذلك باتفاق مع المتوكل.
وتمّ اتصال سباستيان بطلب منه، بمحمد المتوكل في طنجة حيث كان هذا بانتظاره بها([371]). ثمّ احتفظ الملك البرتغالي بولد المتوكل مولاي الشيخ كرهينة وبعث به إلى «البريجة».
وكان المعتصم قد أنهى في هذه الظروف عمليات التهدئة في المناطق السوسية. وكان يتتبع تطورات التدخل البرتغالي واتصالات المتوكل، فأسند إلى أخيه أحمد تنظيم التعبئة العامة، وإلى إبراهيم السفياني مهمة قيادة طلائع الجيش في ضواحي القصر الكبير حيث يقوي معنوية السكان هناك ويتربص لكلّ هجوم مباغت، ذلك أنّ هذه المنطقة ستصبح عمّا قليل مسرحاً لإحدى أعظم معارك التاريخ([372]) وإن كانت المصادر العربية لم تُعْنَ بها العناية الكافية.
والواقع أنّ المنطقة الشمالية من المغرب طالما تعرّضت للغزو الأجنبي فردّته بشجاعة أو قاومته بصمود. ومن البديهي أن يتساءل الملاحظ: لماذا ترك المعتصم القوات البرتغالية تتحرك ثمّ تتوغل بعد ذلك دون أن تبدأ مقاومتها في عرض البحر أوّلاً؟
لقد جرت الأعراف في المعارك التقليدية أن يتبادل الطرفان المراسلات بينهما لتحديد موقع المجابهة. وهذا ما حصل فعلاً في معركة وادي المخازن حيث طلب المعتصم من خصمه أن يتقدّم قليلاً في الداخل لأنه سيتجشم بدوره مهمة التنقل من سوس قاطعاً مراحل عديدة. وكان المعتصم يهدف إلى خطتين:
1 ـ إبعاد الجيوش البرتغالية عن الساحل ومراكز إمداداتها.
2 ـ تكبيد العدو أكبر الخسائر بسرعة وبقطع خطوط الرجعة عنه.
ذلك أنّ المغرب لا يتوفر على قوّة بحرية كافية، والبرتغال إحدى أعظم دول العالم أسطولاً في القرن 16، ولذلك سهل عليهم احتلال المراكز الساحلية من المغرب، وتعذر عليهم التوغل غالباً في الداخل. ومن ثمّ توغل معظم الجيش البرتغالي في المنطقة الشمالية متجهاً من طنجة نحو القصر الكبير.
وراودت فكرة التراجع عدداً من المستشارين العسكريين في مجلس عقد برئاسة الملك البرتغالي، على أن يتوجه الجيش نحو العرائش تجنباً لمعركة القصر الكبير. وبذلك يتضح أنّ قادة الجيش البرتغالي كانوا على يقين مقدماً من الهزيمة([373]).
وقد اختلفت الروايات حول عدد فرق الجيش بالنسبة للطرفين، حيث تذكر ما بين 14 ألفاً و125 ألفاً لدى البرتغال([374])، و70 إلى 90 ألفاً لدى المغاربة([375]).
وحسب رواية أخرى ساقها دوكاستري، فإنّ العسكر البرتغالي كان موزعاً كما يلي:
3000 جيش الأسطول.
2000 جيش احتياطي بالجديدة.
14000 مشاة.
2000 فارس.
3000 معبدو الطرق.
وهذا بالإضافة إلى 1000 عربجي وحشد لا نهاية له من الغلمان والحشم والرقيق المغاربة وغيرهم، وفوج عظيم من بنات الهوى (!).
أمّا جيش المعتصم فيتألف من الفرق التالية:
3000 من جند الأندلس بقيادة الدغالي.
3000 راجل.
25000 فارس.
1000 رام بالبنادق والخيل (أعلاج وترك).
1000 فارس متطوع، وعددهم كبير من المغامرين كما جاء في الرواية المشار إليها([376]).
وقد احتشد الجيش المغربي تاركاً وادي المخازن عن شماله كحاجز له وغطاء، بينما ترك المعتصم الجيش البرتغالي يتخطّى الوادي ليحتشد تاركاً النهر وراءه([377]). وهذه الرواية هي التي يمكن الاطمئنان إليها عكس ما جاء في الرواية المغربية التي تقول إنّ البرتغال هم الذين تركوا النهر عن شمالهم، بدليل المصير الذي ستؤول إليه المعركة.
على أنّ الاعتبار العددي لم يكن له كبير وزن في موقعه كان للمدفعية فيها دور حاسم. ذلك أنّ عدد المدافع (36) هو نفسه لدى الطرف الآخر. أمّا العناصر المساهمة في الجيش البرتغالي، ففيهم بالإضافة إلى البرتغال إسبان، وفرنسيون وإيطاليون وألمان.
وكان المتوكل يقود بدوره فرقة مغربية من بضع مئات. وقد نصح سباستيان بأن يستولي قبل كلّ شيء على العرائش وتطوان قبل أن يتوغل في الداخل ولكنّه لم يعمل برأيه.
وفيما يخص ترتيب الجيش، فقد اصطف البرتغال ثلاث فرق يساند بعضها بعضاً وعلى رأس كلّ منها قائد، كما كان على رأس كلّ من الفرق الأجنبية المنضوية تحتها ضابط([378]). وكان المجموع يؤلف مربعاً.
أمّا الجيش المغربي فقد رتبت صفوفه على شكل هلال: الرماة من المشاة، يتقدّمهم جند الأندلس ثمّ المغاربة. وفي طرفي الهلال فرقتان كل منهما مؤلفة من 10 آلاف فارس، وفي المؤخرة على مسافة أبعد، باقي الخيالة في فرق صغيرة احتياطية([379]).
ولم يتواجه الجيشان في المكان مباشرة، فقد تخطّت الفرق البرتغالية قنطرة وادي المخازن وعسكرت بحيث بقي النهر من وراءها كما تقدّم. أمّا المعتصم فقد عسكر بسوق الخميس على ستة أميال من القصر، وبدأت المواجهة في 30 جمادى الأولى 986/4 غشت 1578 بعد أن هدم المغاربة القنطرة التي عبرها كلّ الجنود الذين حضر بهم سباستيان إلى المعركة، حتّى يتعذّر عليهم الانسحاب في حالة هزيمتهم.
وكان في الجيش المغربي عدد كبير من الصلحاء والعلماء، كما حضر مع سباستيان كثير من رجال الدين المسيحي. وفي كلا الفريقين كانت المدفعية تتقدم الصفوف المذكورة. وتقول الرواية المسيحية إنّ سباستيان قد ألقى خطبة حماسية في جيشه قبل الشروع في المعركة، وكان القس إسكندر يحمل الصليب ثمّ رفعه إلى أعلى فجثا جند سباستيان على ركبهم، واستغل الجيش المغربي الفرصة بسرعة فأطلق مدافعه في اتجاه قادة الجيش البرتغالي ونخبته([380]). واستولى في لمح البصر على 22 مدفعاً([381]). وكان هذا الهجوم المباغت من القوّة بحيث ألقى الرعب في صفوف البرتغال الذين منوا بهزيمة ساحقة من غير اشتباك يذكر، حتّى إنّ آلافاً منهم ألقت بنفسها في النهر فاقدة كلّ أمل في الحياة. واستخرجت جثة سباستيان والمتوكل من النهر بعد أن ألقيا بنفسهما فيه أيضاً.
جدول ملوك الدولة السعدية
محمد القائم بأمر الله 915
1 ـ أحمد الأعرج 923 2 ـ محمد الشيخ 947
3 ـ عبد الله الغالب بالله 964 5 ـ عبد الملك 983 6 ـ أحمد المنصور الذهبي 986
4 ـ محمد المتوكل 981
7 ـ أبو فارس 9 ـ زيدان 1012 8 ـ محمد الشيخ المأمون
10 ـ عبد الملك 1037 11 ـ الوليد 1040 12 ـ محمد الشيخ الأصغر 1045
13 ـ أحمد العباس 1056
وتوفي عبد الملك المعتصم قبل الشروع مباشرة في المعركة التي يسميها الأوروبيون معركة الملوك الثلاثة. وكان القائد رضوان الذي رافق المعتصم من تركيا واتخذه حاجباً له يخفي عن الجيش المغربي وفاة المعتصم التي لم يطلع عليها إلاّ القائد التركي وأحمد المنصور. وإنّما كان الجيش على علم بمرض الملك، فكان رضوان يخرج به في محفة ويوهم الجيش أنّه يحادثه سراً ويتلقى منه التعليمات ويوجهها باسمه، ومنع على الجميع الدخول إلى سرادقه([382]).
وقبل نقل رفات المعتصم إلى مراكش دفن في مكان باتجاه تطوان. أمّا الغنائم فلم يهتم أحمد المنصور بجمعها بل سمح للجيش بتقاسمها، وأعلنت وفاة عبد الملك بمجرد الانتهاء من عملية إلقاء القبض على الأسارى. وكان مصير القائد رضوان شبيهاً بمصير أبي مسلم الخراساني في خلافة المنصور العباسي، فقد أعدمه لأنّه كان يظهر للحاشية استياءه من عدم مكافأة أحمد المنصور له على الدور الذي قام به في مصير المعركة. وكان الشيخ محمد الحبيب يقول: لو عرفت قبره لزرته.
أمّا جثة المتوكل فبعد استخراجها سلخت وحشيت تبناً. وكان في صفوفه من المغاربة بعض العلماء والصلحاء، ومن بينهم ابن عسكر صاحب دوحة الناشر الذي قتل في المعركة أيضاً. ومن المتحمل أنّ هذا الفريق من الأمة كان يرى أولوية ترشح المتوكل للملك بالنظر لقسوة أبي مروان وبطشه، لكن وحدة الأمّة تجاه الخطر الخارجي فوق كلّ اعتبار([383]).
وقد خسر البرتغال خيرة جندهم وضباطهم في موقعة وادي المخازن حيث بلغ قتلاهم ما لا يقل عن 25 ألفاً. كذلك فإنّ الطرف المغربي كلفه الانتصار ثمناً غالياً لمقتل 18 ألفاً على ما جاء في رواية ساقها دوكاستري وإن كنّا نعتبر أنّ عنصر المفاجأة في إطلاق المدافع المغربية، والهزيمة العاجلة التي حلّت بالجيش البرتغالي يقتضي أن تكون الخسائر المغربية أقل جدّاً ممّا رواه دوكاستري([384]) عن مصدر مشكوك في دقته.
كذلك تقول الوثائق الفرنسية([385]) أنّ الفرق البرتغالية والفرق الأجنبية التي ساهمت معها في المعركة كان ينقصها الحنكة والخبرة. لكن الفرق التي رافقت سباستيان كانت على أي حال تمثّل نخبة جيوشه، ولا يمكن أن يحضر سباستيان من غير أن يقود أحسن العناصر لديه. ونفس المراجع تقول إنّ الجيش المغربي لم يكن أحسن تنظيماً من الجيش البرتغالي، غير أنّ النتيجة واحدة بالرغم من كلّ تعليق، وهي أنّ الجانب البرتغالي خسر كثيراً، وأنّ الجانب المغربي حقّق انتصاراً كبيراً.
وبينما انسحبت الفلول الناجية من البرتغال إلى أصيلا اعتنى أحمد المنصور بجثة سباستيان التي تمّ تحنيطها وسلمت إلى فيليب الثاني مع من افتدي من الأسرى. على أنّ عملية المفاداة تطلبت عدّة شهور، وعلى كلٍّ فقد استغرقت دون سنة([386]). وكان الأسرى يعتقلون بحصنين بمراكش([387])، وحسب رواية أخرى([388]) فإنّ جثة سباستيان سلمت إلى فيليب الثاني دون تعويض.
ونشير هنا إلى أنّ البرتغال كانوا على قليل من العلم باستعدادات المغرب وإمكانياته العسكرية في عهد عبد الملك المعتصم. وحتّى أخبار الهزيمة التي حلّت بجيشهم في وادي المخازن لم تكن تصلهم بوضوح([389]). وهناك من يعتبر هذه الهزيمة ناتجة عن العوامل الآتية([390]):
1 ـ ضعف القيادة، فقد اتُّهم الضباط بالرشوة التي حصلوا عليها من مرتزقة جنودهم دون كفاءة حربية.
2 ـ عدم استماع الملك البرتغالي إلى آراء من نصحوه بالتريث إلى أن يتم الاستعداد للحملة بشكل أفضل.
3 ـ لم تقم قيادة الأسطول البرتغالي بأصيلا بأي محاولة لهجوم مضاد.
4 ـ قيادة الجيش لم يكن من الملائم أن يتولاها الملك مباشرة، لانّه قليل الخبرة وليست لديه معلومات عن وسائل وإمكانيات الطرف الآخر.
وبعد الفراغ من الأعمال المترتبة عن المعركة ودفن الملك الراحل (عبد الملك المعتصم) قام أحمد المنصور بإبلاغ عدد من الملوك والأمراء ما حققه المسلمون من انتصار خصوصاً الخليفة العثماني الذي ابتهج لهذا النبأ([391]). ولم يلبث المنصور أن استقبل وفوداً جاءت تهنئه باسم ملوكها من القسطنطينية ومصر والجزائر وتونس وفرنسا وإسبانيا.
وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ أتراك الجزائر كانوا يدبّرون هجوماً جديداً على المغرب، بالرغم من التعاون الذي تحقق بينهم وبين المعتصم، ولكن مفاجأة هذا الانتصار في وادي المخازن، أوقفت كلّ اشتباك بين الجيوش المغربية وجيرانها لمدّة قرن تقريباً حيث سيتجدد الاشتباك في بداية العصر العلوي.
وكان لانتصار وادي المخازن آثار أخرى بعيدة المدى. فبالنسبة للمغرب استعاد وحدته السياسية أقوى من ذي قبل، بالرغم من وجود جيوب بقيت تحت الاحتلال. واستطاع المخزن أن يفرض هيبته من غير صعوبة أو عائق، وينعم بسلم طويل المدى في عهد الملك الجديد (أحمد المنصور)، وبفضل هذا السلم حققت أشواط أخرى في الميدان الاقتصادي والفكري.
وبالنسبة للعالم الإسلامي، لو انهزم المغرب في وادي المخازن لتيسر توغل الجيش البرتغالي في أطراف المغرب وأصبح مستعمرة برتغالية لعدّة قرون فضلاً عن أنّ عملية تنصير أهله أو قسم منهم لا بدّ أن تدخل في الخط السياسي للحكام البرتغاليين. وكلّ هذا بالطبع، ليس من مصلحة العالم الإسلامي في شيء.
وأخيراً فقد تحقق تحوّل ملحوظ في موقف الاحتقار الذي كان يبديه الأوروبيون تجاه المغاربة، حتّى إنّ الدول الأوروبية تهافتت على عقد اتفاقيات مع المغرب تخوّله كثيراً من التسهيلات التجارية. وتعدّدت سفاراتها محملة بالهدايا إلى الملوك المغاربة، كما توقف كلّ اعتداء على الأراضي المغربية طيلة عهد المنصور. (انتهى).
ونحن حرصنا ونحرص على ذكر تفاصيل معركة وادي المخازن لأنّنا نعتبرها من المعارك الفاصلة في تاريخ العرب والمسلمين، ولأنّها لم تذكر كما يجب أن تذكر في هذا التاريخ.
آثار معركة وادي المخازن
معركة وادي المخازن من المعارك الفاصلة في التاريخ، كان لها أثرها البعيد لا على المغرب وحده، فقد حطمت الدولة البرتغالية وفكّكت أوصالها، ما أتاح للملك الإسباني فيليب الثاني أن يضمّها إلى إسبانيا، كما رفعت من شأن المغرب وأبرزته قوّة نافذة لا بد من حسبان حسابها فتواردت إليها البعثات الأجنبية طالبة ودّها.
وغدا للجندي المغربي رهبة في نفوس الأوروبيين برزت في العروض المسرحية التي نظمت بعد سنة 1590 في أوروبا، كما يبرز ذلك في شخصيات شكسبير وجورج بيلي مؤلف مسرحية (معركة القصر).
وأصبح إسم عبد الملك ملازماً للشجاعة والإقدام. وقد أشار إلى ذلك الكاتب الفرنسي Montagne، كما اتخذ من مقاومة عبد الملك لمرضه مثالاً حياً لتفوق الفكر على الألم الجسدي.
وكما شاع الاضطراب والذعر من الهزيمة في أوروبا، فقد عمّ السرور العالم الإسلامي، وكان من إصداء النصر في الأدب العربي شعر ونثر كهذا الذي نظّمه الشاعر داود بن عبد المنعم الدغوغي الذي عاش في القرن العاشر وقد وصف المعركة وصفاً دقيقاً في قصيدة طويلة يقول في مطلعها:
جنى النصر ما بين الظبا والكنائن
على سابقات المذكيات الصفائن
ومن لم يخض بحر الحروب فلا يرى
لحوزته دون العدا خير صائن
وفيها يقول:
أتى سادراً يختال في غلوائه
وفي صدره للدين غلي الضغائن
يسرب نحو المغربين جنوده
كمثل الدبا عن ماخرات السفائن
وما قصده إلا انتهاك حريمه
ودك صياصيه وبعث الدخائن
وقود أسارى المسلمين لأرضه
يقدمهم للصلب مثل القرابن
فذا مكره والله يمكر مكره
به، إذ حداه نحو تلك الأماكن
تجمع جند الله من كلّ وجهة
وقد غض من مدينه كل دائن
وتلوهم الأجناد والناس كلهم
تضل بهم أبصار كل معاين
من الملك المقدام فالعلماء فا
لشيوخ أولي التقوى وأهل البواطن
هنالك نصر المؤمنين مؤزر
على كل ذي كفر تهجم، ضاغن
وذلك يوم مثل بدر وصنوه
حنين بأيدي المؤمنين الميامن
لقد ذاق فيه (البرد قيز) من الردى
جزاء مناحيس خزايا ملاعن
ومن قوله فيها:
فشبت لظى الهيجاء ليس وقودها
سوى أنفس الشجعان وسط الميادن
إذا أرعدت تلك المدافع أبرقت
صقيلات بيض الهند فوق اليمائن
فلولا البروق الخاطفات من الظبا
لما أبصرت عين خلال المداخن
قد انقضت الفرسان منّا عليهم انقضا
ض صقور الجو فوق الوراشن
وسباستيان كفته مياهه
هزيما وماء النهر أفظع كافن
وحين قضى البتار في الكفر ما قضى
وأشلاؤه نتن بغير مدافن
رأيت ألوفا من رؤوس تجمعت
ويا ليتها أيضاً جدار المآذن
بغوا فجنوا جنى البغاة فأصبحوا
سماد الفيافي لأسماء الفدادن
هنالك نصر المؤمنين مؤزرا
على كل ذي كفر تهجم ضاغن
وقد نسخ على منوال هذه القصيدة الشيخ محمد بن الشيخ ماء العينين قصيدة يقول منها:
خليلي عوجا بوادي المخازن
نجدد شكراً بين تلك المواطن
مواطن كانت للجهاد مشاهدا
مياه العز غير أواسن
ومما جاء في «درة السلوك فيمن حوى الملك من الملوك» لاحمد بن القاضي التي تشتمل على وصف وقعة وادي المخازن شعراً:
وابن أخيه بالنصارى اعتصما
وصار يستنجدهم لمن سما
أجابه اللعين سباستيان
بجيشه ومعه الأوثان
فقيض الله له المنصورا
ملكاً شجاعاً أسداً هصورا
فخلص الإسلام من يد اللعين
بصيره على لقاء المشركين
ما منهم إلا قتيل وأسير
في ساعة من الزمان ذا شهير
مات بها سباستيان اللعين
فما له على الردى معين
ثمّ محمد الذي أتى به
مات غريقاً يومه فانتبه
ولما جلس المنصور على عرش المغرب في يوم النصر قام الشاعر أبو فارس عبد العزيز القشتالي، فأنشد قصيدته ليلة عيد المولد النبوي الشريف في تهنئة المنصور بهذا النصر ومطلعها:
هم سلبوني الصبر والصبر من شاني
وهم حمروا من لذة الغمض أجفاني
وبعد أن يشيد بحنكة كتائبه العسكرية في المعركة وبالانتصار الوطني الضخم:
وإن أطلعت غيم القتام جيوشه
وأرزم في مركومه رعد نيران
صببن على أرض العُداة صواعقا
أسلن عليهم بحر خسف ورجفان
كتائب لو يَعلون رضْوى لصدّعت
صفاه الجياد الجرد تعدو بعقبان
عديد الحصى من كلّ أروع معلم
وكل كمي بالرديني طعان
من اللائي جرّعن العدا غصص الردى
وعفَّرن في وجه الثرا وجه سباستيان
ويخاطب ممدوحه المنصور مباركاً له الفتح المبين ويمنيه بفتح ما بين السودان وبغداد:
أيا ناظر الإسلام شم بارق المنا
وبارك لروض في ذرا المجد فينان
قضى الله في علياك أن تملك الدنا
وتفتحها ما بين سوس وسودان
وأنك تطوى الأرض غير مدافع
فمن أرض سودان إلى أرض بغدان
فكم هنأت أرض العراق بك العلا
ووافت بك البشرى لأطراف عمّان
فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم
أتاك استلاباً تاج كسرى وخاقان
فلا زلت للدنيا تحوط جهاتها
وللدين تحميه بمُلك سليمان
فما المجد إلاّ ما رفعت سماكه
على عمد السُّمر الطوال ومُرّان
وظلّ صدى هذه المعركة يرن في العصر السعدي وخصوصاً في عهد المنصور الذي كان مزدحماً بالفتوحات. فكلما هنأ الشعراء المنصور بالفتوح أو بحلول عيد المولد النبوي كانوا يشيرون إلى معركة وادي المخازن.
فلأبي عبدالله محمد بن علي القشتالي مولدية في هذا الصدد ذكر فيها بجهاد المنصور بوقعة وادي المخازن. يقول منها:
وجردت في ذات الالاه صوارما
تصول بها والعاجزون نيام
فكم لك من سيول مراكب
طلعت بها كالبدر فيه تمام
وحولك عقبان الكماة تساقطت
لبطشتها يوم الأعادي وهام
ولاح وميض المرهفات كأنّه
وميض نجوم والدياجي قتام
فأبرزت فتحاً دوخ الأرض صيته
وزين أشتات المعالي نظام
ويقول من قصيدة أخرى:
وحسبك من وادي المخازن إذ طمته
بحار الردى والخيل فيها جماح
فكان بها كالصقر ينقض ظافرا
تساعد منه مخلب وجناح
له حالتا سيف وسيب كأنّما
تجمع في يمناه سم وراح
وتواصل ذكر معركة وادي المخازن حتّى الشعر الحديث. فنظم علال الفاسي قصيدة يقول في مطلعها:
بفضلكم أبطال «وادي المخازن»
يُردد فينا اليوم صوت المآذن
ولولا جهاد منكم بعزيمة
وتضحية كبرى بيوم «السواكن»
وما جئتموه من ثبات وحكمة
وما بان فيكم من عظيم التضامن
لأضحت بلادي طعمة لعدوها
كأندلس أخت الأسى والتغابن
إلى أن يقول في وصف المعركة:
من «القرويين» انتضى كل ذائد
عن الدين قوام على الحق صائن
فما وهنوا لما رأوه ولا انثنوا
عن الصدع بالرأي السديد للأحن
وهب سباستيان في نشوة الرضا
يرى النصر مضموناً بأقدس ضامن
وهاجم من ثغر العرائش زاحفا
إلى القصر مجتازاً بوادي المخازن
وقد بث في كلّ الجهات عيونه
ونظم في الأحياء شتى المكامن
ففرت جموع المسلمين كأنّها
غثاء تردى في مسالك عاين
شهما من بني الجد لم
يثبتهم حتّى ارعووا للمساكن
وجاء «أمير المؤمنين» بجيشه
كأنّهم أسد شداد البراثن
وهبت جموع الشعب حول إمامها
يقودهم في البذل شيخ المحاسن
وكان ضراب لم يسجل مثيله
بما اشتد فيه من ثجيج المطاعن
وأبلى بها المنصور خير بلائه
ودبرها بالحزم تدبير فاطن
وهبت رياح النصر في جانب الهدى
وأردت سباستيان بين المطاحن
ويقول الشاعر عبد الواحد أخريف من قصيدته «الملحمة الخالدة»:
وادي المخازن يا أنشودة عبقت
بعطرها صحف التاريخ والسير
فخر الملاحم في دنيا الجهاد فلا
تدنو إلى شأوها ملاحم أخر
تبقى مدى الدهر شمساً لا تغيب ولا
يُخفى نصاعتها غيم ولا مطر
لولاك ما كانت الأمجاد كاملة
وإن تعددت الأشكال والصور
وينشد الشاعر مصطفى الطريبق:
فما يوم توانوا عن نداء
ينادي للفدى ضد اللئام
مغاربة أباة ليس فيهم
سوى ليث ومقتدر همام
ما خاضوا المعارك أو تصدّوا
لها إلاّ وكانوا خير حامي
معاركهم لنا ذكرى انتصار
وفيها للعدا ذكرى انهزام
ومعركة المخازن خير ذكرى
وفي أحيائها كل التسامي
ويقول الشاعر قدور الورطاسي:
أليس غريباً أن يشط جوارنا
من البرتغال إذ تنادوا ليغضبوا
يسقون للحمام جيشاً عرمرما
غرراً «بمسلوخ» به الملك يلعب
ألم يذكروا بالله سالف مجدنا
وما لنا من قوى إذا الخصم «أشعب»
ألم يعلموا أنا نرى العيش عزة
وإلاّ فإنّ الموت أولى وأعذب
ويقول الشاعر محمد المغربي:
أهيم فيك وأجني منك أشعاري
كأمس يا سيد الوديان يا جاري
يظن أنّك من عهد الزواحف لم
تهدر ماؤك لا يجري بتيار
وانت أنت كعهد الناس مندفع
إلى الأمام بسر فيك مدرار
إنّ الأولى هزموا فيه العدو بما
أتوا من الصبر في شهره الحار
فأثخنوهنم جراحاً لا بأسلحة
فتاكة بل بحصباء وأحجار
ثم يخاطب شباب الحمى من المغاربة شارحاً لهم مغزى ذكرى المخازن:
ذكرى جهاد وتحذير وتوعية
وقصة تبتدى من يوم ذي قار
حتّى يكون لنا مجد تحس به
أسفار تاريخ لا تاريخ أسفار
ويلقب الشاعر عبد الواحد السلمي وادي المخازن بالوادي المقدس الوادي المتحدي بكل شمم وإباء لكل معتد وظالم للمطمئنين الآمنين على ضفافه:
فاض من منبع الجبل
يتمشى على مهل
وجرى سلساً وسـ
ـال رفيقاً بلا عجل
ثابت الخطو راسخاً
يتحدّى كل الدول
تتلاشى غزاته
وهو في الصدر لم يزل
إلى أن يقول بعد وصف مدقق لغزوة المخازن محذراً من سوء المصير كل غازي أثيم:
قل لمن رام غزونا
ها هنا الموت فارتحل
إن ترم قهر جيشنا
تجد الرمس والأجل
فاعتزل إن أرضنا
حُرم من يرمه ذَلْ
البطولات دأبنا
خبرتنا كل الدول
إن توهمت قهرنا
أو تشككت فلتسل
ويناجي الشاعر أحمد السفياني شهداء وادي المخازن من قصيدة منشداً:
قوم إذا رفعت في الحرب رايتهم
استشهدوا في سبيل المجد راضينا
هذي قبورهم إن زرتها نطقت
بل تلك أرواحهم منها تنادينا
أرواحهم من سما عليائها نزلت
قد رفرفت وهوت شوقاً تهنينا
ثم يستعطف وادي المخازن ليذكرنا بصور الشهامة والبطولة والأمجاد الذي عاشها الوادي في وقعته الكبرى:
وادي المخازن ذكرنا بموقعة
وادي المخازن قم واخطب بها فينا
وادي المخازن رتلها لنا صوراً
فوق الرؤوس وذكرنا بماضينا
وادي المخازن حدثنا بما بلغت
من المجد رايتنا نلقاك صاغينا
إنّ الحقيقة في التاريخ يعلمها
كلّ الورى فاقترب وناجينا
ويعتبر الشاعر محمد الخمار أنّ معركة وادي المخازن هي أنشودة النصر والظفر على لسان الدهر وأبطالها الصناديد هم معجزة العصور والأزمان: قائلاً:
وصرت على شفة الدهر أنشو
دة المجد والنصر والظفر
فما كان يومك إلا كبدر
وإلا كحطين أو خيبر
وما كان أبطال يومك إلا
صناديد مفخرة ألا عصر
أعادوا لنا المجد صرحاً أقامـ
ـوه بالسيف والدم والعتير
ويتسائل متعجباً الشاعر حسن الطريبق عن وادي المخازن. أي واد أي واد المجد وإباء الضيم ودماء الفداء؟؟
أي واد يسري ندى الحواشي
بين جنبيه في ثرى آبائي
أيمجد على التعاقب يزجيـ
ـه ويلقيه مثل ضوء السماء
خفقت كل راية ولواء
فوقها إثر راية ولواء
لم تفض تلكم المخازن إلاّ
بدماء موصولة بدماء
إلى أن يقول في ختام قصيدته بعد أن وصف هذه الملحمة الخالدة:
هكذا هكذا الرجال من المغرب في كل وقعة ولقاء إلى غير ذلك من القصائد التي أشار إليها الدكتور عباس الجراري في كتابه «معركة وادي المخازن في الأدب المغربي» وغيرها من القصائد المنشورة في بعض الدواوين الشعرية كقصيدة عبد الكريم الطبال في ديوانه «الأشياء المتكسرة». والملاحم الشعرية مثل «وادي المخازن» للشاعر محمد طريبق و«المعركة الكبرى» للشاعر علي الصقلي.
ويقول مؤلفا كتاب الأدب المغربي عن معركة وادي المخازن: «كان السعديون قد تولوا أمر المغرب ولديهم جيش منظم مدرب على أصول الحرب الفنية يندر وجود مثله في ذلك الحين عند الممالك المعادية كالإسبان والبرتغاليين، وهم إذ ذاك أعظم شعوب أوروبا بأساً وقوة».
وينقل المؤلفان: «إنّ هذه المعركة لم تكن حاسمة بالنسبة لمراكش وحدها، وإنّما كانت حاسمة أيضاً بالنسبة للقارة الإفريقية كلّها، كانت معركة وادي المخازن بالنسبة للمسلمين في إفريقية من حيث الأهمية مثل معركة (لاپواتيه) بالنسبة للمسيحيين في أوروبا… فقد استأصل الجيش المغربي الجيش البرتغالي… وأقبرت هذه المعركة أحلام البرتغاليين إلى الأبد، فأصبحوا بعد ذلك دولة لا شأن لها خلف حدودها بعد أن كانت أوّل دولة».
على أنّ من أعظم نتائجها اضمحلال سيطرة البرتغاليين البحرية وسقطت مراكز احتلالهم الواحدة تلو الأخرى ومنها هرمز ما بين الأعوام 1620ـ1640م. ويقول أحد المؤرخين: «انتهت حملات البرتغاليين من دون مكاسب، فالثروة التي جمعها البرتغاليون من هذه الحملات والاستكشافات والاحتلال الاستعماري على رغم حجمها لم تسهم في بناء اقتصاد متين للبلاد، بل انتهت إلى انزواء البرتغال لقرون طويلة وابتعادها عن الحركات الحضارية في أوروبا خلال عصور الإصلاح الديني والتنوير حتّى الثورة الصناعية».
وجاء في كتاب (المغرب عبر التاريخ) عن نتائج انتصار وادي المخازن: «وكتب المنصور([392]) إلى الخليفة العثماني بالفتح وقصدته الوفود مهنئة من القسطنطينية ومصر والجزائر وتونس وفرنسا وإسبانيا…».
إلى أن يقول:
«… وكان لهذه المعركة آثار بعيدة المدى، ليس فقط بالمغرب، بل في العالم الإسلامي والمسيحي أيضاً. فبالنسبة إلى المغرب، استعادت الوحدة الوطنية قوتها طيلة حكم المنصور السعدي، كما فرضت الدولة الحاكمة هيبتها، وأمكن لها أن تحقق أعمالاً عمرانية وتوسع نطاق النشاط الاقتصادي وتبذل جهوداً موفقة في الميدان الفكري بمؤازاة العمل الشعبي الرائع.
وأمّا بالنسبة للعالم الإسلامي فقد اغتبط المسلمون كافة بهذا الانتصار العظيم الذي اتخذ إلى حد ما طابعاً دينياً، فماذا يكون مصير المغرب لو سحق جيشه في هذه الوقعة؟ لقد كان من المرجح أن يعمد البرتغال إلى سلوك سياسة التنصير قهراً وبدون هوادة، كما كان من غير المستبعد أن يوسعوا أطماعهم شرقاً فيحتلوا المغربين أوسط والأدنى وقد يتعاونون في ذلك مع أجناس اوروبية أخرى ليرغموا الأتراك على الانسحاب منهما.
أمّا بالنسبة للأوروبيين فقد تحوّلت كلياً نظرة الازدراء التي كانوا ينظرون بها إلى المغرب وسكانه وصارت دولهم تتنافس في خطب وده وتتقرب إليه بعقد المعاهدات والتسهيلات التجارية، وتبعث إليه بالسفراء محملين بالهدايا إلى السلطان، وتوقفت الأطماع السياسية الأجنبية لامد طويل عن الجرأة على سيادة المغرب.
أثر معركة وادي المخازن في تطوير أدب المغرب
قال الدكتور عبد الله بنّصر العلوي في مقال له. في العدد 324 من مجلة دعوة الحق المغربية ـ قال وهو يتحدّث عن الحركة الأدبية في العهد السعدي:
ولعل معركة وادي المخازن ـ باعتبارها فاصلاً بين طوري الاستقرار والنهضة أي بين مرحلتي انتعاش الأدب ونهضته ـ ليست مجرد ظاهرة دينية لمواجهة الغزو الصليبي فحسب، كما أنّها ليست مجرد ظاهرة اجتماعية لتواصل شرائح المجتمع وحرصها على الدفاع على أمن الذات وحريتها وعقيدتها فحسب، بل إنّها ظاهرة للتفاعل بين عناصره، فالمعركة أتاحت للواقع المغربي عهداً ساده الشعور بالكرامة والقوة والأمن، ممّا مكّن المجتمع من نهضة شاملة، كما جعلت الفكر يستجلي من مظهر الجهاد حركة فكرية لتحرير ما احتل من أطراف العالم الإسلامي، فأنتجت إبداعاً له من الغزارة والشعرية ما يعبر عن رؤية فاعلة.
ومن ثمّ كانت المعركة ظاهرة أدبية، إذ أفرزت جيلاً له رؤية ـ سواء في توحدها أو تعددها ـ تتسم بمعطيات التفاعل.
لذلك نتخذ المعركة / الظاهرة منطلقاً لتحديد الجيل أو الأجيال تلافياً لقصور المفاهيم الأخرى.
وحين نقدم على ذكر بعض أعلام جيلي ما قبل المعركة وما بعدها لا نغفل جملة من العوائق، منها:
أ ـ إنّ الأجيال لا تتحدّد إلاّ من خلال التعاقب أو التواتر بشكل حلزوني في مدّة معينة، ويعني ذلك أنّ التواصل بينها أمر ضروري.
ب ـ إنّ ذكر الأعلام ليس مجرد تعداد للبعض دون الآخر، بل لا بد من وضع مقاييس للاختيار.
وأياً كان التواصل، وأياً كانت المقاييس، فلسنا أمام بحث في اجتماعية الأدب الذي يغور في مظاهر نعتبر بعضها على هامش التفاعل.
ولذلك فلا مناص في جرد لبعض الأعلام.
فمن جيل ما قبل المعركة نذكر:
ـ سعيد بن علي الحامدي.
ـ أحمد بن سعيد الحامدي.
ـ أبا القاسم بن منصور الغمري.
ـ سعيد بن إبراهيم الهلالي.
ـ عبد الواحد بن أحمد الونشريسي.
ـ موسى الوجاني.
ومن جيل ما بعدها نذكر:
ـ أبا القاسم الوزير بن محمد الغساني.
ـ أحمد بن علي الفشتالي.
ـ أحمد بن محمد الغرديسي التغلبي.
ـ أحمد بن القاضي.
ـ الحسن بن أحمد المسفيوي.
حسين بن أبي القاسم الملوكي الدرعي.
ـ داود بن عبد المنعم الدغوغي.
ـ علي بن أحمد الشامي الخزرجي.
ـ عبد الواحد بن محمد التملي.
ـ عبد العزيز بن محمد الفشتالي.
ـ محمد بن يوسف التملي.
ـ محمد بن علي الوجدي المعروف بالغماد.
ـ محمد بن علي الفشتالي.
ـ محمد بن علي الهوزالي المعروف بالنابغة.
ـ محمد بن يعقوب الإيسي.
إنّ الجيل الأوّل عرف حركة انتعش فيها التعرف تأسُس النموذج الذي غلبت عليه عناصر الاتجاه البدوي، كما كان التفاعل مظهراً بادياً في القصائد المادحة، ومعظم شعراء هذا الجيل من الجنوب خاصة.
أمّا الجيل الثاني فقد اتسم بحركة نهض فيها الشعر، فمع استمرار الاتجاه البدوي ساد الاتجاه الحضري، كما كان التفاعل مجال القصائد المادحة والمولدية والواصفة… وشعراء هذا الجيل من سائر المراكز الفكرية التي عرفها المغرب على هذا العهد.
وممّا قيل في معركة وادي المخازن من الشعر:
قِفَا نشْتكي هَذِي الرُّبوعُ الدّوارِسُ
لِمَا جرَّعَتْهُنَّ الرِّيَاحُ الرّوامِسُ([393])
ربُوعٌ لها بينَ الضُّلُوعِ مَرابِعٌ
تُماثِلُ غَيْرَ أنَّ تِلْكَ بَسَابِسُ
فهلْ يُسْعِدُ المشتاقَ فِيمَا يبيتُهُ
خَلِيُّ لَهُ جَفْنٌ منَ الدَّمْعِ يابِسُ
وهل تُنْبِئُ الأطلالُ أيْنَ أَنِيسُهَا
وتُحْبِرُ عَنْ آرامِهِنَّ المكانِسُ
ومما يَشُبُّ الحَشا ضَرَمَ الأسى سُؤَالُكَ
قَطٌّ لَيْسَ فِيهِ مُؤَانِسُ
ومنها:
فما كلُّ مَنْ يُبِدِي المَلامةَ ما حِضٌ
ولا كُلُّ مْنَ يَحْلُو بِسِرِّكَ رامِسُ
ولا كلُّ منْ يُبْدِي الشَّجَاعَةَ وَاقِفٌ
إذا صافَحَتْ بيضَ السُّيُوبِ القوانِسُ([394])
ولا كلُّ مْنْ جَرَّ الجيوشَ إلَى الوَغَى
خَبيرٌ بأدواءِ الحروبِ مُمَارِسُ
ولاَ كلُّ مَنْ تَسْمُو إلَى المُلْكِ نَفْسُهُ
نَهُوضٌ بِأَعْبَاءِ الخِلاَفةِ سائِسُ
فلوْلاَ نَفَاقُ الدُرِّ كانتْ مِنَ الحَصى
كواسِدُها تِلْكَ اللآلي النَّفَائِسُ
تَخَطَّفَهَا المنصورُ من مِحْلَبِ الرّدَى
وللنَّقْعِ والبارودِ ليْلٌ عُكَامِسُ([395])
دَعَتْهُ فَلَبَّاهَا وقَدْ حَالَ بَيْنَهَا
وَقَائِعُ أضَحَكْن الرَّدَى وهْوَ عَابِسُ
حُرُوبٌ طَوَتْ ذِكْرَ البُغَاةِ ومِلَّهُمْ
وماتَ لها ذِكْرُ البَسُوسِ وداحِسُ
بِهَا قَدْ وَدِدْنَا أنَّهُ مَعَ جّدِّهِ
بصِفِّينَ يَوْمَ حاربَتْهُ العنابِسُ([396])
تَقرُّ بها عَينُ الوصيِّ لدَى الوغَى
دُجى النّقع وَالْتَفَّتْ عليه الكَرَادِسُ([397])
لعَمْرُكَ لاَ أنْسَاهُ يَوْماً شَهِدْتُهُ
وقَدْ سَفَرَتْ سِنَّ الكُمَاةِ المَداعِسُ([398])
يُرَبِّسُ للإقْدامِ كُلَّ كَتِيبةٍ
كمَا رَبَّسَ المَرْجَانَ في السِّلْكِ رابِسُ([399])
وحَسْبُكَ في وادِي المخازِن وقْعَةٌ
بها الشِّركُ حتَّى آخِرِ الدَّهْرِ تَاعِسُ
بها عرَفتْ أبناءُ عيسى بأنَّهمْ
عبِيدُ العصا ما نَاسَ في الدَّهْرِ نَائِسُ([400])
فدانُوا لَهُ حتّى تَوقَّعَ بَطشَهُ
بُرمَّتِهِمْ صُلْبَانُهَا والكَنَائِسُ
وَضٌاقَتْ على بَسْتَيَانٍ كُلُّ عَوِيصةٍ
وذَلَّتْ لَنَا مِنْهُ الأُنُوفُ العَطارِسُ([401])
فجهَّزَ ما تحوي ذخائِرُ مُلْكِهِ
يَذودُ بها عن نَفْسِهِ وَيُدَاعِسُ
ولوْ أيْقَنُوا مِنهَا النَّجَا بِبَنَاتِهِمْ
لزُفّتْ لنا أبكارُهُمْ والعَوَانِسُ([402])
بِيُمْنِ أبي العبَّاسِ صَالتْ سُيُوفُنَا
على الشِّركِ حتَّى ليْسَ للشِّركِ حَارِسُ
ومن جُودِهِ صُلْنَا عَلى الدَّهْرِ بَعْدَمَا
لهُ منْ نُفُوس المُقْتِرين فرائسُ
فكمْ وقْعةٍ فِي البَذْلِ أفْنَتْ بنانُهُ
بها المالَ حَتَّى ليسَ في الأرضِ بائسُ
كذلِكَ أبْنَاءُ الوَصِيِّ بنانُهُمْ
إذا جَمَسَتْ أيْدِي السَّحَابِ بَرَاجِسُ([403])
فلا زال سَيْفُ الحدِّ في كفِّ أحمدٍ
يذُودُ بِهِ عَنْ دِينِهِ ويُدَاعِسُ([404])
ولا زالَتِ التثْلِيثُ تقْرَعُ باسْمِهِ
فتَحْرُسُ فِي الأدْيارِ تِلْكَ النَّوَاقِسُ
فلا زالتِ الدُّنْيَا ببَهْجَةِ نُورِهِ
تُمَايِلُ أغْصَانَ النَّقَا وَتُمَايِسُ
وقيل فيها:
هاجَتْ لواعِجُ الصَّبَابةِ أدْمُعِي
لِبلى أحَالَ عُهُودَ تِلْكَ الأرْبُعِ
شُنَّتْ عليها للسَّحائبِ غَارةٌ
صَرَعَتْ معَالمَهُنَّ أيَّ مُصَرَّعِ
لا تَعْجُبُوا ممَّا تصَبَّبَ من دَمٍ
من مُقْلَتِي فَصَبيبُهُ منْ أضْلُعي
وأُسائِلُ الأطلالَ وهْيَ جَوامِدُ
وأرومُ رَجْعَ جواب مَنْ لمْ يَسْمَعِ([405])
عَهْدِي بِهَا والأُنْسُ في عَرَصاتِها
يجْلُو القُلُوبَ بِكُلِّ رَوْضِ مُمْرعِ
وأوانسٌ يُمْضِينَ أحْكَامَ الهوَى
رَغْماً عَلَى المتعبِّدِ المتوَرِّعِ
فقَدَتْ كِنَاسَاتُ الحِمَى آرامَها
فَقْدَ الكنائِسِ شَعْبَها والبَيَّعِ([406])
عصَفَتْ عليها للرَّشَادِ عواصفٌ
غادرْنَ عَرْشَ الشِّرْكِ أصْفَر بَلْقَعٍ
حَالَتْ عليها عُصْبَةٌ علويَّةٌ
وَقَعَتْ بأهْلِ الشِّرْكَ أفظَعَ مَوْقِعِ
لمْ يألُ بَسْتَيَانُ في اسْتَصْرَاخِهِ
صُهْبَ الأعاجِمِ من بلاَدِ شُسّعِ
فأتَتْ بَنُو الأصْفرِ مُغَتَصّاً بهمْ
لحِمَايَةِ التَّثْلِيث كُلٍّ مَهْيَعِ([407])
فتجشَّمُوا البحرَ المحيطَ وما دَرَوْا
بمُحِيطِ بحْرٍ من عَوالٍ شُرِّعِ
بحرٌ، أبُو العباس عَبَّ عُبَابَهُ
بِجَنَانِ ثَبْتٍ في الحروبٍ مُشيِّعِ
وكتَائبٍ حَفَّتْهُ منصوريَّةٍ
تنْقَادُ بالأُسْدِ الغَضَابِ الجُوَّعِ
قَدْ طَالَ ما شَهِدُوا الحُرُوبَ وكافَحَتْ
بِهِمُ الوقائِعُ خَدَّ كُلَّ مُجَمَّعِ
بِعَوَازِمٍ وَعَوَاسِلٍ وصَوارمٍ
لِرَحَى النّوائبِ والعُجالَةِ دُفَّعِ([408])
قَدْ أُمَّهَا سُحْبٌ حَمَلْنَ صواعِقا
حُدّيْتْ إلى الشَّطِّ الخصيبِ المَرْتَعِ([409])
مَتْلُوَّةً بمواعِدٍ أنْحَتْ بها
للكُفرِ قُنَّاتُ الجِبَال الفُرَّعِ([410])
لَقَمَتْ موارِجَ من جحيمٍ فاغْتَدَتْ
للرُّومِ ترجُمُهُمْ بِشُهْبٍ سُطَّعِ([411])
حتَّى إذا الجمعانِ عَايَنَ بعضُهُمْ
بعضاً وليْسَ للرَّدى مِنْ مَدْفَعِ
صُبَّتْ على الكفَّارِ صَبّاً عارِضاً
هَطِلاً، ولكنْ بالسَّمُومِ النُقَّعِ([412])
فتركْنَ عُبَادَ المسيح كأنَّهُمْ
أعْجَازُ نخْلٍ بالسُّيول مُقَلَّعِ
وأراد بَسْتِينُ النّجاةَ بنَفْسِهِ
فَزِعاً بحيثُ لاَتَ حِينَ مفْزَعِ
هيهاتَ هيهاتَ النّجاةَ وخلْفَهُ
عِقْبَانُ تهْوِي كالبروقِ اللُّمَّعِ
ومنها:
فسَقَى رُبَى أشْبُونَةٍ ورِبَاضَهَا
لنَعِيِّهِ زُرْقُ سَوافِكُ أَدْمُعِ([413])
دَارَتْ بَطارِقَةُ الخبِيثِ بِشِلْوِهِ
صَرْعَى بِكَأْسِ مِنْ حِمَامٍ مُتْرَعِ([414])
ومنها:
بميامِنِ المنصورِ لاحَتْ للْهُدَى
شَمْسٌ لها فِي الغَرْبِ أسْطَعُ مَطْلَعِ
ومنها:
فرعٌ نماهُ محمدٌ ووصيُّهُ
هَلْ مِنْ فخارٍ غيْرِ هذا أرْفَعِ
ومنها ختاماً:
لا زِلْتَ فِي أُفْقِ الخِلاَفَةِ نَيِّراً
تَحَتَالُ بينَ كواكبٍ لَكَ خُضَّعُ
الدولة القوية
لقد شكل الحدثان الكبيران اللذان طبعاً فترة حكم السعديين تأسيساً لبناء قاعدة دولة قوية اشتهر أمرها داخلياً وخارجياً، نقطة تحوّل في الحياة السياسية والاقتصادية والأدبية…
فالانتصار في معركة وادي المخازن (986هـ) حقق للمغرب نفوذاً سياسياً متميزاً في العالمين الإسلامي والمسيحي، ووضع حدّاً للأطماع الأوروبية في الشواطئ المغربية، وأعاد للجهاد الإسلامي سلطاته وهيبته.
كما أنّ فتح بلاد السودان (سنة 999هـ)([415]) ارتبط بازدهار اقتصادي وعمراني، وارتبط كذلك بتدعيم الإسلام ونشر اللغة العربية في إفريقيا ومنفذها بلاد السودان.
ويعتبر عهد السلطان أحمد المنصور السعدي (986ـ1012هـ) أرقى فترة عرفها العهد السعدي نسجت خيوطها عوامل كثيرة لعل أهمها شخصية السلطان كقائد محنك، وسياسي متبصر، وأديب مشارك، إذ في عهده:
ـ حقق المغاربة انتصاراً ساحقاً على البرتغاليين في معركة وادي المخازن.
ـ أنشئت أعظم معلمة عمرانية قصر البديع بمراكش.
ـ تمّ فتح بلاد السودان لتدعيم الإسلام ونشر اللغة العربية بأفريقيا.
ـ تعددت المراكز الثقافية في الحواضر والبوادي.
ـ كثرت ظاهرة التأليف والكتابة.
ـ انتشر الطرب، وازدهرت الموسيقى بلونها الكلاسيكي والشعبي.
واكب هذه الظواهر ما عرفته مجالس السلطان أحمد المنصور السعدي من تألق وبهاء، فتسابق الكتّاب والشعراء لارتيادها، وتفننوا في أساليب القول للفوز برضى صاحبها، يشجعهم على ذلك أنّ السلطان نفسه كان عالماً شاعراً، ويذكي قرائحهم ما كان يصدر عنه من أحكام وانتقادات ومن مساجلات ومطارحات…
وقد حفلت كتب التاريخ والتراجم والفهارس والرحلات بروايات وأخبار، تفيد عناية السلطان أحمد المنصور بالشعر والشعراء، وتقريبه للمجيدين منهم من المقيمين والوافدين، إضافة إلى المناسبات العديدة التي كانت تستدعي تسابق الشعراء إلى النظم، وتباريهم للفوز بقصب السبق، فالاحتفال بإحياء ليلة المولد النبوي الشريف، والتهنئة بالانتصارات سواء تعلق الأمر بالقضاء على الثورات الداخلية، أو فتح بلاد السودان، كلّها مناسبات كانت تدعو الشعراء على اختلاف طبقاتهم على التباري في النظم، وحثّ القرائح على إهداء ما تجود به قرائحهم إلى السلطان راعيهم وصاحب الأفضال عليهم.
وكما التَفَّتْ حول السلطان أحمد المنصور في عاصمة ملكه مراكش طائفة من الشعراء المجيدين كعبد العزيز الفشتالي ومحمد بن علي الهوزالي وعلي بن منصور الشياظمي وغيرهم، فقد عرفت فاس عاصمة ولي العهد الأمير محمد الشيخ المأمون نشاطاً أدبياً ملحوظاً. إذا استعادت المدينة تألقها وإشعاعها كما كانت عليه في عهد المرينيين، وكانت مجالس هذا الأمير في فترة ولايته (987ـ1011هـ) تضم كتّاباً وشعراء، محدّثين وفقهاء، شاركوا في إنعاش الحركة الأدبية وتطورها.
وممّأ يؤسف له أنّ أغلب الدواوين الشعرية قد ضاعت أثناء الفتن والاضطرابات التي عرفها المغرب بعد وفاة السلطان أحمد المنصور سنة 1012هـ([416]) ـ كما ضاعت ذخيرة مكتبة الأمير زيدان إثر تعرضها لقرصنة سفينة إسبانية، سنة 1020هـ، حملتها إلى دير الأسكوريال حيث ما تزال بعض نفائسها إلى اليوم، وإن كان أغلب هذه الكتب قد تعرَّض لصاعقة سنة 1081هـ، «أحرقت نحو ألفي مجلد من المخطوطات».
وبالرغم من ضياع العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية، فقد احتفظت لنا كتب التاريخ والتراجم، وبعض المجاميع والكناشات بقصائد رائعة، ودرر شعرية نادرة لشعراء انتظموا في بلاط السلطان أحمد المنصور، وكذا في بلاط ولي عهده الأمير ولي العهد محمد الشيخ المأمون بمدينة فاس.
تشيع السعديين
السعديون الحسنيو النسب كانوا شيعة، ويبدو تشيعهم واضحاً في الكثير من معالمهم، فالملك السعدي أحمد المنصور (1578ـ1603) أرسل رسالة إلى أحد الملوك المجاورين، أوردها صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ) في الصفحة 266 من الجزء الثاني، طبعة سنة 1993 نأخذ منها مطالعها وهو ما يلي:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد لله مسهل المرام وميسر أسباب الكمال والتمام، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد شفيع الأنام المبعوث بالحنيفية السمحاء إلى الخاص والعام، والرضى عن آله الأئمة الأعلام وخلفاء الإسلام وعن أصحابه الذابين عن كلمته بالسنان والحسام… (إلى آخر ما جاء في الرسالة).
وهل من صراحة في التشيع أقوى من قوله: «آله الأئمة الأعلام وخلفاء الإسلام».
وكما كان تشيع (الموحدين) لا يبرز في شيء كما يبرز في شعر شعرائهم، كذلك الحال في (السعديين).
فالشاعر عبد العزيز الفشتالي([417]) (957ـ1032هـ) يمدح المنصور السعدي مشيراً إلى فتح السودان فيقول فيما يقول:
يعنو إلى المسنون من أسيافه
قلب المعاند وهو قلب واجب
أيروم أحزاب الضلال سفاهة
غلباً لحزب الله وهو الغالب
صبت على السودان منه صواعق
فهمت على إسحاق منه مصائب
يروي عن المنصور فيه (محمد)
ما أسندته إلى (الوصي) مناسب
وهل أبلغ في إظهار التشيع من تلقيب علي بن أبي طالب بلقب (الوصي).
وكذلك القول في قصيدة محمد علي الهوزالي التي مدح بها المنصور بعد معركة وادي المخازن التي يقول فيها:
حروب طوت ذكر البغاة ومِلّهم
ومات لها ذكر البسوس وداحس
بها قد وددنا أنّه مع جده
بصفين يوم حاربته العنابس
تقربها عين الوصي لدى الوغى
دجى النقع والتفت عليه الكرادس
وجاء في كتاب (الأدب المغربي) وهو يوازن بين شعراء الدول الشيعية الثلاث: الفاطمية والموحدية والسعدية خلال حديثه عن شاعر السعديين (أبي عبدالله الهوزالي)([418]).
«إنّ مدح المنصور السعدي كان ينال منه الرضا إذا ما اعتمد على تلك الجزالة التي تصل في بعض الأحيان إلى درجة الجلبة، وهي جزالة سبق أن أغرم بها الخلفاء الفاطميون في شاعرهم ابن حبّوس ومن أتى بعده مثل الجراوي([419]) والسلمي ثمّ الخطابي. ولا غرو فإنّ هؤلاء جميعاً من مدعي الفاطمية والخلافة، وكانوا جميعاً بذلك الطموح الذي حقق مراميه الفاطميون في الشرق بعد الغرب، ثمّ وجدنا الموحدين يحلمون بتحقيقه في الشرق بعدما أحرزوا الفتوح العظيمة في الغرب، وكذلك وجدنا السعديين يحلمون بهذه الأحلام بعدما مدّوا فتوحاتهم التي انتهت أيام المنصور إلى أواسط إفريقيا السوداء». (انتهى).
وللهوزالي قصيدة في مدح المنصور بعد أحد فتوحاته تلوح فيها ملامح التشيع:
فتح جنى المنصور في عرصاتها
أزاهر نصر يانع من غصونها
ولا غصن إلاّ من قناة قويمة
ولا زهر إلاّ من شباة سنانها
ولا روض إلاّ من حماة كماتها
ولا سقي إلاّ ما جرى من طعانها
كتائب منصورية قذفت بها
مرام نأت عن أرضها ومكانها
تهيم بها الأوراح حتّى كأنّما
تناغي عزيف الجن في دورانها
وتطوي بساطاً أرضها بقنابل
سنابكها أطوى لها من بنانها
سحائب من مرّاكش قد أثارها
صبا النصر يحدوها حراء عنانها
يؤم بها الصحراء يرتاد أمة
سدى أنفت آسادها من عرينها
فكم ملك قد رامها فتعصبت
عليه ومحت في مجون حرانها
فلمّا همّت تلك السحائب فوقها
أفاقت وهبت من كرى هيمانها
إلى الملك الشهم الذي لقحت به
لقاح الحروب بكرها وعوانها
إلى ابن البتول المجتبى من نجارها
وفرع العلا المختار من حرانها
إلى ابن الهدى وابن الندى ورد العدا
وفخر بنات المصطفى وهجانها
وما نذكره من الشعر لم نذكره بعد استقصاء وتتبّع، لأنّ هذا الاستقصاء وهذا التتبّع متعذرين علينا الآن، كما كانا متعذرين قبل الآن لبعدنا عن الخزائن المحتوية على ذخائر التراث التي خلفته تلك الدول وعدم استطاعتنا الوصول إلى تلك الذخائر الخطية التي تحفل بها خزائن المغرب العربي في شمال إفريقيا. والذي أخذناه من الشعر وقرأه القارئ فيما مرّ من القول، إنّما هو نتف وقعنا عليها مبثوثة في بعض ما انتشر من تلك الذخائر لم يتعمد ناشروها أخذه فيما نشروه وإنّما جاء صدفة، ولو تعمد أحد الاستقصاء لظفر بكنوز من ذلك.
كما لا شيء لدينا من شعر عبد الواحد بن أحمد وأبي الشياظمي، هذا الشعر الشيعي الذي أشار إليه محمد بن تاويت فيما تقدّم من القول.
وعلى ما قال ابن تاويت: «فقد كان للشعر الشيعي سوق رائجة أيام السعديين لا سيما منهم (المنصور) الذي زخر بلاطه بشعراء التشيع، وكافأ شارح درر السمط([420]) بالآلاف على شرحه هذا».
وكلّ ذلك يحتاج إلى توسع في الدرس و البحث ممّا هو غير متيسر لنا.
كلمة ختامية
لقد عاشت الدولة السعدية حتّى سنة 1069هـ ـ 1658م شأنها شأن كلّ الدول أمثالها من مد وجزر، وقد بلغت أقصى ما بلغته في عهد أحمد المنصور (986ـ1012هـ ـ 1578ـ1603م) حيث تاخمت من الجنوب الشرقي بلاد مصر. وقد كان المنصور هذا يمطح إلى الوصول إلى الأندلس، بل إلى أن يقيم وحدة إسلامية. ويسجل لها أنّها ماشت النهضة العسكرية في أوروبا ولم تتخلف عنها في تجهيز الجيوش، فأنشأت الجيش النظامي الحديث لتظل أبداً على سلاحها حين يراد بها الشر كما أقامت أسطولاً حربياً قوياً إلى جانب أسطولها التجاري، كانت تستحضر بواخرهما من إنكلترا وهولندا وقد تصنع محلياً بمساعدة فنيين أجانب. وأوثقت صلتها بالعالم الخارجي فارتاد ممثلوها تركيا والشرق الإسلامي وهولندا والبرتغال وغيرها. وفتحت موانئها للتجارة الخارجية، فبلغت هذه التجارة مبلغاً عالياً، كما قامت الصناعات أحسن قيام لا سيما صناعة السكر التي ازدهرت كلّ الازدهار، وقد انتقلت زراعة قصب السكر وصناعته في عهدهم من المغرب إلى بلدان أخرى لا سيما القارة الأميركية بعد اكتشافها، كما انتقلت إلى جزر (الخالدات)([421]) وكان السكر السعدي يصدّر إلى إنكلترا. وفي العهد السعدي اعتمد المغرب على نفسه في صناعة المدافع في ترسانة مراكش، وفيها كان يذوّب النحاس لصنع المدافع. وقد اكتشفت معدان النحاس سنة 946هـ ـ 1539م بجبل تنزار، كما صنعت المدافع من البرونز. كذلك تمّ صنع القنابل وبقي من العهد السعدي مدفع نقشت عليه كتابة بالعربية([422]).
وكان الملوك السعديون على نصيب وافر من المعرفة والثقافة يشجعون رجال الفكر وينشؤون خزائن الكتب وينشرون العلم، وكان فيهم العلماء والشعراء([423]).
وقد اشتهر الملوك السعديون بولعهم بالأدب، فقد كان محمد المهدي الشيخ يستظهر ديوان المتنبي، وكان لأحمد المنصور شعر كثير، كما درس الحديث والفقه والنحو اللغة والفرائض والهندسة والجبر وغير ذلك، وكان له أثر كبير في النهضة الفكرية، وقد استجاز بعض رجال مصر، وألّف كتاباً في الشؤون السياسية والعسكرية وعلّق على عدّة كتب في الحديث والتفسير وغيرهما. ويقول صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ) ج2، ص400 ط1993، أنّه كان في نيته وضع كتاب جامع لقصائد الشعراء من أهل البيت. كما اشتهر بجمع الكتب ووقفها، ولا يزال في خزائن (القرويين) حتّى اليوم عشرات المخطوطات الموقوفة باسمه، وخزانة زيدان بن المنصور التي سطا عليها الإسبان وضمّوها إلى خزائن الأسكوريال من بعض ما تخلف من كتب والده.
وقد أمر المنصور جماعة من العلماء بوضع العديد من الكتب، من ذلك شرح للألفية في مجلدين كبيرين يلخص فيه مختلف الشروح المتداولة للاستفتاء عنها. وأمر زيدان بن المنصور الراهب الإيرلندي (أنطون دوسانت ماري) بترجمة كتب من اللاتينية إلى الإسبانية التي كان يتقنها معظم الملوك السعديين لتترجم إلى العربية.
وبقيت خزائن زاخرة بالكتب ألحقت بعد ذلك بالمساجد الكبرى. ويرى بعض المستشرقين أنّ أوّل مستعرب هو من معاصري السعديين وقد درس اللغة العربية في مراكش سنة 1598م واسمه (إتيان هولبير Etienne Hulbert)، وكان أوّل أستاذ للغة العربية في معهد الطب بباريس حين كان المقام الأوّل لابن سينا وابن رشد.
الاحتفال بالمولد النبوي
في عهد السعديين
احتفى السعديون في بلاطاتهم، بذكرى المولد النبوي الشريف احتفالاً مشهوداً ردّدت صداه المصادر التاريخية، وكتب التراجم التي وضعت في هذا العصر، تماماً كما احتفلت الطرق الصوفية في زواياها بهذه الذكرى إن في البادية أو في الحضر.
ويبدو أنّ هذه الاحتفالات المولدية لن تكتسي طابعها الرسمي وتغدو عيداً من أعياد الأمّة، ومظهراً حضارياً يعكس بجلاء الشخصية المغربية، إلاّ في منتصف القرن العاشر، مع انتقال دفة الحكم إلى السلطان العالم أحمد المنصور الذهبي الذي أضفى على هذه الذكرى حلّة قشيبة وخلع عليها رونقاً أخاذاً.
فماذا عن هذه الذكرى الدينية بالمغرب عشيتئذ؟ ما هي ملامحها العامة؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال نرى أن نتعقب هذه الظاهرة في جذورها الجنينية في المشرق، أولاً ثم نعرج على احتفالات الغرب الإسلامي في محاولة لمعرفة البدايات الأولى لممارسة المولد، والعمل به كعيد أمسى ذي ميسم ديني.
تعتبر مسألة الاحتفال بميلاد النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أمراً طارئاً على الأمّة الإسلامية ظهر نتيجة لقيام عوامل موضوعية كيفت تاريخ هذه الأمّة.
كان الفاطميون في مصر السابقين إلى الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف واتخذوه عيداً رسمياً من أعياد الأمّة يقول الأستاذ محمد المنوني: «وجد الاحتفال بالمولد النبوي منذ عهد الفاطميين بمصر حيث كانوا يحتفلون ضمن ستة موالد هي مولد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومولد آل البيت (عليهم السلام) علي بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة الزهراء والسادس مولد الخليفة الحاضر».
ويعتبر الملك المعظم مظفر الدين صاحب أربل (ت 630هـ/ 1234م) أحد الذين أعطوا لظاهرة الاحتفال بالمولد دفقاً جديداً وطابعاً مميزاً فقد كان هذا الأمير «مولعاً بعمل المولد، عظيم الاحتفال به».
وحظي الاحتفال بالمولد النبوي في الغرب الإسلامي بعناية فائقة سجلت المصادر التاريخية بعضاً من جوانب العظمة التي حفّ بها المغاربة هذه الذكرى، وتعتبر الدولة الحفصية في شخص السلطان إبراهيم الحفصي الذي امتدّت دولته من عام 718 إلى 747هـ أوّل من نسج على هذا المنوال ودعا إلى الاحتفال بالمولد النبوي. أمّا الأندلس فإنّ المؤرخين يجعلون بداية هذا الاحتفال مرتبطاً بالسلطان أبي الحجاج يوسف الأوّل 733 إلى 755هـ ملك غرناطة وينتهي العمل بالمولد باغتيال هذا السلطان. أمّا تلمسان فقد عرفت احتفالات المولد بها غاية البهاء والعظمة خاصة في عهد بني زيان، أيام السلطان أبي حمو موسى الثاني الذي تبتدئ دولته من عام 760هـ([424]) ويرجع الفضل في الدعوة لإحياء ذكرى المولد النبوي في المغرب إلى أسرة العزفيين بسبتة في القرن السابع للهجرة، الثالث عشر للميلاد.
هكذا نجد القاضي أبا العباس العَزَفي، يضع مؤلفاً ضخماً في هذه الذكرى سمّاه (الدُّرُّ المنظّم في مولد النبي المعظم) تتحدّد أهداف هذا الكتاب حسبما نجد في المقدمة في «الدعوة إلى معرفة مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والاحتفال به…».
ويظهر أنّ الأمير أبا القاسم محمد العزفي، بادر إلى تكريس دعوة والده، بمجرد أن انتقلت إليه دفة الحكم، وعمل على إحياء المولد النبوي طيلة فترة إمارته الممتدة من (648هـ/ 1250م إلى عام 677هـ/ 1279م).
ويبدو أنّ الموحدين، اقتنعوا بدعوة العزفيين، فألفينا الملك الموحدي عمر المرتضى ينبري لإحياء المولد بمراكش، ويحيطه ببالغ التبجيل إكراماً لصاحب الذكرى، وتلبية لنداء أبي القاسم، الذي أهدى السلطان نسخة من (الدر المنظم) الذي ألّفه بالاشتراك مع والده. ويشهد الاحتفال بهذه الفكرة الانطلاقة الحقيقية، مع بزوغ فجر الدولة المرينية، فقد سارع مؤسس هذه الدولة يعقوب بن عبد الحق إلى إقامة مراسم الاحتفال بهذه الذكرى في حلة من العظمة و الجلال. ويبدو أنّ ابنه يوسف عمل بعده على تعميم هذا الاحتفال في جميع أنحاء المغرب كعيد قومي وديني من أعياد الأمّة.
هكذا أضحى يوم الثاني عشر من ربيع الأوّل عيداً مولدياً عاماً يحتفل فيه المغرب على مختلف المستويات، فتقام الأفراح وتتضاعف الأضواء ويتجمل بما حسن من الثياب وبخاصة في عهد أبي الحسن وأبنائه أبي سالم وأبي فارس.
ولقد أدلى المنحى الصوفي بدلوه في عهد المرينيين في إحياء ليلة المولد النبوي، فرأينا أرباب الزوايا وشيوخ الطرق الصوفية يعظمون الذكرى، ويحيطونها بهالة من الفخامة والجلال. في هذا السياق يمكن أن نتحدّث عن احتفالات الصوفي: أبي مروان عبد الملك الريفي فقد كان دأبه «أن يقيم بمنزله بسبتة المولد النبوي بحضور المريدين ويحتفل لذلك بالإطعام ويستعمل السماع».
ظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي
في عهد المنصور الذهبي
عرفت ظاهرة الاحتفال بميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام بالمغرب عصر السعديين، انتعاشاً هائلاً، فقد أضحت (الذكرى) عيداً قومياً، يجسد العواطف الدينية المتأججة. هكذا رأينا الدولة لا سيما في فترات الاستقرار السياسي، وبالضبط عشية حكم السلطان أحمد المنصور تسارع إلى تكريس الاحتفال بهذه الذكرى بإيعاز، من هذا الزعيم العالم ويكفي أن نرجع إلى المصادر التاريخية التي غطّت الفترة وكذا الكتب الإخبارية وكتب التراجم، لنفاجأ بهذه الأوصاف الدقيقة والحية، والتي تعكس بجلاء عظمة الاحتفال بالمولد في عهد المنصور يقول الأستاذ حركات: «وقد أحاط السعديون حفلات المولد بعناية فائقة، وربما لأنّهم رأوا أنفسهم أحق بالاحتفال بمولد الرسول وهم من سلالته، من آل عثمان الذين ليسوا كذلك، وقد احتفظ المغرب بجل التقاليد التي سنّها المرينيون ثمّ طوّرها السعديون في هذه المناسبة.
يتضح إذن وبناء على ما تقدّم، واستناداً إلى ما دوّنه كلّ من الفشتالي في مناهله، أو المقري في روضه، أو اليفرني في نزهته، أنّ السلطان المنصور أمكن له بما توافر بين يديه من إمكانيات هائلة، وقدرات خاصة، أن يضفي على احتفالات المولد طابعاً متفرداً. هكذا يمكن أن نتناول ظاهرة الاحتفال المنصوري بالمولد النبوي مع الباحثين من منطلقين:
أحدهما فني: يتمثل في الانتقاء في صفوف الشعراء والمثقفين الذين يؤذن لهم بالمثول أمام الحضرة السلطانية، بناء على كفاءتهم العالية ومؤهلاتهم الخلاقة في هذه المناسبة.
ثانيهما تنظيمي: ويتمثل أساساً في تلك الهالة التي تطبع احتفالات الأمّة بالذكرى فقد خصّص المنصور لأجل إنجاح الاحتفال، ميزانية ضخمة، وسخّر طاقات جبارة وهو ما أكسب هذا النموذج المنصوري مبدأ التمييز والفعالة.
ويبدو أن الاحتفال بالمولد النبوي في عهد السعديين، لم يبق سجين البلاط السعدي وإنّما امتدّ ليشمل جميع الأوساط الشعبية وبخاصة في رحاب الزوايا التي حرص شيوخها، على إقامة هذا الاحتفال في البوادي والحواضر المغربية في منأى عن وصاية النفوذ السعدي وبسطوا أيديهم وبذلوا جهوداً وافية محبة في صاحب الذكرى، وتعظيماً ليوم ميلاده عليه الصلاة والسلام. هكذا رأينا شيوخ الحركة الصوفية يعدّون الطعام ويجمعون الناس والمادحين والذاكرين لينالوا حظهم من هذه الولائم التي تقام في هذه الليلة الغراء([425]).
سقط الزند (ديوان)
كتب الباحثون كثيراً عن أبي العلاء، في القديم وفي الحديث، ونظروا إلى جوانب عديدة من حياته وأدبه وتفكيره ومعتقده، ولكن رأيت هؤلاء الباحثين، بالإجمال، لا يعنون العناية اللازمة بدراسة ديوانه الذي جمع فيه جملة من أشعاره واختار له هو بنفسه اسمه المعروف «سقط الزند»، قاصداً بهذه التسمية الشعرية المجازية أن يرمز إلى الحقيقة التي ينطوي عليها هذا الديوان، وإلى الواقع الذي يمثله من حياته ومن شخصيته ومن أدبه.
فإنّ الزند ـ لغة ـ هو العود الذي تُقتَدح به النار، وسقط الزند هو أوّل نار تخرج من الزند عند الاقتداح. وقد قصد المعرّي هذا المعنى بذاته، لأن «سقط الزند» يجمع الكثير من شعره الذي نظمه في أوائل حياته، فهو إذن أوّل تلك النار العبقرية التي اقتدحها زناد ذهنه العبقري.
ولكن الأمر في هذا الإشعار لا يقتصر على هذا الظاهر السطحي من دولة التسمية، بل الواقع أنّ ديوان «سقط الزند» يصح أن يكون المدخل الحقيقي لدراسة أبي العلاء دراسة مستوعبة متوغلة في جوانب شخصيته جميعاً، وأعني أنّ هذا الديوان جدير بأن يكون للباحثين جميعاً، وأعني أنّ هذا الديوان جدير بأن يكون للباحثين والناقدين بمنزلة ما يسمّى «مفتاح الشخصية» لمن يشاء منهم أن يستجلي شخصية أبي العلاء على حقيقتها وواقعها الأصيل([426]).
وقد يرجع أكبر السبب في أنّ أولئك الباحثين لم يهتموا بديوان «سقط الزند» اهتمامهم بغيره من آثار أبي العلاء، إلى ما هو شائع عند الذين أرَّخوا لحياة أديبنا العظيم من القدماء، من أنّ هذا الديوان إنّما يجمع أشعاره التي قالها في صباه… فقد تمسَّك الباحثون المحدّثون بكلمة «صباه» على حرفيَّتها، ولم ينظروا إلى هذه الأشعار نفسها بحيث يجدون أنَّ الذي صدر عنه في صباه هو أقل ما يحتويه «سقط الزند». وأنَّ أكثر هذه الأشعار وأروعها شاعريّة وأقواها دلالة عليه إنّما صدرت عنه في أعلى مراحل شبيبته، وفي أخصب مراحل شاعريته، وفي أدقَّ التجارب التي عاناها في حياته قبل معتزل، بل في أقسى هذه التجارب وأعمقها أثراً في نفسه ووجدانه وتفكيره.
ولقد أبيح لنفسي أن أقول، إنَّ الذين أرَّخوا لأبي العلاء من القدماء، قد أوهمونا أنَّ صاحب «سقط الزند» نفسه لم يكن راضياً كلَّ الرِّضا عن أشعاره التي تضمنها هذا الديوان، فقد نقل أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي عن أستاذه أبي العلاء نفسه ما يوهم هذا المعنى، إذ قال:
«لمّا حضرت أبا العلاء، قرأت عليه كثيراً من كتب اللغة، وشيئاً من تصانيفه، فرأيته يكره أن يُقرأ عليه شعره في صباه، الملقِّب ب«سقط الزند»، وكان يغيِّر الكلمة بعد الكلمة منه إذا قُرئت عليه، ويقول معتذراً عن تأبِّيهِ وامتناعه من سماع هذا الديوان: مدحت نفسي فيه، فلا أشتهي أن أسمعه. وكان يحثَّني على الاشتغال بغيره من كتبه([427]).
وفي رسالة كمال الدين بن العديم، المسمَّاة، «الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري» قال مؤلف الرسالة وهو يستعرض تواليف أبي العلاء: «من الأشعار التي نظمها: ديوانه المعروف «بسقط الزند» وهو ما قاله في أيام الصِّبا في أوّل عمره، وهو من أحسن أشعاره، وقد اعتنى به العلماء وشرحوه، مقداره خمس عشرة كرَّاسة، تزيد أبياته المنظومة على ثلاثة آلاف بيت، شرحه الخطيب التبريزي وشرحه ابن السيّد البطليوسي وأحسن شرحه».
وقال ياقوت في «معجم الأدباء» (الجزء الثالث، ص154) في معرض الكلام على مؤلفات أبي العلاء: «… ومن غير هذا الجنس كتاب لطيف فيه شعر قيل في الدهر الأوّل يعرف بكتاب «سقط الزند» وأبياته ثلاثة آلاف».
هكذا تواترت أقوال القدماء الذين أرَّخوا لأبي العلاء، حتّى استقام في أذهان المحدّثين أنَّ «سقط الزند» ليس ذا شأن يؤبه له في آثار المعرِّي ما دام من نتاج صباه… وما دام المعرِّي نفسه لم يكن يأبه لهذا الديوان، كما توهمنا مقالة أبي زكريا التبريزي.
والحقيقة أنَّ المعرّي كان يحتفل لديوانه هذا احتفالاً ظاهراً. يدل على ذلك أنّه عُني بشرح الغريب من ألفاظه وجعل هذا الشرح في كتاب خاص سمّاه «ضوء السقط» وقد تحدَّث ابن العديم عن هذا الكتاب فوصفه بأنّه «يشتمل على تفسير ما جاء في سقط الزند من الغريب، مقداره عشرون كرِّاسة، وضع ـ أي المعرّي ـ هذا الكتاب لتلميذه أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله الأصبهاني، وكان رجلاً فاضلاً قصده إلى معرَّة النعمان ولازمه مدّة حياته يقرأ عليه بعد أن استعفى ـ أي المعرّي ـ من ذلك، ثمّ أجابه فقرأ عليه الكتب إلى أن مات ـ يقصد المعرّي ـ وقد أشار إلى ذلك في مقدمة «ضوء السقط». وأقام أبو عبدالله الأصبهاني بحلب، وروى عن أبي العلاء كتباً متعدّدة من تصانيفه، وهو الذي سأله أبو العلاء أن يشرح له «سقط الزند» فشرحه، ووسمه بـ «ضوء السقط».
ومن هذا النص، ومن أمثاله في تضاعيف عدد من المراجع التاريخية الأدبية، يتبيَّن بجلاء وتوكيد أنّ أبا العلاء كان حفيّاً بديوانه «سقط الزند» إلى حدٍّ أنّ تلاميذه كانوا يروونه عنه بالإجازة، وكان عدد من طلاب العلوم الوافدين إليه من أقطار مختلفة يدرسون هذا الديوان عليه في جملة ما يدرسون. فقد ذكر السيوطي في «بغية الوعاة» في ترجمة نصر بن صدقة القابسي النحوي أنّه «كان ممّن يعاني الأدب، فقدم مصر وأخذ عن علمائها، ثمّ توجّه إلى المعرَّة فلازم أبا العلاء، وأخذ عنه ديوانه «سقط الزند» وكتب منه نسخة جيدة، ورجع إلى مصر فقدَّمها للحاكم وقرأها عليه، فأعجبه نظمه، وأرسل إلى عزيز الدولة الوالي بحلب أن يحمله ـ أي حمل المعرِّي ـ إلى مصر. فاعتذر، فكفَّ عنه».
ويروي «أحمد تيمور باشا»([428]) هذه الحكاية بصورة أخرى نقلاً عن مقدمة رسالة للمعرّي تسمّى «الفلاحية» تقول إنّ القابسي هذا لمّا رجع إلى مصر بنسخته «سقط الزند» أهداها للوزير أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحي، فأعجب بها و استدعى كاتب الديوان وأمره أن يكتب إلى عزيز الدولة متولي حلب وأعمالها، في حمل أبي العلاء إلى مصر، ليبني له دار علم، وسمح بخراج معرَّة النعمان له في حياته وبعدها، فوصلت الأوامر إلى ديوان الشام بكَتْب السجل، فكُتِب وجُهّز على البريد، فلمّا وقف عليه عزيز الدولة نهض للوقت حتّى دخل معرَّة النعمان، وقرأ السجل على أبي العلاء، فقال: أمهلني حتّى أكتب جواب السجل إلى مجلس الوزارة، فلعلّ العفو يسامحني بالمقام في بلدي، إذ لا يمكنني الخروج منه. فأمهله الأمير، فأحضر الكاتب للوقت، وأملى عليه هذه الرسالة ـ أي «الرسالة الفلاحية» ـ يعتذر فيها عن عدم الرحيل بعجزه عنه.
وفضلاً عمّا لهذه الحكاية، بوجهيها، من دلالة على احتفال أبي العلاء وتلاميذه بديوان «سقط الزند»، تدلّ كذلك على احتفال الناس في عصره بهذا الديوان وبأدب أبي العلاء وبمكانته، كما تدلّ على إباء المعرّي نفسه وعزوفه عن عروض المال والجاه من حكام زمنه، وقد دلّت على ذلك روايات عدّة في أخبار أبي العلاء.
وأمّا ما تُنبئ عنه رواية أبي زكريا التبريزي، المتقدمة الذكر، من أنّه رأى أبا العلاء «يكره أن يقرأ عليه شعره في صباه الملقَّب بسقط الزند»، فيمكن حمله على بعض أشعار هذا الديوان ممّا هو منظوم في صباه حقّاً. يدلنا على هذا التَّخريج للرواية أنّ أبا العلاء قد جعل حجته في الامتناع عن سماع هذا الديوان كونه مدح نفسه فيه، وهذه حجة لا تنهض إلاَّ بالنسبة للأبيات التي مدح فيها نفسه، ولم أجد من هذه الأبيات في النسخة المطبوعة من «سقط الزند» التي درست فيها الديوان، سوى قليل، وهي أقل من أبيات نستشعر فيها تواضعه جاءت في مراسلاته لأخوان، فعلّل شيئاً من النقص أصاب الديوان خلال القرون التي انقضت من عهد أبي العلاء إلى اليوم، أو لعلَّ طابعي هذه النسخة قد أنقصوا الديوان بعض قصائد، وهذا ظاهر بالفعل وسنوضحه بعد.
ومهما يكن من شأن رواية التبريزي، فإنّها لا تستطيع أن تعارض ما نقلناه وما لم ننقله من الروايات والأخبار المستفيضة عن اهتمام أبي العلاء بهذا الديوان.
على أنَّ أديبنا العظيم، أبا العلاء، قد ذكر في خطبة «سقط الزند» ـ أي مقدمته » ما يشبه هذا الذي حكته عنه رواية التبريزي، فقد قال ما نصه:
«أمّا بعد، فإنَّ الشعراء كأفراس تتابعن في مدى، ما قصر منها لحق وما وقف ذيم([429]) وسبُق، وقد كنت في ربَّان الحداثة([430]) وجن النشاط، مائلاً في صغو([431]) القريض، اعتدُّه بعض مآثر الأديب، ومن أشرف مراتب البليغ، ثمّ رفضته رفض السقب([432]) غرسه، والرأل تريكته([433])، رغبة عن أدب معظم جيّده كذب، ورديئة يُنقِص ويُجدب، وليس الرَّي عن التشافِّ([434])، ويعلمك بجني الشجرة الواحدة من ثمرها، ويدلك على خزامى الأرض النفحةُ من رائحتها، ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالباً للثواب وإنّما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس ـ أي الطبيعة ـ فالحمدلله الذي ستر بعُفَّة من قوام العيش ورزق شعبة من القناعة أوفت على جزيل الوفر».
هذه قضية يعنينا أن يجلوها أبو العلاء بمثل هذا الكلام يصدر عنه هو، ولا يتركها لمجرد الاجتهاد والاستنتاج، وإن كان لنا من أخباره ـ كما قلت ـ ما يعين على الاجتهاد والاستنتاج.
ويبقى الآن أن نعود إلى هذه الدعوى من أبي العلاء ومن المؤرخين لحياته وأدبه، من القدماء والمحدثين على السواء، وهي دعوى أن شعر «سقط الزند» هو شعر الحداثة والصِّبا.
هذا غير صحيح، ففي شعر هذا الديوان، كما وصل إلينا وكما نراه في شرح أبي يعقوب يوسف بن طاهر النحوي صاحب «التنوير» ـ وهو مقارب لعهد أبي العلاء ـ ما قد نظمه المعرّي وهو في بغداد، وما قد نظمه بعد رحلته إلى بغداد أثناء اعتزاله الأخير بالمعرَّة. ومن ذلك قصيدته في رثاء أبي أحمد الطاهر والد الشريفين الرضي والمرتضى، فقد توفي هذا عام 403هـ ومعلوم أنّ المعرِّي بدأ عزلته بالمعرَّة عام 400هـ، فكيف تكون هذه القصيدة ـ وهي من شعر «سقط الزند» ـ ممّا قاله الشاعر في صباه؟. ومن ذلك قصائد بعث بها من المعرّة إلى صديقه القاضي أبي القاسم التنوخي، في بغداد، وفي هذه القصائد أغراض مختلفة أظهرها الحنين إلى أيامه التي قضاها في بغداد خلال رحلته الشهيرة إليها، وهي الرحلة التي اتخذ بعدها منزله بالمعرَّة «محبساً» ثانياً له، ومن قصائده إلى القاضي التنوخي هذا، القصيدة التائية التي مطلعها:
هات الحديث عن «الزوراء» أو «هيتا»
وموقد النار لا تكري «بتكريتا»([435])
وفي هذه القصيدة يصف حنينه إلى العراق ويذكر سبب عودته من بغداد إلى المعرَّة مرغماً، في حين كان يرجو أن لا يفارقها:
ولا مدحت طالباً للثواب، وإنّما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس([436])، فالحمدلله الذي ستر بعُفَّة([437]) من قوام العيش وَرَزق شعبة من القناعة أوفت([438]) على جزيل الوفر. وما أوجد لي من غلو علق في الظاهر بآدمي، وكان ممّا يحتمله صفات الله عزَّ وجل، فهو مصروف إليه. وما صلح لمخلوق سلف من قبل، أو غير، أو لم يُخلق بعد، فإنّه ملحق به. وما كان محضاً من المين([439]) لا جهة له، فاستقيل([440]) الله العثرة فيه، والشعر للخلّد مثل الصورة لليد([441]): يمثل الصانع ما لا حقيقة له، ويقول الخاطر ما لو طولب به لأنكره، ومطلق في حكم النظم دعوى الجبان أنّه شجيع، ولبس العزهاة ثياب الزير([442]) وتحلِّي العاجز بحلية الشهم الزميع([443]) والجيد من قيل الرجال ـ وإن قلّ ـ يغلب على رديئه وإن كثُر، ما لم يكن الشعر له صناعة، ولفكره مرناً وعادة. وفي هذه الكلمة جمل يدلُلْن على الغرض، والله تعالى استغفر، وإياه أسأل التوفيق».
لهذا النص يمليه أبو العلاء نفسه في مقدمة «سقط الزند» قيمة ذات شأن كبير، فهو يلقي ضوءاً غامراً على كثير من القضايا التي يختصم الباحثون فيها منذ زمن بشأن أبي العلاء في شعره وفلسفته ومعتقده الدّيني. وإنّه لمؤكد أنّ صاحب «سقط الزند» قد أملى هذا النص أثناء اعتزاله الأخير في منزله بالمعرَّة بعد الأربعين من عمره، وذلك هو العهد الذي أنشأ فيه خيرة أعماله الفكرية والأدبية، وأملى فيه «اللزوميات» ذاتها، وهي التي يشتد فيها الجدل بين المفكرين والباحثين، من حيث أنّها تحتوي معطم آرائه في الكون والحياة والناس والمعتقدات.
فنحن نرى في هذه المقدمة الصريحة أنّ رجل يبرئ نفسه من تهمة الزندقة ويصرف ظواهر شعره إلى مقاصد لا تنافي الاعتقاد بالله، ثمّ يستغفر الله ممّا قد لا يكون فيه مجال للتأويل. على أنّنا ننظر في «سقط الزند» فنرى فيه شعراً كثيراً يدل على الإيمان والتدين من مثل قوله في رثاء أبيه:
فيا وطني، إن فاتني بك سابق
من الدهر فلينعم لساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتيك زائراً
وهيهات لي يوم القيامة إشغال
وليس هذا الأمر موضوع بحثنا وإلاَّ لأتينا من «سقط الزند» بشواهد كثيرة على ذلك. وإنّما الغرض هنا أن نقف قليلاً عند ذلك النص الذي نقلناه من إملاء أبي العلاء، فنرى إليه وهو يقدّم لديوانه بهذا الكلام الذي يشبه من بعض وجوهه، رواية التبريزي عنه بأنّه كان يرى في «سقط الزند» أنّه من شعر الحداثة، ولكن هذا لم يمنعه أن يهتمّ بأمر هذا الديوان، وأن يقدّم له، وأن يرويه لتلاميذه ويجيز روايتهم إيّاه ويتدارسه معهم في حلقات دروسه.
وثمة ناحية أخرى ذات شأن في هذا النص، وهي اعتذار أبي العلاء عمّا ورد في «سقط الزند» من مدائح ربّما تُوْهِم أنّ الرجل كان كغيره من شعراء تلك العصور يقف بشعره على أبواب الحكّام وذوي الجاه، إمّا زُلفى ورياء وتمليقاً، وإمّا استجداء للعطايا والهبات، في حين نعلم من أخباره أنّه تفرّد في شعراء تلك العصور بميزة الترفّع بنفسه وخلقه وأدبه عن كلّ ما هو من قبيل الزلفى والملق والرياء، والاستجداء، بل نعلم من أخباره المستفيضة أنّه لقي في كثير من الحالات أزمة الحاجة والإعواز، وإنّه ـ إلى ذلك ـ قد أتيح له مراراً أن يملأ كفّيه بالمال وأن يملأ حياته بالرفاهة، غير أنّه رفض كلّ ذاك رغم إقلاله وحرمانه.
وها هوذا، في مقدمة «سقط الزند»، كما رأينا. يرفع ذلك التوهم بنفسه، ويكشف عن حقيقة تلك المدائح في هذا الديوان، بقوله: … ولم أطرق مسامع:
أثارني عنكم أمران: والدة
لم ألقها، وثراء عاد مسفوتا([444])
أحياهما الله عصر البين ثمّ قضى
قبل الإياب إلى الذخرين: أن موتا([445])
لولا رجاء لقائها لما تبعت
عنسي دليلاً كسر الغمد أصليتا([446])
ولأصبحتُ ذئاب الأنس طاوية
تراقب الجدي في الخضراء مسبوتا([447])
سقياً لدجلة، والدنيا مفرَّقة
حتّى يعود اجتماع النجم تشتيتا
وبعدها لا أريد الشرب من نهر
كأنّما أنا من أصحاب طالوتا([448])
وممّا بعث به من المعرَّة إلى بغداد بعد رحلته تلك، قصيدته إلى أبي أحمد عبد السلام بن الحسن البصري الذي كان يكثر الإقامة عنده في بغداد، وهي من شعر «سقط الزند»، ومطلعها:
تحية كسرى في الثناء وتبع
لربعك، لا أرضى تحية أربع
وفيها يقول:
ألم يأتكم أنّي تفرَّدت بعدكم
عن الأُنس، من يشرب من العِدِّ ينقع([449])
نعم، حبَّذا قيظ العراق، وإن غدا
يبثثُّ جماراً في مقيل ومضجع
وفي «سقط الزند» ـ فضلاً عن ذلك ـ قصائد كثيرة ممّا قاله وهو في بغداد، ومعلوم أنّ رحلته إليها كانت ما بين عامي 398ـ399هـ، أي حين كان قد جاوز الخامسة والثلاثين، فأين هو في هذه السن من زمن الصِّبا؟…
يضاف إلى ذلك كلّه أنَّ جملة من قصائده السائرة في الناس منذ أجيال، والمعروفة أنّها من ذروات الشعر العلائي، هي من قصائد «سقط الزند»، وهذه يبدو عليها طابع النضج الفكريّ والشعريّ الذي عُرف به أديبنا العربي العظيم. ومن ذلك قصيدته المشهورة في رثاء الفقيه الحنفي أبي الخطّاب محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجَبُّلي([450]) الذي توفي سنة 439هـ كما ذكر ياقوت في «معجم البلدان». وهي القصيدة التي مطلعها:
غير مجد في ملّتي واعتقادي
نوح باك، ولا ترنُّم شاد
ففي «سقط الزند» إذن من شعر أبي العلاء ما قاله وهو في السادسة والسبعين، فأين هذه السن من زمن الصِّبا؟…
يثبت من هذا كلّه أنَّ الفكرة الثابتة في الأذهان، بأنّ «سقط الزند» هو شعر أبي العلاء في صباه، ليست منطبقة على الواقع. وأعني بالتّحديد: واقع هذا الديوان بصورته التي وصلت إليها، والتي يحكم عليها الباحثون المعاصرون أيضاً أنّها من شعر أبي العلاء في صباه. ويبدو لي من مطالعة أخبار أبي العلاء في مختلف المراجع التي استطعت الوصول إليها، أنَّ «سقط الزند» الذي بين أيدينا الآن، بطبعتيه: المصرية، واللبنانية، لا يختلف كثيراً عنه كما عرفته الأجيال المقاربة لعهد المعرّي. يدلنا على ذلك ـ كما ذكرت آنفاً ـ انَّ صاحب «شرح التنوير» قد أورد جميع القصائد التي أشرت إليها منذ قليل، ومنها قصيدة: «غير مجدّ في ملَّتي واعتقادي»… فهل يكون ذكر هذه القصائد كلّها في «سقط الزند» من تحريف المؤرخين والشارحين بهذا التواطؤ والواتر؟… إنّي أشك بذلك.
تراني أصرّ على تحقيق هذه المسألة لغرض أريد أن أنتهي إليه، وهو غرض أدبي له شأنه الخطير في رأيي. وذلك أنّ «سقط الزند» إذا اعتبرناه من شعر أبي العلاء في مراحل صباه وفي شبيبته وفي أوائل كهولته، كما هو الواقع الذي عرضنا أدلَّته في هذا الفصل، فهو إذن يصحُّ ـ كما قلت أوّل الأمر ـ أن تكون دراسته مدخلاً لدراسة جديدة لأبي العلاء. فإنَّ الذين بحثوا أمر هذا الأديب العربيّ العظيم، قصروا النظر في بحثه ـ غالباً ـ على عدد من مؤلفاته، ولا سيّما «اللزوميات» و«رسالة الغفران»، ولم ينظروا إلى «سقط الزند» الذي يمثّل أصالته الأدبية بحقيقتها، ويمثِّل كذلك أهم أوجه حياته وشخصيته، وأعمق تجاربه الوجدانية وانفعالته الشاعريّة.
شخصية المعرّي في «سقط الزند»
يخرج المتتبّع لهذا الاختلاف القديم المتجدّد بشأن أبي العلاء، من حيث فلسفته ومعتقده ومذهبه، ومن حيث طريقته في العيش وعلاقته بمجتمعه وآراؤه بالناس والحياة والكون ـ يخرج من يتتبع هذا الاختلاف ويتتبع أسبابه ومصادره، بظنٍّ يقرب من اليقين في أنّ معظم تلك الآراء المتخالفة المتناقضة إنّما استمدَّها الباحثون، في الأكثر، من مصدر واحد، هو حياة أبي العلاء في عهد كهولته الأخير وشيخوخته، وفي «لزومياته» وبعض رسائله التي أنشأها آنئذ، ولم ينظروا إلاَّ قليلاً في حياته عهد الحداثة والشبيبة، وفي ما كان له عهد ذاك من شعر وأدب وسيرة.
ولست أعني ـ طبعاً ـ أنّهم لم يتحدّثوا عن حياته في طوري الحداثة والشباب، ولم يفصِّلوا الحديث فيهما تفصيلاً كافياً، فإنّ أكثرهم صنع ذلك، ونخص الدكتور طه حسين بالذكر، لأنّه بذل جهداً رائعاً في استقصاء حياة أبي العلاء من فجرها إلى مغربها، وفي تحقيق أخباره كلّها على منهج علمي واضح بكتابه «تجديد ذكرى أبي العلاء». ولكن الأمر الذي أعنيه هو أنَّ حياة المعرّي وشعره في أيام حداثته وشبابه وقسم من كهولته الأولى، لم يكونا مرجعاً للباحثين في دراسته وفي تعرُّف شخصيته من منابعها وأصولها. ولذلك جاءت آراؤهم عنه ـ في الغالب ـ متناقضة، لأنّها منتزعة من ظواهر سيرته وشعره أيام هو يلتزم سيرة متكلَّفة، ويقسر نفسه وفنَّه على أشياء قد لا تكون في الأصل من مكوِّنات شخصيته وفنه.
ومن الأنصاف للحقّ أن نذكر الأستاذ مارون عبود في أوّل من يمكن استثناؤهم في هذا المقام. فقد نظر في كتابه «زوبعة الدهور» إلى أبي العلاء نظرة شاملة بصيرة، فأقام فارقاً واضحاً بين المعرّي الإنسان في شبابه والمعرّي المفكّر المتمذهب في أيام عزلته وشخيوخته. لقد تنبّه مارون عبود إلى مردَّ الخطأ الذي وقع فيه معظم الذين درسوا أبا العلاء من المحدثين، إذ أسبغوا على حياته كلّها ثوب زهده وتعفّفه وانقباضه عن الناس ومقته إيّاهم وتغلّفه بالأحاجي والأسرار دونهم، كما يظهر في «اللزوميات»، وأغفلوا أنَّ هذا ثوب أبي العلاء في عهد «اللزوميات»، لا ثوبه في عهد «سقط الزند».
وبهذا الصدد يقول أديبنا الناقد الباحث مارون عبود: «فقد توهّم الناس، حتّى الخواص من الأدباء ـ هدانا الله وإيّاهم ـ أنّ أبا العلاء خلق منزَّهاً عن الشهوات، بريئاً ممّا يسمّيه غيرنا الضعف البشري، لا ينقصه شيء من الكمال في نظرهم، حتّى كادوا يجعلونه بمعزل عن الغرائز، كأنّه غير مركب من لحم ودم. إنَّ أبا العلاء. أيّها، الفضلاء، ـ وهذا لا يضير عصمته التي تزعمونها له ـ قد تغزَّل كالشعراء لأنّه أحبّ مثلهم ـ الحبّ لا يضر يا سادة ـ وأحسَّ بما أحسَّ به كلّ مركب من نفس وجسد وله دماغ وقلب»([451]).
حين لم يحصر مارون عبود نظره في نطاق «اللزوميات» وسائر ما أنشأه أبو العلاء في «محبسية»، وجد «سقط الزند»، ثمّ وجد في أشعار هذا الديوان وأغراضه شاعراً إنساناً يحيا كالشعراء، وكالناس في زمانه، ورأى أبا العلاء لا يقول عبثاً، أي لا يصدر من غير قلب يخفق بالحبّ، حين يقول:
أيا دارها بالخيف أنَّ مزارها
قريب، ولكن دون ذلك أهوال
أو حين يقول:
أيا جارة البيت الممنَّع جاره
غدوت ومن لي عندكم بمقيل
لغيري زكاة من جمال فإن تكن
زكاة جمال فاذكري ابن سبيل
ورآه، كذلك، يمدح كالشعراء، ويُهنئ بالزفاف وغيره، مثلهم، ويغلو ويبالغ حتّى لا يقصر عن صاحبه المتنبي في الغلو والمبالغة، ويجني غلَّة الشعر ويذوق بواكير محصوله كما يفعل غيره من شعراء ذاك الزمان، ويرثي كما يرثون، ويهجو مثلهم ولكن دون هجر، ويفتخر ويدَّعي مثل الشعراء بل أكثر منهم، إذن «فلنثق جيّداً انّ المعرّي إنسان مثلنا، أكل وشرب وتلذًّذ مثل الناس، وهو لم يكذب حين قال:
تنسَّكت بعد الأربعين ضرورة
ولم يبق إلاَّ أن تقوم الصوارخ
فكيف ترجي أن تُثاب، وإنّما
يرى الناس فضل النسك والمرء شارخ([452])
وإذا كان مارون عبود وقف من أمر أبي العلاء الإنسان الذي يحيا في «سقط الزند» عند هذه اللمحات، ولم يجاوزها إلى تفصيل كامل يخرج منه «بالحلقة المفقودة» التي تصل المعرّي هذا بالمعرّي المفكر المتمذهب الزَّمِّيت بعد أن انطفأت نار شبيبته… فإنّ هذا لا يقلل قطعاً من شأن السابقة التي بدأها صاحب «زوبعة الدهور» باهتدائه إلى شاعر «سقط الزند»، دون أن يخلطه بناظم «اللزوميات»…
روى الثعالبي في «يتيمة الدهر» عن المصيصي الشاعر أنّه قال: «رأيت بمعرة النعمان عجباً من العجب، رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنَّرد، ويُدخِل في كلِّ فنٍّ من الجدِّ والهزل، يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر».
وأخذ بهذه الرواية كلّ من أرَّخ لأبي العلاء بعد ذلك، ولم نجد من يكذّبها أو ينكرها عليه، غير أنّ الدكتور طه حسين شكَّ([453]) في أنَّ أبا العلاء كان قادراً أن يلعب الشطرنج والنَّرد، وتأوَّل قوله إنّه يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر، تأوُّلاً ليس يخلو من تلك النظرة التي ينظر بها الباحثون إلى أبي العلاء من خلال حياته في «اللزوميات».
ونحن نأخذ بهذه الرواية من حيث دلالتها العامة، دون تفاصيلها بالدّقة. فسواء كان أبو العلاء يلعب الشطرنج والنَّرد حقاً أم لم يكن، وسواء كان يعني حقيقة ما يقول من أنّه يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر، أم كان يعني من هذا القول ظاهرة وفي نفسه شيء آخر، إمّا سخراً بالمبصرين، وإمّا اعتداداً بالنفس وفخراً ـ فإنّ هذه الرواية بجملتها، تدل ـ على كلّ حال ـ أنّ شاعر المعرّة الفتى كان ظريفاً مرحاً يجالس الظرفاء، ويشارك أهل الهزل هزلهم وأهل الجدِّ جدّهم، ويتَّصل بمواطنيه في المعرّة اتّصال مواطن إنسان، فهو يحيا حياتهم اليومية في غير تحفظ، ويخالطهم في لهوهم دون تزمّت، ويحسُّ معهم إحساس المسرَّة والمرح، دون أن تمنعه العاهة شيئاً من ذلك، بل تزيده العاهة إقبالاً على مثل ما يقبل عليه أترابه المبصرون توكيداً لوجوده وتفوّقه.
أقول: نأخذ بالرواية من حيث دلالتها هذه، مع علمنا أنّه ليس في أخبار أبي العلاء ما ينفي شيئاً من نصها، فهي من الوجهة التاريخية المحض ثابتة غير منقوضة، فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ أشعار «سقط الزند» ذاتها تنبئ بأنّ الرواية ليست غريبة عن الواقع الذي كان يحياه أبو العلاء في عهده الأوّل الذي سبق عهد عزلته وتزهده، ازددنا يقيناً بأنَّ شاعر المعرَّة قد مارس حياته الأولى على امتلاء من علاقاته الإنسانية بحياة مواطنيه، وانفعال وجدانه الشاعري بالكثير من هذه العلاقات، وأنّه كان ينظر إلى الناس والحياة من خلال عواطفه وعلاقاته هذه، وأنّ النظرة المتزمّتة المتبرِّمة بالناس وبالحياة لم تكن عهدئذ قد وجدت سبيلها إلى نفسه وتفكيره.
وأوّل ما يلفت انتباهنا من الدلالات على ذلك في شعر «سقط الزند»، ما جاء في قسم «الدرعيات» من أبيات قالها في لاعب شطرنج:
قل لترب الآداب في كلّ فن
وحليف الندى وحرب العذولِ
أيّها اللاّعب الذي «فرس» الشـ
ـطرنج همت في كفه بالصهيل
من يباريك و«البياذق» في كفْـ
ـفِك يغلبن كلّ «رخ» و«فيل»
نصرع «الشاه» في المجال ولو
جاء مردَّى بالتاج والإكليل
لطف رأي يستأسر الملك الأعـ
ـظم بالواحد الحقير الذليل
أنت فوق الصولي في هذه الخلـ
ـلّة، مزر في غيرها بالخليل([454])
لسنا ندري متى نظم المعرّي هذه الأبيات، ولكن يكفينا منها دلالتها الصريحة على معرفة أبي العلاء بأدوات الشطرنج وحركاتها معرفة الخبير، ثمّ دلالتها ضمناً على أنّ رواية «يتيمة الدهر» عن ظرف أبي العلاء ومشاركته في لعب الشطرنج زمن شبيبته، ليست بعيدة ولا غريبة عن الصدق والواقع، حتّى في أضعف فقرة منها، وهي الفقرة التي شكَّك فيها الدكتور طه حسين كما تقدم.
* * *
ولنقارن الآن أبا العلاء الكاره للزواج وللمرأة وللنِّسل، المتشدّد في هذه الكراهية إلى الحدّ المعروف عنه في أشعار «اللزوميات»، أو إلى الحدّ الذي دفعه ـ كما يخبرنا أكثر المؤرخين له ـ أن يوصي بأن يكتب على قبره ذلك البيت الذي يصف جمَّاع آرائه الصارمة في النسل والزواج والحياة معاً:
هذا جناه أبي عليَّ،
وما جنيت على أحد
لنقارن أبا العلاء هذا صاحب «اللزوميات»، بأبي العلاء صاحب «سقط الزند»، فسنرى أنّ هذا الآخر قد أنشأ ثلاث قصائد في تهنئة ثلاثة من قومه بزواجهم، وأنشأ قصيدتين في التهنئة بمولدين…
ترى، أيتوافق هذا الاندفاع في التهنئة بالزواج وبالمولود، مع تلك النظرة الساخطة إلى المرأة والزواج والتناسل؟ إنّ بين الأمرين تناقضاً ظاهراً!… فإذا قيل لنا إنَّ هذه القصائد كان يدفع إليها المدح والمجاملة لبعض الأمراء في حلب، أكثر ممّا يدفع إليها الاستبشار بالزواج وبالمولود، أو التهنئة بهما لذاتيهما ـ قلنا أولاً: إنَّ هذا أيضاً دليل على أنَّ أبا العلاء لم يكن يكره أن يمدح أمراء زمانه، ولم يخالف طريقة الشعراء في عهده من هذا الوجه.
ونقول ثانياً: إنّ شاعر المعرَّة قد ذكر المرأة في القصائد الثلاث، إلى جانب المدح، ذكراً جميلاً تفوح منه رائحة الرجل الإنسان الذي يرى في المرأة وجه النعمة والنضرة والغبطة والخير. في حين هو يرى في اللزوميات أن: «بدء السعادة إن لم تخلق امرأة» ويظهر لنا أنّه لم ينظم هذه القصائد في صباه، لأنّ جامع الديوان ـ وأبو العلاء نفسه هو جامع الديوان ـ عوَّدنا أن ينصَّ عند كلِّ قصيدة قالها في الصِّبا أنّها ممّا قاله في ذلك العهد. فإذا رجعنا إلى إحدى هذه القصائد نسمعه يقول لصاحبه الذي يهنئه بزفافه([455]):
وتهنِّ «النعمى» السنية والبس
حلل المجد والفَعال الخطير
وتمتَّع «بنضرة» العيش، إذ جا
ءتك في رونق الزمان النضير
«خير» أيدي الزمان عند بني الدّ
نيا أتت في أوان خير الشهور
يا لها «نعمة»، وليس يبدع
أن تحوز الشموس رقَّ البدور
ونرى ـ استطراداً ـ أن نثبت هنا أبياتاً ثلاثة في القصيدة خصَّ بها أبو العلاء مدينة حلب، قال:
«حلب» للولي جنَّة عدن
وهي للغادرين نار سعير
والعظيم العظيم يكبر فلي عيـ
ـنيه منها قدر الصغير الصغير
«فقويق» في أنفس القوم بحر
وحصاة منها نظير ثبير([456])
وفي القصيدة الثانية، وأكثرها طراز من المديح العادي المألوف، يخلص الشاعر إلى تهنئة أمير حلب بعرسه، فيقول:
الآن فألهُ عن الهيجاء «مغتبطاً»
طال امتراؤك خِلفَيْ نابها لاضبس([457])
وفي حين نرى المرأة في اللزوميات، موضع سوء ظنّه دائماً، لا يثق بحفاظها على حصانتها، ويرى ضعفها على الإغراء هو الأصل في سلوكها، بحيث يقول هناك ـ اللزوميات:
وما يمنع الخودَ الحَصان حصونها
ولو أنَّ أبراج السماء حصونها
نراه ـ مع ذلك ـ هنا في «سقط الزند» يراها أخت الأسد الصعب في امتناعها على غير المحلِّل لها من الرجال. وها هو ذا يقول لأمير حلب الذي يهنئه بعرسه، في القصيدة المتقدمة الذكر، وهو يصف عروسه:
ما ربة الغيل أخت الظبي فزت بها
بل ربة الغيل أخت الضيغم الشرس([458])
يقصد أنَّ هذه العروس ليس ينبغي أن تشبَّه ـ كالعادة ـ بالظباء، بل هي أشبه باللبوة أخت الأسد في امتناعها وحصانتها وعفافها. ألا ترى أنّ المرأة هنا ـ عند أبي العلاء ـ تناقض المرأة عنده هناك في اللزوميات؟
وفي حين يرى أبو العلاء ـ في اللزوميات ـ أنّ من الخير للإنسان أن لا يولد، وأنّ الحياة هبة أثيمة يجني بها الآباء على الأبناء:
فليت وليداً مات ساعة موته
ولم يرتضع من أمِّه النفساء
نجده هنا، في «سقط الزند» يرى نقيض ذلك أيضاً… فها هوذا يهنئ أبا القاسم ابن القاضي التنوخي بمولوده، فكيف يهنئه؟. إنّه يرى الوليد المستهلَّ «نعمة» نزلت من السماك الأعلى، فاستحق أن توفى بمولده النذور وأن تُساق الهدايا إلى البيت الكريم، أي الكعبة، لأنّه يرى المولود الكريم سرّاً من أسرار المجد لأبيه:
متى نزل السماك فحلَّ مهداً
تغذِّيه بدِرذَتها الثُّديُّ([459])
أهلَّ بصوته، فأهلَّ شكراً
به الأقوام، وافتخر النديُّ([460])
بيوم قدومه وجبت علينا النُـ
ـذور، وسيق للبيت الهَديُّ([461])
وسرّ المجد مولود كريم
أبان وفودَه خبر جليُّ
علوُّ زائد بأبي عليّ
أتاك بفضله الله العليُّ
ويهني ثانية صديقاً له بمولوده، وقد كتب له الصديق بنبأ ولادته، فإذا النبأ عنده ـ أي أبي العلاء ـ «بشرى»، وإذا الوليد نفسه هو «النعمى»، ونحسُّ هنا صدورنا ونحن نقرأ هذه اللَّهفة إلى صديقه. وفي ظنِّنا أنّ هذه التهنئة الشعرية كانت في أوائل عهده بالعزلة، وكانت ما تزال في نفسه صبوات إلى تلك المتع الروحية بلقاء الأصدقاء والشعراء، وما يزال يضطرب وجدانه وينفعل بتجربات حية باقية من زمانه الأول:
كتابك جاء «بالنعمى» بشيراً
ويعرض فيه عن خبري سؤال
وحالي خير حال كنت يوماً
عليها، وهي صبر واعتزال
* * *
فأمَّا أنت، والآمال شتى،
فلقياك السعادة لو تنال!
بعدنا، غير أنَّا أن سعدنا
بغبطة ساعة، عكف الخيال
* * *
ولو صنعاء كنت بها لهزَّت
هواي إليك نوق أو جمال
* * *
أرى راح المسرَّة أثملتني
وتلك، لعمري، الرَّاح الحلال
وقبل اليوم ودَّعني مراحي
وأَنْسَتِنيْهِ أيام طوال
هنيئاً، والهناء لنا جميعاً
بقيناً لا يُظَنُّ، ولا يخال
* * *
أهلَّ فبشَّر الأهلي منه
محيا في أسرّته الجمال
بأخوته الذين هم أسود
على آثار مقدمه عجال
فإنَّ تواتر الفتيان عزُّ
يشيَّد حين تكتهل الرجال
وهل يثق الفتى بنماء وفر
إذا لم تَتْلُ أينقَه فصال([462])
* * *
ستركز حول قبَّتك العوالي
وتكثر في كنانتك النبال
فإن مناي أن يثري حصاكم
ويقصر عن زهائكم الرمال([463])
يستوقفنا من هذه القصيدة العاطفية، أولاً: إحساسها الصادق وصفاؤها النفسي والتعبيري معاً، وثانياً: نظرة أبي العلاء إلى التناسل هذه النظرة الطبيعية السليمة، فإذا الوليد الجديد بشارة بمواليد كثيرة تتبعه، وإذا تكاثر الأبناء عزٍّ للإباء يشيدونه لهم في أعمال الكهولة، وإذا هم المال الطيب، ولا يثق المرء بنمو هذا المال إلاّ أن يتناسل ويتلو بعضه بعضاً، وإذا أبو العلاء يتمنى، أغلى ما يتمنى لصديقه، أن يتكاثر أبناؤه حتّى يقصر عدد الرمال عن أعدادهم… يقول هذا وهو في عافية من نفسه ووجدانه، وفي رغبة صادقة أن ينال هذا الصديق ما هو خير ونعمى له، والنسل هنا هو خيره ونعماه… أي هذا كلّه من رأي أبي العلاء في الأبناء وفي التناسل وفي «جناية» الآباء على أبنائهم حين يهبونهم «نقمة» الحياة؟… أين هذا الذي ينطق به «سقط الزند» من ذاك الذي تضجُّ به «اللزوميات»؟…
* * *
وينقم أبو العلاء على الناس، في اللزوميات، أنّهم يفتخرون، ويرى افتخارهم، كالكذب، منشأ الجهل، فعلام يفتخر الناس وهم تراب ومن التراب:
ادفع الشَّرَّ، إذا جاء، بشرٍّ
وتواضع، إنّما أنت بَشَرْ
هذه الأجسام ترب هامدة
فمن الجهل افتخار وأشر
فكيف شأن أبي العلاء، إذن في «سقط الزند»، أهو يرى الفخر هنا كما هو هناك عنده؟
الفرق بين حاليه هنا وهناك، هو الفرق بين من يمارس الافتخار بنفسه فعلاً إلى حدِّ اللغوِّ والإغراب، ومن يفلسف الافتخار للناس، وينقمه عليهم، ويعجب منهم أن يجدوا في إنسانهم موضع فخر… أي أنّ الفرق بين أبي العلاء في «سقط الزند» وبينه في اللزوميات من هذا الوجه، هو أنّه في الأوّل شاعر، وفي الثاني متفلسف، أو ـ إذا شئت ـ فيلسوف، أو فلنقل: مفكر متمذهب، يجري في هذه المسألة على غير ما تقتضيه طبيعة الشاعر الإنسان.
ومن منَّا يجهل بيتيه السائرين في مطلع قصيدته المعروفة:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
عفاف وإقدام وحزم ونائل
أعندي، وقد مارست كلّ خفية،
يًصدَّق واشٍ، أو يخيِّب سائل!
في «سقط الزند» قصيدتان موضوعهما الفخر، ولكن قصائد غيرهما جاءت في الديوان في مواضيع أخرى، يطلع الفخر أثناء أبياتها، لمناسبة حيناً، ولغير مناسبة حيناً. وفخر أبي العلاء تبدو فيه من المتنبي نفحة ظاهرة، ولعلَّ قصيدة «ألا في سبيل المجد» أدلُّ على هذه النفحة المتنبيّة، سواء برويِّها الصاخب وبعروضها المجلجل، أو بكبرياء التحدّي ممتلئة بها أوداج شاعر المعرَّة، تشبّهاً بكبرياء صاحبنا أبي الطيب شاعر الفرسان، وفارس الشعراء…
وإنّي وإن كنت الأخير زمانُه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
لقد قال المعرّي هذا الكلام وهو في عنفوان حيويته، وفي عزِّ إقباله على الدنيا، وله في الحياة آمال كبار، وأمامه دنيا بغداد لما نزل يومئذٍ دنيا أحلامه، فكان طبيعيّاً أن يزهو هذا الزهو كلّه، وليس في ذاك عائب يعيبه، فقد كان شاعراً، وكان يستسشعر في ذاته أمراً غير عادي، وكانت نفسه أشواق أبكار لما تمتحنها التجربة الكبرى المنتظرة، وكانت شهرة ذكائه وتفوّقه في الحفظ والفطنة تكتسح بلاد الشام وتجاوزها إلى العراق ومصر، وتتضخم في طريقها إلى الناس حتّى تبلغ حدود الأساطير، ولعلّها كانت وهي تجوب الآفاق، ترجع إلى مسمعه بضجتها وضخامتها الأسطورية، فينتشي بها، ويُزْهَى بنفسه، فيفخر هذا الفخر الموغل في المبالغة.
وما ندري، أهذا النوع من الفخر، وقد كان أمراً مألوفاً في شعرنا العربي عهد أبي العلاء، يدخل في باب المين والصفاقة، كما يرى الدكتور طه حسين، بحيث ينبغي أن ننزِّه عنه شيخ المعرَّة؟… هنا أيضاً مسألة الخطأ التي أشرنا إليها في مطلع هذا الفصل، الخطأ في إسباغ ثوب الشيخوخة الزاهدة المتزمتة على حياة أبي العلاء كلّها من حداثته وشبابه إلى يوم «محبسيه»…
وفي المسألة أمر آخر: أيصحُّ، من الوجهة الفنية المحض، أن نصف المبالغات الشعرية في باب الفخر، كذباً وصفاقة، مع أنّنا نعلم أنّ أمثال هذه المبالغات لا تقصد حتّى إلى المعاني المجازية الجزئية المباشرة التي تدلُّ عليها كلّ عبارة بنفسها منفصلة عن علاقتها بالكل الكامل لبناء القصيدة وموضعها، وإنّما هي تقصد ـ بمجموعها وبدلالتها الكبرى الشاملة ـ إلى التعبير عن مشاعر إنسانية تمتزج بآمال الشاعر ومطامحه وأشواقه الكبيرة، غير أنّ خيال الشاعر قد يضخّمها في فورة من فوران العنجهيّة الفردية، وقد يكون الكبت الاجتماعي أو الحرمان أو الشعور بالاضطهاد والظلم سبباً في هذه الفورة، أو سبباً في جموح الخيال إلى أبعد حدوده تعويضاً عن نقص، أو انتقاماً لحرمان…
إذا صحَّ أنّ نصف هذه المبالغات بالكذب والصفاقة في باب الفخر، فلماذا لا نصفها كذلك في باب المدح، أو في باب الرثاء، أو في باب الغزل إلخ…
ومهما يكن، فقد فخر أبو العلاء فعلاً، وغلا في ذلك حتّى أنّه، وهو الأخير زمانه، قد أتى بما لم تستطعه الأوائل… فماذا يجدينا تنزيه أخلاقه عن الفخر؟. أترانا نقسره قسراً، بعد ألف عام، على أن لا يقول الشعر افتخاراً؟.
د. حسين مروة
سلافة العصر
في محاسن الشعراء في كلّ مصر
كتاب للسيد علي خان الشيرازي الشهير بابن معصوم المولود سنة 1052هـ والمتوفى سنة 1118هـ.
وهو مجموعة أدبية قيمة يشتمل على تراجم أدباء القرن الحادي عشر الهجري ومن قاربهم ممّن تقدم زمانه قليلاً، وهو ذيل ريحانة الألباء لشهاب الدين الخفاجي.
شرع في تأليفه أواخر سنة 1081هـ في الهند وانتهى منه في 7 ربيع الثاني 1082هـ جمع فيه أخبار المعاصرين وبعض أقوالهم ومؤلفاتهم وأشعارهم وقسمه إلى خمسة أقسام…
الأول محاسن أهل الحرمين.
الثاني محاسن أهل الشام ومصر.
الثالث محاسن أهل اليمن.
الرابع محاسن أهل إيران والعراق والبحرين.
الخامس محاسن أهل المغرب.
طبع في مصر بمطبعة الخانجي سنة 1328هـ في (607) صفحة والطبعة الثانية في إيران سنة 1387.
ملحق السلافة أو ذيل السلافة وهو تراجم كثيرة ألحقها بالسلافة. منها نسخة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم انتهى منه (1082هـ).
ومن هذا الكتاب وهو في مجلدين نسخة في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف.
السلطان أحمد (جبال)
جبال السلطان أحمد، تقع عند أقصى جنوب آذربيجان وتعتبر الحدود الفاصلة بين آذربيجان وكردستان. وتمتد هذه السلسلة التي يبلغ ارتفاع أعلى قممها 2500م من ضواحي سنندج إلى ضواحي ميانه.
السلطانية([464])
ـ1ـ
نعتقد أنّ الإشارة إلى تاريخ بناء مدينة السلطانية يسهل علينا مطالعة الآثار الباقية لتلك المدينة. ونبتدئ حديثنا بمقدمة بهذا الشأن وبعد ذلك ننتقل للحديث عن إحدى الآثار المكتشفة في السلطانية وهي (تپه نور) التي تمّ اكتشافها في عام 1971م.
تاريخ بناء السلطانية: حظيت عاصمة المغول القديمة التي تشكل منطقة السلطانية الحالية بقايا آثارها باهتمام المغول لعذوبة هوائها ووفرة مراتعها وكثرة الصيد فيها. فقد كانت هذه الناحية التي يسميها المغول بـ (فنغور آلانك) في أغلب الأحيان موضعاً لإقامة السلاطين والأمراء والمغول في رحلاتهم من العراق إلى آذربايجان وبالعكس. وفي أواخر حياته عزم أرغون خان على بناء هذه المدينة إلاّ أنّه لم ينجز ما عزم عليه لقصر حياته، فباشر أولجايتو (السلطان محمد خدابنده) في بناءها بمناسبة ولادة ابنه أبو سعيد في عام 740هـ واتخذ منها عاصمة له.
بني فيها حتّى عام 713 العديد من الأبنية من قبيل البيوت السكنية والمدارس والحمامات والأسواق، وسكن فيها العديد من السكان من مختلف الطبقات. وبني حولها ـ بأمر من أولجايتو ـ سور مربع الشكل يبلغ طوله ثلاثين ألف قدم وضخامة جداره على حد وضع بعض الكتب حدّاً بحيث يستطيع أن يمشي عليه أربعة فرسان إلى جانب بعض وبنى أولجايتو في وسط هذا السور قلعة كبيرة وفي داخل القلعة مقبرة له.
أنشئت في السلطانية عدّة أبنية أخرى مثل: دار الشفاء وصيدلية ودار السيادة وخانقاه. واستحدث أولجايتو فيها بالإضافة إلى القصر مدرسة كبيرة على غرار المدرسة المستنصرية في بغداد، وقد ساهم في بناء هذه المدينة جميع أمراء ووزراء أولجايتو كل حسب قدرته ومنهم وزير أولجايتو رشيد الدين فضل الله الذي بنى على نفقته محلة تشتمل على ألف دار ومدرسة ودار الشفاء (مستوصف) وخانقاه. واستعان أولجايتو في بناء مدينته الجديدة بأفضل الصناع وأرباب الحرف والفن من جميع أنحاء مملكته، فجاء بناء جميع هذه الأبنية على أفضل وجه.
اكتمل بناء هذه المدينة في عام 713هـ.ق.، فافتتحها السلطان محمد خدابنده في احتفال وأطلق عليها اسم السلطانية (أي مقر حكومة السلطان)، وازدهرت السلطانية بسرعة بسبب اهتمام السلطان محمد خدابنده بها فأصبحت بعد تبريز أكبر مدينة في بلاد المغول الواسعة وأكثرها سكاناً، وأصبحت مركزاً للحياة السياسية والاقتصادية في إيران، فكانت جميع طرق البلاد المهمة تنتهي بها. ولكن هذا الموقع لم يستمر طويلاً حيث بدأت تفقد أهميتها بعد وفاة السلطان في عام 716هـ.ق. ويذكر بترو دلاوال في مذكراته أنّ 14000 شخص غادروا المدينة في يوم وفاة السلطان، وكان نهايتها الحقيقية بعد سقوط المغول. وينقل انّ ميرانشاه ألحق بالمدينة ومقبرة أولجايتو أضراراً في فترة جنونه. وفي زمن الملك طهماسب رممت المقبرة في بادئ الأمر إلاّ أنّ انتقال المركز التجاري والسياسي إلى تبريز وأصفهان أسقط السلطانية من الاعتبار وحط من أهميتها واتجه بها إلى الإهمال.
كيفية اكتشاف تل النور وآثار الزينة التي اكتشفت في أعمال التنقيب هناك:
ثمة تل يسمّى تل النور يمكن اعتباره واحداً من أهم آثار السلطانية وأكبرها، وهو يقع على مسافة 1500م إلى الجنوب الشرقي من قبة السلطانية. تبلغ مساحة هذا التل 120م×120م وارتفاعه 15 متراً.
أحدثت إدارة الآثار حفرة في الجهة الشرقية من قمة التل بطول 15م وعرض خمسة أمتار لتجربة طبيعة الآثار الكامنة في قلب التل. اصطدم الحفر بعد متر واحد من التنقيب بآثار البناء التي تتكوّن من صخور خضراء صقيلة، وبعد ثلاثة أمتار شوهد حائط مبني من صخور صغيرة رمادية اللون، وفي نهاية هذا الحائط ظهرت أرضية البناء المفروشة بالصخور.
وكانت الحفرة الاختبارية الثانية في الجانب الشرقي من التل بصورة عمودية على الحفرة الأولى وهي بنفس الحجم (5م×15م). وفي هذه الحفرة اصطدم الحفر بعد أربعة أمتار بحائط صخري ذي صخور صقيلة، ويُظهر الجزء الخارجي لهذا الحائط وجود بناء ذي اثني عشر ضلعاً في السابق، وقد ظهر ضلعان من طبقته التحتية.
أمّا الحفرة الأخيرة فكانت تستهدف معرفة كيفية ترتيب الصخور في الطبقة العليا وكانتت بعرض 3 أمتار وعمق مترين، وعرض نتيجة لذلك أنّ الجبهة الخارجية للطبقة العليا تتكوّن من رديفين من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر، يتخلف الرديف العلوي عن الرديف السفلي بعشرة سانتيمترات، ويكونان بناءً ذا اثني عشر ضلعاً، وثمة أنصاف أعمدة في زوايا البناء يتألف كل منها من صخرتين، يبلغ قطر السفلى 110سم وقطر العليا 90 سم.
يمكن القول إنّ عملية التنقيب وأحداث الحفر الاختبارية أظهرت أنّ هذا البناء إمّا أن يكون قصراً أو مقبرة، وهو يشتمل على الأجزاء التالية:
1 ـ الأساس والأجزاء التحتية للبناء والأرصفة.
2 ـ الأرصفة وأنصاف الأعمدة التزيينية (القسم العلوي للبناء).
3 ـ القبة.
4 ـ دهليز الدخول والسلالم.
5 ـ مواد البناء والزينة.
1 ـ الأساس والأجزاء التحتية
للبناء والأرصفة
يشتمل هذا الجزء من البناء بدوره على الأقسام التالية:
(أ) الأساس، (ب) الجدار الخارجي، (ج) الأرصفة.
(أ) الأساس: يتكوّن هذا الأساس من الصخور وطلاء من الجص والآهك وهو مقام على تلة قديمة يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار، ويبدو أنّ مثل هذا الأساس موجود في جميع أجزاء البناء من أجل تحكيمه وتقويته.
(ب) الجدار الخارجي: يشتمل هذا الجدار على رديفين من الصخور الصقيلة الكبيرة، وهو يظهر البناء من الخارج على شكل بناء ذي اثني عشر ضلعاً، ويبلغ ارتفاع كل رديف حوالي 110 سم من الصخور الصقيلة التي طليت بالجص.
(ج) الأرصفة: يبلغ عرض الرصيف الأول 150سم وهو مغروس بالصخور ويصل التفاوت في الارتفاع بينه وبين الرصيف الثاني 180سم، وقد ملأ هذا التباين بالصخور الصغيرة وربما كان هناك صخور زينة أخرى.
2 ـ الأرصفة وأنصاف الأعمدة التزيينية
(القسم العلوي للبناء):
يبلغ عرض الأرصفة الفوقانية ثلاثة أمتار وتتكوّن أجزاؤها الخارجية من رديفين من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر وهي تتشكل في هيئة 12 ضلعاً يبلغ طول كل ضلع منها 480 سم وتشاهد في الزوايا الاثنتي عشر أنصاف أعمدة تزيينية تتألف من رديفين من الصخور الصقيلة الموضوعة فوق بعضها، ويزيد قطر الصخور السفلى عن العليا بعشرين سنتيمتر بينما تتقدم الصخور العليا عن السفلى بعشرة سنتيمترات إلى الأمام، وتبدو اثنان من أعمدة الجبهة الشمالية مقعرة. و(يظهر) من خلال الآثار الآجرية التي لا تزال موجودة على بعض أنصاف الأعمدة هذه أنها كانت تحتوي في أعاليها على سنادين للزهور مطعمة بكاشي الزينة وهي في ذلك تشبه سنادين الزهور الموجودة في قبة السلطانية. وبعض هذه الأرصفة مفروشة بالآجر ولا يزال قسم من الآجر موجوداً إلى الآن.
يبلغ ارتفاع الرصيف الثاني بالنسبة للرصيف الأول حوالي ثلاثة أمتار، يشكل حائط صخري عادي 180سم منها بينما يشكل رديفان من الصخور الصقيلة الخضراء 120سم الباقية.
3 ـ القبة
أظهرت نتائج التنقيب أنّ القبة قد اندثرت نهائياً، ولكن الآثار المتبقية تشير إلى وجودها سابقاً. يبلغ سمك حائط القبة في نقطة البداية 150سم والقطر الداخلي لها تسعة أمتار، وأغلب الظن أنّها كانت مكسوة بالطلاء وتتكوّن جميعها من ملاط الجص والآجر.
4 ـ دهليز الدخول والسلالم
تشتمل هذه الأجزاء بدورها على ثلاثة أقسام هي:
- السلالم الصخرية الخارجية والأرصفة.
- السلالم الآجرية الموجودة داخل البناء.
- الدهاليز (الممرات).
(أ) السلالم الصخرية الخارجية والأرصفة: يبلغ طول هذه السلالم مترين وعرضها 31 سنتيمتراً وارتفاعها 20 سم وهي مصنوعة من الصخور الصقيلة الكبيرة الحجم. والجدير بالذكر أنّ طول هذه السلالم لا تزال له بقية باتجاه شرقي التل وستظهر الحفريات الطول النهائي له.
يبلغ عرض رصيف هذا الجزء 290سم وهو مصنوع من الصخور والجص، وقد زالت منه بعض أجزائه، بسبب تقادم الزمن.
(ب) السلالم الآجرية الموجودة داخل البناء: مما يؤسف له أنّ هذه السلالم قد انهدمت أثر الحوادث المختلفة ولكن طبيعة البناء التحتي لها تُظهر بأنّ ثلاثة إلى خمسة سلالم كانت مبنية، والجدير بالذكر أنّ آجر طرفي الجدران الجانبية لهذه السلالم كانت مبنية بصورة قائمة أي مرصوفة بصورة قائمة، بضعها إلى جانب بعض.
(ج) الدهليز (الممر): يبلغ طول الدهليز الممتد من داخل البناء إلى السلالم 504م وعرضه متر واحد وهو مبني من الآجر، وسقفه على شكل طاق، ولا تزال آثار الطاق موجودة في طرفي الدهليز.
5 ـ مواد البناء والزينة:
تتألف مواد البناء غالباً من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر والصخور الصغيرة وطلاء الجص. أمّا القبة والدهليز وسقفه والسلالم الداخلية والسنادين المثبتة على رؤوس الأعمدة وكذلك فرش الأرصفة العلوية فهي في أغلبها مبنية من الآجر ويستعمل طلاء الجص في هذه الأجزاء أيضاً.
تشتمل مواد الزينة المستعملة في هذا البناء على الآجر الملون والكاشي الصغير ذي اللونين الفيروزي والأزرق والكاشي المزخرف والآجر المصنوع على شكل نجمة ذات أربعة رؤوس والكاشي الصغير ذي الأضلع المتعددة، وتوجد كلمة الله مكررة مرتين على إحدى قطع الكاشي، ويبدو أنّ هذه المواد التزينية استعملت في القسم الداخلي والجبهة الخارجية للقبة وفي داخل دهليز الدخول. ويمكننا أن ندرك قيمة وأهمية التزيينات المستعملة في أعمال الكاشي التي استعملت في جميع الأبنية التاريخية في السلطانية كزينة رئيسية في هذه الأبنية، يمكننا أن ندرك ذلك من خلال ملاحظة طريقة صناعة قطعة الكاشي الكبيرة أو الصغيرة ومعرفة المراحل والأساليب المختلفة التي تمر بها هذه القطعة والأساليب المختلفة التي كان السلاطين المغول يعتمدونها في استخدام كاشي الزينة، فأول خطوة فنية في هذا المجال هي الرسوم والشكل، فأقل انعدام في انسجام الألوان او قلة ذوق في تركيب العقد أو الرسوم الإسليمية([465]) ورسوم الزهور تجعل من هذا العمل شيئاً مبتذلاً.
والخطوة الثانية في هذا الفن هي طبيعة استعمال وتركيب الألوان فالفن الإيراني؛ فن تزييني في الدرجة الأولى، يتم بيان المقصود فيه بالرمز والإشارة، فمثل هذا المقصود يظهر بالصور المجرّدة وفي نفس الوقت بصورة مثيرة ويصبح تأثيره بالتدريج اعتيادياً في المجتمع والأجواء الدينية ومألوفاً وقريباً إلى فهم الناس.
يظهر هذا الفن في أعمال كاشي الزينة من خلال تركيب الألوان، فقد كان صانعو الكاشي القدماء في إيران يعتقدون أنّ فن صناعة الكاشي هي نوع من صناعة المجوهرات ومعرفة الألوان فيها ضرورية لإدراك المعاني. فمثلاً ينبغي أن يُعرف أنّ اللون الفيروزي يترادف مع الفيروزة واللون الأبيض إشارة إلى اللؤلؤ واللون الأخضر في الكاشي أثر من الزمرد واللون الأحمر تجسيد للياقوت.
وفي الخطوة الثالثة تقص قطعة الكاشي الكاملة وتقطع إلى قطع صغيرة في نفس الوقت الذي لا يزال ورق الخريطة موجوداً فوق الكاشي.
وفي المرحلة الرابعة: تبرز حدود الرسوم على الكاشي أكثر بواسطة المطارق الصغيرة والمبارد، ولكن هذه الرسوم لا تصل إلى مرحلة (الظرافة).
وفي المرحلة الخامسة تحدد قطعة الكاشي وتسوى بالمبرد بحيث لا تلحق الضرر بأصل العمل وهو الورق الملصق على الكاشي، وفي هذه المرحلة ينبغي أن يكون العمل في غاية الدقة.
وفي المرحلة السادسة يعمد الأستاذ إلى وضع القطع بعد تحديدها وتسويتها بالمبرد بصورة متداخة فيما بينها، والدقة في وضع وتغيير مكان هذه القطع الصغيرة هي فن في حد ذاته.
والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التثبيت والقطع، حيث توضع القطع الصغيرة إلى جانب بعضها البعض ويصب ملاط الجص خلفها لتتصل ببعضها البعض، وترتبط هذه العملية بصحة ودقة تنفيذ المراحل السابقة ارتباطاً وثيقاً وتاماً، فأي خلل في المراحل السابقة يسبب خللاً في العملية ويلحق ضرراً كبيراً بالقيمة الفنية لها.
والأساليب التي كان السلاطين المغول يعتمدونها في أعمال الزينة في الكاشي لا تتجاوز كونها واحدة من الأساليب الأربعة التالية:
1 ـ رسوم الحيوانات (الأسد ـ الغزال ـ العنقاء ـ التنين) وكذلك الأغصان وأوراق الشجر.
2 ـ مجموعة من الكاشي المطلي بلعاب أبيض حليبي اللون، وتقتصر الرسوم فيها على الأغصان والأوراق البارزة ثمّ ترسم خطوط دقيقة ذات لون بني وأسود على هذا اللعاب الغليظ وتطلى الأجزاء البارزة من الصورة بطلاء معين.
3 ـ أكثر الأنواع انتشاراً هي الآجر المربع؛ حيث يقسم سطح الآجر بخطوط بارزة إلى أشكال هندسية ثمّ تضفى على الأجزاء المستديرة ألوان فيروزية أو لازوردية (الأزرق الغامق). وعادة ما تكون رسوم هذه الأنواع من الكاشي متممة لبعضها البعض، وبنفس هذا الأسلوب يصنع الكاشي ذو الزوايا الستة وترسم عليه أشكال العنقاء والتنين دون لعاب.
4 ـ الكاشي ذو اللون الواحد (اللازوردي أو الأبيض أو الفيروزي) وهو على أشكال وأحجام مختلفة (مربع ـ مثلث ـ سداسي) وتتم عملية الرسم في بعض الأحيان على اللعاب ويكون هذا الكاشي مركباً من الأنواع الثلاثة التي ذكرناها.
ويبدو من العثور على قطعة من الكاشي المذهب أنّ هذا البناء كان يحتوي على كاشي مذهب يعدّ آية في الجمال.
من المحتمل أن يكون هذا البناء هو مقبرة أرغون خان (والد أولجايتو) التي تحدث عنها المؤرخون بقولهم: «يتكوّن بناؤها من اثني عشر ضلعاً وهو واقع على جبل بالقرب من السلطانية».
الدكتور سعيد كنجوري
يقول حسن الأمين: في زيارتي للسلطانية أتذكر أنّي رأيت البناء قائماً في السهل لا على الجبل.
السلطانية
ـ2ـ
تعتبر مدينة السلطانية إحدى عواصم إيران القديمة العريقة، وتتميز اليوم بشهرة عالمية بسبب امتلاكها لأحد أعظم المباني الإسلامية.
يعود قدم المدينة إلى سبعة قرون خلت.
أمّا اليوم فهي من توابع قضاء أبهر في محافظة زنجان، وتقع عند خط الطول الجغرافي 48 درجة و47 دقيقة، وخط العرض الجغرافي 36 درجة و26 دقيقة، وترتفع عن سطح البحر بـ 1785متراً، وتبتعد عن مدينة زنجان (مركز محافظة زنجان) بمسافة 30 كيلومتراً ويفصلها عن مدينة أبهر مسافة 54 كيلومتراً.
وتقع مدينة السلطانية في وادٍ واسع يعرف اليوم بـ (مرج السلطانية)، تحيط بها سلاسل جبلية، ويخترقها عدد من الأنهار الدائمة والمؤقتة، وأهمها:
1 ـ (نهر زنجان) الذي يعرف بـ (زنجان رود أو زنجان چاي)، حيث ينبع من (مرج السلطانية) وجبال آغ داغ، ويمر في المدينة قبل أن يعبر الضواحي الجنوبية لزنجان ليتصل بقزلاوزن.
2 ـ نهر أبهر (أبهر رود)، يعتبر هذا النهر من الأنهار المهمة في المنطقة، حيث ينبع من الجانب الشرقي من (مرج السلطانية) وجبال (سندان داغ)، ويلحق بعدّة أنهار صغيرة ليواصل سيره قبل أن يصب في حوض السلطان في قُم.
إنّ وجود هذين النهرين المهمّين وغيرهما في هذه المنطقة (ادّى) إلى انتشار المناطق الزراعية والبساتين والحقول الخضراء في وادي السلطانية عموماً.
ونظراً لما تتمتع به هذه المنطقة من جو معتدل فإنّها كانت عبر التاريخ مكاناً لاستقبال الزوار والمهاجرين كما حدث في أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع الهجري، حيث وصلها مهاجرون من الصين الشمالية وبلاد ما وراء النهر، كما كانت السلطانية منتجعاً صيفياً للسلاطين المغول الإيلخانيين الذين اتخذوا من تبريز عاصمةً لهم آنذاك.
ويعود تاريخ بناء هذه المدينة إلى عام 710 للهجرة حيث أنجزت عمليات بناء المدينة طبقاً لمخطط وُضع في عهد السلطان المغولي الإيلخاني محمد خدابنده الذي اتخذها مركزاً لحكومته، وأسماها بـ (السلطانية).
إلاّ أنّ منطقة السلطانية كانت في القرن الثامن قبل الميلاد محلاً لسكن طائفة (الساكاراتيين) المحاربة، طبقاً لما وصلنا من لوحات كتابية تعود إلى عهد ملوك الآشور.
وأطلق عليها اسم (أريباد) في عهد سلاطين الماد، وسمّاها الپارتيون باسم أوّل سلطان لهم وهو (أرساس).
وبالسرعة نفسها التي ظهرت وتطوّرت فيها مدينة السلطانية فإنّها تعرّضت لعدّة حملات من الغزو والدمار والنهب والسلب من قبل (الأمير تيمور)، وذلك بعد موت السلطان (أبو سعيد).
وبعد موت الأمير تيمور واصل ابنه ميران شاه حملات الإبادة والتدمير على السلطانية.
وفي عهد الصفويين كانت تعتبر إحدى المراكز المهمة الأساسية في الطريق المؤدي إلى تبريز، وكانت أبنيتها المهدمة ظاهرة للعيان.
وقد وصفها السائحان الفرنسيان المعروفان (شاردن وتاورنيه) بعد أن زاراها في أواسط القرن السابع عشر الميلادي بأنّها مدينة جميلة وعامرة ورائعة.
هذا وبالرغم من أنّ السلطانية تعرّضت خلال فترات متعددة بفعل التحولات السياسية إلى عدّة حملات مؤسفة من الخراب والدمار والغزو من قبل الملوك والسلاطين، فضلاً عن تعرّضها للكوارث الطبيعية مثل الزلازل والأعاصير، إلاّ أنّها بقيت حتّى نهاية العهد الصفوي بشكل قرية صغيرة ذات نعم وفيرة وبأبنية شبه عامرة.
وبشكل عام يمكن القول إنّ السلطانية، بعد عهد السلطان محمد خدابنده، لم تستعد عظمتها ومجدها السابقين، حيث إنّ هذه العاصمة التي كانت يوماً من أكبر عواصم الدنيا التاريخية، آلت تدريجياً إلى الخراب والدمار، وتحوّلت إلى قرية ليس أكثر؛ واستمرّت على هذا الحال حتّى قبل عدّة عقود من الزمن، حيث بدأ الاهتمام بها ثانية.
وتزخر مدينة السلطانية اليوم بالعديد من الآثار والأبنية التاريخية القديمة، التي يعود معظمها إلى عهد عزّها ومجدها في زمن مؤسسها السلطان محمد خدابنده نشير أدناه إلى أهمها:
1 ـ القبة السلطانية
يعتبر هذا الأثر من أهم وأعرق وأجمل الآثار التاريخية في المدينة، ويعود تاريخ بنائها إلى عهد السلطان المغولي محمد خدابنده.
وحول أسباب إحداثها ذكرت كتب التاريخ ما يلي:
عندما أصدر السلطان محمد خدابنده أمره الملكي بتشييد مقبرة خاصة به. لم يكن قد اختار له مذهباً من المذاهب الإسلامية المعروفة… إلاّ أنّه سرعان ما اختار المذهب الشيعي وجعله المذهب الرسمي لمملكته.
لذلك فقد اتخذ قراراً بنقل الجسدين الطاهرين للإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) من العراق إلى السلطانية، إلاّ أنّه تراجع عن هذا القرار بعد معارضة علماء الشيعة الكبار وأهالي مدينتي النجف وكربلاء… ممّا دعاه إلى الاهتمام بشكل أكبر بالمقبرة وتشييدها حسب الطراز المعماري الإسلامي، لتكون مقبرة ملكية خاصة. واستدعى لذلك أمهر البنائين والمهندسين والمعماريين ليشيدوا أروع المباني التاريخية الإسلامية المزينة بالزخارف والأشكال الهندسية العريقة.
ومن ضمن أبنية المقبرة تمّ تشييد هذه القبة الكبيرة ذات الأركان الثمانية… وقد بلغ ارتفاع
المبنى الذي أقيمت عليه القبة حوالي 52 متراً، والقطر الخارجي بلغ 25 متراً، وسماكة الجدران الأصلية التي شكلت قواعد المبنى حوالي سبعة أمتار، كما زيّن المبنى بسبعة أطواق رائعة الجمال.
تمّ تقسم المبنى إلى ثلاثة طوابق، وبارتفاع 9 أمتار، حيث زيِّن الطابق الأوّل بشكل فني رائع، ويتصل بباحات متعددة، كما يتصل بالطابق الثاني بممر دائري مغطى، واحتوى الطابق الثاني على عدة غرف مزينة بشكل رائع وبديع، يدل على براعة الفنانين والمعماريين الذين عاشوا في تلك الفترة.
وكان الطابق الثالث يتكون من إيوان عام وطويل، يحيط بأطراف المبنى، تتخلله عدة أواوين ثمانية الأضلاع، وكلّ منها ذو ثلاثة أطواق مع قوس جناحي الشكل… كما كان السقف مزيناً بالنقوش والزخارف المختلفة.
كانت القبة مزينة بالبلاطات المصنوعة بالأحجار الكريمة وحجر الظفر، وتحيط بها ثمانية أعمدة منائرية، يصل من خلالها صوت الأذان إلى أنحاء المدينة المختلفة.
2 ـ مقبرة چليي أوغلو
تبعد هذه المقبرة مسافة 500 متر إلى الجنوب الغربي من مدينة السلطانية، ولم يبق منها الآن سوى أطلال تحكي عن وجود مدرسة وبرج جميل، شيّدها أحد وزراء المغول الإيلخانيين (چليي أوغلو) في القرن الثامن الهجري.
لم يبق من المدرسة سوى آثار صحن مركزي وإيوانين في الجهتين الشمالية والجنوبية من الصحن… وقد صمّم المبنى بالاستلهام من العقائد والدرجات الصوفية، بحيث يدخل الإنسان في البدء درجة الفقراء، وبعدها درجة طلاب الجنة، وبعدها غرف فردية هي محل اعتكاف مريدي السلطان، والأقسام الجنوبية مخصصة للدروس التعليمية المختلفة.
والجزء الثاني من هذه المجموعة يتعلق بمقبرة چليي أوغلو وهي مشيدة على شكل برج ثماني الأضلاع والأقواس بارتفاع 17 متراً.
الباحة الأصلية للمقبرة تبدو ذات ثمان زوايا، يتوسطها القبر الذي يضم رفات الوزير جلبي أوغلو.
3 ـ مقبرة مُلاَّ حسن الكاشي
عند النقطة 5.2 كيلومتر إلى الجنوب من مدينة السلطانية، ووسط سهل واسع يوجد بناء جميل تعلوه قبة رائعة الجمال مزينة بأحجار الظفر، تنسب إلى الملاّ حسن الكاشي أحد علماء القرن الثامن الهجري، يعود بناؤها إلى عام 973 للهجرة، في أواخر عهد الشاه طهماسب.
المشهد الخارجي للمبنى ذو ثمانية أضلاع، أربعة منها كبيرة طولها 30.8 أمتار، والأربعة الأخرى صغيرة طولها 75.5 أمتار.
الأضلاع الكبرى لها إيوان واسع، والأضلاع الصغرى لها إيوان بطابقين، يربط بينهما سُلّم يقع في الإيوانين الشرقي والغربي.
القبة جميلة المنظر وذات امتداد طولي مغطى بشكل بارع.
الزخارف الداخلية نقشت في عهد فتح علي شاه القاجاري بأمر من حاكم زنجان عبدالله ميرزا دارا، خطت تحتها إحدى القصائد الشعرية بخط النستعليق.
وأخيراً نذكر أنّ منظمة التراث الثقافي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنجزت خلال فترات زمنية مختلفة عمليات التنقيب الأثري في أطراف القبة السلطانية، بهدف الكشف عن بقايا هذه المدينة القديمة؛ وبالرغم من أنّ هذه العمليات كانت صغيرة الحجم مقارنة مع عظمة ومجد السلطانية الكبير، إلاّ أنّها أظهرت جانباً من المدينة القديمة، وأبرزت معالم قيمة من الفن المعماري والهندسي المتبع في تشييدها.
من أهم اكتشافات عمليات الحفر والتنقيب الأثرية التي تمت في هذه المنطقة نذكر سور المدينة وبرجها وقلعتها التي جاء ذكرها كثيراً في الكتب التاريخية، حيث شرحها بالتفصيل حمد الله المستوفي، وأوضح معالمها في عهد أرغوان شاه، وعهد (أولجايتو)، وتحدث عن قلعتها بطول 500 متر، وبوابة وإثنا عشر برجاً.
كما تمّ اكتشاف الأجزاء الجنوبية من المدينة، والسور الصخري العظيم، والأبراج والقلاع الشرقية والغربية في عمليات التنقيب التي جرت خلال أعوام 1974، و1975، و1985.
كما أوضحت الاكتشافات الأثرية التي تمت في عام 1990 معالم رائعة من بيوت المدينة القديمة التي أحيطت بجدران صخرية ذات ألوان سوداء وحمراء، وفرشت ببلاطات حجرية بيضاء تدل على الذوق الرفيع لسكانها، وأثبتت صدق أقوال مؤرخي القرن الثامن الهجري الذين أكدوا على استخدام الأحجار الرخامية في فرش باحات البيوت في مدينة السلطانية القديمة.
السلطانية
ـ3ـ
من يسافر من قزوين باتجاه زنجان سيجد نفسه محصوراً بين سلسلتين جبليتين؛ إحداهما تحاذي الأخرى. تمتدان من جهة الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي، ويحدّان الطريق العادي بين قزوين وزنجان. والمسافة التي تفصل بين السلسلتين الجبليتين، وكذا ارتفاعاتهما ووديانهما ليست متساوية في كل مكان. ففي بعض المناطق يضيق الوادي، فيما يتسع في المناطق الأخرى. أمّا ارتفاع الأراضي ـ بشكل عام ـ فمن قزوين إلى أطراف السلطانية [20 فرسخاً عن قزوين و6 فراسخ عن زنجان] آخذة بالزيادة. ثم تبدأ بالنقصان من هناك حتى زنجان. وقبيل الوصول إلى السلطانية تزداد المسافة بين السلسلتين الجبليتين المذكورتين، فيتسع الوادي أكثر من الأقسام الأخرى، حتّى ليصل إلى فرسخين مربعين تقريباً. وهذا القسم أكثر ارتفاعاً من جميع الأقسام خاصة في طريق قزوين زنجان، ويبلغ ارتفاعه إلى (1912) ذراعاً [ارتفاع قزوين: (1210) أذرع، وارتفاع زنجان 1653 ذراعاً].
وبسبب ارتفاع أراضي الطريق في السلطانية أكثر من سائر الأقسام الأخرى (فهي من حيث الارتفاع تمثل حدّاً متميزاً بين الأراضي في الجهتين؛ فقد ظل سطحها منبسطاً ولم تستطع مياه الجبال المحيطة ـ بسبب تساوي انحدار الأراضي ـ أن تحفر فيها ودياناً عميقة وأن تغير من تضاريس الأرض هناك. بل إنّ مقداراً من الطين والرسوب يسقط في فصول المطر من الجبال المحيطة، ويبقى على سطح هذه الهضبة مشكّلاً أنهراً رفيعة ـ خاصة وأنّ طبيعة الأراضي والتراب هناك رسوبية، فإنّ المياه تنفذ بسهولة. أمّا في المناطق الصلدة، وبمسافات قليلة عن السطح اليابس فتبدأ بالجريان.
والسلطانية في الوقت الحاضر هضبة مستوية مرتفعة بسعة فرسخين تربض بين سلسلتين جبليتين تمتدان من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي.
السلسلة الشمالية جزء من جبال «أنگوران» و«طارم». وجبال طارم، وهي امتداد لسلسلة ألبرز العظيمة وتفصل الولايات الخمس من گيلان أو وادي «قزل أوزن» عن وادي أحد فروع نهر زنجان أو «زنجان رود».
أمّا السلسلة الجنوبية فهي جبال من سلاسل متوازية لـ «خرقا نداغ» المستقرة في قزوين. وهو (خرقا نداغ)، نفس الجبل الذي سمّاه حمد الله المستوفي في «نزهة القلوب» بـ «سراهند».
ولما كان ارتفاع هضبة السلطانية ـ قياساً إلى الأراضي المحيطة ـ كبيراً، فإنّ أرضها منبع لنهرين ينطلقان باتجاهين متعاكسين، من الوادي المحصور بين السلسلتين آنفتي الذكر. حيث يجري أحدهما باتجاه الشمال الغربي إلى زنجان، فيما ينحدر الآخر صوب الجنوب الغربي قاصداً قزوين.
إنّ النهر الذي يجري من جهة الشمال الغربي من السلطانية هو نفسه «زنجان رود» والذي كان يسمّى في السابق «ماجرود»، في حين أنّه بعد عبوره من جنوب زنجان يصب في نهر «قزل أوزن» في نسخة «قافلان كوه» [كوه بمعنى جبل] في بدايات آذربيجان.
والنهر الآخهر هو «أبهر رود» [رود بمعنى نهر] الذي يغادر المدينة (السلطانية) إلى الجنوب الشرقي، مخترقاً شمال المدينة التاريخية «أبهر». وبعد التحاقه بمياه «كوه نمك» [أو جبل الملح] المالحة والواقعة في (زرند)، يتخذ اسماً آخر هو «شوره رود» أو النهر المالح، الذي يخترق طريق طهران ـ قم إلى الأراضي والغابات الملحية في الصحراء.
ولرخاوة أراضي السلطانية ورسوبيتها الآثار والنتائج التالية:
1 ـ لا تستطيع مياه الأنهار المتكونة من الأمطار ـ أبداً ـ التجمع حول بعضها لتشكيل نهر كبير.
2 ـ إنّ المياه الجوفية كثيرة، وقريبة من الأراضي الجافّة أيضاً. ولهذا السبب يمكن الاستفادة منها بسهولة بواسطة حفر الآبار والقنوات كما هو الحال تماماً في السلطانية كلها. الخالية من الأنهار.
3 ـ إنّ نهري «أبهر رود» و«زنجان رود» فرعان صغيران تتضاعف مياههما كلما أوغلا نتيجة صب المياه الجوفية فيهما.
4 ـ وكون السلطانية أرض رسوبية ورطبة، فهي معشوشبة أيضاً.
ولهذا السبب ترى أن سطحها اليابس الجاف تكسوه المروج الخضراء طيلة الربيع؛ وهي ما تعرف بـ «مرج السلطانية» الذي تبلغ مساحته أكثر من فرسخ مربع واحد. وكان منذ القدم مرتعاً ومرعى للماشية والخيول.
حتّى قبل اندلاع الحروب الروسية الإيرانية (1839م)، كان الملك «فتح علي شاه» يصطاف فيها كل عام ويقيم مع خدمه وحشمه وحرسه ونسائه، ويمضي بها أشهر الصيف الحارة كلها، إذ يقضي أوقاته بالنزهة والتجوّل، كما كان يصطحب معه خيوله ومواشيه لتسوم وتسرح في مرجها الأخضر.
وقد استمر (فتح علي شاه) على عادته هذه حتى توغُّل الروس في آذربيجان عام 1243هـ واقترابهم من تركمنستان… عندها تخلى عن عادته القديمة وترك ذلك المكان.
وفي زمن ناصر الدين شاه ـ كذلك ـ كانت العادة ـ لفترة طويلة ـ باتخاذ مرج السلطانية مرعى لمواشي الحكومة، إضافة للاصطياف.
وأوّل بناء السلطانية كان على عهد الملك «غازان خان» من أحفاد هولاكو خان. واستناداً إلى «خوندمير» صاحب (روضة الصفا)، فإنّه شرع ببناء هذه المدينة في أخريات أيام حياته؛ وانتقل بعدها إلى الآخرة قبل أن يكتمل بناؤها.
إذن، فتاريخ بناء المدينة يعود إلى أواخر أيام «غازان خان»، المصادف لسنة 690هـ.
وواصل أخوه وخلفه على العرش (الجايتو) بناءها، وأكلمها إلى آخرها، فاتخذها مقراً وعاصمة لدولته حيث حكم فيها من 703هـ إلى 716 باسم «السلطان محمد خدابنده».
يذكر المؤرخون: أنّه (الجايتو محمد خدابنده) فكر بالانتهاء من بناء السلطانية في ربيع عام 704هـ. وكان كما أراد حيث أتمّها خلال مدة قصيرة.
وطلب السلطان محمد (الجاتيو) البنائين والفنانين المعماريين من كل البلاد من أجل بناء العمارات والأبنية المرتفعة؛ ونجح في إعمارها خلال فترة قصيرة جداً، ومنحها من الأهمية باتخاذها عاصمة لملكه. وأخذ الناس يرتحلون إلهيا من النواحي الأخرى. كما اتخذ الوزراء لأنفسهم قصوراً وأبنية في نقاطها المختلفة وفق آرائهم وأذواقهم. وصاروا سبباً لمضاعفة العمران وترقي السلطانية بسرعة فائقة وبشكل واسع، حتّى بدأت تنافس العاصمة السابقة «تبريز».
كتب حمد الله المستوفى في كتابه «نزهة القلوب» في 740هـ أي بعد 24 عاماً من وفاة الجايتو، يقول:
«توجد الآن عدّة عمارات عالية في السلطانية لا توجد منها في أيّة مدينة إيرانية سوى تبريز».
ويبلغ محيط مدينة السلطانية التي بناها (غازان خان): 12,000 قدم. ومحيط ما بنى ووسع (الجايتو) ولم يكمله بسبب موته: 30,000 وكان فيها قلعة حجرية شاهقة مربعة الشكل ببوابة واحدة و16 برجاً. محيطها 20,000 قدماً.
وجُدْران القلعة عظيمة السمك بحيث تسع أربعة فرسان مع خيولهم يسيرون بنسق واحد.
يضيف خوندمير:
«وكان في داخل القلعة عمارة لكل أمير. أمّا الجايتو نفسه فقد صنع لنفسه قبة تكون له رَمساً بعد وفاته. وبنى مسجداً وداراً للضيافة، وآخر للمجانين [تسع الثانية ألفي شخص] ومستشفى وأملاكاً كثيرة ومرافق عامة وأوقفها جميعاً على وجوه الخير في سبيل الله كما بنى خاصة قصراً كبيراً رفيع الإيوان على غرر إيوان كسرى.
وكان ـ كذلك ـ لأكابر المدينة ووجوهها وأعيانها وأشرافها عمارات عالية أيضاً، خاصة الخواجة رشيد الدين فضل الله الطبيب الذي كانت عمارته تشمل مدرسة ومستشفى أوقفهما في سبيل الله وأدخل السرور على الكثير من المدرسين والطلبة والأطباء المحبين للخير والمنتفعين به.
ويظن أغلب المؤرخين القدماء أنّ قطر قبة السلطانية التي بناها السلطان محمد الجايتو لمقبرته تبلغ 960 ذراعاً أمّا ارتفاعها فـ: 192. وكانت في جهة من المسجد تسمّى بـ «أبواب الخير». ومنها سميت القبة بقبة أبواب الخير تمييزاً لها عن سائر قلاع السلطانية التي ورد ذكرها في كتب التاريخ.
يقال ـ والعهدة على العوام ـ أنّ السلطان محمد خدابنده عندما بنى السلطانية كان يهدف إلى نقل جثمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إليها لتكون مزاراً للشيعة بدلاً من النجف، إلاّ أنّ الإمام أتاه في عالم المنام وأفهمه بالتركية أنّ مقبرتك لك ومقبرتي لي. فانصرف السلطان عن فكرته واتخذ قبة السلطانية مقبرة له خاصة، بإذن الإمام طبعاً!.
وبعد انقراض السلسلة الإيلخانية عام 734هـ وظهور الفتن في ولايات إيران آل أمر السلطانية إلى الخراب، وسقط اعتبارها تماماً، خاصة في زمن الأمير تيمورلنك وأولاده، حيث تعرضت لضربات موجعة؛ حتّى أنّه في حوالي الـ (920هـ) [أوائل سلطنة طهماسب الأول الصفوي] وهي سنة تأليف كتاب «زينة المجالس»: لم يبق من السلطانية إلا قلعتها فسقطت.
أمّا اليوم فلم يبق من آثار وأبنية السلطانية القديمة سوى قبة محمد خدابنده، وقبتين أخريين، تعودان كما يقول الأهالي ـ إحداهما إلى السلطان الچلبي، والأخرى إلى الملا حسن الكاشي ـ. وبالقرب من قبة الچلبي كانت هناك قناة بهذا الاسم أيضاً، ومسجدان أحدهما لصق القسم الشمالي لقبة السلطان محمد، والآخر في وسط المدينة. المسجد الأوّل وهو المنضم إلى القبة تقريباً معروف بمسجد العلامة. ويقول الناس أنّ العلامة الحلي (المشهور) هو الذي صلّى هناك، فسمّي باسمه أي مسجد العلامة.
زيارتي للسلطانية
وقد زرت السلطانية، سنة 1989 فكتبت عن زيارتي لها ما يلي:
ـ خرجنا من مدينة قزوين قاصدين سلطانية محمد خدابنده أولجايتو وفي الذهن صور شتى من الماضي البعيد الذي انطوى في تلك الأرض بما فيه من صليل السيوف وجلجلة الوغى ورهج القتال، إلى جانب ما حفل به من ندوات العلم وأسمار البحث وشروح الفقه وترتيل الشعر.
فإذا كانت قد مرّت من هناك جحافل المغول مدمرة مروعة، فقد مرّ من هنا أيضاً العلامة الحلي الحسن بن المطهر بمدرسته السيارة الحاشدة…
فما أروع ما تبعث في النفس هذه الأرض وما يليها من أرض وأرض ـ ما أروع ما تبعث في النفس من أسى طوراً، ومن هوى طوراً آخر.
وما أشجى ما يثير نسيمها هذا الذي يتهاوى على وجناتنا وجباهنا ـ ما أشجى ما يثير من هول الدماء المراقة وما أحلى ما يهيج من تناجي العقول الخلاقة…
ومضت السيارة بين بساتين قزوين التي يتكاثف فيها الشجر مورقاً ناضراً، ليخرج بعد حين اللوز والفستق. كانت البساتين الآن إلى يمين الطريق، وكانت الأرض الزراعية المديدة تترامى باخضرارها إلى أبعد الآماد.
ولم تلبث أن طلعت لنا بلدة (ساغار آباد) منتشرة بيوتها على جانبي الطريق. أمّا بساتينها الخضر فكانت إلى يساره. وبعد ساغر آباد لم تكن تلمح العين إلاّ السهول الزراعية التي لا حد لها، تتخللها أحياناً دساكر في بضعة بيوت. ثمّ لاحت لنا من بعيد على يسار الطريق بلدة (رحمة آباد) ثم مررنا بقرية (كهل) المكتظة بالبساتين، ثم وصلنا مدينة (تاكستان) التي كان اسمها من قبل (سادهن) ثم أبدل إلى (تاكستان).
وبعد تاكستان تتابعت السهول الزراعية إلى أن وصلنا في الطريق إلى مكان انشطر فيه هذا الطريق إلى شطرين: شطر يأخذ إلى مدينة (همذان) ومنها إلى العراق، وشطر يؤدي إلى مدينة (تبريز) ومنها إلى تركيا وأوروبا.
مشينا في الثاني في سهول زراعية مديدة إلى أن طلعت إلى يسار الطريق قرية (ضياء آباد) المحاطة بالبساتين والمشهورة بالعنب والجوز، ثم قرية (فارسجين) المغمورة هي الأخرى بالبساتين، ثم قرية (قروه) التي تضم معملاً كبيراً لصنع الموكيت. ثمذ مررنا بمجمع بنائي حديث كثير البنايات قيل لنا إنّه مكان ضخ النفط إلى مدينة تبريز، ثمّ وصلنا معملاً كبيراً للنسيج ثمّ إلى قرية شريف آباد التي تقوم على جانبي الطريق محاطة بالبساتين والزروع، ثمّ كنّا بين بساتين مدينة (أبهر)، ثمّ اخرقتنا شارع القسم الحديث منها الذي هو طريقنا المستقيم ماضين بالبساتين على الجانبين.
وإذا كان المرور بمدينة أبهر أثار ذكرى الفقهاء الأبهريين، فإنّه إلى ذلك ذكرى تاريخية أخرى.
فبخروجنا من أبهر نكون قد اجتزنا ما بين أبهر وقزوين، وها هنا ما بين المدينتين سفك دم آخر حكام الإسماعيليين النزاريين (خورشاه).
فإنّ هولاكو بعد أن استسلمت له (ألموت) قاعدة النزاريين، وكان قد استسلم له من قبل زعيم الإسماعيليين خورشاه ـ تقدم في اتجاه قزوين حيث نزل في 27 ذي الحجة سنة 564هـ على بُعد سبعة فراسخ منها. ثمّ أرسل خورشاه إلى بلاط أخيه منكوقاءان، وقبل أن يصل أرسل منكوقاءان من قتله في الطريق بين أبهر وقزوين، وقتل معه أسرته رجالاً ونساءً وأطفالاً.
فنحن في مسيرنا هذا منذ خروجنا من قزوينن إنّما نسير في أعماق التاريخ، ونوغل في صميم القرون الخوالي التي شهدت زحفاً من شر ما عرفت الدنيا من زحوف… إنّه زحف هولاكو، وحسبك ما اقترن به هذا الاسم من فجائع وفظائع…
ومما ذكرت به أبهر في كتب الأقدمين ما ذكره ابن حوقل في المئة الرابعة من أنّ أبهر مأهولة بالأكراد كثيرة المياه والأشجار، ويكثر فيها القمح.
أمّا الأشجار فشهدناها، وإذا كنّا لم نر المياه، فقد رأينا ما يدل عليها وهو البساتين الزاهرة. وأمّا الأكراد فإنّنا لا ندري إن كانت لا تزال مأهولة بهم أم لا، وورد ذكر أبهر في شعر عربي قديم، قال عبدالله بن خليفة:
كأنّي لم أركب جواداً لغارة
ولم أترك القرن الكمي مقطرا
ولم أعترض بالسيف خيلاً مغيرة
إذا النكس مُشّى القهقري ثمّ جرجرا
ولم أستحث الركب في أثر عصبة
ميممة عُلْيا (سجاس) وأبهرا
وسجاس بين أبهر وهمذان على قول ياقوت.
وقال بعض أهل قزوين يذكر أبهر:
نداماي من قزوين طوعاً لأمركم
فإنّي فيكم قد عصيت نهاتي
فأحيوا أخاكم من ثراكم بشربة
تندي عظامي أو تبل لهاتي
أساقيتي من صفو (أبهر) هاكه
وإن يك رفق من هناك فهاتي
وممن عرفوا أبهر من الماضين: ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق في رحلته إلى خراسان عن طريق آذربيجان حيث اجتاز بخوي وتبريز ومرند وسمع من مشايخها، ثمّ بزنجان، ثمّ بأبهر، وفيها سمع من الشيخ أبي قاسم الحمامي، كما سمع من هبة الله بن أبي الهيجاء شيئاً من الشعر. ومن البديهي أنّ الشعر الذي سمعه هو شعر عربي ممّا يدلنا على مكانة اللغة العربية وآدابها هناك في ذلك العصر أواسط القرن السادس الهجري، إذ كانت عودته إلى دمشق سنة 533.
ويقول ابن عساكر عن أبهر: (هي مدينة عظيمة مشهورة تقع بين المدن الثلاث: قزوين وزنجان وهمذان). ثمّ كنّا نجتاز بساتين بلدة (خرم دره)، ثمّ البلدة نفسها بين منازل حديثة على جانبي الطريق.
وهذه المنطقة التي نجتازها الآن هي أكبر مصادر لحوم البقر والدجاج والحليب في إيران. وظللنا بعد (خرم دره) بين البستانين والزروع حتّى بلغنا قرية (القلعة الحسينية)، وكانت على يسارنا من بعيد مدينة (هيدج) مغمورة بالبساتين، وظللنا بين الزروع والبساتين حتّى قرية (نصير آباد) ثمّ قرية (صاين قلعة) ويقول المستوفي أنّ اسمها (فهود) وأنّ المغول سمّوها (صاين)، وأنّه يُقال لها أيضاً (باتوخان)([466]).
السهول الزراعية لا تنقضي، وصرنا نرى فيها هنا أحياناً قطعان الماعز والغنم حتّى قرية (سقا) المحاطة بالبساتين وصارت السهول بعد ذلك تتخللها الدساكر أحياناً حتّى قرية (عميد آباد). لقد أنستنا هذه السهول الخضراء وتلك الإيلخانية، وشغلنا ما نبصره من نضارة الأرض أمامنا ويناعة الدنيا حولنا عن التفكير فيما نحن سائرون إليه حتّى لمحنا فجأة إلى يسارنا من بعيد القبة الشامخة ترتفع إلى أعلى ما يمكن أن ترتفع إليه القباب، فانتقلنا بالذهن حالاً من الحاضر الداني إلى الماضي القاصي. انتقلنا إلى أوليجايتو محمد خدابنده أحد أشهر أباطرة المغول الإيلخانيين وصاحب مدينة (السلطانية) ومثبت بنيانها ورافع أركانها.
وكان قد صار بيننا وبين السلطانية مسافة ثمانية كيلومترات، ولكن هذه المسافة لا تمضي مستقيمة بل إنّ بعد أن تستقيم تعود فتنحرف إلى اليسار لتصل إلى الغاية المقصودة، وهكذا بعد أن وازينا السلطانية ورأيناها، أو بالأحرى رأينا قبتها العالية من بعيد عدنا فخلفناها وراءنا حتى بلغنا مفترق الطريقين: طريقنا الدولي الذي نسير فيه، والطريق الفرعي الموصل إلى السلطانية، فانحرفنا إلى الثاني سائرين فيه إليها في سهل زراعي مديد ترعى في قطعان البقر، ثمّ كنّا في السلطانية…
وإذا كانت السلطانية فيما تقدم من العصور العاصمة التي كان يحكم منها شطر كبير من العالم وكانت قاعدة الإمبراطورية المغولية الإيلخانية، فلا تحسب أنّك ترى من هذا الوصف شيئاً فيها اليوم، لا بمعنى أنّها ليست عاصمة، وأنّها ليست مقراً للإمبراطور. بل بمعنى آخر: هو أنّها لم تعد ذات الدور القوراء، والقصور المتعالية، ولا ذات الشوارع الرحبة والباحات الواسعة، ولا ذات مئات الألوف من السكان، وعشرات الألوف من العساكر.
إنّها اليوم قرية بسيطة تتكوّن من بيوت طينية خابية واطئة لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نفس.
وبعدما كان يحكمها (إمبراطور)، عاد يحكمها اليوم من يعرف في العراق وسورية بلقب (مدير ناحية). والناحية هي أصغر وحدة إدارية تتبعها عدّة قرى، وهي ما يعرف في إيران باسم (بخشداري).
وإذا كانت القرية قد لفتت نظرنا في شيء فهو: المقايسة بين الحاضر والماضي، وإلاّ فليس فيها ما يلفت النظر، اللهم إلاّ ما بقي من ذاك الماضي ممّا يدل على عظمته وروعته، وهو ما نفضل أن نطلق عليه اسم (قبة خدابنده) لا إسماً آخر… وتفضيلنا هذا الاسم كان لأنّ الناس اختلفوا في حقيقة ما تحت القبة: فبعضهم زعم بأنّ البناء أقيم في الأصل لينقل إليه (خدابنده) رفاة علي (عليه السلام) من النجف الأشرف، فيجعل قبره في عاصمته، ولكن العلامة الحلي الحسن بن المطهر منعه من ذلك وأصرّ على منعه فامتثل هذا المنع.
وبعض قال: إنّ فيها قبر خدابنده نفسه.
ونحن هنا إذا كنّا ننفي الافتراض الأوّل استنتاجاً لا استناداً إلى نص، وإذا كنّا لا نأخذ بالقول الثاني، بالاستنتاج أيضاً لأنّه من غير المتصور أن يبني أحد لأحد بعد موته مثل هذا الضريح المتناهي في الفخامة، إذا كان القائلون بهذا الرأي يرون أنّ البناء أقيم على قبر خدابنده بعد موته.
كذلك من غير المتصوّر أن يبني أحد لنفسه مثل هذا القبر في حياته انتظاراً للموت الذي لا بد منه… هذا فضلاً عن أنّه لم يظهر أثر لأي قبر داخل البناء، كما أخبرنا بذلك مدير الناحية الذي صحبنا في جولتنا.
ويبقى الافتراض الثالث وحده هو القائم بالرغم ممّا يعترضه هو الآخر من فجوات…
ونحن هنا سنصف ما رأينا، ثمّ نترك للقارئ أن يستنتج ما يشاء:
هو بناء عال فوقه قبة يبلغ ارتفاعه في الداخل من الأرض إلى نهاية جوف القبة 56 متراً، وهو مدور ذو ثمانية أضلاع يبلغ طول قطره 26 متراً، وعرض كلّ جدار من جدرانه سبعة أمتار وأربعين سنتمتر، ويبلغ قطر القبة مترين وعشرة سنتيمترات.
وحول البناء بقايا متهدمة بينها بقايا سور محكم بقي قليل من قواعده، وتحوط البناء اليوم البيوت القروية، وتفصله في الجانب الغربي عن البيوت بقايا حديقة حديثة، أمّا في الجانب الشرقي فهو متصل بالبيوت، والجدران في الداخل متآكلة ذهبت نقوشها إلاّ بقايا تدل عليها.
وفي الجنوب في الداخل باب مرتفع يفضي إلى قاعة مستطيلة يؤكد أحد مرافقينا أنّها المكان الذي أعدّه خدابنده للعلامة الحلي ليلقي فيه دروسه بعد أن كان يلقي هذه الدروس في مدرسة سيارة من الخيام كان يرافق بها خدابنده في ترحاله. وممّا يؤكد هذا الرأي أنّ هذه القاعة تبدو لمن يراها من الخارج أنّها ملحقة بالبناء ولم تكن من أصله، لأنّها وإن اتصلت به فهي خارجة عنه، محدثة بعده، وهي وإن كانت تحتوي على محراب عريض عال يبدأ طولاً من أرضها إلى سقفها ممّا يمكن أن يشير إلى أنّها مسجد ألحق بالبناء، لا يمكن أن تكون مسجداً لأنّ في الجانب الآخر من البناء مسجداً غير كبير ملحقاً به مبنياً بعده فلا يمكن أن يكون هناك مسجدان. وهذا المسجد يطلقون عليه اسم مسجد العلامة الحلي.
إذن فنحن أمام أثر بارز من آثار الحسن بن المطهر، العالم العظيم الخالد. وإذا كنّا قد دخلنا قاعة تدريس العلاّمة الحلي وبتركنا بالمكان الذي كان يجلس فيه ملقياً دروسه، وأصغينا في الخيال إلى صوته يتدفق بالعلم والأدب والحكمة والفقه والتاريخ، فإنّنا لم نستطع الوصول إلى داخل مسجده فنتشرف بالسجود في محرابه حيث كان يسجد، لأنّ المسجد كان مقفلاً في تلك الساعة فاكتفينا بالوصول إلى صحنه والتطلع إلى داخله.
ويبدو أنّ القاعة التي قلنا إنّها كانت مكان تدريس العلامة الحلي، كانت مخصصة لطبقة المتقدمين من الطلبة، فإن إلى الشرق صفاً من الغرف وإلى الغرب صفاً آخر وبين الصفين ساحة مملوءة بالركام، وملتصق بها بقايا مسجد صغير مهدم السقف، وإلى الغرب حجرة أخرى كبيرة تشبهها.
قيل لنا إنّ الغرف التي يبلغ عددها 12 غرفة كانت غرفاً للطلبة، وهي صغيرة مربعة وأنّ الحجرتين الكبيرتين كانتا مكاناً للتدريس. فنحن هنا في مدرسة العلامة الحلي التي أصبحت كما قلنا ثابتة بعد أن كانت سيارة.
تحت القبة ساحة (مبلطة)، ومنها تمشي في سرداب تنزل إليه في أربع عشرة دركة فتصل إلى مستطيل صغير بجانبه درج آخر ذي ثلاث دركات، وهنا تتشعب سراديب متداخل بعضها في بعض، يفضي الواحد منها إلى الآخر.
ليس البناء طابقاً واحد، فعدا الطابق الأرضي فإنّ فيه ثلاثة طوابق. صعدنا الدرج إلى الطابق الأوّل، فإذا هو مجموعة أروقة وشرفات تدور مع البناء وبعضها في صفين.
وصعدنا إلى الطابق الثاني، وهو كالأوّل ولكن أروقته وأوانيه وشرفاته أكثر اتساعاً وفخامة. وكنّا قد عيينا من الصعود، فلم نصعد إلى الطابق الثالث.
وكان قد بقي من آثار السلطانية عدا قبة خدابنده قبتان أخريان، تراءتا لنا في السهول من بعيد في طرفين مختلفين، هما قبة الصوفي سلطان شبلي، وقبة العالم حسن الكاشي، فكان لا بد من السير إليها.
أمّا الأولى فتبعد عن قبة خدابنده نحو مئة متر إلى الجنوب الغربي، وتاريخها سنة 728هـ كانت أولاً خانقاه للصوفية، ثمّ أقيم فيها قبر الشبلي وعندما تصلها تمشي في حجر إلى باحة (مبلطة) في وسطها القبر بقبته الآجرية. وتبدو بقايا الخانقاه بجدرانها الحجرية الصلدة.
وأمّا الثانية فتقع في الغرب وفيها القبر بقبته المميزة عن قبة الشبلي بأنّها لا من الآجر، بل من الكاشي الأخضر وتحتها غرفة مهملة وتدور حولها أواوين، ويقابلها في الجانب الآخر بناء ربما كان مدرسة.
هذا كل ما بقي من السلطانية القديمة، فسبحان من لا يدوم إلاّ هو.
السلمية
قبل أن تدخل متاهة البادية السورية، ووسط سهل مترامي الأطراف فوق مساحة ثلاث آلاف كيلومتر مربع، تنبسط مدينة السلمية محاطة بجبال شماميس والخضر وعين الزراق التي تتراوح ارتفاعاتها بين 500 و650 متراً، مبتعدة عن مدينة حماه شرقاً 35كم وعن حمص 45كم في الشمال الشرقي.
حول «المدينة القديمة» وداخلها تمتد أبنية الإسمنت لتطاول أطراف البادية. تتبع لها 350 قرية ورسم قرية، السلمية عند التقاء خط الطول 37 وخط العرض 35، بمناخها الصحراوي متأثر بالفتحة الجبلية بين طرابلس وطرطوس ولذا تتفاوت درجات الحرارة فيها كثيراً وهي تتميز بصيف حار وطويل، وأجمل ما فيه ليله البارد نسبياً الذي يستمر أربعة أشهر أمّا أمطارها فتتراوح بين 250 و400 ملم سنوياً.
وتدل المواقع الأثرية المنتشرة هنا وهناك على أنّ المدينة تعود إلى أحقاب بعيدة. وتشير آثارها إلى أنّها عرفت منذ عهد الأشوريين والبابليين، أي نحو 3500 قبل الميلاد، وسكنها السومريون نحو 3000 قبل الميلاد وعرفها الأموريون عام 1500 ق.م.، والأنباط 500 ق.م. واليونان والرومان.
وتعتبر قلعة «شميميس»، من أبرز المواقع الأثرية الواضحة للعيان. وهي تبعد عن المدينة قرابة ثلاثة كيلومترات وتستقر فوق جبل مخروطي. وتعود القلعة إلى العهد الهلنستي أمّا اسمها فيعود إلى أسرة «شمسفرام» التي كانت تحكم حمص. وقد جددها الأيوبيون، والقلعة الآن تتألف من نصفين ـ الشرقي وفيه بئر عميقة وأبراج دفاعية وبقايا بوابة متحركة زالت قواعدها، وبئر تموينية.
أمّا النصف الغربي ففيه بقايا قصر وأبراج ذات طوابق متداعية ذات عقود رباعية. ويحيط بالقلعة خندق قائم تحتها مباشرة في قمة الجبل. وتمتد الأقنية الرومانية في المدينة تحت الأرض وهي تستعمل لنقل المياه، وتجاوز عددها 360 قناة يبلغ طولها مجتمعة 150كلم وعرض الواحدة منها 60سم ويراوح عمقها بين متر واحد وثلاثة أمتار حسب طبيعة الأرض. وأبرزها قناة العاشق.
أمّا سور المدينة فهو مبني من الحجارة البازلتية المربعة التي يراوح عرضها بين 1,5ـ2 متر وللسور أربعة أبواب هي: باب تدمر من الشرق، وباب حمص من الجنوب والبابان الغربي والشمالي.
قلعة سلمية
لا يزال بعض جدرانها ينتصب في مركز المدينة. ويعود بناؤها إلى العهود الهلنستية. ويذكر المستشرق هارتمان أنّه عثر على حجر عليه كتابات يونانية وحجر آخر قرب الحصن عليه نقوش وكتابات عربية.
ويعتبر مسجد الإمام إسماعيل ذو المحاريب السبعة أحد أبرز معالم المدينة. ويستطيع الزائر أن يلاحظ أنّ حجارته تعود إلى عصور متباينة، إذ بُني في عهد اليونان كمعبد للإله «زيوس» وعندما جاء الرومان حوّلوه إلى معبد للإله جوبيتر. وعندما دخلت المسيحية أصبح المعبد كنيسة ثمّ تحوّل إلى مركز الأبرشية التي اتبعت لها 62 كنيسة. أمّا في العهد العربي فتحول المسجد والقسم الملحق به ليصبح مدفناً للهاشميين، ثمّ أجريت عليه التحسينات وبني له عدد من المحاريب ليصبح معروفاً في كتب التاريخ بـ «المسجد ذو المحاريب السبعة».
أمّا الحمام الروماني، وهو موجود وسط المدينة، فتعرض إلى الهدم أكثر من مرة. وكان آخر ترميم له عام 1924. وأخفى هذا الترميم بعضاً من ملامحه القديمة بسبب طلائه بالإسمنت.
أحمد سليمان
سَمَرقَند
ـ 1 ـ
كانت سَمَرقَند سنة 1930 عاصمة جمهورية أوزبكستان، ثم جعل الروس العاصمة طاشقند.
وسمرقند ذات طابع شرقي وماضٍ تاريخي حافل، وكانت مركز بلاد الصُّغد، كما كانت عاصمة تيمورلنك. وهي واقعة على نهر سَيحُون.
منذ أن وُلدت سمرقند وُلد معها توأمها، الفنّ. وتغنّى بجمالها الشعراء على مَرّ الأيام. ووجدت البعثات الأثرية بقايا قسم من تلك الأشعار مدونة بخط أنيق على بعض حيطانها، كقول أحدهم:
وليس اختيـاري سَمْـرَقَند مَحلّةً
ودارَ مُقـامٍ لاختيـارٍ ولا رِضى
ولكنّ قلبـي حلّ فيـها فعـاقـني
وأقعَدَني بالصِّغر عن فُسحةِ الفضا
وقال فيها الشاعر المشهور البُستي:
للناس فـي أُخراهُـمُ جنّـة
وجنّـةُ الـدنيـا سَمَـرقنـدُ
يا مَن يُسـوّي أرضَ بَلْخٍ بها
|
هل يستوي الحنظلُ والقَندُ([467])
وذكر الجغرافيون العرب القدماء أنه ليس في الأرض مدينة أنزهَ ولا أطيَب ولا أحسَن مُستَشرَفاً من سمرقند. وشبّهها الرياشي فقال: كأنها ونهرها المجرّة للاعتراض، وسورها الشمس للأطباق.
ويصفها ياقوت الحموي بقوله: «وروي أن سمرقند من بِناء الاسكندر، واستدارةُ حائطها اثنا عشر فرسخاً، وفيها بساتين ومزارع وأرحاء، ولها اثنا عشر باباً، من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى أعلى السور أبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل بابين منزل للنواب، فإذا جُزتَ المزارع صرت إلى الرَّبْض، وفيه أبنية وأسواق، وفي ربضها من المزارع عشرة آلاف جريب، وفيها المسجد الجامع ومسكن السلطان. وفي هذه المدينة الداخلة نهر يجري في (مجرى مَحُوط) بالرصاص، وهو نهر قد بُني عليه مُسنّاة عالية من حَجَر يجري عليه الماء إلى أن يدخل المدينة… ووجه هذا النهر رصاص كله… وقد عُمل في خندق المدينة مُسنّاة وأُجري عليها، وهو نهر يجري في وسط السوق بموضع يُعرَف بباب الطاق… وعلى حافات هذا النهر غلاّت موقوفة على من بات في هذا النهر، وحفظه شتاء وصيفاً… وفي المدينة مياه من هذا النهر عليها بساتين، وليس من دار إلاّ وبها ماء حارّ إلاّ القليل، وقلّما تخلو دار من بستان، حتّى أنك لا ترى أبنية المدينة لاستتارها عنك بالبساتين والأشجار… فأما داخل سوق المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال… ».
هذه المدينة الرائعة، بجمالها الأخّاذ، صارت في تاريخ الحضارة عاصمة للفنون الإسلاميّة. خصوصاً الفنون المعروفة اليوم بالفنون التشكيلية. وقد ظهرت مدرسة (المُنَمنمات) التي ستظل تنمو لتصبح أهم الآثار المغولية المتبقية اليوم، لتكوّن ـ مع الشعر العربي والفارسي، والموسيقى العربية والفارسية، ومدرسة المُنَمنمات الفارسية المستمرة إلى العصر الحديث ـ الملامح الواضحة لتقدم الفنون الآسيوية إبّان تلك العصور… والتي كان يعتبرها السلاطين في الهند وبلاد فارس من أزهى أوجه الجمال الذي يحتفظون به في ذاكراتهم وجدران قصورهم.
ومع مرور الزمن انبثق أسلوب اللوحات الشخصية (بورتريه) في المنمنمات التي اكتسحت أوجه الفنون الأخرى، خصوصاً أن الفنانين كانوا يُولُون فَنَّهم عناية قصوى في دقة مراقبتهم للشخصيات المراد رسمها، حتّى لو استغرق ذلك زمناً طويلاً، فالمهم عندهم الإجادة، ربّما طلباً للخلود، والإبداع المغلغل في شرايين التاريخ.
وأجاد السمرقنديون في هذا الضرب من الفنون إجادة خلّدت أعمالهم على جدران قصور السلاطين المغول الذين حكموا شمال الهند في تلك الأزمان. ويذكر أصحاب السير والتواريخ أسماء لامعة في هذا المضمار، منهم محمد مراد السمرقندي، ودولة محمد السمرقندي، وفاروق كالميك ومحمد نادر السمرقندي الذي يعدّه بعض مؤرّخي الفن من أكثرهم إبداعاً وإجادة، من غير أي انتقاص للآخرين.
في الطابق الأرضي من البناء الذي تحت القبة
محمد نادر السمرقندي (1580 ـ 1650م) من مواليد تلك المدينة الساحرة، النائمة في حضن الأشجار، والغافية على تغريد أطيار بساتينها وزقزقة عصافيرها، والتي حملت اسم سمرقند. وبعد أن تشبّع بجمال المدينة، وفنونها الساحرة، وبدأ يتمكن من فنه، رحل إلى الهند بلاد الحضارة العريقة في جميع جوانب الحياة التي كانت معروفة يومذاك وانضمّ إلى فناني الأمبراطور أكبر. وسرعان ما أصبح فناناً مشهوراً، وأخذ كبار رجال القصر يطلبون منه رسم صورهم الشخصية، وبدأ يحتل مكانته الرفيعة بسرعة مدهشة ضمن كبار فناني المُنَمنمات الآخرين من مختلف البلدان.
تعتبر أعماله بحقّ من خَوالد التحف الفنية الثمينة، فالبورتريهات التي أنجزها بدقة وأناة وصبر مذهل، تخطف الإعجاب بمهارة إنجازها لا في الخطوط والألوان والظلال وخلفية اللوحة فحسب، وإنما في إبرازها وبتقنية ذكية للجوانب السيكولوجية لشخصياتها كذلك، مبرهنة على البراعة والمكنة العالية له. كما أن لوحاته الطبيعية التي كرّسها لمشاهد الطبيعة، وكذلك تلك المطعّمة بالميناء بتشجيع من الأمبراطور جيهانگير (1605 ـ 1627 م) وغيره من السلاطين الذين كانوا معجبين بذلك، شواهد لا نظير لها للجمال المتجلّي في المدينة وفي نتاجها الفني الساحر الأخّاذ.
عمل محمد نادر السمرقندي ـ بميزات إنتاجه الفني ـ على تطوير فن المنمنمات الهندية نفسها خلال المدة المذكورة. كما أن أعماله تعتبر تكملة مهمة جداً في ميدان الدرس الفني المنصرف إلى تشكيل التصورات المعاصرة للعلاقات الإبداعية بين الهند وآسيا الوسطى في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
ويذكر المعنيّون باللوحات الفنية في فهارس موجودات الآثار والمتاحف، أن لهذا الفنان ـ اليوم ـ ثلاث عشرة لوحة موثوقة النسبة إليه، باستثناء تلك التي لم تُسجَّل رسمياً في مواطن وجودها باعتبار كونها موروثات عائلية خاصة لا عامة، ولاعتبارات أخرى. وتمثّل هذه اللوحات المعروفة اليوم ـ في غالبيتها ـ البورتريهات المنفَّذة بخطٍّ أسود دقيق مع رتوش ظلالية ملوّنة مما يعرف في دوائر الفنون بـ (سياه قلم) الذي ابتدعه ابتداعاً محمد نادر شاه، وسجله الفنانون باعتباره ابتكاراً مبدعاً لم يُعرَف قبله.
وتصوّر اللوحات المذكورة شخصيات القصر والقادة العسكريين من أمثال آصف خان وباقر عظيم خان والأمير خسرو.. وغيرهم.
وثمة بورترية مثير للاهتمام بشكل خاص يصوّر شير محمد، وهو شخص مجهول لنا اليوم وينبثق الاهتمام به ـ بالدرجة الأساس ـ لكونه يضم ثلاث صور شخصية أُنجزت في أوقات متباينة، وأُلصقت على ورقة واحدة، كما كانوا يفعلون في الألبومات. ووضع محمد نادر توقيعه تحت كل واحدة من تلك البورتريهات الثلاثة. ويميل الباحثون في تاريخ الفن إلى أن هذه اللوحات قد رُسمت في تاريخ واحد أيضاً. ويعتمدون على معايير فنية غاية في الدقة لتحديد شخصية شير محمد هذا، باعتباره ليس شخصاً واحداً وليس شخصاً عادياً، وعلى الرغم من تلك المعايير فقد توهموا عندما اعتبروا الرسم الأيسر يمثل الأمبراطور شاه جيهان (1627 ـ 1656 م)، والأيمن جيهانگير يبدو شاباً، بينما الابن يبدو شيخاً بلحية بيضاء وبملابس متواضعة ليس فيها أي مظهر من مظاهر الملابس الأمبراطورية الفخمة التي كان يرتديها المغول في الهند. وفي دراسات لاحقة وصل المعنيّون بتاريخ الفنون إلى أن الرسم لا يمثّل جيهان الابن بل يصور خليل الله خان. وقد أمكن الوصول إلى هذه الحقيقة بعد أن كشفت اللوحة التي كان رسمها محمد نادر لهذه الشخصية بكامل هيئتها بعد ذلك بعشر سنوات. أما صور جيهانگير فلا شك فيها أبداً لا في الشخصية ولا في كونها من أعمال نادر شاه. والصورة مؤطّرة بإطار مثلّث الأضلاع مما يمثل النافذة التي كان يظهر فيها الأمبراطور إلى الناس، أو يتابع من خلالها معارك الفِيَلة، وتُسمّى هذه اللوحة بـ (جهاروك). وتوجد هالة حول رأسه، كما أن اللوحة مليئة بمعالم الزينة، والأمبراطور في أبهى حلته.
ومن بين هذا التراث الغنيّ المتنوع، يثير بورتريه (شير محمد)، وهو البورتريه الثالث في اللوحة، أكبر الاهتمام لتفرده بعدم وجود ما يماثل أسلوبه أبداً في أية مدرسة من مدارس البورتريهات والمنمنمات الشرقية من حيث تعقيد خطوطها وطريقة الأداء الفنية.
ومن ناحية أخرى فإن الفنون التي انبثقت من سمرقند وتجولت في بلاد الهند وغيرها، سواء على يد محمد نادر شاه ـ الذي خَصَصناه بالعناية باعتباره نموذجاً مثالياً ـ أم على يد غيره من الفنانين السمرقنديين، استطاعت أن تساعد على تحديد تواريخ السلالات الحاكمة، ومجريات أحداث التاريخ التي رسمها أولئك الفنانون. ويمكن الاستشهاد ـ في هذا الصدد ـ بالرسوم السمرقندية المتتابعة تاريخياً والتي عُني كثيراً بتصوير الشخصيات بكامل هيئتها وملابسها، سواء من الحكام أم من رجال الدين والطرق الصوفية، حيث نكتشف أن شيوخ الطرق الصوفية ـ مثلاً ـ تغيرت هيئاتهم وأزياؤهم بمرور الزمن، حتّى أنه ليمكن التعرف على ملامح تطور الطرق الصوفية نفسها من خلال المقارنة التاريخية بين تلك البورتريهات
والمنمنمات.
وحتى على صعيد الناس العاديين، فثمة وجوه وشخصيات تظهر ضمن المنمنمات الطبيعية، أعني تلك اللوحات التي تنصرف إلى رسم المناظر الطبيعية، حيث يظهر في بعضها، أو في الكثير منها، ملاّحون في زوارقهم، وفلاّحون في حقولهم، وحرفيون متعددون في مهن مختلفة متنوعة مما كان يزخر به ذلك العصر.
ومن خلال الملاحظة الدقيقة والمتأنية والمقارنة نستطيع استجلاء ملامح التغير الاجتماعي والصناعي والزراعي، وحتى وسائط النقل المستخدمة في الأنهار والمدن، وكذلك كيفية تنظيم الأسواق والمدن ونمط الاحتفالات في الأعياد والمناسبات.
وبالجملة استطاع الفنانون السمرقنديون أن يقدّموا للباحثين في تاريخ الحضارات وتطورها خير أدلة ومستمسكات ووثائق لا يرقى الشك إلى تصويرها لواقعها، لأن هؤلاء الفنانين العظماء انطلقوا من واقع مدينتهم الثرية بالجمال ليرسموا صور العالم بلوحاتهم الواقعية.
ضواحي سمرقند
ألم يكن الحق مع أحمد بن واضح في وصف سمرقند:
علت سمرقند أن يقال لها
زين خراسان جنة الكور
أليس أبراجها معلقة
بحيث لا تستبين للنظر
ودون أبراجها خنادقها
عميقة ما ترام من ثغر
كأنها هي وسط حائطها
محفوفة بالظلال والشجر
بدر، وأنهارها المجرة والآ
طام مثل الكواكب الزّهر؟
هادي حمودي
سمرقند
ـ2ـ
تعتبر مدينة سمرقند من المدن التاريخية المهمة الواقعة بجمهورية أوزبكستان، إحدى أشهر الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. وهي من أشهر المزارات السياحية في آسيا لما تحويه من آثار إسلامية غاية في الروعة والجمال، ومطوقة بالمروج الخضراء التي تصلها المياه من أعالي الجبال المحيطة بها وتمتاز بطبيعتها الخلابة.
تعرضت سمرقند عبر تاريخها الطويل لموجات متلاحقة من الدمار الذي حل بها على أيدي الغزاة. فقد دخلتها جيوش الاسكندر الأكبر ودمرتها بالكامل، ثمّ تعرّضت للتدمير مرّات عدة وفي فترات زمنية مختلفة بسبب الصراعات القبلية قبل ظهور الإسلام وبعده.
وفي بداية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) بدأ الغزو المغولي لمدن آسيا الوسطى، فحل الخراب والدمار في هذه المدينة والمدن الإسلامية الأخرى في أوزبكستان كالعاصمة طقشند وبخارى وخيوه، حتّى استقرّت الأوضاع في عهد تيمورلنك في القرن الخامس عشر الميلادي، واتخذ سمرقند عاصمة لدولته. وبدأ في عهده الاهتمام بالعمارة والفنون والعلوم، وانتشرت في أرجاء أوزبكستان روائع فنون العمارة
الإسلامية كالمساجد والمدارس الدينية والمزارات والأسواق.
ولم يكن الاهتمام بالعمارة محصوراً بتيمورلنك فقط، بل إنّ خلفاءه انتهجوا نهجه ومنهم ابنه شاهرخ وبعده الغ بيك وبايسنقر وأبو سعيد. ولكن حروب الأوزبك الشيبانيين وما تلاها من اضطرابات قبلية والغزو الروسي لبلدان آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر أدّت إلى اضمحلال المدينة وبقية مدن أوزبكستان الأخرى. وبعد سيطرة الروس على البلاد كلها، وكانت تشمل كازاخستان وأوزبكستان، تمّ تغيير اسمها إلى تركستان العام 1886.
وفي العام 1929 أعلن نهائياً انفصال أوزبكستان عن تركستان. وفي سنة 1991، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أعلن استقلال هذه الدولة وأجريت انتخابات برلمانية حيث حصل الحزب الديموقراطي على أغلب الأصواب بزعامة إسلام كريموف الذي ما زال يحكم هذه الجمهورية الفتية إلى يومنا هذا.
اشتهرت سمرقند بمعالم حضارية وتاريخية تميزت بأروع فنون العمارة الإسلامية، وكانت ولا زالت إحدى أجمل المدن الإسلامية. وعرفت مبانيها بخصائص معمارية رائعة في فخامتها وارتفاع جدرانها وأبوابها وزخارفها الأجرية والقاشانية الجميلة.
منظر عام لقبة مسجد بيبي خاتم
وتتركز أجمل هذه المباني في ساحة ريجستان، حيث توجد مجموعة من البنايات التاريخية قلّ أن تجتمع في مكان واحد، ومنها ثلاث مدارس أقدمها وأشهرها تلك التي شيّدها حفيد تيمورلنك، الغ بيك، وفي مقابل مدرسة الغ بيك شيّدت المدرسة الثانية وهي شيردر، أمّا الثالثة التي تطل على ساحة ريجستان أيضاً فهي مدرسة طلاكاري.
وما زالت بقايا مسجد «بيبي خانم» قائمة إلى اليوم ضمن مجموعة ساحة ريجستان، وهي تدل على عظمة العمارة التي كانت قائمة في عهد تيمورلنك.
وأبرز المعالم العمرانية في مدينة سمرقند:
مسجد بيبي خانم
قرر تيمورلنك تشييد أضخم مسجد في العالم الإسلامي على أمل أن يكون على غرار طراز عمارة مسجد الألف عمود الذي كان مشيداً في مدينة دلهي العاصمة الهندية. ولأنّ البناء، وهو في مراحله الأولى، لم يرق لتيمورلنك فقد صرف النظر عن استكماله، وتركه على حاله، ويسمّى أيضاً مسجد الجمعة الكبير.
وما زالت آثار مسجد «بيبي خانم»، خصوصاً المدرسة الملحقة به، قائمة إلى اليوم لتذكر زوار سمرقند بالفاتح الكبير تيمورلنك وبزوجته الأولى الجميلة التي شيّد المسجد باسمها.
بني هذا المسجد من الحجر المنتظم، واستقدم تيمورلنك أكثر من مئتي فني ماهر من مدينة «باكو» عاصمة جمهورية أذربيجان وكذلك من إيران والهند لقطع ونحت الحجر. وتمّ صنع 480 عموداً من هذه الأحجار استعملت في بناء المسجد، وبلغ ارتفاع كل عمود ثلاثة أمتار، وكان بعض هذه الأعمدة من الرخام أو المرمر ولا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا.
وفي واجهة المسجد قوس ضخم على شكل بوابة، بني من الطابوق (الآجر) والجص وتوجد على جانبيه مئذنتان، وقد كُسي القوس والمئذنتان بالبلاط المزجج (القاشاني). وتلي هاتين المئذنتين مئذنتان أخريان مكسوتان بالبلاط القاشاني أيضاً.
وللمسجد بوابة داخلية أخرى شيّدت من المرمر، وهي شبيهة إلى حد كبير بالبوابة الخارجية لقصر شاه شيروان في مدينة باكو، والتي يعتقد بأنّ العمال والفنيين المهرة الذين قاموا ببنائها هم من أذربيجان كذلك.
منظر لمدرسة «شير ـ دار» في ميدان ريجيستان القرون 15 ـ 17
ولمسجد بيبي خانم صحن واسع مستطيل الشكل طوله 295 قدماً وعرضه 197 قدماً يؤدي إلى إيوان القبلة. وتوجد في هذا الصحن مأذنة مخروطية الشكل ومضلعه، قاعدتها عريضة، لكنّها تصغر كلّما ارتفعت إلى أعلى. أمّا المصلى فهو صغير قياساً إلى الحجم الكبير للمسجد، ويطلق عليه اسم إيوان القبلة، وتعلوه قبة ارتفاعها 108 أقدام وهي شبه مهدمة. وهناك إيوانان آخران على جانبي الصحن. أمّا المدرسة الملحقة بالمسجد فتقع بالقرب من بوابة بخارى ولها صحن واسع أبعاده (200 قدم × 200 قدم) وللمدرسة ثلاث قباب وثماني مآذن مرتبة بشكل متناسق ورائع.
مدرسة الغ بيك
هذه المدرسة من أشهر المدارس التاريخية في سمرقند، شيّدها حفيد تيمورلنك الأمير الغ بيك ما بين 1417 و1420. وبسبب الزلازل والحروب الأهلية دمر بعض مباني هذه المدرسة، إلاّ أن ما تبقى منها يشهد لمعماريي العهد التيموري ببراعتهم الفنية والمعمارية، خصوصاً في أعمال زخرفة الآجر والفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان التي تزين واجهة ومدخل المدرسة. وتمّ ترميم هذه المدرسة مرّات عدّة وفي مراحل زمنية مختلفة خصوصاً المئذنة الشمالية الشرقية التي مالت العام 1932 بمقدار 1,8 متر عن موقعها الرأسي، وكذلك المئذنة الجنوبية الشرقية التي مالت عن موقعها الرأسي بمقدار 1,56 متر، وقد أعيدت هاتان المئذنتان إلى وضعهما الطبيعي في العام 1965.
وكان الأمير الغ بيك من علماء الفلك، لذلك خصّص جزءاً من المدرسة لبناء مرصد فلكي العام 832هـ (1429) وجعله تحت إشراف ثلاثة علماء هم: غياث الدين جمشيد وصلاح الدين البغدادي ومعين الكاشاني.
مدرسة شيردر (بوابة الأسد)
تقع هذه المدرسة في مواجهة مدرسة الغ بيك، وشيدت بين 1619 و1636م، وتمتاز بتصميمها الرائع وزخارفها الجميلة وانسجام ألوان الفسيفساء التي تغطيها من الخارج. وتتألف من طابقين وأواوين عدة كما تشتمل على أبراج مدورة تقع في أركانها الأربعة تكسوها الزخارف القاشانية الجميلة. أمّا سبب تسمية هذه المدرسة بهذا الاسم فلأنّ مدخلها الأصلي زين بالقاشاني الملون على شكل أسدين متشابهين ومتقابلين تتوسطهما غزالتان.
مدرسة طلاكاري
شيدت المدرسة في عهد التيموريين بين 1646 و1660 وتعرف باسم طلاكاري أي (المطلية بالذهب)، وتضم بداخلها مجموعة منشآت مهمة منها بناء كبير وجميل يعرف بالخانقاه (وهو مبنى إسلامي خاص لتلقين الطرق الصوفية وممارسة شعائرها الدينية).
إضافة إلى مجموعة البنايات التاريخية في ساحة ريجستان، فإنّ مدينة سمرقند تضم مجموعة مقابر «شاه زنده» أي الملك الحي المشيدة على منحدرات الموقع الذي كانت تشتغله مدينة أفراسياب القديمة. وتعدّ مقبرة القاسم بن العباس ابن عم الرسول (صلّى الله عليه وآله) أقدم منشآت هذه المجموعة وهي التي منحتها اسمها.
ونظراً إلى المنزلة الرفيعة التي يتيمز بها هذا الموقع فإنّنا نجد التيموريين يشيدون حوله مقابر عظمائهم، وقد بقيت شاخصة إلى يومنا هذا أضرحة «قاض زاده الرومي«و«أمير زاده» و«شيرين بيكا آقا» و«طوغلوغ تكين» ثمّ ضريح «تومان آقا» إحدى زوجات تيمور لنك. وليست مجموعة شاه زنده هي كلّ الأضرحة التي تضمها مدينة سمرقند، فهناك أضرحة التيموريين، تيمورلنك وأحفاده المعروفة باسم «مقبرة كورمير».
ضريح التيموريين
(مقبرة كورمير)
يعتبر هذا البناء من روائع فنون العمارة الإسلامية في سمرقند، وينقسم من الخارج إلى ثلاثة أقسام. يمتاز قسمه الرئيسي بقبته الرائعة ذات الدعامات، وهي قبلة هائلة الحجم تقوم على قاعدة أسطوانية الشكل طويلة لكنّها أقل قطراً من القبة، ويبلغ ارتفاع القبة حوالي 112 قدماً، وهي مغطاة ببلاطات القاشاني من اللونين الأزرق الفاتح والداكن. أمّا المآذن فتقع في الأطراف ويصل ارتفاع كلّ منها إلى حوالي 83 قدماً. وتتم إضاءة الضريح من الداخل بواسطة أشعة الشمس التي تنساب بقدر من خلال النوافذ الرخامية ذات الزخارف الخشبية، وتزين جدران الضريح من الداخل اللوحات الخزفية ذات اللون العقيقي الأخضر. وأضاف الغ بيك إلى هذا البناء بوابة جديدة مزينة بالقاشاني المعرق الجميل.
وفي سمرقند عدد من المتاحف أشهرها ذلك المعروف باسم متحف الغ بيك وهو مشيّد على تلال «شوبان آتا»، ويعرض آلة «السكستانت» التي كانت مخصصة لقياس الأجرام السماوية في المرصد الشهير الذي أمر بتشييده الأمير الغ بيك.
رؤوف الأنصاري
سمرقند
ـ3ـ
سمرقند لها عمر طويل كعمر روما وأثينا وبابل حيث يصل إلى 2500 عام وعاشت المدينة أحلك أيامها خلال الهجوم المغولي بقيادة جنكيزخان، لكن الأمير تيمور أراد أن يحولها إلى عاصمة للعالم بعدما حلّ بها من دمار، وبفضله عاشت عصرها الذهبي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين.
وسمرقند تسحر زوارها بما تملك من كنوز فنية معمارية ذات شهرة كبيرة في تاريخ فنون العمارة الإسلامية. وفيها الكثير من المساجد والأضرحة والمدارس بالإضافة إلى مراكز علمية مثل مرصد أولغ بيك المشهور…
تسطع في سماء سمرقند قباب مبانيها الأثرية مثل «غور ـ أمير«أو ضريح الأمير الذي يضم رفات الأمير تيمورلنك وحفيده أولغ بيك وكذلك جامع بيبي خانم الذي يعتبر من أجمل جوامع البلدان الإسلامية في منطقة ما وراء النهر، وفي الجامع أكبر قباب في العمارة الإسلامية على الإطلاق.
ومن شرفة أحد مساجد المدينة. تطل بانوراما رائعة لسمرقند تبرز في سمائها قبة جامع بيبي خانم الفيروزية اللون مع قباب ومنابر مدارس ساحة ريغستان. بالإضافة إلى مباني غور أمير وخلفها جبال فوغي على خلفية بساط أخضر لحدائق المدينة ومنتزهاتها. وقلب المدينة هو ساحة ريغستان، وتعني «ساحة الرمل»، وتحيط بها من جهات ثلاث مبانٍ في منتهى الجمال وروعة الفنون الإسلامية هي: مدرسة أولغ بيك ومدرسة شير دور وتيليا كوري. وتعتبر الساحة والمباني المحيطة بها درة من درر الحضارة الإسلامية ويمكن إدراجها من ضمن أجمل الساحات في العالم الإسلامي قاطبة.
أمّا مدرسة أولغ بيك المطلة على الساحة فكانت جامعة إسلامية. فيها خمسون غرفة. وقد علّم أولغ بيك نفسه الرياضيات في المدرسة التي أصابها الدمار نتيجة الحروب الأهلية وكذلك الزلازل. وفي القرن السابع عشر بنيت مدرستان في الساحة هما شير دور وتعني «البناية المحلاة بالأسود«التي أمر حاكم المدينة الأمير يالانغتوش بإنشائها واستغرق بناؤها سبعة عشر عاماً، وبعد عشر سنوات من الانتهاء منها أمر الأمير يالانغتوش بإنشاء مدرسة تيليا كوري التي تحدّ الساحة من جهة الشمال وتعني «المزينة بالذهب» وهي مدرسة مخصصة لإعداد أئمة المساجد. وتعتبر المدرستان مثالاً رائعاً للعمارة الإسلامية في تصميمها الداخلي وفي غنى زخرفتهما الخارجية.
في شمال ضريح غور أمير يوجد ضريح برهان الدين سرغارجي المتصوف من القرن الخامس عشر الميلادي ويعتبر مزاراً للسمرقنديين. وفي القسم الجنوبي الشرقي من المدينة هناك ضريح الحاجة عابدي دارون عند قبر القاضي العبدي من القرن الحادي عشر وهو من عشيرة العبدي العربية.
الجامع الكبير في سمرقند
وسمرقند هي عاصمة إقليم سمرقند، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 1991 حوالي 395,000 نسمة. وكانت عاصمة للثقافة الإسلامية لقرون عدّة، فالمدينة فريدة بما تحويه من معالم أثرية وتاريخ ثقافي عريق. فخلال خمسة قرون تحوّلت من قرية صغيرة على نهر سياب إلى مدينة إسلامية عظيمة بما تملكه من معالم معمارية إسلامية مثل الأضرحة والجوامع والمدارس والخانقات وغيرها.
الموقع الجغرافي
سمرقند واحة تقع على الضفة اليسرى لنهر زيرافشان الذي يعتبر من أطول الأنهر في وسط آسيا، وهو يبدأ مسيرته من جبال ماج وعند مدينة سمرقند ينقسم إلى قناتين مستقلتين الأولى تحمل اسم الإدارية والثانية تحمل اسم القرادارية. وتكوّنت بينهما جزيرة طولها مئة كيلومتر. وفي عصرها الذهبي عرفت سمرقند القصور العامرة والحدائق الغناء ونظام ري يحمل المياه إلى كل بيت. مساحة المدينة اثنان وخمسون كيلومتراً مربعاً، أمّا مساحة المنطقة الخضراء فيها، والتي تشمل البساتين والمنتزهات. فبتلغ خمسمئة هكتار، ومساحة الحدائق ومزارع العنب فيها تبلغ ثمانين هكتاراً. تشمل المساحة الخضراء أنواع أشجار الزينة وأخرى ذات الروائح الفواحة التي تملأ هواءها عطراً في فصل الربيع أمّا الأشجار المثمرة فأنواعها كثيرة منها المشمش والتين والكمثري والتفاح والكرز، وكروم العنب وقد بقيت سمرقند حتّى اليوم مركزاً لزراعة القطن والشاي وصناعة الحرير. وتبعد سمرقند عن العاصمة طشقند 300 كيلومتر.
تمّ الفتح الإسلامي لسمرقند في القرن الثامن الميلادي، واتخذت مركزاً تجارياً بين بغداد والصين. وفي العصر العباسي في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين أصبحت عاصمة للحضارة الإسلامية في وسط آسيا. وصار مرقد الإمام البخاري قرب سمرقند مزاراً للكثير من المسلمين من جميع أنحاء العالم. وبقيت سمرقند تلعب نفس الدور الحضاري في عهود الصمديين الذين حكموا من خراسان وفي العهد السلجوقي وكذلك في عهد خانات خوارزم.
وفي العام 1220م كان الهجوم المغولي بقيادة جنكيز خان على سمرقند والذي حوّلها إلى ركام كما فعل في المدن الأخرى في العالم الإسلامي التي مرّ بها.
ضريح الإمام البخاري, القرن 9.
وفي عهد تيمورلنك في القرن الرابع عشر الميلادي أصبحت المدينة عاصمة إمبراطورية واسعة وأعيد مجدها من جديد وأنشئت فيها الكثير من المباني التي أصبحت أمثلة رائعة للعمارة الإسلامية وعناصرها ومثالاً لجمال الفنون الإسلامية في وسط آسيا وفي العالم الإسلامي وكتب الحاج أبو طاهر أنّ أخوات وزوجات الأمير تيمور تمنين أن يدفن في موقع «شاه زنده» الذي اعتبر حديقة من حدائق الجنة، وتحوّلت الأضرحة إلى مجمع مزين بالقباب الفيروزية المزخرفة بأنواع القاشاني الجميل المزين برسومات نباتية وأخرى هندسية رائعة. وفي القرن الخامس عشر دخلت سمرقند لمدّة أربعة قرون تحت حكم
الأوزبك. ومن ثمّ خضعت لخانات بخارى إلى أن سقطت تحت الاحتلال الروسي في العام 1868، وفي العام 1925 أصبحت سمرقند عاصمة لجمهورية أوزبكستان السوفياتية إلى حين انتقال العاصمة إلى طشقند في ثلاثينات القرن الماضي.
اللغة الأزبكية هي اللغة الرسمية بالإضافة إلى استخدم اللغة الروسية بشكل واسع.
الديانة: أغلبية السكان في جمهورية أوزبكستان من المسلمين. وهناك أعداد كبيرة من المسيحيين الروس الأرثوذكس وأقليات دينية أخرى.
ضريح غور أمير
د. رياض الأمير
سمرقند في أيدي المغول
تحدثنا في بحث (بخارى) عن زحف المغول بقيادة جنگيز ووصولهم إلى بخارى وما فعلوه فيها، وخروجهم منها. ونقول هنا إنّ خروجهم من بخارى كان بقصد سمرقند.
ولم يكن يخفى على المغول أنّ قوى كبرى تنتظرهم على الطرق الطويلة، كما لم يكن يخفى عليهم ما يمكن أن يفعله الانهيار المعنوي في نفوس تلك القوى، لذلك عمدوا إلى خطة تحطم روح المقاومة في المسلمين، حتّى إذا تحطمت لم تفد عند ذلك الكثرة والوفرة، وكانوا على علم بأنّ قوى سمرقند أضخم من قوى بخارى، وأنّ ما يمكن أن تحشده تلك لم يكن مستطاعاً لهذه. كما أنه لم يكن ليخفي عليهم أنّ ما فعلوه في بخارا وما نكثوه من عهود وما حل بالمدينة العظيمة من الفواجع سيكون حافزاً للسمرقنديين على عدم الاستسلام، وعلى المقاومة المستميتة. لذلك عمدوا إلى الحرب النفسية واعتمدوا على التهويل لينهار السمرقنديون نفسياً وينشلوا روحياً فلا يبقى فيهم إلاّ أجسام لا أرواح فيها ولا نفوس تأوي إليها. وبذلك يسهل أخذ الأجسام الخاوية الخالية.
الخطة التي اعتمدها المغول كانت ترتكز أوّل ما ترتكز على تضخيم صورة الجيوش الزاحفة إلى سمرقند، فعمدوا أوّلاً إلى حشد جميع البخاريين الذين سلموا من القتل وساقوهم معهم وكلّ من عجز عن السير قتلوه، فلمّا دنوا من سمرقند قدموا خيالتهم ومن ورائها رَجَّالتهم ومن وراء الرجالة الأسارى البخاريون بأعدادهم الكثيرة ووراء البخاريين الأثقال والأحمال وأعطوا كلّ عشرة من البخاريين علماً يرفعونه أمامهم، إيهاماً لمن يراهم أنّهم من صميم الجيش.
وتقدم الخيالة فأدركوا سمرقند، وفي اليوم الثاني تقدّمت تلك الجموع منتشرة على الطرق بكثافتها وتكتلها، فأحدث ظهورها أثره في نفوس السمرقنديين، وهالهم ما رأوا من أعداد زاحفة إليهم، ظنّوها جنوداً مقاتلة.
وكانت قوى السمرقنديين مؤلفة من الخمسين الألف المقاتل الذين تركهم علاء الدين خوارزم شاه للدفاع عن سمرقند، ثمّ من أهل سمرقند أنفسهم الذين يقول ابن الأثير أنّهم لا يحصون كثرة، ومن هنا يتبين أنّ قوّة الدفاع لم تكن ضعيفة ولا سهلة الأخذ لو أنّها كانت تتمتع بقيادة مؤمنة شجاعة، ولو أنّها كانت على مستوى رفيع من المعنويات يتفق مع ما هي عليه من الماديات.
واوّل خذلان أصابها هو أنّ الخمسين الألف المقاتل الخوارزميين كانت قد ماتت فيهم عزيمة المقاومة وتملكهم الرعب فأبوا المشاركة في القتال. ولكن هذه الصدمة لم تضعف السمرقنديين، فتقدم رجَّالتهم خارجين من البلد وزحفوا للقاء المغول، فتراجع المغول أمامهم. وقد وضعوا لهم كميناً فلمّا جاوزوه خرج عليهم الكمين، وقطع عليهم طريق الرجوع، فأحيط بهم من الأمام والوراء فاستقتلوا فأبيدوا عن آخرهم. ويقدر ابن الأثير عددهم بسبعين ألف شهيد.
فلمّا رأى من بالبلد ما حلّ بالخارجين، كان الجنود الخوارزميون الخمسون الألف أسرع الناس إلى التسليم، فقد اعتقدوا ـ وهم أتراك من جنس المغول ـأنّ الرابطة العنصرية ستنجيهم من القتل فطلبوا الأمان فأعطوه ففتحوا أبواب المدينة ولم يقدر الناس على منعهم، وخرجوا إلى المغول بأهلهم وأموالهم، فطلب المغول منهم تسليم السلاح أوّلاً، وتعهدوا بإيصالهم إلى مأمنهم، فلمّا سلموا بالسلاح، أعمل المغول فيهم السيف حتّى أفنوهم جميعاً وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم.
وفي اليوم الرابع وذلك في المحرم من سنة 617 للهجرة أعلنوا في المدينة بأن يخرج أهلها جميعاً ومن تأخّر قتل، فخرج الجميع رجالاً ونساء وأطفالاً، فأعادوا ما فعلوه في بخارى من القتل والنهب والسبي والاسر والتعذيب والهتك.
تيمورلنك دفين سمرقند
الدولة المملوكية الثانية بدأت في مصر سنة 784هـ/ 1382م بالسلطان الظاهر (برقوق) وهي التي تقدم في عهدها تيمورلنك إلى بلاد الشام.
وعرفت هذه الدولة بالبرجية، وبالشركسية، تمييزاً لها عن الدولة الأولى التي عرفت بالبحرية، وذلك أنّ السلطان المملوكي قلاوون أخذ ابتداء من سنة 680هـ/ 1291م في جمع جماعات من المماليك الشراكسة وإسكانهم في إبراج القلعة، ومن هنا أخذت الدولة اسميها. وعندما مات قلاوون كان عدد المماليك الشراكسة لا يقل عن ثلاثة آلاف وسبعمئة مملوك، وعندما تولى بعده ابنه الأشرف خليل سنة 689هـ/ 1299م. استمر في تجميع المماليك الشراكسة، فبلغ ما جمعه، خلال الآونة القصيرة في حكمه، حوالي الألفين.
ضريح تيمورلنك في سمرقند
وقد غاظ اعتماد قلاوون وابنه خليل على الشراكسة أحد كبار الأتراك (كتبغا) فاغتال الأشرف خليل وأقام مقامه في السلطنة شقيقه الناصر محمد الذي كان لم يتجاوز التاسعة من عمره، وأعلن نفسه نائباً للسلطنة، وراح يضطهد الشراكسة بعد أن عزل الناصر محمد وأعلن نفسه سلطاناً باسم العادل زين الدين كتبغا (694هـ/1294ـ1296م).
على أنّ الأمر لم يدم له، فما لبث حسام الدين لاجين أن خلفه وقام في السلطنة مقامه باسم السلطان المنصور لاجين (696ـ698هـ/ 1296ـ1298م)، ولكن الشراكسة لم يسكتوا فلم يلبث أحد قوادهم «كرجي«أن قتل السلطان لاجين وأعاد الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة فتولاها ثانية (698ـ708هـ/ 1298ـ1308م). وأدّى تتابع الأحداث إلى تقوية الشراكسة وتنحية السلطان الناصر محمد وتنصيب زعيم الشراكسة ركن الدين بيبرس الجاشنكير مكانه باسم السلطان المظفر (708ـ709هـ/ 1308ـ1309م). ولكن القوة عاودت السلطان الناصر محمد ما أدى إلى عودته إلى الملك مرّة ثالثة وتنحي المظفر بيبرس، واستمر الناصر هذه المرة في الحكم حوالي ثلاثاً وثلاثين سنة (790ـ724هـ/ 1309ـ1341م) عمل خلالها على إضعاف الشراكسة فقتل بيبرس وسجن خمسة عشر أميراً من أمرائهم معلناً أنّ السلطنة صارت إرثاً في البيت القلاووني يرثها الأولاد فالأحفاد.
وعلى الرّغم ممّا حل بالشراكسة فقد ظلّوا قوّة عسكرية يحسب حسابها لا سيما بعدما بدأ الحكم القلاووني يتدهور اقتصادياً وإدارياً في عهود أحفاد الناصر محمد (763ـ784هـ/ 1361ـ1382م): المنصور محمد والأشرف شعبان والمنصور علي والصالح حاجي ما أدّى إلى بروز «برقوق» الذي كان يعمل للوصول إلى السلطنة بحنكة وتروِّ، فتخلص أوّلاً من منافسيه وأحسن التملق إلى الناس، وراح يعمل على إضعاف نفوذ المماليك البحرية الأتراك الذين كانوا قد وصلوا في الشام إلى المناصب الكبرى سنة 782هـ/1380م.
ولم يلبث أن أصبح الخليفة العباسي وكبار رجال الدولة طوع يديه إلى أن انتهى به الأمر إلى خلع السلطان حاجي بن شعبان والحلول محله في السلطنة، فبدأت به دولة المماليك الثانية (البرجية) سنة 784هـ/ 1382م.
على أنّ الأمر لم يصفُ له أوّل الأمر، فقد استطاع الصالح حاجي بن شعبان أن يعود إلى السلطنة سنة 790هـ (1388م). ولكن برقوق عاد إليها بقوة الشراكسة (791ـ801/ 1389ـ1398م).
ظهور تيمورلنك([468])
في الوقت الذي كان فيه أمر برقوق قد انتظم، واستقرّت له الأمور في مصر ومعها بلاد الشام، كان ظهور تيمورلنك.
ووردت الأخبار إلى مصر بأنّ تيمورلنك أخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق إلى الشام، وجاءه في حلب قاصد من عند (ابن عثمان)، ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو (ابن عثمان) والظاهر برقوق يداً واحدة على دفع تيمورلنك، فأجابه الظاهر إلى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان، صاحب بسطام، وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله (ابن عثمان) فأجابه الظاهر إلى طلبه». وكان تيمورلنك قد كتب إلى الظاهر برقوق يطلب إليه تسهيل الحركة التجارية وإقامة علاقة بين البلدين، لكن سلطان المماليك استخف بتيمورلنك وَرَدَّ عليه بقتل رسله([469]) وقد دارت المراسلات التالية:
الرسالة الأولى منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف المؤرخ الفارسي شرف الدين علي يزيد (ج1: ص642ـ643) وهي باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان برقوق وتاريخها سنة 795هـ. ويبدو أنّها أوّل خطاب بعثه إلى السلطان برقوق يدعوه فيه إلى مراعاة حسن الجوار، وإقامة العلاقات الطيبة لتأمين طرق المواصلات والتجارة.
والثانية منقولة من المؤرخ المصري أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك«(صورة شمسية بدار الكتب المصرية رقم 464، ج4، ص237ـ238) وهي من تيمورلنك إلى السلطان برقوق ويرجع تاريخها إلى 796هـ وهي تختلف عن الأولى من حيث اللهجة والتطويل اللفظي، وتحتوي على تهديد بالحرب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق إذا هو لم يعلن طاعته له.
أمّا الثالثة فهي جواب السلطان برقوق على الكتاب الثاني من تيمورلنك وهي منقولة كذلك عن أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك«(صورة شمسية بدار الكتب المصرية، ج3، ص237ـص238) وتاريخها سنة 796هـ، وفي هذا الجواب حرص السلطان برقوق على الظهور بعدم الإكتراث لتهديدات تيمورلنك.
والرابعة باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان فرج بن برقوق وتاريخها 803هـ، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج4، ص267)، واشتملت على تهديد من تيمورلنك إلى السلطان فرج إذا هو لم يطلق أسيراً تترياً كبيراً من أسرة تيمورلنك، هو القائد أطلمش الذي وقع في يد السلطان برقوق سنة 795هـ.
وتشتمل الخامسة على تهديد ثان من تيمورلنك للسلطان فرج، ومطالبته بإعلان الطاعة، والدعاء له في خطبة الجمعة بالقاهرة. وهي مكتوبة بالفارسية، ومنقولة كذلك من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج2، ص315، ص316) وتاريخها سنة (803هـ) وهي خطاب جاف مختصر، ويبدو أنّ تيمورلنك أمر بكتابتها، وهو في الطريق إلى دمشق.
وتشتمل السادسة على جواب السلطان فرج على هذا الكتاب التيموري الجاف وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص317) وتاريخها سنة 803هـ، ويتضح منها استعداد السلطان فرج لإعلان الطاعة لتيمورلنك بشرط قيام تيمورلنك من جانبه بالاعتذار عمّا قام به من هجوم على دمشق.
والسابعة رسالة ثانية باللغة الفارسية من السلطان فرج إلى تيمورلنك، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص327)، وتاريخها سنة 803هـ، ويبدو أنّ السلطان فرج أمر بكتابتها وهو في داخل دمشق وتيمورلنك محيط بأسوارها، وفيها يؤكد السلطان فرج وعده السابق ويطلب وقف القتال.
والثامنة منقولة من مخطوط «كتاب روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء«(مكتبة جامعة القاهرة رقم 978 فا، ج6، ص246)، وهو من تأليف محمد بن خواندشاه ميرخواند، وهي بالفارسية كذلك، وتاريخها سنة 805هـ؛ وهي خطاب من تيمورلنك إلى السلطان فرج بعد انتصار تيمورلنك على السلطان بايزد العثماني في واقعة أنقرة، وفيها طلب تيمورلنك من السلطان فرج سك نقود مصر والشام باسمه والدعاء له في خطبة الجمعة.
ـ1ـ
كتاب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق سنة 795 هجرية (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج1، ص642ـ643).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لمّا كان بيت جنكيزخان في حروب مع أسلافكم السلاطين الذين ظلموا شعب الشام، وإن هذه الحروب أنهت بسلام اختلاف الرسل، عاد الأمن والتعاون بين الدولتين؛ غير أنّه منذ وفاة الإيلخان العظيم السعيد أبو سعيد بهادر لم يحكم في بلاد فارس حاكم من نسل جنكيزخان الذي نظم أمور الناس، ولكن على العكس قام حكام في كلّ الإمارات في هذه الإمبراطورية الكبيرة مكان ملوكها، وسببوا متاعب لا نهاية لها لشعوب هذه الإمبراطورية. أمّا وقد اختارنا الإله الواحد بفضل من عنده لإصلاح ما فسد، وأدان لسيفنا المظفر كل بلاد فارس والعراق العربي الذي تتاخم حدوده حدود بلادكم، فإنّ المحبة التي ندين بها لشعبنا تتطلب بحكم الجوار أن نتبادل الكتب، وأن يأتي الرسل، ويعودوا في يسر بين بلدينا، وأن ينتقل تجار البلدين في أمن حتى تنتعش البلاد، ويكثر السكان، ويعيشوا في سلام. ولهذا السبب أرسلنا رسولنا إليكم ضارعين إلى الله أن يكلأكم بعنايته إن سلكتم حسب هذا والسلام على من اتبع الهدى والحمدلله رب العالمين».
كتاب تيمورلنك (الكتاب الثاني) إلى السلطان برقوق في سنة 796هـ (المقريزي، أحمد بن علي: السلوك صور شمسية، ج3، ص237ـ238).
«قل اللهم مالك الملك»([470]) {قُل اللْهُم فَاطِرِ السمَواتِ وَالأرْض عَاِلمَ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُم بَينَ عَبادِكَ فِيمَا كانوا فِيْهِ يَختَلِفَونَ} [الزمر: 46]. اعلموا أنّا جند اللّه مخلوقون من سخطه، مسلطون على من حل عليه غضبه، لا نرق لشاك([471])، ولا نرحم باك([472])، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا، ومن جهتنا. فقد خربنا البلاد وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزمتها، فإن خيل ذلك على السامع وأشكل وقال إن فيه عليه مشكل([473])، فقل له:
{إِن الملُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزةَ أَهْلِهَا أَذِلة} [النمل: 34]، وذلك لكثرة عددنا وشدة بأسنا، فخيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وأسنتنا بوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال، وجيوشنا كعمد الرمال، ونحن أبطال، وأقيال، وملكنا لا يرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبداً بالسؤدد مقام، فمن سالمنا سلم، ومن رام حربنا ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جهل، وأنتم فإن أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وعلى بغيكم تماديتم فلا تلوموا([474]) إلا أنفسكم، فالحصون منا، مع تشييدها لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع ودعاؤكم علينا لا يستجاب فينا، ولا يسمع، وكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام، وضيعتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، وأعددتم لكم النار، وبئس المصير: {إن الذِيْنَ يأكلون أَمْوَالَ اليتامى ظُلماً إِنمَا يَأْكُلُون في بُطُونِهِمْ نَاراً وَسيصلون سعِيَراً «. فلما فعلتم ذلك وأوردتم أنفسكم موارد المهالك. وقد قتلتم العلماء، وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، وهذا واللّه هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون، وفي غد ينادي عليكم «فَالْيوَمَ تُجزون عَذَابَ الهَون بمَا كنتم تستَكْبِرُون في الأَرضِ بغَيْرِ الْحَق وَبمَا كُنتم تَفْسقُونَ} [الأحقاف: 20] فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي وَالعدوان، وقد غلب عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم واللّه الكفرة الفجرة. وقد سلطنا عليكم إلإله. له أمور مقدرة، وأحكام مدبرة، فعزيزكم عندنا ذليل، وكثيركم لدينا قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منها كل سفينة غصباً. وقد أوضحنا لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، وتضع أوزارها، وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: {هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]، ويسمعكم صارخ الغناء، بعد أن يهزكم هزاً، {هلْ تَحِس مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تسمع لَهُم رِكزا} [مريم: 98]. وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين، فتخالفوا كعادتكم سنن الماضين، وتعصوا رب العالمين، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِيْنِ} [النور: 54]، وقد أوضحنا لكم الكلام، فأرسلوا برد الجواب والسلام».
ـ3ـ
جواب السلطان برقوق على هذا الكتاب وتاريخه سنة 796هـ:
(المقريزي، أحمد بن علي: السلوك، صورة شمسية، ج3، ص238).
{قُل اللْهُم هَالِكَ المُلْكِ تؤتي الملك مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزَع الْمُلْك ممن تَشَاء، وتُعِز مَنْ تَشَاءُ، وَتُذل مَن تَشَاء} [آل عمران: 26]. حصل الوقوف على ألفاظكم الكفرية، ونزعاتكم الشيطانية، فكتابكم يخبرنا عن الحضرة الجنابية، وسيرة الكفرة الملائكية، وأنكم مخلوقون من سخط الله، ومسلطون على من حل عليه غضب الله، وأنكم لا ترقون لشاك، ولا ترحمون عسيرة باك، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم، فذاك أكبر عيوبكم، وهذه من صفات الشياطين، لا من صفات السلاطين، ويكفيكمِ هذه الشهادة الكافية وبما وصفتم به أنفسكم ناهية، {قُل يَا أيهَا الكافرون * لاَ أَعبدُ مَا تعبدون * وَلاَ أنتم عَابدون مَا أَعبد * وَلاَ أَنَا عَابد مَا عَبَدتُمْ * وَلاَ أنتم عَابدون مَا أَعبد* لكُمْ دِيْنُكُمْ وَليَ دِيْن} [الكافرون: 1ـ6]، ففي كل كتاب لعنتم، وعلى كل لسان كل مرسل نعيتم، وبكل قبيح وصفتم، وعندنا خبركم من حين خرجتم، إنكم كفرة، ألا لعنة اللّه على الكافرين، من تمسك بالأصول فلا يبالي بالفروع، نحن المؤمنون حقاً، لا يدخل علينا عيب ولا يضرنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو سبحانه بنا رحيم لم يزل، فتحققنا نزوله، وعلمنا ببركته تأويله. فالنار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]. ومن أعجب العجب تهديِد الرتوت([475]) بالتوت([476])، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع. نحن خيولنا برقية، وسهامنا عربية، وسيوفنا يمانية، وليوثنا مضرية، وأكفنا شديدة المضارب، وصفتنا مذكورة في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم البضاعة، وإن قتل منا أحد فبينه وبين الجنة ساعة، {وَلاَ تَحْسبَن الذِينَ قُتِلُوا في سبيلِ اللّه أَموَاتاً بَل أَحياء عِندَ رَبهم يرزقون * فَرحِينَ بمَا أتَاهُمُ اللّه مِنْ فَضله ويستبشرونَ بِالذِينَ لَمْ يَلحقُوا بِهم مِنْ خَلفِهِم، ألاّ خوْفٌ عَلَيْهم وَلاَ هُم يَحزَنُون * يستبشرون بنعمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَن اللّه لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المْؤْمِنِين} [آل عمران: 169ـ171]. وأما قولكم قلوبنا كالجبال، وَعمدنا كالرمال، فالقصَّاب لا يبالي بكثرة الغنم، وكثير الحطب يفنيه القليل من الضرم، {كَمْ مِنَ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيْرة بِإذنِ اللّهِ واللّه مَعَ الصابِرِين} [البقرة: 249]. الفرار الفرار من الرزايا وحلول البلايا. واعلموا أن هجوم المنية عندنا غاية الأمنية، وإن عشنا عشنا سعداء، وإن قتلنا قتلنا شهداء، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُوْنَ} [المائدة: 56]. أبعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين تطلبون منا طاعة. لا سمع لكم ولا طاعة، وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطاء، ففي نظمه تركيك، وفي سلكه تلبيك، لو كشف الغطاء لبان القصد بعد بيان، أكفر بعد إيمان. أم اتخذتم إلهاً ثان. وطلبتم من معلوم رأيكم أن نتبع ربكم، {لَقَدْ جئتمْ شَيئاً إِدا * تكادُ السمَوات يَتَفَطرْن مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الأَرْض وَتَخِرُّ الجبالُ هَدًّا} [مريم: 89ـ90]، قل لكَاتبك الذي وضع رسالته، ووصف مقالته: وصل كتابك كضرب رباب، أو كطنين ذباب. {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُوْلُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} [مريم: 79ـ80]، إن شاء اللّه تعالى [لقد خلطتم في الأمر في الذين أرسلتم]([477]) {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُون} [الشعراء: 227] والسلام.
ـ4ـ
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج كتبه من ملطية في شهر المحرم سنة 804هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص276).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد بدرت من والدك حركات مستهجنة من جملتها إهانة رسلنا دون سبب، وحبسه أطلمش الذي كان من رجال بلاطنا وعدم إرجاعه، ولما أسلم والدك وديعة الحياة فإن سؤاله وجزاءه قد أوكل إلى الباري يوم القيامة. وينبغي عليك أن ترحم نفسك وأهل مملكتك، وأن تعيد أطلمش إلينا حتى تنجي أهل مصر والشام من انتقام جيشنا الذي يتحرَّق إلى الثأر، وإذا سلكت غير هذا الطريق بدافع من وسوسة شيطان اللجاج وعناد الخلاف، فإن جميع تلك الديار والبلاد سوف تصير خراباً بمجرد مرور عساكرنا المنصورة وعبورها فيها، وسيكون وزر وبال دماء المسلمين وأموالهم في عنقك».
ـ5ـ
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج في جمادى الأولى سنة 803هـ حين تقدم تيمورلنك لحصار دمشق (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص315ـ316).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد علمت آثار حزمنا وعزمنا في الأمور، وعلو همتنا في تحصيل المطالب، وإتمام المقاصد والمآرب، وإن العقلاء ليعلمون أن تشبث الرجال بالأمور هو نزع من الغيرة والحميّة، سواء كان الرجال ملوكاً أو من أفراد الشعب، وإن الهدف الأصلي للملوك من قيادة الجيوش وفتح الممالك مع كل هذا الرعب والخطر هو رعاية شريعة الله في الحال وبقاء الذكر الجميل في المآل، وليس هو جمع المال وتكثير المنال.
إن أهم الأعمال في الدنيا رعاية الناموس الإلهي وإبقاء الذكر الطيب كمنهاج السالكين، وإلا فإن المرء يكفيه نصف رغيف من الخبز.
وقد طلبت أطلمش مرات، ولكنكم لم ترسلوه وتعللتم بعلل واهية لتأخير إرساله، حتى ثارت فينا النخوة لنسير إلى بلادكم، وننزل أنواع الخراب والدمار بالناس والأحوال في ديارك.
«إذا نطق الصخر، فسيجيب بأن شجرة الخطأ لا تعطي ثمراً».
وبرغم هذا كله فإنك إذا أرسلت أطلمش وزينت السكة والخطبة باسمنا وألقابنا، وطويت بساط النزاع بيننا، ورحمت نفسك وأهل ديارك، لانتهى كل شيء، وإلا فإن جيشنا الجرار المتعطش إلى إحتساء الدماء سوف يعصف بالمخالفين، ويقهر المعاندين، ويستولي على الديار ويقتلع الرسم المعهود ويبلغ غاية المقصود. «هناك طريقان طريق المداراة وطريق اللجاج».
«الأوّل يؤدي إلى الأمن والثاني إلى الحرب».
«وقد أظهر لك العقل فانتصح».
«واختر طريقاً من الطريقين»».
ـ6ـ
جواب السلطان فرج على كتاب تيمورلنك السابق وتاريخه جمادى الأولى سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص317).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«نحن عبيد في مقام الطاعة والانقياد. وسنرسل أطلمش في خلال خمسة أيام. فإذا تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا فإنّنا لن نهمل أو نقصر في أداء وظائفنا وإطاعة الأوامر، وإظهار الخضوع وسنفعل كلّ ما في مكنتنا ومقدورنا لإرضاء خاطركم الشريف ومشاعركم السلطانية».
ـ7ـ
كتاب من السلطان فرج إلى تيمورلنك كتبه من دمشق وقت حصار تيمورلنك لها وتاريخه جمادى الأولى 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص327).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«إن ما حدث أمس كان من قبل بعض الغوغاء دون رغبة منا، إذ أن جمعاً من الجهَّال والأوباش قد تجرؤوا عن جهل للهجوم، فلقوا جزاءهم، ونحن باقون على العهد الذي عرضناه، فإذا أوقف الجيش القتال اليوم، فإننا سوف ننفذ غداً كل ما تأمرون به، ونقوم بتقديم العذر عن التقصيرات السابقة حسب المقدور».
ـ8ـ
كتاب من تيمورلنك بعد واقعة أنقرة إلى السلطان فرج وتاريخه 805هـ (مير خواند: روضة الصفا، ج6، ص246).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«أصبح ملك جميع بلاد الروم بنصرة الله وعناية السلطان تحت حكم أتباعنا فينبغي أن تزين سكة بلاد الشام ومصر وخطبتها باسمنا ولقبنا العظيم. وأن تطلقوا سراح أطلمش في الحال، وترسلوه إلى بلاطنا الذي هو ملجأ للعالم وإذا تغافلتم في هذا الأمر أدنى تغافل فتيقنوا أن راياتنا المظفرة ستتجه بعد عودتها من بلاد الروم إلى مصر وترفرف على ربوعها وقد قلت كل ما في نفسي وأنت تعرف ما بعد ذلك وقد أعذر من أنذر». اهـ.
تعليق لنا
ونقول تعليقاً على الاستهانة من تيمورلنك بالإقرار بأنّهم لا يقرّون لشاك ولا يرحمون عبرة باك، وأنّهم قد نزع الله الرحمة من قلوبهم، وبأنّهم خربوا البلاد ويتّموا الأولاد وأظهروا في الأرض الفساد. والتباهي بهذا، نقول: يدلك هذا على الحال التي وصل إليها حكام المسلمين، والصحيح أن نقول الحال التي استمر عليها أولئك الحكام منذ العام الهجري 41 حتّى العام 796 وما بعده، أي منذ صدور الأوامر إلى بسر بن أرطأة وسفيان بن عوف بالقتل العام والنهب العام في الأنبار والحجاز واليمن، واستمرار ذلك حتّى عهد تيمورلنك. والفرق بين من سبق تيمور منذ العام 41هـ حتّى العام 796 أنّ هذا لم ينافق كما نافق من سبقه ولم يدّع ما ليس فيه، بل كان صريحاً واضحاً معلناً حقيقة نفسه!
صحيح أنّ هذا الذي يعلنه تيمور إنّما يراد به التهديد والوعيد، ولكن الصحيح أنّ التباهي به شيء فظيع، والذي يتفق فيه الطغاة منذ العام 41هـ حتّى العام 796 وما بعده أنّهم جميعهم يقولون إنّهم جند الله.
ثمّ إنّا نفهم من مجرى الأحداث ـ كما قلنا من قبل ـ أنّ تيمور لم يكن البادئ بالشر، ولنا أن نقول: إنّه لم يكن في ذهنه غزو بلاد الشام لولا قتل برقوق لرسله، وأنّ المسؤول عن ذلك الغزو وما جرَّه على بلاد الشام من الولايات هو الظاهر برقوق بخروجه على أبسط قواعد الأعراف الإنسانية العالمية، من أنّ الرسل لا تقتل.
رجوع تيمور
وقد كان الظاهر برقوق قد استعد للقاء تيمور، فعن تاريخ ابن أياس أنّه في سنة 789هـ/1387م، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير طغاي، وكان قد توجه إلى بلاد الشرق لمعرفة أخبار تيمورلنك، فأخبر السلطان أنّ جاليش (أعلام) تيمور قد وصل إلى الرها وكسر قرا محمد أمير التركمان، وأنّ بوادر عسكره قد وصلت إلى ملطية، فأمر السلطان بعقد مجلس بالقصر الكبير، وطلب القضاة الأربعة والخليفة وشيخ الإسلام عمر البلقيني وأعيان المشايخ المفتين والأمراء، فتكلم السلطان في أخذ مال الأوقاف، فلم يوافق شيخ الإسلام ولا القضاة الأربعة على ذلك، فشكا السلطان خلو الخزائن، فوقع جدال عظيم ودافعوا السلطان وأغلظوا له، ثمّ اتفقوا على أن يؤخذ من الأوقاف أجرة الأماكن وخراج الأراضي سنة كاملة، ورسم السلطان لمحتسب القاهرة أن يتولى جبي الأموال من الناس، ورسم بأخذ زكاة الأموال من التجار، وندب إلى ذلك القاضي الحنفي. وفي رجب سنة 789هـ/ 1387م، خرجت التجريدة من القاهرة في تحمل زائد، واستمرت من الصبح إلى قريب الظهر. واشتد الأمر على الناس، وجبيت الأموال منهم غصباً بالعصا في يوم واحد ثمّ جاءت الأخبار برجوع تيمور إلى بلاده وأنّ ولده قتل فسكن الناس ورسم السلطان برد ما أخذ منهم.
وفي هذا النص الذي أخذناه بكامله عدّة أمور تلفت النظر:
1 ـ إنّ الخليفة يدعى كسائر الناس إلى المؤتمر الذي عقده برقوق، ثمّ لا يكون له رأي في كلّ ما يجري، فقد لزم الصمت وترك الآخرين يتجادلون ويقررون.
2 ـ وجود منصب ديني كبير يسمّى من يتقلَّده «شيخ الإسلام». وعلى هذا فليس الأتراك العثمانيون هم الذين أوجدوا هذا المنصب في عهدهم، بل سبقهم إليه المماليك. وإذا كنّا قد عرفنا صلاحية شيخ الإسلام العثماني فإنّنا نجهل صلاحية شيخ الإسلام المملوكي.
3 ـ استقلال رأي شيخ الإسلام وآراء القضاة الأربعة وشجاعتهم في الوقوف بوجه السلطان، ومنعه من الاستيلاء على الوقف، في حين أنّ الخليفة لم يبد ولم يعد في هذا الأمر وسلم به.
ولم يكتفِ شيخ الإسلام والقضاة الأربعة بمعارضة السلطان بل دافعوه وأغلظوا له، بنص ابن أياس.
4 ـ غربة الشعب عن هذا كلّه، فالناس يرون أنّه تُطلب منهم الأموال لتغذية حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل إنّ السلطان أوقعهم فيها بطغيانه حين قتل رسل تيمورلنك، وكانوا في غنى عن ذلك لهذا تمرَّدوا على دفع الأموال، ولم تُجْبَ منهم إلاّ بالعصا.
أمّا رجوع تيمور عن قصد برقوق بعد أن كان متوجهاً إليه، فقد ذكر ابن عربشاه سببه كما يلي: في 7 ذي القعدة سنة 796هـ/ 1393م، رحل تيمور واستصحب معه الملك الظاهر صاحب ماردين وحبسه في مدينة (سلطانية) وحبس معه من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واستنبوغا وضياء الدين وضيق عليه ومنعه من مكاتبة أهله بحيث بقي سنة لا يُعرف له خبر. ثمّ وفدت الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه، وأذنت له بمراسلة أهله ونصحته بالدخول في طاعة تيمور. قال: وكان سبب خروج تيمور أنّه بلغه أنّ فيروز شاه سلطان الهند قد توفي وليس له ولد، وأحوال بلاد الهند مضطربة، فرأى أنّ توجهه إلى بلاد الهند والاستيلاء عليها أولى من مجيئه إلى الديار المصرية فكرَّ راجعاً إلى بلاد الهند واستولى عليها. ولمّا بلغ برقوق رجوع تيمور إلى بلاده رجع هو إلى مصر. اهـ.
على أنّ رجوع تيمور عن قصد بلاد الشام كان رجوعاً موقّتاً، فهو لا يمكن أن ينسى الإهانة التي لحقته بقتل برقوق لرسله وما وجهه إليه من شتائم في رسالته.
إنّه في الأصل لم يكن ينوي غزو بلاد الشام التي كانت تابعة لحكم برقوق في مصر، بل على العكس من ذلك، تودد إليه في أوّل الأمر وراسله مراسلة تحمل طابع التآلف كما رأينا في ما تقدم من القول.
استقرار تيمور
عندما قصد تيمور بغداد هرب السلطان أحمد بن أويس، المتغلِّب عليها، إلى الشام؛ وذلك في شهر شوال من سنة 795هـ. ووصلها تيمور في 21 منه، ثمّ خرج منها قاصداً ديار بكر وأذربيجان وتساقطت بعد ذلك عدّة مدن في يده.
وسار أحمد بن أويس إلى الرحبة فحلب، فلمّا بلغ الظاهر برقوق ـ وهو في مصر ـ خبره أرسل إليه الإقامات ووجه إليه من يستقبله من الأمراء، وذلك كرهاً بتيمور.
ووصل إلى برقوق رسول السلطان بايزيد العثماني حاملاً له هدايا عظيمة، وأخبره بأمر تيمور وحذّره من الغفلة في أمره. فأوعز برقوق إلى والي القاهرة بالنداء للعكسر بالعرض في الميدان، وتكرّرت المناداة ثلاثة أيام بأن لا يتأخر عن العرض كبير ولا صغير([478]).
وكان تيمور قد استولى على ديار بكر والرها، وأرسل إلى القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس وقيصرية وتوقات، أن يخطب باسم محمد خان بن (سيور غاتمش خان) واسم تيمور ويضرب السكة باسمه، فلم يجبه القاضي بشيء، بل قتل بعض رسله وقطع رؤوسهم وعلقها في أعناق من بقي منهم وشهرهم وأرسل قسماً منهم إلى الظاهر برقوق وقسماً إلى السلطان بايزيد العثماني، فأرسل إليه بايزيد يشكره على ذلك.
فلما بلغ تيمور ما جرى على رسله غضب غضباً شديداً.
ثمّ وصل أحمد بن أويس إلى مصر في ربيع الأوّل سنة 786هـ مستصرخاً الظاهر برقوق، فنادى برقوق في عسكره بالتجهيز إلى الشام([479]) واستخلف على القاهرة النائب سردون، وارتحل على تعبئة، ومعه أحمد بن أويس، ودخل دمشق آخر جمادى الأولى، وكان قد أوعز إلى جلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستنفار العرب والتركمان للإقامة هناك رصداً للعدو، فلمّا وصل دمشق وفد عليه جلبان ثمّ رجع، وبعث برقوق العساكر مدداً له.
وكان تيمور قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها شهراً وملكها، وامتنعت عليه قلعتها فارتحل إلى ناحية بلاد الروم ومَرَّ بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها. وبرقوق لهذا العهد ـ وهو شعبان سنة 796هـ/ 1393م ـ مقيم في دمشق. ويقول ابن إياس: إن برقوق وصل دمشق مع القان أحمد بن أويس يوم الاثنين 12 ربيع الآخر فنزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان، ثمّ توجه إلى حلب، فحضر إليه قصاد من السلطان بايزيد بن عثمان بأن يكون هو (بايزيد) وبرقوق يداً واحدة على دفع تيمور. ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام بمثل ذلك فأجابهما بالقبول، وبلغه وهو بحلب أنّ جاليش عسكر تيمور قد وصل البيرة.
نظرة في هذه الأحداث
نرى، في ما سبق عرضه، أنّه إذا كان تيمور قد فعل ما فعل من القتل في بلاد الشام، فإنّ القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس، قد سبقه إلى ذلك وجرّأه عليه وأوجد له المسوِّغ.
فهذا القاضي الحاكم الذي يستحل قتل الرسل، ثمّ يعلق رؤوس مَن قتلهم في أعناق من لم يقتلهم ويشهرهم ويرسل بعضهم بهذه الحالة إلى برقوق، وبعضهم إلى السلطان العثماني، هو نظير لتيمور في ارتكاب الفظائع، ومتفوق عليه في سفك الدماء، ومشجِّع له على المجازر، وقد أوجد له الأعذار في هذا.
والسلطان العثماني والسلطان المملوكي، اللذان سَرَّهما هذا العمل وأرضاهما، هما شريكان في تشجيع المجازر البشرية الجماعية!
فعلينا ألا نصم تيمور وحده، بل أن نصم هذين الحاكمين ـ والحاكم الآخر الذي سيأتي ذكره ـ اللذين هلّلا للمجزرة وأن نوجه الوصمة الكبرى إلى القاضي الحاكم برهان الدين بأشد مما نوجهها إلى تيمور، لأنّ تيمور، في ما فعل، منتقم لرسله القتلى وغير مبتدئ بالقتل.
ولم يكن القاضي برهان الدين وحده هو الذي قتل رسل تيمور بل إنّ «برقوق»، وهو الآخر فعل الأمر نفسه ـ كما تقدّم ـ وكذلك فعله دمرداش نائب حلب (واليها)، ما أثار غضب تيمور ونقمته وجعله يصمم على غزو بلاد الشام.
ولم يخجل هذا الذي لقّب نفسه باللقب الديني العظيم: برهان الدين، وهو يحمل هذا اللقب، من أن يدنس الدين الذي جعل من نفسه برهانه بسفك دماء الأبرياء وتعليق رؤوس القتلى على صدور الأحياء والطواف بهم من بلد إلى بلد.
عوامل أخرى
وهناك عوامل أخرى حفزت تيمور على غزو بلاد الشام، ومنها ما أشار إليه ابن حجر في ما حكي أنّه ذكر في حوادث سنة 798هـ أنّ «اطلمش»، قريب تيمور، قبض عليه قرا يوسف التركماني، صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر برقوق فاعتقله. وقال في حوادث سنة 799هـ: «وصلت كتب من تيمور فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه اطلمش الذي أرسله قرايوس. فأمر السلطان برقوق أن يكتب أطلمش إلى قريبه كتاباً يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية. وأرسل برقوق ذلك مع جوابه، ومضمون الجواب: إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام».
هذا رأي «ابن حجر»، ولكن يظهر، من غير ابن حجر، أنّ تيمور كان غاضباً على أطلمش وأنّه طلبه ليعاقبه. ويروي صاحب كتاب «عجائب المقدور» قصة قتل رسل تيمور مع روايته قصة «أطلمش»، كما يروي ذلك صاحب «البدر الطالع» قائلاً:
أرسل تيمور، وهو في «عينتاب»، رسولاً إلى النواب في حلب طلب فيه منهم أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا إليه «أطلمش»، زوج بنت أخت تيمور الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر، فلم يُجَب إلى شيء ممّا طلبه وقتل سودون نائب دمشق الذي كان يومئذ موجوداً في حلب، مع بقية نواب البلاد الشامية، رسول تيمور قبل أن يسمع كلامه وضرب رأسه على رؤوس الأشهاد.
وعن ابن حجر أنّ الكتاب كان إلى نائب حلب وأنّه قال فيه: «إنا وصلنا في الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته (يعني الظاهر برقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجهنا إليهم، فأظفرنا الله تعالى بهم ثم رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه ـ وكان عمر بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين ـ فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمكم أن يرسلوا قريبنا أطلمش، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقكم والسلام».
فأمر نائب حلب يضرب أعناق رسل تيمور. فلمّا علم تيمور أنّ رسله قُتِلت زحف من عينتاب على حلب، ثم بعد ذلك إلى دمشق، فجرى فيها ما جرى من أهوال الحريق والقتل والنهب…
وأقام في دمشق ثمانين يوماً، ثمّ غادرها عائداً إلى بلاده. وبذلك يتأكد أنّ غرضه كان الانتقام لقتل رسله لا فتح البلاد وحكمها.
ونحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون نائب دمشق ودمرداش نائب حلب، هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان من قبل متردداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم، كما مرّ.
ومن اللافت للنظر أنّ ابن الشحنة يروي ما يلي: إنّه وجد منقوشاً على رخامة بالجامع النووي بحماه ما خلاصته: «سبب نقش هذا أنّ الله تعالى يسَّر لنا فتح البلاد والممالك حتّى انتهينا إلى بغداد، فأرسلنا قصادنا إلى ملك مصر بأنواع التحف والهدايا، وكان قصدنا أن تتأكد الصداقة بيننا فقتل قصادنا من غير موجب، ثمّ قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلوهم إلى سلطان مصر برقوق فسجنهم وضيَّق عليهم فلزم من هذا أنّا توجهنا لاستخلاص متعلقينا من أيدي مخالفينا واتفق لذلك نزولنا بحماه في العشرين من ربيع الآخر سنة 803» (1400) (انتهى).
ونرى أنّ تيمورلنك الذي لم يكن لديه من وسائل الإعلام في ذلك الوقت ما يجعله يظهر عذره للرأي العام في غزو بلاد الشام، ويسوِّغ فعل ما فعل سوى رخامة في مسجد تقصده الجماهير في كلّ يوم جمعة، فتقرأ وتطلع وتذيع بين الناس ما قرأت وطالعت.
وقد أبان، في بيانه هذا، أنّه قصد أوّل الأمر مصادقة برقوق والتحبّب إليه، فأرسل رسله حاملين أنفس الهدايا مُعربين عن عواطف الصداقة ومشاعر المحبة، ولكن برقوق قابل ذلك بقتل الرسل الذين تحرم قتلهم جميع شرائع العالم وأعرافه.
ثمّ إنّ برقوق رفض إطلاق أقرباء تيمورلنك الذين قبض عليهم التركمان وأرسلوهم إليه، بل ضيَّق عليهم وسجنهم.
ثمّ يعلن تيمورلنك، في ختام بلاغه، أنّه إنّما قدم إلى بلاد الشام لتخليص أقربائه. ولكن لماذا اختار حماه لتكون المكان الذي ينقش على جدار مسجده الجامع بلاغه هذا؟ الذي يلوح لنا أنّ هذا الاختيار إنّما كان لأنّ مدينة حماه يتوسط موقعها بلاد الشام، وهو موقع تتقاطع فيه طرق الذاهبين إلى جميع جهات بلاد الشام.
عودة تيمورلنك
إلى بلاد الشام
لم يقدّر لتيمور أن يلقى غريمه برقوق في ميدان القتال، فبينما كان تيمور في الهند توفي الملك الظاهر برقوق، وذلك في 15 شوال سنة 801هـ/ 1398م، وأقيم مكانه ولده فرج وعمره عشر سنين ولقب بالملك الناصر.
وبعد أن استتب الأمر لتيمور في الهند غادرها سنة 802هـ مخلفاً فيها نائباً عنه، بعد أن أقام فيها نحواً من سنتين، فعبر نهر جيحون إلى خراسان واجتازها إلى أذربيجان واصلاً إلى مدينة تفليس مستولياً على بلاد الكرج (جورجيا).
وفي 8 رجب سنة 802هـ كان في بغداد ومنها اتجه إلى بلاد الشام فاتحاً ما في طريقه من بلاد حتّى كان في عينتاب التي حاصرها ثلاثاً وعشرين ليلة ثمّ أخذها، ومنها أرسل إلى النواب في حلب كتاباً طلب فيه أن يطيعوا أمره ويكفوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا (أطلمش) الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر. وممّا جاء في الكتاب:
«إنا وصلنا في الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته (يعني الظاهر برقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجهنا إليهم، فأظفرنا الله تعالى بهم ثم رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه([480]) فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمهم أن يرسلوا قريبنا (أطلمش)، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم. والسلام».
فأمر نائب حلب([481]) بضرب أعناق رسل تيمور. وعمد إلى تحصين سور حلب بالمدافع والمكاحل والمقاتلة.
فلمّا بلغ تيمور قتل رسله زحف من عينتاب إلى حلب فوصلها في سبعة أيام ونزل بحيلان، قرية من قرى حلب، ثمّ وصل في 9 ربيع الأوّل سنة 803هـ إلى حلب وحاصرها. وكان نائبها دمرداش، وقد حضرت إليه عساكر البلاد الشامية للدفاع عن حلب: عسكر دمشق مع نائبها سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها السيفي، وعسكر حماه مع نائبها دقماق، وعسكر صفد مع نائبها الطنبغا، وعسكر غزة مع نائبها عمر بن الطحان.
وعندما بلغ هؤلاء النواب وصول تيمور إلى عينتاب عقدوا فيما بينهم مؤتمراً عسكرياً لتقرير خطة الدفاع عن حلب. فرأى بعضهم تحصين المدينة وأن يكونوا على الأسوار، فردّ آخرون بأن هذا من آمارة العجز، والرأي أن نكون حول البلد فإنه أفسح للمجال. فقال نائب طرابلس ـ وكان ذا رأي سديد ـ: إنّ عدد العدو كثير، ولكنّه أعمى لأنّه غريب عن البلاد والرأي أن نحصن المدينة ونكون خارجها في جانب واحد ونحفر حولنا خندقاً ونكتب إلى الأعراب والاكراد والتركمان فيتسلطوا على العدو بالقتل والنهب، فإن أقام ففي شر مقام، وإن رجع فهو ما نريد. فقال دمرداش: الرأي أن نناجزه ولا نطاوله، وإن لم نناجزه أنس منّا الوهن. وأخذ يحرضهم على ذلك، وممّا قاله: إنّا إذا كسرناهم فهو المرام وكفينا عسكر مصر المؤونة، وإن كسرونا نكون قد بذلنا المجهود.
ولم يزل يحسّن لهم هذا الرأي الفاسد حتّى أجمعوا عليه لأنّه كان صاحب البلد. على أنّ هناك من يرى أنّه كان موافقاً لتيمور، وأنّه أتى بهذا الرأي الفاسد تسهيلاً للأمر على تيمور.
إنّ المؤتمر العسكري الذي عقده النواب كان يمثل الجيوش الشامية فقط، وهنا نفتقد الجيش المصري وممثليه، فتيمور كان يقصد أول ما يقصد الانتقام من قاتل رسله الأول: الظاهر برقوق صاحب مصر الذي يتبعه نواب البلاد الشامية، والشام ليست المقصد الأساس لتيمور، بل هي طريقه إلى مصر. وإذا كان الظاهر برقوق قد مات فقد بقي ابنه وأصحابه. وهذا يعرفه المصريون، فلماذا لم يكن جيشهم مشتركاً في الدفاع عن حلب التي هي باب الشام الذي يلجون منه للانتقام؟!
ليس لنا هنا أن نحكم بشيء وبيننا وبين تلك الأحداث ما بيننا من الأزمان، على أنّ الجيش المصري حضر بعد ذلك للدفاع عن دمشق.
في حلب
قام جيش الدفاع بتحصين حلب وإيصاد أبوابها. ووكلوا بكل محلة أهلها وفتحوا البابين المقابلين للجهة التي نزل فيها تيمور: باب النصر وباب القناة.
وفي يوم وصول تيمور وهو يوم الخميس 9 ربيع الأوّل سنة 803 برز من عسكره ألفا رجل، فبرز إليهم من العساكر الشامية ثلاثمئة فاستطاعوا هزيمة الألفين. وفي اليوم الثاني برز من العسكر التيموري نحو خمسة آلاف فتقدمت إليهم طائفة من العسكر الشامي، فاقتتلوا حتّى المساء ثمّ افترقوا.
وفي يوم السبت 11 ربيع الأوّل ركب تيمور في عساكره وكان قد عبأها تحت جنح الليل، وأمامه الفيلة التي قيل إنّ عددها كان ثمانمئة وثلاثين فيلاً.
وكان دمرداش على ميمنة العساكر الشامية، فانهزم بالميمنة، فعند ذلك عمّت الهزيمة ومن هنا اتهم دمرداش بالمخامرة.
ويصف أحد المؤرخين ما جرى قائلاً: وفر الباقون وجعلوا يلقون بأنفسهم من الأسوار والخنادق والتتار في إثرهم يقتلونهم ويأسرونهم، فقصدوا المدينة من الأبواب المفتوحة وازدحموا عندها والسيوف تأخذهم حتّى سدّت الأبواب بالقتلى ولم يتمكن الكثيرون من الدخول. وصعد النواب إلى القلعة وتحصنوا فيها.
وهكذا حرمت المدينة العربية الباسلة من دفاع مشرف، ودخل تيمور حلباً بالسيف، واستمر القتل والأسر والإحراق إلى يوم الثلاثاء.
أمّا أولئك القواد أصحاب هذا الهوان فكلّ ما فعلوه أن نزلوا وفي أعناقهم مناديل، وتوجهوا إلى تيمور يطلبون الأمان.
وهنا يختلف المؤرخون في مصيرهم: فابن أياس يقول: إنّ تيمور خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجاناً مذهبة وقال لهم: أنتم صرتم نوابي.
أمّا ابن عرب شاه فيقول إنّه قبض على سودون ونواب طرابلس وصفد وغزة وقيدهم، وخلع على دمرداش فقط مكافأة له على مخامرته. ولكن ما حدث بعد ذلك.. دمرداش ينفي ذلك.
ثم أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة.
حوار تيمور مع العلماء
وفي يوم الأربعاء صعد إلى القلعة وجلس في أبوابها، وطلب العلماء والقضاة فجاؤوا إليه فأذن لهم بالجلوس، ومنهم: أبن الشحنة صاحب تاريخ روض المناظر والقاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي والقاضي علم الدين القنصي المالكي.
وكان يصحبه من العلماء عبد الجبار بن نعمان الدين الحنفي فقال له: قل لهم إنّي سائلكم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهرات وسائر البلاد التي افتتحتها ولم يوضحوا الجواب فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلاّ أعلمكم، وليعرف ما يتكلم، فإنّي خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وإلفة، ولي في طلب العلم طلب قديم.
قال ابن الشحنة: فأشاروا إليّ، فقال لي عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنّه بالأمس قتل منا ومنكم، فمن الشهيد: قتيلنا أم قتيلكم؟
فقلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به.
فقال عبد الجبار ـ يسخر من كلامي ـ: كيف سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكيف أجاب؟!
فقالت: جاء أعرابي إليه فقال يا رسول الله إنّ الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه، فأينا في سبيل الله؟
فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. ومن قاتل منّا ومنكم لإعلاء كلمة الله فهو الشهيد.
فاستحسن تيمور هذا الجواب. وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت…
وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منّا، فطمع كلّ من الفقهاء الحاضرين وجعل يبادر إلى الجواب ويظن أنّه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول: وكان آخر ما سأل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد؟ قال ابن الشحنة فأسر إلى القاضي شرف الدين أن أعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي، فأسرع ابن القفصي فقال: إنّ علياً اجتهد فأصاب فله أجران وإنّ معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فغضب لذلك غضباً شديداً وقال: علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزيديون قتلوا الحسين، فأخذت في ملاطفته.
وفي البدر الطالع: كان آخر ما سألهم عنه ما تقولون في معاوية ويزيد هل يجوز لعنهما؟ فقال شرف الدين الأنصاري الشافعي إنّ معاوية لا يجوز لعنه لأنّه صحابي فقال تيمور: ما حد الصحابي؟ فقال شرف الدين: أنّه كل من رأى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال تيمور: فاليهود والنصارى رأوه فقال: أنّ ذلك بشرط أن يكون الرائي مسلماً، وقال شرف الدين أيضاً: أنّه رأى في حاشية على بعض الكتب أنّه يجوز لعن يزيد، فتغيظ لذلك. قال صاحب البدر الطالع: ولا عتب عليه إذا تغيظ فالتعويل في مثل هذا الموقف العظيم في ذلك الأمر ـ الذي مما زالت المراجعة به بين أهل العلم في قديم الزمان وحديثه ـ على حاشية وجدها على بعض الكتب ممّا يوجب الغيظ، سواء كان محقاً أو مبطلاً (انتهى) قال ابن الشحنة: ثمّ طلبني ورفيقي القاضي شرف الدين وأعاد السؤال عن علي ومعاوية فقلت له: لا شك أن الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء فإنّه صح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمّت بعلي. فقال تيمور: قل علي على الحق ومعاوية ظالم، قلت: قال صاحب الهداية يجوز تقلد القضاء من ولاة الجور فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وانفتح باب المؤانسة. وقال تيمور: إنّني رجل نصف آدمي وقد أخذت بلاد كذا وكذا وعدد ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر، فقلت اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة ولا تقتل أحداً.
فقال: والله إنّي لم أقتل أحداً قصداً، وإنّما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب والله لا أقتل منكم أحداً وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.
قال ابن الشحنة: وسألني تيمور عن عمري فقلت: موليد سنة 749 وقد بلغت الآن 54 سنة وقال للقاضي شرف الدين: كم عمرك؟ قال أنا أكبر منه بسنة.
قال تيمور: أنتم في عمر أولادي، أنا عمري 75 سنة.
هذه عجائب الدهر!. هذا الفاتح الذي استحل أن ينتقم لقتل رسله بتلك المذابح، لا يشغله التفكير بما سال على يديه من دماء، بل يشغله التساؤل عن مصير أولئك الضحايا، أهم شهداء يدخلون الجنة؟ أم أنّ قاتليهم هم الشهداء الذين يدخلونها!!.
هذا الذي لم يهتم بمصير الناس في الدنيا، يهتم بمصيرهم في الآخرة!…
وهذا الذي لا يرى أنّ المجازر والإحراق والنهب ممّا يغضب الله، يرى أنّ ترك الصلاة هو وحده الذي يغضب الله!.
يتمم ابن الشحنة كلامه السابق قائلاً:
وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمّنا عبد الجبار، وصلّى تيمور إلى جانبي قائماً يركع ويسجد، ثمّ تفرّقنا. ويقول ابن الشحنة: وأوصى بي وبالقاضي شرف الدين.
التوجه إلى دمشق
وأقام تيمور بحلب إلى آخر ربيع الأوّل سنة 803، وفي أوّل يوم ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد للتوجه إلى دمشق. وفي اليوم الثاني أرسل بطلب علماء البلد.
يقول ابن الشحنة: فرحنا إليه، فقيل لنا: إنّه يريد أن يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله، فقلت: هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء!.
وفي الثالث من ربيع الأوّل سار متوجهاً إلى دمشق، وحمل خبر هذا التوجه إليها كلّ من استنبوغا الدوادار، والفتح المدعو بعبد القصار، فخوفا أهل دمشق وحذراهم ونصحاهم بالفرار من دمشق. فاضطرب الناس وتشتت آراؤهم، فبعضهم قبل النصيحة وهرب إلى القدس أو مصر، وبعض اتهمهما وأراد قتلهما، وبعضهم بقي في البلد واستعد للقتال.
والتهمة التي وجهت للرجلين هي ـ فيما يبدو ـ أنّهما إنّما قدما دمشق للتخذيل وإضعاف المعنويات وبث الانهزامية النفسية. وسنرى بعد هذا ما جرى في دمشق.
وبينما الناس في هذا إذا بلغهم أنّ ملك مصر الناصر فرج خرج من مصر بالعساكر لقتال تيمور. ولمّا كان الناصر لا يزال صغير السن فقد صحبه كافله وأتابكه (باش بيك). فكان لهذا الخبر أثره في تطمين الناس، فعاد كثير ممّن كانوا قد خرجوا.
ومضى تيمور حتّى بلغ حماه، وتابع سيره حتّى حمص، وفي الطريق مرض نائب الشام الذي معه ومات، وهب نائب طرابلس فغضب وقتل الموكلين بحفظه. أمّا دمرداش المتهم بالمخامرة والذي كان مع غيره من النواب فقد هرب هو الآخر. وبقي في أسره علاء الدين الطنبغا نائب صفد وزين الدين نائب غزة وغيرهما. واستولى في طريقه على بعلبك ومضى عنها حتّى أشرف على دمشق من جهة قبة السيار. وكان الجيش المصري قد وصل إلى قبة يلبغا عاشر ربيع الآخر سنة 803هـ (1400م) ثمّ دخل دمشق ونزل في دورها.
أمّا الجيش التيموري فتقدّم حتّى نزل غربي دمشق وحدّد أحد المؤرخين مواقعه فقال: غربي دمشق من داريا والخولة. ونقل مؤرخ آخر هذا القول وعلق عليه قائلاً: «الذي في النسخة بالخاء المعجمة، ولا يوجد ما يسمّى الخولة، فالظاهر أنّ صوابه الحولة بالمبهمة، وهو اسم لناحيتين أحدهما بين حمص وطرابلس والأخرى بين بانياس وصور. ثمّ يقول: على أنّ وصول عساكر تيمور إلى حولة بانياس أو حولة حمص مستبعد فإنّها على كثرتها ينبغي أن تنزل فيما يقرب من دمشق وما يجاورها والله أعلم.
الدفاع عن دمشق
يقول ابن تغري بردي: لمّا قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو، فأخذوا في ذلك، فقدم عليهم المنهزمون من حماه فعظم خوف أهلها وهمّوا بالجلاء فمنعوا من ذلك، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كان خرج منها.
وحصنت دمشق ونصبت المكاحل على أسوار المدينة واستعدوا للقتال.
ثمّ نزل تيمور بعساكره على قطنا فملأت عساكره الأرض كثرة. وهنا أراد استطلاع أحوال الدفاع فأرسل من يستكشف له حقيقة الحال، فعادوا إليه مخبرين بأنّ الناس متهيئين للقتال.
وبعض المؤرخين يتوسع في تحديد المنطقة التي انتشر فيها الجيش التيموري فيجعلها هكذا: نزل عند سفح جبل الثلج (جبل الشيخ) أي غربي دمشق وفي قطنا وإقليم البلان ميسلون.
أمّا الجيش المصري فقد حفر الخنادق وحصن القلعة، وبعد أن كانت جنوده داخل دمشق صدرت إليه الأوامر بالخروج إلى ظاهر البلد، منظمة إليه عساكر دمشق، وبذلك بدأت المناوشة بين الجيشين. ويقول ابن تغري بردي: وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التيمورية وصدموهم صدمة هائلة، فعاد الأمر بين كرّ وفرّ، فكانت وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران. وحمل تيمور بنفسه حملة عظيمة شديدة فدفعته ميمنة السلطان حتّى أعادوه إلى موقعه.
وأمام هذا الدفاع الصامد مال تيمور إلى إنهاء الأمر سلماً وحصر مطالبه بإرسال أطلمش إليه في مقابل إطلاق من عنده من الأمراء المحتجزين في واقعة حلب.
وبدا أنّ دمشق قد حققت الفوز بصد تيمور عنها. وهنا فوجئ الناس بانسحاب السلطان المصري بعساكره وعوده إلى مصر، إذ اغتنم دخول الليل فمضى إلى وادي التيم في طريق العودة. فلم يشعر الناس إلاّ والنار تلتهب في مخيم العسكر السلطاني، وبدا أنّهم أحرقوا ما لا يستطيعون حمله خوفاً من أن يغنمه التيموريون.
وكانت الصدمة قوية على المدافعين، ولكنّها لم تزعزع عزائمهم وصمموا على الدفاع وحماية شرف المدينة العربية الخالدة. وكان قد اجتمع فيها جموع كثيرة تدفقت إليها من المدن المحتلة ابتداء من حلب فحماه فحمص وأهل القرى الذي مضوا إلى دمشق جافلين من تيمور، فانضم كلّ ذلك إلى العسكر الدمشقي. فأغلقوا أبواب المدينة وركبوا الأسوار ونادوا بالصمود والثبات.
وبانسحاب الجيش المصري رجع تيمور عن الحل السلمي وزحف بعساكره على دمشق فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال وردّوهم عن السور والخندق وأسروا منهم جماعة ممّن اقتحم باب دمشق وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة.
ويقول ابن أياس إنّه كان بين أهل دمشق وعسكر تيمور في أوّل يوم واقعة عظيمة فقتل من عسكر تيمور نحو ألفي إنسان.
وأمام هذا الصمود أدرك تيمور أنّه كان مخطئاً في تقديره أنّ انسحاب العسكر المصري قد أوهن عزائم الدمشقيين لذلك عاد إلى المساومة الصلحية، فأرسل يطلب من الدمشقيين أن يرسلوا إليه رجلاً من عقلائهم يمشي بينه وبينهم في الصلح، فاختاروا القاضي تقي الدين إبراهيم بن الحنبلي الذي وُصف بأنّه كان طلق اللسان بالتركية والفارسية، فأرخوه من أعلى السور ومعه خمسة من أعيان دمشق.
يقول المؤرخ بأنّه غاب عند تيمور ساعة ثمّ رجع فأخبر بأنّ تيمور تلطف معه في القول، وقال له: هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقها لهم!.
ونحن نسأل تيمور من وراء التاريخ: إذا كانت دمشق بلد الأنبياء وأنّه يعتقد لهم، فلماذا روّعها هذا الترويع ولماذا أراد بها هذا الشر؟ وهل إنّه كان يجهل ذلك من قبل، ولم يرعفه إلاّ حين برقت في وجهه السيوف الدمشقية، وصدمته العزائم الشامية؟
ويتابع المؤرخ قائلاً عن رسول الدمشقيين إلى تيمور: وشرح من محاسن تيمور شيئاً كثيراً وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته. اهـ.
ونحن لا ندري هل كان ذلك القاضي الرسول ضعيف النفس خائر الهمة فهالته قوى تيمور وأثرت في نفسه وهمته فتخاذل؟ أم أنّ تيمور قد اشتراه بنوع من أنواع الشراء بأن دفع له مالاً أو وعده بمنصب فوقف هذا الموقف الانهزامي؟
ثمّ إنّ المؤرخ لا يحدثنا عن رأي الأعيان الخمسة الذي صحبوا القاضي إلى تيمور، بل لقد اختفى ذكرهم… لقد نجح القاضي بمهمته التخذيلية، ويكفي في نجاحه أنّ الدمشقيين بعد أن كانوا صفاً واحداً يقف كالبنيان المرصوص في وجه تيمور، صاروا فرقتين: فرقة ترى ما رآه القاضي ابن مفلح وفرقة ترى الدفاع عن دمشق ومقاتلة تيمور. على أنّ الأكثرية كانت في الفرقة الثانية: فرقة الصمود والدفاع. ولكن الانشقاق وقع فأضعفت القوة الواحدة.
واستطاع الانهزاميون بالرغم من أنّهم الأقلية ـ استطاعوا أن يتجهوا إلى باب النصر محاولين فتحه، فتصدّى لهم نائب القلعة وقال: إنّ فعلتم ذلك أحرقتُ البلد. ولكن نائب القلعة لمّا رأى عين الغلب ـ كما عبّر المؤرخ ـ سلّم لهم القلعة بعد تسعة وعشرين يوماً.
على أنّ الغموض يكتنف هذا التعبير فلا يبدو لنا الموقف على حقيقته… ما المقصود بباب النصر؟. هل هو باب من أبواب المدينة أرادوا فتحه ليدخل منه التيموريون؟ أم هو باب من أبواب القلعة؟ ثم كيف انقضت هذه الأيام التسعة والعشرون، هل انقضت في جدال ونقاش، أم في تقاتل وتصادم؟ هذا ما لا يبين في عبارة المؤرخ.
والمؤرخ الذي عنيناه فيما تقدم من القول هو ابن الشحنة.
وأمامنا مؤرخ آخر هو ابن عرب شاه الذي كان واضحاً في عبارته التي سجل فيها أحداث الساعات الأخيرة دون أن يتضح لنا ما كان قبلها ممّا تحدث عنه ابن الشحنة.
قال ابن عرب شاه: وتقدّم تيمور إلى المدينة.
إذاً إنّ تيمور قد اعتقد استسلامها فتقدّم إليها مستسهلاً دخولها.
ويتم ابن عرب شاه كلامه قائلاً: فامتنع أهلها عن تسليمها فبقوا على ذلك يومين.
وهنا لا ندري كيف مرّ ذانك اليومان؟ هل مرّا في نقاش وجدال وتفاوض، أمّ مرّا في قتال وتحارب؟ ثم يقول ابن عرب شاه: ثمّ خرج أعيانها إلى تيمور طالبين الأمان، وهم قاضي القضاة إبراهيم بن مفلح، ـ وهو الرسول الأوّل إلى تيمور ـ وقاضي القضاة محمود بن العز الحنفي وولده شهاب الدين وقاضي القضاة محمد الحنبلي النابلسي والقاضي محمد بن أبي الطيب كاتب السر والقاضي أحمد الوزير والقاضي شهاب الدين الحياني الشافعي والقاضي إبراهيم بن لقوشه الحنفي نائب الحاكم. أمّا قاضي القضاة الشافعي فقد كان هرب مع السلطان.
وقبل أن نتمم السير في موضوعنا فإنّنا نقول إنّه تبين لنا من تركيبة هذا الوفد أنّ هناك نوعين من القضاة يتميز أحدهما عن الآخر، فأحدهما يقرن اسمه بلقب قاضي القضاة، والثاني بلقب القاضي. وإذا كان المفروض أن يكون قاضي القضاة واحداً، فقد تعدّد هنا من يحملون هذا اللقب. ويبدو أنّه كان لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضي قضاة.
وصدف أنّ ابن خلدون كان في دمشق فانضم إلى الوفد المفاوض، وكان سبب وجوده في دمشق أنّه جاءها من مصر مع الجيش السلطاني، ويبدو أنّه فاته الالتحاق بالجيش المنسحب فبقي في دمشق وحين دخلوا على تيمور وقفوا إلى أن أذن لهم بالجلوس وهش لهم، فقدم له ابن خلدون هدية فيها علب حلوى مصرية فتحها تيمور وأطعم منها رجاله ولم يذقها وأهداه سجادة صلاة فوضعها إلى جانبه وأهداه مصحفاً فقبّله ووضعه إلى جانبه.
ولمّا رأى شكل ابن خلدون بعمامة خفيفة وبرنس قال هذا الرجل ليس من هنا. وجيء بالطعام فكوموا تلالاً من اللحم السليق فبعضهم لم يأكل وبعضهم أكل، وتيمور يلحظهم، وكان من الآكلين ابن خلدون.
ثمّ أخذ ابن خلدون يتزلف لتيمور، فنادى بصوت عال: يا مولانا الأمير الحمدلله لقد شرفت بحضوري الملوك وأحييت بتواريخي مآثرهم ورأيت من ملوك العرب وغيرهم فلاناً وفلاناً ولكن لله المنة قد طال عمري حتّى رأيت من هو الملك على الحقيقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع الجوع فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف.
هكذا خاطب ابن خلدون فاتح بلاد الشام ومذلها!.
فأعجب تيمور كلامه وأقبل بكلّه عليه وسأله عن ملوك العرب وأخبارهم فذكر من ذلك الشيء الكثير.
وعن ابن الزملكاني تلميذ ابن خلدون: أنّ ابن خلدون قال: لمّا اجتمعت بتيمور في دمشق قال لي: أين بلدك؟ قلت: بالمغرب الجواني. قال: وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ قلت: معناه الداخلي، أي الأبعد، لأنّ المغرب كلّه على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب إلى هنا برقة وأفريقيا، والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى فاس ومراكش، وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ملك المغرب؟ فقلت: في الزاوية من البحر المحيط والخليج المسمّى بالزقاق ومنها التعدية إلى الأندلس لقرب مسافته لأنّ هناك نحو العشرين ميلاً. فقال: وسجلماسة؟ فقلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلّها أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك. فكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب، أقمت في كسر البيت فكتبته في أيام قليلة وأوعيت الغرض في مختصر وجيز يكون في اثنتي عشرة كراسة ودفعته إليه فأخذه من يدي وأمر بترجمته إلى اللسان المغُلي.
هذا ما كان من أمر ابن خلدون. وأمّا ما كان من أمر وفد القضاة فإنّ تيمور خلع عليهم وردهم مكرمين وأعطاهم الأمان لهم ولذويهم بشرط أن يدفعوا له أموال السلطان وأمرائه وقد فعلوا ذلك.
هذا ما رواه ابن عرب شاه. وإنّنا نلاحظ من هذا النص أنّ الأمان قد أعطي لرجال الوفد ولذويهم. ومعنى ذلك أن رجال الوفد لم يضمنوا للمدينة شيئاً، وكلّ ما ضمنوه هو لهم ولذويهم، وإنّهم آثروا مصالحهم الشخصية على مصالح المدينة التي أوفدتهم للمفاوضة باسمها، وأنّ تيمور سيدخل دمشق غير مقيد بشيء من الشروط. وهذا في حقيقته خيانة للمدينة التي ائتمنت هؤلاء على كرامتها وحرمتها وأموالها ودمائها، فلم يكونوا أهلاً لهذا الائتمان.
نعم، لقد ورد في أمان تيمور للوفد شيء يتجاوز أفراد الوفد إلى شؤون المدينة عامة، ولكن لم يكن هذا التجاوز لمصلحة دمشق، بل لمصلحة خزينة تيمور. وذلك أنه شرط عليهم لقاء ما أعطاهم من أمان أن يؤدّوا له أموال السلطان التي بقيت في دمشق وأموال أمراء السلطان.
ويقول ابن عرب شاه: إنّهم فعلوا ذلك، دون أن يبين الطريقة التي توصلوا بها إلى حيازة هذه الأموال ثمّ تسليمها إلى تيمور.
وحدث أنّه بينما كان القضاة في مجلس تيمور، أن جيء بالقاضي صدر الدين المناوي أسيراً، ويصفه ابن عرب شاه قالاً: «وإذا هو بعمامة كالبرج واردان كالخرج».
وكان هذا القاضي قد تخلّى عن مدينته التي كان أحد قضاتها وآثر تركها لمصيرها والفرار مع سلطان مصر، ويبدو أنّه قد تباطأ في اللحاق بالمنسحبين، فأدركه جنود تيمور في ميسلون وقبضوا عليه وأحضروه إلى تيمور الذي كان مشغولاً بالمفاوضة مع زملاء هذا القاضي الموفدين من دمشق.
يقول ابن عرب شاه: فتخطى الرقاب وجلس في صدر المجلس!.
ونقول نحن: إنّه لحسن أن يحاول الإنسان بأن يكون له صدر المجلس وأن يرى نفسه أهلاً لذلك. ولكن الذي يفر من مواجهة أخطار مدينته مؤثراً السلامة على تحمّل أعباء دفع المعاناة عنها يجب أن يخجل من نفسه فلا يفكر بتخطي الرقاب والوصول إلى صدر المجلس، وليست صدور المجالس لمثل هؤلاء المتخاذلين الفرارين الجبناء الأنذال، الذين يعيشون في كلّ عصر ويسترون رذائلهم بعمائم كالأبراج واردان كالأخراج.
وفي الوقت الذي كان تيمور يكرم الموفدين زملاء هذا القاضي ويحترمهم، كان يستشيط غضباً من هذا القاضي ويأمر بسحبه، ونعم ما فعل…
تيمور في دمشق
استسلمت دمشق ولكن القلعة لم تستسلم واستعد نائبها (ازدار) للحصار، فلم يهتم بها تيمور أوّل الأمر وانصرف همّه إلى تحصيل الأموال.
ولمّا كان الوفد الذي فاوض على التسليم لم يضمن لدمشق شيئاً فقد كان الأمر متروكاً لتيمور، فلم يبد منه أي شر، فقد نادى بالأمان وأن لا يبغي أحد على أحد. وعندما خرج بعض جنوده على هذه الأوامر وأغاروا على بعض الناس وبلغ ذلك تيمور أمر بصلب الجنود المعتدين فصلبوا في الحريرين برأس سوق البوزرين. ففرح الناس بذلك واطمأنوا، وانصرفوا إلى جميع ما فرض على المدينة من مال فوزعوه على الحارات. وجاء يوم الجمعة فصلّى تيمور في الجامع الأموي وكان الخطيب قاضي القضاة الحنفي.
وكان ما فرضه من المال على دمشق مليون دينار ذهبي. ويقول المؤرخ: ففُرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم.
ثمّ سُلّمت أموال المصريين (الذين فرّوا) وسلاحهم وكراعهم، كما سُلّمت أموال الدمشقيين الذين جلوا عن البلد.
ثمّ ألزمهم بجمع السلاح وإخراجه إليه ففعلوا.
وعند ذلك انصرف إلى إحكام الحصار على القلعة، ومع أنّه لم يكن فيها إلاّ نفر يسير فقد أعياه أمرها ولكنّها عادت فسلمت بالأمان بعد حصار ثلاثة وأربعين يوماً.
وكما قلنا من قبل فإنّ وفد القضاة الذي فاوض على التسليم جعل همّه رعاية أمور أفراده ولم يحرص على مصلحة المدينة، فدخلها تيمور متروكاً أمرها إليه.
وبعد أن رأيناه رحيماً بالمدينة إلى الحد الذي أمر فيه بصلب الجنود الذين اعتدوا على الناس، وكلّ ما فعله أنّه فرض أموالاً يعسر على الناس جمعها فجمعوها، إذا بالمدينة تحترق. والذين تابعوا سيرة تيمورلنك ووصوله إلى دمشق، كان يثير استغرابهم احتراق دمشق بعد تلك المعاملة التي عاملها بها.
ولكن الوثيقة التي نشرها الأستاذ جهاد الزين في جريدة (النهار) تكشف حقيقة تاريخية كانت مطموسة، وهي أنّ تيمورلنك لم يأمر بإحراق دمشق.
والوثيقة هي ما دوّنه ابن خلدون عن لقائه لتيمورلنك وما أعقب ذلك من أحداث، حيث يقول ابن خلدون:
«وخرّب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك، من الأموال، والظهر، والخيام، ثمّ أطلق يدي النهاية على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسبها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخزنى، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه: فسال رصاصة، وتهدّمت سُقفه وحوائطه، وكان أمراً بلغ مبلغه في الشّناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء».
وهكذا تبين أنّ احتراق المدينة كان بسبب إحراق نفايات المنهوبات، فامتدّت النار إلى الخشب المدعمة به الدور، ومنه إلى الدور.
ودور دمشق تبنى من الخشب الذي تُملأ فجواته بالطين ممّا يجعل سريان النار فيها سريعاً
وإذا كان هوان دمشق يُمض النفس، وإذا كان تخلي من تخلى عنها يبعث المقت. فإنّ دمشق الحقيقية قد تمثّلت بأولئك الأبطال المذاويد الذين لم يضعفهم انسحاب من انسحب ولم يكسر شممهم تخذيل من خذّل فركبوا الأسوار يصدّون العدو عن دمشق ويحمون حماها. وإن الألفي قتيل الذي أردوهم من العدو على أبواب دمشق هو الشاهد على أنّ الفاتح لم يدخل دمشق إلاّ مثخناً مدمى…
فإلى تلك القلة من الحماة التي حفظت شرف دمشق تحية الأجيال جيلاً بعد جيل…
السلطان الفار
والسلطان فرج بن برقوق سلطان مماليك مصر الذي ترك دمشق لقدرها بعد أن كان قد جاء لإنجادها، والذي كان أبوه برقوق سبب نكبتها بقتله رسل تيمور، ثمّ لما جاء تيمور فرّ هو عنها بجيشه وأمرائه. فإن بعد أن صار في مصر وعاش في بحبوحته واستقرّ في متارفه عاد يبعث من مصر إلى تيمور بكتاب يقول فيه ما مضمونه.
لا تظن أنّنا هربنا منك وخفناك ولكن بعض مماليكنا خرج علينا وأراد مثلك الفساد وهلاك العباد والبلاد، والعاقل إذا أصابه مرضان داوى الأخطر منهما. إنّك أهون الخطبين وأحقر الرجلين، فثنينا العزم إلى تأديب ذلك الرجل ثمّ نكرّ عليك كرة الأسد الغضبان ونضيق عليك وعلى عسكرك المسالك وندعكم بين أسير وهالك فتطلبون الخلاص ولات ساعة مناص…
إلى غير ذلك من أمثال هذه الترهات التي هي كالملح على الجروح وكحركة المذبوح ـ كما يقول في كتاب عجائب المقدور ـ.
يقول بيسق حامل كتاب فرج بن برقوق إلى تيمور: فلما أعطيته الكتاب وقرئ عليه قال لي: ما اسمك؟
قلت: بيسق قال: وما معنى بيسق؟ قلت: لا أدري.
قال: إذا كنت لا تعرف معنى اسمك فكيف تصلح أن تكون رسولاً؟ ولولا أنّ عادة الملوك ألا يهيجوا الرسل بأذى لصنعت معك ما أنت أهل، مع أنّه لا لوم عليك بل على من أرسلك، بل لا لوم عليه أيضاً لأنّ ذلك مبلغ علمه وفهمه.
ثمّ قال: اذهب وانظر القلعة فذهبت فوجدتها قد دكت دكاً، ثمّ رجعت، فقال لي: إنّ مرسلك أقل من أن أراسله. ولكن قل له: إنّي واصل إليك، فليشمر ذيله للفرار.
ثمّ أمر بي فأخرجت فذهبت إلى مصر.
وقبل أن نختم هذا الفصل لا بد لنا من ذكر أمرين هما جزء من دخول تيمور إلى دمشق:
فقد ذكر المؤرخون أنّه أمر بجمع العبيد الزنوج فاعتنى بشأنهم، ولا بد أنّ لهذا الأمر من دلالة في سيرة تيمور، وأنّه يقتضي له توسع في دراسة سيرته ممّا هو غير متيسر لنا الآن، ولعلنا نعود إليه في مناسبة أخرى. والشيء الثاني هو أنّه بنى في مقابل الباب الصغيرة قبتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).
الفاتح الذي استحل ان يقتل من قتل من أتباع النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يرع للنبي حرمة في سفك دمائهم، أهمه بناء القباب على قبور زوجات النبي!.
رحيل تيمور
رحل تيمور عن دمشق ثالث شعبان سنة 803 بعد أن أقام فيها ثمانين يوماً. وكان قد جمع قبل رحيله أهل الصنائع من النساجين والخياطين والحجارين والأقباعية والبياطرة والخنيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وفرقهم على رؤساء الجند ليوصلوهم إلى عاصمته سمرقند.
وكان علماء القدس قد خشوا سطوة تيمور فانتدبوا الشيخ محمد فولاذ بن عبدالله وجهزوه بمفاتيح الصخرة وأرسلوه إلى تيمور. فلمّا كان في الطريق بلغه رحيل تيمور فرجع.
ولمّا كان من العوامل التي حملت تيمور على غزو الشام في احتفاظ المماليك بقريبه (أطلمش)، فقد كان لا بد له بعدما حققه من انتصارات ان يطالب به. ويقول في (خطط الشام) أنّ تيمور أرسل إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له ممّا جرى ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق وأنّه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى، فأطلقه السلطان وكساه وأحسن إليه.
ويتمم خطط الشام: فلمّا وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبّل مراسيم السلطان وبكى واعتذر ممّا وقع منه وقال: هذا كان مقدراً!.
تشيع عريق في سمرقند
قال في ترجمة أحمد النقيب في (أعيان الشيعة أثناء الحديث عن إحدى الوقائع):
كان أحمد النقيب هو سيد القوم ورئيسهم وإليه منتهى الرأي والأمر وعليه يعول في الأساري والأسر فأتاه الشعراء بالقصائد، فمنهم الفقير إلى الله الغني محمد بن حسين بن عبدالله المكي مولداً المدني منشأ السمرقندي أصلاً الحسيني الموسوي أتيته بهذه القصيدة (ثم ذكر القصيدة).
والمهم في هذا القول، هو ذكر الأصل السمرقندي لهذا (الحسيني) الشاعر، ممّا يدل على عراقة شيعية سمرقندية.
وكانت قد مضت الإشارة إلى شيء من هذا في بحث (آسيا الوسطى)، ما نعيد بعضه هنا:
من المناطق التي ازدهرت فيها العقائد الشيعية في مستهل هجمات تيمور حسب التقارير الموجودة هي منطقة ما وراء النهر وخاصة عاصمتها سمرقند ثمّ توقف ذلك الازدهار.
إنّ هجرة السادات العلويين وغالبيتهم من الزيدية أو من بقية سلالات الإمام زين العابدين (عليه السلام)، تلك الهجرة الواسعة إلى ما وراء النهر وخاصة إلى سمرقند وترمذ وبخارا يمكن أن تكون سبباً لتهيئة الجو في هذه المناطق لقبول التشيع.
على أنّ الأمر تطور بعد ذلك وتحول الحال إلى العكس بسبب الحملات المناهضة فأخذ التشيع بالضعف وبدأت الحرب على الشيعة تزداد قوة أكثر فأكثر.
ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، صاحب كتاب الرجال المعروف ومحمد بن مسعود العيّاشي الفقيه والمفسر صاحب التفسير المعروف بتفسير العياشي، هما عالمان شيعيان كبيران في القرن الرابع الهجري ترعرعا في سمرقند.
سمنان
تقع مدينة سمنان (مركز محافظة سمنان) على مسافة 224 كم ـ شرقي العاصمة طهران ـ وعلى بعد 168 كم جنوب غرب شاهرود.
أمّا محافظة سمنان ـ التي هي مورد بحثنا ـ فتحدّها من الشمال سلسلة جبال (ألبرز)، ومن الشرق محافظة خراسان، ومن الجنوب الصحراء المركزية للبلاد (صحراء كومش).
ترتفع مدينة سمنان (مركز محافظة سمنان) 1100 متر فوق مستوى سطح البحر، وتقع على خط الطول 53 درجة و23 دقيقة. وخط العرض 35 درجة و33 دقيقة و30 ثانية. وفرق الوقت بينها وبين طهران 7 دقائق و40 ثانية؛ أي عندما تدق الثانية عشرة في طهران فإنّ الساعة تكون في سمنان: الثانية عشرة وسبع دقائق و40 ثانية.
لمحة عن تاريخ سمنان
سمنان اسم لأحد مدن ولاية أو محافظة (ڤرنا) Verna التاريخية (جنوب ألبرز ـ خوآرن أو خوار) ومن التقسيمات الأوستائية الستة عشرة في العصر البرتويابارتي، فترة حكم الميديين والهاخمنشيين؛ وهي كوميزنه أو كُميسنه (كومي سن) في دورة السلوقيين والإشكاينين ويدشخاركر (ييتشخاركر) أو فرشوادجر في دورة الساسانيين. وكومس أو قومس في أدوار ما بعد الإسلام. ولكنّها كانت من حيث التقسيم الإداري جزءاً من كومس أو قومس أو كُميسنه أو كميسن أو كومش، التي تشمل مناطق: سمنان، دامغان، بسطام، جندق، سنگسر، وشهميرزاد، ما قبل الإسلام.
ينسب أكثر الجغرافيين المسلمين أوّل بناء لسمنان إلى (تهمورس ديفبند) من ملوك ما قبل التاريخ.
حول سبب تسمية سمنان بهذا الاسم أجريت تحقيقات علمية واسعة لا يسعها هذا المقال. فلقد ورد اسم سمنان بنفس هذه الصور في الكتب التاريخية والجغرافية بعد الإسلام، أي منذ القرن الثالث والرابع الهجري. غير أنّه لم يُعثر إلى الآن في الكتابات الموجودة التي تعود إلى العصور القديمة على شيء من لغة سمنان؛ عدا ما ذكره اعتماد السلطنة في كتابه درر التيجان في تاريخ بني الأشكان الاسم القديم لسمنان هكذا: سُمِينا.
مناخ سمنان
تتمتع قرى محافظة سمنان التي تحدّها من الشمال سلسلة جبال ألبرز، ومن الجنوب الصحراء المركزية لإيران ـ وباستثناء النقاط الجبلية في سنگسر ودربند وشهميرزاد التي تعد من المناطق الباردة ـ بصيف جاف حار، ولكنّها معتدلة بقية أيام السنة.
هذه المحافظة وإن كانت تقع بين مازندران (الرطبة) والوادي الجاف للصحراء الملحية الكبرى، إلاّ أنّها معتدلة المناخ ـ غالباً ـ وتمتاز بطقسٍ جميل، لكونها محاطة بسلسلة جبال ألبرز الشاهقة الارتفاع من الشمال، (متوسط ارتفاعها يبلغ «2300» متراً) والتي تشكل بالنسبة لها سدّاً يمنع عبور رطوبة وبخار بحر مازندران. ولكن على العكس من ذلك فإنّ هواء الصحراء القاحلة الحار في الجنوب، يُؤثر في مناخ هذه المنطقة، حتّى لقد حوّلتها إلى منطقة جافّة تقريباً، وحارّة نسبيّاً فشتاؤها بارد وصيفها حار. أمّا الربيع والخريف فمعتدلان.
وهذه المنطقة قليلة الأمطار نسبياً إذ لا تهطل فيها إلاّ 10ـ15 مرّة سنوياً. ويستفيد أهالي المنطقة والقرى المحيطة من العيون ـ كما في مناطق سنگر ودربند وشهمير زاد ـ كما يستفيد منها أهالي المناطق البعيدة نوعاً من خلال القنوات والآبار العميقة التي حفرت حديثاً.
والنهر المهم الوحيد في سمنان هو النهر المعروف بـ «گل رودبار» والذي ينبع من موقع جبلي عال يسمّى «سردربند گل رودبار» على مسافة 25 كيلومتراً إلى الشمال من سمنان.
وبعد اجتيازه الوديان المتعرجة في الطريق، ترفده عدّة قنوات صغيرة بأسماء: «ون نبذ» المشهور بـ «كندي زنان»، جهل تن، راهدار، هراوان، ششمه سار هاي تن، قاضي آب، در جزين، وجشم سار گل رودبار، إلى أن ينحدر إلى الطرف الآخر من سمنان. ويواصل النهر طريقه وبعد اجتيازه قرية درجزين الواقعة على بعد 9 كم إلى الشمال من سمنان إلى أن يصل إلى موضع لتقسيم المياه باسم (پارا) في شمال غرب سمنان؛ حيث ينقسم إلى خمسة أقسام بصورة دقيقة ومحسوبة ليصب بعد ذلك في أحواض عظيمة تغذي خمسة مناطق أو محلات في سمنان. وكلّ حوض يعرف باسم تلك المنطقة. وكانت المياه تتجمع ليلاً في تلك الأحواض لتوزع على أهالي المنطقة ومزارعهم وبساتينهم في الساعات الأولى من الصباح، وفق خطة وبرنامج دقيقين. وكان هذا معمولاً به إلى سنوات ما قبل مدّ الأنابيب إلى المدن.
تقسيم الماء في سمنان
يعود تاريخ الماء في سمنان إلى ما قبل 700 سنة، لأنّه ـ وكما هو محقق في محله ـ فإنّ تقسيم الماء وتوزيعه في سمنان كان يجري قبل القرن السابع الهجري، بطريقة أخرى ـ وكانت تقع حوادث عنف كثيرة بسبب الاختلاف حول كيفية توزيع الماء. وكان ذلك قبل القرن السابع الهجري أي قبل ظهور الشيخ علاء الدولة السمناني العارف الكبير.
وفي أوائل القرن الثامن الهجري، اجتمع أعيان المدينة، وبعد التشاور مع الشيخ علاء الدولة السمناني استطاعوا أن يضعوا حلاً في النهاية، وذلك بعد التوصل إلى خطّة عمل أو دستور ينظم طريقة توزيع المياه، الأمر الذي أدّى إلى إغلاق ملفّ الحوادث المفجعة والاختلافات الدامية.
وقد كانت الخطة أو برنامج التقسيم الذي توصلوا إليه بمعونة واسترشاد أفكار الشيخ علاء الدولة السمناني أو «الشيخ الأعظم» لسمنان، وهو أمر يُذكّرنا بأفكار الشيخ البهائي في تقسيم نهر «زاينده رود» في أصفهان، وكيف أنّ ذلك الرجل العالم قد وضع إحصائية لتقسيم الماء بين الأهالي، وقسم مياه ذلك النهر العظيم لإرواء وسقي نواحي أصفهان إلى 33 سهماً. وحدد حصص منطقة (جهار محال). إنّ عمل الشيخ البهائي في أوائل القرن الحادي عشر الهجري ـ في تقسيمه لمياه نهر (زاينده رود) لا يمكن مقارنته – من حيث الكم- مع مياه نهر”كل رودبار” في سمنان، إلاّ أنّه ومن حيث نوعية العمل، فإنّ كليهما يحظى بأهمية فائقة. ويستبعد أن يكون الشيخ البهائي قد استفاد في تقسيمه لنهر «زاينده رود» من أفكار الشيخ علاء الدولة السمناني لنهر سمنان أو «گل رودبار» لأنّ هذا النوع من تقسيم المياه لم يكن معمولاً به في أية مدينة إيرانية سوى «سمنان».
مصايف سمنان
كما أشير سابقاً ـ فإنّه توجد في شمال محافظة سمنان قرى ذات بهجة وصفاء، منها: دربند، شهميرزاد، شيخ ششمه سر، والتي تمثل مناطق الاستجمام والاصطياف لأهالي سمنان ومازندران، وكذلك السمنانيين الساكنين في طهران.
ومع أنّ المناطق المذكورة لا تبعد أكثر من 4 فراسخ من سمنان الحارة، إلاّ أنّها تتمتع بمناخ جميل جدّاً في فصل الصيف، وذلك لوقوعها في مناطق جبلية باردة. ولا يمكن مقارنتها بسمنان.
ليالي سمنان
رغم وقوع سمنان قرب الصحراء المركزية للبلاد، إلاّ أنّ سماءها هادئة وصافية جدّاً كليالي وسماء كرمان. وتتلألأ النجوم فيها ليلاً إذ لا يعكر صفوها غيم أو غبار، ويشعر الناظر إليها بلذة لا تنسى.
محاصيل سمنان
باستثناء قصبة شهميرزاد البهيجة الصافية والتي هي منطقة اصطياف، ومنطقة سنگر التي هي منطقة جبلية باردة، فإنّ محاصيل قرى سمنان ـ على الغالب ـ تشبه محاصيل المناطق المعتدلة، كالحنطة والشعير، وبعض الحبوب، والقطن، كما تكثر الأشجار في سمنان وقراها جميعاً. خاصة في شهميرزاد التي هي عبارة عن بساتين للفاكهة. حيث تشتهر بأنواع الفواكه من البطيخ والرمان والتين والجوز واللوز والخيار والباذنجان السمناني والآلو اللذيذ الطعم جدّاً.
لقد اشتهر أهالي سمنان ـ منذ القدم ـ برعايتهم واهتمامهم الفائق بأشجار الفواكه، حتّى لقد وصفت في الكتب القديمة بفواكهها اللذيذة. يقول مجد الدين محمد حسين في كتابه «زينة المجالس» حول مناخ ومحصولات سمنان: هواؤها معتدل. من فواكهها: الرمان، والعنب والزبيب واللوز والجوز والفستق والتين… والحق أنّها مكان واسع وجميل، يبعث في النفس الراحة والنشاط.
أمّا الحاج زين العابدين الشيرواني مؤلف كتاب «بستان السياحة» فيقول: إنّ رمان سمنان وشعر سلمان لا نظير لهما في العالم.
وفي بساتين سمنان تنبت وردة نرجس مشهورة بعطرها ورائحتها الذكية المشهورة في أكثر مناطق إيران. ووردة النرجس هذه تتفتح ـ عادة ـ في أوائل شهر بهمن حتّى آخر إسفند من كلّ سنة، أي: من تشرين الثاني حتّى نهاية كانون الأوّل.
وأهالي سمنان يستخرجون بصلتها من حدائقهم أياماً قبل فروردين (كانون الثاني) ويضعونها في مزهريات مشبكة كثيرة الثقوب، ثمّ يحافظون عليها بحيث تتفتح أزهارها في أوائل الربيع، ويخرج من الثقب غصن من أغصان النرجس ليملأ الفضاء بالرائحة الذكية العطرة.
اقتصاد سمنان القديم
طبقاً للوثائق والشواهد التاريخية، فإنّ مدينة سمنان تحتل المرتبة الأولى في صناعة النسيج اليدوي في إيران. وبالرجوع إلى أقدم كتب الرحلات والأسفار يتبين أنّ الأقمشة الصوفية وغيرها كانت تحاك ـ ومنذ أقدم الأزمنة، وبصورة راقية ودقيقة ـ في مدن: كومش (قومس) التي تشمل نواحي سمنان، ودامغان، وشاهرود، وبسطام، وخاصة في سمنان. كما أنّ الشاعر و الرحالة العربي (أبو دلف مسعد بن المهلهل الخزرجي) الذي زار مدن كومش في أوائل القرن الرابع الهجري، كتب عن سمنان أنّها: مدينة صغيرة كثيرة النفوس، تكثر فيها المؤن والطعام، وماؤها عذب وهواؤها عليل. تُحاك فيها المناديل المزركشة الغالية الثمن، حتّى ليصل ثمن أحدها إلى 50 ديناراً. وكذلك ينسج فيها مختلف الأقمشة بدقّة عالية.
وأنّه ليصل سعر المتر الواحد منها 50 ديناراً، ويُقال إنّ النساء اللواتي يشتغلن في حياكة هذه الأقمشة ليصبن بالعمى نتيجة الدقّة المتزايدة والعمل الدؤوب الذي يتطلب الدقة العالية في النظر.
وفي كتاب «حدود العالم» هو من أقدم كتب النثر الفارسي (سنة 372هـ): كومش ناحية بين ري خراسان على طريق الحجاج في وسط الجبال. وهي ناحية معمورة وموفورة النعم.
ويقول ابن حوقل: فيها تصنع المناديل البيضاء الصغيرة والكبيرة البسيطة ذات الحواشي. وهي ثمينة جدّاً حتّى ليبلغ ثمن بعضها ألفي درهم وفيها تصنع وتُصدّر الأقمشة الصوفية وأنواع الطيلسان.
وكذلك يصف ياقوت الحموي أقمشة نواحي كومش وخاصة سمنان.
وبهذا يثبت إن الحياكة اليدوية كانت رائجةً منذ أقدم الأزمنة في سمنان، وكانت تحظى بشهرة فائقة. وقد استمر الوضع على هذا المنوال حتّى تأسيس معمل النسيج في عام 1931م. وقد كان الكثير من أهالي سمنان والمناطق المحيطة يمررون أمور معاشهم من خلال هذه الصنعة اليدوية التي كانت ـ حتّى السنوات الأخيرة ـ أهم صناعة يدوية في سمنان.
آثار سمنان التاريخية
سمنان مدينة عريقة جدّاً، وفيها آثار تاريخية جديرة بالذكر والمشاهدة منها: قلاع سارو. كوشمغان. زاوغان. شيرقاضي. لاسگرد. كنك وز. نوكه لاجوردي. شير قلعة شيخ ششمه شهميرزاد ـ قلاع پاچنار. جنبدان. سراجه. مسجد جامع منار. مسجد شاه. دروازه أرك ـ حمام بهنه (أي الواسع) مقبرة طوطي، خانقاه (تكية الصوفيين) ومرقد الشيخ علاء الدولة السمناني في صوفي آباد سمنان. إمام زاده يحيى. مقبرة بير نجم الدين. أمّامزاده علي بن جعفر أمامزاده أشرف. بقعة العلويين، وغيرها.
1 ـ المسجد الجامع في سمنان: يُعدّ من الأبنية القديمة جداً لهذه المدينة. ووفقاً لما يذكره: (صنيع الدولة) في كتاب (مرآة البلدان) فقد بُني هذا المسجد في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأضيفت له بعد ذلك إضافات أخرى. إلاّ أن الآثار المتبقية منه في الوقت الحاضر، تعود إلى عهد السلاجقة والتيموريين.
وتاريخ بناء الإيوان عام: 828هـ. ومكتوب عليه أنّه بني بأمرٍ من الخواجة محمد باليجة السمناني وزير شاهرخ التيموري.
ولهذا المسجد إيوان عالٍ وأروقة عديدة.
2 ـ منارة سمنان المعروفة التي تسمّى منارة المسجد الجامع. تقع في الزاوية المتكونة من تلاقي الضلع الشرقي، والضلع الشمالي للمسجد الجامع، وارتفاعها المبني بالآجر يبلغ 5,41 متر. تاريخ بناء منارة سمنان أقدم من أقسام المسجد الجامع الأخرى. وطبقاً لما هو مكتوب في الكتابة الموجودة، وبالخط الكوفي في قسمها العلوي، فإنّ الأمير الأجل (هكذا) [بختيار بن محمد المشهور بـ (أبو حرب بختيار) الحاكم المعروف لولاية كومش (قومس) في العهد الغرنوي. وهو من مدحه منوجهري دامغاني، الشاعر الإيراني الكبير في القرن الخامس الهجري] هو الذي قام ببناء هذا المسجد في الفترة (417ـ466هـ).
3 ـ مسجد الشاه: ويعتبر من الأبنية المهمة والقديمة، والراقية جدّاً، في محافظة سمنان، بني في عهد السلطان فتح علي شاه القاجاري. تاريخ الانتهاء منه المذكور في مقصورة الإيوان الغربي، هو 1242هـ.
4 ـ دروازه أرك: وهي إحدى الأبنية الجميلة جدّاً في سمنان، والجديرة بالمشاهدة واستناداً إلى الكتابة الموجودة فيها فقد تمّ بناؤها في عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري عام 1302هـ. إنّ ما يميز هذه الدروازه (البوابة) الجميلة هو قرميدها الملون الجميل الذي تزيّنه الصور التاريخية لرسم السيمرغ أو العفريت الأبيض بشكل يبهر العيون.
5 ـ حمام بهنه: وهو من الأبنية التاريخية الجميلة لسمنان، ويعود تاريخ بنائه الأوّل إلى سنة 856هـ. وذلك في عهد السلطان ميرزا أبو القاسم بابرخان. وبناءً على طلب وزيره الخواجة غياث الدين محمد بن الخواجة تاج الدين بهرام السمناني. وطبقاً لما هو مسجّل في القرميدة الملوّنة الموجودة في الحمام، فقد جُدد بناؤه (الحمام) في عهد السلطان مظفر الدين شاه القاجاري، الأشعار المنقوشة على القرميد الملوّن في الحمام هي من نظم الحاج أسد الله ـ منتخب السادات، والد السيد حبيب يغماني وقد كتبها بخط بيده.
علماء ومشاهير سمنان: 1 ـ الشيخ علاء الدولة السمناني العارف الشهير، الذي عاش في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري. وكان هذا العالم العارف قبل انصرافه إلى العرفان ـ وزيراً لأرغون خان، لكنّه ـ وعلى أثر جذبة روحية تعرض لها ـ خلع فجأة رداء الوزارة والسلاح ليرتدي خلعة الصلاح، وينشغل بالتوبة والعبادة والرياضة الروحية، ويلتزم التكية والخانقاه المعروف بـ (السكاكية) في سمنان.
ولقد بذل الشيخ علاء الدين جهداً كبيراً في هذه الطريق أوصله إلى أعلى منازل العرفان واشتهر في زمانه حتّى صار جامع سلاسل اللاحقين من بعده.
وبعد أن طبقت شهرته الآفاق هرع إليه المريدون من كلّ مكان، وأقاموا معه في تكيته في صوفي آباد، حتّى لقد صار يمثّل القبلة الفكرية لأهل زمانه ودياره.
وقد كان كبار رجال الدولة والأمراء يتشرفون بخدمته والوصول للقياه في صوفي آباد، أمثال الخواجة رشيد الدين فضل الله الهمذاني صاحب جامع التواريخ، الوزير الأعظم لغازان خان، وكذلك الأمير جوبان. والأمير نوروز، من أمراء المغول الكبار.
يقول مؤلف كتاب (أعيان العصر) الذي عاصر الشيخ علاء الدولة: لقد ذهب أبو سعيد أيضاً إلى سمنان للتشرف بزيارة الشيخ الأعظم لسمنان.
وعلى أيّة حال، فإنّ تكية الشيخ علاء الدولة السمناني ذات المكتبة الغنية ظلّت تمثّل مركز تجمّع العلماء والأدباء والشعراء والعرفاء مدّة نصف قرن من الزمان أي من سنة 686 حتّى 736هـ (سنة وفاة الشيخ علاء الدولة السمناني).
ونقلاً عن (دولة شاه) السمرقندي، فإنّ الشيخ قال في «رسالة المفتاح»: لقد سوّدت أكثر من ألف طبقة من الورق في طريق التصوف وارتسامه.
واهتمّ مريدو الشيخ بضبط وحفظ آثاره وأقواله. فقد قام الأمير إقبال السيستاني بجمع مجالسه في كتاب (الأربعين مجلساً)، وقام آخر بكتابة رسائل الطريقة، وتبنى الشاعر خواجوي كرماني (الشاعر الكبير لذلك العصر) جميع أشعار الشيخ علاء الدولة السمناني.
3 ـ ومن علماء ومشاهير سمنان:
1 ـ لسان الدين أفضل السمناني.
2 ـ السيد حسين الحسني السمناني.
3 ـ الميرزا السيد رضي السمناني.
4 ـ أشرف جهانگير السمناني الشاعر وشيخ الطريقة الجشتية في أواخر القرن الثامن الهجري. وأخيراً:
5 ـ الآقاميرزا أبو طالب الحسني، رئيس لجنة طلاب المشروطة في إيران.
اللغة السمنانية
طبقاً لتحقيقات علماء الفقه، فإنّ لغة أهالي سمنان ولهجتهم الخاصة هي من بقايا اللغة البهلوية التي لم يطلها التغيير وظلّت صامدة تقاوم هجمات اللغات الأجنبية ومصطلحاتها طيلة 14 قرناً من الزمان، وبقيت نقية خالصة إلى الآن.
ومن ميزات اللغة السمنانية تعدد المفردات والألفاظ والمصطلحات للمعنى والمفهوم الواحد. حتّى إنّك تجد لكلمة واحدة مثل «قليل» خمسة ألفاظ، هي (ناكم)، (بيليكي)، (يك)، (يزيك) و(يرجنه). ولهذا يمكن اعتبار اللغة السمنانية من أغنى اللغات الموجودة في إيران.
وتمتاز اللغة السمنانية من جملة ما تمتاز به من ميزات: إفرادها الضمائر للمذكر والمؤنث خلافاً لما هو في اللغات المتداولة في إيران. وكذلك استخدامها لصيغة جمع التكسير، وهو خلاف للمشهور هنا أيضاً.
وبشكل عام يمكن تقسيم اللهجات الموجودة في سمنان إلى خمس:
1 ـ لهجة سمنان، 2 ـ لهجة سنگر، 3 ـ لهجة شهميرزاد ، 4 ـ لهجة سرخديي، 5 ـ لهجة دلاسگرد.
إنّ التحقيقات المجراة هنا من قبل علماء اللغة حظيت باهتمام العلماء الإيرانيين والمستشرقين الأجانب على حد سواء. وقد بذلوا جهوداً مضنية في هذا المجال سعياً لمعرفة جذور اللغة السمنانية وقواعدها ومن الذي تحملوا الصعوبات وسافروا مراراً إلى سمنان لغرض جمع المعلومات حول اللغة السمنانية الجديرة بالدراسة والبحث: البروفسور الدانماركي «آرتوركريستن سن» الذي سافر مرتين إلى سمنان وجمع معلومات مفصلة وواسعة عن لغة أهالي سمنان، وطبعها ـ بعد عودته إلى أوروبا ـ في كتابين مهمين (عام 1935م في كوبنهاغن باللغة الفرنسية).
وقد ألّف الأستاذ منوجهر ستوده أستاذ جامعة طهران بعد سنوات من البحث والتحقيق المتواصل والدؤوب ـ كتاباً تحت عنوان «ثقافة سمنان ـ سنگر ـ شهميرزاد، سرخدي، لاسگرد) طبع عام 1963م في 426 صفحة على نفقة جامعة طهران.
سلوة الغريب
وأسوة الأريب
كتاب للسيد علي خان الشيرازي الشهير بابن معصوم المولود سنة 1052هـ والمتوفى سنة 1118هـ.
سلوة الغريب وأسوة الأريب… المعروف برحلة ابن معصوم.
وهو وصف لما شاهده في رحلته من مكة إلى حيدر آباد سنة 1066. وهو لم يزل حدث السن.
انتهى من تأليفه في جمادى الثانية سنة 1075هـ وتوجد منه نسخة في برلين بألمانيا وأخرى في مكتبة السيد محمد باقر الحجة بكربلاء وثالثة في طهران لدى السيد محمد باقر بحر العلوم، الكتاب من أشهر كتب المؤلف في الوسط الأدبي وتردد ذكره كمصدر أدبي.
يصف السيد المدني في كتابه هذا المدن والقرى والسكان والمناخ والماء والهواء والجبال والأشجار والثمار والمساجد ومراقد العلماء وترجم بعضهم، ووصف البحار وما فيها من حيوان وأحجار كريمة وغرائب. فنمق كل ذلك ووشاه بما عرف عنه من القدرة على الاستطراد الأدبي والاستدراك العلمي المفيد وأورد الكثير من الشواهد المختار المفيدة نظماً ونثراً… والحكايات والفوائد الطريفة المسلية.
وقد قال فيه:
رحلتي المشتهاة تزري
بالروض عند الفتى الأريب
فإن تغربت فاصطحبها
فإنّها سلوة الغريب
طبع سنة 1306هـ وطبع مؤخراً في بيروت بتحقيق شاكر هادي شكر.
السنة
لكلمة (السنة) تحديدات تختلف باختلاف المصطلحين، فهي في عرف أهل اللغة «الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقاً».
«وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه».
«وقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة، كقوله: من سن سنة سيئة».
«وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيمة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيم»([482]).
وتطلق في عرف الفقهاء على ما يقابل البدعة، ويراد بها كل حكم يستند إلى أصول الشريعة في مقابل البدعة فإنها تطلق على «ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة»([483]) وربما استعملها الكلاميون بهذا الاصطلاح، كما تطلق في اصطلاح آخر لهم على «ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض»([484]) وهي بذلك ترادف كلمة المستحب، وربما كان إطلاقها على النافلة في العبادات من باب إطلاق العام على الخاص، وكذلك إطلاقها على خصوص «ما واظب على فعله النبي (صلى الله عليه وآله) مع ترك ما بلا عذر»([485]) كما جاء في بعض التحديدات.
وقد اختلفوا في مدلولها من حيث السعة والضيق مع اتفاقهم على صدقها على «ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قول أو فعل أو تقرير» وقيدها الشوكاني بقوله «من غير القرآن» وهو قيد في غير موضعه لأن القرآن لم يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما صدر عن الله وبلغه النبي، فهو لا يصدق عليه أنه قوله إلا بضرب من التجوز والتجديد العلمي لا يتحمله، وهناك قيود أخر أضافها غير واحد كقولهم إذا كان في مقام التشريع وسيتضح إن هذه القيود لا موضع لها أيضا لأنه ما من شيء يصدر عن الإنسان بإرادته إلا وله في الشريعة حكم، فجميع ما يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ثبوت عصمته لابد أن يكون صادرا عن تشريع حكم وله دلالته في مقام التشريع العام إلا ما اختص به (صلى الله عليه وآله) وسيأتي الحديث فيه.
وموضع الاختلاف في التحديد توسعة الشاطبي لها إلى ما تشمل الصحابة حيث اعتبر ما يصدر عنهم سنة ويجري عليه أحكامها الخاصة من حيث الحجية، وربما وافقه بعضهم على ذلك، بينما وسعها الشيعة إلى ما يصدر عن أئمتهم (عليهم السلام) فهي عندهم كل ما يصدر عن المعصوم قولا وفعلا وتقريرا، وبالطبع إن الذي يهمنا هو المصطلح الثالث أعني مفهومها عند الأصوليين لأن الحديث عن حجيتها إنما يتصل بهذه الناحية دون غيرها، وطبيعة المقارنة تستدعي استعراض آرائهم على اختلافها في هذه المسألة الهامة.
والحديث حول حجية السنة يقع في مواقع ثلاث:
1 ـ حجية ما صدر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من قول، أو فعل، أو تقرير.
2 ـ حجية ما صدر عن الصحابة من ذلك بالإضافة إلى معناها الأول، وهو الذي اختاره الشاطبي.
3 ـ حجية ما صدر عن الأئمة من أهل البيت بالإضافة إلى معناها الأول أيضا، وهو الذي تبناه الشيعة على اختلاف منهم في المراد من أئمة أهل البيت.
حجية السنة النبوية
والحديث حول حجية ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، أوضح من أن يطال فيها الحديث، إذ لولاها لما اتضحت معالم الإسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن أن يستنبط منه حكم واحد بكل ما له من شرائط وموانع، لأن أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم، وإنما هي واردة في بيان أصل التشريع، وربما لا نجد فيه حكماً واحداً قد استكمل جميع خصوصياته قيودا وشرائط وموانع، خذوا على ذلك مثلا هذه الآيات المباركة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}([486])، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ كَمَا كُتِبَ عَلى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ}([487])، (وَلله عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}([488])، ثم حاولوا التجرد عن تحديدات السنة لمفاهيمها وأجزائها وشرائطها وموانعها، فهل تستطيعون أن تخرجوا منها بمدلول محدد، وما يقال عن هذه الآيات يقال عن غيرها.
سنة الصحابة
يقول الشاطبي: «سنة الصحابة سنة يعمل عليها ويرجع اليها، والدليل على ذلك أمور»([489]) .
والأمور التي ذكرها لا تنهض باثبات ما يريده نعرضها ملخصة:
أحدها: «ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع اليها كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ}([490])، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُوْنُ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهْيدَاً}([491])، ففي الأولى اثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة على دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى»([492]).
والجواب على الآية الأولى يقع من وجوه:
أ ـ إن اثبات الأفضلية لهم على سائر الأمم، كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة (خير أمة) لاتستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال، بل تكفي الاستقامة النسبية لأفرادها، فيكون معناها أن هذه الأمة مثلاً في مفارقات أفرادها، أقل من الأمم التي سبقتها فهي خيرهم من هذه الناحية، هذا إذا لم نقل أن الآية إنما فضلتهم من جهة تشريع الأمر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى: {تَأْمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ}، فلا تكون واردة في مقام جعل الحجية لأقوالهم أصلاً.
ب ـ إن التفضيل الوارد فيها انما هو بلحاظ المجموع ـ ككل ـ لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال، ولذا لا نرى أية منافاة بين هذه الآية وبين ما يدل ـ لو وجد ـ على تفضيل حواري عيسى مثلا على بعض غير المتورعين من الصحابة.
ج ـ إنها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات إذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم إحراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لا يمكن التمسك بها بحال.
د ـ إن هذا الدليل لو تم فهو أوسع من المدعى بكثير لكون الأمة أوسع من الصحابة ولا يمكن الالتزام بهذا التعميم.
وقد تنبه الشاطبي لهذا الإشكال ودفعه بقوله: «ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم».
«لأنا نقول أولاً: ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر، وثانياً: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول ما تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم المباشرون للوحي، وثالثاً: أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال الأهم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح»([493]).
ولكن هذه المناقشات لا يتضح لها وجه، أما الأولى فلأن اختصاص الخطاب بهم مبني على ما سبقت الإشارة إليه من اختصاص الحجية بخصوص المشافهين لامتناع خطاب المعدوم وقد تقدم ما فيه بالإضافة إلى أن هذا الاشكال لو تم فهو لا ينفع المستدل لاختصاصه بخصوص الحاضرين في مجلس الخطاب لامتناع خطاب غير الحاضر؛ واذن تختص الآية بخصوص من حضروا المجلس عند نزول الآية، وليس كل الصحابة، على ان دليل المشاركة وحده كاف في التعميم.
وأما المناقشتان الثانية والثالثة، فهما واضحتا البطلان لانكار الأولية والأولوية في القضايا التي يكون مساقها مساق القضية الحقيقية لأن نسبتها إلى الجميع تكون نسبة واحدة من حيث الدلالة اللفظية؛ على أن أولية الدخول أو أولويته لا يستلزم صرف الخطاب إليهم وقصره عليهم، لأن مقتضاها يوجب مشاركة الغير لهم في الدخول مع تأخر في الزمان أو الرتبة، فما ذكره من الاختصاص بهم من هذه الجهات لا يخلو من مؤاخذة.
ومع ثبوت التعميم لا يمكن إثبات أحكام النسبة لجميع الأمة كما هو واضح.
وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية فهي، بالإضافة إلى هذه المؤاخذات على الاستفادة منها والغض عن تسليم افادتها لعدالتهم جميعاً، أن مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة وإلا لعممنا الحكم إلى كل عادل سواء كان صحابياً أم غير صحابي، لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لا يتعمدون الخطيئة، أما مطابقة ما يصدر عنهم للأحكام الواقعية ليكون سنة، فهذا أجنبي عن مفهوم العدالة تماماً.
«والثاني ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم، وأن سننهم في طلب الإتباع كسنة النبي (صلّى الله عليه وآله) كقوله: الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، وقوله: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلاَّ به، وعنه أيضاً: «أن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير». ويروي في بعض الأخبار: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، إلى غير ذلك مما في معناه»([494]).
والجواب عن هذه الأحاديث ونظائرها ـ بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه «حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلّى الله عليه وآله)»([495]) إن هذه الروايات لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها، ولا دلالة للبعض الآخر على المدعى.
وأول ما يرد على الرواية الأولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالاقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة أن يعبدنا الشارع بالمتناقضين، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تأريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث.
وحسبك أن سيرة الشيخين مما عرضت على الامام علي (ع) يوم الشورى، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك، وقبلها عثمان وخرج عليها باجماع المؤرخين، وفي أيام خلافة الامام، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان، وخرج على سيرته سواء في توزيع الأموال أو المناصب أم اسلوب الحكم، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة، فأبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت فيها، وابو بكر كان يرى طلاق الثلاث واحدا، وعمر شرعه ثلاثا، وعمر منع عن المتعتين، ولم يمنع عنهما الخليفة الأول ونظائرها ذلك اكثر من أن تحصى .
وعلى هذا، فأية هذه السيرة هي السنة؟ وهل يمكن أن تكون كلها سنة حاكية عن الواقع حكمين متناقضين؟! وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله: «فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف، وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة»([496]).
على أن بعض هذه الروايات أضيق من المدعى لاختصاصها بالخلفاء الراشدين كالرواية الأولى، فتعميمها إلى مختلف الصحابة لا يتضح له وجه، والروايات الباقية أجنبية عن إفادة إثبات جعل الحجية لما يصدر عنهم وغاية ما تدل عليه ـ لو صحت أسانيدها ـ مدحهم والثناء عليهم، والمدح والثناء لا يرتبطان بعالم جعل الحجية للممدوحين.
على أن هذه الروايات ـ على تقدير تمامية دلالتها ـ مخصصة بما دل على ارتداد أكثرهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال:إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاَّ مثل همل النعم»([497]) وفي روايته الأخرى عن سهل بن سعد قال: «قال النبي (صلّى الله عليه وآله): إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، وقال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: إنهم مني، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن غير بعدي»([498]).
وفي روايته الثالثة عن أنس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك»([499]).
إلي غير هذه الروايات مما عرضها البخاري في باب الحوض وغيره، كما عرضها غيره من أصحاب الصحاح وسائر السنن([500])، ولا يهم عرضها، وطبيعة الجمع بين الأدلة تقتضي تقييد تلكم الأدلة بغير المرتدين فمع الشك في ارتداد أحد الصحابة لا يمكن التمسك بتلكم العمومات لعدم إحراز موضوعها وهو الصحابي غير المرتد، ويكون التمسك بها من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، والتحقيق أنه لا يسوغ لأن القضية لا تثبت موضوعها بل تحتاج إلى إثباته من خارج نطاق الدليل.
وقد يقال إن المراد بالمرتدين هم أصحاب الردة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر، وهم معلومون فلا تصل النبوة إلى الشك والتوقف عن التمسك بتلكم العمومات، ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً لمنافاته بصراحة لرواية أبي هريرة السابقة التي صرحت بقولها: «فلا أراه يخلص إلاَّ مثل همل النعم» وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى ذلك أنها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أن هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلاَّ أقل القليل.
ولولا أننا في مقام التماس الأدلة إلى أحكام الله عز وجل، وهو يقتضينا أن لا نترك ما نحتمل مدخليته في مقام الحجية رفعا او وضعا لكنا في غنى عن عرض هذه الأخبار والأحاديث والتحدث فيها.
وما يقال عن هذه الأحاديث، يقال عن آية {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقْبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً}([501]) وكأن هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته.
الثالث «إن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلاً، وبعضهم يعد قول الخلفاء الأربعة دليلاً، وبعضهم يعد قول الصحابة على الاطلاق حجة ودليلاً، ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلاَّ لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع من غيره وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته، ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم»([502]).
والجواب على هذا النوع من الاستدلال أنه أجنبي عن اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، وغاية ما يدل عليه ـ لو صح ـ أن جمهور العلماء كانوا يرونهم في مجالات الرواية أو الرأي أوثق أو أوصل من غيرهم، والصدق والوثاقة وأصالة الرأي شيء وكون ما ينتهون إليه من السنة شيء آخر، وقول الشافعي الذي نقله نفسه يبعدهم عن هذا المجال اذ كيف يمكن له أن يحج من كان قوله سنة، وهل يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام عن النبي(صلّى الله عليه وآله)؟.
على أن هذا النوع من الترجيح لأقوالهم لا يعتمد أصلاً من أصول التشريع، والعلماء لم يتفقوا عليه ليشكل اتفاقهم إجماعاً يركن اليه.
الرابع: «ما جاء في الأحاديث من ايجاب محبتهم، وذم من أبغضهم، وأن من أحبهم فقد أحب النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه فقط إذ لا مزية في ذلك، وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة»([503]).
والجواب عن هذا الاستدلال أوضح من سابقه لأن ما ذكره من التعليل لا يكفي لاعطائهم صفة المشرعين أو إلحاق منزلتهم بمنزلة النبوة، وغاية ما يصورهم أنهم أناس لهم مقامهم في خدمة الاسلام والالتزام بتعاليمه، ولكنه لا ينفي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة، على أن لأرباب الجرح والتعديل حساباً مع الكثير من روايات هذا الباب لا يهم عرضها الآن.
هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، أما جعل الحجية لأقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فلذلك حساب آخر.
وقد استدل الشيعة على حجية سنة أهل البيت (عليهم السلام) بأدلة كثيرة، يصعب استعراضها جميعا واستيفاء الحديث فيها، وحسبنا أن نعرض منها الآن نماذج لا تحتاج دلالتها إلى مقدمات مطوية ليسهل استيعاب الحديث فيها.
وأهم ما ذكروه من أدلتهم على اختلافها ثلاثة:
الكتاب، السنة النبوية، العقل.
والذي يهمنا من هذه الأدلة التي عرضوها لإثبات مرادهم هو كل ما دل أو رجع إلى لزوم التمسك بهم، والرجوع إليهم، واعتبار قولهم حجة يستند إليها في مقام إثبات الواقع.
ومجرد مدحهم والثناء عليهم من قبل الله عز وجل أو النبي (صلى الله عليه وآله) لا يكفي في اعتبار الحجية لما يصدر عنهم وإن قربت دلالته في كتب الشيعة الكلامية بعد ذكر مقدمات مطوية قد لا يخلو بعضها من مناقشة، وقد سبق أن تحدثنا فيما يشبه الموضوع مع الشاطبي عندما استدل على اعتبار سنة الصحابة بأخبار المدح والثناء عليهم، وما قلناه هناك نقوله هنا، وإن كان نوع المديح يختلف لسانه، وربما كان في لسان بعضه هنا ما يشعر بالحجية، ولا يهم إطالة الحديث فيه.
ثم أن الأحاديث التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله) واستدلوا بها على الحجية، تختلف في أسانيدها، فبعضها يرجع إلى أهل البيت أنفسهم، وينفرد أو يكاد بروايته شيعة أهل البيت، وبعضها الآخر مما يتفق على روايته الشيعة وأهل السنة على السواء.
أدلتهم من الكتاب
واستدلوا من الكتاب بآيات عدة وأهمها آيتان:
الأولى آية التطهير وهي: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرا}.
وهناك شبهة أثاروها حول المراد من أهل البيت، فالذي عليه عكرمة ومقاتل ـ وهما من أقدم من تبنى إبعادها عن أهل البيت في عرف الشيعة ـ نزولها في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة.
وكان من مظاهر إصرار عكرمة وتبنيه لهذا الرأي: انه كان ينادي به في السوق([504])، وكان يقول: «من شاء باهلته إنها نزلت في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله»([505]) والذي يبدو أن الرأي السائد على عهده كان على خلاف رأيه كما يشعر فحوى رده على غيره «ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله)» ([506]) وقد نسب هذا الرأي إلى ابن عباس، ويبدو أنه المصدر الوحيد في النسبة إليه وإن كان في أسباب النزول للواحدي رواية عن ابن عباس يرويها سعيد بن جبير دون توسط عكرمة هذا([507])، إلاَّ أن رواية ابن مردويه لها عن سعيد بن جبير عنه([508]) ـ أي عن عكرمة ـ عن ابن عباس يقرب أن يكون في رواية الواحدي تدليس وهما راوية واحدة، وقد استدل هو أو استدلوا له بوحدة السياق، لأن الآية إنما وردت ضمن آيات نزلت كلها في نساء النبي، ووحدة السياق كافية لتعيين المراد من أهل البيت.
والحديث حول هذه الشبهة يدعونا إلى تقييم آراء كل من عكرمة ومقاتل، ومعرفة البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كل هذا الإصرار والموقف غير المحايد، حتى اضطره الموقف إلى الدعوة إلى المباهلة والنداء في الأسواق، وهو موقف غير طبيعي منه، ولا آلف في غير هذا الموقف المعين.
والظاهر إن لذلك كله ارتباطا بعقيدته التي تبناها يوم اعتنق مذهب الخوارج([509]) وبخاصة رأي نجدة الحروري.
وللخوارج موقف من الإمام علي (عليه السلام) معروف، فلو التزم بنزول الآية في أهل البيت بما فيهم الإمام علي، لكان عليه القول بعصمته ولاهار على نفسه أسس عقيدته التي سوغت لهم الخروج عليه ومقاتلته، وبررت لهم ـ أعني الخوارج ـ قتله.
وقد استغل علائقه بابن عباس وسيلة للكذب عليه، وكان ممن يستسيغون الكذب في سبيل العقيدة ـ فيما يبدو ـ ومن أولى من ابن عباس في الكذب عليه فيما يتصل بهذا الموضوع الحساس ـ وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عباس بين خاصته حتى كان يضرب المثال فيه، فعن ابن المسيب «أنه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال ذلك أيضا لمولاه نافع».
وقد حاول علي بن عبد الله بن عباس صده وردعه عن ذلك، ومن وسائله التي اتخذها معه أنه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن أبي الحرث: «دخلت على ابن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي»، وحقده فيما يبدو لم يختص بأهل البيت وإنما تجاوزهم إلى جميع المسلمين عدا الخوارج، فعن خالد بن عمران قال: «كنا في المغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً، وعن يعقوب الحضرمي عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاَّ كافر»([510]).
وأما مقاتل فحسابه من حيث العداء لأمير المؤمنين حساب عكرمة، ونسبة الكذب إليه لا تقل عن نسبتها إلى زميله عكرمة، حتى عدّه النسائي في جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث([511]). وقال الجوزجاني، كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهبي: كان مقاتل كذاباً جسوراً([512]).
«وكان يقول لأبي جعفر المنصور: أنظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه، وقال للمهدي: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لا حاجة لي فيه»([513])، وإذا كان كل من مقاتل وعكرمة بهذا المستوى لدى أرباب الجرح والتعديل، فأمر روايتهما ورأيهما لا يحتاج إلى إطالة حديث وبخاصة في مثل هذه المسألة التي تمس مواقع العقيدة أو العاطفة من نفسيهما.
ولكن هذه البواعث فيما يبدو، خفيت على بعض الأعلام، فأقاموا لرأيهما وروايتهما وزنا، ولذلك نرى أن نعود إلى التحدث عن ذلك بعيدا عن شخصيتهما لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي.
1 ـ والذي لاحظته من قسم من الروايات: أن لفظة الأهل لم تكن تطلق في ألسنة العرب على الأزواج إلاَّ بضرب من التجوز، ففي صحيح مسلم: إن زيد بن أرقم سئل عن المراد بأهل البيت هل هم النساء؟ «قال: لا وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومه»([514]).
وفي رواية أم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرا}، وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على باب البيت، قلت: ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير إنك من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)»([515])، فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها، وإثبات الزوجية لها: يدل على أن مفهوم الأهل لا يشمل الزوجة، كما إن تعليل زيد بن أرقم يدل على المفروغية عن ذلك ولا يبعد دعوى التبادر من كلمة أهل خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى ثابتة غير قابلة للزوال، والزوجة وإن كانت قريبة من الزوج إلاَّ أن وشائجها القريبة قابلة للزوال بالطلاق وشبهه، كما ذكر زيد.
2 ـ ومع الغض عن هذه الناحية، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدعه لنفسها واحدة من النساء، بل صرحت غير واحدة منهن بنزولها في النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
«أخرج الترمذي، وصححه. وابن جرير وابن المنذر والحاكم، وصححه وابن مردويه والبيهقي في سنن من طرق عن أم سلمة (رض) قالت: في بيتي نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ}، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجللهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([516]).
وفي رواية أم سلمة الأخرى، وهي صحيحة على شرط البخاري «في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، فأرسل رسول الله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي»([517]).
وحديث الكساء، الذي كاد أن يتواتر مضمونه لتعدد رواته لدى الشيعة والسنة في جميع الطبقات، حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص، تقول عائشة: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)» ([518]).
والذي يبدو أن الغرض من حصرهم تحت الكساء، وتطبيق الآية عليهم، ومنع حتى أم سلمة من الدخول معهم، كما ورد في روايات كثيرة، هو التأكيد على اختصاصهم بالآية، وقطع الطريق على كل ادعاء بشمولها لغيرهم.
وهناك روايات آحاد توسع بعضها في الجالسين تحت الكساء إلى ما يشمل جميع أقاربه وبناته وأزواجه، وبعضهم تخصهم بالعباس وولده حيث أشتمل النبي (صلى الله عليه وآله) «على العباس وبنيه بملاءة، ثم قال: يا رب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقالت أمين وهي ثلاثاً»([519]).
وهي لعدم طبيعتها وضعف أسانيدها، ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن يطال فيها الحديث، ومن رغب في الإطلاع عليها فليقرأها مع محاكماتها في كتاب دلائل الصدق([520])، وحسبها وهنا أن لا يستدل بها أو يستند إليها أحد من أولئك أو أحد إتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لأمثالهم.
وكان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد خشي أن يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الأسماع، وتطمئن إليه القلوب، يقول أبو الحمراء: «حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلاَّ أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»([521]). وفي رواية ابن عباس، قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب (عليه السلام) عند وقت كل صلاة، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت، (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً»([522]).
ومع ذلك كله، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات من أمثالها([523]) حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها؟.
3 ـ أما ما يتصل بدعوى وحدة السياق، فهي لو تمت لما كانت أكثر من كونها اجتهادا في مقابلة النص، والنصوص السابقة كافية لرفع اليد عن كل اجتهاد جاء على خلافها، على أنها في نفسها غير تامة، لأن من شرائط التمسك بوحدة السياق إن يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدد في الكلام لا مجال للتمسك بها بحال.
ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبي، لا يدل على وحدة الكلام لما نعرف من أن نظم القرآن لم يجر على أساس من التسلسل الزمني، فرب آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس فضلا عن إثبات أن الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة.
ومع تولد هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسك بوحدة السياق، وأي سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول.
على أن تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها يقرب ما قلناه، إذ أن وحدة السياق تقتضي اتحادا في نوع الضمائر، ومقتضى التسلسل الطبيعي أن تكون الآية هكذا، إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت لا عنكم.
والظاهر من روايات أم سلمة، وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية أنها نزلت منفردة كما توحي به مختلف الأجواء التي رسمتها رواياتها لما أحاط بها من جمع أهل البيت وإدخالهم في الكساء ومنعها من مشاركتهم في الدخول إلى ما هنالك.
والحق الذي يتراءى لنا من مجموع ما رويناه من نزول الآية وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على عدم مشاركة الغير لهم فيها واتخاذه الاحتياطات بإدخالهم تحت الكساء، ليقطع بها الطريق على كل مدع ومتقول، ثم تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كل يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة، كل ذلك ما يوجب القطع بأن الآية شأنا يتجاوز المناحي العاطفية، وهو ما يتنزه عنه مقام النبوة لأمر يتصل بصميم التشريع من إثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع اليهم والتأثر والتأسي بهم في أخذ الأحكام، على أن الآية لا يتضح لها معنى غير ذلك كما أوضحناه في بداية الحديث.
الآية الثانية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}([524])، وقد قرب الفخر الرازي دلالتها على عصمة أولي الأمر في تفسيره لهذه الآية بقوله: «إن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوما عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً»([525]).
ولكن الفخر الرازي خالف الشيعة في دعواهم في إرادة خصوص أئمتهم من هذه الآية وقرب أن يكون المراد منها أهل الإجماع بالخصوص، واستدل على ذلك بقوله: «ثم نقول: ذلك المعصوم».
وأما مجموع الأمة أو بعض الأمة غير جائز أن يكون بعض الأمة لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وأجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك، علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض الأمة ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا، وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: وأولي الأمر أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة([526]).
ثم استعرض بعد ذلك الأقوال الأخر في الآية وناقشها جميعا مناقشات ذات أصالة وجهد حتى انتهى إلى رأي من أسماهم بالروافض، فقال:
«وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر قوله: (أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) يقتضي الإطلاق، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة وهو قوله: (وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.
الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلاَّ إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.
وثالثها: أنه قال: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه»([527]).
والذي يرد ـ على الفخر الرازي في استفادته وجوب إطاعة أهل الإجماع وإنهم هم المراد من كلمة أولي الأمر لا الأئمة ـ بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة متعلق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الأئمة والوصول إليهم ينتفي المشروط.
وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه، إذ لازمه أن تتحول جميع القضايا المطلقة إلى قضايا مشروطة لأنه ما من قضية إلاَّ ويتوقف امتثالها على معرفة متعلقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطا فيها لزمت أن تكون مشروطة.
والظاهر أن الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلق إنما هو من النوع الثاني أي من نوع ما يتوقف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه، إذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه بالنسبة إليها للزوم تحصيل الحاصل.
وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكاليف، لا يمكن أخذه شرطا فيها بما هو متعلق لها لتأخره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور.
على أن هذا الإشكال وارد عليه نقضاً، لأن إجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما يحتاج إلى معرفة، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد لاحتياجها إلى استيعاب جميع المجتهدين وليس من السهل استقراؤهم جميعاً والإطلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الإطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط والإشكال نفس الإشكال.
والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول إلى الأئمة ومعرفة آرائهم!! مع توفر أدلة معرفتهم وإمكان الوصول إلى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.
ثم أن استفادة الإجماع من كلمة (أولي الأمر) مبنية على إرادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه إلى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيا، فلو قال الشارع: أعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة مثلا فهل معنى ذلك لزوم إعطائها لهم مجتمعين وإعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (أولو الأمر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك مادام أهل الإجماع أنفسهم مما يحتاجون إلى المعرفة كالأئمة، ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين ـ كما قلنا ـ وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.
وقد اتضحت الإجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من إشكالات.
أما الإشكال الأول: فهو بالإضافة إلى وروده نقضا عليه لأن إطاعة الله والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة، إن المعرفة لا يمكن أخذها قيداً في أصل التكليف لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على إطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول.
والإشكال الثاني: يتضح جوابه مما ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كل فرد حكمه فإذا قال المشرع الحديث مثلاً: حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية، فإن معناه أن حكم كل واحد منهم، نافذ لا حكمهم مجتمعين، نعم يظهر من إتيانه بلسان الجمع أن أولي الأمر أكثر من فرد واحد وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه أن يكونوا مجتمعين في زمان واحد لأن صدق الجمع على الأفراد الموزعين على الأزمنة لا ينافي ظاهره.
يبقى الإشكال الثالث: وهو عدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الرد إليهم عند التنازع بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول، وهذا الإشكال أمره سهل لجواز الحذف اعتمادا على قرينة ذكره سابقا، وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}.
والإشكال الذي يرد على الشيعة ـ بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الأمر كما قال الفخر ـ إن القضية لا تثبت موضوعها فهي لا تعين المراد من أولي الأمر وهل هم الأئمة من أهل البيت أو غيرهم، فلا بد من إثبات ذلك إلى التماس أدلة أخرى من غير الآية، وسيأتي الحديث حول ذلك في جواب سؤال من هم أهل البيت.
والآيات الباقية التي استدلوا بها على العصمة حساب ما يدل منها عليها حساب هذه الآية من حيث عدم تعيينها للإمام المعصوم، فالمهم أن يساق الحديث إلى أدلتهم من السنة النبوية.
أدلتهم من السنة
وأول أدلتهم من السنة وأهمها:
حديث الثقلين:
وهذا الحديث يكاد يكون متواتراً بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة وفي مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.
ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر، أنها أصدرت رسالة إضافية ألفها بعض أعضائها في هذا الحديث أسمتها: (حديث الثقلين)، وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى أهل السنة.
وحسب الحديث لئن يكون موضع اعتماد الباحثين أن يكون من رواته كل من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الأولياء، وكنز العمال، وغيرهم، وأن تعني بروايته كتب المفسرين أمثال الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير، وغيرهم، بالإضافة إلى الكثير من كتب التأريخ، واللغة، والسير، والتراجم…
وقد تحدثنا عن هذا الحديث وما انطوى عليه من عرض كثير من الأحاديث المعتبرة ذات الدلالة على حجية رأيهم ما يغني عن استعراض بقية الأحاديث ودراستها فليرجع إليها في مظانها من الكتب المطولة.
الطرق القطعية إلى السنة:
والسنة بما هي سنة، وإن كان حجيتها ـ كما قلنا ـ من الضروريات إلاّ أنّ مجالات الاستفادة منها لبحوثنا الفقهية موقوفة على ركائز أخر بالنسبة إلينا.
وقد نكون في غنى عن هذه الركائز لو كنّا على عهد المعصومين، ولدينا من المؤهلات البيانية ما يرفعنا إلى فهم كلماتهم والاستفادة منها.
ولكن بعدنا عن زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته ولد لنا بحوثاً لا بد من اعتمادها ركيزة من ركائز الاستنباط الأساسية بعد دراستها والخروج منها بالثمرة المتوخاة:
وهذه البحوث ذات أقسام:
يقع بعضها في الطرق والوسائل المثبتة للسنة والموصلة إليها، وتقع الأخرى في كيفية الاستفادة منها، ثم معرفة مدى نسبتها للكتاب.
ولعلنا نرى بعد حين أنّ أكثر ما أثير من الشبه حول حجية السنة على ألسنة بعض القدامى، فإنّما هو منصب على الطرق الموصلة إليها، أو على كيفيات الاستفادة منها، وإن ضاق ببعضهم التعبير فأداه بما يشعر بإنكار حجية أصل السنة، وسيتضح ذلك من عرض حججهم ومناقشتها.
وعلى هذا، فالبحوث (حول السنة) إنّما تقع في مواقع:
1 ـ الطرق المثبتة لها بطريق القطع.
2 ـ الطرق المثبتة لها بغير القطع.
3 ـ كيفية الاستفادة منها.
4 ـ موقع السنة من الكتاب. ولكل منها أقسام وفيه بحوث.
والذي ينبغي أن يقال جرياً على ما أوصلناه في مباحث الحجة أنّ الطرق التي لها أهلية الإيصال إليها ذات قسمين:
1 ـ قطعية.
2 ـ وغير قطعية.
ولكل منها أقسام لا بد من استقراء المهم منها والتماس أدلته، وحججه، وفحصها وتقييمها على أساس مقارن.
الطرق القطعية:
وقد ذكروا لها أقساماً أهمها ستة:
1 ـ الخبر المتواتر.
2 ـ الخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره.
3 ـ الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم.
4 ـ بناء العقلاء الكاشف عن رأي المعصوم فيه.
5 ـ سيرة المتشرعة عن رأي المعصوم فيها.
6 ـ ارتكاز المتشرعة.
الخبر المتواتر:
ويراد به إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعا عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس، على أن يجري هذا المستوى في الأخبار في جميع طبقات الرواة، حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة.
فلو تأخر التعدد في طبقة ما، أو فقد أحد تلكم الشروط، خرج عن كونه متواتراً إلى أخبار الآحاد، لأن النتائج ـ كما يقول علماء الميزان ـ: تتبع دائماً أخس المقدمات.
ومثل هذا الخبر أعني المتواتر ـ مما يوجب علما بصدور مضمونه، والعلم ـ كما سبق بيانه ـ: حجة ذاتية لا تقبل الوضع والرفع.
وقد جعلوا له شروطا اختلفوا في تعددها، ويمكن انتزاعها جميعا من نفس التعريف: يقول المقدسي: (وللتواتر ثلاثة شروط):
«الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس، إذ لو أخبرنا الجم الغفير عن حدوث العالم وعن صدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم بخبرهم».
«الثاني: أن يستوي طرف الخبر ووسطه في هذه الصفة وفي كمال العدد، لأن كل عصر يستقل بنفسه فلا بد من وجود الشروط فيه، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى (عليه السلام) تكذيب كل ناسخ لشريعته».
«الشرط الثالث: في العدد الذي يحصل به التواتر واختلف الناس فيه، فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة، وقال قوم: بخمسة، وقال قوم: بعشرين، وقال آخرون: بسبعين، وقيل: غير ذلك».
«والصحيح أنه ليس له عدد محصور»([528]).
ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني في درايته وهو يعرفه ويشير إلى شروطه: «هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك بعدد خاص»([529]).
ومثلهما غيرهما من أعلام الشيعة والسنة على غموض في أداء بعضهم ربما أو هم خلاف ذلك.
على أن هذه التحديدات، ليست بذات ثمرة إلا في حدود تشخيص المصطلح للخبر المتواتر وتحديد مفهومه وكل ما كتب في هذا الشأن، فإنما هو لتشخيص صغريات ما يقع به العلم عادة، وهذه الشرائط وأشباهها من موجبات ما يحصل بها التشخيص، وإلا فإن المدار على العلم فإن حصل منها فهو الحجة، وإن لم يحصل احتجنا إلى التماس دليل على الحجية، وليس في هذه الشرائط ما يشير إليه.
وأمثلة المتواتر كثيرة، وقد عدوا منها كل ما يتصل بضروريات الدين، كالفرائض اليومية وأعدادها وأعداد ركعاتها، وصوم شهر رمضان وكالذي مرّ في حديث الثقلين.
واعتبروا منها قوله (صلّى الله عليه وآله): «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»([530]).
الخبر المحفوف بالقرائن القطعية: ويراد به الخبر غير المتواتر، سواء أكان مشهوراً أم غير مشهور، على أن يحتف بقرائن توجب القطع بصدوره عن المعصوم.
والمدار في حجية هذا النوع من الاخبار هو حصول العلم منه كالخبر المتواتر، والعلم بنفسه ـ كما سبق بيانه ـ حجة ذاتية، فلا نحتاج بعده إلى التماس أدلة على الحجية.
الإجماع
والبحث في الإجماع له استقلاله وليس موضعه هنا نظراً لاعتباره لدى الأكثر مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع في مقابل الكتاب والسنة.
نعم في بعض المباني وبخاصة لدى الأكثر من علماء الشيعة هو كشفه عن رأي المعصوم على نحو القطع، فيكون من حقه على هذا المبنى أن يبحث عنه في هذا الموضع، ولا يعتبر من الأدلة المستقلة.
بناء العقلاء
ويراد به صدور العقلاء عن سلوك معين تجاه واقعة ما صدوراً تلقائياً، ويتساوون في صدورهم عن هذا السلوك على اختلاف في أزمنتهم وأمكنتهم، وتفاوت في ثقافتهم ومعرفتهم، وتعدد في نحلهم وأديانهم.
وأمثلته كثيرة منها: صدور العقلاء جميعاً عن الأخذ بظواهر الكلام، وعدم التقيد بالنصوص القطعية منه، على نحو يحمل بعضهم بعضاً لوازم ظاهر كلامه: ويحتج به عليه، ومنها:
صدور العقلاء جميعاً عن الرجوع إلى أهل الخبرة ـ فيما يجهلونه من شؤونهم الحياتية وغيرها ـ فالمريض يرجع إلى الطبيب، والجاهل يرجع إلى العالم، وهكذا…
وحجية مثل هذا البناء إنما تتم إذا تمّ كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور فيما تمكن فيه المشاركة، أو إقراره لهم على ذلك فيما لم تمكن فيه.
وسر احتياجنا إلى الكشف عن مشاركة المعصوم، أو إقراره ولو من طريق عدم الردع فيما يمكنه الردع عنه مع اطلاعه عليه، أن هذا البناء ليس من الحجج القطعية في مقام كشفه عن الواقع، لجواز تخطئة الشارع لهم في هذا السلوك.
والفرق بينه وبين حكم العقل، أن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، كما يأتي بيانه، وهذا البناء لا يشترط فيه ذلك لكونهم يصدرون عنه، ـ كما قلنا ـ صدوراً تلقائياً غير معلل، فهو يكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح والفساد، ولعل قسماً كبيراً من الظواهر الاجتماعية منشؤه هذا النوع من البناء.
ومع عدم كشفه عن الواقع فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له، ومع إقراره أو عدم ردعه أو صدوره هو عنه يقطع الانسان بصحة الاحتجاج به عليه.
سيرة المتشرعة
وهي صدور فئة من الناس ينتظمها دين معين أو مذهب معين عن عمل ما أو تركه، فهي من نوع بناء العقلاء مع تضييق في نوع من يصدر عنهم ذلك البناء، وحجية مثل هذه السيرة إنما تكون بعد إثبات امتدادها تأريخيا إلى زمن المعصوم وإثبات مشاركته لهم في السلوك فيما يمكن صدوره منه أو إقرارها من قبله، ولو من قبيل عدم ردعه عنها مع إمكان الردع والاطلاع عليها فيما لم يمكن صدورها منه.
ومع عدم إثبات ذلك لا مجال للتمسك بها بحال، وما أكثر السير المنقطعة من وجهة تأريخية لكونها حادثة، أو لا يمكن إثبات امتدادها لذلك الزمن.
والمقياس في حجيتها كشفها عن فعل المعصوم أو إقراره كشفا قطعيا ليصح الاحتجاج بها.
وبهذا ندرك قيمة ما يحتج به أحياناً من ادعاء قيام السيرة القطعية على فعل شئ أو تركه مع عدم إمكان إثبات امتدادها تأريخياً إلى زمن المعصوم، وقد يكون منشؤها فتوى سائدة يمر عليها جيل أو جيلان، تتخذ طابع السيرة لدى الناس.
وكثير من الاعراف والعادات التي تشيع في بلد ما، أو بيئة معينة حسابها نفس هذا الحساب، وإن أصبح لها في نفوس العوام طابع الشعار المقدس.
ونحن نعلم أن قسماً من الفتاوى التي سادت في بعض المذاهب لا منشأ لها إلاَّ هذا العرف المستحدث، وهو ما لا يصلح أن يكون حجة.
وعلى أي حال فما كشف عن السنة منها قولا أو فعلا أو إقرارا، كان حجة، وإلا فلا دليل على حجيته قطعاً لما سبق أن قلنا في التمهيد الثاني من أن كل حجة لا تنهي إلى القطع فهي ليست بحجة، وأن الشك في حجية شئ ما كاف للقطع بعدمها.
ارتكاز المتشرعة
وقد شاع استعمال هذا الاصطلاح على السنة بعض أساتذتنا المتأخرين، والظاهر أنهم يريدون به بالإضافة إلى توفر السيرة على الفعل أو الترك، بالنسبة إلى شئ ما، شعور معمق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله أو تركه المتشرعون لا يعلم مصدره على التحقيق.
الفارق بينه وبين سيرة العقلاء أو المتشرعة:
إن سيرة العقلاء أو المتشرعة بحكم كونها فعلا أو تركا لا لسان لها، فهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم، وإن دلت على جوازه بالمعنى العام عند الفعل أو عدم وجوبه عند الترك، لكن ارتكاز المتشرعة يعين نوعه من وجوب أو حرمة أو غيرهما.
حجيته
وحجيته مثل هذا الارتكاز لا تتم إلاَّ إذا علمنا بوجوده في زمن المعصومين وإقرارهم لأصحابه عليه، ومثل هذا العلم يندر حصوله جداً، وتكوين الارتكاز في نفوس الرأي العام لا يحتاج من وجهة نفسية إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاث على الحرمة مثلا، ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها.
الطرق غير القطعية
ونريد بها خصوص ما كان له قابلية الكشف عن السنة كشفاً ناقصاً وهي على قسمين:
1 ـ ما قام على اعتباره دليل قطعي.
2 ـ ما لم يقم على اعتباره دليل.
ويكاد ينحصر الأول منهما باخبار الآحاد على تفصيل فيها.
خبر الواحد
وقد عرفوه بتعريفات متعددة ترجع في جوهرها إلى ما يقابل الخبر المتواتر والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع واحداً كان أو أكثر.
الاختلاف في حجيته:
وقد اختلفوا في حجيته على أقوال لا تكاد تلتقي، فمنهم من منع العمل به مطلقاً، ومنهم من أجازه([531]).
والمانعون يختلفون في سبب المنع فمنهم من يعزوه إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى ابن علية والأصم، ومنهم من ينسبه إلى الشرع كالقاشاني من أهل الظاهر([532]).
والمجوزون مختلفون بدورهم أيضا فمنهم من يستند في حجيته إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وابن شريح وأبو الحسن البصري والصيرفي من الشافعية([533]) وزاد أحمد بن حنبل: «إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في كتاب الأحكام عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارثي المحاسبي، قال: وبه نقول وحكاه ابن خواز منداد عن مالك بن أنس، واختاره وأطال في تقريره»([534]).
وأكثر علماء الإسلام على حجيته على اختلاف بينهم في شروط الحجية ومناشئها.
ويعرف الوجه في حجيته وعدمها من عرض أدلتها إثباتاً ونفياً، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيل الأقوال فيها ومناقشتها بجميع ما لها من خصوصيات.
أدلة المثبتين
وقد استدل المثبتون ـ على اختلاف أدلتهم ـ بعد ضم بعضها إلى بعض بالأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الإجماع، حكم العقل.
وأهم أدلتهم من الكتاب آيتان:
أولاهما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([535]).
والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها أنّها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم إذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد وإن كان غير مؤتمن على النقل.
وقد صبت الآية ردعها على خصوص الفاسق ـ بما أنّه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله بقرينة تعليقها التبيين على نبئه بالخصوص.
وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشرط عن إقرارهم على الأخذ بخبر غيره.
وليست القضية هنا واردة لبيان الموضوع ـ كما قد يتخيل ذلك ـ لكون الجزاء معلقاً على المجئ، بانتفاء الموضوع وهي لا تدل على المفهوم.
وذلك لأن الموضوع في القضية الشرطية إذا كان مؤلفاً من جزءين: «أحدهما مما يتوقف عليه الجزاء عقلاً دون الآخر، كما إذا قيل: إن ركب الأمير، وكان ركوبه يوم الجمعة، فخذ بركابه، فإن توقف الجزاء على أصل الركوب عقلي، وعلى كونه يوم الجمعة شرعي مولوي، ففي ذلك يثبت لها المفهوم بالاضافة إلى خصوص الجزء الذي لا يتوقف عليه تحقق الجزاء عقلاً ولا يكون لها مفهوم بالإضافة إلى الجزء الآخر»([536]).
والموضوع الذي ركز عليه التبين هنا، كان مركباً من النبأ ومجئ الفاسق به، فإذا انتفى مجئ الفاسق به، انتفى لزوم التبين عنه، فكأنه قال النبأ الذي لا يجئ به الفاسق لا يجب التبين عنه، وهو معنى حجية النبأ الذي يجئ به غير الفاسق، والظاهر أن انطواء الآية على تخصيص الردع بقسم من الأخبار التي قام بناؤهم على الأخذ بها مطلقاً وإقرار الباقي مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لكلام، وظهورها في ذلك لا تزعزعه كثرة ما أورد عليها من إشكالات قد يخضع أكثرها لفلسفة لغوية، ولكنه لا يقوى مهما كانت قيمته على زلزلة ما لها من ظهور عرفي وهو الأساس في الحجية، وبخاصة إذا لاحظنا أسلوب عرضها للفكرة وألقينا عليها الأضواء من أسباب النزول.
ولكن الآية في ظاهرها واردة لإقرار بناء عقلائي ورادعة عن قسم منه، وهو الأخذ بأخبار الفاسق ـ بما أنه غير مؤتمن على خبره كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، ويقتضيه التعليل ـ فهي من مكملات الدليل القادم، أعني بناء العقلاء.
الآية الثانية وهي قوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}([537]).
والذي يبدو لي من صدر الآية أن شبهة عرضت لبعض من هم خارج المدينة من المسلمين في أن لزوم التفقه المباشر من النبي (صلى الله عليه وآله) إنما هو من قبيل الواجبات العينية التي لا يسقطها قيام البعض بها عنهم، ففكروا بالنفر جميعاً إلى المدينة ليأخذوا الأحكام عنه مباشرة، فنزلت هذه الآية لتفهمهم بأن هذا النوع من النفر الجماعي لا ضرورة له، وليس هو مما ينبغي أن يكون لما ينطوي عليه من شل لحركتهم الاجتماعية وتعطيل لأعمالهم، فاكتفى الشارع بمجئ طائفة من كل فرقة منهم للتفقه في الدين والقيام بمهمة تعليمهم إذا رجعوا إليهم.
والظاهر من أمثال هذه الآيات التي يقع فيها تقابل الجمع بالجمع أنها واردة على نحو الجموع الانحلالية لا المجموعية، بمعنى أن كل واحد من هذه الطائفة مسؤول عن تعليم بعض المكلفين لا أن المجموع مسؤولون عن تعليم المجموع، ونظيره في تعبيراتنا المتعارفة ما لو أصدرت وزارة التعليم مثلاً بياناً إلى المعلمين في الدولة في أن يكافحوا الأمية بتعليم المواطنين الاميين، فليس معنى ذلك أن يجتمع المعلمون جميعاً ليعلموا دفعة واحدة مجموع الأميين، بل معناه أن على كل واحد أن يجند نفسه لتعليم غيره فرداً كان أو أكثر.
والعمومات المجموعية نادرة فلا يصار إليها إلاَّ بدليل.
والذي أتصوره أن الطريقة السائدة في عصورنا من الهجرة إلى مراكز التفقه كالنجف الاشرف، وقم، والقاهرة من بعض من يسكنون بعيدا عنها، ثم العودة إلى بلادهم ليعلموا إخوانهم أحكام دينهم هي نفس الطريقة التي دأبوا عليها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ودعت إليها الآية.
وليس في هذه الطريقة اجتماع المبلغين والمرشدين في مقام الأداء ليكونوا لمستمعيهم مقدار ما يتحقق به التواتر، بل يكتفون بالواحد الموثوق به منهم، فالآية على هذا واردة في مقام جعل الحجة لاخبار آحاد الطائفة، وإن شئت أن تقول إنها واردة لإمضاء بناء عقلائي في ذلك كسابقتها.
وإذا صحت هذه الاستفادة لم تبق حاجة بعد إلى استعراض ما يراد من كلمة (لعل) في الآية، أو كلمة (الحذر) فيها، لعدم توقف دلالة الآية عليها، ويكفي في الالزام بالرجوع إليهم لأخذ الأحكام تشريع ذلك، وإن كان بلسان الترخيص ومن لوازم الترخيص في مثله جعل الحجية لما يحدثون به فلا يسوغ تجاهلها مع قيامها بداهة.
واحتمال أن يراد بالطائفة ما يبلغ به حد التواتر على أن يجتمع الكل لتبليغ كل واحد منهم احتمال يأباه ظاهر الآية، وكيفية الاستفادة من نظائرها كما يأباه الواقع العملي لما درج عليه المبلغون في جميع العهود بما فيها عهد الرسول صلى الله عليه وآله على أن لفظ طائفة أوسع منه فتضييقها إلى ما يخصه بالخصوص لا ملجأ له ولا شاهد عليه.
وبهذا يتضح واقع ما أثاره الآمدي وغيره من التشكيكات حول دلالة الآية على حجية خبر الواحد([538])، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيلاته.
أدلتهم من السنة
وقد استغرقت أدلتهم من السنة جوانبها الثلاث قولاً وفعلاً وتقريراً.
السنة القولية
أما السنة القولية فهناك طوائف من الروايات عن أهل البيت إذا لوحظت مجتمعة فهي متواترة المضمون.
أولاها: ما ورد عنهم (عليهم السلام) من إرجاعهم بعض أصحابهم إلى البعض كإرجاعه (عليه السلام) إلى زرارة بقوله: «إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس وأشار إلى زرارة» وقوله (عليه السلام): «العمري ثقة، فما أدى اليك، فعني يؤدي» وكثير من أمثالها.
ثانيها: ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة كخبر الاحتجاج: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم).
ثالثها: ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الحث على كتابة الحديث وإبلاغه كقوله (صلى الله عليه وآله): «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، بعثه الله فقيهاً عالماً يوم القيامة» وقوله عليه السلام لاحد الرواة: «واكتب وبث علمك في بني عمك، فإنه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلاَّ بكتبهم».
رابعها: ما دل على ذم الكذب عليهم والتحذير من الكذابين، مثل الحديث المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله): «من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار» مما يدل على المفروغية عن حجية خبر الآحاد، إذ لو كانوا مقتصرين في مجال الحجية على خصوص الخبر المتواتر لما كان مجال للكذب عليهم، ولما كان أثر لأولئك الكذابين يخشى منه.
خامسها: الأخبار الواردة في باب التعارض من الأخذ بالمرجحات كالأعدلية، والأصدقية، والشهرة، والقول بالتخيير عند التساوي، ومع فرض عدم حجية خبر الآحاد لا يتصور فرض التعارض في أخبار المعصومين.
سادسها: الاخبار الواردة في تسويغ الرجوع إلى كتب الشلمغاني وبني فضال والأخذ بروايتها وترك آرائهم([539]).
ومن استعراض جميع هذه الطوائف نرى أن الحجية مجعولة فيها لخبر الثقة بما أنه ثقة، وليس لنحلته أو مذهبه أثر في الأخذ بحديثه أو تركه كما هو الشأن في كتب بني فضال والشلمغاني، وهم من غير الشيعة، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضيه لذلك فلا خصوصية للعدالة أو غيرها من الشروط.
السنة العملية
وحسبنا منها «ما تواتر من انفاذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد، ولا يرسلهم إلاَّ لقبض الصدقات، وحل العهود وتقريرها، وتبليغ أحكام الشرع»([540]) وشواهده أكثر من أن تحصى، فلو كان خبر الثقة ليس بحجة لما كان معنى لهذا الارسال الملازم لتكليف المسلمين بالاخذ عنهم وإلزامهم بذلك، ودعوى أن أحاديث أمثال هؤلاء مما يكتنفها من القرائن ما يوجب القطع بمطابقتها للواقع، لا تعتمد على دليل، لأن رسله ليسوا كلهم بهذا المستوى، ولا الاحاديث التي يحدثون بها كذلك.
السنة التقريرية
وهي قائمة بإقراره لبناء العقلاء على الأخذ بأخبار الآحاد إذا كانوا ثقات في النقل، يقول شيخنا النائيني: «وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد بخبر الثقة، والاتكال عليهم في محاوراتهم، بل على ذلك يدور رحى نظامهم، ويمكن أن يكون ما ورد من الأخبار المتكفلة لبيان جواز العمل بخبر الثقة من الطوائف المتقدمة كلها إمضاء لما عليه بناء العقلاء وليست في مقام تأسيس جواز العمل به لما تقدم من أنه ليس للشارع في تبليغ أوامره طريق خاص بل طريق تبليغها هو الطريق الجاري»([541]) لدى الناس جميعاً، وهم يعتمدون أخبار الآحاد، ويرتبون عليها جميع آثار العلم وإن لم تكن علماً في واقعها.
وامتداد هذا البناء إلى زمن النبي (صلى الله عليه وآله) من الواضحات، وقد حكى الغزالي في المسلك الأول: «ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى لا تنحصر»([542]) وقد ضرب لها بعشرات الأمثلة، وبالطبع أنه لو كانت للنبي طريقة خاصة في تبليغ الأحكام لا تعتمد أخبار الآحاد لبينها ولردع صحابته عن العمل بغيرها، وهذا ما لم يتحدث فيه التأريخ، ومثله ما يشتهر عادة ويطول الحديث فيه.
الإجماع
وقد حكاه في إرشاد الفحول عن الصحابة والتابعين([543])، وحكاه الشيخ الطوسي عن الامامية وغيرهما.
ولكن الاستدلال بالاجماع لا يتضح له وجه لعدم الطريق إليه بالنسبة الينا غير أخبار الآحاد لبداهة عدم إمكان تحصيله من قبلنا، ولعدم إمكان استيعاب الصحابة والتابعين كما هو الشأن في الدعوى الأولى، وعدم إمكان التعرف على آراء الامامية جميعا بالنسبة للدعوى الثانية، والاجماع المنقول متوقفة حجيته على حجية خبر الناقل له، فلو كانت حجية خبر الناقل له موقوفة عليه لزم الدور، وهناك مناقشات أخرى له لا داعي للاطالة في عرضها فلتراجع في المطولات([544]).
العقل
وقد صور بصور عدة، نذكر بعضها، ونحيل البعض الآخر على الكتب المطولة لعدم الجدوى بعرضها ومناقشتها جميعاً.
أولاها: ما ذكره الغزالي من أن «المفتي إذا لم يجد دليلاً قاطعاً من كتاب أو إجماع أو سنة متواترة، ووجد خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الاحكام، ولأن النبي (صلى الله عليه وآله)، إذا كان مبعوثاً إلى أهل عصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل إذ لا يقدر على مشافهة الجميع، ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد، إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك أهل مدينته»([545]).
وقد أجاب الغزالي على الشق الأول بأن «المفتي إذا فقد الأدلة القاطعة، يرجع إلى البراءة الأصلية والاستصحاب، كما لو فقد خبر الواحد أيضاً»([546])، ولكن هذا الجواب غير واضح لأن الرجوع إلى البراءة الأصلية في غير ما يقطع فيه محق للرسالة من أساسها، لبداهة أن الاحكام القطعية محدودة جداً إن لم تكن معدومة.
والأحكام المعروفة بضروريات الدين كالصوم، والصلاة، والحج، وأمثالها، وإن ثبتت لها الضرورة القطعية، إلاَّ أن ثبوتها لها إنما هو ثبوت في الجملة لا في جميع الخصوصيات، ولو جردت من الخصوصيات الثابتة بالإمارات المعتبرة لتحوّلت إلى واقع لا تقره جميع المذاهب الإسلامية، فضلاً عن إنكار كونه من الضروريات، على أن الإسلام ليس هو هذه الضروريات فحسب كما هو ثابت بالبداهة.
والرجوع إلى الاستصحاب وهو في رتبة سابقة على البراءة كما سبق بيانه، ويأتي مناقش صغرى وكبرى، أما الصغرى فلاحتياجه إلى حالة سابقة معلومة وشك طارئ عليها، وهو نادر ما يقع في الاحكام الكلية الثابتة بالضرورة، وفي غيرها لا علم بحالة سابقة، كما هو الفرض، وأما الكبرى فللشك في حجية مثل هذا الاستصحاب لرجوعه إلى ما يدور أمره بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، لأن الحكم المجعول إن كان واسع المنطقة إلى هذا الزمان، فهو مقطوع البقاء، وإن كان ضيق المنطقة فهو مقطوع الارتفاع، فما هو الحكم المعلوم اذن ليستصحب بقاؤه؟ وأصالة عدم النسخ إن رجعت إلى الاستصحاب فحسابها نفس هذا الحساب، وسيأتي فيها الكلام مفصلاً.
اللهم إلاَّ أن يدعي أن مراده هنا من الاستصحاب استصحاب عدم الجعل قبل البعثة، أو استصحاب عدم الحكم المجعول في حقه حال الصغر، ولكن الإشكال في جريان هذين الاستصحابين جار أيضاً إما لعدم الموضوع فعلا لعدم مشاهدتنا للحالتين: حالة ما قبل البعثة، وحالة ما بعدها، لنجري في حقنا استصحاب الحالة السابقة، لو أريد استصحاب العدم بالنسبة لحكمنا الخاص، أما لو أريد استصحاب عدم الجعل الكلي فهو مثبت بالنسبة الينا، واستصحاب عدم الجعل حال الصغر يشكل جريانه للشك في تبدل الموضوع، فنحن حال الصغر غيرنا عندما نقع تحت التكاليف، وللاعلام في هذه الانواع من الاستصحابات حديث يأتي في موضعه ولعل لنا في بعضها رأياً.
على أن استصحاب عدم الجعل هنا، لا يجري في جميع المشكوكات للعلم الإجمالي بجعل الكثير منها لبداهة أن الإسلام لم يأت بهذه المقطوعات أو الضروريات فحسب، ومع قيام العلم الاجمالي لا يمكن جريان الاستصحاب ولا البراءة الأصلية في أطرافه، إما لعدم إمكان جريانها أصلاً، أو إنها تجري وتتساقط للمعارضة( وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الاحتياط العقلي).
والأنسب أن يجاب عنه بأن هذا الدليل لو تم فهو لا يعين العمل بأخبار الآحاد إلاَّ بضميمة مقدمات أجنبية عن حكم العقل لجواز أن تكون هناك طرق مجعولة من قبله تؤمن هذا الغرض الخاص أو الايكال إلى الاحتياط فيها مثلاً.
وأجاب عن الشق الثاني بقوله: «أما الرسول (صلى الله عليه وآله)، فليقتصر على من يقدر على تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع فلا يكلف به، فليس تكليف الجميع واجباً»([547]).
وهذا الجواب غريب في بابه أيضاً لمنافاته للشمولية التي جاءت بها رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وعمومها لجميع البشر {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنّاسِ}([548]) ولأن فرض الاقتصار على البعض يوجب اختصاص الرسالة بهم وحرمان غيرهم مع فرض احتياجهم إلى مثلها، وأين قاعدة اللطف منها إذن؟ ولماذا لا يبعث لكل أمة نبياً يفي بحاجتها إذا تعذر قيام نبي واحد بهذه المهمة؟.
فلا بد إذن أن يفرض – بعد ثبوت الجانب الشمولي فيها – أن طرق التبليغ المعتمدة لدى النبي (صلى الله عليه وآله) كافية بإيصال صوته إليها بالوسائل المتعارفة، وبذلك يتم ما قال المستدل.
ثم عقب – أعني الغزالي – بعد ذلك بقوله: «نعم لو تعبد نبي بأن يكلف جميع الخلق، ولا يخلي واقعة عن حكم الله تعالى، ولا شخصاً عن التكليف، فربما يكون خبر الواحد ضرورة في حقه»([549]).
وهذا الاستدراك عين ما أراده المستدل لتحدثه عن نبينا (صلى الله عليه وآله) بالخصوص ورسالته، لأنها موضع حاجتنا الفعلية.
ومن البديهي أن شريعتنا عامة لجميع البشر، وما من واقعة إلاَّ ولها فيها حكم، إلاَّ أن قوله: (فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد ضرورة) لا يتم إلاَّ بضميمة مقدمات أخرى تحصر الطريق فيه، وهو ما لم يذكر في الدليل، كما لم يذكره في استدراكه عليه. الصورة الثانية: ما ذكره صاحب الوافية (وحاصله إنا نعلم تفصيلاً ببقاء التكليف بالصلاة والصوم ونحوهما من الضروريات، وليس لنا علم تفصيلي بأجزائها وشرائطها، فإذا تركنا العمل بمؤديات الامارات، واقتصرنا على خصوص ما علمناه من الاجزاء والشرائط، خرجت هذه الامور عن حقائقها، لأن الضرورية من الاجزاء والشرائط ليست إلاَّ أمورا معدودة بحيث نقطع بعدم صدق العناوين المزبورة على ما هو المتفق دخله فيها. فلا مناص من الرجوع إلى الاخبار المودعة في الكتب المعتبرة».
ولكن هذا الدليل أضيق من المدعي لعدم اقتضائه اثبات الحجية لمطلق الأخبار بل لخصوص ما أثبت منها الأجزاء والشرائط للتكاليف المعلومة.
أمّا الأخبار النافية التي ورد على خلافها عموم مثبت للتكليف أو أطلاق أو أصل عملي فلا تتعرض لها بإثبات ومقتضاه عدم الحجية فيها، والتحقيق أنّ العقل لا يلزم بإخبار الآحاد، وحسبنا في ذلك ما مرّ من الأدلة السمعية «فما ذهبت إليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين أنّه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلاً، ولا يجب التعبد به عقلاً، وإن التعبد واقع به سمعاً»([550]) هو الحق في المسألة، وهو الذي اختاره جل علماء الشيعة كما يظهر ممّا أوردوه في كتبهم المطولة.
أدلة المانعين
أمّا المانعون فقد استدلوا على المنع بالأدلة السمعية، كالآيات الناهية عن العمل بالظن أو بغير العلم، باعتبار أنّ أخبار الآحاد لا تفيد علماً بمدلولها.
والجواب على ذلك: أنّ هذه الآيات مخصصة بما دل على جواز العمل بأخبار الآحاد لأنّها أخص منها إن لم تكن هذه الأدلة حاكمة عليها.
وقد اعتبروا هذه الآيات أيضاً رادعة عن بناء العقلاء بعد التغافل عن تخصيصها بما دل على الجواز.
وأجيب عن ذلك أيضاً بحكومة بناء العقلاء عليها لاعتبار العقلاء هذا النوع من أخبار الآحاد علماً من حيث ترتيب جميع آثار العلم عليه، ومع اعتباره علماً، فهو خارج عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم موضوعاً، فلا يكون مشمولاً لها بحال.
واستدلوا أيضاً بالإجماع على المنع من العمل بها، وهو مناقش صغرى وكبرى، أمّا الصغرى فلعدم حصوله لما سمعت من أنّ جلّ العلماء يذهبون إلى جواز العمل بها، فأين موقع الإجماع منها وأما الكبرى فلمعارضته بمثله، وهو ما سبق حكايته عن الشيخ الطوسي، على أنّ هذا النوع من الإجماع يستحيل أن يكون حجة لأنّه يلزم من إثبات حجيته عدمها بداهة أنّ معنى قيامه على عدم العمل بإخبار الآحاد أن لا يكون هو بنفسه حجة لأنّه منقول بأخبار الآحاد، وما يلزم من وجوده عدمه لا يصلح للدليلية أصلاً.
أمّا أدلتهم من العقل، فأركزها ما سبق أن عرضناه من دعوى استحالة جعل الأحكام الظاهرية من قبل الشارع للزوم تناقضها أو تماثلها مع الأحكام الواقعية، وقد عرفت في البحوث التمهيدية مناقشتها فلا نعيد.
وكأنّ بعض المانعين لهذه الأسباب أو ما يشبهها أوهمت كلماتهم نفي الحجية عن نفس السنة، وهم لا يريدون ذلك قطعاً، وكان ذلك من نتائج الضيق في الأداء كما يوحي به تفصيل كلماتهم وضم بعضها إلى بعض([551]).
شرائط العمل به
وقد اختلفوا في الشرائط المعتبرة للعمل بأخبار الآحاد، وفي مقدار اعتبارها، على أقوال قد لا يكون في عرضها وتعدادها والاستدلال عليها أي جدوى ما دمنا قد انتهينا في استدلالنا السابق إلى أنّ المدار في الحجية وعدمها هي وثاقة الراوي والاطمئنان بعدم كذبه، كما هو مقتضى ما يدل عليه بناء العقلاء، وبعض الأدلة اللفظية التي تسأل عن وثاقه الراوي، ومناسبات الحكم والموضوع، وما سبق من إرجاع الأئمة إلى كتب بني فضال.
فالظاهر أنّ الحديث في هذه الشرائط كالحديث عن اعتبار العدالة أو البلوغ أو الذكورية أو غيرها، إنّما هو من قبيل اتخاذ الاحتياطات من قبل بعض الأصوليين للحد من الفوضى والتسامح. قبول جميع الأخبار، أو هي من قبل بعضهم اعتقاد بعدم إمكان تشخيص الصغريات لما هو حجة من الأخبار إلاّ من هذه الطريق.
وعلى هذا فافتقاد بعض شرائط العدالة في الراوي وعلى الأخص فيما تختلف المذاهب في اعتباره منها، لا يضر باعتماد الخبر إذا كان راويه من الثقات.
واختلاف المذاهب في الرواة إذا عرف من حالهم عدم التأثر والانفعال بمسبقات مذهبهم في مجال النقل، لا يمنع من اعتماد خبرهم والأخذ به ما لم تكن هناك قرائن أخر توجب التوقف عن العمل به.
ومن هنا اعتبر الشيعة ـ خلافاً لما نقل عنهم من قبل بعض المتأخرين من الكتاب غير المتورعين ـ أخبار مخالفيهم في العقيدة حجة إذا ثبت أنّهم من الثقاة، وأسموا أخبارهم بالموثقات، وهي في الحجية كسائر الأخبار وقد طفحت بذلك جل كتب الدراية لديهم، فلتراجع في مظانها المختلفة.
وما يقال عن اعتبار هذه الشرائط ونظائرها، يقال عن تقسيماتهم للخبر غير المتواتر.
تقسيمات
فقد قسموه إلى مشهور، أو مستفيض، وغير مشهور، وقسموا غير المشهور إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف، ثم قسموه إلى مرسل، ومقطوع، ومرفوع، ومسند.
وجل هذه التقسيمات منصب على تشخيص صغريات ما يحصل به الاطمئنان بالصدور…
وقسم منها لا يجدي إلاّ في مجال الترجيح عند تعارض الأخبار، ولا يهم فعلاً الدخول في تفصيلاتها ما دمنا نملك المقياس في الحجية، وهو التوثق والاطمئنان بصدور الخبر من قبل المعصوم.
وحتى اعتبارهم هجر الأصحاب للخبر الصحيح من قبيل الموهنات له، وعمل الأصحاب بالخبر الضعيف جابراً له إنّما هو من قبيل تشخيص الصغرى لما يوجب الثقة بالصدور لا للتعبد المحض بذلك.
وعلى هذا فالدخول هنا في الأقسام وتحديدها لا يهم الآن بحثه، وهو من شؤون علماء الحديث، وموضعاً في كتب الدراية، فلتراجع في مظانها الخاصة.
أمّا ما لم يقم عليه دليل قطعي فأهمه أمران، أولهما:
الشهرة
وربما عللت حجيتها بما لها من كشف عن رأي المعصوم مما اقتضى أن تعرض ضمن الأدلة الكاشفة عن رأيه.
ويراد من الشهرة انتشار الخبر، أو الاستناد، أو الفتوى، انتشاراً مستوعباً لجل الفقهاء المحدثين، فهي دون مرتبة الإجماع من حيث الانتشار وقد قسموها إلى ثلاثة أقسام قد تختلف من حيث الحجية وعدمها.
أولاها: الشهرة في الرواية.
ومؤداها انتشار رواية ما، وتداولها بين الرواة على نحو مستوعب في الجملة ومقابلها الندرة والشذوذ.
وقد اعتبروها من مرجحات باب التعارض بين الروايات، وأدلتها من السنة كثيرة، بالإضافة إلى أنّ كثرة النقل عن حس مما يوجب الوثوق بالصدور بخلاف الندرة والشذوذ، فالقول بحجيتها وصلوحها للترجيح مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لكلام.
ثانيهما: الشهرة في الاستناد:
ويراد بها انتشار الاستناد في مقام استنباط الحكم إلى رواية ما من قبل أكثر المجتهدين.
وهذه الرواية قد لا تكون مستوفية لشرائط القبول، إلاّ أنّ استناد الفقهاء إليها يكون جابراً لضعفها، كما أنّ إعراضهم عن رواية ما، وإن كانت صحيحة، يكون من موجبات تركها وعدم العمل بها.
وهذا النوع من الاستناد أو الإعراض لا دليل على اعتباره من المرجحات، اللهم إلاّ أن يولد وثوقاً للإنسان بصدور ما استندوا إليه وعدم صدور ما هجروه أو صدوره لا لغاية بيان الحكم الواقعي باعتبار أنّ إصرار أكثرية الفقهاء على الأخذ برواية مع ضعفها، أو هجر رواية وهي بأيديهم مع صحتها، لا يكون بلا مستند جابر أو موهن عادة.
وعلى أي فالمدار ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ في ذلك كله على حصول الوثوق بالصدور وعدمه، ولا خصوصية للاستناد أو الهجران، ولا يبعد أن يكون الوثوق بالصدور حاصلاً في أكثر ما استندوا إليه وبعدم صدوره فيما هجروه من الروايات والعمدة في مقام الحجية للأخبار وعدمها.
ثالثها: الشهرة في الفتوى:
ومضمونها انتشار فتوى ما بين الفقهاء انتشاراً يكاد يكون مستوعباً دون أن يعلم لها أي مستند.
وقد استدلوا على حجيتها بأدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والقياس. أدلتهم من الكتاب:
وأهمها التعليل الوارد في آية النبأ السابقة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [آل عمران: 6]، حيث ركزت الآية في وجوب التبين على التعليل بإصابة قوم بجهالة، ومقتضى ذلك دوران هذا الحكم مدارها وجوداً وعدماً وبما انّ الاستناد إلى الشهرة الفتوائية لا يعد من الجهالة والسفه، فلا يجب التبين معه في هذا الحال وهو معنى حجيته.
والجواب على ذلك: أنّ دوران الحكم مع علة ما وجوداً وعدماً لا يكون إلاّ مع فرض انحصار العلة ولا دليل على انحصارها في أمثال هذه التعابير فإذا قال الشارع ـ مثلاً ـ: حرمت الخمرة لإسكارها فغاية ما يدل عليه هذا التعبير تعميم العلة في الحرمة إلى غير الخمرة من المسكرات لا ارتفاع الحرمة عن شيء عند ارتفاع الإسكار لجواز ثبوتها له لعلة أخرى كالنجاسة أو الغصبية أو غيرهما من موجبات التحريم، وإنّما التزمتا بدوران التبين مدار خبر الفاسق وجوداً وعدماً في صدر الآية لدلالة مفهوم الشرط عليها لا آخذاً بهذا التعليل، فارتفاع السفاهة هنا لا يدل على ارتفاع التبين لجواز ثبوته بعلة أخرى غيرها.
أدلتهم من السنة
وهي كثيرة وقد وردت رواياتها في باب تعارض الخبرين كمرفوعة زرارة، قال: «قلت: جعلت فداك! يأتي عنكما الخبران، والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل؟ قال عليه السلام: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
وقد قربوا الاستدلال بها أنّ الموصول في قوله: «ما اشتهر» مبهم وصلته معرفة له، وبما أنّ الشهرة التي اعتبرت في الصلة مطلقة، فهي شاملة للشهرة التي في الفتوى بمقتضى ذلك الإطلاق.
وقد أجيب عليها بأنّ المراد من الشهرة هنا، الشهرة بمدلولها اللغوي وهي الوضوح والإبانة، أخذاً من شهر السيف إذا جرده من غمده وإبانه، وهي مختصة بهذا المعنى بما علم صدوره من الشارع، لا ما ظن أو شك فيه، فكأنه قال (عليه السلام): خذ بما وضح وبان انتسابه إلينا لدى أصحابك، على أنّ طبيعة السؤال والجواب تقتضي أن يكون الجواب على قدر السؤال ولا يتجاوزه إلى غيره، والمسؤول عنه هنا هو خصوص الخبرين المتعارضين، فلا معنى للإجابة بما يعمهما ويعم الشهرة الفتوائية، لأنّها غير داخلة في السؤال، ومن شرائط الإطلاق أن يعلم أنّ الشارع كان في مقام البيان من هذه الجهة ولم يقم قرينة على الخلاف ليصح التمسك به، فكونه في مقام البيان من حيث التعميم لها، تأباه طبيعة التطابق بين السؤال والجواب الذي يقتضي السنخية بينهما حتى مع فرض التعميم لغير المورد.
ولو تنزلنا فلا محرز له إن لم نقل إنّ التطابق يصلح للقرينة على الخلاف.
ثالثها: القياس:
وقد قربوه بما ادعى استفادته في خبر الواحد من كون العلة في حجيته هو حصول الظن بمدلوله، وهي متوفرة في الشهرة الفتوائية، بل هي فيها أقوى منها في خبر الآحاد.
وهذا الاستدلال من أمتنها لو كان المنشأ في حجية أخبار الآحاد هو الظن الحاصل منه.
ولكن سبق لنا أن استعرضنا جل أدلة أخبار الآحاد، فلم نجد فيها ما يشير إلى هذه العلة، وهي اعتبار الظن، لذلك عممنا حجيته إلى ما لم يفد الظن منه، ولم نجعل الظن مقياساً لنلجأ إليه، فأركان القياس إذن لم تتوفر في هذا الموضع ليصح الأخذ به.
وعلى هذا، فالشهرة الفتوائية لا مستند لها ليؤخذ بها، فهي ليست بحجية كما ذهب إلى ذلك الكثير من الفقهاء.
حجية مطلق الظن بالسنة
ويراد به العمل بكل ظن يتولد للإنسان من أي سبب كان، إذا كان متعلقاً بحكم شرعي يظن أنّه ثبت بالسنة.
وقد استدل له بأدلة كلها عقلية، وليس فيها ما ينهض بالدليلية، وجل أدلته مما ترجع إلى ما يسمّى بدليل (الانسداد الكبير) وقدعرضناه وناقشناه في مبحث القياس لاستدلال بعضهم به على حجيته باعتباره من مصاديق ما يحصل به الظن، والذي يرتبط من أدلته ببحوثنا هذه ما ذكره صاحب الحاشية من عدّه في جملة ما تثبت به السنة بمقتضى فحوى دليله، وحاصل ما استدل به: «إنّا نعلم علماً قطعياً بلزوم الرجوع إلى السنة بحديث الثقلين وغيره مما دل على ذلك، فيجب علينا العمل بما صدر عن المعصومين، فإن أحرز ذلك بالقطع فهو، وإلا فلا بد من الرجوع إلى الظن في تعيينه، ونتيجة ذلك وجوب الأخذ بما يظن بصدوره»([552]) ومن الواضح أنّ الظن هنا لم يقيد بكونه حاصلاً من أخبار ليكون دليلاً على حجية ما يفيد الظن منهما كما أفيد، بل أطلق لما يشمل كل ظن بالسنة ومن أي سبب كان، لذلك أثرنا عدّه من أدلة مطلق الظن بالسنة.
والجواب على هذا أنّ دعوى القطع بالعمل بمطلق الظن بالسنة مع عدم إحرازها بالقطع ـ كما هو مقتضى مفاد دليله ـ لا تخلو من مصادرة، لأنّ الظن بما هو ظن ليس من الحجج الذاتية التي لا تحتاج إلى جعل أو إمضاء، وهذا الدليل لا يثبت جعلاً ولا إمضاء شرعياً له بل لا تعرض فيه لهذه الجهة أصلاً.
ووجوب العمل بالسنة ـ وإن كان ضرورياً ـ إلاّ أنّه لا يتنجز على المكلف إلاّ بعد إحرازها بمحرز ذاتي أو مجعول، وهذا الترديد الذي ورد في الدليل لا يتم إلا إذا ثبت من الخارج أنّ الظن محرز للسنة في عرض القطع أو في طوله على الأقل، وإثبات محرزيته بهذا الدليل دوري كما هو واضح.
وحسبنا الأدلة الرادعة عن العمل بالظن حجة في الردع عن مثله ما دام لم يثبت لنا بهذا الدليل ما يخصصها أو يحكم عليها لعدم تماميته وصلوحه لإثبات ما أريد له.
السنة وكيفية الاستفادة منها.
السنة كلها تشريع
والحديث حول كيفيات الاستفادة منها يدعونا أن نمهد له بالحديث عن تشخيص نفس السنة التي تقع موقع التشريع، فهي وإن اتفقوا على تعريفها بقول المعصوم وفعله وتقريره إلاَّ أنهم قيدوا حجيتها بما أحزر أنها واردة مورد التشريع، ولذا قسموها إلى أقسام، يقول في سلم الوصول وهو كلام جار نظيره على السنة الكثير : «ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام، من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعا يطالب به المكلفون، لأن الرسول بشر كسائر الناس اصطفاه الله رسولا لهداية الناس وارشادهم»، قال تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا}([553]) فما صدر منه ينتظم الأقسام الآتية:
1 – ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالأكل، والشرب، والنوم، وما إلى ذلك من الأمور التي مرجعها طبيعة الإنسان وحاجته.
2 – ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة وفي الأمور الدنيوية، وبحسب تقديره الشخصي للظروف والأحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية، وما إلى ذلك من الأمور التي يعتمد فيها على مقتضيات الأحوال ومراعاة الظروف.
وهذان القسمان ليسا تشريعاً، لأن مرجع القسم الأول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرد القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي للظروف الخاصة، من غير أن يكون هناك دخل للوحي الإلهي ولا للنبوة والرسالة.
3 – ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى، بصفته رسولاً يجب الاقتداء به والعمل بما سنه من الأحكام مثل تحليل شيء أو تحريمه، والأمر بفعل أو النهي عنه، وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات، والحكم بين الناس.
فهذا القسم الأخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به. والأحاديث الواردة في هذا القسم تسمى بأحاديث الأحكام.
وبالجملة فإن أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته انما تكون دليلا من الأدلة، ومصدراً من المصادر التشريعية التي تستمد منها الأحكام الشرعية إذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الأحكام أو بيانها»([554]).
ولكن هذه التفرقة بين أقسام ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، لاتخلو من غرابة إذا علمنا أنه ما من واقعة إلاَّ ولها حكم في الشريعة الإسلامية كما هو مقتضى شموليتها، ولايفرق في ذلك بين ما تقتضيه طبيعته البشرية كالأكل والشرب وغيره، إذا كان صادرا منه عن ارادة، وبين غيره من تجارب.
واذا تمّ ما سبق أن عرضناه من أدلة العصمة له، فإن كل ما يصدر عنه بطبيعة الحال يكون موافقا لأحكام الشريعة ومعبراً عنها، وما دام الأكل والنوم والشرب من أفعاله الارادية، فهي محكومة حتماً بأحد الأحكام، فأصل الأكل محكوم بالجواز بالمعنى العام، وأكله لنوع معين يدل على جوازه، كما أن تركه لأنواع أخرى يدل على جواز الترك لها، فالقول بأن ما كان من شؤون طبيعته البشرية لايعبر عن حكم، لا يتضح له وجه.
كما أن ما يتصل بالقسم الثاني من شؤون خبرته وتجاربه هو الآخر معبر عن حكمه، وحكمه هنا جواز التعبير عنه وان أخطأ الواقع لو صح جواز خطئه في الموضوعات، ولنا التأسي به في الاخبار عن تجاربنا وخبراتنا في حدود ما نعلم منها، وحتى قوله لو صح عنه: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، فهو امضاء لهم على جواز أعمال تجاربهم وخبراتهم الخاصة، فهو لايخرج عن الدلالة على التشريع.
نعم ما كان من مختصات النبي (صلّى الله عليه وآله) كالزواج بأكثر من أربع، أو ما كان من أفعاله الطبيعية غير الارادية، فهو لايعبر عن حكم عام.
والخلاصة أن تقييد السنة بما صدر عنه على وجه التشريع كما صنع غير واحد في غير موضعه، لأن كل ما يصدر عنه من أفعاله الارادية فهو تشريع عام عدا مختصاته الخاصة، اللهم إلاَّ ان يريدوا به الايضاح لا الاحتراز وهو بعيد عن مساق كلامهم.
أقصاه أن بعض أفعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الأولي أو العنوان الثانوي، ودلالتها أحياناً على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا…
كيفيات الاستفادة منها:
وما دمنا قد علمنا أن السنة هي القول والفعل والتقرير، فلابد من التحدث عن مدى دلالة كل منها.
دلالة القول:
واستفادة ما له من دلالة إنما تكون بحسب ما تدل عليه الألفاظ – بمفاهيمها اللغوية أو الاصطلاحية فيما ثبتت فيه الحقيقة الشرعية من قبله – لما سبق أن أكدناه من أن الشارع لم يخترع لنفسه ولأتباعه طريقة جديدة خاصة للتفاهم، وإنما جرى على وفق ما عند العرب منها.
وهذه الألفاظ إن كانت نصاً في مدلولها أو ظاهرة فيه أخذ بها، وإلا فلا بد من الاستعانة – في غوامض اللغة وغرائبها – بالرجوع إلى اهل الفن في ذلك كاللغويين في المفردات اللغوية، والنحويين، والصرفيين، والبلاغيين في الهيئات وتراكيب اللغة وخصائص الأساليب، واستشارتهم في هذه الجوانب والصدور عما يقولون.
حجية أقوال أهل الفن
والظاهر أن المنشأ في حجية أقوالهم، هو البناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم الممضي من قبل الشارع قطعاً، وربما اعتبره بعضهم من الأحكام العقلية التي تطابق عليها العقلاء بما فيهم الشارع المقدس.
نعم يعتبر في هؤلاء أن يكونوا خبراء في فنهم، وأن يكونوا موثوقين في أداء ما ينتهون إليه، لأنه هو المتيقن من ذلك البناء أو الحكم العقلي.
فالتشكيك إذن في حجية أقوال اللغويين أو غيرهم من أهل الفن في غير موضعه.
الأصول اللفظية
وهناك أصول لفظية يرجع إليها عند الشك في المراد بسبب بعض الطوارىء التي تولد احتمالا على خلاف الظاهر كأصالة عدم التخصيص عند الشك في طروء مخصص على العام، وأصالة عدم التقييد عند الشك في طروء المقيد على المطلق، وأصالة عدم القرينة عند الشك في اقامتها على خلاف الحقيقة وتجمعها اصالة الظهور، وهذه الأصول ونظائرها، انما تجري لدى أهل العرف وهم منشأ حجيتها مع العلم بإقرار الشارع لهم عليها، لما قلناه من عدم اختراعه طريقة للتفاهم خاصة به عند الشك في تعيين المراد، ولا تجري فيما إذا علم المراد وشك في كيفية الارادة، فاصالة عدم القرينة مثلا لا تجري فيما إذا علم باستعمال لفظة ما في أحد المعاني، وشك في كون الاستعمال كان على نحو الحقيقة أو المجاز لتثبت أنه على نحو الحقيقة باعتبار أن المجاز مما يحتاج إلى قرينة، وأصالة عدم القرينة تدفعها بل تجري إذا احتملنا ارادة أحد معنيين حقيقي ومجازي ولم نستطع تعيينه بالذات، فاصالة عدم القرينة تعين المعنى الحقيقي منها.
دلالة الفعل
وقد اختلفوا في مقدار ما يستفاد من أفعاله، فالذي عليه أبو اليسر هو التفصيل بين أن يكون الفعل معاملة، فالإباحة إجماعاً، وبين أن يكون قربة فهو محل الخلاف، والذي نقل عن مالك: «للوجوب عليه وعلينا، وقال الكرخي: مباح في حقه لتيقنها بالفعل، وليس للأمة اتباعه إلاَّ بدليل، وقال جمع من الحنفية: الإباحة في حقه، ولنا اتباعه إلاَّ بدليل»([555]).
وهذان المذهبان، يعكران على نقل أبي اليسر الاجماع على الإباحة في المعاملات، فانهما لم يفرقا بين قربة ومعاملة، وقال المحققون: ان الخلاف انما هو بالنسبة إلى الأمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، ومن قائل بالإباحة، ومن قائل بالوقف([556]).
والذي عليه من نعرف من محققي الشيعة عدم دلالته على أكثر من الإباحة بالمعنى العام لا الإباحة في مقابل الوجوب والحرمة باستثناء ما كان قريبا منه، لأن التقرب يصلح للقرينية على رجحان ما أتى به، ولايعين نوعه من وجوب أو استحباب إذ لا معنى للتقرب بالمكروه أو المباح.
وعمدة ما يصلح للدليلية لهم هو كون الفعل مجملاً بنفسه لا لسان له ليتعبد بمقتضى ما يدل عليه لسانه، وغاية ما تدل عليه أدلة العصمة أن المعصوم لايرتكب الذنب، فمجرد صدور الفعل منه، يدل على أن ما أتى به ليس بمحرم عليه وانما هو مباح بالمعنى الأعم للإباحة، وأوامر الاقتداء به تدل على مشاركتنا له في جميع الأحكام إلاَّ ما كان من مختصاته، فهو اذن مباح لنا أيضاً، ودعوى أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يصدر منه إلاَّ ما كان راجحاً، فلايعمل المكروه ولا المباحات مع توفر العناوين الثانوية التي يمكن أن تحول ما كان مباحاً بالأصل إلى مستحب بالعنوان الثانوي وان كان مما يقتضيها مقام النبوة إلاَّ أن أدلة العصمة لا تلزم بها أصلاً.
واستدلال بعضهم على الوجوب علينا بأوامر الاقتداء الدالة على لزوم متابعته (صلّى الله عليه وآله) في كل ما يفعله حتى المباحات حيث تتحول مباحاته إلى واجبات في حقنا بحكم لزوم المتابعة لايخلو من غرابة لأن أوامر الاقتداء لاتقتضي أكثر من الاتيان بالأفعال على الوجه الذي اتى به، فاذا افترضناها مباحة أو مستحبة، فتحويلها إلى الوجوب في حقنا ينافي طبيعة الاقتداء والالتزام بما التزم به الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأن معنى اقتدائنا به في المباحات، هو كوننا مخيرين بين الفعل والترك كما هو مخير بينهما، فاضفاء صفة الوجوب عليها، ينهي بنا إلى الخلف طبعاً.
والظاهر أن الآمدي، وابن الحاجب، والخضري من المتأخرين، ممن تبنوا هذا الرأي الذي انتهى اليه المحققون من الشيعة، يقول الخضري: «ومختار الآمدي وابن الحاجب ما ذكرنا أولا وهو الظاهر، لأن المتيقن من صدور الفعل منه اباحته فلا يثبت الزائد على ذلك إلاَّ بدليل».
«وظهور قصد القربة دليل على أن الفعل مطلوب، والمتيقن من الطلب الندب، فلايثبت ما زاد عنه».
«أما ادعاء أن الفعل يثبت بنفسه مع جهل صفته حكماً شرعياً فوق الإباحة، فهو قول بلا دليل، وكل ما ذكروه من أدلتهم إنما يتجه إذا علمت صفة الفعل، وفرض المسألة أنها مجهولة»([557]).
إلا أن الذي يؤخذ على الخضري عدم تقييده الإباحة بكونها بالمعنى العام مما يوهم ارادة الإباحة الاصطلاحية، أي تساوي الطرفين، وهي لا معين لها أيضاً، كما أن تعبيره بعد ذلك أن المتيقن من الطلب الندب، لا يخلو من مسامحة أيضاً، لأن الندب نوع من أنواع الطلب في مقابل الوجوب وله فصله الخاص، فتعيينه بالذات يحتاج إلى معين لأن نسبة الطلب اليهما نسبة واحدة ما دام معتبرا من قبيل الجنس لهما.
نعم لو كان هو مرتبة من الوجوب لأمكن ان يقال بالقدر المتيقن بالنسبة له، ولكنه ليس كذلك بداهة، بل هو نوع في مقابله له حدوده الخاصة فلا معنى لاعتباره قدراً متيقناً له.
دلالة الترك
ولا يستفاد منها أكثر من عدم الوجوب، أما تعيين الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، فلا معين لها لأن القدر المتيقن من أدلة العصمة انه لا يرتكب الذنب، فتركه للشيء إذن لا يكون تركاً لواجب كما هو مقتضى ما تدل عليه وتلزم به، وإن كان في ما يقتضيه مقام النبوة أن لا يواظب النبي (صلّى الله عليه وآله) على ترك مستحب، كما سبقت الإشارة إليه.
دلالة التقرير
والظاهر أن ما يفيده الإقرار على الشيء لا يدل على أكثر من الجواز بالمعنى العام سواء كان متعلقه فعلا عابرا، أ عادة متحكمة، أم عرفاً خاصاً، أم بناء عقلائياً، اللهم إلاَّ ان يكون البناء أو العرف قائماً على حجة ملزمة فإقراره يستلزم ثبوت حجيتها عند الشارع المساوق للالزام بها في مواقع الالزام كما هو الشأن في الأخذ بأخبار الثقات وبالبناء العقلائي على الأخذ بالظواهر والعمل بالاستصحاب وأمثالها.
هذا إذا لم تكن هناك قرينة تبين نوع الحكم المقر كما لو كانت بعض العادات مثلاً قد اتخذت طابع الحكم الالزامي عندهم، فإقرارهم عليه يدل على الإلزام به، أما الإقرار على عدم الفعل فهو لا يدل على أكثر من عدم وجوبه.
والقول بأن التقرير يدل (على الإباحة)([558]) إذا أريد من الإباحة تساوي الطرفين مشكل إذ لا معين لها من بين أنواع الجواز والتقرير كالفعل لا لسان له فهو مجمل، والقدر المتيقن منه الإباحة بالمعنى العام فتعيين فصلها يحتاج إلى معين.
وقد اشترط غير واحد اعتبار القدرة على الانكار في حجية التقرير وهو شرط سار في جميع أنواع السنة، لأن القدرة على التبليغ شرط فيها جميعا.
نعم يستفاد من السكوت مع عدم القدرة على الانكار أن ذلك أعني السكوت مشروع للتقية، بل هو من أدلة مشروعية التقية التي لامدفع لها.
السنّة وعلائقها بالكتاب
وإذا عرفنا مفهوم السنة وتعرفنا على حجيتها، واستطعنا التوصل إليها من طرقها الذاتية أو المجعولة، وعرفنا مضامينها حسب الكيفيات المجعولة لذلك كان علينا بعدها أن نبحث علائقها بالكتاب العزيز. والحديث حول ذلك يقع في مواقع أهمها أربعة :
1 ـ نوعية ما ترد به من أحكام ونسبته إلى الكتاب العزيز.
2 ـ إمكان تخصيص الكتاب بها وعدمه.
3 ـ إمكان نسخ الكتاب بها وعدمه.
4 ـ رتبتها من الكتاب عند الاستدلال والمعارضة.
1 ـ نوعية أحكامها
أما نوعية أحكامها فهي حسبما يدل عليه استقراؤها في مصادرها لا تخرج عن أحد ثلاثة:
أ ـ تأكيد ما ورد في الكتاب من أحكامه عامة، كالاحاديث الامرة بأصل الصلاة والصيام والزكاة والحج، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكالاحاديث الناهية عن الخمر والميسر والانصاب والازلام وما أُهلّ به لغير الله، وحسابها حساب الايات المتعددة الدالة على حكم واحد.
ب ـ شرح ما ورد من آيات عامة في القرآن، وبيان أساليب أدائها وامتثالها والتعرض لكل ما يتصل بها من أجزاء وشرائط وموانع، كالأحاديث المحددة للمراد من الصلاة والصيام والحج، والمبيّنة لأجزائها وشرائطها وموانعها وكل ما يرتبط بها من شؤون الأداء.
ج ـ تأسيس أحكام جديدة لم يتعرض لها الكتاب فيما نعرف من آيات أحكامه مثل حرمان القاتل من الميراث إذا قتل مورثه، وتحريم الجمع بين نكاح العمة وابنة أخيها أو الخالة وابنة أختها إلاَّ باذنهما، وكتحريم لبس الحرير للرجال وأمثالها، يقول ابن القيم: «والسنة مع القرآن ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها، والثاني: أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له، والثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه»([559]).
2 ـ تخصيص الكتاب بها وعدمه
ومن اعتبار صفة الشرح والبيان لها يتضح أنه ليس هناك ما يمنع من تخصيص الكتاب بها ما دام المخصص بمنزلة القرينة الكاشفة عن المراد من العام، والظاهر أنه بهذا المقدار موضع اتفاق المسلمين، ولذلك أرسلوا ـ إرسال المسلمات ـ إمكان تخصيص الكتاب بما تواتر من السنة، ولكن موضع الخلاف في السنة التي تثبت باخبار الاحاد، فالذي عليه الجمهور إن «خبر الواحد يخص عام الكتاب كما يخصه المتواتر»([560]) وفصل الحنفية بين أن يكون العام الكتابي قد خصص من قبل بقطعي حتى صار بذلك التخصيص ظنياً، وبين ما لم يخصص فجوزوه في الأول ومنعوه في الثاني([561])، وذهب البعض إلى المنع مطلقاً.
وعمدة ما استدلوا به دليلان: أولهما: دعوى أن الخبر الواحد لا يقوى على معارضة الكتاب، لأن الكتاب قطعي وخبر الواحد ظني.
وثانيهما: موقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس: «حينما روت أنه عليه الصلاة والسلام لم يجعل لها نفقة ولا سكنى وهي بائن، فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا، ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصابت أم أخطأت»([562]).
وكلاهما لا يصلحان للدلالة على المقصود، أما الأول منهما فلان نسبة الخاص إلى العام نسبة القرينة إلى ذي القرينة، وليس بينهما تعارض كما هو فحوى الدليل، وحيث يمكن الجمع بين الدليلين لا مجال لطرح أحدهما وإلغائه. ولو فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما عرفاً، لما أمكن رفع اليد عن الكتاب بالتخصيص حتى في السنة المتواترة، بينما لم يلتزم أحد منهم بذلك، بل لما أمكن ورود الخاص من الشارع أصلاً لاستحالة تناقضه على نفسه كما هو الشأن في المتباينين أو العامين من وجه عندما يلتقي الحكمان في موضع التقائهما حيث حكموا بالتساقط في الاخبار الحاكية لذلك فيهما.
وبعد افتراض حجية الخاص في نفسه وإن كان مروياً بأخبار الآحاد، فأي مانع من إعطائه صفة الشرح لما أُريد من العام الكتابي؟ ومع التنزل فإن التعارض في الحقيقة ليس بين سنديهما ليقدم القطعي على الظني، وإنما هو بين ظنية الطريق في خبر الاحاد، وظنية الدلالة في العام الكتابي، فالكتاب وإن كان قطعي الصدور إلاَّ أنه ظني الدلالة بحكم ما له من ظهور في العموم، ولا موجب لإسقاط أحدهما بالآخر.
نعم لو كان العموم الكتابي مما لا يقبل التخصيص لكونه نصاً في مدلوله لا يحتمل الخلاف، ولا يتقبل قرينة عليه، لتعين القول بإسقاط الخبر وتكذيبه لاستحالة صدور التناقض من الشارع، وحيث أن الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة، فلا بد أن يكون الكذب منسوباً إلى الخبر ويتعين لذلك طرحه.
وبهذا العرض يتضح معنى الأخبار الواردة عن المعصومين في اعتبار ما خالف كتاب الله زخرفاً، أو يرمى به عرض الجدار، وجعل الكتاب مقياساً لصحة الخبر عند المعارضة في الاحكام التي تعرّض لها الكتاب.
واتهام الزنادقة بوضع هذه الاخبار ـ كما ورد على لسان بعض الأصوليين ـ منشؤه عدم إدراك معنى الحديث.
نعم قد يقال إن النسخ يقتضي أحياناً مصادمة الحديث الناسخ للكتاب، فكيف يجعل الكتاب مقياساً لصحته، وهذا الاشكال صحيح لو كانت هذه الاحاديث واردة في غير أبواب التعادل المستدعي لتعارض الاخبار، والتعارض لا يكون إلاَّ في أخبار الاحاد، وسيأتي أن النسخ لا يكون بخبر الواحد إجماعاً على أن النسخ ـ لولا الاجماع على عدم وقوعه بخبر الاحاد ـ لأمكن القول به هنا أيضاً، لحكومة الدليل الناسخ على الدليل المنسوخ، ولا تصادم بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم، فلا تصدق المخالفة مع عدم التصادم، وسيأتي إيضاح ذلك عما قليل.
أما الدليل الثاني ـ أعني رأي الخليفة عمر ـ فإن أريد من الاستدلال به أنه سنة واجبة الاتباع أخذاً بما ذهب اليه الشاطبي، فقد عرفت ما فيه في مبحث سنة الصحابة، وإن أُريد الاستدلال به بما أنه (مذهب الصحابي) واجتهاده، فسيأتي ما فيه، وأنه لا يصلح أن يكون حجة إلاَّ عليه وعلى مقلديه لا على المجتهدين، كما هو التحقيق، على أن الذي يبدو من الرواية المذكورة تشكيك الخليفة في قيمة روايتها، وهو أجنبي عن جواز التخصيص بخبر الثقة وعدمه، فلا تصلح للاستدلال بها أصلاً، والذي يظهر من إقرار الخليفة عمر للخليفة الأول في تخصيصه لآية المواريث بخبره الذي انفرد بنقله: (نحن معاشر الانبياء لا نورث)، وعدم الانكار عليه، أنه من القائلين بجواز التخصيص بخبر الآحاد.
ودعوى الخضري([563]) أن هذا الحديث ونظائره قد يكون مستفيضاً إلى درجة توجب القطع، غريبة، لأنها تصادم كلما صحَّ نقله في هذا الباب من انفراد الخليفة بنقله([564]).
وما يقال عن التخصيص يقال عن التقييد بأخبار الآحاد لمطلقات الكتاب، والحديث فيهما واحد.
وإذا صحَّ هذا لم نعد بحاجة إلى استعراض ما طرأ على آية {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ونظائرها من الآيات من التخصيصات المأثورة بأخبار الآحاد، والمقرة من قبل الصحابة، كما أنّا لم نعد بحاجة إلى مناقشة الحنفية في تفصيلهم الذي لا يعرف له مأخذ يمكن الركون إليه.
ويراد من النسخ ـ على ما هو التحقيق في مفهومه ـ: رفع الحكم في مقام الإثبات عن الأزمنة اللاحقة مع ارتفاعه في مقام الثبوت لارتفاع ملاكه، وهو لا يتأتى إلاَّ في الاحكام التي تؤدي بصيغ العموم، أو كل ما يدل عليه ـ ولو بمعونة القرائن ـ من حيث التعميم لجميع الأزمنة.
وارتفاع الأحكام التي تقيد بوقت معين لانتهاء وقتها لا يسمى نسخاً اصطلاحاً، وقد أحاله فريق لادلة عقلية لا تنهض بذلك وسرها الجهل بحقيقته، بتخيل ان الرفع واقع في مقام الثبوت بعد وضع الحكم على الازمان اللاحقة للعلم الحادث بتبدل المصلحة مما يوجب نسبة الجهل إلى الله تعالى وتقدس عما يتخيلون، بينما هو في واقعه لا يتجاوز مقام الإثبات لمصلحة التدرج في التبليغ، والحكم ابتداء لم يجعل إلاَّ على قدر توفر الملاك فيه، والمصلحة والمفسدة اللذان هما ملاكا الاحكام مما يتأثران بعوامل الزمان والمكان قطعاً، وسيأتي ايضاح أنهما ليسا من قبيل الحسن والقبح الذاتيّين دائماً ليلزم الخلف، والحكم في الازمنة اللاحقة لم يثبت في مقام الجعل ليقال كيف يرتفع الحكم الثابت مع ما يلزم من فرض إثبات صفة الثبوت له.
والحقيقة أن النسخ لا يتجاوز الأخبار عن عدم تحقق الملاك في الأزمنة اللاحقة، الملازم لارتفاع الحكم ثبوتاً وإن أدى بصيغ الرفع في مقام التبليغ.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى إمكانه وأجمع المسلمون على وقوعه، ولم ينقل الخلاف إلاَّ عن أبي مسلم الأصفهاني «ولم يحقق الناقلون مذهبه»([565]) وقد استظهر الخضري «أن خلاف أبي مسلم إنما هو في نسخ نصوص القرآن، فهو يرى أن القرآن كله محكم لا تبديل لكلمات الله»([566]) وما أدري ما قيمة هذا الكلام بعد تصريح القرآن بإمكان النسخ في آياته {مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}([567]) على أن النسخ المدعى هنا ليس هو تبديلاً لكلمات الله وإنما هو شرح للمراد منها وتقييد أو تخصيص لظهوراتها، ثم ليس فيها مصادمة لنص لا يحتمل الخلاف، وحاشا لله أن يكذب نفسه أو ولياً من أوليائه المبلغين عنه([568])، وما قلناه أو قالوه عن التخصيص يقال عن النسخ.
وهذا من الامور التي تكاد تكون بديهية بين المسلمين فلا تحتاج إلى اطالة حديث، والظاهر ان النسخ واقع في الكتاب من الكتاب ومن السنة على خلاف في قلة وكثرة الاحكام التي يدعى لها النسخ، وقد استعرض استاذنا الخوئي(قدس سره) في كتابه ” البيان ” كل ما قيل عن الايات المنسوخة وحاكمه بجهد ولم يجد فيها ما يصلح ان يكون منسوخاً إلاَّ أقل القليل .
والخلاف الذي وقع انما هو في امكان نسخ الاحكام ـ المقطوعة أسانيدها كالاحكام الكتابية والمتواترة من السنة ـ بأخبار الاحاد، وأكثرية المسلمين على المنع وربما ادعي عليه الاجماع، وأهم ما لديهم من الشبه هي شبهة ان الظني لا يقاوم القطعي فيبطله، وهي شبهة عرفت قيمتها في الحديث عن التخصيص لعدم المعارضة بينهما، لأن الدليل الناسخ لا يزيد على كونه شارحاً للمراد من الدليل المنسوخ وقرينة على عدم ارادة الظهور وحاله حال التخصيص، على ان الخبر وان كان ظنياً في طريقه، إلاَّ أنه مقطوع الحجية للادلة السابقة، ومع الغض وافتراض المعارضة فانها في الحقيقة قائمة بين ظنين لا بين قطعي وظني، أي بين ظنية الدلالة في مقطوع السند وظنية الطريق .
ولعل منشأ الاجماع المدعى أو اتفاق الاكثرية انما هو في وضع حد لما يمكن ان يقع من التسامح في دعوى النسخ وإبطال الاحكام لمجرد ورود خبر ما، وهو عمل في موضعه وربما استدعته صيانة الشريعة عن عبث المتلاعبين بأحكام الله والوقوف دون تصرفاتهم، وعلى الاخص وان في الدخلاء على الإسلام من تمثل بصورة القديسين ليتسنى له هدم الإسلام وتقويض قواعده.
من الكلمات المألوفة على ألسنة كثير من الأصوليين أن رتبة السنّة متأخرة عن رتبة الكتاب في الاعتبار .
وهو كلام لا أعرف له مدلولاً يمكن الاطمئنان اليه لاضطراب في تحديد معنى الرتبة هنا، فالذي يظهر من بعض أقوالهم أن مرادهم بها إن تقدم الكتاب على السنّة من قبيل تقدم الحاكم على المحكوم، أي مع وجود دليل من الكتاب لا ينظر إلى السنّة ولا تلتمس كدليل، وهي أشبه بما ذكرنا من التقدم الرتبي لأدلة الإمارات على الأصول، ولكن بعضها الآخر يبدو منه أن المراد منها هو السبق الرتبي من حيث الشرف والأهمية، ووجودها أقرب إلى الوجود الظلي بالنسبة للكتاب، وفي ثالث من الأقوال إن الكتاب يقدم عليها عند التعارض فسبقه الرتبي من حيث أرجحيته في هذا الباب.
ومن أدلتهم على هذا السبق الرتبي تتضح وجهات النظر، وإن كان قد جمع بعض المتأخرين بين هذه الأدلة وكأنها مساقة لمبنى واحد، في تفسيرها لا لمباني متعددة .
وأول هذه الأدلة: قولهم: «إن الكتاب مقطوع والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح على الجملة لا على التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به على الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون، ولعله لا يوجد من متواترها القولي شيء»([569]).
وهذا الدليل يصلح للقول الثالث أي تقديم الكتاب على السنة عند المعارضة لا مطلقاً، إذ لا معنى لرفع اليد عن المظنون بالمقطوع مع عدم المعارضة، وكلاهما حجة كما هو الفرض .
والمعارضة لا تتعقل بين الكتاب والسنة بما هي قول أو فعل أو تقرير، لاستحالة تناقض الشارع على نفسه، وإنما تمكن في الاخبار الحاكية لها، وعليها يقتضي أن تحرر المسألة في تقدم الكتاب على أخبار الآحاد لا على السنة.
وقد سبق أن أيدنا دعوى من يذهب إلى طرح الأخبار إذا خالفت الكتاب ولم يمكن الجمع بينها وبينه، لنفس هذا الدليل وللأخبار الآمرة بطرح ما يخالف الكتاب.
ثانيها: قولهم: «إن السنة، إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك، فإن كانت بياناً فالبيان تال للمبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان لا العكس، وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم، وإن لم يكن بياناً فلا يعتبر إلاَّ بعد أن لا يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب»([570])، وهذا الدليل يصلح للاستدلال به على التقديم من حيث الشرف والأولوية، لا من حيث الاقتصار على الكتاب مع وجوده، لعدم إمكان الاستغناء عن البيان بحال، وما دامت السنة بياناً للكتاب فهي متممة للاستدلال به، بل كلاهما يكونان دليلاً واحداً، لبداهة أن ما يحتاج إلى البيان لا ينهض بالدليلية إلاَّ به، ولكن اعتبار التقدم في الرتبة على أساس التفاضل في المكانة لا معنى لادراجه في مباحث الاصول والتماس الأدلة له لعدم إعطائه أية ثمرة عملية في مجالات الاستنباط.
ثالثها: «ما دل على ذلك من الأخبار كحديث معاذ وأثر عمر، اللذين تقدم ذكرهما، ومثله عن ابن مسعود: «من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومثل ذلك عن ابن عباس وهو كثير في كلام السلف والعلماء وهو الوجه في تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب»([571]) وهذا الدليل صالح للدلالة على المبنى الأول في التقدم الرتبي، أي مع قيامه لا ينظر إلى السنة ولا تعتبر دليلاً.
وهذا المذهب من أغرب المذاهب، إذ كيف يعقل الاستغناء بالكتاب عن السنة ومنها بيانه وشروحه وشروط أحكامه وأدلتها؟ فهل يكتفي ابن مسعود أو عمر أو ابن عباس، لو صح عنهم ذلك، بالرجوع إلى الكتاب والاكتفاء به في حكم واحد من الاحكام فضلاً عن جميع ما ورد فيه منها، وهم يعلمون من طريقة الكتاب في البيان هي الاتكال على القرائن المنفصلة، والسنة هي الكفيلة ببيانها؟ وكيف يسوغ لهم العمل بظواهره مع هذا الاحتمال؟
على أن هذه الاقوال لا تصلح للاستدلال بها، لانها لا تمثل أكثر من رأي أصحابها لو أرادوا ظواهرها، وهو بعيد، وهم ليسوا بمعصومين ليجب علينا التعبد بها.
نعم في إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ ما يصلح للاستدلال، باعتبار أن الإقرار من السنة، فالاستدلال بها استدلال بالسنة، إلاَّ أن الكلام في صحة رواية معاذ، وسيأتي في مبحث القياس إثبات أنها من الموضوعات.
فالحق أن السنة في مجالات الاستدلال صنو للكتاب وفي رتبته، بل هما واحد من حيث انتسابهما إلى المشرع الأول وهو الله عز وجل، ولا يمكن الاستغناء به عنها، وما أروع ما قاله الأوزاعي: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، وذلك لأنها تبين المراد منه»([572]). وقال رجل لمطرف بن عبدالله: لا تحدثونا إلاَّ بالقرآن، فقال: «والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا»([573]).
ومن هذا العرض ندرك أن هذه الأدلة لا تصلح ان تكون لمبنى واحد.
(راجع الحديث، وراجع الإجماع، وراجع: حديث الثقلين).
محمد تقي الحكيم
السند
ـ1ـ
تقع منطقة السند جنوب البنجاب وشرق بلوجستان، وفيها تسع مدن كبرى: كراتشي وجيك آباد وسكهر لارنكه ونواب شاه وخيربور وحيدر آباد وتتّه وداوَد وشهر پاركر ولغة السند هي اللغة السندية وللغات الراجتهانية والپلوچية والبنجابية والكجراتية مكان فيها. هذا عدا الأردوية التي هي لغة الپاكستان الأولى.
كان من المظنون أنّ التاريخ المسطور لأرض السند إنّما يبدو بالغزو المقدوني عندما دانت الأرض للإسكندر الأكبر ولكن حفريات منطقة (موهين ـ جو ـ دارو) وفي مناطق أخرى غيرها، دلت على أنّ هذا التاريخ يرجع إلى (3250ـ2750) قبل الميلاد وأنّه كانت في البلاد مدينة عاصرت الحضارتين على النيل وفيما بين النهرين.
وقد دلّت الحفريات بين سنة 1922 وبين سنة 1932 أنّ سكان منطقة (موهين ـ جو ـ دارو) عاشوا في العصر النيلوثي الأعلى وأنّهم استخدموا الحجارة والنحاس والبرونز ولكنّهم لم يعرفوا الحديد ومشتقاته كما دلّت على أنّهم عملوا في الزراعة ونقلوا متاجرهم إلى مناطق بعيدة، فقد وجدت نماذج من فخار حضارة السند في بلوجستان وبلاد النهرين، كما دلّت الآثار التي أخرجت من باطن الأرض على أنّهم كانوا مهرة في صناعة الحلي من الذهب والفضة بل أنّ بعض هذه النماذج تبرز الصناعات الحديثة فضلاً عن أن تكون من نتاج يرجع إلى خمسة آلاف عام، وأنّهم عرفوا الغزل والنسيج والكلمة البابلية لقماش «الموسلين» هي «سندهار» نسبة إلى أرض السند، وقد أحيطت الموميات المصرية القديمة في «موسلين» من نسيج أرض السند.
وكشفت الحفريات أنّ الناس كانوا يقيمون في دور مشيّدة من الحجارة وأنّ كلاً من المدن الكبرى كانت بها بئر خاصة بها، وأنّه كانت في كلّ من هذه الدور غرفة للاستحمام مرصوفة، كما وجدوا أماكن عامّة للاستحمام أعدّت فيها وسائل لتصريف المياه في طراز ممتاز في هندسة البناء.
في الطابق الأرضي من البناء الذي تحت القبة
وقد لا يكون من محل هنا لمناقشة صورة الحياة بين سكان منطقة «موهين ـ جو ـ دارو» ولا معتقداتهم الدينية وصناعاتهم اليدوية وغير هذا من المسائل المماثلة، ولكن الظاهرة البارزة هي أنّ هؤلاء الناس قد أوجدوا نوعاً من الكفاية التصويرية، أي الكتابة باستخدام الصور، ولكن ما وصلنا من هذه الرسوم ليس بالكثرة التي تمكنا من أن نخرج بتاريخ كامل لمدد طويلة من حياة الشعب.
وقد دلّت الحفريات في مناطق أخرى على استمرار حضارة أرض السند لقرون وقرون.
ولكن السؤال المحير… ماذا حدث في العصر الذي تبع انتهاء حضارة السند؟… فإنّ كلّ مناطق الحفريات لم تقدم شيئاً يمكن منه تعقب حياة الناس بين نهاية عصر حضارة السند وبين غزو الإسكندر، ولقد قيل بأنّ هذه الخرائب في أماكن المدن القديمة إنّما هي بقايا تدمير هذه المدن بوساطة القبائل الآرية في هجراتها المتتالية أو أنّها خربت نتيجة لفيضان النهر وانصراف الناس من السهل إلى الجبل، ولكن على أيّة حال فإنّ هذه المدن لم تسكن ثانية منذ أن دمرت وتركت في صمتها الغريب لا تتحدّث عن ماضيها المجيد.
وفي قرابة سنة 500 قبل الميلاد بعث دارا (520ـ485ق.م.) بحملة لإثبات إمكان إيجاد طريق بحري بين مصب نهر السند وبين فارس، وقد ضاعت تفاصيل هذه الرحلة، ولكن المعلومات التي أمكن جمعها تدل على أنّ دارا تمكن من أن يضم وادي السند إلى الإمبراطورية الفارسية، ويقال إنّ أحد خلفائه (باهمان داردست) 465ق.م. هو الذي شيد مدينة باهمان آباد، التي تقع الآن خرائبها على مسافة ستة أميال للشرق من شهدادبور.
وبعد ما يقرب من القرن دخل الإسكندر الأكبر أرض السند، وقد دان له بعض الملوك بالولاء، ورفع البعض علم الثورة واندفعوا بقواتهم لسد طريق الغزاة، ونلقى في السجلات الإغريقية التي وصفت حملة الإسكندر للشرق الكثير عن الحديث عن الناس وصور حياتهم، وكيف أنّهم مع وجود مناجم الذهب والفضة في بلادهم لم يستخدموا منها، وكيف أنّهم (لم يعرفوا استخدام العبيد، وأنّهم كانوا يستخدمون في دورهم صغاراً في سن الورود)، وأنّهم لم يكونوا يدرسون أياً من العلوم غير علم الطب وعلاج الأمراض، وأنّهم قد عرفوا واشتهروا بأنّه لم تكن لهم أي دور للقضاء إلاّ تلك التي تنظر جرائم القتل أو جرائم العنف بصورة عامّة، وأنّ غير هذا من الخلافات كان يعالج بالتحكيم بين الأهلين.
وقد سار الإسكندر جنوباً حتّى وصل إلى مصب نهر السند حيث أشار ببناء ميناء بحري، وبعد أن استكشف كلا فرعي دلتا النهر عاد إلى بلاد النهرين تاركاً قائد أسطوله ليعود بحراً إلى الخليج الفارسي.
وعلى أنّه ما أن أدار الإسكندر ظهره لأرض السند حتّى ثار الأمراء ولكن بموت الإسكندر تقسمت مملكته بين نفر من قادته وبقي بعض رجال الإسكندر في أرض السند حتّى سنة 317 قبل الميلاد، وتبدّدت مع الهواء كلّ أحلام الإسكندر بإنشاء دولة إغريقية في بلاد الهند.
وقد تولّى قيادة الثورة مخاطر في العمر اسمه شاندرا جوبتا، ويقال إنّ هذا الشاب كان قد قابل الإسكندر وأنّه قد ناقشه في رأيه بأنّه لو كان قد تابع سيره إلى ما وراء السند كانت كلّ بلاد الهند قد دانت له، ولهذا فلم يكد شاندرا جوبتا يتخلص من بقايا الإغريق حتّى جمع جمعاً من رجاله من و لاية الحدود الشمالية الغربية واحتل البنجاب والسند وفي حكمه جاء مبعوث إغريقي اسمه «ميجاستينيس» وأقام بعض الوقت في «باثا ليبوثرا» التي تعرف الآن باسم «باتنا»، وكتب هذا الرجل وصفاً جغرافياً للإمبراطورية الهندية في ذلك العصر.
ومن غير المعروف ما إذا كان جوبتا قد عزل عن العرش أو مات سنة 298 قبل الميلاد، وخلفه من بعده ولده أسوكا (272ـ250) قبل الميلاد وقد استطاع أسوكا أن يسيطر على كلّ الهند، سيطرة يبدو أنّ طابعها كان قيام حكم ذاتي شبه استقلالي في الولايات البعيدة عن حاضرة الإمبراطورية في «باتاليبوترا»، وكان الناس يعيشون في سعادة ورخاء، ويقال إن «أبواجوتبا» أحد كبار رجال أسوكا قد قام ببعض رحلات إلى بلاد السند يبدو أثرها في المظاهر البوذية الواضحة في البلاد.
وسبّب موت أسوكا سنة 250 قبل الميلاد تفكك وحدة إمبراطوريته وبدأ عصر من الغزوات الداخلية، على أنّه في أثناء هذا كانت تحدث في الصين عدّة حوادث كان لها أثرها في مستقبل أرض السند، هذه الحوادث هي التحركات نحو الغرب، التحركات التي قامت بها قبائل الهون قريباً سنة 165 قبل الميلاد، ومع أنّ تحرّكهم كان بطيئاً تعرقله محاولات بعض الأمراء إلاّ أنّهم نجحوا في الوصول إلى أرض السند في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد وأوائل القرن الأوّل الميلادي، ووصلوا في زحفهم إلى طرف وادي السند الجنوب.
وكان أوّل انتصار للمسلمين بالسند سنة 93 هجرية. والسند اليوم مقاطعة من مقاطعات باكستان قاعدتها مدينة كراتشي.
محمد عبد الفتاح إبراهيم
السند
ـ2ـ
تقع السند على نهر (الإندوس) وتمتد من كراتشي إلى ملتان، وهي تشكل الآن القسم الجنوبي من الباكستان وقد فتحها العرب عام 711 للميلاد وصارت مركزاً للعلوم والدراسات الإسلامية في عهد العباسيين ومن أتوا بعدهم.
كانت تدعى السند، منذ قرون طويلة «مملكة الأولياء»، وإنّنا لنعثر في الأدب الشعبي السندي على مئات الحكايات وآلاف الأبيات حول كرامات هؤلاء الأولياء الذين استوطنوا السند منذ القرن الثالث عشر للميلاد، ومنهم الرجال والنساء… ونجد في نفس المنطقة حكايات شعبية حزينة تدور حول حياة مشاهير العشاق ومماتهم، فمنهم «سسي وپنهون» و«عمر ومرئي» و«سهنى ومهنوال» و«ليلا جنيسر» وغيرهم كثيرون. وجدير بالذكر أنّ المرأة تلعب دور المبادرة في هذه الحكايات، فهي التي تعشق وتشتاق، وهي التي تذهب إلى الصحراء وتسبح في البحر حتّى تجد المعشوق المفقود وحتّى تموت في عرض الطريق، غارقة في البحر أو جوعانة في الصحراء…
كان المتصوفون في السند يرمزون بهاتيك النسوة العائقات لقلب الإنسان المشتاق إلى الله فإذا به لا ينال سعادة الوصال إلاّ في لحظة الموت. ولا يزال يترنم بهذه الأشعار الصوفية كلّ ناطق بالسندية حتّى هذه الأيام.
كانت منطقة السند من ناحية أخرى مركزاً للأدب الإسلامي وثقافة العلماء والفقهاء، ونجد في القرون الأولى للهجرة كتب التفسير والحديث وسائر العلوم بالعربية، ثمّ يبدأ رواج الأدب الفارسي بعد القرن الثاني عشر في السند، إذ يعد لسان المؤرخين وشعراء البلاط والمصنفين المتصوفين، وقد استمرّت الحال على ذلك حتّى أواسط القرن التاسع عشر. أمّا اللغة السندية فاستعملها المتصوفون في أبياتهم التي كانوا يلقونها في مجالس السماع؛ ثمّ أنّ مخدوم محمد هاشم قد راح في أوائل القرن الثامن عشر ينظم قصص محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحكايات الصالحين بلغة عامية كي يسهل حفظها على الأطفال المسلمين… حتّى إنّ بعض معاصري مخدوم محمد هاشم قاموا بترجمة بعض سور القرآن الكريم إلى السندية، وكانت اللغة السندية تدون في ذلك الوقت بالحروف العربية عند المسلمين والحروف الديواناگرية عند الهندوس، والخط «الخواجكي» عند الإسماعيليين، وخط «الگورمكهي» لدى جماعة «السكه»، وكان كل واحد يستعمل من الحروف ما سهل عليه. ثم، بعد أن فتح الإنكليز ولاية السند عام 1843 أفردوا للسندية الخط العربي مزوداً بالنقط الزائدة وذلك في عام 1852، وطبع الكتاب الأوّل ـ طبعاً على الحجر ـ بهذه الحروف الرسمية عام. 1853 في مدينة كراتشي. وفي السند الكثير من الشيعة، وفيهم الشعراء المجيدون باللغة السندية لا سيما في المدائح العلوية والمراثي الحسينية.
سنغافورا
ـ1ـ
تقع سنغافورة في جنوب شرقي آسيا، وقد اكتشفها سنة 1819 البريطاني ستامغور رافلس. وهي تتألف من جزيرة سنغافورة ومجموعة جزر صغيرة أخرى، مساحتها 596.8 كيلومتر مربع، وعدد سكانها مليونان ونصف المليون. ظلت سنغافورة تحت الحكم البريطاني حتى سنة 1942 حين احتلتها القوات اليابانية، ثم عادت فاسترجعتها بريطانيا سنة 1945 وفي سنة 1946 أصبحت سنغافورة مستعمرة منفصلة تابعة للتاج البريطاني، وفي سنة 1949 أجريت أول انتخابات بموجب الدستور الجديد الذي كرّس لسنغافورة الحكم الذاتي.
وفي سنة 1963 انشيء الاتحاد مع ماليزيا. وفي 9 آب 1965 وبالاتفاق مع ماليزيا انسحبت سنغافورة من الاتحاد وأصبحت دولة مستقلة ذات سيادة وفي 21 أيلول سنة 1965 انضمت إلى الامم المتحدة وأصبحت العضو 117 وفي 25 تشرين الأول سنة 1965 التحقت بالكومنولث البريطاني وحملت الرقم 22 فيه وفي 22 كانون الأول 1965 أصبحت جمهورية ديمقراطية برلمانية على رأسها رئيس منتخب ينتخب كل أربع سنوات، ولها برلمان ينتخب أعضاؤه كل 5 سنوات.
إن 76% من سكانها صينيون و15% ماليزيون و7 في المئة هنود.
يعتمد اقتصاد سنغافورة على التجارة في الأساس وقسم كبير من تجارتها تتعاطاه مع أندونيسيا. أهم صادراتها النفط الذي يشكل 21 في المئة من المجموع. وأهم زبائنها ماليزيا التي تستورد 23 في المئة من نفطها، ثمّ الولايات المتحدة 12 في المئة، وفيتنام الجنوبية 7 في المئة واليابان 7 في المئة. وتعتمد صناعتها على تكرير النفط وبناء السفن.
كانت مهجراً لفريق من الأشراف الحضارمة الشيعة من أبرزهم السيد محمد بن عقيل صاحب كتاب «النصائح الكافية» و«العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل» و«احاديث المختار في معالي الكرار» وغيرها. وقد أنشأ فيها دعوة إسلامية اصلاحية امتدت حتى شملت أندونيسيا وغيرها وأقام الجمعيات وأسس المدارس وأصدر مجلة عربية سمّاها «الإمام» سنة 1324 «1906م» وصدرت بمساعيه جريدة الإصلاح سنة 1326.
وفي سنغافورا يقول السيد أبو بكر بن شهاب أستاذ السيد محمد بن عقيل:
مدينة سنغفورا حيـن تـبدو
مـعالمها ترى السُّوحَ الرحيبا
فحياها الحيا الوسمـيُّ حتى
يغـادر سفـحَها أبداً خصيبـا
قصور لا يلم بـهـا قصور
ودور بـالـبـدور نفحن طيبا
ولم تسمع إذا ما طـفت إلا
حمـامـاً ساجعاً أو عندليـباً
وبالعُرب الكرام الساكـنيها
من المجد اكتست بُرداً قـشيبا
إذا عاينتهم لم تلق إلا
شقيقاً للمعالي أو ربيبا
قصارى همه أخذ بأدي
كرام النفس أو يؤوي غريبا
ينزه نفسه الغراء عن أن
يجر لها وحاشاه العيوبا
بني الزهراء والكرار أعني
أبا الحسنين والأسد الغضوبا
ملوك في النهار وفي الدجى عن
مضاجعهم يجافون الجنوبا
وجوه بالمكـارم مُسْفِراتٌ
سمت عن أن ترى فيها شحوبا
طباعهم دعتهم للمعالي
فسل من علم الليث الوثوبا
إذا عض الزمان لهم نزيلاً
مـن الدهر استقادوا أن يتوبا
فلم أك إن نظمت الدر بدعا
ولست إذا مدحتهم كذوبا
سنغافورا
ـ2ـ
تقع جزيرة سنغافورة على بعد 136 كلم شمال الخط الاستوائي وتغطي مساحة 624.4 كلم مربع بما فيها الجزر الصغيرة ويبلغ عددها 58. أمّا سكانها فيتوزعون هكذا: 76% من الصينيين، 15% من الملايين، 6.5% من سكان الهند و2.5 من الآسيويين وغيرهم.
لقد أسست هذه الجزيرة عام 1298 لتكون مرفأ لماليزيا ثمّ اشتراها البريطانيون عام 1819. في الحرب العالمية الثانية، احتلها اليابانيون وأعلنت مقاطعة 22د/ زية عام 1963 ولم تنل استقلالها إلاّ عام 1965.
لقد حاولت سنغافور تجسيد أساطير هذا الجزء من العالم وأحيتها بتشييد مدن وصنع هدايا. أهم ما قامت به حكومة سنغافورة لتجعل من هذه الجزيرة مقصداً للسياح: جزيرة «سنتوزا» أو «Sentosa Island»، الحي الصيني والمعبد الهندي مدينة سلالة «تانغ» «Tang» وأخيراً طريق «أورتشرد» أو «Orchard Road» أهم شارع للتبضع حيث الأساطير في محلات «تانغز» «Tangs».
فسنغافورة مرفأ «ترانزيت» وتستورد الحرائر من الصين وتايلندا، الكاميرات والستيريوهات من اليابان، الكومبيوتر من تايوان، الألبسة الرياضية من كوريا، الكومباكت ديسك «Compact Disk» من الولايات المتحدة، العطور من باريس…
وتقع جزيرة «سنتوزا إيلاند» على بُعد نصف كلم جنوب سنغافورة. في بادئ الأمر كانت قرية صيد ثمّ استعملت كحصن وقاعدة بريطانية إلى أنّ انسحبت جيوش بريطانيا عام 1967. في العام 1968 تسلمتها الحكومة السنغافورية وجعلتها منتجعاً سياحياً للمحليين والسواح وأطلقت عليها اسم «Sentosa» الذي يعني «السلام والهدوء».
وفي المعبد الهندي، الأصنام المتعددة الألوان. يتعالى الصراخ والنار من داخل المعبد. أمّا عيون الأصنام فلشدّة سوادها كأنّها تحاول الإيحاء بالخوف للناظر إليها وبالرهبة. إنّ الجهة المكشوفة في المعبد تضم أصناماً وفي وسط باحتها مجموعة من الأعشاب التي يحرم على غير المؤمن لمسها. أمّا المؤمن فيقف بقربها وفي عينيه الرجاء. تشعر عندئذ وكأنّ الوقت والزمن عادا بك إلى أيام الوثنيين.
وفي الحي الصيني تشعر كأنّك في فيلم أميركي فالصمت سائد والنظرات تلاحقك. وعندما تدخل متاجر الصينيين تتذكر روايات «ييرل بوك Buk». فمهما حاولت أن تكلمهم بالإنكليزية وعلى رغم إجادتهم لها، لا يجيبونك إلاّ بالإيماءات… يعطونك ما تطلب فقط، وإذا ما سألتهم عن الفاكهة أو المأكولات المجففة التي لا تراها إلاّ في هذا الحي، يجيبنونك بفائدتها أمّا اسمها فلن تحفظه أبداً… في متاجر الأصنام تستمتع إلى أروع الموسيقى الصينية وترى أجمل أشخاص بوذا وصبياً صغيراً يكتب، يرسم، ينحت، يعزف الموسيقى… على طريق النضج والمسؤولية.
كلّما تقدّمت في الشارع الصيني تحوّلت تصاميم غريبة وتجد نفسك أمام الـ «Mall» أو المخزن الذي تجد فيه احتياجاتك كلّها، وحيث عليك أن تحاول الحصول على أفضل سعر. فقد تتمكن من شراء كل ما تريده بأقل من نصف ثمنه: الجدال حول الأسعار هو من ميزات هذا البلد، فهم من هواة الشراء أو الـ «Shopping» والطعام.
وزيارة مدينة سلالة تانغ أو Tang Oynasty City عودة إلى الصين القديمة. فهذه المدينة تعود بك 1300 عام إلى الوراء. تحملك إلى عصر الصين الذهبي. وقد كلّف هذا المنتزه 100 مليون دولار سنغافوري، فهو تاريخي وترفيهي.
إنّ الفترة التي تميّزت بوجود سلالة تانغ تعتبر عظيمة، حتّى أنّ الصينيين في العالم كلّه يطلقون على أنفسهم اسم «تانغ رن» أو شعب تانغ «Tang Ren».
في متحف الشمع تقابل 100 شخصية مشهورة من تاريخ الصين كـ «كونفوشيوس» (Confocius» (قبل المسيح (551 -479) وجنكيز خان القائد المغولي من القرن الثاني عشر و«فوزيتيان» الحاكمة الوحيدة في الصين… وجميع هذه «الشخصيات» في حجمها الطبيعي، وليست مصغرة.
و«أورتشرد ستريت» شارع مخصص لهواة الشراة وما تجد فيه لا تجده في أي بلد في العالم هل سمعت يوماً بسوبرماركت للآلات الإلكترونية متعدد الطبقات، ليس فيه إلاّ كل ما هو إلكتروني وكلّ التصاميم الجديدة للتلفونات و…؟ كما تجد فيه أقدم الفنادق وأجملها لقرميدها الأخضر وساعات الـ Swatch وغيرها بحجم تمثال الشهداء يتوسط باحة إحدى ناطحات السحاب…
وفي متجر «تانغز» «Tangs» تسحرك أساطير الشرق الاقصى ورموزه.
في هذا المتجر لقاء مع الآلهة والرموز التي يؤمن بها أبناء الجزيرة من آلهة الحظ السبعة وبيضة الوز أو الدجاج أو طائر السمن إلى السمكة والجوزة والحصان فزهرة الـ «Orchidee» الوطنية الرائعة الجمال والمختلفة الأنواع…
لطالما عنت البيضة الحياة والإشراق والبدايات الجديدة. ففي ما مضى كان يعتقد أنّه إذا ما استطاع امرؤ أن يبقيها مستقيمة إلى عشية المهرجان الذي يقام بمناسبة تنين الباخرة، الواقع في اليوم الخامس من الشهر الخامس قمري يكتب له الحظ الجيد والشهرة والثراء. وفي هذا المتجر لا ترى بيضة تشبه الأخرى، ومهما حاولت لن تستطيع أن تثنيها عن البقاء مستقيمة ثم تلفت نظرك علبة كتب عليها «Stress reliever» وتعني هذه العبارة «إزالة التوتر والتشنج» وعندما تبحث في داخلها تكتشف جوزة. نعم جوزة كان الصينيون وما زال بعضهم حتّى الآن يضعونها في كف أياديهم ويتمرنون بالضغط عليها. وكان من شأن ذلك أنّ يشفيهم من الرجفة ويريح عضلاتهم وينشط الدورة الدموية… وعنت دائماً الحياة الطويلة.
وتشعر بالفعل أنّك من القطب الثاني من الأرض حيث تكتشف أنّ الصديق الوفي للإنسان من بين الحيوانات ليس الكلب بل الحصان، وإنّه لولاه في اعتقاد الصينيين، لما كانت الحضارة على ما هي عليه. فهو يمثل الخيروالنبل والقوة والتنكّر للذات، والوفاء… في كل الثقافات والديانات.
وتقع تحت ناظريك مجموعة من المجوهرات الرفيعة الذوق ببساطتها وأناقتها، فتكتشف أنّها مصنوعة من وردة الـ «أوركيدة» «Orchedee» الحقيقية المطلية بالذهب الأسود والأصفر أو بالذهب والفضة أو بالذهب الأصفر الخالص فقط.
وفي سنغافورة تتعايش الثقافات والديانات على اختلافها فترى الجامع والكاتدرائية والمعبد الهندي والبوذي… وكأنّها تستمد انسجامها من حكمة الطبيعة التي تحتضنها والتي على رغم التناقضات التي تحويها تؤلف وحدة من الجمال والروعة والخلق. وجزيرة سنغافورة نموذج لما يمكن أن تكوّنه مدينة نهاية القرن العشرين، فهي تجمع بين الحضارة الغربية لعمرانها والأساطير التي تحييها وتستمد منها استمراريتها.
سنغافورا
ـ3ـ
في الأمس كانت المكان الذي تجمع فيه الماليزيون والصينيون والهنود والعرب ليتبادلوا التجارة في ظل التاج البريطاني عند خط الاستواء في وسط العالم، وسقطت الإمبراطورية، وبقيت المعالم والذكريات، اليوم هي جزء من لا شيء، لا مكان عندها تذهب إليه، ولا بلد تستطيع الانتماء إليه.
لقد عرفت سنغافورة أياماً من العز ومن الخوف ومن المجد ومن الفقر. كانت مستعمرة بريطانية حافظت على التراث الڤيكتوري إلى ما بعد إنزال العلم المربع الألوان وانهارت هذه القلعة في الأشهر الأولى من حرب المحيط الهادي أمام الجحافل اليابانية. وتعرّضت في العام 1948 وما بعده لمحاولات الغزو الشيوعي يوم كانت الصين تحاول عن طريق «حرب التحرير الشعبية» أن تضم الملايو إلى مناطق نفوذها. ودخلت في اتحاد فيديرالي مع الملايو وسراواك وصباح تحت اسم ماليزيا عام 1963. ثمّ أصبحت جزيرة صغيرة ومراحل عدّة مرّت فيها الجزيرة الفريدة والغريبة.
هذه الجزيرة الصغيرة التي يتجاوز طولها 26 ميلاً وعرضها 14 ميلاً، محاطة باجزء صغيرة صغيرة غير مسكونة، ليس لها ماء تشربه إلاّ ما تجره الأنابيب عبر الطريق الضيق فوق البحر من هضاب جوهور. الأنابيب نصفها تملكه ماليزيا، واستطاعت الشخصية الصينية المميزة لسكان هذه الجزيرة، إلى جانب الخليط العجيب من الشعوب الأخرى التي فيها، أن تجعل منها الدولة الثانية في آسيا بعد اليابان في الدخل القومي، متخطية بذلك تايوان. صحيح ـ كما تقول الكتب السياحية ـ إنّ سنغافورة بلد متعدد الشعوب، إلا أنّ كل أربعة أشخاص من أصل خمسة هم صينيون تسمع الصينية في مختلف لهجاتها (الماندرين والكانتونية) إلى جانب الماليزية والتاميلية (لغة سيلان وجنوب الهند) والهندية والأوردية والعربية. وتبقى الإنكليزية القاسم المشترك بين السنغافوريين إلى جانب كونها لغة الحكومة والإدارة والتجارة والدواوين تحس كأنها مزيج من مدن عدّة: برايتون في إنكلترا. لاهور في باكستان. عدن في اليمن. بومباي في الهند. أمطارها الموسمية تهطل في أي لحظة، وشمسها تسطع بعد دقائق. مبانيها خليط من الطراز الاستعماري والهندسة المعمارية الحديثة. في شارع آخر تتصوّر أنّك في نيويورك. إلاّ أنّها توحي لك باستمرار بأنك في آسيا. في الصباح الباكر تسمع المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، وعند الظهر تسمع طبول الصاج تقرع أمام المعابد الهندوسية، وعند المغيب تضج بأجراس الرهبان البوذيين. خليط عجيب من الألوان والإيمان.
وعندما وصلها البريطانيون لم يكن فيها أكثر من أربعين صينياً يعملون في الزراعة و150 ماليزياً يعملون في الصيد. وسرعان ما توافدت هجرات متعاقبة بسبب الغزوات والحروب، واستقروا في شوارعهم ومنازلهم، الخاصة، ناقلين معهم لهجاتهم وأطعمتهم وعاداتهم وآلهتهم واحتفالاتهم. أعادوا بناء صين جديدة صغيرة هي أقرب ما تكون إلى الصين الحقيقية التي عرفوها في مطلع هذا القرن. كذلك نقلوا خلافاتهم السياسية وعصاباتهم وجمعياتهم السرية، والهنود جاءوا إلى سنغافورة في أوائل القرن التاسع عشر مع رافلز والمستعمرين الأولين كانوا مجموعة من المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة في بلادهم. فكانت الأيدي العاملة المجانية، ومن بعدها الأيدي العاملة الرخيصة التي بنت معالم سنغافورة المعروفة اليوم، كدار الحكومة وخطوط السكة الحديدية وفتحت الأدغال وعملت في مزارع المطاط. أمّا الماليزيون فقد كانوا سكان الجزيرة قبل أن يصلها الصينيون والهنود. كانوا قليلي العدد يعملون أمّا في القرصنة وأمّا في صيد الأسماك، جاءوا من شبه جزيرة الملايو أو من جزر بورنيو وسيليبيس، وعاشوا على الشواطئ وفي الجزر الصغيرة القريبة، فأعطوا سنغافورة طابعها وملامحها الآسيوية.
تاريخ سنغافورة كما هي اليوم يبدأ في العام 1819 عندما وضعها السير ستامفورد رافلز على الخريطة. إلاّ أنّ جذوره ضاربة في أعماق عصور سابقة. فمركزها الاستراتيجي كمدخل إلى غرب بحر جنوب الصين جعل منها مسرحاً لحضارات عريقة عرفها جنوب شرق آسيا. عرفها الهنود والصينيون واليابانيون والعرب قبل أن يعرفها الأوروبيون. جاءها التجار العرب في القرن الثالث للميلاد من ثلاث جهات: من الخليج ومن البحر الأحمر ومن الهند في طريقهم إلى جزر التوابل التي هي شمال شرق أندونيسيا اليوم. قبل ذلك بكثير جاءها الهنود في القرن السابع قبل الميلاد وفرضوا لغتهم ودينهم وعاداتهم وحضارتهم. بعدهم جاءت موجات الصينيين وأخذت الحضارة الصينية تحتل مكان الحضارة الهندية.
في البداية كان اسمها «تاماسيك» في اللغة الأندونيسية القديمة، أي بلد البحر، وجاء الهنود وغيّروا اسمها إلى سنغافورة في اللغة السنسيكريتية أي مدينة الأسد. وتقول الأسطورة الهندية أنّ الملك راجندرا الأول سمّاها سنغافورة بعدما اصطاد فيها مئة أسد. غير أنّ الأسطورة الماليزية تقول إنّ أميراً من الملايو اسمه سانغ نيلا أوتاما قذفت به الأمواج إلى الجزيرة أثر عاصفة عاتية قلبت مركبه، شاهد عند وصوله إلى الشاطئ حيواناً جميلاً لم ير مثيلاً له من قبل. وعندما سأل ما هو قيل له إنّه أسد. وأعجبته الجزيرة بمقدار ما أعجبه الحيوان، فقرّر أن يبني مدينة في ذلك المكان ويسمّيها سنغافورة ـ مدينة الأسد. والطريف في الأمر أنّ الأسود لا تعيش في جنوب شرق آسيا، خصوصاً في الملايو وسنغافورة، وأنّ الحيوان الشائع هناك هو النمر. لكن هذا لم يمنع أن تبقى سنغافورة عاصمة إمبراطورية «سري فيجايا» في الملايو حتّى دمرها التايلنديون في القرن الرابع عشر. ثمّ غزاها الصينيون في القرن الخامس عشر خلال حكم سلالة «مينغ» حين بدا تثبيت دعائم النفوذ والقوة الصينيين في جنوب شرق آسيا ولم يتغير التاريخ كثيراً حتّى بداية القرن السادس عشر عندما دخلها الأوروبيون باحتلال البرتغال في قيادة الفونسو البوكيرك (الذي احتل مسقط في ما بعد وكان ذلك بداية الغزو البرتغالي للخليج لسلطنة مالاكا في الملايو. وكان هذا إيذاناً بإعلان دخول أوروبا حلبة الصراع الاستعماري في جنوب شرق آسيا). مع السير ستامفورد رافلز ممثل شركة الهند الشرقية الذي وصلها في 8 شباط 1819، ليوقع معاهدة مع سلطان الملايو حسين محمد شاه يسمح بموجبها للشركة بإقامة مركز تجاري عند مصب نهر سنغافورة، وقد اقترن اسمه باسم الجزيرة منذ ذلك التاريخ. وفي العام 1824 وقعت سنغافورة تحت السيادة البريطانية. وفي 1828 انضمت إلى بينانغ ومالاكا لتشكل مجتمعة «محمية المضيق» التي كانت تديرها شركة الهند الشرقية من البنغال. وبتقلص أهمية بينانغ ومالاكا مع الزمن، ازدادت أهمية سنغافورة. وفي 1867 أصبحت محمية مستقلة تحت إشراف وزارة المستعمرات في لندن. وازداد ازدهار سنغافورة بفتح قناة السويس عام 1896 وبانفتاح دولة الملايو وتوسعها في أدغال الداخل. لكن الذي زاد من حظ سنغافورة وازدهارها في تلك الأيام هو اكتشاف شجر المطاط في 1873، والإتيان به إليها من البرازيل. ومرّت عشر سنين قبل أن يقتنع الناس بأهمية زراعة المطاط. وكانت صناعة السيارات قد بدأت في الولايات المتحدة باختراع هنري فورد السيارة الأولى. ومع ظهور مزارع المطاط بدأت الهجرة الهندية الكبرى إلى سنغافورة والملايو، إذ جعل الهنود التاميل يفدون من جنوب الهند وسيلان إلى الجزيرة للعمل في المزارع. وكان ذلك أوّل تحرّكها الاقتصادي ونموّها.
ومع نمو سنغافورة كمركز أوّل للتجارة وقاعدة لقوّة بريطانيا البحرية في جنوب شرق آسيا، بدأ الصراع الدولي يشتد عليها بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. وفي 15 شباط 1942 احتل اليابانيون الجزيرة في سهولة عجيبة، حطمت أسطورة «سنغافورة القلعة» التي اشتهرت خلال الأشهر الأولى للحرب، كما سقطت النظرية العسكرية البريطانية في «الدفاع الثابت»: ركزت القوات البريطانية مدافع ضخمة ثابتة موجهة نحو البحر، وإذا باليابانيين يهاجمونها من البر عبر مضيق جوهور. وهكذا انتهت الفترة الاستعمارية للجزيرة. وكان الاحتلال الياباني كالاحتلال البرتغالي قبل قرنين، بداية تحريك رياح التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آسيا.
سنغافورا
ـ4ـ
بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، عادت سنغافورة إلى الحكم المدني في أوّل نيسان 1946 كمستعمرة للتاج البريطاني، ومرّت عشرون سنة أخرى قبل أن تنال استقلالها، وفي العام 1955 جرت أوّل انتخابات عامة في البلاد، فاز فيها حزب «جبهة العمال» الذي كان يتزعمه دافيد مارشال، اليهودي من أصل إيراني، وأصبح مارشال الوزير الأوّل في المستعمرة، ونال حزب العمل الشعبي في زعامة لي كوان يو، الذي كان يضم آنذاك عدداً كبيراً من الشيوعيين، ثلاثة مقاعد من أصل ثلاثين مقعداً، وطالب دافيد مارشال الذي كان متهماً بالعمالة للبريطانيين بالاستقلال الفوري لسنغافورة، وردت بريطانيا طلبه فاستقال مارشال وخلفه في الحكم وفي زعامة الجبهة ليم يو هوك الذي كان من سياسيي الدرجة الثانية.
في هذه الأثناء كان لي كوان يو يقوم بتغييرات في منهاج حزب العمل الشعبي ومظهره. ولي كوان يو صيني من مواليد 1923، درس في المدارس الإنكليزية في سنغافورة كأكثر صينيي الطبقة المتوسطة، وسافر بعد الحرب إلى جامعة كيمبردج في إنكلترا حيث درس القانون. وصينيو سنغافورة نوعان: نوع اندمج عبر سني الاستعمار البريطاني الطويلة في الحياة الثقافية الإنكليزية فدخل المدارس الإنكليزية وتعلم لغتها ونهل من ثقافتها، ونوع دخل المدارس الصينية وحافظ على لغته وثقافته، ولي كوان يو ينتمي إلى النوع الأوّل، بينما ينقسم حزبه إلى جناحين صينيين: صين الصينيين وصين الخوارج. ولي من الخوارج (الصينيون يستعملون الاسم الأوّل). وحزب العمل الشعبي حزب اشتراكي الأساس والمبادئ يتوسل الرأسمالية للوصول إلى غاياته. وفي ظل الحكم الذاتي والاستقلال بدأ حزب العمل الشعبي يصبح أقل صينية وأكثر ماليزية، وأقل اشتراكية وأكثر عداء للشيوعية، بينما كان عدد من الزعماء الشيوعيين المنتسبين إلى الحزب في المعتقلات البريطانية.
وجرت انتخابات 1959 وفاز حزب العمال الشعبي بـ43 مقعداً من أصل 51 مقعداً، ولكن قبل أن يوافق الحزب على تسلم الحكم طالب السلطات البريطانية بالإفراج عن زعمائه الشيوعيين المعتقلين. وأطلقت بريطانيا ثمانية من هؤلاء وصار لي كوان يو أوّل رئيس لوزراء المدينة ـ الدولة المتمتعة بالحكم الذاتي إنّما غير المستقلة. وبقيت شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الداخلي في يد السلطات البريطانية. وعندما خرج الشيوعيون من السجن ووجدوا أنّ الحزب قد تغير في غيابهم وأنّهم لا يستطيعون السيطرة عليه، انشقوا عنه في العام 1961 وألفوا حزب الجبهة الاشتراكية، الذي كان هدفه الأساسي تحطيم لي وحزب العمل الاشتراكي.
خلال هذه السنوات الأربع كانت الملايو قد استقلت وأصبح التنكو عبد الرحمن أوّل رئيس لوزراء الملايو المستقلة. وفي العام 1963 اقترح قيام اتحاد بين الملايو وسنغافورة وبورنيو وساراواك وصباح وبروناي، فوافق الجميع على ذلك باستثناء بروناي الغنية بالنفط التي آثرت البقاء محمية بريطانية. وما تزال. وتمّ تأسيس اتحاد ماليزيا في أيلول 1963. وعاش الاتحاد مع سنغافورة حتّى 1965، حين طردت ماليزيا سنغافورة. وكانت الحزازات والخلافات قد تراكمت بين ماليزيي الملايو (التي فيها صينيون بمقدار ما فيها ماليزيون) وصينيي سنغافورة (التي فيها أقلية ماليزية)، إلى درجة أنّه لم يكن بد من الانفصال. وكان التصعيد في العلاقة قد بلغ ذورته أثر محاولة حزب العمل الشعبي السنغافوري تعاطي السياسة الماليزية الداخلية واستعداء الماليزيين المسلمين الذين خافوا من سيطرة الأكثرية الصينية على البلاد. وما تزال الحساسية المفرطة بين مسلمي ماليزيا وصينيي سنغافورة تتحكم في العلاقة بين البلدين إلى اليوم.
وأصبحت سنغافورة جمهورية بعد طردها من اتحاد ماليزيا في 19 آب 1965، لها رئيس وعلم وبرلمان وسفراء وقوات مسلحة، يحكمها رئيس وزرائها لي كوان يو بواسطة الحزب الواحد، الديموقراطي المظهر الفردي السلطة، في غياب أي نوع من أنواع المعارضة. واستطاعت هذه المدينة الدولة التي تبلغ مساحتها 225 ميلاً مربعاً، بسكانها المليونين، أن تتحول في عهد الاستقلال من مستعمرة متخلفة إلى قصة نجاح تكاد لا تصدق، أعطتها أبعاداً وأهمية في آسيا والعالم أكبر بكثير من حجمها. فللمرة الأولى في تاريخ هذه الجزيرة بات سكانها من صينيين وماليزيين وهنود يشعرون بالانتماء إلى وطن اسمه سنغافورة، وإن يكن هذا الخليط العجيب يحتاج إلى جيل بكامله حتّى تزول الحواجز العرقية ويتم الانصهار الوطني في شكل لا يقبل الكسر.
وتكوّنت لدى سنغافورة، انطلاقاً من هذا الخليط البشري الذي يسكنها، وعلى أثر طردها من اتحاد ماليزيا، «عقدة إسرائيل». فالصينيون السنغافوريون تتحكم فيهم عقدة تعال وعظمة مردّها إلى سلسلة النجاحات الاقتصادية والسياسية التي حققوها، وهم يتطلعون من خلالها في احتقار إلى سكان البلاد الأصليين عبر المضيق في ماليزيا، إلى جانب شعورهم بأنّهم دولة صغيرة محاطة ببحر من الأعداء تعيش من ذكائها وقوتها فقط. وكان القصد من اختيار لي كوان يو إسرائيل مثالاً يحتذى، الإيحاء إلى السنغافوريين بأنّ ظهرهم إلى الحائط وأنّ معركتهم للبقاء بلداً مستقلاً كمعركة إسرائيل مع العرب. وهو كان يستهدف في الدرجة الأولى الضغط على المواطنين لتقديم تضحيات معينة ومستمرة، قد لا يوفرها اعتماد المثل السويسري كما كان يتمنى أكثر المراقبين المعنيين باستقرار جنوب شرق آسيا وسلامته، فيتعلم السنغافوريون من سويسرا فن التعايش بين الشعوب المختلفة اللغات والجنسيات، بمقدار ما يتعلمون فن البقاء والطفو على سطح الأحداث في عالم السياسة والاقتصاد المعقد.
ولعل الذي كرّس نهائياً انفصال سنغافورة عن بقية دول جنوب شرق آسيا، والعزلة التي تعاني منها اليوم، اختيارها إسرائيل مثالاً تبني على أساسه أمة، وهذا الاختيار كان متعمداً وعلنياً، وإن تكن الأوساط السياسية في سنغافورة تنفي ذلك اليوم، بعد تغير الظروف. ففي تشرين الأوّل 1967، وكانت آثار حرب حزيران لا تزال ماثلة وإسرائيل في قمة غطرستها وأمجادها العسكرية، وقف لي كوان يو في اجتماع مؤتمر الأحزاب الاشتراكية الدولية في زوريخ وقال: «لقد قمنا بدراسة لنرى ما يمكن الدول الصغيرة المحاطة بجيران كبار والمكتظة بالسكان أن تعمل حتّى تعيش وتبقى. وساقتنا الدراسة إلى مقارنة ثلاثة مجتمعات متلاصقة ومتضامنة هي: سويسرا، فنلندا وإسرائيل. وقد اختارت سنغافورة في النهاية النموذج الإسرائيلي، لأنّه في وضع كوضعنا يبدو من الضروري تدريب كلّ ولد وكلّ بنت على الانضباط كعامل فعال وأساسي في الدفاع عن البلاد».
ومنذ ذلك الوقت والخبراء الإسرائيليون باتوا جزءاً لا يتجزأ من «صورة» سنغافورة، مهما حاول السنغافوريون تمويهه وإخفاءه. وكانت تلك المحاولة من أفشل ما قام به السنغافوريون الأذكياء. فقد وصل في نهاية 1967 عدد كبير من الضباط الإسرائيليين لتدريب قوات سنغافورة المسلحة والتدريس في كليتها الحربية. وكان هناك اتفاق مكتوب على ألا يعلن أي من البلدين رسمياً وجود خبراء إسرائيليين في سنغافورة، حتّى أنّه عندما وصلت الدفعة الأولى من هؤلاء سمّوا رسمياً «خبراء زراعيين مكسيكيين». ويشير السنغافوريون اليوم إليهم على أنّهم «مكسيكيون» تفادياً لأي إحراج.
وبالطبع كان اختيار سنغافورة للإسرائيليين عملية فيها تحد وتحريض سياسي بالنسبة إلى جيرانها، إذ اعتبرت المواجهة بين الصينيين فيها وغير الصينيين في البلدان المجاورة كالمواجهة بين العرب وإسرائيل، فضلاً عن أنّها أوحت بانتقال «العداء الديني» من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا. لقد كان في وجود الإسرائيليين شيء من «الإهانة العاطفية» لجيران سنغافورة المسلمين.
وكانت ردة فعل ماليزيا وأندونيسيا على الوجود الإسرائيلي في سنغافورة، اتهام لي كوان يو بمحاولة إقامة دولة كإسرائيل من أجل اضطهاد الماليزيين والأندونيسيين المسلمين المقيمين في الجزيرة، كما تضطهد إسرائيل العرب المسلمين فيها اليوم. ويقول الحزب الماليزي الحاكم أنّ سياسة حزب العمل الشعبي السنغافوري تقضي بشن حرب أعصاب على شعوب جنوب شرق آسيا بالأسلوب الإسرائيلي الأمر الذي يشغلها في استمرار بعضها ببعض. بالطبع ـ يوضح أحد الخبراء الآسيويين ـ وبقاءها فحسب، لكان اختار لبنان مثالاً، أو حتّى هونغ كونغ، حيث التعايش الحر بين الشعوب والعروق والملل ـ بل حتّى الدول ـ على أتمه. لكن لي كان يريد تعايشاً وفق أهوائه وبمواصفاته. تعايشاً بشروطه في دولة انضباطية عسكرية متفوقة. إلاّ أن ثمة من يقول ـ من يسار حزب لي ـ إنّ اختياره إسرائيلي مثالاً لبلاده، بدلاً من سويسرا أو فنلندا، مردّه أيضاً إلى الفوائد الاقتصادية فبفضله وجد فرصة للتعاطف مع اليهود في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً يهود الولايات المتحدة، ولإغرائهم بالتوظيف في سنغافورة. وكانت لذلك نتائج إيجابية.
وإذا كان جيران سنغافورة وجدوا في اختيارها إسرائيل نوعاً من التحدي، فإنّ استراتيجيتها العسكرية كانت تهديداً عسكرياً مباشراً لهم. ذلك أنّ سنغافورة قررت أن تركز في اختياراتها العسكرية على سلاح الدبابات، ولاحظ المراقبون أنّ الدبابات التي اشترتها (من إسرائيل) هي من نوع «أ 1 م. أكس ـ 13» الفرنسية الخفيفة التي تستطيع أن تعبر ممر جاهور البحري في سهولة إلى البر الماليزي. ولم تسكت ماليزيا على هذا الأمر. فخلال المناورات التي أجرتها الدول الخمس الأعضاء في «منظمة دول جنوب شرق آسيا» (اسيان) في العام 1970، وفي كل مناورة بعدها، رفضت ماليزيا أن تسمح لسنغافورة (العصفور في المنظمة) بأن تعبر دباباتها ممر جاهور، وحجتها أن هذه تريد أن تمتحن قدرة الدبابات، مع وحداتها العسكرية الأخرى، على غزو ماليزيا تحت ستار المناورات. وبالإضافة إلى الدبابات، كان سلاح الطيران السنغافوري المجهز بطائرات هوكر هنتر وسكاي هوك والمدرب تدريباً إسرائيلياً من الأسلحة التي تفخر بها سنغافورة إلى جانب البحرية الصاروخية الإسرائيلية الصنع التي تمتلكها والتي اعتبرتها أندونيسيا موجهة ضدها بالذات. كل هذا لم يترك مجالاً للشك في هوية أعداء سنغافورة.
من هنا إنّ سنغافورة اختارت أن تلعب دوراً ثانوياً في منظمة «اسيان»، التي ما تزال أهم وسائل التعاون في المنطقة. وهي تألفت في العام 1967 من ماليزيا وأندونيسيا وسنغافورة وتايلند والفيليبين، لكنها لم تتطور مكتفية بمشاريع ضخمة على الورق. ولم يخف لي كوان يو تخوفه من جيرانه مبرراً ابتعاده عن المنظمة بقوله: «إذا كان جيراني يريدون إيذائي اقتصادياً، فكيف تريدونني أن أقتنع بأنّهم يريدون الدفاع عني عسكرياً. أليس هذا هراء؟ لو كانت سنغافورة مقتنعة بالنيات الحسنة لجيرانها لتعاونت وإياهم في سبيل المصلحة المشتركة. بالطبع نريد أن يكون جيراننا أقوياء ومزدهرين، ولكن من أجل أي هدف؟. وهكذا قرر لي أن يتغدى جيرانه قبل أن يتعشوه. فجعل عدد قواته المسلحة 150 ألف رجل معتمداً التجنيد الإجباري على الطريقة الإسرائيلية للمواطنين بين سن الـ 18 والـ 40، إلى جانب 10 آلاف شرطي.
على أنّ حرب تشرين الأوّل غيّرت الكثير. فجأة اختفى الخبراء الإسرائيليون وأبدلوا بخبراء صينيين من تايوان. خشيت سنغافورة الغضب العربي، وهي التي تمتلك أكبر مصفاة للنفط في آسيا بعد عبادان. خافت من حصار النفط العربي، كما خاف لي كوان يو أن يبدأ القصاص وتستحق الفواتير. كان همّه أن يستمر مرفأ سنغافورة، وهو خامس أكبر مرفأ في العالم بعد لندن ونيويورك وأمستردام وسيدني، في العمل. فحياة الجزيرة كلها متوقفة عليه، ونجاحها الاقتصادي الذي قام على الموقع الجغرافي والانتهازية الاقتصادية، متوقف أيضاً على استمرار أعمال المنطقة الحرة فيه من صيانة وصناعة وإعادة تصدير وخدمات سياحية. إذ لا زراعة في سنغافورة ولا معادن ولا حيوان. حتّى الماء تستورده من ماليزيا. فإذا توقف النفط العربي تتوقف الحياة وتنهار استثمارات شركات النفط الأميركية والبريطانية واليابانية والاوسترالية والإيطالية التي تبلغ يومياً مليونا ونصف مليون دولار. إنّ المصفاة الضخمة التي ينتظر أن تصبح أكبر مصفاة في العالم إذا اكتشف النفط في بحر جنوب الصين، قد يعلوها الصدأ إذا توقف النفط العربي. فكان أن خرج الخبراء الإسرائيليون في مثل الهدوء الذي دخلوا فيه. كلّ ذلك خلال أشهر. إنّما بقيت العقلية الإسرائيلية وعقدة التفوق تحدياً يومياً تمارسه سنغافورة ضد كل جيرانها في جنوب شرق آسيا. إنّ هذه الجزيرة الصغيرة مكان يستحق المراقبة العربية المستمرة.
سنغافورا
ـ5ـ
سنغافورة دولة آسيوية صغيرة تعيش نهضة اجتماعية واقتصادية ملحوظة، وتضم العديد من الطوائف الدينية من بينها الأقلية المسلمة التي تخصص لها الحكومة موازنة خاصة، ولها مجلس إسلامي يتولى شؤونها ويمثلها أمام الحكومة ويشرف على المساجد والمدارس الإسلامية.
وحول قضايا الأقلية المسلمة في سنغافورة والمشكلات التي تواجهها التقينا «الشيخ سعيد عيسى بن سميط مفتي مسلمي هذا البلد أثناء زيارة قام بها أخيراً لمصر».
متى توليتم منصب الإفتاء في سنغافورة؟
ـ في العام 1969 تخرّجت في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بعد أن درست اللغة العربية والفقه الإسلامي، وفي شباط (فبراير) 1972 توليت منصب الإفتاء.
* كيف يتم التمثيل الرسمي للمسلمين في بلدكم؟
ـ بعد استقلال البلاد طلب المسلمون من المسؤولين في الحكومة تكوين هيئة إسلامية عليا تمثلهم، ومن هنا تأسس المجلس الإسلامي سنة 1968، وهو مسؤول عن شؤون المسلمين ويمثلهم أمام الحكومة. وبذلك حصل المسلمون في سنغافورة على ميزة خاصة، لأنّ أياً من أصحاب الأديان الأخرى لم يحصل على هذا الحق. والمجلس الإسلامي يتكوّن من رئيس المجلس و12 عضواً يتم اختيارهم من الجمعيات الإسلامية الموجودة في سنغافورة، والوزير المسؤول عن المجلس له الحق في تعيين خمسة أشخاص فقط في المجلس. فمن المعروف عندنا أنّ الحكومة تعين أحد المسلمين وزيراً في أي وزارة، وغالباً ما تكون وزارة الشؤون الاجتماعية، وهذا الوزير هو المسؤول عند المجلس ويختار خمسة من أعضائه، وترشح الجمعيات الإسلامية من يصلح لعضوية المجلس. أمّا رئيس المجلس فتعينه الحكومة وكذلك الأمين العام للمجلس، والمفتي يعينه رئيس الدولة وهو عضو في المجلس ومنصبه ثابت لا يتغير هو والأمين العام للمجلس ويظلان حتّى سن المعاش أمّا رئيس المجلس وأعضاؤه (12 عضواً) فمدتهم 3 سنوات بعدها يحدد تعيينهم أو يتم اختيار غيرهم.
* وما الدور الذي يقوم به المجلس الإسلامي لخدمة المسلمين في سنغافورة؟
_ المجلس، كما ذكرنا، يمثل المسلمين أمام الحكومة ويشرف على المساجد وعددها 71 مسجداً، كما يشرف على المدارس الشعبية الخاصة والمدارس الحكومية، وهناك 6 مدارس أخرى لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي وتحصل على دعم من الوقف الإسلامي وتبرعات المسلمين.
وهناك جمعيات إسلامية كثيرة تقدم الخدمات للمسلمين منها جمعيات للمدرسين الدينيين وجمعيات للأعمال الخيرية وجمعيات للدعوة الإسلامية.
* ما دور الإفتاء في حل مشكلات المسلمين الدينية والفقهية في سنغافورة؟
ـ مثل أي بلد آخر في العالم هناك أمور تحتاج إلى فتوى وإلى اجتهاد ونظر ديني ومن هنا تقدّم الأسئلة إلى المجلس الإسلامي الذي يرفعها إلى مجلس الفتوى المكوّن من المفتي وأربعة أعضاء، هم عضوان من المجلس الإسلامي وعضوان من خارج المجلس لا يقيدان بالعضوية حتّى يبديا ما يريدونه في القضايا المطروحة، بحرية.
* معنى ذلك أنّ الفتوى في سنغافورة تصدر باجتهاد جماعي من لجنة الفتوى وليس بناء على رأي فردي من المفتي؟
ـ هذا ما يحدث بالضبط إلى جانب أعضاء اللجنة الأربعة ورئيسها، أضفنا بعض العلماء حتّى يكون الحكم أقوى وأوثق وأبلغ في الصحة.
* وهل يحدث خلاف في الفتوى بين أعضاء مجلس الإفتاء حول قضايا مستحدثة؟
ـ عادة لا يحدث خلاف إلاّ مرّة واحدة حول حكم ابتداء رمضان بالرؤية أم بالحسابات الفلكية، وعندما لا يتفق مجلس الفتوى على الحكم يُرفع الأمر إلى أعضاء المجلس الإسلامي ويتم التباحث فيه ويكون القرار بالتصويت بين أعضاء المجلس. والقرار الذي يأخذه المجلس لا يعتبر فتوى، فهو قرار للمصلحة العامة فقط. أمّا الفتوى فلا تصدر إلاّ من مجلس الإفتاء.
* وماذا تمّ في الخلاف حول بداية رمضان؟
ـ الخلاف استمرّ سنة واحدة، ثمّ تراجع هؤلاء العلماء الذين لم يحبذوا استخدام الحسابات الفلكية. فسنغافورة تستحيل فيها رؤية الهلال بصفة دائمة فعلى مدى ستين عاماً لم يحدث أن رُؤي الهلال بالعين المجردة في ليل الرؤية، ولذلك نأخذ بالحسابات الفلكية.
* هل معنى ذلك أنّك تؤيد الحسابات الفلكية؟
ـ عندما نفتقد الرؤية الشرعية ليس علينا إلاّ العمل بالحسابات الفلكية. والدول المجاورة لسنغافورة تشجع هذا الأسلوب وتعمل به ونتفق في هذا الأمر ونصوم سوياً. وهذه الدول هي سنغافورة وأندونيسيا وماليزيا وبروناي.
وهناك نقطة مهمة تجعلنا نعمل بالحسابات الفلكية، ففي سنغافورة تتعدّد الأديان وكلّ طائفة دينية لها عيد أو أعياد تشارك فيها كلّ الطوائف. ومن هنا، فإنّ عيد المسلمين يجب أن يحدد موعده تحديداً دقيقا ومسبقاً حتّى يكون عطلة رسمية من الحكومة التي تعطي لنا حق اختيار يوم العيد وتحديده، والخلاف في الرؤية قد يحدث اضطراباً في هذا الأمر. أمّا الحساب الفلكي فيساعدنا في توحيد أوّل أيام العيد وتثبيته لتحدده الحكومة عطلة لكل البلاد.
* ما هو مستقبل الإسلام والمسلمين في سنغافورة؟
ـ الإسلام في سنغافورة يعيش حالة من الازدهار، والحكومة تصرف ميزانية خاصة للمسلمين على رغم أنّها حكومة علمانية والمسلمون، على رغم محدودية الدخل وقلة عددهم، قاموا بجهود جبارة لتحسين أحوالهم بأنفسهم. وهناك جمعيات إسلامية كثيرة تقدم خدماتها للمسلمين ونحن نبني مساجد جديدة كلّ يوم، وكلّ مسجد عبارة عن مركز إسلامي مصغر يضم فصولاً دراسية ومكتبية وقاعة محاضرات ومصلّى للنساء، ويقدّم الخدمات المتعددة لأهل المنطقة التي يوجد فيها([574]).
سنگر
اسم ناحية من توابع مدينة سمنان بإيران على مسافة 18كم شمال سمنان وعلى سفح السلسلة الجنوبية لجبال البورز، هواؤها بارد وتستقي من العيون التي تنبع من الجبال. تقع على الخط الجغرافي 53 درجة 19 دقيقة طولها و35 درجة و43 دقيقة عرضها. تتبع هذه الناحية والمنطقة النواحي التالية: سنگر، شهيرزاد، ده صوفيان، درجزين، طالب آباد، إمام زاده قاسم.
بُنيت سنگر على سفح الجبل وبيوتها حجرية ولها منظر مدرّج جميل والناحية ترتبط بولاية مازندران عن طريق معبّد يربطها بمدن جنوب شرق مازندران.
ورد اسمها في الكتب التاريخية بـ (سگسر) أو (سگسار) وتعد من النواحي القديمة التاريخية في سلسلة جبال البورز وقد ذكرت مراراً في شاهنامة للفردوس وقد وصف أهاليها بالبسالة والشجاعة. كما ورد اسمها في كتب الجغرافيين الإسلاميين بعنوان (رأس الكلب) [بلدان الخلافة الشرقية] وهي ترجمة مخلوطة لاسم سگسر ويبدو أنّ الخطأ نشأ من ترجمة الاسم في كتب ابن الأثير كما ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان في مادة (رأس الكلب).
وعلة تسمية الناحية بـ (سكسر) أنّ قوم (سكا) سكنوا هذه المدينة فسمّيت باسمهم ويذهب بعض الباحثين أنّ الإمبراطورية الأشكانية التي أسّست في إيران عام 250 قبل الميلاد كان مؤسسها من هذه المنطقة.
وتعد منطقة سنگر من المناطق الجبلية الحصينة المنيعة وقد نشط في هذه المنطقة آل قارن والإسماعيلية فإنّ قلاعهم وحصونهم في أعالي جبال المنطقة ووديانها التي يصعب على الإنسان الوصول إليها إلاّ بشق الأنفس خير شاهد على نشاطاتهم.
وكان حكام المنطقة وملوك إيران يتقوون بشبان هذه المنطقة الأشداء في الحروب وكان لبسالة فوج سنگر في معارك تحرير أصفهان من أيدي الأفغان إبان حكم نادرشاه أثر مهم في هزينة الأفغان.
تعدّ تربية المواشي من أهم ما يقوم به أهالي هذه المنطقة حيث هو مصدر رزقهم الوحيد ولمواشي هذه المنطقة شهرة فائقة في إيران.
كما أنّ نسوة هذه المنطقة مشهورات بالصناعات اليدوية حيث يقمن بحياكة الثياب وبعض الألبسة والبُسط وبيعها في الأسواق المحلية.
يتكلم أهالي هذه المنطقة بلهجةٍ خاصة بهم لا يفهمها غيرهم من الإيرانيين وهي قريبة إلى لهجة أهالي مدينة سمنان. وقد قام كثير من المستشرقين والباحثين عن اللغات واللهجات بتسجيل كلماتها وضبط قواعدها. وأشهر كتاب ألف عن هذا الموضوع هو ما كتبه المستشرق المعروف (سن كريستن) الدانماركي باللغة الفرنسية.
رفيع حقيقت
السنن التاريخية في القرآن([575])
لا شك في تنوع التفسير واختلاف مذاهبه وتعدد مدارسه، والتباين في كثير من الأحيان بين اهتماماته واتجاهاته: فهناك التفسير الذي يهتم بالجانب اللفظي والأدبي والبلاغي من النص القرآني. وهناك التفسير الذي يهتم بجانب المحتوى والمعنى والمضمون. وهناك التفسير الذي يركز على الحديث ويفسر النص القرآني بالمأثور عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أو بالمأثور عن الصحابة والتابعين. وهناك التفسير الذي يعتمد العقل أيضاً كأساس من أسس التفسير وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى، وهناك التفسير المتميز الذي يتخذ مواقف مذهبية مسبقة ويحاول أن يطبق النص القرآني على أساسها. وهناك التفسير غير المتحيز الذي يحاول أن يستنطق النص القرآني نفسه، ويطبق الرأي على القرآن لا القرآن على الرأي. والى غير ذلك من الاتجاهات المختلفة في التفسير الإسلامي.
إلاَّ أن الذي يهمنا ونحن على أبواب هذه الدراسة القرآنية أن نركز على إبراز اتجاهين رئيسيين لحركة التفسير في الفكر الإسلامي:
أحدهما: «الاتجاه التجزيئي في التفسير».
الثاني: «الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير».
الاتجاه التجزيئي
ونعني بالاتجاه التجزيئي: المنهج الذي يتناول المفسر ضمن إطاره القرآن الكريم آية فآية، وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف.
والمفسر في نطاق هذا المنهج، يسير مع المصحف ويفسر قطعاته تدريجياً على ضوء ما يؤمن به من أدوات ووسائل للتفسير من الظهور، أو المأثور من الأحاديث، أو بلحاظ الآيات الأخرى التي تشترك مع تلك الآية في مصطلح أو مفهوم، بالقدر الذي يلقي ضوءاً على مدلول القطعة القرآنية التي يراد تفسيرها، مع أخذ السياق الذي وقعت تلك القطعة ضمنه بعين الاعتبار في كل تلك الحالات.
ونحن حينما نتحدث عن التفسير التجزيئي، نقدمه في أوسع وأكمل صوره التي انتهى إليها. حيث نجد التفسير التجزيئي تدرّج تاريخياً إلى أن وصل إلى مستوى الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم.
وكان قد بدأ في عصر الصحابة والتابعين، على مستوى شرح تجزيئي لبعض الآيات القرآنية وتفسير لمفرداتها، وكلما امتد الزمن، ازدادت الحاجة إلى تفسير المزيد من الآيات، إلى أن انتهى إلى الصورة التي قدم فيها ابن ماجة والطبري وغيرهما، ممن كتب في التفسير في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع. وكانت تمثل أوسع صورة للمنهج التجزيئي في التفسير.
فالمنهج التجزيئي في التفسير، حيث إنه كان يستهدف فهم مدلول «الله»، وحيث أن فهم مدلول «الله» كان في البداية متيسراً لعدد كبير من الناس، ثم بدأ اللفظ يتعقد من حيث المعنى بمرور الزمن، وازدياد الفاصل، وتراكم القدرات والتجارب، وتطور الأحداث والأوضاع.
من هنا توسع التفسير التجزيئي، تبعاً لما أعتبر النص القرآني من غموض وشك في تحديد مفهوم «الله»، حتى تكامل بالطريقة التي نراها في موسوعات التفسير، حيث أن المفسر يبدأ من الآية الأولى من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، فيفسر القرآن آية آية، لأن الكثير من الآيات بمرور الزمن، أصبح معناها ومدلولها اللفظي بحاجة إلى إبراز أو تجربة أو تأكيد ونحو ذلك، هذا هو التفسير التجزيئي.
طبعاً نحن لا نعني بالتجزيئية في هذا المنهج التفسيري، أن المفسر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث، بل أنه قد يستعين بآيات أخرى في هذا المجال، كما يستعين بالأحاديث والروايات، ولكن هذه الاستعانة تتم بقصد الكشف عن المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كل خطوة من هذا التفسير، فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكل الوسائل الممكنة، أي أن الهدف «هدف تجزيئي»، لأنه يقف دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النص القرآني، ولا يتجاوز ذلك غالباً، وحصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم كله، تساوي على أفضل تقدير، مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية أيضاً، أي أننا سوف نحصل على عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، ولكن في حالة تناثر وتراكم عددي، دون أن نكتشف أوجه الارتباط، والتركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، ودون أن نحدد في نهاية المطاف، نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة، فهناك تراكم عددي للمعلومات، إلاَّ أنّ من الممكن على أساس مجموع ما بين هذه المعلومات من الروابط والعلاقات أَنْ نستخلص نظرية قرآنية مستوعبة لمختلف المجالات والمواضيع، مع أنّ ذلك أساساً غير مستهدف بالذات في منهج التفسير التجزيئي وإن تحقق أحياناً بشكل عَرَضي.
وقد أدت هذا التناثر ونزعة الاتجاه التجزيئي، إلى ظهور التناقضات المذهبية العديدة في الحياة الإسلامية، إذ كان يكفي أن يجد هذا المفسر أو ذاك، آية تبرر مذهبه لكي يعلن عنه ويجمع حوله الأنصار والأشياع، كما وقع في كثير من المسائل الكلامية، كمسألة الجبر والتفويض مثلاً.
بينما كان بالإمكان تفادي كثير من هذه التناقضات، لو أن المفسر التجزيئي خطا خطوة أخرى، ولم يقتصر على هذا التجميع العددي، كما نرى ذلك في الاتجاه الثاني.
الاتجاه التوحيدي
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير.
هذا الاتجاه، لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي، بل تقوم فيه الدراسة القرآنية على أساس الموضوعات في حقول العقيدة والاجتماع وغيرهما.
فمثلاً نجد الباحث في هذا الاتجاه، يبحث عقيدة التوحيد، أو النبوة، أو المذهب الاقتصادي، أو سنن التاريخ، أو عن السماوات والأرض، كلّ ذلك في القرآن الكريم، وهكذا.
ويستهدف التفسير التوحيدي الموضوعي من القيام بهذه الدراسات، تحديد موقف نظري للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الإسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات البحث في الحياة، أو الكون، أو الإنسان.
وينبغي أن يكون واضحا، أن الفصل بين الاتجاهين المذكورين ليس حدياً على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير، لأن الاتجاه الموضوعي بحاجة قطعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها، ضمن إطار الموضوع الذي يتبناه. كما أن الباحث وفق الاتجاه التجزيئي، قد يعثر أثناء عملية بحثه على حقيقة قرآنية من حقائق الحياة الأخرى، ولكن الاتجاهين على أي حال، يظلان على الرغم من ذلك مختلفين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية.
ومما ساعد على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قروناً عديدة، النزعة الروائية والحديثية للتفسير، حيث إن التفسير لم يكن في البداية إلاَّ شعبة من الحديث بصورة أو بأخرى، إذ كان الحديث هو الأساس الوحيد له تقريباً، مضافاً إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية، التي اعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن.
ومن هنا لم يكن بامكان تفسير يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الرسول والأئمة، والصحابة والتابعين، تلك الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل السائلين، أن يتقدم خطوة أخرى، وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها، واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية.
التفسير كان بطبعه تفسيراً لفظياً للمفردات، وشرحاً للمستجد من المصطلحات، وتطبيقاً لبعض المفاهيم على أسباب النزول، ومثل هذه العملية لم يكن بامكانها أن تقوم بدور اجتهادي مبدع، يستكشف ما وراء المدلول اللغوي واللفظي من الأفكار الأساسية، التي حاول القرآن الكريم أن يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة.
ويمكننا أن نقرب إلى الأذهان فكرة هذين الاتجاهين المختلفين في تفسير القرآن الكريم، بمثال من التجرية الفقهية، فالفقه هو بمعنى من المعاني، تفسير للأحاديث الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، ونحن نعرف من البحث الفقهي، أن هناك كتباً فقهية شرحت الأحاديث حديثاً حديثاً، وتكلمت عنه دلالة أو سنداً أو متناً، على اختلاف اتجاهات الشراح. كما نجد ذلك في شراح الكتب الأربعة، وشراح الوسائل، غير أن القسم الأعظم من الكتب الفقهية في هذا المجال، لم تتجه هذا الاتجاه، بل صنف البحث إلى مسائل وفقاً لوقائع الحياة، وجعلت في إطار كل مسألة الأحاديث التي تتصل بها، وفسرتها بالقدر الذي يلقي ضوءاً على تلك المسألة، ويؤدي إلى تحديد موقف الإسلام من تلك الواقعة التي تفترضها المسألة المذكورة وهذا هو الاتجاه الموضوعي على الصعيد الفقهي، بينما ذاك هو الاتجاه التجزيئي في تفسير الأحاديث على هذا الصعيد.
كتاب (الجواهر) في الحقيقة، شرح كامل شامل لروايات الكتب الأربعة، ولكنه ليس شرحاً يبدأ بالكتب الأربعة رواية رواية، وانّما يصنف روايات الكتب الأربعة وفقا لمواضيع الحياة، كتاب البيع، كتاب الجعالة، كتاب إحياء الموات، كتاب النكاح، ثم يجمع تحت كل عنوان من هذه العناوين، الروايات التي تتصل بذلك الموضوع، ويشرحها ويقارن فيما بينها فيخرج بنظرية، لأنه لا يكتفي بأن يفهم معنى الرواية فقط بصورة مفردة، ومعنى هذه الرواية بصورة منفردة، إذ مع هذه الحالة من الفردية، لا يمكن أن يصل إلى الحكم الشرعي، وإنما يصل إلى الحكم الشرعي عن طريق دراسة مجموعة من الروايات، التي تحمل مسؤولية توضيح حكم واحد، أو باب واحد من أبواب الحياة، ثم عن طريق هذه الدراسة الشاملة، يستخرج نظرية واحدة تعطي من خلال مجموعة من الروايات لا من خلال رواية رواية.
هذا هوالاتجاه الموضوعي في شرح الأحاديث.
ومن خلال المقارنة بين الدراسات القرآنية والدراسات الفقهية، نلاحظ اختلاف مواقع الاتجاهين على الصعيدين. فبينما انتشر الاتجاه الموضوعي وساد على الصعيد الفقهي منذ خطوات نموّه الأولى، نجد أنّ الاتجاه التجزيئي للتفسير القرآني قد سيطر على الساحة عبر ثلاثة عشر قرناً تقريباً، إذ كان كل مفسر يبدأ كما بدأ سلفه فيفسر القرآن آية آية.
وأمّا ما ظهر على الصعيد القرآني من دراسات تسمّى بالتفسير الموضوعي أحياناً، من قبيل دراسات بعض المفسرين حول موضوعات معينة تتعلق بالقرآن الكريم، كأسباب النزول، أو القراءات، أو الناسخ والمنسوخ، أو مجازات القرآن، فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده إذ أنّ الدراسة الموضوعية هي تلك التي تطرح موضوعاً من الموضوعات في أي حقل من حقول الإنسان والكون والحياة، وتتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية، بهدف الخروج من خلاله بنظرية قرآنية محددة إزاءه في حين أنّ هذه الدراسات، ليست في الحقيقة إلاّ تجميعاً عددياً لقضايا من التفسير التجزيئي، لوحظ فيما بينها شيء من التشابه ليس إلا.
وأكثر ظني أن الاتجاه التوحيدي الموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره، ساعد بدرجة كبيرة، على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال، بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل، وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية الجامدة خلال قرون متطاولة، كما كان الحال في الفترة ما بعد تفاسير أمثال الطبري والرازي والشيخ الطوسي، على الرغم من ألوان التغير التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين، وسوف يتضح إن شاء الله تعالى من خلال المقارنة بين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي والاتجاه التوحيدي، السبب والسر الذي يكمن وراء هذه الظاهرة.
تساؤلات وجواب
لماذا كانت الطريقة التجزيئية عائقاً عن النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملاً في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟ لكي نعرف لماذا كان هذا وذاك؟ يجب أن نكوّن انطباعات أوضح وأكثر تحديداً عن هذين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي، والاتجاه التوحيدي الموضوعي، وإنّما يتضح ذلك بعد أن نشرح بعض أوجه االاختلاف بين الاتجاهين. ويمكن توضيح بعض أوجه الاختلاف بين هذين الاتجاهين التفسيريين فيما يلي:
أوجه تباين وافتراق
أوّلاً: إنّ المفسير التجزيئي، دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ أوّلاً بتناول النص القرآني المحدد، آية مثلاً، أو مقطعاً قرآنياً، دون أي افتراضات أو طروحات مسبقة، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني، على ضوء ما يسعفه به اللفظ، مع ما يتاح له من القرائن المتصلة والمنفصلة، ودور النص القرآني في مثل عملية التفسير هذه، دور المتحدث، ودور المفسر هو الإصغاء والتفهم، وهذا ما نسميه بالدور السلبي، حيث يجلس المفسّر بين يدي النص القرآني ليستمع فقط بينما يكون القرآن ذا دور إيجابي حينئذٍ، بذهن مضيء، بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها، وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.
وخلافاً لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي، فإنه لا يبدأ في عمله من النص بل من واقع الحياة، يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية، أو الاجتماعية، أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، فيبدأ مع النص القرآني حواراً على شكل سؤال وجواب، المفسر على ضوء الحصيلة التي جمعها من خلال التجارب البشرية المعرضة للصواب والخطأ يسأل والقرآن يجيب، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبراً، فيبدأ مع النص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات.
ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.
ومن هنا أيضاً، كانت عملية التفسير الموضوعي، عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له، وليست مجرد استجابة سلبية، بل استجابة فعالة وتوظيفاً هادفاً للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتحدث عن القرآن الكريم: «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا ان فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم»([576]). التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن (عليه السلام)، أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه، بقصد الحصول على الإجابة القرآنية. وليس مجرد حديث للقرآن من طرف واحد، يقابله مجرد تسجيل لوقائعه من قِبَل المفسِّر وفق الاتجاه التجزيئي.
إذن في التفسير الموضوعي، يلتحم القرآن مع الواقع والحياة لأنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن بوصفه القيم والشاهد الذي تحدد على ضوء مفاهيمه ونظراته الربانية أطر ما ينبغي أن تكون عليه اتجاهات الواقع الإنساني. وحيث أنّ القرآن هو المنبع، فهو إذن العطاء الثر والدائم والمتجدد، والمفجر للطاقات، لأنّه كلمات الله، وكلماته لا تنفد، بينما اللغة التي يقوم على أساس كلماتها التفسير اللغوي محدودة في الزمان والمكان، محدودة في مدلولات ألفاظها المحصورة ضمن عدد معين من الحروف الجامدة، وهذا ما يجعل من التفسير الموضوعي التوحيدي عملية انطلاقة كبرى في تحليل الواقع الإنساني والكوني لا يحدها زمان ولا مكان ولا إطار، لأنّها تستوحي من كلمات رب الإنسان والكون وخالف الزمان والمكان والحياة، وعملية تطورية مستمرة لأنّها تتجه دائماً نحو المطلق، الذي هو الله، مع ما توفره التجربة البشرية للباحث وفق هذا المنحى من التفسير، من غناء وثراء. لا أنّه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزلة عن الواقع منفصلة عن تراث التجربة البشرية. ومن ضم تلك التجربة البشرية إلى التأمل القرآني فيها، يولد فهم إسلامي قرآني صحيح، وتصاغ المفاهيم الربّانية السليمة لهذا المجتمع البشري، كي تكون معالم في الطريق نحو قيام المجتمع العابد في الأرض.
ثانياً: إنّ التفسير الموضوعي يتجاوز التفسير التجزيئي خطوة، لأنّ التفسير التجزيئي، يكتفي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، بينما التفسير الموضوعي يتطلع إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث نجده يحاول أن يصل إلى مركّب نظري قرآني، يحتل في إطاره كل واحد من تلك المدلولات التفصيلية، موقعه المناسب، وهذا ما نسمّيه بلغة اليوم بالنظرية، يصل إلى نظرية قرآنية عن النبوة، ونظرية قرآنية عن المذهب الاقتصادي، ونظرية قرآنية عن سنن التاريخ وهكذا. وبذلك يكون التفسير الموضوعي متقدماً خطوة على التفسير التجزيئي.
هذان فارقان رئيسيان بين الاتجاه الموضوعي في التفسير القرآني، والاتجاه التجزيئي فيه. وقد ذكرنا آنفاً، بأنّ البحث الفقهي اتجه اتجاهاً موضوعياً، بينما كان الاتجاه في التفسير تجزيئياً على الأكثر.
ولا بد أن يكون قد اتضح على ضوء الفارق الأوّل بين الاتجاهين الرئيسيين في التفسير، كلّ من اصطلاحي الموضوعي والتوحيدي، فاصطلاح الموضوعي هنا على ضوء الأمر الأوّل، بمعنى أنّه يبدأ من الموضوع والواقع الخارجي، ويعود إلى القرآن الكريم. والتوحيدي، باعتبار أنّه يوحد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم، لا بمعنى أنّه يخضع القرآن للتجربة البشرية، بل بمعنى أنّه يوحد بينهما في سياق بحث واحد، لكي يستخرج نتيجة هذا السياق الموحد من البحث، المفهوم القرآني الذي يمكن أن يحدد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكرية التي أدخلها في سياق بحثه.
إذن التفسير موضوعي وتوحيدي على أساس الأمر الأوّل، وعلى أساس الأمر الثاني أيضاً كون التفسير موضوعياً، باعتبار أنّه يختار مجموعة من الآيات تشترك في موضوع واحد. وهو توحيدي باعتبار أنّه يوحد بين مدلولات هذه الآيات ضمن مركب نظري واحد، ليخلص بالتالي إلى تحديد إطار نظرية واضحة، ترسمها تلك المجموعة القرآنية ككل، بالنسبة إلى ذلك الموضوع.
ولا نقصد الموضوعية هنا الموضوعية في مقابل التَّحَيّز، ليست الموضوعية بذلك المعنى من مزايا التفسير الموضوعي في مقابل التفسير التجزيئي، الموضوعية بذلك المعنى عبارة عن الأمانة والنزاهة في البحث، وهي بهذا المعنى مطلوبة في كلا الاتجاهين التفسيريين… وكما قلنا، فإنّ الأبحاث الفقهية سارت في الاتجاه الموضوعي، بينما الابحاث التفسيرية سارت في الاتجاه التجزيئي، وليس معنى ذلك بالضرورة، أنّ البحث الفقهي استنفد طاقة الاتجاه الموضوعي، البحث الفقهي سار في الاتجاه الموضوعي، ولكنّه لم يستنفد أيضاً طاقة هذا الاتجاه بشكل مستوعب. ولذا فهو اليوم مدعو إلى أن يستنفد طاقة هذا الاتجاه أفقياً وعمودياً. أمّا أفقياً: فباعتبار أنّ الاتجاه الموضوعي كما قلنا، عبارة عن أن يبدأ الإنسان من الواقع وينتهي إلى الشريعة.
وهذا كان ديدن الفقهاء حيث نجد أنّ وقائع الحياة تكاد تنعكس عليهم في واقع حياتهم المعاش، فصوّروه من خلال ما طرحوه من قضايا بأشكال متعددة، عملوا على استنباط أحكامها وحلولها من مصادرها الأصلية في الشريعة المقدسة. وهذا يبرز بوضوح، الاتجاه الموضوعي لدى هؤلاء الفقهاء، على شكل جعالة، مضاربة، مزارعة، مساقات، نكاح، لأنّه يبدأ بالواقع القائم وينتهي إلى الشريعة في مقام التعرف على حكم هذا الواقع.
ولكن من الواضح أنّ وقائع الحياة تتجدد وتتكاثر باستمرار وتتولد ميادين جديدة، ولذا كان لا بد لهذه العملية من النمو باستمرار وتحول كل ما يستجد من وقائع الحياة إلى علماء الشريعة ليضعوا على ضوء نصوصها ما قد يجدونه لها فيها من حلول.
فمثلاً: ذلك الواقع الساكن المحدود الذي كان يعيشه الشيخ الطوسي، أو الذي كان يعيشه المحقق الحلي، كان يفي بحاجات عصر الشيخ الطوسي، وبحاجات عصر المحقق الحلي. لكن كم من باب وباب من أبواب الحياة فتحت بالتدريج بعد عصري هذين العظيمين، مما لم يكن معروفاً في شتى الحقول، ومن هنا، ولكي يتمدد البحث الفقهي أفقياً، كان لا بد من عرض تلك الأبواب الجديدة في حقولها المتنوعة على الشريعة لاستنباط أحكامها من نصوصها في هذا العصر وما يليه كما فعل العلماء الماضون في عصورهم الماضية.
من الناحية العمودية أيضاً: لا بد من أن يتوغل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه، ليصل إلى النظريات الأساسية، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية وبالتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذا البناءات العلوية إلى النظريات الأساسية والتطورات الرئيسية، التي تمثل وجهة نظر الإسلام، لأنّنا نعلم أنّ كل مجموعة من التشريعات في كل باب من أبواب الحياة ترتبط بمثل تلك النظريات والتطورات. ففي مجال الحياة الاقتصادية، ترتبط تلك الأحكام بنظرية الإسلام بالمذهب الاقتصادي الإسلامي، وفي مجال النكاح والطلاق، وعلاقات المرأة مع الرجل، ترتبط بنظرياته الأساسية عن المرأة والرجل ودور كل منهما. هذه النظريات الأساسية تشكّل القواعد النظرية لهذه الأبنية العلوية، لا بد من التوغل عمودياً أيضاً إليها، ومحاولة اكتشافها بقدر الإمكان.
وعلى ضوء ما قدمنا من أوجه الاختلاف بين التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي، تبينت عدة جوانب تدعو إلى تفضيل المنهج الموضوعي على المنهج التجزيئي في التفسير، فإن المنهج الموضوعي في التفسير على ضوء ما ذكرناه، أوسع أفقا وأكثر عطاء باعتبار أنه يتقدم خطوة على التفسير التجزيئي، كما أنه قادر على التجدد والإبداع باستمرار، باعتبار أن التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدمه من مواد تطرح بين يدي القرآن الكريم، لكي يستطيع هذا المفسر أن يستنطق أجوبته عليها. وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام وللقرآن تجاه موضوعات الحياة المختلفة.
وقد يقال: ما الضرورة إلى البحث لتحصيل هذه النظريات الأساسية واستخلاصها في النبوة مثلاُ، أو في سنن التاريخ وفي التغير الاجتماعي، أو في الاقتصاد الإسلامي وغيرها، في حين أنّنا نجد بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يعط هذه القضايا على شكل نظريات محدودة وبصيغ عامة، وإنما اقتصر على إعطاء القرآن بهذا الترتيب للمسلمين وبهذا الشكل المتراكم؟
والجواب: أنّ هناك اليوم ضرورة أساسية لاستخلاص وتحديد هذه النظريات، ولا يمكن أن يفترض الاستغناء عن ذلك. إذ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق ومن خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبينه في الحياة الإسلامية، وكان كل فرد مسلم في إطار هذا المناخ، يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجمالياً ارتكازياً، لأنّ المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي رَسَمَه النبي (صلّى الله عليه وآله)، كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة، والقدرة السليمة على تقييم المواقع والمواقف والأحداث. وإذا اردنا أن نقرب هذه الفكرة نقول:
هنالك حالتان: حالة إنسان يعيش داخل عرف لغة من اللغات، وإنسان يعيش خارجه ويريد أن يفهم بأن أبناء هذه اللغة، كيف تنتقل أذهانهم إلى المعاني المحددة من ألفاظ لغتهم.
وهنا أسلوبان: أحدهما: أن نأتي بهذا الإنسان ونجعله يعيش في أعماق هذا العرف وهذه اللغة، فترة طويلة من الزمن. وعندئذٍ سوف يتكون لديه الإطار اللغوي، والإطار العرفي الذي يستطيع من خلاله أن يتحرك ذهنه وفقاً لما يريده العرف واللغة منه، لأنّ مدلولات اللغة وقواعدها تكون موجودة وجوداً إجمالياً ارتكازياً في ذهنه، اللفظة السليمة، والتقييم السليم للكلمة الصحيحة، وتمييزها عن الكلمة غير الصحيحة، بينما إذا كان الإنسان خارج مناخ تلك اللغة، وأردت أن تنشئ في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح، فلن يتم ذلك إلاَّ عن طريق الرجوع إلى قواعد تلك اللغة، حينئذ لا بد أن ترجع إلى ذلك العرف الذي تربى فيه ذلك الإنسان، لكي تستنتج منه القواعد والنظريات العامة، عيناً كما وقع بالنسبة إلى علوم العربية، كيف أن ابن اللغة العربية لم يكن بحاجة في بداية أمره إلى أن يتعلم علوم العرب؟ لأنّه كان يعيش في أعماق عرف اللغة، لكن بعد أن ابتعد عن تلك الأعماق واختلفت الأجواء ضعفت اللغة نتيجة تراكم لغات أخرى اندست إلى داخل حياة العرب، بدأ هؤلاء يحتاجون إلى علم اللغة وقواعدها، لأنّ الواقع الجديد لا يسعفهم بنظرة سليمة لكي يفكروا ويناقشوا ويتصرفوا لغوياً وفقاً لتلك القواعد.
هذا المثال مثال تقريبي لأجل توضيح الفكرة، إذن، الصحابة الذين عاشوا في كنف الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، إذا كانوا لم يتلقوا النظريات بصيغ عامة، فقد تلقوها تلقياً إجمالياً ارتكازياً، انتقشت في أذهانهم وسرت في أفكارهم، كان المناخ العام والإطار الاجتماعي والروحي والفكري الذي يعيشونه، مساعداً على تفهم هذه النظريات ولو تفهماً إجمالياً، وعلى توليد المقياس الصحيح في مقام التقييم. أما حيث لا يوجد ذلك المناخ، وذلك الإطار، تكون الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن الكريم والإسلام، حاجة حقيقية ملحة، خصوصاً مع بروز النظريات الحديثة، من خلال التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي بكل ما يملك من رصيد كبير وثقافة متنوعة في مختلف مجالات المعرفة البشرية، حيث وجد الإنسان المسلم نفسه أمام نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بد لكي يحدد موقف الإسلام من هذه النظريات، أن يستنطق نصوص الإسلام، ويتوغل في أعماق هذه النصوص، لكي يصل إلى مواقف الإسلام سلباً وايجاباً، لكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة.
إذن، فالتفسير الموضوعي في المقام، هو أفضل الاتجاهين في التفسير، وليس معنى هذه الأفضلية، استبدال اتجاه باتجاه، وطرح التفسير التجزيئي رأساً، والأخذ بالتفسير الموضوعي، وإنما إضافة اتجاه إلى اتجاه، لأن التفسير الموضوعي ليس إلاَّ خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى التفسير التجزيئي.
إذن فالمسألة هنا تعني افتراض خطوتين، خطوة هي التفسير التجزيئي، وخطوة أخرى تنضم إليها، هي التفسير الموضوعي.
شواهد وتطبيقات
استعرضنا فيما سبق المبررات الموضوعية والفكرية لإيثار التفسير الموضوعي التوحيدي على التفسير التجزيني التقليدي وأود الآن أن أذكر مبرراً عملياً لهذا الإيثار، هو أنّ شوط التفسير التقليدي شوط طويل جداً، لأنّه يبدأ من الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وهذا الشوط الطويل بحاجة من أجل إكماله إلى فترة زمنية طويلة أيضاً. ولهذا لم يحظ من علماء الإسلام الأعلام إلاّ عدد محدود بهذا الشرف العظيم، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته إلى نهايته.
من هنا، سوف نختار موضوعات متعددة في القرآن المجيد، ونستعرض ما يتعلق بكلّ موضوع منها، وما يمكن أن يلقي عليه القرآن من أضواء. وسوف نحاول أن يكون البحث مضغوطاً بقدر الإمكان. لكي نستوعب أكبر عدد من المواضيع المهمة. فنقتصر على الأفكار الأساسية والمبادئ الرئيسية بالنسبة إلى كل موضوع.
والموضوع الأول الذي سوف نختاره للبحث هو: «سنن التاريخ في القرآن الكريم»! هل للتاريخ البشري سنن وقوانين في مفهوم القرآن الكريم، تتحكم في مسيرته وفي حركته وتطوره؟ ما هي هذه السنن التي تتحكم في التاريخ البشري؟ كيف بدأ التاريخ البشري؟ كيف نما؟ كيف تطور؟ ما هي العوامل الأساسية في نظرية التاريخ؟ ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ؟ ما هو موقع السماء أو النبوة على الساحة البشرية؟ هذا كله ما سوف ندرسه تحت هذا العنوان، عنوان سننن التاريخ في القرآن الكريم، حيث نجد أنّ القرآن الكريم قد بحث الجزء الأعظم من مواد هذا الجانب ومفرداته القرآنية، لكن من زوايا مختلفة، فمثلاً قصص الأنبياء (عليهم السلام) التي تمثل الجزء الأعظم من هذه المادة القرآنية. فحصت قصص الأنبياء (عليهم السلام) من زاوية تاريخية تناولها المؤرخون واستعرضوا الحوادث والوقائع التي تكلم عنها القرآن الكريم. وحينما لاحظوا الفراغات التي تركها هذا الكتاب العزيز، حاولوا ان يملؤا هذه الفراغات بالروايات والأحاديث، أو بما هو المأثور عن أديان سابقة، أو بالأساطير والخرافات، فتكونت سجلات ذات طابع تاريخي لتنظيم هذه المادة القرآنية، كذلك أيضاً بحثت هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى، من زاوية منهج القصة في القرآن، مدى ما يتمتع به هذا المنهج من أصالة وقوة وابداع، ما تزخر به القصة القرآنية من حيوية، من حركة، من أحداث وهكذا. ونحن نريد أن نتناول الآن هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى، من زاوية مقدار ما تلقي هذه المادة من أضواء على سنن التاريخ، على تلك الضوابط والقوانين والنواميس التي تتحكم في عملية التاريخ إذا كان يوجد في مفهوم القرآن شيء منها.
فالساحة التاريخية كأي ساحة أخرى، فلكية كانت، أو فيزيائية، أو نباتية، إذا لا إشكال في أن كل من هذه الساحات زاخرة بمجموعة من الظواهر، وهذه الظواهر المتكثرة في كل ساحة من الساحات تلك، تتكيء على سنن وقوانين وضوابط، تحكمها أو تتحكم فيها.
وكما في الساحات الأخرى، كذلك في الساحة التاريخية، ظواهر متكثرة ومتنوعة.
وهنا نتساءل: هل لهذه الظواهر على الساحة التاريخية قوانين وضوابط تحكمها أو تتحكم فيها، كما كان الحال بالنسبة للظواهر التي تزخر بها مختلف الساحات الأخرى؟
وما هو موقف القرآن منها، وما هو عطاؤه في تأكيد ذلك إيجاباً أو سلباً، إجمالاً أو تفصيلاً؟…
قد يتوهم البعض، أنّنا لا ينبغي أن نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث عن سنن التاريخ، لأنّ البحث في سنن التاريخ بحث علمي، كالبحث في سنن الطبيعة والذرة والنبات. والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكشاف بل كتاب هداية، القرآن الكريم لم يكن كتاباً مدرسياً، وإنما نزل هذا الكتاب على النبي (صلّى الله عليه وآله) لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. إذن فهو كتاب هداية وتغيير، وليس كتاب اكتشاف.
ومن هنا لا نترقب من القرآن الكريم أن يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامة للعلوم الأخرى، ولا نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان. صحيح أن في القرآن الكريم إشارات بالحدود التي تؤكد على البعد الإلهي للقرآن، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرقة في الميادين العلمية المتفرقة، لكن هذه الاشارات القرآنية، إنما هي لأجل غرض عملي من هذا القبيل، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء. القرآن لم يطرح نفسه بديلاً عن قدرة الإنسان الخلاقة، ومواهبه وقابلياته في مقام الكدح في كل ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان، مفجرة طاقاته، محركة له في المسار الصحيح. ومن نفس هذا المنظور، ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا عموميات، أن يعطينا مواقف، أن يبلور لنا مفهوماً علمياً في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون، بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الأخرى، ولا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على الساحات الأخرى؟ لأن القرآن لو صار مقام استعراض هذه القوانين، وكشف هذه الحقائق، لكان بذلك يتحول إلى كتاب آخر نوعياً، يتحول من كتاب للبشرية جمعاء، إلى كتاب للمتخصصين يدرس في الحلقات الخاصة.
قد يتوهم البعض ذلك، فيورد علينا هذا الاعتراض، ونحن بصدد عملية اكتشاف نظرية قرآنية عامة حول السنن التاريخية في كتاب الله.
إلا أن هذه الملاحظة، رغم أن الروح العامة فيها صحيحة، بمعنى أن القرآن الكريم ليس كتاب اكتشاف، ولم يطرح نفسه ليجمد في الإنسان طاقات النمو والابداع والبحث، وإنما هو كتاب هداية، ولكن مع هذا، يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون، هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سننها أمراً مرتبطاً أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، ولكنه عملية تغيير عبر عنها في القرآن الكريم بأنّها إخراج للناس من الظلمات إلى النور.
وعملية التغيير هذه فيها جانبان:
الجانب الأول: جانب المحتوى والمضمون، ما تدعو اليه هذه العملية التغييرية من أحكام ومناهج، وما تتبناه من تشريعات، هذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني، جانب الهي سماوي، يمثل شريعة الله سبحانه، التي نزلت على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وتحدّى بنفس نزولها عليه كل سنن التاريخ المادية، لأن هذه الشريعة كانت أكبر من الجو الذي نزلت عليه، ومن البيئة التي حلت فيها، ومن الفرد الذي كلف بأن يقوم بأعباء تبليغها.
الجانب الثاني: لكن هناك جانب آخر لعملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الأطهار، هذه العملية حينما تلحظ بوصفها عملية متجسدة في جماعة من الناس وهم النبي والصفوة من الصحابة، وبوصفها عملية اجتماعية متجسدة في هذه الصفوة، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها، واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري، حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيداً بشرياً واقعاً على الساحة التاريخية، مترابطاً مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، يكون هؤلاء أناسا كسائر الناس، تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن.
إذن، عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي (صلّى الله عليه وآله) لها جانبان، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي، هي ربانية، هي فوق التاريخ، ولكن من حيث كونها هي عملاً قائما على الساحة التاريخية، من حيث كونها جهداً بشرياً يقاوم جهوداً بشرية أخرى، تعتبر عملاً تاريخياً تحكمه سنن التاريخ، وتتحكم فيه الضوابط التي وضعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية، ولهذا نرى أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الزاوية الثانية، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدث عن أناس، بوصفهم بشراً من البشر، تتحكم فيهم القوانين التي تتحكم في الآخرين، حينما أراد أن يتحدث عن انكسار المسلمين في غزوة أُحد بعد أن أحرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر، تحدث القرآن الكريم عن هذه الخسارة، ماذا قال؟ هل قال بأن رسالة السماء خسرت المعركة بعد أن كانت ربحت المعركة في بدر؟ لا… لأن رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي، ولكن الذي يهزم هو الإنسان، الإنسان حتى ولو كان هذا الإنسان مجسداً لرسالة السماء، لأن هذا الإنسان تتحكم فيه سنن التاريخ، ماذا قال القرآن؟ قال: «وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ»([577]).
هنا أخذ يتكلم عنهم بوصفهم أناساً قال بأنّ هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض أن ينتصروا، وخسروا المعركة في أُحد حينما كانت الشروط الموضوعية للخسارة بحسب نفس المنطق في معركة أحد، تفرض عليهم أن يسخروا المعركة.
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}([578]).
لا تتخيلوا أن النصرن حق إلهي لكم، وإنما النصر حق طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أن توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كونياً لا تشريعياً، وحيث أنكم في غزوة اُحد لم تتوفر لديكم هذه الشروط، خسرتم المعركة. فالكلام هنا كلام مع بشر، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية. بل يذهب القرآن إلى أكثر من ذلك، يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ بأنها إذا لم تقم بدورها التاريخي، وإذا لم تكن على مستوى مسؤولية رسالة السماء، فإن هذا لا يعني أن تتعطل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت سنن التاريخ عنهم، بل إنها سوف تستبدل، سنن التاريخ سوف تعزلها وسوف تأتي بأمم أخرى قد تهيأت لها الظروف الموضوعية الأفضل لكي تلعب هذا الدور، لكي تكون شهيدة على الناس، إذ لم تتهيأ لهذه الأمة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة.
إ{ِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([579]). { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيحِبّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([580]).
آنئذ، فالقرآن الكريم إنما يتحدث من خلال الجانب الثاني في عملية التغيير، مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها.
من هنا يظهر، بأن البحث في سنن التاريخ، مرتبط ارتباطاً عضوياً شديداً بكتاب الله بوصفه كتاب هدى، بوصفه إخراجاً للناس من الظلمات إلى النور، لأن الجانب العملي والتطبيقي من هذه العملية، يخضع لسنن التاريخ، فلا بد إذن أن نستلهم، ولا بد إذن أن يكون للقرآن الكريم تصورات وعطاءات في هذا المجال لتكوين إطار عام للنظرة القرآنية والإسلامية عن سنن التاريخ.
إذن، هذا لا يشبه سنن الفيزياء والكيمياء والفلك والحيوان والنبات، تلك السنن ليست داخلة في نطاق التأثير المباشر على عملية التاريخ، ولكن هذه السنن داخلة في نطاق التأثير المباشر على عملية التغيير، باعتبار الجانب الثاني، ولذا، لا بد من شرح ذلك، ولا بد أن نترقب من القرآن أن يتحول أيضاً إلى كتاب مدرسي في علم التاريخ وسنن التاريخ، بحيث يستوعب كل التفاصيل وكل الجزئيات، حتى ما لا يكون له دخل في منطق عملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإنما القرآن الكريم يحتفظ بوصفه كتاب هداية، كتاب إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وفي حدود هذه المهمة، الكبيرة العظيمة التي مارسها في صدور هذه المهمة، يعطي مقولاته على الساحة التاريخية، ويشرح سنن التاريخ بالقدر الذي يلقي ضوءاً على عملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله)، بقدر ما يكون موجهاً وهادياً وخالقاً لرؤية موضوعية للأحداث والظروف والشروط.
ونحن نلاحظ في القرآن الكريم هذه الحقيقة، حقيقة أن الساحة التاريخية عامرة بسنن كما عمرت كل الساحات الكونية الأخرى بسنن.
فقد بيّنت هذه الحقيقة بأشكال مختلفة وبأساليب متعددة في عدد كثير من الآيات، بيّنت على مستوى إعطاء نفس هذا المفهوم بالنحو الكلي، وبيّنت هذه الحقيقة في آيات أخرى على مستوى عرض هذه القوانين وبيان مصاديق ونماذج وأمثلة لها وكيف تتحكم في المسيرة التاريخية للإنسان، على نحو تمتزج فيه النظرية بتطبيقاتها امتزاج المفهوم بالمصداق، وفي آيات أخرى حصل الحث الأكيد على الاستفادة من الحوادث الماضية، وشحذ الهمم لإيجاد عملية استقراء للتاريخ، وعملية الاستقراء للحوادث كما تعلمون، هي عملية علمية بطبيعتها، تريد أن تفتش عن سنّة وقانون وإلا فلا معنى للاستقراء من دون افتراض سنّة أو قانون. إذن هناك ألسنةٌ متعددة درجت عليها الآيات القرآنية في مقام توضيح هذه الحقيقة وبلورتها.
ونحن عندما نتصفّح كتاب الله العظيم، نجد أن هناك عدداً كثيراً من الآيات الكريمة استعرضت هذه الفكرة بشكل وآخر، وسوف نقرأ جملة من هذه الآيات الكريمة، وبعض هذه الآيات التي سوف نستعرضها واضح الدلالة على المقصود، والبعض الآخر له نحو دلالة بشكل وآخر، أو يكون معززاً ومؤيداً للروح العامة لهذه الفكرة القرآنية.
فمن الآيات الكريمة التي أعطيت فيها الفكرة الكلية، فكرة أن التاريخ له سنن وضوابط ما يلي:
{ لِكُلِّ أمة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}([581]).
{وَلِكُلِّ أمة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}([582]).
نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أن الأجل أضيف إلى الأمة، إلى الوجود المجموعي للناس، لا إلى هذا الفرد أو ذاك الفرد بالذات، إذن، هناك وراء الأجل المحدود المحتوم لكل إنسان بوصفه الفردي، أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد، للأمة بوصفها مجتمعاً يُنشيء ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادىء المسندة بمجموعة من القوى والقابليات، هذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالأمة، له أجل، له موت، له حياة، له حركة، كما أن الفرد يتحرك فيكون حياً ثم يموت، كذلك الأمة تكون حية ثم تموت، وكما أن موت الفرد يخضع لأجل ولقانون، كذلك الأمم أيضاً لها آجالها المضبوطة وقوانينها.
وهناك نواميس تحدد لكل أمة هذا الأجل.
إذن، هاتان الآيتان الكريمتان، فيهما عطاء واضح للفكرة الكلية، فكرة أن التاريخ له سنن تتحكم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد، بهوياتهم الشخصية:
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}([583]). {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}([584]). {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}([585]).
ظاهر الآية الكريمة، أن الأجل الذي يترقب هؤلاء أن يكون قريباً أو يهدّدون أن يكون قريباً، هو الأجل الجماعي لا الأجل الفردي، لأن قوماً بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد، وإنما الجماعة بوجودها المعنوي الكلي، هو الذي يمكن أن يكون قد اقترب أجله.
فالأجل الجماعي هنا يعبر عن حالة قائمة بالجماعة، لا عن حالة قائمة بهذا الفرد أو بذاك، لأن الناس عادة تختلف آجالهم حينما ننظرإليها بالمنظار الاجتماعي وبوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظلمها وعدلها، في سرّائها وضرائها، يكون لها أجل واحد، فهذا الأجل الجماعي المشار إليه، إنما هو أجل الأمة، وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة.
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}([586]).
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}([587]).
ففي هاتين الآيتين الكريمتين، تحدث القرآن الكريم، عن أنه لو كان الله يريد أن يؤاخذ الناس بظلمهم، اًوبما كسبوا، لما ترك على ساحة الناس من دابة، ولأهلك الناس جميع.
وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوير هذا المفهوم القرآني، حيث أن الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة، فيهم الأنبياء، وفيهم الأوصياء. هل يشمل الهلاك الأنبياء، والأئمة العدول من المؤمنين؟ حتى أن بعض الناس استغل هاتين الآيتين لإنكار عصمة الأنبياء (عليهم السلام).
والحقيقة، أن هاتين الآيتين تتحدثان عن عقاب دنيوي لا عن عقاب أخروي، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة عن طريق الظلم والطغيان، هذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بخصوص الظالمين من ابناء المجتمع بل تعم أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم.
حينما وقع التيه أربعين عاماً على بني إسرائيل نتيجة ما كسب هذا الشعب بظلمه وطغيانه وتمرده، هذا التيه لم يختص بخصوص الظالمين من بني إسرائيل، وإنما شمل موسى (عليه السلام)، شمل أطهر الناس وأزكاهم وأشجعهم، في مواجهة للظلمة والطواغيت، شمل موسى (عليه السلام) لأنه جزء من تلك الأمة، وبهذا شمل التيه موسى (عليه السلام).
حينما حل البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم، فأصبح يزيد بن معاوية خليفة عليهم، يتحكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، لم يختص بالظالمين من المجتمع الإسلامي، وقتئذ شمل الحسين (عليه السلام)، أطهر الناس وأزكى الناس وأطيب الناس وأعدل الناس، شمل الإمام (عليه السلام) حيث قتل تلك القتلة الفظيعة هو وأصحابه وأهل بيته.
هذا كله هو منطق سنن التاريخ، والعذاب حينما يأتي في الدنيا على مجتمع وفق سنن، لا يختص بخصوص الظالمين من أبناء ذلك المجتمع، ولهذا قال القرآن الكريم في آية أخرى:
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([588]).
بينما يقول في موضع آخر:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([589]).
فالعقاب الأخروي دائماً ينصب على العامل مباشرة، وأما العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك، إذن هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن سنن التاريخ وما يمكن أن يحصل نتيجة كسب الأمة وسعيها وجهدها، لا عن العقاب بالمعنى الأخروي، والعذاب بمعنى مقاييس يوم القيامة.
{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}([590]).
{وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}، هذه سنة سلكناها مع الأنبياء من قبلك، وسوف تستمر ولن تتغير. أهل مكة يحاولون أن يستفزوك لتخرج من مكة، لأنهم عجزوا عن إمكانية القضاء عليك، وعلى كلمتك ودعوتك، ولهذا صار أمامهم طريق واحد، وهو إخراجك من مكة.
وهناك سنة من سنن التاريخ سوف يأتي إنشاءالله شرحها بعد ذلك، يشار إليها في هذه الآية الكريمة. وهي أنه إذا وصلت عملية المعارضة إلى مستوى إخراج النبي من هذا البلد، بعد عجز هذه المعارضة عن كل الوسائل والأساليب الأخرى، فإنهم لا يلبثون بعده إلاَّ قليلا. ليس المقصود من انهم لا يلبثون إلاَّ قليلا، إنهم سوف ينزل عليهم عذاب الله سبحانه من السماء، لأن أهل مكة أخرجوا النبي بعد نزول هذه السورة استفزوه وأرعبوه، وخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة، إذ لم يجد له ملجأً وأماناً، ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة، وإنما المقصود في أكبر الظن من هذا التعبير، أنهم لا يمكثون كجماعة صامدة معارضة، وكموقع اجتماعي، لا كأناس وكبشر، وإنما سوف ينهار هذا الموقع نتيجة هذه العملية، لأن هذه النبوة التي عجز هذا المجتمع عن تطويقها، سوف تستطيع بعد ذلك أن تهز هذه الجماعة كموقع للمعارضة، وهذا ما وقع فعلاً. فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حينما أخرج من مكة لم يمكثوا بعده إلاَّ قليلا، إذ فقدت المعارضة في مكة موقعها، وتحولت مكة إلى جزء من دار الإسلام بعد سنين معدودة.
إذن، الآية تتحدث عن سنة من سنن التاريخ، وتؤكد وتقول:
{وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}.
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([591]).
تؤكد هذه الآية على السنن، وتؤكد على ضرورة التتبع لأحداث التاريخ من أجل استكشاف هذه السنن ومن ثم الاعتبار بها.
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}([592]).
هذه الآية أيضاً تثبت قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تحدثه عن التجارب السابقة، تربطه بقانونها، وتوضح له أن هناك سنة تجري عليه وتجري على الأنبياء الذين مارسوا هذه التجربة من قبله، وأن النصر سوف يأتيه، ولكن للنصر شروطه الموضوعية: الصبر، والثبات، واستكمال باقي الشروط، هذا هو طريق الحصول على هذا النصر، ولهذا تقول الآية:
{فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}. إذن هناك كلمة لله لا تتبدل على مر التاريخ، هي علاقة قائمة بين النصر وبين مجموعة من الشروط والقضايا والمواصفات وضحت في الآيات المتفرقة، وجمعت على وجه الإجمال هنا. إذن فهناك سنة للتاريخ.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}([593]).
{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}([594]).
هناك آيات استعرضت نماذج من سنن التاريخ.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([595]).
المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي، لا يتغير هذا البناء العلوي إلاَّ وفقا لتغير القاعدة، على ما يأتي انشاء الله شرحه بعد ذلك.
هذه الآية إذن، تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارجه، فخارج الإنسان، يصنعه داخل الإنسان، فإذا تغير ما بنفس القوم تغير ما عليه وضعهم، وعلاقاتهم، والروابط التي تربط بعضهم ببعض.
إذن فهذه سنة من سنن التاريخ، ربطت القاعدة بالبناء العلوي {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([596]). {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}([597]).
يستنكر عليهم أن يأملوا في أن يكون لهم استثناء من سنن التاريخ، هل تطمعون أن يكون لكم استثناء من سنة التاريخ! وأن تدخلوا الجنة وأن تحققوا النصر، وانتم لم تعيشوا ما عاشته تلك الأمم التي انتصرت ودخلت الجنة من ظروف البأساء والضراء التي تصل إلى حد الزلزال، على حد تعبير القرآن الكريم؟ إن هذه حالات البأساء والضراء التي تتعملق على مستوى الزلزال هي في الحقيقة مدرسة للأمة، هي امتحان لإرادتها وصمودها وثباتها، لكي تستطيع بالتدريج، أن تكتسب القدرة على أن تكون أمة وسطاً بين الناس.
وعليه، فنصر الله قريب لكنه ليس أمراً عفوياً، ليس أمراً على سبيل الصدفة، نصر الله قريب ولكن اهتدِ إلى طريقه. ومن أجل تحصيل ذلك الاهتداء، لا بد وأن تعرف منطق التاريخ، قد يكون الدواء قريباً من المريض، لكن إذا كان هذا المريض لا يعرف تلك المعادلة العلمية التي تؤدي إلى إثبات أن هذا الدواء يقضي على جرثومة هذا الداء، لا يستطيع أن يستعمل هذا الدواء حتى ولو كان قريباً منه.
فالاطلاع على سنن التاريخ، هو الذي يمكّن الإنسان من التوصل إلى النصر. فهذه الآية تستنكر على المخاطبين بها أن يكونوا طامعين في الاستثناء من سنن التاريخ:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}([598]).
هذه علاقة قائمة بين النبوة على مر التاريخ، وبين موقع المترفين والمسرفين في المجتمعات. هذه العلاقة تمثل سنة من سنن التاريخ، وليست ظاهرة وقعت في التاريخ صدفة، والا لما تكررت بهذا الشكل المطرد ولما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا}. إذن هناك علاقة سلبية، هناك علاقة تطارد وتناقض، بين موقع النبوة الاجتماعي في حياة الناس على الساحة التاريخية، والموقع الاجتماعي للمترفين والمسرفين، هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوة في المجتمع، ودور المترفين والمسرفين في المجتمع. هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع.
إذن هذه سنة من سنن التاريخ: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}([599]).
هذه الآية أيضاً، تتحدث عن علاقة معينة ومطردة بين ظلم يسود ويسيطر، وبين هلاك تجر اليه الأمة جراً. وهي سنة من سنن التاريخ.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}([600]).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([601]).
{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([602]). {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}([603]). { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([604]).
هذه الآيات أيضاً، تتحدث عن علاقة معينة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه، وبين وفرة الخيرات ووفرة الإنتاج، وبلغة اليوم: بين عدالة التوزيع وبين وفرة الإنتاج. القرآن يؤكد أن المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع، التي عبر عنها القرآن تارةبـ: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} وأخرى بـ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا} وأخرى بـ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}.
لأن شريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، وإقامتها على أسس عادلة، يقول: لو أنهم طبقوا عدالة التوزيع، إذن لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتجة، بل لازداد الثراء وازدادت الخيرات والبركات. لكنهم تخيلوا أن عدالة التوزيع تقتضي التقسيم، وبالتالي تقضي فقر الناس، بينما الحقيقة أن السنة التاريخية تؤكد عكس ذلك، تؤكد بأن تطبيق شريعة السماء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع، تؤدي دائماً وباستمرار، إلى وفرة الإنتاج والى زيادة الثروة، إلى أن يفتح على الناس بركات السماء والأرض.
إذن هذه أيضاً سُنّة من سنن التاريخ.
وهناك آيات أخرى حثّت على الاستقراء والنظر والتدبر في الحوادث التاريخية، من أجل تكوين نظرة استقرائية، من أجل الخروج بنواميس وسنن كونية للساحة التاريخية.
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}([605]).
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}([606]).
{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}([607]).
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}([608]).
من مجموع هذه الآيات الكريمة، يتبلور المفهوم القرآني الذي أوضحناه، وهو تأكيد القرآن على أن الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط، كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأخرى. وهذا المفهوم القرآني، يعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم.. لأننا بحدود ما نعلم، أن القرآن أول كتاب عرفه الإنسان، أكد على هذا المفهوم، وكشف عنه وأصر عليه، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم، النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية بتفسير الأحداث، الإنسان الاعتيادي كان يفسر التاريخ بوصفه كومة متراكمة من الأحداث، يفسره على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة أخرى، القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية الاستسلامية، ونبه العقل البشري، إلى أن هذه الساحة لها سنن، ولها قوانين، ولكي تستطيع أن تكون إنسانا فاعلاً مؤثراً، لا بد لك أن تكتشف هذه السنن، وتتعرف على هذه القوانين، لكي تستطيع أن تتحكم فيها، والا تحكمت هي فيك وأنت مغمض العينين، افتح عينيك على هذه القوانين، لكي تكون أنت المتحكم فيها وليس العكس.
هذا الفتح القرآني الجليل، هو الذي مهد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون، إلى أن تجرى محاولات لفهم التاريخ فهماً عملياً، بعد نزول القرآن بثمانية قرون، بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه، ثم بعد ذلك بأربعة قرون (على أقل تقدير)، اتجه الفكر الأوربي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة، نحو تجسيد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون، حيث لم يتوغلوا إلى أعماقه، وبدأت لدى الغربيين أبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ، وفهم سننه، ونشأت على هذا الأساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة، ومدارس متعددة، كل واحدة منها تحاول أن تحدد هذه السنن التاريخية.
وقد تكون المادية التاريخية أشهر هذه المدارس وأوسعها تغلغلاً وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه، إذن، كل هذا الجهد البشري في الحقيقة، هو استمرار لهذا التنبيه القرآني، ويبقى للقرآن الكريم مجده في أنه طرح هذه الفكرة لأول مرة على ساحة المعرفة البشرية.
حقائق قرآنية
عن سنن التاريخ
من استعراضنا السابق للنصوص القرآنية الكريمة، التي أوضحت فكرة السنن التاريخية وأكدت عليها، يمكننا أن نستلخص من خلال المقارنة بين تلك النصوص، ثلاث حقائق أكد عليها القرآن الكريم بالنسبة إلى سنن التاريخ.
الحقيقة الأولى :
هي الاضطراد، بمعنى أن السنة التاريخية مضطردة ليست علاقة عشوائية قائمة على أساس الصدفة والاتفاق، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي، لا تتخلف في الحالات الإعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون وعلى السنن العامة، وكان التأكيد على طابع الاضطراد في السنة، تأكيداً على الطابع العلمي للقانون التاريخي، لأن أهم مميز يميز القانون العلمي عن بقية المعادلات والفروض، هو الاضطراد والتتابع وعدم التخلف.
ومن هنا استهدف القرآن الكريم، من خلال التأكيد على طابع الاضطراد في السنة التاريخية، التأكيد على الطابع العلمي لهذه السنّة بغية خلق شعور واع لدى الإنسان المسلم، يمكنه من تتبع أحداث التاريخ في جريانها بصورة واعية، بعيداً عن العشوائية والسذاجة والاستسلام.
{وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}([609])، { وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}([610])، { وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}([611]).
هذه النصوص القرآنية التي تقدم استعراضها، تؤكد على طابع الاستمرارية والاضطراد أي طابع الموضوعية والعلمية للسنة التاريخية، وتستنكر هذه النصوص الشريفة كما تقدم في بعضها، أن يكون هناك تفكير أو طمع لدى جماعة من الجماعات، بأن تكون مستثناة من سنة التاريخ كما تقدّم شرحه.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}([612]). فالروح العامة للقرآن ـ إذن ـ، تؤكد على هذه الحقيقة الأولى، حقيقة الاضطراد في السنة التاريخية، الذي يعطيها الطابع العلمي من أجل تربية الإنسان على ذهنية واعية علمية يتصرف في إطارها ومن خلالها مع أحداث التاريخ.
الحقيقة الثانية :
الحقيقة الثانية التي أكدت عليها النصوص القرآنية، ربانية السنة التاريخية، وارتباطها بالله سبحانه، بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ، هو قرار رباني، هذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانية السنة التاريخية وعلى طابعها الغيبي، يستهدف ربط الإنسان، حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون، بالله سبحانه، وإشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية، والاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكم في هذه الساحات، ليس انعزالاً عن الله سبحانه، لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن، فهي إرادة الله، وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.
وقد يتوهم البعض أن هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للسنن التاريخية، يبعد القرآن عن إطار التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ، ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد أغسطين وغيره من المفكرين المسيحيين واللاهوتيين.
لكن الحقيقة، أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني في ربط التاريخ بعالم الغيب، وبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ، الذي تبناه اللاهوت. وحاصل هذا الفرق: هو أن الاتجاه اللاهوتي، للتفسير الإلهي للتاريخ، يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه قاطعاً صلتها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث التي تزخر بها الساحة التاريخية، والتي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة، بينما القرآن الكريم، لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية، بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، ويربط أوجه العلاقات والارتباطات، فهو يقرر أوّلاً: وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلاَّ أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية، هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره، وبناءه التكويني للساحة التاريخية. إذا أردنا أن نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الإتجاهين من الظواهر الطبيعية، نستطيع أن نستخدم هذا المثال: قد يأتي إنسان فيفسر ظاهرة المطر، التي هي ظاهرة طبيعية فيقول بأن المطر نزل بإرادة من الله سبحانه، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر، فكأن المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب، وإنما حادثة مفردة ترتبط مباشرة بالله بمعزل عن تيار الحوادث، هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر، لكن إذا جاء شخص وقال بأن ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وأنها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلاً، الماء يتبخر فيتحول إلى غاز، والغاز يتصاعد سحاباً والسحاب يتحول بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر، إلاَّ أن هذا التسلسل السببي المتقن، وهذه العلاقات المتشابكة بين الظواهر الطبيعية، هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته. فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي والتفسير الموضوعي لظاهرة المطر، لأننا ربطنا هنا السنة بالله سبحانه، لا الحادثة مع عزلها عن بقية الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها.
إذن، القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية، لا يريد أن يتجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ، ولكنه يريد أن يؤكد أن هذه السنن ليست خارجة عن قدرة الله سبحانه، وإنما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله، فهي كلماته وسننه وإرادته وحكمته في الكون، لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى الله، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان، فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السنن نظرة علمية، ينظر أيضاً إليها نظرة إيمانية.
وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية، وعدم جعلها مرتبطة بالصدف، أن نفس العمليات الغيبية، أناطها في كثير من الحالات بالسنة التاريخية نفسها أيضاً، عملية الإمداد الإلهي الغيبي، الذي يساهم في كسب النصر، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً ومرتبطاً بالسنة التاريخية، وظروفها، وهذه الروح أبعد ما تكون عن أن تكون روحاً تفسر التاريخ على أساس الغيب، وإنما هي روح تفسر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم.
قرأنا ما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنص القرآني: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}([613]).
والآن تعالوا نقرأ الآيات التي تتحدث عن الإمداد لنلاحظ كيف أنّ هذه الآيات ربطت هذا الإمداد الإلهي الغيبي بتلك السنة نفسها أيضاً إذ تقول للمؤمنين.
{أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}([614]). هناك إمداد إلهي غيبي ولكنه شرط بسنة التاريخ، شرط بقوله: { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} أجملت هنا شروط التاريخ التي فصلت في الآيات الأخرى.
فمن الواضح إذن، أنّ الطابع الرباني الذي يسبغه القرآن الكريم، ليس بديلاً عن التفسير الموضوعي، وإنّما هو ربط لهذا التفسير الموضوعي بالله سبحانه، من أجل إكمال اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.
الحقيقة الثالثة :
الحقيقة الثالثة التي أكد عليها القرآن الكريم من خلال النصوص المتقدمة، هي حقيقة اختيار الإنسان وإرادة الإنسان والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جداً، إذ سوف يأتي، أن البحث في سنن التاريخ خلق وهماً عند كثير من المفكرين، أن هناك تعارضاً وتناقضاً بين حرية الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ، فإما أن نقول بأن للتاريخ سننه وقوانينه، وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وحريته، واما أن نسلم بأن الإنسان كائن حر مريد مختار، وبهذا يجب أن نلغي سنن التاريخ وقوانينه، ونقول بأن هذه الساحة قد أعفيت من القوانين التي لم تحكم بقية الساحات الكونية.
هذا الوهم، وهْمُ التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون التاريخي، وبين فكرة اختيار الإنسان وحريته، كان من الضروري للقرآن الكريم أن يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات.
ومن هنا اكد سبحانه وتعالى، على أن المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنما هو إرادة الإنسان، وسوف أتناول انشاء الله فيما بعد، الطريقة الفنية في كيفية التوفيق بين سنن التاريخ وارادة الإنسان، وكيف استطاع القرآن الكريم أن يجمع بين هذين الأمرين، من خلال فحص للصيغ التي يمكن في إطارها صياغة السنة التاريخية، لكن يكفي الآن أن نستمع إلى قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([615]).
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([616]).
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}([617]).
انظروا كيف أن السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الإنسان بل تجري من تحت يده، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءاً غدقاً، إذن، هناك مواقف إيجابية للإنسان تمثل حريته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخية، جزاءاتها ومعلولاتها المناسبة، فاختيار الإنسان إذن، له موضعه الرئيسي في الساحة التاريخية، والنظرية القرآنية لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي، ولا تعطل فيه إرادته وحريته واختياره، وإنّما تؤكد أكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية.
ميدان سنن التاريخ
الآن، بعد استعراضنا الخصائص الثلاث التي تتميز بها السنن التاريخية في القرآن الكريم، نواجه هذا السؤال: ما هو ميدان هذه السنن التاريخية؟
كنا حتى الآن نقول: بأن هذه السنن تجري على الساحة التاريخية، لكن، هل أن الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخية، أو أن ميدان السنن التاريخية يمثل جزءاً من الساحة التاريخية، بمعنى أن الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية، بوصفها قوانين ذات طابع نوعي مختلف عن القوانين الأخرى الفيزيائية والفسلجية، والبيولوجية والفلكية، هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي مختلف، هل تتسع له الساحة التاريخية؟ هل يستوعب كل الساحة التاريخية أو يعبر عن جزء من الساحة التاريخية؟
لكن قبل هذا يجب أن نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية؟ الساحة التاريخية عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون، فالسؤال هنا إذن هكذا، هل أن كل هذه الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرخون، وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية، محكومة بالسنن التاريخية، بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميز عن سنن بقية حدود الكون والطبيعة، أو أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟
الصحيح أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ، هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ، بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية، أو الفسلجية، أو قوانين الحياة، أو أي قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونية الأخرى.
مثلاً: موت أبي طالب، موت خديجة في سنة معينة، حادثة تاريخية مهمة تدخل في نطاق ضبط المؤرخين، وأكثر من هذا، هي حادثة ذات بُعد في التاريخ، ترتبت عليها آثار كثيرة، ولكنها لا يحكمها سنة تاريخية، بل تحكمها قوانين فسلجية، فرضت أن يموت أبو طالب (صلوات الله عليه)، وأن تموت خديجة (عليها السلام)، في ذلك الوقت المحدد، هذه الحادثة تدخل في نطاق صلاحيات المؤرخين، ولكن الذي يتحكم في هذه الحادثة هي قوانين فسلجة جسم أبي طالب وجسم خديجة، قوانين الحياة التي تفرض المرض والشيخوخة ضمن شروط معينة وظروف معينة. حياة عثمان بن عفان، الخليفة الثالث حتى ناهز الثمانين، طبعاً هذه الحادثة كان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام، ولو قدر لهذا الخليفة أن يموت موتاً طبيعياً وفقاً لقوانينه الفسلجية قبل يوم الثورة، كان من الممكن أن تتغير كثير من معالم التاريخ، كان من المحتمل أن يأتي الإمام أمير المؤمنين إلى الخلافة بدون تناقضات وبدون ضجيج، لكن قوانين فسلجة جسم عثمان بن عفان اقتضت أن يمتد به العمر إلى أن يقتل من قبل الثائرين عليه من المسلمين، هذه حادثة تاريخية، أعني أنها تدخل في اهتمامات المؤرخين، ولها بُعد تاريخي أيضاً، لعبت دوراً سلباً أو إيجاباً في تكييف الأحداث التاريخية الأخرى، ولكنها لا تتحكم فيها سنن التاريخ، إن الذي يتحكم في ذلك قوانين بنية جسم عثمان بن عفان، قوانين الحياة، وقوانين جسم الإنسان التي أعطت لعثمان بن عفان عمراً ناهز الثمانين. مواقف عثمان بن عفان وتصرفاته الاجتماعية تدخل في نطاق سنن التاريخ، ولكن طول عمر عثمان بن عفان لمسألة أخرى، مسألة حياتية أو مسألة فسلجية أو مسألة فيزيائية، وليست مسألة تتحكم فيها سنن التاريخ.
إذن سنن التاريخ لا تتحكم على كل الساحة التاريخية، لا تتحكم على كل القضايا التي يدرجها الطبري في تاريخه، بل تحكم ميداناً معيناً من هذه الساحة، هذا الميدان يشتمل على ظواهر متميزة تميزاً نوعياً عن سائر الظواهر الكونية والطبيعية، وباعتبار هذا التميز النوعي، استحقت سنناً متميزة أيضاً تميزاً نوعياً عن سنن بقية الساحات الكونية.
المميز العام للظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ، هو أن هذه الظواهر تحمل علاقة جديدة لم تكن موجودة في سائر الظواهر الأخرى الكونية والطبيعية والبشرية. الظواهر الكونية والطبيعية كلها تحمل علاقة بين مسبَّب وسبب، نتيجة ومقدمات، مثلاً الغليان ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروف معينة، بدرجة حرارة معينة، بدرجة معينة من قرب هذا الماء من النار، العلاقة هنا علاقة السببية، علاقة الحاضر بالماضي، بالظروف المسبقة المنجزة، لكن هناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقة من نمط آخر ونوع جديد، وهي علاقةُ ظاهرةٍ بهدف، علاقة نشاط بغاية، أو ما يسميه الفلاسفة بالعلة الغائية، تمييزاً لها عن العلة الفاعلية، غليان الماء بالحرارة، يحمل علاقة مع سببه، مع ماضيه، لكن لا يحمل علاقة مع غاية ومع هدف، ما لم يتحول إلى فعل إنساني وإلى جهد بشري، بينما العمل الإنساني الهادف يحتوي على علاقة لا فقط مع السبب، لا فقط مع الماضي، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين إنجاز هذا العمل، وإنما يترقب وجودها. أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لا مع الماضي، الغاية دائماً تمثل المستقبل بالنسبة إلى العمل، بينما السبب يمثل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل.
فالعلاقة التي يتميز بها العمل التاريخي، العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو أنه عمل هادف، عمل يرتبط بعلة غائية سواءاً كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة، نظيفة أو غير نظيفة، وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول، حيث إنها مستقبلية بالنسبة إلى العمل، فهي تؤثر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة، فتمنحه بذلك من الطموح والتطلع المستقبلي، ما يستطيع معه أن يجسّد ذاك الوجود الذهني حقيقة خارجية.
إذن، فالمستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي، يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات، حينئذ يؤثر في إيجاد هذا النشاط.
إذن، حصلنا الآن على مميز نوعي للظاهرة التاريخية، غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة، وهذا المميز ظهور علاقة فعل بغاية، نشاط بهدف، بالتعبير الفلسفي، كون المستقبل محركاً لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني أي الفكر الذي يرسم للفاعل غايته. إذن، فالسنن النوعية للتاريخ، موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملاً له غاية، عملاً يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية، وهي العلاقة بالغاية والهدف، بالعلة الغائية.
ولكن ليس معنى ذلك بالضرورة، أن يكون كل عمل له غاية هو عملاً تاريخياً تجري عليه سنن التاريخ، بل يوجد بُعد ثالث لا بد أن يتوفر لهذا العمل لكي يكون عملاً تحكمه سنن التايخ.
الثاني البعد الأول: كان «السبب».
والبعد: كان الغاية «الهدف».
وأما البعد الثالث: فهو أن يكون لهذا العمل أرضية تتجاوز ذات الفرد العامل إلى المجتمع، الذي يكون هذا الفرد جزءاً منه.
قد يأكل الفرد إذا جاع، قد يشرب إذا عطش، قد ينام إذا أحس بحاجته إلى النوم، لكن هذه الأعمال على الرغم من أنها أعمال هادفة أيضاً، تريد أن تحقق غايات، ولكنها أعمال لا يمتد موجها أكثر من العامل، خلافاً لعمل يقوم به الإنسان من خلال نشاط اجتماعي وعلاقات متبادلة مع أفراد جماعته. التاجر حينما يعمل عملاً تجارياً. القائد حينما يعمل عملاً حربياً. السياسي حينما يمارس عملاً سياسياً. المفكر حينما يتبنى وجهة نظر في الكون والحياة. هذه الأعمال لها موج يتعدى شخص العامل، هذا الموج يتخذ من المجتمع أرضية له، ويمكننا أيضاً أن نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول: المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل، نتذكرمن مصطلحات الفلاسفة التمييز الأرسطي بين العلة الفاعلية والعلة الغائية والعلة المادية، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة. يعني أن المجتمع باعتباره أرضية للعمل، يشكل علة مادية له، في حالة من هذا القبيل، يعتبر هذا العمل عملاً تاريخياً، يعتبر عملاً للأمة وللمجتمع وإن لم يكن المباشر في جملة من الأحيان إلاّ فرد واحد، أو عدداً من الأفراد، ولكن باعتبار الموج يعتبر المجتمع، إذن العمل التاريخي الذي تحكمه سنن التاريخ، هو العمل الذي يكون حاملاً لعلاقة مع هدف وغاية، ويكون في نفس الوقت ذا أرضية أوسع من حدود الفرد، ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له، وبهذا يكون عمل المجتمع.
وفي القرآن الكريم، نجد تمييزاً بين عمل الفرد وعمل المجتمع، ونلاحظ في القرآن الكريم أنه من خلال استعراضه للكتب الغيبية الإحصائية، تحدث القرآن عن كتاب للفرد، وتحدث عن كتاب للأمة، عن كتاب يحصي على الفرد عمله، وعن كتاب يحصي على الأمة عملها، وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي الذي ينسب إلى الفرد وبين عمل الأمة، أي العمل الذي له ثلاثة أبعاد، والعمل الذي له بعدان، العمل الذي له بعدان لا يدخل إلاَّ في كتاب الفرد، وأما العمل الذي له ثلاثة أبعاد فهو يدخل في الكتابين معاً، باعتبار البعدين في كتاب الفرد ويحاسب الفرد عليه، وباعتبار البعد الثالث يدخل في كتاب الأمة ويعرض على الأمة وتحاسب الأمة على أساسه. لاحظوا قوله سبحانه وتعالى:
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}([618]).
هنا القرآن الكريم يتحدث عن كتاب للأمة، أمة جاثية بين يدي ربها ويقدم لها كتابها، يقدم لها سجل نشاطها وحياتها التي مارستها كأمة، هذا العمل الهادف، ذو الأبعاد الثلاثة يحتويه هذا الكتاب، وهذا الكتاب ليس تاريخ الطبري ـ انظروا إلى العبارة ـ يقول:
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
فهو لا يسجل الوقائع الطبيعية، الفسلجيّة، الفيزيائية، إنّما يحدد ويستنسخ ما كانوا يعملون كأمّة.
بحيث ينسب للأمة وتكون الأمة مدعوة إلى كتابها. هذا العمل هو الذي يحويه هذا الكتاب. بينما في آية أخرى نلاحظ قوله سبحانه وتعالى:
{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}([619]).
هنا الموقف يختلف، هنا كل إنسان مرهون بكتابه، لكل إنسان كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله، من حسناته وسيئاته، من هفواته وسقطاته، من صعوده وهبوطه، الكتاب الذي كتب بعلم مَنْ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماء. كل إنسان قد يفكر أن بإمكانه أن يخفي نقطة ضعف، أن يخفي ذنباً، أن يخفي سيئة عن جيرانه، أو قومه، أو أمته، أو أولاده، أو حتى عن نفسه، ولكن هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها.
هذا كتاب الفرد وذاك كتاب الأمة. هناك كتاب لأمة جاثية بين يدي ربها، وهنا لكل فرد كتاب. هذا التمييز النوعي القرآني بين كتاب الأمة وكتاب الفرد تعبير آخر عما قلناه، من أن العمل التاريخي هو ذاك العمل الذي يتمثل في كتاب الأمة. العمل الذي له أبعاد ثلاثة. بل إن الذي يستظهر ويلاحظ من عدد آخر من الآيات القرآنية الكريمة، أنه ليس فقط يوجد كتاب للفرد ويوجد إحضار للفرد ويوجد إحضار للأمة، هناك إحضاران بين يدي الله سبحانه، الإحضار الفردي يأتي فيه كل إنسان فرداً فرداً، لا يملك ناصراً ولا معيناً، إلاَّ العمل الصالح والقلب السليم والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، هذا هو الإحضار الفردي. قال الله تعالى:
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}([620]).
وهناك إحضار آخر، إحضار للأمة بين يدي الله سبحانه وتعالى، كما يوجد هناك سجلان، كذلك يوجد إحضاران كما تقدم، ترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، ذاك إحضار للجماعة، والمستأنس به من سياق الآيات الكريمة، أن هذا الإحضار الثاني يكون من أجل إعادة العلاقات إلى نصابها الحق، العلاقات في داخل كل أمة قد تكون غير قائمة على أساس الحق، قد يكون الإنسان المستضعف فيها جديراً بأن يكون في أعلى الأمة، هذه الأمة تعاد فيها العلاقات إلى نصابها الحق. هذا هو الشيء الذي سماه القرآن الكريم بيوم التغابن، كيف يحصل التغابن؟.. يحصل التغابن عن طريق اجتماع المجموعة، ثم كل إنسان كان مغبوناً في موقعه ووجوده في الأمة يأخذ حقه، اسمَعوا قوله تعالى:
{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}([621]).
إذن فهناك سجلان: هناك سجل لعمل الفرد، وهناك سجل لعمل الأمة، وعمل الأمة هو عبارة عما قلناه من العمل الذي يكون له ثلاثة أبعاد، بُعدٌ من ناحية العامل هو ما يسميه أرسطو بـ «العلة الفاعلية»، وبُعْدٌ من ناحية الهدف ما يسمّيه أرسطو بـ «العلة الغائية»، وبُعْدٌ من ناحية الأرضية وامتداد الموج ما يسمونه بـ «العلة المادية». هذا العمل ذو الأبعاد الثلاثة هو موضوع سنن التاريخ، هذا هو عمل المجتمع.
لكن لا ينبغي أن يوهم ذلك ما توهمه بعض المفكرين والفلاسفة الأوربيين كهيغل وغيره، من أن المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميز عن سائر الأفراد، وكل فرد ليس إلاَّ بمثابة الخلية في هذا العملاق الكبير، الذي يتخذ من كل فرد نافذة على الواقع، بقدر ما يمكن أن يجسد في هذا الفرد من قابلياته هو، ومن ابداعه هو، إذن كل قابلية وكل إبداع، ليسا إلا قابلية ذلك العملاق وإبداعه، وكل فرد إنّما هو نافذة من النوافذ التي يعبر عنها ذلك العملاق الهيجلي.
هذا التصور، اعتقد به جملة من الفلاسفة الأوروبيين تمييزاً لعمل المجتمع عن عمل الفرد، إلاّ أنّ هذا التصور ليس صحيحاً، ولسنا بحاجة إليه وإلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة، لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد، ليس عندنا إلاَّ الأفراد، إلاّ زيد وبكر وخالد، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم، طبعاً مناقشة هيجل من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث، لأن هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بحسب الحقيقة بكامل الهيكل النظري لفلسفته، هذا التصور ليس صحيحاً، ولسنا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأسطوري، لكي نميز بين عمل الفرد وعمل المجتمع، التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتم من خلال ما أوضحناه من البعد الثالث. عمل الفرد هو العمل الذي يكون له بعدان، فإن اكتسب بعداً ثالثاً كان عمل المجتمع، باعتبار أن المجتمع يشكل أرضية له، يشكل علة مادية له. يدخل حينئذ في سجل كتاب الأمة الجاثية بين يدي ربها. هذا هو ميزان الفرق بين العملين.
إذن الشيء الذي نستخلصه مما تقدم، أن موضوع السنن التاريخية هو العمل الهادف الذي يتخذ من المجتمع أو الأمة أرضية له، على اختلاف سعة الموجة وضيق الموجة.
صيغ السنن التاريخية
في القرآن
حان الأوان لكي نتعرف على الصيغ المتنوعة التي تتخذها السنة التاريخية القرآنية.
كيف يتم التعبير موضوعياً عن القانون التاريخي في القرآن الكريم؟
ما هي الأشكال التي تتخذها سنن التاريخ في مفهوم القرآن الكريم؟
هناك ثلاثة أشكال تتخذها السنة التاريخية في القرآن الكريم، لا بد من استعراضها ومقارنتها والتدقيق في أوجه الفرق بينها.
الشكل الأول: للسنة التاريخية، هو شكل القضية الشرطية، في هذا الشكل تتمثل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، وانه متى ما تحقق الشرط تحقق الجزاء. وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الأخرى.
فمثلاً: حينما نتحدث عن قانون طبيعي لغليان الماء، نتحدث بلغة القضية الشرطية، نقول بأن الماء إذا تعرض إلى الحرارة وبلغت الحرارة درجة معينة مائة مثلاً في مستوى معين من الضغط، حينئذ سوف يحدث الغليان، هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكد أن حالة التعرض إلى الحرارة، ضمن مواصفات معينة تذكر في طرف الشرط تستتبع حادثة طبيعية معينة، وهي غليان هذا الماء، هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية. ومن الواضح أن هذا القانون الطبيعي لا ينبئنا عن تحقق الشرط وعدم تحققه، لا ينبئنا عن أن الماء سوف يتعرض للحرارة أو لا؟ هل أن درجة حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون أو لا؟ هذا القانون لا يتعرض إلى مدى وجود الشرط وعدم وجوده، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط إيجاباً أو سلباً، وإنما ينبئنا عن أن الجزاء لا ينفك عن الشرط، فمتى ما وجد الشرط وجد الجزاء، وأن الغليان نتيجة مرتبطة موضوعياً بالشرط، هذا تمام ما ينبئنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية.
ومثل هذه القوانين، تقدم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية، وتلعب دوراً عظيماً في توجيهه، لأن الإنسان ضمن تعرّفه على هذه القوانين، يصبح بإمكانه أن يتصرف بالنسبة إلى الجزاء، ففي كل حالة يرى أنه بحاجة إلى الجزاء يُعمِل هذا القانون ويُوفر شروطه، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارضاً مع مصالحه ومشاعره، يحاول الحيلولة دون توفر شروط هذا القانون.
إذن القان الموضوع بصيغة القضية الشرطية، موجِّه عملي للإنسان في حياته.
ومن هنا تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المضطردة والسنن الثابتة، لأن صياغة الكون ضمن هكذا روابط وسنن، هو الذي يجعل الإنسان يتعرف على موضع قدميه، وعلى الوسائل التي يجب أن يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول إلى إشباع حاجته، لو أن الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مضطردة مع حادثة أخرى كالحرارة، لما استطاع الإنسان أن يتحكم في هذه الظاهرة، أو يخلقها متى ما كانت حياته بحاجة إليها، ويتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها، إنما كان له هذه القدرة، باعتبار أن هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون، وطرح على الإنسان القانون الطبيعي بلغة القضية الشرطية، فأصبح يتصرف إزاء هذا القانون بوعي واختيار وإرادة.
نفس الشيء نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية، فإن عدداً كبيراً من السنن هذه في القرآن، قد نمت صياغته على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين، أو تاريخيتين.
قرأنا في ما سبق، استعراضاً للآيات الكريمة التي تدل على سنن التاريخ في القرآن. جملة من تلك الآيات الكريمة مفادها هو السنة التاريخية بلغة القضية الشرطية، فمثلاً الآية الكريمة:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
فمرجع هذا المفاد القرآني، إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وتغيير الوضع الظاهري للبشرية، متى ما وجد ذاك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيانهم، هذه الآية إذن، بيّن القانون فيها بلغة القضية الشرطية.
{ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}.
قلنا في ما سبق أن هذه الآية الكريمة تتحدث بلغة القضية الشرطية عن سنة من سنن التاريخ، تربط وفرة الإنتاج بعدالة التوزيع، كما هو الواضح من صياغتها النحوية أيضاً.
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
هذه الآية أيضاً، استبطئت سنة تاريخية بينت بلغة القضية الشرطية عندما ربطت بين أمرين، بين تأمير الفساق والمترفين في المجتمع، وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله، فمتى ما وجد هذا الشرط يوجد الجزاء، هذا هو الشكل الأول من اشكال السنة التاريخية في القرآن.
الشكل الثاني: الذي تتخذه السنن التاريخية، شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة. وهذا الشكل أيضا نجد له أمثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية. مثلاً : العالم الفلكي حينما يصدر حكماً علمياً على ضوء قوانين مسارات الفلك، بأن الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني، أو أن القمر سوف ينخسف كذلك، هذه قضية علمية، إلاَّ أنها قضية وجودية ناجزة، وليست قضية شرطية، ولذا لا يملك الإنسان اتجاه هذه القضية أن يغير من ظروفها وأن يعدل من شروطها، لأنها تخبر عن وقوع هذه الحادثة على أي حال. وكذلك القرارات العلمية التي تصدر عن الأنواء الجوية، المطر ينهمر على المنطقة الفلانية، هذا أيضاً يعبر عن قضية فعلية وجودية لم تصغ بلغة القضية الشرطية، وإنما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق، بلحاظ مكان معين وزمان معين.
هذا هو الشكل الثاني من أشكال السنن التاريخية. وسوف أذكر فيما بعد انشاء الله عند تحليل عناصر المجتمع إلى أمثلة لهذا الشكل من القرآن الكريم.
هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ بتوهم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وارادته، لأن سنن التاريخ هي التي تنظم مسار الإنسان وحياة الإنسان، إذن ماذا يبقى لإرادة الإنسان؟
هذا التوهم، أدى ببعض المفكرين إلى القول بأن الإنسان له دور سلبي فقط وليس دوراً إيجابياً، فهو يتحرك كما تتحرك الآلة وفقاً لظروفها الموضوعية، ولعله يأتي بعض التفصيل أيضاً عن هذه الفكرة.
وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهرياً، إلى أن اختيار الإنسان نفسه هو أيضاً يخضع لسنن التاريخ. وهذا الموقف يستبطن تضحية باختيار الإنسان لنفسه لكن بصورة غير مكشوفة.
وذهب بعض المفكرين الأوروبيين إلى اختيار موقف معاكس، عندما اتجهوا إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان، بحجة أنه ما دام الإنسان مختاراً، فلا بدّ من أن تستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي، فلا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظاً منهم على إرادة الإنسان واختياره.
وهذه المواقف كلها خاطئة، لأنها جميعاً تقوم على وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار الإنساني، وهذا التوهم نشأ من قَصْر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنة التاريخية تلك المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة، لو كنا نَقْصُر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ، والتزمنا بأنه يستوعب كل الساحة التاريخية، لكان هذا التوهم وارداً، ولكنا يمكننا إبطال هذا التوهم، عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من أشكال السنة التاريخية، الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية، وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطية في شروطها معبرة عن إرادة الإنسان واختياره، باعتبار أن اختيار الإنسان يمثل المحور في هذه القضية الشرطية لأنه شرطها. لكن ما هو الشرط؟
الشرط: هو فعل الإنسان، هو إرادة الإنسان.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([622]).
التغيير هنا أسند إليهم فهو فعلهم، إبداعهم وإرادتهم. وحينما يحتل إبداع الإنسان واختياره موضوع الشرط في هذه القضية الشرطية، تصبح السنة التاريخية متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، بل إن السنة حينئذ، تزيد الإنسان اختياراً وقدرة وتمكناً من التصرف في موقفه، عيناً كما كان القانون الطبيعي يزيد من قدرة الإنسان على التحكّم في الغليان، بعد أن عرف شروطه وظروفه، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية، هي في الحقيقة ليست على حساب إرادة الإنسان، وليست نقيضاً لاختيار الإنسان بل هي مؤكدة لهذا الاختيار، توضح للإنسان نتائج الاختيار، لكي يستطيع أن يقتبس ما يريده من هذه النتائج دون غيرها، ويتعرّف على الطريق الذي يسلك به إلى ما أراد من هذه النتيجة أو تلك بوعي وإدراك.
الشكل الثالث: للسنة التاريخية، وهو شكل اهتم به القرآن الكريم اهتماماً كبيراً، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ، لا على صورة قانون صارم حدّي، ولكي يتضح ذلك، لا بد وأن نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في أذهاننا عن القانون.
القانون العلمي كما نتصوره عادة، عبارة عن تلك السنة التي لا تقبل التحدّي ولا النقض من قبل الإنسان فهو بالتالي محكوم لها ولا يستطيع الخروج عن دائرة طاعتها، لأنها قانون من قوانين الكون والطبيعة. يمكنه أن لا يصلي، لأن وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانوناً تكوينياً، يمكنه أن يشرب الخمر، لأن حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانوناً تكوينياً، لكنه لا يمكنه أن يتحدى القوانين الكونية والسنن الموضوعية، مثلاً: لا يمكنه أن يجعل الماء لا يغلي إذا توفرت شروط الغليان، لا يمكنه أن يؤخر الغليان لحظة عن موعده المعين، لأن هذا قانون والقانون صارم، والصرامة تأبى التحدي، هذه هي الفكرة التي نتصورها عادة عن القوانين، وهي فكرة صحيحة إلى حد ما، لكن ليس من الضروري أن تكون كل سنة طبيعية موضوعية على هذا الشكل، بحيث تأبى التحدي من قبل الإنسان بهذه الطريقة، بل هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان، لكن مع شيء من المرونة، بحيث إنها تقبل التحدي ولو على شوط قصير، وإن لم تقبل التحدي على شوط طويل، وهذا لا يعني أنها ليست اتجاهات تمثل واقعاَ موضوعياً في حركة التاريخ، هي اتجاهات ولكنها مرنة تقبل التحدي، لكنها مع ذلك قد تحطم هذا المتحدي بسنن التاريخ نفسها. فمثلاً: نقول: بأن هناك في تركيب الإنسان وتكوينه اتجاهاً موضوعياً لا تشريعياً إلى إقامة العلاقات المعينة بين الذكر والأنثى في المجتمع ضمن إطار من أطر النكاح والاتصال، هذا الاتجاه ليس تشريعياً وإنما هو اتجاه موضوعي، ركّب في طبيعة الإنسان وتركيبته، هذه سنة، لكنها سنة على مستوى الاتجاه، لا على مستوى القانون.
لماذا؟
لأن التحدي لهذه السنة لحظة أو لحظات ممكن، أمكن لقوم لوط أن يتحدوا هذه السنة فترة من الزمن، بينما لم يكن بإمكانهم أن يتحدوا سنة الغليان بشكل من الأشكال، إلاَّ أن تحدي هذه السنة يؤدي إلى أن يتحطم المتحدي على المدى الطويل، والمجتمع الذي يتحدى هذه السنة يكتب بنفسه فناء نفسه، لأنه يتحدى ذلك عن طريق ألوان من الشذوذ التي رفضها هذا الاتجاه الموضوعي، وتلك الألوان من الشذوذ تؤدي إلى فناء المجتمع وإلى خرابه. وهذا ما حصل فعلاً لقوم لوط.
الاتجاه إلى توزيع الميادين بين المرأة والرجل، اتجاه موضوعي وليس اتجاهاً ناشئاً من قرار تشريعي، اتجاه ركّب في طبيعة الرجل والمرأة، ولكن هذا الاتجاه يمكن أن يتحدى، يمكن استصدار تشريع يفرض على الرجل بأن يبقى في البيت ليتولى دور الحضانة والتربية، وأن تخرج المرأة إلى الخارج لكي تتولى مشاق العمل والجهد، وبهذا يحصل التحدي لهذا الاتجاه. لكن هذا التحدي لن يستمر، لأن سنن التاريخ سوف تجيب على هذا التحدي، لأننا بهذا سوف نخسر كل تلك القابليات التي زودت بها المرأة من قبل هذا الاتجاه لممارسة دور الحضانة والأمومة، وسوف نخسر كل تلك القابليات التي زود بها الرجل من أجل ممارسة دور يتوقف على الجلد والصبر والثبات وطول النفس. تماماً، كما أن بناية تسلم نجارياتها إلى حداد وحدادياتها إلى نجار، يمكن أن تنشأ البناية أيضاً، لكن هذه البناية سوف تنهار، سوف لن يستمر هذا التحدي على شوط طويل.
وأهم مصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن: الدين، فالقرآن الكريم يرى أن الدين نفسه ليس مجرد تشريع وإنما هو سنة موضوعية من سنن التاريخ، ولهذا يعرض الدين على شكلين: تارة يعرضه بوصفه تشريعاً كما يقول علم الأصول، كما في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}([623]).
هنا يبين الدين كتشريع، كأمر من الله سبحانه، لكن في مجال آخر، يبينه سنة من سنن التاريخ، وقانوناً داخلاً في صميم تركيب الإنسان وفطرته، كما في قوله تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([624]).
فالدين هنا لم يعد مجرد تشريع وقرار من أعلى، وإنما الدين هنا فطرة للناس، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، يعني كما أنك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان أي جزء من أجزاءه التي تقوّمه، كذلك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان دينه، الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، لأنها في حالة من هذا القبيل، لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له، بل تكون من المكاسب التي حصل عليها الإنسان من خلال تطوراته المدنية والحضارية على مرّ التاريخ.
الدين خلق الله
{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}. وكلمة «لا» ليست ناهية بل نافية، يعني هذا الدين لا يمكن أن ينفك عن خلق الله ما دام الإنسان إنساناً، فالدين يعتبر سنة لهذا الإنسان.
ولكنها ليست سنة صارمة على مستوى قانون الغليان، سنة تقبل التحدي على الشوط القصير، كما كان بإمكان تحدي سنة النكاح وسنة اللقاء والتزواج الطبيعي بين الجنسين عن طريق الشذوذ الجنسي، لكن على شوط قصير كذلك يمكننا أيضاً تحدي هذه السنة على شوط قصير على طريق الالحاد، ولكن هذا التحدي لا يكون إلا على شوط قصير، لأنّ العقاب سوف ينزل بالمتحدي، العقاب هنا ليس بمعنى العقاب الذي ينزل على من يرتكب مخالفة شرعية على يد ملائكة العذاب في السماء في يوم القيامة، وإنما العقاب هنا ينزل من سنن التاريخ نفسها حيث يفرضه على كلّ أمة تريد أن تبدل خلق الله سبحانه، ولا تبديل لخلق الله، مع الالتفات إلى أنّ نزول هذا العقاب ليس فورياً بالضرورة، لأنّ الفورية التي نفهمها في حياتنا الاعتيادية تختلف عنها بمعناها بلحاظ امتداد التاريخ الإنساني. وهذا ما أرادت الآية التالية أن تلفت الأنظار إليه. قال تعالى:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}([625]).
هذه الآية الكريمة تتحدث عن العذاب، واقعة في سياق العذاب الجماعي الذي نزل بالقرى السابقة الظالمة، ثم بعد ذلك يتحدث عن استعجال الناس في أيام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقولون له أين هذا العقاب؟ أين هذا العذاب؟ لماذا لا ينزل بنا نحن الآن حيث كفرنا وتحديناك، وصممنا آذاننا عن قرآنك؟ القرآن هنا يتحدث عن السرعة التاريخية التي تختلف عن السرعة الاعتيادية فيقول:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}، لأنّها سنة، والسنة التاريخية ثابتة، لكن:
{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}.
اليوم الواحد في سنن التاريخ عند ربك باعتبارها كلمات الله كما قرأنا في ما سبق، ألف سنة. طبعاً في آية أخرى عبّر بخمسين ألف سنة، وذلك في قوله تعالى:
{ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}([626]).
الكلام هنا ناظر إلى يوم القيامة، إلى يوم تكون السماء كالمهل، فيوم القيامة قدر بخمسين ألف سنة، أما في الآية السابقة فهو يتكلم عن يوم توقيت نزول العذاب الجماعي وفقا لسنن التاريخ، يقول: وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون. وبهذا يجمع بين هاتين الآيتين فلا تعارض.
إذن فهذا شكل ثالث من السنن التاريخية، هو عبارة عن اتجاهات موضوعية في مسار التاريخ وفي حركة الإنسان وتركيبه، يمكن أن يتحدى على الشوط القصير، ولكن سنن التاريخ لا تقبل التحدي على الشوط الطويل، إلاَّ أن الشوط القصير والطويل هنا ليس بحسب طموحاتنا وحياتنا الاعتيادية، لأن اليوم الواحد في كلمات الله وسننه كألف سنة مما نحسب.
والدين هو المثال الرئيسي للشكل الثالث، من أجل أن نعرف أن الدين ليس سنة من سنن التاريخ؟ وليس هو مجرد تشريع بل حاجة أساسية موضوعية، ما هو دوره؟ ما هو موقعه؟
لكي نعرف ذلك، يجب أن نأخذ المجتمع، ونحلل عناصره على ضوء القرآن الكريم، لنصل إلى مغزى قولنا: أن الدين سنة من سنن التاريخ.
كيف نحلل المجتمع؟ نحلل عناصر المجتمع على ضوء هذه الآية الكريمة.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}([627]).
هذه الآية تعطينا أروع وأدق وأعمق صيغة لتحليل عناصر المجتمع. ونحن سوف ندرس هذه العناصر ونقارن فيما بينها، لنعرف في النهاية أن الدين سنة تاريخية، وليس مجرد حكم شرعي قد يطاع وقد يعصى.
عناصر المجتمع في القرآن
قلنا إنّ القرآن الكريم يقدم الدين لا بوصفه مجرد قرار تشريعي، بل بوصفه سنة من سنن الحياة والتاريخ، ومقوماً أساسياً لخلق الله ولن تجد لخلق الله تبديلاً، ولكنها سنة من الشكل الثالث. سنة تقبل التحديث على الشوط القصير، ولكن المتحدي يعاقب بسنن التاريخ نفسها، وقد أشير إلى هذه الخاصية أيضاً بقوله:
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} هذه العبارة التي ختمت بها الآية الكريمة:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([628]).
ففي هذه العبارة إشارة إلى هذه السنّة، أي أنّ للناس أن يتخذوا مواقف سلبية وإهمالية تجاه هذه السنة، ولكنه إهمال على الشوط القصير لا على الشوط الطويل.
وقلنا أيضاً بأن توضيح واقع هذه السنة القرآنية من سنن التاريخ، يتطلب منا أن نحلل عناصر المجتمع، فما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم؟ وما هي مقومات المركب الاجتماعي؟ كيف يتم التنفيذ بين هذه العناصر والمقومات؟ وضمن أي إطار؟ ووفق أية معادلة؟ هذه الأسئلة نحصل على جوابها في النص القرآني الشريف الذي تحدث عن خلق الإنسان الأول:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}([629]).
حينما نستعرض هذه الآية الكريمة، نجد أن الله سبحانه وتعالى ينبأ الملائكة بأنه قرر إنشاء مجتمع على الأرض، فما هي العناصر التي تتحدث عن هذه الحقيقة العظيمة؟
هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:
أولاً ـ الإنسان.
ثانياً ـ الأرض أو الطبيعة على وجه عام.
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
ثالثاً ـ العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة، وتربط ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان، وهذه العلاقة المعنوية التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف، هذه هي عناصر المجتمع.
ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية، نجد أنها جميعاً تشترك بالعنصر الأول والعنصر الثاني، لا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس إنسانه عليها دوره الاجتماعي.
وأما العنصر الثالث: وهو العلاقة، ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا، ولكن المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة، وفي كيفية صياغة هذه الطبيعة.
فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرك من عناصر المجتمع، وكل مجتمع يبني هذه العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان من جانب، وبالطبيعة من جانب آخر، بشكل قد يتفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لهذه العلاقة.
وهذه العلاقة لها صيغتان أساسيتان:
إحدهما: صيغة ثلاثية، والأخرى: صيغة رباعية.
الصيغة الرباعية: طرحها القرآن الكريم تحت اسم الإستخلاف، هي الصيغة التي تربط بموجبها الطبيعة والإنسان ويرتبط الإنسان فيها بدوره مع أخيه الإنسان.
هذه أطراف ثلاثة. فأين الطرف الرابع؟ هذا الطرف الرابع خارج عن إطار المجتمع، ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية، تعتبر هذا الطرف الرابع مقوماً من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية على الرغم من ذلك الخروج، وهذا الطرف الرابع، استبطنه المفهوم الذي طرحه القرآن الكريم: الاستخلاف. ونحن عند التحليل، نجد أن الاستخلاف ذو أربعة أطراف، لأنّه يفترض مستخلفاً أيضاً. لا بد من مستخلِف ومستخلَف عليه، ومستخلَف. فهناك إضافة إلى الإنسان وأخيه الإنسان والطبيعة طرف رابع هو المستخلِف، والمستخلِف هو الله سبحانه، والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، أي الجماعة البشرية ككل، والمستخلف عليه هو الأرض وما عليها ومن عليها، فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف، تكون ذات أطراف أربعة، وهذه الصيغة تنطبق بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون تقول: بأنه لا سيد ولا إله للكون وللحياة إلاَّ الله سبحانه، وأن دور الإنسان في ممارسة حياته، إنما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وأي علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك، وإنما هي علاقة أمين على أمانة استؤمن عليها، وأي علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان، مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك، فهي علاقة استخلاف وتفاعل، بقدر ما يكون هذا الإنسان أو ذاك مؤدياً لواجبه اتجاه هذه الخلافة، وليست علاقة سيادة أو ألوهية أو مالكية. وتوجد في مقابل هذه الصيغة الرباعية، صيغة ثلاثية الأطراف، تربط بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطبيعة، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع، وتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع، عن الله سبحانه وتعالى. وتفترض أن الإنسان نفسه هو البداية. وبهذا تحولت نظرة كل جزء إلى الجزء الآخر داخل هذا التركيب وهذه الصيغة. واختلت المعادلة، واهتزت البنية الاجتماعية حيث وجدت الألوان المختلفة للملكية والسيادة، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ، وذلك شيء طبيعي، لأنّ إضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليس مجرد إضافة عددية، بل إنّ هذه الإضافة تحدث تغييراً نوعياً في بنية العلاقة الاجتماعية، وفي تركيب الأطراف الثلاثة الأخرى نفسها، إذ يعود الإنسان مع إخوانه من بني الإنسان، مجرد شركاء في حمل هذه الأمانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات، وبكل ما عليها ومن عليها، مجرد أمانة لا بد من رعاية واجبها وأداء حقها.
وقد تبنّى القرآن الكريم هذه الصيغة للعلاقة الاجتماعية كوجه بارز من وجوه الدين، وكسنة تاريخية. ولكن كيف؟
هذه الصيغة الرباعية عرضها القرآن الكريم على نحوين: عرضها تارة بوصفها فاعلية ربانية من زاوية دور الله سبحانه وتعالى في العطاء. وهذا هو العرض الذي قرأناه:
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءاً من الله، وجعلا يمثل الدور الإيجابي والتكريمي من رب العالمين للإنسان، وعرض الصيغة الرباعية من زاوية ارتباطها بالإنسان، وتقبل الإنسان لها، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}([630]).
فالأمانة هي الوجه التقبلي للخلافة، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة.
وهذه الأمانة التي تقبلها الإنسان وتحملها لم تعرض على هذا الإنسان في هذه الآية، بوصفها تكليفاً أو طلباً، وليس المقصود من تقبل الإنسان لهذه الأمانة هو تقبله الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، بقرينة أنّ هذا كان معروضاً على السماوات والأرض والجبال أيضاً، ومن الواضح أنّه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض. ومعنى ذلك أنه عرض تكويني لا عرض تشريعي، أي أن هذه العطية الربانية كانت تفتش عن الموضع القابل لها في الطبيعة، والمنسجم معها بطبيعته، وبفطرته، وبتركيبه التاريخي والكوني، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه وبُنْيَتِه، وبحكم فطرة الله المركوزة فيه منسجماً دون غيره من الكائنات مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها تصبح أمانة، وخلافة. ومن هنا كان تقبله لها تقبلاً تكوينياً بحكم دخولها في تكوينه الإنساني وفي تركيب مساره التاريخي.
ونلاحظ في هذه الآية الكريمة، الإشارة إلى هوية هذه السنة التاريخية وأنّها سنة من الشكل الثالث، سنة تقبل التحدي وتقبل العصيان، ليس من تلك السنن التي لا تقبل التحدي أبداً ولو لحظة، قال تعالى: {وَحَمَلَها الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا} هذه العبارة الأخيرة {إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا}. تأكيد على طابع هذه السنة، وأنّ هذه السنة على الرغم من أنّها سنة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدي، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبياً، هذا التعبير يوازي تعبير: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} في الآية السابقة.
إذن، الآية السابقة استخلصنا منها أنّ الدين سنة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ، ومن هذه الآية نستخلص أنّ صيغة الدين للحياة، التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية، التي يسميها القرآن بالخلافة والأمانة والاستخلاف سنة من سنن التاريخ في المفهوم القرآني.
فالحقيقة، إنّ الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما، لأنّه في الآية السابقة قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}([631]).
فهذا تأكيد على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين قيّماً على الحياة ومهيمناً عليها، فهو بالتالي سنة لهذه الحياة وللتاريخ. والدين بهذا المنحى هو العلاقة الاجتماعية الرباعية الأطراف، التي يدخل فيها الله بُعداً رابعاً، لكي يحدث تغييراً في بنية هذه العلاقة، لا لكي تكون مجرد إضافة عددية.
أمّا كيف كان هذا الطرف الرابع، وهو المسْتخلِفُ سبحانه، مقوماً أساسياً لمسار الإنسان على الساحة التاريخية؟ لكي نتعرف على ذلك، لا بد من أن نتعرف على دور كل من الركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية وهما الإنسان والطبيعة. هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وداخلان في الصيغة الرباعية، ومن هنا نسميهما بالركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية.
ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ من زاوية النظرة القرآنية للتاريخ وسنن الحياة؟ ما هو دور الإنسان في العلاقة الاجتماعية؟ وما هو دور الطبيعة في العلاقة الاجتماعية؟
على ضوء تشخيص هذين الدورين وتحديد الموقفين، سوف يتضح دور الطرف الرابع الذي تتميز به الصيغة الرباعية عن الصيغة الثلاثية، ويتضح أنّ هذا الطرف الرابع، عنصر ضروري بحكم سنة التاريخ، وتركيب خلقة الإنسان، ولا بد وأن يندمج مع الأطراف الأخرى لتكوين علاقة اجتماعية رباعية الأطراف.
القرآن ودور الإنسان
في حركة التاريخ
الآن نتحدث عن دور الإنسان في الحركة التاريخية من زاوية مفهوم القرآن الكريم.
من الواضح على ضوء المفاهيم التي قرأناها سابقاً، أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ، التي تتميز عن كل الحركات الأخرى بأنّها حركة غائية لا سببية فقط، غائية متطلعة إلى المستقبل. فالمستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية. والمستقبل معدوم فعلاً، وإنّما يحرك من خلال الوجود الذهني، الذي هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ، وهذا الوجود الذهني، يعبر بجانب منه عن الفكر، وفي جانب آخر منه عن الإرادة، وبالامتزاج بين الفكر والإرادة، تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
والمحتوى الداخلي الشعوري للإنسان يتمثل في هذين الركنين الأساسيين، وهما الفكر والإرادة. إذن المحتوى الداخلي للإنسان، هو الذي يصنع هذه الغايات، ويجسد هذه الأهداف من خلال مزجه بين فكرة وإرادة.
وبهذا صحّ القول بأنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة لحركة التاريخ، فالبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل مرتبط بهذه القاعدة، ويكون تغيره وتطوره تابعاً لتغير هذه القاعدة وتطورها، فإذا تغير الأساس تغير البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً، بقي البناء العلوي ثابتاً.
فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفوقي للمجتمع، علاقة تبعية، ومسبب بسبب، وهي تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([632]). هذه الآية واضحة في أنّ المحتوى الداخلي للإنسان، هو القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية، لأنّ الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين: أحدهما تغيير أوضاع القوم وأبنيتهم العلوية وظواهرهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} ومن الواضح أنّ المقصود من تغيير ما بالأنفس، تغيير ما بأنفس القوم، بحيث يكون المحتوى الداخلي كقوم وكأمة متغيراً، وإلاّ فإن تغير الفرد الواحد أو الفردين أو الأفراد، لا يشكّل الأساس لتغير ما بالقوم.
فالمحتوى النفسي والداخلي للأمة كأمة، لا لهذا الفرد أو لذلك الفرد، هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوى للحركة التاريخية كلها.
والقرآن الكريم يؤمن بأنّ العمليتين يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب، عملية صنع الإنسان لمحتواه الداخلي، لفكره وإرادته، مع البناء الخارجي، ولا يمكن أن يفترض انفكاك البناء الخارجي عن البناء الداخلي، إلاّ إذا بقي البناء الخارجي بناءاً مهزوزاً متداعياً.
ولهذا سمى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً «بالجهاد الأكبر» تأكيداً منه على قاعدية المحتوى الداخلي. وسمّى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً «الجهاد الأصغر» وربط الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر، واعتبر أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه، وقدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.
ومن هنا نجد القرآن الكريم، يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي، قال سبحانه وتعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}([633]).
يريد أن يقول بأن الإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه وأعماق روحه، ولم يبن نفسه بناءاً صالحاً لا يمكنه أبداً أن يطرح الكلمات الصالحة، لأن الكلمات الصالحة إنّما يمكن أن تتحول إلى بناء صالح في المجتمع، إذا نبعت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات، والا فتبقى الكلمات مجرد ألفاظ جوفاء دون أن يكون لها مضمون ومحتوى.
فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارها.
إلى هنا عرفنا أن الأساس والقاعدة في حركة التاريخ، هو المحتوى الداخلي للإنسان، وهنا نتساءل:
محورية المثل الأعلى
ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للإنسان؟ وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية؟
المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلية للإنسان هو المثل الأعلى.
لقد عرفنا فيما سبق، أن المحتوى الداخلي للإنسان يجسد الغايات التي تحرك التاريخ، من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير. وهذه الغايات جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي، فالغايات بنفسها محركة للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً، تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.
وهذا المثل الأعلى يرتبط ويتحدد من قبل كل جماعة بشرية، على أساس وجهة نظرها العامة نحو الكون والحياة، وكلما كانت الطاقة الروحية والرؤية الفكرية للجماعة البشرية تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون كلما تحققت إرادتها للسير في طريق هذا المثل مع ما يتخلله من المنعطفات، وما ينتصب على جانبيه من علامات.
وكما أن الحركة التاريخية تتميز عن أي حركة أخرى في الكون، بأنها حركة غائية وهادفة، كذلك تتميز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا. فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات والأهداف، وهذه الأهداف والغايات بدورها هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.
والقرآن الكريم يطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله، باعتبار أن المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه، وهذه صفات يراها القرآن، للإله، لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ. حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ اِلَهَهُ هَوَاهُ}([634])، حيث عبر حتى عن الهوى بأنه إله، حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعداً مصطنعاً فيصبح هو المثل الأعلى، وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك. فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة، لأنها هي المعبودة حقاً، وهي الآمرة والناهية والمحركة حقاً.
أقسام المثل العليا
وهذه المثل العليا التي تتبناها الجماعات البشرية على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
المثل الأعلى الذي يستمد تصوّره من الواقع نفسه، ويكون منتزعاً من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات، أي أن الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا، لم يستطع أن يرتفع على هذا الواقع ويتجاوزه، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وبقيوده، وبشؤونه.
وحينما يكون المثل الأعلى منتزعاً عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها وشؤونها يصبح حالة تكرارية، ومجرد محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله إلى المستقبل، بدلاً عن التطلع إلى المستقبل وتحويلاً له من حالة نسبية ومن أمر محدود إلى أمر مطلق، إلى حقيقة مطلقة لا يتصور الإنسان شيئاً وراءها، ولهذا سوف يكون المستقبل تكراراً للماضي، ومعه لن تستطيع الجماعة البشرية أن تتجاوز الواقع وأن ترتفع لطموحاتها عنه.
ما السبب؟
وتبني هذا النوع من المثل العليا له أحد سببين:
السبب الأول: نفسي هو عبارة عن الإلفة والعادة والخمول والضياع، ومن الواضح أنّه إذا انتشرت هذه الحالة في مجتمع فإنه سوف يصاب بالجمود، لأنه سوف يصنع الهة من واقعه، سوف يحول هذا الواقع النسبي المحدود الذي يعيشه إلى حقيقة مطلقة، إلى مثل أعلى لا يرى وراءه شيئاً.
وهذا في الحقيقة هو ما عرضه القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء حينما جاؤوها بمثل عليا حقيقية، ترتفع عن الواقع وتريد أن تنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر، واجه هؤلاء الأنبياء مجتمعات سادتها حالة الإلفة والعادة والتميع التي جسدها رد أفرادها بمنطق موحد مكرور:
إن آباءنا على هذه السنة والطريقة، ونحن متمسكون بمثلهم الأعلى. سيطرة الواقع على أذهانهم، وتغلغل الحس في طموحاتهم، بلغ إلى درجة تحول هذا من خلالها إلى إنسان حسي لا إلى إنسان مفكر، الى إنسان يكون ابن يومه وابن واقعه دائماً، لا أبا يومه ولا أبا واقعه، ولهذا لا يستطيع أن يرتفع على هذا الواقع.
استمعوا الى القرآن الكريم وهو يقول:
{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}([635]).
{قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}([636]). {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}([637]). {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}([638]). { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}([639]). {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}([640]).
في كل هذه الآيات، يستعرض القرآن الكريم السبب الأول لتبني المجتمع لمثل هذا المثل الأعلى المنخفض هؤلاء بحكم الإلفة والعادة، وبحكم التميع والفراغ، وجدوا سنة قائمة، ووضعاً قائماً فلم يسمحوا لأنفسهم بأن يتجاوزوه، بل جسدوه كمثل أعلى وعارضوا به دعوات الأنبياء على مر التاريخ.
السبب الثاني: اجتماعي، هو عبارة عن التسلط الفرعوني على مر التاريخ، الفراعنة على مر التاريخ حينما يحتلون مراكزهم يجدون في أي تطلع إلى المستقبل، وفي أي تجاوز للواقع الذي سيطروا عليه، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزاً لمراكزهم. ولذا، كان من مصلحة فرعون على مر التاريخ، أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع، أن يحول الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى اله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه، فتتجمد الأمة في حاضرها ولا تطمح إلى التفتيش عن مستقبل لها. هنا السبب اجتماعي لا نفسي، السبب خارجي لا داخلي. وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم”
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}([641]).
{ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}([642]).
هنا فرعون يقول: ما أريكم إلاَّ ما أرى، يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته، يحول هذه النظرة وهذا الواقع، إلى مطلق لا يمكن تجاوزه، لأنه يرى في تجاوزه خطراً عليه. وفي نفس هذا الاتجاه، تشير الآية الكريمة:
{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإيِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}([643]).
إذن، هذا التجميد ضمن إطار الواقع الذي تعيشه الجماعة، أي جماعة بشرية، ينشأ من حرص أولئك الذين تسلطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم، ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بُنَاتُه. هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم. والقرآن الكريم يسمى هذا النوع من القوى التي تحاول أن تحول هذا الواقع المحدود إلى مطلق وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمي هذا بالطاغوت. قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}([644]).
لاحظوا ذكر صفة أساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت.
ما هي الصفة الأساسية المميزة التي ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت؟
قال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
يعني لم يجعلوا هناك قيداً على أذهانهم، أو إطارا محدوداً لا يمكنهم أن يتجاوزوه، بل جعلوا الحقيقة مدار همهم، ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فهم في حالة تطلع وموضوعية، في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة. بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت فسوف يكونون في إطار هذا الواقع الذي يريده الطاغوت، ولن يستطيعو أن يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه، وإنما يتبعون فقط ما يراد لهم أن يتبعوه. هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبني هذه المثل.
وخلاصة ما مرّ بنا حتى الآن: أن التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي للإنسان، الذي يصنع له غاياته التي تبنى على أساس المثل الأعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات. لكل مجتمع مثل أعلى، ولكل مثل أعلى مسار ومسيرة، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد في تلك المسيرة معالم الطريق، وهذا المثل الأعلى على ثلاثة أقسام، استعرضنا القسم الأول وهو المثل الأعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع ويكون منتزعاً منه، وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الأعلى حركة تكرارية، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل، وقلنا بأن تبني هذا النوع من المثل الأعلى يقود إلى أحد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم:
السبب الأول سبب نفسي، وهو الإلفة والعادة والضياع.
والسبب الآخر: سبب خارجي، وهو تسلط الفراعنة والطواغيت على مر التاريخ.
وهذا المثل الأعلى المنخفض، غالباً ما يتخذ طابع الدين، وإسباع نوع من القداسة عليه من قبل الطواغيت ليحصنوه من أية محاولة تمرد عليه.
وفي الآيات الكريمة المتقدمة، التي كانت تحكي موقف الأمم السابقة من أنبيائها، ورفضها لدعواتهم بحجة التمسك بعبادة الآباء والأجداد، بما تستبطنه من جمود على المثل الأعلى لذلك السلف المتحجر المتقوقع.
إذن المثل الأعلى لا ينفك عن الثوب الديني، سواء كان ثوباً دينياً صريحاً، أو ثوباً دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أخرى، فهو في جوهره دين، وفي جوهره عبادة وانسياق. إلاّ أنّ هذه الأديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة أديان محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذا المثل، وإن حُوِّلَت بصورة مصطنعة إلى مطلقات. هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد، الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها، وهذه الآلهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين، هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله:
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ}([645]).
ولذلك فهذا كله لا يمكن أن يكون هو المصعد الحقيقي للمسيرة والبشرية، لأن المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق الهها بيدها.
ومن هنا، إذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة أوضاع هذه الأمة، التي تتمثل بمثل من هذا القبيل، نجد أن هذه الأمة بالتدريج سوف تفقد ولائها لهذا المثل أيضاً، لأنّه بعد أن يفقد فعاليته وقدرته على العطاء، ويصبح أمراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً، فإن القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأمة، سوف تتمزق وحدها، لأن وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.
وتكون كما وصف القرآن الكريم:
{بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ}([646]).
بأسهم بينهم شديد، باعتبار أن التناقضات تبدأ في داخل هذه الأمة التي لا يجمعها مثل أعلى، بل هي عبارة عن قلوب متفرقة وأهواء متشتتة، وأرواح مبعثرة، وعقول مجمدة، في حالة من هذا القبيل، سوف ينصرف كل فرد فيها إلى همومه الصغيرة، وقضاياه المحدودة، إلى تفكيره في أموره الخاصة، كيف يصبح؟ كيف يمسي؟ كيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وكيف يوفر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته؟ أي راحة؟ وأي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص من الراحة، والاستقرار بالمعنى الضيق من الاستقرار.
سقوط المثل الأعلى
وسنن التاريخ
وقد علمنا التاريخ أنه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاثة إجراءات، ثلاث بدائل يمكن أن تنطبق على حالة هذه الأمة الشبح.
الإجراء التاريخي الأول: هو أن تتداعى هذه الأمة أمام غزو عسكري من الخارج، لأن هذه الأمة التي أفرغت من محتواها، وتخلت عن وجودها كأمة، يمكن أن تتدعى امام غزو من الخارج، وهذا ما وقع بالفعل للمسلمين، فبعد أن فقد المسلمون مثلهم الأعلى، وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى سقطت حضارتهم بأيدي التتار.
الإجراء التاريخي الثاني: هو الذوبان والانصهار في مثل أعلى أجنبي مستورد من الخارج لكي تعطيه ولائها، وتمنحه قيادتها.
الإجراء التاريخي الثالث: أن ينشأ في أعماق هذه الأمة، شعور بضورة إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الأمة إلى مركزه ليؤدي دوره الريادي من جديد.
هذان الإجراءان، الإجراء الثاني والإجراء الثالث وقفت الأمة الإسلامية أمامهما على مفترق طريقين حينما دخلت عصر الاستعمار، كان هناك طريق يدعوها إلى الانصهار في مثل أعلى من الخارج، هذا الطريق الذي طبقه جملة من الحكام في بلاد المسلمين: «رضا خان» في إيران، و «أتاتورك» في تركيا، حاول هؤلاء أن يجسدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر، ويطبقوا هذا المثل الأعلى ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم له، بعد أن أضاعوا مثلهم الأعلى الأصيل. بينما أطلق رواد الفكر الإسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي أواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار، جهودهم في سبيل الإجراء الثالث، في سبيل إعادة الحياة إلى الإسلام من جديد، وتقديمه بلغة العصر وبمستوى حاجات المسلمين.
الأمة تتحول إلى شبح فتواجه أحد هذه الإجراءات الثلاثة.
القسم الثاني: كل ما تقدم، كان يدور حول القسم الأول من المثل العليا التي يمكن أن تتبناها الجماعات البشرية، وهو المثل الأعلى الذي يؤدي بالأمة إلى الجمود والتقوقع ثم الانهيار.
والآن، ننتقل الى الحديث عن القسم الثاني.
ونحن إذا رجعنا خطوة إلى الوراء ـ هذا ما سوف أشرح معناه بعد لحظات ـ فإنّنا سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة، من المثل العليا. هذا النوع الثاني يعبر عن كل مثل أعلى للأمة يكون مشتقاً من طموحها وتطلعها إلى المستقبل. ليس هذا المثل تعبيراً تكرارياً عن الواقع، بل هو تطلع إلى المستقبل، وتحفز نحو الإبداع والتطوير، ولكن هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل، أي أن هذا الطموح الذي منه انتزعت الأمة مثلها، كان طموحاً محدوداً مقيداً، لم يستطع أن يتجاوز المسافات الطويلة، وإنما استطاع أن يكوّن رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الأعلى.
وفي هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح، ولكنه يحتوي على إمكانيات خطر كبير، أما الجانب الموضوعي الصحيح، فهو أن الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أن يستوعب المطلق بل نفحة بسيطة منه، وهذه المحدودية في دائرة الاستيعاب البشري أمر صحيح وموضوعي، ولكن الخطر يكمن في أن يحوّل الإنسان هذه النفحة المحدودة في ذاتها إلى مطلق ينتزع منه مثله الأعلى، وبهذا يحوّل إضمامة النور البسيطة إلى نور السموات والأرض؟! لأنّ الذهن البشري محدود.
ومن هنا، كان لا بد لهذا المثل الأعلى ـ باعتبار محدوديته ـ من أن يصل إلى حدوده القصوى، وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، وعائق عن التطور، ومجمِّد لحركة الإنسان لأنه أصبح مثلاً، أصبح إلهاً، أصبح ديناً، أصبح واقعاً قائماً، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي.
وهذا المثل الذي يعمم خطأً. عندما يحوَّل من محدود إلى مطلق، خطأ التعميم فيه، تارة بأن يكون تعميماً أفقياً خاطئاً، وأخرى تعميماً زمنياً خاطئاً.
التعميم الأفقي الخاطئ
أن ينتزع الإنسان من تصوره المستقبلي مثلاً، ويعتبر أن هذا المثل يضم كل قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها، ويناضل في سبيلها. بينما هذا المثل على الرغم من صحته، لا يمثل إلاَّ جزءاً من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم أفقي خاطئ.
وكمثال على ذلك، نأخذ الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة، حيث جعل الحرية مثلاً أعلى، لأنّه رأى أنّ الإنسان الغربي كان محطماً ومقيداً، كانت على يديه الأغلال في كل ساحات الحياة، كان مقيداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنتها، كان مقيداً في قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع، كان مقيداً أينما يسير، أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أن يحرر هذا الإنسان من هذه القيود، من قيود الكنيسة، من قيود الاقطاع، أراد أن يجعل من الإنسان كائناً مختاراً، إذا أراد أن يفعل فعل، يفكر بعقله لا بعقل غيره، ويتصور ويتأمل بذاته، ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الآخرين.
وهذا شيء صحيح إلاَّ أن الشيء الخاطئ في ذلك. هو التعميم الأفقي، فإن هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان، قيمة من القيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، لا يوجد إنسان ولا كائن، لا يوجد اقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت، يضطرك إلى موقف أو يفرض عليك موقفاً، هذا وحده لا يكفي، فإن كسر القيود إنما يشكل الاطار للتنمية البشرية الصالحة، ولكنه يحتاج هذا إلى مضمون وإلى محتوى، المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي، الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح، ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى، بنيما هذا الهدف ليس إلاّ إطاراً، وإذا جرد هذا الإطار عن محتواه، فسوف يؤدي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار.
التعميم الزمني الخاطئ
وأما التعميم الزمني أيضاً، كذلك على مر التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخياً، ولكنها لا يجوز أن تحوّل من حدودها كخطوة إلى مطلق، إلى مثل أعلى، يجب أن تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الأعلى، لا أن تحول هذه الخطوة إلى مثل أعلى.
حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الأسر فشكلوا القبيلة، وحينما اجتمعت مجموعة من القبائل فشكلت عشيرة، حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت أمة، هذه الخطوات صحيحة في تقدم البشرية وتوحيدها، ولكن كل خطوة من هذه لا يجوز أن تتحول إلى مثل أعلى، لا يجوز أن تتحول إلى مطلق، لا يجوز أن تكون العشيرة هي المطلق الذي يُحارب من أجله هذا الإنسان، وإنما المطلق الذي يحارب من أجله الإنسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي، يبقى هو الله سبحانه وتعالى، الخطوة تبقى كأسلوب، ولكن المطلق يبقى هو الله، هذا التعميم الزمني أيضاً هو شكل من التعميم الخاطئ، حينما يحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن إلى مثل أعلى.
وحال هذا الإنسان الذي يحول هذه الرؤية المحدودة من عمر الزمن إلى مطلق، حال الإنسان الذي يتطلع إلى الأفق فلا تساعده عينه إلاَّ على النظر إلى مسافة محدودة، فيخيل له أن الدنيا تنتهي عند الأفق الذي يراه. إلاّ أن هذا في الحقيقة ناشئ من عجز عينه عن أن يتابع المسافة الأرضية الطويلة الأمد.
كذلك هنا، هذا الإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على طريق المسيرة البشرية، بحكم محدودية الذهن البشري. له أفق كذلك الأفق الجغرافي، ولكن هذا الأفق يجب أن يتعامل معه كأفق، لا كمطلق، كما أننا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الأفق الذي نراه على بُعد عشرين متراً أو مائتي متر أنه نهاية الأرض، وإنما نتعامل معه على أنه أفق، كذلك أيضاً هنا، يجب أن يتعامل هذا الإنسان معه كأفق فلا يحول هذا الأفق التاريخي إلى مثل أعلى، وإلاّ كان من قبيل من يسير نحو سراب.
انظروا إلى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}([647]).
ويعبّر القرآن عن كل هذه المثل المصطنعة من دون الله، بأنها كبيت العنكبوت، يقول سبحانه وتعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}([648]).
إذا قارنّا بين هذين النوعين من المثل العليا: المثل العليا من الواقع، والمثل العليا المشتقة من طموح محدود، يمكننا أن نلاحظ أن المثل العليا المشتقة من الواقع، كثيراً ما تكون قد مرت بمرحلة هذه المثل العليا التي تعبر عن طموح محدود، يعني كثيراً ما تكون تلك المثل من النوع الأول امتداداً للمثل من النوع الثاني، بأن يبدأ هذا المثل الأعلى مشتقاً من طموح، لكن حينما يتحقق هذا الطموح المحدود، وتصل البشرية إلى النقطة التي أثارت هذه المثل، يتحول هذا المثل إلى واقع محدود بحسب الخارج، حينئذ يصبح مثلاً تكرارياً.
من هنا قلنا في ما سبق، أننا لو رجعنا خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأول ومُثُله، لوجدنا آلهة النوع الثاني، فالمسألة في كثير من الأحيان تبدأ هكذا، تبدأ بمثل أعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي، ثم يتحول هذا المثل الأعلى إلى مثل تكراري، ثم يتمزق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحول الأمة إلى شبح أمة.
المراحل الأربعة
في هذه الفترة الزمنية، تمر الأمة بمراحل في الحقيقة، يمكننا تلخيصها في أربعة مراحل.
المرحلة الأولى؛ فاعلية وتجديد:
هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم أنه قد بدأ مشتقاً من طموح مستقبلي ومن نظرة مستقبلية، فهذا المثل يكون له في المرحلة الأولى فاعلية وعطاء وتجديد، بقدر ما يكون له من ارتباط بالمستقبل.
ولكن طبعاً هذه الفاعلية وهذا العطاء وهذا التجديد، هو عطاء يسمّيه القرآن بالعاجل، مكاسب عاجلة، وليست مكاسب على الخط الطويل. لأنّ عمر هذا المثل قصير، ولأنّ عطاءه محدود، ولأنّه سوف يتحول في لحظة من اللحظات إلى قوة إبادة لكل ما أعطاه من مكاسب.
انظروا إلى قوله تعالى:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}([649]).
الله سبحانه وتعالى خير محض، عطاء محض جود كله، فبقدر ما تتبنى الأمة مثلاً قابلاً للتحريك، بعد أن تشارك قادتها في صنعه وتحريكه، فالله سبحانه وتعالى أيضاً يعطي، لكنه يعطي بقدر قابلية هذا المثل، يعطي شيئاً عاجلاً، ومكاسب، عاجلة تعقبها جهنم في الدنيا والآخرة.
المرحلة الثانية: كِبْر وانقياد:
حينما يتجمد هذا المثل الأعلى، حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء، حينئذ يتحول هذا المثل إلى تمثال ولا يبقى مثلاً.
والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون إلى سادة وكبراء، لا إلى قادة، وجمهور الأمة يتحول إلى مطيعين ومنقادين، لا إلى مشاركين في الابداع والتطوير، وهذه المرحلة هي المرحلة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}([650]).
المرحلة الثالثة: امتداد واستيعاب:
ونعني بذلك أنّ هذه السلطة الحاكمة سوف تتحول إلى طبقة تتوارث مقاعدها عائلياً أو طبقياً بشكل من أشكال الوراثة، وحينئذ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الأغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله:
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([651]). هؤلاء نتاج لآباء، لهم تاريخ وهم امتداد واستمرار لذاك التاريخ.
المرحلة الرابعة: تسلّط وإجرام:
ثم حينما تتفتت الأمة وتتمزق، وتفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه، تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر مراحلها، حيث يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها أناس لا يرعون عهداً ولا ذمة. وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه:
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ}([652]).
يسيطر هتلر والنازية مثلاً في جزء من أوروبا لكي يحطم كل ما في أوروبا من خير وإبداع، لكي يقضي على كل مكاسب ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الإنسان الأوروبي الحديث، والذي تحول بالتدريج إلى مثل تكراري.
القسم الثالث: من المُثُل العليا، هو المثل الأعلى الحقيقي:
وهو الله سبحانه وتعالى. ولا بد من التنبيه هنا، على أن التناقض الذي كنّا نواجهه في القسمين السابقين من المثل العليا، وهو ذلك التناقض القائم بين الوجود الذهني المحدود للإنسان ولا محدودية المثل الأعلى، إنّ هذا التناقض يرتفع في هذا القسم الثالث، وهو المثل الأعلى الحقيقي، ليحل محله التنسيق التام بين المحدود واللامحدود. لماذا؟ لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ولا إفرازاً ذهنياً له، بل هو مثل أعلى له واقع عيني، هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق. هذا الموجود العيني يكون مثلاً أعلى لأنّه مطلق، لكن الإنسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور، فهو لا يمسك إلاّ بحزمة منه، إلاّ أنّه يميز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى، فما هو خارج حدود ذهنه هو المطلق، والمقيد ما هو وجود ذهني لديه.
ومن هنا حرص الإسلام على التمييز دائماً بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى. فرّق حتّى بين الاسم والمسمّى، وأكد على أنّه لا يجوز عبادة الاسم، وإنّما العبادة تكون للمسمّى لأنّه هو المطلق، ولأنّ الاسم ليس إلاّ واجهة ذهنية لله سبحانه، والواجهات الذهنية دائماً محدودة ومرحلية. قال الله سبحانه وتعالى: {يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}([653]).
فإنّ هذه الآية الكريمة تضع الله سبحانه هدفاً أعلى للإنسانية ككل، وكدح الإنسانية ككل، نحو الله سبحانه، يعني السير المستمر بالمعاناة والمجاهدة، لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً، بل هو سير ارتقائي، هو تصاعد وتكامل.
وهذا السير الذي يستبطن المعاناة باستمرار، يفترض حتماً طريقاً ممتداً بين السائر وبين ذلك الهدف، وهذا الطريق هو الذي تحدثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرقة تحت اسم سبيل الله، واسم الصراط، واسم صراط الله، وهذه الآية الكريمة: {يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}.
تتحدث عن حقيقة قائمة، عن واقع موضوعي ثابت، فهي ليست بصدد أن تدعو الناس إلى أن يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى، ليست بصدد الطلب والتحريك كما هو الحال في مقامات وسياقات قرآنية أخرى.
لغة الآية هي أنّ كل سير وكل تقدم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد، فهو تقدم نحو الله سبحانه، حتى تلك الجماعات التي يسميها القرآن بالمشركين، التي تمسكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة، واستطاعت أن تحقق لها خطوة على هذا الطريق الطويل، يسيرون هذه الخطوة نحو الله، هذا التقدم بقدر فاعليته وزخمه هو اقتراب نحو الله، لكن فرق بين تقدم مسؤول وتقدم غير مسؤول (على ما يأتي شرحه إن شاء الله)، حينما تتقدم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً، يكون التقدم تقدماً مسؤولاً، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، يكون لهم امتداد على الخط الطويل وانسجام مع الوضع العريض للكون، وأما حينما يكون التقدم منفصلاً عن الوعي على ذلك المثل، فهو سير نحو الله على أي حال، ولكنه تقدم غير مسؤول على ما يأتي تفصيله.
إذن كل تقدم هو تقدم نحو الله، حتّى أولئك الذين ركضوا وراء سراب، هؤلاء حينما يصلون إلى هذا السراب لا يجدون شيئاً، ويجدون الله سبحانه فيوفيهم حسابهم.
فالله سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق، ولكنّه ليس نهاية جغرافية.
كربلاء مثلاً نهاية طريق ممتد بين النجف وكربلاء، فهي نهاية جغرافية، ومعنى أنّها نهاية جغرافية أنها موجودة على آخر الطريق. وليست موجدة على طول الطريق، فلو أن إنسانا سار نحو كربلاء ووقف في نصف الطريق لا يحصل على شيء من كربلاء، ولكن الله سبحانه ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية، الله سبحانه هو المطلق، الحقيقي العيني، وبحكم كونه هو المطلق، إذن هو موجود على طول الطريق أيضاً، ليس هناك فراغ منه، وليس هناك انحسار عنه، وليس هناك حد له، ولذا فإنّ من وصل إلى سرابه، فتوقف واكتشف أنّه سراب، ماذا يجد؟ وجد الله فوَفّاه حسابه، لأن المطلق موجود على طول الطريق، وبقدر التقدم في الطريق يجد الإنسان مثله الأعلى، يلقى الله سبحانه.
وبحكم أن الله سبحانه وتعالى هو المطلق، إذن الطريق أيضاً لا ينتهي، واقتراب الإنسان على هذا الطريق نحو الله هو اقتراب مستمر ولكنه يبقى اقتراباً نسبياً، لأنّ المحدود لا يصل إلى المطلق، والمتناهي لا يمكن أن يصل إلى اللامتناهي، فالفسحة الممتدة بين الإنسان وبين المثل الأعلى هنا، فسحة لا متناهية، أي أنه ترك له مجال الابداع والتطور التكاملي إلى اللانهاية، وهذا المثل الأعلى الحقيقي حينما تتبناه المسيرة الإنسانية، وتوفق بين وعيها البشري والواقع الكوني الذي يفترض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة كما افترضته الآية، فسوف يحدث تغيير كمي وكيفي على هذه المسيرة وتلك الحركة.
أما التغير الكمي: فباعتبار ما أشرنا إليه، من أن الطريق حينما يكون طريقاً إلى المثل الأعلى الحق، يكون طريقاً غير متناهٍ، أي أن مجال التطور والابداع والنمو قائم أبداً ودائماً، ومفتوح للإنسان باستمرار من دون توقف، هذا المثل الأعلى حينما يُتَبَنّى، سوف تمسح من الطريق كل الآلهة المزورة، وكل الاصنام والأقزام التي تقف عقبة بين الإنسان وبين وصوله إلى الله سبحانه.
ومن هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع مختلف أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكرارية، التي حاولت أن تَحدَّ من كمية الحركة البشرية، وتكبّل الإنسان بقيودها لتمنعه من أن يسمو ويحلّق، وتمرّغ وجهه بالوحل والتراب وتغله بأغلال العبيد.
وأمّا التغيير تاكيفي: الذي يسبغه المثل الأعلى على هذه المسيرة فهو عبارة عن إعطاء الحل الموضوعي الوحيد للتناقض الإنساني بين قبضة التراب التي تتمثل في الجسد وما يحويه من غرائز وشهوات هابطة تجذبه إلى أسفل باستمرار والنفخة الإلهية التي تتمثل في الروح وما تستبطنه من نزوع إلى السمو والتحليق نحو مصدرها وهو الله المثل الأعلى المطلق. وذلك بإعطاء الإنسان الشعور المعمق لديه بالمسؤولية تجاه هذا المثل الأعلى، ولأوّل مرة في تاريخ المثل المنخفضة التي حركت البشر على مر التاريخ.
لماذا؟
لأن هذا المثل الأعلى حقيقة وواقع عيني منفصل عن الإنسان، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي. فإن المسؤولية الحقيقية لا تقوم إلاَّ بين جهتين: مسؤول، ومسؤول لديه. إذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأنه بين يديه جهة أعلى، لا يمكن أن يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً وحقيقياً.
مثلاً تلك المثل المنخفضة على مرّ التاريخ، في الحقيقة لم تكن كما رأينا إلاّ إفرازاً بشرياً، وجزءاً من كيان الإنسان، والإنسان لا يمكن أن يستشعر بصورة موضوعية حقيقة، المسؤولية تجاه ما يصنعه هو: {إِنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها}([654]) تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية، نعم قد تصنع قوانين، قد تصنع عادات، قد تصنع اخلاق، ولكنها كلها عطاء ظاهري، وكلما وجد هذا الإنسان مجالا للتحلل من هذه العادات، ومن هذه الاخلاق، ومن هذه القوانين فسوف يتحلل.
بينما المثل الأعلى لدين التوحيد، باعتباره واقعاً عينياً منفصلاً عن الإنسان وليس نتاجاً إنسانياً، إذن سوف يتوصل للشعور بالمسؤولية، ومن هنا ندرك لماذا كان الأنبياء على مر التاريخ أصلب الثوار على الساحة التاريخية، وأنظفهم، لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كل مساومة، كل مهادنة، وكل تردد في حربهم ضد كل المثل المنخفضة والأصنام المصطنعة ولمن يتمحورون حوله حفاظاً على مصالحهم وترفههم وإرضاءاً لأنانياتهم الضيقة. لماذا كانوا هكذا؟
لأن المثل الأعلى المنفصل عن أي نبي، هو الذي أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسد في كل كيانه، ومشاعره وأفكاره وعواطفه، فكان حقيقة، الشرط الجوهري لإنجاح تلك المسيرة، ودفعها نحو هدفها المنشود.
ومن هنا كان النبي معصوماً على مر التاريخ.
ومن هنا أبرز القرآن الكريم سنة من سنن التاريخ، وهي أن الأنبياء دائماً كانوا يواجهون المترفين من مجتمعاتهم كقطب آخر في المعارضة مع هذا النبي، لأنّ هؤلاء مستفيدين من هذا المثال بعد أن تحول إلى التمثال، سوف يجعلون من هذا التمثال مبرراً لوجودهم، ولذا كان من الطبيعي أن نجد المترفين المستفيدين دائماً، في الخط المعارض للأنبياء، {مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([655]).
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}([656])، {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}([657])، {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}([658]).
إذن، دين التوحيد هو الذي يستأصل مصالح هؤلاء المترفين بالقضاء على آلهتهم، وعلى مثلهم التي تحولت إلى تماثيل، يقطع صلة البشرية بهذه المثل العليا المنخفضة، ولكن لا لِيَطِأ برأسها في التراب، لكي يحولها إلى كومة مادية ليس لها أشواق، وليس لها طموحات إلى أعلى كما هو شأن الثوار الماديين، الذين يستلهمون من المادية التأريخية ومن الفهم المادي للتاريخ، أيضاً يحاربون هذه الآلهة المصطنعة ويسمونها أفيون الشعوب فيحولون الإنسان إلى حيوان يتمرغ في عالم الضرورات، بينما نحن نقطع صلة الإنسان بهذه المثل المنخفضة، لكي نشده إلى المثل الأعلى، إلى الله سبحانه.
شروط وركائز أساسية
وتبنّي المسيرة البشرية لهذا المثل الأعلى الحق، الذي يحدث هذه التغييرات الكيفية والكمية على اتجاه المسيرة وحجمها، يتوقف على عدة أمور:
أولاً ـ على رؤية واضحة فكرياً وأيديولوجياً لهذا المثل الأعلى، وهذه الرؤية الواضحة لهذا المثل الأعلى هو الذي تقدمه عقيدة التوحيد على مر التاريخ، عقيدة التوحيد التي تنطوي على الايمان بالله سبحانه وتعالى، التي توحد بين كل المثل، بين كل الغايات وكل الطموحات، وكل التطلعات البشرية، في هذا المثل الأعلى، الذي هو علم كله، قدرة كله، عدل كله، رحمة كله، انتقام من الجبارين. هذا المثل الأعلى الذي تتوحد فيه كل الطموحات وكل الغايات، تعطينا عقيدة التوحيد رؤية واضحة له، تعلمنا على أن نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله بوصفها حقائق عينية منفصلة عنا كما يتعامل فلاسفة الاغريق وإنما نتعامل مع هذه الصفات والأخلاق بوصفها رائداً عملياً، بوصفها هدفاً لمسيرتنا العملية، بوصفها مؤشرات على الطريق الطويل للإنسان في كدحه نحو الله سبحانه.
ثانياً: لا بدّ من طاقة روحية مستمدة من هذا المثل الأعلى، لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيداً ووقوداً مستمراً للإرادة البشرية على مر التاريخ، هذا الوقود الروحي يتمثل في عقيدة يوم القيامة، في عقيدة الحشر والامتداد، فهذه العقيدة تعلم الإنسان أن هذه الساحة التاريخية الصغيرة التي يلعب عليها، مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر، وأن مصير الإنسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة، مرتبط بدوره على هذه الساحة التاريخية. هذه العقيدة تعطي تلك الطاقة الروحية، وذلك الوقود الرباني الذي ينعش إرادة الإنسان، ويحفظ له دائماً قدرته على التجديد والاستمرار.
ثالثاً: إن هذا المثل الأعلى الذي تحدثنا عنه، يختلف عن المثل العليا الأخرى التكرارية والمنخفضة التي تحدثنا عنها سابقاً، على أساس أن هذا المثل منفصل عن الإنسان، ليس جزءاً من الإنسان ولا إفرازاً له، بل هو واقع عيني قائم في كل مكان، وهذا الانفصال يفرض وجود صلة موضوعية بين الإنسان وهذا المثل الأعلى. بينما المثل الأخرى السابقة، لما كانت إفرازاً بشرياً، فلا حاجة إلى افتراض صلة موضوعية، نعم هناك طواغيت وفراعنة على مر التاريخ، نصبوا من أنفسهم صلات موضوعية بين البشرية وبين آلهة الشمس، آلهة الكواكب، ولكنها صلة موضوعية مزيفة، لأن الإله هناك كان وهماً، كان وجوداً ذهنياً، وإفرازاً إنسانياً، أما هنا فالمثل الأعلى منفصل عن الإنسان، ولهذا كان لا بدّ من صلة موضوعية تربط هذا الإنسان بذلك المثل الأعلى.
وهذه الصلة الموضوعية تتجسد في النبي، فالنبي هو ذلك الإنسان الذي يركّب بين الشرط الأول والشرط الثاني بأمر الله سبحانه وتعالى، بين رؤية ايديولوجية واضحة للمثل الأعلى، وطاقة روحية مستمدة من الايمان بيوم القيامة، يركب بين هذين العنصرين، ثم يجسد بدور النبوة، الصلة بين المثل الأعلى والبشرية، ليحمل هذا المركب إلى البشرية بشيراً ونذيراً.
رابعاً: إن البشرية بعد أن تدخل مرحلة يسميها القرآن مرحلة الاختلاف على ما يأتي إن شاء الله شرحه ـ سوف لن يكفي مجيء بشير نذير، لأنّ مرحلة الاختلاف تعني مرحلة انتصاب تلك المثل المنخفضة أو التكرارية المزورة على الطريق، تحول دون البشرية والارتباط بالله سبحانه، ولذا كان لا بد للبشرية من أن تخوض معركة ضد الآلهة المصطنعة، ضد تلك الطواغيت التي تنصب من نفسها قيماً على البشرية، وقاطع طريق بالنسبة للمسيرة التاريخية، ولا بدّ من قيادة تتبنى هذه المعركة، وهذه القيادة هي الإمامة، فالإمام هو القائد الذي يتولى هذه المعركة.
ودور الإمامة يندمج مع دور النبوة في مرحلة من مراحل النبوة يتحدث عنها القرآن وسوف نتحدث عنها انشاء الله تعالى، ونقول بأنها بدأت في أكبر الظن مع نوح عليه الصلاة والسلام، ولكنه يمتد حتى بعد النبي، إذا ترك النبي الساحة وبعد لا تزال المعركة قائمة، ولا تزال الرسالة بحاجة إلى مواصلة هذه المعركة من أجل القضاء على تلك الآلهة.
على هذا الضوء، سوف نكون رؤية واضحة لما نسميه بأصول الدين الخمسة، والتي سوف تقع في موقعها الصحيح السليم من مسار الإنسان، وأصول الدين الخمسة هي:
التوحيد: هو الذي يعطي الشرط الأول هو الذي يعطي الرؤية الواضحة فكرياً وايديولوجيا، هو الذي يجمع ويعبئ كل الطموحات والغايات في مثل أعلى واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
العدل: العدل هو جانب من التوحيد، العدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، فحال العدل، حال العلم، وحال القدرة، لا يوجد ميزة عقائدية في العدل في مقابل بقية الصفات، لكن الميزة هنا ميزة اجتماعية، ميزة القدوة، لأن العدل هو الصفة التي تكون المسيرة الاجتماعية بحاجة إليها أكثر من أي صفة أخرى، ولذا أبرز العدل هنا كأصل ثاني من أصول الدين، باعتبار المدلول التوجهي له بالنسبة للمسيرة البشرية أثناء انطلاقاتها نحو الله كمنارة ومؤشر.
النبوة: النبوة هي التي توفر الصلة الموضوعية بين الإنسان وبين المثل الأعلى، فالمسيرة البشرية كما قلنا، حينما تبنت المثل الأعلى الحق المنفصل عنها، كانت بحاجة إلى صلة موضوعية، يجسدها النبي على مر التاريخ.
الإمامة: الإمامة هي في الحقيقة تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوة، النبي هو إمام أيضاً، ولكن الإمامة لا تنتهي بانتهاء النبي، إذا كانت المعركة قائمة، وإذا ما كانت الرسالة لا تزال بحاجة إلى قائد يواصل المعركة، إذن سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي من خلال الإمامة.
الإيمان بيوم القيامة: هو الذي يوفر الشرط الثاني من الشروط الأربعة التي تقدمت، هو الذين يعطي تلك الطاقة الروحية، ذلك الوقود الرباني الذي يجدد دائماً إرادة الإنسان وقدرته، ويوفر له الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية.
إذن أصول الدين في الحقيقة، وبالتعبير التحليلي على ضوء ما ذكرناه، هي كلها عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى، وفي إعطاء تلك العلاقة الاجتماعية، بصيغتها القرآنية الرباعية التي تحدثنا عنها فيما تقدم حيث قلنا بأن القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات أربعة أبعاد لا ذات ثلاثة أبعاد، طرحها بصيغة الاستخلاف، وشرحنا في ما سبق صيغة الاستخلاف، وقلنا بأن الاستخلاف يفترض أربعة أبعاد، يفترض إنساناً وإنساناً، وإنساناً وطبيعة، الله سبحانه وتعالى وهو المستخلف. هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الآخر عن صيغة تدمج أصول الدين الخمسة في مركب واحد من أجل أن يسير الإنسان ويكدح في طريقه الطويل نحو الله سبحانه.
وبما ذكرناه توضح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، توضح أن الإنسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية، لا بجسمه الفيزيائي وإنما بمحتواه الداخلي، وهذا المحتوى الداخلي توضح أيضاً من خلال ما شرحناه، أن الأساس في بناءه هو المثل الأعلى الذي يتبناه الإنسان، لأن المثل الأعلى هو الذي تنبثق منه كل الغايات التفصيلية، والغايات التفصيلية هي المحركات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية.
إذن بناء المثل الأعلى وتبني المثل الأعلى هو في الحقيقة الأساس في بناء المحتوى الداخلي للإنسان، ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع.
القرآن والعلاقة الاجتماعية
تقدم في تحليل عناصر المجتمع، أن المجتمع يتكون من ثلاثة عناصر، وهي: الإنسان والطبيعة والعلاقة الاجتماعية، وقد تحدثنا عن الإنسان ودوره الأساسي في الحلقة التاريخية. وتحدثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية. وبقي علينا أن نأخذ العنصر الثالث وهو: العلاقة الاجتماعية لنحدد مواقفنا من هذه العلاقة على ضوء ما انتهينا إليه من مواقف قرآنية تجاه دور الإنسان والطبيعة على الساحة التاريخية.
وقد تقدم أن العلاقة الاجتماعية تتضمن علاقتين مزدوجتين:
إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.
والأخرى: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان. هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية، وهذان الخطان نؤمن بأن كل واحد منهما مختلف ومستقل استقلالاً نسبياً عن الآخر، مع شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد ذلك إن شاء الله تعالى من حيث الأساس، تبعاً للاختلاف النوعي في طبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطين، ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة.
علاقة الإنتاج
فالخط الأول الذي يمثل علاقات الإنسان مع الطبيعة، من خلال استثمارها وتطويعها، وإنتاج حاجاته الحياتية منها. هذا الخط يواجه مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة، وهذا التناقض يعني تمرد الطبيعة عن الاستجابة للحاجة الإنسانية من خلال التفاعل بينهما، وهذا التناقض له حل مستمد من قانون موضوعي يمثل سنة من سنن التاريخ الثابتة، هو قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، ذلك لأن الإنسان كلما تضاءل جهله بالطبيعة، وكلما ازدادت خبرته بلغتها وبقوانينها، ازداد سيطرة عليها، وتمكُّناً من تطويعها وتذليلها لحاجاته.
وحيث أن كل خبرة تتولد في هذا الحقل عادة من الممارسة، وكل ممارسة تولد بدورها خبرة، ولهذا كان قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة قانوناً موضوعياً يكفل حل هذا التناقض بشكل مستمر، إذ يتضاءل جهل الإنسان باستمرار وتنمو معرفته باستمرار من خلال ممارسته للطبيعة، يكتسب خبرة جديدة، هذه الخبرة الجديدة تعطيه سيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة، فيمارس على الميدان الجديد، وهذه الممارسة بدورها أيضاً تتحول إلى خبرة، وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار، ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية أو بشرية.
وهذا القانون بنموه وبتطبيقاته التاريخية، يعطي الحلول التدريجية لهذه المشكلة، فهي مشكلة محلولة تاريخياً ومحلولة موضوعياً. ولعل في الآية الكريمة: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا}([659]).
إشارة إلى هذا الحل الموضوعي المستمد من قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، لأن السؤال في الآية الكريمة: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} لا يراد منه السؤال اللفظي الذي هو الدعاء، لأن الآية تتكلم عن الإنسانية ككل، عمن يؤمن بالله ومن لا يؤمن بالله، من يدعو الله ومن لا يدعو الله، كما أن الدعاء لا يتضمن حتماً تحصيل الشيء المدعو به، نعم كل دعاء له استجابة، لكن ليس لكل دعاء تحقيق لما تعلق به، بينما هنا يقول {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} فهذه استجابة فعلية بعطاء ما سؤل عنه، فأكبر الظن أن هذا السؤال من الإنسانية ككل، وعلى مر التاريخ، وعبر الماضي والحاضر والمستقبل، يتمثل في السؤال الفعلي والطلب التكويني، الذي يحقق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.
هذه هي المشكلة التي يواجهها الخط الأول من العلاقات، وهذا هو الحل الذي يوضع لهذه المشكلة.
علاقة التوزيع وغيره
وأما الخط الثاني من العلاقات، علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثروة، أو في سائر الحقول الاجتماعية، أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان، فهذا الخط يواجه مشكلة أخرى، ليست المشكلة هنا هي التناقض بين الإنسان والطبيعة، بل هي التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وهذا التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان، يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددة وألوانا مختلفة، ولكنه يظل في حقيقته وجوهره أمراً ثابتاً واحداً وروحاً عامة هي التناقض ما بين القوي والضعيف، بين كائن في مركز القوة وكائن في مركز الضعف، وهذا الكائن الذي هو في مركزه القوة إذا لم يكن قد حل تناقضه الخاص، جدله الإنساني من الداخل فسوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض الاجتماعي. ومهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني، وفي شكلها التشريعي، وفي لونها الحضاري، فهي بالآخرة صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف، قد يكون هذا القوي فرداً فرعوناً، وقد يكون عصابة، وقد يكون طبقة، وقد يكون شعباً، وقد يكون أمة، وكل هذه الألوان من التناقض كلها تحتوي روحاً واحدة هي روح الصراع، بين القوي المستغِل وبين الضعيف المستغَل.
هذه أشكال متعددة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان. وهذه الأشكال المتعددة ذات الروح الواحدة، كلها تنبع من معين واحد، ومن تناقض رئيسي واحد، هو ذلك الجدل الإنساني القائم بين حفنة التراب وبين أشواق الروح التي تحلّق به نحو القمة، حيث المثل الأعلى الحقيقي، نحو الله.
و ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني، فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض، والصيغة بعد الصيغة، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة.
إذن النظرة الإسلامية من زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، نظرة واسعة، منفتحة، معمقة، تستوعب كل أشكال التناقض على مر التاريخ، وتنفذ إلى عمقها، وتكشف حقيقتها الواحدة، وروحها المشتركة، ثم تربط كل هذه التناقضات، بالتناقض الأعمق، بالجدل الإنساني.
ومن هنا يؤمن الإسلام بأن الرسالة الوحيدة القادرة على حل هذه المشكلة التي يواجهها خط علاقات الإنسان مع الإنسان، هي تلك الرسالة التي تعمل على مستويين في وقت واحد، تعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، لكن في نفس الوقت، وقبل ذلك وبعد ذلك، تعمل من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان، من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية، ويؤمن الإسلام بأن ترك ذلك المَعِين من الجدل والتناقض على حاله، والاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغتها التشريعية فقط، هو النصف المبتور من العملية، إذ سرعان ما يفرز ذلك المَعِين صيغاً أخرى وفق هذه العملية التي سوف نستأصل بها الصيغ السابقة.
فلا بد للرسالة التي تريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة من أن تعمل على كلا المستويين.
أن تؤمن بجاهدين: جهاد سمّاه الإسلام «بالجهاد الأكبر» وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي، لحل ذلك الجدل الداخلي. وجهاد آخر، في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي، وكل ألوان استئثار القوي للضعيف، من دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معينة من صيغ هذا الاستئثار، لأن الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغه.
هذه هي النظرة المنفتحة الواقعية التي أثبتت التجربة البشرية باستمرار، انطباقها على واقع الحياة خلافاً للنظرة الضيقة التي فسرت المادية بها التناقض. فإن ماركس على الرغم من ذكائه الفائق لم يستطع أن يتجاوز حدود النظرة التقليدية للإنسان الأوروبي، فالإنسان الأوروبي دائماً يرى العالم ينتهي حيث تنتهي الساحة الأوروبية أو الساحة الغربية بتعبير أعم، كما يعتقد اليهود بأن الإنسانية هي كلها في إطارهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيْلٌ}([660]) أولئك ليسوا بشراً، أولئك أميون، وهمج، كذلك الإنسان الأوروبي، اعتاد أن يضع الدنيا كلها في إطار ساحته الأوروبية، لم يتخلص هذا الرجل من تقاليد هذه النظرة الأوروبية، كما أنه لم يتخلص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دوراً في أفكار المادية التاريخية.
ومن هنا جاء لنا بتفسير محدود ضيق للتناقض الذي تواجهه الإنسانية على هذا الخط، اعتقد بأن مرد كل التناقضات على الساحة البشرية إلى تناقض واحد هو التناقض الطبقي، التناقض بين طبقة تملك كل وسائل الانتاج أو معظم وسائل الانتاج، وطبقة لا تملك شيئاً من وسائل الانتاج وإنما تعمل من أجل مصالح الطبقة الأولى.
ثم هذه الثروة المنتجة التي جسدت عرق جبين هذا العامل المستغل، تستولي عليها الطبقة الأولى المالكة، ولا يعطي للطبقة الثانية منها إلاَّ الحد الأدنى، حد الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة، لكي تواصل خدمتها وممارستها ضمن إطار الطبقة الأولى.
هذا هو التناقض الطبقي الذي اتخذه قاعدة وأساساً لكل ألوان التناقض الأخرى، وهذا التناقض يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة، وهذا الصراع المرير ينمو ويشتد كلما تطورت الآلة الصناعية وتعقدت، وذلك لأن الآلة كلما نمت، وكلما تطورت، أدت إلى تخفيض في مستوى المعيشة، وهذا التخفيض في مستوى المعيشة، يعطي فرصة للطبقة الرأسمالية المالكة في أن تخفض أجر العامل، لأنها لا تريد أن تعطي العامل أكثر مما يديم به حياته ونَفَسَه.
إذن باستمرار تتطور الآلة، باستمرار تنخفض كلفة المعيشة، وباستمرار يخفِّض الرأسمالي أجرة العامل هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية، إن تطور الآلة وتعقدها يقتضي إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمال بالعدد القليل، لأنّ دقة الآلة سوف يعوض عن الجزء الآخر من العمال. وهذا يجعل الطبقة الرأسمالية تطرد الفائض من العمال باستمرار، وهكذا يشتد الصراع بين الطبقتين ويحتدم التناقض حتى ينفجر في ثورة، هذه الثورة تجسدها الطبقة العاملة وتقضي بها على التناقض الطبقي في المجتمع وتوحده في طبقة واحده، وهذه الطبقة الواحدة تمثل حينئذ كل أفراد المجتمع. وفي حالة من هذا القبيل، سوف تستأصل كل ألوان التناقض، لأن أساس التناقض هو التناقض الطبقي، فاذا أزيل التناقض الطبقي، زالت كل التناقضات الأخرى الفرعية والثانوية. حسب زعم المادية الجدلية.
هذا تلخيص سريع جداً لوجهة نظر هؤلاء الثوار الماديين تجاه التناقض الذي عالجناه.
إلاَّ أن هذه النظرة الضيقة، لا تنجسم في الحقيقة مع الواقع، ولا تنطبق على تيار الأحداث في التاريخ.
إذ ليس التناقض الطبقي وليد تطور الآلة، بل هو من صنع الإنسان الأوروبي، فليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل، وليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي، وإنما الإنسان الأوروبي الذي وقعت هذه الآلة بيده، أفرز نظاماً رأسمالياً يجسد قِيَمه في الحياة وتصوراته لها.
وليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض، هناك صيغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية، وكل هذه الصيغ من التناقض على الساحة الاجتماعي هي وليد تناقض رئيس، هو الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان، الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددة من التناقض.
بين النظرية والتطبيق
تعالوا نلاحظ ونقارن بين هذه النظرة الضيقة وبين واقع التجربة البشرية المعاصرة، لنرى أي النظريتين أكثر انطباقاً على العالم الذي نعيشه، ونرى ماذا كنا نتوقع؟ ماذا كنا ننتظر؟ لو كان هذا التفسير للتناقض، صحيحاً وواقعياً.
كنا ننتظر ونتوقع أن يزداد يوماً بعد يوم، التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية، التي تطورت فيها الآلة تطوراً كبيراً، كان من المفروض أن هذه المجتمعات، كانكلترا، والولايات الأمريكية المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، أن يشتد فيها التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم، ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوماً بعد يوم، كنا نترقب أن يزداد البؤس والحرمان في جانب الطبقة العاملة، ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العاملين في طبقة الرأسماليين المستغلين من الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم، كما نترقب حالة من هذا القبيل، كنا نترقب أن تتضاعف النقمة، أن يشتد إيمان العامل الأوروبي والعامل الأمريكي بضرورة الثورة، وبأنها هي الطريق الوحيد لتصفية هذا التناقض، هذا ما كنا ننتظره لو صحت هذه الأفكار عن تفسير التناقض.
لكن ماذا وقع خارجاً؟ ما و قع خارجاً هو عكس ذلك تماماً، نرى وبكل أسف، أن النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغلة يزداد ترسخاً ويزداد تمحوراً وعملقة يوماً بعد يوم، لا تبدو عليه بوادر الانهيار السريع، تلك التمنيات الطيبة في الثورة السريعة التي تمناها ثوارنا الماديون لانكلترا وللدول الأوروبية بحكم التطور الآلي والصناعي فيها، تلك التمنيات الطيبة تحولت إلى سراب، بينما تحققت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلاد لم تعش تطوراً آليا، بل لم تعيش تناقضاً طبقياً بالمعنى الماركسي، لأنها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطور الصناعي، من قبيل روسيا القيصرية والصين.
من ناحية أخرى، هل ازداد العمال بؤساً وفقراً؟ هل ازدادوا استغلالا؟
لا بالعكس، العمال ازدادوا رخاءاً وسعة، أصبحوا مدلّلين من قبل الطبقة الرأسمالية المستغِلة، العامل الأمريكي يحصل على ما لا يطمع به إنسان آخر يشتغل بكدّ يمينه ويقطف ثمار عمله في المجتمعات الاشتراكية الأخرى.
هل ازدادت النقمة لدى الطبقة العاملة؟
العكس هو الصحيح، العمال، الهيئات التي تمثل العمال في الدول الرأسمالية المستغلة تحولت بالتدريج إلى هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي، تحولت إلى أشخاص لهم حالة الاسترخاء السياسي، تركوا هموم الثورة ومنطقها، وأصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغلة، مع أيدي الطبقة الرأسمالية، وأصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمال عن طريق النقابات وعن طريق البرلمانات، وعن طريق الانتخابات.
هذه الحالة هي حالة الاسترخاء السياسي، كل هذا وقع في هذه الفترة القصيرة من الزمن التي نحسها، فكيف وقع هذا؟
هل كان ماركس سيء الظن إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين المجرمين، والمستغلين، بحيث تنبأ بهذه النبوءات ثم ضاعت هذه النبوءات كلها فلم يتحقق شيء منها؟
أم هل أن هؤلاء الرأسماليين المستغلين، دخل في أنفسهم الرعب من الماركسية وأفكارها الثورية فحاولوا أن يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم خوفاً من أن يثور العامل عليهم؟
هل هذا صحيح؟
هل أن المليونير الأمريكي يخالج ذهنه فعلاً أي شبح من خوف من هذه الناحية؟ اشد الناس تفاؤلاً بمصائر الثورة في العالم لا يمكنه أن يفكر في أن ثورة حقيقية على الظلم في أمريكا يمكن أن تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ. فكيف يمكن أن نفترض أن المليونير الأمريكي، أصبح أمامه شبح الخوف والرعب، وعلى اساس هذا الشبح تنازل عن جزء من مكاسبه؟
هل أنه دخلت إلى قلوبهم التقوى فجأة واستنارت قلوبهم بنور الإسلام الذي أنار قلوب المسلمين الأوائل، الذين كانوا لا يعرفون حداً للمشاركة والمواساة والذين كانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم، وسرّائهم وضرّائهم؟
هل تحول هؤلاء بين عشية وضحاها إلى مسلمين؟
لا.. لم يتحقق شيء من ذلك، لا كارل ماركس كان سيء الظن بهؤلاء، كان ظنه منطبقاً على هؤلاء انطباقاً تاماً. ولا أن هؤلاء أرعبهم شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته، ولا أن قلوبهم خفقت بالتقوى، بل لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى لأنها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات، لم يتحقق شيء من ذلك.
إذن ماذا وقع وكيف نفسر هذا الذي وقع؟
هذا الذي وقع في الحقيقة كان نتيجة تناقض آخر عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية، ولكن ماركس والثوار الذين ساروا على هذا الطريق، لم يستطيعوا أن يكتشفوا ذلك التناقض، ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي، في التناقض بين المليونير الأمريكي والعامل الأمريكي، بين الغني الإنجليزي، ولم يدخلوا في الحساب التناقض الآخر الأكبر الذي أفرزه جدل الإنسان الأوروبي، أفرزه تناقض الإنسان الأوروبي، فغطى على هذا التناقض الطبقي، بل جمّده، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن.
ما هو ذلك التناقض؟ نحن بنظرتنا المنفتحة يمكننا أن نبصر ذلك التناقض، لأننا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا إن جدل الإنسان دائماً يفرز أي شكل من أشكال التناقض الاجتماعي، ذلك التناقض الآخر، وجد فيه الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي، أن من طبيعة هذا التناقض، أن يتحالف مع العامل الذي يستغله لكي يشكل هو والعامل قطباً في هذا التناقض، لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي، بل إن هذين الوجودين الطبقيين تحالفا معاً وكوّنا قطباً في تناقض أكبر، بدأ تاريخياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدث عنه ماركس.
لكن ما هو القطب الآخر في هذا التناقض؟ القطب الآخر في هذا التناقض، هو أنا وأنت، هو الشعوب الفقيرة في العالم، هو شعوب ما يسمى بـ «العالم الثالث»، هذه الشعوب هي التي تمثل القطب الثاني في هذا التناقض.
إن الإنسان الأوروبي بكلا وجوديه الطبقيين، تحالف وتمحور، من أجل أن يمارس صراعه واستغلاله لهذه الشعوب الفقيرة، وقد انعكس هذا التناقض الأكبر اجتماعياً، من خلال صيغ الاستعمار المختلفة التي زخرت بها الساحة التاريخية، منذ خرج الإنسان الأوروبي والأمريكي من دياره ليفتش عن كنوز الأرض في مختلف أرجاء العالم، ولينهب الأموال بلا حساب من مختلف البلاد والشعوب الفقيرة، هذا التناقض غطى على التناقض الطبقي، بل جمد التناقض الطبقي، لأن جدل الإنسان من وراء هذا التناقض، كان أقوى من جدل الإنسان من وراء ذلك التناقض، والثراء الهائل الذي تكدس في أيدي الطبقة الرأسمالية في الدول الرأسمالية، لم يكن كله، بل ولا معظمه، نتاج عرق جبين العامل الأوروبي والأميركي، وإنما كان نتاج غنائم حرب وغارات على هذه البلاد الفقيرة، قام بها الإنسان الأبيض الأوروبي. هذا النعيم الذي تغرق فيه تلك الدول ليس من عرق جبين العامل الأوروبي، ليس من نتاج التناقض الطبقي بين الرأسمالي والعامل، وإنما هذا النعيم هو من نفط آسيا وأمريكا اللاتينية، هو من ألماس تنزانيا، هو من الحديد والرصاص والنحاس واليوارنيوم في مختلف بلاد أفريقيا، هو من قطن مصر، هو من خمر الجزائر، نعم من خمر الجزائر، لأن الكافر المستعمر الذي استعمر الجزائر، حوّل أرضها كلها إلى بستان عنب، لكي يقطف هذا العنب ويحوله إلى خمر ليسكر به العمال، وليشعر أولئك العمال بالنشوة والخيلاء.
إذن، التناقض الذي جَمَّدَ ذلك التناقض وأوقفه، هو هذا التناقض الأكبر التناقض بين المحور الرأسمالي ككل بكلتا طبقتيه، وما بين الشعوب الفقيرة في العالم.
من خلال هذا التناقض، وجد الرأسمالي الأوروبي والأمريكي أن من مصلحته أن يقاسم العامل شيئاً من هذه الغنائم التي نهبها من فقراء الأرض ومستضعفيها.
ولهذا نرى أن العامل بدأت حياته تختلف عن نبوءات ماركس، ليس ذلك لأجل كرم طبيعي في الرأسمالي الأوروبي والأمريكي، وليس لتقوى، وإنما هي غنيمة كبيرة، كان من المفروض أن يعطي جزءاً منها لهذا العامل، والجزء وحده يكفي لأجل تحقيق هذا الرفاه بالنسبة إلى هذا العامل الأوروبي والأمريكي.
إذن، الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائماً، هو أن التناقض لا يمكن حصره في صيغة واحدة، التناقض له صيغ متعددة، وذلك لأن كل هذه الصيغ، تنبع من منبع واحد وهو التناقض الرئيسي، الجدل الإنساني، والجدل الإنساني لا تعوزه صيغة، إذا حلت صيغة وضع صيغة أخرى مكانها، ليس من الصحيح أن نطوق كل التناقضات في التناقض الطبقي، في التناقض بين من يملك ومن لا يملك، فإذا حللنا هذا التناقض قلنا: بأن التناقضات كلها قد حلت.
عود على بدء
لقد سبق وقلنا: إن خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلف مشكلة وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أن كلاً من هذين الخطين مستقل استقلالاً نسبياً عن الخط الآخر، لكن هذا الاستقلال النسبي، لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادل إلى حد ما بينهما. فلكل منهما لون من التأثير الطردي أو العكسي على الخط الآخر.
وهذا التأثير المتبادل بين الخطين، يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيتين:
العلاقة الأولى: تبرز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
والعلاقة القرآنية الثانية: تبرز من الجانب الآخر، مدى تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، على علاقات الإنسان مع الطبيعة.
أما العلاقة الأولى التي تبرز تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة على الخط الآخر فمؤداها: هو أنه كما نمت قدرة الإنسان على الطبيعة، واتسعت سيطرته عليها، وازداد اغتناءاً بكنوزها، ووسائل انتاجها، تحققت بذلك إمكانية أكبر فأكبر، للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان: {كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}([661]).
هذه الآية الكريمة، تشير إلى هذه العلاقة، إلى أن الإنسانية بقدر ما تتمكن وتستقطب الطبيعة، وتتوصل إلى وسائل إنتاج أقوى وأدوات توليد أوسع، تكون انعكاسات ذلك على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان اكبر، في شكل إمكانيات وإغراءات، وفتح الشهية للأقوياء لكي يستثمروا أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.
تصوروا مجتمعاً يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة، ففي مثل هذا المجتمع، لن يتمكن الاقوياء على الأغلب، من أن يمارسوا أدواراً خطيرة من الاستغلال الاجتماعي، لأن مستوى الإنتاج محدود، والقدرة محدودة وكل إنسان لا يكسب عادة بعرق جبينه إلاَّ قوت يومه، فلا توجد إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع، وإن كان من الممكن أن توجد ألوان أخرى من الاستغلال الفردي.
ولكن لاحظوا من الجانب الآخر مجتمعاً متطوراً، استطاع الإنسان فيه أن يصنع الآلة البخارية والآلة الكهربائية، استطاع فيه أن يخضع الطبيعة لإرادته، في مثل هذا المجتمع، سوف تكون الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقدة المتطورة الصنع، أداة، إمكانية على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تشكّل بحسب مصطلح الفلاسفة، ما بالقوة للاستغلال، ويبقى أن يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية، فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، وهو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال، وتهيىء له فرصة تفتح شهيته، توقظ مشاعره، تحرك جدله الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أن يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوريد.
وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية، المادية التاريخية اعتقدت بأن الآلة هي التي تصنع الاستغلال، هي التي تصنع النظام المتناسب معها، ولكننا نحن لا نرى أن دور الآلة هو دور الصانع، وإنما دور الآلة هو دور الإمكانية، دور توفير الفرصة والقابلية، وأما الصانع الذي يتصرف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي، لمثله الأعلى، لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى.
وأما العلاقة القرآنية الثانية التي تمثل وتجسد تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة، فمؤداها: هو أنه كلما جسدت علاقات الإنسان مع اخيه الإنسان العدالة، وكلما استطاعت أن تستوعب قيمها، وأن تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وتفتحت الطبيعة عن كنوزها، وأعطت المخبوء من ثرواتها، ونزلت البركات من السماء، وتفجرت الأرض بالنعمة والرخاء.
هذه العلاقة، هي التي شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة قال سبحانه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([662]).
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}([663]).
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([664]).
وهذه العلاقة مؤداها أن علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب عكسياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وكلما انحسرت العدالة عن الخط الأول، انحسر الازدهار عن الخط الثاني، أي أن مجتمع العدل، هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم، هو الذي يؤدي إلى انحسار تلك العلاقات، علاقات الإنسان مع الطبيعة.
وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط، نعم نحن نؤمن أيضاً بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني، تشكّل سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم، وذلك لأن مجتمع الظلم، مجتمع الفراعنة على مر التاريخ مجتمع ممزق، مشتت، الفرعونية على مر التاريخ، حينما تتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تستهدف تمزيق طاقات المجتمع، وتشتيت فئاته، وبعثرة إمكانياته، ومن الواضح أن تشتيتاً وبعثرةً وتفتيتاً وتجزئة من هذا القبيل، لا يمكن لأفراد المجتمع، أن يحشدوا قواهم الحقيقية والسيطرة على الطبيعة.
وهذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية، وبين المثل الأعلى الحق، مَثَل التوحيد سبحانه، فإن المثل الأعلى يوحد الجامعة البشرية ويلغي كل الفوارق والحدود باعتبار شمولية هذا المثل الأعلى، فهو يستوعب كل الحدود وكل الفوارق، يهضم كل الاختلافات، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة، لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض، لا من دم، ولا من جنس، ولا من قومية، ولا من حدود جغرافية أو طبقية.
انظروا إلى المثل الأعلى كيف يقول:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([665]).
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([666]).
هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى التي لا تعترف بحد وبحاجز في داخل هذه الأسرة البشرية. وفي مقابل ذلك هنالك مجتمع المثل المنخفضة الذي يحكمه الفراعنة وطواغيت الأرض. تعال لنرى كيف يصورهم القرآن الكريم: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا }([667]).
الفرعونية على مر التاريخ. تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، على أساس الظلم والاستغلال، الفرعونية تجزىء المجتمع، وتبعثر إمكانياته وطاقاته، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة، وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقسم المجتمع إلى فصائل وجماعات: الجماعة الأولى ظالمون مستضعفون، وفي نفس الوقت يوجد الظالمون الثانويون، أو بحسب تعبير أئمتنا عليهم الصلاة والسلام «أعوان الظلمة»، هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكلون حماية لفرعون وللفرعونية وسنداً في المجتمع لبقاءها واستمرار وجودها وإطارها. قال الله سبحانه وتعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}([668]).
هنا تاقرآن يتحدث عن الظالمين يقول: { إذ الظالمونَ موقوفون}
لكن الظالمين صنفهم إلى قسمين: إلى من استضعف منهم ومن استكبر منهم. إذن فالظالمون مستكبرون، وهم الذين يمثلون الفرعونية في المجتمع، وفيهم مستضعفون.
طوائف المجتمع الفرعوني
فالطائفة الأولى: إذن في التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، هم الظالمون المستضعفون، هؤلاء الذين يحشرون يوم القيامة في زمرة الظالمين، ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين لولا انتم لكنا مؤمنين، هذه هي الطائفة الأولى التي تشكل الحماية والسند للفرعونية.
الطائفة الثانية: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، ظالمون، يشكلون حاشية، ومتملقين، أولئك الذين قد لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته، يسبقونه بالقول من أجل أن يصححوا مسلكه ومسيرته. قال الله سبحانه وتعالى: { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}([669]).
شكلوا دور الإثارة لفرعون، هؤلاء كانوا يعرفون أنهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحساس في قلب فرعون، فتسابقوا إلى هذا الكلام لكي يجعلوا فرعون يعبر عما في نفسه، ويتخذ الموقف المنسجم مع مشاعره وعواطفه وفرعونيته.
الطائفة الثالثة: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، أولئك الذين عبر عنهم الإمام علي عليه والسلام «بالهمج الرعاع» جماعة هم مجرد آلات مستسلمة للظلم، لا تحس بالظلم، لا تدرك أنها مظلومة، فهي تتحرك تحرك التبعية والطاعة دون تدبر، ودون وعي، بعد أن سلب فرعون منها تدبرها، وعقلها، ووعيها، هذه الفئة طبعاً تفقد كل قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة، لأنها تحولت إلى آلات، وإذا وجد أن هناك إبداع في هذه الفئة فإنما هو ابداع من يحرك هذه الآلات، قال الله سبحانه وتعالى {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}([670]).
لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنهم كانوا يحسون بالظلم أو كانوا يحسون بأنهم مظلومون، وإنما هو مجرد طاعة، مجرد تبعية، هؤلاء هم القسم الثالث في تقسيم مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام حينما قال «الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق» وهذا القسم الثالث يشكل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح وبقدر ما يمكن للمجتمع الصالح أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحويله إلى القسم الثاني، بتحويله إلى متعلم على سبيل النجاة على حد تعبير الإمام، إلى تابع بإحسان على حد تعبير القرآن، إلى مقلد بوعي وتبصر على حد تعبير الفقه، يمكن للمجتمع الصالح أن يستمر وأن يمتد. ولهذا كان من ضرورات المجتمع الصالح في نظر الإمام عليه الصلاة والسلام، هو شجب هذا القسم الثالث، هؤلاء همج، رعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، ليس لهم عقل مستقل، وإرادة مستقلة. كان الإمام (عليه السلام) يرى أنه يجب تصفيته من المجتمع الصالح، وذلك لا بالقضاء عليه فردياً، بل بتحويله إلى القسم الثاني ضمن أحد الصيغ الثلاثة التي ذكرناها، لكي يستطيع المجتمع الصالح أن يواصل إبداعه، ولكي يستطيع كل أفراد المجتمع الصالح، أن يشكلوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع.
وخلافاً لذلك الفرعونية، فالفرعونية تحاول أن توسع من هذا القسم الثالث. وكلما توسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة، لأن هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه، أن تدافع عن المجتمع إذا حلت كارثة في الداخل، أو طرأت كارثة من الخارج، ولذا فهم كلما توسعوا في المجتمع كماً وكيفاً ازداد خطر فناءه، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً، في مقابل الموت المخروم.
أما الطائفة الرابعة: هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، أولئك الذين لم يفقدوا لبّهم أمام فرعون والفرعونية، فهم يستنكرون الظلم لكنهم يهادنونه ويسكتون عنه، فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم.
وهذه الحالة، أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة. هؤلاء يسميهم القرآن الكريم «ظالمي أنفسهم»، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}([671]).
هؤلاء لم يظلموا الآخرين، ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأولى، وليسوا من الحاشية المتملقين، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم، بل بالعكس، هم يشعرون بأنهم مستضعفون. {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} ولكنهم كانوا عملياً مهادنين ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنهم ظلموا أنفسهم، هذه الطائفة هل يترقب منها أن تساعد بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ طبعاً كلا.
الطائفة الخامسة: في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي: الطائفة التي تتهرب من مسرح الحياة، تبتعد عنه وتترهبن، وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مر التاريخ، وهي تتخذ صيغتين:
الأولى: رهبانية جادة تريد أن تفر بنفسها لكي لا تتلوث بأوحال المجتمع، هذه الرهبانية الجادة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}([672]).
هذه الرهبانية يشجبها الإسلام لأنها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.
الثانية: رهبانية مفتعلة، يترهب ويلبس مسوح الرهبان، ولكنه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنما يريد بذلك أن يخدر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ويسطو عليهم نفسياً وروحياً.
{إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}([673]).
الجماعة السادسة: والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هم: المستضعفون.
وفرعون حينما اتخذ من قومه شيعاً، استضعف طائفة معينة منهم خصّها بالإذلال وهدر الكرامة، لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسم أن تشكل إطاراً للتحرك ضده ولهذا استضعفها بالذات: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}([674]).
وقد علمنا القرآن الكريم ضمن سنة من سنن التاريخ أيضاً أن موقع أي طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم، يتناسب عكساً مع موقعه بعد انحسار الظلم، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}([675]).
تلك الطائفة السادسة التي كانت هي منحدر التركيب، يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم أئمة ويجعلنم الوارثين.
إذن فإلى هنا استخلصنا هذه الحقيقة وهي: أن المجتمع يتناسب مدى الظلم فيه تناسباً عكسياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسباً طردياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.
فمجتمع الفرعونية المجزأ المشتت، مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات.
وأما مجتمع العدل فهو على العكس تماماً، هو مجتمع تتوحد فيه كل القابليات، وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات، وليس ذلك إلا لأنّ العدالة دائماً وأبداً تتناسب طرداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، هذه العلاقة الثانية بين الخطين.
محمد باقر الصدر
سُنَنُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
تأليف: السيّد محمّد حسين الطباطبائي (1321ـ1401هـ) صاحب موسوعة الميزان في تفسير القرآن.
كتاب يشتمل على طائفة ممّا أُثر عن النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله) من الآداب والسُنن في مجالات الحياة المختلفة، وطائفة من الأخبار الواردة في بيان الأفعال والأعمال التي كان (صلّى الله عليه وآله) يدأب على فعلها ويديم العمل بها؛ والتي تتحدّث عن سيرة حياته وآدابه وسننه، فهي أفضل الآداب وأشرف السنن، وهي أصحّ برنامج لحياة الإنسان يسّره الله تعالى لعباده المخلصين.
والكتاب مرتّب في 21 باباً ـ مع ملحقات لكلّ باب ـ تعرض آداب وسنن الرسول الأُسوة (صلّى الله عليه وآله) الفردية والشخصية، ومع ربّه جلّ وعلا، ومع طبقات الناس، بعد بيان شمائله وجوامع أخلاقه (صلّى الله عليه وآله)؛ إذْ اشتملت على آدابه في: معاشرته للناس، النظافة وأحكام الزينة، السفر، اللباس المساكن، النوم والفراش، النكاح والأولاد، الأطعمة والأشربة وآداب المائدة، الخلوة وملحقاتها، الأصوات وما يتعلق بها، المداواة، السواك، والوضوء، الغسل، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الصدقة، قراءة القرآن، الدعاء، وملحقات الحجّ والنوادر والشمائل.
السَنيَّة
تقع مدينة السنية إلى الشمال من مدينة الديوانية (العراق) على الطريق العام الحلة ـ الديوانية إذ تبعد عن الديوانية مسافة 15 كم.
كانت السنية قرية صغيرة في العهد العثماني واستحدثت كناحية عام 1927م وكان مركزها بستان السيد رحمن محمد رحمة وسميت بالمليحة لوفرة الأراضي البور قديماً وسميت بالسنية لأنّ أراضيها سجلت قديماً باسم السلطان عبد الحميد سنية وذلك في العقد العاشر من القرن الثالث الهجري وتعد هذه المدينة حلقة الاتصال بين مدينة النجف والمدن الأخرى المجاورة آنذاك. إذ كانت تمر بها 200ـ300 سفينة لنقل الركاب والحاصلات الزراعية ويرجع تاريخ هذه المنطقة إلى العصر السومري والبابلي ويستدل على ذلك من خلال التلول والمواقع الأثرية المنتشرة بها وأهمها تلول «ونه وصدوم» التي تقع ضمن المقاطعة 16/البازول وأنّ اسمها القديم «مرد» وقد عاشت بها أقوام منذ العصر السومري 2400 ق.م. حتّى نهاية العصر البابلي الحديث 625 ـ539 ق.م.
تضم مدينة السنية أكثر من 15 قرية منها الخزاعل، آل عامر آل معلّة، الغوانم، الحمران وغيرها، ومن مقاطعاتها العلوانية، الجدول، هور العرب، الگرندلية، أم الذهب والبازول.
تعتبر هذه المدينة من المدن الزراعية وذلك لوفرة مياهها وخصوبة أراضيها إذ يوجد فيها جدولان هما الحيدري والشافعية الحديث والقديم. وتشتهر بزراعة الحنطة والشعير والذرة الصفراء وتشتهر ببساتين التين الأسود ومزارع صغيرة للكچرات التي تستعمل كبديل عن الشاي. إضافة إلى ذلك فهي تشتهر بإنتاج الحليب وكثرة الطيور فيها خاصة البلابل وذلك لوجود بساتين التين فيها.
عباس السلطاني
- () قال كمال الدين عبدالرزاق بن الفوطي في حوادث سنة 627هـ من كتابه الحوادث الجامعة «وفيها تكامل سور الرصافة الذي أمر بعمارته الخليفة المستنصر بالله». ↑
- () رحلة ابن جبير ص305 طبعة مطبعة السعادة. ↑
- () ومنه جامع سوق الغزل اليوم ذكر ذلك ابن الأثير في خلافة المستنصر. ↑
- () متصل بداره من سرب تحت وجه الأرض. ↑
- () رحلة ابن جبير ص 205ـ6ـ7. ↑
- () لعله درس بالغرق وهو الظاهر لأنّ الغرق يسوي بين القبور ويطم ألواحها المكتوبة عليها أسماء الموتى فلا يمكن التمييز بينها ولكن مناقب بغداد يذكر غرق الجانب الغربي من بغداد سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة سنة 569) والقبر درس بين هذين العصرين ولم يكن معروفاً سنة (569). ↑
- () الخطيب (1: 72ـ3ـ4). ↑
- () الرحلة ص141 طبع مطبعة التقدم. ↑
- () الرحلة ص204. ↑
- () ومثله في مراصد الاطلاع ص324 من طبعة إيران. ↑
- () انظر غلط الألوسي في ص121، 130 من مساجد بغداد وعمران بغداد في ص 190 والأثري في ص 14 من مناقب بغداد وغلط مجلة دار السلام (مج 2 ص385). ↑
- () في النسخة المطبوعة (السوق) وهو غلط لأنّ العتيقة محل مضاف إليه. ↑
- () تعرف اليوم بمسجن قرب بليدة السميكة من بليدات دجيل. ↑
- () المسالك والمالك ص27. ↑
- () البكري في المسالك ص27. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () رياض النفوس للمالكي ـ ج1 ص382. ↑
- () الحلة السيراء ص262. ↑
- () البيان المغرب 1 :162. ↑
- () معجم البلدان ص344، ط1، 1324/1906 مط السعادة القاهرة. ↑
- () ج2 ص645 ـ 1373هـ1954م. ↑
- () مط دنكور الحديثة بغداد 1936. ↑
- () المصدر السابق، ص267. ↑
- () المصدر السابق، ص270. ↑
- () المصدر السابق، ص373. ↑
- () أو بحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي 560ـ598. شاعر من مرسية بالأندلس له شعر ونثر. وألّف كتاب: زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر، الذي حققه عبدالقادر محداد (الجزائر). وانطر مقدمة الكتاب ففيها تفصيل عن صاحبه وأخبار. ↑
- () أبو عبدالله محمد بن مرج الكحل (ويُقال فيه مرج كحل) من أهل جزيرة شُقر (بلدة ابن خفاحة). وهو توفي سنة 634 ببلده. وكان شاعراً مبدعاً، وخلف ديوان شعر كان متداولاً. ↑
- () بيات عزيز الله: كليات جغرافياي طبيعي وتاريخي إيران ص148. ↑
- () بيات عزيز الله: كليات جغرافياي طبيعي وتاريخي إيران ص149. ↑
- () نقلاً عن كتب بيات نفس المصدر ص149 وپيرينا حسن، إيران باستان ج3 ص2645. ↑
- () نقلاً عن كتاب بيات نفس المصدر ص149. ↑
- () نفس المصدر ونفس الصفحة + مشكور جغرافياي تاريخي إيران باستان ص350 و351. ↑
- () Nyberg, H.S.: A Manval of Pahlavi 117. ↑
- () مشكور، محمد جواد، جغرافياي تاريخي إيران ص 227. ↑
- () Barthalomal, A. I. Wb. SP. 1491. ↑
- () نجم آبادي: تاريخ طب إيران ص193 ج1. ↑
- () بيات ص150، سامي: تمدن هجامنشي ج1 ص5ـ324، وج2 ص6. ↑
- () سامي: تمدن هخامنشي ج1 ص330 وج2 ص182. ↑
- () سامي: تمدن هخامنشي إيران ص453 + كريستن سن: إيرن درزمان ساسانيان ص148 وسامي تمدن ساسان ج1 ص20 + سامي تمدن هخامنش ج2 ص. ↑
- () قلنا: سمّي ياقوت هذا الحصن بالزيبدي بتقديم الياء على الباء (2: 895). على أنّنا لم نعثر في ـ مادتي «الري» و«الزبيدية» من معجم البلدان على ما يدل على أنّ الحصن كان. ↑
- () الظاهر أن ياقوت كان شافعياً. ↑
- () راجع كتاب «ونديداد» ترجمة السيد محمد علي الحسني داعي الإسلام، ص12 وكذلك كتاب «ونديدار دار مستتر» ترجمة الدكتور موسى جوان، ص69. ↑
- () راجع كتاب مجمل التواريخ ص43. ↑
- () ملحقات (روضة الصفاي ناصري) الجزء التاسع ص196. ↑
- () راجع كتاب «إيران باستان»، تأليف بيرنيا، ج3، ص2217 و2651. ↑
- () نفس المصدر السابق الجزء التاسع ص2645. ↑
- () راجع كتاب «ري باستان» من منشورات جميعة الآثار الوطنية، ج1، ص67، وكذلك دائرة المعارفة الإسلامية ص285، 286، 287، وإلى ص292.**(نفس المصدر ج1،ص73) ↑
- () «تطبيق لغات جغرافيائي» تحت عنوان «كتاب درر التيجان» الجزء الثالث ص29. ↑
- () مختصر البلدان ص105. ↑
- () راجع كتاب (تاريخ الرسل والملوك) ج1، ص83، أخبار الطوال، ص63 وكذلك «تاريخ بلعمي» ص954 وتاريخ «غرر السير» للثعالبي ص578. ↑
- () «نخبة الدهر» لشمس الدين الدمشقي، ص184. ↑
- () كتاب «نزهة القلوب» ص57. ↑
- () كتاب «سياحتنامة شاردن» الجزء الثالث، ص55. ↑
- () كتاب «فتوح البلدان» ص325. ↑
- () راجع كتاب «لسترنج» ص231. ↑
- () راجع كتاب «مختصر البلدان» لابن الفقيه ص106 وكذلك يراجع للاطلاع أكثر كتاب «عجائب المخلوقات» لأحمد الطوسي، ص226. ↑
- () «مختصر البلدان» ص107. ↑
- () «ري باستان» ج1، ص81. ↑
- () «مسالك الممالك» ص81. ↑
- () «لسترنج» ص232. ↑
- () «المسالك والممالك» للاصطخري ص127ـ166، وصورة الأرض لابن حوقل ص120ـ121، وأحسن التقاسيم للمقدسي ص385ـ391. ↑
- () كتاب «سفرنامه أبو دلف» ص72ـ76. ↑
- () كتاب «صورة الأرض» ص265. ↑
- () اسم موضع في مدينة الري، وكذلك اسم لناحية تابعة للري. ↑
- () أحسن التقاسيم ص390ـ391. ↑
- () «المسالك والممالك» للاصطخري، ص162، و«صورة الأرض» لابن حوقل ص118، وتقويم البلدان لأبي الفداء ص489. ↑
- () راجع كتاب: «ري باستان» الجزء الأوّل ص167.وفي أوائل القرن السادس كان معين الدين أحمد بن الفضل الكاشي يتولى في الري ديوان الاستيفاء فمدحه الشاعر الأبيوردي بقصيدة يقول فيها:
خليلي حلا العقل للعيس وارحلا
فما (أصفهان) اليوم مثوى لعاقل
وما الرأي إلاّ قصدنا (الري) دونها
فعوجا إليها من صدور الرواحل
نزر من (معين الدين) مولى يعيننا
على الدهر إن راع الفتى بالنوازل
ويقول أيضاً من على الدهر إن راع الفتى بالنوازل قصيدة:
بك (الري) أضحت وهي للناس كعبة
بعيدة ركن من صفا وحجون
ولولاك ما كانت تغص عراصها
بخيل لنزاع البلاد صفون
↑ - () معجم البلدان، ج4، ص355ـ360. ↑
- () نفس المصدر ونفس الصفات. ↑
- () لسترنج ص233. ↑
- () كتاب «نزهة القلوب» ص57. ↑
- () كتاب «سفرنامه كلاقيخو» ص176. ↑
- () «ري باستان» الجزء الثاني ص426. ↑
- () كتاب «سياحتنامهشاردن» الجزء الثالث ص56. ↑
- () (ري باستان) ج2، ص428. ↑
- () نقلاً عن كتاب (درر التيجان) ج2، ص54ـ55. ↑
- () ثهلان: سلسلة جبال صخرية عن يمين الشعراء والشعراء: قرية كبيرة طيبة الهواء حسنة المنزل فيها ماء عذب وماء أجاج وفي ساحاتها كثيرة من شجرٍ الأثل وهي في مركز وسط بين الحجاز والقصيم والعارض. ↑
- () بلاد العرب ص260. ↑
- () مجلة العرب 4/4 ص380. ↑
- () للتفصيل: راجع: الجزيرة. ↑
- () انظر عن أسماء القبائل التي كانت في جيش مروان ـ ومنهم قضاعة والسكاسك والسكون ـ الكالمل لابن الأثير (5/200). ↑
- () انظر عن روح الهزيمة في جيش مروان المصدر نفسه. وانظر عن حالة هذا الجيش الآداب السلطانية لابن الطقطقي (106). ↑
- () كانت الوقعة المذكورة على أحد الزابين بلا شك، والأغلب أنّه الزاب الكبير وفي بعض كتب التاريخ أنّه الزاب الصغير انظر المروج (2/146). ↑
- () انظر عن خواطر مروان الجعدي وتفنيد رأيه في هذا الباب مروج الذهب (2/148ـ149). ↑
- () انظر عن هذه الانتفاضات تأريخ الأمم والملوك للطبري (9/137ـ139)، والكامل لابن الأثير (5/206، وانظر عن أشهر قواد الجيش العباسي في واقع الزّاب المصدر المذكور (199). ↑
- () راجع عن الاختلاف بين القيسية واليمانية في الشام والحرب بينهم في مرج راهط البيان والتبيين (1/116) والعقد الفريد (3/145ـ148)، وانظر ع الحرب المذكورة في مرج راهط بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس، الاستيعاب لابن عبد البر (1/272، 273) و(335ـ336). ↑
- () من أوفى المراجع في ذكر هذه الأحداث والأيام أيام القبائل المذكورة وحروبها ـ وهي حروب طاحنة كثيرة ـ كتاب أنساب الأشراف للبلاذري (5/311)، وانظر (308ـ331) من الجزء المذكور ـ ط القدس، ومهذب تأريخ دمش لابن عساكر (5/ 7و376) و(7/4ـ9) ويراجع المصدر المذكور (176ـ193) عن زعيم قيس وفارسها في هذه الفتنة، وهو أبو الهيذام المري، وعن أخباره ومن قتل في الفتة المذكورة من زعماء العرب، وانظر خزانة الأدب للبغدادي (2/325ـ326). ↑
- () انظر عن ذلك وعن كيفية استقبال ابن هبيرة لليمانية على باب مروان، مهذب تاريخ دمشق لابن عساكر (5/404). ↑
- () يراجع في هذا الشأن سيرة ذي الأذغار من ملوك اليمن القدماء. ↑
- () انظر عن هياج هذه الفتنة بدمشق في أيام الرشيد الأخبار الطوال (366)، والكامل لابن الأثير 6/75ـ76)، ولاحظ ما جاء في كتبهم من الاختلاف في تاريخ وقوع الفتنة. ↑
- () تجد ترجمة نصر بن سيار أمير خراسان في الدولة الأموية ـ وأوّل من ولاه هشام بن عبد الملك ـ في خزانة الأدب للبغدادي (2/193)، وفي جمهرة النسب. ↑
- () انظر حكاية الخلاف بين اليماني والنزارية في خراسان وأسبابه، تاريخ الطبري (9/37)، والكامل لابن الأثير (5/143ـ145). ↑
- () راجع عن المعارك المذكورة بين النزارية واليمانية في مرو، الكامل (5/172ـ173)، وعن ظفر نصر بن سيار بالكرماني وقتله (5/172ـ173) وانظر عن غلبة الأزد بزعامة الكرماني الأزدي على مرو قاعدة خراسان ـ المصدر المذكور (162 و173) وعن ظفر نصر بن سيار بالكرماني وقتله المصدر عينه (173)، وقد أجهز أبو مسلم الخراساني على بقية آل الكرماني من أولاده وأصحابه بعد ذلك، انظل الكامل (5/182ـ183). ↑
- () راجع عن تحكم ملوك حمير بالقبائل النزارية وجبايتها وأخذ أموالها وتاريخ امتناعها عن ذلك في الجاهلية، العقد الفريد (3/365 وما يليها) ط الجمالية. ومن أحسن المراجع في قصة تفرّق قبائل اليمن كتاب الأمثال للميداني في شرحه للمثل المشهور: (تفرقوا أيدي سبأ) وانظر عن الحرب بين أهل تهامة واليمن، العقد الفريد (3/347 فيما يليها). ↑
- () البيان والتبيين (2/183)، وفي وفيات الأعيان (1/320ـ232) ترجمة ضافية للأحنف المذكور، وتجد أوسع ترجمة له في تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر (7/10ـ24) وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر (1/55ـ56)، ووردت له ترجمة أخرى في مادة (صخر) من المصدر المذكور. ↑
- () المسعودي: ج3، ص249. ↑
- () الطبري: تاريخ الرُّسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري، ج7، ص442 ـ ابن قتيبة ـ المعارف، ص372. ↑
- () الثعالبي: لطائف المعارف، ص145 ـ ابن الأثير: ج5، ص426 و427. ↑
- () كان صالح بن علي على رأس الحملة التي لاحقت مروان بن محمد إلى مصر. «لمّا أُوتي صالح برأس مروان وأمر بأن يُنتف ويُنفض، انقطع لسانه فتناوله هرّ، فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب، هذا لسان مروان في فم هرّ» (البلاذري: ق3 ص100). وقد بعثه صالح إلى أخيه عبدالله الذي أرسله إلى أبي العبّاس. وقيل بل أنّ صالحاً بعث به إلى أبي العبّاس (البلاذري: ق3، ص104 ـ الطبري: ج7 ص442). ↑
- () خليفة بن خيّاط: تاريخ خليفة بن خيّاط، ج2 ص428ـ البلاذري: ق3 ص104. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2 ص428. ↑
- () الطبري: ج7 ص443 ـ ابن الأثير: ج5 ص419 ـ ابن الطِقْطَقَي: الفخري، ص146 و147 ـ ابن كثير: ج10 ص43. هناك اختلاف طفيف في نص الرواية بين المصادر، وقد عوّلنا على نص الطبري. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص47. ↑
- () ابن عبد ربّه: العِقد الفريد، ج5، ص114 و115. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص48. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص428، 433 ـ ابن عبد ربّه: ج4، ص468 و469 ـ المسعودي: ج3 ص240 و241 ـ أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، م1، ص159 ـ ابن الأثير: ج429 ـ ابن الطقطقي: ص138. ↑
- () أنساب الأشراف، ق3، ص159، والجزء الأوّل من هذه الرواية ورد لدى الطبري: ج7، ص443. ↑
- () الميداني: مجمع الأمثال، ج2، ص150. ↑
- () ابن منظور: لسان العرب، مادة «حمر». م4، ص215 ـ الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج2، ص13 ـ الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، ج3، ص156. كما ورد المثل في غير نصّه الحرفي لدى الميداني: ج2، ص150. ↑
- () إنّ اسم حمار كعلم وارد في الجاهلية، من ذلك الشاعر الجاهلي مُعقر البارقيّ، وبارق من الأزد، وقيل أنّ اسمه هو سفيان بن حماد (الأصبهاني: الأغاني، ج11، ص160 ـ المرزُباني: معجم الشعراء، ص9). ↑
- () الزبيدي: ج3، ص159. ↑
- () ابن منظور: م4، ص215. ↑
- () الفيروزآبادي: ج2، ص14. ↑
- () الأزهري: تهذيب اللغة، ج5، ص5. جاءت «حميرين» لدى الزبيدي «حمرين» (تاج العروس، ج3، ص157)، وهي، كما يبدو، الصحيح أو أصح. ↑
- () مروج الذهب، ج3، ص228. ↑
- () الفخري، ص244. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص475. ↑
- () الدينوري: ص350 و351 ـ ابن عبد ربّه: ج4، ص473 ـ ابن الأثير: ج5، ص280 و288، 322، 331ـ333ـ ابن الكازروني: ص105 ـ ابن كثير: ج10، ص22ـ25. ↑
- () الطبري: ج7، ص440. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص427 ـ البلاذري: ق3، ص103ـ الطبري: ج7، ص435 ـ المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () الطبري: ج7، 437 ـ ابن الطقطقي: 146. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص427 ـ ابن كثير: ج10، ص43. ↑
- () المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () ↑
- () أبو حيّان التوحيدي: البصائر والذخائر، م1، ص159. ↑
- () الطبري: ج7، ص435 ـ الاثير:ج5 ص419و420-ابن الطقطقي:ص147- ابن كثير: ج10، ص43. ↑
- () تقاطر عقب سقوط نهاوند بأيدي قحطبة بن شبيب، أحد قادة الانقلاب العباسي، أتباع السلطة الأموية «فاجتمعنا في ثلاث وخمسين ألفاً ممّن يرتزق» (خليفة بن خيّاط: ج2، ص421). ↑
- () الطبري: ج7، ص435 ـ ابن عبد ربه: ج4، ص473. وقد اعتمدنا نص ابن عبد ربه. ↑
- () الطبري: ج7، ص434. ↑
- () فان فلوتن: السيادة العربية، والشيعة والإسرائيليات في عهد بني أمية، ص35 ـ 43، 56. ↑
- () فان فلوتن: المرجع السابق، ص40، و41. ↑
- () البلاذري: أنساب الأشراف، ق3، ص81. ↑
- () البلاذري: ق3، ص115. ↑
- () الدينوري: ص366. ↑
- () البلاذري: ق3، ص103 ـ اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، م2، ص346 ـ الطبري: ج7 ص438 ـ ابن الأثير: ج5، ص424 ـ ابن كثير: ج10، ص44. ↑
- () المسعودي: ج3، ص249 و250. ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية، ص364، 368. ↑
- () البلاذري: ق3، ص113. ↑
- () الطبري: ج7، ص438 ـ المسعودي: ج3، ص245. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص44. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص473. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص475. ↑
- () المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () ابن حماد: كتاب أخبار بني عبيد وسيرتهم، ط، الجزائر سنة 1346 ص15. ↑
- () هذا القول من المالكي لا يدل على أنّ المترجم له ربما كان يميل إلى شيء من التشيع، بل يدل على أنّه كان من التشيع في الصميم. وعراقته في التشيع هي التي حملت أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على تجاهله وعدم ذكره «ح». ↑
- () يشير إلى الطبيب البغدادي الطائر الصيت: يحنا بن ماسويه. ↑
- () ظهرت في تاريخ الطب العربي ثلاث مدارس رئيسية هي بغداد وقرطبة والقيروان. وشكل أحمد بن الجزار الوجه البارز للمدرسة الأخيرة بوصفه المؤسّس الذي تتلمذت على يديه أجيال من الأطباء والعلماء. وتعاون أربعة محققين تونسيين لإصدار كتاب «زاد المسافر» الذي ألّفه ابن الجزار في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وأصدره أخيراً «المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون» الذي يديره عبد الوهاب بو حديبة. ويقع الكتاب في جزءين. أمّا المحققون فهم أستاذ العلوم محمد السويسي والصيدلاني راضي الجازي والمحقان جمعة شيخة وفاروق العسلي.ويمكن القول إنّ أهم ما يكشفه هذا المؤلف الطبي المرجعي هو مساهمة علماء إفريقيا (الإسم القديم للمغرب الأوسط) في بناء الحضارة العربية الإسلامية، من خلال أعمق النظريات الطبية والحكمية التي اشتمل عليها الكتاب، والتي سبق بها مؤلفها عصره، وهو ما أكدته الدراسات العلمية والطبية الحديثة التي أظهرت أنّ الاستفادة ممّا ورد في «زاد المسافر» لابن الجزار لا تزال قائمة إلى الآن، والأخذ بها يتواصل في جوانب كثيرة، لا سيما أنّ المؤلف اعتمد المنهج التجريبي في فهم الأمراض واستخراج الأدوية الملائمة لها.
(سميرة الصدفي) ↑
- () ظهر هذا البحث في مجموعة: Les Archives des Missions Scientifiques Paris. 1851 – T. 11 P. 490. ↑
- () Journal Asiatiques. Paris, 1853 P. 289. ↑
- () Dr Ahmed Chérif – Histoie de la Médecine Arabe en Tunisie Tunis 908 P.P. 51 a70. ↑
- () البكري ـ ص42 من الطبعة الثانية. ↑
- () كتاب جامع المفردات لابن البيطار2 :167. ↑
- () بلاد البحرين كانت تشمل الخط وهجر وأوال. ↑
- () يرجح محمد علي الشرفاء أنّ العين المقصود هي عين الأعراف الكائنة في شمال العوامية. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، ص373، القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () السيد ابن طاوس: اللهوف في قتلى الطفوف ص32 النجف الأشرف 1385هـ ـ 1965م. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص247ـ248 القاهرة 1960م. ↑
- () عبد الكريم السمعاني: الأنساب ج3 ص131 بيروت 1408هـ ـ 1988م. ↑
- () راجع ترجمته في أعيان الشيعة. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 18 (مخطوط). ↑
- () القاموس المحيط للفيروزآبادي، مادة (زجل). ↑
- () لسان العرب لابن منظور، مادة (زجل). ↑
- () مقدمة ابن خلدون ص524. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 21ـ22. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 18. ↑
- () القيم: لقب استعمله المصريون والشاميون لمن يرقى في نظم الأزجال، ويقابله في الوقت الحاضر «أمير» الشعراء. ↑
- () وقد أورد الفقرة الأولى على الهيئة التي وردت بها، حتّى يأخذ القارىء فكرة عن طريقة كتابة الأزجال، وأوردت الباقي كلّ سطر في سطر للإيضاح. ↑
- () الزجل من بحر مجزوء الرمل: فاعلات فاعل. والفقرة الثانية من «المركز» تقرأ هكذا: عَلاَ شَنْتَ يا بنِ ملول. ↑
- () على اش: علام، لماذا؟ ملول: ضيق الصدر. أي أنا: إنني. وجيه: ذو مقام. يتمجج: ينفر. منُّ الأغلب أنّ صحتها: منه. وإذا كانت صحتها من وفيه فيكون المعنى: ينفر منه وفيه (؟). ثمّ فأحلى: اصطلاح يستعمله ابن قزمان كثيراً ومعناه: وفي أشد حالات تيهك. انسنك: رجلك، صديقك.معنى البيت:
يا مليح الدنيا، قُل
لماذا أنت متغير لا تثبت على حال.
إنّني عندك ذو مكانة طيبة.
كيف ينفر (الإنسن) من وفِيَّه؟
(ته ما شئت) فعندما يصلك تيهك أقصاه…
سترجع وصولاً لحبيبك.
[«انسنك» في الأصل «انسك» ولكن الوزن ينكسر هكذا، ثمّ إنّ المعنى لا يفهم وقد اقترح الأهواني إضافة هذه النون[. ↑
- () مر بعد: اصلاح أندلسي يستعمله ابن قزمان كثيراً، ومعناه: حسناً أو بالعامية المصرية: خلاص… أو: طيب يا سيدي. والهاء المفردة المضمومة معناها «هو» وأت: أنت. معنى البيت: حسناً… إنّ إسرافه (في الدلال) جيد.(إذ) لم يعرف الناس مثله منصفاً.
(وعلى أي حال) فلست أنت إلاّ طرفاً (في ذلك الحب)، وكلّ ما قلنا فضول ولغو. ↑
- () إش لو أن: وما عليك لو… وبالعامية المصرية: فيها إيه يعني لو… يذا: أيضاً كان تخلين: لأنّ: إذ تدعى…معنى البيت: وماذا عليك لو أنّك سمحت لي برؤياك.
فأجيء إليك وقت جفاك.
لأنّ تركك إياي هكذا.
هذا شيء قاتل… ↑
- () لَسُّ، تنطق بمد الواو: لَسُّو: ليس. لحد: لأحد. أمين عبد الصمد: لا يفهم إذا كان المراد هنا اسم الممدوح كاملاً، أو رجلاً يريد أن يصفه بأنّه أمين ومه آل عبد الصمد. معنى البيت:الوفاء لا يوصف به أحد.
غر أمين عبد الصمد.
وتدخل بعد ذلك للمديح.
وما أحسن هذا الدخول. ↑
- () في مستهل القسم الثاني من الزجل، وهو قسم المديح، يقف ابن قزمان لحظة مع نفسه، وما أكثر ما يمدح نفسه في أزجاله.هادَهُ: هذ هو، والمراد هنا: هذه يجبي: في الحال، دون صعوبة، دون تفكير طويل، ضرب وكف: يميل الدكتور الأهواني إلى اعتبار هذه العبارة من اصطلاحات النساجين في الأندلس، ومعناها: أتم العمل، فرغ من الشيء. أهنأ جا: هنا يجيء القول، هنا يصدق قولنا. قف ووقف: قف لتسمع بديع القول، ووقف بالفعل ليسمع. معنى هذا البيت:
تلك يا بني طرف (من الشعر).
في الحال أصوغ ما أريج من القول.
فإذا قلت زجلاً قيل: قف لتسمع… ويقف الإنسان.
والكلم فيه يطول. ↑
- () طال: طال القول، يطول القول. أيضاً. فيه: في الممدوح إنُّ:إنّه المعنى:
وكذلك يطول المديح فيه أيضاً.
إنّه عالم وفقيه.
وإذا قلت إنّه نبيه.
فعليك أن تردّد هذا القول أنت أيضاً. ↑
- () ماعٌ: معه، عنده، ما يعمله. نسَل، والمراد به هنا: حسّب.قط: فحسب. المعنى:
والذي أعلمه من فضائله أقل ما عنده.
شرف أجداد ومحتد.
ويكفيه أصله الكريم، وما أدراك ما الأصل.
وإذ لا فروع دون أصول.
الق رجلك في الركاب: تقدّم، ادخل الميدان. فإنت: إذ أنك. فأصحابك: في أصحابك، من بين أقرانك، الدَّوَل: الدولة.
هيول: هائل، عظيم. ↑
- () المعنى:يا لباب كلّ لباب.
تقدم وادخل الميدان.
إذ أنّك من بين أصحابك شاب قوي.
وأنت في الدولة ذو محل عظيم. ↑
- () بيته: بيت. خَطَطْ: خطط، جمع خطة، وهي المنصب الكبير. القضاء والاسم ـ أي الشهرة ـ في هذا البيت وحده. أشط: أطول. الفصول: بعض الأشياء المعنى:ثمّ إنّهم بيت تولى أفراده الخطط والولايات الكبيرة.
ففيهم خطة القضاء، ولهم وحدهم الشهرة.
والثناء عليهم يطول.
ولكنّي اكتفيت منه ببعضه. ↑
- () ـ معنى هذا البيت واضح. ↑
- () ـ وإلى هذا: وبالإضافة إلى هذا. لس: ليس. أج، وج: وجه.دشول: عبارة إسبانية de sol أي شمس.
المعنى:
وبالإضافة إلى هذا الجلال.
منظره ليس له مثال.
له وجه كأنّه دائرة الهلال.
أو كأنّه وجه الشمس. ↑
- () معنى هذا البيت واضح. ↑
- () يريد ابن زمان هنا أن يصف الجفاف وقلّة المطر وسوء الأحوال، وكان الأندلسيون يشبهون السماء الصافية التي سحاب فيها بالنحاس.المعنى:
والسماء صافية كأنّها قبة من النحاس.
وقد فاضت الرؤوس والقلوب بالنفاق والخلاف.
وفي مثل هذه الأحوال يستعصي النعاس.
وهذا الشر كلّه لا نهاية له. ↑
- () عاد: أيضاً. صحب الجبل، صاحب الجبل. لا بد أنّ ابن قزمان يشير هنا إلى عدو كان يحاصر قرطبة ويقطع السبل إليها، ولسنا نعرف إلى من يشير بالضبط. وقد يكون المراد بصحب الجبل: أهل الجبل أي قطاع الطرق. السبول: السبل، أو الطرق.المعنى:
ثمّ إنّك ترى أيضاً هذا العمل.
بالإضافة إلى قيام صاحب الجبل.
وكان كلّ شيء يحتمل.
إلاّ انقطاع هذه الطرق. ↑
- () شتا: مطر. حق: حقا. مرسى غبار: يغلب على الظن أنّ هذا اسم موضع قد يكون هو مُقام الممدوح.المعنى:
والجو صحو لا مطر فيه، والليل كأنّه نهار.
والمطر قد أصبح ضعيفاً.
حقاً إنّه في مرسى غبار.
فهناك تجد السيول. ↑
- () مِنُّ: منه. الهوى: الهواء. ذاب: الآن. على النزول: على وشك الهطول.المعنى:
إنّنا ندعو الله المجيب.
والفرج منه قريب.
أن يطيب الهواء الآن.
ويأخذ المطر في الهطول. ↑
- () أر: هات. إشما: أي شيء، ما. كد: في سرعة. مطول: مطل.المعنى: هات ما شئت فلست أرفض شيئاً.
ضع فقط أي شيء تجده.
الله الله… أسرع… أسرع!
فلست أريد مطلاً. ↑
- () هكذا ورد الاسم في «أزهار الرياض» للمقري طبعة القاهرة، ج2، ص252). ↑
- () خرجه الزجل رقم 23 في الديوان، وقد ناله في مديح رجل يسمّى أبا جعفر ويلقبه بالوزير ويشكو إليه من عجزه عن دفع كراء داره.أياماً: أيام، وإيراد الكلمات في حالة النصب على هذه الصورة كان أمراً عادياً في لهجة مسلمي الأندلس. الخلاعة: اللذة والسرور. صناعة: عمل. ومعنى الخرجة. ↑
- () وما أملح هذه الأيام… إنّ شرط اكتمال اللذة والسرور هو التبطل، وحرام معها أن يعمل الإنسان عملاً ما.Cf: A.R. Nykl: El Cancionero de Aben Cuzman. PP. 58-60, 373-374. ↑
- () خرجه الزجل رقم 22 في الديوان، وهو مرقوم خطأ تحت رقم 25. وقد قاله في مديح وزير لم يذكر اسمه، يغلب على الظن أنّه ابن حمدين Cf: A.R. Nykl, op. cit., pp. 372-373. فالشراب: في الشراب. البالي: المعتق. ↑
- () المليح: المليحة. وهذه الأشطار الثلاثة هي خرجة ذلك الزجل، وقد جعلتها في سطر واحد كما وردت في الديوان؛ أمّا بقية الزجل فقد جعلت كلّ شطر في سطر. ↑
- () عنق: عناق. أي تمور: أي تمر: أين تذهب. أوش: أو لماذا. تريد تقلق. وفر الغرامة: دع فرصة الغرام، ويقترح الإهواني قراءتها: وقر الغرامة، أي ثقل العبء على العاشق. راليني: رأى ليني ورقتي، قل ما عليه أنا عازم: ما أقل ما أستطيع حزم رأيي عليه. فلا يفلح مع ذلك.المعنى:
لقد بتنا في رضى، ما بين اعتناق وتقبيل.
أين تريد أن تذهب؟… أو ماذا يقلقك…؟
دع تكاليف الغرام لعاشقك.
إنّ من يصبر لعنفي يتبين بعد ذلك كم أنا رقيق.
وما أقل ما أستطيع أن أحزم أمري على شيء…
ولهذا لا يفلح لي شيء… ↑
- () الصبا بشاكل ما يعمل: ما يعمله يتفق مع صباه. داع داع: دعه دعه. يدلل: يتدلل. قد ترأيت: قد ظهرت. مَن صدُرُ: تكملة للشطرة السابقة: لم تر قط أجمل م نصدر يشهيني لضمّه. ويتوقح: يتجرأ، يضطر إلى الجرأة.المعنى:
إنّ ما يعمله [محبوبي] يتفق مع صباه.
فدعه دعه يمضي ويتدلل…
ها انت قد ظهرت، ولم نر قط أجمل منك…
لشد ما أشتهي ضمة لصدره…
إنّ عليه نهداً قائماً ينبهر منه الإنسان…
ويتوقح…
Cf: Ribers, Op. cit. PP. 86-92.
Nykl, Op. cit. PP. 315-316, 436-438. ↑
- () يقول حسن الأمين: زرت هذه البحيرة بصحبة الأستاذ الصالحي. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، ص387، القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () إفشار قبيلة من الأتراك بعضهم يسكن في بوادي أذربيجان في ناحية قلع دمدم المعروفة. ↑
- () المُكي بضم الميم في الاصطلاح الإسماعيلي النزاري: هو الشيخ الذي يتلو الصلاة: والكامريا: هو خازن المال الذي يجمع أخماس الأموال التي تؤدّى إلى آغا خان. ↑
- () قال محمد بن علي بن يونس بن علي الزحيف بن فند صاحب كتاب (مآثر الأبرار في تفصيل جواهر الأخبار واللواحق الندية للحدائق الوردية) وهو الكتاب الذي شرح فيه قصيدة (جواهر الأخبار) التي نظمها السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الوزير. قال: إنّ الإمام المهدي عدّ إدريس بن إدريس من الأئمة. «انتهى»والسر أنّ بقية الأدارسة لم يعتبروا من الأئمة، هو أنّهم كانوا أولياء عهود ولم يبايعوا بالشورى. ↑
- () قال في (مآثر الأبرار): خرج إلى جيلان وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم فأسلموا كلّهم على يديه وذلك سنة سبع وثمانين بعد ظهور الهادي باليمن الخرجة الأولى بسبع سنين. ↑
- () كان المذهب السائد في اليمن قبل انتشار المذهب الشافعي هو المذهب الحنفي ثمّ المالكي، وفي أوائل القرن الثالث انتشر المذهب الشافعي بعد رحلة الإمام الشافعي إلى اليمن ثمّ على يد الحافظ موسى بن عمران المعافري وعبدالعزيز بن يحيى بن حرازة من تلاميذ الشافعي. ثمّ تلاه المذهب الزيدي أواخر القرن الثالث على يد الإمام الهادي فساد المناطق الشمالية وظلّت تهامة والجنوب شافعية مع قلّة من الأحناف وفي اليمن بعض الجعفرية كبيت «البو طالب» من بني القاسم. وفيه بعض الإسماعيلية. ↑
- () راجع بحث: الرس. ↑
- () أوّل هذين الحسينيين هو يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن علي جعفر بن علي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق. ولقب بالمؤيد بالله. ↑
- () السامانيون ليسوا شيعة ولكن ارتبطت دولتهم بكثير من الأشخاص والأحداث الشيعية، لذلك كان لا بد من التعريف بهم. ↑
- () تاريخ أدبيات إيران ج1 ـ ص276 ذبيح الله صفا. ↑
- () إنّ الكاتب نفسه ينقل عن تاريخ علوم إيران وأبياتها لذبيح الله صفا أنّه دفن في بخارا (ح). ↑
- () G.L. Strange «The Lands of the Eastern Caliphate P. 53 Cambrige at the University Press 1930». ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد «ص76 طبعة مطبعة الرابط ببغداد سنة 1954، ولكنهما ذكراه في مجلة سومر «مج 8 ح2 ص263 سنة 1952». ↑
- () لسان العرب في «شمر». ↑
- () لم تكن هذه عبارته الاولى لذكره «السامرة» بل قال قبل ذلك في الصفحة عينها: وفي سنة مائة وأربعين لفالغ (بن عابر) فلغت الأرض أي قسمت قسمة ثانية بين ولد نوح فصار لبني شام وسط المعمورة: فلسطين والشام وأثور وسامر (وفي نسخة أخرى سامرة) وبابل وفارس والحجاز». ثمّ قال: «وفي سنة سبعين لأعور (لابن فالغ) قال الناس بعضهم لبعض: هلموا نضرب لبناً ونحرق آجراً ونبني صرحاً شامخاً في علو السماء ويكون لنا ذكر كي لا نتبدد على وجه الأرض، فلمّا جدوا في ذلك بأرض شنعار وهي السامرة، ونمرود بن كوش قات راصفي الصرح بصيده وهو أوّل ملك قام بأرض بابل». ولكن الأب كان مستعجلاً فنقل الثاني وتخطى النص الأوّل، والسامرة أو سامر التي ذكرها ابن العبري ليست سامرة فلسطين كما ظن الأب بل هي أرض سومر موطن السومريين. ↑
- () قلت إنّ الذي قال: أصل اسمها (سام راه) نحا المنحى الذي أراده الأستاذ لأنّ سام راه فارسي. ↑
- () بازبدى أو بازبدا كورة من ناحية جزيرة ابن عمر في غربي دجلة، كما جاء في معجم البلدان وغيره. ↑
- () بليدة عند جبل الجودي قرب جزيرة ابن عمر فوق الموصل كما في معجم البلدان وغيره. ↑
- () اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه الراذانان وهو خانقين وخوزستان كما في المعجم. قلت: بين الراذان يعرف اليوم بالروضان في الصحراء المعروفة بالغرفة بين يعقوبه وكركوك في منطقة وادي العظيم. ↑
- () يراد بالعلوم الآلية النحو والصرف وعلوم البلاغة والمنطق ونحوها وبالسطوح القراءة على الشيوخ في الكتاب المقتصر فيه على تفسير عبارة الكتاب ويقابلها قراءة الخارج وهي الدروس التي لا تكون في كتاب مخصوص بل يلقي الشيخ مسائل العلم على الترتيب ويحقق كلّ مسألة على حيالها ويستدل عليها ويرد المردود من الأقوال والأدلة فيها ويناقشه التلاميذ فيها ويبد كلّ رأيه وهكذا. ↑
- () اصطلح العرب على إطلاق كلمة (التدخين) على استعمال (التبغ) بنوعيه: (التنباك) و(التتن). وهو ما نأخذ به هنا (ح). ↑
- () أرض الصين (أو للدقة: في نيران الصين). ولا ندري من أين يأتي المسعودي بوصف تلك الجزيرة في «بحر الظلمات». لكن هذه الحِيَل السردية لا تخص أسلافنا وحسب.الأميركي اللاتيني كابريرا أنفانتي كتب في ثمانينات القرن العشرين تاريخاً غريباً للتبغ. كتب تاريخ التبغ بالإنكليزية، ولم يكتبه بالإسبانية لغته الأم، وكتب روايته الخاصة للحظة تاريخية: لحظة اكتشاف كريستوفر كولمبوس العالم الجديد عام 1492.
بحسب رواية أنفانتي اكتشف كولمبوس أميركا بعد هبوط الظلام: كان على ظهر السفينة ينظر إلى الغيوم تغطي نجوم السماء حين رأى نقطة ضوء حمراء توج في الأفق. كان كولمبوس وسط المحيط يضيع منذ أيام وأسابيع وشهور عاجزاً عن بلوغ اليابسة في الشرق، اليابسة الهندية. كان كولمبوس ضائعاً وسط الليل والمياه، حين رأى تلك النقطة الحمراء توج في الأفق. أيقظ البحارة ووجه السفينة إلى النقطة الحمراء. تلك النقطة ماذا كانت؟ لهب غليون يدخنه هندي أحمر على اليابسة الأميركية. هكذا اكتشف كولمبوس أميركا. الفضل لا يعود إلى الهندي الأحمر فقط، ولكن أيضاً إلى نبتة تبغ، كما يروي أنفانتي. ↑
- () راجع السعديون. ↑
- () ابن أبي محلي: 92. ↑
- () اسم مكان. ↑
- () الطلق دواء إذا طُلي به منع حرق النار. ↑
- () يقول حسن الأمين: الغزالي هذا الذي صبّ جهده على الطعن بالفاطميين ولقبهم ظلماً بالباطنية. الغزالي هذا شهد القدس تسقط في أيدي الإفرنج الصليبيين، وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك لم يشر بكلمة إلى هذا الحادث العظيم ولم يثر اهتمامه!ّ وحجة الإسلام لم يعنه أبداً ما حلّ بالإسلام وما أصاب المسلمين!…ونترك لغيرنا بعد هذا أن يبدي آراءه في الغزالي:
قال الدكتور محمود إسماعيل في كتاب (الحركات السرية في الإسلام) ص139:
الغزالي رغم مكانته في العلم لم يستطع أن يتحرر من وضعه الطبقي. فقد كان منعماً ربيب بلاط السلاطين السلاجقة وقصور وزرائهم، فصلته بالوزير السلجوقي نظام الملك في غنى عن التعريف. لذلك حين يزدري العامة ويصفهم بالجهل لا يعني نعتهم بعدم العلم كما يتبادر إلى الذهن بقدر ما يعبر عن نظرة طبقية استعلائية.
وقال الدكتوركامل الشيبي:
قال الغزالي في كتابه عن الباطنية: بناء على الأوامر «الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم على اعتبار أنّ «الحاجة إلى الكتاب عامة في حق الخاص والعام شاملة جميع الطبقات».
وكان الغزالي يعتزم دحض عقيدة الباطنية بالمنطق والعقل يدحض مبدئهم في «إبطال الرأي وإثبات التعليم» ولكنه لم يكتف بالجدل العلمي إنّما انزلق إلى مهاوي السياسية فقرّر أنّ «قبول التقية من المرتد لا بد منه… وأمّا توبة الباطنية وكلّ زنديق يستتر بالكفر ويرى التقية ديناً، ففي هذا خلاف بين العلماء ثمّ ذكر رأي السائرين في ركاب الدولة وأنّه قد «ذهب ذاهبون إلى أنّه لا تقبل توبته وزعموا أنّ هذا الباب لو فتح لم يمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم فإنّ من سر عقيدتهم التدين بالتقية». هذا بالنسبة للمسالمين من الشيعة الإسماعيليين في زمن السلم، أمّا في زمن الحرب فإنّ من قبض عليه منهم فإنّ حكمه القتل وكذلك النساء «فإنّنا نقتلهن مهما صرحن بالاعتقاد الذي هو كفر على مقتضى ما قررنا. وأمّا الصبيان فمهما بلغ صبيانهم (من العمر) عرضنا الإسلام عليهم فإن قبلوا قبل إسلامهم وردت السيوف عن رقابهم إلى قربها وإن أصرّوا على كفرهم مقلدين فيه آباءهم مددنا سيوف الحق إلى رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين».
ولم ينس الغزالي بعد أن سلّح الدولة بكل هذه الحجج والبراهين أن يذكر أنّ هذا الأمر ليس نهائياً ـ أيام السلم ـ وأنّ «الأمر منوط برأي الإمام» لئلا يسد عليه الطريق إذا بدا له أن يسالم أو يهادن أو يساوم.
وقال الدكتور كامل حسين في كتاب (أدب مصر الفاطمية):
فالقاهرة المعزية أصبحت مطمع أنظار العلماء ومحط رحال الطلاب. وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية، وأن تبسط آراءها وتعاليمها على البلدان الأخرى حتّى نرى بعض العلماء الذين كانوا ينقمون على الشيعة عامة والفاطميين خاصّة يفدون على مصر ويتأثرون ببعض الآراء التي كانت سائدة فيها. وأقرب مثل نقدمه لذلك هو الإمام الغزالي، فقد هاجم الفاطميين في كتبه: القسطاس، والمنقذ من الضلال. والمستظهري أو الرد على الباطنية وغيرها من كتبه. ولكنّه وفد على مصر في أواخر حياته ووضع كتابه (مشكاة الأنوار) متأثراً ببعض العقائد الفاطمية ولا سيما نظريتهم في ترتيب العقول. ↑
- () تاريخ أوروبا في العصور الوسطى هـ. ا. ل فشر. ↑
- () Morocco لمؤلفه Nevil Barbour. ↑
- () فجر الأندلس للدكتور حسين مونس. ↑
- () هناك من يرى أنّ يليان مغربي مصمودي من قبيلة غماره. ↑
- () المصدر السالف. ↑
- () ينبزها الإسبان بكلمة Cahva العربية الأصل. كعادتهم من التعصب، وتشويه الحقائق التاريخية. وإلاّ فإنّ «لذريق» كان أحق بهذا الاسم العاهر أو ما يناظره من الحقر والدناءة. ↑
- () «سار موسى يريد مداين على شط البحر فيها عمال صاحب الأندلس قد غلبوا عليها وعلى ما حولها وكان رأس تلك المداين مدينة يُقال لها سبتة وكان عليها وعلى ما حولها من المداين علج يسمّى يليان فقاتله موسى بن نصير فألفَى عنده عدّة وقوّة ونجدة ليست تشبه ما قبلها» أخبار مجموعة. ↑
- () الغريب أنّ أم أبي جعفر المنصور نفزية وأم عبد الرحمن الداخل كذلك. وسنرى أنّ زوجة يوسف بن تاشفين كانت نفزية ممّا يدل على مكانة نفزة. ↑
- () وفي المقتبس لابن حيان نجد ما يفيد أنّه كان يخطب على منابر الجمع بأصحابه وباقي المصلين في إمارته. ↑
- () وأصيلاً وطنجة والبصرة، ومدينة أخرى يذكرها ابن الخطيب بمدينة بني داود. ↑
- () كما في تاريخ ابن خلدون وغيره. ↑
- () في أعمال الأعلام المذكورة. وفي جغرافية البكري أنّ تاريخ الدخول كان سنة 332. ↑
- () انظر المقتبس الجزء الخامس. ↑
- () نسبة إلى الكوفة. ↑
- () ابن بقنة. هذا كان قد رام ضبط الأمر ليحيى بن إدريس، كما يقول نفسه وابن خلدون. ↑
- () وعمّه القاسم الأسير. ↑
- () ويذكر ابن خلدون أنّه كان مولى القاسم الواثق ابن محمد المعتصم ابن القاسم صاحب الجزيرة الخضراء سنة 445 إلى 450 حيث امتلكها ابن عباد منه. ويُقال أنّه كان ليحيى بن علي. ↑
- () وهو يوسف بن مخلوف التينملي وذلك بعد أن صارخ بأنّه عزم على قتل قاضيهم عياض، كما في البيان لابن عذارى. ↑
- () الذي كان قد أبلى بلاء حسناً في خدمة المرابطين وقتل مدافعاً عن الموحدين سنة 359، فتحول ولده علي هذا إلى خدمة الموحدين، بعد إسلامه، فقام بمهام الأعمال وكان من ذلك عبوره سفيراً إلى جزر اللابليار من سبتة. ↑
- () هو ادريس بن يوسف ممدوح الشاعر ابن خروف. ↑
- () إفريقية: يقصد بها تونس وما اليها. ↑
- () راجع: السريداريون. ↑
- () في معجم (لغت نامة) لدهنحدا رقم 149 ص763 ورد ما يلي: بعد مهاجرة أقوام السكا (سكا، اسكوت، اسكيت، سيت) نحو الجنوب في زمن الملك فرهاد الثاني الإشكاني (136ـ128 ق.م.) والملك أردوان الثاني (127ـ124ق.م.). فإنّه قد استقر بعضهم في زرنك وسمّيت زرنك منذ ذلك الحين باسم سكستان. ↑
- () تاريخ الطبري. ↑
- () تاريخ سيستان، ص80. ↑
- () تاريخ الطبري. ↑
- () إحياء الملوك ـ ص104ـ105. ↑
- () من أجل الاطلاع أكثر حول أحوال هؤلاء يراجع إحياء الملوك ص106ـ134. ↑
- () التاريخ العسكري لإيران، حروب عهد الصفويين، للدكتور خانبابا بياني 1353 طهران ص6ـ7. ↑
- () أحسن التواريخ: نشر سدن: ص308. ↑
- () تاريخ عالم آراي عباسي، ص99؛ أحسن التواريخ، ص310. ↑
- () يرى شاردن أنّ (السيورغال) هي نوع من الموقوفات الإرثية التي كان الملك يهبها لمن يشاء، وعادة كان يهبها إلى المقامات الدينية، ومن الطبيعي أنّه كان ينتزعها حينما تسلب منه الصلاحيات. وأملاك (السيورغال) هي بحكم الأوقاف التي تنتقل من عائلة إلى أخرى حينما تنتزع من الأولى (كتاب السياحة (سياحتنامه) لشاردن. ترجمة محمد عباسي، مجلد 8، ص420). ↑
- () أحياء الملكوك، ص161ـ162. ↑
- () يقترب معنى (التوجي گرى) من معنى جامع الجنود، وكان لفظ التواجين أو التواچيين يطلق في العصر الصفوي على الأشخاص الذين يعملون على تحشيد الجنود قبل كلّ حرب يعزم على البدء بها، إذ يسعون لهذا الغرض في جميع الولايات والمدن.ويظهر أنّ عنوان (التوچيين) تحوّل فيما بعد إلى (المحصلين) حيث ورد في كتاب (عباسنامه) ما يلي: «وصدرت الأوامر المطاعة إلى المحصلين السعاة لحشد القوات المظفرة في مشهد المقدسة، وكلمة المحصلين هي استعارة لسرعة السير من البرق والريح…» (عباسنامه، محمد طاهر وحيد القزويني، طبع أراك 1329 شمسي، ص215). ↑
- () عين بديع الزمان ميرزا طوال حكمه في سيستان ثلاثة مساعدين هم الأوّل إمام قلي بيك ابن ندر خان لمدّة سنة ونصف ثمّ محمد خان تركمان (إحياء الملوك ص137) وتبعه تيمور خان استاجلو (إحياء الملوك ص189؛ عالم أراي عباسي ص137). ↑
- () يذكر مؤلف إحياء الملوك موضع آخر من كتابه (ص192) أنّ مدّة حكم بديع الزمان ميرزا كانت اثنين وعشرين سنة ويكتب أنّه لم يؤذِ أحداً طوال هذه الفترة. ↑
- () إحياء الملوك، ص165 و169. ↑
- () (تاريخ عالم آراي عباسي)، ص136ـ137 و210؛ إحياء الملوك ص189ـ192. ↑
- () إحياء الملوك ص191ـ192. ↑
- () قد ورد في (عالم أراي عباسي) ص206 و216 ذكر شخص باسم مرشد قلي سلطان استاجلو حاكم سيستان في عصر الملك إسماعيل الثاني. ↑
- () إحياء الملوك ص198. ↑
- () عالم آراي عباسي: ص478ـ479. ↑
- () يكتب الملك شاه حسين السيستاني من ص484 من (عالم آراي عباسي) بهذا الخصوص قائلاً: «… وقال بعض المفسدين وأعداء سيستان من المغرضين بأنّ أبناء الملوك والأهالي في سيستان لن يكفوا عن مطالبتهم ما دام الملك محمود في قيد الحياة، وتقبل رستم ميرزا ببصيرته العارية من الصواب قول أهل العناد هؤلاء، وعمد في الليلة الأخيرة من شهر شعبان وأوّل شهر رمضان عام 998هـ إلى الإيقاع بالملك محمود و بالفعل فقد استطاع القضاء عليه، ولحق به من ذلك العار إلى الأبد، أسفاً على الكرم الذي افتقد، والإحسان الذي اندثر والجود والسخاء اللذين نسخا والمروءة التي ولّت إلى غير رجعة. مات عن عمر 63 سنة، أمضى منها أربعين سنة زعيماً في سيستان و اثنتي عشرة سنة حاكماً لسيستان، وضربت باسمه النقد في الأربعة أشهر الأولى وخطب باسمه… (إحياء الملوك ص(300ـ301)). ↑
- () روضة الصفا، ج8، ص278. ↑
- () عالم آري عباسي، ص487. ↑
- () عالم آري عباسي، ص576 و1087. ↑
- () سفرنامه بابتيست تاڤرنيه، ترجمة أبو تراب النوري، 1326 أصفهان، ص359. ↑
- () في البلاط الملكي الإيراني (در دربار شاهنشاه إيران) لانكلبرت كميڤر، ترجمة كيكاوس جهانداري، 1350 طهران ص161. ↑
- () (سياحتنامه شاردن) المجلد الخامس، ص257. ↑
- () تذكرة الملوك، باهتمام محمد جبير سياقي، 1332، طهران ص82. ↑
- () إحياء الملوك ص220، نقلاً عن كتاب السياسة والاقتصاد في العصر الصفوي للدكتور باستاني باريزي ص110. ↑
- () إحياء الملوك، ص441. ↑
- () عباس نامه ص103. ↑
- () «سفرنامه شاردن» ج4، ص60. ↑
- () نفس المصدر، ج4، ص362. ↑
- () «سقوط أصفهان»، تقارير لبطرس دي سركيس گيلا ننتز، ترجمة محمد مهيار 1344 أصفهان، ص53، و98. ↑
- () تطرقنا في مقالتنا هذه لذكر اسمين الملك محمود السيستاني فالاول هو المعاصر للملك إسماعيل الأوّل وطهماسب والثاني هو المعاصر للملك محمد خدابنده والملك عباس الأوّل. ↑
- () تاريخ إيران، للجنرال السيربرسي سايكس، ترجمة سيد محمد تقي فخر داعي گيلاني، 1335هـ ش طهران، ج2، ص356. ↑
- () تاريخ أيران، للجنرال سايكس، ص386-389. ↑
- () تاريخ نادر شاه “نادرنامه” لمحمد شفيع الطهراني”داور” باهتمام رضا الشعباني،1349هـ. ش طهران،ص16-17. ↑
- () قوله: قل هو الله أحد خوان؛ هو لقب محمد بن أبي نصر؛ ومعناه قارئ هذه السورة. ↑
- () راجع ترجمته المفصلة في (مستدركات أعيان الشيعة). ↑
- () ↑
- () حركة شعبية يقودها رجال دين وقعت في زمان السلطان محمود الغزنوي و(السربداران) تعني رؤوس على اعواد المشانق. ↑
- () تكتب هكذا وتلفظ بحذف الواو. ↑
- () أحد المؤرخين الإيرانيين المعروفين. ↑
- () وهي حركة فدائية مسلحة أسّست ضد المغول وهدفها التحرّر من سلطة المغول، ويعني اسمها في العربية «حركة أصحاب الرؤوس المرفوعة على المشانق» وسر بدار سلالة إيرانية كان منها ملوك بسطوا سلطتهم على قسم واسع من بلاد خراسان. اتخذوا سبزوار قاعدة لهم. والكلمة تتكوّن من شقين: سر يعني رأس. و«بدار» يعني المشنقة. ↑
- () هذه العبارة موجودة من المقالة الفارسية هكذا: وبه «تهوركاري أزيش بردتد» فتمّ تعريبها بتصرف. علماً أنها ليست لكاتب المقال هذا. ↑
- () أحد المؤرخين الإيرانيين المعروفين. ↑
- () كذلك. ↑
- () تكتب هكذا وتلفظ بحذف الألف. ↑
- () إسماعيل مهجوري، تاريخ مازندران، ساري، دون ذكر تاريخ الطبع، الجزء الأول، ص89 وما بعدها وكذلك كتاب «علويان طبرستان». ↑
- () المرعشي ص337، وفي (ذيل ظفرنامه شامي) يكتب حافظ أبدو ما يلي: «يُرجع السيد قوام الدين نسبه إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام. (ذيل ظفرنامه شامي) تصحيح بهمن كريمي، طهران صفحة 35. ↑
- () (دولتشاه سمرقندي، تذكرة الشعراء، تصحيح إدوارد برون، ليدن 1900م، ص282). ↑
- () يذكر القاضي نور الله الشوشتري أنّ المعركة دارت رحاها في قرية دابويه، مجالس المؤمنين، ج2، ص389. ↑
- () نصر الله الفلسفي، «زندكي شاه عباس أول». من منشورات جامعة طهران الجزء الأول، ص153. ↑
- () معين الدين نطنزي، منتخب التواريخ، ص228. ↑
- () خواندمير، حبيب السير، الجزء الثالث، المجلد الثالث، ص9ـ10. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () منتخب التواريخ ص229ـ230. ↑
- () جغرافيا تاريخي سرزمنيهاي خلافت شرقي ـ تأليف لسترنج ترجمة عرفان ص421. ↑
- () فرهنگ جغرافيائي إيراني المجلد 9 ص212. ↑
- () (بارتولد) أبياري درتركستان ـ ترجمة كريم كشاورز الطبعة الأولى آذرماه 1350 ص60. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد 1350 ص29. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد ص53. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد ص53. ↑
- () اختلف في نهاية علي بن المؤيد، فقيل إنّ تيمور قد قتله (ح). ↑
- () يتفرغ اليوم المؤرخ العربي السوري الدكتور سهيل زكار لتدوين تاريخ الغزوة الصليبية تدويناً جامعاً. والدكتور زكار من أفضل من يقومون بهذا الأمر. ↑
- () د: 507. ↑
- () البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية الاولى للسيطرة عليه (نصوص جديدة مستخلصة من مشاهدات المؤرخ اليمني «بامخرمة» كما سجلها في مخطوط «قلادة النحر»)، دراسة وتحقيق الدكتور محمد عبد العال أحمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية 1980. ↑
- () هو وجيه الدين أبو عبدالله عبد الرحمن بن علي الشيباني الزبيدي المعروف بابن الديبع (866/1461 ـ 944ـ1537). ↑
- () البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية: 97. ↑
- () المصدر السابق”: 119. ↑
- () هو عفيف الدين أبو محمد عبدالله بن عبد الله بامخرمة الحميري الشيباني الهجراني الحضرمي العدني (870/1465 ـ 947/1540). ↑
- () المصدر السابق: 197. ↑
- () المصدر السابق: 22. ↑
- () هو قطب الدين محمد بن أحمد النهروالي المكي (197/1511 ـ 990/1582). ↑
- () الفتح المبين: 284. ↑
- () انظر إشارتي ابن الديبع وبامخرمة، سبق ذكرهما، وانظر أيضاً: البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية: 71. ↑
- () هو السلطان برغش بن سعيد بن سلطان (1870ـ1888) أحد سلاطين زنجبار، وقد شهد عهده مزيداً من التدخل البريطاني في زنجبار، اشتهر عنه حدّة طبع وعرف بالكفاءة الإدارية (انظر أخباره في: مذكرات أميرة: 259 وما بعدها؛ جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار لسعيد المغيري، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي بعمان، 1979: 226 وما بعدها). ↑
- () هو القسم يحيى لويس صابونجي (1838ـ1928) صحفي ورحالة أنشأ مجلة «النحلة» في بيروت، وعمل أستاذ في المدرسة الكبرى بروما وكان عضواً في الجمعية العلمية الآسيوية الملكية. (انظر: تنزيه الأبصار: 233). ↑
- () تزوجت سالمة بنت سعيد بن سلطان من تاجر ألماني وتنصرت وتسمت باسم الأميرة إميلي رويت، ونشرت مذكراتها ببرلين عام 1886 دونت فيها آراء انتقادية هامة للحضارة الأوروبية. (انظر: مذكرات أميرة عربية). ↑
- () المصدر السابق: 18. ↑
- ()Prestage. E., Chapters in Ahglo Portuguese Relations, Watford 1935, p. 173. ↑
- () Boxer, C.R., The Portuguese Sea Borne Empire London 1969, P. 44. ↑
- () نفسه، ص73. ↑
- () نفسه، ص46، 47. ↑
- () نفسه، ص57. ↑
- () نفسه، ص48. ↑
- () نفسه ص58ـ59. ↑
- () Lonsdale A., Merchant Adventurers in the East, London, 1980, P. A39. ↑
- () Boxer, PP. 66, 69. ↑
- () نفسهن ص80. ↑
- () لقد اتّسم العصر السعدي بمميزات خاصة بالمقارنة مع العصر الوطاسي، وأهم هذه المميزات رجوع الأمن إلى المنطقة (فاس ونواحيها) كما رجع إلى جل أنحاء المغرب، تزايد المقاومة ضد الاحتلال المسيحي للشواطئ المغربية وتفرّعها إلى مقاومة شعبية تحت رئاسة المشايخ والزوايا ومقاومة رسمية سعدية، تغيّر الاوضاع الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية بالمنطقة واتخاذها صبغة التطور والازدهار.والحقيقة أنّ فكرة رجوع الأمن ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ـ نسبية، لأنّه إذا قارنا الوضع في ناحية فاس وفي المدينة أيام الوطاسيين والوضع أيام السعديين لاحظنا أنّ الفرق بين الحالتين ضعيف، ذلك أنّ الحكم المركزي الوطاسي كان بافس وبذلك كان ـ رغم ضعفه ـ يستطيع فرض الأمن بالمدينة والبوادي القريبة منها. أمّا في العهد السعدي، حيث أصبحت مدينة فاس المركز الثاني بعد مراكش، كان الوضع أكثر أمناً من الوضع في العهد الوطاسي ولكن لفترات معينة فقط ذلك أنّه كثيراً ما قلّ بها الأمن واضطربت الاحوال. فعلى كلّ حال عرفت فاس فترة طويلة من الأمن أيام الغالب ثمّ أيام المنصور، وقد استطاع رجال العلم بالمنطقة طوال هذه الفترة أن يستغلوا الظرف بالاتصال والتعرّض وتبادل الخبرات والأفكار.
أمّا الميزة الثانية للعصر التي أدّت إلى تشابه سمات الفكر في فاس وبواديها وباقي المغرب فهي تزايد المقاومة وبالتالي تكتل رجال العلم وراء فكرة الجهاد والدفاع عن المكتسبات الدينية. لقد أصبح دور الشيوخ لا يقتصر على تلقين الأفكار والحضر والأوراد، وإنّما أخذوا يبثون الحماس الديني والحمية الوطنية في نفوس أتباعهم مهيئين أفواجاً من المتطوعين لقتال المحتلين المسيحيين. فنال الشيوخ ثقة العامة بحسب سلوكهم وسعيهم المتواصل لتأمين السبيل «وحماية المظلومين وإيواء الفقراء وأبناء السبيل».
وقد أدّى ذلك بالعامة إلى إحاطة الشيوخ بهالات القداسة والإكبار وبالتالي السماح لهم بالتدخل في الأحداث الزمنية بالهمة والعزيمة. ونتيجة لكلّ هذا أنّهم زرعوا في العصر روحاً تقرب بين العامة والعلماء في فاس وبواديها أو في أي منطقة أخرى من مناطق المغرب، ومن هنا كان تشابه المواضيع التي كان العلماء سواء في البادية أو في المدينة يتطرقون إليها.
أمّا السمة الثالثة التي اتصف بها العصر فهي قوّة الحكم المركزي وتكاثر السكان في المدن وبالتالي تطوّر المجتمع فيهما. فكانت ظاهرة التقدم الاقتصادي تعطي للإنتاج الأدبي والعلمي شكلاً وطابعاً خاصاً لم يكن يعرفه قبل ذلك اليوم، قال ابن خلدون: إنّ العلوم إنّما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
فالأمن الذي أتاحه السعديون لسكان المنطقة أدّى إلى تزايد العمران، وبتزايد العمران تزايد انتشار العلم، لأنّ العلم وكما أشار ابن خلدون «أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرّف في خاصية الإنسان وهي العلوم…».
وقد كان للحكام السعديين، أي للحكم الزمني كذلك، إلى جانب المشايخ، دور في تقارب وتشابه الأنماط العلمية التي عرفتها المدن والبوادي في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين. ذلك أنّ السعديين ساهموا في تأمين البوادي، قال ابن القاضي في المنتقى المقصور: «فقد عمل على تمهيد الطرق للمسافرين بعمارة المنازل والأماكن المخوفة بإنزال أهل الخصاص وخيام أمر بسكناها على الطريق وبين المنزلة والمنزلة. فأصبح الاتصال بين مدينة فاس وباديتها سهلاً ممّا يفسّر تشابه العلوم والمواضيع المدروسة عند علماء كلّ منهما.
كما كان الملوك السعديون يحضرون مجالس الدارسة ويعطون آراءهم فيها، وكان المنصور مثلاً يقرب إليه العلماء وفي نفس الوقت يجعلهم يجتمعون في معرض واحد ويتبادلون الخبرات والأفكار ويحضّهم على التأليف في مواضيع شتى. ↑
- () إسماعيل سرهنك في كتاب (تاريخ دول المغرب) ص70ـ73. ↑
- () ظلّت تحمل اسم آنفا حتّى سنة 873هـ (1468م) حين احتلها البرتغاليون فهدموها وبنوا مكانها مدينة جديدة سمّوها باللغة البرتغالية بما تعريبه (الدار البيضاء) هي أكبر مدينة في شمال إفريقيا يزيد عدد سكانها على المليونين. ↑
- () مليلة أو مليلته: من أكبر ثغور المغرب تقع على البحر المتوسط في منتصف الطريق بين وهران وسبتة. وهي اليوم جيب إسباني يقطنها أكثر من 80 ألف من الإسبان وعدد قليل من المغاربة. وقد جعل منها الإسبان قاعدة عسكرية ومركزاً من أهم مراكز الصيد ويرجع تاريخ الوجود الاستعماري الإسباني في المغرب إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، حيث قامت جماعة من المغامرين الاسبانيين من الجزر الخالدات باحتلال أوّل بقعة من المغرب تقع بناحية السوس الأقصى وشيّدت فوقها برجاً أطلقت عليه اسم سانتا كروز دي ماربيكينيا Sante Cruz de Mar Pequena (الصليب المقدس بالبحر الصغير). وكان ذلك سنة 1476. وكانت البرتغال الدولة الأولى التي احتلت أوّل مدينة مغربية هي مدينة سبتة سنة 1415، ثمّ احتلت مدينة القصر الصغير سنة 1458 ثمّ مدينتي أصيلا وطنجة سنة 1471. ↑
- () قال الدكتور إدريس خليفة: في العدد 326 من مجلة دعوة الحق المغربية من مقال له: مرحلة دفاع المغرب عن نفسه وضمن حدوده التاريخية بعد سقوط الأندلس، وتميز بمحاولات حربية مستمرة من قبل الدولتين: «إسبانيا» و«البرتغال» لاحتلال المغرب، انطلاقاً من شواطئه المتوسطية والأطلسية كثأر تاريخي للدولتين على المغرب، الذي ظل بالأندلس طيلة ثمانية قرون، يحميها ويمدّها بحضارته وكيانه الفكري والعلمي والبشري والاستراتيجي.وكان من غايات الحملة على المغرب القضاء على الإسلام، ونشر المسيحية في ربوعه، كما يؤكده الكاتب الإسباني (طوماس فيغيراس)، وهي السياسة التي خطط لها الملكان الكاثوليكيان: (Les Reyes Catholicos) منذ القرن الخامس عشر للميلاد، وقام على تنفيذها رجل الدولة الإسباني الداهية الماكر (Cisneros)، وكانت لا تستثنى من غاياتها العمل على الاستيلاء على البقاع الإسلامية المقدسة
وفي هذا النطاق تركت الملكة الكاثوليكية (إيزابيلا) وصية لها، وعملت السلطة البابوية المسيحية في مجال التنسيق بين الدولتين، وتقسيم مناطق النفوذ بينهما لما فيه صلاح الكنيسة الكاثوليكية. وقد وقعت الدولتان لهذا الغرض معاهدة (Alcoçovas) بتاريخ 4 شتنبر 1479، التي اعترفت فيها البرتغال للدولة الإسبانية بالحق في غزو مملكة فاس، ومعاهدة (طليطلة) بتاريخ 6 مارس 1480، التي تخلت فيها البرتغال لجارتها عن (جزر الكنارياس)، وتخلت الأخرى لجارتها عن أراضي (مملكة فاس).
وجاءت بعد ذلك اتفاقية (طردسياس) Tordesillas لعام 1494، التي أكدت نفس الاتجاه، وإن كان من الملاحظ أن كل دولة كانت تسابق الدولة الأخرى بموافقه ومباركة من سلطان البابا لاحتلال أي موقع مغربي يمكن احتلاله..
وفي إطار هذه السياسة التي كانت معززة بجيوش جرارة مدربة، وأساطيل قوية معبأة، وقواد عسكريين ممتازين، بجد، ومهارة، وتخطيط، وأمن، تنعم به الدولتان الاستعماريتان، وتصور واضح لهيمنتهما على العالم بعد نهاية عصر الاسترداد كانت الحملات التي شنتها الدولتان على المغرب، واحتلال عدد من المواقع الشاطئية فيه.
وأول هذه العمليات كانت عملية احتلال مدينة «سبتة» عام 818هـ ـ 1415م من قبل دولة البرتغال، وبقوا هم المحتلين لها إلى عام 1580 عندما انتزعها الإسبان منهم بعد هزيمة البرتغاليين في معركة (وادي المخازن)، ثم محاولة احتلال «العرائش» عام 1418م، وهجومهم على «تطوان» عام 1435م، وعلى «طنجة» عام 1437، وتخريبهم مدينة «تطوان» في بداية القرن التاسع الهجري، واحتلال «القصر الصغير» عام 1458، وكانت منهم محاولة أخرى لاحتلال «طنجة» عام 1463 أو 1464م.
وفي عام 1468 هاجموا «آنفا» واحتلوها، ثم تخلوا عنها بعد ما هدموا أسوارها، وهاجموا «أصيلا» عام 1471م، واحتلوا «طنجة» عام 1471م، واستمر احتلالهم لها إلى عام 1662م حين سلموها كصداق لزواج الملك الإنجليزي (شارل الثالث) بالأميرة (كاثرين دي براغانزا) البرتغالية، واحتلوا «أكادير» عام 910هـ – 1505م، وبنوا بها حصنا سموه (فونتي)، واحتلوا آسفي عام 918هـ – س1507م، «آزمور» عام 919هـ – 1513م، وثغر «المعمورة» (المهدية) عام 921هـ – (1515م).
وفي عام 986هـ ـ 4 غشت 1578 كانت «معركة وادي المخازن الكبرى» بين البرتغاليين بقيادة عميدهم الملك (سبستيان) والمغاربة بقيادة البطل (عبد الملك السعدي)، والتي انتصر فيها المغاربة انتصارا ساحقا كان سببا في أفول جدولة البرتغال، والقضاء على ملكهم. ↑
- () أقرب ثغر مغربي إلى الشاطئ الإسباني بحيث لا تتجاوز المسافة بين الضفتين 16 ميلاً. وهي تقع على بُعد 60 كلم شمال تطوان. وهي أوّل مدينة استولى عليها البرتغال ثمّ استولى عليها الإسبان بعد ذلك ولا تزال في احتلاهم، فهي جيب إسباني في المغرب، ويسكنها نحو 65 ألفاً من الإسبان ونحو ستة آلاف من المغاربة. ↑
- () يقع على بُعد 24 كلم جنوب طنجة، بين سبتة وطنجة. وليس فيه اليوم سوى بقايا أطلال. ↑
- () أثيلا: تقع على الشاطئ الأطلنطي بين طنجة والعرائش، على بُعد 49 كلم من طنجة. ↑
- () السياسة والمجتمع في العهد السعدي. ↑
- () تقع أزمور على ضفة أم الربيع قرب مصبّه في المحيط الأطلنطي. ↑
- () السياسة والمجتمع في العصر السعدي. ↑
- () المغرب عبر التاريخ ج2، ص242. ↑
- () ن.م. ↑
- () ص343. ↑
- () نزهة الأخبار ص105. ↑
- () درعة: مدينة وولاية خصبة في جنوب المغرب الأقصى وراء جبال الأطلس، تقع شرقي إقليم السوس ويخترقها نهر طويل يعرف بوادي درعة، يصبّ في المحيط الأطلسي بالغرب من رأس نون. وكانت ولاية درعة في العصور الوسطى الإسلامية محطة تجارية مزدهرة ولا سيما في واردات السودان من الذهب والفضة، كما كانت مركزاً علمياً اشتهر بعلمائه وزواياه، وناهيك بالزاوية الناصرية ومكتبتها الشهيرة. وإليها ينسب أبو زيد نصر بن علي بن محمد الدرعي وال أبو الحسن الدرعي. وسكان درعة خليط من العرب وبربر صناهاجة، والحياة الزراعية معتمد سكان واحات درعة. وينحصر المجال الزراعي بواحات وادي درعة في الشريط الرسوبي الضيق الذي تكون على ضفاف نهر درعة. ومن طرائف الشعر قول شاعر في درعة:يطوف السحاب بدرعة كما
يطوف الحجيج بالبيت الحرام
تريد النزول فلم تستطع
لسفك الدماء وأكل الحرام
وقد كانت لها أهمية محدودة قبل العصر السعدي في الثقافة والعلم، ولم تكن سوى منطقة زراعية مهمة، وبقيام الدولة السعدية صارت من مراكز النشاط الفكري وخرج منها العديد من العلماء المؤلفين. ↑
- () ج2، ص242، ط3. ↑
- () السوس يطلق على ناحية كبرى من نواحي جنوب المغرب بين الأطلسين الكبير والصغير في مساحة تقدر بنحو 20 ألف كلم مربع. ويطلق هذا الاسم أيضاً على وادي كبير ينحدر من الأطلس الكبير وينصب جنوب أگادير في المحيط الأطلسي. ↑
- () محمد بن مبارك هو تلميذ الإمام الجزولي، وكانت له سلطة روحية كبيرة على سكان السوس وكانت له في (آقا) زاوية شهيرة. ↑
- () تارودانت: من أقدم مدن المغرب احتلها المرابطون عند زحفهم عن المغرب إلى الصحراء، وحاصرها الموحدون، وكانت شبه مستقلة أيام المرينيين، ويوجد فيها مسجد يعد من أعظم مساجد الشمال الإفريقي بني في عهد السعديين تبلغ مساحته 2500 م.م. وأنشأ فيها السعديون معامل السكر الذي كانت تنتجه بمقادير وافرة. وقد اتخذها محمد المهدي السعدي في أوّل الأمر عاصمة له وسمّاها المحمدية واستقرّ بها عدد من الملوك بعده. تقع على بُعد 83 ك. م. جنوب أگادير و245 جنوب مراكش عبر الأطلس الكبير.وتعتبر مدينة تارودانت من الحواضر التي لها ذكر ووجود فعّال في أغلب مراحل التاريخ المغربي، فهي تقع في طريق التجارة مع السودان الغربي ودول الصحراء الكبرى، وبها يقيم نواب الحكومات المركزية من الأمراء والخلفاء والقواد، ممّا جعلها تكوّن حاضرة بلاد السوس الأقصى وعاصمتها التقليدية.
ومع بزوغ فجر الدولة السعدية طغت المدينة مرّة أخرى على ساحة الأحداث، فكانت مهد الدعوة، ومنطلق الفتوحات، فنالها السعد بذلك، حيث جدّدت معالمها، وأسّست بناياتها و حصونها، وشيّدت منارات العلم والعبادة في جنباتها، فاستبدلت البلى والخرائب بحسن العمارة ونضارة الجنان والحدائق، وورد إليها مهرة العمال وأرباب الصنائع، كما نفقت فيها سوق العلم بتوارد مشاهير العلماء والقرّاء، وامتلأت مساجدها ومدارسها بالطلبة الأفاقيين، فأصبحت منتدى الأدباء، ومقصد النجباء، فكان ذلك كلّه فاتحة عهد جديد في تاريخ هذه المدينة العريقة، حيث نشطت الحركة الفكرية والعلمية والاقتصادية بانتعاش السياسة.
وكما هو الشأن في جميع الحواضر، فإنّ التعليم بمدينة تارودانت يرتبط بالمساجد والكتاتيب وأشهر هذه المساجد ثلاثة:
ـ جامع القصبة. وجامع القصبة قد يكون أوّل مسجد أسّس بهذه المدينة، لأنّ القصبة السلطانية لها ذكر في العهد المرابطي والموحدي، ومن غير المعقول أن تخلو من مسجد. وإلى اليوم يعتبر مسجد القصبة من المساجد الجامعة بالمدينة.
ـ ومسجد مجمع الأحباب. ويلي مسجد القصبة مجمع الأحباب، الذي يدعى في الوثائق التاريخية «بالمسجد الجديد»، تلحق به مدرسة عتيقة تلاصق مقصورة النساء إلى جهة الباب الشمالي. وقد اندثرت هذه المدرسة اليوم، وأضحت مساكن حبسية. ومن ملحقات هذا المسجد أيضاً خزانة كتب عتيقة.
ـ والجامع الكبير. ويقع الجامع الكبير في الجهة الشرقية من المدينة، وإليه تنسب الحارة القريبة منه، وحوله من جميع الجهات مساكن العلماء والطلبة والبيوتات الكبرى، وكلّ من دخله يعجب من اتساعه واتساق زخارفه.
ولا يعرف تاريخ بنائه، ولعل العمل الذي قام به محمد الشيخ السعدي هو تجديد بنائه وتوسيع جنباته…». يقول الدكتور محمد حجي عن عمل محمد الشيخ السعدي:
وقد بالغ في زخرفته حتّى أضحى أعظم وأفخم من جامعي المواسين وباب دكالة المستحدثين فيما بعد في مراكش. ↑
- () مدينة كبرى من مدن الساحل الأطلسي أسّست قصبتها في أوائل القرن العاشر. واحتلها البرتغاليون سنة 917هـ ثمّ حرّرها السعديون فأعادوا بناءها وشيّدوا قصبتها الشهيرة التي كان يشرف الناظر منها على سهول السوس. وقد دمّرها عن آخرها الزلزال في 24 شباط سنة 1960 فأصحبت أثراً بعد عين. ولكنّها استعادت حياتها فأعيد بناؤها من جديد وأصبحت خلال سنوات من أحسن المدن الساحلية في المغرب. ↑
- () تقع على الشاطئ الأطلسي. احتلها البرتغاليون مراراً خلال القرن العاشر الهجري وقامت بدور مهم في حركة طرد البرتغاليين من الشواطئ خلال العصر السعدي. كما كانت مركزاً مهماً للعلاقات التجارية بين المغرب وأوروبا خلال عهد السعديين. وظلّت أهم ميناء في المغرب إلى أوائل القرن العشرين. وتعدّ اليوم من أعظم موانئ صيد السمك في العالم وتجفيفه وتصديره إلى سائر أطراف المعمورة. وفيها أكثر من مئة معمل (للسردين). وفيها مدرسة بحرية لتخريج الضباط والفنيين البحريين. تقع على بُعد 155 ك.م. من مدينة مراكش. ↑
- () الوطاسيون (بنو وطاس) هم الذين كان لهم الحكم قبل السعديين. ↑
- () يقال له أيضاً محمد الشيخ، وأحياناً: محمد الشيخ المهدي. ↑
- () مكناس، أو مكناسة الزيتون: من كبريات مدن المغرب. يرجع تاريخ تأسيسها إلى القرون الهجرية الأولى، وفي العهد المريني اتّسعت عمارتها. وقد اتّخذها المولى إسماعيل عاصمة لمملكته، وظلّت عاصمة مدّة نصف قرن. ↑
- () تازة: من أقدم المدن المغربية تقع بين فاس ووجدة بين الأطلس المتوسط وجبال الريف، اتّخذها الحسن بن إدريس الثاني مقراً حربياً له ثمّ اعتنى بها عبد المؤمن الموحدي وخلفاؤه فجعلوها حصناً منيعاً. تقع على بُعد 120 كلم شرق فاس و255 من وجدة. ↑
- () تادلا: تقع على بُعد 300 كلم جنوب شرق البيضاء، وهي مركز زراعي على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع. ↑
- () كذلك كان اهتمام السعديين بالشؤون السياسية وبأمور العمران كبيراً، ذلك أنّهم حاولوا خلق جو أمين وسلكوا في ذلك طرقاً خاصة بهم، وقد يعتبر المؤرخون حالياً أنّ العصر السعدي، على العموم كان، وبمقارنة مع العصر الوطاسي، عصراً عمّ فيه الامن والاستقرار السياسي، ممّا ساعد على الاهتمام بالعمران والتشييد.وقد كان هذا العمران موجهاً توجيهاً خاصاً يخضع لمتطلبات السياسة السعدية، فشيّدت القصور وأصلحت الأسوار وبنيت الزوايا والأضرحة كما شيّدت القناطر ورمّمت السدود. رغم قلّة الوثائق الخاصّة بذلك، يظهر أنّ السعديين كانوا يهتمون بتطوير المباني الاقتصادية كما كانوا يهتمون بتدعيم الملكية الخاصة مما يفسر موقف المنصور من إعطائه أوامر قصد إحصاء عقاري في كلّ أنحاء المغرب. ولو استطعنا الحصول على هذا الإحصاء لخرجت عدّة افتراضات حول الملكية وطرق الاستغلال ونمط العيش إلى الوجود. ↑
- () أصيلا: مدينة صغيرة على شاطئ الاطلنطي بين طنجة والعرائش، وتقع على بعد 49 كلم جنوب طنجة. ↑
- () هذا النهر فرع من نهر الكوس الذي يصب قرب العرائش. ↑
- () De Castries, Sources, France. 1, 464. ↑
- () Ibid. ↑
- () أبو راس المعسكري، الخبر المُعْرب، ص360. ↑
- () ابن القاضي، المنتقي، حسبما ورد في الأعلام للمراكشي، 4، 187. ↑
- () زياني، ترجمان، ص354. مراكشي، ن.م.وص. ↑
- () Des Castries, Op. Cit. pp. 415-419. ↑
- () p. cit, 470. ↑
- () Op. cit, 548. ↑
- () ابن العياشي، زهر البستان، ص96. ↑
- () De Castries, Sources, France 1, 550. ↑
- () زياني، ترجمان، ص355. ↑
- () De Castries, Op. Cit. p. 548. ↑
- () Op. Cit. p. 548. ↑
- () Op. Cit. p. 488. ↑
- () De Castries, Op. Cit. pp. 550-522. ↑
- () Op. Cit. p552. ↑
- () Op. Cit. p556. ↑
- () Op. Cit. p342. ↑
- () ابن العياشي، زهر البستان، ص98. المعسكري، الخبر المعرب، ص361. ↑
- () De Castries, Sources, Angleterre, 1, 354. ↑
- () De Castries, Sources, France, 1, 453. ↑
- () Op. Cit. p466. ↑
- () Funck Brentano, Encyc.de l’Islam, Art. Al-Manssour. ↑
- () De Castries, Sources, France, 3, 380. ↑
- () Champion, Le Maroc et ses Villes d’Art, p. 87. ↑
- () De Castries, Sources, Frances, 1, 396. ↑
- () Op. Cit. p. 397. ↑
- () أفرني؛ نزهة الحادي، ص145. ↑
- () هو أحمد شقيق عبد الملك الذي بويع في وادي المخازن بعد إعلان و فاة أخيه غداة المعركة، ثمّ جدّد بيعته بفاس، وكانت بيعته فيها بعد مرور عشرة أيام على قدومه إليها. وقد لقب بالمنصور. ↑
- () الروامس: الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار. ↑
- () القوانس: ج قَوْنَس: أعلى الرأس. ↑
- () عكامس: مظلم. ↑
- () العنابس: من قريش: أولاد أمية بن عبد شمس. ↑
- () الكراسد: ج كُرْدوس: كتائب الخيل. ↑
- () المداعس: الصمّ من الرماح، مفردها مِدعَسٌ. ↑
- () ربّس القربة، ملاها، ومعناها هنا نظم. ↑
- () ناس الإبل يَنُوسًها نَوْساً: ساقها. ↑
- () العويص: الحركة، القوة. ↑
- () بالأصل العرامس، ولعل الصواب ما أثبتناه. ↑
- () البراجس: ج بِرْجس: نجمٌ قيل هو المشتري ـ جمست: جمدت. ↑
- () يداعس: يدافع. ↑
- () بالأصل: وأرم، ولعلّ الصواب ما أثبتناه. ↑
- () البِيعُ: ج بيعة: معبد اليهود والنصارى. ↑
- () المهيع: الطريق الواسع. ↑
- () العواسل: ج عاسل: ذو العمل الصالح يستحلى الثناء عليه، عوازم: ج عوزم: الناقة المسنّة. ↑
- () بالأصل الشك، ويظهر أنّ الصواب الشطّ. ↑
- () قنات وقنان وقنن: ج قنة الجبل أعلاه. ↑
- () موارج: ج مارج: اللهب المختلط بسواد النار. ↑
- () السموم: الريح الحارة. ↑
- () الزرق: يُكنّى بها عن الأسنة والنّصال. بالأصل: لنعائه، ولعل الصواب ما أثبتناه. ↑
- () بطارقة: ج بطريق: قائد الروم. ↑
- () كان السودان يطلق في العرف الجغرافي القديم على مجموعة أراضي إفريقيا الغربية جنوب صحراء المغرب إلى النيجر. وفي القرن 10/16 تكوّنت عدّة ممالك من شعب البامبارا، أهمها مملكة سنغاي وعاصمتها جَنِّي، وأعظم مراكزها الثقافية تومبوكتو التي تبقت بها آلاف من المخطوطات العربية بخط مغربي حتّى الآن. وأعظم ملوك سنغاي هو ممادوتوري (تـ 1528) وهو الذي اتّخذ لقب أسكية ثمّ استعمله أعقابه. وأصلهم من صنهاجة. وكان جدّهم المذكور قد سافر إلى البقاع المقدسة فاستأذن الخليفة العباسي أن يحكم المملكة التي يدير شؤونها باسمه فأذن له. كما أنّه استفاد من وجوده بمصر فتابع بها دراسته واقتبس عنها بعض تقاليدها، وأصحب معه إلى بلاده جملة من البنائين المصريين ليساعدوه في إنجاز بعض المنشآت إذ كانت مساكن السكان عبارة عن أكواخ. وكان أغلب سكان تومبوكتو على ما تذكره بعض الروايات من أصل سجلماسي أو فاسي.على أنّ الازدهار الذي عرفته سنغاي في عهد اسكية الأكبر لم يدم طويلاً بعده، فإنّ المشاكل السياسية الداخلية بما فيها النزاع على العرش قد أضعفت من قوّة الدولة وعجلت بسحق جيوشها أمام الاكتساح السعدي، فضلاً عن تأخّرها العسكري بالقياس إلى تطورات العصر (المناهل). ↑
- () لا شك أنّ بين ما ضاع الكثير من الشعر الشيعي ولم يبق منه إلاّ القليل الذي سترى بعضه في الحديث عن تشيع السعديين. ↑
- () هو أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي ولد بفشتالة سنة 957هـ وتوفي سنة 1032هـ اتصل بالمنصور السعدي فولاه رئاسة الإنشاء في بلاطه. له كتاب (مناهل الصفا) في تاريخ السعديين، و(مدد الجيش) الذي ذيّل به (جيش التوشيح) لابن الخطيب. ↑
- () هو أبو عبدالله بن علي الهوزالي شاعر السعديين على عهد المنصور. نشأ في كنف الدولة السعدية وكانت له مشاركة في الآداب والفنون متضلعاً في اللغة، بصيراً بنقد الكلام، وكانت له مكانة في الفتوى والقضاء الذي تولاه في صدر حياته بـ (بسكتانة) وتوفي في أوائل القرن الحادي عشر(*).(*) أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجدراوي من (تادلا) ثمّ فاس درس على ابن سيد وابن الأعلم وغيرهما واشتهر بمدح عبد المؤمن الموحدي وابنه يوسف وحفيده المنصور، وقد جمع أشعاراً كثيرة ضمنها كتاباً بعنوان «صفوة الأدب وديوان العرب» على غرار الحماسة لأبي تمام. ويدعى أحياناً بالكرواني.
وكانت وفاته سنة 609. وكان عبد المؤمن معجباً به.
وكان الجراوي لا يعترف بالفضل لأحد، حتّى لقد هجا قومه بني غفجوم، وهو في ذلك أشبه ما يكون بالحطيئة الذي هجا نفسه وأسرته:
يا ابن السبيل إذا مررت بتادلا
لا تنزلن على بني غفجوم
أرض أغار بها العدو فلن ترى
إلاّ مجاوبة الصدى للبوم
|قوم طووا ذكر السماحة بينهم
لكنهم نشروا لواء اللوم
لا حظ في أموالهم ونوالهم
للسائل العافي ولا المحروم
لا يملكون إذا استبيح حريمهم
إلاّ الصراخ بدعوة المظلوم
وقد يبالغ في مدحه مبالغات ممجوجة كقوله:
على أمركم يتصرف الثقلان
وبنصركم يتعاقب الملوان
وبما يسوء عدوكم ويسركم
تتحرك الأفلاك في الدوران
جاهدتم في الليل حق جهاده
ونهضتهم بحماية الإيمان
↑ - () ↑
- () درر السمط في رثاء السبط وهو في سيرة الحسين (عليه السلام). ↑
- (). Ricard, Hespéris, 1, 2-1935 p. 822. ↑
- () المغرب عبر التاريخ ج2، ص380، ط1993. ↑
- () الباحث في المصادر التي كتبت على العهد السعدي يلاحظ ـ بالنسبة لكل المغرب ـ أنّ النشاط الفكري قد عرف مميزات خاصة إذا ما قورن مع النشاط الفكري في الفترات السابقة. لقد امتاز العلم والفكر في فاس وباديتها على العهد السعدي بصفتين: التشابه والتكامل.وبصفة عامة فإنّ العلوم لم تزدهر في عصر من العصور التاريخية في منطقة فاس ـ بما في ذلك العصر الموحدي ـ بقدر ما ازدهرت في عهد المرينيين، وفي مختلف العلوم الشرعية والأدبية والكونية والروحية، إذ كان هذا العصر هو عصرها الذهبي في منطقة فاس على الخصوص، وفي المغرب على العموم. غير أنّ هذا الازدهار سرعان ما تجمّد وتوقف بصورة مفاجئة، باستيلاء الوطاسيين على الحكم، وهي الفترة التي لم تذق فيها البلاد طعم الراحة والاستقرار، فاستولى اليأس على القلوب، ولم يعد هناك من يشجع العلم والعلماء، واكتفى من بقي يشتغل بالعلم باجترار ثقافة العصر الذي تقدمه، يقف عندها لا يتجاوزها، أو يظهر براعة أو تجديداً وهذا الشيء طبيعي، لأنّ النفوس انصرفت إلى الجهاد…
وهذا حظ عصر مليء بالاضطراب السياسي والفوضى الاجتماعية كالعصر الوطاسي. وقد يستفاد من الدراسات الحالية لمستوى الكتابات في العصر الموالي؛ أي السعدي، إنّ رجوع الأمن النسبي جعل رجال العلم ينصبوا إلى إحياء ما اندثر أو كاد، ولم يلبث الفكر المغربي أن عاوده النشاط والانتعاش، وإن كان لم يصل إلى درجة العصر المريني على كلّ حال.
ومهما يكن فإنّنا نستطيع القول ـ بوجه عام ـ أنّ هذا العصر (القرن العاشر خاصة) كان زاخراً بالعلم والعلماء وبالإنتاج الفكري العربي في مختلف العلوم الإسلامية، أصلية وفرعية، إذ تعتبر من المراجع الأصلية التي لا غنى عنها سواء في الفقه أو التفسير أو اللغة العربية وعلومها، أو في تاريخ المغرب بصفة خاصة.
وإن كنّا لا نستطيع أن نثبت أنّ التجديد والابتكار كان طابع هذا العصر فهذا لا يمنعنا من أن نؤكد أنّ هناك محاولات موفقة في هذا الجانب.
أمّا الظاهرة التي سادت سواء في فاس أو في باديتها، والتي تمثّل وجه الشبه الأوّل والأساسي بينهما حقاً، فهي العكوف على ما وصل إليه العلماء من تراث العصر الذي تقدّمه، وهو تراث قيّم ومجيد بلا شك، فكان مفكرو المنطقة خاصّة والمغرب عموماً في العصر السعدي ينكبون عليه، لفهمه والإفادة منه، ثمّ الزيادة عليه، ما وسعهم الجهد دون الخروج عن الروح التي اتّسم بها، والتقيد بالأفكار والآراء التي وصلت إليهم من الفقهاء والعلماء ورجال الدين. ↑
- () ↑
- () الطيب الوزاني في مجلة المناهل. ↑
- () من الشعر الشيعي لأبي العلاء قوله:وعلى الدهر من دماء الشهيديـ
ـن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الـ
ـحشر مستعدياً إلى الرحمن
من تشيعه تأليفه كتاباً في بعض فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ذكره ياقوت في مؤلفاته فإنّه لم يعهد لغير الشيعة التأليف في فضائله وحده. وقوله:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم
|وكم أبدى تشيعه غوي
لأجل تنسب ببلاد قم
ومعلوم أنّ الشيعة يعتبرون يوم (غدير خم)، وهو اليوم الذي خطب فيه النبي بعد عودته من حجة الوداع خطبته الشهيرة التي قال فيها: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ـ معلوم أنّ الشيعة يسمّون هذا اليوم (عيد الغدير) ويحتفلون به، وأبو العلاء يذكره هنا مقروناً بعيدي الفطر والأضحى، أي يعتبره عيداً اعتبار الشيعة له. ↑
- () كتاب «أبو العلاء» ـ تأليف أحمد تيمور «باشا» ـ ص20. ↑
- () «أبو العلاء المعرّي» ـ تيمور ص92. ↑
- () ذيم: أي لحقه الذم. ↑
- () ربَّان الحداثة: أوّل الشباب. ↑
- () الصغو: الميل إلى الشيء. ↑
- () السقب: الذكر من ولد الناقة. والغرس: جلدة رقيقة توضع على الولد ساعة يولد. ↑
- () الرأل: ولد النعام، والأنثى رألة، والجمع رئال ورئلان. التريكة: البيضة حين يخرج منها الفرخ ويتركها. ↑
- () التشاف، كالاشتفاف: أن يشرب جميع ما في الإناء. و معنى الجملة: أنّه يمكن أن يرتوي المرء من شرب القليل دون شرب ما في الإناء كلّه، أي قد يغنيك القليل الجيّد من الشعر عن الكثير الرديء كلّه، ثمّ ضرب مثالين على ذلك من أنّ الواحدة من الثمر تدلّك على جني الشجرة وأنّ النفحة من الرائحة تدلّك على خزامى الأرض، أي نباته العطر. ↑
- () الزوراء: اسم لبغداد، وهيت وتكريت: بلدتان في العراق. ↑
- () السوس: الطبيعة. ↑
- () الغفة (بضم الغين): البلغة من العيش. ↑
- () أوفت: زادت. ↑
- () المين (بفتح الميم وسكون الياء) الكذب. لا جهة له: أي لا وجه لتأويله. ↑
- () استقتال العثرة: طلب إقالتها والمغفرة منها. ↑
- () يقصد أبو العلاء هنا «أنّ اليد ربّما تنقش نقوشاً وتخط أشياء أو تمثّل تماثيل من الشمع والطين يفقد مثلها في الأعيان الموجودة المألوفة، اتفاقاً من غير قصد، لتحقيق صورة ما، والمعنى: أنّه لا ينبغي أن تناقش الشعراء في بعض ما أغربوا به من القول، بل اللائق بمذهبهم المسامحة» (شرح التنوير على سقط الزند، ج1، ص13). ↑
- () العزهاة: الرجل الذي لا يحب النساء، والزير ضده. ↑
- () الشهم: الحديد الفؤاد والزميع: النشيط المقدام. ومعنى الجمل الثلاث الأخيرة أنّه لا إنكار على الشعراء في أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس فيهم، فقد يدّعي الجبان الشجاعة، ويدّعي الكاره للنساء أنّه زير نساء، ويدّعي العاجز أنّه قوي الجنان نشيط مقدام. ↑
- () الثراء: المال. المسفوت: القليل البركة. ↑
- () يشير إلى أنّ والدته وبقية مال له قد خسرهما. قبل وصوله إلى المعرة. ↑
- () يقصد لقاء أمه. (26) سيف أصليت: صقيل ماضٍ. العنس: الإبل ↑
- () يقصد بذئاب الأنس: اللصوص والخضراء: السماء. والجدي: من بروج السماء. مسبوتاً: من السبات، أي النعاس. ↑
- () أي بعد مفارقتي دجلة عزت على أن لا أشرب الماء من نهر، وفاء بعهد دجلة، حتى كأنّني من أصحاب طالوت… ويشير بذلك إلى الآية الكريمة: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي}. ↑
- () الماء العد: الدائم الذي لا تنقطع مادته. ينقع: يرتوي. ↑
- () نسبة إلى جبل (بفتح الجيم وتشديد الباء مع ضم): بلدة في العراق بين واسط والنعمانية (أبو العلاء المعري) لأحمد تيمور باشا ـ ص95. ↑
- () زوبعة الدهور، ص14. ↑
- () الشارخ: من يكون في شرخ العمر، أي الصبا. ↑
- () تجديد ذكرى أبي العلاء ـ ص137. ↑
- () الصولي: هو أبو إسحاق الصولي وقد كان ماهراً بلعب الشطرنج، والخليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض. ↑
- () سقط الزند ـ الطبعة اللبنانية ـ ص15. ↑
- () قويق: نهر صغير معروف في حلب. وثبير: اسم لبضعة جبال في ظاهرة مكة. ↑
- () الهيجاء: الحرب. امترى: استخرج الحليب من ضرع الناقة أو غيرها. الخلف (بكسر الخاء): حلمة الضرع. الناب: الناقة المسنّة. الطبس: الشرس العسير. ↑
- () الغيل: أجمة الظباء والأسود. الضيغم: الأسد. ↑
- () السماك: كوكب نير. الثدي (بضم الثاء المشدّدة وكسر الدال وتشديد الياء): جمع ثدي. ↑
- () الندي: النادي. ↑
- () الهدي (بفتح الهاء وكسر الدال) جمع هدية والمقصود بها هنا الأضحية. ↑
- () الوفر: المال. الأنيق ناقة. جمع فصيل، ولد الناقة. ↑
- () يثري حصاكم: يكثر عددكم. الزهاء: القدر والمثال. ↑
- () في نحو نصف الطريق بين أبهر وزنجان، وسط السهل العظيم الذي يؤلف منقسم الماء بين الأنهار الفائضة غرب سفيدرود وشرق المفازة الكبرى، أطلال السلطانية، المدينة المغولية التي أنشأها أرغون خان وأتمها السلطان ألجايتو في سنة 704 (1305) وجعلها قاعدة الدولة الإيلخانية. قال أبو الفداء أنّ اسمها المغولي كان قنغرلان. وذكر المستوفى أنّ من أعمالها تسع مدن. ومحيط أسوارها 30000 خطوة. ↑
- () الرسوم الإسليمية: هي مجموعة نقوش تتألف من خطوط منحنية وملتوية وأغصان قصيرة وأوراق وزهور، وغالباً ما تستعمل هذه الرسوم في الخط والنقوش وزخارف الجص، وهي تشبه الخط الكوفي إلى حد بعيد. ↑
- () باتوخان: هو حفيد جنكيز. ↑
- () من علماء سمرقند الشيعة: الحسين بن أشكيب السمرقندي الذي عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام). ومنهم حيدر بن محمد السمرقندي الذي ذكره الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام).وفي القرن الرابع الهجري كانت العقيدة الإمامية تسير إلى جانب العقيدة الإسماعيلية، تمضي قدماً إلى الأمام في خراسان وما وراء النهر. ومن الرجال الذين تأثّروا بالتشيع الإمامي في ذلك العصر: هو العالم المعروف والمفسر الذائع الصيت محمد بن مسعود العياشي السمرقندي. وقبل أن ننقل آراء العلماء وأقوال الرجال المعروفين، بشأنه، كان من الضروري أن نؤكد هنا أنّ نفوذ التشيع وتغلغله وخاصة في ما وراء النهر لا يعود إلى القرن الرابع. بل إلى ما قبل ذلك، فبحسب الوثائق الموجودة فإنّ جماعة من أتباع الإمام الهادي (عليه السلام) كانوا يعيشون في ما وراء النهر لا سيما في سمرقند في أواسط القرن الثالث ومنهم أحد صحابته: «حسين بن اشكيب السمرقندي» إنّ وجود هؤلاء الشيعة ونشاطاتهم أدّت إلى أن يعتنق العياشي التشيع في القرن الرابع ويؤلف كتاباً علمياً ثميناً عن التشيع وهو «تفسير العياشي» ومؤلفات ثمينة أخرى لعبت دوراً هاماً في رواج التشيع وتطويره. يقول ابن النديم عن العياشي:
«… محمد بن مسعود العياشي من أهالي سمرقند. ومن فقهاء الشيعة الإمامية وكان فريد عصره في كثرة العلم وكان ذا منزلة عالية في نواحي خراسان».
ويضيف قائلاً: «صنّف العياشي 173 كتاباً على مبدأ التشيع وخمس مجلدات على أساس فقه أهل السنة وسيرة الخلفاء. إنّ مجموع مؤلفاته تبلغ 208 مجلدات فُقد وضاع منها 27 مجلداً».
والرجالي المعروف بالنجاشي يقول: إنّه كان من الشخصيات والوجوه الشيعية البارزة. ويقول الشيخ الطوسي: «… العياشي كان أعلم علماء زمانه بين علماء شرق خراسان وما وراء النهر».
وكان العياشي قد تلمذ في الكوفة وبغداد وقم على أساتذة كبار مثل علي بن فضّال ومحمد بن يزداد الرازي وجبريل بن أحمد الفاريابي وحسين بن عبد الله القمي. وتبحر في مختلف العلوم الإسلامية. ومن أساتذة العياشي، الحسين بن أشكيب السمرقندي. ومن جانب آخر فإنّ العياشي كان أستاذ «الكشي» صاحب كتاب الرجال المعروف.
ليس لدينا أي نص عن زمان ولادته ووفاته على أنّه كان معاصراً للكليني وكان حياً سنة 329 هجرية. وهو يستند في تفسيره على الأحاديث بكثرة. ↑
- () كان ظهور تيمور بعدما يزيد على 150 سنة من بداية زحف جنگيزخان. ↑
- () السلاطين في المشرق العربي ص296. ↑
- () ما بين الحاصرتين من ابن تغري بردى: «النجوم الزاهرة، ج12، ص50 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () الرتوت جمع رت وهو الرئيس والسيد (المعجم الوسيط). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () ما بين الحاصرتين من ابن تغري بردي النجوم الزاهرة ج12، ص52 (طبعة القاهرة، سنة 1956). ↑
- () ابن إياس. ↑
- () عجائب المقدور. ↑
- () كان عمرالسلطان العثماني بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين. ↑
- () النائب: هو الوالي الحاكم. ↑
- () تراجع هذه الأقوال في إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () نهاية ابن الأثير مادة (بدع). ↑
- () إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 43. ↑
- () سورة البقرة: الآية: 183. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 97. ↑
- () ص74، الموافقات ج/4. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 110. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 142. ↑
- () ص74، الموافقات ج/4. ↑
- () الموافقات، ج/4 ص75. ↑
- () الموافقات، ج/4 ص76. ↑
- () اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر، وما جاء فيه من تضعيف وتصحيح. ↑
- () المستصفى، ج1، ص135. ↑
- () البخاري، ج8 ص121. ↑
- () البخاري، ج8 ص120. ↑
- () البخاري، ج8 ص120. ↑
- () أجوبة مسائل جار الله، ص14. ↑
- () آل عمران/144. ↑
- () الموافقات، ج4 ص77 وما بعدها. ↑
- () الموافقات ج4 ص79 وما بعدها. ↑
- () الواحدي في أسباب النزول، ص268. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () أسباب النزول، ص267. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () وفيات الأعيان، ج1، ص320، ترجمة عكرمة. ↑
- () الكلمة الغراء، ص215، طبعة النجف، وهي ملحقة بكتاب الفصول المهمة. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص95. ↑
- () الكلمة الغراء، ص217. ↑
- () اقرأ مصادرها في الغدير، ج5، ص266. ↑
- () صحيح مسلم، باب فضائل علي. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الحاكم في المستدرك، ج3، ص146. ↑
- () صحيح مسلم، ج7، ص130. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص72 نقلاً عن الصواعق المحرقة. ↑
- () ج2، ص72 وما بعدها. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص199. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص199. ↑
- () يحسن لمن يرغب استيعاب رواية الباب أن يرجع إلى دلائل الصدق، ج2، آية التطهير والكلمة الغراء. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () التفسير الكبير، 10، ص144. ويؤيد هذا التقريب مساواتهم لله والرسول في وجوب طاعتهم مما يدل على أن جعل الإطاعة لهم ليس من نوع جعلها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بل هي نوع من إطاعة الله والرسول التي تجب على كل حال. ↑
- () التفسير الكبير، ج10، ص144. ↑
- () التفسير الكبير، ج10، ص146. ↑
- () روضة الناظر، ص50. ↑
- () الدراية، ص12، مطبعة النعمان، النجف. ↑
- () سلم الوصول، ص255. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- ↑
- () سورة الحجرات، الآية: 6. ↑
- () دراسات الأستاذ المحقق الخوئي، ص97. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () اقرأ ما كتبه الآمدي، ج1، ص171، من الأحكام وما ورد في الكفاية وشروحها ورسائل الشيخ حول هذه التشكيكات. ↑
- () تلاحظ هذه الأحاديث ـ بمختلف طوائفها ـ ولعلها تبلغ العشرات الوسائل ـ كتاب القضاء ـ وفي رسائل الشيخ في مبحث حجية خبر واحد. ↑
- () المستصفى، ج1، ص96. ↑
- () فوائد الأصول، ج3، ص68. ↑
- () المستصفى للغزالي، ج1، ص95. ↑
- () إرشاد الفحول، 49. ↑
- () اقرأ حقائق الأصول، ج2، ص136، وغيره. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 28. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () دراسات الأستاذ المحقق الخوئي، ص125. ↑
- () راجع تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد يوسف موسى، ص227، وما بعدها. ↑
- () الدراسات، ص125. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 110. ↑
- () سلم الوصول، ص262 وما بعدها. ↑
- () و(2) أصول الفقه للخضري، ص232 وما بعدها. ↑
- ↑
- () أصول الفقه، ص233. ↑
- () أصول الفقه، ص233. ↑
- () سلم الوصول، ص259 نقلاً عن أعلام الموقعين، ج2، ص232. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () راجع مصادره في النص والاجتهاد في قصة فدك وغيره. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص246. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص246. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 105. ↑
- () ومن هنا صرّحوا أنّ أمثال هذه الآيات لا تقبل نسخاً {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} كما صرّحوا أنّ الآيات المخبرة عن أمور تقع لا تقبل النسخ لانتهائها إلى التكذيب. راجع سلم الوصول، ص337. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص234. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص234. ↑
- () يتدفق آلاف المصلين أيام الجمعة على مساجد سنغافورة حيث يستمعون إلى خطب يتم توزيعها عن طريق الإنترنت خلال الأسبوع.وتعكس هذه الطريق غير التقليدية، استيعاب السلطات الإسلامية في الدولة الصغيرة، للتكنولوجيا واعتمادها في إدارة مساجد البلاد السبعين، بأسلوب جديد.
ويقول زكريا بوانغ المتحدث باسم المجلس الإسلامي في سنغافورة «أنّنا ننفذ ما يريده مسلمو البلاد. أصبحوا أعلى صوتاً وأوسع ثقافة ومطالبهم كثرت، وإذا لم نستجب سنتخلف».
ويرعى المجلس الشؤون الدينية لنحو 372 ألف مسلم في سنغافورة ينحدرون من أعراق مختلفة، ويشكلون نحو 15 في المئة من السكان.
ويقوم المجلس الذي أنشئ في العام 1968 باستخدام الكمبيوتر في كلّ أنشطته منذ 1996، والبريد الإلكتروني وسيلة الاتصال الرئيسة بين المجلس وبين مساجد سنغافورة، التي يتزايد عددها وتستخدم الكمبيوتر وتمّ ربطها بشبكة المجلس الإلكترونية الواسعة. ↑
- () يقول الدكتور وجيه كوثراني:أمّا علم التفسير، فقد بقي تفسيراً تجزيئياً ارتكز إلى المدلول اللفظي للآيات معزولة الواحدة عن الأخرى، فوقع في الانتقائية التي تبرر موقفاً مذهبياً أو فلسفياً معيناً من موضوع معين (كفلسفة الجبر مثلاُ)، دون الالتفات إلى آيات أخرى تعالج الموضوع نفسه. كما أنّه بقي أسير النص ومدلولاته بعيداً عن حركة الواقع وتطور التاريخ.
وفي مقابل هذا التفسير التجزيئي يقترح محمد باقر الصدر في مشروعه الذي ألمحنا إليه اعتماد منهج توحيدي وموضوعي (بالنسبة لموضوعات). وهو منهج من شأنه لو عمّم واعتمد، أن يخلق تياراً فكرياً مشجعاً على البحث التاريخي «فالمفسر التوحيدي والموضوعي ـ على حد قوله ـ لا يبدأ في علمه من النص، بل من واقع الحياة فيركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ. ثمّ يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرقاً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية. «إنّها وفقاً لذلك عملية حوار أو استنطاق للقرآن أو استجابة فعالة وتوظيفاً هادفاً للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى».
ويشدّد صاحب الفكرة على هذه النقطة بقوله: «إذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، واقع الحياة، لأنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي في القرآن فيكون عملية منعزلة عن الواقع».
ولعله من الدلالة بمكان أن يختار صاحب هذا المشروع التفسيري أوّل موضوع له للتفسير فيكون «سنن التاريخ في القرآن الكريم» حيث يقدّم منهجاً عقلانياً في فلسفة التاريخ يتعارض تماماً مع ما ينسب إلى الموقف الديني من التاريخ من أوصاف الجبرية والغيبية والسلبية وانعدام فاعلية الإنسان في صنع التاريخ وتغييب دور العوامل والظروف الموضوعية المحيطة بالإنسان.
ويرى محمد باقر الصدر أنّ المسلمين قد أضاعوا هذا المفهوم القرآني للتاريخ الذي يعتمد على النظر والتفكر والتمحيص واستبيان العوامل الوضعية المحددة والمسببة. ولم تقم في رأيه محاولات لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه إلاّ بعد ثمانية قرون. «وكان ذلك على يد ابن خلدون». ثمّ بعد أربعة قرون. «اتجه الفكر الأوروبي ـ وفقاً لقول الصدر ـ لكي يجسد هذا المفهوم الذي ضيّعه المسلمون ولم يستطيعوا أن يتوغلوا إلى أعماقه».
وممّا لا شك فيه أنّ دلالة هذا الكلام الذي يصدر عن فقيه مجدّد ومرجع في العلوم الإسلامية كبيرة جدّاً فهي تحرر العقل من قيود بعض مناهج تلك العلوم التي أعاقت نمو الفكر التاريخي. ↑
- () نهج البلاغة، خطبة 158. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 140. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 140. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 39. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 54. ↑
- () سورة يونس، الآية: 49. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 34. ↑
- () سورة الحجر، الآية: 4، 5. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 43, ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 185. ↑
- () سورة الكهف، الآيتان: 58، 59. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 45. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 25. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 18. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 76، 77. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 137. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 43. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 23. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 1. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 53. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة سبأ، الآيتان: 43، 35. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16، 17. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 66. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 96. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16، 17. ↑
- () سورة الجن، الآيتان: 16.(مشمولة في (4) التي سبقتها مباشرة. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 22. ↑
- () سورة محمد، الآية: 10. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 109. ↑
- () سورة الحج، الآية: 46. ↑
- () سورة ق، الآيتان: 36، 37. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 62. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 77. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة آل عمران، الآيات: 124، 126. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 16. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 59. ↑
- () سورة الجاثية، الآيتان: 28، 29. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 13، 14. ↑
- () سورة مريم، الآية: 93، 95. ↑
- () سورة التغابن، الآية: 9. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 13. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة الحج، الآية: 47. ↑
- () سورة المعارج، الآيات: 4، 8. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 72. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة الرعد، الآية 11. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 205. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 43. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 170. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 104. ↑
- () سورة يونس، الآية: 78. ↑
- () سورة هود، الآية: 62. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 10. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 22. ↑
- () سورة القصص، الآية: 38. ↑
- () سورة غافر، الآية: 29. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 45، 47. ↑
- () سورة الزمر، الآيتان: 17، 18. ↑
- () سورة النجم، الآية: 23. ↑
- () سورة الحشر، الآية: 14. ↑
- () سورة النور، الآية: 39. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 41. ↑
- () سورة الإسراء، الآيات: 18، 20. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 67. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 23. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 123. ↑
- () سورة الانشقاق، الآية: 6. ↑
- () سورة النجم، الآية: 23. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 23. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 34. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 146. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 33. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 34. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 75. ↑
- () سورة العلق، الآية: 6، 7. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 66. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 96. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 92. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 52. ↑
- () سورة القصص، الآية: 4. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 31. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 127. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 67. ↑
- () سورة النساء، الآية: 97. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 27. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 34. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 49 ↑
- () سورة القصص، الآية: 5. ↑
رصافة بغداد
وقبور فقهاء الشيعة
هذا المقال كان يراد به في الأصل دراسة عن رصافة بغداد، ولكن كاتبه تطرّق فيه إلى عدّة أمور مهمة صحّح فيها بعض الأوهام التي كان لا بد من تصحيحها:
إنّ لأصحابنا الشيعة ببغداد اليوم قبوراً يزورونها ومواضع يتبركون بها منها قبر بسوق السراي وآخر بسوق الهرج وثالث بسوق العطارين ولكون أكثر أصحابنا الشيعة لم يدرسوا خطط بغداد ولا تاريخ مقابرها ومساجدها سهل على جماعة من القليلي التتبع إقناعهم بأنّ هذه القبور المبهم تاريخها هي من قبور فقهائنا الشيعة الأعلام ـ رضي الله عنهم ـ وجعلوهم يزورونها ويتبركون بها ويعمرونها عند الاستهدام ويرمّونها حين الاسترمام، ويدفنون موتاهم بجوارها، ولو علم هؤلاء الصافية قلوبهم الحسنة نيابتهم من أصحاب هذي القبور؟ لكان لهم معها شأن آخر واعتقاد غير هذا الاعتقاد، ولكن أين العلماء الدارسون لتاريخ خطط بغداد ومقابرها ومساجدها فيرشدوهم إلى حقيقة تلك القبور ويبيّنوا لهم غلطات أولئك القليلي التتبع الكثيري التسرّع في البحث عن تاريخ القبور ـ رحمهم الله ـ.
طالما كنت أرى هذه الأحوال وألحظ سريان تلك الاعتقادات فأذوب أسفاً من تفشّي الجهل والبقاء على الأوهام وتصديق من لم يكن لهم علم بهذه الأمور من القوم الراحلين الذين دفعهم حسن النية بلا بينة إلى أن قالوا ما قالوا عن هذه القبور ـ عفا الله عنهم لحسن طواياهم ـ ثمّ إنّي قد درست تاريخ خطط بغداد ومقابرها وأنهارها ومساجدها ثلاث سنوات، وعرفت ما لم يعرفه أحد من أصحابنا واطلعت على تاريخ أصحاب القبور التي تزورها الشيعة ولم أزل أراقب الأحوال وأتربّص الفرص لإرشاد الغافلين وتنبيه الواهمين فكتبت عن الخلاني مقالة في مجلة لغة العرب البغدادية ومجلة العرفان الصيداوية.
أين قبر محمد بن يعقوب الكليني؟
جاء في كتاب (أحسن الوديعة) ص226 تحت عنوان (مزارات الجانب الشرقي من بغداد المعروف بالرصافة)، وقد أراد بالرصافة بغداد الشرقية الحالية ـ كما ظهر من بقية قوله في الكتاب ـ ولم يدر أنّه افتتح كلامه بغلط ابتدأه بسقط لأنّ الرصافة محلة كانت بين قبر أبي حنيفة النعمان وموضع ما كان يعرف بالبلاط الملكي على دجلة، أمّا الجانب الشرقي من بغداد الحالية فقد استحدث بعد الرصافة بزمن طويل ويسمّى في الخطط (من بغداد الشرقية) و(من الجانب الشرقي منها) و(الشرقية) ولنذكر لك الأدلة على صحة ما قلناه على الرصافة، قال ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ (رصافة بغداد بالجانب الشرقي… وخربت تلك النواحي كلّها ولم يبق إلا جامع وبلصقه مقابر الخلفاء ولولا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره).
فلو كانت الرصافة تطلق على الجانب الشرقي كله ـ على ما ذهب إليه ذلك الكتاب ـ للزم خلو الجانب الشرقي من العمارة والناس في زمن ياقوت الحموي لأنّه قال (وخربت تلك النواحي كلّها ولم يبق إلاّ الجامع وبلصقه مقابر لخلفاء بني العباس) ثمّ كيف يجوز لهذا الكاتب ذلك القول على محل الرصافة وياقوت قد ذكر أنّها (بلصق محلة أبي حنيفة وقبره) فأين قبر أبي حنيفة من بغداد الشرقية الحالية؟ ولنذكر أيضاً قول صفي الدين عبدالمؤمن بن عبدالحق الحنبلي المتوفى بعد وفاة ياقوت بـ113 سنة أي سنة 739هـ في كتابه (مراصد الاطلاع على الأمكنة والبقاع) قال (ورصافة بغداد بالجانب الشرقي… وبها تربة الخلفاء فيها قبور جماعة من الخلفاء وقد كانت انقطعت العمارة عنها فبنى عليها الإمام المستنصر بالله سوراً حسناً بالآجر)([1]).
فقوله (انقطعت العمارة عنها) مؤذن بأنّها منفردة أفيجوز القول أنّ بغداد الشرقية في زمن صفي الدين الحنبلي هي الرصافة المنفردة لاعتقاد أنّ الرصافة هي الجانب الشرقي من بغداد كلّه؟ فإنّ بغداد في زمن ياقوت الحموي ودخول ابن جبير إياها وفي عهد صفي الدين الحنبلي وقدوم ابن بطوطة إليها كان الجانب الشرقي منها مشتملاً على محلات كثيرة، قال ابن جبير([2]) (وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهور) ثمّ قال: (وأمّا الشرقية فهي اليوم دار الخلافة وكفاها بذلك شرفاً واحتفالاً ودور الخليفة مع آخرها وهي تقع منها نحو الربع أو أزيد…) ثمّ قال: (والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلاّ الله تعالى الذي أحصى كلّ شيء عدداً وبها من الجوامع ثلاثة كلّ يجمع فيها [جامع الخليفة]([3]) متصل بداره([4])… وجامع السلطان وهو خارج البلد… وجامع الرصافة وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل، وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين([5])، فيستبين المتأمل من هذا القول اكتظاظ الجانب الشرقي بالسكان إذ ذاك ويعلم أنّ جامع السلطان كان خارج بغداد في زمن ابن جبير وأنّ بين هذا الجامع وجامع المهدي بالرصافة مسافة نحو الميل فما أبعد الرصافة عن الشرقية إذن! وقد أراد ابن جبير بذكره البلد (بغداد الشرقية المسورة) وذكر أنّ لها أربعة أبواب وأنّ أوّلها وكان في أعلى الشط هو باب المعظم اليوم ثمّ باب الظفرية وهو الباب الوسطاني الحالي ثمّ يليه باب الحلبة وهو باب الطلسم الذي نسفه الأتراك بالبارود والقذائف سنة 1917م ثمّ باب البصلية ويعرف أيضاً بباب كلواذي ثمّ قال: (هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط إلى أسفله وهو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة) وهذا السور المذكور بقي بعد ابن جبير على تعاقب العصور حتّى هدم أكثره مدحت باشا ولم يبق منه اليوم إلاّ القطعة الشمالية وهي جدار قلعة بغداد الشمالي وإلاّ باب الظفرية وهو المعروف بالباب الوسطاني وإلاّ باب كلواذي وهو الذي اتّخذه الإنكليز البروتستنت كنيسة لهم بالباب الشرقي وإلاّ قطعة من سوره هي جدار حديقة أمانة العاصمة الشمالي بالباب الشرقي اليوم، وحسبنا وحسب القارىء ممّا قدمنا. تمهيداً لطريق الجدال. ثمّ قال في الكتاب عن الكليني (قال العلامة في الخلاصة: ودفن بباب الكوفة بمقبرتها، قال ابن عبدون: ورأيت قبره في صراط الطائي وعليه لوح مكتوب عليه اسمه واسم أبيه) أقول: وفي رجال النجاشي ما صورته (قال لنا أحمد بن عبدون: كنت أعرف قبره وقد درس([6]) رحمه الله) فقبر محمد الكليني كان يعرفه ابن عبدون ورأى عليه لوحاً فيه اسمه واسم أبيه ثمّ أنّه درس وعفا وزال وانمحى حتّى قال ابن عبدون الذي كان يعرفه (كنت أعرف قبره وقد درس) فقد مضى على زوال قبره وانمحائه (تسعمائة سنة) في زماننا بل أكثر فكيف يأتي أناس لا علم لهم بفن الخطط ولا تواريخ القبور فيقولون (هذا قبر فلان وذاك قبر فلان)؟ والأمر كما قال ابن عبدون واتّخذه النجاشي حجة وسنداً ولو كان له اعتراض عليه أو سمع خبراً من أهل بغداد لذكره، ثمّ جاء العصر الثامن للهجرة والقبر مجهول فإنّ العلاّمة الحلي (الحسن بن مطهر) رضي الله عنه نقل قول ابن عبدون ولم يعقبه بشيء من الاستدراك والتعليق لثبوت زوال قبر الكليني عنده رواية وتحقّقاً فإنّه لم يذكره في موضع من المواضع ولا أفاد أنّه من القبور الباقية.
ثمّ نقل في الكتاب ما صورته (وقال العلامة محمد مهدي الطباطبائي النجفي وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة وعليه قبة عظيمة وفي رجال أبي علي، وقبره معروف في بغداد الشرقية مشهور تزوره الخاصّة والعامّة في تكية المولوية وعليه شباك من الخارج إلى يسار العابر من الجسر، وقال العلامة محمد مهدي القزويني الحلي في فلك النجاة: والكليني في الجامع ممّا يلي جسر بغداد ومعه قبر آخر يُقال إنّه الكراجكي والكيدري) قلت: ومثله ما في ص 553 من روضات الجنات، فمرحى مرحى لهؤلاء: قبر درس في منتصف القرن الخامس للهجرة وبقي دارساً إلى القرن الثامن ثمّ إلى مدّة طويلة بعده فيظهر في القرون الأخيرة، وإن تعجب فعجب قول محمد مهدي الطباطبائي (وهو الآن مزار معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة) فإنّه قول يدل على جهل تام بخطط بغداد ويستدعي الشك في كلّ ما يقوله قائله من هذا الباب، ولا شك إنّك تستجهل من يقول لك (قبر الإمام موسى الكاظم في الجانب الشرقي من بغداد) أقبح الاستجهال ولكن القولين من وجهة الجهل سيان سويان، فإنّ ثبوت كون (باب الكوفة) في الجانب الغربي من بغداد كثبوت أنّ قبر الإمام موسى الكاظم في ذلك الجانب أبداً، ومن جهل إنّ باب الكوفة في الجانب الغربي حرم عليه الدخول في مثل تلك المباحث لأنّه جاهل لمبادىء خطط بغداد؛ فلا يعول على أقواله ولا يركن إلى آرائه، ولنتكلم على محل باب الكوفة ومقبرته فلا بدّ لنا من ذلك ما دام المجادل من لا علم لهم به.
أين باب الكوفة؟
ذكر الخطيب البغدادي وياقوت الحموي وابن الجوزي أنّ المنصور بنى مدينته المدورة بالجانب الغربي من دجلة وجعل لها أربعة أبواب فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة وإذا جاء من المغرب دخل من باب الشام وإذا جاء من الأهواز والبصرة وواسط واليمامة والبحرين دخل من باب البصرة وإذا جاء من المشرق دخل من باب خراسان، قال الخطيب «وجعل بين كلّ بابين ثمانية وعشرين برجاً. إلاّ بين باب البصرة وباب الكوفة فإنّه يزيد واحداً؛ وجعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع ومن باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع» ثمّ نقل رواية أخرى فقال: (قال وكيع: إنّ المدينة مدورة عليها سور مدوّر، قطرها من باب خراسان إلى باب الكوفة ألفا ذراع ومائتا ذراع ومن باب البصرة إلى باب الشام ألفا ذراع ومائتا ذراع([7]): قلت: وهذا هو الصحيح الوجيه الدال على علم بالمساحة لأنّ أقطار الدائرة متساوية وعرفان ذلك من مبادىء علم الهندسة، وإذا كان باب خراسان يقابل باب الكوفة وباب الشام مقابلاً لباب البصرة وجب أن تكون المسافتان بين كلّ بابين متقابلين متساويتين، وترتيب الأبواب إذن هكذا.
(باب البصرة ثمّ في غربه باب الكوفة ثمّ في غربه الشمالي باب الشام ثمّ في شمال باب خراسان باب البصرة فهذه دورة كاملة) قال ابن بطوطة عن غربي بغداد (ومن هذه المحلات محلة باب البصرة وبها جامع الخليفة أبي جعفر المنصور… وفي هذا الجانب الغربي من المشاهد قبر معروف الكرخي وهو في محلة باب البصرة([8])) وقال ابن جبير (وبإحدى هذه المحلات قبر معروف الكرخي([9])) وقال ياقوت في مادة قطفتا (قطفتا: بالفتح ثمّ الضم والفاء ساكنة وتاء مثناة من فوق والقصر: كلمة أعجمية… وهي محلة كبيرة ذات أسواق بالجانب الغربي من بغداد مجاورة لمقبرة الدير التي فيها قبر معروف الكرخي بينها وبين دجلة أقل من ميل([10])…) فالمفهوم من هذا أنّ محلة الفلاحات والفحامة وسوق حمادة الحالية والحصانة كانت تسمّى قطفتا وكان باب البصرة في غربها اعتماداً على خلاصة كلام ابن جبير وابن بطوطة وياقوت، ولنذكر لك موضعاً آخر كان في داخل مدينة المنصور المدورة لتعرف موضعها معرفة جيدة، فمن محلات بغداد داخل مدينة المنصور (المحلة العتيقة) وتسمّى بالسريانية (سونايا) وكان بها مسجد يدعى (مسجد العتيقة) وهو اليوم (مسجد المنطقة) في غربي بغداد في منتصف الطريق بين الكاظمية وبغداد من الجانب الغربي.
تحقيق تاريخ المنطقة
قلنا: إنّ مسجد المنطقة الحالي كان يعرف بمسجد العتيقة وكانت العتيقة تسمّى قبل بناء المنصور مدينته المدورة (سونايا) وكثير من جهال تاريخ الخطط والمقلدين لغيرهم غفلةً يدعون أنّه مسجد (براثا) ولكن:
راحت مشرقة ورحت مغربا
شتان بين مشرق ومغرب
قال صفي الدين الحنبلي كما في ص 273 من مراصد الاطلاع (العتيقة: بفتح أوّله وكسر ثانيه: محلة ببغداد بالجانب الغربي ما بين طاق الحراني إلى باب الشعير وما أفضل به من شاطىء دجلة، وإليها تنسب القنطرة العليا التي على الصراة وسمّيت العتيقة لأنّها كانت قبل بناء بغداد قرية يُقال له (سونايا) وإليها ينسب العنب الأسود ومساكن هذه القرية أماكن هذه المحلة) وقال في مادة سونايا (سونايا بضم أوّله وبعد الواو الساكنة نون وبعد الألف ياء مثناة من تحت وألف مقصورة: قرية قديمة كانت ببغداد ينسب إليها العنب الأسود دخلت في العمارة وصارت محلة من محالها وهي (العتيقة) وبها مسجد لعلي بن أبي طالب يعرف بمشهد المنطقة)([11]) كما في ص229 من المراصد وقال ياقوت (قيل: بل الحمام التي دخلها كانت بالعتيقة؛ محلة خربت أيضاً) كما في مادة براثا.
قال أبو بكر الخطيب ونقله عنه ابن الجوزي في المناقب: (وفي سوق([12]) العتيقة مسجد تغشاه الشيعة وتزوره وتعظمه وتزعم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) صلّى في ذلك الموضع ولم أرَ أحداً من أهل العلم يثبت أنّ علياً دخل بغداد ولا روي لنا في ذلك شيء غير ما أخبرنا القاضي أبو عبدالله الحسين بن علي الصيمري قال: نبأنا أحمد بن محمد بن علي الصيرفي قال: نبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر الجعابي الحافظ وذكر بغداد فقال: يُقال إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اجتاز بها إلى النهروان راجعاً منه وأنّه صلّى في مواضع منها، فإنّ صحّ ذلك فقد دخلها من كان معه من الصحابة) قال الخطيب: والمحفوظ أنّ علياً سلك طريق المدائن في ذهابه إلى النهروان، ثم قال: (حدّثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمداني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوماً عند أبي بكر بن الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلموا عليه ودفعوا إليه صرة فيها دراهم ثمّ قالوا له: أيّها القاضي إنّك جمعت أسماء محدّثي بغداد وذكرت من قدم إليها وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك، فقال: نعم يا غلام هات الكتاب، فجاء به فكتب فيه: وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يُقال أنّه قدمها. قال ابن زرقويه: فلمّأ انصرف القوم قلت له، أيّها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب من ذكره؟ فقال: هؤلاء الذين رأيتهم أو كما قال) اهـ.
قال مصطفى جواد: (لا يلزم من كون الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يمر ببغداد في حادثة النهروان أنّه لم يدخلها قط فيجوز أنّ الشيعة عنوا بدخوله إياها مروره إلى البصرة في حرب الجمل المشؤومة، والعجب العجاب من أبي بكر الخطيب الذي كان يدّعي التفرّد في الرواية كيف قال ما قال وروى ما روى وهو الذي نقل في ترجمة أبي الطفيل عامر بن واثلة خبراً مسنداً إليه بأنّه قال (سمعت عليّاً (عليه السلام) يقول بمسكن([13]). لا أغسل رأسي بغسل حتّى آتي البصرة فأحرقها ثم أسوق الناس بعصاي إلى مصر، فأتيت أبا مسعود فأخبرته فقال: إنّ عليّأً مورد الأمور مواردها ولا تحسنون أن تصدروها، علي لا يغسل رأسه ولا يأتي البصرة ولا يحرقها ولا يسوق الناس بعصاه إلى مصر عليّ رجل أصلع مثل الطست إنّما حوله مثل الشعرات (أو قال) زغيبات) اهـ.
فإنّ مصير الإمام علي (عليه السلام) إلى [مسكن] يدل على قربه من بغداد ولا يستبعد مروره بها ولا سيما وأنّه قد سار إذ ذاك إلى جهة الكوفة والبصرة، قلنا في الحاشية: إنّ مسكناً تعرف اليوم بمسجن قرب بليدة السميكة من بليدات دجيل ودونك تحرير خبرها:
مسكن وقبر مصعب بن الزبير
وإبراهيم بن الأشتر
قال صفي الدين الحنبلي كما في ص 370 من مراصد الاطلاع، ينقل كلام ياقوت في المعجم ثمّ يذكر ما يعرفه هو (مسكن بالفتح ثمّ السكون وكسر الكاف ونون… قال: وهو موضع من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق به كانت الوقعة بين عبدالملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل به مصعب وقبره هناك؛ قلت: مسكن اسم للطُّسوج الذي منه (أوانا) من أعمال دجيل والموضع الذي به قبر مصعب به على جانب دجيل الآن قرية ودير الجاثليق قريب منه) وكان قد قال في 175ـ6 ما صوّرته (دير الاثليق دير قديم البناء من طسوج (مسكن) من نواحي دجيل على غربيه على علوّ، عنده كانت الحرب بين عبدالملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل مصعب بقربه وقبره ظاهر عليه مشهد وقبة يقصد لزيارته).
قال مصطفى جواد: وقرب السميكة اليوم في طريقها إلى بغداد قبر يسمّونه (قبر الشيخ إبراهيم) والظاهر أنّه إبراهيم بن مالك الأشترك فإنّه قتل مع مصعب وربّما كانا في موضع واحد فسقط اسم مصعب ونبّه اسم إبراهيم.
رجع إلى تاريخ المنطقة
وذكر مشهد العتيقة النجاشي صاحب الرجال المعاصر لأبي بكر الخطيب، قال في ص 183 (وقرأت أنا كتاب الصيام عليه في مشهد العتيقة) وقال في ص 271 (رأيت أبا الحسن محمد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه كتاب الغيبة تصنيف محمد بن إبراهيم بن النعماني بمشهد العتيقة).
عود إلى تاريخ قبر الكليني
تقدّم أنّ باب الكوفة في الجانب الغربي من بغداد وأنّه أحد أبواب مدينة المنصور المدوَّرة التي كانت المنطقة داخلها وأنّ الحجاج والجدال فإثبات كون باب الكوفة في الجانب الغربي كالجدال لإثبات أنّ قبر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في ذلك الجانب ولذلك كان العلماء إذا قالوا (دفن فلان في مقابر الكوفة) علم العارفون أنّه في الجانب الغربي ومن ذلك قول ياقوت الحموي كما في (308:1) من معجم الأدباء بترجمة إبراهيم بن عرفة نفطويه (ودفن في مقابر باب الكوفة) وقال ابن خلكان كما في (72:2) من الوفيات بترجمة محمد بن يزيد المبرد (ودفن في مقابر باب الكوفة في دار اشتريت له) فقبر الكليني (رحمه الله) كان بالجانب الغربي وقد درس مع قبور العلماء الدارسة التي لم يحصها إلاّ الله، وبعد هذه الأدلة الواضحة لأهل الدين اليقين وذلك التفصيل الكثير المبين لا يجوز أن يُقال (إنّ القبر الذي قرب رأس الجسر من الشرق هو قبر الكليني، أمّا السؤال عن صاحب هذا القبر من هو؟ فذلك ليس من بحثنا ولا يهم أصحابنا الشيعة بعد إعلامنا إياهم أنّه ليس بقبر فقيههم العارف بالله المتأله (محمد بن يعقوب الكليني).
د. مصطفى جواد
رقَّادة
تعاقب على ملك إفريقيا الأمراء من بني الأغلب، منذ عهد إبراهيم الأوّل وبنيه وحفدته، يتخذون مدينة (العباسية) حاضرة لملكهم، وما منهم أحد إلاّ يزيد في عمارتها، ويحسّن من أبنيتها، ويستكمل مرافقها على مرّ السنين حتّى صار الأمر إلى إبراهيم الثاني بن أحمد سنة 261هـ، وقد رسخت فيها دعائم الرفاهية والرخاء، وذلك بفضل ما تمّ لها من فتوح في البحر المتوسط، فتسامت همّة إبراهيم الثاني إلى أن يتخذ له حاضرة جديدة، تُخلف (العباسية)، فطفق يبني مدينة (رقّادة) سنة 263هـ.
على أنّ رُوَاة التاريخ افترقوا في بيان السبب الذي حدا بإبراهيم الثاني على تأسيس مدينته، ويقول البكري([14]): «إنّ (إبراهيم) أرِقَ وشرد عنه النوم أياماً متتابعات، لما كان يتعهّده من داء السوداء (الماليخوليا)، فعالجه طبيبه (إسحاق بن عمران) فلم ينم، فأشار عليه الطبيب بالخروج والمشي في البرية، فلمّا وصل إلى موضع (رقّادة) نام، فسمّيت حينئذ (رقّادة)، واتّخذْت قراراً ومسكناً وموضع فرجة للملوك).
وبعضهم يزيد أنّ الذي أشار عليه بالخروج والمشي هو الطبيب (زياد بن خلفون القيرواني).
ويتسنّى لنا أن نستظهر ممّا ذكره المؤرخون السبب الحقّ لإنشاء الحاضرة الجديدة، ذلك أنّ إبراهيم حين تسنّم الإمارة، كانت إفريقيا قد بلغت المدى من قوّة الدولة العسكرية في البر والبحر، إذ كان لها أسطول في العُدّة والعديد، وأمّا الأهلون فكانوا في طمأنينة ورغد، والسابلة في أمن، والبلاد تدرّ خيراتها في ميدان الفلاحة وميدان الصناعة على السواء، وما تنتجه يروج في الآفاق، شرقاً إلى العراق، وغرباً إلى المحيط الأطلنطي، وشمالاً إلى الأصقاع الإسكندنافية، وجنوباً إلى أرض السودان. أضف إلى ذلك ازدهار العلوم والفنون في المدائن الإفريقية الكبرى، ولا سيما القيروان التي أمَّها طلاب العلم زرافات ووحداناً من بلاد الأندلس ومن أقطار الغرب، فأصبحت تلك المدينة مهبط القُصّاد من العلماء الأجلاء، والصنّاع المهرة، وأرباب الحرف والمهن والفنون من شتى الأصقاع قاصية ودانية.
لا غرو إذن أن يتّخذ إبراهيم الثاني مدينة فَتِيَّة، تكون مقراً له، وعنواناً على نهوض بلاده في العلم والفنّ والاقتصاد، ولكي تلائم ما أوتي من سعة الملك وبسطة السلطان، ولعله أضمر في نفسه أن يباري بمدينته الممالك القوية الأخرى، وربّما كان ينظر في ذلك إلى العراق وإلى مصر، فقد أنشأ المعتصم الخليفة العباسي مدين (سًرْ مَن رَأى) وأنشأ أحمد بن طولون صاحب مصر مدينة (القطائع) خارج الفسطاط.
لاحظ إبراهيم الثاني أنّ (العباسية) التي بناها جدوده، باتت لا تناظر حواضر إخوانه من ملوك العرب، ولا عواصم جيرانه من ملوك الإفرنج، فلم يكد يمضي على ولايته عام واحد، حتّى عقد عزمه على ابتناء مقرّ جديد للدولة، يباهي به نظراءه، ويوائم عصره، ويخلّد به اسمه، ويكون لخلفه من بعده، فوقع اختياره على مكان (رقّادة) وهو مكان طيب الهواء، جيّد التربة، قريب من العاصمة القيروانية الكبرى. قال البكري: «وليس بإفريقيا أعدل هواءً ولا أرق نسيماً، ولا أطيب تربة من مدينة (رقّادة)، ويُذكر أنّ من دخلها لم يزل ضاحكاً مستبشراً من غير سبب([15])…».
ويكفي أن نشير إلى أنّ مكانها كان معروفاً لمن تقدّم: «إذا كان مُنيَة للصيد، وفُسحة للأمراء، فكانوا يخرجون إليها في زمان الربيع للنزهة مع عيالهم وحريمهم»([16]).
تقع (رقّادة) في الجنوب الغربي من القيروان وتبعد عنها نحو ثمانية كيلومترات، وهي في بسيط من الأرض يحاذي مفرش وادي زرود، حيث ضريح عمر الكِناني الآن، وكان محيط دائرتها عند تأسيسها ـ بما يضاف إليها من حدائق وبساتين ـ أربعاً وعشرين ألف ذراع وأربعون ذراعاً (قرابة عشرة كيلومترات)، ثمّ اتّسعت رقعتها نحو الثلث من بعد، في أيام زيادة الله الأخير.
في خلال شهر صفر سنة 263هـ ـ تشرين الثاني سنة 876م ـ أمر إبراهيم الثاني بأن تخطّ المدينة الجديدة، ثمّ أدار بها سوراً محكماً يحيط بما ابتناه بعد ذلك من القصور والأبنية، وجعل منافذ المدينة في مدار السور سبعة أبواب، عليها صفائح الحديد، أعظمها قدراً «باب القيروان» الذي يتّجه منه إلى العاصمة.
وكان في مقدمة ما يُعنى به أمراء الأغالبة منذ تولوا الملك أن يجتلبوا الماء من ينابيعه، وإن بعدت عن الحواضر، عن طريق القنوات أو المجالب أو الحنايا وأن يتخذوا لحفظ الماء صهاريج للانتفاع بها حين احتباس الغيث، وكانت تلك القنوات والصهاريج محكمة الصنع، لتقاوم الأحداث. وإنّها لسياسة مائية رشيدة، ما كان أشدّ الحاجة إليها في بلاد لا يعوز اقتصادها الزراعي إلاّ أنّ أمطارها مختلّة النظام في إبان الزرع.
اتبع إبراهيم الثاني تلك السُّنة الحكيمة، فساق الماء إلى ربيبته «رقّادة» في قناة مشتقة من حنايا «القيروان»، فكان الماء يجري إلى المدينة الناشئة من مسافة ثمانين كيلومتر أو تزيد، واتخذ لخزن الماء صهاريج فساحاً بناها بالحجارة المنحوتة كهيئة الصناديق، على غرار الصهاريج الرومانية المتينة.
ثمّ شيّد لنفسه خاصّة قصراً فخماً عظيماً أسماه «قصر الفتح» وأرحب فيه الأبهاء للاستقبال، وأكثرَ من الحُجُرات للحَرَم والآل والأحراس، وعلى مسافة منه ابتنى قصوراً أقل شأناً من ذلك القصر العظيم، وفي مقدمة هذه القصور الأخرى قصره المسمّى «قصر الصّحن» وعلّة تسميته بذلك ـ فيما يبدو ـ أنّه احتوى على صحن في وسطه رحبة وسيعة، وكان هذان القصران يحفلان بمخادع خاصّة للحريم ومقاصير وحمّامات.
لم يفتر الأمير عن مواصلة البناء، فأنشأ «قصر بغداد» و«القصر المختار»، ومبلغ علمنا بهذين القصرين هو التسمية، ولكنّنا متحققون بأنّ هذه القصور جميعاً كان يتوسط كلاً منها بستان يختصّ به، ولا يخلو أحدهما من صهريج يواتيه بالماء.
وأنّ هذه البساتين والصهاريج لتتفاوت في رحابتها وضخامتها بتفاوت القصور في السعة والكبر.
نالت يد الحدثان من هذه القصور، حتّى عفَتْ عليها، إلاّ قليلاً من جدران «قصر البحر» ماثلة حتّى اليوم، عمد إليها بعضُ شيوخ العربان، فأجرى فيها بعض الترميم، واتّخذها سكناً، فحقّ عليها قول من قال:
إذا نظرت إلى البلاد وجدْتها
تشقَى كا تشقَى العبادُ وتسعدُ
ويناسب أن نلفت النظر إلى أن بني الأغلب كثيراً ما استعملوا في بناءاتهم أوضاعاً معمارية وأشكالاً هندسية اقتبسوها ممّن تقدّمهم من الأمم في إفريقيا، علاوة على الأمثال التي ورثوها من الحضارة الإسلامية الشرقية وأدخلوها البلاد.
ومن جملة ما قلّدوا فيه سالفيهم من الرومان والروم البيزنطيين استعمال الفُسَيْفَسَاء في فرش الغُرف وزخرفة جوانب صهاريج الماء بها ويمكن أن يشاهد ذلك إلى الآن في أنقاض رقّادة، لا سيّما في ساحة قصر «الفتح» فإنّه يوجد بقَايَا مهمة وجميلة من الفسيفساء ذات الألوان المختلفة الرسوم الهندسية وتماثيل للخمائل والزهور، وليس من شك أنّ أمراء بني الأغلب استعملوا في هذه الصناعة بقايَا الروم الذين اختاروا الإقامة في البلاد تحت ذمّة الإسلام، ولا يخفى أنّ هؤلاء النصارى بقوا على دينهم إلى أواسط القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد).
ويحتمل أيضاً أنّ الأمراء جلبوا بعضاً من أرباب تلك الصناعات من جزيرة صقلية، واستخدموهم في عمارة قصورهم ودورهم.
حدائق رقّادة
أمّا بساتين رقّادة فكانت جنات معروشات، وغير معروشات، اغترس فيها إبراهيم الثاني أصناف الأشجار والأزهار، فكان فيها ألفاف، الخمائل، وألوان الأزاهير، وربّما أتى ببعض ذلك من العدوة الإفرنية المشمولة بسلطانه.
حكى القاضي إبراهيم بن الكوفي قال([17]):
«دخلت هذه الجنان مع الأمير إبراهيم بن أحمد إلى جنان برقادة، فيه ثَمرٌ قد طاب، فأخذ الأمير بعض الثمر فناولنيه فأكلته ولم أقل شيئاً» فالتفت إليّ وقال:
«دخلت هذه الجنان ع عبدالله بن طالب (القاضي) في مثل هذا الحين، فناولته من بعض ثمره، فقال لي: «أيها الأمير، يجب عليك لله شُكران: بَلَّغَك إلى غراسته، ثمّ أكلت من ثمرته» فقلت له: «وما هذا الشُّكر؟ قال: أن تُصلّي ركعتين» فأمر ببساطين، فبسط لي واحد وله آخر، فصلينا ركعتين، ثمّ قال لي ابن طالب: «بقي أخرى. فقلت: وما هي»؟ فقال: «تبعث بصدقة إلى أهل الدمنة (مستشفى القيروان) فإنّ أهله أهل زُمانة وضعف» قال: ففعلت. ثمّ قال لي: «وبقي شُكر آخر. قلت: وما هو؟ قال: تعزل من عُمّالك من كان جائراً، وتجعل من يعدل في الرعية». قال: فأمرت بذلك. وسكت الأمير لحظة، ثمّ التفت إليَّ وقال: «ودخلتُ هذه الجنان مع غيره (من القضاة) فلمّا ناولته من ثمره، قال: الأمير يحبّ قاضيه، والرعية تمهنه. فانظر كَمْ بين الرجلين!»…
أسّس إبراهيم الثاني وسط مدينته مسجداً جامعاً، غير بعيد من قصره «الفتح» واصطفى له إماماً للصلوات الخمس، يجري عليه عشرة دنانير من الذهب كلّ شهر، وقد حلّى مسجده بِعُمَدٍ من الرخام جاء بها من جزيرة صقلية.
وكان في جانب المحراب مقصورة يؤدّي فيها الأمير صلاة الجمعة، وفي هذه المقصورة يجتمع بكبراء الدولة ووجوه الأمّة، للمشورة في مثل تسمية قاضي الجماعة للقيروان، أو إعلان الحرب، أو تجهيز غزوة من غزوات البحر، إلى غير ذلك من شؤون المملكة الجِسام.
ويسعنا أن نستدلّ بهذا على أنّ المسجد الجامع بمدينة القيروان كانت به مقصورة غير المقصورة القائمة اليوم. وهي التي أنشأها الأمير المعز بن باديس الصنهاجي، فإنّه لا يصحّ في العقل أن يكون بمسجد رقادة مقصورة يصلي فيها الأمراء، ويخلو من مثلها مسجد العاصمة الكبرى، خلال مدّة الولاة الأمويين والعباسيين جميعاً.
وممّا يؤدّي ذلك أنّنا نجد قوس باب مسدود في داخل المقصورة القائمة اليوم بمسجد القيروان، وذلك الباب المسدود أغلبي الطراز على وجه التحقيق، وأغلب الظن أنّ ذلك الباب كان لدخول الأمير إلى مقصورته، ونحن نشير إلى ذلك ليكون الباحثون بعدنا على بيّنة وإن كنّا لم نظفر بعدُ من النصوص بما يجلو لنا خفية الأمر.
لم يقتصر إبراهيم الثاني على أن تكون عاصمته مستقلة بمسكنه هو وحاشيته ودواوينه ومرافق حكومته، ولكنّه زوّد المدينة بالأسواق لمختلف التجارات، والفنادق لنزول المسافرين. والحمّامات العامّة.
وكان بين القيروان ورقادة طريق صادِر وارِد، لا ينقطع عنه الراجلون والراكبون صباحاً مساء، وفي ظاهر المدينة، خلف السور، مهَدَ إبراهيم الثاني ميداناً شاسعاً يسمّى «الملعَب» تجري فيه الخيل، ويتخذه الجند لأيام العرض، وفي جانب من هذا الميدان مصلّى العيديْن، وكان من شأن أمراء بني الأغلب أن يؤمّوا الناس في الصلاة ويخطبوهم في المواسم والأعياد.
وقد رخّص الأمير للشباب ولأهل الخلاعة واللهو أن يرتادوا الحانات في مدينة رقادة، وكان قد آذن بهذه الحانات أو غضَّ الطرف عنها في أرجاء المدينة، على حين أنّ بيع النبيذ كان محظوراً في مدينة القيروان، وذلك بعدما بعث أحد ظرفاء الشعر من أهلها أن يسأل الأمير:
يا سيد الناس وابن سيّدهم
ومن إليه رقابُ الناس منقاده
ما حرَّمَ الشُّرْبَ في مدينتنا
وهو حلال بأرض رقاده
ولم ينتهي إلينا بماذا أجاب الأمير عن هذا السؤال.
ومن طريف ما حكاه أبو إسحاق الرقيق ـ مؤرخ إفريقيا الكبير ـ قال([18]):
«كان بَكْرُ بن حمّاد ـ الشاعر الأديب ـ ينتجع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، ويمدحه بغرر القصائد، فغدا يوماً إلى رقّادة بمديح له، وقصد الفتى (بلاّغ) خادم الأمير، فقال له الفتى: الأمير عنّا مشغول في هذا اليوم. قال بكر: فالطف بي في إيصال رقعة إليه، فقال: إنّه مصطبح في جنان قصره مع الجواري، ولا يصل إليه أحد، فارتجل بكرٌ مقطوعاً كتبه في رقعة، واحتال (بلاّغ) في إبلاغها، مساعدة للشاعر، وكان في الرقعة أبيات، منها:
خلقن الغواني للرجال بليّةً
فهنّ موالينا ونحن عبيدها
إذا ما أردنا الورد في غير حينه
أتتنا به في كلّ حين خدودها
وكتب تحت الأبيات:
فإن تكن الوسائل أعوزتني
فإنّ وسائلي ورد الخدود
وبلغت الرقعة إلى الأمير، فلمّا قرأها دفعها إلى الجواري، فأنشدها وأظهرن سروراً بها، وشفعن إليه أن أخرج إلى بكر بن حمّاد بصرة مختومة فيها مائة دينار.
وقد علّق إبراهيم الرقيق على هذا الخبر بقوله:
«… ووصل إلى بَكْر من الأمير إبراهيم مال عظيم على مدائحه».
أسكن إبراهيم الثاني عسكره في ثكنة فسيحة تُعرف (بدار البِلَزْمِيين) كثيرة الحُجُرات ولها باب واحد، والبلزميون قوم من العرب كانوا يعسكرون في مدينة بِلزمة من معاقل الأغالبة في أرض الزاب، جنوب عمالة قسطنطينة فدعاهم إبراهيم الثاني إليه في حادثة طويلة دوّنها التاريخ، وكانوا يزيدون على الألف من عرب قيس وغير قيس([19]).
واتّخذ إبراهيم الثاني ثكنات أخرى لحرسه من رقيق السودان، مقتدياً في ذلك بجدّه الأكبر إبراهيم في مدينته العباسية، فاستكثر منهم حفيده، حتّى قاربت عدّتهم في أيامه عشرة آلاف. وفي بعض تلك الثكنات كانت تقوم أبراج «حَمَام الرسائل» لإنهاء الأوامر العاجلة إلى أطراف المملكة، والمأثور عن أمراء الأغالبة أنّهم كانوا يُعْنون بتربية هذا الجنس من الحَمَام، يستكثرون منه ويستخدمونه، فكانت الرسالة بينهم وبين جزيرة صقلية أو طرابلس تبلغ في يوم إنفاذها على جناح الطائر!.
وقد راعى إبراهيم الثاني في خطة المدينة أن تنفسح طرقاتها، لتجول فيها العَجَل (العربات)، وكان استعمالها كثيراً في العصر الأغلبي، عليها تنقل أثقال الجيش، وتحمل مواد البناء.
ومن معالم رقّادة التي تستحق الذكر: «دار الطراز»، وكانت مصنعاً تنسج فيه الأكسية من الحرير والقُطن والصوف، وكذلك العمائم والأحزمة إلى غير ذلك من الخِلَع التي يهبها الأمير في المواسم وعند تقليد المناصب لأعيان الأمّة ورجالات الدولة. وكانت هذه الخِلَع عليها كتابات موشِيَّة بخيوط الحرير والذهب، وهي تقوم مقام الأوسمة والنياشين في عصرنا الحديث.
لبث إبراهيم الثاني في ولايته قرابة ثلاثين عاماً، يعني فيها بمدينته أيّما عناية، ويتعهدها بألوان التنسيق والتنميق، وأنشأ بها الكثير من دواوين الحكومة، ومن الدور الرفيعة، ليقيم بها كبراء دولته وقضاته وحاشيته، حتّى قال (الرقيق) المؤرخ: «إنّ رقّادة صارت أكبر من القيروان…».
ظلّـ «رقّادة» دار ملك بني الأغلب، حتّى تولّى زيادة الله الأخير سنة 290هـ وقد نزل عن قصور جدّه إبراهيم لبعض ذوي قرباه ووزرائه، وابتنى لنفسه قصراً سمّاه «قصر البحر»، في وسط بستان مترامي الأرجاء، وفي جانب منه صهريج للماء طوله خمسمائة ذراع ـ نحو 225 متراً ـ وعرضه أربعمائة ذراع ينهمر إليه الماء بساقية، فلذلك سمّي القصر (بالبحر). وبعد حين ابتنى قصراً آخر أطلق عليه اسم (العروس)، أربع طبقات، أنفق عليه فيما قدره الخبراء وقتئذ مائة ألف دينار واثنين وثلاثين ألف دينار، أعني ما يقرب من ألف وخمسين كيلو ذهباً خالصاً.
وقد حفظ لنا التاريخ اسم الرجل الذي وكّل إليه زيادة الله الأخير أعمال العمران في مدينته، وهو القائد (أبو مسلم منصور بن إسماعيل بن يونس) وقد باشر ذلك في خلال سنة 292هـ (905م) فاكتمل للمدينة هندامها، حتّى قال عبدلله المهدي ـ وهو من هو ـ عند نزوله برقّادة بعد سقوط دولة بني الأغلب:
ـ «رأيت ثلاثة أشياء في إفريقيا لم أر مثلها قط في المشرق: الصهريج الذي بباب تونس (من أبواب مدينة القيروان)، وقنطرة باب أبي ربيع (في القيروان أيضاً) وقصر البحر برقّادة…».
دالت دولة بني الأغلب على يد الداعي أبي عبدالله الصنعاني سنة 296هـ (909م، وقامت مقامها الدولة الفاطمية، وغادر زيادة الله الثالث بلاد إفريقيا يبغي المشرق مخلّفاً وراءه ملكاً عظيماً اسسه أجداده وآباؤه.
ونزل الداعي الصنعاني (قصر الصحن)، وآلت أليه ذخائر الأغالبة وتراثهم، فادخرها حتّى يقدم عليه المهدي من سجلماسة، فوصل إلى رقّادة سنة 297هـ، ومعه ابنه أبو القاسم وحاجبه جعفر بن علي، وقد استقبلهم وجوه القيروان وسُراتها في مركب مشهود، وصفه المؤرخون، وحلّ عبدالله في (قصر الصحن)، وأنزل ابنه (قصر الفتح)، ووزّع رجال حاشيته سائر القصور والدور، ولحقت به بعد حين دواوينه وأجناده في الأماكن المعدّة من قبل، فلمّا استقرّ في رقّادة تسمّى (بالمهدي)، وتلقب بأمير المؤمنين.
واستأنفت رقادة مهمتها الأولى، فكانت مقرّاً للدولة الجديدة، حتّى خطر للمهدي أن يحوّل عاصمته إلى جهة البحر، فأسّس القاعدة التي جعل اسمها نسبة إليها، وهي (المهدية)، وانتقل إليها هو وآل بيته ورجال دولته وجنوده من البربر الكتاميين وغير الكتاميين، وكان له فيها قصر خاص به، ولولده أبي القاسم قصر مثله، وأحاط المدينة بسور.
وتسرّب الوهب من بعد ذلك إلى رقادة، وغاض بهاؤها شيئاً بعد شيء، ولم يدم لها العزّ والشموخ أكثر نم خمسة وأربعين عاماً نعمت فيها بجاه السلطان، وبُعْد الصيت، وروعة النضارة، حتّى باتت في عداد المدائن التي أسفرت عنها الحضارة الإسلامية، مثل (سر من رأى) العباسية بالعراق، و(الزهراء) الأموية بجانب قرطبة وتلك الأيام نداولها بين الناس…
حسن حسني عبد الوهاب
الرَّقَّة
تقع مدينة الرقّة في الجهة الشمالية الشرقية من سوريا وتبعد عن مدينة حلب 188 كلم باتجاه الشرق، وعن دير الزور 100 كلم. بنى الإسكندر الكبير مدينة في القرن الرابع قبل الميلاد في الموقع الحالي لمدينة الرقّة، سرى هذا الاعتقاد حتّى عام 1980 عندما عثرت البعثة السورية ـ الألمانية المشتركة على مجموعة رُقم فخارية تروي تاريخ الرقّة القديمة الذي يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وكانت القصة بدأت منذ اكتشاف رُقم ماري التي تحدّثت عن علاقات تجارية كانت تربطها مع مدينة «توتول» الواقعة عند نقطة التقاء نهري دجلة والفرات. ولم يحدّد الموقع تماماً حتّى اكتشاف هذه اللقى الأثرية في مواقع تل البيعة أو الرقّة القديمة، وبذلك أقيم البرهان على أنّ الجزيرة السورية حَوَت حضارات معاصرة لحضارة بلاد الرافدين ولا تقل أهمية عنها.
وكانت الرقّة محل أطماع الغزاة الذين احتلوا سوريا من رومان وفرس وبيزنطيين. وبعد استقرار الحكم الإسلامي أقام الخليفة العباسي المنصور مدينة على غرار مدينة بغداد سنة 772م وأطلق عليها اسم الرافقة. شكلها يشبه حدوة الفَرَس ولها ثلاث بوابات وهي: بغداد، وحران، وحلب. وسوران: أوّل ورئيسي بينهما فصيل.
ويسبق السور الأوّل خندق يحيط بالمدينة في حين يبلغ طوال الرئيسي خمسة كيلومترات بقي منه حتّى الآن كيلومتران تقوم مديرية الآثار بترميمها.
شغلت الرقّة مكانة هامّة زمن العباسيين لموقعها الهام وصناعاتها الزجاجية المشهورة التي يعرض منها الكثير من المتاحف الأوروبية والأميركية، لكن المغول عمدوا بعد احتلالها، في القرن الثاني عشر الميلادي، التي تدميرها عقب سقوط الدولة العباسية.
وفي الوقت الراهن تواكب الرقّة التطور الحضاري المتسارع كما هي المدن السورية الأخرى، وشهدت الخدمات المقدمة في المدينة والريف تحسّناً لافتاً لا سيّما في مجال شبكات الطرق الحديثة والهاتف الكهرباء والماء.
المواقع الأثرية داخل مدينة الرقَّة
1 ـ باب بغداد:
سمّي كذلك لأنّه يقع في جهة العراق وهو أحد الأبواب الثلاثة لسور الرافقة القديمة، يتموضع في الزاوية الجنوبية الشرقية ويعاصر بناء السور الرئيسي للمدينة. وأكد آخر التنقيبات إنّ زمن بنائه يعود إلى منتصف القرن الهجري الثاني، ثمّ أضيف بعض الزخارف في عصور لاحقة كما في الفترة الحمدانية.
يوضح المجسم الهندسي للباب الموجود في المتحف وظيفته العسكرية البحتة، إذ يعلو البوابة برج مراقبة يتلوه مدخل تكسر على شكل متعارض وفي الأعلى فتحات لصب النار في حال تجاوز المدخل الأوّل من البوابة.
2 ـ الجامع القديم (الكبير):
ويدعى جامع المنصور. وهو يقوم في الزاوية الشمالية من المدينة.
بني في مرحلة إسلامية مبكرة في القرن الثامن الميلاي، وعثر فيه على مجموعة من الثريات الزجاجية الفخمة وأوان خزفية عباسية فائقة الصنعة تميز الرقّة منذ عهود قديمة.
يعتبر النموذج المعماري للجامع فريداً من نوعه لأنّه يجمع بين مدرستين معماريتين مختلفتين وهما المدرسة السورية والرافدية، يتمثل ذلك في طريقة بناء الأسقف وفي شكل سور الجامع وحجارته الآجرية الوردية اللون الذي رمّم أخيراً.
3 ـ قصر البنات:
يقع بين باب بغداد والجامع الكبير. وتحوي سوريا الكثير من المواقع التي تحمل الإسم نفسه. وأكدت التنقيبات أنّ المنشأة ليست قصراً بل مجمعاً طبياً وربّما كان إحدى البيمارستانات التي تعود إلى الفترة الأيوبية، أمّا تاريخ البناء فيعود إلى فترة مبكرة.
4 ـ المتحف:
يحتل مبنى السرايا الحكومية القديمة ويعتبر من المتاحف الهامّة في العالم، يتوسط المدينة ويتألف من طابقتين، يقسم الأوّل إلى قسم الآثار القديمة وقسم الآثار الكلاسيكية وإلى جناح تعرض فيه أعمال فنية تشكيلية حديثة. أمّا الطابق الثاني فيتألف من قسم الآثار الإسلامية وقسم للتقاليد الشعبية المميزة لمحافظة الرقّة.
مناطق أثرية خارج المدينة
1 ـ الرصافة:
ينعطف إليها طريق حلب ـ الرقّة قبل الوصول إلى الأخيرة بـ 30 كلم. وهي تبعد عن حلب 170 كلم باتجاه الجنوب الشرقي، أقيمت في موقع كنيسة «سيرج» الروماني الأصل الذي اشتهر ببطولاته في الدفاع عن المسيحية بداية القرن الرابع الميلادي فأقيمت الكنيسة تخليداً لذكراه، وهو يحظى بمكانة هامة لدى المسيحيين.
يحيط بها سور مستطيل الشكل له أربعة أبواب من كلّ جهة، وتعتبر أنموذجاً للمدن البيزنطية مع وجود لمسات واضحة لفن العمارة الإسلامية بعدما حرّرها المسلمون، حيث أشاد فيها هشام بن عبدالملك قصرين مقراً لإقامته الصيفية لموقعها المتميز شمال بادية الشام.
2 ـ قلعة جعبر:
وهي إحدى القلاع الهامة في سوريا، تطل على نهر الفرات على شكل قرص فطر عملاق وتحيط بها مياه النهر من كلّ الجهات بعد بناء السد وكانت تبعد عن النهر كيلومترات عدّة، تعلو هضبة كلسية ارتفاعها 347م عن سطح البحر ويفصلها عن الرقّة 50 كلم، بنيت في القرن الخامس الهجري على يد جعبر بن سابق القشيري، تتميز بكبر حجمها إذ يبلغ طولها 347م وعرضها 320م وينيف عدد أبراجها عن 35 برجاً دفاعياً لعبت دوراً هاماً في صد الغزو في جميع الفترات.
3 ـ التلال الأثرية:
تحتوي الرقّة على الكثير من التلال الأثرية الهامّة التي تسود معالمها خريطة المنطقة، ومنها:
1 ـ تل البيعة:
يبعد عن سور المدينة 2 كلم باتجاه الشرق، وهو مدينة توتول التي ذكرتها رُقم ماري، ويعني الكنيسة التي بنيت في القرن العاشر الميلادي، عثر فيه على لقى أثرية تعود إلى عصور مختلفة، أقدمها يعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد مثل دمى بشرية وحلى للمباركة وأدوات عبادة تمثل حالة من الرقي الاجتماعي التي وصلت إليها المنطقة في هذه الفترة المبكرة من التاريخ، وعثر على مقابض وسكاكين وأوانٍ حجرية وإبر مصنوعة من العاج والكثير من التماثيل وألعاب الأطفال، كما وجدت أوان زجاجية في قمة التل تعود إلى عصور بيزنطية متأخرة وإسلامية مبكرة، تتميز الحديثة بدقة صنعها وجودتها، وجميعها معروضة في متحف الرقّة.
2 ـ تل خويرة:
متاخم للحدود السورية التركية ويبعد عن الرقّة 140 كلم، يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، بدأت التنقيبات فيه سنة 1950 من قبل بعثة سورية ـ ألمانية مشتركة بإشراف معهد غوته للآثار.
كشفت التنقيبات عن شارع المعابد وهو عبارة عن مجموعة من المعابد القديمة التي تمثل تراكماً لحضارات الشرق الأدنى القديم ومن أهمها تمثال ربة العطاء، وعن كؤوس وجرر فخارية ونماذج تقليدية لرُقم فخارية كتب عليها بخطوط آشورية وحثية وميتانية تشكل وثائق هامة تنظم العلاقات التجارية بين الممالك.
3 ـ تل مريبط:
يبعد 100 كلم باتجاه غرب الرقّة، فيه خرج الإنسان من الكهف وبنى أقدم بيت في العالم منتصف الألف التاسع قبل الميلاد وانتقل إلى الاستقرار. يقول باحث الآثار محمد مكطش: أنّ «تنظيم حياة الإنسان واستقراره ترافق مع ظهور وتطور منظومة من الأفكار الاجتماعية مثل تنظيم التبادل التجاري، وانعكست هذه الأفكار بصناعة نوع من الدمى التي جسدت حالة الأنوثة التي تمثلها المرأة كآلهة للخصب». وغمرت الحياة التل بعد نقل محتوياته إلى المتحف.
4 ـ تل ممباقة:
يقع قرب تل مريبط، يعود تاريخه إلى الألف الثاني قبل الميلاد، تعتبر لقاه الأثرية نماذج متطورة مثل (ماكيتات) للمنازل وأوانٍ فخارية على شكل سلحفاة وتماثيل كبيرة للثور، منازله منظمة لا تختلف كثيراً عن البيوت العصرية ومقسمة إلى غرف للنوم وغرف للضيوف وساحة كبيرة وتنور.
تذكر مجموعاته الفخارية أسماء تجار أقاموا علاقات تجارية واقتصادية متميزة مع المدن الأخرى، وتحكي إحدى الوثائق التي ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد عن نموذج اقتصادي متطور من خلال تنظيم العلاقة بين تجار من مدينة إيمار (مسكنة حالياً) استدانوا مجموعة خراف مقابل قوارير من النبيذ الأحمر وحال الحول دون تسديد الثمن المقابل المتفق عليه.
5 ـ تل صبي أبيض:
يقع إلى الشمال من الرقّة ويبعد عنها 50 كلم على ضفاف نهر البليخ، عثر فيه على جرار فخارية تعود إلى حقب مختلفة وهي عبارة عن تراكمات حضارية مرّت على التل من دون انقطاع أقدمها يعود إلى الألف السادس قبل الميلاد وتمتد حتّى الألف الثاني.
6 ـ تل حمام التركمان:
يبعد عن الرقّة 50 كلم إلى الشمال، ترجع آثاره إلى الألف الرابع مرافقة لعصر الأورك في العراق وتشمل عصر البرونز الوسيط والحديث وعصر الحديد.
وهناك الكثير من التلال التي لم يكشف بعد عن حضاراتها، وكلّ يوم تطالعنا الأخبار عن مكتشفات جديدة تغني حضارة المنطقة.
خالد زنكلو
الرقّة المتمردة
في أخبار مسير علي (عليه السلام) في طريقه إلى صفين ما يلي:
… ثمّ سار إلى الرقّة وجل أهلها عثمانية فغلقوا أبوابها وتحصّنوا فيها، وأميرهم سماك بن مخرمة الأسدي في طاعة معاوية، وقد فارق علياً في نحو مئة رجل.
فقال علي لأهل الرقّة: اجسروا لي جسراً لكي أعبر من هذا المكان، فأبوا، وقد كانوا ضمّوا السفن عندهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر: أقسم بالله لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتّى يعبر منها لأجردن فيكم السيف ولأقتلن مقاتلتكم ولأخربن أرضكم ولآخذن أموالكم. فلقي بعضهم بعضاً فقالوا إنّ الأشتر يفي بما يقول وإنّ علياً خلفه علينا ليأتينا منه الشر. فبعثوا إليه إنّا ناصبون لكم جسراً فأقبلوا.
فأرسل الأشتر إلى علي فجاء ونصبوا له الجسر فعبر علي الأثقال والرحال. ثمّ أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتّى لم يبق أحد من الناس إلاّ عبر، ثمّ إنّه عبر آخر الناس.
على أنّها تحولت مع الأيام، فممن أخرجت من رجال الشيعة الشاعر أحمد بن خليل الدهان. قال عنه ابن الشعار: كان شاعراً مطبوعاً متشيعاً حسن التغزل. وقال الدكتور مصطفى جواد: كان شاعراً غزلياً انتقل من الرقّة إلى حران فأقام فيها، وأخباره عزيزة.
ومن شعره قوله:
أقسو عليه مكلفاً فيرق لي
طبعاً وأدعو الغير وهو يجيب
وأصر غضباناً فيقبل راضياً
عني فيصفيني الهوى فأتوب
وأغضه بالذنب مختلقاً له
درباً فيحلف صادقاً ويتوب
وأعز ثمّ يبين ذلّة صاغر
ويرى الخطا فيقول أنت مصيب
يرجو بذاك دوام أسري في الهوى
هيهات شأني في هواه عجيب
قسماً بابعادي له وتسخطي
برضاه وهو على البعاد قريب
إنّي وإبعادي هواه كعازب
عن طفلها وفؤادها مرعوب
ومن شعراء الشيعة المنسوبين إلى الرقّة: أبو الفرج ابن القاضي أبي الحصين علي بن عبدالملك الرقي.
كان أبوه أديباً وشاعراً وبينه وبين أبي فراس محاورات ومراسلات، وكان لأبي الحصين عدّة أولاد منهم أبو الهثيم وأبو الحسن أسرا ببلاد الروم ومحمد مات في حياته. وأبو الفرج، ذكره الثعالبي في تتمة اليتيمة فقال: أبو الفرج بن أبي حصين من أظرف الناس وأحلاهم أدباً وأبوه الذي كاتبه أبو فراس وساجله ومدحه السري وأخذ جائزته ولم أسمع لأبي الفرج أملح من قوله فيمن أبى أن يضيفه:
وأخ مسه نزولي بقرح
مثلما مسني من الجوع قرح
بت ضيفاً له كما حكم الدهـ
ـر وفي حكمه على الحر قبح
فابتداني يقول من السكـ
ـرة بالهم طافح ليس يصحو
لم تغربت قلت قال رسول اللّـ
ـه والقول منه نصح ونجح
سافروا تغنموا فقال وقد قا
ل تمام الحديث صوموا تصحوا
وقال يعاتب الدهر:
يا دهر مالك طول عهدك ترتعي
روض المعالي بأرضا وجميما
يا دهر مالك والكرام ذوي العلا
ماذا يضرك لو تركت كريما
وليس في الرقّة اليوم أحد من الشيعة.
تاريخ الرقّة
تأليف محمد بن سعيد بن عبدالرحمن القشيري الحراني وتحقيق إبراهيم صالح.
يقدّم كتاب تاريخ الرقّة نموذجاً مهماً لطبيعة السرد التاريخي التي سادت الثقافة الإسلامية في القرن الرابع، حيث تمّ التأسيس في عصر التدوين لمعظم العلوم إستناداً لحاجات المدارس الفقهية ووفق منهجها في العمل. والتراجم كعلم تمّ عبره تأسيس مدرسة الحديث دخل عملياً في معظم العلوم بما فيها التاريخ، فكان الاهتمام بتاريخ المدن يتشكّل عبر سير الصحابة والتابعين والعلماء الذين أقاموا بها أو درسوا فيها.
ونقف في كتاب تاريخ الرقّة عند صورة سريعة لعملية الفتح لها ثمّ تبدأ عملية الترجمة لمن نزل فيها من صحابة الرسول وأعلام الفقهاء والمحدثين. ولا يبدو هذا الأمر غريباً عندما نعرف أنّ المؤلف عاش ما بين نهاية القرن الثالث وبداية الرابع.
وتكتسب هذه المخطوطة أهميتها باعتبارها أوّل ما كتب عن مدينة الرقّة خلال مرحلة ازدهرت فيها مدارس العلماء في الجزيرة السورية. حتّى أنّ الكاتب لم يضطر لمغادرة مدينته طلباً للعلم وكان الطلاب يسعون إلى الرقّة من أجل لقاء العلماء.
تعطي مقدمة المحقّق لمحة عن حياة صاحب المخطوطة فأقدم ترجمة وصلتنا عنه كتبها السمعاني وهو من علماء القرن السادس، ونقل عنه في القرن الثامن الذهبي والصفدي في الوافي بالوفيات وذكره تغري بردي في النجوم الزاهرة، وترجم له أيضاً السيوطي في طبقات الحفاظ وابن العماد في شذرات الذهب، وكل ما ذكروه مأخوذ عن السمعاني الذي قال: أنّ اسم المؤلف هو أبو علي محمد بن سعيد بن عبدالرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن مرزوق القشيري، ولم يصلنا شيء من تاريخ ولادته أو مكانه. كلّ ما ذكره المترجمون أنّه الحراني، نزيل الرقّة، وتدل هذه العبارة أنّه من مواليد حران أكبر مدن الجزيرة الفراتية آنذاك وأهم قاعدة علم فيها.
ويشير الذهبي إلى أنّه(توفى) عن عمر يناهز الثمانين في العام 334 للهجرة. وعبر كتب التراجم المذكورة تصل إلى أنّه لم يسمع عن علماء خارج حران والرقّة والدليل على ذلك عدم وجود ترجمة له عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ولم يرد اسمه عند ابن عساكر في تاريخ دمشق كما أنّ غياب جزء المحمدين في تاريخ حلب يدعونا إلى التساؤل إن كان زارها أم لا؟! وعملياً فإن بقاءه في الجزيرة يضعنا أمام مؤشر حقيقي حول كثرة العلماء والمدارس فيها، وكان الكاتب من العلماء المحدثين الذين لا يقفون عن حدود مذهب معين بل عالماً مجتهداً بذاته. ورغم ملازمته للشيخ عبدالملك الميموني الذي كان من أتباع الإمام أحمد بن حنبل، بقي مستقل الفكر مجتهداً يطبق ما يراه صحيحاً من دون تقيد بمذهب معين، وعاش حياة هادئة بعيداً عن كلّ ما يمت بصلة إلى السلطة والسياسة وأبواب الخلفاء. فتفرّغ للعلم وكان الطلاب يتباهون بالتلمذة على يديه حتّى قال السمعاني: وكان ابن المقرىء إذا روى عنه قال: حدّثنا أبو علي الرقّي بالرقّة، الحافظ، الشيخ الجليل، الفاضل، الثقة، الأمين.
نسخة وحيدة
لتاريخ الرقّة نسخة وحيدة كتبت في القاهرة سنة (631) ثمّ انتقل بها ناسخها ومالكها محمد بن داوود بن ياقوت الصارمي إلى دمشق، فوضعت فترة في خزائن المدرسة العمرية بسفح قاسيون ثمّ انتقلت مع تأسيس المكتبة الوطنية إلى المكتبة الظاهرية.
وهي تقع في ثلاثة أجزاء صغيرة مكتوبة بخط نسخي دقيق ويبلغ عدد أوراقها 43 ورقة تتخللها خمس ورقات فارغة تفصل بين الأجزاء الثلاثة. ولكن هذه النسخة تعرّضت بفعل الزمن لبعض التشويه كالتصاق أوراقها نتيجة الرطوبة أو إحتراق الحبر ممّا جعل مكان بعض الكلمات بياضاً.
ويعتقد المحقق أنّ التشويه الأهم كان بفعل البشر حيث قام أحدهم بملء تلك الفراغات بعبارات وكلمات لا تمت غالباً إلى الأصل بصلة، ممّا أدّى لاستحالة قراءة بقايا الأحرف المطموسة نتيجة تأثير الزمن على المخطوطة. وقد أبعدت هذه العيوب الباحثين عن إعادة تحقيق المخطوطة إلاّ أنّ تحمّس الأستاذ طاهر النعساني لنشرها، وكان متولي قضاء الرقّة في عهد الانتداب الفرنسي، فبذل جهداً واضحاً لكنّه لم يستطع أن يعيد الكتاب إلى أصالته، فبقيت فيه فراغات كثيرة وأخبار مبتورة وظهرت فيه تصحيفات كثيرة كما جاءت حواشيه مطولة.
وأمّا الطبعة التي نشرت اليوم فاعتمد المحقق على إغفال كافة التصحيفات واعتمد على المصادر التي نقلت عن تاريخ الرقّة لتعويض النقص في النسخة الأصلية، وفي حال عجز المصادر قام بالاجتهاد والتقدير إستناداً لبقايا الحروف إن وجدت بشكل ينسجم مع المعنى وسياق النص، وقد بقيت بعض الفراغات القليلة التي تركها كما هي لأنّه لم يستطع تقدير الكلمات التي زالت بفعل الزمن.
يبدأ متن المخطوطة برواية عن عياض بن غنم حين بعثه أبو عبيدة بن الجراح إلى الرها وكان أهل الجزيرة هربوا إليها أثناء الفتح الإسلامي، فوقف بابها الشرقي ودعاهم إلى الإسلام فأبوا فطلب منهم أن يقرّوا بالصغار فقبلوا واشترطوا الأمان وأماكن عبادتهم، فقبل عياض بن غنم على أن لا يبنوا كنيسة جديدة ولا يرفع صليب ولا يضرب ناقوس إلاّ في جوف كنيسة. كما اشترط عليهم أن يشاطرهم المسلمون منازلهم ولا يغشوهم أو يساعدون أعداءهم وسمّي هذا الاتفاق صلح الجزيرة.
تراجم الصحابة
ويكتفي الكاتب بهذا الخبر عن تاريخ بداية الإسلام في المنطقة ثمّ يسرد بعد ذلك تراجم الصحابة الذين دخلوا للرقة، فينقل أخبار ثلاثة من الصحابة و12 من التابعين و108 بعد طبقة التابعين. ويختلف طول الترجمة والتفاصيل الواردة فيها بين رجل وآخر وذلك وفق موقعه حين دخل المدينة. فهناك من ترجم لهم بما لا يزيد عن سطرين بينما أطال الحديث عن آخرين خصوصاً من جيل الصحابة والتابعين، وبالطبع فإنّ الأسانيد احتلت الجانب الأكبر من الحديث عن الأشخاص ولعب أحياناً تعدّد الروايات دوراً في إطالة الترجمة. ولا نجد في كثير من الأحيان أي حديث عن حياة الرجال فيها سوى سني وفاتهم.
ولكن حجم التراجم المقدمة وطبيعتها تعطي الباحث أمرين أساسيين: الأوّل: متعلق بطبيعة الحياة العلمية التي سادت مدينة الرقّة منذ بداية الفتح الإسلامي، فنجد داخل المخطوطة سير فقهاء وعلماء وقضاة وقرّاء ورواة حديث.
فالرقّة كانت مركزاً علمياً مهماً في المراحل الأولى لتاريخها الإسلامي، والأمر الثاني: مرتبط بعمرانها حيث يتحدّث الكاتب أحياناً عن أماكن دفن من ترجم لهم أو موقع ولادتهم أو المناطق التي درسوا بها، وهذه المعلومات تعطي صورة عامة عن شكل المدينة وتطوّرها خلال القرون الأولى للإسلام.
نسخة تاريخ الرقّة المقدمة اليوم تحوي مجموعة من الفهارس التوثيقية لمساعدة الباحثين على تتبّع العمل داخل المخطوطة.
ممّا لا شك فيه أنّ هذا الكتاب، على رغم عدم تضمّنه لتاريخ الرقّة بالمعنى المعاصر، يضيء جانباً مهماً من حياة المدينة في صدر الإسلام.
نضال الخضري
الرماحية
من مدن العراق المنسية المنقرضة واقعة في (الشامية) في ديار خزاعة انشئت في أواخر القرن السابع الهجري أو العاشر على عهد السلطان سليم العثماني والمشهور على الأفواه أنّ المنشىء لها فريق من متصوفة الأتراك وإليهم تنسب بعض البقاع إلى الآن وكانت تسمّى (روم ناحية) على قاعدة العراقيين في تسميتهم الأتراك روماً ثمّ أدمجت الكلمات لكثرة الاستعمال فقبل رماحية وقد غفل عن ذكرها المؤرخون والرحالة وكانت طيبة الهواء عذبة الماء مصطافاً لعلماء النجف وأدبائها على عهد آل طريح آهلة بالسكان قبل أن يطم نهرها ويحوّل مجراه، ذات سور محكم وفيها سبعة حمامات وقد غزاها المولى علي بن محمد المشعشعي ملك الحويزة سنة 860هـ واستولى عليها وبنى على مقربة منها حصناً للحامية وحاصرها الوهابيون سنة 1223هـ وهاجموها بعد امتناع النجف عليهم فصابرتهم فرجعوا عنها إلى الحلة، وقد أمست هذه المدينة نسياً منسياً لا أثر لها ولا طلل.
الرملة
تعتبر مدينة الرملة الفلسطينية أوّل مدينة إسلامية أقيمت في بلاد الشام، بأمر من سليمان بن عبدالملك الذي أراد اتخاذها مقراً لخلافته نظراً إلى ارتباطه بأهلها الذين شهدوا أيام ولايته على فلسطين. ولكن سليمان اقتضته الظروف أن يعسكر في مرج دابق شمال الشام فترك الرملة مؤقتاً وفي نفسه العودة إليها، ولكن الأجل المحتوم لم يمهله فمات بعد حكم قصير يقارب الثلاث سنوات.
ولم يكن قبل الإسلام ما يعرف بمدينة الرملة. أمّا تسميتها نفسها فجاءت من غلبة الرمل على أرضها. وهذا يظهر بدوره أنّ الرملة لم تكن مدينة عامرة بالسكان قبل سليمان بن عبدالملك بل كانت أرضاً خراباً كثيرة الرمل.
وكان أوّل ما بناه سليمان في المدينة، حسب البلاذري في «فتوح البلدان» هو قصره ثمّ دار الصباغيين التي زوّدها بصهريج لجمع المياه من الأمطار في وسطها، وأقام بعد ذلك المسجد وفق خططه المرسومة له، ولكنّه ولي الخلافة قبل إتمامه. وكان أذن للناس أن يبنوا مساكن فيها، واحتفر لهم قناة تدعى «بردة» تجري فيها المياه من نهر أبي فطرس الذي يبعد عنها حوالي 12 كيلومتراً، ثمّ توالت عمليات البناء. وبدأت المدينة تنمو وتزدهر مع مرور الزمن. وازدادت أهميتها التجارية والسياسية فاتسعت خطتها، حتّى وصفها المقدسي في «أحسن التقاسيم» بقوله «مدينة فسيحة واسعة، بناؤها حسن المنظر، وهي خفيفة الماء مرية، محاطة ببساتين الفاكهة بين رساتيق جميلة وقرى نفيسة، وتتمتع بموقع تجاري متفرّد، وتصدر للخارج ما تنتجه خاصّة تينها الشهي المذاق». ويمتدح المقدسي موقعها، ويعبر عن إعجابه بفنادقها الرشيقة اللطيفة، وحماماتها الأنيقة، ونظافتها، واتساعها، وحسن منازلها ومسجدها، واتساع شوارعها، وتوسط موقعها بين البحر والجبل.
أصبحت مقراً لوالي إقليم فلسطين لمدّة طويلة. وشهدت جزءاً كبيراً من الحكم الأموي ثمّ العباسي حتّى قيام الدولة الطولونية عندما تبعت مصر، فأصبح واليها يعيّن من الفسطاط بدلاً من دمشق وبغداد. ثمّ خضعت فترة للحكم العباسي المباشر من 292 إلى 323 هجرية، عادت بعدها إلى تبعية الدولة الإخشيدية ثمّ الدولة الفاطمية في مصر، وأصبحت لها أهمية خاصة في ذلك العصر فهي مفتاح الشام وبداية الطريق إلى بغداد، ومعبر للفاطميين إليها، فاهتم بها هؤلاء كثيراً. ثمّ توسّع السلاجقة على حساب الأملاك الفاطمية، منذ منتصف القرن الخامس الهجري، فاحتلوا الرملة العام 463 هجرية، وبعد ثلاثين عاماً تبعت للغزاة الصليبيين، وسيطرت عليها حكومة بيت المقدس اللاتينية.
القصر (دار الإمارة): وهو أوّل بناء أنشأه سليمان بن عبدالملك في المدينة، بإشراف البطريق بن النكا كاتب سليمان. وظلّ القصر يطاول الزمن حتّى مطلع القرن العشرين، ولا يزال بقايا جدرانه قائمة حتّى الآن.
مسجد الرملة الكبير
شرع في بنائه أيام سليمان إلاّ أنّ القدر وافاه قبل اكتمال عمارته فأتمّه الخليفة عمر بن العزيز. وهو يقع في وسط السوق ويمتاز بكبره، ومحرابه يعتبر من أكبر المحاريب المعروفة، ومنبره يلي منبر بيت المقدس، وكثيراً ما أعجب الناس بمئذنته الجميلة الرائعة. وذكر بعض المؤرخين أنّ منارة الجامع مربعة الشكل على هيئة برج، وقد تأثّرت كغيرها في سوريا بما كان سائداً من طرز معمارية قبل الإسلام ومثلها منارة بصرى. وشبه الدكتور عفيف بهنسي في كتابه: «الشام ـ لمحات آثارية وفنية» هذه المئذنة (الرج) بمئذنة الجيرالدة (دوارة الرياح) الأثر الخالد في أشبيلية الأندلسية التي تعدّ من أضخم الأبراج الشرقية.
الأسوار: ذكر الرحالة ناصر خسرو أنّ للرملة أسواراً عالية متّسعة من الحجر والجبص منيعة متينة ولها أسوار من الحديد، إلاّ أنّ زلزالاً عنيفاَ ضرب المدينة في العام 425هـ دمّر نصفها وهدم الأسوار والمنشآت العمرانية، إلى أن قام الظاهر بيبرس بتجديد الأسوار بعد حوالي 240 سنة.
الأسواق: وجدت في المدينة أسواق عدّة كانت تعج بالمحلات التجارية الملأى بمختلف البضائع الواردة من خارج الرملة.
إنّ تلك الأسواق كانت متخصّصة نوعاً ما، وتقع داخل سور المدينة، وترتبط بشكل أو بآخر بأبوابها، ومنها: باب القدس، وباب عسقلان، وباب يافا، وباب يازور، وباب نابلس، وباب الزيتون وغيرها. ومن هذه الأسواق: سوق القماحين، وسوق البصالين، وسوق القطانين، وسوق الكتان، والخشابين، والجزارين، والصياقلة، والسراجين وسواها.
بركة القديسة هيلانة: وهي عبارة عن صهريج ماء كبير، تقع إلى الشمال الغربي من الرملة وبها كتابات كوفية ترجع إلى عهد هارون الرشيد… ومخطط البركة رباعي غير منتظم، وينقسم إلى ست بلاطات بواسطة خمس بائكات نقطعها ثلاث باتجاه شمالي جنوبي، وكلّ منها يتضمن ستة عقود ترتكز على دعائم مصلبة القطاع، وهناك درج داخل الركن الشمالي الشرقي للبئر، وتوجد به فتحات علوية يبلغ عددها 24 فتحة.
أمّا عن التشيّع في الرملة فإنّ كلام محمد بن عثمان الكراجكي صاحب كنز الفوائد ونزيل الرملة ـ وقد عاش في القرن الخامس الهجري ـ يدل كلامه في ذلك الكتاب على أنّ أهالي الرملة كانوا شيعة.
على أنّه قيل إنّ الرملة التي يحكى عنها هي في مصر. وليس في الرملة اليوم شيعة.
الرهيمة
قرية صغيرة من ضواحي قضاء النجف تقع غرب مدينة النجف على طريق الحج البري، وتبعد عنها (24،5) كيلومتراً.
وهي قرية قديمة ذكرت في كتب البلدان، وكتب المقاتل التي تتحدّث عن الحسين (عليه السلام) ومصرعه، لأنّها من المناطق التي مرّ بها في طريقه إلى كربلاء.
المناطق التابعة لها: وهناك مناطق تتبع الرهيمة في تقسيمها الجغرافي والإداري، وأقلّ منها أهمية وهي:
1 ـ قرية الحياضية: تسمّى في التاريخ بـ «القطقطانة» وعند البدو في الوقت الحاضر بـ «الطكطكانه» وهي قرية قديمة زراعية فيها مجموعة كبيرة من النخيل وعدد من العيون ومجموعة من البيوت التي تعيش على زراعة القرية والطريق التي توصل بين الرهيمة والحياضية سبخة عكرة ملتوية إلى منتصف الطريق، وإلى الحياضية رملية مستوية ويبلغ طولها نحواً من 25 كلم.
2 ـ عين عطية: وكانت في السابق قرية مأهولة بالسكان، ثمّ أهملت واندرست، وفتحت فيها بئر ارتوازية تسكنها الآن مجموعة من البيوت تبلغ خمساً تشتغل في زراعة المنطقة، والطريق الموصلة لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف قليل نحو الغرب ويبلغ طولها نحواً من 28 كلم.
3 ـ الرهبان: وهي مدينة قديمة جدّاً فيها آثار لم تمتد إليها يد التنقيب يسكنها عدد من الأسر تبلغ خمساً تشتغل في زراعة المنطقة وتعتمد على بئر ارتوازية متدفقة، وصفة الطريق المؤدية لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو اليمين ويبلغ طولها نحواً من 10 كلم.
4 ـ عين نصار: وهي أرض زراعية متروكة لا تنبت فيها الآن سوى بعض النباتات الطبيعية والطريق المؤدية لها سبخة وهي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو الشمال ويبلغ طولها نحواً من 6 كلم.
5 ـ العزية: وكانت قرية مأهولة بالسكان تقع شرق الرهيمة وغرب مدينة الرهيمة في السابق تعتمد عليها في اقتصادياتها، ولكن ضعف عين العزية وموتها في النهاية أدّى إلى اندراسها وأرادت الحكومة إعادة القرية إلى السابق في حفر بئر ارتوازية لها، ولكنّها لم تفلح إذ لم تنجح تلك البئر بسبب عدم تدفق المياه، والطريق التي توصل بين الرهيمة والعزية رملية إلى منتصف الطريق، وطينية من المنتصف حتى العزية، ويبلغ طولها نحواً من 5 كلم.
6 ـ عين أم فرس: وهي أرض صالحة للزراعة فتحت بها الحكومة بئراً ارتوازية متدفقة تعيش عليها مجموعة من البيوت تبلغ سبعاً، وتعيش على زراعة المنطقة. فيها أكوام كبيرة وكثيرة من التراب يُقال إنّها آثار قديمة، والطريق المؤدية لها هي نفس طريق الحياضية بانحراف نحو اليمين ويبلغ طولها نحواً من 28 كلم.
العيون والآبار: تشتهر قرية الرهيمة بعيونها القديمة الكثيرة التي كانت تعيش عليها وكلّها اندرست بمرور الزمن وأهم تلك العيون هي:
1 ـ عين غانم: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 3 كلم.
2 ـ عين أم جمل: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 5 كلم.
3 ـ عين الشرعمية: وتبعد عن مركز القرية الآن بـ 8 كلم.
وتعتمد القرية الآن على «عين واحدة» فقط هي المسماة باسمها «عين الرهيمة» وماؤها متدفق يكفي لرزاعة الأرض، وإرواء الحيوانات والسكان.
وهذه العين تقع في مرتفع بين مجموعة من التلول القليلة الارتفاع المتصلة مع بعضها وهي تشكل دائرة حولها، يبلغ طول قطرها حوالي 20م، وهي تبعد عن القرية بنحو ثلاثة كيلومترات ينحدر منها الماء قاصداً القرية في طريق ملتوية تتخلل بعضها أنواعاً من الأحراش والقصب والبردي، وتسبح فيها مجموعة من الأسماك الصغيرة التي لا يكبر حجمها أبداً لقلّة غذائها، وعدد هائل من الضفادع، والحيات المائية، ويستمر ماء العين يسير في نهر ضيق طيني مرّة ورملي أخرى حتّى يصل المزارع القريبة من القرية والمحيطة بها للإسقاء والإرواء والشرب وتتصاعد الأبخرة شتاءاً من العين مع الماء المتدفق ويخرج الماء دافئاً ويستمر إلى مسافات طويلة يبتدىء بعدها باكتساب البرودة، وفي الصيف يخرج الماء من العين بارداً جداً ولذلك ترى أولاد القرية يطفئون حرارة المنطقة الشديدة عن أجسامهم بالسباحة فيها باستمرار في كلّ يوم وأغلب النهار.
وطعم ماء العين ليس حلواً بل تشوبه شوائب الأملاح التي تمر بها المياه داخل الأرض قبل تدفقها إلى الخارج، والملاحظ أنّ طعم المياه يتحسن في الشتاء إذ يصبح مقبولاً أكثر بسبب برودة الجو.
والإسقاء يكون بواسطة تقسيم الأسبوع إلى ثمانية أيام كلّ يوم منها يخصّ فلاحاً لإسقاء مزروعاته لمدّة أربع وعشرون ساعة مبتدئين بالغروب ومنتهين به كذلك والفلاح الذي يكون نصيبه الإسقاء في اليوم التالي يكون مسؤولاً عن تغيير وجهة سير النهر إلى مزرعته وهكذا يتناوب الفلاحون في الاستفادة من ماء العين بهذه الطريقة.
وأمّا الشرب فيكون بواسطة حمل الماء من النهر بواسطة الصفائح «التنكات» أو المشارب «جمع مشربة أو ما تسمّى بـ ـ المسخنة ـ عند بعضهم» من قبل نساء القرية دون أن تراعي تلك النساء النظافة.
وأهم من ذكر الرهيمة من المؤرخين هو ياقوت الحموي([20]) (المتوفى عام 626هـ) قال ما نصّه: «الرهيمة: بلفظ التصغير، ويجوز أن يكون تصغير رهمة وهي المطرة الضعيفة الدائمة، والرهام من الطير كلّ شيء لا يصطاد، وهو ضيعة قرب الكوفة… قال السكوني: هي عين بعد خفيّة إذا أردت الشام من الكوفة بينها وبين خفية ثلاثة أميال وبعدها القطيَّفة مغرباً وذكرها المتنبي فقال:
فيالك ليلا على أعكش
أحم البلاد خفي الصوى
وردن الرهيمة، في جوزه
وباقيه أكثر ممّا مضى
فزعم قوم أنّ المتنبي أخطأ في قوله: جوزه، ثمّ قوله: وباقيه أكثر ممّا مضى لأّنه يجوز وسط الشيء، ولتصحيحه تأويل وهو أن يكون أعكش اسم صحراء الرهيمة عين في وسطه فتكون الهاء في جوزه راجعة إلى أعكش فيصح المعنى والله أعلم بالصواب».
وهناك منطقة قريبة من الرهيمة اسمها: «عكاش» لم تزل تحمل هذا الاسم إلى الآن.
وفي مراصد الاطلاع ما نصّه: «الرهيمة: بلفظ التصغير لرهمة ضيعة قرب الكوفة. وقيل: عين بعد خفيّة بثلاثة أميال إذا أردت الشام من الكوفة»([21]).
ومن الذين تحدّثوا عنها في كتب التاريخ يوسف رزق الله غنيمة في كتابه (الحيرة المدينة والمملكة العربية)([22]) في ثلاث مواضع بما نصّه: «الرهيمة: ضيعة قريبة من الكوفة قال السكوني: هي عين بعد خفية ثلاثة أميال وبعد القطيفة مغرباً([23]).
وفي حديثه عن الطف «… والقطقطانة (المقصود بها التي مرّ ذكرها) والرهيمة. وعين جمل وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم. فلمّا كان يوم ذي قار وانتصر العرب على الأعجام غلبت العرب على طائفة من تلك العيون([24]).
وفي حديثه عن القطقطانة (الحياضية أيضاً): «موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف به كان سجن النعمان بن المنذر، وقال أبو عبدالله السكوني: القطقطانة بالطف بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام ومنه إلى قصر مقاتل ثمّ القريات ثمّ السماوة و…» ([25]).
وفي ضوء ما بيّناه فإنّ المنطقة غنية بالآثار التي لا يعرف مدى قدمها، واضرب مثلاً واحداً: أنّ قرب القرية وعلى بُعد نصف كيلومتر منها مجموعة من أكوام الأتربة والأحجار المخلوطة معها، في مكانين متقاربين تسمّى «الگصور» يقول عنها أهالي القرية أنّها آثار قصور قديمة لا يعرف تاريخها ولكن قدمها عندهم لا يتسرب له الشك.
ومن الأمور العجيبة التي لفتت نظري أنّ قبراً ـ على بعد كيلومتر واحد غرب القرية ـ لبنت الحسن (عليه السلام) يزار وله كرامات يتحدّث عنها أهل القرية، ويعللون سبب وجود القبر أنّ قصراً للإمام الحسن (عليه السلام) قريب من هذا القبر، وبقربه شجرة طاعنة في السن كان الإمام الحسن (عليه السلام) يربط بها حصانه، وقدم الشجرة لا نقاش فيه، وتروى عنها بعض الحوادث التي تشبه الكرامات، ولذلك فإنّهم يتحاشون استعمال أخشابها حطباً للوقود، ولم أر في كتب التاريخ أنّ للإمام الحسن (عليه السلام) في هذا المكان قصراً.
عبد الرحيم محمد علي
الروزنامجة
لمّا عزمت على تأليف كتابي: «الصاحب بن عباد ـ حياته وأدبه» رأيتني مدفوعاً ـ بحكم ضرورة البحث وللاستقصاء ـ إلى مطالعة عدد كبير من كتب اللغة والأدب والتاريخ والتراجم؛ للاطلاع على ما سجَّله مؤلفو تلك الكتب على الصاحب بن عباد في شتى نواحي حياته؛ وسائر مقوّمات شخصيته التاريخية.
وكان من جملة الكتب التي قرأت اسمها في ثبت مؤلفات ابن عباد باسم «الروزنامجة» ذكره عدد من المؤرخين الذين عنوا بفهرست سائر ما أثر عن الصاحب بن عباد من مؤلفات وبحوث وتصانيف.
وكتاب «الروزنامجة» ـ كما يظهر من كتب الأدب ـ مجموعة رسائل يومية أرسلها الصاحب من بغداد عندما زارها بصحبة الأمير البويهي عام 347هـ إلى أستاذه الرئيس ابن العميد، يطلعه فيها على سائر مشاهداته ومسموعاته ومطارحاته واجتماعاته برجال العلم والأدب في ذلك البلد الذي كان منارة العلم ومهوى أفئدة ذوي الفضل في العصور الخالية، وقد اجتمع لدى الصاحب من تلك الرسائل ما تألّف منه كتاب كبير يضم نخبة قيمة من الأبناء والقصص المرتبطة بشتى فروع المعرفة التي كانت موضع البحث والمذاكرة في الحلقات العلمية في بغداد الأمس.
وهكذا حوت «الروزنامجة» من أنباء الأدب والتاريخ ما لا يجد له المرء مثيلاً في أكثر كتب الأدب والتاريخ، كما كانت في الوقت نفسه وثيقة اعترافات صريحة سجَّل الصاحب فيها على نفسه كثيراً من التصرفات والأعمال التي لا يستطيع مؤرّخ غيره أن يسجلها؛ لأنّها من تصرفات الخلوات وأعمال المجالس الخاصّة البعيدة عن أنظار الناس ومراقبتهم.
والمؤسف حقّاً أن تفقد المكتبة العربية هذا الكتاب كما فقدت الكثير من أمثاله، فقد تلفت نسخته أو نسخة المخطوطة على مرور الأيام، فلم يعد لها وجود في دور الكتب العامة والخاصة حسبما تدلنا عليه فهارس المخطوطات وترشدنا إليه معلومات الباحثين.
وتشاء الأيام ـ على جورها ـ أن تعدل قليلاً فتحتفظ بنتفٍ من هذا الكتاب النفيس، مبثوثة في أثناء بعض الكتب الأدبية والتاريخية القديمة بثّاً لا يهتدي إليه إلاّ من يسبر تلك الكتب ورقة ورقة وباباً وباباً، وهي ـ وإن كانت نتفاً قليلة لا تغني ولا تسمن بالنسبة إلى أصل الكتاب ـ حاوية لمجموعة قيّمة من المعلومات ومشحونة بكثير من المساجلات الأدبية والمطارحات المفيدة.
وكان لزاماً عليَّ ـ وأنا بصدد نشر آثار الصاحب بن عباد ـ أن أقوم بجمع شتات هذا الكتاب؛ وضمِّ ما بقي من أشلائه الموزَّعة في رسالة واحدة.
وكان منهجي في كتابة النص وتصحيحه أن أرجع إلى عدد ممكن من المصادر الراوية له ـ إن كان ذلك ـ، مع الإشارة في الهامش إلى موارد الاختلاف فيما بينها؛ والتنبيه على ما رجَّحت اختياره في قراءة النص إن لم أعثر على تصحيح له في المراجع المتداولة.
وأردفت ذلك بتراجم للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب؛ وإشارة إلى بعض الأماكن التي أشار إليها المؤلف، مراعياً في كلّ ذلك الإيجاز والاختصار؛ مع الإحالة على الكتب المطولة والموسوعات الكبيرة لمعرفة التفاصيل
محمد حسن آل ياسين
الروض النضير
في معنى حديث الغدير
تأليف: فارس حسّون كريم.
فصول سبعة تناولت جوانب متعدّدة من واقعة غدير «خُمّ» وقول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) المشهور فيها، وعهده بالإمامة والخلافة لوصيّه الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في ذلك المكان، وعند رجوعه من حجّة الوداع، في 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة.
يتعرّض في أوّلها لذكر خطبته (صلّى الله عليه وآله) كاملة، وفي ثانيها إلى دلالة الحديث الشريف، «من كنت مولاه فعليّ مولاه» وفي الثالث يستعرض بعض مصادر غير الشيعة ـ 252 مصدراً ـ لبيان تواتر هذا الحديث وهذه الحادثة، وعناية المسلمين بها على مدى التاريخ، وفي الرابع ذكر إجابات لبعض المسائل المتعلقة بهذه الحادثة، وأمّا في الفصل الخامس فقد ذكر ترجمة مختصرة لـ 61 صحابياً ممّن روى حديث الغدير، وفي السادس الإشارة إلى القدر المتواتر والمتّفق عليه بين طوائف المسلمين بخصوص هذه الواقعة وعهد الولاية الذي تضمّنه حديث الغدير المعروف، واشتمل الفصل الأخير على التعريف بيوم الغدير وحجّة الوداع ووصفهما، واستعراض عدّة حوادث كشواهد على ظاهرة الحسد والغيض المكنون ـ في صدور أقوام ـ ضدّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
روضة الأنس ونزهة النفس
كتاب لصالح أبي البقاء الرندي الشاعر الأندلسي الشهير صاحب قصيدة الاستنجاد للأندلس التي مطلعها:
لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
المولود سنة 661هـ والمتوفى سنة 680هـ . المولود سنة601 هـ والمتوفى سنة 684هـ.
يعدّ كتاب الرندي الذي سمّاه روضة الأنس ونزهة النفس في كتب الثقافة العامة التي شاع التأليف فيها؛ والتي كان مثالها البارز كتاب ابن قتيبة: عيون الأخبار. ويقول الرندي في مقدمة كتابه إنّه ألّفه كتاباً في الأدب جامعاً لعيون الفنون والآداب والأخبار والفرائد والفوائد، وأنّه انتقى «من الكتب دررها ومن أصناف الأدب غررها». ويكون (الأدب) الذي قصد إليه هو الأدب بمعناه الواسع الشامل الذي عرفه ابن خلدون بأنّ÷ الأخذ من كلّ علم بطرف.
وجعل كتابه في عشرين باباً تتوزعها الموضوعات التالية: الباب الأوّل: في العالم ومعالمه. والثاني: في الأرض والبلاد. والثالث: في بدء البشر. والرابع: في النبي (صلّى الله عليه وآله). والخامس: في الخلفاء وأهل البيت. والسادس: في الدولة الأموية. والسابع: في الدولة العباسية. واثامن: في أهل الردّة والخوارج. والتاسع: في جمل من الفتوح. والعاشر: في لمع من… والحادي عشر: في الحرب. والثاني عشر: في الملك والرياسة. والثالث عشر: في العلم. والرابع عشر: في الشعر. والخامس عشر: في المال. والسادس عشر: في النساء والبنين. والسابع عشر: في الناس والزمن. والتاسع عشر: في الحكايات. والباب الموفي عشرين: في الحكم والمواعظ.
وهو في هذه الفصول ـ في الاغلب الأعمّ ـ ناقل ومصنّف ومرتب، بيد أنّ له فضل العبارة الأنيقة والكلمة الرشيقة قال: «وقد ضممت في كلّ جزءٍ منها الشيء إلى ما يماثله، وألحقت به ما يشاكله. ولجأت إلى فكري في كثير من الفصول القصار واللفظ المختار. إذ كان القصد في ذلك الإجادة لا الرواية والإفادة لا الحكاية».
والموجود من الكتاب هو الجزء الأوّل، وينقطع في أثناء الباب التاسع «في جمل من الفتوح». وقد رفع الرندي كتابه إلى الأمير النصري محمد بن محمد وطرزه باسمه، احتفاء وتقديراً «فإنّه ـ أيّده الله ـ زان الملك بالذات الفاضلة والصفات الكاملة والنصبة الإمارية والنسبة الأنصارية، فمن همم تساوي المجد وتجاوز الجوزاء وشيمٍ شيم بها الدهر وينتسب لها الزهر، إلى جود تروي به الآمال ويسترق بمثله الأحرار». ولا يخفى المغزى من الوصف بالكرم والجود في خطبة الكتاب.
ومصادر الكتاب مختلفة متعددة، عرفنا منها عرضاً، وفي أثناء القسم الباقي من الكتاب: كتاب ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب المسعودي مروج الذهب ومغازي الواقدي. وهو نصَّ على النقل من ابن إسحاق (في السيرة) وعن (صاحب التيجان) وصاحب المجسطي، وصاحب الزهر (زهر الآداب). ولا شك في أنّ مصادره كثيرة وإن لم تتضح لنا جميعاً.
وكتاب الرندي من كتب الثقافة العامة التي يستفاد منها في الأغراض التعليمية وما يشبه ذلك. وليست في الكتاب جدة أو إبداع يلفت النظر. ولكن الأديب الشاعر كان يخرج عن موضوعه ليقدّم قطعاً وقصائد من شعره تلوّن الكتاب وتقدّم لنا ذخراً طيباً لشاعر غاب عنّا ديوانه.
تشيُّع الرندي
قال الرندي في كتابه الأنس، في أثناء أحد استطراداته: «وقد رثي الحسين قديماً وحديثاً. وممّن بكاه فأحزن ورثاه فأجاد وأحسن أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله([26]). ومن عجيب ما حكي عنه أنّه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبد المؤمن ـ رحمه الله ـ وهو صفر اليدين منقطع الحيلة: لا كيف ولا أين. لا يملك فتيلاً، ولا يجد للقاء السلطان سبيلاً. فعكف على رثاء الحسين يبكي مصابه، ويذكي به أوصابه، فنَبُه المنصور في الليل عليه، وأمر بالإحسان إليه بعناية نبوية جبرت فؤاده، وأقامت منآده. فاستحضر المنصور ـ رحمه الله ـ وكشف له عن غيبه، وأمكنه من سيبه. وبالغ في بلوغ أربه، وأنفذ له ما أمر به. وفي ذلك يقول مرج كحل([27]) من قصيدة له:
ونبئت عن صفوان نيل كرامةٍ
حباهُ بها الرحمن والخلفاءُ
ولله في صفوان أيَّة آيةٍ
تكشف عنها للعظام غطاءً
فما ضاع منه في الحسين انتصارهُ
ولا خاب عند الله فيه جزاءُ
وحسينياته رضي الله عنه كثيرة ومشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عز وجل فمن ذلك قوله:
أندبُ الطفّ وسبط المصطفى
بمراثٍ هي أسرَى مِنْ: قفا
لا ترمُ ضوء هدًى من بعدهِ
فسراجُ الهدي بالطفّ انطفا…
وممّأ أحسن فيه الإنشاء وأجاد ما شاء المخمَّسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم، وذيل مراكزها بأعجاز من قصيدة أمرؤ القيس التي أوّلها (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) منها:
ديار الهدى بالخيف والجمرات
إلى ملتقى جمع إلى عرفاتِ
مجاري سيول الغيم والعبرات
معارف هدي أصبحت نكرات
لمّا نسجتها من جنوبٍ وشمأل
قال صاحب الكتاب: وقد ألمعتُ بطريقة صفوان ـ رحمه الله ـ في رثائه (عليه السلام) بجملة حذوتُ فيها حذوه فبلغت شأوه بما هو في المعنى أغرب وإلى الحال أنسب. وذلك إنّي صنعت مخمسة على حروف المعجم مذيلةً بإعجازٍمن قصيدة زهير؛ فيها:
أبيتُ فلا يساعدُني عزاء
إذا ذكر الحسينُ وكربلاءُ
فخلّ الوجد يفعل ما يشاء
لمثل اليوم يدّخرُ البكاء!
عفا من آل فاطمة الجواءُ
بعينكَ يا رسول الله ما بي
دموعي في انهمال وانسكابِ
وقلبي في انتهابٍ والتهاب
على دارٍ مكرمة الجناب
عفتها الريحُ بعدك والسماءُ
بكيتُ منازل الصّبر السؤاة
بمكة والمدينة والفُرات
معالمُ للعُلا والمكرمات
عفت آثارُها وكذاك يأتي
على آثار منْ ذهب العفاءُ!
الرَّيّ
ـ1ـ
تحد مدينة الري من الجهة الشمالية والشرقية (طهران) ويحدّها من الجنوب (قم) وتحدّها غرباً: ساوه وكرج. وتقع في السهل الجنوبي من العاصمة طهران، وتمتاز بالطقس المعتدل لوقوعها على خط العرض الشمالي (35 º و34º) وعلى خط الطول الشرقي (51 º و63 º)، ولأجل وقوعها في منطقة خصبة تمتاز بخصوصية جغرافية نادرة، حيث تحيطها الجبال من جهة وتقتحمها الصحراء من جهة أخرى، وثمة خصوصية تأريخية لها، هي وقوعها في طول التاريخ حلقة وصل بين الشرق والغرب.
ويقع في الجهة الشمالية من هذه المدينة، مرقد السيد عبدالعظيم الحسني([28]).
إشتهرت هذه المدينة عند الكتّاب الإسلاميين بأم البلاد أو شيخها([29]) وذلك لوجود المعالم الحضارية والأثرية فيها بكثرة، فكانت موضع اهتمام علماء التأريخ وعلماء الجغرافيا، فاعتنوا بكلّ جوانبها، كتقدير مساحتها، وأهميتها التاريخية، إلى غير ذلك من الجوانب العديدة والمميزة فيها.
يقول المؤرخ أيزيدور خاراكسي في كتابه واصفاً مدينة الري: كانت الري تعتبر أكبر مدينة من مدن مقاطعات الحضارة الميدية([30]).
أمّا ابن حوقل فقد قال فيها ما مضمونه: لم نعهد مدينة أكثر عمراناً كمدينة الري بعد بغداد حيث بلغت مساحتها 1،5 فرسخ من 1،5 فرسخ([31]).
وتنقسم المساحة الممتدة في وسط المدينة من الناحية التأريخية إلى قسمين:
القسم الأوّل أي القسم الأمامي أو المتقدم منها هو مدينة الري القديمة وتسمّى بالري العليا وهي تقع جنوب نبع (چشمه علي)، وفيها سور عظيم، أنشىء قبل الإسلام، وهو يفصل المدينة القديمة عن المدينة الحديثة التي تسمّى بالري السفلى، وهو القسم الآخر من هذه المدينة الذي أنشىء في القرون المتأخرة وبموازاة مثيلتها في الجنوب الشرقي منها أي جنوبي جبل السيدة شهربانو([32]).
وهناك مخطوطة جغرافية مهمة للغاية لاحتوائها على أسماء المدن وتاريخ تأسيسها، وأسماء الجسور والطرق التي أنشئت، وكذلك أسماء الأبنية التي كانت قبل الإسلام في إيران. ولكنّنا لم نتمكن من معرفة المؤسس الأوّل لهذه المدينة لرداءة خطها واهتراء أوراقها([33]).
ومجمل القول أنّها كانت تضاهي مدن الصغد وبلخ وهيرگاه وهرات([34]).
أمّا الاسم الذي أطلق قديماً فهو (رگه) أو (رگاي) وبالأحرف غير العربية (Raga-Ragay) والتي ذكرته المصادر الأوروبية القديمة كالمصادر اليونانية وبالأحرف (Payai)وهو الاسم الذي يطلق على ما تبقى منها في الوقت الحاضر([35]).
وتدل على أهميتها الآثار المنكشفة الجزئية، التي يرجع تاريخها إلى حضرة ما قبل عصر التدوين وهو حقبة الألف الخامس إلى الألف السادس قبل الميلاد([36]). حيث وجد ذلك العالم الأثري المعروف (اريك اشميث) في موقع (چشمه علي) فيها آثاراً تتعلق بالألف الخامس والرابع قبل الميلاد([37]) وذلك في سنة (1935). فكانت النقوش المرسومة على بعض القطع الفخارية وعلى بعض أوراق الشجر والغصون تدل على ازدهار الزراعة والري في هذا العصر([38]).
وكانت الري تعتبر من المراكز التجارية المهمة المعدودة في التاريخ لأنّها كانت تربط غالب الطرق الرئيسية مع بعضها البعض، كطريق الري ـ شوش، والري ـ آذربيجان، والري ـ هكاتم پيلوس (أي دامغان)، والفيا الري ـ خراسان الكبرى([39]).
نستنتج من كلّ هذا بأنّ الري كانت لها من العظمة ما قلّ نظيره بين المدن وما قلّ أن يحظى غيرها بمثله من الصيت والدور الفعّال في طول التاريخ بحسب التقريرات التأريخية المؤيدة لذلك.
وقد نهضت منها بعض البيوتات التي اشتهرت بخدماتها. فأسرة اسپندياذ يجزم بعض المؤرخين أنّها قامت من الري. وبيت مهران ترجع سلالتهم إلى هذه المدينة، حيث هاجروا إلى (بارس) وسيطروا على أراضٍ واسعة من سهول الري وبارس.
وكان لهاذين البيتين شأن خطير في المواضع الاجتماعية ولا سيما في المناصب العسكرية والمدنية في إيران لا سيّما أسرة مهران التي اشتهرت أكثر من غيرها كما تؤكد المصادر التأريخية.
وقد أطلق عليها العباسيون في أيامهم اسم (محمدية) لإقامة محمد بن المنصور فيها وهو الذي لقب فيما بعد بالمهدي العباسي على أيام أبيه المنصور. وهو الذي اهتم بها وعمّر أكثر بقاعها وأحيائها، وولد ابنه هارون الرشيد فيها، وإضافة إلى ذلك فقد كانت تحتوي على مصنع لضرب النقود.
وتروي بعض المصادر أنّ (مرداويج الزياري) عندما غزا همذان وسيطر عليها عزم على نقل التمثال الصخري الذي كان منحوتاً على شكل صورة الأسد الذي كان هناك إلى الري، ولكنّه عدل عن رأيه لثقل التمثال، فأمر بكسر قوائمه. وهذا التمثال على رأي البعض هو من آثار سلالة الميديين. ولكن الآخرين يقولون إنّه من آثار السلالة الهخامنشية.
وبحسب وجود بعض الروايات المشابهة بين الاسم القديم الذي هو «سوران رود»، نسبة إلى سلالة سورن التي قامت من هذه البقعة، وسلالة سورن هي من البيوتات المعدودة، والمتميّزة في ذلك العهد في تاريخ إيران. ومن المحتمل قوياً بأنّهم هاجروا من مدينة الري إلى مقاطعة سيستان، واتخذوها مقراً لهم في نهاية المطاف على ما روته بعض المصادر التأريخية.
اعتبر المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) في تقسيمه للمناطق الجبلية العديدة في العالم ـ اعتبر أنّ مدينة الري واقعة ضمن المناطق الجبلية وذلك عند تقسيمه المناطق تقسيماً جغرافياً وسياسياً وإدارياً واقتصادياً كما كان دأب علماء الجغرافيا في القرون الأولى للسنين الهجرية عند المسلمين، وتشمل هذه المنطقة: الري وأصفهان إلى مقاطعة كرمانشاهان ولرستان وتمتد إلى خوزستان، إلى سواحل دجلة، ومنطقة آذرآبادگان وكردستان ممتدة إلى السليمانية ومرو والموصل من الجهة الأخرى.
ويضيف أبو الفداء عند حديثه عن مناطق الجبال، مدينة قزوين إلى مدينة الري، حيث يقول: إنّهما تقعان في هذه المنطقة، أي ناحية منطقة الجبال.
ويمكن اعتبار أهمية هذه المدينة على مستوى أهمية مدن تيسفون، واصطخر، وهمذان، ونيسابور و…، التي كانت تتميز باحتوائها المؤسسات العلمية والمكتبات المهمة والمراكز الثقافية الهامة ذات الطابع التحقيقي المرموق.
وبالاستناد إلى معالم عصر البيروني صاحب الكتاب القيّم التأريخي الشهير «الآثار الباقية» نستنتيج بأنّ بذرة العلوم والمعارف الأدبية والحكمية التي غرست في بغداد في العهد العباسي، أينعت ثمارها في مدن الري وخراسان وآذربيجان.
فزكريا الرازي الذي طار صيته في عالم الطب، والذي يطلق عليه الأوروبيون إسم (Razes) ويعتبرونه من الأطباء المسلمين البارزين، ومن ذوي الابتكارات العلمية والطبية المهمة، المكثرين في مجال التأليف والتصنيف. إنّ الرازي هذا، كما يدل عليه اسمه، هو أحد أبناء هذه المدينة العريقة ومن مفاخرها.
وخلاصة القول، أنّ هذه المدينة لها مكانة خاصة من بين الأقاليم والخطط التي توصف بالمكانة العلمية والتأريخية. واعتبرت ـ وبالخصوص في تاريخ إيران ـ من المراكز الطبية المهمة الشامخة لا سيما في القرون الإسلامية الأولى، لاحتوائها على المشافي والمراكز الصحية والتي ورثت مدرسة جندي سابور الطبية، حيث كان الرازي على رأسها ورأس الهيئة المشرفة التي كانت قد أنشئت في بغداد والتي تولّت تربية جيل من الأطباء البارزين في تاريخ إيران، واعتبروها على مستوى مراكز اكياتان وپرسبوليس، ومركز جندي سابوري في العهود الساسانية التي كانت تتمتع بإمكانيات واسعة حنيذاك. فكانت كعبة العلماء ونهاية مطافهم في شتى مجالات العلوم الإنسانية والإلهية والفلسفة والعرفان.
يقول جرجي زيدان في كتابه التمدن الإسلامي ما مضمونه: كان على طلاب الحديث والسيرة أن يقصدوا إحدى هذه المدن: مكة أو المدينة أو البصرة أو الكوفة أو مصر أو الري. فإذن كانت هذه المدينة إحدى الخطط المعدودة التي كان يقصدها طلاب ورواد الأحاديث في القرون الغابرة الإسلامية.
وهي كانت أيضاً مقصداً، للمؤرخين والأطباء وغيرهم في هذا العصر ومسقط رأس لبعضهم الآخر، فمسكويه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب أصله من الري. وخلال وجوده في الري درس على أبي الحسن العامري.
أورد الدكتور هنري أ. سيجريت عند رسمه بعض الخرائط الجغرافية لتحديد أماكن المراكز العلمية في طي العصور الغابرة ـ أورد فيما أورد: الري، واكياتان، وبرسپوليس.
يمكن اعتبار مدينة الري من العواصم المهمة، في العصور التأريخية لا سيما في القرون الوسطى منها. وكانت مركزاً سياسياً مهماً على طول التاريخ.
وإلى جانب احتوائها على المراكز المهة، فقد كانت تحتوي أيضاً المراكز الفنية الممتدة من الفن الإيراني الأصيل خاصة في القرون بين الثالث وحتّى القرن الخامس الهجري. وهي تذكرنا بالفنانين والمعماريين، والصاغة، ومهرة الفن الفخاري في هذه العصور.
وعلى الرغم من الضربات القاسية اليت انهالت من المغول على الفن والمعارف الإيرانية، إلاّ أنّها استمرّت في سيرها خاصّة في هذه المدينة وفي مدينة كاشان.
وتتفق أقوال علماء الآثار ـ نتيجة التنقيب ومطالعاتهم في الآثار المتبقة في خطط الري ـ على أنّها كانت تضاهي مدينة بلخ الأثرية، في أصالة الفن وعظمته.
ونقل ياقوت الحموي عن كتاب التنبيه ـ لحمزة بن الحسن الأصفهاني ـ بأنّ للإيرانيين خمس لهجات، وهي الپهلوية، والدرية، والفارسية، والخوزية، والسريانية.
فكانت الپهلوية لغة البلاط، وهي منسوبة إلى پهله هي: تعني اسماً لخمس مدن هي أصفهان، والري، وهمذان، وماه نهاوند، وآذربيجان.
يقول (ريچارد فراي): أنّ الري، أو پارگه، أو پارقه (باليونانية)، مدينة تقع ما بين جبال البرز من جهة والصحراء المركزية المالحة من جهة أخرى، وهي تعتبر من أواخر المدن الغربية الكبيرة في إيران، وهي تشرف على مفترق الطرق التجارية الشرقية، واعتبرت هذه المدينة على مستوى المدن التي تحتوي على المخازن الكبيرة بالنسبة لمثيلاتها من المدن، حيث جعلتها مركزاً مهماً للتسوّق، لاحتوائها على الأمتعة النفيسة أيام الديلميين.
واعتبرها بعض مؤرخي العرب هي ومدينة مرو من المراكز التجارية المهمة للإيرانيين.
أما العباسيون فالظاهر أنّهم قللوا من أهميتها، بعد بنائهم لمدينة بغداد.
وقد أصبحت ملجأ للأقليات الدينية المسيحية التي كانت تُلاحق من حين لآخر وبكلّ شدّة وبطش من قبل الكهنة الساسانيين. وقد اعتبرت من الملاجىء التي كان تقاوم دوماً كلّ هذه الشدائد التي كان تصب على تلك الأقليات، بموازاة مدينة شوش التي كانت هي الأخرى تعيش يومذاك نفس المأساة.
فاعتبرت الري أحد أبرز الأديرة الثلاثين في ذلك العهد للمسيحيين. لا تقل أهميتها من أهمية مدن أصفهان، وفارس، ونيسابور، ومرو، وهرات، وأخيراً مدينة سيستان.
وعندما سيطرت الكنيسة النسطورية وبلغت أوجها، توجه المسيحيون النساطرة إلى غرب إيران، ولسبب الملاحقة الدائمة لهم من قبل مناوئيهم، أصبحوا دوماً يبحثون عن مكان آمن لهم، وبذلك بنوا الأديرة في كردستان ولرستان وشوشتر، والأهواز، وشوش، والري.
وأشارت بعض المراجع التأريخية أنّ اليهود قاموا بتأسيس مقرات لهم فيها وذلك تحت اسم (كلن) لتوطين أبناء ملتهم.
وأمّا في العصور الإسلامية فأصبحت مدن، طبرستان، والري، وقم، من المراكز العلمية والدينية الشيعية المهمة، فبنيت المساجد على الطراز الإسلامي في كلّ من مدن الري، ونائين، ويزد، وشوشتر، وأردستان، ودماوند.
وفي إيران يوجد مزاران معروفان عند عامة الناس، أحدهما يطلق عليه اسم (شاه عبد العظيم) وهو الواقع في مدينة الري، والآخر يقع في شيراز وهو المعروف (بشاه جراغ)، وهما ملجآن للعلماء من ملاحقة الظالمين. ومن اللاجئين التاريخيين ابن سينا.
ولا بدّ من الإشارة إلى الموقع الطبيعي المرموق لمدينة الري، وعلى ما نقل العالم الجغرافي المعروف (سترابون) فإنّ الإشكانيين كانوا يقضون أيام الربيع وأيام الصيف فيها.
الدكتور اردشير خداداديان
الري قبل الإسلام
تعتبر مدينة الري من المدن العريقة في القدم في العالم، وقد وجدت نقوش قديمة على بعض القطع الفخارية التي عثر عليها علماء الآثار والتي يرجع تاريخها إلى ما يقارب الـ (6000ـ4000) سنة قبل الميلاد.
وأوّل من سكن هذه المدينة ـ على ما قيل ـ هم الآريون الذين توجهوا في هجرتهم إلى إيران.
واعتبرت هذه المدينة في أوائل القرن السابع قبل الميلاد أي على عهد الآشوريين إحدى ولاياتهم في مقاطعة الأراضي الميدية.
وكانت تعتبر المدينة المقدسة عند الساسانيين، وبرزت مركزاً دينياً مهماً لأتباع الزرادشتية، بناءً على ما قيل بأنّ مولد زرادشت كان فيها.
وسيطر عليها المسلمون في سنة (22) هجرية، بعد فتح أصفهان، وقزوين، وزنجان.
الدكتور اردشير خداداديان
الرَّيّ
ـ2ـ
تقع في الطرف الشمالي الشرقي من إقليم الجبال. وقد كانت في المئة الرابعة (العاشرة) على ما يظهر أكبر القصبات الأربع لإقليم الجبال.
وفي المدينة على قول ابن حوقل: «نهران للشرب، يسمّى أحدهما سور قَنَى ويجري على رُوذَة، والآخر الجيلاني يجري على ساربانان». وذكر ياقوت أيضاً نهر موسى الآتي من جبل الديلم، فقد يكون هذا النهر هو الجيلاني أو نهر كيلان.
وفي المئة الرابعة (العاشرة) قال ابن حوقل والمقدسي أنّ الري قد خرب أكثرها وتحوّلت تجارتها إلى أرباض المدينة القديمة. وكان يطل على المسجد الجامع الذي بناه الخليفة المهدي وفرغ من عمارته في سنة 158 هـ (775م)، على ما روى ياقوت، الحصن وهو على قلّة جبل صعب المرتقى «فإذا صعدت إلى تلك القلعة اطلعت على سطوح الري كلها» على وصف ابن رسته. أمّا ما رواه ياقوت عن الري فغير واضح كثيراً إلاّ أنّه اقتبس في شطر ممّا روى وصفاً خططياً قديماً للمدينة جاء فيه أنّ المدينة الداخلة فيها المسجد الجامع ودار الإمارة وحولها خندق. وأهل الري يدعونها «المدينة». والمدينة الخارجة كان غالبها يعرف بالمحمدية وقد كانت في أوّل أمرها ربضاً محصناً. وكان على قلة جبل يطل على المدينة التحتانية (الداخلة) وعلى ما نقله ياقوت كان هذا الحصن يعرف بالزبيدية (وقد ورد اسمه في بعض المخطوطات بصورة الزيبندي)([40]). وقد كان المهدي نزله أيام مقامه بالري. ثمّ جعل بعد ذلك سجناً ثمّ خرب وعمر في سنة 287(891م). وكان في الري قلعة أخرى يُقال لها قلعة الفُرُّخان وعرفت أيضاً بالجوسق. وفي المئة الرابعة (العاشرة) كره فخر الدولة البويهي القصر القديم القائم فوق تلة الجبل فابتنى له أبنية مشرفة على البساتين سمّاها فخر آباد.
وأشهر رساتيق الري في الأزمنة الأولى وأكثرها خصوبة: رستاق روذه (أو الروذه) وفيه قرية كبيرة بهذ الإسم في ما يلي ربض المدينة. وورامين وقد أخذت مكان الري بعدئذ وصارت أولى مدن ذلك القسم من إقليم الجبال. وبشاويه وما زالت قائمة تعرف باسم فشاويه. وأخيراً قوسين وديزه والقصران الخارج والداخل. وديزه اسم قريتين كبيرتين أو مدينتين على مسيرة يوم من الري وهما ديزه القصرين وديزه ورامين. وكلّ هذه الرساتيق وغيرها ممّا ذكره ابن حوقل كانت أشبه بمدن صغيرة «يزيد ما في أحدها من أهلها على عشرة آلاف رجل». وفي سنة 617 (1220م) استولت جحافل المغول على الري ونهبتها وأحرقتها ولم تقم لها قائمة منذ نزول هذه الكارثة بها. وحين مرّ بها ياقوت في ذلك الزمان قال: «رأيت حيطان خرابها قائماً وقد خربت دورها. وكثير منها مبني بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزرقة مدهون كما تدهن الغضائر»، ولم ينج من أذى المغول غير ربض الشافعية وهو أصغر أحياء المدينة. أمّا أحياء الحنفية والشيعة فقد خربت ولم يبق لها أثر.
وقد حاول غازان الملك المغولي المسلم تعمير الري وإنقاذها من الخراب المستحوذ عليها فأمر بإعادة بناء المدينة والسكنى فيها. ولكنّه خاب في ذلك لأنّ سكانها كانوا قد انتقلوا عنها إلى مدينتي ورامين وطهران المجاورتين لها لا سيّما إلى الأولى إذ كانت أطيب هواء من الري القديمة. وأضحت في مطلع المئة الثامنة (الرابعة عشرة) أكثر مدن هذه الناحية ازدهاراً. وخرائب ورامين على شيء يسير من جنوب الري. وإلى شمالها، على ما ذكر المستوفي، جبل طَبَرِك ـ وهو على ما يظن غير الجبل الذي بنى عليه (الخليفة) المهدي قلعته المارّة الذكر ـ. وكان فيه معدن الفضة ويأتي منه ربح كثير. وقلعة طبرك هذه، على ما في تاريخ ظهير الدين، قد بناها منوجهر الزياري في مطلع المئة الخامسة (الحادية عشرة). وروى ياقوت أنّ طغرل الثاني آخر سلاطين سلاجقة العراق خربها في سنة 588 (1192). وتحدّث طويلاً عن حصار هذا الحصن المنيع المشهور وقال إنّ جبل طبرك على يمين القاصد خراسان وعن يساره جبل الري الأعظم (ويظن أنّه موضع القلعة التي بناها المهدي). وهو متصل بخراب الري. ووصف المستوفي ضريح إمام زاده عبد العظيم بأنّه على مقربة من الري وما زال هذا المشهد من المزارات المكرمة في طهران اليوم.
ومن الولايات المشهورة قرب الري: ولاية شهريار. وذكر المستوفي عرضاً قلعة بهذ الإسم تقوم في شمالي المدينة. وقد أصبحت هذه القلعة بعد ذلك ذات شأن لأنّ شهريار أو ري شهريار هو الإسم الذي أطلقه علي اليزدي على الري حين وصف حروب تيمور. أمّا ورامين فكانت، أوّل المراكز الآهلة إلاّ أنّ الخراب قد نال من هذه المدينة في مطلع المئة التاسعة (الخامسة عشرة) وبعد زمن قام في موضعها مدينة طهران التي لم تكن في المئة السابعة (الثالثة عشرة) غير قرية من أكبر قرى الري.
الريّ
– (3) –
في معجم البلدان: الريّ مدينة مشهورة من أمّهات البلاد (إلى أن قال): «وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، اجتزتُ في خرابها وأنا منهزم من التتر سنة 617، فسألت رجلاً من عقلائها عن السبب فقال: كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم؛ لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة. وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلاّ شيعة وقليل حنفية، فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظاهر عليهم الحنفية والشافعية، وتطاولت بينهم الحروب حتّى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فوقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية حتّى أفنَوا الحنفية، مع أن الشافعية أقل إلاّ أن الله نصرهم عليهم([41])؛ فهذه المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية. وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية، وهي أصغر محال الري، ولم يبق من الشيعة والحنفية إلاّ من يُخفي مذهب» «انتهى كلام ياقوت».
والقسم الإيراني الذي حكمه البويهيون كان قسمه الشمالي يسمّى (بلاد الجبل).
وأهم مدنه أربع: كرمنشاه (قرميسين، والريّ، وهمذان، وأصفهان ـ وسمى السلجوقيون هذا الإقليم العراقَ العجمي).
وكانت عاصمة هذا الإقليم في العهد البويهي هي (الريّ)، قال الإصطخري: (والريّ مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها). وقال الأصمعي: (الري عروس الدنيا وإليه مَتجَر الناس).
والنسبة إليها رازي. ولمّا وصف المقدسي هذا الإقليمَ في العهد البويهي قال: (إن به الريّ الجليلة وهمذان والكورة النفيسة أصفهان). وقال: «فأما الريّ فإنها كورة نزيهة كثيرة المياه جليلة القرى حسنة الفواكه خطرة الرساتيق. فيه علماء سراة، وعوامّ دهاة، ونسوان مدبّرات، لهم جمال وعقل. وبه مجالس ومدارس وقرائح وصنائع وخصائص، لا يخلو المذكِّر من فقه ولا الرئيس من علم ولا المحتسب من صِيت ولا الخطيب من أدب. هو أحد مفاخر الإسلام وأمّهات البلدان، به مشايخ وأجلّة وقرّاء وأئمّة وزهّاد وغزاة. وأئمّة الجوامع فيها مختلفة: يوم للحنفيين ويوم للشافعيين.
ومذاهب هذا الإقليم مختلفة. أما بالريّ فالغلبة للحنفيين، وبها حنابلة كثيرون لهم جَلَبة. والعوامّ قد تابعوا الفقهاء في «خلق القرآن». وأهل «قمّ» شيعة غالية، وهمذان وأجنادها أصحاب حديث، إلا الدينور فإن بها جلبة لمذهب سفيان الثوري. والإمامة في الجامع مثنى (يوم لمذهب ويوم لمذهب)، وعلى ذلك كان أهل أصفهان في القديم.
ويقع بالري عصبيات في «خلق القرآن». وفي أصفهان بَلَه وغلوّ في معاوية»(انتهى).
وتقع الري اليوم في طرف من أطراف مدينة طهران.(راجع: طهران)
الرَّيّ
ـ4ـ
الري: أرض قديمة، وحسب الدلائل الموجودة فإنها ترجع إلى القرنين السابع والثامن قبل الميلاد.
وقد ورد ذكر (الريّ) في كتاب (ونديداد) الذي يعتبر من الكتب المقدسة للزرادشتيين كما يلي: «وهي البلاد النزيهة الثانية عشرة التي خلقتها (اهورامزدا)([42])…»، وورد في كتاب مجمل التواريخ أن منوچهر قد بنى مدينة في هذه الأرض… وأسماها «ماه جان»([43]).
ويكتب (رضا قليخان هدايت) تحت ملحقات الناصري ما يلي: «لا ينبغي أن يخفى على الباحثين عن الحقيقة بأن «الري» و «راز» هما أخوان، وقد توافقا على بناء مدينة أسمَياها باسم أحدهما ري، وأسماها أهلها باسم الآخر رازي، لئلاّ يُحرَم أحدهما من الاسم»([44]) وكانت الري في التقسيمات التي سبقت الإسلام جزءً من (ماد) الكبيرة، وكانت تسمّى «ماد راكيان» أو «ماد رازي»([45]). وأثناء سلطة الملوك الاشكانيين كانت الري مقراً للإقامة الربيعية وكانوا يسمّونها «أرشكيه»([46])، وذكر حسين كريمان كلمات مختلفة منسوبة للري في الكتب اليونانية وغير اليونانية هي كما يلي: «ورد ذكر هذه الكلمة في كتاب (توبيت) بصورة (راكس ـ Rages)، وفي كتاب (جوديت) بصورة (راكو ـ Ragau)، وفي أوستا «رغه ـ Ragha)، وفي بيستون «ركا ـ Raga ، وفي اليونانية «راكو ـ Rhagoe وراكا ـ Rhaga وراكيا ـ Rhageia»، وفي السريانية ري ـ دورا: ـ Rai Dura»، وفي اللغة الأرمنية «ري ـ Re»، وفي اللغة الپهلوية «ري ـ رك ـ ركا: ـRai Rag ـ «Rak …» وفي ضمن ذلك يَحتمل كريمان أن تكون «راز» الشكل العلمي للكلمات «ركا» و «رغه» و «راكو» أو «راكس» التي كانوا يسمّونها (راجس) و (راكَز)([47]).
وفي عهد السلوكيين تعرّضت مدينة الري لزلزلة شديدة فتدمرت، وباشر بتعميرها سلوكوس الأول المعروف بـ (نيكاتر) عام ( 312 -280ق.م).
ثم تغير الاسم بعد ذلك إلى «ارشكيه» أو «ارساكيا»([48]).
ونحاول الآن تتبع نظريات مؤرّخي وجغرافيّي القرون الإسلاميّة الوسطى حول كلمة (ري)، فينقل ابن الفقيه عن ابن الكلبي ما يلي: «… كان في بادئ الأمر ثمة بستان في محل مدينة الري، فدَخَلَته يوماً ابنةُ روي بن بيلان وأخذت تأكل التين، وحينما سُئلت عمّا تأكل قالت: بورأنجير، أي أنها كانت تأكل التين، ومن ثم سمّي هذا المكان باسم «بورأنجير»، وغيّره أهل الري فيما بعد إلى بهرير»، وبعدها إلى (ري)([49]).
وذكر اسمَ المدينة في السابق الطبري والدنيوري وعدد آخر من المؤرخين والجغرافيين الإسلاميين على أنه «رام فيروز»([50]).
وذكر مؤلف نخبة الدهر بأن اسم (ري) هو (ري اردشير)، وإضافة إلى ذلك ذكر اسم (رام فيروز) لهذه المدينة([51]).
وحينما بُنيت المحمدية في مدينة الري على يد المهدي العباسي في أواسط القرن الثاني الهجري، أصبح هذا المكان يُدعى المحمدية تارة وتارة أخرى يدعى الهاشمية. وكانت مدينة المحمدية أهم مركز لضرب النقود في ولاية الري، بحيث يُشاهَد اسمها على أكثر النقود المتداولة في العصر العباسي.
وظلت تتعاقب الألقاب على الري منذ القرن السابع الهجري وما بعده، فيذكر حمدُ الله المستوفي مثلاً: «وسُمّيت (ري) أم البلاد في إيران، وسمّيت لقدمها بشيخ البلاد»([52]).
ويؤكد شاردن السائح المعروف في الدورة الصفوية ما يذكره المستوفي من ألقاب للمدينة ويضيف عليها باب الأبواب، سوق العالم، وبلدة البلاد([53]).
يذكر البلاذري فيما يخصّ فتح الري فيقول: «ينقل عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف: أن عمر بن الخطّاب كتب إلى عمّار بن ياسر عامله على الكوفة، بعد شهرين من حرب نَهاونَد، بأن يرسل عروة بن زيدِ الخيل الطائي إلى الريّ مع ثمانية آلاف مقاتل»([54]). وتقع الري ـ ولفظها الصحيح بتشديد الياء ـ في الجانب الشرقي لولاية (الجبال) ([55]). وبناء على أقوال بعض المؤرخين فإن هذه المدينة التاريخية التي خُسفت بها الأرض ما قبل الإسلام تقع على بعد اثني عشر فرسخاً عن الريّ الحالية وبالتحديد على طريق «خوار»، ولا تزال بعض آثارها قائمة إلى الآن([56]).
ويصف ابن الفقيه مدينة الري الحديثة نقلاً عن محمد بن إسحاق فيقول: «تعتبر الريّ عروس العالم ومفترق طرقه، والواسطة بين خراسان وجرجان والعراق»([57]). وفي أواسط القرن الثاني الهجري شيّد المهدي العباسي هذا القسم من المدينة، الواقع في الشطر الشرقي منها، جنوب جبل (بي بي شهر بانو) وحفر خندقاً حولها، وبنى مسجداً جامعاً على يد عمار بن أبي الخصيب… وأحدث قلعةً فيها وحفر حول هذه القلعة خندقاً آخر، وأسمى هذه البنايات بمجموعها (المحمدية)، بينما كان أهالي الريّ يسمّونها (المدينة) أو «شهرستان» ويسمون القلعة «كهندج»([58]).
وذكر ابن خُرداذَبه هذه المدينةَ في القرن الثالث في عداد بلاد الپهلويين([59])، وذكر ابن حوقل والمقدسي في القرن الرابع بأن أكثر مناطق المدينة قد تهدّمت، وانتقلت تجارتها إلى ضواحي المدينة القديمة([60]).
وكانت الريّ في القرن الرابع الهجري من أكبر المراكز الأربعة لولاية «الجبال». ويعتقد الجغرافيون والمؤرخون بأن الري «كانت تقع ضمن حدود ولاية الدَّيلم، فهي تدخل في ولاية «الجبال» وولاية خراسان، وليس ثمة مدينة في المشرق أجمل وأوسع من الريّ»([61]). ويكتب عن هذه المدينة أبو دُلَف الذي شاهد المدينة في أواخر القرن الرابع فيقول: تتصل أرض الري بجبال بني قارون ودنباوند وجبال الديلم وطبرستان. ويقول أيضاً: ويوجد في وسط الريّ مدينة عجيبة ذات بوابات حديدية وحصن عظيم ومسجد جامع، ويتوسطها أيضاً جبل عال تعتليه قلعة مُحكمة شيدها «رافع بن هرثمة» ولكنها الآن قد استحالت إلى أطلال([62]).
ويعتقد المؤلف بأن «أبو دلف» قد أخطأ في ما كتب، حيث تنطبق أوصاف المدينة التي ذكرها على المدينة التي شيّدها المهدي العباسي، ولأن موضع الريّ قد تغير في أواخر القرن الرابع إذ آلت المدينة بحصنها إلى الخراب وانتقل الموضع الجديد للري إلى سفح جبل يسمّى طبرك «ويقع بالقرب من چشمه علي الحالية».
وكان للري آنذاك حصن محكم، ويذكر ابن حوقل أسماء خمس بوابات لها وهي: بوابة باطاق في الجنوب الغربي، بوابة بليسان في الشمال الغربي، بوابة كوهك في الشمال الشرقي، بوابة هشام في الجانب الشرقي، وأخيراً بوابة سين في الجانب الجنوبي وتعرف ببوابة قم([63]). ويشير المقدسي إلى بنايتين مهمتين في الري في القرن الرابع قائلاً: وإحدى هاتين البنايتين هي دار البطيخ «خَربُزه خانه» ويستعمل هذا الاسم عادة لسُوق بائعي الفاكهة في المدينة، والأخرى هي دار الكتب «كتابخانه» وتقع في فندق أسفل محلة رودة([64])…»([65]).
وخرجت مدينة الري ونواحيها عن سلطة الخلفاء وخضعت لملوك آل بُوَيه منذ القرن الرابع وما بعده، وكانت هذه المنطقة تعتبر جزء من مناطق الديلم منذ ذلك الحين([66]).
وتنقسم الري في القرن الخامس إلى قسمين منفصلين عن بعضهما؛ القسم الأول هو الري القديمة أو الأثرية الواقعة جنوب «چشمه علي» وسط حصن عظيم، وقد أقيمت في العصور التي سبقت الإسلام، وتسمّى «ري برين» أو «ري عُليا». أما القسم الثاني فهو «الريّ الحديثة» وتقع جنوب شرقيّ القسم الأول وجنوب جبل «بي بي شهربانو»، وتسمّى «ري زيرين» أو «الري السّفلى»([67]).
ويذكر ياقوت الحموي الشطرين المهمين لمدينة الريّ التي شاهدها في أوائل القرن السابع، قبل حملة المغول. ولكنّ شرحه لتفاصيل المدينة وأبنيتها مبهم وغير واضح([68]).
وتعرّضت الري لغارات المغول عام 613هـ وضُربت على أيديهم، وكما يقول ياقوت فإن أغلب أبنيتها قد دُمّر ولم يَبقَ منها إلاّ سُورها([69]).
وينقل حمد الله المستوفي بأن غازان خان ـ ومن أجل الحيلولة دون دمار الري أكثر قد باشر بإحداث بنايات كثيرة وأسكن فيها جماعات من أهل الريّ في (واندك)، ولكن الري لم ترجع إلى سابق عهدها، لأن أغلب أهلها فضّلوا النزوح إلى موضعين مجاورين لها هما طهران وورامين، وعلى الخصوص منطقة ورامين التي تتميز بعذوبة هوائها أكثر من الري([70]).
وبعد هجوم المغول استُحدثت في الريّ تقسيمات جديدة، إذ قُسّمت إلى أربع مناطق كبيرة. ويشير حمد الله المستوفي في القرن الثامن إلى هذه التقسيمات فيقول: «الناحية الأولى هي ناحية بَهنام، وفيها ستّون قرية من أكبر قراها ورامين وخاوه. والناحية الثانية هي ناحية سبور قرج، وفيها تسعون قرية أكبرها قرى شندر وإيوان كيف. والثالثة هي ناحية فشابويه، وفيها ثلاثون قرية أكبرها قرى كوشك عُليا باد وكيلين وجرم وقوج آغاز. والرابعة ناحية غار، وفيها أربعون قرية أكبر هذه القرى هي طهران (وإمام زاده) حسن المشهورة بـ (جيان) وفيروز بهرام ودولت آباد»([71]).
وظلت هذه التقسيمات على حالها في الفترات التالية، ولكن المدينة وشوكتها قد آلتا إلى الضعف والخراب، بحيث يتحدث كلافيخو ـ السائح المعروف في العهد التيموري ـ عن هذه الخرائب فيقول: «لقد رأيت أبنية عظيمة في المدينة وكلها مهجورة وخربة، ولكن بعض الأبراج ظلت قائمة، وكذلك رأيت أطلال بعض المساجد. وكل هذه الآثار هي آثار مدينة الري التي كانت في الماضي أكبر مدن المنطقة، ولكنها الآن مجرد خرائب وأطلال خالية من السكان» ([72]).
وكذلك كانت حالها في العهد الصفوي، إذ بقيت على خرابها، ويتحدث عنها مؤلف كتاب: «ري باستان» نقلاً عن «زينة المجالس» فيقول: مدينة الري خربة في الوقت الحاضر، ولا تزال إلى الآن على حالها منذ مجازر المغول ولما يحصل فيها أي تغير بعد»([73]).
وشاهَد الري في العهد الصفوي السائحُ المعروف شاردن فكتب عنها: حدثت آخر أعمال التخريب في هذه المدينة إثر الحروب الداخلية، في العصر الإسلامي وغارات المغول على عراق العجم([74]).
مقام السيد عبد العظيم
ينقل حسين كريمان بأن السير روبرت كربرتر الإنكليزي ـ الذي كان قد زار المدينة الخربة خلال العصر القاجاري ـ يقول: وكان آخر حادثة لها دورٌ مصيري في تاريخ هذه المدينة هي من نتائج طلب السلطة والجاه والقساوة والوحشية التي كانت من المميزات البارزة لخلفاء جنگيزخان دون استثناء. ولم يكد يمضي على الغارات وأعمال التخريب والمحاصرات التي تعرّضت لها هذه المدينة أكثر من قرنين حتّى اختفى اسمها من الأذهان ولم تَعُد اسماً لمنطقة يقطنها بشر([75]).
أخيراً كانت الري الجديدة قرية يقع فيها مقام السيّد عبدالعظيم الحسني، وحظيت هذه القرية بالاهتمام والعمران، حتّى أضحت مدينة صغيرة جميلة مزوّدة بمختلف التأسيسات، واستعادت اسمها (مدينة الريّ) من جديد، وبدأ عدد سكانها يزداد باضطراد، وهي الآن قضاء إذا ما أُضيفت إليها قرية غار.
وتتضارب آراء المؤرخين حول الموضع القديم للري، فيقول اعتماد السلطنة مثلاً: «حسب زعم بعض الفضلاء» فإنّ (راكز) أو (الري) هي قلعة (إيرج) الواقعة بالقرب من مدينة ورامين، ولكن يغلب الظن بأنّ مدينة الري هي حدود الأراضي الجنوب شرقية لدار الخلافة طهران([76]). ويعتقد راولنسن بأنّ محل الري هو بعض أجزاء ورامين.
الدكتور حسين قره جانلو
التشيع في الري
وعن التشيع في الري يقول السيد رسول جعفريان: «يبدو أنّ أهل الري كانوا في بداية إسلامهم من غير الشيعة، المتعصبين على الشيعة، إلى حد النصب. بحيث أنّ (أبو مسلم) عندما قام بالقضاء على بني أمية صادر أموال أهل الري بجرم دفاعهم عن الأمويين. ثمّ أعادها لهم (السفّاح). وهذا التعصب كان نتاجاً لتربية الولاة لهم، فمنذ أن أرسل المغيرة ـ والي الكوفة ـ كثير بن شهاب والياً على الري كان حسب نقل ابن كثير: «يكثر من سبّ علي على منبر الري».
لكن ذلك لا يعني عدم وجود ميول شيعية في مدينة الري، بل على العكس من ذلك، فإنّ الميول الشيعية كان موجودة في الري منذ البداية وبشكل واسع، وكان للأئمة (عليهم السلام) أصحاب من الخواص منذ زمان الإمام الباقر (عليه السلام) والأئمة من بعده.
كما إنّ وجود مقبرة (حمزة بن موسى بن جعفر) في هذه المدينة هو دليل آخر على الوجود الشيعي في تلك الديار. وقد توفي في أواخر القرن الثاني الهجري أو في أوائل القرن الثالث. وكان السيد عبد العظيم الحسني (رض) يزور قبر حمزة. لكن (الصاحب بن عباد) ينقل أنّه كان يزوره سراً، وذلك خوفاً من الحكّام أو لعدم نفوذ التشيع بشكل واسع.
ذكر في نفس الرسالة أنّه عندما قدم إلى الري، نزل في بيت أحد الشيعة، واطلع الشيعة على قدومه تدريجياً. ممّا يدل على وجود التشيع في تلك المدينة. كما إنّ نفس مجيء السيد عبدالعظيم الحسني (رض) إلى الري عبر طبرستان لعله كان بأمر من الإمام علي الهادي (عليه السلام) لنشر التشيع في الري. كما إنّ لقاء عدد من شيعة الري للإمام الجواد (عليه السلام) يدل على وجود التشيع في الري أوائل القرن الهجري الثالث. ويشير (الإسكافي) إلى أنّ الري مرّت بمرحلة ناصبية، ثمّ تغيّرت وراج فيها الميل نحو التشيع. وهناك شواهد أخرى على وجود التشيع في الري قبل أواخر القرن الثالث الهجري. لكن يبدو ممّا نقله البعض ومنهم (الحموي) أن التشيع شاع في الري بعد تغلب (أحمد بن حسن المادراني) ونقل أنّه حتّى ما قبل سيطرته على الري عام (275هـ) كان غير الشيعة في الري، وقام هو بإظهار التشيع.
وقبله قامت حكومة العلويين في الري لمدّة ثلاثين عاماً تقريباً. وقد هيأت هذه الحكومة الأرضية للتشيع حتماً. ولعل هذه الأرضية كانت موجودة من قبل، وهي التي سمحت بقيام مثل هذه الحكومة. وقد أيّد آخرون أنّ التشيع شاع في الري بعد عام (275هـ).
ونقل القاضي نور الله الشوشتري أنّ أهل الري لم يكونوا شيعة في الأصل، حتّى تسلّط (أحمد بن حسن المادراني) عليها، فأظهر التشيع فيها، وقام علماء الري بتصنيف الكتب الشيعية إرضاءاً له، كما فعل ذلك (عبدالرحمن بن أبي حاتم) وغيره، حيث كتبوا في فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
وفي القرن الرابع تحوّلت الري إلى ندوة لطرح الخلافات العقائدية بين الشيعة والأحناف والشافعية، فتغلب الفكر الشيعي شيئاً فشيئاً حتّى عمّها.
وإلى جانب الري تقع منطقة (قصران) وتمثل حالياً طهران وشمالها، وكان المذهب الشيعي رائجاً فيها أيضاً. أمّا بعض المناطق مثل: ونك وكن وفرح زاد وأذون فقد كانت شيعية زيدية، ولعل ذلك ناشىء من تشيع طبرستان.
إنّ بروز كثير من علماء الشيعة من الري يدل على أنّ مدينة الري كانت مدينة علمية شيعية. ومن أولئك العلماء الكبار: الشيخ الكليني مؤلف كتاب (الكافي) و(كلين) المنسوب إليها هي قرية تقع على بُعد 30 كيلومتراً من الري. وقد ألّف كتابه الكافي في بغداد خلال عشرين عاماً.
الفن الزخرفي في الري
في القرن الثاني عشر سقطت الدولة الفاطمية بعزّها وفخامتها ورونقها في أيدي الأيوبيين الذين لم يباروا الفاطميين ولذلك انتقلت الصدارة في الفنون إلى الشرق الإسلامي، واشتهرت(فيه) مدن عدّة بصناعة الخزف، مثل الري وهمذان وقم وكاشان وسلطان آباد. وللمرّة الأولى شرع الخزّافون يدوّنون تاريخ صناعتهم على منتجاتهم.
وفي هذا العصر ظهر الخزف ذو البريق المعدني في إيران والعراق، أي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. وكان الخزف المسمّى بـ «الجيري»، يصنع في المصانع الشعبية في جهات متعددة في إيران، ولونه بني فاتح أو أخضر فاتح، ورسومه وزخارفه إمّا محفورة أو بارزة.
وكانت الري بالقرب من طهران مركزاً مهماً لصناعة الخزف وقد انتقلت إليها الزعامة في هذا الفن من القاهرة. وفيها عثر على الخزف ذي العجينة البيضاء، الرقيق الجدار، المرسومة زخارفه بالحزّ والحفر والتخريم، كما صنع فيها الخزف المجوّف عند تشكيله.
ويعد الخزف المينائي من أفضل منتجات مدينة الري، وهو يصنع من عجينة ملونة تغطي بطلاء قصديري معتم، ترسم فوقه الزخارف بألوان مختلفة من أزرق وأسود وأخضر وأسمر وأحمر. وتأثّرت زخارفه بمدرسة التصوير التي كانت تعتمد أحياناً على التذهيب الذي يضفي على هذا الخزف جمالاً مضاعفاً، وكانت الزخارف في هذا الخزف توضع تحت الطلاء الزجاجي أو فوقه، بحسب مقدار تحمّل الألوان لدرجة الحرارة المرتفعة أو المنخفضة اللازمة لتثبيت الطلاء أو الرسم في الفرن. وكثرت في موضوعات الزخرفة صور أمراء وأميرات بين رجال الحاشية ونسائها، أو رسوم صيد وقتال وطرب وفروسية. وقد اشتهر ثلاثة من الذين أنتجوا خزفاً مينائياً، هم: علي بن يوسف، أبو طاهر حسين، وأخيراً حسين. وكان سعد، الخزّاف الفاطمي، وغيره قد صنعوا الخزف المزخرف المخرّم ذا البريق المعدني في مصر، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومن المحتمل أن يكون الخزّافون الفاطميون هاجروا إلى الشرق حاملين معهم أسرار مهنتهم بعد سقوط الدولة الفاطمية.
ويطلق على الخزف المصنوع في إيران ـ المتميز بزخارفه المحوزة أو المحفورة حفراً غائراً والمدهونة بألوان الأزرق والفيروزي والأصفر أو البنفسجي الفاتح وبرسوم الحيوانات والطيور والتفريعات النباتية ـ اسم خزف «لقيي». ويوجد هذا الخزف في الري أيضاً، وأواني هذا الخزف من الأباريق لها رؤوس ومقابض على شكل حيوانات وطيور مجسّمة لم نرها على الخزف الفاطمي، وإنّما رأيناها على التحف المعدنية عندهم فقط. وفي متحف الفن الإسلامي إبريق، مسجل تحت الرقم 16124، يمثل هذا النوع من الخزف بزخارف منفذة بالبريق المعدني، بدنه كُمثريّ الشكل، برقبة قمعية ضيقة في منتصفها، وفوهته على شكل رأس ديك، وهو تقليد مألوف في الفن الساساني في إيران. أمّا المقبض فيصل بين كتف الإبريق والجزء الخلفي للفوهة.
وتتشكّل زينة الرقبة من مناطق زخرفية تدرو حولها، وتملأها أوراق نباتية محورة ودوائر، بينما تتألف زخرفة البدن من ثلاثة مناطق، العليا في داخلها قوائم رأسية تشبه الحروف باللون الأخضر، تحتها مباشرة شريط ضيق من دوائر صغيرة. والمنطقة الوسطى على البدن تملأها جامات مدببة على شكل قالب، في داخل كلّ منها ورقة نباتية كبيرة محورة، وتملأ المساحات المحصورة بين الجامات زخرفة نباتية محورة. أمّا زخرفة المنطقة السفلية لبدن الإبريق فهي تشبه زخرفة المنطقة الوسطى، إلاّ أنّ الجزء المدبب من الجامة يتجه إلى أعلى.
وتوجد في متحف الفن الإسلامي سلطانية خزف، مسجلة تحت الرقم 23990، من النوع المعروف باسم خزف جبري، تمثّل زخرفتها طائراً محوراً بمنقار ضخم وعين بيضاوية وجناح مروحي كبير، حوله أوراق نباتية محورة. وقد نفذت الزخرفة بالحفر العميق في طبقة البطانة البيضاء حتّى يظهر جدار الإناء الفخاري الأحمر، وجرى تلوين الزخارف وطلاؤها بالطبقة الزجاجية.
وخزف جبري من أعظم أنواع الخزف الإيراني وينسب إلى إنتاج إيران في القرون الخمسة الأولى للهجرة.
وإلى جانب الكتابات الكوفية تميّز خزف جبري برسوم طيور أو حيوانات حقيقية أو خرافية، فنرى عليه الأسد والثور والجمل وأبو الهول والجريفون (حيوان خرافي له جسم أسد وقوائمه وجناحان ومنقار يشبه منقار النسر)، كما نرى عليه الصقر والنسر والطاووس منفذة بالحفر العميق في البطانة البيضاء حتّى يصل الحفر إلى جدار الإناء الأحمر. وتوضع فوق الزخرفة الطبقة الزجاجية الشفافة بألوان صفر أو خضر أو سمر قاتمة وعثر على خزف جبري في مناطق مختلفة من إيران… وكانت مراكز صناعته تتركز في مناطق آمل وزنجان وهمدان.
وهذا النوع من الخزف كان ينتج في مدينة ساري وآمل واشرف في إقليم مازندران في إيران، وعرف باسم خزف ساري. وكان يرسم بأسلوب بسيط وبألوان متعددة تحت الطلاء وهي البرتقالي والأحمر والأخضر والأسود والبني والمنغانيز. وتتألف زخارفه من رسوم طيور محوّرة أو دوائر وأوراق نباتية لها سيقان طويلة.
ازدهرت صناعة الخزف ذي البريق المعدني في إيران بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد، وكانت مدينتا الري وكاشان من أشهر مراكزه الصناعية. وحتّى غزو المغول وتدمير مدينة الري (617هـ/ 1220م) وتدمير كاشان (621هـ/ 1224م)، لم تتوقف صناعة الخزف في هاتين المدينتين، إلاّ أنّ كمية الإنتاج أصبحت أقل. وأخذ صنّاع الخزف ينتجون لأصحاب الطبقة المتوسطة، فحدث تدهور في إنتاج النوع ذي البريق المعدني، تلته فترة ركود في صناعته بحلول القرن الخامس عشر، ثمّ عاد إنتاج هذا الخزف إلى الازدهار في العصر الصفوي.
وأنتج هذا النوع من الخزف في إيران بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين. وقد صنع معظم هذه التحف بطريقة الصب في القلب، وأنتجت منه قدور وأباريق وسلطانيات وتماثيل لأشخاص أو طيور أو حيوانات، وجُعل طلاؤه الزجاجي الشفاف بأحد اللونين الأزرق الغامق أو الأزرق الفيروزي.
واستخدمت في الخزف، المصنوع في أواخر القرن الثاني عشر ومستهل القرن الثالث عشر، طريقة الزينة البارزة المحفورة في البطانية البيضاء تحت الطلاء في زخرفة التماثيل. وفي متحف الفن الإسلامي تمثال من إنتاج «ساوه»، مسجل تحت الرقم 16185، من نوع الزخارف البارزة، لشخص واقف يرتدي ملابس عسكرية، ويبدو أنّه من الأمراء أو القادة. وقد أسدلت خصلات شعره وبرزت عن كتفيه. وهو منفذ بأسلوب الصب في القالب، وجرى طلاء بدن التمثال بالكامل باللون الأزرق الفيروزي، وخلا تماماً من الزخارف.
وتقع ساوه على طريق القوافل من الغرب إلى الشرق، جنوب غربي الري، في وسط الطريق بينها وبين همذان في الغرب وكاشان في الجنوب وكانت مركزاً لصناعة أنواع عدّة من الخزف أهمها ذو البريق المعدني. وقد جمعت منتجات ساوه من الخزف، بين العناصر الزخرفية لإنتاج مدينتي الري وكاشان. كما ينسب إلى ساوه إنتاج تماثيل الخزف التي كانت تطلي باللون الأزرق الفيروزي، وهو أسلوب قديم في زخرفة الخزف، استخدم في مصر الفرعونية في وادي النيل، وعرف باسم «الفايلنس المصري» أو «الأزرق النيلي» منذ آلاف السنين. وقد شاع في ذلك العصر استخدام اللون الأزرق الفيروزي والأزرق الكوبالتي.
وفي آمل، جنوب بحر قزوين، انتشر الخزف ذو الزخارف المحفورة في القرن الثالث عشر. وقد صُنع هذا النوع بطريقة الحز، وجاءت رسومه مبسّطة تقترب من الأشكال الكاريكاتورية ذات الخطوط المستقيمة. واستعمل الحز للحيلولة دون انسكاب اللون على الرسم. وعادة ما يستعمل اللون الأخضر في خزف آمل. ويمثل ذلك النوع من الخزف ذي الزخارف الكاريكاتورية في متحف الفن الإسلامي صحن سميك من إنتاج آمل، مطلي من الداخل باللون العاجي، ومزخرف بالحزّ بشريطين دائريين عليهما رسوم كاريكاتورية لطيور، يفصل بين الواحد والآخر خطّان متوازيان. ويتوسط الصحن رسم طائر محوّر بأسلوب تخطيطي (كاريكاتوري). ولون الزخارف والرسوم أخضر. كما يوجد في المتحف مثال آخر لصحن كبير سميك من إنتاج آمل أيضاً، يزخرف جداره من الداخل شريط دائري عريض، فيه رسم لستْ حمامات متعاقبة بأسلوب مبسّط الأرضية مظللة بخطوط متقاطعة خضراء اللون، ورسوم الطير وتفاصيلها منفّذة بالحزّ العميق فوق البطانة البيضاء. وقد أثار هذا النوع من خزف آمل إعجاب الأوروبيين، وإن كان من الناحية الفنية البحتة يخطو خطواته الأولى نحو النمو والتطوّر.
وأمّأ في كاشان، التي تقع على مسافة 125 كلم جنوب طهران، فقد كان يصنع الخزف المرسوم تحت الطلاء الملوّن بالأزرق، وزخارفه محفورة على البطانة التي لوّنت بالأسود. وقد أضيفت الأشكال المجسّمة والمرغة من الداخل إلى الأواني والأباريق لتزيينها.
ويعود اسم البلاطات الخزفية ذات البريق المعدني المسمّاة بـ «القاشاني» إلى قاشان التي كانت تصنع فيها أنواع من الخزف، منها البلاط الذي زيّنت به جدران أو محاريب الكثير من المساجد والقصور. وهذه البلاطات غنية بالزخارف النباتية وتفريعاتها وصور الآدميين والحيوانات والكتابة بخط النسخ بحروف كبيرة. وكانت الكتابة تشكل عنصراً أساسياً في الزخرفة أو التحلية، وكان من بعض هذه الكتابات أبيات من شعر عمر الخيّام.
محمود يوسف خضر
وممّا قيل في الري من الشعر قول عبدالله بن خليد المعروف بأبي العميثل:
أفي كلّ يوم غربة وتروحُ
أما للنوى من أوبة فتريحُ
لقد طلح البين المشب ركائبي
فهل أُرين البين وهو طليحُ
وأَرَّقني بالريّ نوح حمامة
فنحت وذو الشجو الشديد ينوحُ
على إنّها ناحت ولم تذر دمعة
ونحت وأذراف الدموع سفوحُ
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
ومن دون أفراخي مهامه سيحُ
رياض المسائل
في تحقيق الأحكام بالدلائل
تأليف السيّد علي بن محمد علي الطباطبائي (1161ـ1231هـ).
من كتب فقه الشيعة، استدلالي مبسوط، حاوٍ للأبواب الفقهية ـ عدا كتابي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمفلّس، وهو شرح مزجي دقيق ومتين لكتاب المختصر النافع للمحق الحلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي (602- 676هـ)، وهو الشرح الكبير للمصنف؛ إذ له شرح ثانٍ صغير مختصر من هذا الكبير.
الريَّان (جبل)
الريَّان: (ريع الريَّان وهو كثير الأعشاب طيب الهواء، يقع في وسط سلسلة جبل ثهلان)([77]). وذكر الهجري([78]): الريَّان جبل أحمر طويل من أحسن جبال الحمى، في أوّل حزيز أضاخ وآخر الحزيز النشاش وعرجة. وذكر أنّ هضب الريَّان بين حلِّيت وأضاخ، (أي أنّه في حدود حمى ضرية الشرقية) ([79]).
وقد أورد بعض الأشعار التي قالها الشعراء في جبل الريَّان، منها ما أورده للشريف الرضي:
أيا جبل الريَّان إن تعرَ منهُم
فإنّي سأكسوك الدموع الجواريا
ويا قرب ما أنكرتم العهد بيننا
نسيتم وما استودعتم السرَّ ناسيا
فيا ليتني لم أعلُ نشزاً إليهُم
حراماً ولم أهبط من الأرض واديا
وهذه الأبيات من قصيدة قالها الشريف الرضي مودعاً لركب الحجيج في شهر ذي القعدة عام 400 هجرية، ومطلعها:
أقول لركب رائحين: لعلكم
تحلون من بعدي العقيق اليمانيا
خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى
ونجدا وكثبان اللوى والمطايا
ومروا على أبيات حيٍّ برامةٍ
فقولوا: لديغ يبتغي اليوم راقيا
عدمت دوائي بالعراق فربما
وجدتم بنجد لي طبيباً مداويا
وجاء في كتاب (نخبة الدهر) لشيخ الربوة: «جبل الريَّان بالبلقاء ومنه يجري نهر اليرموك». وقال أيضاً في مكان آخر: «قلعة صرخد على جبل بني هلال ويسمّى هذا الجبل: الريَّان لكثرة انصباب الماء منه».
أقول يبدو أنّه هو المقصود بقول ابن عُنين:
إذا جبل الريَّان لاحت قبابه
لعيني ولاحت من سنير هضابه
وقامت جبال الثلج زهراً كأنّها
بقية شيب قد تلاشى خضابه
لثمت الثرى مستشفياً بترابه
ومن لي بأن يشفي غليلي ترابه
الزَّاب
1 ـ إسم مقاطعة في الجزائر تقع جنوب مقاطعة قسنطينة في سفوح الجبال الفاصلة بين سهول الحضنة والصحراء، قاعدتها مدينة بسكرة.
2 ـ الزَّاب الأعلى أو الأكبر: نهر من روافد دجلة في شمال العراق.
3 ـ الزَّاب الأسفل أو الأصغر: هو أيضاً من روافد دجلة ولكنّه أصغر من الأوّل.
ونرى هنا كيف يعرّف الأقدمون الزَّاب على لسان ياقوت في معجم البلدان:
الزَّابُ: بعد الألف باء موحدة، إنْ جعلناه عربيّاً أو حكمنا عليه بحكمه، فد قال ابن الأعرابي: زابَ الشيء إذا جرى، وقال سلمة: زاب يزوب إذا انسلّ هرباً. قال أبو تمام وكتب بها من الموصل إلى الحسن بن وهب:
قد أثقب الحسنُ بن وهب للندى
ناراً جلّتْ إنسانَ عين المجتلي
ما أنتَ حين تُعِدّ ناراً مثلَها
إلاّ كتالي سورةٍ لم تُنزّلِ
قطعَتْ إليّ الزّابِيينِ هِباتُه
والتاثَ مأمولُ السّحابِ المُسبَلِ
ولقد سمعتُ فهل سمعت بموطن
أرض العراق يضيف من بالموصلِ
وقال الأخطل وهم بزَاذَان:
أتاني، ودوني الزّابيانِ كلاهما
ودجلة، أنباء أمرّ من الصّبرِ
أتاني بأن ابني نزارٍ تناجيا،
وتغلب أوْلى بالوفاء وبالعذرِ
وإذا جُمعتْ قيل لها الزوابي: وهي الزَّاب الأعلى بين الموصل وإربل ومخرجه من بلاد مشتكهر، وهو حد ما بين آذربيجان وبابغيش، وهو ما بين قطينا والموصل من عين في رأس جبل ينحدر إلى واد، وهو شديد الحمرة ويجري في جبال وأودية وحُزُونة وكلّما جرى صفا قليلاً حتّى يصير في ضيعة كانت لزيد بن عمران أخي خالد بن عمران الموصلي، بينها وبين خدينة الموصل مرحلتان وتعرف بباشَزّا، وليست التي في طريق نصيبين، فإذا وصل إليها صفاً جدّاً، ثمّ يقلب في أرض حفيتون من أرض الموصل حتّى يخرج في كورة المرج من كُوَر الموصل ثمّ يمتد حتّى يفيض في دجلة على فرسخ من الحديثة، وهذا هو المسمّى بالزَّاب المجنون لشدّة جريه، وأمّا الزَّاب الأسفل فمخرجه من جبال السَّلَق سلَق أحمد بن روح بن معاوية بن بني أود ما بين شهرزور وآذربيجان ثمّ يمرّ إلى ما بين دقوقا وإربل، وبينه وبين الزَّاب الأعلى مسيرة يومين أو ثلاثة ثمّ يمتدّ حتّى يفيض في دجلة عند السنّ؛ وعلى هذا الزَّاب كان مقتل عبيدالله بن زياد ابن أبيه([80]).
وبين بغداد وواسط زابان آخران أيضاً ويسميان الزَّاب الأعلى والزَّاب الأسفل، أمّا الأعلى فهو عند قُوسَين ويصبّ عند زُرْفامية وقصبة كورته النعمانية في دجلة، وأمّا الزَّاب الاسفل من هذين فقصبته نهر سابُس قرب مدينة واسط؛ وزاب النعمانية أراد الحَيص بَيص أبو الفوارس الشاعر بقوله:
أجأُ وسَلْمى أمْ بلاد الزّابِ،
وأبو المظفّر أم غَضَنفر غابَ؟
وعلى كلّ واحد من هذه الزوابي عدّة قرًى وبلاد، ويوم الزَّاب: بين مروان الحمار بن محمد وبني العباس كان على الزَّاب الأعلى بين الموصل وإربل.
يوم الزَّاب
ـ1ـ
تمخض العالم الاسلامي في مستهل المئة الثانية عن حركة سياسية جديدة إلاّ أنّها حركة قوية في بواعثها وتنظيمها، وهي الدعوة إلى انتزاع الملك من بني أمية، وكانت الدولة الأموية تجتاز في مستهل المئة المذكورة الثلث الأخير من المئة التي عاشت فيها؛ لأنّ جميع ملك بني أمية إحدى وتسعون سنة أو نحو ذلك، كما كانت كثرة الشعوب في الدولة تتململ من الفتن وتئن من الجور وتستغيث من العبث بالمصالح العامّة، بل كان كلّ شيء في العصر المذكور يهيىء الأذهان لقبول الدعوة الجديدة.
نبتت الدعوة الهاشمية ووضعت أسسها وقواعدها في البلقاء من أصقاع الشام إلى الجنوب بينها وبين وادي القرى، وكانت عمان وهي الحاضرة المعروفة الآن قصبة الكورة المذكورة، ومنها أي من البلقاء خرج المبشرون بهذه الدعوة إلى الأمصار على يد محمد ابن علي العباسي ربان هذه الحركة في مطلع القرن المذكور. ثمّ انتقل الدعاة إلى العراق وخراسان، ويلاحظ أنّ النقباء الذين اختيروا للقيام بنشر الدعوة وعددهم إثنا عشر نقيباً من آحاد الرجال في الدراية والكفاية، ومع أنّ عمّال الدولة الأموية في العراق وخراسان لم يألوا جهداً في مقارعة الدعاة وأخذهم بالشدّة والتنكيل خصوصاً في خراسان إلاّ أنّ ذلك زاد البقية الباقية منهم مضاء وإصراراً على نشر دعوتهم، وفي سنة 132 أي بعد مضي ثلاثين عاماً على الشروع بالدعوة الهاشمية أعلنت الثورة العامة في الشرق باسره أي في خراسان وفارس والعراق إذا استثنينا بعض الجهات النائية.
مروان
وكان مروان بن محمد بن مروان على رأس جيش ضخم قدر عدده بمئة وعشرين ألفاً قوامه نخبة من أهل الشام وأشهر قبائلها([81]) يحاول الزحف بهم على العراق من الجزيرة.
وكان جيش مروان ضخماً حقاً من حيث العدد فقط ولكنّه في منتهى الضعف من حيث روحه ومن حيث معنوياته، فقد كانت روح الهزيمة والتواكل فاشية فيه، بل كان جنده يتحدّى أوامره ويجاهر بعصيانه([82]) إلى غير ذلك من المساوىء الشائعة بين أفراد الجيش وقواده على حد سواء، وهو من هذه الناحية يختلف عن جيش بني العباس.
الوقعة الحاسمة وموضع العبرة فيها
وكانت الواقعة الحاسمة بين الفريقين على الزَّاب الكبير أو الصغير في قول([83])، وفيها اندحر مروان وظفر عبدالله بن علي عم السفاح بالجيش الأموي كلّه، ويلاحظ أنّ جلّ قواد الجيش العباسي الذي قاتل مروان بقيادة عمّ السفاح المذكور من زعماء العرب المعروفين، ولوحق مروان وهو هارب بعد واقعة الزَّاب حتّى قتل في مصر في السنة المذكورة.(132هـ/750م)
وموضع العبرة في هزيمة مروان هو الخذلان العام، فإنّه ـ وهو ينتقل بين شواطىء دجلة إلى شواطىء النيل وبين أحياء العرب وحواضرهم في هذه الرقعة الشاسعة ـ لم يجد كهفاً يأوي إليه أو أحداً يحميه، ويلاحظ أنّ هذه الحالة التي أسفرت عن هزيمة مروان على الشكل الذي انهزم به لم تثر دهشة أو استغراباً في نفوس أهل الشام، وقد استقبل هذا الحادث بشيء غير متوقع من رباطة الجأش في عاصمة الأمويين، وأكثر من ذلك أنّا نجد أهل دمشق وحمص والأردن وفلسطين وثبوا على فلول الجيش المهزوم وأعملوا السيف في من يليهم من عسكر مروان ونهبوا أمواله وذخائره، ولا عجب فإنّ الديار الشامية كغيرها ـ في ذلك الحين ـ سئمت الفتن والفوضى وزهدت في تأييد قوم انغمسوا بالترف إلى الأذقان وشغلوا باللذات عن مصالح الناس، وكان عدد المطعونين في ديانتهم من الأمويين غير قليل في العصر المذكور.
علائم الأدبار
كانت تجيش في نفس مروان بعد إشرافه على الهزيمة أمور غريبة تخل بمركزه في الدولة وتنافي مصلحة الأمّة، ومن ذلك أنّه فكّر وهو على مقربة من الحدود بالخروج إلى بلاد الروم والإلتجاء إليهم إلاّ أنّ بعض من استشارهم فنّدوا رأيه في تحكيم أعداء الإسلام بنفسه وبأهل بيته ومن ينتمي إليه، وما هؤلاء الأعداء إلاّ الروم الذين لا يعرف عنهم الوفاء، فعدل عن ذلك([84])، وهذه من مروان خواطر تدل على منتهى الحيرة والارتباك.
انقرضت بمقتل مروان دولة الأمويين في الشرق، وخلفتها الدولة العباسية، وإذا استثنينا بعض الانتفاضات المتفرقة في الجزيرة، وفي جيوب من بادية قنسرين، وحوران، والبلقاء قام بها بعد واقعة الزَّاب بعض قوّاد مروان أو بعض الزعماء الذين تربطهم به رابطة مودة قديمة، فلا نجد أثراً للمقاومة في البلاد الشامية وما إليها، وليس في الانتفاضات المذكورة ما يعبر عن رغبة يعتد بها في الانتصار لبني مروان، كما توهم بعض الشرقيين أو المستشرقين، وقد نشأ بعضها عن الشك في مقتل مروان، فلمّا اتّضحت لهم الحقيقة ألقوا السلاح، ولا يستغرب حدث مثل هذه القلاقل في ذلك الحين([85]).
الجيش والسياسة
وقد رأينا أثر السياسة والعصبية القبلية معاً في خذلان مروان، وفي ظفر العباسيين به، فكيف تسرّب الفساد إلى ذلك الجيش؟
من رأي بعض المؤرخين، أنّ مرد ذلك إلى أثر الدعوة الهاشمية، وليس هذا الرأي بشيء، وإن كنّا لا ننكر بعض الأثر للدعوة المذكورة في جيش مروان.
إذا تأملنا تأريخ الدولة الأموية، لاحظنا أنّه طافح بأخبار التحزّب والعصبيات، ومن ذلك عصبية قيس وكلب، وعصبية قيس وتغلب في أيام عبدالملك بن مروان، وكانت كلب مروانية، وقيس زبيرية، وفي هذه الفترة انشق الأمراء من بني أمية على أنفسهم، واختلفوا باختلاف أمهاتهم من كلبيات وقيسيات، وكاد يكون بينهم شر([86]). ومن أشهر هذه العصبيات ما حدث ما بين عرب الشمال وعرب الجنوب، أو بين العدنانية واليمانية، في الشام وغير الشام وأينما وجدت القبائل المذكورة، ولم تسلم منها الأقطار الأندلسية([87]).
حدث هذا الانشقاق في صدر الدولة الأموية، واستمرّت نار الفتن تضطرم طوال العصر الأموي، وشطراً من عصر بني العباس، وأدّى ذلك إلى اعتزاز القبائل المذكورة، من عدنانية وقحطانية وقيسية وكلبية وتغلبية بدعوة الجاهلية. وكتب التأريخ الإسلامي طافحة بأخبار الفتن والحروب الناشئة عن هذه العصبيات الذميمة، ولا يبالغ من يقول: أنّها من أهم العوامل في تقويض دعائم الدولة الأموية.
إلى هذه العصبيات مردّ ذلك الفساد والتحزب الذي رأيناه في جيش مروان، فإنّ مروان تعصّب لقومه من نزار على اليمن، وكان حجابه يقدمون القيسية ويؤخرون القحطانية، ويسمعونهم في مجلسه وعلى بابه كلمات نابية يشعر باحتقار اليمن واليمانية، كما كان ابن هبيرة صاحب شرطة مروان ينقل لأهل اليمن أقوالاً يزعم قائلوها بأنّ اليمانيين تناسلوا من القرود إلى غير ذلك من المفتريات([88]). ولعل أصل هذه الخرافات ما جاء في بعض الروايات من أنّ أحد ملوك اليمن سبى قوماً منكري الوجوه تزعم اليمن أنّهم النسناس([89]). بيد أنّ اليمانيين أفحموا ابن هبيرة، ودافعوا عن محتدهم دفاعاً مجيداً أثار إعجاب مروان، وقد أضحكه هذا الجدل الغريب بين اليمانية والنزارية، ولعل (دارون) صاحب مذهب النشوء والارتقاء كان عيالاً على ابن هبيرة في مذهبه المذكور. ومجمل القول: بلغ الجفاء بين هذين الحيين من العرب حدّاً بعيداً في العصر الأموي المشار إليه، مع قرب العهد بدعوة الإسلام، وهي دعوة تمكّنت من صهر النعرات القبلية الغالية، وإذابتها في وحدة اجتماعية منقطعة النظير. ومهما كان منشأ هذه الشحناء بين القبائل العربية، فلا شك أنّ لخرق الأمويين وسوء تصرّف عمالهم أثراً كبيراً في تأجّج نيران الضغائن المذكورة بعد الإسلام وهكذا انحرف عرب اليمن عن الأمويين، وأصبحوا من أنصار الدعوة الهاشمية، وقد هاجت هذه الفتن بعد ذلك مراراً، وهي من أشهر الفتن في تأريخ الدولة الإسلامية([90]).
السياسة الخرقاء
وكانت ولاية نصر بن سيار على خراسان من قبل الأمويين شؤماً عليهم مع إخلاصه وتفانيه في سبيلهم، ومع شدّة وطأته على دعاة بني العباس، وتنكيله بهم. وإلى هذه السياسة الخرقاء مردّ تلك الفتن والخصومات العنيفة التي نجمت بين أحياء العرب في خراسان، وفي أيام نصر هذه، أي في سنة 126هـ تفاقم الجفاء بين النزارية واليمانية في تلك البلاد، إذ كان نصر يضلع مع النزارية واليمانية في تلك البلاد، إذ كان نصر يضلع مع النزارية على اليمانية، وكان للأزد وغيرهم من اليمانية زعماؤهم وفي مقدمتهم (جديع بن علي الأزدي المعني) زعيم اليمانية المعروف بـ (الكرمني)، ود سفكت دماء غزيرة من عرب خراسان في هذا النزاع([91]).
كانت هذه العصبية القبلية وما شجر بسببها من الخلاف، من أهم العوامل في اكتساح الدعوة العباسية للأقطار الخراسانية من أوّلها إلى آخرها، وهي التي يسرت لصاحب الدعوة العباسية أبي مسلم الخراساني السيطرة التامة على تلك البلاد([92])، وقد تعدّدت المعارك الدامية بين القبيلتين في مرو بزعامة الكرماني من جهة، وفرسان ربيعة وشيبان من جهة أخرى بزعامة نصر بن سيّار، وفي بعض هذه المعارك قتل الكرماني زعيم اليمانيين([93]).
أهواء متوارثة
تذكرت قبائل العرب في هذا العصر ما وقع بينها من الحروب الطاحنة في القرون الجاهلية الخالية، وكانت هذه الحروب سجالاً طوراً للقحطانيين على النزاريين وتارة بالعكس، ومن أشهرها حروب تبع الأكبر والحروب الناجمة عن تفرّق قبائل اليمن وهجرتها إلى الشمال([94])، فعادت هذه الذكريات بالعربي في العصر الأموي وبعض العصر العباسي إلى ضغائن مجهولة وأهواء متوارثة وأحقاد دفينة ما أنزل الله بها من سلطان، وما كادت تنطفىء النائرة بين هذه القبائل المحتربة لغير سبب معقول حتّى تتضرم أخرى، وكانت دعوتهم: يا لفلان، وما إلى ذلك من نجوى الفتنة ودعوة الجاهلية التي نهى عنها الإسلام وتوعّد أهلها بأشدّ العقوبة والنكال فقال الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله): من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)، إذ كان الفضل في تلك الجاهلية لمن طغى فسفك الدماء وسبى الحرم وقتل الذرية، وكان الجاهليون لا يتناهون عن منكر فعلوه من هذا القبيل، كانوا يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال والأولاد وما إلى ذلك من شؤون الحياة المادية وبأشياء أخرى قد يترفع أهل العقول عن المفاخرة بها وحدها، وكان جل فخر العرب بعد إسلامهم بالعقل والعلم والورع أي بالفضائل ومكارم الأخلاق.
حمية الأنذال
وكان حكماء العرب يسمّون هذا النوع من النخوة الاهلية (حمية الأنذال). قال الأحنف بن قيس حكيم العرب، وقد سئل عمّا فيه حياة العرب ما نصّه: «إذا تقلدوا السيوف، وشدّوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم تأخذهم حمية الأوغاد»، قيل له: «وما حمية الأوغاد» قال: (أن يعدوا التواهب فيما بينهم ضيماً([95])).
ولقد أصاب الأحنف فيما قال، فإنّ صلاح الأمم بالتعاطف والتواهب والتباذل والتحاب، وفسادها بالتعادي والتنافر والتواكل. وكانت دعوة الجاهلية، أو حمية الأنذال هذه، مبدأ بوار الأمّة العربية كما قال الأحنف بن قيس سيّد أهل البصرة رحمه الله. والغالب أنّه لاحظ بوادر هذه النعرات وسوء مغبة تلك الخصومات الشنيعة بين عرب زمانه، فأراد أن يصور ضررها وشناعتها وسقوط أهلها بهذه الكلمة القيمة. والحقيقة أنّ هذه العصبية الجاهلية لم توصف بأحسن من قوله: «حمية الأوغاد» ومن أخلص بذلك من الأحنف في دينه المتين وقلبه الكبير، وعقله العظيم؟ فما أوجعها من كلمة، وما أبلغها من عبارة!
وأبلغ دليل على ذلك هذا الضعف والفساد اللذان عصفا بحياة الأمّة العربية بعد عصر الأحنف، ولا منشأ لهما إلاّ الحروب التي دارت بين العدنانية والقحطانية فأفقدت العرب معيناً لا ينضب ومادة لا تنقطع كانت قبائل الجزيرة تمد بها الأمصار والثغور رجالاً أشداء، وسواعد مفتولة، وأخلاقاً رضية كريمة. وقد ظهرت نتائج هذه الحروب الداخلية بعد ذلك في جرأة الروم والصليبيين على غزو الدول الإسلامية، واجتياح حدودها، وتخلي الدولة المذكورة عن كثير من الثغور والأقطاع بعد أن كانت فرائص الروم والفرنجة ترتعد لمجرد ذكر العرب والمسلمين.
والواقع أنّ دعوة الإسلام جاءت رحمة للطبقة الدنيا من الناس، فرفعت أخملهم حسباً، وأوضعهم نسباً، وساوته بغيره في الحقوق والواجبات.
مساوىء الجاهلية ومحاسنها
لعرب الجاهلية مساوىء ومحاسن، ولبعض قبائلهم سير ذميمة في عقائدهم وأنكحتهم وتبرج نسائهم ووأد بناتهم وعضلهن ـ أي منعهن من الزواج حتّى الموت ـ وقتل أولادهن خشية الإملاق، ولهم عادات أخرى ممقوتة، حضرتها الشريعة الإسلامية، ولكن من حق أهل الوبر وسكان البادية من العرب على كلّ حال أن يفخروا على غيرهم بشمائلهم وسجاياهم، ومن أشهرها الأنفة من العار وحماية الذمار وقرى الضيف وأداء الحمالات أو الغرامات ورعاية العهود والوفاء بالوعود، وقد اشتهروا ببذل المهج والنفوس في هذا السبيل، وكان أهل الجاهلية لا يسودون إلاّ من تكاملت فيه ست خصال: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والتواضع، والبيان، وقد أضيف إليها الإسلام بعد ذلك أي بعد الجاهلية، ويمتاز الجنس العربي على غيره كذلك بخصائص ومميزات، في مقدمتها: حدّة الذهن، والفطنة، وصدق الفراسة، وكانوا يستدلون باللحظة وباللفظة، وهم إلى الخير أقرب ومن غيرهم أحفظ، بل هم أمراء البيان يفيض منطقهم بالحكمة وفصل الخطاب، وقد تأصّلت فيهم السجايا والأخلاق وتوارثتها أجيالهم في الجاهلية وبعد الإسلام.
محمد رضا الشبيبي
يوم الزَّاب
ـ2ـ
كانت موعة الزَّاب، على مقربة من الموصل، بقيادة عبدالله بن علي، وهو أحد الأعمام الكثيرين للسفّاح والمنصور. فتهافت الحكم الأموي إلى غير رجعة، وتوسّد مروان بن محمد درعه، وقد نزل في بُوصير، من قرى الفيُّوم بصعيد مصر التي بلغها هارباً. وقيل أنّه كان يفكّر باللجوء إلى بلاد الروم لاجئاً([96])! توسّد مروان درعه ونام عليها، وقد أعياه التعب من هذا الفرار المتواصل عبر الشام وفلسطين ومصر، نوماً لم يفق منه أبداً! وحمُل رأس مروان، الذي احتزّه رجل من الكوفة كان يبيع الرمّان([97])، إلى عبدالله بن علي في دمشق، فعزله جانباً. وكان المآل العجيب لآخر الأمويين أن «جاءت هِرّة فقلعت لسانه وجعلت تمضغه»([98])! وتضارب الروايات التاريخية في كيفة مقتل مروان بن محمد، وفيمن أو كيف قُطع لسانه([99])، وأين ذهب رأسه مسافراً حتّى وصل إلى أبي العبّاس السفّاح في الكوفة، حيث نُصب على قناة عند باب المسجد([100]). لكن هذه الروايات العديدة لا تؤخر في شيء من الحقيقة التاريخية، وهي أنّ رأس السلطة الأموية قد سقط! وتبدّد بهذا شعاعاً رجاء أشياع بني أمية([101]).
قال مروان بن محمد، وكان ما يزال بعدُ محتفظاً بلسانه، لاحد صَحْبه في يوم نهر الزَّاب: «إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنّا لله وإنّا إليه راجعون»([102])! فهل يصح هذا القول عند النظر الموضوعي إليه، وهل في تأجيل المعركة، ذلك اليوم الشهير، أمل لمروان بن محمد في استبقاء الخلافة الأموية حتّى يام عيسى بن مريم ورجعته؟ إنّ نشوء الدول أو زوالها ليس رهناً بعاطفة شخص، أو رغبة حاكم، أو حَدْس منجّم. فالأحوال لم تكن مهيأة لمدّ يد العون إلى مروان بن محمد.
وهنا تستوفنا أمور ينبغي لنا جلاؤها، إذا أردنا النظر إلى التاريخ الإسلامي نظرة متجددة تطمح إلى الفهم النقدي لمجرياته. أوّل هذه الأمور هو هذا التفسير الخرافي لنهاية الأمويين! وهناك استقصاء اللقب الذي شاع عن خاتمة سلسلة الخلفاء الأمويين، وهو مروان الحمار!
«قال الزبير بن بكار عن عمّه مصعب بن عبدالله: كان بنو أمية يرون أنّه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أُمّه أَمَة، فلمّا وليها مروان هذا أُخذت منهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة»([103]). والمعروف أنّ كثيراً من الخلفاء العباسيين كانوا أبناء إماء. فالمنصور، وهو من هو، أمّه أَمَة بربرية تدعى سلامة، والهادي والرشيد أمّهما الخيزران وهي جارية([104])… فكيف دامت خلافة العباسيين خمسة قرون وربع القرن في التقويم الهجري (132ـ656هـ)، أمّ أنّ الرواية أعلاه مختصة بالأمويين دون العباسيين؟!
وهذا الميل إلى التفسير الوهمي الخرافي للأحداث التاريخية يجمل بنا أن نأخذه بحيطة وحذر، مشفوعين بابتسامة ناعمة. فالشائع علمياً أنّ اختلاط الأجناس مفيد جدّاً، لأنّ المولود يرث عندها «الجينات» أو الوحدات الوراثية عن أمّه وأبيه معاً. فهو نتاج بيولوجي جديد ومتجدد. ومروان بن محمد لم يكن انحلال الدولة الأموية بسببه، وإنّما بسبب سلفائه من الخلفاء، «الأنقياء» بيولوجياً، والمائعين المنغمسين في معاقرة الخمرة والغوص بالمتع. فقد فشا الفسق والفجور والاستهتار البشع بين خلفاء بني أمية المتأخرين، الذين استهواهم الطرب واستغرقتهم لذائذ العيش.
وهذا الأسلوب المتقدم في التعاطي مع أحداث التاريخ، على نحو تنجيمي ضارب في الرمل، نجد له نموذجاً طريفاً آخر عندما نطّلع على رواية وردت عند ابن كثير تدعونا إلى القول إن الكلمات المتقاطعة وفن الأُحجيّة، أو الحزّورة كما نقول في اللغة العامية، قديمة عهد بين ظهرانينا. وإليكم البرهان من الصياغة الفلكلورية لنهاية آخر الخلفاء الأمويين: «كان يُقال في ذلك الزمان: يقتل ع بن ع بن ع، م بن م بن م، يعنون يقتل عبدالله بن علي بن عبّاس، مروان بن محمد بن مروان»([105])، وذلك أنّ جدّ مروان هو مروان بن الحكم بن أبي العاص.
إنّ لقب «الحمار» الشائع عن مروان بن محمد، والذي يحمل السامعين له على الضحك والقهقهة، ليس، في ما يتبادر إلى الذهن، بمعنى الحيوان الذي يُضرب به المثل بقلة القيمة وهبوط المستوى. فقد لُقب مروان بالحمار، وذلك لما اشتهر به من صلابة وصرامة وصبر على المكاره في الحرب([106]). وأكد لنا هذا الرأي الرواية التالية الواردة لدى البلاذري:
«حدّثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبدالله بن عيّاش الهمذاني قال: دخلتُ على أبي العباس أمير المؤمنين بعد مقتل مروان، فقلت: الحمدلله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النَّخَع ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وابن عبد المطّلب».
«قال الهيثم: وكان محمد بن مروان بن الحكم أخذ جارية لإبراهيم بن الأشتر النخعي حين حاربه أيام مُصعب، فولدت مروان بن محمد. وكان الجعْد بن دهرم قد أفسد دين مروان. وكان مروان عاتياً لا يبالي ما صنع، فكان يُقال: مروان أكفر حمار من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جباراً قتّالاً لا يبالي ما أقدم عليه، فسُمّي حمار الجزيرة»([107]).
ضربت العرب المثل في الكفر فقالت: «أكفر من حمار». وحمار هذا هو حمار بن مالك (أو حمار بن مُويلع) بن نصر الأسدي. وهو رجل من عاد (وقيل من العمالقة) كان يحل بوادي الجوف بأرض عاد، والذي يمتد طولاً مسيرة يوم وعرضاً في أربعة فراسخ، و«لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، فيه من كلّ الثمار»([108]). «كان مسلماً أربعين سنة في كرم وجود. فخرج بنوه عشرةً للصيد، فأصابتهم صاعقة فهلكوا. فكفر كفراً عظيماً، وقال: لا أعبد من فعل ببني هذا. وكان لا يمرّ بأرضه أحد إلاّ دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلاّ قتله. فأهلكه الله تعالى، وأخرب واديه وهو الجوف، وضُرب بكثره المثل»([109]).
إنّ اسم حمار ومشتقاته، كاسم علم، وارد الاستعمال في العربية([110]). فحمار اسم رجل من الصحابة، وحمار الأسديّ تابعي([111]). وهناك حُميْر وحُمَيْر، تصغير حمار، وتوبة بن الحُمَيْر هو صاحب ليلى الأَخْيَلِيّة([112]). كما سمّوا حُمران([113]).
وإذا ما كان مروان بن محمد عاتياً قتّالاً لا يبالي ما يصنع، كما جاء في رواية البلاذري، فسُمّي حمار الجزيرة، ففي التسمية مغزى ولها تفسير. ففي اللغة «يُقال: حَمِرَ فلانٌ عليَّ يحمَرُ حَمْراً، إذا تحرّق عليك غضباً وغيظاً. وهو رجل حَمِرٌ من قوم حَمِيرِين»([114]).
وكانت الجزيرة موطن مروان بن محمد ومعقله وركن دولته. وهكذا يتضح أنّ لقب مروان، «حمار الجزيرة» لم يكن باعثه الخفة بصاحبه، إنّما الاحتجاج، ربّما على شدّة مروان وثورة غضبه، والخوف ممّا قد يبدر عنه، وهو العاتي الجبّار. إنّه حمار وحشي حرون أهوج!
إنّ الناس باتوا يتذمرون من الخلافة الأموية ويقعدون عن طاعة خلفائها، لما انتابها من فساد، ويذكر المسعودي أنّ بعض شيوخ بني أمية سئل عن سبب زوال دولتهم، فكان ممّا قاله: «ظلمنا رعيّتنا، فيئسوا من إنصافنا، وتمنّوا الراحة منّا»([115]).
وهناك غير عامل أودى بالحكم الأموي وجعل سقوطه أمراً يكاد يدخل في باب الحتمية التاريخية. فحركات التمرّد والخروج على الأمويين لا يستهان بعددها، ولا بما بلغته من شأو وعتوٍّ. إنّ هذه الانتفاضات على السلطة الأموية اصطبغت بطابع المعارضة المبدئية أو السياسية، فأنهكت الأمويين وحفرت في خاصرتهم جرحاً فاغراً لا يلتئم.
ولم تكن كلمة الأمويين موحدة، فقد اضطرب حبلهم وشَجَر الخُلف بينهم، إذا استغوى منصب الخلافة الكثيرين منهم، فوثب بعضهم على بضع قائلاً سافكاً مدحرجاً الرؤوس. يقول ابن الطقطقي: «واضطرب حبل بني أمية واختلفت كلمتهم وقتل بعضهم بعضاً»([116]). وقد قيل لبعض بني أمية: «ما كان سبب زوال ملككم؟ قال: اختلافنا فيما بيننا، واجتماع المختلفين علينا»([117]).
وكما اتكل معاوية، على حادث مقتل عثمان لينادي لنفسه بالخلافة، وهكذا فعل مروان بن محمد، إذ بدا بمظهر المدافع عن الوليد بن يزيد ضد قتلته من الأمويين وقتلة أبنيه الحَكَم وعثمان، إلى أن ظفر، بواسطة قوّته العسكرية، على السلطة، ونال البَيْعة لنفسه سنة 127هـ. وإذا ما كان الخليفة الذي ندب معاوية نفسه، نفاقاً وبهتاناً، للدفاع عنه، بحيث جعل من قميصه مثلاً يُروى على الوصولية وتسخير الآخرين زوراً لتحقيق المبتغى. إذا كان الحال كذلك مع عثمان الذي كانت خلافته موضع أخذ ورد، لتهاونه وتوليته الأدنين وحرصه على الدنيا، فكيف يكون الحال مع الوليد بن يزيد الذي اتّخذه مروان بن محمد تكأة ينفذ من خلاله إلى غرضه في استلام السلطة! إنّ الوليد، كما تخبرنا أسفار التاريخ، كان متهتكاً ماجناً، وبلغ من الفسق أنّ أخاه سليمان زعم أنّه راوده عن نفسه! وهو أوّل من أتى بالمغنين من البلدان، وقد غرق في تعاطي الشراب وسماع العزف وقول الشعر، واستخفّ بالقرآن فحَرَقه. لكن الوليد بن يزيد كان القميص المناسب لمروان بن محمد عهد ذاك للادعاء بأنّ الشرعية لمروان بن محمد عهد ذاك للادعاء بأنّ الشرعية سقطت، وإنّ الخليفة قد تلطخت الأيدي باغتياله! وقد ساعده أنّ الساحة الأموية، المتضعضعة الأركان، كانت تفتقر إلى الرجال، وكان هو الرجل المناسب.
كانت القبليّة التي غذاها الأمويون وأثاروها فاشية مستفحلة ولكنّها صارت تدبّ في أوصال الخلافة الأموية وتنخر في عظامها([118]). إنّ القبائل العربية الحالة في خراسان كانت العداوة مستحكمة بين صفوفها، وكان نصر بن سَيَّار، والي الأمويين على خراسان، ضالعاً في هذا الانقسام القبلي، إذ قدّم تميماً وولاّها، وناصب ربيعة واليمن العداء.
ومن تجليات هذه القبلية الفاحشة التي خلّفها الأمويون وسخّروها لصالحهم، ثمّ غدت طعنة نجلاء في نحر مُلكهم، إنّ دمشق الحصينة عندما حوصرت، وكان مروان بن محمد قد أناب عليها زوج ابنته، الوليد بن معاوية بن مروان، حدث خلافاً بين أهلها، بسبب المضرية؛ واليمانية، فاقتتلوا وقتلوا الوليد([119])، ممّا سهّل لمحاصري دمشق عملية فتحها وقد ألهت الدمشقيين النزاعات العصبية عن الخطر المحدق بمدينتهم، «حتّى أنّهم جعلوا في كلّ مسجد محرابين للقبيلتين، حتّى في المسجد الجامع مِنبرين وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين»!.
لقد رمى والي خراسان، نصر بن سيّار، الدعوة العباسية بالتهم الجاهزة التي ترمي بها كلّ حركة معارضة منظّمة. فأتباعها أوباش بلا دين ولا حسب ونسب.
إنّ جيش مروان بن محمد يوم الزَّاب، صبيحة السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 132هـ، كان يفوق جيش عبدالله بن علي عدداً، إذ بلغ تعداده مائة ألف من الفرسان([120])، وقيل إنّه مائة وعشرون ألف مقاتل([121])، بل قيل بلغ مائة وخمسين ألفاً([122]). لمّا نظر مروان بن محمد، يوم نزل الزَّاب، إلى أصحابه وقد استبد بهم الفزع والجزع، قال: «إنّها لعُدّة، وما تنفع العدّة إذا انقضت المدّة؟»([123]). وهذه العبارة الحكمية قالها مروان، ذات مرّة، لأحد كتّابه: «إذا انقضت المدّة لم تنفع العُدّة»([124]). فهو جيش تدفع قبائله بعضها بعضاً لخوض المعركة. واحتاج مروان إلى أن يطرح قُدام جيشه الذهب ليحارب([125])! لقد ضاعت هيبة الخلافة وأفلت الزمام من بين أيديها، في حين أنّ الدعوة العباسية الجريئة كان يحرّكها «دينامو» العقيدة والثارات العتيدة! وكان تعداد جيش الدعوة العباسية عشرين ألفاً، وقيل: كانوا اثني عشرة ألفاً([126]).
فلم يكن العدد هو الذي ينقص مروان بن محمد، ولكن القلوب المؤمنة بقضيتها، فليس النصر آتياً من وراء المرتزقة دون هدف أعلى تسعى إليه([127]). يحدّث أحد الذين شهدوا موقعة الزَّاب فيقول: «لقينا مروان على الزَّاب، فحمل أهل الشام كأنّهم جبال حديدٍ، فجثونا على الرُّكَب وأشرعنا الرماح، فزالوا عنّا كأنّهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم»([128])! وذلك إنّ معسكر مروان حوى الكثير من السلاح والأموال، لكن أعوان مروان في الزَّاب كانوا قبائل متردّدة في النزال، فانهزم أهل الشام، وكان من غرق في عُباب الزَّاب منهم أكثر ممّن قُتل على شفرات السيوف وصدور القنا([129]).
إنّ سياسة الأمويين المالية أدّت بالموالي، إلى الوقوع بين براثن الظلم. فقد ظلّت للدهاقين الفرس من إقطاعيي الأرض وكبار المُلاّك الكلمة العليا، نظراً لأنّ هؤلاء الدهاقين احتفظوا بامتيازاتهم الطبقية، وتولّوا جباية الخراج، وصاروا عيون السلطة الأموية على الفلاحين المزارعين، وكدسوا الأموال الباهظة، وحالوا دون إصلاح الأحوال المتردية، لأنّ هذا الإصلاح يلحق الضرر بخزائنهم وخزائن الدولة.
وأمّا جماهير الموالي فقد كانت، من الناحية الطبقية، في مرتبة تتوسط بين الأحرار والعبيد، أي أنّهم نصف أحرار. فهم من غير العرب.
إنّ هذه الجماهير شفّها الضنى، لأنّها كانت محتقرة، مسترخصَة، تعامَل معاملة ذليلة، ويطبّق عليها نظام عنصري السمة، بحيث أنّها كانت، ويا للغرابة، لا تلج المساجد التي يؤمّها العرب للصلاة والعبادة، لأنّ لها مساجدها الخاصّة بها! وهذه الجماهير من الموالي كانت تُمنع عن أخذ «العطاء» المتأتي من خيرات البلاد المفتَتَحة، ثمّ هي تدفع الخراج عن أراضيها. وبلغ التمادي بالحجّاج إنّه أرغم الموالي الذين دخلوا الإسلام على دفع الجزية أيضاً([130])!.
من أجل ذلك لمّا ثار المختار بن أبي عُبيدالله الثقفي، الذي انتقم من قَتَلَة الحسين في كربلاء، كان عدد الموالي مطّرد التكاثر في صفوف جيشه، لأنّه جعلهم شركاء في الفيء يقاسمهم خيرات البلاد عطاءً مشروعاً([131]).
لقد أفلس الحكم الأموي الذي اشتهر أهل الشام بدعمه دون تحفّظ، من قول محمد بن علي، صاحب الدعوة العباسية، فيهم: «وأمّا أهل الشام فسفيانية مروانية»([132]). وفي هذا يستجيب محمد بن علي لنصيحة أبي هاشم محمد بن الحنفية الذي قال له عند مبايعته: «واجتنب الشام فليس ببلد يحتمل دعاتك ولا يصلح لهم»([133]). ولا أدل على انقلاب هذا الميزان ونفاذ هذه الطاعة من أنّ مروان بن محمد اضطر إلى إخضع الشام وهدم أسواق مُدُنها الكبرى، حتّى دانت لحكمه واستكانت فتنها المناوئة له. وعندما انهزم مروان عن الزَّاب في العراق إلى مدن الشام يستنهض قواها ضد الخطر العباسي المنافس ويسائلها العون، خذلته وزاغت عنه فلم يستظهره إلاّ نفر قليل([134]). بل صار مروان، وهو منهزم، عُرضة للطمع والنهب والاقتطاع، من قِبل جُند الشام وأهل حمص ودمشق([135])! وصار، كلّما مرّ في مكان من أرض الشام والأردن وفلسطين، هدفاً لمن يثب عليه!
ولم يُجْدِ مروانَ تعصّبه للنزارية المضرية شيئاً، بل خذلوه. وعندما قطع الفرات لم يرافقه سوى رجلين من قيس، أحدهما أخوه من الرضاعة([136]). مع العلم أنّ مروان قام في حَرّان بأرض الجزيرة، حيث كان يقيم أبوه، وحيث نشأ هو وانتصب عوده، وكانت إقامته هناك بين قيس التي ساندته وشكّلت العمود الفقري لجيشه المقاتل، في حين ساندت القبائل اليمانية من كلب وقُضاعة الثورة على مروان والانتقاض على حكمه.
وهكذا إذا بالمَوْصل تسوّد وتمنع مروان من دخولها. أمّا حرّان، فقد كانت دار مروان بن حمد وموطنه ومستقرّه، بل دمشق، إذ نقل إليها شؤون الحكم وخزانته وجيشه. وهو في ذلك أوّل خليفة أموي يُقدم على هذه النُقلة الرسمية، التي كانت عاقبتها خطرة على مروان، لأنّه سلخ عن دمشق سيادتها العتيدة([137]). وقد ابتنى مروان في حرّان قصره الذي أنفق عليه عشرة ملايين درهم، وهدمه بعدها عبدالله بن علي نكاية بمروان([138]). وكان أهل حرّان قد امتنعوا عن إلغاء لعن أبي تراب، أي على بن أبي طالب، عن المنابر يوم الجمعة عندما أزيل هذا التقليد، فتبدلت أحوالهم وسوّد من خلّفه مروان عليها، بعد أن خرج مروان مع عياله وخواصّه وبعض بني أمية عنها منهزمين([139]). أمّا دمشق، العاصمة التاريخية للأمويين، فإنّ أهلها اختلفوا، عند حصارها من أبوابها كافة، بين أمويّ وعباسيّ، فقتل بعضهم بعضاً، ثمّ سلّمت البلد([140]). على كلّ حال فقد اغتنم أهل الشام الفرصة فانتهبوا بيت المال([141])! هذا التهافت في الحكم الأموي لم يكن ابن ساعته، بل هو محصّلة للأحداث السابقة المتراكمة التي تحوّلت، مع ساعة الصفر العباسية، إلى انتقال السلطة من الأمويين المتهالكين على الشهوات المضعوفين إلى العباسيين. جاء في «العقد الفريد» عن بعضهم: «لم يزل لبني هاشم بَيْعة سر ودعوة باطنة منذ قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم نزل نسمع بخروج الرايات السّود من خُراسان وزوال ملك بني أمية حتّى صار ذلك»([142]).
وعندما أشرف مروان بن محمد على عبدالله بن علي وجُنده من المسودّة، يوم الزَّاب، قال لأتباعه: «أمّا ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع من الغمام سود؟»([143]). وتطيّر مروان يومها من الغرابيب السود التي كانت تحط على أعلام العباسيين السوداء، فقد انضى مع ذلك اليوم حُكم بني أمية في الشام من دون رجعة، وكان نهارهم أسود!
د. أحمد غلَبي
زاد المسافر
وقوت الحاضر
كتاب في الطب لأحمد بن الجزار. وقبل التعريف بالكتاب لا بدّ من التعريف بالمؤلف، وذلك كلّه مكتوب بقلم المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب:
بنو الجزار
في أواخر الدولة الأغلبية اشتهر بالقيروان أفراد بيت واحد برعوا في علم الطب واحترفوا به في حذق زائد وأمانة، وقد توارثوه خلفاً عن سلف وتناقلوه ما يزيد عن المائة عام وهم: (بنو الجزّار). ومن دواعي الأسف أن أغفل أصحاب الطبقات تراجمهم ولم يذكروا لنا منهم سوى واحد وهو أحمد الذي غمرت شهرته بقية الأُسرة.
أمّا (أبو بكر محمد بن أبي خالد بن الجزّار) عمّ أحمد، فقد تلقّى علم الطب في صغره عن إسحاق بن عمران وعن تلميذه إسحاق الإسرائيلي كما أخذ عن زياد بن خلفون وعن غيرهم من أطباء بني الأغلب، وقد وصفه ابن أخيه وتلميذه أحمد في تأليفه «نصائح الأبرار» فال: «كان عَمُّنا عالماً بالطب حسن النظر فيه» ـ وذكر في كتابه هذا عدّة أدوية وأشربة ومعاجين وترياقات ركّبها عمّه محمد، وقال: «وعالج بها سادة من ذوي الأقدار العالية وأهل الترفه والنعمة» ثمّ قال: «قد جرّبتها فحمدتها» ـ ويقصد بأهل الأقدار الخلفاء والأمراء من الفاطميين برقّادة والمهدية. ونقل ابن حماد([144]): أنّ ابن الجزار ـ أبا بكر ـ عالج المهدي عبيدالله في مرضه الذي مات به وسقاه دواء (حب السورنجان) لنقرس كان يشكوه ـ سنة 322هـ (933م) ـ ونعلم من ناحية أخرى أنّ من كبار حرفاء أبي بكر بن الجزار الحاجب جعفر بن علي البغدادي، حاجب المهدي، ويظهر من كلام ابن أخيه أحمد أنّ لأبي بكر هذا مؤلفات في الطب والنبات ولم نقف على أعيانها ولا على أسمائها لفقدانها.
وكانت وفاة أبي بكر في النصف الأوّل من القرن الرابع للهجرة، وقد جاوز السبعين من العمر.
إبراهيم بن أبي خالد الجزّار، هو أخو أبي بكر السالف ووالد الطبيب أحمد.
كان ممّن تعلم الصناعة الطبية وزاول فنونها مع أخيه، وكان يباشر مهنة الكحالة في القيروان في آن واحد مع أخيه، ولا ندري من أخباره إلاّ ما ساقه ابن جلجل في ترجمة ولده أحمد حيث يقول: «هو طبيب ابن طبيب وعمّه أبو بكر طبيب» وفي يقيننا أنّ شهرة ابنه أحمد حوّلت أنظار الباحثين عن أخبار سلفه، وذلك لنبوغه النادر وبعد صيته وكثرة تصانيفه ـ وهو بلا ريب مفخرة الأُسرة.
أحمد بن الجزّار
هو الدرّة الفريدة من القلادة وإحدى المفاخر الدائمة للعلوم للبلاد التونسية بل للعالم العربي بأسره، ونعني به أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزّار. ويكنى بأبي جعفر، ثالث الأطباء من أُسرته الفاضلة. ولد بالقيروان على عهد الأمير إبراهيم الثاني من بني الأغلب، وأخذ عن عمّه وأبيه. وصحب كبير أطباء القيروان في عصره إسحاق بن سليمان الإسرائيلي واستفاد من تعليمه كثيراً كما يذكره في مصنفاته، وبرع أحمد في غير ما علم لا سيما في الطب والطبيعة والفلسفة والتاريخ، وكان في زمن دراسته على غاية من الاجتهاد في البحث وحبّ الاطلاع والمواظبة. قال الطبيب ابن جلجل:
«كان ابن الجزار من أهل الحفظ والتطلع والدراسة للطب وسائر العلوم. حسن الفهم لها».
ولما آنس من نفسه حصوله على الملكة الكافية والتدربة المطلوبة فتح باب داره لمعالجة المرضى، وربّما كان ذلك بإشارة من أبيه وبالإجازة من معلّميه.
يستفاد ممّا حكاه ابن جلجل وغيره أنّه كان قد بنى عند باب داره محلاً مستقلاً لعيادة الزائرين، واتخذ فيه قسماً خاصاً للصيدلة أقعد فيه غلاماً له يسمى «رشيقاً» أعدّ بين يديه جميع الأودية من معجونات وأشربة ومَرَاهم وغير ذلك من المستحضرات، فإذا زاره المريض يفحصه مليّاً ثمّ يصف له ما يناسب من الأدوية ويكتب ذلك في ورقة يتحوّل بها المريض إلى «رشيق» فيعطيه الدواء المشار به ويقبض الثمن، وكان أحمد في كلّ يوم يتفقد قوارير الأدوية ويرى ما نقص منها ويخرج من داره إلى تابعه رشيق مقدار الأدوية الناقصة، ويحاسب غلامه على ما قبض من ثمن الأدوية المباعة، نزاهة بنفسه أن يأخذ من أحد شيئاً.
قال ياقوت: «وكان له معروف كثير. وأدوية يفرّقها على الفقراء» يعني يوزّعها على المعوزين بغير ثمن إحتساباً لله.
وحكى ابن جلجل: «حدثني عنه من أثق به قال: كنت عند ابن الجزار في دهليزه وقد غصّ بالناس إذ أقبل ابن أخي القاضي النعمان، وكان حدثاً جليلاً بإفريقيا يستخلفه القاضي إذا منعه مانع عن الحكم، فلم يجد في الدهليز موضعاً يجلس فيه إلاّ أبي جعفر فخرج أبو جعفر فقام له ابن أخي القاضي على قدم فما أقعده ولا أنزله، وأراه قارورة ماء كانت معه لابن عمّه ولد القاضي النعمان، واستوفى جوابه عليها وهو واقف، ثمّ نهض وركب وما كدح ذلك في نفسه، وجعل يكرّر المجيء إليه بالماء في كلّ يوم حتّى بُرِئَ العليل ـ ابن النعمان القاضي» ـ قال ابن جلجل: قال لي الذي حدّثني: فكنت عنده ضحوة نهارٍ إذ أقبل رسول النعمان القاضي بكتاب شكره فيه على ما تولّى من علاج ابنه ومعه منديل بكسوة هدية وثلاثمائة مثقال، فقرأ ابن الجزار كتابه وجاوبه شاكراً ولم يقبض المال ولا الكسوة. والله، لا كان لرجال مُعَدّ (الخليفة الفاطمي) ـ قِبَلي نعمة».
إتفقت كلمة من ترجم لأحمد بن الجزار أنّه كان قد أخذ لنفسه مأخذاً عجيباً في سمته وهدْيه. وإنّه لم يحفظ عنه مدّة حياته زلّة قط. ولا أخلد إلى لذّة. وكان يشهد الجنائز والأعراس ولا يأكل فيها، ولا يركب قط لأحد من رجال الدولة ولا إلى سلطانهم، إلاَّ إلى أبي طالب أحمد بن عبدالله المهدي، عم الخليفة المعز، وكان له صديقاً قديماً، فكان يركب إليه يوم الجمعة من كلّ أسبوع لا غير. وزاد ياقوت «إنّه لم يكن يقصد أحداً إلى بيته» لعلو همته وصيانته.
ولربّما يفهم من ذلك أنّه كان متكبِّراً ومعجباً بنفسه، بل الأمر الواقع أنّه كان على خلاف ذلك، وقد تقدّم أنّه كان يشهد جنائز الفقراء ويحضر أعراسهم. ومن عادته أنّه كان ينهض في كلّ عام إلى المرابطة فيذهب إلى المنستير ـ وهو الرباط المشهور البركة ـ فيكون هناك طول أيام القيْظ، ثمّ يعود إلى القيروان على ما جرت به عادة العلماء الزهاد المتواضعين. وبالجملة لو أَردنا استقصاء أخبار أحمد بن الجزار من الشيء القليل الذي وصل إلينا لطال بنا الكلام ويكفي للدلالة ما نقلنا من كلام المتقدمين فيه وما وصفوه به من الصفات النادرة كقول ياقوت: «كان أحمد طبيباً حاذقاً دارساً، كتبه جامعة لمؤلفات الأوائل، حسن الفهم لها، كان مع حسن المذهب صائناً لنفسه».
ورأيت عبارة أوردها المالكي عَرَضاً في كتابه «رياض النفوس» تشير إلى أنّ ابن الجزار ربّما كان يميل إلى شيء من التشيّع. حيث قال: «كان ابن الجزار الطبيب على خلاف السنة»([145]) وربّما كان مَيْله هذا لآراء الشيعة هو السبب الذي حمل أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على التغافل عن إيراد ترجمته في مصنفاتهم، لأنّا لم نر من بينهم من تكلم عليه لا بالكثير ولا بالقليل. وأوّل من أطال في التعريف به هو الطبيب الأندلسي سليمان بن حسَّان المعروف بابن جلجل، فجلّ أخباره منقولة عنه مع العلم بأنّ ابن جلجل قَرَأَ الطب على بعض تلاميذ ابن الجزار.
ومهما يكن من إهمال أصحاب الطبقات لترجمته فإنّ الأطباء التونسيين لم يرتابوا في تقدير علم ابن الجزار الواسع وتعظيم قدره، وبالآخر الانتفاع بفوائده الغزيرة. فقد قال الطبيب أحمد الخميري ـ من الأطباء التونسيين في القرن العاشر للهجرة ـ في «تحفة القادم» من تأليفه. «إنّ غالب المصنفات الكبيرة التي تنظر في علم الطب، مصنّفوها من غير هذا الإقليم الإفريقي، كابن سينا والرازي والمجوسي وغيرهم، والمناسب النظر في هذا الإقليم في تصانيف ابن الجزار لأنّه إفريقي، أمّا سائر كتب الطب فلا ينبغي لغير الطبيب الماهر المداواة بنصّهاعلى ما هي عليه إلاَّ بعد مراعاة قدر اختلاف الطبائع واعتبار الأقطار وتأثير الأدوية في قطر دون قطر، بحسب اختلاف عروض الإقليم والعادات… إلخ».
ولا مشاحّة أنّ تآليف ابن الجزار نالت شهرة بعيدة المدى حتّى في مدّة حياته. فهذا كُشَاجم الشاعر المشهور ـ ولم يدخل القطر الإفريقي ـ يقول في مدح أبي جعفر أحمد ويصف كتابه «زاد المسافر».
أبا جعفرٍ، أبقيتَ حيّاً وميّتاً
مفاخرَ في ظهر الزمان عِظاماً
رأيتُ على “زاد المسافر” عندنا
من الناظرين العارفين زِحاما
فأيقنتُ أنْ لو كان حيّاً لوقته
يُحَنّا لَمَا سمّى التمام تماما([146])
سـأحـمـدُ أفــعـالاً لأحـمــدَ لم تَــزَل
مواقـعُـهـا عـنـد الـكـــرام كــرامـــــا
والواقع إنّ من يستعرض ما صنّفه ابن الجزار من الكتب في غير المادة الطبية ومن أبحاثه في التاريخ والفلسفة والأدب، يتبيّن، ما كان لهذا الفذ النابغ من الثقافة الواسعة الأفق ومن قوّة العارضة ممّا يجعله مفخرة من مفاخر عصره، ويكفيه مزية عن أبناء العربية أنّ مؤلفاته الطبية ـ لا سيّما زاد المسافر ـ حازت من العناية بها في القارة الأوروبية ما جعلها تُتَرجم إلى سائر اللغات العلمية المنتشرة فيها حينئذ، وتُتَّخذ أصلاً متناً للبحوث من لدن أطباء الإفرنج في القرون الوسطى. فقد ترجمت إلى اليونانية واللاتينية والعبرية. وأخيراً إلى الفرنسية. كما ستراه عند ذكر مصنفاته.
ولا ننس أنّ ابن الجزار لم يفارق بلاده قط فيما علمنا ولم يتعلم في غير وطنه، والأمر الوحيد الذي نقل في ترجمته أنّه كان همّ في وقت ما بالرحلة إلى الأندلس، ولم ينفّذ ذلك.
وعاش ابن الجزار موقّراً محترماً في البيئة التي قضى فيها حياته الطويلة وقد بلغ من العمر الثمانين وربما جاوزها. ومات عُتِيّاً بالقيروان سنة 369هـ (980م) على ما رواه المحقق ابن العذاري نقلاً عن الرقيق فيما أظن.
وقد حصل اضطراب كبير بين من عَرَّفوا به في تعيين تاريخ وفاته. فقد قال ياقوت أنّه «كان في أيام المعز لدين الله في حدود سنة 350هـ أو ما قاربها» وقال الحاجي خليفة في كشف الظنون وكرّرها مراراً «المتوفى بعد سنة 400» وهذا لا يصحّ أصلاً. وآخر من ذكر ذلك المستعرب بروكلمان وجعل موته في سنة 395هـ ـ نقلاً لا محالة عن غيره. والصواب ما أثبتنا آنفاً.
وترك أحمد ثروة لا يستهان بها. قال ابن أبي أًصيبعة «وجد له أربعة وعشرون ألف دينار ذهباً. وعشرون قنطاراً من الكتب بين طبيّة وغيرها».
ومن أشهر الأطباء الذين تلقّوا العلم والعمل عن ابن الجزار (أبو حفص عمر بن بريق الأندلسي) فإنّه قدم إلى القيروان ولازمه مدَّة، وأخذ عنه الصناعة وروى عنه تآليفه ثمّ عاد بعد ذلك إلى الأندلس، وخدم بالطب الأمراء والأمويين خصوصاً عبدالرحمن الناصر الذي استخلصه لنفسه. وابن بريق هذا هو الذي أدخل كتب أستاذه إلى جزيرة الأندلس فتلقاها عنه جماعة من الأخصائيين بالصناعة الطبية ما بين مسلمين ويهود ونصارى ـ منهم سليمان بن جلجل المتقدم ـ فراجت كتبه بينهم أيما رواج وتُرْجمت إلى لغاتهم كما يأتي بيانه.
ولأحمد ب الجزار مصنفات كثيرة في شتى العلوم والمواضيع وأهمها الطب، وهنا نذكر منها ما وصل إلينا خبره، آملين أن تتاح لنا أو لغيرنا الفرصة للوقوف على ما لم يذكر منها ليعرّفوا بها.
في الطب
1 ـ «زاد المسافر. وقوت الحاضر» ـ في علاج الأمراض، مجلدان وهو من أهمّ الكتب الطبية العَمَلية التي وضعها المسلمون، والمظنون أنّ المؤلّف أهداه إلى صديقه الأمير أبي طالب أحمد بن عبدالله المهدي كما يفهم من مقدمته الرائعة، ويوجد منه نُسخ عديدة في المكتبات العمومية والخصوصية بأوروبا وبالمشرق، منها في مكتبة الشعب بباريس وفي الجزائر ودرسدن ألمانيا وفي البدليية في أكسفورد، وفي رنبور بالهند ومكتبة هافانا بهولاندا وغير ذلك([147]).
وقد اتجهت عناية الباحثين إليه من زمان قديم. وتقدّمت الإشارة إلى ما مدحه به كشاجم الشاعر. وأوّل من عرَفه إلى العالم العربي هو الحكيم قسطنطين المشهور بالإفريقي الآتي ذكره، فقد عمد إلى هذا الكتاب حينما كان يرأس كلّية (ساليرنو) في جنوب إيطاليا وترجمه إلى اللاتينية في أواسط القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر للميلاد) بعنوان (Peregrinantis Viaticum) وهي ترجمة كلمة «زاد المسافر» بالحَرْف لكنّه نسب الأصل إلى نفسه، كما تُرجم إلى اللغة اليونانية باسم (Ephodes) ويوجد من الترجمتين نُسَخٌ عديدة بمكتبات أوروبا. منها في باريس، وفي المتحف البريطاني، وفيورنسا بإيطاليا. وأقدم هذه النُسخ هي المحفوظة بمكتبة الفاتيكان في روما وتاريخها أواخر القرن العاشر للميلاد يعني بعد وفاة ابن الجزار بقليل.
ونقل زاد المسافر إلى اللغة العِبْريّة طبيب مشهور من يهود الأندلس يعرف بموسى بن طَيّبون. بعنوان (تزداد دراشم). ويوجد من هذا النقل أربع أو خمس نُسخ بإيطاليا وإنكلترا.
ونشر الحكيم شارل دارنبير (Daremberg) الفرنساوي في خلال عام 1851 بحثاً عن زاد المسافر تحت عنوان:
Recherches sur une ouvrage qui a pour titre: zad al mouçafir en arabe – Ephodes, en grec – Viaticum, en latin – et qui est attributé dans le texte arabe et grec a Abou Gafar et dans le texte latin a Constantin([148]).
وكتب بعده المستعرب الفرنساوي كوستاف دوقا (Gustave Dugat) مقالة إضافية في المجلة الآسيوية في عام 1853 بحث فيها عن زاد المسافر وحلّل فصوله وأبان فوائده وأهميته، وترجم منه إلى الفرنسية مقالتين وهما المتعلقتان بالعشق وبداء الكَلَب([149]),
ثم جاء الحكيم التونسي أحمد الشريف وبعد أن عرّف بابن الجزار ترجم إلى الفرنسية أيضاً من زاد المسافر ثلاث مقالات: في أسباب سقوط الشعر، وفي الإغماء وعلاجه، وفي دود المصران، نشرها في أطروحته في تاريخ الطب العربي بالقطر التونسي([150]).
2 ـ «العُدّة، لطول المدّة» ـ قال ابن أبي أُصيبعة «هو أكبر كتاب وجدناه له في الطب» ولا نعرف عنه شيئاً.
3 ـ «الاعتماد» ـ في الأدوية المفردة، ذكر فيه الأدوية المفردة التي عليها اعتماد الأطباء في معالجة الأمراض، يشتمل على أربع مقالات وقد ألفه لصاحبه الأمير أبي طالب بن عبدالله المهدي، وهذه النسخة مؤرخة بسنة 539هـ. وعدد أوراقها 140، ومنه نسخة موجودة بالجزائر وفي أيا صوفيا وفي المتحف البريطاني. وكان الطبيب الأندلسي المشهور عبد الرحمن بن إسحاق ابن الهيثم انتقد هذا الكتاب في بعض فصوله وسمّى اعتراضه: «الاقتصار والإيجاد، في خطأ ابن الجزار في الاعتماد» وليس لهذا الرّد وجود اليوم. وقديماً تُرجم كتاب «الاعتماد» إلى اللغة اللاتينية نقله إليها قسيس إسباني هو (اسطفيان السَرَقُسْطِي) في سنة 1333م (734هـ) وسمّى الكتاب (Pantegni) والمؤلف (ابن زيزار) وعرّبه إلى (Filius Carnificis) وهذه الترجمة توجد مخطوطة في مكتبة ميونيخ بألمانيا. وكتاب «الاعتماد» نُقِلَ أيضاً إلى اللغة العبرية بقلم الطبيب موسى بن طيبون المتقدم.
4 ـ كتاب «البغية» ـ في الأدوية المركبة. لا نعلم عنه شيئاً.
5 ـ «نصائح الأبرار» ـ وقد رأيت النقل عنه في كثير من كتب الطب، من ذلك في رسالة «طب المشائخ» الآتي.
6 ـ «قُوت المقيم» ـ وهو غير زاد المسافر وقوت الحاضر المتقدم ذكره. وقال ابن أبي أُصيبعة: «حكى الصاحب جمال الدين بن القفطي أنّه رأى له بقفط ـ في مصر ـ كتاباً كبيراً في الطب اسمه «قوت المقيم» وكان عشرين مجلداً».
7 ـ «المعدة وأمراضها ومداواتها» ـ جزء ذكره ابن الجزار في كتابه «طب المشائخ» الآتي ونقل عنه.
8 ـ «أصول الطب» ـ ذكره المؤلف في كتابه «طب المشائخ».
9 ـ «مُجرّبات» في الطب ـ جزء.
10 ـ «المختبرات» ـ جزء. وهو غير المتقدم قبله.
11 ـ «البُلْغَة» ـ في حفظ الصحة ـ جزء.
12 ـ «الفرق بين العِلَل التي تشتبه أسبابها وتختلف أعراضها» ـ جزء.
13 ـ «أَبدال الأدوية» ـ رسالة موجودة بمجموعة طبية في خزانة السيد أحمد خيري في البحيرة بمصر. وهو يأتي عقب «طب المشائخ» ومنه نسخة مصوّرة في مكتبتي.
14 ـ «التحذّر من إخراج الدم من غير حاجة دعت إلى إخرجه» ـ رسالة.
15 ـ «طب الفقراء والمساكين» ـ وهو غريب في بابه، موجود في مكتبة غوطة، والأسكوريال وقديماً في خزانة السيد عبد الحي الكتاني بفاس. وقد ترجم إلى العبرية قديماً.
16 ـ «النّصح» ـ ذكره في «طب المشائخ» وقال إنّه جمع فيه أدوية الملوك والخواص.
17 ـ «طب المشائخ» ـ رسالة تخرج في عشرين ورقة عالج فيها الحالات التي تعتري المسنّين والمعمّرين وما يجب عليهم اتباعه للمحافظة على العافية واستدامة صحتهم، وهو الفن المعروف اليوم عند الإفرنج باسم (Gèronthologie) وهذه الرسالة لم يرد ذكرها في قائمة مصنفاته التي جلبها ابن أبي أُصيبعة. ويوجد أصلها في مجموع طبّي مخطوط محفوظ في مكتبة أحمد خيري من أعيان البحيرة في مصر. وقد أُتيح لي استنساخها وجلبها إلى تونس. وعساها تنشر مع ترجمتها والتعليق عليها.
18 ـ «سياسة الصبيان وتدبيرهم» ـ موجود في مكتبة ننيانة بالبندقية بإيطاليا وفي الأسكوريال. ومنه نسخة مصوّرة بمكتبتي.
19 ـ «الخواصّ» ـ وقد ترجم قديماً إلى العبرية.
20 ـ «الزكام» ـ وأسبابه وعلاجه، رسالة.
21 ـ «الجُذَام» ـ وأسبابه وعلاجه، مقالة.
22 ـ «الوباء ونعت الأسباب المولدة له في مصر، وطريق الحيلة في دفع ذلك وعلاج ما يتخوّف منه» ـ جزء.
23 ـ «المُقْعدة» وأوجاعها ـ رسالة.
24 ـ «الحمّامات» ـ منافعها ومضارها ـ مقالة.
25 ـ «أسباب الوفاة» ـ رسالة.
وله في التاريخ والجغرافيا:
26 ـ «التعريف بصحيح التاريخ» ـ قال ابن أبي أُصيبعة: «يشتمل على وفيات علماء زمانه وقطعة جميلة من أخبارهم» وقال ياقوت: «رأيت كتابه «التعريف بصحيح التاريخ» في مجلدات تزيد على العشر» وقد ينقل عنه كثير من المؤرخين وأصحاب الطبقات كالقاضي عياض في «المدارك» وياقوت في حوادث سنة 208هـ (معجم البلدان ص61 إسم طنبذة) وغيرهما ـ ولا أثر اليوم لهذا الكتاب.
27 ـ «تاريخ الدولة» ـ وقيل «أخبار الدولة» يعني الدولة الفاطمية. وهو تاريخ حافل بسط فيه القول عن ظهور عبدالله المهدي بإفريقيا وانتشار دعوته بها وسقوط دولة بني الأغلب وما حصل من الأحداث في تلك المدّة. وعنه ينقل المقريزي في كتابه «اتعاظ الحنفاء» وغيره من المؤرخين. والغالب على الظن أنّ قطعة منه محفوظة في غوطة وهي التي ترجم منها المستعرب نيكلسون (Nicholson) بحثه المنشور في سنة 1840 بعنوان:
An Account of the Establishment of the Fatimite Dynasty in Africa.
ولا يبعد أن يكون هذا الكتاب موجوداً كاملاً في بعض خزائن الإسماعيليين (البهرة) بالهند.
28 ـ «مغازي إفريقيا» ـ في أخبار فتح العرب لبلاد تونس، ولم نر من بين المؤرخين من ذكره سوى أبي عبيد البكري في «مسالكه» فقد قال فيه: وقال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المتطبب القيرواني في «مغازي إفريقيا» ولا شك أنّ البكري نقل عن إبراهيم الرقيق الذي استفاد من هذه المغازي ما أورد من أخبار الفتح في تاريخه الكبير لإفريقيا([151]).
29 ـ «طبقات القضاة» ـ وكأنّه مخصّص لتراجم العلماء الذين تداولوا على قضاء إفريقيا إلى عصره. ينقل عنه القاضي عياض كثيراً في المدارك فيقول: قال ابن الجزار في كتابه «طبقات القضاة» ولم يرد في جملة مؤلفاته عند ابن أبي أُصيبعة.
30 ـ «عجائب البلدان» ـ وقيل «عجائب الأرض» وهو في تقويم البلدان ووصفها، ورد ذكره مراراً في الكتاب المعروف بجغرافية المأمون المنسوب إلى الفزاري، ونقل عنه فصلاً في وصف مدينة رومية، كما نقل ابن البيطار في مادة (زمرد) قال: «قال ابن الجزار في كتاب «عجائب البلدان» جبل الزمرد من جبال البّجاة موصول بالمُقَطّم جبل مصر»([152]). وذكره في كشف الظنون باسمه المتقدم ولم يزد عليه، وقد أُخبرت ممّن أثق به أنّه يوجد منه نسخة في خزانة كتب الباشا المصلوحي قائد بني رزين من بلاد غُمارة في ناحية الريف من المغرب الأقصى.
وله في الأدب وغيره:
31 ـ «المُكَلّل» ـ في الأدب والسياسة.
32 ـ «الفصول» ـ في سائر العلوم والبلاغات.
33 ـ كتاب «الأحجار الكريمة» ـ ومعادنها ومنافعها وخواصّها، ذكره مرّات كثيرة التفاشي القفصي الآتي في تصنيفه «أزهار الأفكار في جواهر الأحجار»، ومن جملة ما نقل عنه العبارة الآتية. قال أحمد بن خالد المعروف بابن الجزار في كتابه في الأحجار: «وعالجتُ أنا وصيفاً الخادم (الفاطمي) صاحب المظلّة من حصاة عظيمة كانت به وامتنع من الفتح عليها بالحديد. فلمّا فعلتُ به هذا الفعل (يعني إدخال مرود من فِضّة ألصق برأسه حجر الماس في مجرى البول) تشلّخت الحصاة حتّى صغرت وسهل عليه خروج ما بقي منها مع البول» ونقل عنه أيضاً في الكلام على حجر المغنظيس وعلى الفيروزج وفي غير ما موضع من كتابه المتقدم ـ ولم نقف له على أثر.
34 ـ «العطر» ـ ذكره عرضاً في كتابه «طب المشائخ» ويظهر أنّه خصّصه لصناعة الروائح العطرية وطرائق تقطيرها من النباتات والعقاقير التي يستخرج منها.
35 ـ «النفس واختلاف الأوائل فيها» ـ رسالة.
36 ـ «النوم واليقظة» ـ رسالة. قال الحاجي خليفة: كتبها إلى ابن أبي فضالة المتوفى سنة 360هـ وهو شخص لا نعرفه ويظهر أنّه كان من أصدقائه.
37 ـ «الاستهانة بالموت» ـ رسالة كتب بها أيضاً إلى بعض أحبابه.
ونختم هذه القائمة الطويلة بذكر مخطوط مجهول المؤلف موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق عنوانه «طبائع العقاقير على مذهب ابن الجزار» ولا ندري ما اشتمل عليه.
وليس من شك أنّ لابن الجزار غير ما حصرنا من المصنفات. وأنّ طبيبنا هذا محتاج لأنّ يوضع بحث مستقل في ترجمة حياته وتحليل مؤلفاته. وهو الأمر الذي نتمنى أن يقوم به بعض شبابنا التونسي المثقف.
وممّا تقدّم من إحصاء مآثره المتنوعة الأغراض في مختلف العلوم والفنون يتضح لك أنّ ابن الجزار كان في المرتبة الأولى بين أَعلام عصره من أصحاب الثقافة الواسعة المحيطة. وإنّه كان في الضفّة الغربية للعالم العربي بمثابة الفارابي وابن سينا والبيروني في المشرق، فإنّه درس مثلهم علم الأوائل ـ من إغريق وفرس وهنود وعرب ـ وهضم أقوالهم واستدرك عليها ما فاتهم وانتقدهم عند الحاجة، علاوة على ما استنبطته قريحته ودلته عليه تجاربه، وساقته إليه اختباراته وفطنته الوقّادة. والله يؤتي الحكمة من يشاء.
الزارة
الزارة مدينة تاريخية مشهورة كانت حاضرة الخط، وعاصمة بلاد البحرين([153])، طيلة العصر الجاهلي وحتى العصور الإسلامية الأولى. وصفها علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر قائلاً: «الزأرة، إسم بلدة من أقدم مدن الخط، عرفت ابان ظهور الإسلام، وجُهل تاريخها قبل ذلك، وكانت مقر والي البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً الى هذه البلاد في العهد الجاهلي». أما مؤرخ الخليج المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، فقال عنها أنها: «مدينة مشهورة في التاريخ الإسلامي وكانت حاضرة القطيف وكانت تقع بالقرب من العوامية، وقد خربها أبو سعيد الجنابي نكاية بأهل القطيف المعارضين لحكمه ومبادئه». وقد برز إسم الزارة ضمن مجموعة من الأحداث البارزة في التاريخ الإسلامي، كحركتي الردّة والقرامطة، لذا قلّما تجد كتاباً تاريخياً يخلو من ذكرها.
ونقل المؤرخون أن الزارة تعرضت الى عدوان انتقامي شنّه القرامطة، حيث نقل أنها «دمّرت تماماً وبقيت خراباً، ثم صارت نخيلاً وأشجاراً وأنهاراً تبعاً للعوامية». وما يزال في مدينة العوامية حي صغير يدعى بـ (فريق الزارة) ويتكون من مجموعة من البيوت التي تقع في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة، وتحيط بالفريق (الحي) مجموعة من بساتين النخيل، ذكر في صكوك ملكيتها القديمة، أنها تقع في أرض الزارة. كما لاتزال في هذا الحي عين تعرف بعين (الزارة) وربما تكون هي العين المشار اليها في المصادر الكثيرة التي تحدثت عن تاريخ الزارة، والتي سيرد ذكرها لاحقاً.
يظهر أن اسم الزارة كان يلفظ في الأصل (الزأرة) بالألف المهموزة، وقد حذفت الهمزة تخفيفاً، فهناك بعض المصادر أوردت إسمها بألف مهموزة والبعض الآخر بدون همزة. والزأرة لغةً هي الأجمة أي الشجر الكثيف الملتف وهي مأوى السباع، ومن هنا جاء قول بعض اللغويين أن اسم الزأرة مشتق من زئير الأسد.
أما موقعها فقد أكدت أغلب المصادر على كونها في بلاد البحرين. فجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي أن «الزارة قرية كبيرة بالبحرين وفيها مرزبان الزارة». وفي القاموس الحيط للفيروز أبادي «الزارة بالبحرين وبها عين معروفة»، وفي كتاب (البلدان) للحازمي «قال الأزهري: عين الزارة بالبحرين معروفة، الزارة قرية كبيرة وكان مرزبان الزارة منها» ، كما ذكرها أبن خرداذبه في كتابه (المسالك والممالك) بأنها من قرى البحرين، وقد خلص الشيخ حمد الجاسر في تحقيقه لموقعها على أن موقعها هو موقع قرية العوامية وأنها في الأصل محلة من محلاتها.
إلاّ أن هناك فريقاً آخر من المؤرخين قد التبس عليهم موقع الزارة حيث اعتبرها بعضهم مدينة من مدن فارس. وهذا الخطأ ناشئ عن وجود مرزبان من مرازبة الفرس في الزارة أثناء حصار المسلمين لها في حروب الردة، بينما نسبها اخرون إلى اليمن وهذا خلاف المشهور والواقع.
ويفهم من وصف بعض المؤرخين بأن الزارة كانت مدينة ساحلية، وأن بها فرضة (ميناء) فقد ذكر المسعودي بأنها تقع على ساحل بحر فارس، كما جاء في (معجم البلدان): «قراح سيف هجر و الزارة سيف القطيف » وورد في كتاب (المناسك) في كلام عن الزارة بأنها» فرضة من فرض البحر. أكثر غلتها النخل والسمك»).
ويغلب الظن على أن مدينة الزارة كانت تشمل على مساحة واسعة من الأراضي تشكل الآن أغلب مساحة العوامية.
اكتسبت مدينة الزارة أهمية إستراتيجية وإقتصادية بالغة. فمن الناحية الإستراتيجية كانت الزارة قاعدة الخط وحُماها وأهم الفرض بها، بالاضافة الى كونها عاصمة بلاد البحرين إذ كان يوجد بها مقر ولاة البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً إلى هذه البلاد في العهد الجاهلي.
ويمكن الإستدلال على أن الزارة كانت عاصمة لبلاد البحرين من الكتب التي وجهها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) إلى ساوي بن المنذر زعيم الزارة آنذاك يدعو فيها أهل البحرين للدخول في الإسلام فهذه الكتب توضح بأن ساوي بن النذر «يمثل أهالي اقليم البحرين وأن تمثيله لهم يوضح بأنه زعيم الإقليم وأن زعيم الإقليم لا يمكن أن يكون إلا في عاصمة الإقليم وهي الزارة». وقد أستمر اتخاذ الزارة لولاة البحرين حتى وقت تدميرها في نهاية القرن الثالث الهجري.
وكانت الزارة تمثل بالنسبة للفرس مركزاً إدارياً هاماً وقاعدة بحرية يشرف منها المزربان على الأسطول الفارسي الذي كان له اليد الطولى في مياه الخليج آنذاك، وفي بعض الفترات التاريخية كان نفوذ مزربان الزارة يشمل حتى المدينة ومنطقة تهامة. روى ذلك ياقوت الحموي من قبل مرزبان الزارة يجبي خراجه.
أما من الناحية الإقتصادية فأن موقعها الجغرافي المتميز خلق لها مركزاً إقتصادياً هاماً، فأشرافها على ساحل الخليج العربي أوجد فيها ميناءاً تجارياً كبيراً يعد أهم الموانئ في المنطقة حيث كانت تفد منه وإليه جميع أنواع السفن التجارية محملةً بالبضائع من والى مختلف بلدان العالم، هذا إضافة إلى اتصالها بخطوط التجارة البرية الأمر الذي جعلها بمثابة همزة وصل بين خطوط تجارة الشرق والغرب.
والزارة كبقية أنحاء إقليم البحرين كانت تتمتع برخاء إقتصادي ممتاز، كان أهم ما يرتكز عليه إقتصادها هو تجارة التمور والأسماك، إضافة إلى تجارة الؤلؤ الذي أشتهرت به المنطقة منذ القدم. كما عُرفت فيها بعض الصناعات المزدهرة مثل صناعة الرماح الخطية، وكان سوق الزارة التجاري يرتاده الناس من مختلف الأصقاع.
وتدل قوة تحصينات الزارة على مدى الأهمية الإستراتيجية والإقتصادية التي كانت تتمتع بها حيث كانت تعد أقوى مدينة في المنطقة، ولا غرو فهي حمى الخط الذي يضرب المثل في حماه، إذ كان يقال «حُمى قطيف الخط أو حمى فدك»، وكان إذا تعرض أهالي الخط إلى هجوم مباغت لم يقدروا على صده هرعوا إلى الإحتماء بحصونها، ولا أدل على قوة تحصينها من امتناعها عن المسلمين في حادث الردة طيلة خلافة أبي بكر ولم تفتح إلا في خلافة عمر بن الخطاب، كما أن صمود الزارة طويلاً أمام حصار القرامطة هو الذي حدا بهم إلى حرقها وتدميرها بعد استسلامها.
كانت الزارة في عهدها الغابر مركزاً لتلاقح الثقافات وصعيداً لإلتقاء الأفكار والتيارات، إذ كان موقعها الجغرافي المطل على البحر قد سهل لها عملية الإتصال والإحتكاك بالأمم والشعوب الأخرى، كما كان يعيش فيها أناس مختلفة الوانهم متباينة أديانهم فكان فيها عرب وعجم ومجوس وسبابجة ويهود ونصارى. هذا التعدد والتنوع في الأعراق والأديان يعكس مدى ثراء مناخ الزارة الفكري وانفتاحه وقابليته لاستيعاب الدعوات والمبادئ الجديدة، لذا عندما جاء الإسلام لاقى في الزارة قبولاً وترحيباً كبيراً، كما أن التشيع في بلاد البحرين سجل أول بذرة من بذوره في هذه المدينة، وهي نفس المكان الذي أختاره القرامطة ليزرعوا فيها بذور دعوتهم القرمطية باغين في ذلك استغلال وهج الزارة الفكري في نشر فكرهم في إقليم البحرين.
هذا وكان يعقد في الزارة سوقٌ أدبيٌّ من أشهر الأسواق التي عُرفت قبل، وكان هذا السوق بمثابة مؤتمر أدبي يشارك في إحيائه أقطاب الفكر ورجال الشعر والأدب العربي.
فلا عجب أن يرد اسم الزارة في قصائد الشعراء وأشعارهم مثل قول الشاعر أوس بن حجر:
وكأن ظعن الحي مدبرة
نخلٌ بزارة حملهُ السعد
وأغلب الظن إنها هي المقصودة في قول شاعر هذيل:
ونبعةٌ من قسِّ زارة زوراء
هتوفٍ عِرادُها غَرِدُ
ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه ( الإصابة في تمييز الصحابة): أن الأشج (أشج عبد القيس) واسمه المنذر بن عائد العبدي كان صديقاً لراهب ينزل بدارين، فكان يلقاه في كل عام، فلقيه عاماً بالزارة، فأخبر الأشج أن نبياً يخرج بمكة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. بين كتفيه علامة، يظهر الأديان. ثم مات الراهب، فبعث الأشج ابن أخت له يقال له عمرو بن عبد القيس، وهو زوج أبنته إمامة، وبعث معه تمراً ليبيعه، وضم إليه دليلاً يقال له الاريقط، فأتى مكة عام الـهجرة ولقى النبي (صلّى الله عليه وآله) ورأى العلامات فأسلم وعلمه النبي (صلّى الله عليه وآله) سورة الفاتحة وسورة اقرأ وقال له: ادعُ خالك إلى الإسلام، فرجع، وأخبر خاله الخبر فأسلم الأشج وكتم الإسلام حيناً، ثم خرج في ستة عشر رجلاً فقدموا المدينة، فخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) في الليلة التي قدموا في صبحها فقال: «ليأتين ركب من قبل المشرق لم يكرهوا على الإسلام لصاحبهم علامة فقدموا فقال اللهم اغفر لعبد القيس وكان قدومهم عام الفتح».
وفي سنة ست من الهجرة، وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العلاء بن الحضرمي، ومعه كتاب إلى المنذر بن ساوي أمير الزارة، وحاكم البحرين من قبل الفرس وقرأ المنذر كتاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) على أهل البحرين فمنهم من دخل الإسلام، ومنهم من بقى على دينه، وبعد ذلك بعث المنذر كتاباً إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) جواباً على كتابه يستفتيه في الأمر فيمن لم يدخل في الإسلام من مجوس ويهود وكان مضمون الكتاب: «أما بعد يارسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه. وبأرضي مجوس ويهود فأحدث لي في ذلك أمرك» فأجاب الرسول ( ص ) على استفتاء المنذر بكتاب ما نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله،وإني أذكرك الله الذي لا اله إلا هو، وأنه من ينصح فلنفسه، ومن يطع رُسلي فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد اثنوا عليك خيراً، وأني قد شفعتك في قومك، فاترك المسلمين ما أسلموا عليه، وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن قام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» وولي الرسول (صلّى الله عليه وآله) العلاء بن الحضرمي على إستيفاء الجزية من اليهود والمجوس، وهكذا أنتشر الإسلام في ربوع البحرين منطلقاً من مدينة الزارة.
وبعد فترة قام النبي (صلّى الله عليه وآله) بعزل العلاء بن الحضرمي وعيّن مكانه أبّان بن سعيد بن العاص والياً على البحرين، وهو من الموالين لعلي أبي طالب (ع) ويرى بعض المحققين أن ابّان بن سعيد هو غارس بذرة التشيع في بلاد البحرين وطالما عرفنا أن الزارة هي مقر ولاة البحرين، فمن الطبيعي اذن أن تكون أول مكان غرست فيها تلك البذرة وما لبث أن عم التشيع بلاد البحرين بأكملها، ومن المعروف أن قبيلة عبد القيس وبكر بن وائل من سكنة بلاد البحرين، وهي من القبائل العربية التي انتفضت على حكم عثمان مطالبته بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
نقلت العديد من المصادر التاريخية: أنه بعد انتقال الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى اجتاحت الردة معظم أقاليم الجزيرة العربية، وكانت البحرين – على حد قول تلك المصادر – فيمن ظهرت فيها الردة، ولما أرسل العلاء الحضرمي إلى البحرين لتصفية جيوب المرتدين فيها، استطاع أن يسيطر على جميع مدن وقرى منطقة البحرين بكل يسر وسهولة ما عدا مدينة الزارة فقد ظلت صامدة في وجهه وفرض حصاراً عليها استمر شهوراً عديدة، وذكرت بعض المصادر التاريخية: أنه بعد أن استطاع العلاء الحضرمي دحر قوة المرتدين في هجر، تحصّن المكعبر الفارسي بالزارة وأنضم إليه كثير من مجوس الخط (وهجر) ممن امتنعوا عن أداء الجزية ما أن علم العلاء بحالهم استنفر المسلمين اليهم، وفرض حصاراً عليهم، لكن حصانة مدينة الزارة جعل فتحها من الأمور الصعبة، وظل الحصار مفروضاً على الزارة لفترة طويلة، وفي أثنائه ظهر المكعبر الفارسي (مرزبان الزارة) يطلب من يبارزه فبرز له البراء بن مالك فتجاولا ساعة فقتل البراء المكعبر، وقطع يديه، وأخذ سواريه ومنطقته. فكان هذا أول سلب خمّس في الإسلام. قيل أنه بلغ أبعين ألفاً وظل العلاء على شرب القوم فأعطاه العلاء الأمان، لدله على «عين»([154]) خارجه عن الزارة فذهب إليها العلاء فسدّها، فلما رأوا ما فعله العلاء صالحوه على أن له ثلث المدينة، وثلث ما فيها من ذهب وفضة، وعلى أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها فكان فتح الزارة في عام (13هـ) وتم تولية العلاء الحضرمي واليا على بلاد البحرين.
لما استتب أمر زعامة خوارج اليمامة لنجدة عامر الحنفي، أرادا احتلال بلاد البحرين واتخاذ الزارة داراً لحكمهم ونقطة انطلاق توسعهم، ففي عام 67 هـ سار نجدة بجموعه نحو البحرين لاحتلال القطيف فانضم إليه الأزد فيما رفض بنو عبد القيس الدخول في طاعته فقالت الأزد لبنو عبد القيس «لا ندع نجدة يتولى أمرنا وهو حروري مارق»، وفي القطيف دارت معركة حامية الوطيس بين عبد القيس ونجدة كانت الغلبة فيها لنجدة واستطاع أن يدخل القطيف عنوة بعد أن قتل عدداً كبيراً من أهلها وصادر أموالهم وسبي نساءهم فأقام بالزارة ( العاصمة) وتابع نجدة نشاطه العسكري فوجه إلى بعض نوحي الخط قوة بقيادة داوود العكلي فاستولى عليها وبذلك قويت شوكته واتسعت دائرة نفوذه.
بعدها استطاع نجدة من أحكام قبضته على بلاد البحرين وعمان واليمن والطائف وتبالة حيث استولى عليهم جميعاً وعمد إلى مقاطعة الحجاز اقتصادياً.
دلّت بعض المصادر أنه كان في الزارة سجن يودع فيه كل من يخلف هوى السلطات الحاكمة، إذ ذكر الزمخشري في (الفائق) ما نصه: أن الجارود (الجارود بن المعلى) لما أسلم وثب عليه الحُطُم (الحكم بن ضبيعة) فأخذه وشدَّهُ وثاقاً، وجعله في الزارة.
وفي عهد الدولة الأموية اتخذ الأمويون الزارة منفى لمعارضيهم. فقد ذكر ابن جرير الطبري في أخبار عبيد الله بن زياد حينما ولي البصرة سنة الستين للهجرة أنه قال بعد أن عرف العرفاء على الناس: «وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه الينا صُلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء، وسيّر إلى موضع بعُمان الزارة»، كذا ورد النص ولعل صوابه (بعمان والزَّارة ).
كما قام عبيد الله بن زياد بنفي عمر بن سعد إلى الزارة. ومن ضمن الذين تم نفيهم إلى الزارة أيضاً المرقع بن ثمامة الأسدي وهو أحد أنصار الإمام الحسين (ع) في كربلاء فقد نقل ابن الأثير أن المرقع قد نثر نبله فقاتل فجاء نفراً من قومه فآمنوه فخرج إليهم، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى البحرين. قد تم نفيه إلى الزارة و أغلب الظن أن بختيشوع الذي غضب عليه المتوكل العباسي فقبض ماله ونفاه إلى البحرين. قد تم نفيه إلى الزارة أيضاً حيث لم يعرف في البحرين منفى آخر غير الزارة، وهذا معناه أن النفي إلى الزارة أستمر حتى في عهد الدولة العباسية.
ويرى بعض الكتاب أن اتخاذ الأمويين الزارة منفى لمن يقع تحت طائلة سخطهم هو من أهم الأسباب الكامنة وراء قيام عدد من حركات التمرد بهذا الاقليم.
بيد أن ظاهرة نفي المعارضين للزارة لهو أمر لا يخلو من الغرابة فالعادة المألوفة أن يتم نفي عناصر المعارضة إلى بقاع مجدبة قاحلة لا إلى بقعة هي من أخصب بقاع الجزيرة العربية، وإلى أماكن نائية ومعزولة لا إلى مدينة تضج بالحياة هي مركز من مراكز الحضارة والتجارة.
وقد علل الشيخ حمد الجاسر ظاهرة النفي إلى إقليم البحرين – حيث الزارة دار النفي فيها – بأن بلاد البحرين تكثر فيها المستنقعات المتولدة عن المياه العظيمة المتفجرة من العيون، فكانت هذه المستنقعات مكانا لتوالد البعوض المسبب للملاريا، وكان هذا المرض منتشرا بين سكان هذا الاقليم لدرجة انه اثر في الوانهم، فاحالها الى الصفرة، وسبب انتفاخا في بطونهم حتى عد بعض المتقدمين ان من خصائص هذه البلاد انتفاخ البطن، فقد نقل الثعالبي عن الجاحظ قوله من اقام بالبحرين مدة ربا طحاله وانتفخ بطنه.
وقيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله
ويغبط ما في بطنه وهو جائع
إلى جانب ذلك يمكن ان نضيف سببا اخر قد يكون مهما، وهو يرجع الى منعة وقوة تحصينات الزرارة، بحيث يستعصي على من يجبر على العيش في داخل حصونها الفرار منها.
لم تعرف الاوضاع السياسية في الزارة الثبات او الاستقرار في اي فترة من فتراتها التاريخية، فالفتن والثورات والقلاقل كانت العلامة البارزة في تاريخها السياسي. وهذا يعود الى امور عدة ساهمت بشكل او باخر في اضطراب الاوضاع واختلال الموازين. فنظرا لمكانة الزرارة واهميتها كعاصمة سياسية اصبحت محطا لانظار الطامعين في السلطة ومحورا لصراعات الطامحين في الحكم، كما ان اتخاذ الزارة منفى للمعارضين جعلها ارضا خصبة للتمرد والثورة، بالاضافة الى نوعية السياسة التي انتهجتها الدولتان الاموية والعباسية قد ناصبتا العداء لاهل البيت ومن يتشيع لهم، وبما ان معظم سكان الزارة وبلاد البحرين كانوا من الشيعة، فمن الطبيعي اذن ان تصب عليهم كلتا الدولتين جام غضبهما، وسخطهما، الامر الذي ادى الى حدوث ثورات وانتفاضات ضد حكم هاتين الدولتين، وحدا بالاهالي الى التعاطف مع اي شخص يحمل لواء المعارضة ضدهما.
ومن بين أبرز الثورات التي اندلعت في الزرارة ضد الحكم الاموي، ثورة ريان النكري عندما خرج معلنا عصيانه وتمرده على الوالي الاموي محمد بن صعصعة. الذي قام سنة (79 هـ) باستنفار الاهالي لمحاربة النكري فلم يستجب له بنو عبد القيس وهم السواد الاعظم من السكان، ولما فشل صعصعة في مقاومة الريان بالزارة ،ارسل الحجاج بن يوسف الثقفي جيشا في اثني عشر الف مقاتل بقيادة يزيد بن ابي كبشة، ودارت بين الفريقين معركة طاحنة في ميدان الزارة اسفرت عن مصرع الريان وصلبه مع عدد كبير من اتباعه.
وعلى أثر مصرع الريان، ثار داوود بن محرز بن عبدالقيس في جماعة من قومه واستولى على القطيف واقام بها – اي في الزرارة دار مملكة القطيف – وامر بانزال جثة الريان وغيره من المصلوبين ودفنهم وذلك بعد ان انزلوا الهزيمة بجيش اعده لقتالهم البهاء صاحب شرطة القطيف.
ومن الثورات والانتفاظات التي ظهرت في بلاد البحرين، انتفاضة مسعود بن ابي زينب المحارب من عبدالقيس سنة (86 هـ) اذ انتفض في جماعة من قومه وطردوا عامل الامويين الاشعث بن عبدالله بن الجارود العبدي، وفي سنة (151 هـ) انتفضت في البحرين جماعة اعلنت التمرد والخروج على ابي جعفر المنصور بزعامة سليمان بن حكيم العبدي، وفي سنة (190 هـ) ثار على هارون الرشيد في البحرين سيف بن بكير احد بني عبدالقيس.
في سنة (283 هـ) شهدت الزارة افول مجدها الزاهر ونهاية تاريخها الزاخر على أيدي القرامطة، الذين قاموا بحرقها وتدميرها عن بكرة أبيها.
حيث تفيد الروايات أنه بعدما استفحل أمر القرامطة أزمعوا على احتلال القطيف وكانت الرئاسة فيها لبني جذيمة من عبد القيس وكان أولو الأمر فيهم بني أبي الحسن بن مسمار، فسار إليها أبو سعيد الجنابي على رأس جيش من المرتزقة من الأعراب ومن أهل عُمان، فلما عجزت قوات بني أبي الحسن بن مسمار عن الوقوف في وجه زحف جيش أبي سعيد اعتصموا بالزارة، فحاصرها القرامطة مدة طويلة حتى أذعنوا للتسليم، عندها قام القرامطة بإعدام من كان بها، ثم قاموا بإحراق الزارة وتدميرها تدميراً كاملاً فلم تقم لها قائمة منذ ذلك الحين.
زاينده رود
من الأنهار الرئيسية في إيران الوسطى، ينبع على بُعد تسعين ميلاً غربي مدينة أصفهان ثمّ يمر بها، وقد يعبر عنه بنهر أصفهان. وفيه يقول الشاعر العربي القديم:
لتشرب مياه الزندرود إذا اشتكت
من السقم نفس كي يزول سقامها
زُبالة
بطريق مكة من الكوفة وهي قرية عامرة بها أسواق بين واصة والثعلبية… فيها حصن وجامع لبني غاضرة من بني أسد ويوم زبالة من أيام العرب… وقيل: سمّيت زبالة باسم زبالة بنت مسعر امرأة من العمالقة نزلتها([155]) وأنشد البعض:
ألا هل إلى نجد وماء بقاعها
سبيل وأرواح بها غطراتِ
وهل لي إلى تلك المنازل عودة
على مثل تلك الحال قبل مماتي
فأشرب من ماء الزلال وأرتوي
وأرعى مع الغزلان في الفلوات
وألصق أحشائي برمل زُبالة
وآنس بالظلمات والظبياتِ
حلّ بها الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعاء 23 ذي الحجة سنة 60 هجرية في طريقه إلى كربلاء ومن أهم الحوادث في هذا الموقع هو خبر نعي مسلم بن عقيل.
اختلف المؤرخون في وصول خبر نعي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فمنهم من قال: كان في الثعلبية. ومنهم من قال: كان في زُبالة ولا منافاة بين الروايتين إذ يمكن الجمع بينهما بأنّ وصول الخبر كان في الثعلبية ثمّ تيقنه في زُبالة. قال السيد ابن طاوس في كتابه اللهوف: (… ثمّ سار الحسين (عليه السلام) حتّى بلغ زُبالة فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل فعرف بذلك جماعة ممّن تبعه فتفرّق عنه أهل الأطماع والارتياب وبقي معه أهله وخيار أصحابه… وارتجّ الموضع بالبكاء لقتل مسلم وسالت الدموع كلّ مسيل ثمّ أنّ الحسين (عليه السلام) سار قاصداً لما دعاه الله إليه…»([156]). جمع الدينوري المتوفى سنة 382 هجرية في كتابه الأخبار الطوال بين الروايتين كما أثبتناه وقال: (… ولمّا رحل الحسين (عليه السلام) من زرود تلقاه رجل من بني أسد (أي في الثعلبية أو بقرب منها) فسأله عن الخبر فقال: لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون عند الله نحتسب أنفسنا… فلمّا وافى زُبالة وافاه بها رسول محمد بن الأشعث وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره وخذلان أهل الكوفة إياه بعد أن بايعوه وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك فلمّا قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر وأفظعه قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ثمّ أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذي وجهه من بطن الرمة وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق فلمّا سمعوا خبر مسلم وقد كانوا ظنّوا أنّه يقدم على أنصار وعضد تفرّقوا عنه ولم يبق معه إلاّ خاصته…)([157]) وقال المجلسي في بحار الأنوار ج44، ص374: (لمّا نزل (عليه السلام) زُبالة أخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم فإذا فيه… بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبدالله بن يقطر فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ليس عليه ذمام… فتفرّق جماعة عنه حتّى بقي في خاصّة أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضموا إليه في الطريق وقد فعل الإمام (عليه السلام) ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب الذين اتبعوه يظنون أنّه سوف يدخل الكوفة وقد استقامت له طاعة أهلها.
يقول عبد الحسين الصالحي: يستفاد من أقوال المؤرخين أنّ زُبالة كانت مدينة صغيرة عامرة في وسط البادية لها سوق وجامع نبغ منها علماء ومحدثون يقول عبد الكريم السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية في كتابه الأنساب: (… نزلت بها غير مرّة وسمعت بها الحديث والمنتسب إلى هذا المنزل يُقال له الزُبالي…) ([158]). ومنهم أشهر علماء ومحدّثي زُبالة: حسان الزُبالي ومحمد بن الحسن بن عياش الزُبالي ومحمد بن عبدالله بن الزُبالي وغيرهم.
عبد الحسين الصالحي
الزجل
ـ1ـ
ننشر عنه بحثين يكمل أحدهما الآخر:
حين اتّسعت رقعة البلاد الإسلامية بالفتوحات الكثيرة شملت أقطاراً عديدة، واختلط العرب بالأمم وتأثّروا بهم في كلّ شيء، ضعفت لغة العرب، ودخل فيها الكثير من الألفاظ الأعجمية وصاروا يجدون صعوبة في التكلم بها، فتكملوا بلغات عامية جديدة تختلف بعض الاختلاف بين بلد وآخر. وتمتاز هذه اللغات، بسهولتها، وخلوها من الإعراب، وكثر الألفاظ الأعجمية فيها، واستعمال التعبيرات الشعبية والاصطلاحات اليومية، وطغت هذه اللهجات في العصر المغولي حتّى زاحمت العربية في كلّ ميدان.
وبدأ الشعراء يحاولون أن يكون شعرهم المنتزع من بيئتهم معبراً بنفس اللغة اليومية التي يتكلمون بها ويتعاملون، أي أن يكون شعراً عامياً خالياً من الإعراب، وساعد على ذلك وشجّعه السلاطين الأعاجم لصعوبة الفصحى وسهولة العامية. وقد امتنع الشعراء والأدباء في بادىء الأمر عن ذلك، وحاولوا محاربة الأشعار العامية، واعتبروها انحطاطاً بالشعر ونكسة بالأدب، ورجوعاً بالفن إلى الوراء، وظلّوا ينظمون الشعر الفصيح ويترفعون عن العامي. لكنّهم لم يجدوا بداً، في آخر الأمر، من السير في ركاب التطوّر، فنظّموا الشعر العامي.
والشعر العامي هذا عدّة أنواع أهمها أربعة فنون هي: الزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما. ومعرفتها ـ كما قال صفي الدين الحلي ـ بالطبع السليم، وآفتها من الفهم السقيم. فليس لها قواعد ثابتة تسير عليها، ونظم مؤكدة تتبعها بل يعتمد فيها على الذوق والفهم والطبع السليم. ولهذا كان من الصعب على الدارس أن يخضعها للدرس والبحث والنقد. ومع هذا فهناك قواعد عامة لكلّ فن، وميزات ظاهرة يجب أن تتوفّر فيه.
وقد ألّف الشاعر صفي الدين الحلي([159]) كتاباً في الأشعار العامية سمّاه (العاطل الحالي والمرخص الغالي في الأزجال والموالي) درس فيه فنون هذا الشعر من زجل وموالياً، وقوماً وغيره، وأنواعها وشروطها وتفاعيلها وأوزانها وقوافيها وما يجوز فيها وما لا يجوز. ومثل لكلّ نوع بنماذج من الشعر الأندلسي ونماذج من شعره هو. ويعتبر هذا الكتاب الوحيد في دراسة هذه الفنون بالرغم من أنّه لم يف بالغرض تماماً. فلم يؤلف أحد من قبل الصفي في دراسة هذه الفنون ولا من بعده.
والزجل أرفع الاشعار العامية رتبة وأشرفها منزلة، وأكثرها أوزاناً وأرجحها ميزاناً. أوزانه متجددة وقوافيه متعددة.
والزجل في اللغة الصوت، ويُقال: سحاب زجل إذا كان في رعد، ويُقال: لصوت الأحجار والحديد أيضاً والجماد: زجل([160]). والزجل التطريب ورفع الصوت([161]) وخصّ به التطريب، وأنشد سيبويه:
له زجل كأنّه صوت حاد
إذا طلب الوسيقة أو زمير([162])
اخترع هذا الفن أهل الأندلس فجاؤوا فيه بالغرائب واتّسع فيه للبلاغة مجال حسب لغتهم المستعجمة. وأوّل من أبدع في هذا الفن (أبو بكر بن قزمان)، فهو وإن كان هذا الفن قد قيل قبله بالأندلس لكنّه لم يظهر حلاه وروعته، ولا اشتهرت معانيه ورشاقته إلاّ في زمانه. فكان هو إمام الزجالين، وقد رويت أزجاله في بغداد أكثر منها في الأندلس([163]). وقيل: إنّ مخترعه غير هذا، ومنهم من قال: إنّه (عمر بن غرلة) وقد استخرجه من الموشح. ومنهم من قال: إنّه (مخلف بن راشد)، وكان إمام الزجل قبل (ابن قزمان)، فلمّا جاء ابن قزمان نظم السبل الرقيق فمال الناس إليه. وقيل: إنّه (مدغليس) ([164]).
وكانت الأزجال الأولى قصائد كقصائد القريض، وأبياتاً على عروض الشعر العربي بقافية واحدة، ولا تختلف عن القصيد إلاّ باللحن واللفظ العامي، ويسمّونه (القصائد الزجلية). ثمّ نوّعوا أوزانها وقوافيها وجعلوا لها أقفالاً وأوزاناً. ونوّعوا في الأوزان وخالفوا فيها فصارت كأوزان الموشح بعد أن كانت كالقصيد، وأصبحت قافية الزجل منوعة مختلفة.
وقد قسّمه مخترعوه أربعة أقسام، فرَّقوا بينها بمضمونها أو غرضها وبالأوزان واللزوم: الأوّل ما تضمن الغزل والنسيب والخمر والزهد ويسمّى (الزجل). والثاني ما تضمّن الهزل والخلاعة ويسمّى (البليق). والثالث ما تضمن الهجاء والثلب ويسمّى (قرقيا). والرابع ما تضمن الوعظ والحكمة ويسمّى (المكفر)([165]).
وأطلوا على ما أعرب جزء منه وأهمل الجزء الآخر اسم (المزنّم) فهو ملحق بالموشح لإعراب بعضه، وبالزجل للحن بعضه الآخر. فما أعرب هو الموشح وما خلا من الأعراب الزجل، والمزنّم وسط بين هذا وذاك.
ولكلّ أمّة زجل يجري على ألسنة شعرائها، بما في لغتها من خصائص ومميزات من إدغام بعض الحروف، ومن مدٍ وإمالة وقطع، ومن تغيير حرف بآخر، وغير ذلك. فللأندلسيين زجل، وللمصريين زجل، وللعرايين زجل…
ويمتاز الزجل بسهولة اللفظ، وحسن السبك، والرقة والعذوبة.
ولصفي الدين الحلي أزجال كثيرة وقد اتّبع فيها قواعد مخترعي الزجل، وامتنع ـ كما قال ـ عن العيوب التي يجب ألا يقع فيها الشاعر لئلا يُقال إنّه اضطر إلى ذلك لضعف قدرته، فها هو ينظم زجلاً على عروض زجل لشاعر مصري اسمه علي فيقول:
نعشق قمر قد طلع في تمامو
عقلي قمر حين خلع غيم لثامو
سيد السمر بالله معـ ـذب كلامو
مترَّك اللحظ أحور مستعرب اللفظ أسمر
ويقول إنّ الشاعر رغم أنّه نظّم ما لا يتبعه أحد في البلاد، فقد خلص لزوماته كما يجب، وكانت في كلّ بيت (إحدى وعشرين قافية)، فزادها الصفي قافيتين وجعلها (ثلاثاً وعشرين قافية).
ونلاحظ أنّ أكثر أزجال الصفي منظومة على عروض أزجال معروفة ليبرهن بها على براعته ومهارته، إذ يزيد عليها ويلتزم ما التزم شعراؤها في زجلهم، ويجوّد في معانيها.
وألفاظ الصفي في أزجاله سهلة مختارة، كثير منها قريب إلى ألفاظ الفصحى. ولم نجد في هذه الأزجال ـ وفي غيرها من فنون الشعر العامي ـ من الألفاظ العامية والتغيرات الشعبية ما بقي منتشراً حتّى اليوم إلاّ قليلاً بل قليلاً جداً. فقد وجدنا (اش عليّ) بمعنى أي شيء عليَّ، ويراد بها «ليس لي أي دخل» في مثل قوله:
صرتم حكيَّه شرحها نقل إليَّه
أنتم هتكتم عرضكم فأنا اش عليَّ
وكلمة (الزغلات) بمعنى الغش في اللعب في مثل قوله:
أي من لعب بقليبي بحكم شطرنج الهوى
وغرني وغلبني بكثرة الزغلات
ومن ذلك حذف همزة إن وإضافة الواو إلى النون فتكون (ون) كقوله:
ون طلب وصفو شعري
قال فكري صب لذا مجمعو
و«معذب» بمعنى ما أعذب. كقوله:
سيد السمر بالله معذب كلامو
ولعل سبب هذا أنّ الصفي كان يتكلم بلغة الخاصّة، لغلة الأدباء والعلماء، فهي مذهبة الألفاظ بعيدة عن كلام العامّة قريبة إلى الفصحى. وقد وجدنا الصفي يرفع أواخر بعض الكلمات التي يقف عندها، كما هو في العامية المصرية اليوم فيقول: «كلامو» أي كلامه و«أخاصمو» أي أخاصمه كما في قوله:
نعشق صغير لي شهر سيف عنادو
قلبي الكبير والنظر طوع مرادو
وقوله:
وقفت يوم لحبيبي حتّى أعتبو وأخاصموا
فقلت، وقال: جوابي بالغمز بالأجفان
هذا بينما العامية العراقية تحرك هذه الحروف بالفتح فتكون (عنادَه) و(مرادَه) و(أعتبَه) و(أخاصمَه).
ولكن معظم ألفاظ أزجاله ـ وغيرها من فنون الشعر العامي ـ من الفصيح يبين ذلك قوله:
يا من لقيت من دعج ذي المقله
قلبي يبيت منزعج كل ليله
وقد بقيت كنّي مجـ ـنون ليلى
أو قوله:
ليس غريب من فارق أوطانو
أو بعد عن ناظرو المحبوب
إلا من دارو قبل دارو
والحبيب عن ناظرو محجوب
حتّى عني حجبوه أهلو
وأسرفوا في جمع حفاضو
كلّ يوم لأجلو بغيظ قلبو
رب يحفظ الذي غاظو
ونجد في هذه الأزجال بعض المحسنات البديعة كقوله في الجناس:
أصير إن خطر
أسير في خطر
وأمّا معانيه فهي بديعة يختارها اختياراً، ويغوص عليها إلى الأعماق، ولسنا ندري أكل معاني أشعاره العامية بهذه الجودة أم أنّ هذه الجودة تختصّ بما اختاره وأثبته في هذا الكتاب فحسب؟
وهذه الأزجال كلّها في الغزل والخمريات ما عدا بليقين في الشكوى واحدة في شكوى مشقة الصوم. فمن خمرياته هذا الزجل الجميل:
جنى والكاس والزهرة والـ
ـراووق والطيور والسحاب
ستة في مجلس ثلاث تضـ
ـحك وثلاث في انتحاب
جيت صباح اليوم نستجلي
شمس الراح على وجه الحبيب
وبقيت نجتلي من ألفاظو
كل معنى غريب
ريت عشرة أشيا
مقسم قسمين أيش غريب من قريب
در ثغرو ولفظو والأقـ
ـراط والأقاح والحباب
وشعاع خدو والشفق والكـ
ـاس والشقيق والتراب
ومن أزجاله الغزلية الرقيقة ما نظمه جواباً (لشهاب الدين أحمد) في دمشق:
إش تجد لك بقتلتي غبطة يا الذي تعشقو
لو تدع ما تبقى من عمري كان عليك ننفقو
بالله يستعبد القلوب حسنك يا لطيف اللطيف
جل من لطفك ومن خصك بالفعال الكثيف
وجمع فيك مع قلّة نصافك كلّ معنى ظريف
قط ما نطلب من الجمال معنى ألا فيك نلحظو
لو تصيب من قديم جمال بالله كان تسرقو
ومهما يكن فأزجاله خفيفه، وليس فيها ثقل ولا ما ينبو عن الأذن والذوق.
وكان في مقدمة الزجليين المصريين كمال الدين ابن النبيه المصري المتوفى سنة 619هـ إلاّ أنّ الزجل اكتمل في خواصه الفنية والشكلية، وشاع في البلاد، بعد أن مارس النظم فيه «أبو عبدالله خلف محمد الغُباري» الذي كان موجوداً في أيام السلطان حسن المتوفى سنة 762هـ ويعد ابن قزمان عصره وكان الغُباري عالماً جليلاً طلب الفقه على أئمة الشافعية، وروى الحديث، وكان يكتب إزجاله في برود موشاة بالذهب، ومموهة بالفضة، ويرسلها إلى الولاة والحكام بالذين يتقبلون مواعظه بقبول حسن، ويتقربون إليه بالهدايا والزيارات وعرف «بالقيم الغباري»([166]).
وله يتغزل في أعرابية قال:
حبيب في العرب حبابه
تسبي الخلق في هودجها
الحُس الحسن برقعها
وتاج الجمال توجها
هذي لي هواها ينصاع
بعقلي وصار لي لازم
شبه صاغها الله من نور
لها ثغر كنه خاتم
من لولو وياقوت منظوم
في وصفه يحير الناظم
وفي قالب الحسن أحكت
سبيكة ذهب بهرجها
لها البدر فردة خلخال
ركن الهلال دملجها
ولمّا دخل الزجل الديار المصرية ونظمه المصريون حلو موارده بعذوبة ألفاظهم ورشاقتها وزادوا محاسنه بالزوائد المصرية وحلوه في الأذواق لما صارت حلاوة قاهرية، ثمّ تفكه بعد من أهل الشام بثمرات المعاني الشهية وحلوه بشعار التورية والنكت الأدبية.
وكان قد اشتهر بالزجل الحاج علي بن مقاتل الحموي المتوفى سنة 761هـ من بلاد الشام فقال:
دي الذي وصالوا عمري نرتجي
ما ندري في عشقو لمن نلتجي
وعد يوم الاثنين لعندي يجي
راح اثنين في اثنين وما ريت أحد
وكان الزجل قد بلغ ذروته في القرن الثامن الهجري في بلاد الشام حينما نظم فيه الحاج علي بن مقاتل الحموي ورسيله شهاب الدين أحمد الأمشاطي المتوفى سنة 735هـ فقد تباريا في نظم الزجل وأيهما أحسن واضطرب الإقليمان «دمشق وحماة» واتصلت القضية بالسلطان الملك الناصر محمد المتوفى سنة 741هـ وحكم في هذه المسألة الشيخ جمال الدين بن نباته المتوفى سنة 768هـ وابن سيد الناس المتوفى سنة 734هـ وكتبوا تقاريظ تقضي أنّ زجل الحاج علي بن مقاتل هو الغالب.
وأمّا أهل دمشق فإنّهم كتبوا بخلاف ذلك لكون ابن الأمشاطي من عندهم ومطلع زجل الأمشاطي هو:
لك خد بح. مذ حاز ملح
روضو اصطبح. فيه واغتبق
خال لون سبح. يسبى المهج
زهرو خرج. وظهر فرج
من هام به ليس يلام
ومطلع زجل ابن مقاتل:
طرفي لمح. بدري اتضح
ليس فيه ملح. ما هو حدق
إذا اختلج. فيها الدعج
يسبي المهج. ولو نسج
رقام. عذرو لام
وأمّا الزجل في العراق فإنّ من أوائل من نظم فيه علي بن عبدالعزيز بن جابر المغربي البغدادي المالكي الشاعر المتوفى سنة 684هـ، وكان من أظرف خلق الله وأخفهم روحاً وتلاه صفي الدين الحلي وأبدع في نظم الإزجال والموشحات وجميع الفنون الشعرية المعربة وغير المعربة وفي الأغراض الشعرية كافة، ثمّ أعقبته فترة انحسار كان الزجل في العراق مبخوس القدر وقتاً طويلاً ولا ينظم في إلاّ شعراء قليلين ولكنّه شاع وانتشر في العراق في القرن التاسع عشر وتفنن الزجالة فيه، ومن ذلك ما نظّمه الشيخ يحيى الدولاني العذاري بنصف خرجه وقال:
درب الهوى سين ولام
حدر الدرك
الألف: آه من الهوى
چم حيد گلبه انجوى
حالات ملهن كل دوه
لمن تولع بي هام
حــــــــــــــــــــــال أخــــــــــبــــــــــرك
وعارضه الملا منصور العذاري بقوله:
درب الهوى دال اوقاف تحت الخطر
الألف:آ ه اشاهدت صدمات اصادف كل وقت
مني الذنب أني علت طير أو علا سعفه ابكيت
تحت الخطر
وعارضهما الشيخ عبد الصاحب الحلي بقوله:
درب الهوى دال أو ميم
ما بي شفه
الألف أمارة النفس
وياي ممشاها عكس
ما فاد وياها الدرس
كلبي مخرم تخريم شيروفه
الزجل
ـ2ـ
قال الدكتور حسين مؤنس: أصبح من الواضح ـ نتيجةً للأبحاث التي قام بها الأستاذ خُليان ريبيرا، أنّ أهل الأندلس الإسلامي كانوا يستعملون العربية الفصيحة كلغة رسمية يتعلمها الناس في المدارس ويكتبون بها الوثائق وما إليها؛ أمّا في شؤونهم اليومية وأحاديثهم فيما بين بعضهم وبعض فكانوا يستعملون لهجة من اللاتينية الدارجة أو العجمية el romance. وليس ذلك بغريب، لأنّنا إذا ذكرنا أنّ عدد العرب الخلص الذين دخلوا الجزيرة كان قليل جدّاً، تبينا أنّنا لا نستطيع اعتبار الأندلسيين المسلمين ساميين أو مشارقة، ابتداءً من جيلهم الثالث أو الرابع من بعد الفتح؛ ولنضف إلى ذلك أنّ شعوب أوروبا كانت تستعمل في ذلك الحين اللاتينية كلغة، وأنّ ناسها كانوا يتحدّثون إلى جانبها لهجات أعجمية romance مختلفة مشتقة من اللاتينية.
وكان هذا الازدواج في اللغة هو الأصل في نشوء طراز شعري مختلط، تمتزج فيه مؤثرات غربية وشرقية. وقد ازدرى أهل الأدب الفصيح والمعنيون بأمر هذا الطراز الجديد، بينما مضى الناس جميعاً يتناقلون مقطعاته سراً فيما بينهم، وذاع أمره داخل البيوت وفي أوساط العوام، وما زال أمره يعظم والإقبال عليه يشتد حتّى أصبح في يوم من الأيام لون من الأدب. وقد أخذ هذا الطراز الجديد من الأدب الشعبي صورتين: إحداهما «الزجل»، والثانية «الموشحة».
أمّا الزجل فشعر يصاغ في فقرات تسمّى أبياتاً. وتبدأ مقطوعته ببيت يعرف «بالمركز» أو «السمط» وتليه أغصان ذات قافية واحدة ووزن واحد، يتكوّن الغصن منها من ثلاث مصاريع أو أكثر، ثمّ يعقبها بيت في نفس وزن المركز وقافيته وهكذا.
وأمّا الموشحة فنظم تكون فيه القوافي اثنتين اثنتين كما هو الحال في الوشاح، وهو العقد يكون من سلكين من اللألىء كلّ منهما لون. فالتسمية هنا تشير إلى طريقة تأليف القوافي، وهي تشبه الزجل فيما عدا ذلك. أي أنّ الموشحة تتألف من فقرات تسمّى الأبيات، كلّ فقرة منها تتكوّن من عدد معين من أشاطر البيوت في قافية واحدة، وتعقب كلّ فقرة خرجة في بحر أشطار الغصن ولكن في قافية أخرى؛ ويلتزم الوشّاح قافية هذه الخرجة في كلّ خرجات موشحته، أمّا الأغصان فقد يكون كلّ منها على قافية ولكن من بحر واحد.
والزجل والمشحة في واقع الأمر فن شعري واحد، ولكن الزجل يطلق على السوقي الدارج منهما؛ إذ لا بد أن يكون في اللغة الدارجة، قد كان يُتغنى به في الطرقات. أمّا الموشحة فلا تكون إلاّ في العربي الفصيح، واسمها كذلك عربي كما هو الزجل الذي تستعمل فيه الفصحى أو ينظم في أسلوب أرفع من أسلوب الأزجال.
وإليك نموذجاً من أزجال ابن قزمان([167]):
يا مليـح الدنيــا قــولْ
على اشْ أنت يا ابن مَلُول([168])
أي أنـا عنـدكْ وجيهْ
يتمجّــجْ مــن وفيــهْ
ثمّ فاحلى مــا تتيــهْ
ترجعْ انسانكْ وصــول([169])
مُر بَعَد جيــدهْ سَــرَفْ
لم يُـــروا مثلُ نَصَــفْ
ولسّ أتْ إلا طـــــرفْ
والــذي قــلــنــــا فضــولْ([170])
إش لو أنْ يَـــذّا نــراكْ
إذ نَجِي وَقْــتَ جَـفَــاكْ
كــان تِـخَلِّـيـن كــذاكْ
هـــــاذَاهُ شـيـئــاً قــتولْ([171])
الوفا لَسُّ لِحَدْ
غير أمين عبد الصمدْ
لمديح تدخل بَعَدْ
تُرَى ما أملح ذا الدُّخول([172])
هَاذَاهُ يا ابن طُرَفْ
فَالمقام ضَرَّبْ وكَفْ
أهنا جا: قف! ووقَفْ
والكلامْ فيَّ يَطولْ([173])
فكذاك طالْ يَذَّ فيه
إنَّ عالم وفقيه
وإذا قلت نبيه
فيَجِبْ لك أن تقولْ([174])
والذي ماعُ أقَلْ
شرف أجدادْ ونَسَلْ
والأصَلْ قطّ الأصَلْ
لا فروع دون الأصولْ([175])
يا لُبَابْ كلّ لبابْ
القَ رِجلك في الرِّكابْ
فأنت فأصحابك شباب
فأنتَ هُ فالدَّوَلْ هَيُولُ([176])
ثمّ هم بيتَةْ خَطَطْ
القضا في الاثْمْ قَطّ
والثنا فيه أشَطْ
إنما اخترت الفصولْ([177])
قاسَى القلب رحيمْ
فاتقى غيظ الحليمْ
وإذا أُمِّلْ كريمْ
وإذا كُلِّفْ حمولْ([178])
وإلى هذا الجلالْ
منظرُ لَسْ لُ مِثالْ
أُجْ بحال دارة هِلالْ
أو بِحالُ وُجْ دَشُولْ([179])
لا نموتُ حتّى نراكْ
فَالبلدْ قاضي كذاكْ
وترى غاية مُناكْ
ولا يلحقك خمولْ([180])
ونفاقِ في كل راسْ
لس يَجِي معْ نُعاسْ
وبلا عرض وطولْ([181])
وترى عادْ ذا العملْ
وقيامْ صَخْبْ الجَبَلْ
كلّ شيء كانْ يُحْتَمَل
لو سلم هذا السُّبُولْ([182])
وصَحُو، والليل نهارْ
وشِتا ضُعيفُ صارْ
حَقَّ في مَرْسى غُبَارْ
إنّما فيه السيولْ([183])
ندعو الله المجيبْ
والفرجْ مِنُّ قريبْ
الهوا ذابْ يطيبْ
والشتا على النزولْ([184])
أرَّ ما شِيتْ لَسْ تَرُدْ
حُطْ قَطْ إشْمَا تَجدْ
الله الله كُدْ كُدْ
لس نريدْ مِنْهُ مُطُولُ([185])
ويمكننا أن نقارن هذا الزجل بزجل إسباني صرف من نفس الوزن والنوع للشاعر الإسباني ألڤاريذدِ ڤيليا ساندينو Alvarez de villasandino:
مركز أو سمط:
AA, dda Vivo ledo don razo’n
Amigos; toda sazo’n
أغصان:
D Vico ledo e sin pesar,
D pues amorme fizo amar
D a la que podre’llamar
خرجة:
A mas bella decuantas son
أغصان:
E Vivo ledo e vivré
E pues de amor alcancé
E que serviré ala que sé
خرجة:
A que me dara galardo’n.
وترجمته:
إنّني يا رفاقي أحيا حياة مرحة
كلَّ أيام حياتي، وأنا محق في ذلك
إنّني أعيش مرحاً دون هموم
أنّ الحب أتاح لي أن أعشق
تلك التي يمكننا أن نقول إنّها
أجمل النساء جميعاً
إنّني أعيش مرحاً وسأعيش [هكذا]
لأنّني عن طريق الحب وصلت
إلى من أعرف أنّها بخدمتي
لها ستجازيني خير الجزاء
ووزن أبيات هذا الزجل إذن: اا، ب ب ب ا، (ا ا)، حـ حـ حـ ا (اا)… إلخ. ولكن هذا الوزن تكون الخرجة فيه مكوّنة من شطر بيت أقصر في الوزن ممّن أشطار الغصن، وهذه الأشاطر بدورها تكون على نفس وزن المركز القصير. وهناك «أزجال تكون الخرجة فيها مكوّنة من بيت ذي شطرين، وأزجال أخرى تكون الأغصان فيها على أوزان مُضَفَّرَة متبادلة، وثالثة تكون فيها الأغصان أربعة أربعة بدلاً من ثلاثة ثلاثة، وأربعة تكون الخرجة فيها ثلاثة أشطار، وخامسة وردت من غير مركز… إلخ. وهذه الصور كلّها ذات أهمية خاصّة عند مقارنة الأزجال بأوزان الشعر الأوروبي.
مقدم بن معافى القبري، مبتكر الموشحة:
كان أوّل من استعمل هذا الفن الشعري مقدم بن معافى القبري الضرير الذي عاش بين سنتي 225/840 و299/912، وفي ذلك يقول ابن بسام تحت عنوان «فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء وإتيان جملة من شعره مع ما يتعلق بذكره»، قال: «قال أبو الحسن: وكان أبو بكر في ذلك العصر [الدولة العامرية والحمودية] شيخ الصناعة وإمام الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت له غرائبه: مرحباً وأهلاً… وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منارها ومرساها ومنادها، [وقوّم مليها وسنادها]، فكأنّما لم تُسمع بالأندلس إلاّ منه، ولا أخذت إلاّ عنه، واشتهر بها اشتهاراً غلب على ذاته وذهب بكثير من حسناته. وهي أوزان كثيرٌ استعمال أهل الأندلس لها في الغزل والنسيب، تُشَق على سماعها مصونات الجيوب، بل القلوب… وأوّل من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها ـ فيما بلغني ـ مقدم ابن معافى القبري الضرير، وكان صنعها على أشطار الأشعار، غير أنّ أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي أو العجمي فيسميه المركز، ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل إنّ ابن عبد ربه صاحب «كتاب العقد» كان أوّل من سبق إلى هذا النوع من الموشحات، ثمّ نشأ يوسف بن هارون الرمادي، فكان أوّل من أكثر فيها من التضمين في المراكز، يضمّن كلّ مركز يقف عليه في المركز خاصّة، فاستمرّ [على] ذلك شعراء عصره كمكرم بن سعيد وابني أبي الحسن. ثمّ نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير، وذلك أنّه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز. وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض كتابنا هذا، إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب».
ويؤيد ابن خلدون كلام ابن بسام بقوله: «وأما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنّاً منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما تنتهى عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفة الناس جملة: الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزّاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية».
ولم يبق لنا من نظم مقدم القبري شيء، ولكن يغلب على الظن أنّ موشحاته وأزجاله كانت من أبسط طراز، أي على ذلك الغرار الذي سبق بيانه. ولم نوفق ـ إلى الآن ـ إلى تعرّف المصدر الذي استوحاه مقدم عندما ابتكر فن التوشيح، فيذهب البعض إلى أنّ أصل الموشح أندلسي محلي، ويذهب البعض الآخر إلى أنّه جليقي، ويذهب نفر ثالث إلى أنّ أصله البعيد روماني roma’nica؛ بل قال بعضهم أنّ الموشحات أتت الأندلس من بغداد وأنّ أصلها يُلتمس في الرباعيات العربية الفارسية، وأخيراً حاول ميلياس ڤليكروسا Millas Villicrosa أن يجد علاقة ما بين الموشحة والزجل من ناحية والفن الشعري العبري المعروف بالپزْمون Pismon والتسبيحات اللاتينية التي يردّدها جمهور المصلين عقب كلّ فقرة من فقرات الترتيل الديني responsorio la’tino، وهي في الغالب آيات من الكتاب المقدس.
وقد حلّت الموشحات محل القصائد الفصيحة في كثير، وقد ذكرنا قول ابن خلدون أنّهم كانوا «ينسبون فيها ويمدحون كما يُفعل في القصائد»، وأنّهم «وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة: الخاصة والكافة، لسهولة تناوله وقرب طريقه».
وقد أشار منندذ پيدال إلى أنّ الطابع العربي الرومانسي للزجل دليل على امتزاج الثقافتين، وقال: «… والزجل عربي بلغته، وإن كانت هذه اللغة سوقية حوشية كثيرة الأخطاء، عربي بالتزامه قافية واحدة تراعي في أبيات الزجل الواحد كلّها، وعربي كذلك بهذين الموضعين اللذين يدور حولهما الكلام في كلّ مقطوعة: وهما الحب أو وصف مغامرة عشقية وقعت للشاعر، والتمدح في شخصية يرجى نداها. ولكنّه ـ على رغم ذلك ـ لا يبدو عربياً في نظمه على طريقة الفقرات (الأبيات، والبيت قفل وأغصان)، وهي طريقة غريبة تغاير ما جرت عليه القصيدة العربية من الأبيات ذات البحر الواحد والقافية الواحدة؛ وكذلك لا يبدو عربيّاً في استعماله «الخرجة» في نهاية كلّ فقرة، وفي وبعض الموضوعات التي يطرقها مثل الألْبَادَا la albada ـ أي الفَجْرِيّات وهي مقطعات شعرية عرفها اللاتين باسم أَلْباتَا albata تقال في افتراق الأحبَّة عند طلوع الفجر، وهو موضوع سينتقل بعد ذلك إلى الشعر الأوروبي ـ وفي خلّوة من الموضوعات التي تميز الشعر العربي من غيره، كوصف الرحلات في القفار المهجورة، وصفة حياة البداوة والتنقل والتحدّث عن المواقع التي غادرتها القبيلة إلى غيرها، والكلام عن الجمال وما إلى ذلك. ومن المحقق ـ أخيراً ـ أنّ الزجل إسپاني، لانّه يتحدّث عن أعياد ومواسم لا توجد إلاّ في التقويم اللاتيني، ولاستعماله ألفاظاً وعبارات من عجمية الأندلس مختلطة بلغته العربية الدارجة. هذا والأزجال ـ إلى جانب إهمالها للموضوعات الأدبية العربية ـ تبدو لنا حافلة بصور الحياة اليومية لمسلمي الأندلس، وفيها ذكر كثير من عادات المستعربين وتقاليدهم».
أوائل الزجالين
إذا ذكرنا الطابع الشعبي الدارج لهذا الفن الشعري، لم نستغرب من أصحاب مجموعات النظم والنثر ـ وهم متعصبون للفصحى وآدابها ـ أن يأنفوا من أن يوردوا في كتبهم نماذج منه. ولكن خُلْيان ريبيرا تمكن بفضل أبحاثه من العثور على ثروة حافلة من الأزجال وأصحابها.
فمن أوائل الذين نظموا الأزجال سعيد بن عبد ربه (توفي سنة 341هـ/953م) ابن عم صاحب «العقد»، وكان معنيّاً بكتابات الإغريق وعلوم الأوائل والفلسفة، وكان صعب العشرة يتكلم لهجة دارجة خشنة؛ واجتهد في تجويد الأزجال أبو يوسف هارون الرمادي شاعر المنصور، وكان يسمّى أبا جنيس El Ceniciento وهي الأصل الدارج الإسباني الذي أخذ عنه لفظ الرمادي)، وكان يرمى بالزندقة لكثرة اتصاله بالنصارى (توفي سنة 412هـ/1022م)، (ف15)، وكان «أوّل من أكثر من التضمين في المراكز، يضمّن كلّ موقف يقف عليه في المركز خاصّة، فاستمرّ على ذلك شعراء عصره» كما يقول ابن بسام؛ وعبادة بن ماء السماء (توفي سنة 415هـ/1025م أو 418هـ/1028م) الذي يقول ابن بسام: إنّه أحدث التضفير، وذلك أنّه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز».
وكان أبو عثمان بن سعيد المعروف بالبلينة (أي الحوت Ballena) يصنع أزجالاً يقلّد بها «المواليا»، وهو طراز من الشعر الشعبي عند المشارقة. ونظم ابن هانئ قصائد ذات قوافٍ مضفرة من طراز يختلف عن طراز الزجل والموشحة.
وأقبل على الموشحة شعراء كثيرون ممّن أجادوا نظم الشعر الفصيح على طريقة القدماء، منهم أبو بكر بن اللبانة الداني الذي رثى الرشيد بن المعتمد بموشحة، وأبو بكر محمد بن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة إذ كانت له موشحات ذاعت على ألسن أهل الأندلس، وأبو عبدالله محمد بن عُبادة القزاز([186]) الذي تغنى بمحامد بني صمادح أصحاب المرية في موشحات كثيرة.
ومنهم كذلك الأعمى التطيلي ـ أبو جعفر بن هريرة المتوفى سنة 534هـ ـ 1140م ـ وكان أدبياً فذّاً غلب أبا بكر بن بقي وأبا بكر الأبيض ونفراً آخر من الوشاحين في مساجلة في التوشيح، وذلك عندما قال موشحته:
ضاحكٌ عن جمانْ
سافرٌ عن بدر
ضاق عنه الزمانْ
وحواه صدري
فخرج كلّ منهم موشحته. وأبو القاسم الحضرمي الذي كان يأخذ بيد التطيلي حتّى لقب «بعصا الأعمى»، وكان شاعراً أديباً بارعاً؛ وابن بقي، وكان ماجناً مستهتراً وشاعراً من طبقة عالية، وكانت في شعره عذوبة أذاعت ذكره، وقد رمى المرابطين بالجهالة لأنّه عاش في عصرهم فقيراً.
وقد نظم أبو بكر بن زهر الطبيب أزجالاً وموشحات بلغت من الكمال مبلغاً جعل الناس يروونها كنماذج لهذين الفنين.
بيد أنّنا لا نجد بين أيدينا من هذه الأزجال والموشحات إلاّ أطرافاً قليلة وردت متناثرة في الكتب، فيما خلا «ديوان ابن قزمان» الذي وصلنا كاملاً على وجه التقريب، وهو لهذا يعطينا أكمل فكرة عمّا كان عليه فن الزجل.
ابن قزمان وديوانه
ينتسب أبو بكر محمد بن عبد الملك بن قزمان الأصغر إلى بيت بني قزمان، وكان من بيوت قرطبة العريقة. ولد في قرطبة بعد سنة 460/1068 وتوفي سنة 554/1160، وينبغي ألا نخلط بينه وبين عمّه وشبيهه في الاسم وزير المتوكل صاحب بطليوس، وكان شاعراً أيضاً، وقد توفي سنة 507/1114 كما بيَّن الأستاذ ليڤي بروڤنسال، وقد مدح ابن رشد الحفيد في آخر حياته.
وقد قال ابن قزمان في مقدمة ديوانه إنّه وُجد في الأندلس ضربان من الزجل جنباً إلى جنب: أوّلهما شعبي خالص جافٍ غليظ يستعمل الزجالون فيه اللغة الدارجة وعجمية أهل الأندلس el romance، وكان يوافق أذواق العوام؛ وثانيهما مصقول مهذب erudita مصطنع متكلف يستعمل الناس فيه حركات الإعراب التي لا تجري بها ألسنتهم في دارج الحديث. ولم يبق من النوع الأوّل شيء، لأنّ مصنفي كتب الأدب ازدروه وضربوا عنه صفحاً؛ وأمّا الثاني فلدينا منه أطراف، ولكنّها تخلو من الجاذبية وسهولة الطبع التي يمتاز بها النوع الأوّل.
ويقول ريبيرا ـ ونحن نتابعه هنا فيما نقول عن الزجل ـ إنّ ابن قزمان درس أزجال جميع من تقدّموه، ثمّ شق لنفسه طرقاً جمع بين الفريقين اللذين ذكرناهما، وعرف كيف يحتفظ بأحسن خصائصهما، فرأى أنّه من فساد الذوق والتكلف أن تستعمل حركات الإعراب في شعر يراد أن يُتغنى به جماعةً في جمهور من الناس، ومن ثمّ فلا مفر من استعمال لغة الكلام الدارجة حتّى يقرب من إفهام الناس كافة. وهو يريد «بلغة الكلام» اللهجةَ العامية الدارجة التي تشوبها كلمات وعبارات من عجمية أهل الأندلس، على أن يكون ذلك في أسلوب متخير رشيق، وهو يرى أنّ الزجال ينبغي عليه أن يختار من الموضوعات أحفلها بالفاكهة وأخفها، وينبغي أن يكون ما يختاره جذاباً شيقاً فياضاً بالحيوية ممّا يثير اهتمام الجمهور، وينبغي ألا تكون الموضوعات معقدة أو بلاغية متكلفة، وإنّما سهلة ممّا تجري به ألسنة عابري السبيل وممّا يستعمله الناس في حلقات الموسيقى الشعبية الصاخبة ومجالات اللهو والتسلبية، بل ينبغي أن تكون الموضوعات «حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الخاصّة، كما يقول ابن سناء الملك. أمّا قالب الأغاني وتركيبها فتستعمل له كلّ بحور الشعر الفصيح القائم على أسس العروض، ولا بد أن تصاغ القطعة على نحو سلس غير متكلف حتّى تجيء سهلة طبيعية صادرة دون تعمل ولا جهد.
سار ابن قزمان في هذا الاتجاه الوسط الذي انتهجه قبله أستاذه أخطل بن نمارة، «ولكن أزجال ابن قزمان حفلت بذكر الرذائل الملازمة لروح العوام، وخلت من أي تحفظ أو احتشام، ومن ثمّ فإنّنا نجد فيها فحشاً مخجلاً وألفاظاً مبتذلة ممّا كانت تجري به ألسنة أهل الأحياء المتطرفة من قرطبة».
يضمّ ديوان ابن قزمان تسعة وأربعين ومائة زجل، كلّ زجل منها يتكوّن ـ عدا الخرجة ـ من أبيات متساوية في عدد الأغصان، وهو يلتزم هذا النظام في كلّ زجل. «وكلّ من الأغصان يتكوّن من أربعة أشطار إلى اثني عشر شطراً، ففيها رباعيات وخماسيات وسداسيات وسباعيات وثمانيات وتساعيات وعشريات وآحاد عشريات». وأبسط أزجاله ـ وهي الرباعية ـ تبدأ بالقُفل أو الخرجة، وهي شطر من بيت ذي قافية تلتزم في كلّ خرجات الزجل بعد ذلك ونحن نرمز إليها هكذا: اا، ثمّ يلي ذلك ثلاثة أغصان على قافية واحدة نرمز لها بالحروف: ب ب ب، ثمّ تختم ببيت على قافية الخرجة الأولى([187]).
وعلى رغم هذا القالب الفني المبتكر، الذي يبدو من الأزجال بوضوح أنّه قائم على أساس مقرّر موضوع أو مصقول Cortesano، إلاّ أنّ الطابع الشعبي لها يدل على أنّها إنّما نظمت ليتغنّى بها المنشدون في الأسواق، أو المتسولون الجائلون في الطرقات، أو أصحاب المجون أو «النسوان والسكرى السكران»، كما يقول ابن سناء الملك. ولا تصاغ الأزجال ليتغنّى بها الإنسان منفرداً، «وإنّما ينشدها الناس جماعةً في الطرقات بصوت جهير وسط جمهور يتجمع أفراده حول المنشد، ثمّ ينشدون «الخرجة» جماعة عقب كلّ فقرة يلقيها المنشد وحده، تصاحب ذلك كلّه آلات الموسيقى كالعود والناي والطنبور والدف والصاجات، وربّما تخللها الرقص». ولم يكن من الممكن والحالة هذه أن تصاغ هذه الأغاني في قوالب الشعر الفصيح فحسب، «والواقع أنّ لغتها ليست لغة الشعر المعروفة التي كان المؤدِّبون يلقنونها للدارسين، بل الدارجة التي كانت جارية على الألسن في قرطبة، بما فيها من دعابات سوقية وعبارات مبتذلة وألفاظ مواخير وعبارات الطلاب التي يستعملونها في مباذلهم وألفاظ الصبيان إذ يلعبون في الطريق، وفيها الكثير من العبارات الاصطلاحية التي يتعارف عليها أهل كلّ حرفة، ولا تخلو كذلك من ذلك اللغو الفارغ الذي تحفل به أحاديث البيوت». ومن هنا كثر استعمال العجمية الأندلسية في الأزجال، فنجد فيها ألفاظ مثل: يناير، مايو، بربينه Verbena (نبات تُغلى أوراقه وأزهاره وتشرب)؛ بل نجد عبارات عجمية كاملة مثل: توتوبن Toto Ben، وكريو Creo (أعتقد)، وخشل دشول Mejilla de sol (خذ كأنّه الشمس).
أمّا أوزان هذه الأغاني، فعلى الرغم من أنّها مشتقة من تفاعيل العروض الشعري التقليدي، إلاّ أنّها لا تلتزم قواعد النحو، إذ أنّ ألفاظها من الدارج الذي لا يعرف حركات الإعراب. بل إنّ اللفظ بقوافي الأزجال لا يخضع لأشراط التقفية المعروفة في الشعر الفصيح، هذا على الرغم من أنّ ابن قزمان كان يستعمل الحروف الجامدة Consonants دائماً بطريقة أكمل ممّا نجده في الأشعار الأوروبية القديمة».
ويتحرّى ابن قزمان أن تكون الخرجة ممّا يستلفت انتباه السامعين ويجتذب أسماع الجمهور حتّى يصغوا إلى الزجل، ومن أمثلة ذلك:
أياماً ملاح، شرطه الخلاعة
حرام الذي يعمل صناعة([188])
وقوله في خرجة زجل آخر:
نعطي ثيابي وننفق مالي
فالشراب البالي([189])
ومن الأزجال ما يقصد منه إلى طلب المال أو الطعم أو الإحسان، ومنها السياسي، وأزجال المديح؛ بل منها ما يدور حول موضوعات حزينة.
ويسمّى ابن قزمان الجزء الأوّل من كلّ زجل: «التغزل»، وهو مطلع الزجل الذي يحوي أوّل موضوعاته، «ولا بد أن يكون في أمر عام أو تقليدي، وينبغي أن يصاغ في قالب سهل خفيف فكه، ويغلب أن يكون موضوعاً جنسياً أو خمرياً أو سخراً من المجتمع، لا هو بجارح ولا مثير، وإنّما مبتذل لا تحفظ فيه». ثمّ إنّنا نجد ابن قزمان يعالج الموضوعات الغرامية بطريقة لا نكاد نجد فيها أي طابع عربي صرف: فلا ذكر للجمل ولا للتجوال في القفار، ولا أثر للحياة البدوية الظاعنة، ولا نجده يذكر الديار التي هجرها أهلها، أو يشير إلى موضوع من موضوعات تاريخ العرب. بل إنّنا لا نجده يذكر الإسلام إلاّ في مواضع قليلة، ويكون ذلك عادة عند ذكره للفقهاء والأتقياء، وهو ينال منهم في غير حياء ويركبهم بألوان السخرية؛ فإذا ذكر شهر رمضان والصيام سخر من الصائمين وأطرى المفطرين والمقبلين على الخمر واللواط. وهو لا يذكر الدين إلاّ في ثلاثة مواضع أو أربعة في بعض أزجال المديح من ديوانه، ويلحظ القارىء بوضوح أنّ ذلك التوقير للدين صدر عن ابن قزمان وهو في معرض السخط على نصارى الشمال.
أمّا القسم الثاني من الزجل وهو المسمّى «بالمديح» فيتغنّى فيه ابن قزمان بفضائل من يهدي إليه الزجل، ثمّ يختم بطلب معروف أو رفد. وفي ديوان ابن قزمان زجل نقله الأستاذ ريبيرا إلى الإسبانية كاملاً، نجد فيه موضوع الشعر المسمّى في الشعر الأوروبي بالألبادا أو المقطعات الفجرية، وقد سبق به ابن قزمان أقدم ما في أيدينا من الشعر الپروڤنسي من هذا النوع بخمسين سنة، ونحن نجد فيه ذكر الرقيب ولقاء الحبيبين في ظلام الليل وخوفهما من طلوع الفجر وصراع الهوى في قلبيهما قبل الفراق؛ ولا بد أنّ هذا الموضوع كان قد قدم به العهد واضمحل في الأندلس، لأنّ ابن قزمان يسخر منه.
ولم يورد المؤلف نص هذا الزجل الذي يشير إليه، وهو الزجل رقم 141 من الديوان، وقد رأيت أن آتي ببيتين منه هنا؛ قال ابن قزمان:
تشــربْ المليـــحَ وتسقينــي
لا رقيبْ علينـــا ولا حاكــم
كـــــذا أمــــلـــح([190])
بتنافي رضى، قُبـــَلْ وعنَــقْ
أي تمور، اوش تريـــد تقلــقْ
وفّر الغرامــه لمــن يعشـــقْ
من صبــر لشدتي رالينـي
قل ما عليــه أنــا عـــــازمْ
فــــلا يفــــــلــــحْ([191])
الصِّبا يُشاكِل ما يَعْملْ
داعُ داعُ يجي ويدَّلّل
قد تَرَ إبت ولم نَراقَط أجملْ
مَن صَدْرُ لِظَمُّ يشتهيني
يَنبهر عليه نهدا قايمْ
ويتوقَّح([192])
مدرسة ابن قزمان
إنّ مجرد ذكر معاصريه ومن أتوا بعده ممّن انصرف إلى نظم الأزجال أمر يطول، ونكتفي هنا بذكر أبي عبدالله بن الحاج المعروف بمَدْغَلِّيس، الذي كان يعني بالأسلوب أكثر ممّا كان يعني به ابن قزمان، وأبي المتوكل، والهيمْ ابن أحمد بن أبي غالب الإشبيلي الذي كان «يملي على أحد الطلبة شعراً وعلى ثان موشحة وعلى ثالث زجلاً، كلّ ذلك ارتجالاً»، وأم الكرام بنت المعتصم ابن صمادح صاحب المرية، وكانت تبعث على محبوبها الأصمعي ببطائق منظومة منظومة أزجالاً، وإبراهيم بن سهل اليهودي، وابن المرعزي النصراني، والزاهد المتصوف أحمد بن وكيل، وأبي الحسن التشتري الوادي آشي، ومحيي الدين بن عربي المرسي، والفيلسوف الشاعر الموسيقي أبي الصلب بن أمية الداني، وابن زُهر الطبيب، وابن باجة، ونزهون بنت القلاعي الغرناطية، قال صاحب «المغرب» في حقها: «ن أهل المائة الخامسة، ذكرها الحجاري في المسهب ووصفها بخفة الروح والانطباع الزائد والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الأمثال، مع جمال فائق وحسن رائق، وكان الوزير أبو بكر بن سعد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها»، وكانت تلميذة لأبي بكر المخزومي الشاعر الضرير، وكان صحب سخر لاذع وصديقاً لابن قزمان.
وقد انصرف الناس إلى صناعة الزجل في كافة نواحي الأندلس، ففي أرغون (سرقسطة) ظهر أبو بكر أحمد بن مالك بن سيد اللخمي الشابي، وفي بلنسية ابنُ حريق وابنُ محمد الشاطبي تابع ابن مردانيش، وفي بلنسية ابنُ حريق وابنُ محمد الشاطبي تابع ابن مردانيش، وفي مرسية أبو عبدالله محمد بن ناجية اللورقي، وفي قرطبة محمد بن خيرة كاتب المرابطين. وكثر الزجالون في إشبيلية خاصة، حيث ظهر شعراء برعوا في نظم الزجل البديع المبتكر، من أمثال أبي الحسن علي بن جُحْدُر، وأبي بكر الصابوني، وأحمد بن جَنُّون، وابن أبي حبيب الجزري الذي صلبه الموحدون لزندقته، وأبي بكر بن صارم الذي رمي بالزندقة هو أيضاً وأوذي ثمّ مات محترقاً في حريق شب في بيته، وأحمد المقريني المعروف بالكساد، وعبد الغفار بن دشلون، وغيرهم كثيرون يصدق فيهم قول الشقندي: «وأمّا ما فيها (أي في الأندلس) من الشعراء والوشاحين والزجالين فما لو قسموا على بر العدوة ضاق بهم، والكل ينالون من خير رؤسائهم ورفدهم».
وحتّى في مملكة غرناطة أغرم الناس بهذا الفن الشعري، وأقبل عليه من أهل العلم والمعرفة نفر مثل النحوي أبي حيان بن حيان، وابن عبد العظيم الوادي آشي، وابن زَمْرَك الذي اشتهر «بصبحياته» albaadas، وذي الوزارتين ابن الخطيب الشاعر الناثر المعروف؛ بل إنّ ابن خلدون يذكر أنّه عندما زار غرناطة وجد «الزجل» الفن الشعري السائد هناك وكان الموريسكيون ينظمونه أيضاً.
وفي خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين توجّه من أهل الأندلس نفر من الفقهاء والمتصوفين والأطباء وأهل الأدب إلى المشرق، وكان لهم أثر عظيم هناك. وعن طريق بعض هؤلاء انتقل الزجل إلى المشرق، وكان أوّل من علّم أهله صناعته أبو مروان بن زهر، الذي مارس الطب في بغداد، وأبو علي الشلوبيني النحوي، وابن وكيل الزاهد الذي عرف بابن الأقليشي، ومحيي الدين بن عربي، وعبد المنعم بن عمر ـ وكان كحّالاً وفيلسوفاً وأصله من جيان، وأصبح فيما بعد شاعر صلاح الدين الأيوبي ـ وابن سعد الغرناطي، الذي اجتمع في المشرق بشعراء أندلسيين هاجروا من بلادهم وانصرفوا إلى صناعة الزجل في مهاجرهم، ومن أولئك أبو الحجاج يوسف بن عقبة.
الدكتور حسين مؤنس
زراباد
قرية كبيرة واقعة في مقاطعة رودبار ألموت في شمال غرب (معلم كلايه) على بُعد 12 كيلومتراً منها وهي مركز ناحية تبعد عن مدينة قزوين 40 كيلومتراً على الخط الجغرافي 50 درجة و25 دقيقة طولاً و36 درجة و29 دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 2360 متراً وحسب إحصائية عام 1987م بلغ عدد نفوسها 5600 نسمة وهي من أجمل قرى رودبار ألموت ويحدّها شمالاً تنكابن وشرقاً زواردشت وبحيرة أوان وجنوباً قرية كوشك ووره بن وميانخانه وغرباً قرية كرين وعلي آباد وكانت إحدى منتزهات الإسماعيليين النزاريين لا سيما زعيمهم حسن الصباح وقد اهتم بها السلاطين والأمراء حتّى العصر القاجاري فكان لهم فيها أملاك خاصّة ورأيت بعض صكوك هذه الأملاك. ويوجد في هذه الناحية الماعز الوحشي فيرتادها الصيادون من مختلف الطبقات لصيده وقد ازدادت أهمية زراباد السياحية لوجود قلعة ألموت عاصمة الإسماعيليين ومقر حسن الصباح قريباً منها، وكذلك بحيرة أوان الشهيرة التي تبلغ مساحتها 400 كيلومتر مربع وتتكوّن مياه هذه البحيرة من العيون التي تفور من جوفها([193]).
أهمّ محصولات زراباد الرز والحنطة والشعير وتغمرها البساتين الكثيفة التي تنتج البندق والجوز والتفاح وغير ذلك. كما يعتني أهلها بتربية المواشي وقد حدّثني مدير الناحية أنّ فيها أكثر من 500 رأس بقر و6000 رأس غنم ومعزى وأكثر من 200 فرس.
يقع في زراباد مزار إمام زاده علي أصغر من أحفاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وتعود عمارة هذه الروضة إلى العصر الصفوي وقد أمر بتجديدها الشاه طهماسب الصفوي الذي حكم ابتداء من سنة 930 وتوفي سنة 984هـ وكانت العمارة على شكل مربع يحيط بأضلاعه أربعة أواوين أمام كلّ إيوان أربعة أعتمدة وتتصل هذه الأعمدة بأضلاع المربع بحجر خشبي بديع الصنع وكانت جميع جدران الحرم والإيوان مزيّنة بالفسيفساء والسقف بالورود الكلسية وكانت هذه العمارة آية من آيات الفن المعماري الإسلامي وفي عام 1400هـ هدم هذه العمارة بعض السذج من العامة بحجة توسيع الروضة.
وممّا يجدر ذكره أنّه تقوم في صحن الروضة شجرة عادية ضخمة تعود إلى تاريخ بعيد تدور حولها قصص شعبية تتعلق بذكر الحسين (عليه السلام) أيام عاشوراء. وربّما كان أمر هذه القصص يعود إلى أيام الإسماعيليين وتعرف هذه الشجرة باسم (چنار خونيار) ومعنى الاسم: الشجرة الباكية دماً.
وقد خرج من هذه القرية جمع من العلماء الأعلام أشهرهم السيد المير فاضل الزراباري الحسيني المتوفى بعد سنة 1195 هجرية المدفون في الروضة المذكورة ومنهم السيد المير بابابن السيد المير فاضل الحسيني الزرابادي المتوفى حدود سنة 1212 هجرية من أئمة الأمور الشرعية في زراباد وتلك النواحي ومنهم السيد المير بزرك الحسيني الزرابادي المتوفي قبل سنة 1239 هجرية ومنهم السيد مهدي بن السيد المير البزرك الزرابادي المتوفى حدود سنة 1270 هجرية من أكابر علماء عصره ومنهم السيد علي بن السيد مهدي الحسيني الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1318 هجرية من فحول العلماء في عصره وأئمة الفتوى ومنهم الحكيم المتأله السيد موسى بن السيد علي الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1353 هجرية من أئمة الفتوى وأكابر علماء قزوين وهو والد السيد جليل الزرابادي أحد مشاهير علماء قزوين اليوم. ومنهم السيد رضى الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1325 هجرية ومنهم السيد مهدي بن السيد علي بن السيد مهدي الزرابادي القزويني المتوفى سنة 1399 هجرية ومنهم السيد محمد بن السيد أحمد المعروف بـ (شهاب) من أكابر خطباء المنبر الحسيني المتوفى سنة 1410 هجرية ومنهم السيد حسين بن السيد محسن الزرابادي القزويني المتوفى حدود سنة 1310 هجرية من أئمة الفتوى وأكابر المدرسين في قزوين ومنهم السيد عبد الباقي المعروف بـ حاجي اعتماد المتوفي حدود سنة 1300 هجرية من أكابر خطباء المنبر الحسيني وخلفه السيد بهاء الدين والسيد ضياء الدين والسيد علي أكبر من أفاضل المعاصرين الساكنين في طهران.
عبد الحسين الصالحي
زرباطية
على ساعتين من الشمال الشرقي لبدرة تقع زرباطية وهي قرية صغيرة كثيرة النخل فيها نحو 32000 رأس، و7000 رأس منها يمتلكها الأكراد اللر إلاّ أنّ نخلها أضعف من نخل بدرة. وزرباطية واقعة عند التخوم العراقية الفارسية وليس وراء أعمالها في الشرق ـ وهي نحو ساعتين ـ أرض عراقية وإنّما هي بلاد الأكراد اللر.
وزرباطية حديثة العهد نسبة إلى قرية (جزمان) الخربة الواقعة على نصف ساعة من شمال زرباطية. وبناء البلدة من الطين كبدرة وجصان بلا فرق يذكر إلاّ أنّ هواءها وماءها أعذب ويبعد عنها وادي بادرايا نصف ساعة أو أكثر قليلاً وأهلها خليط وكثير منهم أكراد إلاّ أنهم ينطقون العربية، وتخترقها ساقية تحمل من ماء بادرايا، وتحيط بها من جهة الشرق عشائر الأكراد، يسابلونها، ومن الغرب بعض أفخاذ بني لام كالطعان وغيرهم. وأهلها كلّهم لا يعرفون أصل تسمية بلدتهم زرباطية وقد سألناهم عن ذلك ومعنى الكلمة (الحفنة الذهبية). وعلى مقربة تصنع البواطي والأقداح والجفان من أخشاب الجبل وهي مشهورة بالجودة وقد ترصع بالنحاس وغيره فلعل تسمية البلدة مأخوذة من ذلك.
زرهون (جبل)
جبل بالقرب من مدينة مكناس في المغرب يبلغ ارتفاعه 1119 متراً، وتحف به غابة من أشجار الزيتون والتفاح والليمون، ويمتاز بمناظره الطبيعية الخلابة ومياهه المتدفقة العذبة. وفي وسطه مقام إدريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب.
وبالقرب من هذا المكان توجد آثار المدينة الرومانية الشهيرة وليلي.
زرهون (مدينة)
على السفح الغربي لجبل زرهون، تمكّنت مدينة زرهون أو «المولى إدريس الأوّل» من احتلال موقع متميز لتؤسّس لنفسها حيزاً جغرافياً يرتدي بُعداً حضارياً ظلّت السجلات التاريخية تستقرىء أحداثه ومنعطفاته بنوع من التفصيل. ففي هذه المدينة استقرّ المولى إدريس بعيداً عن الخلافات والصراعات التي عرفها المشرق العربي، ومنها انطلق لينشر تعاليم العقيدة الإسلامية بين القبائل المغربية، العربية منها والبربرية، بل وفي إحداها عقد قرانه بفتاة اسمها كنزة.
لكن أهمية المدينة لا تتوقف عند هذا المعطى التاريخي والحضاري الفاعل، وإنّما تكمن أيضاً في مميزاتها السياحية والثقافية، إذ شكلت منذ عهود سحيقة ممراً تجارياً يربط غرب المغرب بمشرقه وجنوبه بشماله، وكذلك ثالوثاً سياحياً لا تفصله عن مدينة مكناس عاصمة المولى إسماعيل أحد الملوك العلويين سوى ثلاثين كيلومتراً، ولا تتجاوز المدّة الزمنية التي تفصلها عن مدينة وليلي الرومانية عشر دقائق على الأقدام، في حين تزيد المسافة الرابطة بينها ومدينة فاس التي أسّسها المولى إدريس الأصغر (ابن المولى إدريس الأكبر) عن ستين كيلومتراً. ومن خلال هذا الثالوث السياحي استطاعت المدينة أن تقفز إلى مصاف المدن السياحية المتوقعة وسط البلاد.
والحديث عن زرهون لا يمكن إلاّ أن يطال مختلف خصوصياتها الاجتماعية والثقافية التي يرجع حضورها إلى عهود ساحقة وفاعلة في التراث المغربي الأصيل، فما أن تطأ قدما الزائر هذه المدينة حتّى يتجمّع حوله عدد من الأطفال يحاصرونه بأسلوب رقيق يحاولون من خلاله استدراجه إلى أحد المعالم التاريخية التي تزخر بها المدينة، ويرافق أحدهم إلى منزله إذ غالباً ما تخصّص الأسر الزرهونية إحدى حجرات منزلها لإيواء الزوار.
إنّها دعوة مجانية يبقى الهدف منها اطلاع الزائر على أحد أسرار المدينة الذي يمكن تحسّسه في ما يصطلح عليه بزرهون العتيقة التي تضم مسجد وضريح المولى إدريس الأكبر. أحياء متداخلة تتوسطها أزقة ضيقة وملتوية تمتد على أرصفتها دكاكين صغيرة يعج بعضها بالمؤن الغذائية وتنحصر البضاعة الباقية في الشموع والحلي النحاسية والبلاستيكية. وهذه الضائع تحمل أكثر من مدلول رمزي وثقافي، فالشموع لدى الزائر تشير إلى نوع من التآزر والمحبة. وعادة ما يندفع هذا الأخير إلى شراء شمعتين توقد الأولى في المسجد بينما يحتفظ بالثانية في منزله ولا يوقدها إلاّ في مطلع ليلة القدر، وهي إحدى المناسبات المتميزة التي يئم خلالها عدد من القبائل المغربية المدينة لإحياء المناسبة سواء في رحاب ضريح المولى إدريس أو مسجده.
وعبر منفذ يخترق شمال الأحياء العتيقة سرعان ما يجد الزائر نفسه أمام أحد المعالم التاريخية: إنّه ضريح ومسجد المولى إدريس، منشأة ظلّت تغالب الزمن وفية للمعمار الإسلامي العتيق، تعلوها مئذنة مستديرة ضاربة في التاريخ يبلغ طولها 20 متراً تتوسطها مكبرات صوت تدعو المصلين إلى الفلاح. في حين انفرد فضاء الضريح والمسجد بما جادت به أنامل الصانع المغربي التقليدي: نقوش متباينة المضامين تحمل خطوطاً عربية إسلامية يمكن ملامسة نظائر لها في زخرفة الأغلفة الخارجية للكتب الإسلامية العربية القديمة. وهذه الخاصية المنفردة توحي للزائر بعمق ذلك الارتباط الذي كان يجمع مختلف الشرائح المغربية من حرفيين وفقهاء وعلماء.
وتعلو جدران الضريح المسجد قطع خشبية زيّنت مساحتها آيات قرآنية وأحاديث نبوية سرعان ما تقاطعها في الأسفل ستائر مستخلصة من الصوف والقطن والحرير الخالص. أمّا البهو فتغطيه عينات من السجاد المغربي الأصيل يحمل في طياته إرثاً ثقافياً ظلّ يجسّد إبداعات حبيسة القبائل المغربية والبربرية المتموقعة بالقرب من المدينة. وفي المدخل الخلفي للمسجد غالباً ما تطرق إذن الزائر أصوات أطفال يرتلون آيات من القرآن الكريم وأخرى تسعى إلى تكرار جمل منه بهدف حفظها إذ من الأعراف المنتشرة بين اسر المدينة أنّ الكتاتيب القرآنية تسبق المدارس العصرية، وتبقى هذه الخاصية الاجتماعية بمثابة تقليد متبع في أدبيات الشرفاء الأدارسة سكان المدينة بصفة عامة.
أمّا خزانة المسجد فتشكل بدورها مخزوناً علمياً لما تحويه من مخطوطات إسلامية وكتب ضاربة في عمق الأدب الإسلامي، وهي في متناول كلّ من يرغب في الاطلاع على الإرث الإسلامي وتاريخ دولة الأدارسة التي تمكنت من خلق ثروة فكرية وعلمية تستمد جذورها من مضامين العقيدة الإسلامية، بل ويرجع إليها الفضل في توحيد القبائل المغربية والحد من الغزوات الأجنبية التي هددت عدداً من المدن والمناطق المغربية.
زَرود
الزرد يعني البلع ولعلها سمّيت بذلك لابتلاعها المياه التي تمطرها السحائب لأنّها رمال واقعة بين الثعلبية والخزيمية: موضع بطريق الحاج من الكوفة إلى مكة بعد الرمل فيه قصر أصفر وبركة وحوض وهي خمسة أجبل جبل زرد وجبل الغرّ ومُربج وهو أشدّها وجبل الطريدة وهو أهونها حتّى تبلغ جبال الحجاز. ويوم زرود من أيام العرب مشهور بين بني تغلب وبني يربوع([194]) وقد روي أنّ الرشيد حج في بعض الأعوام فلمّا أشرف على الحجاز تمثّل بقول الشاعر:
أقول وقد جُزْنا زرودَ عشـيّةً
وراحتْ مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنني
أزيد بسيري عن بلادهم بُعدا
وأنشد مهيار الديلمي في طريقه إلى مكة:
ولقـد أحِـن ُّ إلـى زرود وطيـنـتـي
من غير ما جُبلَت عليه زرودُ
ويشوقني عجف الحجاز وقد طفا
ريف العراق وظلُّـــه الممدودُ
ويُغـرِّد الشــادي فـلا يهتــــزُّ بـي
وينــال مني الســائق الغــرِّيدُ
ما ذاك إلا أنَّ أقـمـــار الحِـمَـــــى
أفلاكُـهــن إذا طـلـعْـــن البـيـدُ
ورد فيه الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الاثنين 21 ذي الحجة سنة 60 هجرية وربما أعظم حدث في هذا الموقع هو لقاء الإمام الحسين(ع) لزهير بن القين البجلي الذي كان عثمانياً. قال الطبري بسنده عن الفزاري: (… قال: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل فإذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين وإذا نزل الحسين تقدّم زهير حتّى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين حتّى سلم ثمّ دخل فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبدالله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه قال فطرح كلّ إنسان ما في يديه حتّى كأنّ على رؤوسنا الطير (كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين) قال أبو مخنف: فحدّثتني… دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثمّ لا تأتيه سبحان الله لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت. قالت: فأتاه زهير على كره فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم وحمل إلى الحسين ثمّ قال لامرأته: أنت طالق الحقي بأهلك فإنّي لا أحب أن يصيبك بسببي إلاّ خير وقد عزمت على صحبة الحسين. ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها قال لأصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد منّي… ولزم الحسين حتّى قتل معه.
عبد الحسين الصالحي
الزمان وتجلياته
في الفكر الإسلامي
الزمان ظاهرة كونية طالما استعصى فهمها على الإنسان، فبدت له شديدة الوضوح أحياناً وعصية على التفسير في أحيان أخرى. فإذا نظر الإنسان إلى الزمان من زاوية طبيعية أو فيزيائية انصرف ذهنه لقسمته الرياضية إلى سنين وشهور وأيام وما شابه، وهي قسمة واضحة إلى حد كبير، يضبط الإنسان أوقاته عليها، ويرتب شؤون حياته طبقاً لها، ويستقرئ التاريخ تبعاً لمساراتها. غير أنّ الاقتصار على هذا المنظور لا يوقفنا إلاّ على سطح الظاهرة ولا يكاد ينفذ إلى أعماقها. فالزمان، كما عبّر عنه نصير الدين الطوسي في شرحه للإشارات، «ظاهر الإنية خفي الماهية». والإنيّة تمثّل الوجود العيني المحسوس وهي تقابل الماهية التي تمثّل الوجود العقلي المجرد. ولعل هذا التقابل بين التجلي الظاهري للزمان وبين حقيقته كمدرك عقلي خاف للعيان هو الذي أوقع المفكرين في حيرة من أمرهم بإزاء تشخيص حقيقة الزمان، تلك الحيرة التي أجملها أبو الريحان البيروني في كتابه «تحقيق ما للهند من مقوله» حينما قال عن الزمان: «إنّه بحث يدق جدّاً ويغمض، ولولا أنّه كذلك لما صار المختلفون فيه في غاية التباعد، حتّى قال بعضهم: أن لا زمان أصلاً، وقال بعض: إنّه جوهر قائم بذاته».
تطوّرت فلسفة الزمن عند المسلمين تبعاً لتطورهم الروحي والعقلي، وطبقاً لتطوّر الحضارة وتعقيداتها. ولكن لفهم ذلك لا بد من أن نشير إلى الرؤية الزمانية عند العرب قبل الإسلام، التي صوّرت الزمان كقوّة خفية تفعل فعلها في الاشياء وفي البشر، وغالباً مانسبت لها أنواع الشرور التي يزخر بها العالم والموت المحدق بهذه الحياة، وأطلقوا على هذه القوّة الخفية اسم الدهر. ويعتبر الشاعر الجاهلي خير معبر عن هذه الرؤية وخصوصاً في الوقفة الطلليّة التي تشكل فاتحة قصائد الشعراء في الجاهلية. فالأطلال هي الأثر الباقي والشاهد المحسوس لفعل الزمان في المكان. هذه الوقفة التي تلبّسها الشعراء العرب بعد الإسلام، وإن بشكل نمطي في أكثر الأحيان، لم يدرك عمقها شاعر كأبي نواس، فراح يسخر منها ويدعو الشعراء إلى نبذها، أو ربّما أدرك ذلك لكنّه رفض كشاعر مجدد متمرد بُعدها التقليدي عند شعراء العصر العباسي.
المنظور القرآني للزمان
أعاد القرآن الكريم تشكيل رؤية المسلم للزمان وأخصبها. وعلى رغم أنّ مصطلح الزمان لم يرد نصاً في القرآن فإنّ ألفاظاً كثيرة أخرى وردت دالة عليه كالدهر والحين والآن والمدّة واليوم والأجل والسرمد والأبد والخلد والوقت والعصر، وغيرها. وأصبح الزمن بُعداً أصيلاً في حياة الإنسان المسلم يضبط به عباداته ومعاملاته في هذه الدنيا التي يسودها الزمان النسبي المتناهي، ويتهيأ فيه للدار الآخرة التي يسودها الزمان المطلق اللامتناهي. فالصلاة (كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)، الصيام (أياماً معدودات)، والأهلة (مواقيت للناس والحج)، والحج (أشهر معلومات)، واليوم الآخر (لا ريب فيه)، والساعة الموعودة آتية (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون).
أمّا على الصعيد الكوني التحم تصوّر الزمن في القرآن بقضايا فلسفية شائكة ستكون منطلقاً للجدل العقلي الكلامي والفلسفي، بل الصوفي أيضاً الذي دار في الحضارة الإسلامية حول قدم الزمان أو حدوثه، وقدم العالم أو حدوثه، والفرق بين الزمان الطبيعي النسبي والزمان الإلهي المطلق أو السرمدي.
وردت في القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى قضية أصل العالم، هل هو قديم، أي موجود في زمان ماض غير متناه، أم حادث بمعنى أنّه خلق من العدم أو وجد بعد إن لم يكن له وجود في زمان سابق. وعلى هذه القضية يتأسّس الموقف الفلسفي من طبيعة الزمان، هل هو أزلي أبدي أم أنّه متناه؟
وتكررت الإشارات الواضحة في القرآن إلى خلق العالم في زمان معين: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]. وعلى رغم أنّ ابن رشد يرى في هذه الآية في كتابه «فصل المقال» دليلاً «على أنّ هنالك وجوداً قبل هذه الوجود، وهو العرش والماء، وزماناً قبل هذا الزمان، وهو المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك»، وهو أمر يحتاج إلى تأمّل وتفسير من فيلسوف يؤمن بالخلق كبداية للعالم.
والحقيقة أنّ مفاهيم الزمن في القرآن، مضافاً إيها معالجات الفكر الفلسفي السابق، وتصوّرات المفكرين المسلمين، شكّلت مدخلاً واسعاً لمعالجة المشكلة في أبعادها وتنويعاتها المختلفة الطبيعية منها، والميتافيزيقية، والروحية، والتاريخية.
الرؤية الفلسفية
على الصعيد الفيزيقي عولجت مشكلة الزمن باعتبارها جزءاً من العلم الطبيعي، من دون إلغاء الأبعاد الأخرى المتعلقة بالنفس والشعور وما بعد الطبيعة. فعند ابن سينا (رسالة الحدود) مثلاً يرتبط الزمان بالحركة، حيث أنّ تعريفه له ينطلق من هذا المفهوم. فالزمان هو «مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر»، ولا يمكن تصوّر الزمان إلاّ مع الحركة، ومتى لم يحس بحركة لم يحسّ بزمان مثل ما قيل في قصة أصحاب الكهف». وبما أنّ الحركة موضوع الزمان، والمتحرك مادة الحركة، كان للزمان وجود موضوعي مادي.
غير أنّ ابن سينا (عيون الحكمة) يفسّر الزمان من جانب آخر تفسيراً سيكولوجياً من خلال تبيانه بأنّ الحركة التي يرتبط بها الزمان فكرة تصوّرية تخلعها النفس على الأشياء، وأنّ «الحركة الموجبة للزمان نفسانية إرادية، فتكون النفس علة وجود الزمان». وبذلك يخفّف من غلواء النزعة الطبيعية التي درج عليها أرسطو وأتباعه من المشائين.
ثمّ إنّه يخطو خطوة أبعد بمحاولته التحرّر من شرط الحركة في الزمان، حينما يرى أنّ «نسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد، ونسبة الثابت إلى المتغير هي الدهر، ونسبة المتغير إلى المتغير هي الزمان». ومعنى ذلك أنّ هناك زماناً لا يدين بوجوده للحركة، وهو السرمد والدهر، وقد تكرر ذكرهما في القرآن. هذا الزمان مطلق لا يسري عليه التغير، على عكس الزمان الطبيعي النسبي الذي تتغيّر آناته وساعاته، ويشكل حجر الأساس الذي تقوم عليه العلوم الطبيعية. ومن هذا المدخل الزماني ينتقل ابن سينا من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، لكي يوازن بين عالم الروح وعالم المادة، ويؤكد مبدأ التوازن والوسطية الذي يعدّ سمة من سمات الحضارة العربية الإسلامية. هذا المبدأ الذي لا يلغي العالم الطبيعي المادي وهو يستشرف المطلق، ولا يتنكر للمطلق وهو غارق في مجريات هذا العالم.
جدلية التاريخ والزمان
إنّ لمشكلة الزمن في الفكر الإسلامي أبعاداً أخرى لعل أهمها البُعد التاريخي، لأنّ الزمن ووقائعه عموماً يشكلان لحمة التاريخ وسداه، ولأنّ الحسّ التاريخي عند المسلمين كان من القوّة والوضوح بمكان، وخصوصاً في فترات التوهج والازدهار التي سادت فيها الثقافة العربية الإسلامية خلال العصر الوسيط. والتاريخ، كما يذهب شمس الدين السخاوي في كتابه «الإعلان بالتوبيخ»، «فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان». وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من وجود علاقة وثيقة بين الزمن والتاريخ وبين الإنسان.
والزمان له ثلاثة أبعاد هي الماضي، والحاضر، والمستقبل، ولخّصها أبو العلاء المعري بقوله:
ثلاثة أيام هي الدهر كلّه
وما هي إلاّ اليوم والأمس والغد
فعلى أي تلك الأبعاد يقوم التصوّر التاريخي عند المسلمين؟ على الماضي وحده أم على الماضي والحاضر من دون إغفال المستقبل؟ وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من الإشارة إلى أنّ الموف من الحاضر نجد له أساساً في الجدل الفلسفي الذي دار حول مشكلة (الآن) الذي عرّفه ابن سينا بأنّه «طرف موهوم يشترك فيه الماضي والمستقبل من الزمان» كما اعتبر صدر الدين الشيرازي (ت 1050هـ) (الآن) في كتابه «الأسفار الأربعة» فاصلاً للزمان في اعتبار، وواصلاً له في اعتبار آخر. أمّا كونه فاصلاً فلأنّه يفصل الماضي عن المستقبل، وأمّا كونه واصلاً فإنّه حد مشترك بين الماضي والمستقبل، ولأجله يكون الماضي متصلاً بالمستقبل.
وكانت رؤية معظم المؤرخين المسلمين تجعل من الماضي أساساً تبني عليه تصوّراتها، على أساس أنّ التاريخ في معناه الواسع هو كلّ شيء حدث في الماضي، وعبّر هؤلاء عن تلك الحقيقة بشكل أو بآخر. ونظرة عابرة إلى مؤلفاتهم تدلنا على ذلك، فسبط ابن الجوزي يعنون كتابه في التاريخ بـ (مرآة الزمان) وابن وصيف شاه بـ (واقع الدهور)، والذهبي بـ (خبر من غبر)، والبيروني بـ (الآثار الباية من القرون الخالية)… إلخ. غير أنّ التاريخ عند بعضهم قد يشمل الماضي والحاضر، وهو أمر نلحظه مثلاً عند المسعودي والمقريزي وابن خلدون حين حاولوا تسجيل وقائع الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي آنذاك، إلى اهتمامهم بماضي الأمم السابقة.
لكن الرؤية الدينية للزمان والتاريخ لا تغفل بُعداً من أبعاد الزمن الثلاثة، لأنّ التاريخ الديني محدّد ببداية ونهاية، البداية هي التكوين الأوّل، وخلق السموات والأرض والإنسان، والنهاية هي زوال هذا العالم وقيام القيامة ويوم الحساب، ولذلك سمّى ابن كثير الدمشقي تاريخه باسم «البداية والنهاية، محاولاً أن يتناول أوّل الخلق ثمّ آخره قبل يوم القيامة. ومعنى ذلك يتركز الزمان، وهو موضوع التاريخ، للوهلة الأولى في نقطتين هما: الماضي والمستقبل. أمّا الماضي فقيمته تنحصر في العبرة التي يستخلصها الإنسان من كلّ مجريات الماضي، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111]، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [القصص: 185].
وعلى رغم أنّ الحاضر شخّصه الإسلام كعرض زائل {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94]، لكنّه لم يدع إلى إهماله أو إلغائه، بل وازن بينه وبين المستقبل {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]. وبذلك يكون الإسلام وفق بين آنات الزمن وإيقاعاته المختلفة، وتكون الرؤية الدينية منسجمة مع الرؤية الفلسفية، وناقلة لها من عالم التجريد إلى عالم الواقع المحسوس.
لكن إلى أي مدى ينسجم الفكر العربي والإسلامي المعاصر مع المعطيات التي يطرحها التراث في الموقف من الزمن في أبعاده الثلاثة؟ إنّنا نلاحظ في هذا الجانب تمزقاً عبّر عنه المفكرون العرب والمسلمون منذ عصر النهضة وحتّى يومنا. فمن ملتصق بالماضي ويريد استعادته، ومن متجه للمستقبل أو متنكر للماضي. وهناك من حاول تقريب المسافة بين الطرفين، منطلقاً من فلسفة الزمن في الإسلام، سالكاً طريق الوسط العادل بين الإفراط والتفريط.
والحق إنّ الحاضر ـ كما يذهب لايبنتز ـ مفعم بالماضي، مثقل بالمستقبل. فلا خلاص إلاّ إذا أدرك الحلم أنّ زمنه نسيج تلك العلاقة المتشابكة والشفافة بين أطراف الزمان، دونما تغليب لطرف على آخر، مثلما يحاول البعض استئصال الماضي بغية بناء مستقبل منشود، او التنكر للحاضر والمستقبل أملاً في استرجاع لحظات الماضي السعيد. فالأمّة التي تعي تاريخها جيّداً تدرك أنّ الزمن لا يتجمد عند نقطة معينة أياً كان موقعها، وعلى الإنسان أن يكدح لتحقيق المستقبل الأفضل، وإلاّ غرق في شلال الزمن المتدفق.
إبراهيم العاتي
زنجبار
ـ1ـ
تقع جزيرة زنجبار سياسياً ضمن إطار دولة تنزانيا، أمّا جغرافياً فهي تقع على الساحل الشرقي لأفريقيا، وتبلغ مساحتها حوالي 1600 كم مربع، وعدد سكانها حوالي 300 ألف نسمة.
وزنجبار في اللغة كلمة عربية محرّفة عن كلمة «بُرج الزنج»، وتُجمِع الكتابات التاريخية والآثار أن العرب ـ وتحديداً العُمانيين ـ قد بسطوا سيطرتهم على الساحل الشرقي لأفريقيا منذ القرن الأول الميلادي، فقد امتدّ نشاط العرب التجاري إلى ساحل إفريقيا الشرقي حتّى الهند، وأقاموا المدن الزاهرة. وكانت الموانئ المنتشرة على طول الساحل محطّات ومرافئ للسفن العربية التي تخترق المحيط في طريقها إلى الهند.
ويدلّل المؤرّخون على ذلك بأن عُمان عندما استعصت على بني أمية، فوّض عبدُالملك بن مروان الحَجّاجَ بن يوسف الثقفي في بسط نفوذ بني أمية على عُمان. وبعد جولات طويلة أرسل الحجاج جيشاً عرمرماً فآثر سلطانا عمان سليمان وسعيد ابنا عبد الجلندي أن ينقذا أهلهما وجيشهما، فأخذا أهلهما ومن تبعهما من قومهما إلى أرض الزنج (زنجبار).
ويقول المؤرخ الدكتور عبدالمنعم عامر إنه: «يستحيل منطقاً أن يخرج سلطانا عمان من بلدهما إلى بلد لا يعرفان به، ولكن المنطقي أنهما ينتقلان إلى أرض بها وجود عماني كثيف يأمنان فيها على حياتهما ودينهما. وإذا كانت هذه الواقعة في القرن السابع الميلادي فمعنى ذلك أن هناك تاريخاً يمتد إلى زمن لا يقل عن ثلاثمائة عام، وقد يبلغ خمسمائة عام إذا استندنا إلى الآثار الموجودة».
وقد خضعت زنجبار تاريخياً لسلطنة حكّام عُمان، سواء عندما حكمها اليعاربة أو آل بو سعيد. وكان سلطان عُمان يمتد إلى ممباسا وماليندي ومقديشيو وأسمَرة ومدن كثيرة حتّى وسط أفريقيا. وقد ظلّت سيطرة العمانيّين على زنجبار وساحل شرق أفريقيا قرابة ألف عام، وكانت ممالك شرق أفريقيا كثيرة الثراء والازدهار. ويقدر «وندل فيليب» استناداً إلى وثائق أوربية أن إنتاج الذهب الذي كان يقدّمه ساحل شرق أفريقيا قارَبَ نصف مليون جنيه استرليني سنوياً في وقت ما من زمن الوجود العماني، بالإضافة إلى عائدات بيع المحصولات الرئيسية كجوز الطِّيب وجوز الهند والقُرنفُل والقَصَب، وبجانب هذين المصدرين المهمين كانت هناك تجارة الرقيق.
ولم تنقطع السيطرة العمانية على زنجبار وشرق أفريقيا إلاّ فترات قصيرة عانت فيها مناطق النفوذ العُماني من رحلات الاستكشاف البرتغالية ثم من الاستعمار البرتغالي، إلى أن طَرَد الإمام سلطان بن سيف البرتغاليين من عمان، ثم بعد ذلك من ساحل شرق أفريقيا.
وكان النظام المستقر في زنجبار وساحل أفريقيا الشرقي تابعَينِ لسلطان عُمان الذي كان يحكم من عُمان ويفوّض ولاة على زنجبار وبقية ممالك الساحل مقابل ضريبة سنوية. وفي عام 1828 ميلادية قام السلطان سعيد بن سلطان بزيارة إلى جزيرة زنجبار، وعندما وصل إليها استهواه جمالها وطِيب مناخها مُقارَنةً بهجير عمان، فجعل من الجزيرة مقرّه الرسمي وعاصمة لمملكة يحكم منها عُمان وساحل إفريقيا، وأصبحت زنجبار منذ ذلك التاريخ عاصمة لمملكة عُمان. وسرعان ما تعاظمت وتكثّفت هجرات العُمانيين إلى الجزيرة ملتحقين بسلطانهم، وإلى السلطان سعيد يعود الفضل لأنه أول من زرع شجر القُرنفُل في الجزيرة على الرغم من معارضة الأهالي، لتصبح زنجبار اليوم أكبر مصدر للقرنفل في العالم كله.
وقد ازدهرت زنجبار منذ ذلك الحين، فمُهِّدت الطرق، وأُقيمت القصور والمنازل والدور والمساجد، وأصبحت نقطة التقاء أشراف الساحل الشرقي والإفريقي والعمانيين، فالكل يذهب إلى عاصمة المملكة ومقرّ السلطان ولؤلؤة الممالك، وتضاءلت بجانبها المدن الأخرى الزاهرة مثل ممباسا وماليندي وكلوه، وهذا ما كان.
اللغة
ولغة الناس السائدة هي اللغة السواحلية، وهي مزيج من لغات افريقيّة قديمة واللغة العربية. ويقدّر بعض علماء اللغة أن 70 بالمئة من اللغة السواحلية من أصل عربي.
والألفاظ العربية التي نفهمها من اللغة كثيرة، مثل حكومة ووزارة، «وسانتي سانيا»، وهي نُطق مُحرَّف لجملة «أحسنتَ صَنيعاً»، وهكذا. وعلى الرغم من ذلك فما زالت اللغة العربية موجودة والناس تتحدّث بها، وهم ينطقونها بالفصحى، ولكنهم لطول عهدهم بها يبذلون جهداً ومشقة في الحديث.
وتنتشر القرى الصغيرة، وهي تجمّعات سكّانية، حول مزارع مكثّفة على طول الجزيرة، والتجمع المدني الرئيسي في قلب الجزيرة على المحيط هو بمثابة ما نسمّيه ـ نحن ـ بالعاصمة، ونشاط السكان الرئيسي هو الزراعة والصيد، وفي قلب العاصمة يتركّز النشاط التجاري.
كيف ضاعت؟
حتّى صباح يوم السبت 11 كانون الثاني عام 1964، كانت زنجبار جزيرة عربية مستقلة، يحكمها السلطان جمشيد بن عبدالله بوسعيد، أحد أحفاد السلطان سعيد بن سلطان. وفي مساء السبت عاد الناس إلى بيوتهم، والهدوء يلفّ الجزيرة، ومرّت الساعات الأولى من الليل رطبةً شتائية، وبعد منتصف الليل شقّ هدوءَ الجزيرة صوتُ رصاص، ولم يستمر كثيراً، وقد ظنّ الذين لم يكونوا قد استسلموا للنوم أن جندياً طائشاً أطلق بعض طلقات من بندقيته. وكلما مضى من الليل وقت ازداد الجو رطوبة وبرودة وثقلاً، وما هي إلاّ ساعة بعد انتصاف الليل حتّى اجتاحت الأحياء والدور فرق من الجنود، فنهبوا البيوت، وشرعوا في قتل السكان واستباحوا النساء، وسقط ما يزيد على عشرين ألف قتيل، وفي رواية أخرى قد بلغ عدد القتلى خمسين ألفاً. وما أن أصبح الصباح، صباح يوم الأحد 12 كانون الثاني 1964، إلاّ وزنجبار، برج الزنج، لؤلؤة الممالك، مقر سلطنة الحكام العرب، لم تعد زنجبار العربية!
فقد كانت طلقات الرصاص عملية اجتياح لمراكز الشرطة والاستيلاء عليها من قبل الجنود ذوي الأصول الإفريقية، وعملية حصار لمقر الحكم. انقلاب دموي كامل تمّ معظمه بالسلاح الأبيض في أكثر الانقلابات وحشيّة في القرن العشرين!.
ولا تكفي وقائع الانقلاب لِتُقدّم لنا إجابة عن أسباب ضياع زنجبار، والتساؤل عن الأسباب سوف يدفعنا إلى الإبحار قليلاً في بحار السياسة والتاريخ.
كان استقرار السلطان سعيد بن سلطان في زنجبار متوافقاً مع بدء إحساس الغرب بأهمية موقع زنجبار الاستراتيجي في ظل قواعده البحرية التقليدية، من حيث كونها موقع مواجهة مع ساحل افريقيا الشرقي القريب من الهند ومن ساحل الخليج العربي. وكانت الكشوف الجغرافية من قبل ولفنجستون وستانلي وغيرها في افريقيا سبباً كافياً لكي يلتهب خيال أوربا بالطمع في افريقيا بعامة وزنجبار بوجه خاص. يذكر لنا التاريخ المكتوب أن هناك صراعاً بريطانياً ألمانياً دار حول زنجبار وانتهى بتوقيع اتفاقية تحديد مناطق نفوذ، وأن هناك صراعاً إيطالياً فرنسياً بريطانياً أمريكياً، إلاّ أن أمريكا كانت أسبق الجميع حين وقّعت معاهدة صداقة مع زنجبار عام 1823، وحظيت أمريكا بموجبها على امتياز الدولة الأحق بالرعاية. وفي عام 1839 وقّعت بريطانيا معاهد مع زنجبار، اشترطت فيها على السلطان تحريم الرقيق، وتعهّد السلطان بتحريم هذه التجارة في كل ممتلكاته، وتعيين وكيل بريطاني لممتلكات السلطان للالتزام بالتحريم، كما أعطت المعاهدة للسفن البريطانية الحق في تفتيش السفن ومصادرة أيّ سفن تمارس هذه التجارة. وتحت هذا الستار وبمعاونة مكتب شركة الهند الشرقية بدأت الأصابع البريطانية تتدخل في المنطقة لضمان سيطرتها عليها، خاصة أن البريطانيين لم يكونوا في ذلك الوقت يملكون إلاّ طريق الحيلة، فثراء السلطان سعيد كان بلا حدود، وفي قصره كان يعيش ألف شخص للخدمة، ودَخلُه من تجارة العبيد وحدها كان قرابة 80 ألف جنيه استرليني في العام بأسعار ذلك الزمان.
ومن حيث القوة العسكرية كان السلطان سعيد يملك أسطولاً بحرياً قوياً، يتكون من خمسٍ وسبعين سفينة، في كل سفينة 56 مدفعاً. وكما يقول وندل فيليب في كتابه (تاريخ عمان) عندما يتحدث عن تلك الفترة من خلال الوثائق البريطانية، أن السلطان سعيد كان يستطيع أن يحقق لنفسه التفوق البحري في المحيط، فهو صاحب أقوى أسطول موجود في المنطقة الواقعة بين رأس الرجاء الصالح حتّى اليابان. والثابت تاريخياً أيضاً أنه أهدى فرقاطة بحرية مسلحة إلى ملك بريطانيا، وفرقاطة أخرى إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
صراع الاخوة
بعد وفاة السلطان سعيد بن سلطان في 19 تشرين الأول 1856، ثار الشقاق بين اثنين من أشقائه كاد أن يؤدي إلى حرب أهلية دامية. وكالعادة استعان أحد الأخوين بالبريطانيين، فشكّل البريطانيون لجنة تحكيم يرأسها اللورد «كانت» المندوب السامي في الهند، فقسّم الامبراطورية إلى جزءَين أساسيين، هما عُمان وقد جعلها من نصيب السلطان ثويني بن سعيد، وزنجبار جعلها من نصيب السلطان ماجد، ومنذ ذلك التاريخ انفصلت زنجبار عن عُمان. وداخل زنجبار ثارَ خلافٌ وشقاق؛ فقد حاول شقيق ماجد أن يغتاله في مؤامرة شاركه فيها بعض أفراد العائلة، فاستعان السلطان ماجد بالبريطانيين، فتولّوا حمايته بالقوة المسلحة. وحكم على برغش شقيق السلطان بالنفي إلى الهند. واستمر الموقف بنزاعات وشقاقات. وانتهز البريطانيون الفرصة ليبسطوا أيديهم أكثر على الجزيرة، حتّى جاء مؤتمر بروكسل، وفيه قُسّمت افريقيا بين القوى المتصارعة، وكان من ضمن ما قُسّم زنجبار. وفي تشرين الثاني 1886م قسّمت الجزيرة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وتعاظم الصراع بعد ذلك، وتوالى بشكل سريع، وتعاقب على حكم زنجبار ولاة لم يَدُم حكم بعضهم عامين، وعرفت الجزيرة الانقلابات والحروب، وفرض البريطانيون سلطتهم على الجزيرة، حتّى أنهم عزلوا حاكماً من حكامها بالقوة المسلحة لينصبوا آخر، وهكذا.
وخلال ذلك نشطت الجمعيات التبشيرية، وشجّعت بريطانيا توافد الأفارقة من الساحل الإفريقي إلى الجزيرة، وتدريجياً بدأ البريطانيون في تكوين قوى سياسية وطنية لهم داخل الجزيرة، وفي نفس الوقت عملوا على إذكاء حدة التفرقة بين العرب والأفارقة والتمييز بين ما هو عربي وما هو افريقي، وصبر البريطانيون طويلاً وزرعوا كثيراً، وكان لابد أن يُثمِر الزرع الذي زرعوه.
الأميرة العاشقة
أسهمت زنجبار بوضعها هذا وتاريخها في إثراء الكتابات عن افريقيا بعامة، وعن أحوال زنجبار وتاريخها بخاصّة. وأطرف ما كتب عن هذه الفترة مذكّرات الأميرة سالمة بنت السلطان سعيد بن سلطان التي عاونت أخاها برغش عندما تمرّد على السلطان ماجد وحاول اغتياله في الحرب التي نشبت بينهما وتدخل فيها الإنجليز لصالح ماجد، وحكموا على برغش بالنفي إلى الهند، ففي أثناء نفي برغش تصالحت الأميرة سالمة مع أخيها، ولمّا عفا السلطان عن برغش وعاد إلى زنجبار لم يغفر لسالمة تصالحها مع أخيها السلطان، وظلّت حياتها في زنجبار قلقة، فقد كانت صغرى أبناء السلطان سعيد، وبالتالي فهي أصغر أخواتها. ويبدو أن وضعها هذا قد هيّأها للدخول في مغامرة، فأحبت رجلاً ألمانياً، وهربت معه إلى ألمانيا، وعاشت هناك، ومن البعد كتبت مذكّراتها تصف أيام المجد والقصور، والمربيات وركوب الخيل، والثروة، وعزّ المملكة الذي كان.
وضعها الحالي
تقع زنجبار الآن سياسياً ضمن تنزانيا، وقد ظهرت تنزانيا ككيان سياسي عقب استقلال تنجانيقا في 9 كانون الأول 1961م وخروجها من تحت الوصاية البريطانية، بينما حصلت زنجبار على استقلالها من بريطانيا في كانون الأول 1963. وخلال هذين العامين بين استقلال تنجانيقا وزنجبار كانت بريطانيا قد هيّأت المسرح لما حدث بعد استقلال زنجبار بشهر ونصف فقط، حيث جرت وقائع الانقلاب الدموي الذي خُلع به سلطان زنجبار وفرّ إلى الخارج. وفي 26 نيسان 1964 أي بعد الانقلاب بأربعة أشهر أُعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنجبار، وأصبح اسم الدولة الجديدة تنزانيا، واختيرت دار السلام عاصمة لها. ونصّ اتفاق الوحدة ثم الدستور على أن يتولى الرئاسة جوليوس نيريري، وأن يليه في الرئاسة حاكم زنجبار. وتشكّلت حكومة محلّية لزنجبار وفوّضت في بعض الصلاحيات المحلية التي من خلالها حاولت الإدارة في زنجبار أن تحتفظ لنفسها بهوية مستقلة نسبياً إلاّ أن التاريخ لا ينسى، وقد ظلت الوظائف الإدارية العليا والإشرافية وبخاصة في الشرطة والجيش في أيدي الأفارقة ذوي الأصول غير العربية، ولكن هذا الاتجاه بدأ يقل تدريجياً بعد ضعف النعرات العرقية واستقرار الأحوال بالدولة الجديدة.
وقد انعكست آثار الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تنزانيا كلها على زنجبار، حيث انخفض مستوى المعيشة وأصبح الفقر لا تُخطئه عين، والغلاء يزداد كل يوم، وسعر العملة ينخفض في كل عام عن العام الذي قبله. وعلامات الأزمة الاقتصادية في تنزانيا كثيرة، فوِفْق أرقام البنك الدولي يبلغ إجمالي الدَّين الخارجي حتّى نهاية 1986 قرابة 3609 ملايين دولار، ويبلغ متوسط دخل الفرد من الناتج القومي 290 دولاراً سنوياً، ويبلغ معدل التضخم سنوياً 6, 19 %.
زنجبار
ـ2ـ
تقع على سواحل افريقيا الشرقية في المحيط الهندي على بعد عشرين ميلاً عن الساحل الإفريقي، وتحتوي على جزيرتَي: زنجبار وبمبا.
ولمّا قامت حركة الكشوف الجغرافية وبدأ البرتغاليون يقطعون البحار الشرقية خضعت لهم زنجبار مع غيرها من السواحل. ولم يَدُم ذلك طويلاً؛ فقد قامت حملة عربية بقيادة السلطان سعيد بن سلطان البو سعيدي حاكم عمان، واستطاع أن يطرد البرتغاليين ويمدّ ملكه في افريقيا ويشمل مقاديشو وساحل كينيا وساحل تنكانيكا وزنجبار، وفي هذه الأخيرة اتّخذ مقره.
ولمّا قامت الحرب العالمية الأولى كانت ألمانيا في دار السلام وإيطاليا في مقاديشو وانكلترا في كينيا وأوغندا. وكان الإنكليز قد عقدوا عام 1890 معاهدة مع سلطان زنجبار دخلت فيه زنجبار تحت الحماية البريطانيّة، واستمرّ ذلك 73 عاماً. وفي 11 ديسمبر سنة 1963 عقدت انكلترا مع زنجبار اتفاقية جديدة نالت فيها زنجبار استقلالها.
وفي كانون الثاني سنة 1964 قام الانقلاب الجمهوري، وفر السلطان إلى لندن، ثم اتّحدت زنجبار مع تنكانيكا وشكّلا جمهورية تنزانيا.
وفي زنجبار الكثير من الخوارج الإباضيّة وكانت الأسرة الحاكمة منهم، كما أن فيها عدداً غير قليل من الشيعة وهم في أصولهم من مهاجري الهند وإيران والبحرين والعراق وعمان، ولهم مسجدان كبيران وأربع حسينيات كبيرة وحوالي عشرين حسينية صغيرة وعدة مدارس. وفيها دار ضيافة ينزل فيها غرباء الشيعة مجاناً أنشأها الحاج رحمة الله تيجاني. ولهم مستوصف لمعاينة المرضى مجاناً أنشأه ناصر نور محمد، ودار توليد مجانية أنشأها داتو حماني، ولهم أوقاف كثيرة.
ويعود تاريخ إقامة المآتم الحسينيّة فيها إلى عام 1850 في عهد السلطان برغش، حيث كان عنده قائد عسكري إيراني أدى له ولبلاده الكثيرَ من الخدمات، مما حمل السلطان على أن يبدأ بإقامة المآتم في زنجبار، وأقيم أول مأتم في قصر السلطان نفسه.
تحوّلات في زنجبار
وفي أواخر سنة 1993 كان الوضع في زنجبار كما يلي:
منذ زيارة رئيس حكومة زنجبار المحلية سالمين عامور إلى مسقط عام 1991، وتقديم اعتذار للسلطان قابوس عن أحداث عام 1964، وزنجبار تشهد حركة ترميم واسعة للآثار العُمانية من فترة حكم سلاطين عمان لها من 1870 إلى 1964، وهي «قصر السلطان العُماني» و «قصر حريم السلطان» و «المتحف الوطني» الذي يضم متعلقات هذه الفترة في ما يوصف بأنه محاولة لإزالة آثار ثورة كانون الثاني (يناير) 1964 وإعادة النظر في العلاقات مع السلطنة.
وكانت ثورة زنجبار بقيادة أول رئيس لها عبيد كرومي قضت على حكم آخر السلاطين العُمانيين «جامشيد» الذي هرب على متن باخرته إلى مومباسا في كينيا. وأعمَلَ الثوارُ والأهالي من أصل افريقي وهندي التقتيلَ في السكان من أصل عربي الذين اضطروا إلى الهرب إلى كينيا وتنجانيقا أو العودة إلى بلدانهم الأصلية عمان واليمن والإمارات.
ولا تعبّر إزالة آثار الثورة عن محاولة عاطفيّة تمتزج بالشعور بالذنب فقط، إنما تأتي في إطار أزمة هوية يكتنفها البحث عن روابط بديلة لتحقيق المصالح بعد ضعف اتحاد زنجبار وتنجانيقا (تنزانيا) اقتصادياً وبنيوياً؛ فالشعب الزنجباري يعاني من تراجع معدلات التنمية وانخفاض مستوى الدخل السنوي، كما أن الوحدة تواجهها مخاطر الانفصال بسبب الرغبة في العودة إلى الأصول العربية والإسلامية.
ولا تنفرد الحكومة المحلية في زنجبار (ذات الحكم الذاتي) بهذه الرغبة والمحاولات؛ فعلى رغم أن سالمين عامور رئيس الحكومة كان أول من عبّر عنها وبادر بزيارة مسقط والتقى السلطان قابوس وقدم اعتذاراً وعاد ليقول للشعب إنهما اتفقا على نسيان الماضي، فإن المعارضة هي الأقوى والأكثر فاعلية في الشارع الزنجباري؛ إذ إن (حزب جبهة الاتّحاد المدني) هو الوحيد في تنزانيا يتخذ زنجبار مقرّاً ويشكّل ذوو الأصول العربية 90 في المئة من قياداته وأعضائه. كما أنه الأكثر تعبيراً عن الانتماء الإسلامي والعربي لزنجبار، علاوة على أنه الأكثر شعبية. كذلك فإن مسلمَينِ من أصل عربي هما سيف شريف حمادي رئيس الوزراء السابق وشعبان ميلو يتوليان منصب نائب الرئيس وأمانته العامة.
وتكاد هذه القضية أن تكون الوحيدة التي يتّفق فيها رأي الحكومة والحزب الثوري الحاكم مع المعارضة. وهذا التوجه لا يتفاعل معه سوى سلطنة عمان التي بادرت عقب زيارة عامور إلى تقديم مساعدات اقتصادية كبيرة، وأنشأت مطاراً دولياً ومدرسة تمريض، وقدمت مساعدات طبية للمستشفى الحكومي، كما افتتحت قنصلية عامة لرعاية شؤون العلاقات والمصالح في أول استئنافٍ للعلاقات منذ أحداث 1964. كذلك فإن دبي سيّرت خط طيران مباشر إلى الجزيرة لنقل البضائع والمساعدات.
ومن البديهي أن تَلقى محاولات الحكومة المحلية تغيير الانطباعات والأفكار السيئة عن فترة الحكم العُماني والتي عملت الحكومة المركزية في دار السلام على ترسيخها منذ 1964 صعوبات في هذا السبيل. غير أن وصول المساعدات، والمشاكل التي يواجهها الاتحاد مع تنجانيقا، إضافة إلى أزمة الهوية التي يعيشها الشعب، وآثار فترة حكم الحزب الثوري في تنزانيا.. جعلت مهمة التحول سهلة؛ فقبل عمليات الترميم سبقت حكومة زنجبار الحكومة المركزية في تحرير التجارة للسماح بعودة العرب الذين غادروها تحت غطاء التجارة والاستثمار.
ولا يزال ذوو الأصول الإفريقية والهندية يجدون من مخلّفات الحكم العُماني ما يستخدمونه في ضرب هذا التوجه، خصوصاً سجن العبيد، أحد الآثار التي لم يَطُلها الترميم الذي يروّج أن السلطان العُماني كان يأسر فيه الزنوج لبيعهم عبيداً للمستعمرين البريطانيين والفرنسيين في شرق افريقيا.
إلاّ أن الدعاية المضادة هذه لا تؤثّر حتّى الآن في استمرار هذا التوجه، حتّى أنّ التذكير بزيارة أنور السادات لزنجبار مُوفَداً من جمال عبدالناصر في كانون الأول (ديسمبر) 1963 لعرض تقديم مساعدات للسلطان العُماني، وقبل بدء أحداث كانون الثاني (يناير) 1964، بعد تسليم البريطانيين السلطة للسلطان، لا يجد صدى واسعاً داخل الأوساط المثقفة والمسيّسة في زنجبار، فأزمة الهوية هنا أقوى من دعايات مضادة.
من حال إلى حال
هل تملك جزيرتا زنجبار (انجوجا وممبا) ـ 1020 كيلومتراً مربعاً ومليون نسمة ـ مقومات الاستقلال إذا ما انفصلت عن تنجانيقا ؟
هذا هو السؤال المطروح حالياً على الساحة السياسية في زنجبار في ضوء التطورات الأخيرة وملامح أزمة «الهوية» التي تعمّقت بعد فشل محاولة حكومة زنجبار الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي وأدت إلى نكسة لمشاعر الرأي العام.
فمع ضعف الاتحاد وتدهور اقتصاد الدولة، بدأت تظهر نزعة استقلالية جادة، أبرز ملامحها إظهار الوجه الإسلامي لزنجبار، وظهور جماعات دينية وتوجّه نحو إعادة الروابط مع الدول العربية عموماً وسلطنة عمان خصوصاً، واستكشاف سبل بناء اقتصاد وطني مستقل حرصت زنجبار على التمتع به عند إنشاء دولة الاتحاد عام 1964.
نجحت زنجبار في تحقيق قدر من الاستقلالية في إدارة علاقاتها الخارجية، وأنشأت علاقات قنصلية مع مصر وعُمان وموزامبيق والهند والصين وروسيا (أغلقها الرئيس الروسي بوريس يلتسن عام 1991). وتتبع قنصلياتها سفاراتها في دار السلام ما عدا عُمان التي ليست لها سفارة في تنزانيا. كما نجحت في عقد اتفاقيات ثنائية مع هذه الدول حصلت بمقتضاها من مسقط على مساعدات اقتصادية، ومن مصر على خبراء في الزراعة والتصنيع وأطباء، ومن الصين على الإذاعة المحلية ومساكن للفقراء.
واحتفظت زنجبار ببعض مظاهر السيادة، مثل نظام تأشيرات الدخول والجمارك للأجانب ولأبناء تنجانيقا. ولا تملك الدولة الاتحادية (تنزانيا أو تنجانيقا) محطة تلفزيونية. وهناك محطة إرسال تذيع برامج مُهداة من تلفزيون كينيا وأوغندا وتمثليات إرشادية وخطب مسجلة للرئيس تذاع بعد إلقائها. وعلى رغم أن الحكومة المركزية في تنجانيقا أبطلت مفعول قرار حكومة زنجبار المحلية بالانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلاّ أن ما يثير الحساسية لدى الشعب هو نجاح تنجانيقا في منعها من حضور اجتماعات مؤسساتها من دون المرور على الحكومة الاتحادية في دار السلام أو الحصول على موافقتها.
فشعب زنجبار خليط من العرب والإيرانيين (20 في المئة من عدد السكان) والهنود (10 في المئة)، والأفارقة (50 في المئة) معظمهم من قبائل البانتو التي تعيش في شرق افريقيا، و 97 في المئة من السكان مسلمون على رغم اختلاف أصولهم العرقية. وأصبح من الصعوبة تحديد الأصول العربية أو الإيرانية للسكان بسبب الزواج المختلط.
وبينما يركّز ذوو الأصول العربية نشاطاتهم على التجارة اهتمّ الإيرانيون بالسياسة، واندمجوا مع العرب في علاقات مصاهرة.
وتحاول زنجبار تعويض فشلها في التركيز على وجهها الإسلامي وفتح علاقات مباشرة مع الدول العربية، خصوصاً سلطنة عُمان، وهو اتجاه يكتسب اهتماماً الآن على رغم أنّه بدأ منذ سنوات حينما حاولت حكومة زنجبار المحلية برئاسة إدريس عبدالوكيل عام 1986 طَرْقَ أبواب السلطنة وإعادة وصل ما انقطع من خيوط. ولم تنجح هذه المحاولات المستمرة إلاّ عام 1991 حين هبط الرئيس الحالي سالمين عامور في مطار مسقط، وحصل على مساعدات اقتصادية لبناء مطار ومستشفى ومدرسة للتمريض وفتح قنصلية عُمانية في زنجبار لمباشرة العلاقات.
وتمتد علاقات زنجبار مع السلطنة خصوصاً والعرب عموماً إلى حركة الكشوف الجغرافية عندما استعمرها البرتغاليون في القرن السادس عشر، واستنجد السكان ذوو الأصل العربي والديانة الإسلامية بسلطان عُمان بعد انتصاره على البرتغاليين في هرمز، فوصلت قواته إلى زنجبار عام 1650 وأصبحت إحدى ولايات السلطنة، إلى أن أعلنت بريطانيا الحماية في العام 1870.
وعرف شعب زنجبار تحت الحماية البريطانية التعددية الحزبية، برز خلالها حزب ASP الذي شكّل الحكومة الائتلافية الأولى في كانون الأول (ديسمبر) 1963 فور إنهاء الحماية وإعلان الاستقلال بقيادة رئيس الحزب الإفريقي كرومي.
وشهدت زنجبار في أيام معدودة بعد الاستقلال قلاقل واضطرابات مفاجئة قادها كرومي ضد الوجود العربي في الجزيرتين.
وسرعان ما تحوّلت الاضطرابات إلى أحداث دمويّة في 12 كانون الثاني (يناير) 1964، حين فتح «جون أكيلو» الأوغندي مخازن السلاح التابعة للسجون ومعسكرات الجيش البريطاني السابقة أمام الثوار الأفارقة التابعين لكرومي فأعملوا التقتيل في العرب ونهبوا ممتلكاتهم ما أدى إلى فرارهم إلى ممباسا.
وفور استقرار السلطة في يد كرومي ـ الذي أصبح أول رئيس لزنجبار ـ اتفق مع رئيس تنجانيقا جوليوس نيريري على إنشاء دولة اتحادية، وأقدم أحد أبناء ضحايا الثورة على قتل كرومي في عام 1972، وانتهج خلفه عبده جومبي السياسة نفسها ضد بقايا العرب، بل دمج حزبه الحاكم APS وحزب المعارضة في زنجبار TANU في الحزب الثوري الحاكم في تنجانيقا CCm عام 1977.
وعلى المنوال نفسه سار أسلاف غومبي ـ بعد استقالته 1978 ـ من حسن معيني (78م ـ 1985)، وانتهاءً بسالمين عامور الرئيس الحالي للحكومة المحلية.
وبعد استئناف العلاقات مع مسقط بدأت زنجبار تعيد النظر في الماضي تحت شعار «إزالة آثار الثورة»، وترجمت ذلك بقرارات تسمح للعمانيين والعرب الذين غادروها عام 1964 بالعودة، وتتيح ترميم آثار المرحلة السابقة بما فيها تلك التي استُغلّت خلال حكم كرومي في تشويه صورة العرب. وتواجه هذه السياسات الجديدة مشكلة التعاطي مع الشعارات التي رفعتها الثورة على مدى السنوات الماضية واتسمت بالكراهية وإثارة الأهالي ضد العرب «المسيطرين على الاقتصاد والتجارة»، «وباعوا الأفارقة كعبيد للمستعمرين البريطانيين والفرنسيين» في إطار حملة منظّمة ومستمرة. أما بناء اقتصاد وطني مستقل فهو أكثر التوجهات صعوبة في التنفيذ؛ فاقتصاد زنجبار يعاني أوضاعاً غير مستقرة. ويتعرض دخل البلاد الرئيسي ـ وهو عائد تصدير محصول القرنفل (يشكل 90 في المئة من الدخل الوطني) ـ للتدهور بسبب انخفاض أسعاره العالمية ودخول منافسين جدد (أندونيسيا)، حتّى أصبح غير كاف لتمويل استيراد الرزّ.
إلى ذلك لا تملك زنجبار مصادر ذاتية للطاقة، وتعتمد في تدبير احتياجاتها من البترول والطعام على تنجانيقا، وهو الأمر الذي يُعدّ معوقات الاستقلال.
ولا تبعث ملامح الاقتصاد الأمل على إمكان وجود اقتصاد وطني مستقل. وينعكس تردّي الوضع سلباً على أوضاع التعليم، فنسبة الأمية تقدر محلياً بنسبة 80 في المئة، ويوجد معهد واحد ينتهي التعليم فيه بالمرحلة الثانوية، وتتم الدراسة في الجامعات إمّا عبر جامعة دار السلام أو مِنح دراسية في الأزهر وبكين وموسكو. ولا يوجد سوى مدرستين ثانويتين للبنين والبنات ومدرستين فنيتين زراعية وصناعية إلى جانب معهد ديني، ويتم التدريب كذلك عن طريق الاتحادات الإفريقية أو منح التدريب من روسيا والصين ومصر.
وينعكس الوضع كذلك على الحالة الصحية، فهناك مستشفى حكومي واحد أطباؤه من روسيا والصين ومصر، إلى جانب عدد محدود من الوطنيين، ومستوصف خاص يملكه هنود.
إلى ذلك تعاني زنجبار أيضاً من أزمة سكانية حادة، إذ تنتشر في المناطق المحيطة بالعاصمة أكشاك خشبية وأكواخ من الصفيح يسكنها الفقراء، ولا يقلل من الأزمة حركة بناء مساكن شعبية تنفّذها الصين كجزء من المساعدات.
وتربط زنجبار بالعالم الخارجي رحلة أسبوعية لشركة «زانا» الجوية (شركة مشتركة بين زنجبار وتنجانيقا)، ورحلة أسبوعية أخرى غير منتظمة لشركة «إير تنزانيا»، إلى رحلة أسبوعية ثالثة منتظمة مع دبي لشركة طيران الخليج. وترتبط بتنجانيقا بحرياً عبر 4 رحلات يومية تقوم بها مناصفة شركة (See Ex – Press) وشركة (Flyin Hours).
وبسبب الفقر فوسائل النقل الداخلي التي تتنوع من سيارات «الدلا دلا» (قطاع عام) وهي عبارة عن سيارات نقل ونصف نقل جهّزت كأوتوبيسات للعمل بين القرى إلى سيارات التاكسي (قطاع خاص)، تعد الدراجات الوسيلة الأكثر انتشاراً وشعبية.
ملامح هذا الوضع الاقتصادي لا تشكل أساساً لدولة تتطلع إلى الاستقلال؛ فزنجبار تعتمد ـ وبشكل منفرد ـ على المساعدات الخارجية من مصر وعُمان والصين وشركة فنلندية (تنفّذ مشروع إقامة شبكات للمياه)، إضافة إلى شركات ألمانية وبلجيكية ودانمركية تقوم بتمويل مشاريع للطرق.
لمواجهة هذا الوضع تحاول الحكومة المحلية الحصول على مساعدات لتوظيفها في مشاريع صغيرة، كما تحاول إيجاد مصادر غير تقليدية للدخل مثل بيع الأعشاب البحرية (طعام ونشاط تصديري) شكل عائد مليون دولار العام الماضي، وينتظر أن يزيد في الأعوام المقبلة بعد فتح الأسواق الأميركية أمام هذا الصنف.
وتشجّع الحكومة السياحة، إلاّ أن ظهور التيارات الدينية المعادية لهذا التوجّه يقلل من فرص تشجيع السائحين، وتدخل في مفاوضات لإنشاء صناعات مرتبطة بالصيد كالتعليب ومن ثم التصدير.
إلى سعي زنجبار على المستوى الرسمي إلى تحقيق نوع أعلى من الاستقلال، يشهد الشارع والحياة اليومية نشاطات أكثر تعبيراً عن الهويّة. فعلى مدى الشهور الثلاثة الأولى من العام 1993 شهدت البلاد تظاهرتين ـ عقب صلاة الجمعة ـ تطالب بتطبيق «أحكام الإسلام»، و «إزالة آثار العلمانية»، وإغلاق نوادي الفيديو، ومحلاّت بيع الخمور التي أُحرق بعضها خلال أعمال عنف، ومنع السياحة.
كما ازدادت نشاطات جماعات إسلامية، حديثة النشأة، وجماعة «التبليغ والدعوة» في المساجد، وكتاتيب تحفيظ القرآن، ومعاهد لتدريس علوم الفقه والتفسير وسط تعاطف شعبي، وأصبحت شرائط تلاوة القرآن الكريم سلعة وحيدة لأغلب الباعة المتجولين وأساسيّة في كل المحلات.
ويتنازع حزبان الوجودَ السياسي في الشارع، هما فرع الحزب الثوري الحاكم في الدولة الاتحادية (تشاما تشاما ممندوس) أو الـ CCM برئاسة سالمين عامور رئيس زنجبار والنائب الثاني لرئيس الجمهورية بمقتضى الدستور، وحزب جبهة الاتحاد المدني CUF الذي يتزعمه سيف شريف حمادي ـ رئيس وزراء سابق لزنجبار ـ وهو من سكان جزيرة ممبا ويحظى منذ تأسيسه العام الماضي بشعبية كبيرة داخل زنجبار وحتى على مستوى الدولة الاتحادية. وهو ذو توجيهات دينية ـ وإن كان رسمياً ليس حزبا دينياً ـ ويضمّ غالبية السكان من الأصل العربي والمسلمين في تنزانيا. وأصبح شهر رمضان أحد التوقيتات التي تستغلها الغالبية المسلمة للتعبير عن انتمائها، إذ تشهد المساجد أكبر حضور، والمطاعم ومحلات الفيديو وبيع الخمور مغلقة، وعدد ساعات العمل تنخفض بمقدار ساعة، وتذيع المحطة المحلية الأناشيد والتواشيح الدينية. وهي ملامح كانت اختفت في بدايات الثورة عام 1964.
وتحوّل شهر ربيع الأول من السنة الهجرية كل عام إلى مناسبة احتفالية بمولود النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) تستمر مدة الشهر بكامله. وتحولت أكبر المساجد (الجامع الكبير والمسجد الحنفي ومسجد ماليندي) إلى مراكز تجمّع المسلمين في صلاة الجمعة كل أسبوع.
على ذلك فمستقبل تنزانيا (الدولة الاتحادية) في خطر، وأصبح استمرارها رهن رغبة شعب زنجبار في المزيد من الاستقلال ومدى قدرة الحكومة المركزية على التحمّل، خصوصاً أن استمرار الاتحاد على ما هو عليه الآن أمر مستحيل بالنسبة لشعب زنجبار في ضوء تصاعد المد الوطني والمشاعر الإسلاميّة.
ويرى الرأي العام هنا أن الأسباب التي أدّت إلى الوحدة قد زالت، وفي مقدمتها الحرب الباردة. كما يرى أن الغرب الذي كان نيريري قريباً منه، قبل تحوّله عام 1964، هو الذي فرض الوحدة بسبب مخاوف تحوّل زنجبار إلى قاعدة للاتحاد السوفياتي في المحيط الهندي.
الشيعة في زنجبار
للشيعة وجود بارز في زنجبار. وننقل هنا ما كتبه السيد مصطفى إمام زاده:
من مشاهير الشيعة تجب الإشارة إلى الملا عبد الحسين المرعشي الشوشتري المتوفى عام 1320هـ وقد شاءت العناية الإلهية أن تسخر هذا القديس العالم لنشر التشيع في إفريقيا الشرقية وفي إحدى السنين تأخّر الموسم وتلفت الحاصلات وقد تضرّعت جميع الطوائف إلى الله كلّ على طريقته الخاصة طلباً للمطر، ولم تؤد صلوات جميع الطوائف إلى نتيجة فطلب العاهل إلى الملا الشيعي أن يصلي على طريقته في المصلّى فذهب الرجل القديس وصلّى صلاة الاستسقاء طبقاً للتعاليم الشيعية ولم يكد ينتهي من صلاته حتّى هبت العاصفة وحملت معها الأمطار الكريمة التي طال انتظارها. وقد سبب ذلك أنّ عدداً كبيراً بما فيهم العاهل اعتنقوا المذهب الشيعي وكان ما أراده الله.
وتجب الإشارة أيضاً إلى (كلب علي) الضابط في المدفعية ووزير الحربية ولولا النفوذ السياسي لهذا الضابط النبيل الممتاز الذي كان يتمتع بثقة أثرياء الشيعة وثقة السلطان لما كان من الممكن أن يكون هناك للشيعة مساجد في زنجبار ولم نكن لنجهر من أعالي المآذن بنداء حي على خير العمل. هذا بالإضافة إلى أنّنا مدينون إلى الجنرال كلب علي بإنشاء المقبرة الجميلة التي يرقد فيها إلى جانب هذا الدفين الجليل عدد من العلماء الأعلام والوجهاء الذي يتكوّن معظمهم من أصل فارسي.
وإليكم ما نقش على قبر منشئ المقبرة: وفاة السعيد المرحوم المرور المأسوف عليه السيد محمد بن سلالة أفشار أورميا([195]) وفاته يوم الأربعاء 20 ربيع الأوّل سنة 1327هـ وقد كان نقش خاتمه:
«كلب أهل الكهف السبعة قد أنقذ من نار جهنم وكيف لا أنقذ وأنا كلب علي».
والجنرال كلب علي هو الذي نقل إلى زنجبار المدافع القديمة التي نالت إعجاب الجميع وقد انتزعت هذه المدافع عام 1621م من البرتغاليين في عهد الشاه عباس الأوّل شاه إيران وقد نقشت على فوهة أحد هذه المدافع باللغة الفارسية العبارة الآتية:
(في حكم منقذ العالم وإمبراطور الكون الشاه عباس الصفوي خادم الأمة وحاكم فارس ولارستان وكوه خيلويا والخادم الأمين لسيد الكون في سنة 1030هـ بعد غزوه لأرخبيل البحرين وقلعة (أورمز) قد انتزع هذه المدافع).
ولا ننسى كذلك اسم المرحوم علي ناتو الذي أدّى خدمات كبيرة لدولة زنجبار خلال الفترة الواقعة بين 1914ـ1918م وقد قال له السلطان ذات يوم اختر أنت بنفسك الجائزة التي تريدها مقابل خدماتك فأجابه على الفور:
كلّ ما أريده أن يكون اليوم الحادي والعشرون من الشهر التاسع القمري واليوم العاشر من الشهر الأوّل يومي عطلة رسمية. فوافق السلطان على ذلك. ومنذ ذلك اليوم تعطل الدوائر الرسمية كلّ سنة في ذكرى مقتل الشهيد علي ومقتل الشهيد الحسين. (انتهى ما أورده السيد مصطفى إمام زاده).
وهناك أيضاً الإسماعيليون النزاريون.
الإسماعيليون النزاريون في زنجبار
كان فريق الخوجة من الإسماعيليين النزاريون يعملون في التجارة بين غرب الهند وشرق أفريقيا منذ القرن السابع عشر الميلادي. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر بدؤوا بالإقامة الدائمة في تلك المنطقة. وأوّل مجموعة من النزاريين في الهند الذين رحلوا إلى شرق أفريقيا كانوا من كاچ وكتهياوار وسورات وبومبي وهي المدن الواقعة في غرب الهند. وأقاموا في بادىء الأمر في جزيرة زنجبار. وحتّى سنة 1820 كانت جماعة صغيرة من الخوجة النزارية قد استقرّت في زنجبار فأسّسوا بيتاً للجماعة في الجزيرة وكان يشرف عليها ويديرها مسؤولان أحدهم (مُكي) يعاونه (كامريا)([196]). وبعد سنة 1840 عندما نقل السلطان سعيد حاكم عُمان عاصمته من مسقط إلى زنجبار بدأ الخوجة النزاريون، والبُهرة الإسماعيليون وبقية المهاجرين الآسيويين، بدؤوا بالهجرة في أعداد كثيرة إلى شرق أفريقيا. ولما كان السلطان سعيد يرغب في تطوير التجارة الخارجية في بلاده، أخذ بتشجيع التجار الآسيويين للهجرة إلى زنجبار. فازداد استقرار عدد الخوجة النزاريين وبقية الفرق الهندية في زنجبار بنسبة عالية جداً بين عام 1840 و1870 ميلادية. إنّ هذه الفترة من الازدهار الاقتصادي والتجاري بخاصة في زنجبار كانت متزامنة مع فترة إعداد تسهيلات السفر من الهند إلى شرق أفريقيا. في تلك الأيام ونتيجة الجفاف والمجاعة التي اجتاحت گجرات. قرّر الكثير من الخوجة المزارعين الالتحاق بقوافل التجار الخوجة إلى شرق أفريقيا. وحتّى نهاية القرن التاسع عشر وبعد تعبيد الطرق ومد خطوط سكك الحديد داخل منطقة شرق أفريقيا ارتفع عدد الوحدات التجارية والتجار النزاريون ممن غادر زنجبار إلى داخل بلدان شرق أفريقيا. وبعد ذلك انتقل الخوجة النزاريون المهاجرون إلى المناطق البعيدة داخل شرق أفريقيا. وحتّى الحرب العالمية الأولى كانت الجماعات النزارية الهندية الأصل، تعيش في الكثير من مناطق شرق أفريقيا، بينما توزع أغلبية النزاريون المهاجرون داخل المدن النامية مثل زنجبار ومومباسا ودار السلام ونيروبي وكامپا وتنگا. وقد قام آغا خان الثالث بتفقد أنصاره في شرق أفريقيا لأوّل مرّة عام 1899م وحتّى ذلك التاريخ كان النزاريون في زنجبار في صراعات داخلية كما كان الحال بالنسبة للخوجة في بومبي قبل عشرات السنين. وبعض النزاريين المعارضين في شرق أفريقيا الذين كانوا يطرحون الأسئلة حول ادعاءات آقا خان وصلاحياته، انفصلوا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عن المجتمع النزاري، والتحقوا بالخوجة الاثني عشرية في زنجبار الذين لم تكن لديهم أيّة تنظيمات إدارية واجتماعية. إنّ زيارة آغا خان لهذه المنطقة لم تنه الفجوة التي كانت قد حصلت في المجتمع وأنّ الانفصال استمرّ لمدّة طويلة. وفي مثل هذه الأحوال وعندما قام آغا خان للمرّة الثانية بتفقد المنطقة في عام 1905 أصدر سلسلة من القوانين والقرارات كان في الحقيقة أوّل دستور للجماعة النزارية في شرق أفريقيا. وكانت التنظيمات الإدارية الجديدة قد دوّنت في هذا الدستور على شكل لجان كما وضعت قواعد وقوانين حول الأحوال الشخصية في المجتمع لا سيما ما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث، وفي غضون تلك الأيام عقدت أول لجنة نزارية في زنجبار التي كانت آنذاك قاعدة الجماعة النزارية في شرق أفريقيا. إنّ هذه اللجنة كان من واجباتها الإشراف على بيت الجماعة والدفاع مقابل الانفصاليين والمعاندين وكذلك الإشراف على شؤون الجماعات التي كانت داخل منطقة شرق أفريقيا. إنّ هذه الإجراءات كانت السبب في استمرار برنامج آغا خان لإعادة تنظيم وتطوير المجتمع النزاري في شرق أفريقيا.
وحتّى أوائل عام 1920 تأسّست مراكز جديدة للنشاطات الاقتصادية في أراضي أفريقيا الشرقية. وكان الخوجة النزاريون بتشجيع من آغا خان ينتقلون إلى هذه المناطق تدريجياً. وزنجبار التي كانت قد فقدت أهميتها مركزاً رئيسياً عاماً للتجارة في المنطقة لم تكن الآن أيضاً قاعدة رئيسية للمجتمع النزاري في شرق أفريقيا ولهذا كان المفروض إعداد منظمات إدارية خاصة للجماعات النزارية الكثيرة المتناثرة في بلدان شرق أفريقيا، في مثل هذه الظروف بدأ آغا خان الثالث بإعادة النظر في أوّل دستور في عام 1926. وأسّس مجالس أو لجان مركزية منفصلة في ثلاث مناطق وهي كينا وتانجانيقا وأوغندا. وكان أعضاء هذه اللجان ينتخبون من قبل آغا خان نفسه الذي كان يشرف أيضاً على الكثير من أعمالها. إنّ اللجنة الأصلية والرئيسية في زنجبار كانت لفترة من الزمان تقوم بتنسيق نشاطات اللجان الإقليمية. وقد انتقل ذلك فيما بعد إلى لجنة عليا كانت منفصلة عن لجنة زنجبار. وكانت قد تأسّست في كلّ واحدة من هذه المناطق الثلاث لجان للإشراف على النشاطات في أمور خاصة كالتعليم والصحة. وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة من إمامة آغا خان الثالث، نظّمت اللجان واللجان الفرعية التابعة لها وتطوّرت أكثر فأكثر على أساس إعادة النظر المنظم بالدستور لكلّ من اللجان والجماعات النزارية في شرق أفريقيا وجرت هذه التعديلات في الأعوام 1937 و1946 و1954 ميلادية. وحتّى سنة 1952 كان عدد الإسماعيليين النزاريين في شرق أفريقيا خمسين ألفاً، نصفهم في تنگانيگا.
زوّاره
جنة في لهيب الصحراء
تعرف صحراء إيران المركزية بالهضبة الصحراوية، وتقع في القسم الشمالي للفلوات الإيرانية، وهذه المنطقة هي الأكثر جفافاً في إيران، حيث لا تزيد نسبة هطول الأمطار عليها عن (100) مليمتر، وتقدر مساحة القشرة الملحية فيها بـ (53000) كيلومتر، ممّا يجعلها أكبر صحراء مغلقة في الكرة الأرضية. وقد عبر هذه الصحراء العديد من الرحالة والسائحين الأوروبيين، وشاهدوا وهج الطبيعة الذي لا يرحم، وقساوة المحيط فيها، فدونوا حولها أوصاف معبرة.
(الكولونيل سيم مك جيرجر) وصل إلى وسط هذه الصحراء فكتب: (يشعر الإنسان أنّه يقف في جزء من الكرة الأرضية يسيطر عليه جفاف أبدي، في مكان لن تعود إليه الحياة إلاّ بحصول تحوّل عام، وبتعبير آخر فإنّ الإنسان يرى فيها احتضار كوكب الأرض).
ولجنة الاستكشاف الروسية بقيادة (خانيكوف) زارت هذه المنطقة خلال عامي (1858ـ1859م) بتكليف من اتحاد جغرافيي (بطرسبورغ) ودونت: (السكون المطلق يخيم في كلّ اتجاه ملنخولي منها، وانعدام أي أثر لوجود الإنسان، يشعران الإنسان بالغم والوجوم، ويشعر أنّه يقف في أرض ملعونة خالية من أي كائن حي).
(سون أندرسون فون هدين 1865ـ1952م) زار إيران عام (1886م) وكتب: (في قلب تلك الصحراء يسحر الإنسان، ويفرّ حيثما يشاء، لكنّه يجد نفسه ما يزال عالقاً مكانه، لا يعينه إلاّ الليل، وإلاّ فإنّها لا نهاية لها).
(الملازم الهندي وغان) عبر هذه الصحراء عام (1888م) فكتب عنها: (عندما تركت آخر نقطة قبل دخول تلك الصحراء، فوجئت بطريق محيّر جدّاً أمامي، يبدو كالبحر المتجمد، يمتد يميناً إلى ما لا نهاية).
وعند ضفاف هذه البسيطة التي تفترش الأرض باليأس والخمود والاستسلام، تصدّى جمع من ذوي الهمم العالية والعزائم الراسخة إلى إعمار تلك الناحية وإحيائها، وإيجاد المدن الجميلة فيها، وكأنّ روح الصحراء هذه ـ رغم عصيانها ومشاكستها للبشر من حولها ـ قد جرت في أجساد أهلها بلطف عميق، ولعبت دوراً أساسياً في صياغة شخصياتهم كأفراداً صادقين، مقاومين، قانعين، مؤمنين. ومن بين تلك المدن مدينة (زوّارة) الواقعة عند الساحل الجنوبي لتلك الصحراء المقفرة.
علة التسمية
والشكل الجغرافي لزوّارة:
لفظ زواره، وردت في الآثار البهلوية مثل (بندهش) على شكل (أوزوارغ). أمّا المؤلفات العربية وآثار الرحالة المسلمين مثل معجم البلدان لياقوت الحموي فقد ذكرتها بـ (أُزوارة). أمّا سكانها والقرويون القاطنون في الجزء السفلي شرق المدينة فإنّهم يطلقون عليها لفظ (زُوواره) ولمّا كان (زواره) هو اسم لبطل تاريخي في إيران، ولوجود تشابه اسمي بينهما، لذلك فإنّ العوام من أهلها يعتقدون أنّه هو مؤسسها، مثلما يقول البعض بأن والد زواره ورستم هو الذي بنى (أردستان). ولكن هذا الاعتقاد لم يقم على أساس منطقي موثق، ورغم ذلك فقد وجد طريقه إلى الثقافة وإلى الآثار الجغرافية، حيث يقول (حمد الله المستوفي): (زوارة هي من الإقليم الرابع، تقع عند أطراف الصحراء، بناها زواره أخو رستم).
وقد استدل البعض على ذلك المدّعى بوجود محلة (سام ميدان) وأسماء بعض المعمورات المحيطة بزواره.
الدراسات التاريخية والقرائن التي وجدت هناك تشير إلى وجود بحر كان يغطي مساحة الصحراء الوسطى الحالية، وأنّه كان متصلاً ببحيرة (ساوه) الحالية، وأنّه جفّ بالتزامن مع ولادة الرسول الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) وأنّه كان هناك نهر ينبع من المحل الحالي لزواره، كان يصب في ذلك البحر الصغير، وهو يقسم مدينة زوارة إلى قسمين شرقي وغربي. ويقوي ذلك وجود مكان يسمّى بقعر النهر وكيفية تشكل الرسوبات فيه كظاهرة (جيومورفولوجيكية) وأنّ زوارة تعني طريق البحر، أو طريق النهر الذي يصب في البحر. ففي جنوب غرب قضاء (شيروان) في محافظة خراسان توجد قرية تسمّى (زوارم) مشتق اسمها من نهر جارٍ في تلك المنطقة.
المعنى الآخر المتصوّر لهذا اللفظ هو (الحي) حيث كان زوارة ميتة، وأحييت بجهود أهلها، فلعل تسميتها بزواره جاء بمعنى المدينة التي أحييت مجدداً.
تقع زوارة في درجة العرض الشمالي 33 و27 دقيقة، ودرجة الطول الشرقي 52 و29 دقيقة. وترتفع عن سطح البحر (978) متراً، وهي واحدة من مدينتين معروفتين في قضاء (أردستان) وتبعد عن مركز القضاء مسافة (15) كلم شمال شرقه، وعن مركز محافظة أصفهان مسافة (120) كلم، ويحدّها من الشمال الصحراء الوسطى أو المركزية وتحديداً مرتفعات (ريگستان) الرملية والحجرية، ومن الشرق بلوك السفلى، ومن الغرب قرية گرمسير، ومن الجنوب أردستان وبلوك برزاوند.
عند إجراء أوّل إحصاء سكاني عام (1956م) اعتبرت زوارة قرية يبلغ عدد سكانها (3997) شخصاً، رغم وجود بلدية فيها منذ عام (1953م). وفي عام (1966م) أصبحت زوارة المدينة الوحيدة التابعة لقضاء أردستان بعد مركز القضاء، وكان عدد سكانها (5031) شخصاً. وفي أحدث إحصاء سكاني أجري عام (1991م) بلغ عدد سكانها (8239) شخصاً في (1843) أسرة. منهم (5496) شخصاً متعلماً من فئة ما فوق (6) سنوات، و(1618) أميّاً من نفس الفئة. وعدد العاملين من فئة ما فوق (10) سنوات (2194) شخصاً، والعاطلين عن العمل (237) شخصاً.
وبسبب انزواء المنطقة من حيث ارتباطها، والحرارة العالية، والظروف الصحراوية القاسية، وقلة الإمكانات؛ فإنّ ظاهرة الهجرة منها قد تفشّت في العقدين الأخيرين، حيث هاجرت منها الطاقات الشابة والمتخصصة والفعالة، لتستقر في باقي المدن، وخاصة في طهران وأصفهان وكاشان.
لمحة عن الجغرافيا التاريخية:
القرائن المتعددة الموجودة تشير إلى أنّ وجود زوارة يعود إلى ما قبل الإسلام. فالحصن القديم الصامد على مدى العصور، والذي يحيط بزوارة من كلّ الجهات، بعشرات الأبراج، والأبوات الأربعة، استطاع أن يصون أهلها من هجمات القبائل المتوحشة. إنّه دليل هام على قدم هذه المدينة تاريخياً. في داخل السور هناك ثلاثة محال سكنية هي: بُنُكويه، بُنُبويه، بنجيره. ما زالت تعدّ من أهم محلات المدينة. وفي عصر السلاجقة جرى ترميم السور، وفي العصور المتأخرة أهمل السور فلم يبق منه سوى قسم في شرق المدينة، ويبدو جدار السور عريضاً مكوّناً من قطع طابوق طينية كبيرة، يسمّيها الأهالي بمقلع الطابوق لسعتها. وبناء (مدينة ليلاز) الواقع في مركز اللاسرية في نواحي شمال زوارة هو من الآثار الساسانية ولا يزال مدفوناً تحت تلال رملية، وقد ألحق بالآثار التاريخية بقرار صدر عن الحكومة عام (1931م) وهو شاهد آخر على تاريخ زوارة قبل الاسلام، ويؤيد ذلك أيضاً وجود قنوات مائية تسمّى بالآبار الزرادشتية، وأسماؤها القديمة مثل: قناة خسروشاه، وآذربانو، ومهر وغيرها. إضافة إلى وجود مبانٍ مثل: شيگرد، وچانو، وهرمزدآباد، ومهرآبادو، وأمهران، واشكستان في نواحي وضواحي زوارة.
وفي أوائل القرن الهجري الرابع تشيع أهالي زوارة نتيجة ارتباطهم بمدن: قم ومشهد والري لوقوعها على طريق القوافل الصحراوية، واستقبلوا عدداً من السادة الطباطبائيين. واستناداً إلى وثيقة الوقف التي نظمت باللغة العربية يتبين أنّ (أحمد بن محمد بن رستم بن مهريار القرشي) عامل خراج أصفهان قد وقف زوّارة وبعض النقاط الأخرى على السادة الطباطبائيين. وهذه الوثيقة تعدّ من أقدم وثائق الوقف في إيران، وهي دليل آخر على قدم زوّارة.
وفي القرن الخامس، حيث كان (أبو علي دهدار الزوّاري) من المقربين لدى (حسن الصبّاح) وكان له مكانة خاصّة في قزوين، وكان بعض أهالي قزوين قد استجابوا لدعوته، فقد قام ببناء قلعة سنگبستي في مركز هذه المدينة لتكون ملجأ للإسماعيليين، وبعد عدّة قرون أضيف إليها بناء طيني آخر ما زال باقياً.
وفي القرنين الخامس والسادس الهجرين قام السلاجقة بإعمار زوّارة، واختاروا المسؤولين من بين أهالي زوارة، فأنشأت في زوارة عدة مبانٍ جميلة هامة، منها: مسجد بنكويه والمسجد الجامع لزواره. اللذان يشكّلان معلماً بارزاً للفن المعماري السلجوقي.
وفي القرن السابع الهجري امتدت نيران المغول المحرقة المدمرة إلى زوارة، وهاجم المغول المتوحشون مصاصو الدماء زوارة بشكل وحشي، وقتلوا أهلها، ودمروا مبانيها الداخلية، وخربوا الآبار الموجودة خارج نطاق تواجدهم، وقد تمكّن عدد كبير من السادة الطباطبائيين أن يفروا عبر القنوات المائية والآبار الخاصة بهم، ليلجأوا إلى مدن أخرى مثل: تبريز وقزوين وبروجرد.
وفي العصر الصفوي تحوّلت زوارة إلى محطة لطرق أصفهان القديمة حسب نقل (مكسيم سيروي) الفرنسي. ولقد أقام السيد محمد غراب الطباطبائي فيها مضافة جميلة من الطابوق بقيت حتّى عام (1953م) حيث هدمت تحت ذريعة تأسيس مدرسة ثانوية. وخلال العصر الصفوي نمت ثقافة الإعمار الفني في زوارة على يد مشاهير أقاموا صروحاً من الأعمال المعمارية، وكان لتلك الأعمال والمشاعل الوضاءة أثرها في نشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) والثقافة العرفانية. وفي أواخر العصر الصفوي أقيمت حسينية من الحجر الطيني لإقامة مراسم العزاء على مصائب أهل بيت الرسول (عليهم السلام)، وفي أوائل العصر القاجاري جرى تزيينها بالآجر بشكل جميل، وأضيف إليها أقسام جديدة، ثمّ أقيم مبنى آخر لحسينية في القسم الشرقي لزوارة، وكلتا الحسينيتين تحوي قسماً مكشوفاً لفصل الصيف، وآخر مسقوفاً لفصل الشتاء.
وأقيم في ذلك العصر أيضاً مبنى مدرسة لطف علي خان الترشيزي، وسوق زوارة، وبعد إقامة ذلك السوق قام (محمد حسين خان عرب) من أقارب السادة في زوارة بإعمار بناء مرقد يحيى سليل الأئمة، وأمر بتزيين رواق المرقد وسقفه بالرسوم الجميلة. ومن بين التراث الثقافي لزوارة: مسجد بنكويه والمسجد الجامع، وسنتحدث عنهما بإجمال:
مسجد بكويه زوّارة:
عند الضلع الغربي للمسجد الحالي، كان هناك معبد للنار قبل ظهور الإسلام، وقد هدم ذلك المعبد بعد ظهور الإسلام وانتشاره ودخول أهالي زوّارة الإسلام، واقيم مكانه مسجد بأربعة جدران بسيطة وارتفاع متوسط من الطابوق والطين. وفي العصر السلجوقي تمّ ترميم المباني القديمة بالآجر، وأضيف لبناء المسجد المذكور سبعة إيوانات مع سبعة محاريب نفيسة، وأقيمت مئذنة في الزاوية الجنوبية الشرقية. بنى هذا المسجد زعيم القرية (أبو عبدالله محمد بن إبراهيم) وما زال اسمه موجوداً في كتابات مئذنة المسجد وفو بعض المحاريب.
وفي عام (1932م) قام الفرنسي (أندريه غدّار) بزيارة زوّارة لدراسة مبانيها، وعندما شاهد المحاريب المنتظمة والكتابات وأعمال الجفصين الجميلة؛ وقف مدهوشاً من أعمال الجفصين التي جاءت في طبقتين، إحداهما من العهد السلجوقي والأخرى من العهد المغولي. وقد هدم إيوان ومحراب منها عام (1368هـ) بحجة ترميم المسجد، وفي عام (1980م) أجريت عمليات صيانة للمسجد، لكن المحاريب تضررت خلال هذه العمليات، ولم يبق منها سوى ثلاثة مصوّنة. وفي هلال محراب الإيوان الأساسي توجد العبارة التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم، مما أمر ببناء هذا المحراب محمد بن إبراهيم المتهجد لله) ونقشت الآية (29) من سورة الأعراف داخل المحراب بخط نسخ بطريقة جميلة، أمّا باقي المحاريب فقد نقشت فيها الآيات (77 و78) من سورة الإسراء. ومنارة المسجد تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد، وقد أقيمت هذه المئذنة على قاعدة ثمانيّة الأضلاع، وترتفع حالياً عن سطح الأرض (20،5) متر، أمّا قمة المئذنة فقد تآكلت على مرّ العصور. والكتابة المنقوشة على المئذنة تقع على ارتفاع (4،5) متر، وتشاهد بوضوح قرب سقف المسجد،وهي بالخط الكوفي البسيط والبارز، وبعرض (90) سم، من الآجر المحفور، وباللغة العربية، ويعطي المئذنة رونقاً خاصاً، ويعدّ من أجمل خطوط القرن الخامس الهجري. واستطاع (أندريه غدار) أن يقرأ لفظ الجلالة وتاريخ (461هـ) الذي يحدّد تاريخ بناء المسجد والمئذنة. أمّا السيد محمد علي الرفيعي ـ من المعتمدين محلياً ـ فقد قرأ الكتابة كلّها على الشكل التالي: (أمر ببناء هذه المنارة محمد بن إبراهيم ابتغاء لوجه الله سنة إحدى وستين وأربعمائة) لذلك فإنّ هذه المئذنة تعدّ ثاني أقدم مئذنة في إيران بعد مئذنة المسجد الجامع في ساوه.
المسجد الجامع في زوّارة
بني هذا المسجد في العصر السلجوقي، في عهد معزّ الدين أبو الحارث السلطان سنجر السلجوقي المتوفى عام (552هـ) على يد (علي بن أحمد) زعيم زوارة، وقد حفر اسمه بالكتابة الكوفية على آجر صحن المسجد. ويعود بناء المسجد إلى العام (530هـ) ثمّ أضيف إليه محراب نفيس مزيّن بجفصين فاخر، وتزيين آخر أضيف إليه، أمّا تاريخ الانتهاء من بنائه فهو عام (551هـ) حسب الوثائق الموجودة.
عمارة متناسقة، جفصين منقوش بالورود والأشكال الهندسية، وأوراق شجر على هيئة خلايا النحل. كلّ تلك المزايا تدل أنّ هذا البناء قد أقيم مرّة واحدة خلال العصر السلجوقي. والمسجد الجامع في زوّارة هو أوّل مسجد في إيران يتشكل من أربعة إيوانات.
كتب أندريه غدار: (المسجد الجامع في زوّارة هو أقدم مسجد يحوي أربعة إيوانات).
أمّا محققو جامعة كمبريدج فقد قالوا: (لقد بني المسجد الجامع في زوّارة كوحدة متكاملة، في حين أنّ النواح الأخرى تشير بأنّ القبة قد بنيت بشكل منفصل، ثمّ تبين أخيراً أنّ البناء الموجود في أطراف القبة هو أقدم من القبة بكثير).
وماريا فرانتيه الإيطالي وضع رسماً جميلاً للمدخل الغربي للمسجد، واعتبره في مقالته أنّه أقدم مسجد يحوي أربعة أواوين.
يقع المسجد المذكور في مركز الثقل بمدينة زوّارة، هو مرتفع عن الأراضي المحيطة به مقدار متر واحد، ومساحته تبلغ (1200) متر مربع، وله مدخلان مزينان بالآجر والأقواس، ويقعان في الضلعين الشرقي والغربي للمسجد. الإيوان الذي لجهة القبلة أطول من الإيوان المقابل له وأكثر عرضاً، والإيوان الشمالي أطول من الإيوانين الشرقي والغربي. وفي أطراف الصحن والأطراف العليا توجد كتابات بالخط الكوفي البارز من الآجر هي الآية (18) من سورة التوبة، وفيها تاريخ بناء المسجد واسم بانيه. أمّا ساحة المسجد الأصلية فهي ساحة شكلها مربع مساحته (50) متراً مربعاً، تعتليها قبة مرتفعة تتشكل من (14) ضلعاً. عند عنق القبة وفي أطراف القاعة توجد ثمانية أقواس، يحتوي كلّ قوس منها على (3) أو (4) أقواس صغيرة. تحت هذه الأقواس توجد حاشية عريضة نسبياً مزينة بالجفصين المنقوش على هيئة ورود وأوراق شجر، ونشاهد كتابات للآيات (187 و188) من سورة آل عمران قد تآكل قسم منها. وفي القاعة هذه يوجد محراب من الجفصين الجميل والنفيس، وحوله كتابة كوفية للآية (52) من سورة الأعراف وداخله جملتان بخط النسخ إحداهما الآية 18 من سورة التوبة والأخرى الآيتين (187 و188) من سورة آل عمران. أمّا المئذنة الملحقة بالمسجد فإنّها خارجة عند الضلع الغربي منه وإلى يمين المدخل الغربي للمسجد، يتم الدخول إليها من داخل المسجد عبر سلالم ملتوية، ويبلغ قطرها (4،5) مترا، وارتفاعها (11) متراً، وهذا يعني أنّ ارتفاعها كان أكثر من ذلك، وأنّ قسماً مهماً منها قد تساقط. هذا المسجد يشكل مركزاً ناجحاً وكافياً لإجراء كافة النشاطات الدينية والثقافية والاجتماعية لأهالي المنطقة، ويعدّ حالياً أهم مكان ديني في زوّارة.
زوّارة والثقافة
وإذا ما قلبنا صفحات تاريخ زوّارة، نجد أنّها رغم كونها مدينة صغيرة تقع في منطقة صحراوية منزوية ويقطنها عدد قليل من السكان، فإنّ كلّ ورقة من أوراق كتاب تاريخها يبرز مشاعل وضّاءة، قام كلّ واحد منهم معتمداً على طاقاته ونبوغه الذاتي وجهده العلمي ليسابق أقرانه، وليحتل مكانه بين خيرة رجال التشيع في إيران الإسلامية، مقتحماً غمار الثقافة والأدب والعلم، وفيما يلي نشير إلى بعض أولئك المشاهير:
المولى جمشيد الأزواري: واسمه هو (السيد غياث الدين جمشيد). ويعرف (بسيدگازر) و(الميرزا جمشيد). وهو من المحدّثين والمفسّرين الشيعة المعروفين، عاش خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري وأوائل القرن العاشر. ورغم أنّ هذا العالم قد عاش خلال عصر تسلّط فيه أعداء أهل البيت وأعداء ناشري ثقافتهم، لكنّه كان يدرس تلامذته سرّاً ليساهموا في نشر حقائق آل محمد (صلّى الله عليه وآله) وفضائلهم. وقد نقل (علي بن الحسين الزواري) في مقدمة ترجمته الفارسية لكتاب (أحسن الكبار) وصفاً لتلك الأوضاع الصعبة نقلاً عن أستاذه (السيد غياث الدين) المذكور.
بعض أصحاب التراجم ومنهم المدرّس التبريزي خلطوا بين شخصيتين هما: (غياث الدين جمشيد الكاشاني) و(السيد گازر)، فأوردوا تفسيره في جملة آثار الرياضي والفلكي الكاشاني. وكذلك فإنّ (دهخدا) في كتابه (لغت نامة) و(الدكتور أبو الفتح حكيميان) في كتابه (فهرست مشاهير إيران) وقد وقعا في هذا الاشتباه ايضاً. وكان أوّل من فصل بين شرح حياة وآثار (غياث الدي جمشيد الكاشاني) وحياة (السيد الگازر) هو (السيد محمد محيط الطباطبائي). فإنّ تفسير الگازر هو من الآثار القيمة لهذا السيد العاشق لأهل البيت، وتفسيره هذا يكتسب أهميته من الناحية الدينية والمعنوية لجهة مضامينه الأدبية ونصه المتين اللطيف الجميل. وأقدم نسخة خطية موجودة لهذا التفسير هي للجزء الرابع منه، وقد كتب عام (984هـ) وهي لملك الشعراء بهار.
فخر الدين علي بن حسن الزوّاري: وهو (المولى علي بن حسن الزوّاري) وقد سمّاه (الميرزا عبدالله أفندي) بالملاّ حافظ الزوّاري ويعدّ من الوجوه المشرقة في عالم التشيّع. عاش في القرن العاشر الهجري، وقد بذل جهداً وافراً من أجل نشر ثقافة أهل البيت وترويج طريقة الشيعة في عصر لم يكن فيه أهل تلك المنطقة على معرفة كاملة بأحاديث أهل البيت وأخبارهم، وترك مؤلفات قيّمة. أهل التراجم ذكروا عنه أنّه كان فاضلاً زاهداً عارفاً متقياً مفسراً فقيهاً محدثاً أديباً.
وقال فيه الدكتور محمد شفيعي: (علي بن الحسن الزوّاري، من أهل زوّارة، ومن علماء القرن العاشر الهجري المعروفين).
أمّا الدكتور سعيد النفيسي فقد اعتبره من العلماء المشهورين في عهد الشاه طهماسب الأوّل، وقال عنه: (… وكان أوّل من ألّف كتباً باللغة الفارسية في طريقة الشيعة، وكان من أنشط علماء زمانه).
هذا المفسر الشيعي هو تلميذ مدرسة السيد الگازر، وتلميذ المحقق الكركي المعروف. ومن تلامذته كان (المولى فتح الله الكاشاني) صاحب تفسير (منهج الصادقين) القيم.
أشهر مؤلفات (أبو الحسن الزوّاري) هو (تفسير ترجمة الخواص) الذي يعرف بتفسير الزوّاري أيضاً، ويعدّ من فئة التفاسير المأثورة. ومن آثاره أيضاً: ترجمة المناقب في فضائل الأئمة الأطهار، ولوامع الأنوار في معرفة الأئمة الأطهار، وروضة الأبرار في ترجمة وشرح نهج البلاغة، وطراوة الطائف في ترجمة كتاب الطرائف للسيد ابن طاووس، ومفتاح النجاة، وغير ذلك.
رفيع الدين محمد الطباطبائي: هو حكيم العصر الصفوي، ولد في زوّارة عام (998هـ) وتتلمذ على الشيخ البهائي، والمولى عبدالله الشوشتري، والأمير أبو القاسم الفندرسكي. وغاص في بحر العلم والحكمة والمعرفة بإشراف تلك المشاعل الوضّاءة. وكان بدوره أستاذاً لعلماء أعلام مثل: المجلسي الشهير، والشيخ الحرّ العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة، والمولى رفيعاي الگيلاني، والأمير محمد صالح خاتون آبادي. ويكفي في تبيان قدره ما ذكره المجلسي عنه في كتاب إجازات الحديث عندما اعتبره ثالث أستاذ له وأخذه إجازة الحديث عنه فقال: (… وقدوة الحكماء المتألهين، وسيد السند الميرزا رفيع الدين…).
من مؤلفاته: الشجرة الإلهية، ثمرة الشجرة الإلهية (بالفارسية)، شرح أصول الكافي، حاشية على الصحيفة السجادية، حاشية شرح حكمة العين، ورسالة في أقسام التشكيك والحقيقة.
دفن في تخت فولاذ أصفهان، ومرقده من الآثار الفنية للعصر الصفوي.
الحكيم الميرزا أبو الحسن جلوه: وينسب إلى السادة الطباطبائيين، وهو من أحفاد الميرزا رفيعاي، ولد عام (1238هـ) ودرس العلوم العقلية في أصفهان، وتتلمذ على علماء منهم: الميرزا حسن الحكيم، والميرزا حسن بن الآخوند الملا علي النوري، والملا عبد الجواد الخراساني الحكيم. ذهب إلى طهران عام (1273هـ) ودرّس فيها الحكمة والفلسفة، وخاصّة كتاب الشفاء لابن سينا والأسفار للملا صدرا، وذلك لمدّة (41) عاماً في مدرسة دار الشفاء طهران. وفي أواخر عمره مال إلى العرفان، ومن مؤلفاته: ديوان شعر، حواشي على الشفاء لابن سينا، حواشي على الأسفار الأربعة للملا صدرا، حاشية المبدأ والمعاد للملاصدرا، حاشية على شرح الهداية للملا صدرا، حاشية على المشاعر للملاصدرا، تعليقة على رسالة الدر الفاخر.
توفي عام (1314هـ) في طهران، وشيّع في موكب مهيب، ودفن في مقبرة ابن بابويه.
الشهيد آية الله السيد حسن المدرس: هناك كتب ومقالات كثيرة كتبت حول حياة ومؤلفات ونضال هذا المجاهد الذي لم يعرف الكلل في محاربة عملاء الاستكبار ومظاهر الاستبداد، لذلك سنكتفي في هذه المقالة بالإشارة إلى بعض جوانب حياته. عاش حتّى سن السادسة مع والدته (خديجة الطباطبائي) في بيت متواضع في محلة (دشت زوّارة) التي ما زالت قائمة، وأصبحت تعرف بمنطقة المدرس. إنّ وجود الحديقة المدرسية وأملاك السيد عبدالباقي في زوّارة هي شاهد آخر على ادعائنا بأنّ هذا العالم المجاهد هو من أهلها. وفي شجرة أنساب المدرس التي أعدّها السيد المرعشي النجفي، أشار فيها إلى هذا الأمر. وخلال استعراض حياة الشهيد السيد حسن المدرس في صحيفة (اطلاعات) العدد (346) عام (1927م) أشير إلى أنّه أساساً من أهالي زوّارة. وقرية (سرابه گچو) الجبلية كانت مقراً صيفياً لتلك الأسرة، كما أنّ السيد إسماعيل الطباطبائي كان يزاول الوعظ والإرشاد في هذه القرية، وتنتسب هذه الأسرة إلى طائفة الأمير عابدين من السادة الطباطبائيين القاطنين في زوّارة.
السيد محمد محيط الطباطبائي: ولد أوائل شهر تموز عام (1902) في قرية (گزلاي) في زوّارة، وهي مصيف أسرة السيد إبراهيم والد السيد محمد محيط. تلقى دروسه الأولى في مكتب زوّارة على يد الملا علي الحاج حسن، ثمّ ذهب إلى أصفهان ليكمل دراسته، ثمّ إلى طهران عام (1923م)، دراسات هذا الأستاذ كانت جديدة، وطرح مسائل ملفتة، منها بحثه عن الشاعر الخيام، فاستطاع خلال دراسة موسعة أن يفصل بين الخيام الشاعر والخيام عالم الرياضيات. وأوّل مؤلفاته كان كتاب (الجغرافيا الجديدة) في مجلدين، وقد درس عام (1936م) في ثانويات إيران. ومن كتاباته الأخرى: مجموعة آثار الميرزا ملكلم خان، المحاكم في إيران، العلم والعلماء، تطوّر الحكومة في إيران بعد الإسلام، العقيدة الدينية للفردوسي، ومئات المقالات والخطب في مواضيع مختلفة ثقافية وأدبية واجتماعية وتاريخية وسياسية، بحيث لو جمعت لأصبحت في مئات العناوين.
توفي الأستاذ محيط الطباطبائي عام (1992م).
غلام رضا گلي زوّارة
الزيارة
الزيارة لغة هي الحضور عند المزور ولكنّها في عرف الشيعة هي الحضور في أحد المشاهد المقدسة وتكون في سائر الأيام ولكن عندهم لها مواسم مخصوصة وهذه المخصوصة للنجف وكربلاء فقط.
إنّ الزيارة عند الشيعة حضور روحي وأنّ الروحانية الكبرى للمزور ونفسيته الممتازة وصفاته القدسية تفيض على نفسية الزائر فتكتسب منها لتطمئن بعد اضطراب ولتسعد بعد شقاء وترجو بعد قنوط وتشرق بعد تجهم.
ولزيارة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) مواسم منها:
مواسم عامة يجتمع فيها الزائرون والوافدون من مختلف مدن العراق وأنحائه، ومن مختلف البلدان الإسلامية الأخرى، وهي على قسمين:
أ ـ ما تقع في يوم معين، وهي أيام الزيارات المخصوصة بأمير المؤمنين (عليه السلام) وهي الأيام التالية:
1 ـ يوم الغدير الثامن عشر من شهر ذي الحجة وهو اليوم الذي نادى فيه النبي بأمرة عليّ للمسلمين في غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع.
2 ـ يوم مولد البني (صلّى الله عليه وآله) السابع عشر من شهر ربيع الأوّل.
3 ـ يوم مبعث النبي (صلّى الله عليه وآله) السابع والعشرون من شهر رجب.
ب ـ وما تقع في شهر معين، وهي شهور الزيارات المخصوصة بالحسين (عليه السلام) في كربلا حيث أنّ أكثر الزوار والوفود الذين يؤمون كربلاء لزيارة الحسين (عليه السلام) يؤمّون النجف الأشرف أيضاً لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك قبل يوم زيارة الحسين (عليه السلام) أو بعده. وهي في الأشهر التالية:
1 ـ شهر المحرم، حيث اليوم العاشر منه وهو يوم عاشوراء زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
2 ـ شهر صفر، حيث اليوم العشرون منه وهو يوم الأربعين. زيارتان مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
3 ـ شهر رجب، حيث اليوم الأوّل منه، وليلة النصف منه زيارتان مخصوصتان بالحسين (عليه السلام).
4 ـ شهر شعبان، حيث ليلة النصف منه زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
5 ـ شهر رمضان حيث ليالي القدر (19ـ21ـ23) زيارات مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
6 ـ شهر شوال، حيث اليوم الأوّل منه وهو عيد الفطر زيارة مخصوصة بالحسين (عليه السلام).
7 ـ شهر ذي الحجة حيث اليومان التاسع والعاشر منه وهما يوم عرفة ويوم عيد الأضحى زيارتان مخصوصتان بالحسين (عليه السلام).
ومواسم خاصة، وهي على قسمين أيضاً:
أ ـ مواسم عراقية يتجمع فيها العراقيون وحدهم غالباً وهي في اليومين التاليين:
1 ـ يوم دخول فصل الربيع (النوروز) الموافق (21) آذار، وعامة زوّاره من العشائر العراقية المجاورة لمدينة النجف الأشرف وبعض الإيرانيين الذين يفدون من إيران لهذه المناسبة.
2 ـ يوم ذكرى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) الثامن والعشرين من شهر صفر، حيث تفد فيه المواكب من أبناء المدن والعشائر القريبة من النجف الأشرف.
ب ـ مواسم نجفية يتجمع فيها النجفيون وحدهم غالباً وهي في:
1 ـ ليالي الجمع.
2 ـ ليالي القدر وهي ليلة التاسع عشر والحادي والعشرين والثالث والعشرين من شهر رمضان.
3 ـ أيام وفيات أهل البيت (عليهم السلام) حيث تفد على الحرم الشريف مواكب من أبناء النجف. وهي:
1 ـ (21) رمضان، ذكرى وفاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
2 ـ (15) جمادى الأول، ذكرى وفاة فاطمة الزهراء (عليه السلام).
3 ـ (7) صفر، ذكرى وفاة الحسن (عليه السلام).
4 ـ الأيام العشر الأوائل من شهر محرم، ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام).
5 ـ يوم (25) محرم، ذكرى وفاة علي بن الحسين (عليه السلام).
6 ـ يوم (7) ذي الحجة، ذكرى وفاة محمد الباقر (عليه السلام).
7 ـ (7) ذي الحجة، ذكرى وفاة جعفر الصادق (عليه السلام).
8 ـ يوم (25) رجب ذكرى وفاة موسى الكاظم (عليه السلام).
9 ـ يوم (17) صفر، ذكرى وفاة علي الرضا (عليه السلام).
10 ـ آخر يوم من ذي القعدة، ذكرى وفاة محمد الجواد (عليه السلام).
11 ـ يوم (3) رجب، ذكرى وفاة علي الهادي (عليه السلام).
12 ـ يوم (8) ربيع الأول، ذكرى وفاة الحسن العسكري (عليه السلام).
13 ـ يوم (14) رجب، ذكرى وفاة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام).
الزيدية
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، من أبطال الحرية وشهدائها في الإسلام، وأحد الذين لم يصبروا على ما ينزله الحاكمون من جور لشعب وتضييق عليه واستبداد به، لذلك عمد إلى الثورة المسلحة إيقاظاً للأمّة وتحذيراً للظالمين، وبذل دمه في سبيل ذلك.
ولد زيد عام 78 للهجرة واستشهد سنة 120. وقد شبّ وترعرع في عهد تحوّلت فيه حركة الإسلام العظيمة من دعوة للهدى والإصلاح والعدالة الاجتماعية وأنصاف للمحرومين، إلى ملك عضوض وسلطة فردية تستباح فيها حريات الشعب وكرامته ورزقه. وعاد ذاك الدين العظيم الذي جاء لإنقاذ البشرية من فساد الحكام وشرور الظالمين ـ عاد تسلطاً استبدادياً واستغلالاً مطلقاً لا تقيده حدود ولا توقفه شريعة ولا قانون.
فكان على الأحرار الأباة أن لا يصبروا على هذا ولو دفعوا الثمن دماءهم وأرواحهم، وقد ورث زيد عن جدّه العظيم الحسين بن علي بن أبي طالب سجية المفاداة والإباء والدعوة إلى التحرر ودفع الجور، ومقاومة الطغيان والظلم والاستبداد.
ولكي ندرك أهداف الثورة الزيدية يكفي أن نقرأ صورة البيعة الذي أخذها زيد على الثائرين معه وهي كما رواها ابن الأثير: «إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين».
هذا هو بيان الثورة وهذا منهجها: جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين. ولعمري إنّه لمنهج حري بمثل زيد أن يقود الناس إلى تحقيقه، بعد أن عاد الشعب كلّه مستضعفاً محروماً، وعادت الخيرات كلّها تجبى إلى فئة يسيرة جعلت من الشعب عبيداً وخولاً ومن ماله نهباً وغنيمة.
وإنّنا اليوم وقد مضت على ثورة زيد هذه القرون المتطاولة لنرى في منهجه أفضل منهج شعبي تحريري تقدّمي يصلح لكلّ عصر وزمان.
ومن هنا كان زيد بطلاً من أبطال الحريات الشعبية، وثائراً من أبسل ثوار النهضات في الأمم.
وإذا كانت ثورته لم تنجح كما أريد لها بسبب الظروف التي اعتورتها فكيفي أنّها نجحت في تنبيه الأمّة وإرساء عقيدة الثورة المسلحة في وجه كلّ حكم ظالم.
أمّا الزمن الذي أعلن فيه زيد ثورته فكان زمن هشام بن عبدالملك، حيث كان قد استشرى الطغيان واستفحل الجور قبل هشام وظلّ مستفحلاً مستشرياً في عهد هشام، كما ظلّ كذلك بعد هشام. فرأى زيد أن يقصد الكوفة حيث استقبل بالترحاب وحدد موعداً للبدء بالتحرك، ولكن حدث ما اضطره للخروج قبل الموعد المحدد، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أوّل ليلة من صفر فعلم والي الكوفة لترتيبات زيد، فتعقب اثنين من أنصاره فقتلهما، وخشي زيد من انكشاف مكانه هو نفسه فتعجل الخروج قبل الأجل ممّا أدّى إلى فشل الثورة عسكرياً، ولكن «الزيدية» أصبحت مبدأ ثورياً تفرض مناهضة الطغيان والخروج بالسيف على الظالمين، وقد تتابع أبطالها واحداً بعد واحد واستشهدوا في سوح الكفاح.
أئمة الزيدية
قبل بدء الإمامة في اليمن
علي. الحسن. الحسين. الحسن المثنى. زيد. يحيى بن زيد. محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى. إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى. علي بن العباس بن الحسن المثنى. الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى (شهيدفخ) يحيى بن عبدالله بن الحسن المثنى (صاحب عهد الرشيد) إدريس بن عبدالله بن الحسن([197]) عبدالله بن محمد النفس الزكية. الحسن بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى. محمد بن ابراهيم. محمد بن جعفر بن محمد. محمد بن سليمان بن داود بن الحسن. القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل. محمد القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين. يحيى بن عمر بن علي بن الحسين بن زيد (مرثي ابن الرومي) علي بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (صاحب طبرستان). أخوه محمد بن زيد المعروف بالداعي بطبرستان.
الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب([198]) يحيى الهادي. وبه تبدأ الإمامة الزيدي في اليمن. كما سنفصله.
بدء الإمامة الزيدية في اليمن
الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الإمام الأوّل في اليمن ومؤسس الإمامة وناشر المذهب الزيدي فيه([199]) الذي بلغ عدد أئمته في اليمن منذ الهادي حتّى محمد البدر ستة وستين إماماً بدأ حكمهم من سنة 284 هجرية.
كان الهادي يسكن المدينة في الحجاز على قول أو الرس([200]) بين الحجاز ونجد على قول آخر فجاءه وفد من اليمن يدعونه للذهاب معهم ليلي الأمر هناك وذلك سنة 280.
إلى هنا والرواية معروفة، ولكن كيف كان الحال في اليمن، وما هي العوامل التي دعت لاختيار يحيى بالذات وكيف كان يحيى هذا يعيش في موطنه وكيف اشتهر أمره حتّى بلغ اليمن فدعاه أهله إليهم؟
كلّ هذا يختفي خلف جلباب من الغموض لم يفصح عنه أحد من المؤرخين في الكتب التي بين أيدينا، ولعل في مخطوطات اليمن الكثيرة ما يجلو بعض ما خفي من الحقائق.
على أنّي حاولت جلاء هذه النقاط مشافهة من بعض عرفاء اليمانيين فأكدوا أنّ ليس لديهم ما يوضح أكثر ممّا وضح لنا في هذه الأوراق.
ونحن هنا مضطرون للاستنتاج المنطقي المعقول، فلكي ياتي وفد من اليمن فيطالب يحيى بالذهاب معه ويضمن له النصرة والتأييد، يجب أن تكون هناك بذور زيدية متأصلة، وقواعد شيعية متمركزة، وإلاّ فليس من المعقول أن يقدم بضعة أفراد على هذه المغامرة ولا من المعقول أن يجيبهم إليها يحيى. أمّا التفاصيل عن هذه البذور الزيدية والقواعد الشيعية فهذا ما يحجبه عنّا ضباب التاريخ المجهول الذي لم يدون.
ولكن الذي نستنتجه أيضاً أنّ الشيعة الزيديين هناك لم يكونوا قد بلغوا من التنظيم والعدد ما يمكن أن يرتكز إليهم قيام دولة ناشئة والدليل على ذلك أنّ يحيى الذي سنطلق عليه بعد الآن لقبه الذي ارتضاه لنفسه وهو الهادي لم يلبث بعد أن أجاب الدعوة وذهب إلى اليمن وبويع هناك على النصرة والتأييد ـ لم يلبث بعد أن بلغ (الشرفة) من بلد (نهم) أن عاد إلى الحجاز لأنّه لم يجد النصرة الكافية والتأييد المطلوب، ويظهر أنّ الوفد كان قد بالغ في وصف القوى المؤيدة والعناصر المناصرة ولمّا وصل الهادي وتحقّق الأمر لم يشأ أن يدخل في مغامرة غير مضمونة العواقب فآثر العودة إلى موطنه في الحجاز.
وانقضت على ذلك أربع سنوات وأتت السنة 284 فعاود اليمانيون الرحلة إليه وأخذوه معهم من جديد ومضوا به إلى صعدة فاستتب له الأمر وتقدّم إلى نجران وبرط فملكهما وملك أعمالهما ثمّ استدعاه أبو العتاهية ابن الروية إلى صنعاء في المحرم سنة 288 ثمّ عاد إلى صعدة ويقول بعض المؤرخين اليمنيين إنّ الفوضى المنتشرة في اليمن يومذاك، والفتن السائدة كانت من العوامل الفعّالة في نجاح دعوة الهادي.
بعد الهادي
وفي هذا الحين لم يكن يربط اليمن بالخلافة العباسية إلاّ روابط واهية لا تتعدّى الخطبة والسكة.
على أنّ الطريق أمام الهادي لم يكن سهلاً، فكان لا بدّ له من أن يقاتل في سبيل توطيد إمامته في أكثر من ثمانين معركة دارت بينه وبين آل يعفر وآل الضحاك وآل طريف والدعام والأكيليين والقرامطة وجماعة علي بن الفضل.
ومات الإمام الهادي سنة 298 في صعدة ودفن فيها وضريحه هناك مهوى القلوب وموضع تقديسها واحترامها. والأئمة الذين حكموا اليمن بعده كانوا في معظمهم من نسله، وعددهم تسعة وخمسون إماماً، ثم الأئمة الحسنيون. وبويع خمسة أئمة حسنيين آخرين من غير نسله، كما بويع إمامان حسينيان([201]).
على أنّ سلطة الأئمة لم تتعدد شمال اليمن حتّى أوائل القرن الحادي عشر إلاّ في فترات متقطعة قصيرة وإن كان بعضهم كالمتوكل المطهر بن يحيى وولده المهدي ومن جاء بعدهما حتّى أواخر عهد محمد بن الناصر قد استطاعوا خلال القرنين الثامن والتاسع أن يسيطروا على صنعاء وذمار، ولكن سيطرة غير مستقرة تزعزعها المعارك بين الأئمة وبين آل رسول وآل طاهر.
والإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين (912ـ965) وولده المطهر (965ـ980) استطاعا أن يثبتا سيطرتهما على صنعاء في أوّل عهدهما إلى أن دهمهما الغزو التركي فأخرجهما من صنعاء ولاذا بالجبال.
وبعد أن حكم شرف الدين أربعين عاماً اعتزل الإمامة فقام مقامه ولده المطهر الذي صمد للأتراك صموداً كان مثار الإعجاب، ومن بعده صمد لهم الإمام المنصور القاسم (1006ـ1029) ثمّ ولده المؤيد الذي استطاع أن يجلي الأتراك ويخرجهم من اليمن.
على أنّ حكم الأئمة لم يستطع أن يخضع المناطق اليمنية الأخرى مثل أب وتعز وحضرموت وتهامة بل ظلّت دون متناول أيديهم ما عدا سنوات من الفترة التي حكم فيها الإمام شرف الدين، فقد استطاعت قواته السيطرة على تعز وأب من سنة (941ـ945) يقودها ولده المطهر الذي لم يتوان عن الفتك والبطش والقسوة في سبيل توطيد حكم والده وإيصاله إلى ما لم يكن قد وصل إليه من قبل.
على أنّ المطهر بعد تنازل أبيه له عن الإمامة فوجىء بالغزو العثماني كما تقدّم فاضطر للتخلي عمّا كان في يده والانسحاب إلى الشمال.
وفي أوائل القرن الحادي عشر بدأ الأئمة بالتغلغل في جنوب اليمن وتهامة حتّى امتدّ نفوذهم إلى حضر موت في أيام المتوكل إسماعيل وأولاده ومن تلاهم من آل القاسم بعد أن خلت البلاد من قوّة مناوئة بجلاء الأتراك الجلاء الثاني.
على أنّ الأمر لم يخل من ثورات وتمردات كثيرة كثورة همدان وبني حشيش وبني الحارث سنة 1102 التي قامت في وجه المهدي وثورة همدان سنة 1256 وثورة صنعاء سنة 1260 وغير ذلك من الثورات التي كان أكثر بواعثها النزاع حتّى بين الأسرة الواحدة كالنزاع بين آل القاسم أنفسهم الذي استمرّ حتّى سنة 1269 حين خرجت الإمامة منهم بقيادة الإمام المنصور محمد بن عبدالله.
ولم يكن يخلو الأمر من قيام أكثر من إمام في وقت واحد فتقوم المعارك بين المتنازعين كما حدث بين المهدي صاحب المواهب وبين ابن عمّه المنصور الحسين بن القاسم من جهة وبين المهدي وبين المتوكل القاسم بن الحسين من جهة أخرى، بل إنّ الأمر لم يخل في منتصف القرن الثالث عشر من قيام خمسة أئمة في عصر واحد في صنعاء وما حولها ممّا أدّى إلى إضعاف القوى ومكّن الأتراك من احتلال اليمن من جديد سنة 1252 بعد أن كان قد أجلاهم عنها المؤيد محمد بن القاسم 1045 كما سهل بعد ذلك للإنكليز مهاجمة عدن واحتلالها.
وقد صور المؤرخ اليماني (الجنداري) في كتابه (الجامع الوجيز) بعض هذه الأحوال بأسلوبه الخاص صورة تريك بعض ما كان يصل إليه الأمر في أواخر القرن الحادي عشر قال:
«وبعد موت المؤيد محمد بن المتوكل إسماعيل افترق آل الإمام فرقاً ومليء بعضهم من بعض فرقاً لطمع الكل بالإمامة وكادت تقوم القيامة، وكان المؤيد قد أوصى بالإمامة إلى ابنه يوسف لأنّه أحسن أخوته، فدعا يوسف بضوران. ودعا الحسين بن عبد القادر بكوكبان والحسن بن محمد بعمران وعلي بن أحمد بصعدة والحسين بن الحسن برداع، وصارت الأرض جيفة وفي كل قرية خليفة ودعا محمد بن احمد بالمنصورة وسمّي بصاحب المواهب وهو الذي غلب وصال عليهم ووثب وما ظفروا بغير اللقب».
وبعد أن خرجت الإمامة من آل المنصور عادت إليهم سنة 1307 عندما تولاها الإمام المنصور محمد بن يحيى حميد الدين.
ودام الاحتلال التركي خمسة وثمانين عاماً أي إلى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1337 حيث استطاع الإمام المتوكل يحيى بن محمد حميد الدين السيطرة على اليمن شماله وجنوبه.
وعرف عهده وعهد ابنه أحمد بعهد الحكومة المتوكلية وقد استمر هذا العهد من سنة 1332 إلى سنة 1382هـ.
وكثير من هؤلاء الأئمة كانوا يباشرون الحرب بأنفسهم في سبيل توطيد ملكهم وبعضهم كان يقتل في المعارك كما أنّ فيهم مؤلفين كالإمام المتوكل أحمد بن سليمان (532ـ566) صاحب كتاب (أصول الأحكام) المشتمل على ثلاثة آلاف وثلثمائة حديث وكتاب المدخل في أصول الفقه وكتاب (الحكمة الدرية) في أصول الدين. وقد جمع أحد أصحابه سليمان بن يحيى الثقفي سيرته في كتاب خاص.
وكالإمام المنصور عبدالله بن حمزة (583ـ614) الذي ينتهي نسبه إلى عبدلله بن الحسين بن القاسم الرسي أخي الإمام الهادي فإنّ له عدّة مؤلفات وفتاوى ومن مؤلفاته كتاب (الشافي) الذي يضمّ خمسين ألف حديث وكالإمام المعتضد يحيى بن المحسن (614ـ636) صاحب كتاب المقنع في الفقه، وكالإمام المهدي محمد بن المطهر (697ـ728) صاحب كتاب (المنهاج الجلي في شرح مجموع الإمام زيد بن علي) وكتاب (عقود العقيان في الناسخ والمنسوخ من القرآن) وغيرهما وكالإمام المؤيد يحيى بن حمزة (729ـ749) وهو من الأئمة الحسينيين وله كتاب (الطراز) في علم المعاني والبيان والبديع وكتاب (الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) وكتاب (الشامل) في علم الكلام وكتاب (نهاية الوصول في علم الأصول) وغيرها وكالإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (793ـ794) الذي بايعه علماء صعدة ولكن لم يطل به الأمر حتّى نازعه المنصور بن الناصر فانتصر عليه واعتقله في سجن صنعاء فكان هذا الاعتقال خيراً على العلم، إذ انصرف المهدي في السجن إلى التصنيف فألّف كتاب (الأزهار) في فقه الأئمة الأطهار (وكتاب الغيث المدار في شرح الأزهار) وكتاب البحر الزخار الجامع لعلماء الأمصار (وهو الذي طبع في القاهرة سنة 1954 مع تخريج للقاضي محمد بن يحيى لكن طابعيه حذفوا مقدمته مع أنّها من خير ما فيه وكتاب (القلائد في تصحيح العقائد) وكتاب (منهاج الأصول في شرح معيار العقول) وكتاب (القاموس) في الفرائض (وكتاب المنية والأمل في شرح الملل والنحل) وغير ذلك من الكتب التي ألّف معظمها في السجن فكان له من المنزلة الخالدة في قلوب اليمنيين ما لم يفز به أي إمام غيره ممّن تملكوا أو حكموا السنين الطوال وكالإمام المتوكل يحيى شرف الدين (912ـ965) مؤلف كتاب (الأثمار) في الفقه.
وكالإمام المنصور القاسم بن محمد (1006ـ1029) مؤسس الدولة القاسمية، وهو الذي استطاع أن يتغلب على الأتراك ويحصرهم في مناطق محدودة لا يتجاوزونها ومن مؤلفاته (الأساس في علم الكلام) والإرشاد في تيسير الاجتهاد (والاعتصام في الحديث).
الزيدية في طبرستان
والجيل والديلم
وفي نفس الوقت الذي كانت تقوم فيه الإمامة الزيدية في اليمن، كان هناك دعوات زيدية في طبرستان والجيل والديلم. ويبدو مما قاله صاحب (غاية الأماني) أنه كان هناك نوع من التواصل بين زيود هذه الجهات وبين زيود اليمن. فهناك مثلاً حركة الحسن بن زيد بن محمد الملقب بالداعي إلى الحق الكبير الذي ظهر سنة 250 في طبرستان، ثم فتح آمل وسارية والري وجرجان وقومس هازماً بني طاهر ثم توفي سنة 270 واستمرت تلك الدولة حتى سنة 345.
وهناك مثلاً دعوة الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن من ذرية زيد بن الحسن بن علي الذي ظهر في إقليم الديلم. وكان قبل ذلك نقيب العلويين في بغداد ولاه إياها معز الدولة البويهي ويروي صاحب (مآثر الأبرار) أبياتاً للرضي يمدحه فيها حين ولي النقابة وفيها يقول:
يا ابن علي بن أبي طالب
مثلك من دل على مثله
لو لم أقل بالنص من مذهبي
وكنت كالقاطع من حبله
لقلت قد قام إمام الهدى
واجتمع العالم في ظله
ثم كاتبه زيدية الديلم يبايعونه ووصل إليه وفد منهم فخرج من بغداد سراً ووصل الديلم سنة 353 فبويع في سهل الديلم وجبلها والجبل وطبرستان. توفي سنة 360 ودفن هناك.
وهناك دعوة أحمد بن الحسين بن هارون من ذرية زيد بن الحسن بن علي المولود في طبرستان سنة 333 والمتوفي يوم عرفه سنة 411. وهناك دعوة أخيه الذي كان يتنقل بين جرجان واسترآباد والديلم ثم توفى بالديلم سنة 424 عن نيف وثمانين سنة. وغير هؤلاء قام دعاة زيديون في تلك البلاد جهروا بإمامتهم ودعوا الناس إلى بيعتهم، وكانت سلطتهم تنقبض حيناً وتنبسط حيناً وكثيراً ما اصطدموا بدعاة الباطنية واشتبكوا معهم في حروب. كما كانت لهم صلات خارج مناطقهم كهذا الذي بين صاحب عمان الزيدي، وبين يحيى بن أحمد بن الحسين الذي خرج بجيلان سنة 502 ودانت له أكثر بلاد الجيل واتصل امره إلى هوسم وسرى إلى جبال ديلمان. ولم تقتصر صلاته على صاحب عمان بل أرسل من قبله وفداً إلى اليمن إلى صعدة نفسها وكان رسوله إليها أبو طالب بن أبي جعفر فقيه الزيدية في عصره وعالمهم. إنّ المصادر التي بأيدينا لا تحدد مهمة هذا الرسول، ولا حقيقة العلاقة بين الإمامة الزيدية في جيلان والإمامة الأخرى في اليمن ويروي صاحب مآثر الأبرار رسالة يقول إنّ يحيى أرسلها إلى السيد شرف الدين الحسين بن عبدالله بن المهدي بن عبدالله بن المرتضى بن الهادي ويسمّيها صاحب المآثر: العهد وينقل منها قوله: «فليعلم إخواننا حفظهم الله أنّ مولدنا بديلمان ومنشأنا بين جيلان وطبرستان والعراق وخراسان».
على أنّه يفهم مما جاء في غاية الأماني في أخبار القطر اليماني أنّ الرسالة كانت سنة 511 إلى الأمير المحسن بن أحمد بن المختار بن الناصر بن الهادي إلى الحق وأنّها كانت دعوة إلى الانضمام إلى الإمامة القائمة في جيلان، وأنّ الأمير المحسن «تلقاها بالقبول التام وقام بها أتمّ قيام ودعا الناس إليها فأجابه أهل جهات كثيرة كنجران وصعدة والجومين والظاهر ومصانع حمير» ثم يقول: «وملك حصن تلا وغيره».
ولما مات يحيى سنة 516 أوصى أن يدفن سراً ليخفى موضع قبره على الباطنية. ومن هنا تبدو شدّة الصراع التي كان بينه وبين الباطنية.
ويكتنف الغموض الحركة الزيدية في طبرستان وجيلان بعد ذلك فلا نرى من أخبارها إلاّ القليل كهذا الذي يذكره صاحب المآثر وهو يتحدّث عن الإمام عبدالله بن حمزة المتوفى في المحرم سنة 614 إذ يقول: «ولمّا صدرت تصانيفه إلى الديلم سنة 604 واطلع عليها السادة من أهل البيت وفقهاء الزيدية هناك تزاحموا إلى بيعته تزاحم الإبل العطاش عند الحياض وقالوا هو أعلم من الناصر مع أنّهم في الجيل خاصة لا يكادون يعدلون بالناصر أحداً».
فهل زالت الإمامة هناك وبقي أتباعها الزيود يرجعون إلى أئمة اليمن وحدهم؟ والذي لا شك في أنّ الأئمة في اليمن كانوا يرسلون دعاتهم إلى طبرستان، أو أنّ زيدية طبرستان أنفسهم كانوا يتصلون بالإمامة في اليمن.
وصاحب المآثر يتحدّث عن وصول تصانيف الإمام اليمني إلى الديلم ولكنّه لا يتحدّث عمّن أوصلها أهو صاحبها نفسه أرسلها أم أنّ الطبريين طلبوها؟
شروط الإمامة
ولا بد لنا قبل الختام من أن نبيّن شروط الإمامة في العقيدة الزيدية كما عرضها كاتب زيدي عريق كما يلي:
إن المشهور في صفات الصالحين من (أئمة الزيدية) على العموم لا تباين صفات (الخلفاء الصالحين) وهي تمثل تواضعهم واهتمامهم بأمور الرعية وتمسكهم بالشورى، أو ترفعهم عن سيئات الترف وموبقات الفساد، ليسوا بالملوك المتغلبين، ولا بالسلاطين الجائرين، دستورهم القرآن، وشرعتهم الإنصاف، ولست أدّعي أنّ تلك الصفات قد تمتع بها كلّ من حكم اليمن من (الأئمة الزيدية) وإنّما تنطبق على مجموعهم لا على جميعهم وعلى جلّهم لا كلّهم، وقد وجد من بين أفرادهم عبر التاريخ من تنكب عن الصراط المستقيم.
وشروط الإمامة بضعة عشر شرطاً وهي كما في كتب الأصول أن يكون: (مكلفاً، ذكراً، حراً، علوياً، فاطمياً، سليم الحواس والأطراف، مجتهداً، عادلاً، سخياً بوضع الحقوق في مواضعها، أكثر رأيه الإصابة، مقداماً، لم يتقدمه مجاب، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويستشير أولي الخبرة من المواطنين).
هذا في الحالات التي تسير فيها أمور المسلمين دون تسلط ظالم، أما في حالة وجود مغتصبين للسلطة ظالمين، فأن طريقها هو الخروج (الثورة).
فالخارج على الظلمة المستوفي لشروط الإمامة تجب نصرته ويكون هو الإمام.
وقد جاء في ديوان الإمام الزيدي: المنصور بالله عبدالله حمزة شروط الإمامة الزيدية خلال قصيدة طويلة له:
إنّ الإمام الواجب الحق: الذي
ينصب للشعوب والقبائل
من جمع الست الخصال واغتدى
مفزع كلّ هارب وسائل
علماً وزهداً وذكاً ونجدة
في الروع والجود ببذل النائل
ومنصباً من حسن أو صنوه
الحسين مع فضل شهير شامل
فمن حوى وقام ودعا
وخاض لج السمر والمناصل
وشق مدح الخيل غير هايب
وكان في الأزمة غير باخل
عدد الزيود
المدققون يقولون أنّ الزيود هم النصف من سكان اليمن ويقول البعض أنّهم خمسة وستون في المائة ويقول آخرون أنّهم ثلثا السكان، وغالبيتهم يقطنون في شمال اليمن وشرقها، أو في سلسلة جبال «السراة» التي تمتد من حدود الحجاز شمالاً إلى أن تصل إلى حدود «عدن» جنوباً.
الزيج كتاب لابن الأعلم
إبْنُ الأَعْلَم هو الشريف أبو القاسم علي بن أبي الحسن علي ابن أبي المجيب علي بن جعفر بن محمد الأعلم فيلسوف وفلكي.
هناك اختلاف حول محل ولادته، فالبعض يعتقد بأنّه بغداد، والبعض الآخر الكوفة.
ويعتقد القفطي أنّه توفي عام 375هـ في منزل عُسَيْلة أثناء عودته من الحج.
واصل دراسته في بغداد حتّى أصبح أستاذاً في الرياضيات وعلم الهيئة وفروعه وعارفاً بالقانون الفيثاغوري من الموسيقى. وقد عاصر ثلاثة خلفاء عباسيين هم المستكفي والمطيع والطائع، لكن ليست هناك معلومات عن طبيعة علاقته بهم. وحظي بمكانة عند عضد الدولة الديلمي واعتبره أستاذاً في حل الجداول الفلكية. وبعد وفاة عضد الدولة تردّى حاله وتأخّر أمره عند ابنه صمصام الدولة فانقطع عنهم وقصد الحج في 374.
ولا يستبعد أن يكون عضد الدولة قد أمره بإنشاء مرصد في بغداد لأنّ زيج ابن الأعلم الذي يعتقد أنّه ناسخ للزيجات القديمة مثل زيج يحيى بن أبي منصور، لا بدّ أنّه كان نتيجة دراساته الفلكية في مثل هذا المرصد. ولقب ابن الاعلم بـ«صاحب الزيج» بسبب تأليفه هذا الكتاب الذي عوّل عليه الفلكيون منذ عصر المؤلف وبعد عصره بقرون.
وقد أيّد عدد من العلماء كالبيروني وابن يونس وكوشيار بن لبّان الجيلي صحة أرصاد ابن الأعلم من خلال استخدامهم لها، ونقلوا آراءه في آثارهم حتّى إنّ البيهقي أشار إلى أنّ تقويم المريخ من زيج ابن الأعلم أصحّ وأقرب إلى التحقيق باتفاق المهندسين بأسرهم.
وممّا لا شك فيه انّ من عوامل نجاح زيج ابن الأعلم الباهر أنّه كان يصنع بنفسه أدوات الرصد أو يقوم بتصليحها عند الحاجة فهو دون شك من روّاد صناعة الزيج في تاريخ الفلك الإسلامي، ومع ذلك لا يمكن عده أوّل من عمل الزيج.
وذكر البيهقي ومن بعده الشهرزوري أنّ ابن الأعلم ألقى الزيج الذي له في الماء، ولا توجد منه إلاّ نسخة سقيمة، كما قالا إنّه كان في أخلاقه كالمجانين، وربّما كان هذا هو السبب الذي دفعه للقيام بمثل ذلك العمل. ونفهم من قول البيروني والقفطي أن ذلك الزيج كان موجوداً آنذاك وكان يعمل به. كما ورد في نامه دانشوران «أنّ من مؤلفاته أوّلاً زيج مفصل لا تزال نسخته موجودة»، ولم يذكر مكان وجودها. ويبدو أنّ الجداول الخمسة لـ زيج كوشيار الموجودة في مكتبة برلين مأخوذة من مصنف ابن الاعلم وهي: جدول تعديل الشمسي، وجدول تعديل مركز زحل، وجدول تعديل مركز المشتري، وجدول تعديل مركز عطارد، وجدول تعديل حصة عطارد..
وتنسب له مؤلفات أخرى هي: أحكام النجوم، رسالة في النجوم، أحوال المنجّمين في العصر الإسلامي، «الأعداد الفلكية» استخراج مواضيع فلكية، «عمل الاسطرلاب»، «فوائد علم الفلك»، «مشكلات علم الفلك»، كتاب في علم الأحكام باسم عضد الدولة الديلمي رسالة في بعض أحكام النجوم تنفع الأطباء، رسالة في الرد على أسئلة أبي ماهر الطبيب، رسالة في كيفية استخراج الأحكام، رسالة عن حياته وطريقة الرصد وإعداد معداته، رسالة في أقوال المنجّمين، رسالة في تصحيح زيج يحيى بن أبي منصور، رسالة في أقوايل أهل النجوم، رسالة في الرد على بعض أقوال الفلكيين؛ رسالة في حركة كواكب البروج، رسالة في بقاع الأرض، رسالة في القبلة، رسالة في البحار والجبال، رسالة في تصحيح كلمات بطليموس.
الزيج الجامع البالغ
تأليف أبو الحسن ويُقال أبي علي كوشيار بن لياليزور بن الحسين بن عيسى بن مهدي الجيلي هكذا سرد نسبه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ج12 ص492 وقال كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: (كوشيار بن الجيلي اشتهر حوالي سنة 350هـ/ 966م) وذكره البيروني.
وجاء في أوّله بعد البسملة (قال الكنا الجليل أبو الحسن كوشيار بن لبان الجيلي أنّي لما تصفّحت الزيجات المؤلفة في صناعة النجوم وتأمّلتها فكان في بعضها فساد تحتاج إلى إصلاح وفي بعضها تطويل…).
وقد جعله في أربع مقالات كما في مقدمة المقالة الأولى في حساب الأبواب والمقالة الثانية في جداولها والمقالة الثالثة في الشرح والهيئة والمقالة الرابعة في البرهان على صحّة حساب الأبواب.
وصف حاجي خليفة هذا الكتاب في كشف الظنون ج2، ص968 قال: (الزيج الجامع والبالغ لكوشيار وهو كتابان في علم حساب الكواكب وتقاويمها وحركات أفركها وعددها مبرهنة بالبراهين الهندسية جمع فيها بين الأعمال الحسابية والجداول والهيئة والبرهان على حساب الأبواب).
وذكره شيخنا الأستاذ أغابزرك الطهراني في الذريعة ج12، ص88، تحت عنوان زيج كوشيار نقلاً عن محبوب القلوب ولطائف الظرائف وكشف الظنون ولم ير النسخة وذكره قطب الدين محمد اللاهجي الأشكوري في محبوب القلوب ص154، كما ذكر بعض النسخ كارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي. أقول عندنا نسخة من القرن الرابع قريبة من عصر المؤلف كاملة عليها عدّة تمليكات أقدمها مؤرخة سنة 670هـ وهي من أنفس النسخ وأكلمها من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي في قزوين.
ساري
ـ1ـ
تقول إحدى الروايات التاريخية حول مدينة ساري: إنّ الملك منوجهر، أحد ملوك البشداديين كان يحتفظ بخزائنه في مدينة ساري. وتقول رواية تاريخية أخرى: إنّ رستم عندما قتل سهراب كان ابنه كالبر يعتزم نقله إلى زابلستان. ولكنّه بنى في ساري قصراً كان يعرف بقصر تور، نظراً للحرّ، ودفن سهراب فيه.
إنّ هذه الروايات التاريخية وغيرها تدلّل على قدم تاريخ مدينة ساري.
وتتحدّث رواية تاريخية عن تشييد وبناء ساري في العهد الإسلامي، حيث كانت هذه المدينة تحت ولاية القائد فرخان الكبير الذي كان حاكماً على ولاية طبرستان (مازندران) فبناها، وأطلق عليها اسم ابنه (سارويه).
ويتحدّث التاريخ عن أنّه لم يكن مضى وقت طويل على الشروع في بناء المدينة حين حمل عليها يزيد بن المهلّب أحد قادة الوليد بن عبد الملك الأموي، ممّا أدّى إلى خرابها. وبعد هذه الواقعة، جرى تعميرها شيئاً فشيئاً من جديد إلى حدود عام 144 هجري، حيث استولى عليها القائد أبو الخصيب مرزوق السندي بأمر المنصور العباسي، وبنى فيها المسجد الجامع الذي لا تزال آثاره باقية في موضع بيت النار (معبد الزرادشتيين).
وكانت ساري كما مدينة آمل مركزاً لعمال العباسيين والأسر المحلية وسلالات السادات من الزيدية والمرعشية وغيرهم.
في عام 260 للهجرة فتحها يعقوب بن ليث الصفاري، وبعده استولى عليها الأمير إسماعيل الساماني في عام 280 هجري. وفي عام 426 هجري دخل السلطان مسعود الغزنوي بجيشه إلى مازندران وجرجان، وقدم إلى ساري.
وبعد آل باوند، استولى السادة المرعشيون على مازندران وساري، واستمرّت سلطتهم حتّى قدوم جيوش الأمير تيمور واستيلائها على مازندران، حيث أعملوا في أهلي ساري القتل العام، وذلك عام 795 هجري.
وقد كان الصفويون على علاقة خاصّة واهتمام بالغ بمازندران. فالشاه عباس الكبير الذي يتصل من جهة بسلالة السادة المرعشيين، كان يولي اهتماماً منقطع النظير بمدينة ساري، حتّى إنّه أمر بفصل ميناء فرح آباد عنها.
ومن ملوك القاجار، فتح علي شاه وناصر الدين شاه، كلّ منهم قدم مسافراً إلى ساري، وجعل منها مركزاً لمازندران.
في أيام غصفة المشروطة كان لساري نصيب، وقد تأسّست فيها جمعية أو جمعيتان لنصرة القائلين بالمشروطة، ونشر الأفكار المطالبة بالحرية ورفع مستوى الوعي السياسي للناس. وقد حدثت على مقربة منها معركة مهمة بين أنصار الاستبداد بقيادة محمد علي شاه، وبين أنصار المشروطة، وذلك عند نهر (تجن)، وكانت ساري في حينها تحت سلطة أنصار محمد علي شاه.
وفضلاً عن الآثار التاريخية التي سيأتي ذكرها، فإنّ آثاراً تاريخية أخرى منها:
* مزار الولي إمام زادة علي الأكبر؛ ويُقال: إنّه من أبناء الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، ويقع هذا المزار في محلة أسا، قريباً من قريدة دارابكلا (على مسافة 16 كيلومتراً من ساري).
* مزار الولي إمام زاد العبد الصالح، ويقع في قرية مرزيت، ويُقال لها أيضاً: مرزود، على مسافة حوالي 15 كيلومتراً من ساري. وهو مؤرخ في مدخله بعام 846 هجري. ويشيع بين الناس أن صاحب المزار هو أيضاً من أبناء الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
* مزار الولي إمام زادة إبراهيم، ويقع في قرية إيسندج (عيسى خندق) التي تبعد حوالي الفرسخ عن ساري. وقد أرّخ على الضريح بعام 859 هجري. وقد ذكر المستشرق الفرنسي دمرجان أنّه زار هذه المقبرة والتقط لها صوراً في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وقد نشر هذه الصور في كتابه المرسوم (مهمة علمية في إيران).
* المسجد الجامع؛ وينسب بناؤه الأصلي إلى أبي المغيب مرزوق السندي، عامل المنصور العباسي على مازندران، وفاتح ساري في عام 144 هجري على أنقاض معبد زرادشتي للنار.
لقد نشأ عدد من العلماء والأدباء والشعراء في ساري، وكانت مسقط رأس بعضهم، منهم:
1 ـ محمد بن جرير بن رستم السروي؛ أحد علماء الفقه والكلام والحديث، ومن تلامذة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وله كتاب (المسترشد)، وكتاب (حذو النعل بالنعل).
2 ـ أبو العلاء السروي؛ من أدباء طبرستان وشعرائها.
3 ـ ابن شهراشوب السروي (489ـ588) من مشاهير المحدثين وعلماء الرجال والأخبار، وهو أيضاً من الشعراء والأدباء والنحاة، واعظ، ومفسر، ومن العلماء الشيعة المؤلفين. من مصنفاته: معالم الأدباء، ومناقب آل علي (عليه السلام)، ومتشابهات القرآن، وغيرها.
4 ـ نشاطي خان، الذي ولد عام 1200 هجري في إحدى قرى ساري تعرف بـ (جهار دانكة). وقد تسنّم مكانة مرموقة لدى فتح علي شاه قاجار لفضله وأدبه وظرافة طبعه. وقد طبع ديوان شعره.
5 ـ سريري ساروي (1243ـ1304 هجري)؛ من الشعراء.
6 ـ محمد شفيع ساروي، المعروف بـ (مفتون)؛ من الشعراء.
الأسواق الموسمية في ساري
من طرائف الأمور في ساري هي الأسواق الموسمية التي تقام في هذه المدينة تبعاً لمناسبات معينة، منها: سوق إمام زادة عباس، وأترب بازار، وجيهارتن بازار، وجامخانة بازار، وجبار بازار، وملا مجد الدين بازار، سوق الثلاثاء (سه شنبة بازار).
من الأعياد المحلية
مضافاً إلى الأعياد الدينية كالفطر والأضحى والغدير، وكذلك الأعياد الوطنية كعيد رأس السنة الإيرانية (نوروز) التي يحتفل بها كلّ الإيرانيين، فإنّ أهل ساري والقرى والقصبات التابعة لها، لهم أعياد محلية خاصّة متوارثة لديهم منذ القدم.
أهمها هذا العيدان:
1 ـ عيد الليلة السادسة والعشرين من الشهر الإيراني (نوروز) حسب التقويم القديم. ففي أوائل الشهر الإيراني شهريور، وبعد أن يجري إتمام حصاد محصول الرز بالكامل، يحتفل القرويون في هذه الليلة شكراً على هذه النعمة.
وتشيع في هذه الليلة أعمال البر والصدقات والخيرات، ويتبادل الناس فيما بينها توزيع الحلوى، ويستضيف بعضهم بعضاً.
2 ـ عيد الليلة الثالثة عشر من الشهر الإيراني (تير)؛ ففي هذه الليلة ـ وطبقاً للتقاليد المتوارثة ـ يحضر الناس بعض الفاكهة كالرمان، والعنب، والبطيخ، والكشمش، والحلوى، وغير ذلك، ويسهرون إلى وقت متأخر من الليل، منشغلين بالتفؤل بديوان حافظ الشيرازي.
من الأكلات المحلية
تشتهر ساري بأنواع من الأطعمة والأكلات المحلية الخاصة، من بينها:
1 ـ يشتد زيك: وهي من المعجنات، وتتكوّن من عسل (أو محلول السكر الكثيف بدلاً منه)، والجوز (أو السمسم بدلاً منه)، يخلطان على نار هادئة.
2 ـ دلال: ولا يجري تناوله بصورة مستقلة، وإنّما كأدام مع الخس، يعمل من المقدونس، والنعناع، وماء الحصرم، والخس، والسمس، ومواد أخرى، ترش بالملح وتفرم، ويوضع عليها مقدار من الخل أو عصير النارنج.
3 ـ دشو: يعمل كأدام مع الرز، ويصنع من عصير فاكهة الخرمالو الصغيرة، ويغلى على النار، ويصفّى، إلى أن يصبح سائلاً كثيفاً.
4 ـ ساك: وهو أدام محلي يصنع من السبانغ والمقدونس.
5 ـ تيرنك تكي: يستفاد منه كغذاء لرعاة الماشية الذين يذهبون إلى الصحراء أو الجبال، فيصطحبونه معهم.
ساري
ـ2ـ
مدينة ساري هي مركز قضاء مازندران، وتقع إلى جوار بحر الخزر، وإلى الشرق من نهر (تجن)، في خط الطول 43 درجة و5 دقائق، وخط العرض 36 درجة و4 دقائق. ويفترق أفقها عن أفق العاصمة طهران بست دقائق وخمس ثوانٍ.
على مقربة من المدينة توجد قلعة تاريخية أثرية، كشف عن أنّ ظروفها مشابهة لظروف عصور ما قبل التاريخ، وهي بقدم تل دامغان الأثري، وتتصل بسهولة جبال ألبرز، ممّا يؤيد هذا الرأي الذي ينسبها إلى ما قبل التاريخ. ومن طرف آخر، فقد تمّ اكتشاف وجود عمران يعود في تاريخه إلى الفترة الساسانية، وهو من الآثار التي استمرّ بقاؤها عصوراً إلى ما قبل ظهور الإسلام.
ينسب إنشاء مدينة ساري إلى طوس بن نوذر، الذي كان يعرف أوّلاً باسم (طوسان)، وقد جرى تجديد بنائها على أيدٍ عدّة كابن اسفنديار، وفرخان بن دابويه من ملوك كاوبار. تقول الروايات التاريخية: إنّ هذا الملك الأخير كان حاكماً على طبرستان للسنوات ما بين 56 هجرية إلى 73 هجرية، وأنّه سمّى المدينة بـ (ساري) نسبة إلى اسم ابنه الذي كان يدعى بـ (سارويه).
إنّ التحقيق التاريخي يشير إلى أنّ اسم (ساري) هو اسم لبلاد أثرية في إيران، وكانت تطلق عليها تسميات (فناكة)، و(زدركرته)، و(سيرينكس).
وكان يزيد بن المهلّب أحد قادة الوليد بن عبدالملك الأموي قد خرّب المدينة، وحوالي عام 144 هجري فتح المسلمون هذه المدينة وبنوا فيها مسجداً جامعاًن ومنذ ذلك الحين أضحت ساري مركزاً للسادة المرعشيين، إنّ فتح ساري كان بأمر من المنصور العباسي.
وفي عام 260 هجري كان حاكماً على ساري، يعقوب بن الليث الصفّار، وبعده بسنتين الأمير إسماعيل الساماني. وقد استولى آل زيارة، وآل بويه كذلك على ساري، وقدمها السلطان محمود الغزنوي في عام 462 هجري.
لقد عرف الصفويون باهتمامهم البالغ بمدينة ساري، فقد أنشأ الشاه عباس الطريق المعروف بين مازندران وفرح آباد، وأمر بأن تفرش المسافة بين فرح آباد وساري بالحجر من أجل أن يأمن الأهالي في موسم الأمطار الغزيرة.
في عام 1225 هجري ضرب المدينة زلزال عنيف، وفي عام 1245 هجري أصاب أهاليها وباء الطاعون ممّا أدّى إلى هلاك عدد كبير منهم.
وفي أيام نهضة المشروطة كانت ساري مؤئلاً لطلاب الحرية، وعلى ضفاف نهر تجن، وعلى مقربة من المدينة، جرت معركة بين أنصار محمد علي شاه، وأنصار غصفة المشروطة انتهت بخسارة وانكسار أنصار الاستبداد.
موقعها الجغرافي
يحدّ مدينة ساري من الشمال بحر الخزر، ومن الجنوب جبل السواد، ومن الشرق محافظة بهشهر، ومن المغرب مدينة شاهي.
ولقرب ساري من بحر الخزر فإنّ ماءها وهواءها يتمتعان بالنقاوة والاعتدال.
أسماء محلات ساري
شكر آباد ـ باقر آباد ـ التكية الجديدة (نو تكية) ـ أربع تكايا (جهار تكية) ـ بهرام اتر ـ إمام زادة يحيى ـ همّت آباد ـ ميرسه روضة ـ التكية الرئيسة (پير تكية) ـ شاه فمازي ـ بغاشاه ـ كهنة (البستان القديم) ـ مير مشهد ـ سعيد سرنعلبندان ـ جال مسجد ـ باب مسجد ملا آقا بابا (در سمجد ملا آقا بابا) ـ محمد تقي خاني ـ إمام زادة عبدالله ـ دباغ جال ـ منطقة ثماني (بخش هشت) ـ بخش آبادي ـ مهدي آبادي ـ محلة البرابرة (بربري محلّة) ـ شهربند ـ أفغاني ـ تازة آباد ـ زقاق عمال وموظفي السكك الحديد (كوي كار مندان راه آهن) ـ سروينة باغ ـ رفاق الميرزا زماني (كوي ميرزا زمني) ـ زقاق البلديات (كوي شهرداري) ـ يا جنار ـ محلة ابن الملك حسين (شاهزادة حسين) ـ 25 معمل (بيست وينج وستكاه).
محاصيلها
تنتج ساري من المحاصيل الرئيسية: القطن ـ الرز ـ القمح ـ الشعير ـ السمسم ـ البطاطس ـ عباد الشمس ـ البرتقال ـ النارنج ـ اللالنكي ـ التبغ ـ البطيخ ـ الخيار.
وتشتهر بصناعة الزيوت والمنسوجات القطنية.
الآثار التاريخية
توجد في ساري آثار تاريخية متعددة، أهمها: مزار الولي إمام زادة يحيى ـ مزار الولي إمام زادة زين العابدين ـ مزار الولي إمام زادة عباس ـ قبر شازادة حسين ـ مير سر روضة ـ الملاّ مجد الدين ـ الولي إمام زادة عبدالله.
ضريح الولي إمام زادة يحيى
هو يحيى بن الإمام موسى الكاظم، أخوه حسين، وأخته سكينة، وعلى ضريحه شيّدت قبة على شكل أسطواني، والقسم العلوي من القبة هرمي الشكل، وفيه قنديل. وقد صنع باب الدخول إلى المرقد من أخشاب الغابات، وللقبة بابان، وعلى هذين البابين نقوش وزخارف، وفي القسم العلوي منهما كتب عبارة: (في الحادي عشر من شهر ربيع الأول سنة ستة وأربعين وثمانمائة).
بنيت هذه القبة على يد المعمارين القديرين حسين، ومحمد گيل. وتحتها يوجد ضريح الولي يحيى وعليه صندوق خشبي يعلوه صندوق خشبي آخر مزيّن بالنقوش والزخارف.
وفي هذا المزار توجد منارة عالية تستخدم كمئذنة ينادى منها في أوقات الصلوات الخمس. وقد تعرّض بنيان المزار وملحقاته باستثناء الضريح لحريق كبير عام 1212 هجري، الأمر الذي غيّر شكل البناء كلياً.
وتبركاً بما يذكر من أنّ الولي يحيى بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، وأخاه حسين، وأختهما سكينة مدفونون في هذه البقعة، فقد دفن فيها كذلك يحيى بن الأمير قوام الدين المرعشي.
مزار الولي إمام زادة زين العابدين
يقع هذا المزار ضمن الحدود القريبة من مزار الولي إمام زادة يحيى (الآنف الذكر)، وهو على هيئة قبة مكعبة الشكل ومستطيلة وفي الأعلى لها ثمانية أضلاع بأربع حلقات، بحيث تبدو هرماً ثماني الأضلاع.
مزار الولي إمام زادة عباس
يقع هذا المزار على مسافة تبعد ثلاثة كيلومترات من مدينة ساري، في قرية صغيرة أو قصبة تعرف بـ (آزاد گله). ويعود تاريخه إلى القرن التاسع الهجري، وقد تعرض بناؤه للتخريب، على أنّه جرى الاهتمام بترميمه مؤخراً.
ميرسر روضة
بعد أن تمكّن الأمير تيمور من الاستيلاء على مازندران قام مباشرة بنفي حاكمها السيد كمال الدين بن السيد مير قوام الدين المرعشي مع جميع أخوته وأفراد عائلته وأقربائه إلى تركمنستان، وهناك في منفاه توفي السيد كمال الدين وعدد من السادات الذين كانوا معه.
وبعد وفاة تيمور قام جماعة من الدراويش والمتصوفة الذين كانوا معلّقين بالسيد كمال الدين بنقل رفاته من تركمنستان إلى ساري، وتمّ دفنه في موضع يُقال له: ميرسر روضة.
وقد جرى إحداث متحف في هذه البقعة، ولكن ضريح السيد كمال الدين يقع خارج المتحف.
عادات وتقاليد أهالي ساري
في جميع منازل أهالي ساري الأصليين يجري إعداد نوع من الطعام يدعى (آش ترش) في آخر أربعاء من السنة الإيرانية، وهو المعروف في إيران باسم (جهار شنبة سوري)، ويتم تناولها في وجبة الغداء ذلك اليوم. ويعرف هذا اللون من الطعام عندهم بـ (آش كزنة).
* في أواخر الشهر الإيراني (إسفند) من كلّ عام، وكإعلام للناس بقرب حلول أعياد السنة الإيرانية (نوروز) يجوب إثنان يعرفان بقراء النوروز (نوروز خوان) شوارع ومحلات المدينة، وكلّما يصلان إلى منزل أحد الوجهاء والكبراء، يقفان عنده ويردّدان أشعاراً هيآها من قبل لهذه المناسبة، ويبتدئان باسم كبير العائلة وينشدان الأشعار التي تنتهي باسم زوجته، ويدعوان للعائلة من قبيل الدعاء بالتوفيق لحج مكة المكرمة، والدعاء بتزويج الابن والبنت، ويطلبان من العائلة أن تجود عليهما بشيء من المال.
* فإذا لم يعطيا ما أرادا من المال بدءاً بترديد أشعار تخصّ الابن الأكبر، ومن ثمّ يشرعان بأشعار تخصّ البنت. فإذا لم يحصلا على مرادهما آلحّا في إنشاد الأشعار التي تتضمّن طلب المال.
* يقوم أهالي ساري بتبييض وعاء نحاسي في أوائل الشهر الإيراني (اسفند)، استعداداً لحلو أعياد السنة الإيرانية (نوروز)، ويتجوّل مبيّضو النحاس في شوارع وأزقة المدينة، وهو يردّدون أقوالاً مخصوصة تطلب إلى الآخرين أن يقوموا بتبييض أوعيتهم النحاسية. فإذا كانت الأوعية النحاسية قليلة قام أهل الدار بتبييضها بأنفسهم. أمّا إذا كانت كثيرة فإنّهم يدعون مبيّضي النحاس الجوّالين وعليهم أن يعدّوا لهم طعام الإفطار أو طعام الغداء بالإضافة إلى أجورهم.
* يرتاد أهالي ساري ولمدّة 4 جمعات من الشهر الإيراني (فروردين) سوقاً خاصاً يدعى (بازار مخصوص نوروز) الذي يقام كلّ عام في أعياد رأس السنة الإيرانية في سوق أمام زادة عباس الذي يقع على مسافة 3 كيلومترات من المدينة.
* في اليوم الثالث عشر من بدء السنة الإيرانية والمعروف بـ (سنزده بدر) يخرج أفراد الأسر مجتمعين ـ كما هي حال أغلب الإيرانيين في هذه المناسبة ـ إلى البساتين والغابات الواقعة في أطراف وضواحي المدينة، ويكونون قد جهزوا طعامهم معهم، ويعملون ذلك طرداً للشؤم الذي يعتقدون أنّه يحلّ بمن لا يغادر الدار إلى هذه البساتين والغابات.
بعض اعتقادات أهالي ساري:
* يتصوّر أهالي ساري أنّه إذا ما جيء بقطعة من القماش بيضاء إلى منزل ما في أي يوم أربعاء فإنّ صاحب القطعة سينتهي مصيره إلى الموت سريعاً.
* لا يدع أهالي ساري النفساء لوحدها في أي وقت من الأوقات. فبعد الولادة يضعون إلى جانبها سيخاً (عموداً حديدياً صغيراً) فيه رؤوس من الصل، وأينما تذهب النفساء فإنّه يحملونه أو تحمله معها.
وبعد عشرة أيام، وعندما تغتسل النفساء من نفاسها فإنّهم يدخلونه معها إلى الحمام، وترفسه مرافقاتها بأرجلهن.
إنّهم يعتقدون أنّ عدم وجود سيخ البصل إلى جانب النفساء يؤدّي إلى فقدان الأهل، والأم، والطفل.
* عندما يقوم أهالي ساري بعيادة النفساء، فإنّ أهلها لا يسمحون لهم بحمل المفاتيح معهم، اعتقاداً بأنّ لسان الطفل سينعقد أو ينقفل أو يكون من المتلعثمين.
* إذا صوّت غراب على سطح منزل أحد الساريين، فإنّ أهالي ساري يعتقدون بأنّ ضيفاً سيحلّ عليهم.
* يعتقد أهالي ساري أنّ الأفعى يجب أن لا تقتل لأنّ زوجها سينتقم حتماً من القاتل.
* يعتقد أهالي ساري بأنّ المرأة الحامل إذا أحسّت بآلام الوضع عليها أن تدعو مؤذن المدينة لأنّ يطلب من الله سبحانه وتعالى أن ييسّر عليها ولادتها، وذلك أثناء مناجاته وأذانه.
إنّ الحامل في هذه الحالة ـ وحسب هذا الاعتقاد ـ ستضع سريعاً، وبمجرد أن يولد الطفل فإنّ عليها أن ترسل إلى المؤذن مبلغاً من المال.
من أمثال أهالي ساري
* البيضة الملوّنة تنفع لليلة العيد. ويعني: أنّ لكلّ مقال مقاماً.
* الفأرة التي لا تدخل الجحر، تمسك المكنسة بذنبها. ويعني أن يحضى كلّ امرئ على شاكلته.
* ليس في جيبه شيء، ولكن يحزم خصره بإحكام. ويعني همّة عالية وجيب خالٍ.
* قدح الجيران له رأسان، أحدهما يتألم. ويعني أنّ الصداقة والصحبة الحقيقية يجب أن تكون متقابلة ومتبادلة.
* إذا وقع الملقط في كانون النار، فإنّ خبره عند القطة. ويعني: أنّ الخائن يتخطف خوفاً من كلّ أحد.
* شبه الماء الجاري، شبه الحصى القادم. ويعني: إنّ الإنسان المرتكب للخطيئة كلّما يتوب، يعود إلى إثمه ومعصيته من جديد.
السامانيون([202])
كانت بلاد ما وراء النهر جزءاً من الأقطار الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ومع ما مرّت به من حروب كثيرة وتطوّرات سياسية ودينية منذ دخول المسلمين فيها، فقد كانت تعتبر من أكثر مناطق العالم الإسلامي عمراناً. إنّ كلمة «ما وراء النهر» هي ترجمة الكلمة الفارسية «ورارود» التي تعني تلك المنطقة الشاسعة الواقعة بين نهري جيحون (أمودريا)، وسيحون (سيردريا). وهناك سؤال يثار حول لغة هذه المنطقة وهو موضع تأمّل، والسؤال هو: عند ورود المسلمين إليها، هل كانت لغة أكثر أهاليها التركية أو الفارسة؟ وكما ذكرنا فهو موضع تأمّل ومثار نقاش، لكن الآثار الباقية والشواهد القوية البارزة تدلك على أنّ اللغة الرسمية ولغة العلم والأدب في القرن الرابع الهجري كانت اللغة الفارسية؛ لهذا فإنّ النظرية القائلة: إنّ نهر جيحون هو الحد الفاصل بين الفرس والأتراك، هي في معرض الشك والترديد إلى حدٍّ ما.
كانت بلاد ما وراء النهر، في العصر الذي نتحدّث عنه وكذلك في القرون التي تلته، تشمل أربع ولايات مستقلة. وهذا التقسيم طبعاً هو على أساس الموقع الطبيعي لتلك الولايات وليس على أساس الخصائص السياسية والاجتماعية لها. وولاياتها هي: ولاية جيحون في الجنوب، خوارزم في الشمال، الصغد في المركز، وسيحون في الغرب. ولو أردنا التحدّث بشكل أوسع نوعاً فينبغي أن نقسّم ولاية جيحون إلى قسمين: شمالي، وجنوبي. في القسم الجنوبي اعتبرت ولاية «بدخشان» جزءاً من بلاد ما وراء النهر. أمّا القسم الشمالي فكان يتكوّن من خسمة وديان كبيرة ووديان صغيرة كثيرة. ويشمل ولايات: «جغانيان»، «ختلان»، و«قباديان» التي تشكل الأقسام الرئيسة لجيحون. ولولاية الصغد أو مركز البلاد نهران هما: نهر «الصغد»، ونهر «كشكه دريا»، وعلى نهر «كشكه دريا» قرى عامرة، وبالإضافة إلى تلك القرى، فإنّ ضفافه قد وسعت مدينتي «كش» و«نسف» لتستقرا عليها. وعلى ضفاف نهر «الصغد» أو «زرآفشان» تقع مدينتا «سمرقند» و«بخارى». وللصغد مدينة تستحق الإعجاب بحيث أنّها وجّهت أنظار الفاتحين لها كما كان عدد سكانها كبيراً، أمّأ ولاية سيحون فكانت تتكوّن من «أسروشنه»، «فرغانه» و«چاچ» (الشاش). وأمّا خوارزم فكانت ولاية مستقلة لوحدها.
بعد أن اتّضحت لنا تلك الصورة عن بلاد ما وراء النهر، المنطقة الأصلية لحكومة السامانيين فلنا أن نلقي نظرة تأريخية على تلك السلالة التي هي مورد بحثنا هذا:
السامانيون أُسرةٌ إيرانية نسبت نفسها إلى «بهرام جوبين» أحد القادة الساسانيين، وكان الجد الأعلى لها يعرف «بسامان خُداة» الذي كان عمدة قرية «سامان» من مناطق بلخ، أو شيخ تلك القرية علماً بأنّ «سامان خُداة» لم يكن اسم شخص بل لقباً للعمدة أو الحاكم، ويشبه «بخارى خُداة» أي: أمير بخارى.
كان «سامان خُداة» من طبقة الفلاحين. وكان على الدين المجوسي. وبعد ذلك أسلم بتشجيع من أسد بن عبدالله القسري والي خراسان في زمن هشام بن عبدالملك ولا وجود لمصادر كافية تتحدّث عن وضعه الغامض والمشكلات التي واجهها، والتي بسببها طلب الحماية من أسد بن عبدالله. ولبّاه أسد وفوّض إليه إمارة «بلخ». ولعلّ حسن ظن أسد في تولية «سامان خُداة» إمارة بلخ هو الذي دعاه إلى تسمية أحد أولاده باسم «أسد».
بعد انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين زار أسد هذا المأمون العباسي في مرو، وهو في سِنيّ شيخوخته. وكان هذا في وقت سبقه مساعدة أولاده المناسبة للحكومة العباسية في مواجهتها مع رافع بن الليث، وهرثمة بن أعين؛ لذلك لما قرّر المأمون ترك خراسان بعد تعيين غسّان بن عباد ـ ابن عمّ الفضل بن سهل ذي الرئاستين ـ والياً عليها (203ـ206 هـ) أوصاه بأولاد أسد خيراً. وعمل غسّان بوصية المأمون بتعيينهم أمراء على بعض المناطق؛ فعيّن نوحاً أميراً على «سمرقند»، وأحمد على «فرغانه»، ويحيى على «چاچ» (الشاش) و«اشروسنة»، و«الياس» على هرات (204هـ).
لهذا السبب «فإنّ السامانيين في الحقيقة ـ قد حكموا قبل الطاهريّين، لكن حكومتهم لم تكن مستقلة بل خاضعة لوالي خراسان «غسّان بن عباد»، وبعده «طاهر ذي اليمينين». بعد وفاة الياس أمير هرات سنة (242) لم يحكم هرات أحد من سلالة «سامان خُداة» وذلك لأنّ إبراهيم نجل الياس، الذي كان قد عُيِّن قائداً لجيش الطاهريين، اندحر واستسلم ليعقوب بن الليث في مواجهة بينهما قريباً من «فوشنج».
في فترة حكومة طلحة بن طاهر على خراسان (207-212) توفي نوح حاكم سمرقند؛ لهذا فإنّ أخويه أحمد ويحيى الحاكمين على «فرغانه» «وچاچ» قسّما سمرقند بينهما بعد موافقة طلحة بن طاهر. بعد ذلك توفي يحيى سنة (241) فكانت فرصة بيد أحمد حاكم فرغانه أن يضم إمارة أخيه «چاچ» إلى نفوذه؛ لتصبح جزءاً من دائرة حكومته. وقام أحمد في حياته بتفويض حكومتي «سمرقند» و«شاش» لولديه «نصر» و«يعقوب». وظلّ هو في «سمرقند» أميراً بلا إمارة. ولعل لولديه هذين دوراً في ضمِّه إمارة أخيه يحيى لحكومته ونفوذه. وهناك مسكوكات نحاسية تعود إلى زمان أحمد هذا وقد ظلّت على حالها اعتباراً من سنة (244) فما بعد. وكان يعتبر عميد الأسرة السامانية حتّى سنة (250هـ).
خلّف أحمد تسع أولاد كلّهم قد رضوا بسيادة أخيهم نصر عليهم، وانضووا تحت لوائه. واغتنم نصر وإخوانه فرصة الاشتباك التي حصلت بين الطاهريين والصفاريين؛ فقاموا بتثبيت أركان حكومتهم وتوطيدها في بلاد ما وراء النهر. وتميز نصر على الآخرين بميزة عظيمة إذ لمّا كان في عنفوان تخطيطه لاستقرار سلطته وتثبيتها، كان بعيداً عن تلك الأجواء المشحونة بأوضار التنافس على السلطة والتصارع من أجلها، والتي كانت سائدة في إيران تلك الفترة.
في سنة (261هـ) أصدر المعتمد العباسي أمراً لنصر بن أحمد في تولي حكومة ما وراء النهر؛ لهذا أرسل نصر ـ من مقر حكومته (سمرقند) ـ أخاه إسماعيل إلى بخارى ليتولى زمام الأمور فيها نيابة عن أخيه علماً بأنّ ذهاب إسماعيل إلى بخارى كان على أثر مشاكل وقعت هناك من جرّاء مجيء الحسين بن طاهر إليها. ولا يخفى أنّ الخوارج قد تسلّطوا فترة قصيرة على تلك المنطقة بحجة التعاطف مع يعقوب. وأخيراً طلب فقيه بخارى أبو عبدالله بن أبي حفص الذي كان حاكماً عاماً للمنطقة، طلب من نصر بن أحمد أن يرسل والياً كفوءاً لينقذ الولاية من الفوضى التي كانت تعيشها. فأرسل نصر أخاه إسماعيل فسيطر إسماعيل على المنطقة واتُّخذ قراراً بأن يكون هو أميراً عليها «وحسين الخارجي» معاوناً له، وأدّى أفراد الجيش جميعهم اليمين على تنفيذ ذلك القرار.
أفلح إسماعيل في وضع حدٍّ لقطّاع الطرق، وقام بإبعاد عدد من المتنفذين والإشراف على سمرقند لفترة معينة. لكن لم يدم عمله طويلاً إذ في سنين لاحقة ظهرت على السطح قضايا مختلفة أدّت إلى حصول مواجهة بينه وبين أخيه نصر. ففي تلك الأيام ظهر رافع بن هرثمة أحد رؤساء صعاليك العرب رافعاً لواء المعارضة نيابة عن الطاهريين من بغداد مخاصمة لآل صفار في خراسان، وبما أنّه كان أميراً واستطاع ضمّ مدينة خوارزم إلى رقعة نفوذه وحكومته، فقد قام إسماعيل ببناء علاقات ودّية معه. فساء ذلك نصراً وثقلت عليه أخبار تقدّم رافع واكتساحه بعض المناطق، ولا سيّما وهو أمير بلاد ما وراء النهر من قبل الخليفة. ونتيجة تدخل الوشاة ومثيري الفتن فقد توترت العلاقات بين نصر وأخيه إسماعيل وتلبدت أجواؤهما بالغيوم. وممّا زاد النار أُواراً أنّ إسماعيل امتنع في نفس تلك الفترة عن إرسال الضرائب السنوية إلى سمرقند؛ لهذا فقد أعدّ الإخوان أنفسهما للمواجهة والقتال، ومع أنّ رافع بن هرثمة استطاع في مرّةٍ من المرّات إقرار الصلح بينهما، لكن حصلت المواجهة فعلاً ونشب القتال بين الطرفين عام 725هـ) وفيه أُسر نصر من قبل إسماعيل، ومع كلّ ما حصل بينهما فقد عفا إسماعيل عنه. وظلّ نصر أميراً اسمياً على بلاد ما وراء النهر طيلة الفترة الباقية من عمره وهي أربع سنوات.
في تلك السنين كانت العلاقات تزداد سوءاً على مرّ الايام بين الخليفة وعمرو بن الليث الصفّاري، ورغم كلّ المحاولات التي بذلها الخليفة لتنحيته عن منصبه، وإعلان ذلك لحجّجاج بيت الله الحرام، فإنّها قد ذهبت سدى ولم يكن لها تأثير يذكر على السامانيين ورافع بن هرثمة. وأخيراً نشب القتال بينه وبين قوات الخليفة بقيادة أحمد بن عبدالعزيز «أبو دلف»، وبد قتال ضارٍ دام استطاعت قوات الخليفة طرده إلى الشرق. وهناك نكتة أُخرى لا بُد من ذكرها: وهي: أنّه بعد القضاء على صاحب الزنج، استقرّ أمر حكومة بغداد إلى حدٍّ ما، لهذا أفلح «أبو طلحة منصور بن شركب» في الجنوب بطرد عمرو حتّى كرمان، ولكن في تلك السنين؛ وبعد أن خاض رافع بن هرثمة تلك الحروب والمناوشات العسكرية في إيران الشرقية والمركزية، اتّفق مع محمد بن زيد العلوي، ورفع له علماً أبيض، وصار يذكر هذا العلوي في الخطبة بدل الخليفة ممّا أدّى إلى أن يطلق الخليفة العنان لعمرو في قمع تحرّك رافع، وبالفعل قد حصل ذلك إذ قام عمرو بملاحقة سريعة متواصلة لرافع أدّت به أن يفرَّ صوب خوارزم، وهناك تمّ قتله على يد «خوارزم شاه». بعد ذلك نقل رأسه إلى الخليفة. إنّ انتقال رأس رافع إلى الخليفة من قبل «عمرو بن الليث» جعل الأخير في موقع جديد، فمن ناحية اتّضحت للخليفة القوّة الفاعلة والمؤثّرة المتمركزة في خراسان وإيران الشرقية والمركزية، ومن ناحية أخرى شعر عمرو أنّ الوقت قد حان للسيطرة على بلاد ما وراء النهر. على أيّ حال فإنّ عمرو قد ألحّ على الخليفة أن يصدر له مرسوماً بحكومة ما وراء النهر، لكن الخليفة كان قد أصدر مرسوماً لإسماعيل الساماني بحكومة ما وراء النهر، وقام إسماعيل بالتحرّك منتصراً صوب تلس (طراز) مبدّلاً كنيستها الكبيرة إلى مسجد. وفي تلك السنة انقرضت السلالة الأميرية المحلية الحاكمة في «اشروسنة»، وألحقت المنطقة المذكورة بالمناطق التي يسيطر عليها السامانيون مباشرة.
في كلّ الأحوال، فإنّ الخليفة نزل عند رغبة عمرو سنة (285هـ) حيث دعا عدداً من الزوّار الخراسانيين إلى دار الإمارة في بغداد وأبلغهم بأمره في عزل إسماعيل وتعيين عمرو مكانه. على أثر هذا الأمر توجّه رسوله وهو يحمل الهدايا مع أمره، إلى نيشابور حيث عمرو هناك. قبل عمرو الهدايا الإجبارية التي أرسلها الخليفة مستهزئاً، وحينما وضع الرسول الثياب المرسلة أمامه، أخذها عمرو ولبسها واحداً بعد الآخر، وحينما كان يرتدي ثوباً كان يعبّر عن شكره للخليفة بكلمات كان يسمعها الحاضرون. بعد ذلك وضع الرسول قرار الخليفة بتعيينه حاكماً على بلاد ما وراء النهر، بين يديه فقال عمرو: «ماذا أفعل بهذا القرار، وهذه المنطقة لا تتحرر من قبضة إسماعيل إلاّ بوجود مائة ألف سيف مسلول» فأجابه الرسول: «أنت الذي أردت هذا، والآن أنت تعلم ماذا تفعل».
ولمّا تسلّم عمرو قرار الخليفة طلب من «أحمد بن فريغون» أمير الجوزجان، وأبي داود أمير بلخ، وإسماعيل أمير بخارى، أن ينضووا تحت لوائه ويطيعوه.
تألّم إسماعيل لعمل عمرو هذا حيث ساواه مع الأمراء الصغار في مرتبة واحدة، واعتبر ذلك إهانة له. وبالمقابل فإنّ تشدّد عمرو في فرض طاعته دون قيد أو شرط، والرد الصريح الذي جوبه به من قبل إسماعيل أدّيا إلى أن تكون الحرب بينهما حتمية. وبالفعل نشبت الحرب بين الطرفين وفي سنة (286هـ) اندحر محمد بن بشر قائد جيش عمرو في مواجهته لإسماعيل وقتل. بعدها قام إسماعيل بإطلاق سراح جميع الأسرى دون أخذ الفدية، على أي حال ففي الحرب التي نشبت بعد ستة أشهر قريباً من بلخ (287هـ) التحق بعض الطلقاء من أولئك الأسرى بمعسكر إسماعيل. وقاتل عمرو في أطراف بلخ بشدّة، وبينما كان مشغولاً في ساحة المعركة ألقي عليه القبض وفق خطّة حربية وضعها إسماعيل نفسه وليس كما ينقل من أنّ جواده هو الذي سلّمه لعدوّه… بعد ذلك أُرسل عمرو مخفوراً إلى بغداد.
في الحقيقة إنّ كافّة أهالي ما وراء النهر وخصوصاً طبقة الأشراف و طبقة الفلاّحين كانوا من دعاة السلم وطلاب الهدوء والدعة والراحة؛ ولهذا السبب كانوا يميلون إلى الحكومة السامانية أكثر من ميلهم إلى آل صفّار المعروفين بمهاتراتهم وعنجهيتهم، والذين كانوا يرون أنّ ديمومة حكومتهم تتوف على السيف والقتال. ومن الجدير ذكره أنّ الخليفة العباسي كان يثير مشاعر المقاومة عند إسماعيل سرّاً، وإسماعيل كان يطمئن قادة جيشه وأهالي المنطقة أنّ الخليفة راضٍ وموافق في مواجهته لعمرو بن الليث. ولا يخفى فإنّ المؤرخين الذين تطرقوا إلى ذكر المواجهة بين السامانيين والصفاريين لا يتوانون في التعبير عن مشاعرهم تجاه السامانيين بالثناء عليهم وذكرهم بخير.
إنّ انتصار إسماعيل على عمرو بن الليث جعله موضع حُبّ الخليفة وتقديره بحيث بسط يده حتّى منطقة سيستان. لكن كان في جرجان الداعي العلوي السيد محمد بن زيد صاحب طبرستان والديلم فحصل نزاع بينه وبين الأمير الساماني، وكان الإثنان يسعيان إلى تملّك أكبر قدر ممكن ممن تركه آل صفار و اعتباره من حصتها، لهذا لمّا توجّه محمد بن زيد من طبرستان نحو جرجان لتحقيق طموحه بإخراج عمّال إسماعيل من خراسان، عبّأ أمير بخارى جيشاً جراراً بقيادة محمد بن هارون لمواجهته، ونشبت حرب بين الطرفين قتل على أثرها محمد بن زيد ووقع نجله في الأسر، بعد ذلك تمرّد قائد الجيش الساماني محمد بن هارون على إسماعيل، ولمّا علم إسماعيل بخبره عزم على التحرّك صوب طبرستان بعد سنة من وقوع تلك الأحداث ففرّ قائده المتمرد محمد بن هارون إلى الديلم. واستطاع إسماعيل مرّة أخرى أن يحكم قبضته على جرجان وطبرستان، وأن يثبّت أركان الحكومة السامانية في ذينك الإقليمين. وخضعت له الري وخراسان بأسرها أمّا سيستان وأصفهان فقد بقتا على استقلالهما، وظلّت بلاد ما وراء النهر وعاصمتها بخارى مركز حكم إسماعيل ومنطلق نفوذه وسيطرته.
كان إسماعيل وفياً للخليفة العباسي، لكن ليس في أيدينا من الوثائق ما يدل على أنّه أو غيره من الأمراء السامانيين كانوا يرسلون الخراج أو الضرائب الأخرى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية نعم، كان الأمراء السامانيون يرسلون الهدايا إلى الخلفاء العباسيين، لأنّ إرسال الهدايا كان تقليداً متَّبعاً تلك الفترة. وكان السامانيون يحيطون الخلافة العباسية علماً بنشاطاتهم ويوافونهم بالتقرير حول ذلك. وكانوا كذلك ينقشون اسم الأمير الساماني واسم الخليفة العباسي على النقود. كما كانوا يذكرون الاثنين في أدعيتهم اليومية حتّى ظهور آل بويه. والأكثر من ذلك أنّ العلاقات الوديّة ظلّت قائمة بين السامانيين والخلفاء العباسيين حتّى انقراض حكومة بخارى وكانت حسنة على ما يبدو، كما أنّ المصادر التأريخية ما فتأت تذكر الأمراء السامانيين بلقبهم كأمراء، وكان هذا اللقب يومئذٍ يعني نائب السلطان. كذلك فقد تمتع السامانيون بلقب السلطان مثل الخلفاء العباسيين. وعلى سبيل المثال كان نوح بن نصر يعرف بالأمير الحميد، كذلك كانت للأمراء السامانيين أسماء تطلق عليهم بعد الموت مثل «الأمير الماضي» الذي كان يطلق على إسماعيل، وكما يذكر المقدسي فإنّ لقب «الأمير الشهيد» أُطلق على أحمد بن إسماعيل كما سيتضح لنا فيما بعد.
مرض إسماعيل وطالت فترة مرضه حتّى صفر سنة (259هـ) إذ مات فخلفه من بعده نجله أبو نصر أحمد الذي عيّن أميراً لبلاد ما وراء النهر وخراسان بأمر من المكتفي. كذلك فوّض له الخليفة العباسي أمور سيستان. قام هذا الأمير في بداية حكمه بإلقاء القبض على عمّه إسحاق بن أحمد حاكم سمرقند وضمّ مناطق نفوذه لحكومته وذلك سنة 296هـ علماً أنّ إسحاق بن أحمد كان أهم شخصية معمّرة في الأسرة السامانية، وكان قد خرج على ابن أخيه أبي نصر أحمد. بعد ذلك خطّط لمنطقة سيستان وأفلح في القضاء على حكومة الأمير الصفاري معدل بن علي بن الليث، وبه يكون قد أنهى أمر الحكومة الصفّارية. أمّا سواحل بحر الخزر فقد كانت ـ كما تذكر المصادر ـ غير خاضعة لنفوذ السامانيين، بل كانت مستقلة تحت أمر الحسن بن علي المعروف بالناصر الكبير أحد زعماء الزيدية ورجالاتها. وقد اندحر أبو العباس أحد صعالك والي الري، ومحمد بن عبدالله بن عزيز وزير أحمد في مواجهتهما لهذا القائد الزيدي. وقد امتعض الأمير الساماني على أثر ذلك وبلغ امتعاضه حدّاً أنّه لم يكتف بالعدد الذي عبّأه لقتال الحسن بن علي، وكان ثلاثين ألفاً، لهذا جمع عشرة آلاف آخرين، وهدّد بإخضاع طبرستان لحكومة بخارى لكن الظروف لم تسعفه في تحقيق مراده إذ بعد تحرّكه من بخارى بقليل وبينما كان يغطّ في نوم عميق هجم عليه غلمانه فذبحوه وهو في لباس النوم في جمادي الآخرة سنة (301). كيف تمّ هذا القتل المريب؟ من هو المخطّط الحقيقي والممرّض الأصلي له؟ هذا لم يبت به المؤرخون بشكل يقيني… فهل لتذمر الجيش وسخطه من التوجه إلى طبرستان علاقة بهذا الحادث أم وجود المتعاطفين مع الزيدية بينهم هو السبب الآخر؟ من المسلّم به أنّ إمارات السخط والاستياء كانت بارزة في بلاط الأمير الساماني… وإنّ تصرّف هذا الأمير مع عمّه وبعض قادة جيشه أثار العداء ضدّه. ومع أنّ أحد موظفيه قد ألقى عليه القبض، وعذّب تعذيباً شديداً حتّى الموت؛ بتهمة التحريض على قتله، لكن من خلال الكلام الذي صرّح به ولده نصر حين تربّع على كرسي الإمارة وكان عمره يومذاك ثماني سنين، يتّضح أنّ لموظفي البلاط ضلع في الحادث.
وهناك رواية تقول: عندما كان الأمير في إحدى سفراته للصيد، ووافته أخبار سيئة عن طبرستان اغتم غمّاً شديداً ودعا على نفسه بالهلاك ويستفاد من هذه الرواية أنّ الأمير كان سريع التألم، ضيّق الأفق، كثير الجزع. ولا يخفى فإنّ شخصاً بهذه المواصفات يكثر عليه الساخطون بين أتباعه بأسرع ما يكون. ولعل من العوامل المحرضة على قتله هو أنّه قام في مرّة من المرّات بتأديب بعض غلمانه، فخاف الآخرون لأنّهم كانوا مذنبين أيضاً؛ لهذا كانوا يتحينون الفرصة لقتله، وبالفعل تمّ لهم ما أرادوا. بعد مقتل أحمد، رفع كبار رجال الإمارة نجله ذي الثماني سنين «نصر» على كرسي الإمارة سنة «301ـ331» وتمّ تعيين أبي عبدالله الجيهاني، الذي كان من علماء زمانه، وزيراً له. وبما أنّ هذا الأمير كان صغير السن؛ لهذا ادّعى بالإمارة كثيرون منذ أوّل وهلة لها، وأحد هؤلاء المدّعين هو عم أبيه إسحاق بن أحمد الذي مرّ ذكره، وكما قلنا فإنّ أحمد بن إسماعيل خلعه عن حكومة سمرقند وأودعه السجن في بخارى. استطاع إسحاق أن يفرَّ من السجن بعد مقتل أحمد. وبعد فراره جمع جيشاً وهاجم فيه بخارى لكنّه اندحر، فطلب الأمان، فآمنه أحمد.
من الأحداث التي وقعت في زمان هذا الأمير هي انتفاضة الحسين بن علي المروروزي. وكان إسماعيلي المذهب متأثراً في ذلك بنشاط المبلغين الإسماعيليين الذين وفدوا إلى خراسان من قبل الخلفاء الفاطميين في مصر. وبواسطته اتّبع كثير من أهل خراسان المذهب الإسماعيلي أو المذهب الباطني. ولمّا علم نصر بخبره أرسل له أحد أبناء الفلاحين من أهل مرو واسمه «أحمد بن سهل» وكان ينسب نفسه إلى يزدجرد واستطاع هذا تخليص نيشابور منه سنة (306)، بعد ذلك ألقى عليه القبض وأرسله إلى بخارى.
أُثيرت في زمن هذا الأمير فتن كثيرة تمّ إخماد القسم الأكبر منها بفضل شجاعة وحنكة قائد جيشه حمويه بن علي، وتخطيط أبي عبدالله محمد بن أحمد الجيهاني وأبي الفضل البلعمي.
اعتنق الأمير نصر أواخر حكومته المذهب الإسماعيلي ممّا أثار هذا حفيظة غلمانه وهم من الأتراك السنّة المتعصبين فامتعضوا منه كثيراً. وفي الأيام الأخيرة من حياته أبتلي بمرض التدرن الرئوي الذي عانى منه مدّة ثلاثة عشر شهراً، ممّا اضطره ـ وتحت ضغط الغلمان الأتراك ـ أن يتنحى عن منصبه ويفوّض أمور إمارته لنجله نوح وحينما مات لقب بالأمير السعيد.
بلغت الحكومة السامانية أوجهاً في عصر نصر وذلك بسبب تشكيل جمعية من العلماء والأدباء كانت تحظى بدعمه وتأييده. ومن بين أعضاء هذه الجمعية وزيره «الجيهاني» الذي كان على رأس الأمور من سنة (302) حتّى (310) ومن سنة (327) حتّى سنة (330)، ومنهم: أبو الفضل البلعمي الذي كان وزيراً من سنة (310) حتّى سنة (327).
كان الجيهاني كاتباً كثير التأليف والتصانيف، وكانت جغرافيته في حقول العالم الشرقي الإسلامي والصين وروسيا مصدراً للجغرافيين الذين جاؤوا بعده. أمّا البلعمي فكان نجله هو الذي ترجم تأريخ الطبري إلى الفارسية، وعرف بتاريخ البلعمي.
ويذكر أحد الباحثين نقلاً عن مقالة باللغة الألمانية أنّ كاتباً آخر اسمه «أبو دلف» كان يعيش في بلاط نصر، وأرسله نصر سفيراً عنه إلى الصين. فقام هذا بإعداد معلومات نافعة في مجال الرحلات.
ومن الشعراء الكبار في عصر الأمير نصر الشاعر «رودكي» الذي كان من أساتذة الكلام الفارسي وقد ترجم كتاب «كليلة ودمنة» من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية شعراً بأمر من نصر نفسه. وذكر الثعالبي في «يتيمة الدهر» أسماء شعراء كانوا ينشدون الشعر باللغة العربية في بلاط السامانيين، وأكثرهم كان يحاضر أيضاً باللغة الفارسية، كما يمكننا الاطلاع على حياة وآثار كثير من الأدباء والشعراء الذين عاشوا تلك الفترة من خلال كتاب «تأريخ الآداب» للدكتور صفا. وإجمالاً لقد بلغت اللغة الفارسية وآدابها أوج ازدهارها في عصر السامانيين. وقد لمع شعراء كان لهم دورهم من أمثال «رودكي» سنة «368» والشهيد «بلخي». وكان العلماء في عصر السامانيين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الكتّاب أو مسؤولو التحرير، العلماء المختصون بالعلوم الدينية، والأدباء، وكانت تظهر اختلافات بينهم في خراسان لكن الجدير بالملاحظة هو التفوق النسبي للأدباء على الآخرين. لكن لم تدم هذه الحالة على ما هي عليه وذلك؛ لأنّ السنين التالية شهدت توسعاً في رقعة الثقافة الدينية في عصر السامانيين ممّا أدّى هذا إلى حصول العلماء على مكانة خاصّة متميزة في فترة نفوذ الأتراك من الغزنويين والسلاجقة.
كما ذكرنا سابقاً من أنّه تمّ تعيين نوح خلفاً لأبيه وذلك من سنة (331) حتّى (343) حيث كان أميراً تلك الفترة وفي زمانه بدأ عصر انحطاط الحكومة السامانية لأنّه بدل أن يفوّض أمور البلاد إلى وزير ذي معرفة وخبرة، نجده على العكس فوّضها إلى رجل من الفقهاء والأتقياء وهو محمد بن أحمد السلمي الذي كان يعرف بالحاكم الجليل. لم يكن لهذا الرجل شغل بالأمور الإدارية والسياسية لأنّه كان رجل علم وعبادة لا هم له إلاّ تأليف الكتب الفقهية والانشغال بالأمور العبادية؛ لهذا حصلت اضطرابات وفوضى في إدارة أمور البلاد وادّعى الحكومة كثير من الأفراد منهم: أبو علي أحمد الجيغاني القائد العسكري لخراسان وحاكم نيشابور.
كانت منطقة النفوذ التي يسيطر عليها السامانيون تنقسم إلى قسمين هما: (1) ما وراء النهر. (2) خراسان أي جنوب آمودريا. والقسم الثاني كان يخضع لأوامر الحاكم العسكري الأعلى الذي كانت أمور حكومة تلك المنطقة بيده أيضاً، وكان مركز حكومته نيشابور.
أمّا «بخارى» فد ظلّت مركزاً للحكومة السامانية حتّى انقراضها. وكان يديرها جهازان هما: البلاط الملكي، والديوان الذي كان على رأسه الوزير، أمّا قائد الجيش فهو وإن كان ذا صلاحيات واسعة لكن الحاجب والوزير كانا أعلى منه منصباً على أي حال. كان تقسيم الوظائف السياسية بين البلاط والديوان الملكي يتبع النظام الوظيفي الموجود في بغداد. وكان منصب الوزارة أو «الخواجة الكبير» منصباً حسّاساً ومهمّاً جدّاً، لأنّ الوزير المقتدر كان بيده التعيين والعزل، وكذلك بيده القيادة العليا للجيش.
كان الوزير من الناحية النظرية رئيساً للديوان أو رئيساً لتشكيلات الديوان الملكي؛ لهذا كان يشارك رئيس البلاط أو الحاجب في إدارة الديوان الملكي؛ وما عدا الحاجب، فقد كان هناك مسؤول مهم وصاحب نفوذ كبير وهو الوكيل أو رئيس أهل البيت الملكي، وبما أنّ رئاسة البلاط الملكي كانت ترفع من قدرة الحاجب ومنصبه؛ لهذا كان هناك صراع سياسي بين الوكيل والحاجب والوزير.
عندما أقيل أبو علي أحمد الجيغاني من منصبه كحاكم عسكري من خراسان وحاكم نيشابور بسبب الشكاوى التي رفعت ضدّه، أعلن عن تمرّده وتحرّك باتجاه ما وراء النهر لكنّه اندحر قريباً من بلخ ففرّ إلى «جيغانيان» سنة «336». وأخيراً تمّ عقد صلح بين الأمير نوح وأبي علي وتقرّر أن يبقى نجل أبي علي رهينة في بخارى، ويعفو نوح عن أبيه. ظلّ أبو علي في جيغانيان اعتباراً من هذا التأريخ حتّى سنة (340هـ)، بعد ذلك اضطربت الأوضاع في خراسان وما وراء النهر مرّة ثانية، فاستدعى نوح أبا علي وعيّنه قائداً للجيش وأميراً على خراسان كما كان في السابق. فقام الأخير بإخضاع خراسان وفي سنة (342) كلف من قبل نوح بمساعدة (وشمگير الزياري) ومقاتلة ركن الدولة الديلمي.
توفي الأمير نوح سنة (343) فخلفه على الإمارة نجله عبدالملك. فقام هذا بتعيين أبي منصور محمد بن عزيز وزيراً. في بداية حكم هذا الأمير الجديد تمرّد الجيغاني المذكور مرّة أخرى في خراسان. وتوجّه ركن الدولة حسن البويهي إلى جرجان فقام قائد الجيش وهو أبو سعيد بكر بن مالك الفرغاني بإخماد تلك الفتن المضطرمة. لكنّه لم يدم طويلاً لأنّ لفيفاً من العسكرية الأتراك كانوا ممتعضين جدّاً منه، لهذا قتله عبدالملك، وعيّن مكانه «التبكين» وهو من الأمراء الأتراك، وكان غلاماً فرفعه إلى رتبة قائد عام للجيش وفوّض له أمور الجيش على أثر ذلك. وفي نفس تلك الفترة عيّن الأمير عبدالله أبا علي محمد بن محمد البلعمي نجل أبي الفضل البلعمي وزيراً.
بعد ذلك توفي عبد الملك في الحادي عشر من شوال سنة (350) على أثر سقوطه من على جواده إلى الأرض في لعبة الكولف. فجاء بعده أخوه أبو صالح منصور بن نوح وذلك بجهود بذلها الأمير أبو الحسن بن عبدالله فائق خاصة. وحدث في زمانه أن تمرّد أهالي سيستان ضد واليه خلف بن أحمد، فأرسل منصور جيشاً إلى هناك فأفلح في إخضاع سيستان وانتشالها من أيدي المتمردين وتسليمها لخلف نفسه لكن ما لبث أن طرد منها مرّة أخرى. على أي حال، فإنّه كان قد عاد إليها بفضل السامانيين لكن في هذه المرّة امتنع عن إرسال الأموال والخدم والملابس إلى بخارى علماً أنّه يجب عليه إرسالها فأرسل منصور جيشاً إلى سيستان، وبعد سبع سنين من القتال تمّ عقد الصلح بين الطرفين وصارت خطبة سيستان باسم منصور. وكما ذكر ابن الأثير: فإنّ هذا أوّل وهن تعرّضت له الحكومة السامانية، والذين لمسوا عصيان أنصار الحكومة وتمرّدهم طمعوا في الحكومة.
إنّ الاشتباكات التي دارت بين منصور وركن الدولة الديلمي ـ والتي كانت قد استؤنفت مرّة أخرى سنة «356»، وكذلك المشاكل التي واجهها في سيستان قد أعطت الفرصة لـ: التبكين قائده العسكري التركي أن يتمرد ضدّه. وبما أنّ التبكين هذا قد طرد من البلاط؛ لهذا توجه إلى بلخ معلناً عن معارضته لحكم منصور فأرسل له منصور جيشاً لردعه لكنّه اندحر، وعلى أثر اندحار الجيش توجّه إلى غزنة وتسلّم فيها مقاليد الأمور.
في سنة «363» توفي وزير المنصور «أبو علي البلعمي»، وأمّا وزيره الآخر أبو جعفر العتبي فقد أقيل من منصبه فاختار منصور «أبا عبدالله أحمد بن محمد الجيهان» لمنصب الوزارة، وظلّ هذا وزيراً طيلة الفترة التي حكم فيها منصور. وفي سنة (366) توفي منصور بن نوح فلُقّب بالأمير السديد بعد وفاته، بعد وفاة منصور تربع على عرش الإمارة ولده نوح الثاني وله من العمر ثلاث عشر سنة.
فوّض الأمير الجديد حكومة خراسان لابن الحسن السيمجوري، وعيّن عبدالله بن أحمد العتبي وزيراً له. وكما حدث سلفاً فإنّه قد حدث الآن إذ نشب الخلاف بين الوزير والحاكم العسكري في خراسان. وفي سنة «372» عيّن مكانه «أبا العباس تاش» الذي كان من غلمان أبيه القذافي. ولمّا علم أبو الحسن فرّ إلى قهستان التي كانت من إقطاعيات أسرته.
وبما أنّ الجيش الثابت للحكومة السامانية يومذاك هو جيش خراسان فإنّ هذا الجيش قد أعدّ عدّته لمحاربة آل بويه وذلك في أواخر سنة «372» وتوجّه إلى إيران المركزية، ورغم الانتصارات الأولى التي تمّ تحقيقها لكن كان الاندحار آخر الأمر من نصيب السامانيين ولولا وفاة عضد الدولة لهاجم البويهيون خراسان إذ حالت وفاته دون تحيق ذلك. وصمّم العتبي على تنظيم الجيش ثانية وذلك استعداداً للقتال لكنّه قبل أن يقوم بهذا العمل قتل على يد مرافقي أبي الحسن السيمجوري وفائق الذي كان قد عُيّن حاجباً للبلاط.
لا بدّ من القول أنّ قصّة انتهاء الحكومة السامانية كانت خليطاً من دسائس ومؤامرات الوزراء وأمراء الجيش. ولا يخفى فإنّ أحداث العشرين سنة الأخيرة من عمر الحكومة السامانية أي من 366 وحتّى سنة 387هـ، وهي فترة حكومة نوح، تبيّن لنا تكرار أسماء ثلاث شخصيات كثيراً. وهم: تاش وكان عبداً تركياً، وقد عيّنه الأمير نوح بن منصور أميراً على خراسان سنة (373). ويأتي بعده أبو الحسن السيمجوري وكان من إقطاعيّ قهستان جنوب هرات، وقد دارت حرب بينه وبين تاش حول إمارة خراسان. والثالث: الحاجب السالاري ويسمّى: فائق بعد مقتل العتبي استدعى الأمير الساماني «تاش» والي خراسان إلى العاصمة بخارى لإقرار النظم فيها حيث تعرّضت للفوضى والاضطرابات. وصل الأخير إلى العامصة، وهيّأ نفسه بالاتفاق مع فائق لخوض صراع ضد أبي الحسن ونجله أبي علي لكنّه كان يتوقع أنّ الحرب مع هؤلاء لا يمكن أن تؤدّي إلى متاعب له في المستقبل لهذا تصالح مع أعدائه وخصومه.
استطاع تاش إقناع الأمير الساماني تفويض حكومة «بلخ» إلى فائق، وحكومة «هرات» إلى أبي علي كما عاد أبو الحسن إلى قهستان وعاد هو إلى نيشابور. لكن سرعان ما انكشف بعد ذلك أنّ هذه التعيينات كانت خطأ وذلك لأنّ الوزير الجديد محمد بن عزيز كان عدواً للعتبي وخصماً لتاش، ولم تمر به فرصة إلاّ وهو يتحدّث مع الأخير محرّضاً إيّاه على عزل «تاش» عن ولاية خراسان وإعادة تعيين أبي الحسن السيمجوري مكانه، فاستغاث «تاش» فوراٍ بآل بويه، ورغم ما قدّموه له من مساعدة لكنّه دحر على يد السيمجوريين وفائق في أواخر سنة (377) ففرّ بعدها إلى جرجان وبعد فراره بسنة فارق الحياة.
إنّ انشغال السامانيين بالنزاعات الداخلية أعاقهم عن التحرّك صوب الشرق؛ لهذا جد الأتراك القراخانيين الفرصة سانحة لهم في تلك الأرجاء لتحقيق طموحاتهم بالحصول على نفوذ كبير مستغلين ضعف السامانيين الذي مكّنهم من الاستيلاء على مناجم الفضّة العائدة للسامانيين والكائنة في وادي زرافشان العلوي وذلك سنة (366).
في سنة (370) استسلمت مدينة «استيفجاب» لهم. والتحق بهم الملاكون الأتراك الذين كانوا عملاء مأجورين للسامانيين، وقد تفضل عليهم السامانيون بتفويض شؤون بعض الإمارات الصغيرة لهم جزاءً للخدمات التي قدّموها لهم.
في سنة «381» تحرّك «بغراخان» القائد العام للقراخانيين صوب منطقة نفوذ السامانيين ودحر الجيش الذي كانوا قد أرسلوه لردعه. وفي السنة التي تلتها وصل نوح بن منصور إلى بخارى بعد فراره، وما عودته إلى بخارى إلاّ بعد مرض بغراخان ووفاته، فاستعاد قدرته فيها. بعد ذلك تحرّك فائق، الذي ساعد القرخانيين في حربهم مع السامانيين، للتنسيق مع أبي علي حاكم خراسان وذلك لينهيا امر الحكومة السامانية فاستنجد نوح بالأمير التركي «سبكتكين» الذي كان قد عيّنه أميراً على التبكين في غزنه فأمده بما يريد فانكسر فائق وأبو علي واتجها صوب المغرب. على أثر ذلك عيّن نوح محموداً نجل سبكتكين أميراً على خراسان. لكن فائق وأبو علي لم يسكتا بل كانا يواصلان جهودهما للقضاء على نوح، ورغم الجهود المتواصلة التي كانا يبذلانها ظلّ نوح على رأس الحكومة السامانية الصغيرة، تلك الحكومة التي كانت تحكم في وادي «زرافشان» السفلي الذي يشمل معظمه بخارى وسمرقند. أمّا الغزنويون فقد سيطروا على خراسان وصارت من حصّتهم.
عندما تربع منصور نجل نوح على عرش الإمارة سنة «387» لم يحالفه الحظ كثيراً إذ بمجرد وصول خبره إلى «إيلك خان» التركي توجه صوب بخارى، والتحق به فائق على مشارف سمرقند. ولمّا علم منصور باتحاد الاثنين أصابه رعب فترك بخارى فارّاً إلى آمل على ضفاف «جيحون»، ولمّا وصل فائق إلى بخارى استغرب من عدم وجود منصور فيها فطلب منه أن يرجع إليها، ولمّا عاد منصور إلى بخارى لم تكن له سلطة حقيقية لأنّ زمام كافة الأمور أصبح بيد فائق. وفي تلك الظروف توفي الأمير سبكتكين، ولمّا علم ولده بوفاته واستيلاء أخيه إسماعيل على غزنين ترك خراسان مضطراً، فعيّن منصور «بكتوزون» الحاجب مكانه أميراً على خراسان على أي حال فإنّ المشاكل الأخرى التي واجهها السامانيون في خراسان جعلت محمد الغزنوي في وقع أقوى خصوصاً بعد قضائه على أخيه. وفي خضم تلك الظروف اتفق «بكتوزن» «وفائق» للقضاء على منصور خصوصاً وهما كانا ناقمين عليه، وبالفعل تمّ لهما ذلك في سنة (389) فأقالاه عن الإمارة ثمّ أعمياه. وعيّنا عبدالملك خلفاً له.
قام هذا الأمير الأخير ومعه «فائق» و«بكتوزون» اللذين أوصلاه إلى الحكم، قام باستعادة قواه لمواجهة خصمه العنيد محمود الغزنوي الذي كان قد استولى على خراسان. وتوجهوا بأجمعهم نحو خراسان لكن في الأثناء توفي فائق فأصاب الخطّة خلل عام. وفي تلك الظروف التي أعقبت تدهور الأحوال بعد وفاة فائق تحرّك «شمس الدولة أبو نصر» وهو أخو «إيلك خان» من كاشغر بجيش جرّار قاصداً بخارى بعدما علم بحقيقة الأوضاع. فحاول عبدالملك عندها تعبئة الناس أن لا يحاربوا القراخانيين المسلمين لهذا فإنّ إيلك خان، ومع أخذه بنظر الاعتبار الوضع المضطرب في خراسان وما وراء النهر، وقصده ـ كما يبدو ـ نجدة عبدالملك في مواجهته لمحمود الغزنوي الذي تطلّع للسيطرة على ما وراء النهر بعد احتلال خراسان، تحرّك في العاشر من ذي القعدة عام «389هـ» فدخل بخارى دون مقاومة تذكر. ولمّا علم «بكتوزون» خرج مع عدد من الأمراء لاستقباله، وعند مراسيم الاستقبال توجه الجميع إلى البلاط الملكي، وعندها أصدر هذا الأمير التركي أمراً باعتقال عبدالملك وكافة أفراد الأسرة الملكية والقادة والأمراء السامانيين، وإيداعهم السجن… وبهذا انقرضت حكومة هذه السلالة الإيرانية وطويت صفحتها.
سيد حسين رئيس السادات
وفيما يلي أسماء الملوك السامانيين:
إسماعيل بن أحمد: 279ـ295هـ، 892ـ907م.
أحمد بن إسماعيل: 295ـ301هـ، 907ـ912م.
نصر بن أحمد: 301ـ331هـ، 913ـ943م.
نوح الأول بن نصر: 331ـ343هـ، 943ـ ش954م.
عبدالملك الأول بن نوح: 343ـ350هـ، 954ـ961م.
منصور الأول بن نوح: 350ـ365هـ، 961ـ976م.
نوح الثاني بن منصور: 365ـ387هـ، 976ـ997م.
منصور الثاني بن نوح: 387ـ389هـ، 997ـ999م.
عبدالملك الثاني بن نوح: 389هـ ـ 999م.
الأوضاع الاقتصادية في بلاد ما وراء النهر وخراسان أيام الدولة السامانية
استمرّ العهد الساماني في بلاد ما وراء النهر حوالي مائة وثمانية وعشرين عاماً. وفي مرحلة عظمة واقتدار الملوك السامانيين السابقين كانت بلاد ما وراء النهر شاملة لأقاليم خراسان، وجرجان، وطبرستان، والري، وسيستان، وبلخ. وكان أمراء وملوك السلالة السامانية إلى ما قبل ستين سنة من الشروع والانفصال عن الدولة السامانية يتمتعون بنفوذ عال وسيطرة قوية.
وعلى مدى حوالي قرن من الزمان، كان الملوك السامانيون في منأى عن حملات الهجوم الخارجي، الأمر الذي يعدّ من أبرازعوامل الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته المنطقة في تلك الفترة.
وبفضل كفاءة، وخبرة، وحسن تدبير الوزراء المقتدرين مثل أبو الفضل البلعمي، وأبو علي محمد البلعمي، وأبو عبدالله محمد الجيهاني، بقيت مدن ما وراء النهر وخراسان لمدّة طويلة من المراكز التجارية المهمة، ومن تلك المدن؛ طراز، واسبيجاب، وبخارى، وسمرقند.
وعلى ما يقول ابن حوقل؛ فإنّ بخارى، في ذلك الزمان كانت تشتهر بصناعة الألبسة الرقيقة الفاخرة، وسجادات الصلاة، والأفرشة، والأواني، وأحزمة الخيول، والسروج، وقد كان السجناء يصعنونها أثناء سجنهم.
في أطراف بخارى، يوجد جبل يعرف باسم «دركت»، وتقع على سفحه قرية «دركت»، ويمتد إلى سمرقند، لينتهي بسلسلة جبال بوتم Bottam، ويتصل بآشروسنة وفرغانة. وفي هذه السلسلة الجبلية «بوتم» يوجد الكثير من المعادن المهمة، مثل: النشادر، والزاج، والزئبق، والحديد، والنحاس، والفيروزج، والأحجار الكريمة.
يقول المقدسي: إنّ منطقة سمرقند غنية من حيث مصادر الثروة المعدنية، وبخاصة الأحجار الكريمة التي توجد هناك بكثرة، وفضلاً عن ذلك، فإنّ هذه الولاية تزخر بأحجار الكلس، والزاج، والنشادر، وأحجار البناء.
ومن جملة الصناعات التي كانت تشتهر بها سمرقند: صناعة الورق، حيث كانت تلك المنطقة تقوم بتصدير الورق إلى مختلف بقاع المعمورة في ذلك الوقت، وكذلك الألبسة الموشّاة والمزركشة بالذهب، والألبسة المذهبة الزاهية، والأقمشة الحريرية الملوّنة. وكذلك، تصنع القدور النحاسية، وسروج الخيل، والأعلام، والبلور.
وكانت قرى سمرقند تصدر محاصيل البندق واللوز، أمّا كرمينية الواقعة بين بخارى وسمرقند فكانت تصدر أنواعاً مختلفة من الشال والعمائم، ومن دبوس يجري تصدير الأقمشة، ومن ربخبى اللباد الأحمر، والسجاد، والأقداح والجفان والقدور النحاسية، والجلود المدبوغة، وحبال الكتّان المتينة المحكمة، والكبريت، وكذلك أنواع من الرز الفاخر الذي يُحصّل في فصل الشتاء.
وعلى مقربة من مدينة سمرقند ينتصب جبل يعرف باسم «كوهك» ويمتدّ سفحه ليلامس سور المدينة، ويبلغ طوله نصف الميل تقريباً، ويستفاد من أحجاره لصناعة الأواني والجفان والقدور الفخارية، كما تُستمدّ منه أحجار البناء، ويستخرج منه معدن الزاج.
ولا تخلو تجارة الرقيق في سمرقند من أهمية وطرافة، حيث كانت تجري هناك عمليات بيع و شراء العبيد والغلمان والإماء.
يقول المؤرخ اليعوبي في هذا الصدد: أخبرني جعفر الخشكي أنّ المعتصم العباسي أرسله إلى نوح بن أسد في سمرقند أيام حكم المأمون (198ـ218 هجرية) ليشتري منه غلماناً من الترك، فكان يبعث إليه في كلّ سنة مجموعة منهم.
لقد كانت سمرقند في ذلك الزمان من أكبر وأهمّ مراكز التبادل التجاري، التي تستقطب أرباب التجارة في بلاد ما وراء النهر، حيث أنّه يجري في هذه المنطقة الحصول على جميع أنواع المحاصيل والمنتوجات والمصنوعات بأوفر من مدن ما وراء النهر وخراسان الأخرى، وذلك إلى عهد ولاية الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني، وقبل أن تتحوّل العاصمة إلى بخارى.
يقول مصنّف (حدود العالم): إنّه في ذلك العصر كانت صناعة الرماح والنبال والسهام والأقواس مزدهرة في مدينة (جاج)، وكانت الأقواس المصنوعة في تلك المدينة موضع رغبة كلّ الدنيا، حيث طبقت شهرتها العالم بأسره.
كما أنّ خوارزم كانت على قدر كبير من الأهمية في تلك الأيام، فأراضيها تتمتع بخصوبة زراعية عالية، بحيث أنّ مقداراً كبيراً من المحاصيل الداخلة في الصناعة (المحاصيل الخام) يفيض عن مقدار الحاجة في كلّ عام، وبخاصّة محصول القطن الخام.
وفي سهول خوارزم ومروجها الفسيحة ترى قطعان كبيرة من الأغنام والبقر التي تشكّل أصوافها وألبانها وجلودها عناصر مهمة من مصادرات خوارزم.
ومن الصادرات الطبيعية والصناعية الأخرى في خوارزم؛ الشمع، وجذوع الأشجار، والعنبر، وأخشاب الصفصاف، والأقواس، وأدوات الصيد، وكذلك الصناعات اليدوية من قبيل؛ الأغطية، والأقمشة والمنسوجات الحريرية، والحرير، والأقفال المحكمة، والقوارب النهرية الصغيرة. كانت خوارزم تعدّ أيضاً من المراكز المهمة لبيع الجلود، ويقصدها التجار من روسية والبلاد الواقعة على بحر الخزر لبيع وشراء الجلود.
وكما في سمرقند، فإنّ تجارة الرقيق كانت مزدهرة في خوارزم، وكان الغلمان والفتيات يؤتى بهم من البوادي، فيُشتَرَون، ويدرّبون على عادات وتقاليد وآداب معينة، ومن هناك يباعون إلى سائر الولايات والأقاليم، حيث يستفاد من الغلمان في الجيوش، والخدمة في حجابة الأمراء والملوك، وقد كان نفوذهم يتّسع إلى حدّ الإقدام على خلع الخلفاء والأمراء، وقتلهم، أو سمل عيونهم، أو حبسهم، فالبتكين مؤسس السلالة الغزنوية ـ على سبيل المثال ـ هو أحد الغلمان الأتراك، اشتري من سوق الرقيق لأحمد بن إسماعيل الساماني.
إنّ شكل المدن في العهد الساماني نموذج مشابه لشكلها في العصور الإسلامية الأخرى، وتتكوّن من القلاع والحصون القديمة، وحارات السكن والربض. وتكون القلاع والحصون عبارة عن قصور ملكية أو دور إمارة «دوائر حكومية» ويخصّص فيها محلّ للسجناء. وتتميّز أسوار هذه الأماكن بسمكها واحتوائها على أبراج محكمة، وبعد القلعة أو الحصن تشيّد دور الأهالي، وتقسّم إلى نواحٍ ومحلاّت وحارات. في أطراف أغلب الحواضر في ذلك الوقت أسوار مرتفعة «أسوار المدن». أمّا الربض فهي عبارة عن البنايات المستحدثة والأسواق والمحلات المنشأة خارج المدن التي عادة ما تكون محوّطة بأسوار قديمة.
ويعتقد أنّ الغرض من أسوار المدن هو الحفاظ على أهلها من هجمات الأعداء والمغيرين، وهذا ما يفسّر الإحكام الظاهر في بنائها، إذ يكون إنشاؤها غالباً من الأحجار القوية، ويضاف إليها الجص والآجر أحياناً. وعلى هذه الأسوار أبراج للمراقبة، تنفصل عن بعضها البعض بمسافات معينة، والغرض منها حماية المدينة وحراستها ومراقبة الطرق المؤدية إليها.
وتكون الأسواق عادة إمّا في داخل المدينة نفسها، أو في الربض والمحلات. ويغلب على هذه الأسواق كونها كبيرة وممتدّة، حتّى أنّ بعضاً منها يصل طوله إلى حوالي الفرسخ، وأغلبها مكسوّ بالآجر، مثل سوق «ترفذ». وكلّ سوق يحمل اسماً معيناً، نتيجة لنوع المعاملات التي تجري فيه، مثل: سوق الحذّائين، وسوق بائعي الفستق، وسوق العطارين، وغيرها.
وعلى جانبي السوق تجد التجارة، والمتسوّقين، والحمالين، وكذلك الدكاكين، والفنادق، وكلّ ما تتطلبه العمليات التجارية. إلاّ أنّ المدن الصغيرة تفتح أسواقها أبوابها في كلّ أسبوع، أو في كلّ شهر مرّة، وخلال أيام معدودة يتوجه الناس والتجار من الأطراف إليها لغرض البيع والشراء، وأغلب هذه الأسواق تكون مختصّة بسلع وبضائع محدّدة، مثل السوق الذي كان معروفاً في بخارى باسم «ماخ روز» والذي كان يفتح أبوابه في السنة مرتين فقط، وفي كلّ مرّة ليوم واحد، ويجري البيع والشراء فيه في ذلك اليوم بما يقرب من خمسين ألف درهم. وينسب هذا السوق إلى أحد رجالات الدولة المسمّى: «ماخ»، يذكر أنّه قد قام بإنشائه، وأمر النحاتين والمصورين أن يعملوا تماثيلهم ومجسّماتهم خلال مدّة سنة لعرضها في هذا السوق في اليوم الذي يفتح فيه.
وفي قرى بخارى كان يوجد سوق سنوي آخر باسم سوق «طراويس» وهو مخصّص ببيع وشراء الأشياء القديمة. وهناك أسواق أخرى تفتح لمدّة عشرة أيام في السنة، أو خمسة عشر يوماً، أو عشرين يوماً.
لقد كانت التجارة في خراسان على عهد السامانيين تحظى باهتمام بالغ، إلاّ أنّ الخلافات بين الأسر المتنفذة، مثل: السيمجوريين، والكامكاريين، والسردارنيين، أدّت إلى تدهور الأوضاع وتخلخل الوضع الأمني شيئاً فشيئاً، ممّا منع من اتساع التجارة إلى بلاد ما وراء النهر. وعلى العموم، فإنّ صناعة أنواع الأقمشة، والمنسوجات الحريرية، استمرّت في القرى، وكذلك فقد كان مستمراً تصدير الجلود المدبوغة، وأدوات الصيد، وحبوب السمسم، إلى خارج المنطقة.
وكانت مدينة (طوس) تصدّر الأواني المعدّة للطبخ، والحصران، والغلاّت، والأحزمة، والعباءات، النفيسة، وتصدّر (مرو) الحرير الخام، والخيوط، وأغطية الرأس النسائية (المقانع والخُمُر)، وأنواعاً مختلفة من الأقمشة، وتصدّر القرى التابعة لها زيت السمسم، والعطور، وتصدّر (بلخ) السمسم، واللوز، والجوز، والرز، وعصير العنب، فيما تشتهر أيضاً بصناعة نوع من الصابون الفاخر، كما كانت تصنع أنواعاً مختلفة من الزيوت، والعصير، والعطور، والعباءات النسائية، فضلاً عن توفّر بعض المعادن في أطرافها كالزاج والرصاص.
إنّ عمليات البيع والشراء في القرن الرابع الهجري كانت تجري بصورة المقايضة (استبدال جنس بجنس آخر) في الغالب، فتتم المعاوضة بين تجار المدن الكبيرة، والصغيرة، والقرى، والقصبات على حدّ سواء. وتتوفر النقود المسكوكة لغرض إجراء بعض المعاملات البسيطة والضرورية في المدن، ولكنّها غير ذات قيمة في غيرها.
إنّ المسكوكات المتداولة في ذلك العصر بعضها كان عالمياً، ويجري التداول بها بين التجار في مختلف مناطق العالم. وتقسّم هذه المسكوكات من حيث جنسها إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأوّل، وهي المصنوعة من الذهب، وتعرف بالدنانير، والقسم الثاني، وهي المصنوعة من الفضة، والقسم الثالث، وهي المصنوعة من مزيج الفضة والنحاس والرصاص، ويعرف القسمان الأخيران بالدراهم.
ويذكر الزشخي، والقدسي، وياقوت الحموي، والاصطخري في مصنفاتهم شروحاً مفصلة فيما يتعلق بالمعاملات التجارية في ذلك الزمان، والمسكوكات المتداولة، فيقولون:
لقد كانت معاملات أهل بخارى تجري بالدرهم، ولم يكونوا يبيعون ويشترون بالدنانير، وتعرف دراهمهم بالغطريفية، وهي سكّة معنية مصنوعة من الحديد والنحاس والرصاص المذاب. ولكن هذه الدراهم غير رائجة خارج بخارى وتوابعها، وتحمل هذه الدراهم صوراً ونقوشاً، وهي من المسكوكات الإسلامية. كما أنّ هناك مسكوكات إسلامية أخرى تعرف بالمسيبية، والمحمدية. وهذه التسميات الثلاث (الغطريفية، والمسيبية، والمحمدية) منسوبة إلى الذين ضربوا هذه السكك؛ غطريف، والمسيب، ومحمد. وقد كانت هذه المسكوكات سوداء اللون، وقد انتشرت بواسطة المحاربين إلى خارج بخارى، ثمّ طغى عليها البياض. وكانت الدراهم الغطريفية تصنع من ذوب الرصاص، والحديد، والنحاس الأصفر.
إنّ أهم وأبرز من ضرب السكة في بخارى هو السلطان (أوكانا نجار خداة) الذي حكم بخارى ثلاثين سنة، واتسعت التجارة على عهده مع كرباس وكندم. وكان قد اطلع على مسكوكات الحواضر والولايات الأخرى، فأمر بضرب السكّة الخالصة في بخارى على ما يشابه تلك المسكوكات، وأمر أن تنقش صورته بالتاج عليها. وقد كان ذلك في أواخر القرن الأوّل الهجري، وبقيت تلك الحال حتّى حكم هارون الرشيد العباسي (170ـ193 هجرية) الذي عيّن غطريف بن عطا والياً على خراسان. إنّ غطريفاً هذا هو شقيق أم هارون (الخيزران). وكان في اليمن، فقدم في شهر رمضان عام 185هـ من اليمن على هارون الرشيد، فولاّه على خراسان. ولدى قدومه إلى خراسان كانت سكة خوارزم هي الرائجة والمتداولة، فيما كانت سكّة بخارى قد فقدت أهميتها، فطلب إليه وجهاء بخارى أن يضرب سكة تكون مستقرّة في البلاد، فضربت الدراهم الغطريفية.
ويمتدّ طريق خراسان الرئيس من (سرخس)، ليصل إلى (مرو)، وهناك حيث يجتاز صحراء الملح في (آمل)، والمعروفة بـ (جهار جوي)، ينتهي إلى ساحل نهر جيحون، وبما أنّ هذا الطريق منطلق من خراسان فإنّه ينتهي في بخارى. وتوجد على هذا الطريق منازل لاستراحة القوافل، ما تزال محتفظة بأسمائها القديمة، وتعرف بها.
ومن (مرو) يتجه نهر كبير باتجاه الشمال الشرقي من طريق خراسان الكبير، ويمتدّ نحو (بلخ)، مجتازاً نهر جيحون، ويصل إلى (ترفذ)، وهناك يتفرّع إلى عدّة اتجاهات.
ومن جهة الشمال الغربي يمتدّ طريق آخر من ترفذ، باتجاه البوابة الحديدية (دروازه آهنين)، وفي منطقة يقال لها: (كندك) يتفرّع إلى جادتين: الجادة اليمنى تتجه إلى الشمال، ومن خلال كش القديمة تصل إلى سمرقند. أمّا الجادة الأخرى، فتمتد باتجاه الشمال الغربي، وعند وصولها إلى نخشب، تتفرّع عنها جادة ثالثة تلتوي عائدة إلى كش من جديد. غير أنّ الطريق الأصلي ما إن يجتاز بيابان حتّى ينتهي إلى بخارى.
وبدلتا نهر جيحون الذي يقع في ولاية خوارزم، ينتهي طريق يذهب من (آمل) بخراسان، موازياً للساحل الأيسر للنهر، ويتجه إلى طاهرية، ومن هناك يتجه نحو منطقة (هزار أسب)، ومنها باتجاه الطرف الأيسر، أي: من خيوة القديمة يصل إلى الجرجانية.
ويوجد طريق آخر يتجه إلى كات، والمدن السواحلية الواقعة على الضفة اليمنى من نهر جيحون. وطريق آخر يبدأ من الجادة الجنوبية الشرقية، ليجتاز بيابان، بصورة مستقيمة متجهاً إلى كات، ومنها يذهب إلى بخارى.
وفي منطقتي جرجان وطبرستان، لا توجد طرق كثيرة بسبب التعرجات في تضاريس سلسلة جبال البرز. وقد ذكر المقدسي والاصطخري من تلك الطرق: طريقاً يمتدّ من الريّ باتجاه الشمال، ويمرّ بأسك، وپلور القديمة، وينتهي بآمل.
كما يذكر ابن حوقل، والاصطخري منازل الاستراحة الواقعة على طريق من آمل باتجاه الغرب، على امتداد ساحل البحر، ويصل إلى كيلان.
وكذلك، يذكر المدسي طريقاً يبدأ من جرجان، ويمتدّ إلى المشرق، باتجاه اخراسان.
العمارة السامانية
تنويع متطور للأساليب الإسلامية العباسية
عرف العالم الإسلامي في القرن التاسع الميلادي تطورات مهمة تجسدت بالأخص في تشرذم الإمبراطورية التي أسسها العباسيون على أنقاض الدولة الأموية، ونشوء دويلات مختلفة في الغرب والشرق. ففي الأندلس أنشأ عبدالرحمن الداخل دولة مستقلة منشقة عن الدولة العباسية. وفي المغرب أسس الأدارسة دولة دامت نحو قرنين واتخذوا من فاس عاصمة لهم. أمّا في مصر فقد استقل أحمد بن طولون عن العباسيين وحافظت البلاد على هذا الاستقلال مدّة طويلة.
وكذلك حدثت حركات انفصالية مشابهة في الأقسام الشرقية من الإمبراطورية، تجسدت في نشوء دويلات كانت أولاها دولة بني طاهر في خراسان التي جعلت من مرو عاصمة لها، ثمّ الدولة الصفارية التي انطلقت من سجستان وامتدت حتّى فارس وكشمير. غير أنّ الدولة الأقوى والأهم كانت بلا شك الدولة السامانية التي أسسها نصر بن أحمد ودامت حتّى العام 999م، وشملت سجستان وكرمان وجرجان وما وراء النهر وخراسان. ومن المعروف عن السامانيين أنّهم كانوا من كبار مشجعي العلوم والفنون والآداب. وكانت عاصمتهم بخارى عاصمة ثقافية من الدرجة الأولى وقادرة على منافسة بغداد. وتؤكد الوثائق التاريخية أنّ الرازي الشهير قدم دراسة طبية لأحد الأمراء السامانيين أمّا ابن سينا فاطلع على مكتبتهم الغنية في بخارى. كذلك نشأت في الحقبة السامانية أوّل نهضة للغة الفارسية فتحت آفاقاً جديدة للأدباء الفرس.
وبالنسبة إلى النتاج الفني، فإنّ النماذج القليلة التي بقيت لنا من تلك الحقبة تعدّ من الروائع، وأوّلها الصروح المعمارية مثل ضريح الأمير إسماعيل الساماني في بخارى المشيد بين 913 و943م من الآجر. وتجدر الإشارة إلى أنّ الآجر كان مادة البناء الأساسية التي اعتمد عليها في العراق وبلاد فارس منذ آلاف السنين بسبب عدم توافر الحجارة الجميلة كما في مصر وبلاد الشام.
ضريح إسماعيل الساماني من أقدم الأضرحة في العالم الإسلامي، وهو على شكل مكعب له قبة ومفتوح من جهاته الأربع. ويؤكد البحاثة، ومنهم الفرنسي أندريه غودار، أنّ هذا الشكل مستوحى مباشرة من معابد النار الساسانية، ممّا يظهر امتزاج التقاليد الإسلامية بالتقاليد السابقة. ويتمتع هذا الضريح بجمال خاص ممّا يفسّر تركيز البحاثة عليه في مجمل الكتب التي تعني بالعمارة الإسلامية. وتعود شهرته إلى طريقة زخرفته المبتكرة، وهي تقوم على تغطية جدرانه الداخلية والخارجية بقطع الآجر الصغيرة بحيث تكون تارة نافرة وتارة أخرى غائرة ما يسمح بتجسيد تحولات اللون والضوء. صحيح أنّه سبق لنا التعرّف إلى مثل هذه الطريقة في استعمال الآجر في باب بغداد في مدينة الرقة السورية وفي بعض أبنية مدينة سامراء العراقية، لكنّها لم تبلغ أبداً درجة الكمال الفني التي تطالعنا في ضريح إسماعيل الساماني.
إلى جانب استعمال الآجر كمادة زخرفية، لجأ الفنانون أيضاً إلى مادة الجص (أو الجفصين بالعامية) لتكسية الجدران المبنية من الآجر وكانوا في البداية يصبونه لزجاً في القوالب الخاصة ثمّ يقومون بنقشه بأزاميل حتّى يصبح صالحاً لتغطية الجدران. ومن المعروف أنّ استعمال الجص كمادة زخرفية تقليد إسلامي يرجع إلى الحقبة الأموية. ويعدّ قصر الحير الغربي في سورية من أقدم الأبنية التي تشهد على استعمال الجص، وهو شيّد في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك (723ـ742م) ويقع على بُعد 60 كيلومتراً من تدمر، ويتألف من طابقين ومحاط بالأبراج الدائرية.
وخلال فترة حكم السامانيين تمّ تشييد مسجدين صغيرين استعمل فيهما الجص بصورة رائعة، يقع الأوّل في مدينة بلخ الأفغانية التي كانت قبل انتشار الدعوة الإسلامية مركزاً بوذياً مهماً، وعرفت في القرن العاشر ازدهاراً كبيراً، لكنّها اليوم قرية صغيرة منسية اكتشفت فيها منذ سنوات قليلة أنقاض جامع سمّاه المنقبون الأثريون السوڤيات «جامع القباب التسع» بسبب مخططه الغريب، إذ أنّه عبارة عن قاعة مسقوفة ومربعة تعلوها تسع قباب صغيرة، وهي مفتوحة من جميع الجدران باستثناء جدار القبلة الذي يتضمن المحراب. وشيّد هذا الجامع من الآجر وفق تقنية قديمة مستعملة في دمغان منذ الحقبة الساسانية. وتغطي جدرانه الزخارف الجصية الجميلة المتنوعة والمستوحاة خصوصاً من مفردات الأزهار والنبات المصاغة بشكل مجرد. ولا تقع هذه الزخرفة أبداً في الرتابة والتكرار، بل على العكس ترتدي في كلّ زاوية حلّة جديدة معتمدة على إيقاع موسيقي داخلي يمنحها أبعاداً جمالية عالية.
المسجد الثاني المشيد خلال المرحلة السامانية هو مسجد نايين الذي يعدّه البحاثة تحفة فنية بسبب زخارفه الجصية التي تطالعنا فوق المحراب والأعمدة والأقواس، وهي تصل هنا أيضاً إلى مستوى نادر من الجمال والإبداع. وكان المستشرق س. فلوري أوّل من أدرك أهمية هذا الجامع فكرّس له دراسة كاملة العام 1930 مع رسوم مفصلة لأبرز الزخارف التي تمزج بين الأشكال الهندسية والخط العربي والمفردات النباتية بأسلوب مذهب قائم على منطق متكامل.
إنّ مراجعة العمارة الفارسية خلال المرحلة السامانية، وهي تشكل امتداداً للعمارة العباسية التي سبق وتعرفنا عليها في سامراء عاصمة الخلفاء في القرن التاسع، تكشف عن مقدرة الفنانين المسلمين الكبيرة في استعمال المواد الهشة مثل الجص وتحويلها إلى مواد طيّعة قادرة على بلوغ مستويات جمالية عالية.
ومن شعراء الشيعة
في العهد الساماني
أبو عبدالله جعفر بن محمد الرودكي.
قال ولي الله زحمتكش فيما ترجم لنا من أقواله عن الفارسية:
ولد في قرية رودك من قرى سمرقند وتوفي سنة 329هـ ودفن في قريته التي كان قد ترعرع فيها.
حفظ القرآن وبدأ بنظم الشعر وهو لا يزال صبياً. وقد قربه الأمير نصر الساماني واهتم به، ولذا كبر اسمه وشأنه.
وكان أبو الفضل البلعمي الوزير العالم الساماني معجباً به وهو الذي شوّقه لنظم كليلة ودمنة.
وقدج قال عنه السمعاني في (الأنساب):
إنّه أوّل من قال الشعر الجيّد بالفارسية، وقال أبو سعد الإدريسي الحافظ: أبو عبدالله الرودكي كان في زمانه مقدماً في الشعر بالفارسية على أقرانه.
وكان أبو الفضل البلعمي وزير إسماعيل بن أحمد يقول: ليس للرودكي في العرب والعجم نظير»([203]).
وينقل عن العوفي في لباب الألباب وعن رشيدي السمرقندي أنّ أشعاره عُدّت فكانت مائة ألف بيت شعر.
وقد بقي من آثاره: ألف بيت من الشعر، وكتابه المنظوم كليلة ودمنة الذي ترجم إلى العربية في عهد الأمير نصر بن أحمد الساماني. وكان مترجمه أبو الفضل محمد البلعمي. ومن آثاره (عواس النفايس) و(تاج المصادر)، ومنظومة سندباد نامه (التذكار)، وما أشار إليه المؤرخون عن موته الغريب سنة 329هـ في قريته دليل على أنّ الرودكي في آخر أيام حياته طرد من قصور الملوك ولم يعودوا يهتمون به([204]).
والرودكي يوصف في كتاب تاريخ علوم إيران وأدبياتها بأنّه أبو الشعر الفارسي وسلطان الشعراء.
يقول ولي الله زحمتكش:
لأنّ الأمير نصر الثاني كان إسماعيلياً، وكان الرودكي إسماعيلياً أيضاً لذا كان الأمير يهتم به، ولكن بعد أن ساء وضع الإسماعيلية، وترك الأمير نصر الولاية وذهاب أبو الفضل البلعمي، نرى أنّ وضع الشاعر قد تغيّر وساءت حياته، وأهانوه كثيراً.
ونقول: إنّ القول بأنّ الأمير الساماني كان قرمطي المذهب لا يمكن التسليم به، وتنفيه وقائع التاريخ. والكاتب نفسه أضاف إلى قوله السابق كلمة (إسماعيلي)، فهو يخلط بين القرامطة والإسماعيليين، مع أنّ القرامطة والإسماعيليون متناقضون في كلّ شيء. ويمكن ان يكون نصر الثاني إسماعيلياً، وكذلك يمكن أن يكون الرودكي.
وللمعروفي البلخي بيت من الشعر يوضح فيه مذهب الرودكي، ومضمون هذا البيت:
سمعت من الرودكي سلطان الشعراء
لا تنظر في العالم أحداً سوى الفاطمية
وفي كتاب التشيع (سيري در فرهنگ وتاريخ تشيع) جاء:
«من الشعراء الأوائل الناطقين باللغة الفارسية: الرودكي والكسائي المروزي، وهما شيعيا المذهب اعتماداً على الروايات المختلفة، والرودكي أوّل شاعر فارسي ممتاز ومذهبه الإسماعيلية. بعد أن انتمى نصر بن أحمد الساماني إلى الإسماعيلية، والرودكي كذلك أصبح إسماعيلياً.
ومن الشعراء الشيعة
الكسائي المروزي من الشعراء المعروفين الذائعي الصيت في أواخر العصر الساماني وأوائل العصر الغزنوي. وهو السبّاق لناصر خسرو في إنشاء أشعار العظة والنصح وبث روح التحرر وسبّاق ناصر خسرو أيضاً في عقيدته الشيعية ونشر فضائل أهل البيت (عليهم السلام).
إنّ ديوان شعره كان موجوداً حتّى القرن السادس الهجري وكان صاحب كتاب «النقض» ومؤلف كتاب «لباب الألباب» قد شاهدا ديوانه ولكن الذي يؤسف له أنّ هذا الديوان قد اختفى ويجب الآن التنقيب عن أشعاره في كتب الآخرين وفي التذاكر. والذين طالعوا ديوانه لا يشكّون في تشيعه وانتمائه إلى المذهب الإثني عشري. يقول عبد الجليل الرازي:
«… إنّ جميع أشعار ديوان الكسائي كانت في فضائل المصطفى وآل المصطفى (عليه وعليهم السلام) ومدحهم. ويقول أحد الذين جمعوا أشعاره:
كان الكسائي من الشيعة ومن أتباع آل العصمة والطهارة وأنّ عقيدته بالتشيع وإخلاصه لأسرة الرسول، قد أدّى به إلى أن يبرز بين بقية شعراء عصره.
والحقيقة أنّ أشعاره القليلة المتبقية تؤكد عقيدته بالتشيع. وإليك مضمون بعض أشعاره: «امدح واثن على الذي مدحه النبي وأثني عليه وقلّده جميع الأعمال. من هو ذاك؟ أيكون غير أسد الله حيدر الكرار، لو تخيلت دين الهدى كالدائرة فإنّ مركز هذه الدائرة يكون الرسول وخط الفرجار هو حيدر. لقن الرسول العلم علياً فكان مثل سحاب الربيع الذي يروي البساتين والحدائق».
والأمر الذي يؤكد تشيع الكسائي الخالص ويبرز عقيدته وقدرته على نظم الشعر في الفضائل هي قصيدته المطولة التي كانت قد ضاعت ولكن لحسن الحظ وبفضل جهود أحد المحققين المعاصرين في السنوات الأخيرة عثر عليها في إحدى مكتبات أسطنبول في تركيا إنّ هذه القصيدة تؤكد بوضوح أنّ شاعر مرو خراسان المعروف الذي كان يعيش في عصر كبت أبناء الشيعة (أوائل العصر الغزنوي) كيف تمكن وبكل صراحة وبدون أي خوف أن يبرز عقائده وأن يدافع عن التشيع وعن أهل البيت (عليهم السلام) بقوّة وباستدلال. كما أنّه لم يدافع عن الأعمال المتطرفة. وقد كان ينتقد بكامل قدرته الخلفاء الأمويين والعباسيين وكان يعاتب سبكتكين والپتكين (الغزنويين) اللذين كانا يوهمان أنّهما يدافعان عن الإسلام.
يقول الكسائي ما مضمونه: «ثلثمائة وسبعون سنة مضت منذ عهد الرسول وقد شبعت المنابر من أسماء وخصال سكين وتكين [أي سبكتكين والپتكين]. إنّ المنبر الذي تلوث بأقدام مروان ويزيد كيف يمكن أن يعرف منه اسم زين العابدين».
هذه القصيدة هي نموذج من أحد الآثار الأدبية في القرن الرابع ونموذج من الأشعار المفقودة لشاعر كبير وهي مهمة من ناحية التحقيق في الأحوال الفكرية في إيران آنذاك وتشير إلى أسلوب الدعاية والاستدلال عند الشيعة آنذاك وكيفية عقائدهم وإيمانهم».
وفيما يلي مضمون بعض أبيات هذه القصيدة: «إن كنت مؤمناً إفهم فضل أمير المؤمنين، فضل حيدر أسد الله المرتضى الطاهر. فضل ذلك الذي لو وضعت الرسول جانباً فهو الأفضل وهو عمود الإسلام إمام المتقين. فضل الأصفياء وصهر فخر الأنبياء. أيّها الناصبي إن لم تعلم فضل سر ذي الجلال فانظر إلى آية (القربى) وإلى (أصحاب اليمين). اقرأ {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ} [آل عمران: 16] وانظر لعنة الله من «نبتهل» إلى «الكاذبين». اقرأ «لا فتى إلاّ علي» واعلم تفسيره أو من قاله ومن يعرفه غير «الروح الأمين».
والشاعر المعروف (رودكي) الذي كان يعيش في بلاط السامانيين قد آمن بالتشيع قبل الكسائي المروزي.
سامراء
ـ1ـ
يجمع الباحثون الذين تناولوا تأسيس هذه المدينة بالدراسة، على أنّ إنشاءها يعود إلى زمن الخليفة العباسي المعتصم الذي تولّى الخلافة بعد وفاة أخيه المأمون سنة 218هـ (834م)، حيث كانت أكثرية جنده من الأتراك الذين ضاقت بهم بغداد بعد أن آذوا سكانها، لذلك فكر المعتصم بالانتقال منها واختيار موضع سامراء ليكون مقراً له ولجنده. وأراد أن تكون العاصمة الجديدة في موقع غير بعيد عن مدينة السلام كما كانت تسمّى بغداد آنذاك وكذلك أن يكون هذا الموقع على نهر دجلة ليؤمن الاتصال السهل مع بغداد ما يساعد في ازدهار الموقع الجديد ويوفر له السيطرة على بغداد عند الضرورة.
استقرّ رأيه سنة 221هـ (837م) على أن يشيد مدينة المعتصم (أو كما يسميها بعضهم مدينة القاطول نسبة إلى نهر القاطول الذي يسمّى الآن نهر القائم، على بعد عشرة كيلومترات جنوب سامراء الحالية عند المنعطف الحالي لنهر دجلة في الأراضي المعروفة بالقادسية وقامت على جانب النهر في موقع كان فيه بعض المزارع والأديرة والمساكن.
استقدم المعتصم العمال المهرة والفنيين من أنحاء البلاد الإسلامية لتشييد العاصمة العباسية، وجلب قسماً من مواد البناء من بغداد والبصرة والشام وغيرها من المدن الإسلامية. وأوّل ما قام به هو تشييد المسجد الجامع والأسواق، وبقي هذا الجامع إلى عهد الخليفة المتوكل، فضاق على الناس، فهدمه وبنى المسجد الجامع الكبير وبقربه المنارة (المئذنة) الشهيرة بـ «الملوية». كما قام ببناء مدينة خاصّة به، سمّاها المتوكلية على بُعد بضعة أميال من سامراء، وشيّد فيها مسجداً آخر، ونقل كثيراً من رجال دولته الذين بنوا لهم قصوراً فيها.
أصبحت المدينة هذه من أجمل المدن التي أنشأها الحكام المسلمون، وضمّت أجزاءً خاصّة لسكن فرق الجيش وموظفي الدولة وعامة الناس وأطلق عليها اسم سامراء (سر من رأى) وكانت في أيام ازدهارها سيّدة من مدن العالم.
لكن «سر من رأى»، ما فاجأت العالم بظهورها إلاّ لتفاجئه مرّة أخرى بكسوفها الدائم، نتيجة الوضع المتدهور والاختلاف الواقع في الدولة العباسية بسبب العصبية التي كانت بين الأمراء الأتراك المسيطرين على مجريات الدولة آنذاك، فقد هجرها الخليفة العباسي المعتمد سنة 279هـ (893م) هجراناً تاماً، وانتقل منها إلى بغداد العاصمة العباسية القديمة ليتخذ منها مقراً له لستة أشهر قبل وفاته في السنة نفسها، وحمل إلى سامراء ودفن فيها، وأصبحت سامراء وكأنّها لم تكن فانقلب ذلك المجهود الجبار بين عشية وضحاها أي بعد انقضاء نحو خمسين عاماً على تأسيسها إلى أطلال، حيث حكمها ثمانية خلفاء، هم: المعتصم بالله، والواثق بالله، والمتوكل على الله، والمنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، والمعتمد على الله.
ويشير ياقوت الحموي في «معجم البلدان» إلى خراب سامراء بقوله: «لم يبق منها إلاّ موضع المشهد ـ ويقصد مشهد الإماميين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام)، ومحلة (حارة) أخرى بعيدة منها يُقال لها كرخ سامراء، وسائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلّها أحسن منها، ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً».
وهكذا انتهت قصة سامراء العباسية لتقوم على جزء من أطلالها مدينة سامراء الحالية، التي كانت إحدى الحارات الشهيرة في أيام المعتصم المعروفة بـ «عسكر المعتصم». وإلى هذا الموضع نسب الإمام الحسن بن الإمام علي الهادي (عليه السلام) فعرف بالعسكري، وكان يسكن هذه الحارة، ودفن فيها من قبله والده، الإمام علي الهادي (عليه السلام) الذي توفي سنة 254هـ (868م)، ولما توفي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة 260هـ (873م) دفن إلى جوار أبيه وأصبح مشهد الإمامين المعروف بـ «الروضة العسكرية» نواة مدينة سامراء الحالية فشيّدت الدور والمنازل والأسواق والمباني الأخرى حولها، التي بنيت على الطراز الإسلامي، وباستعمال مواد البناء التي انتزعت من مباني مدينة سامراء القديمة، وهي الطابوق الطيني المفخور «الآجر». وقد حافظت المدينة على عمرانها ووضعها إلى ما بعد انقراض الدولة العباسية.
وفي عهد مدحت باشا الوالي العثماني على بغداد أصبحت مدينة سامراء الحالية مركز قضاء تتبع له مدن وقصبات كثيرة أهمها تكريت والدور.
وكان يحيط بسامراء الحالية سور ضخم يبلغ طول محيطه كيلومترين، شيّد سنة 1250هـ (1834م)، وأنفق على بنائه أحد ملوك الهند. وكانت لهذه السور أربعة أبواب هي: باب القاطول في الغرب، وباب بغداد في الشرق، وباب الناصرية في الشمال، وباب الملطوش في الجنوب. وهدم معظم هذا السور عقب توسع المدينة في كلّ الاتجاهات، وأصبحت مركزاً علمياً ودينياً وسياسياً مرموقاً بعد أن انتقل إليها المرجع الكبير السيد محمد حسن الشيرازي وآثر الإقامة فيها، وتشييد أحد أبرز المعاهد الدينية في العراق، حيث درست فيه العلوم الإسلامية كافة، وربّى جيلاً من العلماء أبرزهم المرجع الكبير الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي قائد الثورة العراقية الكبرى عام 1920م، وقد هدمت السلطات الحكومية هذا المعهد في السنوات الأخيرة.
وبعد قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921م. أصبحت سامراء قضاء تابعاً إلى بغداد.
ولمدينة سامراء اليوم أهميتها التاريخية، ومكانتها الإسلامية لوجود مشهد الإمامين، ولقربها من بغداد، ويجلب إليها وجود بعض الآثار العباسية الكثيرة من الزوار والسياح. أمّا أبرزها معالمها العمرانية فهي:
مشهد الإمامين
(الروضة العسكرية)
تقع الروضة العسكرية في قلب مدينة سامراء الحالية، وتعتبر أحد أبرز المعالم الحضارية والإسلامية في العالم الإسلامي، وهي مشيدة على أرض خصبة ورملية، ويحيط بها سور من الطابوق (الآجر) والجص، ويتوسط الروضة ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام).
وفي عهد ناصر الدولة الحمداني سنة 333هـ (944م) تمّ تشييد قبة الضريحين وإحاطتهما بسور متين. وفي العهد البويهي قام معز الدولة ثالث سلاطينهم بتعمير قبة الروضة العسكرية وسرداب الغيبة، وجعل لضريحهما صندوقاً من الخشب.
وقام عضد الدولة البويهي سنة 368هـ (978م) بتجديد عمارة الروضة والأروقة ووسع الصحن (الفناء المكشوف) وشيّد سور للمدينة التي أخذت بالاتساع.
وفي العهد السلجوقي سنة 495هـ (1102م) تّم تجديد أبواب الروضة وإعادة بناء سور لها وذلك من قبل الوزير مجد لدولة. وفي سنة 640هـ (1242م) شبّ حريق في الروضة، فأمر الخليفة العباسي المستنصر بالله بإعادة إعمارها بشكل أفضل.
وفي العهد الصفوي قام الشاه حسين سنة 1106هـ (1695م) بتزيين جدران الروضة من الداخل بخشب الساج، ودعم البناء، وعمل شباكاً من الفولاذ للضريحين وأمر بتبليط أرضيتها وملحقاتها بالرخام.
أمّا العمارة التي تشاهد اليوم للروضة العسكرية، فقد بدأ تشييدها سنة 1200هـ (1786م) من قبل أحمد خان الدنبلي من حكام أذربيجان وأتمّها ولده حسين قلي خان الدنبلي سنة 1225هـ (1810م)، وفي سنة 1285هـ (1868م) أمر ناصر الدين شاه القاجاري بتجديد شباك الضريحين وكسا القبة من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب، وكسا المآذن بالبلاط القاشاني المزخرف.
المئذنة العلوية (ملوية سامراء)
تعدّ مئذنة الجامع الكبير في سامراء والشهيرة بـ «ملوية سامراء» أحد أبرز المعالم المعمارية والإسلامية في العراق، ويعتبر هذا الجامع الذي بناه الخليفة العباسي المتوكل بين عامي 232ـ238هـ (847ـ853م) من أهم الآثار العباسية الباقية إلى يومنا هذا.
وتقع ملوية سامراء على مقربة من الجدار الشمالي للمسجد، وعلى المحور الممتد بين الباب والمحراب تماماً. وهي مخروطية الشكل، بنيت من الطابوق «الآجر» والجص، وتقوم على قاعدة مربعة الشكل طول ضلعها 32 متراً يبدأ فوقها سلم حلزوني مبني من الطابوق (الآجر) والجص أيضاً ويدور حولها خمس دورات باتجاه معاكس لدوران عقرب الساعة، وينتهي في القمة بغرفة مستديرة ارتفاعها ستة أمتار، لها باب من الجهة الجنوبية وتقوم فوقها قبة صغيرة، ويبلغ ارتفاع الملوية حوالي 52 متراً عن مستوى سطح الأرض.
وهذا النوع من المآذن التي يتم الصعود إلى قمته من خلال سلم متلوٍ مكشوف إلى الخارج وذلك بخلاف سائر المآذن في مساجد العالم الإسلامي، التي يتم الصعود إلى أعلاها من سلم يقع في داخل المئذنة.
مئذنة مسجد أبي دلف
تعتبر هذه المئذنة ثاني مئذنة ملوية في العراق، فهي تشبه من ناحية التصميم والبناء مئذنة المسجد الجامع الكبير (ملوية سامراء). ويعدّ مسجد أبي دلف الجامع حيث تقوم هذه المئذنة، من أهم المباني الأثرية التي بقيت من المدينة المتوكلية.
قصر المعشوق
ويعرف أيضاً باسم قصر العاشق، ويعتبر من القصور الأثرية العباسية المهمة في سامرء. شيّده الخليفة العباسي المعتمد على الله سنة 275هـ (889م) وأقام فيه قبل تركه سامراء نهائياً إلى بغداد.
ويقع القصر على طريق بغداد ـ الموصل الرئيسي على بُعد حوالي 125كلم إلى الشمال من مدينة بغداد على الضفة الغربية لنهر دجلة، مقابل دار الخليفة وإلى الجنوب من قصر الجص في الحويصلات.
قصر الخليفة المعتصم
وهو المسمّى بدار الخلافة والجوسق الخاقاني، شيّده الفتح بن خاقان بطلب من الخليفة العباسي المعتصم سنة 221هـ (837م)، ويبعد حوالي 2500 متر إلى الشمال من ملوية سامراء، وما تزال بقايا أطلاله على ضفة نهر دجلة، ومنها مدخله، ويصل المرء من مستوى النهر إلى مدخل القصر الذي يقع في الواجهة المطلة على نهر دجلة عن طريق به درجات (سلالم). وقصر الخليفة المعتصم كبير وواسع ويحيطه سور ضخم من اللبن مدعم بالأبراج.
قصر الجص في الحويصلات
يقع هذا القصر في الجانب الغربي لنهر دجلة إلى الشمال من قصر المعشوق. شيّده الخليفة العباسي المعتصم. ويتكوّن من بناية مربعة الشكل. ومواد بناء هذا القصر هي الطابوق (الآجر) والجص واللبن، وجدرانه بوجه عام مكسية بالجص، وقاعته مزخرفة الجدران.
القبة الصليبية
وتقع إلى الجنوب من قصر المعشوق غير بعيدة عنه، وعلى مرتفع يشرف على نهر دجلة من الجانب الغربي ويقابل الجوسق الخاقاني تقريباً.
تضمّ هذه القبة رفات ثلاثة خلفاء عباسيين ويحتمل أنّ التسمية مشتقة من تصالب أبوابها الأربعة، وهناك من يعتقد أنّها مشتقة من دين السيدة التي أمرت بتشييدها لدفن ابنها المنتصر بالله.
وقد شيّدت هذه القبة سنة 246هـ (861م)، ودفن فيها بالإضافة إلى المنتصر بالله، الخليفة المعتز بالله المتوفى سنة 255هـ (869م) والخليفة المهتدي بالله المتوفى سنة 256هـ (870م).
ورغم بساطة تخطيط القبة الصليبية، خصوصاً الغرفة المربعة، فقد اعتمد أساساً لمعظم المقابر والمشاهد التي شيّدت بعدها.
رؤوف الأنصاري
سامراء
ـ2ـ
سامراء هي العاصمة الثانية من عواصم خلفاء بني العباس أنشأها الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد سنة 835م في الجانب الشرقي من نهر دجلة لتكون عاصمة الخلافة بدل بغداد. وسكنها من بعده سبعة خلفاء كان آخرهم الخليفة المعتمد على الله الذي سكنها بضع سنين ثمّ هجرها لينقل مقر الخلافة ثانية إلى بغداد. فأخذت سامراء بالإضمحلال تدريجاً إلى أن أصبحت خراباً ولم يبق منها سوى الأطلاق باستثناء بعض معالمها التي ما زالت قائمة، من أهمها جامع الجمعة ومنارته الملوية.
وتذكر المصادر التاريخية أنّ المعتصم لدى اتخاذه مدينة سامراء عاصمة لحكمه أسّس الجامع أوّلاً. وبقي ذلك المسجد إلى أيام الخليفة المتوكل الذي بدأ بإنشاء جامع ضخم سنة 849م بدلاً من الجامع القديم، وانتهى من بنائه سنة 852م وما يزال هذا الجامع الذي شيّده المتوكل يعتبر من أكبر وأهم المساجد الأثرية الباقية التي شيّدت في العصور الإسلامية المختلفة.
يمتاز هذا الجامع بوسعه وضخامته وبمئذته الحلزونية، إلاّ أنّ معظم معالمه وطرزه المعمارية اندثر بسبب نقل مواده البنائية من قبل السكان واستعمالها لأغراض البناء الخاصّة ولم يبق منه سوى جدرانه الداخلية لارتفاع يتراوح بين 10 و12 متراً، والسبب يرجع إلى عظم سمكها الذي يزيد عن 2،5 متر.
كان يحيط بالجامع سوران، الخارجي مبني باللبن مستطيل الشكل مقاساته نحو 440م×276م يدعمه 68 برجاً. أمّا السور الداخلي فهو مشيّد بالآجر ومستطيل الشكل أيضاً مقاساته 240×156م مدعم من الخارج بأربعة وأربعين برجاً بهيئة نصف دائرية. هذا بالإضافة إلى وجود أربعة أبراج دائرية تقريباً كلّ منها في ركن من أركان الجامع وهي اكبر من باقي الأبراج ومشيدة على قواعد مستطيلة وقياسات أضلاعها 5,45×2,25م.
وتزين الأجزاء العليا من أضلاع الجامع الأربعة من الخارج زخارف هندسية قوامها مشكاوات مدورة ومقعرة ومحاطة بإطار منتظم مربع الشكل تقريباً ضلعه هو 1،70م وفوق المشكاوات وعلى ارتفاع 30سم تقريباً نجد افريزاً من الآجر. وفي أضلاع الجامع مزاريب عدّة كان الغرض منها تصريف المياه يتراوح عرضها بين 27سم ـ 40سم وعمقها بين 27سم ـ 30سم، استحدثت بواسطة نقر الجدران.
وتقوم منارة الجامع على بُعد 27,25 متر من الضلع الشمالي وتعرف باسم «الملوية» وهي مبنية على قاعدة مربعة طول ضلعها 33م مزينة بمشكاوات معقودة بأقواس مدببة عرض كلّ منها متر واحد وارتفاع القاعدة عن الأرض وحتّى رأس القوس 2،25م. ويبلغ مجموع عددها 33 مشكاة. وفوق القاعدة تنتصب المنارة على شكل حلزوني مؤلف من خمس طبقات تتناقص سعتها كلّما ارتفعت إلى الأعلى ويدور حولها درج يؤدي في نهايته إلى قمة المنارة وهي مزينة من الخارج بمشاكي عددها ثمان إحداها، التي تقع عند الجانب الجنوبي للمنارة، مفتوحة وبها باب يوصل إلى سلم شديد الانحدار يبدأ مستقيماً ثمّ يصير حلزونياً وفي نهايته نجد قمة المئذنة التي تعلو ارتفاعاً نحو خمسين متراً فوق سطح القاعدة.
وقد أبانت الحفريات عن جود سلم منحدر طوله 25م وعرضه 12م يبدأ من الواجهة الشمالية للجامع ثمّ يأخذ في الارتفاع حتّى يتصل بالقاعدة التي تقوم عليها الملوية في المكان الذي يبدأ فيه السلم الحلزوني الذي يؤدي إلى أعلى المنارة.
للجامع سبعة عشر مدخلاً أساسياً. واختيرت تلك المداخل بشكل يتناسب مع الأروقة الداخلية للمسجد وموزعة على أضلاعه الأربعة.
يشغل المسجد مستطيلاً طوله 240م وعرضه 156م. ويستدل من نتائج الحفريات التي أجريت في المسجد على أنّ طول جدار القبلة 150م وعمق بيت الصلاة 62م، وكان يضم تسعة أروقة للصلاة تحدّها تسعة صفوف من الدعامات. وكانت الدعامات مبنية بالآجر قاعدتها مربعة طول ضلع كلّ منها متران وترتفع بهيئة مثمن إلى ارتفاع يقرب من 10،5م، وعند كل ركن من أركان المثمن عمود طويل من الرخام أسطواني الشكل.
وفي أعلى الجدار القبلي 24 نافذة، 12 منها على يمين المحراب و12 إلى يساره. كان الغرض منها إضاءة بيت الصلاة، وكلّ نافذة بهيئة مشكاة محاطة بإطار مستطيل ارتفاعه نحو 2،5م وعرضه 1،90م أمّا صحن المسجد فهو واسع وفسيح، وتشير الحفريات الأولى التي أجريت هناك إلى أنّه كان فيه حوض ماء في وسطه نافورة لم يبق من آثارهما شيء من الوقت الحاضر.
أعمال الحفريات والصيانة
بدأ الاهتمام بجامع الجمعة منذ العام 1937 فقامت مديرية الآثار العامة في العراق بإجراء التحريات والحفريات التي ترافقت مع أعمال الصيانة الأثرية في مناطق كثيرة من أجزائه حيث نقلت كميات كبيرة من الأتربة والأنقاض من داخل المسجد ورممت جدرانه إلى مستويات مختلفة خصوصاً من الخارج كما رممت المنارة الملوية. بدأ العمل بتنظيف الرواقين الشرقي والغربي فظهر معظم أرضية الجامع المبلطة بالآجر الكبير كما عثر على أسس الدعامات الكائنة في بيت الصلاة وتمّ ترميمها. بعدئذ انتقل العمل إلى صحن المسجد فرفعت الأنقاض منه وظهرت في وسطه آثار الفوارة، كما نقلت كميات كبيرة جداً من الأتربة التي كانت متراكمة بين سوري الجامع الخارجي والداخلي حتّى ظهرت جدرانه التي تدخل على روعة في البناء. وبعد نقل الأتربة من الجامع بدأت أعمال الصيانة، فقلعت الأقسام المتآكلة من أضلاعه من الداخل وتمّت صيانتها إلى مستويات مختلفة بنفس المواد المستخدمة أصلاً وهي الجص والآجر، وتمّ التوصل إلى معرفة شيء جديد في تاريخ الجامع وهو تلك الفتحات الصغيرة في الجدران والقريبة من أرضية المسجد التي توحي للناظر بأنّها مداخل صغيرة إلاّ أنّها كانت شرفات.
أمّا في السنين اللاحقة فقد سار العمل على مرحلتين: الأولى إجراء التحري في المناطق الكائنة بين سوري الجامع الخارجي والداخلي لتبيان ما تبطنه تلك المناطق من مرافق بنائية يمكن الاهتداء بها إلى معرفة التقاسيم العمرانية والطرز المعمارية المستخدمة. والأخرى هي إجراء الصيانة في الأقسام العليا من أضلاع الجامع لغرض المحافظة على الزخرفة الهندسية التي تظهر فيها من الخارج، وترميم مناطق أخرى من المسجد.
بالإضافة إلى الأعمال السالفة الذكر فقد رمّم محراب جامع الجمعة الموجود في الجدار الجنوبي بصورة مقاربة لما كان عليه. ولعدم وجود معالم أصلية للأعمدة، ارتأت مديرية الآثار العامة وضع أعمدة من حجر الكلس كلّ منها بقاعدة وتاج بسيط لا يخرج عن بعض التفاصيل التي ظهرت في أعمدة أخرى كانت من بقايا مباني سامراء ومنها أعمدة جصية معروضة الآن في متحف سامراء.
سامراء
ـ3ـ
سامرّاء اسم آراميّ([205])، وهو في أصله مقصور كسائر الأسماء الآرامية بالعراق مثل «كربلا وعكبرا وحَرَوْرا وباعقوبا وبَتمَّار وتامَرّا» وقد مَدَّ العرب كثيراً من هذه الأسماء الآرامية المقصورة في استعمالهم إيّاها، وخصوصاً ذكرها في الشعر إلحاقاً لها بالأسماء العربيّة أو توهماً منهم أنّها عربيّة تجمع بين المدّ والقصر، مثل كثير من الأسماء التي انضمت عليها اللغة العربيّة ذات الأصول العربية.
رأيت «سامرّا» مكتوبة في نسخة تاريخ الطبري المطبوعة بمصر، أعني بالألف المقصورة وسيأتي النصّ وهكذا.
ولم يذكر لسترنج المستشرق المشهور العالم المحقق معنى «سامرّا» الآرامية، ولا مُترجما كتابه إلى العربية([206]) في الترجمة، وإذ كانت الآرامية فرعاً من فروع اللغة السامية الأمّ، وكان الغالب على «سينها» أن تبدل «شيناً» في العربية جاز أن يكون بين مادة «شمر» العربيّة و «سامرا» الآرامية صلة لفظية وصلة معنوية.
قال الأصمعي: «التشمير: الإرسال من قولهم: شمّرتُ السفينة: أرسلتها، وشمّرت السهم: أرسلته» . وقال ابن سيدة: «شمّر الشيء: أرسله، وخصّ ابن الأعرابي به السفينة والسهم». وقال أبو عبيدة في التسمير (بالسين) الوارد في الحديث: «وسمعت الأصمعي يقول: أعرفه بالشين وهو الارسال، قال: وأراه من قول الناس: شمّرت السفينة: أرسلتها، فحُوّلت الشين إلى السين»([207]). فغير بعيد إن كانت «سامرا» عند الآراميين فرصة كبيرة لإرسال السفن في دجلة أو دار صناعة لها، ولدجلة عندها خليج لا يزال على حاله القديمة يتبطّح فيه الماء عند الزيادة. مع هذا فتفسيري هذا لا يخرج عن عداد الحُسبان؛ وذلك لعُسر تفسير الأسماء الواغلة في قديم الزمان.
وقال الأب أنستاس ماري الكرملّي: «لا جَرَم أن الذي أسس سامرّا وبناها هو الخليفة العباسي المعتصم بالله.. أما اسم المدينة فليس من وضع المعتصم نفسه بل هو قديم في التاريخ، فقد ذكره المؤرخ الروماني أميانس مرقلينس الشهير الذي ولد سنة (320) وتوفي سنة (390) بصورة (سومرا Sumera (ونوّه به زوسميس المؤرخ اليوناني من أبناء المائة الخامسة للمسيح صاحب التاريخ الروماني بصورة (سوما) Souma ويظن أهل النقد من أبناء هذا العصر أنّه سقط من آخر الاسم حرفان والأصل (سومرا: Soumara) وورد في مصنفات السريان (شومرا) بالشين المنقوطة، وعرّفها ابن العبري باسم السامرة (كذا) وهذه عبارته([208]): «فلما جدّوا (أي الناس) في زمن بناء برج بابل في ذلك بأرض سنعار وهي السامرة، قات نمرود بن كوش راصفي الصرح بصيدة…». (راجع كتابه؛ مختصر الدول ص 19 من طبعة اليسوعيّين في بيروت). والغلط ظاهر إذ ليست السامرة في بلادنا بل في فلسطين، لكنّ مجانسة اللفظ الواحد للآخر خدعته فقال ما قال… أما الكلمة فليست بعربية صرفة وإن ذهب إلى هذا الرأي كثيرون من المؤرخين والكتبة واللغويين، وذلك لعتقها كما أوضحناه وهي عندنا من أصل سامي قديم ويختلف معناها باختلاف تقدير اللفظة المصحفة عنه، فإذا قلنا: إن أصلها (شامريا) فمعناها الله يحرس المدينة أو بعبارة أخرى (المحروسة)، وإن قدّرنا أصلها (شامورا) بإمالة الألف الأخيرة فمعناها الحرس أي منزل الحرس أو مواطن الحفظة بتقدير حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه، وهو كثير الورود في جميع اللغات السامية. وعليه نعتبر قولهم إن (سامرا) تخفيف (سُرَّ من رأى) أو (ساء من رأى) من قبيل الوضع، ولهذا لم يقبل أحد من المستشرقين هذا الرأي وعدّوه في منتهى السخف.
وزعم الأستاذ هرزفيلد أن اسم هذه البلدة قد جاء في الكتابات الآشورية بصورة (سرمارتا Su – Mar – Ta) وأنها كان لها في أيّام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان.
أما مدّ «سامرا» وجعلها سامراء فهو محدث أحدثه العرب إجراءاً منهم لهذا الاسم مجرى الأسماء العربية كما ذُكر انفاً، وكانوا يفعلونه حتّى مع اعترافهم بأن الاسم غير عربيّ.
قال ياقوت الحموي: عُكبرا بضمّ أوله وسكون ثانيه وفتح الباء الموحدة، وقد يمدّ ويقصر، والظاهر أنّه ليس بعربيّ…
وقال حمزة الأصبهاني: بزرج سابور معرب وزرك شافور وهي المسماة بالسريانية عكبرا([209]).
وللأستاذ كاظم الدجيلي مقالة جيّدة بعنوان: «أثار سامراء الخالية وسامراء الحالية» قال فيها: «أما اسمها فقد اختلفت الروايات فيه وفي معانيها (كذا) وكلها لا نصيب لها من الحقيقة، وأصدق لغة رويت في اسمها هو (كذا) سامراء بفتح السين بعدها ألف يليها ميم مفتوحة وبجانبها راء مثقلة مفتوحة ثمّ ألف ممدودة وفي الآخر همزة. وأما قولهم: إن الرواية الصحيحة هي (سُرَّ مَن رأى) أو (سام راه) فهذه وغيرها من مخترعات المخيلة، ومن التآويل التي أنتجتها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون والاكتفاء بما يرضيه. ولو فكروا قليلاً لأقرّوا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الاسم، ولعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأمم الخالية، فكيف يُطلَب لها معنى في اللغة العربية؟!».
قلت: قد ذُكر رُجحان المقصور «سامرا» على الممدود «سامراء» في كلام سابق لهذا، واستبانت أسباب الرجحان، ويضاف هنا أن مدّ الأسماء الأعلام غير مألوف في غير اللغة العربية من اللغات السامية، والغالب عليها فيها القصر، وإذ كانت اللغة البابليّة واللغة الآشورية واللغة الكلدانيّة مع تشابههنَّ من اللغات السامية كاللغة العبريّة فلا بأس في البحث عن معنى «سامرا» في اللغة العربيّة مع مُراعاة أطوار الأبدال والأوزان في اللغات المذكورة وهي في الصعوبة بمكان، بحيث لا يعلمها إلاّ متقن تلك اللغات ودارس علم الموازنة بينها. ومع ذلك فلا حرج في إقامة باعث على التفكير في معنى الاسم، أو إحداث فكرة تدور حولها، والبحث عن معاني الأعلام المدنية هو مما اعتاده المؤرخون المحدثون والآثاريون العصريون، لأنّه ذو فائدة لعلم التاريخ والحضارة البشرية وعلم اللغات، اعتاده أيضاً البلدانيون القُدامى كما ترى في معجم البلدان لياقوت الحموي، وإنّما الذي يؤخذ عليهم أنّهم كانوا يحاولون رجع معظم الأسماء الأعلام وعامّتها إلى اللغة العربيّة وهو الذي أنكره محقاً الكاتب الفاضل، مع أن البلاد التي أنشئت فيها تلك المدن والبلدان والقرى والنواحي المعمورة لم تكن قديماً من البلاد العربيّة، أما مواضع جزيرة العرب فكان لهم كلّ الحقّ في البحث عن معاني أسمائها لأن واضعيها كانوا عرباً. وكان من الغلط المبين قول أبي محمد الحريري: ويقولون: للبلدة التي استحدثها المعتصم بالله (سامرا) يوهَمُون فيه كما وَهِم البحتري فيها إذ قال في صَلب بابَك:
أخليتَ منه البذّ وهو قرارُه
ونصبتَهُ علَماً بـسامـرّاءِ
والصواب أن يقال فيها (سُرِّ من رأى) على ما نُطق بها في الأصل؛ لأن المسمّى بالجملة يُحكى على صيغته الأصليّة كما يقال: جاءَ تأبّط شراً.. وحكاية المسمّى بالجملة من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فلهذا وجب أن يُنطق باسم البلدة المشار عليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها ولا تغيير لها، وذاك أن المعتصم بالله حين شرع في إنشائها ثقُل ذلك على عسكره فلما انتقل بهم إليها سُرَّ كل منهم برؤيتها فقيل فيها سُرَّ من رأى، ولزمها هذا الاسم وعليه قول دِعبِل في ذمّها:
بـغداد دار الملوك كـانت
حتّى دهاها الذي دهـاهـا
ما سُرَّ من را بسُرَّ من را
بل هي بُؤسى لمن رآها
وعليه أيضاً قول عبيدالله بن عبدالله بن طاهر في صفة الشعري:
أقـول لـمـا هـاج قلبي ذكرى
واعتَرَضَت وسطَ السماء الشِّعرى
كـأنّـها يـاقـوتـةٌ في مِـدري
مـا أطـولَ الليـل بسُرَّ مَن را!
فنطق الشاعران باسمها على وضعه وسابق صيغته وإن كان قد حذفا همزة «رأى» لإقامة الوزن وتصحيح النظم.
وليس ما قاله الحريري بالمروي الصحيح وإنّما الصحيح أنّ المعتصم بالله سأل عن ذلك الموضع فقيل له: اسمه سامرّا، فأراد التفاؤل على عادة العرب، فقال: نسمّيها سُرَّ من رأى.
قال أبو الثناء محمود الآلوسي معقّباً: وما أنكر الحريري غير منكر، قال ابن برّي عن ثعلب وابن الأعرابي: وأهل الأثر يقولون، كما قال أيضاً: اسمها القديم ساميرا، سُمّيت بساميرا ابن نوح عليه السّلام لأنّه أقطعه إياها، فكره المعتصم ذلك فغيّرها، والأقرب أن يكون التغيير إلى سامرا. وحكى بعض أهل اللغة أنّها سميت (ساء من رأى) فحذفت همزة ساء وهمزة رأى لطول الكلمة. وقيل سامرا حكى بعضٌ فيها ست لغات: سُر من رأى، ببناء الفعل للمفعول، و(سرَّ من رأى) ببنائه للفاعل أو (ساء من رأى) و(سامرا) بالقصر و(سامراء) بالمدّ، و(ساميرا). وفي القاموس (سر من رأى) بضم السين والراء وبفتحهما وبفتح الأول وضم الثاني وسامراء، ومدّه البحتري بالشعر وكلاهما لحن، وساء من رأى، وسُرّاء ممدودة مشدودة مضمومة، والنسبة سُرَّمري وسامرّي وسرّي. ونقل بعد ذلك من معجم البلدان لياقوت الحموي.
وأنا لم أنقل التعقيب على الحريري على أنّه خبر تاريخي صحيح بكماله، بل نقلته لإثبات أن من القدماء من قال بقدم الاسم «سامرا»، وإن كان في رأيهم أنّه «ساميرا» ففي اللغة يُبدل أحياناً أحد الضعفين ياءاً كما قالُوا «إيبالة» في الإبّالة وهي الحزمة من الحطب والحشيش، وقالوا أصل الدينار «دنّار» بدلالة جمعه على دنانير، وقالُوا باطراد في مصدر «فَعَّل يفعَّلُ» تفعيلاً، وكان القياس يوجب أن يقولُوا «تفعِعْلا» لأن في الفعل عيناً مضعفة، ينبغي ظهورها في المصدر كما تظهر في «تفعَّل تفعُّلا».
ويُعلم مما قدمتُ أنَّ جميع لغات «سامرا» التي نقلناها، تلك التي يقول فيها ياقوت «سُرَّ من رأى وسُرَّ من رَى وسُرَّ من راء وساءَ من رأى وسام راه الفارسيّ وسُرور مَن رأى وسُرَّاء» صح ما هي إلا تلعبات باللفظ وتخريجات منه للتفاؤل تارة وللتشاؤم مرة أخرى، إلا أنَّ تسمية المدينة بُسرَّ من رأى غلبت على جميع التسميات لأن المعتصم شاء ذلك، ثم ضعفت بمرور الزمان، فكان من الناس من يسميها «سامرّا» وكان منهم من يسمّيها «سُرّ مَن رأى» على اعتبار أنّه الاسم الصحيح وليس بذاك، كما بيناه هناك.
وسامرّا كثرت فيها الأساطير ككل مدينة عريقة في القدم، فقال حمزة الأصفهاني: كانت سامراء مدينة عتيقة من مدن الفرس تُحمَل إليها الأتاوة التي كانت موظفة لملك الفرس على ملك الروم، ودليل ذلك قائم في اسم المدينة لأن (سا) اسم الأتاوة، و(مرّة) اسم العدد، والمعنى أنّه مكان قبض عدد جزية الرؤوس. فحمزة استنتج تاريخها من تحليل اسمها على الطريقة الفارسية؛ لأن اللغة الفارسية آرية أي تركيبية لا اشتقاقية كاللغات الساميّة، وهذا التحليل واهٍ، فإنّه يقال: ما الباعث على حمل الأتاوة إلى أهل هذه المدينة ولم تكن من مُدن الحدود بين المملكة الفارسيّة على اختلاف أطوارها والدولة الرومية على اختلاف فتوحاتها، لأنّ الدولة الرومية كانت في غرب المملكة الفارسية، فالأَولى أن يكون مكان القبض على الفرات لا على دجلة.
قال ياقوت: وقال الشعبي: وكان سام بن نوح له جمال ورُواء ومنظر، وكان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عند خروجه من السفينة ببازَبْدَى([210]) وسمّاها ثمانين([211])، ويشتو بأرض جُوخا، وكان ممرّه من أرض جوخا إلى بازبدا على شاطئ دجلة من الجانب الشرقيّ، ويسمّى ذلك المكان الآن (سام راه) يعني طريق سام.
وقال إبراهيم الجنيدي: سمعتهم يقولون إن سامراء بناها سام بن نوح عليه السّلام ودعا أن لا يصيب أهلها سُوء. فهذه أمثلة لما ابتُدع من الأهوال في تاريخ سامرا، وقد نسب بعضها إلى رجال ثقاة رغبة في ترويجها بين الناس، وهي طريقة مبتدعي الأساطير المألوفة عندهم المعروفة عند ذوي الأفكار الناقدة.
ومن الطريف ما ذكره ابن بشارٍ المقدسي قال: «سامرا كانت مصراً عظيماً ومستقر الخلفاء في القديم، اختطها المعتصم وزاد فيها بعده المتوكل وصارت مرحلة، وكانت عجيبة حسنة حتّى سُميت سرور من رأى ثمّ اختُصرت فقيل سُرْمَرى… فلما خربت وصارت إلى ما ذكرنا. سُميت ساء من رأى ثمّ اختصرت فقيل سامرا.
وقال مؤرخ آخر: حُكي في بعض الكتب أن سُرّ من رأى كانت مدينة عظيمة عامرة كثيرة الأهل فأخربها الزمان حتّى بقيت خربة وبها دير عتيق، وكان سبب خرابها فيما حكي في الكتاب المذكور أن أعراب ربيعة وغيرهم كانوا يغيرون على أهلها فرحلوا عنها».
الطيرهان
وكانت منطقة سامرا تعرف في أيام الساسانيين باسم «الطيرهان»، قال أحمد بن أبي يعقوب: «كانت سُرّ مَن رأى في متقدم الأيام صحراء من أرض الطَّيرهان لا عمارة بها، وكان بها دَير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار للسلطان المعروفة بدار العامة([212]) وصار الدير بيت المال». وقال أبو الحسن المسعودي في ذكر موضع سامرا: «وهو في بلاد كورة الطيرهان». وقال أيضاً: فانتهى المعتصم إلى موضع سامرا وكان هناك للنصارى دير عاديّ، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا. قال له المعتصم: وما معنى سامرا ؟ قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنّها مدينة سام بن نوح. فقال له المعتصم: ومن أي البلاد هي وإلامَ تُضاف ؟ قال: من بلاد طيرهان إليها تضاف. ويستفاد من وصف ابن سراخيون للنهر الإسحاقي أن الطَّيرهان كانت تشمل الجانب الغربي من هذه البقعة، فقد ذكر أن الإسحاقي كان يمر بطيرهان حتّى يجيء إلى قصر المعتصم «ص 18، 19».
وذكرها ابن خُرداذبه قال: تكريت… والطَّيرهان والسنّ والحديثة… قال ذلك في كتَّه كور الموصل. وقال قدامة: وإذ قد أتينا على أعمال المشرق فلنرجع إلى أعمال المغرب، فأولها حدّ الفرات تكريت والطَّيرهان والسنّ والبوازيج وارتفاعها على أوسط العبَر سبع مائة ألف ألف درهم. وكرّر ذلك في كتابه.
وهذه المنطقة كانت مشهورة منذ أواخر القرن الأول للهجرة على عهد الوليد بن عبدالملك، ومن بعده فقد جاء في أخبار الجاثليق النسطوري (صليبا زخا) أنه كان من أهل الطَّيرهان وتعلّم بالمدائن وأنه نصب فشيون الباجرمي أسقفاً على الطَّيرهان. وبقي هذا الاسم مستعملاً بعد ذلك بدلالة أن الجاثليق النسطوري سرجيس رتب قيّوماً تلميذه أسقفاً بالطَّيرهان وفي أيامه قُتل المتوكل على الله العباسي، وكان إيشوعَزْخا أسقفاً على الطَّيرهان في خلافة المعتمد على الله العباسي، وفي الربع الأول من القرن الخامس للهجرة كان إيليا الأول أسقفاً على الطَّيرهان، وفي أيام القائم بأمر الله العباسي كان مكيخا بن سليمان القنكاني أسقفاً على الطَّيرهان، وكان نرسي أسقف هذه المنطقة في بعض عهد الناصر لدين الله العباسي (575 ـ 622 هـ). وقرَضَ المغولُ الدولة العباسية سنة 656هـ، وكان عمانوئيل أسقفاً على الطَّيرهان بعد هذا التاريخ. وفي بعض عهد الملك أباقاخان ابن هولاكو (663 ـ 680 هـ) كان برخيشوع مطرانها.
وذكر ماري بن سليمان مؤرخ كرسي الفطاركة ما يفيد أن «الطَّيرهان» كانت معروفة بهذا الاسم قبل 393 من تاريخ اسكندر المقدوني وهي السنة التي توفي فيها مار ماري السليح. فالتسمية قديمة قد ترتقي إلى العصر الآرامي والعصر اليوناني بالعراق، واستمرت إلى أواخر القرن السابع للهجرة ولعلها بقيت إلى أكثر منه، إلاَّ أنَّ اسمها مذكور في الكتب النصرانية أكثر مما في الكتب الإسلاميّة، كما قدّمنا ونقلنا. وطيرهان في صورته اللفظية أقرب إلى اللغة الفارسية منه إلى اللغات الساميّة، بالضد من سامرا.
قِدَم السكن في سامراء
كانت مدينة «أربيل» الحالية المعروفة في التاريخ الإسلامي بإربل وفي التاريخ الآشوري بأربيلا تُعدّ أقدم بلدة مسكونة في عصرنا هذا، لاستمرار السكن فيها من العصر الآشوري إلى اليوم وبعده، ثمّ ظهر في أن سامرا هي القُدمى فقد أثبتت التنقيبات الأثرية في أطلالها أن موضعها كان آهلاً منذ أدوار ما قبل التاريخ. وقد كشف الأستاذ الآثاري الألماني هرزفيلد فيها عن مقبرة من تلك الأدوار بين السنّ الصخر وآثار العصر العباسي على نحو من ميل واحد من جنوب دار الخليفة أي دار العامة القائمة الأواوين الثلاثة، وعثر على نوع من الفخار المصبوغ أطلق عليها اسم (فخار سامرا) وهو يمثل دوراً من أدوار ما قبل التاريخ المشار إليه آنفاً وقد سمي (دور ثقافة سامرا) إضافة له إلى الموضع الأثري الذي كشف فيه عن هذا الفخار أول مرة، ثمّ عثرت مديرية الآثار العراقية على موضعين آخرين في سامراء يرتقي عصورهما إلى ذلك الزمن، أحدهما في شمالي المقبرة المقدم ذكرها والآخر في جنوبي سامرا على ضفة دجلة فوق صدر القائم ويسمّى تل صوان، وقد جاء اسم هذا الموضع في الكتابات الآشورية بصورة (سُرمارتا Su – Ur – Mar – Ta) وكان لهذا الموضع في أيّام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان خاصّة ولقربهِ من النهر المعروف بالقاطول الكسروي أي القناة الكسروية.
الدكتور مصطفى جواد
أسماء سامراء
في الشعر العربي
لسامراء عند الشعراء العرب أسماء عديدة منها: سامراء، قال البحتري:
وأرى المطايا لا قصورَ بـهـا
عـن ليـلِ سـامـراء تَذرعُهُ
وقال ابن حماد أبو الحسن علي بن عبيد الله البصري:
وأرض طوس وسامراء قد ضَمِنَت
بغدادُ بدرَين حَلاّ وسـطَ قَـبـرينِ
وما ذكره السيّد صالح البغدادي في قصيدته الميمية في مدح الإمام علي الهادي عليه السّلام بقوله:
وعاش بـسامراء عشرينَ حِجةً
يُجَرَّعُ مِن أعـداهُ سـمَّ الأراقمِ
سقى أرضَ سامراءَ مُنهمِرُ الحَيا
وحَـيـّا مَغـانيها هُبوبُ النسائمِ
وقول السيّد محسن الأمين:
يـا راكـب الشَّـدنيّة الوَجناءِ
عَرِّج على قبرٍ بـسـامـراءِ
أبكي، وهل يشفي الغليلَ بكائي
بَدرَينِ قد غَـرَبـا بـسامراءِ
وقول السيّد محمد القطيفي:
ثمّ عَـرِّج يا مُرشد النفس إلى
أرضِ سامراءَ تَنَشقْ مِن ثَراها
وسامرا مقصوراً، ومنه قول ابن حمّاد:
وفـي غربيِّ بـغـدادٍ وطوسٍ
وسامـرا نجـومٌ ظـاهـراتُ
وقول الشيخ مُفلح:
بـطوس وسامرا لهم وبطَيبةٍ
وبغدادَ أيضاً والغَريِّ منازلُ
وسر من رأى ذكره الحموي في المعجم قال: ومنه قول المنتصر:
إلـى الله أشـكـو عـبـرةً تَتحدّرُ
ولـو قد حدا الحـادي لَظلَّت تَحدَّرُ
فيا حسرةً إن كنتُ في سُرّ مَن رأى
مـقيـماً وبـالشـامِ الخليفةُ جعفرُ
ومنه قول الشاعر:
بنفسيَ مَن نالت به سُرَّ مَن رأى
فَخـاراً له تعنو النجومُ الكوانِسُ
ومنه شعر عضد الدولة البويهي:
وفـي أرض بغدادٍ قبورٌ زكيّةٌ
وفي سر مَن را معدِنُ البركاتِ
وسُرّ من را غير مهموز، كما في قول الحسين بن الضحاك:
سُـرّ مـن را أسَرُّ مِن بغدادِ
فالْهُ عن بعضِ ذِكرِها المعتادِ
تبدل سامراء
قال الدكتور أحمد سوسة: تقع مدينة سامراء الحالية على الضفة اليسرى من نهر دجلة على مسافة 130 كيلومتراً شمالي بغداد، وهي تبعد زهاء (175) كيلو متراً عن بغداد بطريق النهر، وقد بنيت على أطلال مدينة سر من رأى العباسية وتمتد على طول نهر دجلة إلى أبعاد شاسعة، فتمتد مسافة تسعة كيلو مترات تقريباً جنوبي المدينة الحالية وحوالي الخمسة والعشرين كيلومتراً شماليها أي أن مجموع طولها يبلغ زهاء (34) كيلومتر أما عرضها فيتراوح بين الكيلومترين والأربعة كيلومترات أي بمعدل ثلاثة كيلومترات وعلى هذا الأساس يمكن تقدير مساحة مدينة سامراء العباسية مئة وعشرة كيلومترات مربعة وإذا ما أضفنا إلى هذه المساحة حديقة حيوانات المتوكل (حير المتوكل) التي تقع في أقصى الحدود الجنوبية وهي نحو خمسين كيلومتراً مربعاً وكذلك مساحة منطقة القادسية الواقعة بجوار الحديقة المذكورة وهي حوالي سبعة كيلومترات مربعة جازلنا أن نقدر مساحة سامراء العباسية بحوالي (167) كيلومتراً مربعاً. ولو أضفنا إلى ذلك مساحة معسكر اصطبلات والقائم على ضفة نهر دجلة اليمنى وهي حوالي (58) كيلومتراً مربعا أمكننا اعتبار مجموع مساحة سامراء العباسية (225) كيلومتراً مربعاً. هذا عدا مشتملات المدينة من بساتين وحدائق وقصور على الجانب الأيمن من نهر دجلة وهي المشتملات التي تقع بين نهر دجلة ونهر الإسحاقي والتي تمتد على طول ضفة دجلة الغربية مقابل سر من رأى. ولا شك أن هذه المساحة الهائلة تجعل مدينة (سر من رأى) في عداد أكبر مدن العالمين القديم والحديث ـ إلى أن قال ـ: غير أن هذا الازدهار العجيب لم يستمر مدّة طويلة لأنّ المدينة تفقد صفة العاصمة التي كانت علّة وجودها وعامل كيانها قبل أن يمضي نصف قرن على نشأتها فأخذت في الإقفرار والإندراس بسرعة هائلة لا تضاهيها سرعة. وبعد أن كان الناس يسمّونها باسم سر من رأى أضحوا يسمونها ساء من رأى. وبعد أن كان الشعراء يتسابقون في مدح قصورها أخذوا يسترسلون في رثاء أطلالها. وفي الواقع ماتت سامراء ميتة فجائية بعد عمر قصير لم يبلغ نصف القرن وأمست رسوماً وأطلالاً.
سامراء الجديدة
وهيئتها الحاضرة
تبعد سامراء عن بغداد نحو مائة وعشرين كيلومتر يستطيع المسافر أن يقطعها بالقطار في مدّة أربع ساعات أو بالسيارة في نحو ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات. وتقع محطّة قطار سامراء في الجهة الغربية من نهر دجلة على بعد أربعة كيلومترات من ضفتها ومع هذا هناك خط فرعي يوصل القطار إلى الشاطئ فلم يترك على المسافر إلاّ العبور إلى الضفة الشرقية بالزورق. أما طريق السيارات فيمرّ من مخافر ومحطّات التاجي والمشاهدة والناذريات وسميكة وبلد والاصطبلات إلى أن يصل الجسر الذي يربط ضفتي النهر فيدخل المدينة الحالية. وتقع مدينة سامراء الحالية في الجهة الشرقية من نهر دجلة على بعد نصف كيلومتر من ضفتها. والمدينة الحالية مسوّرة بسور مضلع على شكل يميل إلى الاستدارة يبلغ طول محيط السور المذكور كيلومترين ولا يتجاوز قطره الأعظم ستمائة وثمانين متراً والمساكن والحوانيت متكاثفة داخل السور في دروب ضيقة مجتمعة حول الجامع الذي يحتوي على ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السّلام. ولسور المدينة أربعة أبواب: باب القاطول في الغرب، وباب النصارية في الشمال، وباب بغداد في الشرق، وباب الملطوش في الجنوب. ولقد هدم باب القاطول قبل بضع سنوات وبنيت دائرة الحكومة والمدرسة الابتدائية ودائرة البلدية، والمستشفى، خارج السور على طرفي الطريق الممتد من باب القاطول إلى الشريعة والمعبر والجسر كما بنيت على ضفتي النهر بناية تحتوي على مضخات الماء ومكائن الكهرباء وأسست خلف ذلك حديقة للبلدية، وقد أخذ الناس يبنون بعض الدور في العرصات الواقعة بين السور وبين شاطئ النهر. وكذلك هدم باب الملطوش وبني خارجه مسلخ ومذبحة، وأما باب بغداد فقد حول إلى متحف محلي تعرض فيه نماذج من الآثار المستخرجة من الحفريات التي تقوم بها مديرية الآثار القديمة في أطلال سامراء.
إنّ مدينة سامراء الحالية مبنية على أطلال المدينة القديمة ومحاطة بها من كل الجهات وتمتدّ أطلال المدينة القديمة على طول نهر دجلة إلى أبعاد شاسعة وتصل من جهة الجنوب إلى محل قريب من فم نهر «القائم» ومن جهة الشمال إلى صدر نهر «الرصاص»، ولذلك يبلغ طول الأطلال نحو أربعة وثلاثين كيلومتراً، تقع ثمانية منها جنوب المدينة الحالية والبقية في شمالها.
كلام الحَمَوي
في انحلال سامراء
قال في معجم البلدان عند ذكره سر من رأى: ولم تزل كل يوم سر من رأى في صلاح وزيادة منذ أيّام المعتصم والواثق والمتوكل إلى آخر أيّام المنتصر بن المتوكل. فلّما ولي المستعين وقويت شوكة الأتراك واستبدوا بالملك والعزل وانفسدت دولة بني العباس لم تزل سر من رأى في تناقص للاختلال الواقع في الدولة بسبب العصبية التي كانت بين أمراء الأتراك إلى أن كان آخر من انتقل إلى بغداد من الخلفاء وأقام بها وترك سر من رأى بالكلية المعتضد بالله فخربت حتّى لم يبق منها إلا موضع المشهد. ومحلة أخرى بعيدة منها يقال لها كرخ سامراء، وسائر ذلك خراب يستوحش الناظر إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلّها أحسن منها ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً منها. فسبحان من لا يزول ولا يحول.
قال: وذكر الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه المسمّى بالعزيزي قال: وأنا اجتزت بسر من رأى منذ صلاة الصبح في شارع واحد عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت لم تعدم إلاّ الأبواب والسقوف، فأمّا حيطانها فكالجدد، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر حتّى انتهينا إلى العمارة منها وهي مقدار قرية يسيرة في وسطها. ثمّ سرنا من الغد على مثل تلك الحال فما خرجنا من آثار البناء إلاّ نحو الظهر، ولا شك أنّ طول البناء كان أكثر من ثمانية فراسخ.
كلام ابن المعتز في انحلال سامراء
«قال» في المعجم عند ذكره سامراء: كتب عبدالله بن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سر من رأى ويذكر خرابها: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكانها، وأقعد جدرانها. فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. فكان عمرانها يطوى. وكان خرابها ينشر وكلفت إلى الهجر نواحيها واستحث باقيها إلى فانيها. وقد تمزقت بأهلها الديار. فما يجب فيها حق الجوار. فالظاعن منها ممحو الأثر. والمقيم بها على طرف السفر. نهاره إرجاف وسروره أحلام ليس له زاد فيرحل. ولا مرعى فيرتع، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا بعدما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض. وقرار الملك. تفيض بالجنود أقطارها. عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد، كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول. على خيل تأكل الأرض بحوافرها. وتمد بالنقع سائرها، قد نشرت في وجوهها غرار كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين، ونيطت عذاراً كالشنوف في جيش يتلقف لأعدائه أوائله. ولم ينهض أواخره. وقد صب عليه وقار الصبر. وهبت له روائح النصر. يصرفه ملك يملأ العين جمالاً. والقلوب جلالاً. والناس في دهر غافل. قد اطمأنت بهم سيره. والدهر يسير بالمقيم يمزج البؤس بالنعيم، وبعد اللجاجة انتهاء والهم إلى فرج. ولكل سائلة قرار. وبالله أستعين ومحمود على كل حال. قال: وكان ابن المعتز مجتازاً بسامرا متأسفاً عليها، وله فيها كلام منثور ومنظوم في وصفها، ولما استدبر أمرها جعلت تنتقض وتحمل أنقاضها إلى بغداد ويعمرها بها، فقال ابن المعتز:
قد أقفرت سُـرّ مَن رأى
ومـا لــشـيءٍ دوامُ
فـالنـقض يـحمل منها
كــأنــهــا آجـامُ
مـاتــت كما مات فيلٌ
تـُسـلُّ مـنـه العظامُ
سامراء
ـ4ـ
تقع سامراء شمال مدينة بغداد على بعد نحو (130) كيلومتراً على الضفة اليسرى من نهر دجلة. وهي قضاء تابع لمحافظة بغداد من الناحية الإدارية.
أُسست مدينة سامراء بعهد الحاكم العباسي المعتصم بن هارون الرشيد سنة (221 هـ/836م) وهو ثامن خلفاء بني العباس ليجعلها عاصمة جديدة، ثمّ وسعها ابنه الواثق. وأوصلها إلى أقصى اتساعها المتوكل إلاّ أنّ المدينة تركت بعد ذلك وأعاد المعتمد مقر الخلافة إلى بغداد، ولم يكن قد مرّ عليها إلاّ أربع وخمسون سنة مَلَك خلالها ثمانية من خلفاء بني العباس وهم: المعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ، والمهتدي، والمعتمد.
ولا تُعرف مدينة اتسع عمرانها في بضع سنوات كما اتسع عمران مدينة سامراء حتّى امتد إلى مسافة (35) كيلومتراً على ضفتي نهر دجلة.
ومدينة سامراء الحالية مبنيّة على أطلال مدينة سر من رأى القديمة.
والناظر إلى مدينة سامراء يرى هناك قُبتَين؛ إحداهما مُغَشّاة بزلاج الذهب والثانية مغشاة بالكاشي الأزرق الملون.
أمّا القبّة الزرقاء فيقع تحتها الجامع الكبير، وما يسمّى سرداب الغَيبة، وهي مستديرة الشكل.
أمّا القبّة الذهبية فيقع تحتها ضريحا الإمامين؛ علي الهادي وولده الحسن العسكري عليهما السّلام، كما يوجد معهما في الضريح جعفر بن علي الهادي وأخوه حسين والشريفة حكيمة بنت محمد الجواد والشريفة نرجس زوجة الإمام الحسن العسكري، وغيرهم من آل البيت الأطهار، والقبّة الذهبية تقع في وسط الصحن الشريف.
إنّ قبّة الإمامين مطلية بالذهب الذي تبرّع به السلطان ناصر الدين شاه القاجاري وذلك سنة 1285 هـ كما هو مكتوب على القبّة نفسها. وهذه القبّة من أكبر قباب الأئمّة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، حيث يبلغ محيطها (68) متراً وقطرها (22) متراً و (43) سنتيمتراً، كما يبلغ عدد طابوق الذهب الملصوق بها (72000) طابوقة. وبالجهة الجنوبية من الحضرة تقع منارتان مُغَشّاتان بالكاشي الأزرق يبلغ ارتفاع كل واحدة منها من الأرض إلى فوق (36) متراً. وأمّا من سطح الحضرة فيبلغ (25) متراً، وفي داخل الصحن يوجد (45) إيواناً؛ 16 من الغرب و 9 من الجنوب و 20 من الشرق.
ويوجد في سامراء سرداب اسمه سرداب الغيبة، وهو سرداب الدار التي كان يسكن فيها الأئمّة عليهم السّلام وليس له ميزة غير هذه الميزة. وقد حاك أعداء الشيعة الأساطير عن هذا السرداب ونسبوا إلى الشيعة أنّهم يقولون إنّ المهدي غاب فيه وأنّه سيخرج منه. وكل هذا زور وبهتان، فلا يعتقد الشيعة إلاّ أنّه سرداب دار الأئمّة.
وللسرداب باب خشبي جميل باقٍ من عهد الحاكم العباسي الناصر لدين الله، أي أنّه مضى على صنعه أكثر من سبعة قرون.
وكان لسامراء نهضة علمية لمّا سكنها الميرزا السيّد محمّد حسن الشيرازي وصارت إليه الرحلة العلمية من الآفاق، وكانت في عصره مدرسة عظمى للشيعة في العلوم الدينية، وبعد وفاته سنة 1312هـ عادت إلى شبه حالتها الأولى. واليوم فيها جماعة من العلماء والطلاب.
الأقدم من نوعها في العالم
عرف العرب قبل الإسلام الكثير عن تقسيم الزمن وعن الساعات، ففي متحف «طوب قابي سراي» في استنبول توجد مزولة شمسية من الحجر على شكل ربع كرة ذات تجويف مقسم إلى اثني عشر قسماً، وهي محمولة على قاعدة حجرية وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد عثر عليها في «مدائن صالح» بالجزيرة العربية.
إن تقسيمات الزمن في العصر الإسلاميّ كانت مماثلة لما كان موجوداً في العصور السابقة. فقد استُعملت طريقتان في هذا المضمار نظراً إلى اختلاف آلات قياس الزمن نهاراً وليلاً. فالساعة الشمسية مثلاً هي أقدم أجهزة قياس الزمن، ولما كان النهار غير متساوٍ في طوله في جميع أيّام السنة، وجب أن يراعى ذلك الاختلاف في أي نظام لتقسيم الوقت. على أن استخدام الساعة المائية للقياس أوجد نظاماً جديداً في تقسيم النهار أو الليل إلى اثني عشر قسماً منتظماً، فأصبحت هناك ساعات شمسية مستوية، وساعات مائية زمانية.
عرف المشرقيون في العصر الإسلاميّ أنواعاً شتى من الساعات المائية، لكن أشهرها ساعة المدرسة المستنصرية التي أسهبت المراجع في وصفها والإعجاب بها وشرح كيفية عملها ليلاً ونهاراً. ففي سنة 1235 م اكتمل بناء الإيوان الذي أُنشئ مقابل باب المدرسة المستنصرية، وكان في صدره صندوق الساعات يعرف منه أوقات الصلاة. والصندوق قوامه دائرة فيها صورة الفلك تظهر عليها طاقات لها أبواب، وفي الدائرة بازان من ذهب في طاستين من ذهب وراءهما بندقتان من نحاس لا يراهما الناظر. وعند مضي كل ساعة ينفتح فما البازَين وتقع منهما البندقتان. وكلما سقطت بندقة انفتح باب من أبواب الطاقات، وحينئذ تمضي ساعة زمانية. والبندقتان الواقعتان في الطاستين تذهبان من مواضعهما، ثمّ تطلع شموس من ذهب في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية وتدور مع دورانها وتغيب مع غيابها، فإذا جاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر، ثمّ يبتدئ في هذه الدائرةالأُخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس فيعلم بذلك أوقات الصلاة.
وكانت هناك ساعات مائية أخرى أقدم عهداً من ساعة المستنصرية وذلك في بلاد الشام والمغرب والأندلس لكنها فُقدت جميعها، وما بقي منها متأخر في تاريخه. ففي جامع القرويين في المغرب ساعة غير متكاملة ترجع في تاريخها إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وفي مدينة تلمسان في الجزائر برج لساعة ترجع إلى التاريخ نفسه تقريباً، على أنه تبين أخيراً أن أقدم ساعة مائية موجودة في العالم هي تلك التي بمدينة فاس في المغرب وكُتب عليها تاريخ صنعها في سنة (763 هـ / 1362 م).
وهكذا كانت الساعات العربية ذائعة الصيت عجيبة الصنع، تَفاخَرَ في إهدائها الخلفاء والحكام والأثرياء. أما بالنسبة إلى الساعات الشمسية فقد كان للعرب فضل كبير في هذا الميدان إذ امتازوا بمهارة فائقة في اختراع ساعات الشمس وأعطوها شكلاً دائرياً يتوسط محوراً دائرياً وتمكنوا بواسطتها من تحديد موضع الشمس في كل حين ومن تحديد الوقت ووضع التقاويم الزمنية. وكانت ساعة الشمس أكثر اختراعاتهم أصالةً وفنّاً في هذا الحقل. ومن أهم أنواع الساعات الشمسية تلك التي كانت تُسمى «الرخامة».
الساعة الشمسية المكتشفة في سامراء
في سنة 1972 كان عمّال الهاتف في مدينة سامراء يقومون بأعمال الحفر لمدّ الأسلاك، وفجأة ظهرت لهم لوحة مربعة من الرخام المعروف في العراق، وأُصيبت ببعض التهشم عند استخراجها ثمّ جُلبت إلى المتحف الوطني في بغداد، فتمت معالجتها مختبرياً وترميمها فكانت المفاجأة حينما ظهرت معالمها وما تحمله من خطوط وكتابات عربية.. إذ أنها تمثل ساعة شمسية.
اللوحة مربعة الشكل تقريباً، طولها 80 سنتم وعرضها 76 سنتم، وفي أعلى اللوحة سطر من كتابة عربية محفورة على اللوحة بشكل حزٍّ عميق، قوامها عبارتان، تلك التي على الجهة اليمنى نصّها: «ساعات زمانية لغرض أد» (؟)، وعلى الجهة اليسرى عبارة: «صنعة علي بن عيسى»، وبأسفل ذلك خطوط يلاحظ منها خطان رئيسيان متقاطعان ومتعامدان، يوضح أحدهما اتجاه الشمال حيث كُتب في أعلاه كلمة «الشمال» وكتب في أسفله كلمة «الجنوب»، وتوجد على هذا الخط عبارة نصها «خط نصف النهار» مما يدل على كونه ينصف الساعة إلى نصفين متساويين. أما الخط الثاني الذي يتقاطع معه فيوضح الجهتين الأُخريين حيث كتبت على اليمين كلمة «المشرق» وعلى اليسار كلمة «المغرب». وهكذا يوضح لنا الخطان المذكوران الجهات الأربع، حيث يجب ضبط اللوحة (الساعة) حسب تلك الاتجاهات. وتوجد خطوط تمتد من الشرق إلى الغرب تتقاطع مع خط الشمال بشكل زوايا منفرجة مكوِّنة ستة حقول أفقية غير منتظمة في عرضها، إذ أنها تتسع كلما ابتعدت عن خط الشمال نحو الشرق والغرب. وعن يمين خط الشمال ويساره توجد خطوط عمودية موازية له تقريباً تقسّم اللوحة إلى (24) قسماً كل (12) قسماً على جانب من جانبَي خط الشمال، حيث كتبت عليها الساعات ابتداء من جهة اليسار أي جهة المغرب على اللوحة، وبقيت منها كلمات تشير إلى «ساعتان» و «ثلاث» و «أربع». وفقدت المعالم التي تشير إلى الساعات على الجانب الأيمن من اللوحة (الساعة) وهناك كتابات تشير إلى موعد وقت العصر حيث وردت عبارة في الجانب الأيمن نصها «ساعة وقت صلاة العصر». ومن المعلوم أن استخراج الوقت يتم بواسطة الظل الذي يتركه الوتد المثبت أسفل خط الشمال السالف الذكر، حيث لا يزال الثقب الصغير الذي يثبت فيه الوتد موجوداً على اللوحة. ويلاحظ أيضاً خط آخر يخرج من نفس موضع تثبيت الوتد باتجاه الجنوب الغربي يوضح بلا شك خط اتجاه القبلة (مكة المكرمة) بالنسبة إلى العراق.
استناداً إلى ذلك فإن ما ورد في ساعة سامراء من تقسيمات يُختَصر باثنتي عشرة ساعة من ساعات النهار. ففي أقصى جهة اليسار تبدأ الساعة الواحدة صباحاً وتنتهي في وسط النهار الذي هو وقت الظهر في الساعة السادسة، ثمّ ابتداء الشمس بالزوال ويزداد الظل تدريجاً حتّى يأتي وقت العصر، وعندما تغيب الشمس ينتهي النهار، وتكون الساعة حينئذ هي الثانية عشرة عندما يحل وقت المغرب. وما يزال هذا الأسلوب متَّبعاً حتّى الوقت الحاضر في تحديد أوقات الصلوات اليوميّة.
أما تاريخ صناعة ساعة سامراء فيُستَدلّ عليه من صانع الساعة علي بن عيسى الذي عاش في سامراء أواسط القرن التاسع الميلادي. وعلى هذا فهي أقدم ساعة من نوعها تعود إلى العصر الإسلامي اكتُشِفت في عاصمة العباسيين سامراء وعليها اسم صانعها، ولذلك تعد مفخرة من مفاخر الحضارة المشرقية في العصر الإسلامي.
سامراء
ـ5ـ
اشتهرت مدينة (سر من رأى) بقصورها العظيمة كان أبرزها قصر العاشق الذي تقوم بقاياه على يسار الطريق العام الذي يوصل (سر من رأى) بالموصل، ويطل على دجلة من مكان مرتفع نسبياً. ويقع في منطقة خالية من البناء تقريباً، عدا البناء المعروف بالقبة الصليبية إلى الجنوب منه وبقايا قصور أخرى إلى الشمال منه، ويعلو البناء ربوة تتألف من عدة تلول متقاربة استطاع المهندسون أن يوصلوا بينها لجعلها دكة لذلك البناء وليظهر وكأنّه قلعة حصينة على رغم صغر حجمه.
يشرف القصر على مساحات واسعة من (سر من رأى) من الشرق على نهر الإسحاقي من الشمال والغرب وأطلق عليه أيضاً المعشوق، لجاذبيته والرغبة الكبيرة للعيش فيه والتنزه حوله. وكان قصر العاشق يتصل بصور (سر من رأى) الأخرى من الجانب الشرقي بجسر تهدمت عقوده، وظلّت قواعدها ودعاماتها ماثلة للعيان حتّى وقت قريب قبل أن تغمره مياه سد الثرثار في وادي دجلة.
شيّد القصر للخليفة المعتمد على الله بن المتوكل الذي سكنه ما بين عام (265ـ269هـ / 878ـ882م) وقبل أن يهجر (سر من رأى) ويعود إلى بغداد. وذكر المؤرخون أبا الحسن علي بن المنجم (توفي عام 275هـ) بنى أكثر أجزاء هذا القصر. وكان لموقع البناء على الطريق العام الموصل بين بغداد والموصل أثر في الإشارة إليه. وذكر بعض أخباره من قبل المؤرخين والجغرافيين والرحالة مثل ابن جبير وابن بطوطة إذ يستدل ممّا ذكره هؤلاء وما كشفته التنقيبات التي أجريت فيه خصوصاً الإكساآت الجصية العديدة لجدرانه وبعض أعمال الصيانة والتقوية فيه، أنّ البناء استعمل في فترات لاحقة بعد أن هجره المعتمد على الله. وورد أنّ معز الدولة البويهي أمر بنقض أجزاء مهمة من القصر، كما ذكرت المصادر الأدبية أنّ معركة عنيفة بين جيش الخليفة المسترشد بالله العباسي وجيش عماد الدين زنكي ملك الموصل وقعت عند القصر تمام 526هـ/ 1131م. كما وتشير الوقائع أنّ قصر العاشق اتخذ كمأوى لأمراء بني عبادة في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي).
أهمية القصر والتحري
اختلف المتخصصون في شؤون العمارة العربية الإسلامية حول وظيفة هذا البناء وأهميته فبعضهم يعتقد أنّ الخليفة أراد أن يكون له حصن دفاعي بسبب الوضع المرتبك آنذاك والمشاحنات القائمة في حينها، فزاد في قوّة بنائه ومناعة سوره وجعل مدخله ذا طابع حربي، وهيّأ له خندقاً يمكن إيصال الماء إليه من نهر الإسحاقي. وإذا ما أخذت مساحته وتكشيلة مرافقه في الاعتبار والتشكيلات العمارية التي تزيّن وجوه جدرانه من الخارج وعدم وجود مسجد فيه ثمّ توسطه لمنطة ذات طبيعة أخّاذة ووجود السراديب، فإنّ هذه السمات مجتمعة ترجح كلّها بأنّ المعشوق كان قصر راحة وتنزّه خصوصاً وأنّ هناك عدداً من هذه القصور تحاذي دجلة من الغرب وتقابل دور (سر من رأى) في الجانب الشرقي. وشهد قصر العاشق الكثير من أعمال التحري والتنقيب فنجحت في الكشف عن جميع مرافقه ومدخله الرئيسي وقامت بصيانة الأجزاء المتآكلة منه ولا سيما جداره الخارجي وأبراجه. وكشفت عن لوحات مشغولة حفراً بزخارف جصية جميلة تفصح عن طراز وأسلوب هذا الفن الذي انتشر وازدهر في (سر من رأى) ومنها انتقل إلى كلّ أنحاء العالم الإسلامي تقريباً ممثلاً لطراز (سر من رأى) الذي يدعى بين المتخصصين بالطراز العالمي. لا يختلف تخطيط قصر العاشق في الأساس عن تخطيط بعض القصور العربية الإسلامية التي شيّدت في العراق والشام في الفترة السابقة على تشييده، فطراز التخطيط (حيري) إذ يتألف من جملة من المرافق تتكوّن كلّ وحدة منها من مجموعة من الغرف تطل على باحة وسطية أو ترتبط بها أبواب ومداخل وتتصل هذه الوحدات مع بعضها أيضاً.
ونظراً لانهدام أجزاء كبيرة من جدران هذه المرافق فمن الصعوبة بمكان إعطاء حكم قطعي حول عدد من أقسام هذه المرافق، أو إذا كان غرفاً وباحات وأوسع هذه الأقسام هي باحة أو قاعة مربعة الشكل طول ضلعها عشرة أمتار يتوسط كل من جدرانه مدخل يؤدي إلى أواوين ومشتملات مختلفة.
التخطيط ومواد البناء
شيّد قصر العاشق بلبن كلسي وجص وهذه هي المرّة الأولى التي يستخدم فيها مثل هذا اللبن إذ استخدم اللبن نفسه بعدها في بناء القبة الصليبية. وبناء قصر العاشق متين ويتصف بسمك جدرانه الخارجية ومناعتها، فهذه الجدران هي عبارة عن سور مرتفع يبلغ سمكه 1،60 متر ومدعم بأبراج، وتتسم أبراج هذا القصر بقواعدها العالية وشكلها المستطيل. واقتضت الضرورة ذلك لأنّ تصميم أساسات الجدران شيّدت مرتفعة لتربط بين عدد من تلول بني فوقها قصر العاشق لذلك بني سياج ضخم يحيط بتلك التلول لتكون أساساً لجدران القصر الخارجية، أمّا أبراج الأركان لهذا البناء فبنيت على قواعد مربعة، واستغل المهندسون بعض الانخفاضات الموجوة بين التلول لبناء سرداب القصر الذي يتألف من غرفتين كبيرتين متجاورتين معقودتين، وظاهرة السراديب معروفة وشائعة في عدد كبير من أبنية (سر من رأى) لأنّها تساعد على التخفيف من شدّة وقساوة مناخ المنطقة الحار صيفاً وخصوصاً عند الظهيرة.
تدعم جدران القصر 16 برجاً بضمنها أبراج الأركان وتتوزع على الجدران بصورة غير متساوية وغير متناظرة. فثلاثة منها تدعم الجدار الغربي وأربعة منها للجدار الشرقي، أمّا الجدار الجنوبي فتدعمه ثلاثة منها ويسند الشمالي اثنان فقط، ويعود ذلك إلى أنّ جزءاً كبيراً من واجهة هذا الجدار تشغله دكة المدخل الذي يقع في الضلع الشمالي وهو المدخل الرئيسي إلى القصر. وشيّدت وجوه الجدران بين الأبراج بهيئة حنايا غير عميقة مؤطرة بحافات مستطيلة ومتوجة بعقود أو أقواس مقصوصة (مدنية) وتؤطر الحنايا هذه وعقودها أقواس مفصصة ترتكز أطرافها على أعمدة نصف أسطوانية ذوات تيجان مربعة وتشكل الأعمدة هذه وعقودها المفصصة أطراً للحنايا وعقودها وتشغل المسافة بين كل برجين ثلاث من هذه الحنايا.
يقع مدخل البناء الرئيسي في الضلع الشمالي وبمستوى أساس الجدران الخارجي لذلك استوجب أن تبنى دكة لتسهيل مهمة الوصول إلى المدخل. ودكة المدخل هذه كبيرة إذ تشغل 15 و41 مترا من وجه الجدار الشمالي وتبرز عنه بـ26 متراً، وهي ذات تصميم معماري خاص فتبدأ واطئة عند مستوى سطح الأرض ثمّ ترتفع تدريجياً وانسيابياً ثمّ تلتوي بطريقة معينة لتؤدي إلى مدخل القصر. وهذا الطراز الفني في الوصول إلى القصر يعدّ فريداً من نوعه بين مداخل القصور ودور الإمار السابقة، وفي ضوء شكل المدخل وطريقة الوصول إليه ظنّ بعض المتخصصين أنّ الغاية من هذا التكوين هي دفاعية حربية صرفة. وثبت خطأ هذا التصوّر لدى إجراء المزيد من التحريات العلمية، فقد كان القصد من تكوين دكة المدخل والتوائها الوصول إلى القصر بأسهل طريقة لارتفاع بابه عن مستوى سطح الأرض التي تجاوره.
لطيف علي
القبة الصليبية
وعن القبة الصليبية في سامراء يتحدّث الأستاذ عبد اللطيف علي:
عُرفت الأبنية المشيدة على قبور مشاهير الأمة وقادتها في أمورها الدينية والدنيوية بأسماء مختلفة كالمقامات والمشاهد والترب والأضرحة والقباب والروضات. وممّا لا شك فيه أنّ بعض هذه النعوت يشير إلى إحدى سمات المبنى المتميزة، فمثلاً دعي بعضها بالقبضة نسبة إلى قبة البناء التي ميّزت هذه الأبنية في البداية. ويستدل من إشارات ونصوص وردت في كتب التاريخ والتراجم أنّ هذا النوع من الأبنية ابتدأ في العصر العباسي الأوّل أي قبل بناء سر من رأى، فجاء أنّ أبنية ذات قباب شيدت على قبور سيدات فاضلات وخلفاء مشاهير وسمّيت تلك الهياكل بالقباب.
وتهدم الكثير من القباب التي أشار إليها المؤرخون وأقدم ما بقي منها القبة المعروفة بالصليبية في سر من رأى. وهذا النوع من الأبنية الدينية له سمات تخطيطية وتصميمية ومعمارية وزخرفية تميّزه عن المساجد والقصور ودور الإمارة والمدارس في العالم الإسلامي. ولا تقتصر أهمية الصليبية على كونها أقدم الأمثلة لهذا النوع من العمارات العربية والإسلامية وكون تخطيطها فريداً وجديداً فحسب، بل أن تكوينها المعماري وعناصرها المعمارية ذات طابع متميز أيضاً فنجد فيها أقدم الأمثلة الكاملة لتحويل الشكل المربع إلى دائري وبواسطة مرحلة انتقال ثمانية الشكل ترتكز على أربع حنايا ركنية. وهذا التشكيل ابتكار عربي صرف غير معروف في الأبنية السابقة على الإسلام، وكانت بداياته ظاهرة في بعض الأبنية السابقة كقصر الأخيضر وقصر المعتصم (الجوسق الخاقاني).
تتبوأ هذه التربة مكانة مهمة وخاصة ليس بين مشاهد العراق فحسب بل بين مشاهد العالم الإسلامي أجمع. وتنبع هذه المكانة من كون القبة الصليبية أقدم المشاهد الشاخصة إلى الآن، وأنّ تخطيطها وتصميمها جديدان تماماً، وقد سادا وانتشرا في العراق وظلا مميزين لهذا النوع من الأبنية ولفترات طويلة بعد بناء القبة الصليبية.
يقوم البناء على مرتفع طبيعي أو تل في الجانب الغربي من دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق ويطل على حوض النهر في منطقة تقابل الجوسق الخاقاني تقريباً. والمعروف أنّ البناء يضم رفات ثلاثة من الخلفاء العباسيين الذين حكموا في سر من رأى وهم المنتصر بالله المتوفى العام 248هـ (862م) والمعتز بالله المتوفى العام 255هـ (868م) والمهتدي المتوفى العام 256هـ (869م). ويعتقد بأنّ القبة بُنيت العام 248هـ بأمر من أم الخليفة المنتصر بالله، والتسمية جاءت من شكل وتخطيط وتصميم البناء، فهو على شكل صليب إذا ما أخذ ترتيب الأبواب بعين الاعتبار.
وتخطيط البناء بسيط ولكنّه فريد بين تخطيطات الأبنية الدينية والمدنية، ويتألف من غرفة مربعة مسوّرة برواق مثمّن الأضلاع من الخارج، وللمرّة الأولى في تاريخ عمارة الأبنية العربية الإسلامية يكون تخطيطاً جديداً ليس في العراق فحسب بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويعتبر هذا ابتكاراً أضيف إلى مجمل الابتكارات أو الإبداعات التي قدّمها العرب والمسلمون.
وبناء الصليبية مشيّد بالجص ولبن كلسي ومكسو بطبقة غير سميكة من الجص أيضاً، وقد تساقطت سقوف أبنية هذه التربة ولكن الشاخص منها يكفي لإعطاء صورة عمّا كانت عليه أيام إكمالها وكمالها. وهي قاومت عوامل التخريب الطبيعية ولم تتعرض إلى هدم مقصود لبُعدها نسبياً عن بلدة سامراء (سر من رأى) الحالية بهدف استخدام موادها الإنشائية لأغراض أخرى. وجدران الغرفة المربعة متينة ويزيد ارتفاعها من دون القبة خمسة أمتار، أمّا طول ضلعها فهو 6،30 متر، ويتوسط كلاً من جدرانها مدخل ذو عقد مدبب. وتتعاقد هذه الأبواب مع الأبواب الأربعة التي تتسوط أربعة من أضلاع جدرا الرواق المثمّن الذي يدور حول هذه الغرفة، ويكون هذا التعامد شكلاً صليبياً. وأرض هذه الغرفة مستوية وليس فيها ما يشير إلى عدد الأشخاص الذين دفنوا فيها وتخلو جدرانها من أي تشكيلات زخرفية عدا حنايا ركنية قصد بها تحويل شكل الغرفة المربع إلى شكل مثمن ليسهل تهيئة قاعدة مستديرة لقبة الضريح، وهذه الحنايا الركنية ذات العقود المدبّبة هي البرهان الوحيد على وجود قبة كانت تسقف هذه الغرفة.
تبتعد جدران البناء المثمن الذي يسور الغرفة المركزية بحدود 2،60 متر وبصورة متساوية تماماً، ويبلغ طول كلّ من جدران الرواق من الخارج 7،70 متر وترتفع بارتفاع جدران الغرفة المربعة، ويستدل من بقايا سقف الرواق على وجود أقبية نصف أسطوانية متقاطعة.
وكشفت التحريات عن جملة مرافق تحيط بالبناء الرئيسي وتتصل به وتتألف من غرف مستطيلة الشكل صغيرة نسبياً ليست مرتفعة الجدران لكنها معقودة بأقبية نصف أسطوانية. ومعظم هذه الغرف مشيّد بالجص ويتصل بعضها مع البعض الآخر، وتتألف بصورة أساسية من أربع مجاميع متناظرة بشكل صليبي أيضاً، ويتوسط كلاً من هذه الوحدات مرفق ذو تكوين معين لا يختلف كثيراً عن تكوين الحمامات الشرقية المنزلية. وقد بلطت إحدى غرفه بالقار، وتتوسط هذه الغرفة حفرة كانت الغاية منها تصريف مياه غسل الموتى فيها. ومعظم الغرف المستطيلة الصغيرة خالية من القبور، ويظهر أنّه أريد لهذا المكان أن يكون مدفناً للعائلة العباسية ولكن هجران (سرى من رأى) ألغى هذه الفكرة.
كما أثبتت التحريات وجود ثلاث تكسيرات في أرضية الغرفة، وهو برهان على وجود قبور الخلفاء الثلاثة الذين دفنوا فيها. وقد تمّت صيانة القبة الصليبية فأعيد بناؤها بعقد سقف رواقها وبناء قبتها وبشكل نصف كروي مدبّب قليلاً.
السيد محمد حسن الشيرازي في سامراء
كان السيد محمد حن الشيرازي مرجعاً للشيعة مرجعية عامة شاملة كلّ أقطار الشيعة. وكان مقرّه ـ ككلّ مراجع الشيعة في النجف ولكنّه آثر الانتقال إلى سامراء في تفاصيل نذكرها فيما يلي:
ولد في شيراز سنة 1230هـ (1814م) بسامراء وحمل إلى النجف ودفن في المدرسة التي كان أنشأها ناصر علي خان الأفغاني المقيم في لاهور قرب باب الصحن الشريف العلوي الشمالي المعروف بباب الطوسي على يسار الداخل إلى الصحن ويمين الخارج منه وعمل على قبره صندوق وفوقه شباك من الشبه الأصفر. وآخر له شباك كبير من الحديد على الفضاء الذي يدخل منه إلى الصحن الشريف ليكون قبره ظاهراً للمارة. وحمل في كثير من الطريق على الأعناق فكلما قارب نعشه بلداً خرج أهلها إلى مسافة وحملوه على الرقاب وعند الخروج منها يحملونه أيضاً مسافة.
وكان ضعف في آخر أيامه وانقطع عن الدرس والصلاة جماعة ومرض أياماً قلائل وتوفي. وكان يوم وفاته يوماً عظيماً كثرت فيه الحسرات وسالت العبرات وأقيمت له مجالس الفاتحة في جميع مدن العراق وإيران وغيرها من بلاد الشيعة ورثاه الشعراء بالقصائد الكثيرة.
كان إماماً عالماً فقيهاً رئيساً دينياً عاماً ورعاً تقياً راجح العقل ثاقب الفكرة بعيد النظر مصيب الرأي حسن التدبير واسع الصدر يوقر الكبير ويحنو على الصغير ويرفق بالضعيف والفقير أديباً يحب الشعر وإنشاده ويجيز عليه ولذلك قصده الشعراء من سائر البلاد عرباً وعجماً وراجت بضاعة الأدب في أيامه وانتهت إليه رئاسة الشيعة الدينية العامة في عصره وطار صيته واشتهر ذكره ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع وقلّد في جميع الأقطار والأمصار في بلاد العرب والفرس والترك والهند وغيرها.
وجبيت إليه الأموال من أقصى الصين وما وراء النهر فما دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده عقاراً ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم في آرائه وافر العطاء ينفق الأموال في وجوهها ويعول ألوفاً من الناس في سائر البلاد منهم أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء ويعول سراً جماعات من أهل البيوت ومن التجار أخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون أن يعلم بذلك أحد. فلمّا توفي فقدوا ذلك وضاقت بهم الحال.
نشأ في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الأمر في ديوان دولة فارس في شيراز ثمّ ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعدما قرأ العلوم الآلية وشطراً من السطوح([213]) واستغنى عن القراءة في شيراز خرج إلى أصفهان سنة 1248هـ (1832م) وهي دار العلم يومئذ فقرأ على الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدّة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة اختصّ بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضاً وأكثر أخذه عن المدرس.
ثمّ توجّه إلى العراق فورد النجف سنة 1259هـ (1845م) وكان عازماً على الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنّه لما ورد النجف ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة إليه وحضر درسه وجد نفسه محتاجاً إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف.
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه. ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي التستري وسمع من كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى سنة 1281هـ (1864) التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو 22 سنة فقهاً وأصولاً. وكان من وجوه تلاميذه بل أوجههم وصار يشار إليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس الدرس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم في أثناء الدرس يصغي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت.
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع أفاضل تلاميذه في دار الميرزا حبيب الله الرشتي. قال الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي (المترجم) ـ وكان بينهم يومئذ ألأقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي والميرزا الرشتي والآشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس والصلاة وصاروا يرشدون الناس إليه وجعل يترقى ويتقدم.
وفي سنة 1287هـ زار الشاه ناصر الدين القاجاري العتبات المقدسة في العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلمّا قصد الشاه كربلاء خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب ومضى. ولمّا ورد النجف الأشرف خرج أيضاً لاستقباله علماؤها بعضهم إلى خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ من النجف فسلم عليهم راكباً أيضاً ومضى فلمّا دخل النجف حضر جميع العلماء لزيارته إلاّ المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى واحد مبلغاً من النقود فقبله و أرسل إلى المترجم فلم يقبل. فأرسل الشاه وزيره حسن خان إليه يعاتبه ويطلب منه أن يزوره فأبى. فقال له الوزير: لا يمكن أن يجيء ملك ايران الى النجف ولا يراك فهل تترقب أن يجيء الشاه لزيارتك فقال له: أنا رجل درويش ما لي وللملوك. فقال: هذا لا يمكن. ولمّا ألحّ عليه قال: اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك، وصافحه الشاه وقال له تفضّل وزر لنزور بزيارتك. فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا وزادت منزلة المترجم بذلك علواً عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك أوّل ما ظهر من مخايل كياسته وبُعد نظره في الأمور.
ولمّا كانت سنة 1288هـ (1870م) صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتّى جاء الرخاء. وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد.
وخرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة 1291هـ ووصلها في 21 منه ومضى فيها 21 سنة.
خرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291هـ ثمّ توجّه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة وأقام فيها أياماً ثمّ عزم على الإقامة فيها وأرسل على كتبه وأثاثه وتبعه أصحابه.
وقيل: إنّ سبب هجرته أنّه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلية فيها ـ أي الزكرت والشمرت ـ والذي يغلب على الظن أنّ السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك هو أدق وأسمى وأبعد غوراً ممّا يظن، وهو إرادة الانفراد لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء ومن يدّعي العلم فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها. والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب وفي البُعد عنهم الراحة واجتماع الأمر. وقد قال أمير المؤمنين (عليه لسلام) في عهده إلى الأشتر. إنّه ليس أشدّ مؤؤنة على الوالي من الخاصة. وربّما يكون ما يحدث في النجف من الطائفتين (الزكرت والشمرت) ما حدث من بعض الأعيان مقوياً للعزم على الهجرة، أمّا أن يكون هو السبب الوحيد فلا، وربّما يكون من مقويات العزم أيضاً إرادة عمران البلد وتسهيل أمور الزائرين الوافدين إليه ورفع ما كان يقع عليهم من المشقات.
فعمرت سامراء به وصارت إليها الرحلة وتردد الناس إليها وأمّها أصحاب الحاجات من أقطار الدنيا وعمر فيها الدرس وقصده طلاب العلوم وشيّد فيها المدارس والدور. ولكنّها بعد وفاته عادت إلى سيرتها الأولى كما ستعرف. وأمّا مدرسة النجف فلم تتأثر بخروجه إلى سامراء بل بقيت عامرة حافلة بالطلاب والدروس فيها قائمة ومجالس الدروس عامرة كثيرة منتشرة. ذلك لأنّ الذين خرجوا معه إلى سامراء جماعة معدودون وجمهور الطلاب والعلماء ومعظمهم بقي في النجف والطلاب تقدصها من جميع الأقطار ولا تقصد سامراء حتّى أحصيت طلاب النجف باثني عشر ألفاً فيما يُقال لكن إدرار النفقات والمشاهرات من سامراء لا ينقطع عن النجف.
عمران سامراء في عهده
كانت سامراء قبل سكناه فيها بمنزلة قرية صغيرة فلمّا سكنها عمرت عمراناً فائقاً وبنيت فيها الدور والأسواق وسكن فيها الغرباء ومن يطلب المعايش وكثر إليها الوافدون وصار فيها عدد من طلاب العلم والمدرسين لا يستهان به.
وكانت في أكثر الأوقات لا تزال محتشدة بالوافدين والزائرين حتّى اضطر إلى الحجاب إلاّ في أوقات مخصوصة يأذن فيها للناس إذناً عاماً ولخواص منهم إذناً خاصاً. وكان لا يخرج من داره إلاّ لزيارة المشهد وصلاة الجماعة وللحمام في أوقات مخصوصة وأهل درسه يقرأون عليه في داره.
وإذا كثر الزائرون خرج إلى دهليز داره فيوضع له كرسي ويجلس عليه في ثياب زهيدة الثمن ويأذن للناس إذناً عاماً فيدخلون عليه ويسلمون وينصرفون ومن كانت له حاجة أو استفتاء أفضى بها إليه.
أعماله العمرانية في سامراء
بنى فيها مدرسة كبيرة فخمة لطلاب العلم، فيها إيوان كبير وغرف جمة ولها ساحة واسعة وبنى سوقاً كبيراً بمال بذله بعض أغنياء الهند. ولم يكن في سامراء جسر وكان الناس يعبرون في القفف من غربي دجلة إلى الجانب الشرقي الذي فيه المدينة، وكذلك الدواب والأحمال. وكان أصحاب القفف يشتطون في الأجرة ويلقى منهم الزوار أذى كثيراً فبنى جسراً محكماً على دجلة من السفن بالطريقة المتبعة في العراق تسهيلاً للعبور ورفقاً بالزوار والواردين وكانت نفقته ألف ليرة عثمانية ذهباً وسلمه للدولة تتقاضى هي أجوره رجاء لدوامه. وبنى عدّة دور للمجاورين وبقيت هذه الأعمال قائمة مدّة حياته. وبعد وفاته بمدّة قليلة بطلت كلّ هذه الأعمال ولم يوجد من يقوم مقامه في إدارة شؤونها ونزغ الشيطان بينهم وتفرّقوا أيدي سبأ وتعطلت المدرسة. وفي السنين الأخيرة أشرفت على الخراب وكذلك السوق. وأمّا الجسر فما زال أهل البلد يسعون في خرابه لأنّه يضرّ بمنفعتهم المالية حتّى خرب وعادوا إلى سيرتهم الأولى.
ومع ما بذله المترجم من الجهود في عمران سامراء ودفع المشقات عن الزوار والإحسان إلى أهل سامراء الأصليين وما أسداه من البر إليهم وما أدر عليهم عمرانها وكثرة تردّد الناس إليها من الرزق لم يتم له ما أراده وعادت البلدة بعد وفاته إلى سيرتها الأولى.
بل في أواخر أيام وجوده كثر التعدي حتّى وصل إليه وكان ذلك بتحريك ممّن لهم الحكم وممّن يمت إليهم إذ تيقّنوا أنّها ستنقلب عن حالها إلى حال أخرى فهيج ذلك من نفوسهم فوقعت عدّة تعديات على الطلاب والمجاورين وعليه، والحاكمون يظهرون المدافعة في الظاهر ويشجعون في الباطن. فوقع لأجل ذلك اضطراب شديد وفتن وتعدّ على النفوس والأموال وغيرها وسافر لأجل ذلك إلى سامراء فقهاء النجف وعلماؤها وطلبوا إليه الخروج منها فأبى ولم تطل المدّة حتّى مرض وتوفي.
فسخ امتياز الدخان
سلطان الدين أقوى من كلّ سلطان
في سنة 1312هـ وهي سنة وفاته وقيل سنة 1309 أعطى الشاه ناصر الدين القاجاري امتياز حصر التتن والتنباك لشركة إنكليزية فشاع أنّ المترجم أفتى بتحريم التدخين بهما. ولا بدّ أن يكون أفتى بذلك، وإن كانت صورة الفتوى لم تنشر بين الناس. فترك جميع أهل إيران التدخين وكسرت كلّ نارجيلة وكلّ آلة تستعمل للتدخين في بلاد إيران، حتّى أنّ نساء قصر الشاه كسروا كلّ نارجيلة في القصر والشاه لا يعلم بذلك، فطلب من خادمه إصلاح نارجيلة والإتيان بها على العادة فذهب الخادم وعاد، وأبطأ حضور النارجيلة فأمره بإحضارها فذهب وعاد بدونها، حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات. وفي المرّة الثالثة غضب الشاه وانتهره فأجابه الخادم عفواً لم يبق في القصر نارجيلة واحدة وكلّها كسرتها الخانمات وقلن إنّ الميرزا الشيرازي حرّم التدخين. وهكذا ترك عشرون مليوناً في إيران التدخين عملاً بأمر الميرزا الشيرازي لأنّه بلّغهم أنّه حرّم التدخين فاضطر الشاه إلى فسخ الامتياز مع الشركة الإنكليزية ودفع ما خسرته بسبب ذلك.
فقياس بين هذا وبين ما جرى للدولة الفرنسية حين أرادت تجديد امتياز حصر الدخان في سورية ولبنان وساء ذلك البطريرك الماروني في لبنان وعلاقته بالفرنسيين وثيقة، فأرسل برقية من فلسطين التي هي تحت الانتداب الإنكليزي إلى دولة فرنسا يطلب فيها عدم تجديد الامتياز ولم يستطع إرسالها من سورية أو لبنان اللذين كانا تحت الانتداب الفرنسي. لكن الفرنسيين لم يلتفتوا إلى ذلك ومضوا في تجديد امتيازهم، دون أن يكون لذلك أي أثر في الشعب.
وكان يصرف على نفسه وعياله من حاصل أملاك له موروثة ولا يصرف ممّا يأتيه من الأموال شيئاً إلاّ ما يضطر إليه بل يصرف الجميع على الفقراء والطلاب والمصالح الخيرية.
التدخين([214])
بين الإباحة والتحريم
إذا كان السيد محمد حسن الشيرازي قد أفتى بتحريم التدخين، فاستجابت إيران لهذه الفتوى استجابة عامة، فقد كان هذا التحريم تحريماً (وطنياً) لا دينياً، بمعنى أنّ بواعثه في الأصل وطنيته، وأنّ تحريمه كان على سكان وطن واحد من أوطان المسلمين لأسباب تتعلق بهذا الوطن وحده.
إذا كان الأمر كذلك. فقد وجد في بعض المناطق الإسلامية من حرّمه في أوّل ظهوره تحريماً دينياً، ووجد من أباحه، فقامت حرب فتاوى بين الفريقين، وذلك في شمال إفريقيا وغربها، وهو ما سنعرض له فيما يلي مكتوباً بقلم: د. عبد العزيز عبدالله بطران. ولم يكن في المشرق الإسلامي للتدخين مثل ما كان له في المغرب من حرب تحليل وتحريم. سوى ما كان من تحريم الوهابيين له تحريماً لم يكن له أثر في غير الأرض التي سيطروا عليها. وما كان في مقدور أحد في مكان سيطرتهم أن يرد على التحريم، لأنّه إن فعل فإنّ السيف يتناول رقبته. ومع ذلك فإنّ الناس كانوا وظلّوا في السيطرة الوهابية يدخنون سراً.
ظهور التبغ في غرب وشمال إفريقيا
تؤكد المصادر العربية المعاصرة في شمال وغرب إفريقيا بأنّ منطقة تمبكت على نهر النايجر كانت المدخل الأوّل لنبات التبغ وعادة التدخين في البلاد الإسلامية من غرب إفريقيا وشمالها. ففي أواخر القرن السادس عشر استقبلت تمبكت التبغ من سواحل الغرب الإفريقي بعد أن نقله إليها البحارة الأوروبيون من موطنه في العالم الجديد. وتجمع المصادر على أنّ عادة التدخين انتشرت بسرعة مذهلة بين جميع طبقات المجتمع في تلك المنطقة، ثمّ انطلقت بعد ذلك إلى المغرب، ومنها بواسطة الحجاج المغاربة والسودانيين (التكارير)، لتعمّ في وقت وجيز كلّ الشمال الإفريقي([215]).
ولعل السبب المباشر لانتشار التدخين السريع هو الزعم بأنّ التبغ دواء شامل يستخدم في علاج الأمراض والأوبئة المنتشرة حينذاك. ويزكي هذه المقولة ما ورد في إحدى الوثائق المعاصرة بأنّه «~في السنة الخامسة بعد الألف(هـ) آب (أغسطس) 1596 آب (أغسطس) 1597 ظهرت أوراق شجرة في مدينة تمبكت… تسمّى طبغا. ابتلى الله المسلمين بتدخينها وشرب دخانها في كلّ وقت. وزعموا أنّ ذلك دواء لكل الأمراض وإنّهم وجدوا في شربه الإشفاء للأمراض حتّى استعملها خاصتهم وعامتهم.
فالتدخين إذا عادة وافدة على العالم الإسلامي منذ أواخر القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر. فهي عند رجال الدين، آنذاك، بدعة حديثة الظهور لم تعرفها الأجيال السابقة، ولم يرد لها ذكر في كتب الفقه. وكما حدث عند ظهور الحشيش والقهوة، فقد أدّى ظهور التبغ إلى إشعال جدل واسع طويل بين العلماء من جميع المذاهب، كان جوهره الأساسي رعاية المصلحة العامة، أو بمعنى أدق عمّا إذا كان التدخين ذا مصلحة أو ذا مفسدة، ذا فائدة أو ذا ضرر يعودان على المدخنين وعلى المجتمع فتضاربت آراء الفقهاء، وتباينت أحكامهم. وقد وردت بعض هذه الأحكام أو الفتاوى في عبارات مقتضبة، أو في أسطر معدودة. وأخريات أسهب أصحابها في سرد وتفنيد الأدلة والبراهين الشرعية، والاجتماعية، والعلمية التي تستند عليها هذه الأحكام. ويقدر الأستاذ حجي عدد الفتاوى الصادرة في هذا الموضوع بأكثر من ثلاثين فتوى. وهذه الفتاوى تعكس اهتمامات أصحابها المتعددة. ولهذا نجد العامل الديني البحت يمتزج بالعامل الاجتماعي، والعامل الاقتصادي والرغبة هي تصفية حسابات شخصية قديمة.
وكان من البديهي أن تجد وجهات النظر المختلفة والأحكام المتباينة هذه صداها لدى السلطات الحاكمة. فقد قبل بعض الحكام الرأي القائل أنّ التدخين مباح شرعاً، فأجازوه واستباحوه. واقتنع آخرون بعدم شرعيته، فمنعوه وحظروه، وفرضوا أحكاماً على المدخنين تفاوتت درجات قسوتها وجدتها.
فجَّر تعلق الناس بالتدخين تساؤلات كثيرة عن رأي الدين في هذه الظاهرة، وعن الأحكام المنوطة بها. وقد وُجّهت هذه الأسئلة إلى أكابر العلماء في تمبكت، وفاس، ومراكش والقاهرة وغيرها من المراكز الإسلامية ذات الثقل العلمي. ولا يفوت المتفحص لهذه الاستفسارات أن يلاحظ أنّها مشحونة بآراء مسبقة ومحددة. فالسؤال المقدم إلى قاضي تمبكت، القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن (1594ـ1608)، والذي أفتى على ضوئه بتحريم التدخين يصف التبغ بأنّه «شجرة ابتلى الله سبحانه وتعالى المسلمين بتدخينها». ويقرر السؤال الموجه إلى العالم الأزهري، وشيخ المالكية بمصر، الشيخ سالم السنهوري (ت. 1606)، أنّ التبغ «شجرة خرجت من بلاد الكفار…ويحصل لمن يشربها خدور، وبعضهم يغيب عقله خصوصاً في ابتدائها. فهل والحالة هذه يجوز تعاطيها، وشربها، وزراعتها، والتجر فيها أم يمنع ذلك؟ (وهل) يجب على ولي الأمر منع الناس في التجر فيها وزراعتها؟ وهل له ثواب في تأديب متعاطيها؟ أفتونا رحمكم» فجاء رد السنهوري متجانساً مع السؤال، إذ يقول أحمد بن أبي محلى (ت. 1613) «أمّا فتوى السنهوري في تحريم الدخان المذكور ومنع استعماله مطلقاً فمرتب على مقتضى سؤاله الخاص به. ويعضد هذه المقولة ما أورده قاضي وادي درعة، لقاضي أحمد بن محمد البوسعيدي تاكوجيل (ت. 1607)، بقوله «وأمّا جواب سيدنا سالم، نفع الله به، فهو صواب، لأنّ السائل ذكر له أن يغيب العقل. وما يغيب العقل حرام، سواء كان بالسكر، أو بالفساد، أو بالرقاد. فجوابه، رضي الله عنه، صواب ليس فيه ما ينتقد».
والاستفسار الذي طرحه مفتي ولاية الجزائر، أبو الربيع سليمان الأوراري، على مفتي الدولة العثمانية، الشيخ أبو محمد سعد الدين، يصف التدخين بأنّه من الرذائل التي تؤدي إلى إشاعة الفاسد. إذ يتساءل أبو الربيع.
رأيت الناس قد جنحوا لبلوى
وهي والله مفسدة الوبال
ودخان يشربون لكل وقت
وعم الخافقين على التوال
أفي المكروه يدخل شاربوه
جهراً أم حرام أم حلال؟
يقول المفتي:
سألت عن الدخان بحسن نظم
بديع في اللطافة كاللؤال
تيقن ليس فيه غير ضر
وما فيه سوى إتلاف مال
وإن أمعنت تضييعاً لوقت
ومسخ للنساء وللرجال
فما في ضمنه هلاك مرء
وبال، في وبال في وبال
كراهة ريح لا شك فيه
شراب عافه طبع الأهال
وأمّا شربه في كلّ وقت
من الأيام أناء الليال
خصوصاً شرب إدمان وفسق
وإعلان على وجه الضلال
حرم ليس فيه ثبوت شك
محال ذكره بين الحلال
وقد أفاض احمد بن ابي علي محلى في طرح الأدلة والبراهين تدعيماً لرأيه بأنّ التدخين لا يندرج في جملة الموبقات المحرمة شرعاً في السؤال الذي بسطه على الشيخ سالم السنهوري ورصفائه من العلماء ـ ذلك السؤال الذي أثار الحوار الكبير حول قضية التدخين.
وقد أطلق الفقيه علي بن أحمد الشامي (ت1622) هجوماً شرساً على التدخين في السؤال الذي طرحه على فقهاء فاس موضحاً في هذا المضمار الأضرار الصحية للتدخين، ومفصلاً الأسباب الشرعية، والاقتصادية، والاجتمعية، والاستراتيجية التي تحتم منع استعمال التبغ، وزراعته، واستيراده من العالم الجديد بواسطة التجار. قال الشامي: «ما قولكم في هذه العشبة الخبيثة الشهيرة بطابة؟ لا طابت معيشة مشتهيها، ولا ربحت تجارة بائعها ومشتريها، اختلقها الشيطان، واتخذها من جملة الإشراك، والأشطان وخدع بها من استثناه الله في قوله جل ذكره {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]… وتظاهر اللعين، أخزاه الله، مع أولياءه الكفرة على المؤمنين، وجعلها ذريعة لمراده من تضعيف الدين، وتقوية الضالين الملحدين، وغر بها الجهلة، فحسبوا أنّها من قبل الجائز الصراح، والفعل اللائق المباح، وزين لهم فيها أنواع المتاجر وتضعف الأرباح، فانكب من تجارهم على جلبها من أرض الكفرة الخاص والعام. وضاعفوا لهم أسوامها من الأثمان الكثيرة الجسام، والأموال الجزيلة العظام. وربما حملوا لهم فيها ما لا يجوز حمله كالسلاح، والطعام، والخيل، والبغال، وسائر الأنعام… فعمّت بها البلوى، وضجت بها الملائكة شاكية لعالم لنجوى إلى ما اشتملت عليه من منكرات لا تنكر ومفسدات… منها تسويد الجوف والمصران، وإطفاء نور القلب… ومنها إذاية الملائكة الحسان الموكلين على الفم والأنف وغيرها… ومنها تغيير خلقة شاربها، وتشويهه، وتمثيله بالمعذبين من أهل النار. ومنها إنّها جعلت وسيلة لغيرها من المنكرات، وذريعة لاجتماع أهل الفواحش يتنادمون بها مع الحشيشة وسائر المنكرات… ومنها لا يستعملها إلاّ سفهاء الناس وأراذلهم من الأجناس… فالمطلوب منكم، دامت سلامة جمعكم، بيان ما يرجع من أقوالكم السليمة، وإيضاح ما تقتضيه آراؤكم الكريمة، فيعول عليه».
لم تخب توقعات الشامي، إذ أصدر قاضي وفقهاء فاس حكماً شرعياً مطابقاً لوجهة نظره بأنّ التدخين موبقة محرمة يجب استئصالها. يقول قاضي فاس أحمد بن محمد المقري (ت.1631) «إنّ هذه الخبيثة التي لم تزل ألسن العلماء على تركها حثيثة، اقتضت القواعد الشرعية تحريمها، ومنعها لوجوه لا نطيق الآن تتبعها، وقد أشار السائل، حفظه الله، وأرشده إلى طرف منها».
بادر السلطان أحمد المنصور السعدي (1578-1603)([216]) بمنع تعاطي التبغ وتجارته. وتلاه في ذلك السلطان العثماني، أحمد الأوّل(1603 -1617) ومن بعده السلطان مراد الرابع( 1623 -1640). فرض أحمد المنصور حظره على التبغ عقب استشارته لفقيه فاس، محمد ابن القاسم القصار (ت1603)، وفقيه سلا، عبدالله بن حسون (ت1604) الذين أفتيا بحرمته وإزالته. كان ذلك إبان زيارة المنصور لمدينة فاس في عام 1602م. ويُقال إنّ كميات كبيرة من التبغ جمعت من التجار والباعة واحترقت في احتفال رسمي ولا يعرف إن كان أحمد المنصور قد وضع عقاباً على من تمرد على أوامره، بل الواضح أنّ المرسوم الملكي لم يتعد مدينة فاس، ولم تتأثر به مناطق زراعة التبغ آنذاك مثل وادي درعة، وحوض مراكش ـ أمزمز، وتمبكت، إذ لم تتوقف هذه المناطق عن زراعته وتصديره إلى المدن المغربية، والجزائر، وفزان، ومصر، وعموماً فإنّ الحظر في مدينة فاس ذاتها لم يستمر طويلاً، فسرعان ما عاود الناس التدخين، واستيراد التبغ فور وفاة أحمد المنصور وما صحب ذلك من الفتن والتنافس الطاحن على العرش بين أبنائه.
أثارت هذه «الردة» ثائرة العديد من أهل الورع والتقوى، والحادبين على المصلحة العامة من علماء فاس. فبرزت التساؤلات حول مشكلة التبغ. وقاد هذه «الصحوة»، كما أسلفنا، الفقيه علي بن أحمد الشامي محذراً ممّا سيؤول عليه حال الأمة من ضعف، ووهن من جراء تبديد ثرواتها بمقايضتها بالتبغ مع الاوروبيين. وبين الشامي المضار الصحية للتدخين، وتفشي الفساد والانحلال الخلقي المقرونين به. فهب جمع علماء فاس لاجتثاث جذور هذه الفتنة ودرء خطرها. فأصدروا مجموعة من الفتاوى تقطع بتحريم التدخين. كان على رأس العلماء القاضي أحمد بن محمد المقري، والفقيه أبو القاسم بن النعيم الغساني (ت1623) والعالم عبد الرحمن الفاسي (ت1626). جمعت هذه الفتاوي وأمهرها القاضي بإمضائه مظفياً عليها صبغة قانونية رسمية. وبالرغم من أنّ فتاوى العلماء تحظى بالاحترام إلاّ أنّه لم يكن من السهل إلزام جمهرة المدخنين وتجار التبغ بها لافتقارها العقاب الرادع وثقل الدولة. ولذا فإنّ فتاوى علماء فاس، كغيرها من الفتاوي باتت حبراً على ورق.
وفي الولايات العثمانية والإفريقية كان حظ التدخين متوقفاً على قناعات الولاة المحليين. فمنهم من تجاهل أو تساهل في تنفيذ أحكام الباب العالي، ومنهم من طبقه. فأمر السلطان أحمد الأوّل بمنع التدخين، وحرق التبغ، وإهدار دم العصاة، لم يأبه به دايات الجزائر، ولا دايات ولاية تونس. بل قيل إنّ مفتي ولاية تونس كان مدمناً للتدخين، وكان يعقد له مجلساً خاصاً، وإنّه أفتى بإباحته عندما استفتاه الوالي عثمن داي (1594ـ1610).
أمّا في مصر فقد كان الوالي محمد باشا (1607ـ1612) متشدداً قاسياً في معاقبة المدخنين خلافاً لخلفه، محمد باشا (1612ـ1615) الذي كان مرناً متسامحً معهم. وقد أقلى اللوم على مستشاره يوسف، ولعله من أصل يهودي، الذي قيل إنّه أوصاه بذلك. أمّا الوالي أحمد باشا الدفتردار (1615ـ1617) فقد عرف عنه الحزم والصرامة في منع التدخين. كن ذلك في بداية حكمه، ولكنه تراجع عن ذلك فيما بعد. ثمّ عاد لحظره مرّة أخرى «وأمر المنادي أن ينادي بأن من تعاطاه يقتل مكانه».
هدأت الحملة على التدخين في مصر نسبياً إثر وفاة السلطان أحمد الأوّل حتّى جاء أمر السلطان مراد الرابع بإقفال المقاهي وحظر التدخين الذي قيل إنّه تسبب في إشعال بعض الحرائق. ونادى السلطان مراد بإنزال أقصى العقوبات على المدخنين، وذكر أنّه أعدم الآلاف منهم. ويروي أنّ واليه بمصر، حسين باشا (1635ـ1637) «أمر بقطعه، وأمر منادياً ينادي في الأسواق أنّ من ظهر عليه في شيء من ذلك لا شافع فيه كائناً ما كان.
لم تنجح الحملات القمعية ولا الفتاوى الداعية لتحريم التبغ في الحد من التدخين، بل أدّت إلى نتائج عكسية. فقد ازداد التدخين رواجاً حتّى في فورة تلك الحملات ولا شك أنّ السبب في انتشاره، دون هوادة، بين جميع طبقات المجتمع، هو سيل الفتاوى المبيحة استعماله، والقول بأنّه البلسم لكلّ مرض، وانكباب أجلة العلماء عليه.
حرب الفتاوى جذور الجدل
حول شرب الدخان
شقت قافلة حجاج مغارة طريقها عبر الصحراء الكبرى منطلقة من وادي الساورة لتحط الرحال في حاضرة إقليم فزان في احد أيام شهر سبتمبر من عام 1905م. وكان على رأس الركب الفقيه أحمد بن أبي محلى. وكان أوّل ما لفت انتباه ابن أبي محلى. للتدخين ـ الحظر الحكومي المضروب عليه وعلى تجارة التبلغ في الإقليم. فبلغه أنّ الأمير اعتمد في ذلك على فتوى قاضي تمبكت، محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، وفتوى شيخ المالكية بمصر، الشيخ سالم النهوري. كانت تلك المرة الأولى التي يطلع فيها أبي محلي على نصوص الفتوتين. ومع قناعته التامة بخطأ الشيخين، إلاّ أنّه لم يجاهر ببطلان فتاواهم عندما استقرأ الأمير رأيه فيهما، ولم يتعارضهما صراحة. بل أرجأ حكمه عليهما حتّى يتلقى الشيخ سالم ويستفسره الأدلة التي استند عليها. فهو ملاقيه قريباً في القاهرة في طريقه إلى الحجاز. ولكنّه لم يتردد في إعلان تحفظاته وشكّه في صحة الفتاوى وصوابها. وعلى كل، ما كان له إلاّ أن يمتثل للحظر، أو كما قال «يعلم الحبيب الرقيب إذ منذ وقفت على فتوى الشيخ سالم، رضي الله عنه، بيد بعض طلبته من فزان مع كراسة السوداني المذكور، ما تناولتها حتّى الآن. لا لاعتقاد الحرمة، (بل) تقليداً لهما دون قاطع البرهان، وأوضح البيان. وإنّما احتطت لعرضي وديني حتّى يزول التوقف فيها بحكم الإيقان»([217]). وعلى هذه التحفظات رفع الأمير الحظر العام عن التبغ، بينما تمسك هو بالتوقف عنه.
التقى ابن أبي محلي الشيخ سالم عدّة مرّات. كانت المرّة الأولى في طريقه إلى الحجاز، والمرّات الاخرى في طريق العودة. ولظروف قاهرة، كما قال لم يستطع مفاتحة الشيخ في الفتوى المنسوبة إليه علماً بأنّ الشيخ أجاب سائلوه من رفاق ابن أبي محلي عنها في حلقة درس كان ابن أبي محلي يعلم بعقدها، لكنّه تخلّف عن حضورها لسبب ما. وتحاشى ابن أبي محلي مسألة القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن عندما التقاه بالقاهرة وكان القاضي وقتها جالساً يفسّر ويبرّر فتواه في التدخين. ولكنّه تحادث مع صديقه المدمن للتدخين، الشيخ علي الأجهوري المالكي (ت1656).
من الواضح أنّ ابن أبي محلي تجنّب الحوار المباشر مع من خالفه الرأي في مسألة التبغ، وآثر ان يودع أفكاره مخطوطاً وجهه إلى الشيخ سالم والعلماء الثقات من المذاهب الأربعة في مصر، والمغرب، والسودان. فهو لم يرض أن يكون حبيساً لمذهب واحد، ولا خاضعاً لري معين. ففي غداة وصوله أوجلة ألّف ابن ابي محلي الرسلة الطلبية مع الإشارة الشجرية. طار تلاميذ ابن بي محلي بنسخ الرسالة ليضعوها بين يدي علماء العصر. وأوصاهم ابن أبي محلي بالوقوف على من تلقى المخطوط حتّى يتسلموا الرد منه.
استطاع الرسول إلى مصر عرض الرسالة على الشيخ سالم السنهوري وعلى غيره من العلماء. فاعتذر الشيخ عن الرد متعللاً بضعف الصحة. ولم يجد بالإجابة من علماء القاهرة سوى الشيخ علي الأجهوري، وشيخ الشافعية، علي ابن يحيى الزيادي (ت1615)، ومن علماء المغرب القاضي أحمد بن محمد البوسعيدي تاكوجيل.
أضاف ابن ابي محلي الإجابات الثلاثة إلى الرسالة ومهّد لها بمقدمة بعنوان الحكاية الأدبية. ولا يخفى الإحباط الذي أصاب ابن أبي محلى من ندرة الأجوبة وعدم استيفاء ردود الأجهوري، والزيادي، وتاكوجيل. يقول ابن أبي محلي «أنّهم لم يشفوا غليلي بأتم جواب، وأبين خطاب في عامة المطلوب، غاظني منهم ذلك غيظ المحب على المحبوب، لا بسخط الضال على المغضوب». ثمّ قال مخاطباً علماء مصر والمغرب الذين لم يتفضلوا بالرد على سؤاله:
وما كان ظنّي أن يبوء سؤالي
وكفه صفر من عظيم نوال
وقد جاب في الركب المشارق داويا
يضل القطا من مغرب ابن هلال
ليسعدوا في ترحاله بمساعد
يجيب إلى مطلوبه غير سال
فعاد وقد طاف البلاد كما غدا
وعذراؤه في خدرها بجلال
فيا ليت شعري ما اعتذار فحولها
كأن ضربوا بمئسهم لمقال
وصلت الحكاية الأدبية والرسالة الطلبية إلى العالم أحمد باب التمبكتي (ت1627) وهو آنذال بتمكروت في وادي درعة عائداً إلى دياره في غرب إفريقيا بعد أن أطلق سراحه مولاي زيدان. تفحص أحمد بابا فحوى السؤال وجاء ردّه مفصلاً تفصيلاً دقيقاً في كراسة أطلق عليها اسم اللمغ في الإشارة لحكم التبغ. ووعد بكتاب آخر أكمل وتم بعنوان عين الإصابة في حكم طابه.
أشاد ابن أبي محلي بكراسة أحمد بابا قائلً «وأمّا جواب الفقيه، الرضى، الحافظ أبي العباس أحمد بابا… فقد أفاده فيه ما لم يفده غيره… على أنّه اعتذر في اقتصاره واختصاره بسفر هو في أثنائه». الحق ابن أبي محلي اللمغ بسفره الضخم الأصليت الخريت في قطع بلعوم العفريت النفريت، ذلك أنّ السفر الذي استعرض فيه رسوخ قدميه وعلو مقامه في العلم والمعرفة، وأعلن فيه انسلاخه وانطلاقه المدوي من الهامشية إلى القممية والمهدوية.
حرب الفتاوي: الجدل
حول شرب الدخان
جاءت فتاوي القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن والشيخ سالم السنهوري، كما أسلفنا، رداً على أسئلة يستفسر أصحابها عن الحكم الشرعي للتبغ. وتميزت فتوى السنهوري بالإيجاز الشديد والتحديد القاطع. تقول الفتوى:
«الحمد لله مستحق الحمد، ولا يجوز تعاطيها ولا زراعتها، ويجب على والي الأمر المنع منها ومن التجر فيها، ومعاقبة من خالف بما يقتضيه رأيه واجتهاده، والله أعلم. وكتب سالم السنهوري المالكي».
أمّا القاضي محمد فقد أسهب في سرد الأدلة والبراهين التي بنى عليها فتواه. وللأسف لم يصلنا من هذه الفتوى سوى المقتطفات التي أوردها ابن أبي محلي في الرسالة والشيخ إبراهيم اللقاني المصري المالكي (ت1631) في كراسته. ويلاحظ أنّ الشيخ انتقى ما راق له من الفقرات التي تدعم وجهة نظره. فبينما أورد ابن أبي محلي الأسانيد الفقهية التي أقام عليها القاضي فتواه، نقل اللقاني قول القاضي في المضار الصحية الناتجة عن التدخين. فالفقرة التي نقلها ابن أبي محلي تقول:
«وقد ورد النهي عن كلّ مُسكر ومُفَتّر. روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه عن أم سلمة، رضي الله عنها، قالت نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن كلّ مُسكر ومُفَتّر. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير: قال شيخنا الخطابي: المفتر كلّ شراب يورث الفُتور في الأطراف وهو مقدمة السكر. نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السُكر. وأورده في مادة فَتَر… وقال المُفتّر الذي إذا شُرب أحمى الجسد فصار فيه فُتُور وهو ضعف. انتهى. وقال القسطلاني: هذا الحديث دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات. فإنّها إن لم تكن مُسكرة كانت مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رؤوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ. انتهى… فلا شك أنّ هذا حال طابة أي التبغ، لأنّها تؤثر الفُتور في الأطراف لقوم، وتورث الكسل والفشل للآخرين. وحكمها أيضاً حكم الحشيشة التي اختلف المتأخرون فيها… وقد نقل الإجماع على تحريم الحشيشة غير واحد منهم القرافي وابن تيمية. قال: إنّ من أحلّها فقد كفر. انتهى. وعلى هذا فليحذر مستحل طابة على نفسه لئلا يكون كالباحث عن حتفه بظلفه أو الجادع إذن أنفه بكفه».
ونص ما نقله اللقاني من فتوى القاضي:
«إنّها (طابة) من غش الشياطين وتزيينه لهم وتلبيسه عليهم يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم والأدواء والأمراض في عاقبة الأمر. وقد قال جالينوس: اجتنبوا ثلاثة، وعليكم بالأربع ولا حاجة لكم إلى الطبيب. اجتنبوا الغبار، والدخان والتتن. وعليك بالدسم، والطيب، والحلوى، والحمام. انتهى كلام جالينوس. وفي كتاب البركة في باب الطيب، يستحب من الأطعمة ما كان أنضج طبخاً، وأحسن لوناً، وأزكى رائحة وأطيب طعماً، ليكون الطبع إليه أميل، فتقوى الهضمة على إخراجه، ويكون أبلغ في التغذية والقوة (انتهى). وتكرار الدخان يسود. فتتولد منه الحرارة، فيكون داء. وذلك يكون خطراً والعاقل لا يخاطر بنفسه. فإن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يجخل في عموم النهي عن قتل نفسه. وكتبه القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن».
أصابت ابن أبي محلي صدمة عنيفة حينما فوجئ في فزان بهاتين الفتويين وبالخطر المفروض على التدخين. وممّا زاد في حيرته وتعجبه استماعه في وقت لاحق لدفاع القاضي المستميت عن فتواه، وما جاءه من أنّ الشيخ سالم قد شرب الدخان للتداوي من وعكة ألمّت به ثمّ انقطع عنه عندما بلغه أنّه مسكر. فالتدخين عند ابن محلي، وهو المدمن له، جائز شرعاً لا يختلف في ذلك اثنان. وهو دواء خالي أصلاً من المواصفات الذميمة الموجبة للتحريم. وما على المعترض، على حد قوله: إلاّ أن يراجع في ذلك فتوى السوسي:
ومن يعتقد تحريمها فهو قائل
بوهم ولا يجد له من موافق
فعندي ميزان يفرق بينها
وبين ذوات السكر عند الحقائق
على العقل دار الحكم في كلّ مسكر
تفطَّن لما في فقهنا من طرائق
وزنت بميزان الشريعة حكمها
فألفيت من قد عابها مثل واشق
وكل الذي قلنا خلت منه إنّما
تخدر جسماً هل لذا من مشاقق
ولله قوم سلموا وتوقفوا
لم يذكروا عيباً لنزهة رامق
لم يكن في وسع ابن أبي محلي تجاهل فتاوى تحريم التدخين، خاصّة فتوى شيخه في العلم، الشيخ سالم السنهوري. فالشيخ سالم هو تاج علماء الأزهر في عصره وإمام المذهب المالكي. وهو قبلة الحجاج المغاربة، يهتدون بهديه، ويحملون إليه الهدايا. فكان لفتاواه ثقلها وفعاليتها لدى المالكيين قاطبة. وما كان بوسع ابن أبي محلي أن ينتقد الشيخ علناً أو يحكم ببطلان فتواه صراحة. فهو في أوّل المشوار. ولا زال إماً مغموراً في جوف الصحراء المغربية. لذا فقد أودع اعتراضاته ثانياً الاستفسار الذي طرحه على الشيخ بأسلوب ينضج باللياقة والأدب.
افتتح ابن أبي منحلي سؤاله بالثناء على الشيخ سالم، مقراً ومفتخراً بمقامه في العلم ـ فهو «جامع شتات العلوم رواية، وحامل رايتها على الرؤوس دراية. شيخ المذهب خصوصاً، وإمام الحديث عموماً… بالجامع الأبهر، والجامع الأزهر». وبعيداً عن هذه المجاملات التقليدية، كان لابن أبي محلي رأياً آخراً في شخص الشيخ لأنّه كان يفرّق في معاملته وتقييمه للأشخاص حسب وضعهم الاجتماعي. فقد تجاهل الشيخ سالم ابن أبي محلي عندما كان الأخير معدماً، فقيراً يحضر حلقات درسه أثناء حجته الأولى (1393ـ94). بينما تغيّرت معاملته له عند مروره بالقاهرة في حجته الثانية (1605ـ1606)، وهو ذو جاه وعز على رأس مجموعة من الحجيج. فقد زاره السنهوري في مكان إمامته، واستضافه في داره. سجل ابن أبي محلي هذه الوقائع بمرارة لا تخلو من العتاب والسخرية «وكنت حين الأخذ عنه في الحجة الأولى، رث الهيئة، في غاية الضعة، قد لا يعبأ بي الناظر… فكان لا يبالني يومئذ إذا سألته، كغيره، إلاّ قليلاً… فلمّا عدت (في الحجة) الثانية… بخلاف الأولى لأنّي صاحب ذلك الركب، ونزلنا من القاهرة بقرب جامع طولون، فما شعرنا إلاّ والإمام السنهوري… راكب على حماره من الجامع الأزهر يتلقانا ويهنينا… واستدعاني لداره في المقفل من الحجاز، فالكرم، ووداع وبالغ في القبول».
طلب ابن أبي محلي من الشيخ أن يشرح ويفسر فتواه، ويصحح المفاهيم في مسألة التدخين برمتها، وذلك بأن «تضعوا عن وجه مشكلها اللثام. فإذا تبيّنت الأحكام فحضوا إذا عليها الحكام بالعلم الصحيح، والحلم الصريح، لوضوح الدليل بأوجز قيل يكون فيصلاً بين الطلاب، وحجة لذوي الألباب». فالشيخ سالم هو محط رحال الأسئلة ومفك أقفال كلّ معضلة».
لم يخف ابن أبي محلي عن شيخه إدمانه التدخين ثمّ إقلاعه المؤقت عنه، وحضّه الناس على تركه، لا عن قناعة شخصية بحرمة بل «من أجل فتواكم، إنّ صحّت نسبتها إليكم». واعتذر بطرحه السؤال كتابة لا شفاهة بأنّه لمّا «اجتمعت بمصركم المعمور بفضلكم المشهور، وقد ضاق الوقت لعجلة الحجاج عن ذلك في الطلوع، وصوارف عاقت عن مشافهتكم بهذه المسألة يوم لقيكم ووداعكم في القفول، لذلك استدركت ما فاتني بهذه الرسالة في بلدة أوجلة… لمدونا بما يشفي الغليل». وقد اشتهر عن الشيخ سالم تشجيعه طلبته على الكتابة إليه ليأخذوا الجواب عنه عمّا خُفي عليهم من أحكام الشرع. وهكذا امتثل ابن أبي محلي في مخاطبته الشيخ سالم للعرف السائد في العلاقة بين الطالب وأستاذه.
حدّد ابن أبي محلي في رسالته الإطار الفقهي والضوابط الشرعية لتناول قضية التدخين:
أوّلها: التدخين ظاهرة حديثة العهد لا يوجد حكم لها في الكتاب أو السنّة، أو الإجماع. ولهذا «اضطرب الناس في حكمها، واختلفت فيها الآراء. فمن محل يمدح، ومحرم يذم، ومورع عنها وعن الخوض في شأنها».
ثانيها: لا يتصدر للإفتاء في قضية التبغ أو أي قضايا أخرى إلاّ المتخصص المعروف بالعلم والتقوى، المشهور له بالصدق والأمانة، فالفتوى أمانة يسأل عنها المفتي أمام الخالق. وحقيقة فإنّ «المحلل والمحرم إنّهما هو الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، بكتاب أو سنة مبينة للناس ما أنزل عليهم، فتكفل بحفظها الأئمة الراسخون، واشتد عَضَدُها بإجماع الأئمة».
ثالثها: يقام الحكم الشرعي على «القاعدة القرافية» أي الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات، وقاعدة المرقدات، وقاعدة المفسدات وفق ما نقله ابن غازي (ت1513ـ1514) في تأليفه حاشية على المدونة عن كتاب القرافي الفروق.
رابعها: يصاغ الحكم الشرعي على عادة التدخين لذاتها دونما اعتبار لما قد يصطحبها من منكرات وشوائب عارضة محرمة أصلاً. يقول ابن أبي محلي «وسؤالي هذا إنّما هو عن حكمها في نفسها، سالمة من عوارض القدح الخارجة عن ذاتها، من اجتماع على منكر مع نسوة، أو إحداث لغناء ولهو محرم أو مكروه، أو جعلها في آنية فضة أو ذهب، فإنّ ذلك لو اتفق على شرب ماء زمزم، مع الترغيب فيه، حتّى يخلص من شوائب التكدير، وكذا لم أسأل عن حكم من يتعاطاها في الطرق والأسواق إمّا لشرهه أو سوء نظره… فإن مطلق الأكل في السوق دناءة لذوي الهمم، ولا عبرة بالهمج من سائر الأمم».
لا بد لنا أن نستعرض المرجعية الفقهية الأساسية التي حدّدها ابن أبي محلي، ونعني بذلك القاعدة القرافية كما نقلها عن حاشية على المدونة لابن غازي ونصها:
«خاتمة: قال القرافي في الفرق الأربعين من قواعده: المسكرات، والمرقدات، والمفسدات، ممّا تلتبس حقائقها عن كثير من الفقهاء. والفرق بينها أنّ المتناول منها إمّا أن تغيب معه الحواس أو لا. فإن ّغابت معه الحواس كالبصر، والسمع، واللمس، والشم، والذوق فهو المرقد، وإن لم تغب معه فلا يخلو من أن يحدث معه نشوة وسرور عند المتناول له أو لا. فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلاّ فهو المفسد. فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمزر وهو المعمول من القمح، والتبع وهو المعمول من العسل، والسكركة وهو المعمول من الذرة. والمفسد وهو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج والسيكران. ولأصل اشتهار هذا المعنى في المسكرات أنشد القاضي عبد الوهاب المالكي:
زعم المدامة شاربوها
إنّها تجلي الهموم وتصرف الغما
صدقوا، سرت بعقولهم فتوهموا
إن السرور لهم بها تما
سلبتهم أديانهم وعقولهم
أرأيت عادم دين مغتما؟
فلمّا شاع إنّها توجب السرور، والأفراح أجابهم بهذه الأبيات. وبهذه الفروق يظهر لك أنّ الحشيشة مفسدة، ليست مسكرة لوجهين: أحدهما إنّا نجد من يأكلها يشتد بكاؤه وصمته. وأمّا المسكرات، كالخمر، فلا تكاد تجد أحداً ممن يشربها إلاّ وهو مسرور. وثانيها: إنّا نجد شراب الخمر تكثر عرابدهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح، ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو. ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك، ولم يسمع بينهم من العرابد ما يسمع عن شراب الخمر. بل هم همدة، سكوت، مسبتون، لو أخذت قماشهم أو سببتهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر. بل هم أشبه بالبهائم. ولذلك يوجد القتل كثيراً مع شراب الخمر، ولا يوجد مع أكلة الحشيش، فعلى هذين الوجهين اعتقدنا أنّها من المفسدات، لا من المسكرات، فلا يجب فيها الحد ولا تبطل بها الصلاة. بل يجب فيها التعزيز والزجر عن ملابستها. فتنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات فلا حد فيها ولا نجاسة. فمن صلّى بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعاً. ويجوز تناول اليسير منهما. فمن تناول حبة من الأفيون، أو البنج، أو السيكران جاز ما لم يكن ذلك قدراً يصل إلى التأثير في العقل والحواس. أمّا دون ذلك فجائز. انتهى.
هذا «القانون القرافي» في رأي ابن أبي محلي، هو المرجعية الوحيدة لأي فتاوى تتعلق بالتدخين.؟ فهو «الميزان الشرعي» الذي اعتمده فطاحل العلماء المحققون الذين جاؤوا بعد القرافي. فبالرجوع إليه ينجلي الوصف الشرعي لعادة التدخين، ويتبين الحكم،, ويحسم الخلاف. ومع هذا، أفسح بن أبي محلي للرأي الآخر بأسلوب ينصح بالتواضع المبطن بالثقة في الرأي، فلربما أتى شيخه السنهوري بحجة مغايرة بديله، وهذا أمر مشكوك فيه. ولربما أبدى اعتراضاً ورفضاً للقرافي. يتساءل ابن أب محلي، وهو واثق تماماً من عجز الشيخ عن إبراز مرجعية فقهية معتمدة ومغايرة «وهذه الشجرة المذكورة، المتنازل فيها، هل الواجب في حكمها أن تعرض على قاعدة القرافي الموصلة في السؤال لتعرف منها من أي نوع هي فتلحق به في حكمه، وتنخرط في سلكه… أو لا تعرض عليه؟ فنقول: لأية علة تنصرف عنها؟ ولأية حجة تستند عليها؟ هل القاعدة فاسدة غير مسلمة وقد تقدم نقيضه عن الأئمة أم ماذا؟».
من المحقق أنّ الشيخ السنهوري لم يسق في فتواه آية أو برهان، وإنّما بنى رأيه من واقع الأوراق المرسلة إليه والتي تقول «ويحصل لمن يشربها خدور وبعضهم يغيب عقله خصوصاً في ابتدائها». ولهذا اعتمدت سلامة الفتوى على صحة تلك الشهادة حسبما اقتضته الأسس الشرعية المعمول بها والمتمثلة في القاعدة القرافية كما تقرّر عند ابن أبي محلي.
قيم ابن محلي تلك البينات وخلص إلى أنّها خاطئة، غير سليمة، وعليه فإنّ شيخه لم يوفق في حكمه على التدخين. ويقول ابن أبي محلي: «إذ عرضتها (فتوى الشيخ سالم) على تفاصيلها (القاعدة القرافية) فأبت أن توافق بعض عموم السؤال بجوابه». وعلى كل، لم يوصد ابن أبي محلي الباب في وجه الشيخ بل أفسح له ليخرج من (الورطة) التي زجّ نفسه فيها. فكون السنهوري عالماً كبيراً له قدره ومكانته الدينية لا يمنعه عن ارتكاب الخطأ. «فمقامه في شيوخنا لا يُجهل، بل يُجل. وفقهه مشهور، وعلمه منشور، وليس بغير النبي بمعصوم. والساهي في نادر الأحوال… إذا تَذكَّر، واستدرك بإنصاف ما فاته غير ملزم ولا مذموم. وإنّما العيب الجمود، والذنب الجحود». فالمطلوب من الشيخ سالم تصحيح الخطأ، إن وجد، بأن يأتي برد شامل، وواسع حتّى وإن اضطر إلى التراجع عن أقواله. يضع ابن أبي محلي هذا الخيار أمام شيخه في سماحة ودهاء «لعلّ شيخنا وإمام الإسلام له خلاف ما تقتضيه القاعدة المذكورة، ووقف على ما فيها هو، ولم نطلع نحن عليه لقصورنا، وكثرة جهلنا. أو وقع سهو ما لموجبة يومئذ في عموم المسألة أو نحو ذلك».
ندّد ابن أبي محلي بكلّ ما جاء في السؤال الموجه للشيخ سالم واصفاً إياه بالتعميم الذي يتنزه عنه العقلاء. فالاعتماد على ما فيه من بينات في صياغة الأحكام دونما دراسة متأنية واعية فيه مجازفة وبُعد عن الصواب. فالقول بأنّ التدخين يخدر الجسم قد يخالف الواقع العلمي لحد كبير فالأغلب الأعم من المدخنين بل «الجميع في غير المبتدىء لا تخدره بالذوق والمشاهدة».
وجه ابن أبي محلي أصابع الإتهام إلى السائل بتضليل الشيخ سالم. فالسائل لم يحدد بدقة عدد من يتأثر عقله بالتدخين في عبارته «وبعضهم يغيب عقله»، بل ترك تحديد العدد للاجتهاد الشخصي. فبينما قدر ابن أبي محلي ذلك العدد بالقلة النادرة، فإنّه لم ينف وجود من يقدره بالكثرة الغالبة لذا فلم يكن من المستغرب أن يظن الشيخ سالم أنّ ذلك «البعض» كبير جداً، فنادى بتحريم التدخين. هذا ما يشير إليه ابن أبي محلي في قوله الحذر «خفت أن يكون الشيخ، قد حسب أنّ ذلك البعض أن سلم وجوده، كما لا ننكره نحن ولا غيرنا، ليس بأقل من القليل فأفتى بالتحريم».
حصر القرافي مغيبات العقل المحرمة في المسكرات، والمرقدات، والمفسدات. إلاّ أنّ فتوى الشيخ سالم، في دلالتها الظاهرة، أدرجت عادة التدخين تحت “مغيباً العقل”. رفض ابن أبي محلي هذا المزج اللاعلمي. فهو قد أدمن التدخين منذ مدّة ليست بالقصيرة، ولم يعرف له تأثيراً على العقل. «فالإسكار المفهوم من القاعدة القرافية غير موجود فيها البتة بالذوق والمشاهدة، ولا سمعت أحداً يذكره عنها». ويتحدّى ابن أبي محلي المعترض أن يبرز دليلاً واحداً يثبت باليقين إسكارية التدخين» ومن جحد هذا العيان يكذبه أو يصدقه بحضور ألف أو يزيدون من شربتها بين يدي الحاكم، ليقف على الحقيقة بنفسه، حتّى يرى ما فيه المرء. وأبلغ من ذلك لو شربها عدل يعتقد الحلية لدليله من العلم، وهو سالم المزاج من الاختلاط مثلاً ليترقى بذوقه من المعاينة في نفسه. وهذا أمر ضروري، لا ينكرونها لا تسكر الإسكار المتقدم بيانه». أمّا الشيخ سالم، حسب قول ابن أبي محلي، فقد قبل ما نقل إليه من أنّ التدخين مسكر كالخمر المحرمة، فأفتى بتحريمه مستنداً على الحديث الصحيح «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام».
نفى ابن أبي محلي أن يكون التدخين من جملة المرقدات أو المفسدات. وحتّى لو افترض بأنّه مرقد أو مفسد، لا يجوز القطع بتحريمه، فقد رخص العلماء استعمال القدر القليل من مغيبات العقل، ما عدا الخمر، خاصة لتخفيف الألم عند العمليات الجراحية، هذا ما أورده الحطاب (ت1493) من قول زروق (ت1893) «الظاهر جواز ما يسقى من المرقد لقطع عضو ونحوه، لأنّ المرقد مأمون».
بقدر ما كان ابن أبي محلي حذراً في محادثته الشيخ سالم، بقدر ما يراع ذلك التسامح في تمحيصه لفتوى القاضي محمد بن أحمد بن عبد الرحمن. فهو لم يذكر اسم القاضي مطلقاً، بل ظلّ يشير إليه «بالسوداني» و«الطالب»، ويصفه (المخالف المدعي). فالقاضي، في رأيه تصدّى للفتوى عن جهل، واعتمد فيها على حديث واهي، ضعيف وهو «نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن كلّ مسكرومفتر». وبالتالي ارتكب خطأ فاحشاً في حق دينه، وحق المجتمع. فإن جاز القول بأنّ التدخين يفتر الجسم، فإنّ المفتر لا يقترن بالمسكر في خصائصه، ولا يتساوى معه في الأحكام الشرعية. فالمفتر لا يؤثر على العقل ولا على الحواس. إذاً، فالنهي عنه قد يؤدي إلى تحريم الكثير من المباحات شرعاً فإنّ السمن، لا سيما إن كان عتيقاً، إذا أكل منه في قائلة بالصيف أورث صاحبه بعض فتور. وكذلك بعض الأطعمة. وأبين من ذلك كثير من المسهلات الطبية يعقبها فتور ضرورة مع حليتها فيما نعلم. وكذلك الجماع يعقبه فتور ضرورة بعد الإنزال أحياناً. وكذلك عقب الخروج من الحمام». لذا ففتوى القاضي محمد باطلة. غير صحيحة، لأنّها تستند على أسس هشة، وحجة واهية.
كان ابن أبي محلي يعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ الشيخ سالم لن يتحرج من الرجوع عن فتواه. وكان مطمئناً أنّ القارئ من علماء مصر، والمغرب، والسودان لتشخيصه الدقيق لفتاوي الشيخين لن يتردد في الحكم بحلية التدخين ونفي الشبهات عنه. وكان يتوقع أن تنهال عليه الردود المؤيدة لرأيه. ولكن لم تصله سوى بضع أجوبة، وهي فتاوي الشيخ الأجهوري والشيخ الزيادي من مصر، وفتوى القاضي تاكوجيل من المغرب، وفتوى الشيخ أحمد بابا التمبكتي. وقد عرف عن الأجهوري، وتاكوجيل، وأحمد بابا إدمانهم التدخين. وأنّ الآخرين من مواطني المناطق المنتجة والمصدرة للتبغ. فمنع زراعته وتجارته قد يسبب أضراراً اقتصادية لمنطقتي تمبكت ووادي درعة. ولربما وضع الشيخان هذا العامل الاقتصادي في الحسبان عند دفاعهما عن التبغ.
اتفقت هذه الفتاوى على تحريم مغيب العقل حسبما اقتضته القاعدة القرافية. يقول أحمد بابا أنّه من الواجب عرض أمر التدخين «عليها، وعلى غيرها من قواعد المذهب ونصوصها، إن وجدت، وإلاّ فمن أين يؤخذ حكمها؟».
والتبغ أو طابة في الأصل نبات لا حرج في تعاطيه بمقتضى القاعدة التي أقرّها فحول علماء المذهب المالكي من أنّ النباتات كلّها مباحة، «حتّى يرد دليل على تحريمها». أو يثبت بالدليل العلمي إنّها تضر بمناولها رجوعاً إلى الآية {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]. وعليه يكون التدخين حراماً إذا أضرّ بالعقل وأفسده. فالعقل هو أساس التكليف في الشريعة الإسلامية، وهو «أشرف ما في الإنسان المميز له عن سائر أنواع الحيوان، ولذا وردت الشرائع كلها بوجوب حفظه… فتناول ما يفسده حرام قطعاً، وإن لم يسكر». ومن هذا المنطلق صرّح الأجهوري «الحاصل أنّها تحرم على من تؤثر في عقله، أي تغطيه». وأيّده الزيادي «إذ لم تضر بالعقل، لا يحرم استعمالها».
نفى الأجهوري صفة تغيب العقل عن التبغ «كما علمنا بالوجدان، وأخبرنا به جمع كثير، وشاهدناه فيمن استعملها أمامنا». ولكنّه اعترف بأنّ ثمة من يدعي، ربما عن تجربة، بأنّ للتدخين تأثير سلبي على العقل. ففي هذه الحالة النادرة يندرج التدخين تحت المفسدات أو المرقدات. وليس بأي حال من الأحوال تحت المسكرات. وحينئذ يكون محرماً على ذلك الفرد وحده دون غيره «لتصريحهم بأنّه يجوز للشخص أن يستعمل من المفسد أو المرقد الذي لا يؤثر في العقل، أي لا يغطيه. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص بلا مرية. فرب قدر يؤثر في عقل شخص، ولا يؤثر في عقل آخر».
وكان القاضي تاكوجيل قاطعاً في انتفاء تغيب العقل عن التدخين «وأمّا انتفاء السكر، والفساد، والرقاد عنه فأمر ضروري لا يمتري فيه عاقل. ومن أنكره فهو سفسطائي ومكالمته لا تفيد». ولم ير تاكوجيل مدخناً بدت عليه إمارات السكر، أو تصرف كما يتصرف السكارى: «وهل رأيتم سيدي أو سمعت إنّ شارب تبغ يتقلد سيفه، ويعربد على الناس؟ أو شربها واختلط عقله، واختل عقله، واختل كلامه أو مشيه؟».
ويقول أحمد بابا إنّه أفتى بإباحة استعمال طابة ردّاً على أسئلة طرحها عليه علماء المغرب، كقاضي فاس، وفقيهها أبو الحسن علي بن عمران، وكالقاضي تاكوجيل. وقد اعتمد في الفتوى على حقيقة أنّ التدخين لا يذهب بالعقل. ووفقاً لهذا لا يسوغ تحريمه تحريماً مطلقاً حتّى إن أزال العقل في الحالات القليلة النادرة.
أجمع العلماء الثلاثة على أنّ استعمال التبغ لا يشكل خطراً صحياً، بل هو العلاج السحري ذو المفعول القوي. فاستعماله مباح شرعاً إطلاقاً من المبدأ الأصولي الذي يقضي «بحل المنافع وتحريم المضار». وقد أشار أحمد بابا والقاضي تاكوجيل إلى استخدام التبغ في علاج كثير من الأمراض والوقاية منها. وعموماً حذر تاكوجيل عن مداومة أكل التبغ لأنّها خطر حقيقي على الصحة ممّا يؤدّي إلى الوفاة. واعتبر الأجهوري التدخين من مبطلات الصوم.
أصدر هؤلاء العلماء فتواهم بإباحة التدخين في حد ذاته، مجرداً ممّا قد يحيط به من ظروف عارضة ليست من خصائصه الأصلية الثابتة. ذلكم هو المذهب السليم في استنباط الحكم الشرعي. لأنّ الحكم الصحيح على الشيء «إنّما يكون من حيث ذاته، لا بحسب العوارض التي تؤدّي إلى لبسه، لأنّ العوارض لها أحكام في نفسها. فيجب اعتبار كلّ جزئية بحسبها. فمن ترك ذلك جازف، وعن الصواب انحرف». ومن منطلق هذا المبدأ اختلف تاكوجيل مع عدد من علماء مراكش الذين نهوا عن التدخين بحجة أنّه يقود إلى الاختلاط المشبوه بين الرجال والنساء. يتساءل القاضي إن كان اجتماع النساء مع الرجال على موائد الطعام يعني النهي عن «طواجين اللحم وغيرها»؟؟ فالحكم الصائب هو تشجيب وحظر ما يجري في تلك النوعية من المجالس، لا المنع من التدخين.
لم يتطرق الأجهوري لفتوى الشيخ سالم ولعله اكتفى في معارضته لها بإباحة واستحلال الدخان متجنباً الانزلاق في مواجهات مباشرة معه. فالشيخان تربطهما صداقة وزمالة. فهما من أعلام المذهب المالكي بمصر، وعضوان في هيئة التدريس بالأزهر، أمّا القاضي تاكوجيل فقد أيّد الشيخ سالم في تحريم كلّ مغيب للعقل. ولكنّه نفى صفة تغييب العقل عن التدخين. ومن جانب آخر بخس فتوى القاضي محمد واستهجنها.
كان أحمد بابا سافراً في تعقيبه على فتوى الشيخ سالم وفي إظهار أخطائها. فهو لم يعرف الشيخ معرفة شخصية، ولم يتتلمذ عليه، ولا يوجد ما يبرر اتباع أسلوب دبلوماسي متسامح معه. وفي اعتقادي أنّ أحمد بابا كان سيلتزم نفس الصراحة في انتقاده فتوى الشيخ سالم حتّى وإن كان الشيخ ما زال على قيد الحياة. فهو الرجل الذي لم يرهبه النفي ولا السجن. وكان حاداً فضاً مع القاضي محمد، إذ لم يغفر له «تقوله» على منصب قاضي تمبكت الذي كان يشغله عمّه أبو حفص عمر بن محمود (ت1594). فقد ألقى الباشا محمود بن زرقون، قائد القوات السعدية الفاتحة، القبض على تسعة من عمداء عائلة أقيت. كان من بين المقبوضين القاضي عمر وأحمد بابا وسيقوا مكبلين بالحديد إلى منفاهم في المغرب. ثمّ عيّن الباشا محمود القاضي محمد قاضياً في تمبكت خلفاً لأبي حفص عمر.
انتقد أحمد بابا اعتماد السنهوري على النقل دون تحقيق وإمعان النظر: «وهذا من آفات الفتوى، وهو البناء على ما يقتضيه ظاهر الكلام من غير تأمل فيما وراء ذلك». ورمى القاضي محمد بالجهل والتطاول على الإفتاء. فقد حشر القاضي نفسه في أمر لا يؤتمن عليه إلاّ الراسخين في العلم وهو الرجل الذي تعوزه الكفاءة والمؤهلات ولا يعدو أن يكون مقلداً، وليس بمجتهد مستقل برأيه. فمن واجبه أن يلتزم قواعد ومبادئ المذهب المالكي الذي يدين به لا الأخذ بما جاء في المذاهب الأخرى. «وإن خرج عن ذلك فقد تعدّى وظلم، وباء بإثم أعظم». ثمّ أورد أحمد بابا مقولة القاضي «فليحذر مستحل طابة على نفسه لئلا يكون كالباحث عن حتفه بظلفه» وقال معلقاً بسخرية «بل من حرمه بلا دليل هو الباحث بظلفه عن حتفه، والساعي بذلك إلى تلفه، لتعاطيه ما ليس في طرفه». فما أوضح أخطاء الرجل، وما أفدحها، وما أعظم «فساد مثله».
حرب الفتاوي ما بعد الأصليت
سقطت قضية التدخين من مذكرة ابن أبي محلي. فقد انشغل هذا الثائر الصحراوي، وصبّ جهده في الانقضاض على السلطة بالمغرب. فهبّ من منفاه الاختياري بوادي الساورة في ثورة غاضبة كاسحة حتّى دخل مراكش بعد أن لاذ مولاي زيدان بالفرار. وقد امتدّ نفوذه جنوباً حتّى منحنى نهر النايجر حيث دان له بالولاء الجيش السعدي القابع في تمبكت. ولكنّه لم يبق في الحكم طويلاً، إذ سقط قتيلاً في نوفمبر 1613 على يد بن عبدالله الحاحي.
التقط الشيخ إبراهيم اللقاني المصري الحوار حول قضية التدخين في رسالته نصيحة الإخوان باجتناب الدخان التي كتبها في 4 آذار (مارس) 1616، أب بعد مضي ما يقرب من الثلاثة سنوات على مقتل ابن أبي محلي. ولعل السبب في ذلك عدم اطلاعه على الأصليت قبل ذلك الوقت. أثارت نصيحة الإخوان ردّاً سريعاً من زميله الشيخ الأجهوري بعنوان غاية البيان لحل ما لا يغيب العقل من الدخان. وعلى الفور ألّف العالم الجزائري، الشيخ عبد الكريم الفكون (ت1663)، تعقيباً على الأجهوري سمّاه محدد السنان في نحور إخوان الدخان.
وهكذا انفتح باب الحوار حول قضية التدخين مرّة أخرى. ويلاحظ أنّ المتحاورين الثلاثة ينهجون المذهب المالكي. لهذا فقد التزموا جميعاً بقاعدة القرافي رغم اختلافهم حول الحكم الشرعي للتدخين. وراعوا في إصدار احكامهم أولويات، أو قواعد فقهية ثابتة هي «الأصل في المضار التحريم، وفي المنافع الحل» و«درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة».
عارض اللقاني القائلين بحلية التدخين، ودعى إلى تجنّبه وقدم الحجج التي تبرر تحريمه. فالتدخين، عنده، مضر بالصحة، مبدد للمال، مخل بالآداب، مانع لاداء الفرائض. وقد أمر بحظره الحكام، ونصح بالإقلاع عنه جهابذة الأطباء، وأفتى بحرمته فحول العلماء.
لفت اللقاني الإنتباه إلى عدم مصداقية احمد بن أبي محلي. فقد تجنّى هذا الرجل «المشعوذ» على الشيخ سالم. وهو ذات الرجل الذي أدخل عادة التدخين الكريهة في مصر، وقتل كثيراً من الأبرياء بتحدّيه الدامي للسلطة الشرعية بالمغرب «فعلى الفتنة عاش وعليها مات». لا شك أنّ هذا الهجوم الشرس على ابن محلي كان نابعاً من خلاف قديم وقع بينهما. فقد حاول ابن أبي محلي تصحيح اللقاني في مسألة نحوية أمام تلامذته بالأزهر ممّا أخرج اللقاني وأغضبه وأجبر ابن أبي محلي الزائر على مغادرة حلقة الدرس. فهذا الهجوم، كما يبدو، ليس سوى تصفية لحساب مزمن.
أنكر اللقاني أن تكون للتبغ قوّة إسكارية طبيعية. فهو لم يعرف مدخناً «يقع منه ما يقع من السكارى». ولكنّه لم يستبعد خلوه تماماً من النجاسات كالمواد الكحولية التي يمزجها به الزراع والتجار لإعطائه نكهة خاصّة. فإن صحّ ذلك، فإنّ حرمة التبغ تكون أمراً مفروغاً منه «إذ لا إشكال في نجاسة دخان النجاسة على المذهب».
كانت مصر تستورد التبغ مباشرة من مناطق زراعته في المغرب، وغرب إفريقيا (بلاد التكرور وما جاورها) وبواسطة التجار الإنكليز من العالم الجديد. وقد تواترت الأخبار بأنّ تجار التبلغ الأوروبيين كانوا يعدّونه للتسويق بعطنه في الخمر وشحم الخنزير. أمّا التبغ المستورد من المغرب وبلاد التكرور فقد كان سليماً من الخلط المنجس المفضي إلى التحريم. ولكن تبقى هناك مشكلة. فربما اختلط التبغ المشبوه بالتبغ السليم عند الباعة في الأسواق المحلية بحيث لا يمكن تمييز هذا عن ذاك. ففي هذه الحالة «فالكلام عن حرمة جميعه قياساً على امتناع أكل ذكية اختلطت بميتة».
لم يطلق اللقاني الإباحة الأصلية على التبغ رغم قناعته بعدم إسكاريته. بل أفتى بتحريمه واجتنابه لعدّة أسباب:
أولها: إدمان التدخين مضر بالصحة، مدمر لها بشهادة العلماء والأطباء والمتخصصين. فقد ذكر قاضي تمبكت محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أنّ التبغ مؤذي للإنسان إذ حذر جالينوس منه. وذكر القاضي أيضاً أنّ طبقات الدخان المترسبة في جوف المدخن تولد أمراضاً خطيرة مهلكة. ويؤيد هذا التشخيص ما جاء في رسالة أحد العلماء الأتراك، لم يذكر اللقاني اسمه، من أنّ الدخان مجفف للرطوبات البدنية، ممّا يصيب المدخن بالجفاف المؤدي إلى التهاب الكبد وتعطيل المخ والقلب. ويدل على صحة هذه المزاعم ما سمعه اللقاني من أنّ فريقاً من الأطباء الإنكليز أخذوا رجلاً مات باحتراق الكبد… وهو ملازم على (التدخين) فشرحوه، فوجدوه سارياً في عروقه وعصبه، حتّى أنّ مخ عظامه قد اسود. ووجدوا قلبه مثل السفنجة اليابسة وفيه أثقاب متنوعة منها الصغير والكبير. ووجدوا كبده كأنّه شوي على نار. وقد نبّه اللقاني بأنّ الأضرار الناتجة عن التدخين لا تطفح فجأة، خاصّة لدى الإنكليز، وهم الشعب الرائد لهذه العادة لأنّ «قطرهم شديد الميل عن خط الاستواء. فأرضهم شديدة البرد، وأبدانهم تغلب عليها الرطوبة والخلط البلغمي البارد، فلا يسرع فيها الجفاف بخلاف الأقطار الحارة خصوصاً الشديدة كالحجاز».
ثانيها: التدخين يقود إلى الإنفاق المسرف وإلى إضاعة المال وقبضه عن المحتاجين، ووضعه في أيدي الأوروبيين المعروفين بعدائهم للإسلام. فقد كان التبغ في مطلع عهده يباع بأثمان باهظة حيث بلغ سعر الرطل الواحد «نحو الدينار الشرعي».
كان غلاء أسعار التبغ السبب الرئيسي في انتشار التدخين الجماعي. إذ لم تكن لكثير من المدخنين القدرة على شرائه. فكانت مجموعات الأصدقاء تعقد المجالس الخاصة للسمر وشرب الدخان. وكان الجلساء يعمرون الغليون ويتناقلوه بينهم. ولم تذكر المصادر المعاصرة مضغ أو سف التبغ بل اقتصرت على القول بأنّ تناوله كان عن طريق التدخين. يعني هذا أنّ الوسائل الأخرى لتعاطي التبلغ سعوطاً أو مضغاً ربما ظهرت بعد انتشار زراعته، وهبوط أسعاره، إذ لا مجال للمشاركة في المضغ أو السف.
ثالثها: الانشغال بالتدخين والمرابطة في مجالسه تلهي عن أداء الفرائض، خاصّة الصلوات.
رابعها: التدخين وسيلة إلى الاختلاط غير المشروع بين الرجال والنساء حيث يتلاشى ضبط النفس، وتذوب التحفظات والحياء وترتكب الفواحش والمنكرات.
خامسها: رائحة التبغ الكريمة، «منتنة كالجيفة» ومؤذية لمن لا يستعمله. وهي أخبث من رائحة الثوم الذي نصح الحديث باجتنابه «من أكل هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا برائحة الثوم».
سادسها: يحرم التدخين إذا أمرت السلطات الحاكمة منعه حتّى ولو اعتقد عامّة الناس حليته لأنّ الشرع جعل طاعة الحاكم واجبة.
سابعها: عادة التدخين تشبه حالة المخلدين في النار فقد «جاء في الأثر أنّه يكون آخر الزمان دخان يملأ الأرض، يقيم على الناس أربعين صباحاً. فأمّا المؤمن فيصيبه منه منية الزكام، وأمّا الكافر فيخرج من أنفه وأذنيه، ودبره، وعينيه». وقد أمر الشرع بعدم التشبّه بأهل النار، وعدم السير على سنة أعداء الدين لئلا يقع المرء في مغبة إعلاء شأنهم على حساب أمّة الإسلام.
رفض اللقاني الزعم القائل أنّ التبغ دواء شافي ووقائي. هذه حجة كاذبة لا تعار انتباهاً، فقد جاء بمثلها المدمنون على الخمر متناسين بل متجاهلين عن قصد الحديث «إنّ الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». والمريض، عادة، يستخدم العقار الذي يقرّره الطبيب المختص بالطريقة التي يحدّدها، والتي تستهدف في نهاية المطاف الاستغناء عنه لا الإدمان عليه. فإنّ صحّ القول بأنّ التدخين دواء ناجح، فانتشاره الواسع بين طبقات المجتمع العليا يعني أنّ ذوي الجاه الموسرين المنعمين يعانون من أمراض أكثر وأخطر من الأمراض التي تصيب الفقراء المعدمين من الطبقات الدنيا. ويعني أيضاً إصابة جميع الناس بمرض واحد معين على مدار السنة، لا يبرأ منه إلاّ بهذه الوصفة المعينة دون استشارة طبيب. هذا افتراء وجهل بعلم الطب «فوالله أغلب من يتعاطاه لا مرض به حاصل، ولا يتوقع حصوله في الآجل».
لم تمض سوى بضع أسابيع على نزول نصيحة الإخوان حتّى التقط الأجهوري القفاز مدافعاً عن إجازته شرب الدخان. أشار الأجهوري في بداية حواره إلى أنّ مكونات نبات التبغ الطبيعية لا تسبب غياب العقل. فشرب الدخان إذاً جائز شرعاً، وتحريمه لا يقع لخصائص متأصلة فيه، بل ربما لظروف طارئة، خارج عن ذاته. وبتفادى هذه الظروف يظل حكم التدخين الإباحة الأصلية. ومزج التبغ الإنكليزي وتوليفه بالخمر لا يوجب بالضرورة إطلاق التحريم على كلّ الأصناف المعروضة في الأسواق. فمن المؤكد أنّ التبغ التكروري والمغربي لا يعطن في الخمر ولا في نجاسة أخرى. وعلى كل، فالمذهب المالكي لا يحظر استعمال دخان النجاسات ذاتها، ناهيك عن دخان ما امتزج بها من المباحات. فقد أكد ابن رشد (ت1198 «طهارة دخان النجس. وظاهر كلامه أنّه متفق عليه. وقد قبل كلامه ابن عرفة والشيخ خليل». والخمر نفسه إذا زالت إسكاريته وانعدمت «نشوته المطربة» نتيجة خلطه بالماء أصبح مجرد خميرة طاهرة مباحة. وعموماً فالمدمن يستطيع أن يميز بالمذاق بين التبغ الملوث والنظيف.
لم تثر فتاوى تحريم الدخان التي ذكرها اللقاني قلق الأجهوري. ففي جعبته العديد من الفتاوي التي تؤيده صادرة عن علماء أماجد من المذاهب الأربعة ويضم حشد أنصار التدخين الشيخ علي الزبادي (ت1615)، والشيخ عبدالله النحراوي الحنفي (1617)، والشيخ مرعي الحنبلي (ت1624)، والشيخ أحمد الشوبري الشافعي (ت1622)، والشيخ إسماعيل السجيدي الشافعي (ت1646).
عارض الأجهوري قول اللقاني إنّ التبغ يشكل خطراً بالغاً على الصحة. فقد شهد العلماء والأطباء من المسلمين والفرنجة بأنّه دواء له مفعول قوي جداً. وقدموا قوائم طويلة من الأمراض وبيّنوا طرق استخدام التبغ في علاجها وممن أشاد بمحاسن التبغ الشيخ أحمد بابا، وابن البيطار، وبيكولاس مونارديس الإسباني. وذكر الأجهوري أنّه عرف «بنفعه بالمشاهدة في بعض الأمراض كإزالة الطحال، وإزالة ما تكره رائحته». ولا يصح تعميم القول بأنّ الجفاف الناتج عن التدخين يؤدّي إلى الإصابة بأمراض مهلكة، لأنّ رطوبات الجسم «تحدث وتتجدد» تلقائياً ليحافظ الجسم على مناعته الطبيعية.
احتج الأجهوري على قول اللقاني بعدم استحلال تعاطي التبغ إذا أمر الحاكم حظره. فالتبغ دواء مباح مشروع. والحكام لا يملكون السلطة التي تخول لهم منع الناس عن التعالج به. وفي العموم. لا يحق لهم حظر المباحة إلاّ لمصلحة عامة مع إقرارهم بجوازها في المقام الأول. والانصياع لحظرهم غير ملزم إلاّ على الذين ينهجون ذات المذهب الذي يدينون به. لذلك فالمصريون المعروفون بنهجهم المذهب الشافعي والمالكي غير ملزمون بالإذعان لقرارات حكامهم الحنفيين بمنع التدخين. وما أصدره هؤلاء الحكام من أوامر ليس سوى «لغو فلا يعمل به». ولا يخفى أنّ فتوى اللقاني تنطوي على نزع مسؤولية إصدار الفتوى من العلماء وجعلها من اختصاص الحكام وحكراً لهم. وفي هذا تهميش لدور العلماء، خاصّة من كان منهم شافعياً أو مالكياً. وهي تصب في مصلحة الحكام العثمانيين في محاولتهم فرض المذهب الحنفي في مستعمراتهم الإفريقية والآسيوية.
وأخيراً نفى الأجهوري أن يكون إنفاق المال في شراء التبغ تبذيراً وإسرافاً غير مشروع. فالتبغ من المباحات، والصرف عليه لا يتطلب تحريمه، كما لا يحرم صرف المبالغ الطائلة على الفقراء والمحتاجين.
وقيل إنّ الشيخين الأجهوري واللقاني تناظرا حول التدخين أمام المصلين بعد صلاة جمعة. وتمسك كلّ منهما برأيه ودافع عنه بصلابة. ويزعم اللقاني أنّه اختتم المناظرة بالابتهال «اللهم من أصبح منّا أعمى فهو على باطل». وبالفعل أصيب الأجهوري بفقدان النظر فيما بعد.
تصدّى الشيخ عبد الكريم الفكون لفتوى الأجهوري واعترض على كلّ ما جاء فيها. ودفع بمحدد السنان في نحور إخوان الدخان نبراساً ينير الطريق لمن ضلّ وأضل (يقصد الأجهوري)، وفصلاً بين الكلمة الصادقة والجعجعة المتلاعبة بالقواعد الشرعية.
يقول الفكون إنّ هنالك حقيقة ثابتة وهي أنّ التبغ نبات شجيري. ولكن هذه الحقيقة لا تضفي الشرعية على تعاطيه أصالة، إذ ليس كلّ نبات مباح «هذا الخشاخش، والنبت المعروف بالحشيشة، والسيكران، وأشباهها من جملة النباتات ومع ذلك علم ما ذكره الأئمة في تناولها».
والتبغ أو الطباق، كما يسمّيه البعض، ليس هو الطباق الذي أشار إليه ابن البيطار كما زعم الأجهوري. وهو يختلف عنه تماماً «لولا ما توافق فيه الاسم والصفة في الرائحة، والورق». ومن الخطأ الشنيع إطلاق الإباحة الأصلية على كلّ النباتات التي أوردها ابن البيطار وغيره من العلماء لأنّ ابن البيطار عشاب من ذوي الخبرة بالأعشاب، شأنه جلب النبات في تأليفه وذكر فوائده الطبية، ولا يتعرض للحلال منها ولا للحرام. وهكذا شأن الأطباء فيما علمت من تواليفهم أن يذكروا خواص العقاقير… ولا يلزم ذكرهم لذلك أن يكون حلالاً، وإلاّ لزم إباحة كلّ ما ذكروه ممّا وردت في تحريمه النصوص القطعية».
قدم الفكون نخبة من العلماء أجمعت على منع تعاطي التبغ وتحريمه. تتفوق هذه المجموعة في مكانتها العلمية، حسب رأيه، على قائمة أنصار التدخين التي ذكرها الأجهوري، إن لم تقف معها، على أقل تقدير، على قدم المساواة. فمن الواجب إذاً الالتزام بأقوال هذه الصفوة التي تضم الشيخ إبراهيم اللقاني، وفقيه مكة، الشيخ خالد الزواوي، والفقيه أبو عبدالله محمد السوسي (ت1614)، والفقيه محمد بن أحمد الفاسي. وقد نظم هذا الأخير قصيدة في ذم شرب الدخان جاء فيها:
لا تميلو للبِغا
ولا تمصوا التبغا
فمن مصها فليمرضا
حتّى يكون حرضا
وهي من الملاهي
وأقبح الدواهي
تلهي عن الصلاة
والذكر والصلات
لأنّها كالخمر
أصغي أخي لذكري
لأنّ ما يفتر
كمثل ما يسكر
وكذلك في الآثار
عن النبي المختار
ولا يمص التبغا
إلاّ الجبان في الوغى
بذل الفكون جهداً كبيراً في محاولته إثبات إسكارية شرب الدخان، وآثاره المضرة على الصحة، وبالتالي تحريمه بالنص والإجماع. فقد تحقق عنده، نقلاً عن الثقات، بانّ التدخين مغيب للعقل. ولكن الواقع يشهد بأنّ المدخن لا تبدو عليه علامات السكر، ولا يتصرف كما يتصرف السكران الثمل. ويستطرد الفكون موضحاً بأنّ هنالك فرقاً كبيراً بين النشوة الناتجة عن الخمر والنشوة الناتجة عن التدخين. فنشوة الخمر تتجلى في «عربدة الساكر، وتمايله، ورقصة» وتفوّهه بعوار الألفاظ وبذيئها. أمّا نشوة التبغ فإنّها تكمن في القلب، إذ هي «منوطة بالباطن فقط». ومع كل، فلنشوة التبغ دلائل واضحة ليس من بينها «العربدة وسقط الكلام». يقول الفكون «ويدل لذلك ما ذكرناه من النشوة والطرب استغراق أربابه الأزمنة في شربه، وتفويت ما لديهم من الأموال في جلبه، ونسيان ما سواه من منافعهم، حالاً ومالاً، عن شربه، وعدم إلتفاتهم إلى لوم لائم، وعذل عاذل. وما ذلك إلاّ لما استفرقوا في شربهم إياه من السرور والنشوة. وبهذا استدل سيدي عبدالله المنوفي على أنّ الحشيشة ذات نشوة وطرب».
شدّد الفكون على منع تعاطي التبغ الإنكليزي خاصّة لأنّه مولف الخمر، وهذا الصنف اكتسب شهرة واسعة كأفخر أنواع التبغ وألذها نكهة. ولذلك صار مفضلاً على الأصناف الأخرى بالرغم من توليفته المحرمة بالنص. ومدمن التدخين، بطبعه، لا يهتم إن كانت التوليفة حلالاً أم حراماً. بل يصب كلّ اهتمامه في إشباع مزاجه وكيفه. فإن حصل على الإنكليزي «ينقض عليه… ويتلاشى ما لديه في الإدراك المميز به سالمه ومخالفه، سوى أنّه يتعنى بالسؤال عن قوته وضعفه، ولا يبالي بما وراء ذلك. وهذا حب مفرط لا يتصوّر مثله في استعمال هذا الدخان إلاّ للذة».
ويحرم التدخين لأنّه مفتر للجسم «أمّا ابتداء أو انتهاء». وليس في استطاعة المعترض على إسكاريته نفي افتاريته التي ثبتت بالدليل الملموس «كما سمعنا من شربته، ونقل من يوثق به».
أشار الفكون إلى خطر التدخين على الصحة مستنداً في ذلك على تقدير كبار الأطباء. فالدخان كما عرفه الأطباء، «هو أجزاء هوائية ممتزجة بأجزاء نارية». وعند التدخين تترسب الطبقات السامة من النيكوتين والقار فوق الشعب الهوائية فتنسد منافذ الهواء «فتكثر العفونات المؤذية والأخلاط المضرة». وضرر التدخين لا يظهر بشكل فجائي، بل مع مرور الوقت «وأن تخلف في بعض الأفراد، والرجوع في ذلك إلى شاهد الأطباء». ومن العقل بل الواجب شرعاً المحافظة على الصحة ووقايتها مما يتسبب في تحطيمها رجوعاً إلى الآية {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29]. ومن العقل بل الواجب شرعاً ألا يقدم الإنسان على الانتحار «إذ لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه بحديدة أو حجر، أو يتحاشى الطعام والشراب، وبين أن يدخل على نفسه ما يورثه ضرراً أدناه الألم مع سلامة النفس، وأعلاه الموت».
والتدخين بصورته الجماعية المتعارف عليها يتسبب في نقل العدوى، لأنّ الغليون المتناقل يكون ملطخاً باللعاب وملوثاُ بالجراثيم. ومع اندفاع الدخان من الفم يتطاير البصاق عشوائياً على المجلس، «وريق الإنسان سم». فمن الواجب الاتقاء منه. «وقد نهى (صلّى الله عليه وآله) عن التنفس في الإناء، والنفخ في الطعام والشراب، وعلّل ذلك ببقايا بعض الريق. فيتناوله غيره، فيتأذى به».
من المعروف عن مدمني التدخين تكذيبهم ضرره وخطورته على الصحة، وإصرارهم العنيد على أنّه دواء يتناولوه لهذا الغرض. فأي دواء هذا الذي يستخدم دون استشارة الطبيب؟ وأي دواء هذا الذي يقتصر تعاطيه على المدعوين من الأصدقاء والمعارف، وتخصص له أماكن معينة، وتحدّد الأوقات لتناوله، ويفرط المرء في استخدامه؟ فالدواء مهما كانت شهرته العلاجية، يستغنى عنه ويستبدل بوصفات أخرى إن لم يظهر له تأثير في زمن معقول. والمريض عادة، لا يعتمد على دواء بعينه لفترات طويلة «فبعد اليوم الثاني أو الثالث ينفر طبعه من الدواء الذي لم يجعل له به الشفاء، ويقول انظروا غيره من سائر الأدوية». وعموماً، فإدمان التدخين، والاعتماد عليه كعقار يشكل خطراً بالغاً «لأنّ الدواء إذا تكرر ولم يظهر له أثر، كانت مفسدته أكثر من مصلحته، ومضرته تربو على منفعته».
ودخان التبغ تنبعث منه رائحة كريهة، مؤذية، تفوق في نتنها وخباثتها رائحة الثوم، والبصل والكراث. وقد أمر الشرع اجتناب خبيث الرائحة. وقيل عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يكره الروائح الخبيثة، وأنّه منع من تفوح منه رائحة الثوم من ارتياد المسجد حماية للمتعبدين. وقياساً على حظر العلماء الاحتفالات الدينية، والتردّد على معاهد العلم على من تفوح منه الروائح المستكرهة أياً كان مصدرها. فإنّ كان هذا هو حال من أكل الثوم والبصل، والكراث، وجميعها من «مصلحات الطعام»، فما بالك بحال من تعاطى التبغ عديم الفائدة ذي الرائحة الأشد نتناً وخبثاً؟ ويضاف إلى هذا أنّ التبغ لا يستلذ ولا يستطاب وليس من المباحات. فتعاطيه إذاً مكروه على المذهبين المالكي والشافعي. وحرمته لا جدال حولها «لأنّ الإدمان على المكروه حرام».
والتدخين الجماعي يقود إلى إضاعة المال في شراء التبغ بكميات كبيرة لإشباع نهم الجلساء علماً بأنّه باهظ التكاليف. وهو يقود إلى التفكك الاجتماعي والانحطاط الخلقي. ففي مجلس الدخان يختلط أجلة القوم وأكابره بالسفهاء وأراذل الناس. فيطيب السمر، وينزاح الحجاب، وتهتك الأعراض، وترتكب الفواحش، ويكثر «القيل والقال». وهذا الجو العامر بالأنس والدردشة والمتعة أغرى المدخنين وغيرهم بتمضية الوقت في مجالس الدخان لا على سجاجيد الصلاة. «وجلساء السوء كنافخ الكير بحيث لا يرجع الجليس منه إلاّ بمضرة بحرق في ثيابه أو خبث رائحته». وغالباً ما يتناقل المدخنون غليون التبغ بينهم مثلما يدار الكأس بين الندماء غير عابئين بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) «إذا شرب العبد الماء على شبه المسكر، كان ذلك حراماً عليه».
ومن أقبح العادات المعمول بها في مجالس الدخان «أنّهم يجعلون إناء لرمي ما بداخل الحلق من الأخلاط البلغمية والنخامات الخلقية، ويتراؤنها فيما بينهم. فكلّ يرى صاحبه ما خرج من فيه، وما أخرجه هذا الخبيث من باطنه، ليستدل بذلك على قوّة الدخان أو شدّته، وإنّه بالمكانة العليا من جذب ما بالرأس من فضلات. وهذا أمر تأباه الطباع وتنبو عنه مكارم الأخلاق. فهو مخالف للاقتداء بالسنة والسلف. وما خالفهما ضلالة صاحبها في النار».
وقد يبرر المدخنون من رعاع الناس تعاطيهم التبغ بأنّ صفوة العلماء مدمنون له «ولو كان حراماً ما فعلوه». هذا تبرير خاطئ ينم عن جهل فاضح وضيق أفق. ويكشف عن مآرب دنيئة بصدد إذلال كرام الناس والتقليل من شأنهم. وينبغي ألا يحظى مثل هذا الهراء بتقدير.
اختلف علماء السودان الشرقي، كزملائهم في شمائل وغرب إفريقيا، في مسألة التدخين. ويُقال إنّ الفقيه المتصوف إدريس بن محمد الأرباب (ت. 1650)، وكان معارضاً لتعاطي التبغ، راسل الشيخ الأجهوري في هذا الأمر. وكان ممّا اعتمد عليه رد الأرباب في تحريم التبغ شاهد رؤياه النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول بتحريم التنباك. ورد عليه الأجهوري بسخرية أن كان واحداً من الصحابة.
لم تهدأ نار الحوار حول قضية شرب الدخان في مدينة فاس، منارة العلم بالمغرب، إذ لم ينقطع سيل الاستفسار عن شرعيته. ومن علماء فاس الذين أدلوا بدلوهم في هذا الشأن في أواسط العشرينات من القرن السابع عشر، العالم محمد العربي الفاسي (ت. 1642).
تصدّى العربي الفاسي رأساً للحجج التي استند عليها معارضوا التدخين في فاس «لتطمئن القلوب المرتابة في حكمه». يقول الفاسي لا يوجد دليل ملموس على خطورة التدخين خاصة خطورته على الرئتين. فهناك الآلاف من المدخنين يتمتعون بصحة جيدة ولم تظهر عليهم أعراض الأمراض الفتاكة، ولم يلاقوا حتفهم نتيجة تناوله. والأحاديث التي اعتمد عليها المعارضون غير صحيحة بل مختلفة. والتدخين مسموح به قياساً على جواز استنشاق البخور، وإباحة استعمال الأدوية المحروقة مثل الطباشير وهو لا يؤدي إلى فقدان الوعي والإدراك «وما يقع نادراً لبعض من شربه ليس من تشويش العقل في شيء. إنّما هو مثل ما يقع لنافخ النار بما يشبه الدوار، والعقل بحاله، لم يتأثر بشيء من ذلك». ومن الخطأ إطلاق التحريم على التدخين بسبب خبث الرائحة أو فساد الأخلاق، أو تبذير المال على اقتنائه. هذه أسباب عارضة يمكن للمدخن تفاديها بسهولة. فيجوز منع المدخن من ارتياد أماكن العبادة ليس إلاّ، وقياساً على منع متناول الثوم من دخول المسجد. ويمكن الاستعاضة عن مجالس التدخين المخلة بالآداب بالتدخين الأنفرادي حيث لا مجال للمنادمة واللهو والمحرم. ويستطيع المرء أن يقنع بحصة قليلة من التبغ، أو يحصل عليه عن طريق الهبة، أو يعثر عليه عن طريق الحظ في مكان ما أو يقوم بزراعته وحصده بنفسه.
لم تخرج ردود الفعل عن الإطار العام الذي اعتمد عليه معارضو التدخين، ولم تأتي بجديد. فجواب عبد الرحمن بن محمد الفاسي (ت. 1626)، عم محمد العربي الفاسي، أكد افتارية شرب الدخان، وصحة حديث الإفتار الذي استند عليه الكثيرون في تحريم التبغ. فالإفتار هو المؤشر للنشوة. وقد ذاعت افتارية التدخين «ويكفي معه للسكر القليل من الخمر». ولهذا، حسب قول الفاسي، حرم تعاطي الدخان استناداً على الحديث «نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن كل مفتر ومسكر». وهذا الحديث الصحيح مثبت عند أحمد بن حنبل (ت. 855) وأبي داوود (ت. 889)، ورجع إليه العقلمي (ت. 1561-1562)، والقسطلاني (ت. 1517)، وزين الدين القرافي. وذكره السيوطي (ت. 1505).
ولولا صلاحيته للاجتهاد ما أفتى به هؤلاء، وهم رجال الحديث وجهابذته. وكان من أكبر هموم عبد الرحمن الفاسي امتصاص تجار التبغ الأوروبيين لثروات البلاد. ثمّ قدم الفاسي أدلة تحريم التبغ بوجه عام: «ومن البعض ما يقتدي الحرمة كالرائحة الكريهة، وإسقاط المروءة، والتشبه بهيئة أهل الخمر والفساد، وتعويد النفس ما لا ينفعها بل يضرها ويلهيها، وأكل المحترق ـ وقد منع لاضراره إلى غير ذلك من السفه ودفع المال فيها والسرف».
ولعل من أكثر المقولات اعتدالاً وموضوعية الفصل الذي خصصه أحمد ابن علي البوسعيدي السوسي (ت. 1637) لمناقشة قضية شرب الدخان. قرأ البوسعيدي مؤلفات اللقاني، والأجهوري، ومحمد العربي الفاسي وغايرهم. وسأل بنفسه كبار العلماء كالشيخ عبدالله بن سعد والشيخ عبدالله بن علي بن طاهر الحسني، والشيخ أحمد بابا، وسيدي الفضل بن أبي السجلماسي، وأبو القاسم بن النعم الغساني. ومع التزامه جانب التحريم إلاّ أنّه استحسن وضع الأمر برمته بين يدي الخبراء للوصول إلى قرار نهائي موحد: «يجب حينئذ على الإمام وعلى كل وال… أن يجمع أهل التجارب ومن حكمه ممارسة المنافع والمضار مباشرة، وامتحان خواص الأشياء مناولة ومسايرة، من النبات والمعدن من العلماء والأطباء والأذكياء من أهل القرآن، ومن أهل الكتابيين، إذا كانوا يصدقون، فيسألهم عن هذا الدخان. فإن اتفق نظرهم على أنّ فيه فائدة مهمة عامة لجميع الأشخاص، في جميع الأوقات لأنّ الناس لا يستوون على تيسر مرادهم كلّما أرادوا. ولا علم لجميعهم بما يلائم دائرة الفصول… فإذا تواطأ رأي المخبرين في الدخان وغيره بعدم المنفعة فحينئذ يحكم الفقيه بالتحريم. فمن يشير بعد ذلك إلى الإباحة فذلك من عدم الإنصاف… وإذا اجتمع رأي الملأ المذكورين على وجود الفائدة… حكم الفقيه بالحلية… فيجتهد الحاكم إذا ثبت الحكم الأوّل بما يرى لإزالته بالضرب أو السجن».
هذا ما كتبه د. عبد العزيز عبدالله بطران.
وهذه الحرب الدخانية كانت ـ كما رأينا ـ حرباً سنية بحتة. أمّا الشيعة فلم يبرز فيهم من قال بتحريم التدخين تحريماً دينياً، لذلك لم تنشب فيهم حرب فتاوى تدخينية.
وإذا كانت حرب الفتاوى التدخينية قد انقضت ومحي كلّ أثر لها في التاريخ، بل هي لم تترك في الأصل أي أثر في التاريخ، وعفى الزمن عليها.
إذا كان الأمر كذلك فإنّ فتوى واحدة في التدخين قد دخلت في تاريخ أمّة دخولاً أبدياً باهراً، وأصبحت جزأً مشرقاً من تاريخ تلك الأمّة، هي فتوى السيد محمد حسن الشيرازي.
ساوة
مدينة ساوة من المدن الإيرانية القديمة، وتقع على مسافة مائتين وثمانية كيلومترات جنوب غربي مدينة طهران.
تشتهر ساوة بزراعة وتصدير محاصيل القمح والشعير والقطن، كما أنّها تعرف ببساتين الرمان والتين. إنّ أراضي ساوة تعدّ من الأراضي الزراعية الخصبة.
وتمتاز ساوة كذلك بنقاء مياهها، ولطافة مناخها، بسبب السهول الواقعة في أطرافها، والتي تُكسبها بهاءً وجمالاً.
ومن الآثار القديمة في المدينة؛ بقايا مسجد تاريخي كانت تقام فيه الجمعة والجماعة، ويقع اليوم خارج المدينة، رغم أنّه كان في السابق واقعاً في وسطها ـ كما يقال ـ: ولو جرت تنقيبات وحفريات أثرية في الأراضي الواقعة بجوار المسجد لأمكن اكتشاف آثار عمرانية دالّة على المدينة القديمة.
على أنّه جرت بعض تلك التنقيبات، وتمّ اكتشاف بعض الآثار.
مساحة المسجد الأثري المذكور بحدود أربعين ألف متر مربع، ويلاحظ على جوانبه الأربعة أواوين وأروقة مسقوفة ومحاريب، إلاّ أنّ معالمها قليلة الوضوح. ويبدو من السقوف المحدِّبة (الطيقان)، والجدران أنّها قد بنيت من الطين والآجر الخام. وما يزال الإيوان والرواق الجنوبيان محفوظين بصورة نسبية. ويُشاهد على حافتي الرواق محرابان، وعليهما عبارات مكتوبة بالخطّ الكوفي. أمّا المحراب الرئيسي، فإنّه يقع إلى الأسفل من الرواق، وقد جرى ترميمه فيما بعد.
وقد كتبت سورة الدهر على أطراف الرواق، فيما كتبت سورة الجمعة بخطّ النسخ على أطراف المحراب.
وتنتصب خارج المسجد منارة عالية بارتفاع عشرين متراً، وهي على شكل أسطوانة دائرية متساوية التدوير في الأعلى والأسفل، ويبلغ قطر هذه المنارة حوالي اثني عشر متراً، وقد زيّنت بالآجر البارز، وخطّت عليها آيات من القرآن الكريم بالخطّ الكوفي.
وكذلك يوجد في ساوة مسجد آخر، تمّ بناؤه على عهد الشاه إسماعيل الصفوي في عام 924 للهجرة، ويقع على مسافة مائتي متر من هذا المسجد إيوان عظيم مشيّد بالآجر، ويبلغ قطر جداره حوالي أربعة أمتار. ويعرف هذا البناء أنّه «تكية»، إلاّ أنّ الظاهر أنّه من المقابر القديمة.
ومنذ سنوات قام الحاج تقي مقدّس زادة ببناء مدرسة على الطراز القديم يدرس فيها حوالي عشرة طلاب، وقد نصّب المرجع السيد حسين البروجردي الشيخ أبا القاسم النجومي القمي ناظراً ومدرّساً فيها. وكان الشيخ النجومي يجلس عند المغرب للقاء الناس، حيث تفتح المدرسة أبوابها.
ورغم عدم توفّر المطابع في ساوة. إلاّ أنّ صحيفة باسم «اشك دهقان» صدرت ووزعت في المدينة بإشراف وإدارة السيد آزمودة أردلان، وكانت تطبع خارج المدينة.
والنسبة إلى ساوة: ساوي وساوجي.
وقد ذكر ساوة أبو عبدالله محمد بن خليفة السنبسي شاعر سيف الدولة بن مزيد:
ألا يا حمام الدوح دوح نُجارة
أفق عن أذى النجوى فقد هجت لي ذكرا
علام ينديك الحنين ولم تُضع
فراخاً ولم تفقد على بُعد وكرا
ودوحك ميال الفروع كأنّما
يقل على أعواده خيماً خضرا
ولم تدر ما أعلام مرو وساوة
ولم تمس في جيحون تلتمس العُرا
السبئية
كان السبئية تعني ـ قبل اختراع قصة عبدالله بن سبأ ـ الانتساب إلى قبائل اليمن من سلالة سبأ بن يشجب. وقد ورد في القرآن الكريم {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}. {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ}.
وبذلك لقب بالسبئية عدد كبيرة من رواة الحديث في الصحاح الستة وقد عدّ السمعاني وابن ماكولا من رواة الحديث الذين اشتهروا بالسبئي لانتسابهم إلى سبأ بن يشجب كلاً من (عبدالله بن هبيرة السبئي) (وأبي رشد بن حنش السبئي) وقد روى عنهما مسلم في صحيحه، كما روى عنهما في سننهم كلّ من النسائي والترمذي وابن ماجه وأبي داود.
وكذلك أزهر بن عبدالله السبئي المتوفى سنة 250 هجرية. وأسد بن عبد الرحمن السبئي الأندلسي الذي كان حياً بعد سنة خمسين ومائة وسليمان بن بكار السبئي وجبلة بن زهير السبئي.
وهذه الأسماء التي ذكرناها إنّما ذكرناها كمثال لما قلنا وإلاّ فهناك الكثيرون غيرهم ممّن وردت أسماؤهم في شتى الكتب وممّن ذكرهم السمعاني وابن ماكولا وذكروا شيوخهم وتلاميذهم ولقد لقب كلّ منهم بالسبئي لانتسابه إلى سبأ بن يشجب.
وكان فيهم من وجد في مصر وفي الأندلس وفي اليمن وأقطار أخرى.
واستمر ذلك إلى أواسط القرن الثالث الهجري.
ومن هنا نعلم أنّه لم يكن في ذهن أحد عندما يذكر لفظ (السبئي) إلاّ الانتساب إلى اليمن، ولم يكن له أي مدلول آخر.
وبهذا المعنى أطلق لفظ السبئي على مجموعة القبائل القحطانية اليمنية التي تكتلت حول علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معاركه الكبرى والتي كانت تشكل جمهرة أنصاره بقيادة رؤسائها، أمثال: عمار بن ياسر ومالك الأشتر وكميل بن زياد وحجر بن عدي وقيس بن سعد بن عبادة وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وعبدالله بن بديل وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وسليمان بن صرد وغيرهم.
وجميع هؤلاء يمنيون سبيئيون بالنسب، على أنّ الأمر تطور في عهد زياد بن أبيه الذي اتخذ من هذه النسبة وسيلة للنبز بالألقاب. ويبدو أنّه حار فيما يطلق عليهم إذ ليس في أي لقب من الألقاب إلاّ ما يشرفهم لذلك اختار لهم لقب «السبيئيون» ليعود بهم إلى الأصل الجاهلي البعيد.
وعدا القبائل اليمنية، فقد كان جمهور (ربيعة) مع علي أيضاً وكانوا من المتفانين في تأييده، وعقد بينهم وبين اليمانيين حلفاً، جاء في نصه ما يلي: «هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها وباديها، وربيعة حاضرها وباديها».
ومن هنا كان لقب السبئية يلحق أيضاً الربعيين حلفاء اليمانيين.
وظلّت هذه التسمية (السبئية) تطلق نبزاً على أنصار علي والمتمسكين بولائه ولا تعني شيئاً غير هذا. حتّى أنّ زياد بن أبيه عندما هيأ الأسباب لمجزرة حجر بن عدي وأصحابه الأبطال ثمّ أرسلهم لمعاوية فقتلهم، لم ينسب إليهم شيئاً سوى قوله: «إنّ طواغيب من هذه الترابية السبئية» ثمّ يقول: «زعموا أنّ الخلافة لآل أبي طالب وأظهروا عذر أبي تراب والترحم عليه».
والمقصود بأبي تراب هو علي بن أبي طالب. إذن فإنّ كلّ جريمة (السبئية الترابية) هي «الزعم بأنّ الخلافة لآل أبي طالب»، و«الترحم على علي».
ولا شيء غير هذا حتّى عند سفاح مثل زياد ابن أبيه كان يخلق الذنوب خلقاً، فهو لم يستطع أن يقول غير ما قال.
وتطل لفظة (السبئية) من جديد في أوائل القرن الثاني الهجري، لنفس العوامل والأسباب، ولا يقصد بها حين تطلق إلاّ أنّها القول بنصر علي وبني علي.
وذلك حين حاول أبو سلمة الخلال تحويل الخلافة من العباسيين إلى الطالبيين قبل إظهار بيعة السفاح.
فقد خطب السفاح بعد أن بويع وقال فيما قال: «وزعمت السبئية الضلال «أنّ غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة».
إذن فكل ما استطاع السفاح نسبته إلى السبئيين هو أنّهم يرون غير العباسيين أولى بالخلافة، وهذا ضلال عند السفاح.
فهو كزياد ابن أبيه كان يودّ لو وجد لهم ذنباً آخر، أو لو عرف بهم انحرافاً عن الإسلام وقواعده ليشهر بهم ويكشفهم.
هكذا كان مدلول لفظ السبئية حتّى أوائل القرن الثاني الهجري.
إلى أن نشأ رجل في أواسط هذا القرن اسمه سيف بن عمر التميمي فإذا بالسبئية تأخذ على لسانه معنى جديداً وتتحول من النسبة إلى سبأ بن يشجب إلى النسبة إلى إنسان يخترعه ويسمّيه عبدالله بن سبأ، بل وإلى اتهام في العقيدة الإسلامية.
فمن هو ابن سبأ ومن هم السبئيون، وما هي دعاواه، وما هي أعماله، فيما يروي سيف بن عمر التميمي؟
يتلخص ما زعموا بأنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الإسلام في عصر عثمان واندسّ بين المسلمين وأخذ يتنقل في حواضرهم: الشام والكوفة والبصرة ومصر مبشراً بأنّ للنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) رجعة كما أنّ لعيسى ابن مريم رجعة، وأنّ علياً هو وصي محمد (صلّى الله عليه وآله) كما كان لكلّ نبي وصي. وأنّ علياً خاتم الأوصياء. كما كان محمد (صلّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء إلى غير ذلك من العقائد. وأنّ عثمان غاصب فيجب مناهضته لإرجاع الحق إلى أهله.
وسمّوا بطل قصتهم (عبدالله بن سبأ) ولقبوه بابن السوداء وزعموا أنّه بثّ في البلاد الإسلامية دعاته وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطعن في الأمراء فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين فيهم الصحابي والتابعي الصالح.
وزعموا أنّ السبئيين أينما كانوا أخذوا يثيرون الناس على ولاتهم ـ تنفيذاً لخطة زعيمهم ـ ويضعون كتباً في عيوب الأمراء ويرسلونها إلى غير مصرهم من الأمصار فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين بتحريض السبئيين وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره حتّى قتل فيها. وأنّ كلّ ذلك كان بقيادة السبئيين ومباشرتهم.
وزعموا أنّ المسلمين بعد أن بايعوا علياً وخرج طلحة والزبير إلى البصرة لحرب الجمل رأى السبئيون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون وأنّه إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرّروا أن يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم وأنّهم استطاعوا أن ينفذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقابلان. فناوش المندسون من السبئيين في جيش علي من كان بإزائهم من جيش البصرة.
والمندسون منهم في جيش البصرة من كان بإزائهم من جيش علي، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما وظنّ كلّ بخصمه.
وزعموا أنّ حرب البصرة المشهورة بحرب الجمل وقعت هكذا دون أن يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم.
إلى هنا ينتهي هذا القاص من نقل قصة السبئيين ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيئاً.
فما حقيقة عبدالله بن سبأ، وهل وجد حقاً، وهل كان له من الأثر ما كان، وهل استطاع فعلاً هذا اليهودي القديم أن يؤثر هذا الأثر؟
الواقع التاريخي بعيد كلّ البُعد عمّا ألفه بعض الناس من أقوال في الموضوع!
إنّ الذين اخترعوا عبدالله بن سبأ ونسبوه إلى اليهود، اخترعوا إلى جانبه دعوة، ثمّ اخترعوا جماعة تأخذ بتلك الدعوة، وسمّوهم «السبئية».
ويكفيك أن يكون بطل الأسطورة المخطط لها هو سيف بن عمر التميمي الذي أجمع رواة الحديث وعلماء الرجال على تكذيبه.
ورواة الحديث وعلماء الرجال يتشددون في صحة الرواية، لذلك كشفوا سيف بن عمر وأبانوا وضعه للحديث وافتراءه على الشريعة وصاحبها ودعوا إلى عدم الأخذ بما يرويه. على العكس من رواة التاريخ الذين يرون أنّهم ما دامت رواياتهم ليست مصدراً للتشريع ولا تمس الدين فهم في حل من الأخذ بكل ما يمر في طريقهم من أقاصيص، وهكذا استحل الطبري (المؤرخ) أن ينقل عن سيف بن عمر، في حين أنّ الطبري لو كان محدثاً لما استحل النقل عنه.
وجميع الذين كفروا قصة عبدالله بن سبأ كان مصدرهم الوحيد الطبري المستند إلى رواية سيف بن عمر.
وكي نعرف مقدار تورط الطبري في ما استند به إلى سيف، ومقدار ما ضلّل به الأجيال علينا أن نسمع رأي المحدثين وعلماء الرجال. قالوا يصفون سيف: «يروي عن خلق كثير من المجهولين. ضعيف الحديث ليس بشيء. متروك يضع الحديث. وهو في الرواية ساقط. يروي الموضوعات عن الثقاة. عامة حديثه منكر. متهم بالوضع والزندقة».
وكي تتأكد لك صحة ما قلناه يمكنك أن تراجع فهرست ابن النديم وميزان الاعتدال للذهبي (ج1) وتهذيب التهذيب (ج4) نقلاً عن جماعة من علماء الرجال كابن معين وأبي حاتم وأبي داود النسائي والدارقطني وابن عدي وابن حيان وعباس بن حيي وغيرهم.
أمّا في كتاب «الإصابة» (ج3) و«الاستيعاب» (ج3) فجاء في ترجمة القعقاع بن عمر: «وقال في ما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عنه. وسيف متروك وإنّما ذكرناه للمعرفة».
وفي الإصابة قال في موضع آخر: «سيف بن عمر ضعيف».
أمّا جلال الدين السيوطي فنقل عنه حديثاً واحداً في كتابه «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة»، ثمّ قال: «موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف».
هذا الضعيف الحديث، والذي ليس بشيء، والمتروك الذي يضع الحديث، الساقط الرواية.
هذا الموصوف بهذه الصفات عند علماء الرجال والمحدثين، سيف بن عمر هو الذي روى قصة عبدالله بن سبأ، واخترع ما اخترع حولها من أساطير.
وإنّ المحدثين وعلماء الرجال كانوا يدركون حقيقة سيف هذا، لذلك كشفوه ووصفوه بالكذب ودعوا إلى عدم الأخذ بما يروي ويخترع.
ولكن ما حدث المحدثون وعلماء الرجال الناس من الوقوع فيه، وقع فيه المؤرخون. أو الأحرى وقع فيه الطبري وعنه انتشرت أساطير سيف.
وقع الطبري في الشرك لأنّه كان يرى نفسه راوياً يستطيع أن يروي كلّ ما يقع تحت يده، ونسي تحذير الحفاظ وعلماء الرجال، فلم يشر بشيء إلى الصفات التي وصفت بها أقلام الثقاة الرجل الخطر سيف بن عمر التميمي.
والواقع أنّ سيفاً كان من أخطر الرجال يعرف كيف يأتي الإنسان من خلفه ومن بين يديه ليتلاعب بفكره كيف شاء، وليدس عليه ما يريد دساً محكماً رهيباً.
ولكن ماذا كان يريد سيف بن عمر؟ ولماذا شغل نفسه وشغل الناس بكل تلك الأساطير، وبينها أسطورة عبدالله بن سبأ؟
كان سيف يحمل في أعماقه ضغناً أي طغن على شيئين اثنين: على الإسلام، وعلى القبائل القحطانية، وكان هاجسه الوحيد تشويه الإسلام والنيل من القبائل القحطانية اليمانية التي انضمت إلى علي بن أبي طالب.
أراد أن يصوّر الإسلام بالصورة الدموية، وأن يجعل قادته سفاحين سفاكين، مستخفين بالدم فلا يبالون بأن يريقوه من عشرات الألوف بأمر يصدرونه.
كما أراد إبراز الإسلام ديناً خرافياً يؤمن أتباعه بالسخافات ويعتقدن بالخرافات.
وبعد ذلك أراد أن يشوه عقائد من يراهم أعداءه من القحطانيين، وأن يزيف اتجاهاتهم التي ارتضوها ومواقفهم التي اعتنقوها، فاخترع لهم عبدالله بن سبأ.
أمّا طريقه التي سلكها إلى هدفه الأكبر في الطعن بالإسلام وإخراجه كما أراد، ديناً دموياً خرافياً، فكانت على الشكل الآتي:
كان يختلق الأحداث الفاجعة ثمّ يموهها بجمل براقة تمدح القواد مدحاً مغرياً ويطلق ذلك كلّه دفعة واحدة، فيبهر المدح عقول الناقلين بهراً يجعلهم في غفلة عمّا أريد بهم وبالإسلام فيأخذون روايات سيف بالجملة، أو الأحرى يأخذها الطبري فتنتشر من يد إلى يد فتوحي باستهتار الإسلام ورجاله بالدم واستهانتهم بسفكه، استهتاراً واستهانة أين منهما استهتار جنكيز وهولاكو واستهانتهما من بعد.
وهاك مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة، وهو ما رواه سيف عن خالد بن الوليد في إحدى معاركه في العراق. قال سيف:
«وقال خالد: اللهم أنّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً قدرنا عليه حتّى أجري نهرهم بدمائهم.
ثمّ إنّ الله نصرهم، فنادى منادي خالد: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلاّ من امتنع. فأقبلت الخيول بهم أفواجاً مستأسرين، يساقون سوقاً، وقد وكّل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك يوماً وليلة، وطلبوهم الغد، وبعد الغد».
وبحسب رواية سيف ظلت المذبحة مستمرة بقصد أن يجري نهر من الدم لتبر يمين خالد، لكن دماء عشرات الألوف لم يكن في وسعها أن تبر تلك اليمين، لذلك قال له القعقاع وغيره كما يروي سيف:
«لو أنّك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فإنّ الدم ـ بعد قتل هابيل بن آدم ـ قد نهي عن السيلان إلاّ مقدار برده. فأرسل عليه الماء تبر يمينك. وكان قد صدّ الماء عن النهر، فأعاده، فجرى دماً عبيطاً، فسمّي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم، وبلغ قتلاهم من (اليس)([218]) سبعين ألفاً».
هذه رواية واحدة من روايات سيف بن عمر التي نقلها عنه الطبري مع ما نقل من قصص عبدالله بن سبأ، وعن الطبري أخذها ابن الأثير وابن خلدون.
ثمّ أعقب سيف هذه الرواية برواية تشير إلى أنّ خالداً بعد أن انتصر في مدينة (امغشيا) أمر بهدم (امغشيا وكلّ شيء في حيزها).
هذه الفظائع التي تعتبر فظائع جنكيز وهولاكو أمامها يسيرة قبلها الطبري وقبلها من أتوا بعد الطبري. ثمّ قبلها المغفلون في كلّ زمن حتّى هذا الزمن، قبلوها وسيظلون يقبلونها لأنّ سيف بن عمر عرف كيف يدغدغ عواطفهم بإضفائه الثناء على شخص خالد بن الوليد على لسان أبي بكر. ولأنّ في إنكارها إنكاراً لأسطورة عبدالله بن سبأ والسبئية، وهم ـ طعناً بالشيعة ـ يريدون الإبقاء على هذه الأسطورة بأي ثمن ولأنّ سيفاً حلى مفترياته بإطار من نشر مناقب الصحابة. ولقد نقلوا عن لسان أبي بكر أنّه قال بعد مجزرة أليس التي ذبح فيها بزعمهم سبعون ألف رجل، وبعد تهديم مدينة امغشيا: «يا معشر قريش غدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد».
وبهذا يكون أبو بكر شريكاً في مجزرة أليس وتخريب المدينة العامرة بحسب رواية سيف ابن عمر التميمي!!
هذا مثال عن إلباس سيف بن عمر للإسلام الثوب الدموي الرهيب وتصويره للمسلمين ناشرين للخراب والدمار والموت حيث يحلون.
أمّا عن إظهار الإسلام مظهر الدين الخرافي، فإليك نموذجاً منه يرويه الطبري عن سيف بن عمر:
نزل القائد أبا سبرة ـ خلال الفتوح ـ على مدينة سوس وأحاط بها المسلمون.
إلى أن يقول سيف: فأشرف الرهبان والقسيسون فقالوا: يا معشر العرب، إنّ ممّا عهد إلينا علماؤنا أنّه لا يفتح السوس إلاّ الدجال أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا.
فتقدّم رجل اسمه (صاف بن صياد) وكان مع المسلمين ومشتبهاً به أنّه الدجال، تقدّم صاف إلى باب مدينة السوس ودقّه برجله، وقال: «انفتح»، فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب!
كما يروي الطبري عن سيف في فتح حمص ما خلاصته أنّ سبب الفتح هو أنّ المسلمين كبروا أوّل مرّة فزلزلت المدينة وتصدّعت حيطانها ثمّ كبروا ثانية فتهافتت دور كثيرة وحيطان، فرأى من في المدينة أن يستسلموا.
ويروي الطبري عن سيف أنّ الأسود العنسي مدعي النبوءة، كان له شيطان يوحي إليه ويخبره بالغيب وذكر أموراً عجيبة عمّا أوحاه إليه الشيطان.
هذا الراوي الذي يروي كلّ هذا وما هو فوق هذا وأضعاف هذا، هو نفسه روى قصة عبدالله بن سبأ.
فإن كان صادقاً في هذا الذي ذكرنا بعضه هناك، فلنا أن نجعله صادقاً في حديثه عن عبدالله بن سبأ والسبئية. وإن كان كاذباً فهو كاذب في كلا الحالين وجميع الأمرين، لأنّ الحقيقة لا تتجزأ.
ولسنا وحدنا الذين نقول هذا فقد قاله في هذا العصر الدكتور طه حسين وقاله هشام جعيط. وألقى المؤرخ السعودي حسن بن فرحان المالكي محاضرة في مدينة (الرياض) قال عنها سعد الهمزاني في جريدة الحياة في عددها الصادر في 13 كانون الثاني سنة 1999 ما يلي:
في إطار إعادة مراجعة التاريخ الإسلامي ومساءلة أحداثه لفهمها ووضعها في سياقها الصحيح، شكك الباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي في حقيقة الدور الذي لعبه عبدالله بن سبأ في إشعال الفتنة التي وقعت أيام الخليفة عثمان بن عفان، وما ترتب عليها من أحداث جسام شكلت منعطفاً خطيراً في مسيرة التاريخ الإسلامي، لا تزال آثاره ماثلة حتّى اليوم، سياسياً وفكرياً وعقدياً، وذلك في المحاضرة التي ألقاها المالكي قبل مدّة في صالون الأديب راشد المبارك (الأحدية) بعنوان «عبدالله بن سبأ حقيقة أم أسطورة؟».
حصر المالكي في مستهل محاضرته نطاق بحثه في إنكار وجود دور لابن سبأ في الفتنة كما انفرد بنسبته إليه المؤرخ سيف بن عمر التميمي، وليس البحث في حقيقة وجود عبدالله بن سبأ من عدمه، أي الإجابة على أسئلة: «هل فعلاً قام عبدالله بن سبأ في خلال سنتين فقط بإفساد الناس على الخليفة عثمان بن عفان وتأليب الولايات عليه لتخرج الجيوش باسمه وكان فيها تحت قيادته ـ وهو يهودي ـ شخصيات من كبار الصحابة أمثال عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وعدي بن حاتم وجندب بن زهير وغيرهم رضي الله عنهم؟ وهل يعقل أن يكون هذا الدور لابن سبأ موجوداً من حيث مقارنة أحداثه في رواية سيف بن عمر مع الروايات التي ذكرها المؤرخون الآخرون؟ ومن هو سيف بن عمر الراوي؟ ومن هم شيوخه ومن هم تلاميذه؟».
والمالكي باحث من نوع خاص، ظلّ يعمل منذ سنوات على إنجاز سلسلة من الكتب تحمل شعار «نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي» صدر منها كتاب «إثبات البيعة بالإجماع لعلي بن أبي طالب» وكتاب آخر يحمل الشعار السابق (نحو إنقاذ…) هو عبارة عن «قراءة نقدية لنماذج من الأعمال والدراسات الجامعية» صدر ضمن سلسلة الكتب الشهرية التي تنشرها صحيفة «الرياض», وفي كتبه تلك، كما في محاضرته، ينطلق المالكي لإثبات نظريته من حقيقة أنّ علماء المسلمين كانوا يقصرون اهتمامهم في البحث والتأليف على روايات الأحاديث النبوية وتمحيص الصحيح منها والمكذوب، نظراً إلى أهميتها كمصدر ثانٍ للتشريع الإسلامي في زمن كان يعج بالوضاعين والكذابين في الحديث لأهداف شتى، فألفوا الكتب في علم الحديث ووضعوا المعايير الدقيقة لقبول أو رفض سند الحديث ومتنه، تاركين تمحيص الروايات والأخبار التاريخية لعدم أهميتها في استنباط أحكام الشريعة الإسلامية.
من هنا يوظف المالكي منهج علم الحديث في تناول الروايات التاريخية. وهذا التطبيق لعلم مصطلح الحديث على غير الحديث هو الجديد في كتابات المالكي وبحوثه التاريخية.
يبدأ الباحث محاضرته بسرد مختصر لقصة ابن سبأ التي رواها سيف بن عمر ولم يذكرها أحد غيره. وتقول القصة إنّ عبدالله بن سبأ رجل أسلم في آخر عهد عثمان بن عفان، وأراد إفساد المسلمين فبدأ بالحرمين الشريفين لكنه فشل، ثمّ ذهب إلى البصرة ونزل على رجل من بني عبد القيس ثمّ على حكيم بن جبلة العبدي فسمع به والي البصرة عبدالله بن عامر فأخرجه من هناك فذهب إلى الكوفة فأخرج منها ثمّ إلى الشام لكنّه فشل أيضاً، (وهنا يذكر المالكي أنّ سيفاً ناقض ما ذكره في رواية أخرى من أنّ ابن سبأ أضلّ أبا ذر الغفاري في الشام)، ثمّ خرج منها إلى مصر وبقي فيها فكاتب أعوانه في البصرة والكوفة ومصر يؤلبهم للخروج على عثمان بن عفان، وأخيراً أفسد مصر على عمرو بن العاص حتّى عزل من ولايتها وتولّى عبده عبدالله بن أبي السرح، ثمّ جعل أهل مصر يكسرون الخراج فلا يزرعون (كيف يؤثر ابن سبأ في الناس كلّ هذا التأثير لدرجة أن يامر دولة بكاملها ألا تزرع فتطيعه؟ يتساءل المالكي مع أنّ هذا الدور الكبير لو كان موجوداً لما أهمله المؤرخون الآخرون والمحدثون والنسابون) ثمّ يخرج جيش من البصرة وجيش من الكوفة وجيش من مصر، بعد أنّ بثّ ابن سبأ في الخارجين بحسب سيف بن عمر فكرة الوصية لعلي بن أبي طالب (لكن سيفاً يناقض فكرة الوصية نفسها حين يذكر أنّ أهل الكوفة حين خرجوا كانوا يريدون الزبير بن العوام، وأهل البصرة كانوا يريدون طلحة بن عبيدالله، وأهل مصر يريدون علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا فضلاً عن اتباع بعض كبار الصحابة لليهودي ابن سبأ كعمار بن ياسر.
ثمّ تستمر القصة حيث كان لهم ـ السبئية ـ دور في بيعة علي، ثمّ خروجهم معه، وبعضهم سبق إلى البصرة. وتضيف أنّ علياً كان على وشك الصلح مع جيش عائشة في معركة الجمل لولا أنّ ابن سبأ وأعوانه كعدي بن حاتم دبّروا مؤامرة انتهت بضرب الفريقين وهم نيام فظنّ كلّ فريق بالآخر سوءاً واشتعلت المعركة.
وفجأة تنقطع في البصرة أخبار ابن سبأ بعد هذه الموقعة في رواية سيف بن عمر، فلا يذكر عنه شيء في الكتب والروايات لا في موقعة صفين ولا في النهروان. والسبب كما يقول المالكي أنّ سيف بن عمر لم يؤلف كتاباً في هاتين المعركتين وإلاّ لذكر أنّ ابن سبأ كان له دور في القتال بين علي ومعاوية ودور في إضلال الخوارج، ما يؤكد أنّ دور ابن سبأ في الفتنة هو من اختلاق سيف بن عمر.
مع ذلك لا ينفي المالكي الروايات الأخرى التي تتحدّث عن غلو ابن سبأ في علي بن أبي طالب وقوله أنت الله، وتحريق علي له لكنّه يصنّفها ضمن عقيدة ابن سبأ، فهي لا تتحدّث عن دور له في الفتنة كما انفرد بروايته سيف بن عمر. ولكي يثبت المالكي نفيه لحقيقة الرواية الوحيدة لهذا الدور المزعوم لابن سبأ في الفتنة، ليس فقط من جهة التناقض في متنها أو لكونها من أخبا رالآحاد بل من جهة أنّ راويها سيف بن عمر كذاب وضاع بإجماع أهل الحديث وعلماء الجرح والتعديل. ويسرد قائمة من أقوال الأئمة فيه: فهو عند يحيى بن معين الذي كان أوّل من تكلّم عنه «فلس خير منه»، وهو «ضعيف» عند أبي زرعة الرازي، و«ليس بشيء» عند أبي داود، وعند أبي حاتم «متروك يشبه حديثه حديث الواقدي»، و«حديثه وروايته ليس بشيء» عند يعقوب بن سفيان، وهو «من باب أبي مخنف» عند الذهبي، وهو كما نقل ابن حبان عن ابن النمير «يروي الموضوعات عن الأثبات وقالوا أنّه كان يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة، و«وضاع منهم بالزندقة» عند الألباني، وعند ابن عدي «بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة». هذه الأقوال وغيرها التي تتفق مع متون روايات سيف تدحض قول الحافظ بن حجر عن سيف أنّه «ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ» الذي يتمسك به من يوثق رواية سيف. وإذا كانت هذه حال سيف عند علماء الحديث والجرح والتعديل، فكيف حال شيوخه الذين أخذ عنهم العلم؟
ذكر المالكي أنّه أحصى 376 شيخاً لسيف معظمهم كان من المجهولين كأبي حارثة وأبي عثمان والضحاك وغيرهم، وهو حين يروي عن المعروف منهم كهشام بن عروة وعبد الملك بن جريج لا يروي إلاّ أخبار قليلة وقصيرة حتّى لا ينكشف كذبه، في حين أنّه يسند معظم رواياته بتفاصيلها الدقيقة إلى أولئك المجهولين الذين يوجدون في كلّ مكان وزمان. وبهذه الحيلة التي كان سيف يتبعها بتطعيم أسانيد قصصه عن الرواة المجهولين برواة معروفين، وغيرها من الحيل الأخرى كروايته عن بعض الصحابة الذين لم يدركهم مثل أنس بن مالك، يفضي الصدقية على رواياته.
ولكن المالكي يفترض أنّ كلّ شيوخ سيف ثقات، لينتقل إلى تلميذه الذي روى عنه قصصه وهو شعيب بن إبراهيم الكوفي، لنجد أنّه راوٍ مجهول لم يذكره أحد على رغم أهمية ما رواه عن شيخه سيف. فالانقطاع في السند في روايات سيف حاصل من جهتين: روايته عن شيوخه منقطعة لأنّهم مجهولون، كما أنّ الرواية عنه منقطعة أيضاً لأنّ تلميذه شعيب الذي روى عنه 730 من أصل 800 رواية مجهول، وهو أخو سيف في الضعف والمنكرات. وعليه فلو كان البخاري مكان سيف لما قبلت أسانيده لأنّ شيوخه غير ثقات أو لانقطاع الإسناد.
ويرجع المالكي اتهام سيف بالكذب والزندقة إلى روايته للأساطير، ومن ذلك روايته لعبور المسلمين البحر في دجلة في العراق بخيولهم التي خرجت تنفص أعرافها لها صهيل، في حين كانت دجلة ترمي بالزبد، والناس يتحدثون في عومهم وكلامهم داخل البحر أكثر من كلامهم خارجه، وسعد بن أبي وقاص الذي غزا بلاد فارس طمعاً في أموال أهلها كان يسايره في الماء سلمان الفارسي، والمسلمون يخرجون من البحر ولم يفقدوا شيئاً أو يغرق منهم أحد لكن سيفاً يستدرك أنّهم فقدوا قدحاً واحداً بسبب أنّ علاقته كانت رثّة انقطعت فذهب في الماء، وينشأ جدال كبير بين المسلمين حول القدح: هل نزل في الماء بقدر الله أم بغير قدر الله؟ ولكن رجلاً من المسلمين قذفته الأمواج على الشاطئ رأى القدح صدفة وكان معه رمح فتناوله بها، ثمّ جاء به إلى صاحبه الذي كان اسمه مالك بن عامر، وهذا الأخير انتصر على الرجل الذي جادله واختلف معه في القدح وكان اسمه عامر بن مالك.
هذه الأسطورة التي يعلو فيها القدح في الأهمية على المعركة والفتح، تستمر في سرد التفاصيل من أجل تدعيم الشخصيات المختلفة كشخصية القعقاع بن عمرو التميمي الذي كانت إحدى أذني فرسه أطول من الأذن الأخرى، لهذا ثني عنان فرسه وهو في البحر لإنقاذ رجل من بني بارقة له فرس شقراء تعوم في الماء لكنّه كان غريقاً طافياً، ومن الصدف أنّ القعقاع بعد أن أنقذه اكتشف أن له خؤولة عليه، وأمّا جيش سعد فكانت خيوله التي تمخر الماء حين تعيا فرس منها ينبت من تحتها تلعة او جبل صغير ترتاح عليه ثمّ تواصل المسير ويختفي الجبل. وهذه القصص التي لا تقبل التصديق تكشف عن مخيلة قصصية ثرية كان يتمع بها سيف بن عمر الذي كان يطرب العوام بها.
ويضيف المالكي أنّ من أسباب تضعيف رواية سيف بن عمر انفراده بروايات مخالفة للروايات الأخرى عن فتوحات المسلمين وطعنه في أهدافهم وسيرهم في الحروب، حيث يروي ارتكابهم مجازر وأعمالاً وحشية كالرضخ بالحجارة والإحراق وغير ذلك، وذلك تضخيمه لأعداد القتلى في المعارك، بل وانفراده بذكر معارك مات فيها قرابة المئة ألف في حين أنّها ربّما لم تقع أصلاً، ومن ذلك قوله أنّ المسلمين أبادوا جيش كسرى عن آخره، وأنّ خالد بن الوليد أقسم أن يقتل من المشركين حتّى يسيل الدم أنهاراً فوكل من يقتلهم طوال ثلاثة أيام حتّى قتل منهم 100 ألف من دون ان تجري الدماء أنهاراً كما أقسم فاقترح القعقاع أن يصب الماء على الدم المتجمد ليسيل. وفي هذا الخصوص يشير المالكي إلى أنّ المستشرقين لم يصدقوا روايات سيف وقالوا إنّه يبدو عليها الاصطناع.
واشتهر سيف بتعصبه لقبيلته تميم عموماً وبني عمرو منهم خصوصاً، ومن ذلك اختلاقه الشخصيات العظيمة التي تمجد قبيلته كالقعقاع بن عمرو الذي لم تذكره الكتب التي ألفت في القرون الثلاثة الأولى، مع أنّه قام بأعمال وبطولات لم يقم غيره من القادة الذين ذكروا في كلّ الكتب التي لم تذكر شيئاً كذلك عن أخيه عاصم ولا عن دور ابن سبأ في الفتنة. وسيف بن عمر فوق ما سبق يأتي بروايات توفيقية ترضي العوام وتخدم أغراض السلطة الأموية التي كان سيف موالياً لها. ولا يضر أن تخالف الروايات الصحيحة كما في تحريفه لقصة اتهام المغيرة بن شعبة بالزنا بأنّه رؤي في بيت زوجته، أو بأنّ بيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأبي بكر تمت على الفور، وغيرها كثير… إذ يذكر سيف أنّ علياً وأنصاره من الصحابة اجتمعوا في البصرة على ضرب طفل. وهو بينما يطعن في كبار الصحابة خصوصاً من أتباع علي بن أبي طالب (عليه السلام) كعمار بن ياسر وعدي بن حاتم وغيرهم، واصفاً كلّ من خرج مع علي بأنّه خارج مع عبدالله بن سبأ، يجانب الحق منقاداً لميوله السياسية فيدافع عن أنصار معاوية كسعيد بن العاص والوليد بن عقبة وعبدالله بن أبي السرح وغيرهم من غلاة بني أمية ويبرر خروجهم على علي بن أبي طالب الذي ليس أكثر من تابع لابن سبأ!!
ويلفت المالكي إلى أنّ الاختلاف في اسم ابن سبأ، فهو عبدالله بن سبأ وابن السوداء وابن حرب وابن وهب الرافضي أو الهمداني، والاختلاف في موطنه بين صنعاء والحيرة، وتبرئة سيف لأهل الشام من التأثّر بابن سبأ، كذلك التناقض في التاريخ دخول ابن سبأ لمصر، وإدخال عبادة بن الصامت له على معاوية في دمشق في حين أنّ معاوية كان في حمص، وإلاّ لماذا تركه معاوية يرحل إلى مصر وهو يعلم أنّه يفسد الناس، كلّها دلائل على وجود اليد الأموية في صنع شخصية ابن سبأ. ويجزم المالكي بأنّ الطبري هو أوّل من ذكر روايات سيف بن عمر، وأنّها بقيت على حالها من الضعف، على رغم أنّ هناك ممّن أخذ بها وأثبتها من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً، كما أنّ هناك من أنكرها وأنكر حقيقة وجود ابن سبأ من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً من أبرزهم طه حسين، والحال كذلك مع المستشرقين أمّا السبئية فكانت تطلق، كما توصل المالكي، على المعارضين للحكم الأموي بشكل عام. والمالكي لم يبتدع فكرة عدم وجود دور لابن سبأ في الفتنة بقدر ما طبق منهج علم مصطلح الحديث في الجرح والتعديل على روايات سيف بن عمر، وكان استفهامه الإنكاري مبنياً على أنّه إذا كان سيف بن عمر باتفاق علماء الحديث وضاعاً كذاباً متهماً بالزندقة فكيف يصح لنا أن نصدق رواية من كان يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ ما قام به المالكي هو فقط التقاط الخيط من صديقه المؤرخ عبدالعزيز الهلابي الذي عقب على محاضرة المالكي قائلاً إنّه توصّل إلى نتيجة مشابهة لما توصل إليه المالكي عندما كان يعالج الموضوع نفسه منذ 15 سنة بعد أن شغله وأرقه ما في روايات سيف عن دور ابن سبأ في الفتنة من تناقض واستخفاف بالعقل، فكيف لرجل واحد يسلم العام 29هـ ثم يتنقل في جولات مكوكية بين اليمن والعراق والشام ومصر مؤلباً الناس على الثورة على خليفة المسلمين واعتناق أفكاره اليهودية كفكرة الوصية التي لم يكن العرب مهيئين لاستقبالها، فيتم له ما أراد في وقت قصير جدّاً، في حين أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام احتاج لسنين عدّة لنشر دعوته؟ وإذا كان تصديق وجود وسيلة نقل سحرية في ذلك الوقت ممكناً، فكيف يكون المسلمون على هذه الدرجة من الغباء بحيث يخدعهم رجل واحد يحاربون تحت لوائه؟
إنّه سؤال كبير يتهرب الكثيرون من مواجهته، فكيف يفسرون أسباب الفتنة التي حدثت بغير إلصاقها بشخصية معادية كابن سبأ حتّى يبرؤوا من مسؤوليتها؟ وكيف يمحون من ذاكرتهم ما قد نقش فيها من سيرة أبطال لا حقيقة لهم كالقعقاع بن عمرو؟ بل كيف يستقيم لهم فهم روايات سيف بن عمر بعدما ظهر لهم أنّ عيوبهم في حال صدقها هي أفدح من العيوب التي تظهر فيهم بعد تكذيبها؟
لعل ذلك الشعور بالحيرة وعدم الرغبة في التصديق كان الباعث لمعظم التعقيبات على محاضرة المالكي، حيث لا قدرة لدى المعقب على إثبات ما ينفيه المحاضر ولا رغبة في تصديقه لأسباب مجهولة، هذا من دون أن نغفل تعقيبات آخرين أيّدوا المالكي في طرحه غير مصدقين أنّهم كانوا غافلين عن هشاشة الرواية وخطورة تصديقها، لكنّها تعقيبات ليست كالأولى التي تتغذّى على كتب ورسائل علمية ألّفها مناوئون لما يتصدّى له المالكي في كتابيه اللذين أشرنا إليهما حتّى أعيتهم الحجة.
السببية الطبيعية والغزالي
(تهافت الفلاسفة) كتاب وضعه محمد بن محمد بن محرو بن أحمد، المكنّى بأبي حامد، والمشتهر بالغزالي والملقب من جملة ما لقب به بحجة الإسلام، وُلِدَ على الأشْهَر سنة (450هـ)، وتوفي سنة (505هـ).
عنوان الكتاب مركَّبٌ من جزئين، الجزء الأوّل منه: «تهافت» ومعناه كما في محيط المحيط.
«التساقط شيئاً بعد شيء» ومصدره الهَفْت.
والجزء الثاني منه «الفلاسفة» جمع فيلسوف. ويراد به «العالم بالفلسفة».
ويتضح، بعد تأملنا في عنوان هذا الكتاب بجزئيه، الغرضُ من وضعه، حتّى قبل أن نطّلع على محتوياته.
فالغرضُ، هو عرض آراء هؤلاء القوم، فيما يتعلق بموضوعات المسائل التي خاضوا فيها من «الإلهيات والطبيعيات» وركبوا لُجَّتها، لمحاكمتها. ومن ثمّ إصدار الحكم عليها. وهذا الحكم، كما يوحي به العنوان المذكور، هو الفساد والبطلان، وبالتالي السقوط عن الحجّية.
وكتاب «تهافت الفلاسفة» عندما نتصفحه، نجد أنّ مضمونه مطابق لمدلول عنوانه، إذ هو عبارة عن عشرين مسألة فهرسها الغزالي في ذيل المقدمة الرابعة من مقدمات كتابه هذا، أثارها وناقض فيها الفلاسفة.
والنص الذي بين يَدَيْ، هو عبارة عن المسألة الثامنة عشرة من هذه المسائل، وهي في نفس الوقت؛ الأولى من بين أربع مسائل خالف فيها الفلاسفة الطبيعيات، وقد تعرّض فيها الغزالي لما يسمّى بقانون السببية الطبيعية، وعنوانها في كتابه بعنوان «في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات».
والنص، بعد التأمّل فيه بدقّة، وإعادة لفّه ونشره بشكل مرتّب، يتكشَّف لنا عن نقطة مركزية فيه. هي دعوى إثبات فكرة السببية الطبيعية أو نفيها، وإحلال نظرية العادة محلّها. وفي مطاوي هذه الدعوى إثباتاً ونفياً، تبرز عدّة نقاط كلوازم لا ينفك بعضها عن دعوى الإثبات، كما لا ينفك بعضها الآخر عن دعوى النفي، تأتي في مقدمتها مسألة معجزات الأنبياء على دقتها، نظراً لما تستبطنه من هالة قداسة…
والمقصود بقانون السببية الطبيعية، عبارة عن الجزم بأنّ كلّ ما يحدث في عالم الكون والفساد لا بدّ له من محدث مناسب له. فلكل مسبَّب سبب، ولكلّ معلول علّة. وإن لا مصادفة ولا اتفاق في هذا الكون. بل إنّ نفس ضرورة أن يكون لهذا الكون في أصل وجوده وانبثاقه سبب. واستحالة وجوده مصادفة واتفاقاً، حاكمة بأن كلّ ما يجدّ فيه بعد وجوده من ظواهر وأحداث، هي معلولات ومسببات لا بد أن يكون وراءها عللٌ وأسباب ترتبط بها ولا تنفك عنها. «فليس في المقدور ولا في الإمكان، إيجاد السبب دون المسبَّب ولا وجود المسبَّب دون السبب…».
وبعد أن يعرض الإمام أبو حامد رأي الفلاسفة بإيجاز بمبدأ السببية هذا، في مطلع هذه المسألة، شأنه في ذلك، كشأنه في كلّ ما سبق من مسائل كتاب التهافت ولَحِق، يتبعه برأيه هو بهذا المبدأ، حيث نجده ينكر أيّة علاقة عقلية ضرورية بين حادثة وأخرى في هذا الكون.
«بل كلّ شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، إنّ إثبات أحدهما لا يتضمن على الإطلاق إثبات الآخر، ولا نفي أحدهما يتضمن على الإطلاق نفي الآخر. وليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر».
ثمّ نجد أبا حامد يمثّل لرأيه هذا بأمثلة كثيرة من المقترنات في الوجود كـ «الرمي والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة… إلخ».
وباعتبار أنّ الشواهد في المقترنات وجوداً وتحققاً في الكون كثيرة تستعصي على الحصر، نجده يعيّن مثالاً واحداً، ليجعله مصبَّ النقاش بينه وبين الفلاسفة:
«وهو الاحتراق في القطن… مع ملاقاة النار، فإنّا نجوّز وقوع الملاقاة بينها دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن رماداً محترقاً دون ملاقاة النار».
ثمّ نجده يقسّم كلامه مع الفلاسفة الذين يذهبون إلى عكس ما ذهب، ويرون النار علة للاحتراق إلى مقامين:
المقام الأول: يخصِّصه لمن يدّعي منهم بأنّ «فاعل الاحتراق هو النار بالطبع واللزوم» من دون إشارة إلى أيّة فاعلية للمبدأ الأول الذي هو الله.
والمقام الثاني: يخصَّصه لمن يعتقد منهم بفاعلية المبدأ الأوّل ويعزو إليه إفاضة مثل هذه الحوادث على المحالِّ، ولكنّهم يلتزمون في نفس الوقت أنّ مثل هذا الفيض ليس بالإرادة والاختيار، وإنّما هو مقيّد بقابلية المحل المفاض عليه واستعداده، ومن هنا افترقت هذه المحالّ بقبول الصور المفاضة تبعاً لاختلافها في هذا الاستعداد.
«فإنّ الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس ويردّه حتّى يستضيء به موضع آخر، والمدر لا يقبل… إلخ».
وبهذا يتّضح، على رأي هذا الفريق من الفلاسفة. أنّ قبول نور الشمس وعدمه، إنّما يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، دون أن يكون هنالك أي قصور في فيض النور من الشمس أو صدوره عنها، وهذا يدل على نظرهم. على عدم إنكارهم لفاعلية المبدأ الأوّل في الخلق، إذ لا منع عنده ولا بخل لديه، وإنّما المحل قد لا يكون قابلاً…
وما ذكر هنا، يسري في مثل احتراق القطن، عند ملاقاة النار، إذ لا يمكن للنار ـ باعتبار كونها محرقة بالطبع ـ أن تكفَّ عمّا هو طبعها ـ إذ لا اختيار لها ـ بعد ملاقاتها للقطن كمحل قابل للاحتراق.
ولا بدّ من التنبيه هذا، على أنّ فيلسوفنا كان قد ذكر في مطلع هذه المسألة، أنّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة، ولكنّي لم أعثر في النص على المقام الثالث. إذ لم يذكره ولم يُشِر إليه؟!
بعد هذا شرع الغزالي بالرد على كلا المقامين.
فنفى مدرك القول في المقام الثاني جملة، بنفيه أن تكون فاعلية الله أو المبادىء مقيّدة بشيء، فالله يفعل بالإرادة والمبادىء تفعل بالاختيار لا باللزوم والطبع. ونبّه على أنّه قد فرغ من إثبات ذلك والبرهنة عليه. في المسألة التي خصَّصها لمحاكمة الفلاسفة في هذا الكتاب، وهي مسألة حدوث العالم.
ومن ثبوت هذه الحقيقة الكبرى، حقيقة أنّ الله فاعل مختار مريد، ينطلق الغزاليّ لينسف مبدأ العلية بالمعنى المذكور، وقانون السببية الطبيعية من أساسه.
فالله هو الفاعل المختار المريد لهذا الكون، والمتصرف المطلق بما فيه ومَنْ فيه: ولذا فلا داعي بعد ذلك للبحث عن السبب لأي حادث حدث أو يحدث، لأنّ كلّ ما يحدث في هذا الكون، فهو ممكن، والله قادر على كلّ شيء، وهو الخالق لكلّ شيء، فهو السبب ولا سبب سواه على الإطلاق.
ومن هنا، يرفض الغزاليّ القول بأنّ النار فاعل الاحتراق بالطبع، ولا يمكنه الكف عمّا هو طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل، بل «فاعل الاحتراق يخلق السواد في القطن والتفرّق في أجزائه وجعله حراقاً أو رماداً هو الله تعالى أمّا النار فهي جماد لا فعل لها».
وكذا الحال في بقية المقترنات، إذ في مقدور الله «خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة… إلخ».
ويسري ذلك أيضاً، إلى فروع من الطبيعيات التي أشار إليها في مقدمته، ناسباً إياها إلى الفلاسفة كالطب والنجوم والحرف والصناعات. ولكن، ممّا لا إشكال فيه، أنّ هنالك تلازماً مشاهداً في الوجود. بين «الأسباب» و«المسببات»، فكيف يفسّر فيلسوفنا هذا مثل ذلك التلازم المحسوس؟
كيف يفسّر «ما يبدو» للحس من كون النار، «علة» للإحراق، و الأكل «علة» للشبع… إلخ؟
يجيب أبو حامد عن ذلك، بأنّ هذا التلازم الذي يبدو بين الأشياء في الكون، ليس تلازماً ضرورياً لا ينفك، فكلما وُجد أمران مقترنان. فمعناه وجود أمرين فقط، جرت عادة الله أن يوجد أحدهما عند وجود الآخر… ومثل هذا الاقتران بينهما يعود «لما سبق من تقدير الله سبحانه، يخلقها على «التساوق، لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق…» أي للافتراق.
ويبدو أنّ الغزاليّ، قد حدس بأن اعتقاد كون إحدى الحادثتين المتقارنتين علة للأخرى، ناشىء عن مشاهدتنا تكرّر هذا التقارن مرّة بعدَ أخرى تجسيداً للعادة الجارية في الإيجاد والخلق، فنتوهم بأنّ الأولى مؤثرة في الثانية تأثير العلة بالمعلول والسّبب بالمسبَّب، كتكرّر وجود الاحتراق عند وجود النار مثلاً.
وهنا، على ما يبدو، أراد أبو حامد، توجيه صدمة عنيفة علّها توقظ عقول هؤلاء فتزيح عنها مثل هذا التوهم، وذلك عندما يطالب الفلاسفة بالدليل والبرهان على ما يدّعون من التلازم العليّ بين النار والإحراق مثلاً.
والحقيقة، في نظره، أنّه لا دليل عندهم على مثل هذا التلازم الضروري، «إلاّ مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار» ولكن، هل هذا يكفي كبرهان على المدَّعي؟ كلا… لأنّ، «المشاهدة ـ كما يقول الغزالي ـ تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به وأنّه لا علة سواه…».
ثمّ نجد فيلسوفنا، يورد بعض الأمثلة التي تنسجم مع قضايا الخصم المسلّمة لديه ليدعم رأيه من خلالها فيقول: «إذ لا خلاف في أنّ انسلاك الروح والقوى المدركة والمحرّكة في نطفة الحيوانات…».
إذن، إذا لم يكن فاعل إلاّ الله، ولا سبب إلاّ إرادته، وليس لشيء تأثير في شيء ـ كما يقول الغزالي ـ بل هو المؤثّر الوحيد والمطلق، «إمّا بغير واسطة أو بواسطة الملائكة».
إنّ من يتخذ هذا الموقف المنكر لمبدأ السببية الطبيعية، لا بد وأن يلتزم بلوازمه، وقد تكون هذه اللوازم «محالات شنيعة».
إذ أنّ إرادة المخترع، الذي هو الله عند الإمام أبي حامد، ليس لها «منهج مخصوص متعيّن، بل أمكن تفنّنه وتنوّعه، فليجوّز كلّ واحد منّا أن يكون بين يديه سباع ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها لأنّ الله تعالى ليس يخلق.. إلخ».
وهنا نجد الغزالي، يجيب على كلّ ذلك، بالتنبيه على أنّ توصيف جميع القضايا التي ذكرها الخصم بالمحالات، ليس سديداً، لأنّ المحالات محصورة معروفة فيما يسمّى بالتناقض أو التضاد أو ما يرجع إليهما كـ «إثبات الشيء مع نفيه، أو إثبات الأخص مع نفي الأعم، أو إثبات الاثنين معاً، مع نفي الواحد، وما لا يرجع إلى هذا فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور».
نعم، إنّ الخصم قد أورد قضايا لا رابط بينهما، إذ بعض ما أورده مندرج في سلك المحالات ونحن نقرّ بأنّ: المحال غير مقدور عليه «وذلك كالجمع بين السواد والبياض، أو كون شخص في مكانين، وكذا انقلاب الأجناس، كانقلاب العلم قدرة، والسواد بياضاً، والصوت رائحة، وقياس هذه الأمور على باقي ما أوردوه قياس مع الفارق، إذ ليس بين ما سبق مادة مشتركة، في حين أنّ بين هذا الباقي مادة مشتركة باقية، والذي تغيّر فيها وتعاور عليها هو الصورة ليس إلاّ فإذا قلنا «انقلب الماء هواءاً بالتسخين»، أردنا «به أنّ المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقلبت صورة أخرى… إلخ».
وهنا، نجد الغزاليّ، يحاول أن يلزم خصومه بما ألزموا به أنفسهم ـ كما مرّ آنفاً ـ حيث ذهبوا إلى أن لا قصور في فيض المبدأ الأوّل، وإنّما القصور في المحلّ من حيث الاستعدادات، فلِمَ لا يلتزمون فيما أوردوه علينا بما التزموا به في غيره من الأمور، فيقولوا بأنّ ذلك لم يقع، لا لنقص في القدرة وإنّما في قابليَّة المحالّ فلما كان: «لا يقبل صورة الحيوان إلاّ النطفة… ولم يتخلّق من نطفة الإنسان إلاّ إنسان، ومن نطفة الفرس إلاّ فرس، من حيث إنّ حصوله من الفرس أوجب ترجيحاً لمناسبه صورة الفرس على سائر الصور… إذ لا تفيض على كلّ محل إلاّ ما تعيّن قبوله له بكونه مستعداً في نفسه، والاستعدادات مختلفة… إلخ.
ثمّ يلمّح الغزالي إلى نكتة وقوع خصومه في توهم أنّ عدم وقوع ما ذكروه، دليل على استحالته، مع أنّه لم يقبل بضرورة وقوعها خارجاً، بل كلّ ما قاله أنّه أمور ممكنة قابلة للوقوع واللاوقوع في نظر العقل «ويكون قد جرى في سابق علمه ـ أي الله ـ إنّه لا يفعله مع إمكانه… الله خلق لنا علماً بأنّ هذه الممكنات لم يفعلها…».
وهذه النكتة، التي أوقعت خصومه في توهمهم المذكور، هي: «إنّ استمرار العادة بها مرّة بعد أخرى ترسّخ في أذهاننا جريانها على وفق الماضية ترسُّخاً لا تنفك عنه…».
وأمّا مَنْ تحرّر عقله من هذا التوهم، فلن يرى مانعاً من «انكسار» هذه العادة، ولن يستغرب أبداً أن تتحرّك يد ميّت وينتصب على صورة حي حتّى يقعد ويكتب فتحدث من حركة يده الكتابة المنظومة…
«لأنّ الفاعل هنا هو الله وهو المحكم…» نعم، الإنسان يبقى بالتالي محدوداً في الزمان والمكان والتفكير، ممّا يجعله عرضة للسقوط في لجّة الخطأ في الحكم والتقدير، «وفي مقدورات الله غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها، فلِمَ ينبغي أن ننكر إمكانها ونحكم باستحالتها؟…».
ومن هذا الباب، أخطأ من تزعم بأنّ المشاهدة للاقتران بين أمرين في الوجود مع تكرر حصوله، كالنار والإحراق، كافية للجزم بأنّ الأوّل سبب لازم للثاني ضرورةً، كذلك يخطئ من ينكر إمكان عدم الاحتراق مع وجود النار، لمجرد عدم مشاهدته له باعتبار عدم مشاهدته وقوعه خارجاً عيناً، كمَنْ ينكر جواز أن يطلي إنسان «نفسه بالطَّلق»([219]) ثمّ يقعد في تنور موقدة ولا يتأثّر به…».
ومن هنا، يقفز الغزاليّ ليفلسف ظاهرة معجزات الأنبياء، التي صرّح في بداية هذه المسألة لزوم النزاع فيها لأنّه يرى في القبول بالسببية الطبيعية إحالة لجميع المعجزات التي وردت في القرآن والسنّة، كما نَسَب ذلك إلى الفلاسفة القائلين بهذا القانون عندما أشار إلى مسألة «نار إبراهيم». فنجده يقول: «نجوّز أن يلقى نبي في النار… إلخ» «وكذلك إحياء الميت، وقلب العصا ثعباناً…».
فإنّ الله قادر على أن يخلق الصور التي يريد، في الأجسام التي يريد، مع كون تلك الأجسام والمواد فيها من الاستعدادات ما عجزنا عن ضبطه ولم نقف على كنهه: ولم يكن لنا سبيل إلى حصره، وعندئذٍ يمكن أن يغيّر الله صفة في النار أو صفة في جسم النبي فلا يحصل الاحتراق وتَخْرَق العادة. «معجزة إبراهيم».أو أن يجعل في مادة الخشب صفة فتتحوّل إلى ثعبان «معجزة موسى».
أو يختصر الله القادرُ الزمنَ الذي تستغرقه أطوار خلق الإنسان، في وقت أقرب «وإذا جاز في وقت أقرب فلا ضبط للأقل فتستعجل هذه القوى في عملها ويحصل به ما هو معجزة النبي».
ولكن، متى يتم ذلكن متى يخرق الله العادة فتحصل المعجزة؟ يجيب الفيلسوف: «وقت استحقاق حصولها انصراف همة النبي إليه وتعيّن نظام الخير في ظهوره… إلخ».
بعد هذه الجولة الطويلة مع نص أبي حامد الغزالي، والذي أرجو ـ على ضيق الوقت وقلّة المصادر إن لم أقل نُدْرتَها لديّ ـ أن أكون قد وفَّيتُه جزءاً ممّا يستحق من تصميم وتعريف وتحليل للمفاهيم التي رمى إليها فيه فيلسوفنا الكبير.
لا بد لي الآن، من التعرّض ـ بإيجاز ـ لبنية هذا النص وخلفياته…
ولا شك ـ عندي ـ في أنّ أي نص من نصوص التراث أو التاريخ. لا بد وأن يتأطّر بشخصية صاحبه. وشخصية صاحبه أيّاً كان، إنّما تكون بدورها، متأطرة بالبيئة الاجتماعية والفكرية التي وجدت وعاشت منها.
فالبحث الفلسفي، لا ينحصر في صياغة الأفكار وبلورتها، وإنّما يتعدّى ذلك ـ في رأيي ـ إلى معرفة الظروف التي أحاطت بصاحب تلك الأفكار فدفعته إلى صياغتها.
وهذا ما يحتّم علينا، أن نسلك ـ لإلقاء الضوء على هذه النقطة ـ ما يسمّى بالمنهج التأريخي ـ أو الاستردادي ـ كما يحلو للدكتور بدوي أن يسميه.
ولست ـ طبعاً ـ بصدد كتابة سيرة الغزالي، فإنّ ذلك ليس غرضي، وليس دخيلاً في المهم ممّا أنا بصدده، وهو دراسة النص الذي بين يديّ. إذن لا بدّ من الاقتصار على ما له علاقة بتحقيق هذا المهم وذلك الغرض، وما له علاقة بذلك من حياة الغزالي نقطتان نتناولهما بإيجاز غير مخلّ:
الأولى: النشأة العلمية لأبي حامد.
الثانية: الظروف البيئية المحيطة.
1 ـ النشأة العلمية
لقد ابتدأ الغزالي، دراسته الأولى بطوس، من أعمال خراسان، على الفقيه الشافعي أحرر الرادكاني.
بعدها رحل إلى جرجان، فأخذ العلم عن الشيخ الشافعي أبي نصر الإسماعيلي، حيث علّق عليه التعليقة.
وفي المرحلة الثالثة، رحل إلى نيسابور، حيث التقى أبا المعالي الجويني فقيه فقهاء الشافعية ورئيس مدرستها النظامية، وأحد أصول المذهب الأشعري.
والظاهر، أنّ الغزالي كان قد جاز في هذه المرحلة على درجة النضج الفكري فقيهاً وُفْقَ مذهب الشافعي، وعقائدياً وُفْقَ مذهب الأشعري، حتّى أنّ الجويني أثنى عليه بقوله: «الغزالي بحر مغرِق».
2 ـ الظروف المحيطة
إذا ألقينا نظرة على الظروف البيئية ـ والواقع الفكري منها بخاصة ـ التي كانت تغلّف مجتمع صاحبنا ببغداد، حيث كتب هذا النص، نجدها عبارة عن تيارات متعددة أبرزها تياران:
الأول: التيار العقلي الذي كان يجسّده المعتزلة والشيعة والفلاسفة المسلمون، الذين استطاعوا أن يقيموا أصول العقيدة الإسلامية على أسس عقلية وقواعد منطقية ويمثّل هؤلاء المنحى التجديدي في الأمّة.
الثاني: تيار الحشوبة وأهل الحديث، الذين كانوا يتمسّكون بظواهر ألفاظ القرآن، والسنّة، ويتعبَّدون بالنص كما ورد، ويمثّل هؤلاء التيار التقليدي الجامد فيها.
فإلى أي فريق منهما كان ينتمي أبو حامد؟
لقد كان الإمام الغزالي، يدين بعقيدة الأشعري، بحكم تربيته العلمية، وتتلمذه على يد قطب من أقطابها ـ كما سبق وذكرنا ـ وهو أبو المعالي الجويني.
وإذا أضفنا إلى ذلك، أنّه كان أحد أبرز مدرّسي المدرسة النظامية في نيسابور بعد تخرّجه هناك، ثمّ من ألمع وأعظم مدرّسي المدرسة النظامية ببغداد، وأنّه حاز هذا المنصب الأخير، بعد لقائه لنظام الملك وزير السلجوقيين «وقلّما تقلَّد هذا المنصب الرفيع عالم وهو في هذه السن» ما معنى كلّ هذا؟
معناه ـ في نظري ـ أنّ العقيدة الأشعرية التي يدين بها «حُجّة الإسلام»، وهو أحد أصولها الثلاثة بعد مؤسسها أبي الحسن قد تحالفت مع النظام السياسي القائم آنذاك لتحقيق مصالح متبادلة.
فمن مصلحة السلطة، أن تشل التيار العقلي الذي يتيسَّر للناس من خلال طروحاته ومقولاته، أن يصبحوا أكثر وعياً، فيصبحوا مصدر قلق لها وخطر عليها، ولا شك في أنّ هذا، الهدف إنّما يتحقّق بتقوية التيار التقليدي الجامد، الذي يمثّله الأشاعرة، وذلك بتأمين الغطاء السياسي والمادي والمعنوي لتحرّكهم في هذا الاتجاه، وبذلك يتأمن للعقيدة الأشعرية أن تنتشر وتمتد وتتعمق، لتشمل أعرض قطاعات الأمة، وتقضي بالتالي على كلّ مناهضيها من شيعة ومعتزلة.
والذي يؤيد ما ادعيناه من مثل هذا التحالف ما يُذكر في هذا المجال، من أنّ الغزالي الأشعري قد ألَّف كتاب «المستظهري في فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» بناءاً على طلب الخليفة المستظهر بالله لمحكاربة أفكار هذه الفرقة([220]).
بعد كلّ ذلك، ربما تتضح الخلفية الحقيقية ـ في رأيي ـ لبنية هذا النص، الذي يدور كلّه، حول تدعيم فكرة الأشاعرة في إنكار السببية الطبيعية، ومحاولة هدم فكرة الفلاسفة والعقليين بشكل عام في إثباتها وتدعيمها.
بل تتضح الخلفية الحقيقية أيضاً لوضع الكتاب الذي يتضمَّن النص، ككل، إذ إنّ المتصفح لمسائلة، يجد أنّها تقريباً، هي نفس المسائل التي اصطرع فيها النقاش بين المدرستين الفكريتين اللتين برزتا على الساحة الإسلامية في تلك الحقبة الزمنية وما سبقها: مدرسة الشيعة والمعتزلة ومدرسة الأشاعرة: مدرسة العقل ومدرسة النقل.
ولكن هل نجح الغزالي فيما رمى إليه؟
الظاهر، أنّه قد نجح؛ فمن جهة، الناس ـ كما قيل ـ على دين ملوكهم ـ وإذا كانت السلطة في عصر صاحبنا تدين بمبدأ العداء للعقل، حقيقة، أو ادّعاء أو وسيلة، فلن تعدم الأسلوب لتحمل الناس على مثل هذا العداء.
ومن جهة أخرى، فإنّ العامّة من الناس. مطبوعون على النفور من الجديد بشكل عام، ومجبولون على تقديس ما ألفوه من نمط تفكير وأسلوب حياة، والعقل وما يتعلق به، ميّال بطبعه إلى الخلق الدائم للأفكار، التي تخلق بدورها أنماطاً للحياة جديدة، ومن هنا، ربّما استطاع الغزالي أن يؤلّب الناس معه على روّاد العقل آنذاك، حتّى كأنّهم رأوا فيه الذابّ عن حياض الدين، والمدافع بقوّة عن حياض العقيدة، فأطلقوا عليه ألقاباً تستبطن هذا المعنى، كحجة الإسلام، ومحجة الدين، وإمام أئمة الدين هذا فيما يتعلق بخلفية النص.
أمّا فيما يتعلق بالناحية الأسلوبية منه ـ فمن الواضح، أنّ أبا حامد قد استعمل الأسلوب الجدلي، الذي يطبع عادة المناظرات في القضايا العقائدية واللاهوتية، والذي يقوم على أساس النقض والحل، وإلزام الخصم بلوازم ممّا يلتزم به، من أجل دحض حججه أو إثبات تناقضه على نفسه.
وقد لا يخلو مثل هذا الأسلوب من المصادرات أو المغالطات ولعل ما فعله فيلسوفنا حيث عرض رأي القائلين بالسببية الطبيعية، مع إيمانهم بأنّ مبدأ الفيض هو الله الذي لا بخل بساحته ولا قصور، ولكن القصور في استعداد المحل وقابليته، ثمّ ألزمهم بما ألزموا به أنفسهم في ثاني مسلكي الجواب الذي أجاب به عن كلّ ما اعتبروه محالات مترتبة على القول بنفي السببية الطبيعية.
كلّما يبدو الإلزام، وكذا النقض والحل، جلياً، في مثل «فإن قيل» و«قلنا». وكذا في مثل «فقد قال» و«فنقول» وفي مثل «وأما قولكم» و«فنقول».
وأمّا تقدير القيمة البرهانية للنص، فقد لا أكون مؤهلاً لذلك، نظراً لكون حقل اختصاصي مختلفاً ـ وأنا أؤمن بالاختصاص…
ولكنّي مع ذلك، أودّ الإشارة إلى بضع خاطرات وردت في الذهن حول قيمة النص البرهانية، أذكر أهمها بإيجاز:
أوّلاً: لقد قلنا فيما سبق، أنّ الإمام الغزالي في هذا النص ـ شأنه في نصوص الكتاب الأخرى ـ قد اعتمد الأسلوب الجدلي، ومن المعروف في علم المنطق، هو أنّ «الجدل صناعة تمكّن الإنسان من إقامة الحجة من مقدمات خاصّة على أي مطلب حقاً أو باطلاً، والغرض منه عموم الاعتراف من الجمهور». إذن ليس الغرض منه الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو الفرق بينه وبين البرهان، لأنّ «البرهان قياس مؤلّف من مقدّمات يقينية وينتج يقيناً بالذات اضطراراً».
وقد صرّح بذلك الغزالي في مقدمة كتابه حيث قال: «نحن لم نخض في هذا الكتاب خوص ممهَّد، وإنّما عرضنا أن نشوّش دعاويهم ـ أي الفلاسفة ـ وقد حصَّل».
وهذا ـ في رأيي ـ يحط من القيمة البرهانية للكتاب وبالتالي للنص موضوع الدراسة.
ثانياً: عندما ينكر الغزالي السببية الطبيعية لأنّها تعتمد على الحس والمشاهدة، فلازم ذلك إنكار العلوم الضروية وبالتالي إنكار ما يتأتى من قِبَلها وهو العلوم الكسبية، ومعنى هذا إسقاط الاعتقادات كلّها بعد سقوط أصلها، إذ كيف يصح الفرع مع بطلان الأصل؟!
ثالثاً: إذا كان من جملة أغراض الغزالي ـ كما قد يدّعي أو يذعن له ـ إذا كان من جملة أغراضه التي دفعت إلى إنكار السببية الطبيعية هو تدعيم المنطق الديني الذي يرمي في فاعلية الله شمولية للكون وما فيه، والقول بالسببية الطبيعية فيه انقاص لتلك الشمولية في الفاعلية وهذه القدرة، فإنّ من الواضح اشتباهه إذ لا نرى أي تناف بين هذه القدرة الشاملة وبين القول بالتوقف على الأسباب، لأنّ المقدور بالواسطة مقدور أيضاً لله، وهذا ممّا يلتزم به القائلون بالسببية بالمعنى الفلسفي.
رابعاً: إنّ العادة التي حاول الغزالي أن يقيم على أساسها نظام الكون الطبيعي بعد أن أنكر السببية بين الممكنات، لا تصلح ـ في نظري ـ لذلك من عدّة جهات أبرزها:
أ ـ إمكان النقض على الغزالي في إثباته مثل هذه العادة بما نقض به على الفلاسفة في إثباتهم السببية بين الأشياء وذلك بأن يقال له: فما الدليل عليها ولا دليل إلاّ مشاهدة مثل هذه الاقتران المتكرر بين شيئين؟
فإن قال المشاهدة: فقد جوّز لنفسه ما أنكره على غيره. وإن قال العقل: فقد ألزم نفسه بما التزموا به. وإن قال النقل: فهي مصادرة وهروب من الجواب!
ب ـ إنّ العادة ملكة تحصل من تكرار الفعل، وهوة إلى مضي زمان، وعليه فماذا يقول أبو حامد في أوّل إحراق حصل في الكون ولم تستقر بعدُ لله «عادة» في ذلك؟ وكذا القول في الإحراق الأوّل الذي يحصل بعد خرق الله لعادته ـ كما يجوّز الغزالي ـ إذ من الواضح، أن تحقق عادة جديدة له، يحتاج إلى تكرار بعد أن انقطعت الأولى بمثل هذا الخرق؟!
خامساً: لقد قفز الغزالي، من فرض عدم العلم بالعلاقة السببية الضرورية بين النار والإحراق مثلاً إلى فرض العلم بعدم مثل هذه العلاقة، وهذا غير سديد، لأنّ عدم وجود دليل لا يدل على عدم وجدانه، كما لا يدل على ما ادعاه من جريان العادة على الخلق التساوقي الاقتراني.
سادساً: إنّ نفي السببية الطبيعية والارتباط الضروري بين الممكنات، معناه تجويز تفريق المتناسبات كالنار والاحتراق والأكل والشبع، والشرب والري. وإذ أجاز افتراق المتناسبات جاز اجتماع المتقابلات تقابل تضاد أو تناقض ولكن اجتماع المتقابلات مستحيل كما يقرّ به فيلسوفنا، فلا بد وأن يلتزم باستحالة تفرّق المتناسبات، وإلاّ سألناه عن الفرق.
سابعاً: أنّ ما ذكره أبو حامد في مسلكه الثاني من المقام الثاني من تجويزه «أن يلقي نبي في النار فلا يحترق إمّا بتغيير صفة في النار، أو بتغيير صفة النبي إلخ» فمن الواضح أنّه خارج عن موضوع الكلام، ومصب النقض والإبرام وكذلك تمثيله بمن يدهن جسده بالطلق فلا تؤثر فيه النار، إذ الكلام في أنّ الله قادر على أن يوجد الحاسة بدون الإحراق أو العكس. مع كون النار والحاسّ لها على طبيعتهما.
ولعل ما وقع فيه فيلسوفنا هنا، يكشف عن عدم اقتناعه الباطني بنظريته في جريان العادة لاستحالته فبان في فلتات لسانه.
ثامناً: إنّ ما ذكره الغزالي في الفقرة (4) من النص بقوله: «فأمّا النار وهي جماد فلا فعل لها» أنّه يريد به، أنّ الإرادة والاختيار في الفاعل شرط في حجة نسبة الفعل إليه. والحقيقة، أنّ هذا مناف للغة والعرف والاستعمال.
أمّا اللغة: فلأنّ الفاعل في اصطلاح أهلها هو المحدث لشيء ما، بقطع النظر عن كونه مختاراً أو غير مختار، إذ إنّ الاختيار وعدمه من الأمور الزائدة على كون الشيء فاعلاً.
وأمّا العرف: فإنّه لا يرى حرجاً أو محذوراً في قوله: أحرقت الناس الحطب مثلاً.
وأمّا الاستعمال: فقد ورد كثيراً في كلام العرب دفعه قول ذي الرّمّة:
وعينان قال الله كونا فكانتا
فَعولَيْن بالألباب ما تفعل الخمرُ
فقد نسب الشاعر العربي هنا الفعل إلى الخمر، وهو ممّا لا اختيار له. ومَنْ يدّعي بأنّ هذا الاستعمال وأمثاله، إنّما كان على سبيل المجاز لا الحقيقة لا بد وأن يُقيمَ الدليل على مدّعاه.
تاسعاً:أنّ إنكار السببية الطبيعية ينقض كلّ العلوم الطبيعية والعقلية لأنّها إنّما تقوم على أساس مقدمات تولّد نتائج تحمل حتّى جيناتها من صدق او كذب، وهذا ممّا لا يمكن أن يلتزم به عالم فضلاً عن عاقل.
وبعدَ، فلا أعتقد أنّ صاحب «تهافت الفلاسفة» استطاع في نصه هذا. أو في تهافته ككل، أن يوقف عجلة الزمن أو يشلّ عمل العقل ويقضي على مدركاته وإنجازاته، أو أن يخدم الشريعة كما ادّعى.
محمد جعفر شمس الدين
سبتة
ـ1ـ
مدينة فينيقية الأصل استوطنها القرطاجنيون واستعمرها بعدهم الرومان وغزاها الوندال ثمّ دخلت في حوزة القوطيين إلى أنّ فتحها العرب. وهي ميناء عظيم على شاطىء البحر الأبيض المتوسط في مواجهة جبل طارق في رأس داخل البحر يقطنها نحو 60 ألفاً من الإسبان ونحو 5 آلاف من المغاربة.
وقد لعبت هذه المدينة دوراً هاماً في تاريخ المغرب في عهد الفتح الإسلامي عندما نزل بها موسى بن نصير ومنها توجهت الحملات الإسلامية لفتح الأندلس وكانت مطمح أنظار الأمويين بالأندلس والفاطميين بإفريقيا وقامت بها إمارة بني عصام بالقرن الثاني ثمّ إمارة بني العزفي في العهد المريني ونبغ فيها عدد من فطاحل العلماء والأدباء كالقاضي عياض والشريف الإدريسي وغيرهما واستولى عليها البرتغاليون سنة 818هـ وهي أوّل مدينة إسلامية استولى عليها البرتغال بالمغرب ثمّ احتلها الإسبانيون بعد ذلك وما زالت في حوزتهم إلى الآن.
وبالمدينة عدّة آثار إسلامية مندثرة أو مطموسة المعالم كالمسجد والمدرسة والحمام والأبراج والأسوار والقناطر والأبواب. وجلّها من بناء المرينيين والأندلسيين.
ومساحة المدينة 19 كلم2 وهي أقرب ميناء مغربي إلى الشاطىء الإسباني حيث لا تتجاوز المسافة بين الضفتين 16 ميلاً وأمامها بعرض البحر على بُعد 12 ميلاً توجد جزيرة صغرى تسمّى بيرخيل أو جزيرة المعدنوس أو تاورة. إحتلها الإنكليز في القرن الماضي ثمّ احتلها الإسبان. وبضاحيتها توجد خلوة الولي الصالح أبي العباس السبتي دفين مراكش التي بناها الإسبان وأطلقوا عليها هذا الإسم تودّداً وتقرّباً للسكان المسلمين الذين يعيشون في حالة مزرية في أحياء خاصّة بهم كحي سيدي مبارك، والروصاليص وحي الأمير الفونصو قرب الحي الإسلامي بها المسمّى خادو. كما توجد أطلال منتزهات سبتة الشهيرة على عهد الموحدين والمرينيين كانت تشمل منطقة كبرى من الجنان والبساتين والحقول وعيون المياه الدافقة والأبنية والقصور خربها البرتغاليون سنة 1415 بعد احتلالهم سبتة. وبضاحيتها جبل موسى الذي ينسب إلى موسى بن نصير الفاتح العربي الشهير.
أمّا وضعية المدينة في الوقت الحاضر فهي جيب من الجيوب الاستعمارية لإسبانية بالتراب الوطني.
أمّا سكانها من المسلمين فهم يعتبرون أنفسهم مسلمين مغاربة، ويعتزون بدينهم وقوميتهم، كما يعتزون بمدينتهم ويتشبثون بها. ولكن إسبانيا تعتبرهم من الأجانب، وتعاملهم معاملة الأجانب. وكل المواطنين المسلمين في سبتة يعيشون في فقر مدقع، وإهمال واضح، وتمييز عنصري بغيض، وأغلبهم يشتغلون كعمال بسطاء وبأجور زهيدة، بينما اليهود والهنود يتمتعون في المدينة الأسيرة برعاية ملحوظة وامتيازات بارزة.
وفي سبتة من المساجد ثلاثة: المسجد الأعظم، ومسجد سيدي مبارك، ومسجد شارع الأمير، زيادة على خمس زوايا. وفي مجموع هذه المساجد والزوايا يذكر اسم الله في مختلف المناسبات الإسلامية.
تقع المدينة على بُعد 60 كلم شمال تطوان.
سبتة
ـ2ـ
تتحكّم مدينة سبتة بالملاحة في مضيق جبل طارق (بحر الزقاق)، وظلّت ـ بحكم ضيق المجاز وصلتها الوثيقة بالأندلس ـ أندلسية الطابع. وغصّت بالنازحين من الأندلس ابتداءً من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، حينما أخذت قواعد المسلمين في الأندلس ـ كقرطبة وأشبيلية ـ تتهاوى.
إشتهرت سبئة بالتجارة براً وبحراً. وكان يقصدها تجار المدن الإيطالية ـ وبخاصّة تجار جنوى ـ وكانت لهم فنادق فيها. كما كانت بداية لطرق القوافل المؤدية إلى غانا والسودان الغربي. كما اشتهر أهل سبتة بركوب البحر وإنشاء المراكب. وكانت فيها دار صناعة لإنشاء السفن، وكانت القاعدة الرئيسية لأسطول الموحدين، وكان لرماتها شهرة رماة الغُزِّ من التركمان في المشرق.
كان من بين النازحين عن سبتة بعد سقوطها في أيدي البرتغاليين (808هـ ـ 1415م) الفقيه محمد بن القاسم بن عبد الملك الأنصاري، السبتي الدار والنشأة والمولد.
وصنّف كتاباً بعد سبع سنوات من سقوطها، سمّاه «اختصار الأخبار عمّا كان بثغر سبتة من سنيّ الآثار»، استعرض فيه معالمها قبيل سقوطها، فذكر مقابرها ومساجدها وخزائنها العلمية ومحارسها وأزقتها وحماماتها وحوانيتها وفنادقها وديار الإشراف فيها ومطاميرها وطواحينها وأرباضها وأبوابها ومقاصرها ومراسيها ومصايدها. كما تحدّث عن أحواز سبتة، فذكر وفرة مياهها وغلاتها وفواكهها على مدار فصول السنة. ويتبيّن من هذا الثبت المفصل أنّ مدينة سبتة كانت ـ إلى أوائل القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ـ مدينة تنعم بالرخاء والازدهار والعمران وإنّ سقوطها كان كارثة، إذ تعرّضت المدينة وأهلها لأعمال النهب والسلب والتقتيل، ونزح عنها معظم سكانها.
يذكر الأنصاري أنّه كان بسبتة ألفُ مسجد، وأنّ عدد الخزائن العلمية (المكتبات) بها 62 خزانة، وأنّ عدد الروابط الزوايا 47، أمّا محارسُ المدينة فعددها 18 محرساً تمتدُّ إلى 12 ميلاً من خارجها من ناحيتيّ البحرين.
وكان بسبتة 22 حمّاماً، و174 سوقاً. أمّا المنجراتُ المُعدّةُ لعمل القسيّ فعددُها 40 منجرة. ولمّا كانت سبتة ميناءً تجارياً يقصده التجار الاغراب، فإنّها احتوت على 350 فندقاً لخزن الحبوب وإيواء المسافرين.
أمّا ديار الإشراف (الجمارك) حيث يقيم المشرفون الماليون ـ فعددها أربعة: دار الإشراف على عمال الديوان أمام فندق النصارى ـ وفنادقهم سبعة، ودار الإشراف لشدِّ الأمتعة وحلِّها، ودار الإشراف على البناء والنجارة، ودار الإشراف على سكّة المسلمين.
وكان بسبتة من المطامير لخزن الحبوب أربعون ألفاً يمكث الزرع (القمح) فيها «الستين سنة والسبعين سنة ولا يلحق تغيّر لطيب البقعة واعتدال الهواء، ولكونها جبلية. فسبتة في ذلك شبيهة بقاعدة طليطلة من بر الأندلس».
ولما عُني أهل سبتة بالرمي لأغراض الدفاع عن ثغرهم، فقد كان بسبتة من المرامي المعبّر عنها بالجلسات ـ أربعة وأربعون مَرْمى للرماة «إذ الرمي طبعٌ لأهل سبتة طبعوا عليها، فلا تلفي منهم شريفاً ولا مشروفاً، ولا كبيراً ولا صغيراً، إلاّ وله بصر بالرمي وتقدّم فيه، ومعظم رميهم بالقوس العقارة، وهو من حجة الأشياء التي تميّزوا بها».
وكان الشريف الإدريسي ـ وهو من أبناء سبتة ـ قد نوَّه بمصائد الحوت في سبتة، فذكر أنه يصاد بها من السمك نحو من مئة نوع، ويصاد بها السمك المسمّى التُن الكثير، كما يصاد ببحرها المرجان. وبسبتة ـ كما يقول الإدريسي ـ «سوق لتفصيل المرجان وحكه وصًنعه خرزاً وثقبه وتنظيمه، ومنها يتجهز به إلى سائر البلاد، وأكثر ما يحمل إلى غانا وجميع بلاد السودان (غرب إفريقيا) لأنّه في تلك البلاد يُستعمل كثيراً. وبعد الإدريسي بنحو ثلاثة قرون، يذكر الأنصاري أنّ بسبتة من المصايد 299 مصيداً مفترقة.
واشتهرت أحواز سبتة بوفرة مياهها وغلاتها، وخصوصاً في قرية بليونش إلى الجنوب من سبتة. ويذكر الأنصاري بليونش ـ ويرسمها بينونش ـ فيتحدث عن كثرة وتعدّد فواكهها الصيفية والشتوية والخريفية، بحيث توسق منها الأجفان وتسير إلى المغرب وبلاد الأندلس. كما تكثر في منطقة سبتة الغابات، وبها ضروب الشجر كالأرز والبلوط، ممّا يعود نفعه على ثغر سبتة ويُستعان به على إنشاء المراكب وما يرجع إلى الأمور الجهادية.
سبتة
ـ3ـ
اضطلعت مدينة سبتة بدور أساسي في تاريخ المغرب وتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط خلال العصر الوسيط. فقد كانت المدينة بوابة المغرب نحو العالم الخارجي ومعبراً من معابر التاريخ الكبرى بين أوروبا وإفريقيا. فلقد سمح لها موقعها الجغرافي المتميز أن تصبح إحدى المراكز الرئيسية في التجارة المتوسطية، والمنفذ الأساسي للتجارة الخارجية المغربية، وأهم نقطة على الساحل المغربي إرتادتها سفن تجار الضفة الشمالية للبحر المتوسط. كما أنّ المدينة ظلّت على امتداد تاريخها الإسلامي ممراً للفتح والجهاد بالأندلس، حتّى أنّها سمّيت بـ «باب الجهاد» و«فرضة المجاز» و«محل أساطيل المسلمين». كما أنّها كانت إحدى المراكز العلمية الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية لما أبدعه أعلامها من إنتاج علمي ولما ساهموا به من معرفة غطت جميع الميادين.
إنّ هذه الأهمية التي تمتعت بها مدينة سبتة محلياً ودولياً جعلتها تلفت نظر كثير من الدارسين، حتّى أنّ المكتبة العربية أصبحت غنية نسبياً بالدراسات «السبتية». فببليوغرافية المدينة تعدّ الآن من أهم الببليوغرافيات المتوفرة حول ماضي مدينة مغربية وسيطيّة. فتحقيق مؤلفات علماء سبتة ونشر تراثهم (أو إعادة نشره) وتنظيم الندوات والملتقيات العلمية وإنجاز الرسائل والأطروحات الجامعية داخل المغرب وخارجه ظاهرة تلفت الانتباه خلال السنوات الأخيرة، وتدل في نفس الوقت على خصوبة ميادين البحث التي يقدمها تاريخ المدينة، خصوصاً وأنّه يقدّم عناصر الإجابة على كثير من الإشكاليات التاريخية التي يطرحها تاريخ المغرب وتاريخ العلاقات المغربية الإيبيرية. هذا إضافة إلى أنّ المدينة شهدت ميلاد ظواهر تاريخية حاسمة في التطور التاريخي لبلاد المغرب بمختلف أبعادها السوسيو ـ دينية مثل ظاهرة «الشرافة» و«الاحتفال بعيد المولد النبوي» و«مؤسسة المدرسة»؛ الأمر الذي يجعل من تاريخ المدينة «مختبراً» لتتبع نشأة وتطور بعض الظواهر التي حددت مسار التاريخ المغربي، وفي نفس الوقت ميداناً خصباً لفحص إجرائية مختلف المناهج المستمدة من العلوم الاجتماعية المعاصرة.
إنّ صعوبة حصر ببليوغرافية سبتة تأتي من كون تاريخ المدينة يندمج اندماجاً كبيراً في تاريخ المغرب وتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط وتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية. فالإلمام بالكتابات المتعلقة بالمدينة يقتضي الاطلاع على تاريخ المنطقة كلها وهو الأمر الذي يتجاوز مقدرة باحث منفرد؛ خصوصاً وأنّ الأدوات الببليوغرافية المتوفرة تشكو من نقص في المعلومات وعدم الانتظام في توفرها. فنحن لا نتوفر على أي دليل ببليوغرافي أو نشرة «منتظمة» حول الإصدارات التاريخية حول تاريخ المغرب وبالأحرى تاريخ سبتة. أضف إلى هذا وجود شبه قطيعة بين الباحثين العرب (والمغاربة خاصة) المهتمين بتاريخ المدينة والباحثين الغربيين (الإسبان خاصة). فخيط التواصل يكاد ينعدم بين الصنفين. فلا الإسبان مطلعون بما فيه الكفاية على الدراسات العربية، ولا الباحثون العرب على علم وثيق بالإنتاج الإسباني حول المدينة. وهذا الجهل (أو التجاهل) المتبادل لا يقتصر على الدراسات العامة فقط، وإنّما نلاحظه حتّى في الدراسات المتخصصة وفي الأطروحات الجامعية.
إنّ الملاحظات التالية لا تدعي إعطاء مسح شامل وتام للإنتاج التاريخي الذي يتمحور حول موضوع سبتة ولا القيام بفحص دقيق لمنطلقاته المنهجية، وإنّما تطمح إلى تقديم توضيحات مقتضبة عن التوجهات الحالية والآفاق المحتملة للدراسات السبتية كما تستخلص من جرد ببليوغرافي لما يزيد عن 400 عنوان متعلق مباشرة بتاريخ سبتة منذ نشأتها حتّى سقوطها بيد البرتغاليين سنة 1415. إذ نعقد أنّه من المستحسن أن يتم الوقوف على التوجهات العامة بهدف إجراء مقارنات بين الأبحاث والمقاربات المختلفة، عوض تقديم لائحة تصنيفية إحصائية لببليوغرافية المدينة قد نجدها مثبتة في لائحة مراجع هذه الدراسة أو تلك.
1 ـ سبتة «ما قبل الإسلام»: حضور البحث الإسباني وغياب نظيره المغربي.
إتجهت أنظار الباحثين بصفة أساسية لتاريخ سبتة ما قبل الإسلامية. فهناك أطروحات شاملة ودراسات قطاعية لهذه الفترة تعتمد أساساً على نتائج الحفريات الأثرية وبصفة ثانوية على نصوص المؤرخين اللاتينيين الكلاسيكيين. إنّها دراسات غنية ومتباينة المواضيع ترمي إلى توضيح ظروف نشأة المدينة والأساطير والخرافات المصاحبة لها، كما تسطّر تاريخها السياسي منذ ما قبل التاريخ إلى نهاية العصر البيزنطي، مروراً بالعصر الفينيقي والروماني والوندالي. وتبرز دور المدينة في المبادلات التجارية في مضيق جبل طارق على ضوء نتائج الحفريات الأركيولوجية أو التنقيبات تحت البحرية، وتبحث في صناعاتها وخزفيتها وفي مسكوكاتها النقدية. كما تدقق في أصل تسمية المدينة وطبونيميتها وطبوغرافيتها الكلاسيكية، وجغرافيتها التاريخية ومشاكل تزويدها بالماء… إلخ. إنّ هاته البحوث تتزايد في الوقت الحاضر، ولكن نظراً لتبايناتها المنهجية والطابع التقني والدقيق لأكثريتها، فإنّها لم تقدم لحد الآن إلاّ القليل من الأعمال التركيبية.
إنّ أسباب هذه الأهمية المعطاة لتاريخ سبتة «ما قبل الإسلامية» من طرف الباحثين الإسبان مرتبطة بدون شك بالدينامية التي يعرفها البحث التاريخي بإسبانيا حالياً، وبالإمكانات المتوفرة وعلى رأسها وجود مؤسسات علمية مشجعة في عين المكان.
على أنّ هذه الأسباب تتجاوز قطعاً نطاق الاهتمام التاريخي العلمي الصرف لتلامس أرضية الإيديولوجية الاستعمارية الإسبانية. فهناك توجه قار في الدراسات الإسبانية يرمي إلى إيجاد ما يسمّى بروابط «الإستمرارية» بين سبتة «القديمة» وسبتة «الإسبانية». ومن هذا المنطلق لا تشكل الفترة المغربية الإسلامية إلاّ مرحلة عارضة لا تحظى باهتمام هذه الدراسات الإسبانية. إنّ عناوين بعض الدراسات فضلاً عن مضمون أغلبها، تعبّر عن ذهنية ومرامي هذا التوجه في الدراسات الإسبانية. وإلاّ فكيف تفسر كون الفترة الإسلامية لا تحظى إلاّ بحظ يسير جداً من الدراسات الأركيولوجية بينما باطن الأرض السبتية يغص بالبقايا الأثرية التي تعود إلى هذه الفترة، وهي البقايا التي لا تلقى سوى الإهمال باعتراف الأركيولوجيون الإسبان أنفسهم.
وعلى عكس هذا الاهتمام بسبتة «الما قبل إسلامية» من طرف الباحثين الإسبان يظهر أنّ نفس الفترة التاريخية لا تثير بتاتاً اهتمام زملائهم المغاربة. إنّه لمن اللافت للانتباه ذلك التغييب التام للفترة الما قبل الإسلامية في الدراسات المغربية والعربية عموماً. إنّ هذا الإهمال نلاحظه حتّى في الأطروحات الجامعية. فآخر دراسة مغربية صدرت حول سبتة وهي دراسة الأستاذة حليمة فرحات التي تحاول تتبع تاريخ المدينة «منذ النشأة» إلى القرن الرابع عشر لا تخصص سوى عشرين صفحة من عمل ضخم (حوالي 500 صفحة) للكلام عن أصول المدينة وكلّ تاريخها السابق على ظهور الإسلام. ويظهر أنّ الباحثة المغربية لم تأخذ بعين الاعتبار الإنتاج التاريخي الإسباني الغني والمتنوع حول هاته الفترة. أمّا باقي الدراسات العربية فإنّها لا تتعرض لتاريخ المدينة السابق للإسلام إلاّ على سبيل التمهيدات لدراسة الفترة اللاحقة. وهذه التمهيدات التي لا تتعدى بضعة أسطر في أغلب الأحيان تعيد صياغة ما سطره المؤرخون والجغرافيون العرب القدماء، بما في ذلك الأساطير والخرافات المصاحبة لأخبارهم. لا عجب إذاً إن وجدنا ندوة مغربية جامعية تحمل عنوان «سبتة: التاريخ والتراث» لا تتطرق مداخلاتها بتاتاً لتاريخ المدينة السابق على ظهور الإسلام.
إنّ أسباب هذا النقص في الدراسات المغربية كثيرة. يجب أن نشير أوّلاً إلى الإهمال الذي نوليه لفترة تاريخية انتهت مع ظهور الإسلام، وكأنّ الاهتمام بالفترة الإسلامية يتم على حساب الفترات السابقة لها. وممّا له مغزاه، هو ذلك الإهمال الذي يوليه التقليد الإستوغرافي المغربي لتاريخ المغرب القديم الذي يكاد يصبح في نهاية المطاف تاريخاً مقصياً من التاريخ الوطني. وإلى مختلف هذه الأسباب، ينضاف سبب آخر موضوعي يتمثّل في المعرفة الضحلة التي نتداولها منذ فترة طويلة حول هذه الفترة. إنّ الوثائق المستعملة في الدراسات العربية ما تزال تستند على الشهادات الأدبية الكتابية. ويجب أن نشير إلى الصعوبات التي تعترض الباحث المغربي، لأسباب متعددة، للحصول على المعطيات والمعلومات النابعة من الحفريات الأركيولوجية السبتية. فقد أضحت هذه الأخيرة حكراً على الباحثين الإسبان منذ أن استولت إسبانيا على مقاليد المدينة المغربية.
2 ـ سبتة الأسلامية: قلة الأبحاث التاريخية وهيمنة البعد الثقافي.
في الوقت الذي اتجهت فيه أنظار الباحثين الإسبان إلى تاريخ مدينة سبتة السابق على الإسلام، سيتخذ الباحثون العرب والمغاربة الفترة الإسلامية ميدان بحثهم المفضل. لقد عرفت عملية نشر مؤلفات العلماء السبتيين في السنوات الأخيرة نشاطاً نوّه به المهتمون بحقل الدراسات المغربية والإسلامية، ووضعت رهن الباحثين مادة تاريخية غنية. ومع ذلك، فإنّ هذا النشاط في النشر لم يستتبعه تراكم في البحث التاريخي التحليلي. إنّ المجهودات انصبت وبصورة قوية نحو دراسة الحياة الفكرية للمدينة وتراجم علمائها. فالندوات التي خصصت للمدينة بالمغرب اتخذت من الميدان الأدبي والحياة الفكرية موضوعاً لها. ولكن لم ينبثق لحد الآن عن هذه الدراسات الأدبية محاولات تركيبية مرتكزة على إشكالات تاريخية واضحة، تتجاوز مرحلة الوصف والافتتان بثقافة مدينة مغربية إسلامية كان إشعاعها العلمي قوياً طيلة العصر الوسيط. إنّها دراسات لا يمثّل فيها البُعد التاريخي إلاّ حيزاً ثانوياً. لكنّها تشكل ظاهرة تراكمية تجدر الإشارة إليها.
أمّا في الميدان التاريخي، فإنّ الدراسات الأكاديمية المتخصصة قليلة جداً. إذ لا يمكن أن نذكر سوى دراسة زليخة بن رمضان حول المعالم المادية والحضارية للمدينة (1986) ودراسة كاتب هذه الكلمات حول «سبتة على عهد الموحدين والمرينيين» (1987) ودراسة حليمة فرحات السابقة الذكر (1994)؛ بينما تظل الدراسات التاريخية الأخرى الوصفية والأكثر عمومية، والأقل تنظيراً (كدراسات محمد بن تاويت وإدريس خليفة والحاج السراج…) موجهة للجمهور العريض. أمّا باقي الدراسات الجامعية الأخرى فإنّها أعطت الأولوية للبُعد الأدبي (محمد الغازي، إسماعيل الخطيب، عبد السلام شقور وغيرهم).
وبغض النظر عن تباينها المنهجي فإنّ الدراسات المغربية يربطها دافع أساسي يتم التعبير عنه صراحة أو ضمناً وهو كشف تاريخ المدينة تعميقاً لمعنى مغربيتها وعروبتها وإسلاميتها وهو طابعها وهويتها الحقيقية. وليس جزافاً أن يعنون إدريس خليفة كتابه بـ «التاريخ المغربي» لمدينة سبتة. فهو يندرج في إطار كفاحي «يهدف إلى إظهار مغربية سبتة تاريخياً» وإقامة الدليل على مغربيتها «قبل الإسلام وبعده». وليس غريباً إن وجدنا نعت «الإسلامية» لصيق بأغلب عناوين الدراسات العربية. والواقع أنّ مدينة سبتة بوضعيتها السياسية الحالية ووضعها الاستعماري المفارق تعيش في عمق الضمير والوجدان المغربي، ولا يمكن تناول تاريخها دون الانخراط فيه بكلّ الجوارح.
في الببليوغرافية الإسبانية يظهر أنّ القرن العاشر الميلادي هو الذي يحظى باهتمام الباحثين الإسبان. إنّه القرن الذي كانت فيه مدينة سبتة «أندلسية» بخضوعها لسيطرة أمويي الإسبان. ولا شيء يعكس لنا بطريقة جلية هذا التوجه من دراسات «خواكين بالبي برميخو» Vallvé Bermejo وخاصّة أطروحته «مساهمة في تاريخ مدينة سبتة حتّى السيطرة المرابطية. وفي هذا العمل فتح الطريق أمام أبحاث أخرى تستلهم خطواته وقناعاته الإيديولوجية، خصّص المؤلف الفصل الخامس لما يسمّيه بـ «سبتة الإسبانية» وجعله واسطة عقد أطروحته. فبينما لم يخصص سوى تسع صفحات لـ «سبتةالإسلامية» (ص113ـ122) وعشر صفحات لـ «سبتة والقاضي وعياض» (ص207ـ217) نجده يخصص حوالي ستين صفحة لـ «سبتة الإسبانية» (ص123ـ179). ثم سيفرد لاحقاً دراسة مطولة حول التدخل الأموي في سبتة وشمال المغرب.
ومع ذلك نلاحظ أنّ تياراً ـ ولو أنّه ما يزال ضعيفاً كمياً ـ بدأ يأخذ مكانه في الدراسات الإسبانية المتعلقة بسبتة المغربية. يكفي أن نلقي نظرة على أعمال (Valencia, j. Zanon, M.I. Calero, Ramos Calvo, R. Velazquez Bassanta) وغيرهم لنلمس معالم هذا التيار الجديد. وهذا التوجه تدعمه دراسات أخرى جعلت من الجوانب المادية للمدينة المغربية موضوعاً لها؛ مثل الجوانب المعمارية الحضرية، والمسكوكات، والأقليات الإثنية والدينية والنشاط التجاري، وهي دراسات تطبعها إرادة إظهار اندماج المدينة في العالم المتوسطي فضلاً عن اندماجها في وسطها الطبيعي المغربي.
إنّ المساهمة الفرنسية في كتابة تاريخ سبتة تعود إلى عقود خلت. ولقد أولت اهتمامها أساساً إلى العلاقات التجارية للمدينة مع عالم حوض البحر الأبيض المتوسط. فباستثناء الملاحظات المقتضبة لـ «هنري طيراس» حول بعض معالم المدينة، نجد أنّ الدراسات الفرنسية الأخرى قد أولت اهتمامها لعلاقة المدينة مع الساحل الفرنسي، وخاصة مع مدينة مرسيليا استناداً على الوثائق العدلية المتعلقة بتجارة مرسيليا ومحاضر مينائها. كما أنّ بعض الباحثين الفرنسيين اعتمدوا في دراستهم على الأرشيفات الإسبانية، مثل Ch. E. Dufourcq أحد أكبر المتخصين في العلاقات المغربية الإيبيرية في العصور الوسطى. إنّ دراساته المختلفة حول العلاقات المغربية القطلانية وخاصة تلك التي خصصها لـ «سبتة في القرن الثالث عشر» لا يمكن الاستغناء عنها مثل أطروحته الرائدة «إسبانيا القطلانية والمغرب في القرن (13 و14)» التي تستند على كم هائل من الوثائق المحفوظة في الأرشيفات الأوروبية وخاصّة أرشيفات إسبانيا. وهناك من اعتمد الأرشيف الإيطالي لدراسة علاقات المدينة التجارية مع دول حوض البحر المتوسط. ويكفي أن نذكر العمل الحديث للباحث الفرنسي G. Jehel حول الجنيويين في غرب البحر المتوسط وهو عمل رائد وموثق بشدّة ومجدد فيما يخص استغلال قاعدة متينة من وثائق الأرشيفات الإيطالية التي تلقي أضواء كاشفة على مكانة سبتة في خارطة المبادلات التجارية في الحوض الغربي للبحر المتوسط.
إنّ إسهامات الدراسات الأنجلو سكسونية والإيطالية والبرتغالية ضعيفة مقارنة بالإنتاج التاريخي المغربي أو الإسباني أو حتّى الفرنسي. فبعض الباحثين الأميركيين ساهموا في الثلاثينات بأبحاث جيّدة حول نشاط التجار الإيطاليين ببلاد المغرب وخاصّة بسبتة، نذكر منهم W. Byrne وH.C. Krueger ولكن الباحث الإنكليزي J.D. Latham هو الذي أسهم مساهمة فعالة في تاريخ سبتة الإسلامية. إنّ دراساته حول النظام التحصيني للمدينة، وخاصّة دراساته حول العزفيين، تعتبر من أهم الدراسات المنجزة لحد الآن وأدقها حول هذه الأسرة التي طبعت تاريخ سبتة خلال العصر الوسيط، أمّا الباحثون الإيطاليون (Pistain, Balleto, Di Tucci…) فسيهتمون بسبتة في إطار اهتمامهم بأنشطة تجار بلدهم في مدينة الزقاق.
يظهر أنّ الدراسات «السبتية» لا تعيد نفسها ولا تشكو من اجترار نفس الموضوعات كما يدعى أحياناً. بل إنّها دراسات تتكامل وتستدعي بعضها البعض. وعلى الرغم من الغنى النسبي في الدراسات «السبتية»، فإنّ المدينة ما تزال مفتوحة أمام البحث التاريخي وخاصة ما يتعلق بحضارتها المادية خلال العصر الوسيط، وهي الحضارة التي لن تتضح بصفة جلية دون مساهمة الأبحاث الأركيولوجية. إنّ الأمر يقتضي تظافر مجهودات الباحثين المغاربة والإسبان عن طريق خلق جسور الحوار المشترك والتنسيق بين مراكز البحث الإسبانية ومثيلاتها المغربية. في هذا الميدان ما يزال ينتظرنا الكثير.
محمد الشريف
سبتة
ـ4ـ
على أوائل القرن السادس للميلاد، كان جستين الأول، يجلس على عرش الدولة البيزنطية بعد الإمبراطور انسطاسي([221]). وقد كان هذا الإمبراطور البلقاني المولد والنشأة الريفي الأصل، عارفاً باللاتينية التي كانت لغة التخاطب بإقليمه، لا يحسن فيما عداها إلاّ ممارسة الحرب، فكان جندياً من الدرجة الأولى، ولم يكن له عقب، لهذا اعتنى بابن أخته فعهد بتربيته تربية تؤهله لوراثة الإمبراطورية منه، وهو جستنيان الأوّل، الذي خلفه على العرش، بعدما قضى جالساً عليه عشر سنوات، فآلى هذا على نفسه أن يعيد مجد الإمبراطورية الرومانية، ورأى من الحكمة أن يعاهد الفرس معاهدة السلام، ليتفرغ إلى ما كان يحلم به…
وقيض لجستنيان قائد عظيم، كتبت له الانتصارات الباهرة في مواقفه الموفقة التي استطاع بها أن يستولي على بلاد شاسعة من أوروبا وعلى رأسها إيطاليا، كما استولى على بلاد من شمال إفريقيا. ولكنّه في الأخير وجدناه يستجدي ويعلن عن نفسه في استجدائه: «أنا القائد المظفر» «بيلزايوس»…
لقد انتهت جيوش الإمبراطور جستنيان إلى المغرب، ولكن الذي نال الرعاية الخاصة والاهتمام من الإمبراطور، إنّما هو «سبتة» التي حصنها سنة خمس وثلاثين وخمس مائة([222]).
ومنذا ذلك التاريخ، وولاة من الدولة البيزنطية يقومون على حكمها، إلى أن كان آخرهم يليان الكونت أواسط القرن السابع.
وكانت الجزيرة الإيبيرية آنذاك قد حمَى وطيسها واستولت الفتن والفوضى على ملوكها، فهذا «وتيزا» Watiza المعروف عند العرب بغطيشه يطيح بعرشه «رودريكو» أو لذريق الذي ثار عليه وقتله ثم جلس على عرشه. فتعرض يليان لخطره، إذ كان حليفاً لوتيزا القتيل على عرشه. ويُقال إنّه كان قد انغمس في هذه الفتنة التي قامت بالأندلس، وحاول أن يلعب رجاله دورهم فيها، حيث وجّه بهم إلى مناصرة حليفه، ولكن رجال لذريق كانوا أقوى شكيمة، فأنزلوا برجاله الهزيمة، وعادوا إلى سبتة، يجرون وراءهم جرير الخيبة والغلبة عليهم.
كان يليان أمير إقليم «موريتانيا الطنجية» Mauretania Tingtana وقد حكم يليان هذا الإقليم زمناً طويلاً آنس فيه من نفسه الاستقلال شأن الأمراء البربر بهذه البلاد. وفي الأخير نجده وهو يستقل بهذه الإمارة عن الدولة البيزنطية الخائرة القوة البعيدة الجغرافية يمكن لنفسه ويدعم قواعد استقلاله.
ولم يكن له بد من توثيق علاقته بجيرانه، فكان منهم فيما وراء البحار، أولئك القوط الذين كانوا يحكمون الجزيرة الإيبيرية، وكانوا كذلك تطوح بهم الأحزاب، وتنخر في هيكلهم النزعات والحزازات، فكان يليان يستغل هذا النزاع الحزبي لصالح إمارته المستقلة. ولم يكن في الواقع تابعاً لمملكة القوط في شبه الجزيرة، تماماً، بل كان مستقلاً بهذه الإمارة، يحسن علاقاته مع جيرانه، سواء منهم البربر المتاخمين له براً والقوط المقابلين له بحراً([223]).
الفتح الإسلامي لسبتة
في عام تسعة وثمانين من الهجرة، كان الاتصال بين المسلمين ويليان بإقليم طنجة، وإن كان ابن الأثير يذكر أنّ اللقاء كان من هذا التاريخ، وأنّ يليان نزل على حكم عقبة بن نافع عام ثلاثة وستين، موافقاً سنة ثلاث وثمانين وست مائة للميلاد، وكانت أنظار المسلمين قد اتجهت إلى سبتة.
ومن المحقق الذي لا يشك فيه التاريخ، أنّ طارقاً البربري النفزي، حاول الاستيلاء على سبتة بعد طنجة، ولما امتنعت عليه ارتأى مراودة زميله البربري([224]) بطريقة مقبولة للطرفين معقولة لهما، تقوم على التخلص من وطأة الروم وأذنابهم البغضاء ودرء خطر بقاياهم بالجزيرة.
ومهما يكن، فهذه الجزيرة تلوح إلى المسلمين وهم بالزقاق، تتراءى لهم وتداعبهم وهم بطنجة كل صباح ومساء، فهل من المعقول التوجه إليها، قبل أن يصفى الحساب تماماً؟
كلا، ليس هذا لو كان من الرشاد، ومن أجل ذلك، كان التغلب أو التفاهم واجباً مع ويليان، الذي كان يوجس خيفة من لذريق، ومن هذا المنطق السليم، وإن كان على صورة تخالف في التفصيل، وتوافق في المبدأ نجد أن يليان أشار على المسلمين بتصفية الجيوب المحاربة، قبل التوجه إلى البلاد الأندلسية، فيقال: إنّه قال: لموسى أو طارق، كيف تعبر البحر إلى الأندلس وتترك الكفار هكذا؟([225]) وكلمة «الكفار» هنا تعني أنّه كان قد أسلم.
وكما سلف فقد واجه يليان خطر لذريق المحدق، وكان لا بد له أن يلتمس نصيراً من هؤلاء المظفرين الجدد، الذين يجاورونه ويطوقونه من جانب البر والذين هم في عقليتهم وبساطتهم وجنسهم، أقرب إليه أو أخف ضرراً عليه، وفيهم هذا القائد البربري طارق، الذي كان جيشه نفسه بربراً على الحقيقة. ولم يكن فيه من العرب إلاّ القرّاء الذين يقومون بتلقين الجيش مبادىء الدين الحنيف، وبعض القواد الثانويين، فكان الاتفاق بين القائدين البربريين وكيداً.
هذه الظروف وهذه الاتجاهات هي التي جمعت بين الأميرين، وكان لها ما كان فيما بعد من الامتداد عبر الجزيرة «الإيبيرية» نفسها. أمّا قضية ابنته «فلورندا» ـ كما تسمّيها المصادر الأجنبية ـ وهتك العرض بها([226])، فذاك، إن كان، ثانوي بالنسبة إلى هذه الأهداف التي لا تغضي عنها السياسية ولو اغضت على غيرها. ولا يلتفت إلى ما ورد في تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية، وهو أنّ «يليان» كان تاجراً من تجار العجم، يختلف من الأندلس إلى بلاد البربر، ويجلب إلى «لوذريق» عتاق الخيل والبزاة من ذلك الجانب، فتوفيت زوجة التاجر، وتركت له ابنة جميلة، ثمّ أمره «لوذريق» بالتوجه إلى العدوة، فاعتذر له بوفاة زوجته، وأنّه ليس له أحد يترك ابنته معه، فأمر «لوذريق» بإدخالها القصر، فوقعت عينه عليها، فاستحسنها وهمّ بها فنالها، فأعلمت أباها بذلك عند قدومه، فقال للوذريق: إنّي تركت خيلاً وبزاة بالعدوة لم تر مثلها، فأذن له في التوجه فيها، فلم يكن منه إلاّ أن قصد طارق بن زياد، فرغبه في الأندلس انتقاماً منه.
إلى آخر ما في القصة من بساطة وسذاجة، وفجوات، تجعلنا نتساءل، أين وضع ابنته هذه المرّة، وهل اصطبحها معه، وكيف تأتّى له ذلك، وسمح به «لوذريق»؟ أسئلة يسلم بعضها إلى بعض، ولا نرى لأصلها حيزاً من الصحة معقولاً.
وعلى كلٍ فلم يتحقق منه التاريخ عندنا. وهو لا يعنينا هنا بقدر ما يعنينا أنّ مشاكل كانت تفرض عليه سلوكاً ونصحاً. وإنّ هذا ولا شك منطق سليم، ولكن يليان نفسه لا يؤمن عليه أن يطعن من الخلف، وهو جوزف بالجيش مجازفة لم ينج من العقاب عليها حتّى طارق. لهذا فقد أخذ بالحيطة واستعمل كلّ الدهاء والحنكة العسكرية، وكتب له الظفر المطلق والنصر المبين.
قالوا إنّ موسى حاول اقتحام القلعة السبتية، لأوّل مرّة([227])، ولكنّه ألفَى عند صاحبها «يليان» عدّة وقوّة ونجدة ليست تشبه ما قبلها فلم يطقهم، فرجع عنهم إلى طنجة، وجعل يجتث ما حولهم بالمغاورة فلم يطقهم». وهذا نص عتيق نشر ضمن ما نشر تحت عنوان «أخبار مجموعة» بمدريد. والمهم أنّ وفاقاً تمّ بين يليان وبين المسلمين، الذين أقرّوه على حكم سبتة على جزية يؤدّيها أو غيرها، وأنّه ساعدهم على فتح الأندلس بأجفانه ورجاله كما يُقال، وبنفسه كما في بعض الأخبار. فبقي أمير بلدته وإقليمها إلى أنّ هلك، تاركاً من أبنائه «بلكايش» الذي أسلم وحسن إسلامه. ولكنّه لم يخلف أباه في الحكم، بل صار حكم المدينة إلى الفاتحين مباشرة، ويبدو أنّه توجّه إلى الأندلس أو توجهت ذريته، التي كان أوّلها عبدالله، ثمّ الحكم فسليمان فأيوب، ثمّ سليمان آخر فأحمد توفي سنة 388هـ. وقد اشتهر الثلاثة الأخيرون بالعلم في الأندلس بالعهد الأموي، كما في كتب التراجم.
لقد ظلّ ساحل الزقاق، الممتد من سبتة، فجبل موسى فقصر مصمودة فطنجة، ساحلاً استراتيجياً قبل كلّ شيء، ولم تفتر أهميته بالنسبة للعرب، إلاّ حينما استقرّ أولاد موسى وطارق بالأندلس، بعدما غادراها معاً إلى إفريقيا مدعوين منها إلى العاصمة دمشق بدون رجعة. بعد ذلك حصلت الاضطرابات الخارجية في الشمال الإفريقي عامة، وحصل الانقلاب في الأندلس بقتل ابن موسى الأمير عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن حبيب. ويهمنا المغرب الذي كان فيه ميسرة الخفير يوالي الضربات على العرب، ويحاول أن يجتث شأفتهم، وقائدهم كلثوم بن عياض يتعثر في هزماته المتلاحقة، ويصاب في المواقع، كما يصاب حقيب بن أبي عبيدة بن عقبة والد عبد الرحمن. ويلجأ كلثوم مع ابن أخيه بلج بن بشر، وجيشه الشامي وفيه عبد الرحمن بن حبيب إلى سبتة ويتحصن فيها. ولكن رجال ميسرة يتتبعونهم، ويشددون عليهم الحصار بسبتة. وتشتد بهم المجاعة فيتوسلون إلى إخوانهم في الأندلس، حيث كان صاحبها عبد الملك بن قطن الفهري، فيتقاعس هذا عن إغاثتهم. ويخف بعض رجاله ببعث سفينتين تحملان إليهم مؤونة، فيقتله عقاباً له وانتقاماً من الشاميين.
ويموت القائد كلثوم بن عياض محصوراً بسبتة (كما يقول ابن حيان، وغيره يقول إنّه قتل في المعركة) ويتولّى الرئاسة ابن أخيه بلج. ويسمع البربر بقيام إخوانهم في المغرب وانتصارهم، فيثورون على رؤساء العرب بالأندلس، ويكادون يوقعون بهم ما وقع بالمغرب لإخوانهم لولا استنصار هؤلاء بالمحصورين في سبتة الذين انتهزوا هذه الفرصة الذهبية، وطاروا إليهم في السفن التي وافتهم من الأندلس، فاعصوصبوا وقاتلوا قتالاً مستميتاً، انتصروا في آخره. وطاب لهم المقام فأقاموا بالأندلس، وأثَّاقلوا لما طلب منهم «بلج» العودة إلى العدوة، كما كان الاتفاق معهم. ولم يكتفوا بهذا، بل قتلوا ابن قطن انتقاماً لما سلف منهم في حقّهم، حينما حوصروا وانقطعت ميرتهم حتّى أكلوا الجيف كما قالوا. ثمّ تقلدوا حكم الأندلس وعادت العصبية وذكرى الأيام الغابرة تشغلهم بحرب بعضهم بعضاً. في هذه الظروف نجد سبتة تنزوي وقد تقلص عنها ظل الاستقرار والحكم البربري معاً، ولا يسمع لها صوت، إلاّ حينما تولتها عائلة غمارية هي عائلة بني عصام، كما سنرى.
لقد صار مركز الثقل يتوجه ناحية الشرق المغربي، يحيط به النفزيون بصفة خاصّة، وهذا ما جعلنا نفهم، كون عبد الرحمن الاموي، لمّا لجأ إلى المغرب، أقام عند أخواله النفزيين البربر، بنواحي الريف، حيث المزمة التي صار يتصل منها برؤساء الأندلس ثمّ ركب منها إلى المنكب شرقي مالقة، فلم يقم بسبتة و لم يعبر منها.
أمّا فيما بعد فيبدو أن سبتة، انضوت تحت لواء الأدارسة الذين أسسوا دولتهم سنة توفي عبد الرحمن. ذلك أنّنا وجدنا سبتة كانت من ضمن إمارة القاسم بن إدريس، حسب إشارة جدّته كنزة النفزية([228])، كما في القرطاس. واستناداً على بعض المصادر فالغالب أنّ بني عصام، كانوا تابعين لهؤلاء الأدارسة تبعية ما، ولم يكونوا بذلك الاستقلال، الذي كان لبني صالح أصحاب النكور بالريف، ففي البيان المغرب، أنّ بني عصام كانوا يؤدّون الطاعة لبني إدريس، وهو ما قاله البكري في بلدانه. كما يؤخذ هذا من أعمال الأعلام كذلك، بل نجد فيما بعد أنّ إبراهيم بن القاسم الإدريسي يمتد نفوذه حتّى الأندلس، إذ كان يخطب له عمر بن حفصون الثائر على الأمويين في الأندلس مع آخرين. كما ذكر ابن حزم في الجمهرة. وهذا ما ينفي ادعاءات الأمويين فيه وفي جماعته([229]). وعلى كلّ حال، فهذا عصام يخلف أباه الرجل الصالح، ماكس الغماري، الذي عمر المدينة بعد خرابها وأشاع النظام بين سكانها المختلفين. ويذكر البكري أنّ ماكس كان مشركاً فأسلم. وتولَّى المدينة بعد عصام، الذي كان له شأن أعظم من والده، أولاده وأحفاده، فكان مجير الذي خلفه أخوه أو ابنه الرضي على ولائه للأمير الإدريسي إلى أن خرجت سبتة من يد أميره سنة تسع عشرة وثلاث مائة.
سبتة تحت سلطان الأمويين
في هذا التاريخ نجد كما في الأعمال، أنّ أبا العيش أحمد بن القاسم، كان يخطب على منبره بدعوة عبد الرحمن الناصر في جميع عمله وكان في سبتة([230]) على حين كان الفاطميون قد أخذوا بمخنقها([231]) بعدما استولوا على إمارة بني صالح، وجل البلاد المغربية. وعلى هذا فما كان من عبد الرحمن الناصر وقد أحدق به الخطر الفاطمي، إلاّ أنّ وجّه إليها أسطوله العتيد فاحتلها ثمّ اختار أبو العيش الهجرة إلى الأندلس فالتحق بالناصر وجاهد النصارى بالأندلس حتّى استشهد بها. وكان قدومه على الأندلس سنة ست وأربعين وثلاث مائة بعدما مضى على خروج سبتة من يده سبع وعشرين سنة كما يستفاد من ابن الخطيب([232]). وكان السبتيون لما حلّت الأساطيل بسبتة قد بادروا فوراً إلى الطاعة والانقياد لأموي الأندلس.
وقد استطاع الفاطميون سنة 324 أن يستهووا نواحي سبتة وطنجة فانتقضت على الناصر ووجّه إليها أسطوله بقيادة ابن أبي حمامة لإخضاعها، فلم يكن منهم إلاّ الخضوع والاستسلام على مضض، وقد وجدنا ابن هانئ يشير إلى هذا الصراع الأموي الفاطمي في غير ما قصيدة له.
فنجده يخاطب المعز بقوله:
لقيت بني مروان جانب ثغرهم
وحظهم من ذاك خسر وتثبيب
وعار بقوم أن أعدو سوابحا
صفونا بها عن نصرة الدين تنكيب
وقد عجزوا في ثغرهم عن عدوهم
بحيث تجول المقريات اليعابيب
والغالب أنّ المراد بالثغر هنا الأندلس نفسها. ويقول في قصيدة أخرى يُقال إنّها كانت أوّل قصائده فيه:
وأمية تُحفِي السؤال وما لمن
أودى به الطوفان يذكر نوحا
ويقول في أخرى عنه:
وضجت له الأصنام أنّ ضجيجها
صدّى من بني مروان حران يصرخ
ويقول في أخرى يمدحه كذلك:
خابت أمية منه بالذي طلبت
كما يخيب برأس الأقرع المشط
وحاولوا من حضيض الأرض إذ غضبوا
كواكبا عن مرامي شأوها شحطوا
ويقول في أخرى منه:
ومستكبر لم يشعر الذل نفسه
أبَى بأبكار المهول فاتك
ولو علقته من أمية أحبل
لجب سنام من بني الشعر تامك
ويقول من أخرى فيه:
قد جدت حتّى أملتك أمية
لو أنّ وتراً لم يضع تاميلا
خلدتم في العبشمية لعنة
خلقت وما خلقوا لها تعجيلا
ويقول أيضاً من أخرى:
فالفتح من أوّل النعمَى به وله
عواقب في بني مروان عن عجل
ويقول في أخرى:
فلا حملت فرسان حرب جيادها
إذا لم تزرهم من كميت وأدهم
ولا عذب الماء القراح لشارب
وفي الأرض مروانية غير أيم
وأولى بلوم من أمية كلها
وإن جلّ أمر من ملام ولوم
ويقول في أخرى يخاطبه:
لو يستطيع البحر لاستعدَى على
جدوَى يديك وأنّه لقمين
أمدده أو فاصفح له عن نيله
فلقد تخوف أم يُقال ضنين
وأذن له يغرق أمية معلناً
ما كلّ مأذون له مأذون
واعذر أمية أن تغص بريقها
فالمهل ما سقيته والغسلين
ويقول مادحاً القائد جعفراً:
كتائب شلت فابذعرت امية
فأوجهها للخزي أثفية سفع
وتلك بنو مروان نعلا ذليلة
لواطئ أقدام وأنت لها شسع
ويقول مادحاً ابنه إبراهيم:
وبالمغرب الأقصى قريع كتائب
نخب بمسراه فيرجف مشرقه
وهكذا يطل علينا المغرب الأقصى في مدح هذا القائد الأندلسي وكذلك يذكر المغرب في مدحه لعمّه يحيى بن علي في قوله:
نحّى المغرب الأقصى بسطوة بأسه
فغادره رهواً وقد كان مرتجاً
ويقول في مدحه للقائد أبي الفرج الشيباني:
من أصلح المغرب الأقصى بلا أدب
غير التشيع والدين الحنيفي
لله ما تنتضي من ذي الفقار وما
تشد من عضد الرأي الأمامي
لم يجهلوا ما تلاقى في التشيع من
تحريض شارية أو بأس شاري
وما تذلل من أهل العناد لهم
وما تدارى من الدين الإباضي
كوفيت عن ذلك الثغر المخوف فقد
تركته بالعوالي جد مكفي
ففي هذه الأبيات نجده يشير إلى الخارجية التي واجهها الفاطميون، وكانت لها بقية في تاهرت بإقليم وهران وسجلماسة بالجنوب عندنا.
وفي مدحه لجوهر قائد المعز، يقول عنه مخطاباً:
رمَى بك قارون المغارب عاتيا
وفرعونها مستجيبا ومذبحا
وأدركت سؤلا في ابن واسول عنوة
وزحزحت منه يذبلا فتزحزحا
وإلا أَبِنْهُ في العصاة فإنّني
أرَى شارباً منه يميل مرنجا
رأى ابن أبي سفيان فيه رشاده
وعفَى على أثر الفساد وأصلحا
وفي آل موسى قد شنت وقائعا
أهبت لهم تلك الزعازع لقحا
فلمّا رأوا أن لا مفر لهارب
وأبدت له أم المنية مكلحا
وأكدى عليهم زاخر اليم معبرا
وضاق عليهم جانب الأرض مسرحا
صفحت عن الجانين منّا ورأفة
وكنت حرياً أن تمن وتصفحا
وموسى الوارد في الأبيات هو ابن أبي العافية الذي كان قد انحاز إلى الناصر وصار يكاتبه برسائل فائقة كما نجد في المقتبس الجزء الخامس.
وفي هذا الصراع كان مجيء جوهر إلى المغرب بعدما انتهى إلى المعز أنّ قبائل زناتة والبربر رفضوا دعوته ودخلوا في دعوة بني أمية، فجاء جوهر بجيش جرار من كتامة وصنهاجة وغيرهما، فحصل اللقاء بينه وبين عامل طنجة من قبل الناصر، وهو يعلَى بن محمد اليفرني أمير زناتة فقتلته كتامة. ولا شك أنّ جيوشاً من سبتة قد شاركت في المعركة، ففي البيان المغرب، أنّ صاحب سبتة وجّه كتاباً إلى الناصر «يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر» وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. أي بعد هذه المعركة التي وقعت في تاهرت بسنة واحدة، وكان الظفر فيها للقائد جوهر الذي توجّه إلى سجلماسة، فاقتحمها وفرّ عنها صاحبها محمد بن الفتح بن ميمون بن مدار، ثمّ قبض عليه، وهو المقصود بابن واسول، ثمّ عطف على فاس، وقبض على أميرها من قبل الناصر، وهو أحمد بن أبي بكر، الزناتي واستمر مكتسحاً لبلاد المغرب قاتلاً لموالي المروانيين فقطع دابرهم وخطب للفاطميين على جميع منابر المغرب ـ كما يقول المؤرخون ـ وربما صارت طنجة ضمن ذلك، أمّا سبتة فلا. ولمّا صارت إلى الحكم الأموي تمّم بناء السور الذي أمر به والده سنة 346، فكان ذلك منذ سنة 352. وبعد هذا التاريخ بسنتين كتب سجلاً إلى أهلها رفع عنهم به جميع الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية وفيه «أنّ ما وقع عليها من المؤن السلطانية في التقسيط فهو مضروب على شرق إشبيلية». وبعد ذلك أجاز جيشه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة وكان هذا الجواز بعد عشر سنوات من مغادرة جوهر المغرب، فقاتل بأحواز طنجة الحسن بن كنون صاحب البصرة، الذي كان قد بايع للفاطميين وخلع رقبة الأمويين، لما كان جوهر بالمغرب. ثمّ لما غادره عاد الحسن إلى التمسك بدعوة الناصر، ثمّ ابنه الحكم، خوفاً من الأمويين لا حباً فيهم. فلمّا قدم بليكين بن زيري الصنهاجي الشيعي من إفريقيا لأخذ الثأر من زناتة التي قتلت أباه سنة 361 وحملت رأسه إلى المستنصر، سارع الحسن إلى بيعته. وصارت إليه طنجة من بليكين وقد قطع دابر المروانيين من جديد، وأعاد الدعوة إلى الفاطميين مرّة أخرى.
وفي الأبيات الواردة إشارة إلى فرار موسى بن أبي العافية وقومه وكان قد فرّ أمام القائد ميسور إلى الصحراء من الفاطميين([233]). وفي سنة 369 كان العزيز يوجه بليكين أيضاً إلى المغرب لسحق الموالين للأمويين فانتصر عليهم وفرّوا منهزمين إلى سبتة، واستغاثوا بالمنصور محمد بن أبي عامر المتولي مقاليد الحكم بالأندلس. فأجاز إلى سبتة عسكلاجة وانضم إليه القائد المغراوي زيري بن عطية بن عبدالله بن حرز. وكان العزيز قد بعث من مصر كذلك الحسن بن كنون فأدار المعركة بجيشه المتحمس. لكن المنصور أمدّ ابن عمّه بولده عبدالملك فهزم الحسن. فما أسرع ما وجد منفذاً للطعن في ابن أبي عامر، وفي تلاعبه بالخليفة القاصر، وقبضته الخانقة على صبح، التي كان زيري بدأ يتدخل في شأنها. فما كان من المنصور، وقد طرد زيري عماله وألجأهم إلى سبتة. إلاّ أن نفذ إليه مولاه واضحاً الفتَى الذي انهزم أمام جيش زيري الزناتيين إلى طنجة وكانت قد عادت إليهم. وكان قد عبر إليها، فامده المنصور بولده عبد الملك أيضاً الذي أجاز من الجزيرة الخضراء إلى سبتة، فكان له الظفر العظيم الذي لقب به بعد «المظفر». وكانت سبتة قد تعرّضت للضياع، فقد التاثت على ابن أبي عامر. فوجه واضحاً فتاه، فسكن في جبل حبيب (ابن يوسف الفهري) ثمّ وجّه ابنه عبد الملك إليها.
العهد الحمودي الشيعي
حكم الحموديين بأنفسهم
في هذا الفصل من العهد الحمودي، نجد الخلفاء الحموديين الذين حكموا الأندلس طيلة نصف قرن تقريباً، كانوا ينطلقون من سبتة إلى التربع على دست السلطان الذي أقصى عنه بنو أمية أو حيل بينهم وبين السلطان الحقيقي، فنشأت في الأندلس إمارات في الأطراف مستقلة بها على الحقيقة، وإن كانت في الظاهر تنتمي إلى الخلافة المحتضرة أو الخلافة الناجمة بهؤلاء الحموديين، الذين حلموا بها وعملوا ما أمكنهم على تحقيق هذا الحلم لولا اختلافهم. فكنّا نرى عرباً ومغاربة وبربراً وصقالبة، كلّهم على إمارته مستبداً بها وهي في حلقات، قد تتّسع لتشمل أقاليم وقد تضيق لتحيط بمدينة واحدة لا تتعداها، والحروب والمؤامرات المدبرة والدسائس المتخذة لا تخلو منها جهة من الجهات ولا مدينة من المدن الكبار آنذاك، وفي هذه المعامع تقف سبتة لتمد خيوطها فتجذب بها أو تنجذب أحياناً، ولكن هذه الخيوط ما انقطعت نهائياً إلاّ بقيام المرابطين وقضائهم على موالي الحموديين الذين خلفوهم على حكم سبتة كما نرى.
وعلى كلّ حال، نعود إلى المراحل الزمنية التي قطعتها سبتة الإسلامية، فنجدها في أوّل القرن الخامس تتعرّض لأحداث جسام متلاحقة، فهذه الفتنة البربرية التي تقوم بالأندلس، كما يسمّونها (ويسمّيها ابن عذارى بالفتنة الأندلسية) نجدها تتصاعد إلى سبتة، وإذا بهذه تخوض فيها مع الخائضين، وتتدخل بأمرائها في قلب الخلافة الأموية، وإذا بصاحبها يبايع بهذه الخلافة نفسها، كما سنرى.
فمن المعلوم أنّ خلفاء بني أمية، صاروا منذ ابن أبي عامر كالدمى في يد محركيها وإن كانت الخلافة في نفسها متماسكة غير متصدعة لما كان المحركون أقوياء العضلات أشداء القبضات، كما هو الشأن أيام محمد بن أبي عامر، ثمّ ابنه عبد الملك، وبعدهما تضعضعت الخلافة بضعف المستبدين بها، منذ أن تولّى عبد الرحمن بن أبي عامر، الملقب بسنجول، وقامت الفتن على ساقها، وتمزقت رقعة الخلافة، ولعب الأمراء الطامحون أدوارهم الخطيرة فيها، فكان منهم علي بن حمود الإدريسي الذي تمكن بأعماله البطولية من رضى الخليفة سليمان المستعين فجازاه على عمله بأن ولاّه على سبتة وغيرها سنة ثلاث وأربعمائة. هكذا يقول التاريخ ببساطة، ولكن الواقع لم يكن بها، فإنّ علياً كان هدفه الأوّل هو الجلوس على عرش الخلافة، وما كان عمله الحثيث لينتقل إلى العدوة، إلاّ للتمهيد بها والاستعانة بالمغاربة على تحقيق مطمحه، ويُقال إنّ المستعين نفسه، كان متوسجاً من علي، فأراد إقصاءه إلى العدوة، وهي سياسة عمل بها الأمويون، منذ كان مؤسس دولتهم بالأندلس، فكانوا يبعدون كل من يتخوفونه إلى المغرب، وكانت سبتة في مقدمة المنافي لذلك العهد.
لقد كان علي الحمودي يخشى هؤلاء الصقالبة العامريين، الذين استقل بعضهم بجهات من الأندلس، فما كان منه إلاّ أن استمال بعضهم وعلى رأسهم حاكم «المرية» خيران مولى المنصور، الذي نشط للدعوة له، ووجه به إلى سبتة، كما في كتاب المغرب لابن سعيد. ولم يرد ابن حمود أن يعتمد على دهائه الحربي فقط، بل أراد أن يدعمه بالفكرة الشيعية، فأعلنها في لباقة، وإن لم يفرضها، وأطلق العنان للشعراء الذين يخدمون الفكرة، فكان من المتشيعين عبادة بن ماء السماء القائل له:
أبوكم علي كان بالشرق بدء ما
ورثتم وذا بالغرب أيضاً سميه
فصلوا عليه أجمعون وسلموا
له الأمر إذ ولاه فيكم وليه
ومنهم ابن الحناط، ومن هؤلاء شاعر المنصور نفسه ـ، أحمد بن دراج، الذي اشتهر بهاشمياته، وأشاد بها ابن بسام في الذخيرة أيما إشادة، ومنها اللامية التي مدح بها علي بن حمود المذكور، وهو بسبتة، سنة أربع وأربع مائة يقول فيها:
لعلك يا شمس عند الأصيل
شجيت لشجو الغريب الذليل
فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع
وكوني رسولي إلى ابن الرسول
إلى الهاشمي إلى الطالبي
إلى الفاطمي العطوف الوصول
إلى ابن الوصي إلى ابن النبي
إلى ابن الذبيح إلى ابن الخليل
فأنتم هداة حياة وموت
وأنتم أيمة فعل وقيل
وسادات من حل جنات عدن
جميع شبابهم والكهول
وأنتم خلائف دنيا ودين
بحكم الكتاب وحكم العقول
ووالدكم خاتم الأنبياء
لكم منه مجد حفي كفيل
تلذ بحملكم عاتقاه
على حمله كل عبء ثقيل
ويطرقه الوحي وهنا وأنتم
ضجيعاه بين يدي جبرائيل
وهناك هاشمية أخرى مدح بها القاسم أخاه يقول فيها:
القاسم المقسوم راحة كفه
في بسط معروف وقبض مهند
الهاشمي الطالبي الفاطمـ
ـي الوارث العليا بأعلى قعدد
أهدي إلى الدنيا عليَّ هديه
في طي أردية النهي والسؤدد
يا ابن الشفيع بنا وأكرم أسوة
للمقتدين وأنت أجدر مقتد
يا ابن الوصي على أوص سميه
ألا يضيع سمى جدك أحمد
يا صفوة الحسنين كم قد أحسنا
أفاء ود النازح المتودد
ثم يخاطبه وأخاه بقوله:
فلأجعلن ثناء ما أوليتما
زاداً لكل مكوف([234]) أو منجد
حتى يسمّع طيب ما أثنى به
قبر بطيبة أو بصحن المسجد
يريد قبر علي بنجف الكوفة، الذي يقصده الشيعة، ويشير إلى ذلك بقوله «زاد لكل مكوف».
ويعجبني في هذا قول ابن خلدون «كان في نفوس المغاربة والبرابرة تشيع لأولاد إدريس متوارث من دولتهم» بعد أن قال في بني حمود «كانوا في لفيف البرابرة في بلاد غمارة، واستجدوا بها رياسة، استمرت في بني محمد وبني عمر من ولد إدريس، فكانت للبربر إليهم صاغية بسبب ذلك وخلطة وبقي الفخر منهم بتازغردة من غمارة».
ومهما يكن، فإنّ علياً وطأ لنفسه بسبتة، وكانت الريبة فيه وفي أخيه، تخامر المستعين، الذي حذره منهما القائد عبد الله البرزالي بقوله: «تأتي إلى خشاش ترده ثعابين» ويُقال كما تقدم إنّ المستعين تخوّف منهما بقرطبة، فأراد صرفهما عن الأندلس التي لم يسخ منها له إلاّ بالجزيرة. ولما حلّ علي بسبتة، وجد نفسه محاطاً بعيون سليمان، التي كان على رأسها قاضي سبتة ابن زوبع وكبيرها الفقيه ابن يربوع، فقضى على هذين الرجلين. كما يقال إنّ القاضي صار يثير العامة عليه، وكان علي يدعي أنّ هشام بن الحكم عهد إليه، وهو محاصر بقرطبة. وبهذا كتب إلى عامر بن فتوح الفائقي بمالقة، ثمّ أجاز إليها، تاركاً ابنه يحيى بسبتة. وانحاش إليه جماعة من القواد على رأسهم خيران العامري الصقلبي، صاحب المرية المذكور، وقواد من الصنهاجيين. فتوجه بهم إلى دار الخلافة، وقبض على المستعين، وأعلن نفسه خليفة متربعاً بالقصر. وما مضى وقت قصير حتّى صارت المؤامرات تدبّر ضده، من قبل الصقالبة الذين آزروه ومن الأندلسيين، الذين حاولوا إرجاع الخلافة إلى بني أمية. فكان خيران يبايع عبد الرحمن المرتضى ويدبر لاغتيال علي. وبعد صراع، تمكن ثلاثة غلمان له من اغتياله في حمام قصره. عندئذ بعثت زناتة إلى أخيه القاسم، الذي كان يكبره بعشر سنوات، وكان والياً على سبتة من قبله. فأتى إلى قرطبة، حيث بويع بها وحمل شلو أخيه، ووجه به إلى ابنه بسبتة، فدفن بها. وكتبت عليه رخامة، انتهت إلى تطوان بعد تسعة قرون أتى بها السفير ابن عثمان.
لم يرض يحيى على بيعة عمّه، لأنّه كان ولياً للعهد، فاعتزم القيام عليه، وبما أنّ مالقة كان عليها أخوه إدريس، فإنّه بادله بها سبتة، فعبر الأميران، ذاك إلى مالقة، وهذا إلى سبتة، التي لم يكتف بها، حسب خطة موضوعة منهما. فأضاف إليها طنجة التي كانت عدّة للقاسم، يعتدها للجوئه، إذا داهمه أمر بالأندلس. فاستولى إدريس على دخائره بها، على حين كان أخوه يحيى يطارد عمّه، الذي نجا بنفسه إلى إشبيلية. فبايعه قاضيها محمد بن إسماعيل ابن عباد، بعدما بويع يحيى بقرطبة. وكرّ عليه عمّه، فبويع له بها لثاني مرّة ثمّ تمكن منه يحيى فأسره بعد قتال، وبويع هذا مرّة ثانية. وظلّ القاسم في الاسر إلى أنّ لاقى حتفه بعد خمس عشر سنة.
وفي ليلة من ليالي يحيى، كان يقضيها بقرمونة، داهمه رجال ابن عباد، فخرج إليهم فرحاً بلقاء خصمه. ولكن كميناً أحاط به فصرع قتيلاً. فكتب «ابن بقنة» و«نجا» الصقلبي، مدبّرا دولتهم من مالقة إلى إدريس يدعوانه أن يعبر من سبتة إلى مالقة للمبايعة، فبايعاه على أن يجعل سبتة وطنجة لابن أخيه حسن بن يحيى وعلى هذا ظل خليفة بالأندلس إلى أن توفي أثر انتصار جيوشه على إسماعيل بن عباد وقتله سنة 431. وهنا يقع الخلاف بين المؤرخين فيمن تولى بعده، فابن عذارى يجعله أخاه حسناً، وأنه بويع بسبتة (فقام بأعباء الملك وتوفي سنة 434) وإن حسناً هذا خلفه ابنه يحيى فبويع وملك سنتين، ثمّ قام عمّه حسن بن يحيى ابن علي فخلعه.
أمّا عبد الواحد المراكشي وابن خلدون وآخرون فيجعلون حسن بن يحيى هذا خلفاً لإدريس مباشرة، وكان بسبتة، حسب الاتفاق السابق، ولا شك أنّه كان ولي عهد إدريس. وهذا هو الصحيح المعقول، يقول عبد الواحد: لماّ وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس إلى «نجا» الصقلبي، وكان بسبتة استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب له الأمر. فلمّا وصلا إلى مرسى مالقة، خارت قوى ابن بقنة([235])، وهرب إلى حصن كمارش. ودخل حسن و«نجا» إلى مالقة «فبايعوا حسن بن يحيى». ثمّ خاطب ابن بقنة وأمنه، فلمّا رجع إليه قبض عليه، وقتله، وقتل ابن عمّه يحيى بن إدريس([236]).
سبتة تحت حكم الموالي الحموديين
يؤخذ من سير الحوادث أنّ سبتة صارت يعهد بها إلى الصقالبة، بعدما كان يتولّى حكمها مباشرة أمراء الحموديين، وستستمر في عهدة غيرهم كما سنرى.
لمّا تمّ الأمر لحسن، ارتاب بأخيه إدريس، فأمر بثقافه في القصر، ولم تطل مدّته، إذ مات مسموماً من قبل زوجته أخت يحيى المقتول. ويذكر يوسف أشباخ أن قتل الحسن كان بتحريض «نجا» الصلبي الذي تزوج زوجته بعده. فمن زوجته هذه؟ أهي الأميرة الحمودية؟ هذا بعيد جداً. وفي ابن خلدون يُقال في صدد قتل يحيى، أنّه كان للحسن ابن صغير يقوم عليه بسبتة «نجا» الصلبي. فما كان من هذا إلاّ أن اغتاله وصمّم على محو أمر الحسنيين، كما في المعجب، وكان هذا الإبن ولي عهد أبيه. فلمّا مات كتب السطيفي إلى ابنه بسبتة وإلى نجا فيها يدعوهما للمجاز ليعقدا البيعة لولي العهد المذكور، فاغتاله «نجا» كما يذكر ابن خلدون. ثمّ ركب البحر، بعد أن استخلف على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة أيضاً. وزاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى الذي ثقفه أخوه. ثمّ توجّه إلى الجزيرة الخضراء ليستأصل شأفة محمد بن القاسم، الذي تولاها بعد قتل يحيى ابن عمّه. وبعد مناوشة وقتال، رجع عنها، مستحيياً من أم محمد هذا وأخيه الحسن معه، ثمّ توجّه إلى مالقة، وفي طريقه تآمر عليه البربر، وعلى رأسهم البرغواطيون، أخوال حسن بن يحيى وقتلوه. وتخلصت بذلك سبتة من كابوس هؤلاء الصقالبة الطغاة السفاكين، وأخرجوا إدريس من سجنه، وبايعوه سنة ثمانية وثلاثين وأربع مائة، فخرج من مالقة إلى سبتة، التي أزاح عنها أصحاب نجا الصقلبي. ولم يكن له في الواقع سلطان على سبتة، ولهذا نراه بإيعاز من الموالي قد أقام عليها رجلين من البرغواطيين على حكمها وهما سقوط([237]) ورزق الله.
وإدريس هذا هو ممدوح ابن مقانا الأشبوني، وكان نفسه أديباً شاعراً. ولكن المآسي التي واجهته في حياته ولدت فيه نوعاً من التناقضات والاستسلام.
ومهما يكن فإنّ إدريس لجأ إلى سقوط وصاحبه بسبتة، فاستقبلاه بالحفاوة والإكرام، ظاهرياً، ولكنّه ـ كما في المعجب ـ أصبح في حوزتهما محجوباً حجاباً شديداً، ولم يدعا أحداً من الناس يصل إليه، فتلطف قوم من أكابر البربر، حتّى وصلوا إليه، وقالوا له: إنّ هذين العبدين قد غلبا عليك، وحالا بينك وبين أمرك، فائذن لنا نكفيكهما، فأبى، ثمّ أخبرهما بذلك، فنفيا أولئك القوم الذين أرادوا إنقاذه وأخيراً أخرجا إدريس بن يحيى وبعثا به إلى الأندلس، وتمسكا بولده لصغره، إلاّ أنّهما في كلّ ذلك كانا يخطبان لإدريس بالخلافة.
وهكذا استبد الرجلان بسبتة وطنجة، وانتقل عنهما إدريس لاجئاً إلى الرندة، وصاحبها أبو قرة الأفراني.
أراد سقوط أن يصفي حساب هذه الأسرة، كما فعل نجا قبله، فقتل الحسن السامي أخا محمداً المهدي وولي عهده متظاهراً بالولاء لهم وقد جعله وراءه ظهرياً. ولهذا لما استنجد به صاحب الجزيرة الخضراء القاسم ابن محمد بن القاسم المذكور وهي محاصرة بجيوش المعتمد بن عباد، سكت عنه. فلمّا سقطت مدينته بيد الغزاة ولجأ إليه، أوصد عليه الباب حتّى سقط في يده. وكان على نباهته وجلالة عمله، أضعف امراء البربر شوكة، وأقلهم رجالاً. فنكب الأمير عن سبتة إلى المرية، وبقي بها إلى أن توفي.
لم يبق لسقوطْ الآن إلاّ أن يتخلص من شريكه، وهو الرجل القوي الذكي. وما ينتصف هذا القرن حتّى نجده قد حقق أمنيته وتخلص من شريكه «رزق الله» الذي أعدمه سنة ثلاث وخمسين، وأصبح الحاكم بل الملك المطلق، واتخذ لنفسه لقب «االمنصور المعان».
ولم يكتف المعتضد ابن عباد بإمارته في شبه الجزيرة، بل تاقت نفسه إلى سبتة، بعد سقوط الجزيرة الخضراء في يده، فقامت المعارك المبيرة بين الأسطول السبتي والأسطول الأشبيلي وانتهت أخيراً بالظفر للسبتيين، فأصبح المضيق تحت رحمتهم، وأصبح سقوط حذراً مما يأتي من خارج البحار، فلم يقبل حتّى لجوء إخوانه البربر إلى سبتة، حينما طردهم ابن عباد من بلادهم التي كانوا أصحابها في الأندلس، وعلى رأسهم أصحاب مدينة شريش الذي قتل ابن عباد صاحبهم بعد اغتيال أخيه، بتلك الطريقة الدنيئة العبادية.
وهكذا قدر لسقوط أن يصبح أميراً في بحر الزقاق، فامتدّت إمارته على ساحله، وكانت طنجة ضمن حكمه، فكانت المدينتان يتولّى حكم إحداهما مباشرة، ويتولّى ولي عهده يحيى ابنه حكم الأخرى، وهما يتمتعان بالاستقرار.
ويعمل سقوط جاهداً على جلب العلماء إليه، فيكون منهم ثلاثة يحسده عليهم المعتمد بن عباد، كما سنرى، وكان سقوط يكاتب ملوك الأندلس في توجيه رجال العلم إليه كما نجد في قصة، ورود رسائل ثلاث على ابن جهور اثنتان منها لأميرين أندلسيين يطلبان مغنية، والأخرى لسقوط يطلب مقرئاً جيداً.
نعم، هكذا كانت دولة سقوط الفتية النشيطة، ولكنها ما أوغلت في النصف الثاني من هذا القرن حتّى تعرّضت إلى خطر عظيم، سيكون ثالث الأحداث التي تواجهها سبتة في القرن الخامس. ألا وهو قيام دولة المرابطين.
سبتة في العهد المرابطي
عهد يوسف وابنه
في أوائل النصف الثاني من القرن الخامس، أصبحت أشباح الخطر تحملق في وجه «سقوط» الذي كان آنذاك قد اتخذ لنفسه طنجة مقراً له، وجعل على سبتة ابنه يحيى، هذا الخطر هو الزحف المرابطي نحو الشمال. وكان الشعور بالخوف والذعر يخيم كذلك على المغراويين، بفاس، وقد مكنوا لدولتهم، واطمأنوا إلى عاصمتهم التي صارت مأم القاصدين، من القيروان، التي اكتسحها الأعراب، ومن الأندلس نفسها، وقد اضطرمت بالفتن والأهوال، فكانت وشائج الحضارات تجمع بين الإمارتين، كما كانت نذر الخطر تؤلف بينهما.
وكانت فاس أقرب إلى خط النار ـ كما يقول العصر ـ من سبتة، فقد توجه يوسف نحوها، ودق إسفين الحصار أسفلها، وذلك بربط يوسف «المهدي» الجزنائي صاحب مكناسة بعجلته، فكان ذلك ممّا سهل عليه الاستيلاء على فاس سنة 454، بعد معارك جرت بين رجاله وبين معنصر بن حماد ابن منصور بن المعز بن عطية.
وهكذا صارت فاس تحت حكم المرابطين، واستمر يوسف في طريقه نحو الشمال، حيث فتح كثيراً من أقاليم غمارة. ولكن في سنة 456 كان أهل مليلية يستقبلون الأمير الحمودي محمد المستعلي، الذي فقد مالقة، فبويع على مليلية، وبقي حتّى توفي سنة 460. أمّا يوسف ففي انهماكه هذا جد معنصر الفرصة سانحة للعودة إلى فاس، واستردادها من عامل المرابطين، فنجح في المحاولة، واستعاد المدينة وقتل عاملها.
ولم يكن في مكنة يوسف أن يعود إلى فاس، وهو لما يثبت قدمه في تلك الجهات، فأوعز إلى عامل مكناسبة أو صاحبها بعون فلوله في إعادة فتح فاس. واستجاب الكزنائي أو الجزنائي له، وتوجه في المهمة، فما كان من معنصر إلاّ أن اعترض سبيله، وناجزه القتال الذي سقط المهدي فيه قتيلاً وأصبحت مكناسة يحدق بها خطر معنصر. فاستعان رجالها بيوسف الذي لم يكن له الآن محيص من التوجه إلى فاس أو إرسال جيشه الذي حاصر فاساً حصاراً شديداً، ومع هذا فلم تستلم بالرغم من سحق حاميتها وسقوط معنصر قتيلاً على أبوابها سنة 460، فبايعوا ابنه تميم، ولم يكتب له المكوث والاستقرار، حيث كان يوسف، بعد سنتين من مبايعته قد فرغ من مهمته في الشمال، وعاد إلى فاس، فاقتحمها وقتل تميماً هذا.
وفي هذه المرحلة الحاسمة، كان «سقوط» قد مدَّ يده بالبيعة للخليفة العباسي قبل أن تقدم يوسف بها إلى الخليفة العباسي. وكان يحاول أن يتعاون مع معنصر الذي وجدناه ما انتصر في حربه للمهدي الكزنائي وتمكن من قتله، حتّى وجه برأسه إلى سقوط.
فهذا الصنيع له دلالته الواقعية، ولم يكن كما قيل رمزاً للوفاء والتبعية للأدارسة الحموديين، الذين كان ظلّهم الخيالي مسدولاً على حكومة سقوط الذي قد تنكر لهم أخيراً، كما رأينا. بل إنّه كان بمبايعته للخليفة العباسي ـ مبايعة رمزية ـ يريد أن يسبغ عليه حلة الاستقلال عن غيره بالمغرب والأندلس على السواء.
لقد أقام يوسف بفاس سنة، ثمّ غادرها لإتمام فتوحاته في الشمال، ولكنّه فجع بموت زوجته زينب عام 464. فوجم لهذه المصيبة، ثمّ تابع فتوحاته. وكانت العقبة الكأداء في وجهه، هي مدينتي طنجة وسبتة، فبدأ بطنجة التي تجرّد للدفاع عنها «سقوط» نفسه، وهو يناهز التسعين من عمره، فخاض المعارك المريرة، التي انتهت بقتله ودخول طنجة سنة 470 في طاعة المرابطين، ولم يبق أمامه إلاّ سبتة، وبها يحيى البرغواطي معتصماً. فوجّه إليها ابنه المعز الذي أحكم الحصار عليها واقتحمها سنة سبع وسبعين وأربع مائة. فكانت بذلك نهاية البرغواطيين، الذين حكموا المدينة مدّة لا تقل عن مدّة حكم الحموديين لها بأنفسهم بل تزيد.
وعندما استفحلت دعوة محمد بن تومرت بشدّة، واجتمع نحوه أربعون ألفاً من الرجال، داهموا مراكش سنة إحدى وعشرين. وكان فيها علي بن يوسف فهزموا رجاله. وتوالت عليه المحن والهزائم في المغرب، وعلى رجاله في الأندلس.
وفي سنة 536 كان قد وصل رجال الموحدين إلى نواحي سبتة فتطوان. ولم تكن هذه الأحداث تصل إلى الأمير المرابطي حتّى كان يجود بنفسه سنة 537، فيبايع تاشفين ابنه.
وفي سنة ثمان بعدها، كانت أجفان النصارى تداهم سبتة، ولم يكن هؤلاء من الإسبان بل كانوا من النورمند فوقعت معارك شديدة بين أسطولهم وأسطول سبتة، انتهت برجوعهم عنها. وكان أمير البحر آنذاك أبو عبدالله محمد ابن ميمون الذي ظهرت كفاءته أيام المرابطين فالموحدين بعدهم.
ومنذ هذا التاريخ صارت سبتة تستعد لطي بساط المرابطين، لتنشر بها بساط هو بساط الموحدين الشامل.
سبتة في العهد الموحدي
طويت صفحة سبتة المرابطية، وها هي الآن صفحتها الأخرى تنشر على العهد الموحدي.
فكيف كان ذلك؟ لقد اتصل عبد المؤمن بريف سبتة، كما نقل ابن عذارى عن ابن حمادة سنة 536 أيام علي بن يوسف، ثمّ اتصل بسبتة وهو مشتبك مع تاشفين في قتال مرير. ولمّا نازلها امتنعت عليه بدفاع قاضيها عياض، ثمّ في سنة 539 مات تاشفين.
وفي سنة أربعين وخمس مائة وكان عبد المؤمن تحت أسوار فاس، وفد عليه قائد الأسطول المرابطي للأندلس، الذي كان يرابط حينذاك بمياه قادس، وهو علي بن عيسى بن ميمون، فبايعه، وقدم إليه طاعة مدينته، التي أقام الخطبة بجامعها للدولة الجديدة. ولا شك في أن السبتيين كان الأسطول يسيطر دائماً على مياه مدينتهم لهذا لم يتقدموا إلى هذه البيعة وأسطول المرابطين جاثم بها، فلمّا فارقها وعليه أبو عبدالله ابن ميمون ـ إلى وهران باستدعاء تاشفين ـ أوفدوا عياض على عبد المؤمن على رأس وفدهم ليقدم إليه طاعتهم ودخولهم في بيعته. وكان عبد المؤمن آنذاك قد ولّى وجهه نحو مراكش. وفي طريقه نزل بسلا فحل عليه بها القاضي عياض وقدم إليه طاعة قومه فتقبل طاعتهم، ووجّه إلى مدينتهم والياً من قبله، هو يوسف بن مخلوف، التينملي من مشيخة هنتاتة، فساكن الموحدون أهل سبتة في ديارهم واطمأنوا إليهم، كما في الاستقصا.
ويبدو أنّ بيعة سبتة كانت على اتقاء، لهذا ما أتيحت الفرصة التي رأتها للتخلص منها، حتّى خلعت من عنقها ربقة الطاعة سنة إحدى وأربعين، إثر ثورة محمدبن عبدالله بن هود السلاوي في جزولة واستيلاءه على غالب المغرب. ففتكوا بعامل الموحدين وأصحابه([238]). وعبر عياض البحر إلى ابن غانية فأتى عائداً إلى سبتة بأبي بكر الصحراوي صاحب فاس سابقاً، مولّى عليها من قبل ابن غانية المذكور وبايعته برغواطة سبتة، فقاتل بها عبد المؤمن. فلمّا قضى الموحدون على هذه الثورة العارمة الخطيرة، اضطر السبتيون إلى العودة إلى حظيرة الموحدين، الذين كانوا شددوا عليها الحصار. وكان واليها المذكور قد بايع عبد المؤمن سنة 542 بعد فشله كما ذكر البيذق في كتابه. فخرج القاضي عياض مستعطفاً القائد الموحدي يصلاسن بن المعز ومعتذراً عن مواطنيه فقبل عذره، وفسح له السبيل للتوجه إلى عبد المؤمن بمراكش لهذه الغاية. فقبل الخليفة هذا العذر ولكنّه ألزمه مجلسه وأن لا يعود لسبتة.
وكما فعل يوسف بن تاشفين، فجعل سبتة إحدى المراكز لانشاء الأساطيل فإنّ عبد الؤمن نجده، سنة سبع وخمسين، يأمر بإنشاء الأساطيل الجهادية، في مدن كانت سبتة من أهمها. وكان عبد الؤمن قد عبر من سبتة سنة 555. ثمّ عاد إليها من جهاده بالأندلس سنة ست وخمسين بعدما أقام بجبل طارق شهرين. وسماه جبل الفتح وبنى به المدينة التي ما زالت آثارها باقية. واستقبل الشعراء من الأندلس والمغرب، ودرس في إقامته شؤون الأندلس مع وفودها. وكان تقدّم بجيش للجهاد. فالتقى بفحص بلقون مع ألفونصو ملك طليطلة أو «فرديناند» ملك ليون فكان له الظفر عليه.
لقد توفي عبد الؤمن بعد سنة من أمره بإنشاء الأساطيل المذكورة، فلمّا بويع يوسف لم يلبث حتّى قامت الثورة بجبال غمارة سنة 560. ولمّا استفحل أمرها، توجّه الخليفة لإخمادها، ثمّ عقد لأخيه أبي علي الحسن على سبتة وسائر بلادهم، وكان ذلك سنة إحدى وستين. وفيما قبلها بسنة، كان أخو الخليفة، أبو حفص عمر، يركب البحر من طنجة إلى سبتة ومعه كاتبه عبد الملك بن عياش وبعض خاصته، والتحق به بقية ركبه، بطريق البر، للعبور منها إلى الأندلس، حيث كان أخوهما أبو سعيد قد تخلف عن البيعة، وهو رئيس الأندلس.
وفي سنة ست وسبعين وخمس مائة، نجد الأسطول البرتغالي، يتجه صوب سبتة، لضرب الأسطول الموحدي الراسي بمينائها، ولكن قائد الأسطول عبد الملك ابن جامع، أقلع من سبتة به لمواجهة الأسطول البرتغالي في عرض البحر، وانضم إليه قائد الأسطول بأشبيلية، أبو العباس الصقلي، فاجتمع الأسطولان بثغر قادس ثمّ التقيا بالأسطول البرتغالي، والتحمت المعركة التي انتهت بالظفر لأسطول الموحدين.
وفي سنة ثمانين وخمسمائة، كان الخليفة الموحدي يحل بسبتة مع جيشه، قاصداً العبور إلى الأندلس، بقصد وضع حد لاعتداء البرتغال. وفي إقامته هذه أمر بجلب الماء إليها من قرية بليونش، في قناة تحت الأرض. وشرع في العمل، ثمّ عرض ما أوجب التربص كما في الاستبصار. أمّا البرتغال فكانوا يعيثون فساداً في البر والبحر، وكان ملكهم قد نقض العهد الذي كان بينه وبين الموحدين، فعبر الخليفة إلى جبل طارق، وسار منه إلى الجزيرة الخضراء بأشبيلية، ومنها قصد إلى مدينة شنترين، شرقي لشبونة التي كانت أهم قواعد العدوان البرتغالي. وكان الخليفة يرى أنّ الاستيلاء عليها، سيكون ضربة لملك البرتغال ألفونصو هنريكي، الغادر الخائن، ولكن الخليفة أصيب في هذه الحملة بجراح توفي بها، وكان الخليفة في نفس هذه السنة، قد وجّه بسفارة له إلى حمد ابن غانية صاحب جزر البليار، وكان أبو الحسن علي ابن القائد «الروبيرتر» القاطالوني([239]) على رأس السفارة التي استقبلها ابن غانية بترحاب وأبدى استعداده للدخول في طاعة الموحدين. ولكن إخوته ثاروا ليه، وولوا منهم علياً، واعتقلوا السفير الموحدي ورجال أسطوله.
كان عبدالله ابن جامع، أبو إدريس وزير الخليفة، هو الذي يتولّى مدينة سبتة وجهاتها، وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم إلى أن مات الخليفة يوسف. ولمّا خلف يعقوب أباه أعدّ أسطولاً بقيادة أبي محمد بن إسحاق ابن جامع وأبي محمد بن عطوش الكومي وأبي العباس الصقلي. فكان الأسطول الهائل يخرج من سبتة لفك الحصار عن قسنطينة التي يطوقها علي ابن غانية. وبعدما قام الأسطول السبتي بمهمته، غادر مياه بجاية، عائداً إلى مراسيه بسبتة، سنة اثنتين وثمانين.
وكان يعقوب، قد ولّى وجهه في العبور إلى الأندلس، نحو القصر الصغير، ولهذا لم نطلع على نزول له بسبتة، حتّى في عبوره إلى الجزيرة الخضراء سنة خمس وثمانين ثمّ سنة إحدى وتسعين، ليسجل ذلك النصر المبين في موقعه الارك Alarcos القرية الواقعة بين قرطبة وقلعة رباح. وكذلك نجد ابن أبي زرع يذكر أنّ المنصور في جوازه الأوّل أجاز من القصر الصغير إلى الجزيرة الخضراء.
وفي عهد ابنه محمد الناصر، استمرّ الحال على ما كان أيام أبيه، فكان عبوره إلى الأندلس، بنصف مليون من الرجال، من القصر الصغير، فاحتل بمدينة طريف، ومع ذلك التحوّل فإنّه في أيامه كانت أحداث ذكر فيها الأسطول السبتي. ففي سنة 597 هاجم عبدالله بن إسحق الغاني جزيرة يابسة، التي كانت تحت حكم الموحدين، فقاومه أمير البحر ابن ميمون، وكانت الأساطيل الموحدية آنذاك راسية في مياه سبتة فأصدر الخليفة أمره إلى أسطول سبتة، وأسند قيادة الأسطول إلى عمّه أبي العلاء إدريس([240]) واستعمل على الجيش أبا سعيد عثمان بن أشياخ الموحدين، ففتحا جزيرة ميورقة عنوة، وقتل أميرها عبدالله المذكور. وكان ذلك الظفر سنة 599، ثمّ دخلا مراكش بالأسرى.
وبعد هذا جاءت الأخبار بتسلط يحيى بن إسحاق الميورقي على عاصمة إفريقيا([241]) وغيرها، فأصدر الخليفة أمره بتوجه الأسطول إلى مياه إفريقيا، فتوجّه أسطول سبتة على الفور لاستنقاذ إفريقيا، وسار هو على رأس جيشه براً. فلمّا علم يحيى باقتراب الأسطول السبتي منه فرّ وتمكّن الموحدون من المدينة واحتلوها، وأعطى قائدهم الأمان لأهلها فسرّ لذلك الناصر سروراً عظيماً، وطارد جيشه الميورقي في الغازي، وكان ذلك سنة 601.
يقول عبد الواحد المراكشي: وأعمال سبتة هذه في غاية السعة والضخامة، لأن بلاد غمارة كلّها ترجع إليها، وهي طولاً وعرضاً نحو من اثنتي عشرة مرحلة (فهذا وصف معاصر).
وبعد الموحدين توالت الأحداث على سبتة، فكانت بيد من عرفوا باسم العزفيين، ثمّ انتهت إلى بني مرين. وأخيراً آل أمرها إلى احتلال البرتغاليين سنة 1415 أيام أبي سعيد عثمان بن أبي العباس بن أبي سالم المريني، وأيام جوان الأوّل البرتغالي.
ولقد لقي البرتغاليون مقاومة شديدة من أهل الجبال من القبائل والمداشر المجاورة ومن القادمين من أماكن بعيدة وفي مقدمتها فاس.
وحال السبتيون الاستنجاد بابن أبي سعيد عثمان المريني، وهو عبد الحق المريني آخر ملوك مرين فلم يجد ذلك شيئاً.
وعندما ضمّت البرتغال إلى إسبانيا سنة 1580، وظلّت تابعة لها إلى سنة 1640 حيث تمّ الإنفصال بين الدولتين، ظلّت سبتة تابعة لإسبانيا، ولا تزال كذلك حتّى اليوم شأنها شأن مليلة بالرغم من استقلال المغرب وجلاء الفرنسيين والإسبان عنه.
محمد بن تاويت
سبزوار
كانت سبزوار واسمها القديم «بيهق» أو بيهة ومعناه أفضل المناطق وهي من أعمال خراسان وتعدّ ثانية المدن المهمة في خراسان بعد مدينة مشهد من حيث النسبة السكانية والحالة التجارية وهي تقع في أقصى الجانب الغربي من خراسان (بين 57 درجة و43 دقيقة «طولية شرقاً» و36 درجة و22 دقيقة عرضاً شمالياً عن نصف النهار بالنسبة إلى غرينوج وتحدّ هذه المدينة من الشمال مدينة اسفراين بمسافة 103 كيلومتراً بعيدة عنها ومن الجنوب مدينة كاشمر بعيدة عنها بمسافة 150 كيلومتراً ومن الشرق مدينة نيشابور بمسافة تبعد عنها حوالي 103 كيلومتراً، وتحدّها من الغرب مدينة شاهرود بمسافة تبعد عنها حوالي 250 كيلومتراً.
وتبعد سبزوار عن مشهد مركز محافظة خراسان حسب الجادة الجديدة حوالي 215 كيلومترا وتبعد عن طهران حوالي 660 كيلومترا واختلاف أفق سبزوار عن مركز محافظتها مشهد بعشر دقائق أمّا اختلاف أفقها عن طهران فحوالي 25 دقيقة تقريباً. كانت بيهق في إيران الأثرية جزءاً من العهد القديم وكانت منطقة واسعة يحكمها حاكمان واحد يحكم قصبتها والآخر يحكم منها ما يسمّى بخسروجرد، وكان في كلّ من الحكومتين أو الولايتين عمارات وأحياء سكنيّة كثيرة وعلى حد قول (عبد الرفيع حقيقت) أنّ المنطقة كانت تضم 321 قرية وخمس ولايات تحمل الأسماء التالية:
- الحومة، (2) داورزن، (3) صفي آباد، (4) جُعيّاي، (5) ششتمد.
فأمّا قصبتها فقد اتسعت نحو الجنوب ولمّا كان فيها نبع ماءٍ جارٍ باسمها (ماء القصبة) أيضاً فقد بدت المنطقة مخضرّة ملأى بالبساتين والأشجار ولذا فقد سمّيت بسبزوار (أي المنطقة ذات الخضرة) وتوجد روايات أخرى في سبب تسميتها بسبزوار…
وأمّا ما تسمّى بخسروجرد فتقع منطقتها على مسافة 5 كيلومترات غرب مدينة سبزوار وسبب تسميتها بخسروجرد كما قيل هو أنّ الملك خسرو الساساني كان قد بناها وربما كان اسمها خسروگراد أي المدينة التي عمرها وبناها خسرو و«كلمة» گراد تستعمل كثيراً في مدن روسيا كستالينگراد ولينينگراد أي مدينة ستالين ومدينة لينين فكذلك هذه المدينة خسروگراد أي مدينة خسرو.
ثمّ تبدل اسم هذه المدينة كما تبدلت أسماء المدن الروسيّة.
أمّا الارتفاعات والمنخفضات في سبزوار فهي باختصار جبال جفّاي التي تقع في الجنوب الأقصى من سلسلة جبال البرز وتقع هذه الجبال شمالي سبزوار، ثمّ هضبة جوين وهي تنفصل عن منطقة السهل الأصيل لسبزوار أمّا جنوب سبزوار فتحدّها جبال كومس أو (قوميس) هي تتمة لسلسلة جبال دامغان…
فمدينة سبزوار إذن عبارة عن وادٍ واقع بين الجبال الشمالية لجقباي وطبس والجبال الجنوبية لكومس أو قومس.
وترتفع مدينة سبزوار عن البحر حوالي 970 متراً وأعلى قمة لجبالها هي ANDEGAN آندجان وهي في ارتفاع 2373 متراً عن سطح البحر.
أمّا المعادن وكنوز الأرض في سبزوار فهي كثيرة وهي موضع فائدة جميع مدن محافظة خراسان كما يصدر بعضها إلى خارج البلاد ومن هذه المعادن الصخور التي تستعمل في المباني ومعادن الكروميت، والنحاس، والبورق، والرصاص، والقطن غير القابل للاشتعال والطين الأبيض وغيرها ولعل أهم هذه المعادن هو الصخور المرمرية…
ماء سبزوار وهواؤها:
للاطلاع على ماء سبزوار وهوائها ينبغي أن نعرف العوامل المؤثرة في الهواء والماء ودرجة الحرارة وهبوب الرياح ولعلنا يمكننا أن نصل إلى النتائج التالية إذا لاحظنا أقصى درجة للحرارة وأقل درجة فيها خلال السنوات التالية.
ميلادية هجرية شمسية
[1979م] 1355هـ 1360هـ
ميلادية شمسية ميلادية
[1981م] 1367هـ [1988م]
أدنى درجة للحرارة 13,6 تحت الصفر
9,5 تحت الصفر 10,8 تحت الصفر
أقصى درجة للحرارة 41,44 فوق الصفر
41 فهرنهايت 42,8 فهرنهايت
ولتوضيح الأمر نقول بأنّ أقصى درجة للحرارة في صيف سبزوار (حزيران وتموز) تبلغ 43 درجة فهرنهايت وأدنى درجة للبرودة تبلغ في شتاء سبزوار حوالي 11 درجة تحت الصفر تقريباً.
أمّا رطوبة الجوّ فناشئة عمّا ينزل من البرد والغيث وهما حوالي 160 إلى 165 مليمتر مكعب.
ما يروي سبزوار:
لا توجد في سبزوار أنهار دائمية سوى بعض العيون والروافد الصغيرة التي تأتي من سفوح الجبال العالية ومن هذه الروافد التي يمكن الإشارة إليه رافد يجري جنوب سبزوار بمسافة تبعد عنها حوالي 6 كيلومترات وهناك في منطقة جوين رافد مالح ماؤه ونسبة هذه المياه تتعلق بنزول الغيث طبعاً وكل ما أشرنا إليه يستفاد منه لري الأرض والزراعة.
أمّا ما يستقي منه الناس فهو من الموارد التالية:
1 ـ ماء قناة القصبة وكان منبعه واحداً من منبعي بيهق.
2 ـ قناة عبد الرحمن وهي في شمال سبزوار متصلة بماء القناة السابقة أيضاً.
3 ـ الآبار العميقة في قرية كشكن) على وزن (مَدْيَن) وتقع في نحو 12 كيلومتر غرب مدينة سبزوار.
4 ـ قناة عميد آباد في شمال غرب المدينة…
5 ـ قناة (دهزار) وتقع قريباً من قناة عميد آباد وأخيراً الآبار العميقة الواقعة في قرى بغرة وتقع على بُعد 30 كيلومتر غرب سبزوار تقريباً وتروي أهل المنطقة جميعاً بمائها…
الغطاء النباتي: رعاية النباتات والأشجار
لمّا كانت معظم أراضي سبزوار تقع على حافة أرض مالحة فالغطاء النباتي قليل فيها والأشجار نادرة أضف إلى ذلك أنّ الماء نزر في تلك المنطقة.
تثبيت الرمال والحصى المتحركة، بسبب ما ذكرنا آنفاً في الحديث عن الغطاء النباتي فإنّ الرمال والحصى الصغيرة تتحرّك مع هبوب الرياح حتّى الضعيفة منها جنوب سبزوار ويغبّر الجو وتتكدر حياة الناس إلا أنّه منذ سنة 1963م بدأ العمل الجاد إلى الحدّ من تحرّك الرمال وغرس الأشجار التي تستقر في الأرض المالحة وتقاوم أملاحها…
محمود البيهقي
التشيع في سبزوار
وعن التشيع في سبزوار يقول السيد رسول جعفريان:
أحد المؤلفين، أنّ هذه المدينة كانت مركزاً للتشيع، وأنّ التشيع راج فيها منذ عهد الطاهريين. وذكر أيضاً أنّ تشيعها كان إثني عشرياً، دون أن يذكروا دليلاً على ذلك.
وجاء في (معجم البلدان) أيضاً أنّ أكثر أهلها هم من الروافض الغلاة. لكن ذلك لا يدل على وجود التشيع منذ البداية فيها. على أي حال نُقل أنّ قنبر خادم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قد سكن في هذه المدينة، وأنّ في (بيهق) مسجداً باسم ابنه (شاذان بن قنبر) وهذا الأمر يشكل شاهداً مناسباً على وجود التشيع في هذه المدينة منذ البداية.
وبشكل عام فإنّ وجود هذه المدينة في خراسان ـ التي كانت تحمل ميولاً علوية ـ يقرب فكرة أنّ هذه المدينة كانت منذ البداية محلاً لانطلاق الميول الشيعية.
ونقل عن صاحب (تلخيص الآثار) أنّ هناك الكثير من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء من أهل هذه المدينة. ومع ذلك فإنّ المذهب الغالب حسبما ينقلون هو الرافضة المغالية. ومن العلماء المشهورين في هذه المدينة والمهتمين بالرفض: الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب الكتب المشهورة.
ومن الأدلة المطروحة على تشيع هذه المدينة: هجرة الكثيرين من السادات من المدن المختلفة وخاصة من نيشابور والري إليها، وكان عددهم كثيراً جداً.
ونقل عن السيد بحر العلوم قوله: «بيهق هي ناحية معروفة في خراسان، تقع بين نيشابور وبلاد قومس (مدينة دامغان حالياً)، ومركزها سبزوار، وهي من المدن الشيعية الإمامية قديماً وحديثاً، أهاليها أشهر في تشيعهم من أهالي خاف والخزر في تسننهم» وجاء أيضاً: أنّ أهلها من الإثنا عشرية منذ القدم.
يتضح من هذه العبارة أنّ التشيع كان موجوداً في هذه المدينة منذ القدم، لكن كلمة القدم هذه نسبية أيضاً. وذكر (المستوفي) أيضاً أنّ أهلها «هم من الشيعة الإثنا عشرية».
وفي أطراف (بيهق) هناك مدن مثل (نيشابور) تستثنى من الميل الشيعي الواسع، حيث كانت (نيشابور) مركزاً للعلماء السنيين وعلومهم الدينية وكان الشيعة فيها يعرضون للضغوط والمراقبة. ونقل أنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان قد أرسل توقيعاً لشيعة نيشابور، وأرسل إليهم مندوبين ليرجعوا إليهم. كما إنّ وجود شخص مثل (الفضل بن شاذان) المتوفى عام (260هـ) في نيشابور هو دليل على وجود أسر شيعية في تلك المدينة. وكان الفضل يعد من نوادر علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري، وكان يفوق كثيراً من العلماء الآخرين بدقته العلمية، وكتاب (الإيضاح) شاهد على ذلك. وقد تعرّض لضغط من قبل (عبيدالله بن طاهر) الذي نفاه فيما بعد إلى (بيهق).
المباني التاريخية والدينية في مدينة سبزوار
يحدّ مدينة سبزوار من الشرق (نيسابور) ومن الغرب (شاهرود) ومن الجنوب (كاشمر) ومن الشمال (اسفراين). وتقع في الدرجة (36) و(12) دقيقة عرض شمال، والدرجة (57) و(23) دقيقة طول شرق. وتبعد عن مدينة مشهد مسافة (226) كلم، وعن طهران (666) كلم. وتتقدم بأوقارتها الشرعية (25) دقيقة عن طهران.
وكثافة السكان فيها تصل إلى حدود (20) شخصاً في الكيلومتر المربع.
وجوّها جاف، ويختلف مستوى الجفاف من منطقة إلى أخرى، حيث ينهال المطر في شمالها أكثر من جنوبها، وهي من الإقليم نصف الصحراوي.
وأكثر سكان سبزوار هم من العرق الآري، مثل سائر نقاط إيران. وقد تعرّضوا فيما بعد لهجوم القبائل المختلفة، فاختلطوا معهم. ودين أهل سبزوار هو الإسلام، ومذهبهم التشيع، ويضرب بهم المثل في التزامهم بتشيّعهم في التاريخ بحيث كانت سبزوار تسمّى (دار المؤمنين).
بنيت سبزوار حوالي العام (300م) وهناك روايات أخرى في هذا المجال، لكن هذا التاريخ هو الأقرب إلى الصحة. ومن البديهي أنّها كانت في بداية الأمر قرية صغيرة، ثمّ اتّسعت حتّى بلغت محلاتها ونواحيها وضواحيها (395) منطقة في القرن السادس.
وكما ذكرنا فقد أسّست قبل الإسلام، وكلمة (بيهة) أو (بيهين) تعني كثير الإنفاق أو كثير العفو أو كثير الرحمة، وهي منسوبة إلى أهالي سبزوار، ومعربة لبيهق. وكان مركز مدينة بيهق هو (خسروگرد) ثمّ أصبحت سبزوار فيما بعد مركزاً لهذه المنطقة.
وقال القزويني في مقدمة تاريخ بيهق: «بيهق هو اسم قديم لناحية من نواحي خراسان، وسبزوار الحالية هي المدينة الأساسية فيها، وقد خرج من تلك المدينة في كل عصر وقرن عدد من العلماء والفضلاء».
وجاء في موسوعة دهخدا اللغوية: «في القرون الوسطى كانت سبزوار تسمّى بيهق. وهي أرض الخلافة الشرقية، وتقع في غرب نيسابور وأكبر مدنها: سبزوار وخسروگرد».
ونقل في دهخدا أيضاً: «إنّ سبزوار في الأصل كانت (سامويه) وقيل إنّه اسم لأحد أبناء (يزدجرد) الذي بنى سبزوار… وأهلها معرفون بالتشيع، وبحب أهل البيت».
وجه التسمية
ورد اسم سبزوار في النصوص المختلفة على شكل (سابزوار، سبزوار، سانزوار، سوزوار. بكسر السين وسكون الواو. وبضم الزاي في بعض لهجات القرى التابعة لها. وقد سئل بعض المسنين المحليين عن كيفية تسمية هذه المدينة، فلم يدع أحد منهم معرفة ذلك إلاّ رجل واحد أتى بتوضيح أسطوري هو: «… مرّ هولاكو بالصحراء متجهاً نحو خراسان، وقد عانى من صعوبة الطريق وقلة العلف لخيله، ولمّا اقترب من منطقة مأهولة سأل باللغة التركية: سبزي واردي، أو سبزه وارد. وكان بذلك يسأل مرافقيه هل بلغنا منطقة مزروعة لنطعم حيواناتنا؟ وسأل مرافقوه الأهالي نفس السؤال، فأجابهم الأهالي بالإيجاب، وبقي اسم سبزوار تتناقله الألسن خوفاً من هولاكو، حتّى سمّيت المدينة بهذه الاسم لئلا يتكدر خاطر هولاكو، ظنّاً منهم أنّه قد أطلق هذا الاسم على مدينتهم».
وسبزوار في اللهجة المحلية تلفظ بكسر أولها (سبزوار) وهكذا لفظهم أيضاً لكلمة سبزي التي تعني الخضار.
المساجد
1 ـ المسجد الجامع: وهو بناء قديم، يعود إلى حوالي النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، بناه شيعة ملتزمون، كانوا يطلقون على أرض سبزوار اسم دار المؤمنين. وكانت تقام فيه صلوات الجمعة والجماعة. أمّا الآن فهناك مصلّى جديد لصلاة الجمعة، يقع قرب المصلّى القديم لسبزوار، ويستخدم المسجد الجامع للصلاة اليومية جماعة.
وحول تاريخ بناء هذا المسجد جاء في موسوعة دهخدا اللغوية: «بناءاً على الكتابة الموجودة فيه فإنّه قد بني عام (1044هـ) على يد الخواجة علي المؤيد الحاكم».
ويقع هذا المسجد في الجهة الجنوبية لشارع بيهق، أي مقابل مرقد (إمام زاده يحيى). وكان مدخله الرئيسي من الإيوان الشمالي، أمّا الآن فهو مغلق، ويتم الدخول عبر ممرين من كلا البابين الكبيرين.
مساحة المسجد تبلغ أربعة آلاف متر مربع، منها (2835) متراً مربعاً مبنياً ومسقوفاً و(1065) متراً مربعاً مكشوفة.
الإيونان الشمالي والجنوبي لم يتغيّران كثيراً، بل حافظا على أصالتهما. والإيوان الجنوبي أجمل وأهم من سائر مباني المسجد، ففيه مئذنتان من الآجر، ورغم بساطتهما فإنّ لهما أبهة وجمالاً خاصاً. وعند بناء هذا المسجد لم يستعمل فيه أي نوع من الزينة من الكاشي أو الجفصين، وأسلوب بنائه يعود إلى أواخر القرن الهجري الثامن. وفوق محراب الإيوان كتب تاريخ (1292هـ)، وكتب داخل الإيوان تاريخ (25/6/347ش) أي (15/9/1968) وهذه التواريخ تشير إلى الإصلاحات التي أجريت على هذا البناء القديم. وعند جانبي الإيوان هناك لوحتان صغيرتان من الرخام الأسود، لكن للأسف من الرخام المتفتت، وقد ورد عليهما تاريخ (1136هـ).
على اللوحة الشمالية نقش: «هو الله، بسم الرحمن الرحيم الرحيم، إنّي ملك الولاية طهماسب الثاني أصدر حكماً: بما أنّ مخاذيل الأفغان والبلوش والتركمان قد عرضوا سكنة دار المؤمنين سبزوار ومتوطنيها ورعاياها لصدمات وخسائر، وزاد فيها وقوع السوانح عليهم، لذا فإنّ من اللازم مراعاة سكنة دار المؤمنين سبزوار ورعاياها وعجزتها والمتوطنين فيها، وعليه فقد قرر الملك رفع الضرائب عنهم، وألزم حكام سبزوار بالرفق بهم وطلب من قادة خراسان ومشهد المقدسة عدم مطالبتهم بشيء وعدم التعرّض لهم، بل إغاثتهم وإعانتهم». وأرخ ذلك بسنة 1136هـ.
وعلى رخامة موضوعة عند يمين الإيوان الشمالي لجامع سبزوار نقش: «هو المراد، بما أنّ الاضطراب والاختلال قد وقع في أوضاع رعايا وسكان ومتوطني بلدة ونواحي دار المؤمنين سبزوار بسبب هجمات ونهب جمع من الميشومة والأفغان… مخاذيل الدين وأعدائه الظاهرين، لذا وبناءاً على حصول دعاء الخير من جهة الذات الأقدس والوجود المقدس عن أرواح علمائنا فداء لتراب أقدامه المباركة، حيث سامح الرعايا من كلّ الضراب التي كان يجبيها الحكام السابقون، ليعيش أهل المنطقة رفاه الحال وفراغ البال، داعين بدوام حكمه، وليقوموا بإعانة البؤساء والفقراء، وسيعاقب كلّ من يطالب عجزة هذه الولاية… في شهر ذي القعدة سنة 1136هـ حرّره العبد محمد أمين الحسيني». وقد خطت هذه الرخامة بخط الثلث وبشكل حسن نسبياً.
وتوجد لوحة أخرى في الممر الأوسط لنفس هذا الإيوان بخط حسن جدّاً، وقد أتلفت أطرافها، وحوت فرماناً للشاه طهماسب الأوّل جاء فيه: صدر أمر همايوني مفاده أنّه بما أنّ غسل الأموات ودفنهم هو واجب كفائي، وأنّ أخذ أجرة التغسيل والدفن هو أمر غير مشروع، لهذا فإنّ نفحة من المراحم اللامتناهية قد شملت حال شيعة ولاية سبزوار، فقد تعهد بدفع مال التغسيل والدفن وجعلها من ضمن رواتب رعية ولايته. وقد تصادقنا بذلك مع بداية هذا العام، وقدمنا ثواب ذلك هدية لحضرات مراتب العرش المعصومين الأربعة عشر، ليعمل طبقاً للشرع ولا يطلب من أحد أجرة على ذلك، ولئلا يقع عدول وانحراف عن جادة الشريعة الغرّاء، وليطلع السادة والأرباب والأهالي والمخاتير في الولاية المذكورة على الأمر فقد أورد في هذا اللوح، على أن يعلّق في مكان مرتفع عند ممر الخلائق، ومن يعمل خلاف ذلك ويغيّر الأمر المذكور يكون من المردودين من الحضرة الإلهية، وعلى عمال ومتصدي المهام المالية وغسل الموتى في الولاية المذكورة العمل بموجب ذلك. ومع بدء هذا العام فقد تصدقنا مطلقاً بمال تغسيل الموتى ودفنهم، فلا يحول أي دينار منه، ولا نطالب مولانا محمد علي السبزواري وسائر الغسّالين والدفانين في الولاية المذكورة بأي شيء، وبعد ذلك من الممنوعات، وعليه يصار كلّ عام، ولا داعي لتجديد الحكم كلّ عام. حرّر في يوم الخميس أوّل ذي القعدة عام تسعماية وتسعة وسبعين».
القاعة الشمالية فيها تسعة نوافذ نور، ثلاثة منها في اليمين، ينفذ النور منها، وأمّا النوافذ الثلاث تلك فيوجد باب حديدي مشبّك وفيه قطع زجاجية.
القاعة الوسطى للمسجد كانت تستخدم لأداء صلاة الظهر، لأنّ أيام الصيف في سبزوار حارّة جدذاّ، وهذه القاعة مناسبة للمصلين. وفي شرق المسجد توجد قاعدة سفلية، وفوقها قاعة ربيعية، وبني في الوسط حديثاً مكان للدراسة.
القاعة الصيفية هذه بناها المعمارون القدامى، للتخفيف من تأثير حرارة الصيف على المصلين. وفي عام (1346هـ) هدمت، وزيد من ارتفاع أرضها، لتصبح في مستوى أرض المسجد. وقد استعمل سطح هذه القاعة للعبادة في الليالي أيضاً، أمّا الآن فلا يستخدم السطح إلاّ في ليالي شهر رمضان إذا جاء في الصيف.
وعند إعادة بناء هذه القاعة استخدم الآجر الملوّن والكاشي، ولم يكن الكاشي قد استخدم في بناء المسجد من قبل، وقد زيّن أعلى باب القاعة بالكاشي، وكتب عليه بخط النستعليق وباللون الأبيض على أرضية زرقاء لازوردية هذا النص: «بسمه تعالى، بسعي من حضرة آية الله العظمى الميرزا حسين فقيه السبزواري بناها المرحوم (حسين خان غني) وتمّ البناء عام 1385هـ». وورد اسم الخطاط وطابخ الكاشي أيضاً بخط النستعليق تحت ذلك النص على الشكل التالي: «بقلم الحاج محمد حسن رضوان كاتب الأستانة الرضوية المقدسة، وطبخ الكاشي الأستاذ محمود المعاوني» وجاءت عبارة «عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وعجلوا بالتوبة قبل الموت» بخط النستعليق الكبير على جانبي تلك الكتابة.
وعلى عمودي القاعة الشرقية زيّنت الأرضية بالأزرق اللازوردي وخط عليها بالثلث وباللون الأبيض«الله، محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين» وذكر تحتها «صنع مشهد» و«محمود معاوني».
وعلى باقي الأعمدة خط من الأعلى إلى الأسفل بخط أبيض عريض عبارة «لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، علي ولي الله» وقد كرّرت هذه العبارة في جميع الأعمدة.
وعند حافة جدار القاعة دوّنت سورة الجمعة المباركة بخط الثلث. وباللون الأبيض على أرضية زرقاء لازوردية، وجاء في نهاية السورة التي وصلت إلى القاعة الشمالية: «صدق الله العلي العظيم، كتبها: رضا قدس وفرازي».
أمّا الجدار الأوسط للمسجد فقد زيّن بالكاشي الملون بسبعة ألوان، وهو جميل نسبياً، وقد وضع الكاشي عام (1385هـ).
الإيوان الجنوبي للمسجد الجامع في سبزوار: وفيه مئذنتان، وهو من أهم مباني المسجد. فالبناء الأساسي للمسجد كان من الطابوق، وقد استخدم في بنائه الآجر الصيني العادي أحياناً، والمطبوخ كالكاشي أحياناً أخرى. وعندما أعيد بناؤه وترميمه استخدام الكاشي أيضاً. وأسلوب بناء المسجد يشبه مباني أواخر القرن الثامن الهجري.
أمّا مواصفات الإيوان فهي: سعته (9,25) متراً، عمقه حتّى جدار الإيوان (19,75) متراً، ارتفاعه (17,60) متراً، مساحة السقف (20) متراً، ويقع المحراب في آخر الإيوان، وكتب في أعلى المحراب: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنّه هو السميع البصير. اللهم اغفر لنا ولوالدينا. تحريراً في شهر رجب 1292هـ. كتبه محمد حسين بن محمد باقر».
وتستخدم المئذنة اليمنى للأذان، وقد أغلق مدخل الصعود إلى المئذنة اليسرى.
إلى جانب القاعة وعند الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد هناك باب صغير، يصل المسجد بزقاق (نوبان) وبهذا يكون للمسجد ثلاث مداخل، إثنان جهة شارع (بيهق) وهذا الباب هو المدخل الثالث.
وقد زيّنت حواشي الأبواب والقاعات والجدران بسورة قرآنية مباركة، خطّت على كاشي جميل، زاد من جمال بناء المسجد.
القاعة الوسطى للمسجد: وهي قاعة مستطيلة، لها تسعة فتحات، وتستعمل الفتحة الوسطى كمدخل لها، امّا المدخل الآخر لهذه القاعة فهو إلى جانب ممر الإيوان الشمالي. وكانت الجدران مزينة من الخارج بالآجر، أمّا الآن فقد استبدل آجر الأعمدة بالكاشي، وقد ورد في الكاشي اسم الجلالة واسم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بخط كوفي. وزيّن أعلى الممر بآية النور الشريفة بخط الثلث وباللون الأبيض. ودعّمت قواعد الأعمدة برخام (خلج) المشهدي. ويُقال إنّ بناء المسجد من بقايا عهد السربدرايين حيث ورد في كتاب مطلع الشمس: «المسجد الجامع في سبزوار يبدو أنّه من الأبنية السربدارية، وهو بناء عالٍ ومتين ومميز من كلّ الجهات».
أمّا تاريخ بناء المسجد واسم بانيه فليس معروفاً، ولكن يستفاد من كتاباته أنّه من عهد (نجم الدين الأمير علي مؤيد السربداري) ولعله من عهد الخواجة (شمس الدين السربداري)([242]).
مسجد آدينة (الجمعة) المعروف بمسجد پامنار:
يقع البناء القديم لمسجد پامنار إلى جانب شارع (بيهق) وقد تناولت عدّة مصادر ماضي هذا المسجحد بالتفصيل، ننقل موردين منها:
«… مسجد آدينة في قصبة سبزوار كان في عهد (حمزة بن آذرك الخارجي) خرباً، وكان الناس يصلون الجمعة والأعياد في خسروگرد، وكان هناك إمرأة متمولة. وفي أحد الأيام وقع نزاع بين أهالي خسروگرد وأهالي القصبة، وقالوا لا عيد لنا اليوم، حيث وقع اختلاف حول رؤية الهلال، فاقترح المشايخ أن يلجأوا إلى حديقة تملك المستورة المتمولة. فتوجهوا نحو بيتها، ولمّا سمعوا صرير مغزلها قالوا: يبدو انّه لا يمكننا أن نعتمد عليها. فقالت تلك العجوز، ما دام المسجد ضرورياً. فاكتبوا لأوقع على الوقف، اقطعوا أشجار هذه الحديقة، واصنعوا منها سقف المسجد، وسأدفع أجور العمال. فقال لها الرجال: شكر الله سعيك، فالسخاء ديانتك، لكن بوجود مثل هذه الهمّة والتدين: فالأولى أن تكوني فاتحة مصحف فما معنى غزلك بالمغزل رغم كبر سنّك؟ فقالت إنّ غاية صلاح النساء القعود، فلم أجد ما يعينن على القعود سوى الغزل.
فبني هذا المسجد في عهد الخليفة المعتمد بالله وإمارة الأمير أحمد بن عبدالله الخجستاني على خراسان، وحفر على المنبر اسم أحمد الخجستاني وتاريخ (266هـ) وكان المنبر من خشب الأبنوس ومواضع الأيدي منه من خشب الجوز، ثمّ أخذ المنبر العميد (عبد الرحمن بن إسماعيل بن حسين الدهان) وقد أعيد في الشهر السادس من (505هـ).
فمن الكتابات المذكورة يتبين أنّ مسجد پامنار سبزوار قد رمم بأمر من أحمد الخجستاني في عام (266هـ).
وقبل بناء هذا المسجد كان هناك مسجد جمعة آخر، لكنّه دمّر خلال هجوم (الحمزة بن آذرك). وكان سقف مسجد پامنار قد بني بداية من الخشب، ودفعت تلك العجوز المتمولة جميع تكاليف بنائه.
وجاء في تاريخ بيهق حول مسجد آدينة أيضاً: «ومرّة أخرى قام بتجديد بناء هذا المسجد الجامع الأمير (أبو الفضل زيادي) وذلك عام 317هـ، لكن البناء انهار عام (444هـ) بسبب هزّة أرضية ثمّ أعيد بناؤه خلال عامين.
وجاء في دائرة معارف الشرق لسعيديان: «مسجد پامنار مبني من الطوب والآجر، وفيه ثلاثة عشر عموداً، وبناؤه الأساس قام في العهد الصفوي».
ويبدو من تاريخ بيهق أنّ مسجد پامنار قد رمّم في عهد الغزنويين أيضاً.
داخل مسجد پامنار توجد قاعة فيها تسعة فتحات، ومساحة المسجد مع ساحته تبلغ (350) متراً، وقد أضيف إلى مساحته من جهة الغرب قطعة أرض صغيرة. وترتفع في شمال غرب المسجد مئذنته، وهي متحركة مثل مئذنتي أصفهان المتحركتين.
أعلى باب المسجد مزين بالكاشي الجديد، والمدخل الرئيسي للمسجد من جهة الشارع، رغم وجود مدخل آخر من الزقاق الجنوبي الشرقي للمسجد. وقد غلّفت جدران المسجد برخام صيني، وعلى الكاشي في أعلى الباب وردت الآية الشريفة «وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً» وغيرها من الآيات القرآنية. وذيلت الآيات بعبارة «المعمار الكربلائي الميرزا حسين الرضواني» وطابخ الكاشي «الحاج يوسف قدس».
وعند جانبي الباب وردت سورة الجمعة المباركة، وذيلت بعبارة «أقيم بسعي من حجة الإسلام الميرزا عبدالله برهان. كتبه جواهر قلم».
وعند حافتي المدخل وردت سورة الإنسان (الدهر) المباركة.
وعند موقف المؤذن كتب بالآجر عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم، الله، محمد، علي، فاطمة، حسن، حسين».
وفي سقف الغرفة الوسطى للقاعة كتب بالكاشي وبخط الثلث عبارة «إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. تذكار من أحقر الطلاب السيد عبد العلي ولد العالم العامل ساعي بيت الله الحاج السيد علي رضا والمرحوم… الميرزا عبد العلي والفقيه الكامل آقا ميرزا حسين والفقيه الأورع آڤا ميرزا عبد الرحيم».
ب ـ المقابر والمراقد
حرم سليل الأئمة (أمامزاده) يحيى:
يقع بناؤه مقابل البازار (السوق الرئيسية) عند الجهة الشمالية الشرقية للشارعين الأصليين (سرار) و(بيهق). وكان في الأصل بناء بسيطاً تحدّه أربعة أعمدة، ثمّ أضيف إليه فيما بعد: إيوان ومئذنتين وعدّة غرف. ونقل (محمد حسن خان اعتماد السلطنة) خلال زيارته له: «توجد في وسط سوق سبزوار بقعة ملاصقة له باسم سليل الأئمة، والأكثر شهرة (يحيى بن موسى بن جعفر (عليه السلام)) وقد أقيم فوق قبره صندوق خشبي متوسط، وفوقه قبة أصغر من الأخرى».
حتّى الآن لم يعثر على سند يبين تاريخ إقامة هذا البناء، لكن (اعتماد السلطنة) ذكر: «الحدس الأقرب إلى اليقين هو أنّ بناء هذه المقبرة يعود إلى القرن الهجري السادس» أمّا زينة الحرم من أعمال كاشي ورخام وزجاجيات وجفصين فكلّها جديدة لا علاقة لها بالأزمنة السابقة. وترتفع القبة (14) متراً عن سطح البناء، أمّا المآذن الواقعة جهة شارع (أسرار) فترتفع (29) متراً، وهناك مئذنتان صغيرتان إلى جانبي القبة لجهة شارع (بيهق) وفي الجدار المطل على شارع بيهق هناك شباك كبير فيه مشبك حديدي يدخل منه النور الى الحرم نهارا.
الضريح مصنوع من الحديد والنحاس، وقد صنع في أوائل القرن العشرين الميلادي.
وكلّ أرض الحرم من الرخام الأسود من منطقة (نه درّة مشهد) وتغطي الأرض سجادات من النذورات. وأعمال الكاشي فوق الباب وعند المآذن جرت عام (1380هـ).وبشكل عام فإنّ مقبرة أمامزاده يحيى قد بنيت قبل ثمانية قرون، لكن الآن لا تظهر آثار قدمها لأنّ كلّ أنحائها أعيد بناؤها من جديد.
مقبرة الفيلسوف الكبير الملا هادي السبزواري
ولد الملاّ هادي السبزواري عام (1212هـ) وتوفي عام (1289هـ) وبعد وفاته بمدّة قام (الميرزا يوسف مستوفي الممالك) ببناء مقبرته وسمّاها (مقبرة الأسرار)، وكان الملاّ هادي السبزواري قد خصّص ألف متر مربع من أرضه لهذا الغرض، لكن قامت البلدية بإيجاد ساحة، ممّا جعل تلك الأرض إلى جانب ساحة (زند) مباشرة.
وقرّر مستوفي الممالك أن يقيم مدرسة لطلاب العلوم الدينية إلى جانب المقبرة. لذلك ضم ّإليها قطعتي أرض من أملاك ورثة الحكيم السبزواري، فبنى فيها عدّة غرف، لكن حادثة وقعت منعته من إكمال ذلك الأمر الهام.
أمّا الابن الأكبر للملاّ هادي واسمه (الملاّ محمد السبزواري) فكان قد أنهى دراساته العليا، وتقرّر أن يدير المدرسة العلمية المذكورة، ويدرس مكان أبيه، لكنّه مات بعد موت والده بعامين، ممّا زرع اليأس لدى مستوفي الممالك، وجعله ينصرف عن إكمال بناء المدرسة.
الجدران المحيطة بالمقبرة بنيت من الآجر، وزينت الجدران بأقواس على شكل أبواب لكن لم يبق حالياً منها على البناء السابق إلاّ القليل، أمّا الباقي فقد أعيد بناؤه، بينما تهدّمت بعض جدران المقبرة عند إيجاد الساحة مكان مقبرة سبزوار القديمة، واستبدلت بسياج حديدي.
ومع ارتفاع مستوى الشارع والساحة أصبح مستوى أرض المقبرة منخفضاً عن رصيف المشاة وعن مستوى الساحة. فقام اتحاد الآثار الوطنية أخيراً بترميم أرض المقبرة، وأضيفت إليها بعض الملحقات.
ثمّ قام بعض أعيان سبزوار ببناء غرف وإيوانات صغيرة لتكون مقابر خاصّة لهم ولأسرهم. كما إنّ جميع أنحاء مقبرة الملاّ هادي السبزواري قد بنيت بالآجر، والمساحة المبنية تبلغ (370) متراً، والسقف بسيط ومن الجفصين غير المزين، امّا سقف القبة وسقف الإيوانات الأربعة فقد زيّن بالمرايا المقطعة خلال السنوات الأخيرة.
مقبرة مولانا حسين الكاشفي
من الفضلاء المشهورين في سبزوار مولانا كمال الدين الملاّ حسين الكاشفي الذي عاش في آخر العهد التيموري، وعاصر السلطان (حسين الميزرا بايڤرا) والأمير (علي شيرنوائي).
والكاشفي هو سبزواري الأصل، لكنّه عاش مدّة في (هرات) وكان واعظاً وكاتباً وفقيهاً، وكان صوته جميلاً مستفيداً من تلك الموهبة الإلهية في مواعظه وخطاباته وكان يعد فريد عصره في الحديث وعلم الكلام والنثر باللغة الفارسية، توفي هنذا العالم المشهور في سبزوار عام (1910هـ) وتقع مقبرته من الجهة الجنوبية الشرقية لسبزوار، إلى جانب شارع (نظام الملك) والباحة المحيطة بمقبرته مشجّرة، ومحاطة بجدران من ثلاثة جهات، بينما الجهة المواجهة للشارع مسيّجة. ومساحة أرض المقبرة مع باحتها ألف متر مربع، وبناء المقبرة خليط من الفن المعماري القديم والحديث، هذا البناء الحديث بني بثلاثة طوابق، والمساحة المسقوفة للطابق الأرضي (120) متراً، وترتفع أرض المبنى عن محيطه (70) سم تشكل ثلاثة درجات على امتداده.
من جهة الشمال والجنوب زيّن البناء بثلاثة أقواس جدارية من الأجر تشكل المداخل إلى المبنين وعلى شكل محاريب. وغطيت الجدران بطبقة خارجية من الآجر مع خطوط رفيعة من الكاشي، وتكرر الأمر نفسه في الطوابق الأخرى، لكن جدران المقبرة هذه تضم تحفة من الفن المعماري المتقن، وأقواس الطابق الأوّل إثنان من كلّ جهة، أمّا الطابق الثالث فقوس واحد من كلّ جهة. ورغم بساطة التصميم فإنّ الظل الناتج عن تقطيعات الجدران أضاف رونقاً على رونقه. أمّا رخامة القبر فقد ثبتت وسط المقبرة، وهي مقطعة كهرم ناقص.
وتوجد لوحة من النحاس على رخامة القبر تشير إلى تاريخ إيجاد البناء ذكر فيها: «بأمر من اتحاد الآثار الوطنية عام (1395هـ) الموافق 354هـ.ش».
وتقع هذه المقبرة بين مقبرة الملاّ هادي السبزواري ومصلّى سبزوار.
مقبرة ابن أبي الطيّب
تقع المقبرة في جنوب غرب سبزوار، في محلة كانت تسمّى قديماً (اسفريس) واسمها الحالي (سبريز). وقد فتح شارع (رضوي) جديداً فأدّى إلى تخريب المقبرة، ولم يبق منها سوى ثلاثة من جدرانها. وأهالي المنطقة يطلقون على هذه المقبرة اسم (شيخ الحاجات) إضافة إلى اسم (مزار سبريز).
كان ابن أبي الطيّب من علماء عهد الغزنويين، وقد كتب عدّة تفاسير على القرآن المجيد. وترجم له ابن فندق في تاريخ بيهق قائلاً: «الإمام الزاهد المفسّر علي بن عبدالله بن أحمد النيسابوري المعروف بابن أبي الطيّب. وقد ولد هذا الإمام في نيشابور، وسكن في قصبة سبزوار، وقد بنى له مدرسة في محلة اسفريس الخواجة أبو القاسم علي بن محمد بن حسين بن عمرو الذي كان من إقطاعيي تلك القصبة ومتموليها، وذلك في شهر رمضان من عام (418). وما زال أثرها باقياً، وكان أبو القاسم من مريديه. ومن مشايخ تلك القصبة أيضاً: الخواجه أبو القاسم علي بن محمد بن الحسين بن عمرو، ومحمد بن الحسين بن عمرو جد الحسن بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عمرو رحمهم الله، والحاكم أبو سعد كرامة، والإمام أبو حنيفة بويابادي النيشابوري، والإمام حمزة المقراضي المتكلم. وكلّهم من تلامذة ابن أبي الطيب. أمّا تفاسيره فهي: التفسير الكبير في ثلاثين مجلداً، والتفسير الوسيط في خمسة عشر مجلداً، والتفسير الصغير في ثلاثة مجلدات، ويُقال إنّه عندما توفي رحمه الله، وجدوا في مكتبته أربعة مجلدات من الكتب واحد في الفقه، والثاني في الأدب، والثالث والرابع في التاريخ، لم يترك تركة غيرها. وتوفي في الثامن من شوال سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. ومرقده في مقبرة بقصبة سبزوار وله ديوان شعر، وبعض شعره في رثاء الأمير».
وجاء في كتاب مطلع الشمس عن مقبرة أبي الطيّب ما نصّه «وهناك مزار آخر داخل المدينة (سبزوار) يقع في جهة الجنوب، ويعرف بمزار (بيرحاجات) وهي بقعة من الطين والطوب، ومدخل المزار من جهة الشمال، وليس بداخله أي شيء حتّى الحصير والمصابيح غير موجودة أيضاً».
مقبرة شاه زاده شعيب
وفي جهة جنوب سبزوار، وإلى جانب الجهة الجنوبية من شارع (رضوي) توجد مقبرة شاه زاده شعيب العامرة، يدخل إليها من شارع الرضوي، وهي أعلى من مستوى الشارع قليلاً، وكانت فيما مضى خارج سور المدينة، وتستعمل مقبرة عامّة.
وذكر صنيع الدولة عام (1300هـ) هذه المقبرة بقوله: «… مزار سليل الإمامة شعيب بن موسى (عليه السلام) يقع في جنوب المدينة، خارج البوابة الخلفية، ويفصله عن البوابة مسافة عرض خندق. وللمزار بقعة حوله بنيت جدرانها من الطوب والطين، وفيها أربعة أبواب…».
أمّا وضع المقبرة الحالي، ففيها أربعة إيوانات صغيرة في أطرافها الأربعة، وقد زينت جميع الجدران والإيوانات بالمرايا المقطعة. ويقع الضريح وسط الحرم، والضريح صنع من الفضة، وطليت أعمدته بالذهب.
وذكرت عند حافة القفص أسماء: «يا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، فاطمة الزهراء، الحسن المجتبى، الحسين الشهيد، علي السجّاد، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد». وفي وسط الضريح: «علي الهادي، حسن العسكري، الحجة القائم» وكذلك «يا كريم، يا رحيم، يا سبحان، يا غفران، يا ديّان يا حنّان» وفي الجهة الجنوبية: «يا رضوان، يا برهان، يا قيوم، يا واحد، يا صانع، يا قديم، يا مانع، يا شامخ، يا دافع، يا رحمان، يا شافع، يا شاهد» وفي الجهة الغربية: «يا واسع، يا رافع، يا منّان، يا موسع، يا جامع، يا ماجد، يا ديوم [يا ديّان] يا كافي».
الحرم بما في ذلك الجدران من ارتفاع (1,85) سم غطيت بالمرايا المقطعة.
وعند تاج مدخل الحرم كتب على المرايا المقطعة بخط النستعليق ببيت شعر بالفارسية:
شاهي كه درگش ازمشك وعنبراست
يا حضرت رضا شه هشتم برادراست
ممّا يشير إلى أنّه ابن الإمام الكاظم، وأخو الإمام الرضا.
ضريح سليل الأئمة (شعيب) جميل في كل محتوياته، وقد روعيت الدقة الفنية في الكتابات والنقوش. وداخل القفص يوجد صندوق خشبي مغطّى بقماش من المخمل الأخضر. وارتفاع الحرم يبلغ عشرة أمتار تقريباً، وفيه أربعة منافذ للنور بنوافذ خشبية.
وعند تاج مدخل الإيوان الغربي خط بالنستعليق واللون الأبيض على كاشٍ لازوردي: «السلطان شعيب بن موسى بن جعفر» وعرض الإيوان ستة أمتار وارتفاعه (19) متراً تقريباً.
وعند جبهة الباب كتب «السلام عليك السلطان أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)» و«السلام عليك يا شعيب بن موسى الكاظم (عليه السلام)».
وعند تاج الباب الجنوبي للحرم زيّن بالكاشي، وكتب بخط النستعليق: «السلام عليك يا إمامزاده شعيب بن موسى».
وصحنا المرقد هما عبارة عن مقبرتين قديمتين عامتين، وقد بنيت غرف حولهما هي مدافن لبعض الأسر.
وقد أورد كتاب الآثار التاريخية لخراسان توضيحاً حول هذا المرقد نورده كما هو: «… يحتمل أنّ أساس بناء هذا المزار [سليل المعصومين شعيب] يعود للعهد الصفوي، أمّا واجهات المبنى كلّه والقبة من الداخل والخارج والإيوانات فهي جديدة» وليس بين أبناء الإمام موسى بن جعفر من اسمه شعيب، ولعل المدفون هنا هو من السادة الزهاد. وهناك ما يشبه المئذنتان في الشمال الغربي والجنوبي الشرقي للصحف، بارتفاع (25) متراً.
ج ـ المدارس القديمة في سبزوار
المدرسة الفخرية:
هي مدرسة قديمة جدّاً، وتعود إلى العهد الديلمي الذين كانوا من الشيعة كباقي السبزواريين، وكانت قد بنيت باسم (فخر الدولة الديلمي) وقد بقي من البناء الأساسي والقديم غرفتان وممر.
وعند شق طريق (بيهق) اقتطع جزء من مبنى المدرسة وقسم من باحتها وضمّا إلى الشارع، عند ذلك قام متولي المدرسة بشراء قطعة أرض خلف المدرسة وضمّها إليها، وبنى فيها غرفاً من طابق واحد وطابقتين. ويوجد طابق تحت الأرض في القسم الجنوبي للمدرسة الفخرية، يؤجر للباعة. وهو كبير المساحة (300) متر مربع تقريباً، يستخدم مستودعاً، ومدخله من خارج المدرسة.
وفي المدرسة (77) غرفة، وكلّ المساحة المبنية تعادل (650) متراً مربعاً.
وعند تاج باب المدرسة كتب بخط النستعلين «… هذه المدرسة من مباني عهد معز الدولة الديلمي، وأجري ترميمها باهتمام من إدارة أوقاف سبزوار برئاسة الإخوان صادقي، وافتتحت مكتبتها (25 شهر يور 1344هـ. ش)» وجاء تحت هذه الكتاب جملة «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».
ولمعرفة هذا البناء التاريخي أكثر نورد ما كتبه عنه صنيع الدولة في كتابه (مطلع الشمس) وقد سمّاها بالمدرسة القديمة (كهنه) لقدمها فقال:
مدرسة كهنه:
«بنيت هذه المدرسة بالأجر والجفصين، ويبلغ طولها (25) ذراعاً، وعرضها (19) ذراعاً، وفيها غرف أرضية وأخرى علوية، عدد غرفها في الطول ستة وفي العرض أربعة، وفوقها إيوان. الطريق إلى الغرف العلوية من الزوايا الأربع للبناء، وهي متصلة مع بعضها، ويبدو أعمال الترميم عليها، وليس فيها كاشي في الداخل، أمّا خارج المدرسة فهناك كاشي عند تاج مدخلها، لكن أكثره قد تساقط. وكان قد كتب على الكاشي عدّة عبارات بقي منها: (لإتمام عمارة هذه البقعة الميمونة الموسومة بالمدرسة الفخرية لا زالت راسخة البنيان، شامخة الأركان، في أيام معدلة الخاقان الأعظم مالك رقاب الأمم معزّ الدولة) الطابق الأوّل للمدرسة فيه ثلاثة أقواس واسعة، وسقفها مقرنس بالجفصين، وجدرانها مغطاة بالكاشي والآجر، وارتفاعها (12) ذراعاً تقريباً، وعرض كلّ قوس (6,5) ذراع، وفي وسط المدرسة بئر عمقه خمسة أذرع [ما زال باقياً] ماؤه جيّد، وأمام الإيوان لجهة الشمال يوجد حوض صغير خالٍ من الماء، ويفتح باب المدرسة لجهة الغرب».
المدرسة الفصيحية:
بنى هذه المدرسة العلمية الحاج (عبد الصانع الفصيحي ابن الحاج محمد مؤمن السبزواري) وقد وقفها لطلاب العلوم الدينية، وكان في باحة المدرسة مقبرة، لكنّها اقتطعت لصالح شارع بيهق، ولم يبق من المدرسة إلاّ خمسها، فقام أحفاد الحاج عبد الصانع بشراء أرض تقع خلف المدرسة، وضمّوها إلى المدرسة، وما زال طلاب العلوم الدينية ينزلون هذه المدرسة إلى الآن.
وكتب صنيع الدولة في (مطلع الشمس) عنها: «بنى هذه المدرسة (الفصيحية) الحاج عبد الصانع السبزواري، وأتمّ بناءها عام (1124) وهي مستطيلة الشكل، وطولها باتجاه الشرق والغرب، وفيها (32) غرفة أرضية وعلوية، يسكنها الطلاب، مع قاعتي تدريس أرضية وعلوية، وإيوانين كبيرين في الشرق والغرب، وفي باحتها توجد أربعة حدائق متوازية المساحة، وحوض ماء في الوسط.
وقد اكتسبت هذه المدرسة أهميتها عندما قام صدر الحكماء الملاّ هادي السبزواري بالتدريس فيها لمدّة أربعين عاماً، ومنها تخرّج تلامذته المشهورون، حتّى اشتهرت المدرسة الفصيحية بمدرسة (سركار حاجي).
ويمكن القول حقاً إنّها ضاهت أكبر المراكز العلمية الإسلامية.
مدرسة شر يعتمدار:
تقع مدرسة شريعتمدار مقابل المدرسة الفصيحية، وقد أسّست في أواخر القرن الثالث عشر الهجري بهمّة من الميرزا إبراهيم شريعتمدار السبزواري ابن الميرزا إسماعيل أحد أحفاد الشهيد الميرزا مهدي. وجدّه الأكبر هو (مير سيد ولي العلوي) الذي كان من مشاهير علماء سبزوار.
وخلف هذا القسم المتبقي من البناء يوجد مسجد صغير متصل به، يبدو أنّه تابع للمدرسة نفسها. مدخل هذا المسجد لجهة زقاق (نقابشك) ويعرف المسجد بمسجد شريعتمدار.
وهناك مبان أخرى كانت في سبزوار تحدّث عنها صنيع الدولة في (مطلع الشمس) ص (211) قائلاً:
«من مزارات سبزوار الأخرى: مقبرة إمامزاده فضل بن زيد (عليه السلام)، وتقع عند بوابة ارگ داخل المدينة، على قاعد مربعة ارتفاعها ستة أذرع وطول كلّ ضلع منها ستة عشر ذراع. وقد بنيت فوق القاعدة غرفة، تعلوها قبة بارتفاع خمسة أذرع، والغرفة مربعة طول كلّ ضلع منها خمسة أذرع أيضاً. طليت الغرفة من الداخل بالجفصين ومن الخارج بالطين والقش. في وسط الغرفة يوجد قبر وضريح خشبي طوله ذراعان وعرضه ذراع وقليل، وارتفاعه ذراع ونصف، وهو غير مزيّن. مدخل المقبرة لجهة القبلة، وأمامه صُفّة وسقف، وخلف المقبرة أربعة صفات كلّ منها بعرض ذراع في أطرافها الأربع.
ومن مزارات سبزوار أيضاً بقعة تقع في الضلع الجنوبي الشرقي عند مدخل المدينة يعرف باسم (مزار سبز) أو (القبة الخضراء) والمدفون فيها يعرف بشاه حبيب الله. وهي بقعة مستطيلة الشكل، طولها ستة أقدام وعرضها خمسة أقدام، وارتفاع البناء عشرة أذرع. ويرتفع القبر ذراع ودرجتين، وطوله ذراع وقليل، وعرضه ذراع. داخل البقعة مطلي بالجفصين ومزيّن، وفيه أربعة قناديل».
وذكر المولوي في المجلد الأوّل من كتابه (الآثار التاريخية لخراسان) ما نصه: «… مزار سبز هو مرقد الشاه طهماسب الصفوي وعباس ميرزا ابنه الصغير، وليخفى قبره… أطلق عليه اسم المزار الأخضر (مزارسبز) فعندما سافر (نادر شاه) إلى الهند لفتحها أمر ابنه رضا قلي ميرزا بقتل الشاه طهماسب بعد أن كان قد خلع من الحكم، فقتل آخر الملوك الصفويين في سبزوار» وأطلق على مقبرته اسم القبة الخضراء لتأمن أيدي أعدائه.
إنّ هذا المزار وقع أيضاً في طريق شارع الرضوي؛ واندثر.
د ـ المباني الأخرى
مصلّى سبزوار
في الناحية الوسطى لمدينة سبزوار يقع بناء مصلّى سبزوار. وكان في الماضي منفصلاً عن المدينة، أمّا الآن وبعد اتّساع المدينة أصبح قرب المنازل المسكونة. وهو بناء متين ومن الآجر، لكنّه معرض حالياً للانهيار، تعلوه قبة قوسية جميلة مرتفعة، أقيمت بمهارة. مساحة الأرض المسقوفة (242) متراً مربعاً، وفي شرقه مقبرة الكاشفي. هذا البناء من بقايا العهد الصفوي، أمّا مساحته الكلية فهي بحدود هكتار واحد، وكانت مسيجة بجدار، لكن لم يبق من ذلك شيء.
بوابة المصلّى لجهة الشمال، وترتفع (15) متراً، وهناك برجان عند طرفي الإيوان الشمالي متصلان به. بعض أقسام البناء قد تهدمت، ودرج السطح في الزاوية الشمالية الغربية للإيوان.
وتقع بالقرب من المصلّى مقبرة سبزوار، ومصلّى الجمعة الجديد أيضاً. وإلى جنوب المقبرة والمصلّى تقع جادة (سبزوار ـ نيشابور).
أمّا المباني الدينية والتاريخية الموجودة قرب سبزوار وخارجها فهي: مزار خسروگرد، مئذنة خسروگرد، بيرمراد.
مزار خسروگرد:
وهو مزار تعلوه قبة من الآجر الرفيع، وتخترق القبة أربعة شبابيك للنور، وقد أغلقت تلك النوافذ بالآجر. وسقف القبة الداخلي مطلي بالجفصين، وأرض المزار مفروشة بالموزائيك، وحافات الجدران غطيت برخام اسود بعرض (25سم) وفوقها إلى ارتفاع (1,20) متر رخام أبيض اللون موشح، المدخل الوحيد للمزار من الإيوان الجنوبي.
كتب في يمين مدخل الحرم الآيات: «الله نور السماوات والأرض» باللون الأسود على كاشٍ أبيض، وتمتد هذه الآيات حتّى الجدار الشمالي للحرم. وكتب في شمال المدخل بخط النستعليق وباللون الأبيض على الكاشي الأزرق اللجوردي نسب الإمام زاده على الشكل التالي: «السيد حسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب…» تبدأ هذه الكتابة من العمود الشمالي حتّى تصل إلى يسار المدخل.
أمّا الضريح فإنّه معدني ويقع في الوسط، وحوله شبكة معدينة. أمّا الجدران القديمة والغرف من الطوب والطين، وفي وسط الباحة حوض، وممرات من الاجر، كلّها تهدّمت، لكنّها سترمم وتجدّد.
مئذنة خسروچرد أو عموده:
الأهالي يطلقون على هذه المئذنة اسم العمود، وهي تقع إلى جانب جادة (سبزوار ـ شاهرود). في الماضي كانت خسروگرد مدينة عامرة، وكانت تبعد عن قصبة سبزوار، لكنّها تهدّمت بسبب الحروب المتعددة، وانتقالها من حكومة إلى أخرى، أمّا سبزوار فقد تنامت وتوسعت حتّى أصبحت خسروگرد قريبة منها.
جاء في كتاب (الآثار التاريخية لخراسان): «… وآخر خراب حل بها أدّى إلى فتورها الكامل، وكان ذلك عند انتقال السلطة من السلجوقيين إلى الخوارزمشاهيين».
يُقال إنّ مئذنة خسروگرد هي مئذنة المسجد القديم لتلك المحلة، وأنّها بنيت خلال انتشار الإسلام في المنطقة، ولعلها في عهد السلطان سنجر، ولم يبق من ذلك المسجد سوى مئذنته. وهي من الآجر المعرّق بزينة لوزية الشكل من الآجر أيضاً، ومنقوش عليها بالخط الكوفي بالآجر، وتاريخها (505هـ). ويحتمل أن يكون هذا التاريخ لترميم البناء.
لأنّ تاريخ بيهق ذكر أنّ تاريخ بناء المسجد والمئذنة هو (415هـ) وعلى نفقة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بلطوار، وبأمر من حاكم خراسان. ويحتمل أيضاً أن تكون المئذنة قد بنيت في السنوات التالية.
مدخل المئذنة من الغرب، ودرجها مدور على شكل المئذنة «ارتفاع مئذنة خسروگرد يبلغ (38) متراً، وجدرانها مزينة بطبقتين من الكتابة الكوفية والأشكال اللوزية».
وعند كلّ عدّة درجات يوجد ثقب للنور، وكان (علي يارخان) قد قام بترميمها وإعمار المكان كلّه، وذلك في عهد حاكم خراسان (فتح علي شاه).
مزار بير مراد:
يبعد هذا المزار مسافة كيلومتر واحد عن مساكن مدينة سبزوار، وليس هناك سند أو رخامة تشير إلى اسم ومواصفات هذا الشيخ، لكن من المعروف أنّه مدفن (أبو رفاعة المشهور بالخواجة خضر بير).
كانت هذه البقعة صغيرة وطينية، لكنّها بنيت من جديد بالآجر. ويقوم أهالي سبزوار ومن يعتقد به من سكان المنطقة بزيارته في أيام الأربعاء، ويبقون عنده منذ الصباح حتّى العصر، ويقدمون له النذورات.
وعند قمة جبل ميش في جنوب سبزوار توجد بقعة يُقال إنّها مدفن أخو الإمام الرضا (عليه السلام)، وقبة المرقد هي من الآثار التاريخية.
وفي الجبال الشمالية والشمالية الغربية لسبزوار هناك عدّة قبور لسليلي الأئمة لا نفصل ذكرهم حباً بالإيجاز.
محمود عنبراني
سبلان
كتلة جبال بركانية تقع شرقي آذربيجان ويبلغ طولها 60كم وعرضها بين 20ـ40 كم، وتمتد في الأقسام الجنوبية والشرقية بمحاذاة قره داغ باتجاه شرقي ـ غربي. ويفصل خط تقسيم المياه لكتلة سبلان، قره داغ، حوضي أرمية وبحر الخزر بعضها عن بعض. ويزيد ارتفاع قمم سبلان عن 4500م، ويبلغ ارتفاع أعلى قممها 4844م عن سطح البحر. ويحيط بسفوح هذه الكتلة البركانية ينابيع للمياه المعدنية تتمتع بأهمية طبية واقتصادية بالغة، وتغطي الثلوج القمم المرتفعة في سبلان في معظم أيام السنة. وكانت سفوحها منذ القديم مصايف قبيلة شاهسون المشهورة. وتقع أقضية أردبيل وأهرومشكين شهر المهمة عند حافات هذه الكتلة.
السجادية (الصحيفة)
الصحيفة السجادية ـ وتسمّى الصحيفة الكاملة»، هي من الآثار التي خلفها الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وفيها أدعيته ومناجاته ومختلف أقواله في هذا الباب.
تنتهي رواية الصحيفة السجادية إلى الإمام الباقر (عليه السلام) وزيد الشهيد، ابني علي بن الحسين زين العابدين، موصولة بالإسناد، وقد كتبها قبل عصر الطباعة مشاهير الخطاطين، كما طبعت عدّة طبعات وشرحت عدّة شروح وترجمت إلى الفارسية والإنكليزية.
ولم يكن زين العابدين علي بن الحسين، أقرب أهل البيت إلى معرفة الله، والخشية منه، ولم يكن كذلك أبعدهم منه عن التضحية والشجاعة والتأثّر بمناهج الإنسانية في الواقع.
ولكنّه كان منهم قريباً من هذا وذاك على أتمّ ما يكون القرب معرفة وخشية وتضحية وشجاعة، دون تفاوت بين درجته ودرجاتهم في الجوهر، وإن تفاوتت المظاهر والأعمال المستمدة من ظروفها، وممّا يلابسها من عوامل الزمن والحياة.
فالذي يختلف منهم (الظرف)، وهذا بطبيعته يستدعي تغيّر (الظواهر) في مواجهة التطور، وتوجيه التيارات المنبثقة من عصرها بما يقتضيه كلّ عصر من ألوان ومذاهب في الحياتين: العقلية والمادية.
ومن هنا كان حتماً أن يمتاز كلّ إمام من أهل البيت بخاصة تنبع من عصره وظروفه فتميزه ظواهرها عن غيره في موقف هذا وذاك من أطوار الإصلاح في أطوار العصور.
إنّ نفس زين العابدين اكتوت بنارين لا ندري أيتهما أشد وقعاً على نفسه. وقعة كربلاء وظفر الحكم الاستبدادي الغاشم. وهما ألمان لم يمن بمثلهما مجتمعين إمام من قبل ولا من بعد. وقد عانى في الأوّل مصرع ثمانية عشر من آله.
وعانى في الثاني خيبة الإسلام وتعطيل أحكامه تعطيلاً لا رجاء في دفعه إلى حين غير قريب على الأقل.
أمّا الألم الأول فتنبثق منه العاطفة تؤجج الحنان، وتوهج الرحمة.
وأمّا الثاني فتثور منه الحفيظة وتنصلت نزعة الإصلاح.
وهما معاً وعلى هذا النحو ينبوع يتدفق بالبيان والحكمة، ولا سيما في عصر لا يمكن فيه الإصلاح بغير البيان والحكمة.
وإنّنا لنعثر في تقليب هذه الوجوه على شيء يساعد على إيضاح امتياز زين العابدين في هذا الباب ألا وهو انصرافه إلى هذا الوجه دون غيره من وجوه الجهاد والتوجيه والنصح التي كان يشارك بها الأئمة من آله، ونشدّد على نقطة فنعلل انصرافه إلى هذا الوجه دون غيره بانّ غير هذا الوجه كان في عصره متعذراً لا سبيل إليه.
بهذا يتضح أنّ عصر زين العابدين المظلم لم يدع له من وسائل الإصلاح غير وسيلة (الدعاء) فكان من أجل هذا كلّه طرازاً في أدعيته فريداً عجيباً بين العظماء والمصلحين.
والثاني لماذا اقتصر على الدعاء في الدعوة والإصلاح بل لماذا امتنع عليه أن يصلح بغيره؟
وواضح أنّ الذي يعنيه هذا الاسم إنّما هو ما يرمز إليه هذا الاختصاص من الحب والذي يعنينا من الإشارة إلى هذا الحب نوع خاص ما يكشف عنه الحب ويؤول إليه من معرفة المحب للمحبوب واكتشافه من أسراره وجمالاته، بما يدعو إليه الحب من التأمل وطول النظر وحسن الاجتلاء.
وهذا ما حدث فعلاً بين زين العابدين، وبين الله فعاد زين العابدين منه ندي اللسان مخضل الشفتين بأسمى ما عرفنا من وجدانات الأنبياء والفلاسفة والمفكرين، بلغة حين نسمّيها (شعراً) نسمو بها عمّا عرفه العروضيون والأدباء من الشعرء، لأنّنا لا نقصد بها سوى شعور العالم الصادق يخرج من صميم الحياة ويهبط من علياء الوجود بالحقائق السافرة المشرقة تهز وتفتن وتوحي وتبدع وتعلم دون خيال ولا قافية ولا تكلف ولا تعقيد. ذلك هو الميدان الذي اختاره زين العابدين بحكمة ودقة وعمق لكفاح ما أجمعت عليه (الأموية) والدنيا من ورائها. ليكون في ميدانه هذا امتداداً لآبائه وهم أحد الصفين المتقابلين في الحرب الأزلية بين الحق والباطل، والإنسانية والعنصرية، والاستبداد والديموقراطية إلى القول: إنّ مناجاته لله هذه كفلت له أوسع ما يريد من الصدوع برسالة الإسلام، وأكمل ما تكلف من جهاد الأموية وصيانة الأهداف العلوية، قدر ما يتيح له عصره من جهاد تلك وصيانة هذه، فأدعيته وما يتبعها من قوله وعمله، كلّ ذلك كان مدرسة تربي الضمير وتدعو إلى النظام، وتعلم الثورة على الباطل وتصوّر الحرج الشديد الذي لحق بالعالم في ظل الحكم القائم المستند إلى الإقطاع والدكتاتورية والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الفاسدة.
كانت أدعيته وسيرته كلّها مدرسة تعلم دون أن تجعل عليها للسياسة سبيلاً ولا للساسة الذين أعفاهم من مطامحه ـ كما يعتقدون ـ طريقاً إلى إيذائه في نفسه، أو في طريقة جهاده المثلى. ونظرة إلى سيرته العظيمة تريك عمل هذه المدرسة العظيم، وفي صحيفته السجادية ألوان وأشكال من مجتمع عصره صورها وعالجها القلب، وجملة ما نراه من تلك الصور يخضع لذوق فني، مبدع خلاق، تنقاد له المعاني، وتطيعه الألفاظ، ويمدّه العلم ويسيطر عليه الحس، وتجتمع له عناصر الخلود كلّها، ومؤهلات الإعجاز في غير نقص.
وأعظم ما يطالعك في هذه الأقوال من أثر فني جانب النقد والتوجيه فيها، وهو بخاصة الجانب الشائك الخطير، لأنّ المكاشفة به تحت السيف المصلت، والمشانق الشاخصة، عمل يشبه أن يكون انتحاراً لا مبرر له، أو إجراء يلحق بالمغامرات الطائشة البينة الخسارة، لذلك كان لا بد من (الرمز) والإيحاء وهما وسيلتاه في هذا الجانب الخطير الذي أعلن مزيته الفنية العظيمة وبهما استطاع أن يوفق بين واجبه في النقد والتوجيه وبين تفادي ذلك الإرهاب الأعمى.
وهذه الميزة تتخذ طرقاً مختلفة في هذا الباب من قوله وعمله وأظهرها فيما رأيت أمور:
1 ـ (التجريد): إذ كان يجرد من نفسه شخصاً تصطلح عليه العيوب وتلتقي لديه الموبقات. وهذا أسلوب اختاره لأنّ النقد يقوي له فيه أتم الاستواء، فيمضي أوّلاً يستعرض العيوب والموبقات التي تؤخر الناس يومئذ، يستعرضها دون حرج، ولا إيذاء، ثمّ يضع إزاء هذه العيوب والموبقات ما يصحلها من طرق الخير والتهذيب التي يسندها إلى الله في حواراته الفنية البليغة مستخدماً في هذا وذاك السلب حيناً والإيجاب حيناً آخر. وفق ما تدعو إليه (البلاغة) وقوّة التأثير.
2 ـ نظرة في الكون والحياة: وله في هذا تأملات عميقة الأغوار، وهي في جملتها لم تكن عندي تأملات الفيلسوف ولا المتصوف الهادئ فقط، بدليل أنّها كانت بروحها تعمل عمل النقد والتوجيه، متصلة اشد الاتصال بالحياة الواقعة.
3 ـ حزنه الطويل بعد حادثة كربلاء. وهو على أنّه جدير بالحادث الفاجع كان يرمي إلى أبعد من البكاء.
لقد كان جزءاً من خطة زين العابدين متصلاً أقوى الاتصال بالتربية المبدئية، أو التعبئة المذهبية ـ كما نقول اليوم ـ فهو عمل لا يقل إن لم يفق، وسائل السياسة السلبية، ومناهج الحرب السلمية.
صدر الدين شرف الدين
سجستان أو سيستان
كان هذا الجزء من إيران المسمى بسيستان يسمّى في (الأوستا) باسم نهر ينبع منه وهو نهر «هئتومنت: Haetument»، وسمّي في النقوش الحجرية لداريوش باسم (زرنكه Zarnaka، وحمل هذا الجزء اسم سكستان بعد سيطرة قوم «سكا» عليه في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد([243])، وتعتبر أسماء سجستان وسيستان شكلان آخران لنفس هذا الاسم.
وتعتبر سيستان من المناطق الرئيسية في إيران طوال التاريخ المفعم بالحوادث لهذه البلاد، فكانت عرضة لأنواع الحوادث. وهي أرض كانت مهداً للحضارة والنعمة والقدرة طوال آلاف السنين وهي الموضع الحادي عشر الذي جعله (أهورامزد) في أحسن حال، ويذكر مؤلف تاريخ سيستان وإحياء الملوك أنّ گرشاسب(گرشاسف) لما رأى تجار الرمان والنخيل رغب في إعمار سيستان وبنائها.
وسيسان هذه هي مسقط رأس رستم ومحل تربية ونشأته. وهي مهد القصص القومية لإيران وسوح معارك الابطال الإيرانيين، وقد ذكر الفردوسي في ملحمته قصص هؤلاء الأبطال بصورة متكررة.
وقد استولى أردشير بابكان الملك الأوّل في سلسلة الساسانيين على سيستان في نفس الوقت الذي سيطر فيه على الولايات الأخرى. وفي الحقيقة يمكن أن يُقال إنّ قوم السكا كانوا من المؤيدين لأردشير.
وقد فتح بهرام الثاني سيسان ثانية وأرسل ابنه بهرام الثالث الذي أصبح ملكاً بعد أبيه ـ لتولي الحكم فيها. وأصبحت هذه الولاية مركزاً للمسيحيين النسطوريين في عهد الساسانيين. وفي الفتح الإسلامي، قدم يزدگرد الثالث إلى سيستان عن طريق كرمان، ومكث فيها حوالي خمس سنين ثمّ عزم على الذهاب إلى خراسان ليجمع قواته هناك ويقابل فيها الذين هزموه وانتزعوا ملكه منه. ويذكر البعض أنذ يزدگرد ذهب إلى سيستان، وهرب من هناك بألف من خيرة فرسانه إلى مرو([244])، وعندما كان مجاشع يتعقب يزدگرد اصطدم بأهالي سيستان وأرغم على الانسحاب([245]).
وكان فتح سيستان في البداية على يد عاصم بن عمرو وعبدالله بن عمر، ثمّ قدم الربيع بن زياد الحارثي بجيشه وأرغم أهالي الولاية على الاستسلام، ودخلت سيستان منذ ذلك الحين في عداد المدن الإسلامية.
ويذكر الطبري في تاريخه أن سيستان كانت آنذاك أكبر من خراسان وأشد منها تحصناً وأكثر سكاناً([246]).
آلت بعد ذلك سيستان إلى مأوى للخوارج، وتوسعت الصدامات والنزاعات فيها بالتدريج، وظهرت طائفة باسم (المطوعة) أخذت تقاتل الأجانب الذين صاروا بلاء على البلاد من أجل حفظ عقائدهم، وشيئاً فشيئاً أخذت العداوات تتوسع وتتأصل في النفوس حتّى أجهدت الأهالي وأتعبت نفوسهم وبدأ العمران يؤول إلى الزوال فيها.
وكان ليعقوب بن الليث الصفاري بعد إسلامه الدور المؤثر في تاريخ بلاد سيستان، حيث استطاع بمعونة أخيه عمرو تثبيت نفسه في سيستان والتغلب على الخوارج وغيرهم من المنافسين عام 253 هجري (867 ميلادي) وبدأ بالحرب مع الخليفة.
وبعد يعقوب وعمرو أبناء الليث الصفاري آلت الأمور في سيستان تارة إلى سلطة السامانيين وأخرى إلى أقارب آل الصفار، حتى انتهت إلى خلف بن أحمد الذي يعتبره ابن الأثير سبطاً لعمرو بن الليث، ثمّ انتزع السلطان محمود الغزنوي السلطة من خلف بن أحمد وأضحت سيستان خاضعة للغزنويين.
وتمتعت هذه البلاد في أغلب أوقاتها باستقلال محلي حيث كان سلاطينها يضربون العملة بأسمائهم.
ويستنتج من رواية الجويني في تاريخ الفتوحات أنّ المغول لم يحدثوا دماراً كبيراً في سيستان، بينما يذكر مؤلف (طبقات ناصري) إنّها تعرّضت آنذاك لأشدّ أنواع التدمير. وفي عام 651 هجري أرسل (منكوقاآن) الملك شمس الدين كرت لولاية سيستان، وقتل الملك شمس الدين علي لتصبح هذه الولاية جزءاً من ولايات آل كرت.
هجم الأمير تيمور گورگان على سيستان في زمن حكم الملك قطب الدين، ووفقاً لما ذكره الملك شاه حسين السيستاني صاحب كتاب إحياء الملوك، فإنّ أربعين ألف رجل قد تعاهدوا فيما بينهم على مهاجمة معسكر تيمور في وقت السحر. وخرجوا جميعاً لمهاجمة المعسكر، ونشبت حرب ضروس فاقت حكايات رستم وأفراسياب واسفنديار، وأصيب في هذه المعارك الأمير تيمور بسهم في رجله وأصبح أعرج من حينها، بينما قتل الأربعون الألف عن آخرهم، وكانت مجزرة لم يسبق لها مثيل ظلّت علاماتها طوال ثلاثة أيام، حيث امتلأت الأزقة والطرقات في المدينة بأكداس القتلى حتّى صعب على الفرسان تخطّيها بخيولهم… وطلب الجيش المشؤوم من الأهالي إلقاء أطفالهم في الشوارع وراحوا يطأونهم بخيولهم…، وبعد حبس الملك قطب الدين لثلاث سنين قتل بيد تيمور([247]).
ومنذ ذلك الحين وحتّى العهد الصفوي كان أغلب ملوك سيستان هم من أهلها، ومن ضمن هؤلاء: ملك الملوك، الملك قطب الدين علي، الملك محمود، الملك جلال، الملك نظام الدين يحيى، الملك محمد([248]).
وفي أواخر العهد التيموري، تمكّن السلطان حسين بايقرا من إعادة السيطرة على جميع مناطق خراسان وبلخ وكذلك سيستان. ونهض بديع الزمان ميرزا ابن السلطان حسين لمعارضة أبيه، وبعد قتال دار بينهما منح حكومة سيستان مع توسط العلماء والشخصيات البارزة. وبعد وفاة السلطان حسين بايقرا، اشترك بديع الزمان وأخوه مظفر حسين ميرزا في إدارة شؤون البلاد، ولكنّهما فقدا السلطة بسبب حملات التركمان.
سيستان في العهد الصفوي
كانت إيران عرضة للمجازر والغارات من قبل المغول والتيموريين خلال الفترة ما بين هجوم المغول وحتّى ظهور الدولة الصفوية عاد جزء كبير من إيران إلى القيادة الموحدة. وفي أواسط عهد سلطنة الملك إسماعيل الأول ( 907 -930هـ.ق. 24ـ1502م) مؤسس السلسلة الصفوية، بلغت إيران من بسط نفوذها وسعة أرضها ما لم تبلغه في أي عصر من العصور التي توالت في ما بعد. واستطاع الملك طهماسب الأوّل (930ـ984هـ.ق. 24ـ1576م) والملك إسماعيل الثاني (984ـ985هـ.ق. 76ـ1577م) الاحتفاظ بحدود ثغور البلاد على ما كانت عليه في وقت وفاة مؤسس السلسلة.
ولم يبق من البلاد إلاّ الحدود الأصلية لها، أثر الاضطرابات التي حصلت فيها والحملات المتكررة للعثمانيين والأوزبكيين في زمن السلطان محمد (985ـ995، 1578ـ1587م) وأوائل سلطنة الملك عباس الأول (995ـ1038هـ.ق) أي (1587ـ1629م) وكان الملك عباس الأول عازماً على إرجاع حدود مملكته إلى ما كانت عليه في أوج قوة الملك طهماسب الأول، ولكنّه غيّر رأيه وأخضع العراق لسلطته، أمّا خليفته الملك صفي (1038ـ1052، 29ـ1642م) فقد اضطر إلى إخلاء الجزء الأخير بينما ظلّ محتفظاً ببقية البلاد التي كانت على عهد أبيه. وحتّى حدود عام (1709م، 1121هـ) فإنّ هذه الحدود بقيت نفسها إلى أن سقطت قندهار في نفس هذا العام وآذنت بزوال هذه السلالة([249]).
وخضعت سيستان للصفويين فور انتصار الملك إسماعيل الأوّل علي شيبك خان، إذ أقبل حاكم سيستان الملك محمود السيستاني المنسوب إلى السلالة الكيانية إلى هرات عام 916 هجري لتقديم فروض الطاعة للملك إسماعيل الأوّل. وكان الملك محمود آنذاك مستولياً على نيه، قلعة گاه، خاش فهرخشك رود والأراضي الواقعة في الجانب السفلي لهيرمند (گرمسيرات جنب هيرمند)، وكان قد فتح في نفس تلك الأوقات أوق. وحينما قدم إلى الملك إسماعيل الأوّل، أقرّه هذا على البقاء حاكماً للأراضي التي كانت خاضعة له، ولكنّه أرسل معه ألف فارس من التركمان وأحد الأمراء كوكيل عنه. ويكتب صاحب إحياء الملوك بهذا الخصوص قائلاً: عندما وصل الملك إلى أطراف هرات، خرج الملك محمود من المدينة والتحق بموكب الملك المعظم، ولكون موكب الأوّل كان مميزاً فإنّ الملك إسماعيل سأل عنهم، فأخبره أحدهم بأنّه السلطان محمود السيستاني قادم لتقبيل أيادي الملك والسجود بين يديه، فأذن له بالقدوم. فأقبل السلطان محمود ثم ترجّل عن حصانه وسجد بين يدي الملك المعظم، ملاذ الدين وقبّل رجليه الشريفتين، فرفعه الملك المعظم وقبّله في جبينه واحترمه وبالغ في العناية به حتّى أثار حسد الأمراء عليه. ثمّ أركبه حصانه الخاص وأقره على كلّ ما كان تحت يده ومعه هرات. فالتمس الملك محمود جلالة الملك المعظم أن يمنحه سيستان لأنّها ملكاً توارثه آباؤه وأجداده، فقال له الملك قد وليتك ما بين هرات وسيستان، وانتهى الحديث في المجلس، ولكن الملك محمود أبدى رغبته فيما بعد بالاكتفاء بسيستان. فرحب الملك بهذا الاستغناء. وكان دائماً من المقربين للملك في مجلسه ويعتبر من أكابر إيران وأعيانها. وظلّ مرافقاً للملك طوال الفترة التي بقي فيها هناك، وكثيراً ما كان الملك يكسوه بأنواع الحلي الفاخرة والتيجان المرصعة، حتّى عزم الملك على السفر إلى العراق فاصطحبه إلى مشهد المقدسة، ومن هناك أذن له بالانصراف إلى سيستان بعد أن خلع عليه أنواع الحلي وأفخر الألطاف الملكية. فعاد مع أقاربه ومرافقيه إلى سيستان وأخضع لحكمه (أوق) أيضاً، بالإضافة إلى نيه وقلعه گاه وخاش وخشرود وگرمسيرات المحاذية لهيرمند.
وفي طريق عودته رافقه ألف فارس من التركمان ومعه مير بيرقَلى محملاً بأمر الوكالة.
وكان مير بيرقلي التركماني ـ بالإضافة إلى كونه صهر الملك محمود السيستاني ـ ممثلاً للملك إسماعيل لعشر سنين في حل وعقد كلّ الأمور المهمة في المنطقة، حتّى اتفق كبار سيستان وأهاليها على الطلب من الملك بأن يمنع مير بيرقلي من التدخل بأمر الوكالة وإلاّ فإنّهم سيهاجرون بأجمعهم إلى الهند، وواضح أنّ أهالي سيستان لم يكونوا مرتاحين للتركمان (القزل باش). وذهب مير بيرقلي فيما بعد إلى كرمسيرات، وعيّن بدلاً عنه مير محمد بأمرٍ من الملك محمود.
وبقي الملك محمود في منصبه بعد وفاة الملك إسماعيل، وفي زمن الملك طهماسب حدث أنّ هاجم أخو طهماسب سام ميرزا قندهار بقصد احتلالها، ودخل مع كامران ميرزا في قتال عنيف كانت الغلبة فيه للأخير، فجأ سام ميرزا إلى سيستان، واستقبله الملك محمود بغاية الترحيب.
ولمّا كان الملك طهماسب في خصومة مع أخيه سام ميرزا، فإنّه غضب لموقف الملك محمود من أخيه، ورماه بالنفاق والتقلب، ولكنّه لم يعزله عن ملكه، إنّما قال بأنّ الملك إسماعيل كان قد عيّن وكيلاً من جهته، وأنا أعين بدوري أحمد سلطان ليكون وكيلاً عني، ومنذ اليوم ستخضع كرمسير وخاش وخشكرود ونيه وبندان (نيه وبندان كانت تعتبر مقاطعة واحدة) لأحمد سلطان، وستخضع المقاطعات العشرة الأخرى من سيستان لملك الملوك، الملك محمود (مجموع مقاطعات سيستان آنذاك أربع عشرة مقاطعة).
تألم الملك محمود كثيراً لكلام الملك طهماسب، وتنازل عن كلّ أمواله وأملاكه وعزم على الرحيل عن البلاد إلى جوار ملك الهند، وعندما علم أحمد سلطان بالأمر أرسل مبعوثاً إليه ليصرفه عن عزمه فالتقاه في الحدود وقدم إليه رسالة أحمد سلطان فنظر إليها الملك محمود وقال: «إنّ لي في سيستان مئة ألف مقاتل لا يخرجون عن أمري وقد تخليت عن كلّ أملاكي وعن هؤلاء المقاتلين لكم، حينما تغيّر المزاج المبارك للملك، فلتكن أنت وكيلاً عنه في كلّ المقاطعات، لأنّي أتخلى عن كلّ ملكي الموروث لإرضاء قدوتي ومرشدي».
دخل أحمد سلطان المدينة خائفاً مذعوراً، وكتب بالأمر إلى الملك، فندم هذا لصدور حكمه، وأظهر أسفه وأخذ يقول: «إنّ الملك محمود كان موضع ثقة أبي (الملك إسماعيل)، وقد أجحفنا بحقه» وبعد خمس سنوات عاد الملك محمود إلى إيران بعد أن أمضى سنيه تلك في الهند، فأرسل الملك طهماسب جميع الأمراء وأعيان الدولة لاستقباله، وأعاد له ثانية جميع أراضي سيستان، ولكنّه مرض في قزوين بعد إقامة سنة فيها، ثمّ توفي عن عمر ناهز التاسعة والسبعين ، وبعد 43 سنة من الحكم. فأتي بجثمانه إلى سيستان ودفن في جبل الخواجه غلطان.
ويذكر مؤلف أحياء الملوك هذه الحادثة بأسى وحزن، ويقول بأنّ الحكم في سيستان قد آلت إلى التركمان القزل باش.
وكان من المتعارف عليه آنذاك أن يوكل الملك الحكم في نصف من سيستان إلى أحد أمراء القزل باش. لكن الملك بوفاته قد ترك الساحة مهيئة للآخرين دون معارض، فآلت الحكومة في تلك المناطق حتّى عام 986هـ = 1578م إمّا إلى أمراء القزل باش وإمّا إلى الأمراء الصفويين.
وحين لجوء ملك الهند إلى إيران (951هـ) كانت اولى الشخصيات السياسية التي بادرت إلى استقباله هي أحمد سلطان شاملو حاكم سيستان، ويكتب حسن بيك روملو عن هذا الأمر أنّه: «قدم الملك برفقة ثلاثين أو أربعين شخصاً من قافلة يخيم عليها الغم والهم، وسلكوا طريقاً غير معروفة للوصول إلى سيستان، وبعد طيّهم للطريق وصلوا الولاية المذكورة وهب لاستقبالهم حاكم الولاية احمد سلطان شاملو مع أكثر الأشراف والأعيان، والتقى الإثنان في موضع من مواضع الولاية ونزلوا جميعاً في بيت يليق بمكانة الملك ثمّ توجه الملك برفقة أحمد سلطان إلى هرات…» ([250]).
ورافق أحمد سلطان شاملو الملك إلى قزوين حيث التقيا الملك طهماسب هناك، ومن هناك ذهبوا إلى مدن تبريز وأردبيل([251]) وفي طريق العودة إلى الهند ظلّ أحمد سلطان ملازماً لملك الهند، وكذلك في فتح قندهار.
حكم أحمد سلطان في سيستان ثماني سنوات ثمّ صدر أمر الملك طهماسب بعزله وتنصيب محمد سلطان الاش أغلى بدلاً عنه.
ولم يستطع الحاكم الجديد محمد سلطان كسب ود الناس والأمراء والشخصيات في سيستان، وظلّ في تخاصم دائم مع أهالي الولاية، وهاجم عدّة مرّات حدود مكران، واستمرّت الخصومات بينه وبين الناس لسنين طوال، ويكتب صاحب إحياء الملوك: «قتل محمد سلطان الأش أغلى شاه قاسم كوثري مع اثنين من السادات، فأسرع محمد كوثري إلى بلاط ملاذ العالم (الملك طهماسب) وأخبره بقضية دماء هؤلاء السادة، وبعد أن تحرّى الملك جلية الأمر أجاز السيد محمد كوثري بالاقتصاص لدماء أقاربه، فعفى هذا عن الجناة صدقة للوجه المبارك للملك، فأنعم الملك عليه وأحسن إلى أولاد السادات الكوثرية بـ (السيورغال) ([252]) وهي لا تزال إلى الآن متداولة عندهم وتعود إلى أولادهم سنة بعد أخرى. وأوكل الحكم في سيستان إلى صافي ولي خليفة تواجي روملو. وكانت فترة حكومة محمد سلطان خمس سنوات»([253]).
كان صافي ولي خليفة روملو رجلاً عادلاً، ومحسناً في معاملته مع الأشراف و الأمراء. وبعد ثلاث سنين من حكم سيستان نُسِب من قبل الملك طهماسب في منصب (التواجي گري)([254]).
وبعد صافي ولي خليفه، توالى على حكم سيستان اثنان من أولاد أخي الملك طهماسب هما السلطان حسين ميرزا وبديع الزمان ميرزا أولاد بهرام ميرزا.
حكم السلطان حسين ميرزا بمساعدة حسين بيك استاجلو سيستان لثلاث سنين وكانت آنذاك مناطق نيه وخاش وخشكرود وسرحد ومكران خاضعة لحكمه. ثمّ عيّن السلطان حسين هذا بأمر الملك طهماسب حاكماً لولاية قندهار وزمين داور. ونصب أخوه بديع الزمان حاكماً لولاية سيستان بأمر من عمّه الملك طهماسب. ويكتب عنه الملك حسين سيستاني صاحب كتاب إحياء الملوك ما يلي: «كان بديع الزمان ميرزا خلاصة أولاد بهرام ميرزا بشرفه وأخلاقه وسخائه، وشجاعته وحلمه ووقاره، ولكنّه كان في الظاهر إنساناً بسيطاً وكان دميم الخلقة. وقد استعان في حكمه بإمام قلي بيك ابن ندرخان حاكم شيراز([255]). وفي عهد بُسط العدل والإنصاف في سيستان، وأعيد إعمار اكثر الخرائب. وحُدّد نوع من المعيشة للملوك العظام والأمراء والكرام وعامة الناس كل حسب حاله، وكان بعض ملوك سيستان يضاهونه في حاله». ويكتب في موضع آخر ما يلي: «كان حضرة الميرزا (بديع الزمان) عادلاً مع أهل سيستان وغير متكبر بينهم، وكلّ إنسان يستطيع الحديث معه دون وساطة أركان الدولة والمساعد أو الوزير. وخلال فترة الخمس وعشرين سنة([256]) التي أمضاها في حكم سيستان، لم يسمع منه كلاماً خشناً أو معاملة موهنة لأحد»([257]).
وفي أواخر فترة حكومة بديع الزمان ميرزا في سيستان صدر أمر الملك بتعيين تيمور خان ابن منشن خان مساعداً للأمير، فدخل سيستان مع خمسمائة شخص من أويماق استالجو. وبدأت الخلافات بين بديع الزمان ميرزا وتيمور خان منذ ذلك الوقت، وكان الأمير عازماً على إبعاد تيمور خان، ولكن الأمر انتهى بالعكس ومات في هذه الأثناء الملك طهماسب واعتلى العرش من بعده ابنه إسماعيل الثاني الذي باشر فور تسلّمه الحكم بقتل إخوان الملك والأمراء، وأرسل أحدهم ليقوم بقتل بديع الزمان. فدخل هذا سيستان واستطاع بمساعدة تيمور خان قتل الأمير بديع الزمان وابنه ابن السادسة من العمر بهرام ميرزا([258]). ومع انتشار خبر قتل الأمير، ترك العديد من ملوك وأمراء سيستان هذه المنطقة، وتفرّقوا في أنحاء سيستان.
وقد تأثّر أهالي سيستان غاية التأثّر، وألقى أحدهم ويدعى قاسم القبض على قاتل بهرام ميرزا وقطعه في السوق إرباً إرباً ثم لاذ بالفرار. وآل الحكم في سيستان لتيمور خان بعد مقتل بديع الزمان ميرزا([259]).
وفي عهد الملك إسماعيل الثاني؛ كان تيمور خان مشتغلاً في الحكم([260])، إلاّ أنّ الناس كانوا في غاية النفرة منه، ومال أكثرهم لحكومة الملوك.
واستغل الناس في سيستان الفوضى التي سادت البلاد في زمن الملك محمد خدابنده، فأظهروا سخطهم وأحكموا صفوفهم ثمّ انتفضوا بوجه تيمور خان. فوقعت عدة حروب إثر ذلك وانتهت بفرار تيمور خان من سيستان.
وفي زمن الملك محمد خدابنده، حكم بعض كبار سيستان هذه البلاد لفترة قصيرة، إلاّ أنّ الفوضى استمرّت حتّى عيّن الملك في حكومة سيستان جعفر سلطان أفشار. وكان في عهد هذا الأخير ثمة ألفان أو ثلاثة من القزلباش يمضون حياتهم في سيستان بمشقة في أغلب الأحيان. ويمكن الاستنتاج بأن تسلط القزلباش في عهد الملك محمد خدابنده أدّى إلى نتائج وخيمة حتّى يقول مؤلف إحياء الملوك عن ذلك بأنّ الأهالي في حوض دار وسرابان وآبخوران ومركز المدينة يمنعون مماشاة القزلباش»([261])، وقد انتخب الأهالي شخصاً من الأكابر هو الملك نجم الدين محمود بن ملك حيدر لقيادتهم، ونشبت بينهم وبين القزلباش حروب عديدة، انتهت بتركيع الأخيرين حتّى كان أمر إرسال الملك نجم الدين لعدد من أصحابه إلى المدينة لإبلاغ رسالته التي تفيد بأنّ «على أهالي افشار إخلاء المدينة بأموالهم وعرضهم بأمان تام على أرواحهم. وحتّى نهاية ذلك اليوم لم يبق أحد من الأفشار في المدينة، وقد أخرجوا معهم جميع أموالهم (985هـ)… وتهيأ الأمر لحكومة الملك نجم الدين باتحاد الناس حوله وتأييدهم له… فأصبح الملك إرثاً له في سيستان بعد أن أقره الملك على الحكم في هذه الولاية».
وعندما اعتلى الملك عباس الأوّل العرش في إيران أخذ بنظر الاعتبار وضع سيستان واتحاد أهلها، فرجح عدم إرسال أحدٍ من القزل باش إلى هناك، وأوكل الحكم في سيستان للملك محمود. ويكتب اسكندر بيك الكاتب الخاص للملك عباس حول هذا الموضوع ما يلي: «… ولكون الملك محمود يرجع في أصله إلى الولاة القدماء لسيستان ويرتبط نسبه بالصفاريين. ولمّا كانت الولاية المذكورة خالية من الأمراء القزل باش بعد وفاة إسماعيل ميرزا… فإنّه ـ الملك محمود ـ باشر بالمطالبة بالحكم في سيستان وحرضه على ذلك ملوك وأمراء سيستان الذين يرغبون في استقلال هذه الولاية. ومن ثمّ فقد نشبت الحرب بينه وبين جعفر سلطان أفشار الذي كان الملك المعظم قد عيّنه حاكماً لسيستان، وانتهت الحرب بانتصار الملك محمود الذي استقل بالحكم وانقاد له الصغير والكبير دون أن يرتفع صوت مخالف في أي ناحية من نواحي الولاية.
وعندما بلغ الخبر مسامع الملك عباس الأوّل، رأى الصلاح في إبقائه في الحكم وأرسل الأمر في ذلك بيد محمد خان التركماني (المساعد السابق لبديع الزمان ميرزا)([262]).
وفي هذه الأثناء توجّه مظفر حسين ميرزا ابن السلطان حسين ميرزا ابن بهرام ميرزا والي قندهار ومعه مساعده حمزة بيك في جيش كبير صوب سيستان، حسداً للملك محمود. وبعد محادثات ومفاوضات، توافقا على زواج مظفر حسين ميرزا بابنة الملك محمود، وزواج الملك جلال الدين بن الملك محمود من ابنة حمزة بيك، وإبقاء سيستان في يد الملك محمود. وبعد انعقاد الصلح بين الطرفين رجع مظفر حسين ميرزا مسروراً إلى قندهار. ونتيجة لذلك حسد رستم ميرزا أخو مظفر حسين ميرزا الذي عيّنه الملك عباس الأوّل حاكماً لكرمسيرات وزمين داور أخاه مظفراً وعزم على فتح قندهار. فاتّحدت قوات محمود مع قوات مظفر حسين وبعد حروب طويلة يأس الميرزا رستم من فتح قندهار، ثمّ ترسخ في ذهنه أمر الحكم في سيستان وأمر أخيراً بقتل الملك محمود، وهكذا قتل الملك السعيد ذو الأخلاق الفاضلة. وفي اليوم التالي هاجم الملك جلال الدين ابن الملك محمود رستم ميرزا مستعيناً بالملوك الآخرين في سيستان ولم يطق رستم ميرزا مقاومة كلّ هؤلاء فلاذ بالفرار([263]).
ويذكر رضا قليخان هدايت ما يلي: «اجتمع إلى رستم ميرزا بعض أمراء القزلباش الذين هربوا من الملك عباس الأول، وبعد أن استعد هؤلاء اتجهوا صوب سيستان فأخذوها وقتلوا الملك محمود فيها…»([264]) وبعد مقتل الأخير تولّى ابنه الملك جلال الدين الحكم في سيستان بمساعدة ملوك الولاية الآخرين. وفي زمن حكومة الملك جلال الدين هاجم الأوزبك سيستان عدّة مرّات واحتلوا بعض أجزائها. وقد صمد أهالي سيستان بوجه الأوزبكيين طوال الحروب التي دارت بينهم، ثمّ وضع الملك جلال الدين الأهالي في قلعة وذهب إلى الملك عباس في أصفهان فرحب به أيّما ترحيب، ثمّ رجع إلى سيستان. ولكن أولاد جاني بيك سلطان الذين أمرهم عبدالله خان باحتلال ولاية سيستان كانوا قد بلغوا غاية قوتهم، ورأى الملك جلال الدين أنّ لا طاقة له بردّهم فصمّم على الذهاب إلى ملك الهند، ولكنّه سمع بنبأ انتصار الملك عباس الأوّل على الأوزبك فسافر للالتقاء بالملك، وفوّضت له الحكومة في سيستان منذ ذلك الحين([265]).
ولا يخفى أنّ الملك عباس الأوّل، أعطى الحكم في سيستان([266]) إلى كنج علي خان حاكم كرمان أثناء إعادة فتح خراسان في 6/1007هـ/8ـ1599م. ولكن الملك جلال الدين أسرع إلى لقاء الملك، فأعاد هذا له الحكم في الولاية. ومنذ ذلك الحين ظلّ كبار سيستان تربطهم بالبلاط الملكي روابط حسنة.
وليس هناك معلومات دقيقة حول سيستان منذ موت الملك عباس الأوّل وحتّى هجوم الأفغان على إيران. ولكن يظهر أنّها ظلّت جزءاً من إيران، ويذكر تاقرنيه «بأنّ إيران قد قسمت إلى سبع عشرة ولاية، والولاية الثانية عشرة هي ولاية سجستان التي كان اسمها درانجيان، ومن أهم مدنها: سيستان وشالاك وكَسَ»([267]).
ويظهر أنّ سيستان كانت من المناطق الرئيسية في البلاد في زمن الملك سليمان الصفوي وكان لحاكمها المقام الشامخ في الديوان العالي. ويشير كمبڤر السائح الذي قدم إلى إيران في عصر الملك سليمان إلى سيستان ضمن إشارته إلى المناطق الرئيسية المهمة في إيران حيث يقول: «يسمّى الولاة الكبار باسم بكلير بيگى أي سيد السادات، ولكون الأقاليم التابعة لسلطة هؤلاء في غاية السعة، فإنّ ثمة خانات كثيرين خاضعين لهم. ومنزلة هؤلاء الـ (بيگلر بيگي) تعدّ من أعلى المنازل في الديوان الملكي.
ويوجد الآن أشخاص يحملون لقب (بيگلر بيگي) في الأجزاء التالية من إيران: ناحية فارس لولايات لرستان، خوزستان، كردستان، وسيستان، وفي ناحية خراسان لولايات مشهد، هرات، خراسان وقندهار([268]).
وأصبح لعنوان الوالي معنى أخص في زمن الملك عباس الأول، وكان الولاة كغيرهم من سائر الحكام يترقون إلى درجة الخان حين تنصيبهم. ويزعم شادرن أنّ لقب الوالي كان مختصاً بحاكم سيستان([269])، ولكن ليس له دليل في المصادر الفارسية. وفي أواخر العصر الصفوي اعتبرت سيستان جزءاً من المناطق الخاضعة لـ (بيگلر بيگي) (مرو) أي لحاكمها([270]).
وكانت سيستان معبراً للقوافل المهمة، وورد في كتاب إحياء الملوك ما يلي: «قدم ملاذ السيادة الأمير محمد أمين المشهدي ـ الذي أمضى سنين طوالاً في الهند، إلى سيستان في قافلة مكوّنة من عشرة آلاف بعير، والأمير محمد أمين هذا وإن كان أميراً للقافلة إلاّ أنّه كان يفوق الأشراف والأكبار بقابلياته وشخصيته وكان له علاقة حمية مع ملك الملوك في سيستان، بحيث نزل عنده شهراً كاملاً ومعه جميع أعضاء قافلته»([271]).
وكانت سيستان تعتبر في عصر الصفويين، مستودعاً للغلال والحبوب أيضاً، وفي هذا الخصوص يكتب صاحب إحياء الملوك: «وفي هذه الفترة وصلت من الديوان العالي مبالغ قدرها 1000 تومان من الذهب إلى وكلاء ملك الملوك والمسؤولين في سيستان لشراء السلع من كلّ مدن خراسان وكذلك ثمانية آلاف كيس غلة من سيستان»([272]).
وكذلك تعتبر سيستان في زمن الملك عباس الثاني واحدة من مراكز الغلال الرئيسية في البلاد، وجاء في كتاب «عباس نامه» ما يلي: «سُلّم مبلغ خمسة آلاف تومان من الخزانة العامرة إلى محمد قليخان جقتاي الحاكم السابق لأيروان من أجل ابتياع الغلة من مشهد المقدسة وتوابعها ودار السلطنة في هرات وفراه وسيستان»([273]).
وحسب قول شاردن فإنّ ثمة أشياء أخرى في سيستان إذ يقول: «هناك الأشجار المثمرة والحبوب الحناء والبزورات وكذلك الكثير من أشجار الفلفل والعرعر في كرمان وسيستان»([274]).
وكانت سيستان في زمن الصفويين تحوي أفضل مصانع الحصران إذ يقول شاردن: «امتاز الإيرانيون بمهاراتهم في نسج الحصران، وتمتاز الحصران الإيرانية بسهولة طيّها، وبظرافتها وبداعة نقوشها، وتتواجد في سيستان أفضل مصانعها، وكذلك تصنع هذه الحصران في الأهواز المجاورة لدجلة والفرات»([275]).
كانت أولى هجمات محمود الأفغاني على إيران باتجاه سيستان ومنها إلى كرمان. ومن ضمن كبار قواد جيشه في حملته على أصفهان كان ثمة رجل يدعى نصر الله وهو مجوسي من أهل سيستان و معروف باسم «كور سلطان» أي السلطان الأعمى، إذ كانت عادته أن يعصب إحدى عينيه في هجومه (ر.ك، كروز ينسكي في كتابه «تابرخي انقلاب إيران» ص274). وكان هذا قائداً صلباً، مدبّراً في الشؤون العسكرية وشجاعاً بحيث انتخبه الأفغان قائداً لهم برغم كلّ الاختلافات الدينية. وبينما كانت جيوش محمد الأفغاني تحاصر أصفهان، كان ثمة ثلاثة أشخاص من الخانات في طريقهم إلى أصفهان في خمسة آلاف رجل لنصرة الملك سلطان حسين. وعندما بلغ هذا الخبر محمود أرسل نصر الله كور سلطان مع أربعة آلاف مقاتل لصدّهم فالتقاهم على بُعد ثلاثة فراسخ من أصفهان وقاتلهم قتالاً عنيفاً حتّى قتل منهم ألف وخمسمائة رجل بينما لاذ الآخرون بالفرار.
وبعد فتح أصفهان، هاجر أبناء نصر الله كور سلطان ومعهم ألف ومائتا عائلة أفغانية من سيستان إلى أصفهان([276]).
وآخر الشخصيات السياسية في سيستان في العهد الصفوي هو الملك محمود السيستاني الذي يدعي رجوع نسبه إلى الصفاريين([277]).
طرد الملك محمود من ولايته، فهيأ قوّة في ناحية (تون)، وهناك هاجمه حاكم مشهد الأفشاري في جيش كبير، ولكن الملك محمود تصدّى له بقوّة قليلة وتمكّن من قتل القائد الإيراني وتشتيت جيشه، فنال بعدها الملك محمود منصب الحاكم المستقل لناحية تون.
وحينما كان الأفغان يحاصرون أصفهان، تحرّك الملك محمود بقوّة كبيرة قوامها عشرة آلاف مقاتل، واتّجه صوب گلنا باد. وهنا بدأت نفوس الإيرانيين تستعيد شيئاً من الأمل. ولكنّه انكفأ راجعاً عندما وعد بخراسان وسيستان وأعطي التحف والهدايا، وبذلك تحوّلت آمال الإيرانيين إلى هواء في شبك، وهكذا تخلّى الملك محمود عن إيران التي كانت في أمسّ الحاجة إليه من أجل نيل الحكم([278])، وبذهابه أخذت قواعد حكومة السلالة الصفوية تتزلزل وتهن.
وبعد عودة الملك محمود من أصفهان وتركها على حالها، فإنّه سارع إلى استغلال الوقت المناسب، وأحكم قبضته على مشهد عام 1136هـ ـ 1723م حيث كانت تسودها الفوضى والاضطراب.
وحينما أحكم السيطرة على هذه المدينة المقدسة، عمد إلى تتويج نفسه بتاج على طراز تيجان الكيانيين، وأعلن نفسه ملكاً مستقلاً وباشر بتهيئة جيش حديث مكوّن من الفرسان والمشاة والمدفعية. وفي أثناء غيبة بابا علي بيك جاء أحد مأموريه ووجّه إهانة إلى عائلة القائمقام، فعمد نادر قلي من فوره إلى قتل هذا المأمور وحماية عائلة القائمقام. وحينما سمع صاحب نادر بالنبأ أصيب بالذعر والقلق، ولكن نادر اقترح عليه بكلّ جرأة وشهامة أن يذهب بنفسه إلى مشهد ويعتذر هناك.
وفي مشهد اعتذر إلى الملك محمود بأنّ وفاءه أرغمه على الدفاع عن شرف هذا السيد، وعندها لم يكتف الملك محمود بالعفو عنه بل خلع عليه حلية، وأمره بشن هجوم على الأوزبك الغزاة وهكذا دخل في خدمته ونال أهمية وشهرة. ولكنّه أخذ يظهر باستمرار أنّه قد وعد بولاية خراسان جزاء لخدمته وراح يًصرّ في ادعائه هذا ممّا أدّى به إلى الضرب ثمّ إلى العزل.
ومنذ ذلك الحين استقرّ نادر بقوّته في كلات، ثمّ هجم على نيشابور التي كانت خاضعة للملك محمود واحتلها باسم الملك طهماسب الثاني الذي دخل في خدمته فيما بعد.
وبعد أن دخل نادر في ركاب الملك طهماسب ولقب بـ (قلي خان سپهسالار) فإنّه عمد إلى الهجوم على مشهد، وحدثت هناك معارك طاحنة وانتصر نادر في إحداها، ولكن مشهد لم تكن سهلة الفتح آنذاك فظلّت صامدة حتّى حدثت خيانة وسلمت إحدى بوابات المدينة (عام 1139هـ)، فدخل نادر إلى قلب المدينة، وظلّ الملك محمود يقاتل يائساً حتّى هُزِم، ثمّ سلم نفسه حينما أدرك سقوط مشهد بيد الملك طهماسب الثاني ونادر. فسمح له الأخير بالسكن في إحدى غرف الحرم الطاهر في مشهد، ولكنّه عاد واتهمه بالقيام بسلسلة من المؤامرات المعادية له، ثمّ أصدر أمراً بقتله([279]).
ويذكر مؤلف «تاريخ نادرشاه» إنّ: «الملك محمود وجميع أقاربه وإخوانه قد سعوا بكلّ قوّتهم لدفع الحصار عن قلعتهم، ولكن بانت عليه إمارات الضعف والعجز بعد حين، ثمّ اضطر إلى الصلح والمداراة، فقيد ومن معه من أقاربه بالسلاسل وأحضروا جميعاً إلى حضرة الخان المعظم والقائد الأعظم نادر وهم يبلغون الاثنين والعشرين نفساً وكلّ منهم كان يرى نفسه ثالثاً لرستم واسفنديار. فَأُمِر بالقائهم في السجن الملكي. وكان القائد الأعظم نادر متيقناً من خيانة الملك محمود خان وإخوانه فلم يُضعْ الفرصة وأمر بقتلهم جميعاً»([280]).
إنّ ما ذكرناه هو خلاصة لموقع سيستان المنجبة للأبطال، سيستان التي كانت لسنين طوال تتمتع بالاستقلال وكان سلاطينها يضربون النقد بأسمائهم، سيستان التي بلغ خراجها في القرن التاسع بعد تخريب تيمور وشاهرخ لها ـ سبعة ملايين وخمسمائة واثني عشر درهماً، وكلّ درهم يعادل مثقال فضة. سيستان التي كانت في القرن الحادي عشر (في عهد الملك عباس وما بعده) مترامية الأطراف، فكانت حدودها الشرقية تمتد من كشمير حتّى سواحل بحر الهند، وحدودها الغربية تمتد إلى كرمان بينما كانت اسفزار حد سيستان الشمالي والسند هو حدّها الجنوبي. إنّ سيستان هذه بدأت تفقد موقعها الطبيعي شيئاً فشيئاً إثر الحملات المتكررة للقبائل والطوائف المختلفة وسوء تدبير بعض السلاطين المحليين قديماً ومن ثم بعدهم ظلم وجور ولاة في العهد القاجاري، إضافة إلى قساوة الطبيعة التي أخذت تبتلع المعالم التراثية يوماً بعد آخر.
الدكتور حسين مير جعفري
سيستان
في معجم البلدان
هي عند ياقوت الحموي في (معجم البلدان) سجستان وقد ذكرها ياقوت بما يلي:
سِجِسْتَانُ: بكسر أوّله وثانيه، وسين أخرى مهملة، وتاء مثناة من فوق، وآخره نون: وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة، ذهب بعضهم إلى أنّ سجستان اسم للناحية وأنّ اسم مدينتها زَرَنج، وبينها وبين هراة عشرة أيّأم ثمانون فرسخاً، وهي جنوبي هراة، وأرضها كلّها رملة سبخة، والرياح فيها لا تسكن أبداً ولا تزال شديدة تُدير رحيّهم، وطحنهم كلّه على تلك الرحى. وطول سجستان أربع وستون درجة وربع، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وسدس، وهي من الإقليم الثالث. وقال حمزة في اشتقاقها واشتقاق أصبهان: إنّ أسباه وسك اسم للجند وللكلب مشترك وكلّ واحد منهما اسم للشيئين فسمّيت أصبهان والأصل أسباهان وسجستان والأصل سكان وسكستان لأنّهما كانتا بلدتي الجند، وقد ذكرت في أصبهان بأبسط من هذا؛ قال الإصطخري: أرض سجستان سبخة ورمال حارة، بها نخيل، ولا يقع بها الثلج، وهي أرض سهلة لا يرى فيها جبل، وأقرب جبال منها من ناحية فَرَه، وتشتد رياحهم وتدوم على أنّهم قد نصبوا عليها أرحية تدور بها وتنقل رمالهم من مكان إلى مكان ولولا أنّهم يحتالون فيها لطمست على المدن والقرى وبلغني أنّهم إذا أحبّوا نقل الرمل من مكان إلى مكان من غير أن يقع على الأرض التي إلى جانب الرمل جمعوا حول الرمل مثل الحائط من حطب وشوك وغيرهما بقدر ما يعلو على ذلك الرمل وفتحوا إلى أسفله فتدخله الريح فتطير الرمال إلى أعلاه مثل الزّوبعة فيقع على مدّ البصر حيث لا يضرّهم، وكانت مدينة سجستان قبل زَرَنج يُقال لها رام شهرستان، وقد ذكرت في موضعها، وبسجستان نخل كثير وتمر، وفي رجالهم عِظَم خلق وجلادة ويمشون في أسواقهم وبأيديهم سيوف مشهورة، ويعتمّون بثلاث عمائم وأربع كلّ واحدة لون ما بين أحمر وأصفر وأخضر وأبيض وغير ذلك من الألوان على قلانس لهم شبيهة بالمكّوك ويلفونها لفّاً يظهر ألوان كلّ واحدة منها، وأكثر ما تكون هذه العمائم إبريسم طولها ثلاثة أذرع أو أربعة وتشبه الميانبندات، وهم فرس وليس بينهم من المذاهب غير الحنفية من الفقهاء إلاّ قليل نادر، ولا تخرج لهم امرأة من منزل أبداً وإن أرادت زيارة أهلها فبالليل، وبسجستان كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم ولا يتحاشون منه ويفتخرون به عند المعاملة، حدّثني رجل من التجار قال: تقدّمت إلى رجل من سجستان لأشتري منه حاجة فماكسته فقال: يا أخي أنا من الخوارج لا تجد عندي إلاّ الحق ولست ممّن يبخسك حقك، وإن كنت لا تفهم حقيقة ما أقول فسل عنه، فمضيت وسألت عنه متعجباً، وهم يتزيون بغير زيّ الجمهور فهم معروفون مشهورون، وبها بليدة يُقال لها كَرْكُويَه كلّهم خوارج، وفيهم الصوم والصلاة والعبادة الزائدة، ولهم فقهاء وعلماء على حدة؛ قال محمد بن بحر الرُّهني: سجستان إحدى بُلدان المشرق ولم تزل لَقاحاً على الضيم ممتنعة من الضيم منفردة بمحاسن متوحدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان، ما في الدنيا سوقة أصح منهم معاملة ولا أقل منهم مخاتلة، ومن شأن سوقة البلدان أنّهم إذا باعهم أو اشتراى منهم العبد أو الأجير أو الصبي كان أحبّ إليهم من أن يشتري منهم الصاحب المحتاط والبالغ العارف، وهم بخلاف هذه الصفة، ثمّ مسارعتهم إلى إغاثة الملهوف ومداركة الضعيف، ثمّ أمرهم بالمعروف ولو كان فيه جدع الأنف؛ منها جرير بن عبدالله صاحب أبي عبدالله جعفر بن محمد الباقر؛ ومنها خليدة السجستاني صاحب تاريخ آل محمد؛ قال الرهني: وأجلّ من هذا كلّه أنّه لُعن علي بن أبي طالب، على منابر الشرق والغرب ولم يُلعن على منبرها إلاّ مرّة، وامتنعوا على بني أُميّة حتّى زادوا في عهدهم أن لا يُلعن على منبرهم أحد ولا يصطادوا في بلدهم قنفذاً ولا سلحفاة، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، على منبرهم وهو يُلعن على منابر الحرَمين مكة والمدينة؟ وبين سجستان وكرمان مائة وثلاثون فرسخاً، ولها من المدُن زالق وكَرْكُويَه وهيسوم وزَرنج وبُسْتُ، وبها أثر مربط فرس رُستم الشديد ونهرها المعروف بالهندمند، يقول أهل سجستان: إنّه ينصب إليه مياه ألف نهر فلا تظهر فيه زيادة وينشقّ منه ألف نهر فلا يرى فيه نقصان؛ وفي شرط أهل سجستان على المسلمين لما فتحوها أن لا يُقتل في بلدهم قُنفُذ ولا يصطاد لأنّم كثيرون الأفاعي والقنافذ تأكل الأفاعي، فما من بيت إلا وفيه قنفذ، قال ابن الفقيه: ومن مُدُنها اللرُّخَّج وبلاد الداور، وهي مملكة رُستم الشديد؛ ملّكه إيّاها كيقاوس وبينها وبين بُست خمسة أيام؛ وقال ابن الفقيه: بسجستان نخل كثير حول المدينة في رساتيقَها وليس في جبالها منه شيء لأجل الثلج وليس بمدينة زرنج وهي قصبة سجستان لوقوع الثلج بها؛ وقال عبيدالله بن قيس الرُّقيات:
نضَّرَ اللهُ أعظُماً دفنوها
بسجستان طلحة الطلحاتِ
كان لا يحرم الخليل ولا يعتـ
ـلّ بالنّجْل جيّب العذراتِ
وقال بعضهم يذمْ سجستان:
يا سجستان قد بلوناك دهراً
في حرامَيك من كلا طرفيكِ
أنتِ لولا الأمير فيك لقلنا:
لعنَ الله من يصيرُ إليكِ!
وقال آخر:
يا سجستان لا سقتك السحابُ
وعلاك الخرابُ ثمّ اليبابُ
أنت في القُرّ غُصّةٌ واكتئابٌ
أنت في الصيف حيّةٌ وذبابُ
وبلاءٌ موكَّلٌ ورياحٌ
ورمالٌ كأنّهنّ سقابُ
صاغك الله للأنامِ عذاباً
وقضى أن يكون فيك عذابُ
وقال القاضي أبو علي المسبحي:
حلولي سجستان إحدى النّوَبْ،
وكَوْني بها من عجيب العَجَبْ
وما بسجستان من طائلٍ
سوى حُسن مسجدها والرُّطَبْ
وذكر أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي قال: سمعتُ محمد بن أبي نصر قلْ هو الله أحد، خوان([281])؛ يقول أبو داود السجستاني الإمام: هو من قرية بالبصرة يُقال لها سجستان وليس من سجستان خراسان، وكذلك ذكر لي بعض الهرويين في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة قال: سمعت محمد بن يوسف يقول أبو حاتم السجستاني من كورة بالبصرة يُقال لها سجستانة وليس من سجستان خراسان. وذكر ابن أبي نصر المذكور أنّه تتبع البصريين فلم يعرفوا بالبصرة قرية يُقال لها سجستان غير أنّ بعضهم قال: إنّ بقرب الأهواز قرية تسمّى بشيء من نحو ما ذكره، و درس من كتابي هذا لا أعرف له حقيقة لأنّه ورد أنّ ابن أبي داود كان بنيسابور في المكتب مع ولد إسحاق بن راهويه وأنّه أوّل ما كتب كتب عند محمد بن أسلم الطوسي وله دون عشر سنين، ولم يذكر أحد من الحفاظ أنّه من غير سجستان المعروف؛ وينسب إليها السجزي، منهم: أبو أحمد خلف بن أحمد بن خلف بن الليث بن فرقد السجزي، كان ملكاً بسجستان وكان من أهل العلم والفضل والسياسة والملك وسمع الحديث بخراسان والعراق، روي عن أبي عبدالله محمد بن علي الماليسي وأبي بكر الشافعي، سمع منه الحاكم أبو عبدالله وغيره، توفي في بلاد الهند محبوساً، وسلب ملكه في سنة 399 في رجب، ومولده في نصف محرم سنة 326؛ ودعلج بن علي السجزي؛ ومنها إمام أهل الحديث عبدالله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود أصله من سجستان، كتب من تاريخ الخطيب هو وأبوه وزاد ابن عساكر في تاريخه بإسناد إلى أبي عليّ الحسن بن بندار الزنجاني الشيخ الصالح قال: كان أحمد بن صالح يمتنع على المُرْد من رواية الحديث لهم تعفّفاً وتنزهاً ونفياً للمظنة عن نفسه، وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابن أمرد يحب أن يسمع حديثه وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية فاحتال أبو داود بأنّ شد على ذَقَن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم أنّه ملتحٍ ثمّ أحضره المجلس وأسمعه جزءاً، فأُخبر الشيخ بذلك فقال لأبي داود: أمثلي يُعمل معه هذا؟ فقال له: أيّها الشيخ لا تنكر عليّ ما فعلته واجمع أمردي هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمْهُ حينئذ من السماع عليك، قالك فاجتمع طائفة من الشيوخ فتعرض لهم هذا الأمرد مطارحاً وغلب الجميع بفهمه ولم يروِ له الشيخ مع ذلك من حديثه شيئاً وحصل له ذلك الجزء الأوّل وكان ليس إلاّ أمرد يفتخر بروايته الجزء الأوّل.
سجستان عند الاصطخري
جدد الاصطخري في كتابه (المسالك والممالك) سجستان بما يلي: وأمّا سجستان وما يتصل إليها، فإنّ الذي يحيط بها ممّا يلي المشرق مفازة بين مكران وأرض السند وشيء من عمل الملتان، وممّا يلي المغرب خراسان وشيء من عمل الهند، وممّأ يلي الشمال أرض الهند، وممّأ يلي الجنوب المفازة التي بين سجستان وفارس وكرمان، وفيما يلي خراسان والغور والهند تقويس.
ويتحدّث عنها فيما يتحدّث قائلاً: وسجستان خصبة كثيرة الطعام والتمور والأعناب وأهلها ظاهرو اليسار.
سجلماسة
ـ1ـ
بكسر السين والجيم وسكون اللام: مدينة مندرسة في أقصى جنوب المغرب بالقرب من مدينة الريساني في مقاطعة تافيلات. ولعل الأطلال الموجودة هناك والتي يسمّيها العامة بالمدينة العامرة، هي أطلال هذه المدينة التاريخية. وقد وصفها الرحالة ابن حوقل ثمّ البكري وصفاً مستفيضاً فأشارا إلى كثرة نخيلها وأعنابها وقصورها وأبوابها، ثمّ تحدّثا عن غنى أهلها الذين كانوا يخرجون بالملح والنحاس والودع إلى بلاد السودان ويرجعون بالذهب التبر إلى بلادهم. ولهذا كانوا في سعة من العيش. كذلك كانت نساؤهم مهرة في غزل الصوف وعمل الأزر البديعة التي كان ثمن الإزار الواحد منهم خمسة وثلاثين ديناراً، فهي تفوق الذي بمصر.
ولقد جذبت سجلماسة كما يقول صاحب الاستبصار ـ عدداً من تجار اليهود لكونها مركزاً لتجارة التبر. ولقد تعرّض هؤلاء اليهود لكثير من أنواع الاضطهاد على عهد الفاطميين، لأنّهم هم الذين وشوا بعبدالله المهدي لدى حاكم سجلماسة اليسع بن مدرار. ويضيف البكري أنّ أرض سجلماسة كانت تزرع عاماً وتحصد عن تلك الزريعة ثلاثة أعوام لأنّه شديدة الحرارة، فإذا يبس زرعهم تناثر عند الحصار، وأرضهم متشققة فيقع ما تناثر منه في تلك الشقوق، فإذا كان العام الثاني حرث بلا بذر، وكذلك في العام الثالث.
سلجماسة
ـ2ـ
مدينة تاريخية اندثرت الآن، أسّسها في أواسط القرن الثاني بنو مدرار الخوارج الصفرية وبقيت مزدهرة العمران إلى أن احتلها الفاطميون وأسّس بها المهدي الفاطمي دولة الفاطميين قبل انتقاله إلى إفريقية في أواسط القرن الرابع. واستمرّت عمارتها إلى أن فتحها عبدالله بن ياسين وقضى على أمرائها من بني خزرون.
وكانت المدينة نقطة تجارية هامة بين المغرب والسودان وإفريقيا خلال عصر المرابطين ومن بعدهم كما ازدهرت بها الحركة العلمية والدينية.
وأنجبت طائفة من الأعلام وقصدها الطلاب من الجزائر والصحراء. وفي عهد المرينيين أخذت تسير في طريق الاضمحلال بعد الحصار الذي ضربه عليها أبو الحسن المريني سنة 734 واستعمل فيه المدافع لأوّل مرّة في المغرب. وبعد خرابها تفرّق سكانها إلى المناطق المجاورة بتدغة وغريس ودادس إلخ.
وفي هذه المدينة وما حولها استقرّ الأشراف العلويون عندما قدم جدّهم الأعلى الشريف الحسن بن قاسم أو الحسن الداخل، وذلك في آخر القرن السابع.
سحر بابل وسجع البلابل
اسم ديوان شعر للسيد جعفر كمال الدين الحلي ولد صاحب الديوان في (قرية السادة) المجاورة للحلة سنة 1861م، ودرس في النجف، وكان من أساتذته فيها الشيخ محمد الشربياني (1832ـ1904)، فكان من طرائف الحلي أن قال:
للشربياني أصحابٌ وتلمذةٌ
تجمّعوا فرقاً من ها هُنا وهنا
ما فيهمُ مَنْ له بالعلم معرفَةٌ
يكفيكَ أفضلُ كلّ الحاضرين (أنا)
نشر ديوان شعره الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء بعنوان «سحر بابل وسجع البلابل»، وطبعه في صيدا سنة 1913 معلقاً عليه حواشي مفيدة. ووصف الشيخ في مقدمته بلدة الحلة وصفاً جميلاً، فقال: إنّ لترتبها ومائها وهوائها تأثّر عجيباً في تلطيف الشعور وتنشيط القرائح وتوسيع الخيال. وأشار إلى ما اشتهرت به تلك البلدة في عهدها الأخير من كبار الشعراء وأمراء الفضل والأدب والخطابة والكتابة، وذكر صالح التميمي وأحمد النحوي وولده محمد رضا وصالح الكوّاز والسيد سليمان وابن أخيه السيد حيدر الشهير.
وذكر كاشف الغطاء السيد جعفر فقال: «ولمّا أحسّ من نفسه قوّة الملكة وحسن الاستعداد وأنّه يستطيع أن يستدرّ من شقّ قلمه لماظة عيشه ودرّة قوّته ومؤونة أهله، صارت هذه كبعض الدواعي له المثيرة لما في كامن قريحته، فأصبح يرثي العالم الكبير ويمدح العين الوجيه ويمرح ويسرح في أودية التهاني والرثاء والمديح والعزاء، ولكن في عزّة نفس، وشمم أنف، وعلوّ طبع، وتحت ستار حشمة ووقار.
وقال الدكتور محمد مهدي البصير في كتابه «نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر»: إنّ السيد جعفر كان شاعراً بالفطرة فقد رأى أن يستغلّ موهبته هذه، وأن يتكسب بشعره نزولاً على حكم الضرورة. فقد كان مملقاً شديد الفاقة، فمدح طائفة من الملوك والأمراء والعظماء، طلباً لنوالهم.
واصل الشاعر حياته بين الحلة والنجف يمدح ويرثي ويشارك في الحركة الأدبية حتّى أدركه الحِمام في النجف في 17 شباط 1898م، ولم يكد يبلغ السابعة والثلاثين من عمره. وقد كان شاعراً مكثراً طويل النفس شديد المبالغة والغلوّ، وشعره متين الأسلوب حسن الرصّ قلّما تجد فيه بارقة وجدانية. ومراثيه لأئمّة آل البيت، على قلتها، لا تداني قصائد الشريف الرضيّ ومهيار من المتقدمين، ولا السيد حيدر الحلي وسواه من المتأخرين. أمّا مواضيع شعره فيغلب عليها المديح والرثاء والتهاني والأخوانيات.
وقد احتُسب بولد له سقط من السطح وتوفي على أثر ذلك، فرثاه بقصيدة قال:
تركتك بين أطباق الصفيحِ
وعفتك راجعاً من غير روحِ
وهلتُ ثرى الضريح عليك عمداً
فليت عليّ هلتَ ثرى الضريحِ
بكل صبيحة خدّاك تسقى
دماء العين لا كأس الصبوحِ
فبعدك لا يزور النوم عيني
ولا قلبي يعي قول النصوح
بكيتُكَ، يا بُنيّ. وأنتَ منّي
كما عَلِمَ الأنامُ مكانَ روحي
كفاني أنّني مذ غبت عنّي
دعوتُ الله بالموت المريحِ
ومن لطيف شعره رثاؤه لعشاء فاخر لم يصبه وقد ظفر به (الهرُّ) قبله:
واأسفا على العشا
مطبّقاً مكشمشا
قد ظفر (الهرّ) به
ونال منه ما يشا
ولم يدع إلاّ طبيخاً
(ماشه) ما جرشا
فكيف يرجى أمنه
وهو سَرُوق يختشى
ما حاجة ينظرها
إلاّ لها قد خمشا
لما أتى العبد رأى
طبيخه مخربشا
من بعد ما كمّله
نضجاً له ونشنشا
وأتعب النفس به
من الصباح للعشا
بكى عليه وغدا
يمسح طرفاً أعمشا
وقال: ويل الهرّ، لا
يعلم فيمن (بلشا)
وجسمه من عزمه
جميعه قد رعشا
ثم يصف الشاعر هجوم الطبّاخ على الهر وصراعه معه، و«جعفر الحلّي عن قريضه قد دهشا». وفي نهاية الأمر بات الشاعر وصحبه جياعاً.
وخلاصة القول في الشاعر السيد جعفر آل كمال الدين الحلّي أنّه كان خير ممثل لأدب زمانه وبيئته الحلية النجفية.
السرائر
لابن إدريس الحلي
اِبْنُ إدريس هو أبو عبد الله إدريس العِجلي الحلّي (ح543ـ598هـ/1148ـ1202م)، من كبار الفقهاء. ويدل على جلال قدره شجاعته العلمية في كسر سنة التقليد لآراء الشيخ الطوسي، وإيجاد حركة في فقه الشيعة، وإخراجه من الركود والجمود وتشجيع الابتكار والفكر الحر، وقد كان جميع من جاء من الفقهاء حتّى مئة سنة من وفاة الشيخ الطوسي لا يحيدون عن آرائه حتّى يمكن القول إنّ باب الاجتهاد أصبح إلى حدّ ما مغلقاً في مثل هذا الوضع تجاوز ابن إدريس دائرة التقليد وبادر إلى إحياء الاجتهاد وإبداء الرأي الحر. وكان ينتقد أحياناً آراء الشيخ وكان حاد اللهجة أحياناً، ولكنّه مع ذلك لم يتوان عن احترام الشيخ، وذكره بعبارات مثل «الشيخ السعيد الصدوق تغمّده الله برحمته».
قال ابن داود: إنّه كثير التآليف، ولكن لم يبق من مؤلفاته سوى المطبوعة:
1 ـ السرائر أو الحاوي لتحرير الفتاوي، ويبدو من موضعين في الكتاب (ص170، 401) أنّه ألّفه خلال سنتي 587ـ588هـ/1191م.
2 ـ المنتخب في تفسير القرآن والنكب المستخرجة من كتاب التبيان، نشر في مجلدين بقم، 1409هـ.
سراج التواريخ
كتاب للملا فيض محمد
ولد المؤلف سنة 1279هـ في قرية (زردسنگ) من توابع قره باغ بأفغانستان وتوفي سنة 1350هـ هو كما يقول عنه الشيخ حسين علي يزداني: أكبر شخصية علمية شيعية في القرن الأخير في أفغانستان. ليس لدينا تفاصيل عن طفولته ودراسته الأولى، غير أنّ المعروف أنّه بعد دراسة المقدمات في موطنه قصد النجف الأشرف لفترة قصيرة ثمّ تابع دراسته في مدينة (لاهور) الهندية التي هي اليوم في الباكستان، كما أنّه درس في قندهار وكابل.
وفي سنة 1297هـ أثاروا فتنة بين السنة والشيعة تعرّض فيها الشيعة لمذابح لم يسلم منها حتّى الأطفال والشيوخ والنساء، ما اضطر الكثير من الأسر الشيعية لأن ترحل عن (محمد خواجه)* وتتجه إلى (ناهور) للاستقرار فيها وكان والد المترجم بين النازحين.
يعتبر المؤلف من أبرز مؤرخي أفغانستان، وقد ترك آثاراً تاريخية وعلمية قيّمة في مجال التاريخ والحكمة والكلام والفقه والأدب العربي وأصول الفقه والمنطق والكلام والرياضيات.
وكان يجيد اللغة العربية واللهجة البشتوية ويحسن الأردوية والإنكليزية([282]).
ويعتبر كتاب (سراج التواريخ) من أحسن الكتب الذي صنّفت في تاريخ أفغانستان، حيث يحتوي المجلد الأوّل منه على الحوادث التي جرت على عهد السلاطين السدوزائيين في فترة تبلغ 98 سنة وقد فرغ المؤلف من تأليفه سنة 1325هـ.
ويبدأ المجلد الثاني من بداية عهد (محمد زائيها) والحوادث التي وقعت فيه إلى سنة 1297 وانتهى المؤلف منه سنة 1331 وقد طبع المجلدان في نفس السنة أي سنة انتهاء تأليف المجلد الثاني في كابل في حجم 34×21سم، وبلغ مجموع صفحات المجلدين 378 صفحة.
وأمّا المجلد الثالث من الكتاب فقد كان حجمه أكبر من المجلدين الأولين، وهو ينطوي على الوقائع والحوادث التي وقعت في أفغانستان من سنة 1297هـ وهي السنة التي تولّى فيها المنصب الأمير عبدالرحمن إلى سنة 1314 أي ما يقارب ستة عشر سنة من الحوادث المؤلمة والمجازر الرهيبة والعهد المظلم أيام تقلد السلطة هذا الأمير الجلاد. ويبلغ عدد صفحاته (862) صفحة وبذلك يبلغ عدد صفحات مجموع الكتاب 1240 صفحة.
وقد بدئ بطبع المجلد الثالث في كابل في سنة 1333. ولكن بسبب ضخامة حجمه طالت فترة الطباعة ثلاث سنوات وقد كان الفراغ من طبعه سنة 1336.
وكان ترتيب طبعه هو أنّ المؤلف كان يكتب فصلاً يرسله إلى المطبعة. ولذلك نرى أنّ حوادث وردت في غير محلها أي سجلت في الفترة بين 1333 و1335 أي في فترة طبع الكتاب.
ولقد اعتمد مؤلف كتاب (سراج التواريخ) على الوثائق والمعاهدات، والفرامين الحكومية وعلى الإسناد والمدارك المختلفة التي كانت في دار الإنشاء في البلاط.
والقارئ لهذا الكتاب تتضح له أسباب تأخّر البلاد وما كانت تعاني. والعامل الأوّل هو سيطرة سلاطين ورؤساء جهلاء، أميين، أعداء للعلم والثقافة، فكان لهم الدور الأساسي في تحطيم البلاد وتأخرها في كل النواحي. فقد قصموا ظهر المجتمع الأفغاني بحيث لا يمكن النهوض، وهم عزلوا الشعب عن الاتصال بالعالم الخارجي والتطورات العلمية والفنية وعمدوا إلى التصفية الجسدية لكلّ الفعاليات النشيطة العاملة ذات المواهب الخلاقة البناءة من طبقات المجتمع، وكانت سجونهم مليئة بهم بغية التخلص منهم تدريجياً. ولم يكن لهم ذنب سوى أنّهم اتهموا بحب الوطن والإخلاص له وللحرية. ومن أبرز الثمار التي اقتطفوها إيقاعهم الفرقة بين الشيعة والسنة التي لا زالت باقية وتتطور يوماً فيوماً في البلاد.
وخلاصة القول إنّ الكتاب يعطي للقارىء صورة حقيقة واضحة لمأساة أفغانستان.
والجدير بالذكر أنّه لو لم يؤلف كتاب سراج التواريخ فلم نكن لنعرف تفصيلاً عن الجنايات التي ارتكبها عبد الرحمن.
وتبلغ مجلدات (سراج التواريخ) الخمسة، ولكن ليس لدينا سوى ثلاثة فقط. وقد ذكر الدكتور عبد الأحمد جاويد الأستاذ في جامعة كابل في مقال له تحت عنوان: نظرة إجمالية على الحالة الثقافية في عهد محمد الزائي، بأنّ عدد مجلدات كتاب سراج التواريخ خمسة.
وقد قالت هيئة التحرير في (آريانا دائرة المعارف) عن كتاب سراج التواريخ ما يلي:
«إنّ أكبر أثر تاريخي في عهد الأمير حبيب الله وما بعده من السلاطين هو كتاب سراج التواريخ تأليف فيض محمد الكاتب، وهو يقع في خمسة مجلدات ولم يطبع منها سوى ثلاثة، وقد بدأ في تصنيف المجلد الأوّل منه من بداية عهد الإبداليين…
وأمّا المجلد الخامس منه فقد اقتصر على الحوادث الواقعة في عهد أمان الله خان والنسخ الخطية للمجلدين (4ـ5) موجودة.
وقد ذكر الكتاب عبد الحي حبيبي المؤرخ الأفغاني الشهير مع ذكر عدد مجلداته كما يلي:
«يعتبر كتاب سراج التواريخ الأوّل من نوعه في ضبط الوقائع الإدارية في الحكومة الأفغانية، وهو يعتبر المصدر الأساسي للمؤرخين والمتطلعين وأصحاب الاختصاص الذين يرومون كتابة التاريخ الحديث.
واستطرد عبد الحي حبيبي قائلاً: وقد نقل لي الدكتور پهروز سنة 1982 أنّ الكاتب دون كتاب تاريخه هذا إلى حدود السنة الثامنة عن عهد أمان الله أي إلى سنة 1927، ودون حوادث السنوات الست الأخيرة في عهد الأمير عبد الرحمن والفترة التي تقع في عهد إمارة حبيب الله خان، فقد جمعها في مجلد واحد حيث يبلغ عدد صفحاته ما يقارب ثلاثة آلاف صفحة، وقد كان موجوداً في مكتبة المعارف، وقد جاء فيه تفصيل مقتل الأمير حبيب الله، ولكنّه فقد بعد ذلك، وقد رئي المجلد الخامس منه بخط المؤلف عند عبد الغفور عزقة، وكان يشتمل على الحوادث التي وقعت مدّة ثماني سنوات وثلاثة أشهر من عهد سلطنة أمان الله خان وهو مفقود أيضاً([283]).
ونفهم من الإعلانات المتعددة التي طبعت في جريدة سراج الأخبار الأفغانية سنة 1334ـ1335هـ لسنتها السادسة ـ نفهم منها أنّ المجلد الثالث أنجز طبعه، وأنّ المجلد الرابع تحت الطبع، ويحتمل أن تكون هناك نسخة لكلّ من المجلد الرابع والخامس عند الرئيس (عنايت الله خان) ابن الأمير حبيب الله، لأنّ الطبع كان يجري تحت إشرافه، فلا يبعد أن يكون قد احتفظ لنفسه بنسخة من كلّ مجلد.
لماذا أحرقوا كتاب سراج التواريخ؟
عندما صدر القسم الأوّل من المجلد الثالث من كتاب السراج إلى الأسواق وعرض للبيع، اقتناه بعض الموالين للسلطة، فتفطن لمدى خطورة الكتاب حيث يعتبر من أكبر الوثائق الحية لفضح جرائم عبد الرحمن وأسرته، فحذر السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، فصدرت الأوامر بجمع البقية الباقية من الكتاب من جميع المكتبات وجرى الشيء نفسه بالنسبة إلى المجلد الرابع والخامس الذي كان لا يزال تحت الطبع، فجمعت النسخ كلّها وأحرقت، إلاّ ما كان قد تسرّب إلى بيوت الناس، فإنّه سلم من الإحراق والإتلاف. ويقول غلام محمد غبار عن كيفية إحراق نسخ (سراج التواريخ) أنّه عندما طالعه الملك أمان الله حفيد الأمير عبد الرحمن وعرف تفصيل كيفية إهداء لقب الرئيس الشجاع الأعظم المحترم ونجم الهند لطبقة الأشراف إلى غير ذلك من الألقاب الرنانة والفخمة من قبل الملكة فيكتوريا. وظهرت له عمالة جدّه للبرطانيين. غضب الأمير ممّا جرى بين جدّه وبين الإنكليز، فأصدر فوراً أمراً بحرق جميع نسخ هذا الكتاب، وكتابة تاريخ جديد لأفغانستان يكون محل الاعتماد. ولكنّه غفل بأنّ الكتاب الذي أمر بحرقه هو التاريخ الصحيح لأفغانستان وأنّه يعدّ ثروة تاريخية ضخمة للبلاد، عن القرن التاسع عشر، ولكن بقي الكتاب ناقصاً لم يكمل.
وأورد غبار أيضاً ما يلي: إنّ المجلد الثالث والمجلد الرابع من كتاب السراج تلف في الاضطرابات التي حصلت في عهد بچه سقو في سنة 1929م.
والظاهر أنّ المراد بذلك هو القسم الثاني من هذا المجلد الذي يحتوي على فترة الخمس السنوات الأخيرة لعهد عبد الرحمن بصورة مفصلة لأنّ القسم الثاني منه يشتمل على الحوادث التي وقعت خلال 16 سنة في أوائل سلطنة عبد الرحمن ولم يتلف منه شيء، وهو أي غبار قد اعتمد في تدوين تاريخه عليه.
وللكتاب ـ أي السراج ـ قصة مؤسفة أخرى نذكرها كما يلي: وهي عندما تولّى السلطة نادرخان، أصدر تعليمات سرية لأعوانه الخاصين به، من جملتها إبادة بعض المستندات ومنها سراج الثالث منه لاحتوائه التاريخ الأسود لأسرة محمد زائي، وهكذا أبيدت البقية الباقية من نسخ هذا الكتاب وهي التي سلمت من أيدي أمان الله وجلاوزته. لذلك نرى أنّ نسخ الكتاب نادرة جدّاً وهي في أيدي قلّة من الناس.
ويمكن الجزم بأنّ النسخ الخطية للمجلد الرابع والخامس لكتاب السراج التي ورد ذكرها في (دائرة المعارف آريانا) كانت موجودة في مكتبة وزارة المعارف أي المكتبة الخاصة بهم وهي أيضاً أبيدت فيما بعد على أيدي أعوان نادر قطعاً، لأنّنا نرى أنّ تأليف دائرة المعارف قد بدئ بها في عهد رئاسة الصدر الأعظم هاشم خان.
فيمكن القول بأن المجلدين الأخيرين من كتاب السراج كانا موجودين حتّى ذلك الوقت أي في عهد رئاسة هاشم خان في المكتبة المذكورة، ولكنّهما فقدا بعد ذلك، وأمّا القسم الثاني من المجلد الثالث للكتاب فهو مفقود ولم يعلم عنه شيء.
ولكن في الآونة الآخيرة وجدت نسخة خطية بخط المؤلف عند نجله محمد علي، وهي تعتبر نسخة نادرة جداً وتقع في 416 صفحة، وهي تحتوي على جميع الفرامين والمستندات الصادرة في خمس سنوات أواخر عهد عبد الرحمن.
السربداريون
ـ1ـ
إنّ التشيع لم يكن مجرد حركة ثورية ولم يقتصر على ممارسة الجهاد فكراً وسلوكاً بوجه الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي والطبقي، الاستبداد الذي كان يمثّل قاسماً مشتركاً بين أجهزة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة الغزنوية والسلجوقية والمغولية والتيمورية والإيلخانية والتي اتخذت المذهب غير الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد آنذاك… لم يكتف الشيعة بكلّ ذلك بل عملوا بشكل جادّ وواعٍ وبأسلوب منظم ومدروس ومتينٍ على أيديولوجية رصينة وواضحة، على قيادة كلّ الحركات التحررية وتبنّي الشعارات والمشاريع الواضحة المطالبة بإقامة العدل ورعاية حقوق الجماهير المستضعفة. وبذلك اكتسبت الشخصية الشيعية طابعاً محورياً أهّلها لأن تكون مركزاً لاستقطاب جميع أصحاب التوجّهات الرافضة للوضع السائد والمتطلعة إلى واقع أفضل.
ونتيجة لذلك، نرى أنّ ازدياد الظلم وغصب الحقوق واضطهاد الطبقات المسحوقة ووخامة الأوضاع الاقتصادية والسياسية وشيوع حالات القمع الفكري والتعصب الطائفي وتبعية سلاطين الدين لسلاطين الدنيا واتساع الفوارق الطبقية وانتشار الفقر والفساد وغيرها من العوامل لم تفتّ في عضد الشيعة، بل على العكس من ذلك، زادتهم إصراراً على المضيّ في منهج مقارعة الظالمين وأكسبت جبهتهم صلابة وتماسكاً أكبر وخلقت أرضية مناسبة أكثر للتفاعل مع الشعارات التي يطرحونها وينادون بتحقيقها؛ الأمر الذي جعل التشيّع يتحوّل من عقيدة ومنهج خاص في التفكير والعمل إلى طريقة مثلى في فهم الإسلام وفكر أهل البيت في مقابل شيوع الفلسفة اليونانية وظاهرة التصوف الشرقي، ومن منهج نظري وعلمي مجرد إلى مشروع نهضة سياسية واجتماعية وثروة تمتدّ جذورها في أواسط المجتمع وبخاصة المحرومين منهم، وتقضّ مضاجع قوى الزور وعلماء الزيف والتزوير من الذين يستغلون عنوان المذهب غير الشيعي لتمرير مخططاتهم الرامية بالأساس إلى فرض الهيمنة على مقدرات الشعوب وتبرير أعمال السلاطين. وكان من شأن ذلك أنّ بعض الخلفاء والسلاطين ممّن كانوا يتمتعون بدرجة من التحرر الذهني والانفتاح السياسي كانوا لا يتوانون عن استقبال اليهود والنصارى والمجوس والدهريين في بلاطهم بينما يغيظهم ذكر الشيعة وكل ما يتعلق بالتشيع ويسجّر في قلوبهم غضباً وغيظاً لا ينطفي إلاّ بإراقة المزيد من دمائهم في أكبر هجمة استئصالية شهدها التاريخ الإسلامي ضد جماعة معينة.
لقد أصبح قتل الشيعة وصلبهم ونزع جلودهم وهم أحياء وقلع أعينهم وقطع ألسنتهم من القفا مظاهر يومية وسياسية رسمية، وممّا زاد الطين بلّة، الفتاوى التي كان يتبرّع بها الفقهاء والفلاسفة وعرفاء البلاط والتهم الجاهزة التي يلصقونها بالشيعة بلا حرج ولا تورّع. بل الأنكى من ذلك أنّهم كانوا يعتبرون تلك الفتاوى عبادة يستحقون عليها الأجر والثواب!
من هنا نفهم السر في تصريح السلطان محمود الغزنوي بالقول إنّه (سيطلب الشيعي أينما حلّ وكان)! ونتفهّم لماذا يصدر الفقيه غير الشيعي فتواه الشهيرة بتحليل زواج المسلم من الكتابية يهوديةً أو نصرانيةً أو مجوسيّة، وتحريم الزواج من المسلمة الشيعية!
عقيب هيمنة الأتراك على أوضاع الدولة الإسلامية، برزت ظاهرة التعصّب وضيق الأفق في الجانب الفكري والعقائدي، فيما برز على الصعيد الاجتماعي النظام الإقطاعي الذي كان يعمل على استغلال الشعب خاصّة الطبقات المحرومة وبشكل وحشي لا يرحم، ممّا أدى بتبع ذلك إلى لجوء السلطة الحاكمة إلى أسلوب النار والحديد ونصب المقاصل والأعواد بغية إرعاب الناس والسيطرة عليهم، وإلى جانب ذلك تحوّل المذهب غير الشيعي الذي مثّل على الدوام دين الدولة (الرسمي) إلى مجموعة شعائر طائفية وعقائد تبرّر الممارسات اللاإنسانية للجهاز الحاكم، وتتبرّع بأحكام وفتاوى جاهزة تناغم التوجه الرسمي للحكومات المتعاقبة وسلاطين الغزنوية والسلجوقية والمغولية، وأضحى الدين بمثابة آلة قمع وتنكيل بكلّ حركة إصلاحية تهدّد مصالح الأقوياء وأصحاب رؤوس الأموال والإقطاعيين.
وفي ظل هذه الأجواء برز التشيّع آنذاك، ليحمل راية الثورة والرفض الجماهيري وذلك على شكل حركات ثورية أو اتجاهات إصلاحية تختلف تطرفاً واعتدالاً، وتغلغلت في الغالب في أوساط الطبقات المسحوقة على الخصوص الفلاحين الذين كانوا يتعرّضون لأبشع أنواع الظلم والاستغلال، فيما شهد المجتمع الإسلامي تمرّداً فكرياً مستنيراً قاده بعض الصوفية المتحرّرين وذوي الميول الشيعية ضدّ مظاهر التحجر والعنف الديني التي كان يمارسها الفقهاء المسيّرون من قبل السلطة الحاكمة.
وقد جاءت الشيعة الإمامية كمذهب معتدل وغني بالمعارف لتمثل قمة هذا التوجّه الثوري التغييري والرافض للوضع السائد المدعوم من قبل السلطة، وقد ارتكز هذا المذهب في دعوته التربوية إلى ريكيزتين؛ الإمامة والعدل، وكان شعاره الثوري هو عاشوراء حيث استطاع من خلاله تعبئة الجماهير المتذمّرة من الوضع السائد متمّماً ذلك بالدعوة إلى انتظار الإمام المهدي وطرح قضايا من قبيل علامات الظهور وآخر الزمان، وإحياء الأمل والفرج بعد الشدّة، والإيمان بانكسار الباطل والظلم في نهاية المطاف، وابنساط العدل بالسيف وإعداد جميع المظلومين والمنادين بالعدالة إلى لحظة الثورة… وقد ترسّخ هذا النمط من التفكير في نفوس الناس إلى درجة أنّه في المدن ذات الأغلبية الشيعية يصار في أيّام الجمعة إلى وضع سرج على فرس بيضاء ثمّ يخرج الناس جميعهم وراء هذا الفرس في تظاهرة احتجاجية على رغم السلطة ترفع شعارات انتظار الفرج والتحرّر من الظلم والدعوة إلى الثورة… إلى غير ذلك من الشعارات التي تغيظ الحكام وتثير حفيظتهم.
في النصف الأوّل من القرن الثامن الهجري، تمكّن المغول من فرض سيطرتهم التامّة على إيران، وأمعنوا في إذلال أبناء الشعب عن طريق حملات الإبادة الجماعية التي أقدم عليها هولاكو وجنكيزخان. وأمسى كلام جنكيزخان بمثابة القانون، والسيف هو المنفذ لهذا القانون، واقتسم ملوك المغول وكبار قادة جيشهم ورؤساء طوائفهم مناطق إيران وحوّلوها إلى مقاطعات مملوكة وعمدوا إلى معاملة الأهالي القاطنين في تلك المناطق معاملة العبيد، وفي داخل المدن أصبح علماء الدين يعملون بإمرة الحكام المغول ويدعون الناس باسم مذهب (الجماعة) إلى الرضا والتسليم المطلق لإرادة الحكام الذين أشهروا وإسلامهم في الظاهر ولكنّهم عملياً استمرّوا يحكمون بسياسة جنكيزخان.
سوى ذلك كانت هناك طائفة أُخرى من العلماء من الذين أعرضوا عن الدنيا وبهارجها ولم يُسوّغ لهم ورعهم وتقواهم التضامن مع المغول وحكّام الجور، ولكنّهم بدل أن يتصدّوا لمواجهة الوضع الفاسد اختاروا العزلة والانزواء في صوامع التصوّف وعبّدوا الطريق بذلك أمام الحكام المستبدّين ليمعنوا في إذلال الأمّة وارتكاب أبشع الجرائم بحقّ أبنائها، وتركوا الناس الأبرياء تحت رحمة أسواط الجلادين والناهبين ووعاظ السلاطين.
في هذه الأجواء، ينبري إلى خط المواجهة رجل دين ينشد الحقيقة، كما نشدها سلمان الفارسي من قبل، وهو (الشيخ خليفة) الذي يحاول أن يطّلع بنفسه على كلّ مدرسة فكرية قائمة في ذلك العصر، فيبدأ بمدرسة الزهد، فيلتحق برجل زاهد يُقال له (بالو) علّه يجد عنده طريقاً للنجاة والتحرر، ولكنّه سرعان ما يكتشف أنّ الزهد هو في واقعه سكوت في مقابل الظلم، وليس هناك أكثر قبحاً وعاراً وأنانية من أن يكرّس المرء جهده لإنقاذ نفسه وإيصالها إلى الجنّة الموعودة في حال يرى بعينه الناس المحيطين به وهم يرزحون في جهنم الدنيا وعذابها ويذوقون ألوان الفقر والحرمان ويسمع صرخاتهم وهم يطالبون بمدّ يد العون إليهم فلا يأبه بذلك كلّه ويصمّ أسماعه دون تلبية نداءات استغاثتهم.
فيقرّر صاحبنا الإعراض عن (بالو) الزاهد والتوجّه نحو مدينة سمنان حيث يوجد ركن الدين عماد الدولة الذي ذاع صيت عرفانه وتصوّفه في الآفاق، ولكن لا يلبث أن يكتشف أنّ التصوّف، شأنه شأن الزهد، ليس إلاّ هروباً من مواجهة الواقع وتنصّلاً من المسؤولية وإعراضاً عن المجتمع ولا أبالية حيال المصير الذي ينتظره إذا استمرّ الظلم والعدوان. صحيح أنّ عماد الدولة رجل ذو قلب صافٍ منزّه عن الكدر ويتمتع بروحية سامية وإحساس لطيف، ولكن كيف يتسنّى له مع هذه الخصال أن يتحمّل سيل الدماء التي يسفكها سلاطين المغول على هذه الأرض، وكيف لا يهزّه من الأعماق خطر الفناء الذي يهدّد الإسلام والمسلمين في كلّ حين؟
وينفر الشيخ خليفة من ركن الدين، الذي كان يمثّل مدرسة التصوّف آنذاك، وينطلق إلى شيخ الإسلام الإمام غياث الدين هبة الله الحموي القاطن في (بحر آباد) لينتهل على يديه من أحكام الشرع المقدّس وفق «المذاهب الحقّة لأهل السنّة والجماعة» علّه بذلك يصل إلى ينبوع الحقّ والحقيقة!
ولكن هيهات! فقد وجد أنّ الفقيه يتوفّر على ألف مسألة شرعية في آداب التخلّي دون أن يقدّم مسألة واحدة وحكماً شرعياً واحداً يتعلّق بالمصير المشؤوم الذي ينتظر الأُمّة والبلاد!
وهكذا يصاب الشيخ بخيبة بالغة إزاء ما يصنعه رجال الدين والمذهب، ويصل إلى قناعة راسخة بأنّ ممارسات هؤلاء ما هي إلاّ «تأطير للقوّة والظلم بوشاح التقوى والورع» وينطلق ساخطاً على الحكم المغولي الجائر متحسساً لكلّ آلام وآمال المسلمين ويستعدّ للنهوض بأعباء المسؤولية عارفاً بأمور زمانه ومحتجاً على الوضع الراهن وعازفاً عن كلّ الدكاكين التي تروّج الدين كبضاعة تباع وتشتري، وليختار مذهب الرفض والشهادة!
قدم إلى سبزوار في زيّ درويش بسيط غريب، لا ناصر له ولا كفيل، واستقرّ في جامع المدينة ويبدأ بالوعظ والإرشاد؛ واعظ ناقم ومتمرد على كلّ شيء من شأنه أن يجعل الناس يرتضون الذل والجهل والجور والمهانة، نقمة وتمرداً مستنداً على دعامة منهج فكري وإيماني صلب وعنيد وتاريخ مضرّج بالدماء؛ ألا و هو التشيّع!
وشيئاً فشيئاً يَلتئم الناس المحرومون أفراداً وأفواجاً حول هذا الواعظ ليتحوّلوا في خاتمة المطاف إلى مركز قوّة جديد أصبح يشكّل خطراً لا يستهان به.
وها هنا يأتي الدور التقليدي لملالي السلطة حيث يبدأون أوّلاً بترويج الشائعات ومن ثمّ إصدار الفتاوى، وأخيراً الحكم «بالذبح على الطريقة الإسلامية».
«هذا الشيخ يتكلم في المسجد بأمور دنيوية».
«هذا الشيخ يُحدث في المسجد ولا يحترم بيت الله».
«هذا الشيخ يشوش على عقائد الناس وإيمانهم…».
وبهذه الطريقة يسعى الملالي جاهدين لخلق حاجز من عدم الثقة بين الشيخ وجموع الناس ويمهّدون الأرضية اللازمة للقضاء عليه بتعبيد الطريق لحاكم المغول لكي يزهق روحه!
كتبوا إلى السلطان المغولي بأنّ هذا الشيخ انحرف عن مذهب الحقّ لأهل السنّة والجماعة، وأنّه لا يكترث بمحاولاتهم المتكررة لإعادته إلى طريق الهدى والصواب، وهو سادر في غيّه و مستمر في التبليغ للدنيا داخل المسجد الجامع ونشر عقائد وأفكار الرافضة، وبالتالي فهو مهدور الدم وعلى السلطان (سعيد) أن يخلص المسلمين من شرّه!
وتتّسع دائرة الإشاعة وتشتدّ المساعي المحمومة لتفريق الناس من حوله ولكن دون جدوى، فلقد عثرت الطبقات المسحوقة من المجتمع في كلام هذا الشيخ على ما تريد، وغدت أقواله تنفذ إلى أعماق وجودهم وضمائرهم وتلامس آلامهم وآمالهم التي يتطلعون إليها.
وفي النهاية حدث ما كان متوقعاً في مثل هذه الحالات، ففي سحر إحدى الليالي وحيث كان الناس مشتاقين إلى لقائه في المسجد والاستماع إلى مواعظه وإرشاداته، وجدوه مقتولاً في باحة المسجد!
لم تكن هذه نهاية الطريق، إذ سرعان ما نهض تلميذه الشيخ حسن الجوري بأعباء الأمر، فأعلن التعبئة العامة ونظّم الجموع واعتمد مبدأ النضال السرّي، وأخذ يدور بنفسه في القرى والمدن ينشر بذور الوعي والثورة والرفض على طريقة التشيّع!
الآن أصبحت الفرصة مؤاتية للثورة، فقد بلغ النضج الفكري حدّاً كافياً، وأخذت مراجل الثورة تغلي في نفوس الناس، ولكن حجاب التقية يكبح جماح هذا الغليان الشعبي بانتظار ساعة الصفر!
وقدحةٌ واحدة تكفي!
ذات يوم، وفد ابن أخت السلطان كعادته إلى (باشتين) وهي قرية تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة سبزوار ويفصل بينهما ستة فراسخ.
دخل ابن أخت السلطان مع حاشية على بيت رجل يُقال له (عبد الرزاق) وهو من غياري القرويين ممن لم يؤثر فيهم ـ بعد ـ عمليات الإذلال المعتمد التي تمارسها أجهزة السلطة مستعينة بالأبواق المتلبّسة بلباس الدين.
طلب طعاماً فلبّي طلبه!
طلب شراباً!
طلبه الثاني كان له وقع الصاعقة في قرويّ مسلم شيعي من أتباع الشيخ خليفة ما زال صدى مواعظ الشيخ يدوي في أُذنيه، ولكن مع ذلك لبّى له الطلب!
دبّت الخمرة في رأس الضيوف! سكروا! وطالبوا بمؤنسات! وها هنا يبدأ الانفجار! بسرعة وبساطةٍ بالغتين!
ذهب صاحب الدار إلى أهل القرية، ونادى بالشيعة! صرخ فيهم بأعلى صوته: إنّ حاكم المغول يريد فتياتكم، بماذا ستجيبون؟
قالوا: «نصعد على أعواد المشانق ولا نطيق هذا العار، وسيوفنا هي مؤنسات أعدائنا!».
النتيجة واضحة، لقد صمّم الناس على شيء!
قتلوهم عن بكرة أبيهم، ولأنّهم أدركوا أنّ لا خطّ للرجعة اختاروا الموت بلا تردّد، ممّا منحهم قدرة عجيبة جعلت هذه القرية الصغيرة تصمد أمام نظام دمويّ وجيش جرّار وتنتصر في خاتمة المطاف!
هجم القرويون على المدينة وأعلنوا الحرب على جيوش المغول وفتاوى وعاظ السلاطين وكان حليفهم الانتصار!
والشعار:
العدالة والنجاة!
انهارت سلطة المغول وتلاشى نفوذ الملالي وتبدّدت سطوة الطبقة المالكة والإقطاعيين.
وسرعان ما التحق بركب الثورة باقي ضحايا جور المغول وجهل الملالي، وتحوّلت سبزوار إلى مركز قوّة وسرت الثورة في البلاد سريان النار في الهشيم…
واستوعبت ثورة الشيعة (السربدارية)([284]) تمام مقاطعة خراسان والقسم الأعظم من شمال إيران وقفزت شرارتها إلى الجنوب تتقدّمها سيوف القرويين الأبطال وأفكار الشيخ خليفة وتلميذه البار حسن الجوري وأنصارهم من العلماء الواعين طلاب الحقيقة واليقين.
ولأوّل مرّة، تقوم حركة ثورة على أساس التشيّع، لتقاوم الاستعمار الخارجي والاستحمار الداخلي على حدّ سواء؛ ثورة ضد سطوة الإقطاع والرأسماليين، هدفها إنقاذ الشعب المحروم، وشعارها نشر العدل وثقافة الاستشهاد، وقيادتها هم الفلاحون وغيرهم من أبناء الطبقات المسحوقة، حصل هذا قبل حوالي سبعمائة عام! وكان هو آخر تيار ثوري ذي طابع شيعي ويحمل هوية «التشيّع الأحمر» الذي فجّر في النفوس روح الثورة والرغبة بالتحرر وإقامة العدل ومقاومة الجور والفقر والجهل ببسالةٍ وعزم لا يلين.
الدكتور علي شريعتي
السربداريون
ـ2ـ
في زمان «الجايتو خدابنده» وهو أحد الملوك الإيلخانيين من أحفاد هولاكو [1304ـ1317] راج المذهب الشيعي وانتشرت إشاعاته فبلغت الآفاق البعيدة بصورة كافية لأنّه ـ إضافة إلى المناظرات المذهبية الحادّة التي ظهرت تلك الفترة ـ كان إلى جانبها نوع من التسامح الديني، ومع أنّ خليفة خدابنده أبا سعيد أخلى الجو لغير الشيعة ثانية وفسح لهم المجال لكن الشيعة كانوا قد ثبّتوا مواقعهم وأحكموها بحيث أعلنوا عن وجودهم كمدرسة لها أسسها ومبادؤها.
لو أردنا أن نذكر فقهاء كباراً من أمثال «الخواجة نصير الدين الطوسي» الذي بلور أفكاره الشيعية في قالب جديد، أو العلامة الحلي الذي صقل الأذهان الشيعية صقلاً عملياً من خلال مناظراته ومحاججاته مع فقيه كبير كابن تيمية، فإنّ علينا أيضاً أن نذكر القاضي البيضاوي المفسّر الكبير للقرآن الكريم الذي كان سنياً شافعياً، حيث أدخل مفاهيم جديدة إلى حقل المعرفة الإسلامية باستعماله كلمات وتعابير متزنة ومتينة.
إنّ محاولات الشيعة في زمن الإيلخانيين من أجل أن يكون مذهبهم رسمياً في كافة أنحاء البلاد يدلّل على أنّ التشيع كان يناضل للاعتراف به. وبالفعل كان له ما أراد ولعب دوراً في إدارة الشؤون المختلفة لكنّه برز في وقت كانت فيه كثير من المقاطعات والفرق والجماعات المختلفة تفكر بالاستقلال بعد وفاة السلطان أبي سعيد الذي مرّ ذكره والذي كان قد اعتبر المذهب السني هو المذهب الرسمي في البلاد…
وعلى ضوء هذا التوجه أي التفكير بالاستقلال كانت من بين تلك الجماعات جماعة السربداريين وهم من الشيعة الذين ظهروا في منطقة سبزوار التابعة لخراسان أيام المغول لمواجهتهم وتحرير مناطقهم من نير نفوذهم… وقد حكموا فترة من الزمان… وكان حكمهم طرحاً جديداً في شكل الحكومة، وتوجهاً حديثاً في كيفيتها… منهم القائد الديني للنهضة السربدارية الشيخ خليفة المازندراني الذي تتلمذ في شبابه على يدي عدد من الشيوخ والدراويش، ولمّا لم يحقق طموحه فيما تلقاه من تعليم يمّم وجهه صوب سمنان وحضر درس الشيخ ركن الدين السمناني. ثمّ تركه بعد مناقشة حصلت بينهما وتوجه إلى سبزوار، وفي سبزوار أثّرت مواعظه التي كان يلقيها على القرويين والشرائح الاجتماعية المختلفة التي كانت عموماً من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فصار له أتباع ومريدون…
لمّا رأى الفقهاء غير الشيعة هذا الوضع ضاقوا بالشيخ ذرعاً وقلقوا جدّاً من اتّساع نشاطاته فتواطؤوا على قتله، وبالفعل قتلوه في صباح ذات يوم في مسجده. وهرع الناس إلى المسجد فوجدوه معلقاً على الحبل وهو مصلوب سنة (736هـ). ولا شك من أنّ الشيخ قتل على أيديهم في حين هم أشاعوا أنّه قد انتحر.
بعد موته المفجع تزعّم النهضة الشيخ حسن الجوري أحد تلامذته ومريديه، ورحل عن سبزوار إلى نيشابور وفيها وعظ وخطب مروّجاً لآراء الشيخ خليفة وأفكاره فالتف حوله عدد من الأتباع والمتعاطفين.
واصل الشيخ نشاطه في الوعظ والتبليغ في مدن مختلفة مثل نيشابور، مشهد، ابيور، هرات، بلخ، ومدن أخرى في خراسان لمدّة ثلاث سنوات وسافر إلى العراق أيضاً. وقد كان متخفياً ملاحقاً في تلك المدن والمناطق جميعها إلى أن وقع في قبضة «الأمير أرغون شاه جاني قرباني» حاكم خراسان فأودعه السجن.
لقد ثار السربداريون قبل الوقت الذي كان يتوقعه الشيخ حسن الجوري وبصورة مفاجئة ودون تخطيط.
في ذات يوم طلبت مفرزة شرطة تابعة لعلاء الدين محمد هندو وزير إيلخان المغول من عائلة ريفية تقطن في قرية (باشتين) شراباً وغلاماً جميلاً لملذاتهم… أمّا الشراب فقد هيأوه لهم. وأمّا الغلام الجميل فقد اعتذروا… عندها صمّم أعضاء المفرزة على التحرّش بالآخرين والاعتداء عليهم للحصول على مرادهم فثارت ثائرة الناس و هبّ الاخوان حسن وحسين ولدا حمزة الباستيني فقتلا المعتدين. بعد هذه الحادثة أرسل علاء الدين قوةً من الشرطة إلى باشتين لإلقاء القبض على المذكورين فتأزم الوضع أكثر… وحدثت انتفاضة عارمة قادها الأمير عبدالرزاق الباشتيني الذي صرّح قائلاً: «يجب علينا وعلى جيمع المسلمين تقديم المساعدة لحسن وحسين لأنّهما من أهل الغيرة والحميّة لذلك عندما حدثت مواجهة بين هذا الأمير وبين مبعوثي علاء الدين محمد الوزير «تكلم الأمير بحدّة وغضب ممّا أدّى إلى حصول اشتباك بين الطرفين قتل على أثره عدد من المعتدين وفرّ الباقون» عندها تجمع الناس وقرّروا الثورة… وصرّح عبد الرزاق قائلاً: لو تساهلنا لقتلنا، والصعود على أعواد المشانق بعزّ ورجولة خير ألف مرّة من الموت بذلّ ومهانة».
لهذا عُرف هؤلاء بالسربداريين أي أصحاب الرؤوس المرفوعة على أعواد المشانق. وذكر المؤرخ الإيراني المعروف «حافظ أبرو» أنّ عبد الرزاق الباشتيني خطب في تجمّع للقرويين قائلاً: «لقد تسلط على الناس مفسدون يجورون ويظلمون، فلو وفقنا فإنّنا نصدهم وإلاّ فالصعود إلى المشنقة خير لنا من هذه الحياة إذ لا طاقة لنا على تحمّل الظلم والجور بعد».
وحول منطلق هذه الكلمة ذكر دولتشاه السمرقندي وهو مؤرخ آخر معروف أنّه «في صباح ذات يوم نصبوا مشنقة خارج قرية باشتين وعلّقوا عليها عمائم وقلنسوات «تمثّل رؤوساً مستعدة للموت» وبدأوا يرمونها بالنبال والحجارة وسمّوا أنفسهم «سربداريين». أي أصحاب الرؤوس المرفوعة على أعواد المشانق».
بعد اندحار قوات علاء الدين احتل السربداريون بقيادة الأمير عبد الرزاق سبزوار، وواصلوا تقدّمهم فاحتلوا «اسفراين» و«جاجرم» ومناطق أخرى. وبعد سنة تقريباً قتل عبد الرزاق على يد أخيه مسعود نتيجة مشاجرة حصلت بينهما.
استلم مسعود مقاليد الأمور فاستهل أعماله بعقد ميثاق مع الشيخ حسن الجوري الذي كان قد أطلق سراحه من سجن «قلعة طاق» شمالي خراسان… بعد ذلك قضى على قوات الأتراك والمغول والإقطاعيين المحليين الذي التحقوا بهم، بقيادة «الأمير أرغون شاه جاني قرباني». وهزمت قواته «الإيلخان طوغاي تيمور خان» خليفة «أبي سعيد» إيلخان المغول قرب نهر اترك…
عمل مسعود والشيخ حسن جنباً إلى جنب وكانا في البداية متفقين لكن سرعان ما بدا الاختلاف بينهما، وبينما سيّر السربداريون جيشهم نحو هرام واشتبكوا مع الملك «معز الدين حسين كرت» قريباً من زاوة، قُتل الشيخ حسن الجوري في تلك المعركة… فقال أكثر المؤرخين إنّ أحد السربداريين هو الذي قتله بأمر سرّي من مسعود نفسه، لأنّ الشيخ حسن كان يعتز باستقلالية في الرأي ولم يرغب أن يُعَدُّ شخصاً ثانياً بين أتباعه ومريديه…
على أي حال فإنّ موت الشيخ أدّى إلى اندحار السربداريين، ورجوع مسعود بعد تركه للمعركة. وبعد وصوله إلى سبزوار توجّه إلى مازندران فوقع قسم من أراضيها تحت الاحتلال السربداري وواصل مسعود تقدّمه حتّى آمل من مدن مازندران (طبرستان) لكن قوات الإقطاعيين المحليين نصبوا له ولجيشه كميناً في الوديان الجبلية المليئة بالغابات، فوقعوا فيه وتمّ القضاء عليه وعلى أكثر أفراد جيشه سنة (745هـ).
ومن الجدير ذكره أنّه بعد مقتل الشيخ حسن انقسم السربداريون إلى جناحين: الجناح الحسني أو جناح الدراويش، والجناح السربداري. وبعد مقتل مسعود كان كبار السربداريين مرّة مع الجناح المعتدل المحافظ وهو الجناح السربداري، وأخرى مع جناح الدراويش الراديكالي.
ومن أكثرهم إلفاتاً للنظر وإثارة للاهتمام القائد السربداري الخواجه شمس الدين علي [748ـ754هـ] ممثل الجناح الأصولي الراديكالي إذ مع أنّ بعض المؤرخين يكنّون له العداء لكن يذكرون أنّه رجل مقتدر وكفوء. وبالرغم من أنّ التنظيمات الاجتماعية للحكومة السربدارية في عصره لم تذكر على نحو من التفصيل، لكن يذكر عنه أنّه أقام علاقات قوية مع بائعي سبزوار والمهنيين فيها وله معهم صداقة… وكان كذلك صديقاً للدراويش أتباع الشيخ حسن الجوري… والناس في زمانه ذاقوا طعم السعادة والرفاه، وله في أوساطهم تأثير ونفوذ كبيرين.
بعد مقتله الذي كان سببه ـ في أغلب الظن ـ سياسياً، تسلّم مقاليد الأمور أحد كبار السربداريين وممثل الجناح المعتدل بينهم وهو يحيى الكرابي(754ـ760هـ).
بذل يحيى الكرابي جهوده في سبيل أن يكون مع الدراويش وإلى جانبهم منسجماً مع توجهاتهم؛ لذلك كان مع نوابه ومساعديه يلبسون زيّهم ليلفتوا أنظار الناس إليهم ويكسبوهم.
ازداد عدد أفراد الجيش في زمانه واتسع نطاق الحكومة السربدارية… كذلك استطاع السربداريون أن يحرروا طوس ومشهد من أيدي أمراء «جاني قرباني» وبما أنّ هذه المناطق كانت فقيرة ومدمّرة تماماً بسبب الاستغلال الوحشي للقرويين من قبل حكام المغول؛ لذلك بذلت الحكومة السربدارية جهوداً جبّارة في مجال الري وإحياء القنوات.
من أهم الأعمال التي قام بها يحيى الكرابي هي القضاء على «طوغاي تيمورخان» آخر من بقي من الحكام المغول الإيلخانيين حيث قتل في منطقة جرجان (گرگان).
جاء بعد يحيى الكرابي «البهلوان حسن الدامغاني» (762 إلى 766هـ) فتجدد النزاعات الداخلية بين السربداريين في عصره، وقد كانت موجودة من قبل بسبب الانشقاقات التي ظهرت عندهم.
إنّ هذا الأمير السربداري كان من كبارهم وكان يمثّل الجناح المعتدل… وقد نشبت في زمانه النزاعات بينه وبين الجناح الأصولي المتشدد بقيادة الدراويش من أتباع الشيخ حسن الجوري في طوس ومشهد. وكان بينهم الدرويش «عزيز» تلميذ الشيخ حسن، رجلاً قوياً مجدّاً متحمساً. فقام «الپهلوان حسن» بقمع هذا التحرك بعد ستة أشهر من بدايته وأبعد الدرويش عزيز عن بلاده… لكن لم يمر وقت طويل حتّى نهض قائد سربداري آخر هو «الخواجة علي المؤيد» فادّعى الحكومة. كان «الپهلوان حسن» في وقتها خارج سبزوار مشغولاً في قمع تمرد آخر ظهر مقاوماً له فقام «علي المؤيد» باستدعاء «الدرويش عزيز» الذي كان قد أُبعد إلى أصفهان للتنسيق ضد «الحسن» وبالفعل دخلا سبزوار معاً ومسكا زمام الأمور… لكن حكومتهما لم تدم طويلاً إذ قتل «الدرويش عزيز» على يدي «علي المؤيد» نفسه في مؤامرة دبّرها له.
كان علي المؤيد شديداً مع خصومه، إذ كانت معاملته قاسية مع أتباع الشيخ حسن الجوري والدرويش عزيز، وإضافة إلى هذه المعاملة، والعنف الذي واجههم به، ممّا سبب خسرانه للدعم الشعبي الذي كان يحظى به، فقد اندحر من قبل ملك هرات في حربه معه وفقد كافة الأراضي التي كانت تحت نفوذه حتّى نيشابور… وكذلك واجه تهديداً من الطرف الغربي من قبل «أميرولي» حاكم استرآباد، وظهرت في أيامه حركة تمرد داخلية بزعامة «الدرويش ركن الدين»… ومع أنّه أفلح في قمع تحرّك الدراويش لكن الضغوط الخارجية من قبل الملك «غياث الدين كرت» حاكم هرات و«أميرولي» أدّت به إلى أن يستغيث بفاتح آسيا الوسطى «تيمور» ويطلب منه النجدة… وتيمور في الوقت الذي قضى على السربداريين في سبزوار سنة (783هـ)، جعل سبزوار نفسها تحت تصرّف الشيخية (أتباع الشيخ حسن الجوري) وأخذ علي المؤيد معه إلى المناطق الغربية لإيران… وبعد سنتين قتل في إحدى حروب تيمور.
الشيخ خليفة
قبل الحديث عن حياة الشيخ خليفة، نتكلم حول البيئة التربوية التي عاش فيها، والقاعدة الفكرية التي استند إليها، ولعل الكلام هذا مهم للدخول في الحديث عن حياته.
لقد كانت مازندران ـ في الواقع ـ وسطاً خصباً لتجمّع أهل البيت (عليهم السلام) ونشر الأفكار التي تدعو إلى قيادة العلويين للمجتمع الإسلامي، وتؤكّد على منزلتهم المرموقة بين المسلمين.
إنّ ثورة يحيى بن عبدالله بن الحسن من سلالة الحسنيين في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وانتفاضة حسن بن زيد المعروف بالداعي الكبير، وكذلك التنسيق المباشر بين كبار أهل الديلم وطبرستان، كلّ ذلك يدلّل على عدم نفوذ المذهب الرسمي للحكومة بين الناس هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّنا نجد ـ من خلال دراستنا للتشيع في إيران ـ أنّ أشخاصاً من أمثال الشيخ أبي جعفر الآملي، وأمين الإسلام الطبرسي، وأبي نصر الطبرسي كانوا هم رجال الشيعة وقادتهم في منطقة مازندران.
ولو تفحصنا في سلسلة مشايخ الشيخ «بالوي زاهد آملي» ـ كما يذكر ذلك ظهير الدين المرعشي ـ فإنّنا نجد من الصعوبة؛ بمكان نسبة هؤلاء إلى الطريقة السنيّة في التفكير…
أقول هذا لأنّ الشيخ خليفة كان من المتعلقين بالشيخ «بالوي زاهد»…
نعم في مثل هذه الأجواء نشأ الشيخ خليفة، وكان قدوته الشيخ «بالوي زاهد» قد وضع حجر الأساس لميوله واتجاهاته من خلال مسائل وتعاليم أملاها عليه، فكان الشيخ خليفة يحثّ الخطى في البحث عنها والتحقيق فيها بلا هوادة.
بعد مدّة توجّه إلى سمنان لحضور درس الشيخ علاء الدولة، واستفاد من وجوده في سمنان وتعرف على الطلاب الذين كانوا يغدون على درس الشيخ من هنا و هناك، وأفاده هذا التعرّف في الاطلاع على الوسط الاجتماعي وطبيعة الذين يعيشون فيه ممّن لاحظ عندهم في حقل التطورات الاجتماعية، ولعل مناظرة الشيخ علاء الدولة معه حول موضوع كونه من أتباع أي مذهب حق، كانت حافزاً له لأن يترك سمنان ويتوجه إلى قرية «بحر آباد جوين» بعد أن أجاب بقوله: «إنّ ما أبحث عنه هو فرق جميع هذه المذاهب». في جوين حضر مدّة مجلس «الخواجة غياث الدين حموي» لكن لم يحصل على ما كان يرومه. عندها يمّم وجهه صوب سبزوار حيث أكثر أهل هذه المدينة وقراها المحيطة بها هم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام):
استُقبل الشيخ خليفة في سبزوار استقبالاً شعبياً رائعاً، والتف حوله الناس بسرعة. ولمجيئه إلى سبزوار سببان هما:
1 ـ وجود قاعدة شعبية فيها تلتف حول من يتكلم بالمسائل المعاصرة ويستطيع أن يربط من الناحية النفسية والدينية بين ما يجري على الناس، وما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) في التأريخ.
2 ـ عدم وجود عالم بارز وشخصية لامعة ممّن يجمع بين قابليتي التحدّث والتأثير، لذا عجّل إليها الشيخ واتخذ منها قاعدة لنشر أفكاره وتوسيعها. ولعله انتبه لها بعد بحث طويل فاحتمل أن تكون مناطقها مناسبة للتعبير عن الرأي وطرح الأفكار الاجتماعية؛ لأنّ العرف السائد آنذاك هو أنّ الحديث في المسائل الدنيوية يعتبر خروجاً عن الأعراف والتقاليد الرائجة… فبدأ الشيخ عمله هناك واجتمع حوله الناس.
أدّى تجمّع الناس حوله وتعلّقهم به إلى إثارة الفقهاء غير الشيعة المتواجدين في سبزوار عليه إذ وجدوا أنفسهم في خطر، وهم دائماً يقفون إلى جانب السلطة الحاكمة في كلّ الأحوال، فأقلقهم وضع الشيخ إلى أن منعوه من الجلوس في المسجد ووعظ الناس، فلم يأبه بمنعهم وتهديدهم إياه وواصل إلقاء دروسه ومواعظه، فلم يطيقوا وضعه فاجتمعوا لمناقشة اقتراح طُرِح على شكل سؤال، ونصه: أنّ شخصاً مقيماً في المسجد ويتحدّث في أمور الدنيا، زُجر فلم ينزجر، وأصرّ على عمله، هل يجب قتله أو لا؟ وإذا بجواب أكثر العلماء: «يجب» فكانت هذه فتوى صريحة بقتله… بعدها تعقّد الوضع كثيراً لأنّ للشيخ أنصاراً كثيرين في سبزوار وله منزلة خاصّة بين أهلها لذا لم يجرؤ حاكم سبزوار على تنفيذ هذا الحكم الشرعي. فأرسل الفقهاء صورة من الفتوى مرفقة مع رسالة إلى السلطان أبي سعيد ليصدر أمراً بقتل الشيخ… لكن إيلخان المغول وهو السلطان أبو سعيد كان على اطلاع وافٍ بمدى النفوذ المعنوي للدراويش بين الناس، لذا أجاب قائلاً: «لا شغل لي بدم الدراويش ولا أتعرض لهم، فعلى حكّام خراسان التفحص والعمل بموجب الشريعة المحمّدية المطهّرة» ولا بد من التنويه أنّه عندما كفّر هؤلاء العلماء الشيخ خليفة لتحريض الناس عليه، استفحل الخلاف بين الناس وأدى إلى حصول مواجهة بينهم، وكان من المسلّم به أنّ أتباع الشيخ وأنصاره لا يكتفون بطرد هؤلاء الفقهاء المأجورين من الساحة فحسب، بل يقلبون الوضع العام، وتكون هناك حركة تمرّد كبيرة، وبالفعل فقد حصلت بعض الاشتباكات الطفيفة.
في تلك الفترة بالذات التحق الشيخ حسن الجوري باتباع الشيخ خليفة، وكان يحظى بمنزلة اجتماعية رفيعة ونفوذ وتأثير في أوساط الناس، فأدى التحاقه إلى ازدياد أتباع الشيخ وأنصاره. لكن فقهاء السنّة وعلماؤهم واصلوا عدائهم للشيخ لأنّ تعاليمه وتعاليم الشيخ حسن أدّت إلى إضعاف موقعهم الديني والسياسي والاجتماعي، وكانوا يخشون ذهاب القيادة من أيديهم… وبما أنّهم لم يجرؤوا على قتله علناً تواطؤوا فيما بينهم على خطّة سريّة خبيثة وأعدموا الشيخ في نفس مسجده الذي كان يقيم فيه. وعندما جاء أتباعه وتلامذته إلى المسجد في صباح أحد الأيام من سنة [736] رأوا «حبلاً مشدوداً على عمود والشيخ مصلوباً في أعلاه وفي أسفل العمود عدد من الآجر مصفوفاً بشكل مرتفع بحيث لو وقف الإنسان بنفسه عليه يصل عنقه إلى أعلى الحبل لذلك ظنّ البعض أنّ الشيخ قد انتحر، لكن أتباعه قالوا إنّ الأعداء هم الذين قتلوه».
الخواجة علي المؤيد
عندما كان حسن الدامغاني مشغولاً في مواجهة تمرد قلعة «شغان» في «اسفراين» استغل «الخواجة علي المؤيد» وحليفه «الدرويش عزيز الجوري» الفرصة، فتحركا من دامغان مع عدد من السربداريين والمريدين متوجهين صوب سبزوار. ولمّا وصلوا سبزوار طلبوا من السربداريين المرافقين لحسن أن يقتلوه بأقصى سرعة حتّى يتمكنوا من العودة إلى سبزوار.
بعد مقتل حسن الدامغاني بدأ الحاكم السربداري الجديد حكومته مع درويش عزيز. لكن تحالف هذين القائدين السربداريين كان تحالفاً مؤقتاً لم يدم أكثر من تسعة أشهر؛ لأنّ الخواجة علي شعر بعد أشهر من حكومته أنّه سوف يكون مقيداً ولن يتمتع في حكومته بحرية مع وجود «درويش عزيز»، لذلك لمّا قرر الأخير الذهاب إلى نيشابور لمحاربة «پير علي كرت» حاكم «آل كرت» في هرات، رحّب الخواجة علي بهذا الأمر، ولمّا وصل الدرويش عزيز إلى نيشابور وقرّر التحرّك نحو هرات طلب الخواجة علي من أمراء جيشه سرّاً أن يتركوه وحده، ولمّا علم الدرويش عزيز بهذه الخطّة لم يبق أمامه إلاّ طريق واحد هو ترك خراسان والتوجه إلى العراق، ليتمكن في فرصة أخرى من القضاء على خصمه السياسي كما حدث لحسن الدامغاني… عندما علم الخواجة علي المؤيد بنوايا هذا التحرّك السياسي أرسل قوّة من جيشه لقتله، وبالفعل تمّ قتله مع سبعين من أنصاره في مواجهة غير متكافئة… ولم يكتف بهذا فقط بل أصدر أمراً بهدم قبري الشيخ حسن والشيخ خليفة، ومطاردة الدراويش الحسنية (أتباع الشيخ حسن الجوري). كان الخواجة علي المؤيد معتدلاً في سياسته، واعتداله هذا مع جهوده في سبيل رفاه الناس من خلال تقليل الضرائب وتوطيد الأمن، أدّى إلى أن يحكم مدّة أطول ممّا حكم الحكام السربداريون الآخرون. تنقسم حياة (علي المؤيد) السياسية إلى أربع مراحل: الأولى: تنسيقه مع السربداريين قبل التصدي لحكومة دامغان. الثانية: تحرّكه من دامغان مع «الدرويش عزيز الجوري» والسيطرة على سبزوار وتسلم مقاليد الحكومة السربدارية. الثالثة: خلو الجو السياسي من المنافسين له وقتل درويش عزيز. الرابعة: توتر الأوضاع واضطرابها عليه ممّا أدّى إلى سقوطه بعد مدّة قليلة تقريباً من تأزمها.
أمّا كيف وصل الخواجة علي المؤيد إلى هذه المرحلة؟ والجواب هو: بعد مقتل «الدرويش عزيز» ومطاردة الحكومة للدراويش، فرّ أتباعه ومريدوه كلّ إلى منطقة من المناطق، فالتجأ درويش محمد هندو ودرويش كمال الدين إلى الملك غياث الدين پير علي كرت، ولاذ شيخان آخران مع ثلة من الدراويش بالأمير تيمور في بلاد ما وراء النهر، وأخيراً لجأ درويش ركن الدين إلى الشاه شجاع عدو علي المؤيد.
لم يسكت هؤلاء بعد لجوئهم بل واصلوا نضالهم ضد علي المؤيد ودخلوا مع حماتهم في ساحة المواجهة واحداً بعد آخر إلى أن استطاعوا أن يقضوا على علي المؤيد والسربداريين.
في البداية اصطدم پير علي كرت مع علي المؤيد وكانت النتيجة انتصار الأخير تبعه اتساع رقعة أراضي السربداريين ووصولها حتّى سرخس، وقُتل الدرويشان كمال الدين ومحمد هندو من قبل علماء علي المؤيد. وعندما كان الحاكم السربداري أي الخواجة علي المؤيد مشغولاً في حربه مع حاكم هرات استغل «أمير ولي» حاكم استرآباد الفرصة فهاجم دامغان وسمنان واستولى عليهما. وباستيلائه على هاتين المنطقتين يكون قد أحكم حصاره على سبزوار سنة [776].
سمع علي المؤيد بهذا الخبر فتوجه إلى هناك بعد انتصاره في الشرق وأجبر «أمير ولي» على الانسحاب واستعاد دامغان وسمنان وأحكم سيطرته عليهما. وما إن فرغ من دحر «أمير ولي» حتّى ظهرت حركة تمرد أخرى سنة [777] بقيادة «الدرويش ركن الدين» خليفة «الدرويش عزيز جوري» إذ تواطأ مع «إسكندر شيخي» نجل «أفراسياب چلاوي» وقاتلا معاً لكنهما اندحرا، ففرّ الدرويش ركن الدين إلى أصفهان حيث نزل على شاه شجاع، وفرّ «إسكندر شيخي» إلى هرات ونزل على «پير علي». لكنّهما لم يسكتا بل عادا لمواجهة الخواجة علي المؤيد مرّة أخرى، فتحرّك الدرويش ركن الدين سنة [778] برفقة قوات إسناد عسكرية تابعة للشاه شجاع متجهاً نحو سبزوار، وتحرّك «إسكندر شيخي» بمؤازرة «پير علي» فسيطر على نيشابور، ولمّا سمع بتحرّك «الدرويش ركن الدين» التحق به، فتلاحمت قواتهما وحققت انتصاراً ساحقاً على علي المؤيد. ووقعت سبزوار في قبضتهم. عندها اضطر علي المؤيد للفرار متوجهاً نحو عدوّه القديم «أمير ولي» في استرآباد بعد هزيمته المنكرة علماً أنّ احتلال سبزوار تمّ بمساعدة الدراويش الذين كانوا مختفين أيام حكمه حذراً منه وخوفاً من بطشه إذ آزروا «الدرويش ركن الدين» والقوات المرافقة له؛ لذا إنّ علي المؤيد وقع فريسة الحملات الداخلية والخارجية عليه.
بعد احتلال سبزوار تمّ احتلال قلاع جاجرم وبحر آباد من قبل الدرويشين ركن الدين وإسكندر. ودامت حكومتهما زهاء عشرة أشهر.
تمتع الدراويش باستقلالهم في سبزوار مدّة عامين من حيث المجموع، وفي سنة [780] عاد علي المؤيد بمؤازرة «أمير ولي»، فاحتل سبزوار ثانية، وأبادهم.
ممّا ذُكر عن هذا الأمير أنّه كان يهتم بالشؤون الدينية، وكان في صدد تطبيق الأحكام الشيعية على أساس الموازين الفقهية؛ لذا حاول جاهداً أن يدعو علماء الشيعة وفقهاءهم من مختلف المناطق إلى خراسان ليسبغ على التشيع بُعداً فقهياً مقابل أعمال الدراويش الحسنية. ومن أجل ترويج مذهب التشيع في أقصى نقاط خراسان فقد أقدم على سك النقود بشعارات شيعية.
واستمرّ على هذا التوجه، وصمّم على نشر التشيع الفقهي (الفقاهتي) والتبليغ له، وكتب في هذا الصدد رسالة إلى الشهيد الأوّل أبي عبدالله شمس الدين محمد بن مكي ـ رضوان الله عليه ـ دعاه فيها إلى خراسان… وتدلل هذه الرسالة على عمق إخلاصه واهتمامه بالعلماء ومنهم الشهيد الأوّل ـ رحمه الله ـ لقد طلب من الشهيد الأوّل في هذه الرسالة بكلّ خضوع أن يأتي إلى مشهد قائلاً: «نحن قلقون أن يشملنا غضب الله ـ تعالى ـ لعدم وجود عالم نقتدي به. وليس في أوساطنا أحد نطمئن إلى فتواه من الناحية العلمية أو يأخذ الناس عنه عقائدهم، فإذا تفضّلت علينا متوكلاً على الله تعالى غير متعذر عن المجيء إلى سبزوار فسوف تحسن إلينا كثيراً».
لكن مع الأسف فإنّ الشهيد الأوّل ـ رحمه الله ـ كان يعيش ظروفاً حرجة، لهذا لم يستجب لذلك الطلب واكتفى بإرسال كتاب اللمعة الدمشقية في فقه الشيعة له ليعمل بموجبه علماً أنّ الشهيد الأوّل كان يعدّ من الناحية العلمية مرجعاً للمذاهب الخمسة.
والآن نأتي إلى العاقبة التي وصل إليها الخواجة علي المؤيد.
ذكرنا سابقاً المراحل الأربع في حياته السياسية وقلنا إنّ المرحلة الأخيرة كانت توتر الأوضاع واضطرابها عليه ممّا أدّى إلى سقوطه… ونوّهنا بعد ذلك عن فرار أتباع رفيقه «الدرويش عزيز» من الدراويش إلى مناطق مختلفة، وكان منهم الشيخان اللذان التجآ إلى الأمير تيمور… فالشيخان هما الشيخ داود السبزواري والشيخ يحيى الخراساني (الخوافي)([285]) وقد طلبا حق اللجوء من الأمير المذكور.
كان الأمير تيمور تلك الأيام مصمّماً على التوجّه إل خراسان، فتحرّك: «أمير ولي» حاكم استرآباد بالتواطؤ مع «علي بيك جاني قرباني» لمواجهته، وطلبا من علي المؤيد أن يتهيأ معهما للحرب، لكن لم يستجب لأنّه كان يأمل القضاء على منافسيه الساسيّين هذين بمجيء «الأمير تيمور» أوّلاً، وثانياً: أراد البقاء في سبزوار كحاكم لها.
لمّا علم الإثنان بعدم استجابته تحرّكا نحو سبزوار فحاصراها. ولمّا وصل خبرهما للأمير تيمور تحرّك هو الآخر بناءً على طلب علي المؤيد نفسه فدخل خراسان سنة (874). أمّا الشيخان المذكوران فقد طلبا من «الأمير تيمور» إخراج علي المؤيد معه من سبزوار، لهذا فإنّه رغم كلّ الاحترام الذي أبداه لعلي المؤيد، فقد سحب البساط من تحته بتسليم مركز الحكومة (سبزوار) لعدويه الشيخ داود والشيخ يحيى. قضى علي المؤيد سبع سنين بصحبة تيمورلنك وأخيراً في سنة [788] قتل في الحويزة في الحرب التي نشبت مع اللُّر الصفار ونقلوا جثمانه إلى سبزوار ودفنوه سرّاً خوفاً من الدراويش الحسنية لأنّهم كانوا على رأس الحكومة آنذاك.
وجيه الدين مسعود السربداري
بعد مقتل الأمير عبد الرزاق سنة (738)، صار أخوه وجيه الدين مسعود الباشتيني رئيساً للحكومة الجديدة التي أسّسها السربداريون.
لم تذكر المصادر بشكل عام عنه إلاّ خيراً، مثلاً في صراعه مع أخيه عبد الرزاق لو صحّ ـ فإنّه يبين لنا مدى تديّنه وتقواه. كما أنّه كان مشهوراً في جمعه بين الدين والسياسة.
أمّا تعلّقه بالشيخ حسن الجوري فلو كان وازعه سياسياً فإنّه يخبرنا عن شيء من إخلاصه كما أُشير إلى ذلك في رسالة الشيخ حسن له. على أي حال فإنّ مسعوداً كان واعياً لمدى نفوذ المرجعية الدينية وقوّة تأثيرها، لكن في تلك الأيام كان الشيخ حسن سجيناً بامر أرغون شاه في حصار طاق يازر في شمال خراسان. وفي رواية أنّ الأمير مسعود هو الذي أنقذه من السجن وجعله قدوة له.
لقد أصبحت الحكومة السربدارية منظمة وقوية أكثر من السابق بفضل اتحاد وتضامن الشيخ حسن كقائد فكري، ومسعود الباشتيني كقائد سياسي وعسكري. وهذا ـ في الحقيقة ـ يجب أن نطلق عليه اسم «الوحدة الوطنية الدينية المقدسة للتشيع»… وبعد هذا التلاحم بين الاثنين كان الخطباء في المسجد الجامع في سبزوار حينما يريدون إلقاء خطبهم يذكرون اسم الشيخ حسن أوّلاً، ثمّ اسم مسعود. وانتشرت أخبار التطورات الحاصلة لدى الحكومة السربدارية. وما أن وصلت هذه الأخبار لطغا تيمور حتّى أصدر أمراً لأمير أرغونه بإطفاء نار الفتنة السربدارية علماً أنّ هذا الأمير كان قلقاً هو الآخر بسبب اتساع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها السربداريون؛ لذا هو أيضاً كان يعدّ العدّة لمنازلتهم، وبالفعل نفّذ ما عزم عليه فتوجه بجيش جرّار قاصداً نيشابور لحرب مسعود. ولمّا سمع السربداريون جهزوا أنفسهم واستعدوا، ودارت بينهم الحرب… وكانت النتيجة أن هزم السربداريون عدوهم في ثلاث مرّات متوالية، حتّى أرغون نفسه نجا من المعركة بأعجوبة… وبناءً على ذلك وقعت نيشابور في قبضة القوات السربدارية.
بعد هذا الاندحار الذي تجرعه أرغون وجيشه حاول نجله أن يشق صفوف السربداريين من خلال رسالة بعثها إلى الشيخ حسن.
أراد من تلك الرسالة أن يوغر صدر الشيخ حسن علي مسعود من خلال إثارته لسؤال وجّهه إلى الشيخ حسن قائلاً: أنت رجل دين وتقوى، فكيف تتدخل في السياسة وتنسق مع مسعود وهو رجل عسكري ليس له هدف إلاّ توسيع رقعة سلطته؟
لكن الشيخ حسن فوّت عليه الفرصة من خلال جواب رائع بعثه له، أوضّح فيه كثيراً من الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية المتداولة آنذاك؛ فأحبط تلك الخطّة الخبيثة.
بعد هذا الفشل الذي مُني به أعداء السربداريين اتّحدت قوات «طغاتيمور» و«أرغونشاه» و«عبدالله مولائي» وقرّروا القضاء على السربداريين. ودارت حرب طاحنة بين الطرفين لعلها كانت في المنطقة الشمالية الغربية من خراسان، انتهت كذلك باندحار القوات المتحالفة سنة (741هـ).
إنّ الانتصارات المتوالية لمسعود بالتنسيق مع الشيخ حسن، وإن كانت في صالحه من الناحية السياسية والعسكرية، لكنّها أيضاً عزّزت المكانة الدينية والاجتماعية للشيخ حسن وأصبح في وضع أفضل من السابق، كما أنّ أنصاره مسكوا زمام الأمور، وكانوا ينظرون إليه نظرة تبجيل وإجلال، و يعتبرونه قدوتهم ومثلهم الأعلى، وينفذون أوامره وتوجيهاته دون مناقشة. على أي حال هذا الوضع الجديد كان ينذر بمستقبل سيء بالنسبة لمسعود، وكان تمهيداً لمشاكل مستقبلية تنتظره… وبالفعل فهو الذي أدّى إلى اندحار السربداريين في حرب «زاوه» التي دارت بينهم وبين الملك معز الدين حسين كرَت.
إنّ سبب هذه الحرب كان سياسياً ومذهبياً في آن واحد. فمن الناحية المذهبية كان الملك المذكور غير شيعي، ومن الناحية السياسية كان متحلفاً مع«طغاتيمور خان».
لقد تقابل الطرفان في منطقة زاوه (وهي مدينة «تربت حيدرية» هذا اليوم) على بعد مائتي كيلومتر جنوب شرق نيشابور. وكاد النصر أن يكون حليف السربداريين لولا مفاجأتهم بمقتل الشيخ حسن الجوري فتغيّر الوضع العسكري تماماً، إذ لمّا رأى أنصاره أنّهم قد فقدوا قائدهم ضعفت عندهم الروح القتالية وذوى ذلك الاستعداد السابق للتضحية، فاندحروا.
أمّا مسعود فيبدو أنّه كان راغباً في الرجوع وترك القتال بناءً على وصية الشيخ حسن ـ كما يدّعي ـ علماً أنّه لم يعد قادراً على مواصلة القتال، ولا يخفى فإنّ خلفية التخاصم بين الاثنين كانت موجودة قبل حرب زاوه، وهذا ممّا قوى الشبهة التي أثيرت آنذاك من أنّ الشيخ حسن لم يقتل على يد قوات العدو بل على يد أفراد من جناح مسعود.
هذا وعندما كان مسعود مشغولاً في قتاله مع حسين «كرت» وردت عليه أنباء تفيد أنّ طغاتيمور قد استغل انشغاله في الحرب فهاجم استرآباد واحتلها، فصمّم على قتاله، وبالفعل تحرّك مع جيش مجهز صوب الشمال فاحتل استرآباد ومازندران، ورغم تحالف ملوك مازندران وأمرائها مثل «الملك فخر الدين حسن الباوندي» و«جلال الدولة اسكندر» لكن مسعود واصل تقدّمه حتّى وصل مدينة «آمل» سنة (742). أمّا عدم معرفة مسعود بطرق مازندران، وخيانة بعض أنصاره والتحاقهم بالعدو، والأهم من ذلك كلّه: حرب العصابات، والغارات التي كانت تشنّها القوات المازندرانية بين الحين والآخر، وتدمير خطوط الاتصال… كلّ ذلك أدّى إلى أن يقع فريسة للقوات المازندرانية ويقتل عام (745) رغم كلّ جهوده من أجل تعزيز سلطته في تلك المنطقة، وبقائه فيها لسنتين.
الپهلوان حسن الدامغاني
عندما قتل يحيى الكرابي سنة (756)، لم يكن حيدر القصاب موجوداً في سبزوار، ولمّا علم بالخبر توجّه مسرعاً نحوها. وكان فيها ظهير الدين الكرابي وهو ابن أخي يحيى حاكماً للسربداريين اسمياً، ولمّا وصل حيدر أصبحت مجاري الأمور بيده عملياً. بعدها ظهرت حركة تمرد ومعارضة لدى بعض السربداريين، وحينما وصلت أخبارهم إلى سبزوار، اعتزل ظهير الدين الأمور تدريجياً بحكم شخصيته المسالمة، لقد بدأ التحرّك المعارض عندما اعتصم بعض السربداريين برئاسة نصرالله الباشتيني أخي مسعود السربداري في قلعة شغان في اسفراين، ويبدو أنّهم كانوا مشغولين في جمع قوات لهم باسم لطف الله نجل مسعود ليتسلموا زمام الحكومة السربدارية.
لمّا سمع حيدر القصاب بخبرهم كان لا بد له من العمل للقضاء عليهم كعقبة في طريقه، لا سيما وهم كانوا من أهل النفوذ والمنزلة بين الآخرين، لذا قرّر التوجّه إلى اسفراين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان هناك «لپهلوان حسن الدامغاني» أحد أنصار شمس الدين علي الحاكم السابق للسربداريين، وهذا كان ناقماً ممتعضاً لتصدّي يحيى الكرابي وحيدر القصاب للأمور، لذا قرّر التواطؤ مع السردباريين المعتصمين في قلعة شغان ضد حيدر القصاب، لماذا هذا الصراع على السلطة؟ لماذا كلّ هذه التغييرات الحاصلة؟ من حق القارئ والمتتبع أن يسأل وهو يتابع كثرة التغييرات الحاصلة بين الأمراء السربداريين.
إنّ المصادر التي بين أيدينا لم تذكر شيئاً عن أسباب تلك التغييرات الكثيرة الحاصلة بين الأمراء السربداريين، هل هي بسبب صراع الأجنحة الاجتماعية المتأخرة؟ أو حب البعض للمنصب والشهرة والبروز؟ علماً أنّ بعض هؤلاء الأمراء قد حظوا بتأييد شعبي واسع، وهناك احتمال قوي أنّ كبار السربداريين وأعيانهم قد سندوا ودعموا بعضاً منهم كلطف الله ونصر الله الباشتيني من الأوائل، والپهلوان حسن الدامغاني من المتأخرين.
على أي حال… ماذا عن حيدر القصاب؟ ماذا فعل في تحرّكه إلى اسفراين؟ وماذا عن الپهلوان حسن؟ هل أنّ حيدر القصاب الذي كان أحد الكسبة، وكان يعتبر أحد أنصار شمس الدين علي، بذل جهوداً لكسب الشيخية والدراويش من أتباع حسن الجوري وتحصيل مساعدتهم؟ كيف كان دور الدراويش من تلك المنازعات الأخيرة؟
إنّ الأحداث المتأخرة تفيد على أنّ سير الأمور لم يكن في صالح الشيخية زمان الپهلوان حسن، لكن حكومة ظهير الدين الكرابي القصيرة ومحاولات حيدر القصاب تثبيت سلطته تؤكدان على نكتة مهمة وهي أنّ الجناح المعتدل (المحافظ) كان راغباً أن تكون السلطة بيد خلفاء مسعود؛ لذلك حينما كانت اسفراين محاصرةً من قبل قوات حيدر، حاول الپهلوان حسن، ببنائه لعلاقة مع السربداريين المحاصرين من جهة، واصطحاب جمع من جنوده معه من جهة أخرى، القضاء على حيدر، فكانت نتيجة هذا الصرع على السلطة في صالح البهلوان حسن؛ لأنّه مع وجود الحكومة الصورية للميرزا لطف الله الذي كان معه مؤدبه ومربيه الميرزا نصر الله الباشتيني، أصبحت الحكومة بيد الپهلوان حسن رسمياً.
إنّ أوّل ما قام به الپهلوان حسن هو تعيينه لنصر الله الباشتيني حاكماً على دامغان. بعد ذلك قام إلى قلعة «دستجروان» حيث قتل هناك سنة (759)… بعدها مسك على قبضة أمور السربداريين بشكل تام مستقلاً بها دون منازع.
في زمن شمس الدين علي كان الدرويش عزيز الجوري قد عانى ما عانى وذاق الأمرّين حتّى هاجر إلى العراق، لكن في أيام حكومة حسن الدامغاني عاد إلى خراسان، فالتفّ حوله عدد من الأتباع من مشهد وطوس فأسّس حكومة وسَكَّ النقود… وتمخضت هذه التوجهات عن نهضة جماعية واسعة. هذه النهضة الجماعية كان يقودها أتباع الجناح المتشدد للسربداريين. والذي نستنتجه من سير الأحداث أنّ المرض الخطير الذي أصاب السربداريين هو انقساماتهم المستمرة وتناقضاتهم.
إنّ التناقضات الداخلية للسربداريين بلغت من الوخامة حدّاً أدّت إلى نشوب حرب أهلية علنية سنة (762) للهجرة، لكن ممّا لا شك فيه أنّ النهضة الشعبية هذه المرّة قد اتّسعت قاعدتها. على سبيل المثال إنّ الپهلوان حسن قد استطاع استرجاع طوس بعد حصار دام ستة أشهر فقط، وتبع ذلك احتلاله لمشهد.
لقد خمدت نار الانتفاضة لكن الپهلوان حسن لم يجرؤ على قتل درويش عزيز إمام الثائرين، بل كرّمه واحترمه وقدّم له مقدار 600 كيلو غرام من الحرير الخام قائلاً له: «أنت من أهل الطاعة، وإنّي أخاف الله أن أقتلك، فقم واخرج من بلادي» فخرج درويش عزيز وتوجّه إلى أصفهان وأقام هناك. إنّ هذا التعامل الطيب من لدن حسن الدامغاني تجاه درويش عزيز وإن كان قد أزال التشنج والاختلاف الموجود بين الجناحين بشكل مؤقت، لكن نار الانشقاق بقيت تلتهب تحت الرماد، ولمّا سنحت أوّل فرصة خرج ذلك اللهيب المستعر فكان أحد عوامل سقوط الپهلوان وأمّا القضية الثانية فهي تسييره للجيش نحو مازندران وحربه مع أميرولي الأسترآبادي.
من المعلوم أنّه بعد سقوط حكومة طغاتيمور خان في استرآباد وقسم من خراسان، وقتله على يد السربداريين، أصبحت كلّ الأرضي التي كان يحتلها تحت نفوذ السربداريين. وقد عيّن السربداريون من قبلهم أمراء وولاة للمدن والقلاع المهمة التي تمّت السيطرة عليها، لكن انشغال السربداريين بالإنقسامات الداخلية جعل اميرولي نجل الشيخ علي هندو، الذي التجأ سلفاً في خراسان لدى أمراء «جاني قرباني» بعد مقتل طغاتيمور خان، جعله يغتنم تلك الفرصة ليعود إلى مازندران ويهيئ الأرضية ضد السربداريين. هذا إضافة إلى السياسة التعسفية التي كان يتبعها أبو بكر الشاسماني ممثل حسن الدامغاني، الذي كان حامياً لقلعة شاسمان في استرآباد، حيث زادت الطين بلّة، وجعلت الناس يكونون إلى جانب أميرولي.
كانت نتيجة أوّل مواجهة بين أميرولي وحاكم استرآباد اندحارَ ممثّل السربداريين. بعدها دحر أميرولي أبا بكر الشاسماني، ففرّ أبو بكر إلى خراسان ونزل على حسن الدامغاني.
أدّى اندحار أبي بكر الشامساني من قبل أميرولي إلى أن يتوجه حسن الدامغاني مع ستة آلاف من جنوده نحو استرآباد. لكن تزامن مع سيره هذا تمرّد حامي قلعة شغان، لذلك خاف الپهلوان حسن المندحر المهزوم أن تتصاعد حِدّة التمرد في خراسان فقفل راجعاً إلى سبزوار ليتوجه منها إلى شغان، علماً أنّ اندحار القوات السربدارية من قبل أميرولي كان ذريعة قويّة بيد معارضيه لهذا أقالوه من منصبه وتسلّموا مقاليد الأمور.
على أيّ حال فإنّ سقوط مناطق واسعة من مازندران وفيروزكوه وسمنان جعلت الپهلوان حسن في موقع ضعيف، ليس محلياً فحسب بل إقليمياً، إذ وصل الأمر أن يتحرك الخواجة علي مؤيد مع درويش عزيز الجوري تحرّكاً تكتيكياً سريعاً ليُنهيا حكومته. أمّا كيف تمّ ذلك؟ ينقل المؤرخون أنّ علي مؤيد كتب رسالة إلى السربداريين من أتباع حسن الدامغاني قائلاً لهم: إنّ عوائلكم وذويكم هم تحت قبضتنا في سبزوار فاقتلوا حسن الدامغاني ونحن نطلق سراحهم…
وكم أراد المذكور منهم أن يرسلوه إلى «درويش عزيز الجوري» لأمله في إنقاذه، لكن لم يوافق أمراء الجيش وأصروا على تنفيذ أمر «الخواجة علي مؤيد» في قتله طاعة له، وحفظاً لعوائلهم وذويهم… لذا أنزلوه من جواده وتولّى فخر الدين الجويني قطع رأسه وذلك سنة 762هـ.
الشيخ حسن الجوري
إنّ أفضل وثيقة تبيّن لنا أحوال الشيخ حسن الجوري والفترة الزمنية التي عاشها، هي رسالته التي كتبها لمحمد بيك جاني قرباني نجل ارغونشاه، التي حوت كثيراً من المواضيع السياسية المتعلقة بتلك الفترة. بالإضافة إلى تلك الرسالة فإنّ ما ذكرته كتب التأريخ عن حياة الشيخ خليفة: مرشده، والسربداريين بشكل عام، يمكن أن يكون صورة مشرقةً عن جهوده الجبارة لإقرار العدل ومحاربة الظلم.
لقد قضى الشيخ حسن سنين من عمره في الدراسة كسائر زملائه الطلبة، وتتلمذ على يد أساتذة كثيرين، وواصل دراسته بجد ومثابرة حتّى صار في مصاف الأساتذة والمدرسين. عندها كان يحثّ الخطى بحثاً عن سبيل ينقذ به مجتمعه من عزلته السياسية والاجتماعية التي خلّفتها الحكومة المغولية المعتدية الغازية، وبحثه هذا هو الذي عرّفه بالشيخ خليفة، الذي كان يلقي خطبه ومواعظه في سبزوار، فانشدّ إليه الشيخ حسن وتعلّق به، وهذا التعلّق هو الذي سبّب شهرة الشيخ خليفة.
بعد مقتل الشيخ خليفة، لم ير الشيخ حسن مصلحة من بقائه في سبزوار؛ لذا عزم على الهجرة. ولهجرته سببان: الأوّل ـ تكهرب الأجواء بسبب وجود الدسائس والمكائد التي كانت تحاك من قبل وعاظ السلاطين والمسؤولين الحكوميين، وبشكل عام، المعارضين لخطّه الفكري. الثاني ـ التبليغ لتعاليم الشيخ خليفة في مختلف المدن، وكسب الأعوان والأنصار، والحصول على مزيد من العُدّة والقوّة.
واصل الشيخ حسن نشاطاته بإلقائه المستمر للخطب والمواعظ في مختلف المدن والمناطق… ولقد أقضّت خطبه مضجع الجهاز الحاكم «لجاني قرباني» و«طغاتيمور» لذلك فكر الأمير «أرغون شاه وجاني قرباني» من إلقاء القبض عليه، وحاول مرتين فلم يفلح، وفي المرّة الثالثة هوجم وضرب أتباعه وأنصاره ضرباً مبرحاً تكسّرت على أثره رؤوسهم وأيديهم، لذا ألقي القبض عليه وأودع السجن. لكن لم يستمر في الجسن طويلاً إذ سرعان ما نشر أتباعه خبره في أرجاء البلاد حتّى اجتمع منهم جماعة بقيادة الخواجه أسد وهاجموا قلعة طاق يازر في شمال خراسان وأطلقوا سراحه. وتذكر بعض المصادر أنّ وجيه الدين مسعود قد بذل جهوداً في هذا المضمار. أمّا الشيخ حسن فإنّه وإن لم يذكر في رسالته بشكل صريح اسم مسعود أو أسد، لكنّه ذكر على نحو الدقّة أنّ عدداً من أصحابه من سبزوار ونيشابور ترافقهم مجموعة الدراويش توجهوا إلى القلعة وأنقذوه وأخذوه إلى سبزوار. ومن المسلم به أنّ مسعوداً، بتخطيطه هو لإطلاق سراح الشيخ حسن، أو بعد إطلاق سراحه من قبل أتباعه الآخرين، الذي تمّ بعملية فدائية جريئة، قد أثبت صدق توجهه في تطبيق اقتراح الائتلاف مع الشيخ حسن عملياً.
بتحالف الشيخ حسن ومسعود، أصبح للحكومة السربدارية حاكمان، حاكم ديني وحاكم سياسي، والحاكم الديني مشرف على جميع الأمور، وصار للقيادة الدينية إشراف على القيادة السياسية؛ لأنّ اسم الشيخ حسن كان يذكر قبل اسم مسعود في خطبة المسجد الجامع في سبزوار كما جاء في مختلف المصادر. ورفع السربداريون الشيخ حسن إلى مقام الخلافة، وصار خليفتهم بالفعل.
في هذه المرحلة بالذات حاول الأعداء إيجاد الشقاق بين القوات المتحالفة من خلال رسالة «محمد بيك جاني قربان» نجل «أرغون شاه» إلى الشيخ حسن التي جاء فيها ما مضمونه: إنّك رجل دين وعلم، فلم تنسّق مع مسعود وهو رجل عسكري لا همّ له إلاّ الدنيا؟
هذه الرسالة هي التي أدّت بالشيخ حسن أن يكتب رسالته المعروفة التي تطرق منها إلى نبذة من حياته الجهادية وأعماله النضالية. وأكّد فيها على أنّ مسعوداً ـ أيّاً كان توجهه ـ فهو رجل ثائر ضد الظلم، وتوجهه هذا يفرض عليّ التحالف معه لاجتثاث جذور الظلم، وإذا لم يكن هناك ظلم، فلا حاجة إلى القلق أو إلى التفكير بالتحالف والتعاون.
أمّا بالنسبة لما آل إليه نشاط الشيخ حسن فيمكن القول إنّه بما أنّ شهرة الشيخ وصلت إلى أقصى نقاط خراسان، وأنّ أتباعه قد انبروا لممارسة كافة الأعمال وحلّ جميع المعضلات؛ لذا كانت هذه القضية ثقيلة الوطأة على الأمير وجيه الدين الذي وإن كان محبّاً للشيخ لكن من الناحية السياسية كان يرى الشيخ خصماً له. ولو أغضينا عن هذا كله، فإنّ أركان الحكومة السربدارية قد توطدت، وذاع صيتها في الآفاق… إضافة إلى ذلك فإنّ ما أوتيه الشيخ حسن من كفاءات في الحقلين السياسي والديني، وما حققه من تقدّم في هذين المجالين، أدّى كلّ ذلك إلى أن يكون له أتباع جدد حتّى في مدينة هرات، وهذا ممّا أغاظ مسعوداً كثيراً، فلمّا كانت حرب زاوة، كانت فرصة لمسعود للانتقام من الشيخ.
إنّ حرب زاوه التي قتل فيها الشيخ حسن كانت تمثّل في الحقيقة غاية مساعي النظرتين الشيعيتين السربداريتين، والنظرة السنية الكرتية لحكم خراسان، الشرقية.
إنّ مقتل الشيخ حسن في تلك الحرب بلغ من الأهمية حدّاً جعل المؤرخين يعلنون بصراحة أنّه كان خطة قام بها وجيه الدين مسعود وأنهت حياة الشيخ، مع الأخذ بنظر الاعتبار خصومة الاثنين، أمّا كيف تمّت عملية القتل؟ فهذا ما تحكيه السطور التالية:
في تلك الحرب قام سربداري اسمه نصر الله باشتيني بجرح الشيخ حسن بإشارة من مسعود، أمّا مسعود نفسه فقد قام «بقتل نصرالله دون تأمل» وأصدر أمراً بالعودة عام (742).
إنّ مقتل الشيخ حسن ـ بأمر مسعود أو دون أمره ـ قد أخلى الجولة فأصبح حاكماً دون منازع، مع أنّ السربداريين قد اندحروا من قبل الملك معز الدين.
إنّ اسنحاب مسعود وفراره من ساحة القتال كان حسب وصية الشيخ حسن كما يدّعي، إذ قال: إنّ الشيخ حسن أوصاه، إنّ هو قتل، يترك ساحة القتال، على كلّ حال إنّ أتباع الشيخ حسن يتهمون مسعوداً بأنّه هو الذي أمر بقتله، وما قتل نصرالله الباشتيني بعده إلاّ لكي تبقى كيفية قتل الشيخ حسن غامضة مجهولة.
شمس الدين علي الچشمي
بعد مقتل مسعود السربداري، تسلّم حكومة السربداريين ربيبه محمد آي تيمور الذي كان حاكم سبزوار نيابةً عنه. عندها قام معارضوه ـ الذين يتكون معظمهم من الدراويش ـ يؤازرهم جمع من أحفاد الخواجات والاشراف بزعامة شمس الدين علي قاموا بقتل آي تيمور سنة (747). وقد أدّى قتله أن يستلم «كلواسفنديار» مقاليد الحكم السربداري بدعم من شمس الدين علي وبما أنّ الحاكم الجديد كان من طبقة الكسبة العاديّين؛ لذا لم يكن اهتمامه بالمرموقين من السربداريين وأتباع الشيخ حسن الجوري بمقدار اهتمامه بالضعفاء والمحرومين والعبيد، إذ كان اهتمامه بهؤلاء أكثر… ممّا أدّى إلى إثارة مشاعر السربداريين واتباع الشيخ في آن واحد ضده حتّى خططوا للانتقام منه، وبالفعل كان ما أرادوا، فقتلوه سنة (748)، والظاهر أنّ شمس الدين عاتبهم على عملهم هذا… على أيّ حال بعد ذلك سلّموه زمام أمورهم.
إنّ أوّل عمل قام به شمس الدين علي هو تنظيم الجيش وتجهيزه، واستطاع أن يكوّن جيشاً ضمَّ ثمانية عشر ألفاً، وعيّن لهم رواتب، وقد دفع عمله هذا إلى الحيلولة دون حصول هجوم محتمل من قبل طغاي تيمور. وإن كانت بعض الأراضي التي كان يحتلها السربداريون قد خرجت من نطاق نفوذهم بسبب هذا الحاكم المغولي، وفي المرحلة التي تلت حكومة مسعود، لكن الإصلاحات العسكرية التي قام بها شمس الدين علي أجبرت طغاتيمور أن ينسحب من المواضع التي كان قد احتلها سلفاً ويذعن بأنّ «الولايات التي كانت تحت تصرّف الخواجة مسعود تبقى تحت تصرّف شمس الدين علي».
من أعماله الآخرى: إصلاحاته المالية وإلغاؤه للحوالات.
كان شائعاً في إيران أنّ رواتب الموظفين كانت تحوّل إلى الخزينة المحلية، أي لم توزّع مركزياً، بل كلّ منطقة تدفع رواتب موظفيها ممّا تجبيه من أموال وضرائب من عامة الناس، فكان الموظفون يتقاضون رواتبهم بما يجبونه من الرعية مقابل وصولات يقدمونها لهم، وعلى هذا الأساس كان مسؤولو الخزينة والشؤون المالية يتلاعبون ـ بشكل فظيع ـ في إصدار الوصولات ويستغلونها كثيراً؛ لذلك كانت سوق الاختلاس والرشوة والفساد المالي رائجةً في الشؤون الديوانية؛ فقرّر شمس الدين أن تدفع رواتب العسكريين والموظفين الحكوميين نقداً وهذا القرار فيه مكسبان: الأوّل: يستطيع جباة الضرائب من وراءه أن يفيدوا الخزينة مالياً الثاني: الحد من الظلم الذي كان يلحق الناس من جرّاء ذلك أو تخفيفه.
والآن نلقي نظرة على جانب من حياة شمس الدين السياسية.
بعد مقتل الشيخ حسن، انتخب مسعود السربداري السيد عز الدين السوغندي خلفاً له، ورضي به الشيخية قائداً، لهذا تصدّى السيد عز الدين لزعامة الشيخية إلى جانب «الدرويش هندوي مشهدي»، أمّا شمس الدين علي الذي كان من جناح الشيخية، وكان زعيماً سياسياً للسربداريين بعد وفاة مسعود، فإنّه كان يطمح للقيادتين الدينية والسياسية، لذلك لمّا علم بالأمر قام في البداية بتعيين «الدرويش هندوي مشهدي» حاكماً لدامغان، فساءت العلاقات بينه وبين الشيخية، ممّا دفع عز الدين أن يلتحق بالدرويش هندوي مشهدي في دامغان، ويرفعا لواء المعارضة ضد شمس الدين علي. واحتدم الصراع بينهم حتّى وصل درجة لا يمكن فيها تجنبه، لذلك صمّم شمس الدين علي على قمع ذلك التمرد فتقابل الطرفان وبعد أسبوع من القتال، وقتل جمع من أعضاء الجناح المتشدد للشيخية من أتباع الشيخ حسن الجوري المعروفين «بالحسنية» أيضاً، ثمّ أسر الدرويش، هندوي، واقتياده إلى سبزوار. وفي سبزوار فرضت عليه الإقامة الجبرية.
أمّا بقيّة خصوم شمس الدين علي إضافة إلى «طغاتيمور» الذي لم يجرأ على التقدّم شبراً واحداً في أرض السربداريين، كان «أمير أرغون شاه جاني قرباني» هو الآخر قد ضعف بعد اندحاره في مناطق «أبيورد» و«يازر» من قبل مسعود السربداري إلى الحد الذي قد خرجت فيه طوس من قبضته.
أمّا أمير علي رمضان حامي قلعة طوس فقد تمرّد هناك، وكان شمس الدين يتوقع مثل هذه الحادثة فتحرّك بجيشه قاصداً طوس، ولمّا علم به الملك معز الدين حسين كرت تجهز مع جيشه وتحرّك نحو مشهد وفراه جرد ممّا دفع شمس الدين علي إلى الانصراف عن احتلال طوس لأنّه سيكون في مواجهة مع حاكم هرات، وحامي قلعة طوس في آن واحد، وهذا يسبب له متاعب ومشاكل كثيرة إذ ربّما يستغل أرغون شاه وطغاتيمور الفرصة فيهاجما الأراضي التي هي تحت الاحتلال السربداري، لكن لا يخفى أن يحيى الكراوبي أحد الأمراء السربداريين جاء فيما بعد وحرّر قلعة طوس من قبضة أمير علي رمضان الذي كان حاميها من قبل جاني قرباني.
كانت مدّة حكومة شمس الدين علي خمس سنوات تقريباً، إذ قتل سنة (752) من قبل أحد السربداريين. وأسباب قتله كانت إضافة إلى المشاكل السياسية والانشقاق الداخلي الذي أوجده هو بنفسه بين صفوف الحركة السربدارية حيث شقّها إلى جناحين هما: الجناح المعتدل (المحافظ)، وجناح الشيخية الحسنية، كانت هناك أسباب شخصية… ومالية أيضاً… كذلك فإنّ شمس الدين رغم تحليه بالصفات الحميدة لكنّه كان مشهوراً بقساوته وبذاءة لسانه. هذه كلّها أدّت إلى قتله… أمّأ الشخص الذي قتله فهو حيدر القصاب… كما قلنا سابقاً: إنّ حيدر القصاب هو ربيب شمس الدين علي، وكان مسؤولاً عن استلام الضرائب… وقد حدث مرّة أنّه كان مشغولاً في تسديد الضرائب، فظهر عنده نقص، فتعرّض على أثرها إلى إهانة من الحاكم السربداري وعندما كان يستعد لتسديد ذلك النقص، تعرّض مرّة أخرى إلى ضغوطات لا تطاق وصلت إلى حد تحقيره فلم يطق أكثر من هذا فأخرج خنجراً وطعن شمس الدين طعنة أودت بحياته.
ممّا لا شك فيه أنّ قتل قائد السربداريين ليس أمراً هيناً ولا يحصل لولا اتفاق مسبق مع بعض أقطابهم المتنفذين. ووجود علاقة ضمنية لبعض الأشخاص من أمثال يحيى الكرابي الذي تسلم مقاليد الأمور بعد مقتل شمس الدين مباشرة يفسّر هذا القتل سياسياً.
يذكر مير خواند([286]) في كتابه: أنّه بعد مقتل شمس الدين، حاول حسن الدامغاني قتل حيدر القصاب لكن الخواجة يحيى الكرابي حال دون ذلك، فقال له حسن: «أيّها الخواجة! إنّي كنت أعلم أنّ هذا القتل قد وقع بعد استشارتك».
يحيى الكرابي
يحيى الكرابي بن حيدر من أهل كراب التابعة لسبزوار في خراسان، كان من المتنفذين في الحركة السَّربدارية([287]) وقد تسلّم مقاليد الأمور بعد مقتل شمس الدين علي على يد حيدر القصاب.
بعد وصول يحيى للحكم، لم يبد أفراد الجيش أي اعتراض، كما لم يكن في حسبانهم القيام بأي تمرد لذلك بادروا إلى تأييده معلنين طاعتهم له، امّا حيدر القصاب فقد كوفئ بتعيّنه قائداً للجيش.
لقد حاول يحيى منذ تصدّيه للسلطة أن يكون محافظاً ومعتدلاً في تعامله مع الدراويش الذين كانوا أصحاب السطوة والنفوذ، وذوي اتجاه المناداة بالمساواة يومذاك. وقد اهتم بأمرهم إلى الحد الذي أمر فيه مرافقيه وخدمه أن يرتدوا زي الدراويش.
من أعماله الأخرى في مجال السياسة الداخلية: يمكن ذكر دوره في تقوية الكيان العسكري للحركة السَّربِدارية.
وقد قام بزيادة عدد أفرادهم إلى اثني وعشرين ألفاً بعدما كانوا ثمانية عشر ألفاً في زمن شمس الدين علي. كذلك بذل كل ما في وسعه لتحسين أمورهم المعاشية ورواتبهم، ممّا أدّى هذا إلى تعزيز قوتهم العسكرية وتصعيد معنوياتهم، وكذلك أدّى إلى شل الخصوم والمعارضين من أن يقوموا بأي تحرّش أو اعتداء. حتّى أنّه بعد مقتل «طغاتيمور» جعل بعض الأراضي التي كان يسيطر عليها تحت تصرّف الحكومة السربدارية.
أمّا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لحركة السربدارية تلك الفترة، فإنّ يحيى الكرابي صالح السلطان غزّان حاكم بلاد ما وراء النهر وخراسان الشرقية. وقد أدّى هذا الصلح إلى تهدئة بال أعضاء الحركة بالنسبة إلى أحد جيرانهم. وسار يحيى قدماً في سياسته وفكّر في تأمين الوضع على حدوده الشمالية؛ لذا رأى السيطرة على المنطقة السهلية الواقعة بين جبال «هزار مسجد» و«بينالود» لتحقيق ذلك، وكان له ما أراد… وبعمله هذا أصبحت فكرة احتلال طوس، التي كانت تراود الحكومة السربدارية سابقاً، عملية.
إنّ السيطرة على طوس واحتلال قلعتها يعني السيطرة على أكبر ثروة اقتصادية حياتية في خراسان، كما أنّ القوى المؤمنة التي كانت من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت تسكن في ضواحي مدينة مشهد، يمكن أن يكون سنداً قوياً للحركة السربدارية.
إنّ أكبر حادثة سياسية وقعت في زمان حكومة يحيى الكرابي هي مقتل «طغاتيمورخان» إيلخان المغول على يد القوى السربدارية مع أنّ العلاقات بين الأمير السربداري وخان المغول في الداية لم تكن سيئة كثيراً، لكن بما أن «طوغاي تيمور» كان ينوي إلقاء القبض على يحيى وقتله، فإنّ يحيى وفي حفلة ضيافة كانت معقودة ـ بادر مع أحد مرافقيه المسمّى «حافظ الشغاني» فوجّه سهامه صوب خان المغول فأردته صريعاً.
عمّت معسكرات المغول فوضى عجيبة بعد مقتله، فأسرع يحيى مع قوّة مكوّنة من ثلثمائة شخص إلى مهاجمتها وسلب ما فيها و«بمغامرة جريئة أنجزوا عملاً عظيماً»([288]) خلّد ذكرهم؛ لذلك لم يقتل جم غفير من الغول فحسب وإنّما وقعت في قبضة السربداريين أنعام وغنائم كثيرة خلفوها وراءهم، كما فرّ منهم عدد كبير. وانضمت مازندران واسترآباد للحكومة السربدارية… وتمّ القضاء على آخر معقل للدولة المغولية الهولاكوية دون مقاومة.
أمّا بالنسبة للعاقبة التي وصلت إليها حكومة يحيى فينبغي القول: إنّ الاختلافات التي كانت موجودة منذ البداية لدى السربداريين والتي كانت من سماتهم البارزة سرت عدواها إلى يحيى نفسه. وكانت قد وصلت حدّاً من الوخامة بحيث أدّت إلى قتله في النهاية…
لم تتطرق المصادر التي بين أيدينا بشيء كثير عن سبب مقتل يحيى غير ما ذكره «دولتشاه السمرقندي»([289]) من أنّ يحيى «كان جزّاراً متهوراً وأحياناً كان يعتريه مسٍّ من جنون» وكذلك ما كتبه «مير خواند»([290]) بقوله: «تربِّت جماعة غير وفية على يده إذ غدرت به فيما بعد» وتدل الأحداث المتأخرة في تأريخ السربداريين أنّ مقتل يحيى كان على يد أخ زوجته «علاء الدين» الذي قُتل هو الآخر على يد يحيى نفسه في مواجهة دامية بينهما.
إنّ مقتل يحيى في الحقيقة كان خطة مدبّرة، وكان بعض رؤساء الحركة السربدارية على علم بها.
تذكر رواية «مجمع الأنساب» أنّ قتله كان على يد مجموعة يقودهم «حافظ الشغاني». على أي حال إنّ موت يحيى أدّى أن يبدأ النضال من أجل التصدّي للحكم من جديد، حتّى جاءت حكومة «حسن الدامغاني» وتسلّمت مقاليد الأمور.
الخواجة([291]) عبد الرزاق السربداري
تعتبر وفاة السلطان أبي سعيد سنة (736) بداية الوثبات والانتفاضات المرتبطة ارتباطاً حميماً بأتباع أهل البيت (عليهم السلام). هذه الفرصة فسحت مجالاً أكثر لنشاط الفصائل الدينية المستندة إلى الجماهير الإيرانية. وفي تلك الفترة بالذات سمّى «طغاتيمور خان» نفسه بـ «إيلخان»، وبمؤازرة «أرغونشاه» سيطر على خراسان بأسرها مع قسم من أرض «استرآباد».
كان حكّام خراسان ـ في الحقيقة ـ بعد عام (737هـ) هم: «طغاتيمور» حاكماً على الأجزاء الغربية منها، وسهل جرجان وقسم من مازندران، «أرغون» نجل «نوروز» حاكماً على الجزء الشمالي منها، آل كرت، حكّاماً على جزئها الشرقي. «وعلاء الدين محمد فريو مدى» وزير «طغاتيمور» ومستشاره، حاكماً على سبزوار من قبله.
كانت تلك مقدمة للحديث عن عبد الرزاق الباشتيني السربداري…
يعتبر المترجم له مفجّر انتفاضة السربداريين. أصله من قرية «باشتين» من توابع «بيهق». لم يعلم على وجه الدقّة تأريخ ولادته لكن الانتفاضة التي قادها بنفسه رست دعائمها سنة (737). بالنسبة لبداية عمله يمكن القول: إنّ وظيفة أخيه «أمين الدولة» في حكومة أبي سعيد هي التي ساعدته أن يعمل في الجهاز الحكومي «لإيلخان المغول» بوساطة من أخيه طبعاً.
لقد قضى عبد الرزاق مدّة مرافقاً للسلطان أبي سعيد وأحد أفراد حرسه. ثمّ عُيِّن مسؤولاً عن جمع ضرائب كرمان. فاستغل عمله هذا وتلاعب في الأموال التي كانت تحت تصرّفه بتبذيرها وابتزازها واضطر على أثر ذلك إلى ترك المنطقة. كان خروجه من كرمان متزامناً مع وفاة السلطان أبي سعيد كما كان وروده إلى سبزوار متزامناً مع القضية ولدي حمزة الباشتيني مع مأموري علاء الدين محمد هندو ـ التي ناقشناها في موضوع كيفية خروج السربداريين مفصلاً ـ حيث قتل فيها المأمورون الحكوميون على يد هذين الأخوين، فأرسل علاء الدين رسولاً لجلبهما، فتدخل عبد الرزاق. فكانت أوّل مصادمة بينه وبين الحكومة. وهو الذي قال، لمّا رأى الضجّة الناجمة عن منع الناس رسول الحكومة إلقاء القبض على الأخوين الباشتيينن قال: لقد ظهرت فتنة عظيمة، لو تساهلنا فيها لقُتلنا، وللصعود على أعواد المشانق بعزّ ورجولة خير ألف مرّة من الموت بذُلّ ومهانة».
على أي حال فإن شجاعة عبد الرزاق هي التي جعلت منه أن يكون مفجّر الانتفاضة ورائدها وكان هذا عندما جاءت مفرزة أخرى من الشرطة إلى باشتين لإلقاء القبض عليه وعلى الأخوين الباشتيين فحدثت مصادمة عنيفة بين الطرفين لم يتيسّر تجنبها. قد قتل على أثرها عدد من الشرطة وفرّ الباقون، بعدها دارت رحى حرب بكلّ ما للكلمة من معنى بين السربداريين بقيادة عبد الرزاق، وقوات علاء الدين محمد، استطاع السربداريون فيها إبادة هذه القوات وسحقها. وفرّ على أثرها علاء الدين فريو مدى إلى جرجان (گرگان)… وكان فراره نقطة انعطاف كبيرة في مسير الانتفاضة. أمّا عبد الرزاق فبعد أن حقق هذا النجاح النسبي لاحق علاء الدين وطارده، حتّى إذا التقى الجانبان في «كوهسار كبود جامة» في استرآباد تمّ لعبد الرزاق فيه القضاء على علاء الدين، وأصبح بعد مقتله حاكماً لخراسان الشرقية دون منازع.
ومن المحتمل أن يكون التبليغ الديني والسياسي للشيخ حسن الجوري، أحد قادة الانتفاضة، من تلك الفترة قد التقى مع توجهات الثوّار وطموحاتهم.
إنّ مواعظ الشيخ حسن الجوري وكلماته قلبت الوضع في سبزوار لصالح السربداريين، وجعلت منها قاعدةً مهيّأة للانتفاضة واستقبال خصوم علاء الدين محمد هندو.
إنّ احتلال مناطق جوين، اسفراين، جاجرم، وبيار جمند (بيارو جومند)، جعل عبد الرزاق في وضع عجيب لم يتصوره سابقاً أبداً، ولا بد أن تكون الفترة التي قضاها في حكومة أبي سعيد مرافقاً ومسؤولاً عن الضرائب في كرمان، قد أهّلته للزعامة ومعرفة شؤون الحرب والإدارة… لذا قام من جملة ما قام به آنذاك، قام بسك النقود باسمه، وجعل المراسيم والشعائر الشيعية رسميّة.
لقد كانت فترة حكومة هذا القائد السربداري الأوّل قصيرة جدّاً، ولعل القضيّة التي أدّت إلى قتله كانت ذريعة لا غير، وملخصها: إنّ عبد الرزاق كان ينوي الزواج من أرملة «الخواجة عبد الحق» وهي كريمة «علاء الدين محمد». فلمّأ سمعت فرّت من سبزوار، وكُلّف مسعود أخو عبد الرزاق بملاحقتها وإرجاعها… وامتثل مسعود للأمر، ومع أنّه عثر عليها لكنّها أفلتت من قبضته ـ بشكل من الأشكال ـ فعاد خائباً دون أن يظفر بها، وهذا ممّا سبب مشاجرة بينهما انتهت بمقتل عبد الرزاق.
إنّ من المسلم به أنّ صراع القوى التي وصلت إلى الحكم توّاً بحاجة إلى تصفيات وتضحيات من أجل ديمومة الانتفاضة بشكل معقول. والضحية هنا ليس إلاّ عبد الرزاق نفسه، الذي قتل على يد أخيه في مؤامرة مدبرة، فطوى بساطه وانتهت مدّته. علماً أنّ القوى المحافظة (المعتدلة) ابتهجت بالبديل، لأنّ مسعود نفسه عندما اختلف مع الشيخ حسن الجوري فيما بعد، كان اختلافه بسبب اعتداله مقابل التوجه الثوري للشيخ حسن.
الدرويش عزيز الجوري
سنتحدث في البداية عن نشاط الدراويش في نهضة السربداريين بعد مقتل الشيخ حسن الجوري. إنّ الواقع يشهد أنّ تعاليم الشيخ حسن ونفوذه، هي التي أدّت إلى اتساع نطاق حكومة السربداريين: ولهذا السبب كانت قرارات الدراويش في مختلف الشؤون السياسية حاسمة ومصيرية حتّى مقتل الشيخ حسن على يد مسعود السربداري. وبقي نفوذهم ساري المفعول حتّى بعد وفاة مسعود، ولولا نفوذهم ما استطاع الخواجة شمس الدين علي أن يتسلم زمام الحكومة، لأنّه استطاع ذلك بحجة أنّه من أتباعهم. وعلى هذا المنوال أيضاً عيّن درويش هندوي مشهدي حاكماً على دامغان، وعيّن السيد عز الدين السوغندي قائداً للشيخية بدلاً من الشيخ حسن. ومن الجدير ذكره أنّ شمس الدين الذي كان في يوم من الأيام مستشاراً للشيخ حسن كان يطمح للقيادتين الدينية والسياسية أن تكونا تحت تصرفه.
لم تستمر العلاقة الطيبة بين شمس الدين علي والدراويش طويلاً، فقد ساءت وتردّت بينهما على مرور الأيام، وتبدّل الدعم والتأييد إلى البغض والعداء. لذلك عندما أراد شمس الدين علي التحرّك نحو الأجزاء الشرقية للحكومة السربدارية لمنازلة معز الدين حسين كرت، نجد درويش هندوي مشهدي والسيد عز الدين السوغندي يرفعان لواء المعارضة ضده. ومن المسلّم به أنّ الدراويش كانوا يرفضون أن يكونوا تحت إمرة أحد، أو يكونوا قوّة من الدرجة الثانية، أو يستغلهم الحكّام من الناحية الإعلامية فقط.
نعم، لمّا رأى شمس الدين علي أنّ الظروف حرجة غير مساعدة، وأنّ الخطر محدق به توجّه إلى دامغان. وتمّ له قمع التمرّد الذي قام به الشيخية في أسبوع واحد. مع أنّ السيد عز الدين برفقة السيد قوام الدين المرعشي قد توجها إلى مازندران، لكن «الدرويش هندوي مشهدي» كان قد وقع في الفخ، واقتيد إلى سبزوار، وهناك صار حبيس بيته محتقراً مهاناً، علماً أنّ السيد عز الدين كان مشغولاً في الدعايات الإعلامية، وكسب الأنصار والأتباع، وإعداد القوات اللازمة في أطراف دامغان. لكن لما علم باندحار الشيخية وسقوط دامغان بيد السربداريين، فرّ إلى مازندران.
أمّا صاحبنا المترجم له أعني: «الدرويش عزيز الجوري» فقد كان أحد الدراويش المطلوبين للسلطة إذ كان مطارداً ملاحقاً من قبل شمس الدين علي؛ لذا فرّ إلى العراق، ولم يعد إلاّ في حكومة حسن الدامغاني حيث جاء إلى مشهد وأقام فيها، وكان ـ كما هو معروف ـ من أعضاء الجناح الشيخي الحسني (اتباع الشيخ حسن الجوري)، وهؤلاء كانوا قد سكتوا تلك الفترة عن ادعاء قيادتهم للسربداريين عموماً، لكن كانوا يتحيّنون الفرصة لتسلّم القيادة مرّة أخرى.
في مشهد انشغل الدرويش عزيز بالعبادة، والتف حوله الدراويش وغيرهم من الناس، ولمّا رأى إقبال الناس عليه تحرّك صوب قلعة طوس، وكانت يومذاك ضمن المناطق التي كانت تحت احتلال «محمد بيك» نجل «أرغونشاه جاني قرباني»، فصارت تحت تصرّفه ولعل عمل محمد بيك بتسليم قلعة طوس للدرويش عزيز كان ضد حسن الدامغاني أوّلاً، ولتضعيف موقع السربداريين بإثارة حرب أهلية فيما بينهم ثانياً. فأسس الدرويش عزيز حكومة في مشهد وطوس وقام بسك النقود. وقد تمّ العثور على إحدى المسكوكات النقدية العائدة للسربداريين وتاريخها سنة (759هـ) وتحمل شعاراً شيعياً هو «السلطان محمد المهدي» ويحتمل بعض المؤرخين والمحلليين المتخصصين في دراسة تلك الفترة التأريخية أنّ حكومة الدرويش عزيز هي التي قامت بسكّها.
على أي حال أنّ نطاق النهضة قد اتّسع دينياً وسياسياً ووصلت حدّاً جعل حسن الدامغاني يفضّل مواجهتها على حرب «أميرو لي»، وفعلاً عزف عن الحرب لقمع الدرويش عزيز وتحرّكه، لا سيّما وأنّ طوس هي طوس عدوه «محمد بيك جاني قرباني»، وبالفعل تمّ له ذلك وأحكم سيطرته على قلعة طوس وعامل الدرويش عزيز معاملة طيبة.
إنّ قوة تلك النهضة ومدى قدرة الدراويش تتضح من خلال ما تلا احتلال طوس من أحداث، منها مثلاً تلك المعاملة الطيبة من لدن حسن الدامغاني تجاه الدرويش عزيز.
لو طرحنا هنا سؤالاً هو: لماذا عامل حسن الدامغاني درويش عزيز معاملة طيبة؟ وبعبارة أخرى لماذا لم يقتله؟ وجوابه هو أنّ حسن الدامغاني قد أدرك أنّ قتل الدرويش عزيز ليس في مصلحته ولا مصلحة الدولة، وذلك لما يتمتع به الدراويش من قدرة ومنزلة اجتماعية، هذا أوّلاً، وأمّا ثانياً فوجود التعاطف الشعبي الواسع مع الدرويش عزيز. وربّما يؤدّي قتله إلى عواقب وخيمة لا تحمد، ويتفاقم الوضع سوءاً؛ لذا اكتفى بلومه وعتابه، بل وأعطاه ما مقداره ستمائة كيلوغرام من الحرير كنفقات لسفره ثمّ أبعده خارج نطاق دولته، فذهب إلى أصفهان واعتكف فيها.
لم يمكث الدرويش عزيز في أصفهان طويلاً لأنّه كان يرى بقائه فيها مرحلياً إذ عند اندحار حسن الدامغاني في استرآباد من قبل «أميرولي»، ونشوب فتنة حامي قلعة شغان في اسفراين، توجّه إلى سبزوار برفقة الخواجة علي المؤيد. أمّا كيف تمّ ذلك؟
عندما رأى «الخواجة علي مؤيد» «الپهلوان حسن» منهمكاً جداً في الشؤون الداخلية لبلاده أرسل شخصاً إلى أصفهان ليخبر «الدرويش عزيز» بالأمر، وكذلك أراد منه التنسيق والتعاون لاستلام السلطة. قبل «الدرويش عزيز» بهذا الموضوع لأنّه يحقق له آماله وطموحاته، فانبرى الإثنان للعمل والنشاط ضد الپهلوان حسن ولمّا علم الشيخية بالأمر تقاطروا عليهما… والتف حولهما أنصار كثيرون… وأعدّوا العدّة في دامغان لتأسيس حكومة للسربداريين. أمّا في سبزوار فكان الاحتمال راجحاً أنّ للاثنين أتباعاً بين وجهاء المدينة، والدليل على ذلك أنّه عندما كان الپهلوان حسن مشغولاً في إطفاء نار تمرد قلعة شغان دخل القادة الجدد سبزوار دون إراقة للدماء. فبدأت حكومتهما هناك لكن لم تستمر أكثر من تسعة أشهر، إذ أنّ سياسة علي مؤيد مع الدرويش عزيز كانت كسياسة وجيه الدين مسعود السربداري مع الشيخ حسن الجوري… فكان لا يفكّر إلا بنفسه وأهدافه السياسية، وكان يستغل الدرويش عزيز لتمشية أموره وتنفيذ قراراته، لأنّه قد تزامن مع حكمهم احتدام المواجهة بين القوات السربدارية وآل كرت في هرات وكان حاكمها يومئذ غياث الدين پير علي الحنفي الذي كان مستعداً لمواجهة السربداريين عملاً بفتوى أئمة السنّة الذين أفتوا بوجوب صد الشيعة ومواجهتهم، فانبرى لقتال علي مؤيد والدرويش عزيز الجوري اللذين كانا يفكران ليس في الثأر لدم الشيخ حسن من آل كرت فحسب بل وفي توسيع رقعة الحكومة الشيعية للقضاء على خصومهم السياسيين الوحيدين في المنطقة، فصمّم الإثنان على مواجهة آل كرت، وهنا استغل «الخواجة علي» «الدرويش عزيز» في تنفيذ المواجهة. على أي حال فإنّ الخواجة علي قد حقق أهدافه السياسية، ولمّا شعر أنّ الدرويش عزيز وأتباعه أصبحوا ذوي نفوذ وقوّة في ظل الحكومة السربدارية، وانّهم يشكّلون خطراً عليه، خطّط لإبعاده عن نطاق نفوذه وحكومته لإقحامه في حرب حاكم هرات، فأرسله إلى نيشابور ليرتّب الاستعدادات اللازمة لحرب غياث الدين.
وصل درويش عزيز إلى نيشابور ليتوجه منها إلى هرات… لكن لمّا عزم على التوجّه إلى هرات خذله الخواجة علي المؤيد، إذ لم يكتف بعدم إرسال المساعدات اللازمة له فحسب، بل كتب إلى وجهاء السربداريين وأمراء جيشهم أن يتركوه وحده ويعودوا إليه.
كانت رسالة الخواجة خطّة مدبّرة لخذل الدرويش عزيز. لكنّها قد انكشفت له، ولمّا علم بها شدّ الرحال مع عدد من أتباعه قاصداً أرض العراق.
وصل خبره إلى الخواجة علي مؤيد فاستدعى شخصين من قادة جيشه هما السيد تركمان والسيد شبر وأرسلهما في ألفين من الجنود لتعقبه… والتقى الجانبان ودار بينهما قتال عنيف جدّاً قتل على أثره الدرويش عزيز مع سبعين من أتباعه سنة (764هـ).
إنّ الصراع بين الجناحين الشيخي والسربداري يبرهن جيّداً على أنّ أعضاء الجناحين وهم أتباعه دين واحد ومذهب واحد كانوا قساة على بعضهم البعض ولم تكن بينهما شفقة أو تنازل لبعضهم الآخر مع أنّ أهدافهم الأولية لدى انبثاق الحركة السربدارية هي التحرر والانعتاق من نير الحكومة المغولية وهيمنتها، والحصول على الاستقلال الحقيقي.
سيد حسين رئيس السادات
الزعماء السربداريون
1 ـ عبد الرزاق باشتيني من 736ـ738.
2 ـ وجيه الدين مسعود 738ـ745.
3 ـ آقا محمد تيمور 745ـ747.
4 ـ شمس الدين 747ـ749.
5 ـ شمس الدين علي جشمي 749ـ753.
6 ـ يحيى كرابي 753ـ759.
7 ـ ظهير كرابي 759ـ760.
8 ـ البهلوان حيدر قصاب 760ـ761.
9 ـ ميرزا لطف الله بن مسعود 761ـ762.
10 ـ البلهوان حسن دامغاني 762ـ766.
11 ـ نجم الدين علي مؤيد 766ـ788.
أصداء ثورة السربداريين
لم تقتصر شهرة ثورة السربداريين في سبزوار على خراسان فحسب، بل تعدتها إلى جميع أنحاء إيران، وكان سبباً لاندلاع الثورة في كثير من هذه المناطق، إذ ثار العديد من الناس على حكام وقتهم متأسين في ذلك بالسربداريين في سبزوار، وقد أفلحت بعض هذه الثورات فيما فشلت أخريات ولم تحقق شيئاً.
وأهم الأشخاص الذين ثاروا على المغول هم:
أ ـ الأمير حسين زركش: وهو من السادات المشهورين في نيشابور، وقد ثار في هذه المدينة ولكنّه لم يحقق ما أراد، فلجأ إلى السربداريين في سبزوار ونقله هؤلاء بدورهم إلى قلعة خبوشان، ثمّ قتله فيما بعد طغا تيمور خان.
ب ـ أبو بكر البازاري: وهو حاكم مازندران من قبل السربدرايين، وكان في صراع مستمر مع طغا تيمورخان. وفي أثناء هجوم قوات حسن دامغاني على مازندران قتله طغا تيمورخان.
ج ـ صاحب حداد وأخوه حسين حداد: أعلنا الاستقلال في خرم آباد وطلبا المساعدة من السربداريين في سبزوار، وبعد وفاة صاحب حداد خلفه أخوه حسين، ولكنه لم يستطع الصمود بوجه الأمير ولي، ولم تكتمل ثورته.
د ـ مولانا زاده البخاري: ثار في سمرقند على المغول وأسمى نفسه (سربدار) وأصحابه (السربداريين).
هـ ـ أسد الخراساني: ثار في كرمان على ظلم واستبداد الملك شجاع، وقد كان قائداً للسربداريين في كرمان وسيأتي ذكر نضاله فيما بعد بالتفصيل.
و ـ ثار السادات والدراويش في مازندران بقيادة قوام الدين المرعشي والأمراء المحليين، وأسسوا دولة السادات.
ز ـ ثار الأمير علي كيا في گيلان بوجه الأمراء المحليين، وطلب المساعدة من سادات مازندران.
وهكذا الحال بالنسبة لسائر مدن إيران، حيث اقتدى الناس بالسربداريين في سبزوار وثاروا بوجه حكامهم وأسموا أنفسهم السربداريين.
وأكثر المؤرخين يسمّون ـ صراحة ـ الثوار في كرمان وسمرقند بالسربداريين. ومن حيث اللحاظ السياسي والأثر الاجتماعي فإنّ ثورة السيد قوام الدين المرعشي هي الأهم بين سائر الثورات الأخرى.
الجدير بالذكر أنّ شعلة السربداريين في سمرقند وكرمان ما لبثت أن انطفأت في إشعاعاتها الأولى، إذ أنهى تيمور عمر السربداريين في سمرقند وقضى الملك شجاع على السربداريين في كرمان.
في الصفحات التالية، نحاول دراسة تلك الثورات من وجهة نظر التاريخ:
أ ـ ثورة السيد قوام الدين المرعشي 751هـ.
ب ـ ثورة السيد أمير علي كيا في گيلان عام 763هـ.
ج ـ ثورة المولى ازاده البخاري في سمرقند عام 766هـ.
د ـ ثورة البهلوان أسد في خراسان عام 775هـ.
ثورة السيد قوام الدين المرعشي
تتغلغل جذور ثورة السادات في مازندران في أحشاء التاريخ، حيث ثار العلويون في طبرستان ومازندران ثورة شاملة في القرن الثالث الهجري، وحكموا هذه المناطق لمدّة ست وستين سنة، وتوالى على الحكم ثمانية رجال من العلويين حتّى قضى آل زيار على حكمهم في عام 316([292]).
تعتبر ثورة السيد قوام الدين المرعشي في مازندران من الناحية العقائدية والإيدلويوجية امتداداً لتلك الثورة. ومن الضروي بمكان أن نبين بأنّه كانت هناك علاقة وثيقة بين سادات مازندران والسربداريين في خراسان، ومن جانب آخر كانت ثورة السادات على غرار ثورة السربداريين تحت قيادة مجموعة من الدراويش والصوفيين، لا سيما أنّ التصوف لعب فيما بعد دوراً كبيراً في تأسيس وتكوين السلسلة الصفوية، إذ لم تكن ثورة السادات في مازندران عديمة التأثير في الصفويين.
حدثت ثورة السيد قوام الدين في زمن حكومة كيا افراسياب جلابي (جلاوي). وكان كيا افراسياب قد استولى على الحكم بعد أن قتل السلطان فخر الدين حسن (735-751) آخر سلاطين آل باوند. ثمّ قتل كيا افراسياب في حربه مع السيد قوام الدين.
وقبل أن نعرض إلى تفصيل ثورة السيد قوام الدين، نرى لزاماً علينا أن نشرح الأوضاع السياسية في مازندران في زمن الثورة.
الأوضاع السياسية في مازندران
في زمن الثورة
كانت هذه المناطق ـ في زمن ثورة السيد قوام الدين ـ تحت حكم آل باوند أو الباونديين والملوك الرستمداريين والرويين. وفي أواخر القرن السادس الهجري اعترى الضعف الطبقة الثانية من الملوك الباونديين بسبب حملات الخوارزمشاهيين، ثمّ بدأ حسام الدولة أردشير الذي وصل السلطة في عام 756 يتعرض لهجمات جيوش تكشن (568ـ596) ومحمد خوارزمشاه (596ـ617) وفقد أثر ذلك العديد من مناطق حكمه، حتّى استولى الخوارزمشاهيون على ساري عام 578هـ.ق، ولكن دور وأوضاع حسام الدولة انتعشت في أواخر حياته إثر دخوله في طاعة محمد خوارزمشاه حيث ولاه السلطان على بعض نواحي مازندران. وهكذا أصبح الباونديون ـ الذين كانت لهم قوة كبيرة حتّى أواخر السلاجقة ـ ولاة تابعين للخوارزمشاهيين.
توفي حسام الدولة أردشير في عام 602، ثمّ انتخب ابنه شمس الملوك رستم ملكاً، بعد أن كان سجيناً في زمن أبيه. ولم يمض وقت طويل حتّى وقع النزاع بين رستم وأخيه ركن القارن، ووقف الخوارزمشاهيون إلى جانب القارن وأصدروا حكماً بمنحه بعض مناطق دولة آل باوند.
وفي هذه الأثناء قويت شوكة الإسماعيليين في مازندران فقتلوا القارن، ولم يمض وقت طويل حتّى قتل أخوه شمس الملوك على يد أحد الساجات وهو أبو الرضا حسين المامطيري.
تزامنت هذه الحوادث والأزمات السياسية مع هجوم السفاح جنكيز على إيران وهجوم المغول على استرآباد ومازندران وحدوث المجازر الوحشية التي ارتكبوها في هذه المناطق.
ولم يمض على هجوم المغول عام 635 وقت طويل حتى انبر أحد الباونديين وهو أبو الملوك أردشير للمطالبة بالحكم ثمّ استولى على مازندران. وساهم أبو الملوك بدور كبير في تعمير وإصلاح البلاد وإيجاد التنسيق مع الملوك الرستمداريين ومد أواصل المودة معهم. وإذ كانت ساري محلاً لتردّد الحكام المغول، فقد انتخب آمل مركزاً لحكومته، وهكذا غيرت العاصمة في زمن الطبقة الثانية من الملوك الباونديين من ساري إلى آمل.
اقترن حكم أبي الملوك بالنجاح حتّى توفي عام 647هـ. ثمّ خلفه شمس الملوك محمد فحكم من عام 647 وحتّى عام 665هـ وفي هذه السنة قتله بعض حكام أباقاآن ابن هولاكو وعيّن بدلاً عنه أخاه علاء الدولة علي واستمرّ هذا في الحكم حتّى عام 675 ثمّ خلفه تاج الدولة يزدگرد الذي استولى على أكثر نواحي مازندران وباشر بتعمير مدينة آمل التي خربت في حملات المغول واستمر في حكمه حتّى عام 698، حيث توفي في هذه السنة أي في زمن سلطنة غازان خان (702ـ711)، وخلفه ابنه نصر الدولة شهريار واستمرّ حاكماً على مازندران حتّى عام 714.
وتولى على الحكم بعده العديد من حكام آل باوند، مثل تاج الدولة كيخسرو (714ـ728) وشرف الملوك (728ـ734) وفخر الدولة حسن (734ـ750) وتزامن حكم هؤلاء في آمل مع العديد من المشاكل ثمّ قتل آخر ملوكهم وهو فخر الدولة حسن أثر النزاعات والخلافات العائلية والمنافسات السياسية المحتدمة بين الأمراء في تلك النواحي. واستمرّت نار الحرب الأهلية والاضطرابات تستعر في مازندران لثلاث عشرة سنة، ولم تكن مازندران في زمن ثورة السيد قوام الدين خالية من هذه الأحداث. وفي الحقيقة فإنّ السيد قوام الدين قد استفاد من الأوضاع القائمة آنذاك بين الأمراء واستغل نفوذه بين أهالي تلك المناطق في تهيئة الأرضية المناسبة للانطلاق بثورته، وسنعرض لذلك فيما بعد.
الأوضاع السياسية لرستمدار
كان حكام آل باوند يسيطرون على أجزاء فقط من مازندران بينما كانت الأراضي الممتدة بين الديالمة وحتّى حدود آمل خاضعة لمجموعة أخرى من الحكام المحليين، واسمهم (ملوك رستمدار). الذين يرجع نسبهم إلى آنوشيروان، وعادة ما كانوا يحكمون جبال رستمدار ورويان بعنوان ولاة.
وفي أثناء قوّة الباونديين، كان الملوك المذكورين ـ في أغلب الأحيان ـ مطيعين لهم. وفي عهد سلطنة حسام الدولة أردشير، عمد بعد نزاعه مع الرويانيين إلى تولية أحد الأمراء وهو الأمير زرين كمرجستان الحكم هناك. واستمرّ حكمه 24 سنة حتّى توفي عام 610هـ وخلفه ابنه بيستون في الإمارة (610ـ620). وعلى الرغم من سيطرة الخوارزمشاهيين على مازندران في عهده، إلاّ أنّه ظلّ صامداً في معارضته لهم واستمرّ في المقاومة.
تولّى الحكم بعده ابنه نام آوريانيم آور (620ـ627)، ثمّ ابن نام آور حسام الدولة أرشدير ثمّ الابن الثاني لنام آور شهر آگيم (640ـ671) ثمّ نام أور ابن شهر آگيم (671ـ701) ثمّ شاه كيخسروين شهر آگيم (701ـ711) ثمّ شمس الملوك محمد بن كيخسرو (711ـ717) ثمّ نصير الدولة شهرياربن كيخسرو (717ـ725) ثمّ تاجر الدولة زيار (725ـ734) ثمّ جلال الدولة اسكندر (734ـ761) ثمّ فخر الدين شاه غازي (761ـ780) ثمّ عضد الدولة (780ـ800).
كان ملوك رويان ورستمدار ـ على غرار ملوك باوند ـ عرضة لحملات المغول، ولم تنتعش قوتهم السياسية إلاّ في الفترة التي امتدت في تاريخ إيران من سقوط الإيلخانيين حتّى ظهور تيمور، وغالباً ما كان حكمهم فيما وراء جبال ألبرز.
حينما كان جلال الدولة الإسكندر (734ـ761) ملكاً كانت قزوين خاضعة لحكمه لعدّة سنين. وقد ساعدت ثورة السادات المرعشي في مازندران على الحد ـ إلى أمد بعيد ـ من النفوذ السياسي لملوك رستمدار.
ثورة السيد قوام الدين
حدثت ثورة السيد قوام الدين في زمن حكومة أفراسياب جلابي (جلاوي) وهو أحد الأمراء المتنفذين من الباونديين. وقد فاق هذه العائلة بفراسته، وقتل آخر أمرائها وهو فخر الدولة حسن (735ـ751) وأخذ زمام الأمور في آمل وساري وأطرافهما. وحينما اندلعت ثورة السيد قوام الدين وأصحابه، دخل كيا أفراسياب في طاعته، ولكن في آخر المطاف تعكرت العلاقات بينهما ونشبت حرب بين الطرفين قتل فيها كيا افراسياب.
يعتبر السيد قوام الدين من الزاهدين العارفين المتقين وكان مشتغلاً في إرشاد الناس وأبوه قدوة لهم وينقل ظهير الدين أنّ هذه العائلة «كانت تجتنب المناهي والمعاصي وهم من حجاج بيت الله الحرام».
يعتبر السيد قوام الدين، السيد عز الدين السوغندي أحد مريدي الشيخ حسن الجوري، حيث درس السيد عز الدين في مدرسة الشيخ حسن الجوري. وعن هذا الأمر يكتب المرعشي ما يلي: «بواسطة الشيخ حسن الجوري ارتدى لباس الفقر الذي حاكه نساجو العناية الإلهية واكتمل بخياط المعرفة الربانية، ثم اشتغل بإرشاد وهداية أهل خراسان».
في الوقت الذي كان فيه السيد عز الدين السوغندي، مراد السيد قوام الدين موجوداً في خراسان، كانت هذه النواحي تحت نفوذ طريقة الشيخ حسن الجوري وكانت حكومة السربداريين في أوج شهرتها.
وبعد وفاة الشيخ حسن الجوري، تصدّى السيد عز الدين لزعامة الدراويش وباشر بإرشادهم، ولم يكن في نفوذه السياسي أقل من الشيخ حسن الجوري.
ورد في مجمع الأنساب بأنّ السربداريين قتلوا الشيخ حسن وانتخبوا السيد عز الدين السوغندي بدلاً عنه.
أخذ السيد عز الدين على عاتقه زعامة الدراويش بعد وفاة الشيخ حسن، وكان أتباع عز الدين يعتقدون أن نسب طريقتهم تعود بواسطة السيد عز الدين والشيخ حسن الجوري والشيخ خليفة والشيخ بالو الزاهد وجمع من الشيوخ الآخرين إلى بايزيد البسطامي (ت262 هـ) ومنه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)([293]).
وعندما كان الخواجة علي شمس الدين حاكماً في سبزوار، خشي من النفوذ المعنوي المتزايد للسيد عزالدين وعزم على طرده من خراسان. ورأى عز الدين الصلاح في مغادرة خراسان والذهاب إلى مازندران([294])، ولكنّه قضى نحبه في أثناء سفره.
وكان السيد قوام الدين قد أخذ منه لقب «الشيخ»، فقدم بعد وفاته إلى ساري وآمل في جماعة كبيرة من مريديه وباشر هناك بإرشاد الدراويش وانتصر على كيا افراسياب.
كيا افراسياب وثورة
السيد قوام الدين
قبل أن نعرض بالذكر لصراع افراسياب جلابي مع السيد قوام الدين والدراويش الآخرين، ينبغي أن نذكر باختصار جذور هذه الثورة التي قام بها السيد قوام الدين. وفيما يلي نذكر بعض عواملها:
1 ـ أصداء وانتشار ثورة السربداريين في مازندران، حيث تحرك هؤلاء في عدّة مرّات إلى مازندران، وكانوا يعتقدون بضرورة الاستيلاء على هذه المناطق من حيث دعم أسس حكومتهم ودورها في الإعلام السياسي.
2 ـ علاقة الناس بالسادات والدراويش المجاهدين والنفوذ المعنوي الذي كان هؤلاء يتمتعون به في أوساط الناس.
3 ـ الصراع المحتدم والمستمر بين الأمراء المحليين، الذي لم يكن يحمل معه إلاً الإضرار بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك النواحي.
4 ـ ظلم وجور الحكام المحليين وفرضهم الضرائب الكبيرة على الناس ومن ثم نفور الناس من أغلبهم.
يعتبر كيا افراسياب، الذي كان بدوره يطالب بالحكم، من أبناء أشراف مازنردان قائد جيوش فخر الدولة حسن آخر ملوك آل باوند. ومن جانب آخر كانت أخته زوجة لفخر الدولة حسن، فعمد افراسياب هذا إلى قتل فخر الدولة حسن والجلوس على سدة الحكم، متخذاً من آمل مركزاً لهذا الحكم. وقد اصطدم في بادئ الأمر بمعارضة جميع أمراء مازندران. ففي البداية اندلع القتال بينه وبين كيا جلال مامير حاكم فيروزكوه الذي كان يرتبط بعلاقة صداقة مع فخر الدولة حسن. ودخل كيا افراسياب في عدّة معارك مع كيال جلال في محاولة منه للاستيلاء على فيروز كوه وفي آخر المطالب استطاع أن يلحق به الهزيمة فاضطر كيا جلال إلى التحصن في القلعة.
في هذه الأثناء لزم بولاد قبادنام حاكم قلعة اسكن من قبل الأميرولي الذي كانت دماوند تابعة لمنطقة حكمه، أقول لزم العداء لكيا افراسياب جلابي، وانضم كيا اسكندر حاكم سواد كوه وقاتل الأمير قتلغ شاه إلى المخالفين لافراسياب جلابي ولزم العداء له كذلك.
وفي الحقيقة فإنّ جميع أمراء مازندران كانوا من المعارضين لكيا افراسياب، وحتى صهره كيا حسن الذي اقترن بأخته، وتولّى الحكم في لاريجان، فكان يرسل من لاريجان مراراً الرسائل والكتب العنيفة.
استسلام كيا افراسياب جلابي
كثرت المخالفات من قبل أمراء مازندران لكيا افراسياب جلابي، فسعى لإنقاذ الحكومة شبه الحية التي كان يتمتع بها من خلال مد يده إلى السيد قوام الدين والدخول في سلك مريديه، وفي الحقيقة لم يكن الدخول في هذا السلك هو الغاية، وإنّما غايته من وراء ذلك هي القضاء على ثورة السيد قوام الدين أولاً، وثانياً الاتكاء على النفوذ المعنوي الذي كان يتمتع به السيد ودراويشه، في سبيل دعم قواعد حكمه المتداعي.
وإضافة إلى ذلك، فهو بعد أن قتل فخر الدين حسن ووُجه بمعارضة الناس خلافاً لتوقعه أراد الاستعانة بقوّة ونفوذ السيد قوام الدين في جذب الناس إلى صفه. وهكذا استسلم افراسياب جلابي إزاء النفوذ اللامحدود للدراويش ومدّ يده للدخول في سلك المريدين. وما كان من السيد قوام الدين إلاّ أن عمد إلى قص شعر افراسياب وألبسه قبعة الدراويش وقبله في سلك المريدين، وكان الناس يعلنون توبتهم جماعات جماعات ويتخذون من السيد قدوة لهم.
أوّل انتصار للسيد قوام الدين
وتأسيس الحكومة الإسلامية
لم يكن افراسياب جلابي يعلم أنّ نهاية هذه الحركة ستكون تأسيس دولة إسلامية، وفي الحقيقة كان ذلك هو هدف السيد قوام الدين، بينما كان افراسياب يعتقد أنّه في اتحاده مع السيد يستطيع أن يتمدد في مناطق نفوذه ويقضي على أعدائه السياسيين ويستفيد من نفوذ السيد قوام الدين اللامحدود في الوصول إلى أهدافه الخاصة.
وبعد أوّل انتصار له، سعى السيد لإظهار خطّه السياسي من خلال تاسيسه لأوّل حكومة إسلامية بسيطة، فطلب تنفيذ الأحكام الإسلامية وإلغاء التشريفات الحكومية، وطلب من كيا افراسياب أن يعيش كسائر المريدين والدراويش ويواسي العامة في حياتهم البسيطة.
رضخ افراسياب جلابي لشروط قوام الدين. والشيء الملفت للنظر هنا أنّ الدراويش ومريدي السيد كانوا يرون في كيا افراسياب مريداً من مريدي السيد، ويعتقدون أنّه مساوٍ له بحيث يطلبون منه السلاح والمتاع وبلغ بهم الأمر أنّه حنيما كان يقدم كيا افراسياب وأولاده إلى الحمام، يأتي الدراويش ويرتدون لباسه، ويقولون لأصحابه أبلغوا كيا افراسياب بأنّا أيضاً من المريدين وليس لدينا عباءة، وأنت حاكم المدينة فاطلب غيرها لأنّها قد أخذت من قبل فلان الدرويش.
أو يأخذون سيفه وسيوف أولاده ويتركون له رسالة بأنّ سلاحك قد أخذه الدرويش الفلاني، ولديك مثله الكثير فاطلب ما شئت منها.
أو مثلاًن حينما يحين فصل جني المحصول يذهبون إلى مزارع كيا افراسياب ويلتمسون منه مقداراً من الرز بحجة أنّ الدراويش لم يزرعوا هذا الموسم. وكان افراسياب يأمر بإعطاء الدراويش شيئاً من الرز، ويحدث أحياناً أن يذهب الدراويش ليحملوا بأنفسهم بعض الرز.
استمرّ هذا النزاع بين الدراويش وأصحاب افراسياب، وكان هذا يتظاهر بأنّه في سلك المريدين وتابعي السيد، إلاّ أنّه في الواقع لم يكن يميل إلى هؤلاء الدراويش، فمن جانب لم يكن بإمكانه التخلي عن حكومته الملكية ومن جانب آخر كان قبول سلوك الدراويش أمر لا يطاق.
حينما رأى كيا افراسياب تنامي النفوذ السياسي للسيد، لم يَرَ بُداً في مخالفته، ولم يمض وقت طويل حتّى ترك حياة الدراويش البسيطة، وعزم على الانفصال عن السيد وأصحابه.
وكان يتربص الفرص لإقصاء السادات والدراويش عند الحكم، ولكنّه اضطر إلى استشارة الفقهاء في ذلك، وكان ردّهم: «سيلحق الضرر بملكك من أهل مازندران المحبين لهذا السيد».
سأل كيا افراسياب الفقهاء عن الحل للخروج من هذا المأزق قالوا له ادعه إليك برفق لنتباحث معه ونثبت له كون ما هو عليه بدعة «ثمّ نمنعه من الدروشة فإن أبى فالسجن أو الطرد».
اقتنع كيا افراسياب بصحة هذا الرأي وسداده، ومن ثمّ عزم على استدعاء قوام الدين إلى مجلس الفقهاء ليقابلهم، ولمّا كان السيد قوام الدين محيطاً بالمسائل الشرعية والفقهية، فقد لبّى الدعوة وحضر جلسة المناظرة مع الفقهاء، ولم يستطع الفقهاء أن يثنوه عمّا هو عليه. ثمّ عمد افراسياب إلى عمل متهور وغير مسؤول إذ أمر: «بأن يؤخذ السيد إلى و سط سوق آمل ويداه فوق رأسه، ليؤذوه ثمّ يقيدوه بالحديد ويلقوا به في السجن».
أصبح كيا افراسياب موضعاً لنفرة الناس جميعاً، حين أقدم على عمله هذا، ومن الطبيعي أنّه كان يهدف بعمله إلى الحط من قيمة السيد ونفوذه في أوساط الناس.
وبعد اعتقال السيد قوام الدين، خرج كيا افراسياب عن لباس الدراويش، ثم طفق يشرب الخمر ويعامل الناس بالشدّة، وأمر أن يؤخذ كلّ درويش يشاهد في المدن و القرى ويوضع في الحديد ويعذب.
في نفس الليلة التي أمر فيها افراسياب باعتقال السيد قوام الدين، مات أحد أبنائه بمرض القولنج واعتبر الناس ذلك دلالة على كرامات السيد، ثمّ اقتحموا السجن وأخرجوا السيد واصطحبوه معهم، وكان ذلك نصراً مؤزراً له.
أصيب كيا افراسياب بالذعر بسبب النفوذ المعنوي للسيد لا سيما بعد خروجه من السجن، فغيّر أسلوبه في الحكم واعتمد الاستبداد نهجاً له في حكمه لعشر سنين أي من عام 750 إلى عام 760 ومارس القتل والتعذيب بحق مريدي وأصحاب السيد واستمر بأعمال التعذيب والتقتيل.
تزامناً مع حكم افراسياب كان كيا فخر الدين يحكم في ساري وكيا ويشتاسب في قلعة تجي أو (اروجي)، فبادر كيا افراسياب إلى إرسال سفرائه ليلاً إلى هذين الحاكمين وأخبرهما بأنّ مريدي وأصحاب السيد آخذون بالازدياد وعاجلاً سوف تنطلق شعلة ثورتهم فما الحل؟ وكان جوابهم أنّ الحل يكمن في القضاء على السيد. ومن ثمّ عزم كيا افراسياب على الإيقاع ثانية بالسيد وبالتالي ـ على حد زعمه ـ يتمكن من القضاء على شرّه.
بعث كيا افراسياب إلى السيد قوام الدين يدعوه إلى قصره، فجلس السيد مع مريديه يستشيرهم وكان رأيهم عدم تلبية الدعوة لأنّه يستهدف روحه في هذه الدعوة.
انتصار السيد قوام الدين
وقتل كيا افراسياب
عندما رأى كيا افراسياب عجزه عن الإيقاع بالسيد بطريق الحيلة والسلام استشار أولاده وأصحابه في أن يذهبوا إليه بأنفسهم ويلقوا القبض عليه وإذا لزم الأمر فليقتلوه في هذه الأثناء انتشر وباء شديد أتى على عدد من ملوك باوند وعلى بعض أفراد أسرة كيا افراسياب. وعزم الأخير على قتال الدراويش واصطحب قادته وأولاده ـ عدا إسكندر الذي كان آنذاك طفلاً.
وقعت المعركة بين الطرفين بالقرب من آمل([295])، وعندما رأى أبناء السيد والدراويش مقاومة جيش افراسياب، تجمعوا في مزرعة قرب آمل وضربوا حولها سوراً من أغصان الشجر ثم اتخذوا مواقعهم القتالية وغمروا الأرض بالماء حتى أضحت مستنقعاً، يتعذر على الخيول دخوله. وكان افراسياب يتعقب الدراويش حتّى إذا بلغ هذا الموقع اصطدم بمواجهة عنيفة من هؤلاء الدراويش، وشرع هؤلاء يطلقون سهامهم فقتل افراسياب بأحد هذه السهام.
يتحدث عن هذا الأمر ظهير الدين المرعشي الذي كتب بالتفصيل الحوادث المرتبطة بثورة السادات في مازندران، فيقول: «في بادئ الأمر أصاب السهم الصدر الحقود لافراسياب فخرّ صريعاً عن ظهر جواده، وارتوى من كاس الفناء وقتل معه ثلاثة من أولاده».
دخل السيد قوام الدين وأصحابه مدينة آمل فاتحين، وعمدوا إلى قتل كل من صادفوه من أصحاب كيا افراسياب، وهكذا انتصرت ثورة السيد قوام الدين في عام 762هـ.
عائلة كيا افراسياب جلابي
كان لكيا افراسياب ثمانية أولاد؛ أكبرهم كيا سيف الدين الذي مات إثر مرضه بالقولنج وكيا حسن الذي قتل مع أبيه في حربه مع السيد قوام الدين وكذلك كيا سهراب، وكيا علي وكيا سهراسب وهؤلاء قتلوا جميعاً في الحرب.
والابن الآخر له هو كيا محمد الذي قتل في حرب ملك رستمدار مع افراسياب وكان قتله انتقاماً لمقتل فخر الدولة حسن. وأمّا ابنه كيا بيژن فكان قد سار إلى جلاب لإخماد ثورة أهلها على أبيه فقتل هناك، ومن ثم لم يبق له ولد، فحتى ابنه الأصغر كيا اسكندر كان قد قتل مع شخصين آخرين بأمر من تيمور في محل اسمه (شيرود هزار). ومن أحفاد كيا افراسياب كان كيا سهراسب في طالقان تحت حماية سادات گيلان.
خلفاء السيد قوام الدين
كان هدفنا من هذه الأسطر هو دراسة تأثير حركة السربداريين على الحركات الأخرى في القرن الثامن الهجري وحتّى بعد هذا القرن، ومن ثمّ نعرض عن الخوض في الحديث عن تفاصيل حكومة السيد قوام الدين.
عزم السيد قوام الدين بعد انتصاره على اختيار السيد عبدالله خليفة له، ولكن هذا السيد رفض وأجاب أباه بأنّه درويش ولا علاقة له بأمور الدنيا، وهو مشغول بالدعاء لإخوانه بعد عبادة الله تعالى، فمن الأفضل أن ينتخب السيد كمال الدين للنهوض بهذا الأمر، وبالفعل فقد انتخب السيد قوام الدين، السيد كمال الدين لهذا الأمر.
أرسل السيد كمال الدين من قبل أبيه إلى ساري، وكانت هذه المدينة حين قدومه خربة، فباشر هذا السيد بتعميرها واستمد العون في ذلك من أهل آمل، وبنى في داخل المدينة قلعة محكمة وفي خارجها مسجداً وحماماً وسوقاً، واستغرقت فترة بناء مدينة ساري ثماني سنوات (769ـ777) واشتغل السيد كمال الدين بإدارة المدينة ومحو الظلم والعدوان والفسق والفجور من صفحة الوجود وإرساء دعائم استقلال حكومته.
سقوط حكومة السادات
في مازندان
عندما شن (تيمور) هجومه على إيران الذي استغرق خمس سنوات (794ـ798)، كان في عزمه القضاء على العديد من الأمراء، إذ كان تيمور بحبه للجاه السياسي لا يطيق وجود الأمراء الصغار.
تحرّك تيمور من سمرقند متجهاً صوب إيران في يوم الجمعة 15 رجب عام 794 وبعد عبوره بخارى دخل جورى زر (تقع في داخل ولاية بخارى) ثمّ اجتاز جيحون والولايات الأخرى حتّى وصل أطراف استرآباد في الاثنين 20 شوال 794 وفي هذا المكان قدم إلى تيمور السيد غياث الدين ابن كمال الدين حاكم بابل وساري فكرمه تيمور ثمّ اتجه نحو ساري.
في هذه الأثناء عزم بعض سادات مازندران على مقابلة تيمور، وهرب السيد كمال الدين إلى السيد رضي في قلعة ما هانه سر التي تبعد عن آمل بأربعة فراسخ، وفي غضون ذلك جمع حكام آمل وساري كل ما لديهم من خزائن وأموال ووضعوها في هذه القلعة ثمّ استعدوا للمقاومة ، فأصدر تيمور أوامره للسيد غياث الدين بالسير إلى القلعة وإرجاع أبيه.
دارت بين قوات تيمور والسيد كمال الدين رحى الحرب، ولم يستطع السيد الصمود في هذه الحرب فالتمس العذر من تيمور بإرسال سفيراً إليه. فجعل تيمور قبول عذر السيد كمال الدين مشروطاً بأن يترك كلّ سيد من حكام ولاية مازندران ابنه معه ليبقى ملازماً له وليكون ضماناً للطاعة، فرفض السيد كمال الدين هذا الشرط واعتبره نوع من التحقير السياسي.
انتهت المفاوضات بالفشل ومن ثمّ أصدر تيمور أوامره بمحاصرة القلعة. ونتيجة لهذه المحاصرة والحرب قتل العديد من السادات وغنم جيش تيمور أموالاً طائلة وسقطت القلعة فاضطر السيد كمال الدين إلى الاستسلام وأمر تيمور بترحيل السيد كمال الدين وعائلته إلى خوارزم، وهكذا انتهت حكومة السادات التي استمرّت نيفاً وثلاثين عاماً.
بعد وفاة تيمور عام 807هـ، انتفض السادات في مازندران ثانية وأسّسوا حكومتهم، وعلى الرغم من أنّهم لم يستعيدوا قوتهم ونفوذهم الآفلين إلاّ أنّهم ظلّوا يحكمون هذه الولاية (مازندران) حتّى عهد الملك طهماسب الصفوي الأول. وكانت بين هؤلاء السادات والأمراء التيموريين والآق قويونلو والقرة قويونلو علاقات حسنة.
وفي زمن الملك طهماسب، كان هناك أحد أحفاد السيد قوام الدين وهو مير عبدالله خان الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي نسبي في مازندران وخصوصاً في آمل وساري. وقد تعرّض هذا السيد لسخط الملك فقتل. ثمّ حكم ابن عمّه مير سلطان مردمير شاهي في بعض أجزاء مازندران. وكان آخر حكام هذه السلالة التي حكمت مازندران، هو السلطان محمود المعروف بميرزاخان الذي قتل بأمر مهد عليا خير النساء بيگم أم الملك عباس الأول أثر خلافات سياسية بينهما.
سلمت مهد عليا الحكم في مازندران إلى أحد أقاربها وهو الأمير علي خان ولكن حكومته لم تستمر طويلاً. ثمّ قسمت مازندران بين ثلاثة أشخاص من الأمراء المحليين وهم الوند ديو والسيد مظفر المرتضائي وملك بهمن اللاريجاني، وفي عام 1006 استولى الملك عباس على جميع أنحاء مازندران وأنهى حكم السادات في هذه النواحي([296]).
استمرّت فترة حكم ورئاسة السيد قوام الدين عشرين سنة، وكان مجموع مدّة حكم السادات في الفترتين كما يلي:
الفترة الأولى من عام 750 إلى عام 795 انقرضت على يد تيمور.
الفترة الثانية من عام 807 حتّى عهد حكومة الملك طهماسب الأول (930ـ984).
ثورة السيد أمير علي كيادر
في گيلان
لم تكن ثورة السادات في كيلان في حجم ثورة السادات في مازندران، وكان هدف سادات گيلان الانعتاق من نير الظلم والجور، وفي سبيل ذلك استمدوا العون من سادات مازندران.
ثار السيد أمير كيا على الأمير الظالم ناصر ونديم يشين، ولكنّه لم يستطع المقاومة فرحل إلى رستمدار ومكث فيها عاماً ثمّ قصى نحبه في عام 763هـ.
عزم السيد علي (769ـ791) بعد أبيه السيد أمير كيا على تأسيس حكومة له، ولكنّه لم يحرز نجاحاً في هذا المجال فرحل مع إخوته وأقاربه إلى مازندران وحل فيها مع أتباعه في ضيافة السيد قوام الدين المرعشي. ثمّ استطاعوا بمساعدة سادات مازندران أن يشكلوا حكومة لهم في بعض نواحي گيلان، واستمرّت هذه الحكومة أكثر من قرنين (772ـ1001) وكان مركزهم في ذلك: (لاهيجان)، وفي زمن الملك عباس الأول فقد سادات گيلان قوتهم ونفوذهم السياسي.
ثورة السربداريين في سمرقند
(766ـ767)
تزامنت ثورة السربداريين مع بداية ظهور تيمور الگورگاني ونشوب الاضطرابات السياسية التي عمّت جميع أنحاء ما وراء النهر، ولم يكن تيمور قد أحكم إرساء قواعد حكمه بعد حينما انطلق السربداريون في حركتهم.
كان قائد ثورة السربداريين في سمرقند هو أحد العلماء واسمه مولانا زاده بخاري، وقد ثار ضد ظلم المغول الذي لا يطاق وأسس حكومته لبعض الوقت، ولهذا تعتبر ثورته جهاداً ضد المغول وسلوكهم الوحشي في فرضهم للضرائب ومعاملتهم القاسية للناس.
هاجم الأمير توغلق (تُغلق) حاكم كاشغر بلاد ما وراء النهر لعدّة مرّات وعرض مدنها للسلب والنهب. وفي هذه الأثناء حاول الأمير تيمور والأمير حسين الذين كانا ينسقان مع بعضهما في شؤون الحكم ـ دفع الأمير توغلق، ولكنّها لم يفلحا في دفعه، بل هزما وانكفأ راجعين.
استولى توغلق مرّة أخرى على سمرقند، وتوالت هجمات أمراء ما وراء النهر على المدينة فأحدثت الخراب فيها وضج منها أبناء سمرقند. وفي أثناء ذلك انبرى رجل حكيم حر يدعى مولانا زاده البخاري، فرفع راية التمرد ودعى الاهالي للتجمع في باحة المسجد وخاطبهم قائلاً:
«أيّها المسلمون: لقد نغص الكفار علينا عيشنا ومنعوا عنّا الأمان وسينتصرون عاجلاً أو آجلاً فعند ذلك يستولون على أرواحنا وأموالنا. فلا بد لنا من الثورة المسلحة بوجه المغول…».
واستمرّ مولانا زاده في خطبته وأخذ يكرر القول بأنّه: من الواجب على المسلمين أن يساهموا في هذا الأمر وإلاّ فسيتعرضون للحساب في يوم الجزاء، وأنتم الآن أيّها الناس مجتمعون في هذا المسجد، فأي شخص تنتخبون لقيادتكم، قولوا ما بدا لكم لساعتكم ولا تدعوا هذا الأمر يذهب في عالم النسيان.
وعندما رأى مولانا زاده السكوت مخيماً على الناس؛ قال إنّي أقبل قيادتكم بشرط انصياعكم لأوامري ومساعدتكم لي، وهكذا كان، وبعد سلسلة من الخطابات الحماسية التي ألقاها مولانا زاده على أهل المدينة تمّ انتخابه قائداً لسربداريي سمرقند، ثمّ أصدر أوامره لمقاومة المغول.
انتصار مولانا زاده البخاري
لم يكن نجاح مولانا زاده ممكناً دون امتلاك الأفراد المسلحين، ومن ثمّ عمد إلى تهيئة جيش مسلح ووضع الحراس على أبواب المدينة وسد الأزقة والطرق وأمر الحراس بعدم السماح لأحد بالدخول و الخروج وحثّ الناس على بذل مساعيهم لحراسة المدينة، والصمود إذا ما نشبت الحرب، ثمّ وزع الرماة والجنود على أطراف المدينة، وباشر بنفسه مع خمسمائة شخص من الرماة الاشداء النشطين في حراسة هذه المدينة.
وفي هذه الأثناء دخل القراولون وجنود المغول وجيش خان كاشغر، وفجأة صدرت أوامر مولانا زاده بالهجوم عليهم فقتل الآلاف وجرح العديد، وعمد السربداريون في سمرقند، بأمر مولانا زاده إلى «ضرب فرسان المغول بالحجر والخشب ولا تزال هذه القصة تروى إلى الآن في منغوليا في القصص والمحافل والمجالس»([297]).
وعلى الرغم من مقاومة الجنود المغول وجيش خان كاشغر، هزموا في نهاية المطاف. وصادف ذلك مع تفشي المرض في خيول وحيوانات خان كاشغر ومن ثمّ هلك العديد منها وهزم الجيش بعد ذلك، ويصف خواندمير ذلك بقوله: «عندما اقترب هؤلاء من سمرقند وأوشكوا على احتلالها والقضاء على أموال وديار المسلمين فيها، شاءت إرادة الله تعالى أن يتفشّى المرض بين خيول جيش إيلياس خواجه خان (ابن الأمير توغلق) بحيث لم تبقى من كلّ أربعة خيول أكثر من واحدة، فأصيب المغول بالخوف والذعر وحاروا في أمرهم فلم يروا بُدّاً من حزم أمتعتهم والعودة إلى ديارهم راجلين»([298]).
هجوم تيمور للقضاء على السربداريين
ومع انسحاب جيش إيلياس خواجه، شكل مولانا زاده حكومة شعبية مستقلة في سمرقند. وعندما سمع تيمورلنك بخبر عودة إيلياس خواجه، عزم على احتلال سمرقند، ولم يكد يمضي وقت طويل على هجوم خان كاشغر حتّى ابتلي سربداريو سمرقند بهجوم الأمير تيمور والأمير حسين.
يكتب خواندمير عن ذلك: قوله: «بدأ السربداريون في سمرقند يتجاوزون على أموال الناس بعد انتصارهم… وأصبح لهم دور في إثارة الفتنة والشر»([299]).
يعتبر خواندمير فتنة مولانا زاده البخاري هو السبب في شن تيمور هجومه على سمرقند، والحق أنّ خواندمير لم يصب في رأيه فهو كان يعتقد أن موالنا زاده وحتّى ما قبل هجوم تيمور على سمرقند قد ثار في سبيل حفظ وصيانة أموال الناس، بينما يكتب فيما بعد أنّه منشغل في نهب أموال المسلمين، ونحن لا نرى هذا الأمر إلاّ تناقضاً واضحاً في قوله.
أحرز السربداريون في سمرقند انتصاراً ساحقاً بعد هزيمة إيلياس خواجه (الياس خواجه) وأعلنوا استقلال جميع مدن ما و راء النهر.
والأمر الجدير بالذكر هنا هو كون مولانا زاده قائد الثورة في سمرقند متمتعاً باحترام وحب كبيرين في نفوس الناس، حيث يذكر معين الدين نطنزي أنّه: «كانت أخلاقه [مولانا زاده[ محبوبة دون تكلف بحيث كانت أوامره تنفذ بكل رغبة وطوعية وتبذل الأرواح في سبيل تنفيذها».
«كان مولانا زاده يتجول في المدينة ومحلاتها ويتابع شؤون الناس ويتفقد أحوالهم ويحثّهم على الصمود بوجه المغول».
أزعجت ثورة السربداريين في سمرقند الأمير تيمور غاية الإزعاج، فكاتب الأمير حسين في سبيل القضاء على هذه الحركة وحدّد موعداً للقائه، وكان الإثنان خائفين من حركة السربداريين في سمرقند فالتقيا في ناحية بقلان لتحقيق هدفهما.
وفي سبيل استغفال السربداريين، عمد هذان الأميران إلى المكر والحيلة، فقد أرسلا في البداية (يبكي همراة) إلى مولانا زاده في سمرقند وزوداه بكتاب تهنئة وتبريك وارتياح بمناسبة انتصاره وهكذا نجحنا في تضليل مولانا زاده.
«بعثا بكتاب ودي مع خلعة ونطاق وسيف باسم السربداريين وجملة الشخصيات والأكابر وأصحاب الحل والعقد وأرفقوها بنفر من الإيلحيين من ذوي الألسن الفصيحة»([300]).
ومن أجل أن يوغلا في تضليل السربداريين في سمرقند، اتفقا على أن يمضي الأمير حسين شتاءه في «سالي سراي» والأمير تيمور في نخشب وكش، وفي فصل الربع يتوجهان إلى سمرقند، وبينما كان الأمير تيمور في نخشب أصدر أوامره ببناء قلعة، وتمّ بناؤها في نفس العام.
نجحت حيلة الأمير تيمور والأمير حسين، فحين بلغت هدايا وتحف الأميرين مولانا زاده فرح بها فرحاً شديداً وبعث بهدايا إلى تيمور ردّاً على ذلك. وفي سبيل خداع السربداريين قدم تيمور إلى سمرقند عدّة مرّات لطمأنة مولانا زاده والسربداريين الآخرين وفي الحقيقة كان يهدف من وراء ذلك إلى أمور أخرى وهي استغفال السربداريين في الشتاء ومباغتتهم في فصل الربيع.
وفي رواية معين الدين نطنزي، بعث مولانا زاده بعض رجاله إلى جيحون وأطرافه لاستطلاع الأمور هناك، وعمد أحد عساكر حسين الصوفي إلى تقييد عباس بهادر، وهو أحد أصحاب مولانا زاده، وأرسله إلى حسين الصوفي ليطلعه على أوضاع وأحوال السربداريين في سمرقند.
احتلال جيش تيمور لسمرقند
في أوائل الربيع تحرّك الأمير حسين إلى سمرقند بجيش من بلخ وبدخشان وقندوز وبقلان وأندخور وشبرغان وكذلك فعل تيمور حسب ما اتفقا عليه، وبعث الأمير حسين إلى السربداريين في سمرقند كتاباً قال فيه: إنّي واثق من أنكم لن تستقبلونا ما لم نصل (كان كل)، وانطلت الحيلة على السربداريين وجرت الخطة على ما أريد لها.
حينما وصل الأمير حسين والأمير تيمور «كان كل» قدم إليه السربداريون مستقبلين ومعهم الهدايا، فأرجعاهم حتّى وصل في المرّة الثانية أهل سمرقند إلى ناحية (كرتاس) فأمر الأمير حسين بتقييدهم جميعاً.
ينقل عبد الرزاق السمرقندي أنّهم قيّدوا جميعاً ثمّ استثنى مولانا زاده وقتل الآخرون.
وهكذا انتهت حركة السربداريين في سمرقند دون تحقيق نتيجة واضحة، واعتزل مولانا زاده الأحداث بعد هذه الواقعة.
وعلى الرغم من كون مولانا زاده هزم في هذه الحركة إلاّ أنّ تأثيرها كان كبيراً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، فقد أظهر مولانا زاده لأهل سمرقند وغيرها من البلدان أنّ من الممكن التصدّي للظلم. وكانت حركة السربداريين في سمرقند انعكاساً لحركة السربداريين في خراسان ولكن تأثيرها السياسي بدا واضحاً في تصدّي أهالي المدن الإيرانية لتيمور السفاك.
باشر تيمور بإقصاء خصمه ومنافسه السياسي الأمير حسين من الساحة السياسية وانطلق في حملاته على إيران وتصدّى له الإيرانيون بكلّ صلابة. وما مقاومة السربداريين في سبزوار وثورة أهالي أصفهان إلاّ أنموذجان واضحان على ذلك. وقد استمرّت هذه المقاومة حتّى في زمن خلفاء تيمور ومثال ذلك الحركة الحروفية.
ثورة پهلوان أسد الخراساني
في كرمان 775ـ776
إنّ صفحات التاريخ لمليئة بالشغب والأزمات السياسية في زمن حكم الملك شجاع. فهو ما كاد يفرغ من الخلافات والثورات الداخلية حتّى واجهته الدسائس السياسية التي قام بها أمراء زمانه بحيث وصل الأمر به أن أنزل من عرشه في إحدى هذه الدسائس.
لم يمض وقت طويل على هذه الحوادث حتّى انطلقت ثورة السربداريين وثورة بهلوان أسد الخراساني في كرمان.
أعلن پهلوان أسد الخراساني استقلال كرمان وباشر بعزل بعض الزعماء وتنصيب آخرين وإرسال بعض الأمراء إلى قصر آخر. وعلى الرغم من كونه استعان في نهضته بالسربداريين في سبزوار إلاّ أنّ حدوث بعض الظروف سبب إنهاء نهضته ودخولها في عالم النسيان.
وقبل أن نتعرض لكيفية هذه الحركة وطبيعة تفصيلاتها، نرى لزاماً علينا أن نلقي نظرة موجزة على الحياة السياسية للملك شجاع.
حكومة الملك شجاع
والاضطرابات السياسية
الملك شجاع (760ـ786) هو الابن الأكبر للأمير مبارز الدين محمد، وحينما بلغ سدّة الحكم أوكل الحكم في ابرقو وعراق العجم إلى أخيه الملك محمود وحكومة كرمان إلى عماد الدين أحمد. ومن الحوادث التي جرت في بداية حكومته اعتقال الملك يحيى وسجنه في قلعة قهندز. وكان الملك يحيى يحظى بحب خاص لدى أبيه الأمير مبارز الدين ولهذا السبب كان إخوانه ينفرون منه لا سيما الملك شجاع، ومن ثم سجنه. وفي هذا الوقت أيضاً انتفضت قبائل أوغاني وجرمائي فبادر الملك شجاع إلى إخماد انتفاضتهم.
تصالح الملك شجاع والملك يحيى بعد ذلك ونصب الملك يحيى حاكماً على يزد ولكنّه لم يهدأ في يزد بل خرج على طاعة أخيه عدّة مرّات حتّى سار إليه الملك شجاع إلى يزد ثم انتهى أمر الأخوين بالصلح.
في عام 764 خرج الملك محمود حاكم أبرقو على طاعة الملك شجاع وأسقط في أصفهان اسم الملك شجاع من الخطب وقطع يد عماله عن المناطق الخاضعة له. فسار إليه الملك شجاع في جيش إلى أصفهان فاضطر الملك محمود إلى الدخول في الصلح ولكنّه في الحقيقة لم تستقم العلاقة بينه وبين الملك شجاع، فعمد هذه المرة إلى مؤامرة أكبر فحرض في بادئ الأمر السلطان أويس ملك جلاير (757ـ776) على الملك شجاع، ثمّ شن الملك محمود مع الملك يحيى والسلطان أويس والسلطان أحمد بن الملك شجاع ـ الذي كان غير راض على أبيه ـ هجومهم على شيراز ـ فلم يستطع الملك شجاع المقاومة فاستسلم ودخل الملك محمود بجلال وهيبة إلى شيراز ورحل الملك شجاع إلى كرمان، واشتغل هناك بالقضاء على حركات قبائل أوغاني وجرماني حتّى إذا فرغ من ذلك استعاد قوته المفقودة، وعندئذ دخل الملك يحيى والملك منصور في طاعته وانضما إلى صفوف أصحابه، فدخل الملك شجاع شيراز فاتحاً في شهر ذي القعدة عام 767 وهزم الملك محمود ثمّ رحل إلى أصفهان ولم يخلد هناك إلى الهدوء بل رفع راية العصيان فسار إليه الملك شجاع وانتهى أمر الأخوين إلى الصلح مرّة أخرى.
ليس ثمة شك في أنّ هذا العفو كلّه وهذه السماحة كلّها كانت تحمل جانباً سياسياً، إذ كان هدف الملك محمود هو القضاء على الملك شجاع ولذلك نلاحظه يفكّر مرة أخرى بفتح شيراز ومن ثمّ سار مع السلطان أويس جلاير لفتح شيراز وحتّى وزير الملك شجاع كان عازماً على فتح بوابات المدينة في حال اقتراب جيش الملك محمود منها. ولم يفلح الملك محمود في هذه المرّة، وكشف الملك شجاع خيانة وزيره الملك ركن الدين حسن اليزدي فقتله. وفي هذه الأثناء ثار السربداريون في كرمان بقيادة پهلوان أسد وفيما يلي نعرض بالتفصيل لذكر هذه الحركة.
حدث في عام 781 أن خرج عادل آقا في السلطانية تأييداً للسلطان حسين جلاير في خروجه على الملك شجاع ولكن الملك شجاع قضى على حركته ثمّ عفى عنه.
موت الملك شجاع
في عام 785هـ اتهم الملك شجاع ابنه شبلي بالسوء فحبسه في إقليد فارس ثمّ حرمه من ناظريه وفي نفس العام توفيت أمه مخدوم شاه ولحق بها أخوه الملك حسين. ثمّ سار الملك شجاع من قزوين إلى خرم آباد وشوشتر واصطدم مع جيشه ببرد قارص فلحق بالجيس إزاء ذلك أذى شديد وتوجه الملك شجاع صوب شيراز فوقع طريح الفراش إثر إفراطه في الشرب.
عندما حضرته الوفاة استدعى أولاده وإخوانه وأعطى ولاية عهده إلى السلطان زين العابدين وأوكل الحكم في أصفهان إلى السلطان أبي يزيد أخيه الصغير وفي كرمان إلى السلطان أحمد وكتب رسالتين واحدة إلى الأمير تيمور والأخرى إلى السلطان أحمد جلاير.
وفي آخر المطاف توفي في يوم الأحد الثاني والعشرين من شعبان عام 786 ودفنه في شيراز.
ثورة پهلوان أسد الخرساني
يعتبر پهلوان أسد الخراساني من الجنود الأشداء، الأقوياء في جيش الملك شجاع وحسب تعبير عبد الرزاق السمرقندي «كان حسن الوجه، محمود السيرة» وكان رجلاً عابداً زاهداً.
يُنقل أنّه كان في أحد أيام الشتاء القارسة البرودة يحاول كسر الثلج المتجمد على سطح الحوض فسأله الملك شجاع. ماذا تصنع؟ فأجابه: اكسر الثلج لأتوضأ. فأعجب الملك شجاع بهذا التدّين والالتزام وقال: إنّ شخصاً له كلّ هذا الالتزام ومتانة التديّن ماذا تراه صانعاً في دنياه».
وإذ أعجب الملك شجاع بصفات پهلوان أسد الحسنة، فولاه حكومة كرمان وهكذا أصبح أسد حاكماً على كرمان.
أهداف ثورة پهلوان أسد
كانت ثورة پهلوان أسد على غرار حركات القرن الثامن الهجري الأخرى تحمل في جنباتها الأهداف الاقتصادية والسياسية. ولكنّه كانت ثمة أسباب وعوامل ساهمت في تسريع هذه الثورة ومن أهم هذه العوامل:
1 ـ كانت الملكة مخدوم شاه أم الملك شجاع مقيمة في كرمان، وهي تعتبر نفسها الحاكمة المطلقة لكرمان، وما دامت مخدوم شاه في كرمان لم يكن پهلوان أسد يستطيع الشروع بثورته أو يعلن استقلاله في الحكم. ولم تكن مخدوم شاه راضية عن سلوك پهلوان أسد وكثيراً ما كانت تكتب لابنها أنّ پهلوان أسد يفكر بالعصيان والخيانة.
كانت مخدوم شاه تدرك جيّداً أنّ پهلوان أسد سوف يثور بقواته، ومن ثمّ كانت تبعث بكتبها إلى شيراز أن: «فكّر بحال البلاد فإن آثار العصيان بادية في أسد».
كان پهلوان أسد على غرار سائر الرجال الشجعان الآخرين لا يغمض له جفن على الظلم، ومن الخصال التي كانت تيمز هذا الصنف من الرجال في القرون الإسلامية المتعاقبة هي الوقوف بوجه الظالمين وما أجدر هؤلاء الرجال بإحقاق حق المظلومين وما أليقهم بالفداء.
كانت فترة حملات المغول وما تلتها من فترات من الأيام السوداء في تاريخ إيران وكان دور وخط أسد هو نفس دور وخط پهلوان عبد الرزاق وسائر الأبطال الآخرين، إذ نلاحظ صفحات حياة هؤلاء الأشخاص الأفذاذ مفعمة بالإيثار والتضحية.
ليس ثمة شك في أنّ الملكة مخدوم شاه لم تكن تستطع الصبر على وجود مثل هؤلاء الأبطال ومن جانب آخر لم يكن أهل (ديوان المستوفين) الذين هم بمثابة الخدم ليتورعون عن ارتكاب المظالم وإضافة إلى ذلك لم يكن من الممكن أن يحظى سلوك ام الملك شجاع برضى وقبول پهلوان أسد، وهكذا نشب الخلاف بين پهلوان أسد وأصحابه من جهة وعمال أم ملك شجاع من جهة أخرى، وانتهى الأمر بخروج پهلوان أسد علناً عن عمال الملك شجاع.
2 ـ اتهم الملك شجاع وزيره الخواجه قطب الدين سلميان شاه في شيراز بالسوء، فكبله بالحديد وسمل عيني ابنه غياث الدين محمود ثمّ بعث به إلى كرمان، حتّى إذا وصل الأمير غياث الدين إلى كرمان حرض پهلوان أسد على التمرد والخروج على الملك شجاع وامتلأ قلب پهلوان أسد حقداً على مليكه.
3 ـ كان الأمير سيور غتمش أوغاني، أخو زوجة الملك شجاع والمعارض له يحرّض پهلوان أسد باستمرار على الخروج على الملك شجاع، ويذكر عبد الرزاق السمرقندي: «لم يكن الأمير سيور غتمش أوغاني أخو الملك شجاع (؟) في وفاق مع الملك ومن ثمّ كان ومعه الملك يحيى يغذيان أسد باستمرار بالتفكير بالسلطان ويبعثون إليه برسائل مختلفة على ألسنة أمراء الملك شجاع يوصونه فيها بعدم الاعتماد على مزاج الملك.
وإذن كان الملك يحيى الذي لم تكن علاقته على ما يرام بالملك شجاع والأمير غياث الدين محمود يحرضان پهلوان أسد باستمرار ويبعثون إليه برسائل عن أمراء الملك شجاع يشجعونه فيها على الخروج والثورة.
واستمرّت التحريضات وزادت الأزمات الاقتصادية والسياسية الطين بلة. وكان پهلوان أسد يبحث عن ذرائع ليعلن عن ثورته وينهي حربه الباردة مع مخدوم شاه. وكانت الحادثة التي أطلقت الشرارة الأولى لثورة أسد الخراساني وساعدت على اتساعها هي قدوم مصارع يدعى پهلوان شمس جكبك إلى كرمان، وفي يوم العيد دخل في المصارعة مع مصارع كرماني يدعى پهلوان رئيس فخسر البطل شمس المصارعة.
ولمّا كانت الملكة مخدوم شاه أم الملك شجاع من أهل كرمان فقد سرّت بنتيجة المصارعة وأغدقت هداياها على پهلوان رئيس وأركبته على حصان وطيف به في أسواق ومحلات المدينة. وفي عصر نفس اليوم وبعد أن اطع پهلوان أسد على أحابيل مخدوم شاه السياسية أمر بإركاب المصارع الخراساني ومعه جماعة من أهل خراسان والطواف بهم في سوق كرمان، وأذاك تغيّر حال مخدوم شاه وقالت:
«ما معنى أن يطاف في سوق المدينة بمصارع خاسر ثمّ أمرت أهل كرمان بضرب الخراسانيين وطردهم من السوق، فوقعت معركة بين الكرمانيين والخراسانيين في وسط السوق وانتهت بقتل عدد من الطرفين وجرح آخرين».
ثمّ وصل الأمر بالملكة الأم (مخدوم شاه) أن عزمت على معاقبة پهلوان أسد والخراسانيين، ويُنقل أنّ الخواجة محمد الكرماني الملقب بقطب الدين وهو من أكابر كرمان قال لمخدوم شاه إطفاء لغضبها «لا حاجة بك لإيذاء نفسك، فإذا أجزتني أمرت بعضهم فخربوا قصر أسد على رأسه».
وهكذا بدأت الاضطرابات وأعلن پهلوان أسد انتفاضته وعلى الرغم من كون مخدوم شاه دأبت على مراسلة الملك شجاع وإعلامه أنّ پهلوان أسد خرج على الطاعة وكرمان استقلت عن دولته إلاّ أنّ شاه شجاع لم يكن يصدق وإنّما كان يخال أنّ پهلوان أسد كان يؤذي الأمراء القراختايين في قصر الملكة مخدوم شاه وأنّه هؤلاء الأمراء يسعون لدى مخدوم شاه لتحريضها ضد أسد. وتعسّرت الأمور على مخدوم شاه أكثر فرجحت الفرار فذهبت من گواشير إلى بلوك سيرجان وعندما كانت في طريقها إلى الخروج من كرمان قالت: «لا أقيم في كرمان ما دام أسد يريد إراقة ماء وجهي».
وعندما خلت المدينة لپهلوان أسد، شرع ببناء القلاع والأبنية الأخرى، وظلّت مخدوم شاه تصرّ على إخبار ابنها بعصيان أسد وهو يصرّ على عدم تصديقها، وإذ رأى پهلوان أسد أن قد دنا نصره، تأسى بالسربداريين في سبزوار وأطلق على نفسه اسم سربدار.
رغم أنّ عبد الرزاق السمرقندي مؤلف (مطلع السعدين) لم تكن تربطه بالسربداريين علاقة حسنة إلاّ أنّه يشير إلى هذه المسألة ويتحدّث بصراحة عن علاقة السربداريين في كرمان بالسربداريين في سبزوار فيقول: «باشر پهلوان بإنشاء القلاع والحصون وجمع من جانب آخر حشوداً من أهل خراسان ونواحي كرمان وأخذ مالاً وفيراً من أثرياء كرمان والمرتبطين بام الملك شجاع، ثمّ ادعى أنّه قرين للخواجه علي مؤيد، أمير السربداريين في خراسان ومن ثمّ فهو سربدار كرمان».
وهكذا فتحت أبواب النصر لپهلوان أسد، وفي أثناء ذلك خرج السلطان أويس، الابن الأكبر للملك شجاع على طاعة أبيه وكانت أمّه أخت للأمير سيور غتميش، فذهب من شيراز إلى جيرفت وكتب هناك كتاباً مختلقاً عن الملك شجاع و بعث به إلى پهلوان أسد، وهو: «لقد بعثنا بولدنا أويس للحكم في كرمان فليقدم پهلوان أسد إلى شيراز».
وعندما تسلم پهلوان الكتاب علم زيفه فبعث جوابه: «ثمة علامة بيني وبين الملك، فإذا كانت هذه العلامة سُلِّمت المدينة».
بداية استقلال پهلوان أسد
عندما رأى الأمير أويس أنّه لم يستطع بلوغ هدفه عن هذا الطريق، تحرّك بجيش كبير إلى أصفهان حيث كان عمّه الملك محمود حاكماً هناك.
كان پهلوان أسد يزداد قوّة يوماً بعد آخر، ويرسي قواعد استقلاله أكثر فأكثر وأخيراً هاجم شخصاً كان الملك شجاع قد عيّنه مشرفاً على القلعة، فدكّ هذه القلعة بالمنجنيق ففتحها واعتقل العديد من أصحاب مخدوم شاه ووضع يده على الكثير من الخزائن الموجودة فيها، واعتقل الخواجه محمد بعليا بادي وصادر أمواله ثمّ قتله ثمّ توجه إلى بيوت أخرى وأهلك بالسم الخواجه شمس الدين محمد الزاهد، وهو من أكابر ناحية إقطاع وهكذا «أرسى دعائم الظلم والجور بين الرعية وكان ذلك أوّل الخراب في كرمان ممّا لم تره من قبل».
كان پهلوان أسد محتاجاً إلى المال ليدعم به حكمه، ومن ثمّ لم يكتف بحبس بعض رجال مخدوم شاه بل صادر أموال العديد من الأثرياء وفي الحقيقة فإنّ أعماله هذه هي نفس الأعمال التي ارتبكها پهلوان عبد الرزاق الباشتيني بحق أموال وزير خراسان الخواجه علاء الدين محمد.
وعندما بلغت أصداء حركة پهلوان أسد مسامع الملك شجاع عمد قبل أن يرسل جيشه إلى كرمان لإرسال سفير يدعى الحاج بهاء الدين الفراش إلى الملك محمود في أصفهان في سبيل تجديد أواصر المودة والصداقة بينهما. وكان هدف الملك شجاع من وراء ذلك هو الحيلولة دون مساعدة الملك محمود للپهلوان أسد.
محاصرة كرمان ومقاومة
پهلوان أسد والسربداريين
حين اطمأن الملك شجاع إلى جانب الملك محمود تحرّك باتجاه كرمان، وكان برفقته أخوه السلطان بايزيد وابن أخيه الملك منصور، وذهب في البداية إلى (بَم) فاستقبله حاكمها من قبله الأمير حسين (الأمير سيف الدين حسين طغان) وأوضح له طبيعة حركة پهلوان أسد والوضع المتأزم في المدينة.
ولا شك في أنّ هدف پهلوان أسد في حركته هو قطع يد الملك شجاع وعماله عن كرمان ودفع الظلم والظالمين. وفي الحقيقة كانت هذه الحركة، ثورة سياسية ـ أجتماعية استمدّت طبيعتها من ثورة السربداريين، هي ثورة ارتكزت على الشعب المسلم والمقاوم في كرمان ومعهم پهلوان أسد الذي أحاطوه بحمايتهم وتأييدهم بكلّ صلابة.
لم تكن كرمان مهمة للملك شجاع من حيث اللحاظ السياسي فحسب وإنّما كانت مهمة من الجانب الاقتصادي أيضاً، وسقوطها يعتبر ضربة موجعة للكرامة السياسية لآل المظفر، ومن ثمّ كان قدوم الملك شجاع يهدف إلى عرض قوّته أوّلاً، وثانياً لإرعاب الناس.
وعندما سمع پهلوان أسد بخبر قدوم الملك شجاع باشر بإحكام قلاع المدينة وأرسل إلى الملك شجاع رسلاً لإثنائه عن عزمه، ولكنّه رفض واستمرّ حتّى دخل (ماهان) ثمّ وصل (شاه آباد) على بُعد فرسخ واحد من كرمان.
ورد في رواية محمود الكتبي صاحب تاريخ آل المظفر أنّ الملك شجاع خشي تفشي المرض ووقوع القتل بين الرعايا!! ومن ثمّ بعث برسائل تترى إلى الملك منصور والسلطان بايزيد، يثنيهم فيها عن احتلال المدينة، ثمّ ترك لهذا الأمر السلطان عماد الدين وجمع من الأمراء والعساكر وذهب هو إلى شيراز.
ولكن حقيقة الأمر ليس كما يذكرها محمود الكتبي، فقد كان السبب في رجوعه عن كرمان هو المؤامرة التي حيكت ضده في شيراز، فقد ورد في جملة الأسباب التي دعت إلى ظهور حركة پهلوان أسد، تحريض الملك يحيى له من يزد، وكان پهلوان أسد قد كتب إلى الملك يحيى يستمده العون لدعم حركته، ولكن الأخير كان في صلح مع الملك شجاع فلم يستطع أن يقوم بعمل مباشر في هذا المجال، وإنّما كتب إلى پهلوان خرم في شيراز ما يلي: «إذا كان مولدك ونشأتك في خراسان و پهلوان أسد من خراسان وجب عليك دعمه في هذا الأمر».
وفي خلال ذلك بعث پهلوان أسد إلى الخواجه علي المؤيد آخر أمراء السربداريين، يستمده العون، فأرسل إليه هذا بمائة فارس مسلح وعلى رأسهم پهلوان غياث توني من سبزوار.
ومع تحريض الملك يحيى في يزد، باشر پهلوان خرم بتهيئة السلاح وفي نفس الوقت بعث برسالة إلى الملك شجاع، ومفادها أنّه لا دخل له في علاقة الملك يحيى بالشيرازيين وإذا ما حدث طارئ لا يكون هو حينئذ مسؤولاً. (الكتبي ص 88).
أدرك الملك شجاع موضع رأس المؤامرة، فعزم على الرجوع إلى شيراز وترك وراءه السلطان أحمد المعروف بعماد الدين والسلطان زين العابدين وسلك هو طريق فارس.
وبذل السلطان أحمد كلّ ما بوسعه في سبيل فرض الحصار المحكم على (كواشير)، وفي أثناء الحصار بعث پهلوان اسد إليه بسفير وحمله رساله منه.
رسالة پهلوان أسد إلى السلطان أحمد
«إني صنيعة الملك وأنا خجل لجرأتي، فأملي أن يكون السلطان عماد الدين واسطة ليطلب من الملك العفو عني، وأنا أتعهد بإرسال المال إليه وضرب السكة وإلقاء الخطب باسمه، بشرط أن يوكل إليّ أمر الحفاظ على بلاد كرمان ورعيتها ولا يخلعني. وقد أمضيت عمري بالعمل المحمود ولم يخالط بدني الحرام فلا يُستحسن أن أكون شيطاناً في آخر عمري وأطوق باللعنة الأبدية، ويبتلي الرعايا الذين هم ودائع حضرة خالق البرايا».
وقام السلطان أحمد بإرسال كتاب پهلوان أسد إلى الملك شجاع ليعرف رأيه، وكان الملك شجاع يعرف تماماً أنّه إذا ما أبقى پهلوان أسد حاكماً على كرمان فإنّه سيخرج عليه مرّة أخرى، ومن ثمّ كتب رسالة إلى السلطان أحمد وطلب منه فيها استسلام المدينة ورفض طلبات پهلوان أسد، وكتب في ما ضمنه الرسالة أنّ على پهلوان أسد إرسال أخاه وابنه إليه وتسليم القلعة والمدينة إلى وكيله.
وكان واضحاً من الرسالتين، أنّه ليس ثمة توافق بين الرجلين وعندما سلم السلطان أحمد رسالة الملك شجاع إلى پهلوان أسد أصيب الأخير بالاضطراب، ولكنّه كان معلقاً آماله على الملك محمود وجيشه، ولذلك استمرّ في مقاومتة ورفض التخلي عن المدينة.
ومن جانب آخر كان پهلوان أسد يعرف أنّه إذا ما خرج من المدينة فإنّ جيشه سيهرب. ولذلك لم يخرج، وتحرّك السلطان أحمد إلى الجنوب باتجاه (جوين ماهان) وأقام هناك. ثمّ عمد الأمير محمد الجرماني وإخوان من أمراء جرما إلى تحطيم جسر البوابة والفرار إلى صفوف السلطان أحمد، وقبلهم السلطان ثمّ قدم بعد ذلك إلى بعد فرسخ عن المدينة.
استمرار الحصار
وبقي پهلوان أسد مستمراً في مقاومته وبقي السلطان أحمد مستمراً في فرضه الحصار وسعيه جاهداً لفتح المدينة ورفضه السماح لأي شخص بالدخول أو الخروج، وظلّت الطرق مسدودة فلا يمكن لأحد أن ينفذ إلى المدينة بشيء من الطعام.
وانعكس الحصار بشدّة على داخل المدينة وجعل الناس عرضة للجوع والقحط.
يتحدّث عن ذلك مؤلف تاريخ آل مظفر فيقول: «ساءت أحوال سكان المدينة وأصابهم قحط شديد وأصبح الخبز عزيزاً حتّى جرى ذكره على ألسنة أرواحهم ولكن هيهات الوصول إليه. ثمّ أجيز العجزة والفقراء والمساكين بالخروج من المدينة فهلك بعضهم في نيكويه وتفرّق بعضهم الآخر فلم يعودوا إلى مدينتهم.
وأخذ الناس يخرجون من داخل المدينة زرافات ووحداناً، ثمّ خرج أمراء الطائفة المسماة بالنوروزية وهم من أكابر المدينة ومعهم أربعمائة فارس تحت جنح الظلام والتحقوا بصفوف السلطان أحمد.
وخيم القحط الشديد على المدينة بحيث أخذ يموت من أهلها مائتان في كلّ يوم.
فأمر پهلوان أسد بإخراج الفقراء والمساكين من المدينة، فخرج منهم اثنا عشر ألف من بوابة غار سهر الواقعة في الشمال الشرقي لگواشير، ثمّ التحق هؤلاء الفقراء بمعسكر السلطان أحمد، الذي أعطاهم من الغذاء ما يكفيهم والتحق بجيشه من له خبرة بالحرب وتفرّق الآخرون في أطراف المدينة.
وهكذا اشتدّ الحصار على پهلوان أسد، وبات سقوط مدينة كرمان وشيكاً، ولكن پهلوان أسد ما زال ينتظر في كلّ يوم قدوم جيش آذربايجان وأصفهان.
وينقل عبد الرزاق السمرقندي أن پهلوان أسد حينما يئس من جدوى انتظاره بعث برسله إلى خراسان لاستمداد العون من الملك غياث الدين بير علي بن الملك معز الدين حسين وكان هذا في وفاق مع الملك شجاع، ومن ثمّ لم ينجح رسل أسد وجرعوا إليه بخفي حنين.
أصبحت كرمان قاب قوسين أو أدنى من السقوط واعتبرها أحمد شاه ساقطة، وكتب رسالة إلى الملك شجاع طلب منه فيها توليته الحكم في كرمان، ولم تكن خطوته هذه صحيحة من الجانب السياسي، ولم يجبه الملك شجاع جواباً إيجابياً.
رسالة السلطان أحمد
إلى الملك شجاع وجوابها
«تكاد گواشير أن تفتح ويكاد الطاغية بأمركم المبارك أن يذبح، ويلتمس هذا الخادم من سيده إناطة الحكم في كرمان إليه».
ورد عليه الملك شجاع بأنّه يفتخر به، وتتضح له قوّته وصلابته يوماً بعد آخر، ووعده بأنّ الأمر إذا ما انقضى فسينعم عليه بضم نواح إلى حكمه إن لم يعطه حكم كرمان.
عندما قرأ السلطان أحمد جواب الملك شجاع ذا الوجهين، ثارت ثائرته وخفف من وطأة الحصار. ولكي يكف سعيه لفتح المدينة كتب رسالة إلى الملك شجاع بأنّه لا طاقة له بالفراق ويتمنى اللحاق بشيراز للقاء السلطان، حيث جاء في رسالته:
«إني أرجح ملازمة حضرتكم على جميع مقاصد الدنيا والمآرب الأخرى ولا طاقة لي بالفراق أكثر من ذلك، أتمنى أن تفوض الأمر إلى غيري».
وقف الملك شجاع على كنه رسالة السلطان أحمد، فبادر لفوره إلى إرسال پهلوان خرم و پهلوان علي شاه المزيناني لقيادة الجيش وفتح كرمان.
وكان جواب الملك شجاع كالآتي: «أقدم أنت وابن أخيك السلطان زين العابدين إلى شيراز فقد اشتدّ شوقي إليكما».
وهكذا استمرّت وطأة الحصار على كرمان، حتّى نفدت في ذلك الوقت جميع مؤمن المدينة وعلفها، وألقى أسد نفسه وجهاً لوجه مع أزمة اقتصادية ونقص في المواد الغذائية، فلم ير بداً من الصلح فبعث إلى پهلوان علي شاه المزيناتي طالباً مقابلته، فدخل علي شاه المدينة وتصالح الطرفان وتقرّر أن يبعث پهلوان أسد بمحمد صغانشاه أحد أولاده برفقة پهلوان خرم إلى شيراز لطلب الصفح والعفو، ثمّ يتخلى عن المدينة إلى پهلوان علي شاه وعن القلعة إلى جنود الملك شجاع.
وحسب هذه المصالحة تقرّر أن يسلم پهلوان أسد قلعة مولانا صدر الدين الواقعة في وسط المدينة ويقيم هو في قلعة كوه حتّى تعود الرسل من شيراز، وأقام پهلوان علي شاه مع مائة فارس في القلعة وبعث بابن پهلوان أسد إلى شيراز. وللحيلولة دون حدوث اضطرابات جديدة وضع جنوداً مسلحين في جميع القلاع والأبراج. وكان القحط قد بلغ حدّاً في المدينة بحيث كان الناس يستبدلون رطل الطعام برطل ذهب يعطونه إلى الجنود.
كان پهلوان أسد متيقناً من حتمية سقوطه بدخول پهلوان علي شاه، ولكي يحد علي شاه من نفوذ پهلوان أسد باشر بإعلامه السياسي المعادي له، وظلّ أسد حائراً مضطرباً لا يدري ما يصنع فهو تارة يفكر بالاستسلام وأخرى بأخذ خزائنه وأمواله والسير إلى خراسان وثالثة يفكر بإعلان استقلاله عن علي شاه.
مؤامرة پهلوان علي شاه
على پهلوان أسد
على الرغم من أنّ پهلوان علي شاه كان يرى سقوط پهلوان أسد وشيكاً، إلاّ أنّه قام بمؤامرة كانت فيها حياة پهلوان أسد. حيث بعث علي شاه إلى الخاتون زوجة أسد، بأنّ پهلوان أسد إذا ما رحل عن هذه الدنيا فستصبح هي زوجة للملك شجاع وسيدة قصره، وقام قهرمان علي شاه ومولانا جلال الإسلام بهذه المؤامرة.
رسالة الملك شجاع
إلى زوجة پهلوان أسد
«كاتب هذه السطور هو الملك شجاع بن محمد وهو يعطي قولاً وعهداً، ويلزم نفسه في حال قامت الخاتون المعظمة زيدت رفعتها بإسداء هذه الخدمة الجليلة إلى أسرنا فسيخصها بأنواع الكرامات والعطايا وسيدخلها في عقد رعايته وحرم حمايته وستكون من جملة حرمه الخاص ويبذل لها كل التماس وأشهد الله تعالى وروح الأنبياء والأولياء على ما أقول وهذا خطي وعهدي».
وبعث علي شاه برسالة عن لسان الملك شجاع إلى الطبيب جلال الإسلام، طلب فيها المساعدة منه وكان لهذا الطبيب دور مؤثر في المؤامرة.
في خلال هذه الأزمة، مرض پهلوان علي شاه ووقع طريحاً في فراشه فطلب من پهلوان أسد طبيباً. ففرح أسد لذلك وبعث إليه بالطبيب جلال الدين، وسلم علي شاه رسالة الملك شجاع إلى الميرزا جلال الدين، وكان هذا يتردد كل يوم على حرم پهلوان أسد فأعطى زوجته رسالة الملك شجاع.
يُنقَل أنّ مولانا جلال الإسلام في عودته إلى بيت پهلوان أسد قال له: «ليس مرض علي شاه بالمرض المهلك ولكنّي سأجعله كذلك في سبيلك وأرجو أن أبعث به بعد شهر من فراشه إلى القبر».
عندما استلمت خاتون أسد رسالة الملك شجاع عزمت على اختلاق حيلة في سبيل القضاء على پهلوان أسد، فطلبت منه في بادئ الأمر أن يخلع أسلحة جنوده وألا يدع حارساً يدخل إليهم بسلاحه وعدته وطفقت تلح عليه، بأنّك قد جمعت من حولك الغلمان وهم يدخلون القصر بكامل عدتهم، فلربما اتفق منهم جماعة على الغدر، فالخير في أن لا يقدم إلى القصر أحد منهم بسلاحه وإنّما يضعون حرابهم وسيوفهم أولاً لدى البواب ثمّ يدخلون».
ومن جانب آخر كان أسد يكرر قوله لزوجته بأنّ الوضع إذا ما تأزم أكثر وقرب الأجل فسيعمد إلى قتلها أوّلاً ثمّ يقتل نفسه.
نهاية أمر پهلوان أسد
ضاق پهلوان أسد بطول الحصار وأصبح مزاجه حادّاً لا يطاق، وضاق الناس ذرعاً به وحتّى خاصته نفروا منه، وأصبح يستدعي الناس دونما سبب وفيما يلي نورد قصة كشاهد على تصرفاته:
«استدعى يوماً صانع حلوى ليعمل له شيئاً من الحلوى، وقبل مجيء صانع الحلوى أخبره أحد خواصه بأنّ ثمة غلام شرب الخمرة، فأمر پهلوان أسد باستدعاء الغلام ليؤدبه وفي أثناء ذلك دخل عليه الشخص الذي بعث به وراء صانع الحلوى وقد أحضره فقال جلبته. فقام پهلوان أسد بنزع نعليه وتأديبه بضربه بالعصا، وبالفعل فقد ضرب حتّى أغمي عليه. وفي أثناء ذلك دخلوا عليه بالغلام الذي شرب الخمرة فسأل پهلوان أسد: من هذا الشخص؟ فقالوا له: إنّه أحد غلمانك وقد شرب الخمرة، فسأل أسد، إذن من كان ذلك الشخص الذي ضرب بالعصا؟ فقالوا إنّه صانع الحلوى، فتألم لذلك وندم وقال لم أكن أعلم، ثمّ أمر بإعطاء صانع الحلوى مائتي دينار و أخذه إلى الدار».
كان پهلوان أسد يتصرف في أعماله بمثل هذا السلوك، وسقط في أعين الناس ومن جانب آخر كانت كرمان لا تزال تحت الحصار.
كانت خاتون (زوجة أسد) قد أصيبت بالذعر بعد أن أخبرها پهلوان أسد بعزمه على قتلها، إذا اقترب المصير المحتوم ومن ثمّ يقتل نفسه، ولا زالت في ذعرها و خوفها حتّى أصيبت بمرض في أعصابها وكان الميرزا مولانا جلال الإسلام يتردد عليها ويعاينها ثلاث مرّات كلّ يوم، وفي آخر المطاف أخبرها بالخطة وخدعها بالوعد.
أخذت خاتون في بادئ الأمر تفكّر بدس السم إلى پهلوان أسد ولكنّها لم تفلح في ذلك وكانت قد رتبت الأمر بهذه الصورة حيث جمعت بعض المقربين إليها وأخذوا سماً ليختبروه.
كانت تجربتهم في الدباية أن وضعوا مقداراً من هذا السم على بعض الشعير المصنوع من الحليب وقدموه لپهلوان علي سرخ أحد المقربين لپهلوان أسد. ولم يبق پهلوان علي سرخ بعد تناوله الطعام أكثر من ليلة ويوم.
بعد مقتل علي سرخ فكّرت زوجة أسد بأنّها إذا ما أطعمت زوجها هذا السم فسيقضي عليهم جميعاً بين ليلة ويوم، ومن ثمّ أخذت تفكّر بأمر آخر وهو أنّ القلعة العليا لم تكن تحوي حماماً بينما تحتوي القلعة السفلى على حمام وكانت هذه القلعة تسمّى بالقلعة الخضراء ويوجد بين القلعتين نفق يستعمله الناس في التنقل بينهما منذ زمن أردشير بابكان.
وكان في ذلك الوقت أحد الأشداء واسمه كرامير ومعه أربعمائة حارس يقومون بواجب الحراسة في هذه القلعة، فخدعت زوجة أسد كرامير وأصحابه وأرسلت إلى پهلوان علي شاه بيد الطبيب أن أدخل القلعة عن طريق النفق واقضِ على پهلوان أسد.
أرسل علي شاه مائة رجل مسلح في يوم الجمعة 15 رمضان عام 776هـ، فسلكوا النفق ودخلوا القلعة وبينما كان الپهلوان أسد يهمّ مع ثلاثة من مقربيه بالذهاب إلى الحمام دخل عليه هؤلاء وقتلوه.
وعن كيفية قتل الپهلوان أسد ينقل أنّ پهلوان علي شاه قام ومعه خمسون أو ستون وفي رواية مائة رجل مسلح بنقب النفق وفي أثناء النقب كانت زوجة پهلوان أسد قد أجلست أربعين جارية وفي أيديهن الهاونات بحجة أنّهن يقمن بدق الأدوية وكان الهدف من ذلك هو الحيلولة دون سماع صوت نقب النفق ومن ثمّ تحبط الخطة.
أرسل في ذلك الوقت پهلوان أسد أحدهم ليرى الحمام ساخناً أم لا، ففوجئ هذا الشخص بوجود المسلحين أمام ناظريه على باب النفق، فهمّ بإخبار الپهلوان أسد إلاّ أنّ هؤلاء الجند وصلوا واستطاعوا قتل پهلوان والأشخاص الاثنين أو الثلاثة المجردين من السلاح الذين كانوا برفقته.
وهكذا كانت نهاية حركة الپهلوان أسد والسربداريين في كرمان.
سرخس
ـ1ـ
هي إحدى المدن المركزية لمحافظة خراسان ولها تاريخ غابر محفوف بالحوادث والاضطرابات الكثيرة.
وقد تطرقت لمدينة سرخس ونواحيها أكثر كتب الجغرافية لوقوع قسم من المدينة في الأراضي الروسية.
يقول لسترنج: تعتبر مدينة سرخس أقصر الطرق من طوس إلى مرو الكبرى من الضفة اليمنى ـ أي على الساحل الأيمن من نهر مشهد ويطلق على هذا النهر اليوم اسم نهر تجند، والظاهر أنّ الجغرافيين في القرون الوسطى لم يتطرقوا لهذا النهر في كتبهم التي دوّنوها([301]).
وجاء في الموسوعة الجغرافية لإيران حول مدينة سرخس: «سرخس هي إحدى النواحي التابعة لمدينة مشهد، وهي تقع في الجهة الشرقية وعلى الحدود الإيرانية الروسية، ويحدّها من الشرق نهر هرى رود وهو يمتد من الشمال الشرقي من تل آس تيه إلى جسر بل خاتون وهو الحد الفاصل للأراضي التي تقع بين إيران وروسيا، ويحدّها من الشمال ناحية كلات التابعة لمدينة دره گز، ومن الغرب (جبل) كوه آلاداغ وقرية يائين ولايت من جهة فريمال، ومن الجنوب تحدها ناحية جنت آباد([302]).
ويمكن القول بأنّه كما أنّ حياة الفرد عرضة للتحولات في مدى عمره، فكذلك الحال بالنسبة إلى المدينة فهي أيضاً تكون مسرحاً للصراعات والاضطرابات على مرّ العصور، فطبيعي أنّه من الصعب أن تستقرّ وتثبت من حالة واحدة بدون أن تطرأ عليها الحوادث بين آونة وأخرى.
فالأدوار الزمنية، والتغييرات التضاريسية كهبوب الرياح وسقوط أشعة الشمس والأمطار والثلوج، والزلازل القوية وطروء الحوادث السياسية واضطراب الحالات الاجتماعية، إضافة إلى ذلك عدم اعتناء الذين تصدّوا لأمر هذه المدينة ثمّ تحول الناس من مسقط رؤوسهم وديارهم، كلّ هذه العوامل لها دور في تكوين تاريخ المدينة وازدهارها.
فمدينة سرخس لم تكن تستثنى من هذه القاعدة فبمجرد إلقاء نظرة خاطفة على مختلف التطورات الجغرافية التي طرأت على المدينة تتضح لنا الحقائق عياناً لما مرّت عليه المدينة من الأدوار المختلفة على مرّ العهود والأزمان.
يقول «بارتولد» عن تاريخ مدينة سرخس: لدينا معلومات عن ازدهار مدينة سرخس قبل الإسلام ولكن يمكن القول بأنّها كانت تعتبر مهمة في القرون الأولى في الإسلام حيث قدرت مساحتها بمقدار نصف مساحة مدينة مرو»([303]).
ويقول «بارتولد» أيضاً في موضع آخر من الكتاب: أنّه (يظهر بأنّ مدينة سرخس كانت منذ القدم أي من القرون الأولى وفي فترة دخول الإسلام إلى إيران تعتبر من المدن المزدهرة باعتبارها من الممرات الرئيسية آنذاك وهي من المدن التي كانت الأنظار تتوجه إليها.
ويظهر من كلّ هذه الأمور ـ وقد أيّد ذلك بارتولد ـ بأنّ مدينة سرخس كانت في عهد السلطان محمود وابنه السلطان مسعود الغزنويين تتمتع بأهمية بالغة كما يظهر من كلام وبعض إشارات المؤرخ أبي الفضل البيهقي حيث كان يتردّد على المدينة وحيث تتدفق علينا من بين سطوره التي دوّنها فيوض من المعلومات التي تروي دراساتنا.
يقول البيهقي: «وعندما رحل هذا العبد ـ يعني به السلطان ـ من بغلان متوجهاً نحو بلخ حيث مكث فيها قليلاً. وعندما وصل إلى سرخس كان هناك في استقباله رئيس جند خراسان الحاجب غازي وذلك عندما وصله الخبر بأنّ السلطان محمود قادم نحو المدينة([304]).
ويقول أيضاً من موضع آخر من كتابه في شرح كيفية وصول السلطان مسعود إلى السلطة: «وأمر السلطان بأن يكتبوا الرسائل والفرامين إلى بلاد هرات ويوشنگ، وطوس، وسرخس، ونسا، وبارود وبادغيس وگنج روستا، ويبشرونهم بالتطورات المستجدة من الجلوس على سدة الخلافة»([305]).
فيظهر من كتابات البيهقي بأنّ سرخس كانت تعتبر في أيام السلطان مسعود من جملة المدن البارزة كنظائرها طوس ومرو…
ويكتب البيهقي أيضاً في كتابه حول وضعية التركمان في ذلك العهد «أنّ رأي التركمان هو أن يطلب الخواجة الكبير من السلطان بأن يوكل أمر المدن المطلة على الصحراء كمدينة مرو وسرخس وبارود إليهم»([306]).
فيظهر ممّا ذكره البيهقي بأنّ مدينة سرخس كانت تتمتع بجميع المزايا التي كانت تتمتع بها سائر المدن آنذاك، فكانت تحتوي على دائرة البريد وصاحب البريد، وعلى سجن، وثكنة للجيش تستقبل السلطان وموكبه فهذه المزايا تشير إلى أهمية مدينة سرخس في ذلك العهد وعلى كل حال فإنّ المؤرخين الذين تأخروا بعد البيهقي قد تطرقوا إلى ازدهار مدينة سرخس في مختلف العصور.
وقد استعرض (لسترنج) في كتابه آراء لبعض الجغرافيين حول مدينة سرخس في مختلف كتبهم حيث تحدّثوا عن ازدهار مدينة سرخس، وحتّى الذين جاؤوا بعد لسترنج قد ألمحوا إلى ذلك وقد نشرت في الآونة الأخيرة تحقيقات مفصلة حول تطور مدينة سرخس ممّا لا نرى كبير فائدة من ذكرها. لكن لا بد لنا من أن نستعرض أمر مدينة سرخس في أواخر العهد القاجاري مستشهدين بالتقرير الذي أورده محمد حسين المهندس بصورة مفصلة، والذي رفعه في أواخر عهد ناصر الدين شاه باعتباره المبعوث الخاص له للتحقيق حول مدينة سرخس في سنة 1311هـ.
ومنه نعلم أنّ حال سرخس كانت متدهورة في عهد القاجاريين وقد بدأت بوادر هذا التدهور عند بداية الحرب الإيرانية الروسية ثمّ انتهى الأمر إلى عقد المعاهات الحدودية بين الجانبين.
فالقاطنون في هذه المنطقة الحدودية لا سيما الطرف الإيراني المشترك بين الأراضي الروسية والإيرانية لم يحظوا بنعمة الاستقرار ذلك لظلم الحرس الحدودي الروسي من جهة وظلم وتعديات الحكام الإيرانيين من جهة أخرى وحيث سادت الاضطرابات في الأراضي المشتركة الواقعة على الحدود بين الطرفين.
فكان الروس يلجأون إلى الأراضي الإيرانية هرباً من ظلم حكامهم وكذلك الإيرانيون يلجأون إلى الأراضي الروسية هرباً من الحكام المتسلطين عليهم.
محمد گلين
سرخس
ـ2ـ
قضاء سرخس، مركزه مدينة سرخس، مساحته (61000) كلم مربع، وعدد سكانه (60064) شخصاً حسب إحصاء عام (1991م) وتبلغ الكثافة السكانية فيه (9,8) في الكيلومتر المربع، الموقع الجغرافي للقضاء في الشمال الشرقي لخراسان، ومركزه يبعد (180) كيلومتراً شرق مدينة مشهد إلى جانب الحدود الإيرانية التركمانية. ويقع بين الدرجة (60) والدقيقة (32) والدرجة (61) والدقيقة (12) وعرضه الجغرافي بين الدرجة (35) والدقيقة (59) والدرجة (36) والدقيقة (45). ويحدّه من الشمال والشرق دولة تركمنستان، ومن الجنوب قضاء تربت جام، ومن الغرب قضاء مشهد. وفيه ناحيتان:
الأولى: مزرداران ومركزها قرية مزداوند ويشمل مزارع: پل خاتون، كل بي بي، مرزدا رن.
والثانية: المركزية ومركزها مدينة سرخس وتشمل القرى والمزارع: تجن، خانگيران، سرخس.
إنّ منطقة سرخس هي من حيث التشكل الطبيعي قسم من حوض رسوبي هو (كيه داغ) وأهم مرتفعاتها: جبال مزدوران، وقره داغ، وقمم ما هورهاي شورلق، وخانگيران. مرتفعاتها الغربية تتشكل عادة من أحجار رسوبية من الدورتين الثانية والثالثة. وتغطيها طبقة كلسية، وتداعيات هذه الجبال تتحول تلالاً وهضاباً تحوي تحتها مصادر غاز عظيمة، مغطاة بتراب رخام وأتربة لها أهمية في حفظ الغاز المذخور.
أمّا حوض مياه هضبة سرخس فهو واسع جدّاً، ففي داخل الحدود الإيرانية مساحته (3585) كلم مربعن وأهم أنهره: نهر الهرپر ونهر شورلق.
وصيفها حار وجاف، وشتاؤها قارس.
سكان سرخس كانوا عام (1991م) (22271) شخصاً، وكانت سرخس في الماضي البعيد مركزاً لولاية تاريخية، وكان لها أهمية قصوى في فترة ما قبل الإسلام إلى حملة المغول. ويعد موقعها حساس لارتباطها بمناطق مختلفة شرق إيران.
وتعدّ سرخس من مدن خراسان الكبيرة، وتقع على الطريق الدولي الذي يبدأ ببغداد وينتهي بمرو وهرات، عند تقاطع أو التقاء عدّة شعوب. وتقع على طريق الحرير التي تبدأ من مقاطعة (سيانك) عاصمة الصين القديمة، وتنتهي بروما في إيطاليا، حيث كانت سرخس تشكل المدخل إلى إيران من طريق الحرير، والمنازل الموجودة فيها مثل: منزل رباط شرف، ومنزل رباط ما هي كانت تشكل استراحات للمسافرين عبر طريق الحرير الدولية. وهي الآن مهدمة كلياً أو نصف مهدمة.
الظروف الإقليمية لخراسان القديمة كان تستدعي أن تمر الطرق الشرقية والغربية من سرخس، ذلك لأنّ مركز خراسان الشمالي كانت تلفه الصحارى المقفرة، وكانت تفصل بين معموراته الشرقية والغربية، وكانت سرخس عند المدخل الغربي على الحد الفاصل بين مرو ونيشابور، وكان المسافرون والقوافل القادمة من مرو نحو غرب خراسان تضطر إلى تحمل عناء عبور تلك الصحارى المقفرة حتّى إذا بلغت سرخس وجدت فيها نقطة أمل وساحل نجاة، لأنّها أوّل نقطة عامرة عند النصف الغربي لخراسان، ويستفيدون من نهرها ومياهه الحلوة. هذا النهر الذي يجري بشكل موسمي. وكان حال المسافرين عند بلوغهم سرخس كحال البحارة الذين يبلغون ساحل اليابسة بعد خوضهم غمار البحر المتلاطم، ورغم أنّ سرخس لم تكن أرضاً مليئة بالنعم والخيرات، لكنّها كانت في نظر أولئك القادمين هكذا، وكانت باعثة الأمل والبقاء في أنفسهم.
سرخس قبل الإسلام
لا توجد معلومات موثقة عن سرخس قبل الإسلام، لكن من المسلّم به أنّها كانت من نواحي ومعمورات خراسان، وكان فيها حاكم مستقل يلقب بـ(كنارنگ) وقد جرى الحديث عن سرخس بكثرة في كتب تاريخ إيران القديم خلال العهد الأشكاني والساساني، وينقل المؤرخون أيضاً أنّ الفردوسي كان يمتلك مصادر عن تاريخ إيران الشرقية، وقد فقدت فيما بعد، وهي تشير إلى أنّ اسم سرخس كان منذ التاريخ القديم، وقد ذكرها الفردوسي في أكثر من موضع في شاهنامته.
لكن مؤلف كتاب (إيران درعهد باستان) ينقل أنّ اسم سرخس كان (سريكا) وأنّها كانت من المدن الأساسية في مقاطعة هرات. ونقل في مكان آخر من كتابه أنّ الحكومة المركزية ضعفت في أواخر العهد الساساني، فأقام الأمراء المحليون حكومات نصف مستقلة، وخرجوا عن طاعة بلاط يزدجرد، ومن جملة أولئك كان (زارديونه) حاكم سرخس الذي أعلن فيها حكومة نصف مستقلة (حكم ذاتي) وكان آنذاك من خبراء خراسان الكبرى ومقتدريها.
سرخس بعد الإسلام
نقل الجغرافيون والمؤرخون العرب أنّ مرو ونيشابور كانتا في منافسة بينهما على ادعاء مركزية خراسان، وكانت إحداهما (دار الملك)، ويومها كان عدد نفوس سرخس يعادل نصف عدد نفوس مدينة مرو، وكانت في وسط الطريق بينهما ممّا يمنحها مزايا همزة الوصل، وتشير القرائن الموجودة أنّها كانت عامرة.
ومن خلال الأمور الهامة التي ذكرها الجغرافيون وكتّاب المسالك والممالك في القرنين الثالث والرابع الهجريين عن سرخس بشكل مباشر او غير مباشر، يمكننا الاستنتاج أنّ وجود الفضل بن سهل السرخسي ـ وزير المأمون ـ كان مؤثراً في عمران سرخس خلال القرنين الثاني والثالث الهجري. وللإطلاع أكثر على الوضع الجغرافي لسرخس خلال القرون السالفة، ننقل مقاطع من كتابات كتّاب المسالك والممالك حسب التسلسل التاريخي:
كتب الجغرافي (اليعقوبي) في عام (279هـ) ما مؤدّاه: (سرخس أرض عامرة ومدينة كبيرة، تقع في صحراء رپگزار، ويقطنها خليط من الناس. فتحها ـ في عهد عثمان ـ القائد عبدالله بن خازن السلمي، ويشرب أهلها من الآبار، وليس فيها أنهار أو عيون مياه، وخراجها مليون درهم، يضم إلى خراج خراسان).
و(ابن فضلان) زار سرخس عام (309هـ) وتحدّث عنها باختصار في باب مدينة سرخس، ممّا يشعر بأهميتها النسبية آنذاك.
و(إبراهيم الاصطخري المكنّى بأبي إسحاق) والمتوفى عام (346هـ) ذكر معلومات متنوعة عن سرخس، وممّا قاله ما مؤدّاه: (سرخس مدينة بين نيشابور ومرو، تقع في بحر جاف، وليس فيها مياه عذبة، إلاّ ما يزيد عن (بپوشنگ) وزراعتها قليلة، وهي تعادل نصف مدينة مرو، لكنّها مدينة عامرة ذات طبيعة جيدة، تحيط بها مراعٍ كثيرة، وأكثر شغل أهلها تجارة الجمال، ويشربون من الآبار والنواعير، وكتب في مكان آخر: (ماء نهر پوشنگ، يصل هذا النهر إلى سرخس، لكنّه يجف عندها في المواسم الحارة).
صاحب (حدود العالم) الذي ألّفه عام (372هـ) كتب عن سرخس ما مؤداه: (سرخس مدينة عند الطريق، وسط الصحراء، فيها نهر جاف يمر وسط سوقها، تجري مياهه عند هطول الأمار فقط، فيها زراعة هضاب كثيرة، أهلها أشداء، وأكثر كسبهم من الجمال).
وفي القرن الرابع الهجري ذكر (المقدسي) أنّ سرخس هي ملجأ نيشابور، وهي معبر خراسان ومدينة كبيرة وعامرة وممتلئة نعمة، لم تعرف العوز لوقوعها على مسير طريق الحرير، وأنّ التجارة والحركة فيها كانت إلى حد جعله يتردد بين اعتبارها مدينة أو قصبة، ثمّ قال: (سرخس هي مدينة كبيرة عامرة مشهورة، ولو كان لها قرى ومدن تابعة لكانت حقيقة بأن تكون ولاية، ولكانت مثل: مرو، ونَسا، وابيور. لأنّها تقع وسط خراسان وتشكل ريعها الأكبر، وكلّ الطرق مرتبطة بها، وقد سمعت من أبي أحمد قوله: لا ينقصنا شيء، ذلك لأنّه ما أن تغرب عنّا قافلة من جهة، حتّى تطل أخرى من جهة ثانية. ولا يمكننا اعتبارها تابعة لمرو، فهي مدينة قائمة بذاتها، وقد برز منها شيوخ عظام… ويقال إنّها ملجأ نيشابور وبوابة خراسان. واستناداً إلى الإحصاءات التي أعددتها بنفسي فإن الحبوب والغلات التي تمر فيها تعادل ما ينقل من مصر إلى القلزم، وهو ما منعني من تسميتها مدينة أو قصبة، فليست من ذي ولا تلك، وفي نفس الوقت هي كلاهما، فوضع سرخس معقد عندي، وقد وجدت في بعض الكتب الجغرافية أنّهم اعتبروا كلاً من (سرخس، وأبيورد، ونَسا ولاية لكنّي أرفض ذلك، لأنّ (نَسا، وابيورد) كلّ منهما ولاية، وفي كلّ منهما عدّة مدن تابعة لها، لذلك لا يمكن اعتبارهما من توابع سرخس، ولا اعتبار سرخس تابعة لأي منهما).
و(ياقوت الحموي) مؤلف كتاب معجم البلدان من أوائل القرن الهجري السابع تحدث عن سرخس قائلاً: ما مؤداه: (سرخس هي مدينة قديمة، من مدن خراسان… وهي كبيرة وواسعة، تقع بين نيشابور ومرو، يفصلها عن كلّ منهما مسافة ستة منازل، وهي مدينة عطشى، ليس فيها ماء سوى مياه الآبار، وهي مياه طيبة، ليس فيها نهر جارٍ سوى نهر موسمي وليس دائماً، وهو ممّا يزيد عن مياه هرات، والزراعة فيها على المطر، وتربتها جيدة، أغلبها مراعٍ، وقراها قليلة).
و(حمد الله المستوفي) مؤرخ النصف الأوّل من القرن الثامن، أي بعد مائة وعشرين عاماً من حملة المغول قال عن سرخس: (سرخس من الإقليم الرابع، ومحيط سورها خمسة آلاف خطوة، وهي قلعة حصينة، وجوّها حار، وماؤها من نهر ينبع من (هري) وهو ماء عظيم وطيب وهاضم، ومن فواكهها العنب والبطيخ الأصفر (الخربوزة).
وخلال الفترة نفسها اشتهرت سرخس بحياكة العباءات النسائية، والحواشي الحريرية الذهبية في خراسان الكبرى.
وقد اعتبرها (حافظ ابرو) في زمان حكومة شاهرخ التيموري جزءاً من توابع مقاطعة بلخ.
الحوادث التاريخية الهامة
في سرخس
بمطالعة جغرافيا سرخس منذ ما قبل الإسلام حتّى القرن الهجري التاسع، يبدو جلياً أنّ الموقع الجغرافي لسرخس مناسب جدّاً، وأنّ جميع الرحالة الذين زاروا خراسان تحدّثوا عن سرخس، وأنّ أوضاعها كانت حسنة ومتشابهة طوال القرون التسعة، بل حتّى عصر القاجاريين، لم يطرأ عليها اختلاف كبير. لكن لا بد من الإشارة إلى أنّ وقوعها عند ممر الطرق الدولية لم يكن دوماً لصالحها، بل أدّى أحياناً إلى وقوع حوادث مؤلمة كثيرة بعد الإسلام وحتّى العصر القاجاري، فقد تنازعتها رغبات السياسيين والحكام، وتلقت جرعات سموم المهاجمين. ولتوضيح الوضع السياسي والاجتماعي لسرخس خلال القرون الماضية والإطلاع على أوضاع المنطقة المحيطة بها نذكر بالتسلسل التاريخي أهم الحوادث التاريخية التي جرت:
كان دخول الإسلام إلى سرخس عام (19) أو (29) الهجري ولم تقاوم سرخس لضعفها أمام الجيش القادم، بل طلبت الأمان فأُمنت بشروط.
لكن أهل سرخس كانوا مفتونين بالزرادشتية ولم يرغبوا بالإسلام، لذا فإنّهم كانوا يضربون المسكوكات باسم يزدجر وخسرو برويز وهرمز الرابع حتّى عام (74هـ).
ولمّا تحرّك (أبو مسلم الخراساني) على الأمويين توجه عام (129هـ) مع قسم من جيش جامگان إلى سرخس، فبايعه أهلها، فباشر بالقضاء على معارضي العباسيين. وفي العام (130هـ) صلب (شيبان بن سلمة السدوسي) عند بوابة سرخس وكان هذا من زعماء الخوارج، بجرم عدائه لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وتعاونه العسكري المستمر طوال ثلاثة أعوام مع فتن الخوارج.
وروى ابن بابويه القمي عن أبي الحسن الضبّي أنّه سمع من جدّه أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عندما تحرّك من نيسابور نحو سرخس اجتمع محبّوه وشيعته في سرخس لاستقباله، وطلبوا منه التوقف فيها، وخلال الساعات التي توقف فيها هناك قضى فيها حوائج الناس وأجابهم في أمور.
وكان الفضل بن سهل الملقب بـ (ذي الرياستين) وزيراً وشخصية سياسية ذات أهيمة لدى الخليفة العباسي المأمون، وكان في البداية زرادشتياً، لكنّه أسلم عام (190هـ) على يد المأمون أو على يد يحيى البرمكي، وتولّى منصب الوزارة لدى الخليفة لعدّة أعوام، ولمّا كان يتولى الرئاسة على السيف والقلم سمّي ذوي الرياستين.
وكان له دور مؤثّر في اختيار الإمام الرضا لولاية العهد، وفي دعوته إلى خراسان، وكان يعدّ نفسه من محبّي أولاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفي عودة المأمون والإمام الرضا والفضل بن سهل إلى بغداد ووصولهم إلى سرخس، دخل الفضل الحمام فاغتيل فيه يوم الخميس (12/ شعبان/ 202هـ).
وكان أبو الحارث ابن الأمير نوح الساماني شاباً وسيماً شجاعاً متكلماً، تولّى السلطة بعد أبيه الذي توفي في شهر رجب عام (387هـ) وكان محمود الغزنوي في ذلك الوقت حاكماً جديد العهد على (بلخ وترمذ) فعرض عليه أن يتولى إمارة خراسان، لكنّه اعتذر عن ذلك. وكان على حكومة خراسان آنذاك اثنان من الأمراء السامانيين هما: بكتوزون قائد القوات في نيسابور، وفائق. وكانوا يوجسون خيفة من أبي الحارث، ومن أن يفضل السلطان محمود عليهما، ويسلّمهما إلى محمود فيعزلهما عن إمارة خراسان. فاتفقا في شهر صفر عام (389هـ) على القضاء على السلطان أبو الحارث، وأن يخلفه أخوه، وكانا في انتظار فرصة مناسبة، حتّى إذا قدم أبو الحارث في أحد الأيام من بخارى إلى سرخس. وبعد عدّة أيام خرج إلى الصيد برفقة مائتي رجل من غلمانه، وعند عودته دعاه بكتوزون في ضواحي سرخس ليستريح في خيمته ويتناول غداءه، فقبل أبو الحارث دعوته، لكن بكتوزون وفائق هاجماه، ثمّ خلعاه عن الحكم في يوم الأربعاء (12 صفر/ 389هـ) وبعد أسبوع من ذلك فقئا عينيه، وأرسلاه إلى بخارى أعمى، وسلما الحكم لأخيه الطفل عبد الملك.
في عام (429هـ) احتل السلاجقة مدينة سرخس، وشكلوا فيها حكومة، وبعد مدّة اختلفوا فيما بينهم على السلطة. وفي عام (490هـ) كان (ملك بوري بورس) يتولى إمارة خراسان بأمر من (بركيارق) وكان أخوه (ملك ارسلان أرغون بن آلب ارسلان) أميراً على همذان وساوه. فهاجم الثاني خراسان، ودارت بين الأخوين عدّة معارك، إلى أن تغلب الثاني على الأوّل وقتله وقتل وزيره (عماد الملك ابن نظام الملك الطوسي) بعد استلامه ثلاثماية ألف دينار، وهدم قلعة سرخس.
لكن أمره لم يدم، حيث قتله في نفس العام أحد غلمانه. وبعد مقتله شهدت سرخس أكثر من نصف قرن هدوءاً، حتّى هاجم الغزيّون خراسان، وأسروا السلطان سنجر السلجوقي. وبعد خلاصه من الأسر، توجّه (محمد المنور) حفيد الشيخ أبو سعيد أبو الخير على رأس جمع من المشايخ والقضاة وأئمة الجماعة من سرخس إلى مرو للقاء السلطان، وتهنئته بقدومه.
وفي أواسط القرن الهجري السادس كان (نصير الدولة الشاهنشاه غازي رستم) أميراً على مازندران، وكان ابنه (گرده بازو) رهينة في خدمة السلطان (سنجر السلجوقي) فقتل في حمام سرخس على يد اثنين من الإسماعيليين، فاعتبر نصير الدولة أنّ هذا الاغتيال كان بأمر من السلطان سنجر، وظلّ طوال حياته ينتقم لدم ابنه من الإسماعيليين.
وفي العام (552هـ) مات السلطان سنجر السلجوقي، فبايعت قبائل الغز ابن أخت سنجر (ركن الدين محمود بن ارسلان خان محمد بن بغراخان)، كما فعلوا عندما كان سنجر في الأسر، وتسلّم إدارة شؤون الحكم في خراسان نيابة عنه (مؤيد آي به) حاكم نيسابور، وكان محمود خان في سرخس مع جيشه.
وأراد الغزّيون أن يزيدوا من سلطتهم ويقتربوا من مركز خراسان، فتوجهوا في شهر شعبان عام (553هـ) من بلخ إلى مرو، وكانت تلك الحركة الاستقلالية خلافاً لميول (مؤيد آي به) فقام في أوائل شهر رمضان من نفس العام بمنعهم من دخول مرو، وحاربهم، وقتل عدداً كبيراً منهم خلال المواجهات، وصادر أموالهم، وعاد إلى سرخس ليلتحق بمحمود خان. واتفق مع محمود على الإغارة على الغزّيين، فبدأت الحرب بينهم من يوم السبت السابع من شهر شوّال حتّى منتصف ليلة الرابع الحادي عشر من شهر شوال، هُزم فيها الأتراك الغزّيون ثلاث مرات، لكنّهم تمكنوا فجر يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر شوال من التغلب على (محمود خان، ومؤيد آي به) وهزموهما شرّ هزيمة، وقتلوا الكثيرين من رجالهما واستولوا على مدينة مرو، وفرّ مؤيد إلى طوس، ومحمود خان إلى جرجان. فهاجم الغزّيون مدينة سرخس وقتلوا أهلها ونهبوا أموالهم ودمروا قسماً منها، فقتل فيها ما يقرب من عشرة آلاف شخص وهدموا ما وجدوه حتّى بلغ الهدم (رباط شرط) في الطريق إليها، ثمّ أغاروا على مدينة طوس، وعادوا بعد ذلك إلى مرو. وقد أورد البيهقي في تاريخه تفاصيل ذلك.
وفي العام (569هـ) استعان شاه خوارزم (علاء الدين تكش) بجمع من الأتراك الخطا للهجوم على مدينة سرخس، وكان عليها (ملك دينار) من الأمراء الغزّيين، واحتلها (تكش) واستمرّت المواجهة بين الطرفين عدّة سنوات، حتّى عام (585هـ) حيث تمكن (تكش) من الاستيلاء على عرش (مرغزار طوس).
وبعد موت (تكش) عام (596هـ) قام (غياث الدين) وأخوه (شهاب الدين الغوري) في نفس العام بالتوجه إلى خراسان لاحتلالها، فاستولوا على نيسابور، ثمّ مرو وسرخس دون مقاومة، وسلّما حكومة سرخس لابن عمهم (تاج الدين مسعود). لكن الأمر لم يدم طويلاً إذ تلقى السلطان (محمد خوارزمشاه) هزيمة ساحقة، وطرد من سرخس، فعاد عام (597هـ) ليهاجم سرخس بعد أن جمع جيشاً وطلب من خوارزمشاه أن يعتذر له وأن يسلمه بعض ولايات خرسان ومنها سرخس، فرفض خوارزم شاه ذلك، فهاجم (ملك شهاب الدين الغوري) طوس، ونهب أموال أهلها، وسخط عليه الجميع، فزاد ذلك من هزيمته.
وفي العام (615هـ) همّ السلطان محمد خوارزمشاه بعزل الخليفة العباسي وتسليم الخلافة إلى الأسرة العلوية، فأمر بإسقاط اسم الخليفة من الخطب في مرو وبلخ وبخارى وسرخس.
وخلال الهجوم المغولي هدمت معظم مدن خراسان، لكن لا توجد معلومات كافية من سرخس آنذاك. على أنّ صاحب كتاب (تاريخ المغول) كتب أنّ أهالي سرخس قرّروا عام (616هـ) أن يخضعوا لطاعة المغول دون مقاومة، وذلك باقتراح من قاضيهم (شمس الدين)، فاستقبلوهم بسلام. ثمّ توجّه (مجير الملك) حاكم مرو إلى سرخس، وقتل القاضي شمس الدين. لكن سرخس كانت خلال عهد السلطان جلال الدين بيد المغول، وكانت الفتن تقع فيها بشكل مستمر.
وفي العام (782هـ) توجه (الأمير تيمور لنك الگوركاني) إلى سرخس، فخرج آخر سلاطينها (الخواجة علي بن المؤيد 766ـ788هـ) لاستقباله، وبقي علي هذا مطيعاً لتيمور حتّى وفاته بعد سبعة أعوام([307]).
بعد موت تيمور اتخذ خلفاؤه بنوه (هرات) عاصمة لهم، ممّا أخرج مدينة (مرو) من مركزيتهم، فوقعت في معمعة مواجهات الأوزبك، وكذلك التركمان الذين تمكنوا تدريجياً من احتلال جميع ولايات سواحل مرغاب. ونتيجة لذلك فقد تعرّضت سرخس إلى لطمة شديدة لوقوعها على الطريق الدولية لمرو، وخسرت أهميتها كنقطة التقاء هامة على طريق خراسان، وفقدت حركتها الاقتصادية والتجارية.
وفي أوائل القرن العاشر الهجري، وإبان عهد الشاه إسماعيل الصفوي قام (محمد خان الشيباني) بفتح خراسان، ليقضي بذلك على حكم أعقاب (تيمور) ثمّ استولى على سرخس ونواحيها، وكانت في سرخس قلعة مهمة ومحكمة عسكرياً، وفي سرخس ونواحيها (175) ألف بيت. وبعد ذلك وفي عام (916هـ) توجه (الشاه إسماعيل) إلى خراسان لطرد (الشيباني) منها. ولما علم الشيباني بعزم الشاه إسماعيل على ذلك، أخرج جميع أهالي ولاية سرخس إلى ما وراء النهار، وترك سرخس مهدمة (….) من السكان.
وبعد (25) عاماً من ذلك تمكّن (الشاه طهماسب الصفوي) من أخذ ولاية سرخس من (عبد الله خان الشيباني) والي (طورات). وتحوّلت (سرخس وزور آباد) إلى حكومة مستقلة، وعين حاكم عليهما من قبل الشاه.
ونقل صاحب (نظام الولايات في الحقبة الصفوية) عن (خلاصة التواريخ) قوله: (كان رعايا كلّ من: سرخس وزورآباد. في حنق وضيق شديد بسبب الهجمات والمجازر المتعددة التي ارتكبها فيهم أوزبك أبيورد، ولم يكن المائتين والخمسين مقاتلاً من عشيرة ورساق حيث يستقر وزير مشهد يتمكنون من مواجهة الأوزبك، لذلك فقد جعلت سرخس وزورآباد حكومة مستقلة باقتراح من وزير الشاه وعيّن أحد السادة المحليين ممّن يلازمه دوماً خمسماية مقاتل حاكماً عليهما، لكن موارد سرخس وزورآباد لم تكن كافية لتأمين أجور وإنعام (250) جندياً في ورساق، لذلك كان الشاه يرسل إلى الحاكم كلّ عام مبلغاً من خراسان ليعينه). ممّا تقدّم يمكن القول إنّ سرخس بدأت تقهقرها الاقتصادي والسياسي منذ ذلك العهد، وأصبحت عرضة لهجوم الأجانب والاضطرابات.
سرخس في العهد القاجاري
ورثت سرخس في العهد القاجاري اضطرابات العصر الصفوي، وكانت دوماً عرضة للمواجهات بين الأوزبك والتركمان، ممّأ جعلها مدمرة وغير آمنة، وقد أثر ذلك سلبياً على مسيرة الرقي والتقدّم فيها. فبدل أن تلعب دورها كالسابق في حركة التجارة والقوافل العابرة لوقوعها على الطريق الدولية، أضحت مقرّاً للإغارة والنهب، حتّى قيل إن (450) سمساراً لبيع العبيد كانوا في سرخس، وأهل سرخس بدأوا يقلعون عن الزراعة بعد التجارة، وتوجهوا نحو الرعي الذي يساعدهم على الفرار عند وقوع أي هجوم، ويمكنهم من الدفاع عن أموالهم بصورة أضمن.
أمّا الأوروبيين فكان بعضهم يتردّد على هذه المنطقة لأهداف مختلفة، ومنهم (وولف) المبشّر المسيحي الذي دخل سرخس عام (1247هـ) بهدف إرشاد بعض المسيحيين المقيمين في سرخس، وتبشير التركمان. وبعد عام من ذلك وصل أوروبي آخر هو (بروتس). وممّا كتباه بهذا الشأن: (سرخس هي مكان لقلعة عسكرية صغيرة وخربة تقوم على مرتفع، فيها عدد من البيوت الطينية التي بناها يهود مشهد والتركمان القاطنين فيها هم أوفياء لخان خيوه بشكل مريب). وبملاحظة هذا الشرح يتبين لنا الوضع المزري الذي بلغته سرخس جغرافياً واجتماعياً إلى درجة وصفها بالقلعة الخربة، وأنّ أهلها أوفياء للأجانب.
عدم الاستقرار الأمني استمرّ حتّى نهاية الحروب الإيرانية الروسية، فتوجه ولي عهد (فتح علي شاه) عباس ميرزا إلى خراسان. فحمل على سرخس عام (1248هـ) وبعد ضغط شديد تمكّن من أخذ القلعة المذكورة من (أيل سالور) فهدم سورها وقتل أكثر أهلها، وأسر الباقين وأخذهم إلى مشهد، وأطلق بعضهم بعد تقديمهم الهدايا له.
وحتّى ذلك الحين كانت منطقة (ما وراء تجن) مقرّأ للتركمان، لكنّها كانت جزءاً من أرض إيران، دون أي شك، وكان حكّام إيران يحلمون بضبط الأمن والاستقرار فيها. لكن عاملاً سياسياً جديداً خيّم على المنطقة من جديد، هو المنافسة بين الإنكليز والروس، ممّا عقد مشاكلها أكثر. فبعد أن وقّع الروس مع إيران معاهدة (تركمان شاي، وگلستان) بدأوا بالتدخل في شؤون إيران الداخلية، ليفتحوا لأنفسهم طريقاً ومكاناً في آسيا الوسطى، ويصلوا بنفوذهم إلى هرات وإلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الإنكليز. وأخذوا يبدون تحسّسهم من أي تحرّك إيراني يهدف إلى إقرار الأمن في (ما وراء تجن) الذي يعدّ جزءاً مسلّماً به من أرض إيران الأساسية، ويؤلبون الأمور. فمثلاً عندما هزم فريدون ميرزا خصمه محمد أمين خان خيوه عام (1271هـ) خلال عهد ناصر الدين شاه، في (آق دربند سرخس) وقتل خان خلال تلك الحرب، وأرسل رأسه إلى طهران، أرادت روسيا أن تشغل حكومة إيران عن التدخل بشؤون شمال شرق إيران، فقامت بافتعال حرب هرات المشؤومة، ممّا دفع الحكومة البريطانية إلى التدخل، وخسرت إيران هرات خلال معاهدة باريس عام (1273هـ).
وفي عام (1277هـ) قامت حكومة إيران بعدّة تحرّكات للقضاء على التركمان في (تكة وسالور) لكنّها لم تحصد شيئاً نتيجة التحرّك الروسي. وفي عام (1291هـ) زار الرحالة الإنكليزي (نيبييه) شمال خراسان، وقال إنّ الروس سيقتطعون جزءاً من سرخس عاجلاً أم آجلاً من أجل إقامة قاعدة عسكرية لهم فيها. وقد وافقه على ذلك الرحالة (راولينسون). وبالفعل بعد عشر سنوا من ذلك هاجم الجنود الروس سرخس القديمة الواقعة عند ساحل نهر تجن ذريعة معاقبة التركمان واحتلوها، وتحقّقت بذلك توقعات راوليسنون.
وفي العام (1299هـ) وقعت اتفاقية (آخال) التي أكدت على أنّ سرخس هي أرض إيرانية. لكن الروس عدلوا عن تلك الاتفاقية عام (1302هـ) واحتلوا القسم المرتفع من سرخس، فأضحت سرخس قسمين: قسم روسي وآخر إيراني. واستمرّت سياسة روسيا القصيرية هذه حتّى عام (1339هـ) حتّى توقفت المرافعات الحدودية بين إيران وروسيا على حدود خراسان مع تغيير نظام الحكم في روسيا. وعقد اتفاق جديد بين الحكومة البلشفية الروسية والحكومة الإيرانية تقرّر فيه أنّ قرية فيروزه وجزر آشوارده لإيران، وسرخس القديمة تبقى تحت الاحتلال الروسي. وما زال هناك حتّى اليوم مدينتان عامرتان متقابلتان تسمّيان سرخس الإيرانية وسرخس الروسية.
سرخس الإيرانية
(سرخس الناصرية)
قلعة سرخس القديمة كانت قد هدمت على يد (عباس ميرزا) وكانت منطقة سرخس تشكل حدوداً طبيعية بين نواحي ما وراء نهر تجن وداخل إيران. وفي عهد (ناصر الدين شاه) أقيمت قلعة عظيمة كثيرة الأضلاع على بُعد نصف ميل يسار نهر تجن قرب سرخس القديمة التي احتلها الروس، وسمّيت تلك القلعة بسرخس الناصرية أو القلعة الناصرية.
وكان فيها (24) برجاً، وكان مجهزة بوسائل دفاعية ومواقع حربية تمكنها من الصمود بوجه هجمات التركمان الذين يهاجمونها عادة من مدينة مرو. وداخل القلعة ساحة مكشوفة كبيرة، وتضم مبانٍ إدارية ومساكن وأراضي زراعية.
الرحالة الروسي (لسار) نقل عام (1300هـ) أنّ هذه القلعة وتجيهزاتها لم تكن تخيف أعداء إيران والمهاجمين التركمان، بقدر ما كانت تمثل مأمناً للإيرانيين المقمين فيها، وكانوا سجناء فيها تقريباً، ولا يربطهم بالخارج إلاّ جهاز برقيات (تلغرافية).
الآستانة الرضوية المقدسة تملكت فيما بعد كثيراً من أراضي وأملاك سرخس فبدلتها من منطقة يابسة خاوية إلى أرض خضراء منتجة، ممّا جعلها أحد أقطاب خراسان الزراعية.
باطن سرخس يضم أحد أغنى مصادر الغاز الطبيعي، وقد دلّت الدراسات أنّ مخزونها من الغاز سيكفي محافظتي خراسان ومازندران لمدّة سبعين عاماً، وقد مدّت الأنابيب من مصفاتها إلى تلكما المحافظتين.
سكتة حديد مشهد ـ سرخس ـ تجن
من محطات التحوّل التاريخي لمنطقة سرخس إنشاء خط سكك الحديد بين مشهد وسرخس بطول (165) كيلومتراً، وذلك عام (1996م) ممّا حقق أمنية طالما راودت أذهان دول المنطقة، حيث افتتح هذا الخط ليربط مشهد بسرخس وتجن بحضور (11) رئيس جمهورية وعشرات رؤساء الوزراء والوزراء وممثلين عن خمسين دولة، وافتتحه الشيخ هاشمي الرفسنجاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأعيدت بذلك الحياة لطريق الحرير لتربط من جديد قارتي آسيا وأوروبا، وتحيي العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية بين شعوب الشرق والغرب.
خط سكك حديد الحرير هذا شكّل حياة للتجارة الدولية، وأعاد الدور التاليخي لإيران في سرخس كبوابة وتقاطع لاقتصاد الشرق والغرب، وبوابة إلى سوق يضم سكان منظمة (أكو) أي (إيران، أفغانستان، أذربايجان، قرقيزستان، قزاقستان، طاجيكستان، تركمانستان، أوزبكستان، باكستان، تركيا) من خلال اتصال خطوط السكك الحديدية من بندر عباس وبافق إلى مشهد فسرخس وتجن ممّا يعيد لإيران دورها التاريخي في هذه المنطقة.
إنّ خط سكك حديد مشهد سرخس له هدفان اساسيان:
1 ـ الأهداف الوطنية: الربط بين الأقطاب الاقتصادية والصناعية داخل إيران ومع الدول المجاورة، وتأمين نقل سريع ورخيص وبكميات كبيرة وباطمئنان؛ إضافة إلى نقل المسافرين بأمان أكبر وتلوث أقل. ويؤمن العملة الصعبة عبر طريق الترانزيت للبضائع الأوروبية، عبر روسيا.
2 ـ الأهداف الدولية: إنّ إنشاء هذا الخطب يوسع رقعة التجارة الدولية، ويمهد الأرضية اللازمة لتوسيع رقعة السياحة، وتعميق العلاقات بين دول المنطقة في مواجهة الاستكبار العالمي، وتأمين طريق لدول آسيا الوسطى للاتصال بموانئ الخليج الفارسي، وتأمين ارتباط مع أوروبا بمسافة تقل عن خط سيبيريا بثلاثة آلاف كيلومتر.
وتزامناً مع إنشاء خط سكك حديد (مشهد سرخس تجن) وإحياء طريق الحرير قامت الآستانة الرضوية بتبديل سرخس إلى نقطة اقتصادية فاعلة. فأوجدت مطار سرخس الدولي والمنطقة التجارية الصناعية الحرة (ألماس) خلال مدة مائة يوم، بذل خلالها المدراء والخبراء والعمال جهداً ملحوظاً. فكان طول مدرج المطار أربعة كيلومترات، وعرضه ستماية متر، ومساحة قاعته ستماية متر مربع بدت على شكل مجموعة فنية رائعة.
وتقع المنطقة الحرة على بُعد (12) كيلومتراً من المدينة جنوبي محطة القطار، بمساحة تبلغ خمسة آلاف هكتار، وجعلت المراكز التجارية فيها عشرة إشارة إلى الدول العشر أعضاء منظمة (أكو) وأعدت المنطقة لاستيعاب البنوك وشركات التأمين ومبنى للجمارك، وموقف للباصات، وموقف مسقوف.
وتشمل منطقة (ألماس) الصناعية ثلاثة أقسام رئيسية هي: القسم الصناعي بمساحة (875000) متر مربع، وقسم الصناعات الخفيفة بمساحة (883125) متر مربع، وقسم الصناعات الثقيلة بمساحة (262500) متر مربع. وجهزت جميع هذه الأقسام بأنظمة خدمات وأمن وإطفاء حريق ومصاعد وأدراج متحركة وشبكات غاز ومياه مراقبة من قبل شبكة حاسوب مركزية عبر التحكم من بُعد.
حقائق تاريخية
حول ماضي الثقافة في سرخس
لا يمكن إنكار أنّ سرخس كانت ذات يوم مركزاً للعلم والأدب والعرفان، وذات ثقافة غنية. لكن إذا أردنا أن ننظر إلى وضع التاريخ الثقافي لأي منطقة لا بد من ملاحظة مؤشرات التطور الثقافي فيها مثل:
1 ـ الشخصيات والأسر العلمية التي انطلقت منها.
2 ـ الشخصيات العلمية التي دعيت للتدريس فيها.
3 ـ العلماء الذين أنهوا دراستهم فيها.
4 ـ العلماء والمفكرين الذين هاجروا منها إلى مناطق أخرى.
الأسر المعروفة في سرخس: برزت في سرخس عدّة أسر معروفة مثل: أسرة السياسي سهل السرخسي، فكان أحد أبنائه (فضل بن سهل) الملقب بذي الرياستين، والآخر (الحسن بن سهل) وقد تولّى كلّ منهما منصب الصدارة والوزارة في عهد المأمون العباسي، وتوليا إدارة العالم الإسلامي. وكذلك: آل عمران السرخسي الذي اشتهروا في عهد السلاجقة والغزنويين بالرياسة والكياسة، وأبرزهم (علي بن محمد العمراني) الذي كان لمدّة مديدة من أمراء السلطان محمود الغزنوي وابنه مسعود. وأيضاً: أسرة العياضي السرخسي التي كان معظم أفرادها من رجال ونساء من أهل العلم والحديث، ومنهم: أبو نصر العياضي المعاصر لأبي سعيد أبو الخير العالم والعرفاني المعروف في خراسان. وأبو الفتوح العياضي السرخسي المتوفى عام (550) للهجرة كان من فقهاء عصره، وقد سمع عنه الحديث شيخ الإسلام القشيري، وخلفته ابنته العادلة العالمة (حورستي) وكانت من العرفاء ورواة الحديث في عصرها، وأبو عاصم العياضي الذي كان من أئمة العلم والعرفان في القرن الخامس الهجري، وكان مريداً لأبي سعيد أيضاً، وكان يرسل أولاده إليه ليدعو لهم. إضافة إلى عشرات العلماء من هذه الأسرة الذين بلغوا منازل علمية رفيعة، من لا يتسع المقام والمنال لذكرها.
وكذلك: الأسرة الحموية التي كانت من أشهر الأسر السرخسية، ومن رجالها: أحمد الحموية، وعبدالله بن أحمد الحموية.
ومدينة سرخس القديمة كانت تجتذب إليها العلماء والمفكرين المشهورين لسببين هما: أنّها كانت تشكل المركز في خراسان، أو كما قال البروفسور (غير شمث) كان تقع عند مفترق طرق عدّة أقوام، وتمر منها الطرق الشرقية والغربية، وكان على أولئك أن يمروا أو يقيموا فيها خلال سفرهم. ثمّ إنّها كانت خلال القرن الثاني إلى السادس الهجري مركزاً للسياسة والعلم والعرفان والحكمة، كما إن ّوجود حوزة علمية في سرخس وعلماء وعرفاء مثل: أبو علي الفقيه وبابا لقمان السرخسي كان سبباً لاجتماع عدد من العلماء والعرفاء والمشهورين آنذاك فيها.
وكان من جملة الذين هاجروا إليها:
1 ـ من العرفاء أحمد جام المتوفى عام (536هـ) الذي كان قد قضى (12) عاماً في ترويض نفسه في جبل نامق، ثم (6) سنوات في جبل بزدجام وذلك في أواخر القرن الخامس الهجري، ثمّ قدم إلى سرخس لهداية أهلها، وأقام فيها طويلاً، ثمّ هاجر إلى (سعد آبادجام) ومزاره فيها، وقد سمّيت ترتب جام نسبة إليه. وهي مزار مقصود.
العارف المعروف الآخر (محمد المنوّر) حفيد أبو سعيد أبو الخير، وصاحب كتاب (أسرار التوحيد) عاش مدّة في سرخس، مارس فيها التدريس. وكما ذكرنا من قبل عندما نجا السلطان سنجر السلجوقي عام (551هـ) من الأسر، توجّه المنور مع جمع من المشايخ والقضاة وأئمة مساجد سرخس إلى مرو لتهنئته.
العارف البارز الآخر هو الشيخ (سهلا) وهو من العرفاء ومريدي الشيخ (أحمد جام) أقام في سرخس، وكان يعدّ من عقلاء المجانين مثل (بابا لقمان)، وقبره داخل مقبرة بابا لقمان في سرخس. يبقى أنّ مقبرة بابا لقمان نصف المهدمة تعود إلى القرنين السادس والسابع الهجري، وما تزال مزاراً للناس.
2 ـ من العلماء: من العلماء والحكماء الذين هاجروا إلى سرخس: سعد الدين التفتازاني (712ـ792هـ) توجه من تفتازان إلى سرخس للتدريس، وأقام فيها مدة، ثمّ غادرها في أواخر عمره إلى (سمرقند) بأمر من تميور لنك گركاني) ومات فيها عام (792هـ) حملت جنازته إلى سرخس.
التفتازاني من التلاميذ البارزين لقطب الدين الرازي بدأ تأليفاته من عمر ستة عشر عاماً، وكان أوّل تأليف له (شرح تصريف العزي). في الصرف. ومؤلفه الثاني (تهذيب المنطق والكلام) في المنطق، وهو من الكتب التي تدرّس.
العالم الآخر هو قطب الزمان الطبسي الذي يعدّ من حكماء دهره، وقد ترك مؤلفات كثيرة، وهو من تلامذة أبو الفتوح بن أبو سعيد، وكان من علماء زمانه، و في عام (539هـ) أصيب بالفالح، ومات في سرخس.
3 ـ من الشعراء: سنائي الغزنوي، برندق الخجندي، مولانا يوسف البديعي.
فسنائي الغزنوي كان شاعراً قديراً،ـ عاشر السالكين العرفاء، ولمّا كانت سرخس مهداً للعلم والعرفان فقد زارها مرتين، ووضع في سرخس ديوانه (سير العباد إلى المعاد) المثنوي على وزن (حديقة الحديقة) في مدح سيف الدين محمد بن منصور قاضي سرخس.
وبرندق الخجندي كان من شعراء أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، عاش في بلاط تيمور وأبنائه وأحفاده، وكان أستاذاً قديراً في نظم القصائد مثل (الخاقاني) شاعر القرن السادس، وهو مدّاح (ميرانشاه بن تيمور) وصحبه في سفره إلى سرخس، وأقام فيها مدة.
ومولانا يوسف البديعي شاعر أواخر عهد التيموريين، كان أستاذاً في علم العروض والصنائع والبدائع الشعرية. هاجر من سمرقند إلى هرات ومنها إلى سرخس، فأقام فيها مدّة، حتّى توفي فيها عام (897هـ) ودفن في مزار بابا لقمان السرخس.
لقطات أخرى
من الرقي الثقافي لسرخس
إن دعوة عدّة أشخاص من العلماء والحكماء والعرفاء المعروفين للقيام بالتدريس في الحوزة العلمية لسرخس من أمثال: سعد الدين التفتازاني. هو دليل بارز على سمو المستوى الثقافي في سرخس. وفي القرن الرابع كان لأبي علي الفقيه المتوفى عام (389هـ) حوزة علمية عامرة في سرخس، جعلت أبو سعيد أبو الخير مثلاً أن يهاجر من مرو المعروفة آنذاك إلى سرخس لإكمال دراسته، فدرس فيها الفقه وتفسير القرآن.
وشخصية علمية أخرى هو إسماعيل الصابوني الذي تابع وأنهى دراسته في سرخس. وفي القرن الخامس الهجري أرسل أحمد جام أحد أبنائه (برهان الدين نصر) ليكمل دراساته العليا في سرخس، وكان المذكور من علماء عصره.
والعارف المشهور أبو المكارم محمد حفيد أبو سعيد أبو الخير، الذي لقب بالمطيع وكان من محدثي عصره أنهى بعض دراسته في سرخس.
وأبوطالب عبدالعزيز بن محمد بن السرخسي، صاحب كتاب (النحو الكبير) كان يدير حوزة علمية في مسجد (ترجمانية) بسرخس خلال القرن الرابع الهجري.
وفي القرن السادس الهجري أنهى علماء آخرون دروسهم وكمالاتهم في سرخس ومنهم: أبو الحسن البيهقي المعروف بابن فندق، وصاحب كتاب تاريخ بيهق، فقد درس في بيهق ونيسابور ومرو، لكنّه أنهى دراسته في سرخس.
وفي نفس القرن بنى أمير سرخس مدرسة تعادل الجامعة في عصرنا هذا، دعا إليها الأساتذة والعلماء من بخارى ليدرسوا فيها.
ومن مؤشرات ارتفاع المستوى العلمي لسرخس وجود مكتبة عظيمة فيها، يُقال أنّ أبو الفضل البيهقي هو الذي أوجدها عام (563هـ).
إبراهيم زنگنه
سرگودها
من مدن باكستان تبعد عن مدينة لاهور حوالي 127 ميلاً وهي مركز إقليم يتبعه أربعة ألوية: سرگودها ولايل بور وميانوالي وجهنك.
وهذا الإقليم منطقة زراعية تنبت الحبوب والأرز والقطن ويشتهر بالفواكه الكثيرة لا سيما البرتقال بأنواعه.
ويبلغ عدد الشيعة في المدينة قرابة خمس السكان ولهم فيها أربعة مساجد أكبرها وأحدثها مسجد القائم وقد تبرع بإنشائه من ماله الخاص الدكتور السيد أبو الحسن البخاري سنة 1961، كما أنّه يشيد الآن بماله حسينية متصلة بالمسجد.
كما أنّ للشيعة خمس حسينيات أخرى ولهم مؤسسة علمية دينية وهي دار العلوم المحمدية التي أنشأها سنة 1949م الشيخ محمد حسين وهو القائم عليها اليوم ويبلغ عدد طلابها ما يقرب من ثمانين طالباً. وقد أرسلت من طلابها إلى النجف حتّى الآن ثمانية طلاب عاد منهم أربعة سكن واحد منهم في راولبندي والثاني في بلتستان والثالث في مياوالي والرابع في ممباسا، وحين تدوين هذه المعلومات كان يتهيأ أربعة طلاب للسفر إلى النجف. وتعمل المدرسة على أن ترسل في كلّ عام واحداً أو اثنين أو ثلاثة إلى النجف، والذين يسافرون إلى النجف ترسلهم المدرسة على نفقتها ثم تؤمن لهم شهرياً بعض المال الذي يسد بعض حاجاتهم. ومنهاج التدريس فيها يبدأ بالمقدمات ويصل إلى كتاب المكاسب وشرح اللمعة. وفي الأصول إلى معالم الأصول والقوانين والكفاية وفيها اليوم ستة مدرسين بعضهم من خريجي النجف وبعضهم من خريجي لكنهو.
ومدينة سرگودها مركز عسكري جوي.
السعديون
دولة السعديين في المغرب هي الدولة الشيعية الحسنية النسب التي قهرت البرتغاليين في زحفهم البري بعدما كانوا قد ساروا بحراً في سواحل البحر الأحمر والخليج، ثمّ أراد ملكهم (سبستيان) التقدّم براً ليسودوا في الشمال الإفريقي سيادتهم فيما سادوا فيه شرقاً، فاصطدموا بالسعديين ما سنفصل القول فيه.
وقبل الدخول في تلك التفاصيل لا بد لنا من كلمة عن البرتغاليين وبلدهم البرتغال الذي كان جزءاً ممّا حكمه المسلمون في شبه جزيرة (إيپيريا) التي عرفوها كلها باسم (الأندلس):
تقع البرتغال في الجانب الغربي من شبه جزيرة أيبريا، يحدّها من الجنوب والغرب المحيط الأطلسي، ومن الشرق والشمال أيبريا، وتبلغ مساحتها نحو 89 ألف كيلومتر مربع. وأرض البرتغال على شكل شبه مستطيل محاذ للمحيط الأطلسي، أبعاده القصوى 560 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب و220 كيلومتراً من الشرق إلى الغرب. ومع أنّ أراضي البرتغال تشكّل امتداداً طبيعياً لأراضي إسبانيا حيث لا تفصلهما حدود طبيعية، إلاّ أنّ الاختلاف في الطبيعة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية واضح وله جذور تاريخية تأصّلت أكثر حينما توحّدت أراضيها كدولة عرفت باسمها الحالي منذ القرن الثالث عشر، بعد أن كانت على هامش الأحداث والحركات الحضارية في أوروبا.
لم يكن اسم البرتغال معروفاً قبل دخول الجيوش العربية الإسلامية إلى شبه جزيرة أيبريا في أوائل القرن الثامن، كما لم تكن حدود البرتغال الحالية معروفة آنذاك ولم تكن هناك دولة موحدة ذات مقومات سياسية ذاتية ضمن تلك الحدود، حيث كانت أراضيه عرضة للحركات الاجتماعية التي ألمّت بشبه الجزيرة وللتحديات الأجنبية التي عمّتها. ويذكر التاريخ بأنّ هذه الأراضي قطنتها منذ القدم أقوام مختلفة أهمها قبائل لوسيتانيا، ثمّ دخلها الفينيقيون والإغريق (اليونان القدماء) وأسّسوا فيها مراكز تجارية بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد (ق.م.)، ثمّ جاء الرومان ليخضعوا تلك المناطق لحكمهم المباشر منذ عام 139 (ق.م.) أسوة بما فعلوه في غالبية إن لم يكن في جميع أرجاء شبه جزيرة أيبريا والتي أطلقوا عليها اسم (Hispanoa ul-terior). ومع أنّ قبائل لوسيتانيا التي قطنت المناطق الواقعة شمال نهر التاج ظلّت تقاوم الاحتلال الروماني في البداية، إلاّ أنّها لم تتمكن من انتزاع السلطة لمصلحتها، والمعروف أنّ يوليوس قيصر حكم مناطق البرتغال وأسّس عاصمتها في أوليسبو أو لشبونة عام 59 (ق.م.). كما أسّس الرومان مدناً كثيرا أعاد تعميرها وتطويرها العرب بعد دخولهم شبه جزيرة إيبريا، منها مدن أيفورا وباجة وشنتريم.
عندما اجتاحت الجيوش العربية شبه جزيرة إيبريا عام 711م وتقدّمت في جميع الاتجاهات، أصبح الجنوب البرتغالي والذي أطلق عليه العرب (أو The Moors)، كما يسميهم الغربيون بصورة عامة نسبة إلى موريتانيا التي اعتبروها منشأ أو مركز تجمّع المحتلين الجدد اسم الغرب (Algarve)، وهو الاسم الحالي لمحافظة الجنوب البرتغالي الساحلية، خاضعاً لهم منذ عام 713م، كما احتل العرب مدينة لشبونة (أو اشبونة كما عرفت آنذاك) عام 714م، واستمر تقدّمهم شمالاً ممّا حدا بالأقوام المسيحية (النصارى كما يرد ذكرهم بكتب المؤرخين العرب القدامى) إلى الانسحاب إلى شمال نهر المنيوه الذي يفصل مصبه شمال البرتغال عن إسبانيا حالياً، ويبدو أنّ المناطق الشمالية الغربية من شبه جزيرة إيبريا والواقعة شمال هذا النهر لم تخضع كلياً او بصورة دائمة للحكم العربي، بل بقيت بعض مدنها معاقل للقوى المسيحية كما كان الحال مع مدينة ليون الإسبانية وأحياناً حتّى براغا البرتغالية، في حين بقيت معظم مدن شمال البرتغال تخضع للحكم العربي بصورة مستمرة لفترة قاربت القرن والنصف قرن من الزمن.
انتهت بانسحاب المسلمين من جميع أراضي البرتغال في منتصف القرن الثالث عشر وظهور الدولة البرتغالية الحالية وكيانها السياسي المستقل.
لقد سقطت آخر معاقل المسلمين فيها وهي فارو والمسماة آنذاك بشنتمرية الغرب وذلك سنة 1249م، وبعدها انتقلت عاصمة البرتغال من كلمرية إلى لشبونة وذلك سنة 1256م وعندما حصل البرتغاليون على اعتراف مملكة قاشتيلا الإسبانية بمملكتهم وتأييدها سنة 1297م أصبحت البرتغال دولة موحدة مستقلة بحدودها الحالية على رغم الحروب والاحتلالين الإسباني والبريطاني لها لفترات طويلة ومتقطعة قبل أن تستقر كلياً خلال القرن الماضي.
لقد اشتهرت البرتغال الإسلامية بالعديد من أعلام العرب يعسر إحصاؤهم، ونذكر هنا بعضهم، فمنهم: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المولود في مدينة باجة بجنوب البرتغال سنة 1013م، وتتلمذ على يد بعض علماء الأندلس قبل أن يتوجه إلى المشرق العربي ليوسع آفاق اطلاعه ثمّ يعود إلى الأندلس تصحبه شهرة واسعة ومكانة مرموقة. ومن أهم ما تركه أبو الوليد شرح وافٍ لفقه مالك. كما عرف عنه بأنّه كان يسعى دائماً لعقد صلح بين ملوك الطوائف في محاولة لجمع الشمل، إلى أن توفي في ألميرا بعد أن قضى أيامه الأخيرة بصحبة المقتدر أمير سرغسطة.
والشاعر محمد بن عبدون صاحب الملحمة الشعرية التي عرفت بـ «القصيدة»، نظراً لمكانتها في الشعر الأندلسي وابن عبدون من مواليد يبره، عاش في ظل بني الأفطس في بطليموس.
نظم ابن عبدون أبيات تلك القصيدة التي تعتبر من أجمل الرثائيات في الشعر الأندلسي في رثاء بني الأفطس وأميرهم المتوكل الذي قتل غدراً على يد المرابطين وكان مطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا ألوك موعظة
عن نومة بين ناب الليث والظفر
ومنها:
بني المظفر والأيام لا نزلت
مراحل والورى منها على سفر
سحقاً ليومكم يوماً ولا حملت
بمثله ليلة في غابر العمر
والتي يقول فيها:
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن
وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمراً بخارجة
فدت علياً بمن شاءت من البشر
واردت ابن زياد بالحسين فلم
يبؤ بشسع له طاح أو ظفر
وقبل هؤلاء أو بالأحرى في القرن العاشر الميلادي، ولد في قرية القبذاق بنواحي لشبونة الشاعر أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا القبذقي الإشبوني الذي كرمه البرتغاليون ببناء نصب «تذكاري» حول قبره القائم إلى اليوم عند أحد مداخل تلك القرية. ولابن مقانا قصائد شعرية كثيرة، أكثرها شيوعاً تلك التي مدح بها أحد الحموديين، ويقول المقري صاحب كتاب نفح الطيب أنّ تلك القصيدة ألقاها ابن مقانا بمدينة ملقه في حضرة الخليفة الحمودي يحيى بن إدريس الفاطمي منها:
وكان الشمس لما أشرقت
فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
بن حمود أمير المؤمنين
انظرونا نقتبس من نوركم
إنّه نور رب العالمين
ومن الشعراء الذين اشتهروا على أرض البرتغال موسى بن عمران المرتولي، وهو من مدينة مرتولا، الذي قال:
إلى كم أقول ولا أفعل
وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عيني فلا ترتوي
وأنصح نفسي فلا تقبل
أمّا ابن عبد البر المولود في شنتريم، فقد قال:
أحب الذي يهوى عذابي دائماً
وما لي فيه ما حييت نصيب
ولابن سري الشنتريني المنسوب إلى مدينة شنتر، أشعار طريفة منها:
لابنة الزند في الكوانين جمر
كالدراري في دجي الظلماء
خبروني عنها ولا تكذبوا
الديها صناعة الكيمياء
سبكت فحمها سبائك تبر
رصعتها بالفضة البيضاء
كلّما دل النسيم عليها
رقصت في غلالة حمراء
ومن أبناء شلب سلميان بن علي وابن الروح وابن المنخل، ومن أبناء لشبونة ابن السوار وابن المنذر وابن موسى والبكري الطبيب المشهور، ومن أبناء فارو الشاعران ابن عالم وأبي صالح، ومن أبناء لولي بالغرب الفيلسوف المتصسوف العرياني، ومن أبناء باجة الطبيب الجراح ابن سلمة، ومن أبناء مرتولا مثل ابن الفرج، ومن أبناء سانتاريم ابن البر الشنتريني وغيرهم من الأطباء والفقهاء وقد اشتهرت بعض بإنجاب عدد من الشعراء والأدباء منهم عائلة هارون التي كانت تستوطن جنوب البرتغال والتي حملت حاضرتهم اسمهم والذي بقي إلى اليوم اسم لأهم مدنه، وهي مدينة فارو ومن المراجع المهمة بهذا الشأن كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لأبي الحسن ابن بسام الشنتريمي (نسبة إلى مدينة Santarem).
ومن أجمل معالم الحضارة العربية الباقية إلى اليوم مدينة شلب والتي تتميز بقلعتها الوردية وسط حقول من أشجار الحمضيبات والزهور. والمعروف أنّ هذه القلعة المبنية بالحجر الأحمر على قاعدة عالية ومسجدها قد بنيت أيام بني عباد الذين حكموا البرتغال من عاصمتهم إشبيلية، وكانت من أواخر معاقل الحضارة الإسلامية العربية في البرتغال.
من جهة أخرى، تركت الحضارة العربية الإسلامية شواهد كثيرة على قوّة تمركزها في البرتغال تظهر في لغة الأدب وفي اللهجات المحلية. فالعبارات الموروثة والمقتبسة من اللغة العربية تتجاوز الألف وخمسمائة يتردد استعمالها يومياً وخصوصاً في الأرياف الجنوبية. وبسبب صعوبة اللفظ أو لعدم وجود الحرف الهجائي في اللغة البرتغالية والذي يتطابق مع ما تحمله الكلمة العربية من حروف، يصعب استبيان الأصول العربية للعبارة المستعملة إلاّ بعد انتباه مقصود. فهناك كلمات كثيرة في اللغة البرتغالية ذات جذور عربية أو محورة من الأصل العربي مثل: الخياط، المخدة، البحيرة، الحلوة، المد، الزيت، القرية، الغصن، الأرض، الضيعة، السوق، القفة، القائد، القصر، القنطرة، الفارس، القطيعة، العرض، الحرية، الحري، الجباب، اللقاط، فلان… إلخ.
أمّا أسماء البلدان والأماكن ذات الأصل العربي فهي كثيرة أيضاً وتنتشر في أغلب أصقاع البرتغال. فبالقرب من العاصمة لشبونة، هناك قرية المعدن على نهر التاج والتي زارها الرحالة والجغرافي العربي المشهور الإدريسي في أواسط القرن الثاني عشر ميلادي، وقال في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» أنّها مدينة بها منجم ذهب. كما توجد في نواحي لشبونة ضواحي عديدة تحمل أسماء عربية منها، قاسم وأبو عبدالله وتجيرة والخضرة وطاحونة والمقيم ومحفرة. أمّا في داخل مدينة لشبونة أو في ضواحيها، فتوجد أماكن بمسميات ذات جذور عربية منها البلاط والقنطرة والحمام وقلع اللوز. كما أنّ لجنوب البرتغال مواقع وحواضر كثيرة لها مسميات عربية منها: المسيل ووادي أميرة والمظفر والبحيرة وبئر قائم وهارون وابن مولى والمغرب والقصيرة والجزر والحمراء والريحانة وابن سالم والغار… إلخ.
الصراع العربي البرتغالي الأوّل
عانت البلاد الإسلامية، والعربية منها بخاصة ثلاث غزوات كاسحة كانت في حقيقتها تهديداً للوجود الإسلامي وللوجود العربي، هي غزوات المغول وغزوات الصليبيين وغزوات البرتغاليين. ومع ما رافق هذه الغزوات من أحداث خطيرة ووقعات مثيرة وحياة مريرة، فلم تلق من المؤرخين العرب ما كان يجب أن تلقاه من التدوين التفصيلي لا في القديم ولا في الحاضر([308]).
ونحن فيما ندونه هنا إنّما نلم إلماماً سريعاً بتاريخ فترة من تلك الفترات:
يتوقف كتاب (كشف الغمة)، لمؤلف مجهول، يتوقف عام 1728 ـ على ما يذكر أحمد عبيد لي فيما نأخذه عنه ـ وذلك بعد مرور قرنين وربع القرن على دوران الأوروبيين حول رأس الرجاء الصالح واحتلاهم لمناطق ساحلية مهمة عديدة من عمان، فواجهوا عندئذ القوى الإسلامية البحرية في المحيط الهندي، ومن أبرزها القوّة العمانية، ويتم تناول هذا الجانب الخاص من التاريخ العماني من ناحيتين: الأولى هي تتبع الأحداث المباشرة في تلك الفترة على ضوء ما أورد «الكشف»، والثانية رؤية مدى تأثير هذه القوة في النتاج العماني المدون في تلك الفترة.
أما فيما يخص النقطة الأولى فإنّ أوّل إشارة للقوى الأوروبية تبرز في الباب السادس والثلاثين الذي يخصصه للحديث عن حكم النباهنة وهي الفترة التي تسبق مجيء الإمام ناصر بن مرشد حيث يقول: «وصل مركب من الهند بعسكر كثير وفيه آلة الحرب فردته الريح إلى مسكد [مسقط] فأخذه الأمير عمير بن حمير وسار هو ومن معه من النصارى وغيرهم»([309]). ويستمر «الكشف» في تسمية الأوروبيين وهم برتغاليون أساساً في عمان بالنصارى، ولكنّه لا يورد أية تفاصيل عنهم ولا عن وجودهم في عمان على الأقل، ولا عن تأثيراتهم الجارفة في المياه التي كانت مجال العمانيين وساحة فعاليتهم المتميزة.
ولا تسعف المواد المحلية كثيراً لتحقيق مقارنة مع ما يورده «الكشف» حيث أنّ الذين تطرّقوا لهذه الفترة من الكتّاب العمانيين وزادوا على ما ذكره صاحب «الكشف» إنّما قدموا بعده، ولذلك ربما اضطر المرء إلى الاستعانة بمصادر أخرى من المنطقة المجاورة عنيت بتتبع وجود الأوروبيين بتلك البقاع، لترسم صورة يجري على أساسها تقويم ما أتى به «الكشف».
ولقد نشر الدكتور محمد بن عبد العال أحمد بعض النصوص اليمنية الجديدة التي دوّنت محاولات البرتغاليين الأولى لاختراق تلك المياه للسيطرة عليها([310]) وأوّل تلك النصوص كتاب «قرة العيون في أخبار اليمن الميمون» لابن الديبع([311]). ولقد وردت إشارة المؤلف الأولى لمجيء البرتغاليين في وصفه لرحلة قام بها فاسكوداگاما وقد غادرت البرتغال عام 1502، فقال وهو يصف أحداث عام 908/1502: «… وفي هذه السنة ظهرت مراكب الإفرنج في البحر بطريق الهند وهرموز وتلك النواحي، وأخذوا نحو سبعة مراكب، وقتلوا أهلها وأسروا بعضهم»([312]). وهو يستمر في ذكر الوجود البرتغالي وعملية المواجهة التي شنتها مصر المملوكية إضافة إلى القوى اليمنية المحلية على الوجود البرتغالي بتلك المياه. وممّا يذكره في حوادث سنة 919/1513 قوله: «وفي أثناء شهر المحرم من سنة تسع عشر وتسعمائة، وصل العلم إلى مولانا السلطان بزبيد بقدوم ثمانية عشر مركباً إلى بندر عدن فيها جمع عظيم من الإفرنج، فجهز السلطان عسكراً إلى ثغر عدن، وأمر بالتحفظ والتحرز فيه وفي سائر البنادر، وأمر بالقنوت عليهم بالصلوات الخمس وفي خطبة الجمعة، ثمّ حقّق أنّهم وصلوا إلى عدن بغتة، وكان بها عبد مولانا السلطان، مرجان الظافري أميراً لها، فأمر أهل البلد أن لا يعرضوا لهم بشيء، وأمر بالتحفظ والتحصن، وكان وصولهم ليلة الجمعة سابع عشر شهر المحرم، فمكثوا يوم الجمعة، ثمّ تجاسروا ووضعوا سلاليم تحت جدار السور، وطلعوا عليها ملبسين مستعدين للقتال، ونزل حماعة منهم إلى شوارع المدينة، فركب مرجان ولم يكن بها فارس غيره، فقاتلهم وقاتلوا معه أهل المدينة، فنالوا من المسلمين. ثمّ كانت الدائرة عليهم، فهزموا هزيمة منكرة، وقتل منهم جماعة، فرجعوا منهزمين لا يلوون على أحد، وانكسر منهم جمع وأخذت دروعهم وسلاحهم، وأصبح حزب الله هم الغالبون»([313]).
ويتتبع بامخرمة بدوره تلك الأحداث([314])، وتتطابق إشارته الأولى للقدوم الأوروبي وتلك التي وردت لدى ابن الديبع. وهو يتفرد في بعض ما يورده ومن ذلك ذكره لتطورات الموقف البرتغالي اليمني وخاصّة في تلك الفترة التي أعقبت سقوط دولة المماليك على أيدي العثمانيين، وما يذكره ضمن أحداث سنة 923/1517 قوله: «وفي هذه السنة وصل الفرنج من الهند إلى بندر عدن في ثلاثين خشبة ما بين برشة وغراب، مظهرين السعدة لأهل عدن على المصريين، ولم يغيروا شيئاً في البندر ولا غيره. ونزل منهم جماعة إلى الساحل، وواجههم الأمير مرجان بالساحل وقدم لهم الضيافة إلى مراكبهم، وطلبوا ربابين تسير بهم إلى جدةّ، فدفع إليهم الأمير جماعة ربابين من أهل الشام بالكره من الربابين لذلك، بعد أن أخيفوا و تجوروا، فلم يعذرهم الأمير في ذلك، كفاية لشر الإفرنج. فمكثوا في البندر أياماً، ثمّ ساروا إلى جدة فأرسوا ببندرها»([315]). ويسير بامخرمة على نفس هذا الاتجاه في تتبع مادته وذلك كما دونها في كتابه «قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر»([316]).
أمّا المؤرخ الثالث وهو قطب الدين النهروالي([317]) فقد تحدّث عن الوجود الأوروبي أثناء تتبعه لتاريخ اليمن في القرن العاشر الهجري في كتابه «البرق اليماني في الفتح العثماني».
وسيجد المرء تفصيلات أكثر وضوحاً لدى ابن رزيق عن «النصارى… المسمّون البرتكيس وولايتهم من الهندجوة، وهم يومئذ أشد النصارى قوّة في المملكة والسلطان، وإليهم سائر النصارى عضداً وأعواناً»([318]). وهو يقصد هنا البرتغاليين وأتباعهم من الهنود. إلاّ أنّ هذا التفصيل قليل جداً إذا تذكرنا أنّ المؤرخين العمانيين عاشوا والأوروبيين في بلد واحد وعقدوا الصلح مرات عديدة وتصادموا على مدى قرون عديدة، تبدأ منذ مجيء الأوروبيين حول رأس الرجاء الصالح، كما هو الحال مع المؤرخين العمانيين.
وليس للدارس أن يتلمس في تلك المصادر ـ يمنية كانت أو عمانية ـ رؤية شمولية بل حتّى جزئية للدور الأوروبي، وما كان يزمعه من تغييرات جارفة في تلك البقاع، ليست الناحية العسكرية السياسية إلاّ واحدة من مظاهرها فالمصادر اليمنية لا تشير إلى قدوم البرتغاليين إلاّ بعد خمس سنوات من ظهورهم في هذه الأرجاء([319]). والمصادر العمانية ترد الإشارة الأولى إليهم فيها عرضاً. ولا نجد شخصاً متأخراً مثل النهروالي يعطي لدوران فاسكو داچاما ووسيلته التي استفاد منها للإلتفاف حول رأس الرجاء الصالح أهمية كبيرة ولا يعبر عن هذه الحادثة إلاّ بعبارة فيها الكثير من التبسيط: «وقع في أوّل القرن العاشر، من الحوادث الفوادح النوادر، دخول (الفرتقال) اللعين، من طائفة الفرنج الملاعين، إلى ديار (الهند)…
وأغلب الإشارة المتيسرة كانت وصفاً سردياً للأحداث والمعارك تزيد أو تقصر حسب قدرة الكاتب والموقع الذي ينظر منه للحدث.
غير أنّه يمكن أن نولي ثلاثة مؤلفات عمانية تحدّثت عن هذه القوّة الحضارية العالمية الجديدة بها بعض التميز، إلاّ أنّها مؤلفات متأخرة نسبياً. أوّلها هو «تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار». ويمثل وصفاً لرحلة السلطان برغش بن سعيد([320]) من زنجبار إلى بريطانيا مروراً بمصر وفرنسا والبرتغال، وقد كتب الوصف زاهر بن سعيد وقام بإعادة ترتيبه وتصويبه القس لويس صابونجي([321])، مستعيناً بذلك بما دونته الصحف الفرنسية والبريطانية. ويسجل الكتاب بدقة جوانب تلك الرحلة وتنعكس فيه مظاهر الحضارة الأوروبية التي شاهدها السلطان وأعضاء وفده.
والكتاب الثاني هو «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» لسعيد بن علي المغيري، غير أنّ مؤرخه ينتمي للجيل الذي تلا السالمي، وهو يصل بتأريخه إلى العقد السادس من القرن العشرين.
وتتفرد الأميرة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان في مذكراتها التي كتبتها باللغة الألمانية لتحتل موقعاً بارزاً لا ضمن المؤرخين العمانيين وحسب وإنّما ضمن التراث العربي العام أيضاً([322]). غير أنّها لم تكتب من زاوية العناية بتاريخ عمان وإنّما كتبت عرضاً لمذكراتها بين زنجبار وأوروبا.
بعد مجيء الأوروبيين إلى تلك الأرجاء تشكل لدينا مصدر جديد متنوع للمعلومات إضافة إلى المصادر العمانية، وغيرها من المصادر العربية. ويتمثل هذا في مذكرات رحالة وتقارير قادرة وحكام وإداريين أوروبيين وليس هذا مجال التوسع في وصف هذه المصادر، ويكفي أن نشير منها إلى مذكرات الرحالة بيدرو والقائد البرتغالي البوكيرك، وكلاهما يتحدث عن القرن السادس عشر.
ومنها أيضاً ما ذكره الأب كاري عن رحلة قام بها عام 1674 حيث يقول: «أقلعت من كنج على السفينة سانت فرنسيس التي يقودها عربي أسمر جدّاً من أهالي مسقط تجنس بالجنسية البرتغالية، واعتنق المسيحية، وكان معظم العرب قد لاذوا بالفرار من مسقط بعد أن عاشوا في حروب متواصلة مع البرتغاليين، وكانوا يعانون من نقص المواد الغذائية والطعام. وكان الهولنديون قد أنشأوا مكتباً لهم في مسقط لنقل البريد»([323]).
البرتغاليون في الهند
وعن البرتغاليين في الهند يتحدث أمين الطيبي.
منذ استقلال البرتغال في منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، والبرتغاليون يناصبون المسلمين في الأندلس والمغرب أشد العداء. وبعد عدوانهم الغادر على مدينة سبتة المغربية واحتلالهم لها العام 1415م، وبداية حركة الكشوف الجغرافية على عهد الأمير هنري «الملاح» الصليبي النزعة، استهدف البرتغاليون محاربة المسلمين أنّى كانوا وكسر احتكارهم لتجارة التوابل مع الشرق. وكان البرتغاليون صليبيين قبل أن يصبحوا ملاحين، واحتفظوا بهذه الروح الصليبية المعادية للمسلمين إلى الربع الأخير من القرن السادس عشر([324]).
ولمّا وصل فاسكو داگاما البرتغالي إلى كليكوت على ساحل مليبار سنة 904هـ/1498م، كان من حسن حظ البرتغاليين أنّ الممالك الإسلامية في منطقة المحيط الهندي كانت تعاني ضعفاً شديداً: المماليك في مصر، والتيموريون في فارس، وسلاطين دلهي الغوريون. وظهرت على سواحل المحيط مدن مستقلة كعدن وهرمز، كما قامت على ساحل مليبار بضع إمارات أهمها كاليكوت وكُشي، وكان بينهما تنافس شديد. ولم يكن لهذه المدن سفن حربية لحماية تجارتها النشطة. كما أنّ السفن العربية والكجراتية لم تكن مزودة بالمدافع، ولم تكن مسمارية الصنع بل مخيطة بخيوط النارجيل، فكانت لذلك أوهى بنية وتركيباً من سفن البرتغاليين([325]).
وبعد وصول البرتغاليين إلى ساحل مليبار، أخذت مراكبهم تعود محملة بالتوابل وغيرها من سلع الشرق إلى أسواق أوروبا، ممّا عاد على ملك البرتغال بأرباح طائلة، وتحوّلت الطرق التجارية عن البحر الأحمر والخليج ومصر وبلاد الشام إلى طريق المحيط الهندي والدوران حول القارة الإفريقية. ولحقت بالتالي أضرار جسيمة بمصالح التجار المسلمين في موانئ مليبار ـ وكانوا يحتكرون تجارة التوابل ـ وبمصالح سلطان مصر المملوكي الذي كان يجبي رسوماً على السلع المارة عبر أراضيه([326]).
وقوبل فاسكو داغاماً بالعداء من قبل المسلمين في ساحل مليبار، وكان أوّل مظهر لهذا العداء الهجوم الذي وقع على القلعة التي شيّدها البرتغاليون في كاليكوت وأدّى إلى الفتك بمن فيها. وعلى الأثر، صمّم ملك البرتغال على الاحتفاظ بقوّة عسكرية دائمة في الشرق فأرسل في العام 1505م فرانسيسكو دي الميدا (Almeida) ونصّبه نائباً للملك. ورداً على ذلك، أرس سلطان مصر المملوكي قانصوه الغوري أسطولاً إلى المياه الهندية لمساعدة المسلمين على طرد البرتغاليين أوقع هزيمة بأسطول برتغالي قرب ميناء شيول (Chaul) في مطلع 1508. إلاّ أنّ ألميدا أوقع في مطلع العام التالي هزيمة بأسطول مصري كجراتي مشترك قبالة ميناء ديو على ساحل كجرات، وبذلك تخلص البرتغاليون من القوّة البحرية الإسلامية الوحيدة التي كان بمقدورها التصدّي لهم في المحيط الهندي فبسط البرتغاليون سيطرتهم على مياه المحيط الهندي قرابة قرن من الزمن.
وفي عهد ألفونسو دي ألبوكرك (Albuquerque) الذي خلف الميدا، تمّت للبرتغاليين السيطرة على جزيرة كووه (Goa) من سلطان بيجابور (تشرين الثاني/ نوفمبر 1510م) وملاقة (آب/ أغسطس 1511م) وهرمز (1515م). ولم تلبث كووه أن حلّت محل كاليكوت كميناء تجاري رئيسي على ساحل الهند الغربي وأصبحت مقراً لنائب ملك البرتغال.
وهكذا فإنّ البرتغاليين أدركوا منذ وصولهم إلى ساحل مليبار بأنّه لن يتأتى لهم إنهاء احتكار المسلمين لتجارة التوابل إلاّ عن طريق القوّة الغاشمة، لا عن طريق المنافسة السلمية. فمضوا إلى تحقيق هدفهم من دون رحمة أو هوادة وبسرعة مذهلة، واحتاجوا لذلك إلى عدد من الموانئ المحصنة لاتخاذها قواعد بحرية ومحطات تجارية لمراكبهم([327]).
ومن بين أسباب النجاح الذي أحرزه البرتغاليون أنّ الممالك الإسلامية الخمس بهضبة الدكن، والتي قامت على أنقاض المملكة البهمنية، كانت في منازعات مستمرة في ما بينها، وكذلك موقف السلاطين اللامبالي من الخطر البرتغالي المحدق بأراضي المسلمين ومصالحهم التجارية، إذ كان الكثيرون منهم يشاطرون سلطان كجرات بهادر شاه الرأي بأنّ «حروب البحار أمر يعني التجار وحدهم ولا يمس هيبة الملوك». أضف إلى ذلك العداء القديم بين صاحب كاليكوت وبين صاحب كشي ـ على ساحل مليبار ـ الذي استغله البرتغاليون وتمكّنوا من الاستحواذ على أوّل مواطئ قدم لهم على ساحل الهند، بمساندتهم صاحب كشي ضد خصمه([328]).
ولمّا تمكن البرتغاليون ـ عن طريق القوّة ـ من القضاء على احتكار المسلمين لتجارة التوابل في المحيط الهندي، عملوا على فرض نظام احتكار من جانبهم، فأعلنوا أنّ الإتجار بعدد من السلع ـ أهمها التوابل ـ احتكار للتاج البرتغالي. فأصبح لزاماً على أصحاب المراكب حمل ترخيص عرف بالبرتغالية باسم Cartas (قرطاس) ـ يُشير إليه المعبري تارة بالأوراق وتارة بالرقعات ـ في مقابل دفع رسم من قبل صاحب المركب أو التجار المعنيين، وشريطة دفع رسوم كذلك في كووه أو هرمز أو ملاقة على البضائع المذكورة. وأصبحت المراكب التي لا تحمل هذه الأوراق ـ وأحياناً حتّى المراكب التي تحملها ـ عرضة للمصادرة أو الإغراق من قبل السفن البرتغالية إذا كان أصحابها من المسلمين([329]).
وعلى رغم عدم التكافؤ في حجم المراكب وسلاحها فإنّ غزاة البحر المسلمين من موانئ مليبار نشطوا في هجماتهم على سفن البرتغاليين كما يذكر المعبري، وحتّى قرب قلاع كووه كان غزاة موبله (Moplah) المسلمون من ساحل مليبار يوقعون خسائر كبيرة في تجارة البرتغال الساحلية وذلك باعتراضهم سبيل قوافل المراكب البرتغالية الصغيرة (Cafilas) المشحونة بالأرز والمؤمن إلى قاعدة كووه البرتغالية. ومع ذلك، فإنّ هذه الهجمات ـ على رغم خطورة بعضها أحياناً ـ لم تقض على قوّة البرتغال البحرية في المحيط الهندي، ذلك لأنذ غزاة البحر المسلمين في مراكبهم الصغيرة ذات المجاذيف لم يكن باستطاعتهم أن يجابهوا بصورة فعالة وسط البحار السفن البرتغالية الكبيرة التي كانت تشكل نواة قوّة البرتغال البحرية. ويعتبر بعض المؤرخين صمود البرتغاليين في كووه وشيول العام 1571م مضاهياً للانتصار الذي أحرزه أمير النمسا دون خوان على الأسطول العثماني في معركة ليبانتو البحرية في العام ذاته([330]).
لم يقتصر نشاط البرتغاليين على ميداني الحرب والتجارة، بل شمل كذلك ميدان التبشير بالدين المسيحي. فقد صحب المبشرون الفاتحين والتجار البرتغاليين في الأراضي التي سيطروا عليها. وكما قيل فإنّ «المبشر كان يحمل الإنجيل، وكان التاجر يحمل المبشر». ولم تبدأ حركة التبشير جدياً إلاّ في عهد ملك البرتغال جون الثالث (حكم 1521 ـ 1557م) وبخاصة منذ وصول المبشر اليسوعي فرانسيس شافيير (Xavier) الذي قال: «حينما كنت أسمع عن عبادة الأوثان كنت أتوجه على الفور إلى المعبد يصحبني فوج من الصبيان يقومون بتحطيمها والبصق عليها ودوسها بالأقدام»([331]).
وصدر عن السلطات البرتغالية في كووه عدد من القوانين الجائرة تحظر مزاولة الإسلام والهندوسية والبوذية علناً في الأراضي الخاضعة لسيطرتها. ونص مرسوم صدر العام 1567م على تدمير المعابد غير المسيحية في الأراضي الخاضعة للبرتغاليين، وحظر ذكر اسم النبي (صلّى الله عليه وآله) في أذان المسلمين في المساجد، وطرد رجال الدين غير النصارى، ومصادرة وحرق الكتب المقدسة حيثما وجدت. واستثنيت من التدمير مساجد هرمز حيث السكان كلّهم من المسلمين ومراعاة لمشاعر الفرس الذين كانت قوّتهم في نمو وازدياد على عهد الصفويين([332]) ومع ذلك، فإنّه لم يتنصر عدد يُذكر من المسلمين على ساحل مليبار، واقتصر التنصر على النساء المعاشرات لرجال برتغاليين، وعلى أبّاق العبيد، والمعدمين الذي كان يشار إليهم ـ ازدراء ـ باسم نصارى الأرز([333]).
الوطاسيون 876ـ961هـ
ولتداخل تاريخ السعديين بتاريخ الوطاسيين كان لا بدّ لنا من الحديث عن الوطاسيين قبل الولوج في الحديث عن السعديين([334]).
قال صاحب الاستقصاء إنّ بني وطاس فرقة من بني مرين غير أنّهم ليسوا من بني عبد الحق. ولمّا دخل بنو مرين المغرب واقتسموا أعماله كان لبني وطاس هولاء بلاد الريف، فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم. وكان بنو الوزير منهم يسمون إلى الرياسة ويرمون الخروج على بني عبد الحق، وقد تكرر ذلك منهم. ثمّ أذعنوا إلى الطاعة وراضوا أنفسهم على الخدمة فاستعملهم بنوعبد الحق في وجوه الأعمال والولايات واستظهروا بهم على أمور دولتهم، فحسن أثرهم لديهم وتعدّد الوزراء منهم فيها. وقال ابن خلدون أنّ بني الوزير هؤلاء يرون أنّ نسبهم دخيل في بني مرين وأنّهم من أعقاب يوسف بن تاشفين اللمثوني، لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ووشجت فيه عروقهم، حتّى لبسوا جلدتهم، وكان لكثير من بني وطاس المراتب العالية والوظائف العظيمة في دولة بني مرين فمنهم من ساعد على ارتقائها وتنظيم أحوالها ومنهم من امتدّت يده إلى العبث بها واراد الاستبداد بسلاطينها.
وأوّل من ولي السلطنة من دولة بني وطاس هو السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ (876هـ)، بعد قهره للحفيد، وكان قبل ذلك يملك مدينة أصيلا وضواحيها. ولمّا رأى زوال دولة بني مرين واضطراب الأمور وطمع كلّ من كانت توسوس له نفسه بالاستيلاء عليها وحيازة ابن الأحمر لجميع ثغور الأندلس التي كانت لبني مرين، وقيام الفرنج للتغلب على المغرب، جمع جنداً عظيماً واستولى على مدينة فاس بعد أن حاصرها وضيّق عليها، ولمّا تمّت له البيعة التفت لتدويخ القبائل فدخلوا في طاعته. وفي زمنه استولى الإسبانيول تحت رئاسة ملكهم فردينند الخامس الكاثوليكي ملك أراغون وزوجته إيزابيله ملكة قشتالة على مدينة غرناطة (897هـ) ومحيت دولة بني الأحمر من الأندلس ولم يبق بها للمسلمين سلطان وتفرق سكانها أيدي سبا فذهب غالبهم إلى بلاد المغرب الأقصى وإلى تونس وطرابلس ومصر وغيرها. ولمّا سقطت غرناطة قدم على السلطان محمد الشيخ سلطانها أبو عبدالله بن الأحمر فاستوطن فاس تحت رعاية السلطان محمد الشيخ بعد أن خاطبه بقصيدة طنانة من إنشاء وزيره أبي عبدالله محمد العربي يقول في مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم
رعيا لمّا مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن
دار الزمان عليه دور منتقم
وهي طويلة وأصحبها برسالة في هذا المضمون وأقام ابن الأحمر بمدينة فاس بأهله وأولاده وحاشيته معززاً مكرماً إلى أن أدركته الوفاة (940هـ). وفي عصر هذا السلطان (907هـ) استولى البرتغال على ساحل البريجة بين أزمور وتيط وشيّدوا بها مدينة جديدة حصينة. ولم يتمكن بنو وطاس في تلك المدّة من مقاتلة هؤلاء البرتغال لاشتغالهم مع برتغال سبتة وطنجة وغيرهما. ولم يكتف البرتغال أيضاً بذلك بل استولوا على سواحل السوس فاحتلوا مدينة أكادير وكانت وفاة السلطان محمد الشيخ (910هـ).
وبعد وفاته بايعوا ابنه محمد الملقب بالبرتغالي. وفي عصره استولى البرتغال على غالب الثغور وضايقوا المسلمين أشد المضايقة. وقد اهتم هذا السلطان بأمرهم كثيراً وردّد عليهم الجيش بعد الجيش حتّى شغل بمقارعتهم عن النظر في أحوال البلاد فكان ذلك من أكبر الأسباب لظهور دولة السعديين (915هـ) وكان البرتغال استولوا على ثغر أصيلا مدّة والده، فلمّا ولى هذا الملك حاصرهم بهما (914هـ). ثمّ تمكن من دخولها وقاتل البرتغال وسط الأزقة يومين. ثمّ جاء المدد إلى البرتغال فتقهقر المسلمون لكنّهم لم يتركوا المدينة إلاّ خراباً ليس بها حجر على حجر. ثمّ جد البرتغال في إصلاحها وبقيت في يدهم إلى أنّ استردّها المسلمون فيما بعد. وفي تلك السنة أيضاً استولى البرتغال على ثغر أزمور وبعدها افتتحوا أيضاً ثغر المعمورة (921هـ) إلاّ أنّهم لم يقووا على البقاء بها حيث استردّها هذا السلطان. وفي عصر هذا السلطان أيضاً استفحل أمر السعديين بجهات السوس وطرد سلطانهم أبو العباس الأعرج البرتغال من تلك الجهات، ودخل في طاعته أهل مراكش فانتقل إليها (930هـ) بعد أن انتزعها من يد بني وطاس. وكانت وفاة هذا السلطان الوطاسي وبين أبي العباس السعدي سلطان مراكش وقسمت بينهم البلاد حقناً للدماء وتقرر الصلح بينهما بذلك (940هـ). ولم يمكث الحال على هذا زمناً طويلاً بل تغيّرت الأحوال بين الوطاسيين والسعديين فانتشب القتال بينهم ودام أياماً إلى أن كانت الهزيمة على الوطاسيين ( 943هـ). ثمّ أنّ السلطان أبا العباس أراد الأخذ بالثأر من السعديين فعقد مع برتغال آسفي والجديدة وأزور هدنة بثلاث سنوات وكتب البرتغال بذلك لملكهم. ثمّ حدث القتال بين الوطاسيين والسعديين فكانت النصرة في هذه المرّة أيضاً للسعديين (952هـ). وبذلك استولى سلطانهم محمد الشيخ السعدي على مكاسة (955هـ). ثمّ افتتح فاس بعد حصارها وأسر سلطانها أبا العباس الوطاسي (956هـ). ثمّ قبض على الوطاسيين أجمع وبعث بهم مقيدين إلى مراكش وكانت وفاة أبي العباس الوطاسي بمراكش (960هـ) وبذلك استقل الشيخ السعدي بأمر المغرب.
وقام بالأمر من بعده السلطان أبو حسون الوطاسي مرّة ثانية، وكان لما قبض الشيخ السعدي على بني وطاس عند استيلائه على فاس فرّ أبو حسون هذا إلى الجزائر، واستنجد بالعثمانيين الذين كانوا استولوا على المغرب الأوسط، وانتزعوه من يد بني زيان، وما زال أبو حسون يحضهم على مساعدته للاستيلاء على المغرب الأقصى ويعدهم بالظفر والغنائم والأموال الجزيلة إلى أن أجابوه إلى مطلبه وأقبلوا معه في جيش كثيف تحت قيادة صالح باشا المعروف بصالح رئيس، النائب عن خير الدين بربروس، الذي كان وقتها بالقسطنطينية، واستولوا على فاس بعد حروب عظيمة وفرّ منها الشيخ السعدي (961هـ)، ثمّ إنّ أبا حسون جمع لجند العثمانيين الذين نصروه وأجلسوه على كرسي أبائه مبلغاً من المال وصرفهم من فاس لشكاية الناس منهم وتخلف منهم نفر يسير.
أمّا السلطان محمد الشيخ السعدي فإنّه بعد فراره وصل إلى مراكش واستقرّ بها وأخذ في استنفار القبائل وبقية الجنود لقتال أبي حسون. ولمّا اجتمع له ما أراد نهض إلى فاس فقابله السلطان أبوحسون ثمّ دارت الحرب بينهما فكانت الهزيمة على أبي حسون ثمّ استولى السعدي أخيراً على فاس (961هـ) وبمقتل السلطان أبي حسون انقرضت دولة الوطاسيين أو الدولة المرينية الثانية من المغرب.
وقد كان البرتغال بعد قيام دولتهم وتقدمها في الفتوحات والاكتشافات، تمدّ أنظارها للاستيلاء على بلاد مراكش، خصوصاً لمّا رأت اختلال دولة بني مرين وقيام الثوار عليها في كلّ جهة وانتشار عقدها، إلاّ أنّها لمّا كانت مهتمة بالاكتشافات البحرية الجديدة وتوسيع نطاق مستعمراتها بجهات الهند، خافت من أنّ الاشتغال بذلك يصرف قوتها عن بلاد المغرب، فسعى ملوكها في إيقاع العداوة والبغضاء بين بني حفص ملوك إفريقية وبين بني مرين ملوك المغرب وساعدتها الفرص والأقدار على ما أرادت وتمكّنت من دسيستها هذه بوقوع الخصام بين الطائفتين المذكورتين. وقد ساعدت هذه الأحوال أيضاً الإسبانيول على مرغوبهم، ألا وهو طرد ما بقي من المسلمين بأرض الأندلس واستئصال سلطانهم منها فهاجموا مدينة غرناطة بحجة تمنع ملوكها من دفع الجزية المضروبة عليهم لملوك إسبانيا، وذلك بعد أن استولوا على ما يتبعها من الحصون والمعاقل. ولمّا تمّ لهم ذلك طمحت نفوسهم إلى الاستيلاء على ما خلف البحر من ثغور المغرب الأدنى والأوسط، فاستولوا على بجاية (910هـ) ووهران (914هـ) وغيرهما. وضعف بنو ريان عن مقاومتهم. ثمّ أرادوا التغلب أيضاً على مدينة الجزائر لولا أنّ صدّهم عنها خير الدين بربروس وأخوه أوروج وطردوهما من تلك الأطراف تماماً([335]).
الدولة السعدية
كان البرتغاليون قد توسعوا في سواحل المغرب فاحتلوا معظم المواقع على ساحل الأطلنطي، فطنجة وأصيلا والعرائش سقطت في أيديهم سنة 876هـ ـ 1471م، وقبل ذلك كانوا قد احتلوا الدار البيضاء التي كانت تعرف بـ (آنفا)([336]) سنة 874هـ ـ 1469م، ثمّ ماسة سنة 894هـ ـ 1488م، ثم أگادير سنة 911هـ ـ 1505م، ثمّ آسفي سنة 914هـ ـ 1508م، ثمّ مازغان سنة 920هـ ـ 1514م، وآزمور سنة 919هـ ـ 1513م، ثمّ العجوز سنة 925هـ ـ 1519م. وأخذوا يغيرون على الداخل فيأسرون الرجال ويسبون النساء وينهبون القرى.
ثمّ ازداد عدوانهم فأغاروا على (قارودانت) على نهر السوس وتوغلوا داخل البلاد حتّى أرباض مراكش.
وهنا تلفت المغاربة يبحثون عن قيادة تجمعهم في دفع البرتغاليين عن أرضهم، ويتطلعون إلى زعيم يؤلف شملهم ويوحد أمرهم في نضال الغزاة المعتدين. فكان أن اهتدوا إلى الأشراف السعديين في تفاصيل تأتي.
لقد احتلت إسبانيا مليلة([337]) وغساسة، واحتلت البرتغال سبتة والقصر، ولم يبق للمغرب في الشمال ميناء إلاّ تطوان([338]) التي ساق القدر لها (بنو المنظري) الذي حطوا فيها بعد رحيلهم من الأندلس، فكان في قلوبهم من الحقد على الإسبان الذين أجلوهم عن وطنهم ما يحفزهم إلى الاستبسال في حرب هؤلاء ودفعهم عن تطوان وما إليها، فكانوا ينطلقون في البحر من تطوان لمصاولة السفن الإسبانية والبرتغالية.
وفي سنة 1496 وجّه البابا نداء إلى المسيحيين ليوالوا فتوحاتهم، فزاد ذلك من الحماسة للتوغل في المغرب فتوالى سقوط الموانئ ميناء بعد ميناء.
على أنّ الإسبان جذبتهم الاكتشافات الأميركية فانصرفت طموحاتهم إليها، وظلّ البرتغاليون متوجهين بكلّ حماستهم إلى المغرب.
وكان البرتغاليون أسبق إلى التوسع في المغرب من الإسبان، ومرّ توسعهم في مرحلتين: مرحلة الاستيلاء على الثغور الشمالية من سنة 818هـ ـ 1415م إلى سنة 876هـ ـ 1471م.
والمرحلة الثانية مرحلة الاستيلاء على الثغور الغربية الجنوبية من سنة 908هـ ـ 1502م إلى 919هـ ـ 1513م.
ويمكن إجمال المرحلتين على الشكل التالي:
1 ـ سبتة([339]): بسقوط الأندلس والتفكير بإجلاء المورسكيين، خشي الإسبان والبرتغاليون من احتشاد المسلمين في الثغور المغربية الشمالية والإعداد لهجمات على (إيبيريا) لذلك سارعووا إلى احتلال هذه الثغور، فكان أن احتلت سبتة سنة 1415.
2 ـ القصر الصغير([340]): استولى عليه البرتغاليون سنة 1458 وحاول المرينيون استرداده سنة 1459 فلم يفلحوا.
3 ـ انفا، أصيلا، طنجة([341]): حاول البرتغاليون سنة 1437 الاستيلاء على طنجة فساقوا أسطولاً إلى سبتة ومنها إلى طنجة فأحسن المرينيون الدفاع عنها بعد أن أنجدتهم تجمعات شعبية من الجوار، فانهزم البرتغاليون عنها.
وفي سنة 1458 عاودوا المحاولة وكانوا هذه المرة بقيادة الملك الفونسو الخامس، فعاودتهم الهزيمة، ولكنهم احتفظوا بالقصر الصغير.
وبعد عشر سنين سنة 1468 كان البرتغاليون يغادرونها وهي خالية شبه خراب، فتركوها ليعودوا إليها بعد أربعين سنة.
وأمّا أصيلا فقد كانت سنة 876هـ ـ 1471م تقاوم بضراوة القطع الثلاثمئة من الأسطول البرتغالي، والثلاثين ألف مقاتل المصاحبين له، ولكن قواها ضعفت أمام الاندفاع البرتغالي البحري البري الأقوى فدخلها البرتغاليون فاتحين، وبعد أسبوع من فتحها امتدوا إلى طنجة، ولم تتخلص منهم إلاّ بعد قرنين.
وكما انشغل الإسبان من قبل باستكشافات أمريكا، انشغل البرتغاليون الآن باستكشاف أفريقيا، فلم يعاودوا فتوحهم في الشواطئ المغربية إلى بداية القرن السادس عشر (العاشر الهجري). وفي ثلاثين سنة وصلوا إلى إفريقيا الاستوائية سنة 1471 وهي السنة التي احتلوا فيها أصيلاً وطنجة. وفي سنة 1482 وصلوا إلى مصب الكونغو، ثمّ إلى رأس الرجاء الصالح سنة 1486 فانفتح أمامهم طريق الوصول إلى الهند.
وهكذا مرّت ثلاثون سنة ونيف بعد احتلال طنجة، وقبل أن يشرع البرتغاليون في إنجاز المرحلة الثانية التي هي مرحلة احتلال الثغور الغربية الجنوبية التي تبدأ في فترة قريبة جدّاً من قيام الدولة السعدية([342]).
وتبدأ المرحلة الثانية باحتلال أكادير سنة 1505 ثمّ آسفي سنة 1508 ثمّ أزمور([343]) التي سقطت سنة 1513.
وقد تمزقت البلاد وانحلت وحدتها، ولم يستطع (الوطاسيون) الذين حكموا من (1471ـ1533)، وظلّوا في فاس حوالي نصف قرن بعد قيام السعديين ـ لم يستطيعوا أن يعيدوا البلاد إلى وحدتها. وكان الأمر على هذا الشكل:
1 ـ مليلية (أو مليلة) وغساسة بيد الإسبان.
2 ـ سبتة وطنجة والقصر الصغيرة وأصيلا وأزمور وآنفا وآسفي وأكادير وغيرها بيد البرتغاليين.
وبقية البلاد تتنازعها سلطات محلية متنوعة. فقد كان نفوذ الوطاسيين قد أصبح لا يشمل إلاّ جزءاً من القسم الشمالي للمغرب، كما انحصر نفوذ (هنتانة) بمراكش وضاحيتها. أمّا في الجهات الجنوبية فقد كان الولاة يتنازعون على السلطة في صراع مسلح([344]).
السعديون
هم حسنيون من سلالة محمد النفس الزكية. ولمّا نجحت دولتهم قامت لها خصومات عمد خصومهم إلى محاولة الطعن في أنسابهم، على ما اعتاده المتخاصمون في مثل هذه الظروف.
وكلّنا نعرف المحاولة التي قام بها العباسيون بعد نجاح الفاطميين في إقامة الدولة ووصولهم إلى مصر، وخوف العباسيين من استمرار التقدّم، فلجؤوا إلى الطعن في نسبهم ونفي صحة انتسابهم إلى فاطمة وعلي (عليهم السلام).
وكذلك الشأن مع السعديين الذين ووجهوا بهذه المطاعن، فقيل إنّهم من بني سعد بن بكر بن هوازن الذي تنتمي إليه حليمة السعدية مربية النبي (صلّى الله عليه وآله)([345]).
وقيل إنّهم إنّما لقبوا بالسعديين تيمناً لأنّهم سعدوا بدولتهم([346]).
على أنّهم في الحقيقة من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقد اعترف بهذه الحقيقة أحفاد الذين أنكروها وكانوا أصل من طعن في نسب السعديين من عرفوا باسم (العلويين) الذين تألفت منهم الأسرة المغربية المالكة حتّى اليوم في المغرب. وهي الأخرى أسرة حسنية تشارك السعديين في انتمائهم إلى النفس الزكية. وقد أراد أحد سلاطينها أن يبرئ ذمة أسرته فروى عنه الزياني صاحب (الترجمان المغرب)([347]) ما يلي:
«والذي سمعته من مولانا أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبدالله رحمه الله لما جرى ذكرهم، وذكرنا له الخلاف في نسبهم قال: أسكت ولا تعد لهذه المقالة فإنّهم إخواننا وبنو عمّنا، وجدّنا وجدّهم واحد، وقريتنا وقريتهم بـ (ينبع) واحدة يُقال لها بنو إبراهيم وجدّهم أحمد، خرج للمغرب قبل جدّنا الحسن بنحو الثلاثين سنة وهم إخوان، لكنّهم لمّا ملكوا لم يعاملونا معاملة الإخوان، واقتصروا على التعظيم والاحترام، فكان سلفنا يحقدون عليهم إهمالهم لجانبنا… هذا موجب طعن سلفنا في نسبهم، وإلاّ فالحق أحق أن يتبع».
على أنّ الأمر في الخصومة لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه في الافتراء والبهتان إلى درجة التطاول على أبرز رجل في السعديين وهو: المنصور بن محمد المهدي (1539ـ1556م) بأنّه لم يكن ابناً شرعياً([348]).
قدومهم إلى المغرب
قدم السعديون إلى المغرب في أوائل القرن الثامن الهجري (الرابع عشر) في عهد بني مرين بطلب من فريق من أبناء (دَرْعَة)([349]) التقوهم حين أدائهم مناسك الحج فدعوهم إلى الرحيل إليهم في المغرب. وليست لدينا تفاصيل عمّن كان أوّل قادم منهم، وهل كان واحداً أو أكثر من واحد على أنّ (الزياني) يذكر أنّ جدّهم أحمد بن محمد بن القاسم قدم إلى المغرب في القرن السادس الهجري (الثاني عشر) الزياني، ترجمان، ص342)، كما يقول صاحب (السياسة والمجتمع).
والمعروف أنّهم في الأصل من مقاطعة (ينبع) في الحجاز، وإذا كان الدرعيون قد التقوا منهم بمن دعوه إلى بلادهم، فيقتضي أن يكون هذا اللقاء في مكة لا في ينبع. ويقول صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ)([350]) «يبدو أنّهم (الدرعيون) اتصلوا بهم وقت أداء مناسك الحج حتّى يتيمّنوا بوجودهم في استصلاح زروعهم وثمارهم» اهـ.
ونشك نحن في هذا السبب الذي يقول المؤلف أنّهم دعوهم لأجله، فلا نحسب أنّ أولئك الأشراف كانوا خبراء زراعيين متخصصين في استصلاح الزروع والثمار، بحيث يستدعون من الحجاز إلى المغرب لأجل ذلك؛ بل نرى أنّهم كانوا من أهل الفقه والصلاح والتقوى فتوسم فيهم المغاربة الخير لاستصلاح العقائد والتمسك بها. والمؤلف يستعمل كلمة (تيمّنوا) بهم، واستصلاح الزروع والثمار لا يقتضي التيمّن برجاله…
والمؤلف نفسه حين يتحدّث عن عوامل تأسيس الدولة السعدية يقول إنّ من تلك العوامل كون السعديين (أشرافاً) وإنّهم لجأوا إلى إقناع الناس بشرف نسبهم حتّى يبرروا أنّ لقيام دولتهم أساساً دينياً… اهـ.
واستصلاح الزروع والثمار لا علاقة لأصحابه بشرف النسب ونجابة الأصل، ولا يتوسل الخبير به بهذه الوسيلة ليدعو إلى نفسه. بل إنّ الذي يتوسل بها من يستدعي أو يدعو لنفسه إلى صلاح المجتمع والمكانة الرفيعة فيه والسيادة على أهله.
والمكان الذي حلّت به الأسرة السعدية في المغرب هو قرية (تاكمَدَارات) من نواحي درعة.
وجاء عهد أحدهم محمد بن عبد الرحمن الذي كان مقرئاً يقضي حياة شعبية قوامها البساطة والتعفف، منصرفاً إلى العلم متنفلاً في سبيل أخذه من مكان إلى مكان. ولما شبّ نجلاه أحمد ومحمد كان يصطحب أحدهما ذاهباً من تاكمدارات إلى أگادير ليقاتل مع المقاتلين زحوف البرتغال.
ويروى أنّه وجّه ولديه للانضمام إلى الوطاسيين المدافعين للبرتغال، في حين كان هو يقوم باتصالاته السرية في الجنوب، وانّ ولديه برزا كلّ البروز في المدافعة ما جعلهما موضع تقدير السلطان الوطاسي أبي عبدالله محمد.
وظلّ الأمر كذلك حتّى كان البرتغاليون قد استقروا في شمال ناحية السوس([351]) وبنوا حصن (أگادير) وبدا أنّهم سيتوغلون في البلاد. ورأى السوسيون الخطر الداهم ففاوضوا أحد صلحائهم محمد بن مبارك من (آقا) في أقصى الجنوب السوسي لينصبوه أميراً عليهم فتجتمع كلمتهم بقيادة موحدة في نضال البرتغاليين بعد أن تتم بيعته في المغرب كله([352]).
ولكن محمداً هذا رفض طلبهم وأشار عليهم بأن يولوا أمرهم محمد بن عبد الرحمن السعدي ففعلوا، وتمّت البيعة سنة 915هـ ـ 1510م في (تيدسي) وهي قرية قرب (تارودانت)([353]) تبعد عنها 22 كلم جنوب غربيها واعترف بهذه البيعة الشيوخ والقضاة والفقهاء من المصامدة. ولقب محمد السعدي بلقب القائم بأمر الله.
وافتتح محمد القائم عهده بالهجوم على البرتغاليين عند (أگادير)([354]) فأحرز عليهم عدّة انتصارات أدّت إلى أن يستقدمه أهل (الشياظمة) و(حاحا) ليقود جيوش مقاومة البرتغاليين في ديارهم وكانت وفاة محمد سنة (923هـ ـ 1517م).
خلفاء محمد القائم
تولّى بعد محمد ولده ولي عهده أبو العباس أحمد الأعرج فكان أوّل ما عني به هو إعداد جيش واستطاع أبو العباس الانتصار على البرتغاليين في آسفي([355])، وإيقاف زحفهم نحو الداخل. وبدأ انسحابهم من الشواطئ المغربية في أواسط عهد أبي العباس الأعرج، وكان خروجهم من آسفي حوالي سنة (933هـ ـ 1526م) وتتابع خروجهم على دفعات، وإن ظلّت لهم بعض المواقع.
وأخذت جيوش أبو العباس تزحف زحفاً سلمياً خلال الحرب مع البرتغاليين، بدعوة الاستنجاد على هؤلاء بالأمير الهنتاني (ناصر بوشنتوف) الذي أسرع فأمرهم بالنجدات، فكان أن دخلوا مراكش سنة 930هـ.
وقد أدّى ذلك إلى اشتعال الحرب سنة 935 بينهم وبين الوطاسيين([356]) الذي رفضوا تدخلهم في مراكش، فتدخل العلماء والصلحاء فتمّ الاتفاق على أن يعترف بسيادة الوطاسيين على الجزء الواقع فيما بين (تادلا) والمغرب الأوسط، وسيادة السعديين على ما بين تادلا والسوس. ولم يطل أمر هذا الاتفاق بل نقضه السعديون وهزموا الوطاسيين في معركة حاسمة سنة (943هـ ـ 1536م).
على أنّ صراعاً شبّ بين أبي العباس أحمد وبين أخيه محمد المهدي بسعايات بعض رجال الحاشية، أدّى إلى انتصار محمد وخلع أبي العباس سنة 946هـ.
وكان البرتغاليون لا يزالون يحتلون (أگادير) وبذلك ظلّوا يهددون منطقة السوس، فاستطاع محمد المهدي الانتصار عليهم وإخراجهم من أگادير سنة 948هـ وكان لمدافعه أثر كبير في هذا الانتصار.
وقد كان لهزيمة البرتغاليين هذه الهزيمة صدى بعيد في الأحداث التالية إذ أدّت إلى أن يأخذ البرتغاليون بالتخلي عن مواقعهم في المغرب موقعاً بعد موقع.
ولمّا كانت الدولة قد قامت على أكتاف أهل السوس فقد رأى محمد المهدي([357]) أن يتّخذ من مدينة مراكش عاصمة له ليظل قريباً من أنصاره السوسيين فاستقرّ فيها سنة 951هـ وظلّت منذ تلك السنة عاصمة لهم حتّى انتهاء دولتهم.
وتابع محمد فتوحاته عبر الشمال فاستولى على مكناس([358]) سنة 955 بعد استيلائه على حصن قشتاله. ثمّ حاصر مدينة فاس ودخلها سنة 959 مطارداً الوطاسيين في كلّ مكان ونجا من الأسر أبو حسّون علي بن محمد الوطاسي، فحاول أوّلاً الاستنجاد بالبرتغاليين والإسبان فلمّا أخفق في ذلك حاول الاستنجاد بالأتراك. فلمّا رأى ذلك محمد المهدي أسرع فغزا الأتراك في معقلهم في الجزائر.
وقبل أن يحل العام 957هـ بدأ بحصار تلمسان وكان بها يومئذ سلطان من بني عبد الواد تحت حماية الإسبان المباشرة، وظلّ على حصارها تسعة أشهر إلى أن أدخلها في السيادة السعدية. وهنا جاءت نجدات تركية هزمت الجيش السعدي و استردّ الأتراك تلمسان، وعندما حاول محمد المهدي معاودة غزوها فشل في ذلك فصرف النظر عن فكرة ضمّ المغرب الأوسط إلى الحكم السعدي، إذ كان عليه أن يجابه الأتراك والإسبان فضلاً عن الوطاسيين وبقايا البرتغاليين بالمغرب الأقصى.
أمّا أبو حسّون فإنّه سنة 956هـ انصرف إلى استرجاع دولته ففاوض نائب الملك في إسبانيا وشارل كان في ألمانيا فلم يجده ذلك شيئاً، فلجأ إلى البرتغاليين فأسعفوه بقوى بحرية فلم يلبث أن أسره الأتراك في عرض البحر. ولكنّه استطاع إقناع القائد التركي بالتحالف معه، فتألّفت قوّة جزائرية تركية لمحاربة محمد المهدي الشيخ، فلم يقو هذا على مدافعتها فسقطت (تازة)([359]) ثمّ فاس بيد الجيش التركي، فعاد الوطاسيون إلى حكم فاس.
وانتهى الأمر بقتل أبي حسّون في معركة مع السعديين بتادلا([360]) أواخر سنة 961هـ وبذلك قضى نهائياً على الدولة الوطاسية.
ظل محمد المهدي الشيخ مصمماً على عدم الاعتراف ـ ولو رمزياً ـ بالسلطة العثمانية على المغرب. ولمّا دعاه السلطان سليمان القانوني (1520ـ1566م) إلى الدعاء له على منابر المغرب بصفته خليفة المسلمين ردّ عليه بأنّه لا يجيبه حتّى يكون بمصر إن شاء الله.
ولكن العثمانيين دبّروا اغتياله في آخر سنة 964هـ وحملوا رأسه إلى البلاط العثماني…
وتولّى بعده ولده أبو محمد عبدالله الغالب، ولم تمض سنة على توليه حتّى هاجم الأتراك المغرب ولكنّهم فشلوا في هجومهم.
ولم يعترف ـ كأبيه ـ بخلافة العثمانيين وهادن الإسبان فناصروه أحياناً وخذلوه أحياناً أخرى، وممّا أخذ عليه ـ بحق ـ تسليمهم (حجر باديس) في الشمال فاتخذوه مقراً لمراقبة الأتراك.
ومن أياديه البيض تجرّده لمعاونة (المورسكيين) المسلمين في اضطهاد الإسبان لهم وقد أرسل لهم موفداً ولكن الإسبان اكتشفوه وقتلوه.
المورسكيون
المورسكيون: هم المسلمون الذين أرغموا على التنصّر بعد سيطرة الإسبان على الأندلس وقيام (محاكم التفتيش) وفظائعها بعد سقوط غرناطة فقد حاولت الكنيسة أوّل الأمر تنصير المسلمين بالوعظ والإقناع والتأثيرات المادية فلم يغنها ذلك شيئاً فانقلبت إلى العنف والمطاردة، فأغلقت المساجد وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم وانتهكت عقائدهم وشريعتهم. وفي شهر تموز سنة 1499م (905هـ) اتخذت وسائل فعالة لتنصير المسلمين، فجاء الكردينال (همنيس) إلى غرناطة ودعا أسقفها (الدون تالاڤيرا) إلى العمل الجدي في التنصير.
وقد فرض التنصير على المسلمين فرضاً، ولم تحجم السلطات الكنسية والمدنية عن اتخاذ أشد وسائل العنف. ولم يستكن المسلمون إلى هذا العنف دون تذمر ودون مقاومة، وسرت إليهم أعراض الثورة لا سيما في الجبال. وقرّر مجلس الدولة بأنّ المسلمين أصبحوا خطراً على الدين والدولة، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية. وسرعان ما سرت الحمية في المسلمين فأعلنوا الثورة في معظم نواحي غرناطة وفي ربض البيازين وفي البشرات وغيرهما واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم وحريتهم، ولكنّهم كانوا عزلاً، فكثر بينهم القتل والسبي، وقضي بالموت على مناطق بأسرها ما عدا الأطفال الذين هم دون الحادية عشرة، فقد حوّلوا إلى نصارى. وحمل التعلّق بالوطن وخوف الفاقة وهموم الأسرة كثيراً منهم على الإذعان والتسليم فقبلوا بالتنصير المغصوب ملاذاً للنجاة. وهكذا ذاع التنصر.
ثمّ بعد هذا كلّه كان من أظهر التنصر من المسلمين يكتم الإسلام خيفة فشدّدوا عليهم في البحث حتّى إنّهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك.
وقامت محاكم التفتيش في مطاردة المورسكيين بأعظم دور وتركت في مأساتهم أعظم الأثر.
وعمّ التنصر المورسكيين وصاروا يتكلمون ويكتبون القشتالية غير أنّهم لم يندمجوا بغيرهم.
وفي سنة 1609 تقرّر نفيهم إلى المغرب وإن عليهم أن يرحلوا خلال ثلاثة أيام وأن يحملوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم.
ونفذ قرار النفي في كلّ مكان بصرامة ووحشية.
وفي هذا الوقت الذي نكتب فيه هذا الكلام وفي الثالث عشر من كانون الأوّل (ديسبمبر) سنة 1998 بالذات عرفنا عن عقد مؤتمر إسبانيا يتعلق بالمورسكيين نذكر عنه هنا ما يلي:
بدعم من مستشارية الثقافة والتعليم في مقاطعة مدريد، أقامت «مؤسسة الجنوب للبحوث» في الفترة من 3 إلى 5 كانون الأوّل (ديسمبر) الجاري أوّل مؤتمر علمي حول «السياسة والمورسكيين في عهد البيت الملكي النمساوي في إسبانيا»، أي في الفترة ما بين 1517 و1700 ميلادية، أي بعدما يزيد قليلاً عن عقدين على سقوط غرناطة، والذي كان في رأي معظم المشاركين في المؤتمر مقدمة لأحداث تاريخية فظيعة تدل على مدى الشر الذي كان يكمن في العقلية الأوروبية المسيحية تجاه الإسلام والمسلمين، لأنّ المورسكيين في رأي معظم الباحثين لم يكونوا سوى أبناء الأمة الأندلسية التي اختلطت فيها الدماء العربية والبربرية الوافدة مع الفتح الإسلامي والدماء الأصيلة لسكان تلك البلاد قبل أن تقوم دولة الأندلس… تلك الأحداث التي تكررت في عالمنا المعاصر في أشكال أخرى مثل ما حدث في البوسنة والهرسك ويحدث الآن في كوسوفو.
شارك في هذا المؤتمر العديد من المستعربين الأوروبيين المتخصصين في الدراسات المورسكية، مثل ألفارو غالمث دي فيونتس ورودولفو خيل غيرماو وماريا خيسوس روبيرا ماتا ولويس فرنانديت برنابيه بونس من إسبانيا، وجان بيير مولينات من فرنسا، وأنطونيو ديازفارينا وإيزابيل ريبيرا مينديز ولويس كارميلو من البرتغال.
ومن الجانب العربي شارك في المؤتمر عدد من الباحثين المتخصصين، منهم: جمال عبد الكريم من مصر، وعبد الجليل التميمي وعبد الكريم سلامة من تونس، ومحمد بن عزوز حكيم وحسين بو زينب وفاطمة رشيدي من المغرب، ومحمد عبده حتم الله من الأردن.
تناولت البحوث التي ألقاها المشاركون مختلف جوانب حياة المورسكيين في ظل السياسة المسيحية التي مارسها ملوك إسبانيا الذين ينتمون إلى البيت الملكي النمساوي، والتي قامت خلالها محاكم التفتيش التي انتهت أخيراً بطرد ما تبقى من المورسكيين في إسبانيا بعد محاولاتهم استرداد حقوقهم الشرعية كمواطنين ولدوا وتربّوا على أرض الأندلس قبل أن تكون هناك دولة تسمّى إسبانيا.
ومن بين البحوث التي نوقشت في هذا اللقاء، بحث الدكتور جمال عبد الكريم نائب رئيس مؤسسة الجنوب والأستاذ بجامعة القاهرة، الذي أكد في بحثه على أنّ العودة إلى تناول أوضاع المورسكيين في تلك الفترة هدفها الكشف عن جذور الأوضاع التي تشهدها مجتمعات إسلامية أوروبية معاصرة، عاشت لسنوات طويلة تنشد السلام مع جيرانها من المجتمعات المسيحية، ولكنّها واجهت في النهاية تطبيقاً جديداً ومعاصراً لمحاكم التفتيش التي شهدها إخوة لهم على أثر سقوط دولة الإسلام في الأندلس.
تلك المحاكم لم تكن سوى أداة سياسية للقضاء على شعب بكامله لمجرد وجود تفرقة في العقائد، ليكون المورسكيون أوّل شعب يواجه عملية تطهير عرقي في أوروبا طوال تاريخها، لأنّ المورسكيين ـ في رأي الباحث ـ كانوا إسباناً مثلهم مثل أي إسباني آخر، وكلّ ما كانوا يتميزون به هو اختلاف عقيدتهم عن عقيدة ملوك إسبانيا الجدد الذين شنّوا على الأندلس حرباً صليبية.
من أبرز البحوث التي قدمت جديداً في هذا المجال، وحاولت أن تلقي الضوء على محاولات المورسكيين تطبيع علاقاتهم مع المسيحيين في ظلّ القوانين الجديدة التي كانت محاكم التفتيش تطبقها عليهم، جاء بحث «المؤامرات الغرناطية في الكتب الرصاصية» للباحث الإسباني لويس فرنانديث بونس الذي تناول تلك المحاولات المورسكية لتطبيع تلك العلاقات من خلال الكتابات السرية التي تمّ العثور عليها في «الساكرومونتي»، تلك الكتابات التي حاولت أن تموج المعتقد الإسلامي بالمعتقد المسيحي لتقدّم للمورسكيين شكلاً يجعلهم يحافظون على ديانتهم الإسلامية الحقيقية في الخفاء، وفي الوقت نفسه يظهرهم أمام المسيحيين بمظهر «المتنصرين» خصوصاً بعد فشل محاولاتهم التمرد على الأوضاع الجديدة.
أكد الباحث أنّ ظهور هذه المخطوطات فتح في المجتمع الإسباني نقاشاً واسعاً توصّل المشاركون فيه إلى نتائج متعارضة، وفي أحيان كثيرة متناقضة، إذ كان بعضهم يرى أنّها محاولة لإيجاد مخرج «مثالي» للمتنصرين الجدد لمواجهة حياتهم الجديدة في ظل معتقد جديد أجبرتهم عليه الأوضاع السياسية والاجتماعية الناتجة عن هزيمتهم على أيدي الملوك الكاثوليك.
لكن الباحث يؤيد الرأي القائل إنّ هذه الكتابات كانت تحاول أن تقدّم وجهة نظر إسلامية يمكن أن تؤثّر في الرأي العام الإسباني المسيحي لأنّ مخطوطات «الساكرومونتي» وغيرها من المخطوطات التي أمكن العثور عليها في ما بعد مثل «انجيل برنابا» الشهير، الذي يتبنى وجهة نظر إسلامية بحتة في ما يختص بأنّ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، وتطابقه مع القرآن الكريم في العديد من المسائل منها علامات «قيام الساعة».
كلّ هذه الكتابات المورسكية في رأي الباحث كانت تسير باتجاه واحد مخطط له بشكل جيّد من أجل تغيير رياح المواجهة مع المسيحيين، ومحاولة تبديل وضع المورسكيين فيه بحصولهم على حقوق ومكانة تسمح لهم بمواصلة الحياة على أرضهم التي ولدوا ونشأوا عليها. وأشار الباحث إلى أنّ رأيه الخاص في هذه المسألة هو أنّ ذلك المخطط، لو كتب له النجاح، لأمكنه أن يغيّر تماماً شكل المجتمع المسيحي الذي أجبر المورسكيين في النهاية على الرحيل إلى المغرب وشمال إفريقيا.
وتماماً، كما يحدث في المؤتمرات التي يلتقي فيها باحثون من الشرق والغرب، حدث خلاف شديد بين عدد من الباحثين حول كلمة «الاستعادة» التي يستخدمها الباحثون الإسبان عند حديثهم عن الحرب الكاثوليكية التي انتهت بسقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس. فقد وردت هذه الكلمة كثيراً على لسان الباحث الإسباني ألفارو غالميث، ما دعا الباحث المغربي الدكتور حسين بو زينب إلى التدخل محاولاً أن يبين أنّ تلك الكلمة خاطئة ويجب عدم استخدامها لأنّ مسلمي الأندلس كانوا يشكلون أمّة إسبانية أصيلة ولم يكونوا دخلاء على هذه الأرض كما يحاول أن يصوّر بعض الباحثين المسيحيين، وأنّ الحرب التي شنّها الملوك الكاثوليك لم تكن سوى حرب استعمارية قام خلالها شمال إسبانيا باحتلال الجنوب الذي كان في ذلك الوقت يمثّل الأندلس الإسلامية.
خلال هذا الحوار أعرب عدد من الباحثين الإسبان عن تأييدهم لوجهة نظر الباحث العربي، ومنهم الإسباني رودولفو خيل غيرماو، وطالبوا بمراجعة حقيقية لبعض الكلمات التي يجري استخدامها في البحوث الخاصة بالأندلس والتي لها أصول مسيحية وتعبّر عن وجهة نظر مسيحية، ولا تعبّر عن حقيقة الحدث التاريخي. (انتهى).
ونعود إلى ما كنّا فيه من الحديث عن السعديين.
في سنة (980هـ ـ 1573م) توفي عبد الله الغالب فتولّى بعده ابنه محمد المتوكل، ولكن أمره لم يطل فقد ثار عليه عماه أحمد وعبد الملك واستنجدا بالسلطان التركي فأحالهما على والي الجزائر الذي أرسل جيشاً لقتال المتوكل، فهُزم المتوكل سنة 983 في وادي سبو، ثمّ هزم مرّة ثانية في وادي الريحان قرب سلا، ممّا فتح أمام عمّه عبد الملك أبواب فاس في أواخر سنة 983هـ فتمّت بيعته فيها في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة سنة 983هـ وقد اهتم عبد الملك بأمور الجيش الذي تألف من عناصر عربية وبربرية وأندلسية وتركية وأسّس أسطولاً أرسى قطعه على موانئ الشمال والعرائش وسلا.
وقد حاول المتوكل أن يستقر في مراكش إلاّ أنّه لم يستطع الثبات، وختم حياته أسوأ خاتمة بالتجائه إلى البرتغاليين وملكهم (دون سباستيان) مستنصراً به.
ويبدو من مراقبة أحداث تلك الفترة أنّ المطامع البرتغالية بالمغرب وبما وراء المغرب لم تكن خافية وكان لا بد من التيقظ لها والإعداد لردّها عندما تثور، ولم يبد أنّ المتوكل كان متنبهاً لتلك المطامع أوّ أنّه كان في سبيل الإعداد وتجميع القوى لليوم الذي كان يلوح أنّه لا محالة آت.
وقد كان مبرر قيام الدولة السعدية في الأصل هو وجود الخطر الخارجي الذي يهدد الوطن أشد تهديد.
كان للإحتلال الصليبي للسواحل المغربية صدى عميق الأثر في نفوس الشعب، فقامت دعوات إلى حمل السلاح واقتلاع المغتصبين ممّا احتلوه على الشاطئ المغربي، في حين كانت البلاد غارقة في فتنها الداخلية.
ومن هنا كان التطلع إلى قيادة مخلصة حازمة توحد البلاد وتحارب المد الصليبي الزاحف وفي ذلك يقول الشاعر الهبطي:
فرحم الله أميراً قد سلك
نهج الهدى وما سواه قد ترك
كما به أخذ الحدود والحقوق
والأمر في حرز الديار والطرق
والصون للثغور حيث الكفار
دمرهم ربي سبوا للأبكار
فإن رأى أمراً يضرّ بالمسلمين
سدده ولم يكن في الغافلين
حنانه أيضاً على الرعية
مثل الأب المهموم بالذرية
ما أحوج الورى لذا شر زمان
إلى إمام قائم بالقرآن
فجد علينا يا عظيم المنة
بمن يقوم في الورى بالسنَّة
أمنن علينا بالإمام العادل
يهد بنيان الخنا والباطل
حتّى نرى الحق المبين ظاهراً
وكلّنا به يصير ظافرا
وعندما وجدت هذه القيادة في السعديين وقامت دولتهم على هذا الأساس لم يكن من الجائز السكوت على من يبدو مشكوكاً في تصرفاته وتوجهاته.
لقد قامت هذه الدولة وشعارها حماية البلاد من البرتغاليين الذين لم يخفوا في يوم من الأيام طموحاتهم في الفتح والسيطرة والتقدّم إلى أقصى البلاد الإسلامية. فإذا لم يبال مالك الأمر بهذا فلا بد من التخلص منه…
هذا ما يلوح للمطالع المتتبع، لذلك صمّم الأخوان عبد الملك وأحمد على خلع ابن أخيهما (المتوكل) غير المبالي بما يجري وغير المتحفز لإنماء القوى المغربية التي تستطيع إيقاف البرتغاليين عندما يمشون لاحتلال المغرب.
وقد رأينا كيف أنّ الأخوين لجآ لأكبر قوّة إسلامية في ذلك الوقت هي قوة العثمانيين للاستنصار بها، مع علمهم بمطامع العثمانيين بالمغرب. ولكنّهما قابلا بين احتلال برتغالي واحتلال عثماني، فلم يترددا واستنجدا بالعثمانيين.
وقد صحّت فراسة الأخوين بابن أخيهما، فلم يتورع عن الاستنجاد بالبرتغاليين وملكهم (دون سباستيان)، واتفق معه على تقاسم المغرب، بأن يكون للبرتغاليين: الساحل المغربي ويكون له الداخل.
ولقد رأينا كيف أنّ عبد الملك عمل أوّل ما عمل على تقوية الجيش البري وتقوية الأسطول البحري، وكيف أنّه لم يضع أي وقت في التفكير بغير ذلك([361]).
معركة وادي المخازن الحاسمة
لم يكن (دون سباستيان) بحاجة لمن يحرضه على غزو المغرب، فقد كان من تصميماته الأكيدة، ولم تكن مطامعه محدودة بالمغرب، بل كان يتطلع إلى ما وراء المغرب للوصول بفتوحه إليه.
ولم يكن انضمام المتوكل إليه هو العامل على أنفاذ الغزو، وكلّ ما كان لهذا الانضمام من أثر، هو أنّه ثبته في التوجه إلى إفريقيا بعد أن كان قد أهملها من سبقه من الملوك لا سيما الأمير جون الثالث الذي انصرف بكل جهده نحو أميركا الجنوبية.
على أنّ حاشية سباستيان والنبلاء لم يكونوا من رأيه، بل كانوا معارضين لهذا التوجه، ولكنّه أصرّ على أن يقود الغزو بنفسه فتوجّه من قادس إلى طنجة، ثم أبحر قسم من الجيش إلى أصيلا التي كان البرتغاليون قد أخلوها سنة 1551 ثمّ عادوا إليها في آخر سنة 1577 أمّا الجيش البري فقد توغل معظمه في المنطقة الشمالية متجهاً من طنجة نحو القصر الكبير وكان المتوكل في صميم القيادة البرتغالية ماشياً معها لاقتسام بلاده بينه وبينها.
ولهذا قلنا من قبل أنّ فراسة عبد الملك وأحمد في ابن أخيهما لم تخطئ، وإنّهما حين عملا على إطاحته كانا يخشيان على مصير الوطن. وها هو اليوم يحقق تلك الفراسة.
لقد بولغ في عدد الجيش المهاجم، كما بولغ في عدد الجيش المدافع، وساهمت في المبالغة كلّ من المصادر الأجنبية والمصادر العربية. فقد قيل إنّ عدد الجيش البرتغالي كان 125 ألفاً وقيل مئة ألف. هناك من أنزله إلى 60 ألفاً، ومن زاد في هذا الإنزال فجعله 14 ألفاً.
وصاحب كتاب «المغرب عبر التاريخ» ص259 ج2 ط1993 يرى أن أوسط التقديرات هي أنّ الجيش البرتغالي كان ما بين 40 و50 ألفاً وأنّ الجيش المغربي كان حوالي 60 ألفاً وأنّ عدد مدافع كلّ من الجيشين يكاد يكون متساوياً، فمدافع البرتغاليين كانت 36 مدفعاً، ومدافع المغربيين تقارب هذا العدد.
وبهذا نعلم الجهد الذي بذله عبد الملك في إعداد الجيش وتسليحه، وأنّه كان جديراً بالمهمة التي ندب نفسه لها عندما صمّم على إسقاط ابن أخيه المتوكل.
نفد الجيش البرتغالي خطته بأن عبر ـ كما قلنا ـ إلى طنجة ومنها مشى إلى أصيلا([362]) فاحتلها في تموز سنة 1578 وعسكر فيها. فقرّر عبد الملك أن لا يهاجم الجيش المهاجم وأن يفسح له المجال للتوغل في البلاد بعض التوغل فيبتعد بذلك عن المواقع التي يمكن أن تصلها الإمدادات بسرعة.
ويجمع المؤرخون على أنّه كان في الجيش البرتغالي متطوعون إسبان وفرنسيون وإيطاليون وألمان وقليل من المسلمين من أنصار المتوكل.
ويصف المؤرخ المغربي (الوفراني) حال الناس يومذاك قائلاً:
«وكان خروج النصارى في هذه الوقعة بجيوش حافلة وجموع عديدة يُقال إنّه زهاء مئة ألف وخمسة وعشرين ألف مقاتل وقصدوا هلاك المغرب وحصر المسلمين وإدارة رحى الهوان على أهل الدين. فعظم ذلك على الناس وامتلأت قلوبهم رعباً، وصدورهم كرباً وبلغت القلوب الحناجر واشتعلت على أهل العقول نيران الهواجر».
وأخيراً تقدم سباستيان بجيوشه نحو قصر كتامة عابراً قنطرة وادي المخازن. وهنا عمد عبد الملك إلى عمل عسكري في غاية الإحكام، فلم تكد الجيوش البرتغالية تعبر القنطرة حتّى أرسل عبد الملك كتيبة من الخيل دكّت القنطرة دكاً لئلا يستطيع البرتغاليون معاودة عبورهم في حالة هزيمتهم وليمكن استئصالهم كلّ الاستئصال.
وكان جيش السعديين يتألف من بربر وعرب وأتراك، تصحبه نخبة من الفقهاء والصلحاء انضموا إليه تنفيذاً لفريضة الجهاد، وتحميساً للمقاتلين.
وبالرغم من أنّ عبد الملك قد مرض خلال التعبئة مرضاً شديداً، فقد أصرّ على الحضور بنفسه في القيادة كما حضر أخوه أحمد.
ومضى البرتغاليون تتقدّمهم المدفعية لحماية المشاة وتحيطهم الخيالة من الجانبين، وانتظم المشاة في شكل مربعات متماسكة.
أمّا الجيش المغربي فقد استفاد عبد الملك في تنظيمه من الطريقة الاستراتيجية العثمانية في الحرب حيث كان قد شارك العثمانيين في حروبهم بالجزائر وتونس، فاعتنى بالرماة وسلحهم على النمط الانكشاري، كما اعتنى بالفرسان. وكانت له معامل للسلاح والذخيرة في فاس ومراكش وتارودانت، معتمداً في إنتاجها على معادن البلاد لا سيما النحاس.
ووقع الصدام يوم آخر جمادى الأولى سنة (986هـ ـ 1578م) ويصف المؤرخ المغربي صاحب (نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي) الصدام بقوله: «… ثمّ زحف عبد الملك إلى العدو بجيش المسلمين وخيل الله المسومة، وانضاف له من المتطوعة كل من رغب في الأجر وطمع في الشهادة وأقبل الناس سراعاً من الآفاق، وابتدروا حضور هذا المشهد الجليل فاتفقت الفئتان وزحف بعضهم إلى بعض وحمي الوطيس واسود الجو بنقع الجياد ودخان مدافع البارود، واشتد القتال وكثر الضرب والطعن واستمر النزال. فلمّا قامت الحرب على ساق والتفّت الساق بالساق توفي عبد الملك… ولمّا مات عبد الملك لم يظهر الذي كان سايس المحفة موته، فصار يقدم دواب المحفة نحو العدو ويقول للجند: الملك يأمركم بالتقدم. وعلم بموته أخوه فكتمه… ولم يزل كذلك والناس في المناضلة ومداناة القواضب واحتساء كؤوس الحمام إلى أن هبّ على المسلمين ريح النصر… وقتل الطاغية البرتغالي… ولم ينج من الروم إلاّ عدد نزر وشرذمة قليلة، وبحث في القتلى عن محمد المتوكل فوجد غريقاً في وادي لكوس» اهـ.
ولمّا وقعت الهزيمة تراجع المنهزمون نحو النهر فوجدوا القنطرة قد اندكت، وتراموا إلى النهر([363]) فغرق كثير منهم وفيهم دون سباستيان نفسه. وبلغ عدد قتلى البرتغاليين 8000 قتيل، كما أسر الكثيرون.
ويسمّي البرتغاليون هذه المعركة (معركة الملوك الثلاثة) لأنّ ثلاثة ملوك قادوها وماتوا فيها، هم: عبد الملك، ودون سباستيان، والمتوكل. ويسمّيها المغاربة معركة وادي المخازن.
ويذكر صاحب كتاب (السياسة والمجتمع في العصر السعدي) معركة وادي المخازن بهذه التفاصيل:
بعد أن وجد المتوكل نفسه أصبح معزولاً من كلّ سند شعبي أو عسكري في الداخل، مهدوداً بسبب الحروب التي خاضها ضد عمّه من غير جدوى، ثم تعقبه على إثرها في كلّ مكان، التجأ إلى أتراك الجزائر يطلب عونهم فرفضوا الاستجابة لطلبه. أمّا إسبانيا فلا يمكنها أن تجد مبرراً لمساعدته في الوقت الذي كانت علاقتها مع المعتصم هادئة عادية. وإنّما كان باستطاعة البرتغال وحدهم أن ينهضوا بهذا العبء علَّهم يدرأون عنه الخطر، ثمّ يسترجعون بعض ما فقدوه من التراب المغربي أو يعوضون عنه بما يريدون.
لذلك تبادل المتوكل مع دون سباستيان مراسلات بهذا الشأن عن طريق حاكم «البريجة» الذي لم يتردد في أن نصح الملك البرتغالي الشاب بالعدول عن هذه المغامرة. وكان المتوكل لا يطلب سوى نجدة عسكرية من أربعة آلاف جندي بقيادة ضابط كبير محنك([364]). إلاّ أنّ دون سباستيان فضّل أن يتولى القيام بمشروع حملة كبيرة يهدف من ورائها إلى غزو شامل للمناطق المغربية، وبالرغم من معارضة قريبه فيليب الثاني ملك إسبانيا([365]).
وحسب رواية المعسكري([366]) وابن القاضي([367]) فإنّ الملك البرتغالي اشترط على المتوكل أن يتنازل له عن مجموع المناطق الساحلية. وقد يكون المتوكل قام باتصال مباشر مع دون سباستيان في لشبونة([368]) ثمّ في طنجة حيث حضر الملك البرتغالي أكثر من مرّة.
وقبل أن يتهيأ سباستيان للحرب وجّه خطاباً إلى نبلاء بلاده يذكّرهم بماضي الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبما كان لأسلافهم من أمجاد في إنهاء هذا الوجود، ثمّ دعا مجموع الأمّة إلى حمل السلاح ضد المغاربة لإخضاعهم.
وكان ردُّ النبلاء على نداء الملك، أنّ مشروعه سيصادف صعوبات جمة، من حيث أنّ البرتغاليون لن يقاتلوا جيشاً واحداً ولا ملكاً واحداً، ولكن عدّة زعماء من الشعب([369]). غير أنّ سباستيان لم يحفل بنصائح من نبهوه إلى خطورة مشروعه، وتهيأ لحرب شاملة لم يكن يهدف من ورائها إلى أن ينجد المتوكل فحسبه بل وإلى أن يستجيب لنداء الدين والتاريخ أيضاً.
وهكذا قاد سباستيان نفسه جيشه متوجهاً من قادس إلى طنجة، ثمّ أبحر من الجيش إلى أصيلا التي كان البرتغال قد انجلوا عنها سنة 1551 ثمّ استرجعوها في آخر سنة 1577 بخيانة من قائدها عبد الكريم([370]). والظاهر أنّه لجأ إلى ذلك باتفاق مع المتوكل.
وتمّ اتصال سباستيان بطلب منه، بمحمد المتوكل في طنجة حيث كان هذا بانتظاره بها([371]). ثمّ احتفظ الملك البرتغالي بولد المتوكل مولاي الشيخ كرهينة وبعث به إلى «البريجة».
وكان المعتصم قد أنهى في هذه الظروف عمليات التهدئة في المناطق السوسية. وكان يتتبع تطورات التدخل البرتغالي واتصالات المتوكل، فأسند إلى أخيه أحمد تنظيم التعبئة العامة، وإلى إبراهيم السفياني مهمة قيادة طلائع الجيش في ضواحي القصر الكبير حيث يقوي معنوية السكان هناك ويتربص لكلّ هجوم مباغت، ذلك أنّ هذه المنطقة ستصبح عمّا قليل مسرحاً لإحدى أعظم معارك التاريخ([372]) وإن كانت المصادر العربية لم تُعْنَ بها العناية الكافية.
والواقع أنّ المنطقة الشمالية من المغرب طالما تعرّضت للغزو الأجنبي فردّته بشجاعة أو قاومته بصمود. ومن البديهي أن يتساءل الملاحظ: لماذا ترك المعتصم القوات البرتغالية تتحرك ثمّ تتوغل بعد ذلك دون أن تبدأ مقاومتها في عرض البحر أوّلاً؟
لقد جرت الأعراف في المعارك التقليدية أن يتبادل الطرفان المراسلات بينهما لتحديد موقع المجابهة. وهذا ما حصل فعلاً في معركة وادي المخازن حيث طلب المعتصم من خصمه أن يتقدّم قليلاً في الداخل لأنه سيتجشم بدوره مهمة التنقل من سوس قاطعاً مراحل عديدة. وكان المعتصم يهدف إلى خطتين:
1 ـ إبعاد الجيوش البرتغالية عن الساحل ومراكز إمداداتها.
2 ـ تكبيد العدو أكبر الخسائر بسرعة وبقطع خطوط الرجعة عنه.
ذلك أنّ المغرب لا يتوفر على قوّة بحرية كافية، والبرتغال إحدى أعظم دول العالم أسطولاً في القرن 16، ولذلك سهل عليهم احتلال المراكز الساحلية من المغرب، وتعذر عليهم التوغل غالباً في الداخل. ومن ثمّ توغل معظم الجيش البرتغالي في المنطقة الشمالية متجهاً من طنجة نحو القصر الكبير.
وراودت فكرة التراجع عدداً من المستشارين العسكريين في مجلس عقد برئاسة الملك البرتغالي، على أن يتوجه الجيش نحو العرائش تجنباً لمعركة القصر الكبير. وبذلك يتضح أنّ قادة الجيش البرتغالي كانوا على يقين مقدماً من الهزيمة([373]).
وقد اختلفت الروايات حول عدد فرق الجيش بالنسبة للطرفين، حيث تذكر ما بين 14 ألفاً و125 ألفاً لدى البرتغال([374])، و70 إلى 90 ألفاً لدى المغاربة([375]).
وحسب رواية أخرى ساقها دوكاستري، فإنّ العسكر البرتغالي كان موزعاً كما يلي:
3000 جيش الأسطول.
2000 جيش احتياطي بالجديدة.
14000 مشاة.
2000 فارس.
3000 معبدو الطرق.
وهذا بالإضافة إلى 1000 عربجي وحشد لا نهاية له من الغلمان والحشم والرقيق المغاربة وغيرهم، وفوج عظيم من بنات الهوى (!).
أمّا جيش المعتصم فيتألف من الفرق التالية:
3000 من جند الأندلس بقيادة الدغالي.
3000 راجل.
25000 فارس.
1000 رام بالبنادق والخيل (أعلاج وترك).
1000 فارس متطوع، وعددهم كبير من المغامرين كما جاء في الرواية المشار إليها([376]).
وقد احتشد الجيش المغربي تاركاً وادي المخازن عن شماله كحاجز له وغطاء، بينما ترك المعتصم الجيش البرتغالي يتخطّى الوادي ليحتشد تاركاً النهر وراءه([377]). وهذه الرواية هي التي يمكن الاطمئنان إليها عكس ما جاء في الرواية المغربية التي تقول إنّ البرتغال هم الذين تركوا النهر عن شمالهم، بدليل المصير الذي ستؤول إليه المعركة.
على أنّ الاعتبار العددي لم يكن له كبير وزن في موقعه كان للمدفعية فيها دور حاسم. ذلك أنّ عدد المدافع (36) هو نفسه لدى الطرف الآخر. أمّا العناصر المساهمة في الجيش البرتغالي، ففيهم بالإضافة إلى البرتغال إسبان، وفرنسيون وإيطاليون وألمان.
وكان المتوكل يقود بدوره فرقة مغربية من بضع مئات. وقد نصح سباستيان بأن يستولي قبل كلّ شيء على العرائش وتطوان قبل أن يتوغل في الداخل ولكنّه لم يعمل برأيه.
وفيما يخص ترتيب الجيش، فقد اصطف البرتغال ثلاث فرق يساند بعضها بعضاً وعلى رأس كلّ منها قائد، كما كان على رأس كلّ من الفرق الأجنبية المنضوية تحتها ضابط([378]). وكان المجموع يؤلف مربعاً.
أمّا الجيش المغربي فقد رتبت صفوفه على شكل هلال: الرماة من المشاة، يتقدّمهم جند الأندلس ثمّ المغاربة. وفي طرفي الهلال فرقتان كل منهما مؤلفة من 10 آلاف فارس، وفي المؤخرة على مسافة أبعد، باقي الخيالة في فرق صغيرة احتياطية([379]).
ولم يتواجه الجيشان في المكان مباشرة، فقد تخطّت الفرق البرتغالية قنطرة وادي المخازن وعسكرت بحيث بقي النهر من وراءها كما تقدّم. أمّا المعتصم فقد عسكر بسوق الخميس على ستة أميال من القصر، وبدأت المواجهة في 30 جمادى الأولى 986/4 غشت 1578 بعد أن هدم المغاربة القنطرة التي عبرها كلّ الجنود الذين حضر بهم سباستيان إلى المعركة، حتّى يتعذّر عليهم الانسحاب في حالة هزيمتهم.
وكان في الجيش المغربي عدد كبير من الصلحاء والعلماء، كما حضر مع سباستيان كثير من رجال الدين المسيحي. وفي كلا الفريقين كانت المدفعية تتقدم الصفوف المذكورة. وتقول الرواية المسيحية إنّ سباستيان قد ألقى خطبة حماسية في جيشه قبل الشروع في المعركة، وكان القس إسكندر يحمل الصليب ثمّ رفعه إلى أعلى فجثا جند سباستيان على ركبهم، واستغل الجيش المغربي الفرصة بسرعة فأطلق مدافعه في اتجاه قادة الجيش البرتغالي ونخبته([380]). واستولى في لمح البصر على 22 مدفعاً([381]). وكان هذا الهجوم المباغت من القوّة بحيث ألقى الرعب في صفوف البرتغال الذين منوا بهزيمة ساحقة من غير اشتباك يذكر، حتّى إنّ آلافاً منهم ألقت بنفسها في النهر فاقدة كلّ أمل في الحياة. واستخرجت جثة سباستيان والمتوكل من النهر بعد أن ألقيا بنفسهما فيه أيضاً.
جدول ملوك الدولة السعدية
محمد القائم بأمر الله 915
1 ـ أحمد الأعرج 923 2 ـ محمد الشيخ 947
3 ـ عبد الله الغالب بالله 964 5 ـ عبد الملك 983 6 ـ أحمد المنصور الذهبي 986
4 ـ محمد المتوكل 981
7 ـ أبو فارس 9 ـ زيدان 1012 8 ـ محمد الشيخ المأمون
10 ـ عبد الملك 1037 11 ـ الوليد 1040 12 ـ محمد الشيخ الأصغر 1045
13 ـ أحمد العباس 1056
وتوفي عبد الملك المعتصم قبل الشروع مباشرة في المعركة التي يسميها الأوروبيون معركة الملوك الثلاثة. وكان القائد رضوان الذي رافق المعتصم من تركيا واتخذه حاجباً له يخفي عن الجيش المغربي وفاة المعتصم التي لم يطلع عليها إلاّ القائد التركي وأحمد المنصور. وإنّما كان الجيش على علم بمرض الملك، فكان رضوان يخرج به في محفة ويوهم الجيش أنّه يحادثه سراً ويتلقى منه التعليمات ويوجهها باسمه، ومنع على الجميع الدخول إلى سرادقه([382]).
وقبل نقل رفات المعتصم إلى مراكش دفن في مكان باتجاه تطوان. أمّا الغنائم فلم يهتم أحمد المنصور بجمعها بل سمح للجيش بتقاسمها، وأعلنت وفاة عبد الملك بمجرد الانتهاء من عملية إلقاء القبض على الأسارى. وكان مصير القائد رضوان شبيهاً بمصير أبي مسلم الخراساني في خلافة المنصور العباسي، فقد أعدمه لأنّه كان يظهر للحاشية استياءه من عدم مكافأة أحمد المنصور له على الدور الذي قام به في مصير المعركة. وكان الشيخ محمد الحبيب يقول: لو عرفت قبره لزرته.
أمّا جثة المتوكل فبعد استخراجها سلخت وحشيت تبناً. وكان في صفوفه من المغاربة بعض العلماء والصلحاء، ومن بينهم ابن عسكر صاحب دوحة الناشر الذي قتل في المعركة أيضاً. ومن المتحمل أنّ هذا الفريق من الأمة كان يرى أولوية ترشح المتوكل للملك بالنظر لقسوة أبي مروان وبطشه، لكن وحدة الأمّة تجاه الخطر الخارجي فوق كلّ اعتبار([383]).
وقد خسر البرتغال خيرة جندهم وضباطهم في موقعة وادي المخازن حيث بلغ قتلاهم ما لا يقل عن 25 ألفاً. كذلك فإنّ الطرف المغربي كلفه الانتصار ثمناً غالياً لمقتل 18 ألفاً على ما جاء في رواية ساقها دوكاستري وإن كنّا نعتبر أنّ عنصر المفاجأة في إطلاق المدافع المغربية، والهزيمة العاجلة التي حلّت بالجيش البرتغالي يقتضي أن تكون الخسائر المغربية أقل جدّاً ممّا رواه دوكاستري([384]) عن مصدر مشكوك في دقته.
كذلك تقول الوثائق الفرنسية([385]) أنّ الفرق البرتغالية والفرق الأجنبية التي ساهمت معها في المعركة كان ينقصها الحنكة والخبرة. لكن الفرق التي رافقت سباستيان كانت على أي حال تمثّل نخبة جيوشه، ولا يمكن أن يحضر سباستيان من غير أن يقود أحسن العناصر لديه. ونفس المراجع تقول إنّ الجيش المغربي لم يكن أحسن تنظيماً من الجيش البرتغالي، غير أنّ النتيجة واحدة بالرغم من كلّ تعليق، وهي أنّ الجانب البرتغالي خسر كثيراً، وأنّ الجانب المغربي حقّق انتصاراً كبيراً.
وبينما انسحبت الفلول الناجية من البرتغال إلى أصيلا اعتنى أحمد المنصور بجثة سباستيان التي تمّ تحنيطها وسلمت إلى فيليب الثاني مع من افتدي من الأسرى. على أنّ عملية المفاداة تطلبت عدّة شهور، وعلى كلٍّ فقد استغرقت دون سنة([386]). وكان الأسرى يعتقلون بحصنين بمراكش([387])، وحسب رواية أخرى([388]) فإنّ جثة سباستيان سلمت إلى فيليب الثاني دون تعويض.
ونشير هنا إلى أنّ البرتغال كانوا على قليل من العلم باستعدادات المغرب وإمكانياته العسكرية في عهد عبد الملك المعتصم. وحتّى أخبار الهزيمة التي حلّت بجيشهم في وادي المخازن لم تكن تصلهم بوضوح([389]). وهناك من يعتبر هذه الهزيمة ناتجة عن العوامل الآتية([390]):
1 ـ ضعف القيادة، فقد اتُّهم الضباط بالرشوة التي حصلوا عليها من مرتزقة جنودهم دون كفاءة حربية.
2 ـ عدم استماع الملك البرتغالي إلى آراء من نصحوه بالتريث إلى أن يتم الاستعداد للحملة بشكل أفضل.
3 ـ لم تقم قيادة الأسطول البرتغالي بأصيلا بأي محاولة لهجوم مضاد.
4 ـ قيادة الجيش لم يكن من الملائم أن يتولاها الملك مباشرة، لانّه قليل الخبرة وليست لديه معلومات عن وسائل وإمكانيات الطرف الآخر.
وبعد الفراغ من الأعمال المترتبة عن المعركة ودفن الملك الراحل (عبد الملك المعتصم) قام أحمد المنصور بإبلاغ عدد من الملوك والأمراء ما حققه المسلمون من انتصار خصوصاً الخليفة العثماني الذي ابتهج لهذا النبأ([391]). ولم يلبث المنصور أن استقبل وفوداً جاءت تهنئه باسم ملوكها من القسطنطينية ومصر والجزائر وتونس وفرنسا وإسبانيا.
وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ أتراك الجزائر كانوا يدبّرون هجوماً جديداً على المغرب، بالرغم من التعاون الذي تحقق بينهم وبين المعتصم، ولكن مفاجأة هذا الانتصار في وادي المخازن، أوقفت كلّ اشتباك بين الجيوش المغربية وجيرانها لمدّة قرن تقريباً حيث سيتجدد الاشتباك في بداية العصر العلوي.
وكان لانتصار وادي المخازن آثار أخرى بعيدة المدى. فبالنسبة للمغرب استعاد وحدته السياسية أقوى من ذي قبل، بالرغم من وجود جيوب بقيت تحت الاحتلال. واستطاع المخزن أن يفرض هيبته من غير صعوبة أو عائق، وينعم بسلم طويل المدى في عهد الملك الجديد (أحمد المنصور)، وبفضل هذا السلم حققت أشواط أخرى في الميدان الاقتصادي والفكري.
وبالنسبة للعالم الإسلامي، لو انهزم المغرب في وادي المخازن لتيسر توغل الجيش البرتغالي في أطراف المغرب وأصبح مستعمرة برتغالية لعدّة قرون فضلاً عن أنّ عملية تنصير أهله أو قسم منهم لا بدّ أن تدخل في الخط السياسي للحكام البرتغاليين. وكلّ هذا بالطبع، ليس من مصلحة العالم الإسلامي في شيء.
وأخيراً فقد تحقق تحوّل ملحوظ في موقف الاحتقار الذي كان يبديه الأوروبيون تجاه المغاربة، حتّى إنّ الدول الأوروبية تهافتت على عقد اتفاقيات مع المغرب تخوّله كثيراً من التسهيلات التجارية. وتعدّدت سفاراتها محملة بالهدايا إلى الملوك المغاربة، كما توقف كلّ اعتداء على الأراضي المغربية طيلة عهد المنصور. (انتهى).
ونحن حرصنا ونحرص على ذكر تفاصيل معركة وادي المخازن لأنّنا نعتبرها من المعارك الفاصلة في تاريخ العرب والمسلمين، ولأنّها لم تذكر كما يجب أن تذكر في هذا التاريخ.
آثار معركة وادي المخازن
معركة وادي المخازن من المعارك الفاصلة في التاريخ، كان لها أثرها البعيد لا على المغرب وحده، فقد حطمت الدولة البرتغالية وفكّكت أوصالها، ما أتاح للملك الإسباني فيليب الثاني أن يضمّها إلى إسبانيا، كما رفعت من شأن المغرب وأبرزته قوّة نافذة لا بد من حسبان حسابها فتواردت إليها البعثات الأجنبية طالبة ودّها.
وغدا للجندي المغربي رهبة في نفوس الأوروبيين برزت في العروض المسرحية التي نظمت بعد سنة 1590 في أوروبا، كما يبرز ذلك في شخصيات شكسبير وجورج بيلي مؤلف مسرحية (معركة القصر).
وأصبح إسم عبد الملك ملازماً للشجاعة والإقدام. وقد أشار إلى ذلك الكاتب الفرنسي Montagne، كما اتخذ من مقاومة عبد الملك لمرضه مثالاً حياً لتفوق الفكر على الألم الجسدي.
وكما شاع الاضطراب والذعر من الهزيمة في أوروبا، فقد عمّ السرور العالم الإسلامي، وكان من إصداء النصر في الأدب العربي شعر ونثر كهذا الذي نظّمه الشاعر داود بن عبد المنعم الدغوغي الذي عاش في القرن العاشر وقد وصف المعركة وصفاً دقيقاً في قصيدة طويلة يقول في مطلعها:
جنى النصر ما بين الظبا والكنائن
على سابقات المذكيات الصفائن
ومن لم يخض بحر الحروب فلا يرى
لحوزته دون العدا خير صائن
وفيها يقول:
أتى سادراً يختال في غلوائه
وفي صدره للدين غلي الضغائن
يسرب نحو المغربين جنوده
كمثل الدبا عن ماخرات السفائن
وما قصده إلا انتهاك حريمه
ودك صياصيه وبعث الدخائن
وقود أسارى المسلمين لأرضه
يقدمهم للصلب مثل القرابن
فذا مكره والله يمكر مكره
به، إذ حداه نحو تلك الأماكن
تجمع جند الله من كلّ وجهة
وقد غض من مدينه كل دائن
وتلوهم الأجناد والناس كلهم
تضل بهم أبصار كل معاين
من الملك المقدام فالعلماء فا
لشيوخ أولي التقوى وأهل البواطن
هنالك نصر المؤمنين مؤزر
على كل ذي كفر تهجم، ضاغن
وذلك يوم مثل بدر وصنوه
حنين بأيدي المؤمنين الميامن
لقد ذاق فيه (البرد قيز) من الردى
جزاء مناحيس خزايا ملاعن
ومن قوله فيها:
فشبت لظى الهيجاء ليس وقودها
سوى أنفس الشجعان وسط الميادن
إذا أرعدت تلك المدافع أبرقت
صقيلات بيض الهند فوق اليمائن
فلولا البروق الخاطفات من الظبا
لما أبصرت عين خلال المداخن
قد انقضت الفرسان منّا عليهم انقضا
ض صقور الجو فوق الوراشن
وسباستيان كفته مياهه
هزيما وماء النهر أفظع كافن
وحين قضى البتار في الكفر ما قضى
وأشلاؤه نتن بغير مدافن
رأيت ألوفا من رؤوس تجمعت
ويا ليتها أيضاً جدار المآذن
بغوا فجنوا جنى البغاة فأصبحوا
سماد الفيافي لأسماء الفدادن
هنالك نصر المؤمنين مؤزرا
على كل ذي كفر تهجم ضاغن
وقد نسخ على منوال هذه القصيدة الشيخ محمد بن الشيخ ماء العينين قصيدة يقول منها:
خليلي عوجا بوادي المخازن
نجدد شكراً بين تلك المواطن
مواطن كانت للجهاد مشاهدا
مياه العز غير أواسن
ومما جاء في «درة السلوك فيمن حوى الملك من الملوك» لاحمد بن القاضي التي تشتمل على وصف وقعة وادي المخازن شعراً:
وابن أخيه بالنصارى اعتصما
وصار يستنجدهم لمن سما
أجابه اللعين سباستيان
بجيشه ومعه الأوثان
فقيض الله له المنصورا
ملكاً شجاعاً أسداً هصورا
فخلص الإسلام من يد اللعين
بصيره على لقاء المشركين
ما منهم إلا قتيل وأسير
في ساعة من الزمان ذا شهير
مات بها سباستيان اللعين
فما له على الردى معين
ثمّ محمد الذي أتى به
مات غريقاً يومه فانتبه
ولما جلس المنصور على عرش المغرب في يوم النصر قام الشاعر أبو فارس عبد العزيز القشتالي، فأنشد قصيدته ليلة عيد المولد النبوي الشريف في تهنئة المنصور بهذا النصر ومطلعها:
هم سلبوني الصبر والصبر من شاني
وهم حمروا من لذة الغمض أجفاني
وبعد أن يشيد بحنكة كتائبه العسكرية في المعركة وبالانتصار الوطني الضخم:
وإن أطلعت غيم القتام جيوشه
وأرزم في مركومه رعد نيران
صببن على أرض العُداة صواعقا
أسلن عليهم بحر خسف ورجفان
كتائب لو يَعلون رضْوى لصدّعت
صفاه الجياد الجرد تعدو بعقبان
عديد الحصى من كلّ أروع معلم
وكل كمي بالرديني طعان
من اللائي جرّعن العدا غصص الردى
وعفَّرن في وجه الثرا وجه سباستيان
ويخاطب ممدوحه المنصور مباركاً له الفتح المبين ويمنيه بفتح ما بين السودان وبغداد:
أيا ناظر الإسلام شم بارق المنا
وبارك لروض في ذرا المجد فينان
قضى الله في علياك أن تملك الدنا
وتفتحها ما بين سوس وسودان
وأنك تطوى الأرض غير مدافع
فمن أرض سودان إلى أرض بغدان
فكم هنأت أرض العراق بك العلا
ووافت بك البشرى لأطراف عمّان
فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم
أتاك استلاباً تاج كسرى وخاقان
فلا زلت للدنيا تحوط جهاتها
وللدين تحميه بمُلك سليمان
فما المجد إلاّ ما رفعت سماكه
على عمد السُّمر الطوال ومُرّان
وظلّ صدى هذه المعركة يرن في العصر السعدي وخصوصاً في عهد المنصور الذي كان مزدحماً بالفتوحات. فكلما هنأ الشعراء المنصور بالفتوح أو بحلول عيد المولد النبوي كانوا يشيرون إلى معركة وادي المخازن.
فلأبي عبدالله محمد بن علي القشتالي مولدية في هذا الصدد ذكر فيها بجهاد المنصور بوقعة وادي المخازن. يقول منها:
وجردت في ذات الالاه صوارما
تصول بها والعاجزون نيام
فكم لك من سيول مراكب
طلعت بها كالبدر فيه تمام
وحولك عقبان الكماة تساقطت
لبطشتها يوم الأعادي وهام
ولاح وميض المرهفات كأنّه
وميض نجوم والدياجي قتام
فأبرزت فتحاً دوخ الأرض صيته
وزين أشتات المعالي نظام
ويقول من قصيدة أخرى:
وحسبك من وادي المخازن إذ طمته
بحار الردى والخيل فيها جماح
فكان بها كالصقر ينقض ظافرا
تساعد منه مخلب وجناح
له حالتا سيف وسيب كأنّما
تجمع في يمناه سم وراح
وتواصل ذكر معركة وادي المخازن حتّى الشعر الحديث. فنظم علال الفاسي قصيدة يقول في مطلعها:
بفضلكم أبطال «وادي المخازن»
يُردد فينا اليوم صوت المآذن
ولولا جهاد منكم بعزيمة
وتضحية كبرى بيوم «السواكن»
وما جئتموه من ثبات وحكمة
وما بان فيكم من عظيم التضامن
لأضحت بلادي طعمة لعدوها
كأندلس أخت الأسى والتغابن
إلى أن يقول في وصف المعركة:
من «القرويين» انتضى كل ذائد
عن الدين قوام على الحق صائن
فما وهنوا لما رأوه ولا انثنوا
عن الصدع بالرأي السديد للأحن
وهب سباستيان في نشوة الرضا
يرى النصر مضموناً بأقدس ضامن
وهاجم من ثغر العرائش زاحفا
إلى القصر مجتازاً بوادي المخازن
وقد بث في كلّ الجهات عيونه
ونظم في الأحياء شتى المكامن
ففرت جموع المسلمين كأنّها
غثاء تردى في مسالك عاين
شهما من بني الجد لم
يثبتهم حتّى ارعووا للمساكن
وجاء «أمير المؤمنين» بجيشه
كأنّهم أسد شداد البراثن
وهبت جموع الشعب حول إمامها
يقودهم في البذل شيخ المحاسن
وكان ضراب لم يسجل مثيله
بما اشتد فيه من ثجيج المطاعن
وأبلى بها المنصور خير بلائه
ودبرها بالحزم تدبير فاطن
وهبت رياح النصر في جانب الهدى
وأردت سباستيان بين المطاحن
ويقول الشاعر عبد الواحد أخريف من قصيدته «الملحمة الخالدة»:
وادي المخازن يا أنشودة عبقت
بعطرها صحف التاريخ والسير
فخر الملاحم في دنيا الجهاد فلا
تدنو إلى شأوها ملاحم أخر
تبقى مدى الدهر شمساً لا تغيب ولا
يُخفى نصاعتها غيم ولا مطر
لولاك ما كانت الأمجاد كاملة
وإن تعددت الأشكال والصور
وينشد الشاعر مصطفى الطريبق:
فما يوم توانوا عن نداء
ينادي للفدى ضد اللئام
مغاربة أباة ليس فيهم
سوى ليث ومقتدر همام
ما خاضوا المعارك أو تصدّوا
لها إلاّ وكانوا خير حامي
معاركهم لنا ذكرى انتصار
وفيها للعدا ذكرى انهزام
ومعركة المخازن خير ذكرى
وفي أحيائها كل التسامي
ويقول الشاعر قدور الورطاسي:
أليس غريباً أن يشط جوارنا
من البرتغال إذ تنادوا ليغضبوا
يسقون للحمام جيشاً عرمرما
غرراً «بمسلوخ» به الملك يلعب
ألم يذكروا بالله سالف مجدنا
وما لنا من قوى إذا الخصم «أشعب»
ألم يعلموا أنا نرى العيش عزة
وإلاّ فإنّ الموت أولى وأعذب
ويقول الشاعر محمد المغربي:
أهيم فيك وأجني منك أشعاري
كأمس يا سيد الوديان يا جاري
يظن أنّك من عهد الزواحف لم
تهدر ماؤك لا يجري بتيار
وانت أنت كعهد الناس مندفع
إلى الأمام بسر فيك مدرار
إنّ الأولى هزموا فيه العدو بما
أتوا من الصبر في شهره الحار
فأثخنوهنم جراحاً لا بأسلحة
فتاكة بل بحصباء وأحجار
ثم يخاطب شباب الحمى من المغاربة شارحاً لهم مغزى ذكرى المخازن:
ذكرى جهاد وتحذير وتوعية
وقصة تبتدى من يوم ذي قار
حتّى يكون لنا مجد تحس به
أسفار تاريخ لا تاريخ أسفار
ويلقب الشاعر عبد الواحد السلمي وادي المخازن بالوادي المقدس الوادي المتحدي بكل شمم وإباء لكل معتد وظالم للمطمئنين الآمنين على ضفافه:
فاض من منبع الجبل
يتمشى على مهل
وجرى سلساً وسـ
ـال رفيقاً بلا عجل
ثابت الخطو راسخاً
يتحدّى كل الدول
تتلاشى غزاته
وهو في الصدر لم يزل
إلى أن يقول بعد وصف مدقق لغزوة المخازن محذراً من سوء المصير كل غازي أثيم:
قل لمن رام غزونا
ها هنا الموت فارتحل
إن ترم قهر جيشنا
تجد الرمس والأجل
فاعتزل إن أرضنا
حُرم من يرمه ذَلْ
البطولات دأبنا
خبرتنا كل الدول
إن توهمت قهرنا
أو تشككت فلتسل
ويناجي الشاعر أحمد السفياني شهداء وادي المخازن من قصيدة منشداً:
قوم إذا رفعت في الحرب رايتهم
استشهدوا في سبيل المجد راضينا
هذي قبورهم إن زرتها نطقت
بل تلك أرواحهم منها تنادينا
أرواحهم من سما عليائها نزلت
قد رفرفت وهوت شوقاً تهنينا
ثم يستعطف وادي المخازن ليذكرنا بصور الشهامة والبطولة والأمجاد الذي عاشها الوادي في وقعته الكبرى:
وادي المخازن ذكرنا بموقعة
وادي المخازن قم واخطب بها فينا
وادي المخازن رتلها لنا صوراً
فوق الرؤوس وذكرنا بماضينا
وادي المخازن حدثنا بما بلغت
من المجد رايتنا نلقاك صاغينا
إنّ الحقيقة في التاريخ يعلمها
كلّ الورى فاقترب وناجينا
ويعتبر الشاعر محمد الخمار أنّ معركة وادي المخازن هي أنشودة النصر والظفر على لسان الدهر وأبطالها الصناديد هم معجزة العصور والأزمان: قائلاً:
وصرت على شفة الدهر أنشو
دة المجد والنصر والظفر
فما كان يومك إلا كبدر
وإلا كحطين أو خيبر
وما كان أبطال يومك إلا
صناديد مفخرة ألا عصر
أعادوا لنا المجد صرحاً أقامـ
ـوه بالسيف والدم والعتير
ويتسائل متعجباً الشاعر حسن الطريبق عن وادي المخازن. أي واد أي واد المجد وإباء الضيم ودماء الفداء؟؟
أي واد يسري ندى الحواشي
بين جنبيه في ثرى آبائي
أيمجد على التعاقب يزجيـ
ـه ويلقيه مثل ضوء السماء
خفقت كل راية ولواء
فوقها إثر راية ولواء
لم تفض تلكم المخازن إلاّ
بدماء موصولة بدماء
إلى أن يقول في ختام قصيدته بعد أن وصف هذه الملحمة الخالدة:
هكذا هكذا الرجال من المغرب في كل وقعة ولقاء إلى غير ذلك من القصائد التي أشار إليها الدكتور عباس الجراري في كتابه «معركة وادي المخازن في الأدب المغربي» وغيرها من القصائد المنشورة في بعض الدواوين الشعرية كقصيدة عبد الكريم الطبال في ديوانه «الأشياء المتكسرة». والملاحم الشعرية مثل «وادي المخازن» للشاعر محمد طريبق و«المعركة الكبرى» للشاعر علي الصقلي.
ويقول مؤلفا كتاب الأدب المغربي عن معركة وادي المخازن: «كان السعديون قد تولوا أمر المغرب ولديهم جيش منظم مدرب على أصول الحرب الفنية يندر وجود مثله في ذلك الحين عند الممالك المعادية كالإسبان والبرتغاليين، وهم إذ ذاك أعظم شعوب أوروبا بأساً وقوة».
وينقل المؤلفان: «إنّ هذه المعركة لم تكن حاسمة بالنسبة لمراكش وحدها، وإنّما كانت حاسمة أيضاً بالنسبة للقارة الإفريقية كلّها، كانت معركة وادي المخازن بالنسبة للمسلمين في إفريقية من حيث الأهمية مثل معركة (لاپواتيه) بالنسبة للمسيحيين في أوروبا… فقد استأصل الجيش المغربي الجيش البرتغالي… وأقبرت هذه المعركة أحلام البرتغاليين إلى الأبد، فأصبحوا بعد ذلك دولة لا شأن لها خلف حدودها بعد أن كانت أوّل دولة».
على أنّ من أعظم نتائجها اضمحلال سيطرة البرتغاليين البحرية وسقطت مراكز احتلالهم الواحدة تلو الأخرى ومنها هرمز ما بين الأعوام 1620ـ1640م. ويقول أحد المؤرخين: «انتهت حملات البرتغاليين من دون مكاسب، فالثروة التي جمعها البرتغاليون من هذه الحملات والاستكشافات والاحتلال الاستعماري على رغم حجمها لم تسهم في بناء اقتصاد متين للبلاد، بل انتهت إلى انزواء البرتغال لقرون طويلة وابتعادها عن الحركات الحضارية في أوروبا خلال عصور الإصلاح الديني والتنوير حتّى الثورة الصناعية».
وجاء في كتاب (المغرب عبر التاريخ) عن نتائج انتصار وادي المخازن: «وكتب المنصور([392]) إلى الخليفة العثماني بالفتح وقصدته الوفود مهنئة من القسطنطينية ومصر والجزائر وتونس وفرنسا وإسبانيا…».
إلى أن يقول:
«… وكان لهذه المعركة آثار بعيدة المدى، ليس فقط بالمغرب، بل في العالم الإسلامي والمسيحي أيضاً. فبالنسبة إلى المغرب، استعادت الوحدة الوطنية قوتها طيلة حكم المنصور السعدي، كما فرضت الدولة الحاكمة هيبتها، وأمكن لها أن تحقق أعمالاً عمرانية وتوسع نطاق النشاط الاقتصادي وتبذل جهوداً موفقة في الميدان الفكري بمؤازاة العمل الشعبي الرائع.
وأمّا بالنسبة للعالم الإسلامي فقد اغتبط المسلمون كافة بهذا الانتصار العظيم الذي اتخذ إلى حد ما طابعاً دينياً، فماذا يكون مصير المغرب لو سحق جيشه في هذه الوقعة؟ لقد كان من المرجح أن يعمد البرتغال إلى سلوك سياسة التنصير قهراً وبدون هوادة، كما كان من غير المستبعد أن يوسعوا أطماعهم شرقاً فيحتلوا المغربين أوسط والأدنى وقد يتعاونون في ذلك مع أجناس اوروبية أخرى ليرغموا الأتراك على الانسحاب منهما.
أمّا بالنسبة للأوروبيين فقد تحوّلت كلياً نظرة الازدراء التي كانوا ينظرون بها إلى المغرب وسكانه وصارت دولهم تتنافس في خطب وده وتتقرب إليه بعقد المعاهدات والتسهيلات التجارية، وتبعث إليه بالسفراء محملين بالهدايا إلى السلطان، وتوقفت الأطماع السياسية الأجنبية لامد طويل عن الجرأة على سيادة المغرب.
أثر معركة وادي المخازن في تطوير أدب المغرب
قال الدكتور عبد الله بنّصر العلوي في مقال له. في العدد 324 من مجلة دعوة الحق المغربية ـ قال وهو يتحدّث عن الحركة الأدبية في العهد السعدي:
ولعل معركة وادي المخازن ـ باعتبارها فاصلاً بين طوري الاستقرار والنهضة أي بين مرحلتي انتعاش الأدب ونهضته ـ ليست مجرد ظاهرة دينية لمواجهة الغزو الصليبي فحسب، كما أنّها ليست مجرد ظاهرة اجتماعية لتواصل شرائح المجتمع وحرصها على الدفاع على أمن الذات وحريتها وعقيدتها فحسب، بل إنّها ظاهرة للتفاعل بين عناصره، فالمعركة أتاحت للواقع المغربي عهداً ساده الشعور بالكرامة والقوة والأمن، ممّا مكّن المجتمع من نهضة شاملة، كما جعلت الفكر يستجلي من مظهر الجهاد حركة فكرية لتحرير ما احتل من أطراف العالم الإسلامي، فأنتجت إبداعاً له من الغزارة والشعرية ما يعبر عن رؤية فاعلة.
ومن ثمّ كانت المعركة ظاهرة أدبية، إذ أفرزت جيلاً له رؤية ـ سواء في توحدها أو تعددها ـ تتسم بمعطيات التفاعل.
لذلك نتخذ المعركة / الظاهرة منطلقاً لتحديد الجيل أو الأجيال تلافياً لقصور المفاهيم الأخرى.
وحين نقدم على ذكر بعض أعلام جيلي ما قبل المعركة وما بعدها لا نغفل جملة من العوائق، منها:
أ ـ إنّ الأجيال لا تتحدّد إلاّ من خلال التعاقب أو التواتر بشكل حلزوني في مدّة معينة، ويعني ذلك أنّ التواصل بينها أمر ضروري.
ب ـ إنّ ذكر الأعلام ليس مجرد تعداد للبعض دون الآخر، بل لا بد من وضع مقاييس للاختيار.
وأياً كان التواصل، وأياً كانت المقاييس، فلسنا أمام بحث في اجتماعية الأدب الذي يغور في مظاهر نعتبر بعضها على هامش التفاعل.
ولذلك فلا مناص في جرد لبعض الأعلام.
فمن جيل ما قبل المعركة نذكر:
ـ سعيد بن علي الحامدي.
ـ أحمد بن سعيد الحامدي.
ـ أبا القاسم بن منصور الغمري.
ـ سعيد بن إبراهيم الهلالي.
ـ عبد الواحد بن أحمد الونشريسي.
ـ موسى الوجاني.
ومن جيل ما بعدها نذكر:
ـ أبا القاسم الوزير بن محمد الغساني.
ـ أحمد بن علي الفشتالي.
ـ أحمد بن محمد الغرديسي التغلبي.
ـ أحمد بن القاضي.
ـ الحسن بن أحمد المسفيوي.
حسين بن أبي القاسم الملوكي الدرعي.
ـ داود بن عبد المنعم الدغوغي.
ـ علي بن أحمد الشامي الخزرجي.
ـ عبد الواحد بن محمد التملي.
ـ عبد العزيز بن محمد الفشتالي.
ـ محمد بن يوسف التملي.
ـ محمد بن علي الوجدي المعروف بالغماد.
ـ محمد بن علي الفشتالي.
ـ محمد بن علي الهوزالي المعروف بالنابغة.
ـ محمد بن يعقوب الإيسي.
إنّ الجيل الأوّل عرف حركة انتعش فيها التعرف تأسُس النموذج الذي غلبت عليه عناصر الاتجاه البدوي، كما كان التفاعل مظهراً بادياً في القصائد المادحة، ومعظم شعراء هذا الجيل من الجنوب خاصة.
أمّا الجيل الثاني فقد اتسم بحركة نهض فيها الشعر، فمع استمرار الاتجاه البدوي ساد الاتجاه الحضري، كما كان التفاعل مجال القصائد المادحة والمولدية والواصفة… وشعراء هذا الجيل من سائر المراكز الفكرية التي عرفها المغرب على هذا العهد.
وممّا قيل في معركة وادي المخازن من الشعر:
قِفَا نشْتكي هَذِي الرُّبوعُ الدّوارِسُ
لِمَا جرَّعَتْهُنَّ الرِّيَاحُ الرّوامِسُ([393])
ربُوعٌ لها بينَ الضُّلُوعِ مَرابِعٌ
تُماثِلُ غَيْرَ أنَّ تِلْكَ بَسَابِسُ
فهلْ يُسْعِدُ المشتاقَ فِيمَا يبيتُهُ
خَلِيُّ لَهُ جَفْنٌ منَ الدَّمْعِ يابِسُ
وهل تُنْبِئُ الأطلالُ أيْنَ أَنِيسُهَا
وتُحْبِرُ عَنْ آرامِهِنَّ المكانِسُ
ومما يَشُبُّ الحَشا ضَرَمَ الأسى سُؤَالُكَ
قَطٌّ لَيْسَ فِيهِ مُؤَانِسُ
ومنها:
فما كلُّ مَنْ يُبِدِي المَلامةَ ما حِضٌ
ولا كُلُّ مْنَ يَحْلُو بِسِرِّكَ رامِسُ
ولا كلُّ منْ يُبْدِي الشَّجَاعَةَ وَاقِفٌ
إذا صافَحَتْ بيضَ السُّيُوبِ القوانِسُ([394])
ولا كلُّ مْنْ جَرَّ الجيوشَ إلَى الوَغَى
خَبيرٌ بأدواءِ الحروبِ مُمَارِسُ
ولاَ كلُّ مَنْ تَسْمُو إلَى المُلْكِ نَفْسُهُ
نَهُوضٌ بِأَعْبَاءِ الخِلاَفةِ سائِسُ
فلوْلاَ نَفَاقُ الدُرِّ كانتْ مِنَ الحَصى
كواسِدُها تِلْكَ اللآلي النَّفَائِسُ
تَخَطَّفَهَا المنصورُ من مِحْلَبِ الرّدَى
وللنَّقْعِ والبارودِ ليْلٌ عُكَامِسُ([395])
دَعَتْهُ فَلَبَّاهَا وقَدْ حَالَ بَيْنَهَا
وَقَائِعُ أضَحَكْن الرَّدَى وهْوَ عَابِسُ
حُرُوبٌ طَوَتْ ذِكْرَ البُغَاةِ ومِلَّهُمْ
وماتَ لها ذِكْرُ البَسُوسِ وداحِسُ
بِهَا قَدْ وَدِدْنَا أنَّهُ مَعَ جّدِّهِ
بصِفِّينَ يَوْمَ حاربَتْهُ العنابِسُ([396])
تَقرُّ بها عَينُ الوصيِّ لدَى الوغَى
دُجى النّقع وَالْتَفَّتْ عليه الكَرَادِسُ([397])
لعَمْرُكَ لاَ أنْسَاهُ يَوْماً شَهِدْتُهُ
وقَدْ سَفَرَتْ سِنَّ الكُمَاةِ المَداعِسُ([398])
يُرَبِّسُ للإقْدامِ كُلَّ كَتِيبةٍ
كمَا رَبَّسَ المَرْجَانَ في السِّلْكِ رابِسُ([399])
وحَسْبُكَ في وادِي المخازِن وقْعَةٌ
بها الشِّركُ حتَّى آخِرِ الدَّهْرِ تَاعِسُ
بها عرَفتْ أبناءُ عيسى بأنَّهمْ
عبِيدُ العصا ما نَاسَ في الدَّهْرِ نَائِسُ([400])
فدانُوا لَهُ حتّى تَوقَّعَ بَطشَهُ
بُرمَّتِهِمْ صُلْبَانُهَا والكَنَائِسُ
وَضٌاقَتْ على بَسْتَيَانٍ كُلُّ عَوِيصةٍ
وذَلَّتْ لَنَا مِنْهُ الأُنُوفُ العَطارِسُ([401])
فجهَّزَ ما تحوي ذخائِرُ مُلْكِهِ
يَذودُ بها عن نَفْسِهِ وَيُدَاعِسُ
ولوْ أيْقَنُوا مِنهَا النَّجَا بِبَنَاتِهِمْ
لزُفّتْ لنا أبكارُهُمْ والعَوَانِسُ([402])
بِيُمْنِ أبي العبَّاسِ صَالتْ سُيُوفُنَا
على الشِّركِ حتَّى ليْسَ للشِّركِ حَارِسُ
ومن جُودِهِ صُلْنَا عَلى الدَّهْرِ بَعْدَمَا
لهُ منْ نُفُوس المُقْتِرين فرائسُ
فكمْ وقْعةٍ فِي البَذْلِ أفْنَتْ بنانُهُ
بها المالَ حَتَّى ليسَ في الأرضِ بائسُ
كذلِكَ أبْنَاءُ الوَصِيِّ بنانُهُمْ
إذا جَمَسَتْ أيْدِي السَّحَابِ بَرَاجِسُ([403])
فلا زال سَيْفُ الحدِّ في كفِّ أحمدٍ
يذُودُ بِهِ عَنْ دِينِهِ ويُدَاعِسُ([404])
ولا زالَتِ التثْلِيثُ تقْرَعُ باسْمِهِ
فتَحْرُسُ فِي الأدْيارِ تِلْكَ النَّوَاقِسُ
فلا زالتِ الدُّنْيَا ببَهْجَةِ نُورِهِ
تُمَايِلُ أغْصَانَ النَّقَا وَتُمَايِسُ
وقيل فيها:
هاجَتْ لواعِجُ الصَّبَابةِ أدْمُعِي
لِبلى أحَالَ عُهُودَ تِلْكَ الأرْبُعِ
شُنَّتْ عليها للسَّحائبِ غَارةٌ
صَرَعَتْ معَالمَهُنَّ أيَّ مُصَرَّعِ
لا تَعْجُبُوا ممَّا تصَبَّبَ من دَمٍ
من مُقْلَتِي فَصَبيبُهُ منْ أضْلُعي
وأُسائِلُ الأطلالَ وهْيَ جَوامِدُ
وأرومُ رَجْعَ جواب مَنْ لمْ يَسْمَعِ([405])
عَهْدِي بِهَا والأُنْسُ في عَرَصاتِها
يجْلُو القُلُوبَ بِكُلِّ رَوْضِ مُمْرعِ
وأوانسٌ يُمْضِينَ أحْكَامَ الهوَى
رَغْماً عَلَى المتعبِّدِ المتوَرِّعِ
فقَدَتْ كِنَاسَاتُ الحِمَى آرامَها
فَقْدَ الكنائِسِ شَعْبَها والبَيَّعِ([406])
عصَفَتْ عليها للرَّشَادِ عواصفٌ
غادرْنَ عَرْشَ الشِّرْكِ أصْفَر بَلْقَعٍ
حَالَتْ عليها عُصْبَةٌ علويَّةٌ
وَقَعَتْ بأهْلِ الشِّرْكَ أفظَعَ مَوْقِعِ
لمْ يألُ بَسْتَيَانُ في اسْتَصْرَاخِهِ
صُهْبَ الأعاجِمِ من بلاَدِ شُسّعِ
فأتَتْ بَنُو الأصْفرِ مُغَتَصّاً بهمْ
لحِمَايَةِ التَّثْلِيث كُلٍّ مَهْيَعِ([407])
فتجشَّمُوا البحرَ المحيطَ وما دَرَوْا
بمُحِيطِ بحْرٍ من عَوالٍ شُرِّعِ
بحرٌ، أبُو العباس عَبَّ عُبَابَهُ
بِجَنَانِ ثَبْتٍ في الحروبٍ مُشيِّعِ
وكتَائبٍ حَفَّتْهُ منصوريَّةٍ
تنْقَادُ بالأُسْدِ الغَضَابِ الجُوَّعِ
قَدْ طَالَ ما شَهِدُوا الحُرُوبَ وكافَحَتْ
بِهِمُ الوقائِعُ خَدَّ كُلَّ مُجَمَّعِ
بِعَوَازِمٍ وَعَوَاسِلٍ وصَوارمٍ
لِرَحَى النّوائبِ والعُجالَةِ دُفَّعِ([408])
قَدْ أُمَّهَا سُحْبٌ حَمَلْنَ صواعِقا
حُدّيْتْ إلى الشَّطِّ الخصيبِ المَرْتَعِ([409])
مَتْلُوَّةً بمواعِدٍ أنْحَتْ بها
للكُفرِ قُنَّاتُ الجِبَال الفُرَّعِ([410])
لَقَمَتْ موارِجَ من جحيمٍ فاغْتَدَتْ
للرُّومِ ترجُمُهُمْ بِشُهْبٍ سُطَّعِ([411])
حتَّى إذا الجمعانِ عَايَنَ بعضُهُمْ
بعضاً وليْسَ للرَّدى مِنْ مَدْفَعِ
صُبَّتْ على الكفَّارِ صَبّاً عارِضاً
هَطِلاً، ولكنْ بالسَّمُومِ النُقَّعِ([412])
فتركْنَ عُبَادَ المسيح كأنَّهُمْ
أعْجَازُ نخْلٍ بالسُّيول مُقَلَّعِ
وأراد بَسْتِينُ النّجاةَ بنَفْسِهِ
فَزِعاً بحيثُ لاَتَ حِينَ مفْزَعِ
هيهاتَ هيهاتَ النّجاةَ وخلْفَهُ
عِقْبَانُ تهْوِي كالبروقِ اللُّمَّعِ
ومنها:
فسَقَى رُبَى أشْبُونَةٍ ورِبَاضَهَا
لنَعِيِّهِ زُرْقُ سَوافِكُ أَدْمُعِ([413])
دَارَتْ بَطارِقَةُ الخبِيثِ بِشِلْوِهِ
صَرْعَى بِكَأْسِ مِنْ حِمَامٍ مُتْرَعِ([414])
ومنها:
بميامِنِ المنصورِ لاحَتْ للْهُدَى
شَمْسٌ لها فِي الغَرْبِ أسْطَعُ مَطْلَعِ
ومنها:
فرعٌ نماهُ محمدٌ ووصيُّهُ
هَلْ مِنْ فخارٍ غيْرِ هذا أرْفَعِ
ومنها ختاماً:
لا زِلْتَ فِي أُفْقِ الخِلاَفَةِ نَيِّراً
تَحَتَالُ بينَ كواكبٍ لَكَ خُضَّعُ
الدولة القوية
لقد شكل الحدثان الكبيران اللذان طبعاً فترة حكم السعديين تأسيساً لبناء قاعدة دولة قوية اشتهر أمرها داخلياً وخارجياً، نقطة تحوّل في الحياة السياسية والاقتصادية والأدبية…
فالانتصار في معركة وادي المخازن (986هـ) حقق للمغرب نفوذاً سياسياً متميزاً في العالمين الإسلامي والمسيحي، ووضع حدّاً للأطماع الأوروبية في الشواطئ المغربية، وأعاد للجهاد الإسلامي سلطاته وهيبته.
كما أنّ فتح بلاد السودان (سنة 999هـ)([415]) ارتبط بازدهار اقتصادي وعمراني، وارتبط كذلك بتدعيم الإسلام ونشر اللغة العربية في إفريقيا ومنفذها بلاد السودان.
ويعتبر عهد السلطان أحمد المنصور السعدي (986ـ1012هـ) أرقى فترة عرفها العهد السعدي نسجت خيوطها عوامل كثيرة لعل أهمها شخصية السلطان كقائد محنك، وسياسي متبصر، وأديب مشارك، إذ في عهده:
ـ حقق المغاربة انتصاراً ساحقاً على البرتغاليين في معركة وادي المخازن.
ـ أنشئت أعظم معلمة عمرانية قصر البديع بمراكش.
ـ تمّ فتح بلاد السودان لتدعيم الإسلام ونشر اللغة العربية بأفريقيا.
ـ تعددت المراكز الثقافية في الحواضر والبوادي.
ـ كثرت ظاهرة التأليف والكتابة.
ـ انتشر الطرب، وازدهرت الموسيقى بلونها الكلاسيكي والشعبي.
واكب هذه الظواهر ما عرفته مجالس السلطان أحمد المنصور السعدي من تألق وبهاء، فتسابق الكتّاب والشعراء لارتيادها، وتفننوا في أساليب القول للفوز برضى صاحبها، يشجعهم على ذلك أنّ السلطان نفسه كان عالماً شاعراً، ويذكي قرائحهم ما كان يصدر عنه من أحكام وانتقادات ومن مساجلات ومطارحات…
وقد حفلت كتب التاريخ والتراجم والفهارس والرحلات بروايات وأخبار، تفيد عناية السلطان أحمد المنصور بالشعر والشعراء، وتقريبه للمجيدين منهم من المقيمين والوافدين، إضافة إلى المناسبات العديدة التي كانت تستدعي تسابق الشعراء إلى النظم، وتباريهم للفوز بقصب السبق، فالاحتفال بإحياء ليلة المولد النبوي الشريف، والتهنئة بالانتصارات سواء تعلق الأمر بالقضاء على الثورات الداخلية، أو فتح بلاد السودان، كلّها مناسبات كانت تدعو الشعراء على اختلاف طبقاتهم على التباري في النظم، وحثّ القرائح على إهداء ما تجود به قرائحهم إلى السلطان راعيهم وصاحب الأفضال عليهم.
وكما التَفَّتْ حول السلطان أحمد المنصور في عاصمة ملكه مراكش طائفة من الشعراء المجيدين كعبد العزيز الفشتالي ومحمد بن علي الهوزالي وعلي بن منصور الشياظمي وغيرهم، فقد عرفت فاس عاصمة ولي العهد الأمير محمد الشيخ المأمون نشاطاً أدبياً ملحوظاً. إذا استعادت المدينة تألقها وإشعاعها كما كانت عليه في عهد المرينيين، وكانت مجالس هذا الأمير في فترة ولايته (987ـ1011هـ) تضم كتّاباً وشعراء، محدّثين وفقهاء، شاركوا في إنعاش الحركة الأدبية وتطورها.
وممّأ يؤسف له أنّ أغلب الدواوين الشعرية قد ضاعت أثناء الفتن والاضطرابات التي عرفها المغرب بعد وفاة السلطان أحمد المنصور سنة 1012هـ([416]) ـ كما ضاعت ذخيرة مكتبة الأمير زيدان إثر تعرضها لقرصنة سفينة إسبانية، سنة 1020هـ، حملتها إلى دير الأسكوريال حيث ما تزال بعض نفائسها إلى اليوم، وإن كان أغلب هذه الكتب قد تعرَّض لصاعقة سنة 1081هـ، «أحرقت نحو ألفي مجلد من المخطوطات».
وبالرغم من ضياع العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية، فقد احتفظت لنا كتب التاريخ والتراجم، وبعض المجاميع والكناشات بقصائد رائعة، ودرر شعرية نادرة لشعراء انتظموا في بلاط السلطان أحمد المنصور، وكذا في بلاط ولي عهده الأمير ولي العهد محمد الشيخ المأمون بمدينة فاس.
تشيع السعديين
السعديون الحسنيو النسب كانوا شيعة، ويبدو تشيعهم واضحاً في الكثير من معالمهم، فالملك السعدي أحمد المنصور (1578ـ1603) أرسل رسالة إلى أحد الملوك المجاورين، أوردها صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ) في الصفحة 266 من الجزء الثاني، طبعة سنة 1993 نأخذ منها مطالعها وهو ما يلي:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد لله مسهل المرام وميسر أسباب الكمال والتمام، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد شفيع الأنام المبعوث بالحنيفية السمحاء إلى الخاص والعام، والرضى عن آله الأئمة الأعلام وخلفاء الإسلام وعن أصحابه الذابين عن كلمته بالسنان والحسام… (إلى آخر ما جاء في الرسالة).
وهل من صراحة في التشيع أقوى من قوله: «آله الأئمة الأعلام وخلفاء الإسلام».
وكما كان تشيع (الموحدين) لا يبرز في شيء كما يبرز في شعر شعرائهم، كذلك الحال في (السعديين).
فالشاعر عبد العزيز الفشتالي([417]) (957ـ1032هـ) يمدح المنصور السعدي مشيراً إلى فتح السودان فيقول فيما يقول:
يعنو إلى المسنون من أسيافه
قلب المعاند وهو قلب واجب
أيروم أحزاب الضلال سفاهة
غلباً لحزب الله وهو الغالب
صبت على السودان منه صواعق
فهمت على إسحاق منه مصائب
يروي عن المنصور فيه (محمد)
ما أسندته إلى (الوصي) مناسب
وهل أبلغ في إظهار التشيع من تلقيب علي بن أبي طالب بلقب (الوصي).
وكذلك القول في قصيدة محمد علي الهوزالي التي مدح بها المنصور بعد معركة وادي المخازن التي يقول فيها:
حروب طوت ذكر البغاة ومِلّهم
ومات لها ذكر البسوس وداحس
بها قد وددنا أنّه مع جده
بصفين يوم حاربته العنابس
تقربها عين الوصي لدى الوغى
دجى النقع والتفت عليه الكرادس
وجاء في كتاب (الأدب المغربي) وهو يوازن بين شعراء الدول الشيعية الثلاث: الفاطمية والموحدية والسعدية خلال حديثه عن شاعر السعديين (أبي عبدالله الهوزالي)([418]).
«إنّ مدح المنصور السعدي كان ينال منه الرضا إذا ما اعتمد على تلك الجزالة التي تصل في بعض الأحيان إلى درجة الجلبة، وهي جزالة سبق أن أغرم بها الخلفاء الفاطميون في شاعرهم ابن حبّوس ومن أتى بعده مثل الجراوي([419]) والسلمي ثمّ الخطابي. ولا غرو فإنّ هؤلاء جميعاً من مدعي الفاطمية والخلافة، وكانوا جميعاً بذلك الطموح الذي حقق مراميه الفاطميون في الشرق بعد الغرب، ثمّ وجدنا الموحدين يحلمون بتحقيقه في الشرق بعدما أحرزوا الفتوح العظيمة في الغرب، وكذلك وجدنا السعديين يحلمون بهذه الأحلام بعدما مدّوا فتوحاتهم التي انتهت أيام المنصور إلى أواسط إفريقيا السوداء». (انتهى).
وللهوزالي قصيدة في مدح المنصور بعد أحد فتوحاته تلوح فيها ملامح التشيع:
فتح جنى المنصور في عرصاتها
أزاهر نصر يانع من غصونها
ولا غصن إلاّ من قناة قويمة
ولا زهر إلاّ من شباة سنانها
ولا روض إلاّ من حماة كماتها
ولا سقي إلاّ ما جرى من طعانها
كتائب منصورية قذفت بها
مرام نأت عن أرضها ومكانها
تهيم بها الأوراح حتّى كأنّما
تناغي عزيف الجن في دورانها
وتطوي بساطاً أرضها بقنابل
سنابكها أطوى لها من بنانها
سحائب من مرّاكش قد أثارها
صبا النصر يحدوها حراء عنانها
يؤم بها الصحراء يرتاد أمة
سدى أنفت آسادها من عرينها
فكم ملك قد رامها فتعصبت
عليه ومحت في مجون حرانها
فلمّا همّت تلك السحائب فوقها
أفاقت وهبت من كرى هيمانها
إلى الملك الشهم الذي لقحت به
لقاح الحروب بكرها وعوانها
إلى ابن البتول المجتبى من نجارها
وفرع العلا المختار من حرانها
إلى ابن الهدى وابن الندى ورد العدا
وفخر بنات المصطفى وهجانها
وما نذكره من الشعر لم نذكره بعد استقصاء وتتبّع، لأنّ هذا الاستقصاء وهذا التتبّع متعذرين علينا الآن، كما كانا متعذرين قبل الآن لبعدنا عن الخزائن المحتوية على ذخائر التراث التي خلفته تلك الدول وعدم استطاعتنا الوصول إلى تلك الذخائر الخطية التي تحفل بها خزائن المغرب العربي في شمال إفريقيا. والذي أخذناه من الشعر وقرأه القارئ فيما مرّ من القول، إنّما هو نتف وقعنا عليها مبثوثة في بعض ما انتشر من تلك الذخائر لم يتعمد ناشروها أخذه فيما نشروه وإنّما جاء صدفة، ولو تعمد أحد الاستقصاء لظفر بكنوز من ذلك.
كما لا شيء لدينا من شعر عبد الواحد بن أحمد وأبي الشياظمي، هذا الشعر الشيعي الذي أشار إليه محمد بن تاويت فيما تقدّم من القول.
وعلى ما قال ابن تاويت: «فقد كان للشعر الشيعي سوق رائجة أيام السعديين لا سيما منهم (المنصور) الذي زخر بلاطه بشعراء التشيع، وكافأ شارح درر السمط([420]) بالآلاف على شرحه هذا».
وكلّ ذلك يحتاج إلى توسع في الدرس و البحث ممّا هو غير متيسر لنا.
كلمة ختامية
لقد عاشت الدولة السعدية حتّى سنة 1069هـ ـ 1658م شأنها شأن كلّ الدول أمثالها من مد وجزر، وقد بلغت أقصى ما بلغته في عهد أحمد المنصور (986ـ1012هـ ـ 1578ـ1603م) حيث تاخمت من الجنوب الشرقي بلاد مصر. وقد كان المنصور هذا يمطح إلى الوصول إلى الأندلس، بل إلى أن يقيم وحدة إسلامية. ويسجل لها أنّها ماشت النهضة العسكرية في أوروبا ولم تتخلف عنها في تجهيز الجيوش، فأنشأت الجيش النظامي الحديث لتظل أبداً على سلاحها حين يراد بها الشر كما أقامت أسطولاً حربياً قوياً إلى جانب أسطولها التجاري، كانت تستحضر بواخرهما من إنكلترا وهولندا وقد تصنع محلياً بمساعدة فنيين أجانب. وأوثقت صلتها بالعالم الخارجي فارتاد ممثلوها تركيا والشرق الإسلامي وهولندا والبرتغال وغيرها. وفتحت موانئها للتجارة الخارجية، فبلغت هذه التجارة مبلغاً عالياً، كما قامت الصناعات أحسن قيام لا سيما صناعة السكر التي ازدهرت كلّ الازدهار، وقد انتقلت زراعة قصب السكر وصناعته في عهدهم من المغرب إلى بلدان أخرى لا سيما القارة الأميركية بعد اكتشافها، كما انتقلت إلى جزر (الخالدات)([421]) وكان السكر السعدي يصدّر إلى إنكلترا. وفي العهد السعدي اعتمد المغرب على نفسه في صناعة المدافع في ترسانة مراكش، وفيها كان يذوّب النحاس لصنع المدافع. وقد اكتشفت معدان النحاس سنة 946هـ ـ 1539م بجبل تنزار، كما صنعت المدافع من البرونز. كذلك تمّ صنع القنابل وبقي من العهد السعدي مدفع نقشت عليه كتابة بالعربية([422]).
وكان الملوك السعديون على نصيب وافر من المعرفة والثقافة يشجعون رجال الفكر وينشؤون خزائن الكتب وينشرون العلم، وكان فيهم العلماء والشعراء([423]).
وقد اشتهر الملوك السعديون بولعهم بالأدب، فقد كان محمد المهدي الشيخ يستظهر ديوان المتنبي، وكان لأحمد المنصور شعر كثير، كما درس الحديث والفقه والنحو اللغة والفرائض والهندسة والجبر وغير ذلك، وكان له أثر كبير في النهضة الفكرية، وقد استجاز بعض رجال مصر، وألّف كتاباً في الشؤون السياسية والعسكرية وعلّق على عدّة كتب في الحديث والتفسير وغيرهما. ويقول صاحب كتاب (المغرب عبر التاريخ) ج2، ص400 ط1993، أنّه كان في نيته وضع كتاب جامع لقصائد الشعراء من أهل البيت. كما اشتهر بجمع الكتب ووقفها، ولا يزال في خزائن (القرويين) حتّى اليوم عشرات المخطوطات الموقوفة باسمه، وخزانة زيدان بن المنصور التي سطا عليها الإسبان وضمّوها إلى خزائن الأسكوريال من بعض ما تخلف من كتب والده.
وقد أمر المنصور جماعة من العلماء بوضع العديد من الكتب، من ذلك شرح للألفية في مجلدين كبيرين يلخص فيه مختلف الشروح المتداولة للاستفتاء عنها. وأمر زيدان بن المنصور الراهب الإيرلندي (أنطون دوسانت ماري) بترجمة كتب من اللاتينية إلى الإسبانية التي كان يتقنها معظم الملوك السعديين لتترجم إلى العربية.
وبقيت خزائن زاخرة بالكتب ألحقت بعد ذلك بالمساجد الكبرى. ويرى بعض المستشرقين أنّ أوّل مستعرب هو من معاصري السعديين وقد درس اللغة العربية في مراكش سنة 1598م واسمه (إتيان هولبير Etienne Hulbert)، وكان أوّل أستاذ للغة العربية في معهد الطب بباريس حين كان المقام الأوّل لابن سينا وابن رشد.
الاحتفال بالمولد النبوي
في عهد السعديين
احتفى السعديون في بلاطاتهم، بذكرى المولد النبوي الشريف احتفالاً مشهوداً ردّدت صداه المصادر التاريخية، وكتب التراجم التي وضعت في هذا العصر، تماماً كما احتفلت الطرق الصوفية في زواياها بهذه الذكرى إن في البادية أو في الحضر.
ويبدو أنّ هذه الاحتفالات المولدية لن تكتسي طابعها الرسمي وتغدو عيداً من أعياد الأمّة، ومظهراً حضارياً يعكس بجلاء الشخصية المغربية، إلاّ في منتصف القرن العاشر، مع انتقال دفة الحكم إلى السلطان العالم أحمد المنصور الذهبي الذي أضفى على هذه الذكرى حلّة قشيبة وخلع عليها رونقاً أخاذاً.
فماذا عن هذه الذكرى الدينية بالمغرب عشيتئذ؟ ما هي ملامحها العامة؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال نرى أن نتعقب هذه الظاهرة في جذورها الجنينية في المشرق، أولاً ثم نعرج على احتفالات الغرب الإسلامي في محاولة لمعرفة البدايات الأولى لممارسة المولد، والعمل به كعيد أمسى ذي ميسم ديني.
تعتبر مسألة الاحتفال بميلاد النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أمراً طارئاً على الأمّة الإسلامية ظهر نتيجة لقيام عوامل موضوعية كيفت تاريخ هذه الأمّة.
كان الفاطميون في مصر السابقين إلى الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف واتخذوه عيداً رسمياً من أعياد الأمّة يقول الأستاذ محمد المنوني: «وجد الاحتفال بالمولد النبوي منذ عهد الفاطميين بمصر حيث كانوا يحتفلون ضمن ستة موالد هي مولد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومولد آل البيت (عليهم السلام) علي بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة الزهراء والسادس مولد الخليفة الحاضر».
ويعتبر الملك المعظم مظفر الدين صاحب أربل (ت 630هـ/ 1234م) أحد الذين أعطوا لظاهرة الاحتفال بالمولد دفقاً جديداً وطابعاً مميزاً فقد كان هذا الأمير «مولعاً بعمل المولد، عظيم الاحتفال به».
وحظي الاحتفال بالمولد النبوي في الغرب الإسلامي بعناية فائقة سجلت المصادر التاريخية بعضاً من جوانب العظمة التي حفّ بها المغاربة هذه الذكرى، وتعتبر الدولة الحفصية في شخص السلطان إبراهيم الحفصي الذي امتدّت دولته من عام 718 إلى 747هـ أوّل من نسج على هذا المنوال ودعا إلى الاحتفال بالمولد النبوي. أمّا الأندلس فإنّ المؤرخين يجعلون بداية هذا الاحتفال مرتبطاً بالسلطان أبي الحجاج يوسف الأوّل 733 إلى 755هـ ملك غرناطة وينتهي العمل بالمولد باغتيال هذا السلطان. أمّا تلمسان فقد عرفت احتفالات المولد بها غاية البهاء والعظمة خاصة في عهد بني زيان، أيام السلطان أبي حمو موسى الثاني الذي تبتدئ دولته من عام 760هـ([424]) ويرجع الفضل في الدعوة لإحياء ذكرى المولد النبوي في المغرب إلى أسرة العزفيين بسبتة في القرن السابع للهجرة، الثالث عشر للميلاد.
هكذا نجد القاضي أبا العباس العَزَفي، يضع مؤلفاً ضخماً في هذه الذكرى سمّاه (الدُّرُّ المنظّم في مولد النبي المعظم) تتحدّد أهداف هذا الكتاب حسبما نجد في المقدمة في «الدعوة إلى معرفة مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والاحتفال به…».
ويظهر أنّ الأمير أبا القاسم محمد العزفي، بادر إلى تكريس دعوة والده، بمجرد أن انتقلت إليه دفة الحكم، وعمل على إحياء المولد النبوي طيلة فترة إمارته الممتدة من (648هـ/ 1250م إلى عام 677هـ/ 1279م).
ويبدو أنّ الموحدين، اقتنعوا بدعوة العزفيين، فألفينا الملك الموحدي عمر المرتضى ينبري لإحياء المولد بمراكش، ويحيطه ببالغ التبجيل إكراماً لصاحب الذكرى، وتلبية لنداء أبي القاسم، الذي أهدى السلطان نسخة من (الدر المنظم) الذي ألّفه بالاشتراك مع والده. ويشهد الاحتفال بهذه الفكرة الانطلاقة الحقيقية، مع بزوغ فجر الدولة المرينية، فقد سارع مؤسس هذه الدولة يعقوب بن عبد الحق إلى إقامة مراسم الاحتفال بهذه الذكرى في حلة من العظمة و الجلال. ويبدو أنّ ابنه يوسف عمل بعده على تعميم هذا الاحتفال في جميع أنحاء المغرب كعيد قومي وديني من أعياد الأمّة.
هكذا أضحى يوم الثاني عشر من ربيع الأوّل عيداً مولدياً عاماً يحتفل فيه المغرب على مختلف المستويات، فتقام الأفراح وتتضاعف الأضواء ويتجمل بما حسن من الثياب وبخاصة في عهد أبي الحسن وأبنائه أبي سالم وأبي فارس.
ولقد أدلى المنحى الصوفي بدلوه في عهد المرينيين في إحياء ليلة المولد النبوي، فرأينا أرباب الزوايا وشيوخ الطرق الصوفية يعظمون الذكرى، ويحيطونها بهالة من الفخامة والجلال. في هذا السياق يمكن أن نتحدّث عن احتفالات الصوفي: أبي مروان عبد الملك الريفي فقد كان دأبه «أن يقيم بمنزله بسبتة المولد النبوي بحضور المريدين ويحتفل لذلك بالإطعام ويستعمل السماع».
ظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي
في عهد المنصور الذهبي
عرفت ظاهرة الاحتفال بميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام بالمغرب عصر السعديين، انتعاشاً هائلاً، فقد أضحت (الذكرى) عيداً قومياً، يجسد العواطف الدينية المتأججة. هكذا رأينا الدولة لا سيما في فترات الاستقرار السياسي، وبالضبط عشية حكم السلطان أحمد المنصور تسارع إلى تكريس الاحتفال بهذه الذكرى بإيعاز، من هذا الزعيم العالم ويكفي أن نرجع إلى المصادر التاريخية التي غطّت الفترة وكذا الكتب الإخبارية وكتب التراجم، لنفاجأ بهذه الأوصاف الدقيقة والحية، والتي تعكس بجلاء عظمة الاحتفال بالمولد في عهد المنصور يقول الأستاذ حركات: «وقد أحاط السعديون حفلات المولد بعناية فائقة، وربما لأنّهم رأوا أنفسهم أحق بالاحتفال بمولد الرسول وهم من سلالته، من آل عثمان الذين ليسوا كذلك، وقد احتفظ المغرب بجل التقاليد التي سنّها المرينيون ثمّ طوّرها السعديون في هذه المناسبة.
يتضح إذن وبناء على ما تقدّم، واستناداً إلى ما دوّنه كلّ من الفشتالي في مناهله، أو المقري في روضه، أو اليفرني في نزهته، أنّ السلطان المنصور أمكن له بما توافر بين يديه من إمكانيات هائلة، وقدرات خاصة، أن يضفي على احتفالات المولد طابعاً متفرداً. هكذا يمكن أن نتناول ظاهرة الاحتفال المنصوري بالمولد النبوي مع الباحثين من منطلقين:
أحدهما فني: يتمثل في الانتقاء في صفوف الشعراء والمثقفين الذين يؤذن لهم بالمثول أمام الحضرة السلطانية، بناء على كفاءتهم العالية ومؤهلاتهم الخلاقة في هذه المناسبة.
ثانيهما تنظيمي: ويتمثل أساساً في تلك الهالة التي تطبع احتفالات الأمّة بالذكرى فقد خصّص المنصور لأجل إنجاح الاحتفال، ميزانية ضخمة، وسخّر طاقات جبارة وهو ما أكسب هذا النموذج المنصوري مبدأ التمييز والفعالة.
ويبدو أن الاحتفال بالمولد النبوي في عهد السعديين، لم يبق سجين البلاط السعدي وإنّما امتدّ ليشمل جميع الأوساط الشعبية وبخاصة في رحاب الزوايا التي حرص شيوخها، على إقامة هذا الاحتفال في البوادي والحواضر المغربية في منأى عن وصاية النفوذ السعدي وبسطوا أيديهم وبذلوا جهوداً وافية محبة في صاحب الذكرى، وتعظيماً ليوم ميلاده عليه الصلاة والسلام. هكذا رأينا شيوخ الحركة الصوفية يعدّون الطعام ويجمعون الناس والمادحين والذاكرين لينالوا حظهم من هذه الولائم التي تقام في هذه الليلة الغراء([425]).
سقط الزند (ديوان)
كتب الباحثون كثيراً عن أبي العلاء، في القديم وفي الحديث، ونظروا إلى جوانب عديدة من حياته وأدبه وتفكيره ومعتقده، ولكن رأيت هؤلاء الباحثين، بالإجمال، لا يعنون العناية اللازمة بدراسة ديوانه الذي جمع فيه جملة من أشعاره واختار له هو بنفسه اسمه المعروف «سقط الزند»، قاصداً بهذه التسمية الشعرية المجازية أن يرمز إلى الحقيقة التي ينطوي عليها هذا الديوان، وإلى الواقع الذي يمثله من حياته ومن شخصيته ومن أدبه.
فإنّ الزند ـ لغة ـ هو العود الذي تُقتَدح به النار، وسقط الزند هو أوّل نار تخرج من الزند عند الاقتداح. وقد قصد المعرّي هذا المعنى بذاته، لأن «سقط الزند» يجمع الكثير من شعره الذي نظمه في أوائل حياته، فهو إذن أوّل تلك النار العبقرية التي اقتدحها زناد ذهنه العبقري.
ولكن الأمر في هذا الإشعار لا يقتصر على هذا الظاهر السطحي من دولة التسمية، بل الواقع أنّ ديوان «سقط الزند» يصح أن يكون المدخل الحقيقي لدراسة أبي العلاء دراسة مستوعبة متوغلة في جوانب شخصيته جميعاً، وأعني أنّ هذا الديوان جدير بأن يكون للباحثين جميعاً، وأعني أنّ هذا الديوان جدير بأن يكون للباحثين والناقدين بمنزلة ما يسمّى «مفتاح الشخصية» لمن يشاء منهم أن يستجلي شخصية أبي العلاء على حقيقتها وواقعها الأصيل([426]).
وقد يرجع أكبر السبب في أنّ أولئك الباحثين لم يهتموا بديوان «سقط الزند» اهتمامهم بغيره من آثار أبي العلاء، إلى ما هو شائع عند الذين أرَّخوا لحياة أديبنا العظيم من القدماء، من أنّ هذا الديوان إنّما يجمع أشعاره التي قالها في صباه… فقد تمسَّك الباحثون المحدّثون بكلمة «صباه» على حرفيَّتها، ولم ينظروا إلى هذه الأشعار نفسها بحيث يجدون أنَّ الذي صدر عنه في صباه هو أقل ما يحتويه «سقط الزند». وأنَّ أكثر هذه الأشعار وأروعها شاعريّة وأقواها دلالة عليه إنّما صدرت عنه في أعلى مراحل شبيبته، وفي أخصب مراحل شاعريته، وفي أدقَّ التجارب التي عاناها في حياته قبل معتزل، بل في أقسى هذه التجارب وأعمقها أثراً في نفسه ووجدانه وتفكيره.
ولقد أبيح لنفسي أن أقول، إنَّ الذين أرَّخوا لأبي العلاء من القدماء، قد أوهمونا أنَّ صاحب «سقط الزند» نفسه لم يكن راضياً كلَّ الرِّضا عن أشعاره التي تضمنها هذا الديوان، فقد نقل أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي عن أستاذه أبي العلاء نفسه ما يوهم هذا المعنى، إذ قال:
«لمّا حضرت أبا العلاء، قرأت عليه كثيراً من كتب اللغة، وشيئاً من تصانيفه، فرأيته يكره أن يُقرأ عليه شعره في صباه، الملقِّب ب«سقط الزند»، وكان يغيِّر الكلمة بعد الكلمة منه إذا قُرئت عليه، ويقول معتذراً عن تأبِّيهِ وامتناعه من سماع هذا الديوان: مدحت نفسي فيه، فلا أشتهي أن أسمعه. وكان يحثَّني على الاشتغال بغيره من كتبه([427]).
وفي رسالة كمال الدين بن العديم، المسمَّاة، «الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري» قال مؤلف الرسالة وهو يستعرض تواليف أبي العلاء: «من الأشعار التي نظمها: ديوانه المعروف «بسقط الزند» وهو ما قاله في أيام الصِّبا في أوّل عمره، وهو من أحسن أشعاره، وقد اعتنى به العلماء وشرحوه، مقداره خمس عشرة كرَّاسة، تزيد أبياته المنظومة على ثلاثة آلاف بيت، شرحه الخطيب التبريزي وشرحه ابن السيّد البطليوسي وأحسن شرحه».
وقال ياقوت في «معجم الأدباء» (الجزء الثالث، ص154) في معرض الكلام على مؤلفات أبي العلاء: «… ومن غير هذا الجنس كتاب لطيف فيه شعر قيل في الدهر الأوّل يعرف بكتاب «سقط الزند» وأبياته ثلاثة آلاف».
هكذا تواترت أقوال القدماء الذين أرَّخوا لأبي العلاء، حتّى استقام في أذهان المحدّثين أنَّ «سقط الزند» ليس ذا شأن يؤبه له في آثار المعرِّي ما دام من نتاج صباه… وما دام المعرِّي نفسه لم يكن يأبه لهذا الديوان، كما توهمنا مقالة أبي زكريا التبريزي.
والحقيقة أنَّ المعرّي كان يحتفل لديوانه هذا احتفالاً ظاهراً. يدل على ذلك أنّه عُني بشرح الغريب من ألفاظه وجعل هذا الشرح في كتاب خاص سمّاه «ضوء السقط» وقد تحدَّث ابن العديم عن هذا الكتاب فوصفه بأنّه «يشتمل على تفسير ما جاء في سقط الزند من الغريب، مقداره عشرون كرِّاسة، وضع ـ أي المعرّي ـ هذا الكتاب لتلميذه أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله الأصبهاني، وكان رجلاً فاضلاً قصده إلى معرَّة النعمان ولازمه مدّة حياته يقرأ عليه بعد أن استعفى ـ أي المعرّي ـ من ذلك، ثمّ أجابه فقرأ عليه الكتب إلى أن مات ـ يقصد المعرّي ـ وقد أشار إلى ذلك في مقدمة «ضوء السقط». وأقام أبو عبدالله الأصبهاني بحلب، وروى عن أبي العلاء كتباً متعدّدة من تصانيفه، وهو الذي سأله أبو العلاء أن يشرح له «سقط الزند» فشرحه، ووسمه بـ «ضوء السقط».
ومن هذا النص، ومن أمثاله في تضاعيف عدد من المراجع التاريخية الأدبية، يتبيَّن بجلاء وتوكيد أنّ أبا العلاء كان حفيّاً بديوانه «سقط الزند» إلى حدٍّ أنّ تلاميذه كانوا يروونه عنه بالإجازة، وكان عدد من طلاب العلوم الوافدين إليه من أقطار مختلفة يدرسون هذا الديوان عليه في جملة ما يدرسون. فقد ذكر السيوطي في «بغية الوعاة» في ترجمة نصر بن صدقة القابسي النحوي أنّه «كان ممّن يعاني الأدب، فقدم مصر وأخذ عن علمائها، ثمّ توجّه إلى المعرَّة فلازم أبا العلاء، وأخذ عنه ديوانه «سقط الزند» وكتب منه نسخة جيدة، ورجع إلى مصر فقدَّمها للحاكم وقرأها عليه، فأعجبه نظمه، وأرسل إلى عزيز الدولة الوالي بحلب أن يحمله ـ أي حمل المعرِّي ـ إلى مصر. فاعتذر، فكفَّ عنه».
ويروي «أحمد تيمور باشا»([428]) هذه الحكاية بصورة أخرى نقلاً عن مقدمة رسالة للمعرّي تسمّى «الفلاحية» تقول إنّ القابسي هذا لمّا رجع إلى مصر بنسخته «سقط الزند» أهداها للوزير أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحي، فأعجب بها و استدعى كاتب الديوان وأمره أن يكتب إلى عزيز الدولة متولي حلب وأعمالها، في حمل أبي العلاء إلى مصر، ليبني له دار علم، وسمح بخراج معرَّة النعمان له في حياته وبعدها، فوصلت الأوامر إلى ديوان الشام بكَتْب السجل، فكُتِب وجُهّز على البريد، فلمّا وقف عليه عزيز الدولة نهض للوقت حتّى دخل معرَّة النعمان، وقرأ السجل على أبي العلاء، فقال: أمهلني حتّى أكتب جواب السجل إلى مجلس الوزارة، فلعلّ العفو يسامحني بالمقام في بلدي، إذ لا يمكنني الخروج منه. فأمهله الأمير، فأحضر الكاتب للوقت، وأملى عليه هذه الرسالة ـ أي «الرسالة الفلاحية» ـ يعتذر فيها عن عدم الرحيل بعجزه عنه.
وفضلاً عمّا لهذه الحكاية، بوجهيها، من دلالة على احتفال أبي العلاء وتلاميذه بديوان «سقط الزند»، تدلّ كذلك على احتفال الناس في عصره بهذا الديوان وبأدب أبي العلاء وبمكانته، كما تدلّ على إباء المعرّي نفسه وعزوفه عن عروض المال والجاه من حكام زمنه، وقد دلّت على ذلك روايات عدّة في أخبار أبي العلاء.
وأمّا ما تُنبئ عنه رواية أبي زكريا التبريزي، المتقدمة الذكر، من أنّه رأى أبا العلاء «يكره أن يقرأ عليه شعره في صباه الملقَّب بسقط الزند»، فيمكن حمله على بعض أشعار هذا الديوان ممّا هو منظوم في صباه حقّاً. يدلنا على هذا التَّخريج للرواية أنّ أبا العلاء قد جعل حجته في الامتناع عن سماع هذا الديوان كونه مدح نفسه فيه، وهذه حجة لا تنهض إلاَّ بالنسبة للأبيات التي مدح فيها نفسه، ولم أجد من هذه الأبيات في النسخة المطبوعة من «سقط الزند» التي درست فيها الديوان، سوى قليل، وهي أقل من أبيات نستشعر فيها تواضعه جاءت في مراسلاته لأخوان، فعلّل شيئاً من النقص أصاب الديوان خلال القرون التي انقضت من عهد أبي العلاء إلى اليوم، أو لعلَّ طابعي هذه النسخة قد أنقصوا الديوان بعض قصائد، وهذا ظاهر بالفعل وسنوضحه بعد.
ومهما يكن من شأن رواية التبريزي، فإنّها لا تستطيع أن تعارض ما نقلناه وما لم ننقله من الروايات والأخبار المستفيضة عن اهتمام أبي العلاء بهذا الديوان.
على أنَّ أديبنا العظيم، أبا العلاء، قد ذكر في خطبة «سقط الزند» ـ أي مقدمته » ما يشبه هذا الذي حكته عنه رواية التبريزي، فقد قال ما نصه:
«أمّا بعد، فإنَّ الشعراء كأفراس تتابعن في مدى، ما قصر منها لحق وما وقف ذيم([429]) وسبُق، وقد كنت في ربَّان الحداثة([430]) وجن النشاط، مائلاً في صغو([431]) القريض، اعتدُّه بعض مآثر الأديب، ومن أشرف مراتب البليغ، ثمّ رفضته رفض السقب([432]) غرسه، والرأل تريكته([433])، رغبة عن أدب معظم جيّده كذب، ورديئة يُنقِص ويُجدب، وليس الرَّي عن التشافِّ([434])، ويعلمك بجني الشجرة الواحدة من ثمرها، ويدلك على خزامى الأرض النفحةُ من رائحتها، ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالباً للثواب وإنّما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس ـ أي الطبيعة ـ فالحمدلله الذي ستر بعُفَّة من قوام العيش ورزق شعبة من القناعة أوفت على جزيل الوفر».
هذه قضية يعنينا أن يجلوها أبو العلاء بمثل هذا الكلام يصدر عنه هو، ولا يتركها لمجرد الاجتهاد والاستنتاج، وإن كان لنا من أخباره ـ كما قلت ـ ما يعين على الاجتهاد والاستنتاج.
ويبقى الآن أن نعود إلى هذه الدعوى من أبي العلاء ومن المؤرخين لحياته وأدبه، من القدماء والمحدثين على السواء، وهي دعوى أن شعر «سقط الزند» هو شعر الحداثة والصِّبا.
هذا غير صحيح، ففي شعر هذا الديوان، كما وصل إلينا وكما نراه في شرح أبي يعقوب يوسف بن طاهر النحوي صاحب «التنوير» ـ وهو مقارب لعهد أبي العلاء ـ ما قد نظمه المعرّي وهو في بغداد، وما قد نظمه بعد رحلته إلى بغداد أثناء اعتزاله الأخير بالمعرَّة. ومن ذلك قصيدته في رثاء أبي أحمد الطاهر والد الشريفين الرضي والمرتضى، فقد توفي هذا عام 403هـ ومعلوم أنّ المعرِّي بدأ عزلته بالمعرَّة عام 400هـ، فكيف تكون هذه القصيدة ـ وهي من شعر «سقط الزند» ـ ممّا قاله الشاعر في صباه؟. ومن ذلك قصائد بعث بها من المعرّة إلى صديقه القاضي أبي القاسم التنوخي، في بغداد، وفي هذه القصائد أغراض مختلفة أظهرها الحنين إلى أيامه التي قضاها في بغداد خلال رحلته الشهيرة إليها، وهي الرحلة التي اتخذ بعدها منزله بالمعرَّة «محبساً» ثانياً له، ومن قصائده إلى القاضي التنوخي هذا، القصيدة التائية التي مطلعها:
هات الحديث عن «الزوراء» أو «هيتا»
وموقد النار لا تكري «بتكريتا»([435])
وفي هذه القصيدة يصف حنينه إلى العراق ويذكر سبب عودته من بغداد إلى المعرَّة مرغماً، في حين كان يرجو أن لا يفارقها:
ولا مدحت طالباً للثواب، وإنّما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس([436])، فالحمدلله الذي ستر بعُفَّة([437]) من قوام العيش وَرَزق شعبة من القناعة أوفت([438]) على جزيل الوفر. وما أوجد لي من غلو علق في الظاهر بآدمي، وكان ممّا يحتمله صفات الله عزَّ وجل، فهو مصروف إليه. وما صلح لمخلوق سلف من قبل، أو غير، أو لم يُخلق بعد، فإنّه ملحق به. وما كان محضاً من المين([439]) لا جهة له، فاستقيل([440]) الله العثرة فيه، والشعر للخلّد مثل الصورة لليد([441]): يمثل الصانع ما لا حقيقة له، ويقول الخاطر ما لو طولب به لأنكره، ومطلق في حكم النظم دعوى الجبان أنّه شجيع، ولبس العزهاة ثياب الزير([442]) وتحلِّي العاجز بحلية الشهم الزميع([443]) والجيد من قيل الرجال ـ وإن قلّ ـ يغلب على رديئه وإن كثُر، ما لم يكن الشعر له صناعة، ولفكره مرناً وعادة. وفي هذه الكلمة جمل يدلُلْن على الغرض، والله تعالى استغفر، وإياه أسأل التوفيق».
لهذا النص يمليه أبو العلاء نفسه في مقدمة «سقط الزند» قيمة ذات شأن كبير، فهو يلقي ضوءاً غامراً على كثير من القضايا التي يختصم الباحثون فيها منذ زمن بشأن أبي العلاء في شعره وفلسفته ومعتقده الدّيني. وإنّه لمؤكد أنّ صاحب «سقط الزند» قد أملى هذا النص أثناء اعتزاله الأخير في منزله بالمعرَّة بعد الأربعين من عمره، وذلك هو العهد الذي أنشأ فيه خيرة أعماله الفكرية والأدبية، وأملى فيه «اللزوميات» ذاتها، وهي التي يشتد فيها الجدل بين المفكرين والباحثين، من حيث أنّها تحتوي معطم آرائه في الكون والحياة والناس والمعتقدات.
فنحن نرى في هذه المقدمة الصريحة أنّ رجل يبرئ نفسه من تهمة الزندقة ويصرف ظواهر شعره إلى مقاصد لا تنافي الاعتقاد بالله، ثمّ يستغفر الله ممّا قد لا يكون فيه مجال للتأويل. على أنّنا ننظر في «سقط الزند» فنرى فيه شعراً كثيراً يدل على الإيمان والتدين من مثل قوله في رثاء أبيه:
فيا وطني، إن فاتني بك سابق
من الدهر فلينعم لساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتيك زائراً
وهيهات لي يوم القيامة إشغال
وليس هذا الأمر موضوع بحثنا وإلاَّ لأتينا من «سقط الزند» بشواهد كثيرة على ذلك. وإنّما الغرض هنا أن نقف قليلاً عند ذلك النص الذي نقلناه من إملاء أبي العلاء، فنرى إليه وهو يقدّم لديوانه بهذا الكلام الذي يشبه من بعض وجوهه، رواية التبريزي عنه بأنّه كان يرى في «سقط الزند» أنّه من شعر الحداثة، ولكن هذا لم يمنعه أن يهتمّ بأمر هذا الديوان، وأن يقدّم له، وأن يرويه لتلاميذه ويجيز روايتهم إيّاه ويتدارسه معهم في حلقات دروسه.
وثمة ناحية أخرى ذات شأن في هذا النص، وهي اعتذار أبي العلاء عمّا ورد في «سقط الزند» من مدائح ربّما تُوْهِم أنّ الرجل كان كغيره من شعراء تلك العصور يقف بشعره على أبواب الحكّام وذوي الجاه، إمّا زُلفى ورياء وتمليقاً، وإمّا استجداء للعطايا والهبات، في حين نعلم من أخباره أنّه تفرّد في شعراء تلك العصور بميزة الترفّع بنفسه وخلقه وأدبه عن كلّ ما هو من قبيل الزلفى والملق والرياء، والاستجداء، بل نعلم من أخباره المستفيضة أنّه لقي في كثير من الحالات أزمة الحاجة والإعواز، وإنّه ـ إلى ذلك ـ قد أتيح له مراراً أن يملأ كفّيه بالمال وأن يملأ حياته بالرفاهة، غير أنّه رفض كلّ ذاك رغم إقلاله وحرمانه.
وها هوذا، في مقدمة «سقط الزند»، كما رأينا. يرفع ذلك التوهم بنفسه، ويكشف عن حقيقة تلك المدائح في هذا الديوان، بقوله: … ولم أطرق مسامع:
أثارني عنكم أمران: والدة
لم ألقها، وثراء عاد مسفوتا([444])
أحياهما الله عصر البين ثمّ قضى
قبل الإياب إلى الذخرين: أن موتا([445])
لولا رجاء لقائها لما تبعت
عنسي دليلاً كسر الغمد أصليتا([446])
ولأصبحتُ ذئاب الأنس طاوية
تراقب الجدي في الخضراء مسبوتا([447])
سقياً لدجلة، والدنيا مفرَّقة
حتّى يعود اجتماع النجم تشتيتا
وبعدها لا أريد الشرب من نهر
كأنّما أنا من أصحاب طالوتا([448])
وممّا بعث به من المعرَّة إلى بغداد بعد رحلته تلك، قصيدته إلى أبي أحمد عبد السلام بن الحسن البصري الذي كان يكثر الإقامة عنده في بغداد، وهي من شعر «سقط الزند»، ومطلعها:
تحية كسرى في الثناء وتبع
لربعك، لا أرضى تحية أربع
وفيها يقول:
ألم يأتكم أنّي تفرَّدت بعدكم
عن الأُنس، من يشرب من العِدِّ ينقع([449])
نعم، حبَّذا قيظ العراق، وإن غدا
يبثثُّ جماراً في مقيل ومضجع
وفي «سقط الزند» ـ فضلاً عن ذلك ـ قصائد كثيرة ممّا قاله وهو في بغداد، ومعلوم أنّ رحلته إليها كانت ما بين عامي 398ـ399هـ، أي حين كان قد جاوز الخامسة والثلاثين، فأين هو في هذه السن من زمن الصِّبا؟…
يضاف إلى ذلك كلّه أنَّ جملة من قصائده السائرة في الناس منذ أجيال، والمعروفة أنّها من ذروات الشعر العلائي، هي من قصائد «سقط الزند»، وهذه يبدو عليها طابع النضج الفكريّ والشعريّ الذي عُرف به أديبنا العربي العظيم. ومن ذلك قصيدته المشهورة في رثاء الفقيه الحنفي أبي الخطّاب محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجَبُّلي([450]) الذي توفي سنة 439هـ كما ذكر ياقوت في «معجم البلدان». وهي القصيدة التي مطلعها:
غير مجد في ملّتي واعتقادي
نوح باك، ولا ترنُّم شاد
ففي «سقط الزند» إذن من شعر أبي العلاء ما قاله وهو في السادسة والسبعين، فأين هذه السن من زمن الصِّبا؟…
يثبت من هذا كلّه أنَّ الفكرة الثابتة في الأذهان، بأنّ «سقط الزند» هو شعر أبي العلاء في صباه، ليست منطبقة على الواقع. وأعني بالتّحديد: واقع هذا الديوان بصورته التي وصلت إليها، والتي يحكم عليها الباحثون المعاصرون أيضاً أنّها من شعر أبي العلاء في صباه. ويبدو لي من مطالعة أخبار أبي العلاء في مختلف المراجع التي استطعت الوصول إليها، أنَّ «سقط الزند» الذي بين أيدينا الآن، بطبعتيه: المصرية، واللبنانية، لا يختلف كثيراً عنه كما عرفته الأجيال المقاربة لعهد المعرّي. يدلنا على ذلك ـ كما ذكرت آنفاً ـ انَّ صاحب «شرح التنوير» قد أورد جميع القصائد التي أشرت إليها منذ قليل، ومنها قصيدة: «غير مجدّ في ملَّتي واعتقادي»… فهل يكون ذكر هذه القصائد كلّها في «سقط الزند» من تحريف المؤرخين والشارحين بهذا التواطؤ والواتر؟… إنّي أشك بذلك.
تراني أصرّ على تحقيق هذه المسألة لغرض أريد أن أنتهي إليه، وهو غرض أدبي له شأنه الخطير في رأيي. وذلك أنّ «سقط الزند» إذا اعتبرناه من شعر أبي العلاء في مراحل صباه وفي شبيبته وفي أوائل كهولته، كما هو الواقع الذي عرضنا أدلَّته في هذا الفصل، فهو إذن يصحُّ ـ كما قلت أوّل الأمر ـ أن تكون دراسته مدخلاً لدراسة جديدة لأبي العلاء. فإنَّ الذين بحثوا أمر هذا الأديب العربيّ العظيم، قصروا النظر في بحثه ـ غالباً ـ على عدد من مؤلفاته، ولا سيّما «اللزوميات» و«رسالة الغفران»، ولم ينظروا إلى «سقط الزند» الذي يمثّل أصالته الأدبية بحقيقتها، ويمثِّل كذلك أهم أوجه حياته وشخصيته، وأعمق تجاربه الوجدانية وانفعالته الشاعريّة.
شخصية المعرّي في «سقط الزند»
يخرج المتتبّع لهذا الاختلاف القديم المتجدّد بشأن أبي العلاء، من حيث فلسفته ومعتقده ومذهبه، ومن حيث طريقته في العيش وعلاقته بمجتمعه وآراؤه بالناس والحياة والكون ـ يخرج من يتتبع هذا الاختلاف ويتتبع أسبابه ومصادره، بظنٍّ يقرب من اليقين في أنّ معظم تلك الآراء المتخالفة المتناقضة إنّما استمدَّها الباحثون، في الأكثر، من مصدر واحد، هو حياة أبي العلاء في عهد كهولته الأخير وشيخوخته، وفي «لزومياته» وبعض رسائله التي أنشأها آنئذ، ولم ينظروا إلاَّ قليلاً في حياته عهد الحداثة والشبيبة، وفي ما كان له عهد ذاك من شعر وأدب وسيرة.
ولست أعني ـ طبعاً ـ أنّهم لم يتحدّثوا عن حياته في طوري الحداثة والشباب، ولم يفصِّلوا الحديث فيهما تفصيلاً كافياً، فإنّ أكثرهم صنع ذلك، ونخص الدكتور طه حسين بالذكر، لأنّه بذل جهداً رائعاً في استقصاء حياة أبي العلاء من فجرها إلى مغربها، وفي تحقيق أخباره كلّها على منهج علمي واضح بكتابه «تجديد ذكرى أبي العلاء». ولكن الأمر الذي أعنيه هو أنَّ حياة المعرّي وشعره في أيام حداثته وشبابه وقسم من كهولته الأولى، لم يكونا مرجعاً للباحثين في دراسته وفي تعرُّف شخصيته من منابعها وأصولها. ولذلك جاءت آراؤهم عنه ـ في الغالب ـ متناقضة، لأنّها منتزعة من ظواهر سيرته وشعره أيام هو يلتزم سيرة متكلَّفة، ويقسر نفسه وفنَّه على أشياء قد لا تكون في الأصل من مكوِّنات شخصيته وفنه.
ومن الأنصاف للحقّ أن نذكر الأستاذ مارون عبود في أوّل من يمكن استثناؤهم في هذا المقام. فقد نظر في كتابه «زوبعة الدهور» إلى أبي العلاء نظرة شاملة بصيرة، فأقام فارقاً واضحاً بين المعرّي الإنسان في شبابه والمعرّي المفكّر المتمذهب في أيام عزلته وشخيوخته. لقد تنبّه مارون عبود إلى مردَّ الخطأ الذي وقع فيه معظم الذين درسوا أبا العلاء من المحدثين، إذ أسبغوا على حياته كلّها ثوب زهده وتعفّفه وانقباضه عن الناس ومقته إيّاهم وتغلّفه بالأحاجي والأسرار دونهم، كما يظهر في «اللزوميات»، وأغفلوا أنَّ هذا ثوب أبي العلاء في عهد «اللزوميات»، لا ثوبه في عهد «سقط الزند».
وبهذا الصدد يقول أديبنا الناقد الباحث مارون عبود: «فقد توهّم الناس، حتّى الخواص من الأدباء ـ هدانا الله وإيّاهم ـ أنّ أبا العلاء خلق منزَّهاً عن الشهوات، بريئاً ممّا يسمّيه غيرنا الضعف البشري، لا ينقصه شيء من الكمال في نظرهم، حتّى كادوا يجعلونه بمعزل عن الغرائز، كأنّه غير مركب من لحم ودم. إنَّ أبا العلاء. أيّها، الفضلاء، ـ وهذا لا يضير عصمته التي تزعمونها له ـ قد تغزَّل كالشعراء لأنّه أحبّ مثلهم ـ الحبّ لا يضر يا سادة ـ وأحسَّ بما أحسَّ به كلّ مركب من نفس وجسد وله دماغ وقلب»([451]).
حين لم يحصر مارون عبود نظره في نطاق «اللزوميات» وسائر ما أنشأه أبو العلاء في «محبسية»، وجد «سقط الزند»، ثمّ وجد في أشعار هذا الديوان وأغراضه شاعراً إنساناً يحيا كالشعراء، وكالناس في زمانه، ورأى أبا العلاء لا يقول عبثاً، أي لا يصدر من غير قلب يخفق بالحبّ، حين يقول:
أيا دارها بالخيف أنَّ مزارها
قريب، ولكن دون ذلك أهوال
أو حين يقول:
أيا جارة البيت الممنَّع جاره
غدوت ومن لي عندكم بمقيل
لغيري زكاة من جمال فإن تكن
زكاة جمال فاذكري ابن سبيل
ورآه، كذلك، يمدح كالشعراء، ويُهنئ بالزفاف وغيره، مثلهم، ويغلو ويبالغ حتّى لا يقصر عن صاحبه المتنبي في الغلو والمبالغة، ويجني غلَّة الشعر ويذوق بواكير محصوله كما يفعل غيره من شعراء ذاك الزمان، ويرثي كما يرثون، ويهجو مثلهم ولكن دون هجر، ويفتخر ويدَّعي مثل الشعراء بل أكثر منهم، إذن «فلنثق جيّداً انّ المعرّي إنسان مثلنا، أكل وشرب وتلذًّذ مثل الناس، وهو لم يكذب حين قال:
تنسَّكت بعد الأربعين ضرورة
ولم يبق إلاَّ أن تقوم الصوارخ
فكيف ترجي أن تُثاب، وإنّما
يرى الناس فضل النسك والمرء شارخ([452])
وإذا كان مارون عبود وقف من أمر أبي العلاء الإنسان الذي يحيا في «سقط الزند» عند هذه اللمحات، ولم يجاوزها إلى تفصيل كامل يخرج منه «بالحلقة المفقودة» التي تصل المعرّي هذا بالمعرّي المفكر المتمذهب الزَّمِّيت بعد أن انطفأت نار شبيبته… فإنّ هذا لا يقلل قطعاً من شأن السابقة التي بدأها صاحب «زوبعة الدهور» باهتدائه إلى شاعر «سقط الزند»، دون أن يخلطه بناظم «اللزوميات»…
روى الثعالبي في «يتيمة الدهر» عن المصيصي الشاعر أنّه قال: «رأيت بمعرة النعمان عجباً من العجب، رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنَّرد، ويُدخِل في كلِّ فنٍّ من الجدِّ والهزل، يكنى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر».
وأخذ بهذه الرواية كلّ من أرَّخ لأبي العلاء بعد ذلك، ولم نجد من يكذّبها أو ينكرها عليه، غير أنّ الدكتور طه حسين شكَّ([453]) في أنَّ أبا العلاء كان قادراً أن يلعب الشطرنج والنَّرد، وتأوَّل قوله إنّه يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر، تأوُّلاً ليس يخلو من تلك النظرة التي ينظر بها الباحثون إلى أبي العلاء من خلال حياته في «اللزوميات».
ونحن نأخذ بهذه الرواية من حيث دلالتها العامة، دون تفاصيلها بالدّقة. فسواء كان أبو العلاء يلعب الشطرنج والنَّرد حقاً أم لم يكن، وسواء كان يعني حقيقة ما يقول من أنّه يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر، أم كان يعني من هذا القول ظاهرة وفي نفسه شيء آخر، إمّا سخراً بالمبصرين، وإمّا اعتداداً بالنفس وفخراً ـ فإنّ هذه الرواية بجملتها، تدل ـ على كلّ حال ـ أنّ شاعر المعرّة الفتى كان ظريفاً مرحاً يجالس الظرفاء، ويشارك أهل الهزل هزلهم وأهل الجدِّ جدّهم، ويتَّصل بمواطنيه في المعرّة اتّصال مواطن إنسان، فهو يحيا حياتهم اليومية في غير تحفظ، ويخالطهم في لهوهم دون تزمّت، ويحسُّ معهم إحساس المسرَّة والمرح، دون أن تمنعه العاهة شيئاً من ذلك، بل تزيده العاهة إقبالاً على مثل ما يقبل عليه أترابه المبصرون توكيداً لوجوده وتفوّقه.
أقول: نأخذ بالرواية من حيث دلالتها هذه، مع علمنا أنّه ليس في أخبار أبي العلاء ما ينفي شيئاً من نصها، فهي من الوجهة التاريخية المحض ثابتة غير منقوضة، فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ أشعار «سقط الزند» ذاتها تنبئ بأنّ الرواية ليست غريبة عن الواقع الذي كان يحياه أبو العلاء في عهده الأوّل الذي سبق عهد عزلته وتزهده، ازددنا يقيناً بأنَّ شاعر المعرَّة قد مارس حياته الأولى على امتلاء من علاقاته الإنسانية بحياة مواطنيه، وانفعال وجدانه الشاعري بالكثير من هذه العلاقات، وأنّه كان ينظر إلى الناس والحياة من خلال عواطفه وعلاقاته هذه، وأنّ النظرة المتزمّتة المتبرِّمة بالناس وبالحياة لم تكن عهدئذ قد وجدت سبيلها إلى نفسه وتفكيره.
وأوّل ما يلفت انتباهنا من الدلالات على ذلك في شعر «سقط الزند»، ما جاء في قسم «الدرعيات» من أبيات قالها في لاعب شطرنج:
قل لترب الآداب في كلّ فن
وحليف الندى وحرب العذولِ
أيّها اللاّعب الذي «فرس» الشـ
ـطرنج همت في كفه بالصهيل
من يباريك و«البياذق» في كفْـ
ـفِك يغلبن كلّ «رخ» و«فيل»
نصرع «الشاه» في المجال ولو
جاء مردَّى بالتاج والإكليل
لطف رأي يستأسر الملك الأعـ
ـظم بالواحد الحقير الذليل
أنت فوق الصولي في هذه الخلـ
ـلّة، مزر في غيرها بالخليل([454])
لسنا ندري متى نظم المعرّي هذه الأبيات، ولكن يكفينا منها دلالتها الصريحة على معرفة أبي العلاء بأدوات الشطرنج وحركاتها معرفة الخبير، ثمّ دلالتها ضمناً على أنّ رواية «يتيمة الدهر» عن ظرف أبي العلاء ومشاركته في لعب الشطرنج زمن شبيبته، ليست بعيدة ولا غريبة عن الصدق والواقع، حتّى في أضعف فقرة منها، وهي الفقرة التي شكَّك فيها الدكتور طه حسين كما تقدم.
* * *
ولنقارن الآن أبا العلاء الكاره للزواج وللمرأة وللنِّسل، المتشدّد في هذه الكراهية إلى الحدّ المعروف عنه في أشعار «اللزوميات»، أو إلى الحدّ الذي دفعه ـ كما يخبرنا أكثر المؤرخين له ـ أن يوصي بأن يكتب على قبره ذلك البيت الذي يصف جمَّاع آرائه الصارمة في النسل والزواج والحياة معاً:
هذا جناه أبي عليَّ،
وما جنيت على أحد
لنقارن أبا العلاء هذا صاحب «اللزوميات»، بأبي العلاء صاحب «سقط الزند»، فسنرى أنّ هذا الآخر قد أنشأ ثلاث قصائد في تهنئة ثلاثة من قومه بزواجهم، وأنشأ قصيدتين في التهنئة بمولدين…
ترى، أيتوافق هذا الاندفاع في التهنئة بالزواج وبالمولود، مع تلك النظرة الساخطة إلى المرأة والزواج والتناسل؟ إنّ بين الأمرين تناقضاً ظاهراً!… فإذا قيل لنا إنَّ هذه القصائد كان يدفع إليها المدح والمجاملة لبعض الأمراء في حلب، أكثر ممّا يدفع إليها الاستبشار بالزواج وبالمولود، أو التهنئة بهما لذاتيهما ـ قلنا أولاً: إنَّ هذا أيضاً دليل على أنَّ أبا العلاء لم يكن يكره أن يمدح أمراء زمانه، ولم يخالف طريقة الشعراء في عهده من هذا الوجه.
ونقول ثانياً: إنّ شاعر المعرَّة قد ذكر المرأة في القصائد الثلاث، إلى جانب المدح، ذكراً جميلاً تفوح منه رائحة الرجل الإنسان الذي يرى في المرأة وجه النعمة والنضرة والغبطة والخير. في حين هو يرى في اللزوميات أن: «بدء السعادة إن لم تخلق امرأة» ويظهر لنا أنّه لم ينظم هذه القصائد في صباه، لأنّ جامع الديوان ـ وأبو العلاء نفسه هو جامع الديوان ـ عوَّدنا أن ينصَّ عند كلِّ قصيدة قالها في الصِّبا أنّها ممّا قاله في ذلك العهد. فإذا رجعنا إلى إحدى هذه القصائد نسمعه يقول لصاحبه الذي يهنئه بزفافه([455]):
وتهنِّ «النعمى» السنية والبس
حلل المجد والفَعال الخطير
وتمتَّع «بنضرة» العيش، إذ جا
ءتك في رونق الزمان النضير
«خير» أيدي الزمان عند بني الدّ
نيا أتت في أوان خير الشهور
يا لها «نعمة»، وليس يبدع
أن تحوز الشموس رقَّ البدور
ونرى ـ استطراداً ـ أن نثبت هنا أبياتاً ثلاثة في القصيدة خصَّ بها أبو العلاء مدينة حلب، قال:
«حلب» للولي جنَّة عدن
وهي للغادرين نار سعير
والعظيم العظيم يكبر فلي عيـ
ـنيه منها قدر الصغير الصغير
«فقويق» في أنفس القوم بحر
وحصاة منها نظير ثبير([456])
وفي القصيدة الثانية، وأكثرها طراز من المديح العادي المألوف، يخلص الشاعر إلى تهنئة أمير حلب بعرسه، فيقول:
الآن فألهُ عن الهيجاء «مغتبطاً»
طال امتراؤك خِلفَيْ نابها لاضبس([457])
وفي حين نرى المرأة في اللزوميات، موضع سوء ظنّه دائماً، لا يثق بحفاظها على حصانتها، ويرى ضعفها على الإغراء هو الأصل في سلوكها، بحيث يقول هناك ـ اللزوميات:
وما يمنع الخودَ الحَصان حصونها
ولو أنَّ أبراج السماء حصونها
نراه ـ مع ذلك ـ هنا في «سقط الزند» يراها أخت الأسد الصعب في امتناعها على غير المحلِّل لها من الرجال. وها هو ذا يقول لأمير حلب الذي يهنئه بعرسه، في القصيدة المتقدمة الذكر، وهو يصف عروسه:
ما ربة الغيل أخت الظبي فزت بها
بل ربة الغيل أخت الضيغم الشرس([458])
يقصد أنَّ هذه العروس ليس ينبغي أن تشبَّه ـ كالعادة ـ بالظباء، بل هي أشبه باللبوة أخت الأسد في امتناعها وحصانتها وعفافها. ألا ترى أنّ المرأة هنا ـ عند أبي العلاء ـ تناقض المرأة عنده هناك في اللزوميات؟
وفي حين يرى أبو العلاء ـ في اللزوميات ـ أنّ من الخير للإنسان أن لا يولد، وأنّ الحياة هبة أثيمة يجني بها الآباء على الأبناء:
فليت وليداً مات ساعة موته
ولم يرتضع من أمِّه النفساء
نجده هنا، في «سقط الزند» يرى نقيض ذلك أيضاً… فها هوذا يهنئ أبا القاسم ابن القاضي التنوخي بمولوده، فكيف يهنئه؟. إنّه يرى الوليد المستهلَّ «نعمة» نزلت من السماك الأعلى، فاستحق أن توفى بمولده النذور وأن تُساق الهدايا إلى البيت الكريم، أي الكعبة، لأنّه يرى المولود الكريم سرّاً من أسرار المجد لأبيه:
متى نزل السماك فحلَّ مهداً
تغذِّيه بدِرذَتها الثُّديُّ([459])
أهلَّ بصوته، فأهلَّ شكراً
به الأقوام، وافتخر النديُّ([460])
بيوم قدومه وجبت علينا النُـ
ـذور، وسيق للبيت الهَديُّ([461])
وسرّ المجد مولود كريم
أبان وفودَه خبر جليُّ
علوُّ زائد بأبي عليّ
أتاك بفضله الله العليُّ
ويهني ثانية صديقاً له بمولوده، وقد كتب له الصديق بنبأ ولادته، فإذا النبأ عنده ـ أي أبي العلاء ـ «بشرى»، وإذا الوليد نفسه هو «النعمى»، ونحسُّ هنا صدورنا ونحن نقرأ هذه اللَّهفة إلى صديقه. وفي ظنِّنا أنّ هذه التهنئة الشعرية كانت في أوائل عهده بالعزلة، وكانت ما تزال في نفسه صبوات إلى تلك المتع الروحية بلقاء الأصدقاء والشعراء، وما يزال يضطرب وجدانه وينفعل بتجربات حية باقية من زمانه الأول:
كتابك جاء «بالنعمى» بشيراً
ويعرض فيه عن خبري سؤال
وحالي خير حال كنت يوماً
عليها، وهي صبر واعتزال
* * *
فأمَّا أنت، والآمال شتى،
فلقياك السعادة لو تنال!
بعدنا، غير أنَّا أن سعدنا
بغبطة ساعة، عكف الخيال
* * *
ولو صنعاء كنت بها لهزَّت
هواي إليك نوق أو جمال
* * *
أرى راح المسرَّة أثملتني
وتلك، لعمري، الرَّاح الحلال
وقبل اليوم ودَّعني مراحي
وأَنْسَتِنيْهِ أيام طوال
هنيئاً، والهناء لنا جميعاً
بقيناً لا يُظَنُّ، ولا يخال
* * *
أهلَّ فبشَّر الأهلي منه
محيا في أسرّته الجمال
بأخوته الذين هم أسود
على آثار مقدمه عجال
فإنَّ تواتر الفتيان عزُّ
يشيَّد حين تكتهل الرجال
وهل يثق الفتى بنماء وفر
إذا لم تَتْلُ أينقَه فصال([462])
* * *
ستركز حول قبَّتك العوالي
وتكثر في كنانتك النبال
فإن مناي أن يثري حصاكم
ويقصر عن زهائكم الرمال([463])
يستوقفنا من هذه القصيدة العاطفية، أولاً: إحساسها الصادق وصفاؤها النفسي والتعبيري معاً، وثانياً: نظرة أبي العلاء إلى التناسل هذه النظرة الطبيعية السليمة، فإذا الوليد الجديد بشارة بمواليد كثيرة تتبعه، وإذا تكاثر الأبناء عزٍّ للإباء يشيدونه لهم في أعمال الكهولة، وإذا هم المال الطيب، ولا يثق المرء بنمو هذا المال إلاّ أن يتناسل ويتلو بعضه بعضاً، وإذا أبو العلاء يتمنى، أغلى ما يتمنى لصديقه، أن يتكاثر أبناؤه حتّى يقصر عدد الرمال عن أعدادهم… يقول هذا وهو في عافية من نفسه ووجدانه، وفي رغبة صادقة أن ينال هذا الصديق ما هو خير ونعمى له، والنسل هنا هو خيره ونعماه… أي هذا كلّه من رأي أبي العلاء في الأبناء وفي التناسل وفي «جناية» الآباء على أبنائهم حين يهبونهم «نقمة» الحياة؟… أين هذا الذي ينطق به «سقط الزند» من ذاك الذي تضجُّ به «اللزوميات»؟…
* * *
وينقم أبو العلاء على الناس، في اللزوميات، أنّهم يفتخرون، ويرى افتخارهم، كالكذب، منشأ الجهل، فعلام يفتخر الناس وهم تراب ومن التراب:
ادفع الشَّرَّ، إذا جاء، بشرٍّ
وتواضع، إنّما أنت بَشَرْ
هذه الأجسام ترب هامدة
فمن الجهل افتخار وأشر
فكيف شأن أبي العلاء، إذن في «سقط الزند»، أهو يرى الفخر هنا كما هو هناك عنده؟
الفرق بين حاليه هنا وهناك، هو الفرق بين من يمارس الافتخار بنفسه فعلاً إلى حدِّ اللغوِّ والإغراب، ومن يفلسف الافتخار للناس، وينقمه عليهم، ويعجب منهم أن يجدوا في إنسانهم موضع فخر… أي أنّ الفرق بين أبي العلاء في «سقط الزند» وبينه في اللزوميات من هذا الوجه، هو أنّه في الأوّل شاعر، وفي الثاني متفلسف، أو ـ إذا شئت ـ فيلسوف، أو فلنقل: مفكر متمذهب، يجري في هذه المسألة على غير ما تقتضيه طبيعة الشاعر الإنسان.
ومن منَّا يجهل بيتيه السائرين في مطلع قصيدته المعروفة:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل
عفاف وإقدام وحزم ونائل
أعندي، وقد مارست كلّ خفية،
يًصدَّق واشٍ، أو يخيِّب سائل!
في «سقط الزند» قصيدتان موضوعهما الفخر، ولكن قصائد غيرهما جاءت في الديوان في مواضيع أخرى، يطلع الفخر أثناء أبياتها، لمناسبة حيناً، ولغير مناسبة حيناً. وفخر أبي العلاء تبدو فيه من المتنبي نفحة ظاهرة، ولعلَّ قصيدة «ألا في سبيل المجد» أدلُّ على هذه النفحة المتنبيّة، سواء برويِّها الصاخب وبعروضها المجلجل، أو بكبرياء التحدّي ممتلئة بها أوداج شاعر المعرَّة، تشبّهاً بكبرياء صاحبنا أبي الطيب شاعر الفرسان، وفارس الشعراء…
وإنّي وإن كنت الأخير زمانُه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
لقد قال المعرّي هذا الكلام وهو في عنفوان حيويته، وفي عزِّ إقباله على الدنيا، وله في الحياة آمال كبار، وأمامه دنيا بغداد لما نزل يومئذٍ دنيا أحلامه، فكان طبيعيّاً أن يزهو هذا الزهو كلّه، وليس في ذاك عائب يعيبه، فقد كان شاعراً، وكان يستسشعر في ذاته أمراً غير عادي، وكانت نفسه أشواق أبكار لما تمتحنها التجربة الكبرى المنتظرة، وكانت شهرة ذكائه وتفوّقه في الحفظ والفطنة تكتسح بلاد الشام وتجاوزها إلى العراق ومصر، وتتضخم في طريقها إلى الناس حتّى تبلغ حدود الأساطير، ولعلّها كانت وهي تجوب الآفاق، ترجع إلى مسمعه بضجتها وضخامتها الأسطورية، فينتشي بها، ويُزْهَى بنفسه، فيفخر هذا الفخر الموغل في المبالغة.
وما ندري، أهذا النوع من الفخر، وقد كان أمراً مألوفاً في شعرنا العربي عهد أبي العلاء، يدخل في باب المين والصفاقة، كما يرى الدكتور طه حسين، بحيث ينبغي أن ننزِّه عنه شيخ المعرَّة؟… هنا أيضاً مسألة الخطأ التي أشرنا إليها في مطلع هذا الفصل، الخطأ في إسباغ ثوب الشيخوخة الزاهدة المتزمتة على حياة أبي العلاء كلّها من حداثته وشبابه إلى يوم «محبسيه»…
وفي المسألة أمر آخر: أيصحُّ، من الوجهة الفنية المحض، أن نصف المبالغات الشعرية في باب الفخر، كذباً وصفاقة، مع أنّنا نعلم أنّ أمثال هذه المبالغات لا تقصد حتّى إلى المعاني المجازية الجزئية المباشرة التي تدلُّ عليها كلّ عبارة بنفسها منفصلة عن علاقتها بالكل الكامل لبناء القصيدة وموضعها، وإنّما هي تقصد ـ بمجموعها وبدلالتها الكبرى الشاملة ـ إلى التعبير عن مشاعر إنسانية تمتزج بآمال الشاعر ومطامحه وأشواقه الكبيرة، غير أنّ خيال الشاعر قد يضخّمها في فورة من فوران العنجهيّة الفردية، وقد يكون الكبت الاجتماعي أو الحرمان أو الشعور بالاضطهاد والظلم سبباً في هذه الفورة، أو سبباً في جموح الخيال إلى أبعد حدوده تعويضاً عن نقص، أو انتقاماً لحرمان…
إذا صحَّ أنّ نصف هذه المبالغات بالكذب والصفاقة في باب الفخر، فلماذا لا نصفها كذلك في باب المدح، أو في باب الرثاء، أو في باب الغزل إلخ…
ومهما يكن، فقد فخر أبو العلاء فعلاً، وغلا في ذلك حتّى أنّه، وهو الأخير زمانه، قد أتى بما لم تستطعه الأوائل… فماذا يجدينا تنزيه أخلاقه عن الفخر؟. أترانا نقسره قسراً، بعد ألف عام، على أن لا يقول الشعر افتخاراً؟.
د. حسين مروة
سلافة العصر
في محاسن الشعراء في كلّ مصر
كتاب للسيد علي خان الشيرازي الشهير بابن معصوم المولود سنة 1052هـ والمتوفى سنة 1118هـ.
وهو مجموعة أدبية قيمة يشتمل على تراجم أدباء القرن الحادي عشر الهجري ومن قاربهم ممّن تقدم زمانه قليلاً، وهو ذيل ريحانة الألباء لشهاب الدين الخفاجي.
شرع في تأليفه أواخر سنة 1081هـ في الهند وانتهى منه في 7 ربيع الثاني 1082هـ جمع فيه أخبار المعاصرين وبعض أقوالهم ومؤلفاتهم وأشعارهم وقسمه إلى خمسة أقسام…
الأول محاسن أهل الحرمين.
الثاني محاسن أهل الشام ومصر.
الثالث محاسن أهل اليمن.
الرابع محاسن أهل إيران والعراق والبحرين.
الخامس محاسن أهل المغرب.
طبع في مصر بمطبعة الخانجي سنة 1328هـ في (607) صفحة والطبعة الثانية في إيران سنة 1387.
ملحق السلافة أو ذيل السلافة وهو تراجم كثيرة ألحقها بالسلافة. منها نسخة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم انتهى منه (1082هـ).
ومن هذا الكتاب وهو في مجلدين نسخة في مكتبة آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف.
السلطان أحمد (جبال)
جبال السلطان أحمد، تقع عند أقصى جنوب آذربيجان وتعتبر الحدود الفاصلة بين آذربيجان وكردستان. وتمتد هذه السلسلة التي يبلغ ارتفاع أعلى قممها 2500م من ضواحي سنندج إلى ضواحي ميانه.
السلطانية([464])
ـ1ـ
نعتقد أنّ الإشارة إلى تاريخ بناء مدينة السلطانية يسهل علينا مطالعة الآثار الباقية لتلك المدينة. ونبتدئ حديثنا بمقدمة بهذا الشأن وبعد ذلك ننتقل للحديث عن إحدى الآثار المكتشفة في السلطانية وهي (تپه نور) التي تمّ اكتشافها في عام 1971م.
تاريخ بناء السلطانية: حظيت عاصمة المغول القديمة التي تشكل منطقة السلطانية الحالية بقايا آثارها باهتمام المغول لعذوبة هوائها ووفرة مراتعها وكثرة الصيد فيها. فقد كانت هذه الناحية التي يسميها المغول بـ (فنغور آلانك) في أغلب الأحيان موضعاً لإقامة السلاطين والأمراء والمغول في رحلاتهم من العراق إلى آذربايجان وبالعكس. وفي أواخر حياته عزم أرغون خان على بناء هذه المدينة إلاّ أنّه لم ينجز ما عزم عليه لقصر حياته، فباشر أولجايتو (السلطان محمد خدابنده) في بناءها بمناسبة ولادة ابنه أبو سعيد في عام 740هـ واتخذ منها عاصمة له.
بني فيها حتّى عام 713 العديد من الأبنية من قبيل البيوت السكنية والمدارس والحمامات والأسواق، وسكن فيها العديد من السكان من مختلف الطبقات. وبني حولها ـ بأمر من أولجايتو ـ سور مربع الشكل يبلغ طوله ثلاثين ألف قدم وضخامة جداره على حد وضع بعض الكتب حدّاً بحيث يستطيع أن يمشي عليه أربعة فرسان إلى جانب بعض وبنى أولجايتو في وسط هذا السور قلعة كبيرة وفي داخل القلعة مقبرة له.
أنشئت في السلطانية عدّة أبنية أخرى مثل: دار الشفاء وصيدلية ودار السيادة وخانقاه. واستحدث أولجايتو فيها بالإضافة إلى القصر مدرسة كبيرة على غرار المدرسة المستنصرية في بغداد، وقد ساهم في بناء هذه المدينة جميع أمراء ووزراء أولجايتو كل حسب قدرته ومنهم وزير أولجايتو رشيد الدين فضل الله الذي بنى على نفقته محلة تشتمل على ألف دار ومدرسة ودار الشفاء (مستوصف) وخانقاه. واستعان أولجايتو في بناء مدينته الجديدة بأفضل الصناع وأرباب الحرف والفن من جميع أنحاء مملكته، فجاء بناء جميع هذه الأبنية على أفضل وجه.
اكتمل بناء هذه المدينة في عام 713هـ.ق.، فافتتحها السلطان محمد خدابنده في احتفال وأطلق عليها اسم السلطانية (أي مقر حكومة السلطان)، وازدهرت السلطانية بسرعة بسبب اهتمام السلطان محمد خدابنده بها فأصبحت بعد تبريز أكبر مدينة في بلاد المغول الواسعة وأكثرها سكاناً، وأصبحت مركزاً للحياة السياسية والاقتصادية في إيران، فكانت جميع طرق البلاد المهمة تنتهي بها. ولكن هذا الموقع لم يستمر طويلاً حيث بدأت تفقد أهميتها بعد وفاة السلطان في عام 716هـ.ق. ويذكر بترو دلاوال في مذكراته أنّ 14000 شخص غادروا المدينة في يوم وفاة السلطان، وكان نهايتها الحقيقية بعد سقوط المغول. وينقل انّ ميرانشاه ألحق بالمدينة ومقبرة أولجايتو أضراراً في فترة جنونه. وفي زمن الملك طهماسب رممت المقبرة في بادئ الأمر إلاّ أنّ انتقال المركز التجاري والسياسي إلى تبريز وأصفهان أسقط السلطانية من الاعتبار وحط من أهميتها واتجه بها إلى الإهمال.
كيفية اكتشاف تل النور وآثار الزينة التي اكتشفت في أعمال التنقيب هناك:
ثمة تل يسمّى تل النور يمكن اعتباره واحداً من أهم آثار السلطانية وأكبرها، وهو يقع على مسافة 1500م إلى الجنوب الشرقي من قبة السلطانية. تبلغ مساحة هذا التل 120م×120م وارتفاعه 15 متراً.
أحدثت إدارة الآثار حفرة في الجهة الشرقية من قمة التل بطول 15م وعرض خمسة أمتار لتجربة طبيعة الآثار الكامنة في قلب التل. اصطدم الحفر بعد متر واحد من التنقيب بآثار البناء التي تتكوّن من صخور خضراء صقيلة، وبعد ثلاثة أمتار شوهد حائط مبني من صخور صغيرة رمادية اللون، وفي نهاية هذا الحائط ظهرت أرضية البناء المفروشة بالصخور.
وكانت الحفرة الاختبارية الثانية في الجانب الشرقي من التل بصورة عمودية على الحفرة الأولى وهي بنفس الحجم (5م×15م). وفي هذه الحفرة اصطدم الحفر بعد أربعة أمتار بحائط صخري ذي صخور صقيلة، ويُظهر الجزء الخارجي لهذا الحائط وجود بناء ذي اثني عشر ضلعاً في السابق، وقد ظهر ضلعان من طبقته التحتية.
أمّا الحفرة الأخيرة فكانت تستهدف معرفة كيفية ترتيب الصخور في الطبقة العليا وكانتت بعرض 3 أمتار وعمق مترين، وعرض نتيجة لذلك أنّ الجبهة الخارجية للطبقة العليا تتكوّن من رديفين من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر، يتخلف الرديف العلوي عن الرديف السفلي بعشرة سانتيمترات، ويكونان بناءً ذا اثني عشر ضلعاً، وثمة أنصاف أعمدة في زوايا البناء يتألف كل منها من صخرتين، يبلغ قطر السفلى 110سم وقطر العليا 90 سم.
يمكن القول إنّ عملية التنقيب وأحداث الحفر الاختبارية أظهرت أنّ هذا البناء إمّا أن يكون قصراً أو مقبرة، وهو يشتمل على الأجزاء التالية:
1 ـ الأساس والأجزاء التحتية للبناء والأرصفة.
2 ـ الأرصفة وأنصاف الأعمدة التزيينية (القسم العلوي للبناء).
3 ـ القبة.
4 ـ دهليز الدخول والسلالم.
5 ـ مواد البناء والزينة.
1 ـ الأساس والأجزاء التحتية
للبناء والأرصفة
يشتمل هذا الجزء من البناء بدوره على الأقسام التالية:
(أ) الأساس، (ب) الجدار الخارجي، (ج) الأرصفة.
(أ) الأساس: يتكوّن هذا الأساس من الصخور وطلاء من الجص والآهك وهو مقام على تلة قديمة يبلغ ارتفاعها عشرة أمتار، ويبدو أنّ مثل هذا الأساس موجود في جميع أجزاء البناء من أجل تحكيمه وتقويته.
(ب) الجدار الخارجي: يشتمل هذا الجدار على رديفين من الصخور الصقيلة الكبيرة، وهو يظهر البناء من الخارج على شكل بناء ذي اثني عشر ضلعاً، ويبلغ ارتفاع كل رديف حوالي 110 سم من الصخور الصقيلة التي طليت بالجص.
(ج) الأرصفة: يبلغ عرض الرصيف الأول 150سم وهو مغروس بالصخور ويصل التفاوت في الارتفاع بينه وبين الرصيف الثاني 180سم، وقد ملأ هذا التباين بالصخور الصغيرة وربما كان هناك صخور زينة أخرى.
2 ـ الأرصفة وأنصاف الأعمدة التزيينية
(القسم العلوي للبناء):
يبلغ عرض الأرصفة الفوقانية ثلاثة أمتار وتتكوّن أجزاؤها الخارجية من رديفين من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر وهي تتشكل في هيئة 12 ضلعاً يبلغ طول كل ضلع منها 480 سم وتشاهد في الزوايا الاثنتي عشر أنصاف أعمدة تزيينية تتألف من رديفين من الصخور الصقيلة الموضوعة فوق بعضها، ويزيد قطر الصخور السفلى عن العليا بعشرين سنتيمتر بينما تتقدم الصخور العليا عن السفلى بعشرة سنتيمترات إلى الأمام، وتبدو اثنان من أعمدة الجبهة الشمالية مقعرة. و(يظهر) من خلال الآثار الآجرية التي لا تزال موجودة على بعض أنصاف الأعمدة هذه أنها كانت تحتوي في أعاليها على سنادين للزهور مطعمة بكاشي الزينة وهي في ذلك تشبه سنادين الزهور الموجودة في قبة السلطانية. وبعض هذه الأرصفة مفروشة بالآجر ولا يزال قسم من الآجر موجوداً إلى الآن.
يبلغ ارتفاع الرصيف الثاني بالنسبة للرصيف الأول حوالي ثلاثة أمتار، يشكل حائط صخري عادي 180سم منها بينما يشكل رديفان من الصخور الصقيلة الخضراء 120سم الباقية.
3 ـ القبة
أظهرت نتائج التنقيب أنّ القبة قد اندثرت نهائياً، ولكن الآثار المتبقية تشير إلى وجودها سابقاً. يبلغ سمك حائط القبة في نقطة البداية 150سم والقطر الداخلي لها تسعة أمتار، وأغلب الظن أنّها كانت مكسوة بالطلاء وتتكوّن جميعها من ملاط الجص والآجر.
4 ـ دهليز الدخول والسلالم
تشتمل هذه الأجزاء بدورها على ثلاثة أقسام هي:
- السلالم الصخرية الخارجية والأرصفة.
- السلالم الآجرية الموجودة داخل البناء.
- الدهاليز (الممرات).
(أ) السلالم الصخرية الخارجية والأرصفة: يبلغ طول هذه السلالم مترين وعرضها 31 سنتيمتراً وارتفاعها 20 سم وهي مصنوعة من الصخور الصقيلة الكبيرة الحجم. والجدير بالذكر أنّ طول هذه السلالم لا تزال له بقية باتجاه شرقي التل وستظهر الحفريات الطول النهائي له.
يبلغ عرض رصيف هذا الجزء 290سم وهو مصنوع من الصخور والجص، وقد زالت منه بعض أجزائه، بسبب تقادم الزمن.
(ب) السلالم الآجرية الموجودة داخل البناء: مما يؤسف له أنّ هذه السلالم قد انهدمت أثر الحوادث المختلفة ولكن طبيعة البناء التحتي لها تُظهر بأنّ ثلاثة إلى خمسة سلالم كانت مبنية، والجدير بالذكر أنّ آجر طرفي الجدران الجانبية لهذه السلالم كانت مبنية بصورة قائمة أي مرصوفة بصورة قائمة، بضعها إلى جانب بعض.
(ج) الدهليز (الممر): يبلغ طول الدهليز الممتد من داخل البناء إلى السلالم 504م وعرضه متر واحد وهو مبني من الآجر، وسقفه على شكل طاق، ولا تزال آثار الطاق موجودة في طرفي الدهليز.
5 ـ مواد البناء والزينة:
تتألف مواد البناء غالباً من الصخور الصقيلة ذات اللون الأخضر والصخور الصغيرة وطلاء الجص. أمّا القبة والدهليز وسقفه والسلالم الداخلية والسنادين المثبتة على رؤوس الأعمدة وكذلك فرش الأرصفة العلوية فهي في أغلبها مبنية من الآجر ويستعمل طلاء الجص في هذه الأجزاء أيضاً.
تشتمل مواد الزينة المستعملة في هذا البناء على الآجر الملون والكاشي الصغير ذي اللونين الفيروزي والأزرق والكاشي المزخرف والآجر المصنوع على شكل نجمة ذات أربعة رؤوس والكاشي الصغير ذي الأضلع المتعددة، وتوجد كلمة الله مكررة مرتين على إحدى قطع الكاشي، ويبدو أنّ هذه المواد التزينية استعملت في القسم الداخلي والجبهة الخارجية للقبة وفي داخل دهليز الدخول. ويمكننا أن ندرك قيمة وأهمية التزيينات المستعملة في أعمال الكاشي التي استعملت في جميع الأبنية التاريخية في السلطانية كزينة رئيسية في هذه الأبنية، يمكننا أن ندرك ذلك من خلال ملاحظة طريقة صناعة قطعة الكاشي الكبيرة أو الصغيرة ومعرفة المراحل والأساليب المختلفة التي تمر بها هذه القطعة والأساليب المختلفة التي كان السلاطين المغول يعتمدونها في استخدام كاشي الزينة، فأول خطوة فنية في هذا المجال هي الرسوم والشكل، فأقل انعدام في انسجام الألوان او قلة ذوق في تركيب العقد أو الرسوم الإسليمية([465]) ورسوم الزهور تجعل من هذا العمل شيئاً مبتذلاً.
والخطوة الثانية في هذا الفن هي طبيعة استعمال وتركيب الألوان فالفن الإيراني؛ فن تزييني في الدرجة الأولى، يتم بيان المقصود فيه بالرمز والإشارة، فمثل هذا المقصود يظهر بالصور المجرّدة وفي نفس الوقت بصورة مثيرة ويصبح تأثيره بالتدريج اعتيادياً في المجتمع والأجواء الدينية ومألوفاً وقريباً إلى فهم الناس.
يظهر هذا الفن في أعمال كاشي الزينة من خلال تركيب الألوان، فقد كان صانعو الكاشي القدماء في إيران يعتقدون أنّ فن صناعة الكاشي هي نوع من صناعة المجوهرات ومعرفة الألوان فيها ضرورية لإدراك المعاني. فمثلاً ينبغي أن يُعرف أنّ اللون الفيروزي يترادف مع الفيروزة واللون الأبيض إشارة إلى اللؤلؤ واللون الأخضر في الكاشي أثر من الزمرد واللون الأحمر تجسيد للياقوت.
وفي الخطوة الثالثة تقص قطعة الكاشي الكاملة وتقطع إلى قطع صغيرة في نفس الوقت الذي لا يزال ورق الخريطة موجوداً فوق الكاشي.
وفي المرحلة الرابعة: تبرز حدود الرسوم على الكاشي أكثر بواسطة المطارق الصغيرة والمبارد، ولكن هذه الرسوم لا تصل إلى مرحلة (الظرافة).
وفي المرحلة الخامسة تحدد قطعة الكاشي وتسوى بالمبرد بحيث لا تلحق الضرر بأصل العمل وهو الورق الملصق على الكاشي، وفي هذه المرحلة ينبغي أن يكون العمل في غاية الدقة.
وفي المرحلة السادسة يعمد الأستاذ إلى وضع القطع بعد تحديدها وتسويتها بالمبرد بصورة متداخة فيما بينها، والدقة في وضع وتغيير مكان هذه القطع الصغيرة هي فن في حد ذاته.
والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التثبيت والقطع، حيث توضع القطع الصغيرة إلى جانب بعضها البعض ويصب ملاط الجص خلفها لتتصل ببعضها البعض، وترتبط هذه العملية بصحة ودقة تنفيذ المراحل السابقة ارتباطاً وثيقاً وتاماً، فأي خلل في المراحل السابقة يسبب خللاً في العملية ويلحق ضرراً كبيراً بالقيمة الفنية لها.
والأساليب التي كان السلاطين المغول يعتمدونها في أعمال الزينة في الكاشي لا تتجاوز كونها واحدة من الأساليب الأربعة التالية:
1 ـ رسوم الحيوانات (الأسد ـ الغزال ـ العنقاء ـ التنين) وكذلك الأغصان وأوراق الشجر.
2 ـ مجموعة من الكاشي المطلي بلعاب أبيض حليبي اللون، وتقتصر الرسوم فيها على الأغصان والأوراق البارزة ثمّ ترسم خطوط دقيقة ذات لون بني وأسود على هذا اللعاب الغليظ وتطلى الأجزاء البارزة من الصورة بطلاء معين.
3 ـ أكثر الأنواع انتشاراً هي الآجر المربع؛ حيث يقسم سطح الآجر بخطوط بارزة إلى أشكال هندسية ثمّ تضفى على الأجزاء المستديرة ألوان فيروزية أو لازوردية (الأزرق الغامق). وعادة ما تكون رسوم هذه الأنواع من الكاشي متممة لبعضها البعض، وبنفس هذا الأسلوب يصنع الكاشي ذو الزوايا الستة وترسم عليه أشكال العنقاء والتنين دون لعاب.
4 ـ الكاشي ذو اللون الواحد (اللازوردي أو الأبيض أو الفيروزي) وهو على أشكال وأحجام مختلفة (مربع ـ مثلث ـ سداسي) وتتم عملية الرسم في بعض الأحيان على اللعاب ويكون هذا الكاشي مركباً من الأنواع الثلاثة التي ذكرناها.
ويبدو من العثور على قطعة من الكاشي المذهب أنّ هذا البناء كان يحتوي على كاشي مذهب يعدّ آية في الجمال.
من المحتمل أن يكون هذا البناء هو مقبرة أرغون خان (والد أولجايتو) التي تحدث عنها المؤرخون بقولهم: «يتكوّن بناؤها من اثني عشر ضلعاً وهو واقع على جبل بالقرب من السلطانية».
الدكتور سعيد كنجوري
يقول حسن الأمين: في زيارتي للسلطانية أتذكر أنّي رأيت البناء قائماً في السهل لا على الجبل.
السلطانية
ـ2ـ
تعتبر مدينة السلطانية إحدى عواصم إيران القديمة العريقة، وتتميز اليوم بشهرة عالمية بسبب امتلاكها لأحد أعظم المباني الإسلامية.
يعود قدم المدينة إلى سبعة قرون خلت.
أمّا اليوم فهي من توابع قضاء أبهر في محافظة زنجان، وتقع عند خط الطول الجغرافي 48 درجة و47 دقيقة، وخط العرض الجغرافي 36 درجة و26 دقيقة، وترتفع عن سطح البحر بـ 1785متراً، وتبتعد عن مدينة زنجان (مركز محافظة زنجان) بمسافة 30 كيلومتراً ويفصلها عن مدينة أبهر مسافة 54 كيلومتراً.
وتقع مدينة السلطانية في وادٍ واسع يعرف اليوم بـ (مرج السلطانية)، تحيط بها سلاسل جبلية، ويخترقها عدد من الأنهار الدائمة والمؤقتة، وأهمها:
1 ـ (نهر زنجان) الذي يعرف بـ (زنجان رود أو زنجان چاي)، حيث ينبع من (مرج السلطانية) وجبال آغ داغ، ويمر في المدينة قبل أن يعبر الضواحي الجنوبية لزنجان ليتصل بقزلاوزن.
2 ـ نهر أبهر (أبهر رود)، يعتبر هذا النهر من الأنهار المهمة في المنطقة، حيث ينبع من الجانب الشرقي من (مرج السلطانية) وجبال (سندان داغ)، ويلحق بعدّة أنهار صغيرة ليواصل سيره قبل أن يصب في حوض السلطان في قُم.
إنّ وجود هذين النهرين المهمّين وغيرهما في هذه المنطقة (ادّى) إلى انتشار المناطق الزراعية والبساتين والحقول الخضراء في وادي السلطانية عموماً.
ونظراً لما تتمتع به هذه المنطقة من جو معتدل فإنّها كانت عبر التاريخ مكاناً لاستقبال الزوار والمهاجرين كما حدث في أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع الهجري، حيث وصلها مهاجرون من الصين الشمالية وبلاد ما وراء النهر، كما كانت السلطانية منتجعاً صيفياً للسلاطين المغول الإيلخانيين الذين اتخذوا من تبريز عاصمةً لهم آنذاك.
ويعود تاريخ بناء هذه المدينة إلى عام 710 للهجرة حيث أنجزت عمليات بناء المدينة طبقاً لمخطط وُضع في عهد السلطان المغولي الإيلخاني محمد خدابنده الذي اتخذها مركزاً لحكومته، وأسماها بـ (السلطانية).
إلاّ أنّ منطقة السلطانية كانت في القرن الثامن قبل الميلاد محلاً لسكن طائفة (الساكاراتيين) المحاربة، طبقاً لما وصلنا من لوحات كتابية تعود إلى عهد ملوك الآشور.
وأطلق عليها اسم (أريباد) في عهد سلاطين الماد، وسمّاها الپارتيون باسم أوّل سلطان لهم وهو (أرساس).
وبالسرعة نفسها التي ظهرت وتطوّرت فيها مدينة السلطانية فإنّها تعرّضت لعدّة حملات من الغزو والدمار والنهب والسلب من قبل (الأمير تيمور)، وذلك بعد موت السلطان (أبو سعيد).
وبعد موت الأمير تيمور واصل ابنه ميران شاه حملات الإبادة والتدمير على السلطانية.
وفي عهد الصفويين كانت تعتبر إحدى المراكز المهمة الأساسية في الطريق المؤدي إلى تبريز، وكانت أبنيتها المهدمة ظاهرة للعيان.
وقد وصفها السائحان الفرنسيان المعروفان (شاردن وتاورنيه) بعد أن زاراها في أواسط القرن السابع عشر الميلادي بأنّها مدينة جميلة وعامرة ورائعة.
هذا وبالرغم من أنّ السلطانية تعرّضت خلال فترات متعددة بفعل التحولات السياسية إلى عدّة حملات مؤسفة من الخراب والدمار والغزو من قبل الملوك والسلاطين، فضلاً عن تعرّضها للكوارث الطبيعية مثل الزلازل والأعاصير، إلاّ أنّها بقيت حتّى نهاية العهد الصفوي بشكل قرية صغيرة ذات نعم وفيرة وبأبنية شبه عامرة.
وبشكل عام يمكن القول إنّ السلطانية، بعد عهد السلطان محمد خدابنده، لم تستعد عظمتها ومجدها السابقين، حيث إنّ هذه العاصمة التي كانت يوماً من أكبر عواصم الدنيا التاريخية، آلت تدريجياً إلى الخراب والدمار، وتحوّلت إلى قرية ليس أكثر؛ واستمرّت على هذا الحال حتّى قبل عدّة عقود من الزمن، حيث بدأ الاهتمام بها ثانية.
وتزخر مدينة السلطانية اليوم بالعديد من الآثار والأبنية التاريخية القديمة، التي يعود معظمها إلى عهد عزّها ومجدها في زمن مؤسسها السلطان محمد خدابنده نشير أدناه إلى أهمها:
1 ـ القبة السلطانية
يعتبر هذا الأثر من أهم وأعرق وأجمل الآثار التاريخية في المدينة، ويعود تاريخ بنائها إلى عهد السلطان المغولي محمد خدابنده.
وحول أسباب إحداثها ذكرت كتب التاريخ ما يلي:
عندما أصدر السلطان محمد خدابنده أمره الملكي بتشييد مقبرة خاصة به. لم يكن قد اختار له مذهباً من المذاهب الإسلامية المعروفة… إلاّ أنّه سرعان ما اختار المذهب الشيعي وجعله المذهب الرسمي لمملكته.
لذلك فقد اتخذ قراراً بنقل الجسدين الطاهرين للإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) من العراق إلى السلطانية، إلاّ أنّه تراجع عن هذا القرار بعد معارضة علماء الشيعة الكبار وأهالي مدينتي النجف وكربلاء… ممّا دعاه إلى الاهتمام بشكل أكبر بالمقبرة وتشييدها حسب الطراز المعماري الإسلامي، لتكون مقبرة ملكية خاصة. واستدعى لذلك أمهر البنائين والمهندسين والمعماريين ليشيدوا أروع المباني التاريخية الإسلامية المزينة بالزخارف والأشكال الهندسية العريقة.
ومن ضمن أبنية المقبرة تمّ تشييد هذه القبة الكبيرة ذات الأركان الثمانية… وقد بلغ ارتفاع
المبنى الذي أقيمت عليه القبة حوالي 52 متراً، والقطر الخارجي بلغ 25 متراً، وسماكة الجدران الأصلية التي شكلت قواعد المبنى حوالي سبعة أمتار، كما زيّن المبنى بسبعة أطواق رائعة الجمال.
تمّ تقسم المبنى إلى ثلاثة طوابق، وبارتفاع 9 أمتار، حيث زيِّن الطابق الأوّل بشكل فني رائع، ويتصل بباحات متعددة، كما يتصل بالطابق الثاني بممر دائري مغطى، واحتوى الطابق الثاني على عدة غرف مزينة بشكل رائع وبديع، يدل على براعة الفنانين والمعماريين الذين عاشوا في تلك الفترة.
وكان الطابق الثالث يتكون من إيوان عام وطويل، يحيط بأطراف المبنى، تتخلله عدة أواوين ثمانية الأضلاع، وكلّ منها ذو ثلاثة أطواق مع قوس جناحي الشكل… كما كان السقف مزيناً بالنقوش والزخارف المختلفة.
كانت القبة مزينة بالبلاطات المصنوعة بالأحجار الكريمة وحجر الظفر، وتحيط بها ثمانية أعمدة منائرية، يصل من خلالها صوت الأذان إلى أنحاء المدينة المختلفة.
2 ـ مقبرة چليي أوغلو
تبعد هذه المقبرة مسافة 500 متر إلى الجنوب الغربي من مدينة السلطانية، ولم يبق منها الآن سوى أطلال تحكي عن وجود مدرسة وبرج جميل، شيّدها أحد وزراء المغول الإيلخانيين (چليي أوغلو) في القرن الثامن الهجري.
لم يبق من المدرسة سوى آثار صحن مركزي وإيوانين في الجهتين الشمالية والجنوبية من الصحن… وقد صمّم المبنى بالاستلهام من العقائد والدرجات الصوفية، بحيث يدخل الإنسان في البدء درجة الفقراء، وبعدها درجة طلاب الجنة، وبعدها غرف فردية هي محل اعتكاف مريدي السلطان، والأقسام الجنوبية مخصصة للدروس التعليمية المختلفة.
والجزء الثاني من هذه المجموعة يتعلق بمقبرة چليي أوغلو وهي مشيدة على شكل برج ثماني الأضلاع والأقواس بارتفاع 17 متراً.
الباحة الأصلية للمقبرة تبدو ذات ثمان زوايا، يتوسطها القبر الذي يضم رفات الوزير جلبي أوغلو.
3 ـ مقبرة مُلاَّ حسن الكاشي
عند النقطة 5.2 كيلومتر إلى الجنوب من مدينة السلطانية، ووسط سهل واسع يوجد بناء جميل تعلوه قبة رائعة الجمال مزينة بأحجار الظفر، تنسب إلى الملاّ حسن الكاشي أحد علماء القرن الثامن الهجري، يعود بناؤها إلى عام 973 للهجرة، في أواخر عهد الشاه طهماسب.
المشهد الخارجي للمبنى ذو ثمانية أضلاع، أربعة منها كبيرة طولها 30.8 أمتار، والأربعة الأخرى صغيرة طولها 75.5 أمتار.
الأضلاع الكبرى لها إيوان واسع، والأضلاع الصغرى لها إيوان بطابقين، يربط بينهما سُلّم يقع في الإيوانين الشرقي والغربي.
القبة جميلة المنظر وذات امتداد طولي مغطى بشكل بارع.
الزخارف الداخلية نقشت في عهد فتح علي شاه القاجاري بأمر من حاكم زنجان عبدالله ميرزا دارا، خطت تحتها إحدى القصائد الشعرية بخط النستعليق.
وأخيراً نذكر أنّ منظمة التراث الثقافي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنجزت خلال فترات زمنية مختلفة عمليات التنقيب الأثري في أطراف القبة السلطانية، بهدف الكشف عن بقايا هذه المدينة القديمة؛ وبالرغم من أنّ هذه العمليات كانت صغيرة الحجم مقارنة مع عظمة ومجد السلطانية الكبير، إلاّ أنّها أظهرت جانباً من المدينة القديمة، وأبرزت معالم قيمة من الفن المعماري والهندسي المتبع في تشييدها.
من أهم اكتشافات عمليات الحفر والتنقيب الأثرية التي تمت في هذه المنطقة نذكر سور المدينة وبرجها وقلعتها التي جاء ذكرها كثيراً في الكتب التاريخية، حيث شرحها بالتفصيل حمد الله المستوفي، وأوضح معالمها في عهد أرغوان شاه، وعهد (أولجايتو)، وتحدث عن قلعتها بطول 500 متر، وبوابة وإثنا عشر برجاً.
كما تمّ اكتشاف الأجزاء الجنوبية من المدينة، والسور الصخري العظيم، والأبراج والقلاع الشرقية والغربية في عمليات التنقيب التي جرت خلال أعوام 1974، و1975، و1985.
كما أوضحت الاكتشافات الأثرية التي تمت في عام 1990 معالم رائعة من بيوت المدينة القديمة التي أحيطت بجدران صخرية ذات ألوان سوداء وحمراء، وفرشت ببلاطات حجرية بيضاء تدل على الذوق الرفيع لسكانها، وأثبتت صدق أقوال مؤرخي القرن الثامن الهجري الذين أكدوا على استخدام الأحجار الرخامية في فرش باحات البيوت في مدينة السلطانية القديمة.
السلطانية
ـ3ـ
من يسافر من قزوين باتجاه زنجان سيجد نفسه محصوراً بين سلسلتين جبليتين؛ إحداهما تحاذي الأخرى. تمتدان من جهة الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي، ويحدّان الطريق العادي بين قزوين وزنجان. والمسافة التي تفصل بين السلسلتين الجبليتين، وكذا ارتفاعاتهما ووديانهما ليست متساوية في كل مكان. ففي بعض المناطق يضيق الوادي، فيما يتسع في المناطق الأخرى. أمّا ارتفاع الأراضي ـ بشكل عام ـ فمن قزوين إلى أطراف السلطانية [20 فرسخاً عن قزوين و6 فراسخ عن زنجان] آخذة بالزيادة. ثم تبدأ بالنقصان من هناك حتى زنجان. وقبيل الوصول إلى السلطانية تزداد المسافة بين السلسلتين الجبليتين المذكورتين، فيتسع الوادي أكثر من الأقسام الأخرى، حتّى ليصل إلى فرسخين مربعين تقريباً. وهذا القسم أكثر ارتفاعاً من جميع الأقسام خاصة في طريق قزوين زنجان، ويبلغ ارتفاعه إلى (1912) ذراعاً [ارتفاع قزوين: (1210) أذرع، وارتفاع زنجان 1653 ذراعاً].
وبسبب ارتفاع أراضي الطريق في السلطانية أكثر من سائر الأقسام الأخرى (فهي من حيث الارتفاع تمثل حدّاً متميزاً بين الأراضي في الجهتين؛ فقد ظل سطحها منبسطاً ولم تستطع مياه الجبال المحيطة ـ بسبب تساوي انحدار الأراضي ـ أن تحفر فيها ودياناً عميقة وأن تغير من تضاريس الأرض هناك. بل إنّ مقداراً من الطين والرسوب يسقط في فصول المطر من الجبال المحيطة، ويبقى على سطح هذه الهضبة مشكّلاً أنهراً رفيعة ـ خاصة وأنّ طبيعة الأراضي والتراب هناك رسوبية، فإنّ المياه تنفذ بسهولة. أمّا في المناطق الصلدة، وبمسافات قليلة عن السطح اليابس فتبدأ بالجريان.
والسلطانية في الوقت الحاضر هضبة مستوية مرتفعة بسعة فرسخين تربض بين سلسلتين جبليتين تمتدان من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي.
السلسلة الشمالية جزء من جبال «أنگوران» و«طارم». وجبال طارم، وهي امتداد لسلسلة ألبرز العظيمة وتفصل الولايات الخمس من گيلان أو وادي «قزل أوزن» عن وادي أحد فروع نهر زنجان أو «زنجان رود».
أمّا السلسلة الجنوبية فهي جبال من سلاسل متوازية لـ «خرقا نداغ» المستقرة في قزوين. وهو (خرقا نداغ)، نفس الجبل الذي سمّاه حمد الله المستوفي في «نزهة القلوب» بـ «سراهند».
ولما كان ارتفاع هضبة السلطانية ـ قياساً إلى الأراضي المحيطة ـ كبيراً، فإنّ أرضها منبع لنهرين ينطلقان باتجاهين متعاكسين، من الوادي المحصور بين السلسلتين آنفتي الذكر. حيث يجري أحدهما باتجاه الشمال الغربي إلى زنجان، فيما ينحدر الآخر صوب الجنوب الغربي قاصداً قزوين.
إنّ النهر الذي يجري من جهة الشمال الغربي من السلطانية هو نفسه «زنجان رود» والذي كان يسمّى في السابق «ماجرود»، في حين أنّه بعد عبوره من جنوب زنجان يصب في نهر «قزل أوزن» في نسخة «قافلان كوه» [كوه بمعنى جبل] في بدايات آذربيجان.
والنهر الآخهر هو «أبهر رود» [رود بمعنى نهر] الذي يغادر المدينة (السلطانية) إلى الجنوب الشرقي، مخترقاً شمال المدينة التاريخية «أبهر». وبعد التحاقه بمياه «كوه نمك» [أو جبل الملح] المالحة والواقعة في (زرند)، يتخذ اسماً آخر هو «شوره رود» أو النهر المالح، الذي يخترق طريق طهران ـ قم إلى الأراضي والغابات الملحية في الصحراء.
ولرخاوة أراضي السلطانية ورسوبيتها الآثار والنتائج التالية:
1 ـ لا تستطيع مياه الأنهار المتكونة من الأمطار ـ أبداً ـ التجمع حول بعضها لتشكيل نهر كبير.
2 ـ إنّ المياه الجوفية كثيرة، وقريبة من الأراضي الجافّة أيضاً. ولهذا السبب يمكن الاستفادة منها بسهولة بواسطة حفر الآبار والقنوات كما هو الحال تماماً في السلطانية كلها. الخالية من الأنهار.
3 ـ إنّ نهري «أبهر رود» و«زنجان رود» فرعان صغيران تتضاعف مياههما كلما أوغلا نتيجة صب المياه الجوفية فيهما.
4 ـ وكون السلطانية أرض رسوبية ورطبة، فهي معشوشبة أيضاً.
ولهذا السبب ترى أن سطحها اليابس الجاف تكسوه المروج الخضراء طيلة الربيع؛ وهي ما تعرف بـ «مرج السلطانية» الذي تبلغ مساحته أكثر من فرسخ مربع واحد. وكان منذ القدم مرتعاً ومرعى للماشية والخيول.
حتّى قبل اندلاع الحروب الروسية الإيرانية (1839م)، كان الملك «فتح علي شاه» يصطاف فيها كل عام ويقيم مع خدمه وحشمه وحرسه ونسائه، ويمضي بها أشهر الصيف الحارة كلها، إذ يقضي أوقاته بالنزهة والتجوّل، كما كان يصطحب معه خيوله ومواشيه لتسوم وتسرح في مرجها الأخضر.
وقد استمر (فتح علي شاه) على عادته هذه حتى توغُّل الروس في آذربيجان عام 1243هـ واقترابهم من تركمنستان… عندها تخلى عن عادته القديمة وترك ذلك المكان.
وفي زمن ناصر الدين شاه ـ كذلك ـ كانت العادة ـ لفترة طويلة ـ باتخاذ مرج السلطانية مرعى لمواشي الحكومة، إضافة للاصطياف.
وأوّل بناء السلطانية كان على عهد الملك «غازان خان» من أحفاد هولاكو خان. واستناداً إلى «خوندمير» صاحب (روضة الصفا)، فإنّه شرع ببناء هذه المدينة في أخريات أيام حياته؛ وانتقل بعدها إلى الآخرة قبل أن يكتمل بناؤها.
إذن، فتاريخ بناء المدينة يعود إلى أواخر أيام «غازان خان»، المصادف لسنة 690هـ.
وواصل أخوه وخلفه على العرش (الجايتو) بناءها، وأكلمها إلى آخرها، فاتخذها مقراً وعاصمة لدولته حيث حكم فيها من 703هـ إلى 716 باسم «السلطان محمد خدابنده».
يذكر المؤرخون: أنّه (الجايتو محمد خدابنده) فكر بالانتهاء من بناء السلطانية في ربيع عام 704هـ. وكان كما أراد حيث أتمّها خلال مدة قصيرة.
وطلب السلطان محمد (الجاتيو) البنائين والفنانين المعماريين من كل البلاد من أجل بناء العمارات والأبنية المرتفعة؛ ونجح في إعمارها خلال فترة قصيرة جداً، ومنحها من الأهمية باتخاذها عاصمة لملكه. وأخذ الناس يرتحلون إلهيا من النواحي الأخرى. كما اتخذ الوزراء لأنفسهم قصوراً وأبنية في نقاطها المختلفة وفق آرائهم وأذواقهم. وصاروا سبباً لمضاعفة العمران وترقي السلطانية بسرعة فائقة وبشكل واسع، حتّى بدأت تنافس العاصمة السابقة «تبريز».
كتب حمد الله المستوفى في كتابه «نزهة القلوب» في 740هـ أي بعد 24 عاماً من وفاة الجايتو، يقول:
«توجد الآن عدّة عمارات عالية في السلطانية لا توجد منها في أيّة مدينة إيرانية سوى تبريز».
ويبلغ محيط مدينة السلطانية التي بناها (غازان خان): 12,000 قدم. ومحيط ما بنى ووسع (الجايتو) ولم يكمله بسبب موته: 30,000 وكان فيها قلعة حجرية شاهقة مربعة الشكل ببوابة واحدة و16 برجاً. محيطها 20,000 قدماً.
وجُدْران القلعة عظيمة السمك بحيث تسع أربعة فرسان مع خيولهم يسيرون بنسق واحد.
يضيف خوندمير:
«وكان في داخل القلعة عمارة لكل أمير. أمّا الجايتو نفسه فقد صنع لنفسه قبة تكون له رَمساً بعد وفاته. وبنى مسجداً وداراً للضيافة، وآخر للمجانين [تسع الثانية ألفي شخص] ومستشفى وأملاكاً كثيرة ومرافق عامة وأوقفها جميعاً على وجوه الخير في سبيل الله كما بنى خاصة قصراً كبيراً رفيع الإيوان على غرر إيوان كسرى.
وكان ـ كذلك ـ لأكابر المدينة ووجوهها وأعيانها وأشرافها عمارات عالية أيضاً، خاصة الخواجة رشيد الدين فضل الله الطبيب الذي كانت عمارته تشمل مدرسة ومستشفى أوقفهما في سبيل الله وأدخل السرور على الكثير من المدرسين والطلبة والأطباء المحبين للخير والمنتفعين به.
ويظن أغلب المؤرخين القدماء أنّ قطر قبة السلطانية التي بناها السلطان محمد الجايتو لمقبرته تبلغ 960 ذراعاً أمّا ارتفاعها فـ: 192. وكانت في جهة من المسجد تسمّى بـ «أبواب الخير». ومنها سميت القبة بقبة أبواب الخير تمييزاً لها عن سائر قلاع السلطانية التي ورد ذكرها في كتب التاريخ.
يقال ـ والعهدة على العوام ـ أنّ السلطان محمد خدابنده عندما بنى السلطانية كان يهدف إلى نقل جثمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إليها لتكون مزاراً للشيعة بدلاً من النجف، إلاّ أنّ الإمام أتاه في عالم المنام وأفهمه بالتركية أنّ مقبرتك لك ومقبرتي لي. فانصرف السلطان عن فكرته واتخذ قبة السلطانية مقبرة له خاصة، بإذن الإمام طبعاً!.
وبعد انقراض السلسلة الإيلخانية عام 734هـ وظهور الفتن في ولايات إيران آل أمر السلطانية إلى الخراب، وسقط اعتبارها تماماً، خاصة في زمن الأمير تيمورلنك وأولاده، حيث تعرضت لضربات موجعة؛ حتّى أنّه في حوالي الـ (920هـ) [أوائل سلطنة طهماسب الأول الصفوي] وهي سنة تأليف كتاب «زينة المجالس»: لم يبق من السلطانية إلا قلعتها فسقطت.
أمّا اليوم فلم يبق من آثار وأبنية السلطانية القديمة سوى قبة محمد خدابنده، وقبتين أخريين، تعودان كما يقول الأهالي ـ إحداهما إلى السلطان الچلبي، والأخرى إلى الملا حسن الكاشي ـ. وبالقرب من قبة الچلبي كانت هناك قناة بهذا الاسم أيضاً، ومسجدان أحدهما لصق القسم الشمالي لقبة السلطان محمد، والآخر في وسط المدينة. المسجد الأوّل وهو المنضم إلى القبة تقريباً معروف بمسجد العلامة. ويقول الناس أنّ العلامة الحلي (المشهور) هو الذي صلّى هناك، فسمّي باسمه أي مسجد العلامة.
زيارتي للسلطانية
وقد زرت السلطانية، سنة 1989 فكتبت عن زيارتي لها ما يلي:
ـ خرجنا من مدينة قزوين قاصدين سلطانية محمد خدابنده أولجايتو وفي الذهن صور شتى من الماضي البعيد الذي انطوى في تلك الأرض بما فيه من صليل السيوف وجلجلة الوغى ورهج القتال، إلى جانب ما حفل به من ندوات العلم وأسمار البحث وشروح الفقه وترتيل الشعر.
فإذا كانت قد مرّت من هناك جحافل المغول مدمرة مروعة، فقد مرّ من هنا أيضاً العلامة الحلي الحسن بن المطهر بمدرسته السيارة الحاشدة…
فما أروع ما تبعث في النفس هذه الأرض وما يليها من أرض وأرض ـ ما أروع ما تبعث في النفس من أسى طوراً، ومن هوى طوراً آخر.
وما أشجى ما يثير نسيمها هذا الذي يتهاوى على وجناتنا وجباهنا ـ ما أشجى ما يثير من هول الدماء المراقة وما أحلى ما يهيج من تناجي العقول الخلاقة…
ومضت السيارة بين بساتين قزوين التي يتكاثف فيها الشجر مورقاً ناضراً، ليخرج بعد حين اللوز والفستق. كانت البساتين الآن إلى يمين الطريق، وكانت الأرض الزراعية المديدة تترامى باخضرارها إلى أبعد الآماد.
ولم تلبث أن طلعت لنا بلدة (ساغار آباد) منتشرة بيوتها على جانبي الطريق. أمّا بساتينها الخضر فكانت إلى يساره. وبعد ساغر آباد لم تكن تلمح العين إلاّ السهول الزراعية التي لا حد لها، تتخللها أحياناً دساكر في بضعة بيوت. ثمّ لاحت لنا من بعيد على يسار الطريق بلدة (رحمة آباد) ثم مررنا بقرية (كهل) المكتظة بالبساتين، ثم وصلنا مدينة (تاكستان) التي كان اسمها من قبل (سادهن) ثم أبدل إلى (تاكستان).
وبعد تاكستان تتابعت السهول الزراعية إلى أن وصلنا في الطريق إلى مكان انشطر فيه هذا الطريق إلى شطرين: شطر يأخذ إلى مدينة (همذان) ومنها إلى العراق، وشطر يؤدي إلى مدينة (تبريز) ومنها إلى تركيا وأوروبا.
مشينا في الثاني في سهول زراعية مديدة إلى أن طلعت إلى يسار الطريق قرية (ضياء آباد) المحاطة بالبساتين والمشهورة بالعنب والجوز، ثم قرية (فارسجين) المغمورة هي الأخرى بالبساتين، ثم قرية (قروه) التي تضم معملاً كبيراً لصنع الموكيت. ثمذ مررنا بمجمع بنائي حديث كثير البنايات قيل لنا إنّه مكان ضخ النفط إلى مدينة تبريز، ثمّ وصلنا معملاً كبيراً للنسيج ثمّ إلى قرية شريف آباد التي تقوم على جانبي الطريق محاطة بالبساتين والزروع، ثمّ كنّا بين بساتين مدينة (أبهر)، ثمّ اخرقتنا شارع القسم الحديث منها الذي هو طريقنا المستقيم ماضين بالبساتين على الجانبين.
وإذا كان المرور بمدينة أبهر أثار ذكرى الفقهاء الأبهريين، فإنّه إلى ذلك ذكرى تاريخية أخرى.
فبخروجنا من أبهر نكون قد اجتزنا ما بين أبهر وقزوين، وها هنا ما بين المدينتين سفك دم آخر حكام الإسماعيليين النزاريين (خورشاه).
فإنّ هولاكو بعد أن استسلمت له (ألموت) قاعدة النزاريين، وكان قد استسلم له من قبل زعيم الإسماعيليين خورشاه ـ تقدم في اتجاه قزوين حيث نزل في 27 ذي الحجة سنة 564هـ على بُعد سبعة فراسخ منها. ثمّ أرسل خورشاه إلى بلاط أخيه منكوقاءان، وقبل أن يصل أرسل منكوقاءان من قتله في الطريق بين أبهر وقزوين، وقتل معه أسرته رجالاً ونساءً وأطفالاً.
فنحن في مسيرنا هذا منذ خروجنا من قزوينن إنّما نسير في أعماق التاريخ، ونوغل في صميم القرون الخوالي التي شهدت زحفاً من شر ما عرفت الدنيا من زحوف… إنّه زحف هولاكو، وحسبك ما اقترن به هذا الاسم من فجائع وفظائع…
ومما ذكرت به أبهر في كتب الأقدمين ما ذكره ابن حوقل في المئة الرابعة من أنّ أبهر مأهولة بالأكراد كثيرة المياه والأشجار، ويكثر فيها القمح.
أمّا الأشجار فشهدناها، وإذا كنّا لم نر المياه، فقد رأينا ما يدل عليها وهو البساتين الزاهرة. وأمّا الأكراد فإنّنا لا ندري إن كانت لا تزال مأهولة بهم أم لا، وورد ذكر أبهر في شعر عربي قديم، قال عبدالله بن خليفة:
كأنّي لم أركب جواداً لغارة
ولم أترك القرن الكمي مقطرا
ولم أعترض بالسيف خيلاً مغيرة
إذا النكس مُشّى القهقري ثمّ جرجرا
ولم أستحث الركب في أثر عصبة
ميممة عُلْيا (سجاس) وأبهرا
وسجاس بين أبهر وهمذان على قول ياقوت.
وقال بعض أهل قزوين يذكر أبهر:
نداماي من قزوين طوعاً لأمركم
فإنّي فيكم قد عصيت نهاتي
فأحيوا أخاكم من ثراكم بشربة
تندي عظامي أو تبل لهاتي
أساقيتي من صفو (أبهر) هاكه
وإن يك رفق من هناك فهاتي
وممن عرفوا أبهر من الماضين: ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق في رحلته إلى خراسان عن طريق آذربيجان حيث اجتاز بخوي وتبريز ومرند وسمع من مشايخها، ثمّ بزنجان، ثمّ بأبهر، وفيها سمع من الشيخ أبي قاسم الحمامي، كما سمع من هبة الله بن أبي الهيجاء شيئاً من الشعر. ومن البديهي أنّ الشعر الذي سمعه هو شعر عربي ممّا يدلنا على مكانة اللغة العربية وآدابها هناك في ذلك العصر أواسط القرن السادس الهجري، إذ كانت عودته إلى دمشق سنة 533.
ويقول ابن عساكر عن أبهر: (هي مدينة عظيمة مشهورة تقع بين المدن الثلاث: قزوين وزنجان وهمذان). ثمّ كنّا نجتاز بساتين بلدة (خرم دره)، ثمّ البلدة نفسها بين منازل حديثة على جانبي الطريق.
وهذه المنطقة التي نجتازها الآن هي أكبر مصادر لحوم البقر والدجاج والحليب في إيران. وظللنا بعد (خرم دره) بين البستانين والزروع حتّى بلغنا قرية (القلعة الحسينية)، وكانت على يسارنا من بعيد مدينة (هيدج) مغمورة بالبساتين، وظللنا بين الزروع والبساتين حتّى قرية (نصير آباد) ثمّ قرية (صاين قلعة) ويقول المستوفي أنّ اسمها (فهود) وأنّ المغول سمّوها (صاين)، وأنّه يُقال لها أيضاً (باتوخان)([466]).
السهول الزراعية لا تنقضي، وصرنا نرى فيها هنا أحياناً قطعان الماعز والغنم حتّى قرية (سقا) المحاطة بالبساتين وصارت السهول بعد ذلك تتخللها الدساكر أحياناً حتّى قرية (عميد آباد). لقد أنستنا هذه السهول الخضراء وتلك الإيلخانية، وشغلنا ما نبصره من نضارة الأرض أمامنا ويناعة الدنيا حولنا عن التفكير فيما نحن سائرون إليه حتّى لمحنا فجأة إلى يسارنا من بعيد القبة الشامخة ترتفع إلى أعلى ما يمكن أن ترتفع إليه القباب، فانتقلنا بالذهن حالاً من الحاضر الداني إلى الماضي القاصي. انتقلنا إلى أوليجايتو محمد خدابنده أحد أشهر أباطرة المغول الإيلخانيين وصاحب مدينة (السلطانية) ومثبت بنيانها ورافع أركانها.
وكان قد صار بيننا وبين السلطانية مسافة ثمانية كيلومترات، ولكن هذه المسافة لا تمضي مستقيمة بل إنّ بعد أن تستقيم تعود فتنحرف إلى اليسار لتصل إلى الغاية المقصودة، وهكذا بعد أن وازينا السلطانية ورأيناها، أو بالأحرى رأينا قبتها العالية من بعيد عدنا فخلفناها وراءنا حتى بلغنا مفترق الطريقين: طريقنا الدولي الذي نسير فيه، والطريق الفرعي الموصل إلى السلطانية، فانحرفنا إلى الثاني سائرين فيه إليها في سهل زراعي مديد ترعى في قطعان البقر، ثمّ كنّا في السلطانية…
وإذا كانت السلطانية فيما تقدم من العصور العاصمة التي كان يحكم منها شطر كبير من العالم وكانت قاعدة الإمبراطورية المغولية الإيلخانية، فلا تحسب أنّك ترى من هذا الوصف شيئاً فيها اليوم، لا بمعنى أنّها ليست عاصمة، وأنّها ليست مقراً للإمبراطور. بل بمعنى آخر: هو أنّها لم تعد ذات الدور القوراء، والقصور المتعالية، ولا ذات الشوارع الرحبة والباحات الواسعة، ولا ذات مئات الألوف من السكان، وعشرات الألوف من العساكر.
إنّها اليوم قرية بسيطة تتكوّن من بيوت طينية خابية واطئة لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نفس.
وبعدما كان يحكمها (إمبراطور)، عاد يحكمها اليوم من يعرف في العراق وسورية بلقب (مدير ناحية). والناحية هي أصغر وحدة إدارية تتبعها عدّة قرى، وهي ما يعرف في إيران باسم (بخشداري).
وإذا كانت القرية قد لفتت نظرنا في شيء فهو: المقايسة بين الحاضر والماضي، وإلاّ فليس فيها ما يلفت النظر، اللهم إلاّ ما بقي من ذاك الماضي ممّا يدل على عظمته وروعته، وهو ما نفضل أن نطلق عليه اسم (قبة خدابنده) لا إسماً آخر… وتفضيلنا هذا الاسم كان لأنّ الناس اختلفوا في حقيقة ما تحت القبة: فبعضهم زعم بأنّ البناء أقيم في الأصل لينقل إليه (خدابنده) رفاة علي (عليه السلام) من النجف الأشرف، فيجعل قبره في عاصمته، ولكن العلامة الحلي الحسن بن المطهر منعه من ذلك وأصرّ على منعه فامتثل هذا المنع.
وبعض قال: إنّ فيها قبر خدابنده نفسه.
ونحن هنا إذا كنّا ننفي الافتراض الأوّل استنتاجاً لا استناداً إلى نص، وإذا كنّا لا نأخذ بالقول الثاني، بالاستنتاج أيضاً لأنّه من غير المتصور أن يبني أحد لأحد بعد موته مثل هذا الضريح المتناهي في الفخامة، إذا كان القائلون بهذا الرأي يرون أنّ البناء أقيم على قبر خدابنده بعد موته.
كذلك من غير المتصوّر أن يبني أحد لنفسه مثل هذا القبر في حياته انتظاراً للموت الذي لا بد منه… هذا فضلاً عن أنّه لم يظهر أثر لأي قبر داخل البناء، كما أخبرنا بذلك مدير الناحية الذي صحبنا في جولتنا.
ويبقى الافتراض الثالث وحده هو القائم بالرغم ممّا يعترضه هو الآخر من فجوات…
ونحن هنا سنصف ما رأينا، ثمّ نترك للقارئ أن يستنتج ما يشاء:
هو بناء عال فوقه قبة يبلغ ارتفاعه في الداخل من الأرض إلى نهاية جوف القبة 56 متراً، وهو مدور ذو ثمانية أضلاع يبلغ طول قطره 26 متراً، وعرض كلّ جدار من جدرانه سبعة أمتار وأربعين سنتمتر، ويبلغ قطر القبة مترين وعشرة سنتيمترات.
وحول البناء بقايا متهدمة بينها بقايا سور محكم بقي قليل من قواعده، وتحوط البناء اليوم البيوت القروية، وتفصله في الجانب الغربي عن البيوت بقايا حديقة حديثة، أمّا في الجانب الشرقي فهو متصل بالبيوت، والجدران في الداخل متآكلة ذهبت نقوشها إلاّ بقايا تدل عليها.
وفي الجنوب في الداخل باب مرتفع يفضي إلى قاعة مستطيلة يؤكد أحد مرافقينا أنّها المكان الذي أعدّه خدابنده للعلامة الحلي ليلقي فيه دروسه بعد أن كان يلقي هذه الدروس في مدرسة سيارة من الخيام كان يرافق بها خدابنده في ترحاله. وممّا يؤكد هذا الرأي أنّ هذه القاعة تبدو لمن يراها من الخارج أنّها ملحقة بالبناء ولم تكن من أصله، لأنّها وإن اتصلت به فهي خارجة عنه، محدثة بعده، وهي وإن كانت تحتوي على محراب عريض عال يبدأ طولاً من أرضها إلى سقفها ممّا يمكن أن يشير إلى أنّها مسجد ألحق بالبناء، لا يمكن أن تكون مسجداً لأنّ في الجانب الآخر من البناء مسجداً غير كبير ملحقاً به مبنياً بعده فلا يمكن أن يكون هناك مسجدان. وهذا المسجد يطلقون عليه اسم مسجد العلامة الحلي.
إذن فنحن أمام أثر بارز من آثار الحسن بن المطهر، العالم العظيم الخالد. وإذا كنّا قد دخلنا قاعة تدريس العلاّمة الحلي وبتركنا بالمكان الذي كان يجلس فيه ملقياً دروسه، وأصغينا في الخيال إلى صوته يتدفق بالعلم والأدب والحكمة والفقه والتاريخ، فإنّنا لم نستطع الوصول إلى داخل مسجده فنتشرف بالسجود في محرابه حيث كان يسجد، لأنّ المسجد كان مقفلاً في تلك الساعة فاكتفينا بالوصول إلى صحنه والتطلع إلى داخله.
ويبدو أنّ القاعة التي قلنا إنّها كانت مكان تدريس العلامة الحلي، كانت مخصصة لطبقة المتقدمين من الطلبة، فإن إلى الشرق صفاً من الغرف وإلى الغرب صفاً آخر وبين الصفين ساحة مملوءة بالركام، وملتصق بها بقايا مسجد صغير مهدم السقف، وإلى الغرب حجرة أخرى كبيرة تشبهها.
قيل لنا إنّ الغرف التي يبلغ عددها 12 غرفة كانت غرفاً للطلبة، وهي صغيرة مربعة وأنّ الحجرتين الكبيرتين كانتا مكاناً للتدريس. فنحن هنا في مدرسة العلامة الحلي التي أصبحت كما قلنا ثابتة بعد أن كانت سيارة.
تحت القبة ساحة (مبلطة)، ومنها تمشي في سرداب تنزل إليه في أربع عشرة دركة فتصل إلى مستطيل صغير بجانبه درج آخر ذي ثلاث دركات، وهنا تتشعب سراديب متداخل بعضها في بعض، يفضي الواحد منها إلى الآخر.
ليس البناء طابقاً واحد، فعدا الطابق الأرضي فإنّ فيه ثلاثة طوابق. صعدنا الدرج إلى الطابق الأوّل، فإذا هو مجموعة أروقة وشرفات تدور مع البناء وبعضها في صفين.
وصعدنا إلى الطابق الثاني، وهو كالأوّل ولكن أروقته وأوانيه وشرفاته أكثر اتساعاً وفخامة. وكنّا قد عيينا من الصعود، فلم نصعد إلى الطابق الثالث.
وكان قد بقي من آثار السلطانية عدا قبة خدابنده قبتان أخريان، تراءتا لنا في السهول من بعيد في طرفين مختلفين، هما قبة الصوفي سلطان شبلي، وقبة العالم حسن الكاشي، فكان لا بد من السير إليها.
أمّا الأولى فتبعد عن قبة خدابنده نحو مئة متر إلى الجنوب الغربي، وتاريخها سنة 728هـ كانت أولاً خانقاه للصوفية، ثمّ أقيم فيها قبر الشبلي وعندما تصلها تمشي في حجر إلى باحة (مبلطة) في وسطها القبر بقبته الآجرية. وتبدو بقايا الخانقاه بجدرانها الحجرية الصلدة.
وأمّا الثانية فتقع في الغرب وفيها القبر بقبته المميزة عن قبة الشبلي بأنّها لا من الآجر، بل من الكاشي الأخضر وتحتها غرفة مهملة وتدور حولها أواوين، ويقابلها في الجانب الآخر بناء ربما كان مدرسة.
هذا كل ما بقي من السلطانية القديمة، فسبحان من لا يدوم إلاّ هو.
السلمية
قبل أن تدخل متاهة البادية السورية، ووسط سهل مترامي الأطراف فوق مساحة ثلاث آلاف كيلومتر مربع، تنبسط مدينة السلمية محاطة بجبال شماميس والخضر وعين الزراق التي تتراوح ارتفاعاتها بين 500 و650 متراً، مبتعدة عن مدينة حماه شرقاً 35كم وعن حمص 45كم في الشمال الشرقي.
حول «المدينة القديمة» وداخلها تمتد أبنية الإسمنت لتطاول أطراف البادية. تتبع لها 350 قرية ورسم قرية، السلمية عند التقاء خط الطول 37 وخط العرض 35، بمناخها الصحراوي متأثر بالفتحة الجبلية بين طرابلس وطرطوس ولذا تتفاوت درجات الحرارة فيها كثيراً وهي تتميز بصيف حار وطويل، وأجمل ما فيه ليله البارد نسبياً الذي يستمر أربعة أشهر أمّا أمطارها فتتراوح بين 250 و400 ملم سنوياً.
وتدل المواقع الأثرية المنتشرة هنا وهناك على أنّ المدينة تعود إلى أحقاب بعيدة. وتشير آثارها إلى أنّها عرفت منذ عهد الأشوريين والبابليين، أي نحو 3500 قبل الميلاد، وسكنها السومريون نحو 3000 قبل الميلاد وعرفها الأموريون عام 1500 ق.م.، والأنباط 500 ق.م. واليونان والرومان.
وتعتبر قلعة «شميميس»، من أبرز المواقع الأثرية الواضحة للعيان. وهي تبعد عن المدينة قرابة ثلاثة كيلومترات وتستقر فوق جبل مخروطي. وتعود القلعة إلى العهد الهلنستي أمّا اسمها فيعود إلى أسرة «شمسفرام» التي كانت تحكم حمص. وقد جددها الأيوبيون، والقلعة الآن تتألف من نصفين ـ الشرقي وفيه بئر عميقة وأبراج دفاعية وبقايا بوابة متحركة زالت قواعدها، وبئر تموينية.
أمّا النصف الغربي ففيه بقايا قصر وأبراج ذات طوابق متداعية ذات عقود رباعية. ويحيط بالقلعة خندق قائم تحتها مباشرة في قمة الجبل. وتمتد الأقنية الرومانية في المدينة تحت الأرض وهي تستعمل لنقل المياه، وتجاوز عددها 360 قناة يبلغ طولها مجتمعة 150كلم وعرض الواحدة منها 60سم ويراوح عمقها بين متر واحد وثلاثة أمتار حسب طبيعة الأرض. وأبرزها قناة العاشق.
أمّا سور المدينة فهو مبني من الحجارة البازلتية المربعة التي يراوح عرضها بين 1,5ـ2 متر وللسور أربعة أبواب هي: باب تدمر من الشرق، وباب حمص من الجنوب والبابان الغربي والشمالي.
قلعة سلمية
لا يزال بعض جدرانها ينتصب في مركز المدينة. ويعود بناؤها إلى العهود الهلنستية. ويذكر المستشرق هارتمان أنّه عثر على حجر عليه كتابات يونانية وحجر آخر قرب الحصن عليه نقوش وكتابات عربية.
ويعتبر مسجد الإمام إسماعيل ذو المحاريب السبعة أحد أبرز معالم المدينة. ويستطيع الزائر أن يلاحظ أنّ حجارته تعود إلى عصور متباينة، إذ بُني في عهد اليونان كمعبد للإله «زيوس» وعندما جاء الرومان حوّلوه إلى معبد للإله جوبيتر. وعندما دخلت المسيحية أصبح المعبد كنيسة ثمّ تحوّل إلى مركز الأبرشية التي اتبعت لها 62 كنيسة. أمّا في العهد العربي فتحول المسجد والقسم الملحق به ليصبح مدفناً للهاشميين، ثمّ أجريت عليه التحسينات وبني له عدد من المحاريب ليصبح معروفاً في كتب التاريخ بـ «المسجد ذو المحاريب السبعة».
أمّا الحمام الروماني، وهو موجود وسط المدينة، فتعرض إلى الهدم أكثر من مرة. وكان آخر ترميم له عام 1924. وأخفى هذا الترميم بعضاً من ملامحه القديمة بسبب طلائه بالإسمنت.
أحمد سليمان
سَمَرقَند
ـ 1 ـ
كانت سَمَرقَند سنة 1930 عاصمة جمهورية أوزبكستان، ثم جعل الروس العاصمة طاشقند.
وسمرقند ذات طابع شرقي وماضٍ تاريخي حافل، وكانت مركز بلاد الصُّغد، كما كانت عاصمة تيمورلنك. وهي واقعة على نهر سَيحُون.
منذ أن وُلدت سمرقند وُلد معها توأمها، الفنّ. وتغنّى بجمالها الشعراء على مَرّ الأيام. ووجدت البعثات الأثرية بقايا قسم من تلك الأشعار مدونة بخط أنيق على بعض حيطانها، كقول أحدهم:
وليس اختيـاري سَمْـرَقَند مَحلّةً
ودارَ مُقـامٍ لاختيـارٍ ولا رِضى
ولكنّ قلبـي حلّ فيـها فعـاقـني
وأقعَدَني بالصِّغر عن فُسحةِ الفضا
وقال فيها الشاعر المشهور البُستي:
للناس فـي أُخراهُـمُ جنّـة
وجنّـةُ الـدنيـا سَمَـرقنـدُ
يا مَن يُسـوّي أرضَ بَلْخٍ بها
|
هل يستوي الحنظلُ والقَندُ([467])
وذكر الجغرافيون العرب القدماء أنه ليس في الأرض مدينة أنزهَ ولا أطيَب ولا أحسَن مُستَشرَفاً من سمرقند. وشبّهها الرياشي فقال: كأنها ونهرها المجرّة للاعتراض، وسورها الشمس للأطباق.
ويصفها ياقوت الحموي بقوله: «وروي أن سمرقند من بِناء الاسكندر، واستدارةُ حائطها اثنا عشر فرسخاً، وفيها بساتين ومزارع وأرحاء، ولها اثنا عشر باباً، من الباب إلى الباب فرسخ، وعلى أعلى السور أبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل بابين منزل للنواب، فإذا جُزتَ المزارع صرت إلى الرَّبْض، وفيه أبنية وأسواق، وفي ربضها من المزارع عشرة آلاف جريب، وفيها المسجد الجامع ومسكن السلطان. وفي هذه المدينة الداخلة نهر يجري في (مجرى مَحُوط) بالرصاص، وهو نهر قد بُني عليه مُسنّاة عالية من حَجَر يجري عليه الماء إلى أن يدخل المدينة… ووجه هذا النهر رصاص كله… وقد عُمل في خندق المدينة مُسنّاة وأُجري عليها، وهو نهر يجري في وسط السوق بموضع يُعرَف بباب الطاق… وعلى حافات هذا النهر غلاّت موقوفة على من بات في هذا النهر، وحفظه شتاء وصيفاً… وفي المدينة مياه من هذا النهر عليها بساتين، وليس من دار إلاّ وبها ماء حارّ إلاّ القليل، وقلّما تخلو دار من بستان، حتّى أنك لا ترى أبنية المدينة لاستتارها عنك بالبساتين والأشجار… فأما داخل سوق المدينة الكبيرة ففيه أودية وأنهار وعيون وجبال… ».
هذه المدينة الرائعة، بجمالها الأخّاذ، صارت في تاريخ الحضارة عاصمة للفنون الإسلاميّة. خصوصاً الفنون المعروفة اليوم بالفنون التشكيلية. وقد ظهرت مدرسة (المُنَمنمات) التي ستظل تنمو لتصبح أهم الآثار المغولية المتبقية اليوم، لتكوّن ـ مع الشعر العربي والفارسي، والموسيقى العربية والفارسية، ومدرسة المُنَمنمات الفارسية المستمرة إلى العصر الحديث ـ الملامح الواضحة لتقدم الفنون الآسيوية إبّان تلك العصور… والتي كان يعتبرها السلاطين في الهند وبلاد فارس من أزهى أوجه الجمال الذي يحتفظون به في ذاكراتهم وجدران قصورهم.
ومع مرور الزمن انبثق أسلوب اللوحات الشخصية (بورتريه) في المنمنمات التي اكتسحت أوجه الفنون الأخرى، خصوصاً أن الفنانين كانوا يُولُون فَنَّهم عناية قصوى في دقة مراقبتهم للشخصيات المراد رسمها، حتّى لو استغرق ذلك زمناً طويلاً، فالمهم عندهم الإجادة، ربّما طلباً للخلود، والإبداع المغلغل في شرايين التاريخ.
وأجاد السمرقنديون في هذا الضرب من الفنون إجادة خلّدت أعمالهم على جدران قصور السلاطين المغول الذين حكموا شمال الهند في تلك الأزمان. ويذكر أصحاب السير والتواريخ أسماء لامعة في هذا المضمار، منهم محمد مراد السمرقندي، ودولة محمد السمرقندي، وفاروق كالميك ومحمد نادر السمرقندي الذي يعدّه بعض مؤرّخي الفن من أكثرهم إبداعاً وإجادة، من غير أي انتقاص للآخرين.
في الطابق الأرضي من البناء الذي تحت القبة
محمد نادر السمرقندي (1580 ـ 1650م) من مواليد تلك المدينة الساحرة، النائمة في حضن الأشجار، والغافية على تغريد أطيار بساتينها وزقزقة عصافيرها، والتي حملت اسم سمرقند. وبعد أن تشبّع بجمال المدينة، وفنونها الساحرة، وبدأ يتمكن من فنه، رحل إلى الهند بلاد الحضارة العريقة في جميع جوانب الحياة التي كانت معروفة يومذاك وانضمّ إلى فناني الأمبراطور أكبر. وسرعان ما أصبح فناناً مشهوراً، وأخذ كبار رجال القصر يطلبون منه رسم صورهم الشخصية، وبدأ يحتل مكانته الرفيعة بسرعة مدهشة ضمن كبار فناني المُنَمنمات الآخرين من مختلف البلدان.
تعتبر أعماله بحقّ من خَوالد التحف الفنية الثمينة، فالبورتريهات التي أنجزها بدقة وأناة وصبر مذهل، تخطف الإعجاب بمهارة إنجازها لا في الخطوط والألوان والظلال وخلفية اللوحة فحسب، وإنما في إبرازها وبتقنية ذكية للجوانب السيكولوجية لشخصياتها كذلك، مبرهنة على البراعة والمكنة العالية له. كما أن لوحاته الطبيعية التي كرّسها لمشاهد الطبيعة، وكذلك تلك المطعّمة بالميناء بتشجيع من الأمبراطور جيهانگير (1605 ـ 1627 م) وغيره من السلاطين الذين كانوا معجبين بذلك، شواهد لا نظير لها للجمال المتجلّي في المدينة وفي نتاجها الفني الساحر الأخّاذ.
عمل محمد نادر السمرقندي ـ بميزات إنتاجه الفني ـ على تطوير فن المنمنمات الهندية نفسها خلال المدة المذكورة. كما أن أعماله تعتبر تكملة مهمة جداً في ميدان الدرس الفني المنصرف إلى تشكيل التصورات المعاصرة للعلاقات الإبداعية بين الهند وآسيا الوسطى في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
ويذكر المعنيّون باللوحات الفنية في فهارس موجودات الآثار والمتاحف، أن لهذا الفنان ـ اليوم ـ ثلاث عشرة لوحة موثوقة النسبة إليه، باستثناء تلك التي لم تُسجَّل رسمياً في مواطن وجودها باعتبار كونها موروثات عائلية خاصة لا عامة، ولاعتبارات أخرى. وتمثّل هذه اللوحات المعروفة اليوم ـ في غالبيتها ـ البورتريهات المنفَّذة بخطٍّ أسود دقيق مع رتوش ظلالية ملوّنة مما يعرف في دوائر الفنون بـ (سياه قلم) الذي ابتدعه ابتداعاً محمد نادر شاه، وسجله الفنانون باعتباره ابتكاراً مبدعاً لم يُعرَف قبله.
وتصوّر اللوحات المذكورة شخصيات القصر والقادة العسكريين من أمثال آصف خان وباقر عظيم خان والأمير خسرو.. وغيرهم.
وثمة بورترية مثير للاهتمام بشكل خاص يصوّر شير محمد، وهو شخص مجهول لنا اليوم وينبثق الاهتمام به ـ بالدرجة الأساس ـ لكونه يضم ثلاث صور شخصية أُنجزت في أوقات متباينة، وأُلصقت على ورقة واحدة، كما كانوا يفعلون في الألبومات. ووضع محمد نادر توقيعه تحت كل واحدة من تلك البورتريهات الثلاثة. ويميل الباحثون في تاريخ الفن إلى أن هذه اللوحات قد رُسمت في تاريخ واحد أيضاً. ويعتمدون على معايير فنية غاية في الدقة لتحديد شخصية شير محمد هذا، باعتباره ليس شخصاً واحداً وليس شخصاً عادياً، وعلى الرغم من تلك المعايير فقد توهموا عندما اعتبروا الرسم الأيسر يمثل الأمبراطور شاه جيهان (1627 ـ 1656 م)، والأيمن جيهانگير يبدو شاباً، بينما الابن يبدو شيخاً بلحية بيضاء وبملابس متواضعة ليس فيها أي مظهر من مظاهر الملابس الأمبراطورية الفخمة التي كان يرتديها المغول في الهند. وفي دراسات لاحقة وصل المعنيّون بتاريخ الفنون إلى أن الرسم لا يمثّل جيهان الابن بل يصور خليل الله خان. وقد أمكن الوصول إلى هذه الحقيقة بعد أن كشفت اللوحة التي كان رسمها محمد نادر لهذه الشخصية بكامل هيئتها بعد ذلك بعشر سنوات. أما صور جيهانگير فلا شك فيها أبداً لا في الشخصية ولا في كونها من أعمال نادر شاه. والصورة مؤطّرة بإطار مثلّث الأضلاع مما يمثل النافذة التي كان يظهر فيها الأمبراطور إلى الناس، أو يتابع من خلالها معارك الفِيَلة، وتُسمّى هذه اللوحة بـ (جهاروك). وتوجد هالة حول رأسه، كما أن اللوحة مليئة بمعالم الزينة، والأمبراطور في أبهى حلته.
ومن بين هذا التراث الغنيّ المتنوع، يثير بورتريه (شير محمد)، وهو البورتريه الثالث في اللوحة، أكبر الاهتمام لتفرده بعدم وجود ما يماثل أسلوبه أبداً في أية مدرسة من مدارس البورتريهات والمنمنمات الشرقية من حيث تعقيد خطوطها وطريقة الأداء الفنية.
ومن ناحية أخرى فإن الفنون التي انبثقت من سمرقند وتجولت في بلاد الهند وغيرها، سواء على يد محمد نادر شاه ـ الذي خَصَصناه بالعناية باعتباره نموذجاً مثالياً ـ أم على يد غيره من الفنانين السمرقنديين، استطاعت أن تساعد على تحديد تواريخ السلالات الحاكمة، ومجريات أحداث التاريخ التي رسمها أولئك الفنانون. ويمكن الاستشهاد ـ في هذا الصدد ـ بالرسوم السمرقندية المتتابعة تاريخياً والتي عُني كثيراً بتصوير الشخصيات بكامل هيئتها وملابسها، سواء من الحكام أم من رجال الدين والطرق الصوفية، حيث نكتشف أن شيوخ الطرق الصوفية ـ مثلاً ـ تغيرت هيئاتهم وأزياؤهم بمرور الزمن، حتّى أنه ليمكن التعرف على ملامح تطور الطرق الصوفية نفسها من خلال المقارنة التاريخية بين تلك البورتريهات
والمنمنمات.
وحتى على صعيد الناس العاديين، فثمة وجوه وشخصيات تظهر ضمن المنمنمات الطبيعية، أعني تلك اللوحات التي تنصرف إلى رسم المناظر الطبيعية، حيث يظهر في بعضها، أو في الكثير منها، ملاّحون في زوارقهم، وفلاّحون في حقولهم، وحرفيون متعددون في مهن مختلفة متنوعة مما كان يزخر به ذلك العصر.
ومن خلال الملاحظة الدقيقة والمتأنية والمقارنة نستطيع استجلاء ملامح التغير الاجتماعي والصناعي والزراعي، وحتى وسائط النقل المستخدمة في الأنهار والمدن، وكذلك كيفية تنظيم الأسواق والمدن ونمط الاحتفالات في الأعياد والمناسبات.
وبالجملة استطاع الفنانون السمرقنديون أن يقدّموا للباحثين في تاريخ الحضارات وتطورها خير أدلة ومستمسكات ووثائق لا يرقى الشك إلى تصويرها لواقعها، لأن هؤلاء الفنانين العظماء انطلقوا من واقع مدينتهم الثرية بالجمال ليرسموا صور العالم بلوحاتهم الواقعية.
ضواحي سمرقند
ألم يكن الحق مع أحمد بن واضح في وصف سمرقند:
علت سمرقند أن يقال لها
زين خراسان جنة الكور
أليس أبراجها معلقة
بحيث لا تستبين للنظر
ودون أبراجها خنادقها
عميقة ما ترام من ثغر
كأنها هي وسط حائطها
محفوفة بالظلال والشجر
بدر، وأنهارها المجرة والآ
طام مثل الكواكب الزّهر؟
هادي حمودي
سمرقند
ـ2ـ
تعتبر مدينة سمرقند من المدن التاريخية المهمة الواقعة بجمهورية أوزبكستان، إحدى أشهر الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. وهي من أشهر المزارات السياحية في آسيا لما تحويه من آثار إسلامية غاية في الروعة والجمال، ومطوقة بالمروج الخضراء التي تصلها المياه من أعالي الجبال المحيطة بها وتمتاز بطبيعتها الخلابة.
تعرضت سمرقند عبر تاريخها الطويل لموجات متلاحقة من الدمار الذي حل بها على أيدي الغزاة. فقد دخلتها جيوش الاسكندر الأكبر ودمرتها بالكامل، ثمّ تعرّضت للتدمير مرّات عدة وفي فترات زمنية مختلفة بسبب الصراعات القبلية قبل ظهور الإسلام وبعده.
وفي بداية القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) بدأ الغزو المغولي لمدن آسيا الوسطى، فحل الخراب والدمار في هذه المدينة والمدن الإسلامية الأخرى في أوزبكستان كالعاصمة طقشند وبخارى وخيوه، حتّى استقرّت الأوضاع في عهد تيمورلنك في القرن الخامس عشر الميلادي، واتخذ سمرقند عاصمة لدولته. وبدأ في عهده الاهتمام بالعمارة والفنون والعلوم، وانتشرت في أرجاء أوزبكستان روائع فنون العمارة
الإسلامية كالمساجد والمدارس الدينية والمزارات والأسواق.
ولم يكن الاهتمام بالعمارة محصوراً بتيمورلنك فقط، بل إنّ خلفاءه انتهجوا نهجه ومنهم ابنه شاهرخ وبعده الغ بيك وبايسنقر وأبو سعيد. ولكن حروب الأوزبك الشيبانيين وما تلاها من اضطرابات قبلية والغزو الروسي لبلدان آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر أدّت إلى اضمحلال المدينة وبقية مدن أوزبكستان الأخرى. وبعد سيطرة الروس على البلاد كلها، وكانت تشمل كازاخستان وأوزبكستان، تمّ تغيير اسمها إلى تركستان العام 1886.
وفي العام 1929 أعلن نهائياً انفصال أوزبكستان عن تركستان. وفي سنة 1991، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أعلن استقلال هذه الدولة وأجريت انتخابات برلمانية حيث حصل الحزب الديموقراطي على أغلب الأصواب بزعامة إسلام كريموف الذي ما زال يحكم هذه الجمهورية الفتية إلى يومنا هذا.
اشتهرت سمرقند بمعالم حضارية وتاريخية تميزت بأروع فنون العمارة الإسلامية، وكانت ولا زالت إحدى أجمل المدن الإسلامية. وعرفت مبانيها بخصائص معمارية رائعة في فخامتها وارتفاع جدرانها وأبوابها وزخارفها الأجرية والقاشانية الجميلة.
منظر عام لقبة مسجد بيبي خاتم
وتتركز أجمل هذه المباني في ساحة ريجستان، حيث توجد مجموعة من البنايات التاريخية قلّ أن تجتمع في مكان واحد، ومنها ثلاث مدارس أقدمها وأشهرها تلك التي شيّدها حفيد تيمورلنك، الغ بيك، وفي مقابل مدرسة الغ بيك شيّدت المدرسة الثانية وهي شيردر، أمّا الثالثة التي تطل على ساحة ريجستان أيضاً فهي مدرسة طلاكاري.
وما زالت بقايا مسجد «بيبي خانم» قائمة إلى اليوم ضمن مجموعة ساحة ريجستان، وهي تدل على عظمة العمارة التي كانت قائمة في عهد تيمورلنك.
وأبرز المعالم العمرانية في مدينة سمرقند:
مسجد بيبي خانم
قرر تيمورلنك تشييد أضخم مسجد في العالم الإسلامي على أمل أن يكون على غرار طراز عمارة مسجد الألف عمود الذي كان مشيداً في مدينة دلهي العاصمة الهندية. ولأنّ البناء، وهو في مراحله الأولى، لم يرق لتيمورلنك فقد صرف النظر عن استكماله، وتركه على حاله، ويسمّى أيضاً مسجد الجمعة الكبير.
وما زالت آثار مسجد «بيبي خانم»، خصوصاً المدرسة الملحقة به، قائمة إلى اليوم لتذكر زوار سمرقند بالفاتح الكبير تيمورلنك وبزوجته الأولى الجميلة التي شيّد المسجد باسمها.
بني هذا المسجد من الحجر المنتظم، واستقدم تيمورلنك أكثر من مئتي فني ماهر من مدينة «باكو» عاصمة جمهورية أذربيجان وكذلك من إيران والهند لقطع ونحت الحجر. وتمّ صنع 480 عموداً من هذه الأحجار استعملت في بناء المسجد، وبلغ ارتفاع كل عمود ثلاثة أمتار، وكان بعض هذه الأعمدة من الرخام أو المرمر ولا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا.
وفي واجهة المسجد قوس ضخم على شكل بوابة، بني من الطابوق (الآجر) والجص وتوجد على جانبيه مئذنتان، وقد كُسي القوس والمئذنتان بالبلاط المزجج (القاشاني). وتلي هاتين المئذنتين مئذنتان أخريان مكسوتان بالبلاط القاشاني أيضاً.
وللمسجد بوابة داخلية أخرى شيّدت من المرمر، وهي شبيهة إلى حد كبير بالبوابة الخارجية لقصر شاه شيروان في مدينة باكو، والتي يعتقد بأنّ العمال والفنيين المهرة الذين قاموا ببنائها هم من أذربيجان كذلك.
منظر لمدرسة «شير ـ دار» في ميدان ريجيستان القرون 15 ـ 17
ولمسجد بيبي خانم صحن واسع مستطيل الشكل طوله 295 قدماً وعرضه 197 قدماً يؤدي إلى إيوان القبلة. وتوجد في هذا الصحن مأذنة مخروطية الشكل ومضلعه، قاعدتها عريضة، لكنّها تصغر كلّما ارتفعت إلى أعلى. أمّا المصلى فهو صغير قياساً إلى الحجم الكبير للمسجد، ويطلق عليه اسم إيوان القبلة، وتعلوه قبة ارتفاعها 108 أقدام وهي شبه مهدمة. وهناك إيوانان آخران على جانبي الصحن. أمّا المدرسة الملحقة بالمسجد فتقع بالقرب من بوابة بخارى ولها صحن واسع أبعاده (200 قدم × 200 قدم) وللمدرسة ثلاث قباب وثماني مآذن مرتبة بشكل متناسق ورائع.
مدرسة الغ بيك
هذه المدرسة من أشهر المدارس التاريخية في سمرقند، شيّدها حفيد تيمورلنك الأمير الغ بيك ما بين 1417 و1420. وبسبب الزلازل والحروب الأهلية دمر بعض مباني هذه المدرسة، إلاّ أن ما تبقى منها يشهد لمعماريي العهد التيموري ببراعتهم الفنية والمعمارية، خصوصاً في أعمال زخرفة الآجر والفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان التي تزين واجهة ومدخل المدرسة. وتمّ ترميم هذه المدرسة مرّات عدّة وفي مراحل زمنية مختلفة خصوصاً المئذنة الشمالية الشرقية التي مالت العام 1932 بمقدار 1,8 متر عن موقعها الرأسي، وكذلك المئذنة الجنوبية الشرقية التي مالت عن موقعها الرأسي بمقدار 1,56 متر، وقد أعيدت هاتان المئذنتان إلى وضعهما الطبيعي في العام 1965.
وكان الأمير الغ بيك من علماء الفلك، لذلك خصّص جزءاً من المدرسة لبناء مرصد فلكي العام 832هـ (1429) وجعله تحت إشراف ثلاثة علماء هم: غياث الدين جمشيد وصلاح الدين البغدادي ومعين الكاشاني.
مدرسة شيردر (بوابة الأسد)
تقع هذه المدرسة في مواجهة مدرسة الغ بيك، وشيدت بين 1619 و1636م، وتمتاز بتصميمها الرائع وزخارفها الجميلة وانسجام ألوان الفسيفساء التي تغطيها من الخارج. وتتألف من طابقين وأواوين عدة كما تشتمل على أبراج مدورة تقع في أركانها الأربعة تكسوها الزخارف القاشانية الجميلة. أمّا سبب تسمية هذه المدرسة بهذا الاسم فلأنّ مدخلها الأصلي زين بالقاشاني الملون على شكل أسدين متشابهين ومتقابلين تتوسطهما غزالتان.
مدرسة طلاكاري
شيدت المدرسة في عهد التيموريين بين 1646 و1660 وتعرف باسم طلاكاري أي (المطلية بالذهب)، وتضم بداخلها مجموعة منشآت مهمة منها بناء كبير وجميل يعرف بالخانقاه (وهو مبنى إسلامي خاص لتلقين الطرق الصوفية وممارسة شعائرها الدينية).
إضافة إلى مجموعة البنايات التاريخية في ساحة ريجستان، فإنّ مدينة سمرقند تضم مجموعة مقابر «شاه زنده» أي الملك الحي المشيدة على منحدرات الموقع الذي كانت تشتغله مدينة أفراسياب القديمة. وتعدّ مقبرة القاسم بن العباس ابن عم الرسول (صلّى الله عليه وآله) أقدم منشآت هذه المجموعة وهي التي منحتها اسمها.
ونظراً إلى المنزلة الرفيعة التي يتيمز بها هذا الموقع فإنّنا نجد التيموريين يشيدون حوله مقابر عظمائهم، وقد بقيت شاخصة إلى يومنا هذا أضرحة «قاض زاده الرومي«و«أمير زاده» و«شيرين بيكا آقا» و«طوغلوغ تكين» ثمّ ضريح «تومان آقا» إحدى زوجات تيمور لنك. وليست مجموعة شاه زنده هي كلّ الأضرحة التي تضمها مدينة سمرقند، فهناك أضرحة التيموريين، تيمورلنك وأحفاده المعروفة باسم «مقبرة كورمير».
ضريح التيموريين
(مقبرة كورمير)
يعتبر هذا البناء من روائع فنون العمارة الإسلامية في سمرقند، وينقسم من الخارج إلى ثلاثة أقسام. يمتاز قسمه الرئيسي بقبته الرائعة ذات الدعامات، وهي قبلة هائلة الحجم تقوم على قاعدة أسطوانية الشكل طويلة لكنّها أقل قطراً من القبة، ويبلغ ارتفاع القبة حوالي 112 قدماً، وهي مغطاة ببلاطات القاشاني من اللونين الأزرق الفاتح والداكن. أمّا المآذن فتقع في الأطراف ويصل ارتفاع كلّ منها إلى حوالي 83 قدماً. وتتم إضاءة الضريح من الداخل بواسطة أشعة الشمس التي تنساب بقدر من خلال النوافذ الرخامية ذات الزخارف الخشبية، وتزين جدران الضريح من الداخل اللوحات الخزفية ذات اللون العقيقي الأخضر. وأضاف الغ بيك إلى هذا البناء بوابة جديدة مزينة بالقاشاني المعرق الجميل.
وفي سمرقند عدد من المتاحف أشهرها ذلك المعروف باسم متحف الغ بيك وهو مشيّد على تلال «شوبان آتا»، ويعرض آلة «السكستانت» التي كانت مخصصة لقياس الأجرام السماوية في المرصد الشهير الذي أمر بتشييده الأمير الغ بيك.
رؤوف الأنصاري
سمرقند
ـ3ـ
سمرقند لها عمر طويل كعمر روما وأثينا وبابل حيث يصل إلى 2500 عام وعاشت المدينة أحلك أيامها خلال الهجوم المغولي بقيادة جنكيزخان، لكن الأمير تيمور أراد أن يحولها إلى عاصمة للعالم بعدما حلّ بها من دمار، وبفضله عاشت عصرها الذهبي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين.
وسمرقند تسحر زوارها بما تملك من كنوز فنية معمارية ذات شهرة كبيرة في تاريخ فنون العمارة الإسلامية. وفيها الكثير من المساجد والأضرحة والمدارس بالإضافة إلى مراكز علمية مثل مرصد أولغ بيك المشهور…
تسطع في سماء سمرقند قباب مبانيها الأثرية مثل «غور ـ أمير«أو ضريح الأمير الذي يضم رفات الأمير تيمورلنك وحفيده أولغ بيك وكذلك جامع بيبي خانم الذي يعتبر من أجمل جوامع البلدان الإسلامية في منطقة ما وراء النهر، وفي الجامع أكبر قباب في العمارة الإسلامية على الإطلاق.
ومن شرفة أحد مساجد المدينة. تطل بانوراما رائعة لسمرقند تبرز في سمائها قبة جامع بيبي خانم الفيروزية اللون مع قباب ومنابر مدارس ساحة ريغستان. بالإضافة إلى مباني غور أمير وخلفها جبال فوغي على خلفية بساط أخضر لحدائق المدينة ومنتزهاتها. وقلب المدينة هو ساحة ريغستان، وتعني «ساحة الرمل»، وتحيط بها من جهات ثلاث مبانٍ في منتهى الجمال وروعة الفنون الإسلامية هي: مدرسة أولغ بيك ومدرسة شير دور وتيليا كوري. وتعتبر الساحة والمباني المحيطة بها درة من درر الحضارة الإسلامية ويمكن إدراجها من ضمن أجمل الساحات في العالم الإسلامي قاطبة.
أمّا مدرسة أولغ بيك المطلة على الساحة فكانت جامعة إسلامية. فيها خمسون غرفة. وقد علّم أولغ بيك نفسه الرياضيات في المدرسة التي أصابها الدمار نتيجة الحروب الأهلية وكذلك الزلازل. وفي القرن السابع عشر بنيت مدرستان في الساحة هما شير دور وتعني «البناية المحلاة بالأسود«التي أمر حاكم المدينة الأمير يالانغتوش بإنشائها واستغرق بناؤها سبعة عشر عاماً، وبعد عشر سنوات من الانتهاء منها أمر الأمير يالانغتوش بإنشاء مدرسة تيليا كوري التي تحدّ الساحة من جهة الشمال وتعني «المزينة بالذهب» وهي مدرسة مخصصة لإعداد أئمة المساجد. وتعتبر المدرستان مثالاً رائعاً للعمارة الإسلامية في تصميمها الداخلي وفي غنى زخرفتهما الخارجية.
في شمال ضريح غور أمير يوجد ضريح برهان الدين سرغارجي المتصوف من القرن الخامس عشر الميلادي ويعتبر مزاراً للسمرقنديين. وفي القسم الجنوبي الشرقي من المدينة هناك ضريح الحاجة عابدي دارون عند قبر القاضي العبدي من القرن الحادي عشر وهو من عشيرة العبدي العربية.
الجامع الكبير في سمرقند
وسمرقند هي عاصمة إقليم سمرقند، ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء عام 1991 حوالي 395,000 نسمة. وكانت عاصمة للثقافة الإسلامية لقرون عدّة، فالمدينة فريدة بما تحويه من معالم أثرية وتاريخ ثقافي عريق. فخلال خمسة قرون تحوّلت من قرية صغيرة على نهر سياب إلى مدينة إسلامية عظيمة بما تملكه من معالم معمارية إسلامية مثل الأضرحة والجوامع والمدارس والخانقات وغيرها.
الموقع الجغرافي
سمرقند واحة تقع على الضفة اليسرى لنهر زيرافشان الذي يعتبر من أطول الأنهر في وسط آسيا، وهو يبدأ مسيرته من جبال ماج وعند مدينة سمرقند ينقسم إلى قناتين مستقلتين الأولى تحمل اسم الإدارية والثانية تحمل اسم القرادارية. وتكوّنت بينهما جزيرة طولها مئة كيلومتر. وفي عصرها الذهبي عرفت سمرقند القصور العامرة والحدائق الغناء ونظام ري يحمل المياه إلى كل بيت. مساحة المدينة اثنان وخمسون كيلومتراً مربعاً، أمّا مساحة المنطقة الخضراء فيها، والتي تشمل البساتين والمنتزهات. فبتلغ خمسمئة هكتار، ومساحة الحدائق ومزارع العنب فيها تبلغ ثمانين هكتاراً. تشمل المساحة الخضراء أنواع أشجار الزينة وأخرى ذات الروائح الفواحة التي تملأ هواءها عطراً في فصل الربيع أمّا الأشجار المثمرة فأنواعها كثيرة منها المشمش والتين والكمثري والتفاح والكرز، وكروم العنب وقد بقيت سمرقند حتّى اليوم مركزاً لزراعة القطن والشاي وصناعة الحرير. وتبعد سمرقند عن العاصمة طشقند 300 كيلومتر.
تمّ الفتح الإسلامي لسمرقند في القرن الثامن الميلادي، واتخذت مركزاً تجارياً بين بغداد والصين. وفي العصر العباسي في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين أصبحت عاصمة للحضارة الإسلامية في وسط آسيا. وصار مرقد الإمام البخاري قرب سمرقند مزاراً للكثير من المسلمين من جميع أنحاء العالم. وبقيت سمرقند تلعب نفس الدور الحضاري في عهود الصمديين الذين حكموا من خراسان وفي العهد السلجوقي وكذلك في عهد خانات خوارزم.
وفي العام 1220م كان الهجوم المغولي بقيادة جنكيز خان على سمرقند والذي حوّلها إلى ركام كما فعل في المدن الأخرى في العالم الإسلامي التي مرّ بها.
ضريح الإمام البخاري, القرن 9.
وفي عهد تيمورلنك في القرن الرابع عشر الميلادي أصبحت المدينة عاصمة إمبراطورية واسعة وأعيد مجدها من جديد وأنشئت فيها الكثير من المباني التي أصبحت أمثلة رائعة للعمارة الإسلامية وعناصرها ومثالاً لجمال الفنون الإسلامية في وسط آسيا وفي العالم الإسلامي وكتب الحاج أبو طاهر أنّ أخوات وزوجات الأمير تيمور تمنين أن يدفن في موقع «شاه زنده» الذي اعتبر حديقة من حدائق الجنة، وتحوّلت الأضرحة إلى مجمع مزين بالقباب الفيروزية المزخرفة بأنواع القاشاني الجميل المزين برسومات نباتية وأخرى هندسية رائعة. وفي القرن الخامس عشر دخلت سمرقند لمدّة أربعة قرون تحت حكم
الأوزبك. ومن ثمّ خضعت لخانات بخارى إلى أن سقطت تحت الاحتلال الروسي في العام 1868، وفي العام 1925 أصبحت سمرقند عاصمة لجمهورية أوزبكستان السوفياتية إلى حين انتقال العاصمة إلى طشقند في ثلاثينات القرن الماضي.
اللغة الأزبكية هي اللغة الرسمية بالإضافة إلى استخدم اللغة الروسية بشكل واسع.
الديانة: أغلبية السكان في جمهورية أوزبكستان من المسلمين. وهناك أعداد كبيرة من المسيحيين الروس الأرثوذكس وأقليات دينية أخرى.
ضريح غور أمير
د. رياض الأمير
سمرقند في أيدي المغول
تحدثنا في بحث (بخارى) عن زحف المغول بقيادة جنگيز ووصولهم إلى بخارى وما فعلوه فيها، وخروجهم منها. ونقول هنا إنّ خروجهم من بخارى كان بقصد سمرقند.
ولم يكن يخفى على المغول أنّ قوى كبرى تنتظرهم على الطرق الطويلة، كما لم يكن يخفى عليهم ما يمكن أن يفعله الانهيار المعنوي في نفوس تلك القوى، لذلك عمدوا إلى خطة تحطم روح المقاومة في المسلمين، حتّى إذا تحطمت لم تفد عند ذلك الكثرة والوفرة، وكانوا على علم بأنّ قوى سمرقند أضخم من قوى بخارى، وأنّ ما يمكن أن تحشده تلك لم يكن مستطاعاً لهذه. كما أنه لم يكن ليخفي عليهم أنّ ما فعلوه في بخارا وما نكثوه من عهود وما حل بالمدينة العظيمة من الفواجع سيكون حافزاً للسمرقنديين على عدم الاستسلام، وعلى المقاومة المستميتة. لذلك عمدوا إلى الحرب النفسية واعتمدوا على التهويل لينهار السمرقنديون نفسياً وينشلوا روحياً فلا يبقى فيهم إلاّ أجسام لا أرواح فيها ولا نفوس تأوي إليها. وبذلك يسهل أخذ الأجسام الخاوية الخالية.
الخطة التي اعتمدها المغول كانت ترتكز أوّل ما ترتكز على تضخيم صورة الجيوش الزاحفة إلى سمرقند، فعمدوا أوّلاً إلى حشد جميع البخاريين الذين سلموا من القتل وساقوهم معهم وكلّ من عجز عن السير قتلوه، فلمّا دنوا من سمرقند قدموا خيالتهم ومن ورائها رَجَّالتهم ومن وراء الرجالة الأسارى البخاريون بأعدادهم الكثيرة ووراء البخاريين الأثقال والأحمال وأعطوا كلّ عشرة من البخاريين علماً يرفعونه أمامهم، إيهاماً لمن يراهم أنّهم من صميم الجيش.
وتقدم الخيالة فأدركوا سمرقند، وفي اليوم الثاني تقدّمت تلك الجموع منتشرة على الطرق بكثافتها وتكتلها، فأحدث ظهورها أثره في نفوس السمرقنديين، وهالهم ما رأوا من أعداد زاحفة إليهم، ظنّوها جنوداً مقاتلة.
وكانت قوى السمرقنديين مؤلفة من الخمسين الألف المقاتل الذين تركهم علاء الدين خوارزم شاه للدفاع عن سمرقند، ثمّ من أهل سمرقند أنفسهم الذين يقول ابن الأثير أنّهم لا يحصون كثرة، ومن هنا يتبين أنّ قوّة الدفاع لم تكن ضعيفة ولا سهلة الأخذ لو أنّها كانت تتمتع بقيادة مؤمنة شجاعة، ولو أنّها كانت على مستوى رفيع من المعنويات يتفق مع ما هي عليه من الماديات.
واوّل خذلان أصابها هو أنّ الخمسين الألف المقاتل الخوارزميين كانت قد ماتت فيهم عزيمة المقاومة وتملكهم الرعب فأبوا المشاركة في القتال. ولكن هذه الصدمة لم تضعف السمرقنديين، فتقدم رجَّالتهم خارجين من البلد وزحفوا للقاء المغول، فتراجع المغول أمامهم. وقد وضعوا لهم كميناً فلمّا جاوزوه خرج عليهم الكمين، وقطع عليهم طريق الرجوع، فأحيط بهم من الأمام والوراء فاستقتلوا فأبيدوا عن آخرهم. ويقدر ابن الأثير عددهم بسبعين ألف شهيد.
فلمّا رأى من بالبلد ما حلّ بالخارجين، كان الجنود الخوارزميون الخمسون الألف أسرع الناس إلى التسليم، فقد اعتقدوا ـ وهم أتراك من جنس المغول ـأنّ الرابطة العنصرية ستنجيهم من القتل فطلبوا الأمان فأعطوه ففتحوا أبواب المدينة ولم يقدر الناس على منعهم، وخرجوا إلى المغول بأهلهم وأموالهم، فطلب المغول منهم تسليم السلاح أوّلاً، وتعهدوا بإيصالهم إلى مأمنهم، فلمّا سلموا بالسلاح، أعمل المغول فيهم السيف حتّى أفنوهم جميعاً وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم.
وفي اليوم الرابع وذلك في المحرم من سنة 617 للهجرة أعلنوا في المدينة بأن يخرج أهلها جميعاً ومن تأخّر قتل، فخرج الجميع رجالاً ونساء وأطفالاً، فأعادوا ما فعلوه في بخارى من القتل والنهب والسبي والاسر والتعذيب والهتك.
تيمورلنك دفين سمرقند
الدولة المملوكية الثانية بدأت في مصر سنة 784هـ/ 1382م بالسلطان الظاهر (برقوق) وهي التي تقدم في عهدها تيمورلنك إلى بلاد الشام.
وعرفت هذه الدولة بالبرجية، وبالشركسية، تمييزاً لها عن الدولة الأولى التي عرفت بالبحرية، وذلك أنّ السلطان المملوكي قلاوون أخذ ابتداء من سنة 680هـ/ 1291م في جمع جماعات من المماليك الشراكسة وإسكانهم في إبراج القلعة، ومن هنا أخذت الدولة اسميها. وعندما مات قلاوون كان عدد المماليك الشراكسة لا يقل عن ثلاثة آلاف وسبعمئة مملوك، وعندما تولى بعده ابنه الأشرف خليل سنة 689هـ/ 1299م. استمر في تجميع المماليك الشراكسة، فبلغ ما جمعه، خلال الآونة القصيرة في حكمه، حوالي الألفين.
ضريح تيمورلنك في سمرقند
وقد غاظ اعتماد قلاوون وابنه خليل على الشراكسة أحد كبار الأتراك (كتبغا) فاغتال الأشرف خليل وأقام مقامه في السلطنة شقيقه الناصر محمد الذي كان لم يتجاوز التاسعة من عمره، وأعلن نفسه نائباً للسلطنة، وراح يضطهد الشراكسة بعد أن عزل الناصر محمد وأعلن نفسه سلطاناً باسم العادل زين الدين كتبغا (694هـ/1294ـ1296م).
على أنّ الأمر لم يدم له، فما لبث حسام الدين لاجين أن خلفه وقام في السلطنة مقامه باسم السلطان المنصور لاجين (696ـ698هـ/ 1296ـ1298م)، ولكن الشراكسة لم يسكتوا فلم يلبث أحد قوادهم «كرجي«أن قتل السلطان لاجين وأعاد الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة فتولاها ثانية (698ـ708هـ/ 1298ـ1308م). وأدّى تتابع الأحداث إلى تقوية الشراكسة وتنحية السلطان الناصر محمد وتنصيب زعيم الشراكسة ركن الدين بيبرس الجاشنكير مكانه باسم السلطان المظفر (708ـ709هـ/ 1308ـ1309م). ولكن القوة عاودت السلطان الناصر محمد ما أدى إلى عودته إلى الملك مرّة ثالثة وتنحي المظفر بيبرس، واستمر الناصر هذه المرة في الحكم حوالي ثلاثاً وثلاثين سنة (790ـ724هـ/ 1309ـ1341م) عمل خلالها على إضعاف الشراكسة فقتل بيبرس وسجن خمسة عشر أميراً من أمرائهم معلناً أنّ السلطنة صارت إرثاً في البيت القلاووني يرثها الأولاد فالأحفاد.
وعلى الرّغم ممّا حل بالشراكسة فقد ظلّوا قوّة عسكرية يحسب حسابها لا سيما بعدما بدأ الحكم القلاووني يتدهور اقتصادياً وإدارياً في عهود أحفاد الناصر محمد (763ـ784هـ/ 1361ـ1382م): المنصور محمد والأشرف شعبان والمنصور علي والصالح حاجي ما أدّى إلى بروز «برقوق» الذي كان يعمل للوصول إلى السلطنة بحنكة وتروِّ، فتخلص أوّلاً من منافسيه وأحسن التملق إلى الناس، وراح يعمل على إضعاف نفوذ المماليك البحرية الأتراك الذين كانوا قد وصلوا في الشام إلى المناصب الكبرى سنة 782هـ/1380م.
ولم يلبث أن أصبح الخليفة العباسي وكبار رجال الدولة طوع يديه إلى أن انتهى به الأمر إلى خلع السلطان حاجي بن شعبان والحلول محله في السلطنة، فبدأت به دولة المماليك الثانية (البرجية) سنة 784هـ/ 1382م.
على أنّ الأمر لم يصفُ له أوّل الأمر، فقد استطاع الصالح حاجي بن شعبان أن يعود إلى السلطنة سنة 790هـ (1388م). ولكن برقوق عاد إليها بقوة الشراكسة (791ـ801/ 1389ـ1398م).
ظهور تيمورلنك([468])
في الوقت الذي كان فيه أمر برقوق قد انتظم، واستقرّت له الأمور في مصر ومعها بلاد الشام، كان ظهور تيمورلنك.
ووردت الأخبار إلى مصر بأنّ تيمورلنك أخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق إلى الشام، وجاءه في حلب قاصد من عند (ابن عثمان)، ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو (ابن عثمان) والظاهر برقوق يداً واحدة على دفع تيمورلنك، فأجابه الظاهر إلى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان، صاحب بسطام، وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله (ابن عثمان) فأجابه الظاهر إلى طلبه». وكان تيمورلنك قد كتب إلى الظاهر برقوق يطلب إليه تسهيل الحركة التجارية وإقامة علاقة بين البلدين، لكن سلطان المماليك استخف بتيمورلنك وَرَدَّ عليه بقتل رسله([469]) وقد دارت المراسلات التالية:
الرسالة الأولى منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف المؤرخ الفارسي شرف الدين علي يزيد (ج1: ص642ـ643) وهي باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان برقوق وتاريخها سنة 795هـ. ويبدو أنّها أوّل خطاب بعثه إلى السلطان برقوق يدعوه فيه إلى مراعاة حسن الجوار، وإقامة العلاقات الطيبة لتأمين طرق المواصلات والتجارة.
والثانية منقولة من المؤرخ المصري أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك«(صورة شمسية بدار الكتب المصرية رقم 464، ج4، ص237ـ238) وهي من تيمورلنك إلى السلطان برقوق ويرجع تاريخها إلى 796هـ وهي تختلف عن الأولى من حيث اللهجة والتطويل اللفظي، وتحتوي على تهديد بالحرب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق إذا هو لم يعلن طاعته له.
أمّا الثالثة فهي جواب السلطان برقوق على الكتاب الثاني من تيمورلنك وهي منقولة كذلك عن أحمد بن علي المقريزي: «السلوك لمعرفة دول الملوك«(صورة شمسية بدار الكتب المصرية، ج3، ص237ـص238) وتاريخها سنة 796هـ، وفي هذا الجواب حرص السلطان برقوق على الظهور بعدم الإكتراث لتهديدات تيمورلنك.
والرابعة باللغة الفارسية من تيمورلنك إلى السلطان فرج بن برقوق وتاريخها 803هـ، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج4، ص267)، واشتملت على تهديد من تيمورلنك إلى السلطان فرج إذا هو لم يطلق أسيراً تترياً كبيراً من أسرة تيمورلنك، هو القائد أطلمش الذي وقع في يد السلطان برقوق سنة 795هـ.
وتشتمل الخامسة على تهديد ثان من تيمورلنك للسلطان فرج، ومطالبته بإعلان الطاعة، والدعاء له في خطبة الجمعة بالقاهرة. وهي مكتوبة بالفارسية، ومنقولة كذلك من كتاب «ظفر نامه» تأليف شرف الدين علي يزدي (ج2، ص315، ص316) وتاريخها سنة (803هـ) وهي خطاب جاف مختصر، ويبدو أنّ تيمورلنك أمر بكتابتها، وهو في الطريق إلى دمشق.
وتشتمل السادسة على جواب السلطان فرج على هذا الكتاب التيموري الجاف وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص317) وتاريخها سنة 803هـ، ويتضح منها استعداد السلطان فرج لإعلان الطاعة لتيمورلنك بشرط قيام تيمورلنك من جانبه بالاعتذار عمّا قام به من هجوم على دمشق.
والسابعة رسالة ثانية باللغة الفارسية من السلطان فرج إلى تيمورلنك، وهي منقولة من كتاب «ظفر نامه» (ج2، ص327)، وتاريخها سنة 803هـ، ويبدو أنّ السلطان فرج أمر بكتابتها وهو في داخل دمشق وتيمورلنك محيط بأسوارها، وفيها يؤكد السلطان فرج وعده السابق ويطلب وقف القتال.
والثامنة منقولة من مخطوط «كتاب روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء«(مكتبة جامعة القاهرة رقم 978 فا، ج6، ص246)، وهو من تأليف محمد بن خواندشاه ميرخواند، وهي بالفارسية كذلك، وتاريخها سنة 805هـ؛ وهي خطاب من تيمورلنك إلى السلطان فرج بعد انتصار تيمورلنك على السلطان بايزد العثماني في واقعة أنقرة، وفيها طلب تيمورلنك من السلطان فرج سك نقود مصر والشام باسمه والدعاء له في خطبة الجمعة.
ـ1ـ
كتاب من تيمورلنك إلى السلطان برقوق سنة 795 هجرية (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج1، ص642ـ643).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لمّا كان بيت جنكيزخان في حروب مع أسلافكم السلاطين الذين ظلموا شعب الشام، وإن هذه الحروب أنهت بسلام اختلاف الرسل، عاد الأمن والتعاون بين الدولتين؛ غير أنّه منذ وفاة الإيلخان العظيم السعيد أبو سعيد بهادر لم يحكم في بلاد فارس حاكم من نسل جنكيزخان الذي نظم أمور الناس، ولكن على العكس قام حكام في كلّ الإمارات في هذه الإمبراطورية الكبيرة مكان ملوكها، وسببوا متاعب لا نهاية لها لشعوب هذه الإمبراطورية. أمّا وقد اختارنا الإله الواحد بفضل من عنده لإصلاح ما فسد، وأدان لسيفنا المظفر كل بلاد فارس والعراق العربي الذي تتاخم حدوده حدود بلادكم، فإنّ المحبة التي ندين بها لشعبنا تتطلب بحكم الجوار أن نتبادل الكتب، وأن يأتي الرسل، ويعودوا في يسر بين بلدينا، وأن ينتقل تجار البلدين في أمن حتى تنتعش البلاد، ويكثر السكان، ويعيشوا في سلام. ولهذا السبب أرسلنا رسولنا إليكم ضارعين إلى الله أن يكلأكم بعنايته إن سلكتم حسب هذا والسلام على من اتبع الهدى والحمدلله رب العالمين».
كتاب تيمورلنك (الكتاب الثاني) إلى السلطان برقوق في سنة 796هـ (المقريزي، أحمد بن علي: السلوك صور شمسية، ج3، ص237ـ238).
«قل اللهم مالك الملك»([470]) {قُل اللْهُم فَاطِرِ السمَواتِ وَالأرْض عَاِلمَ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُم بَينَ عَبادِكَ فِيمَا كانوا فِيْهِ يَختَلِفَونَ} [الزمر: 46]. اعلموا أنّا جند اللّه مخلوقون من سخطه، مسلطون على من حل عليه غضبه، لا نرق لشاك([471])، ولا نرحم باك([472])، قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا، ومن جهتنا. فقد خربنا البلاد وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزمتها، فإن خيل ذلك على السامع وأشكل وقال إن فيه عليه مشكل([473])، فقل له:
{إِن الملُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزةَ أَهْلِهَا أَذِلة} [النمل: 34]، وذلك لكثرة عددنا وشدة بأسنا، فخيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وأسنتنا بوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال، وجيوشنا كعمد الرمال، ونحن أبطال، وأقيال، وملكنا لا يرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبداً بالسؤدد مقام، فمن سالمنا سلم، ومن رام حربنا ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم جهل، وأنتم فإن أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وعلى بغيكم تماديتم فلا تلوموا([474]) إلا أنفسكم، فالحصون منا، مع تشييدها لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع ودعاؤكم علينا لا يستجاب فينا، ولا يسمع، وكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام، وضيعتم جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، وأعددتم لكم النار، وبئس المصير: {إن الذِيْنَ يأكلون أَمْوَالَ اليتامى ظُلماً إِنمَا يَأْكُلُون في بُطُونِهِمْ نَاراً وَسيصلون سعِيَراً «. فلما فعلتم ذلك وأوردتم أنفسكم موارد المهالك. وقد قتلتم العلماء، وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، وهذا واللّه هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون، وفي غد ينادي عليكم «فَالْيوَمَ تُجزون عَذَابَ الهَون بمَا كنتم تستَكْبِرُون في الأَرضِ بغَيْرِ الْحَق وَبمَا كُنتم تَفْسقُونَ} [الأحقاف: 20] فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي وَالعدوان، وقد غلب عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم واللّه الكفرة الفجرة. وقد سلطنا عليكم إلإله. له أمور مقدرة، وأحكام مدبرة، فعزيزكم عندنا ذليل، وكثيركم لدينا قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقاً وغرباً، وأخذنا منها كل سفينة غصباً. وقد أوضحنا لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، وتضع أوزارها، وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: {هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]، ويسمعكم صارخ الغناء، بعد أن يهزكم هزاً، {هلْ تَحِس مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تسمع لَهُم رِكزا} [مريم: 98]. وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، فلا تقتلوا المرسلين كما فعلتم بالأولين، فتخالفوا كعادتكم سنن الماضين، وتعصوا رب العالمين، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِيْنِ} [النور: 54]، وقد أوضحنا لكم الكلام، فأرسلوا برد الجواب والسلام».
ـ3ـ
جواب السلطان برقوق على هذا الكتاب وتاريخه سنة 796هـ:
(المقريزي، أحمد بن علي: السلوك، صورة شمسية، ج3، ص238).
{قُل اللْهُم هَالِكَ المُلْكِ تؤتي الملك مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزَع الْمُلْك ممن تَشَاء، وتُعِز مَنْ تَشَاءُ، وَتُذل مَن تَشَاء} [آل عمران: 26]. حصل الوقوف على ألفاظكم الكفرية، ونزعاتكم الشيطانية، فكتابكم يخبرنا عن الحضرة الجنابية، وسيرة الكفرة الملائكية، وأنكم مخلوقون من سخط الله، ومسلطون على من حل عليه غضب الله، وأنكم لا ترقون لشاك، ولا ترحمون عسيرة باك، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم، فذاك أكبر عيوبكم، وهذه من صفات الشياطين، لا من صفات السلاطين، ويكفيكمِ هذه الشهادة الكافية وبما وصفتم به أنفسكم ناهية، {قُل يَا أيهَا الكافرون * لاَ أَعبدُ مَا تعبدون * وَلاَ أنتم عَابدون مَا أَعبد * وَلاَ أَنَا عَابد مَا عَبَدتُمْ * وَلاَ أنتم عَابدون مَا أَعبد* لكُمْ دِيْنُكُمْ وَليَ دِيْن} [الكافرون: 1ـ6]، ففي كل كتاب لعنتم، وعلى كل لسان كل مرسل نعيتم، وبكل قبيح وصفتم، وعندنا خبركم من حين خرجتم، إنكم كفرة، ألا لعنة اللّه على الكافرين، من تمسك بالأصول فلا يبالي بالفروع، نحن المؤمنون حقاً، لا يدخل علينا عيب ولا يضرنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو سبحانه بنا رحيم لم يزل، فتحققنا نزوله، وعلمنا ببركته تأويله. فالنار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]. ومن أعجب العجب تهديِد الرتوت([475]) بالتوت([476])، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع. نحن خيولنا برقية، وسهامنا عربية، وسيوفنا يمانية، وليوثنا مضرية، وأكفنا شديدة المضارب، وصفتنا مذكورة في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم البضاعة، وإن قتل منا أحد فبينه وبين الجنة ساعة، {وَلاَ تَحْسبَن الذِينَ قُتِلُوا في سبيلِ اللّه أَموَاتاً بَل أَحياء عِندَ رَبهم يرزقون * فَرحِينَ بمَا أتَاهُمُ اللّه مِنْ فَضله ويستبشرونَ بِالذِينَ لَمْ يَلحقُوا بِهم مِنْ خَلفِهِم، ألاّ خوْفٌ عَلَيْهم وَلاَ هُم يَحزَنُون * يستبشرون بنعمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَن اللّه لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المْؤْمِنِين} [آل عمران: 169ـ171]. وأما قولكم قلوبنا كالجبال، وَعمدنا كالرمال، فالقصَّاب لا يبالي بكثرة الغنم، وكثير الحطب يفنيه القليل من الضرم، {كَمْ مِنَ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيْرة بِإذنِ اللّهِ واللّه مَعَ الصابِرِين} [البقرة: 249]. الفرار الفرار من الرزايا وحلول البلايا. واعلموا أن هجوم المنية عندنا غاية الأمنية، وإن عشنا عشنا سعداء، وإن قتلنا قتلنا شهداء، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُوْنَ} [المائدة: 56]. أبعد أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين تطلبون منا طاعة. لا سمع لكم ولا طاعة، وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا قبل أن ينكشف الغطاء، ففي نظمه تركيك، وفي سلكه تلبيك، لو كشف الغطاء لبان القصد بعد بيان، أكفر بعد إيمان. أم اتخذتم إلهاً ثان. وطلبتم من معلوم رأيكم أن نتبع ربكم، {لَقَدْ جئتمْ شَيئاً إِدا * تكادُ السمَوات يَتَفَطرْن مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الأَرْض وَتَخِرُّ الجبالُ هَدًّا} [مريم: 89ـ90]، قل لكَاتبك الذي وضع رسالته، ووصف مقالته: وصل كتابك كضرب رباب، أو كطنين ذباب. {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُوْلُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} [مريم: 79ـ80]، إن شاء اللّه تعالى [لقد خلطتم في الأمر في الذين أرسلتم]([477]) {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُون} [الشعراء: 227] والسلام.
ـ4ـ
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج كتبه من ملطية في شهر المحرم سنة 804هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص276).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد بدرت من والدك حركات مستهجنة من جملتها إهانة رسلنا دون سبب، وحبسه أطلمش الذي كان من رجال بلاطنا وعدم إرجاعه، ولما أسلم والدك وديعة الحياة فإن سؤاله وجزاءه قد أوكل إلى الباري يوم القيامة. وينبغي عليك أن ترحم نفسك وأهل مملكتك، وأن تعيد أطلمش إلينا حتى تنجي أهل مصر والشام من انتقام جيشنا الذي يتحرَّق إلى الثأر، وإذا سلكت غير هذا الطريق بدافع من وسوسة شيطان اللجاج وعناد الخلاف، فإن جميع تلك الديار والبلاد سوف تصير خراباً بمجرد مرور عساكرنا المنصورة وعبورها فيها، وسيكون وزر وبال دماء المسلمين وأموالهم في عنقك».
ـ5ـ
كتاب تيمورلنك إلى السلطان فرج في جمادى الأولى سنة 803هـ حين تقدم تيمورلنك لحصار دمشق (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص315ـ316).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«لقد علمت آثار حزمنا وعزمنا في الأمور، وعلو همتنا في تحصيل المطالب، وإتمام المقاصد والمآرب، وإن العقلاء ليعلمون أن تشبث الرجال بالأمور هو نزع من الغيرة والحميّة، سواء كان الرجال ملوكاً أو من أفراد الشعب، وإن الهدف الأصلي للملوك من قيادة الجيوش وفتح الممالك مع كل هذا الرعب والخطر هو رعاية شريعة الله في الحال وبقاء الذكر الجميل في المآل، وليس هو جمع المال وتكثير المنال.
إن أهم الأعمال في الدنيا رعاية الناموس الإلهي وإبقاء الذكر الطيب كمنهاج السالكين، وإلا فإن المرء يكفيه نصف رغيف من الخبز.
وقد طلبت أطلمش مرات، ولكنكم لم ترسلوه وتعللتم بعلل واهية لتأخير إرساله، حتى ثارت فينا النخوة لنسير إلى بلادكم، وننزل أنواع الخراب والدمار بالناس والأحوال في ديارك.
«إذا نطق الصخر، فسيجيب بأن شجرة الخطأ لا تعطي ثمراً».
وبرغم هذا كله فإنك إذا أرسلت أطلمش وزينت السكة والخطبة باسمنا وألقابنا، وطويت بساط النزاع بيننا، ورحمت نفسك وأهل ديارك، لانتهى كل شيء، وإلا فإن جيشنا الجرار المتعطش إلى إحتساء الدماء سوف يعصف بالمخالفين، ويقهر المعاندين، ويستولي على الديار ويقتلع الرسم المعهود ويبلغ غاية المقصود. «هناك طريقان طريق المداراة وطريق اللجاج».
«الأوّل يؤدي إلى الأمن والثاني إلى الحرب».
«وقد أظهر لك العقل فانتصح».
«واختر طريقاً من الطريقين»».
ـ6ـ
جواب السلطان فرج على كتاب تيمورلنك السابق وتاريخه جمادى الأولى سنة 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص317).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«نحن عبيد في مقام الطاعة والانقياد. وسنرسل أطلمش في خلال خمسة أيام. فإذا تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا فإنّنا لن نهمل أو نقصر في أداء وظائفنا وإطاعة الأوامر، وإظهار الخضوع وسنفعل كلّ ما في مكنتنا ومقدورنا لإرضاء خاطركم الشريف ومشاعركم السلطانية».
ـ7ـ
كتاب من السلطان فرج إلى تيمورلنك كتبه من دمشق وقت حصار تيمورلنك لها وتاريخه جمادى الأولى 803هـ (شرف الدين علي يزدي: ظفر نامه، ج2، ص327).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«إن ما حدث أمس كان من قبل بعض الغوغاء دون رغبة منا، إذ أن جمعاً من الجهَّال والأوباش قد تجرؤوا عن جهل للهجوم، فلقوا جزاءهم، ونحن باقون على العهد الذي عرضناه، فإذا أوقف الجيش القتال اليوم، فإننا سوف ننفذ غداً كل ما تأمرون به، ونقوم بتقديم العذر عن التقصيرات السابقة حسب المقدور».
ـ8ـ
كتاب من تيمورلنك بعد واقعة أنقرة إلى السلطان فرج وتاريخه 805هـ (مير خواند: روضة الصفا، ج6، ص246).
ترجمة الكتاب عن الفارسية:
«أصبح ملك جميع بلاد الروم بنصرة الله وعناية السلطان تحت حكم أتباعنا فينبغي أن تزين سكة بلاد الشام ومصر وخطبتها باسمنا ولقبنا العظيم. وأن تطلقوا سراح أطلمش في الحال، وترسلوه إلى بلاطنا الذي هو ملجأ للعالم وإذا تغافلتم في هذا الأمر أدنى تغافل فتيقنوا أن راياتنا المظفرة ستتجه بعد عودتها من بلاد الروم إلى مصر وترفرف على ربوعها وقد قلت كل ما في نفسي وأنت تعرف ما بعد ذلك وقد أعذر من أنذر». اهـ.
تعليق لنا
ونقول تعليقاً على الاستهانة من تيمورلنك بالإقرار بأنّهم لا يقرّون لشاك ولا يرحمون عبرة باك، وأنّهم قد نزع الله الرحمة من قلوبهم، وبأنّهم خربوا البلاد ويتّموا الأولاد وأظهروا في الأرض الفساد. والتباهي بهذا، نقول: يدلك هذا على الحال التي وصل إليها حكام المسلمين، والصحيح أن نقول الحال التي استمر عليها أولئك الحكام منذ العام الهجري 41 حتّى العام 796 وما بعده، أي منذ صدور الأوامر إلى بسر بن أرطأة وسفيان بن عوف بالقتل العام والنهب العام في الأنبار والحجاز واليمن، واستمرار ذلك حتّى عهد تيمورلنك. والفرق بين من سبق تيمور منذ العام 41هـ حتّى العام 796 أنّ هذا لم ينافق كما نافق من سبقه ولم يدّع ما ليس فيه، بل كان صريحاً واضحاً معلناً حقيقة نفسه!
صحيح أنّ هذا الذي يعلنه تيمور إنّما يراد به التهديد والوعيد، ولكن الصحيح أنّ التباهي به شيء فظيع، والذي يتفق فيه الطغاة منذ العام 41هـ حتّى العام 796 وما بعده أنّهم جميعهم يقولون إنّهم جند الله.
ثمّ إنّا نفهم من مجرى الأحداث ـ كما قلنا من قبل ـ أنّ تيمور لم يكن البادئ بالشر، ولنا أن نقول: إنّه لم يكن في ذهنه غزو بلاد الشام لولا قتل برقوق لرسله، وأنّ المسؤول عن ذلك الغزو وما جرَّه على بلاد الشام من الولايات هو الظاهر برقوق بخروجه على أبسط قواعد الأعراف الإنسانية العالمية، من أنّ الرسل لا تقتل.
رجوع تيمور
وقد كان الظاهر برقوق قد استعد للقاء تيمور، فعن تاريخ ابن أياس أنّه في سنة 789هـ/1387م، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير طغاي، وكان قد توجه إلى بلاد الشرق لمعرفة أخبار تيمورلنك، فأخبر السلطان أنّ جاليش (أعلام) تيمور قد وصل إلى الرها وكسر قرا محمد أمير التركمان، وأنّ بوادر عسكره قد وصلت إلى ملطية، فأمر السلطان بعقد مجلس بالقصر الكبير، وطلب القضاة الأربعة والخليفة وشيخ الإسلام عمر البلقيني وأعيان المشايخ المفتين والأمراء، فتكلم السلطان في أخذ مال الأوقاف، فلم يوافق شيخ الإسلام ولا القضاة الأربعة على ذلك، فشكا السلطان خلو الخزائن، فوقع جدال عظيم ودافعوا السلطان وأغلظوا له، ثمّ اتفقوا على أن يؤخذ من الأوقاف أجرة الأماكن وخراج الأراضي سنة كاملة، ورسم السلطان لمحتسب القاهرة أن يتولى جبي الأموال من الناس، ورسم بأخذ زكاة الأموال من التجار، وندب إلى ذلك القاضي الحنفي. وفي رجب سنة 789هـ/ 1387م، خرجت التجريدة من القاهرة في تحمل زائد، واستمرت من الصبح إلى قريب الظهر. واشتد الأمر على الناس، وجبيت الأموال منهم غصباً بالعصا في يوم واحد ثمّ جاءت الأخبار برجوع تيمور إلى بلاده وأنّ ولده قتل فسكن الناس ورسم السلطان برد ما أخذ منهم.
وفي هذا النص الذي أخذناه بكامله عدّة أمور تلفت النظر:
1 ـ إنّ الخليفة يدعى كسائر الناس إلى المؤتمر الذي عقده برقوق، ثمّ لا يكون له رأي في كلّ ما يجري، فقد لزم الصمت وترك الآخرين يتجادلون ويقررون.
2 ـ وجود منصب ديني كبير يسمّى من يتقلَّده «شيخ الإسلام». وعلى هذا فليس الأتراك العثمانيون هم الذين أوجدوا هذا المنصب في عهدهم، بل سبقهم إليه المماليك. وإذا كنّا قد عرفنا صلاحية شيخ الإسلام العثماني فإنّنا نجهل صلاحية شيخ الإسلام المملوكي.
3 ـ استقلال رأي شيخ الإسلام وآراء القضاة الأربعة وشجاعتهم في الوقوف بوجه السلطان، ومنعه من الاستيلاء على الوقف، في حين أنّ الخليفة لم يبد ولم يعد في هذا الأمر وسلم به.
ولم يكتفِ شيخ الإسلام والقضاة الأربعة بمعارضة السلطان بل دافعوه وأغلظوا له، بنص ابن أياس.
4 ـ غربة الشعب عن هذا كلّه، فالناس يرون أنّه تُطلب منهم الأموال لتغذية حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل إنّ السلطان أوقعهم فيها بطغيانه حين قتل رسل تيمورلنك، وكانوا في غنى عن ذلك لهذا تمرَّدوا على دفع الأموال، ولم تُجْبَ منهم إلاّ بالعصا.
أمّا رجوع تيمور عن قصد برقوق بعد أن كان متوجهاً إليه، فقد ذكر ابن عربشاه سببه كما يلي: في 7 ذي القعدة سنة 796هـ/ 1393م، رحل تيمور واستصحب معه الملك الظاهر صاحب ماردين وحبسه في مدينة (سلطانية) وحبس معه من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واستنبوغا وضياء الدين وضيق عليه ومنعه من مكاتبة أهله بحيث بقي سنة لا يُعرف له خبر. ثمّ وفدت الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه، وأذنت له بمراسلة أهله ونصحته بالدخول في طاعة تيمور. قال: وكان سبب خروج تيمور أنّه بلغه أنّ فيروز شاه سلطان الهند قد توفي وليس له ولد، وأحوال بلاد الهند مضطربة، فرأى أنّ توجهه إلى بلاد الهند والاستيلاء عليها أولى من مجيئه إلى الديار المصرية فكرَّ راجعاً إلى بلاد الهند واستولى عليها. ولمّا بلغ برقوق رجوع تيمور إلى بلاده رجع هو إلى مصر. اهـ.
على أنّ رجوع تيمور عن قصد بلاد الشام كان رجوعاً موقّتاً، فهو لا يمكن أن ينسى الإهانة التي لحقته بقتل برقوق لرسله وما وجهه إليه من شتائم في رسالته.
إنّه في الأصل لم يكن ينوي غزو بلاد الشام التي كانت تابعة لحكم برقوق في مصر، بل على العكس من ذلك، تودد إليه في أوّل الأمر وراسله مراسلة تحمل طابع التآلف كما رأينا في ما تقدم من القول.
استقرار تيمور
عندما قصد تيمور بغداد هرب السلطان أحمد بن أويس، المتغلِّب عليها، إلى الشام؛ وذلك في شهر شوال من سنة 795هـ. ووصلها تيمور في 21 منه، ثمّ خرج منها قاصداً ديار بكر وأذربيجان وتساقطت بعد ذلك عدّة مدن في يده.
وسار أحمد بن أويس إلى الرحبة فحلب، فلمّا بلغ الظاهر برقوق ـ وهو في مصر ـ خبره أرسل إليه الإقامات ووجه إليه من يستقبله من الأمراء، وذلك كرهاً بتيمور.
ووصل إلى برقوق رسول السلطان بايزيد العثماني حاملاً له هدايا عظيمة، وأخبره بأمر تيمور وحذّره من الغفلة في أمره. فأوعز برقوق إلى والي القاهرة بالنداء للعكسر بالعرض في الميدان، وتكرّرت المناداة ثلاثة أيام بأن لا يتأخر عن العرض كبير ولا صغير([478]).
وكان تيمور قد استولى على ديار بكر والرها، وأرسل إلى القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس وقيصرية وتوقات، أن يخطب باسم محمد خان بن (سيور غاتمش خان) واسم تيمور ويضرب السكة باسمه، فلم يجبه القاضي بشيء، بل قتل بعض رسله وقطع رؤوسهم وعلقها في أعناق من بقي منهم وشهرهم وأرسل قسماً منهم إلى الظاهر برقوق وقسماً إلى السلطان بايزيد العثماني، فأرسل إليه بايزيد يشكره على ذلك.
فلما بلغ تيمور ما جرى على رسله غضب غضباً شديداً.
ثمّ وصل أحمد بن أويس إلى مصر في ربيع الأوّل سنة 786هـ مستصرخاً الظاهر برقوق، فنادى برقوق في عسكره بالتجهيز إلى الشام([479]) واستخلف على القاهرة النائب سردون، وارتحل على تعبئة، ومعه أحمد بن أويس، ودخل دمشق آخر جمادى الأولى، وكان قد أوعز إلى جلبان نائب حلب بالخروج إلى الفرات واستنفار العرب والتركمان للإقامة هناك رصداً للعدو، فلمّا وصل دمشق وفد عليه جلبان ثمّ رجع، وبعث برقوق العساكر مدداً له.
وكان تيمور قد شغل بحصار ماردين فأقام عليها شهراً وملكها، وامتنعت عليه قلعتها فارتحل إلى ناحية بلاد الروم ومَرَّ بقلاع الأكراد فأغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها. وبرقوق لهذا العهد ـ وهو شعبان سنة 796هـ/ 1393م ـ مقيم في دمشق. ويقول ابن إياس: إن برقوق وصل دمشق مع القان أحمد بن أويس يوم الاثنين 12 ربيع الآخر فنزل بالقصر الأبلق الذي في الميدان، ثمّ توجه إلى حلب، فحضر إليه قصاد من السلطان بايزيد بن عثمان بأن يكون هو (بايزيد) وبرقوق يداً واحدة على دفع تيمور. ثمّ حضر إليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام بمثل ذلك فأجابهما بالقبول، وبلغه وهو بحلب أنّ جاليش عسكر تيمور قد وصل البيرة.
نظرة في هذه الأحداث
نرى، في ما سبق عرضه، أنّه إذا كان تيمور قد فعل ما فعل من القتل في بلاد الشام، فإنّ القاضي برهان الدين أحمد، حاكم سيواس، قد سبقه إلى ذلك وجرّأه عليه وأوجد له المسوِّغ.
فهذا القاضي الحاكم الذي يستحل قتل الرسل، ثمّ يعلق رؤوس مَن قتلهم في أعناق من لم يقتلهم ويشهرهم ويرسل بعضهم بهذه الحالة إلى برقوق، وبعضهم إلى السلطان العثماني، هو نظير لتيمور في ارتكاب الفظائع، ومتفوق عليه في سفك الدماء، ومشجِّع له على المجازر، وقد أوجد له الأعذار في هذا.
والسلطان العثماني والسلطان المملوكي، اللذان سَرَّهما هذا العمل وأرضاهما، هما شريكان في تشجيع المجازر البشرية الجماعية!
فعلينا ألا نصم تيمور وحده، بل أن نصم هذين الحاكمين ـ والحاكم الآخر الذي سيأتي ذكره ـ اللذين هلّلا للمجزرة وأن نوجه الوصمة الكبرى إلى القاضي الحاكم برهان الدين بأشد مما نوجهها إلى تيمور، لأنّ تيمور، في ما فعل، منتقم لرسله القتلى وغير مبتدئ بالقتل.
ولم يكن القاضي برهان الدين وحده هو الذي قتل رسل تيمور بل إنّ «برقوق»، وهو الآخر فعل الأمر نفسه ـ كما تقدّم ـ وكذلك فعله دمرداش نائب حلب (واليها)، ما أثار غضب تيمور ونقمته وجعله يصمم على غزو بلاد الشام.
ولم يخجل هذا الذي لقّب نفسه باللقب الديني العظيم: برهان الدين، وهو يحمل هذا اللقب، من أن يدنس الدين الذي جعل من نفسه برهانه بسفك دماء الأبرياء وتعليق رؤوس القتلى على صدور الأحياء والطواف بهم من بلد إلى بلد.
عوامل أخرى
وهناك عوامل أخرى حفزت تيمور على غزو بلاد الشام، ومنها ما أشار إليه ابن حجر في ما حكي أنّه ذكر في حوادث سنة 798هـ أنّ «اطلمش»، قريب تيمور، قبض عليه قرا يوسف التركماني، صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر برقوق فاعتقله. وقال في حوادث سنة 799هـ: «وصلت كتب من تيمور فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه اطلمش الذي أرسله قرايوس. فأمر السلطان برقوق أن يكتب أطلمش إلى قريبه كتاباً يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية. وأرسل برقوق ذلك مع جوابه، ومضمون الجواب: إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام».
هذا رأي «ابن حجر»، ولكن يظهر، من غير ابن حجر، أنّ تيمور كان غاضباً على أطلمش وأنّه طلبه ليعاقبه. ويروي صاحب كتاب «عجائب المقدور» قصة قتل رسل تيمور مع روايته قصة «أطلمش»، كما يروي ذلك صاحب «البدر الطالع» قائلاً:
أرسل تيمور، وهو في «عينتاب»، رسولاً إلى النواب في حلب طلب فيه منهم أن يطيعوا أمره ويكفّوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا إليه «أطلمش»، زوج بنت أخت تيمور الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر، فلم يُجَب إلى شيء ممّا طلبه وقتل سودون نائب دمشق الذي كان يومئذ موجوداً في حلب، مع بقية نواب البلاد الشامية، رسول تيمور قبل أن يسمع كلامه وضرب رأسه على رؤوس الأشهاد.
وعن ابن حجر أنّ الكتاب كان إلى نائب حلب وأنّه قال فيه: «إنا وصلنا في الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته (يعني الظاهر برقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجهنا إليهم، فأظفرنا الله تعالى بهم ثم رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه ـ وكان عمر بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين ـ فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمكم أن يرسلوا قريبنا أطلمش، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقكم والسلام».
فأمر نائب حلب يضرب أعناق رسل تيمور. فلمّا علم تيمور أنّ رسله قُتِلت زحف من عينتاب على حلب، ثم بعد ذلك إلى دمشق، فجرى فيها ما جرى من أهوال الحريق والقتل والنهب…
وأقام في دمشق ثمانين يوماً، ثمّ غادرها عائداً إلى بلاده. وبذلك يتأكد أنّ غرضه كان الانتقام لقتل رسله لا فتح البلاد وحكمها.
ونحن نعتبر أنّ المسؤول الحقيقي عن محنة بلاد الشام لا تيمور وحده، بل إنّ المسؤولية تقع أوّلاً على القاضي برهان الدين أحمد والظاهر برقوق وسودون نائب دمشق ودمرداش نائب حلب، هؤلاء الذين قتلوا رسله فأثاروه للانتقام لقتل رسله. وقد كان من قبل متردداً لأولئك القتلة طالباً إقامة علاقات تجارية بين بلاده وبلادهم، كما مرّ.
ومن اللافت للنظر أنّ ابن الشحنة يروي ما يلي: إنّه وجد منقوشاً على رخامة بالجامع النووي بحماه ما خلاصته: «سبب نقش هذا أنّ الله تعالى يسَّر لنا فتح البلاد والممالك حتّى انتهينا إلى بغداد، فأرسلنا قصادنا إلى ملك مصر بأنواع التحف والهدايا، وكان قصدنا أن تتأكد الصداقة بيننا فقتل قصادنا من غير موجب، ثمّ قبض التراكمة على أناس من جهتنا وأرسلوهم إلى سلطان مصر برقوق فسجنهم وضيَّق عليهم فلزم من هذا أنّا توجهنا لاستخلاص متعلقينا من أيدي مخالفينا واتفق لذلك نزولنا بحماه في العشرين من ربيع الآخر سنة 803» (1400) (انتهى).
ونرى أنّ تيمورلنك الذي لم يكن لديه من وسائل الإعلام في ذلك الوقت ما يجعله يظهر عذره للرأي العام في غزو بلاد الشام، ويسوِّغ فعل ما فعل سوى رخامة في مسجد تقصده الجماهير في كلّ يوم جمعة، فتقرأ وتطلع وتذيع بين الناس ما قرأت وطالعت.
وقد أبان، في بيانه هذا، أنّه قصد أوّل الأمر مصادقة برقوق والتحبّب إليه، فأرسل رسله حاملين أنفس الهدايا مُعربين عن عواطف الصداقة ومشاعر المحبة، ولكن برقوق قابل ذلك بقتل الرسل الذين تحرم قتلهم جميع شرائع العالم وأعرافه.
ثمّ إنّ برقوق رفض إطلاق أقرباء تيمورلنك الذين قبض عليهم التركمان وأرسلوهم إليه، بل ضيَّق عليهم وسجنهم.
ثمّ يعلن تيمورلنك، في ختام بلاغه، أنّه إنّما قدم إلى بلاد الشام لتخليص أقربائه. ولكن لماذا اختار حماه لتكون المكان الذي ينقش على جدار مسجده الجامع بلاغه هذا؟ الذي يلوح لنا أنّ هذا الاختيار إنّما كان لأنّ مدينة حماه يتوسط موقعها بلاد الشام، وهو موقع تتقاطع فيه طرق الذاهبين إلى جميع جهات بلاد الشام.
عودة تيمورلنك
إلى بلاد الشام
لم يقدّر لتيمور أن يلقى غريمه برقوق في ميدان القتال، فبينما كان تيمور في الهند توفي الملك الظاهر برقوق، وذلك في 15 شوال سنة 801هـ/ 1398م، وأقيم مكانه ولده فرج وعمره عشر سنين ولقب بالملك الناصر.
وبعد أن استتب الأمر لتيمور في الهند غادرها سنة 802هـ مخلفاً فيها نائباً عنه، بعد أن أقام فيها نحواً من سنتين، فعبر نهر جيحون إلى خراسان واجتازها إلى أذربيجان واصلاً إلى مدينة تفليس مستولياً على بلاد الكرج (جورجيا).
وفي 8 رجب سنة 802هـ كان في بغداد ومنها اتجه إلى بلاد الشام فاتحاً ما في طريقه من بلاد حتّى كان في عينتاب التي حاصرها ثلاثاً وعشرين ليلة ثمّ أخذها، ومنها أرسل إلى النواب في حلب كتاباً طلب فيه أن يطيعوا أمره ويكفوا عن القتال وأن يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وأن يرسلوا (أطلمش) الذي أسره التركمان وأرسلوه إلى مصر. وممّا جاء في الكتاب:
«إنا وصلنا في الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته (يعني الظاهر برقوق)، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجهنا إليهم، فأظفرنا الله تعالى بهم ثم رجعنا إلى «الكرج» فأظفرنا الله بهم، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه([480]) فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمهم أن يرسلوا قريبنا (أطلمش)، فإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم. والسلام».
فأمر نائب حلب([481]) بضرب أعناق رسل تيمور. وعمد إلى تحصين سور حلب بالمدافع والمكاحل والمقاتلة.
فلمّا بلغ تيمور قتل رسله زحف من عينتاب إلى حلب فوصلها في سبعة أيام ونزل بحيلان، قرية من قرى حلب، ثمّ وصل في 9 ربيع الأوّل سنة 803هـ إلى حلب وحاصرها. وكان نائبها دمرداش، وقد حضرت إليه عساكر البلاد الشامية للدفاع عن حلب: عسكر دمشق مع نائبها سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها السيفي، وعسكر حماه مع نائبها دقماق، وعسكر صفد مع نائبها الطنبغا، وعسكر غزة مع نائبها عمر بن الطحان.
وعندما بلغ هؤلاء النواب وصول تيمور إلى عينتاب عقدوا فيما بينهم مؤتمراً عسكرياً لتقرير خطة الدفاع عن حلب. فرأى بعضهم تحصين المدينة وأن يكونوا على الأسوار، فردّ آخرون بأن هذا من آمارة العجز، والرأي أن نكون حول البلد فإنه أفسح للمجال. فقال نائب طرابلس ـ وكان ذا رأي سديد ـ: إنّ عدد العدو كثير، ولكنّه أعمى لأنّه غريب عن البلاد والرأي أن نحصن المدينة ونكون خارجها في جانب واحد ونحفر حولنا خندقاً ونكتب إلى الأعراب والاكراد والتركمان فيتسلطوا على العدو بالقتل والنهب، فإن أقام ففي شر مقام، وإن رجع فهو ما نريد. فقال دمرداش: الرأي أن نناجزه ولا نطاوله، وإن لم نناجزه أنس منّا الوهن. وأخذ يحرضهم على ذلك، وممّا قاله: إنّا إذا كسرناهم فهو المرام وكفينا عسكر مصر المؤونة، وإن كسرونا نكون قد بذلنا المجهود.
ولم يزل يحسّن لهم هذا الرأي الفاسد حتّى أجمعوا عليه لأنّه كان صاحب البلد. على أنّ هناك من يرى أنّه كان موافقاً لتيمور، وأنّه أتى بهذا الرأي الفاسد تسهيلاً للأمر على تيمور.
إنّ المؤتمر العسكري الذي عقده النواب كان يمثل الجيوش الشامية فقط، وهنا نفتقد الجيش المصري وممثليه، فتيمور كان يقصد أول ما يقصد الانتقام من قاتل رسله الأول: الظاهر برقوق صاحب مصر الذي يتبعه نواب البلاد الشامية، والشام ليست المقصد الأساس لتيمور، بل هي طريقه إلى مصر. وإذا كان الظاهر برقوق قد مات فقد بقي ابنه وأصحابه. وهذا يعرفه المصريون، فلماذا لم يكن جيشهم مشتركاً في الدفاع عن حلب التي هي باب الشام الذي يلجون منه للانتقام؟!
ليس لنا هنا أن نحكم بشيء وبيننا وبين تلك الأحداث ما بيننا من الأزمان، على أنّ الجيش المصري حضر بعد ذلك للدفاع عن دمشق.
في حلب
قام جيش الدفاع بتحصين حلب وإيصاد أبوابها. ووكلوا بكل محلة أهلها وفتحوا البابين المقابلين للجهة التي نزل فيها تيمور: باب النصر وباب القناة.
وفي يوم وصول تيمور وهو يوم الخميس 9 ربيع الأوّل سنة 803 برز من عسكره ألفا رجل، فبرز إليهم من العساكر الشامية ثلاثمئة فاستطاعوا هزيمة الألفين. وفي اليوم الثاني برز من العسكر التيموري نحو خمسة آلاف فتقدمت إليهم طائفة من العسكر الشامي، فاقتتلوا حتّى المساء ثمّ افترقوا.
وفي يوم السبت 11 ربيع الأوّل ركب تيمور في عساكره وكان قد عبأها تحت جنح الليل، وأمامه الفيلة التي قيل إنّ عددها كان ثمانمئة وثلاثين فيلاً.
وكان دمرداش على ميمنة العساكر الشامية، فانهزم بالميمنة، فعند ذلك عمّت الهزيمة ومن هنا اتهم دمرداش بالمخامرة.
ويصف أحد المؤرخين ما جرى قائلاً: وفر الباقون وجعلوا يلقون بأنفسهم من الأسوار والخنادق والتتار في إثرهم يقتلونهم ويأسرونهم، فقصدوا المدينة من الأبواب المفتوحة وازدحموا عندها والسيوف تأخذهم حتّى سدّت الأبواب بالقتلى ولم يتمكن الكثيرون من الدخول. وصعد النواب إلى القلعة وتحصنوا فيها.
وهكذا حرمت المدينة العربية الباسلة من دفاع مشرف، ودخل تيمور حلباً بالسيف، واستمر القتل والأسر والإحراق إلى يوم الثلاثاء.
أمّا أولئك القواد أصحاب هذا الهوان فكلّ ما فعلوه أن نزلوا وفي أعناقهم مناديل، وتوجهوا إلى تيمور يطلبون الأمان.
وهنا يختلف المؤرخون في مصيرهم: فابن أياس يقول: إنّ تيمور خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجاناً مذهبة وقال لهم: أنتم صرتم نوابي.
أمّا ابن عرب شاه فيقول إنّه قبض على سودون ونواب طرابلس وصفد وغزة وقيدهم، وخلع على دمرداش فقط مكافأة له على مخامرته. ولكن ما حدث بعد ذلك.. دمرداش ينفي ذلك.
ثم أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة.
حوار تيمور مع العلماء
وفي يوم الأربعاء صعد إلى القلعة وجلس في أبوابها، وطلب العلماء والقضاة فجاؤوا إليه فأذن لهم بالجلوس، ومنهم: أبن الشحنة صاحب تاريخ روض المناظر والقاضي شرف الدين موسى الأنصاري الشافعي والقاضي علم الدين القنصي المالكي.
وكان يصحبه من العلماء عبد الجبار بن نعمان الدين الحنفي فقال له: قل لهم إنّي سائلكم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وهرات وسائر البلاد التي افتتحتها ولم يوضحوا الجواب فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلاّ أعلمكم، وليعرف ما يتكلم، فإنّي خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وإلفة، ولي في طلب العلم طلب قديم.
قال ابن الشحنة: فأشاروا إليّ، فقال لي عبد الجبار: سلطاننا يقول: إنّه بالأمس قتل منا ومنكم، فمن الشهيد: قتيلنا أم قتيلكم؟
فقلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به.
فقال عبد الجبار ـ يسخر من كلامي ـ: كيف سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكيف أجاب؟!
فقالت: جاء أعرابي إليه فقال يا رسول الله إنّ الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه، فأينا في سبيل الله؟
فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. ومن قاتل منّا ومنكم لإعلاء كلمة الله فهو الشهيد.
فاستحسن تيمور هذا الجواب. وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت…
وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منّا، فطمع كلّ من الفقهاء الحاضرين وجعل يبادر إلى الجواب ويظن أنّه في المدرسة، والقاضي شرف الدين ينهاهم ويقول لهم بالله اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول: وكان آخر ما سأل عنه ما تقولون في علي ومعاوية ويزيد؟ قال ابن الشحنة فأسر إلى القاضي شرف الدين أن أعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي، فأسرع ابن القفصي فقال: إنّ علياً اجتهد فأصاب فله أجران وإنّ معاوية اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فغضب لذلك غضباً شديداً وقال: علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزيديون قتلوا الحسين، فأخذت في ملاطفته.
وفي البدر الطالع: كان آخر ما سألهم عنه ما تقولون في معاوية ويزيد هل يجوز لعنهما؟ فقال شرف الدين الأنصاري الشافعي إنّ معاوية لا يجوز لعنه لأنّه صحابي فقال تيمور: ما حد الصحابي؟ فقال شرف الدين: أنّه كل من رأى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال تيمور: فاليهود والنصارى رأوه فقال: أنّ ذلك بشرط أن يكون الرائي مسلماً، وقال شرف الدين أيضاً: أنّه رأى في حاشية على بعض الكتب أنّه يجوز لعن يزيد، فتغيظ لذلك. قال صاحب البدر الطالع: ولا عتب عليه إذا تغيظ فالتعويل في مثل هذا الموقف العظيم في ذلك الأمر ـ الذي مما زالت المراجعة به بين أهل العلم في قديم الزمان وحديثه ـ على حاشية وجدها على بعض الكتب ممّا يوجب الغيظ، سواء كان محقاً أو مبطلاً (انتهى) قال ابن الشحنة: ثمّ طلبني ورفيقي القاضي شرف الدين وأعاد السؤال عن علي ومعاوية فقلت له: لا شك أن الحق كان مع علي وليس معاوية من الخلفاء فإنّه صح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد تمّت بعلي. فقال تيمور: قل علي على الحق ومعاوية ظالم، قلت: قال صاحب الهداية يجوز تقلد القضاء من ولاة الجور فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع علي في نوبته، فانسر لذلك وانفتح باب المؤانسة. وقال تيمور: إنّني رجل نصف آدمي وقد أخذت بلاد كذا وكذا وعدد ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر، فقلت اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة ولا تقتل أحداً.
فقال: والله إنّي لم أقتل أحداً قصداً، وإنّما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب والله لا أقتل منكم أحداً وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.
قال ابن الشحنة: وسألني تيمور عن عمري فقلت: موليد سنة 749 وقد بلغت الآن 54 سنة وقال للقاضي شرف الدين: كم عمرك؟ قال أنا أكبر منه بسنة.
قال تيمور: أنتم في عمر أولادي، أنا عمري 75 سنة.
هذه عجائب الدهر!. هذا الفاتح الذي استحل أن ينتقم لقتل رسله بتلك المذابح، لا يشغله التفكير بما سال على يديه من دماء، بل يشغله التساؤل عن مصير أولئك الضحايا، أهم شهداء يدخلون الجنة؟ أم أنّ قاتليهم هم الشهداء الذين يدخلونها!!.
هذا الذي لم يهتم بمصير الناس في الدنيا، يهتم بمصيرهم في الآخرة!…
وهذا الذي لا يرى أنّ المجازر والإحراق والنهب ممّا يغضب الله، يرى أنّ ترك الصلاة هو وحده الذي يغضب الله!.
يتمم ابن الشحنة كلامه السابق قائلاً:
وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمّنا عبد الجبار، وصلّى تيمور إلى جانبي قائماً يركع ويسجد، ثمّ تفرّقنا. ويقول ابن الشحنة: وأوصى بي وبالقاضي شرف الدين.
التوجه إلى دمشق
وأقام تيمور بحلب إلى آخر ربيع الأوّل سنة 803، وفي أوّل يوم ربيع الآخر برز إلى ظاهر البلد للتوجه إلى دمشق. وفي اليوم الثاني أرسل بطلب علماء البلد.
يقول ابن الشحنة: فرحنا إليه، فقيل لنا: إنّه يريد أن يستفتيكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسوله، فقلت: هذه رؤوس المسلمين تقطع وتحضر إليه بغير استفتاء!.
وفي الثالث من ربيع الأوّل سار متوجهاً إلى دمشق، وحمل خبر هذا التوجه إليها كلّ من استنبوغا الدوادار، والفتح المدعو بعبد القصار، فخوفا أهل دمشق وحذراهم ونصحاهم بالفرار من دمشق. فاضطرب الناس وتشتت آراؤهم، فبعضهم قبل النصيحة وهرب إلى القدس أو مصر، وبعض اتهمهما وأراد قتلهما، وبعضهم بقي في البلد واستعد للقتال.
والتهمة التي وجهت للرجلين هي ـ فيما يبدو ـ أنّهما إنّما قدما دمشق للتخذيل وإضعاف المعنويات وبث الانهزامية النفسية. وسنرى بعد هذا ما جرى في دمشق.
وبينما الناس في هذا إذا بلغهم أنّ ملك مصر الناصر فرج خرج من مصر بالعساكر لقتال تيمور. ولمّا كان الناصر لا يزال صغير السن فقد صحبه كافله وأتابكه (باش بيك). فكان لهذا الخبر أثره في تطمين الناس، فعاد كثير ممّن كانوا قد خرجوا.
ومضى تيمور حتّى بلغ حماه، وتابع سيره حتّى حمص، وفي الطريق مرض نائب الشام الذي معه ومات، وهب نائب طرابلس فغضب وقتل الموكلين بحفظه. أمّا دمرداش المتهم بالمخامرة والذي كان مع غيره من النواب فقد هرب هو الآخر. وبقي في أسره علاء الدين الطنبغا نائب صفد وزين الدين نائب غزة وغيرهما. واستولى في طريقه على بعلبك ومضى عنها حتّى أشرف على دمشق من جهة قبة السيار. وكان الجيش المصري قد وصل إلى قبة يلبغا عاشر ربيع الآخر سنة 803هـ (1400م) ثمّ دخل دمشق ونزل في دورها.
أمّا الجيش التيموري فتقدّم حتّى نزل غربي دمشق وحدّد أحد المؤرخين مواقعه فقال: غربي دمشق من داريا والخولة. ونقل مؤرخ آخر هذا القول وعلق عليه قائلاً: «الذي في النسخة بالخاء المعجمة، ولا يوجد ما يسمّى الخولة، فالظاهر أنّ صوابه الحولة بالمبهمة، وهو اسم لناحيتين أحدهما بين حمص وطرابلس والأخرى بين بانياس وصور. ثمّ يقول: على أنّ وصول عساكر تيمور إلى حولة بانياس أو حولة حمص مستبعد فإنّها على كثرتها ينبغي أن تنزل فيما يقرب من دمشق وما يجاورها والله أعلم.
الدفاع عن دمشق
يقول ابن تغري بردي: لمّا قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو، فأخذوا في ذلك، فقدم عليهم المنهزمون من حماه فعظم خوف أهلها وهمّوا بالجلاء فمنعوا من ذلك، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كان خرج منها.
وحصنت دمشق ونصبت المكاحل على أسوار المدينة واستعدوا للقتال.
ثمّ نزل تيمور بعساكره على قطنا فملأت عساكره الأرض كثرة. وهنا أراد استطلاع أحوال الدفاع فأرسل من يستكشف له حقيقة الحال، فعادوا إليه مخبرين بأنّ الناس متهيئين للقتال.
وبعض المؤرخين يتوسع في تحديد المنطقة التي انتشر فيها الجيش التيموري فيجعلها هكذا: نزل عند سفح جبل الثلج (جبل الشيخ) أي غربي دمشق وفي قطنا وإقليم البلان ميسلون.
أمّا الجيش المصري فقد حفر الخنادق وحصن القلعة، وبعد أن كانت جنوده داخل دمشق صدرت إليه الأوامر بالخروج إلى ظاهر البلد، منظمة إليه عساكر دمشق، وبذلك بدأت المناوشة بين الجيشين. ويقول ابن تغري بردي: وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التيمورية وصدموهم صدمة هائلة، فعاد الأمر بين كرّ وفرّ، فكانت وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران. وحمل تيمور بنفسه حملة عظيمة شديدة فدفعته ميمنة السلطان حتّى أعادوه إلى موقعه.
وأمام هذا الدفاع الصامد مال تيمور إلى إنهاء الأمر سلماً وحصر مطالبه بإرسال أطلمش إليه في مقابل إطلاق من عنده من الأمراء المحتجزين في واقعة حلب.
وبدا أنّ دمشق قد حققت الفوز بصد تيمور عنها. وهنا فوجئ الناس بانسحاب السلطان المصري بعساكره وعوده إلى مصر، إذ اغتنم دخول الليل فمضى إلى وادي التيم في طريق العودة. فلم يشعر الناس إلاّ والنار تلتهب في مخيم العسكر السلطاني، وبدا أنّهم أحرقوا ما لا يستطيعون حمله خوفاً من أن يغنمه التيموريون.
وكانت الصدمة قوية على المدافعين، ولكنّها لم تزعزع عزائمهم وصمموا على الدفاع وحماية شرف المدينة العربية الخالدة. وكان قد اجتمع فيها جموع كثيرة تدفقت إليها من المدن المحتلة ابتداء من حلب فحماه فحمص وأهل القرى الذي مضوا إلى دمشق جافلين من تيمور، فانضم كلّ ذلك إلى العسكر الدمشقي. فأغلقوا أبواب المدينة وركبوا الأسوار ونادوا بالصمود والثبات.
وبانسحاب الجيش المصري رجع تيمور عن الحل السلمي وزحف بعساكره على دمشق فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال وردّوهم عن السور والخندق وأسروا منهم جماعة ممّن اقتحم باب دمشق وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة.
ويقول ابن أياس إنّه كان بين أهل دمشق وعسكر تيمور في أوّل يوم واقعة عظيمة فقتل من عسكر تيمور نحو ألفي إنسان.
وأمام هذا الصمود أدرك تيمور أنّه كان مخطئاً في تقديره أنّ انسحاب العسكر المصري قد أوهن عزائم الدمشقيين لذلك عاد إلى المساومة الصلحية، فأرسل يطلب من الدمشقيين أن يرسلوا إليه رجلاً من عقلائهم يمشي بينه وبينهم في الصلح، فاختاروا القاضي تقي الدين إبراهيم بن الحنبلي الذي وُصف بأنّه كان طلق اللسان بالتركية والفارسية، فأرخوه من أعلى السور ومعه خمسة من أعيان دمشق.
يقول المؤرخ بأنّه غاب عند تيمور ساعة ثمّ رجع فأخبر بأنّ تيمور تلطف معه في القول، وقال له: هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقها لهم!.
ونحن نسأل تيمور من وراء التاريخ: إذا كانت دمشق بلد الأنبياء وأنّه يعتقد لهم، فلماذا روّعها هذا الترويع ولماذا أراد بها هذا الشر؟ وهل إنّه كان يجهل ذلك من قبل، ولم يرعفه إلاّ حين برقت في وجهه السيوف الدمشقية، وصدمته العزائم الشامية؟
ويتابع المؤرخ قائلاً عن رسول الدمشقيين إلى تيمور: وشرح من محاسن تيمور شيئاً كثيراً وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته. اهـ.
ونحن لا ندري هل كان ذلك القاضي الرسول ضعيف النفس خائر الهمة فهالته قوى تيمور وأثرت في نفسه وهمته فتخاذل؟ أم أنّ تيمور قد اشتراه بنوع من أنواع الشراء بأن دفع له مالاً أو وعده بمنصب فوقف هذا الموقف الانهزامي؟
ثمّ إنّ المؤرخ لا يحدثنا عن رأي الأعيان الخمسة الذي صحبوا القاضي إلى تيمور، بل لقد اختفى ذكرهم… لقد نجح القاضي بمهمته التخذيلية، ويكفي في نجاحه أنّ الدمشقيين بعد أن كانوا صفاً واحداً يقف كالبنيان المرصوص في وجه تيمور، صاروا فرقتين: فرقة ترى ما رآه القاضي ابن مفلح وفرقة ترى الدفاع عن دمشق ومقاتلة تيمور. على أنّ الأكثرية كانت في الفرقة الثانية: فرقة الصمود والدفاع. ولكن الانشقاق وقع فأضعفت القوة الواحدة.
واستطاع الانهزاميون بالرغم من أنّهم الأقلية ـ استطاعوا أن يتجهوا إلى باب النصر محاولين فتحه، فتصدّى لهم نائب القلعة وقال: إنّ فعلتم ذلك أحرقتُ البلد. ولكن نائب القلعة لمّا رأى عين الغلب ـ كما عبّر المؤرخ ـ سلّم لهم القلعة بعد تسعة وعشرين يوماً.
على أنّ الغموض يكتنف هذا التعبير فلا يبدو لنا الموقف على حقيقته… ما المقصود بباب النصر؟. هل هو باب من أبواب المدينة أرادوا فتحه ليدخل منه التيموريون؟ أم هو باب من أبواب القلعة؟ ثم كيف انقضت هذه الأيام التسعة والعشرون، هل انقضت في جدال ونقاش، أم في تقاتل وتصادم؟ هذا ما لا يبين في عبارة المؤرخ.
والمؤرخ الذي عنيناه فيما تقدم من القول هو ابن الشحنة.
وأمامنا مؤرخ آخر هو ابن عرب شاه الذي كان واضحاً في عبارته التي سجل فيها أحداث الساعات الأخيرة دون أن يتضح لنا ما كان قبلها ممّا تحدث عنه ابن الشحنة.
قال ابن عرب شاه: وتقدّم تيمور إلى المدينة.
إذاً إنّ تيمور قد اعتقد استسلامها فتقدّم إليها مستسهلاً دخولها.
ويتم ابن عرب شاه كلامه قائلاً: فامتنع أهلها عن تسليمها فبقوا على ذلك يومين.
وهنا لا ندري كيف مرّ ذانك اليومان؟ هل مرّا في نقاش وجدال وتفاوض، أمّ مرّا في قتال وتحارب؟ ثم يقول ابن عرب شاه: ثمّ خرج أعيانها إلى تيمور طالبين الأمان، وهم قاضي القضاة إبراهيم بن مفلح، ـ وهو الرسول الأوّل إلى تيمور ـ وقاضي القضاة محمود بن العز الحنفي وولده شهاب الدين وقاضي القضاة محمد الحنبلي النابلسي والقاضي محمد بن أبي الطيب كاتب السر والقاضي أحمد الوزير والقاضي شهاب الدين الحياني الشافعي والقاضي إبراهيم بن لقوشه الحنفي نائب الحاكم. أمّا قاضي القضاة الشافعي فقد كان هرب مع السلطان.
وقبل أن نتمم السير في موضوعنا فإنّنا نقول إنّه تبين لنا من تركيبة هذا الوفد أنّ هناك نوعين من القضاة يتميز أحدهما عن الآخر، فأحدهما يقرن اسمه بلقب قاضي القضاة، والثاني بلقب القاضي. وإذا كان المفروض أن يكون قاضي القضاة واحداً، فقد تعدّد هنا من يحملون هذا اللقب. ويبدو أنّه كان لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضي قضاة.
وصدف أنّ ابن خلدون كان في دمشق فانضم إلى الوفد المفاوض، وكان سبب وجوده في دمشق أنّه جاءها من مصر مع الجيش السلطاني، ويبدو أنّه فاته الالتحاق بالجيش المنسحب فبقي في دمشق وحين دخلوا على تيمور وقفوا إلى أن أذن لهم بالجلوس وهش لهم، فقدم له ابن خلدون هدية فيها علب حلوى مصرية فتحها تيمور وأطعم منها رجاله ولم يذقها وأهداه سجادة صلاة فوضعها إلى جانبه وأهداه مصحفاً فقبّله ووضعه إلى جانبه.
ولمّا رأى شكل ابن خلدون بعمامة خفيفة وبرنس قال هذا الرجل ليس من هنا. وجيء بالطعام فكوموا تلالاً من اللحم السليق فبعضهم لم يأكل وبعضهم أكل، وتيمور يلحظهم، وكان من الآكلين ابن خلدون.
ثمّ أخذ ابن خلدون يتزلف لتيمور، فنادى بصوت عال: يا مولانا الأمير الحمدلله لقد شرفت بحضوري الملوك وأحييت بتواريخي مآثرهم ورأيت من ملوك العرب وغيرهم فلاناً وفلاناً ولكن لله المنة قد طال عمري حتّى رأيت من هو الملك على الحقيقة، فإن كان طعام الملوك يؤكل لدفع الجوع فطعام مولانا الأمير يؤكل لذلك ولنيل الفخر والشرف.
هكذا خاطب ابن خلدون فاتح بلاد الشام ومذلها!.
فأعجب تيمور كلامه وأقبل بكلّه عليه وسأله عن ملوك العرب وأخبارهم فذكر من ذلك الشيء الكثير.
وعن ابن الزملكاني تلميذ ابن خلدون: أنّ ابن خلدون قال: لمّا اجتمعت بتيمور في دمشق قال لي: أين بلدك؟ قلت: بالمغرب الجواني. قال: وما معنى الجواني في وصف المغرب؟ قلت: معناه الداخلي، أي الأبعد، لأنّ المغرب كلّه على ساحل البحر الشامي من جنوبه، فالأقرب إلى هنا برقة وأفريقيا، والمغرب الأوسط تلمسان وبلاد زناتة، والأقصى فاس ومراكش، وهو معنى الجواني. فقال لي: وأين مكان طنجة من ملك المغرب؟ فقلت: في الزاوية من البحر المحيط والخليج المسمّى بالزقاق ومنها التعدية إلى الأندلس لقرب مسافته لأنّ هناك نحو العشرين ميلاً. فقال: وسجلماسة؟ فقلت: في الحد ما بين الأرياف والرمال من جهة الجنوب. فقال: لا يقنعني هذا وأحب أن تكتب لي بلاد المغرب كلّها أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها. فقلت: يحصل ذلك بسعادتك. فكتبت له بعد انصرافي من المجلس ما طلب، أقمت في كسر البيت فكتبته في أيام قليلة وأوعيت الغرض في مختصر وجيز يكون في اثنتي عشرة كراسة ودفعته إليه فأخذه من يدي وأمر بترجمته إلى اللسان المغُلي.
هذا ما كان من أمر ابن خلدون. وأمّا ما كان من أمر وفد القضاة فإنّ تيمور خلع عليهم وردهم مكرمين وأعطاهم الأمان لهم ولذويهم بشرط أن يدفعوا له أموال السلطان وأمرائه وقد فعلوا ذلك.
هذا ما رواه ابن عرب شاه. وإنّنا نلاحظ من هذا النص أنّ الأمان قد أعطي لرجال الوفد ولذويهم. ومعنى ذلك أن رجال الوفد لم يضمنوا للمدينة شيئاً، وكلّ ما ضمنوه هو لهم ولذويهم، وإنّهم آثروا مصالحهم الشخصية على مصالح المدينة التي أوفدتهم للمفاوضة باسمها، وأنّ تيمور سيدخل دمشق غير مقيد بشيء من الشروط. وهذا في حقيقته خيانة للمدينة التي ائتمنت هؤلاء على كرامتها وحرمتها وأموالها ودمائها، فلم يكونوا أهلاً لهذا الائتمان.
نعم، لقد ورد في أمان تيمور للوفد شيء يتجاوز أفراد الوفد إلى شؤون المدينة عامة، ولكن لم يكن هذا التجاوز لمصلحة دمشق، بل لمصلحة خزينة تيمور. وذلك أنه شرط عليهم لقاء ما أعطاهم من أمان أن يؤدّوا له أموال السلطان التي بقيت في دمشق وأموال أمراء السلطان.
ويقول ابن عرب شاه: إنّهم فعلوا ذلك، دون أن يبين الطريقة التي توصلوا بها إلى حيازة هذه الأموال ثمّ تسليمها إلى تيمور.
وحدث أنّه بينما كان القضاة في مجلس تيمور، أن جيء بالقاضي صدر الدين المناوي أسيراً، ويصفه ابن عرب شاه قالاً: «وإذا هو بعمامة كالبرج واردان كالخرج».
وكان هذا القاضي قد تخلّى عن مدينته التي كان أحد قضاتها وآثر تركها لمصيرها والفرار مع سلطان مصر، ويبدو أنّه قد تباطأ في اللحاق بالمنسحبين، فأدركه جنود تيمور في ميسلون وقبضوا عليه وأحضروه إلى تيمور الذي كان مشغولاً بالمفاوضة مع زملاء هذا القاضي الموفدين من دمشق.
يقول ابن عرب شاه: فتخطى الرقاب وجلس في صدر المجلس!.
ونقول نحن: إنّه لحسن أن يحاول الإنسان بأن يكون له صدر المجلس وأن يرى نفسه أهلاً لذلك. ولكن الذي يفر من مواجهة أخطار مدينته مؤثراً السلامة على تحمّل أعباء دفع المعاناة عنها يجب أن يخجل من نفسه فلا يفكر بتخطي الرقاب والوصول إلى صدر المجلس، وليست صدور المجالس لمثل هؤلاء المتخاذلين الفرارين الجبناء الأنذال، الذين يعيشون في كلّ عصر ويسترون رذائلهم بعمائم كالأبراج واردان كالأخراج.
وفي الوقت الذي كان تيمور يكرم الموفدين زملاء هذا القاضي ويحترمهم، كان يستشيط غضباً من هذا القاضي ويأمر بسحبه، ونعم ما فعل…
تيمور في دمشق
استسلمت دمشق ولكن القلعة لم تستسلم واستعد نائبها (ازدار) للحصار، فلم يهتم بها تيمور أوّل الأمر وانصرف همّه إلى تحصيل الأموال.
ولمّا كان الوفد الذي فاوض على التسليم لم يضمن لدمشق شيئاً فقد كان الأمر متروكاً لتيمور، فلم يبد منه أي شر، فقد نادى بالأمان وأن لا يبغي أحد على أحد. وعندما خرج بعض جنوده على هذه الأوامر وأغاروا على بعض الناس وبلغ ذلك تيمور أمر بصلب الجنود المعتدين فصلبوا في الحريرين برأس سوق البوزرين. ففرح الناس بذلك واطمأنوا، وانصرفوا إلى جميع ما فرض على المدينة من مال فوزعوه على الحارات. وجاء يوم الجمعة فصلّى تيمور في الجامع الأموي وكان الخطيب قاضي القضاة الحنفي.
وكان ما فرضه من المال على دمشق مليون دينار ذهبي. ويقول المؤرخ: ففُرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم.
ثمّ سُلّمت أموال المصريين (الذين فرّوا) وسلاحهم وكراعهم، كما سُلّمت أموال الدمشقيين الذين جلوا عن البلد.
ثمّ ألزمهم بجمع السلاح وإخراجه إليه ففعلوا.
وعند ذلك انصرف إلى إحكام الحصار على القلعة، ومع أنّه لم يكن فيها إلاّ نفر يسير فقد أعياه أمرها ولكنّها عادت فسلمت بالأمان بعد حصار ثلاثة وأربعين يوماً.
وكما قلنا من قبل فإنّ وفد القضاة الذي فاوض على التسليم جعل همّه رعاية أمور أفراده ولم يحرص على مصلحة المدينة، فدخلها تيمور متروكاً أمرها إليه.
وبعد أن رأيناه رحيماً بالمدينة إلى الحد الذي أمر فيه بصلب الجنود الذين اعتدوا على الناس، وكلّ ما فعله أنّه فرض أموالاً يعسر على الناس جمعها فجمعوها، إذا بالمدينة تحترق. والذين تابعوا سيرة تيمورلنك ووصوله إلى دمشق، كان يثير استغرابهم احتراق دمشق بعد تلك المعاملة التي عاملها بها.
ولكن الوثيقة التي نشرها الأستاذ جهاد الزين في جريدة (النهار) تكشف حقيقة تاريخية كانت مطموسة، وهي أنّ تيمورلنك لم يأمر بإحراق دمشق.
والوثيقة هي ما دوّنه ابن خلدون عن لقائه لتيمورلنك وما أعقب ذلك من أحداث، حيث يقول ابن خلدون:
«وخرّب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك، من الأموال، والظهر، والخيام، ثمّ أطلق يدي النهاية على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسبها، وأمتعتها، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخزنى، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه: فسال رصاصة، وتهدّمت سُقفه وحوائطه، وكان أمراً بلغ مبلغه في الشّناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء».
وهكذا تبين أنّ احتراق المدينة كان بسبب إحراق نفايات المنهوبات، فامتدّت النار إلى الخشب المدعمة به الدور، ومنه إلى الدور.
ودور دمشق تبنى من الخشب الذي تُملأ فجواته بالطين ممّا يجعل سريان النار فيها سريعاً
وإذا كان هوان دمشق يُمض النفس، وإذا كان تخلي من تخلى عنها يبعث المقت. فإنّ دمشق الحقيقية قد تمثّلت بأولئك الأبطال المذاويد الذين لم يضعفهم انسحاب من انسحب ولم يكسر شممهم تخذيل من خذّل فركبوا الأسوار يصدّون العدو عن دمشق ويحمون حماها. وإن الألفي قتيل الذي أردوهم من العدو على أبواب دمشق هو الشاهد على أنّ الفاتح لم يدخل دمشق إلاّ مثخناً مدمى…
فإلى تلك القلة من الحماة التي حفظت شرف دمشق تحية الأجيال جيلاً بعد جيل…
السلطان الفار
والسلطان فرج بن برقوق سلطان مماليك مصر الذي ترك دمشق لقدرها بعد أن كان قد جاء لإنجادها، والذي كان أبوه برقوق سبب نكبتها بقتله رسل تيمور، ثمّ لما جاء تيمور فرّ هو عنها بجيشه وأمرائه. فإن بعد أن صار في مصر وعاش في بحبوحته واستقرّ في متارفه عاد يبعث من مصر إلى تيمور بكتاب يقول فيه ما مضمونه.
لا تظن أنّنا هربنا منك وخفناك ولكن بعض مماليكنا خرج علينا وأراد مثلك الفساد وهلاك العباد والبلاد، والعاقل إذا أصابه مرضان داوى الأخطر منهما. إنّك أهون الخطبين وأحقر الرجلين، فثنينا العزم إلى تأديب ذلك الرجل ثمّ نكرّ عليك كرة الأسد الغضبان ونضيق عليك وعلى عسكرك المسالك وندعكم بين أسير وهالك فتطلبون الخلاص ولات ساعة مناص…
إلى غير ذلك من أمثال هذه الترهات التي هي كالملح على الجروح وكحركة المذبوح ـ كما يقول في كتاب عجائب المقدور ـ.
يقول بيسق حامل كتاب فرج بن برقوق إلى تيمور: فلما أعطيته الكتاب وقرئ عليه قال لي: ما اسمك؟
قلت: بيسق قال: وما معنى بيسق؟ قلت: لا أدري.
قال: إذا كنت لا تعرف معنى اسمك فكيف تصلح أن تكون رسولاً؟ ولولا أنّ عادة الملوك ألا يهيجوا الرسل بأذى لصنعت معك ما أنت أهل، مع أنّه لا لوم عليك بل على من أرسلك، بل لا لوم عليه أيضاً لأنّ ذلك مبلغ علمه وفهمه.
ثمّ قال: اذهب وانظر القلعة فذهبت فوجدتها قد دكت دكاً، ثمّ رجعت، فقال لي: إنّ مرسلك أقل من أن أراسله. ولكن قل له: إنّي واصل إليك، فليشمر ذيله للفرار.
ثمّ أمر بي فأخرجت فذهبت إلى مصر.
وقبل أن نختم هذا الفصل لا بد لنا من ذكر أمرين هما جزء من دخول تيمور إلى دمشق:
فقد ذكر المؤرخون أنّه أمر بجمع العبيد الزنوج فاعتنى بشأنهم، ولا بد أنّ لهذا الأمر من دلالة في سيرة تيمور، وأنّه يقتضي له توسع في دراسة سيرته ممّا هو غير متيسر لنا الآن، ولعلنا نعود إليه في مناسبة أخرى. والشيء الثاني هو أنّه بنى في مقابل الباب الصغيرة قبتين متلاصقتين على تربة زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله).
الفاتح الذي استحل ان يقتل من قتل من أتباع النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يرع للنبي حرمة في سفك دمائهم، أهمه بناء القباب على قبور زوجات النبي!.
رحيل تيمور
رحل تيمور عن دمشق ثالث شعبان سنة 803 بعد أن أقام فيها ثمانين يوماً. وكان قد جمع قبل رحيله أهل الصنائع من النساجين والخياطين والحجارين والأقباعية والبياطرة والخنيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وفرقهم على رؤساء الجند ليوصلوهم إلى عاصمته سمرقند.
وكان علماء القدس قد خشوا سطوة تيمور فانتدبوا الشيخ محمد فولاذ بن عبدالله وجهزوه بمفاتيح الصخرة وأرسلوه إلى تيمور. فلمّا كان في الطريق بلغه رحيل تيمور فرجع.
ولمّا كان من العوامل التي حملت تيمور على غزو الشام في احتفاظ المماليك بقريبه (أطلمش)، فقد كان لا بد له بعدما حققه من انتصارات ان يطالب به. ويقول في (خطط الشام) أنّ تيمور أرسل إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له ممّا جرى ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق وأنّه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى، فأطلقه السلطان وكساه وأحسن إليه.
ويتمم خطط الشام: فلمّا وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبّل مراسيم السلطان وبكى واعتذر ممّا وقع منه وقال: هذا كان مقدراً!.
تشيع عريق في سمرقند
قال في ترجمة أحمد النقيب في (أعيان الشيعة أثناء الحديث عن إحدى الوقائع):
كان أحمد النقيب هو سيد القوم ورئيسهم وإليه منتهى الرأي والأمر وعليه يعول في الأساري والأسر فأتاه الشعراء بالقصائد، فمنهم الفقير إلى الله الغني محمد بن حسين بن عبدالله المكي مولداً المدني منشأ السمرقندي أصلاً الحسيني الموسوي أتيته بهذه القصيدة (ثم ذكر القصيدة).
والمهم في هذا القول، هو ذكر الأصل السمرقندي لهذا (الحسيني) الشاعر، ممّا يدل على عراقة شيعية سمرقندية.
وكانت قد مضت الإشارة إلى شيء من هذا في بحث (آسيا الوسطى)، ما نعيد بعضه هنا:
من المناطق التي ازدهرت فيها العقائد الشيعية في مستهل هجمات تيمور حسب التقارير الموجودة هي منطقة ما وراء النهر وخاصة عاصمتها سمرقند ثمّ توقف ذلك الازدهار.
إنّ هجرة السادات العلويين وغالبيتهم من الزيدية أو من بقية سلالات الإمام زين العابدين (عليه السلام)، تلك الهجرة الواسعة إلى ما وراء النهر وخاصة إلى سمرقند وترمذ وبخارا يمكن أن تكون سبباً لتهيئة الجو في هذه المناطق لقبول التشيع.
على أنّ الأمر تطور بعد ذلك وتحول الحال إلى العكس بسبب الحملات المناهضة فأخذ التشيع بالضعف وبدأت الحرب على الشيعة تزداد قوة أكثر فأكثر.
ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، صاحب كتاب الرجال المعروف ومحمد بن مسعود العيّاشي الفقيه والمفسر صاحب التفسير المعروف بتفسير العياشي، هما عالمان شيعيان كبيران في القرن الرابع الهجري ترعرعا في سمرقند.
سمنان
تقع مدينة سمنان (مركز محافظة سمنان) على مسافة 224 كم ـ شرقي العاصمة طهران ـ وعلى بعد 168 كم جنوب غرب شاهرود.
أمّا محافظة سمنان ـ التي هي مورد بحثنا ـ فتحدّها من الشمال سلسلة جبال (ألبرز)، ومن الشرق محافظة خراسان، ومن الجنوب الصحراء المركزية للبلاد (صحراء كومش).
ترتفع مدينة سمنان (مركز محافظة سمنان) 1100 متر فوق مستوى سطح البحر، وتقع على خط الطول 53 درجة و23 دقيقة. وخط العرض 35 درجة و33 دقيقة و30 ثانية. وفرق الوقت بينها وبين طهران 7 دقائق و40 ثانية؛ أي عندما تدق الثانية عشرة في طهران فإنّ الساعة تكون في سمنان: الثانية عشرة وسبع دقائق و40 ثانية.
لمحة عن تاريخ سمنان
سمنان اسم لأحد مدن ولاية أو محافظة (ڤرنا) Verna التاريخية (جنوب ألبرز ـ خوآرن أو خوار) ومن التقسيمات الأوستائية الستة عشرة في العصر البرتويابارتي، فترة حكم الميديين والهاخمنشيين؛ وهي كوميزنه أو كُميسنه (كومي سن) في دورة السلوقيين والإشكاينين ويدشخاركر (ييتشخاركر) أو فرشوادجر في دورة الساسانيين. وكومس أو قومس في أدوار ما بعد الإسلام. ولكنّها كانت من حيث التقسيم الإداري جزءاً من كومس أو قومس أو كُميسنه أو كميسن أو كومش، التي تشمل مناطق: سمنان، دامغان، بسطام، جندق، سنگسر، وشهميرزاد، ما قبل الإسلام.
ينسب أكثر الجغرافيين المسلمين أوّل بناء لسمنان إلى (تهمورس ديفبند) من ملوك ما قبل التاريخ.
حول سبب تسمية سمنان بهذا الاسم أجريت تحقيقات علمية واسعة لا يسعها هذا المقال. فلقد ورد اسم سمنان بنفس هذه الصور في الكتب التاريخية والجغرافية بعد الإسلام، أي منذ القرن الثالث والرابع الهجري. غير أنّه لم يُعثر إلى الآن في الكتابات الموجودة التي تعود إلى العصور القديمة على شيء من لغة سمنان؛ عدا ما ذكره اعتماد السلطنة في كتابه درر التيجان في تاريخ بني الأشكان الاسم القديم لسمنان هكذا: سُمِينا.
مناخ سمنان
تتمتع قرى محافظة سمنان التي تحدّها من الشمال سلسلة جبال ألبرز، ومن الجنوب الصحراء المركزية لإيران ـ وباستثناء النقاط الجبلية في سنگسر ودربند وشهميرزاد التي تعد من المناطق الباردة ـ بصيف جاف حار، ولكنّها معتدلة بقية أيام السنة.
هذه المحافظة وإن كانت تقع بين مازندران (الرطبة) والوادي الجاف للصحراء الملحية الكبرى، إلاّ أنّها معتدلة المناخ ـ غالباً ـ وتمتاز بطقسٍ جميل، لكونها محاطة بسلسلة جبال ألبرز الشاهقة الارتفاع من الشمال، (متوسط ارتفاعها يبلغ «2300» متراً) والتي تشكل بالنسبة لها سدّاً يمنع عبور رطوبة وبخار بحر مازندران. ولكن على العكس من ذلك فإنّ هواء الصحراء القاحلة الحار في الجنوب، يُؤثر في مناخ هذه المنطقة، حتّى لقد حوّلتها إلى منطقة جافّة تقريباً، وحارّة نسبيّاً فشتاؤها بارد وصيفها حار. أمّا الربيع والخريف فمعتدلان.
وهذه المنطقة قليلة الأمطار نسبياً إذ لا تهطل فيها إلاّ 10ـ15 مرّة سنوياً. ويستفيد أهالي المنطقة والقرى المحيطة من العيون ـ كما في مناطق سنگر ودربند وشهمير زاد ـ كما يستفيد منها أهالي المناطق البعيدة نوعاً من خلال القنوات والآبار العميقة التي حفرت حديثاً.
والنهر المهم الوحيد في سمنان هو النهر المعروف بـ «گل رودبار» والذي ينبع من موقع جبلي عال يسمّى «سردربند گل رودبار» على مسافة 25 كيلومتراً إلى الشمال من سمنان.
وبعد اجتيازه الوديان المتعرجة في الطريق، ترفده عدّة قنوات صغيرة بأسماء: «ون نبذ» المشهور بـ «كندي زنان»، جهل تن، راهدار، هراوان، ششمه سار هاي تن، قاضي آب، در جزين، وجشم سار گل رودبار، إلى أن ينحدر إلى الطرف الآخر من سمنان. ويواصل النهر طريقه وبعد اجتيازه قرية درجزين الواقعة على بعد 9 كم إلى الشمال من سمنان إلى أن يصل إلى موضع لتقسيم المياه باسم (پارا) في شمال غرب سمنان؛ حيث ينقسم إلى خمسة أقسام بصورة دقيقة ومحسوبة ليصب بعد ذلك في أحواض عظيمة تغذي خمسة مناطق أو محلات في سمنان. وكلّ حوض يعرف باسم تلك المنطقة. وكانت المياه تتجمع ليلاً في تلك الأحواض لتوزع على أهالي المنطقة ومزارعهم وبساتينهم في الساعات الأولى من الصباح، وفق خطة وبرنامج دقيقين. وكان هذا معمولاً به إلى سنوات ما قبل مدّ الأنابيب إلى المدن.
تقسيم الماء في سمنان
يعود تاريخ الماء في سمنان إلى ما قبل 700 سنة، لأنّه ـ وكما هو محقق في محله ـ فإنّ تقسيم الماء وتوزيعه في سمنان كان يجري قبل القرن السابع الهجري، بطريقة أخرى ـ وكانت تقع حوادث عنف كثيرة بسبب الاختلاف حول كيفية توزيع الماء. وكان ذلك قبل القرن السابع الهجري أي قبل ظهور الشيخ علاء الدولة السمناني العارف الكبير.
وفي أوائل القرن الثامن الهجري، اجتمع أعيان المدينة، وبعد التشاور مع الشيخ علاء الدولة السمناني استطاعوا أن يضعوا حلاً في النهاية، وذلك بعد التوصل إلى خطّة عمل أو دستور ينظم طريقة توزيع المياه، الأمر الذي أدّى إلى إغلاق ملفّ الحوادث المفجعة والاختلافات الدامية.
وقد كانت الخطة أو برنامج التقسيم الذي توصلوا إليه بمعونة واسترشاد أفكار الشيخ علاء الدولة السمناني أو «الشيخ الأعظم» لسمنان، وهو أمر يُذكّرنا بأفكار الشيخ البهائي في تقسيم نهر «زاينده رود» في أصفهان، وكيف أنّ ذلك الرجل العالم قد وضع إحصائية لتقسيم الماء بين الأهالي، وقسم مياه ذلك النهر العظيم لإرواء وسقي نواحي أصفهان إلى 33 سهماً. وحدد حصص منطقة (جهار محال). إنّ عمل الشيخ البهائي في أوائل القرن الحادي عشر الهجري ـ في تقسيمه لمياه نهر (زاينده رود) لا يمكن مقارنته – من حيث الكم- مع مياه نهر”كل رودبار” في سمنان، إلاّ أنّه ومن حيث نوعية العمل، فإنّ كليهما يحظى بأهمية فائقة. ويستبعد أن يكون الشيخ البهائي قد استفاد في تقسيمه لنهر «زاينده رود» من أفكار الشيخ علاء الدولة السمناني لنهر سمنان أو «گل رودبار» لأنّ هذا النوع من تقسيم المياه لم يكن معمولاً به في أية مدينة إيرانية سوى «سمنان».
مصايف سمنان
كما أشير سابقاً ـ فإنّه توجد في شمال محافظة سمنان قرى ذات بهجة وصفاء، منها: دربند، شهميرزاد، شيخ ششمه سر، والتي تمثل مناطق الاستجمام والاصطياف لأهالي سمنان ومازندران، وكذلك السمنانيين الساكنين في طهران.
ومع أنّ المناطق المذكورة لا تبعد أكثر من 4 فراسخ من سمنان الحارة، إلاّ أنّها تتمتع بمناخ جميل جدّاً في فصل الصيف، وذلك لوقوعها في مناطق جبلية باردة. ولا يمكن مقارنتها بسمنان.
ليالي سمنان
رغم وقوع سمنان قرب الصحراء المركزية للبلاد، إلاّ أنّ سماءها هادئة وصافية جدّاً كليالي وسماء كرمان. وتتلألأ النجوم فيها ليلاً إذ لا يعكر صفوها غيم أو غبار، ويشعر الناظر إليها بلذة لا تنسى.
محاصيل سمنان
باستثناء قصبة شهميرزاد البهيجة الصافية والتي هي منطقة اصطياف، ومنطقة سنگر التي هي منطقة جبلية باردة، فإنّ محاصيل قرى سمنان ـ على الغالب ـ تشبه محاصيل المناطق المعتدلة، كالحنطة والشعير، وبعض الحبوب، والقطن، كما تكثر الأشجار في سمنان وقراها جميعاً. خاصة في شهميرزاد التي هي عبارة عن بساتين للفاكهة. حيث تشتهر بأنواع الفواكه من البطيخ والرمان والتين والجوز واللوز والخيار والباذنجان السمناني والآلو اللذيذ الطعم جدّاً.
لقد اشتهر أهالي سمنان ـ منذ القدم ـ برعايتهم واهتمامهم الفائق بأشجار الفواكه، حتّى لقد وصفت في الكتب القديمة بفواكهها اللذيذة. يقول مجد الدين محمد حسين في كتابه «زينة المجالس» حول مناخ ومحصولات سمنان: هواؤها معتدل. من فواكهها: الرمان، والعنب والزبيب واللوز والجوز والفستق والتين… والحق أنّها مكان واسع وجميل، يبعث في النفس الراحة والنشاط.
أمّا الحاج زين العابدين الشيرواني مؤلف كتاب «بستان السياحة» فيقول: إنّ رمان سمنان وشعر سلمان لا نظير لهما في العالم.
وفي بساتين سمنان تنبت وردة نرجس مشهورة بعطرها ورائحتها الذكية المشهورة في أكثر مناطق إيران. ووردة النرجس هذه تتفتح ـ عادة ـ في أوائل شهر بهمن حتّى آخر إسفند من كلّ سنة، أي: من تشرين الثاني حتّى نهاية كانون الأوّل.
وأهالي سمنان يستخرجون بصلتها من حدائقهم أياماً قبل فروردين (كانون الثاني) ويضعونها في مزهريات مشبكة كثيرة الثقوب، ثمّ يحافظون عليها بحيث تتفتح أزهارها في أوائل الربيع، ويخرج من الثقب غصن من أغصان النرجس ليملأ الفضاء بالرائحة الذكية العطرة.
اقتصاد سمنان القديم
طبقاً للوثائق والشواهد التاريخية، فإنّ مدينة سمنان تحتل المرتبة الأولى في صناعة النسيج اليدوي في إيران. وبالرجوع إلى أقدم كتب الرحلات والأسفار يتبين أنّ الأقمشة الصوفية وغيرها كانت تحاك ـ ومنذ أقدم الأزمنة، وبصورة راقية ودقيقة ـ في مدن: كومش (قومس) التي تشمل نواحي سمنان، ودامغان، وشاهرود، وبسطام، وخاصة في سمنان. كما أنّ الشاعر و الرحالة العربي (أبو دلف مسعد بن المهلهل الخزرجي) الذي زار مدن كومش في أوائل القرن الرابع الهجري، كتب عن سمنان أنّها: مدينة صغيرة كثيرة النفوس، تكثر فيها المؤن والطعام، وماؤها عذب وهواؤها عليل. تُحاك فيها المناديل المزركشة الغالية الثمن، حتّى ليصل ثمن أحدها إلى 50 ديناراً. وكذلك ينسج فيها مختلف الأقمشة بدقّة عالية.
وأنّه ليصل سعر المتر الواحد منها 50 ديناراً، ويُقال إنّ النساء اللواتي يشتغلن في حياكة هذه الأقمشة ليصبن بالعمى نتيجة الدقّة المتزايدة والعمل الدؤوب الذي يتطلب الدقة العالية في النظر.
وفي كتاب «حدود العالم» هو من أقدم كتب النثر الفارسي (سنة 372هـ): كومش ناحية بين ري خراسان على طريق الحجاج في وسط الجبال. وهي ناحية معمورة وموفورة النعم.
ويقول ابن حوقل: فيها تصنع المناديل البيضاء الصغيرة والكبيرة البسيطة ذات الحواشي. وهي ثمينة جدّاً حتّى ليبلغ ثمن بعضها ألفي درهم وفيها تصنع وتُصدّر الأقمشة الصوفية وأنواع الطيلسان.
وكذلك يصف ياقوت الحموي أقمشة نواحي كومش وخاصة سمنان.
وبهذا يثبت إن الحياكة اليدوية كانت رائجةً منذ أقدم الأزمنة في سمنان، وكانت تحظى بشهرة فائقة. وقد استمر الوضع على هذا المنوال حتّى تأسيس معمل النسيج في عام 1931م. وقد كان الكثير من أهالي سمنان والمناطق المحيطة يمررون أمور معاشهم من خلال هذه الصنعة اليدوية التي كانت ـ حتّى السنوات الأخيرة ـ أهم صناعة يدوية في سمنان.
آثار سمنان التاريخية
سمنان مدينة عريقة جدّاً، وفيها آثار تاريخية جديرة بالذكر والمشاهدة منها: قلاع سارو. كوشمغان. زاوغان. شيرقاضي. لاسگرد. كنك وز. نوكه لاجوردي. شير قلعة شيخ ششمه شهميرزاد ـ قلاع پاچنار. جنبدان. سراجه. مسجد جامع منار. مسجد شاه. دروازه أرك ـ حمام بهنه (أي الواسع) مقبرة طوطي، خانقاه (تكية الصوفيين) ومرقد الشيخ علاء الدولة السمناني في صوفي آباد سمنان. إمام زاده يحيى. مقبرة بير نجم الدين. أمّامزاده علي بن جعفر أمامزاده أشرف. بقعة العلويين، وغيرها.
1 ـ المسجد الجامع في سمنان: يُعدّ من الأبنية القديمة جداً لهذه المدينة. ووفقاً لما يذكره: (صنيع الدولة) في كتاب (مرآة البلدان) فقد بُني هذا المسجد في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأضيفت له بعد ذلك إضافات أخرى. إلاّ أن الآثار المتبقية منه في الوقت الحاضر، تعود إلى عهد السلاجقة والتيموريين.
وتاريخ بناء الإيوان عام: 828هـ. ومكتوب عليه أنّه بني بأمرٍ من الخواجة محمد باليجة السمناني وزير شاهرخ التيموري.
ولهذا المسجد إيوان عالٍ وأروقة عديدة.
2 ـ منارة سمنان المعروفة التي تسمّى منارة المسجد الجامع. تقع في الزاوية المتكونة من تلاقي الضلع الشرقي، والضلع الشمالي للمسجد الجامع، وارتفاعها المبني بالآجر يبلغ 5,41 متر. تاريخ بناء منارة سمنان أقدم من أقسام المسجد الجامع الأخرى. وطبقاً لما هو مكتوب في الكتابة الموجودة، وبالخط الكوفي في قسمها العلوي، فإنّ الأمير الأجل (هكذا) [بختيار بن محمد المشهور بـ (أبو حرب بختيار) الحاكم المعروف لولاية كومش (قومس) في العهد الغرنوي. وهو من مدحه منوجهري دامغاني، الشاعر الإيراني الكبير في القرن الخامس الهجري] هو الذي قام ببناء هذا المسجد في الفترة (417ـ466هـ).
3 ـ مسجد الشاه: ويعتبر من الأبنية المهمة والقديمة، والراقية جدّاً، في محافظة سمنان، بني في عهد السلطان فتح علي شاه القاجاري. تاريخ الانتهاء منه المذكور في مقصورة الإيوان الغربي، هو 1242هـ.
4 ـ دروازه أرك: وهي إحدى الأبنية الجميلة جدّاً في سمنان، والجديرة بالمشاهدة واستناداً إلى الكتابة الموجودة فيها فقد تمّ بناؤها في عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري عام 1302هـ. إنّ ما يميز هذه الدروازه (البوابة) الجميلة هو قرميدها الملون الجميل الذي تزيّنه الصور التاريخية لرسم السيمرغ أو العفريت الأبيض بشكل يبهر العيون.
5 ـ حمام بهنه: وهو من الأبنية التاريخية الجميلة لسمنان، ويعود تاريخ بنائه الأوّل إلى سنة 856هـ. وذلك في عهد السلطان ميرزا أبو القاسم بابرخان. وبناءً على طلب وزيره الخواجة غياث الدين محمد بن الخواجة تاج الدين بهرام السمناني. وطبقاً لما هو مسجّل في القرميدة الملوّنة الموجودة في الحمام، فقد جُدد بناؤه (الحمام) في عهد السلطان مظفر الدين شاه القاجاري، الأشعار المنقوشة على القرميد الملوّن في الحمام هي من نظم الحاج أسد الله ـ منتخب السادات، والد السيد حبيب يغماني وقد كتبها بخط بيده.
علماء ومشاهير سمنان: 1 ـ الشيخ علاء الدولة السمناني العارف الشهير، الذي عاش في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري. وكان هذا العالم العارف قبل انصرافه إلى العرفان ـ وزيراً لأرغون خان، لكنّه ـ وعلى أثر جذبة روحية تعرض لها ـ خلع فجأة رداء الوزارة والسلاح ليرتدي خلعة الصلاح، وينشغل بالتوبة والعبادة والرياضة الروحية، ويلتزم التكية والخانقاه المعروف بـ (السكاكية) في سمنان.
ولقد بذل الشيخ علاء الدين جهداً كبيراً في هذه الطريق أوصله إلى أعلى منازل العرفان واشتهر في زمانه حتّى صار جامع سلاسل اللاحقين من بعده.
وبعد أن طبقت شهرته الآفاق هرع إليه المريدون من كلّ مكان، وأقاموا معه في تكيته في صوفي آباد، حتّى لقد صار يمثّل القبلة الفكرية لأهل زمانه ودياره.
وقد كان كبار رجال الدولة والأمراء يتشرفون بخدمته والوصول للقياه في صوفي آباد، أمثال الخواجة رشيد الدين فضل الله الهمذاني صاحب جامع التواريخ، الوزير الأعظم لغازان خان، وكذلك الأمير جوبان. والأمير نوروز، من أمراء المغول الكبار.
يقول مؤلف كتاب (أعيان العصر) الذي عاصر الشيخ علاء الدولة: لقد ذهب أبو سعيد أيضاً إلى سمنان للتشرف بزيارة الشيخ الأعظم لسمنان.
وعلى أيّة حال، فإنّ تكية الشيخ علاء الدولة السمناني ذات المكتبة الغنية ظلّت تمثّل مركز تجمّع العلماء والأدباء والشعراء والعرفاء مدّة نصف قرن من الزمان أي من سنة 686 حتّى 736هـ (سنة وفاة الشيخ علاء الدولة السمناني).
ونقلاً عن (دولة شاه) السمرقندي، فإنّ الشيخ قال في «رسالة المفتاح»: لقد سوّدت أكثر من ألف طبقة من الورق في طريق التصوف وارتسامه.
واهتمّ مريدو الشيخ بضبط وحفظ آثاره وأقواله. فقد قام الأمير إقبال السيستاني بجمع مجالسه في كتاب (الأربعين مجلساً)، وقام آخر بكتابة رسائل الطريقة، وتبنى الشاعر خواجوي كرماني (الشاعر الكبير لذلك العصر) جميع أشعار الشيخ علاء الدولة السمناني.
3 ـ ومن علماء ومشاهير سمنان:
1 ـ لسان الدين أفضل السمناني.
2 ـ السيد حسين الحسني السمناني.
3 ـ الميرزا السيد رضي السمناني.
4 ـ أشرف جهانگير السمناني الشاعر وشيخ الطريقة الجشتية في أواخر القرن الثامن الهجري. وأخيراً:
5 ـ الآقاميرزا أبو طالب الحسني، رئيس لجنة طلاب المشروطة في إيران.
اللغة السمنانية
طبقاً لتحقيقات علماء الفقه، فإنّ لغة أهالي سمنان ولهجتهم الخاصة هي من بقايا اللغة البهلوية التي لم يطلها التغيير وظلّت صامدة تقاوم هجمات اللغات الأجنبية ومصطلحاتها طيلة 14 قرناً من الزمان، وبقيت نقية خالصة إلى الآن.
ومن ميزات اللغة السمنانية تعدد المفردات والألفاظ والمصطلحات للمعنى والمفهوم الواحد. حتّى إنّك تجد لكلمة واحدة مثل «قليل» خمسة ألفاظ، هي (ناكم)، (بيليكي)، (يك)، (يزيك) و(يرجنه). ولهذا يمكن اعتبار اللغة السمنانية من أغنى اللغات الموجودة في إيران.
وتمتاز اللغة السمنانية من جملة ما تمتاز به من ميزات: إفرادها الضمائر للمذكر والمؤنث خلافاً لما هو في اللغات المتداولة في إيران. وكذلك استخدامها لصيغة جمع التكسير، وهو خلاف للمشهور هنا أيضاً.
وبشكل عام يمكن تقسيم اللهجات الموجودة في سمنان إلى خمس:
1 ـ لهجة سمنان، 2 ـ لهجة سنگر، 3 ـ لهجة شهميرزاد ، 4 ـ لهجة سرخديي، 5 ـ لهجة دلاسگرد.
إنّ التحقيقات المجراة هنا من قبل علماء اللغة حظيت باهتمام العلماء الإيرانيين والمستشرقين الأجانب على حد سواء. وقد بذلوا جهوداً مضنية في هذا المجال سعياً لمعرفة جذور اللغة السمنانية وقواعدها ومن الذي تحملوا الصعوبات وسافروا مراراً إلى سمنان لغرض جمع المعلومات حول اللغة السمنانية الجديرة بالدراسة والبحث: البروفسور الدانماركي «آرتوركريستن سن» الذي سافر مرتين إلى سمنان وجمع معلومات مفصلة وواسعة عن لغة أهالي سمنان، وطبعها ـ بعد عودته إلى أوروبا ـ في كتابين مهمين (عام 1935م في كوبنهاغن باللغة الفرنسية).
وقد ألّف الأستاذ منوجهر ستوده أستاذ جامعة طهران بعد سنوات من البحث والتحقيق المتواصل والدؤوب ـ كتاباً تحت عنوان «ثقافة سمنان ـ سنگر ـ شهميرزاد، سرخدي، لاسگرد) طبع عام 1963م في 426 صفحة على نفقة جامعة طهران.
سلوة الغريب
وأسوة الأريب
كتاب للسيد علي خان الشيرازي الشهير بابن معصوم المولود سنة 1052هـ والمتوفى سنة 1118هـ.
سلوة الغريب وأسوة الأريب… المعروف برحلة ابن معصوم.
وهو وصف لما شاهده في رحلته من مكة إلى حيدر آباد سنة 1066. وهو لم يزل حدث السن.
انتهى من تأليفه في جمادى الثانية سنة 1075هـ وتوجد منه نسخة في برلين بألمانيا وأخرى في مكتبة السيد محمد باقر الحجة بكربلاء وثالثة في طهران لدى السيد محمد باقر بحر العلوم، الكتاب من أشهر كتب المؤلف في الوسط الأدبي وتردد ذكره كمصدر أدبي.
يصف السيد المدني في كتابه هذا المدن والقرى والسكان والمناخ والماء والهواء والجبال والأشجار والثمار والمساجد ومراقد العلماء وترجم بعضهم، ووصف البحار وما فيها من حيوان وأحجار كريمة وغرائب. فنمق كل ذلك ووشاه بما عرف عنه من القدرة على الاستطراد الأدبي والاستدراك العلمي المفيد وأورد الكثير من الشواهد المختار المفيدة نظماً ونثراً… والحكايات والفوائد الطريفة المسلية.
وقد قال فيه:
رحلتي المشتهاة تزري
بالروض عند الفتى الأريب
فإن تغربت فاصطحبها
فإنّها سلوة الغريب
طبع سنة 1306هـ وطبع مؤخراً في بيروت بتحقيق شاكر هادي شكر.
السنة
لكلمة (السنة) تحديدات تختلف باختلاف المصطلحين، فهي في عرف أهل اللغة «الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقاً».
«وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه».
«وقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة، كقوله: من سن سنة سيئة».
«وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيمة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيم»([482]).
وتطلق في عرف الفقهاء على ما يقابل البدعة، ويراد بها كل حكم يستند إلى أصول الشريعة في مقابل البدعة فإنها تطلق على «ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة»([483]) وربما استعملها الكلاميون بهذا الاصطلاح، كما تطلق في اصطلاح آخر لهم على «ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض»([484]) وهي بذلك ترادف كلمة المستحب، وربما كان إطلاقها على النافلة في العبادات من باب إطلاق العام على الخاص، وكذلك إطلاقها على خصوص «ما واظب على فعله النبي (صلى الله عليه وآله) مع ترك ما بلا عذر»([485]) كما جاء في بعض التحديدات.
وقد اختلفوا في مدلولها من حيث السعة والضيق مع اتفاقهم على صدقها على «ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قول أو فعل أو تقرير» وقيدها الشوكاني بقوله «من غير القرآن» وهو قيد في غير موضعه لأن القرآن لم يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما صدر عن الله وبلغه النبي، فهو لا يصدق عليه أنه قوله إلا بضرب من التجوز والتجديد العلمي لا يتحمله، وهناك قيود أخر أضافها غير واحد كقولهم إذا كان في مقام التشريع وسيتضح إن هذه القيود لا موضع لها أيضا لأنه ما من شيء يصدر عن الإنسان بإرادته إلا وله في الشريعة حكم، فجميع ما يصدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ثبوت عصمته لابد أن يكون صادرا عن تشريع حكم وله دلالته في مقام التشريع العام إلا ما اختص به (صلى الله عليه وآله) وسيأتي الحديث فيه.
وموضع الاختلاف في التحديد توسعة الشاطبي لها إلى ما تشمل الصحابة حيث اعتبر ما يصدر عنهم سنة ويجري عليه أحكامها الخاصة من حيث الحجية، وربما وافقه بعضهم على ذلك، بينما وسعها الشيعة إلى ما يصدر عن أئمتهم (عليهم السلام) فهي عندهم كل ما يصدر عن المعصوم قولا وفعلا وتقريرا، وبالطبع إن الذي يهمنا هو المصطلح الثالث أعني مفهومها عند الأصوليين لأن الحديث عن حجيتها إنما يتصل بهذه الناحية دون غيرها، وطبيعة المقارنة تستدعي استعراض آرائهم على اختلافها في هذه المسألة الهامة.
والحديث حول حجية السنة يقع في مواقع ثلاث:
1 ـ حجية ما صدر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من قول، أو فعل، أو تقرير.
2 ـ حجية ما صدر عن الصحابة من ذلك بالإضافة إلى معناها الأول، وهو الذي اختاره الشاطبي.
3 ـ حجية ما صدر عن الأئمة من أهل البيت بالإضافة إلى معناها الأول أيضا، وهو الذي تبناه الشيعة على اختلاف منهم في المراد من أئمة أهل البيت.
حجية السنة النبوية
والحديث حول حجية ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، أوضح من أن يطال فيها الحديث، إذ لولاها لما اتضحت معالم الإسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن أن يستنبط منه حكم واحد بكل ما له من شرائط وموانع، لأن أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم، وإنما هي واردة في بيان أصل التشريع، وربما لا نجد فيه حكماً واحداً قد استكمل جميع خصوصياته قيودا وشرائط وموانع، خذوا على ذلك مثلا هذه الآيات المباركة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}([486])، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ كَمَا كُتِبَ عَلى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ}([487])، (وَلله عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}([488])، ثم حاولوا التجرد عن تحديدات السنة لمفاهيمها وأجزائها وشرائطها وموانعها، فهل تستطيعون أن تخرجوا منها بمدلول محدد، وما يقال عن هذه الآيات يقال عن غيرها.
سنة الصحابة
يقول الشاطبي: «سنة الصحابة سنة يعمل عليها ويرجع اليها، والدليل على ذلك أمور»([489]) .
والأمور التي ذكرها لا تنهض باثبات ما يريده نعرضها ملخصة:
أحدها: «ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع اليها كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ}([490])، وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُوْنُ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهْيدَاً}([491])، ففي الأولى اثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة على دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى»([492]).
والجواب على الآية الأولى يقع من وجوه:
أ ـ إن اثبات الأفضلية لهم على سائر الأمم، كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة (خير أمة) لاتستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال، بل تكفي الاستقامة النسبية لأفرادها، فيكون معناها أن هذه الأمة مثلاً في مفارقات أفرادها، أقل من الأمم التي سبقتها فهي خيرهم من هذه الناحية، هذا إذا لم نقل أن الآية إنما فضلتهم من جهة تشريع الأمر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى: {تَأْمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ}، فلا تكون واردة في مقام جعل الحجية لأقوالهم أصلاً.
ب ـ إن التفضيل الوارد فيها انما هو بلحاظ المجموع ـ ككل ـ لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال، ولذا لا نرى أية منافاة بين هذه الآية وبين ما يدل ـ لو وجد ـ على تفضيل حواري عيسى مثلا على بعض غير المتورعين من الصحابة.
ج ـ إنها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات إذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم إحراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لا يمكن التمسك بها بحال.
د ـ إن هذا الدليل لو تم فهو أوسع من المدعى بكثير لكون الأمة أوسع من الصحابة ولا يمكن الالتزام بهذا التعميم.
وقد تنبه الشاطبي لهذا الإشكال ودفعه بقوله: «ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم».
«لأنا نقول أولاً: ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر، وثانياً: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول ما تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم المباشرون للوحي، وثالثاً: أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال الأهم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح»([493]).
ولكن هذه المناقشات لا يتضح لها وجه، أما الأولى فلأن اختصاص الخطاب بهم مبني على ما سبقت الإشارة إليه من اختصاص الحجية بخصوص المشافهين لامتناع خطاب المعدوم وقد تقدم ما فيه بالإضافة إلى أن هذا الاشكال لو تم فهو لا ينفع المستدل لاختصاصه بخصوص الحاضرين في مجلس الخطاب لامتناع خطاب غير الحاضر؛ واذن تختص الآية بخصوص من حضروا المجلس عند نزول الآية، وليس كل الصحابة، على ان دليل المشاركة وحده كاف في التعميم.
وأما المناقشتان الثانية والثالثة، فهما واضحتا البطلان لانكار الأولية والأولوية في القضايا التي يكون مساقها مساق القضية الحقيقية لأن نسبتها إلى الجميع تكون نسبة واحدة من حيث الدلالة اللفظية؛ على أن أولية الدخول أو أولويته لا يستلزم صرف الخطاب إليهم وقصره عليهم، لأن مقتضاها يوجب مشاركة الغير لهم في الدخول مع تأخر في الزمان أو الرتبة، فما ذكره من الاختصاص بهم من هذه الجهات لا يخلو من مؤاخذة.
ومع ثبوت التعميم لا يمكن إثبات أحكام النسبة لجميع الأمة كما هو واضح.
وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية فهي، بالإضافة إلى هذه المؤاخذات على الاستفادة منها والغض عن تسليم افادتها لعدالتهم جميعاً، أن مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة وإلا لعممنا الحكم إلى كل عادل سواء كان صحابياً أم غير صحابي، لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لا يتعمدون الخطيئة، أما مطابقة ما يصدر عنهم للأحكام الواقعية ليكون سنة، فهذا أجنبي عن مفهوم العدالة تماماً.
«والثاني ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم، وأن سننهم في طلب الإتباع كسنة النبي (صلّى الله عليه وآله) كقوله: الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، وقوله: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلاَّ به، وعنه أيضاً: «أن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير». ويروي في بعض الأخبار: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، إلى غير ذلك مما في معناه»([494]).
والجواب عن هذه الأحاديث ونظائرها ـ بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه «حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلّى الله عليه وآله)»([495]) إن هذه الروايات لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها، ولا دلالة للبعض الآخر على المدعى.
وأول ما يرد على الرواية الأولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالاقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة أن يعبدنا الشارع بالمتناقضين، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تأريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث.
وحسبك أن سيرة الشيخين مما عرضت على الامام علي (ع) يوم الشورى، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك، وقبلها عثمان وخرج عليها باجماع المؤرخين، وفي أيام خلافة الامام، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان، وخرج على سيرته سواء في توزيع الأموال أو المناصب أم اسلوب الحكم، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة، فأبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت فيها، وابو بكر كان يرى طلاق الثلاث واحدا، وعمر شرعه ثلاثا، وعمر منع عن المتعتين، ولم يمنع عنهما الخليفة الأول ونظائرها ذلك اكثر من أن تحصى .
وعلى هذا، فأية هذه السيرة هي السنة؟ وهل يمكن أن تكون كلها سنة حاكية عن الواقع حكمين متناقضين؟! وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله: «فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف، وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة»([496]).
على أن بعض هذه الروايات أضيق من المدعى لاختصاصها بالخلفاء الراشدين كالرواية الأولى، فتعميمها إلى مختلف الصحابة لا يتضح له وجه، والروايات الباقية أجنبية عن إفادة إثبات جعل الحجية لما يصدر عنهم وغاية ما تدل عليه ـ لو صحت أسانيدها ـ مدحهم والثناء عليهم، والمدح والثناء لا يرتبطان بعالم جعل الحجية للممدوحين.
على أن هذه الروايات ـ على تقدير تمامية دلالتها ـ مخصصة بما دل على ارتداد أكثرهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال:إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاَّ مثل همل النعم»([497]) وفي روايته الأخرى عن سهل بن سعد قال: «قال النبي (صلّى الله عليه وآله): إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، وقال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: إنهم مني، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن غير بعدي»([498]).
وفي روايته الثالثة عن أنس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك»([499]).
إلي غير هذه الروايات مما عرضها البخاري في باب الحوض وغيره، كما عرضها غيره من أصحاب الصحاح وسائر السنن([500])، ولا يهم عرضها، وطبيعة الجمع بين الأدلة تقتضي تقييد تلكم الأدلة بغير المرتدين فمع الشك في ارتداد أحد الصحابة لا يمكن التمسك بتلكم العمومات لعدم إحراز موضوعها وهو الصحابي غير المرتد، ويكون التمسك بها من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، والتحقيق أنه لا يسوغ لأن القضية لا تثبت موضوعها بل تحتاج إلى إثباته من خارج نطاق الدليل.
وقد يقال إن المراد بالمرتدين هم أصحاب الردة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر، وهم معلومون فلا تصل النبوة إلى الشك والتوقف عن التمسك بتلكم العمومات، ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً لمنافاته بصراحة لرواية أبي هريرة السابقة التي صرحت بقولها: «فلا أراه يخلص إلاَّ مثل همل النعم» وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى ذلك أنها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أن هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلاَّ أقل القليل.
ولولا أننا في مقام التماس الأدلة إلى أحكام الله عز وجل، وهو يقتضينا أن لا نترك ما نحتمل مدخليته في مقام الحجية رفعا او وضعا لكنا في غنى عن عرض هذه الأخبار والأحاديث والتحدث فيها.
وما يقال عن هذه الأحاديث، يقال عن آية {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقْبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً}([501]) وكأن هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته.
الثالث «إن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلاً، وبعضهم يعد قول الخلفاء الأربعة دليلاً، وبعضهم يعد قول الصحابة على الاطلاق حجة ودليلاً، ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلاَّ لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع من غيره وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته، ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم»([502]).
والجواب على هذا النوع من الاستدلال أنه أجنبي عن اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، وغاية ما يدل عليه ـ لو صح ـ أن جمهور العلماء كانوا يرونهم في مجالات الرواية أو الرأي أوثق أو أوصل من غيرهم، والصدق والوثاقة وأصالة الرأي شيء وكون ما ينتهون إليه من السنة شيء آخر، وقول الشافعي الذي نقله نفسه يبعدهم عن هذا المجال اذ كيف يمكن له أن يحج من كان قوله سنة، وهل يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام عن النبي(صلّى الله عليه وآله)؟.
على أن هذا النوع من الترجيح لأقوالهم لا يعتمد أصلاً من أصول التشريع، والعلماء لم يتفقوا عليه ليشكل اتفاقهم إجماعاً يركن اليه.
الرابع: «ما جاء في الأحاديث من ايجاب محبتهم، وذم من أبغضهم، وأن من أحبهم فقد أحب النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه فقط إذ لا مزية في ذلك، وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة»([503]).
والجواب عن هذا الاستدلال أوضح من سابقه لأن ما ذكره من التعليل لا يكفي لاعطائهم صفة المشرعين أو إلحاق منزلتهم بمنزلة النبوة، وغاية ما يصورهم أنهم أناس لهم مقامهم في خدمة الاسلام والالتزام بتعاليمه، ولكنه لا ينفي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة، على أن لأرباب الجرح والتعديل حساباً مع الكثير من روايات هذا الباب لا يهم عرضها الآن.
هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، أما جعل الحجية لأقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فلذلك حساب آخر.
وقد استدل الشيعة على حجية سنة أهل البيت (عليهم السلام) بأدلة كثيرة، يصعب استعراضها جميعا واستيفاء الحديث فيها، وحسبنا أن نعرض منها الآن نماذج لا تحتاج دلالتها إلى مقدمات مطوية ليسهل استيعاب الحديث فيها.
وأهم ما ذكروه من أدلتهم على اختلافها ثلاثة:
الكتاب، السنة النبوية، العقل.
والذي يهمنا من هذه الأدلة التي عرضوها لإثبات مرادهم هو كل ما دل أو رجع إلى لزوم التمسك بهم، والرجوع إليهم، واعتبار قولهم حجة يستند إليها في مقام إثبات الواقع.
ومجرد مدحهم والثناء عليهم من قبل الله عز وجل أو النبي (صلى الله عليه وآله) لا يكفي في اعتبار الحجية لما يصدر عنهم وإن قربت دلالته في كتب الشيعة الكلامية بعد ذكر مقدمات مطوية قد لا يخلو بعضها من مناقشة، وقد سبق أن تحدثنا فيما يشبه الموضوع مع الشاطبي عندما استدل على اعتبار سنة الصحابة بأخبار المدح والثناء عليهم، وما قلناه هناك نقوله هنا، وإن كان نوع المديح يختلف لسانه، وربما كان في لسان بعضه هنا ما يشعر بالحجية، ولا يهم إطالة الحديث فيه.
ثم أن الأحاديث التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله) واستدلوا بها على الحجية، تختلف في أسانيدها، فبعضها يرجع إلى أهل البيت أنفسهم، وينفرد أو يكاد بروايته شيعة أهل البيت، وبعضها الآخر مما يتفق على روايته الشيعة وأهل السنة على السواء.
أدلتهم من الكتاب
واستدلوا من الكتاب بآيات عدة وأهمها آيتان:
الأولى آية التطهير وهي: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرا}.
وهناك شبهة أثاروها حول المراد من أهل البيت، فالذي عليه عكرمة ومقاتل ـ وهما من أقدم من تبنى إبعادها عن أهل البيت في عرف الشيعة ـ نزولها في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة.
وكان من مظاهر إصرار عكرمة وتبنيه لهذا الرأي: انه كان ينادي به في السوق([504])، وكان يقول: «من شاء باهلته إنها نزلت في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله»([505]) والذي يبدو أن الرأي السائد على عهده كان على خلاف رأيه كما يشعر فحوى رده على غيره «ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله)» ([506]) وقد نسب هذا الرأي إلى ابن عباس، ويبدو أنه المصدر الوحيد في النسبة إليه وإن كان في أسباب النزول للواحدي رواية عن ابن عباس يرويها سعيد بن جبير دون توسط عكرمة هذا([507])، إلاَّ أن رواية ابن مردويه لها عن سعيد بن جبير عنه([508]) ـ أي عن عكرمة ـ عن ابن عباس يقرب أن يكون في رواية الواحدي تدليس وهما راوية واحدة، وقد استدل هو أو استدلوا له بوحدة السياق، لأن الآية إنما وردت ضمن آيات نزلت كلها في نساء النبي، ووحدة السياق كافية لتعيين المراد من أهل البيت.
والحديث حول هذه الشبهة يدعونا إلى تقييم آراء كل من عكرمة ومقاتل، ومعرفة البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كل هذا الإصرار والموقف غير المحايد، حتى اضطره الموقف إلى الدعوة إلى المباهلة والنداء في الأسواق، وهو موقف غير طبيعي منه، ولا آلف في غير هذا الموقف المعين.
والظاهر إن لذلك كله ارتباطا بعقيدته التي تبناها يوم اعتنق مذهب الخوارج([509]) وبخاصة رأي نجدة الحروري.
وللخوارج موقف من الإمام علي (عليه السلام) معروف، فلو التزم بنزول الآية في أهل البيت بما فيهم الإمام علي، لكان عليه القول بعصمته ولاهار على نفسه أسس عقيدته التي سوغت لهم الخروج عليه ومقاتلته، وبررت لهم ـ أعني الخوارج ـ قتله.
وقد استغل علائقه بابن عباس وسيلة للكذب عليه، وكان ممن يستسيغون الكذب في سبيل العقيدة ـ فيما يبدو ـ ومن أولى من ابن عباس في الكذب عليه فيما يتصل بهذا الموضوع الحساس ـ وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عباس بين خاصته حتى كان يضرب المثال فيه، فعن ابن المسيب «أنه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال ذلك أيضا لمولاه نافع».
وقد حاول علي بن عبد الله بن عباس صده وردعه عن ذلك، ومن وسائله التي اتخذها معه أنه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن أبي الحرث: «دخلت على ابن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي»، وحقده فيما يبدو لم يختص بأهل البيت وإنما تجاوزهم إلى جميع المسلمين عدا الخوارج، فعن خالد بن عمران قال: «كنا في المغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً، وعن يعقوب الحضرمي عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلاَّ كافر»([510]).
وأما مقاتل فحسابه من حيث العداء لأمير المؤمنين حساب عكرمة، ونسبة الكذب إليه لا تقل عن نسبتها إلى زميله عكرمة، حتى عدّه النسائي في جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث([511]). وقال الجوزجاني، كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهبي: كان مقاتل كذاباً جسوراً([512]).
«وكان يقول لأبي جعفر المنصور: أنظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه، وقال للمهدي: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لا حاجة لي فيه»([513])، وإذا كان كل من مقاتل وعكرمة بهذا المستوى لدى أرباب الجرح والتعديل، فأمر روايتهما ورأيهما لا يحتاج إلى إطالة حديث وبخاصة في مثل هذه المسألة التي تمس مواقع العقيدة أو العاطفة من نفسيهما.
ولكن هذه البواعث فيما يبدو، خفيت على بعض الأعلام، فأقاموا لرأيهما وروايتهما وزنا، ولذلك نرى أن نعود إلى التحدث عن ذلك بعيدا عن شخصيتهما لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي.
1 ـ والذي لاحظته من قسم من الروايات: أن لفظة الأهل لم تكن تطلق في ألسنة العرب على الأزواج إلاَّ بضرب من التجوز، ففي صحيح مسلم: إن زيد بن أرقم سئل عن المراد بأهل البيت هل هم النساء؟ «قال: لا وايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومه»([514]).
وفي رواية أم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرا}، وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على باب البيت، قلت: ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير إنك من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)»([515])، فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها، وإثبات الزوجية لها: يدل على أن مفهوم الأهل لا يشمل الزوجة، كما إن تعليل زيد بن أرقم يدل على المفروغية عن ذلك ولا يبعد دعوى التبادر من كلمة أهل خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى ثابتة غير قابلة للزوال، والزوجة وإن كانت قريبة من الزوج إلاَّ أن وشائجها القريبة قابلة للزوال بالطلاق وشبهه، كما ذكر زيد.
2 ـ ومع الغض عن هذه الناحية، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدعه لنفسها واحدة من النساء، بل صرحت غير واحدة منهن بنزولها في النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
«أخرج الترمذي، وصححه. وابن جرير وابن المنذر والحاكم، وصححه وابن مردويه والبيهقي في سنن من طرق عن أم سلمة (رض) قالت: في بيتي نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ}، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجللهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»([516]).
وفي رواية أم سلمة الأخرى، وهي صحيحة على شرط البخاري «في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، فأرسل رسول الله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي»([517]).
وحديث الكساء، الذي كاد أن يتواتر مضمونه لتعدد رواته لدى الشيعة والسنة في جميع الطبقات، حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص، تقول عائشة: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)» ([518]).
والذي يبدو أن الغرض من حصرهم تحت الكساء، وتطبيق الآية عليهم، ومنع حتى أم سلمة من الدخول معهم، كما ورد في روايات كثيرة، هو التأكيد على اختصاصهم بالآية، وقطع الطريق على كل ادعاء بشمولها لغيرهم.
وهناك روايات آحاد توسع بعضها في الجالسين تحت الكساء إلى ما يشمل جميع أقاربه وبناته وأزواجه، وبعضهم تخصهم بالعباس وولده حيث أشتمل النبي (صلى الله عليه وآله) «على العباس وبنيه بملاءة، ثم قال: يا رب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقالت أمين وهي ثلاثاً»([519]).
وهي لعدم طبيعتها وضعف أسانيدها، ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن يطال فيها الحديث، ومن رغب في الإطلاع عليها فليقرأها مع محاكماتها في كتاب دلائل الصدق([520])، وحسبها وهنا أن لا يستدل بها أو يستند إليها أحد من أولئك أو أحد إتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لأمثالهم.
وكان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد خشي أن يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له، فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الأسماع، وتطمئن إليه القلوب، يقول أبو الحمراء: «حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلاَّ أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»([521]). وفي رواية ابن عباس، قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب (عليه السلام) عند وقت كل صلاة، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت، (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً»([522]).
ومع ذلك كله، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات من أمثالها([523]) حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها؟.
3 ـ أما ما يتصل بدعوى وحدة السياق، فهي لو تمت لما كانت أكثر من كونها اجتهادا في مقابلة النص، والنصوص السابقة كافية لرفع اليد عن كل اجتهاد جاء على خلافها، على أنها في نفسها غير تامة، لأن من شرائط التمسك بوحدة السياق إن يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدد في الكلام لا مجال للتمسك بها بحال.
ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن ما نزل في زوجات النبي، لا يدل على وحدة الكلام لما نعرف من أن نظم القرآن لم يجر على أساس من التسلسل الزمني، فرب آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس فضلا عن إثبات أن الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة.
ومع تولد هذا الاحتمال لا يبقى مجال للتمسك بوحدة السياق، وأي سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول.
على أن تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها يقرب ما قلناه، إذ أن وحدة السياق تقتضي اتحادا في نوع الضمائر، ومقتضى التسلسل الطبيعي أن تكون الآية هكذا، إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت لا عنكم.
والظاهر من روايات أم سلمة، وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية أنها نزلت منفردة كما توحي به مختلف الأجواء التي رسمتها رواياتها لما أحاط بها من جمع أهل البيت وإدخالهم في الكساء ومنعها من مشاركتهم في الدخول إلى ما هنالك.
والحق الذي يتراءى لنا من مجموع ما رويناه من نزول الآية وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على عدم مشاركة الغير لهم فيها واتخاذه الاحتياطات بإدخالهم تحت الكساء، ليقطع بها الطريق على كل مدع ومتقول، ثم تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كل يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة، كل ذلك ما يوجب القطع بأن الآية شأنا يتجاوز المناحي العاطفية، وهو ما يتنزه عنه مقام النبوة لأمر يتصل بصميم التشريع من إثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع اليهم والتأثر والتأسي بهم في أخذ الأحكام، على أن الآية لا يتضح لها معنى غير ذلك كما أوضحناه في بداية الحديث.
الآية الثانية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}([524])، وقد قرب الفخر الرازي دلالتها على عصمة أولي الأمر في تفسيره لهذه الآية بقوله: «إن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوما عن الخطأ إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً»([525]).
ولكن الفخر الرازي خالف الشيعة في دعواهم في إرادة خصوص أئمتهم من هذه الآية وقرب أن يكون المراد منها أهل الإجماع بالخصوص، واستدل على ذلك بقوله: «ثم نقول: ذلك المعصوم».
وأما مجموع الأمة أو بعض الأمة غير جائز أن يكون بعض الأمة لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وأجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك، علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض الأمة ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا، وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: وأولي الأمر أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة([526]).
ثم استعرض بعد ذلك الأقوال الأخر في الآية وناقشها جميعا مناقشات ذات أصالة وجهد حتى انتهى إلى رأي من أسماهم بالروافض، فقال:
«وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر قوله: (أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) يقتضي الإطلاق، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة وهو قوله: (وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.
الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلاَّ إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.
وثالثها: أنه قال: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه»([527]).
والذي يرد ـ على الفخر الرازي في استفادته وجوب إطاعة أهل الإجماع وإنهم هم المراد من كلمة أولي الأمر لا الأئمة ـ بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة متعلق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الأئمة والوصول إليهم ينتفي المشروط.
وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه، إذ لازمه أن تتحول جميع القضايا المطلقة إلى قضايا مشروطة لأنه ما من قضية إلاَّ ويتوقف امتثالها على معرفة متعلقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطا فيها لزمت أن تكون مشروطة.
والظاهر أن الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلق إنما هو من النوع الثاني أي من نوع ما يتوقف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه، إذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه بالنسبة إليها للزوم تحصيل الحاصل.
وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكاليف، لا يمكن أخذه شرطا فيها بما هو متعلق لها لتأخره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور.
على أن هذا الإشكال وارد عليه نقضاً، لأن إجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما يحتاج إلى معرفة، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد لاحتياجها إلى استيعاب جميع المجتهدين وليس من السهل استقراؤهم جميعاً والإطلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الإطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط والإشكال نفس الإشكال.
والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول إلى الأئمة ومعرفة آرائهم!! مع توفر أدلة معرفتهم وإمكان الوصول إلى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.
ثم أن استفادة الإجماع من كلمة (أولي الأمر) مبنية على إرادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه إلى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيا، فلو قال الشارع: أعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة مثلا فهل معنى ذلك لزوم إعطائها لهم مجتمعين وإعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (أولو الأمر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك مادام أهل الإجماع أنفسهم مما يحتاجون إلى المعرفة كالأئمة، ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين ـ كما قلنا ـ وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.
وقد اتضحت الإجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من إشكالات.
أما الإشكال الأول: فهو بالإضافة إلى وروده نقضا عليه لأن إطاعة الله والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة، إن المعرفة لا يمكن أخذها قيداً في أصل التكليف لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على إطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول.
والإشكال الثاني: يتضح جوابه مما ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كل فرد حكمه فإذا قال المشرع الحديث مثلاً: حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية، فإن معناه أن حكم كل واحد منهم، نافذ لا حكمهم مجتمعين، نعم يظهر من إتيانه بلسان الجمع أن أولي الأمر أكثر من فرد واحد وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه أن يكونوا مجتمعين في زمان واحد لأن صدق الجمع على الأفراد الموزعين على الأزمنة لا ينافي ظاهره.
يبقى الإشكال الثالث: وهو عدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الرد إليهم عند التنازع بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول، وهذا الإشكال أمره سهل لجواز الحذف اعتمادا على قرينة ذكره سابقا، وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ}.
والإشكال الذي يرد على الشيعة ـ بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الأمر كما قال الفخر ـ إن القضية لا تثبت موضوعها فهي لا تعين المراد من أولي الأمر وهل هم الأئمة من أهل البيت أو غيرهم، فلا بد من إثبات ذلك إلى التماس أدلة أخرى من غير الآية، وسيأتي الحديث حول ذلك في جواب سؤال من هم أهل البيت.
والآيات الباقية التي استدلوا بها على العصمة حساب ما يدل منها عليها حساب هذه الآية من حيث عدم تعيينها للإمام المعصوم، فالمهم أن يساق الحديث إلى أدلتهم من السنة النبوية.
أدلتهم من السنة
وأول أدلتهم من السنة وأهمها:
حديث الثقلين:
وهذا الحديث يكاد يكون متواتراً بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة وفي مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.
ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر، أنها أصدرت رسالة إضافية ألفها بعض أعضائها في هذا الحديث أسمتها: (حديث الثقلين)، وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى أهل السنة.
وحسب الحديث لئن يكون موضع اعتماد الباحثين أن يكون من رواته كل من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الأولياء، وكنز العمال، وغيرهم، وأن تعني بروايته كتب المفسرين أمثال الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير، وغيرهم، بالإضافة إلى الكثير من كتب التأريخ، واللغة، والسير، والتراجم…
وقد تحدثنا عن هذا الحديث وما انطوى عليه من عرض كثير من الأحاديث المعتبرة ذات الدلالة على حجية رأيهم ما يغني عن استعراض بقية الأحاديث ودراستها فليرجع إليها في مظانها من الكتب المطولة.
الطرق القطعية إلى السنة:
والسنة بما هي سنة، وإن كان حجيتها ـ كما قلنا ـ من الضروريات إلاّ أنّ مجالات الاستفادة منها لبحوثنا الفقهية موقوفة على ركائز أخر بالنسبة إلينا.
وقد نكون في غنى عن هذه الركائز لو كنّا على عهد المعصومين، ولدينا من المؤهلات البيانية ما يرفعنا إلى فهم كلماتهم والاستفادة منها.
ولكن بعدنا عن زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته ولد لنا بحوثاً لا بد من اعتمادها ركيزة من ركائز الاستنباط الأساسية بعد دراستها والخروج منها بالثمرة المتوخاة:
وهذه البحوث ذات أقسام:
يقع بعضها في الطرق والوسائل المثبتة للسنة والموصلة إليها، وتقع الأخرى في كيفية الاستفادة منها، ثم معرفة مدى نسبتها للكتاب.
ولعلنا نرى بعد حين أنّ أكثر ما أثير من الشبه حول حجية السنة على ألسنة بعض القدامى، فإنّما هو منصب على الطرق الموصلة إليها، أو على كيفيات الاستفادة منها، وإن ضاق ببعضهم التعبير فأداه بما يشعر بإنكار حجية أصل السنة، وسيتضح ذلك من عرض حججهم ومناقشتها.
وعلى هذا، فالبحوث (حول السنة) إنّما تقع في مواقع:
1 ـ الطرق المثبتة لها بطريق القطع.
2 ـ الطرق المثبتة لها بغير القطع.
3 ـ كيفية الاستفادة منها.
4 ـ موقع السنة من الكتاب. ولكل منها أقسام وفيه بحوث.
والذي ينبغي أن يقال جرياً على ما أوصلناه في مباحث الحجة أنّ الطرق التي لها أهلية الإيصال إليها ذات قسمين:
1 ـ قطعية.
2 ـ وغير قطعية.
ولكل منها أقسام لا بد من استقراء المهم منها والتماس أدلته، وحججه، وفحصها وتقييمها على أساس مقارن.
الطرق القطعية:
وقد ذكروا لها أقساماً أهمها ستة:
1 ـ الخبر المتواتر.
2 ـ الخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره.
3 ـ الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم.
4 ـ بناء العقلاء الكاشف عن رأي المعصوم فيه.
5 ـ سيرة المتشرعة عن رأي المعصوم فيها.
6 ـ ارتكاز المتشرعة.
الخبر المتواتر:
ويراد به إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعا عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس، على أن يجري هذا المستوى في الأخبار في جميع طبقات الرواة، حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة.
فلو تأخر التعدد في طبقة ما، أو فقد أحد تلكم الشروط، خرج عن كونه متواتراً إلى أخبار الآحاد، لأن النتائج ـ كما يقول علماء الميزان ـ: تتبع دائماً أخس المقدمات.
ومثل هذا الخبر أعني المتواتر ـ مما يوجب علما بصدور مضمونه، والعلم ـ كما سبق بيانه ـ: حجة ذاتية لا تقبل الوضع والرفع.
وقد جعلوا له شروطا اختلفوا في تعددها، ويمكن انتزاعها جميعا من نفس التعريف: يقول المقدسي: (وللتواتر ثلاثة شروط):
«الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس، إذ لو أخبرنا الجم الغفير عن حدوث العالم وعن صدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم بخبرهم».
«الثاني: أن يستوي طرف الخبر ووسطه في هذه الصفة وفي كمال العدد، لأن كل عصر يستقل بنفسه فلا بد من وجود الشروط فيه، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى (عليه السلام) تكذيب كل ناسخ لشريعته».
«الشرط الثالث: في العدد الذي يحصل به التواتر واختلف الناس فيه، فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة، وقال قوم: بخمسة، وقال قوم: بعشرين، وقال آخرون: بسبعين، وقيل: غير ذلك».
«والصحيح أنه ليس له عدد محصور»([528]).
ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني في درايته وهو يعرفه ويشير إلى شروطه: «هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك بعدد خاص»([529]).
ومثلهما غيرهما من أعلام الشيعة والسنة على غموض في أداء بعضهم ربما أو هم خلاف ذلك.
على أن هذه التحديدات، ليست بذات ثمرة إلا في حدود تشخيص المصطلح للخبر المتواتر وتحديد مفهومه وكل ما كتب في هذا الشأن، فإنما هو لتشخيص صغريات ما يقع به العلم عادة، وهذه الشرائط وأشباهها من موجبات ما يحصل بها التشخيص، وإلا فإن المدار على العلم فإن حصل منها فهو الحجة، وإن لم يحصل احتجنا إلى التماس دليل على الحجية، وليس في هذه الشرائط ما يشير إليه.
وأمثلة المتواتر كثيرة، وقد عدوا منها كل ما يتصل بضروريات الدين، كالفرائض اليومية وأعدادها وأعداد ركعاتها، وصوم شهر رمضان وكالذي مرّ في حديث الثقلين.
واعتبروا منها قوله (صلّى الله عليه وآله): «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»([530]).
الخبر المحفوف بالقرائن القطعية: ويراد به الخبر غير المتواتر، سواء أكان مشهوراً أم غير مشهور، على أن يحتف بقرائن توجب القطع بصدوره عن المعصوم.
والمدار في حجية هذا النوع من الاخبار هو حصول العلم منه كالخبر المتواتر، والعلم بنفسه ـ كما سبق بيانه ـ حجة ذاتية، فلا نحتاج بعده إلى التماس أدلة على الحجية.
الإجماع
والبحث في الإجماع له استقلاله وليس موضعه هنا نظراً لاعتباره لدى الأكثر مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع في مقابل الكتاب والسنة.
نعم في بعض المباني وبخاصة لدى الأكثر من علماء الشيعة هو كشفه عن رأي المعصوم على نحو القطع، فيكون من حقه على هذا المبنى أن يبحث عنه في هذا الموضع، ولا يعتبر من الأدلة المستقلة.
بناء العقلاء
ويراد به صدور العقلاء عن سلوك معين تجاه واقعة ما صدوراً تلقائياً، ويتساوون في صدورهم عن هذا السلوك على اختلاف في أزمنتهم وأمكنتهم، وتفاوت في ثقافتهم ومعرفتهم، وتعدد في نحلهم وأديانهم.
وأمثلته كثيرة منها: صدور العقلاء جميعاً عن الأخذ بظواهر الكلام، وعدم التقيد بالنصوص القطعية منه، على نحو يحمل بعضهم بعضاً لوازم ظاهر كلامه: ويحتج به عليه، ومنها:
صدور العقلاء جميعاً عن الرجوع إلى أهل الخبرة ـ فيما يجهلونه من شؤونهم الحياتية وغيرها ـ فالمريض يرجع إلى الطبيب، والجاهل يرجع إلى العالم، وهكذا…
وحجية مثل هذا البناء إنما تتم إذا تمّ كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور فيما تمكن فيه المشاركة، أو إقراره لهم على ذلك فيما لم تمكن فيه.
وسر احتياجنا إلى الكشف عن مشاركة المعصوم، أو إقراره ولو من طريق عدم الردع فيما يمكنه الردع عنه مع اطلاعه عليه، أن هذا البناء ليس من الحجج القطعية في مقام كشفه عن الواقع، لجواز تخطئة الشارع لهم في هذا السلوك.
والفرق بينه وبين حكم العقل، أن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، كما يأتي بيانه، وهذا البناء لا يشترط فيه ذلك لكونهم يصدرون عنه، ـ كما قلنا ـ صدوراً تلقائياً غير معلل، فهو يكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح والفساد، ولعل قسماً كبيراً من الظواهر الاجتماعية منشؤه هذا النوع من البناء.
ومع عدم كشفه عن الواقع فهو لا يصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له، ومع إقراره أو عدم ردعه أو صدوره هو عنه يقطع الانسان بصحة الاحتجاج به عليه.
سيرة المتشرعة
وهي صدور فئة من الناس ينتظمها دين معين أو مذهب معين عن عمل ما أو تركه، فهي من نوع بناء العقلاء مع تضييق في نوع من يصدر عنهم ذلك البناء، وحجية مثل هذه السيرة إنما تكون بعد إثبات امتدادها تأريخيا إلى زمن المعصوم وإثبات مشاركته لهم في السلوك فيما يمكن صدوره منه أو إقرارها من قبله، ولو من قبيل عدم ردعه عنها مع إمكان الردع والاطلاع عليها فيما لم يمكن صدورها منه.
ومع عدم إثبات ذلك لا مجال للتمسك بها بحال، وما أكثر السير المنقطعة من وجهة تأريخية لكونها حادثة، أو لا يمكن إثبات امتدادها لذلك الزمن.
والمقياس في حجيتها كشفها عن فعل المعصوم أو إقراره كشفا قطعيا ليصح الاحتجاج بها.
وبهذا ندرك قيمة ما يحتج به أحياناً من ادعاء قيام السيرة القطعية على فعل شئ أو تركه مع عدم إمكان إثبات امتدادها تأريخياً إلى زمن المعصوم، وقد يكون منشؤها فتوى سائدة يمر عليها جيل أو جيلان، تتخذ طابع السيرة لدى الناس.
وكثير من الاعراف والعادات التي تشيع في بلد ما، أو بيئة معينة حسابها نفس هذا الحساب، وإن أصبح لها في نفوس العوام طابع الشعار المقدس.
ونحن نعلم أن قسماً من الفتاوى التي سادت في بعض المذاهب لا منشأ لها إلاَّ هذا العرف المستحدث، وهو ما لا يصلح أن يكون حجة.
وعلى أي حال فما كشف عن السنة منها قولا أو فعلا أو إقرارا، كان حجة، وإلا فلا دليل على حجيته قطعاً لما سبق أن قلنا في التمهيد الثاني من أن كل حجة لا تنهي إلى القطع فهي ليست بحجة، وأن الشك في حجية شئ ما كاف للقطع بعدمها.
ارتكاز المتشرعة
وقد شاع استعمال هذا الاصطلاح على السنة بعض أساتذتنا المتأخرين، والظاهر أنهم يريدون به بالإضافة إلى توفر السيرة على الفعل أو الترك، بالنسبة إلى شئ ما، شعور معمق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله أو تركه المتشرعون لا يعلم مصدره على التحقيق.
الفارق بينه وبين سيرة العقلاء أو المتشرعة:
إن سيرة العقلاء أو المتشرعة بحكم كونها فعلا أو تركا لا لسان لها، فهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم، وإن دلت على جوازه بالمعنى العام عند الفعل أو عدم وجوبه عند الترك، لكن ارتكاز المتشرعة يعين نوعه من وجوب أو حرمة أو غيرهما.
حجيته
وحجيته مثل هذا الارتكاز لا تتم إلاَّ إذا علمنا بوجوده في زمن المعصومين وإقرارهم لأصحابه عليه، ومثل هذا العلم يندر حصوله جداً، وتكوين الارتكاز في نفوس الرأي العام لا يحتاج من وجهة نفسية إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاث على الحرمة مثلا، ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها.
الطرق غير القطعية
ونريد بها خصوص ما كان له قابلية الكشف عن السنة كشفاً ناقصاً وهي على قسمين:
1 ـ ما قام على اعتباره دليل قطعي.
2 ـ ما لم يقم على اعتباره دليل.
ويكاد ينحصر الأول منهما باخبار الآحاد على تفصيل فيها.
خبر الواحد
وقد عرفوه بتعريفات متعددة ترجع في جوهرها إلى ما يقابل الخبر المتواتر والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع واحداً كان أو أكثر.
الاختلاف في حجيته:
وقد اختلفوا في حجيته على أقوال لا تكاد تلتقي، فمنهم من منع العمل به مطلقاً، ومنهم من أجازه([531]).
والمانعون يختلفون في سبب المنع فمنهم من يعزوه إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى ابن علية والأصم، ومنهم من ينسبه إلى الشرع كالقاشاني من أهل الظاهر([532]).
والمجوزون مختلفون بدورهم أيضا فمنهم من يستند في حجيته إلى حكم العقل، وينسب ذلك إلى أحمد بن حنبل وابن شريح وأبو الحسن البصري والصيرفي من الشافعية([533]) وزاد أحمد بن حنبل: «إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في كتاب الأحكام عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارثي المحاسبي، قال: وبه نقول وحكاه ابن خواز منداد عن مالك بن أنس، واختاره وأطال في تقريره»([534]).
وأكثر علماء الإسلام على حجيته على اختلاف بينهم في شروط الحجية ومناشئها.
ويعرف الوجه في حجيته وعدمها من عرض أدلتها إثباتاً ونفياً، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيل الأقوال فيها ومناقشتها بجميع ما لها من خصوصيات.
أدلة المثبتين
وقد استدل المثبتون ـ على اختلاف أدلتهم ـ بعد ضم بعضها إلى بعض بالأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الإجماع، حكم العقل.
وأهم أدلتهم من الكتاب آيتان:
أولاهما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}([535]).
والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها أنّها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم إذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد وإن كان غير مؤتمن على النقل.
وقد صبت الآية ردعها على خصوص الفاسق ـ بما أنّه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله بقرينة تعليقها التبيين على نبئه بالخصوص.
وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشرط عن إقرارهم على الأخذ بخبر غيره.
وليست القضية هنا واردة لبيان الموضوع ـ كما قد يتخيل ذلك ـ لكون الجزاء معلقاً على المجئ، بانتفاء الموضوع وهي لا تدل على المفهوم.
وذلك لأن الموضوع في القضية الشرطية إذا كان مؤلفاً من جزءين: «أحدهما مما يتوقف عليه الجزاء عقلاً دون الآخر، كما إذا قيل: إن ركب الأمير، وكان ركوبه يوم الجمعة، فخذ بركابه، فإن توقف الجزاء على أصل الركوب عقلي، وعلى كونه يوم الجمعة شرعي مولوي، ففي ذلك يثبت لها المفهوم بالاضافة إلى خصوص الجزء الذي لا يتوقف عليه تحقق الجزاء عقلاً ولا يكون لها مفهوم بالإضافة إلى الجزء الآخر»([536]).
والموضوع الذي ركز عليه التبين هنا، كان مركباً من النبأ ومجئ الفاسق به، فإذا انتفى مجئ الفاسق به، انتفى لزوم التبين عنه، فكأنه قال النبأ الذي لا يجئ به الفاسق لا يجب التبين عنه، وهو معنى حجية النبأ الذي يجئ به غير الفاسق، والظاهر أن انطواء الآية على تخصيص الردع بقسم من الأخبار التي قام بناؤهم على الأخذ بها مطلقاً وإقرار الباقي مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لكلام، وظهورها في ذلك لا تزعزعه كثرة ما أورد عليها من إشكالات قد يخضع أكثرها لفلسفة لغوية، ولكنه لا يقوى مهما كانت قيمته على زلزلة ما لها من ظهور عرفي وهو الأساس في الحجية، وبخاصة إذا لاحظنا أسلوب عرضها للفكرة وألقينا عليها الأضواء من أسباب النزول.
ولكن الآية في ظاهرها واردة لإقرار بناء عقلائي ورادعة عن قسم منه، وهو الأخذ بأخبار الفاسق ـ بما أنه غير مؤتمن على خبره كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، ويقتضيه التعليل ـ فهي من مكملات الدليل القادم، أعني بناء العقلاء.
الآية الثانية وهي قوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}([537]).
والذي يبدو لي من صدر الآية أن شبهة عرضت لبعض من هم خارج المدينة من المسلمين في أن لزوم التفقه المباشر من النبي (صلى الله عليه وآله) إنما هو من قبيل الواجبات العينية التي لا يسقطها قيام البعض بها عنهم، ففكروا بالنفر جميعاً إلى المدينة ليأخذوا الأحكام عنه مباشرة، فنزلت هذه الآية لتفهمهم بأن هذا النوع من النفر الجماعي لا ضرورة له، وليس هو مما ينبغي أن يكون لما ينطوي عليه من شل لحركتهم الاجتماعية وتعطيل لأعمالهم، فاكتفى الشارع بمجئ طائفة من كل فرقة منهم للتفقه في الدين والقيام بمهمة تعليمهم إذا رجعوا إليهم.
والظاهر من أمثال هذه الآيات التي يقع فيها تقابل الجمع بالجمع أنها واردة على نحو الجموع الانحلالية لا المجموعية، بمعنى أن كل واحد من هذه الطائفة مسؤول عن تعليم بعض المكلفين لا أن المجموع مسؤولون عن تعليم المجموع، ونظيره في تعبيراتنا المتعارفة ما لو أصدرت وزارة التعليم مثلاً بياناً إلى المعلمين في الدولة في أن يكافحوا الأمية بتعليم المواطنين الاميين، فليس معنى ذلك أن يجتمع المعلمون جميعاً ليعلموا دفعة واحدة مجموع الأميين، بل معناه أن على كل واحد أن يجند نفسه لتعليم غيره فرداً كان أو أكثر.
والعمومات المجموعية نادرة فلا يصار إليها إلاَّ بدليل.
والذي أتصوره أن الطريقة السائدة في عصورنا من الهجرة إلى مراكز التفقه كالنجف الاشرف، وقم، والقاهرة من بعض من يسكنون بعيدا عنها، ثم العودة إلى بلادهم ليعلموا إخوانهم أحكام دينهم هي نفس الطريقة التي دأبوا عليها في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ودعت إليها الآية.
وليس في هذه الطريقة اجتماع المبلغين والمرشدين في مقام الأداء ليكونوا لمستمعيهم مقدار ما يتحقق به التواتر، بل يكتفون بالواحد الموثوق به منهم، فالآية على هذا واردة في مقام جعل الحجة لاخبار آحاد الطائفة، وإن شئت أن تقول إنها واردة لإمضاء بناء عقلائي في ذلك كسابقتها.
وإذا صحت هذه الاستفادة لم تبق حاجة بعد إلى استعراض ما يراد من كلمة (لعل) في الآية، أو كلمة (الحذر) فيها، لعدم توقف دلالة الآية عليها، ويكفي في الالزام بالرجوع إليهم لأخذ الأحكام تشريع ذلك، وإن كان بلسان الترخيص ومن لوازم الترخيص في مثله جعل الحجية لما يحدثون به فلا يسوغ تجاهلها مع قيامها بداهة.
واحتمال أن يراد بالطائفة ما يبلغ به حد التواتر على أن يجتمع الكل لتبليغ كل واحد منهم احتمال يأباه ظاهر الآية، وكيفية الاستفادة من نظائرها كما يأباه الواقع العملي لما درج عليه المبلغون في جميع العهود بما فيها عهد الرسول صلى الله عليه وآله على أن لفظ طائفة أوسع منه فتضييقها إلى ما يخصه بالخصوص لا ملجأ له ولا شاهد عليه.
وبهذا يتضح واقع ما أثاره الآمدي وغيره من التشكيكات حول دلالة الآية على حجية خبر الواحد([538])، فلا حاجة إلى الدخول في تفصيلاته.
أدلتهم من السنة
وقد استغرقت أدلتهم من السنة جوانبها الثلاث قولاً وفعلاً وتقريراً.
السنة القولية
أما السنة القولية فهناك طوائف من الروايات عن أهل البيت إذا لوحظت مجتمعة فهي متواترة المضمون.
أولاها: ما ورد عنهم (عليهم السلام) من إرجاعهم بعض أصحابهم إلى البعض كإرجاعه (عليه السلام) إلى زرارة بقوله: «إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس وأشار إلى زرارة» وقوله (عليه السلام): «العمري ثقة، فما أدى اليك، فعني يؤدي» وكثير من أمثالها.
ثانيها: ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة كخبر الاحتجاج: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم).
ثالثها: ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الحث على كتابة الحديث وإبلاغه كقوله (صلى الله عليه وآله): «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، بعثه الله فقيهاً عالماً يوم القيامة» وقوله عليه السلام لاحد الرواة: «واكتب وبث علمك في بني عمك، فإنه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلاَّ بكتبهم».
رابعها: ما دل على ذم الكذب عليهم والتحذير من الكذابين، مثل الحديث المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله): «من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار» مما يدل على المفروغية عن حجية خبر الآحاد، إذ لو كانوا مقتصرين في مجال الحجية على خصوص الخبر المتواتر لما كان مجال للكذب عليهم، ولما كان أثر لأولئك الكذابين يخشى منه.
خامسها: الأخبار الواردة في باب التعارض من الأخذ بالمرجحات كالأعدلية، والأصدقية، والشهرة، والقول بالتخيير عند التساوي، ومع فرض عدم حجية خبر الآحاد لا يتصور فرض التعارض في أخبار المعصومين.
سادسها: الاخبار الواردة في تسويغ الرجوع إلى كتب الشلمغاني وبني فضال والأخذ بروايتها وترك آرائهم([539]).
ومن استعراض جميع هذه الطوائف نرى أن الحجية مجعولة فيها لخبر الثقة بما أنه ثقة، وليس لنحلته أو مذهبه أثر في الأخذ بحديثه أو تركه كما هو الشأن في كتب بني فضال والشلمغاني، وهم من غير الشيعة، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضيه لذلك فلا خصوصية للعدالة أو غيرها من الشروط.
السنة العملية
وحسبنا منها «ما تواتر من انفاذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد، ولا يرسلهم إلاَّ لقبض الصدقات، وحل العهود وتقريرها، وتبليغ أحكام الشرع»([540]) وشواهده أكثر من أن تحصى، فلو كان خبر الثقة ليس بحجة لما كان معنى لهذا الارسال الملازم لتكليف المسلمين بالاخذ عنهم وإلزامهم بذلك، ودعوى أن أحاديث أمثال هؤلاء مما يكتنفها من القرائن ما يوجب القطع بمطابقتها للواقع، لا تعتمد على دليل، لأن رسله ليسوا كلهم بهذا المستوى، ولا الاحاديث التي يحدثون بها كذلك.
السنة التقريرية
وهي قائمة بإقراره لبناء العقلاء على الأخذ بأخبار الآحاد إذا كانوا ثقات في النقل، يقول شيخنا النائيني: «وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد بخبر الثقة، والاتكال عليهم في محاوراتهم، بل على ذلك يدور رحى نظامهم، ويمكن أن يكون ما ورد من الأخبار المتكفلة لبيان جواز العمل بخبر الثقة من الطوائف المتقدمة كلها إمضاء لما عليه بناء العقلاء وليست في مقام تأسيس جواز العمل به لما تقدم من أنه ليس للشارع في تبليغ أوامره طريق خاص بل طريق تبليغها هو الطريق الجاري»([541]) لدى الناس جميعاً، وهم يعتمدون أخبار الآحاد، ويرتبون عليها جميع آثار العلم وإن لم تكن علماً في واقعها.
وامتداد هذا البناء إلى زمن النبي (صلى الله عليه وآله) من الواضحات، وقد حكى الغزالي في المسلك الأول: «ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى لا تنحصر»([542]) وقد ضرب لها بعشرات الأمثلة، وبالطبع أنه لو كانت للنبي طريقة خاصة في تبليغ الأحكام لا تعتمد أخبار الآحاد لبينها ولردع صحابته عن العمل بغيرها، وهذا ما لم يتحدث فيه التأريخ، ومثله ما يشتهر عادة ويطول الحديث فيه.
الإجماع
وقد حكاه في إرشاد الفحول عن الصحابة والتابعين([543])، وحكاه الشيخ الطوسي عن الامامية وغيرهما.
ولكن الاستدلال بالاجماع لا يتضح له وجه لعدم الطريق إليه بالنسبة الينا غير أخبار الآحاد لبداهة عدم إمكان تحصيله من قبلنا، ولعدم إمكان استيعاب الصحابة والتابعين كما هو الشأن في الدعوى الأولى، وعدم إمكان التعرف على آراء الامامية جميعا بالنسبة للدعوى الثانية، والاجماع المنقول متوقفة حجيته على حجية خبر الناقل له، فلو كانت حجية خبر الناقل له موقوفة عليه لزم الدور، وهناك مناقشات أخرى له لا داعي للاطالة في عرضها فلتراجع في المطولات([544]).
العقل
وقد صور بصور عدة، نذكر بعضها، ونحيل البعض الآخر على الكتب المطولة لعدم الجدوى بعرضها ومناقشتها جميعاً.
أولاها: ما ذكره الغزالي من أن «المفتي إذا لم يجد دليلاً قاطعاً من كتاب أو إجماع أو سنة متواترة، ووجد خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الاحكام، ولأن النبي (صلى الله عليه وآله)، إذا كان مبعوثاً إلى أهل عصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل إذ لا يقدر على مشافهة الجميع، ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد، إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك أهل مدينته»([545]).
وقد أجاب الغزالي على الشق الأول بأن «المفتي إذا فقد الأدلة القاطعة، يرجع إلى البراءة الأصلية والاستصحاب، كما لو فقد خبر الواحد أيضاً»([546])، ولكن هذا الجواب غير واضح لأن الرجوع إلى البراءة الأصلية في غير ما يقطع فيه محق للرسالة من أساسها، لبداهة أن الاحكام القطعية محدودة جداً إن لم تكن معدومة.
والأحكام المعروفة بضروريات الدين كالصوم، والصلاة، والحج، وأمثالها، وإن ثبتت لها الضرورة القطعية، إلاَّ أن ثبوتها لها إنما هو ثبوت في الجملة لا في جميع الخصوصيات، ولو جردت من الخصوصيات الثابتة بالإمارات المعتبرة لتحوّلت إلى واقع لا تقره جميع المذاهب الإسلامية، فضلاً عن إنكار كونه من الضروريات، على أن الإسلام ليس هو هذه الضروريات فحسب كما هو ثابت بالبداهة.
والرجوع إلى الاستصحاب وهو في رتبة سابقة على البراءة كما سبق بيانه، ويأتي مناقش صغرى وكبرى، أما الصغرى فلاحتياجه إلى حالة سابقة معلومة وشك طارئ عليها، وهو نادر ما يقع في الاحكام الكلية الثابتة بالضرورة، وفي غيرها لا علم بحالة سابقة، كما هو الفرض، وأما الكبرى فللشك في حجية مثل هذا الاستصحاب لرجوعه إلى ما يدور أمره بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، لأن الحكم المجعول إن كان واسع المنطقة إلى هذا الزمان، فهو مقطوع البقاء، وإن كان ضيق المنطقة فهو مقطوع الارتفاع، فما هو الحكم المعلوم اذن ليستصحب بقاؤه؟ وأصالة عدم النسخ إن رجعت إلى الاستصحاب فحسابها نفس هذا الحساب، وسيأتي فيها الكلام مفصلاً.
اللهم إلاَّ أن يدعي أن مراده هنا من الاستصحاب استصحاب عدم الجعل قبل البعثة، أو استصحاب عدم الحكم المجعول في حقه حال الصغر، ولكن الإشكال في جريان هذين الاستصحابين جار أيضاً إما لعدم الموضوع فعلا لعدم مشاهدتنا للحالتين: حالة ما قبل البعثة، وحالة ما بعدها، لنجري في حقنا استصحاب الحالة السابقة، لو أريد استصحاب العدم بالنسبة لحكمنا الخاص، أما لو أريد استصحاب عدم الجعل الكلي فهو مثبت بالنسبة الينا، واستصحاب عدم الجعل حال الصغر يشكل جريانه للشك في تبدل الموضوع، فنحن حال الصغر غيرنا عندما نقع تحت التكاليف، وللاعلام في هذه الانواع من الاستصحابات حديث يأتي في موضعه ولعل لنا في بعضها رأياً.
على أن استصحاب عدم الجعل هنا، لا يجري في جميع المشكوكات للعلم الإجمالي بجعل الكثير منها لبداهة أن الإسلام لم يأت بهذه المقطوعات أو الضروريات فحسب، ومع قيام العلم الاجمالي لا يمكن جريان الاستصحاب ولا البراءة الأصلية في أطرافه، إما لعدم إمكان جريانها أصلاً، أو إنها تجري وتتساقط للمعارضة( وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الاحتياط العقلي).
والأنسب أن يجاب عنه بأن هذا الدليل لو تم فهو لا يعين العمل بأخبار الآحاد إلاَّ بضميمة مقدمات أجنبية عن حكم العقل لجواز أن تكون هناك طرق مجعولة من قبله تؤمن هذا الغرض الخاص أو الايكال إلى الاحتياط فيها مثلاً.
وأجاب عن الشق الثاني بقوله: «أما الرسول (صلى الله عليه وآله)، فليقتصر على من يقدر على تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع فلا يكلف به، فليس تكليف الجميع واجباً»([547]).
وهذا الجواب غريب في بابه أيضاً لمنافاته للشمولية التي جاءت بها رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وعمومها لجميع البشر {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنّاسِ}([548]) ولأن فرض الاقتصار على البعض يوجب اختصاص الرسالة بهم وحرمان غيرهم مع فرض احتياجهم إلى مثلها، وأين قاعدة اللطف منها إذن؟ ولماذا لا يبعث لكل أمة نبياً يفي بحاجتها إذا تعذر قيام نبي واحد بهذه المهمة؟.
فلا بد إذن أن يفرض – بعد ثبوت الجانب الشمولي فيها – أن طرق التبليغ المعتمدة لدى النبي (صلى الله عليه وآله) كافية بإيصال صوته إليها بالوسائل المتعارفة، وبذلك يتم ما قال المستدل.
ثم عقب – أعني الغزالي – بعد ذلك بقوله: «نعم لو تعبد نبي بأن يكلف جميع الخلق، ولا يخلي واقعة عن حكم الله تعالى، ولا شخصاً عن التكليف، فربما يكون خبر الواحد ضرورة في حقه»([549]).
وهذا الاستدراك عين ما أراده المستدل لتحدثه عن نبينا (صلى الله عليه وآله) بالخصوص ورسالته، لأنها موضع حاجتنا الفعلية.
ومن البديهي أن شريعتنا عامة لجميع البشر، وما من واقعة إلاَّ ولها فيها حكم، إلاَّ أن قوله: (فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد ضرورة) لا يتم إلاَّ بضميمة مقدمات أخرى تحصر الطريق فيه، وهو ما لم يذكر في الدليل، كما لم يذكره في استدراكه عليه. الصورة الثانية: ما ذكره صاحب الوافية (وحاصله إنا نعلم تفصيلاً ببقاء التكليف بالصلاة والصوم ونحوهما من الضروريات، وليس لنا علم تفصيلي بأجزائها وشرائطها، فإذا تركنا العمل بمؤديات الامارات، واقتصرنا على خصوص ما علمناه من الاجزاء والشرائط، خرجت هذه الامور عن حقائقها، لأن الضرورية من الاجزاء والشرائط ليست إلاَّ أمورا معدودة بحيث نقطع بعدم صدق العناوين المزبورة على ما هو المتفق دخله فيها. فلا مناص من الرجوع إلى الاخبار المودعة في الكتب المعتبرة».
ولكن هذا الدليل أضيق من المدعي لعدم اقتضائه اثبات الحجية لمطلق الأخبار بل لخصوص ما أثبت منها الأجزاء والشرائط للتكاليف المعلومة.
أمّا الأخبار النافية التي ورد على خلافها عموم مثبت للتكليف أو أطلاق أو أصل عملي فلا تتعرض لها بإثبات ومقتضاه عدم الحجية فيها، والتحقيق أنّ العقل لا يلزم بإخبار الآحاد، وحسبنا في ذلك ما مرّ من الأدلة السمعية «فما ذهبت إليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين أنّه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلاً، ولا يجب التعبد به عقلاً، وإن التعبد واقع به سمعاً»([550]) هو الحق في المسألة، وهو الذي اختاره جل علماء الشيعة كما يظهر ممّا أوردوه في كتبهم المطولة.
أدلة المانعين
أمّا المانعون فقد استدلوا على المنع بالأدلة السمعية، كالآيات الناهية عن العمل بالظن أو بغير العلم، باعتبار أنّ أخبار الآحاد لا تفيد علماً بمدلولها.
والجواب على ذلك: أنّ هذه الآيات مخصصة بما دل على جواز العمل بأخبار الآحاد لأنّها أخص منها إن لم تكن هذه الأدلة حاكمة عليها.
وقد اعتبروا هذه الآيات أيضاً رادعة عن بناء العقلاء بعد التغافل عن تخصيصها بما دل على الجواز.
وأجيب عن ذلك أيضاً بحكومة بناء العقلاء عليها لاعتبار العقلاء هذا النوع من أخبار الآحاد علماً من حيث ترتيب جميع آثار العلم عليه، ومع اعتباره علماً، فهو خارج عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم موضوعاً، فلا يكون مشمولاً لها بحال.
واستدلوا أيضاً بالإجماع على المنع من العمل بها، وهو مناقش صغرى وكبرى، أمّا الصغرى فلعدم حصوله لما سمعت من أنّ جلّ العلماء يذهبون إلى جواز العمل بها، فأين موقع الإجماع منها وأما الكبرى فلمعارضته بمثله، وهو ما سبق حكايته عن الشيخ الطوسي، على أنّ هذا النوع من الإجماع يستحيل أن يكون حجة لأنّه يلزم من إثبات حجيته عدمها بداهة أنّ معنى قيامه على عدم العمل بإخبار الآحاد أن لا يكون هو بنفسه حجة لأنّه منقول بأخبار الآحاد، وما يلزم من وجوده عدمه لا يصلح للدليلية أصلاً.
أمّا أدلتهم من العقل، فأركزها ما سبق أن عرضناه من دعوى استحالة جعل الأحكام الظاهرية من قبل الشارع للزوم تناقضها أو تماثلها مع الأحكام الواقعية، وقد عرفت في البحوث التمهيدية مناقشتها فلا نعيد.
وكأنّ بعض المانعين لهذه الأسباب أو ما يشبهها أوهمت كلماتهم نفي الحجية عن نفس السنة، وهم لا يريدون ذلك قطعاً، وكان ذلك من نتائج الضيق في الأداء كما يوحي به تفصيل كلماتهم وضم بعضها إلى بعض([551]).
شرائط العمل به
وقد اختلفوا في الشرائط المعتبرة للعمل بأخبار الآحاد، وفي مقدار اعتبارها، على أقوال قد لا يكون في عرضها وتعدادها والاستدلال عليها أي جدوى ما دمنا قد انتهينا في استدلالنا السابق إلى أنّ المدار في الحجية وعدمها هي وثاقة الراوي والاطمئنان بعدم كذبه، كما هو مقتضى ما يدل عليه بناء العقلاء، وبعض الأدلة اللفظية التي تسأل عن وثاقه الراوي، ومناسبات الحكم والموضوع، وما سبق من إرجاع الأئمة إلى كتب بني فضال.
فالظاهر أنّ الحديث في هذه الشرائط كالحديث عن اعتبار العدالة أو البلوغ أو الذكورية أو غيرها، إنّما هو من قبيل اتخاذ الاحتياطات من قبل بعض الأصوليين للحد من الفوضى والتسامح. قبول جميع الأخبار، أو هي من قبل بعضهم اعتقاد بعدم إمكان تشخيص الصغريات لما هو حجة من الأخبار إلاّ من هذه الطريق.
وعلى هذا فافتقاد بعض شرائط العدالة في الراوي وعلى الأخص فيما تختلف المذاهب في اعتباره منها، لا يضر باعتماد الخبر إذا كان راويه من الثقات.
واختلاف المذاهب في الرواة إذا عرف من حالهم عدم التأثر والانفعال بمسبقات مذهبهم في مجال النقل، لا يمنع من اعتماد خبرهم والأخذ به ما لم تكن هناك قرائن أخر توجب التوقف عن العمل به.
ومن هنا اعتبر الشيعة ـ خلافاً لما نقل عنهم من قبل بعض المتأخرين من الكتاب غير المتورعين ـ أخبار مخالفيهم في العقيدة حجة إذا ثبت أنّهم من الثقاة، وأسموا أخبارهم بالموثقات، وهي في الحجية كسائر الأخبار وقد طفحت بذلك جل كتب الدراية لديهم، فلتراجع في مظانها المختلفة.
وما يقال عن اعتبار هذه الشرائط ونظائرها، يقال عن تقسيماتهم للخبر غير المتواتر.
تقسيمات
فقد قسموه إلى مشهور، أو مستفيض، وغير مشهور، وقسموا غير المشهور إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف، ثم قسموه إلى مرسل، ومقطوع، ومرفوع، ومسند.
وجل هذه التقسيمات منصب على تشخيص صغريات ما يحصل به الاطمئنان بالصدور…
وقسم منها لا يجدي إلاّ في مجال الترجيح عند تعارض الأخبار، ولا يهم فعلاً الدخول في تفصيلاتها ما دمنا نملك المقياس في الحجية، وهو التوثق والاطمئنان بصدور الخبر من قبل المعصوم.
وحتى اعتبارهم هجر الأصحاب للخبر الصحيح من قبيل الموهنات له، وعمل الأصحاب بالخبر الضعيف جابراً له إنّما هو من قبيل تشخيص الصغرى لما يوجب الثقة بالصدور لا للتعبد المحض بذلك.
وعلى هذا فالدخول هنا في الأقسام وتحديدها لا يهم الآن بحثه، وهو من شؤون علماء الحديث، وموضعاً في كتب الدراية، فلتراجع في مظانها الخاصة.
أمّا ما لم يقم عليه دليل قطعي فأهمه أمران، أولهما:
الشهرة
وربما عللت حجيتها بما لها من كشف عن رأي المعصوم مما اقتضى أن تعرض ضمن الأدلة الكاشفة عن رأيه.
ويراد من الشهرة انتشار الخبر، أو الاستناد، أو الفتوى، انتشاراً مستوعباً لجل الفقهاء المحدثين، فهي دون مرتبة الإجماع من حيث الانتشار وقد قسموها إلى ثلاثة أقسام قد تختلف من حيث الحجية وعدمها.
أولاها: الشهرة في الرواية.
ومؤداها انتشار رواية ما، وتداولها بين الرواة على نحو مستوعب في الجملة ومقابلها الندرة والشذوذ.
وقد اعتبروها من مرجحات باب التعارض بين الروايات، وأدلتها من السنة كثيرة، بالإضافة إلى أنّ كثرة النقل عن حس مما يوجب الوثوق بالصدور بخلاف الندرة والشذوذ، فالقول بحجيتها وصلوحها للترجيح مما لا ينبغي أن يكون موضعاً لكلام.
ثانيهما: الشهرة في الاستناد:
ويراد بها انتشار الاستناد في مقام استنباط الحكم إلى رواية ما من قبل أكثر المجتهدين.
وهذه الرواية قد لا تكون مستوفية لشرائط القبول، إلاّ أنّ استناد الفقهاء إليها يكون جابراً لضعفها، كما أنّ إعراضهم عن رواية ما، وإن كانت صحيحة، يكون من موجبات تركها وعدم العمل بها.
وهذا النوع من الاستناد أو الإعراض لا دليل على اعتباره من المرجحات، اللهم إلاّ أن يولد وثوقاً للإنسان بصدور ما استندوا إليه وعدم صدور ما هجروه أو صدوره لا لغاية بيان الحكم الواقعي باعتبار أنّ إصرار أكثرية الفقهاء على الأخذ برواية مع ضعفها، أو هجر رواية وهي بأيديهم مع صحتها، لا يكون بلا مستند جابر أو موهن عادة.
وعلى أي فالمدار ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ في ذلك كله على حصول الوثوق بالصدور وعدمه، ولا خصوصية للاستناد أو الهجران، ولا يبعد أن يكون الوثوق بالصدور حاصلاً في أكثر ما استندوا إليه وبعدم صدوره فيما هجروه من الروايات والعمدة في مقام الحجية للأخبار وعدمها.
ثالثها: الشهرة في الفتوى:
ومضمونها انتشار فتوى ما بين الفقهاء انتشاراً يكاد يكون مستوعباً دون أن يعلم لها أي مستند.
وقد استدلوا على حجيتها بأدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والقياس. أدلتهم من الكتاب:
وأهمها التعليل الوارد في آية النبأ السابقة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [آل عمران: 6]، حيث ركزت الآية في وجوب التبين على التعليل بإصابة قوم بجهالة، ومقتضى ذلك دوران هذا الحكم مدارها وجوداً وعدماً وبما انّ الاستناد إلى الشهرة الفتوائية لا يعد من الجهالة والسفه، فلا يجب التبين معه في هذا الحال وهو معنى حجيته.
والجواب على ذلك: أنّ دوران الحكم مع علة ما وجوداً وعدماً لا يكون إلاّ مع فرض انحصار العلة ولا دليل على انحصارها في أمثال هذه التعابير فإذا قال الشارع ـ مثلاً ـ: حرمت الخمرة لإسكارها فغاية ما يدل عليه هذا التعبير تعميم العلة في الحرمة إلى غير الخمرة من المسكرات لا ارتفاع الحرمة عن شيء عند ارتفاع الإسكار لجواز ثبوتها له لعلة أخرى كالنجاسة أو الغصبية أو غيرهما من موجبات التحريم، وإنّما التزمتا بدوران التبين مدار خبر الفاسق وجوداً وعدماً في صدر الآية لدلالة مفهوم الشرط عليها لا آخذاً بهذا التعليل، فارتفاع السفاهة هنا لا يدل على ارتفاع التبين لجواز ثبوته بعلة أخرى غيرها.
أدلتهم من السنة
وهي كثيرة وقد وردت رواياتها في باب تعارض الخبرين كمرفوعة زرارة، قال: «قلت: جعلت فداك! يأتي عنكما الخبران، والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل؟ قال عليه السلام: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
وقد قربوا الاستدلال بها أنّ الموصول في قوله: «ما اشتهر» مبهم وصلته معرفة له، وبما أنّ الشهرة التي اعتبرت في الصلة مطلقة، فهي شاملة للشهرة التي في الفتوى بمقتضى ذلك الإطلاق.
وقد أجيب عليها بأنّ المراد من الشهرة هنا، الشهرة بمدلولها اللغوي وهي الوضوح والإبانة، أخذاً من شهر السيف إذا جرده من غمده وإبانه، وهي مختصة بهذا المعنى بما علم صدوره من الشارع، لا ما ظن أو شك فيه، فكأنه قال (عليه السلام): خذ بما وضح وبان انتسابه إلينا لدى أصحابك، على أنّ طبيعة السؤال والجواب تقتضي أن يكون الجواب على قدر السؤال ولا يتجاوزه إلى غيره، والمسؤول عنه هنا هو خصوص الخبرين المتعارضين، فلا معنى للإجابة بما يعمهما ويعم الشهرة الفتوائية، لأنّها غير داخلة في السؤال، ومن شرائط الإطلاق أن يعلم أنّ الشارع كان في مقام البيان من هذه الجهة ولم يقم قرينة على الخلاف ليصح التمسك به، فكونه في مقام البيان من حيث التعميم لها، تأباه طبيعة التطابق بين السؤال والجواب الذي يقتضي السنخية بينهما حتى مع فرض التعميم لغير المورد.
ولو تنزلنا فلا محرز له إن لم نقل إنّ التطابق يصلح للقرينة على الخلاف.
ثالثها: القياس:
وقد قربوه بما ادعى استفادته في خبر الواحد من كون العلة في حجيته هو حصول الظن بمدلوله، وهي متوفرة في الشهرة الفتوائية، بل هي فيها أقوى منها في خبر الآحاد.
وهذا الاستدلال من أمتنها لو كان المنشأ في حجية أخبار الآحاد هو الظن الحاصل منه.
ولكن سبق لنا أن استعرضنا جل أدلة أخبار الآحاد، فلم نجد فيها ما يشير إلى هذه العلة، وهي اعتبار الظن، لذلك عممنا حجيته إلى ما لم يفد الظن منه، ولم نجعل الظن مقياساً لنلجأ إليه، فأركان القياس إذن لم تتوفر في هذا الموضع ليصح الأخذ به.
وعلى هذا، فالشهرة الفتوائية لا مستند لها ليؤخذ بها، فهي ليست بحجية كما ذهب إلى ذلك الكثير من الفقهاء.
حجية مطلق الظن بالسنة
ويراد به العمل بكل ظن يتولد للإنسان من أي سبب كان، إذا كان متعلقاً بحكم شرعي يظن أنّه ثبت بالسنة.
وقد استدل له بأدلة كلها عقلية، وليس فيها ما ينهض بالدليلية، وجل أدلته مما ترجع إلى ما يسمّى بدليل (الانسداد الكبير) وقدعرضناه وناقشناه في مبحث القياس لاستدلال بعضهم به على حجيته باعتباره من مصاديق ما يحصل به الظن، والذي يرتبط من أدلته ببحوثنا هذه ما ذكره صاحب الحاشية من عدّه في جملة ما تثبت به السنة بمقتضى فحوى دليله، وحاصل ما استدل به: «إنّا نعلم علماً قطعياً بلزوم الرجوع إلى السنة بحديث الثقلين وغيره مما دل على ذلك، فيجب علينا العمل بما صدر عن المعصومين، فإن أحرز ذلك بالقطع فهو، وإلا فلا بد من الرجوع إلى الظن في تعيينه، ونتيجة ذلك وجوب الأخذ بما يظن بصدوره»([552]) ومن الواضح أنّ الظن هنا لم يقيد بكونه حاصلاً من أخبار ليكون دليلاً على حجية ما يفيد الظن منهما كما أفيد، بل أطلق لما يشمل كل ظن بالسنة ومن أي سبب كان، لذلك أثرنا عدّه من أدلة مطلق الظن بالسنة.
والجواب على هذا أنّ دعوى القطع بالعمل بمطلق الظن بالسنة مع عدم إحرازها بالقطع ـ كما هو مقتضى مفاد دليله ـ لا تخلو من مصادرة، لأنّ الظن بما هو ظن ليس من الحجج الذاتية التي لا تحتاج إلى جعل أو إمضاء، وهذا الدليل لا يثبت جعلاً ولا إمضاء شرعياً له بل لا تعرض فيه لهذه الجهة أصلاً.
ووجوب العمل بالسنة ـ وإن كان ضرورياً ـ إلاّ أنّه لا يتنجز على المكلف إلاّ بعد إحرازها بمحرز ذاتي أو مجعول، وهذا الترديد الذي ورد في الدليل لا يتم إلا إذا ثبت من الخارج أنّ الظن محرز للسنة في عرض القطع أو في طوله على الأقل، وإثبات محرزيته بهذا الدليل دوري كما هو واضح.
وحسبنا الأدلة الرادعة عن العمل بالظن حجة في الردع عن مثله ما دام لم يثبت لنا بهذا الدليل ما يخصصها أو يحكم عليها لعدم تماميته وصلوحه لإثبات ما أريد له.
السنة وكيفية الاستفادة منها.
السنة كلها تشريع
والحديث حول كيفيات الاستفادة منها يدعونا أن نمهد له بالحديث عن تشخيص نفس السنة التي تقع موقع التشريع، فهي وإن اتفقوا على تعريفها بقول المعصوم وفعله وتقريره إلاَّ أنهم قيدوا حجيتها بما أحزر أنها واردة مورد التشريع، ولذا قسموها إلى أقسام، يقول في سلم الوصول وهو كلام جار نظيره على السنة الكثير : «ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام، من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعا يطالب به المكلفون، لأن الرسول بشر كسائر الناس اصطفاه الله رسولا لهداية الناس وارشادهم»، قال تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا}([553]) فما صدر منه ينتظم الأقسام الآتية:
1 – ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالأكل، والشرب، والنوم، وما إلى ذلك من الأمور التي مرجعها طبيعة الإنسان وحاجته.
2 – ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة وفي الأمور الدنيوية، وبحسب تقديره الشخصي للظروف والأحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية، وما إلى ذلك من الأمور التي يعتمد فيها على مقتضيات الأحوال ومراعاة الظروف.
وهذان القسمان ليسا تشريعاً، لأن مرجع القسم الأول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرد القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي للظروف الخاصة، من غير أن يكون هناك دخل للوحي الإلهي ولا للنبوة والرسالة.
3 – ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى، بصفته رسولاً يجب الاقتداء به والعمل بما سنه من الأحكام مثل تحليل شيء أو تحريمه، والأمر بفعل أو النهي عنه، وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات، والحكم بين الناس.
فهذا القسم الأخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به. والأحاديث الواردة في هذا القسم تسمى بأحاديث الأحكام.
وبالجملة فإن أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته انما تكون دليلا من الأدلة، ومصدراً من المصادر التشريعية التي تستمد منها الأحكام الشرعية إذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الأحكام أو بيانها»([554]).
ولكن هذه التفرقة بين أقسام ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، لاتخلو من غرابة إذا علمنا أنه ما من واقعة إلاَّ ولها حكم في الشريعة الإسلامية كما هو مقتضى شموليتها، ولايفرق في ذلك بين ما تقتضيه طبيعته البشرية كالأكل والشرب وغيره، إذا كان صادرا منه عن ارادة، وبين غيره من تجارب.
واذا تمّ ما سبق أن عرضناه من أدلة العصمة له، فإن كل ما يصدر عنه بطبيعة الحال يكون موافقا لأحكام الشريعة ومعبراً عنها، وما دام الأكل والنوم والشرب من أفعاله الارادية، فهي محكومة حتماً بأحد الأحكام، فأصل الأكل محكوم بالجواز بالمعنى العام، وأكله لنوع معين يدل على جوازه، كما أن تركه لأنواع أخرى يدل على جواز الترك لها، فالقول بأن ما كان من شؤون طبيعته البشرية لايعبر عن حكم، لا يتضح له وجه.
كما أن ما يتصل بالقسم الثاني من شؤون خبرته وتجاربه هو الآخر معبر عن حكمه، وحكمه هنا جواز التعبير عنه وان أخطأ الواقع لو صح جواز خطئه في الموضوعات، ولنا التأسي به في الاخبار عن تجاربنا وخبراتنا في حدود ما نعلم منها، وحتى قوله لو صح عنه: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، فهو امضاء لهم على جواز أعمال تجاربهم وخبراتهم الخاصة، فهو لايخرج عن الدلالة على التشريع.
نعم ما كان من مختصات النبي (صلّى الله عليه وآله) كالزواج بأكثر من أربع، أو ما كان من أفعاله الطبيعية غير الارادية، فهو لايعبر عن حكم عام.
والخلاصة أن تقييد السنة بما صدر عنه على وجه التشريع كما صنع غير واحد في غير موضعه، لأن كل ما يصدر عنه من أفعاله الارادية فهو تشريع عام عدا مختصاته الخاصة، اللهم إلاَّ ان يريدوا به الايضاح لا الاحتراز وهو بعيد عن مساق كلامهم.
أقصاه أن بعض أفعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الأولي أو العنوان الثانوي، ودلالتها أحياناً على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا…
كيفيات الاستفادة منها:
وما دمنا قد علمنا أن السنة هي القول والفعل والتقرير، فلابد من التحدث عن مدى دلالة كل منها.
دلالة القول:
واستفادة ما له من دلالة إنما تكون بحسب ما تدل عليه الألفاظ – بمفاهيمها اللغوية أو الاصطلاحية فيما ثبتت فيه الحقيقة الشرعية من قبله – لما سبق أن أكدناه من أن الشارع لم يخترع لنفسه ولأتباعه طريقة جديدة خاصة للتفاهم، وإنما جرى على وفق ما عند العرب منها.
وهذه الألفاظ إن كانت نصاً في مدلولها أو ظاهرة فيه أخذ بها، وإلا فلا بد من الاستعانة – في غوامض اللغة وغرائبها – بالرجوع إلى اهل الفن في ذلك كاللغويين في المفردات اللغوية، والنحويين، والصرفيين، والبلاغيين في الهيئات وتراكيب اللغة وخصائص الأساليب، واستشارتهم في هذه الجوانب والصدور عما يقولون.
حجية أقوال أهل الفن
والظاهر أن المنشأ في حجية أقوالهم، هو البناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم الممضي من قبل الشارع قطعاً، وربما اعتبره بعضهم من الأحكام العقلية التي تطابق عليها العقلاء بما فيهم الشارع المقدس.
نعم يعتبر في هؤلاء أن يكونوا خبراء في فنهم، وأن يكونوا موثوقين في أداء ما ينتهون إليه، لأنه هو المتيقن من ذلك البناء أو الحكم العقلي.
فالتشكيك إذن في حجية أقوال اللغويين أو غيرهم من أهل الفن في غير موضعه.
الأصول اللفظية
وهناك أصول لفظية يرجع إليها عند الشك في المراد بسبب بعض الطوارىء التي تولد احتمالا على خلاف الظاهر كأصالة عدم التخصيص عند الشك في طروء مخصص على العام، وأصالة عدم التقييد عند الشك في طروء المقيد على المطلق، وأصالة عدم القرينة عند الشك في اقامتها على خلاف الحقيقة وتجمعها اصالة الظهور، وهذه الأصول ونظائرها، انما تجري لدى أهل العرف وهم منشأ حجيتها مع العلم بإقرار الشارع لهم عليها، لما قلناه من عدم اختراعه طريقة للتفاهم خاصة به عند الشك في تعيين المراد، ولا تجري فيما إذا علم المراد وشك في كيفية الارادة، فاصالة عدم القرينة مثلا لا تجري فيما إذا علم باستعمال لفظة ما في أحد المعاني، وشك في كون الاستعمال كان على نحو الحقيقة أو المجاز لتثبت أنه على نحو الحقيقة باعتبار أن المجاز مما يحتاج إلى قرينة، وأصالة عدم القرينة تدفعها بل تجري إذا احتملنا ارادة أحد معنيين حقيقي ومجازي ولم نستطع تعيينه بالذات، فاصالة عدم القرينة تعين المعنى الحقيقي منها.
دلالة الفعل
وقد اختلفوا في مقدار ما يستفاد من أفعاله، فالذي عليه أبو اليسر هو التفصيل بين أن يكون الفعل معاملة، فالإباحة إجماعاً، وبين أن يكون قربة فهو محل الخلاف، والذي نقل عن مالك: «للوجوب عليه وعلينا، وقال الكرخي: مباح في حقه لتيقنها بالفعل، وليس للأمة اتباعه إلاَّ بدليل، وقال جمع من الحنفية: الإباحة في حقه، ولنا اتباعه إلاَّ بدليل»([555]).
وهذان المذهبان، يعكران على نقل أبي اليسر الاجماع على الإباحة في المعاملات، فانهما لم يفرقا بين قربة ومعاملة، وقال المحققون: ان الخلاف انما هو بالنسبة إلى الأمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، ومن قائل بالإباحة، ومن قائل بالوقف([556]).
والذي عليه من نعرف من محققي الشيعة عدم دلالته على أكثر من الإباحة بالمعنى العام لا الإباحة في مقابل الوجوب والحرمة باستثناء ما كان قريبا منه، لأن التقرب يصلح للقرينية على رجحان ما أتى به، ولايعين نوعه من وجوب أو استحباب إذ لا معنى للتقرب بالمكروه أو المباح.
وعمدة ما يصلح للدليلية لهم هو كون الفعل مجملاً بنفسه لا لسان له ليتعبد بمقتضى ما يدل عليه لسانه، وغاية ما تدل عليه أدلة العصمة أن المعصوم لايرتكب الذنب، فمجرد صدور الفعل منه، يدل على أن ما أتى به ليس بمحرم عليه وانما هو مباح بالمعنى الأعم للإباحة، وأوامر الاقتداء به تدل على مشاركتنا له في جميع الأحكام إلاَّ ما كان من مختصاته، فهو اذن مباح لنا أيضاً، ودعوى أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يصدر منه إلاَّ ما كان راجحاً، فلايعمل المكروه ولا المباحات مع توفر العناوين الثانوية التي يمكن أن تحول ما كان مباحاً بالأصل إلى مستحب بالعنوان الثانوي وان كان مما يقتضيها مقام النبوة إلاَّ أن أدلة العصمة لا تلزم بها أصلاً.
واستدلال بعضهم على الوجوب علينا بأوامر الاقتداء الدالة على لزوم متابعته (صلّى الله عليه وآله) في كل ما يفعله حتى المباحات حيث تتحول مباحاته إلى واجبات في حقنا بحكم لزوم المتابعة لايخلو من غرابة لأن أوامر الاقتداء لاتقتضي أكثر من الاتيان بالأفعال على الوجه الذي اتى به، فاذا افترضناها مباحة أو مستحبة، فتحويلها إلى الوجوب في حقنا ينافي طبيعة الاقتداء والالتزام بما التزم به الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأن معنى اقتدائنا به في المباحات، هو كوننا مخيرين بين الفعل والترك كما هو مخير بينهما، فاضفاء صفة الوجوب عليها، ينهي بنا إلى الخلف طبعاً.
والظاهر أن الآمدي، وابن الحاجب، والخضري من المتأخرين، ممن تبنوا هذا الرأي الذي انتهى اليه المحققون من الشيعة، يقول الخضري: «ومختار الآمدي وابن الحاجب ما ذكرنا أولا وهو الظاهر، لأن المتيقن من صدور الفعل منه اباحته فلا يثبت الزائد على ذلك إلاَّ بدليل».
«وظهور قصد القربة دليل على أن الفعل مطلوب، والمتيقن من الطلب الندب، فلايثبت ما زاد عنه».
«أما ادعاء أن الفعل يثبت بنفسه مع جهل صفته حكماً شرعياً فوق الإباحة، فهو قول بلا دليل، وكل ما ذكروه من أدلتهم إنما يتجه إذا علمت صفة الفعل، وفرض المسألة أنها مجهولة»([557]).
إلا أن الذي يؤخذ على الخضري عدم تقييده الإباحة بكونها بالمعنى العام مما يوهم ارادة الإباحة الاصطلاحية، أي تساوي الطرفين، وهي لا معين لها أيضاً، كما أن تعبيره بعد ذلك أن المتيقن من الطلب الندب، لا يخلو من مسامحة أيضاً، لأن الندب نوع من أنواع الطلب في مقابل الوجوب وله فصله الخاص، فتعيينه بالذات يحتاج إلى معين لأن نسبة الطلب اليهما نسبة واحدة ما دام معتبرا من قبيل الجنس لهما.
نعم لو كان هو مرتبة من الوجوب لأمكن ان يقال بالقدر المتيقن بالنسبة له، ولكنه ليس كذلك بداهة، بل هو نوع في مقابله له حدوده الخاصة فلا معنى لاعتباره قدراً متيقناً له.
دلالة الترك
ولا يستفاد منها أكثر من عدم الوجوب، أما تعيين الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، فلا معين لها لأن القدر المتيقن من أدلة العصمة انه لا يرتكب الذنب، فتركه للشيء إذن لا يكون تركاً لواجب كما هو مقتضى ما تدل عليه وتلزم به، وإن كان في ما يقتضيه مقام النبوة أن لا يواظب النبي (صلّى الله عليه وآله) على ترك مستحب، كما سبقت الإشارة إليه.
دلالة التقرير
والظاهر أن ما يفيده الإقرار على الشيء لا يدل على أكثر من الجواز بالمعنى العام سواء كان متعلقه فعلا عابرا، أ عادة متحكمة، أم عرفاً خاصاً، أم بناء عقلائياً، اللهم إلاَّ ان يكون البناء أو العرف قائماً على حجة ملزمة فإقراره يستلزم ثبوت حجيتها عند الشارع المساوق للالزام بها في مواقع الالزام كما هو الشأن في الأخذ بأخبار الثقات وبالبناء العقلائي على الأخذ بالظواهر والعمل بالاستصحاب وأمثالها.
هذا إذا لم تكن هناك قرينة تبين نوع الحكم المقر كما لو كانت بعض العادات مثلاً قد اتخذت طابع الحكم الالزامي عندهم، فإقرارهم عليه يدل على الإلزام به، أما الإقرار على عدم الفعل فهو لا يدل على أكثر من عدم وجوبه.
والقول بأن التقرير يدل (على الإباحة)([558]) إذا أريد من الإباحة تساوي الطرفين مشكل إذ لا معين لها من بين أنواع الجواز والتقرير كالفعل لا لسان له فهو مجمل، والقدر المتيقن منه الإباحة بالمعنى العام فتعيين فصلها يحتاج إلى معين.
وقد اشترط غير واحد اعتبار القدرة على الانكار في حجية التقرير وهو شرط سار في جميع أنواع السنة، لأن القدرة على التبليغ شرط فيها جميعا.
نعم يستفاد من السكوت مع عدم القدرة على الانكار أن ذلك أعني السكوت مشروع للتقية، بل هو من أدلة مشروعية التقية التي لامدفع لها.
السنّة وعلائقها بالكتاب
وإذا عرفنا مفهوم السنة وتعرفنا على حجيتها، واستطعنا التوصل إليها من طرقها الذاتية أو المجعولة، وعرفنا مضامينها حسب الكيفيات المجعولة لذلك كان علينا بعدها أن نبحث علائقها بالكتاب العزيز. والحديث حول ذلك يقع في مواقع أهمها أربعة :
1 ـ نوعية ما ترد به من أحكام ونسبته إلى الكتاب العزيز.
2 ـ إمكان تخصيص الكتاب بها وعدمه.
3 ـ إمكان نسخ الكتاب بها وعدمه.
4 ـ رتبتها من الكتاب عند الاستدلال والمعارضة.
1 ـ نوعية أحكامها
أما نوعية أحكامها فهي حسبما يدل عليه استقراؤها في مصادرها لا تخرج عن أحد ثلاثة:
أ ـ تأكيد ما ورد في الكتاب من أحكامه عامة، كالاحاديث الامرة بأصل الصلاة والصيام والزكاة والحج، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكالاحاديث الناهية عن الخمر والميسر والانصاب والازلام وما أُهلّ به لغير الله، وحسابها حساب الايات المتعددة الدالة على حكم واحد.
ب ـ شرح ما ورد من آيات عامة في القرآن، وبيان أساليب أدائها وامتثالها والتعرض لكل ما يتصل بها من أجزاء وشرائط وموانع، كالأحاديث المحددة للمراد من الصلاة والصيام والحج، والمبيّنة لأجزائها وشرائطها وموانعها وكل ما يرتبط بها من شؤون الأداء.
ج ـ تأسيس أحكام جديدة لم يتعرض لها الكتاب فيما نعرف من آيات أحكامه مثل حرمان القاتل من الميراث إذا قتل مورثه، وتحريم الجمع بين نكاح العمة وابنة أخيها أو الخالة وابنة أختها إلاَّ باذنهما، وكتحريم لبس الحرير للرجال وأمثالها، يقول ابن القيم: «والسنة مع القرآن ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها، والثاني: أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن وتفسيراً له، والثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه»([559]).
2 ـ تخصيص الكتاب بها وعدمه
ومن اعتبار صفة الشرح والبيان لها يتضح أنه ليس هناك ما يمنع من تخصيص الكتاب بها ما دام المخصص بمنزلة القرينة الكاشفة عن المراد من العام، والظاهر أنه بهذا المقدار موضع اتفاق المسلمين، ولذلك أرسلوا ـ إرسال المسلمات ـ إمكان تخصيص الكتاب بما تواتر من السنة، ولكن موضع الخلاف في السنة التي تثبت باخبار الاحاد، فالذي عليه الجمهور إن «خبر الواحد يخص عام الكتاب كما يخصه المتواتر»([560]) وفصل الحنفية بين أن يكون العام الكتابي قد خصص من قبل بقطعي حتى صار بذلك التخصيص ظنياً، وبين ما لم يخصص فجوزوه في الأول ومنعوه في الثاني([561])، وذهب البعض إلى المنع مطلقاً.
وعمدة ما استدلوا به دليلان: أولهما: دعوى أن الخبر الواحد لا يقوى على معارضة الكتاب، لأن الكتاب قطعي وخبر الواحد ظني.
وثانيهما: موقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس: «حينما روت أنه عليه الصلاة والسلام لم يجعل لها نفقة ولا سكنى وهي بائن، فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا، ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصابت أم أخطأت»([562]).
وكلاهما لا يصلحان للدلالة على المقصود، أما الأول منهما فلان نسبة الخاص إلى العام نسبة القرينة إلى ذي القرينة، وليس بينهما تعارض كما هو فحوى الدليل، وحيث يمكن الجمع بين الدليلين لا مجال لطرح أحدهما وإلغائه. ولو فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما عرفاً، لما أمكن رفع اليد عن الكتاب بالتخصيص حتى في السنة المتواترة، بينما لم يلتزم أحد منهم بذلك، بل لما أمكن ورود الخاص من الشارع أصلاً لاستحالة تناقضه على نفسه كما هو الشأن في المتباينين أو العامين من وجه عندما يلتقي الحكمان في موضع التقائهما حيث حكموا بالتساقط في الاخبار الحاكية لذلك فيهما.
وبعد افتراض حجية الخاص في نفسه وإن كان مروياً بأخبار الآحاد، فأي مانع من إعطائه صفة الشرح لما أُريد من العام الكتابي؟ ومع التنزل فإن التعارض في الحقيقة ليس بين سنديهما ليقدم القطعي على الظني، وإنما هو بين ظنية الطريق في خبر الاحاد، وظنية الدلالة في العام الكتابي، فالكتاب وإن كان قطعي الصدور إلاَّ أنه ظني الدلالة بحكم ما له من ظهور في العموم، ولا موجب لإسقاط أحدهما بالآخر.
نعم لو كان العموم الكتابي مما لا يقبل التخصيص لكونه نصاً في مدلوله لا يحتمل الخلاف، ولا يتقبل قرينة عليه، لتعين القول بإسقاط الخبر وتكذيبه لاستحالة صدور التناقض من الشارع، وحيث أن الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة، فلا بد أن يكون الكذب منسوباً إلى الخبر ويتعين لذلك طرحه.
وبهذا العرض يتضح معنى الأخبار الواردة عن المعصومين في اعتبار ما خالف كتاب الله زخرفاً، أو يرمى به عرض الجدار، وجعل الكتاب مقياساً لصحة الخبر عند المعارضة في الاحكام التي تعرّض لها الكتاب.
واتهام الزنادقة بوضع هذه الاخبار ـ كما ورد على لسان بعض الأصوليين ـ منشؤه عدم إدراك معنى الحديث.
نعم قد يقال إن النسخ يقتضي أحياناً مصادمة الحديث الناسخ للكتاب، فكيف يجعل الكتاب مقياساً لصحته، وهذا الاشكال صحيح لو كانت هذه الاحاديث واردة في غير أبواب التعادل المستدعي لتعارض الاخبار، والتعارض لا يكون إلاَّ في أخبار الاحاد، وسيأتي أن النسخ لا يكون بخبر الواحد إجماعاً على أن النسخ ـ لولا الاجماع على عدم وقوعه بخبر الاحاد ـ لأمكن القول به هنا أيضاً، لحكومة الدليل الناسخ على الدليل المنسوخ، ولا تصادم بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم، فلا تصدق المخالفة مع عدم التصادم، وسيأتي إيضاح ذلك عما قليل.
أما الدليل الثاني ـ أعني رأي الخليفة عمر ـ فإن أريد من الاستدلال به أنه سنة واجبة الاتباع أخذاً بما ذهب اليه الشاطبي، فقد عرفت ما فيه في مبحث سنة الصحابة، وإن أُريد الاستدلال به بما أنه (مذهب الصحابي) واجتهاده، فسيأتي ما فيه، وأنه لا يصلح أن يكون حجة إلاَّ عليه وعلى مقلديه لا على المجتهدين، كما هو التحقيق، على أن الذي يبدو من الرواية المذكورة تشكيك الخليفة في قيمة روايتها، وهو أجنبي عن جواز التخصيص بخبر الثقة وعدمه، فلا تصلح للاستدلال بها أصلاً، والذي يظهر من إقرار الخليفة عمر للخليفة الأول في تخصيصه لآية المواريث بخبره الذي انفرد بنقله: (نحن معاشر الانبياء لا نورث)، وعدم الانكار عليه، أنه من القائلين بجواز التخصيص بخبر الآحاد.
ودعوى الخضري([563]) أن هذا الحديث ونظائره قد يكون مستفيضاً إلى درجة توجب القطع، غريبة، لأنها تصادم كلما صحَّ نقله في هذا الباب من انفراد الخليفة بنقله([564]).
وما يقال عن التخصيص يقال عن التقييد بأخبار الآحاد لمطلقات الكتاب، والحديث فيهما واحد.
وإذا صحَّ هذا لم نعد بحاجة إلى استعراض ما طرأ على آية {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ونظائرها من الآيات من التخصيصات المأثورة بأخبار الآحاد، والمقرة من قبل الصحابة، كما أنّا لم نعد بحاجة إلى مناقشة الحنفية في تفصيلهم الذي لا يعرف له مأخذ يمكن الركون إليه.
ويراد من النسخ ـ على ما هو التحقيق في مفهومه ـ: رفع الحكم في مقام الإثبات عن الأزمنة اللاحقة مع ارتفاعه في مقام الثبوت لارتفاع ملاكه، وهو لا يتأتى إلاَّ في الاحكام التي تؤدي بصيغ العموم، أو كل ما يدل عليه ـ ولو بمعونة القرائن ـ من حيث التعميم لجميع الأزمنة.
وارتفاع الأحكام التي تقيد بوقت معين لانتهاء وقتها لا يسمى نسخاً اصطلاحاً، وقد أحاله فريق لادلة عقلية لا تنهض بذلك وسرها الجهل بحقيقته، بتخيل ان الرفع واقع في مقام الثبوت بعد وضع الحكم على الازمان اللاحقة للعلم الحادث بتبدل المصلحة مما يوجب نسبة الجهل إلى الله تعالى وتقدس عما يتخيلون، بينما هو في واقعه لا يتجاوز مقام الإثبات لمصلحة التدرج في التبليغ، والحكم ابتداء لم يجعل إلاَّ على قدر توفر الملاك فيه، والمصلحة والمفسدة اللذان هما ملاكا الاحكام مما يتأثران بعوامل الزمان والمكان قطعاً، وسيأتي ايضاح أنهما ليسا من قبيل الحسن والقبح الذاتيّين دائماً ليلزم الخلف، والحكم في الازمنة اللاحقة لم يثبت في مقام الجعل ليقال كيف يرتفع الحكم الثابت مع ما يلزم من فرض إثبات صفة الثبوت له.
والحقيقة أن النسخ لا يتجاوز الأخبار عن عدم تحقق الملاك في الأزمنة اللاحقة، الملازم لارتفاع الحكم ثبوتاً وإن أدى بصيغ الرفع في مقام التبليغ.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى إمكانه وأجمع المسلمون على وقوعه، ولم ينقل الخلاف إلاَّ عن أبي مسلم الأصفهاني «ولم يحقق الناقلون مذهبه»([565]) وقد استظهر الخضري «أن خلاف أبي مسلم إنما هو في نسخ نصوص القرآن، فهو يرى أن القرآن كله محكم لا تبديل لكلمات الله»([566]) وما أدري ما قيمة هذا الكلام بعد تصريح القرآن بإمكان النسخ في آياته {مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}([567]) على أن النسخ المدعى هنا ليس هو تبديلاً لكلمات الله وإنما هو شرح للمراد منها وتقييد أو تخصيص لظهوراتها، ثم ليس فيها مصادمة لنص لا يحتمل الخلاف، وحاشا لله أن يكذب نفسه أو ولياً من أوليائه المبلغين عنه([568])، وما قلناه أو قالوه عن التخصيص يقال عن النسخ.
وهذا من الامور التي تكاد تكون بديهية بين المسلمين فلا تحتاج إلى اطالة حديث، والظاهر ان النسخ واقع في الكتاب من الكتاب ومن السنة على خلاف في قلة وكثرة الاحكام التي يدعى لها النسخ، وقد استعرض استاذنا الخوئي(قدس سره) في كتابه ” البيان ” كل ما قيل عن الايات المنسوخة وحاكمه بجهد ولم يجد فيها ما يصلح ان يكون منسوخاً إلاَّ أقل القليل .
والخلاف الذي وقع انما هو في امكان نسخ الاحكام ـ المقطوعة أسانيدها كالاحكام الكتابية والمتواترة من السنة ـ بأخبار الاحاد، وأكثرية المسلمين على المنع وربما ادعي عليه الاجماع، وأهم ما لديهم من الشبه هي شبهة ان الظني لا يقاوم القطعي فيبطله، وهي شبهة عرفت قيمتها في الحديث عن التخصيص لعدم المعارضة بينهما، لأن الدليل الناسخ لا يزيد على كونه شارحاً للمراد من الدليل المنسوخ وقرينة على عدم ارادة الظهور وحاله حال التخصيص، على ان الخبر وان كان ظنياً في طريقه، إلاَّ أنه مقطوع الحجية للادلة السابقة، ومع الغض وافتراض المعارضة فانها في الحقيقة قائمة بين ظنين لا بين قطعي وظني، أي بين ظنية الدلالة في مقطوع السند وظنية الطريق .
ولعل منشأ الاجماع المدعى أو اتفاق الاكثرية انما هو في وضع حد لما يمكن ان يقع من التسامح في دعوى النسخ وإبطال الاحكام لمجرد ورود خبر ما، وهو عمل في موضعه وربما استدعته صيانة الشريعة عن عبث المتلاعبين بأحكام الله والوقوف دون تصرفاتهم، وعلى الاخص وان في الدخلاء على الإسلام من تمثل بصورة القديسين ليتسنى له هدم الإسلام وتقويض قواعده.
من الكلمات المألوفة على ألسنة كثير من الأصوليين أن رتبة السنّة متأخرة عن رتبة الكتاب في الاعتبار .
وهو كلام لا أعرف له مدلولاً يمكن الاطمئنان اليه لاضطراب في تحديد معنى الرتبة هنا، فالذي يظهر من بعض أقوالهم أن مرادهم بها إن تقدم الكتاب على السنّة من قبيل تقدم الحاكم على المحكوم، أي مع وجود دليل من الكتاب لا ينظر إلى السنّة ولا تلتمس كدليل، وهي أشبه بما ذكرنا من التقدم الرتبي لأدلة الإمارات على الأصول، ولكن بعضها الآخر يبدو منه أن المراد منها هو السبق الرتبي من حيث الشرف والأهمية، ووجودها أقرب إلى الوجود الظلي بالنسبة للكتاب، وفي ثالث من الأقوال إن الكتاب يقدم عليها عند التعارض فسبقه الرتبي من حيث أرجحيته في هذا الباب.
ومن أدلتهم على هذا السبق الرتبي تتضح وجهات النظر، وإن كان قد جمع بعض المتأخرين بين هذه الأدلة وكأنها مساقة لمبنى واحد، في تفسيرها لا لمباني متعددة .
وأول هذه الأدلة: قولهم: «إن الكتاب مقطوع والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح على الجملة لا على التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به على الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون، ولعله لا يوجد من متواترها القولي شيء»([569]).
وهذا الدليل يصلح للقول الثالث أي تقديم الكتاب على السنة عند المعارضة لا مطلقاً، إذ لا معنى لرفع اليد عن المظنون بالمقطوع مع عدم المعارضة، وكلاهما حجة كما هو الفرض .
والمعارضة لا تتعقل بين الكتاب والسنة بما هي قول أو فعل أو تقرير، لاستحالة تناقض الشارع على نفسه، وإنما تمكن في الاخبار الحاكية لها، وعليها يقتضي أن تحرر المسألة في تقدم الكتاب على أخبار الآحاد لا على السنة.
وقد سبق أن أيدنا دعوى من يذهب إلى طرح الأخبار إذا خالفت الكتاب ولم يمكن الجمع بينها وبينه، لنفس هذا الدليل وللأخبار الآمرة بطرح ما يخالف الكتاب.
ثانيها: قولهم: «إن السنة، إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك، فإن كانت بياناً فالبيان تال للمبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان لا العكس، وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم، وإن لم يكن بياناً فلا يعتبر إلاَّ بعد أن لا يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب»([570])، وهذا الدليل يصلح للاستدلال به على التقديم من حيث الشرف والأولوية، لا من حيث الاقتصار على الكتاب مع وجوده، لعدم إمكان الاستغناء عن البيان بحال، وما دامت السنة بياناً للكتاب فهي متممة للاستدلال به، بل كلاهما يكونان دليلاً واحداً، لبداهة أن ما يحتاج إلى البيان لا ينهض بالدليلية إلاَّ به، ولكن اعتبار التقدم في الرتبة على أساس التفاضل في المكانة لا معنى لادراجه في مباحث الاصول والتماس الأدلة له لعدم إعطائه أية ثمرة عملية في مجالات الاستنباط.
ثالثها: «ما دل على ذلك من الأخبار كحديث معاذ وأثر عمر، اللذين تقدم ذكرهما، ومثله عن ابن مسعود: «من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومثل ذلك عن ابن عباس وهو كثير في كلام السلف والعلماء وهو الوجه في تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب»([571]) وهذا الدليل صالح للدلالة على المبنى الأول في التقدم الرتبي، أي مع قيامه لا ينظر إلى السنة ولا تعتبر دليلاً.
وهذا المذهب من أغرب المذاهب، إذ كيف يعقل الاستغناء بالكتاب عن السنة ومنها بيانه وشروحه وشروط أحكامه وأدلتها؟ فهل يكتفي ابن مسعود أو عمر أو ابن عباس، لو صح عنهم ذلك، بالرجوع إلى الكتاب والاكتفاء به في حكم واحد من الاحكام فضلاً عن جميع ما ورد فيه منها، وهم يعلمون من طريقة الكتاب في البيان هي الاتكال على القرائن المنفصلة، والسنة هي الكفيلة ببيانها؟ وكيف يسوغ لهم العمل بظواهره مع هذا الاحتمال؟
على أن هذه الاقوال لا تصلح للاستدلال بها، لانها لا تمثل أكثر من رأي أصحابها لو أرادوا ظواهرها، وهو بعيد، وهم ليسوا بمعصومين ليجب علينا التعبد بها.
نعم في إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ ما يصلح للاستدلال، باعتبار أن الإقرار من السنة، فالاستدلال بها استدلال بالسنة، إلاَّ أن الكلام في صحة رواية معاذ، وسيأتي في مبحث القياس إثبات أنها من الموضوعات.
فالحق أن السنة في مجالات الاستدلال صنو للكتاب وفي رتبته، بل هما واحد من حيث انتسابهما إلى المشرع الأول وهو الله عز وجل، ولا يمكن الاستغناء به عنها، وما أروع ما قاله الأوزاعي: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، وذلك لأنها تبين المراد منه»([572]). وقال رجل لمطرف بن عبدالله: لا تحدثونا إلاَّ بالقرآن، فقال: «والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا»([573]).
ومن هذا العرض ندرك أن هذه الأدلة لا تصلح ان تكون لمبنى واحد.
(راجع الحديث، وراجع الإجماع، وراجع: حديث الثقلين).
محمد تقي الحكيم
السند
ـ1ـ
تقع منطقة السند جنوب البنجاب وشرق بلوجستان، وفيها تسع مدن كبرى: كراتشي وجيك آباد وسكهر لارنكه ونواب شاه وخيربور وحيدر آباد وتتّه وداوَد وشهر پاركر ولغة السند هي اللغة السندية وللغات الراجتهانية والپلوچية والبنجابية والكجراتية مكان فيها. هذا عدا الأردوية التي هي لغة الپاكستان الأولى.
كان من المظنون أنّ التاريخ المسطور لأرض السند إنّما يبدو بالغزو المقدوني عندما دانت الأرض للإسكندر الأكبر ولكن حفريات منطقة (موهين ـ جو ـ دارو) وفي مناطق أخرى غيرها، دلت على أنّ هذا التاريخ يرجع إلى (3250ـ2750) قبل الميلاد وأنّه كانت في البلاد مدينة عاصرت الحضارتين على النيل وفيما بين النهرين.
وقد دلّت الحفريات بين سنة 1922 وبين سنة 1932 أنّ سكان منطقة (موهين ـ جو ـ دارو) عاشوا في العصر النيلوثي الأعلى وأنّهم استخدموا الحجارة والنحاس والبرونز ولكنّهم لم يعرفوا الحديد ومشتقاته كما دلّت على أنّهم عملوا في الزراعة ونقلوا متاجرهم إلى مناطق بعيدة، فقد وجدت نماذج من فخار حضارة السند في بلوجستان وبلاد النهرين، كما دلّت الآثار التي أخرجت من باطن الأرض على أنّهم كانوا مهرة في صناعة الحلي من الذهب والفضة بل أنّ بعض هذه النماذج تبرز الصناعات الحديثة فضلاً عن أن تكون من نتاج يرجع إلى خمسة آلاف عام، وأنّهم عرفوا الغزل والنسيج والكلمة البابلية لقماش «الموسلين» هي «سندهار» نسبة إلى أرض السند، وقد أحيطت الموميات المصرية القديمة في «موسلين» من نسيج أرض السند.
وكشفت الحفريات أنّ الناس كانوا يقيمون في دور مشيّدة من الحجارة وأنّ كلاً من المدن الكبرى كانت بها بئر خاصة بها، وأنّه كانت في كلّ من هذه الدور غرفة للاستحمام مرصوفة، كما وجدوا أماكن عامّة للاستحمام أعدّت فيها وسائل لتصريف المياه في طراز ممتاز في هندسة البناء.
في الطابق الأرضي من البناء الذي تحت القبة
وقد لا يكون من محل هنا لمناقشة صورة الحياة بين سكان منطقة «موهين ـ جو ـ دارو» ولا معتقداتهم الدينية وصناعاتهم اليدوية وغير هذا من المسائل المماثلة، ولكن الظاهرة البارزة هي أنّ هؤلاء الناس قد أوجدوا نوعاً من الكفاية التصويرية، أي الكتابة باستخدام الصور، ولكن ما وصلنا من هذه الرسوم ليس بالكثرة التي تمكنا من أن نخرج بتاريخ كامل لمدد طويلة من حياة الشعب.
وقد دلّت الحفريات في مناطق أخرى على استمرار حضارة أرض السند لقرون وقرون.
ولكن السؤال المحير… ماذا حدث في العصر الذي تبع انتهاء حضارة السند؟… فإنّ كلّ مناطق الحفريات لم تقدم شيئاً يمكن منه تعقب حياة الناس بين نهاية عصر حضارة السند وبين غزو الإسكندر، ولقد قيل بأنّ هذه الخرائب في أماكن المدن القديمة إنّما هي بقايا تدمير هذه المدن بوساطة القبائل الآرية في هجراتها المتتالية أو أنّها خربت نتيجة لفيضان النهر وانصراف الناس من السهل إلى الجبل، ولكن على أيّة حال فإنّ هذه المدن لم تسكن ثانية منذ أن دمرت وتركت في صمتها الغريب لا تتحدّث عن ماضيها المجيد.
وفي قرابة سنة 500 قبل الميلاد بعث دارا (520ـ485ق.م.) بحملة لإثبات إمكان إيجاد طريق بحري بين مصب نهر السند وبين فارس، وقد ضاعت تفاصيل هذه الرحلة، ولكن المعلومات التي أمكن جمعها تدل على أنّ دارا تمكن من أن يضم وادي السند إلى الإمبراطورية الفارسية، ويقال إنّ أحد خلفائه (باهمان داردست) 465ق.م. هو الذي شيد مدينة باهمان آباد، التي تقع الآن خرائبها على مسافة ستة أميال للشرق من شهدادبور.
وبعد ما يقرب من القرن دخل الإسكندر الأكبر أرض السند، وقد دان له بعض الملوك بالولاء، ورفع البعض علم الثورة واندفعوا بقواتهم لسد طريق الغزاة، ونلقى في السجلات الإغريقية التي وصفت حملة الإسكندر للشرق الكثير عن الحديث عن الناس وصور حياتهم، وكيف أنّهم مع وجود مناجم الذهب والفضة في بلادهم لم يستخدموا منها، وكيف أنّهم (لم يعرفوا استخدام العبيد، وأنّهم كانوا يستخدمون في دورهم صغاراً في سن الورود)، وأنّهم لم يكونوا يدرسون أياً من العلوم غير علم الطب وعلاج الأمراض، وأنّهم قد عرفوا واشتهروا بأنّه لم تكن لهم أي دور للقضاء إلاّ تلك التي تنظر جرائم القتل أو جرائم العنف بصورة عامّة، وأنّ غير هذا من الخلافات كان يعالج بالتحكيم بين الأهلين.
وقد سار الإسكندر جنوباً حتّى وصل إلى مصب نهر السند حيث أشار ببناء ميناء بحري، وبعد أن استكشف كلا فرعي دلتا النهر عاد إلى بلاد النهرين تاركاً قائد أسطوله ليعود بحراً إلى الخليج الفارسي.
وعلى أنّه ما أن أدار الإسكندر ظهره لأرض السند حتّى ثار الأمراء ولكن بموت الإسكندر تقسمت مملكته بين نفر من قادته وبقي بعض رجال الإسكندر في أرض السند حتّى سنة 317 قبل الميلاد، وتبدّدت مع الهواء كلّ أحلام الإسكندر بإنشاء دولة إغريقية في بلاد الهند.
وقد تولّى قيادة الثورة مخاطر في العمر اسمه شاندرا جوبتا، ويقال إنّ هذا الشاب كان قد قابل الإسكندر وأنّه قد ناقشه في رأيه بأنّه لو كان قد تابع سيره إلى ما وراء السند كانت كلّ بلاد الهند قد دانت له، ولهذا فلم يكد شاندرا جوبتا يتخلص من بقايا الإغريق حتّى جمع جمعاً من رجاله من و لاية الحدود الشمالية الغربية واحتل البنجاب والسند وفي حكمه جاء مبعوث إغريقي اسمه «ميجاستينيس» وأقام بعض الوقت في «باثا ليبوثرا» التي تعرف الآن باسم «باتنا»، وكتب هذا الرجل وصفاً جغرافياً للإمبراطورية الهندية في ذلك العصر.
ومن غير المعروف ما إذا كان جوبتا قد عزل عن العرش أو مات سنة 298 قبل الميلاد، وخلفه من بعده ولده أسوكا (272ـ250) قبل الميلاد وقد استطاع أسوكا أن يسيطر على كلّ الهند، سيطرة يبدو أنّ طابعها كان قيام حكم ذاتي شبه استقلالي في الولايات البعيدة عن حاضرة الإمبراطورية في «باتاليبوترا»، وكان الناس يعيشون في سعادة ورخاء، ويقال إن «أبواجوتبا» أحد كبار رجال أسوكا قد قام ببعض رحلات إلى بلاد السند يبدو أثرها في المظاهر البوذية الواضحة في البلاد.
وسبّب موت أسوكا سنة 250 قبل الميلاد تفكك وحدة إمبراطوريته وبدأ عصر من الغزوات الداخلية، على أنّه في أثناء هذا كانت تحدث في الصين عدّة حوادث كان لها أثرها في مستقبل أرض السند، هذه الحوادث هي التحركات نحو الغرب، التحركات التي قامت بها قبائل الهون قريباً سنة 165 قبل الميلاد، ومع أنّ تحرّكهم كان بطيئاً تعرقله محاولات بعض الأمراء إلاّ أنّهم نجحوا في الوصول إلى أرض السند في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد وأوائل القرن الأوّل الميلادي، ووصلوا في زحفهم إلى طرف وادي السند الجنوب.
وكان أوّل انتصار للمسلمين بالسند سنة 93 هجرية. والسند اليوم مقاطعة من مقاطعات باكستان قاعدتها مدينة كراتشي.
محمد عبد الفتاح إبراهيم
السند
ـ2ـ
تقع السند على نهر (الإندوس) وتمتد من كراتشي إلى ملتان، وهي تشكل الآن القسم الجنوبي من الباكستان وقد فتحها العرب عام 711 للميلاد وصارت مركزاً للعلوم والدراسات الإسلامية في عهد العباسيين ومن أتوا بعدهم.
كانت تدعى السند، منذ قرون طويلة «مملكة الأولياء»، وإنّنا لنعثر في الأدب الشعبي السندي على مئات الحكايات وآلاف الأبيات حول كرامات هؤلاء الأولياء الذين استوطنوا السند منذ القرن الثالث عشر للميلاد، ومنهم الرجال والنساء… ونجد في نفس المنطقة حكايات شعبية حزينة تدور حول حياة مشاهير العشاق ومماتهم، فمنهم «سسي وپنهون» و«عمر ومرئي» و«سهنى ومهنوال» و«ليلا جنيسر» وغيرهم كثيرون. وجدير بالذكر أنّ المرأة تلعب دور المبادرة في هذه الحكايات، فهي التي تعشق وتشتاق، وهي التي تذهب إلى الصحراء وتسبح في البحر حتّى تجد المعشوق المفقود وحتّى تموت في عرض الطريق، غارقة في البحر أو جوعانة في الصحراء…
كان المتصوفون في السند يرمزون بهاتيك النسوة العائقات لقلب الإنسان المشتاق إلى الله فإذا به لا ينال سعادة الوصال إلاّ في لحظة الموت. ولا يزال يترنم بهذه الأشعار الصوفية كلّ ناطق بالسندية حتّى هذه الأيام.
كانت منطقة السند من ناحية أخرى مركزاً للأدب الإسلامي وثقافة العلماء والفقهاء، ونجد في القرون الأولى للهجرة كتب التفسير والحديث وسائر العلوم بالعربية، ثمّ يبدأ رواج الأدب الفارسي بعد القرن الثاني عشر في السند، إذ يعد لسان المؤرخين وشعراء البلاط والمصنفين المتصوفين، وقد استمرّت الحال على ذلك حتّى أواسط القرن التاسع عشر. أمّا اللغة السندية فاستعملها المتصوفون في أبياتهم التي كانوا يلقونها في مجالس السماع؛ ثمّ أنّ مخدوم محمد هاشم قد راح في أوائل القرن الثامن عشر ينظم قصص محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحكايات الصالحين بلغة عامية كي يسهل حفظها على الأطفال المسلمين… حتّى إنّ بعض معاصري مخدوم محمد هاشم قاموا بترجمة بعض سور القرآن الكريم إلى السندية، وكانت اللغة السندية تدون في ذلك الوقت بالحروف العربية عند المسلمين والحروف الديواناگرية عند الهندوس، والخط «الخواجكي» عند الإسماعيليين، وخط «الگورمكهي» لدى جماعة «السكه»، وكان كل واحد يستعمل من الحروف ما سهل عليه. ثم، بعد أن فتح الإنكليز ولاية السند عام 1843 أفردوا للسندية الخط العربي مزوداً بالنقط الزائدة وذلك في عام 1852، وطبع الكتاب الأوّل ـ طبعاً على الحجر ـ بهذه الحروف الرسمية عام. 1853 في مدينة كراتشي. وفي السند الكثير من الشيعة، وفيهم الشعراء المجيدون باللغة السندية لا سيما في المدائح العلوية والمراثي الحسينية.
سنغافورا
ـ1ـ
تقع سنغافورة في جنوب شرقي آسيا، وقد اكتشفها سنة 1819 البريطاني ستامغور رافلس. وهي تتألف من جزيرة سنغافورة ومجموعة جزر صغيرة أخرى، مساحتها 596.8 كيلومتر مربع، وعدد سكانها مليونان ونصف المليون. ظلت سنغافورة تحت الحكم البريطاني حتى سنة 1942 حين احتلتها القوات اليابانية، ثم عادت فاسترجعتها بريطانيا سنة 1945 وفي سنة 1946 أصبحت سنغافورة مستعمرة منفصلة تابعة للتاج البريطاني، وفي سنة 1949 أجريت أول انتخابات بموجب الدستور الجديد الذي كرّس لسنغافورة الحكم الذاتي.
وفي سنة 1963 انشيء الاتحاد مع ماليزيا. وفي 9 آب 1965 وبالاتفاق مع ماليزيا انسحبت سنغافورة من الاتحاد وأصبحت دولة مستقلة ذات سيادة وفي 21 أيلول سنة 1965 انضمت إلى الامم المتحدة وأصبحت العضو 117 وفي 25 تشرين الأول سنة 1965 التحقت بالكومنولث البريطاني وحملت الرقم 22 فيه وفي 22 كانون الأول 1965 أصبحت جمهورية ديمقراطية برلمانية على رأسها رئيس منتخب ينتخب كل أربع سنوات، ولها برلمان ينتخب أعضاؤه كل 5 سنوات.
إن 76% من سكانها صينيون و15% ماليزيون و7 في المئة هنود.
يعتمد اقتصاد سنغافورة على التجارة في الأساس وقسم كبير من تجارتها تتعاطاه مع أندونيسيا. أهم صادراتها النفط الذي يشكل 21 في المئة من المجموع. وأهم زبائنها ماليزيا التي تستورد 23 في المئة من نفطها، ثمّ الولايات المتحدة 12 في المئة، وفيتنام الجنوبية 7 في المئة واليابان 7 في المئة. وتعتمد صناعتها على تكرير النفط وبناء السفن.
كانت مهجراً لفريق من الأشراف الحضارمة الشيعة من أبرزهم السيد محمد بن عقيل صاحب كتاب «النصائح الكافية» و«العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل» و«احاديث المختار في معالي الكرار» وغيرها. وقد أنشأ فيها دعوة إسلامية اصلاحية امتدت حتى شملت أندونيسيا وغيرها وأقام الجمعيات وأسس المدارس وأصدر مجلة عربية سمّاها «الإمام» سنة 1324 «1906م» وصدرت بمساعيه جريدة الإصلاح سنة 1326.
وفي سنغافورا يقول السيد أبو بكر بن شهاب أستاذ السيد محمد بن عقيل:
مدينة سنغفورا حيـن تـبدو
مـعالمها ترى السُّوحَ الرحيبا
فحياها الحيا الوسمـيُّ حتى
يغـادر سفـحَها أبداً خصيبـا
قصور لا يلم بـهـا قصور
ودور بـالـبـدور نفحن طيبا
ولم تسمع إذا ما طـفت إلا
حمـامـاً ساجعاً أو عندليـباً
وبالعُرب الكرام الساكـنيها
من المجد اكتست بُرداً قـشيبا
إذا عاينتهم لم تلق إلا
شقيقاً للمعالي أو ربيبا
قصارى همه أخذ بأدي
كرام النفس أو يؤوي غريبا
ينزه نفسه الغراء عن أن
يجر لها وحاشاه العيوبا
بني الزهراء والكرار أعني
أبا الحسنين والأسد الغضوبا
ملوك في النهار وفي الدجى عن
مضاجعهم يجافون الجنوبا
وجوه بالمكـارم مُسْفِراتٌ
سمت عن أن ترى فيها شحوبا
طباعهم دعتهم للمعالي
فسل من علم الليث الوثوبا
إذا عض الزمان لهم نزيلاً
مـن الدهر استقادوا أن يتوبا
فلم أك إن نظمت الدر بدعا
ولست إذا مدحتهم كذوبا
سنغافورا
ـ2ـ
تقع جزيرة سنغافورة على بعد 136 كلم شمال الخط الاستوائي وتغطي مساحة 624.4 كلم مربع بما فيها الجزر الصغيرة ويبلغ عددها 58. أمّا سكانها فيتوزعون هكذا: 76% من الصينيين، 15% من الملايين، 6.5% من سكان الهند و2.5 من الآسيويين وغيرهم.
لقد أسست هذه الجزيرة عام 1298 لتكون مرفأ لماليزيا ثمّ اشتراها البريطانيون عام 1819. في الحرب العالمية الثانية، احتلها اليابانيون وأعلنت مقاطعة 22د/ زية عام 1963 ولم تنل استقلالها إلاّ عام 1965.
لقد حاولت سنغافور تجسيد أساطير هذا الجزء من العالم وأحيتها بتشييد مدن وصنع هدايا. أهم ما قامت به حكومة سنغافورة لتجعل من هذه الجزيرة مقصداً للسياح: جزيرة «سنتوزا» أو «Sentosa Island»، الحي الصيني والمعبد الهندي مدينة سلالة «تانغ» «Tang» وأخيراً طريق «أورتشرد» أو «Orchard Road» أهم شارع للتبضع حيث الأساطير في محلات «تانغز» «Tangs».
فسنغافورة مرفأ «ترانزيت» وتستورد الحرائر من الصين وتايلندا، الكاميرات والستيريوهات من اليابان، الكومبيوتر من تايوان، الألبسة الرياضية من كوريا، الكومباكت ديسك «Compact Disk» من الولايات المتحدة، العطور من باريس…
وتقع جزيرة «سنتوزا إيلاند» على بُعد نصف كلم جنوب سنغافورة. في بادئ الأمر كانت قرية صيد ثمّ استعملت كحصن وقاعدة بريطانية إلى أنّ انسحبت جيوش بريطانيا عام 1967. في العام 1968 تسلمتها الحكومة السنغافورية وجعلتها منتجعاً سياحياً للمحليين والسواح وأطلقت عليها اسم «Sentosa» الذي يعني «السلام والهدوء».
وفي المعبد الهندي، الأصنام المتعددة الألوان. يتعالى الصراخ والنار من داخل المعبد. أمّا عيون الأصنام فلشدّة سوادها كأنّها تحاول الإيحاء بالخوف للناظر إليها وبالرهبة. إنّ الجهة المكشوفة في المعبد تضم أصناماً وفي وسط باحتها مجموعة من الأعشاب التي يحرم على غير المؤمن لمسها. أمّا المؤمن فيقف بقربها وفي عينيه الرجاء. تشعر عندئذ وكأنّ الوقت والزمن عادا بك إلى أيام الوثنيين.
وفي الحي الصيني تشعر كأنّك في فيلم أميركي فالصمت سائد والنظرات تلاحقك. وعندما تدخل متاجر الصينيين تتذكر روايات «ييرل بوك Buk». فمهما حاولت أن تكلمهم بالإنكليزية وعلى رغم إجادتهم لها، لا يجيبونك إلاّ بالإيماءات… يعطونك ما تطلب فقط، وإذا ما سألتهم عن الفاكهة أو المأكولات المجففة التي لا تراها إلاّ في هذا الحي، يجيبنونك بفائدتها أمّا اسمها فلن تحفظه أبداً… في متاجر الأصنام تستمتع إلى أروع الموسيقى الصينية وترى أجمل أشخاص بوذا وصبياً صغيراً يكتب، يرسم، ينحت، يعزف الموسيقى… على طريق النضج والمسؤولية.
كلّما تقدّمت في الشارع الصيني تحوّلت تصاميم غريبة وتجد نفسك أمام الـ «Mall» أو المخزن الذي تجد فيه احتياجاتك كلّها، وحيث عليك أن تحاول الحصول على أفضل سعر. فقد تتمكن من شراء كل ما تريده بأقل من نصف ثمنه: الجدال حول الأسعار هو من ميزات هذا البلد، فهم من هواة الشراء أو الـ «Shopping» والطعام.
وزيارة مدينة سلالة تانغ أو Tang Oynasty City عودة إلى الصين القديمة. فهذه المدينة تعود بك 1300 عام إلى الوراء. تحملك إلى عصر الصين الذهبي. وقد كلّف هذا المنتزه 100 مليون دولار سنغافوري، فهو تاريخي وترفيهي.
إنّ الفترة التي تميّزت بوجود سلالة تانغ تعتبر عظيمة، حتّى أنّ الصينيين في العالم كلّه يطلقون على أنفسهم اسم «تانغ رن» أو شعب تانغ «Tang Ren».
في متحف الشمع تقابل 100 شخصية مشهورة من تاريخ الصين كـ «كونفوشيوس» (Confocius» (قبل المسيح (551 -479) وجنكيز خان القائد المغولي من القرن الثاني عشر و«فوزيتيان» الحاكمة الوحيدة في الصين… وجميع هذه «الشخصيات» في حجمها الطبيعي، وليست مصغرة.
و«أورتشرد ستريت» شارع مخصص لهواة الشراة وما تجد فيه لا تجده في أي بلد في العالم هل سمعت يوماً بسوبرماركت للآلات الإلكترونية متعدد الطبقات، ليس فيه إلاّ كل ما هو إلكتروني وكلّ التصاميم الجديدة للتلفونات و…؟ كما تجد فيه أقدم الفنادق وأجملها لقرميدها الأخضر وساعات الـ Swatch وغيرها بحجم تمثال الشهداء يتوسط باحة إحدى ناطحات السحاب…
وفي متجر «تانغز» «Tangs» تسحرك أساطير الشرق الاقصى ورموزه.
في هذا المتجر لقاء مع الآلهة والرموز التي يؤمن بها أبناء الجزيرة من آلهة الحظ السبعة وبيضة الوز أو الدجاج أو طائر السمن إلى السمكة والجوزة والحصان فزهرة الـ «Orchidee» الوطنية الرائعة الجمال والمختلفة الأنواع…
لطالما عنت البيضة الحياة والإشراق والبدايات الجديدة. ففي ما مضى كان يعتقد أنّه إذا ما استطاع امرؤ أن يبقيها مستقيمة إلى عشية المهرجان الذي يقام بمناسبة تنين الباخرة، الواقع في اليوم الخامس من الشهر الخامس قمري يكتب له الحظ الجيد والشهرة والثراء. وفي هذا المتجر لا ترى بيضة تشبه الأخرى، ومهما حاولت لن تستطيع أن تثنيها عن البقاء مستقيمة ثم تلفت نظرك علبة كتب عليها «Stress reliever» وتعني هذه العبارة «إزالة التوتر والتشنج» وعندما تبحث في داخلها تكتشف جوزة. نعم جوزة كان الصينيون وما زال بعضهم حتّى الآن يضعونها في كف أياديهم ويتمرنون بالضغط عليها. وكان من شأن ذلك أنّ يشفيهم من الرجفة ويريح عضلاتهم وينشط الدورة الدموية… وعنت دائماً الحياة الطويلة.
وتشعر بالفعل أنّك من القطب الثاني من الأرض حيث تكتشف أنّ الصديق الوفي للإنسان من بين الحيوانات ليس الكلب بل الحصان، وإنّه لولاه في اعتقاد الصينيين، لما كانت الحضارة على ما هي عليه. فهو يمثل الخيروالنبل والقوة والتنكّر للذات، والوفاء… في كل الثقافات والديانات.
وتقع تحت ناظريك مجموعة من المجوهرات الرفيعة الذوق ببساطتها وأناقتها، فتكتشف أنّها مصنوعة من وردة الـ «أوركيدة» «Orchedee» الحقيقية المطلية بالذهب الأسود والأصفر أو بالذهب والفضة أو بالذهب الأصفر الخالص فقط.
وفي سنغافورة تتعايش الثقافات والديانات على اختلافها فترى الجامع والكاتدرائية والمعبد الهندي والبوذي… وكأنّها تستمد انسجامها من حكمة الطبيعة التي تحتضنها والتي على رغم التناقضات التي تحويها تؤلف وحدة من الجمال والروعة والخلق. وجزيرة سنغافورة نموذج لما يمكن أن تكوّنه مدينة نهاية القرن العشرين، فهي تجمع بين الحضارة الغربية لعمرانها والأساطير التي تحييها وتستمد منها استمراريتها.
سنغافورا
ـ3ـ
في الأمس كانت المكان الذي تجمع فيه الماليزيون والصينيون والهنود والعرب ليتبادلوا التجارة في ظل التاج البريطاني عند خط الاستواء في وسط العالم، وسقطت الإمبراطورية، وبقيت المعالم والذكريات، اليوم هي جزء من لا شيء، لا مكان عندها تذهب إليه، ولا بلد تستطيع الانتماء إليه.
لقد عرفت سنغافورة أياماً من العز ومن الخوف ومن المجد ومن الفقر. كانت مستعمرة بريطانية حافظت على التراث الڤيكتوري إلى ما بعد إنزال العلم المربع الألوان وانهارت هذه القلعة في الأشهر الأولى من حرب المحيط الهادي أمام الجحافل اليابانية. وتعرّضت في العام 1948 وما بعده لمحاولات الغزو الشيوعي يوم كانت الصين تحاول عن طريق «حرب التحرير الشعبية» أن تضم الملايو إلى مناطق نفوذها. ودخلت في اتحاد فيديرالي مع الملايو وسراواك وصباح تحت اسم ماليزيا عام 1963. ثمّ أصبحت جزيرة صغيرة ومراحل عدّة مرّت فيها الجزيرة الفريدة والغريبة.
هذه الجزيرة الصغيرة التي يتجاوز طولها 26 ميلاً وعرضها 14 ميلاً، محاطة باجزء صغيرة صغيرة غير مسكونة، ليس لها ماء تشربه إلاّ ما تجره الأنابيب عبر الطريق الضيق فوق البحر من هضاب جوهور. الأنابيب نصفها تملكه ماليزيا، واستطاعت الشخصية الصينية المميزة لسكان هذه الجزيرة، إلى جانب الخليط العجيب من الشعوب الأخرى التي فيها، أن تجعل منها الدولة الثانية في آسيا بعد اليابان في الدخل القومي، متخطية بذلك تايوان. صحيح ـ كما تقول الكتب السياحية ـ إنّ سنغافورة بلد متعدد الشعوب، إلا أنّ كل أربعة أشخاص من أصل خمسة هم صينيون تسمع الصينية في مختلف لهجاتها (الماندرين والكانتونية) إلى جانب الماليزية والتاميلية (لغة سيلان وجنوب الهند) والهندية والأوردية والعربية. وتبقى الإنكليزية القاسم المشترك بين السنغافوريين إلى جانب كونها لغة الحكومة والإدارة والتجارة والدواوين تحس كأنها مزيج من مدن عدّة: برايتون في إنكلترا. لاهور في باكستان. عدن في اليمن. بومباي في الهند. أمطارها الموسمية تهطل في أي لحظة، وشمسها تسطع بعد دقائق. مبانيها خليط من الطراز الاستعماري والهندسة المعمارية الحديثة. في شارع آخر تتصوّر أنّك في نيويورك. إلاّ أنّها توحي لك باستمرار بأنك في آسيا. في الصباح الباكر تسمع المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، وعند الظهر تسمع طبول الصاج تقرع أمام المعابد الهندوسية، وعند المغيب تضج بأجراس الرهبان البوذيين. خليط عجيب من الألوان والإيمان.
وعندما وصلها البريطانيون لم يكن فيها أكثر من أربعين صينياً يعملون في الزراعة و150 ماليزياً يعملون في الصيد. وسرعان ما توافدت هجرات متعاقبة بسبب الغزوات والحروب، واستقروا في شوارعهم ومنازلهم، الخاصة، ناقلين معهم لهجاتهم وأطعمتهم وعاداتهم وآلهتهم واحتفالاتهم. أعادوا بناء صين جديدة صغيرة هي أقرب ما تكون إلى الصين الحقيقية التي عرفوها في مطلع هذا القرن. كذلك نقلوا خلافاتهم السياسية وعصاباتهم وجمعياتهم السرية، والهنود جاءوا إلى سنغافورة في أوائل القرن التاسع عشر مع رافلز والمستعمرين الأولين كانوا مجموعة من المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة في بلادهم. فكانت الأيدي العاملة المجانية، ومن بعدها الأيدي العاملة الرخيصة التي بنت معالم سنغافورة المعروفة اليوم، كدار الحكومة وخطوط السكة الحديدية وفتحت الأدغال وعملت في مزارع المطاط. أمّا الماليزيون فقد كانوا سكان الجزيرة قبل أن يصلها الصينيون والهنود. كانوا قليلي العدد يعملون أمّا في القرصنة وأمّا في صيد الأسماك، جاءوا من شبه جزيرة الملايو أو من جزر بورنيو وسيليبيس، وعاشوا على الشواطئ وفي الجزر الصغيرة القريبة، فأعطوا سنغافورة طابعها وملامحها الآسيوية.
تاريخ سنغافورة كما هي اليوم يبدأ في العام 1819 عندما وضعها السير ستامفورد رافلز على الخريطة. إلاّ أنّ جذوره ضاربة في أعماق عصور سابقة. فمركزها الاستراتيجي كمدخل إلى غرب بحر جنوب الصين جعل منها مسرحاً لحضارات عريقة عرفها جنوب شرق آسيا. عرفها الهنود والصينيون واليابانيون والعرب قبل أن يعرفها الأوروبيون. جاءها التجار العرب في القرن الثالث للميلاد من ثلاث جهات: من الخليج ومن البحر الأحمر ومن الهند في طريقهم إلى جزر التوابل التي هي شمال شرق أندونيسيا اليوم. قبل ذلك بكثير جاءها الهنود في القرن السابع قبل الميلاد وفرضوا لغتهم ودينهم وعاداتهم وحضارتهم. بعدهم جاءت موجات الصينيين وأخذت الحضارة الصينية تحتل مكان الحضارة الهندية.
في البداية كان اسمها «تاماسيك» في اللغة الأندونيسية القديمة، أي بلد البحر، وجاء الهنود وغيّروا اسمها إلى سنغافورة في اللغة السنسيكريتية أي مدينة الأسد. وتقول الأسطورة الهندية أنّ الملك راجندرا الأول سمّاها سنغافورة بعدما اصطاد فيها مئة أسد. غير أنّ الأسطورة الماليزية تقول إنّ أميراً من الملايو اسمه سانغ نيلا أوتاما قذفت به الأمواج إلى الجزيرة أثر عاصفة عاتية قلبت مركبه، شاهد عند وصوله إلى الشاطئ حيواناً جميلاً لم ير مثيلاً له من قبل. وعندما سأل ما هو قيل له إنّه أسد. وأعجبته الجزيرة بمقدار ما أعجبه الحيوان، فقرّر أن يبني مدينة في ذلك المكان ويسمّيها سنغافورة ـ مدينة الأسد. والطريف في الأمر أنّ الأسود لا تعيش في جنوب شرق آسيا، خصوصاً في الملايو وسنغافورة، وأنّ الحيوان الشائع هناك هو النمر. لكن هذا لم يمنع أن تبقى سنغافورة عاصمة إمبراطورية «سري فيجايا» في الملايو حتّى دمرها التايلنديون في القرن الرابع عشر. ثمّ غزاها الصينيون في القرن الخامس عشر خلال حكم سلالة «مينغ» حين بدا تثبيت دعائم النفوذ والقوة الصينيين في جنوب شرق آسيا ولم يتغير التاريخ كثيراً حتّى بداية القرن السادس عشر عندما دخلها الأوروبيون باحتلال البرتغال في قيادة الفونسو البوكيرك (الذي احتل مسقط في ما بعد وكان ذلك بداية الغزو البرتغالي للخليج لسلطنة مالاكا في الملايو. وكان هذا إيذاناً بإعلان دخول أوروبا حلبة الصراع الاستعماري في جنوب شرق آسيا). مع السير ستامفورد رافلز ممثل شركة الهند الشرقية الذي وصلها في 8 شباط 1819، ليوقع معاهدة مع سلطان الملايو حسين محمد شاه يسمح بموجبها للشركة بإقامة مركز تجاري عند مصب نهر سنغافورة، وقد اقترن اسمه باسم الجزيرة منذ ذلك التاريخ. وفي العام 1824 وقعت سنغافورة تحت السيادة البريطانية. وفي 1828 انضمت إلى بينانغ ومالاكا لتشكل مجتمعة «محمية المضيق» التي كانت تديرها شركة الهند الشرقية من البنغال. وبتقلص أهمية بينانغ ومالاكا مع الزمن، ازدادت أهمية سنغافورة. وفي 1867 أصبحت محمية مستقلة تحت إشراف وزارة المستعمرات في لندن. وازداد ازدهار سنغافورة بفتح قناة السويس عام 1896 وبانفتاح دولة الملايو وتوسعها في أدغال الداخل. لكن الذي زاد من حظ سنغافورة وازدهارها في تلك الأيام هو اكتشاف شجر المطاط في 1873، والإتيان به إليها من البرازيل. ومرّت عشر سنين قبل أن يقتنع الناس بأهمية زراعة المطاط. وكانت صناعة السيارات قد بدأت في الولايات المتحدة باختراع هنري فورد السيارة الأولى. ومع ظهور مزارع المطاط بدأت الهجرة الهندية الكبرى إلى سنغافورة والملايو، إذ جعل الهنود التاميل يفدون من جنوب الهند وسيلان إلى الجزيرة للعمل في المزارع. وكان ذلك أوّل تحرّكها الاقتصادي ونموّها.
ومع نمو سنغافورة كمركز أوّل للتجارة وقاعدة لقوّة بريطانيا البحرية في جنوب شرق آسيا، بدأ الصراع الدولي يشتد عليها بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. وفي 15 شباط 1942 احتل اليابانيون الجزيرة في سهولة عجيبة، حطمت أسطورة «سنغافورة القلعة» التي اشتهرت خلال الأشهر الأولى للحرب، كما سقطت النظرية العسكرية البريطانية في «الدفاع الثابت»: ركزت القوات البريطانية مدافع ضخمة ثابتة موجهة نحو البحر، وإذا باليابانيين يهاجمونها من البر عبر مضيق جوهور. وهكذا انتهت الفترة الاستعمارية للجزيرة. وكان الاحتلال الياباني كالاحتلال البرتغالي قبل قرنين، بداية تحريك رياح التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آسيا.
سنغافورا
ـ4ـ
بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، عادت سنغافورة إلى الحكم المدني في أوّل نيسان 1946 كمستعمرة للتاج البريطاني، ومرّت عشرون سنة أخرى قبل أن تنال استقلالها، وفي العام 1955 جرت أوّل انتخابات عامة في البلاد، فاز فيها حزب «جبهة العمال» الذي كان يتزعمه دافيد مارشال، اليهودي من أصل إيراني، وأصبح مارشال الوزير الأوّل في المستعمرة، ونال حزب العمل الشعبي في زعامة لي كوان يو، الذي كان يضم آنذاك عدداً كبيراً من الشيوعيين، ثلاثة مقاعد من أصل ثلاثين مقعداً، وطالب دافيد مارشال الذي كان متهماً بالعمالة للبريطانيين بالاستقلال الفوري لسنغافورة، وردت بريطانيا طلبه فاستقال مارشال وخلفه في الحكم وفي زعامة الجبهة ليم يو هوك الذي كان من سياسيي الدرجة الثانية.
في هذه الأثناء كان لي كوان يو يقوم بتغييرات في منهاج حزب العمل الشعبي ومظهره. ولي كوان يو صيني من مواليد 1923، درس في المدارس الإنكليزية في سنغافورة كأكثر صينيي الطبقة المتوسطة، وسافر بعد الحرب إلى جامعة كيمبردج في إنكلترا حيث درس القانون. وصينيو سنغافورة نوعان: نوع اندمج عبر سني الاستعمار البريطاني الطويلة في الحياة الثقافية الإنكليزية فدخل المدارس الإنكليزية وتعلم لغتها ونهل من ثقافتها، ونوع دخل المدارس الصينية وحافظ على لغته وثقافته، ولي كوان يو ينتمي إلى النوع الأوّل، بينما ينقسم حزبه إلى جناحين صينيين: صين الصينيين وصين الخوارج. ولي من الخوارج (الصينيون يستعملون الاسم الأوّل). وحزب العمل الشعبي حزب اشتراكي الأساس والمبادئ يتوسل الرأسمالية للوصول إلى غاياته. وفي ظل الحكم الذاتي والاستقلال بدأ حزب العمل الشعبي يصبح أقل صينية وأكثر ماليزية، وأقل اشتراكية وأكثر عداء للشيوعية، بينما كان عدد من الزعماء الشيوعيين المنتسبين إلى الحزب في المعتقلات البريطانية.
وجرت انتخابات 1959 وفاز حزب العمال الشعبي بـ43 مقعداً من أصل 51 مقعداً، ولكن قبل أن يوافق الحزب على تسلم الحكم طالب السلطات البريطانية بالإفراج عن زعمائه الشيوعيين المعتقلين. وأطلقت بريطانيا ثمانية من هؤلاء وصار لي كوان يو أوّل رئيس لوزراء المدينة ـ الدولة المتمتعة بالحكم الذاتي إنّما غير المستقلة. وبقيت شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الداخلي في يد السلطات البريطانية. وعندما خرج الشيوعيون من السجن ووجدوا أنّ الحزب قد تغير في غيابهم وأنّهم لا يستطيعون السيطرة عليه، انشقوا عنه في العام 1961 وألفوا حزب الجبهة الاشتراكية، الذي كان هدفه الأساسي تحطيم لي وحزب العمل الاشتراكي.
خلال هذه السنوات الأربع كانت الملايو قد استقلت وأصبح التنكو عبد الرحمن أوّل رئيس لوزراء الملايو المستقلة. وفي العام 1963 اقترح قيام اتحاد بين الملايو وسنغافورة وبورنيو وساراواك وصباح وبروناي، فوافق الجميع على ذلك باستثناء بروناي الغنية بالنفط التي آثرت البقاء محمية بريطانية. وما تزال. وتمّ تأسيس اتحاد ماليزيا في أيلول 1963. وعاش الاتحاد مع سنغافورة حتّى 1965، حين طردت ماليزيا سنغافورة. وكانت الحزازات والخلافات قد تراكمت بين ماليزيي الملايو (التي فيها صينيون بمقدار ما فيها ماليزيون) وصينيي سنغافورة (التي فيها أقلية ماليزية)، إلى درجة أنّه لم يكن بد من الانفصال. وكان التصعيد في العلاقة قد بلغ ذورته أثر محاولة حزب العمل الشعبي السنغافوري تعاطي السياسة الماليزية الداخلية واستعداء الماليزيين المسلمين الذين خافوا من سيطرة الأكثرية الصينية على البلاد. وما تزال الحساسية المفرطة بين مسلمي ماليزيا وصينيي سنغافورة تتحكم في العلاقة بين البلدين إلى اليوم.
وأصبحت سنغافورة جمهورية بعد طردها من اتحاد ماليزيا في 19 آب 1965، لها رئيس وعلم وبرلمان وسفراء وقوات مسلحة، يحكمها رئيس وزرائها لي كوان يو بواسطة الحزب الواحد، الديموقراطي المظهر الفردي السلطة، في غياب أي نوع من أنواع المعارضة. واستطاعت هذه المدينة الدولة التي تبلغ مساحتها 225 ميلاً مربعاً، بسكانها المليونين، أن تتحول في عهد الاستقلال من مستعمرة متخلفة إلى قصة نجاح تكاد لا تصدق، أعطتها أبعاداً وأهمية في آسيا والعالم أكبر بكثير من حجمها. فللمرة الأولى في تاريخ هذه الجزيرة بات سكانها من صينيين وماليزيين وهنود يشعرون بالانتماء إلى وطن اسمه سنغافورة، وإن يكن هذا الخليط العجيب يحتاج إلى جيل بكامله حتّى تزول الحواجز العرقية ويتم الانصهار الوطني في شكل لا يقبل الكسر.
وتكوّنت لدى سنغافورة، انطلاقاً من هذا الخليط البشري الذي يسكنها، وعلى أثر طردها من اتحاد ماليزيا، «عقدة إسرائيل». فالصينيون السنغافوريون تتحكم فيهم عقدة تعال وعظمة مردّها إلى سلسلة النجاحات الاقتصادية والسياسية التي حققوها، وهم يتطلعون من خلالها في احتقار إلى سكان البلاد الأصليين عبر المضيق في ماليزيا، إلى جانب شعورهم بأنّهم دولة صغيرة محاطة ببحر من الأعداء تعيش من ذكائها وقوتها فقط. وكان القصد من اختيار لي كوان يو إسرائيل مثالاً يحتذى، الإيحاء إلى السنغافوريين بأنّ ظهرهم إلى الحائط وأنّ معركتهم للبقاء بلداً مستقلاً كمعركة إسرائيل مع العرب. وهو كان يستهدف في الدرجة الأولى الضغط على المواطنين لتقديم تضحيات معينة ومستمرة، قد لا يوفرها اعتماد المثل السويسري كما كان يتمنى أكثر المراقبين المعنيين باستقرار جنوب شرق آسيا وسلامته، فيتعلم السنغافوريون من سويسرا فن التعايش بين الشعوب المختلفة اللغات والجنسيات، بمقدار ما يتعلمون فن البقاء والطفو على سطح الأحداث في عالم السياسة والاقتصاد المعقد.
ولعل الذي كرّس نهائياً انفصال سنغافورة عن بقية دول جنوب شرق آسيا، والعزلة التي تعاني منها اليوم، اختيارها إسرائيل مثالاً تبني على أساسه أمة، وهذا الاختيار كان متعمداً وعلنياً، وإن تكن الأوساط السياسية في سنغافورة تنفي ذلك اليوم، بعد تغير الظروف. ففي تشرين الأوّل 1967، وكانت آثار حرب حزيران لا تزال ماثلة وإسرائيل في قمة غطرستها وأمجادها العسكرية، وقف لي كوان يو في اجتماع مؤتمر الأحزاب الاشتراكية الدولية في زوريخ وقال: «لقد قمنا بدراسة لنرى ما يمكن الدول الصغيرة المحاطة بجيران كبار والمكتظة بالسكان أن تعمل حتّى تعيش وتبقى. وساقتنا الدراسة إلى مقارنة ثلاثة مجتمعات متلاصقة ومتضامنة هي: سويسرا، فنلندا وإسرائيل. وقد اختارت سنغافورة في النهاية النموذج الإسرائيلي، لأنّه في وضع كوضعنا يبدو من الضروري تدريب كلّ ولد وكلّ بنت على الانضباط كعامل فعال وأساسي في الدفاع عن البلاد».
ومنذ ذلك الوقت والخبراء الإسرائيليون باتوا جزءاً لا يتجزأ من «صورة» سنغافورة، مهما حاول السنغافوريون تمويهه وإخفاءه. وكانت تلك المحاولة من أفشل ما قام به السنغافوريون الأذكياء. فقد وصل في نهاية 1967 عدد كبير من الضباط الإسرائيليين لتدريب قوات سنغافورة المسلحة والتدريس في كليتها الحربية. وكان هناك اتفاق مكتوب على ألا يعلن أي من البلدين رسمياً وجود خبراء إسرائيليين في سنغافورة، حتّى أنّه عندما وصلت الدفعة الأولى من هؤلاء سمّوا رسمياً «خبراء زراعيين مكسيكيين». ويشير السنغافوريون اليوم إليهم على أنّهم «مكسيكيون» تفادياً لأي إحراج.
وبالطبع كان اختيار سنغافورة للإسرائيليين عملية فيها تحد وتحريض سياسي بالنسبة إلى جيرانها، إذ اعتبرت المواجهة بين الصينيين فيها وغير الصينيين في البلدان المجاورة كالمواجهة بين العرب وإسرائيل، فضلاً عن أنّها أوحت بانتقال «العداء الديني» من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا. لقد كان في وجود الإسرائيليين شيء من «الإهانة العاطفية» لجيران سنغافورة المسلمين.
وكانت ردة فعل ماليزيا وأندونيسيا على الوجود الإسرائيلي في سنغافورة، اتهام لي كوان يو بمحاولة إقامة دولة كإسرائيل من أجل اضطهاد الماليزيين والأندونيسيين المسلمين المقيمين في الجزيرة، كما تضطهد إسرائيل العرب المسلمين فيها اليوم. ويقول الحزب الماليزي الحاكم أنّ سياسة حزب العمل الشعبي السنغافوري تقضي بشن حرب أعصاب على شعوب جنوب شرق آسيا بالأسلوب الإسرائيلي الأمر الذي يشغلها في استمرار بعضها ببعض. بالطبع ـ يوضح أحد الخبراء الآسيويين ـ وبقاءها فحسب، لكان اختار لبنان مثالاً، أو حتّى هونغ كونغ، حيث التعايش الحر بين الشعوب والعروق والملل ـ بل حتّى الدول ـ على أتمه. لكن لي كان يريد تعايشاً وفق أهوائه وبمواصفاته. تعايشاً بشروطه في دولة انضباطية عسكرية متفوقة. إلاّ أن ثمة من يقول ـ من يسار حزب لي ـ إنّ اختياره إسرائيلي مثالاً لبلاده، بدلاً من سويسرا أو فنلندا، مردّه أيضاً إلى الفوائد الاقتصادية فبفضله وجد فرصة للتعاطف مع اليهود في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً يهود الولايات المتحدة، ولإغرائهم بالتوظيف في سنغافورة. وكانت لذلك نتائج إيجابية.
وإذا كان جيران سنغافورة وجدوا في اختيارها إسرائيل نوعاً من التحدي، فإنّ استراتيجيتها العسكرية كانت تهديداً عسكرياً مباشراً لهم. ذلك أنّ سنغافورة قررت أن تركز في اختياراتها العسكرية على سلاح الدبابات، ولاحظ المراقبون أنّ الدبابات التي اشترتها (من إسرائيل) هي من نوع «أ 1 م. أكس ـ 13» الفرنسية الخفيفة التي تستطيع أن تعبر ممر جاهور البحري في سهولة إلى البر الماليزي. ولم تسكت ماليزيا على هذا الأمر. فخلال المناورات التي أجرتها الدول الخمس الأعضاء في «منظمة دول جنوب شرق آسيا» (اسيان) في العام 1970، وفي كل مناورة بعدها، رفضت ماليزيا أن تسمح لسنغافورة (العصفور في المنظمة) بأن تعبر دباباتها ممر جاهور، وحجتها أن هذه تريد أن تمتحن قدرة الدبابات، مع وحداتها العسكرية الأخرى، على غزو ماليزيا تحت ستار المناورات. وبالإضافة إلى الدبابات، كان سلاح الطيران السنغافوري المجهز بطائرات هوكر هنتر وسكاي هوك والمدرب تدريباً إسرائيلياً من الأسلحة التي تفخر بها سنغافورة إلى جانب البحرية الصاروخية الإسرائيلية الصنع التي تمتلكها والتي اعتبرتها أندونيسيا موجهة ضدها بالذات. كل هذا لم يترك مجالاً للشك في هوية أعداء سنغافورة.
من هنا إنّ سنغافورة اختارت أن تلعب دوراً ثانوياً في منظمة «اسيان»، التي ما تزال أهم وسائل التعاون في المنطقة. وهي تألفت في العام 1967 من ماليزيا وأندونيسيا وسنغافورة وتايلند والفيليبين، لكنها لم تتطور مكتفية بمشاريع ضخمة على الورق. ولم يخف لي كوان يو تخوفه من جيرانه مبرراً ابتعاده عن المنظمة بقوله: «إذا كان جيراني يريدون إيذائي اقتصادياً، فكيف تريدونني أن أقتنع بأنّهم يريدون الدفاع عني عسكرياً. أليس هذا هراء؟ لو كانت سنغافورة مقتنعة بالنيات الحسنة لجيرانها لتعاونت وإياهم في سبيل المصلحة المشتركة. بالطبع نريد أن يكون جيراننا أقوياء ومزدهرين، ولكن من أجل أي هدف؟. وهكذا قرر لي أن يتغدى جيرانه قبل أن يتعشوه. فجعل عدد قواته المسلحة 150 ألف رجل معتمداً التجنيد الإجباري على الطريقة الإسرائيلية للمواطنين بين سن الـ 18 والـ 40، إلى جانب 10 آلاف شرطي.
على أنّ حرب تشرين الأوّل غيّرت الكثير. فجأة اختفى الخبراء الإسرائيليون وأبدلوا بخبراء صينيين من تايوان. خشيت سنغافورة الغضب العربي، وهي التي تمتلك أكبر مصفاة للنفط في آسيا بعد عبادان. خافت من حصار النفط العربي، كما خاف لي كوان يو أن يبدأ القصاص وتستحق الفواتير. كان همّه أن يستمر مرفأ سنغافورة، وهو خامس أكبر مرفأ في العالم بعد لندن ونيويورك وأمستردام وسيدني، في العمل. فحياة الجزيرة كلها متوقفة عليه، ونجاحها الاقتصادي الذي قام على الموقع الجغرافي والانتهازية الاقتصادية، متوقف أيضاً على استمرار أعمال المنطقة الحرة فيه من صيانة وصناعة وإعادة تصدير وخدمات سياحية. إذ لا زراعة في سنغافورة ولا معادن ولا حيوان. حتّى الماء تستورده من ماليزيا. فإذا توقف النفط العربي تتوقف الحياة وتنهار استثمارات شركات النفط الأميركية والبريطانية واليابانية والاوسترالية والإيطالية التي تبلغ يومياً مليونا ونصف مليون دولار. إنّ المصفاة الضخمة التي ينتظر أن تصبح أكبر مصفاة في العالم إذا اكتشف النفط في بحر جنوب الصين، قد يعلوها الصدأ إذا توقف النفط العربي. فكان أن خرج الخبراء الإسرائيليون في مثل الهدوء الذي دخلوا فيه. كلّ ذلك خلال أشهر. إنّما بقيت العقلية الإسرائيلية وعقدة التفوق تحدياً يومياً تمارسه سنغافورة ضد كل جيرانها في جنوب شرق آسيا. إنّ هذه الجزيرة الصغيرة مكان يستحق المراقبة العربية المستمرة.
سنغافورا
ـ5ـ
سنغافورة دولة آسيوية صغيرة تعيش نهضة اجتماعية واقتصادية ملحوظة، وتضم العديد من الطوائف الدينية من بينها الأقلية المسلمة التي تخصص لها الحكومة موازنة خاصة، ولها مجلس إسلامي يتولى شؤونها ويمثلها أمام الحكومة ويشرف على المساجد والمدارس الإسلامية.
وحول قضايا الأقلية المسلمة في سنغافورة والمشكلات التي تواجهها التقينا «الشيخ سعيد عيسى بن سميط مفتي مسلمي هذا البلد أثناء زيارة قام بها أخيراً لمصر».
متى توليتم منصب الإفتاء في سنغافورة؟
ـ في العام 1969 تخرّجت في كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بعد أن درست اللغة العربية والفقه الإسلامي، وفي شباط (فبراير) 1972 توليت منصب الإفتاء.
* كيف يتم التمثيل الرسمي للمسلمين في بلدكم؟
ـ بعد استقلال البلاد طلب المسلمون من المسؤولين في الحكومة تكوين هيئة إسلامية عليا تمثلهم، ومن هنا تأسس المجلس الإسلامي سنة 1968، وهو مسؤول عن شؤون المسلمين ويمثلهم أمام الحكومة. وبذلك حصل المسلمون في سنغافورة على ميزة خاصة، لأنّ أياً من أصحاب الأديان الأخرى لم يحصل على هذا الحق. والمجلس الإسلامي يتكوّن من رئيس المجلس و12 عضواً يتم اختيارهم من الجمعيات الإسلامية الموجودة في سنغافورة، والوزير المسؤول عن المجلس له الحق في تعيين خمسة أشخاص فقط في المجلس. فمن المعروف عندنا أنّ الحكومة تعين أحد المسلمين وزيراً في أي وزارة، وغالباً ما تكون وزارة الشؤون الاجتماعية، وهذا الوزير هو المسؤول عند المجلس ويختار خمسة من أعضائه، وترشح الجمعيات الإسلامية من يصلح لعضوية المجلس. أمّا رئيس المجلس فتعينه الحكومة وكذلك الأمين العام للمجلس، والمفتي يعينه رئيس الدولة وهو عضو في المجلس ومنصبه ثابت لا يتغير هو والأمين العام للمجلس ويظلان حتّى سن المعاش أمّا رئيس المجلس وأعضاؤه (12 عضواً) فمدتهم 3 سنوات بعدها يحدد تعيينهم أو يتم اختيار غيرهم.
* وما الدور الذي يقوم به المجلس الإسلامي لخدمة المسلمين في سنغافورة؟
_ المجلس، كما ذكرنا، يمثل المسلمين أمام الحكومة ويشرف على المساجد وعددها 71 مسجداً، كما يشرف على المدارس الشعبية الخاصة والمدارس الحكومية، وهناك 6 مدارس أخرى لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامي وتحصل على دعم من الوقف الإسلامي وتبرعات المسلمين.
وهناك جمعيات إسلامية كثيرة تقدم الخدمات للمسلمين منها جمعيات للمدرسين الدينيين وجمعيات للأعمال الخيرية وجمعيات للدعوة الإسلامية.
* ما دور الإفتاء في حل مشكلات المسلمين الدينية والفقهية في سنغافورة؟
ـ مثل أي بلد آخر في العالم هناك أمور تحتاج إلى فتوى وإلى اجتهاد ونظر ديني ومن هنا تقدّم الأسئلة إلى المجلس الإسلامي الذي يرفعها إلى مجلس الفتوى المكوّن من المفتي وأربعة أعضاء، هم عضوان من المجلس الإسلامي وعضوان من خارج المجلس لا يقيدان بالعضوية حتّى يبديا ما يريدونه في القضايا المطروحة، بحرية.
* معنى ذلك أنّ الفتوى في سنغافورة تصدر باجتهاد جماعي من لجنة الفتوى وليس بناء على رأي فردي من المفتي؟
ـ هذا ما يحدث بالضبط إلى جانب أعضاء اللجنة الأربعة ورئيسها، أضفنا بعض العلماء حتّى يكون الحكم أقوى وأوثق وأبلغ في الصحة.
* وهل يحدث خلاف في الفتوى بين أعضاء مجلس الإفتاء حول قضايا مستحدثة؟
ـ عادة لا يحدث خلاف إلاّ مرّة واحدة حول حكم ابتداء رمضان بالرؤية أم بالحسابات الفلكية، وعندما لا يتفق مجلس الفتوى على الحكم يُرفع الأمر إلى أعضاء المجلس الإسلامي ويتم التباحث فيه ويكون القرار بالتصويت بين أعضاء المجلس. والقرار الذي يأخذه المجلس لا يعتبر فتوى، فهو قرار للمصلحة العامة فقط. أمّا الفتوى فلا تصدر إلاّ من مجلس الإفتاء.
* وماذا تمّ في الخلاف حول بداية رمضان؟
ـ الخلاف استمرّ سنة واحدة، ثمّ تراجع هؤلاء العلماء الذين لم يحبذوا استخدام الحسابات الفلكية. فسنغافورة تستحيل فيها رؤية الهلال بصفة دائمة فعلى مدى ستين عاماً لم يحدث أن رُؤي الهلال بالعين المجردة في ليل الرؤية، ولذلك نأخذ بالحسابات الفلكية.
* هل معنى ذلك أنّك تؤيد الحسابات الفلكية؟
ـ عندما نفتقد الرؤية الشرعية ليس علينا إلاّ العمل بالحسابات الفلكية. والدول المجاورة لسنغافورة تشجع هذا الأسلوب وتعمل به ونتفق في هذا الأمر ونصوم سوياً. وهذه الدول هي سنغافورة وأندونيسيا وماليزيا وبروناي.
وهناك نقطة مهمة تجعلنا نعمل بالحسابات الفلكية، ففي سنغافورة تتعدّد الأديان وكلّ طائفة دينية لها عيد أو أعياد تشارك فيها كلّ الطوائف. ومن هنا، فإنّ عيد المسلمين يجب أن يحدد موعده تحديداً دقيقا ومسبقاً حتّى يكون عطلة رسمية من الحكومة التي تعطي لنا حق اختيار يوم العيد وتحديده، والخلاف في الرؤية قد يحدث اضطراباً في هذا الأمر. أمّا الحساب الفلكي فيساعدنا في توحيد أوّل أيام العيد وتثبيته لتحدده الحكومة عطلة لكل البلاد.
* ما هو مستقبل الإسلام والمسلمين في سنغافورة؟
ـ الإسلام في سنغافورة يعيش حالة من الازدهار، والحكومة تصرف ميزانية خاصة للمسلمين على رغم أنّها حكومة علمانية والمسلمون، على رغم محدودية الدخل وقلة عددهم، قاموا بجهود جبارة لتحسين أحوالهم بأنفسهم. وهناك جمعيات إسلامية كثيرة تقدم خدماتها للمسلمين ونحن نبني مساجد جديدة كلّ يوم، وكلّ مسجد عبارة عن مركز إسلامي مصغر يضم فصولاً دراسية ومكتبية وقاعة محاضرات ومصلّى للنساء، ويقدّم الخدمات المتعددة لأهل المنطقة التي يوجد فيها([574]).
سنگر
اسم ناحية من توابع مدينة سمنان بإيران على مسافة 18كم شمال سمنان وعلى سفح السلسلة الجنوبية لجبال البورز، هواؤها بارد وتستقي من العيون التي تنبع من الجبال. تقع على الخط الجغرافي 53 درجة 19 دقيقة طولها و35 درجة و43 دقيقة عرضها. تتبع هذه الناحية والمنطقة النواحي التالية: سنگر، شهيرزاد، ده صوفيان، درجزين، طالب آباد، إمام زاده قاسم.
بُنيت سنگر على سفح الجبل وبيوتها حجرية ولها منظر مدرّج جميل والناحية ترتبط بولاية مازندران عن طريق معبّد يربطها بمدن جنوب شرق مازندران.
ورد اسمها في الكتب التاريخية بـ (سگسر) أو (سگسار) وتعد من النواحي القديمة التاريخية في سلسلة جبال البورز وقد ذكرت مراراً في شاهنامة للفردوس وقد وصف أهاليها بالبسالة والشجاعة. كما ورد اسمها في كتب الجغرافيين الإسلاميين بعنوان (رأس الكلب) [بلدان الخلافة الشرقية] وهي ترجمة مخلوطة لاسم سگسر ويبدو أنّ الخطأ نشأ من ترجمة الاسم في كتب ابن الأثير كما ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان في مادة (رأس الكلب).
وعلة تسمية الناحية بـ (سكسر) أنّ قوم (سكا) سكنوا هذه المدينة فسمّيت باسمهم ويذهب بعض الباحثين أنّ الإمبراطورية الأشكانية التي أسّست في إيران عام 250 قبل الميلاد كان مؤسسها من هذه المنطقة.
وتعد منطقة سنگر من المناطق الجبلية الحصينة المنيعة وقد نشط في هذه المنطقة آل قارن والإسماعيلية فإنّ قلاعهم وحصونهم في أعالي جبال المنطقة ووديانها التي يصعب على الإنسان الوصول إليها إلاّ بشق الأنفس خير شاهد على نشاطاتهم.
وكان حكام المنطقة وملوك إيران يتقوون بشبان هذه المنطقة الأشداء في الحروب وكان لبسالة فوج سنگر في معارك تحرير أصفهان من أيدي الأفغان إبان حكم نادرشاه أثر مهم في هزينة الأفغان.
تعدّ تربية المواشي من أهم ما يقوم به أهالي هذه المنطقة حيث هو مصدر رزقهم الوحيد ولمواشي هذه المنطقة شهرة فائقة في إيران.
كما أنّ نسوة هذه المنطقة مشهورات بالصناعات اليدوية حيث يقمن بحياكة الثياب وبعض الألبسة والبُسط وبيعها في الأسواق المحلية.
يتكلم أهالي هذه المنطقة بلهجةٍ خاصة بهم لا يفهمها غيرهم من الإيرانيين وهي قريبة إلى لهجة أهالي مدينة سمنان. وقد قام كثير من المستشرقين والباحثين عن اللغات واللهجات بتسجيل كلماتها وضبط قواعدها. وأشهر كتاب ألف عن هذا الموضوع هو ما كتبه المستشرق المعروف (سن كريستن) الدانماركي باللغة الفرنسية.
رفيع حقيقت
السنن التاريخية في القرآن([575])
لا شك في تنوع التفسير واختلاف مذاهبه وتعدد مدارسه، والتباين في كثير من الأحيان بين اهتماماته واتجاهاته: فهناك التفسير الذي يهتم بالجانب اللفظي والأدبي والبلاغي من النص القرآني. وهناك التفسير الذي يهتم بجانب المحتوى والمعنى والمضمون. وهناك التفسير الذي يركز على الحديث ويفسر النص القرآني بالمأثور عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أو بالمأثور عن الصحابة والتابعين. وهناك التفسير الذي يعتمد العقل أيضاً كأساس من أسس التفسير وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى، وهناك التفسير المتميز الذي يتخذ مواقف مذهبية مسبقة ويحاول أن يطبق النص القرآني على أساسها. وهناك التفسير غير المتحيز الذي يحاول أن يستنطق النص القرآني نفسه، ويطبق الرأي على القرآن لا القرآن على الرأي. والى غير ذلك من الاتجاهات المختلفة في التفسير الإسلامي.
إلاَّ أن الذي يهمنا ونحن على أبواب هذه الدراسة القرآنية أن نركز على إبراز اتجاهين رئيسيين لحركة التفسير في الفكر الإسلامي:
أحدهما: «الاتجاه التجزيئي في التفسير».
الثاني: «الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير».
الاتجاه التجزيئي
ونعني بالاتجاه التجزيئي: المنهج الذي يتناول المفسر ضمن إطاره القرآن الكريم آية فآية، وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف.
والمفسر في نطاق هذا المنهج، يسير مع المصحف ويفسر قطعاته تدريجياً على ضوء ما يؤمن به من أدوات ووسائل للتفسير من الظهور، أو المأثور من الأحاديث، أو بلحاظ الآيات الأخرى التي تشترك مع تلك الآية في مصطلح أو مفهوم، بالقدر الذي يلقي ضوءاً على مدلول القطعة القرآنية التي يراد تفسيرها، مع أخذ السياق الذي وقعت تلك القطعة ضمنه بعين الاعتبار في كل تلك الحالات.
ونحن حينما نتحدث عن التفسير التجزيئي، نقدمه في أوسع وأكمل صوره التي انتهى إليها. حيث نجد التفسير التجزيئي تدرّج تاريخياً إلى أن وصل إلى مستوى الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم.
وكان قد بدأ في عصر الصحابة والتابعين، على مستوى شرح تجزيئي لبعض الآيات القرآنية وتفسير لمفرداتها، وكلما امتد الزمن، ازدادت الحاجة إلى تفسير المزيد من الآيات، إلى أن انتهى إلى الصورة التي قدم فيها ابن ماجة والطبري وغيرهما، ممن كتب في التفسير في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع. وكانت تمثل أوسع صورة للمنهج التجزيئي في التفسير.
فالمنهج التجزيئي في التفسير، حيث إنه كان يستهدف فهم مدلول «الله»، وحيث أن فهم مدلول «الله» كان في البداية متيسراً لعدد كبير من الناس، ثم بدأ اللفظ يتعقد من حيث المعنى بمرور الزمن، وازدياد الفاصل، وتراكم القدرات والتجارب، وتطور الأحداث والأوضاع.
من هنا توسع التفسير التجزيئي، تبعاً لما أعتبر النص القرآني من غموض وشك في تحديد مفهوم «الله»، حتى تكامل بالطريقة التي نراها في موسوعات التفسير، حيث أن المفسر يبدأ من الآية الأولى من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، فيفسر القرآن آية آية، لأن الكثير من الآيات بمرور الزمن، أصبح معناها ومدلولها اللفظي بحاجة إلى إبراز أو تجربة أو تأكيد ونحو ذلك، هذا هو التفسير التجزيئي.
طبعاً نحن لا نعني بالتجزيئية في هذا المنهج التفسيري، أن المفسر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث، بل أنه قد يستعين بآيات أخرى في هذا المجال، كما يستعين بالأحاديث والروايات، ولكن هذه الاستعانة تتم بقصد الكشف عن المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كل خطوة من هذا التفسير، فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكل الوسائل الممكنة، أي أن الهدف «هدف تجزيئي»، لأنه يقف دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النص القرآني، ولا يتجاوز ذلك غالباً، وحصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم كله، تساوي على أفضل تقدير، مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية أيضاً، أي أننا سوف نحصل على عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، ولكن في حالة تناثر وتراكم عددي، دون أن نكتشف أوجه الارتباط، والتركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، ودون أن نحدد في نهاية المطاف، نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة، فهناك تراكم عددي للمعلومات، إلاَّ أنّ من الممكن على أساس مجموع ما بين هذه المعلومات من الروابط والعلاقات أَنْ نستخلص نظرية قرآنية مستوعبة لمختلف المجالات والمواضيع، مع أنّ ذلك أساساً غير مستهدف بالذات في منهج التفسير التجزيئي وإن تحقق أحياناً بشكل عَرَضي.
وقد أدت هذا التناثر ونزعة الاتجاه التجزيئي، إلى ظهور التناقضات المذهبية العديدة في الحياة الإسلامية، إذ كان يكفي أن يجد هذا المفسر أو ذاك، آية تبرر مذهبه لكي يعلن عنه ويجمع حوله الأنصار والأشياع، كما وقع في كثير من المسائل الكلامية، كمسألة الجبر والتفويض مثلاً.
بينما كان بالإمكان تفادي كثير من هذه التناقضات، لو أن المفسر التجزيئي خطا خطوة أخرى، ولم يقتصر على هذا التجميع العددي، كما نرى ذلك في الاتجاه الثاني.
الاتجاه التوحيدي
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير.
هذا الاتجاه، لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي، بل تقوم فيه الدراسة القرآنية على أساس الموضوعات في حقول العقيدة والاجتماع وغيرهما.
فمثلاً نجد الباحث في هذا الاتجاه، يبحث عقيدة التوحيد، أو النبوة، أو المذهب الاقتصادي، أو سنن التاريخ، أو عن السماوات والأرض، كلّ ذلك في القرآن الكريم، وهكذا.
ويستهدف التفسير التوحيدي الموضوعي من القيام بهذه الدراسات، تحديد موقف نظري للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الإسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات البحث في الحياة، أو الكون، أو الإنسان.
وينبغي أن يكون واضحا، أن الفصل بين الاتجاهين المذكورين ليس حدياً على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير، لأن الاتجاه الموضوعي بحاجة قطعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها، ضمن إطار الموضوع الذي يتبناه. كما أن الباحث وفق الاتجاه التجزيئي، قد يعثر أثناء عملية بحثه على حقيقة قرآنية من حقائق الحياة الأخرى، ولكن الاتجاهين على أي حال، يظلان على الرغم من ذلك مختلفين في ملامحهما وأهدافهما وحصيلتهما الفكرية.
ومما ساعد على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قروناً عديدة، النزعة الروائية والحديثية للتفسير، حيث إن التفسير لم يكن في البداية إلاَّ شعبة من الحديث بصورة أو بأخرى، إذ كان الحديث هو الأساس الوحيد له تقريباً، مضافاً إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية، التي اعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن.
ومن هنا لم يكن بامكان تفسير يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الرسول والأئمة، والصحابة والتابعين، تلك الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل السائلين، أن يتقدم خطوة أخرى، وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها، واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية.
التفسير كان بطبعه تفسيراً لفظياً للمفردات، وشرحاً للمستجد من المصطلحات، وتطبيقاً لبعض المفاهيم على أسباب النزول، ومثل هذه العملية لم يكن بامكانها أن تقوم بدور اجتهادي مبدع، يستكشف ما وراء المدلول اللغوي واللفظي من الأفكار الأساسية، التي حاول القرآن الكريم أن يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة.
ويمكننا أن نقرب إلى الأذهان فكرة هذين الاتجاهين المختلفين في تفسير القرآن الكريم، بمثال من التجرية الفقهية، فالفقه هو بمعنى من المعاني، تفسير للأحاديث الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، ونحن نعرف من البحث الفقهي، أن هناك كتباً فقهية شرحت الأحاديث حديثاً حديثاً، وتكلمت عنه دلالة أو سنداً أو متناً، على اختلاف اتجاهات الشراح. كما نجد ذلك في شراح الكتب الأربعة، وشراح الوسائل، غير أن القسم الأعظم من الكتب الفقهية في هذا المجال، لم تتجه هذا الاتجاه، بل صنف البحث إلى مسائل وفقاً لوقائع الحياة، وجعلت في إطار كل مسألة الأحاديث التي تتصل بها، وفسرتها بالقدر الذي يلقي ضوءاً على تلك المسألة، ويؤدي إلى تحديد موقف الإسلام من تلك الواقعة التي تفترضها المسألة المذكورة وهذا هو الاتجاه الموضوعي على الصعيد الفقهي، بينما ذاك هو الاتجاه التجزيئي في تفسير الأحاديث على هذا الصعيد.
كتاب (الجواهر) في الحقيقة، شرح كامل شامل لروايات الكتب الأربعة، ولكنه ليس شرحاً يبدأ بالكتب الأربعة رواية رواية، وانّما يصنف روايات الكتب الأربعة وفقا لمواضيع الحياة، كتاب البيع، كتاب الجعالة، كتاب إحياء الموات، كتاب النكاح، ثم يجمع تحت كل عنوان من هذه العناوين، الروايات التي تتصل بذلك الموضوع، ويشرحها ويقارن فيما بينها فيخرج بنظرية، لأنه لا يكتفي بأن يفهم معنى الرواية فقط بصورة مفردة، ومعنى هذه الرواية بصورة منفردة، إذ مع هذه الحالة من الفردية، لا يمكن أن يصل إلى الحكم الشرعي، وإنما يصل إلى الحكم الشرعي عن طريق دراسة مجموعة من الروايات، التي تحمل مسؤولية توضيح حكم واحد، أو باب واحد من أبواب الحياة، ثم عن طريق هذه الدراسة الشاملة، يستخرج نظرية واحدة تعطي من خلال مجموعة من الروايات لا من خلال رواية رواية.
هذا هوالاتجاه الموضوعي في شرح الأحاديث.
ومن خلال المقارنة بين الدراسات القرآنية والدراسات الفقهية، نلاحظ اختلاف مواقع الاتجاهين على الصعيدين. فبينما انتشر الاتجاه الموضوعي وساد على الصعيد الفقهي منذ خطوات نموّه الأولى، نجد أنّ الاتجاه التجزيئي للتفسير القرآني قد سيطر على الساحة عبر ثلاثة عشر قرناً تقريباً، إذ كان كل مفسر يبدأ كما بدأ سلفه فيفسر القرآن آية آية.
وأمّا ما ظهر على الصعيد القرآني من دراسات تسمّى بالتفسير الموضوعي أحياناً، من قبيل دراسات بعض المفسرين حول موضوعات معينة تتعلق بالقرآن الكريم، كأسباب النزول، أو القراءات، أو الناسخ والمنسوخ، أو مجازات القرآن، فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده إذ أنّ الدراسة الموضوعية هي تلك التي تطرح موضوعاً من الموضوعات في أي حقل من حقول الإنسان والكون والحياة، وتتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية، بهدف الخروج من خلاله بنظرية قرآنية محددة إزاءه في حين أنّ هذه الدراسات، ليست في الحقيقة إلاّ تجميعاً عددياً لقضايا من التفسير التجزيئي، لوحظ فيما بينها شيء من التشابه ليس إلا.
وأكثر ظني أن الاتجاه التوحيدي الموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره، ساعد بدرجة كبيرة، على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال، بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل، وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية الجامدة خلال قرون متطاولة، كما كان الحال في الفترة ما بعد تفاسير أمثال الطبري والرازي والشيخ الطوسي، على الرغم من ألوان التغير التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين، وسوف يتضح إن شاء الله تعالى من خلال المقارنة بين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي والاتجاه التوحيدي، السبب والسر الذي يكمن وراء هذه الظاهرة.
تساؤلات وجواب
لماذا كانت الطريقة التجزيئية عائقاً عن النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملاً في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟ لكي نعرف لماذا كان هذا وذاك؟ يجب أن نكوّن انطباعات أوضح وأكثر تحديداً عن هذين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي، والاتجاه التوحيدي الموضوعي، وإنّما يتضح ذلك بعد أن نشرح بعض أوجه االاختلاف بين الاتجاهين. ويمكن توضيح بعض أوجه الاختلاف بين هذين الاتجاهين التفسيريين فيما يلي:
أوجه تباين وافتراق
أوّلاً: إنّ المفسير التجزيئي، دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ أوّلاً بتناول النص القرآني المحدد، آية مثلاً، أو مقطعاً قرآنياً، دون أي افتراضات أو طروحات مسبقة، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني، على ضوء ما يسعفه به اللفظ، مع ما يتاح له من القرائن المتصلة والمنفصلة، ودور النص القرآني في مثل عملية التفسير هذه، دور المتحدث، ودور المفسر هو الإصغاء والتفهم، وهذا ما نسميه بالدور السلبي، حيث يجلس المفسّر بين يدي النص القرآني ليستمع فقط بينما يكون القرآن ذا دور إيجابي حينئذٍ، بذهن مضيء، بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها، وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.
وخلافاً لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي، فإنه لا يبدأ في عمله من النص بل من واقع الحياة، يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية، أو الاجتماعية، أو الكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، فيبدأ مع النص القرآني حواراً على شكل سؤال وجواب، المفسر على ضوء الحصيلة التي جمعها من خلال التجارب البشرية المعرضة للصواب والخطأ يسأل والقرآن يجيب، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبراً، فيبدأ مع النص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات.
ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.
ومن هنا أيضاً، كانت عملية التفسير الموضوعي، عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له، وليست مجرد استجابة سلبية، بل استجابة فعالة وتوظيفاً هادفاً للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتحدث عن القرآن الكريم: «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه، ألا ان فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم»([576]). التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن (عليه السلام)، أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحاً للمشاكل الموضوعية عليه، بقصد الحصول على الإجابة القرآنية. وليس مجرد حديث للقرآن من طرف واحد، يقابله مجرد تسجيل لوقائعه من قِبَل المفسِّر وفق الاتجاه التجزيئي.
إذن في التفسير الموضوعي، يلتحم القرآن مع الواقع والحياة لأنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن بوصفه القيم والشاهد الذي تحدد على ضوء مفاهيمه ونظراته الربانية أطر ما ينبغي أن تكون عليه اتجاهات الواقع الإنساني. وحيث أنّ القرآن هو المنبع، فهو إذن العطاء الثر والدائم والمتجدد، والمفجر للطاقات، لأنّه كلمات الله، وكلماته لا تنفد، بينما اللغة التي يقوم على أساس كلماتها التفسير اللغوي محدودة في الزمان والمكان، محدودة في مدلولات ألفاظها المحصورة ضمن عدد معين من الحروف الجامدة، وهذا ما يجعل من التفسير الموضوعي التوحيدي عملية انطلاقة كبرى في تحليل الواقع الإنساني والكوني لا يحدها زمان ولا مكان ولا إطار، لأنّها تستوحي من كلمات رب الإنسان والكون وخالف الزمان والمكان والحياة، وعملية تطورية مستمرة لأنّها تتجه دائماً نحو المطلق، الذي هو الله، مع ما توفره التجربة البشرية للباحث وفق هذا المنحى من التفسير، من غناء وثراء. لا أنّه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزلة عن الواقع منفصلة عن تراث التجربة البشرية. ومن ضم تلك التجربة البشرية إلى التأمل القرآني فيها، يولد فهم إسلامي قرآني صحيح، وتصاغ المفاهيم الربّانية السليمة لهذا المجتمع البشري، كي تكون معالم في الطريق نحو قيام المجتمع العابد في الأرض.
ثانياً: إنّ التفسير الموضوعي يتجاوز التفسير التجزيئي خطوة، لأنّ التفسير التجزيئي، يكتفي بإبراز المدلولات التفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، بينما التفسير الموضوعي يتطلع إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث نجده يحاول أن يصل إلى مركّب نظري قرآني، يحتل في إطاره كل واحد من تلك المدلولات التفصيلية، موقعه المناسب، وهذا ما نسمّيه بلغة اليوم بالنظرية، يصل إلى نظرية قرآنية عن النبوة، ونظرية قرآنية عن المذهب الاقتصادي، ونظرية قرآنية عن سنن التاريخ وهكذا. وبذلك يكون التفسير الموضوعي متقدماً خطوة على التفسير التجزيئي.
هذان فارقان رئيسيان بين الاتجاه الموضوعي في التفسير القرآني، والاتجاه التجزيئي فيه. وقد ذكرنا آنفاً، بأنّ البحث الفقهي اتجه اتجاهاً موضوعياً، بينما كان الاتجاه في التفسير تجزيئياً على الأكثر.
ولا بد أن يكون قد اتضح على ضوء الفارق الأوّل بين الاتجاهين الرئيسيين في التفسير، كلّ من اصطلاحي الموضوعي والتوحيدي، فاصطلاح الموضوعي هنا على ضوء الأمر الأوّل، بمعنى أنّه يبدأ من الموضوع والواقع الخارجي، ويعود إلى القرآن الكريم. والتوحيدي، باعتبار أنّه يوحد بين التجربة البشرية وبين القرآن الكريم، لا بمعنى أنّه يخضع القرآن للتجربة البشرية، بل بمعنى أنّه يوحد بينهما في سياق بحث واحد، لكي يستخرج نتيجة هذا السياق الموحد من البحث، المفهوم القرآني الذي يمكن أن يحدد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكرية التي أدخلها في سياق بحثه.
إذن التفسير موضوعي وتوحيدي على أساس الأمر الأوّل، وعلى أساس الأمر الثاني أيضاً كون التفسير موضوعياً، باعتبار أنّه يختار مجموعة من الآيات تشترك في موضوع واحد. وهو توحيدي باعتبار أنّه يوحد بين مدلولات هذه الآيات ضمن مركب نظري واحد، ليخلص بالتالي إلى تحديد إطار نظرية واضحة، ترسمها تلك المجموعة القرآنية ككل، بالنسبة إلى ذلك الموضوع.
ولا نقصد الموضوعية هنا الموضوعية في مقابل التَّحَيّز، ليست الموضوعية بذلك المعنى من مزايا التفسير الموضوعي في مقابل التفسير التجزيئي، الموضوعية بذلك المعنى عبارة عن الأمانة والنزاهة في البحث، وهي بهذا المعنى مطلوبة في كلا الاتجاهين التفسيريين… وكما قلنا، فإنّ الأبحاث الفقهية سارت في الاتجاه الموضوعي، بينما الابحاث التفسيرية سارت في الاتجاه التجزيئي، وليس معنى ذلك بالضرورة، أنّ البحث الفقهي استنفد طاقة الاتجاه الموضوعي، البحث الفقهي سار في الاتجاه الموضوعي، ولكنّه لم يستنفد أيضاً طاقة هذا الاتجاه بشكل مستوعب. ولذا فهو اليوم مدعو إلى أن يستنفد طاقة هذا الاتجاه أفقياً وعمودياً. أمّا أفقياً: فباعتبار أنّ الاتجاه الموضوعي كما قلنا، عبارة عن أن يبدأ الإنسان من الواقع وينتهي إلى الشريعة.
وهذا كان ديدن الفقهاء حيث نجد أنّ وقائع الحياة تكاد تنعكس عليهم في واقع حياتهم المعاش، فصوّروه من خلال ما طرحوه من قضايا بأشكال متعددة، عملوا على استنباط أحكامها وحلولها من مصادرها الأصلية في الشريعة المقدسة. وهذا يبرز بوضوح، الاتجاه الموضوعي لدى هؤلاء الفقهاء، على شكل جعالة، مضاربة، مزارعة، مساقات، نكاح، لأنّه يبدأ بالواقع القائم وينتهي إلى الشريعة في مقام التعرف على حكم هذا الواقع.
ولكن من الواضح أنّ وقائع الحياة تتجدد وتتكاثر باستمرار وتتولد ميادين جديدة، ولذا كان لا بد لهذه العملية من النمو باستمرار وتحول كل ما يستجد من وقائع الحياة إلى علماء الشريعة ليضعوا على ضوء نصوصها ما قد يجدونه لها فيها من حلول.
فمثلاً: ذلك الواقع الساكن المحدود الذي كان يعيشه الشيخ الطوسي، أو الذي كان يعيشه المحقق الحلي، كان يفي بحاجات عصر الشيخ الطوسي، وبحاجات عصر المحقق الحلي. لكن كم من باب وباب من أبواب الحياة فتحت بالتدريج بعد عصري هذين العظيمين، مما لم يكن معروفاً في شتى الحقول، ومن هنا، ولكي يتمدد البحث الفقهي أفقياً، كان لا بد من عرض تلك الأبواب الجديدة في حقولها المتنوعة على الشريعة لاستنباط أحكامها من نصوصها في هذا العصر وما يليه كما فعل العلماء الماضون في عصورهم الماضية.
من الناحية العمودية أيضاً: لا بد من أن يتوغل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه، ليصل إلى النظريات الأساسية، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية وبالتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذا البناءات العلوية إلى النظريات الأساسية والتطورات الرئيسية، التي تمثل وجهة نظر الإسلام، لأنّنا نعلم أنّ كل مجموعة من التشريعات في كل باب من أبواب الحياة ترتبط بمثل تلك النظريات والتطورات. ففي مجال الحياة الاقتصادية، ترتبط تلك الأحكام بنظرية الإسلام بالمذهب الاقتصادي الإسلامي، وفي مجال النكاح والطلاق، وعلاقات المرأة مع الرجل، ترتبط بنظرياته الأساسية عن المرأة والرجل ودور كل منهما. هذه النظريات الأساسية تشكّل القواعد النظرية لهذه الأبنية العلوية، لا بد من التوغل عمودياً أيضاً إليها، ومحاولة اكتشافها بقدر الإمكان.
وعلى ضوء ما قدمنا من أوجه الاختلاف بين التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي، تبينت عدة جوانب تدعو إلى تفضيل المنهج الموضوعي على المنهج التجزيئي في التفسير، فإن المنهج الموضوعي في التفسير على ضوء ما ذكرناه، أوسع أفقا وأكثر عطاء باعتبار أنه يتقدم خطوة على التفسير التجزيئي، كما أنه قادر على التجدد والإبداع باستمرار، باعتبار أن التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدمه من مواد تطرح بين يدي القرآن الكريم، لكي يستطيع هذا المفسر أن يستنطق أجوبته عليها. وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الأساسية للإسلام وللقرآن تجاه موضوعات الحياة المختلفة.
وقد يقال: ما الضرورة إلى البحث لتحصيل هذه النظريات الأساسية واستخلاصها في النبوة مثلاُ، أو في سنن التاريخ وفي التغير الاجتماعي، أو في الاقتصاد الإسلامي وغيرها، في حين أنّنا نجد بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يعط هذه القضايا على شكل نظريات محدودة وبصيغ عامة، وإنما اقتصر على إعطاء القرآن بهذا الترتيب للمسلمين وبهذا الشكل المتراكم؟
والجواب: أنّ هناك اليوم ضرورة أساسية لاستخلاص وتحديد هذه النظريات، ولا يمكن أن يفترض الاستغناء عن ذلك. إذ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق ومن خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبينه في الحياة الإسلامية، وكان كل فرد مسلم في إطار هذا المناخ، يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجمالياً ارتكازياً، لأنّ المناخ والإطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي رَسَمَه النبي (صلّى الله عليه وآله)، كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة، والقدرة السليمة على تقييم المواقع والمواقف والأحداث. وإذا اردنا أن نقرب هذه الفكرة نقول:
هنالك حالتان: حالة إنسان يعيش داخل عرف لغة من اللغات، وإنسان يعيش خارجه ويريد أن يفهم بأن أبناء هذه اللغة، كيف تنتقل أذهانهم إلى المعاني المحددة من ألفاظ لغتهم.
وهنا أسلوبان: أحدهما: أن نأتي بهذا الإنسان ونجعله يعيش في أعماق هذا العرف وهذه اللغة، فترة طويلة من الزمن. وعندئذٍ سوف يتكون لديه الإطار اللغوي، والإطار العرفي الذي يستطيع من خلاله أن يتحرك ذهنه وفقاً لما يريده العرف واللغة منه، لأنّ مدلولات اللغة وقواعدها تكون موجودة وجوداً إجمالياً ارتكازياً في ذهنه، اللفظة السليمة، والتقييم السليم للكلمة الصحيحة، وتمييزها عن الكلمة غير الصحيحة، بينما إذا كان الإنسان خارج مناخ تلك اللغة، وأردت أن تنشئ في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح، فلن يتم ذلك إلاَّ عن طريق الرجوع إلى قواعد تلك اللغة، حينئذ لا بد أن ترجع إلى ذلك العرف الذي تربى فيه ذلك الإنسان، لكي تستنتج منه القواعد والنظريات العامة، عيناً كما وقع بالنسبة إلى علوم العربية، كيف أن ابن اللغة العربية لم يكن بحاجة في بداية أمره إلى أن يتعلم علوم العرب؟ لأنّه كان يعيش في أعماق عرف اللغة، لكن بعد أن ابتعد عن تلك الأعماق واختلفت الأجواء ضعفت اللغة نتيجة تراكم لغات أخرى اندست إلى داخل حياة العرب، بدأ هؤلاء يحتاجون إلى علم اللغة وقواعدها، لأنّ الواقع الجديد لا يسعفهم بنظرة سليمة لكي يفكروا ويناقشوا ويتصرفوا لغوياً وفقاً لتلك القواعد.
هذا المثال مثال تقريبي لأجل توضيح الفكرة، إذن، الصحابة الذين عاشوا في كنف الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، إذا كانوا لم يتلقوا النظريات بصيغ عامة، فقد تلقوها تلقياً إجمالياً ارتكازياً، انتقشت في أذهانهم وسرت في أفكارهم، كان المناخ العام والإطار الاجتماعي والروحي والفكري الذي يعيشونه، مساعداً على تفهم هذه النظريات ولو تفهماً إجمالياً، وعلى توليد المقياس الصحيح في مقام التقييم. أما حيث لا يوجد ذلك المناخ، وذلك الإطار، تكون الحاجة إلى دراسة نظريات القرآن الكريم والإسلام، حاجة حقيقية ملحة، خصوصاً مع بروز النظريات الحديثة، من خلال التفاعل بين إنسان العالم الإسلامي وإنسان العالم الغربي بكل ما يملك من رصيد كبير وثقافة متنوعة في مختلف مجالات المعرفة البشرية، حيث وجد الإنسان المسلم نفسه أمام نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان لا بد لكي يحدد موقف الإسلام من هذه النظريات، أن يستنطق نصوص الإسلام، ويتوغل في أعماق هذه النصوص، لكي يصل إلى مواقف الإسلام سلباً وايجاباً، لكي يكتشف نظريات الإسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة.
إذن، فالتفسير الموضوعي في المقام، هو أفضل الاتجاهين في التفسير، وليس معنى هذه الأفضلية، استبدال اتجاه باتجاه، وطرح التفسير التجزيئي رأساً، والأخذ بالتفسير الموضوعي، وإنما إضافة اتجاه إلى اتجاه، لأن التفسير الموضوعي ليس إلاَّ خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى التفسير التجزيئي.
إذن فالمسألة هنا تعني افتراض خطوتين، خطوة هي التفسير التجزيئي، وخطوة أخرى تنضم إليها، هي التفسير الموضوعي.
شواهد وتطبيقات
استعرضنا فيما سبق المبررات الموضوعية والفكرية لإيثار التفسير الموضوعي التوحيدي على التفسير التجزيني التقليدي وأود الآن أن أذكر مبرراً عملياً لهذا الإيثار، هو أنّ شوط التفسير التقليدي شوط طويل جداً، لأنّه يبدأ من الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وهذا الشوط الطويل بحاجة من أجل إكماله إلى فترة زمنية طويلة أيضاً. ولهذا لم يحظ من علماء الإسلام الأعلام إلاّ عدد محدود بهذا الشرف العظيم، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته إلى نهايته.
من هنا، سوف نختار موضوعات متعددة في القرآن المجيد، ونستعرض ما يتعلق بكلّ موضوع منها، وما يمكن أن يلقي عليه القرآن من أضواء. وسوف نحاول أن يكون البحث مضغوطاً بقدر الإمكان. لكي نستوعب أكبر عدد من المواضيع المهمة. فنقتصر على الأفكار الأساسية والمبادئ الرئيسية بالنسبة إلى كل موضوع.
والموضوع الأول الذي سوف نختاره للبحث هو: «سنن التاريخ في القرآن الكريم»! هل للتاريخ البشري سنن وقوانين في مفهوم القرآن الكريم، تتحكم في مسيرته وفي حركته وتطوره؟ ما هي هذه السنن التي تتحكم في التاريخ البشري؟ كيف بدأ التاريخ البشري؟ كيف نما؟ كيف تطور؟ ما هي العوامل الأساسية في نظرية التاريخ؟ ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ؟ ما هو موقع السماء أو النبوة على الساحة البشرية؟ هذا كله ما سوف ندرسه تحت هذا العنوان، عنوان سننن التاريخ في القرآن الكريم، حيث نجد أنّ القرآن الكريم قد بحث الجزء الأعظم من مواد هذا الجانب ومفرداته القرآنية، لكن من زوايا مختلفة، فمثلاً قصص الأنبياء (عليهم السلام) التي تمثل الجزء الأعظم من هذه المادة القرآنية. فحصت قصص الأنبياء (عليهم السلام) من زاوية تاريخية تناولها المؤرخون واستعرضوا الحوادث والوقائع التي تكلم عنها القرآن الكريم. وحينما لاحظوا الفراغات التي تركها هذا الكتاب العزيز، حاولوا ان يملؤا هذه الفراغات بالروايات والأحاديث، أو بما هو المأثور عن أديان سابقة، أو بالأساطير والخرافات، فتكونت سجلات ذات طابع تاريخي لتنظيم هذه المادة القرآنية، كذلك أيضاً بحثت هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى، من زاوية منهج القصة في القرآن، مدى ما يتمتع به هذا المنهج من أصالة وقوة وابداع، ما تزخر به القصة القرآنية من حيوية، من حركة، من أحداث وهكذا. ونحن نريد أن نتناول الآن هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى، من زاوية مقدار ما تلقي هذه المادة من أضواء على سنن التاريخ، على تلك الضوابط والقوانين والنواميس التي تتحكم في عملية التاريخ إذا كان يوجد في مفهوم القرآن شيء منها.
فالساحة التاريخية كأي ساحة أخرى، فلكية كانت، أو فيزيائية، أو نباتية، إذا لا إشكال في أن كل من هذه الساحات زاخرة بمجموعة من الظواهر، وهذه الظواهر المتكثرة في كل ساحة من الساحات تلك، تتكيء على سنن وقوانين وضوابط، تحكمها أو تتحكم فيها.
وكما في الساحات الأخرى، كذلك في الساحة التاريخية، ظواهر متكثرة ومتنوعة.
وهنا نتساءل: هل لهذه الظواهر على الساحة التاريخية قوانين وضوابط تحكمها أو تتحكم فيها، كما كان الحال بالنسبة للظواهر التي تزخر بها مختلف الساحات الأخرى؟
وما هو موقف القرآن منها، وما هو عطاؤه في تأكيد ذلك إيجاباً أو سلباً، إجمالاً أو تفصيلاً؟…
قد يتوهم البعض، أنّنا لا ينبغي أن نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث عن سنن التاريخ، لأنّ البحث في سنن التاريخ بحث علمي، كالبحث في سنن الطبيعة والذرة والنبات. والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكشاف بل كتاب هداية، القرآن الكريم لم يكن كتاباً مدرسياً، وإنما نزل هذا الكتاب على النبي (صلّى الله عليه وآله) لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. إذن فهو كتاب هداية وتغيير، وليس كتاب اكتشاف.
ومن هنا لا نترقب من القرآن الكريم أن يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامة للعلوم الأخرى، ولا نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان. صحيح أن في القرآن الكريم إشارات بالحدود التي تؤكد على البعد الإلهي للقرآن، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرقة في الميادين العلمية المتفرقة، لكن هذه الاشارات القرآنية، إنما هي لأجل غرض عملي من هذا القبيل، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء. القرآن لم يطرح نفسه بديلاً عن قدرة الإنسان الخلاقة، ومواهبه وقابلياته في مقام الكدح في كل ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان، مفجرة طاقاته، محركة له في المسار الصحيح. ومن نفس هذا المنظور، ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا عموميات، أن يعطينا مواقف، أن يبلور لنا مفهوماً علمياً في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون، بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الأخرى، ولا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على الساحات الأخرى؟ لأن القرآن لو صار مقام استعراض هذه القوانين، وكشف هذه الحقائق، لكان بذلك يتحول إلى كتاب آخر نوعياً، يتحول من كتاب للبشرية جمعاء، إلى كتاب للمتخصصين يدرس في الحلقات الخاصة.
قد يتوهم البعض ذلك، فيورد علينا هذا الاعتراض، ونحن بصدد عملية اكتشاف نظرية قرآنية عامة حول السنن التاريخية في كتاب الله.
إلا أن هذه الملاحظة، رغم أن الروح العامة فيها صحيحة، بمعنى أن القرآن الكريم ليس كتاب اكتشاف، ولم يطرح نفسه ليجمد في الإنسان طاقات النمو والابداع والبحث، وإنما هو كتاب هداية، ولكن مع هذا، يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون، هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سننها أمراً مرتبطاً أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، ولكنه عملية تغيير عبر عنها في القرآن الكريم بأنّها إخراج للناس من الظلمات إلى النور.
وعملية التغيير هذه فيها جانبان:
الجانب الأول: جانب المحتوى والمضمون، ما تدعو اليه هذه العملية التغييرية من أحكام ومناهج، وما تتبناه من تشريعات، هذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني، جانب الهي سماوي، يمثل شريعة الله سبحانه، التي نزلت على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وتحدّى بنفس نزولها عليه كل سنن التاريخ المادية، لأن هذه الشريعة كانت أكبر من الجو الذي نزلت عليه، ومن البيئة التي حلت فيها، ومن الفرد الذي كلف بأن يقوم بأعباء تبليغها.
الجانب الثاني: لكن هناك جانب آخر لعملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الأطهار، هذه العملية حينما تلحظ بوصفها عملية متجسدة في جماعة من الناس وهم النبي والصفوة من الصحابة، وبوصفها عملية اجتماعية متجسدة في هذه الصفوة، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها، واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري، حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيداً بشرياً واقعاً على الساحة التاريخية، مترابطاً مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، يكون هؤلاء أناسا كسائر الناس، تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن.
إذن، عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي (صلّى الله عليه وآله) لها جانبان، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي، هي ربانية، هي فوق التاريخ، ولكن من حيث كونها هي عملاً قائما على الساحة التاريخية، من حيث كونها جهداً بشرياً يقاوم جهوداً بشرية أخرى، تعتبر عملاً تاريخياً تحكمه سنن التاريخ، وتتحكم فيه الضوابط التي وضعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية، ولهذا نرى أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الزاوية الثانية، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدث عن أناس، بوصفهم بشراً من البشر، تتحكم فيهم القوانين التي تتحكم في الآخرين، حينما أراد أن يتحدث عن انكسار المسلمين في غزوة أُحد بعد أن أحرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر، تحدث القرآن الكريم عن هذه الخسارة، ماذا قال؟ هل قال بأن رسالة السماء خسرت المعركة بعد أن كانت ربحت المعركة في بدر؟ لا… لأن رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي، ولكن الذي يهزم هو الإنسان، الإنسان حتى ولو كان هذا الإنسان مجسداً لرسالة السماء، لأن هذا الإنسان تتحكم فيه سنن التاريخ، ماذا قال القرآن؟ قال: «وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ»([577]).
هنا أخذ يتكلم عنهم بوصفهم أناساً قال بأنّ هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض أن ينتصروا، وخسروا المعركة في أُحد حينما كانت الشروط الموضوعية للخسارة بحسب نفس المنطق في معركة أحد، تفرض عليهم أن يسخروا المعركة.
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}([578]).
لا تتخيلوا أن النصرن حق إلهي لكم، وإنما النصر حق طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أن توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كونياً لا تشريعياً، وحيث أنكم في غزوة اُحد لم تتوفر لديكم هذه الشروط، خسرتم المعركة. فالكلام هنا كلام مع بشر، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية. بل يذهب القرآن إلى أكثر من ذلك، يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنظف وأطهر جماعة على مسرح التاريخ بأنها إذا لم تقم بدورها التاريخي، وإذا لم تكن على مستوى مسؤولية رسالة السماء، فإن هذا لا يعني أن تتعطل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت سنن التاريخ عنهم، بل إنها سوف تستبدل، سنن التاريخ سوف تعزلها وسوف تأتي بأمم أخرى قد تهيأت لها الظروف الموضوعية الأفضل لكي تلعب هذا الدور، لكي تكون شهيدة على الناس، إذ لم تتهيأ لهذه الأمة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة.
إ{ِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([579]). { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيحِبّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([580]).
آنئذ، فالقرآن الكريم إنما يتحدث من خلال الجانب الثاني في عملية التغيير، مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها.
من هنا يظهر، بأن البحث في سنن التاريخ، مرتبط ارتباطاً عضوياً شديداً بكتاب الله بوصفه كتاب هدى، بوصفه إخراجاً للناس من الظلمات إلى النور، لأن الجانب العملي والتطبيقي من هذه العملية، يخضع لسنن التاريخ، فلا بد إذن أن نستلهم، ولا بد إذن أن يكون للقرآن الكريم تصورات وعطاءات في هذا المجال لتكوين إطار عام للنظرة القرآنية والإسلامية عن سنن التاريخ.
إذن، هذا لا يشبه سنن الفيزياء والكيمياء والفلك والحيوان والنبات، تلك السنن ليست داخلة في نطاق التأثير المباشر على عملية التاريخ، ولكن هذه السنن داخلة في نطاق التأثير المباشر على عملية التغيير، باعتبار الجانب الثاني، ولذا، لا بد من شرح ذلك، ولا بد أن نترقب من القرآن أن يتحول أيضاً إلى كتاب مدرسي في علم التاريخ وسنن التاريخ، بحيث يستوعب كل التفاصيل وكل الجزئيات، حتى ما لا يكون له دخل في منطق عملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإنما القرآن الكريم يحتفظ بوصفه كتاب هداية، كتاب إخراج للناس من الظلمات إلى النور، وفي حدود هذه المهمة، الكبيرة العظيمة التي مارسها في صدور هذه المهمة، يعطي مقولاته على الساحة التاريخية، ويشرح سنن التاريخ بالقدر الذي يلقي ضوءاً على عملية التغيير التي مارسها النبي (صلّى الله عليه وآله)، بقدر ما يكون موجهاً وهادياً وخالقاً لرؤية موضوعية للأحداث والظروف والشروط.
ونحن نلاحظ في القرآن الكريم هذه الحقيقة، حقيقة أن الساحة التاريخية عامرة بسنن كما عمرت كل الساحات الكونية الأخرى بسنن.
فقد بيّنت هذه الحقيقة بأشكال مختلفة وبأساليب متعددة في عدد كثير من الآيات، بيّنت على مستوى إعطاء نفس هذا المفهوم بالنحو الكلي، وبيّنت هذه الحقيقة في آيات أخرى على مستوى عرض هذه القوانين وبيان مصاديق ونماذج وأمثلة لها وكيف تتحكم في المسيرة التاريخية للإنسان، على نحو تمتزج فيه النظرية بتطبيقاتها امتزاج المفهوم بالمصداق، وفي آيات أخرى حصل الحث الأكيد على الاستفادة من الحوادث الماضية، وشحذ الهمم لإيجاد عملية استقراء للتاريخ، وعملية الاستقراء للحوادث كما تعلمون، هي عملية علمية بطبيعتها، تريد أن تفتش عن سنّة وقانون وإلا فلا معنى للاستقراء من دون افتراض سنّة أو قانون. إذن هناك ألسنةٌ متعددة درجت عليها الآيات القرآنية في مقام توضيح هذه الحقيقة وبلورتها.
ونحن عندما نتصفّح كتاب الله العظيم، نجد أن هناك عدداً كثيراً من الآيات الكريمة استعرضت هذه الفكرة بشكل وآخر، وسوف نقرأ جملة من هذه الآيات الكريمة، وبعض هذه الآيات التي سوف نستعرضها واضح الدلالة على المقصود، والبعض الآخر له نحو دلالة بشكل وآخر، أو يكون معززاً ومؤيداً للروح العامة لهذه الفكرة القرآنية.
فمن الآيات الكريمة التي أعطيت فيها الفكرة الكلية، فكرة أن التاريخ له سنن وضوابط ما يلي:
{ لِكُلِّ أمة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}([581]).
{وَلِكُلِّ أمة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}([582]).
نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أن الأجل أضيف إلى الأمة، إلى الوجود المجموعي للناس، لا إلى هذا الفرد أو ذاك الفرد بالذات، إذن، هناك وراء الأجل المحدود المحتوم لكل إنسان بوصفه الفردي، أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد، للأمة بوصفها مجتمعاً يُنشيء ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادىء المسندة بمجموعة من القوى والقابليات، هذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالأمة، له أجل، له موت، له حياة، له حركة، كما أن الفرد يتحرك فيكون حياً ثم يموت، كذلك الأمة تكون حية ثم تموت، وكما أن موت الفرد يخضع لأجل ولقانون، كذلك الأمم أيضاً لها آجالها المضبوطة وقوانينها.
وهناك نواميس تحدد لكل أمة هذا الأجل.
إذن، هاتان الآيتان الكريمتان، فيهما عطاء واضح للفكرة الكلية، فكرة أن التاريخ له سنن تتحكم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد، بهوياتهم الشخصية:
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}([583]). {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}([584]). {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}([585]).
ظاهر الآية الكريمة، أن الأجل الذي يترقب هؤلاء أن يكون قريباً أو يهدّدون أن يكون قريباً، هو الأجل الجماعي لا الأجل الفردي، لأن قوماً بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد، وإنما الجماعة بوجودها المعنوي الكلي، هو الذي يمكن أن يكون قد اقترب أجله.
فالأجل الجماعي هنا يعبر عن حالة قائمة بالجماعة، لا عن حالة قائمة بهذا الفرد أو بذاك، لأن الناس عادة تختلف آجالهم حينما ننظرإليها بالمنظار الاجتماعي وبوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظلمها وعدلها، في سرّائها وضرائها، يكون لها أجل واحد، فهذا الأجل الجماعي المشار إليه، إنما هو أجل الأمة، وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة.
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}([586]).
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}([587]).
ففي هاتين الآيتين الكريمتين، تحدث القرآن الكريم، عن أنه لو كان الله يريد أن يؤاخذ الناس بظلمهم، اًوبما كسبوا، لما ترك على ساحة الناس من دابة، ولأهلك الناس جميع.
وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوير هذا المفهوم القرآني، حيث أن الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة، فيهم الأنبياء، وفيهم الأوصياء. هل يشمل الهلاك الأنبياء، والأئمة العدول من المؤمنين؟ حتى أن بعض الناس استغل هاتين الآيتين لإنكار عصمة الأنبياء (عليهم السلام).
والحقيقة، أن هاتين الآيتين تتحدثان عن عقاب دنيوي لا عن عقاب أخروي، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أمة عن طريق الظلم والطغيان، هذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بخصوص الظالمين من ابناء المجتمع بل تعم أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم.
حينما وقع التيه أربعين عاماً على بني إسرائيل نتيجة ما كسب هذا الشعب بظلمه وطغيانه وتمرده، هذا التيه لم يختص بخصوص الظالمين من بني إسرائيل، وإنما شمل موسى (عليه السلام)، شمل أطهر الناس وأزكاهم وأشجعهم، في مواجهة للظلمة والطواغيت، شمل موسى (عليه السلام) لأنه جزء من تلك الأمة، وبهذا شمل التيه موسى (عليه السلام).
حينما حل البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم، فأصبح يزيد بن معاوية خليفة عليهم، يتحكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، لم يختص بالظالمين من المجتمع الإسلامي، وقتئذ شمل الحسين (عليه السلام)، أطهر الناس وأزكى الناس وأطيب الناس وأعدل الناس، شمل الإمام (عليه السلام) حيث قتل تلك القتلة الفظيعة هو وأصحابه وأهل بيته.
هذا كله هو منطق سنن التاريخ، والعذاب حينما يأتي في الدنيا على مجتمع وفق سنن، لا يختص بخصوص الظالمين من أبناء ذلك المجتمع، ولهذا قال القرآن الكريم في آية أخرى:
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([588]).
بينما يقول في موضع آخر:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([589]).
فالعقاب الأخروي دائماً ينصب على العامل مباشرة، وأما العقاب الدنيوي فيكون أوسع من ذلك، إذن هاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن سنن التاريخ وما يمكن أن يحصل نتيجة كسب الأمة وسعيها وجهدها، لا عن العقاب بالمعنى الأخروي، والعذاب بمعنى مقاييس يوم القيامة.
{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}([590]).
{وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}، هذه سنة سلكناها مع الأنبياء من قبلك، وسوف تستمر ولن تتغير. أهل مكة يحاولون أن يستفزوك لتخرج من مكة، لأنهم عجزوا عن إمكانية القضاء عليك، وعلى كلمتك ودعوتك، ولهذا صار أمامهم طريق واحد، وهو إخراجك من مكة.
وهناك سنة من سنن التاريخ سوف يأتي إنشاءالله شرحها بعد ذلك، يشار إليها في هذه الآية الكريمة. وهي أنه إذا وصلت عملية المعارضة إلى مستوى إخراج النبي من هذا البلد، بعد عجز هذه المعارضة عن كل الوسائل والأساليب الأخرى، فإنهم لا يلبثون بعده إلاَّ قليلا. ليس المقصود من انهم لا يلبثون إلاَّ قليلا، إنهم سوف ينزل عليهم عذاب الله سبحانه من السماء، لأن أهل مكة أخرجوا النبي بعد نزول هذه السورة استفزوه وأرعبوه، وخرج النبي (صلّى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة، إذ لم يجد له ملجأً وأماناً، ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة، وإنما المقصود في أكبر الظن من هذا التعبير، أنهم لا يمكثون كجماعة صامدة معارضة، وكموقع اجتماعي، لا كأناس وكبشر، وإنما سوف ينهار هذا الموقع نتيجة هذه العملية، لأن هذه النبوة التي عجز هذا المجتمع عن تطويقها، سوف تستطيع بعد ذلك أن تهز هذه الجماعة كموقع للمعارضة، وهذا ما وقع فعلاً. فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حينما أخرج من مكة لم يمكثوا بعده إلاَّ قليلا، إذ فقدت المعارضة في مكة موقعها، وتحولت مكة إلى جزء من دار الإسلام بعد سنين معدودة.
إذن، الآية تتحدث عن سنة من سنن التاريخ، وتؤكد وتقول:
{وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}.
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([591]).
تؤكد هذه الآية على السنن، وتؤكد على ضرورة التتبع لأحداث التاريخ من أجل استكشاف هذه السنن ومن ثم الاعتبار بها.
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ}([592]).
هذه الآية أيضاً تثبت قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تحدثه عن التجارب السابقة، تربطه بقانونها، وتوضح له أن هناك سنة تجري عليه وتجري على الأنبياء الذين مارسوا هذه التجربة من قبله، وأن النصر سوف يأتيه، ولكن للنصر شروطه الموضوعية: الصبر، والثبات، واستكمال باقي الشروط، هذا هو طريق الحصول على هذا النصر، ولهذا تقول الآية:
{فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}. إذن هناك كلمة لله لا تتبدل على مر التاريخ، هي علاقة قائمة بين النصر وبين مجموعة من الشروط والقضايا والمواصفات وضحت في الآيات المتفرقة، وجمعت على وجه الإجمال هنا. إذن فهناك سنة للتاريخ.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}([593]).
{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}([594]).
هناك آيات استعرضت نماذج من سنن التاريخ.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([595]).
المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي، لا يتغير هذا البناء العلوي إلاَّ وفقا لتغير القاعدة، على ما يأتي انشاء الله شرحه بعد ذلك.
هذه الآية إذن، تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارجه، فخارج الإنسان، يصنعه داخل الإنسان، فإذا تغير ما بنفس القوم تغير ما عليه وضعهم، وعلاقاتهم، والروابط التي تربط بعضهم ببعض.
إذن فهذه سنة من سنن التاريخ، ربطت القاعدة بالبناء العلوي {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([596]). {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}([597]).
يستنكر عليهم أن يأملوا في أن يكون لهم استثناء من سنن التاريخ، هل تطمعون أن يكون لكم استثناء من سنة التاريخ! وأن تدخلوا الجنة وأن تحققوا النصر، وانتم لم تعيشوا ما عاشته تلك الأمم التي انتصرت ودخلت الجنة من ظروف البأساء والضراء التي تصل إلى حد الزلزال، على حد تعبير القرآن الكريم؟ إن هذه حالات البأساء والضراء التي تتعملق على مستوى الزلزال هي في الحقيقة مدرسة للأمة، هي امتحان لإرادتها وصمودها وثباتها، لكي تستطيع بالتدريج، أن تكتسب القدرة على أن تكون أمة وسطاً بين الناس.
وعليه، فنصر الله قريب لكنه ليس أمراً عفوياً، ليس أمراً على سبيل الصدفة، نصر الله قريب ولكن اهتدِ إلى طريقه. ومن أجل تحصيل ذلك الاهتداء، لا بد وأن تعرف منطق التاريخ، قد يكون الدواء قريباً من المريض، لكن إذا كان هذا المريض لا يعرف تلك المعادلة العلمية التي تؤدي إلى إثبات أن هذا الدواء يقضي على جرثومة هذا الداء، لا يستطيع أن يستعمل هذا الدواء حتى ولو كان قريباً منه.
فالاطلاع على سنن التاريخ، هو الذي يمكّن الإنسان من التوصل إلى النصر. فهذه الآية تستنكر على المخاطبين بها أن يكونوا طامعين في الاستثناء من سنن التاريخ:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}([598]).
هذه علاقة قائمة بين النبوة على مر التاريخ، وبين موقع المترفين والمسرفين في المجتمعات. هذه العلاقة تمثل سنة من سنن التاريخ، وليست ظاهرة وقعت في التاريخ صدفة، والا لما تكررت بهذا الشكل المطرد ولما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا}. إذن هناك علاقة سلبية، هناك علاقة تطارد وتناقض، بين موقع النبوة الاجتماعي في حياة الناس على الساحة التاريخية، والموقع الاجتماعي للمترفين والمسرفين، هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوة في المجتمع، ودور المترفين والمسرفين في المجتمع. هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع.
إذن هذه سنة من سنن التاريخ: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}([599]).
هذه الآية أيضاً، تتحدث عن علاقة معينة ومطردة بين ظلم يسود ويسيطر، وبين هلاك تجر اليه الأمة جراً. وهي سنة من سنن التاريخ.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}([600]).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([601]).
{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([602]). {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}([603]). { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([604]).
هذه الآيات أيضاً، تتحدث عن علاقة معينة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه، وبين وفرة الخيرات ووفرة الإنتاج، وبلغة اليوم: بين عدالة التوزيع وبين وفرة الإنتاج. القرآن يؤكد أن المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع، التي عبر عنها القرآن تارةبـ: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} وأخرى بـ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا} وأخرى بـ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}.
لأن شريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، وإقامتها على أسس عادلة، يقول: لو أنهم طبقوا عدالة التوزيع، إذن لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتجة، بل لازداد الثراء وازدادت الخيرات والبركات. لكنهم تخيلوا أن عدالة التوزيع تقتضي التقسيم، وبالتالي تقضي فقر الناس، بينما الحقيقة أن السنة التاريخية تؤكد عكس ذلك، تؤكد بأن تطبيق شريعة السماء وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع، تؤدي دائماً وباستمرار، إلى وفرة الإنتاج والى زيادة الثروة، إلى أن يفتح على الناس بركات السماء والأرض.
إذن هذه أيضاً سُنّة من سنن التاريخ.
وهناك آيات أخرى حثّت على الاستقراء والنظر والتدبر في الحوادث التاريخية، من أجل تكوين نظرة استقرائية، من أجل الخروج بنواميس وسنن كونية للساحة التاريخية.
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}([605]).
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}([606]).
{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}([607]).
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}([608]).
من مجموع هذه الآيات الكريمة، يتبلور المفهوم القرآني الذي أوضحناه، وهو تأكيد القرآن على أن الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط، كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأخرى. وهذا المفهوم القرآني، يعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم.. لأننا بحدود ما نعلم، أن القرآن أول كتاب عرفه الإنسان، أكد على هذا المفهوم، وكشف عنه وأصر عليه، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم، النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية بتفسير الأحداث، الإنسان الاعتيادي كان يفسر التاريخ بوصفه كومة متراكمة من الأحداث، يفسره على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة أخرى، القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية الاستسلامية، ونبه العقل البشري، إلى أن هذه الساحة لها سنن، ولها قوانين، ولكي تستطيع أن تكون إنسانا فاعلاً مؤثراً، لا بد لك أن تكتشف هذه السنن، وتتعرف على هذه القوانين، لكي تستطيع أن تتحكم فيها، والا تحكمت هي فيك وأنت مغمض العينين، افتح عينيك على هذه القوانين، لكي تكون أنت المتحكم فيها وليس العكس.
هذا الفتح القرآني الجليل، هو الذي مهد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون، إلى أن تجرى محاولات لفهم التاريخ فهماً عملياً، بعد نزول القرآن بثمانية قرون، بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه، ثم بعد ذلك بأربعة قرون (على أقل تقدير)، اتجه الفكر الأوربي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة، نحو تجسيد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون، حيث لم يتوغلوا إلى أعماقه، وبدأت لدى الغربيين أبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ، وفهم سننه، ونشأت على هذا الأساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة، ومدارس متعددة، كل واحدة منها تحاول أن تحدد هذه السنن التاريخية.
وقد تكون المادية التاريخية أشهر هذه المدارس وأوسعها تغلغلاً وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه، إذن، كل هذا الجهد البشري في الحقيقة، هو استمرار لهذا التنبيه القرآني، ويبقى للقرآن الكريم مجده في أنه طرح هذه الفكرة لأول مرة على ساحة المعرفة البشرية.
حقائق قرآنية
عن سنن التاريخ
من استعراضنا السابق للنصوص القرآنية الكريمة، التي أوضحت فكرة السنن التاريخية وأكدت عليها، يمكننا أن نستلخص من خلال المقارنة بين تلك النصوص، ثلاث حقائق أكد عليها القرآن الكريم بالنسبة إلى سنن التاريخ.
الحقيقة الأولى :
هي الاضطراد، بمعنى أن السنة التاريخية مضطردة ليست علاقة عشوائية قائمة على أساس الصدفة والاتفاق، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي، لا تتخلف في الحالات الإعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون وعلى السنن العامة، وكان التأكيد على طابع الاضطراد في السنة، تأكيداً على الطابع العلمي للقانون التاريخي، لأن أهم مميز يميز القانون العلمي عن بقية المعادلات والفروض، هو الاضطراد والتتابع وعدم التخلف.
ومن هنا استهدف القرآن الكريم، من خلال التأكيد على طابع الاضطراد في السنة التاريخية، التأكيد على الطابع العلمي لهذه السنّة بغية خلق شعور واع لدى الإنسان المسلم، يمكنه من تتبع أحداث التاريخ في جريانها بصورة واعية، بعيداً عن العشوائية والسذاجة والاستسلام.
{وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}([609])، { وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}([610])، { وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}([611]).
هذه النصوص القرآنية التي تقدم استعراضها، تؤكد على طابع الاستمرارية والاضطراد أي طابع الموضوعية والعلمية للسنة التاريخية، وتستنكر هذه النصوص الشريفة كما تقدم في بعضها، أن يكون هناك تفكير أو طمع لدى جماعة من الجماعات، بأن تكون مستثناة من سنة التاريخ كما تقدّم شرحه.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}([612]). فالروح العامة للقرآن ـ إذن ـ، تؤكد على هذه الحقيقة الأولى، حقيقة الاضطراد في السنة التاريخية، الذي يعطيها الطابع العلمي من أجل تربية الإنسان على ذهنية واعية علمية يتصرف في إطارها ومن خلالها مع أحداث التاريخ.
الحقيقة الثانية :
الحقيقة الثانية التي أكدت عليها النصوص القرآنية، ربانية السنة التاريخية، وارتباطها بالله سبحانه، بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ، هو قرار رباني، هذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانية السنة التاريخية وعلى طابعها الغيبي، يستهدف ربط الإنسان، حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون، بالله سبحانه، وإشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية، والاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكم في هذه الساحات، ليس انعزالاً عن الله سبحانه، لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن، فهي إرادة الله، وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.
وقد يتوهم البعض أن هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للسنن التاريخية، يبعد القرآن عن إطار التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ، ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد أغسطين وغيره من المفكرين المسيحيين واللاهوتيين.
لكن الحقيقة، أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني في ربط التاريخ بعالم الغيب، وبين ما يسمى بالتفسير الإلهي للتاريخ، الذي تبناه اللاهوت. وحاصل هذا الفرق: هو أن الاتجاه اللاهوتي، للتفسير الإلهي للتاريخ، يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه قاطعاً صلتها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث التي تزخر بها الساحة التاريخية، والتي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة، بينما القرآن الكريم، لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والأسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية، بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، ويربط أوجه العلاقات والارتباطات، فهو يقرر أوّلاً: وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلاَّ أن هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية، هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره، وبناءه التكويني للساحة التاريخية. إذا أردنا أن نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الإتجاهين من الظواهر الطبيعية، نستطيع أن نستخدم هذا المثال: قد يأتي إنسان فيفسر ظاهرة المطر، التي هي ظاهرة طبيعية فيقول بأن المطر نزل بإرادة من الله سبحانه، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر، فكأن المطر حادثة لا علاقة لها ولا نسب، وإنما حادثة مفردة ترتبط مباشرة بالله بمعزل عن تيار الحوادث، هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر، لكن إذا جاء شخص وقال بأن ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وأنها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلاً، الماء يتبخر فيتحول إلى غاز، والغاز يتصاعد سحاباً والسحاب يتحول بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر، إلاَّ أن هذا التسلسل السببي المتقن، وهذه العلاقات المتشابكة بين الظواهر الطبيعية، هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته. فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي والتفسير الموضوعي لظاهرة المطر، لأننا ربطنا هنا السنة بالله سبحانه، لا الحادثة مع عزلها عن بقية الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها.
إذن، القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية، لا يريد أن يتجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ، ولكنه يريد أن يؤكد أن هذه السنن ليست خارجة عن قدرة الله سبحانه، وإنما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله، فهي كلماته وسننه وإرادته وحكمته في الكون، لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى الله، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان، فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السنن نظرة علمية، ينظر أيضاً إليها نظرة إيمانية.
وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية، وعدم جعلها مرتبطة بالصدف، أن نفس العمليات الغيبية، أناطها في كثير من الحالات بالسنة التاريخية نفسها أيضاً، عملية الإمداد الإلهي الغيبي، الذي يساهم في كسب النصر، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً ومرتبطاً بالسنة التاريخية، وظروفها، وهذه الروح أبعد ما تكون عن أن تكون روحاً تفسر التاريخ على أساس الغيب، وإنما هي روح تفسر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم.
قرأنا ما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنص القرآني: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}([613]).
والآن تعالوا نقرأ الآيات التي تتحدث عن الإمداد لنلاحظ كيف أنّ هذه الآيات ربطت هذا الإمداد الإلهي الغيبي بتلك السنة نفسها أيضاً إذ تقول للمؤمنين.
{أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}([614]). هناك إمداد إلهي غيبي ولكنه شرط بسنة التاريخ، شرط بقوله: { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} أجملت هنا شروط التاريخ التي فصلت في الآيات الأخرى.
فمن الواضح إذن، أنّ الطابع الرباني الذي يسبغه القرآن الكريم، ليس بديلاً عن التفسير الموضوعي، وإنّما هو ربط لهذا التفسير الموضوعي بالله سبحانه، من أجل إكمال اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.
الحقيقة الثالثة :
الحقيقة الثالثة التي أكد عليها القرآن الكريم من خلال النصوص المتقدمة، هي حقيقة اختيار الإنسان وإرادة الإنسان والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جداً، إذ سوف يأتي، أن البحث في سنن التاريخ خلق وهماً عند كثير من المفكرين، أن هناك تعارضاً وتناقضاً بين حرية الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ، فإما أن نقول بأن للتاريخ سننه وقوانينه، وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وحريته، واما أن نسلم بأن الإنسان كائن حر مريد مختار، وبهذا يجب أن نلغي سنن التاريخ وقوانينه، ونقول بأن هذه الساحة قد أعفيت من القوانين التي لم تحكم بقية الساحات الكونية.
هذا الوهم، وهْمُ التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون التاريخي، وبين فكرة اختيار الإنسان وحريته، كان من الضروري للقرآن الكريم أن يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات.
ومن هنا اكد سبحانه وتعالى، على أن المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنما هو إرادة الإنسان، وسوف أتناول انشاء الله فيما بعد، الطريقة الفنية في كيفية التوفيق بين سنن التاريخ وارادة الإنسان، وكيف استطاع القرآن الكريم أن يجمع بين هذين الأمرين، من خلال فحص للصيغ التي يمكن في إطارها صياغة السنة التاريخية، لكن يكفي الآن أن نستمع إلى قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([615]).
{وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([616]).
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}([617]).
انظروا كيف أن السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الإنسان بل تجري من تحت يده، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءاً غدقاً، إذن، هناك مواقف إيجابية للإنسان تمثل حريته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخية، جزاءاتها ومعلولاتها المناسبة، فاختيار الإنسان إذن، له موضعه الرئيسي في الساحة التاريخية، والنظرية القرآنية لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي، ولا تعطل فيه إرادته وحريته واختياره، وإنّما تؤكد أكثر فأكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية.
ميدان سنن التاريخ
الآن، بعد استعراضنا الخصائص الثلاث التي تتميز بها السنن التاريخية في القرآن الكريم، نواجه هذا السؤال: ما هو ميدان هذه السنن التاريخية؟
كنا حتى الآن نقول: بأن هذه السنن تجري على الساحة التاريخية، لكن، هل أن الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخية، أو أن ميدان السنن التاريخية يمثل جزءاً من الساحة التاريخية، بمعنى أن الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية، بوصفها قوانين ذات طابع نوعي مختلف عن القوانين الأخرى الفيزيائية والفسلجية، والبيولوجية والفلكية، هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي مختلف، هل تتسع له الساحة التاريخية؟ هل يستوعب كل الساحة التاريخية أو يعبر عن جزء من الساحة التاريخية؟
لكن قبل هذا يجب أن نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية؟ الساحة التاريخية عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون، فالسؤال هنا إذن هكذا، هل أن كل هذه الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرخون، وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية، محكومة بالسنن التاريخية، بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميز عن سنن بقية حدود الكون والطبيعة، أو أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟
الصحيح أن جزءاً معيناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ، هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ، بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية، أو الفسلجية، أو قوانين الحياة، أو أي قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونية الأخرى.
مثلاً: موت أبي طالب، موت خديجة في سنة معينة، حادثة تاريخية مهمة تدخل في نطاق ضبط المؤرخين، وأكثر من هذا، هي حادثة ذات بُعد في التاريخ، ترتبت عليها آثار كثيرة، ولكنها لا يحكمها سنة تاريخية، بل تحكمها قوانين فسلجية، فرضت أن يموت أبو طالب (صلوات الله عليه)، وأن تموت خديجة (عليها السلام)، في ذلك الوقت المحدد، هذه الحادثة تدخل في نطاق صلاحيات المؤرخين، ولكن الذي يتحكم في هذه الحادثة هي قوانين فسلجة جسم أبي طالب وجسم خديجة، قوانين الحياة التي تفرض المرض والشيخوخة ضمن شروط معينة وظروف معينة. حياة عثمان بن عفان، الخليفة الثالث حتى ناهز الثمانين، طبعاً هذه الحادثة كان لها أثر عظيم في تاريخ الإسلام، ولو قدر لهذا الخليفة أن يموت موتاً طبيعياً وفقاً لقوانينه الفسلجية قبل يوم الثورة، كان من الممكن أن تتغير كثير من معالم التاريخ، كان من المحتمل أن يأتي الإمام أمير المؤمنين إلى الخلافة بدون تناقضات وبدون ضجيج، لكن قوانين فسلجة جسم عثمان بن عفان اقتضت أن يمتد به العمر إلى أن يقتل من قبل الثائرين عليه من المسلمين، هذه حادثة تاريخية، أعني أنها تدخل في اهتمامات المؤرخين، ولها بُعد تاريخي أيضاً، لعبت دوراً سلباً أو إيجاباً في تكييف الأحداث التاريخية الأخرى، ولكنها لا تتحكم فيها سنن التاريخ، إن الذي يتحكم في ذلك قوانين بنية جسم عثمان بن عفان، قوانين الحياة، وقوانين جسم الإنسان التي أعطت لعثمان بن عفان عمراً ناهز الثمانين. مواقف عثمان بن عفان وتصرفاته الاجتماعية تدخل في نطاق سنن التاريخ، ولكن طول عمر عثمان بن عفان لمسألة أخرى، مسألة حياتية أو مسألة فسلجية أو مسألة فيزيائية، وليست مسألة تتحكم فيها سنن التاريخ.
إذن سنن التاريخ لا تتحكم على كل الساحة التاريخية، لا تتحكم على كل القضايا التي يدرجها الطبري في تاريخه، بل تحكم ميداناً معيناً من هذه الساحة، هذا الميدان يشتمل على ظواهر متميزة تميزاً نوعياً عن سائر الظواهر الكونية والطبيعية، وباعتبار هذا التميز النوعي، استحقت سنناً متميزة أيضاً تميزاً نوعياً عن سنن بقية الساحات الكونية.
المميز العام للظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ، هو أن هذه الظواهر تحمل علاقة جديدة لم تكن موجودة في سائر الظواهر الأخرى الكونية والطبيعية والبشرية. الظواهر الكونية والطبيعية كلها تحمل علاقة بين مسبَّب وسبب، نتيجة ومقدمات، مثلاً الغليان ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروف معينة، بدرجة حرارة معينة، بدرجة معينة من قرب هذا الماء من النار، العلاقة هنا علاقة السببية، علاقة الحاضر بالماضي، بالظروف المسبقة المنجزة، لكن هناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقة من نمط آخر ونوع جديد، وهي علاقةُ ظاهرةٍ بهدف، علاقة نشاط بغاية، أو ما يسميه الفلاسفة بالعلة الغائية، تمييزاً لها عن العلة الفاعلية، غليان الماء بالحرارة، يحمل علاقة مع سببه، مع ماضيه، لكن لا يحمل علاقة مع غاية ومع هدف، ما لم يتحول إلى فعل إنساني وإلى جهد بشري، بينما العمل الإنساني الهادف يحتوي على علاقة لا فقط مع السبب، لا فقط مع الماضي، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين إنجاز هذا العمل، وإنما يترقب وجودها. أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لا مع الماضي، الغاية دائماً تمثل المستقبل بالنسبة إلى العمل، بينما السبب يمثل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل.
فالعلاقة التي يتميز بها العمل التاريخي، العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو أنه عمل هادف، عمل يرتبط بعلة غائية سواءاً كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة، نظيفة أو غير نظيفة، وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول، حيث إنها مستقبلية بالنسبة إلى العمل، فهي تؤثر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة، فتمنحه بذلك من الطموح والتطلع المستقبلي، ما يستطيع معه أن يجسّد ذاك الوجود الذهني حقيقة خارجية.
إذن، فالمستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي، يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات، حينئذ يؤثر في إيجاد هذا النشاط.
إذن، حصلنا الآن على مميز نوعي للظاهرة التاريخية، غير موجود بالنسبة إلى سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة، وهذا المميز ظهور علاقة فعل بغاية، نشاط بهدف، بالتعبير الفلسفي، كون المستقبل محركاً لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني أي الفكر الذي يرسم للفاعل غايته. إذن، فالسنن النوعية للتاريخ، موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملاً له غاية، عملاً يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية، وهي العلاقة بالغاية والهدف، بالعلة الغائية.
ولكن ليس معنى ذلك بالضرورة، أن يكون كل عمل له غاية هو عملاً تاريخياً تجري عليه سنن التاريخ، بل يوجد بُعد ثالث لا بد أن يتوفر لهذا العمل لكي يكون عملاً تحكمه سنن التايخ.
الثاني البعد الأول: كان «السبب».
والبعد: كان الغاية «الهدف».
وأما البعد الثالث: فهو أن يكون لهذا العمل أرضية تتجاوز ذات الفرد العامل إلى المجتمع، الذي يكون هذا الفرد جزءاً منه.
قد يأكل الفرد إذا جاع، قد يشرب إذا عطش، قد ينام إذا أحس بحاجته إلى النوم، لكن هذه الأعمال على الرغم من أنها أعمال هادفة أيضاً، تريد أن تحقق غايات، ولكنها أعمال لا يمتد موجها أكثر من العامل، خلافاً لعمل يقوم به الإنسان من خلال نشاط اجتماعي وعلاقات متبادلة مع أفراد جماعته. التاجر حينما يعمل عملاً تجارياً. القائد حينما يعمل عملاً حربياً. السياسي حينما يمارس عملاً سياسياً. المفكر حينما يتبنى وجهة نظر في الكون والحياة. هذه الأعمال لها موج يتعدى شخص العامل، هذا الموج يتخذ من المجتمع أرضية له، ويمكننا أيضاً أن نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول: المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل، نتذكرمن مصطلحات الفلاسفة التمييز الأرسطي بين العلة الفاعلية والعلة الغائية والعلة المادية، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة. يعني أن المجتمع باعتباره أرضية للعمل، يشكل علة مادية له، في حالة من هذا القبيل، يعتبر هذا العمل عملاً تاريخياً، يعتبر عملاً للأمة وللمجتمع وإن لم يكن المباشر في جملة من الأحيان إلاّ فرد واحد، أو عدداً من الأفراد، ولكن باعتبار الموج يعتبر المجتمع، إذن العمل التاريخي الذي تحكمه سنن التاريخ، هو العمل الذي يكون حاملاً لعلاقة مع هدف وغاية، ويكون في نفس الوقت ذا أرضية أوسع من حدود الفرد، ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له، وبهذا يكون عمل المجتمع.
وفي القرآن الكريم، نجد تمييزاً بين عمل الفرد وعمل المجتمع، ونلاحظ في القرآن الكريم أنه من خلال استعراضه للكتب الغيبية الإحصائية، تحدث القرآن عن كتاب للفرد، وتحدث عن كتاب للأمة، عن كتاب يحصي على الفرد عمله، وعن كتاب يحصي على الأمة عملها، وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي الذي ينسب إلى الفرد وبين عمل الأمة، أي العمل الذي له ثلاثة أبعاد، والعمل الذي له بعدان، العمل الذي له بعدان لا يدخل إلاَّ في كتاب الفرد، وأما العمل الذي له ثلاثة أبعاد فهو يدخل في الكتابين معاً، باعتبار البعدين في كتاب الفرد ويحاسب الفرد عليه، وباعتبار البعد الثالث يدخل في كتاب الأمة ويعرض على الأمة وتحاسب الأمة على أساسه. لاحظوا قوله سبحانه وتعالى:
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}([618]).
هنا القرآن الكريم يتحدث عن كتاب للأمة، أمة جاثية بين يدي ربها ويقدم لها كتابها، يقدم لها سجل نشاطها وحياتها التي مارستها كأمة، هذا العمل الهادف، ذو الأبعاد الثلاثة يحتويه هذا الكتاب، وهذا الكتاب ليس تاريخ الطبري ـ انظروا إلى العبارة ـ يقول:
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
فهو لا يسجل الوقائع الطبيعية، الفسلجيّة، الفيزيائية، إنّما يحدد ويستنسخ ما كانوا يعملون كأمّة.
بحيث ينسب للأمة وتكون الأمة مدعوة إلى كتابها. هذا العمل هو الذي يحويه هذا الكتاب. بينما في آية أخرى نلاحظ قوله سبحانه وتعالى:
{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}([619]).
هنا الموقف يختلف، هنا كل إنسان مرهون بكتابه، لكل إنسان كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله، من حسناته وسيئاته، من هفواته وسقطاته، من صعوده وهبوطه، الكتاب الذي كتب بعلم مَنْ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماء. كل إنسان قد يفكر أن بإمكانه أن يخفي نقطة ضعف، أن يخفي ذنباً، أن يخفي سيئة عن جيرانه، أو قومه، أو أمته، أو أولاده، أو حتى عن نفسه، ولكن هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها.
هذا كتاب الفرد وذاك كتاب الأمة. هناك كتاب لأمة جاثية بين يدي ربها، وهنا لكل فرد كتاب. هذا التمييز النوعي القرآني بين كتاب الأمة وكتاب الفرد تعبير آخر عما قلناه، من أن العمل التاريخي هو ذاك العمل الذي يتمثل في كتاب الأمة. العمل الذي له أبعاد ثلاثة. بل إن الذي يستظهر ويلاحظ من عدد آخر من الآيات القرآنية الكريمة، أنه ليس فقط يوجد كتاب للفرد ويوجد إحضار للفرد ويوجد إحضار للأمة، هناك إحضاران بين يدي الله سبحانه، الإحضار الفردي يأتي فيه كل إنسان فرداً فرداً، لا يملك ناصراً ولا معيناً، إلاَّ العمل الصالح والقلب السليم والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، هذا هو الإحضار الفردي. قال الله تعالى:
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}([620]).
وهناك إحضار آخر، إحضار للأمة بين يدي الله سبحانه وتعالى، كما يوجد هناك سجلان، كذلك يوجد إحضاران كما تقدم، ترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، ذاك إحضار للجماعة، والمستأنس به من سياق الآيات الكريمة، أن هذا الإحضار الثاني يكون من أجل إعادة العلاقات إلى نصابها الحق، العلاقات في داخل كل أمة قد تكون غير قائمة على أساس الحق، قد يكون الإنسان المستضعف فيها جديراً بأن يكون في أعلى الأمة، هذه الأمة تعاد فيها العلاقات إلى نصابها الحق. هذا هو الشيء الذي سماه القرآن الكريم بيوم التغابن، كيف يحصل التغابن؟.. يحصل التغابن عن طريق اجتماع المجموعة، ثم كل إنسان كان مغبوناً في موقعه ووجوده في الأمة يأخذ حقه، اسمَعوا قوله تعالى:
{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}([621]).
إذن فهناك سجلان: هناك سجل لعمل الفرد، وهناك سجل لعمل الأمة، وعمل الأمة هو عبارة عما قلناه من العمل الذي يكون له ثلاثة أبعاد، بُعدٌ من ناحية العامل هو ما يسميه أرسطو بـ «العلة الفاعلية»، وبُعْدٌ من ناحية الهدف ما يسمّيه أرسطو بـ «العلة الغائية»، وبُعْدٌ من ناحية الأرضية وامتداد الموج ما يسمونه بـ «العلة المادية». هذا العمل ذو الأبعاد الثلاثة هو موضوع سنن التاريخ، هذا هو عمل المجتمع.
لكن لا ينبغي أن يوهم ذلك ما توهمه بعض المفكرين والفلاسفة الأوربيين كهيغل وغيره، من أن المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميز عن سائر الأفراد، وكل فرد ليس إلاَّ بمثابة الخلية في هذا العملاق الكبير، الذي يتخذ من كل فرد نافذة على الواقع، بقدر ما يمكن أن يجسد في هذا الفرد من قابلياته هو، ومن ابداعه هو، إذن كل قابلية وكل إبداع، ليسا إلا قابلية ذلك العملاق وإبداعه، وكل فرد إنّما هو نافذة من النوافذ التي يعبر عنها ذلك العملاق الهيجلي.
هذا التصور، اعتقد به جملة من الفلاسفة الأوروبيين تمييزاً لعمل المجتمع عن عمل الفرد، إلاّ أنّ هذا التصور ليس صحيحاً، ولسنا بحاجة إليه وإلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة، لكي ننحت هذا العملاق الأسطوري من هؤلاء الأفراد، ليس عندنا إلاَّ الأفراد، إلاّ زيد وبكر وخالد، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم، طبعاً مناقشة هيجل من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث، لأن هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بحسب الحقيقة بكامل الهيكل النظري لفلسفته، هذا التصور ليس صحيحاً، ولسنا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأسطوري، لكي نميز بين عمل الفرد وعمل المجتمع، التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتم من خلال ما أوضحناه من البعد الثالث. عمل الفرد هو العمل الذي يكون له بعدان، فإن اكتسب بعداً ثالثاً كان عمل المجتمع، باعتبار أن المجتمع يشكل أرضية له، يشكل علة مادية له. يدخل حينئذ في سجل كتاب الأمة الجاثية بين يدي ربها. هذا هو ميزان الفرق بين العملين.
إذن الشيء الذي نستخلصه مما تقدم، أن موضوع السنن التاريخية هو العمل الهادف الذي يتخذ من المجتمع أو الأمة أرضية له، على اختلاف سعة الموجة وضيق الموجة.
صيغ السنن التاريخية
في القرآن
حان الأوان لكي نتعرف على الصيغ المتنوعة التي تتخذها السنة التاريخية القرآنية.
كيف يتم التعبير موضوعياً عن القانون التاريخي في القرآن الكريم؟
ما هي الأشكال التي تتخذها سنن التاريخ في مفهوم القرآن الكريم؟
هناك ثلاثة أشكال تتخذها السنة التاريخية في القرآن الكريم، لا بد من استعراضها ومقارنتها والتدقيق في أوجه الفرق بينها.
الشكل الأول: للسنة التاريخية، هو شكل القضية الشرطية، في هذا الشكل تتمثل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، وانه متى ما تحقق الشرط تحقق الجزاء. وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الأخرى.
فمثلاً: حينما نتحدث عن قانون طبيعي لغليان الماء، نتحدث بلغة القضية الشرطية، نقول بأن الماء إذا تعرض إلى الحرارة وبلغت الحرارة درجة معينة مائة مثلاً في مستوى معين من الضغط، حينئذ سوف يحدث الغليان، هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكد أن حالة التعرض إلى الحرارة، ضمن مواصفات معينة تذكر في طرف الشرط تستتبع حادثة طبيعية معينة، وهي غليان هذا الماء، هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية. ومن الواضح أن هذا القانون الطبيعي لا ينبئنا عن تحقق الشرط وعدم تحققه، لا ينبئنا عن أن الماء سوف يتعرض للحرارة أو لا؟ هل أن درجة حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون أو لا؟ هذا القانون لا يتعرض إلى مدى وجود الشرط وعدم وجوده، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط إيجاباً أو سلباً، وإنما ينبئنا عن أن الجزاء لا ينفك عن الشرط، فمتى ما وجد الشرط وجد الجزاء، وأن الغليان نتيجة مرتبطة موضوعياً بالشرط، هذا تمام ما ينبئنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية.
ومثل هذه القوانين، تقدم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية، وتلعب دوراً عظيماً في توجيهه، لأن الإنسان ضمن تعرّفه على هذه القوانين، يصبح بإمكانه أن يتصرف بالنسبة إلى الجزاء، ففي كل حالة يرى أنه بحاجة إلى الجزاء يُعمِل هذا القانون ويُوفر شروطه، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارضاً مع مصالحه ومشاعره، يحاول الحيلولة دون توفر شروط هذا القانون.
إذن القان الموضوع بصيغة القضية الشرطية، موجِّه عملي للإنسان في حياته.
ومن هنا تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المضطردة والسنن الثابتة، لأن صياغة الكون ضمن هكذا روابط وسنن، هو الذي يجعل الإنسان يتعرف على موضع قدميه، وعلى الوسائل التي يجب أن يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول إلى إشباع حاجته، لو أن الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مضطردة مع حادثة أخرى كالحرارة، لما استطاع الإنسان أن يتحكم في هذه الظاهرة، أو يخلقها متى ما كانت حياته بحاجة إليها، ويتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها، إنما كان له هذه القدرة، باعتبار أن هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون، وطرح على الإنسان القانون الطبيعي بلغة القضية الشرطية، فأصبح يتصرف إزاء هذا القانون بوعي واختيار وإرادة.
نفس الشيء نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية، فإن عدداً كبيراً من السنن هذه في القرآن، قد نمت صياغته على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين، أو تاريخيتين.
قرأنا في ما سبق، استعراضاً للآيات الكريمة التي تدل على سنن التاريخ في القرآن. جملة من تلك الآيات الكريمة مفادها هو السنة التاريخية بلغة القضية الشرطية، فمثلاً الآية الكريمة:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
فمرجع هذا المفاد القرآني، إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وتغيير الوضع الظاهري للبشرية، متى ما وجد ذاك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيانهم، هذه الآية إذن، بيّن القانون فيها بلغة القضية الشرطية.
{ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}.
قلنا في ما سبق أن هذه الآية الكريمة تتحدث بلغة القضية الشرطية عن سنة من سنن التاريخ، تربط وفرة الإنتاج بعدالة التوزيع، كما هو الواضح من صياغتها النحوية أيضاً.
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
هذه الآية أيضاً، استبطئت سنة تاريخية بينت بلغة القضية الشرطية عندما ربطت بين أمرين، بين تأمير الفساق والمترفين في المجتمع، وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله، فمتى ما وجد هذا الشرط يوجد الجزاء، هذا هو الشكل الأول من اشكال السنة التاريخية في القرآن.
الشكل الثاني: الذي تتخذه السنن التاريخية، شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة. وهذا الشكل أيضا نجد له أمثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية. مثلاً : العالم الفلكي حينما يصدر حكماً علمياً على ضوء قوانين مسارات الفلك، بأن الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني، أو أن القمر سوف ينخسف كذلك، هذه قضية علمية، إلاَّ أنها قضية وجودية ناجزة، وليست قضية شرطية، ولذا لا يملك الإنسان اتجاه هذه القضية أن يغير من ظروفها وأن يعدل من شروطها، لأنها تخبر عن وقوع هذه الحادثة على أي حال. وكذلك القرارات العلمية التي تصدر عن الأنواء الجوية، المطر ينهمر على المنطقة الفلانية، هذا أيضاً يعبر عن قضية فعلية وجودية لم تصغ بلغة القضية الشرطية، وإنما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق، بلحاظ مكان معين وزمان معين.
هذا هو الشكل الثاني من أشكال السنن التاريخية. وسوف أذكر فيما بعد انشاء الله عند تحليل عناصر المجتمع إلى أمثلة لهذا الشكل من القرآن الكريم.
هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي ـ كما سبقت الإشارة إليه ـ بتوهم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وارادته، لأن سنن التاريخ هي التي تنظم مسار الإنسان وحياة الإنسان، إذن ماذا يبقى لإرادة الإنسان؟
هذا التوهم، أدى ببعض المفكرين إلى القول بأن الإنسان له دور سلبي فقط وليس دوراً إيجابياً، فهو يتحرك كما تتحرك الآلة وفقاً لظروفها الموضوعية، ولعله يأتي بعض التفصيل أيضاً عن هذه الفكرة.
وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهرياً، إلى أن اختيار الإنسان نفسه هو أيضاً يخضع لسنن التاريخ. وهذا الموقف يستبطن تضحية باختيار الإنسان لنفسه لكن بصورة غير مكشوفة.
وذهب بعض المفكرين الأوروبيين إلى اختيار موقف معاكس، عندما اتجهوا إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان، بحجة أنه ما دام الإنسان مختاراً، فلا بدّ من أن تستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي، فلا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظاً منهم على إرادة الإنسان واختياره.
وهذه المواقف كلها خاطئة، لأنها جميعاً تقوم على وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار الإنساني، وهذا التوهم نشأ من قَصْر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنة التاريخية تلك المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة، لو كنا نَقْصُر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ، والتزمنا بأنه يستوعب كل الساحة التاريخية، لكان هذا التوهم وارداً، ولكنا يمكننا إبطال هذا التوهم، عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من أشكال السنة التاريخية، الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية، وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطية في شروطها معبرة عن إرادة الإنسان واختياره، باعتبار أن اختيار الإنسان يمثل المحور في هذه القضية الشرطية لأنه شرطها. لكن ما هو الشرط؟
الشرط: هو فعل الإنسان، هو إرادة الإنسان.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([622]).
التغيير هنا أسند إليهم فهو فعلهم، إبداعهم وإرادتهم. وحينما يحتل إبداع الإنسان واختياره موضوع الشرط في هذه القضية الشرطية، تصبح السنة التاريخية متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، بل إن السنة حينئذ، تزيد الإنسان اختياراً وقدرة وتمكناً من التصرف في موقفه، عيناً كما كان القانون الطبيعي يزيد من قدرة الإنسان على التحكّم في الغليان، بعد أن عرف شروطه وظروفه، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية، هي في الحقيقة ليست على حساب إرادة الإنسان، وليست نقيضاً لاختيار الإنسان بل هي مؤكدة لهذا الاختيار، توضح للإنسان نتائج الاختيار، لكي يستطيع أن يقتبس ما يريده من هذه النتائج دون غيرها، ويتعرّف على الطريق الذي يسلك به إلى ما أراد من هذه النتيجة أو تلك بوعي وإدراك.
الشكل الثالث: للسنة التاريخية، وهو شكل اهتم به القرآن الكريم اهتماماً كبيراً، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ، لا على صورة قانون صارم حدّي، ولكي يتضح ذلك، لا بد وأن نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في أذهاننا عن القانون.
القانون العلمي كما نتصوره عادة، عبارة عن تلك السنة التي لا تقبل التحدّي ولا النقض من قبل الإنسان فهو بالتالي محكوم لها ولا يستطيع الخروج عن دائرة طاعتها، لأنها قانون من قوانين الكون والطبيعة. يمكنه أن لا يصلي، لأن وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانوناً تكوينياً، يمكنه أن يشرب الخمر، لأن حرمة شرب الخمر قانون تشريعي وليس قانوناً تكوينياً، لكنه لا يمكنه أن يتحدى القوانين الكونية والسنن الموضوعية، مثلاً: لا يمكنه أن يجعل الماء لا يغلي إذا توفرت شروط الغليان، لا يمكنه أن يؤخر الغليان لحظة عن موعده المعين، لأن هذا قانون والقانون صارم، والصرامة تأبى التحدي، هذه هي الفكرة التي نتصورها عادة عن القوانين، وهي فكرة صحيحة إلى حد ما، لكن ليس من الضروري أن تكون كل سنة طبيعية موضوعية على هذا الشكل، بحيث تأبى التحدي من قبل الإنسان بهذه الطريقة، بل هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان، لكن مع شيء من المرونة، بحيث إنها تقبل التحدي ولو على شوط قصير، وإن لم تقبل التحدي على شوط طويل، وهذا لا يعني أنها ليست اتجاهات تمثل واقعاَ موضوعياً في حركة التاريخ، هي اتجاهات ولكنها مرنة تقبل التحدي، لكنها مع ذلك قد تحطم هذا المتحدي بسنن التاريخ نفسها. فمثلاً: نقول: بأن هناك في تركيب الإنسان وتكوينه اتجاهاً موضوعياً لا تشريعياً إلى إقامة العلاقات المعينة بين الذكر والأنثى في المجتمع ضمن إطار من أطر النكاح والاتصال، هذا الاتجاه ليس تشريعياً وإنما هو اتجاه موضوعي، ركّب في طبيعة الإنسان وتركيبته، هذه سنة، لكنها سنة على مستوى الاتجاه، لا على مستوى القانون.
لماذا؟
لأن التحدي لهذه السنة لحظة أو لحظات ممكن، أمكن لقوم لوط أن يتحدوا هذه السنة فترة من الزمن، بينما لم يكن بإمكانهم أن يتحدوا سنة الغليان بشكل من الأشكال، إلاَّ أن تحدي هذه السنة يؤدي إلى أن يتحطم المتحدي على المدى الطويل، والمجتمع الذي يتحدى هذه السنة يكتب بنفسه فناء نفسه، لأنه يتحدى ذلك عن طريق ألوان من الشذوذ التي رفضها هذا الاتجاه الموضوعي، وتلك الألوان من الشذوذ تؤدي إلى فناء المجتمع وإلى خرابه. وهذا ما حصل فعلاً لقوم لوط.
الاتجاه إلى توزيع الميادين بين المرأة والرجل، اتجاه موضوعي وليس اتجاهاً ناشئاً من قرار تشريعي، اتجاه ركّب في طبيعة الرجل والمرأة، ولكن هذا الاتجاه يمكن أن يتحدى، يمكن استصدار تشريع يفرض على الرجل بأن يبقى في البيت ليتولى دور الحضانة والتربية، وأن تخرج المرأة إلى الخارج لكي تتولى مشاق العمل والجهد، وبهذا يحصل التحدي لهذا الاتجاه. لكن هذا التحدي لن يستمر، لأن سنن التاريخ سوف تجيب على هذا التحدي، لأننا بهذا سوف نخسر كل تلك القابليات التي زودت بها المرأة من قبل هذا الاتجاه لممارسة دور الحضانة والأمومة، وسوف نخسر كل تلك القابليات التي زود بها الرجل من أجل ممارسة دور يتوقف على الجلد والصبر والثبات وطول النفس. تماماً، كما أن بناية تسلم نجارياتها إلى حداد وحدادياتها إلى نجار، يمكن أن تنشأ البناية أيضاً، لكن هذه البناية سوف تنهار، سوف لن يستمر هذا التحدي على شوط طويل.
وأهم مصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن: الدين، فالقرآن الكريم يرى أن الدين نفسه ليس مجرد تشريع وإنما هو سنة موضوعية من سنن التاريخ، ولهذا يعرض الدين على شكلين: تارة يعرضه بوصفه تشريعاً كما يقول علم الأصول، كما في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}([623]).
هنا يبين الدين كتشريع، كأمر من الله سبحانه، لكن في مجال آخر، يبينه سنة من سنن التاريخ، وقانوناً داخلاً في صميم تركيب الإنسان وفطرته، كما في قوله تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([624]).
فالدين هنا لم يعد مجرد تشريع وقرار من أعلى، وإنما الدين هنا فطرة للناس، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، يعني كما أنك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان أي جزء من أجزاءه التي تقوّمه، كذلك لا يمكنك أن تنتزع من الإنسان دينه، الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، لأنها في حالة من هذا القبيل، لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له، بل تكون من المكاسب التي حصل عليها الإنسان من خلال تطوراته المدنية والحضارية على مرّ التاريخ.
الدين خلق الله
{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}. وكلمة «لا» ليست ناهية بل نافية، يعني هذا الدين لا يمكن أن ينفك عن خلق الله ما دام الإنسان إنساناً، فالدين يعتبر سنة لهذا الإنسان.
ولكنها ليست سنة صارمة على مستوى قانون الغليان، سنة تقبل التحدي على الشوط القصير، كما كان بإمكان تحدي سنة النكاح وسنة اللقاء والتزواج الطبيعي بين الجنسين عن طريق الشذوذ الجنسي، لكن على شوط قصير كذلك يمكننا أيضاً تحدي هذه السنة على شوط قصير على طريق الالحاد، ولكن هذا التحدي لا يكون إلا على شوط قصير، لأنّ العقاب سوف ينزل بالمتحدي، العقاب هنا ليس بمعنى العقاب الذي ينزل على من يرتكب مخالفة شرعية على يد ملائكة العذاب في السماء في يوم القيامة، وإنما العقاب هنا ينزل من سنن التاريخ نفسها حيث يفرضه على كلّ أمة تريد أن تبدل خلق الله سبحانه، ولا تبديل لخلق الله، مع الالتفات إلى أنّ نزول هذا العقاب ليس فورياً بالضرورة، لأنّ الفورية التي نفهمها في حياتنا الاعتيادية تختلف عنها بمعناها بلحاظ امتداد التاريخ الإنساني. وهذا ما أرادت الآية التالية أن تلفت الأنظار إليه. قال تعالى:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}([625]).
هذه الآية الكريمة تتحدث عن العذاب، واقعة في سياق العذاب الجماعي الذي نزل بالقرى السابقة الظالمة، ثم بعد ذلك يتحدث عن استعجال الناس في أيام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقولون له أين هذا العقاب؟ أين هذا العذاب؟ لماذا لا ينزل بنا نحن الآن حيث كفرنا وتحديناك، وصممنا آذاننا عن قرآنك؟ القرآن هنا يتحدث عن السرعة التاريخية التي تختلف عن السرعة الاعتيادية فيقول:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}، لأنّها سنة، والسنة التاريخية ثابتة، لكن:
{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}.
اليوم الواحد في سنن التاريخ عند ربك باعتبارها كلمات الله كما قرأنا في ما سبق، ألف سنة. طبعاً في آية أخرى عبّر بخمسين ألف سنة، وذلك في قوله تعالى:
{ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}([626]).
الكلام هنا ناظر إلى يوم القيامة، إلى يوم تكون السماء كالمهل، فيوم القيامة قدر بخمسين ألف سنة، أما في الآية السابقة فهو يتكلم عن يوم توقيت نزول العذاب الجماعي وفقا لسنن التاريخ، يقول: وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون. وبهذا يجمع بين هاتين الآيتين فلا تعارض.
إذن فهذا شكل ثالث من السنن التاريخية، هو عبارة عن اتجاهات موضوعية في مسار التاريخ وفي حركة الإنسان وتركيبه، يمكن أن يتحدى على الشوط القصير، ولكن سنن التاريخ لا تقبل التحدي على الشوط الطويل، إلاَّ أن الشوط القصير والطويل هنا ليس بحسب طموحاتنا وحياتنا الاعتيادية، لأن اليوم الواحد في كلمات الله وسننه كألف سنة مما نحسب.
والدين هو المثال الرئيسي للشكل الثالث، من أجل أن نعرف أن الدين ليس سنة من سنن التاريخ؟ وليس هو مجرد تشريع بل حاجة أساسية موضوعية، ما هو دوره؟ ما هو موقعه؟
لكي نعرف ذلك، يجب أن نأخذ المجتمع، ونحلل عناصره على ضوء القرآن الكريم، لنصل إلى مغزى قولنا: أن الدين سنة من سنن التاريخ.
كيف نحلل المجتمع؟ نحلل عناصر المجتمع على ضوء هذه الآية الكريمة.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}([627]).
هذه الآية تعطينا أروع وأدق وأعمق صيغة لتحليل عناصر المجتمع. ونحن سوف ندرس هذه العناصر ونقارن فيما بينها، لنعرف في النهاية أن الدين سنة تاريخية، وليس مجرد حكم شرعي قد يطاع وقد يعصى.
عناصر المجتمع في القرآن
قلنا إنّ القرآن الكريم يقدم الدين لا بوصفه مجرد قرار تشريعي، بل بوصفه سنة من سنن الحياة والتاريخ، ومقوماً أساسياً لخلق الله ولن تجد لخلق الله تبديلاً، ولكنها سنة من الشكل الثالث. سنة تقبل التحديث على الشوط القصير، ولكن المتحدي يعاقب بسنن التاريخ نفسها، وقد أشير إلى هذه الخاصية أيضاً بقوله:
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} هذه العبارة التي ختمت بها الآية الكريمة:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([628]).
ففي هذه العبارة إشارة إلى هذه السنّة، أي أنّ للناس أن يتخذوا مواقف سلبية وإهمالية تجاه هذه السنة، ولكنه إهمال على الشوط القصير لا على الشوط الطويل.
وقلنا أيضاً بأن توضيح واقع هذه السنة القرآنية من سنن التاريخ، يتطلب منا أن نحلل عناصر المجتمع، فما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم؟ وما هي مقومات المركب الاجتماعي؟ كيف يتم التنفيذ بين هذه العناصر والمقومات؟ وضمن أي إطار؟ ووفق أية معادلة؟ هذه الأسئلة نحصل على جوابها في النص القرآني الشريف الذي تحدث عن خلق الإنسان الأول:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}([629]).
حينما نستعرض هذه الآية الكريمة، نجد أن الله سبحانه وتعالى ينبأ الملائكة بأنه قرر إنشاء مجتمع على الأرض، فما هي العناصر التي تتحدث عن هذه الحقيقة العظيمة؟
هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:
أولاً ـ الإنسان.
ثانياً ـ الأرض أو الطبيعة على وجه عام.
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
ثالثاً ـ العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة، وتربط ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان، وهذه العلاقة المعنوية التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف، هذه هي عناصر المجتمع.
ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية، نجد أنها جميعاً تشترك بالعنصر الأول والعنصر الثاني، لا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس إنسانه عليها دوره الاجتماعي.
وأما العنصر الثالث: وهو العلاقة، ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا، ولكن المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة، وفي كيفية صياغة هذه الطبيعة.
فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرك من عناصر المجتمع، وكل مجتمع يبني هذه العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان من جانب، وبالطبيعة من جانب آخر، بشكل قد يتفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لهذه العلاقة.
وهذه العلاقة لها صيغتان أساسيتان:
إحدهما: صيغة ثلاثية، والأخرى: صيغة رباعية.
الصيغة الرباعية: طرحها القرآن الكريم تحت اسم الإستخلاف، هي الصيغة التي تربط بموجبها الطبيعة والإنسان ويرتبط الإنسان فيها بدوره مع أخيه الإنسان.
هذه أطراف ثلاثة. فأين الطرف الرابع؟ هذا الطرف الرابع خارج عن إطار المجتمع، ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية، تعتبر هذا الطرف الرابع مقوماً من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية على الرغم من ذلك الخروج، وهذا الطرف الرابع، استبطنه المفهوم الذي طرحه القرآن الكريم: الاستخلاف. ونحن عند التحليل، نجد أن الاستخلاف ذو أربعة أطراف، لأنّه يفترض مستخلفاً أيضاً. لا بد من مستخلِف ومستخلَف عليه، ومستخلَف. فهناك إضافة إلى الإنسان وأخيه الإنسان والطبيعة طرف رابع هو المستخلِف، والمستخلِف هو الله سبحانه، والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، أي الجماعة البشرية ككل، والمستخلف عليه هو الأرض وما عليها ومن عليها، فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف، تكون ذات أطراف أربعة، وهذه الصيغة تنطبق بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون تقول: بأنه لا سيد ولا إله للكون وللحياة إلاَّ الله سبحانه، وأن دور الإنسان في ممارسة حياته، إنما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وأي علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك، وإنما هي علاقة أمين على أمانة استؤمن عليها، وأي علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان، مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك، فهي علاقة استخلاف وتفاعل، بقدر ما يكون هذا الإنسان أو ذاك مؤدياً لواجبه اتجاه هذه الخلافة، وليست علاقة سيادة أو ألوهية أو مالكية. وتوجد في مقابل هذه الصيغة الرباعية، صيغة ثلاثية الأطراف، تربط بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطبيعة، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع، وتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع، عن الله سبحانه وتعالى. وتفترض أن الإنسان نفسه هو البداية. وبهذا تحولت نظرة كل جزء إلى الجزء الآخر داخل هذا التركيب وهذه الصيغة. واختلت المعادلة، واهتزت البنية الاجتماعية حيث وجدت الألوان المختلفة للملكية والسيادة، سيادة الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ، وذلك شيء طبيعي، لأنّ إضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليس مجرد إضافة عددية، بل إنّ هذه الإضافة تحدث تغييراً نوعياً في بنية العلاقة الاجتماعية، وفي تركيب الأطراف الثلاثة الأخرى نفسها، إذ يعود الإنسان مع إخوانه من بني الإنسان، مجرد شركاء في حمل هذه الأمانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات، وبكل ما عليها ومن عليها، مجرد أمانة لا بد من رعاية واجبها وأداء حقها.
وقد تبنّى القرآن الكريم هذه الصيغة للعلاقة الاجتماعية كوجه بارز من وجوه الدين، وكسنة تاريخية. ولكن كيف؟
هذه الصيغة الرباعية عرضها القرآن الكريم على نحوين: عرضها تارة بوصفها فاعلية ربانية من زاوية دور الله سبحانه وتعالى في العطاء. وهذا هو العرض الذي قرأناه:
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءاً من الله، وجعلا يمثل الدور الإيجابي والتكريمي من رب العالمين للإنسان، وعرض الصيغة الرباعية من زاوية ارتباطها بالإنسان، وتقبل الإنسان لها، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}([630]).
فالأمانة هي الوجه التقبلي للخلافة، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة.
وهذه الأمانة التي تقبلها الإنسان وتحملها لم تعرض على هذا الإنسان في هذه الآية، بوصفها تكليفاً أو طلباً، وليس المقصود من تقبل الإنسان لهذه الأمانة هو تقبله الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، بقرينة أنّ هذا كان معروضاً على السماوات والأرض والجبال أيضاً، ومن الواضح أنّه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض. ومعنى ذلك أنه عرض تكويني لا عرض تشريعي، أي أن هذه العطية الربانية كانت تفتش عن الموضع القابل لها في الطبيعة، والمنسجم معها بطبيعته، وبفطرته، وبتركيبه التاريخي والكوني، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه وبُنْيَتِه، وبحكم فطرة الله المركوزة فيه منسجماً دون غيره من الكائنات مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها تصبح أمانة، وخلافة. ومن هنا كان تقبله لها تقبلاً تكوينياً بحكم دخولها في تكوينه الإنساني وفي تركيب مساره التاريخي.
ونلاحظ في هذه الآية الكريمة، الإشارة إلى هوية هذه السنة التاريخية وأنّها سنة من الشكل الثالث، سنة تقبل التحدي وتقبل العصيان، ليس من تلك السنن التي لا تقبل التحدي أبداً ولو لحظة، قال تعالى: {وَحَمَلَها الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا} هذه العبارة الأخيرة {إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا}. تأكيد على طابع هذه السنة، وأنّ هذه السنة على الرغم من أنّها سنة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدي، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبياً، هذا التعبير يوازي تعبير: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} في الآية السابقة.
إذن، الآية السابقة استخلصنا منها أنّ الدين سنة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ، ومن هذه الآية نستخلص أنّ صيغة الدين للحياة، التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية، التي يسميها القرآن بالخلافة والأمانة والاستخلاف سنة من سنن التاريخ في المفهوم القرآني.
فالحقيقة، إنّ الآية الأولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما، لأنّه في الآية السابقة قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}([631]).
فهذا تأكيد على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين قيّماً على الحياة ومهيمناً عليها، فهو بالتالي سنة لهذه الحياة وللتاريخ. والدين بهذا المنحى هو العلاقة الاجتماعية الرباعية الأطراف، التي يدخل فيها الله بُعداً رابعاً، لكي يحدث تغييراً في بنية هذه العلاقة، لا لكي تكون مجرد إضافة عددية.
أمّا كيف كان هذا الطرف الرابع، وهو المسْتخلِفُ سبحانه، مقوماً أساسياً لمسار الإنسان على الساحة التاريخية؟ لكي نتعرف على ذلك، لا بد من أن نتعرف على دور كل من الركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية وهما الإنسان والطبيعة. هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وداخلان في الصيغة الرباعية، ومن هنا نسميهما بالركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية.
ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ من زاوية النظرة القرآنية للتاريخ وسنن الحياة؟ ما هو دور الإنسان في العلاقة الاجتماعية؟ وما هو دور الطبيعة في العلاقة الاجتماعية؟
على ضوء تشخيص هذين الدورين وتحديد الموقفين، سوف يتضح دور الطرف الرابع الذي تتميز به الصيغة الرباعية عن الصيغة الثلاثية، ويتضح أنّ هذا الطرف الرابع، عنصر ضروري بحكم سنة التاريخ، وتركيب خلقة الإنسان، ولا بد وأن يندمج مع الأطراف الأخرى لتكوين علاقة اجتماعية رباعية الأطراف.
القرآن ودور الإنسان
في حركة التاريخ
الآن نتحدث عن دور الإنسان في الحركة التاريخية من زاوية مفهوم القرآن الكريم.
من الواضح على ضوء المفاهيم التي قرأناها سابقاً، أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ، التي تتميز عن كل الحركات الأخرى بأنّها حركة غائية لا سببية فقط، غائية متطلعة إلى المستقبل. فالمستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية. والمستقبل معدوم فعلاً، وإنّما يحرك من خلال الوجود الذهني، الذي هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ، وهذا الوجود الذهني، يعبر بجانب منه عن الفكر، وفي جانب آخر منه عن الإرادة، وبالامتزاج بين الفكر والإرادة، تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
والمحتوى الداخلي الشعوري للإنسان يتمثل في هذين الركنين الأساسيين، وهما الفكر والإرادة. إذن المحتوى الداخلي للإنسان، هو الذي يصنع هذه الغايات، ويجسد هذه الأهداف من خلال مزجه بين فكرة وإرادة.
وبهذا صحّ القول بأنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة لحركة التاريخ، فالبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل مرتبط بهذه القاعدة، ويكون تغيره وتطوره تابعاً لتغير هذه القاعدة وتطورها، فإذا تغير الأساس تغير البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً، بقي البناء العلوي ثابتاً.
فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفوقي للمجتمع، علاقة تبعية، ومسبب بسبب، وهي تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([632]). هذه الآية واضحة في أنّ المحتوى الداخلي للإنسان، هو القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية، لأنّ الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين: أحدهما تغيير أوضاع القوم وأبنيتهم العلوية وظواهرهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} ومن الواضح أنّ المقصود من تغيير ما بالأنفس، تغيير ما بأنفس القوم، بحيث يكون المحتوى الداخلي كقوم وكأمة متغيراً، وإلاّ فإن تغير الفرد الواحد أو الفردين أو الأفراد، لا يشكّل الأساس لتغير ما بالقوم.
فالمحتوى النفسي والداخلي للأمة كأمة، لا لهذا الفرد أو لذلك الفرد، هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوى للحركة التاريخية كلها.
والقرآن الكريم يؤمن بأنّ العمليتين يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب، عملية صنع الإنسان لمحتواه الداخلي، لفكره وإرادته، مع البناء الخارجي، ولا يمكن أن يفترض انفكاك البناء الخارجي عن البناء الداخلي، إلاّ إذا بقي البناء الخارجي بناءاً مهزوزاً متداعياً.
ولهذا سمى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً «بالجهاد الأكبر» تأكيداً منه على قاعدية المحتوى الداخلي. وسمّى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً «الجهاد الأصغر» وربط الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر، واعتبر أن الجهاد الأصغر إذا فصل عن الجهاد الأكبر فقد محتواه ومضمونه، وقدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.
ومن هنا نجد القرآن الكريم، يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي، قال سبحانه وتعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}([633]).
يريد أن يقول بأن الإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه وأعماق روحه، ولم يبن نفسه بناءاً صالحاً لا يمكنه أبداً أن يطرح الكلمات الصالحة، لأن الكلمات الصالحة إنّما يمكن أن تتحول إلى بناء صالح في المجتمع، إذا نبعت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات، والا فتبقى الكلمات مجرد ألفاظ جوفاء دون أن يكون لها مضمون ومحتوى.
فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارها.
إلى هنا عرفنا أن الأساس والقاعدة في حركة التاريخ، هو المحتوى الداخلي للإنسان، وهنا نتساءل:
محورية المثل الأعلى
ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للإنسان؟ وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية؟
المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلية للإنسان هو المثل الأعلى.
لقد عرفنا فيما سبق، أن المحتوى الداخلي للإنسان يجسد الغايات التي تحرك التاريخ، من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير. وهذه الغايات جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي، فالغايات بنفسها محركة للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً، تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.
وهذا المثل الأعلى يرتبط ويتحدد من قبل كل جماعة بشرية، على أساس وجهة نظرها العامة نحو الكون والحياة، وكلما كانت الطاقة الروحية والرؤية الفكرية للجماعة البشرية تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون كلما تحققت إرادتها للسير في طريق هذا المثل مع ما يتخلله من المنعطفات، وما ينتصب على جانبيه من علامات.
وكما أن الحركة التاريخية تتميز عن أي حركة أخرى في الكون، بأنها حركة غائية وهادفة، كذلك تتميز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا. فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات والأهداف، وهذه الأهداف والغايات بدورها هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.
والقرآن الكريم يطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله، باعتبار أن المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه، وهذه صفات يراها القرآن، للإله، لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ. حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ اِلَهَهُ هَوَاهُ}([634])، حيث عبر حتى عن الهوى بأنه إله، حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعداً مصطنعاً فيصبح هو المثل الأعلى، وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك. فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة، لأنها هي المعبودة حقاً، وهي الآمرة والناهية والمحركة حقاً.
أقسام المثل العليا
وهذه المثل العليا التي تتبناها الجماعات البشرية على ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
المثل الأعلى الذي يستمد تصوّره من الواقع نفسه، ويكون منتزعاً من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات، أي أن الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا، لم يستطع أن يرتفع على هذا الواقع ويتجاوزه، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وبقيوده، وبشؤونه.
وحينما يكون المثل الأعلى منتزعاً عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها وشؤونها يصبح حالة تكرارية، ومجرد محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله إلى المستقبل، بدلاً عن التطلع إلى المستقبل وتحويلاً له من حالة نسبية ومن أمر محدود إلى أمر مطلق، إلى حقيقة مطلقة لا يتصور الإنسان شيئاً وراءها، ولهذا سوف يكون المستقبل تكراراً للماضي، ومعه لن تستطيع الجماعة البشرية أن تتجاوز الواقع وأن ترتفع لطموحاتها عنه.
ما السبب؟
وتبني هذا النوع من المثل العليا له أحد سببين:
السبب الأول: نفسي هو عبارة عن الإلفة والعادة والخمول والضياع، ومن الواضح أنّه إذا انتشرت هذه الحالة في مجتمع فإنه سوف يصاب بالجمود، لأنه سوف يصنع الهة من واقعه، سوف يحول هذا الواقع النسبي المحدود الذي يعيشه إلى حقيقة مطلقة، إلى مثل أعلى لا يرى وراءه شيئاً.
وهذا في الحقيقة هو ما عرضه القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء حينما جاؤوها بمثل عليا حقيقية، ترتفع عن الواقع وتريد أن تنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر، واجه هؤلاء الأنبياء مجتمعات سادتها حالة الإلفة والعادة والتميع التي جسدها رد أفرادها بمنطق موحد مكرور:
إن آباءنا على هذه السنة والطريقة، ونحن متمسكون بمثلهم الأعلى. سيطرة الواقع على أذهانهم، وتغلغل الحس في طموحاتهم، بلغ إلى درجة تحول هذا من خلالها إلى إنسان حسي لا إلى إنسان مفكر، الى إنسان يكون ابن يومه وابن واقعه دائماً، لا أبا يومه ولا أبا واقعه، ولهذا لا يستطيع أن يرتفع على هذا الواقع.
استمعوا الى القرآن الكريم وهو يقول:
{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}([635]).
{قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}([636]). {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}([637]). {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}([638]). { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}([639]). {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}([640]).
في كل هذه الآيات، يستعرض القرآن الكريم السبب الأول لتبني المجتمع لمثل هذا المثل الأعلى المنخفض هؤلاء بحكم الإلفة والعادة، وبحكم التميع والفراغ، وجدوا سنة قائمة، ووضعاً قائماً فلم يسمحوا لأنفسهم بأن يتجاوزوه، بل جسدوه كمثل أعلى وعارضوا به دعوات الأنبياء على مر التاريخ.
السبب الثاني: اجتماعي، هو عبارة عن التسلط الفرعوني على مر التاريخ، الفراعنة على مر التاريخ حينما يحتلون مراكزهم يجدون في أي تطلع إلى المستقبل، وفي أي تجاوز للواقع الذي سيطروا عليه، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزاً لمراكزهم. ولذا، كان من مصلحة فرعون على مر التاريخ، أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع، أن يحول الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى اله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه، فتتجمد الأمة في حاضرها ولا تطمح إلى التفتيش عن مستقبل لها. هنا السبب اجتماعي لا نفسي، السبب خارجي لا داخلي. وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم”
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}([641]).
{ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}([642]).
هنا فرعون يقول: ما أريكم إلاَّ ما أرى، يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته، يحول هذه النظرة وهذا الواقع، إلى مطلق لا يمكن تجاوزه، لأنه يرى في تجاوزه خطراً عليه. وفي نفس هذا الاتجاه، تشير الآية الكريمة:
{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإيِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}([643]).
إذن، هذا التجميد ضمن إطار الواقع الذي تعيشه الجماعة، أي جماعة بشرية، ينشأ من حرص أولئك الذين تسلطوا على هذه الجماعة على أن يضمنوا وجودهم، ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بُنَاتُه. هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم. والقرآن الكريم يسمى هذا النوع من القوى التي تحاول أن تحول هذا الواقع المحدود إلى مطلق وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمي هذا بالطاغوت. قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}([644]).
لاحظوا ذكر صفة أساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت.
ما هي الصفة الأساسية المميزة التي ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت؟
قال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
يعني لم يجعلوا هناك قيداً على أذهانهم، أو إطارا محدوداً لا يمكنهم أن يتجاوزوه، بل جعلوا الحقيقة مدار همهم، ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فهم في حالة تطلع وموضوعية، في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة. بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت فسوف يكونون في إطار هذا الواقع الذي يريده الطاغوت، ولن يستطيعو أن يستمعوا إلى القول فيتبعون أحسنه، وإنما يتبعون فقط ما يراد لهم أن يتبعوه. هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبني هذه المثل.
وخلاصة ما مرّ بنا حتى الآن: أن التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي للإنسان، الذي يصنع له غاياته التي تبنى على أساس المثل الأعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات. لكل مجتمع مثل أعلى، ولكل مثل أعلى مسار ومسيرة، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد في تلك المسيرة معالم الطريق، وهذا المثل الأعلى على ثلاثة أقسام، استعرضنا القسم الأول وهو المثل الأعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع ويكون منتزعاً منه، وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الأعلى حركة تكرارية، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل، وقلنا بأن تبني هذا النوع من المثل الأعلى يقود إلى أحد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم:
السبب الأول سبب نفسي، وهو الإلفة والعادة والضياع.
والسبب الآخر: سبب خارجي، وهو تسلط الفراعنة والطواغيت على مر التاريخ.
وهذا المثل الأعلى المنخفض، غالباً ما يتخذ طابع الدين، وإسباع نوع من القداسة عليه من قبل الطواغيت ليحصنوه من أية محاولة تمرد عليه.
وفي الآيات الكريمة المتقدمة، التي كانت تحكي موقف الأمم السابقة من أنبيائها، ورفضها لدعواتهم بحجة التمسك بعبادة الآباء والأجداد، بما تستبطنه من جمود على المثل الأعلى لذلك السلف المتحجر المتقوقع.
إذن المثل الأعلى لا ينفك عن الثوب الديني، سواء كان ثوباً دينياً صريحاً، أو ثوباً دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أخرى، فهو في جوهره دين، وفي جوهره عبادة وانسياق. إلاّ أنّ هذه الأديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة أديان محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذا المثل، وإن حُوِّلَت بصورة مصطنعة إلى مطلقات. هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد، الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بأبعادها، وهذه الآلهة التي يفرزها الإنسان بين حين وحين، هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله:
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ}([645]).
ولذلك فهذا كله لا يمكن أن يكون هو المصعد الحقيقي للمسيرة والبشرية، لأن المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق الهها بيدها.
ومن هنا، إذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة أوضاع هذه الأمة، التي تتمثل بمثل من هذا القبيل، نجد أن هذه الأمة بالتدريج سوف تفقد ولائها لهذا المثل أيضاً، لأنّه بعد أن يفقد فعاليته وقدرته على العطاء، ويصبح أمراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً، فإن القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأمة، سوف تتمزق وحدها، لأن وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.
وتكون كما وصف القرآن الكريم:
{بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ}([646]).
بأسهم بينهم شديد، باعتبار أن التناقضات تبدأ في داخل هذه الأمة التي لا يجمعها مثل أعلى، بل هي عبارة عن قلوب متفرقة وأهواء متشتتة، وأرواح مبعثرة، وعقول مجمدة، في حالة من هذا القبيل، سوف ينصرف كل فرد فيها إلى همومه الصغيرة، وقضاياه المحدودة، إلى تفكيره في أموره الخاصة، كيف يصبح؟ كيف يمسي؟ كيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وكيف يوفر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته؟ أي راحة؟ وأي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص من الراحة، والاستقرار بالمعنى الضيق من الاستقرار.
سقوط المثل الأعلى
وسنن التاريخ
وقد علمنا التاريخ أنه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاثة إجراءات، ثلاث بدائل يمكن أن تنطبق على حالة هذه الأمة الشبح.
الإجراء التاريخي الأول: هو أن تتداعى هذه الأمة أمام غزو عسكري من الخارج، لأن هذه الأمة التي أفرغت من محتواها، وتخلت عن وجودها كأمة، يمكن أن تتدعى امام غزو من الخارج، وهذا ما وقع بالفعل للمسلمين، فبعد أن فقد المسلمون مثلهم الأعلى، وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى سقطت حضارتهم بأيدي التتار.
الإجراء التاريخي الثاني: هو الذوبان والانصهار في مثل أعلى أجنبي مستورد من الخارج لكي تعطيه ولائها، وتمنحه قيادتها.
الإجراء التاريخي الثالث: أن ينشأ في أعماق هذه الأمة، شعور بضورة إعادة المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الأمة إلى مركزه ليؤدي دوره الريادي من جديد.
هذان الإجراءان، الإجراء الثاني والإجراء الثالث وقفت الأمة الإسلامية أمامهما على مفترق طريقين حينما دخلت عصر الاستعمار، كان هناك طريق يدعوها إلى الانصهار في مثل أعلى من الخارج، هذا الطريق الذي طبقه جملة من الحكام في بلاد المسلمين: «رضا خان» في إيران، و «أتاتورك» في تركيا، حاول هؤلاء أن يجسدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر، ويطبقوا هذا المثل الأعلى ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم له، بعد أن أضاعوا مثلهم الأعلى الأصيل. بينما أطلق رواد الفكر الإسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي أواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار، جهودهم في سبيل الإجراء الثالث، في سبيل إعادة الحياة إلى الإسلام من جديد، وتقديمه بلغة العصر وبمستوى حاجات المسلمين.
الأمة تتحول إلى شبح فتواجه أحد هذه الإجراءات الثلاثة.
القسم الثاني: كل ما تقدم، كان يدور حول القسم الأول من المثل العليا التي يمكن أن تتبناها الجماعات البشرية، وهو المثل الأعلى الذي يؤدي بالأمة إلى الجمود والتقوقع ثم الانهيار.
والآن، ننتقل الى الحديث عن القسم الثاني.
ونحن إذا رجعنا خطوة إلى الوراء ـ هذا ما سوف أشرح معناه بعد لحظات ـ فإنّنا سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة، من المثل العليا. هذا النوع الثاني يعبر عن كل مثل أعلى للأمة يكون مشتقاً من طموحها وتطلعها إلى المستقبل. ليس هذا المثل تعبيراً تكرارياً عن الواقع، بل هو تطلع إلى المستقبل، وتحفز نحو الإبداع والتطوير، ولكن هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل، أي أن هذا الطموح الذي منه انتزعت الأمة مثلها، كان طموحاً محدوداً مقيداً، لم يستطع أن يتجاوز المسافات الطويلة، وإنما استطاع أن يكوّن رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الأعلى.
وفي هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح، ولكنه يحتوي على إمكانيات خطر كبير، أما الجانب الموضوعي الصحيح، فهو أن الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أن يستوعب المطلق بل نفحة بسيطة منه، وهذه المحدودية في دائرة الاستيعاب البشري أمر صحيح وموضوعي، ولكن الخطر يكمن في أن يحوّل الإنسان هذه النفحة المحدودة في ذاتها إلى مطلق ينتزع منه مثله الأعلى، وبهذا يحوّل إضمامة النور البسيطة إلى نور السموات والأرض؟! لأنّ الذهن البشري محدود.
ومن هنا، كان لا بد لهذا المثل الأعلى ـ باعتبار محدوديته ـ من أن يصل إلى حدوده القصوى، وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، وعائق عن التطور، ومجمِّد لحركة الإنسان لأنه أصبح مثلاً، أصبح إلهاً، أصبح ديناً، أصبح واقعاً قائماً، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي.
وهذا المثل الذي يعمم خطأً. عندما يحوَّل من محدود إلى مطلق، خطأ التعميم فيه، تارة بأن يكون تعميماً أفقياً خاطئاً، وأخرى تعميماً زمنياً خاطئاً.
التعميم الأفقي الخاطئ
أن ينتزع الإنسان من تصوره المستقبلي مثلاً، ويعتبر أن هذا المثل يضم كل قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها، ويناضل في سبيلها. بينما هذا المثل على الرغم من صحته، لا يمثل إلاَّ جزءاً من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم أفقي خاطئ.
وكمثال على ذلك، نأخذ الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة، حيث جعل الحرية مثلاً أعلى، لأنّه رأى أنّ الإنسان الغربي كان محطماً ومقيداً، كانت على يديه الأغلال في كل ساحات الحياة، كان مقيداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنتها، كان مقيداً في قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع، كان مقيداً أينما يسير، أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهضة أن يحرر هذا الإنسان من هذه القيود، من قيود الكنيسة، من قيود الاقطاع، أراد أن يجعل من الإنسان كائناً مختاراً، إذا أراد أن يفعل فعل، يفكر بعقله لا بعقل غيره، ويتصور ويتأمل بذاته، ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الآخرين.
وهذا شيء صحيح إلاَّ أن الشيء الخاطئ في ذلك. هو التعميم الأفقي، فإن هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان، قيمة من القيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، لا يوجد إنسان ولا كائن، لا يوجد اقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت، يضطرك إلى موقف أو يفرض عليك موقفاً، هذا وحده لا يكفي، فإن كسر القيود إنما يشكل الاطار للتنمية البشرية الصالحة، ولكنه يحتاج هذا إلى مضمون وإلى محتوى، المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي، الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح، ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى، بنيما هذا الهدف ليس إلاّ إطاراً، وإذا جرد هذا الإطار عن محتواه، فسوف يؤدي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار.
التعميم الزمني الخاطئ
وأما التعميم الزمني أيضاً، كذلك على مر التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخياً، ولكنها لا يجوز أن تحوّل من حدودها كخطوة إلى مطلق، إلى مثل أعلى، يجب أن تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الأعلى، لا أن تحول هذه الخطوة إلى مثل أعلى.
حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الأسر فشكلوا القبيلة، وحينما اجتمعت مجموعة من القبائل فشكلت عشيرة، حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت أمة، هذه الخطوات صحيحة في تقدم البشرية وتوحيدها، ولكن كل خطوة من هذه لا يجوز أن تتحول إلى مثل أعلى، لا يجوز أن تتحول إلى مطلق، لا يجوز أن تكون العشيرة هي المطلق الذي يُحارب من أجله هذا الإنسان، وإنما المطلق الذي يحارب من أجله الإنسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي، يبقى هو الله سبحانه وتعالى، الخطوة تبقى كأسلوب، ولكن المطلق يبقى هو الله، هذا التعميم الزمني أيضاً هو شكل من التعميم الخاطئ، حينما يحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن إلى مثل أعلى.
وحال هذا الإنسان الذي يحول هذه الرؤية المحدودة من عمر الزمن إلى مطلق، حال الإنسان الذي يتطلع إلى الأفق فلا تساعده عينه إلاَّ على النظر إلى مسافة محدودة، فيخيل له أن الدنيا تنتهي عند الأفق الذي يراه. إلاّ أن هذا في الحقيقة ناشئ من عجز عينه عن أن يتابع المسافة الأرضية الطويلة الأمد.
كذلك هنا، هذا الإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على طريق المسيرة البشرية، بحكم محدودية الذهن البشري. له أفق كذلك الأفق الجغرافي، ولكن هذا الأفق يجب أن يتعامل معه كأفق، لا كمطلق، كما أننا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الأفق الذي نراه على بُعد عشرين متراً أو مائتي متر أنه نهاية الأرض، وإنما نتعامل معه على أنه أفق، كذلك أيضاً هنا، يجب أن يتعامل هذا الإنسان معه كأفق فلا يحول هذا الأفق التاريخي إلى مثل أعلى، وإلاّ كان من قبيل من يسير نحو سراب.
انظروا إلى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}([647]).
ويعبّر القرآن عن كل هذه المثل المصطنعة من دون الله، بأنها كبيت العنكبوت، يقول سبحانه وتعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}([648]).
إذا قارنّا بين هذين النوعين من المثل العليا: المثل العليا من الواقع، والمثل العليا المشتقة من طموح محدود، يمكننا أن نلاحظ أن المثل العليا المشتقة من الواقع، كثيراً ما تكون قد مرت بمرحلة هذه المثل العليا التي تعبر عن طموح محدود، يعني كثيراً ما تكون تلك المثل من النوع الأول امتداداً للمثل من النوع الثاني، بأن يبدأ هذا المثل الأعلى مشتقاً من طموح، لكن حينما يتحقق هذا الطموح المحدود، وتصل البشرية إلى النقطة التي أثارت هذه المثل، يتحول هذا المثل إلى واقع محدود بحسب الخارج، حينئذ يصبح مثلاً تكرارياً.
من هنا قلنا في ما سبق، أننا لو رجعنا خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأول ومُثُله، لوجدنا آلهة النوع الثاني، فالمسألة في كثير من الأحيان تبدأ هكذا، تبدأ بمثل أعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي، ثم يتحول هذا المثل الأعلى إلى مثل تكراري، ثم يتمزق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحول الأمة إلى شبح أمة.
المراحل الأربعة
في هذه الفترة الزمنية، تمر الأمة بمراحل في الحقيقة، يمكننا تلخيصها في أربعة مراحل.
المرحلة الأولى؛ فاعلية وتجديد:
هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم أنه قد بدأ مشتقاً من طموح مستقبلي ومن نظرة مستقبلية، فهذا المثل يكون له في المرحلة الأولى فاعلية وعطاء وتجديد، بقدر ما يكون له من ارتباط بالمستقبل.
ولكن طبعاً هذه الفاعلية وهذا العطاء وهذا التجديد، هو عطاء يسمّيه القرآن بالعاجل، مكاسب عاجلة، وليست مكاسب على الخط الطويل. لأنّ عمر هذا المثل قصير، ولأنّ عطاءه محدود، ولأنّه سوف يتحول في لحظة من اللحظات إلى قوة إبادة لكل ما أعطاه من مكاسب.
انظروا إلى قوله تعالى:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}([649]).
الله سبحانه وتعالى خير محض، عطاء محض جود كله، فبقدر ما تتبنى الأمة مثلاً قابلاً للتحريك، بعد أن تشارك قادتها في صنعه وتحريكه، فالله سبحانه وتعالى أيضاً يعطي، لكنه يعطي بقدر قابلية هذا المثل، يعطي شيئاً عاجلاً، ومكاسب، عاجلة تعقبها جهنم في الدنيا والآخرة.
المرحلة الثانية: كِبْر وانقياد:
حينما يتجمد هذا المثل الأعلى، حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء، حينئذ يتحول هذا المثل إلى تمثال ولا يبقى مثلاً.
والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون إلى سادة وكبراء، لا إلى قادة، وجمهور الأمة يتحول إلى مطيعين ومنقادين، لا إلى مشاركين في الابداع والتطوير، وهذه المرحلة هي المرحلة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}([650]).
المرحلة الثالثة: امتداد واستيعاب:
ونعني بذلك أنّ هذه السلطة الحاكمة سوف تتحول إلى طبقة تتوارث مقاعدها عائلياً أو طبقياً بشكل من أشكال الوراثة، وحينئذ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الأغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله:
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([651]). هؤلاء نتاج لآباء، لهم تاريخ وهم امتداد واستمرار لذاك التاريخ.
المرحلة الرابعة: تسلّط وإجرام:
ثم حينما تتفتت الأمة وتتمزق، وتفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه، تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر مراحلها، حيث يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها أناس لا يرعون عهداً ولا ذمة. وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه:
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ}([652]).
يسيطر هتلر والنازية مثلاً في جزء من أوروبا لكي يحطم كل ما في أوروبا من خير وإبداع، لكي يقضي على كل مكاسب ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الإنسان الأوروبي الحديث، والذي تحول بالتدريج إلى مثل تكراري.
القسم الثالث: من المُثُل العليا، هو المثل الأعلى الحقيقي:
وهو الله سبحانه وتعالى. ولا بد من التنبيه هنا، على أن التناقض الذي كنّا نواجهه في القسمين السابقين من المثل العليا، وهو ذلك التناقض القائم بين الوجود الذهني المحدود للإنسان ولا محدودية المثل الأعلى، إنّ هذا التناقض يرتفع في هذا القسم الثالث، وهو المثل الأعلى الحقيقي، ليحل محله التنسيق التام بين المحدود واللامحدود. لماذا؟ لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ولا إفرازاً ذهنياً له، بل هو مثل أعلى له واقع عيني، هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق. هذا الموجود العيني يكون مثلاً أعلى لأنّه مطلق، لكن الإنسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور، فهو لا يمسك إلاّ بحزمة منه، إلاّ أنّه يميز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى، فما هو خارج حدود ذهنه هو المطلق، والمقيد ما هو وجود ذهني لديه.
ومن هنا حرص الإسلام على التمييز دائماً بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى. فرّق حتّى بين الاسم والمسمّى، وأكد على أنّه لا يجوز عبادة الاسم، وإنّما العبادة تكون للمسمّى لأنّه هو المطلق، ولأنّ الاسم ليس إلاّ واجهة ذهنية لله سبحانه، والواجهات الذهنية دائماً محدودة ومرحلية. قال الله سبحانه وتعالى: {يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}([653]).
فإنّ هذه الآية الكريمة تضع الله سبحانه هدفاً أعلى للإنسانية ككل، وكدح الإنسانية ككل، نحو الله سبحانه، يعني السير المستمر بالمعاناة والمجاهدة، لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً، بل هو سير ارتقائي، هو تصاعد وتكامل.
وهذا السير الذي يستبطن المعاناة باستمرار، يفترض حتماً طريقاً ممتداً بين السائر وبين ذلك الهدف، وهذا الطريق هو الذي تحدثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرقة تحت اسم سبيل الله، واسم الصراط، واسم صراط الله، وهذه الآية الكريمة: {يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}.
تتحدث عن حقيقة قائمة، عن واقع موضوعي ثابت، فهي ليست بصدد أن تدعو الناس إلى أن يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى، ليست بصدد الطلب والتحريك كما هو الحال في مقامات وسياقات قرآنية أخرى.
لغة الآية هي أنّ كل سير وكل تقدم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد، فهو تقدم نحو الله سبحانه، حتى تلك الجماعات التي يسميها القرآن بالمشركين، التي تمسكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة، واستطاعت أن تحقق لها خطوة على هذا الطريق الطويل، يسيرون هذه الخطوة نحو الله، هذا التقدم بقدر فاعليته وزخمه هو اقتراب نحو الله، لكن فرق بين تقدم مسؤول وتقدم غير مسؤول (على ما يأتي شرحه إن شاء الله)، حينما تتقدم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً، يكون التقدم تقدماً مسؤولاً، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، يكون لهم امتداد على الخط الطويل وانسجام مع الوضع العريض للكون، وأما حينما يكون التقدم منفصلاً عن الوعي على ذلك المثل، فهو سير نحو الله على أي حال، ولكنه تقدم غير مسؤول على ما يأتي تفصيله.
إذن كل تقدم هو تقدم نحو الله، حتّى أولئك الذين ركضوا وراء سراب، هؤلاء حينما يصلون إلى هذا السراب لا يجدون شيئاً، ويجدون الله سبحانه فيوفيهم حسابهم.
فالله سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق، ولكنّه ليس نهاية جغرافية.
كربلاء مثلاً نهاية طريق ممتد بين النجف وكربلاء، فهي نهاية جغرافية، ومعنى أنّها نهاية جغرافية أنها موجودة على آخر الطريق. وليست موجدة على طول الطريق، فلو أن إنسانا سار نحو كربلاء ووقف في نصف الطريق لا يحصل على شيء من كربلاء، ولكن الله سبحانه ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية، الله سبحانه هو المطلق، الحقيقي العيني، وبحكم كونه هو المطلق، إذن هو موجود على طول الطريق أيضاً، ليس هناك فراغ منه، وليس هناك انحسار عنه، وليس هناك حد له، ولذا فإنّ من وصل إلى سرابه، فتوقف واكتشف أنّه سراب، ماذا يجد؟ وجد الله فوَفّاه حسابه، لأن المطلق موجود على طول الطريق، وبقدر التقدم في الطريق يجد الإنسان مثله الأعلى، يلقى الله سبحانه.
وبحكم أن الله سبحانه وتعالى هو المطلق، إذن الطريق أيضاً لا ينتهي، واقتراب الإنسان على هذا الطريق نحو الله هو اقتراب مستمر ولكنه يبقى اقتراباً نسبياً، لأنّ المحدود لا يصل إلى المطلق، والمتناهي لا يمكن أن يصل إلى اللامتناهي، فالفسحة الممتدة بين الإنسان وبين المثل الأعلى هنا، فسحة لا متناهية، أي أنه ترك له مجال الابداع والتطور التكاملي إلى اللانهاية، وهذا المثل الأعلى الحقيقي حينما تتبناه المسيرة الإنسانية، وتوفق بين وعيها البشري والواقع الكوني الذي يفترض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة كما افترضته الآية، فسوف يحدث تغيير كمي وكيفي على هذه المسيرة وتلك الحركة.
أما التغير الكمي: فباعتبار ما أشرنا إليه، من أن الطريق حينما يكون طريقاً إلى المثل الأعلى الحق، يكون طريقاً غير متناهٍ، أي أن مجال التطور والابداع والنمو قائم أبداً ودائماً، ومفتوح للإنسان باستمرار من دون توقف، هذا المثل الأعلى حينما يُتَبَنّى، سوف تمسح من الطريق كل الآلهة المزورة، وكل الاصنام والأقزام التي تقف عقبة بين الإنسان وبين وصوله إلى الله سبحانه.
ومن هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع مختلف أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والتكرارية، التي حاولت أن تَحدَّ من كمية الحركة البشرية، وتكبّل الإنسان بقيودها لتمنعه من أن يسمو ويحلّق، وتمرّغ وجهه بالوحل والتراب وتغله بأغلال العبيد.
وأمّا التغيير تاكيفي: الذي يسبغه المثل الأعلى على هذه المسيرة فهو عبارة عن إعطاء الحل الموضوعي الوحيد للتناقض الإنساني بين قبضة التراب التي تتمثل في الجسد وما يحويه من غرائز وشهوات هابطة تجذبه إلى أسفل باستمرار والنفخة الإلهية التي تتمثل في الروح وما تستبطنه من نزوع إلى السمو والتحليق نحو مصدرها وهو الله المثل الأعلى المطلق. وذلك بإعطاء الإنسان الشعور المعمق لديه بالمسؤولية تجاه هذا المثل الأعلى، ولأوّل مرة في تاريخ المثل المنخفضة التي حركت البشر على مر التاريخ.
لماذا؟
لأن هذا المثل الأعلى حقيقة وواقع عيني منفصل عن الإنسان، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي. فإن المسؤولية الحقيقية لا تقوم إلاَّ بين جهتين: مسؤول، ومسؤول لديه. إذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأنه بين يديه جهة أعلى، لا يمكن أن يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً وحقيقياً.
مثلاً تلك المثل المنخفضة على مرّ التاريخ، في الحقيقة لم تكن كما رأينا إلاّ إفرازاً بشرياً، وجزءاً من كيان الإنسان، والإنسان لا يمكن أن يستشعر بصورة موضوعية حقيقة، المسؤولية تجاه ما يصنعه هو: {إِنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها}([654]) تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية، نعم قد تصنع قوانين، قد تصنع عادات، قد تصنع اخلاق، ولكنها كلها عطاء ظاهري، وكلما وجد هذا الإنسان مجالا للتحلل من هذه العادات، ومن هذه الاخلاق، ومن هذه القوانين فسوف يتحلل.
بينما المثل الأعلى لدين التوحيد، باعتباره واقعاً عينياً منفصلاً عن الإنسان وليس نتاجاً إنسانياً، إذن سوف يتوصل للشعور بالمسؤولية، ومن هنا ندرك لماذا كان الأنبياء على مر التاريخ أصلب الثوار على الساحة التاريخية، وأنظفهم، لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كل مساومة، كل مهادنة، وكل تردد في حربهم ضد كل المثل المنخفضة والأصنام المصطنعة ولمن يتمحورون حوله حفاظاً على مصالحهم وترفههم وإرضاءاً لأنانياتهم الضيقة. لماذا كانوا هكذا؟
لأن المثل الأعلى المنفصل عن أي نبي، هو الذي أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسد في كل كيانه، ومشاعره وأفكاره وعواطفه، فكان حقيقة، الشرط الجوهري لإنجاح تلك المسيرة، ودفعها نحو هدفها المنشود.
ومن هنا كان النبي معصوماً على مر التاريخ.
ومن هنا أبرز القرآن الكريم سنة من سنن التاريخ، وهي أن الأنبياء دائماً كانوا يواجهون المترفين من مجتمعاتهم كقطب آخر في المعارضة مع هذا النبي، لأنّ هؤلاء مستفيدين من هذا المثال بعد أن تحول إلى التمثال، سوف يجعلون من هذا التمثال مبرراً لوجودهم، ولذا كان من الطبيعي أن نجد المترفين المستفيدين دائماً، في الخط المعارض للأنبياء، {مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}([655]).
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}([656])، {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}([657])، {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}([658]).
إذن، دين التوحيد هو الذي يستأصل مصالح هؤلاء المترفين بالقضاء على آلهتهم، وعلى مثلهم التي تحولت إلى تماثيل، يقطع صلة البشرية بهذه المثل العليا المنخفضة، ولكن لا لِيَطِأ برأسها في التراب، لكي يحولها إلى كومة مادية ليس لها أشواق، وليس لها طموحات إلى أعلى كما هو شأن الثوار الماديين، الذين يستلهمون من المادية التأريخية ومن الفهم المادي للتاريخ، أيضاً يحاربون هذه الآلهة المصطنعة ويسمونها أفيون الشعوب فيحولون الإنسان إلى حيوان يتمرغ في عالم الضرورات، بينما نحن نقطع صلة الإنسان بهذه المثل المنخفضة، لكي نشده إلى المثل الأعلى، إلى الله سبحانه.
شروط وركائز أساسية
وتبنّي المسيرة البشرية لهذا المثل الأعلى الحق، الذي يحدث هذه التغييرات الكيفية والكمية على اتجاه المسيرة وحجمها، يتوقف على عدة أمور:
أولاً ـ على رؤية واضحة فكرياً وأيديولوجياً لهذا المثل الأعلى، وهذه الرؤية الواضحة لهذا المثل الأعلى هو الذي تقدمه عقيدة التوحيد على مر التاريخ، عقيدة التوحيد التي تنطوي على الايمان بالله سبحانه وتعالى، التي توحد بين كل المثل، بين كل الغايات وكل الطموحات، وكل التطلعات البشرية، في هذا المثل الأعلى، الذي هو علم كله، قدرة كله، عدل كله، رحمة كله، انتقام من الجبارين. هذا المثل الأعلى الذي تتوحد فيه كل الطموحات وكل الغايات، تعطينا عقيدة التوحيد رؤية واضحة له، تعلمنا على أن نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله بوصفها حقائق عينية منفصلة عنا كما يتعامل فلاسفة الاغريق وإنما نتعامل مع هذه الصفات والأخلاق بوصفها رائداً عملياً، بوصفها هدفاً لمسيرتنا العملية، بوصفها مؤشرات على الطريق الطويل للإنسان في كدحه نحو الله سبحانه.
ثانياً: لا بدّ من طاقة روحية مستمدة من هذا المثل الأعلى، لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيداً ووقوداً مستمراً للإرادة البشرية على مر التاريخ، هذا الوقود الروحي يتمثل في عقيدة يوم القيامة، في عقيدة الحشر والامتداد، فهذه العقيدة تعلم الإنسان أن هذه الساحة التاريخية الصغيرة التي يلعب عليها، مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر، وأن مصير الإنسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة، مرتبط بدوره على هذه الساحة التاريخية. هذه العقيدة تعطي تلك الطاقة الروحية، وذلك الوقود الرباني الذي ينعش إرادة الإنسان، ويحفظ له دائماً قدرته على التجديد والاستمرار.
ثالثاً: إن هذا المثل الأعلى الذي تحدثنا عنه، يختلف عن المثل العليا الأخرى التكرارية والمنخفضة التي تحدثنا عنها سابقاً، على أساس أن هذا المثل منفصل عن الإنسان، ليس جزءاً من الإنسان ولا إفرازاً له، بل هو واقع عيني قائم في كل مكان، وهذا الانفصال يفرض وجود صلة موضوعية بين الإنسان وهذا المثل الأعلى. بينما المثل الأخرى السابقة، لما كانت إفرازاً بشرياً، فلا حاجة إلى افتراض صلة موضوعية، نعم هناك طواغيت وفراعنة على مر التاريخ، نصبوا من أنفسهم صلات موضوعية بين البشرية وبين آلهة الشمس، آلهة الكواكب، ولكنها صلة موضوعية مزيفة، لأن الإله هناك كان وهماً، كان وجوداً ذهنياً، وإفرازاً إنسانياً، أما هنا فالمثل الأعلى منفصل عن الإنسان، ولهذا كان لا بدّ من صلة موضوعية تربط هذا الإنسان بذلك المثل الأعلى.
وهذه الصلة الموضوعية تتجسد في النبي، فالنبي هو ذلك الإنسان الذي يركّب بين الشرط الأول والشرط الثاني بأمر الله سبحانه وتعالى، بين رؤية ايديولوجية واضحة للمثل الأعلى، وطاقة روحية مستمدة من الايمان بيوم القيامة، يركب بين هذين العنصرين، ثم يجسد بدور النبوة، الصلة بين المثل الأعلى والبشرية، ليحمل هذا المركب إلى البشرية بشيراً ونذيراً.
رابعاً: إن البشرية بعد أن تدخل مرحلة يسميها القرآن مرحلة الاختلاف على ما يأتي إن شاء الله شرحه ـ سوف لن يكفي مجيء بشير نذير، لأنّ مرحلة الاختلاف تعني مرحلة انتصاب تلك المثل المنخفضة أو التكرارية المزورة على الطريق، تحول دون البشرية والارتباط بالله سبحانه، ولذا كان لا بد للبشرية من أن تخوض معركة ضد الآلهة المصطنعة، ضد تلك الطواغيت التي تنصب من نفسها قيماً على البشرية، وقاطع طريق بالنسبة للمسيرة التاريخية، ولا بدّ من قيادة تتبنى هذه المعركة، وهذه القيادة هي الإمامة، فالإمام هو القائد الذي يتولى هذه المعركة.
ودور الإمامة يندمج مع دور النبوة في مرحلة من مراحل النبوة يتحدث عنها القرآن وسوف نتحدث عنها انشاء الله تعالى، ونقول بأنها بدأت في أكبر الظن مع نوح عليه الصلاة والسلام، ولكنه يمتد حتى بعد النبي، إذا ترك النبي الساحة وبعد لا تزال المعركة قائمة، ولا تزال الرسالة بحاجة إلى مواصلة هذه المعركة من أجل القضاء على تلك الآلهة.
على هذا الضوء، سوف نكون رؤية واضحة لما نسميه بأصول الدين الخمسة، والتي سوف تقع في موقعها الصحيح السليم من مسار الإنسان، وأصول الدين الخمسة هي:
التوحيد: هو الذي يعطي الشرط الأول هو الذي يعطي الرؤية الواضحة فكرياً وايديولوجيا، هو الذي يجمع ويعبئ كل الطموحات والغايات في مثل أعلى واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
العدل: العدل هو جانب من التوحيد، العدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، فحال العدل، حال العلم، وحال القدرة، لا يوجد ميزة عقائدية في العدل في مقابل بقية الصفات، لكن الميزة هنا ميزة اجتماعية، ميزة القدوة، لأن العدل هو الصفة التي تكون المسيرة الاجتماعية بحاجة إليها أكثر من أي صفة أخرى، ولذا أبرز العدل هنا كأصل ثاني من أصول الدين، باعتبار المدلول التوجهي له بالنسبة للمسيرة البشرية أثناء انطلاقاتها نحو الله كمنارة ومؤشر.
النبوة: النبوة هي التي توفر الصلة الموضوعية بين الإنسان وبين المثل الأعلى، فالمسيرة البشرية كما قلنا، حينما تبنت المثل الأعلى الحق المنفصل عنها، كانت بحاجة إلى صلة موضوعية، يجسدها النبي على مر التاريخ.
الإمامة: الإمامة هي في الحقيقة تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوة، النبي هو إمام أيضاً، ولكن الإمامة لا تنتهي بانتهاء النبي، إذا كانت المعركة قائمة، وإذا ما كانت الرسالة لا تزال بحاجة إلى قائد يواصل المعركة، إذن سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي من خلال الإمامة.
الإيمان بيوم القيامة: هو الذي يوفر الشرط الثاني من الشروط الأربعة التي تقدمت، هو الذين يعطي تلك الطاقة الروحية، ذلك الوقود الرباني الذي يجدد دائماً إرادة الإنسان وقدرته، ويوفر له الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية.
إذن أصول الدين في الحقيقة، وبالتعبير التحليلي على ضوء ما ذكرناه، هي كلها عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى، وفي إعطاء تلك العلاقة الاجتماعية، بصيغتها القرآنية الرباعية التي تحدثنا عنها فيما تقدم حيث قلنا بأن القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات أربعة أبعاد لا ذات ثلاثة أبعاد، طرحها بصيغة الاستخلاف، وشرحنا في ما سبق صيغة الاستخلاف، وقلنا بأن الاستخلاف يفترض أربعة أبعاد، يفترض إنساناً وإنساناً، وإنساناً وطبيعة، الله سبحانه وتعالى وهو المستخلف. هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الآخر عن صيغة تدمج أصول الدين الخمسة في مركب واحد من أجل أن يسير الإنسان ويكدح في طريقه الطويل نحو الله سبحانه.
وبما ذكرناه توضح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، توضح أن الإنسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية، لا بجسمه الفيزيائي وإنما بمحتواه الداخلي، وهذا المحتوى الداخلي توضح أيضاً من خلال ما شرحناه، أن الأساس في بناءه هو المثل الأعلى الذي يتبناه الإنسان، لأن المثل الأعلى هو الذي تنبثق منه كل الغايات التفصيلية، والغايات التفصيلية هي المحركات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية.
إذن بناء المثل الأعلى وتبني المثل الأعلى هو في الحقيقة الأساس في بناء المحتوى الداخلي للإنسان، ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع.
القرآن والعلاقة الاجتماعية
تقدم في تحليل عناصر المجتمع، أن المجتمع يتكون من ثلاثة عناصر، وهي: الإنسان والطبيعة والعلاقة الاجتماعية، وقد تحدثنا عن الإنسان ودوره الأساسي في الحلقة التاريخية. وتحدثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية. وبقي علينا أن نأخذ العنصر الثالث وهو: العلاقة الاجتماعية لنحدد مواقفنا من هذه العلاقة على ضوء ما انتهينا إليه من مواقف قرآنية تجاه دور الإنسان والطبيعة على الساحة التاريخية.
وقد تقدم أن العلاقة الاجتماعية تتضمن علاقتين مزدوجتين:
إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.
والأخرى: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان. هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية، وهذان الخطان نؤمن بأن كل واحد منهما مختلف ومستقل استقلالاً نسبياً عن الآخر، مع شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد ذلك إن شاء الله تعالى من حيث الأساس، تبعاً للاختلاف النوعي في طبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطين، ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة.
علاقة الإنتاج
فالخط الأول الذي يمثل علاقات الإنسان مع الطبيعة، من خلال استثمارها وتطويعها، وإنتاج حاجاته الحياتية منها. هذا الخط يواجه مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة، وهذا التناقض يعني تمرد الطبيعة عن الاستجابة للحاجة الإنسانية من خلال التفاعل بينهما، وهذا التناقض له حل مستمد من قانون موضوعي يمثل سنة من سنن التاريخ الثابتة، هو قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، ذلك لأن الإنسان كلما تضاءل جهله بالطبيعة، وكلما ازدادت خبرته بلغتها وبقوانينها، ازداد سيطرة عليها، وتمكُّناً من تطويعها وتذليلها لحاجاته.
وحيث أن كل خبرة تتولد في هذا الحقل عادة من الممارسة، وكل ممارسة تولد بدورها خبرة، ولهذا كان قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة قانوناً موضوعياً يكفل حل هذا التناقض بشكل مستمر، إذ يتضاءل جهل الإنسان باستمرار وتنمو معرفته باستمرار من خلال ممارسته للطبيعة، يكتسب خبرة جديدة، هذه الخبرة الجديدة تعطيه سيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة، فيمارس على الميدان الجديد، وهذه الممارسة بدورها أيضاً تتحول إلى خبرة، وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار، ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية أو بشرية.
وهذا القانون بنموه وبتطبيقاته التاريخية، يعطي الحلول التدريجية لهذه المشكلة، فهي مشكلة محلولة تاريخياً ومحلولة موضوعياً. ولعل في الآية الكريمة: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا}([659]).
إشارة إلى هذا الحل الموضوعي المستمد من قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة، لأن السؤال في الآية الكريمة: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} لا يراد منه السؤال اللفظي الذي هو الدعاء، لأن الآية تتكلم عن الإنسانية ككل، عمن يؤمن بالله ومن لا يؤمن بالله، من يدعو الله ومن لا يدعو الله، كما أن الدعاء لا يتضمن حتماً تحصيل الشيء المدعو به، نعم كل دعاء له استجابة، لكن ليس لكل دعاء تحقيق لما تعلق به، بينما هنا يقول {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} فهذه استجابة فعلية بعطاء ما سؤل عنه، فأكبر الظن أن هذا السؤال من الإنسانية ككل، وعلى مر التاريخ، وعبر الماضي والحاضر والمستقبل، يتمثل في السؤال الفعلي والطلب التكويني، الذي يحقق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.
هذه هي المشكلة التي يواجهها الخط الأول من العلاقات، وهذا هو الحل الذي يوضع لهذه المشكلة.
علاقة التوزيع وغيره
وأما الخط الثاني من العلاقات، علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثروة، أو في سائر الحقول الاجتماعية، أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان، فهذا الخط يواجه مشكلة أخرى، ليست المشكلة هنا هي التناقض بين الإنسان والطبيعة، بل هي التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وهذا التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان، يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددة وألوانا مختلفة، ولكنه يظل في حقيقته وجوهره أمراً ثابتاً واحداً وروحاً عامة هي التناقض ما بين القوي والضعيف، بين كائن في مركز القوة وكائن في مركز الضعف، وهذا الكائن الذي هو في مركزه القوة إذا لم يكن قد حل تناقضه الخاص، جدله الإنساني من الداخل فسوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض الاجتماعي. ومهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني، وفي شكلها التشريعي، وفي لونها الحضاري، فهي بالآخرة صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف، قد يكون هذا القوي فرداً فرعوناً، وقد يكون عصابة، وقد يكون طبقة، وقد يكون شعباً، وقد يكون أمة، وكل هذه الألوان من التناقض كلها تحتوي روحاً واحدة هي روح الصراع، بين القوي المستغِل وبين الضعيف المستغَل.
هذه أشكال متعددة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان. وهذه الأشكال المتعددة ذات الروح الواحدة، كلها تنبع من معين واحد، ومن تناقض رئيسي واحد، هو ذلك الجدل الإنساني القائم بين حفنة التراب وبين أشواق الروح التي تحلّق به نحو القمة، حيث المثل الأعلى الحقيقي، نحو الله.
و ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني، فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض، والصيغة بعد الصيغة، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة.
إذن النظرة الإسلامية من زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، نظرة واسعة، منفتحة، معمقة، تستوعب كل أشكال التناقض على مر التاريخ، وتنفذ إلى عمقها، وتكشف حقيقتها الواحدة، وروحها المشتركة، ثم تربط كل هذه التناقضات، بالتناقض الأعمق، بالجدل الإنساني.
ومن هنا يؤمن الإسلام بأن الرسالة الوحيدة القادرة على حل هذه المشكلة التي يواجهها خط علاقات الإنسان مع الإنسان، هي تلك الرسالة التي تعمل على مستويين في وقت واحد، تعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، لكن في نفس الوقت، وقبل ذلك وبعد ذلك، تعمل من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان، من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية، ويؤمن الإسلام بأن ترك ذلك المَعِين من الجدل والتناقض على حاله، والاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغتها التشريعية فقط، هو النصف المبتور من العملية، إذ سرعان ما يفرز ذلك المَعِين صيغاً أخرى وفق هذه العملية التي سوف نستأصل بها الصيغ السابقة.
فلا بد للرسالة التي تريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة من أن تعمل على كلا المستويين.
أن تؤمن بجاهدين: جهاد سمّاه الإسلام «بالجهاد الأكبر» وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي، لحل ذلك الجدل الداخلي. وجهاد آخر، في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي، وكل ألوان استئثار القوي للضعيف، من دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معينة من صيغ هذا الاستئثار، لأن الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغه.
هذه هي النظرة المنفتحة الواقعية التي أثبتت التجربة البشرية باستمرار، انطباقها على واقع الحياة خلافاً للنظرة الضيقة التي فسرت المادية بها التناقض. فإن ماركس على الرغم من ذكائه الفائق لم يستطع أن يتجاوز حدود النظرة التقليدية للإنسان الأوروبي، فالإنسان الأوروبي دائماً يرى العالم ينتهي حيث تنتهي الساحة الأوروبية أو الساحة الغربية بتعبير أعم، كما يعتقد اليهود بأن الإنسانية هي كلها في إطارهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيْلٌ}([660]) أولئك ليسوا بشراً، أولئك أميون، وهمج، كذلك الإنسان الأوروبي، اعتاد أن يضع الدنيا كلها في إطار ساحته الأوروبية، لم يتخلص هذا الرجل من تقاليد هذه النظرة الأوروبية، كما أنه لم يتخلص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دوراً في أفكار المادية التاريخية.
ومن هنا جاء لنا بتفسير محدود ضيق للتناقض الذي تواجهه الإنسانية على هذا الخط، اعتقد بأن مرد كل التناقضات على الساحة البشرية إلى تناقض واحد هو التناقض الطبقي، التناقض بين طبقة تملك كل وسائل الانتاج أو معظم وسائل الانتاج، وطبقة لا تملك شيئاً من وسائل الانتاج وإنما تعمل من أجل مصالح الطبقة الأولى.
ثم هذه الثروة المنتجة التي جسدت عرق جبين هذا العامل المستغل، تستولي عليها الطبقة الأولى المالكة، ولا يعطي للطبقة الثانية منها إلاَّ الحد الأدنى، حد الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة، لكي تواصل خدمتها وممارستها ضمن إطار الطبقة الأولى.
هذا هو التناقض الطبقي الذي اتخذه قاعدة وأساساً لكل ألوان التناقض الأخرى، وهذا التناقض يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة، وهذا الصراع المرير ينمو ويشتد كلما تطورت الآلة الصناعية وتعقدت، وذلك لأن الآلة كلما نمت، وكلما تطورت، أدت إلى تخفيض في مستوى المعيشة، وهذا التخفيض في مستوى المعيشة، يعطي فرصة للطبقة الرأسمالية المالكة في أن تخفض أجر العامل، لأنها لا تريد أن تعطي العامل أكثر مما يديم به حياته ونَفَسَه.
إذن باستمرار تتطور الآلة، باستمرار تنخفض كلفة المعيشة، وباستمرار يخفِّض الرأسمالي أجرة العامل هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية، إن تطور الآلة وتعقدها يقتضي إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمال بالعدد القليل، لأنّ دقة الآلة سوف يعوض عن الجزء الآخر من العمال. وهذا يجعل الطبقة الرأسمالية تطرد الفائض من العمال باستمرار، وهكذا يشتد الصراع بين الطبقتين ويحتدم التناقض حتى ينفجر في ثورة، هذه الثورة تجسدها الطبقة العاملة وتقضي بها على التناقض الطبقي في المجتمع وتوحده في طبقة واحده، وهذه الطبقة الواحدة تمثل حينئذ كل أفراد المجتمع. وفي حالة من هذا القبيل، سوف تستأصل كل ألوان التناقض، لأن أساس التناقض هو التناقض الطبقي، فاذا أزيل التناقض الطبقي، زالت كل التناقضات الأخرى الفرعية والثانوية. حسب زعم المادية الجدلية.
هذا تلخيص سريع جداً لوجهة نظر هؤلاء الثوار الماديين تجاه التناقض الذي عالجناه.
إلاَّ أن هذه النظرة الضيقة، لا تنجسم في الحقيقة مع الواقع، ولا تنطبق على تيار الأحداث في التاريخ.
إذ ليس التناقض الطبقي وليد تطور الآلة، بل هو من صنع الإنسان الأوروبي، فليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل، وليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي، وإنما الإنسان الأوروبي الذي وقعت هذه الآلة بيده، أفرز نظاماً رأسمالياً يجسد قِيَمه في الحياة وتصوراته لها.
وليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض، هناك صيغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية، وكل هذه الصيغ من التناقض على الساحة الاجتماعي هي وليد تناقض رئيس، هو الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان، الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددة من التناقض.
بين النظرية والتطبيق
تعالوا نلاحظ ونقارن بين هذه النظرة الضيقة وبين واقع التجربة البشرية المعاصرة، لنرى أي النظريتين أكثر انطباقاً على العالم الذي نعيشه، ونرى ماذا كنا نتوقع؟ ماذا كنا ننتظر؟ لو كان هذا التفسير للتناقض، صحيحاً وواقعياً.
كنا ننتظر ونتوقع أن يزداد يوماً بعد يوم، التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية، التي تطورت فيها الآلة تطوراً كبيراً، كان من المفروض أن هذه المجتمعات، كانكلترا، والولايات الأمريكية المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، أن يشتد فيها التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم، ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوماً بعد يوم، كنا نترقب أن يزداد البؤس والحرمان في جانب الطبقة العاملة، ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العاملين في طبقة الرأسماليين المستغلين من الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم، كما نترقب حالة من هذا القبيل، كنا نترقب أن تتضاعف النقمة، أن يشتد إيمان العامل الأوروبي والعامل الأمريكي بضرورة الثورة، وبأنها هي الطريق الوحيد لتصفية هذا التناقض، هذا ما كنا ننتظره لو صحت هذه الأفكار عن تفسير التناقض.
لكن ماذا وقع خارجاً؟ ما و قع خارجاً هو عكس ذلك تماماً، نرى وبكل أسف، أن النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغلة يزداد ترسخاً ويزداد تمحوراً وعملقة يوماً بعد يوم، لا تبدو عليه بوادر الانهيار السريع، تلك التمنيات الطيبة في الثورة السريعة التي تمناها ثوارنا الماديون لانكلترا وللدول الأوروبية بحكم التطور الآلي والصناعي فيها، تلك التمنيات الطيبة تحولت إلى سراب، بينما تحققت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلاد لم تعش تطوراً آليا، بل لم تعيش تناقضاً طبقياً بالمعنى الماركسي، لأنها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطور الصناعي، من قبيل روسيا القيصرية والصين.
من ناحية أخرى، هل ازداد العمال بؤساً وفقراً؟ هل ازدادوا استغلالا؟
لا بالعكس، العمال ازدادوا رخاءاً وسعة، أصبحوا مدلّلين من قبل الطبقة الرأسمالية المستغِلة، العامل الأمريكي يحصل على ما لا يطمع به إنسان آخر يشتغل بكدّ يمينه ويقطف ثمار عمله في المجتمعات الاشتراكية الأخرى.
هل ازدادت النقمة لدى الطبقة العاملة؟
العكس هو الصحيح، العمال، الهيئات التي تمثل العمال في الدول الرأسمالية المستغلة تحولت بالتدريج إلى هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي، تحولت إلى أشخاص لهم حالة الاسترخاء السياسي، تركوا هموم الثورة ومنطقها، وأصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغلة، مع أيدي الطبقة الرأسمالية، وأصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمال عن طريق النقابات وعن طريق البرلمانات، وعن طريق الانتخابات.
هذه الحالة هي حالة الاسترخاء السياسي، كل هذا وقع في هذه الفترة القصيرة من الزمن التي نحسها، فكيف وقع هذا؟
هل كان ماركس سيء الظن إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين المجرمين، والمستغلين، بحيث تنبأ بهذه النبوءات ثم ضاعت هذه النبوءات كلها فلم يتحقق شيء منها؟
أم هل أن هؤلاء الرأسماليين المستغلين، دخل في أنفسهم الرعب من الماركسية وأفكارها الثورية فحاولوا أن يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم خوفاً من أن يثور العامل عليهم؟
هل هذا صحيح؟
هل أن المليونير الأمريكي يخالج ذهنه فعلاً أي شبح من خوف من هذه الناحية؟ اشد الناس تفاؤلاً بمصائر الثورة في العالم لا يمكنه أن يفكر في أن ثورة حقيقية على الظلم في أمريكا يمكن أن تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ. فكيف يمكن أن نفترض أن المليونير الأمريكي، أصبح أمامه شبح الخوف والرعب، وعلى اساس هذا الشبح تنازل عن جزء من مكاسبه؟
هل أنه دخلت إلى قلوبهم التقوى فجأة واستنارت قلوبهم بنور الإسلام الذي أنار قلوب المسلمين الأوائل، الذين كانوا لا يعرفون حداً للمشاركة والمواساة والذين كانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم، وسرّائهم وضرّائهم؟
هل تحول هؤلاء بين عشية وضحاها إلى مسلمين؟
لا.. لم يتحقق شيء من ذلك، لا كارل ماركس كان سيء الظن بهؤلاء، كان ظنه منطبقاً على هؤلاء انطباقاً تاماً. ولا أن هؤلاء أرعبهم شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته، ولا أن قلوبهم خفقت بالتقوى، بل لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى لأنها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات، لم يتحقق شيء من ذلك.
إذن ماذا وقع وكيف نفسر هذا الذي وقع؟
هذا الذي وقع في الحقيقة كان نتيجة تناقض آخر عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية، ولكن ماركس والثوار الذين ساروا على هذا الطريق، لم يستطيعوا أن يكتشفوا ذلك التناقض، ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي، في التناقض بين المليونير الأمريكي والعامل الأمريكي، بين الغني الإنجليزي، ولم يدخلوا في الحساب التناقض الآخر الأكبر الذي أفرزه جدل الإنسان الأوروبي، أفرزه تناقض الإنسان الأوروبي، فغطى على هذا التناقض الطبقي، بل جمّده، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن.
ما هو ذلك التناقض؟ نحن بنظرتنا المنفتحة يمكننا أن نبصر ذلك التناقض، لأننا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا إن جدل الإنسان دائماً يفرز أي شكل من أشكال التناقض الاجتماعي، ذلك التناقض الآخر، وجد فيه الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي، أن من طبيعة هذا التناقض، أن يتحالف مع العامل الذي يستغله لكي يشكل هو والعامل قطباً في هذا التناقض، لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي، بل إن هذين الوجودين الطبقيين تحالفا معاً وكوّنا قطباً في تناقض أكبر، بدأ تاريخياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدث عنه ماركس.
لكن ما هو القطب الآخر في هذا التناقض؟ القطب الآخر في هذا التناقض، هو أنا وأنت، هو الشعوب الفقيرة في العالم، هو شعوب ما يسمى بـ «العالم الثالث»، هذه الشعوب هي التي تمثل القطب الثاني في هذا التناقض.
إن الإنسان الأوروبي بكلا وجوديه الطبقيين، تحالف وتمحور، من أجل أن يمارس صراعه واستغلاله لهذه الشعوب الفقيرة، وقد انعكس هذا التناقض الأكبر اجتماعياً، من خلال صيغ الاستعمار المختلفة التي زخرت بها الساحة التاريخية، منذ خرج الإنسان الأوروبي والأمريكي من دياره ليفتش عن كنوز الأرض في مختلف أرجاء العالم، ولينهب الأموال بلا حساب من مختلف البلاد والشعوب الفقيرة، هذا التناقض غطى على التناقض الطبقي، بل جمد التناقض الطبقي، لأن جدل الإنسان من وراء هذا التناقض، كان أقوى من جدل الإنسان من وراء ذلك التناقض، والثراء الهائل الذي تكدس في أيدي الطبقة الرأسمالية في الدول الرأسمالية، لم يكن كله، بل ولا معظمه، نتاج عرق جبين العامل الأوروبي والأميركي، وإنما كان نتاج غنائم حرب وغارات على هذه البلاد الفقيرة، قام بها الإنسان الأبيض الأوروبي. هذا النعيم الذي تغرق فيه تلك الدول ليس من عرق جبين العامل الأوروبي، ليس من نتاج التناقض الطبقي بين الرأسمالي والعامل، وإنما هذا النعيم هو من نفط آسيا وأمريكا اللاتينية، هو من ألماس تنزانيا، هو من الحديد والرصاص والنحاس واليوارنيوم في مختلف بلاد أفريقيا، هو من قطن مصر، هو من خمر الجزائر، نعم من خمر الجزائر، لأن الكافر المستعمر الذي استعمر الجزائر، حوّل أرضها كلها إلى بستان عنب، لكي يقطف هذا العنب ويحوله إلى خمر ليسكر به العمال، وليشعر أولئك العمال بالنشوة والخيلاء.
إذن، التناقض الذي جَمَّدَ ذلك التناقض وأوقفه، هو هذا التناقض الأكبر التناقض بين المحور الرأسمالي ككل بكلتا طبقتيه، وما بين الشعوب الفقيرة في العالم.
من خلال هذا التناقض، وجد الرأسمالي الأوروبي والأمريكي أن من مصلحته أن يقاسم العامل شيئاً من هذه الغنائم التي نهبها من فقراء الأرض ومستضعفيها.
ولهذا نرى أن العامل بدأت حياته تختلف عن نبوءات ماركس، ليس ذلك لأجل كرم طبيعي في الرأسمالي الأوروبي والأمريكي، وليس لتقوى، وإنما هي غنيمة كبيرة، كان من المفروض أن يعطي جزءاً منها لهذا العامل، والجزء وحده يكفي لأجل تحقيق هذا الرفاه بالنسبة إلى هذا العامل الأوروبي والأمريكي.
إذن، الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائماً، هو أن التناقض لا يمكن حصره في صيغة واحدة، التناقض له صيغ متعددة، وذلك لأن كل هذه الصيغ، تنبع من منبع واحد وهو التناقض الرئيسي، الجدل الإنساني، والجدل الإنساني لا تعوزه صيغة، إذا حلت صيغة وضع صيغة أخرى مكانها، ليس من الصحيح أن نطوق كل التناقضات في التناقض الطبقي، في التناقض بين من يملك ومن لا يملك، فإذا حللنا هذا التناقض قلنا: بأن التناقضات كلها قد حلت.
عود على بدء
لقد سبق وقلنا: إن خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلف مشكلة وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أن كلاً من هذين الخطين مستقل استقلالاً نسبياً عن الخط الآخر، لكن هذا الاستقلال النسبي، لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادل إلى حد ما بينهما. فلكل منهما لون من التأثير الطردي أو العكسي على الخط الآخر.
وهذا التأثير المتبادل بين الخطين، يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيتين:
العلاقة الأولى: تبرز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
والعلاقة القرآنية الثانية: تبرز من الجانب الآخر، مدى تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، على علاقات الإنسان مع الطبيعة.
أما العلاقة الأولى التي تبرز تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة على الخط الآخر فمؤداها: هو أنه كما نمت قدرة الإنسان على الطبيعة، واتسعت سيطرته عليها، وازداد اغتناءاً بكنوزها، ووسائل انتاجها، تحققت بذلك إمكانية أكبر فأكبر، للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان: {كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}([661]).
هذه الآية الكريمة، تشير إلى هذه العلاقة، إلى أن الإنسانية بقدر ما تتمكن وتستقطب الطبيعة، وتتوصل إلى وسائل إنتاج أقوى وأدوات توليد أوسع، تكون انعكاسات ذلك على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان اكبر، في شكل إمكانيات وإغراءات، وفتح الشهية للأقوياء لكي يستثمروا أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.
تصوروا مجتمعاً يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة، ففي مثل هذا المجتمع، لن يتمكن الاقوياء على الأغلب، من أن يمارسوا أدواراً خطيرة من الاستغلال الاجتماعي، لأن مستوى الإنتاج محدود، والقدرة محدودة وكل إنسان لا يكسب عادة بعرق جبينه إلاَّ قوت يومه، فلا توجد إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع، وإن كان من الممكن أن توجد ألوان أخرى من الاستغلال الفردي.
ولكن لاحظوا من الجانب الآخر مجتمعاً متطوراً، استطاع الإنسان فيه أن يصنع الآلة البخارية والآلة الكهربائية، استطاع فيه أن يخضع الطبيعة لإرادته، في مثل هذا المجتمع، سوف تكون الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقدة المتطورة الصنع، أداة، إمكانية على ساحة علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تشكّل بحسب مصطلح الفلاسفة، ما بالقوة للاستغلال، ويبقى أن يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية، فالإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، وهو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، ولكن الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال، وتهيىء له فرصة تفتح شهيته، توقظ مشاعره، تحرك جدله الداخلي وتناقضه الداخلي من أجل أن يبرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من قوى الإنتاج ووسائل التوريد.
وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية، المادية التاريخية اعتقدت بأن الآلة هي التي تصنع الاستغلال، هي التي تصنع النظام المتناسب معها، ولكننا نحن لا نرى أن دور الآلة هو دور الصانع، وإنما دور الآلة هو دور الإمكانية، دور توفير الفرصة والقابلية، وأما الصانع الذي يتصرف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي، لمثله الأعلى، لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى.
وأما العلاقة القرآنية الثانية التي تمثل وتجسد تأثير علاقات الإنسان مع الطبيعة، فمؤداها: هو أنه كلما جسدت علاقات الإنسان مع اخيه الإنسان العدالة، وكلما استطاعت أن تستوعب قيمها، وأن تبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وتفتحت الطبيعة عن كنوزها، وأعطت المخبوء من ثرواتها، ونزلت البركات من السماء، وتفجرت الأرض بالنعمة والرخاء.
هذه العلاقة، هي التي شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة قال سبحانه: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}([662]).
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}([663]).
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([664]).
وهذه العلاقة مؤداها أن علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب عكسياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وكلما انحسرت العدالة عن الخط الأول، انحسر الازدهار عن الخط الثاني، أي أن مجتمع العدل، هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم، هو الذي يؤدي إلى انحسار تلك العلاقات، علاقات الإنسان مع الطبيعة.
وهذه العلاقة ليست ذات محتوى غيبي فقط، نعم نحن نؤمن أيضاً بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الرباني، تشكّل سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم، وذلك لأن مجتمع الظلم، مجتمع الفراعنة على مر التاريخ مجتمع ممزق، مشتت، الفرعونية على مر التاريخ، حينما تتحكم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، تستهدف تمزيق طاقات المجتمع، وتشتيت فئاته، وبعثرة إمكانياته، ومن الواضح أن تشتيتاً وبعثرةً وتفتيتاً وتجزئة من هذا القبيل، لا يمكن لأفراد المجتمع، أن يحشدوا قواهم الحقيقية والسيطرة على الطبيعة.
وهذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية، وبين المثل الأعلى الحق، مَثَل التوحيد سبحانه، فإن المثل الأعلى يوحد الجامعة البشرية ويلغي كل الفوارق والحدود باعتبار شمولية هذا المثل الأعلى، فهو يستوعب كل الحدود وكل الفوارق، يهضم كل الاختلافات، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة، لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض، لا من دم، ولا من جنس، ولا من قومية، ولا من حدود جغرافية أو طبقية.
انظروا إلى المثل الأعلى كيف يقول:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([665]).
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([666]).
هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى التي لا تعترف بحد وبحاجز في داخل هذه الأسرة البشرية. وفي مقابل ذلك هنالك مجتمع المثل المنخفضة الذي يحكمه الفراعنة وطواغيت الأرض. تعال لنرى كيف يصورهم القرآن الكريم: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا }([667]).
الفرعونية على مر التاريخ. تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، على أساس الظلم والاستغلال، الفرعونية تجزىء المجتمع، وتبعثر إمكانياته وطاقاته، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة، وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقسم المجتمع إلى فصائل وجماعات: الجماعة الأولى ظالمون مستضعفون، وفي نفس الوقت يوجد الظالمون الثانويون، أو بحسب تعبير أئمتنا عليهم الصلاة والسلام «أعوان الظلمة»، هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكلون حماية لفرعون وللفرعونية وسنداً في المجتمع لبقاءها واستمرار وجودها وإطارها. قال الله سبحانه وتعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}([668]).
هنا تاقرآن يتحدث عن الظالمين يقول: { إذ الظالمونَ موقوفون}
لكن الظالمين صنفهم إلى قسمين: إلى من استضعف منهم ومن استكبر منهم. إذن فالظالمون مستكبرون، وهم الذين يمثلون الفرعونية في المجتمع، وفيهم مستضعفون.
طوائف المجتمع الفرعوني
فالطائفة الأولى: إذن في التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، هم الظالمون المستضعفون، هؤلاء الذين يحشرون يوم القيامة في زمرة الظالمين، ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين لولا انتم لكنا مؤمنين، هذه هي الطائفة الأولى التي تشكل الحماية والسند للفرعونية.
الطائفة الثانية: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، ظالمون، يشكلون حاشية، ومتملقين، أولئك الذين قد لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته، يسبقونه بالقول من أجل أن يصححوا مسلكه ومسيرته. قال الله سبحانه وتعالى: { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}([669]).
شكلوا دور الإثارة لفرعون، هؤلاء كانوا يعرفون أنهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحساس في قلب فرعون، فتسابقوا إلى هذا الكلام لكي يجعلوا فرعون يعبر عما في نفسه، ويتخذ الموقف المنسجم مع مشاعره وعواطفه وفرعونيته.
الطائفة الثالثة: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، أولئك الذين عبر عنهم الإمام علي عليه والسلام «بالهمج الرعاع» جماعة هم مجرد آلات مستسلمة للظلم، لا تحس بالظلم، لا تدرك أنها مظلومة، فهي تتحرك تحرك التبعية والطاعة دون تدبر، ودون وعي، بعد أن سلب فرعون منها تدبرها، وعقلها، ووعيها، هذه الفئة طبعاً تفقد كل قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة، لأنها تحولت إلى آلات، وإذا وجد أن هناك إبداع في هذه الفئة فإنما هو ابداع من يحرك هذه الآلات، قال الله سبحانه وتعالى {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}([670]).
لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنهم كانوا يحسون بالظلم أو كانوا يحسون بأنهم مظلومون، وإنما هو مجرد طاعة، مجرد تبعية، هؤلاء هم القسم الثالث في تقسيم مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام حينما قال «الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق» وهذا القسم الثالث يشكل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح وبقدر ما يمكن للمجتمع الصالح أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحويله إلى القسم الثاني، بتحويله إلى متعلم على سبيل النجاة على حد تعبير الإمام، إلى تابع بإحسان على حد تعبير القرآن، إلى مقلد بوعي وتبصر على حد تعبير الفقه، يمكن للمجتمع الصالح أن يستمر وأن يمتد. ولهذا كان من ضرورات المجتمع الصالح في نظر الإمام عليه الصلاة والسلام، هو شجب هذا القسم الثالث، هؤلاء همج، رعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، ليس لهم عقل مستقل، وإرادة مستقلة. كان الإمام (عليه السلام) يرى أنه يجب تصفيته من المجتمع الصالح، وذلك لا بالقضاء عليه فردياً، بل بتحويله إلى القسم الثاني ضمن أحد الصيغ الثلاثة التي ذكرناها، لكي يستطيع المجتمع الصالح أن يواصل إبداعه، ولكي يستطيع كل أفراد المجتمع الصالح، أن يشكلوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع.
وخلافاً لذلك الفرعونية، فالفرعونية تحاول أن توسع من هذا القسم الثالث. وكلما توسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة، لأن هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه، أن تدافع عن المجتمع إذا حلت كارثة في الداخل، أو طرأت كارثة من الخارج، ولذا فهم كلما توسعوا في المجتمع كماً وكيفاً ازداد خطر فناءه، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً، في مقابل الموت المخروم.
أما الطائفة الرابعة: هم أولئك الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، أولئك الذين لم يفقدوا لبّهم أمام فرعون والفرعونية، فهم يستنكرون الظلم لكنهم يهادنونه ويسكتون عنه، فيعيشون حالة التوتر والقلق في أنفسهم.
وهذه الحالة، أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة. هؤلاء يسميهم القرآن الكريم «ظالمي أنفسهم»، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}([671]).
هؤلاء لم يظلموا الآخرين، ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأولى، وليسوا من الحاشية المتملقين، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم، بل بالعكس، هم يشعرون بأنهم مستضعفون. {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} ولكنهم كانوا عملياً مهادنين ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنهم ظلموا أنفسهم، هذه الطائفة هل يترقب منها أن تساعد بإبداع حقيقي في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة؟ طبعاً كلا.
الطائفة الخامسة: في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي: الطائفة التي تتهرب من مسرح الحياة، تبتعد عنه وتترهبن، وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مر التاريخ، وهي تتخذ صيغتين:
الأولى: رهبانية جادة تريد أن تفر بنفسها لكي لا تتلوث بأوحال المجتمع، هذه الرهبانية الجادة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}([672]).
هذه الرهبانية يشجبها الإسلام لأنها موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.
الثانية: رهبانية مفتعلة، يترهب ويلبس مسوح الرهبان، ولكنه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنما يريد بذلك أن يخدر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ويسطو عليهم نفسياً وروحياً.
{إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}([673]).
الجماعة السادسة: والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هم: المستضعفون.
وفرعون حينما اتخذ من قومه شيعاً، استضعف طائفة معينة منهم خصّها بالإذلال وهدر الكرامة، لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسم أن تشكل إطاراً للتحرك ضده ولهذا استضعفها بالذات: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}([674]).
وقد علمنا القرآن الكريم ضمن سنة من سنن التاريخ أيضاً أن موقع أي طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم، يتناسب عكساً مع موقعه بعد انحسار الظلم، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}([675]).
تلك الطائفة السادسة التي كانت هي منحدر التركيب، يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم أئمة ويجعلنم الوارثين.
إذن فإلى هنا استخلصنا هذه الحقيقة وهي: أن المجتمع يتناسب مدى الظلم فيه تناسباً عكسياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسباً طردياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.
فمجتمع الفرعونية المجزأ المشتت، مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات.
وأما مجتمع العدل فهو على العكس تماماً، هو مجتمع تتوحد فيه كل القابليات، وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات، وليس ذلك إلا لأنّ العدالة دائماً وأبداً تتناسب طرداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، هذه العلاقة الثانية بين الخطين.
محمد باقر الصدر
سُنَنُ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
تأليف: السيّد محمّد حسين الطباطبائي (1321ـ1401هـ) صاحب موسوعة الميزان في تفسير القرآن.
كتاب يشتمل على طائفة ممّا أُثر عن النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله) من الآداب والسُنن في مجالات الحياة المختلفة، وطائفة من الأخبار الواردة في بيان الأفعال والأعمال التي كان (صلّى الله عليه وآله) يدأب على فعلها ويديم العمل بها؛ والتي تتحدّث عن سيرة حياته وآدابه وسننه، فهي أفضل الآداب وأشرف السنن، وهي أصحّ برنامج لحياة الإنسان يسّره الله تعالى لعباده المخلصين.
والكتاب مرتّب في 21 باباً ـ مع ملحقات لكلّ باب ـ تعرض آداب وسنن الرسول الأُسوة (صلّى الله عليه وآله) الفردية والشخصية، ومع ربّه جلّ وعلا، ومع طبقات الناس، بعد بيان شمائله وجوامع أخلاقه (صلّى الله عليه وآله)؛ إذْ اشتملت على آدابه في: معاشرته للناس، النظافة وأحكام الزينة، السفر، اللباس المساكن، النوم والفراش، النكاح والأولاد، الأطعمة والأشربة وآداب المائدة، الخلوة وملحقاتها، الأصوات وما يتعلق بها، المداواة، السواك، والوضوء، الغسل، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الصدقة، قراءة القرآن، الدعاء، وملحقات الحجّ والنوادر والشمائل.
السَنيَّة
تقع مدينة السنية إلى الشمال من مدينة الديوانية (العراق) على الطريق العام الحلة ـ الديوانية إذ تبعد عن الديوانية مسافة 15 كم.
كانت السنية قرية صغيرة في العهد العثماني واستحدثت كناحية عام 1927م وكان مركزها بستان السيد رحمن محمد رحمة وسميت بالمليحة لوفرة الأراضي البور قديماً وسميت بالسنية لأنّ أراضيها سجلت قديماً باسم السلطان عبد الحميد سنية وذلك في العقد العاشر من القرن الثالث الهجري وتعد هذه المدينة حلقة الاتصال بين مدينة النجف والمدن الأخرى المجاورة آنذاك. إذ كانت تمر بها 200ـ300 سفينة لنقل الركاب والحاصلات الزراعية ويرجع تاريخ هذه المنطقة إلى العصر السومري والبابلي ويستدل على ذلك من خلال التلول والمواقع الأثرية المنتشرة بها وأهمها تلول «ونه وصدوم» التي تقع ضمن المقاطعة 16/البازول وأنّ اسمها القديم «مرد» وقد عاشت بها أقوام منذ العصر السومري 2400 ق.م. حتّى نهاية العصر البابلي الحديث 625 ـ539 ق.م.
تضم مدينة السنية أكثر من 15 قرية منها الخزاعل، آل عامر آل معلّة، الغوانم، الحمران وغيرها، ومن مقاطعاتها العلوانية، الجدول، هور العرب، الگرندلية، أم الذهب والبازول.
تعتبر هذه المدينة من المدن الزراعية وذلك لوفرة مياهها وخصوبة أراضيها إذ يوجد فيها جدولان هما الحيدري والشافعية الحديث والقديم. وتشتهر بزراعة الحنطة والشعير والذرة الصفراء وتشتهر ببساتين التين الأسود ومزارع صغيرة للكچرات التي تستعمل كبديل عن الشاي. إضافة إلى ذلك فهي تشتهر بإنتاج الحليب وكثرة الطيور فيها خاصة البلابل وذلك لوجود بساتين التين فيها.
عباس السلطاني
- () قال كمال الدين عبدالرزاق بن الفوطي في حوادث سنة 627هـ من كتابه الحوادث الجامعة «وفيها تكامل سور الرصافة الذي أمر بعمارته الخليفة المستنصر بالله». ↑
- () رحلة ابن جبير ص305 طبعة مطبعة السعادة. ↑
- () ومنه جامع سوق الغزل اليوم ذكر ذلك ابن الأثير في خلافة المستنصر. ↑
- () متصل بداره من سرب تحت وجه الأرض. ↑
- () رحلة ابن جبير ص 205ـ6ـ7. ↑
- () لعله درس بالغرق وهو الظاهر لأنّ الغرق يسوي بين القبور ويطم ألواحها المكتوبة عليها أسماء الموتى فلا يمكن التمييز بينها ولكن مناقب بغداد يذكر غرق الجانب الغربي من بغداد سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة سنة 569) والقبر درس بين هذين العصرين ولم يكن معروفاً سنة (569). ↑
- () الخطيب (1: 72ـ3ـ4). ↑
- () الرحلة ص141 طبع مطبعة التقدم. ↑
- () الرحلة ص204. ↑
- () ومثله في مراصد الاطلاع ص324 من طبعة إيران. ↑
- () انظر غلط الألوسي في ص121، 130 من مساجد بغداد وعمران بغداد في ص 190 والأثري في ص 14 من مناقب بغداد وغلط مجلة دار السلام (مج 2 ص385). ↑
- () في النسخة المطبوعة (السوق) وهو غلط لأنّ العتيقة محل مضاف إليه. ↑
- () تعرف اليوم بمسجن قرب بليدة السميكة من بليدات دجيل. ↑
- () المسالك والمالك ص27. ↑
- () البكري في المسالك ص27. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () رياض النفوس للمالكي ـ ج1 ص382. ↑
- () الحلة السيراء ص262. ↑
- () البيان المغرب 1 :162. ↑
- () معجم البلدان ص344، ط1، 1324/1906 مط السعادة القاهرة. ↑
- () ج2 ص645 ـ 1373هـ1954م. ↑
- () مط دنكور الحديثة بغداد 1936. ↑
- () المصدر السابق، ص267. ↑
- () المصدر السابق، ص270. ↑
- () المصدر السابق، ص373. ↑
- () أو بحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي 560ـ598. شاعر من مرسية بالأندلس له شعر ونثر. وألّف كتاب: زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر، الذي حققه عبدالقادر محداد (الجزائر). وانطر مقدمة الكتاب ففيها تفصيل عن صاحبه وأخبار. ↑
- () أبو عبدالله محمد بن مرج الكحل (ويُقال فيه مرج كحل) من أهل جزيرة شُقر (بلدة ابن خفاحة). وهو توفي سنة 634 ببلده. وكان شاعراً مبدعاً، وخلف ديوان شعر كان متداولاً. ↑
- () بيات عزيز الله: كليات جغرافياي طبيعي وتاريخي إيران ص148. ↑
- () بيات عزيز الله: كليات جغرافياي طبيعي وتاريخي إيران ص149. ↑
- () نقلاً عن كتب بيات نفس المصدر ص149 وپيرينا حسن، إيران باستان ج3 ص2645. ↑
- () نقلاً عن كتاب بيات نفس المصدر ص149. ↑
- () نفس المصدر ونفس الصفحة + مشكور جغرافياي تاريخي إيران باستان ص350 و351. ↑
- () Nyberg, H.S.: A Manval of Pahlavi 117. ↑
- () مشكور، محمد جواد، جغرافياي تاريخي إيران ص 227. ↑
- () Barthalomal, A. I. Wb. SP. 1491. ↑
- () نجم آبادي: تاريخ طب إيران ص193 ج1. ↑
- () بيات ص150، سامي: تمدن هجامنشي ج1 ص5ـ324، وج2 ص6. ↑
- () سامي: تمدن هخامنشي ج1 ص330 وج2 ص182. ↑
- () سامي: تمدن هخامنشي إيران ص453 + كريستن سن: إيرن درزمان ساسانيان ص148 وسامي تمدن ساسان ج1 ص20 + سامي تمدن هخامنش ج2 ص. ↑
- () قلنا: سمّي ياقوت هذا الحصن بالزيبدي بتقديم الياء على الباء (2: 895). على أنّنا لم نعثر في ـ مادتي «الري» و«الزبيدية» من معجم البلدان على ما يدل على أنّ الحصن كان. ↑
- () الظاهر أن ياقوت كان شافعياً. ↑
- () راجع كتاب «ونديداد» ترجمة السيد محمد علي الحسني داعي الإسلام، ص12 وكذلك كتاب «ونديدار دار مستتر» ترجمة الدكتور موسى جوان، ص69. ↑
- () راجع كتاب مجمل التواريخ ص43. ↑
- () ملحقات (روضة الصفاي ناصري) الجزء التاسع ص196. ↑
- () راجع كتاب «إيران باستان»، تأليف بيرنيا، ج3، ص2217 و2651. ↑
- () نفس المصدر السابق الجزء التاسع ص2645. ↑
- () راجع كتاب «ري باستان» من منشورات جميعة الآثار الوطنية، ج1، ص67، وكذلك دائرة المعارفة الإسلامية ص285، 286، 287، وإلى ص292.**(نفس المصدر ج1،ص73) ↑
- () «تطبيق لغات جغرافيائي» تحت عنوان «كتاب درر التيجان» الجزء الثالث ص29. ↑
- () مختصر البلدان ص105. ↑
- () راجع كتاب (تاريخ الرسل والملوك) ج1، ص83، أخبار الطوال، ص63 وكذلك «تاريخ بلعمي» ص954 وتاريخ «غرر السير» للثعالبي ص578. ↑
- () «نخبة الدهر» لشمس الدين الدمشقي، ص184. ↑
- () كتاب «نزهة القلوب» ص57. ↑
- () كتاب «سياحتنامة شاردن» الجزء الثالث، ص55. ↑
- () كتاب «فتوح البلدان» ص325. ↑
- () راجع كتاب «لسترنج» ص231. ↑
- () راجع كتاب «مختصر البلدان» لابن الفقيه ص106 وكذلك يراجع للاطلاع أكثر كتاب «عجائب المخلوقات» لأحمد الطوسي، ص226. ↑
- () «مختصر البلدان» ص107. ↑
- () «ري باستان» ج1، ص81. ↑
- () «مسالك الممالك» ص81. ↑
- () «لسترنج» ص232. ↑
- () «المسالك والممالك» للاصطخري ص127ـ166، وصورة الأرض لابن حوقل ص120ـ121، وأحسن التقاسيم للمقدسي ص385ـ391. ↑
- () كتاب «سفرنامه أبو دلف» ص72ـ76. ↑
- () كتاب «صورة الأرض» ص265. ↑
- () اسم موضع في مدينة الري، وكذلك اسم لناحية تابعة للري. ↑
- () أحسن التقاسيم ص390ـ391. ↑
- () «المسالك والممالك» للاصطخري، ص162، و«صورة الأرض» لابن حوقل ص118، وتقويم البلدان لأبي الفداء ص489. ↑
- () راجع كتاب: «ري باستان» الجزء الأوّل ص167.وفي أوائل القرن السادس كان معين الدين أحمد بن الفضل الكاشي يتولى في الري ديوان الاستيفاء فمدحه الشاعر الأبيوردي بقصيدة يقول فيها:
خليلي حلا العقل للعيس وارحلا
فما (أصفهان) اليوم مثوى لعاقل
وما الرأي إلاّ قصدنا (الري) دونها
فعوجا إليها من صدور الرواحل
نزر من (معين الدين) مولى يعيننا
على الدهر إن راع الفتى بالنوازل
ويقول أيضاً من على الدهر إن راع الفتى بالنوازل قصيدة:
بك (الري) أضحت وهي للناس كعبة
بعيدة ركن من صفا وحجون
ولولاك ما كانت تغص عراصها
بخيل لنزاع البلاد صفون
↑ - () معجم البلدان، ج4، ص355ـ360. ↑
- () نفس المصدر ونفس الصفات. ↑
- () لسترنج ص233. ↑
- () كتاب «نزهة القلوب» ص57. ↑
- () كتاب «سفرنامه كلاقيخو» ص176. ↑
- () «ري باستان» الجزء الثاني ص426. ↑
- () كتاب «سياحتنامهشاردن» الجزء الثالث ص56. ↑
- () (ري باستان) ج2، ص428. ↑
- () نقلاً عن كتاب (درر التيجان) ج2، ص54ـ55. ↑
- () ثهلان: سلسلة جبال صخرية عن يمين الشعراء والشعراء: قرية كبيرة طيبة الهواء حسنة المنزل فيها ماء عذب وماء أجاج وفي ساحاتها كثيرة من شجرٍ الأثل وهي في مركز وسط بين الحجاز والقصيم والعارض. ↑
- () بلاد العرب ص260. ↑
- () مجلة العرب 4/4 ص380. ↑
- () للتفصيل: راجع: الجزيرة. ↑
- () انظر عن أسماء القبائل التي كانت في جيش مروان ـ ومنهم قضاعة والسكاسك والسكون ـ الكالمل لابن الأثير (5/200). ↑
- () انظر عن روح الهزيمة في جيش مروان المصدر نفسه. وانظر عن حالة هذا الجيش الآداب السلطانية لابن الطقطقي (106). ↑
- () كانت الوقعة المذكورة على أحد الزابين بلا شك، والأغلب أنّه الزاب الكبير وفي بعض كتب التاريخ أنّه الزاب الصغير انظر المروج (2/146). ↑
- () انظر عن خواطر مروان الجعدي وتفنيد رأيه في هذا الباب مروج الذهب (2/148ـ149). ↑
- () انظر عن هذه الانتفاضات تأريخ الأمم والملوك للطبري (9/137ـ139)، والكامل لابن الأثير (5/206، وانظر عن أشهر قواد الجيش العباسي في واقع الزّاب المصدر المذكور (199). ↑
- () راجع عن الاختلاف بين القيسية واليمانية في الشام والحرب بينهم في مرج راهط البيان والتبيين (1/116) والعقد الفريد (3/145ـ148)، وانظر ع الحرب المذكورة في مرج راهط بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس، الاستيعاب لابن عبد البر (1/272، 273) و(335ـ336). ↑
- () من أوفى المراجع في ذكر هذه الأحداث والأيام أيام القبائل المذكورة وحروبها ـ وهي حروب طاحنة كثيرة ـ كتاب أنساب الأشراف للبلاذري (5/311)، وانظر (308ـ331) من الجزء المذكور ـ ط القدس، ومهذب تأريخ دمش لابن عساكر (5/ 7و376) و(7/4ـ9) ويراجع المصدر المذكور (176ـ193) عن زعيم قيس وفارسها في هذه الفتنة، وهو أبو الهيذام المري، وعن أخباره ومن قتل في الفتة المذكورة من زعماء العرب، وانظر خزانة الأدب للبغدادي (2/325ـ326). ↑
- () انظر عن ذلك وعن كيفية استقبال ابن هبيرة لليمانية على باب مروان، مهذب تاريخ دمشق لابن عساكر (5/404). ↑
- () يراجع في هذا الشأن سيرة ذي الأذغار من ملوك اليمن القدماء. ↑
- () انظر عن هياج هذه الفتنة بدمشق في أيام الرشيد الأخبار الطوال (366)، والكامل لابن الأثير 6/75ـ76)، ولاحظ ما جاء في كتبهم من الاختلاف في تاريخ وقوع الفتنة. ↑
- () تجد ترجمة نصر بن سيار أمير خراسان في الدولة الأموية ـ وأوّل من ولاه هشام بن عبد الملك ـ في خزانة الأدب للبغدادي (2/193)، وفي جمهرة النسب. ↑
- () انظر حكاية الخلاف بين اليماني والنزارية في خراسان وأسبابه، تاريخ الطبري (9/37)، والكامل لابن الأثير (5/143ـ145). ↑
- () راجع عن المعارك المذكورة بين النزارية واليمانية في مرو، الكامل (5/172ـ173)، وعن ظفر نصر بن سيار بالكرماني وقتله (5/172ـ173) وانظر عن غلبة الأزد بزعامة الكرماني الأزدي على مرو قاعدة خراسان ـ المصدر المذكور (162 و173) وعن ظفر نصر بن سيار بالكرماني وقتله المصدر عينه (173)، وقد أجهز أبو مسلم الخراساني على بقية آل الكرماني من أولاده وأصحابه بعد ذلك، انظل الكامل (5/182ـ183). ↑
- () راجع عن تحكم ملوك حمير بالقبائل النزارية وجبايتها وأخذ أموالها وتاريخ امتناعها عن ذلك في الجاهلية، العقد الفريد (3/365 وما يليها) ط الجمالية. ومن أحسن المراجع في قصة تفرّق قبائل اليمن كتاب الأمثال للميداني في شرحه للمثل المشهور: (تفرقوا أيدي سبأ) وانظر عن الحرب بين أهل تهامة واليمن، العقد الفريد (3/347 فيما يليها). ↑
- () البيان والتبيين (2/183)، وفي وفيات الأعيان (1/320ـ232) ترجمة ضافية للأحنف المذكور، وتجد أوسع ترجمة له في تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر (7/10ـ24) وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر (1/55ـ56)، ووردت له ترجمة أخرى في مادة (صخر) من المصدر المذكور. ↑
- () المسعودي: ج3، ص249. ↑
- () الطبري: تاريخ الرُّسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري، ج7، ص442 ـ ابن قتيبة ـ المعارف، ص372. ↑
- () الثعالبي: لطائف المعارف، ص145 ـ ابن الأثير: ج5، ص426 و427. ↑
- () كان صالح بن علي على رأس الحملة التي لاحقت مروان بن محمد إلى مصر. «لمّا أُوتي صالح برأس مروان وأمر بأن يُنتف ويُنفض، انقطع لسانه فتناوله هرّ، فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب، هذا لسان مروان في فم هرّ» (البلاذري: ق3 ص100). وقد بعثه صالح إلى أخيه عبدالله الذي أرسله إلى أبي العبّاس. وقيل بل أنّ صالحاً بعث به إلى أبي العبّاس (البلاذري: ق3، ص104 ـ الطبري: ج7 ص442). ↑
- () خليفة بن خيّاط: تاريخ خليفة بن خيّاط، ج2 ص428ـ البلاذري: ق3 ص104. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2 ص428. ↑
- () الطبري: ج7 ص443 ـ ابن الأثير: ج5 ص419 ـ ابن الطِقْطَقَي: الفخري، ص146 و147 ـ ابن كثير: ج10 ص43. هناك اختلاف طفيف في نص الرواية بين المصادر، وقد عوّلنا على نص الطبري. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص47. ↑
- () ابن عبد ربّه: العِقد الفريد، ج5، ص114 و115. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص48. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص428، 433 ـ ابن عبد ربّه: ج4، ص468 و469 ـ المسعودي: ج3 ص240 و241 ـ أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، م1، ص159 ـ ابن الأثير: ج429 ـ ابن الطقطقي: ص138. ↑
- () أنساب الأشراف، ق3، ص159، والجزء الأوّل من هذه الرواية ورد لدى الطبري: ج7، ص443. ↑
- () الميداني: مجمع الأمثال، ج2، ص150. ↑
- () ابن منظور: لسان العرب، مادة «حمر». م4، ص215 ـ الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ج2، ص13 ـ الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، ج3، ص156. كما ورد المثل في غير نصّه الحرفي لدى الميداني: ج2، ص150. ↑
- () إنّ اسم حمار كعلم وارد في الجاهلية، من ذلك الشاعر الجاهلي مُعقر البارقيّ، وبارق من الأزد، وقيل أنّ اسمه هو سفيان بن حماد (الأصبهاني: الأغاني، ج11، ص160 ـ المرزُباني: معجم الشعراء، ص9). ↑
- () الزبيدي: ج3، ص159. ↑
- () ابن منظور: م4، ص215. ↑
- () الفيروزآبادي: ج2، ص14. ↑
- () الأزهري: تهذيب اللغة، ج5، ص5. جاءت «حميرين» لدى الزبيدي «حمرين» (تاج العروس، ج3، ص157)، وهي، كما يبدو، الصحيح أو أصح. ↑
- () مروج الذهب، ج3، ص228. ↑
- () الفخري، ص244. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص475. ↑
- () الدينوري: ص350 و351 ـ ابن عبد ربّه: ج4، ص473 ـ ابن الأثير: ج5، ص280 و288، 322، 331ـ333ـ ابن الكازروني: ص105 ـ ابن كثير: ج10، ص22ـ25. ↑
- () الطبري: ج7، ص440. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص427 ـ البلاذري: ق3، ص103ـ الطبري: ج7، ص435 ـ المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () الطبري: ج7، 437 ـ ابن الطقطقي: 146. ↑
- () خليفة بن خيّاط: ج2، ص427 ـ ابن كثير: ج10، ص43. ↑
- () المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () ↑
- () أبو حيّان التوحيدي: البصائر والذخائر، م1، ص159. ↑
- () الطبري: ج7، ص435 ـ الاثير:ج5 ص419و420-ابن الطقطقي:ص147- ابن كثير: ج10، ص43. ↑
- () تقاطر عقب سقوط نهاوند بأيدي قحطبة بن شبيب، أحد قادة الانقلاب العباسي، أتباع السلطة الأموية «فاجتمعنا في ثلاث وخمسين ألفاً ممّن يرتزق» (خليفة بن خيّاط: ج2، ص421). ↑
- () الطبري: ج7، ص435 ـ ابن عبد ربه: ج4، ص473. وقد اعتمدنا نص ابن عبد ربه. ↑
- () الطبري: ج7، ص434. ↑
- () فان فلوتن: السيادة العربية، والشيعة والإسرائيليات في عهد بني أمية، ص35 ـ 43، 56. ↑
- () فان فلوتن: المرجع السابق، ص40، و41. ↑
- () البلاذري: أنساب الأشراف، ق3، ص81. ↑
- () البلاذري: ق3، ص115. ↑
- () الدينوري: ص366. ↑
- () البلاذري: ق3، ص103 ـ اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، م2، ص346 ـ الطبري: ج7 ص438 ـ ابن الأثير: ج5، ص424 ـ ابن كثير: ج10، ص44. ↑
- () المسعودي: ج3، ص249 و250. ↑
- () فلهوزن: تاريخ الدولة العربية، ص364، 368. ↑
- () البلاذري: ق3، ص113. ↑
- () الطبري: ج7، ص438 ـ المسعودي: ج3، ص245. ↑
- () ابن كثير: ج10، ص44. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص473. ↑
- () ابن عبد ربّه: ج4، ص475. ↑
- () المسعودي: ج3، ص250. ↑
- () ابن حماد: كتاب أخبار بني عبيد وسيرتهم، ط، الجزائر سنة 1346 ص15. ↑
- () هذا القول من المالكي لا يدل على أنّ المترجم له ربما كان يميل إلى شيء من التشيع، بل يدل على أنّه كان من التشيع في الصميم. وعراقته في التشيع هي التي حملت أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على تجاهله وعدم ذكره «ح». ↑
- () يشير إلى الطبيب البغدادي الطائر الصيت: يحنا بن ماسويه. ↑
- () ظهرت في تاريخ الطب العربي ثلاث مدارس رئيسية هي بغداد وقرطبة والقيروان. وشكل أحمد بن الجزار الوجه البارز للمدرسة الأخيرة بوصفه المؤسّس الذي تتلمذت على يديه أجيال من الأطباء والعلماء. وتعاون أربعة محققين تونسيين لإصدار كتاب «زاد المسافر» الذي ألّفه ابن الجزار في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وأصدره أخيراً «المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون» الذي يديره عبد الوهاب بو حديبة. ويقع الكتاب في جزءين. أمّا المحققون فهم أستاذ العلوم محمد السويسي والصيدلاني راضي الجازي والمحقان جمعة شيخة وفاروق العسلي.ويمكن القول إنّ أهم ما يكشفه هذا المؤلف الطبي المرجعي هو مساهمة علماء إفريقيا (الإسم القديم للمغرب الأوسط) في بناء الحضارة العربية الإسلامية، من خلال أعمق النظريات الطبية والحكمية التي اشتمل عليها الكتاب، والتي سبق بها مؤلفها عصره، وهو ما أكدته الدراسات العلمية والطبية الحديثة التي أظهرت أنّ الاستفادة ممّا ورد في «زاد المسافر» لابن الجزار لا تزال قائمة إلى الآن، والأخذ بها يتواصل في جوانب كثيرة، لا سيما أنّ المؤلف اعتمد المنهج التجريبي في فهم الأمراض واستخراج الأدوية الملائمة لها.
(سميرة الصدفي) ↑
- () ظهر هذا البحث في مجموعة: Les Archives des Missions Scientifiques Paris. 1851 – T. 11 P. 490. ↑
- () Journal Asiatiques. Paris, 1853 P. 289. ↑
- () Dr Ahmed Chérif – Histoie de la Médecine Arabe en Tunisie Tunis 908 P.P. 51 a70. ↑
- () البكري ـ ص42 من الطبعة الثانية. ↑
- () كتاب جامع المفردات لابن البيطار2 :167. ↑
- () بلاد البحرين كانت تشمل الخط وهجر وأوال. ↑
- () يرجح محمد علي الشرفاء أنّ العين المقصود هي عين الأعراف الكائنة في شمال العوامية. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، ص373، القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () السيد ابن طاوس: اللهوف في قتلى الطفوف ص32 النجف الأشرف 1385هـ ـ 1965م. ↑
- () أحمد الدينوري: الأخبار الطوال ص247ـ248 القاهرة 1960م. ↑
- () عبد الكريم السمعاني: الأنساب ج3 ص131 بيروت 1408هـ ـ 1988م. ↑
- () راجع ترجمته في أعيان الشيعة. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 18 (مخطوط). ↑
- () القاموس المحيط للفيروزآبادي، مادة (زجل). ↑
- () لسان العرب لابن منظور، مادة (زجل). ↑
- () مقدمة ابن خلدون ص524. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 21ـ22. ↑
- () العاطل الحالي ورقة 18. ↑
- () القيم: لقب استعمله المصريون والشاميون لمن يرقى في نظم الأزجال، ويقابله في الوقت الحاضر «أمير» الشعراء. ↑
- () وقد أورد الفقرة الأولى على الهيئة التي وردت بها، حتّى يأخذ القارىء فكرة عن طريقة كتابة الأزجال، وأوردت الباقي كلّ سطر في سطر للإيضاح. ↑
- () الزجل من بحر مجزوء الرمل: فاعلات فاعل. والفقرة الثانية من «المركز» تقرأ هكذا: عَلاَ شَنْتَ يا بنِ ملول. ↑
- () على اش: علام، لماذا؟ ملول: ضيق الصدر. أي أنا: إنني. وجيه: ذو مقام. يتمجج: ينفر. منُّ الأغلب أنّ صحتها: منه. وإذا كانت صحتها من وفيه فيكون المعنى: ينفر منه وفيه (؟). ثمّ فأحلى: اصطلاح يستعمله ابن قزمان كثيراً ومعناه: وفي أشد حالات تيهك. انسنك: رجلك، صديقك.معنى البيت:
يا مليح الدنيا، قُل
لماذا أنت متغير لا تثبت على حال.
إنّني عندك ذو مكانة طيبة.
كيف ينفر (الإنسن) من وفِيَّه؟
(ته ما شئت) فعندما يصلك تيهك أقصاه…
سترجع وصولاً لحبيبك.
[«انسنك» في الأصل «انسك» ولكن الوزن ينكسر هكذا، ثمّ إنّ المعنى لا يفهم وقد اقترح الأهواني إضافة هذه النون[. ↑
- () مر بعد: اصلاح أندلسي يستعمله ابن قزمان كثيراً، ومعناه: حسناً أو بالعامية المصرية: خلاص… أو: طيب يا سيدي. والهاء المفردة المضمومة معناها «هو» وأت: أنت. معنى البيت: حسناً… إنّ إسرافه (في الدلال) جيد.(إذ) لم يعرف الناس مثله منصفاً.
(وعلى أي حال) فلست أنت إلاّ طرفاً (في ذلك الحب)، وكلّ ما قلنا فضول ولغو. ↑
- () إش لو أن: وما عليك لو… وبالعامية المصرية: فيها إيه يعني لو… يذا: أيضاً كان تخلين: لأنّ: إذ تدعى…معنى البيت: وماذا عليك لو أنّك سمحت لي برؤياك.
فأجيء إليك وقت جفاك.
لأنّ تركك إياي هكذا.
هذا شيء قاتل… ↑
- () لَسُّ، تنطق بمد الواو: لَسُّو: ليس. لحد: لأحد. أمين عبد الصمد: لا يفهم إذا كان المراد هنا اسم الممدوح كاملاً، أو رجلاً يريد أن يصفه بأنّه أمين ومه آل عبد الصمد. معنى البيت:الوفاء لا يوصف به أحد.
غر أمين عبد الصمد.
وتدخل بعد ذلك للمديح.
وما أحسن هذا الدخول. ↑
- () في مستهل القسم الثاني من الزجل، وهو قسم المديح، يقف ابن قزمان لحظة مع نفسه، وما أكثر ما يمدح نفسه في أزجاله.هادَهُ: هذ هو، والمراد هنا: هذه يجبي: في الحال، دون صعوبة، دون تفكير طويل، ضرب وكف: يميل الدكتور الأهواني إلى اعتبار هذه العبارة من اصطلاحات النساجين في الأندلس، ومعناها: أتم العمل، فرغ من الشيء. أهنأ جا: هنا يجيء القول، هنا يصدق قولنا. قف ووقف: قف لتسمع بديع القول، ووقف بالفعل ليسمع. معنى هذا البيت:
تلك يا بني طرف (من الشعر).
في الحال أصوغ ما أريج من القول.
فإذا قلت زجلاً قيل: قف لتسمع… ويقف الإنسان.
والكلم فيه يطول. ↑
- () طال: طال القول، يطول القول. أيضاً. فيه: في الممدوح إنُّ:إنّه المعنى:
وكذلك يطول المديح فيه أيضاً.
إنّه عالم وفقيه.
وإذا قلت إنّه نبيه.
فعليك أن تردّد هذا القول أنت أيضاً. ↑
- () ماعٌ: معه، عنده، ما يعمله. نسَل، والمراد به هنا: حسّب.قط: فحسب. المعنى:
والذي أعلمه من فضائله أقل ما عنده.
شرف أجداد ومحتد.
ويكفيه أصله الكريم، وما أدراك ما الأصل.
وإذ لا فروع دون أصول.
الق رجلك في الركاب: تقدّم، ادخل الميدان. فإنت: إذ أنك. فأصحابك: في أصحابك، من بين أقرانك، الدَّوَل: الدولة.
هيول: هائل، عظيم. ↑
- () المعنى:يا لباب كلّ لباب.
تقدم وادخل الميدان.
إذ أنّك من بين أصحابك شاب قوي.
وأنت في الدولة ذو محل عظيم. ↑
- () بيته: بيت. خَطَطْ: خطط، جمع خطة، وهي المنصب الكبير. القضاء والاسم ـ أي الشهرة ـ في هذا البيت وحده. أشط: أطول. الفصول: بعض الأشياء المعنى:ثمّ إنّهم بيت تولى أفراده الخطط والولايات الكبيرة.
ففيهم خطة القضاء، ولهم وحدهم الشهرة.
والثناء عليهم يطول.
ولكنّي اكتفيت منه ببعضه. ↑
- () ـ معنى هذا البيت واضح. ↑
- () ـ وإلى هذا: وبالإضافة إلى هذا. لس: ليس. أج، وج: وجه.دشول: عبارة إسبانية de sol أي شمس.
المعنى:
وبالإضافة إلى هذا الجلال.
منظره ليس له مثال.
له وجه كأنّه دائرة الهلال.
أو كأنّه وجه الشمس. ↑
- () معنى هذا البيت واضح. ↑
- () يريد ابن زمان هنا أن يصف الجفاف وقلّة المطر وسوء الأحوال، وكان الأندلسيون يشبهون السماء الصافية التي سحاب فيها بالنحاس.المعنى:
والسماء صافية كأنّها قبة من النحاس.
وقد فاضت الرؤوس والقلوب بالنفاق والخلاف.
وفي مثل هذه الأحوال يستعصي النعاس.
وهذا الشر كلّه لا نهاية له. ↑
- () عاد: أيضاً. صحب الجبل، صاحب الجبل. لا بد أنّ ابن قزمان يشير هنا إلى عدو كان يحاصر قرطبة ويقطع السبل إليها، ولسنا نعرف إلى من يشير بالضبط. وقد يكون المراد بصحب الجبل: أهل الجبل أي قطاع الطرق. السبول: السبل، أو الطرق.المعنى:
ثمّ إنّك ترى أيضاً هذا العمل.
بالإضافة إلى قيام صاحب الجبل.
وكان كلّ شيء يحتمل.
إلاّ انقطاع هذه الطرق. ↑
- () شتا: مطر. حق: حقا. مرسى غبار: يغلب على الظن أنّ هذا اسم موضع قد يكون هو مُقام الممدوح.المعنى:
والجو صحو لا مطر فيه، والليل كأنّه نهار.
والمطر قد أصبح ضعيفاً.
حقاً إنّه في مرسى غبار.
فهناك تجد السيول. ↑
- () مِنُّ: منه. الهوى: الهواء. ذاب: الآن. على النزول: على وشك الهطول.المعنى:
إنّنا ندعو الله المجيب.
والفرج منه قريب.
أن يطيب الهواء الآن.
ويأخذ المطر في الهطول. ↑
- () أر: هات. إشما: أي شيء، ما. كد: في سرعة. مطول: مطل.المعنى: هات ما شئت فلست أرفض شيئاً.
ضع فقط أي شيء تجده.
الله الله… أسرع… أسرع!
فلست أريد مطلاً. ↑
- () هكذا ورد الاسم في «أزهار الرياض» للمقري طبعة القاهرة، ج2، ص252). ↑
- () خرجه الزجل رقم 23 في الديوان، وقد ناله في مديح رجل يسمّى أبا جعفر ويلقبه بالوزير ويشكو إليه من عجزه عن دفع كراء داره.أياماً: أيام، وإيراد الكلمات في حالة النصب على هذه الصورة كان أمراً عادياً في لهجة مسلمي الأندلس. الخلاعة: اللذة والسرور. صناعة: عمل. ومعنى الخرجة. ↑
- () وما أملح هذه الأيام… إنّ شرط اكتمال اللذة والسرور هو التبطل، وحرام معها أن يعمل الإنسان عملاً ما.Cf: A.R. Nykl: El Cancionero de Aben Cuzman. PP. 58-60, 373-374. ↑
- () خرجه الزجل رقم 22 في الديوان، وهو مرقوم خطأ تحت رقم 25. وقد قاله في مديح وزير لم يذكر اسمه، يغلب على الظن أنّه ابن حمدين Cf: A.R. Nykl, op. cit., pp. 372-373. فالشراب: في الشراب. البالي: المعتق. ↑
- () المليح: المليحة. وهذه الأشطار الثلاثة هي خرجة ذلك الزجل، وقد جعلتها في سطر واحد كما وردت في الديوان؛ أمّا بقية الزجل فقد جعلت كلّ شطر في سطر. ↑
- () عنق: عناق. أي تمور: أي تمر: أين تذهب. أوش: أو لماذا. تريد تقلق. وفر الغرامة: دع فرصة الغرام، ويقترح الإهواني قراءتها: وقر الغرامة، أي ثقل العبء على العاشق. راليني: رأى ليني ورقتي، قل ما عليه أنا عازم: ما أقل ما أستطيع حزم رأيي عليه. فلا يفلح مع ذلك.المعنى:
لقد بتنا في رضى، ما بين اعتناق وتقبيل.
أين تريد أن تذهب؟… أو ماذا يقلقك…؟
دع تكاليف الغرام لعاشقك.
إنّ من يصبر لعنفي يتبين بعد ذلك كم أنا رقيق.
وما أقل ما أستطيع أن أحزم أمري على شيء…
ولهذا لا يفلح لي شيء… ↑
- () الصبا بشاكل ما يعمل: ما يعمله يتفق مع صباه. داع داع: دعه دعه. يدلل: يتدلل. قد ترأيت: قد ظهرت. مَن صدُرُ: تكملة للشطرة السابقة: لم تر قط أجمل م نصدر يشهيني لضمّه. ويتوقح: يتجرأ، يضطر إلى الجرأة.المعنى:
إنّ ما يعمله [محبوبي] يتفق مع صباه.
فدعه دعه يمضي ويتدلل…
ها انت قد ظهرت، ولم نر قط أجمل منك…
لشد ما أشتهي ضمة لصدره…
إنّ عليه نهداً قائماً ينبهر منه الإنسان…
ويتوقح…
Cf: Ribers, Op. cit. PP. 86-92.
Nykl, Op. cit. PP. 315-316, 436-438. ↑
- () يقول حسن الأمين: زرت هذه البحيرة بصحبة الأستاذ الصالحي. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، ص387، القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () إفشار قبيلة من الأتراك بعضهم يسكن في بوادي أذربيجان في ناحية قلع دمدم المعروفة. ↑
- () المُكي بضم الميم في الاصطلاح الإسماعيلي النزاري: هو الشيخ الذي يتلو الصلاة: والكامريا: هو خازن المال الذي يجمع أخماس الأموال التي تؤدّى إلى آغا خان. ↑
- () قال محمد بن علي بن يونس بن علي الزحيف بن فند صاحب كتاب (مآثر الأبرار في تفصيل جواهر الأخبار واللواحق الندية للحدائق الوردية) وهو الكتاب الذي شرح فيه قصيدة (جواهر الأخبار) التي نظمها السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الوزير. قال: إنّ الإمام المهدي عدّ إدريس بن إدريس من الأئمة. «انتهى»والسر أنّ بقية الأدارسة لم يعتبروا من الأئمة، هو أنّهم كانوا أولياء عهود ولم يبايعوا بالشورى. ↑
- () قال في (مآثر الأبرار): خرج إلى جيلان وابتدأ يعرض الإسلام على الجيل الذين هم على جانب الديلم فأسلموا كلّهم على يديه وذلك سنة سبع وثمانين بعد ظهور الهادي باليمن الخرجة الأولى بسبع سنين. ↑
- () كان المذهب السائد في اليمن قبل انتشار المذهب الشافعي هو المذهب الحنفي ثمّ المالكي، وفي أوائل القرن الثالث انتشر المذهب الشافعي بعد رحلة الإمام الشافعي إلى اليمن ثمّ على يد الحافظ موسى بن عمران المعافري وعبدالعزيز بن يحيى بن حرازة من تلاميذ الشافعي. ثمّ تلاه المذهب الزيدي أواخر القرن الثالث على يد الإمام الهادي فساد المناطق الشمالية وظلّت تهامة والجنوب شافعية مع قلّة من الأحناف وفي اليمن بعض الجعفرية كبيت «البو طالب» من بني القاسم. وفيه بعض الإسماعيلية. ↑
- () راجع بحث: الرس. ↑
- () أوّل هذين الحسينيين هو يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن علي جعفر بن علي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق. ولقب بالمؤيد بالله. ↑
- () السامانيون ليسوا شيعة ولكن ارتبطت دولتهم بكثير من الأشخاص والأحداث الشيعية، لذلك كان لا بد من التعريف بهم. ↑
- () تاريخ أدبيات إيران ج1 ـ ص276 ذبيح الله صفا. ↑
- () إنّ الكاتب نفسه ينقل عن تاريخ علوم إيران وأبياتها لذبيح الله صفا أنّه دفن في بخارا (ح). ↑
- () G.L. Strange «The Lands of the Eastern Caliphate P. 53 Cambrige at the University Press 1930». ↑
- () بلدان الخلافة الشرقية ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد «ص76 طبعة مطبعة الرابط ببغداد سنة 1954، ولكنهما ذكراه في مجلة سومر «مج 8 ح2 ص263 سنة 1952». ↑
- () لسان العرب في «شمر». ↑
- () لم تكن هذه عبارته الاولى لذكره «السامرة» بل قال قبل ذلك في الصفحة عينها: وفي سنة مائة وأربعين لفالغ (بن عابر) فلغت الأرض أي قسمت قسمة ثانية بين ولد نوح فصار لبني شام وسط المعمورة: فلسطين والشام وأثور وسامر (وفي نسخة أخرى سامرة) وبابل وفارس والحجاز». ثمّ قال: «وفي سنة سبعين لأعور (لابن فالغ) قال الناس بعضهم لبعض: هلموا نضرب لبناً ونحرق آجراً ونبني صرحاً شامخاً في علو السماء ويكون لنا ذكر كي لا نتبدد على وجه الأرض، فلمّا جدوا في ذلك بأرض شنعار وهي السامرة، ونمرود بن كوش قات راصفي الصرح بصيده وهو أوّل ملك قام بأرض بابل». ولكن الأب كان مستعجلاً فنقل الثاني وتخطى النص الأوّل، والسامرة أو سامر التي ذكرها ابن العبري ليست سامرة فلسطين كما ظن الأب بل هي أرض سومر موطن السومريين. ↑
- () قلت إنّ الذي قال: أصل اسمها (سام راه) نحا المنحى الذي أراده الأستاذ لأنّ سام راه فارسي. ↑
- () بازبدى أو بازبدا كورة من ناحية جزيرة ابن عمر في غربي دجلة، كما جاء في معجم البلدان وغيره. ↑
- () بليدة عند جبل الجودي قرب جزيرة ابن عمر فوق الموصل كما في معجم البلدان وغيره. ↑
- () اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه الراذانان وهو خانقين وخوزستان كما في المعجم. قلت: بين الراذان يعرف اليوم بالروضان في الصحراء المعروفة بالغرفة بين يعقوبه وكركوك في منطقة وادي العظيم. ↑
- () يراد بالعلوم الآلية النحو والصرف وعلوم البلاغة والمنطق ونحوها وبالسطوح القراءة على الشيوخ في الكتاب المقتصر فيه على تفسير عبارة الكتاب ويقابلها قراءة الخارج وهي الدروس التي لا تكون في كتاب مخصوص بل يلقي الشيخ مسائل العلم على الترتيب ويحقق كلّ مسألة على حيالها ويستدل عليها ويرد المردود من الأقوال والأدلة فيها ويناقشه التلاميذ فيها ويبد كلّ رأيه وهكذا. ↑
- () اصطلح العرب على إطلاق كلمة (التدخين) على استعمال (التبغ) بنوعيه: (التنباك) و(التتن). وهو ما نأخذ به هنا (ح). ↑
- () أرض الصين (أو للدقة: في نيران الصين). ولا ندري من أين يأتي المسعودي بوصف تلك الجزيرة في «بحر الظلمات». لكن هذه الحِيَل السردية لا تخص أسلافنا وحسب.الأميركي اللاتيني كابريرا أنفانتي كتب في ثمانينات القرن العشرين تاريخاً غريباً للتبغ. كتب تاريخ التبغ بالإنكليزية، ولم يكتبه بالإسبانية لغته الأم، وكتب روايته الخاصة للحظة تاريخية: لحظة اكتشاف كريستوفر كولمبوس العالم الجديد عام 1492.
بحسب رواية أنفانتي اكتشف كولمبوس أميركا بعد هبوط الظلام: كان على ظهر السفينة ينظر إلى الغيوم تغطي نجوم السماء حين رأى نقطة ضوء حمراء توج في الأفق. كان كولمبوس وسط المحيط يضيع منذ أيام وأسابيع وشهور عاجزاً عن بلوغ اليابسة في الشرق، اليابسة الهندية. كان كولمبوس ضائعاً وسط الليل والمياه، حين رأى تلك النقطة الحمراء توج في الأفق. أيقظ البحارة ووجه السفينة إلى النقطة الحمراء. تلك النقطة ماذا كانت؟ لهب غليون يدخنه هندي أحمر على اليابسة الأميركية. هكذا اكتشف كولمبوس أميركا. الفضل لا يعود إلى الهندي الأحمر فقط، ولكن أيضاً إلى نبتة تبغ، كما يروي أنفانتي. ↑
- () راجع السعديون. ↑
- () ابن أبي محلي: 92. ↑
- () اسم مكان. ↑
- () الطلق دواء إذا طُلي به منع حرق النار. ↑
- () يقول حسن الأمين: الغزالي هذا الذي صبّ جهده على الطعن بالفاطميين ولقبهم ظلماً بالباطنية. الغزالي هذا شهد القدس تسقط في أيدي الإفرنج الصليبيين، وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك لم يشر بكلمة إلى هذا الحادث العظيم ولم يثر اهتمامه!ّ وحجة الإسلام لم يعنه أبداً ما حلّ بالإسلام وما أصاب المسلمين!…ونترك لغيرنا بعد هذا أن يبدي آراءه في الغزالي:
قال الدكتور محمود إسماعيل في كتاب (الحركات السرية في الإسلام) ص139:
الغزالي رغم مكانته في العلم لم يستطع أن يتحرر من وضعه الطبقي. فقد كان منعماً ربيب بلاط السلاطين السلاجقة وقصور وزرائهم، فصلته بالوزير السلجوقي نظام الملك في غنى عن التعريف. لذلك حين يزدري العامة ويصفهم بالجهل لا يعني نعتهم بعدم العلم كما يتبادر إلى الذهن بقدر ما يعبر عن نظرة طبقية استعلائية.
وقال الدكتوركامل الشيبي:
قال الغزالي في كتابه عن الباطنية: بناء على الأوامر «الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم على اعتبار أنّ «الحاجة إلى الكتاب عامة في حق الخاص والعام شاملة جميع الطبقات».
وكان الغزالي يعتزم دحض عقيدة الباطنية بالمنطق والعقل يدحض مبدئهم في «إبطال الرأي وإثبات التعليم» ولكنه لم يكتف بالجدل العلمي إنّما انزلق إلى مهاوي السياسية فقرّر أنّ «قبول التقية من المرتد لا بد منه… وأمّا توبة الباطنية وكلّ زنديق يستتر بالكفر ويرى التقية ديناً، ففي هذا خلاف بين العلماء ثمّ ذكر رأي السائرين في ركاب الدولة وأنّه قد «ذهب ذاهبون إلى أنّه لا تقبل توبته وزعموا أنّ هذا الباب لو فتح لم يمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم فإنّ من سر عقيدتهم التدين بالتقية». هذا بالنسبة للمسالمين من الشيعة الإسماعيليين في زمن السلم، أمّا في زمن الحرب فإنّ من قبض عليه منهم فإنّ حكمه القتل وكذلك النساء «فإنّنا نقتلهن مهما صرحن بالاعتقاد الذي هو كفر على مقتضى ما قررنا. وأمّا الصبيان فمهما بلغ صبيانهم (من العمر) عرضنا الإسلام عليهم فإن قبلوا قبل إسلامهم وردت السيوف عن رقابهم إلى قربها وإن أصرّوا على كفرهم مقلدين فيه آباءهم مددنا سيوف الحق إلى رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين».
ولم ينس الغزالي بعد أن سلّح الدولة بكل هذه الحجج والبراهين أن يذكر أنّ هذا الأمر ليس نهائياً ـ أيام السلم ـ وأنّ «الأمر منوط برأي الإمام» لئلا يسد عليه الطريق إذا بدا له أن يسالم أو يهادن أو يساوم.
وقال الدكتور كامل حسين في كتاب (أدب مصر الفاطمية):
فالقاهرة المعزية أصبحت مطمع أنظار العلماء ومحط رحال الطلاب. وفي العصر الفاطمي استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية، وأن تبسط آراءها وتعاليمها على البلدان الأخرى حتّى نرى بعض العلماء الذين كانوا ينقمون على الشيعة عامة والفاطميين خاصّة يفدون على مصر ويتأثرون ببعض الآراء التي كانت سائدة فيها. وأقرب مثل نقدمه لذلك هو الإمام الغزالي، فقد هاجم الفاطميين في كتبه: القسطاس، والمنقذ من الضلال. والمستظهري أو الرد على الباطنية وغيرها من كتبه. ولكنّه وفد على مصر في أواخر حياته ووضع كتابه (مشكاة الأنوار) متأثراً ببعض العقائد الفاطمية ولا سيما نظريتهم في ترتيب العقول. ↑
- () تاريخ أوروبا في العصور الوسطى هـ. ا. ل فشر. ↑
- () Morocco لمؤلفه Nevil Barbour. ↑
- () فجر الأندلس للدكتور حسين مونس. ↑
- () هناك من يرى أنّ يليان مغربي مصمودي من قبيلة غماره. ↑
- () المصدر السالف. ↑
- () ينبزها الإسبان بكلمة Cahva العربية الأصل. كعادتهم من التعصب، وتشويه الحقائق التاريخية. وإلاّ فإنّ «لذريق» كان أحق بهذا الاسم العاهر أو ما يناظره من الحقر والدناءة. ↑
- () «سار موسى يريد مداين على شط البحر فيها عمال صاحب الأندلس قد غلبوا عليها وعلى ما حولها وكان رأس تلك المداين مدينة يُقال لها سبتة وكان عليها وعلى ما حولها من المداين علج يسمّى يليان فقاتله موسى بن نصير فألفَى عنده عدّة وقوّة ونجدة ليست تشبه ما قبلها» أخبار مجموعة. ↑
- () الغريب أنّ أم أبي جعفر المنصور نفزية وأم عبد الرحمن الداخل كذلك. وسنرى أنّ زوجة يوسف بن تاشفين كانت نفزية ممّا يدل على مكانة نفزة. ↑
- () وفي المقتبس لابن حيان نجد ما يفيد أنّه كان يخطب على منابر الجمع بأصحابه وباقي المصلين في إمارته. ↑
- () وأصيلاً وطنجة والبصرة، ومدينة أخرى يذكرها ابن الخطيب بمدينة بني داود. ↑
- () كما في تاريخ ابن خلدون وغيره. ↑
- () في أعمال الأعلام المذكورة. وفي جغرافية البكري أنّ تاريخ الدخول كان سنة 332. ↑
- () انظر المقتبس الجزء الخامس. ↑
- () نسبة إلى الكوفة. ↑
- () ابن بقنة. هذا كان قد رام ضبط الأمر ليحيى بن إدريس، كما يقول نفسه وابن خلدون. ↑
- () وعمّه القاسم الأسير. ↑
- () ويذكر ابن خلدون أنّه كان مولى القاسم الواثق ابن محمد المعتصم ابن القاسم صاحب الجزيرة الخضراء سنة 445 إلى 450 حيث امتلكها ابن عباد منه. ويُقال أنّه كان ليحيى بن علي. ↑
- () وهو يوسف بن مخلوف التينملي وذلك بعد أن صارخ بأنّه عزم على قتل قاضيهم عياض، كما في البيان لابن عذارى. ↑
- () الذي كان قد أبلى بلاء حسناً في خدمة المرابطين وقتل مدافعاً عن الموحدين سنة 359، فتحول ولده علي هذا إلى خدمة الموحدين، بعد إسلامه، فقام بمهام الأعمال وكان من ذلك عبوره سفيراً إلى جزر اللابليار من سبتة. ↑
- () هو ادريس بن يوسف ممدوح الشاعر ابن خروف. ↑
- () إفريقية: يقصد بها تونس وما اليها. ↑
- () راجع: السريداريون. ↑
- () في معجم (لغت نامة) لدهنحدا رقم 149 ص763 ورد ما يلي: بعد مهاجرة أقوام السكا (سكا، اسكوت، اسكيت، سيت) نحو الجنوب في زمن الملك فرهاد الثاني الإشكاني (136ـ128 ق.م.) والملك أردوان الثاني (127ـ124ق.م.). فإنّه قد استقر بعضهم في زرنك وسمّيت زرنك منذ ذلك الحين باسم سكستان. ↑
- () تاريخ الطبري. ↑
- () تاريخ سيستان، ص80. ↑
- () تاريخ الطبري. ↑
- () إحياء الملوك ـ ص104ـ105. ↑
- () من أجل الاطلاع أكثر حول أحوال هؤلاء يراجع إحياء الملوك ص106ـ134. ↑
- () التاريخ العسكري لإيران، حروب عهد الصفويين، للدكتور خانبابا بياني 1353 طهران ص6ـ7. ↑
- () أحسن التواريخ: نشر سدن: ص308. ↑
- () تاريخ عالم آراي عباسي، ص99؛ أحسن التواريخ، ص310. ↑
- () يرى شاردن أنّ (السيورغال) هي نوع من الموقوفات الإرثية التي كان الملك يهبها لمن يشاء، وعادة كان يهبها إلى المقامات الدينية، ومن الطبيعي أنّه كان ينتزعها حينما تسلب منه الصلاحيات. وأملاك (السيورغال) هي بحكم الأوقاف التي تنتقل من عائلة إلى أخرى حينما تنتزع من الأولى (كتاب السياحة (سياحتنامه) لشاردن. ترجمة محمد عباسي، مجلد 8، ص420). ↑
- () أحياء الملكوك، ص161ـ162. ↑
- () يقترب معنى (التوجي گرى) من معنى جامع الجنود، وكان لفظ التواجين أو التواچيين يطلق في العصر الصفوي على الأشخاص الذين يعملون على تحشيد الجنود قبل كلّ حرب يعزم على البدء بها، إذ يسعون لهذا الغرض في جميع الولايات والمدن.ويظهر أنّ عنوان (التوچيين) تحوّل فيما بعد إلى (المحصلين) حيث ورد في كتاب (عباسنامه) ما يلي: «وصدرت الأوامر المطاعة إلى المحصلين السعاة لحشد القوات المظفرة في مشهد المقدسة، وكلمة المحصلين هي استعارة لسرعة السير من البرق والريح…» (عباسنامه، محمد طاهر وحيد القزويني، طبع أراك 1329 شمسي، ص215). ↑
- () عين بديع الزمان ميرزا طوال حكمه في سيستان ثلاثة مساعدين هم الأوّل إمام قلي بيك ابن ندر خان لمدّة سنة ونصف ثمّ محمد خان تركمان (إحياء الملوك ص137) وتبعه تيمور خان استاجلو (إحياء الملوك ص189؛ عالم أراي عباسي ص137). ↑
- () يذكر مؤلف إحياء الملوك موضع آخر من كتابه (ص192) أنّ مدّة حكم بديع الزمان ميرزا كانت اثنين وعشرين سنة ويكتب أنّه لم يؤذِ أحداً طوال هذه الفترة. ↑
- () إحياء الملوك، ص165 و169. ↑
- () (تاريخ عالم آراي عباسي)، ص136ـ137 و210؛ إحياء الملوك ص189ـ192. ↑
- () إحياء الملوك ص191ـ192. ↑
- () قد ورد في (عالم أراي عباسي) ص206 و216 ذكر شخص باسم مرشد قلي سلطان استاجلو حاكم سيستان في عصر الملك إسماعيل الثاني. ↑
- () إحياء الملوك ص198. ↑
- () عالم آراي عباسي: ص478ـ479. ↑
- () يكتب الملك شاه حسين السيستاني من ص484 من (عالم آراي عباسي) بهذا الخصوص قائلاً: «… وقال بعض المفسدين وأعداء سيستان من المغرضين بأنّ أبناء الملوك والأهالي في سيستان لن يكفوا عن مطالبتهم ما دام الملك محمود في قيد الحياة، وتقبل رستم ميرزا ببصيرته العارية من الصواب قول أهل العناد هؤلاء، وعمد في الليلة الأخيرة من شهر شعبان وأوّل شهر رمضان عام 998هـ إلى الإيقاع بالملك محمود و بالفعل فقد استطاع القضاء عليه، ولحق به من ذلك العار إلى الأبد، أسفاً على الكرم الذي افتقد، والإحسان الذي اندثر والجود والسخاء اللذين نسخا والمروءة التي ولّت إلى غير رجعة. مات عن عمر 63 سنة، أمضى منها أربعين سنة زعيماً في سيستان و اثنتي عشرة سنة حاكماً لسيستان، وضربت باسمه النقد في الأربعة أشهر الأولى وخطب باسمه… (إحياء الملوك ص(300ـ301)). ↑
- () روضة الصفا، ج8، ص278. ↑
- () عالم آري عباسي، ص487. ↑
- () عالم آري عباسي، ص576 و1087. ↑
- () سفرنامه بابتيست تاڤرنيه، ترجمة أبو تراب النوري، 1326 أصفهان، ص359. ↑
- () في البلاط الملكي الإيراني (در دربار شاهنشاه إيران) لانكلبرت كميڤر، ترجمة كيكاوس جهانداري، 1350 طهران ص161. ↑
- () (سياحتنامه شاردن) المجلد الخامس، ص257. ↑
- () تذكرة الملوك، باهتمام محمد جبير سياقي، 1332، طهران ص82. ↑
- () إحياء الملوك ص220، نقلاً عن كتاب السياسة والاقتصاد في العصر الصفوي للدكتور باستاني باريزي ص110. ↑
- () إحياء الملوك، ص441. ↑
- () عباس نامه ص103. ↑
- () «سفرنامه شاردن» ج4، ص60. ↑
- () نفس المصدر، ج4، ص362. ↑
- () «سقوط أصفهان»، تقارير لبطرس دي سركيس گيلا ننتز، ترجمة محمد مهيار 1344 أصفهان، ص53، و98. ↑
- () تطرقنا في مقالتنا هذه لذكر اسمين الملك محمود السيستاني فالاول هو المعاصر للملك إسماعيل الأوّل وطهماسب والثاني هو المعاصر للملك محمد خدابنده والملك عباس الأوّل. ↑
- () تاريخ إيران، للجنرال السيربرسي سايكس، ترجمة سيد محمد تقي فخر داعي گيلاني، 1335هـ ش طهران، ج2، ص356. ↑
- () تاريخ أيران، للجنرال سايكس، ص386-389. ↑
- () تاريخ نادر شاه “نادرنامه” لمحمد شفيع الطهراني”داور” باهتمام رضا الشعباني،1349هـ. ش طهران،ص16-17. ↑
- () قوله: قل هو الله أحد خوان؛ هو لقب محمد بن أبي نصر؛ ومعناه قارئ هذه السورة. ↑
- () راجع ترجمته المفصلة في (مستدركات أعيان الشيعة). ↑
- () ↑
- () حركة شعبية يقودها رجال دين وقعت في زمان السلطان محمود الغزنوي و(السربداران) تعني رؤوس على اعواد المشانق. ↑
- () تكتب هكذا وتلفظ بحذف الواو. ↑
- () أحد المؤرخين الإيرانيين المعروفين. ↑
- () وهي حركة فدائية مسلحة أسّست ضد المغول وهدفها التحرّر من سلطة المغول، ويعني اسمها في العربية «حركة أصحاب الرؤوس المرفوعة على المشانق» وسر بدار سلالة إيرانية كان منها ملوك بسطوا سلطتهم على قسم واسع من بلاد خراسان. اتخذوا سبزوار قاعدة لهم. والكلمة تتكوّن من شقين: سر يعني رأس. و«بدار» يعني المشنقة. ↑
- () هذه العبارة موجودة من المقالة الفارسية هكذا: وبه «تهوركاري أزيش بردتد» فتمّ تعريبها بتصرف. علماً أنها ليست لكاتب المقال هذا. ↑
- () أحد المؤرخين الإيرانيين المعروفين. ↑
- () كذلك. ↑
- () تكتب هكذا وتلفظ بحذف الألف. ↑
- () إسماعيل مهجوري، تاريخ مازندران، ساري، دون ذكر تاريخ الطبع، الجزء الأول، ص89 وما بعدها وكذلك كتاب «علويان طبرستان». ↑
- () المرعشي ص337، وفي (ذيل ظفرنامه شامي) يكتب حافظ أبدو ما يلي: «يُرجع السيد قوام الدين نسبه إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام. (ذيل ظفرنامه شامي) تصحيح بهمن كريمي، طهران صفحة 35. ↑
- () (دولتشاه سمرقندي، تذكرة الشعراء، تصحيح إدوارد برون، ليدن 1900م، ص282). ↑
- () يذكر القاضي نور الله الشوشتري أنّ المعركة دارت رحاها في قرية دابويه، مجالس المؤمنين، ج2، ص389. ↑
- () نصر الله الفلسفي، «زندكي شاه عباس أول». من منشورات جامعة طهران الجزء الأول، ص153. ↑
- () معين الدين نطنزي، منتخب التواريخ، ص228. ↑
- () خواندمير، حبيب السير، الجزء الثالث، المجلد الثالث، ص9ـ10. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () منتخب التواريخ ص229ـ230. ↑
- () جغرافيا تاريخي سرزمنيهاي خلافت شرقي ـ تأليف لسترنج ترجمة عرفان ص421. ↑
- () فرهنگ جغرافيائي إيراني المجلد 9 ص212. ↑
- () (بارتولد) أبياري درتركستان ـ ترجمة كريم كشاورز الطبعة الأولى آذرماه 1350 ص60. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد 1350 ص29. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد ص53. ↑
- () تاريخ البيهقي باهتمام الدكتور فياض طبع جامعة مشهد ص53. ↑
- () اختلف في نهاية علي بن المؤيد، فقيل إنّ تيمور قد قتله (ح). ↑
- () يتفرغ اليوم المؤرخ العربي السوري الدكتور سهيل زكار لتدوين تاريخ الغزوة الصليبية تدويناً جامعاً. والدكتور زكار من أفضل من يقومون بهذا الأمر. ↑
- () د: 507. ↑
- () البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية الاولى للسيطرة عليه (نصوص جديدة مستخلصة من مشاهدات المؤرخ اليمني «بامخرمة» كما سجلها في مخطوط «قلادة النحر»)، دراسة وتحقيق الدكتور محمد عبد العال أحمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية 1980. ↑
- () هو وجيه الدين أبو عبدالله عبد الرحمن بن علي الشيباني الزبيدي المعروف بابن الديبع (866/1461 ـ 944ـ1537). ↑
- () البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية: 97. ↑
- () المصدر السابق”: 119. ↑
- () هو عفيف الدين أبو محمد عبدالله بن عبد الله بامخرمة الحميري الشيباني الهجراني الحضرمي العدني (870/1465 ـ 947/1540). ↑
- () المصدر السابق: 197. ↑
- () المصدر السابق: 22. ↑
- () هو قطب الدين محمد بن أحمد النهروالي المكي (197/1511 ـ 990/1582). ↑
- () الفتح المبين: 284. ↑
- () انظر إشارتي ابن الديبع وبامخرمة، سبق ذكرهما، وانظر أيضاً: البحر الأحمر والمحاولات البرتغالية: 71. ↑
- () هو السلطان برغش بن سعيد بن سلطان (1870ـ1888) أحد سلاطين زنجبار، وقد شهد عهده مزيداً من التدخل البريطاني في زنجبار، اشتهر عنه حدّة طبع وعرف بالكفاءة الإدارية (انظر أخباره في: مذكرات أميرة: 259 وما بعدها؛ جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار لسعيد المغيري، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي بعمان، 1979: 226 وما بعدها). ↑
- () هو القسم يحيى لويس صابونجي (1838ـ1928) صحفي ورحالة أنشأ مجلة «النحلة» في بيروت، وعمل أستاذ في المدرسة الكبرى بروما وكان عضواً في الجمعية العلمية الآسيوية الملكية. (انظر: تنزيه الأبصار: 233). ↑
- () تزوجت سالمة بنت سعيد بن سلطان من تاجر ألماني وتنصرت وتسمت باسم الأميرة إميلي رويت، ونشرت مذكراتها ببرلين عام 1886 دونت فيها آراء انتقادية هامة للحضارة الأوروبية. (انظر: مذكرات أميرة عربية). ↑
- () المصدر السابق: 18. ↑
- ()Prestage. E., Chapters in Ahglo Portuguese Relations, Watford 1935, p. 173. ↑
- () Boxer, C.R., The Portuguese Sea Borne Empire London 1969, P. 44. ↑
- () نفسه، ص73. ↑
- () نفسه، ص46، 47. ↑
- () نفسه، ص57. ↑
- () نفسه، ص48. ↑
- () نفسه ص58ـ59. ↑
- () Lonsdale A., Merchant Adventurers in the East, London, 1980, P. A39. ↑
- () Boxer, PP. 66, 69. ↑
- () نفسهن ص80. ↑
- () لقد اتّسم العصر السعدي بمميزات خاصة بالمقارنة مع العصر الوطاسي، وأهم هذه المميزات رجوع الأمن إلى المنطقة (فاس ونواحيها) كما رجع إلى جل أنحاء المغرب، تزايد المقاومة ضد الاحتلال المسيحي للشواطئ المغربية وتفرّعها إلى مقاومة شعبية تحت رئاسة المشايخ والزوايا ومقاومة رسمية سعدية، تغيّر الاوضاع الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية بالمنطقة واتخاذها صبغة التطور والازدهار.والحقيقة أنّ فكرة رجوع الأمن ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ـ نسبية، لأنّه إذا قارنا الوضع في ناحية فاس وفي المدينة أيام الوطاسيين والوضع أيام السعديين لاحظنا أنّ الفرق بين الحالتين ضعيف، ذلك أنّ الحكم المركزي الوطاسي كان بافس وبذلك كان ـ رغم ضعفه ـ يستطيع فرض الأمن بالمدينة والبوادي القريبة منها. أمّا في العهد السعدي، حيث أصبحت مدينة فاس المركز الثاني بعد مراكش، كان الوضع أكثر أمناً من الوضع في العهد الوطاسي ولكن لفترات معينة فقط ذلك أنّه كثيراً ما قلّ بها الأمن واضطربت الاحوال. فعلى كلّ حال عرفت فاس فترة طويلة من الأمن أيام الغالب ثمّ أيام المنصور، وقد استطاع رجال العلم بالمنطقة طوال هذه الفترة أن يستغلوا الظرف بالاتصال والتعرّض وتبادل الخبرات والأفكار.
أمّا الميزة الثانية للعصر التي أدّت إلى تشابه سمات الفكر في فاس وبواديها وباقي المغرب فهي تزايد المقاومة وبالتالي تكتل رجال العلم وراء فكرة الجهاد والدفاع عن المكتسبات الدينية. لقد أصبح دور الشيوخ لا يقتصر على تلقين الأفكار والحضر والأوراد، وإنّما أخذوا يبثون الحماس الديني والحمية الوطنية في نفوس أتباعهم مهيئين أفواجاً من المتطوعين لقتال المحتلين المسيحيين. فنال الشيوخ ثقة العامة بحسب سلوكهم وسعيهم المتواصل لتأمين السبيل «وحماية المظلومين وإيواء الفقراء وأبناء السبيل».
وقد أدّى ذلك بالعامة إلى إحاطة الشيوخ بهالات القداسة والإكبار وبالتالي السماح لهم بالتدخل في الأحداث الزمنية بالهمة والعزيمة. ونتيجة لكلّ هذا أنّهم زرعوا في العصر روحاً تقرب بين العامة والعلماء في فاس وبواديها أو في أي منطقة أخرى من مناطق المغرب، ومن هنا كان تشابه المواضيع التي كان العلماء سواء في البادية أو في المدينة يتطرقون إليها.
أمّا السمة الثالثة التي اتصف بها العصر فهي قوّة الحكم المركزي وتكاثر السكان في المدن وبالتالي تطوّر المجتمع فيهما. فكانت ظاهرة التقدم الاقتصادي تعطي للإنتاج الأدبي والعلمي شكلاً وطابعاً خاصاً لم يكن يعرفه قبل ذلك اليوم، قال ابن خلدون: إنّ العلوم إنّما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
فالأمن الذي أتاحه السعديون لسكان المنطقة أدّى إلى تزايد العمران، وبتزايد العمران تزايد انتشار العلم، لأنّ العلم وكما أشار ابن خلدون «أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرّف في خاصية الإنسان وهي العلوم…».
وقد كان للحكام السعديين، أي للحكم الزمني كذلك، إلى جانب المشايخ، دور في تقارب وتشابه الأنماط العلمية التي عرفتها المدن والبوادي في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين. ذلك أنّ السعديين ساهموا في تأمين البوادي، قال ابن القاضي في المنتقى المقصور: «فقد عمل على تمهيد الطرق للمسافرين بعمارة المنازل والأماكن المخوفة بإنزال أهل الخصاص وخيام أمر بسكناها على الطريق وبين المنزلة والمنزلة. فأصبح الاتصال بين مدينة فاس وباديتها سهلاً ممّا يفسّر تشابه العلوم والمواضيع المدروسة عند علماء كلّ منهما.
كما كان الملوك السعديون يحضرون مجالس الدارسة ويعطون آراءهم فيها، وكان المنصور مثلاً يقرب إليه العلماء وفي نفس الوقت يجعلهم يجتمعون في معرض واحد ويتبادلون الخبرات والأفكار ويحضّهم على التأليف في مواضيع شتى. ↑
- () إسماعيل سرهنك في كتاب (تاريخ دول المغرب) ص70ـ73. ↑
- () ظلّت تحمل اسم آنفا حتّى سنة 873هـ (1468م) حين احتلها البرتغاليون فهدموها وبنوا مكانها مدينة جديدة سمّوها باللغة البرتغالية بما تعريبه (الدار البيضاء) هي أكبر مدينة في شمال إفريقيا يزيد عدد سكانها على المليونين. ↑
- () مليلة أو مليلته: من أكبر ثغور المغرب تقع على البحر المتوسط في منتصف الطريق بين وهران وسبتة. وهي اليوم جيب إسباني يقطنها أكثر من 80 ألف من الإسبان وعدد قليل من المغاربة. وقد جعل منها الإسبان قاعدة عسكرية ومركزاً من أهم مراكز الصيد ويرجع تاريخ الوجود الاستعماري الإسباني في المغرب إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، حيث قامت جماعة من المغامرين الاسبانيين من الجزر الخالدات باحتلال أوّل بقعة من المغرب تقع بناحية السوس الأقصى وشيّدت فوقها برجاً أطلقت عليه اسم سانتا كروز دي ماربيكينيا Sante Cruz de Mar Pequena (الصليب المقدس بالبحر الصغير). وكان ذلك سنة 1476. وكانت البرتغال الدولة الأولى التي احتلت أوّل مدينة مغربية هي مدينة سبتة سنة 1415، ثمّ احتلت مدينة القصر الصغير سنة 1458 ثمّ مدينتي أصيلا وطنجة سنة 1471. ↑
- () قال الدكتور إدريس خليفة: في العدد 326 من مجلة دعوة الحق المغربية من مقال له: مرحلة دفاع المغرب عن نفسه وضمن حدوده التاريخية بعد سقوط الأندلس، وتميز بمحاولات حربية مستمرة من قبل الدولتين: «إسبانيا» و«البرتغال» لاحتلال المغرب، انطلاقاً من شواطئه المتوسطية والأطلسية كثأر تاريخي للدولتين على المغرب، الذي ظل بالأندلس طيلة ثمانية قرون، يحميها ويمدّها بحضارته وكيانه الفكري والعلمي والبشري والاستراتيجي.وكان من غايات الحملة على المغرب القضاء على الإسلام، ونشر المسيحية في ربوعه، كما يؤكده الكاتب الإسباني (طوماس فيغيراس)، وهي السياسة التي خطط لها الملكان الكاثوليكيان: (Les Reyes Catholicos) منذ القرن الخامس عشر للميلاد، وقام على تنفيذها رجل الدولة الإسباني الداهية الماكر (Cisneros)، وكانت لا تستثنى من غاياتها العمل على الاستيلاء على البقاع الإسلامية المقدسة
وفي هذا النطاق تركت الملكة الكاثوليكية (إيزابيلا) وصية لها، وعملت السلطة البابوية المسيحية في مجال التنسيق بين الدولتين، وتقسيم مناطق النفوذ بينهما لما فيه صلاح الكنيسة الكاثوليكية. وقد وقعت الدولتان لهذا الغرض معاهدة (Alcoçovas) بتاريخ 4 شتنبر 1479، التي اعترفت فيها البرتغال للدولة الإسبانية بالحق في غزو مملكة فاس، ومعاهدة (طليطلة) بتاريخ 6 مارس 1480، التي تخلت فيها البرتغال لجارتها عن (جزر الكنارياس)، وتخلت الأخرى لجارتها عن أراضي (مملكة فاس).
وجاءت بعد ذلك اتفاقية (طردسياس) Tordesillas لعام 1494، التي أكدت نفس الاتجاه، وإن كان من الملاحظ أن كل دولة كانت تسابق الدولة الأخرى بموافقه ومباركة من سلطان البابا لاحتلال أي موقع مغربي يمكن احتلاله..
وفي إطار هذه السياسة التي كانت معززة بجيوش جرارة مدربة، وأساطيل قوية معبأة، وقواد عسكريين ممتازين، بجد، ومهارة، وتخطيط، وأمن، تنعم به الدولتان الاستعماريتان، وتصور واضح لهيمنتهما على العالم بعد نهاية عصر الاسترداد كانت الحملات التي شنتها الدولتان على المغرب، واحتلال عدد من المواقع الشاطئية فيه.
وأول هذه العمليات كانت عملية احتلال مدينة «سبتة» عام 818هـ ـ 1415م من قبل دولة البرتغال، وبقوا هم المحتلين لها إلى عام 1580 عندما انتزعها الإسبان منهم بعد هزيمة البرتغاليين في معركة (وادي المخازن)، ثم محاولة احتلال «العرائش» عام 1418م، وهجومهم على «تطوان» عام 1435م، وعلى «طنجة» عام 1437، وتخريبهم مدينة «تطوان» في بداية القرن التاسع الهجري، واحتلال «القصر الصغير» عام 1458، وكانت منهم محاولة أخرى لاحتلال «طنجة» عام 1463 أو 1464م.
وفي عام 1468 هاجموا «آنفا» واحتلوها، ثم تخلوا عنها بعد ما هدموا أسوارها، وهاجموا «أصيلا» عام 1471م، واحتلوا «طنجة» عام 1471م، واستمر احتلالهم لها إلى عام 1662م حين سلموها كصداق لزواج الملك الإنجليزي (شارل الثالث) بالأميرة (كاثرين دي براغانزا) البرتغالية، واحتلوا «أكادير» عام 910هـ – 1505م، وبنوا بها حصنا سموه (فونتي)، واحتلوا آسفي عام 918هـ – س1507م، «آزمور» عام 919هـ – 1513م، وثغر «المعمورة» (المهدية) عام 921هـ – (1515م).
وفي عام 986هـ ـ 4 غشت 1578 كانت «معركة وادي المخازن الكبرى» بين البرتغاليين بقيادة عميدهم الملك (سبستيان) والمغاربة بقيادة البطل (عبد الملك السعدي)، والتي انتصر فيها المغاربة انتصارا ساحقا كان سببا في أفول جدولة البرتغال، والقضاء على ملكهم. ↑
- () أقرب ثغر مغربي إلى الشاطئ الإسباني بحيث لا تتجاوز المسافة بين الضفتين 16 ميلاً. وهي تقع على بُعد 60 كلم شمال تطوان. وهي أوّل مدينة استولى عليها البرتغال ثمّ استولى عليها الإسبان بعد ذلك ولا تزال في احتلاهم، فهي جيب إسباني في المغرب، ويسكنها نحو 65 ألفاً من الإسبان ونحو ستة آلاف من المغاربة. ↑
- () يقع على بُعد 24 كلم جنوب طنجة، بين سبتة وطنجة. وليس فيه اليوم سوى بقايا أطلال. ↑
- () أثيلا: تقع على الشاطئ الأطلنطي بين طنجة والعرائش، على بُعد 49 كلم من طنجة. ↑
- () السياسة والمجتمع في العهد السعدي. ↑
- () تقع أزمور على ضفة أم الربيع قرب مصبّه في المحيط الأطلنطي. ↑
- () السياسة والمجتمع في العصر السعدي. ↑
- () المغرب عبر التاريخ ج2، ص242. ↑
- () ن.م. ↑
- () ص343. ↑
- () نزهة الأخبار ص105. ↑
- () درعة: مدينة وولاية خصبة في جنوب المغرب الأقصى وراء جبال الأطلس، تقع شرقي إقليم السوس ويخترقها نهر طويل يعرف بوادي درعة، يصبّ في المحيط الأطلسي بالغرب من رأس نون. وكانت ولاية درعة في العصور الوسطى الإسلامية محطة تجارية مزدهرة ولا سيما في واردات السودان من الذهب والفضة، كما كانت مركزاً علمياً اشتهر بعلمائه وزواياه، وناهيك بالزاوية الناصرية ومكتبتها الشهيرة. وإليها ينسب أبو زيد نصر بن علي بن محمد الدرعي وال أبو الحسن الدرعي. وسكان درعة خليط من العرب وبربر صناهاجة، والحياة الزراعية معتمد سكان واحات درعة. وينحصر المجال الزراعي بواحات وادي درعة في الشريط الرسوبي الضيق الذي تكون على ضفاف نهر درعة. ومن طرائف الشعر قول شاعر في درعة:يطوف السحاب بدرعة كما
يطوف الحجيج بالبيت الحرام
تريد النزول فلم تستطع
لسفك الدماء وأكل الحرام
وقد كانت لها أهمية محدودة قبل العصر السعدي في الثقافة والعلم، ولم تكن سوى منطقة زراعية مهمة، وبقيام الدولة السعدية صارت من مراكز النشاط الفكري وخرج منها العديد من العلماء المؤلفين. ↑
- () ج2، ص242، ط3. ↑
- () السوس يطلق على ناحية كبرى من نواحي جنوب المغرب بين الأطلسين الكبير والصغير في مساحة تقدر بنحو 20 ألف كلم مربع. ويطلق هذا الاسم أيضاً على وادي كبير ينحدر من الأطلس الكبير وينصب جنوب أگادير في المحيط الأطلسي. ↑
- () محمد بن مبارك هو تلميذ الإمام الجزولي، وكانت له سلطة روحية كبيرة على سكان السوس وكانت له في (آقا) زاوية شهيرة. ↑
- () تارودانت: من أقدم مدن المغرب احتلها المرابطون عند زحفهم عن المغرب إلى الصحراء، وحاصرها الموحدون، وكانت شبه مستقلة أيام المرينيين، ويوجد فيها مسجد يعد من أعظم مساجد الشمال الإفريقي بني في عهد السعديين تبلغ مساحته 2500 م.م. وأنشأ فيها السعديون معامل السكر الذي كانت تنتجه بمقادير وافرة. وقد اتخذها محمد المهدي السعدي في أوّل الأمر عاصمة له وسمّاها المحمدية واستقرّ بها عدد من الملوك بعده. تقع على بُعد 83 ك. م. جنوب أگادير و245 جنوب مراكش عبر الأطلس الكبير.وتعتبر مدينة تارودانت من الحواضر التي لها ذكر ووجود فعّال في أغلب مراحل التاريخ المغربي، فهي تقع في طريق التجارة مع السودان الغربي ودول الصحراء الكبرى، وبها يقيم نواب الحكومات المركزية من الأمراء والخلفاء والقواد، ممّا جعلها تكوّن حاضرة بلاد السوس الأقصى وعاصمتها التقليدية.
ومع بزوغ فجر الدولة السعدية طغت المدينة مرّة أخرى على ساحة الأحداث، فكانت مهد الدعوة، ومنطلق الفتوحات، فنالها السعد بذلك، حيث جدّدت معالمها، وأسّست بناياتها و حصونها، وشيّدت منارات العلم والعبادة في جنباتها، فاستبدلت البلى والخرائب بحسن العمارة ونضارة الجنان والحدائق، وورد إليها مهرة العمال وأرباب الصنائع، كما نفقت فيها سوق العلم بتوارد مشاهير العلماء والقرّاء، وامتلأت مساجدها ومدارسها بالطلبة الأفاقيين، فأصبحت منتدى الأدباء، ومقصد النجباء، فكان ذلك كلّه فاتحة عهد جديد في تاريخ هذه المدينة العريقة، حيث نشطت الحركة الفكرية والعلمية والاقتصادية بانتعاش السياسة.
وكما هو الشأن في جميع الحواضر، فإنّ التعليم بمدينة تارودانت يرتبط بالمساجد والكتاتيب وأشهر هذه المساجد ثلاثة:
ـ جامع القصبة. وجامع القصبة قد يكون أوّل مسجد أسّس بهذه المدينة، لأنّ القصبة السلطانية لها ذكر في العهد المرابطي والموحدي، ومن غير المعقول أن تخلو من مسجد. وإلى اليوم يعتبر مسجد القصبة من المساجد الجامعة بالمدينة.
ـ ومسجد مجمع الأحباب. ويلي مسجد القصبة مجمع الأحباب، الذي يدعى في الوثائق التاريخية «بالمسجد الجديد»، تلحق به مدرسة عتيقة تلاصق مقصورة النساء إلى جهة الباب الشمالي. وقد اندثرت هذه المدرسة اليوم، وأضحت مساكن حبسية. ومن ملحقات هذا المسجد أيضاً خزانة كتب عتيقة.
ـ والجامع الكبير. ويقع الجامع الكبير في الجهة الشرقية من المدينة، وإليه تنسب الحارة القريبة منه، وحوله من جميع الجهات مساكن العلماء والطلبة والبيوتات الكبرى، وكلّ من دخله يعجب من اتساعه واتساق زخارفه.
ولا يعرف تاريخ بنائه، ولعل العمل الذي قام به محمد الشيخ السعدي هو تجديد بنائه وتوسيع جنباته…». يقول الدكتور محمد حجي عن عمل محمد الشيخ السعدي:
وقد بالغ في زخرفته حتّى أضحى أعظم وأفخم من جامعي المواسين وباب دكالة المستحدثين فيما بعد في مراكش. ↑
- () مدينة كبرى من مدن الساحل الأطلسي أسّست قصبتها في أوائل القرن العاشر. واحتلها البرتغاليون سنة 917هـ ثمّ حرّرها السعديون فأعادوا بناءها وشيّدوا قصبتها الشهيرة التي كان يشرف الناظر منها على سهول السوس. وقد دمّرها عن آخرها الزلزال في 24 شباط سنة 1960 فأصحبت أثراً بعد عين. ولكنّها استعادت حياتها فأعيد بناؤها من جديد وأصبحت خلال سنوات من أحسن المدن الساحلية في المغرب. ↑
- () تقع على الشاطئ الأطلسي. احتلها البرتغاليون مراراً خلال القرن العاشر الهجري وقامت بدور مهم في حركة طرد البرتغاليين من الشواطئ خلال العصر السعدي. كما كانت مركزاً مهماً للعلاقات التجارية بين المغرب وأوروبا خلال عهد السعديين. وظلّت أهم ميناء في المغرب إلى أوائل القرن العشرين. وتعدّ اليوم من أعظم موانئ صيد السمك في العالم وتجفيفه وتصديره إلى سائر أطراف المعمورة. وفيها أكثر من مئة معمل (للسردين). وفيها مدرسة بحرية لتخريج الضباط والفنيين البحريين. تقع على بُعد 155 ك.م. من مدينة مراكش. ↑
- () الوطاسيون (بنو وطاس) هم الذين كان لهم الحكم قبل السعديين. ↑
- () يقال له أيضاً محمد الشيخ، وأحياناً: محمد الشيخ المهدي. ↑
- () مكناس، أو مكناسة الزيتون: من كبريات مدن المغرب. يرجع تاريخ تأسيسها إلى القرون الهجرية الأولى، وفي العهد المريني اتّسعت عمارتها. وقد اتّخذها المولى إسماعيل عاصمة لمملكته، وظلّت عاصمة مدّة نصف قرن. ↑
- () تازة: من أقدم المدن المغربية تقع بين فاس ووجدة بين الأطلس المتوسط وجبال الريف، اتّخذها الحسن بن إدريس الثاني مقراً حربياً له ثمّ اعتنى بها عبد المؤمن الموحدي وخلفاؤه فجعلوها حصناً منيعاً. تقع على بُعد 120 كلم شرق فاس و255 من وجدة. ↑
- () تادلا: تقع على بُعد 300 كلم جنوب شرق البيضاء، وهي مركز زراعي على الضفة اليمنى لوادي أم الربيع. ↑
- () كذلك كان اهتمام السعديين بالشؤون السياسية وبأمور العمران كبيراً، ذلك أنّهم حاولوا خلق جو أمين وسلكوا في ذلك طرقاً خاصة بهم، وقد يعتبر المؤرخون حالياً أنّ العصر السعدي، على العموم كان، وبمقارنة مع العصر الوطاسي، عصراً عمّ فيه الامن والاستقرار السياسي، ممّا ساعد على الاهتمام بالعمران والتشييد.وقد كان هذا العمران موجهاً توجيهاً خاصاً يخضع لمتطلبات السياسة السعدية، فشيّدت القصور وأصلحت الأسوار وبنيت الزوايا والأضرحة كما شيّدت القناطر ورمّمت السدود. رغم قلّة الوثائق الخاصّة بذلك، يظهر أنّ السعديين كانوا يهتمون بتطوير المباني الاقتصادية كما كانوا يهتمون بتدعيم الملكية الخاصة مما يفسر موقف المنصور من إعطائه أوامر قصد إحصاء عقاري في كلّ أنحاء المغرب. ولو استطعنا الحصول على هذا الإحصاء لخرجت عدّة افتراضات حول الملكية وطرق الاستغلال ونمط العيش إلى الوجود. ↑
- () أصيلا: مدينة صغيرة على شاطئ الاطلنطي بين طنجة والعرائش، وتقع على بعد 49 كلم جنوب طنجة. ↑
- () هذا النهر فرع من نهر الكوس الذي يصب قرب العرائش. ↑
- () De Castries, Sources, France. 1, 464. ↑
- () Ibid. ↑
- () أبو راس المعسكري، الخبر المُعْرب، ص360. ↑
- () ابن القاضي، المنتقي، حسبما ورد في الأعلام للمراكشي، 4، 187. ↑
- () زياني، ترجمان، ص354. مراكشي، ن.م.وص. ↑
- () Des Castries, Op. Cit. pp. 415-419. ↑
- () p. cit, 470. ↑
- () Op. cit, 548. ↑
- () ابن العياشي، زهر البستان، ص96. ↑
- () De Castries, Sources, France 1, 550. ↑
- () زياني، ترجمان، ص355. ↑
- () De Castries, Op. Cit. p. 548. ↑
- () Op. Cit. p. 548. ↑
- () Op. Cit. p. 488. ↑
- () De Castries, Op. Cit. pp. 550-522. ↑
- () Op. Cit. p552. ↑
- () Op. Cit. p556. ↑
- () Op. Cit. p342. ↑
- () ابن العياشي، زهر البستان، ص98. المعسكري، الخبر المعرب، ص361. ↑
- () De Castries, Sources, Angleterre, 1, 354. ↑
- () De Castries, Sources, France, 1, 453. ↑
- () Op. Cit. p466. ↑
- () Funck Brentano, Encyc.de l’Islam, Art. Al-Manssour. ↑
- () De Castries, Sources, France, 3, 380. ↑
- () Champion, Le Maroc et ses Villes d’Art, p. 87. ↑
- () De Castries, Sources, Frances, 1, 396. ↑
- () Op. Cit. p. 397. ↑
- () أفرني؛ نزهة الحادي، ص145. ↑
- () هو أحمد شقيق عبد الملك الذي بويع في وادي المخازن بعد إعلان و فاة أخيه غداة المعركة، ثمّ جدّد بيعته بفاس، وكانت بيعته فيها بعد مرور عشرة أيام على قدومه إليها. وقد لقب بالمنصور. ↑
- () الروامس: الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار. ↑
- () القوانس: ج قَوْنَس: أعلى الرأس. ↑
- () عكامس: مظلم. ↑
- () العنابس: من قريش: أولاد أمية بن عبد شمس. ↑
- () الكراسد: ج كُرْدوس: كتائب الخيل. ↑
- () المداعس: الصمّ من الرماح، مفردها مِدعَسٌ. ↑
- () ربّس القربة، ملاها، ومعناها هنا نظم. ↑
- () ناس الإبل يَنُوسًها نَوْساً: ساقها. ↑
- () العويص: الحركة، القوة. ↑
- () بالأصل العرامس، ولعل الصواب ما أثبتناه. ↑
- () البراجس: ج بِرْجس: نجمٌ قيل هو المشتري ـ جمست: جمدت. ↑
- () يداعس: يدافع. ↑
- () بالأصل: وأرم، ولعلّ الصواب ما أثبتناه. ↑
- () البِيعُ: ج بيعة: معبد اليهود والنصارى. ↑
- () المهيع: الطريق الواسع. ↑
- () العواسل: ج عاسل: ذو العمل الصالح يستحلى الثناء عليه، عوازم: ج عوزم: الناقة المسنّة. ↑
- () بالأصل الشك، ويظهر أنّ الصواب الشطّ. ↑
- () قنات وقنان وقنن: ج قنة الجبل أعلاه. ↑
- () موارج: ج مارج: اللهب المختلط بسواد النار. ↑
- () السموم: الريح الحارة. ↑
- () الزرق: يُكنّى بها عن الأسنة والنّصال. بالأصل: لنعائه، ولعل الصواب ما أثبتناه. ↑
- () بطارقة: ج بطريق: قائد الروم. ↑
- () كان السودان يطلق في العرف الجغرافي القديم على مجموعة أراضي إفريقيا الغربية جنوب صحراء المغرب إلى النيجر. وفي القرن 10/16 تكوّنت عدّة ممالك من شعب البامبارا، أهمها مملكة سنغاي وعاصمتها جَنِّي، وأعظم مراكزها الثقافية تومبوكتو التي تبقت بها آلاف من المخطوطات العربية بخط مغربي حتّى الآن. وأعظم ملوك سنغاي هو ممادوتوري (تـ 1528) وهو الذي اتّخذ لقب أسكية ثمّ استعمله أعقابه. وأصلهم من صنهاجة. وكان جدّهم المذكور قد سافر إلى البقاع المقدسة فاستأذن الخليفة العباسي أن يحكم المملكة التي يدير شؤونها باسمه فأذن له. كما أنّه استفاد من وجوده بمصر فتابع بها دراسته واقتبس عنها بعض تقاليدها، وأصحب معه إلى بلاده جملة من البنائين المصريين ليساعدوه في إنجاز بعض المنشآت إذ كانت مساكن السكان عبارة عن أكواخ. وكان أغلب سكان تومبوكتو على ما تذكره بعض الروايات من أصل سجلماسي أو فاسي.على أنّ الازدهار الذي عرفته سنغاي في عهد اسكية الأكبر لم يدم طويلاً بعده، فإنّ المشاكل السياسية الداخلية بما فيها النزاع على العرش قد أضعفت من قوّة الدولة وعجلت بسحق جيوشها أمام الاكتساح السعدي، فضلاً عن تأخّرها العسكري بالقياس إلى تطورات العصر (المناهل). ↑
- () لا شك أنّ بين ما ضاع الكثير من الشعر الشيعي ولم يبق منه إلاّ القليل الذي سترى بعضه في الحديث عن تشيع السعديين. ↑
- () هو أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي ولد بفشتالة سنة 957هـ وتوفي سنة 1032هـ اتصل بالمنصور السعدي فولاه رئاسة الإنشاء في بلاطه. له كتاب (مناهل الصفا) في تاريخ السعديين، و(مدد الجيش) الذي ذيّل به (جيش التوشيح) لابن الخطيب. ↑
- () هو أبو عبدالله بن علي الهوزالي شاعر السعديين على عهد المنصور. نشأ في كنف الدولة السعدية وكانت له مشاركة في الآداب والفنون متضلعاً في اللغة، بصيراً بنقد الكلام، وكانت له مكانة في الفتوى والقضاء الذي تولاه في صدر حياته بـ (بسكتانة) وتوفي في أوائل القرن الحادي عشر(*).(*) أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجدراوي من (تادلا) ثمّ فاس درس على ابن سيد وابن الأعلم وغيرهما واشتهر بمدح عبد المؤمن الموحدي وابنه يوسف وحفيده المنصور، وقد جمع أشعاراً كثيرة ضمنها كتاباً بعنوان «صفوة الأدب وديوان العرب» على غرار الحماسة لأبي تمام. ويدعى أحياناً بالكرواني.
وكانت وفاته سنة 609. وكان عبد المؤمن معجباً به.
وكان الجراوي لا يعترف بالفضل لأحد، حتّى لقد هجا قومه بني غفجوم، وهو في ذلك أشبه ما يكون بالحطيئة الذي هجا نفسه وأسرته:
يا ابن السبيل إذا مررت بتادلا
لا تنزلن على بني غفجوم
أرض أغار بها العدو فلن ترى
إلاّ مجاوبة الصدى للبوم
|قوم طووا ذكر السماحة بينهم
لكنهم نشروا لواء اللوم
لا حظ في أموالهم ونوالهم
للسائل العافي ولا المحروم
لا يملكون إذا استبيح حريمهم
إلاّ الصراخ بدعوة المظلوم
وقد يبالغ في مدحه مبالغات ممجوجة كقوله:
على أمركم يتصرف الثقلان
وبنصركم يتعاقب الملوان
وبما يسوء عدوكم ويسركم
تتحرك الأفلاك في الدوران
جاهدتم في الليل حق جهاده
ونهضتهم بحماية الإيمان
↑ - () ↑
- () درر السمط في رثاء السبط وهو في سيرة الحسين (عليه السلام). ↑
- (). Ricard, Hespéris, 1, 2-1935 p. 822. ↑
- () المغرب عبر التاريخ ج2، ص380، ط1993. ↑
- () الباحث في المصادر التي كتبت على العهد السعدي يلاحظ ـ بالنسبة لكل المغرب ـ أنّ النشاط الفكري قد عرف مميزات خاصة إذا ما قورن مع النشاط الفكري في الفترات السابقة. لقد امتاز العلم والفكر في فاس وباديتها على العهد السعدي بصفتين: التشابه والتكامل.وبصفة عامة فإنّ العلوم لم تزدهر في عصر من العصور التاريخية في منطقة فاس ـ بما في ذلك العصر الموحدي ـ بقدر ما ازدهرت في عهد المرينيين، وفي مختلف العلوم الشرعية والأدبية والكونية والروحية، إذ كان هذا العصر هو عصرها الذهبي في منطقة فاس على الخصوص، وفي المغرب على العموم. غير أنّ هذا الازدهار سرعان ما تجمّد وتوقف بصورة مفاجئة، باستيلاء الوطاسيين على الحكم، وهي الفترة التي لم تذق فيها البلاد طعم الراحة والاستقرار، فاستولى اليأس على القلوب، ولم يعد هناك من يشجع العلم والعلماء، واكتفى من بقي يشتغل بالعلم باجترار ثقافة العصر الذي تقدمه، يقف عندها لا يتجاوزها، أو يظهر براعة أو تجديداً وهذا الشيء طبيعي، لأنّ النفوس انصرفت إلى الجهاد…
وهذا حظ عصر مليء بالاضطراب السياسي والفوضى الاجتماعية كالعصر الوطاسي. وقد يستفاد من الدراسات الحالية لمستوى الكتابات في العصر الموالي؛ أي السعدي، إنّ رجوع الأمن النسبي جعل رجال العلم ينصبوا إلى إحياء ما اندثر أو كاد، ولم يلبث الفكر المغربي أن عاوده النشاط والانتعاش، وإن كان لم يصل إلى درجة العصر المريني على كلّ حال.
ومهما يكن فإنّنا نستطيع القول ـ بوجه عام ـ أنّ هذا العصر (القرن العاشر خاصة) كان زاخراً بالعلم والعلماء وبالإنتاج الفكري العربي في مختلف العلوم الإسلامية، أصلية وفرعية، إذ تعتبر من المراجع الأصلية التي لا غنى عنها سواء في الفقه أو التفسير أو اللغة العربية وعلومها، أو في تاريخ المغرب بصفة خاصة.
وإن كنّا لا نستطيع أن نثبت أنّ التجديد والابتكار كان طابع هذا العصر فهذا لا يمنعنا من أن نؤكد أنّ هناك محاولات موفقة في هذا الجانب.
أمّا الظاهرة التي سادت سواء في فاس أو في باديتها، والتي تمثّل وجه الشبه الأوّل والأساسي بينهما حقاً، فهي العكوف على ما وصل إليه العلماء من تراث العصر الذي تقدّمه، وهو تراث قيّم ومجيد بلا شك، فكان مفكرو المنطقة خاصّة والمغرب عموماً في العصر السعدي ينكبون عليه، لفهمه والإفادة منه، ثمّ الزيادة عليه، ما وسعهم الجهد دون الخروج عن الروح التي اتّسم بها، والتقيد بالأفكار والآراء التي وصلت إليهم من الفقهاء والعلماء ورجال الدين. ↑
- () ↑
- () الطيب الوزاني في مجلة المناهل. ↑
- () من الشعر الشيعي لأبي العلاء قوله:وعلى الدهر من دماء الشهيديـ
ـن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الـ
ـحشر مستعدياً إلى الرحمن
من تشيعه تأليفه كتاباً في بعض فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ذكره ياقوت في مؤلفاته فإنّه لم يعهد لغير الشيعة التأليف في فضائله وحده. وقوله:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم
|وكم أبدى تشيعه غوي
لأجل تنسب ببلاد قم
ومعلوم أنّ الشيعة يعتبرون يوم (غدير خم)، وهو اليوم الذي خطب فيه النبي بعد عودته من حجة الوداع خطبته الشهيرة التي قال فيها: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ـ معلوم أنّ الشيعة يسمّون هذا اليوم (عيد الغدير) ويحتفلون به، وأبو العلاء يذكره هنا مقروناً بعيدي الفطر والأضحى، أي يعتبره عيداً اعتبار الشيعة له. ↑
- () كتاب «أبو العلاء» ـ تأليف أحمد تيمور «باشا» ـ ص20. ↑
- () «أبو العلاء المعرّي» ـ تيمور ص92. ↑
- () ذيم: أي لحقه الذم. ↑
- () ربَّان الحداثة: أوّل الشباب. ↑
- () الصغو: الميل إلى الشيء. ↑
- () السقب: الذكر من ولد الناقة. والغرس: جلدة رقيقة توضع على الولد ساعة يولد. ↑
- () الرأل: ولد النعام، والأنثى رألة، والجمع رئال ورئلان. التريكة: البيضة حين يخرج منها الفرخ ويتركها. ↑
- () التشاف، كالاشتفاف: أن يشرب جميع ما في الإناء. و معنى الجملة: أنّه يمكن أن يرتوي المرء من شرب القليل دون شرب ما في الإناء كلّه، أي قد يغنيك القليل الجيّد من الشعر عن الكثير الرديء كلّه، ثمّ ضرب مثالين على ذلك من أنّ الواحدة من الثمر تدلّك على جني الشجرة وأنّ النفحة من الرائحة تدلّك على خزامى الأرض، أي نباته العطر. ↑
- () الزوراء: اسم لبغداد، وهيت وتكريت: بلدتان في العراق. ↑
- () السوس: الطبيعة. ↑
- () الغفة (بضم الغين): البلغة من العيش. ↑
- () أوفت: زادت. ↑
- () المين (بفتح الميم وسكون الياء) الكذب. لا جهة له: أي لا وجه لتأويله. ↑
- () استقتال العثرة: طلب إقالتها والمغفرة منها. ↑
- () يقصد أبو العلاء هنا «أنّ اليد ربّما تنقش نقوشاً وتخط أشياء أو تمثّل تماثيل من الشمع والطين يفقد مثلها في الأعيان الموجودة المألوفة، اتفاقاً من غير قصد، لتحقيق صورة ما، والمعنى: أنّه لا ينبغي أن تناقش الشعراء في بعض ما أغربوا به من القول، بل اللائق بمذهبهم المسامحة» (شرح التنوير على سقط الزند، ج1، ص13). ↑
- () العزهاة: الرجل الذي لا يحب النساء، والزير ضده. ↑
- () الشهم: الحديد الفؤاد والزميع: النشيط المقدام. ومعنى الجمل الثلاث الأخيرة أنّه لا إنكار على الشعراء في أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس فيهم، فقد يدّعي الجبان الشجاعة، ويدّعي الكاره للنساء أنّه زير نساء، ويدّعي العاجز أنّه قوي الجنان نشيط مقدام. ↑
- () الثراء: المال. المسفوت: القليل البركة. ↑
- () يشير إلى أنّ والدته وبقية مال له قد خسرهما. قبل وصوله إلى المعرة. ↑
- () يقصد لقاء أمه. (26) سيف أصليت: صقيل ماضٍ. العنس: الإبل ↑
- () يقصد بذئاب الأنس: اللصوص والخضراء: السماء. والجدي: من بروج السماء. مسبوتاً: من السبات، أي النعاس. ↑
- () أي بعد مفارقتي دجلة عزت على أن لا أشرب الماء من نهر، وفاء بعهد دجلة، حتى كأنّني من أصحاب طالوت… ويشير بذلك إلى الآية الكريمة: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي}. ↑
- () الماء العد: الدائم الذي لا تنقطع مادته. ينقع: يرتوي. ↑
- () نسبة إلى جبل (بفتح الجيم وتشديد الباء مع ضم): بلدة في العراق بين واسط والنعمانية (أبو العلاء المعري) لأحمد تيمور باشا ـ ص95. ↑
- () زوبعة الدهور، ص14. ↑
- () الشارخ: من يكون في شرخ العمر، أي الصبا. ↑
- () تجديد ذكرى أبي العلاء ـ ص137. ↑
- () الصولي: هو أبو إسحاق الصولي وقد كان ماهراً بلعب الشطرنج، والخليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض. ↑
- () سقط الزند ـ الطبعة اللبنانية ـ ص15. ↑
- () قويق: نهر صغير معروف في حلب. وثبير: اسم لبضعة جبال في ظاهرة مكة. ↑
- () الهيجاء: الحرب. امترى: استخرج الحليب من ضرع الناقة أو غيرها. الخلف (بكسر الخاء): حلمة الضرع. الناب: الناقة المسنّة. الطبس: الشرس العسير. ↑
- () الغيل: أجمة الظباء والأسود. الضيغم: الأسد. ↑
- () السماك: كوكب نير. الثدي (بضم الثاء المشدّدة وكسر الدال وتشديد الياء): جمع ثدي. ↑
- () الندي: النادي. ↑
- () الهدي (بفتح الهاء وكسر الدال) جمع هدية والمقصود بها هنا الأضحية. ↑
- () الوفر: المال. الأنيق ناقة. جمع فصيل، ولد الناقة. ↑
- () يثري حصاكم: يكثر عددكم. الزهاء: القدر والمثال. ↑
- () في نحو نصف الطريق بين أبهر وزنجان، وسط السهل العظيم الذي يؤلف منقسم الماء بين الأنهار الفائضة غرب سفيدرود وشرق المفازة الكبرى، أطلال السلطانية، المدينة المغولية التي أنشأها أرغون خان وأتمها السلطان ألجايتو في سنة 704 (1305) وجعلها قاعدة الدولة الإيلخانية. قال أبو الفداء أنّ اسمها المغولي كان قنغرلان. وذكر المستوفى أنّ من أعمالها تسع مدن. ومحيط أسوارها 30000 خطوة. ↑
- () الرسوم الإسليمية: هي مجموعة نقوش تتألف من خطوط منحنية وملتوية وأغصان قصيرة وأوراق وزهور، وغالباً ما تستعمل هذه الرسوم في الخط والنقوش وزخارف الجص، وهي تشبه الخط الكوفي إلى حد بعيد. ↑
- () باتوخان: هو حفيد جنكيز. ↑
- () من علماء سمرقند الشيعة: الحسين بن أشكيب السمرقندي الذي عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام). ومنهم حيدر بن محمد السمرقندي الذي ذكره الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام).وفي القرن الرابع الهجري كانت العقيدة الإمامية تسير إلى جانب العقيدة الإسماعيلية، تمضي قدماً إلى الأمام في خراسان وما وراء النهر. ومن الرجال الذين تأثّروا بالتشيع الإمامي في ذلك العصر: هو العالم المعروف والمفسر الذائع الصيت محمد بن مسعود العياشي السمرقندي. وقبل أن ننقل آراء العلماء وأقوال الرجال المعروفين، بشأنه، كان من الضروري أن نؤكد هنا أنّ نفوذ التشيع وتغلغله وخاصة في ما وراء النهر لا يعود إلى القرن الرابع. بل إلى ما قبل ذلك، فبحسب الوثائق الموجودة فإنّ جماعة من أتباع الإمام الهادي (عليه السلام) كانوا يعيشون في ما وراء النهر لا سيما في سمرقند في أواسط القرن الثالث ومنهم أحد صحابته: «حسين بن اشكيب السمرقندي» إنّ وجود هؤلاء الشيعة ونشاطاتهم أدّت إلى أن يعتنق العياشي التشيع في القرن الرابع ويؤلف كتاباً علمياً ثميناً عن التشيع وهو «تفسير العياشي» ومؤلفات ثمينة أخرى لعبت دوراً هاماً في رواج التشيع وتطويره. يقول ابن النديم عن العياشي:
«… محمد بن مسعود العياشي من أهالي سمرقند. ومن فقهاء الشيعة الإمامية وكان فريد عصره في كثرة العلم وكان ذا منزلة عالية في نواحي خراسان».
ويضيف قائلاً: «صنّف العياشي 173 كتاباً على مبدأ التشيع وخمس مجلدات على أساس فقه أهل السنة وسيرة الخلفاء. إنّ مجموع مؤلفاته تبلغ 208 مجلدات فُقد وضاع منها 27 مجلداً».
والرجالي المعروف بالنجاشي يقول: إنّه كان من الشخصيات والوجوه الشيعية البارزة. ويقول الشيخ الطوسي: «… العياشي كان أعلم علماء زمانه بين علماء شرق خراسان وما وراء النهر».
وكان العياشي قد تلمذ في الكوفة وبغداد وقم على أساتذة كبار مثل علي بن فضّال ومحمد بن يزداد الرازي وجبريل بن أحمد الفاريابي وحسين بن عبد الله القمي. وتبحر في مختلف العلوم الإسلامية. ومن أساتذة العياشي، الحسين بن أشكيب السمرقندي. ومن جانب آخر فإنّ العياشي كان أستاذ «الكشي» صاحب كتاب الرجال المعروف.
ليس لدينا أي نص عن زمان ولادته ووفاته على أنّه كان معاصراً للكليني وكان حياً سنة 329 هجرية. وهو يستند في تفسيره على الأحاديث بكثرة. ↑
- () كان ظهور تيمور بعدما يزيد على 150 سنة من بداية زحف جنگيزخان. ↑
- () السلاطين في المشرق العربي ص296. ↑
- () ما بين الحاصرتين من ابن تغري بردى: «النجوم الزاهرة، ج12، ص50 (طبعة القاهرة سنة 1956). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () الرتوت جمع رت وهو الرئيس والسيد (المعجم الوسيط). ↑
- () كذا في الأصل. ↑
- () ما بين الحاصرتين من ابن تغري بردي النجوم الزاهرة ج12، ص52 (طبعة القاهرة، سنة 1956). ↑
- () ابن إياس. ↑
- () عجائب المقدور. ↑
- () كان عمرالسلطان العثماني بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الأربعين. ↑
- () النائب: هو الوالي الحاكم. ↑
- () تراجع هذه الأقوال في إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () نهاية ابن الأثير مادة (بدع). ↑
- () إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () إرشاد الفحول، ص33. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 43. ↑
- () سورة البقرة: الآية: 183. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 97. ↑
- () ص74، الموافقات ج/4. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 110. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 142. ↑
- () ص74، الموافقات ج/4. ↑
- () الموافقات، ج/4 ص75. ↑
- () الموافقات، ج/4 ص76. ↑
- () اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر، وما جاء فيه من تضعيف وتصحيح. ↑
- () المستصفى، ج1، ص135. ↑
- () البخاري، ج8 ص121. ↑
- () البخاري، ج8 ص120. ↑
- () البخاري، ج8 ص120. ↑
- () أجوبة مسائل جار الله، ص14. ↑
- () آل عمران/144. ↑
- () الموافقات، ج4 ص77 وما بعدها. ↑
- () الموافقات ج4 ص79 وما بعدها. ↑
- () الواحدي في أسباب النزول، ص268. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () أسباب النزول، ص267. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () وفيات الأعيان، ج1، ص320، ترجمة عكرمة. ↑
- () الكلمة الغراء، ص215، طبعة النجف، وهي ملحقة بكتاب الفصول المهمة. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص95. ↑
- () الكلمة الغراء، ص217. ↑
- () اقرأ مصادرها في الغدير، ج5، ص266. ↑
- () صحيح مسلم، باب فضائل علي. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص198. ↑
- () الحاكم في المستدرك، ج3، ص146. ↑
- () صحيح مسلم، ج7، ص130. ↑
- () دلائل الصدق، ج2، ص72 نقلاً عن الصواعق المحرقة. ↑
- () ج2، ص72 وما بعدها. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص199. ↑
- () الدر المنثور، ج5، ص199. ↑
- () يحسن لمن يرغب استيعاب رواية الباب أن يرجع إلى دلائل الصدق، ج2، آية التطهير والكلمة الغراء. ↑
- () سورة النساء، الآية: 59. ↑
- () التفسير الكبير، 10، ص144. ويؤيد هذا التقريب مساواتهم لله والرسول في وجوب طاعتهم مما يدل على أن جعل الإطاعة لهم ليس من نوع جعلها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بل هي نوع من إطاعة الله والرسول التي تجب على كل حال. ↑
- () التفسير الكبير، ج10، ص144. ↑
- () التفسير الكبير، ج10، ص146. ↑
- () روضة الناظر، ص50. ↑
- () الدراية، ص12، مطبعة النعمان، النجف. ↑
- () سلم الوصول، ص255. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- () إرشاد الفحول، ص49. ↑
- ↑
- () سورة الحجرات، الآية: 6. ↑
- () دراسات الأستاذ المحقق الخوئي، ص97. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 122. ↑
- () اقرأ ما كتبه الآمدي، ج1، ص171، من الأحكام وما ورد في الكفاية وشروحها ورسائل الشيخ حول هذه التشكيكات. ↑
- () تلاحظ هذه الأحاديث ـ بمختلف طوائفها ـ ولعلها تبلغ العشرات الوسائل ـ كتاب القضاء ـ وفي رسائل الشيخ في مبحث حجية خبر واحد. ↑
- () المستصفى، ج1، ص96. ↑
- () فوائد الأصول، ج3، ص68. ↑
- () المستصفى للغزالي، ج1، ص95. ↑
- () إرشاد الفحول، 49. ↑
- () اقرأ حقائق الأصول، ج2، ص136، وغيره. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 28. ↑
- () المستصفى، ج1، ص94. ↑
- () دراسات الأستاذ المحقق الخوئي، ص125. ↑
- () راجع تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد يوسف موسى، ص227، وما بعدها. ↑
- () الدراسات، ص125. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 110. ↑
- () سلم الوصول، ص262 وما بعدها. ↑
- () و(2) أصول الفقه للخضري، ص232 وما بعدها. ↑
- ↑
- () أصول الفقه، ص233. ↑
- () أصول الفقه، ص233. ↑
- () سلم الوصول، ص259 نقلاً عن أعلام الموقعين، ج2، ص232. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص184. ↑
- () راجع مصادره في النص والاجتهاد في قصة فدك وغيره. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص246. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص246. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 105. ↑
- () ومن هنا صرّحوا أنّ أمثال هذه الآيات لا تقبل نسخاً {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} كما صرّحوا أنّ الآيات المخبرة عن أمور تقع لا تقبل النسخ لانتهائها إلى التكذيب. راجع سلم الوصول، ص337. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه للخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص237. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص234. ↑
- () أصول الفقه الخضري، ص234. ↑
- () يتدفق آلاف المصلين أيام الجمعة على مساجد سنغافورة حيث يستمعون إلى خطب يتم توزيعها عن طريق الإنترنت خلال الأسبوع.وتعكس هذه الطريق غير التقليدية، استيعاب السلطات الإسلامية في الدولة الصغيرة، للتكنولوجيا واعتمادها في إدارة مساجد البلاد السبعين، بأسلوب جديد.
ويقول زكريا بوانغ المتحدث باسم المجلس الإسلامي في سنغافورة «أنّنا ننفذ ما يريده مسلمو البلاد. أصبحوا أعلى صوتاً وأوسع ثقافة ومطالبهم كثرت، وإذا لم نستجب سنتخلف».
ويرعى المجلس الشؤون الدينية لنحو 372 ألف مسلم في سنغافورة ينحدرون من أعراق مختلفة، ويشكلون نحو 15 في المئة من السكان.
ويقوم المجلس الذي أنشئ في العام 1968 باستخدام الكمبيوتر في كلّ أنشطته منذ 1996، والبريد الإلكتروني وسيلة الاتصال الرئيسة بين المجلس وبين مساجد سنغافورة، التي يتزايد عددها وتستخدم الكمبيوتر وتمّ ربطها بشبكة المجلس الإلكترونية الواسعة. ↑
- () يقول الدكتور وجيه كوثراني:أمّا علم التفسير، فقد بقي تفسيراً تجزيئياً ارتكز إلى المدلول اللفظي للآيات معزولة الواحدة عن الأخرى، فوقع في الانتقائية التي تبرر موقفاً مذهبياً أو فلسفياً معيناً من موضوع معين (كفلسفة الجبر مثلاُ)، دون الالتفات إلى آيات أخرى تعالج الموضوع نفسه. كما أنّه بقي أسير النص ومدلولاته بعيداً عن حركة الواقع وتطور التاريخ.
وفي مقابل هذا التفسير التجزيئي يقترح محمد باقر الصدر في مشروعه الذي ألمحنا إليه اعتماد منهج توحيدي وموضوعي (بالنسبة لموضوعات). وهو منهج من شأنه لو عمّم واعتمد، أن يخلق تياراً فكرياً مشجعاً على البحث التاريخي «فالمفسر التوحيدي والموضوعي ـ على حد قوله ـ لا يبدأ في علمه من النص، بل من واقع الحياة فيركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ. ثمّ يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرقاً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية. «إنّها وفقاً لذلك عملية حوار أو استنطاق للقرآن أو استجابة فعالة وتوظيفاً هادفاً للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى».
ويشدّد صاحب الفكرة على هذه النقطة بقوله: «إذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، واقع الحياة، لأنّ التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي في القرآن فيكون عملية منعزلة عن الواقع».
ولعله من الدلالة بمكان أن يختار صاحب هذا المشروع التفسيري أوّل موضوع له للتفسير فيكون «سنن التاريخ في القرآن الكريم» حيث يقدّم منهجاً عقلانياً في فلسفة التاريخ يتعارض تماماً مع ما ينسب إلى الموقف الديني من التاريخ من أوصاف الجبرية والغيبية والسلبية وانعدام فاعلية الإنسان في صنع التاريخ وتغييب دور العوامل والظروف الموضوعية المحيطة بالإنسان.
ويرى محمد باقر الصدر أنّ المسلمين قد أضاعوا هذا المفهوم القرآني للتاريخ الذي يعتمد على النظر والتفكر والتمحيص واستبيان العوامل الوضعية المحددة والمسببة. ولم تقم في رأيه محاولات لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه إلاّ بعد ثمانية قرون. «وكان ذلك على يد ابن خلدون». ثمّ بعد أربعة قرون. «اتجه الفكر الأوروبي ـ وفقاً لقول الصدر ـ لكي يجسد هذا المفهوم الذي ضيّعه المسلمون ولم يستطيعوا أن يتوغلوا إلى أعماقه».
وممّا لا شك فيه أنّ دلالة هذا الكلام الذي يصدر عن فقيه مجدّد ومرجع في العلوم الإسلامية كبيرة جدّاً فهي تحرر العقل من قيود بعض مناهج تلك العلوم التي أعاقت نمو الفكر التاريخي. ↑
- () نهج البلاغة، خطبة 158. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 140. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 140. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 39. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 54. ↑
- () سورة يونس، الآية: 49. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 34. ↑
- () سورة الحجر، الآية: 4، 5. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 43, ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 185. ↑
- () سورة الكهف، الآيتان: 58، 59. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 45. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 25. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 18. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 76، 77. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 137. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () سورة فاطر، الآية: 43. ↑
- () سورة الفتح، الآية: 23. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 1. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 53. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة سبأ، الآيتان: 43، 35. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16، 17. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 66. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 96. ↑
- () سورة الإسراء، الآيتان: 16، 17. ↑
- () سورة الجن، الآيتان: 16.(مشمولة في (4) التي سبقتها مباشرة. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 22. ↑
- () سورة محمد، الآية: 10. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 109. ↑
- () سورة الحج، الآية: 46. ↑
- () سورة ق، الآيتان: 36، 37. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 62. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 77. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 34. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 214. ↑
- () سورة آل عمران، الآيات: 124، 126. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 16. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 59. ↑
- () سورة الجاثية، الآيتان: 28، 29. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 13، 14. ↑
- () سورة مريم، الآية: 93، 95. ↑
- () سورة التغابن، الآية: 9. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 13. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة الحج، الآية: 47. ↑
- () سورة المعارج، الآيات: 4، 8. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 30. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 72. ↑
- () سورة الروم، الآية: 30. ↑
- () سورة الرعد، الآية 11. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 205. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 43. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 170. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 104. ↑
- () سورة يونس، الآية: 78. ↑
- () سورة هود، الآية: 62. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 10. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 22. ↑
- () سورة القصص، الآية: 38. ↑
- () سورة غافر، الآية: 29. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 45، 47. ↑
- () سورة الزمر، الآيتان: 17، 18. ↑
- () سورة النجم، الآية: 23. ↑
- () سورة الحشر، الآية: 14. ↑
- () سورة النور، الآية: 39. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 41. ↑
- () سورة الإسراء، الآيات: 18، 20. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 67. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 23. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 123. ↑
- () سورة الانشقاق، الآية: 6. ↑
- () سورة النجم، الآية: 23. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 23. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 34. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 146. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 33. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 34. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 75. ↑
- () سورة العلق، الآية: 6، 7. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 66. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 96. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 92. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية: 52. ↑
- () سورة القصص، الآية: 4. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 31. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 127. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 67. ↑
- () سورة النساء، الآية: 97. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 27. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 34. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 49 ↑
- () سورة القصص، الآية: 5. ↑