لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثاني عشر
الطبعة السادسة
1423هـ – 2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
خوزستان
تقع خوزستان البالغة مساحتها سبعون ألف كيلومتر مربع تقريباً في الجنوب الغربي من إيران، يتكون سطحها من منطقة جبلية وأخرى سهلية. والمنطقة السهلية فيها تكوّنت بفعل الترسبات التي خلفتها المرحلة الثالثة من مراحل علم طبقات الأرض «الجيلوجيا». هذه المنطقة التي تمتد بانحدار مناسب ـ نحو الجنوب لتصل سواحل الخليج الفارسي، يشكل القسم الأعظم منها ترسبات أنهار كارون والكرخة والجراحي. أما المنطقة الجبلية فإنها تقع في شمال خوزستان وفي شرقها. وتشكل جبالها في الحقيقة القسم الجنوبي من جبال «زاجرس» التي تأخذ بالانخفاض شيئاً فشيئاً كلما سرنا باتجاه المنطقة السهلية.
إن أهم الأنهار في منطقة خوزستان هو نهر الكرخة الذي ينبع من الأجزاء الجنوبية لجبال الوند، واشتهر ـ على مر التاريخ ـ بأسماء أخرى مثل: «گاماساب» أي النهر الكبير، ونهر الشوش، ودجلة العميا، وشط الحي.. ومن الأنهار الأخرى نهر كارون ومنبعه منطقة (زردكو بختياري). يتفرع هذا النهر في المحمرة (خهرمشهر) إلى رافدين: أحدهما «بهمنشهر» ويمر من شرق عبادان ليصب في الخليج الفارسي، والآخر هو نهر كارون نفسه ويصب في شط العرب.
ومن أنهار خوزستان الأخرى: نهر «دز»، ونهر «مارون» أو «الجراحي»، ونهر «خير آباد».
أما بالنسبة لمناخ خوزستان فما عدا المناطق الجبلية المرتفعة حيث يعتدل المناخ فيها إلى حدٍّ ما، فإنه عموماً حارّ جداً في فصل الصيف، ويكون رطباً شديد الحرارة عندما تهب رياح حارة رطبة. أما في فصل الشتاء فالجو ليس بارداً جداً. والأمطار قليلة جداً، ونادراً ما يسقط الثلج.
تهب في هذا الفصل رياح باردة قادمة من ناحية الجبال لكن سرعان ما تختفي حين تصطدم برياح ساحلية حارة تواجهها.
كما تهب على خوزستان ريح قادمة من الحجاز تسمى (ريح السموم) وهي ريح شديدة الحرارة لا تطاق. وكما يقول صاحب كتاب «نزهة القلوب» فإن هبوبها يحرم الناس من الاستمتاع بالهواء الطلق حتى في الليل.
يصل عدد السكان في خوزستان إلى أكثر من مليونين، يعيش أكثرهم بالقرب من أنهار المنطقة.. وبالإضافة إلى وجود الزراعة في القرى والأرياف وانشغال الناس فيها، فإنّ هناك أعمالاً أخرى يمارسها الناس في مدن خوزستان المهمة مثل: البتروكيمياويات التي تساهم في تشغيل طاقة بشرية كبيرة، كما لها تأثيرها على ارتفاع المستوى المعيشي والدخل الفردي للناس. ومدن خوزستان المهمة هي: الأهواز، عبادان، ميناء معشور (بندر ماهشر)، باب هاني (بهبهان)، المحمّرة (خرمشهر)، الخفاجية (سوسنگرد) والحويزة والبستين والحميدية وتسمى هذه المناطق بالفارسية (دشت آزدگان)، رامهرمز، تستر (شوشتر) مسجد سليمان، أنديمشك، دزفول، إيذة.
في خوزستان أكبر مصفى للنفط في الشرق الأوسط، هو مصفى عبادان حيث تبلغ قدرته الحدّية لتكرير النفط وتصفيته (600) ألف برميل يومياً… وفي الأهواز معمل «نورد» لصناعة الفولاذ والأنابيب. وصناعات أخرى بحرية وغير بحرية، كما أن هناك صناعة إنشاء المراكب وبنائها، وقد ساعدت هذه الصناعات على توفير أرضية واسعة في مجال المنتوجات الصناعية.
على صعيد الزراعة فإن وجود الأنهار في خوزستان جعلها في وضع جيد تقريباً حيث بلغ إنتاج الغلاّت سنة (1983م) ما يقارب مليون طن مع وجود الحرب، كما أن القمح وحده إنتاجه حوالى ستمائة ألف طن. وهناك سكر القصب أحد المنتوجات الزراعية في المنطقة حيث دلّت الإحصائيات الواردة على أن إنتاج السكر بلغ في تلك السنة مائتي ألف طن… وهناك التمور وهي من المحاصيل المحلية وقد بلغ إنتاجها مائة وخمسين ألف طن.
أُطلق اسم خوزستان على المنطقة مأخوذاً من اسم قوم سكنوا مناطقها الجبلية قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة وهم الكيشيون أو الكوشيون وكانوا يعيشون فيها قبل الإيلاميين والآريائيين. وكانوا يذكرون في التاريخ حتى عصر الإسكندر.
إن كلمة (كوشي) التي تبدلت فيما بعد إلى (خوزي) كانت تلفظ (حوزي) أيضاً.
لهذا فإنّ خوز كانت محلاً لسكنى هؤلاء القوم. وقد سكن فيها أقوام آخرون حطّ منهم جماعة كانوا قد جاؤوا من الجبال المحيطة بسهل سوزيانا (الشوش) وأسّسوا فيها حكومة «عيلام». فأصبحت خوزستان مع مناطق من «لرستان» و«البختياري» جزاءً من دولتها آنذاك، علماً أن لفظ «عيلام» هو نفسه «حلامتو الأكدي» الذي يتكرر ذكره في النقوش الهخامنشية والإيلامية المحلية.
كان الإيلاميون يطلقون على حكومتهم اسم «أنزل سوسكونكا» أو «إنشان سوزيانا» وكانت هذه الحكومة قد تشكلت في الألف الثالث قبل الميلاد ومع تعاقب الزمن استطاعت القضاء على الحكومة السومرية والأكدية.
بعد ذلك دخل الأيلاميون في حرب مع البابليين، استبيحت بابل على أثرها. وفي تلك الفترة بالذات دخل الكاسيونيون (الخوزيون) في طاعة الإيلاميين.
من أشهر ملوك إيلام في تلك الحقبة «شيل خاكين شوشناك» وكان من أهل الفن ورعاته.
وأخيراً تم القضاء على الحكومة الإيلامية من قبل «آشور» في القرن السابع قبل الميلاد وبما أن حروباً كثيرة كانت قد نشبت بين «إيلام» و«آشور»، وقتل على أثرها عدد كبير من الناس وفر الباقون أو أسروا لهذا لم تعد بعض المدن والولايات، ولا سيما «شوش» عاصمة إيلام نفسها، آهلة بالسكان بل أضحت قفرى لا أحد فيها.
في العهد الهخامنشي صارت خوزستان جزءاً من الإمبراطورية الهخامنشية. واستطاعت أن تستعيد مكانتها السابقة كما أن الملوك الهخامنشيين اتخذوا من «شوش» عاصمة شتوية لهم.
في المرحلة التي تلت عصر الإسكندر وقعت خوزستان تحت سيطرة «سولوكس» فأصبحت جزءاً من المملكة السولوكية سنة (312) قبل الميلاد.
وقعت خوزستان أيضاً في زمن «أشك السادس» أو «مهرداد الأول» (174 ـ 136ق.م) في قبضة الأشكانيين. وظلت كذلك مدة أربعمائة سنة إلى أن دحر «أردشير بابكان» (224 ـ 241م) «الأردوان الأشكاني الخامس» في منطقة رامهرمز من مناطق خوزستان، وكانت هذه المنطقة هي أول المناطق التي وقعت تحت الاحتلال الساساني.
ظلت خوزستان جزءاً لا يتجزأ من الحكومة الساسانية طيلة الفترة التي حكمت فيها، والبالغة (416 سنة) وقد بذل الساسانيون جهودهم في سبيل إعمارها. وما جسر دزفول وجسر شوشتر، وخربة أيوان الكرخة وسد الأهواز وسد والرين (سد شادُروان) إلاّ شواهد على الإعمال الحاصل في تلك الفترة.
وازدهرت جامعة «جندي شاپور» في الأهواز في زمانهم ازدهاراً ملحوظاً وهي محل تلاقح الأفكار وتبادل الآراء الفلسفية والفكرية من أجل تقدم البحوث العلمية والطبية ورُقيها.
بدأت جهود المسلمين لفتح خوزستان من السنة الثانية عشرة للهجرة واستمرت حتى السنة الثامنة عشر حيث دحر المسلمون «هرمزان» قائد الجيش الفارسي في رامهرمز. فخضعت المنطقة بأسرها للهيمنة الإسلامية… وعلى أثر ذلك هاجر إليها العرب ليسكنوا فيها.
كان لخوزستان وفارس حاكم واحد في العصر الأموي والعباسي، وكانت المنطقة جميعها تدار أحياناً من البصرة وأحياناً أخرى من فارس.
في سنة (261هـ) وقعت خوزستان تحت سيطرة محمد بن واصل الذي كان قد تمرد على الخليفة العباسي ولكن سرعان ما خرجت من قبضته بعد هجوم يعقوب بن الليث الصفّار عليها، واحتلاله لها سنة (262هـ) وبقي فيها حتى وفاته سنة 265هـ.
في تلك الفترة ظهر صاحب الزنج فسيطر على جزء آخر من خوزستان.
بعد أسر عمرو بن الليث الصفّار أخي يعقوب، وقعت خوزستان مرة أخرى تحت قبضة أتباع الخليفة العباسي. وبقيت على حالها ذلك حتى سنة (326هـ) حيث سيطر عليها وعلى فارس «عماد الدولة الديلمي».
في القرن الخامس الهجري تسلم السلاجقة مقاليد الأمور في خوزستان مرتين، الأولى بواسطة الديالمة وصاحبهم (أبو كاليجار الديلمي) والثانية بصورة مباشرة دون تعيين من قبل أحد.
في القرن السادس حكم خوزستان شخص اسمه «شملة» من القبيلة الأفشارية التي كانت قد هاجرت إلى خوزستان وتوطنت هناك. وبقي في الحكم مدة، ثم خلفه أولاده وأحفاده في حكومتها. لكن اختلافهم مع الخليفة أعطاه فرصة أخرى ليستعيد قدرته عليها بعد سنة 590هـ. وعلى أثر استعادة قدرته عليها، أصبح في مواجهة مع أتابكة لرستان «أمراء فضلوية» وأتابكة فارس. ومن سنة «600هـ» إلى سنة «623هـ» كانت خوزستان مسرحاً لاحتلال متناوب بين أتابكة فارس من جهة، وجلال الدين خوارزمشاه من جهة أخرى، والخليفة العباسي من جهة ثالثة ولكن لم تدم الحالة إذ وقعت خوزستان مرة أخرى في قبضة الخليفة العباسي بعد أُفول شمس السلطان الخوارزمشاهي. وبقيت على هذا الحال حتى مجيء هولاكو إلى إيران وسقوط الخلافة العباسية فسيطر عليها الأيلخانيون.
في سنة (723هـ) تشكلت حكومة آل مظفر في فارس من قبل «مبارز الدين محمد» واستمرت حتى سنة (785هـ) أي سبعين سنة، حكمت خلالها على جزء من خوزستان. وحكم الجلائريون خوزستان بعض الوقت في أواخر أيام سلطنتهم.
في أواسط القرن التاسع هاجم السيد محمد المشعشع الحويزة، ومع كافة الجهود التي بذلها عملاء الحكومة التيمورية لإخراجه منها لكنها لم تثمر، وتلا تحرك السيد المشعشع تقاطر العرب على خوزستان حتى قسمت تدريجياً إلى منطقتين: واحدة: للعرب. والأخرى: لغيرهم.
وقد ساعدت الدولة البويهية في القرنين الرابع والخامس، وكذلك حكومة المشعشعيين الشيعية، وبعدها حكومة الصفويين على انتشار المذهب الشيعي بين أهالي خوزستان تدريجياً حتى عمّ المنطقة بأسرها بحيث لا يشكل غير الشيعة الآن إلاّ نسبة ضئيلة يعيشون في القرى والأرياف. ولم يكتف المشعشعيون بالسيطرة على جميع خوزستان، بل تقدموا حتى وصلوا حدود بغداد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم كانوا يحكمون مناطق كهگيلويه وموانىء الخليج الفارسي، ومنطقة البختياريين ولرستان.
وقعت خوزستان في أوائل القرن العاشر تحت سيطرة الشاه إسماعيل الصفوي. وفي سنة (929هـ) تمردت أسرة الرعناشي التي كانت تحكم خوزستان من قبل الشاه إسماعيل ضد الحكومة الصفوية، وواصلت تمردها حتى سنة (948) حيث وجّه الشاه طهماسب جيشاً إلى خوزستان للقضاء على ذلك التمرد وأفلح في ذلك. لكن عادت الأوضاع باشتعال نار الفوضى والاضطرابات مرة أخرى في المناطق الغربية من خوزستان بعد موت الشاه طهماسب، إذ استقل السيد سجاد المشعشعي بالأمور وصار له موقع جديد. بقي هذا الوضع على حاله حتى مجيء الشاه عباس الذي استطاع دحر المشعشعيين والأفشاريين الذين تمردوا سلفاً في آن واحد، وقضى عليهم. بعدها ضمّ خوزستان إلى الحكومة المركزية.
إبان الحكم الصفوي والأفشاري كانت خوزستان مسرحاً للفوضى والاضطرابات. لكن عندما توجه إليها نادر شاه عن طريق فارس سنة (1142هـ)، وبعد توقفه في رامهرمز أياماً، وتوجهه إلى شوشتر عن طريق الأهواز، اعتقل رؤساء القبائل العربية، ثم أبعدهم بعد ذلك إلى خراسان.
وبعد رجوعه تحالف «محمد خان البلوچ» و«أبو الفتح خان» وإليه على شوشتر، وأعلنا تمردهما عليه فعاد ثانية وسيطر على خوزستان محكماً قبضته عليها بإطفاء نار التمرد وقام بقطع أيدي الولاة المشعشعيين عن خوزستان تماماً وكذلك قام بتوحيد منطقتيها اللتين مرَّ ذكرهما وجعل مدينة الحويزة مركزاً لها. لكن هذه الحالة لم تستمر إذ توفي نادر شاه، وبعد وفاته عادت خوزستان إلى ما كانت عليه من فوضى واضطرابات، وعاد المشعشعيون ومعهم بنو كعب فأعلنوا عن عصيانهم ومعارضتهم. ولما سمع «كريم خان زند» توجه بمجرد تسلمه السلطة إلى خوزستان ودخل شوشتر دون مقاومة وأفلح في القضاء على عصيان بني كعب مع المشعشعيين..
انقسمت خوزستان في أواخر الحكم الزندي وأوائل الحكم القاجاري إلى مناطق مستقلة لها حكوماتها. فكانت لدزفول وشوشتر وآل كثير والكعبيين والمشعشعيين حكومات خاصّة بهم لها استقلاليتها.
بعد مقتل «آغا محمد خان» في بداية حكم فتح علي شاه خمدت نار الاضطرابات تدريجياً. وقسم فتح علي شاه خوزستان إلى قسمين مستقلين: الشمالي ويشمل شوشتر، دزفول، والحويزة وجعله تابعاً لحاكم باختران «محمد علي ميرزا. والفلاحية، وجعله تحت حكم حسن علي ميرزا حاكم فارس.
من الأحداث المهمّة التي عاشتها خوزستان إبان الحكم القاجاري هي حرب إيران والإنجليز التي أدّت إلى سقوط المحمرة واستقرار القوات البريطانية في الأراضي الإيرانية.
في سنة (1305هـ) أصبحت خوزستان ولاية واحدة لها حاكم تعيّنه طهران. لكن لم تستقر على هذه الحالة إذ كان البختياريون في شمالها وآل كعب في جنوبها يتدخلون في شؤونها، ويتغلغلون في دوائرها، وكان الحكام القادمون من طهران يواجهون هذه الحالة بتحريض من الشيخ خزعل من جهة والبختياريين من جهة أخرى.
إن المسائل الاجتماعية التي كانت تعيشها خوزستان بعد سقوط الحكومة الصفوية هي باختصار ما يلي:
1 ـ العداء بين العرب والإيرانيين.
2 ـ تدمير الزراعة الواسع، واستبدال مناطق سكن القبائل والعشائر المختلفة من عرب مهاجرين أو لُر أو بختياريين رُحَّل بالأراضي الزراعية.
3 ـ التعرض المستمر للقوافل التجارية وسلبها من قبل بني لام «إحدى القبائل المهاجرة».
4 ـ تضعضع أركان السلطة المركزية الذي أدّى إلى تردي الوضع الإداري، وعدم الاهتمام بالناس، وتشكيل حكومات مؤقتة.
5 ـ الضغط الذي كان يمارسه ممولو الضرائب كما كان شيوخ العرب أحياناً يأخذون الضرائب من الناس خمس إلى ست مرّات سنوياً.
بعد اكتشاف النفط في مدينة «مسجد سليمان» في أوائل القرن العشرين، طرأ تحسن نسبي على أحوال الناس، وعندما تمّ تأسيس السكك الحديد العامة التي ربطت بين طهران والأهواز تطورت خوزستان وصارت في وضع أحسن من السابق نوعاً ما.
خوزستان والشيخ خزعل
كان الشيخ خزعل عميلاً للإنجليز وحليفاً لهم سواء في وقت منح امتياز نفط الجنوب لـ«دارسي» من قبل «مظفر الدين شاه» سنة 1319هـ (1901م)، أو عند نشوب الحرب العالمية الأولى.
بما أن الإنجليز طردوا الأتراك من خوزستان. وتقدموا داخل العراق أيضاً لذلك مسكوا زمام الأمور في أرجاء خوزستان وحشدوا جيشاً في المحمرة (خرمشهر) والأهواز والشوش، وأسسوا دائرة سياسية أو قنصلية في كل من شوشتر ودزفول، وكذلك فتحوا فيها دائرة للعدل… وسيطروا على دوائر البريد والبرق في كل مكان وعينوا لها مسؤولين منهم.
كان هذا الوضع سائداً اعتباراً من سنة 1323 وحتى 1339هـ… وأطلق الشيخ خزعل على نفسه لقب «أمير عربستان» [وعربستان هي الاسم الذي أطلقه هو نفسه على خوزستان] على أي حال لم يدّخر الشيخ خزعل وسعاً لتحقيق أمانيه، وكانت تعينه على ذلك مقدرته وثروته. لكن في سنة (1339هـ) كُلّف رئيس الوزراء آنذاك وهو (رضا شاه) الذي أسس فيما بعد السلالة البهلوية وصار ملكاً على إيران، كُلّف بالتوجه إلى خوزستان لإلحاق كافة مناطقها بالحكومة المركزية، فتحرك نحو الجنوب بعدّة وعدد كافيين. ومع أن قوات الشيخ خزعل كانت أكثر من القوات الحكومية، لكن هزيمة أنصاره وتفرقهم أدّت إلى اضطرابه فلم يجد بُدّاً من الاستسلام، وبالفعل استسلم للقوات الحكومية، وعلى أثر ذلك أُلحقت خوزستان بالحكومة المركزية وصارت تابعة لها.
سيد حسين رئيس السادات
المدن والقبائل
تقسم خوزستان إلى قسمين القسم الشمالي والقسم الجنوبي وأهم مدن القسم الشمالي الأهواز (وهي القاعدة) والحويزة وعسكر مكرم (بندقير) وشوشتر ودزفول وغيرها. وأما القسم الجنوبي فأهم مدنه المحمرة (خرم شهر) ورامهرمز وغيرها. وعبادان والفلاحية وبندر معشور والهنديان ويتبع هذه المدن كثير من القرى والقصبات.
وأهم قبائل خوزستان اليوم التي تقطن القسم الشمالي هي: آل كثير وبنو طرف وبنو سالة وبنو لام وبنو مالك وبنو خالد وبنو تميم وآل خميس وزبيد وربيعة.
وأما قبائلها الجنوبية فهي: بنو كعب وبنو تميم.
لمحة تاريخية
فتح المسلمون هذا الإقليم عام 19هـ 640م في عهد عمر بن الخطاب (رض).
ولما قامت الدولة الأموية خضع هذا القطر لها في بادىء الأمر إلى أن أعلن الخوارج (الأزارقة) ثورتهم على الأمويين في عصر يزيد بن معاوية فشملته تلك الثورة وصار بعد ذلك مسرحاً للحروب التي دارت بينهم وبين المهلب بن أبي صفرة في عصر عبدالله بن الزبير، وفي ولاية الحجاج الثقفي على العراق إلى أن أخمدت تلك الثورة فاستقرت الأحوال.
ولقد كان لخوزستان في العصر العباسي أدوار سياسية هامة فقد طغت عليها ثورة صاحب الزنج الذي وصلت غاراته إلى الأهواز فاضطر والي الأهواز لمحاربتهم إلا أنه لم يستطع الصمود فانهزم وهو يرى بعينيه قصبة ولايته (الأهواز) تنهب وتسلب وتدمر وقد خربت على يدهم كثير من مدن خوزستان وذلك عام 261هـ (874م) ولما ولَّى المعتمد أخاه الموفق أمر مقاتلة صاحب الزنج وولى الموفق من قبله مسرور البلخي على البصرة والأهواز لتمكن مسرور من استخلاص الأهواز من صاحب الزنج وفي خلال ذلك شن يعقوب بن الليث الصفار حملة على قوات الموفق التي في الأهواز سنة 262هـ (875م) ولكن الموفق انتصر عليه.
وفي شهر ربيع الثاني عام 277هـ (889م) شخص الموفق إلى الأهواز فأصلح ما أفسده الزنج وعاد إلى البصرة.
وفي شهر رمضان سنة 322هـ (933م) سارت عساكر مرداويج قاصدة خوزستان واستولى عليها.
ولم يطل عمر مرداويج بعد هذا أكثر من عام واحد ففي سنة 323هـ (934م) مات ثم انتهى أمرها إلى أبي عبدالله البريدي.
وفي عام 324هـ (935م) تغلب عمال الأطراف في زمن الخليفة أبي العباس أحمد (المقتدر) واستولوا على ما بيدهم فكانت الموصل وديار بكر وربيعة ومضر بيد بني حمدان والبصرة وواسط بيد ابن رائق وخوزستان بيد البريدي ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها.
وفي سنة 325هـ (936م) بعث محمد بن رائق جيشاً بقيادة بجكم لمحاربة البريدي واستخلاص خوزستان من يده فالتحق البريدي بعماد الدولة بن بويه مستنجداً به فأرسل معه أخاه معز الدولة الذي استولى بقواته على خوزستان وخضعت لسلطان البويهيين فأولوها اهتمامهم وعنايتهم واتخذها بهاء الدولة مقراً لسلطنته وبقيت كذلك إلى آخر العهد البويهي عام 447هـ (1055م) ثم قامت الدولة السلجوقية غير أن أمر خوزستان في عهد هذه الدولة لم يتميز بشيء ذي بال وأهم من استولى عليها في هذا العصر (برسق وبنوه) ثم تولاها (بوزابة) وفي عهد ملك شاه بن السلطان محمود استخلصها شملة وكانت تحت إدارته من عام 550هـ (1155) إلى عام 570هـ (1174) ولما مات شملة اختلف بنوه من بعده على إمارة خوزستان فضعف أمرهم.
وفي عام 575هـ (1179م) ولي الناصر لدين الله العباسي الخلافة فأصلح ما فسد من الأمور ونظم الدولة وأعاد هيبتها إلى النفوس وأكثر من الجند. ولما أسند أمور الوزارة إلى مؤيد الدين عبدالله بن علي المعروف (بابن القصاب) كانت خوزستان يومئذٍ بيد أولاد شملة وهم مختلفون فيما بينهم فطلب الوزير من الخليفة أن يرسل معه العسكر إلى خوزستان ليمتلكها فأجابه الناصر لذلك فخرج في سنة 597هـ (1202) وحارب بني شملة وتغلب عليهم وملكها وأرسل بني شملة إلى بغداد.
فولى الناصر على خوزستان (طاش تكين) وفي سنة 602هـ (1205) توفي (طاش تكين) فولى الناصر مكانه صهره (سنجر) وهو من مواليه ثم بلغ الناصر أن (سنجر) ينوي العصيان فكتب إليه في عام 606هـ (1209م) يستقدمه إلى بغداد فاعتذر (سنجر) عن ذلك فبعث إليه الناصر عساكر بقيادة وزيره مؤيد الدين محمد بن محمد القمي ومعه عز الدين بن نجا الشرابي ولما قاربت تلك الجيوش خوزستان هرب (سنجر) ودخلت جيوش الخليفة خوزستان في شهر ربيع الأول عام 609هـ (1212م) فولى الناصر عليها (ياقوت أمير الحاج).
وكان للناصر ولد اسمه علي فلقبه (بالملك الأعظم) ورشحه لولاية العهد وعزل عنها ابنه البكر فمات علي في شهر ذي القعدة عام 610هـ (1212م) وكان قد ترك ولدين هما الحسن (المؤيد لدين الله) والحسين (الموفق بالله) فأرسلهما الناصر إلى خوزستان يوم الخميس ثاني المحرم عام 613هـ (1216م) وبعث معهما العساكر بقيادة وزيره مؤيد الدين وعزل عنها ياقوت ثم عاد الحسن (المؤيد لدين الله) مع الوزير الشرابي إلى بغداد في شهر ربيع الأول وأقام الحسين (الموفق بالله) حاكماً على خوزستان.
وظلت خوزستان بعد الناصر في يد الخلفاء العباسيين إلى أن تدفقت جيوش المغول واكتسحت البلاد وقضت على الدولة العباسية عام 656هـ (1258م).
وبعد سقوط الدولة العباسية لم يستقر الوضع في خوزستان فقد تولتها دول كثيرة كالدولة الجنكيزية والأليخانية والتيمورية والجلائرية والمشعشعية والصفوية وغيرها.
الدولة المشعشعية
نشأت دولة المشعشعيين في خوزستان سنة 844هـ وكانت قاعدتها مدينة الحويزة. وقد أطلقت عليهم عدة أسماء، منها ما أطلق أولاً على بعض زعمائهم ثم أصبح علماً لهم جميعاً، وهي:
1 ـ آل المشعشع: نسبة إلى مؤسس دولتهم محمد بن فلاح الذي لقب بالمشعشع ويعلل بعضهم سبب هذا التلقيب بأسباب لا يمكن الركون إليها.
وقد أخذ الشاعر السيد جعفر الحلي في شعره بأسباب هذا اللقب، لا اعتقاداً بل خيالاً شعرياً، فقال من قصيدة:
مشعشع الخدِّ كَمْ دبت عقاربه
بوجنتيه وكم سابت أفاعيه
وسجر النار في قلبي وحل بها
إن المشعشع نار ليس تؤذيه
كما لقب محمد بن فلاح بالمهدي لادّعائه المهدوية.
2 ـ آل فلاح: نسبة إلى فلاح والد محمد بن فلاح.
3 ـ الموالي: نسبة إلى علي بن محمد وهو أول من لقّب بهذا اللقب من المشعشعيين ثم سموا به جميعاً.
4 ـ آل خان: نسبة إلى علي خان بن خلف.
وبعد أن تشعبت الأسرة حملوا عدة ألقاب منها: آل حيدر وآل سجاد وغير ذلك من الألقاب التي تطلق على بعض طوائفهم في العراق وخارجه.
وقد خرج فيهم فقهاء وأدباء ومؤلفون. وكانت لهم مكتبة عامرة احتوت على مختلف الكتب في شتى المعارف والعلوم والفنون بينها مؤلفات لرجالهم، وازدادت في عهد المولى خلف ابن مطلب، ثم أضاف إليها ولده السيد علي خان في أواخر القرن الحادي عشر الهجري شيئاً كثيراً بينه مؤلفاته.
وبعد زوال إمارتهم من الحويزة سنة 1300هـ تشتّت المكتبة بين العراق وإيران.
ومؤسس أمر المشعشعيين هو محمد بن فلاح المولود بواسط والمتتلمذ على أحمد بن فهد الحلي، فقد ادّعى المهدوية سنة 840هـ وحاول جمع الأعوان حوله وتنسب إليه شعوذات قام بها في هذا السبيل مما أدى إلى تكفيره وإهدار دمه لا سيما من أستاذه الحلي، ووجد في آخر الأمر من يقول بقوله وصار له جمع قاتل به سنة 844هـ في شوخة من قرى جصان وكان قد ارتحل إليها.
وبعد انتهاء هذا القتال الذي أصيب أنصاره فيه بالقتل والأسر عاد بهم إلى مواطنهم الأصلية وهي: البثقة، والنازور، والغاضري، ثم ارتحلوا إلى الدوب بين دجلة والحويزة، وهو في الأصل منازل (المعادي) الذين انضموا إليه.
وأول معاركه التي انتصر فيها هي التي كانت في الحويزة سنة 844هـ حين جاء العامل ليجمع الضريبة المقررة على الناس، فدعاهم محمد بن فلاح إلى التمرد على ذلك وانتصر بهم وصارت له سلطة، وتتابع له وقائع انتصر بها ثم سيطر على الجزائر ولكن جيشه الذي أرسله إلى واسط انهزم وقتل منه مقتلة مما أدى الى تركه الجزائر والنزول في الحويزة في أول رمضان سنة 845هـ وكان لا بد له من القتال حتى سيطر على الحويزة ثم انضمت إليه جماعات من عدة قبائل قوّت أمره مما جعله يهاجم البصرة. ثم استولى على المجرة والدورق ودزفول وغيرها. وفي سنة 857هـ (1454م) استولى على واسط وكان يقود جيوشه ابنه علي الذي لم يتورع عن العيث فساداً ثم احتل مدينة الحلة وأحرقها وخربها وقتل من بقي فيها، ثم رحل عنها إلى النجف وكربلاء ونهبهما ونهب ما في قبر أمير المؤمنين مما هو مودع فيه من الذخائر النفيسة حتى (السجاد) وكذلك في كربلاء ودخل بفرسه إلى داخل الضريح وقتل الناس مقتلة عامة بعدما جعل القبة مطبخاً للطعام. وأحرق ما هو دائر على قبة الإمام. وذلك في شهر شوال سنة 858هـ.
وفي سنة 860؟هـ (1456م) كان علي هذا يمشي إلى طريق خراسان من ولاية بغداد فينهب ويقتل ويأسر الذراري ويسبي النساء واحتل مدينة بعقوبة وسلمان باك وقتل مشايخ سلمان باك وأسر الباقين. ثم بلغه إقبال الجيوش إليه فانسحب عائداً إلى الحويزة. وفي سنة 861هـ قتل علي أثناء حصاره قلعة بهبهان.
ويقول صاحب (مجالس المؤمنين) أن علياً كان في أواخر أيام أبيه هو المسيطر الفعلي وأنه خرج عن الإسلام مدّعياً أن روح الإمام علي (عليه السلام) قد حلت فيه وأن الأمر قد وصل فيه إلى ادعاء المهدوية أولاً ثم الألوهية.
وعلى هذا الغلو قامت (المشعشعية) وتوفي محمد بن فلاح في 7 شعبان سنة 866هـ وتوالى خلفاؤه حتى سنة 914هـ وكانت قد قامت الدولة الصفوية وفتح الشاه إسماعيل بغداد وكان يتولى أمر المشعشعيين علي وأيوب ولدا محسن. وعند رجوع إسماعيل من بغداد توجه إلى الحويزة وقتل الأخوين مع أعيان من رجالهما واستولى على الحويزة وسيطر على خوزستان كلها.
وبعد فترة استطاع فلاح بن محسن المشعشعي أن يسترضي الشاه إسماعيل، فعينه حاكماً على الحويزة وبعض خوزستان تابعاً للسلطة الإيرانية.
ومضى المشعشعيون بعد ذلك في مد وجزر إلى أن آل أمرهم أن حكمهم لم يتعد الحويزة وسوادها.
وفي عهد الدولة الزندية (1176هـ 1202هـ) أرسل مؤسسها كريم خان حملة بقيادة أخيه صادق على الحويزة في عهد محمد المشعشعي فانهزم محمد ولجأ إلى الأهوار بين الحويزة والعمارة، ولكن بعد موت كريم خان استرجع محمد الحويزة واستقر بها.
وانتهى حكم المشعشعيين بحكم مطلب بن نصر الله سنة 1300هـ (1882م) وذلك على يد الشيخ خزعل المرسل بحملة من أخيه الشيخ مزعل فاشتبك بقوة مطلب التي لم تلبث أن انهزمت وفر مطلب إلى مدينة دزفول حيث أقام فيها إلى أن مات.
وهكذا انتهت دولة المشعشعيين الذين كانوا قد حملوا اسم الموالي بعد أن عاشت حوالي خمسة قرون. وحلت محلها في الحويزة إمارة كعب التي سادت خوزستان.
وتفرق المشعشعيون في العراق والكويت وإيران والمحمرة.
بنو كعب
1 ـ آل أبو ناصر: خلفت الدولة الصفوية في إيران الدولة الأفشارية على يد مؤسسها (نادر شاه) وقد وافق انقراض الدولة الصفوية ضعف الدولة المشعشعية أيضاً وانقسام مملكتهم بين القبائل الشمالية من خوزستان أما القبائل الجنوبية فقد كان لها شأن غير شأن القبائل الأخرى فقد ظل كيانها قوياً لم يؤثر فيه النفوذ الإيراني كثيراً وبقيت مناطقهم حصينة آمنة وقد كانت رئاسة القبائل الجنوبية إلى بني كعب المعروفين (بآل بو ناصر) وكانوا قد اتخذوا مدينة (القبان) مقراً لإمارتهم وبحكم موقعها الجغرافي اضطروا لتشييد أسطول بحري كبير وبواسطته تمكّنوا من نشر نفوذهم في الخليج الفارسي وفي شط العرب وكان الشيخ سلمان من أهم وأقوى من تولى الأمر في بني كعب.
ولمّا قتل نادر شاه عام 1160هـ رحل الشيخ سلمان مع قسم من قبائل بني كعب من القبان إلى مدينة الدورق وأبدل اسمها بالفلاحية واتخذها مقراً لهم.
2 ـ آل بو كاسب: بعد انهيار الدولة الأفشارية في إيران قامت الدولة الزندية على يد كريم خان وعلى أنقاض الدولة الزندية قامت الدولة القاجارية بزعامة محمد شاه وكانت إيران في عهد هذه الدولة مؤلفة من مجموعة حكّام ومقاطعات وكل حاكم مستقل داخلياً وعلاقته محدودة مع الحكومة المركزية وكان إقليم خوزستان أقل ارتباطاً بالحكومة الإيرانية من بقية الأقطار (ولا سيما القسم الجنوبي) وكان حكّامه عندما يشعرون بضعف الحكومة الإيرانية يظهرون العصيان ويعلنون استقلالهم ويحاربون من يتعرض لمصالحهم فترسل الحكومة الإيرانية الجيوش وتشتبك معهم.
وبعد أن ترك آل بو ناصر مدينة القبّان ومنطقة شط العرب تخلف عن المسير ثلاثة من قبائل كعب وهي النصار والدريس وآل بو كاسب ومن هنا انقسمت بنو كعب إلى قسمين قسم الفلاحية وقسم المحمرة وكانت رئاسة قبيلة آل بو كاسب إلى مرداو ثم خلفه ولده الأكبر الحاج يوسف.
وفي عصر الحاج يوسف شيدت مدينة المحمرة (خرّم شهر) عام (1229هـ 3/1812م) ثم تولى الرئاسة من بعده أخوه الحاج جابر، وفي عهد هذا الأمير اتّسعت المحمرة وسطع نجمها وصارت هدف الخلاف بين الدولتين العثمانية والإيرانية تدّعي كل من الدولتين ملكيتها.
وفي العام 1253هـ (1837م) هاجمت قوات والي بغداد (علي رضا باشا) المحمرة وانضم إليه عرب زبيد بقيادة شيخها وادي وآل عقيل بقيادة سليمان وعرب نجد بقيادة ابن مشاري وبنو طي وعرب السعدون بقيادة أميرهم طلال، فقاومهم الشيخ جابر ولكن علي رضا استطاع دخول المحمرة فأصابها التدمير والخراب. وفي ذلك يقول الشاعر العراقي الموصلي عبدالباقي العمري المقرب من علي رضا من قصيدة حشاها بالبذاءات المذهبية مما يأخذ به هؤلاء القوم كلما سنحت لهم الفرصة، وما تركناه من القصيدة هو أشد بذاءة مما أخذناه:
فتحنا بحمد الله حصن المحمره
فأضحت بتسخير الآله مدمره
بسيف علي ذي الفقار الذي لنا
لقد أخلصت صقلاً يد الله جوهره
و(جابر) أورثناه كسراً (بكعبه)
وليس لعظم قد كسرنا مجبره
غدا هارباً يرجو النجاة بنفسه
وخلى قناطير التراث المقنطره
ونخل أمانيه (بمكتوم) خبثه
عثاكلها في غدر (تامر) مثمره
على ساقها قامت (لكعب) قيامة
فنزلت بهم أقدامهم متعثره
غدوا طعمة للجيش إلا أقلهم
قد اتّخذوا من شط (كارون) مقبره
فكارون يحكي (النهروان) وهذه الـ
الخوارج والغازي الغضنفر حيدره
سقى الرفض ساقي الحوض كأس منية
غداة وردنا بالمسرات كوثره
فيا عجباً من شيعة كيف تدعى
ولاء علي وهي عنه منفره
وأمست بنو (النصار) والرفض دينها
على ما دهاها من علي مفكره
قطعنا من (الدروند) حبل وريدهم
بل وأصبنا من طلى الرفض منحره
وآل (زبيد) صولجان رماحهم
دعا رؤسا (كعب) جماجمها كره
وقد سال (واديهم) وصال بجمعه
عليهم فأصبحن الجموع مكسره
وحفت به من آل (حمير) أسرة
فكانوا لنا عن قوم تبعّ تذكره
وآل عقيل مع سليمان شيخهم
على السور قد شاهدتها متسوره
وأقيال نجد لم نجد كطرادها
بيوم أثار ابن (المشاري) عثيره
وفارس (طي) في جحافل خيله
أتى بمساع في الحروب موفره
وخيل بني السعدون كر (طلالهم)
إلى أهله والخيل بالمال موقره
وطار بسر الباز صيت عقابنا
لهم فغدت شيراز منهم مطيره
وعن (كعب) الأخبار متهمة سرت
ومنجدة فيها الرواة ومغوره
وفي مجمع البحرين آيات حربنا
عن الخضر يرويها الكليم مفسره
و(جابر) في حصن الكويت قد التجا
إلينا وقاد الصافنات المضمره
وقد شملته من علي مراحم
وخلعة فخر فيه كمل مفخره
(علي رضا) بالسيف حكم عبده
فقيل له عبد الرضا حين أمره
وطابت له سكنى (فلاحية) الهنا
وقد حاز من رستاق (تامر) أكثره
وفر لنحو الهنديان وقومه
لعباد الرضا انحازت وكرت مقهقره
ثم عقد سنة 1260هـ (1844م) مؤتمر عرف بمؤتمر أرضروم اشتركت فيه الحكومتان الروسية والبريطانية مضافاً إلى الحكومتين المتخاصمتين واستمرت المفاوضات ثلاث سنوات ثم انتهت بعقد معاهدة بتاريخ 13 جمادى الآخرة 1263هـ (1847م) عرفت بمعاهدة أرضروم ألحقت فيها المحمرة وعبادان وبعض المناطق الأخرى بالدولة الإيرانية، وألحقت السليمانية وتوابعها بالدولة العثمانية. وجاء فيها هذا النص:
«تتعهد الحكومة الإيرانية بأن تترك للحكومة العثمانية جميع الأراضي المنخفضة أي الأراضي الكائنة في القسم الغربي من منطقة ذهاب. وتتعهد الحكومة العثمانية بأن تترك للحكومة الإيرانية القسم الشرقي أي جميع الأراضي الجبلية في المنطقة المذكورة بما في ذلك وادي كرند وتتنازل الحكومة الإيرانية عن كل مالها من ادعاءات في مدينة السليمانية ومنطقتها وتتعهد تعهداً رسمياً بأن لا تتدخل في سيادة الحكومة العثمانية على تلك المنطقة أو تتجاوز عليها.
وتعترف الحكومة العثمانية بصورة رسمية بسيادة الحكومة الإيرانية على مدينة المحمرة ومينائها وجزيرة خضر والمرسي والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية اليسرى من شط العرب التي تحت تصرف عشائر معترف بأنها تابعة لإيران وفضلاً عن ذلك فللمراكب الإيرانية حق الملاحة في شط العرب بملء الحرية وذلك في البحر إلى نقطة اتصال حدود الفريقين».
وقد أثارت الدولة العثمانية في مذكرتها الإيضاحية المؤرخة 26/4/1847م المقدمة إلى السفيرين الروسي والبريطاني في اسطنبول بعض الأسئلة فذكرت في إيضاحها الأول كما يلي:
«يظن الباب العالي بأن الفقرة الواردة في المادة الثانية في مسودة المعاهدة والتي تنص على ترك مدينة المحمرة ومينائها ومرساها وجزيرة خضر لإيران لا يمكن أن تشمل أراضي الباب العالي المتضمنة خارج المدينة ولا موانيه الأخرى الواقعة في هذا الإقليم.
ويهم الباب العالي كذلك فيما يتعلق بالنص الوارد في فقرة أخرى من هذه المادة حول إمكان تقسيم العشائر التابعة فعلاً لإيران أي سكان نصفها الواحد في أراضي عثمانية ونصفها الآخر في أراضي إيرانية أن يعلم هل أن ذلك معناه أن تصبح أيضاً أقسام العشائر الموجودة في تركية خاضعة لإيران وبالتالي أن تترك كذلك لإيران الأراضي التي تحت تصرف تلك الأقسام؟ وهل سيكون لإيران الحق يوماً من الأيام في المستقبل في أن تنازع الباب العالي حق التصرف في الأراضي المذكورة».
فأجابها السفيران بمذكرة مشتركة بتاريخ 26/4/1847م بما يلي: «… بخصوص)[1]( أن مرسى المحمرة هو القسم الواقع مقابل مدينة المحمرة في قناة الحفار وهذا التعريف لا يحتمل أن يؤثر أي تفسير آخر من معناه وفضلاً عن ذلك فإن الممثلين الموقعين أدناه يشاطران الحكومة العثمانية الرأي القائل بأن ترك الحكومة العثمانية لإيران مدينة المحمرة وميناءها ومرساها وجزيرة الخضر في المنطقة المذكورة لا يعني تركها أية أرض أو موانىء أخرى موجودة في تلك المنطقة.
ويصرح كذلك الممثلان الموقعان في أدناه بأنه لن يكون لإيران الحق بأية حجة كانت من أن تقدم ادعاءات حول المناطق الكائنة على الضفة اليمنى من شط العرب ولا حول الأراضي العائدة لتركية على الضفة اليسرى حتى إذا كانت تقطن تلك الضفة أو تلك الأراضي عشائر إيرانية أو أقسام منها».
وأجابت الدولة الثعمانية بمذكرتها المؤرخة في 29 جمادى الأولى 1263هـ والدولة الإيرانية بمذكرتها المؤرخة 31/1/1848م بالموافقة على ما جاء بمذكرة السفيرين.
فزاد هذا الحادث مكانة المحمرة السياسية والتجارية وزاد الحاج جابر حرصاً على تقدم قطره وعلو شأنه.
انشقاق قبائل خوزستان
وموقف الحاج جابر
في عام 1265هـ (1849م) انشقت قبائل خوزستان على نفسها فأعلن الشيخ حداد بن فارس (رئيس قبيلة آل كثير) استقلاله وكذلك فعل الشيخ مهاوي (رئيس قبيلة بني طرف) ولم يشذ الشيخ طلال (رئيس قبيلة ربيعة) عن ذلك ولم يكن شأن آل بو ناصر (رؤساء بني كعب) في الفلاحية أحسن حالاً من غيرهم فقد ثار بينهم النزاع على الإمارة ودارت حروب طاحنة بين جميع القبائل ولم يبق محافظاً منهم على مقامه سوى الحاج جابر المرداو (أمير المحمرة).
وتدخلت الحكومة بالأمر واستطاعت السيطرة على الموقف فيما عدا ما كان من أمر قبيلة ربيعة التي أوكلت أمرها إلى الشيخ جابر فعالجه بالحكمة وتزوج نورة ابنة شيخ قبيلة طلال فأولدها خزعل.
وبعد ذلك اجتمع على الحاج جابر كل من تخلف عن بني كعب الذين في الفلاحية فضاقت به ذرعاً بنو كعب ورأته يزداد قوة يوماً بعد يوم فدارت بينه وبينهم حروب عديدة كان النصر له في أكثرها فسطع نجمه وعلت شهرته.
وحصل خلاف بين الحكومة البريطانية والدولة الإيرانية على تحديد الحدود الإيرانية الأفغانية ثم أدّى ذلك إلى إعلان الحرب بين الدولتين على الأثر هاجمت الحكومة البريطانية بأسطولها المحمرة بتاريخ 29 رجب 1273هـ (26 آذار 1857م) ففكر الحاج جابر بما يجب أن يعمل لتخليص بلده من هذا الخطر الذي لا يعرف أحد مغبته فرأى أن يصمد بوجه الهجوم البريطاني متكلاً على أتباعه فجرت له معهم صدامات قوية وبقيت كذلك إلى أن وردت الأنباء بالصلح بين بريطانيا وإيران عندئذٍ انسحبت القوات البريطانية من المحمرة.
وفي أواخر عام 1273هـ (1857م) حددت علاقة خوزستان بإيران بما يلي:
1 ـ تكون إمارة خوزستان إلى الحاج جابر بن مرداو ولأبنائه من بعده.
2 ـ تبقى الكمارك تحت إدارة الدولة الإيرانية.
3 ـ يقيم في المحمرة مأمور من قبل الدولة الإيرانية ليمثِّلها لدى أمير خوزستان ومهمته تنحصر في الأمور التجارية فقط.
4 ـ يكون علم الإمارة نفس العلم الإيراني.
5 ـ تكون النقود المتداولة في خوزستان نفس النقود الإيرانية.
6 ـ شؤون خوزستان الخارجية منوطة بوزارة الخارجية الإيرانية.
7 ـ يتعهد أمير خوزستان بنجدة الدولة الإيرانية بجيوشه في حالة اشتباكها بالحرب مع دولة أخرى.
وفي 10 ذي الحجة عام 1298هـ (1881م) توفي الشيخ جابر وخلفه على الإمارة ولده الشيخ مزعل.
فسار سيرته واستعمل اللين مع مشايخ الأعراب فثبت دعائم الإمارة إلى أن اغتاله أخوه خزعل في الليلة الثانية من شهر محرم عام 1315هـ (1896م) وتولى مكانه.
وكانت إمارته ضيقة النطاق وبعض القبائل منقطعة عن الإمارة فحاول بشتى الطرق إصلاح الحال فتمكن من إخضاع القطر جميعه لسيطرته وبسط نفوذه من شط العرب إلى مدينة دزفول ومن الحويزة إلى جبال البختيارية.
ولما استتب له الأمر ودانت له القبائل أخذت الحكومة البريطانية تتقرب إليه وتحتك به فعرضت عليه في عام 1317هـ (1898م) استعدادها لمساعدته وأوعزت لسفيرها في طهران أن يؤيد سياسته ويدافع عن إمارته وفي عام 1320هـ (1902م) استأنفت مفاوضاته لتحقيق أمانيها في إمارة خوزستان فكتب إليه السير هردنك كتاباً بتاريخ 7 كانون أول 1902م ومن ضمن ما جاء فيه ما يلي:
(نحمي المحمرة من كل هجوم بحري تقوم به دولة أجنبية مهما كانت حجة التدخل التي تدّعي ما زلتم مخلصين للشاه وتعملون بمشورتنا فنحن أيضاً نستمر على معاونتكم ومصادقتكم).
وفي عام 1332هـ (1914م) كتب إليه الكولونيل نوكس كتاباً يتمنى اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال إمارته واستعدادها للقيام بحفظها من اعتداء أي دولة بما فيها الدولة الإيرانية.
من البيوت العلوية في خوزستان
ونترك الحديث هنا للسيد هادي باليل الموسوي:
1 ـ آل أبي شوكة: سادة حسينيون موسويّون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وجدّهم الأعلى السيّد مطلب المعروف بـ (العود) ابن عمّ السيد عبدالعزيز النجفي جدّ السادة آل الصافي النجفيين، كانت منازلهم في مطلع القرن الثاني عشر الهجري في الدورق، ومنها رحل السيد عبدالعزيز جدّ آل الصافي إلى النجف الأشرف حدود سنة 1120 هجرية، والسادة آل أبي شوكة أو (البو شوكة) كما هو على لغة أهل المنطقة يقطنون اليوم الأهواز (منطقة كوت سيد صالح) والفلاحية والمحمّرة وسائر مدن الإقليم، اشتهر منهم السيد عناية المتوفى سنة 1323هـ والسيد جابر المشعل زعيمي حركة الجهاد الذي أفتى به المرجع الكبير السيد محمد كاظم اليزدي ضد الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1333هـ وكان السيد جابر المشعل رائد حركة الجهاد في الدورق فقد ساهم مساهمة فعّالة في إثارة القبائل في بداية الأمر وأخذوا يهتفون باسمه (ميزان الحق سيد جابر) ثم جرت وقائع لا مجال لذكرها هنا فتخلّت عنه القبائل، ونُفِيَ السيد جابر هو ورئيس حركة الجهاد في المنطقة إلى رامز.
وأرّخ بعض مناوئيه سنة الجهاد حسب حروف الأبجد بقوله (جهادك غشّ = 1333هـ). وكانت وفاة السيّد جابر المشعل سنة 1357هـ كما أرّخه الملا محمد الماجدي في قصيدة رثائية يقول في آخرها:
وانع المفاخر طرّا فالعماد هوى
أرّخ (ومات أبو الأيتام والفقرا)
2 ـ السادة آل باليل أو (آل أبي ليل): أسرة حسينية موسوية من أقدم بيوتات السادة سكناً في الدورق وتعود صلتهم بالدورق إلى ما قبل القرن الحادي عشر الهجري أيام إمارة المشعشعيّين وحكومتهم في الدورق ويتصل جدّهم الأمير باليل المتوفى عشر الستين بعد الألف للهجرة بالسيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عبر عشرين جيلاً أغلبهم من كبار العلماء ومشاهير رجال الشيعة، وكان الأمير باليل الذي عرفت به الأسرة من أجلاّء أمراء المشعشعيين ومشاهير فرسانهم، ذكره صاحب كتاب (الرحلة المكّية والإمارة المشعشعية) وذكر له مواقف جليلة تدل على نبله وشجاعته وعلوّ همته، ومن آثاره الإعمارية (نهر باليل) الذي شقّه من نهر كارون إلى جهة الأراضي الواقعة في شمال الفلاحية باتجاه القبلة (كما ذكرته مخطوطة تاريخ كعب) وقد غمرته الأهواز في عصرنا الحاضر فلا يهتدي إليه إلا أبناء تلك المنطقة.
ويتصل السادة بالأمير باليل بواسطة جدّهم السيد إسماعيل (المتوفى عشرة الثلاثين بعد المائتين والألف للهجرة) ابن السيد محمود بن العالم الأديب السيد إبراهيم (المتوفى في عشرة الخمسين بعد المائة والألف) ابن العلاّمة الجليل السيد علي (صاحب التصانيف الأدبية الراقية المتوفى حدود سنة 1103هـ) ابن الأمير باليل الدورقي. ويتفرعون من السيد إسماعيل بواسطة ابنيه السيد إبراهيم المتوفى سنة 1243 والسيد نعمة، أما السيد إبراهيم فله ثلاثة أبناء، أكبرهم الفاضل المقدّس السيد شبر المتوفى حدود سنة 1315هـ، ويعرف أعقابه بـ(الشبّريين) ويقال هم بيت السيد شبر وقد غلب هذا الاسم على سائر السادة من آل باليل فعرفوا به، ومن هذا البيت: (صاحب كتاب الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق)، وهو السيد هادي بن السيد ياسين بن السيد عاشور بن السيد شبّر المذكور.
أما إخوة السيد شبّر فهم السيد صالح والسيد علي ولهما أعقاب منتشرون.
وأما السيد نعمة بن السيد إسماعيل فله ابنان: السيد محسن والسيد فضل ولهما أعقاب.
وفي الجملة فإنّ السادة آل باليل منتشرون في أكثر مدن الإقليم، في عبادان والأهواز والفلاحيَّة ومعشور وفي القرى والسواد مثل الحفّار والمحرزي وشنّة والفيّة وبعضهم خرجوا إلى الكويت وتوطّنوا فيها وبعضهم في بلاد نائية، مثل يزد وأصفهان، وفيهم مثقفون وأدباء وشعراء وخطباء وحملة شهادات جامعيّة.
3 ـ آل أبو دانّين: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وجدّهم الأعلى الذي عرفت به الأسرة هو أدنانة بن غزال بن حسان وحسّان هذا هو الجدّ الثالث للسيد مطلب العود جدّ السادة آل أبي شوكة، والسادة البوادنيّن منتشرون في الإقليم محترمون عند القبائل ويتفرّع منهم آل موزان بواسطة جدّهم موزان بن جابر بن حردان بن أدنانة المذكور آنفاً.
4 ـ بيت الحكيم: أسرة حسينيّة موسويّة ينتسبون إلى جدّهم الحكيم السيد عبدالرضا بن شمس الدين الموسوي البصري الدورقي من كبار علماء زمانه، وكان قد هاجر من البصرة سنة 1078 هجرية وتوطّن في الدورق هو وولداه السيد إبراهيم والسيد هاشم بجميع أهلهم لما حصل في البصرة من ظلم العثمانيين وفسادهم، وبقي أعقاب الحكيم يسكنون الدورق إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري وكان لهم فيها دور أملاك وأراض واسعة، ثم انتقلوا إلى جزيرة عبّادان وسكنوا قرية الطرّة الواقعة على الجانب الغربي من نهر بهمنشير، ولا زالوا يسكنونها حتى هذا اليوم، وانتقل بعضهم إلى سائر مدن الإقليم للاكتساب وطلب المعيشة.
5 ـ السادة الزوامل: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بواسطة جدّهم زامل بن صالح بن جعفر بن علي، وعلي هذا هو الجدّ الأعلى للسادة آل أبي شوكة والبوادنيّن وآل موزان كما ينتسب للسيد علي هذا أيضاً السادة (البخات) على (وزن الحُمات، والثُقات) والسادة الهرامشة وهؤلاء السادة أعني البخات والهرامشة كثيرون منتشرون في الإقليم منهم في الشوش وفي الميناو، ومنهم في البلاد العراقية يقطنون الكوت على ضفّة الفرات الغربية.
6 ـ الشرفاء: ذكر مؤلف قبائل الأهواز السادة الشرفاء ونسبهم إلى شرفاء مكّة من سلالة الشريف قتادة الحسني المتوفى سنة 418هـ.
وهذا خطأ وقع فيه أغلب من كتب في هذا الموضوع والصحيح في نسبهم ما كتبه السيد ضامن بن شدقم المدني في كتابه (تحفة الأزهار) والمؤلف نسّابة من أهل القرن الحادي عشر الهجري ويتصل بهم في سلسلة نسبهم المنتهية إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، وعلى أي حال فإن الشرفاء قبيلة علوية حسينية نزحت من المدينة المنوّرة في أوائل القرن العاشر الهجري وهي من سلالة الشريف أبي عمارة المهني أمير المدينة رحلوا من المدينة على عهد جدهم جبران بن أحمد بن معرعر ونزلوا ساحة المشعشعيين.
قال المولى السيد علي بن عبدالله المشعشعي في كتابه (الرحلة المكّية والإمارة المشعشعية) كان السيد حمد الشريف أول من ورد الحويزة من ديرة الريحاني وخدم السيد مبارك ثم تلافت عليه أعمامه بعد ذلك.
(أقول): إن حمداً هذا هو بن غزي بن جبران المذكور آنفاً وأنه ورد الحويزة في العقد الأول من القرن الحادي عشر الهجري حدود سنة 1010 هجرية، وأن ديرة الريحاني من نواحي تستر (شوشتر) لأن أعقاب غزي وأخيه محيل كانوا بنواحي شوشتر كما ذكر السيد علي آل شدقم المدني في كتابه (زهرة المقول في نسب ثاني فرعي الرسول) ولما وردوا الحويزة قرّبهم أمراء الموالي وأقطعوهم الأراضي الزراعية والمقاطعات واتّخذوا منهم رجالاً في إدارة شؤون الإمارة حتى إدارة ما يسمى بتشريفات البلاط وكان محل سكناهم منطقة زين العابدين في شمال الحويزة وكانوا آنذاك شجعاناً أقوياء لهم مواقف مشهورة ومآثر مذكورة مع سخاء وكرم وجميل طباع وشيم ومن أبرز رجالهم في القرن الحادي عشر الهجري، حمد المذكور وابن أخيه باليل بن معن وسالم بن حمد وباليل بن مقياس، أمّا في هذا القرن فقد كان زعيمهم محيي بن زيبق بن حمد بن حمود بن مدلي بن شهاب بن سالم بن جبر بن سالم بن حمد الآنف الذكر، والشرفاء اليوم كثيرون منتشرون في أكثر مدن الإقليم.
7 ـ الغرابات: أو بنو غراب قبيلة علويّة حسينية كبيرة الفروع منتشرة في إيران والعراق والهند وفي بلاد أخرى وجدّها الأعلى أبو الحسن علي المدعو غراباً بن يحيى المدعو عنبراً بن أبي القاسم علي بن أبي البركات محمد بن أحمد بن محمد صاحب دار الصخر بالكوفة بن زيد بن علي الحماني الشاعر ابن محمد الخطيب الشاعر الحماني بن أبي عبدالله جعفر الشاعر بن محمد بن محمد الأصغر بن زيد الشهيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
والموجودون من الغرابات في الإقليم كثيرون منتشرون في المدن والأطراف من أشهرهم السيد حمد الغرابي المتوفى حدود سنة 1392هـ وهو السيد حمد بن السيد موسى بن السيد عبدالله بن السيد مطلب الغرابي وكان وجيهاً ورعاً سخيّاً وصولاً للفقراء يسكن قرية (الإبيرش) من قرى الأهواز الواقعة في شمال نهر الجراحي، وهو ممدوح الشاعر الأديب الملاّ محمد الماجدي الدورقي في قصيدته لتي يقول فيها:
فلا أبالي إذا ما الدهر عاندني
أخشى وكهفي وسيفي أن سطى حمد
مولى حوى الشرف الأعلى وحلّ به
فلا يدانيه في شأو العلا أحد
8 ـ السادة النواجي: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى عبدالله بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وجدّهم الذي عرفوا به هو السيد ناجي بن محمود بن هبة الله بن عبدالله بن محمد بن حسين بن محمد بن عبدالله بن السيد نجم الدين الجزائري أخ ـ السيد نعمة الله الجزائري المحدّث الشهير، انتشر السادة النواجي من الحويزة والعمارة وهم يقطنون اليوم في المحمّرة وعبادان والأطراف كالمنينج والحفّار، والعبارة، وأم التلول والطرّة وشنّة والمحرزي ومنهم في الفلاحيّة، وأغلبهم يمتهنون الزراعة والتجارة ونسبة المثقفين فيهم ضئيلة.
9 ـ الهرامشة: سادة حسينيون موسويون من ذرية جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عرفوا بالهرامشة نسبة إلى جدّهم هرموش الذي احتفر نهراً من شطّ الكرخ والنهر أيضاً يعرف بالهرموشي إلى هذا العصر والسيد هرموش هو أخو السيد سري الذي كان له حصن حصين هدمه المشعشعيّون في حروبهم ويتصل هذان الأخوان بالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عبر واحد وعشرين جيلاً والهرامشة الموجودون في الإقليم يتصلون بجدّهم هرموش بواسطة جدّهم الأدنى علي بن عبيد بن شكور بن حمود بن درباش بن عبدالله بن محمد بن هرموش المذكور.
كذا ذكرهم السيد جعفر الأعرجي في كتابه (مناهل الضرب في أنساب العرب) ومساكنهم تقع بين دزفول وشوشتر ومنهم جماعة في دزفول وفي الشوشن (في قرية آل كثير) وزعامتهم في بيت السيد عناية ونسبة الثقافة بينهم ضئيلة وأكثرهم مزارعون وعددهم يربو على مائتي بيت.
هادي باليل الموسوي
خونسار
الحدود: تحد مدينة خونسار ذات الهواء النقي الصافي في القاطع الشمالي الغربي، محافظة أصفهان وذلك بمسافة ما يقارب 144كم عن مركز المدينة. ومن الشمال مدينة گلپايگان ومن الجنوب قرية (دامنة) وهي تقع على الطريق العام بين أصفهان وعبادان، ومن الغرب قرى فريدون وهي تقع على 33 درجة و12 دقيقة في العرض الشمالي و50 درجة وعشرين دقيقة طولاً من الشمال وارتفاعها عن مستوى سطح البحر 2408 أمتار.
المناخ: المناخ في الصيف يكون معتدلاً لطيفاً ويكون في الشتاء بارداً، وأقصى درجات الحرارة في الصيف 38 درجة مئوية، وفي الشتاء تنخفض درجة الحرارة إلى 15 درجة مئوية ولهذا المناخ المعتدل، يقصدها الآلاف من الناس للاصطياف فيها)[2](.
وقد قلّت الأمطار فيها في الآونة الأخيرة، فقلّت المحاصيل الزراعية وتضاءل إنتاجها.
مصادر المياه: تتكون مصادر المياه في خونسار من اتحاد الينابيع والقنوات المتعددة الموجودة فيها، فتروى الأراضي بانتظام.
وهناك نبع ماء رئيس يسمى (سر چشمه) واقع في سفح جبل (سول)، الذي تكثر ينابيعه الصغيرة في فصل الربيع، فتبعث في المدينة جمالاً وبهاءً وبعد أن تسقي هذه المياه الأراضي المجاورة لها تلتقي بمياه النهر الذي يشطر المدينة إلى شطرين ماضياً إلى (گلپايگان) و(قم).
وأقيم على النبع الكبير منتزه جميل، كما ارتوت المنازل بالمياه المنقولة إليها بالأنابيب.
الجبال: تظهر مدينة خونسار الجميلة الخضراء وكأنها غابة لكثافة الأشجار فيها بين المرتفعات، فهي تقع في وادٍ فسيح، إحدى جهاته مرتفعات جبل (سوَل) الذي يبدو وكأنه جدار يحتضن المدينة. ومن الجهة الأخرى تطل عليها (سگر بابا عظيم).
شي من التاريخ: لم يكتب لمدينة (خونسار) تاريخ
في خونسار تموز سنة 1970 ويُرى المؤلف الثاني من اليمين
مفصل، ولكن هناك مصادر جزئية هي بالنسبة إلينا مهمة وتعتبر من المسلمات في تاريخ خونسار.
فاللهجة الخونسارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع اللغة التي كانت سائدة قبل الإسلام، ففي خونسار لا يزالون يحافظون على تلك اللهجة بأصاتها حتى الآن.
فنرى أن كلمة خونسار هي بالأصل كلمة أوستائية.
ومن الجدير بالذكر ما جاء في التاريخ من كلام ابنة يزدجر (خسرو پرويز) بعد فتح المسلمين لإيران ـ من كلامها عند الخليفة الثاني بعد الأسر حين قالت (أف بر ايروزير بوكه كاغذ پيغمبر برّرا) يعني أف على برويز لأنه مزق رسالة النبي (ص) فنرى إنها تكلمت باللهجة الخونسارية المتداولة الآن.
وعلى تقدير علماء الآثار وذوي الاختصاص فإن اللهجة الخونسارية تعود أصالتها إلى اللغة الپهلوية الساسانية، كما أن لفظة خونسار هي بالأصل خانياسر: أي كثيرة الينابيع، فأصلها على تقدير العلماء أصل أوستائي.
ولكن وكما أسلفنا ليس لزعمنا هذا كتاب أو مصدر يستند إليه تاريخياً لا قبل الإسلام، ولا بعده، وهناك كتاب واحد عن خونسار وهو كتاب (دور نماي خونسار) وهو يبحث عن الأمور العامة والكلية ومؤلف هذا الكتاب هو فضل الله الزهرائي ويرجع تاريخ تأليفه إلى سنة 1962م.
ومن أخبار خونسار أنه حين هجم الأفغان على المدينة أبرز أهلها بسالة حيث يئس معها قائد الهجوم من الانتصار عليهم فانصرف عنها.
السكان: يبلغ نفوس خونسار مع توابعها إلى ما يقارب ستة كيلومترات من مركز المدينة أكثر من 45 ألف نسمة. (سنة 1970).
المذهب: ينتمي أهالي مدينة خونسار إلى المذهب الشيعي وقد كانت مهداً للتشيع من قديم الزمان وقد سميت بدار المؤمنين على ما نقل عن بعض المعمرين فيها، وتخرج منها علماء كبار أجلاء وسنشير إليهم في قسم أعلام خونسار.
ولكن لم نعلم علم اليقين تاريخ انتماء أهالي خونسار إلى المذهب الشيعي، على أن المسلّم به هو أن ذلك يعود إلى ما يقارب الخمسمائة السنة. وفيها أقلية يهودية مؤلفة من عدة أفراد.
الجانب الثقافي: ينقسم المجال الثقافي في مدينة خونسار إلى قسمين:
فقسم ينتمي إلى العلوم القديمة، وآخر ينتمي إلى العلوم الحديثة. وقد تشير لنا الشواهد التأريخية بأن مدينة خونسار كانت مهداً لتربية رواد العلم ورجال الثقافة، حيث نرى بعضهم يتصدر المراكز العلمية المهمة، ويؤيد زعمنا وجود مدرستين دينتين، يرجع تاريخهما إلى العهد الصفوي.
وهناك أيضاً صورة صادقة عن هذا الامتداد العلمي، بأنه كان يوجد في كل حي من أحيائها قبل ثلاثين سنة عشرة من العلماء المجتهدين، ومن تلك الآثار أيضاً المدرسة القديمة الأثرية التي يرجع تأريخها إلى ما قبل ثلاثمائة سنة، وهي لا تخلو في أي من السنين من إقبال طلاب العلوم الدينية عليها، وبعد أن ينهوا دراسة المقدمات فيها يوفدون إلى مدينة قم أو النجف الأشرف لإكمال دراستهم، وتسمى هذه المدرسة بمدرسة (مريم بيگم) ويدير هذه المدرسة اليوم السيد حسين العلوي ويتولى تدريس الطلاب في مختلف الدروس. وهو نفسه من خريجيها، ومنها انتقل إلى أصفهان التي كانت مركزاً علمياً في ذلك العهد، وبعد أصفهان هاجر إلى النجف لإتمام الدراسة فكان من أساتذته فيها المرجع الشهير السيد أبو الحسن الأصفهاني، وبعد تخرجه من النجف عاد إلى خونسار لأداء رسالته العلمية والاجتماعية.
وقد برز علماء كبار أجلاء في العلوم الإسلامية من مدينة خونسار ما سنشير إليه فيما يأتي من القول.
أما في العلوم الحديثة فإن أول مدرسة أُنشئت فيها كانت سنة 1330هـ وكانت ذات أربعة صفوف. وفيها اليوم مدرسة ثانوية كاملة للبنين وأخرى للبنات وتسع عشرة مدرسة ابتدائية)[3](.
شعراء خونسار: برز من مدينة خونسار، هذا البلد الذي يوصف بصفاء مناخه وجمال طبيعته برز منه على مدى الزمن شعراء وردت أسماؤهم في كتاب (تذكرة شعراء خونسار) منهم الحكيم الإسلامي الذي كان معاصراً للشاه عباس الكبير وتوفي سنة 1645م ومنهم الشاعر (أفسس) الذي توفي قبل بضع سنوات، والشاعر حسين علي دوستي الشاعر المعاصر، وهو صاحب معراج عاشوراء، وانقلاب عاشوراء.
مشاهير خونسار: ونقصد بمشاهير خونسار العلماء فيها باعتبارها كانت مهداً للتشيع والروح الدينية لقد برز من هذه المدينة علماء كبار أجلاء وها نحن نشير إليهم كما يلي:
(1) ملا حيدر: وهو من علماء القرن التاسع الهجري وصاحب كتاب (زبدة التصانيف).
(2) آقا حسين وآقا جمال الخونساري وهما من كبار علماء العهد الصفوي.
(3) بابا ترك: له مقبرة في مدينة خونسار، وكان من علماء القرن الثامن والتاسع الهجريين.
(4) الحاج أحمد الخونساري المعاصر.
ـ الملاّ مبين: وهو من علماء القرن الثاني عشر الهجري، وكان له مكتبة كبيرة، تحوي ما يقارب الألفي مجلد من المخطوطات.
ـ السيد علي المجتهدي (العلوي) الجد الأبوي لكاتب هذه السطور وكان من العلماء الكبار في أيامه وله تأليفات في الفقه والأصول، ولكنها لم تطبع.
وقد برز في خونسار عدد من الفنانين في الخط والرسم والخطابة، وهؤلاء وردت أسماؤهم في كتاب (دور نماي خونسار).
سيد مرتضى العلوي
خيبر
ـ 1 ـ
ورد اسم خيبر في الكتابات البابلية القديمة، ويقول محمد رضا في كتابه (محمد) أن معنى خيبر باللغة العبرية هو الحصن أو القلعة مستنداً على ما ذكره ياقوت في معجم البلدان، وخيبر هذه مشهورة بحصونها المنيعة المبنية بالحجارة والصخور، وأشهرها سبعة حصون هي:
1 ـ حصن ناعم.
2 ـ القموص حصن أبي الحقيق.
3 ـ حصن الشق.
4 ـ حصن النطاة.
5 ـ حصن السُلالم.
6 ـ حصن الوطيح.
7 ـ حصن الكتيبة.
ويستبان أن كل حصن من هذه الحصون كان يشتمل على مجموعة من الحصون، ولكون هذه البقعة تشمل هذا العدد من الحصون سميت (بالخيابر) وكان أمنع حصونها حصن الناعم من حصون (النطاة).
وسكان خيبر يهود كانوا يقطنون بيوتاً حصينة وسط النخيل وحقول القمح، ومن سكانها المشاهير كان السموأل بن عاديا ولعل خيبر أكثر القرى في شمال الحجاز ثروة ومالاً لوفرة زرعها وحاصلاتها من الحبوب والفواكه وعلى الأخص التمور.
يقول حسان بن ثابت:
أتفخرُ بالكتّان لما لبِستَه
وقد تلبس الألباط ريطاً مقصّراً
فلا تَكُ كالعاوي فأقبل نَحره
ولم تخشه سهماً من النبل مضمراً
فإنّا، ومن يهدي القصائد نحونا
كمستبضع تمراً إلى أرض خيبرا)[4](
وإنّ لخيبر في حاصل تمورها شهرة كشهرة (هجر) التي ورد في الأمثال عنها: (كمستبضع التمر إلى هجر) أو (مستبضع التمر إلى خيبر) وكان لحاصل التمور يومها قيمة جد كبيرة في ثروة البلاد.
وكان يهود خيبر يحسون بقيمة هذه الثروة الطائلة من المزروعات والنخيل والتمر ويخافون عليها من الغزو لذلك حصنوا قراهم وبساتينهم بقلاع وليس من الهيّن الاستيلاء عليها لمناعتها ولوفرة السلاح وتنوعه فيها، فحين حاصر النبي (ص) قلاع خيبر في السنة السابعة من الهجرة أتاه رجل في الليلة السادسة من الحصار من يهود خيبر وأخبره أنه قد خرج من حصن (النطاة) وهو يعرف بعض أسرار الحصن، وقال: إن في حصن (الصعب) وهو من حصون (النطاة) وفي بيت فيه تحت الأرض منجنيقاً، ودبابات، ودروعاً، وسيوفاً، فإذا دخل فيه رسول الله أوقفه على أسراره)[5](. فإذا كان في بيت من بيوت خيبر مثل هذه العادة فكم يكون في عشرات البيوت الأخرى.
ولقد توقى الغزاة هذه القلاع وتهيّبوها ولذلك لم نعثر على فاتح استطاع أن يخضعها لنفوذه ويفتحها قبل الإسلام، وقد كلف فتحها الإسلام الشيء الكثير من العنف والشدة، حيث حنث اليهود ونكثوا العهد الذي أعطاهم النبي إياه والذي تضمن حريتهم وحفظ أموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم، وقد جاء أن النبي (ص) كان يعقد في كل يوم لواء الحرب لقائد من القواد لمحاربة الحصن الأول وهو حصن (ناعم)، فيرجع القائد ويرجع الجيش دون طائل، وقد عزّ على النبي (ص) أن يستشهد في هذه المعارك قائد كمحمود بن مسلمة أخي محمد بن مسلمة حتى لقد أعطى اللواء لأبي بكر وعمر بن الخطاب (رض). ويكفي دليلاً على أهمية هذه الحصون وخطورتها أن نستعرض النبي وهو يستعيذ بالله من شر هذه المعركة، فقد جاء في البخاري عن أنس: أن النبي (ص) لما أشرف على خيبر قال لأصحابه قفوا: ثم قال:
اللَّهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشر أهلها، وشر ما فيها.. أقدموا باسم الله)[6](.
حتى إذا تأزم الوضع وتعقدت الحرب دون الحصول على نتيجة طلب النبي (ص) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ودفع إليه اللواء فكان أن تم الفتح على يديه.
ويقول ابن الأثير عن علي (عليه السلام): فنهض ـ أي الإمام علي ـ بالراية وعليه حلّة حمراء فأتى خيبر فأشرف عليه رجل من يهود فقال:
من أنت؟
قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: غلبتم يا معشر يهود.
وقد رويت عن فتح الإمام علي (عليه السلام) لقلاع خيبر روايات كثيرة اتفقت كلها في المضمون ففي صحيح مسلم، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)؛
«لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله يفتح عليه، قال عمر (رض): فما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فدعا علياً (عليه السلام) فبعثه ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك، ولا تلتفت إلخ…» )[7](.
وقال الإمام أحمد: إن رسول الله (ص) أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان فقال: أنا، قال: امض، ثم جاء رجل آخر فقال: امض، ثم قال النبي (ص) والذي كرّم وجه محمد لأعطينها رجلاً لا يفر، فقال: هاك يا علي، فانطلق حتى فتح الله عليه (خيبر) و(فدك) وجاء بعجوتها وقديدها)[8](.
أما إحدى روايات الطبري فتتلخص في أن رسول الله (ص) لما نزل بحصن أهل خيبر أعطى اللواء لعمر بن الخطاب (رض) ونهص من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (ص) وهم يجبنونه ـ أي يجبنون عمر ـ وهو يجبّنهم، فقال رسول الله ـ وكان قد مرّ على محاصرة القلعة عدة أيام دون طائل، قال: لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر (ض) فدعا علياً (عليه السلام) وهو أرمد وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض فإذا (بمرحب) وهو أشهر أبطال اليهود يرتجز ويقول:
قد علمتْ خيبر أني مرحبُ
شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ
فارتجز علي (عليه السلام) قائلاً:
أنا الذي سمّتني أمي حيدَرَهْ
أَكيلكُمْ بالسيف كيلَ السندرة
ليث بغابات شديدٌ قسورهْ
ويروي الطبري واصفاً هذه المقاتلة وما كان يدّرع به (مرحب) إذ يقول عنه: وخرج مرحب من الحصن وهو صاحبه وعليه مغفر معصفر يمان، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وتقاتلا قتالاً عنيفاً انتهى بقتل مرحب وأخذ المدينة)[9]( وكانت مدة النزال شهراً على ما ذكرت التواريخ.
وجاء في كتاب (محمد رسول الله): وكان أول حصن فتحه المسلمون هو حصن (الناعم) من حصون (النطاة) على يد عليّ ولأهمية هذا الفتح قال النبي (ص): ـ وكان جعفر بن أبي طالب قد قدم من الحبشة يوم فتح خيبر ـ: ما أدري بأيما أنا أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
إلى جانب هذه النعمة الوافرة التي كان ينعم بها أهل خيبر، والحصن المنيع الذي يضمن لهم الأمن والاطمئنان، والعيش الرغيد كان هنالك شيء ينغّص حياة سكان خيبر وينكّد عيشهم، وذلك هو الحمّى التي عرفت بها قرى خيبر، والراجح أنها كانت (الملاريا) وذلك لكثرة المياه ولمراودة هذه الحمّى السكان بين آن وآخر على ما تصف الأخبار وقد عرفت هذه الحمّى بالحمّى الخيبرية ووصفت بالشعر، ومنه قول أحد الشعراء:
كأن به إذ جئته ـ خيبريةً
يعود عليه وردُها ومُلالها
وقدم أعرابي خيبر بعياله فقال:
قلتُ لحمّى خيبر: استعدي
هاكِ عيالي فاجهدي وجدي
وباكري بصالب وَوِرْدِ
أعانكِ الله على ذا الجند
ويقول ياقوت: فحُم ومات هو وبقي عياله!
وقال الأخنس بن شهاب:
فلابنة حطّان بن قيس منازلٌ
كما نمق العُنوان في الرقِّ كاتبُ
ظللتُ بها أُعرى وأُشعر سُخنةً
كما اعتاد محموماً بخيبر صالِبُ
خيبر
ـ 2 ـ
إنها مسألة غامضة ـ شأن مسألة اليهود في الحجاز، برغم الدراسات المحيطة بهم والجدل المثار حولهم والمكان الذي خرجوا منه ـ وهي علاقة هؤلاء بالهجرة النبوية وموقفهم بالتالي من قيام الدولة الإسلامية في المدينة. فثمة فجوة في الروايات، ينقطع معها حبلُ الأحداث، ويندلعُ الضباب في فضاء البقعة الصغيرة، بينما ينتشر الوضوح، أو الكثير منه، على مسافة الطريق الطويل، فتمتلىء الصفحات بالتفاصيل الواسعة والدقيقة.
كان الوجوم قد بدأ يشيع على وجه الرسول وأصحابه، ولم يكن بدُ من الاعتراف بإخفاق المحاولة في مكة، بعد عشر ونحو ثلاثةٍ من الأعوام القاسية، فالحاضرة القرشية ترفض التغيير أو المسّ بالصيغة «الإيلافية» التي امتزج فيها «الدين» بالتجارة، وتعزّزت بالتفاف القبائل حولها، مما دفع الأخيرة إلى أن تخوض حرباً «مقدسة» من أجل هذه الصيغة في ظل ما نسمي بحروب «الفجار» الشهيرة. ولأن هذا الموقع كرّس لمكة زعامتها في الحجاز، فقد عانى الرسول كثيراً في محاولته التي بدت شبه مستحيلة، لحمل الزعامة القُرشية على الاقتناع بدعوته، واتخاذ مكة منطلقها وسبيلها إلى بقية الحواضر والقبائل الدائرة في فلكها الديني ونفوذها الاجتماعي والاقتصادي. ولعل مكة كانت جديرة بهدر سنوات عجاف طويلة، لما تشكّله السيطرة عليها من أهمية بالنسبة للقوى المرتبطة بها أو «المتعاهدة» معها، ولما يؤدي إليه ذلك بالتالي من اختصار للمهمة الصعبة.
أخفقت المحاولة إذن في مكة، المدخل المناسب والأقل صعوبة إلى عقل القبائل العربية في الحجاز، وباتت المهمة معقدة ومحفوفة بالأخطار، لأن الخروج من الحاضرة القرشية، معناه فتح الصراع العلني معها، بما يفرضه ذلك من جهود غير عادية لاختراق الجبهة الواسعة التي تسيطر عليها. ولقد أثبتت المحاولة التالية، سواء مع الطائف أو اليمامة، صلابة هذه الجبهة والتزامها بالموقف القرشي، المعبّر عن مصالحها الحيوية، مما جعلها ترفض مسبقاً فكرة الحوار مع الرسول، وتتفادى الدخول في أي مشروع يمسّ الوضع القائم، أو يفتح الباب على تغيرات ليست واضحة بالنسبة إليها على الأقل.
على أن مكاناً ربما بدا خارج الدائرة الجغرافية لمكة، ومن ثم خارج الارتباط المباشر بها، أعني به يثرب التي وُصفت بأنها «نجدية» أكثر منها حجازية)[10](، برغم وقوعها في دائرة المواصلات الرئيسة لتجارة قريش مع الشام. ولعل هذه المعطيات كانت في بال الرسول، حين تطلع إلى يثرب، كمكان تتوافر فيه شروط المواجهة مع مكة، فضلاً عن إمكانية الاختراق عبره للجبهة القرشية، تقودُه جبهةً جديدة، متكافئة مع الأخيرة على الصعد الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يأتي التفكير في يثرب كبديل لمكة، محصلاً على الأرجح لهذه المعطيات، أكثر مما هو خاضع للمصادفة التي تجعل منها الروايات التاريخية سبيلاً إلى ذلك، حين التقى الرسول ببعض الخزرج في «القبة» وهم في طريقهم إلى مكة للمشاركة في موسم للحج)[11](.
هكذا إذن تتوجه الأنظار إلى يثرب التي وضعتها «الهجرة» مقابل مكة وفي موقع الصراع معها، وهو ما كانت غير قادرةٍ على تحقيقه قبل ذلك، إن كان من طموح يخالُجها إلى التنافس مع الأخيرة أو التفوق عليها. وإذا كان لهذا الأمر تأثيره في مسار الأحداث التي أدّت إلى الهجرة، فإنه سيحملنا على البحث عن دور القوة الفاعلة التي مهدت لها، من غير أن يكون ذلك مرتبطاً بالفئة المؤيدة فقط، وإنما بالفئة غير المعارضة أو الصامتة التي لم تعلن رأيها إبّان مرحلة الإعداد للهجرة وفي بداياتها الأولى، وهي القبائل اليهودية التي ترى الأخبار أنها كانت ما تزال الأكثر نفوذاً وفي موقع التفوق على القبائل العربية. وهنا تواجهنا جملة من التساؤلات عن موقف اليهود من الهجرة إذا كان ثمة موقف لهم منها. وإن صح ذلك، فما هي خلفيات هذا الموقف وأبعاده؟ وبالتالي هل كانت لديهم القدرة على منعها أو التصدّي لها؟ علماً بأن المصادر ـ أو معظمها ـ تشير إلى تفوقهم العددي في ذلك الوقت)[12](.
وفي محاولة للإجابة على هذه التساؤلات، علينا تقديم صورة سريعة للوضع في يثرب عشية الهجرة، دون الغوص في الجدل بحثاً عن أصول اليهود والمكان الذي وفدوا منه، فلعل بعض الدراسات حققت شيئاً من التقدم في هذا المجال، ولكن الثابت أنهم في تكوينهم الاجتماعي ونمط حياتهم، لم يختلفوا كثيراً عن الحياة المعروفة للقبائل العربية)[13](، بما في ذلك تقليد بناء «الآطام» التي بدا أنها لم تكن وقفاً عليهم، بعد أن اتخذ العرب مثلها أيضاً)[14](، مما رجّح لدى بعض المؤرخين انتماءهم أو بعضهم إلى أصول عربية)[15](. ولكن ظاهرة الآطام التي كان لها على الأرجح أغراضٌ عسكرية، قد لا تكون بالضرورة دليل قوة أو تفوق، بقدر ما تعبّر عن الانكفاء والخوف، ليصبح الطابع الدفاعي غالباً عليها، إذا ما توقفنا عند رواية ابن الأثير في قولها بأنهم ـ أي اليهود ـ «قد بنوا حصوناً يجتمعون بها إذا خافوا، فنزل عليهم الأوس والخزرج، فابتنوا المساكن والحصون، إلا أن الغلبة والحكم لليهود»)[16](. على أن هذه «الغلبة» التي كانت لهؤلاء يوم نزل عليهم العرب، استناداً إلى قول ابن الأثير، يبدو أنها أخذت في التراجع بعد وقت لم يكن مروره لمصلحتهم، بقدر ما كان لمصلحة العرب الذين عاشوا في محيطهم وسيطروا على الأراضي الزراعية الخصبة)[17](، لا سيما وأن هؤلاء قد سبقتهم ما توقفنا عند الرواية التي أوردها ابن رسته بأنه كان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل وكان قد تركها أحياء من العرب فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل فكان ممن كان من يهود من قبائل العرب قبل نزول الأوس والخزرج عليهم بنو أنيف وهم حيّ من بليّ»)[18](، وقد حدا ذلك اليهود إلى أن يعقدوا معهم حلفاً «يأمن به بعضهم من بعض ويمنعوا به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمناً طويلاً، وأثرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد، فلما رأت قريظة حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دُورهم وأموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا ذلك الحلف الذي كان بينهم»، حسب مروية النجار)[19](.
وهكذا يصبح تفوق عدد الآطام اليهودية، ظاهرة ضعف وقلق، إزاء تكاثر الأوس والخزرج المتحدّرين من هجرة عربية كبيرة قادتها «الأزد» نحو الشمال وحققت من خلالها نفوذاً هاماً في الشام والعراق)[20](، بمثل ما كان لفرعها الحجازي من نفوذ، دفعها إلى تحدّي القبائلِ اليهودية في يثرب، وإلى أن تفرض نفسها بالقوة عليها، وليس من باب الحوار الذي كان نتيجة لها فيما بعد. ولا شك أن التحدي اليهودي أسهم في تماسك وحدة القبيلتين، ودفع بهما إلى اتخاذ الوسائلُ الدفاعية نفسها التي اتخذها اليهود، بحيث كان الحذر هو الشعور المشترك لدى الطرفين والمهدّد لحلف الجوار بينهما، والمعرقلُ كذلك للتعايش الطبيعي الذي بدا غير ممكن في ظل طموح أحدهما للسيادة على الآخر)[21](. وكان ثمة واقع مشترك أيضاً، حال دون حسم هذا الأمر، أن كليهما أخذ يعاني المتاعب في جبهته الداخلية، متجلية في التحالفات الجزئية بين بعض العرب وبعض اليهود)[22](، أو الصراعات الدامية في هذا الجانب أو ذاك، وإن كانت أكثر استفحالاً بين العرب، خصوصاً في المرحلة السابقة على الهجرة. فقد ظهر اليهود هنا أكثر ذكاءً في ضرب الوحدة الاجتماعية للعرب واستغلال تناقضاتها، الأمر الذي أدى إلى عرقلة مشروعهم في السيادة الكاملة على يثرب، بل كاد ينتهي بهم إلى الخضوع، لولا معاهدة العقبة التي أعادت توحيدهم ووضعت حداً لصراعاتهم الطاحنة.
على أن الصراع العربي ـ العربي، برغم انعكاساته السلبية، لم يؤد إلى اختلال التوازن في يثرب، إذ إن التمزق الذي أصاب جبهة الأوس والخزرج كانت في مقابله «وحدةً متزعزعة» في جانب اليهود الذين «كانوا في علاقاتهم السياسية يتصرفون تقريباً كالقبائل العربية أو الجماعات الصغيرة الشأن» حسب تعبير وات)[23](. ذلك أن العرب قطعوا شوطاً على ما يبدو في تكوين ذاتهم، سواء على الصعيد الاجتماعي أو على الصعيد الاقتصادي، متقدّمين عبر الأول إلى مستوى القبائل الرئيسية في الحجاز (اتخاذُ صنم لهم (مناة) بين الأصنام الكبرى في الكعبة إلى جانب قريش وثقيف)، ومنافسين في إطار الثاني القبائل اليهودية حتى «صار لهم مال وعدد» كما يقول الحافظ النجار)[24](، وصاروا «أعزّ أهل المدينة» كما يقول ابن الأثير»)[25](. وثمة محطة هامة في هذا الصراع على النفوذ، تسهم في بلورة الموقف في يثرب وتعزّر رجحان قوة العرب، لا سيما قسم من الخزرج الذي وصفه وات بأن «أصبح مستقلاً»)[26](، تتجلى فيما رواه الحافظ النجار عن حركة لا يحدّد زماناً، قام بها مالك بن العجلان من الخزرج ضد اليهود، مدعوماً من الغساسنة في الشام)[27](. فقد جاء في الرواية أن مالكاً بعث «إلى من وقع في الشام من قومهم يخبرونهم حالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم وكان رسولهم الدَمَق بن زيد (من الخزرج).. فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان.. فشكا إليه الدمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخوفون منهم وأنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أبو جبيلة (من ولد جفنة بن عمر بن عامر وقيل كان أحد بني جشم من الخزرج) في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج وعاهد الله لا يبرح حتى يُخرج من بها من اليهود أو يُذِلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج. فسار وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة وهي يومئذٍ يثرب فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ما جاء به فقالوا إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلن نقدر عليهم، ولكن تدعوهم للقائك وتنطلق بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتتمكن منهم. فصنع لهم طعاماً وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك، وقد بنى لهم حيّزاً وجعل فيه قوماً وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه، حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم، فلما فعل ذلك عزّت الأوس والخزرج في المدينة واتخذوا الديار والأموال، وانصرف أبو جبيلة راجعاً إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها»)[28](.
ولعل هذه الحركة قد حققت للعرب السيطرة على جزء كبير من مزارع يثرب وآطامها)[29](، والتحرر من التبعية لليهود الذين تعرضوا للإنكفاء، إذ حال الدعم الأزدي للعرب دون القيام بأية خطوة مضادة لاستعادة التوازن في المدينة، فلجأوا إلى ضرب وحدة القبيلتين وإثارة الشقاق بينهما، مما أدى إلى اندلاع «أيام» طاحنة أنهكت قواهما وأضعفت موقعهما إلى حد كبير، ولقد حدث ذلك في وقت لم يعد الدعم الأزدي (الغساسنة) ممكناً، بعد المتغيرات التي خلفتها الحرب الفارسية ـ البيزنطية في الشام، وما انتهت إليه من تحجيم للإمارة الغسانية، وفي وقت عزفت فيه مكة عن التدخل في هذا الصراع الداخلي الذي دفع بني النضير وقريظة وغيرهما من اليهود، إلى أن يتجرؤوا عليهم ـ أي الأوس والخزرج ـ فذهب «قوم منهم إلى مكة يطلبون قريشاً لتقويهم، وعزّوا ـ أي قريش ـ فاشترطوا عليهم شروطاً لم يكن لهم فيها مقنع» حسب رواية اليعقوبي)[30](. وإذا أضفنا إلى ذلك محاولةً مماثلة قام بها الأوس والخزرج مع الطائف ـ التي قصدوها بعد إخفاق محاولتهم في مكة ـ وإبطاء ثقيف عنهم حسب الرواية نفسها، لأدركنا معاناة العرب حينذاك في يثرب وصعوبة التئامهم مجدداً في جبهة واحدة.
وثمة محصلة أخرى في هذا السياق، أن الأوس والخزرج الذين وفدوا على يثرب، بعد أن سبقتهم إليها هجرةٌ عربية، ربما كانت سابقة بدورها على الهجرة اليهودية)[31](، سرعان ما تعزّز موقعهم بفضل الدعم الأزدي والانتماء للبيئة العربية الواسعة التي كانوا جزءاً منها. وإذا كانت قد تخاذلت عن نصرتهم كلٌّ من قريش وثقيف، فإن وضعهم السياسي برغم ذلك، كان أكثر منعة من اليهود الذي افتقدوا إلى أي دعم خارجي، باستثناء البقع الصغيرة المنتشرة في الحجاز، وهي في وضع لا يؤهلها للتدخل المباشر. وعلى الرغم من احتدام الصراع بين القبيلتين والشعور بخطر اخلال التوازن لمصلحة اليهود، إلا أن الاختلال على الأرجح لم يحدث فعلاً، وإنما الذي حدث هو الخوف منه والعمل على تفادي الوقوع فيه، مما يفسر لجوء وفد مشترك إلى مكة لاستنهاضها على درء الخطر، ويفسر أيضاً سرعة الاستجابة من جانبهما ـ لا سيما الخزرج الذين دارت عليهم هذه المرة دائرة الحرب ـ لدعوة الرسول إلى الإسلام في لقاء «العقبة» الشهير. وإذا كان المؤرخ لا يقتنع بوجود سبب واحد وراء الأحداث، خصوصاً الكبيرة في التاريخ، فإن الخطر الذي أحدق بالأوس والخزرج وخشية هؤلاء من تحول السيادة للقبائل اليهودية، قد حملهما على التوجه نحو «المنقذ» الذي بدا أنه الوحيد القادر على إعادة الوحدة إليهم وإخراجهم من دائرة الحرب الدامية.
ويبدو أن القبال اليهودية في يثرب وقفت إلى جانب الأوس في صراعها مع الخزرج (بعاث) )[32](، باستثناء القينقاع التي كانت حليفة لفريق من القبيلة الأخيرة كما سبقت الإشارة، مما أخلّ في التوازن الذي كان يتم عادة لمصلحة الخزرج)[33](. وفي ضوء ما أحدثه الحلف الجديد (قريظة ـ الأوس) من تغيير في الخارطة السياسية ليثرب كانت الخزرج الخاسرة الكبرى فيه، يمكن فهم دوافع الخطوة الرائدة التي قامت بها هذه القبيلة نحو الإسلام الذي قابلها بخطوة مماثلة، إذا افترضنا ـ وهو افتراض منطقي ـ أن الرسول كان متابعاً أحداث الصراع في يثرب، وربما أجرى اتصالات مع الخزرج خصوصاً بعد رفض قريش التدخل المباشر فيه، من دون أن يكون موقف الرسول بعيداً عن مألوف سياسته المتعاطفة مع أعداء قريش وخصومها (العلاقة مع الحبشة والدولة البيزنطية في مرحلة الدعوة على سبيل المثال).
وهكذا فإن حرب بعاث أضعفت الخزرج ووضعتهم في مواجهة حلف قوي، كان من الصعب التصدي له أو تفادي أخطاره على المدى القريب. كما أضعفت أيضاً الأوس وإن بصورة أقل وجعلتهم مرتهنين لقبيلتين من اليهود ومدينين لهما بالنصر. ولكن هذه الحرب لم تجعل اليهود في المقابل أقوياء إلى درجة السيادة، بقدر ما كان لها تأثير في الحدّ، من خطر العرب في عرقلة وحدتهم التي تؤدي في حال قيامها، إلى تكريس معادلة جديدة في يثرب، ينتهي في ظلها اليهود إلى الخضوع والتبعية الكاملة.
وتبقى محصلة أخيرة، هي أن العرب برغم انتصار الأوس، كانوا مهزومين جماعياً في الحرب التي أتت على قياداتهم ودمّرت اقتصادهم، مما هيأ لمفاوضات مع الرسول تولتها فئة لم تتورط مباشرة في الحرب)[34](، ولم تكن على الأقل ضالعةً في أسبابها. ولعل الحاجة المشتركة من جانب القبيلتين إلى إرساء وضع جديد وتكريس سلام ثابت، دفعتهما إلى احتضان «المهاجرين» على نحو بدا وكأن التعايش مع هؤلاء فرض عليهما كثيراً من التنازل والتضحية. كما أن القبائل اليهودية التي عانت بدورها الانقسام وعاشت هاجس السيطرة العربية ولم يكن وضعها يتجاوز الموقف الدفاعي والسعي ما أمكن إلى تأجيج الصراع بين الأوس والخزرج، هذه القبائل كانت غير قادرة على التدخل الفعلي، لمنع «الهجرة» أو التصدي لها بصورة جدية، بعد أن حققت الأخيرة ما عجزت عنه الأعوام الطويلةُ السابقة، بوضعها القبيلتين على طريق الوحدة، الإنجاز الأول الساطع للهجرة.
والواقع أن الروايات لم تشر إلى أي اتصال بين الرسول والقبائل اليهودية التي كانت إحداها (القينقاع) حليفةً لابن أبي (من الخزرج)، وهو لم يشارك في مفاوضات العقبة التمهيدية، وكانت الاثنتان الأخريان حليفتين للأوس، وهي لم تشارك فيها)[35](، بينما شاركت جزئياً في بيعة العقبة الأولى)[36](. ويبدو أن الرسول، العارف بأمور يثرب ووضع اليهود فيها، لم ير في هؤلاء ما يشكل مصدراً للخطر على الهجرة، بل إن ما ورد في سيرة ابن هشام، يعزّز الرأي باتجاه الرسول إلى احتوائهم في تلك المرحلة المبكرة، حيث تردّد ذكرهم كأتباع للأنصار أو ملحقين بهم في «كتاب الموادعة مع القبائل اليهودية)[37](. ولعل الرواية التي أوردها الواقدي، تدعم هذه النظرة في قولها بأن الرسول لما قدم المدينة «وادعته يهودٌ كلها وكتب بينه وبينها كتاباً وألحق كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أماناً وشرط عليهم شروطاً، فكان فيما شرط ألا يظاهروا عليه عدواً»)[38](. ومن الواضح أن الرسول، بعد أن حقق وحدة الأوس والخزرج في إطار الأنصار، ووحدة هؤلاء مع المهاجرين في إطار الأنصار، ووحدة هؤلاء مع المهاجرين في إطار الجماعة، لم يجد حينذاك في موقف اليهود ما يثير القلق، مكتفياً بمراقبة نشاطهم ورصد حركتهم، في الوقت الذي كان اهتمامه منصرفاً إلى مواجهة الخطر القرشي. وفي المقابل، كان موقف اليهود من الهجرة فاتراً، يؤكده عدم اتصالهم بالرسول قبل حدوثها، فضلاً من الاستجابة الضعيفة من جانبهم للدعوة إلى الإسلام، مقتصرة على عبدالله بن سلام وأهل بيته وعمته بعيد الهجرة، ورجل (مخيريق) وُصف بأنه «حبر عالم»، قُتل مع المسلمين في «أحد» وأوصى بأمواله للرسول)[39](.
ولعل الفترة الأولى من الهجرة، اتسمت بالمهادنة مع اليهود، وبالحرص من جانب الرسول على توثيق عرى الوحدة بين المسلمين في المدينة، وتجنيب جبهته الداخلية مخاطر التصدع والشقاق، وهو ما سيتجلى على الخصوص في المواجهة الهادئة مع حركة النفاق. ويمكن اعتبار غزوة القينقاع مفترقاً في العلاقة بين المسلمين واليهود، سبقته محاولةً أخيرة لاحتواء هؤلاء حين جمعهم الرسول في سوق بني قينقاع بعيد غزوة بدر، إذ «بغت يهود وقطعت ما كان بنيها وبينه» حسب رواية الواقدي)[40](، فدعاهم إلى الإسلام «قبل أن يوقع الله بهم مثل وقعة قريش»)[41](. ولكن هذا التهديد المبطّن قوبل بتهديد مباشر: «لا يغرنك من لقيت، أنك قهرت قوماً أغمار، وإنا والله أصحاب الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا»)[42](. وقد بدى أن اليهود يقومون بمثل هذه المحاولة من جانبهم لاحتواء المسلمين والمراهنة على انقسامهم، وذلك تمهيداً لإخراجهم من المدينة)[43](. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار هذه المسألة منعطفاً رئيساً في العلاقات بين الطرفين، أفضى إلى مرحلة ثانية كان عنوانها بداية المواجهة، متمثلةً في القضاء على شخصيات أعلنت عداءها السافر للرسول، وتتوجّت بغزوة القينقاع.
وكانت على ما يبدو الحادثةُ التي أدت إلى اغتيال اليهودي الشهير «أبي عفك» بداية الصراع العلني بين المسلمين واليهود في المدينة، وذلك بعد أقل من عامين على الهجرة. فقد جاء في «مغازي» الواقدي «أن شيخاً من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك: كان يحرض على عداوة النبي ولم يدخل في الإسلام»)[44](. وتنسب الرواية أبياتاً لهذا الشيخ أذاعها في أعقاب عودة الرسول والمسلمين من بدر، متجلياً فيها «الحسد والبغي»، مما أهاج سالم بن عمير وهو من بني النجار (من الخزرج)، وأخذ على نفسه عهداً بقتله)[45](. ولعل هذه الحادثة كانت السبب المباشر في غزوة بني القينقاع، إذ وقعت كلتاهما في شوَّال من السنة الثانية للهجرة، ولكن المصادر توقفت عموماً عندما تعرضت المرأة العربية في سوق بني القينقاع، على نحو بدا الحادث مفتعلاً ومنطوياً على استدراج للمسلمين إلى القتال، فقد انتصر أحدُ هؤلاء ـ وكان حاضراً ـ للمرأة العربية، وردّ على الإهانة بقتل اليهودي، «فاجتمعت بنو قينقاع وتحايشوا فقتلوا الرجل»)[46](. وكان في مقدمة ما يعنيه ذلك، هو نقضُ العهد مع الرسول وإعلانُ الحرب على المسلمين من جانب هذه القبيلة التي التجأت إلى حصن لها، فحاصرها الرسول وأجبرها على الجلاء ـ منزوعة السلاح مصادرة الأموال ـ عن المدينة، بعد تدخل من جانب حليفهم ابن أبي (من بني سالم من الخزرج) بأن «يُحسن ـ الرسول ـ في مواليه»)[47](.
ولعل أبرز دلالات هذه الغزوة، أن التعايش بدا غير ممكن بين المسلمين واليهود في المدينة، مما سيؤدى إلى صراع حاسم بين الطرفين، إذ إنَّ الرسول الذي اكتفى بقرار النفي، بات مقتنعاً بضرورة التخلص السريع من عدوٍ يتربص به من الداخل. وثمة ما يلفت الانتباه في هذا الصراع، أن اليهود لجأوا إلى استخدام سلاح فعّال هو الشعر الذي كان له من التأثير على المستوى الإعلامي في تلك المرحلة الدقيقة، ما شكّل حرجاً للمسلمين، خصوصاً وأن هذا السلاح كان موظفاً لمصلحة قريش. وقد سار كعب بن الأشرف، وهو عربي من طي ولكنه متهوّد بتأثير من أمه اليهودية النضيرية)[48](، على خطى سلفه أبي عفك، فنظم شعراً ردّدته الألسنة في رثاء قتلى قريش ببدر. وبعد سجال خاضه شاعر المسلمين حسان بن ثابت، أوحى الرسول إلى أصحابه بقتل ابن الأشرف)[49]( الذي تصدى له رجل من الأنصار أيضاً (من الأوس هذه المرة)، وهو محمد بن مسلمة، فنفذ المهمة بعد شهور قليلة من غزوة القينقاع)[50](. وليست مصادفة في الواقع أن يتولى الأنصار هذه المواجهة التي ألقيت على عاتقهم حتى نهاية الصراع مع اليهود، إذ كان الأمر مخططاً له ومعبِّراً عن سياسةٍ مرسومة، تفادى الرسول من خلالها إثارة النزعات الإقليمية، فضلاً عن القبلية فيما بعد. ومن هذا المنطلق يتولى الخزرج في نهاية العام الثالث، التخلص من أكثر زعماء اليهود، وهو أبو رافع سلام بن أبي الحقيق الذي وُصف بأنه «تاجرُ أهل الحجاز»)[51]( وكان على ما يبدو يموّل الحركة المعادية للمسلمين خارج إطار المدينة، مما دفع خمسةً)[52]( من الخزرج إلى تدبير اغتيال متقن له في بيته بخيبر، كان له الوقع الحسن على الرسول والمسلمين)[53](، وذلك عشية غزوة أُحد)[54]( التي ستكشف عن ضلوعٍ أكثر وضوحاً لليهود في التآمر على المسلمين والتحالف مع قريش.
وإذا كانت المرحلة الأولى من الصراع مع اليهود قد اتسمت بالمهادنة، بينما سيطر على الثانية الحذرُ الشديد، متمثلة بإجلاء بني القينقاع واغتيال شخصيات ذات دورٍ إعلامي أو اقتصادي، فإن المرحلة الثالثة سيكون طابعها الحسم، متجسدةً في الاجتثاث الكامل لجذور اليهود في المدينة وملاحقتهم في معاقل أخرى من الحجاز. على أن ما يجمع هذه المراحل لدى اليهود، أنهم لم يجرؤوا طيلة السنوات الخمس التي قضوها في ظل الدولة الإسلامية، على خوض حرب علنية ضدها، مؤثرين عليها الأسلوب التآمري، باتخاذ أنفسهم رأس حربة من الداخل وترك الواجهة في هذه الحرب لقريش. ولعل في ذلك ما يتعدى الأسلوب إلى المنهج الذي أصبح مما يميزهم في هذا المجال، إلاَّ أنه في الوقت نفسه كانت له معطياته على الصعيد الخاص وواقع أمرهم في المدينة، هذا الواقع الذي رافقهم منذ مفاوضات «العقبة» التي جرت بعيداً عنهم، بما حققته من إنجاز الهجرة وقيام الدولة، دون أن يكون لديه من ردة فعل سوى الصمت والترقب ومن ثم التآمر. وقد يصح القول، إن اليهود راهنوا «المهاجرين»، وهم تجارٌ كان لهم باعهم في مكة وأن وجودهم في المدينة سيحدث تحوّلاً في حركة التجارة في المدينة، ربما كانوا أول المستفيدين منه، ولكن ذلك يبقى مجرد افتراض إذا ما أخذنا في الاعتبار التجربةُ النضالية الصعبة التي خاضها المهاجرون تحت قيادة الرسول وصمودهم المثير في أحلك الظروف. وقد يصحّ القول أيضاً، أن اليهود اختاروا الدخول في الصراع تحت راية قريش وفي ظلها، بعد أن أدركوا عجزهم عن التصدي المباشر للمسلمين وهو ما كان ليتم بصورة علنية، دون ترك مضاعفات ربما انعكست على جبهة قريش نفسها وحملتها على التردد في خوض الصراع ضد فريق منها إلى جانب اليهود.
وهكذا، فإن اليهود الذين فشلوا في احتواء المسلمين عبر الطريقة نفسها التي اتّبعوها مع الأوس والخزرج من قبل، وذلك بإحداث حالة دائمة التفجّر في الجبهة الداخلية، لم يعد أمامهم من خيار سوى المواجهة الحاسمة ليس من جانبهم، إذ كانوا غير قادرين على ذلك، ولكن من جانب المسلمين الذين تعاطفوا معهم بذكاء شديد، سواء في التوقيت والقرار المناسبين، أم في اليقظة الدائمة إزاء مجريات الأحوال والمعالجة لأسباب التصدع بالسرعة القصوى. ولا نستثني في هذا المجال، ما كان لليهود من دور خفي في حركة النفاق التي تزعّمها عبدالله بن أبيّ، وكادت أن تؤدي إلى انشقاق جبهة المسلمين، لم تكن خافية أبعاده القبلية والإقليمية. وثمة مسألةٌ ليست منفصلةً عن هذا السياق قد انعكست على الصراع مع قريش وتحالف اليهود الضمني معها، وهي المتعلقة باتخاذ البيت الحرام قبلةً للمسلمين، إذ كان لها من الأهمية ما جعلها تشكل لبنة أساسية في وحدة العرب، إلى جانب الهجرة، فضلاً عن غزوة الحديبية فيما بعد، مشكلة هذه المبادراتُ خطوات توحيدية كبرى، غذّت مشاعر التكتّل بين القبائل العربية في مواجهة الخطر الخارجي. ولا شك أن قرار «القبلة»، لم يخلُ من انعكاس على قريش وإحساس من جانبها بالانتماء المشترك مع المدينة، فضلاً عما أوجده من عوائق أمام التحالف المقنّع مع اليهود ضد العرب المسلمين.
وفي غمرة هذه التطورات، كان الموقف يزداد تعقيداً على جبهة العلاقة مع اليهود وتلاشت فرص التعايش معهم، وهم في مثل ذلك الوضع من التربّص بالمسلمين والتآمر على الرسول. وقد أكدت الأحداثُ التي سبقت غزوة بني النضير انعدام الحدود الدنيا للتعايش وتناقض النظرة إلى الواقع الذي رأى فيه اليهود حالة مؤقتة، بينما كان للمسلمين بداية مشروع كبير تتوحد في ظله القبائل العربية وتنخرط فيه الفئات الأخرى حتى الانصهار. أما أسباب هذه الغزوة التي وقعت في مطلع العام الهجري الرابع، فتعود إلى أن أحداً من المسلمين (عمرو بن أمية)، غَدَر برجلين من بني عامر في أعقاب غزوة «بئر معونة»، منتقماً للمسلمين الذين قُتلوا عن آخرهم باستثناء رجل من الأنصار)[55](. وعلى الرغم من استنكار الرسول لقتل رجلين كان لهما أمان منه وعهد)[56]( حسب رواية الواقدي، ومحاولته تسوية الأمر مع بني عامر بدفع الدّية عنهما، إلا أن جانباً لهذه المسألة أثار تعقيداً، وهو ما كان له علاقةٌ ببني النضير حلفاء بني عامر)[57](. فقد ورد في الرواية أن الرسول ومعه كبار الصحابة قصدوا حيّ بني النضير للإعانة في دفع دية حليفيهما، فتظاهر هؤلاء بالترحيب به قائلين ما نسب لهم: «نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، قد أنَّى لك أن تزورنا وأن تأتينا»)[58](.. ولكنهم كانوا يبيّتون خطة لقتله، بأن يطرحوا عليه «حجارة من فوق»)[59](، حتى إذا قتل عادت قريش إلى حرمها «وبقي من هاهنا الأوس والخزرج حلفاؤكم» حسب الرواية التاريخية)[60](.
على أن هذه الخطة التي حذرهم منها أحدهم (سلاّم بن مشكم)، أحسّ بها الرسول وغادر لتوه المكان عائداً إلى بيته، دون أن يُعلِم أصحابه الذين استأخروا رجوعه، حيث أخبرهم بخطة اليهود بعد اللحاق به)[61](. وسرعان ما أخطر بني النضير عبر محمد بن أبي مسلمة بالجلاء عن المدينة، ممهلاً إياهم عشرة أيام ومن «رئيَ بعد ذلك ضُربت عنقُه»)[62](. ولم يستسلم هؤلاء للأمر قبل محاولة الضرب على وتر التناقض بين المسلمين، مستدرجين موفد الرسول ـ وكانت من قبل عشيرتُه حليفةً لهم ـ بقولهم: «ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجلٌ من الأوس»)[63](. ولكنها القلوب تغيّرت كما عبر عن ذلك ابن مسلمة، والتاريخ ما عادت مسيرته ممكنة إلى الوراء، والمدينة ما عادت يثرب، والأنصار خرجوا من بطونهم وأحلافهم وانخرطوا كتلةً واحدة في دولة الرسول وتحت راية دعوته. كان وحده المتردّد بينهم هو عبدالله بن أبي، راصداً السوانح أو مفتعلاً لها لتحقيق غايةٍ في نفسه، قد لا تلتقي في العمق مع غاية اليهود، ولكنها تجد ضالتها في كل حركة معارضة، سواء كانت في هذه الجبهة أو تلك. فلم يتردد ابنُ أبي في استغلال الموقف، محرّضاً بني النضير على الصمود، بما نُسب له قوله: «ولا تخرجوا من دياركم وأموالكم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم قبل أن يُوصل إليكم، وتمدُّكم قريظة فإنهم لن يخذلوكم، ويمدكم حلفاؤكم من غطفان»)[64](. ولكن اليهودي «الحكيم»)[65]( الذي حذّرهم من الغدر بالرسول، حذرهم أيضاً من الاعتماد على ابن أبي الذي سبق له أن حرّض بني القينقاع على الصمود ثم خذلهم، وهو لن يتورّع عن خذلهم كذلك حسب القول المنسوب له. وقد صحّ ما نصح به الرجل، إذ حاصر المسلمون بني النضير دون أن تتجلى بوادرُ المساعدة من جانب ابن أبي أو قريظة أو غطفان، خلال خمسة عشر يوماً من الحصار، انتهت بإجلائهم عن المدينة، وذلك بإشراف محمد بن مسلمة نفسه، وخروج قسم منها إلى خيبر والآخر إلى الشام)[66](.
والواقع أنه بعد هذه الضربة التي حلّت بواحدة أخرى من القبائل الثلاث الرئيسة، لم يعد هنالك ما يثير القلق إزاء الخطر اليهوي في المدينة. فقد انكفأت قريظة على نفسها، وهي التي تفادت الدخول في الصراع إلى جانب النضير منتظرةً مصيرها الأكثر سوءاً، دون أن يبدو ما يشير إلى أنها تخلّت عن عدائها للرسول أو استفادت من تجربة القبيلتين السابقتين. وإذ يخبو النفوذ اليهودي في المدينة، يبرز موقعٌ آخر كان من الممكن أن يعرقل مسيرة المسلمين، وهو حصنُ خيبر الذي لجأ إليه قسم من بني النضير، وبات المعقلُ الرئيس لليهود في الحجاز. وكانت خطورة هذا الحصن، أنه أصبح بؤرةً لمناوأة المدينة وملتقى أعدائها من قريش وغطفان فضلاً عن اليهود، يعدّون الخطط ويحبكون المؤامرات ويحرضون الشعراء وكل ما استطاعوا إليه سبيلاً في محاولة التضييق على المسلمين في تلك المرحلة الدقيقة. على أن هؤلاء الذين كانت أعينهم مفتوحةً على كافة الجبهات وراصدةً مناطق الخطر، لم تغب عن بالهم خيبر التي تمّ اختراقها في ذلك الوقت بعملية اغتيال مثيرة، استهدفت أبي رافع كما سبقت الإشارة.
ولعل أبرز دلالات هذا الاختراق للحصن الشهير، في أن الصراع مع اليهود لن يتوقف عند حدود الموادعة والالتزام بها من جانب هؤلاء، كما توحي الروايات التاريخية التي تجعل من نقض اليهود للعهد سبباً في إعلان الحرب عليهم من جانب المسلمين. فإذا كان هذا التصوّرُ ممكناً في بدء الصراع الذي تجسّد أولاً في موقف بني القينقاع، فإنه بات من غير الممكن تصورُ الأمر من هذا المنظور فيما بعد، لا سيما بعد طرد قبيلتين من المدينة ونقل الصراع إلى خيبر. فقد أضحى اليهود في تلك المرحلة عنصراً غريباً في الدولة الصاعدة، دون أن يرتقوا في ظلها إلى مستوى الانخراط مع المسلمين. وإذا كانت المقارنة جائزة بين حركتهم الغامضة وبين حركة النفاق التي اندرج فيها بعض العرب من الخزرج، كما هي جائزة أيضاً بالنسبة للنتائج التي انتهت إلى احتواء الثانية من دون الأولى، فإن حركة النفاق جوبهت بما يقتضيه واقع الحال الحفاظ على وحدة الجماعة الإسلامية وتجنيبها كل ما يؤدي إلى إثارة العصبيات، ويؤدي بالتالي إلى انفراط المشروع الذي بنيَ أساساً على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، بينما اقتضى الأمر تكتيل هذه الجماعة ضد عنصر اختار أن يكون غريباً عنها ومنفصلاً عن قضيتها الأساسية.
والواقع أن الروايات التاريخية لا تتحدث عن أسباب مباشرة للقرار الذي اتخذ في أعقاب غزوة الخندق، بالتخلص من بني قريظة، آخر اليهود في المدينة. فقد اقتصرت على ما راود بعض المسلمين من شكٍ نحو هذه القبيلة التي «نقضت العهد وحاربت»)[67](، متابعة رواية الواقدي في هذا السياق، بأن الرسول أوفد الزبير بن العوّام للاطلاع على أوضاعهم، فإذا بالشك يصبح يقيناً في جواب موفد الرسول: «رأيتهم يصلحون حصونهم ويدرّبون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم» حسب الرواية)[68](. ولعل في ذلك ما يكفي لأن يمهّد كسبب مباشر لغزوة بني قريظة ووضع حد لوجودهم في المدينة. ولكن هل شارك هؤلاء بصورة فعلية في غزوة الأحزاب (الخندق)؟ هذا ما يحتاج إلى تأكيد لم توفره المصادر التاريخية ولم تقدم دلالاتٍ واضحةٍ عليه، لأن المشاركة على نحو ما مع قريش، لم يكن من سبيل إليه لو شاءت قريظة ذلك، وهي شبهُ محاصرةٍ في المدينة، إن لم تكن محاصرةً فعلاً منذ القضاء على بني النضير. وقد يتوافق هذا الرأي مع ما ذهب إليه المستشرق وات بأنها ـ أي قريظة ـ ظلت «على الحياد فيما يتعلق بالعمل العسكري، ولكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد، ولو أنها وثقت من قريش وحلفائهم من اليهود لانقلبت على محمد»)[69](.
ولعل التعاطي مع المسألة اليهودية كحالة مجزأة لا يعبر عن الحقيقة، إذ هي بدايةً تشكل حالة واحدة برغم الملامح الجزئية التي يرى فيها البعضُ حالات خاصةً، فرضتها العلاقةُ مع كل من القبائل اليهودية. ولا شك أن التدرّج في هذا الصراع قد أكسبه تلك الملامح خلال سنوات خمس مرّات على الهجرة، احتلت المهادنة حيزاً قصيراً فيها، بينما كانت الخطة محكمةً خلال الحيز الآخر، سواء من حيث التوقيت أو من حيث القرار الحاسم. فلم يكن مصادفة تهيؤ الأسباب الملائمة والاستفراد لليهود قبيلةً وراء قبيلة بعيد كل مواجهة مسلحة مع مكة. فقد تمّ ضرب القينقاع في أعقاب بدر، والنضير بعيد أحد وقريظة جاء القضاء عليها محصّلاً لغزوة الخندق. وإذا كانت الغزوتان ضد الأولى والثانية، قد أسهمت نتائجهما فيما اتخذ من قرار موضوعي في حينه، فإن نتائج الخندق تجاوزت ما سبقها وبلغ معها المسلمون الذروة في الصمود وفي قهر التحديات الخارجية. ولا شك أن المدينة بعد هذه الغزوة (الخندق)، تجاوزت آفاق الحظر، فضلاً عن العزلة التي كان للسرايا النبوية تأثير كبير في التقليل منها، بينما لم تجد مكة سبيلاً إلى تفادي هذه العزلة التي أخذت تعانيها بعد تلك الغزوة ـ المنعطف في تاريخ الصراع مع المدينة، مؤكدةً فشلها في اختراق الأخيرة وفي استمرار المحافظة على جبهتها الواسعة، بعد اهتزاز صورتها أمام القبائل الحليفة. ومن هنا اختلفت انعكاساتُ الصراع مع قريظة، عن تلك التي انعكست على القينقاع والنضير، خاضعةً لمعطيات الوضع الجديد في أعقاب غزوة الخندق، وإن كانت في سياقها المحلي وظروفها الخاصة غير مختلفة عما أحاط بإخراج القبيلتين السابقتين.
وكانت السرعة في المبادرة وفي التعبئة، ما يستوقف المؤرخ، متمثلاً ذلك في قرار حاسم للرسول بعد عودة المسلمين من الخندق بأن «لا يصلين أحدٌ العصر إلا ببني قريظة»)[70](، مما اعتبر إعلاناً صريحاً للحرب على هذه القبيلة، ما لبث أن اقترن بتحرك المسلمين نحو حصونها، ضاربين حولها حصاراً دام خمساً وعشرين ليلة)[71](. ولقد أثارت هذه الغزوة في تقويمها ملابساتٌ، وبما كان المستشرقون أكثر توقفاً عندها، إذ رأوا في حكم الموت على هذه القبيلة ما يتعارض وتقليد التسامح في الإسلام. وقد يصعب في الواقع على المؤرخ مجابهة هذا الموقف دون قراءة دقيقة لتلك المرحلة التي كان من أبرز سماتها، التحوّل من أفق القبيلة إلى آفاق الدولة، مما نجده واضحاً في حيثيات القرار المتخذ من جانب زعيم الأوس سعد بن معاذ الذي عهد إليه الرسول بهذا الأمر. ولعل اختيار سعد لهذه المهمة كان يندرج في إطار السياسة ذاتها التي أعطت للأنصار دوراً أساسياً في الصراع مع اليهود، في ضوء العلاقة الخلاصة بين هؤلاء وبين بطون الأوس والخزرج وبعض شخصياتهم. ولذلك لم يكن غريباً أن يتولى سعدٌ مثل هذه المسؤولية وقد ارتبطت عشيرتُه قبل الهجرة بحلف مع قريظة وسوندت من جانبها في يومي الحدائق وبعاث ضد الخزرج)[72](. وكان اثنان من الأوس أيضاً قد عهد إليهما الرسول الاتصال تباعاً بقريظة بعد إحكام الحصار عليها: أحدهما أبو لبابة بن عبدالمنذر وثانيهما أسيد بن حضير، إذ حلّ الثاني في مهمةٍ، أخفق فيها الأول، بعد أن حرّك اليهود في نفسه رواسب الماضي.
إن دفع الأوس إلى غمار هذه المهمة، شكّل تعديلاً في موازين القوى على صعيد جبهة الأنصار التي ظل الخزرجُ أكثر تألقاً وأكثر ممارسة للأدوار البارزة فيها. ولذلك فإن تصدي سعد بن معاذ للمهمة الصعبة التي أوكلت إليه، سيكون بمستوى الثقة التي حازها من الرسول، مؤكداً انضباطية الأوس وعدم انفعالهم بالمواقف السابقة على الهجرة، هذا إذا سلّمنا بأن قرار القتل الجماعي الذي اتُّخذ ببني قريظة، كان وراءه ابن معاذ فقط، وأنه أقدم عليه دون العودة إلى الرسول والصحابة الذين كان جلهم مشاركاً في هذه الغزوة. فقد تعرض سعد لضغطٍ من قومه أو بعضهم، بأن «يحسن في مواليه» متذرّعين بأن الخزرج (والمقصود هنا عبدالله بن أبي) طلبوا من الرسول أن يحسن ببني القينقاع فاستجاب لهم)[73](. ولكنه لم يشأ الخضوع للعواطف أو التأثر برواسب العصبية، وإنما كان في حكمه متجاوزاً اعتبارات القبيلة ومغلِّباً عليها مصلحة الجماعة. ولما شكك الخزرج على لسان اثنين من زعمائهم (سعد بن عبادة والحُباب بن المنذر) في رغبة الأوس بتنفيذ حكم ابن معاذ)[74]( وهو أن «يُقتل الرجال وتقسمُ الأموال وتُسبى الذراري والنساء»)[75](، لم يتردد زعيمُ الأوس وآخر معه (أسيد بن حضير) في نفي ذلك والتأكيد على التزام قومهما بالحكم)[76](. وعلى العكس من ذلك فإن سعداً بن معاذ في آخر أيامه ـ وقد أصيب بجراح بالغة في الخندق وعشية اتخاذ الحكم ضد قريظة، لا ينفك محرّضاً على الأخيرة، بأن تكون له شهادةً في حربها. فقد كان في ظنه ـ أن الحرب انتهت مع قريش، وأن ما جرى مع قريظة كان آخر الحروب حسب رواية الواقدي)[77](. وقد كان ابن معاذ مصيباً فيما نسب له من اعتقاد، لأن صمود المسلمين في الخندق وانكفاء قريش على أعقابها، أخرجا المدينة من دائرة التهديد الفعلي، وما بقي من خطر كان شأنه متروكواً للوقت، بعد أن أصبح زمامُ الأمور في قبضة المسلمين الذين كانت وحدتهم الصلبة، السلاح الأقوى في مواجهة تلك التحديات.
وبالقضاء على قريظة، تلاشى وجودُ اليهود في المدينة، باستثناء أفرادٍ بدا أنهم نالوا عفواً أو شفع بهم أحدٌ من حلفائهم السابقين، مثل الزبير بن ياطا، وكان شيخاً كبيراً، سعى من أجله ثابت بن قيس لدى الرسول فوهبه له)[78](، إلا أن الزبير الذي ضاق به العيش بعد قتل «سراة بني قريظة»، اكتفى بإطلاق امرأته وولديه وردِ أموالهم إليهم، مؤثراً الموت بسيف صاحبه (ثابت) حسب راية الواقدي)[79](. كما تشير الرواية نفسها إلى يهودي آخر يدعى أبو الشحم، حضر بيع السبي واشترى امرأتين «مع كل واحدة منهما ثلاثة أطفال وغلمان وجوار بخمسين ومائة دينار»)[80](، دون أن توضح الرواية إذا كان أبو الشحم من يهود المدينة أم أنه وفد عليها من القرى اليهودية لافتداء هؤلاء بأموالهم. ذلك أن الاعتقاد بوجود يهود في المدينة بعد غزوة قريظة، لا تدعمه الروايات التاريخية التي تكتفي بهاتين الحادثتين حيث بنى «وات» افتراضه على الثانية بأن بعض اليهود كان ما يزال فيها)[81]( وقد علل هذا المستشرق وجود «عدد من اليهود» في المدينة، في معرض تسويغه لسياسة الرسول إزاء المسألة اليهودية، معتبراً ذلك حجةً على آراء العلماء الأوروبيين الذين يقولون «بأن محمداً اتّبع سياسةً شديدة فطرد جميع اليهود من المدينة لا لسبب إلا لأنهم يهود»)[82](. فقد نفى وات استخدام الرسول مثل هذه السياسة التي كانت غير مألوفة في تقاليده، معللاً الموقف من اليهود لا سيما بني قريظة، بأنهم شكلوا خطراً «بأفكارهم على نبوته»، مما دفعه إلى هذا التشدد تفادياً لفتور الحماسة الدينية عند جماعته)[83](.
على أن اليهود كان ما يزال لهم حضورٌ قوي في خيبر وبقع مجاورة لها على تخوم المدينة، حيث قاموا بدور تحريضي ضد الأخيرة وأعدّوا لها خططاً انتقامية لم تكن خافية عنها. ولذلك لم يتردد المسلمون في متابعة سياسة المداهمة نفسها إزاء يهود خيبر، متمثلةً في الاختراق المفاجىء للأخير كما سبقت الإشارة. فقد أعطى المسلمون حيّزاً في سياستهم العسكرية لهذا الحصن الذي يمكن القول إنه بات شبه محاصر بعد غزوة بني قريظة، دون أن تكون منفصلةً عن هذا السياق، عملياتٌ ضد مواقع أخرى مثل سرية علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بني سعد بفدك)[84](، بعد أن بلغ الرسول «أن لهم جمعاً يريدون أن يمدّوا يهود خيبر»)[85](، فأدرك «نعمهم وشاءهم»، بينما تفرق رجالهم وهربوا)[86](. كما تندرج في مقدمات الصراع مع خيبر، السرية التي استهدفت خلفية أبي رافع، أسير بن زارم، وذلك بقيادة عبدالله بن رواحة في ثلاثين من المسلمين)[87](، ممهداً لها بعملية)[88]( محدودة، تمكّن بواسطتها من رصد حركته واستطلاع أخباره. وقد جاءت هذه السريةُ بعد أن تناهت معلوماتٌ عن تحريض أسير لليهود على الثأر من الرسول واستهدافه في «عقر داره»)[89](، معدّاً لذلك «كتائب اليهود»)[90]( حسب رواية الواقدي، وقد نجح ابن رواحة وأصحابه في استدراج أسير إلى خارج الحصن، بعد إيهامه بنية الرسول في استعماله على خيبر)[91](، على الرغم من تحذير رجاله بأن «محمداً ما كان يستعمل رجلاً من بني إسرائيل»)[92]( حسب الرواية نفسها. ولم يجد أسير بدّاً من المواجهة المسلحة مع المسلمين الذين ضيقوا عليه الخناق وانتهوا إلى قتله ورجاله، باستثناء واحدٍ فقط، دون أن يصاب منهم أحد)[93](.
ولعل هذه العملية تعبّر، كما عبّرت سابقاتُها، عن سقوط مقومات التعايش مع اليهود، حيث وجد المسلمون وامتد لهم نفوذ، مما يعني أن الصراع معهم لم تعد مقتصرة ساحته على المدينة فقط، وإنما بات متحركاً خارجها باتجاه بقية المواقع التي وجدت نفسها في حالة حرب مع المسلمين، مختلفة عن تلك الحالة المقنعة في المرحلة السابقة، على نحو أضحت فيه خيبر، المحطة الحاسمة في الصراع ضد اليهود في الحجاز. وكان التوقيت عنصراً هاماً في العملية التي داهمت اليهود في حصونهم وأربكت حركتهم، حين قام الرسول بغزوته في العام السابع بعد تحقيق إنجازين كبيرين على المستوى السياسي: الأول تمثّل بغزوة الحديبية وما كان لها من نتائج ساطعة)[94](، قطفت ثمارها المدينة، مقابل تراجع لافت من قريش وتكريس لعزلتها العربية المتصاعدة، والثاني، عبّرت عنه الرسائلُ النبويةُ إلى الملوك ورؤساء القبائل في الشام)[95](، الأمر الذي سيجعل الأخير هدفاً مبكّراً لسياسة الرسول التوسعية. على أن التوقيت هنا لم يكن بعيداً عنه الشأن الاقتصادي، الذي كان حاضراً في كثير من السرايا النبوية، حيث اتخذت محورها غالباً في منطقة العبور التجاري إلى الشام. ومن هنا يأتي قرارُ الهجوم على خيبر الذي وُصف بأنه «ريف الحجاز طعاماً وودكاً وأموالاً»)[96](، وحظي بموقع جغرافي هام على تخوم طريق القوافل، منسجماً مع الخطوتين السابقتين، إذ حققت كلتاهما من النتائج السياسية والاقتصادية، ما جعل المدينة تنتزعُ زمام المبادرة من مكة بما في ذلك التهديد الفعلي لتجارتها وإجراءُ الاتصالات المباشرة مع الشام. ولذلك يشكّل خيبر من هذا المنظور، الحلقة الأخيرة في إحكام القبضة على شمالي الحجاز والإمساك بمفاصل الطريق التجاري، وصولاً إلى الحصار السياسي والاقتصادي والنفسي على الحاضرة القُرشية، إذا ما أخذنا في الاعتبار ما أحدثته غزوةُ الحديبية من إرباك لعلاقتها مع القبائل وانكفاءٍ لتجارتها الشهيرة.
ولعل خطورة الغزوة إلى خيبر، كانت واضحة في التعبئة الجدية لها، وفي القول المنسوب للرسول (ص) بأن «لا يخرجن سوى راغب في الجهاد»)[97](، مندرجاً ذلك في خطة محكمة، كانت المفاجأة من أبرز عناصرها، فضلاً عن التوقيت الملائم. فلم تكن مواجهة تلك الحصون التي تعجّ بالمقاتلين وتمتلىء بالسلاح)[98]( على جانب من السهولة، دون إعدادٍ مناسب لها، يُفضي إلى حسم المعركة بالسرعة القصوى لأن أي تعثّر في إحراز النصر أو إخفاق في فتح الحصون، ستكون له نتائجه السلبية على المدينة، بما يتعدى الصراع مع اليهود، إلى الصراع مجدداً مع مكة التي ستقطف ثمار أي فشل يحيق بالمسلمين. ولذلك كانت الخطة متقنة في سرّيتها، مفاجئةً لليهود الذين أصبحوا في ذلك اليوم من شهر جمادى الأول سنة سبع للهجرة، «ففتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم»)[99](، دون أن يشعروا بأمر غير عادي، حتى إذا اصطدموا بقوات المسلمين عادوا أدراجهم وقد سيطر عليهم الذعر وحالت المفاجأة دون تنظيم صفوفهم والإعداد المناسب للمعركة، مما هيأ للمسلمين، وكان جلهم من الأنصار)[100]( اختراق جبهتهم بسهولة وإسقاط حصونهم واحداً بعد آخر)[101](. وقد رأى «وات» أن عدة أسباب كانت وراء هزيمة اليهود في خيبر، منها أن بعضهم لم يتردد في مساعدة المسلمين، اعتقاداً منه بأن ذلك يضمن سلامته وعائلته)[102](، وأنهم ـ أي اليهود ـ «لم يهتموا بالتزويد بالماء الكافي للحصار وكان قصير المدى»)[103](، فضلاً عن خُذلان حليفتهم القريبة غطفان التي تظاهرت ـ والكلام لوات ـ «بالتأييد لهم ولم تتدخل بشكل فعّال أثناء عمليات خيبر»)[104](.
ومهما كانت تقديرات «وات» مصيبةً، فإن ثمة ما يمكن إضافته إلى أسباب نجاح المسلمين في القضاء على حصون خيبر، أن هؤلاء كانوا يحاربون كتلةً متماسكة ويتحركون وفق خطة ذكية وتوقيت مدروس، بينما كانت جبهةُ اليهود مفككةً وغير قادرة على تحقيق النصر، أو الصمود على الأقل، دون دعم فعلي من جانب قريش و«الأحزاب» المؤيدة لها، وهو لم يحدث عملياً عبر مراحل الصراع الإسلامي اليهودي في الحجاز. فقد كان هاجسُ الرسول، أن لا يدع لليهود فرصةً للوحدة أو مجالاً لاتخاذ المبادرة، مما يفسر استفراد قبائلهم دون أن يتاح لهم، برغم نزعتها العدائية، الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم. فقد ضاعت منهم ـ أي اليهود ـ فرصة للتعايش التي كانت ممكنة في وقت ما، ولكنها ما عادت قائمة في بال المسلمين منذ غزوة القينقاع وما تركته في نفوسهم من ارتياب بجدوى المهادنة، الأمر الذي جعل الوجود اليهودي مرفوضاً حتى بعد وفاة الرسول، على الرغم من أن هذا الوجود بات هامشياً إثر سقوط خيبر واستسلام فدك ووادي القرى)[105](.
وهكذا، وبعيداً عن أي اجتهاد خاص أو رؤية فكروية مسبقة، كان اليهود على هامش الهجرة إلى يثرب التي كان أول ما يعني تبديل اسمها، أنها لم تعد مدينة اليهود أو يكون لهم حقُ البقاء فيها، بقدر ما أضحت مدينة العرب المسلمين وحاضرتهم ومنطلق مشروعهم، المتناقض في الجوهر مع المشروع اليهودي، الرامي إلى احتواء المهاجرين وجرّهم إلى خلاف مع الأنصار، بغية تكريس حالةٍ شبيهةٍ بتلك التي سادت المدينة من قبل. وفي ضوء ما أسلفنا مدّعماً بالنصوص التاريخية، فإن الهجرة كانت إنجازاً أسهم فيه الأنصار بنصيب كبير، مجسَّداً بمشاركة طليعية من جانب الخزرج الذين هُزموا في بعاث، دون أن يعني ذلك أن الأوس هم الأقوى أو لديهم الثقةُ باستمرار المحافظة على النصر الذي لم يكن يتم لولا مساعدة اليهود. ومن هذا المنظور، فإن الخزرج الذي مهّدوا السبيل للهجرة، إنما كانوا يخوضون بمعنى ما صراعاً عربياً ضد اليهود، مما جعلها تكتسب ـ أي الهجرة ـ هذه السمة منذ البدء وتدخل سلفاً في مواجهة مصيرية معهم. فقد بلغوا ـ أي الخزرج ـ إلى جانب الأوس شأواً في نفوذهم وباتوا «أعزّ أهل المدينة» وشاركوا اليهود في النخل والدور كما في المروية السالفة وهو أمر يدفعنا إلى إعادة النظر، بالفكرة السائدة عن «غلبة» النفوذ اليهودي في ذلك الوقت. ولعل أقدم هذه المؤشرات ما عبّرت عنه حركة مالك بن العجلان السالفة ضد أشراف اليهود، وهي في ذاتها مرتبطةٌ بنمو النفوذ العربي في المدينة، دون أن نجد بين ثنايا الروايات ما يشير إلى ردٍّ لليهود على هذه الحركة، سوى ما كان من جهود لضرب وحدة القبيلتين وإشغالهما بحروب داخلية.
وثمة أصداء لهذا الصراع المبكر نجدُه أيضاً في مؤشر آخر، حينما التجأ الخزرج إلى قريش تحت تأثير حافز ليست خافيةً دلالاته القومية، بغية إيقاف الحرب مع الأوس، من غير أن يكون الهاجس محكوماً بالصراع مع هؤلاء، بقدر ما كانت له خلفيته المتصلة بالخطر اليهودي الذي استهدف القبيلتين في آن. ولكن قريشاً التي رفض أحد زعمائها (أبو جهل المخزومي) التورط في صراع قد يعود على تجارتها بالضرر، تفادت القيام بأية خطوة تؤدي إلى اختلال التوازن في يثرب، مخيبةً للآمال بزعامتها «العربية» في الحجاز. وكان تكرارُ المحاولة مع الطائف غير مجدٍ أيضاً لأن الأخيرة ما كانت لتخرج على إرادة قريش، ولكن المحاولة في مضمونها تؤكد المنحى الذي اتخذه الصراعُ في يثرب عشية الهجرة، على نحو بدا وكأنه صراعٌ حتمي، ليس بين العرب الذين خاضوا فيما بينهم حروباً مفتعلة، ولكن بينهم وبين اليهود بعد شعور هؤلاء بالقلق من تصاعد نفوذ الأوس والخزرج في يثرب. ومن هذا المنظور أيضاً تصبح الهجرة في ذاتها مشروعاً عربياً وحدوياً، يرمي في بداياته إلى إنقاذ القبيلتين من الاقتتال ويلبي الطموح إلى تحرير المدينة من اليهود دون أن يكون ما نسب للخزرج من قولٍ للرسول: «إن بين قومنا شراً وعسى الله أن يجمعهم بك»)[106](، بعيداً عن هذا الحقيقة، إذ كانت عبارة «القوم» في حديثهم تعني العرب وليس مجرد فريق منهم، بعد أن دمرت الحرب طاقة الجميع وهدّدت وجودهم بالخطر.
وإذا كان اليهود أخيراً قد استمدوا قوتهم من هذا الصراع العربي ـ العربي واستمراريته، فإن ذلك لا يؤكد في المقابل أنهم بلغوا مرحلة السيادة في المدينة وباتوا أصحاب القرار فيها. فقد أثبتت تلك الوقائع عجزهم عن التدخل الفعلي في الأحداث والتحكم في مسارها، خصوصاً وأن الهجرة التي اقترنت أساساً بالوحدة، متسعةً للأوس برغم انفراد الخزرج في التمهيد لها، كان التصدي لها من جانب اليهود أمراً لا يرتكز على معطيات الواقع الذي رجح لمصلحة «الهجرة العربية». والقبائلُ اليهودية الحجازية وإن تطبعت في الشكل مع الواقع واكتسبت من العادات الاجتماعية والمؤثرات الثقافية، حتى ظن بعضُ المؤرخين أن قبيلة منها أو أكثر من أصل عربي، فهي من المؤكد قد ظلت خارج التشكيل القبلي الذي تتبعت كتبُ الأنساب أصوله وفروعه في شبه الجزيرة والأطراف، كما ظلت جمساً غريباً يلفظ بقية الأجسام التي لفظته بدورها لانعدام التلاؤم والانصهار. ولم تكن تجربة المدينة وما انبثق عنها من مشروع عربي في الصميم، سوى اختيارٍ ربما تدخل فيه الموقفُ السياسي وسرَّعَته الأحداث الدامية، ولكن الخيار الحقيقي، كان هو المشروع نفسه الذي رسم للقبائل العربية وحدتها ومعالم تاريخها الجديد، مرموزاً له في الآية القرآنية الأولى التي تُليت في المدينة على لسان المهاجر الأول مصعب بن عمير: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ})[107](.
الدكتور إبراهيم بيضون
خيبر)[108](
ـ 3 ـ
قال ياقوت: هي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام. يطبق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. وأسماء حصونها: حصن ناعم، والقموص حصن أبي الحقيق، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة. وأما لفظ «خيبر» فهو بلسان اليهود: الحصن ولكون هذه البقعة تشتمل على هذه الحصون سميت «خيابر» (انتهى).
ولقد كان النبي (ص) يخشى غدر اليهود الذين لا يزالون مقيمين شمال المدينة، صحيح أنه قد عقد عهد الحديبية، فأمن قريشاً وأمن الجنوب كله، لكنه لن يأمن من ناحية الشمال أن يستعين هرقل بيهود خيبر، وأن يحرك في نفوسهم ثاراتهم القديمة، وأن يذكرهم إخوانهم في الدين من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وقد أجلاهم (محمد) عن ديارهم بعد أن حصرهم بها وقاتلهم فيها وقتل منهم وسفك دماءهم. واليهود أشد من قريش عداوة له. لأنهم أحرص منهم على دينهم، ولأن فيهم ذكاء وعلماً أكثر مما في قريش. وليس من اليسير أن يوادعهم بصلح كصلح الحديبية، ولا أن يطمئن لهم وقد سبقت بينه وبينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها. فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا هم وجدوا من ناحية هرقل مدداً. لا بد إذاً من القضاء على شوكة هؤلاء اليهود قضاء أخيراً حتى لا تقوم لهم من بعد ببلاد العرب قائمة أبداً ولا بد من المسارعة إلى ذلك حتى لا يكون لديهم من الوقت متسع للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد (ص) والموالية لهم.
وكذلك فعل، فإنه لم يقم بالمدينة بعد عوده من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول، وشهراً على قول آخر، ثم أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر وانطلق المسلمون في ألف وستمائة ومعهم مائة فارس، وقطعوا مراحل الطريق ما بين خيبر والمدينة في ثلاثة أيام لم تكد خيبر تحسسهم أثناءها، حتى لقد باتوا أمام حصونها وأصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم، فما رأوا جيش المسلمين ولوا الأدبار، يتصايحون: هذا محمد والجيش معه.
على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون أن يغزوهم محمد وكانوا يودون أن يجدوا الوسيلة إلى الخلاص منه. أما بعضهم فنصح لهم أن يبادروا إلى تأليف كتلة منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء تغزو يثرب، دون اعتماد على البطون العربية في الغزو. وأما آخرون وغيرهم فكانوا يرون أن يدخلوا في حلف مع الرسول (ص)، لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين، والأنصار منهم خاصة، بعد اشتراك حيي بن أخطب وجماعة من اليهود معه في تأليب العرب لاقتحام المدينة وأخذها عنوة في غزوة الخندق.
كانت هذه الموقعة من أكبر المواقع لأن جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأساً، وأوفرها مالاً، وأكثرها سلاحاً، وكان المسلمون مؤمنين بأنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه الجزيرة فستظل المنافسة بينهم وبين الإسلام حائلاً دون الغلب لهم، ووقفت قريش ووقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون من قريش يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها فوق الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال.
وقف المسلمون أمام حصون خيبر متأهبين كاملي العدة، وتشاور اليهود فيما بينهم فأشار عليهم زعيمهم سلام بن مشكم، فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصني الوطيح والسلالم، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم، ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حصن نطاة، والتقى الجمعان حول حصن نطاة واقتتلوا قتالاً شديداً، حتى قيل: إن عدد الجرحى من المسلمين في هذا اليوم بلغ خمسين فكم كان إذاً عدد جرحى اليهود؟. وتوفي سلام بن مشكم، فتولى الحارث بن أبي زينب قيادة اليهود، وخرج من حصن ناعم يريد منازلة المسلمين، فدحره بنو الخزرج واضطروه أن يرتد إلى الحصن على أعقابه. وضيق المسلمون الحصار على الحصون واليهود يستميتون في الدفاع إيماناً منهم بأن هزيمتهم أمام محمد (ص) هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب. وتتابعت الأيام، فبعث الرسول أبا بكر براية إلى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن. وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه كحظ أبي بكر. فقال النبي: «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كراراً غير فرَّار» ثم دعا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له خذ هذه الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج حتى ركز رايته تحت الحصن وخرج إليه الحصن بكامله وكان أول من خرج الحارث أخو مرحب وكان معروفاً بالشجاعة فانكشف المسلمون وثبت علي فتضاربا فقتله علي وانهزم اليهود إلى الحصن. ولما علم مرحب بطل اليهود أن أخاه قد قتل خرج من الحصن في سلاحه وهو ينشد الشعر الحماسي فاستقبله علي بن أبي طالب وهجم عليه فقتله وكان أهل الحصن قد خرجوا واشتبكوا مع المسلمين.
قال في أعيان الشيعة: والعجب من الدكتور هيكل فإنه لم يذكر في كتابه إلا الخبر الشاذ الذي وضعه أعداء علي وحاسدوه بأن مرحباً قتله محمد بن مسلمة وأعرض عن الخبر المتواتر بأن قاتل مرحب هو علي بن أبي طالب ولم يشر إليه أصلاً مع حكم الحفاظ والنقاد من مؤرخي المسلمين ومحادثيهم بصحته وتواتره. ومع ظهور الحال في ذلك ظهوراً يجعله كالشمس الضاحية ولا عجب فأنا رأينا هذا الرجل في كتابه يغمط علياً حقه في كل موضع ما استطاع.
وقدم على النبي (ص) جعفر بن أبي طالب من الحبشة يوم فتح خيبر فقبل رسول الله (ص) بين عينيه والتزمه وقال ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
وعامل محمد (ص) يهود خيبر بغير ما عامل به بني قينقاع وبني النضير حين أجلاهم عن أرضهم فترك أهل خيبر في أرضهم لأنه أمن بسقوط خيبر بأس اليهود، وآمن بأنهم لن تقوم لهم بعد ذلك قائمة أبداً. ثم إنَّ ما كان بخيبر من الحدائق والمزارع والنخيل كان يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة لاستغلاله وحسن القيام على زراعته. ولئن كان أنصار المدينة أهل زراعة، لقد كانت أرضهم بها في حاجة إلى أذرعهم، كما أن النبي كان في حاجة إلى جيوشه للحرب، فهو لا يرضى أن يتركها للزرع. وكذلك ظل يهود يعملون بعد أن انهار سلطانهم السياسي انهياراً أثّر حتى على نشاطهم، حتى لقد أسرعت خيبر من ناحية الزراعة نفسها إلى البوار والخراب، مع ما كان من حسن معاملة النبي لأهلها، ومن عدل عبدالله بن رواحة رسوله إليهم كل عام بينهم في القسمة وقد كان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوها عدة صحائف من التوراة. فطلب اليهود ردها، فأمر النبي بتسليمها لهم، ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع الإسبان في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حيث أحرقوا كتب اليهود المقدسة.
خيبر (ممر)
ممر جبلي هو الطريق بين أفغانستان وباكستان، تحصره من الجانبين مرتفعات ضمها في بعض أجزائه أكثر من ألف متر. وكان هذا الممر طريقاً لجميع من غزوا الهند. وظلت مواكب الغزاة تتوافد عبر الممر على مدار التاريخ، من الشمال الهون البيض والفرس والترك والمغول، ومن الجنوب الهندوس والإنكليز.
حسن الأمين على حدود أفغانستان بعد اجتياز ممر خيبر
وتروي كتب التاريخ أن أول من مهد ممر خيبر هو شير شاه سوري أحد ملوك المغول في منتصف القرن السادس عشر، ولكن الطريق المستخدم الآن، وهو مواز للطريق القديم الذي شقه الإنكليز بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1920م ضمن خطوات أخرى لأسباب عسكرية خالصة، أرادوا بها تسهيل عمليات نقل القوات والإمدادات من مدينة «بشاور» إلى الحدود الأفغانية. ذلك أن الإنكليز بعد الحرب الأولى قدروا أن الروس يخططون للوصول إلى الهند وأن ذلك قد يتم عبر أفغانستان وممر خيبر. وأعد الإنكليز عدتهم لمواجهة هذا الاحتمال، فمهدوا هذا الطريق، ومدوا خطاً للسكة الحديد ليس بعيداً عن الممر ـ بين بشاور ونلديكوت ـ أهم بلدة على الطريق.
وعندما ينبسط الطريق أمام المسافر يلمح قرى الباتان التي لا يرى منها سوى أسوارها العالية المتراصة في لون رمال الصحراء تتخللها أبواباً ضخمة مماثلة لبوابات القلاع ينفتح في جانب منها باب صغير في حجم قامة الإنسان.
وهذه الأسوار العالية تعكس إلى حد كبير شخصية مجتمع قبائل الباتان، ذلك المجتمع المحافظ المنعزل الذي يشك في الغريب ـ ربما لكثرة تعرض بلادهم للغزو ـ ويقدس حرمة الأسرة. والبيت عنده ليس مأوى فقط ولكنه ساتر وغطاء وقلعة محاربة أيضاً. هو حصن بكل معنى الكلمة تتوفر له مقومات تحقيق الأمن العسكري والأمن الاجتماعي أيضاً، إذ غاية ما تراه من منشآت البيت بعد السور برج مراقبة في ركن منه للرصد والصد.
وتنتشر القرى بغير عدد فوق التلال وعند السفوح والوديان بطول الحدود الباكستانية الأفغانية (1400كلم) وينتقل الباتانيون بملايينهم العشرة على الجانبين بغير هويات ولا جوازات سفر فقبائل الباتان أفغانية الأصول وأبناء عمومتهم الباتانيون أيضاً منتشرون في أفغانستان. ولغتهم ـ الباشتو ـ لغة أساسية في أفغانستان.
المنطقة طبعاً تحت سيادة الدولة الباكستانية من الناحية القانونية، ولكن أمن المنطقة بين أيدي القبائل بل أن الشريط الحدودي كله يعبر «منطقة حرة بالمعنى الأمني والاقتصادي». إذا وقع حادث مثلاً تتدخل الحكومة عن طريق الاتصال برئيس القبيلة، وإذا تنازعت قبيلتان فإن دور الحكومة ينحصر في محاولة التوفيق بين شيوخهما.
وإذا كانت الباتان هي أكبر مجتمع قبلي في العالم، فإن الأفريديين هم أكبر قبائل البات وأوسعها نفوذاً.
والباتان سنيون حنفيون في أغلبيتهم، ويناهز عدد الشيعة بينهم أكثر من الربع من مجموعهم.
الدار البيضاء
تعتبر الدار البيضاء أكبر المدن المغربية دون منازع، مساحة وسكاناً. وهي العاصمة الاقتصادية للمملكة منذ أمد يعود إلى ألف سنة أو نحوها.
ويعتبر «الحسن الوزاني» المعروف بلقب «ليون الأفريقي» أن الرومان هم الذين شيّدوا مدينة أنفا، وهي التسمية القديمة للدار البيضاء. أما «مارمول» فيرى أن تأسيسها يعود إلى عهد الفينيقيين، ولعل لاسمها صلة بجذر أمازيغي أو عربي من الأنف أو الأنفة.
ويعتقد أن أنفا كانت نقطة انطلاق المغاربة نحو القارة الجديدة قبل العام 1100م، حيث رسوا أمام الساحل الأمريكي قبل كريستوف كولومبوس.
واحتلت أنفا مكانة اقتصادية متميزة، واشتهرت ببطيخها الذي كان محط إقبال كبير من لدن الحواضر الكبرى كمراكش ومكناس وفاس ووجدة، وكانت ذات موارد وفيرة، حيث عين فيها أول وال للجباية، ويدع «عبو»، وهو من بني الترجمان وقد امتدحه ذو الوزارتين ابن الخطيب السلماتي.
احتفظت آنفا بمكانتها في التصنيع وكانت تمد بحديدها، المتوفر في تامسنا، مدينة فاس ذائعة الصيت، لاستعماله في الصناعة التقليدية.
وتغير اسم أنفا ليحل محله اسم الدار البيضاء أيام السلطان سيدي محمد بن عبدالله المتوفى سنة 1304هـ. والاسم الجديد مستمد، في الأرجح، من دار مبيضة بالجير أو الكلس كانت على الشاطىء، واتخذها البرتغاليون صورة أو منارة تمكنهم من الاهتداء بها ليلاً في البحر.
عرفت الدار البيضاء تحولاً ملحوظاً حين دخلها محمد الثالث العام 1197م. وأعجب بمينائها وأمر بعمارتها وبناء سور لها، وأذن للأجانب بجمل الزرع منها.
وكانت مركزاً لتجارة الحبوب، كأهم بضاعة سمحت السلطات بتصديرها منذ 1782 لشركة إسبانية مقرها قائم بقادس، ثم لشركة أخرى بمدريد سنة 1789.
صورة شاملة لمدينة الدار البيضاء
والجدير بالذكر أن محمداً بن عبدالله هو أول مؤسس للديوانات (الجمارك) بالمراسي المفتوحة، التي من بينها مرسى الدار البيضاء، كما منح قروضاً لدور تجارية تكفّلت بجلب المواد الحيوية من الخارج وبيعها بثمن بخس.
وقد بلغ دخل هذا الميناء وقتئذٍ ستة ملايين فرنك. لكن السلطان المولى سليمان أغلق ميناء الدار البيضاء العام 1794م، عقب ثورة عامل الشاوية، الذي كان يقطن في المدينة، وأمر بنقل التجار المسيحيين المستقرين فيها إلى الرباط.
وأعيد فتحه من جديد العام 1830م، في عهد السلطان المولى عبدالرحمن بن هشام، وعاد إليها التجار الأجانب العام 1852م، ومن ضمنهم التجار الفرنسيون الذين يبحثون في المغرب عن الصوف الخام، بغية التحرر من التبعية للسوق الإنجليزية.
في هذا السياق، تأسست في العام 1852م شركة للاستيراد عملت على التحرر من السوق الإنجليزية، وأقامت لها فروعاً بالعرائش والرباط.
تطورت الملاحة البخارية منذ 1883م عن طريق ست شركات لها عامل مأمور في ميناء الدار البيضاء، ونشأت مصانع للسيجار ومصنعان لتعبئة المياه الغازية ومصنع للزرابي (السجاد المغربي).
وكانت أسواق الصوف تنعقد، أوائل القرن العشرين، في مديونة. وفي سنة 1893م، أسس رجال أعمال ألمانيون مصنعاً صغيراً للصابون، وأقام أمريكي يدعى «جوهن كوب» طاحونة بخارية سنة 1875م لطحن القمح وبيع طحينه. وعرفت سنة 1887م عهداً جديداً بإحداث مصالح بريدية وانتظام السفريات في الخطوط البحرية، وسهل تأسيس التلغراف في طنجة الاتصال بالدور التجارية الأوروبية.
أصبح ميناء الدار البيضاء، انطلاقاً من سنة 1907م، أكبر ميناء تجاري مغربي. وقد ساهم في ظهور المدينة النشاط التجاري الأوروبي وحلول التجار الأجانب فيها، فضلاً عن قدوم المواطنين من المدن المختلفة إليها.
تتربع الدار البيضاء على قمة الهرم الصناعي المغربي بفضل ثقل نظامها الإنتاجي وتنوع منتجاتها وأهمية أنشطتها الخدماتية الصناعية. لقد قفز التشغيل بالقطاع الصناعي المغربي بين سنتي 1967 و1996، من (92000) إلى زهاء (460000) فرصة عمل. وقد استأثرت الدار البيضاء بالنصيب الأوفر، كمياً ونوعياً معاً، إذ انتقلت اليد العاملة في القطاع الصناعي بها من (50000) عامل العام 1967 إلى (240000) عامل (أي بنسبة 53% من مجموع العاملين في هذا القطاع على الصعيد الوطني).
ولعل ما يميز الدار البيضاء ويزيد من تفوقها صناعياً تنوع نسيجها الصناعي وتوفرها على جملة من الإنتاجات المتكاملة، مقارنة بباقي مدن المغرب. فهي تجمع بين الصناعات الكيماوية والمعدنية والميكانيكية والكهربائية، إلى جانب صناعات مواد البناء والخزف والزجاج والورق والورق المقوى والطباعة والخشب والأثاث المنزلي والجلد والأحذية والنسيج والألبسة والمواد الغذائية الفلاحية.
وتتمركز هذه الصناعات في الشمال الشرقي في الدار البيضاء الكبرى (التي ألحقت بها مدينة المحمدية في إطار سياسة تنمية الجهات) حيث يتم تشغيل نصف اليد العاملة ويوجد 60 بالمئة من الوحدات الصناعية الموروثة عن الحماية الفرنسية وثلثاً للمقاولات الكبرى المتواجدة بالدار البيضاء الكبرى. وتوجد الصناعة العصرية، بأحياء الصخور السوداء وعين برجة وجبروند، وعين السبع حيث تنامت المعامل على طول المحاور الطرقية من جهة، في حين استقرت المقاولات الصغرى والمتوسطة بالأزقة السكنية، من جهة أخرى. ويأتي أخيراً حي سيدي البرنوصي الذي يعد منطقة صناعية لا زالت فيها مساحات غير مستثمرة جمدتها المضاربة العقارية.
وتختص مدينة المحمدية، بالصناعات الكيماوية وشبه الكيماوية والميكانيكية والكهربائية وصناعة الطاقة. ويوجد بالمدينة المجمع البيتروكيماوي الوحيد في البلاد (مصفاة لاسامير، الشركة الوطنية للطاقة والبترول ـ سنيب) ومحطة حرارية مهمة ومقاولات ميكانيكية بحجم وطني كبير. ونشأت بقطبي الدار البيضاء ـ المحمدية صناعات جديدة ما زالت في طور التكوين بفعل النسيج الحضري. ويبلغ اليوم عدد الأشخاص المتنقلين بين هذين القطبين والضواحي المحيطة بهما نحو (30000) عامل وموظف يومياً.
وينبغي أن لا نغفل الإشارة إلى مينائي كل من الدار البيضاء والمحمدية لما لهما من أهمية فائقة في المجال التجاري ودور في توسع عمراني ملحوظ رافق التطور الاقتصادي، الذي عرفته الدار البيضاء (بمعية المحمدية اللصيقة بها).
يعزى التوسع العمراني في المدينة إلى دينامية مينائها. وقد توالت، منذ مطلع قرننا هذا، التصاميم الحضرية التوجيهية، انطلاقاً من ذلك الذي أنجزه (هـ. بروست) في العشرينات و(م. اكوشار) سنة 1944 (بإدماج المحمدية) وانتهاء بتصميم ثالث أعده مكتب (ميشيل بانسو) سنة 1984 وكان يرمي القضاء على فوضى البناء.
وتنتشر دور الصفيح في مناطق الصخور السوداء وعين السبع وسيدي البرنوصي والحي المحمدي، إلى جانب أحياء هامشية ممتدة على طول الطريق الكبرى المؤدية إلى اتجاهات مختلفة. وقد استفادت 23 بالمئة من الأسر القاطنة في أحياء الصفيح من عملية الإسكان، ومن جملتها الأسر التي كانت تسكن في حي مولاي رشيد. وتعتبر المنطقة الجنوبية للمدينة، الأشد حاجة لمشاريع العمران.
تعاني عاصمة المغرب الاقتصادية من تمايز مجالي حاد، فمقابل المناطق المعدة بشكل جيد ـ مكان سكن الطبقات الموسرة كأنفا ـ توجد مناطق سكنية شعبية يتكدس فيها السكان ذوو الدخل المحدود.
وتقع مناطق التشغيل بالشمال الشرقي وبقلب المدينة وتجلب إليها آلاف العمال على امتداد كيلومترات عديدة مع ما يطرح ذلك من ضغوط وحاجيات على مستوى النقل والتجهيزات والخدمات الحضارية. وجاء الانفجار الديموغرافي ليزيد المجال العمراني تعقيداً.
يبلغ سكان الدار البيضاء نحو 12 بالمئة من عدد سكان المغرب وربع السكان في المناطق الحضرية، أكثر من نصفهم لا تتعدى أعمارهم 24 سنة.
تحولت الدار البيضاء، بموجب ظهير (قانون) 6 آب (أغسطس) 1976 من بلدية وحيدة إلى خمس بلديات (هي: عين الذياب، عين الشق، مرس السلطان، بن مسيك، وعين السبع) توجد على رأسها الجماعة الحضرية للدار البيضاء.
وأحدث الميثاق الوطني لـ 30 أيلول (سبتمبر) 1976، المحدد للتنظيم الإداري والمالي للجماعات، تقسيماً جديداً على مستوى الاختصاصات والسلطات المسيرة للمدينة من أعضاء منتخبين وآخرين معينين، وقد حدد هذا الميثاق سلطات المجلس البلدي ووسع من اختصاصات رئيسه.
وانتقلت في تموز (يوليو) 1981 من عمالة (محافظة) وحيدة إلى خمس عمالات، وهي تضم حالياً تسع عمالات. وتتوج هذه الجماعات الترابية بنية إدارية عليا للتنسيق هي ولاية الدار البيضاء الكبرى.
وتمتد جهة الدار البيضاء الكبرى التي أنشئت سنة 1997 على مساحة 86896 هكتاراً، ذات كثافة سكانية تتراوح بين (6,2) نسمة في الجماعات القروية و(95) نسمة في الهكتار بالجماعات الحضرية.
وتتوزع سلطة تسيير وتدبير تراث جهة الدار البيضاء الكبرى، حالياً، بين مؤسسات عدة هي: الجهة، الولاية، تسع عمالات، المجموعة الحضرية، و29 جماعة حضرية و6 جماعات قروية.
وتتميز الدار البيضاء بعماراتها الشاهقة وشوارعها الفسيحة وطبيعتها المتنوعة كشواطىء عين الذياب وتماريس وعين السبع وزناتة والمحمدية وغابة بوسكورة والشلالات والمواقع الأركيلوجية، سباما وكهوف سيدي عبدالرحمن وفولزو والمدينة القديمة.
محمد البرجوي
دار العلم
وتعرف بدار الحكمة: معهدان أحدهما في القاهرة والآخر في طرابلس الشام. أما الأولى فقد أنشأها الخليفة الفاطمي سنة 395هـ وجعلها جزء من قصره وقد حمل إليها الكتب من خزائن القصر من سائر العلوم والآداب ما لم ير مثله مجتمعاً قط لأحد من الملوك وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها فجلس فيها القراء وعلماء الفلك وأصحاب النحو واللغة والأطباء وغيرهم، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق، مع إجراء الرزق الكثير لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها. وإلى جانب كونها مكتبة عامة على نحو ما نراه اليوم في المكتبات العامة، كانت كذلك جامعة علمية للتعليم. وكثيراً ما كانت تقام المناظرات بين علمائها.
وكان فيها كل ما يبعث على النشاط العلمي والبحث والتحصيل.
وأما دار العلم في طرابلس فقد أنشأها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار أحد أمراء بني عمار أمراء طرابلس فور استقلاله بطرابلس سنة 462هـ (1070م). وقد جمع فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفاً. وكان يرسل المراسلات إلى أقطار البلاد ويبذل الأثمان الباهظة، ويجلب الكتب النادرة لهذه الدار ويهتم بالعلم ويحنو على العلماء. وكذلك كانت دار العلم الطرابلسية بمثابة جامعة علمية وكان فيها الكثير من كتب اليونان والفرس، وكانت الكتب كلها أو أغلبها «من أجمل الكتب المجلدة والمزخرفة والمحلات بالذهب والفضة بالخطوط المنسوبة لأشهر الخطاطين، وفيها عدد كبير جداً من الكتب بخطوط مؤلفيها».
على أن عدد الكتب الذي ذكرناه وهو مائة ألف كتاب لا يشمل جميع ما حوته مكتبة بني عمار الكبرى في طرابلس. فقد أوصل بعض المؤرخين العدد إلى ثلاثمائة ألف وبعضهم إلى مليون وبعضهم إلى ثلاثة ملايين. ولعل هذا الاختلاف هو أن بعضهم نظر إلى مكتبات بعينها، والبعض الآخر نظر إلى مجموع المكتبات.
(راجع: طرابلس).
دجلة (نهر)
يتكون نهر دجلة في منبعه من مصدرين، المجرى الرئيسي في أعالي النهر ثم الروافد الستة التي تنصب فيه من جانبه الشرقي، وأول الروافد التي تنصب فيه هو بطمان صو وينبع من قلب جبال الحكياري فيتجه نحو الغرب حيث يتصل بمجرى دجلة الأصلي في نقطة تبعد نحو 1000 كيلومتر عن الحدود العراقية الشمالية.
وإذ كان الفرات يكاد يكون محروماً من الروافد بعد اختراقه الحدود العراقية، فإن دجلة يتلقى جميع روافده تقريباً ضمن أراضي العراق، وهذه الروافد لا تزيد على الخمسة عداً، وهي الخابور والزابان الأعلى والأسفل والعظيّم فديالى. ويلتقي الرافد الأول، الخابور، بنهر دجلة بعد اختراقه الحدود العراقية مباشرة وعلى مسافة نحو 200 كيلومتر من هذا الملتقى يمر نهر دجلة بالموصل، وتقدر مساحة الحوض الذي يغذي النهر بالمياه في شمال الموصل بنحو (54000) كيلومتر مربع، ويستوعب مجرى نهر دجلة في جوار الموصل حوالي (43) بالمائة من مجموع الإيراد المائي السنوي للنهر.
إن معظم كميات المياه التي تسبب فيضان نهر دجلة تأتيه من رافديه المهمين، الزاب الأعلى والزاب الأسفل، وينبع الأول من الجبال الواقعة بين بحيرة “وان” وبحيرة أورمية في تركيا ويجري في أعلى الأراضي من حوض نهر دجلة في تلك الجهة، وبعد أن يجتاز الحدود العراقية تنضم إليه مياه راوندوز جاي على مسافة قليلة من شمال مضيق بيخمه، ومن ثم يلتقي بنهر دجلة عند منتصف الطريق بين الموصل والشرقاط. وتبلغ مساحة الحوض الذي يزود هذا النهر بالمياه نحو (26000) كيلومتر مربع تقع في تركية وإيران والعراق، وتؤلف مياه هذا الرافد 28 بالمائة من مجموع التجهيز المائي السنوي لنهر دجلة.
أما الزاب الأسفل فينبع من إيران، ويمر في أراضي أقل وعورة وأوطأ ارتفاعاً من تلك التي يمر بها الزاب الأعلى، وتبلغ مساحة حوضه (22000) كيلومتر مربع.
ويصب نهر الزاب الأسفل بدجلة في نقطة تبعد 36 كيلومتراً جنوب الشرقاط، وعلى مسافة 30 كيلومتراً من جنوب مصبه بدجلة يمر نهر دجلة بجبل حمرين وذلك عند مضيق الفتحة بالقرب من بيجي شمالاً.
وعلى بعد 143 كيلومتراً من جنوب بيجي يدخل نهر دجلة منطقة سهول الدلتا الغرينية ولما كانت مناسيب المياه هنا ترتفع في مواسم الفيضان إلى مستوى أعلى من السهول المحاذية فقد أقيمت أسداد ترابية على جانبي النهر لوقاية الأراضي من الغرق. وفي نقطة تقع عند منتصف الطريق بين (بلد) وبغداد يتصل بدجلة رافد صغير يدعى نهر العظيّم وتبلغ مساحة حوض هذا الرافد (11000) كيلومتر مربع، ويستمد الحوض مياهه من الأمطار، لذا فإنه يؤثر في مناسيب مياه دجلة في موسم الفيضان إلا قليلاً، أما في أشهر القيظ فيكاد يكون هذا الرافد جافاً.
وعلى بعد (130) كيلومتراً في أسفل (بلد) يدخل نهر دجلة العاصمة بغداد وبعدها بنحو 32 كيلومتراً يلتقي بالرافد المسمى نهر ديالى الذي ينبع من الهضاب الإيرانية في الشمال الشرقي من بغداد، وتبلغ مساحة حوض هذا النهر نحو (30000) كيلومتر مربع، أما المصدر الذي يستمد مياهه منه فهو الأمطار، وهذه تكون عادة ضئيلة الأثر في مناسيب الفيضان الربيعي الناشئة غالباً عن ذوبان الثلوج.
وفي الكوت، على بعد 343 كيلومتراً من جنوب بغدد، تعترض نهر دجلة قناطر واسعة على بعد مسافة قليلة من خلف المكان الذي يتفرع منه شط الغرّاف. وكان الغراف قديماً الفرع الأصلي لنهر دجلة ثم تحولت عنه المياه متجهة نحو المجرى الحالي لنهر دجلة في جنوب الكوت، وقد أصبح الآن بفضل القناطر التي أنشئت قرب صدره في الكوت يزود بالمياه حسب حاجة الأراضي التي تروى منه، وهذه الأراضي تؤلف مساحات كبيرة من المزروعات الشتوية وقد أنشىء مشروع ري على هذه القناطر يشتمل على إحياء نهر الدجيلة القديم.
وفي أطراف العمارة الواقعة على بعد 203 كيلومترات من جنوب الكوت تتفرع من نهر دجلة قنوات واسعة عديدة تفيض مياهها في مساحات شاسعة فتكوّن الأهوار التي يزرع فيها الشلب ومن ثم تعود فتتجمع مياه هذه الأهوار في مجرى موحد وهذا المجرى يمتد جنوباً حتى يصل إلى القرنة الواقعة على مسافة زهاء 140 كيلومتراً في جنوب العمارة. وهنا يصب في الجانب الغربي من نهر دجلة نهير كان يستمد مياهه قديماً من ذنائب نهر الفرات فيصبها في دجلة عند القرنة، إلا أنه بعد أن تحول مصب نهر الفرات إلى جهة كرمة علي في الجنوب صار هذا النهير يستمد كل مياهه تقريباً من مياه الأهوار الواقعة على الجانب الغربي من نهر دجلة.
وفي القرنة يبدأ (شط العرب) المتكوّن من التقاء دجلة بالفرات فيجري مسافة 180 كيلومتراً قبل أن ينصب في خليج البصرة عند الفاو. ويصب نهر كارون في الجهة الشرقية من شط العرب، وهو الرافد الوحيد الواقع بين ديالى وخليج البصرة، ونهر كارون هذا ينبع من الجبال الإيرانية الشاهقة وتبلغ مساحة الأراضي التي يشغلها حوضه زهاء (50000) كيلومتر مربع. وكان ينصب في نهر كارون من جانبه الأيمن النهر المعروف باسم الكرخة وقد تحوّل مجرى هذا النهر الآن فصارت مياهه تنصب في الجهات الشرقية من بطائح العمارة. وتبلغ مساحة الحوض الذي يستمد نهر الكرخه منه المياه زهاء (38000) كيلومتر مربع.
ويتأثر شط العرب بأحوال المد والجزر في الخليج وبتصاريف مختلف الجداول التي تصب فيه، ويحدث المد والجزر مرتين في كل 24 ساعة وتتأثر مناسيب المياه تأثراً كلياً بالرياح. ويتراوح الفرق بين منسوب المد ومنسوب الجزر بين 1,42 و1,70 متراً في أوطأ أيام الصيف ثم يهبط الفرق إلى (0,25 ـ 0,45) متراً في موسم الفيضان. ويمتد تأثير المد والجزر في شط العرب نفسه إلى (العزير) شمالاً الذي يبعد من كرمة علي 110 كيلومترات ويمتد في مجرى شط القرنة إلى الجبايش التي تبعد عن القرنة 50 كيلومتراً. ويبلغ الفرق بين منسوب المد ومنسوب الجزر في القرنة زهاء قدمين في أوطأ أيام الصيف.
ويستدل من رسم مقطعي نهري دجلة والفرات على أن مسنوب قعر نهر دجلة يبلغ عند دخوله الحدود العراقية حوالي 320 متراً فوق سطح البحر، وبعد أن يجري مسافة 1516 كيلومتراً ينتهي إلى البحر في (الفاو) حيث يصبح منسوبه مساوياً إلى سطح البحر. ويلاحظ أن شدّة انحدار مجراه تقع في المسافة التي تمتد بين فيشخابور وبلد حيث يبلغ الانحدار نصف متر في كل كيلومتر. ومن ثم يهبط الانحدار في سهول الدلتا إلى 6 ثم إلى 3 سنتيمترات في الكيلومتر حتى ينتهي إلى مستوى البحر.
أما نهر الفرات فيبلغ منسوب قعره في القائم عند دخوله الحدود العراقية حوالي 160 متراً فوق سطح البحر وبعد أن يجري مسافة حوالي 1062 كيلومتراً ينتهي إلى هور الحمّار حيث يصبح منسوبه مساوياً إلى الهور المذكور وهو يتراوح بين مترين وثلاثة أمتار فوق سطح البحر. ويلاحظ أن شدة انحداره تقع في المسافة التي تمتد بين القائم وهيت وهي حوالي 30 سنتيمتراً في الكيلومتر، ونستخلص من ذلك أن الانحدار في نهر دجلة أشد منه في نهر الفرات.
إن كمية الغرين التي تحملها مياه الفرات هي أقل من التي تحملها مياه دجلة، إذ يبلغ المعدل التقريبي لكمية الغرين في مياه الفرات في شهر مايس وهو الشهر الذي تحصل فيه أكبر كمية من الطمي حوالي 180 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك بجوار الرمادي. أما مياه دجلة فالمعدل التقريبي للكمية التي تحملها من الغرين في شهر نيسان الذي تحصل فيه أكبر كمية من الطمي حوالي 230 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك بجوار بغداد، ويمكن تعليل زيادة الطمي في مياه دجلة في أنه ليس للفرات روافد هامة في قسمه الأسفل كما لدجلة. وتدل الإحصاءات على أن أكبر كمية من الطمي رصدت في مياه الفرات هي تلك التي رصدت بتاريخ 17 نيسان من سنة 1928 عندما بلغ الفيضان أعلاه حيث وصلت إلى 610 غرامات في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء، وهذا في حين أن السير ويليم ويلكوكس كان قد رصد في سنة 1909 كمية الطمي في مياه دجلة وذلك أثناء بلوغ النهر قمة الفيضان فوجدها 755 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء أي يزيد على أربعة أمثال كمية الطمي التي تحملها مياه النيل في زمن الفيضان حيث أن مياه النيل لا تحتوي على أكثر من 170 غراماً من الطمي في كل مائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء. وقد أجرت دائرة الري فحوصاً كثيرة لمياه دجلة خلال السنوات الأخيرة فحصلت على نتائج تدل على أن مياه دجلة تحمل من الطمي ما يزيد بكثير على الكمية التي توصل إليها السير ويليم ويلكوكس، حيث أن الفحص الذي أجري لمياه دجلة في فيضان سنة 1938 دل على أن كمية الطمي في تلك المياه كانت 1562 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك عندما كان منسوب المياه في بغداد (31,02) متراً بتأريخ 10 كانون الأول سنة 1938)[109](.
دجلة كما يصفه الأقدمون
جاء في كتاب الخراج لقدامة بن جعفر (ت: 337هـ) من الباب الخامس في الأنهار والعيون والبطائح:
فأمّا الإقليم الخامس فإنَّ فيه من الأنهار خمسة وعشرين نهراً منها دجلة وابتداءها عند طول نيّف وستين جزءاً وعرض سبعة وثلاثين جزءاً وتمر نحو الجنوب ثمَّ تنحرف في المغرب قليلاً وانبعاثها من عين تمرُّ بين جبلين عند مدينة أمد)[110]( وتمرُّ بباسورين حتى تصير إلى مدينة بَلَد)[111]( ومدينة الموصل وفيما بينهما إلى الحديثة)[112]( فإذا صارت إليها صبّ فيها هناك نهر يأتي من بلد شَهر زَورُ يقال له الزابي ثم تمتد حتى تمر بين جبلين يعرف أحدهما ببارمّا)[113]( والآخر بساتيدما)[114]( إلى أن تتجاوز مدينة سُرَّ مَن رأى، فإذا تجاوزها قليلاً وقع إليها نهر يقال له الزيب، يأتي من الجبل ويقع إليها نهر آخر يأتي من الجبل أيضاً ثمَّ تمر دجلة وسط مدينة بغداد ثم تمر بواسط إلى أن تصب إلى البطائح ومقدارها نيّف وستون ميلاً، ثم تخرج فتفترق فرقتين، فرقة تمر إلى البصرة وفرقة أخرى تمرُّ إلى ناحية المَذار ثم يصب الجميع إلى بحر فارس ومقدار مسافة دجلة منذ ابتدائها إلى منتهاها ثماني مائة ميل ونيّف.
ومما قيل في دجلة قول الشاعر المعاصر محمد مهدي الجواهري:
سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ
وشطِّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى
على النخلِ ذي السَعَفاتِ الطوالِ
على سيدِ الشَجرِ المُقتنى
على الرُّطَبِ الغَضِّ إذ يُجتلَى
كَوَشْيِ العروسِ وإذ يُجتنى
بإيسارهِ يومَ أعذاقُه
ترفُّ، وبالعسرِ عندَ القنى
وبالسَّعف والكَربِ المُستجدِ
ثوباً تهراً وثوباً نضا
ودجلة إذ فارَ آذِيُها
كما حَمَّ ذُو حَرَدٍ فاغتلى
ودجلة تمشي على هَوْنها
وتمشي رُخاء عليها الضبا
ودجلة زهوِ الصَبايا الملاحِ
تُخَوِضُ منها بماءِ صرَى
تُريكَ العراقيَّ في الحالتيـ
ـن يُسرفُ في شُحِهِ والندى!
سلامٌ على قَمر فوقها
عليها هفا وإليها رَنا
تُدغدِغُ أضواؤهُ صَدْرَها
وتَمسحُ طيَّاتها والثِنى
كأنَّ يداً طرَزَتْ فوقها
من الحُسن مَوشِيةً تُجتلى
رواءُ النميرِ لها لُحمة
وذَوبُ الشعاعِ عليها سَدى
ونجمٌ تَغوَّرَ من حبها
ونجم عليها أدنى فادلى
وقال يصف دجلة في الخريف:
بكَّر «الخريف» فراح يُوعِدُهُ
أن سوفَ يُزْبِدُه ويُرْعِدُهُ
وبَدَتْ من الأرماث، عاثمةً
فيه، طلائعُ ما يُجنِّدُهُ)[115](
وكأنَّ من زَبَدِ الرِّمال على
أمواجه، طفلاً يُهَدْهِده
واستَثْقَلَ النوتيُّ مِجذَفَه
بَرِماً بمِقبَضه يُجدِّده)[116](
وتحفَّزَتْ شُمُّ الجبال لهُ
بثُلوجها كِسَفاً تُهدِّده)[117](
ظلَّتْ تَعُدُّ خُطاه تَرقُبُه
في الصيف مُزدهراً وتَحسُده
جَرداءُ، وهو يَضِجُّ مَلْعَبُهُ
ظَلْماءُ، وهو يَشُبُّ مَوقِده!
خَرساءُ، والأنغامُ تُرقصهُ
وكأنَّها بالموج تَرْفِده
تَتَعَثَّرُ الأجيالُ خالدةً
فيها.. ويَحضُنُها مُخَلَّده
«داودُ» بالمزمارِ يُوقِظه
ويُنيمُهُ بالعُود «مَعبده»)[118](
والهِيمُ تخزُنهُ وتنهبُهُ
والٍهيدُ تَنزِلهُ وتَصعَدُه)[119](
ألقَتْ إليهِ مِن مفاتِنِها
ما ليسَ إلاَّ اللَّهُ يَشهَده
ورمَتْ له يقظانَ مِن مُتَعِ
ما نحنُ في الأحلامِ نَنشُده
والنجمُ حارسُها وحارسُه
والظلُّ موعدُها وموعده
الآنَ أُدْرِكُ سِرَّ زَفْرتهِ
إذ لم يَعُدْ سِرّاً تَجلده
فلفَقدِه نَفساً تَنَفُّسُهُ
ولذِكره نَهداً تَنَهُّده
يَتَعَقَّبُ المسكينُ موجَتَها
عَبَثاً بمَوْجتهِ وتطْردُه
لم يَذرِ حتى الآن شِيمَتَها
حسِبَ الهوى نَغَماً يُردِّده
أمسِ استطابت فيه مَقصِدَها
واليومَ أهونُ منه مَقصِده
* * *
لو يستطيعُ لَرَدَّ خُرتَهُ
وبرغْم سَفْحَيْه تورُده
وبرغمهِ أنْ حُبَّ خَابِطُهُ
للزارعينَ وذُمَّ مَورده
ما سرَّهُ «البِيضُ» تُنْكِرهُ
أنَّ المراعي الخُضْرَ تُحمدُه!
فالذكْرياتُ الغُرُّ يَشهدُه
* * *
يا صامتاً عِيّاً، ومَنْطِقُهُ
مُتَفَجِّرُ اليَنْبُوع سَرْمَده
تَهفو فرائدُ عِقْدهِ جَزَعاً
مما بها، وتهيمُ شُرَّده)[120](
وتُشيرُ فيه الذكرياتُ شجِاً
يَعيا به فيَخُورُ أيذُه)[121](
ومُوَكَّلاً بالدَّهر، يَزرعُهُ
في شاطئيه ثمَّ يحصُده
يا شَطُّ، أنتَ أعزُّ مُنقَلباً
في الناطقينَ بما تُخلِّده
وكذا الطبيعة في عناصرها
جِنٌّ حَبيسُ الرُّوحِ مجهدَه!
نَرتادُ جامدَها نُفَجِّرهُ
وعقيمَ غامضِها نُوَلِّده
فلعلَّ ذا، ولعلَّها لُغةٌ
من غيرِ ما جَرْسٍ نُعوِّده
ولربَّما ضَحِكتْ بسائطُها
هُزْءاً بنا ممَّا نُعَقِّده
الدجيل
اسم لثلاثة أنهر في ثلاثة مواضع. ولكن أغلب أرباب المعاجم وكتب المسالك لم يذكروا إلا اثنين منها هما: نهر بالأهواز حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس. وقال حمزة: كان اسمه في أيام الفرس (ديلدا كودك))[122]( ومعناه دجلة الصغيرة فعرب على دجيل ومخرجه من أرض أصبهان)[123]( ومصبه في بحر فارس قرب عبدان. وكانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج وفيه غرق شبيب الخارجي)[124]( اهـ. والظاهر أن دجيل هذا هو نهر كارون الحالي.
الثاني: «دجيل بغداد» وهو نهر كثير النفع جليل الفائدة، حسن الموقع كان (ولا يزال) يستمد مياهه من ضفة نهر دجلة اليمنى بالقرب من أطلال اسطبلات ومقابل أثار القادسية)[125]( بالقرب من سامراء ويمتد شاقاً طريقه باتجاه نهر دجلة تقريباً فيروي كل المنطقة الكائنة بين سامراء وبغداد حيث أنه يصب فضلته في دجلة عند مغيض «مستنقع» يدعى بخندق طاهر أو الطاهرية)[126]( وتتفرع عن دجيل هذا جداول متعددة تمتد شرقاً وغرباً فتسقي القرى والضياع البعيدة عن النهر نفسه ولذلك قالوا أن هذه المنطقة كانت في زمن ما بقعة خضراء من أقصاها إلى أقصاها. ومن فروع هذا النهر ما يدخل بغداد من شمالها وشمالها الغربي وقد بلغ عدد القرى والمدن التي وقفت عليها الخمسين مما كانت تقع عليه أو حواليه ولم يبق الزمن العاتي إلا على قريتين هما (بلد) و(سميكة). كما لم يبق إلا على قطعة صغيرة من هذا النهر لا تتجاوز ضياع سميكة، ومنه يمتد الآن فرع إلى (بلد) فيسقي بساتينها في بعض الأحيان.. أما الدجيل الثالث وهو النهر الذي لم تتعرض له أكثر أسفار المسالك والبلدان فهو دجيل الفرات الذي كان يستمد مياهه من ضفة نهر الفرات اليسرى ويصب في دجلة وإن الرجل الوحيد ـ فيما أعلم ـ الذي عني بأمره فذكره وحدد مخرجه ابن سرابيون (903م ـ 290هـ) فقد قال: «ويحمل منه ويعني من الفرات أيضاً نهر يقال له دجيل أوله فوق قرية الرب بفرسخ أو أكثر ثم يمر في العراض، ويتفرع منه أنهار كثيرة تسقي ضياع مسكن وقطربل وما يليها من الرساتيق ويصب في دجلة بين عكبراء وبغداد).
ويؤخذ مما كتبه المقدسي أن مدينة الرب كانت تقع على بعد مرحلة واحدة من جنوب هيت وهذه تقدر بحوالي 25 كيلومتراً أما الإدريسي فيقدر المسافة بحوالي 30 ميلاً)[127](.
فكان هذا النهر يسحب مياهه من نهر الفرات فيمتد شرقاً في موازاة نهر عيسى من الشمال ثم يتصل بدجلة بعد أن يروي المنطقة الواقعة شمال بغداد الغربية)[128](.
وفروع هذا النهر كثيرة وأهمها نهر بطاطيا الذي كان أوله من أسفل فوهة الدجيل بستة فراسخ ويمر في وسط مسكن ويصب في الضياع ويغني بها وقد أفاض ابن سرابيون بتعداد الفروع وسرد المواضع التي تشقها…
ويرتئي الدكتور أحمد نسيم سوسة رأياً من الوجاهة بمكان في تعيين آثار الدجيل هذا بعد اندراسه ـ إن كان قد اندرسي ـ فلقد قال: (وقد أشار السير ويليم ويلكوكس في الخريطة التي نظمها لمقاطع نهر الفرات بين هيت والشامية إلى أن هناك آثاراً لنهر قديم يأخذ من الضفة اليسرى من نهر الفرات من نقطة تقع على مسافة حوالي (38) كيلومتراً من جنوب مدينة هيت ولعل تلك الآثار تعود لنهر الدجيل حين كان يأخذ الماء من نهر الفرات… حيث أن الموقع الذي يشير إليه السير ويليم ويلكوكس يكاد يتفق مع ما ذكره المؤرخان المشار إليهما)[129]( ويعني المقدسي والإدريسي.
أجل هو رأي وجيه يستطيع الباحث أن يعتدّ به إذا شاء أن يتغاضى عن نهر (حداقل) القديم. النهر الذي كان يستمد مياهه من ضفة الفرات اليسرى ويصب في دجلة. والذي ذكره الدكتور سوسة في كتابه نفسه ص 5 أثناء كلامه عن مجرى الصقلاوية القديم بقوله: (وكان قد عرف الأقدمون مجرى الصقلاوية كجزء من نهر دجلة. بل صدره الرئيسي فأطلقوا عليه اسم (دقل دجلة) ذلك هو النهر الذي ورد ذكره في العهد القديم باسم حداقل) فإن الدكتور مصطفى جواد يرى أن دجيل العتيق (ويعني دجيل الفرات) هو عينه نهر دقل أو حداقل كما ورد في التوراة (فإن من الظاهر الواضح أن لفظ دجيل قريب من حداقل)[130](.
ويحاول البعض من المطّلعين على أسرار اللغات القديمة أن يطبق ما ورد في العهد القديم (التوراة) على دجلة لعدم وقوفه على نهر باسم الدجيل ولو وقف ما فعل. ومعنى ما ورد في العهد كان يقول هو السريع. ولكننا لما علمنا بأن الأقدمين قد عرفوا هذا الجدول الكبير كجزء من نهر دجلة بل صدره الرئيسي (كما يقول الدكتور سوسة) فلا يبعد أن يكون ما سمي في التوراة بالسريع هو دجيل لا دجلة. ولقد كان الميديون يسمونه باسم (دجل) ومعناه السهم كما كان العبرانيون يسمونه الداجل أي السريع أيضاً. فإن وصف النهر بالسريع حيناً وبالسهم حيناً آخر لا ينطبق على دجلة الهادىء بل يتفق تماماً مع أوصاف الدجيل التي وصفها به السير ويليم ويلكوكس على اعتبار أنه الصقلاوية القديم إذ قال(ويبلغ هذا النهر حوالي 250 قدماً في العرض و25 قدماً في العمق وهو يشبه في جريه وضع القناة التي تدير الطاحونة. أما اتجاه جريه فينحدر أولاً نحو منخفض عقر قوف ثم يمر منها فيصب في دجلة قرب بغداد. ويستطيع هذا النهر لو ترك لطبيعته أن يحمل إلى دجلة كمية من المياه تزيد على نصف ما يستوعب نهر الفرات)…
ومن مجموع ما تقدم نستطيع أن نقول إن النهر الذي كان يدعى (دقل) صار في أيام العرب يسمى (الدجيل) ثم توقف حيناً من الدهر عن الجريان للترسبات الكثيرة فيه. وعاد بعد زمن إلى حاله الأولى باسم الصقلاوية مع اختلاف في صدره وبهذا ينتفي الظن القائل بأن آثار النهر الكائن في جنوب هيت هي آثار نهر دجيل الفرات.
وفي دجيل يقول الشاعر:
أسال بالليل سيل
أم زيد في الليل ليل
ذكرت أهل دجيل
وأين مني دجيل
محمد موسى الموسوي
دراية الحديث
الدراية بالشيء: «العلم به العلم المسبوق بالشك. ولذا يقال: علم الله ولا يقال درى الله. وهو اصطلاحاً ـ العلم بأصول الحديث ورد الفروع إلى الأصول ـ فهذا العلم يبحث فيه: (1) عن سند الحديث. (2) وعن متنه. (3) وكيفية تحمله. (4) وآداب نقله، وموضوعه: السند والمتن أي الراوي من حيث كونه راوياً والمروي من حيث كونه مروياً، وغايته: معرفة المقبول من الأحاديث ليعمل به من غير المقبول ليطرح فلا يعمل به ومن أشهر كتب دراية الحديث عند الشيعة: كتاب «دراية الحديث» للشهيد الثاني. و«دراية الحديث» لتلميذه الشيخ حسين بن الشيخ عبدالصمد. ودراية الحديث (الوجيزة) لبهاء الدين العاملي فضلاً عما ورد في مؤلفات الشيخ يوسف البحراني لا سيما كتابه «لؤلؤة البحرين». وما ورد في كتاب «الفوائد الرجالية» للسيد مهدي بحر العلوم (راجع: الحديث).
وننشر هنا ما كتبه الشهيد الثاني زين الدين بن علي. قال الشهيد زين الدين:
الخبر والحديث في علم الدراية بمعنىً واحدٍ، هو كلام يحكي قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله وتقريره.
وقد يختص الحديث، بما ورد عن المعصوم (عليه السلام)، والخبر بما جاء عن غيره، والأثر أعم منهما مطلقاً.
والمتن: لفظ الحديث الدال على المعنى، والسند: طريقه، أي سلسلة رواة الحديث.
والإسناد: رفع الحديث إلى قائلة من الرسول والإمام وغيرهما.
والخبر: ما يحتمل الصدّق والكذب بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن صدق قائله أو كذبه، فكل خبر إما صادق في نفس الأمر أو كاذب. وقد يعلم الصدق والكذب بأمور خارجة عن ذات الخبر، كالموارد التالية:
(أ) أن يعلم صدقه قطعاً ضرورة كالمتواتر، أو علم بوجود ما أُخبر به بالضرورة كوجود مكة مثلاً.
(ب) أن يعلم صدقه قطعاً لا بالضرورة، بل بالنظر والكسب، كخبر الله تعالى، والرسول والإمام، ومثل الخبر المتواتر معنى، والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بالصدق، ونحو ذلك وهكذا الأمر في جانب الكذب أيضاً.
وقد يحتمل الخبر الأمرين، فلا يعلم بشيء من الصدق والكذب كأكثر الأخبار.
وينقسم الخبر مطلقاً ـ أي سواء علم صدقه أم لم يعلم على قسمين:
أولاً: المتواتر: وهو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً يستحيل عادةً تواطؤهم على الكذب. ويلزم أن يتحقق ذلك في جميع طبقات الرواة، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا يشترط في المخبرين عدد خاص كما قاله بعضهم والتواتر إنما يفيد العلم إذا اجتمعت فيه الشروط التالية:
(أ) أن لا يكون السامع عالماً بمدلول الخبر قبل ذلك وإلا لزم تحصيل الحاصل.
(ب) أن لا يكون ذهن السامع مسبوقاً بشبهة تنافي مدلول التواتر.
(ج) أن يكون استناد المخبرين إلى الحسّ، لا الحدس، والاستدلال العقلي.
ويتحقق التواتر اللفظي في أحكام الشريعة كثيراً، كفريضة الصلاة، وأعداد ركعاتها، والصوم، والحج، ونحوها. والتواتر قليل في الأحاديث الخاصة، وإن تحقق فيها التواتر المعنوي.
وحديث «إنما الأعمال بالنيات» ليس من التواتر المصطلح وإن نقله الآن عدد التواتر وأكثر. لأن ذلك طرأ في وسط إسناده إلى اليوم، وقد تقدم اشتراط ذلك في جميع الطبقات. وأكثر ما ادّعى تواتره من هذا القبيل.
ثانياً خبر الواحد: وهو ما لم ينته إلى التواتر، وينقسم على:
(أ) المستفيض: وهو الذي زادت رواته عن ثلاثة أو اثنين، في جميع الطبقات، ويقال له «المشهور» أيضاً.
وقد يفرق بينهما بجعل المستفيض ما اتّصف بذلك في ابتدائه وانتهائه على السواء، والمشهور أعم من ذلك.
(ب) الغريب: وهو الحديث الذي انفرد به راوٍ واحدٍ.
(ج)المقبول: وهو الذي عمل به العلماء، فأصبح مقبولاً عندهم.
(د) المردود: وهو الذي ترك العلماء العمل به لمانعٍ في الراوي، أو لجهات في متن الرواية.
(هـ) المشتبه: وهو الذي اشتبه حاله بسبب الاشتباه في حال راويه.
ولا تنحصر الأخبار في عدد معين لإمكان وجود أخبار لدى بعض الناس لم تصل إلينا.
ومن ادّعى حصرها في عدد معين كما عن بعض غير الشيعة فبحسب ما وصل إليه. وقد جمع المتقدمون ما وصل إليهم من أحاديث أئمتنا ـ سلام الله عليهم ـ في أربعمائة كتاب سمّوها «الأصول» وكان عليها اعتمادهم كـ«أصل جميل بن دراج» و«أصل زرارة»… وهكذا.
وقد تصدى بعض مشايخنا لجمعها وترتيبها في كتب خاصة، تقريباً على المتناول، وأحسنها الكتب الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار، وهي كتاب:
1 ـ «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (ت: 329هـ) الذي جمع فيه صنوفاً من الحديث.
2 ـ «من لا يحضره الفقيه» لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (ت: 381هـ) الذي جمع فيه من الأصول أحاديث الأحكام.
3 و4 ـ «التهذيب» و«الاستبصار» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ) وقد أورد فيهما أيضاً أحاديث الأحكام خاصة.
ولا يبحث في هذا العلم عن متون الأحاديث ودلالتها إلا نادراً، بل يبحث فيه عن الحديث من جهة القوة والضعف ونحوهما من الأوصاف التي ترجع إلى أوصاف الرواة من العدالة والضبط والإيمان ونحوها، أو إلى الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال ونحوها.
وذلك يقتضي البحث عن:
1 ـ أنواع الحديث من الصحيح والحسن والموثق وغيرها. وبيان الجرح والتعديل للرواة.
2 ـ كيفية أخذ الحديث وطرق تحمله من القراءة، والسماع، والإجازة، ونحوها.
3 ـ بعض المصطلحات في أسماء الرواة وطبقاتهم.
فها هنا أبواب أربعة:
الأول: في أقسام الحديث.
والثاني: في من تقبل روايته.
والثالث: في طرق أخذ الحديث وكيفية روايته.
والرابع: في أسماء الرجال وطبقاتهم.
في أقسام الحديث
إعلم أن أصول أقسام الحديث أربعة، وباقي الأنواع يرجع إليها.
الأول: الصحيح: وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي)[131](، عن مثله في جميع الطبقات.
وعليه فالحديث المقطوع السند ـ أي مرتبة اتفق القطع ـ لا يسمى صحيحاً وإن كان رواته من رجال الصحيح.
وقد عرّف الصحيح عند غير الشيعة بما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله. ومع ملاحظة اكتفائهم في تحقق العدالة بعدم ظهور الفسق والبناء على ظاهر حال المسلم، تكثر أحاديثهم الصحيحة.
واعلم أن من لا يعمل بخبر الواحد مطلقاً كالسيد المرتضى لا يفيد البحث عن غير المتواتر، كما أن العامل بخبر الواحد لا يشك في صحة العمل بالخبر الصحيح. إذ المفروض أن رواته عدول صحيحو العقائد، فلا مانع من العمل به.
نعم لو كان الخبر الصحيح شاذاً، أو وجد له معارض من الأخبار الصحيحة لم يعمل به حينئذٍ، بل يطلب المرجح.
الثاني: الحسن، وهو: ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، سواء كان ذلك في جميع الطبقات أم في بعضها بأن كان فيهم إمامي واحد ممدوح غير موثق، فيوصف الحديث بالحسن لأجل ذلك الواحد وإن كان الباقي من رجال الصحيح.
وإذا كان فيه واحد غير إمامي عدل كان الحديث موثقاً، كما أنه يوصف بالضعف إذا كان في طريقه واحد ضعيف.
وبالجملة فإن الحديث يتبع أخس ما في طريقه من الصفات.
واختلفوا في العمل بالحسن، فمنهم من عمل به مطلقاً كالصحيح، وهو الشيخ (رحمه الله) على ما يظهر من عمله، وهكذا كل من اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام.
ومنهم من رده مطلقاً، وهم الأكثرون حيث اشترطوا في قبول الرواية الإيمان والعدالة كما قطع به العلامة في كتبه الأصولية.
وفصل بعضهم كالمحقق في «المعتبر» والشهيد في «الذكرى» فقبلوا الحسن، بل الموثق، وربما ترقوا إلى الضعيف أيضاً إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب، حتى قدموه حينئذٍ على الخبر الصحيح الذي لم يشتهر العمل بمضمونه.
الثالث: الموثق: ويقال له «القوي» أيضاً، وهو: ما دخل في طريقه مَن نصَّ الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته، بأن يكون من إحدى الفرق المخالفة للإمامية الاثني عشرية وإن كان من الشيعة.
ويجب فيه أن لا يشتمل باقي الطرق على ضعف وإلا كان الطريق ضعيفاً، من جهة اتباعه للأحسن كما تقدم.
وقد يطلق القوي على مروي الإمامي غير الممدوح ولا المذموم.
وقد اختلفوا في العمل بالموثق كاختلافهم في الحسن، فقبله قوم مطلقاً، ورده آخرون كذلك، وفصّل غيرهم بالشهرة وعدمها.
الرابع: الضعيف، وهو: ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدمة، بأن يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك، كالوضاع.
ودرجات الضعف متفاوتة بحسب بعد الحديث عن شروط الصحة، فكلما بعد عنها، كان أقوى في الضعف. فما كثر فيه الرواة المجروحون يكون أضعف مما قل فيه ذلك، كما تتفاوت درجات الصحيح وأخويه الحسن والموثق بحسب تمكّنه من أوصافها.
فما رواه الإمامي الثقة الفقيه الورع الضابط مثل ابن أبي عمير أصح مما لم يكن كذلك، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مراتبه.
وما رواه الممدوح كثيراً مثل إبراهيم بن هاشم أحسن مما رواه من هو دونه، وكذا القول في الموثق، فإن ما كان في طريقه مثل علي بن فضال، وأبان بن عثمان أقوى من غيره، وهكذا.
ويظهر أثر القوة عند التعارض حيث يؤخذ بأقوى الحديثين المتعارضين.
وأما العمل بالخبر الضعيف فذهب الأكثر إلى عدم جوازه مطلقاً، وأجازه آخرون مع اعتضاده بالشهرة رواية ـ بأن يكثر تدوينها وروايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى ـ أو فتوى بأن يفتى بمضمونها في كتب الفقه.
تقسيم آخر للحديث
اعلم أن للحديث أوصافاً أُخرى سوى ما تقدّم، تشترك فيها الأقسام الأربعة تارة، وتختص بالضعيف أخرى.
أما الأوصاف المشتركة فهي:
1 ـ المسند: وهو ما اتصل سنده مرفوعاً إلى المعصوم.
2 ـ المتصل: ويسمى «الموصول» أيضاً، وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم أو غيره، وكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، أو ما هو في معنى السماع كالإجازة.
3 ـ المرفوع: وهو ما نسب إلى المعصوم (عليه السلام) من قول أو فعل، بأن يقال في الرواية: إنه (عليه السلام) قال كذا، أو فعل كذا.
4 ـ المعنعن: وهو ما يقال في سنده: فلان عن فلان، عن فلان عن غير بيان للتحديث والإخبار والسماع.
5 ـ المعلّق: وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد أو أكثر، فإن عرّف الأسماء المحذوفة في السند ثقة مثل قول الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» «محمد بن يعقوب الكليني» أو ذكره اسم غيره ممن لم يدركه ثم ذكر في آخر الكتاب طريقه إلى كل واحد ممن ذكره فإنه حينئذٍ يكون المحذوف في حكم المذكور، وينظر في السند، ويوصف الحديث بما يقتضيه من الصحة والقوة وغيرهما. وإن لم يعرف المحذوف دخل الحديث في المرسل.
6 ـ المفرد: وهو ما انفرد بروايته شخص خاص، أو أفراد معينون من بلدة معينة كالبصرة والكوفة مثلاً.
7 ـ المدرج: وهو ما أُدرج فيه كلام بعض الرواة، فيظن أن الحديث كله من المعصوم.
8 ـ المشهور: وهو ما شاع عند أهل الحديث بأن نقله رواة كثيرون.
9 ـ الغريب: وهو ما تفرد بروايته راوٍ واحد، وقد يطلق عليه «الشاذ» أيضاً.
10 ـ المصحف: والتصحيف يقع تارة في الراوي كتصحيف «جريز» بـ«جرير» و«بريد» بـ«يزيد» ونحوهما، وأُخرى في المتن كتصحيف السين بالشين في كلمة «ستّاً» في حديث «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوَّال».
11 ـ العالي السند: وهو ما قلت الواسطة فيه مع اتصاله بالمعصوم، وعلو السند يبعد الحديث عن الخلل المتطرق إلى كل راوٍ من الرواة.
12 ـ الشاذ: وهو ما رواه الراوي الثقة مخالفاً لما رواه الأكثر، فإن كان الراوي في الطرف المخالف أحفظ أو أضبط، أو أعدل يكون الشاذ مردوداً وإلا فلا يرد.
13 ـ المسلسل وهو ما تتابع فيه رجال الإسناد على صفة أو حالة في الراوي من قول أو فعل أو غيرهما، مثل أن يقول:
أخبرنا فلان والله، قال أخبرنا فلان والله… إلى آخر السند، أو يقول: أخبرنا فلان وقد شبك أصابعه… إلى آخر السند. أو يقول: أخبرنا فلان وكان متكئاً… كذلك إلى آخر السند.
14 ـ المزيد: وتقع الزيادة في المتن تارة، مثل أن يروي في الحديث كلمة زائدة لا توجد في غيره. وفي الإسناد أُخرى، مثل أن يكون السند مشتملاً على ثلاثة رجال، فيرويه المزيد بأربعة.
15 ـ المختلف: وهو أن يوجد حديثان ظاهرهما التضاد في المعنى، وحكمه الجمع بينهما مهما أمكن ولو بوجه بعيد، وهذا من أهم فنون علم الحديث، ولا يملك القيام به إلا المحققون من أهل البصائر، المتضلعون في الفقه والأصول.
16 ـ الناسخ والمنسوخ: والأول ما دل على رفع حكم شرعي سابق، ويسمى الحكم المرفوع منسوخاً.
وطريق معرفته النص، أو نقل الصحابي، أو التاريخ، أو الإجماع.
17 ـ الغريب اللفظي: وهو ما اشتمل متنه على لفظ غامض بعيد عن الفهم.
18 ـ المقبول: وهو ما تلقوه بالقبول وعملوا بمضمونه من غير التفات إلى أنه من قسم الصحيح، أو الحسن أو الموثق، كحديث عمر بن حنظلة الوارد في حكم الخبرين المتعارضين.
أنواع الحديث الضعيف
وأما الأوصاف التي تختص بالحديث الضعيف فهي ثمانية.
1 ـ الموقوف: وهو ما يروى عن مصاحب المعصوم من قول أو فعل والموقوف لا يكون حجة وإن صح سنده، لأن مرجعه إلى قول من وقف عليه، وقوله ليس بحجة.
2 ـ المقطوع: وهو ما روي عن التابعين ومن في حكمهم، وهذا في عدم الحجية كسابقه.
3 ـ المرسل: وهو ما رواه عن المعصوم ولم يدركه بغير واسطة، أو بواسطة نسيها، أو تركها، أو أبهمها، مثل أن يقول: قال رسول الله (ص) كذا أو كذا أو يقول: عن رجل، أو عن بعض أصحابنا، ونحو ذلك والمرسل ليس بحجة للجهل بحال المحذوف.
4 ـ المعلّل: وهو ما كان في الحديث أسباب خفية غامضة تقدح في صحته وإن كان سالماً في الظاهر: وإنما يعرف ذلك الخبر بطرق الحديث ومتونه.
5 ـ المدلس: وهو ما أُخفي عيبه كأن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه على وجه يوهم أنه سمعه منه، مثل أن يقول: قال فلان، أو عن فلان، وأما إذا قال: «حدثنا أو أخبرنا» فهو كذب لا تدليس. هذا هو التدليس في الإسناد، وقد يكون التدليس في الشيوخ، كما إذا سمع الحديث من شيخ لا يحب ذكر اسمه لغرض من الأغراض، فيسميه أو يكنيه باسم أو كنية غير معروف بهما.
6 ـ المضطرب: وهو ما اختلف راويه في الحديث متناً أو إسناداً فيروي مرة على وجه وأُخرى على وجه آخر مخالف له.
وإنما يتحقق الوصف بالاضطراب مع تساوي الروايتين، وإلا فلو ترجحت إحداهما على الأخرى بالحفظ والضبط ونحوهما فلا يكون الحديث مضطرباً.
7 ـ المقلوب: وهو ما ورد بطريق، فيروى بطريق آخر أجود منه ليرغب فيه الناس.
وقد يقع ذلك من العلماء بعضهم لبعض لامتحان حفظهم وضبطهم.
8 ـ الموضوع: وهو المختلق المصنوع، وهو شر أقسام الضعيف، ولا تجوز روايته إلا مبيناً لحاله من الوضع.
ويعرف الموضوع بإقرار واضعه، أو ركاكة ألفاظه، أو الوقوف على غلطه.
والوضاعون أصناف، أعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، وزعم أن وضعه يقرّبه إلى الله تعالى، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بظاهر حالهم.
في من تُقبل روايته ومن تردّ
ومعرفة ذلك مهمة جداً، إذ بها يحصل التمييز بين صحيح الرواية وضعيفها، وبها جاز البحث عن أحوال الأشخاص ـ وإن اشتمل على القدح في المسلم ـ صيانة للشريعة المطهرة.
نعم يجب على الباحث في ذلك التأمل والتثبت، لئلا يقدح في غير مجروح بما يظن جرحاً. وفي هذا الباب مسائل ثمان:
المسألة الأولى:
اتفق أئمة علم الحديث على اشتراط إسلام الراوي، وبلوغه، وعقله وجمهورهم على اشتراط عدالته، بمعنى كونه سالماً من أسباب الفسق، ومن خلاف المروة.
واشترطوا أيضاً ضبطه بمعنى كونه حافظاً للحديث إن حدث من حفظه وضابطاً لكتابته إن حدث بها، عارفاً بما يختل به المعنى في الرواية بالمعنى.
ولا يشترط الذكورة والحرية، ولا العلم بفقه وعربية، ولا البصر، والمشهور بين أصحابنا اشتراط إيمانه أيضاًا، وقطعوا به في كتب الأصول وغيرها، مع عملهم بأخبار ضعيفة أو موثقة في أبواب الفقه، معتذرين من ذلك بانجبار الضعف بالشهرة.
المسألة الثانية:
تُعرف العدالة بتنصيص عدلين عليهما، وبالاستفاضة، وفي الاكتفاء بتزكية الواحد في الرواية قول مشهور.
المسألة الثالثة:
الأشهر أن التعديل مقبول وإن لم يذكر سبب، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها.
وأما الجرح فلا يقبل إلا مع بيان سبب، لاختلاف الناس في ما يوجب الجرح، فيمكن أن لا يكون الجارح عند أحد جارحاً عند غيره.
المسألة الرابعة:
المشهور ثبوت الجرح بالواحد كالتعديل، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلا يشترط في وصفه.
ولو اجتمع في واحد جرح وتعديل يقدّم الجرح على الأصح وإن تعدد المعدّل، لأن المعدِّل يخبر عما ظهر له من حاله، والجارح يخبر عن أمر خفي على المعدل.
ومع ملاحظة ما ذكرنا إذا تعارض الجرح والتعديل يتوقف حتى يجد المرجح.
المسألة الخامسة:
إذا قال الثقة: «حدثني ثقة» لم يكف ذلك في العمل بروايته، لعدم ذكر الاسم، ويجوز كونه ثقة عنده دون غيره.
ولو روى العدل عن رجل سمّاه لم تجعل روايته تعديلاً له على الأصح، كما أن عمل العالم وفتواه على وفق حديث لا يكون حكماً منه بصحته، ومخالفته له لا تكون قدحاً فيه، لأنه أعم.
المسألة السادسة:
ألفاظ التعديل: عدل، ثقة، حجة، صحيح الحديث، وما أدّى معناها.
وألفاظ الجرح: ضعيف، كذاب، وضاع، غال، ونحو ذلك.
المسألة السابعة:
من خلط بعد استقامته بحمق وضعف عقل ونحوهما، أو بفسق ونحوه، يقبل ما روي عنه قبل الاختلاط، ويرد ما بعده، وذلك كالواقفية في زمن الكاظم (عليه السلام)، والفطحية في زمن الصادق (عليه السلام) بعد استقامتهم.
المسألة الثامنة:
إذا روى ثقة حديثاً، ونفاه المروي عنه، فإن كان جازماً بنفيه بأن قال:
«ما رويته ونحوه» وجب ردّ الحديث.
وإن قال: «لا أعرفه أو لا أذكره» لم يقدح على الأصح، بل يجوز للمروي عنه حينئذٍ روايته عمن سمعه عنه، فيقول: حدثني فلان أني حدثته بكذا.
وقد وقع من ذلك جملة أحاديث لأكابر نسوها بعدما حدثوا بها.
في تحمل الحديث وطرق نقله
وفي فصول:
الفصل الأول:
في أهلية التحمل، وشرطه التمييز إن تحمله بالسماع، والمراد به أن يفرق بين الحديث الذي هو بصدد روايته وغيره.
ولا يعتبر الإسلام ولا البلوغ، وقد اتفق الناس على رواية جماعة من الصحابة قبل بلوغهم عن النبي، كالحسنين (عليهما السلام)، وعبدالله بن عباس، وابن الزبير وغيرهم.
وتحديد قوم سنهم بعشر سنين، أو خمس، أو أربع خطأ، لاختلاف الناس في مراتب الفهم والتمييز.
وكذلك لا يشترط في المروي عنه أن يكون أكبر سناً أو رتبة من الراوي.
الفصل الثاني:
في طرق التحمل: وهي سبعة:
1 ـ السماع من لفظ الشيخ، وهو أرفع الطرق عند جمهور المحدثين، فيقول: سمعت فلاناً، كما أن هذه العبارة أعلاها في الدلالة على السماع، وبعدها في المرتبة: «حدثني، وحدثنا لدلالتهما على قراءة الشيخ عليه مع احتمال الإجازة أيضاً.
ويليه في المرتبة «أخبرنا» ثم «أنبأنا ونبأنا».
2 ـ القراءة على الشيخ: وتسمى «العرض» لأنَّ القارىء يعرضه على الشيخ، سواء كانت القراءة من حفظه أم من كتاب، فيقول الراوي حينئذٍ: قرأت على فلان، أو قرىء عليه وأنا أسمع فأقر به الشيخ.
وبعدهما في المرتبة: حدثنا وأخبرنا قراءة عليه.
3 ـ الإجازة: وهي الإذن والتسويغ، فيقول: أجزت له رواية كذا، وأعلاها الإجازة لشخص معين وكتاب معين كقوله: أجزتك رواية الكتاب الفلاني، وبعدها في المرتبة أن يقول: أجزتك رواية مسموعاتي، وبعدهما الإجازة لغير معين كجميع المسلمين، أو كل من أدرك زمانه، ونحوهما.
4 ـ المناولة: وهي أعلى من الإجازة، لافتقارها إلى مشافهة المجيز للمجاز ولا يفتقر إلى ذلك في الإجازة.
والمناولة نوعان:
أحدهما: هي التي تقترن بالإجازة كما إذا أعطاه كتابه على نحو التمليك أو العارية، وقال له: هذا سماعي من فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني.
وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله كتاباً ويقول: «هذا سماعي أو روايتي» مقتصراً عليه. والصحيح عدم جواز الرواية بهذا القسم.
5 ـ الكتابة: وهي على ضربين:
الأول: أن تقع مقرونة بالإجازة بأن يكتب ويقول أجزت لك رواية ما كتبته.
الثاني: أن تقع مجردة عنها، والأشهر جواز الرواية بها، لتضمنها الإجازة معنى كما يكتفي بها في الفتوى.
نعم يعتبر معرفة خطّ الكاتب للحديث بحيث يؤمن من التزوير.
6 ـ الإعلام، وهو إعلام الشيخ للطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته أو سماعه من دون أن يقول: اروه عني، أو أجزت لك روايته. وفي جواز الرواية به قولان.
7 ـ الوجادة: من وجد يجد وهو أن يجد مروي شخص بخطه، ولم يسمعه منه، فيقول: وجدت بخط فلان.
الفصل الثالث:
وفي كيفية رواية الحديث، وأكملها ما سمعه بنفسه من المحدث حيث يؤمن فيه من التغيير والتبديل، وتجوز الرواية من كتابه على الأصح مع أمن التغيير.
وتجوز الرواية بالمعنى بشرط المحافظة على معنى الرواية، وعدم الإخلال به.
تقطيع الحديث
اختلفوا في جواز تقطيع الحديث وعدمه، فجوزه جماعة بشرط أن يورد بقية الرواية في محل آخر، أو أن يكون غيره قد أوردها بتمامها.
وأما تقطيع المصنف الحديث في كتاب بحيث يجعل كل مقطع في الباب اللائق به للاحتجاج المناسب فهو أقرب إلى الجواز.
ولا يروي بقراءة لحان، ولا مصحف، ويتعلم ما يسلم به من اللحن، فإن وقع في رواية لحن أو تصحيف رواه صواباً، فيقول: وروايتنا كذا، أو يقدم الرواية الملحونة، ثم يقول: وصوابه كذا.
وما رواه عن اثنين فصاعداً، واتفقا معنى لا لفظاً جمعهما في الإسناد مع بيان أن اللفظ من أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان.
وما اشتمل على أحاديث متعددة بإسناد واحد فله أن يذكر الإسناد في كل حديث، وله أن يذكره في الحديث الأول، ثم يقول في الحديث الثاني: «وبالإسناد» أو «وبه» أي بالإسناد السابق.
إذا سمع بعض الحديث عن شيخ، وبعضه عن شيخ آخر روى جملته عنهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، ثم يصير الحديث مشاعاً بينهما. وحينئذٍ فإن كانا ثقتين فالأمر سهل إذ يعمل به على كل حال، وإن كان أحدهما مجروحاً لم يحتج بشيء منه.
في بعض المصطلحات
في أسماء الرجال وطبقاتهم.
الصحابي من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والتابعي من لقي الصحابي.
ثم الراوي والمروي عنه إن استويا في السن، أو في الأخذ عن المشايخ يقال له: «رواية الأقران».
فإن روى كل منهما عن الآخر فهو المدبج ـ بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الباء ـ مأخوذة من ديباجة الوجه، كأن كلاًّ منهما يبذل ديباجة وجهه للآخر ويروي عنه.
وإن روى عمن دونه فيسمى (رواية الأكابر عن الأصاغر) ومنه رواية الآباء عن الأبناء.
وإن اشترك اثنان عن شيخ، وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق وإن اتفقت الأسماء واختلف الآباء فهو المتشابه مثل محمد بن عقيل بفتح العين، ومحمد بن عقيل بضمها، فإن الأول نيسابوري والثاني فريابي.
والرواة إن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعداً واختلفت أشخاصهم فهو المتفق والمفترق أي المتفق في الاسم، والمفترق في الشخص، وذلك كرواية الشيخ (رحمه الله) ومن سبقه من المشايخ عن أحمد بن محمد، على نحو الإطلاق، فإن هذا الاسم مشترك بين جماعة منهم أحمد بن خالد، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وأحمد بن محمد بن الوليد. وتتميز عند الإطلاق بقرائن الزمان، فإن المروي عنه إن كان من الشيخ في أول السند أو ما قاربه فهو أحمد بن محمد بن الوليد، وإن كان في آخره مقارناً للرضا (عليه السلام) فهو أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي، وإن كان في الوسط فالأغلب أن يريد به أحمد بن محمد بن عيسى، وقد يراد غيره.
وإن اتفقت الأسماء في الخط والكتابة واختلفت في النطق فهو المؤتلف والمختلف، مثل: جرير، وحريز، فإن الأول بالجيم والراء هو جرير بن عبدالله البجلي، والثاني بالحاء والزاء هو حريز بن عبدالله السجستاني، فإن اسمهما مؤتلف واسم أبيهما واحد، والمائز بينهما الطبقة.
ومعرفة ذلك من مهمات هذا الفن كما أنَّ معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم مهمة جداً، إذ بها يحصل الأمن من تداخل المشتبهين، ومن دعوى لقاء الراوي المروي عنه إن كان كاذباً في دعواه.
فهذه جملة موجزة في الإشارة إلى مقاصد هذا العلم، فمن أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة فليراجع الكتب المفصلة.
دربند
قال في معجم البلدان: دربند هو باب الأبواب وينسب إليه الحسن بن محمد بن علي بن محمد الصوفي البلخي أبو الوليد المعروف بالدربندي.
ثم قال في باب الأبواب: ويقال له: الباب غير مضاف.
جاء في كتاب (تاريخ هيرودوت) اليوناني أن قوم (سكا) هجموا على بلاد ماد من مدينة دربند. وقد عرفت الأمبراطورية الفارسية منذ أيام كوروش أهمية هذه المدينة ومنطقتها الاستراتيجية حيث بنى فيها كوروش القلاع والحصون المنيعة. أما في فترة سلالة الاشكانين فلا نملك معلومات دقيقة عن وضع المدينة والمنطقة. تقع منطقة دربند في منطقة جبلية تعد المنفذ الوحيد لربط ولايات القوقاز الشمالية بولايات آنران وأرمينا وآذربيجان، وقال ياقوت الحموي إن سدّ منطقة درنبد من بناء كسرى أنو شروان بناه لصد هجمات الخزر، وقال حمزة الأصفهاني ما مؤدّاه، أن طول هذا السدّ يبلغ 20 فرسخاً حيث يمتد من البحر حتى سفح الجبل وقد عيّن لكل منطقة من أطراف هذا السدّ أميراً وأوقف الأراضي الزراعية على الأمير والجنود المرابطين هناك ليكونوا المدافعين عن الحدود ويصدوا هجمات الأعداء على بلاد فارس.
ومعنى (دربند) هو المنفذ ولذا سمّاه الجغرافيون العر ب بـ (باب الأبواب) أو (الأبواب أو (الحديد) أو (مدينة الباب).
تقع درنبد الآن في جمهورية داغستان الواقعة في القوقاز وقد تحدث عن قلاع دربند والجوار الذي يمتد من ساحل البحر الأسود حتى قمم الجبال المسعودي والأصطخري وصاحب آثار البلاد وابن حوقل.
وقد ورد ذكرها في المصادر الأرمنية باسم (دربند أجوكا) أو (چزرا) وتقع الآن بالقرب من مدينة دربند ناحية تسمى (چورا) وكانت هذه المنطقة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين إحدى المراكز المسيحية الهامة في القوقاز ثم زالت مركزيتها نتيجة لهجمات الخزر عليها.
إن مدينة دربند من أقدم المناطق التاريخية في القوقاز وتقع في الساحل الغربي لبحر قزوين عند مصب نهر (سامور) ويقع على جانبي نهر سامور الجبال العالية، وتمتد حتى ساحل البحر. وقد وصف المؤرخون اليونانيون والروميون المدينة باسم (معبر آلباني) أو (ممر الخزر) وسماها الكرج (دوگيس كاري) والترك العثمانيين (دمير قابيسى) وباللغة الداغية (چولى) أو (چرول).
وخلاصة القول إن كل الأقوام المهاجمة التي كانت تسكن في شمال القوقاز مثل (سكا) و(الخزر) و(الهون) و(الآن) و(الروس) و(التاتار) لم يكن لهم طريق عندما يريدون الهجوم إلا مضيق دربند.
ومن هنا فمنذ دولة الميديين ثم الأخمينين ثم الأشكانيين ثم الساسانيين ثم الأمبراطورية الرومانية الشرقية ثم المسلمين ثم السلاجقة ثم المغول ثم العثمانيين كانوا يبنون القلاع في هذه الناحية منعاً لنفوذ الأقوام المهاجمة، ولكن العثور على ألواح صخرية منذ أيام الدولة الفارسية أي الأمبراطورية الساسانية في تلك المنطقة وعلى صخورها وقلاعها هو دليل على أهمية المنطقة والمضيق. وبعد سقوط الدولة الفارسية وظهور الإسلام التحم الجيش الإسلامي بقيادة سليمان بن ربيعة الباهلي في أيام الخليفة الثاني مع جيش القوقاز فانهزم المسلمون وقتل سلمان مع جنوده وهناك رواية أخرى تقول إن أبا موسى الأشعري بعد أن فتح أصفهان عام 19هـ بعث أحد قواده وهو سراقة بن عمرو صوب (باب الأبواب) وكان قائد جنده عبدالرحمن بن سراقة وبعد معارك طاحنة تمكن من السيطرة على المنطقة وذلك عام 734م وطرد الخزر صوب الشمال بعيداً عن دربند ودخل المنطقة تحت سيطرة والي أرمينيا وهو آنذاك مسلمة بن عبدالملك وقد قام مسلمة بإعمار قلاع دربند وإصلاح ما كان قد هدمته الحرب، وتوسعت المدينة أيام حكم المسلمين وصارت تنقسم سبع محلات وفيها بني المسجد الجامع، وصار لها موقع اقتصادي هناك حيث كانت تمر فيها القوافل التجارية.
وقد تحدث المسعودي عن المنطقة في الجزء الأول من مروج الذهب كما تحدث عنها أبو الفداء.
كانت منطقة دربند أيام السلاجقة والخوارزمشاهيين جزءاً من بلاد فارس ثم حكمها في القرن التاسع الميلادي الهاشميون (769هـ 1368؟م) ثم حكمها ألشرونشاهيون ويقال إنهم من أحفاد بهرام گور إلا أن بعض الباحثين منهم نيورسكي شكك في هذه النسبة، واستمر حكمهم إلى أن سيطر عليهم الشاه طهماسب الصفوي وأنهى حكمهم في تلك المنطقة. وقبل الصفويين كان المغول قد سيطروا على مدينة دربند وقتلوا كثيراً من أهلها ثم حكم المنطقة فترة الإيلخانيون ثم التيموريون ثم صارت المنطقة موضع تنافس بين العثمانيين والصفويين وكان أكثر حكمها بيد الصفويين ثم بعدهم استولى عليها نادر شاه ولكن ظلت المعارك بينه وبين العثمانيين مستمرة إلى أن هزمهم في معركة حاسمة وكان أهالي داغستان وگرجستان وأرمينيا في جانب نادر شاه. كما أنه كانت بين حكام دربند والأمبراطورية الروسية علاقات وصلات ورسائل متبادلة، وبعد أن ضعفت الحكومة الفارسية أيام سلطان حسين الصفوي، هجم على مدينة دربند عام (1722م)، وانهزم إمام قلي حاكم القوقاز وسلم المدينة للأمبراطور فدخل المدينة ومكث في دربند عدة أيام لكن لم يستطع السيطرة عليها نهائياً وعاد الى بطرسبورغ، ثم بعد زوال الصفويين تمكن نادر من هزيمة العثمانيين والسيطرة على دربند ونصب أخاه إبراهيم خان ظهير الدولة حاكماً على داغستان ولكن لم يهدأ له بال فإن بعض القبائل الساكنة في داغستان مثل اللزگية كانوا يهاجمون الجيش الفارسي باستمرار وتمكنوا أخيراً من قتل الحاكم في إحدى المعارك فيها، وبُلِّغ الخبر وهو بمدينة پيشاور في طريقه إلى دلهي عاصمة الهند وبعد أن سيطر عليها ذهب في طريق عودته إلى داغستان وأراد إبادة القبائل الثائرة هناك فمكث في المنطقة 18 شهراً وحاربهم، ولكن لصعوبة المنطقة ووعورتها عجز عن إبادتهم، وبعد أن قُتل نادر شاه عام 1765م استولى (فتح علي خان قبه اي) ملك شمخال وقيطاق على دربند ولكنها كانت سيطرة مؤقتة فقد ثار بعض زعماء داغستان عليه واستولوا على دربند، لكن في عام 1775م تمكّن فتح علي خان من إعادة سيطرته على المنطقة وذلك بمعاونة الجيش الروسي وبعث بمفاتيح المدينة إلى كاترين الثانية أمبراطورة روسيا ولكنها رفضت المفاتيح لئلا تسيء إلى علاقاتها مع إيران فاستمر حكم إيران عليها إلى أن قتل آغا محمد خان القاجاري. وحينما نشبت المعركة الأولى بين الجيشين الإيراني والروسي عام 1706م كان الجيش الروسي مرابطاً بالقرب من دربند وكان الحاكم فيها الشيخ علي خان فانهزم في المعركة ونصب الروس حاكماً يدعى علي پناه بيك وهو من أهالي تلك المنطقة، لكن استمرت المعارك بين الجيش الإيراني والروسي سنوات طويلة ولم تهدأ المنطقة إلا في عام 1813م حيث عقدت الحكومة الإيرانية معاهدة (گلستان) مع الحكومة الروسية وبموجب هذه المعاهدة صارت منطقة دربند تحت سيطرة الروس إلا أن أهالي المنطقة ظلّوا يقاتلون الروس ويرفضون سيطرتهم إلى سنوات بعيدة وفي عام 1920م دخل الجيش الروسي منطقة داغستان ودخل مدينة دربند يوم 25 مارس في نفس العام وهكذا استقر الوضع في المنطقة والمدينة لصالح الروس. وأخيراً فإن مدينة دربند تقع على سفح جبل سوان ويمر نهر (سمور) من جنوبها ثم يصب في البحر الأسود ويحدها من الجنوب جمهورية آذربيجان ومن الشرق بحر قزوين. أما القسم القديم من المدينة فإن معظمه مهدم. وأما حصارها ومعسكر الجنود فإن مساحتهما 72 هكتاراً وهما مبنيتان من الصخر بجدران سميكة عريضة جداً والحصار من بناء أنو شروان وقياده.
وتعتبر مدينة دربند ثاني مدينة في داغستان، ومن سكّانها (التات) ولغتهم فارسية وديانتهم يهودية، و(اللزگك) ثم (الأذربيجانيون) وهم مسلمون.
وفي المدينة جامع كبير بني عام 750هـ ويعرف باسم (مسجد الجمعة) وهذا المسجد من مساجد الشيعة هناك.
أما الآثار التاريخية الباقية في المدينة إلى الآن فهي.
(1) قصر نادر شاه.
(2) القلعة التي بناها ملوك وحكّام الفرس.
(3) صخرة قبر اسفنديار.
(4) جامع خارجي.
(5) الحمام القديم.
(6) قبور حكام دربند الفرس.
مجيد يكتائي
الدرجات الرفيعة
في طبقات الشيعة
كتاب للسيد علي خان المدني الشيرازي، الشهير بابن معصوم.
ولد في المدينة المنورة سنة 1052 وتوفي في شيراز سنة 1118 ودفن في حرم السيد أحمد بن الإمام الكاظم (عليه السلام) المعروف بشاه چراغ بجوار السيد ماجد البحراني.
(المدني): نسبة إلى مسقط رأسه المدينة المنورة وهذا اللقب هو من أشهر ألقابه وأحبها إليه فيلقب نفسه دائماً به كما في مقدمته لكتابه رياض السالكين.
و(الشيرازي): حيث كان ستة عشر جَدّاً من أجداده يستوطنون شيراز وقد اشتهر بهذا اللقب بعد لقب المدني في الأوساط الدينية والعلمية في إيران.
و(ابن معصوم): نسبة لجدَّه الأول محمد معصوم صدر الدين وقد كنى نفسه في مقدمة رياض السالكين به.
وفي الأوساط العلمية في إيران يُعرف بالسيد علي خان الكبير ـ والكبير هنا من الإكبار والإجلال، ويُعرف بالسيد علي شارح الصحيفة.
وأسرته أسرة علمية عريقة مشهورة في التاريخ الإسلامي. برز منهم علماء في الفلسفة والأدب والفقه…
انتشرت في أماكن عدة كالحجاز والعراق وإيران والهند..
ووالده هو نظام الدين أحمد المولود في الطائف بالحجاز سنة 1027 وعاش مع والده (جد السيد علي خان) وتلقى علومه الأولية في مكة حتى دعاه سلطان حيدر آباد السلطان عبدالله قطب شاه إلى الهند سنة 1055 وعمره 28 سنة فلبى الدعوة، وبعد وصوله أسند السلطان إليه تدبير أمور المملكة القطب شاهية والشيعية القائمة في حيدرآباد ورشح ليكون ولياً للعهد بعد زواجه من ابنة الملك قطب شاه.
وبعد وفاة الملك المذكور تغلب صهره الميرزا أبو الحسن على الحكم فحكم، وأودع السيد نظام الدين أحمد وابنه السيد علي خان السجن إلى أن توفي السيد نظام الدين محجوزاً في 17 صفر 1085.
وأرّخ وفاته ابنه السيد علي خان فقال:
حزنت لموتك طيبة
ومنى وزمزم والحطيم
فلذا أتى ببديهة
تاريخه حزن عظيم
له ديوان شعر وقصائد كما في سلوة الغريب وأسوة الأريب، وله رسالة في التوحيد ورسالة في المعاد الجسماني والنبوة.
ووالدته هي كريمة الشيخ أحمد بن محمد المنوفي المصري إمام الشافعية في الحجاز والمتوفى بدمشق سنة 1044هـ. كان صاحب ثروة.
توفيت عنه والدته وهو في المهد فتولت عمته تربيته.
اشتهر في الوسط الديني والحوزات العلمية بكتابه شرح الصحيفة السجادية وكتاب الحدائق الندية.
واشتهر في الوسط الأدبي بديوانه وكتابه سلوة الغريب وسلافة العصر.
كما لا غنى لمن يبحث في التاريخ والتراجم عن بعض كتبه كالدرجات الرفيعة وكذا الحال في اللغة والطرافة وغيرها.
واحد وعشرون مؤلفاً ذكرها مؤرخوه من تصانيفه لا يزال بعضها مخطوطاً والبعض الآخر مفقوداً أو ناقصاً كما طبع كثير منها في أماكن كثيرة كمصر ولبنان وإيران والعراق.
أمّا (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة).
فإن النسخ المتداولة من هذا الكتاب تحوي فقط على الطبقة الأولى وشيء من الطبقة الرابعة والحادية عشرة وهي الأجزاء التي عثر عليها دون بقية الطبقات التي أشار المؤلّف في مقدمته إليها.
وتوجد من الكتاب نسخة في برلين وأخرى في مكتبة آل كاشف الغطاء بالنجف الأشرف وقد طبع في المطبعة الحيدرية بالنجف الأشرف سنة 1382هـ 1912م في 590 صفحة. وطبعته مكتبة بصيرتي في قم سنة 1397هـ.
وأعادت مؤسسة الوفاء في بيروت طبعه سنة 1403هـ 1982م. ومن أشهر كتبه كتاب سلوة الغريب وأسوة الأريب.. المعروف برحلة ابن معصوم.
وهو وصف لما شاهده في رحلته من مكة إلى حيدرآباد سنة 1066. وهو لم يزل حدث السن.
انتهى من تأيفه في جمادى الثانية سنة 1075هـ وتوجد منه نسخة في برلين بألمانيا وأخرى في مكتبة السيد محمد باقر الحجة بكربلاء وثالثة في طهران لدى السيد محمد باقر بحر العلوم، الكتاب من أشهر كتب المؤلف في الوسط الأدبي وتردد ذكره كمصدر أدبي.
يصف السيد المدني في كتابه هذا المدن والقرى والسكان والمناخ والماء والهواء والجبال والأشجار والثمار والحيوان والمساجد ومراقد العلماء وترجم بعضهم، ووصف البحار وما فيها من حيوان وأحجار كريمة وغرائب. فنمق كل ذلك ووشاه بما عرف عنه من القدرة على الاستطراد الأدبي والاستدراك العلمي المفيد وأورد الكثير من الشواهد المختارة المفيدة نظماً ونثراً.. والحكايات والفوائد الطريفة المسلية.
وقد قال فيه:
رحلتي المشتهاة تزري
بالروض عند الفتى الأريب
فإن تغربت فاصطحبها
فإنها سلوة الغريب
طبع سنة 1306هـ وطبع مؤخراً في بيروت بتحقيق شاكر هادي شكر.
وكتاب (سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر).
وهو مجموعة أدبية قيمة ويشتمل على تراجم أدباء القرن الحادي عشر الهجري ومن قاربهم ممن تقدم زمانه قليلاً، وهو ذيل ريحانة الألباء لشهاب الدين الخفاجي.
شرع في تأيفه أواخر سنة 1081هـ في الهند وانتهى منه في 7 ربيع الثاني 1082هـ جمع فيه أخبار المعاصرين وبعض أقوالهم ومؤلفاتهم وأشعارهم وقسمه إلى خمسة أقسام..
الأول: محاسن أهل الحرمين.
الثاني: محاسن أهل الشام ومصر.
الثالث: محاسن أهل اليمن.
الرابع: محاسن أهل إيران والعراق والبحرين.
الخامس: محاسن أهل المغرب.
طبع في مصر بمطبعة الخانجي سنة 1328هـ في 607 صفحات والطبعة الثانية في إيران سنة 1387هـ.
وله ملحق السلافة أو ذيل السلافة وهو تراجم كثيرة ألحقها بالسلافة. منها نسخة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم انتهى منه (1082هـ).
(ومن هذا الكتاب وهو في مجلدين نسخة في مكتبة آل كاشف الغطاء.
واستقر السيد المدني في حيدرآباد وقضى فيها ثمانية عشر عاماً (1068هـ 1085هـ) وحضر مجلس والده الذي عُين ولياً لعهد السلطان عبدالله قطب شاه المتوفي سنة1083هـ/ 1672م.
ومن المؤكد أن مجلس والده كان منتدى للعلماء والأدباء والأعيان القادمين من مختلف الأمصار. وقد ذكر السيد المدني في كتابه بعضهم وتولى السيد المدني مناصب في الدولة القطب شاهية.
بعد وفاة السلطان عبدالله قطب شاه (1083هـ) تغلب صهره الميرزا أبو الحسن المعروف بتاناشاه وكان ضعيفاً وآخر ملوك القطب شاهية حيث هزمه الحاكم المغولي محمد أورنك زيب شاه)[132]( فأودعه السجن وأنهى دولة القطب شاهية سنة 1687م.
وقبل أن تهزم الدولة في عهد أبو الحسن قطب شاه فرضت الإقامة الجبرية على السيد علي خان وأبيه الذي توفي محجوزاً سنة 1085هـ.
فأخذ السيد المدني يكابد ويستغيث النبي (ص) طالباً الفرج فمدح النبي الأكرم واستجار به وأشعر يقول:
طالبي الأسرُ وطال الأسى
وما على ذلك لي مُسعدُ
قد نفد الصبرُ لما نالني
وكيف لا يفني ولا ينفذُ
فالغارة الغارة يا سيدي
فإنك الملجأ والمقصِدُ
حبك ذخري يوم لا والد
يغني ولا والدةٌ تسعد
وأنت في الدارين لي موئلٌ
إذا جفا الأقربُ والأبعدُ
فاكشف بلائي سيدي عاجلاً
علَّ جرارات الأسى تبردُ
وأدنني منك جواراً فقد
ضاق بي المضجع والمرقدُ
وبوئني طيبة موطناً
فأنّها لي سابقاً مولدُ
وهي لعمري مقصدي والمُنى
لا الأبلقُ الفردُ ولا ثهمدُ
وبعد وفاة والده في الحجز نمي له أن القوم يريدون قتله فهرب من حيدر آباد إلى برهان پور التي كان يحكمها في ذلك الوقت السلطان المغولي محمد أورنك زيب شاه فلاحقه القوم وجدوا في طلبه ولكن لم يتمكنوا منه فأنشد الشعر قائلاً:
وبثوا الجياد السابحات ليلحقوا
وهل يدرك الكسلان شأوا أخي الجد
فساروا وعادوا خائبين على وجى
كما خاب من قد بات منهم على وعد
ووصل إلى برهان پور بعد أن أفلت من أعدائه كما أسلفنا واستقبله مرحباً سلطانها محمد أورنك زيب شاه وقلده قيادة كتيبة من الجيش تعدادها 1300 فارس ولقبه بالسيد علي خان وهو لقب تشريفي كبير في الهند يومذاك.
ولما ذهب أورنك زيب شاه إلى مدينة أحمد نگر شرقي بمبي بالهند اصطحبه معه وجعله حارساً عليها ثم عينه والياً على حكومة لاهور وتوابعها وهي العاصمة القديمة للمسلمين في الهند.
ثم تقلد رئاسة ديوان السلطان في برهان پور حتى تكونت حالة ثقة قوية بينه وبين السلطان المذكور يمكن استشفافها من خلال إهدائه للسلطان نظمه في تخميس قصيدة البردة الشهيرة للبوصيري.
أمضى السيد المدني في هذه المناصب وغيرها مدة طويلة ثم طلب الاستعفاء من منصبه وكان ذلك عام 1113هـ.
ويظهر أنه لم يكن على وفاق تام مع السلطان أورنك زيب شاه في آخر حياته لكبر سنه فنبزه السيد المدني بالظلم والتغطرس، والإصغاء إلى أقوال الأعداء، فضاق ذرعاً ولم يعد يتحمل البقاء معه فحاول مراراً التخلص منه والخروج من الهند بالتي هي أحسن فطلب من السلطان السماح له بالسفر مع عائلته لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الأكرم (ص).
ولقد سجل السيد المدني القلق الذي كان يساوره في تلك الفترة بعدة قصائد نبوية طافحة بالألم ومر الشكوى منها بضعة أبيات من قصيدة نظمها وهو على ظهر السفينة عند خروجه من الهند يقول فيها:
إذا ما امتطيت الفلك مقتحم البحر
وولّيت ظهري الهند منشرح الصدر
فما لمليك الهند إن شاق صدره
علي يد تقضي بنهي ولا أمر
ألم يصغ للأعداء سمعاً وقد عدت
عقاربهم نحوي بكيدهم تسري
فأوتر قوس الظلم لي وهو ساخط
وسدد لي سهم التغطرس والكبر
وسد علي الطرق من كل جانب
وهم بما ضاقت به ساحة الصبر
إلى أن أراد الله إنفاذ أمره
على الرغم منه في مشيئته أمري
فرد عليه سهمه نحو نحره
وقلد بالنعماء من فضله نحري
فأمسيت من تلك المخاوف آمناً
وعادت أموري بعد عسر إلى يسر
فوصل السيد المدني مع عائلته إلى مكة المكرمة وأدى مناسك الحج ثم زار قبر النبي الأعظم محمد (ص) وقبور أئمة البقيع (عليهم السلام).
فعمر أملاكه التي في الحجاز وهي كثيرة وأوقفها وولّى عليها أولاده الأكبر فالأكبر.
وأراد السيد المدني أن يستقر في مكة والمدينة التي طالما حن إليهما ولكنه وجد الناس غير الناس الذين فارقهم وألفهم، فلا أصحاب ولا إلفة وكل شيء غريب. فلم يبقى طويلاً وغادر مكة والمدينة وهو غير راغب في مغادرتهما حيث كانت أمنيته أن يبقى فيهما طوال عمره كما يشير في قصيدة له:
فإبت إلى البيت العتيق مودعا
له نويا عودي إليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصدا
إلى خير مقصود من البر والبحر
فتوجه للعراق وزار البصرة والنجف وكربلاء وبغداد وسامراء وبعد إقامة قصيرة وزيارة العتبات المقدسة لم يطب له المقام فيها فسافر إلى خراسان ومن ثم إلى أصفهان عاصمة إيران آنذاك بدعوة من شاه إيران الشاه حسين الصفوي فوصل إليها سنة 1117هـ.
وهناك قدم السيد المدني كتابه رياض السالكين إلى السلطان الصفوي ولكنه وجد الأمور غير طبيعية ومضطربة في العاصمة فقصد مدينة أجداده شيراز ووجدها عامرة بالحركة العلمية فاختارها مقراً مؤقتاً لسكناه آملاً بالعودة إلى الحجاز وانصرف إلى التدريس والتأليف في المدرسة المنصورية حتى لبى نداء ربه.
انعكس حبه للوطن وألمه للفراق وحنين العودة في مواضع عدة من شعره وتمتاز مكة المكرمة بمكانة خاصة في قلبه فيخاطبها عندما غادرها للهند ملتحقاً بوالده:
امعاد هل يفضي إليك معاد
يوما يرغم معاند أوعاد
فأفوز منك بكل ما املته
ذخراً لآخرتي ويوم معاد
ويقول في مكة أيضاً:
فارقت مكة والأقدار تقحمني
ولي فؤاد بها ثاو مدى الزمن
فارقتها لا رضى مني وقد شهدت
بذاك أملاك ذاك الحجر والدكن
فارقتها وبودي إذ فرقت بها
لو كان قد فارقت روحي بدني
ويذكر نجد مستصغراً أرض الهند أمامها فيقول:
يقول الهاشمي غداة حزنا
بحار الهند نقطع كل وهد)[133](
أتذكر عن هوى تلعات)[134]( نجد
وأين الهند من تلعات نجد
وفي موضع ثالث يقول عن مكة المكرمة:
خليلي هل عهدي بمكة راجع
فقد قلبت بالهند مني المضاجع
وهل شربة من ماء زمزم ترتوي
بها (كبد) قد أظمأتها الوقائع
وهل عامر ربع الهوى بسويقه)[135](
فعهدي بذاك الربع للشمل جامع
وهل من صفا من سالف العيش بالصفا
يعود لنا يوما فتصفو المشارع
سقى الله ما بين الحجوان إلى الصفا
مرابع فيها للظباء مراتع
وجاد بأجياد)[136]( منازل جيرة
بهن حمام الأبطحين سواجع
وحيّـــــــــــــــــــا الحيــــــــا بالمــــأزميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن)[137]( معــــــــــــــــــــــــــــــــــــاهدا
فما عهدها عندي مدى الدهر ضائع
ويخاطب أهل مكة قائلاً:
وحياتكم يا ساكني أم القرى
ما كان حبكم حديثاً يفترى
اهوى دياركم التي من حلها
حل الجنان بها وعل الكوثر
إلى أن يقول:
للَّه أيامي بمكة والصبا
تهدي إلى فؤادي مسكا أوفر
اشري بكل الدهر منها ساعة
لو أنها مما تباع وتشترى
ويتذكر بحرقة أيام إقامته بالحجاز قائلاً:
سقى الله أيامنا بالحجاز
ولا جازها الغيدق الهاطل
فما كان أرغد عيشي بها
إذ المنزل القفر بي آهل
لقد طال وجدي وذكري لها
وليس لعصر مضى طائل
فيها لهف نفسي له ماضيا
ترحل والوجد بي نازل
ترى من عزائي به خارج
وداء الأسى في الحشا داخل
درى أن وجدي به لا يزو
ل وصبري من بعده زائل
يقولون لي أنه خاذل
وخير الظبا الشادن الخاذل
اتعذلني جاهلا حاله
لك الويل يا أيها العاذل
تجيب الصفاة وليس يجيـ
ـب ودمعي على وجنتي سائل
ويقول في خاتمة قصيدة أخرى:
ولاح من الحجاز لنا بريق
تلألا يستطير. على حراز)[138](
سقى الله الحجاز وساكنيه
وحيا معهد الخلود الكناز)[139](
إلى أهل الحجاز يحق قلبي
فوا شوقي إلى أهل الحجاز
ولا يزال الشاعر يعتبر نجد جزء من بلده فيشعرها بشاعريته وإحساسه المرهف فيقول:
سل الديار عن أهيل نجد
إن كان تسآل الديار يجدي
وقف بهاتيك الرسوم ساعة
لعله يطفي لهيب وجدي
منازلُ قد حزت فيها أربي
ونلتُ سُؤلي وقضيت وَعْدي
ما عن لي ذكر زمان قد مضى
بظلها إلاّ وهاج وقدي
أصبو من الهند إلى نجد هوى
وأين نجد من ديار الهند
والتقي كل رياح خطرت
أحسبها ليلاً نسيم نجد
آه من البين المشت والنوى
كم قرحا من كبد وخد
فهل ترى ينتظم الشمل الذي
قد نثرته البين نثر العقد
وهل لأيام الصبا من رجعة
أم هل لأيام النوى من بعد
أنوح ما ناح الحمام غدوة
هيهات ما قصد الحمام قصدي
أبكي وتبكي لوعة وطربا
وما بكاء الهزل مثل الجد
ظنت حمامات اللوى عشية
في الحب أن عندها ما عندي
تلهو على غصونها ومهجتي
تصبو إلى تلك القدود الملد
شتان ما بين جو وفرح
وبين مخف سره ومبد
ما مشربي صاف وإن ساغ ولا
عيشي من بعد النوى برغد
سل ادمعي عما تجن أضلعي
فالقلب يخفي والدموع تبدي
وقال يمدح رسول الله (ص) ويخاطبه:
وقــــــــــــــــــــــد طـــــــــــــال البــــــــــــــــعاد وزاد شــــــــــــــــــــــــــــــــــوقـــــــــــــــــــــــــي
إليك وعاقني دهري واواني
فابدلني ببعد الدار قربا
وبوّئني بتلك الدار سكني
وكانت فرحته كبيرة وهو عائد إلى وطنه بعد غربة عنه دامت 47 سنة فأنشد قصيدة وصف فيها حاله في مكة بجوار البيت الحرام وفي المدينة بجوار النبي المصطفى (ص) فيقول:
اسفت على المرسى بشاطىء جدة
فجددت الأفراح لي طلعة البر
وهب نسيم القرب من نحو مكة
ولاح سنى البيت المحرم والحجر
وسارت ركابي لا تمل من السَرى
إلى موطن التقوى ومنتجع البر
إلى الكعبة البيت الحرام الذي علا
على كل عالٍ من بناءٍ ومن قصر
فطفت به سبعاً وقبلت ركنه
وأقبلت نحو الحجر آوي إلى حجر
وقد ساغ لي من ماء زمزم شربة
نقعت بها بعد الصدى غلة الصدر
هنالك الفيت المسرة والهنا
وفزت بما املت من سالف الدهر
وقمت بفرض الحج طوعاً لمن قضى
على الناس حج البيت مغتنم الأجر
وسرت إلى تلك المشاعر راجياً
من الله غفران المآثم والوزر
وجئت منى والقلب قد فاز بالمنى
وما راعني بالخيف خوف من النفر
وباكرت رميي للجمار وإنما
رميت بها قلب التباعد بالجمر
أقمنا ثلاثاً ليتها الدهر كله
إلى أن نفرنا من منى رابع العشر
فأبت إلى البيت العتيق مودعاً
له ناوياً عودي إليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصداً
إلى خير مقصود من البر والبحر
إلى السيد البر الذي فاض بره
فوافيت من بحر أسير إلى بر
إلى خيرة الله الذي شهد الورى
له أنّه المختار في عالم الذرِّ
فقبلت من مثواه أعتابه التي
أنافت على هام السماكين والنسر
وعفرت وجهي في ثراه لوجهه
وطاب لي التعفير إذ جئت عن عفر
فقلت لقلبي قد برئت من الجوى
وقلت لنفسي قد نجوت من العسر
وقلت لعيني شاهدي نور حضرة
أضاءت به الأنوار في عالم الأمر
أتدرين ما هذا المقام الذي سما
على قمم الأفلاك أم أنت لم تدري
مقام النبي المصطفى خير من وفى
محمد المحمود في منزل الذكر
رسول الهدى بحر الندى منبع الجدا
مبيد العدى مروي الصدى كاشف الضر
هو المجتبى المختار من آل هاشم
فيالك من فرع زكي ومن نجر
دُرَرُ السِّمْط في خبر السِّبط
في الآثار الأدبية الأندلسية الباقية كتاب «لطيف الحجم» بل هو رسالة صغيرة لابن الأبّار القضاعي البلنسي الأندلسي سماه: «درر السِّمط في خبر السّبط»)[140]( خصصه لفصول قصيرة متلاحقة تتابع من وراء أسلوب أدبي ممتع أطرافاً من السير النبوية مما يخص النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وزوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وابنته البتول فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسين (عليهم السلام).
وانفرد المؤلف بعد فصول بحديث أحد السبطين الكريمين فوقف عند أخبار من أخبار الحسين بن علي (عليه السلام) متباعاً الوقائع إلى ما بعد نكبة كربلاء بما فيها من أحداث جسام.
والكتاب، من حيث تقويمه وتبويبه كتاب نثر أدبي فني، لكنه يتمركز حول قضية تاريخية. ومن هنا جاء الكتاب متمزياً بمزايا هذين الطرفين: طرف التاريخ من جهة وطرف التعبير الأدبي المؤثر من جهة أخرى.
ولئن لم يكن الكتاب من حيث موضوعه وفكرته بِدْعاً في الآثار الأندلسية فإنه متميز من حيث طريقة عرضه، ومستقلّ بأسلوبه وصياغته، وخاص من حيث الشحنة العاطفية الغامرة التي غلبت على جوانبه وفصوله.
وهو يستحقّ وقفة لعرضه، والحديث عنه وعن مؤلفه، وأن نلمّح إلى آثار أندلسية مشابهة.
ابن الأبَّار
المؤلف هو أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن أبي بكر بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، البلنسي، الأندلسي، ولد في أحد الرّبيعين ـ كما قرّر هو في بعض كلامه ـ سنة 595هـ، في بلنسية، وتوفي صريعاً في المحرّم من سنة 658هـ بتونس.
و(القضاعي) نسبة إلى قُضاعة، فنسبه عربي صريح. وكثيراً ما تعدّ قضاعة في عرب الجنوب وللنسابة والمؤرخين كلامٌ في هذا.
والبلنسي نسبة إلى مدينة بلنسية إحدى مدن الأندلس المشهورة. كبرى مدن شرق الأندلس. وكان قومه يسكنون في أُندَة من نواحيها وكانت ولادة ابن الأبّار في بلنسية سنة 595هـ؛ ويبدو أن والده انتقل فسكنها فقيل فيه: «أصله من أُندة وسكن بلنسية وولد فيها».
ونشأ ابن الأبّار في بيت علم وديانة وصيانة، وتلقى عن أبيه كثيراً من وجوه العلم والمعرفة واستفاد من صلته بعدد من العلماء، ووصف أباه فقال فيه:
«كان (رحمه الله) ـ ولا أزكّيه ـ مقبلاً على ما يعنيه، شديد الانقباض، بعيداً عن التصنع، حريصاً على التخلص مقدماً في حملة القرآن، كثير التلاوة له والتهجّد به، صاحب ورد لا يكاد يهمله، ذاكراً للقراءات، مشاركاً في حفظ المسائل آخذاً فيما يُستحسن من الأدب، مُعَدّلاً عن الحكام، وكان القاضي أبو الحسن بن واجب يستخلفه على الصلاة بمسجد السيدة من داخل بلنسية» وزاد بعد ذلك «قرأت عليه القرآن بقراءة نافع مراراً، وسمعت عنه أخباراً وأشعاراً، واستظهرت عليه مراراً أيام أخذي على الشيوخ؛ يمتحن بذلك حفظي، وناولني جميع كتبه، وشاركته في أكثر من روى عنه…».
وتتلمذ على عدد من الشيوخ، ولكنه أفاد علماً جماً ورواية واسعة من أحد علماء الأندلس الكبار، وهو أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي (565 ـ 624هـ) وكان عالماً مؤلفاً راوية متبحّراً في التصنيف والتأليف صادعاً بالحق مجاهراً به، من المجاهدين بالكلمة وبالسيف معاً. وقد سقط شهيداً في حرب العدو في معركة أنيشة سنة 624هـ وهي بلدة قريبة من مدينة بلنسية.
ووصفه ابن الأبار فقال فيه:
«كان إماماً في صناعة الحديث، بصيراً به، حافظاً حافلاً، عارفاً بالجرح والتعديل… مع الاستبحار في الأدب والاشتهار في البلاغة، فَرْداً في إنشاء الرسائل، مجيداً في النظم… إلخ».
ومن مؤلفات شيخه كتاب (الاكتفاء) في السيرة النبوية وأخبار الفتوحات أيام الخلفاء الثلاثة من بعده.
ولا شك في أن ابن الأبار استفاد من أستاذه أموراً شتى، في الحديث، والتاريخ والرواية، وفي جوانب أدبية من شعرية ونثرية. وفي ثبت أسماء شيوخه عدد جمّ من العلماء بالحديث والتاريخ والفقه والحديث والأخبار والآداب…
ونستطيع ـ من خلال ما بقي من آثار ابن الأبار، وأخباره ـ أن نقول إنه نضج في معرفة العلوم الشرعية واللُّغوية وفي التواريخ والرواية وفنون المعارف العامة الأخرى، وصار مهيأ من وقت مبكر من حياته ـ ليمارس الأعمال المناسبة: من القضاء والكتابة السلطانية، والسفارة، وغير ذلك من مهمات الأمور.
ونعرف من تاريخ حياته أن أباه توفي ابن ثمان وأربعين سنة وذلك سنة 619هـ، والشاعر حينها ابن أربع وعشرين سنة، توفي أبوه ببلنسية وكان هو بثغر بَطَلْيوس (من غرب الأندلس).
وكان عليه أن يخوض غمار الحياة، فلم يكتف بطريق العلم، ولم ينقطع له، ولكنه ـ كما عبّر د. حسين مؤنس في مقدمة الحلّة السيراء ـ «انصرف وهو في مطلع شبابه إلى السياسة وطلب الوظائف والجاه في ظروف ضيّقة عسيرة على الحاكمين والمحكومين معاً، فأصابه من ذلك بلاء شديد».
الأندلس في زمانه
كانت الأندلس في مدة حياة ابن الأبار (أواخر القرن السادس إلى أواسط السابع) في ظل دولة الموحّدين. والموحدون دولة نشأت في الغرب، وامتدّ نفوذها إلى الأندلس الإسلامية كلها تقريباً، فقد ورثت دولة المرابطين التي جمعت القطرين الكبيرين (المغرب العربي كله مع أطراف من إفريقيا الغربية بالإضافة إلى الأندلس).
وشهد ابن الأبّار حين أدرك واختلط شاباً ـ بأمور الحياة، ضعف دولة الموحدين، وانقسامهم وتكالب بعضهم دون بعض على السلطة وعلى التسمي بالخلافة. وكتب لبعض أمرائهم الولاة ولبعض من خلفهم على حكم المنطقة الشرقية من الأندلس، وشهد ابن الأبار في حياته ـ التي كانت سلسلة متلاحقة من مواجهة المخاطر ـ انهيار الأندلس الكبرى، وضياع أجزائها الرئيسية من البلدان والأراضي، وشهد سقوط السيادة العربية الإسلامية عن أراضي عزيزة غالية!
وكانت دولة الموحدين قد بدأت بالانحدار منذ وقعة العقاب (سنة 609) التي محّص الله تعالى فيها المسلمين، وأصيبوا بهزيمة منكرة كانت النذير الذي يسبق الاجتياح العاتي.
وكان شرق الأندلس تحت نظر عدد من أمراء الموحّدين. ففي سنة 607هـ أقام محمد الناصر (حكم 595 ـ 611هـ) أبا عبدالله بن أبي حفص عمر بن عبدالمؤمن والياً على بلنسية. وكان لأبي عبدالله هذا ولدان ترشحا للخدمة الإمارية: أبو زيد عبدالرحمن، وأخوه عبدالله المعروف بالبيّاسي.
وقد بدأ ابن الأبار كاتباً لأبي عبدالله بن أبي حفص. كتب بعد ذلك لابنه أبي زيد. وكان أبو زيد متهاوناً في الجهاد، معادياً للعدو. وخرج إلى ملك أراغون يطلب منه العون ثم استقر عنده خانعاً ذليلاً. فتركه ابن الأبار، واستقر مدة عند صديقه حاكم شاطبة أبي الحسين الخزرجي، وتولى قضاء دانية مدة ثم استدعاه أبو جميل فكتب له.
وكانت بلنسية قد صارت إلى أبي جميل زيان من أسرة مردَنيش الأندلسية. وكتب ابن الآبار عنه وخدم دولته ووزارته.
وبنو مردنيش كانوا من القادة الذين تصدوا للأمور العامة في الأندلس بعد انهيار الموحدين وشاركهم في ذلك بنو هود وبنو نصر المعروفون ببني الأحمر.
ولم تستطع هذه القيادات الصغيرة ـ كثيراً ما كانت تتناحر ـ أن تقف للحرب الصليبية الغربية على الأندلس التي فقدت الكبير والرأس المدبر والكلمة الموحدة.
وتعرضت (بلنسية) لضغط شديد من ملك أراغون.
وفي سنة 636هـ أرسل أبو جميل حاكم بلنسية كاتبه ـ ووزيره ـ ابن الأبار إلى تونس الحفصيّة (والحفصيون فرع مستقل من الموحّدين) يطلب العون لإنقاذ الأندلس ويعترف للسلطان الحفصي بالطاعة، وأنشد ابن الأبار مخاطباً أبا زكريا يحيى الحفصي، قصيدته الرنانة المؤثرة:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى منجاتها درساً
ولما جاءت الحملة البحرية من تونس كانت بلنسية تحت ظل الحصار الكامل براً وبحراً فنزلوا في (دانية) وتركوا المدينة المسكينة لمصيرها المحتوم!
وانتقل ابن الأبار بأهله وولده إلى تونس، بعد أن يئس من استمراره في وطنه الأصلي الذي رآه يضيع شبراً شبراً!
ابن الأبّار في تونس
خرج ابن الأبار من الأندلس فنزل في بجاية من القطر التونسي ثم استدعاه الخليفة الحفصي أبو زكريا يحيى فكتب له الرسائل (الإنشاء) والعلامة.. ثم فوّض الأمير كتابة العلامة إلى كاتب آخر مما أثار حفيظة ابن الأبار فقال كلاماً مغضباً نقل إليه فكف يده عن العمل. وتوسّل الكاتب الشاعر بأبي عبدالله محمد بن الخليفة ليسترضي أباه، وقال في ذلك الشعر، وألّف كتابه (إعتاب الكتاب)، فرجع إلى مكانه.
وفي سنة 646هـ يصير الأمر في تونس إلى أبي عبدالله محمد المستنصر (بعد وفاة ولي العهد أبو يحيى ووفاة أبيه زكريا حزناً عليه). ويكتب ابن الأبار له. ولكنه سرعان ما يصطدم بالكتّاب الآخرين، وعدد من موظفي القصر الحاسدين. فتحدث جفوة جديدة فيُنفى إلى (بجَّايه) ويقيم فيها مدّة. ثم يعود بعد استرضاء آخر، ولكنه لا يسلم من غضبة سلطانية أخرى، ويقتل قتلة قاسية سنة 658هـ.
وعلى رغم إحراق كثير من كتب ابن الأبار مع شِلْوه، فقد بقي للمكتبة العربية تراثٌ زاخر من مؤلفاته بالفوائد، وخصوصاً في مجال تراجم الرجال الأندلسيين وأخبارهم.
وكانت مدة إقامته الطويلة ببجاية فرصة لإظهار عدد من مؤلفاته المهمّة.
(درر السمط) بين مؤلفاته: وصل إلينا من كتبه الكثيرة ثمانية كتب هي:
1 ـ إعتابُ الكُتّاب، حقّقه د. صالح الأشتر، ونشره في دمشق (مجمع اللغة العربية 1380هـ 1961م).
2 ـ الحلة السيراء في أشعار الأمراء نشرت قطع منه، ثم نشره كاملاً د. حسين مؤنس بعنوان (الحلة السيراء)، في جزءين في القاهرة 1963م.
3 ـ التكملة لكتاب الصّلة، نُشر على يد بعض المستشرقين، وطبع طبعة ناقصة في مصر. (الأوروبية في ثلاثة أجزاء)، (والمصرية في جزءين).
4 ـ تحفة القادم، وبقي منه مختصر أو منتقى هو: المقتضب من كتاب تحفة القادم من اختيار أبي البركات بن الحاج البلفيقي، نشر مرّتين، الثانية في القاهرة سنة 1957م.
5 ـ معجم أصحاب أبي علي الصدفي. نشره أولاً كوديرا نشرة استشراقية ثم طبع في القاهرة، نقلاً عن هذه الطبعة بزيادة في أخطائها.
6 ـ رسالة (مظاهرة المسْفى الجميل، ومحاذرة المرعى الوبيل في معارضة (ملقى السبيل) نشرها د. صلاح الدين المنجد في (رسائل ونصوص).
7 ـ ديوان شعر. نشره د. عبدالسلام هرّاس في الدار التونسية للنشر سنة 1985م.
8 ـ درر السمط في خبر السِّبط، الذي نعرف به.
وقد سردت كتب التراجم لابن الأبار أكثر من أربعين كتاباً ورسالة وفي جملتها كتاب (معدن اللجين في مراثي الحسين) وهو كتاب مفقود وقد قال فيه الغبريني في عنوان الدّراية:
«لو لم يكن له من التآليف إلا هذا الكتاب لكفاه في ارتفاع درجته وعلوّ منصبه وسموّ رتبته».
ويتوزع كتبه الاهتمام بالحديث والتاريخ والأدب والتراجم، والفقه. وقد ألَّف ابن الأبار في تراجم الأندلسيين وأخبار بلادهم كتباً مهمة ضاع كثير منها، وبقي القليل وهو نافعٌ جداً.
كتاب درر السمط
لم يكن ابن الأبار بين الأندلسيين والمغاربة أول من التفت إلى المديح النبويّ، وتذكار ما أصاب الحسين بن علي (عليه السلام) فقد سبقه عدد غير قليل من الأدباء والشعراء نذكر منهم الكاتب الفقيه أبا عبدالله محمد بن مسعود بن أبي الخصال الغافقي المتوفى سنة 540هـ وأبا بحر صفوان بن إدريس التجيبي (561هـ 598هـ) وغيرهما كثير.
ونذكر هنا أن ابن الأبار روى كتاب (مناقب السَّبطين) لأبي عبدالله محمد التجيبي (540 ـ 610هـ) وأجيز فيه (من المؤلف) وهو ابن ثلاثة عشرة عاماً.
والسلسلة للمتتبع طويلة. ويتألف الكتاب على صغر حجمه من مقدمة، وواحد وأربعين فصْلاً.
والمقدمة قصيرة مهمتها أن تبدأ الكلام، وأن تسوقه دون إطالة إلى الفصل الأول الذي تتلوه الفصول الأخرى، دون مشقة.
وعنوان (الفصل) الذي يحجز فقرة عن أُخرى هو في الحقيقة إشعار بانتقال الكاتب عادة من جانب من جوانب الموضوع إلى طرف آخر جديد فكأنها حلقات متسلسلة متواصلة، تتنامى فيها الأحداث، ويغزر عطاء الأخبار، وعرض الأسماء، وتقويمها، حين تبلغ تلك الأحداث الذروة، ثم تكون خاتمة سريعة، فاصلة، مؤثرة.
وكانت فصول الكتاب، من خلال عرض الكاتب البليغ قادرة على تصوير الأحداث بعنفها وانفعالها، وبنهايتها الدرامية المأساوية. وكان تمكّن الكاتب ـ في الغالب ـ من ناحية اللغة هو الوسيلة التقنية لحسن عرض الفكرة المختصرة من جهة ولتذويب أثر التكلف (من سجع وجناس خاصّة) من جهة أخرى.
وهذه قطعة من المقدمة، نتعرف من خلالها على نمط من أسلوب المؤلف، وطريقته في التناول: متنبهين إلى ما في النص من الاقتباس والتضمين والإشارة إلخ، قال:
«رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، فروع النبوة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة صفوة آل أبي طالب، وسراة بني لؤي بن غالب الذين حيّاهم الروح الأمين، وحلاّهم الكتاب المبين. فقلْ في قوم شرعوا الدين القيّم، ومنعوا اليتيم أن يُقهر والأيم. ما قُد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة، ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة…» إلخ.
وتسترسل الفصول على هذا النمط من العبارة، ويستفيد الكاتب من ثقافته اللغوية والأدبية والتاريخية، ومن الثقافة العامة أيضاً ليوظف ذلك كله في فصوله، فيعطيها رصيداً ضخماً من الإشارات والإحالات، وليمزج النص النثري بألوان شعرية مختلفة. وقد استغل الأبيات الشعرية ذات الأغراض المتعددة المتباينة فوجّهها لتزيد النص ـ على ما قصد إليه ـ إثارة وإحكاماً.
قال في النص الثاني:
«يا لك من أنجم هداية، لا تصلح الشمس لهم داية. كفلتهم في حِجْرها النبوّة {ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}. سرعان ما يلي منهم الجديد وغري بهم الحديد. نسفت أجبلهم الشامخة، وشُدِخت غررهم الشارخة؛ فطارت بطررهم الأرواح؛ وراحت عن جسومهم الأرواح؛ بعد أن فعلوا الأفاعيل، وعيل صبر أقتالهم وصبرهم ما عيل!
يودّ أعداؤهم لو أنهم قتلوا
وأنهم صنعوا بعض الذي صَنعُوا
تذامروا والردى موجهُ يلتطم، وتوامروا والقنا يكسر بعضه بعضاً ويحتطم.
فإن يكونوا ما عرجوا في مراقي الملك فقد درجوا في مهاوي الهلك.
ونحن أناس لا توسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وعلى هذا فقد نجموا ونجبوا مع الحتوف الشداد والسيوف الحداد، والتمرُ أنمى على الجداد. ما أعجب كلمة أبيهم ظهر صدقها فيهم: «بقية السيف أنمى عدداً وأنجب ولداً»، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً}.
رضوا في ذاته رضا، فمشوا إلى الموت ركضاً «إنا والله لا نموت حبجاً كما يموت بنو مروان».
تسيل على حدّ الظباة نفوسنا
وليست على غير الظباة تسيلُ
(انتهى الفصل)
ملاحظات في النص المختار
1 ـ الداية: الظئر، القائمة على التربية والتدبير. والعبارة تنظر إلى قول ابن زيدون:
كانت له الشمس ظئراً في أكلّته
بل ما تجلى لها إلا أحايينا
2 ـ استشهاد بالآية الكريمة 34 من سورة آل عمران.
3 ـ غري: لصق، وغري بالشيء: أولع به ولزمه. والكاتب يشير إلى مقاتل الطالبيين، ويكني عنها.
4 ـ شدخت غررهم أي هشمت وكسرت وكنى بالغُرر عن الرؤوس، وأحسن الكناية. والشادخة: اسم فاعل من شَدخت الغرّة (بالبناء للمعلوم هنا) أي اتّسعت في الوجه وسالت سُفلاً أو ملأت الجبهة ولم تبلغ العينين.
5 ـ طارت بغررهم الأرواح: جمع ريح.
6 ـ والأرواح الثانية جمع رُوح.
7 ـ أقتالهم: أندادهم في القتال (وغيره) وأكفائهم.
8 ـ البيت من قصيدة لأبي تمام (4 :89) في رثاء بني حميد بن قَحْطبة.
9 ـ تذامروا: تحاضوا على القتال، وتوامروا: من المؤامرة (المشاورة).
10 ـ البيت لأبي فراس الحمداني ومعرضه في قصيدته الفخر.
11 ـ نجم: ظهر. ونجب (من النجابة).
12 ـ جدّ التمر قطه وقطعه.
13 ـ يعني كلمة للإمام علي (عليه السلام) (العقد 1: 102) والكلمة من نهج البلاغة يريد أن السيف إذا أسرع في أهل البيت كثر عددهم ونما ولدهم.
14 ـ من الآية 169 من سورة آل عمران.
15 ـ يقال مات (البعير) حبجاً إذ أكل لحاء العرفج فسمن، وربما أكثر منه قتله (أي كثرة الأكل). والعبارة لعبد الله بن الزبير.
16 ـ البيت من قصيدة مشهورة لعبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي أحد شعراء مطلع العصر العباسي (وتنسب خطأ للسموأل).
وقد تكثر الإشارات وتخفي مآخذها التي استقى منها على القارىء، وتحوج الدارس إلى طول المدارسة والمراجعة.
وخلاصة القول:
إن ما كتبه ابن الأبار في (درر السمط في خبر السّبط) هو نثر فنيٌّ يعبر عن موضوع تاريخي، مزجه الكاتب بطاقة وجدانية عارمة، وأعدّ له قدّراً كبيراً من الإشارات ووجوه الاحتجاج. والاستشهاد، وعرض فيه براعته الفنّية عرْضاً معجباً، وإن أثقل النص باختياره الأسلوب الشائع في زمانه من القيود البديعية والتلميحات الواسعة والاتكاء على النصوص التراثية.
ـ والكتاب: ذو مقصد واحد واضح، أدّى التعبير عنه بنثر فني مزوّق منمق متقن.
ـ والعبارة منمقة، مسجوعة، تعتمد ـ بالإضافة إلى السَّجع ـ على ضروب من الجناس؛ وقد يخرج الكاتب في الفواصل (أواخر السجَّع) إلى لزوم ما لا يلزم، كقوله في الفصل الحادي عشر:
«إلى البتول سير بالشرف التالد، وسيق الفخرُ بالأم الكريمة والوالد. حلت في الجيل الجليل، وتحلت بالمجد الأثيل ثم تولت إلى الظل الظليل…».
ويتعانق الشعر والنثر في الفصول كلها. ومعظم الشعر من قصائد مشهورة قديمة، ليست أصلاً من الشعر الذي قيل في المناسبات التاريخية ولا هو من الشعر الذي قيل في النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الكرام، وإنما وظّفه الكاتب ليكون مجارياً للسياق، مناسباً للكلام، متداخلاً مع النثر ليعطي الإحساس المطلوب، ويساعد على ظهور المقصد، ويرتفع بالقارىء إلى درجة التأثر القصوى.
ـ والنص يحفل بالاقتباس، والاستشهاد بآيات القرآن الكريم، والتحلية بالأحاديث النبوية، والأخذ من أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم.
ـ والنص زاخر بالإشارات التاريخية والتلميحات إلى الخلفاء والقادة والأشخاص المعاصرين ذوي الشأن.
وأسلوب ابن الأبّار في هذا الكتاب أسلوب مقيد، مصنوع، قال فيه العبدري صاحب الرحلة إنه نحا فيه منحى ابن الجوزي.
قال في ص (271 ـ 272) في ترجمة الشيخ الفاضل أبي محمد بن هارون (من علماء تونس): «وقرأت عليه: درر السمط في خبر السّبط لأبي عبدالله القُضاعي، وحدّثني به سماعاً وقراءة، وهو جزءٌ وضعه في مقتل الحسين (عليه السلام) نحا فيه نحو طريقة أبي الفرج بن الجوزي» قال: «وكنت أتكلم معه في تعقب مواضع منه فيعجبه قولي فيها»… ولم يبيّن لنا تلك المواضع التي كان العبدري ينتقد ابن الأبار فيها، ولعلها في المواقف التاريخية خاصة.
ومعلوم أن بعض من ترجم لابن الأبّار أخذ عليه بعض شططه في طريقة تناول أحداث من التاريخ أو في طريقة عَرْضِها.
وللدارسين الباحثين من القُدامى والمحدثين كلامٌ في جوهر الكتاب وفي ألفاظ منه، وكلام آخر في الظروف التي أنشأ فيها الكاتب كتابه تستحق أن تكون جزءاً من دراسة واسعة أُخرى عن النثر الفني عصرَي المرابطين والموحدين.
وأزيد أمراً آخر هو أنني لاحظت أثر أبي عبدالله بن أبي الخصال، الغافقي الأندلسي أحد كتّاب العصر السابق لابن الأبار في كتاباته وفي درر السمط أيضاً، وكان ابن أبي الخصال يعرف بـ (رئيس كتّاب الأندلس) وكانوا يحفظون رسائله حفظاً ويستظهرونها زيادة في الإعجاب بها والتأثر، والنسج على منوالها.
الدكتور محمد رضوان الداية
دَرْعَة
مدينة وولاية خصبة في جنوب المغرب الأقصى وراء جبال الأطلس، وتقع شرقي إقليم السوس ويخترقها نهر طويل يعرف بوادي درعة، يصب في المحيط الأطلسي بالقرب من رأس نون. وكانت ولاية درعة في العصور الوسطى الإسلامية محطة تجارية مزدهرة ولا سيما في واردات السودان من الذهب والفضة، كما كانت مركزاً علمياً اشتهر بعلمائه وزواياه، وناهيك بالزاوية الناصرية ومكتبتها الشهيرة، وإليها ينسب أبو زيد نصر بن علي بن محمد الدرعي، والفقيه أبو الحسن الدرعي.
وسكان درعة خليط من العرب وبربر صنهاجة وتسمى بالبربرية تبومتين، وتليها في الأهمية مدينة ورزازات.
والجدير بالذكر أن هذا الإقليم هو الموطن الأصلي لدولة السعديين في المغرب)[141](.
الدعاء
للدعاء في حياة الإنسان معنى الانفتاح على الله، والإقبال عليه في إحساس عميق بالحاجة إليه على أساس الفقر الذاتي المتمثل في عمق كيانه والعبودية التي توحي بانسحاق وجوده أمامه، وذوبان إرادته أمام إرادته…
وهو ـ في الوقت نفسه ـ عبادة حيّة متحركة لا تخضع لتقاليد العبادة فيما هو الزمان المحدود، والمكان المعين، والكلمات الخاصة والأفعال المحددة.. بل يأخذ الإنسان حريته ـ معها ـ في الوقت الذي يختاره وفي الحالة التي يكون عليها، وفي المكان الذي يقف فيه وفي الكلمات التي يختارها، وفي اللغة التي يتحدث بها، وفي المضمون الذي يعبر عنه.. فيستطيع أن يدعو ربه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وسائراً وواقفاً.. في الصباح وفي المساء، وفي الظهيرة. في قضاياه الصغيرة والكبيرة، وفي أحاسيسه الذاتية، ومشاعره المتصلة بالآخرين.
وقد يتمثل فيه الأسلوب الحيّ النابض بحركة الروح في الذات وانطلاقة العقل في الحياة، للقاء بالله، من دون حواجز ووسائط ليخاطبه بعفوية الإنسان الذي يثير المشاعر في الكلمات… حتى لا يحس بالكلمات إلا من خلال حركة الشعور في التنفس وليتحدث إليه ببساطة الروح التي تعرج.. وتعرج إلى ربها حتى تلتقي به كما لو كان حاضراً في حالة الشهود.. ولتعترف أمامه بكل الأسرار التي تنقلها، وبكل الأحاسيس المثيرة أو المخجلة، أو الخطيرة فيما لا تستطيع أن تفضي به إلى غيره.. لأنه هو المطّلع عليها دون الناظرين، والعارف بخفاياها دون العالمين.. فلا فضيحة فيما يخشاه الإنسان عن الفضيحة.. لأنه هو الذي يعلم السّر وأخفى.. وهو خير الساترين.. الذي يستر على الإنسان قبل الاعتراف فيما يعمله من سرّه.. وهو الذي يستر عليه.. بعد الاعتراف فيما يثيره من أمره..
وفي ضوء ذلك كله يعيش الإنسان في حديثه الدائم مع الله الجوّ الروحي الحميم الذي يوحي بالمحبة.. ويؤكد العلاقة.. ويحوّل التواصل الدائم بالله إلى ما يشبه الصداقة الروحية في تفاعلها مع إرادته وفي حركتها مع وسائل محبته، وفي إقبالها على مواقع طاعته والبعد عن معصيته.. فتتأكد في ذاته مشاعر الحضور الإلهي في عمق وعيه في هيمنته على الوجود كله.. وفي إحاطته بالحياة كلها.. حتى لينظر إلى الكون من خلاله.. كما ينظر إليه من خلال تعبير الكون عن عظمته وبذلك يفقد كل شيء حجمه معه.. فلا يدعو الله للكون .. لا تسمح بوجود أي حجاب بينه وبين خلق.. حتى يحتاج بعض خلقه إلى أن يجعل بعض خلقه وسيطاً بينه وبينه… وذلك فيما يخاطب به عباده في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
{فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
وهو في حركة الأساليب المتنوعة في مضمون الدعاء الانفتاح على العقيدة الإلهية في مفرداتها… الذي يستحضر كل صفات الله في وعيه.. ليتحدث عنها بطريقة إيحائية تحرك تفاصيل العقيدة في الروح لتعمق إحساسها بالله فيما يلتقي فيه الفكر والشعور مما يحقق لها الوضوح في الرؤية التي تجعل كل تفاصيل الوجود مظهراً حياً من مظاهر إرادته وقدرته وعظمته.. وسيطرة وجوده حتى يجتمع إليه الغيب المطلق الذي يتمثل فيه السمو الإلهي عن انكشاف حقيقته لأحد، فيما هو الذات.. وفيما هي الرؤية.. وفيما هي الحقيقة.. والشهود الحي.. فيما هو الإحساس بالحضور حتى كأنه يراه.. في خفقة قلبه، ونبضة روحه.. وإحساس وجوده وحركة حياته.. وفي عظمة الكون من حوله.. وهو بذلك يحمل الأسلوب العلمي الإيحائي، في تنمية الإيمان وزيادته وتطويره.. فلا مجال لأيّ اهتزاز أو قلقٍ أو حيرة معه، لأن الإنسان يجد في مفردات العقيدة في صفات الله جواباً على كل سؤال.. وانطلاقاً مع أكثر من أفق..
وقد يجد الإنسان في حركة الدعاء في المضمون العقيدي.. الحديث عن الرسالة والرسول.. في مسؤوليته أمام الرسالة.. وفي فهمه لحركة الرسول وشخصيته.. وعلاقته الروحية به.. ودوره الرسالي في حياة الناس بعيداً عما هو الاستغراق في ذاته.. لتكون المسألة في تحريك التفاصيل الجزئية من حياته.. فيما هو الدور المتحرك الحيّ في تبليغه للرسالة.. وفي تجسيده لمعانيها.. وفي تنفيذه لتعاليمها وفي إخلاصه لله من خلال ذلك كله.. فلا تحس بذاته إلا من خلال رسالته.. لتكون الرسالة هي النافذة التي تطل على جوانب شخصيته.. وليس العكس.. فلا يدخل الإنسان في عبادة الشخصية فيما يخاطبه أو فيما يتصوره من حياته.. مما يحقق التوازن في التصور وفي العقيدة.. بعيداً عن كل الاستغراق الفلسفي والعرفاني الذي يثير المسألة فيما يشبه الغياب فيما ستقرؤك به الكلمات الضبابية والأسرار غير المفهومة.. وهذا ما نجده في كل مفردات الدعاء المنقولة في تراث أهل البيت من الدعاء فيما يتصل بالحديث عن النبي محمد (ص).
وقد يلاحظ الإنسان في الدعاء أن به أكثر من حديث عن اليوم الآخر في استحضار الموقف بين يدي الله عندما يقوم الناس لرب العالمين في شمول الحساب ودقته، لكل عمل قام به الإنسان في حياته وفي حديث الجنة في نعيمها الخالد المتنوع الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. فيما أعده الله للمؤمنين المتقين وفي حديث النار وفي عقابها المقيم، فيما أعده الله للكافرين المتمردين. وينطلق لهاث الإنسان من أجل أن يصل في الدنيا إلى النتائج الإيجابية الكبيرة في الآخرة على مستوى المصير.. ويتصاعد الدعاء بأساليب متنوعة من أجل التعبير الروحي عن تمنياته الإنسانية في الحصول على رضا الله.. وعن اعترافاته الخاشعة بالذنوب التي قام بها في حياته، في رغبةٍ مخلصةٍ للتوصل إلى مغفرة الله ورضوانه. مما يجعل من الدعاء وسيلة تعبوية روحية في شخصية الإنسان بطريقة الإيحاء الذاتي بالأفكار والمعاني والمشاعر والتطلعات التي يثيرها الدعاء من خلال التفاصيل الكثيرة في حياة الإنسان.
وإذا درسنا التراث الكبير مما ترك لنا أئمة أهل البيت من الدعاء ولا سيما ما روي عن الإمام زين العابدين في أدعيته في الصحيفة السجادية، وفي غيرها، فسنرى هناك ثروة كبيرة من النماذج التي تثير مفاهيم الحياة الفردية والاجتماعية على المستوى الأخلاقي في الخطوط التفصيلية للأخلاق، أو على المستوى الروحي في التطلعات الواسعة إلى انطلاق الروح في رحاب الله، أو على المضمون الإيجابي الفاعل في حركة الزمن في وعي الإنسان.. وفي موقف الإنسان من الزمن… أو على العلاقات الإنسانية التي تعالج الخصوصيات التي تحكم علاقة الإنسان بالناس من حوله… كما تحدد مشاعرها تجاه الشخصيات الرسالية في فكره وعمله.. أو على الآفاق الكونية التي يستغرق فيها الإنسان في ظواهر الإبداع في الكون حيث يحس الإنسان بالتفاعل مع الكون من حوله في وحدة الخالق الذي يشرف على الخلق كله ليتكامل على الجميع في حركة إرادته الإلهية الحكيمة التي تنظم الكون بحكمة بالغة تتولى توزيع الأدوار في إقامة النظام على أفراد الخلق فيما يملكه كل واحدٍ منهم من إمكانيات..
مما يجعل من الدعاء حركة في سبيل تمديد المفاهيم الإسلامية في هذه المجالات.. وفي سبيل التربية الإسلامية في أجواء الإسلام الفكرية والعملية في جولة روحية تستوعب كل مواقعه ومفاهيمه ومناهجه وأساليبه.
وقد يفرض علينا ذلك أن نلاحظ وجود تركةٍ من نماذج الدعاء المتنوعة التي تنسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى الأنبياء السابقين.. كما نلاحظ وجود نماذج أخرى في كتب العلماء الذين ألّفوا الكثير منها بأسلوبهم الخاص، أو مما يروونه عن كتب أخرى لا تعرف هوية أصحابها.. بل يكشفون في الحديث عنها بوجودها في بعض الكتب العتيقة، أو القديمة.. ثم جاء جامعو الأدعية ليخلصوا بين ذلك كله.. ولينظموا أعمال الأيام والليالي والشهور فيما روي من ذلك كله..
ولم يكلف هؤلاء وغيرهم أنفسهم عناة في التدقيق في صحة نسبة هذه الأدعية إلى النبي محمد (ص). أو إلى الأنبياء من قبله (عليهم السلام) أو إلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، بل أطلقا نسبتها إليهم بطريق الرواية عنهم.. ما أدخل في وعي القارئين لها من المؤمنين، صحة النسبة.. وبذلك دخلت في تقاليد العبادة في حياة هؤلاء.. وتحوّلت في بعض المواقع إلى أسلوب مقدّس من أساليب التعبئة الجماهيرية فيما تريد أن تثير من مشاعر وأحاسيس وأفكار، أو تؤكد من حركة العقيدة في نفس المؤمن في تصوره لله. وللنبي.. وللأئمة.. وفي أسلوبه العملي في تربية هذه العلاقة. وفي اختزانه للمفاهيم العامة في مضامين هذه الأدعية..
وبذلك دخلت المسألة في دائرة الخطورة، فيما يمكن أن يدخل من خلالها من أفكار الانحراف.. أو أساليب الضلال، في وعي الأمة وحركتها في العقيدة والحياة.
وقد يعلّل هؤلاء المسألة، بأن الدعاء لا يمثل أساساً تشريعياً في مجال الاجتهاد الفقهي الذي يحدد مواقع الحلال والحرام، مما قد يفرض التدقيق في السند والمضمون لأن ذلك يعني سلامة التصور الفكري، والسلوك العملي، للإسلام في حياة الإنسان المسلم.. فيما يمثله الحلال والحرام من المضمون الداخلي للإسلام.. فلا أهمية للدعاء من ناحية علاقته بالتشريع.. بل كل ما هناك.. أنه يمثل أسلوباً من أساليب التعبئة الروحية في علاقة الإنسان بالله.. فيما يختزنه من مشاعر وأحاسيس تجاه ربه.. وفيما يثيره من أفكار واعترافات أمامه وفيما يتطلع إليه من تمنيات ومشاريع مستقبلية في حياته الفردية والجماعية في الدنيا والآخرة.. ولذلك فإن من الممكن أن يعبر عن ذلك بأي أسلوب.. وبأي نص.. حتى فيما يؤلفه لنفسه، تماماً، كما هي المشاعر الإنسانية الذاتية في علاقة الإنسان بالآخرين مما لا يحتاج إلى الدقة في النص الأدبي الذي يصورها ويثيرها في علاقات المحبّة الإنسانية.
ولكننا نلاحظ على ذلك.. أن الدعاء لا يمثل حالة شعورية في داخل الإنسان فيما يفكر فيه في حديثه مع الله.. وفي مناجاته له.. لتكون له الحرية في وسائل التعبير عنها.. وفي طبيعته المضمون الداخلي لها.. بل يمثل، إلى جانب ذلك، أسلوباً من أساليب إثارة المفاهيم الإسلامية في وعي الإنسان المؤمن.. وتحريك تفاصيلها العقيدية والأخلاقية والروحية والاجتماعية والسياسية في فكره وشعوره بالمستوى الذي يتحول فيه إلى أسلوب من أساليب الدعوة والتربية والتغيير في حركة الحياة من حوله فيأخذ نفس الدور الذي يأخذه النص القرآني، أو السنة النبوية أو الأحاديث الدينية الواردة من الأئمة فيما يتحدثون به عن وعيهم للرسالة الإسلامية.. لأنها تلتقي جميعاً في تحديد المفاهيم وتفصيلها وتحريكها في الوجدان الديني للإنسان.. مما يجعلها تتحول إلى نوع من الفتيا في قضايا العقيدة ومفاهيمها.. فيتطلب فيها الدقة في المصادر، تماماً كما يتطلب ذلك عند تحديد الرأي في الأبحاث العلمية الفكرية فيما تريد تأصيله من هذه المفاهيم لتصحيح نسبته إلى الإسلام..
وقد تكون المسألة في الدعاء أكثر خطورة من غيره، لأنه ينفذ إلى عمق الشعور الإنساني ليصعد إلى الفكر من خلال تأثيره على المنطقة الشعورية، بينما يحتاج الأسلوب العلمي إلى جهدٍ كبير حتى ينفذ إلى منطقة الإحساس والشعور.
وعلى ضوء ذلك.. فإننا ندعو إلى أن ينطلق البحث العلمي إلى أجواء الدعاء ليدرس السند الذي يربطه بالمصادر الإسلامية الأصلية المعصومة، ليكون ذلك أساساً لاعتباره سنداً إسلامياً للمفاهيم التي يتضمنها، وليدرس المضمون ليعرف انسجامه مع المفاهيم القطعية التي جاءه بها الكتاب والسنة المطهرة.. وليطرح الصحيح منه في ساحة التداول العملي للأمة في أجواء العبادة.. وليفسح المجال لما لم تصح نسبته إلى المصادر المعصومة إذا لم يكن فيه ما ينافي كلام الله والرسول..
وليمنع من التداول الجماهيري ما لم تثبت صحته في السند والمضمون، أو ما أشكل أمره فيما يمكن أن يسيء إلى التصور الإسلامي الأصيل.. لنحمي الإسلام والمسلمين من الانحراف من خلال الأجواء الروحية القدسية التي يثيرها الدعاء في الفكر والشعور.. فيدخل فيهما من دون وعي ولا شعور.
إننا نريد التأكيد على ذلك، كما نؤكد على دراسة الزيارات التي يزار بها النبي والأئمة والأولياء.. لأنها تحمل التصور التفصيلي للشخصية الإسلامية فيما يريد الإنسان المسلم أن يحمله في داخله من تفاصيلها وطبيعتها.. وموقعها من الله ودورها في حياة الإنسان.. مما يمكن أن يؤثر تأثيراً إيجابياً أو سلبياً في ثقافة الجماهير في الملامح العامة للشخصية الإسلامية التاريخية..
إنا نريد إثارة هذه الأفكار حول الأدعية والزيارات.. لأنها تمثل أسلوب الثقافة الشعبية الروحية العبادية.. التي تترك تأثيراتها على الحياة والواقع والإنسان.
وإننا ـ إذ نثير هذا الموضوع، فإننا نعتبره جزءاً من الدعوة إلى خطة علمية دراسية شاملة لتنقية التراث الإسلامي في كل نماذجه من الانحرافات الفكرية والروحية، على أساس القواعد العلمية في تنقية المصادر الإسلامية والاجتهادية. في العقيدة والتشريع.
دمشق
ـ 1 ـ
تقع دمشق في منخفض سلسلة جبال لبنان الداخلية. حيث تنبع مياه نهر بردى لتروي شبكة واحات لا يقل طولها عن ثلاثين كيلومتراً، مما مكّن هذه المدينة العريقة من لعب دور تاريخي منقطع النظير على مرّ العصور. ولا يقدرّ المرء أهمية هذا الموقع حتى يصل إلى إحدى النقاط المشرفة من على سفوح جبل قاسيون: فإذا نظر جنوباً وشرقاً وجد أن الصحراء الشاسعة تنحسر عند ضفاف بردى. وليس من قبيل الصدفة. والحال هذه، أن تكون دمشق قبلة قوافل المسافرين عبر الصحراء. وإذا نظر المرء من على قاسيون شمالاً وغرباً وجد جبال لبنان الداخلية الشاهقة التي تنتهي بجبل الشيخ (2814 متراً) والذي غالباً ما تغطي قمته الثلوج.
ورد ذكر مدينة دمشق للمرة الأولى في ألواح (ماري) الطينية. في حدود عام 2500 قبل الميلاد. ثم في وثائق (أيبلا). وتوطّن فيها العموريون في أوائل الألف الثانية قبل الميلاد. ثم سيطر عليها الفراعنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، إذ تأتي وثائق تل العمارنة على ذكرها أيضاً. وأقام فيها الآراميون إمارتهم المسماة آرام ـ دمشق عام 1200 قبل الميلاد والتي تصدّت لممالك إسرائيل ويهوذا المذكورة في التوراة. وفي عام 732 قبل الميلاد احتلها الآشوريون ثم البابليون عام 572 قبل الميلاد بإمرة نبوخذ نصر. بيد أن قورش ملك الفرس اجتاح بلاد الشام برمتها عام 539 قبل الميلاد في معرض مواجهته مع الإغريق.
واحتل الإسكندر المقدوني دمشق عام 332 قبل الميلاد وأرسى لها بعض الأسس التخطيطية. إلا أن الصراع الدائم بين السلوقيين والبطالمة أدّى إلى انحسار الهيمنة الإغريقية في القرن الأول للميلاد وأفضى إلى غزو الأنباط لهذه المدينة. وقد شيّدوا حيّاً جديداً إلى الشرق منها غير أن الرومان سارعوا إلى بسط حكمهم الذي امتد زهاء سبعة قرون على بلاد الشام ابتداءً من عام 64 قبل الميلاد. وقاموا بتطوير التخطيط الميداني للمدينة ـ الذي ورثوه عن الإغريق ـ وبتسويرها وبناء سبع أو ثماني بوابات ومد قنوات جرّ المياه من نهر بردى إلى البيوت والحمامات العامة. وفي القرن الرابع الميلادي أعاد الرومان بناء معبدهم الوثني الذي أصبح كاتدرائية النبي يحيى بعد تنصر الأمبراطورية الرومانية. والتي تحولت على يد المسلمين فيما بعد إلى المسجد الأموي.
دخلت مدينة دمشق مرحلة تاريخية زاهية عندما فتحها المسلمون عام 14هـ/635م بعد أن تغلّبوا على البيزنطيين في معركة اليرموك ناهين بذلك ألف عام من النفوذ الغربي. وبلغت دمشق أوج ازدهارها عام 661م. ويشهد على ذلك المسجد الأموي، إحدى روائع فن العمارة الإسلامية. وعمائر إسلامية أخرى.
وأشار العديد من رحّالة العصر إلى أن مساحة دمشق بعد ذلك كانت أوسع بكثير من مساحة باريس وفلورنسا. وأصبحت دمشق قبلة الفقهاء والفلاسفة والشعراء المسلمين من كل حدب وصوب. مما ساهم في تعدّد المدارس الإسلامية وتنوعها.
غير أن دمشق تعرّضت إلى موجات متتالية مدمرة حتى ظهور حكم المماليك الذين جعلوا منها عاصمتهم الثانية بعد القاهرة. حيث قاموا ببناء وترميم أكثر من أربعين عمارة إسلامية. ووسّعوها خارج نطاق السور الروماني القديم.
وضمّ العثمانيون سورية عام 1516م إلى ملكهم واعتنوا بدمشق بوصفها إحدى آخر المحطات للتزود بالماء والطعام في خط سير قوافل الحجاج القادمين من اسطنبول. وهي رحلة تستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أسابيع. وقام الولاة بتحسين البنية التحتية لدمشق. كما ارتبط الاهتمام المتزايد بالحج بتوسيع منطقة الميدان إلى الجنوب منها.
واستقلّت سورية عام 1946م حين كان تعداد سكان دمشق ثلاثمائة ألف نسمة. لكنها شهدت انفجاراً سكّانياً هائلاً منذ ذلك الوقت. إذ يربو تعداد سكانها اليوم عن ثلاثة ملايين نسمة. وتمّ استيعاب هذه الأعداد الضخمة بتوسيع المدينة من دون المساس بأبنيتها التاريخية.
ودمشق القديمة هي الواقعة ضمن السور، ويتميز النسيج العمراني للمدينة القديمة بكثافة البيوت وتلاصقها. وهي على الطراز العربي الإسلامي المتمثل بالساحات الوسطية المكشوفة التي تزينها الخضرة وبرك المياه. أما الأزقّة المؤدية لهذه البيوت فهي ضيقة في الغالب بحيث تتلامس الطوابق العليا للبيوت فيما بينها.
تنتشر في أرجاء المدينة القديمة. بالإضافة إلى بيوتاتها وأزقتها الجميلة، معالم تاريخية عريقة أبرزها الجامع الأموي وقلعة دمشق وسوق الحميدية وسوق مدحت باشا وسوق البزورية وبعض الأسواق الأخرى وقصر العظم والحمامات العامة كحمّام نور الدين والمدارس الدينية والمراقد الصغيرة والأضرحة والمقامات.
وتضم مدينة دمشق بقسميها القديم والجديد وضواحيها العديد من الجوامع والأضرحة والمقامات يعود تاريخها إلى عهود إسلامية مختلفة. أشهرها الجامع الأموي.
وتعتبر المدارس الدينية من معالم الحضارة الإسلامية في دمشق. ويعود تاريخها إلى عهود إسلامية مختلفة. ومن أشهرها المدرسة النورية الكبرى. والمدرسة الظاهرية الكبرى. والمدرسة الجقمقية، والمدرسة الرشيدية، والمدرسة السباهية، والمدرسة القليجية.
أما الصروح الثقافية والعلمية فأشهرها جامعة دمشق. ومكتبة الأسد الوطنية، والمكتبة الظاهرية إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي.
سوق الحميدية، دمشق
وتضم دمشق، خصوصاً القسم القديم منها، العديد من القصور والبيوت التراثية، التي تعد من روائع المباني الإسلامية في سوريا. ومن أشهرها: قصر العظم الواقع إلى الجنوب مباشرةً من الجامع الأموي (يشغل مبنى هذا القصر حالياً متحف للفنون والتقاليد الشعبية). وبيت خالد العظم، وبيت السباعي، وبيت جبري، وبيت نظام، وقصر النعسان.
وتشتهر هذه القصور والبيوت بساحاتها الداخلية الجميلة التي تزينها الأشجار المثمرة والزهور وبرك المياه البديعة. وتحيط بها صفوف من الغرف الكبيرة والصغيرة الموزعة على طابقين. وغالباً ما تكون شبابيكها وجدرانها مزينة بزخارف بديعة.
تقع في بداية سوق الحميدية عند الزاوية الشمالية الغربية من سور دمشق القديمة، ويعود بناؤها إلى العهد الأيوبي عام 1068م. وفي عام 1202م تهدمت ثم أعيد بناؤها.
أهم ما يميز قلعة دمشق أنها تقع على أرض منبسطة بخلاف القلاع التي عادة ما تبنى على مناطق مرتفعة. وكانت في حينها بمثابة مدينة صغيرة بحد ذاتها. إذ كانت تضم مكاتب إدارية وأسواقاً وحمامات ومسجداً وبيت المال والسجن.
وسوق الحميدية الذي يستمد اسمه من السلطان العثماني عبد الحميد. يُعدّ من أشهر الأسواق الشاملة وأهمها في مدينة دمشق. حيث يزدحم بالمشترين على مدار السنة. يمتد من قلعة دمشق وينتهي عند قوس النصر مقابل الباب الغربي للجامع الأموي ويبلغ طوله حوالي 600 متر، أما عرضه فيبلغ حوالي 15 متراً. وارتفاع سقفه المعدني المقوس حوالي 10 أمتار وتصطف على جانبيه مئات المحلات التجارية.
ويتفرع من سوق الحميدية العديد من الأسواق الفرعية بعضها يمتد جنوباً ويتصل بسوق مدحت باشا الشهير أيضاً. كسوق الحرير، وسوق الأروام، والبعض الآخر يمتد شمالاً، كسوق نصري، وسوق العصرونية الخاص باللوازم المنزلية. وسوق المسكية لبيع الكتب، وسوق البورص، وسوق مردم بك، وسوق الجرابات، وسوق باب البريد. وسوق الصاغة، وسوق القباقبية، وسوق الأقمشة والنسيج.
أما سوق البزورية الّذي تباع فيه التوابل والأعشاب الطبية والبزورات (المكسرات) فيعتبر من الأسواق الشهيرة أيضاً وهو الذي يصل سوق مدحت باشا بالجامع الأموي. وفي منتصفه تقريباً يقع خان أسعد باشا الذي يعتبر من أجمل الخانات في سورية.
ومن الأسواق الأخرى القديمة المعروفة في دمشق: سوق باب سريجة، وسوق باب الجابية، وسوق باب مصلى، وسوق باب توما، وسوق الجمعة وسوق العتيق، وسوق الدرويشية، وسوق النحاسين، وسوق الحدادين. يضاف إلى هذه الأسواق القديمة أسواق حديثة مشهورة أيضاً تنتشر في شوارع دمشق. مثل: سوق الصالحية، وسوق شارع الحمراء، وسوق شارع العابد، وسوق الصاغة في المرجة، وسوق الخجا في شارع الثورة وغيرها.
سوق دمشقية
وتنتشر في أحياء مدينة دمشق، خصوصاً القديمة، العديد من الحمامات الشعبية العريقة التي ما زال بعض أهالي المدينة يرتادها. ومن أكثرها شهرة حمام نور الدين الواقع في سوق البزورية. وحمام الورد في سوق ساروجه. وحمام الملك الظاهر قرب المكتبة الظاهرية. وحمام الرفاعي في حي الميدان، وحمام التيروزي في باب سريجة، وحمام الخانجي قرب سوق الهال القديم، وحمام السلسلة قرب متحف الخط العربي.
وتضم دمشق العديد من المتاحف المتخصصة من أهمها: المتحف الوطني ويقع غربي التكية السليمانية، والمتحف الحربي ويقع مقابل المتحف الوطني من جهة الشرق، والمتحف التاريخي في شارع سوق ساروجة، ومتحف الطب والعلوم عند العرب ويشغل مبنى البيمارستان النوري الكائن جنوبي وسط سوق الحميدية، ومتحف التقاليد العشبية ويشغل مبنى قصر العظم، والمتحف الزراعي ويقع في شارع الحلبوني، ومتحف الخط العربي ويشغل مبنى المدرسة الجقمقية المملوكية، ومتحف المالكي ويقع في ساحة المالكي، وأخيراً التكية السليمانية وتضم الجامع والمدرسة والمتحف الحربي وسوق المصنوعات اليدوية.
بالإضافة إلى المعالم التاريخية، فإن المدينة والمناطق المحيطة بها تضم العديد من المواقع الجميلة. التي تُعدّ أماكن للاصطياف والاستجمام للسوريين والعرب. ومن أشهر هذه المناطق: الزبداني، وبلودان، ومضايا، وبقين، وتمتاز باعتدال مناخها صيفاً ونقاء هوائها، ووفرة نباتاتها وطيب فاكهتها وعذوبة مياهها التي تنبع من عشرات الينابيع.
ومن المواقع السياحية الجميلة الأخرى في ضواحي دمشق: عين الخضراء، وعين الفيجة، ومنطقة الربوة. أما منطقة الغوطة فتعد من المناطق الرائعة ببساتينها وأشجارها المثمرة وغيرها من الأشجار الباسقة بجمالها وظلها.
ومن المناطق الرائعة في دمشق سفح جبل قاسيون المطل على المدينة ويؤدي إليه طريق اسفلتي. وعند أعلى الجبل تتراىء دمشق وبساتين الغوطة بأبهى صورها وجمالها.
د. رؤوف الأنصاري
دمشق
ـ 2 ـ
أقدم ما نعرفه عن تاريخ دمشق يوم كانت عاصمة دولة صغيرة للآراميين)[142](.
والآراميون شعب قديم من تلك الشعوب التي خرجت من الجزيرة العربية على موجات متلاحقة، باحثة عن المجال الحيوي في بادية الشام وأطراف الهلال الخصيب. ثم كانت تتسرب منها إلى السهول والوديان في سورية وبلاد الرافدين. ولقد تعارف العلماء على تسميتهم بالشعوب السامية.
كذلك كان شأن الشعب الآرامي في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد حين راح يؤسس دويلات انتظمت سورية الداخلية من الشمال إلى الجنوب، وكانت دولة دمشق أقوى هذه الدول وأشهرها)[143](.
وتظهر دمشق على مسرح الأحداث، في منطقة الشرق القديم، لأول مرة في التاريخ مع بداية العهد الآرامي، ثم تأخذ مكانتها فيه تزداد أهمية يوماً بعد يوم. وإذا كانت أخبار دمشق قبل العهد الآرامي ما تزال ضئيلة، فليس معنى ذلك أنها وجدت فجأة في هذا العهد)[144](، إذ لا بد أن تكون قد مرت كغيرها من المدن السورية بمرحلة طويلة من النمو والتطور، ولا بد أنها جذبت الإنسان الأول للإقامة على أرضها التي تتوفر فيها كل أسباب الحياة، من تربة خصبة ومياه غزيرة وإقليم معتدل وموقع ممتاز. فوجودها إذاً قبل العهد الآرامي كان حقيقة واقعة تؤيدها الوثائق الفرعونية التي عثر عليها في تل العمارنة. فلقد ورد اسمها كثيراً في هذه الوثائق في عدد المدن التي فتحها تحوتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والطريف في الأمر أن اسمها في هذه الوثائق ورد هكذا: «دمشقاً»)[145](، وهو اسم لا يختلف مع ما ورد في التوراة والوثائق الآشورية. غير أن الآراميين أطلقوا عليها اسم «دار ميسيق» التي تعني كما رأى بعض العلماء)[146](، الأرض المسقية، أو الدار المسقية، المعنى الذي يتفق مع الواقع أكثر من أي تفسير آخر من التفاسير الكثيرة التي اجتهد المؤرخون العرب ومَن قبلهم في استخراجها. ثم حور اليونان والرومان اسم دمشق إلى «داماسكس» بينما احتفظ العرب بالتسمية الأولى فأطلقوا عليها اسم «دمشق». ومن أهم ما نعرفه من أخبار دمشق الآرامية نزاعها وحروبها الدائمة مع مملكة إسرائيل، وكيف أنها أصبحت أكثر منها قوة وغلبة بعد عهد النبي داود وسليمان من بعده، حتى اضطر ملوك إسرائيل مراراً إلى دفع جزية من الذهب والفضة لإرضاء ملوك دمشق، وكانوا يتقيدون بما يشترطه هؤلاء عليهم من تخفيض لقواتهم العسكرية واستعداداهم الحربي. وكانت دمشق على علاقات صداقة مع الدول الآرامية في الشمال، وكانت في الغالب زعيمة الأحلاف التي ألّفتها هذه الدويلات للوقوف أمام الغزو الآشوري. ثم تشتبك دولة دمشق مع الآشوريين في معارك عديدة، وتسقط أخيراً بأيديهم، وتحتلها جيوش «تغلات فلازار الثالث» في عام 734ق.م. فتفقد دمشق بهذا الاحتلال استقلالها وتبقى خلال عدة قرون خاضعة للحكم الأجنبي.
وتنتقل في القرن السابع من أيدي الآشوريين إلى الكلدانيين، ثم يحتلها الفرس حوالي عام 538ق.م. ويتخذون منها عاصمة الولاية السورية ومقر القيادة العسكرية الفارسية. ويعتبر عام 333 ق.م. نقطة تحول في تاريخ دمشق كما سنرى.
دمشق في العهود
اليونانية ـ الرومانية ـ البيزنطية
بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن السابع بعده، مع وصول جيوش الإسكندر المقدوني إلى سورية، ينتهي الحكم الفارسي فيها، ويرتبط مصير دمشق بالغرب لفترة تدوم عشرة قرون، كانت فيها دمشق تابعة للسلوقيين، ثم للرومان، ثم للبيزنطيين. وتفقد دمشق أهميتها السياسية في هذه الحقبة الطويلة من الزمن فيتحول النشاط السياسي عنها إلى أنطاكية عاصمة الدولة الهلنستية السلوقية، ثم عاصمة مقاطعة المشرق في العهدين الروماني والبيزنطي.
وتميزت فترة الحكم الهلنستي من الناحية السياسية بالصراع الذي نشأ بين خلفاء الإسكندر إثر وفاته وتجزؤ أمبراطوريته الواسعة. وقد حرم هذا الصراع دمشق الاستقرار، وتناوبت عليها جيوش الاحتلال لتجعلها تابعة لأنطاكية السلوقيين تارة، ولإسكندرية الباطلسة تارة أخرى.وعني السلوقيون مع ذلك بدمشق واتخذوها لعدة سنوات من القرن الثالث قبل الميلاد عاصمة الدولة «سورية» التي تجاوزت حدودها وقتئذ بلاد الفرس.
ويحدث في عهدهم تمازج ثقافي وحضاري بين سكان دمشق ذوي الحضارة العريقة، وبين الجالية اليونانية التي حملت معها من الوطن الأم، الثقافة الهيلينية الخصبة، وسرعان ما انتشرت في دمشق لغة اليونان وفنونهم ومعتقداتهم.
وينتهي النفوذ اليوناني بدخول (پومپه Pompee)، القائد الروماني، دمشق فاتحاً عام أربعة وستين قبل الميلاد. وقبل هذا التاريخ كان الأنباط ـ كقوة وطنية جديدة ـ قد ظهروا على مسرح الأحداث في المنطقة وأزعجوا السلوقيين، كما سيزعجون الرومان أيضاً وقد تمكّنوا من إقامة دولة عربية في الأردن وحوران واتخذوا «البتراء» عاصمة لهم، ونجحوا في مد سلطانهم إلى دمشق وضمها إلى دولتهم مرتين، الأولى في عام خمسة وثمانين ق.م. في عهد ملكهم الحارث الثالث، والثانية في عام سبعة وثلاثين بعد الميلاد، في أيام الحارث الرابع.
وتفيد دمشق من تبعيتها للأمبراطورية الرومانية ومن السلام والاستقرار الذين توفرا في عهدها، فتنشط حركة التجارة التي كانت تصرِّفها دمشق بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها في طريق القوافل، وامتداد رقعة الأمبراطورية الرومانية. وينعكس أثر الازدهار الاقتصادي على تطور المدينة العمراني، فتشيد من جديد، وتقام فيها المباني الفخمة، وتغدو في عهد الأمبراطور «ديو كلسيان» مركزاً عسكرياً لجيوش الأمبراطورية له أهميته في النزاع مع دولة الفرس. رفع الأباطرة الرومان من مكانتها، فأصبحت في عهد «هادريان» من أمهات المدن، وحصلت على لقب «ميتروبول» أي مدينة رئيسية، ثم على لقب (مستعمرة رومانية) أيام الأمبراطور «سيبنيم سيفير» المنحدر من أصل سوري، الأمر الذي أكسبها بعض الامتيازات. ولم يكن موقف دمشق سلبياً في العهد الروماني بل أسهم سكانها في الحياة الرومانية في شتى الميادين الحضارية، فكان منهم مهندسون عرف التاريخ منهم واحداً يدعى «أبو لودور الدمشقي»، الذي وصلت شهرته إلى روما في مطلع القرن الثاني، وقام ببناء بعض أوابدها الشهيرة مثل (فوروم تراجان) في روما، والجسر العظيم على نهر الدانوب.
وعند ظهور المسيحية نرى دمشق لا تقف بمعزل عن هذا الحدث التاريخي العام الذي انتشر صداه سريعاً، بل أصبح للدين الجديد فيها أتباع ومريدون يذودون عنه ويخلصون له. وقدَّمت دمشق في الفترة العصيبة من نشوء هذه الديانة شهداء وعرفت قديسين مشهورين كالنبي يحيى والقديسين حنانيا وبولس الذين تحفظ لهم دمشق ذكريات باقية إلى اليوم. ويقول «دوسو»)[147]( المستشرق الفرنسي الكبير إن اضطهاد المسيحيين لم يكن على يد الوثنيين بل كان على يد اليهود الذين أحرقوا وقتئذٍ كنيستي النصارى في دمشق.
وفي أواخر القرن الرابع الميلادي تنقسم الأمبراطورية الرومانية، وتصبح دمشق مع سورية في عداد أملاك الدولة الشرقية، التي اتخذت القسطنطينية عاصمة لها، وأصبحت تعرف باسم الدولة البيزنطية.
ومن الطبيعي أن ترث هذه الدولة النزاع مع الفرس الساسانيين، الأمر الذي جعل من دمشق أحد المراكز العسكرية الهامة. وتكل الدول أمر الدفاع عن سورية إلى الغساسنة العرب القاطنين في دمشق وضواحيها وفي حوران والبادية. وتكون الحروب سجالاً، وينتصر الساسانيون أحياناً فيحتلون سورية. وفعلاً فقد دخلوا دمشق في عام 612م أيام «كسرى الثاني» فبقيت بأيديهم خمسة عشر عاماً. ثم ينتصر عليهم «هرقل» ويخرجهم منها في عام 627م.
(من 661 إلى 750 للميلاد)
وبعد سنوات قلائل أي في عام 635م (14 للهجرة) ترى دمشق نفسها محاصرة من جديد، ولكنها في هذه المرة أمام كتائب عربية تحمل الدين الجديد الذي ظهر في الحجاز، وقد وصلت تقرع أبواب دمشق معلنة الحدث التاريخي العظيم، فاحتل أبو عبيدة نصفها الغربي صلحاً واحتل خالد نصفها الشرقي عنوة.
دمشق
ـ 3 ـ
عاصمة الجمهورية العربية السورية تعلو 2230 قدم أو نحو 691 متراً عن سطح البحر المتوسط وتبعد عنه نحو 100 كيلومتر. وأطلق عليها اسم جلق قال حسان بن ثابت:
للَّه در عصابة نادمتهم
يوماً بجلق في الزمان الأول
وقالوا إن إرم ذات العماد التي وردت في القرآن هي دمشق، وبعض المفسرين يذهبون إلى ذلك وإياها عنى البحتري بقوله:
إليك رحلن العيس من أرض بابل
يجوز بها سمت الدبور ويهتدي
فكم جزعت من وهد بعد وهدة
وكم قطعت من فدفد بعد فدفد
طلبتك من أم العراق نوازعاً
بنا وقصور الشام منك بمرصد
إلى أرم ذات العماد وإنها
لموضع قصدي موجفاً وتعمدي
وسماها بعضهم بجيرون.
دمشق بكسر الدال وفتح الميم وإسكان الشين، وقالوا: إن دمشق لفظة آرامية مماثلة (مشق) تتقدمها دال النسبة. وقد وردت في اللغة الهيروغليفية على هذا النحو تقريباً ومعناها الأرض المزهرة أو الحديقة الغنّاء. وأطلق الآراميون عليها اسم (درمسوق) وأهل لغة التلمود (درمسقين).
قامت في نجد من الأرض. ومعدل ما تجود به سماؤها من المطر كل سنة نحو 350 ملليمتراً. وهي تقع في عرض 36,18 درجة من الطول و20 ,33 درجة من العرض. يطل عليها من الشمال جبل قاسيون وهو فرع من فروع جبل سنير الذي يطلق على بعضه اليوم اسم جبل قلمون ويشرف عليها من الجنوب الجبل الأسود، وجبل مانع، ومن الغرب جبل الشيخ المعروف بحرمون في التوراة وبجبل الثلج عند قدماء العرب. وغربها مفتوح وكذلك شرقها فهي سهلية جبلية، ومعتدلة الهواء تأخذ الفصول الأربعة فيها حكمها، وقد تنزل درجة الحرارة في الشتاء إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصفر وتصعد فيها أيام الصيف إلى نحو 37 درجة.
وكانت دمشق لقربها من جزيرة العرب والعراق والجزيرة ومصر مدينة تجارية تصل بين الشرق والغرب. وظلت عامرة على اختلاف العصور نحو أربعة آلاف سنة. فهي أقدم مدينة في العالم باقية على عمرانها.
استولى الآشوريون والبابليون والفرس والأرمن واليونان والرومان على هذه المدينة. ومنهم من كانت تطول أيامهم فيها كالرومان، حكموها سبعمائة سنة، واليونان حكموها 269 سنة. ومنهم من كانت لهم منزل قلعة كالأرمن، استولوا عليها ثماني عشرة سنة. وكان الدمشقيون هم الذين استدعوا صاحب أرمينية لما سئموا تنازع الرومان والفراعنة عليها. والغالب أن الفراعنة لم يستولوا على دمشق واكتفوا بالاستيلاء على ساحلها غير مرة. ووقعت في أيدي اسكندر المقدوني ثم في أيدي خلفائه السلوقيين، وفي أيامهم كانت دمشق هيلينية يونانية كما كانت في عصور كثيرة سريانية آرامية.
وسقطت دمشق في أيدي دولة النبطيين في سنة 85 قبل الميلاد، فتحها الحارث النبطي فكانت نبطية من سنة 38 إلى سنة 54 للمسيح. وظهر النفوذ العربي في دمشق في عهد مبكر جداً، وهل النبط إلا عرب بأصولهم؟ وإذ كانت هذه المدينة تحت سلطان أهل الوبر لم يجعل منها الرومان عاصمة ولايتهم بل جعلوا مدينة حمص قصبتهم. ولم تخضع دمشق خضوعاً تاماً لأمراء العرب الحاكمين في أرجائها، حتى ولا للغسانيين الذين كانوا عمالاً للروم يرابطون في الجنوب والشمال والشرق فتتقي دمشق بهم عادية الأعراب.
ولنا بذلك أن نقول إن اللغة العربية انتشرت في دمشق وأرجائها قبل الفتح الإسلامي بزمن طويل وسبق إلى نشرها الوثنيون من العرب ثم متنصرة العرب.
وتولى فتح دمشق كل من أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان حاصروها بعد وقعة اليرموك أعظم وقائع العرب في الشام، من الشرق والغرب، ففتح نصفها عنوة والنصف الآخر صلحاً فأجراها عمر بن الخطاب صلحاً كلها، وذلك سنة 14 من الهجرة، 636م.
وكان أول من اقتطع جزءاً عظيماً من جسم الخلافة العباسية أحمد بن طولون التركي. استولى على مصر نائباً عن أحد أمراء الأتراك في بغداد أولاً، ثم صفت له أصالة واستولى على الشام، وكان حكمه فيها وفي الثغور ضئيلاً، وسده إلى بعض العمال الذين ارتضاهم. ولما هلك ابن طولون، خلفه ابنه خمارويه في الشام ومصر. ولما انقرضت دولة الطولونيين سنة 292 وقضى العباسيون على القرامطة الذين جاؤوا دمشق. ظهرت الدولة الإخشيدية دولة محمد بن طغج، فصادر الإخشيد أغنياء دمشق، واستصفى أموالهم.
ثم سافر الإخشيد إلى دمشق فمات فيها سنة 334هـ. وفي السنة التي قبلها كان سيف الدولة بن حمدان استولى على حلب ودخل دمشق ودهش بغوطتها فصرَّح بأنه سيستولي عليها جملة. فكتب أهلها إلى المتغلب على مصر كافور الإخشيدي فبعث جيشاً أخرجه منها وضمها إلى مصر. وآذنت شمس الإخشيديين بالأفول سنة 357هـ. وجاءت دولة الفاطميين فاستولت على هذه المدينة سنة 359هـ وخطب على منبرها للمعز الفاطمي وانقطعت خطبة بني العباس.
وجاء أتسز من أمراء السلجوقيين واستولى على المدينة، وأعاد إليها الخطبة العباسية سنة 468هـ، وانقطعت أيام الفاطميين فيها. ثم جاءها رجل من مماليك السلجوقيين اسمه طغتكين. واستمر في حكمها من سنة 497 إلى سنة 522هـ. واستولوا على أنطاكية وعلى الساحل الشامي وبيت المقدس. وحاول الصليبيون الاستيلاء على دمشق، وقد وصلوا مرة إلى المرج الأخضر من ضواحي دمشق بقيادة كونراد الألماني ولويز السابع الفرنسي وبودوين الثالث ملك القدس في جيش عظيم فهزمهم المسلمون شر هزيمة ودفعوهم إلى الساحل ثم أصبحت دمشق عاصمة نور الدين محمود وعاصمة صلاح الدين وغيره من الأيوبيين.
بويع الملك الظاهر بيبرس البندقداري ملكاً على مصر والشام بعد أن قتل تورانشاه آخر الأيوبيين سنة 647هـ ولقّب الملك الظاهر، وهو رأس دولة المماليك البحرية. وجاء جماعة هولاكو إلى دمشق بعد تخريبهم بغداد والقضاء على الخلافة العباسية فيها سنة 656هـ. وفي السنة التالية خرّب هولاكو حلب وأوقع بها، وأنفذت دمشق مفاتيحها إلى هولاكو.
واستولى السلطان سليم الأول العثماني على دمشق سنة 922هـ. بعد وقعة مرج دابق التي قتل فيها قانصوه الغوري آخر ملوك المماليك.
المسجد الأموي في الوسط 1870م
ولما رحل السلطان سليم بعد فتحه مصر خلا الجو لنائبه جان بردي الغزالي فخرج عن الطاعة وسمى نفسه بالملك الأشرف، وخطب له على المنابر، ثم أرسلت الدولة العثمانية جيشاً قضى عليه.
واستولى إبراهيم باشا بن محمد علي باشا على دمشق، وقد رأى الدماشقة إدارته أحسن من الإدارة التي عهدوها من العثمانيين، وكان من أول أعمال المصريين ترتيب المجالس الملكية والعسكرية وإقامة مجلس الشورى، وترتيب المالية ووضع نظام للجباية، ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل. ودام حكمه في الشام تسع سنين.
وفتح الجيش العربي مدينة دمشق أواخر الحرب العالمية وتولى الأمير فيصل بن الحسين حكمها، ووضع فيها أساس الحكومة العربية. وكان قد وقع الاتفاق بين الحلفاء على تقسيم الديار الشامية، فكانت فلسطين وغرب الأردن من حصة بريطانية، وسورية ولبنان من نصيب فرنسا.
وفي عهد الأمير فيصل التأم مؤتمر من نواب الديار الشامية (فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية) في مدينة دمشق وقرروا فيه المناداة بالأمير فيصل ملكاً على هذه البلاد، فلم يرق الحكومتين المنتدبتين عمل المؤتمر، وطلبت فرنسا دخول جيشها إلى الأرض السورية فمانعت حكومة فيصل، فدخل الجيش الفرنسي دمشق عنوة بعد وقعة في ميسلون مع قوة قليلة من الجيش العربي والمتحمسين من الأهلين.
وظل الفرنسيون في دمشق وسوريا كلها حتى الحرب العالمية الثانية التي كان من نتائجها استقلال سوريا وجلاء الفرنسيين.
أهم مساجد دمشق
الجامع الأموي
يقع الجامع الأموي في قلب مدينة دمشق القديمة، ويعد من أهم المنشآت المعمارية الهامة في الحضارة الإسلامية. ومن المؤكد أن أرض الجامع كانت مخصصة للعبادة منذ مئات السنين، فكان يقوم في المكان نفسه معبد «للإله حدد الآرامي» وذلك في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وفي العصر الروماني بني «معبد للإله جوبتر» على إنقاض معبد حدد الآرامي. وبعد انتصار المسيحية على الوثنية، أنشأ الأمبراطور تيودوسيوس كنيسة داخل المعبد على اسم القديس يوحنا المعمدان. وبعد الفتح الإسلامي عام 14هـ/ 635م، اقتسم المسلمون هذا المعبد الكبير مع المسيحيين ليقيموا الصلوات فيه، وأقام المسلمون مسجدهم مستقلاً عن بناء الكنيسة يجمعهما سور المعبد. وبقي المسلمون والمسيحيون يؤدون فرائض دينهم متجاورين حوالي سبعين عاماً حتى 86هـ/ 705م، حيث جرت المفاوضات مع الرعايا المسيحيين لكي يتنازلوا بالعدل والرضا والطرق المشروعة عن نصف المعبد الذي أقاموا عليه كنيستهم، وتم ذلك مقابل بناء كنائس جديدة في أماكن مختلفة من مدينة دمشق. وقد هدم بناء الكنيسة وكل ما كان داخل جدران المعبد من منشآت رومانية وبيزنطية، وشيد الجامع وفق مخطط مبتكر، يتلاءم مع شعائر الدين الإسلامي وأغراض الحياة العامة. فجاء فريداً في هندسته. وقد شيّدت المساجد الكبرى في العالم الإسلامي فيما بعد على نسقه، وظل المعماريون
يستوحون منه قروناً طويلة.
استغرق بناء الجامع الأموي قرابة عشر سنين، بدءاً من ذي الحجة عام 86هـ/ 705م، وقد جُنّد خلالها عدد ضخم من البنَّائين والمهندسين حتى كان فتنة للناظرين، ووضعت على نسقه هندسة الجوامع الكبرى في العالم. وقد حافظ على عظمة بنائه وروعة زخارفه قرابة ثلاثة قرون ونصف، ثم تعرض بعد ذلك للحرائق والزلازل، وكان في كل مرة يصاب فيها بجهة من جهاته يفقد شيئاً من بهائه ورونقه، حتى صار إلى ما هو عليه الآن.
احترق الجامع أول مرة عام 461هـ/ 1068م، وفي عام 562هـ/ 1166م احترق الباب الشرقي، ثم أصابه حريق عام 570هـ/ 1174م امتد إليه من الكلاّسة، فأصاب مئذنته الشمالية. وفي عام 645هـ/ 1247م أتى الحريق على القسم الشرقي من الحرم والمئذنة الشرقية.
وعندما هاجم تيمورلنك دمشق عام 804هـ/ 1401م، نصبت الآلات الحربية في صحن الجامع لمهاجمة القلعة، فلحق به حريق وتخريب. وفي عام 884هـ/ 1479م شب حريق في الجامع، أتى على المئذنة الغربية وباب الزيادة والباب الغربي والرواق الشمالي حتى الكلاسة. وكان آخر حريق له عام 1311هـ/1893م في أواخر الحكم العثماني، تهدم فيه حرم الجامع الداخلي.
أمَّا الزلازل فكانت كثيرة، أشدها حدثت في أعوام 552هـ/ 1157م، 597هـ/ 1200م، 1173هـ/ 1759م. وكان يتلو هذه الحرائق والزلازل دوماً إعادة تشييد وبناء، ومحاولة إعادة الزخارف إلى ما كانت عليه.
وقد أشار المؤرخون إلى سلسلة الترميمات وإعادة البناء عقب الكوارث التي أصابت الجامع، وقد خلد ذكرى ترميم عامي 475 ـ 476هـ/ 1082 ـ 1083م لوحان كتابيان محفوظان في المتحف الوطني بدمشق، وبفضل الجهود التي بذلت من أجل ترميم وإصلاح ما تهدم منه، بقي الجامع أثراً خالداً للحضارة الإسلامية.
يشكل الجامع مستطيلاً بطول 156م وعرض 97م. له صحن واسع. وتقوم من حول جهاته الثلاث أروقة محمولة على أقواس مستديرة. أما طرفه الرابع فمشيد عليه جدار الحرم الذي يبلغ طوله 139م وعرضه 37م وللجامع أربعة أبواب. الباب الغربي يسمى باب البريد، ويتألف من ثلاثة مداخل، صفحت درفاته بالنحاس في العهد المملوكي بالقرن الخامس عشر. الباب الشمالي: ويسمى باب الفراديس، ويطلق عليه اليوم باب العمارة تعلوه كتابة كوفية مزهرة من العهد السلجوقي. الباب الشرقي: يعرف بباب جيرون ويسمى باب النوفرة أيضاً، وهو محافظ على وضعه الأول. باب الزيادة: وهو الباب المفتوح من الجهة الجنوبية من الحرم.
وأهم ما يلفت النظر في صحن الجامع قبلة الخزنة، التي بنيت لوضع أموال المسلمين فيها، شكلها مثمن قائمة على ثمانية أعمدة كورنثية الطراز، جميلة التيجان، زينت بالفسيفساء وما زال بعض أجزاء منها ماثلاً حتى اليوم. وصفها ابن جبير فقال: إن فسيفساء قبة الخزنة المتعددة الألوان أجمل من حديقة غناء.
أما الحرم فيبلغ طوله 139م وعرضه 37م، ويقسمه إلى قسمين متساويين رواق قاطع ممتد من الشمال إلى الجنوب، وتقوم في وسط الحرم قبة كبيرة اسمها قبة النسر، ترتفع قرابة 36م، محمولة على أربعة عصائد كبيرة فوقها رقبة مثمنة مزودة بالنوافذ، وتغطي الحرم ثلاثة سقوف سنامية الشكل (جملونات) من الخشب، تمتد من الشرق إلى الغرب يقطعها في وسطها سقف الرواق القاطع الذي يعترضها. وأهم ما يلفت النظر داخل الحرم المحاريب الأربعة، ثلاثة منها قديمة وواحد حديث. ففي الطرف الشرقي، المحراب المالكي، ثم يليه المحراب الحنفي وهو المحراب الحديث، وفي أقصى الطرف الغربي المحراف الحنبلي ويليه المحراب الشافعي. ويعد المحراب الحنفي المزين بالرخام والصدف والمرمر في غاية الإبداع والجمال. ويقوم ضريح مهيب من الرخام في الطرف الشرقي من الحرم للنبي يحيى (عليه السلام).
مأذنة قايتباي 1880م
أما عن مآذن المسجد فهي ثلاث: مئذنة العروس، وتقوم في وسط الرواق الشمالي، وقد أنشئت في عصر مليك شاه بين سنتي 570 ـ 580هـ / 1174 ـ 1184م، ويعود قسمها السفلي إلى عهد الوليد بن عبدالملك، ثم مئذنة عيسى وتقوم في الزاوية الجنوبية الشرقية، وقد شيّدت فوق برج المعبد القديم، واحترقت وتهدمت مرات عديدة، ويرجع بناء قسمها السفلي للعهد المملوكي، وقسمها العلوي إلى العهد العثماني. والمئذنة الغربية وهي تقع في الزاوية الجنوبية الغربية وأقيمت أيضاً فوق برج قديم وجددت في السنوات 580هـ/ 1184م، 803هـ/ 1400م، 893هـ/ 1488م. وتشير الكتابة المنقوشة عليها إلى أنها قد تجددت بعد الحريق الذي أصابها عام 884هـ/ 1479م، وتم ذلك في عهد السلطان قايتباي عام 893هـ/ 1488م. وتعد المئذنة الغربية أجمل المآذن الثلاث.
جامع الحنابلة
وقد زينت جدران وأروقة وأقواس الجامع الأموي بالفسيفساء الجميلة، وتتألف ألواح الفسيفساء هذه من فصوص صغيرة على شكل مكعبات من الزجاج الملون والمذهب وقطع من الصدف، رصفت هذه الأجزاء الصغيرة إلى جانب بعضها البعض مؤلفة مواضيع زخرفية متناسقة على غاية من الدقة والإتقان. وتعتبر ألواح الفسيفساء في الجامع الأموي من أجمل وأهم الثروات الفنية الإسلامية في سوريا.
جامع الحنابلة
يقع في حي الصالحية بدمشق، ويعد من أهم المساجد الأيوبية، وقد دعا لبناء هذا المسجد الشيخ أبو عمر بن قدامة المقدسي أحد أئمة المقادسة في القرن السادس الهجري، وتولى الإنفاق عليه أبو داود محاسن الفامي عام 598هـ/ 1201م، لكن أمواله لم تعد كافية، فأخبر الأمير مظفر الدين كوكبوري ابن علي بن بكتكين صاحب أربل بوضع الجامع، فأرسل ثلاثة آلاف دينار أتابكية لإتمام العمارة، وما تبقى تشتري به الأوقاف وتوقف عليه.
وعرف الجامع بعدة أسماء أهمها: الجامع المظفري: نسبة إلى مظفر الدين كوكبوري. وجامع الجبل: سمي بهذا الاسم لأنه في مصاعد جبل قاسيون. وجامع الحنابلة: لأنه مختص بالحنابلة في الوقت، لأن المقادسة الذين أسسوا بناءه كانوا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ثم جامع الصالحين: نسبة لصلاح المقادسة مؤسسيه الذين سميت بهم أيضاً الصالحية.
وقد قصد بمسقط جامع الحنابلة وتخطيطه محاكاة مسقط الجامع الأموي بدمشق. وأهم ما يمتاز به الجامع محرابه الرائع الذي يعد من أندر المحاريب في نقوشه وجماله. وكان للجامع مئذنتان، لم يبق منهما حالياً سوى واحدة، تقع في آخر الرواق الشمالي، وعلى عتبة مدخل المئذنة كتابة أثرية تنص على أنها عمرت أيام 610هـ/ 1213م بأمر مظفر الدين كوكبوري في عهد الملك العادل أبي بكر بن أيوب. ويعد منبر الجامع من روائع منابر الشام، وقد صنع عام 604هـ/ 1207م حسبما تشير إلى ذلك كتابة تاريخية فوق باب المنبر.
جامع التوريزي (التيروزي)
يقع في محلة رأس الشويكة شمالي قبر عاتكة بدمشق شرع بإنشائه الأمير غرس الدين خليل التوريزي حاجب الحجاب بدمشق وذلك في سنة 823هـ/ 1420م، وذلك حسب اللوحة التاريخية الموجودة فوق الباب ونصها «أمر بإنشاء هذا الجامع المعمور بذكر الله تعالى المقر الغرسي خليل النوريزي تقبل الله منه خامس وعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة وعشرين وثمانمائة».
وقد فرغ من بنائه عام 825هـ/ 1422م، وأضيفت إليه مئذنته بعد تسع سنوات. ويلاحظ أنَّ بناته تحرروا من قواعد الفن الأيوبي التي سادت العمارات الدمشقية أكثر من نصف قرن، واتّبعوا أصول فن المماليك الذي ازدهر في القاهرة، واتخذوا في ذلك عناصر جديدة في التخطيط والبناء والزخرفة.
وتخطيط الجامع يختلف عن تخطيطات الجوامع الدمشقية، إذ ليس له صحن واسع، وواجهته مبنية بأحجار ذات لونين مختلفين. وللمسجد حرم جميل، حافظ على بنائه الأول وجماله، والمنبر تزينه حشوات صغيرة حفرت بخط نسخي مملوكي جميل. المحراب يعلوه شريط عريض حفر عليه بالخط النسخي المملوكي الآية الكريمة التالية: {في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. كما يوجد في صدر المحراب شريط حفر عليه بالخط النسخي المملوكي أيضاً قوله سبحانه: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} الآية. تعد مئذنة الجامع من أجمل مآذان دمشق، شكلها مربع، على حين أن مآذن المماليك مضلَّعة. وتزين المئذنة زخارف كثيرة وعليها كتابة تاريخية.
جامع درويش باشا
المعروف بجامع الدرويشية
1 ـ يقع في محلة الدرويشية بدمشق، وهو نموذج لفن العمارة العثمانية من حيث التخطيط والقواعد المعمارية والفنية. أنشأه درويش باشا بن رستم باشا أحد ولاة دمشق في العهد العثماني، الذي تصدر ولاية دمشق في سنتي 979 ـ 983هـ/ 1571 ـ 1574م، ثم نقل إلى اسطانبول، وتوفي بها عام 987هـ/ 1579م، ونقلت رفاته إلى دمشق ودفنت في تربته، التي أنشأها بجانب هذا الجامع.
شيد المسجد عام 982هـ/ 1574م، كما هو مثبت في الكتابة التاريخية المنقوشة فوق الباب، وهي عبارة عن أبيات شعر، وقد ورد التاريخ في البيت الأخير مرتباً على الأحرف الأبجدية.
وروعي في بناء الجامع أسلوب العمارة الرسمية للدولة العثمانية، وكان من أهم خصائصها الاعتناء بالمظهر الخارجي، والشكل العام للبناء، فكان هذا الجامع مستوفياً لتلك الشروط والقواعد والأسس، وغدا نموذجاً رائعاً لهذا الأسلوب في دمشق. وعلى الرغم من تصميمه العثماني، فإنه لا يخلو من التأثيرات المحلية التي تجعل له صبغة سورية. صحن الجامع مستطيل الشكل، تتوسطه بركة حجرية مضلعة والرواق يقع في جنوب الصحن، تتقدمه خمسة عقود محمولة على أعمدة مستديرة ذات تيجان وقواعد مختلفة. ويعلو الرواق خمس قباب صغيرة. وفي الجدار الجنوبي من الرواق محراب مزين بألواح القاشاني. أما الحرم فهو عبارة عن قاعة كبيرة مستطيلة الشكل، تغطيها سبع قباب. مستديرة تقوم القبة الكبرى في الوسط ويتوسط المحراب الجدار الجنوبي من الحرم، ويعد آية في الإبداع والفن وعلى جانبي المحراب إطارات هندسية عريضة من الرخام الأبيض والأسود.
المنبر من المرمر، وأهم ما فيه قبة الخطيب المبنية على أربع دعائم رشيقة يعلو كل منها قوس مدبب تكتنفه زوايا مزخرفة. ويلاحظ أن الزخارف الرائعة تزين الجامع من بابه إلى محرابه.
وصف آخر لجامع الدرويشية: لم يكن العهد العثماني ليحمل الكثير إلى أهل دمشق، فعلى الرغم من اتخاذه طابعاً إسلامياً كغيره من العصور المتقدمة، إلا أنه لم يستطيع الولوج إلى حقيقة بناء الحضارات، بل ظل يجسد حالات معمارية استثنائية برزت في اسطانبول من خلال المساجد الضخمة. أما باقي المدن فكانت تتصدع عمرانياً بشكل متسارع.
كان السلاطين والولاة العثمانيون يسعون إلى استرضاء فئات معينة فيبنون لها تكية أو مسجداً، وفي أحيان كثيرة يتعمدون بناء المسجد ليلحقوا به مقبرة تكون مدفناً لهم. ولكن معظم مساجدهم في دمشق كان على أنقاض مبان أخرى، فهم لم يضيفوا سوى القليل. والتكية السليمانية المشهورة كطراز عثماني بنيت عوضاً عن القصر الأبلق المشهور بجماله وقدمه، فقد دمره العثمانيون بعد موقعة مرج دابق وسقوط السلطان المملوكي قانصوه الغوري، لأن القصر في الأساس يرمز إلى موقع السلطة المملوكية في دمشق.
جامع الدرويشية واحد من المباني العثمانية الموجودة في قلب دمشق، قرب منطقة باب الجابية حيث يقع أكبر تجمع للمساجد والمباني العثمانية. وهو يقع شمالي المدرسة السيبائية، ويكاد يجاورها اليوم بعد أن طغى العمران الحديث على المنطقة. وينسب إلى والي دمشق درويش باشا الذي جاء سنة 979 للهجرة، وتقول بعض المرويات إنه سار بأهالي دمشق سيرة حسنة، وتعقب المجرمين ونشر الأمن في ربوع البلاد التي عرفت آنذاك أعداداً كبيراً من «العواينية» (أصحاب الشرور باللهجة الدمشقية حتى اليوم) والجويش المحلية مثل الانكشارية.
بني الجامع سنة 982 هجرية، أي في العالم الذي نقل درويش باشا من دمشق. ولم يتبع مهندس المسجد الطابع العثماني فيه، ربما لقربه من المدرسة السيبائية الضخمة المبنية على الطراز المملوكي. لكن المنارة الخاصة بالمسجد جاءت عثمانية، فالمهندس جعل محيطها من الحجر الأسود والأبيض المتناوب بشكل جميل، وجعل بوابتها كبيرة نوعاً ما.
والإضافات على المسجد تبدو وكأنها منفصلة عنه، فالمسجد يضم من الناحية القبلية التربة الدرويشية التي دفن بها الوالي درويش باشا العام 987هـ، كما يحتوي من الناحية نفسها غرفاً للتدريس تعلوها قبة. ويستطيع الإنسان المرور عبر قنطرة تحتوي في أعلاها غرف التدريس إلى الأزقة الخلفية المجاورة للمسجد والمؤدية إلى منطقة القنوات.
والطراز المملوكي المسيطر على الشكل العام للمسجد يجعله مع جامع السيبائية نسيجاً متكاملاً، وفي داخله ألواح جميلة من القيشاني نسخها أسعد باشا العظم ليصنع مثلها في قصره. وأول من درّس في هذا الجامع الشيخ إسماعيل النابلسي ثم خلفه الحسن البوريني. وهذا الأخير لم يذكر درويش باشا أو يضع له ترجمة في مؤلفاته العديدة.
عندما جدد المسجد في العام 1945م جدد السبيل الموجود إلى جانبه. والمعروف أيضاً أن الوالي درويش باشا بنى حمام القيشاني وخان الحرمين. علماً بأن البنائين يعودان إلى عهد السلاجقة، وكان الخان معروفاً باسم خان القوسين.
جامع سنان باشا
منطقة «باب الجابية» أي الطريق الموصل بين قلعة دمشق ومقبرة «الباب الصغير»، كانت معبراً إلى دمشق القديمة وصارت أثناء الحكم المملوكي نقطة اتصال مع الأحياء الجديدة، وفي العهد العثماني شكلت شريان المدينة التجاري. وعلى طول 500 متر تقريباً تنزرع المدارس والمساجد التي تحمل أسماء الولاة بدءاً من جامع أرغون فالدرويشية والسيبائية والسنانية وغيرها من الأسماء.
وتظهر الطريق تنافساً بين الولاة على تشييد مناطق عمرانية تساعدهم على استقطاب الناس. فالمسجد كان مدرسة أيضاً تستقطب العلماء والطلاب. وباستثناء سوق مدحت باشا، فإننا لا نصادف سوى مآذن وقباب مختلفة الأشكال، ويخيل للزائر أنه يتنقل في أحياء اسطانبول القديمة حيث تكتظ المساجد الكبيرة لتصبح في منطقة «بيازيت» أكثر من المنازل.
والأمر مشابه في دمشق، إذ أن جامع السنانية يعتبر نسخة مصغرة عن مسجد أيا صوفيا. فكما كان السلاطين يتنافسون في تشييد المساجد في اسطانبول كي تحمل أسماءهم عبر الزمن، كان ولاة دمشق يقلدونهم محلياً. أي أن العمران كان يحمل صفة دعائية (بتعبير العصر) أكثر من كونه شأناً عمرانياً منتظماً، بدليل وجود هذه الكمية من المساجد في منطقة واحدة بينما تفتقر أماكن عدة من دمشق في تلك الفترة إلى مساجد جامعة.
وبالعودة إلى تفاصيل تلك الفترة، نقف عند جامع سنان باشا المشهور بمئذنته الخضراء المبنية على الطريقة العثمانية. لكن التاريخ أضاع حقيقة الشخص الذي بنى هذا المسجد، فنحن نجد خمسة يحملون الاسم نفسه.
1 ـ سنا نباشا الذي تولى دمشق سنة 994هـ، ثم تولى الصدارة العظمى في السلطنة.
2 ـ سنان باشا الوزير حاكم اليمن والمتوفى العام 1016هـ.
3 ـ سنان باشا بن محمود متولي الجامع المتوفى سنة 1076هـ.
4 ـ سنان آغا الانكشارية المتوفى سنة 980هـ.
5 ـ سنان باشا المعمار المشهور.
التشابه في الاسم حرم باني المسجد من امتلاك الشهرة الخاصة، وإن كان أكرم حسن العلبي في كتابه «خطط دمشق» يرجح أن يكون سنان باشا والي دمشق هو الذي أمر ببنائه العام 999هـ. فهذا الوالي واسمه الكامل يوسف بن عبدالله سنان باشا كان يقوم بمثل هذه الأعمال في كافة أنحاء السلطنة، فقد بنى في بولاق بالقاهرة جامعاً عظيماً وبنى مثله باليمن وآخر في اسطانبول، مما يرجح بأن يكون هو بانيه في فترة ولايته على دمشق.
والجامع لم يكن وحيداً، فقد كانت معه مجموعة عمرانية تشمل حماماً وسوقاً وقهوة ومكتباً. وبالطبع لم يكن موقع الجامع خالياً، بل كان فيه مسجد يقال له «مسجد البصل». وإذا حاولنا تتبع بعض التفاصيل نجد أن الأمير محمد بن منجم هو الذي باشر العمران فيه، وتكامل في آخر سنة من القرن العاشر الهجري، وخطب فيه الشيخ فخر الدين السيوفي في تلك الفترة، ثم تعاقبت عليه العصور فأصبح اليوم مسجداً متميزاً لقربه من مقبرة «الباب الصغير» حيث يتم في الغالب الصلاة على الأموات فيه.
من الناحية المعمارية، يجاور الجامع سوق دمشق التاريخية مما أجبر بانيه على حرف صحنه كي لا يصطدم بالسور، وتعلوه قبة كبيرة تغطي قسماً كبيراً من مساحته. وتتميز بوابته بالعلو على الطراز المملوكي. ولا نجد شأناً متميزاً في الزخرفة فيه لكنه بالشكل العام يتقارب مع جامع أيا صوفيا والجامع أنموذج لمعظم المساجد العثمانية، يتألف من مئذنة وحرم وحصن وأروقة.
الصحن مستطيل الشكل يوجد له بابان. الأول هو المدخل الرئيسي للجامع يقع في الجهة الغربية نحو شارع السنانية، وهو باب جميل يعلوه لوح مستطيل من القاشاني الأزرق، فيه صور نباتية متشابكة بينها أبيات شعرية، ويعلو لوح القاشاني مقرنصات جميلة. أما الباب الثاني فهو في الجدار الشمالي يعلوه من الداخل نقش مزولة شمسية، وفي الطرف الغربي من الجدار الشمالي توجد لوحة مستطيلة تتألف من قطع القاشاني الأزرق والأخضر تزينها صور نباتية من أوراق وأزهار متعانقة بينها قيشاني أبيض عليه كتابة باللون الأسود بخط نسخي كبير تشير إلى تاريخ الجامع واسم الباني.
تتوسط صحن الجامع بركة مثمنة الشكل مبنية من الحجارة الكلسية، أما بلاط الصحن فهو من الحجارة المصقولة البيضاء والسوداء، رصفت بأشكال هندسية جميلة تتخللها قطع كبيرة من المرمر الأحمر والأبيض والأسود في الجهة الجنوبية وبأشكال هندسية. الرواق مسقوف بسبع قباب يتقدم الحرم وهو محمول على ستة أعمدة، ويوجد محراب صغير ذو عمودين من الرخام الأبيض في الجهة الشرقية من الرواق، وفوق هذا المحراب توجد لوحة كتابية من ستة أبيات شعرية. الحرم مستطيل الشكل، مسقوف بقبة كبيرة تتخللها نوافذ جميلة وكتابات رائعة وأعمدة رشيقة. والمنبر من المرمر الأبيض المحفور. والمحراب ترسمه قطع المرمر المتعددة الألوان الدقيقة الصنع وتعلو المحراب لوحة مستطيلة من القاشاني الأزرق عليها كتابة قرآنية. مئذنة الجامع مستديرة مبنية بالحجارة، تكسوها من الخارج طبقة من الآجر المطلي بطبقة من القاشاني الأخضر (الخزف الزنجاري)، يفصل بينها ثلاثة خطوط من القاشاني الملون بالأزرق، وتعلو جذع المئذنة مقرنصات بسيطة وجميلة، ولا بد من التنويه أنه لا يوجد في سوريا ما يماثل هذه المئذنة.
جامع الشيخ عبدالغني النابلسي
يقع في منطقة الصالحية (الشيخ محيي الدين) وينسب إلى العالم المحدث عبدالغني النابلسي المولود في دمشق 1050هـ/ 1640م، حينما توفي ترك هذا المكان داراً للسكن، ولم يكن فيه مسجد، بل أحدث بعد وفاته. أنشأه حفيده الشيخ مصطفى النابلسي المتوفى عام 1191هـ/ 1777م، وغلب على هذا المسجد اسم جامع الشيخ عبدالغني النابلسي واشتهر بذلك. وكانت شهرة الشيخ عبدالغني قد حفزت كثيراً من الولاة والسلاطين على العناية بتخليد ذكراه بتجديد المكان في أدوار مختلفة.
أما طراز البناء فهو من العصر العثماني، والطراز الغالب على البناء والزخرفة الطراز الدمشقي. يضم البناء مسجداً وتربة وداراً للسكن، أما مئذنة الجامع فتقع في أقصى الجناح الشرقي للبناء مبنية بالحجارة المنحوتة. أما القاعة الكبرى فيعلو بابها لوح من القاشاني فيه كتابة وتاريخ تجديد القاعة سنة 1178هـ/ 1764م، ومدفن الشيخ عبدالغني يقع في شرقي الصحن، وبجانبه مدفن الشيخ مصطفى المتوفى عام 1191هـ/ 1777م، وهو باني المسجد. أما المصلَّى فهو عبارة عن قاعتين، يفصل بينهما قوس، وفيه المحراب والمنبر.
جامع السنجقدار
يقع في محلة السنجقدار بدمشق، وكان يسمى جامع الحر، أنشأه أرغون شاه نائب السلطنة المملوكية في دمشق الذي قتل عام 750هـ/ 1349م، ودفن في تربته التي أنشأها مع الجامع. تم تحديد حرم المسجد في العهد العثماني عام 1008هـ/ 1599م من قبل سنان آغا الينكجرية.
أهم آثار المسجد المملوكية واجهته الحجرية الجميلة، ومقرنصات بوابته، والتربة المسقوفة بقبة إلى يمين المسجد، ومئذنة رشيقة.
جامع التوبة
يقع في حي العقيبة في نهاية سوق ساروجة بدمشق، وقد بني على نسق الجامع الأموي بدمشق، ويعد من روائع فن العمارة الأيوبية. كانت أرض الجامع قديماً تعرف بخان الزنجاري، ترتكب فيه المحرمات وتشرب فيه الخمور، فأمر الملك موسى العادل أبو بكر بهدمه وبناء الجامع الذي سماه جامع التوبة، وتم بناؤه عام 632هـ/ 1234م. صحن الجامع مستطيل الشكل تحيط به ثلاثة أروقة شرقي وغربي وشمالي، تتوسطه بركة مربعة الشكل. الحرم مستطيل وأجمل ما فيه المحراب الغني بالزخارف، المكسو بالرخام في أسفله، ثم تعلو ذلك طبقة جصية عليها رسوم نباتية جميلة تتخللها كتابات وزخارف، يعلوها رسم هندسي ونباتي، وعلى جانبي المحراب عمودان من الرخام بشكل لولبي، وهو يعد من أجمل المحاريب التي وصلت إلينا من العهد الأيوبي.
مسجد فلوس
مسجد قديم يقع في حي الميدان بدمشق ويعرف حالياً بزاوية الرفاعي. وأهم ما يميز هذا المسجد هو النتاج الفني الذي بقي من العصر الفاطمي في دمشق المتمثل في زخرفة محرابه، حيث تعلو المحراب طاقية أثرية نادرة، تقوم على شريط عريض به سطر من الكتابة الكوفية المزهرة. ويعلو هذا الشريط طاقية من زخارف جصية عناصرها أوراق نباتية بينها فروع دقيقة متشابكة، وقد ملىء فراغ سطوح الأوراق النباتية بزخارف هندسية.
الجامع المعلق
الجامع المعلق نموذج من الأوابد المملوكية، وهو معبر أيضاً عن الطريقة التي كان المماليك يفكرون بها. يقع الجامع بين باب الفرج والفراديس في منطقة العمارة البرانية خارج سور دمشق، وسمي بالمعلق لأنه مرتفع عن الأرض قليلاً، ولأنه معلق بشكل أو بآخر إذ يقع على نهر بردى.
والناس يسمونه بالجامع الجديد أو جامع بردبك أو جامع بين الحواصل، فالتسمية الأولى نابعة من تكرار ترميمه إذ جدد العام 1058 للهجرة بعد أن ضربته صاعقة وألحقت أضراراً به وهوى رأس مئذنته، فأعيد بناؤها على الطريقة المملوكية لمساجد القاهرة، ثم جدد مرة أخرى العام 1328 هجرية.
أما التسمية الثانية فتعود لبانيه بردبك الأشرفي إينال، الذي بني في قناطر السباع في مصر جامعاً هائلاً، وبنى مثله في غزة ودمشق العام 826 للهجرة. والمعروف عن هذا الأمير أنه كان مقرباً من الأشرف إينال ونفي إلى مكة حيث قتل في طريق العودة العام 868 هجرية ودفن في مكة المكرمة.
وتعود التسمية الحالية إلى الواقع المحيط بالمسجد، فالمعروف عن منطقته أنها ساحة للأسواق يتم استعمالها لتخزين الحبوب والمواد التي تباع بكميات كبيرة مثل الخشب والحديد والنحاس، ومنطقة العمارة أصلاً مشهورة منذ بداية العصر المملوكي بهذه المخازن، التي تسمَّى باللهجة العامية «حواصل»، فجاء المسجد «وسط الحواصل» وفي أمكنة تجارة الناس.
المسجد واسع جداً ومبني على الطريقة المملوكية باستعمال الحجر الأبيض والأسود بالتناوب، إضافة لنوافذه التي سورت بالحديد على شكل شبك. وبوابة المسجد لا تتبع الطراز المملوكي إذ أنها ليست مرتفعة، وتوحي زخارف الباب بأنه جدد عندما تم تجديد المسجد أخيراً، فتم الاحتفاظ بالشكل الأساسي مع تبديل ما تلف من أثاثه.
وفي الجامع ـ كغيره ـ من المساجد المملوكية ـ ثماني غرف للطلاب في الطابق العلوي، لكنها اليوم جزء من المسجد، ورواد الجامع قليلون نسبياً لأنه يقع في منطقة الأسواق. وما يتميز به هذا المسجد عن باقي المساجد المملوكية أنه:
أولاً: يعتبر مسجداً مملوكياً أصيلاً لم يبن على أنقاض مسجد أقدم منه، فالمساجد والمدارس المملوكية كانت تقام عادة على أنقاض مساجد قديمة، فهي عملياً تمثل حالة ترميم وتعبر عن توسع عمراني، بينما المسجد المعلق بني بشكل مستقل.
ثانياً: يتفرد بموقعه البعيد نسبياً عن الفعاليات العلمية والدينية، فالمماليك غالباً ما كانوا يبنون مدارسهم في محيط دمشق القديمة، أو في منطقة الصالحية، وذلك للبقاء قريباً من رجال الدين والعلماء، أما الجامع المعلق فبعيد عن هذه المناطق بل يكاد يكون معزولاً عن التيارات التي سادت في تلك الفترة وكان المماليك يخطبون ودها.
جامع الورد
في مطلع القرن الحالي كانت منطقة سوق صاروجا من أكثر مناطق دمشق ازدهاراً، حتى أنها سميت باسطانبول الصغيرة لكثرة الضباط والموظفين الأتراك الذي سكنوا فيها. ونجد أن معظم من يتكنى بكنية تركية هو في الأصل من هذه المنطقة.
لكنها في الواقع أقدم من العهد العثماني، فهي ازدهرت في العصر الأيوبي وكانت تسمى العوينة، وبدأت المدارس بالظهور فيها أولاً فبنت الخاتون ست الشام ابنة نجم الدين أيوب المدرسة الشامية البرانية في سنة 582 للهجرة (وهي قيد الترميم حالياً).
وإذا كنا اليوم لا نشاهد إلا أطلال سوق صاروجا، فإن جامع الورد يبرز من بين البقايا بمئذنته الغربية وتموضعه بين زقاقين صغيرين. وهو يعود للفترة المملوكية وانتهى بناؤه في الرابع عشر من رمضان سنة 830هـ.
يعرف الجامع تاريخياً بجامع «برسباي» أو الحاجب، وذلك نسبة لبانيه الأمير برسباي الذي تولى نيابة طرابلس وحلب، ثم استقال من وظائفه ومارس الأعمال الحرة، وتوفي سنة 851 للهجرة في مدينة سراقب وحمل جثمانه إلى دمشق ودفن في الجامع الذي بناه. وكان المسجد يعرف بالورد نسبة إلى حمام يقع إلى الشمال منه، وما زال مشهوراً بهذا الاسم حتى أن الزقاق الموجود فيه يطلق عليه اسم الورد.
وكما كافة المساجد المملوكية، فإن مكان الجامع الحالي كان مسجداً صغيراً يعود تاريخه إلى سنة 784هـ، فقام برسباي بتوسيعه ورفع منارة وقبة له، وتم إنجاز بنائه في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة 830هـ، وصليت فيه الجمعة في ذلك اليوم.
ومن المعروف أن بناء المسجد جاء بعد اجتياح تيمورلنك لدمشق، أي أنه نوع من إعادة الإعمار التي بدأت منذ سنة 811 (بعد سبع سنوات على رحيل تيمورلنك).
جامع يلبغا
هل يحق لنا تذكر جامع يلبغا مع أنه اختفى من دمشق سنة 1960م بعد أن كان من أعظم المساجد في دمشق بعد الجامع الأموي؟
ما زال القادمون إلى المدينة يشاهدون مشروع إعادة إعماره في ساحة المرجة، فالجامع كان مملوكي الطابع عمد الأمير يلبغا في عمارته إلى منافسة جامع تنكز الذي لم تنج من الهدم سوى مئذنته.
قصة الجامع تبدأ مع الأمير يلبغا الذي دخل دمشق أميراً في عام 756 للهجرة وخلف فيها مسجداً وقبة مشهورة في منطقة القدم. ولا تختلف سيرة الأمير عن سير بقية المماليك، فما كاد يتسلم إمارة دمشق حتى بدأ بتقليب الأمراء على السلطان. لكن المفارقة معه تتعلق بتصرفاته عند دخول دمشق. ففي 14 جمادى الأولى من عام 746هـ، أي بعد يومين من دخوله دمشق، أمر بقطع أيدي وأرجل ثلاثة عشر رجلاً بلغه تكرار وقوع الجنايات منهم.
وحسب روايات تلك الفترة فإن الناس اغتبطوا لهذه الشدة، غير أن سيرة يلبغا تعطي مداليل أخرى، فهو اشترك في خلع الملك الكامل شعبان، وبعد ذلك الملك المظفر حاجي، ولكن الأخير كان أسرع منه فقام برشوة الأمراء وأرسل جيشاً لقتال يلبغا وعزله وحاصره ففر إلى حماه. ولم تكن هذه العملية لتتم إلا بالاتفاق مع أرغون شاه أمير حلب وقبائل عرب المهنا، فقطعت الطرقات على يلبغا، وطلب منه الملك التوجه إلى القاهرة لتسلم منصب رأس أمراء المشورة، فاقتنع يلبغا وسار إلى هناك فتخلى عنه بقية الأمراء. وحاول أرغون شاه القبض عليه، لكن الأمير منجك قتله في منطقة قاقون في فلسطين عام 748 للهجرة، أي أن فترة ولايته لم تستمر سوى عامين كانا كافيين لبناء قبة النصر والشروع ببناء جامع يلبغا.
وبغض النظر عن تفاصيل معارك الأمير يلبغا، إلا أن فترة ولايته كانت شبه مستقلة عن القاهرة، لذلك فإن مسجده كان ضخماً جداً ليعبر عن الطريقة التي يفكر بها في منافسة حكم الملك في القاهرة، وقد تعطل العمل في بناء الجامع بعد مقتله، ثم سار الأمر ببطء شديد وظهر أخيراً كمسجد جامع، وحضر افتتاحه عدد كبير من الأمراء الذين شاركوا أساساً في قتل الأمير يلبغا اليحاوي.
ومن أهم ذكريات هذا المسجد ما قام به إبراهيم باشا المصري أثناء حملته على سورية إذ حوله إلى مصنع للبسكويت. ويبدو الأمر اليوم مضحكاً لكن عصرنة الدولة كما فهمها إبراهيم باشا اقتضت منه تحويل هذا المبنى الأثري المهم إلى مصنع، وكان لذلك أثره في الفن المعماري الموجود في المسجد. لكن خروج إبراهيم باشا أدى إلى إعادة تجديده، وهو جدد بالفعل أربع مرات كانت الأخيرة عام 1173 للهجرة على أثر الزلزال الذي ضرب دمشق.
غوطة دمشق)[148](
لولا الغوطة لما كانت مدينة دمشق، فهي من أجمل منتزهات العالم بما حبتها به الطبيعة من جمال الشجر وخصب التربة وكثرة الجداول والأنهار، فمن قديم الزمان وحتى الوقت الحاضر يتغنى الشعراء بجمال الغوطة وسحرها ويشيرون إلى طيب الإقامة فيها، ويسهبون في وصفها، وفي مقدم هؤلاء الشعراء «حسان بن ثابت» وأبو بكر الخوارزمي الذي وصفها بأنها إحدى جنّات الأرض الأربع، وصولاً إلى شعراء العصر الحديث.
والغوطة تعني المطمئن من الأرض، مساحتها 40600 هكتار وطولها 20 كلم وعرضها (10 ـ 14 كلم)، وهي ببساتينها وقراها تحيط بمدينة دمشق، والمعدل السنوي ـ للأمطار فيها 225 ملم، والمعدل السنوي للحرارة 16 درجة مئوية ويبلغ متوسط ارتفاعها عن سطح البحر 700 متر، وعدد قراها 44 قرية كان يسكنها 318250 نسمة وفق إحصائيات عام 1948م.
وغوطة دمشق تجود بمعظم الثمار والحبوب والبقول التي تغطي احتياج مدينة دمشق وبعض المدن السورية، وفي بعض المواسم تشحن كميات كبيرة منها إلى لبنان. ومن الموارد المهمة فيها أشجار الحور (الرومي والفارسي) التي تستخدم أخشابها في الصناعات المنزلية.
وتعتمد الزراعة المروية في الغوطة(على المياه) التي يؤمنها نهري بردى، حيث يقوم بري كامل مساحة الغوطة عبر فروعه السبعة وهي (يزيد ـ قناة المزة ـ الديراني ـ شورى ـ قنوات باناس ـ العقرباني ـ الداعياني ـ المليحي). ومن هذه الفروع السبعة يخترق اثنان مدينة دمشق وهما (القنوات وباناس).
وتروي المصادر التاريخية أن غوطة دمشق تعرضت في الماضي إلى كوارث طبيعية كالأوبئة والمجاعات والزلازل التي ساهمت في خراب قسم منها، ولكن يد الطبيعة لم تكن بتلك القسوة التي اتصفت بها يد الإنسان، فمن الحروب والغزوات والمعارك والثورات التي كانت الغوطة ساحة لها في الماضي، إلى امتداد يد الإنسان في الوقت الحاضر لتغييب بعض من جمالها وروعتها عن طريق امتداد السكن والعمران الذي أتى على قسم كبير من أراضيها الزراعية، إلى إقامة بعض المصانع والمعامل التي باتت تلوث هواءها بما تنفثه من سموم وغبار ومخلفات، إلى الهجرة من الريف إلى المدينة حيث انتقال الفلاح البسيط الذي كان يعنى بأرضه ويكسب لقمة عيش هنيئة وبسيطة ونظيفة لا يلوثها ضجيج المدن وصخبه، هذا الفلاح انتقل من غوطة دمشق إلى مدينتها ليستقر نهائياً مخلفاً وراءه بستاناً أو قطعة أرض تتعطش لمن ينبش تربتها ويعتني بها.
وعلى رغم عوامل الخراب والدمار التي ألمت بغوطة دمشق فهي تبقى موئلاً لكل من يطلب الراحة والطمأنينة والهدوء والأمان وذلك ببساتينها الغنّاء التي لا تزال تحافظ على خضرتها وجمالها وبأشجارها الوارفة الظلال وأنهارها وجداولها التي تبعث الحياة فيها…
وفي غوطة دمشق يقول الشاعر العراقي الحاج عبدالحسين الأزري وقد زارها سنة 1944:
ذكرتُ الجنانَ وأنهارَها
غداةَ تَنسَّمتُ مِعْطارَها
مَغانيَ تَبدُو بهنَّ الحياةُ
تكادُ تُضاحِكُ أحجارَها
كخطِّ المجرَّةِ لكنَّ من
حِسان الخرائد أقْمارها
أرادَ الإلهُ لحُورِ الجِنان
مِثالاً على الأرضِ فاخْتارها
حرائرَ عِيناً سحَرْنَ العُيونَ
كسِحْرِ الكواكب سُمَّارَها
هَبطن عليها كسِرب الحَمامِ
اتَّخَذْنَ المغانيَ أوكارَها
كأنَّ الخَمائلَ مِن فَوقِهنَّ
نثرنَ على الأرضِ أَزْهارها
سَقاني عُقاراً بهنَّ النَّسيمُ
فلم تَبلُغ الخمرُ آثارَها
نَسيمٌ إذا نشقَتْهُ المِراضُ
شفاها وجدَّد أعْمارَها
يَرقُّ فيُسكرُني نشرُهُ
ويَقوى فيُسكرُ أشجارَها
فما زالَ يُنعِشُ رُوحي بها
وما زلتُ أشكرُ خمَّارَها
إلى أن رَجعتُ سليبَ الفُؤادِ
ووَدَّعَتِ الدار زُوَّارَها
وأيْكٍ تَعانق أغْصانُها
كما عانَقَ الطَّلعُ نوَّارَها
لَبِسْنَ مَطارِفَ خُضراً وصُغُـ
ـنَ من الثَّمرِ الغَضِّ أزْرارَها
رَفعنَ عن السُّوق أذْيالَهنَّ وخُضْـ
ـنَ من الزَّهوِ أنهارها
كأنَّ الغَوانيَ منها اقْتَبَسْـ
ـنَ رفيفَ الثِّيابِ وإقصارَها
تَخالُ المناظِرُ أسْطورَةً
قد ابْتَدع السِّحرُ أخْبارَها
تُصيبُ القَرائحُ من وَحيِها
فتُملي على الطِّرسِ أشْعارَها
تقولُ هَلمَّ وخلِّ السَّبيلَ
لروحِكَ تَسبقُ أطْيارَها
هُنا لغةُ الحبِّ إن كنتَ قد
أتيتَ لِتَسْبُر أغْوارَها
سَلِ الأعْينَ الدُّعج عنها فإنَّ
بتلك الطَّلاسِمِ أسْرارَها
وقِيثارَةٌ مِن خَريرِ المِياهِ
تَجسُّ الطَّبيعةُ أوْتارَها
تظلُّ تكرِّرُ ألحانَها
ويَستعذِبُ السَّمعُ تَكرارَها
جَلستُ بِجانِبها مُصْغِياً
ونَفْسي تُجاوبُ أفْكارَها
تحدِّثُني عن حَياةِ الشَّبابِ
وقَد غيَّر الشَّيبُ أدْوارَها
وكانَ لها باعِثٌ مِن مَهاً
مَرَرْنَ فألفَتْنَ أنظارَها
فقلتُ: اقصِري رَيعانِ الصِّبا
شِراكَ الظِّباءِ وأوْجارَها
* * *
رأيتُ الجمالَ كنَبْعٍ يَفورُ
وأحْلَى اليَنابيعِ فَوَّارَها
بوادٍ يُعدُّ مِن المعجِزاتِ
ومَن ذا يُحاولُ إنكارَها
يصوِّر كالمَوْجِ أشجارَهُ
مَتى تُرسلُ الريحُ إعصارَها
إذا ما تَموَّجْنَ خِلت البيوتَ
سفيناً تُصارعُ تيَّارَها
مَنازلُ غطَّتْ عليها الرِّياضُ
فغابتْ وأخفَيْنَ أنوارَها
تَباركتَ يا ربِّ في حُسْنِها
وباركتَ يا ربِّ أثمارَها
* * *
وَداعاً مَليكةَ تلكَ الرُّبُوعِ
سقَتْكِ السحائبُ مِدْرارَها
تَركتُكِ والنَّفسُ لم تَقضِ من
أطايبِ وادِيكِ أوطارَها
وما كنتُ ضيَّعتُ مَعنى الحَياةِ
لو أنِّي بهِ عشتُ معْشارَها
جبل قاسيون
قديم قدم الزمان، محاط بالبيوت والأساطير والأماكن المقدسة. وعلى سفوحه: دير مران، الربوة، النيرب، أرزة، بيت أبيات، مقرى، الميطور.
ـ دير مران: سُميت بهذا الاسم لوجود دير يدعى دير مران. اندثر زمن الحكومة الأتابكية إبان الحروب الصليبية.
ـ الربوة: وهي أول منفسح الوادي الغربي الآخذ إلى دمشق، وفيها يخرج بردى لينقسم إلى أنهار عدة.
سُميت بالربوة لأنها مرتفعة، فيها أثر لكتابة كوفية منقوشة على صفحة الجبل، أسفله.
ذكر ابن جبير الأندلسي أن الربوة هي مأوى المسيح وأمه مريم: «وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين».
ـ النيرب: أو شعب النيرب هو ما بين جبلين وبين الجبلين أعلاه وكان قرية بقاسيون، وبجامعها قبر مريم بنت عمران.
ـ أرزة: مكانها اليوم حي الشهداء في طريق الصالحية.
ـ بيت أبيات: مكانها اليوم في محلة طاحون الأشنان أسفل حي الأكراد.
ـ مقرى: تقع أسفل حي الأكراد، وكانت إحدى الطرق التي تؤدي إلى جبل قاسيون.
الميطور: ومحلها اليوم أسفل المدرسة الركنية التي في حي الأكراد.
الهجرة الريفية إلى دمشق
من أبرز مؤشرات الهجرة من الريف إلى المدينة في سورية، كما في غيرها من بلدان العالم، ذلك النمو الهائل والسريع للمدينة سكاناً وأبنية خصوصاً في إطار الأحزمة الجديدة، وهي إحياء ذات أغلبية كبرى من مهاجري الريف والمدن الصغرى، وفيها جملة خصائص ديموغرافية وحضارية تجعلها ذات ملامح متميزة عن بقية أحياء المدينة الأساسية.
ويمكن التأكيد على مؤشر النمو الهائل للمدن في سورية باعتباره أحد نواتج الهجرة الريفية للمدن انطلاقاً من أرقام رسمية سورية تقول: «إن معدل تزايد السكان السنوي في المدن يصل إلى 5 في المئة بينما يتزايد سكان الريف بمعدل سنوي مقداره 2,8 في المئة والمعدل العام السنوي لتزايد السكان هو 3,3 في المئة».
وانطلاقاً من الإطار العام نحو التخصيص، يمكن القول إنه في حركة السكان بين المحافظات السورية ومراكز مدنها تبرز دمشق وحلب وحمص بين أهم التجمعات السكانية السورية التي توجه إليها السوريون من بقية المحافظات وأقاموا فيها خلال العقود الأخيرة طبقاً لما تشير إليه الأرقام الرسمية.
وفي مثال دمشق هناك مجموعة من الأحياء الجديدة ذات الكثافة العالية من السكان التي تعتبر أحد أبرز تعبيرات ظاهرة الهجرة الريفية للمدينة التي وصل عدد سكانها حالياً إلى ما يزيد عن أربعة ملايين نسمة في حين لم يكن عدد سكانها يزيد إلا قليلاً عن نصف مليون نسمة قبل أربعة عقود، ونما عدد أحياء المدينة من نحو ستة أحياء إلى أكثر من عشرين حيّاً، يزيد عدد سكان أحدها عن إجمالي عدد سكان المدينة القديمة)[149](.
والسمة العامة لمهاجري الريف والمدن الصغرى إلى المدن الكبرى أنهم من العناصر الشابة. وطبقاً للتقديرات فإن أعمار هؤلاء تتراوح ما بين 15 و34 عاماً، وتضيف التقديرات إلى أن عدد الذكور المهاجرين يزيد قليلاً عن عدد الإناث. وبشكل عام فإن المهاجرين هم من أكثر الفئات الريفية تعلماً وخبرة وثقافة، وهم الأكثر طموحاً ورغبة في أحداث تبدلات جوهرية في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أقرانهم الريفيين الآخرين.
والغالبية من المهاجرين حول المدن الكبرى يضعون نصب أعينهم هدف الارتقاء في السلم الاجتماعي كهدف أساسي لهجرتهم إلى المدينة سواء من خلال مواقع يحتلونها في أجهزة الدولة ومؤسساتها أو من خلال تحقيق ثروة تراكم من أنشطة تتيحها الحياة في المدن الكبرى أو من خلال الاثنين معاً، وفي الحالات كلها تحسم الإمكانات الشخصية والموضوعية مثل هذه الخيارات فتجعل مهاجراً ريفياً يحتل موقعاً في الجهاز الرسمي للدولة أو أن يتجه للأعمال الحرة في السوق بعيداً عن الجهاز أو قريباً منه.
وعلى رغم أن السمات العامة للمهاجرين من الريف إلى المدن الصغرى السورية تكشف بعض أسباب الهجرة إلا أن الجوهري من هذه الأسباب هو عوامل الجذب التي تفرزها المدينة ثم عوامل الطرد من الريف والمدن الصغرى. وفي الحالتين يتداخل الاقتصادي مع الاجتماعي والثقافي وتفعل الظروف والشروط الشخصية والعائلية فعلها في هذا المجال في الاتجاهين السلبي والإيجابي على السواء.
إن بين عوامل الجذب المدينية للريفيين وأبناء البلدان الصغرى مستويات الدخل المرتفعة المنتظمة في المدينة، مقارنة بالدخل في الريف وهناك مستوى الحياة اليومية الأكثر ارتفاعاً، إضافة إلى توفر مستويات أعلى من الخدمات الصحية والثقافية والبلدية ولسهولة الحياة بصورة عامة، والأهم من ذلك كله الحلم بإجراء تغييرات دراماتيكية في أوضاعهم ومرتباتهم الاجتماعية، وهو ما يقدم نموذجاً عنه عدد من أبناء كل قرية لأقرانهم.
ولدى استعراض بعض المعطيات الرقمية الخاصة بالمدن السورية الكبرى يتضح بعض عوامل الجذب للهجرة الريفية.
وفي هذا المجال يمكن القول إن الجامعات السورية وفروعها الأساسية قائمة في أكبر المدن وهي دمشق وحلب وحمص واللاذقية ما يجذب الراغبين من أبناء الريف لإتمام تعليمهم العالي، ويبلغ عدد المتعلمين الجامعيين في المدن 40 في الألف مقابل أربعة في الألف في الريف للذكور، وخمسة لكل عشرة آلاف مقابل 2 لكل عشرة آلاف في الريف بالنسبة للإناث.
وثمة جانب مهم في عوامل الجذب الثقافية، وهو حصر وجود المؤسسات الثقافية والإعلامية في كبريات المدن السورية حيث أن الصحف والمجلات الرئيسية موجودة في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وحماة، وكذلك الإذاعة والتلفزيون المتمركزة في دمشق ولها مراكز فرعية في المدن الكبرى كما أن المسارح ودور السينما ينحصر وجودها في دمشق وحلب وعدد قليل من أهم المدن.
إلى جانب ذلك تتركز الخدمات الصحية باعتبارها من عوامل الجذب المديني في دمشق التي كانت تستحوذ حتى وقت قريب على 62 في المئة من أطباء الصحة العامة و54 في المئة من أطباء الأسنان و51 في المئة من الصيادلة و60 في المئة من القابلات و77 في المئة من الممرضات و27 في المئة من المشافي الحكومية والمشافي الخاصة.
وعلى النسق ذاته من عوامل الجذب المدينية تأتي عوامل الطرد الريفية حيث تدنت مستويات الدخل الزراعي وضعف مردود العمل الزراعي وظروفه المحيطة التي يتداخل فيها الكثير من المؤثرات الطبيعية والبيروقراطية ومستويات التقنية وضعف التمويل. ومن بين عوامل الطرد انخفاض مستوى الخدمات البلدية والصحية والثقافية وهو أمر له أسبابه ودواعيه.
إن من بين عوامل الطرد الريفية على الصعيد الاجتماعي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تثقل كاهل الريفيين مثل علاقات الثأر وارتفاع المهور والالتزامات تجاه البنى الاجتماعية ما قبل الرأسمالية مثل القبليات والعشائرية والإقليمية وغيرها ما يفترض أن المجتمع الحديث تجاوزها. وفي نماذج محددة يمكن القول إن المهر وتكاليف الزواج الريفي للفئات الدنيا في الريف السوري (الشمالي والشمالي الشرقي خصوصاً)، تتجاوز مثيلاتها في معظمُ المدن السورية، ويدفع ذلك كثيراً من الشبان إلى الاتجاه نحو المدن إلى الزواج فيها ومن ثم الإقامة والاستقرار هناك.
وبشكل عام فإن لظاهرة الهجرة الريفية إلى المدن لا سيما المدن الكبرى آثار ونتائج على أكثر من صعيد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وصولاً إلى إفراز تأثيراتها على البيئة.
ومن أبرز الآثار والنتائج على الهجرة انخفاض مستوى الأداء الاقتصادي للمناطق الريفية بسبب النقص المتزايد لليد العاملة الشابة والخبيرة ومن ثم إعادة توزيع الأراضي والحيازات الزراعية سواء بطريقة البيع أو بطريقة الإيجار وما في حكمها مثل أنظمة الحصص. وحدوث تبدلات في نظام القيم والتقاليد الاجتماعية، والانخفاض النسبي في حجم تعداد سكان الريف وارتفاع معدلات الأعمال في أوساطهم بسبب هجرة العنصر الشاب.
وترتب الهجرة الريفية إلى المدن المستقبلة للمهاجرين وفرة اليد العاملة وانخفاض أجورها الأمر الذي يفسح في المجال أمام المدن لتأمين احتياجاتها من الأيدي العاملة لتنمية مرافقها وتشغيل مؤسساتها الصناعية والتجارية والخدمية، الأمر الذي يمكن أن يحسن ويجمل صورة هذه المدن في بعض أحيائها لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يوسع إطار أحياء البؤس في بعض بقاع المدن. وبشكل عملي يمكن ملاحظة هذين الوجهين في أي من المدن السورية الكبرى.
ورتبت الهجرة الريفية الواسعة إلى المدن وبخاصة العاصمة دمشق أعباء جديدة على موارد المدن وهو أمر يبدو مفهوماً لمدينة ذات قدرات محدودة أصلاً ما شكل ضغطاً هائلاً على الموارد القائمة مثل المياه والأراضي الزراعية وغيرها وأسفر عن أزمات ملموسة.
وإذا كانت المناطق الريفية والمدن على السواء واجهت نتائج وآثار الهجرة، فإن الدولة بما فيها من مؤسسات وأجهزة عانت من الهجرة الريفية وعجزت عن استيعاب هذه الهجرة بمعطياتها وإمكاناتها بسبب نقص الإمكانات، التي كان يمكن أن توظف هذه الهجرة بطرق مجدية وعملية في إحداث تحولات دراماتيكية لتحقيق تقدم اقتصادي ـ اجتماعي ملموس، وكل ما حصدته الدولة في هذا السياق أنها أخذت تلهث وراء إحداث فرص عمل غير حقيقية لمئات الآلاف من المهاجرين الريفيين، وتواجه مطالب بخدمات ومرافق في المدينة والريف لقطاعات واسعة من الذين أمّوا المدن، وكثير منهم لم يقطع صلاته بالريف، وينتظر معظمهم فرصة تقاعده أو إحالته على المعاش للعودة إلى قريته ولذا فهو يطالب بخدمات ومرافق هنا وهناك مما يجعل الأعباء مزدوجة.
واستفادت فئات محدودة من مهاجري الريف، فاغتنت سواء عن طريق مواقعها الوظيفية في الدولة، أو بواسطة أنشطتها الاقتصادية ـ المرفقية التي غلب عليها الطابع الهامشي، أو بكلاهما معاً، وحققت تراكماً رأسمالياً أدخلته دورات استثمارية سهلة الكسب، سريعة الربح الأمر الذي جعلها تصعد في السلم الاجتماعي نحو الفئات العليا في المجتمع السوري.
وتعيش الغالبية الكبرى من مهاجري الريف في ظروف مختلفة ومتناقضة قسم منها منخرط في أعمال وظيفية محدودة المدخول بحيث تتطلب ظروف هؤلاء إعانات من الأهل الريفيين إذا كانت أحوالهم حسنة، وقسم آخر يتعيش من أعمال «حرة» و«هامشية» تتقلب دخولها وتتفاوت مستويات حياتها ومواقعها في الخريطة الاجتماعية.
والخلاصة في موضوع هجرة الريف إلى المدينة، أن لها إيجابيات وسلبيات في مختلف الاتجاهات وعلى كافة الصعد. وعموماً فإن تقصيراً واضحاً حصل في الاستفادة من إيجابياتها فيما تفاقمت سلبياتها الأمر الذي يتطلب وضع خطة تحد أولاً من الهجرة، وتقوم بتنظيمها طبقاً لاحتياجات ملموسة مرتبطة بخطط التنمية وتطوير الواقع الاقتصادي ـ الاجتماعي.
قد يكون المطلوب في بعض المواقع التشجيع على هجرة معاكسة باتجاه الريف مرفقاً بخلق شروط مادية ومعنوية تساعد في ذلك مثل التقليل من واقع التمايز بين الريف والمدينة بتحسين مستوى الحياة الريفية وإيجاد فرص عمل حقيقية وواقعية في مجالات الإنتاج والمرافق ومشاريعها العامة والخاصة والمشتركة.
سور دمشق وأبراجها
يعود تاريخ إنشاء سور دمشق إلى العهد الآرامي ثم اليوناني وبعده الروماني. وكان السور الروماني يمتد على خط مستقيم محدثاً شكلاً مستطيلاً منتظماً طوله 1340 متراً وعرضه 750 متراً، وكان يحوي مساحة تقدر بمائة هكتار، وهي مقسمة إلى جزر مستطيلة يبلغ بعد كل منها 100 مضروبة بـ45 متراً. مفصولة عن بعضها البعض بشوارع تتجه من الشمال إلى الجنوب أو من الشرق إلى الغرب.
وضم السور الروماني سبعة أبواب هي: الباب الشرقي، باب توما، باب السلام، باب الفراديس، باب الجابية، الباب الصغير، باب كيسان.
أما السور الحالي فهو مختلف عن السور الروماني، الذي رمم عدة مرات للخراب الذي أصابه على مر العصور، فعندما احتل العباسيون دمشق في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (132هـ/ 749م) قام عبدالله بن علي، الذي دخل المدينة في عهد الخليفة أبو العباس الملقب بالسفاح، بتخريب السور ولم يترك منه سوى قطعة صغيرة تمتد بين باب توما وباب السلام.
وأهمل السور طوال العهد العباسي وزاد تخريبه إبان الثورات المتلاحقة أيام الأخشيديين والفاطميين والسلاجقة. إلى أن أعاد الفاطميون بناءه في القرن العاشر أول مرة، وبناه نور الدين محمود بن زنكي مرة ثانية، وأخيراً تم استكمال بناء السور على يد الأيوبيين.
كان هناك خندق يحيط بالسور من جهاته الثلاث الشرقية والجنوبية والغربية، وكثرة الأنهار في الجهة الشمالية منعت حفر الخندق من تلك الجهة.
حيّد السور الحالي عن تخطيطه الروماني وذلك رغبة في دعمه، وجعله متفقاً مع اتساع المدينة وامتدادها، وعلى يد الأيوبيين جددت تحصيناته وتم توسيعه خصوصاً من الجهة الشمالية، حيث جعلوه يحاذي مجرى بردى الأصلي، بدلاً من أن يحاذي كما كان سابقاً نهر عقربا الذي لم يعد يحاذيه إلا بعد باب السلام. ولما أتى المماليك ثم العثمانيون، قاموا كذلك بإصلاح ما تداعى من منشآته.
وإذا لم يكن في الإمكان اليوم تحديد المراحل المتعاقبة التي مر بها منذ تحوله عن تخطيطه المستطيل القديم، إلى تخطيطه المتعرج الحالي، إلا أنه يمكن تبيان كل المراحل التاريخية التي تم فيها بناء الأقسام المتبقية من السور، فصفوف أحجاره السفلية الضخمة التي أخذت من السور القديم يعود عهدها إلى ما قبل القرن الثاني عشر. وصفوف الأحجار التي تليها والتي يراوح ارتفاعها بين 50 و60 سنتيمتراً تعود إلى زمن نور الدين وزمن الأيوبيين. أما مداميك الأحجار الصغيرة ذات الأبعاد 20 ـ 30 سنتيمتراً فهي تعود إلى عهد المماليك وبقية الأحجار غير المنحوتة العلوية، وضعت بعد الفتح العثماني.
قلت العناية بأسوار دمشق وأبراجها في العهد العثماني، وذلك لأنها أصبحت غير لازمة في الحرب بعدما تقدم في المدفعية فجعل الانصراف عن الاهتمام بالأسوار أمراً محتوماً له ما يبرره. ولهذا أخذ الناس يبنون بيوتاً متواضعة على الأسوار ويستفيدون من أساساتها. وامتلأت الخنادق التي كانت أمام السور بما كان يلقى بها من أنقاض وغيرها. وتركت القلعة وشأنها، وانتقلت الحياة الرسمية منها، ولم يبق فيها إلا حاكم كان يسميه السلطان لتمثيل سلطته في المدينة ولمراقبة الباشا الحاكم. أما أبواب السور فإنه لم تعد لها فائدة إلا كمناطق اجتياز وعبور تدخل منها البضائع إلى المدينة وتجرى عندها هناك المكوس.
أما أهم معالم سور مدينة دمشق فهي: برج نور الدين، وبرج الصالح أيوب، وقلعة دمشق، وأبواب السور.
برج نور الدين
يقع في الطرف الجنوبي الغربي من سور المدينة ويبلغ ارتفاعه الحالي عشرة أمتار. بناه نور الدين زنكي سنة 654هـ/ 1256م له قاعدة مربعة وشكل شبه مستدير. ويشبه الأبراج التي بناها المهندسون المسلمون في هذا القرن، والبرج مبني من أحجار أخذت كما يظن من سور المدينة القديم. ويلاحظ أن صفوفها السفلية أضخم من صفوفها العلوية التي جددت في زمن الملك الناصر قلاوون.
برج الصالح أيوب
يستند هذا البرج إلى الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة، ويصل سورها الشرقي بسورها الشمالي. أنشأه الملك الصالح أيوب سنة 646هـ/ 1248م، كما تشير كتابة بالخط النسخي على قطعة مرمر داخل إطار في جبهته الشمالية.
ويعد البرج نموذجاً للأبراج الأيوبية الدمشقية، شكله مربع وبناؤه مستوحى من أشكال وتخطيطات أبراج القلعة التي سبقته، ويختلف عنها ببعض التفاصيل، منها أن الوجوه الخارجية لأحجاره ملساء وغير بارزة، ومنحوتة بشكل جيد وما تزال محافظة تماماً على هيئتها القديمة.
كانت توجد عليه شرفات متصلة لم يبق منها الآن إلا مساندها المعلقة عند الطابق المتوسط.
قلعة دمشق
بنيت قلعة دمشق على سور المدينة، خلافاً لأكثر القلاع الإسلامية كقلاع حلب وشيزر وحماه وحمص التي شيدت على بعض المرتفعات.
والسلجوقيون كانوا أول من فكر ببناء هذه القلعة لتحصين دمشق. ولما حكم الملك العادل، أخو السلطان صلاح الدين الأيوبي، هدم القلعة القديمة وبدأ يجدِّد بناءها منذ سنة 605هـ/ 1206م.
للقلعة شكل مستطيل تقريباً مساحته 220 مضروبة بـ 190 متراً لها ثلاثة عشر برجاً، يبتعد كل منها عن الآخر ثلاثين متراً، وكانت تتصل ببعضها بأسوار مرتفعة سمكها بين 4 و 5 أمتار. واستخدمت القلعة كمكان للنشاط السياسي والإداري في دمشق. وكان في جنوبها الغربي قصر لم يبق منه إلا بعض الحجرات المتتابعة المسقوفة بالقباب. ويظن أن قاعات الاستقبال كانت أمام هذه الحجرات كما تدل الآثار.
برج قلعة دمشق
رمم بعض حصون القلعة وأسوارها، أو أعيد إنشاؤه عدة مرات، منذ زمن بنائها حتى أول القرن السادس عشر، حيث جدد الملك الظاهر بيبرس عدة حصون في شمالها وجنوبها. وأصلح السلطان قلاوون بعض أبراجها الشرقية والقصر الملكي. وعمل ابنه الناصر ومن بعده توروز الحفيظي وقانصوه الغوري أيضاً في إصلاح عدة مواضع من السور والأبراج.
وعن قلعة دمشق قال نوفان رجا الحمود:
ـ قلعة دمشق: القلعة في بنائها الحالي تعود إلى الفترة الأيوبية وأُدخل عليها بعض الترميمات والتحسينات في العهد المملوكي، كما أنها نالت اهتمام العثمانيين ورعايتهم، وتتكون القلعة من اثني عشر برجاً ومزودة بشرفات حربية، ومرامي للنبال والأسلحة النارية)[150]( وكانت حامية القلعة سنة 961هـ/ 1553م تتكون من:
أ ـ أربعة عشر بلوكاً من طائفة المستحفظان، بلغ عدد أفرادها مائة واثنين وأربعين جندياً)[151](، وارتفع هذا العدد ليصل بعد أربع سنوات إلى مائة وثمانين جندياً)[152](، كان أفراد هذه البلوكات يتقاضون رواتب نقدية من خزينة الدولة، يتراوح راتب الفرد منهم ما بين 4 ـ 6 أقجات يومياً)[153](.
ب ـ بلوكان من الطوبجية)[154](، وقدر عدد أفرادهما بستة وعشرين جندياً)[155]( وكان يتقاضى كل فرد منهم راتباً نقدياً يتراوح بين 5 ـ 10 أقجات يومياً)[156](. وانخفض عدد الطويجية إلى أحد عشر جندياً سنة 971هـ/ 1563م)[157](.
اثنا عشر فرداً من العربجية)[158](، الذين انخفض عددهم سنة 971هـ/ 1563م إلى سبعة أفراد فقط، وبلغ راتب العربجي اليومي ما بين 5 ـ 6 أقجات)[159](.
أحد عشر فرداً من الجبه جية، ولكن عددهم أخذ في التناقص إلى أن وصل سنة 971هـ/ 1563م إلى ستة أفراد)[160](. كان الفرد منهم يتقاضى راتباً يومياً يتراوح ما بين 5 ـ 8 أقجات)[161](.
عشر أفراد من المتفرقة كان راتب الواحد منهم يتراوح ما بين 5 ـ 8 أقجات يومياً)[162](. ونستطيع القول إن عدد جنود قلعة دمشق لم يقف عند هذا العدد بل زاد زيادة ملحوظة في السنوات التي تلت، وذلك لعدة أسباب منها: الأهمية الاستراتيجية لقلعة دمشق، حيث يتفرع من مدينة دمشق طريقان مهمان: أحدهما طريقة تجاري ذو أهمية اقتصادية كبرى بالنسبة للدولة وهو الطريق الذاهب عبر فلسطين إلى مصر والطريق الآخر ذو أهمية دينية كبرى وهو طريق الحج الشامي، إضافة إلى أهميته الاقتصادية أيضاً، لذا كان لا بد من وجود قوة كافية في القلعة تكون مستعدة عند الحاجة إليها إذا ما تعرض أحد هذين الطريقين إلى الخطر، خاصة بعد أن هجرت بعض قلاع طريق الحج، هذا بجانب الأهمية التي كانت تعلقها الدولة على عسكر دمشق في المساعدة في جمع الأموال السلطانية، خاصة من مدينة حلب وريفها، فقد ذكر أبو الوفاء العرضي سنة 1012هـ/ 1603م أن عدد جنود دمشق الذين كانوا في مدينة حلب عند حدوث المواجهة بينهم وبين عسكر قلعة حلب، يقارب الألف جندي)[163]( وكان من مسؤولية القوة العسكرية مواجهة حركات العصيان المتكررة التي كان يقوم بها الزعماء المحليون، وقد قدرت عدد قوات دمشق التي خرجت لقتال الأمير فخر الدين المعني سنة 1033هـ/ 1623م ما يقارب عشرة آلاف جندي)[164](. من هنا كان لا بد من مرابطة قوات كبيرة في قلعة دمشق، ويعزز هذا الرأي ما تورده سجلات محاكم دمشق الشرعية من أسماء بعض الفرق العسكرية التي كانت ترابط في دمشق، كالفرقة الحادية والسبعين)[165](، والفرقة الثانية والستين)[166](، وفرقة القابوقولية الثالثة والثلاثين)[167](. وعندما زار التاجر الفرنسي Thevenot مدينة دمشق سنة 1664م، ذكر أن عدد جنود قلعتها يتراوح ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف انكشاري، وكان هذا العدد ينقص حيناً ويزيد حيناً آخر)[168](.
ونظراً لما تمثله قلعة دمشق من أهمية في نظر الدولة، فقد حاولت الدولة جاهدة المحافظة على نقاء قوات القلعة وعدم تسرب العناصر المحلية والغريبة (الطاط) )[169]( إلى صفوفها، كي تبقى هذه القوات محافظة على الروح العسكرية، وتمثل ذلك في مراسيم سلطانية وجهت إلى ولاة دمشق (كما حدث سنة 979هـ/ 1571م و985هـ/ 1577م) والتي كانت تنص على أن يملأ الولاة الوظائف التي تشغر بين صفوف الجند بعناصر رومية (تركية) )[170](، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً، فقد حدث تسرب من كلا الاتجاهين: السكان المحليين الذين أرادوا الاستفادة من الامتيازات الممنوحة للعسكر، والعسكر الذين وجدوا المجال مفتوحاً أمامهم لمشاركة الرعية في ممارسة مختلف وجوه النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي ترتب عليه إضعاف الروح العسكرية فيهم، مما اضطر الدولة إلى تجديد حامية دمشق بين حين وآخر، كما حدث سنة 1069هـ/ 1658م عندما بعث الصدر الأعظم (محمد باشا كوبرلي) )[171]( قوة من القابوقولية قدر عددها بثلاثمائة فرد للحلول محل حاميتها، ونتيجة لهذا العمل علل المحبي فساد عسكر الشام)[172](، وهكذا أصبح في دمشق نوعان من الانكشارية: الانكشارية التي كان ولاؤها للدولة وسميت بالقابوقول. والانكشارية التي حدث بينها وبين السكان ارتباط مصالح وسموا بالانكشارية المحلية (اليرلية) )[173](. ومع مرور الزمن زاد ارتباط المصالح بين الانكشارية المحلية والسكان. وبرز العديد منهم في مجالات مختلفة كان أهمها المجال الاقتصادي، ولم ينحصر اهتمامهم في دمشق بل تعدى ذلك إلى ولاية حلب خاصة عندما أوكل إلى عسكر دمشق جمع الأموال السلطانية من ولاية حلب، الأمر الذي أدى إلى ثرائهم، حتى أن بعضهم فضل الإقامة في حلب وريفها على العودة إلى دمشق)[174](. وبلغ من أهمية الانكشارية المحلية أن أوكل إلى بعضهم إمارة قافلة الحج عدة مرات)[175](، وبرز من بين صفوفهم زعماء مشهورون مثل: كيوان بلوكباشي، وكورد حمزة بلوكباشي اللذان تزعما جند دمشق لفترة من الزمن)[176](، وعبدالسلام المرعشي وعلي بن الأرناؤوط وحسن التركماني وكثيرون غيرهم)[177](. وقد زادت المصاهرة من الارتباط بين الانكشارية والسكان، وأصبح زعماء الانكشارية المحلية، في نظر أفراد الرعية، هم المدافعين عن مصالحهم، فالتفوا حولهم وساندوهم ضد قوات القابوقول وضد الولاة الجدد، الذين كانوا أبرز الأعداء في نظر الانكشارية المحلية لمحاولتهم سلبهم ما حصلوا عليه من مكاسب.
أبواب دمشق
يضم سور المدينة أبواباً عدة، كانت سبعة في السور الروماني، أما في السور الحالي ففتحت أبواب جديدة أو سدت أبواب أخرى، وحالياً اختفت بعض الأبواب وحلت مكانها أبنية أو طرق أو أسواق. والأبواب هي:
مشهد من دمشق
1 ـ الباب الشرقي:
يقع على الجهة الشرقية من السور، وينتهي عنده الشارع المستقيم الواصل بين الباب الشرقي وباب الجابية، بني في العهد الروماني أوائل القرن الثالث للميلاد، وجدد في عهد نور الدين زنكي سنة 559هـ/ 1163م كما جدد بناء المئذنة في عهد السلطان العثماني مراد الثالث قبيل سنة 990هـ/ 1582م.
يتألف الباب من ثلاث فتحات أكبرها الأوسط، الذي يقابل منتصف الشارع المستقيم سدت هذه الفتحة والفتحة الجنوبية في القرون الوسطى، ولم يبق إلا الفتحة الشمالية التي تعلوها صفوف من أحجار السور، بقي الوضع كذلك حتى عهد قريب حيث تم الكشف عن الأجزاء التي كانت مختفية منه وفتحت الفتحات الثلاث.
ومستوى أرض الباب أعلى من مستواه القديم، وكانت توجد خارجه باشورة (سوق صغيرة) ذات حوانيت، يمكن إغلاقها ليتمكن أهلها من البقاء فيها، لدى حدوث الغارات أو إقامة الحصار على المدينة. وهذه الباشورة كغيرها من الباشورات الموجودة قرب الأبواب الأخرى، هي من عمل نور الدين زنكي، الذي قام أيضاً ببناء مسجد ومنارة عند كل باب من أبواب المدينة، وذلك بغية مراقبة العدو من مكان مرتفع عند اقترابه من دمشق إبان الحملات الصليبية، إضافة إلى الأذان.
ومن أهم الأحداث التي وقعت عند هذا الباب، نزول خالد بن الوليد عندما فتح دمشق سنة (14هـ 635م)، ومنه دخل عبدالله بن علي حين احتلها العباسيون سنة (132هـ/ 749م).
2 ـ باب توما:
يقع باب توما في الجهة الشمالية الشرقية من سور دمشق، وهو في الأصل باب روماني نسب لأحد عظمائهم واسمه (توما). كانت عنده كنيسة حولت إلى مسجد فيما بعد، وارتفعت فوقه مئذنة كالباب الشرقي، كما كانت توجد عنده باشورة على غرار الأبواب الأخرى.
أعيد بناؤه بشكل جديد زمن «الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى الأيوبي» سنة (625هـ 1228م) كما تشير إلى ذلك كتابة في داخله، وجدد في زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون بواسطة نائبه في دمشق الأمير تنكز سنة (734هـ 1333م) كما تنص على ذلك كتابة على عتبة الباب من خارجه.
أزيل المسجد الذي كان عنده أثناء تنظيم المنطقة في بدايات العهد الفرنسي، وبقيت المئذنة إلى أن أزالها المهندس أيكوشار في الثلاثينات من هذا القرن قبيل الحرب العالمية الثانية بسنوات.
يعتبر باب توما نموذجاً من نماذج المنشآت العسكرية الأيوبية التي تقدم صنعها تقدماً مدهشاً في أول القرن الثالث عشر الميلادي. يعلوه قوس مجزوء. وشرفتان بارزتان لهما دور عسكري وتزييني معاً، وبينهما كوّات الدفاع المستطيلة. أما طبقة الباب العلوية فهي مهدمة ومصلّحة. وينسب باب توما كما أورد ابن عساكر إلى كوكب الزهرة.
3 ـ باب الجنيق:
لا توجد معلومات وافية عنه، غير أنه ذكر في المراجع بأنه يقع بين باب توما وباب السلام، وقد سد منذ عهد بعيد وكانت عنده كنيسة حولت إلى جامع صار بيوتاً للسكن فيما بعد.
4 ـ باب السلام:
من أبواب دمشق الشمالية، يقع غرب باب الجنيق ويقوم في منعطف من السور يجعل اتجاهه نحو الشرق، يقول ابن عساكر في تسميته: «سمي بذلك تفاؤلاً، لأنه لا يتهيأ القتال على البلد من ناحيته، لما دونه من الأنهار والأشجار… ومنه كانوا يدخلون دمشق للسلام على الخلفاء.
اختلفت الروايات حول أصله، فمنهم من نسبه إلى العصر الروماني، ومنهم من قال بأنه لا يبعد أن يكون قد بني لأول مرة في زمن نور الدين زنكي سنة (560هـ/ 1164م) وعلى عتبته من الخارج كتابة تشير إلى ذلك. كما كانت تعلوه مئذنة على غرار باب توما والباب الشرقي. وله درفتان مصفحتان بالحديد، وهو ثاني باب أيوبي أنشىء بعد باب توما، ويشبهه بقوسه وكوّته وشرفاته، ويمتاز عنه بأنه لم يرمم في زمن المماليك ولم يزل في حالة جيدة.
5 ـ باب الفراديس:
ويسمى أيضاً باب العمارة، يقع في الجهة الشمالية للسور، وتعود تسميته إلى العهد الروماني لكثرة البساتين أمامه، أعاد إنشاءه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل سنة (639هـ، 1241م)، وهو حالياً موجود ضمن سوق العمارة وتحيط به المحلات التجارية من الجهة الخارجية للسور.
6 ـ باب الفرج:
يقع في الجهة الشمالية من سور دمشق، بين العصرونية والمناخلية. لذلك يسمى أحياناً باب المناخلية، كذلك يسمى باب البوابجية.
يلاحظ أن عدد أبواب المدينة في الجهة الشمالية أكثر منه في الجهات الأخرى، بسبب عدم إمكان توقع هجوم من هذه الجهة للحماية التي توفرها قنوات المياه (بردى وفروعه العقرباني والداعياني) إضافة لصعوبة التضاريس الناتجة عن سفوح قاسيون.
أحدث الباب نور الدين وسمي باب الفرج لما وجد الناس فيه من الفرج، وجدد أيام سيف الدين ابن أبي بكر بن أيوب عام 689هـ وهو باب مزدوج.
7 ـ باب النصر:
كان يقع على الجهة الغربية للسور جنوب القلعة مباشرة عند سوق الأروام (بداية سوق الحميدية من جهة شارع النصر). أنشأه نور الدين ثم هدم أيام الوالي العثماني محمد رشيدي باشا الشرواني سنة 1280هـ/ 1863م.
8 ـ باب الجابية:
كان يقع غرب سور المدينة جنوب باب النصر، وهو يكاد يواجه الباب الشرقي، ويصل بينهما السوق الطويل (الشارع المستقيم).
يماثل باب الجابية الباب الشرقي من حيث التصميم، إذ كان يتألف من ثلاث فتحات أكبرها هي الوسطى، وقد سمي بهذا الاسم لأنه يؤدي إلى قرية الجابية التي تقع في الجولان. أعاد إنشاءه نور الدين سنة (560هـ، 1164م)، ثم جدده ناصر الدين داود بن عيسى.
يقال إن أبا عبيدة بن الجراح دخل دمشق من باب الجابية صلحاً عند الفتح العربي لها.
9 ـ الباب الصغير:
يسمى أيضاً باب الشاغور، ويقوم في طرف السور الجنوبي مكان باب روماني قديم، والباب الحالي جدده نور الدين، وعليه كتابة مستطيلة بالخط الكوفي تشير إلى أن نور الدين رفع حق التسفير عن التجَّار الذاهبين إلى العراق والقافلين منها.
جدد الباب ثانية في زمن الأيوبيين، وعليه كتابة تذكر أن السلطان عيسى ابن الملك العادل هو الذي قام بهذا العمل سنة 623هـ، ويظهر أن ذلك لم يكن إلا دعماً لما قام به نور الدين.
سمي بالباب الصغير لأنه أصغر أبواب دمشق. وسبب ذلك خطورة الجنوب لدفاع دمشق كونه مفتوحاً عكس الشمال المحمي بالأنهار والأشجار.
يعلو الباب قوس مدوّر، وفوق القوس من الداخل قبة على شكل المهد، وله مصراعان ملبسان بصفائح الحديد المثبتة بمسامير غليظة، يتحركان بارتكازهما على عضادتين صغيرتين علويتين، وعضادتين سفليتين.
10 ـ باب كيسان:
يقع إلى الجهة الجنوبية للسور قبالة دوّار المطار في شارع ابن عساكر، قام نور الدين بسده، ثم أعيد فتحه في عهد المماليك سنة (765هـ/ 1363م) على يد الملك الأشرف ناصر الدين شعبان الثاني، ورمم مجدداً في عهد الانتداب الفرنسي.
كان في قربه مسجد جدده نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، وتشير اللوحة الأثرية عند هذا الباب أنه جدد في العهد العربي، وأدخلت عليه تعديلات عام 1925م، وحالياً، أصبح الباب مدخلاً لكنيسة القديس بولس (سانت بول) التي شيدت عام 1939م، وتروي المصادر التاريخية أن هذه الكنيسة بنيت في نفس المكان الذي تم فيه إنزال بولس بسلة من فوق السور، فتمكن من الوصول إلى أوروبا حيث نشر الديانة المسيحية.
الخانات)[178](
تعددت التسميات التي تطلق على المنشآت المعدة لاستقبال المسافرين والقوافل، والتي تعرف في بلاد الشام تحت اسم «الخانات» ويطلق عليها في مصر اسم «الوكالة».
ولعل تسمية «الخان» تعود إلى الفارسية «أو خانة»، وكانت تعني المبنى المقام على الدروب الخارجية لإيواء القوافل والجنود، ظهرت في فارس منذ عهد قورش «سيرهوس» 550ق.م.
مقبرة الباب الصغير 1865م
وفي المغرب العربي سرت تسمية «الفندق» و«الرباط» الذي يعني الحصن المخصص لإيواء المحاربين أكثر من معناه الفندقي.
وأطلق العرب اسم «القيسارية»)[179]( على الأسواق المغلقة، ثم اختلطت التسمية وأصبحت القيسارية مرادفة للفندق والخان، بدءاً من القرن الخامس عشر، ولكن التسمية استمرت في المغرب، بعد أن أهملت في المشرق العربي.
وظائف الخان
إن الوظائف الأساسية التي من أجلها أُنشئت الخانات هي إيواء القوافل والمسافرين، ولكن ثمة وظائف مرافقة كالبريد والتجارة والأمن، كانت تتميز في عصر أو آخر. فيأخذ الخان وظيفة دون أخرى. وكثيراً ما أصبحت الخانات مقرات سكنية مستمرة يستأجرها المقيمون لوقت دائم، بعد أن كانت لإقامة مؤقتة، أو أصبحت أسواقاً لتبادل البضائع والمتاجرة بها، أو مستودعات لا نشاط فيها أو مراكز لجاليات أو قنصليات لدول أجنبية، لعبت دوراً في حماية التجارة الدولية، أو أصبحت حصناً وثكنة عسكرية ومركزاً دفاعياً.
على أن الوظيفة الفندقية، يعني استقبال المسافرين لإقامة مؤقتة، هي الوظيفة الأساسية التي استمرت حتى هذا القرن العشرين.
النموذج المعماري للخان
ويختلف نموذج عمارة الخان في البلاد الشامية عن «الوكالة» في مصر وعن الرباط في المغرب، والخان السوري الذي نرى له نماذج كثيرة في دمشق يقوم بوظيفتين معاً، الوظيفة الفندقية، وهي إيواء المسافرين وتأمين معاشهم الموقت في غرف عليا، والوظيفة التجارية التي تمارس في فناء الطابق الأرضي وغرفه، حيث تربط الجمال والدواب التي تحمل البضائع المعروضة للبيع والتداول، وفي الغرف المجاورة تمارس عمليات التجارة والاتفاقات، وتخزن البضائع عند الحاجة في المستودعات.
هكذا يتألف الخان من طابقين مشرفين على باحة مكشوفة، وبعد الباب الكبير الذي يشكّل المدخل الرئيسي للخان، تقوم غرفتان صغيرتان للإدارة والمراقبة، يعقبهما درجان يصلان إلى الطابق العلوي المحاط برواق مفتوح على الباحة المكشوفة، وتنفتح على الأروقة الأربعة أبواب ونوافذ الغرف أو الوحدات المؤلفة من عدد من الغرف، والتي تستوعب المسافرين. وتغطَّى هذه الغرف بقباب نصف كروية أو مفلطحة، وجهزت هذه الغرف بمصاطب هي أسرّة للنوم. ويتضمن الخان عادة مراحيض ومياه جارية وبركة تتوسط الباحة المكشوفة لسقاية الدواب، ولا بد من مصلّى مرفق بالخان وقد يكون مسجداً، وقد يشمل الخان حماماً خاصاً، وكانت الخانات في العهد السلجوقي تحوي مطابخ ومخابز.
الكارافان سراي
وقد يقام الخان داخل المدن أو على الطرقات الواصلة بين المدن، وقديماً أطلق على الخانات الخارجية اسم «كارافان سراي» وتعني قصر القوافل، وهي كلمة فارسية ـ تركية انتقلت إلى اللغات الأجنبية ولم يستعملها العرب، وكانت هذه الخانات محصنة، حتى أنها تحولت إلى حصن عسكري في بعض الأحيان.
وتضاءل دور الخانات مع تضاؤل التبادل التجاري البري، وظهور وسائل النقل البحري ووسائل النقل الآلي، أعني السيارات التي ضخمت وطورت عمليات السفر والنقل، وظهرت أبنية لإيواء المسافرين مستقلة عن الأسواق والمستودعات. ثم كانت الفنادق الحديثة بشروطها المتطورة، وأهملت الخانات الخارجية والداخلية، وأصبحت موئلاً للوظائف الثانوية، حتى انتبهت السلطات الأثرية لحمايتها فقامت بترميمها، وإعادة الحياة إليها، ولكن بتحويلها إلى مقرات سياحية ومتحفية، وإلى أسواق أو معامل…
وكانت الخانات تدار وفق نظام دقيق، فإذا كانت تابعة للدولة كالخانات الخارجية، فإنها تدار من وكيل الوالي، أما إذا كانت خاصة فإنها تدار من صاحبها يساعده ناظر أو وكيل في تأجير الغرف وتحقيق النظافة والأمن وجباية ضرائب الدولة، ومن عسس لحراسة المبنى وكان تأجير الخان الخاص يتم لمدة محدودة أو مدة طويلة عن طريق دفع ما يسمى بـ«الخلوة» أو «كدبل» بالتركية. ويمكن بيع الخانات ووقفها لجهة خيرية أو ذُرية.
أما الضرائب فكانت تجبى بصورة دقيقة مركزة في الخان، وهي الزكاة، والعشر للأجانب، وكثيراً ما كان صاحب الخان يلتزم عملية جباية الضرائب للدولة، وكان على مستخدمي الخان أن يدفعوا للوالي ضريبة خاصة تسمى «المكس». وفي العهد العثماني أضيفت ضريبة خاصة على موارد الخان تدفع سنوياً، ولقد أصبح بعض الخانات مقراً لموظف المكوس والجمارك.
خانات دمشق)[180](:
في كتاب «دمشق، مدينة إسلامية» ج2 سنة 1924 للباحثين الألمانيين فولتسنغر وفاتسنغر تحقيق لمواقع المنشآت الإسلامية، وفيه ورد ذكر أقدم خان في دمشق هو دار الضيافة، يعود إلى عام 720م، ثم ورد اسم خان (أماجور) ويعود إلى عام 878م، وهذا يعني أن الخانات في دمشق أنشئت في العصر الأموي واستمرت إلى العصر العباسي، ثم الفاطمي، حيث ورد في هذا الكتاب اسم القيسارية الفخرية التي تعود إلى عام 1042م.
ووردت في الكتاب أيضاً أسماء خانات تعود إلى العصر الزنكي، زادت على العشرين خاناً، وأسماء خانات تعود إلى العصر الأيوبي تزيد على هذا العدد. ولم يبق من هذه الخانات اليوم أي أثر. أما الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي فبلغت مئة وخمسين خاناً بقي منها، خان الدكة فقط.
وبلغ عدد الخانات التي أُنشئت في العهد العثماني ثلاثة وثمانين خاناً، بقي منها خان المرادية، وخان الجمرك، وخان الزيت، وخان سليمان باشا، وخان أسعد باشا، وخان السفر جلانية، وخان الزعفرنجية، وخان العامود، وخان الرز، وحان العصرونية، وخان القيشاني، وخان التوتون، وخان الصوّان، وخان الصنوبر، وخان السلق، وخان القطن، وخان الجلود، وخان مردم بيك، وخان الجيجاوي، وخان الكزبري، وخان شموط (ولم يذكره الكتاب خاناً بل حماماً) وخان القوتلي، ثم وكالة العشا ووكالة كحالة.
ويفتقر أكثر الخانات إلى مصادر تاريخية، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم أو دراسة المهدومة، وسنتحدث عن أهم الخانات الدمشقية التي ما زالت باقية، وشملتها عمليات الترميم والتأهيل، بعد أن أهملت طويلاً، ولا بد من القول إن الخانات المتبقية، مسجلة في القوائم الأثرية، وهذا يعني أنها في حماية السلطة الأثرية ورعايتها. فلا يجوز هدمها وتغيير أوصافها. حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية.
خان الدكة: هو أقدم خان ما زال قائماً حتى اليوم، وتسميته تعود إلى منصة حجرية فيه، حيث كانت تعرض الجواري والأقنان لبيعها، ولذلك أطلق عليه أحياناً اسم خان الجواري، ويقع في سوق مدحت باشا.
وهو مؤلف من باحة مكشوفة محاطة بثماني غرف، وثمة قائمة كبرى في الزاوية الشمالية الشرقية، وما زالت أعمدة المنصة أو الدكة قائمة في الباحة التي زالت منها البركة ذات الاثني عشر ضلعاً. وفي الدهليز الذي يعقب بوابة الخان غرفتان من كل جانب، والخان مؤلف من طابق أرضي فقط.
ومن العصر المملوكي ما زال «خان جقمق» قائماً، وكان الأمير سيف الدين جقمق نائب السلطان المملوكي في دمشق أنشأه عام 1421م، وهو يقع كسابقه في سوق مدحت باشا، هذا السوق الذي كان في العهد الروماني السوق الرئيسي للمدينة (دوكومانوس).
ولهذا الخان الصغير بوابة مزخرفة كبيرة، تنتهي بعد دهليز مسقوف إلى باحة مكشوفة مستطيلة، كانت لها بركة سداسية، وأحيطت بغرف عددها ثماني عشرة غرفة، وفي جانبيها إيوانان من الشرق والغرب مغطيان بقبوة متصالبة، ويصعد إلى الطابق العلوي من درجتين في الدهليز، وفيه اثنتان وعشرون غرفة، سقوفها كانت مقببة قبل حريق 1925، ثم أعيد بناؤها مسطحة.
أما «خان الخياطين» الذي أنشأه الوالي العثماني شعبان أحمد شمسي باشا سنة 1556م، فإنه يقع في سوق الخياطين، وكان اسمه «خان الجوخية». وهو مؤلف من بوابة مزخرفة، ودهليز في طرفيه درج وقاعة واسعة، لعل أحدها كان مطبخاً، وينتهي الدهليز بباحة مستطيلة مؤلفة من مربعين، ومحاطة برواق، ولعل الباحة كانت مغطاة بقبتين لهما أثر واضح في زوايا وأركان القباب المتبقية. ويحيط بالباحة اثنتي عشرة غرفة، كل غرفة مؤلفة من قسمين تعلو كل واحد قبة، أما الطابق العلوي فكان مؤلفاً من عدد مماثل من الغرف التي يتقدمها رواق مقبب يدور حول الباحة ويشرف عليها. ويعتبر هذا الخان أقدم الخانات العثمانية في دمشق.
أما «خان الحرير» الذي يقع في سوق الحرير، جنوبي الجامع الأموي الكبير، فأنشأه سنة 1573 درويش باشا، ويطلق عليه اسم قيسارية درويش باشا، وقد أوقفه لصالح جامع الدرويشية وملحقاته.
وتبلغ مساحة هذا الخان الواسع 2500 متر مربع. وتنفتح بوابة الخان المزخرفة من طرف الواجهة المبنية من مداميك متناوبة من الحجر المنحوت الأبيض والأسود، ويحيط بالخان خارجياً سبعة وعشرون مخزناً. وعندما نتجاوز البوابة، وبعد اختراق الدهليز المغطى بقبتين متصالبتين، نصل إلى الباحة المكشوفة المحاطة بتسعة عشر مخزناً، لكل مخزن مستودع، وفي وسط الباحة بركة، وتغطي المخازن قبوات سريرية أو متصالبة، وهي مبنية من الحجر المنحوت الأسود، وفوق أبوابها ونوافذها أقواس مزينة بمنحوتات بديعة.
ونصعد إلى الطابق العلوي من درجين في الدهليز، ونصل إلى رواق محيط مغطى بأربع وأربعين قبة صغيرة، تقوم خلفه اثنتان وخمسون غرفة مغطاة بقبوات سريرية، وثمة غرفة واسعة تخرج عن مخطط الخان في الزاوية الشمالية الشرقية، وتقوم فوق مخزن في الطابق الأرضي.
في عام 1593، وبمقتضى وقفية مراد باشا تم بناء «قيسارية ابن القطان» التي تسمى «خان الصابون»… و«خان المرادية» الذي يسمى «البزستان». أما القيسارية فهي بناء صغير مؤلف من طابقين حول باحة مربعة، وفي الطابق العلوي رواق مغطى بإحدى عشر قبة.
أما خان «المرادية» فكان موقوفاً على فقراء الحرمين الشريفين، ويقع غربي الجامع الأموي، وله خمسة أبواب، وهو مؤلف من بناء مربع وملحق مستطيل، ويتألف البناء المربع من باحة مربعة محاطة بأربعة وعشرين مخزناً، عدا ثلاثة وعشرين مخزناً خارجياً، أما الملحق فهو دهليز يشكل مدخلاً لخان الجمرك.
أما «خان الجمرك» وهو من منشآت الوالي مراد باشا سنة 1596م. فيختلف بمخططه عن جميع الخانات، إذ يمتد على شكل زاوية قائمة من دخلة السليمانية إلى سوق الحرير في اتجاه الشرق. ولقد وصف في وقفية مراد باشا وصفاً دقيقاً مع وصف المرادية، وهو يتضمن ثلاثة وخمسين مخزناً كبيراً وثمانية مخازن صغيرة، وتقوم بين المخازن عضادات تحمل أقواساً تستند عليها تروس، تحمل تسع قباب ذات رقاب ونوافذ.
وقبل أن نتحدث عن خان أسعد باشا، لا بد أن نتذكر خان سليمان باشا الذي يقع في سوق مدحت باشا، وهو مبني بمداميك بيضاء وسوداء بالتناوب. وهو كباقي الخانات هندسة، ويمتاز بباحة مستطيلة كانت مغطاة بقبتين زالتا وما زالت آثارهما باقية. وفي مدخل الباحة تقوم سبع عشرة غرفة ومخزن وإسطبل ودورتان للمياه.
أما الطابق العلوي فمؤلف من رواق مغطى بقبوات متصالبة ومحاط بتسع وعشرين غرفة ذات نوافذ من الطرفين، الداخلي والخارجي، ولهذا الخان أبواب ثلاثة تقع في الزاوية الجنوبية الغربية، ابتدأ بناء هذا الخان بأمر الوالي سليمان باشا العظم سنة 1732م وانتهى عام 1736م، وفي عهد ابن أخيه أسعد باشا سنة 1743 ابتدىء ببناء خان أسعد باشا الذي يستحق بحثاً مستقلاً، فهو رائعة معمارية تفوق نظائرها في جميع أنحاء البلاد التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية، وصفه «لامارتين» عند زيارته إلى دمشق، بكثير من الإعجاب والتقدير لصانعيه ومصمميه.
أُنشىء خان أسعد باشا في عام 1743م وانتهى بناؤه عام 1756م، وهو ملك خاص لوالي دمشق أسعد باشا العظم، ثم انتقلت ملكيته إلى عدد من التجار، ثم استملكته مديرية الآثار مؤخراً، ورممته لاستخدامه سوقاً سياحية للصناعات الشعبية.
يقع الخان في سوق البزورية الشهير، حيث باعة العطارة والسكاكر، إلى جانب حمام تاريخي أُنشىء في عهد نور الدين بن زنكي، وتبلغ مساحته 2500 متر مربع، ويمتاز بواجهة عريضة في وسطها بوابة ضخمة مزخرفة، يعلوها ساكف مزخرف بقوسين بارزين متشابكين، وفوقهما تجويف من المقرنصات يحيطه قوس مركب من أحجار متشابكة مسننة بلونين أبيض وأسود متناوبين، وفوقه نافذتان، وعلى جانبي القوس الأعلى نوافذ مستطيلة، ومن الأسفل فتحتان مزودتان بفسقيتين، وفي واجهة البناء الجنوبية والغربية 31 مخزناً، وبعد دهليز عريض يستوعب غرفتين للحراسة ومصعدي الدرجين، نصل إلى باحة ذات فتحة سماوية دائرية توحي أنها كانت مغلقة بقبة، وفي وسط الباحة، بركة مثمنة. وجدران الباحة التي تشكل واجهات الغرف مبنية بالحجر الأسود والأبيض بمداميك متناوبة. وتحيط بالفتحة السماوية ثماني قباب تغطي الباحة، عدا مركزها، بمساحة 729 متراً مربعاً، وأعيد ترميم بعض هذه القباب مؤخراً، وهي ترتفع عشرين متراً.
ويتألف الخان من طابقين: الطابق السفلي ويحوي واحداً وعشرين مخزناً أكثرها مزود بمستودعات، وفي القسم الشمالي الغربي مسجد صغير ينفتح إلى خارج الخان.
يتألف الطابق العلوي، من أروقة مشرفة على الباحة، وخلفها خمس وأربعون غرفة، وجناح للمراحيض، الغرف كلها مغطاة بقباب صغيرة، وذات أبواب ونوافذ ما زالت تحتفظ بأصالتها مع أقفالها.
وواجهة هذا الخان ومشهده الداخلي يثيران الإعجاب بروعة الزخرفة، والتنسيق اللوني، مع دراسة رائعة للفضاء الداخلي.
وفي مقابل خان أسعد باشا يقوم خان صغير يضم مجموعتين من المخازن، بينهما ما زال قائماً عمود يحمل أساس عقود، مما يدل على أنه كان يحمل أعصاب قبتين تغطيان باحتي المجموعتين، وهو مؤلف من طابقين، ويطلق على هذا الخان اسم «خان العمود» ولا يعرف تاريخه الدقيق.
وليس بعيداً من هذا الخان، يقوم «خان الصدرانية» ويختلف مخططه عن باقي الخانات، بسبب مساحة الأرض المحدودة الضيقة، ويلفت النظر بحلوله الهندسية التي أدّت إلى الاستفادة من كل جزء من الأرض لإقامة المخازن والغرف حول باحة مستطيلة، وعددها ثلاثة عشر مخزناً. أما غرف الطابق العلوي فهي مهدمة ومهجورة.
قباب خان أسعد باشا ومأذنة الشحم 1870م
وثمة خان صغير يسمى «العفرنجية» يشبه هندسياً خان الصدرانية وهو معاصر له.
إن عدد الخانات الوافر في دمشق، وما زال القليل منها باقياً، يدل على مدى ازدهار الحياة الاقتصادية والتبادل التجاري بين دمشق وغيرها من المدن السورية أو العواصم الإسلامية، خصوصاً مكة المكرمة والمدينة المنورة، إذ كانت مواسم الحج ذهاباً وعودة من أخصب المواسم وأطولها، وأثرت الظروف السياسية والاقتصادية في الدول المجاورة وفي سورية، على المواسم الاقتصادية، ما نراه واضحاً في تزايد أو إهمال الخانات عبر التاريخ.
خان أسعد باشا يتحول متحفاً للتاريخ الطبيعي
حظيت دمشق منذ الأزمنة القديمة بموقع استراتيجي مكّنها وعلى مرّ العصور من أن تكون بوابة للقادمين إلى مناطق الشرق. وقديماً احتلت موقعاً مميزاً على طريق القوافلِ التجارية المحملة بالبضائع المتعددة الأنواع للتجار القادمين إلى الشرق. وهذا الأمر دعا سكّانها لإقامة المنازل والمنشآت الخاصة بالمسافرين. وقد أقيم في دمشق العديد من المنازل لاستقبال القوافل من تجار وحجاج وأطلق على هذه المنازل تسميات عدة منها الفنادق.. القيساريات.. الخانات. فمع كون هذه المنازل تختص بوظائف متشابهة إلا أن لكل منها هندسة معمارية رائعة خاصة به. وقد تطورت هندسة هذه الخانات منذ أواخر العهد العثماني حتى أصبح واحدها أشبه بسوق مغلق مبني في طبقتين من الحجارة الجيدة النحت في واجهته وبوابته وجدرانه الداخلية. أما القباب فبنيت من الآجر وطليت بالكلسة البيضاء. هذا ويتخلّل الواجهات البوابات وبعض الزخارف المعمارية والأحجار الملونة.
ومن أشهر خانات العهد العثماني خان أسعد باشا الذي يعتبر من أجمل الخانات، وقد شيّد الخان والي دمشق أسعد باشا بن إسماعيل باشا العظم الذي حكم دمشق بين عامي (1156 ـ 1170هـ) (1743 ـ 1756م).
ولخان أسعد باشا شهرة فائقة لازمته منذ بنائه حتى يومنا هذا حيث كان قديماً قبلة للرحالة والسياح يقصدونه للتفرّج على ما يمثله من عراقة في التقاليد وما يقدمه بناؤه من فن معماري رائع، حيث نجد أن فنون العمارة في بلاد الشام متمثلة في هندسته وفي عناصره المعمارية وأهمها الحجارة البلقاء المؤلفة من اللونين الأبيض والأسود المستعملين بالتناوب في مداميك الجدران.
ونظراً للتطور الطبيعي والحيوي الذي عرفته دمشق عبر العصور الموغلة في القدم والتي تعود إلى مليون سنة خلت، تقرر إنشاء متحف للتاريخ الطبيعي في خان أسعد باشا الأثري الواقع بالقرب من سوق البزورية في دمشق القديمة.
وقد تجلّت فكرة قيام المتحف في سورية كونها الأهم تاريخياً بين العواصم المأهولة. كذلك أن عملية تحويل خان أسعد باشا إلى متحف للتاريخ الطبيعي هو المشروع الأول من نوعه في الشرق وقد تمّ الاتفاق بين الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) ووزارة الثقافة السورية على أن يتم إنجاز هذا العمل خلال عام 2000، وقد تولت المديرية العامة للآثار والمتاحف الإشراف على الخان من صيانة وترميم منذ عام 1980 حيث تقوم لجنة يابانية تضم أكاديميين وخبراء بتحويل الخان إلى متحف، وقد رصد لهذا المشروع حوالى 17 مليون دولار أميركي في إطار خطة للتعاون (جايكا).
بدأ العمل في هذا المشروع الهام وذلك بالتعاون بين وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف بإدارة الدكتور سلطان محيسن، والجانب الفرنسي بإدارة الدكتور فريديريك آبس والبروفسور الياباني تاكيروا أكازاوا بالإضافة إلى الاستعانة بمهندس إيطالي مختص بالناحية المعمارية، ويتألف المتحف التاريخ من عدة أقسام:
القسم الأول: قسم المكتشفات الأثرية التي تعود لعصر ما قبل التاريخ بعصريه الحجري القديم والحجري المتأخر.
القسم الثاني: يختص بالبحث والتدريب الأثريين، أما القسم الثالث، وهو قسم عفرين، فستعرض فيه هياكل عظمية لطفل النياندرتال. والجدير بالذكر أن البروفسور الياباني تاكيروا اكازاوا عمل في مغارة الديدرية الواقعة في منطقة عفرين بمحافظة حلب، وهو من اكتشف هيكل عظيم لطفل النياندرتال أثار وما زال يثير ألغازاً وأسئلة كثيرة وقف عندها المختصون بعلم الآثار.
كذلك هناك قسم الوثائق التاريخية وقسم الترميم وقسم الموجودات التاريخية. هذا وسيتم عرض آثار ما قبل التاريخ في الطابق الأول من الخان. أما الطابق الثاني فستعرض فيه مواضيع البيئة القديمة والحديثة وسيتم التركيز من خلالها على الأخطار التي واجهت البيئة السورية قديماً وسيتم من خلال ذلك عملية ربط بين البيئة القديمة والبيئة الحديثة ودراسة أنواع من الحيوانات التي انقرضت.
كذلك سيتم إنشاء عدة مخابر كمخبر للبيئة ومخبر للنباتات القديمة ومخبر حيوي ومخبر للنباتات الحديثة ومخبر ما قبل التاريخ.
أما عن معروضات المتحف فهي قطع أثرية منذ عصر النياندرتالي وعصر الإنسان الحديث الذي يبدأ مع نهاية الألف العاشر قبل الميلاد وبداية الألف السادس قبل الميلاد أي منذ عصر الفخار. كذلك سيتم عرض للأدوات القديمة التي كان يستخدمها الإنسان القديم من أدوات منزلية وأدوات صيد بالإضافة لعظام الحيوانات.
هذه المعروضات ستوزّع على 40 قاعة عرض دائمة سيرتبها المنظمون بحسب الحقب التاريخية وبحسب المناطق التي اكتشفت فيها. هذا وسيضم المتحف الذي تبلغ مساحته 2500 متر مربع قاعات عرض موقتة تتوزّع في الطابقين السفلي والعلوي.
أما المخابر فستجري فيها دراسة نوعين من الموضوعات هي البيئة الطبيعية والبيئة الحديثة والربط والمقارنة بينهما من حيث الأخطار التي واجهت البيئة السورية القديمة والبيئة السورية الآن بالإضافة إلى دراسة الحياة الفكرية لإنسان ما قبل التاريخ منذ العصر الحجري الوسيط ثم الوضع الحالي للإنسان والبيئة والعلاقة بينهما، وسترتكز هذه الدراسات على أسلوب شايكو وهو الطب الطبيعي التقليدي المحلي المستخدم في اليابان والذي يعتمد على تحليل النبات والحيوان والمواد الطبيعية المختلفة.
المدرسة الجقمقية
متحف الخط العربي
بداية كان المتحف مدرسة للتعليم الديني، خططها وأسس جدرانها علم الدين سنجر الهلالي، لكنه لم يتمّها. وحوالى العام 1360م أمر السلطان حسن بعمارتها، فبنى فوق أساساتها الأولى جدراناً بحجارة سود وبيض، وجُعل لها نوافذ في شرقها، فأصبحت في عهده ميتماً للأطفال، ثم حُوّلت إلى خانقاه. واحترقت حينما احتل تيمورلنك دمشق، وجدّدها الأمير سيف الدين جقمق الذي عُيّن حاكماً على دمشق العام 1419م من قبل حكام المماليك في مصر. لتسمى بعد ذلك «المدرسة الجقمقية».
أنشأ في شمالها (خانقاه) يفصل بينهما الطريق، ويطوّق جدار المدرسة من أول الجدار الشمالي إلى آخر الجدار الشرقي سطر يبتدىء بالمعوذة ثم بالبسملة ثم آيات من القرآن الكريم ثم الآتي: «أنشأ هذه الخانقاه والتربة المباركتين المقر الأشرفي المولوي الكبيري العالمي العادلي المهدي العابدي الخاشعي الناسكي الزعيمي المقدمي الذخري والظهيري السيفي عزّ الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، سيف أمير المؤمنين، جقمق الدوّا دار المؤيدي، كافل الممالك الشامية المحروسة، ضاعف الله له الثواب وغفر له ولوالديه ولأحبابه يوم الحساب بمباشرة الحساب السيفي قفري ورَمْش، وذلك في شهور سنة أربع وعشرين وثمان مئة».
توفيت والدة سيف الدين فدفنها في المدرسة، وتعد من أبدع المدارس الدينية آنذاك، وفرشها بالبسط الثمينة والقناديل المكفّتة بالذهب.
أوقف لها طاحوناً في سوق وادي بردى، وخان جقمق في الحميدية للفقراء. ثم أعلن التمرد على السلاطين في مصر فقُتل في قلعة دمشق العام 1421م وجاء من بعده أبو سعيد جقمق فأهدى المدرسة مخطوطة «الدعاء السيفي» إذ تحتوي على أدعية وأسماء الله الحسنى، واسمه في أول الصفحة العام 1438م وظلت المدرسة تقوم بدورها كدار للتعليم الديني حتى 1943م وهو العام الذي هُدمت فيه بسبب القصف الفرنسي آنذاك على حيّ الكلاسة الذي تقع فيه. وابتدىء ترميمها من عام 1955 حتى 1960 من قبل مديرية الآثار والمتاحف العامة، وافتتحت كمتحف للخط العربي منذُ ذلك الحين، لوجود أشرطة كتابية من القرآن على معظم الجداريات الداخلية والخارجية.
أهم محتوياته من كتابات ما قبل الإسلام:
1 ـ (نقش النمّارة) وهو نسخة جصّية عن كتابات عربية نبطية وُجدت في النمارة (الواقعة شمال الصفا والقصر الأبيض في حوران) على قبر امرىء القيس أحد ملوك العرب من لخم مؤرخة سنة 328م (القرن الرابع الميلادي). النص الأصلي لهذه النسخة موجود في متحف اللوفر في باريس.
ويتألف النقش من خمسة سطور كتبت بالقلم النبطي ونصه الآتي: «هذا قبر امرىء القيس بن عمر ملك العرب كلهم الذي حاز التاج، قهر الأسديين ونزار وملوكهم وهزم مسحج القوية، يجزي من أنحار نجران ومدينة شمر وملك معد وأظهر بنيه على الشعوب ووكلهم الفرس لصدّ الروم فلم يبلغ مبلغ ملك مبلغه قوة، ملك سنة 223 نبطي يوم 7 كانون أول (ديسمبر) ليسعد أولاده. طول 173 عرض 42 سم».
2 ـ جزء من حجر بازلت نُقِش عليه باللغة السريانية نص مؤرّخ سنة 576م. وجد في الدير الوسطاني شرق بحيرة العتيبة، الأصل محفوظ في متحف دمشق الوطني.
3 ـ كتابات عربية منقوشة بالخط الكوفي من القرن الحادي عشر ميلادي. وجزء من لوحة يزينها شريط من الأعلى كتابي منفّذ بالخط الكوفي ونصه: «الذي يشفع عنده» والأسفل زخرفي، وجزء من لوحة من الحجر مزينة، بوجهها شريط كتابي بالكوفي: «بن تغلب وكليب وقابور» ونطاق آخر: «أنه لا إله إلا هو والملائكة». أما النطاق المكتوب على الظهر فهو من آية الكرسي وهو أيضاً بالخط الكوفي ونصه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلاَّ بِمَا شَاءَ}.
وبعض الكتابات العربية المنقوشة على الأحجار رقّمت بالخط الثلث يعود تاريخها إلى القرنين 18 و19م ـ العهد العثماني. ومخطوطة ملكية نُفذت الكتابة بالحبرين الأحمر والأسود، واستعمل من الزخرفة التذهيب والألوان «باسم السلطان ناصر الدين قاجار شاه، بالخط الثلث 1593م».
ومخطوطة «لسان الحكام» نفذت كتابتها بالحبر الأسود واستعمل في تزيينها الألوان والتذهيب، ألّفها أثير الدين بن الشحنة، تاريخها 1618م، وورقة تحوي حكماً دوّنت بالخطين العربي والفارسي، ومخطوطة «قنديل حرم» في الغزل، ذات جلد نفيس جداً، وهي بالخط الفارسي، وكتابات كوفية من العهد العباسي على ثلاث أقمشة تعود للقرنين التاسع والعاشر الميلاديين.
إحدى هذه القطع تحمل اسم الخليفة المقتدر بالله ابن الإمام المكتفي بالله، وهي مؤرخة 291هـ/ 903 ـ 904م. ومخطوط يحتوي على سجل مخابرات الحكومة العثمانية في سورية 1631م ـ 1644م. ومرسوم سلطاني باسم السلطان محمود الأول، زين أعلاه (الطغراء)، ومخطوطة الجزء التاسع من القرآن الكريم، بالخط الثلث أوقفها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي على المدرسة النورية في دمشق سنة 1162م، والجزء الخامس من القرآن الكريم وهو ذو جلد مذهب وكتابة بالثلث منمقة (القرن 14م)، ومخطوطة جامعة لكتابين وهما: «مرج البحرين في مدح الملكين الناصرين» و«الكواكب الدرية» ـ 14م، ورقة من رق الغزال عليهما أربع صفحات مكتوبة بآيات قرآنية من سورة العنكبوت ـ الخط البديع، مشكولة باللونين الأحمر والأخضر، وورقة من رقّ الغزال «سورة الأحزاب» 36 ـ 49، كتبت بالخط الكوفي القديم وبالمداد الأسود. شُكلت بالأحمر. وكتابة كوفية منقوشة على جلاميد بازلتية يتّسم تنفيذها بالبساطة والسرعة، وجدت على جبل أسيس.
حياة دمشق كما وصفها الرحالة الغربيون
في القرنين السابع عشر والثامن عشر
تقدم مدونات التاريخ الوسيط نظرة شبه موحَّدة إلى الأحداث، إذ تسيطر الشخصة التاريخية على رؤية المؤرخ وآلية تعاطيه مع الحدث. وبالطبع فإن هذه الطريقة لم تقتصر على تدوين ما عاصره المؤرخون، بل صارت حالة عامة في كتابة التاريخ.
وليس غريباً أن تستحوذ الشخصية التاريخية على عقل المؤرخين، فعلم التاريخ نشأ أصلاً عندما شرع مدونو الحديث بالتحقق من الرواة وبكتابة السيرة النبوية، لذا كان من الصعب استخراج التاريخ العام للمجتمع من خلال المدونات التاريخية تلك.
وكانت أوصاف المدن وتاريخها ترد بشكل مفصل في كتب الرحالة أكثر من كتب المؤرخين، فمعجم البلدان لياقوت الحموي يضع أمامنا تفصيلات ومواصفات مهمة، ولكنها في الوقت نفسه مرويات تفتقر إلى الدقة العلمية، وابن بطوطة يضع أمامنا الكثير من المظاهر التي لا نجدها عند كبار المؤرخين، وحتى عند العلماء المتأخرين أمثال ابن عساكر، فإن وصف الأماكن يغلب على وصف الحياة العامة.
المناهج التي سادت في زمن ابن عساكر تطورت بشكل كبير في نهاية العصر المملوكي وخلال العهد العثماني لتصبح سيراً شخصية، نستطيع عبرها رصد مواقف عامة وأحداث متفرقة، ولكن هؤلاء المدونين لم يفقدوا اهتمامهم بالأشخاص، فنرى بدير الحلاق مثلاً يكتب عن ولاة دمشق وأفعالهم ومواقف الناس منهم، وميخائيل الدمشقي يسير على المنوال نفسه. وكانوا يرون ما حولهم من أشكال اجتماعية شأناً عادياً، مما جعل مذكرات الرحالة الأجانب في النهاية تقدم وجهة نظر الآخرين تجاه منطقتنا، وما يقولونه عن دمشق مثلاً يعبر أولاً وأخيراً عن شكل اجتماعي كان متمايزاً عن الحالة الأوروبية عموماً.
الجامع الأموي والفارس دارفيو
الفارس دارفيو فرنسي الأصل، قرر بعد وفاة والده العام 1650م الذهاب إلى الشرق لمزاولة التجارة، فزار دمشق العام 1660م لكنه لم يستطع البقاء فيها طويلاً بسبب وفاة والدته، وخلال الفترة القصيرة التي قضاها في دمشق سجل بعض الملاحظات كالتالي:
أولاً: قدم وصفاً للجامع الأموي وأبدى إعجابه الشديد بالفسيفساء التي تغطي جدرانه، وذكر أن الدخول إليه يتم من اثني عشر باباً جميلاً مكسوة بالنحاس المنقوش. وأهم ما لفت نظره التالي: «ويكن المسلمون لهذا الجامع احتراماً يبلغ أقصى الحدود، لدرجة أنهم يخلعون نعالهم قبل دخول الصحن ويمنعون النصارى والأجانب من دخوله».
ثانياً: تحدث عن البيوت الدمشقية فوصفها بأنها صغيرة من الخارج لكنها كبيرة من الداخل، وقال عن المنزل الدمشقي: «ويندر أن تجد هنا منزلاً من دون منهل يعمل على تزيينه وتوفير رفاهيته»، وأشار إلى أن جدران المنازل مزينة برسوم فيها الكثير من الذهب واللازورد، وقال: «يحب سكان دمشق أن يظهروا بلباس لائق وأن يعيشوا برفاهية، وأن يقتنوا الأثاث الفاخر، وهم يحبون حريتهم، إنهم رعايا السلطان وليسوا بعبيد لأحد». وهذه الملاحظة لا نسمعها ممن كتبوا عن تاريخ المدينة من أهالي دمشق، فبدير الحلاق مثلاً لا يرصد سوى الغلاء والأحداث التي تعبر عن معاناة الناس.
ثالثاً: قام الفارس دارفيو بجولة في ضواحي دمشق وسجل عن مدينة جوبر لاحتوائها على كنيس يهودي، وقدم وصفاً لصيدنايا وكنيستها الشهيرة، وربط معظم الأوابد بأحادث وردت في المرويات اليهودية، أي أن نظرته إلى دمشق كانت خاضعة لثقافة محددة معينة.
جان تيفينو ومقاهي دمشق
رحالة آخر فرنسي هو جان تيفينو زار دمشق العام 1664م وأهم ما لفت نظره فيها المقاهي التي يبدو أنها كانت منتشرة على سور دمشق، وهو يسميها ضواحي المدينة. يصف مقهى السنانية فيقول إنه يحتوي عدداً كبيراً من النوافير الدافقة في بحرته الكبيرة، ويقارنه بمقهى الدرويشية الذي كان يحتوي جدولاً وأشجاراً كبيرة. وهذان المقهيان زالا من الوجود اليوم، وهما كانا حسب وصف الرحالة مجاورين لجامعي السنانية والدرويشية اللذين لا يبعدان عن بعضهما سوى أمتار قليلة. ويتحدث عن قهوة بين النهرين التي كانت تقع في منطقة المرجة، حيث يتفرع بردى إلى فرعين بينهما جزيرة أقام عليها الدمشقيون القهوة ويصفها جان تيفينو بأنها «مكسوة بالزهور والنباتات الأخرى… إن هذه الخضرة والألوان المرقشة بالإضافة إلى أريج الأزاهير العديدة تضفي الكثير من البهجة على تلك المشاهد… نعم فإنها حرية بتعزيز الإمتاع الذي تشعر به في أي مكان يتّصف أصلاً بالجمال».
وهناك رحالة إنكليزي يصف هذا المقهى أيضاً في القرن السابع عشر، ويذكر أيضاً أنه يحتوي قسماً للصيف وآخر للشتاء، كما يصف الرواد بأنهم «يجلسون على الدواوين مبتهجين بهذا المكان الممتع، فليس هناك ما يستحوذ على مشاعرهم بكل هذا السرور كالخضرة والمياه».
إن المشاهدات السابقة هي نوع من إتاحة المجال لرأي آخر ومختلف حول مدينة دمشق، في فترة كانت تعاني من غياب عام لأجهزة الدولة، إضافة لوجود تذمر من الوضع العام، فالرحالة الأجانب مهما كانت بغيتهم في وصف المدينة، يقدمون لنا مادة مهمة للدراسة والبحث والقراءة.
«البيت الدمشقي القديم»
سحر خاص
تعتبر مدينة دمشق من أقدم المدن الحية التي ما زالت قائمة إلى الآن. ودلت المكتشفات الأثرية في «إيبلا» إلى أنها تعود إلى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد. لذا فمن البديهي أن تعثر في دمشق القديمة على صفحات منسية من التاريخ، متناثرة على قبابها، ومآذنها، وجوامعها، وأبوابها، وبيوتها صفحات موشاة بالفسيفساء والموزاييك والنقوش وأطياف الماضي، وها هي «الحياة» تفتح صفحة من تلك الصفحات وتقرأ:
لعل ما يلفت النظر في تلك الآلىء المخبأة بأصداف العصور الآفلة، هو البيت الدمشقي القديم الذي يتميز بطراز معماري فريد وجميل من الداخل بعكس الخارج، إذ لا يظهر منه سوى باب منخفض صغير لا تتوقع مطلقاً أنه يقود إلى ذلك المكان الواسع والجميع والهادىء.
يقول د.أ. كوسيوغلو في كتاب «دمشق القديمة في الثلاثينات»: «لا توجد واجهات خارجية بل جدران مرتفعة جداً تخترقها بعض النوافذ المسيجة بشبك، وبأبواب منخفضة. والبيوت تدير ظهرها للطريق لتمتد الباحات الداخلية الواسعة برخاء لا يتوقع، وحيث الحياة الأنثوية تسيل وديعة في منأى
عن نظرات الفضوليين».
واللافت لدى دخول بيت دمشقي قديم هو ذلك الفناء الواسع حيث الماء والورود والأشجار: «يلاحظ في منتصف الفناء فسقية تكسو جدرانها الخارجية ألواح من الرخام مختلفة الألوان، وهي مصففة كيفياً على شكل فسيسفاء تتدفق المياه إليها عن طريق أربع نوافير مختلفة الأشكال، وعلى كورنيش هذا الحائط الصغير من الرخام نجد أحواض الزهور، وتميل شجرة صفصاف بأغصانها المكسوة بالأوراق الخفيفة على سطح الماء شبيهة بسجف من حرير».
الساحة الداخلية لبيت دمشقي قديم
يقول ذلك ش. رونو في كتاب «من أثينة إلى بعلبك» 1846م ويضيف: «تنتشر في أرض الفناء بعض أشجار الليمون تتداخل فيها كتل من الورود والآس والريحان والكثيفة والياسمين الدائري الشكل. والجدران مدهونة بخطوط عريضة صفراء وبيضاء مرتبة بشكل متوازٍ علماً أن واجهة واحدة من تلك الجدران تخترقها فتحة تؤلف نوعاً من رواق تحيط به أريكة».
ففناء البيت الدمشقي بهذا المعنى كفيل بمنح الروح الهدوء، والمتعة، والصفاء إذ يجتمع فيه رذاذ الماء، وعبق الورود، وتغريد العصافير، وجمال الشكل والتصميم.
بعد الفناء ندخل الليوان الذي يصفه د.أ. كوسيوغلو بالقول: «يقع الليوان وهو مكان الشرف، والصالون الطبيعي مع مقصوراته وزخارفه المتعددة الألوان تحت إحدى القناطر بين غرفتين متواجهتين ويكون عادة على مستوى أعلى من الفناء».
الساحة الداخلية لبيت دمشقي قديم
ويتابع: «نصعد إلى الطابق الأعلى عن طريق درج حاد. أما الغرف فتراها في نسقٍ واحد على طول الرواق تطل على الجهة الجنوبية للاستفادة ما أمكن من أوضاع الشمس في مسارها. وبمقدار ما تكون منخفضة تكون درجة حرارتها مرتفعة شتاء فتدخل الغرف بشكل واسع، وأما صيفاً فهي تنشر برودة عندما تكون الشمس في السمت ولا تتجاوز عتبة الأبواب».
على رغم هذه التفاصيل الصغيرة والدقيقة فإن البيت الدمشقي التقليدي يمكن تقسيمه إلى قسمين أساسيين، الأول يسمى «السلاملك» وهو مكان مخصص للاستقبالات ويدخل إليه من الخارج مباشرة، وكانت تتبلور بين جدرانه الحياة السياسية (الرسمية) والاقتصادية والاجتماعية فتعقد فيه الجلسات واستقبال الضيوف والمهتمين بشؤون المدينة وذلك تبعاً للعصور التي مرت بها.
أما القسم الثاني فيسمى «الحرملك» وهو بيت الحريم ومؤلف من سلسلة من الغرف تشرف على فناء مرصوف بالحجارة من مختلف الألوان ومزينة بكتلة من النباتات الخضراء وبحرة ماء.
إضافة إلى هذا وذاك هناك سلسلة من الشقق الصغيرة الحجم وغرف كبيرة للاستقبال منها واحدة تسمى «القاعة» على شكل صليب ذي ثلاثة فروع وهي ذات زينة فاخرة.
يقول إيكوشار في «المقتطفات» ـ قصر العظم ـ 1930م: «وأخيراً فإن الباحة المزينة ببركة صغيرة والمتصلة بالحرملك كانت تضم حجرات سكنية مزخرفة بمنجور خشبي بسيط، فهناك المطبخ الواسع والغرفة الصغيرة التي تضم مدخنة تركية حيث يتم صنع القهوة التي تقدم في كل ساعة من النهار للضيوف أو أفراد العائلة على حد سواء». ويرى إيكوشار أن البيت الدمشقي من أروع نماذج الفن الإسلامي وذلك بفضل الذكاء الذي وضع في مخططه وجمال المواد المستخدمة في تنفيذه.
باحة منزل دمشقي 1875م
ويتساءل الباحث، ما هذا الترف في التزيين؟ ما هذا البذخ في التفاصيل والألوان؟ ما هذا التوزيع في مواد البناء التي ساهمت جميعها في ترتيب تلك المساكن الواسعة. «ويجدر أن نلاحظ تلك الكمية من أنواع الحجارة، وذلك البازلت الأسود، وتلك الحجارة الكلسية التي يتحول فيها الكهرماني الفاتح إلى الأحمر القاني، وأيضاً الرخام الأصفر والقرمزي والرمادي الفاتح… كل ذلك كان يستعمل في تبليط الغرف ثم إنشاء الأحواض المائية، ونادراً في إكساء الغرف الممتازة والفاخرة.
أما الإكساء الخشبي الذي يغطي الجدران حتى منتصف ارتفاعها فيتنوع كذلك في ديكوراته وألوانه وعلى الخشب المطلي رسمت باقات متعددة الألوان تحيط بها خيوط ذهبية».
إن كل ذلك يمنح البيت الدمشقي سحراً لا يضاهى ولا يخبو مع السنين، يقول أي كاريل في مجلة «المهندسون المعماريون والهندسة المعمارية» 1989م: «يكمن سحر البيوت في تراكم الأشياء من الأصناف كافة (الشمعدانات والثريات والمصابيح والمجموعات الخزفية والمرايا) وكذلك في الأثاث والمفروشات من مصادر مختلفة (الموبيليا السورية والعثمانية) كل ذلك لم يكن ليشوه انطباع الاتساع والانفراج الناتجين من خطوط الغرف البسيطة ومن بياض الجدران وعذوبة الباحات».
في الواقع هناك صعوبة في الإحاطة بتفاصيل البيت الدمشقي، فأنّى جلت بنظرك ترى ما هو مدهش ومثير للمخيلة. ففي كل زاوية وكل ركن وحول كل نافذة وكل باب تسترعي انتباهك روعة التصميم الملائم للظروف المناخية والمعيشية والقيم السائدة، ما جعل الأديبة ناديا خوست تكرس قلمها للكتابة عن دمشق القديمة. «دمشق مدينة ثمينة بطابعها المعماري المتميز، وهي شهادة على التناسب المدهش بين العمارة وبين المناخ». ونبهت الكاتبة خوست: «كي تستعيد دمشق القديمة يجب أن تتخيل الطوالع التي كانت تتدفق منها المياه في الحارات، ويجب أن تستعيد العلاقات الإنسانية التي كانت تربط الحي بالأحياء المجاورة، وتجعل المدينة مترابطة في اللهفة وفي العلاقات الإنسانية بين الجار والجار».
وقالت الأديبة عن البيت الدمشقي: «البيت الدمشقي بالمفهوم الحديث فيلّا جميلة مستقلة في حياتها الداخلية تجمع المياه والأزهار والأشجار وتجمع الشعور بفصول السنة» واستدركت: «لكن هذه الفيلّا متصلة ببقية الحي وليست معزولة أو متطوقة بفراغات تشعر الإنسان بأنه وحيد في العالم دون بشر».
وتابعت: «في البيت الدمشقي فسحة للهواء وللشمس وتقسيم ذكي جداً لما يناسب الصيف ولما يناسب الشتاء، وتوظيف مهم جداً للظلال والعرائش والماء، وفيه الصلة مستمرة بين الإنسان وبين الطبيعة. فسطح البيت الدمشقي مكان مهم ليس فقط لنشر البرغل والمربيات والغسيل تحت الشمس، وإنما أيضاً للصلة بالقمر والنجوم، وللصلة الإنسانية بالجيران، ولرؤية فن المدينة المطرز بالقباب والمآذن…».
إيراهيم حاج عبدي
وصف البيت الدمشقي
أما فيما يتعلّق بوصف المنزل الدمشقي فهو متوسطي، مصنوع لمناخ معتدل، مركزي التكوين، غرفه تنتظم حول فناء داخلي مفتوح على السماء، يحتوي على أشجار الحمضيات (كالكباد والنارنج والليمون) وبحرة ماء. نظامه المركزي كامل وحقيقي، أي الحركة فيه دائماً تتم عبر المرور بالفناء (أرض الديار)، فحتى ممر الدخول من الحارة ينتهي به، ودرج التخديم إلى الطابق العلوي ينطلق منه، فالفناء المفتوح هو القلب النابض للمنزل وأوكسجين تنفسه. هو مركزه الهندسي والمعماري في آن، ومركزيته هذه تستمد قوتها الحقيقية من انغلاقه شبه التام على نفسه، فهو عالم قائم بذاته مستقل عن الخارج.
من الجهة الجنوبية وفي محور البحرة تماماً يوجد غرفة مفتوحة على الفناء باتجاه الشمال تدعى الليوان، يحدّها من جهة الفناء قوس كبير، تستعمل كغرفة جلوس أيام الصيف، فبحكم موقعها لا تدخلها أشعّة الشمس.
كتكوين، الفناء مع الليوان وقوسه يشكّلان الحدث المعماري الأهم في هذا المنزل وهما اثنان في واحد وواحد في اثنين.
قاعة الاستقبال وغرف أخرى ذات السقف المرتفع (يساوي طابقين) تنقسم أفقياً إلى قسمين، الأول منخفض عند الدخول يدعى العتبة، وهو المكان الذي يخلع المرء فيه حذاءه للصعود إلى القسم الثاني المرتفع عنه 50سم تقريباً، والذي يدعى الطراز، وهو على شكل مصطبة جلوس (غير صالحة للمفروشات بالمعنى الأوروبي للكلمة) يفرش بالسجاد والمساند والطراريح، يفصل بينهما قوس كبير، وهنا أيضاً المكان اثنان في واحد وواحد في اثنين.
لا نستطيع الكلام عن المنزل الدمشقي من دون التطرّف إلى المحيط الموجود فيه، فهو جزء لا يتجزأ منه.
صنع الدمشقيون في الماضي حزاماً أخضر كثيفاً محيطاً بالمدينة من جهة الصحراء يدعى الغوطة، بفضل نظام ري يعتمد على توزيع مياه نهر بردى في شبكة من القنوات المفتوحة، وهي طريقة ذكية للاستفادة إلى أقصى حدّ من المياه محدودة الكمية في الزراعة. مع هذا الحزام الأخضر وتبخّر مياه القنوات استطاعوا أيضاً صنع نوع من المناخ المعتدل والمستقل (ميكروكليما) خاص بمدينتهم. بهذه الغوطة صنع الدمشقيون بحراً لمدينة بلا بحر، فالغوطة هي بحر دمشق الأخضر.
إذاً، دمشق كانت مدينة بيئية تتعامل بانسجام وتوازن مع محيطها الطبيعي. والمنزل الدمشقي، في الحقيقة، ليس سوى ميكروكليما صغير داخل هذه الميكروكليما الأكبر. لتوضيح الفكرة، مثلاً، أشجار الحمضيات التي لا تنمو في الغوطة بسبب برودة وقسوة شتاء دمشق، تنمو داخل هذه المنازل، حيث الجدران المرتفعة لأرض الديار تحمي الأشجار وتمتص حرارة الشمس مضاعفة وتعكسها عليها.
فهو أيضاً منزل بيئي يأخذ في الاعتبار حركة الشمس ويستفيد من حضور الطبيعة في وسطه. فالسكن فيه صحة وعافية، عندما تقتنيه تقتني معه الأرض والسماء، الشمس والهواء. وبالتالي هو منزل بيئي داخل مدينة بيئية، في علاقة متبادلة بين الاثنين، أيّ خلل في أحدهما يترك أثره على الآخر.
المبدأ الحسي الأساسي الذي تقوم عليه هذه العمارة هو التضاد:
صغير ـ كبير
داخلي ـ خارجي
مغلق ـ مفتوح
ظلام ـ نور
غامق ـ فاتح
خاص ـ عام
فأرض الديار هي الوسط الكبير المفتوح الخارجي والمليء بالنور، أما الغرف والممرات فهي صغيرة مغلقة داخلية والنور فيها غير مباشر مخفف خافت.
هذه البيوت تجمع بين عظمة المكان وإنسانيته المرهفة. إنها عظيمة من دون أن تخرج عن النمط المنزلي ومقياسه الإنساني.
في الحقيقة، إنّها تحتوي كل المعطيات التي تجعل منها عمارة متطورة راقية متكاملة، فهي ليست إلا انعكاساً لحضارة عريقة كانت من الألمع في القرون الوسطى، يجب الاعتناء بها والحفاظ عليها.
ـ كانت أرض فناء البيت الدمشقي تُكسى بنوعين من الحجارة، وعلى شكل شريط ملتو وبالتناوب بين المزّاوي ذي اللوز الزهري والبازلتي الأسود، وقد تبيّن أن اختيار مواد الإكساء هذه له أصول عميقة. فالتوازن بين الزهري والأسود هو توازن دقيق بين الانعكاس الخفيف والامتصاص القوي لأشعة الشمس المتوهجة في صيف هذه المنطقة، والذي يساعد في إعطاء هذا المكان ضوءه المريح والهادىء. ومع عملية الشطف الصيفية (سكب الماء على الأرض) وتجمّع الماء في مسام هذه الحجارة الكامدة وذات الملمس الخشن ومن ثم تبخّرها البطيء ترتفع درجة رطوبة الهواء. وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجو، فيساعد ذلك في تكوين هذا المناخ الخاص للمنزل (الميكروكليما) الذي تكلّمنا عنه.
بالإضافة إلى أن المشي على هذا النوع من الحجارة وهو مبلل بالماء لا يترك آثاراً غير مستحبة لدعسات الأرجل، ويخفف كثيراً من أخطار الإنزلاق والوقوع.
دمشق المدينة التاريخية
والنظام «العمراني» الجديد
تتميز مدينة دمشق عن غيرها من المدن التاريخية الإسلامية بالمساحات الواسعة الباقية والمتصلة من البيوت والأبنية الأثرية التي تشكل أحياء كاملة بقي فيها هذا النسيج العمراني القديم متماسكاً حتى يومنا هذا. وهذه الأحياء التاريخية لا تقتصر فقط على المدينة القديمة داخل الأسوار والمسجلة كمدينة أثرية لدى اليونسكو، بل تتعداها لتشمل الأحياء أو الأرباض خارج الأسوار. ففي هذه الأحياء بقيت أيضاً مساحات واسعة من النسيج العمراني التاريخي المتصل والمتكون من بيوت وأبنية عامة ذات طابع تاريخي.
في دمشق اليوم، ومن دون مبالغة، آلاف من البيوت القديمة باقية على رغم عمليات الهدم والتنظيم وفتح الشوارع التي قامت منذ الثلاثينات وحتى الآن. وإذا قارنا دمشق القديمة مع واقع المدن التاريخية الأخرى كاسطنبول والقاهرة فإننا نلاحظ الفارق بوضوح، فالبيوت القديمة الباقية في كلا المدينتين لا يتعدى عُشر أو 10 في المئة مما بقي منها حالياً في دمشق. والسبب في ذلك يعود ببساطة إلى أن عمليات التحديث العمراني بدأت في اسطنبول والقاهرة منذ بداية القرن التاسع عشر. فقد قام محمد علي في القاهرة بهدم مساحات واسعة من الأحياء القديمة، ثم تتابعت عمليات الهدم والتغيير بشكل فعال بعده، حتى أصبح حي الأزبكية، على سبيل المثال، والذي كان حياً لعلية القوم في العهدين المملوكي والعثماني، قطعة من أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.
في المقابل، كانت عمليات التحديث العمراني في دمشق القرن التاسع عشر تسير بصورة أقل عمقاً بحيث لا تمس بشكل كبير بنية المدينة كما هي الحال في القاهرة. وحتى الأبنية والبيوت القديمة التي أقيمت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على طابقين مع غرفة علوية تسمى طيارة، لم تتنافر مع باقي التشكيل المعماري للمدينة. ولكن عملية التنظيم المعماري والتغييرات الجذرية المعمارية بدأت فعلياً في ظل الانتداب الفرنسي ومنذ الثلاثينات بالذات حين وضع المخط التنظيمي لمدينة دمشق، والذي جاء متأثراً إلى حد بعيد بأفكار مخطط المدن «أوسمان» الذي ارتبط اسمه بالتغييرات المهمة التي أحدثها في مدينة باريس والتي لم ولن يتمكن أحد من بعده أن يعملها.
كما أن أفكار العصر الاستعماري وجهت نظرة دونية إلى المدينة الإسلامية باعتبار أنها كانت تمثل انحطاطاً وعشوائية أساءا للتنظيم الروماني الذي سبقها. وكان للظروف السياسية والعسكرية، والحاجة للوصول إلى مناطق الثوار وقمع الاضطرابات بسرعة دور مهم في التغيير العمراني الكبير الذي مهّدت له فترة الانتداب الفرنسي. وقد رأى المهندس ومخطط المدن ميشيل إيكوشار، الذي ينسب إليه المخطط التنظيمي لمدينة دمشق، أن الأحياء القديمة الواقعة خارج أسوار المدينة القديمة «غير قابلة للحماية» لأن الزمن والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية ستكون وحدها كفيلة بالقضاء عليها، لذلك حكم عليها بالإعدام سلفاً في مخططه التنظيمي.
ومع ذلك، وعلى رغم الأجزاء الكبيرة التي اقتطعت من هذه الأحياء فإنها ما تزال باقية حتى اليوم، ولم تتحقق توقعات إيكوشار إلا جزئياً. ولكن هل ستصمد هذه الأحياء الآن أمام التغييرات الاقتصادية وأما عصر الربح والاستهلاكية والازدياد السكاني والهجرة إلى العاصمة؟
الحقيقة أن المشكلة كبيرة، وتضع محافظة مدينة دمشق أمام خيارات حرجة وصعبة. وعلى كل الأحوال، فهناك أحياء مثل حي ساروجة مثلاً الذي يقع قرب المركز الاقتصادي للمدينة، وأسعار العقارات فيه تصل إلى أرقام خيالية إذا استثمر تجارياً وحول إلى أبنية طابقية حديثة. وبالمقابل، فإن الحفاظ على هذه الأبنية والبيوت التاريخية وترميمها وصيانتها يتطلب مبالغ كبيرة من المال.
منظر عام لمدينة دمشق: تلاقي القديم والحديث
في مواجهة هذا الواقع الصعب، نرى جانباً إيجابياً، وهو مسألة ازدياد الوعي الأثري الذي أخذ يتطور بشكل مهم. فأعمال الهدم التي جربت أواخر الستينات وأزالت العديد من الأبنية الأثرية المهمة يصعب أن تتكرر اليوم بالسهولة نفسها. لكن بقيت هناك مشكلات تتعلق بقانون الآثار نفسه، ففي سورية، وخلافاً للدول الأوروبية والمتقدمة، يشترط أن يزيد عمر البناء على 200 سنة حتى يعتبر أثرياً. وبالتالي فإن الغالبية العظمى للبيوت الدمشقية، والتي شهدت ترميماً دورياً خلال القرون الماضية، كل عشرين إلى ثلاثين سنة، لا تعتبر اليوم أبنية أثرية، لذلك فإن عدد البيوت المسجلة أثرياً، أو التي تعتبر أبنية أثرية، لا يزيد عن العشرة.
وحالياً يثير المثقفون والمهتمون بالآثار قضية الدفاع عن الأحياء القديمة الواقعة خارج الأسوار، ونرى في الصحف المحلية بشكل شبه يومي مقالات تدعو للحفاظ على أحد المباني أو المناطق التاريخية المهددة بالهدم. وتشتد الصراعات بين دعاة الحفاظ على التراث وأصحاب رؤوس الأموال، حول المناطق القريبة من المركز التجاري للمدينة، والتي يمكن أن تدر أموالاً طائلة إذا حولت إلى أبنية برجية.
دمشق: شارع بيروت
ولكن في الوقت نفسه، شهدت أحياء كبيرة بعيدة عن المركز التجاري، ولكن لها أهميتها الخاصة مثل الميدان والصالحية (الشيخ محي الدين والأكراد)، تغييرات سريعة في السنوات الأخيرة تتمثل في هدم البيوت القديمة وإقامة أبنية طابقية وبرجية مكانها. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فلن يبقى في هذين الحيين أثر للبيوت التقليدية، وسيحافظ فيها فقط على الأبنية العامة كالمساجد والمدارس القديمة.
كذلك فإن دمشق تعيش راهناً فترة الإعداد لمخطط تنظيمي جديد للمدينة. ومع أن هذا المخطط لم يعلن بعد، إلا أننا نشعر بأن المشاركين في وضعه حوصروا من جهتين: فمن جهة أولى يتوقع أن تنعكس التغييرات الاقتصادية المحلية والعالمية على هذا المخطط بشكل أو بآخر، ولا شك في أن لرجال الأعمال والتجار مصالح ومطامع يسعون إلى تحقيقها من خلال هذا المخطط وحسب بعض الطروحات التي رأيناها قبل أن تعلن، فإن مناطق قديمة عدة ستزال، فمنطقة العقيبة التاريخية الواقعة شمال المدينة القديمة مهددة بالتغيير الكلي، إن لم نقل بالزوال. ومن جهة أخرى يقف العديد من دعاة الحفاظ على التراث من مثقفين وكتّاب وفنانين ومهندسين بوجه من يريد المساس بالأحياء القديمة فلم تعد فكرة الحفاظ على التراث مجرد إبقاء أبنية عامة معزولة عن النسيج أو المحيط العمراني الذي حولها من حارات وأزقّة ودروب بما تحتويه من بيوت ومعالم تاريخية، فإن هذه المعالم أصبحت مثلها مثل الأبنية الأثرية جزءاً من التراث يتوجب الحفاظ عليها حسب المفهوم الحديث للتراث العمراني. وهذا المفهوم الحديث نسبياً لم نقتبسه بشكل كامل من الغرب بعد كما اقتبسنا النظام الاستهلاكي العالمي الجديد الذي استورد وأصبح شائعاً في الملبس والمأكل والمسكن…
عبدالرزاق معاذ
مجتمع دمشق
يرصد كتاب دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (تأليف ليندا شيلشر، ترجمة: عمرو الملاح ودينا الملاح) تاريخ المدينة وتأثيرها في المنطقة، حيث يرسم صورة حية لدمشق بجغرافيتها الطبيعية والبشرية عبر الرواية والخرائط مقدماً وصفاً للقوى الفاعلة داخل المجتمع السوري قبيل فترة التحديث السريع وأثناء مرحلة مليئة بالأحداث، فيضع الاقتصاد السياسي للمدينة في إطار التاريخ والبنى الاجتماعية التي تتجاوز حالة النخب، والكاتبة عبر مقدمتها أن بداية التاريخ الحديث لسورية يبدأ في الستينات من القرن السابع عشر، حين استطاع آل العظم تعزيز مواقعهم في وسط سورية حول مدينة حماه، إلا أن هناك تواريخ مهمة أخرى مثل عام 1725 يوم تولى أول أفراد هذه الأسرة ولاية دمشق، أو عام 1746 عندما انتصرت هذه الأسرة الحاكمة على المعارضة المحلية، والنتيجة المهمة حسب رأي الباحثة من اعتماد هذا التقسيم الزمني هو أن التطور الاجتماعي ـ السياسي الحديث لهذه المنطقة المركزية في الشرق الأوسط كان موازياً لمثيله في أوروبا، وليس مجرد رد فعل ناجم عنه أو نتيجة له.
منظر عام لمدينة دمشق القديمة
تتطرق الكاتبة في الفصل الأول للجغرافيا الخاصة بمدينة دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فبعد استعراض تاريخي سريع لأهمية المدينة وموقعها الجغرافي تجد أن خصوصية المدينة الجيوسياسية للعثمانيين تأتي من كونها آخر مستوطنة مدينية تقع على طريق الحج إلى مكة قبل دخول الصحراء، وبالنسبة للسكان فإنه من المستحيل الوصول إلى معلومات دقيقة حول حجم زيادته في الفترة المدروسة، فالأرقام التي قدمها الرحالة والحملات العسكرية تبدو متناقضة لكنها توحي بأن المدينة نمت بشكل كبير في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهذا النمو أدّى لتضاعف عدد سكانها ست مرات حتى نهاية القرن الماضي، مما يشير إلى وجود عوامل اقتصادية وثقافية وسياسية ساعدت على هذه الزيادة وأثرت في حجم التغيرات السكانية، وعلى رغم هذا التوسع فإن المدينة احتفظت في القرن التاسع عشر بأجزاء كبيرة من سورها ذي الشكل البيضوي والذي يرجع إلى العصور الوسطى، فهي امتدت إلى ما وراء السور في نقاط معينة حيث توسعت قرية العقيبة باتجاه المدينة واتصلت بها، وكان هذا الانتشار جزءاً من منطقة مكتظة بالسكان تدعى العمارة البرانية، وكذلك كان شأن الشاغور البراني الذي توسع خارج السور الجنوبي للمدينة، وعملياً تم الاستيطان إلى الغرب والجنوب الغربي على طول الطرق التجارية الرئيسة، في حي سوق السريجة على الطريق المؤدي إلى ساحل فلسطين ومصر، ومحلتي السويقة والميدان على طريق شبه الجزيرة العربية، وباتجاه الشرق والجنوب الشرقي كان الامتداد ضعيفاً وربما كان سبب ذلك ندرة المياه العذبة في هذه المنطقة التي ينتهي عندها نظام الأقنية. بالنسبة لمخطط دمشق الداخلية تجد الباحثة أنه تحوير قسري لنمط الزاوية القائم الكلاسيكية في العصر الروماني، وبالرغم من الطابع الشرقي للمدينة بقي هناك مستطيل شبه كامل من الشوارع ضمن سورها، ويتحدد هذا المستطيل بأربع نقاط تقريبية هي القلعة، باب الجابية، باب السلام وجامع الكنيسة، وكان القسم الأكبر من المعاهد الدينية يقع ضمن هذا المستطيل، وللجامع الأموي الذي يهيمن على المنطقة بأسرها أهمية خاصة بلا ريب، ففيه كان الوالي يؤدي صلاة الجمعة ويشيد الخطيب ـ وهو عالم محلي ـ بشرعية الحكم العثماني للمدينة، وعلى النقيض من هذا التجمع فإن العناصر المسلحة في المدينة وقدر كبير من الإنتاج المعد للاستهلاك المحلي تتواجد خارج السور.
يقدم الفصل الثاني دراسة للسياسة وظهور العصبية في عهد آل العظم، فالعثمانيون عمدوا إلى استرضاء أسرة العظم ذات القاعدة المحلية، ويسروا لها أسباب النهوض اقتصادياً آملين الإفادة من قوتها في إحياء القاعدة العثمانية، وبالفعل قام آل العظم بهذه المهمة وأرسوا النظام في المنطقة كما أخضعوا العديد من العناصر المتمردة، وتستعرض الباحثة تاريخ هذه الأسرة منذ استقرار جدهم في منطقة المعرة إلى آخر وال لهم في دمشق عبدالله باشا، لتصل إلى أن آل العظم أسرة آغوات سلطانية أعادت لدمشق ما كان لها من مركز قوة خلال حكم أبنائها للمدينة، وربما كا هدف الولاة أن يكون لهم كما كان للبكوات المماليك في مصر من مكانة، إلا أنهم اتّبعوا في ذلك استراتيجية مغايرة كانت أكثر فعالية، فما أن استقروا في المدن السورية حتى ربطوا مصائرهم بجماعات محلية معينة وأصبحوا النواة لنخبة مدينية سورية، ففي دمشق تمت حماية المصالح التجارية على طول طرق التجارة الداخلية والخارجية مع اسطنبول ومصر وبغداد ومكة، وراجت الصناعات الدمشقية الكمالية وأصبحت لها أسواق واسعة جداً وكان من نتائج ذلك ازدياد الأرباح وتراكم الثروات، وأدّى اعتماد آل العظم على قاعدة محلية لبلوغ سطوة في إطار الأمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر إلى اندماجهم في مؤسسة الولاية، وسعى كل والٍ منهم للفوز بالعصب المحلية إلى جانبه، واستمر هذا الأمر طوال قرن من الزمن، فأحدثوا تبدلاً في الاقتصاد السياسي نتيجة عمليات الاحتكار واعتمادهم على تقوية مصالح أهالي المنطقة الواقعة داخل السور والتي تعنى بتجارة استيراد وتصدير الكماليات والبضائع الغذائية، وبنظرة سريعة على العمران الدمشقي نجد أن المدينة لم تفد من إصلاح البنى التحتية في عهد آل العظم فحسب، بل أصبحت تتمتع بتراث من العمارة الفذة تذكر بعظمة المدينة في عهودها الإسلامية الأولى، وتكمن الدلالة التاريخية لحكمهم في نجاحهم على بعث مصالح وموقع نخبة مدينية معينة ورعايتها، فضمت عصبة الأعيان المتصلين بعم من أغوات القوات السلطانية وتجار المنطقة المركزية داخل السور، وأدّى تضامن هذه العصبة إلى قمع آغوات الأحياء الجنوبية وخصوصاً الميدان الذين تم إقصاؤهم عن وظيفتهم في مرافقة قافلة الحج، وحيل دون ذلك دخول المواد الغذائية ومكونات الإنتاج التي يتاجرون بها ما دام آل العظم في السلطة، وبذلك أثار حكمهم معارضة محلية قوامها آغوات الأحياء الجنوبية والحرفيين والفلاحين والتجار المحليين، لكن بعض هذه الفئات انتعش مع نهاية حكم آل العظم وصعود أحمد باشا الجزار الذي تولى ولاية دمشق أكثر من مرة، وحظي بدعم محدود من عصبة آل العظم وتوصل بالضغط الفظ إلى قمعهم، وفي نفس الوقت تعاون بعض آغوات الميدان معه وكانوا على اتصال بأعوانه الماليين، ويبدو أن التعاون بين بعض أهالي الميدان وأصحاب المصالح في عكا ترسخ في عهد الجزار، وتستعرض الباحثة مراحل القلاقل وأحداث ثورة 1831 وتأثيرات الحكم المصري.
يتناول الفصل الثالث القوة الرئيسية المسؤولة عن التغيير الاقتصادي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالتغلغل الاقتصادي الأوروبي كان له آثار قوية على الاقتصاد الدمشقي، وبسبب الهيمنة الإقطاعية التي تأسست في عهد آل العظم ازدهرت التجارة الخارجية الدمشقية في القرن الثامن عشر، وعمل آل العظم على تشجيع التجارة الخارجية بعدة طرق، فكان من مصلحتهم نجاح التجارة بما لهم من صلات بمصر وشبه الجزيرة العربية، إلا أن القوانين التجارية العثمانية المستحدثة والتي خفضت من التعرفة الجمركية، وأدّى هذا الأمر إلى طرح بضائع أوروبية بسعر منافس في الوقت الذي فرضت به ضرائب على الصادرات، وكان من نتائج ذلك اختلال ميزان التجارة الخارجية وما نجم عنه من استنزاف الاحتياط المحلي والتحول إلى رأس المال الأوروبي، كما أدّى إلى أزمة في صناعة النسيج المحلي نتيجة عدم قدرته منافسة النسيج الأوروبي، وأخيراً تم الاعتماد المتزايد على الحبوب السورية بوصفها سلعة قابلة للتصدير واعتمد أيضاً على رأسمال الحمايات في تمويل الولايات العثمانية، وبالانتقال إلى الفصل الرابع فإن الباحثة تستعرض بشكل سريع أحداث 1860 وتحاول قراءة ما جرى مع مراجعة إحصائية لأرقام القتلى، كما تقدم في الفصلين الخامس والسادس طبيعة الشرائح الدمشقية وتراجم أهم العائلات، لتظهر طبيعة استلام أسر معينة لوظائف خاصة في ولاية دمشق، والباحثة دعمت كتابها بعدد كبير من الوثائق الخاصة بشجرة أهم العائلات الدمشقية وبمجموعة خرائط للمدينة خلال الفترة المدروسة.
من دمشق منطلق الحج الشامي
كان لقوافل الحجاج المسلمين خطوط متعددة، فمن أقاصي منطقة جنوب شرق آسيا انطلقت أفواج الحجاج عبر مدن ومناطق شكلت تاريخياً محطات حضارية مهمة كمدن بخارى وسمرقند. وكذلك سائر خطوط قوافل الحجاج كالخط الإفريقي الذي يبدأ واحده من مدن السودان وواحده الآخر من القاهرة، وكذلك خط الحج الذي سلكه مسلمو الأندلس انطلاقاً من أراضي شبه جزيرة إيبيريا مروراً بمدن شمال أفريقيا.
وهذه الدراسة هي عن الخط الشامي في عهد المماليك وصولاً إلى العهد العثماني.
لمدينة دمشق شهرة تاريخية كبرى في ما يتعلق بالحج لأنها كانت ملتقى قوافل الحجاج العرب والفرس والمغول والأتراك. وكانت في أهميتها هذه لا تقل عن أهمية القاهرة نفسها. كانت قافلة الحج الشامي هي الشغل الشاغل لمؤرخي الفترة، إذ لا تكاد تمضي سنة من دون الإشارة إلى خروج القافلة وعودتها وما جرى لها في الطريق. ويشار إلى أن قافلة الحج الشامي انقطعت أربع سنوات متتالية بين سنتي 912 و916هـ (1507 و1511م) ثم عادت وانقطعت في السنة التالية سنة 917هـ (1512م).
ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينقطع فيها خروج القافلة، إذ انقطعت سنة 900هـ (1495م) ولم يخرج أحد من دمشق. أما أعداد قافلة الحج فقد خضعت في العصر المملوكي إلى تقاليد ثابتة بقي معمول بها حتى العصر العثماني. وكان أول أعمال الحاج وضع الصنجق (العلم) السلطاني على الباب الأوسط من أبواب الجامع الأموي تحت قبة النسر اعتباراً من شهر جمادى الآخرة إيذاناً للناس بالتهيؤ لأمر الحج وبأن القافلة ستنطلق في هذا العام. وكان وضع الصنجق يتم باحتفال كبير ترافقه «النقارات والمشغلين والملبسين»، وكان الصنجق المملوكي من حرير أصفر مزركش وهلاله من ذهب وكان على حد تعبير ابن طولون أكثر بهجة من صنجق العثمانيين الأحمر ذي الهلال الفضي.
وبعد نصب الصنجق يبدأ «دوران المحمل» والمحمل عبارة عن صندوق خشبي مربع يعلوه هرم مزين بالحلي والنفائس ويحمله جمل قوي وجميل مزين هو الآخر بمختلف الحلي ومغطى بفاخر القماش، وكان يحمل معه مصحف شريف مغطى بالحرير.
ويذكر أن أول من فكر بإرسال هذا المحمل الملك الظاهر بيبرس، كما يفهم مما أورده المقريزي في حوادث سنة 664هـ (1265م). وأرجع آخرون هذه العادة إلى الشريف أبي نمي المعاصر للظاهر في مكة المكرمة.
أما الغاية من المحمل فهي تأكيد سيادة الأمراء الذين يرسلونه وإضفاء صفة حماية الأراضي المقدسة عليهم الأمر الذي يثبت مراكزهم ويضفي عليهم شرفاً عظيماً. ولذلك اقتصر خروج المحمل على القاهرة (عاصمة دولة المماليك) ودمشق (عاصمة بلاد الشام). وكانت دولة المماليك أقوى الدول الإسلامية آنذاك وصاحبة الحماية على مكة المكرمة والمدينة المنورة. ويذكر أكرم حسن العلبي في كتابه «دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين 906/ 922هـ 1500/ 1520م»، أنه لما كان حكّام العراق مستقلين عن المماليك رغبوا بدورهم بإضفاء صفة الحماية على الأراضي المقدسة فأرسلوا محملاً عظيماً مع قافلة الحجاج سنة 721هـ (1321م) واستمروا على ذلك حتى استطاعت مصر التخلص من منافستهم سنة 877هـ (1472م). وحاول أئمة اليمن بدورهم إرسال محمل مماثل لكن شرفاء مكة منعوا المحمل اليمني من الدخول إلى الأراضي المقدسة اعتباراً من سنة 782هـ (1380م). وعندما جاء العثمانيون رفعوا هذا الحظر وسمحوا بإرسال المحمل اعتباراً من سنة 964هـ (1556م). واستمر محملهم مع المحملين الشامي والمصري حتى سنة 1040هـ (1630م).
وخلافاً لما جرت عليه عادة العثمانيين من تغيير كل شعارات المماليك وعاداتهم أبقوا المحمل وجهز السلطان سليم محملين كبيرين من دمشق والقاهرة عند احتلاله لهما وأتبعهما بثالث هو «خليفتي» أي باسم الخليفة ليؤكد سيطرة العثمانيين وحمايتهم للأراضي المقدسة وانتزاع الأمر من المماليك. واستمر المحمل الشامي مع بعض الانقطاع حتى قيام الحرب العالمية الأولى في حين بقي المحمل المصري حتى منع سنة 1345هـ.
وبعد نصب الصنجق يخرج المحمل ومعه الصنجق من دار السعادة مقر الحكومة ويدور دورة حول سور دمشق ومعه خيول وهجن وجمال وقد ألبست فاخر الثياب. ويقود الجميع رجال لهم لباس مخصوص ثم يودع الصنجق في الجامع الأموي ويعود المحمل إلى دار السعادة. ويكون ذلك عادة في شهر رجب أو رمضان أو شوَّال. وفي بعض السنين كان المحمل يدور دورتين. وبعد ذلك يصدر مرسوم من القاهرة بتسمية أمير القافلة أو أمير الركب الشامي، كما كان يسمى، وكانت هذه الوظيفة طوال العهد المملوكي منوطة بالأمراء والمماليك الذين هم دون النائب في المرتبة ولم يعين لهذه الوظيفة أحد من أبناء البلد. وكان الاحتفال بهذا التعيين يجري في دار السعادة حيث يلبس الأمير «أمرة الحاج» من قبل النائب. وجرت العادة أن يسير «أمير الوفد» في شهر رمضان من قبة (يلبغا) إلى تحت القلعة.
وكان أمراء المماليك يتسابقون في الحصول على هذه الوظيفة، لما كانت تدره عليهم من أموال، ذلك أنه إضافة إلى ما كان يجمع من السكان من أجل القافلة من طريق «الرميات» و«الدورة» كان أمير الركب يصادر الحجاج ويرث المتوفين منهم. حتى أن أمير الركب الشامي سنة 920هـ (1514م) المدعو «اصباي» سجن في القلعة بعد عودته لشكاية الأتراك عليه من أنه دفن جماعة منهم أحياء وأخذ أموالهم. وبعد تعيين أمير الركب تبدأ الرميات التي أساء المماليك استغلالها وصاروا يبالغون في جبايتها ويرهقون الأهالي. وكان يفرض على كل حارة مبلغ معين يقوم عرفاؤها بجمعه، حتى أن بعض الناس دعوا على الحجاج بألا يرجعوا من كثرة ما جرّوا عليهم من الظلم. ويفهم من نقش في الجامع الأموي بدمشق أنه بلغ الملك الأشرف قايتباي أنه جدد على الحجاج في «المملكة» الشامية مكس وأخذ على جمل عشرة دراهم ولذلك أمر بمنع هذه المظالم كما مر بعدم التعرض إلى ميراث من يتوفى بطريق الحج. أما كلفة الحج فقدرت بحوالى ثلاثين أشرفياً وكان هذا المبلغ يشمل أجرة الطريق ونفقات الحج…
وبعد أن تتكامل الاستعدادات تخرج القافلة من دمشق في يوم مشهود، وكان يرافقها إضافة إلى أميرها «قاضي الركب» وحوالى مئة من الجند المسلمين يتقدمهم محمل الحج والمصحف الشريف والصنجق السلطاني. وكانت هذه القافلة تضم حجاج دمشق وما حولها، إضافة إلى بعض الحجاج الغرباء. أما حجاج بقية النيابات، وبخاصة حماه وحلب، فكانت لهم قافلة خاصة وأمير خاص. وفي الفترة بين الخامس عشر والعشرين من شهر شوَّال من كل عام يحل اليوم المنشود يوم خروج القافلة. ويبدو مما ذكره ابن بطوطة أن القافلة كانت تخرج في عهده في مستهل شوّال لا في أواسطه. وكان يرافقها إلى قبة «يلبغا» نائب دمشق وأركان الحكومة فيها وهنالك يخلع النائب على أمير الركب ثم تتوجه القافلة إلى الأراضي المقدسة.
أما الوصول إلى مكة المكرمة فتسبقه محطات عدة يتوقف بها الحجاج.
ففي العام 920هـ (1514م) كانت «قبة يلبغا» أولى مراحل الحاج الشامي، وكان الحجاج يبيتون فيها يوماً أو يومين فيتبعهم من تخلف ويتوجه الركب منها إلى خان ذي النون، فالشيخ مسكين، فطفس، فالمزيريب، حيث يقيم الركب بضعة أيام. وهناك يدركهم من تأخر كما يدركهم حجاج تلك المناطق، ويشتري الحجاج ما يلزمهم من الأقوات والحوائج. ويذكر ابن بطوطة أن المزيريب لم تكن هي المركز الرئيسي من قبل إنما كانت بُصرى ثم عدل عنها إلى المزيريب. وبعد المزيريب يتوجه الركب إلى درعا أو درعات كما كانت تسمى، وفيها يمتار الحجاج أيضاً ثم يغادرونها إلى أرض المفرق، فالزرقاء، فعمان. ومن المحطات المهمة بعد ذلك اللجون وفيها يبيت الحجاج ليلتين ويمترون أيضاً مما يصلها من مؤن من القدس. بعدها يصل الركب إلى حالات عمار، فتبوك، فمدائن صالح، ومنها إلى العلا التي قال عنها ابن طولون: «إن فيها خيراً كثيراً حتى أنه اشترى رطل العجوة بثلاثة دراهم». وعند العلا، يتوقف تجار الشام النصارى لا يتعدونها يبيعون فيها إلى الحجاج، ومن العلا إلى المدينة المنورة. وهناك يستقبل الركب الشامي الطواشية، وناظر الحرم، وأكابر البلد، ثم أمير المدينة، وبقية العرب. أما المدة التي تستغرقها القافلة بين دمشق والمدينة فهي حوالى 35 يوماً وعشرة أيام أخرى إلى مكة المكرمة كما يفهم مما أورده ابن طولون في رحلة الحج التي قام بها سنة 920هـ (1514م). أما أمير الركب فكان عليه أن يجهز مسبقاً إلى دمشق كتب الوفد التي كانت تسبق الركب بحوالى أسبوع أو نحوه، فكانت تصل في العشر الثالث من شهر محرم فإذا ما حل يوم 25 ولم تصل انتشر القلق في المدينة على الحجاج. وكانت الكتب تتضمن خلاصة أخبار القافلة ويوم الوقفة وأسعار البضائع ومدى توافر المياه والمشكلات مع البدو وأحوال أمراء الحجاز إلى ما هنالك.
وفي مطلع العصر العثماني ظهرت وظيفة جديدة هي وظيفة «المبشر بسلامة الحج» الذي كان يتقاضى على بشارته مالاً كثيراً يجبى له عنوة. وعلق ابن طولون على ذلك بقوله: «ولم نعلم وقع في دمشق هذا قبل هذه المدة». أما ما كان يشغل بال الحجاج فهو غارات البدو عليهم طوال العهد المملوكي بل والعثماني أيضاً. وكان في أبسط ما يتعرض له الحجاج أن يدفعوا جعلاً للبدو أو أن يقضي البدو على القافلة بأسرها. ويذكر ابن أياس في حوادث سنة 907هـ (1501م) أن «العرب خرجوا على ركب الحج الشامي في رابغ قبل أن يدخلوا مكة فنهبوا الركب عن آخره، وقتلوا الرجال وأسروا النساء، إلا أن ذلك لم يمنعنا من القول إنه على رغم هذه الحوادث التي كانت تتعرض لها قوافل الحج الشامي في العقود الأخيرة من العهد المملوكي كانت غالبية القوافل تعود بسلام لأن رغبة حكام المماليك هي في نجاح القوافل باعتبارهم حماة للأراضي المقدسة.
خلال فترة حكم العثمانيين شهدت بلاد الشام تطوراً مهماً يتعلق بانتقال إمارة الحج إلى دمشق وتعيين ولاة الشام باستمرار لهذا المنصب منذ العام 1120هـ (1708 ـ 1709). وترتب عن انتقال إمارة الحج إليها نتائج عدة، فمن المتفق عليه أن مدينة دمشق كانت منذ القدم مركزاً مهماً لكل القادمين من مناطق الساحل الشامي والقاصدين بلاد الحجاز ومنطقة الرافدين. وهذا التلاقي البشري المتنوع جعل منها قاعدة اقتصادية وحضارية تتجمع فيها عناصر شتى من شعوب هذه المنطقة التي دأبت على السفر والترحال بدوافع اقتصادية ودينية لأداء فريضة الحج وممارسة شعائرها الدينية في بلاد الحجاز.
وأهمية هذا التلاق أنه يتيح لكل العناصر كي تتحاور وتتبادل الآراء طوال مدة الإقامة وأثناء السفر، وهذا ما لم يعد متوافراً في هذه الأيام، نتيجة للتطور العلمي الهائل المتمثل باستخدام الطائرات وغيرها من وسائل النقل الحديثة، الأمر الذي قصر المسافة وقلل من المدن الزمنية التي تفصل بين بدء انتقال الحجاج من أقاصي العالم الإسلامي وانتهاءَ بوصولهم إلى مكة والمدينة.
وعودة إلى الحديث عن التطورات التي رافقت انتقال إمارة الحج إلى دمشق خلال فترة الحكم العثماني ترينا ازدياد نفوذ الانكشارية في تعيين الدولة بعض أفرادها أمراء لقافلة الحج الشامي. وبعد نجاح الأمير فخر الدين الثاني بالقضاء على نفوذ الأمراء المحليين، الذين كانوا يعينون أمراء لقافلة الحج الشامي، منذ الربع الأول من القرن السادس عشر، ضعف هؤلاء الأمراء وأصبح الانكشارية، بازدياد سلطتهم يعينون أمراء لقافلة الحج للمحافظة عليها. وأدت هذه التطورات إلى تناقص تعيين الأمراء المحليين في ولاية الشام أمراء للحج وإلى تزايد تعيين انكشارية دمشق في هذا المنصب. إلا أن تطور الأحداث الداخلية في الدولة العثمانية وما رافق ذلك من تدهور وضع الانكشارية بعد عام 1660، دفع الإدارة العثمانية إلى تعيين موظفين عثمانيين إلى جانب بقايا الأمراء المحليين، لإمارة الحج، ونتج من هذا التنوع في هويات أمراء الحج عدم استقرار في عاداتهم مع البدو مما دفع هؤلاء إلى مهاجمة قافلة الحج، خصوصاً أن الموظفين العثمانيين المعينين أمراء للحج لمدة عام أو نحو ذلك غالباً ما امتنعوا عن دفع «الصرّة» أي المال المخصص من الدولة لشراء رضا البدو. كما يلاحظ أيضاً أن بعض المعينين، لإمارة الحج عيّنوا في الوقت نفسه حكّاماً على صنجق أو أكثر من الصناجق التابعة لولاية الشام. وهذا استمرار لتقليد، شاع في النصف الأول من القرن السابع عشر حين عين أغلب أمراء الحج من حكّام هذه الصناجق. وكانت العادة أن يأتي أمير الحج حاكم الصنجق مع قواته إلى قبّة الحج الواقعة جنوب حي الميدان في دمشق خارج «باب الله» وسمي بذلك لأنه يؤدي إلى الأماكن المقدسة في الحجاز والقدس لتسلم قيادة قافلة الحج. واستفادت دمشق من عدم دخول أمير الحج إليها لأنها سلمت من تعديات القوات المرافقة له. وحين عين الموظفون العثمانيون أمراء لقافلة الحج لم يعين جميعهم حكام صناجق، لذلك أقاموا مع قواتهم في دمشق، وعانى الدمشقيون نتيجة ذلك من وجودهم. ويذكر عبدالكريم واثق في كتابه «العرب والعثمانيون» أن هذا الأمر حفز الشيخ مراد المرادي الطلب من السلطان العثماني «رفع إمارة الحج عن دمشق وعودها إلى حكام القدس وعجلون».
وقد وجهت للشريف يحيى بن بركات المكي بمنصب القدس «لأنه كان موجوداً في الروم بعد خلعه عن شرافة مكة المكرمة» فذهب المذكور في تلك السنة أميراً للحج ولسوء تصرف الشريف يحيى عزل هذا الأخير وأعيدت إمارة الحج إلى دمشق. وكانت إمارة الشريف يحيى للحج من عام 1102هـ (1690 ـ 1691م)، وعزل عنها إثر مهاجمة البدو قافلة الحج بسبب إهماله وأصبحت دمشق منذ ذلك التاريخ مركز أمراء الحج، ولكن لم يعين ولاتها باستمرار أثر ذلك أمراء للحج.
ونلاحظ في الفترة بين 1102 ـ 1120هـ (1690 ـ 1708م)، حين عين نصوح باشا والياً على الشام «أن ثمانية على الأقل من ولاة الشام عينوا أمراء للحج». وتزايدت هجمات البدو على القافلة في هذه الفترة نظراً لكثرة تبدل الولاة وطمع بعضهم بأخذ «الصرة» المخصص للبدو لأنفسهم ولتأمين سلامة الحج بدأ السلطان منذ العام 1120هـ (1708 ـ 1709م) يعين باستمرار ولاة الشام أمراء للحج، وكان والي دمشق يبغي في الولاية والإمارة ما دام يؤمن سلامة الحج.
ونتجت من نقل مركز إمارة الحج إلى دمشق ومن تكليف ولاة الشام هذه الإمارة باستمرار تطورات مهمة تركت آثارها في تاريخ بلاد الشام بكاملها، واعتُبر تعيين ولاة الشام لمنصب أمير الحج قمة تطور سياسي وصراع على النفوذ حدثاً في بلاد الشام في القرن السابع عشر.
كما أدى تعيين ولاة الشام لمنصب أمير الحج الشامي، «لاضطرارهم إلى التغيب عن دمشق لفترة طويلة»، وكان الوالي أمير الحج يغادر دمشق مع القافلة عادة في النصف الأول من شهر شوَّال ويعود إليها من الحجاز حوالى النصف الأول من شهر صفر، وقد تتأخر عودته أكثر منذ لك إذا ما هدد البدو قافلة الحج وأعاقوا سيره. وكثيراً ما عاد الحجيج في مثل هذه الحالات بواسطة الطريق الفرعي عبر غزة، وهكذا وجب على والي الشام ـ أمير الحج ـ أن يتغيب عن دمشق مع قافلة الحج قرابة أربعة أشهر. إلى ذلك قضى تعيينه لهذا المنصب غيابه عن دمشق فترة أخرى إذ كان عليه إعداد قافلة الحج وتمويلها بالمال اللازم والذهاب بنفسه لجمع الأموال الميرية من الملتزمين في ولايتهم.
وكان والي الشام أمير الحج يخرج كل سنة قبيل خروج القافلة بفترة من الزمن، يجمع المال اللازم لتمويلها، لأنه أصبح المسؤول المباشر عن ذلك وسمي خروجه هذا لجمع المال من الملتزمين في الولاية بـ«الدورة». وفي حين كان تاريخ خروجه للدورة يتوقف على مشاغله ورغبته الخاصة، فإن تاريخ عودته من «الدورة» كان يقرره موعد خروجه مع قافلة الحج إلى الحجاز. وكان الوالي يضطر أحياناً إلى قتال الملتزمين الأقوياء الذين يرفضون دفع المال الميري، وتزداد عادة في هذه الحال مدة «الدورة».
ونظراً لانشغال الوالي بهذه المهمات التي لا يمكن التهاون فيها بسبب طبيعتها الدينية، أعفي من الخروج مع عساكر دمشق لنجدة الدولة من حروبها الداخلية أو الخارجية، كما كان الأمر قبل ذلك ولم يحدث في القرن الثامن عشر أن ولاة الشام قاموا بمثل أعمال النجدة هذه. وعلى غرار التطور الذي أصاب إمارة الحج فإن أمراء الجردة الذين كانوا يخرجون لتموين وحماية قافلة الحج في طريق العودة، عينوا من الموظفين العثمانيين بعد ضعف الأمراء المحليين والانكشارية. وفي الوقت الذي أصبح ولاة الشام أمراء للحج انحصرت إمارة الجردة بوالي صيدا أو بوالي طرابلس، وفي حالات نادرة بوالي حلب، ويعود سبب كثرة اختيار ولاة صيدا وطرابلس هذه المهمة إلى قرب تعيين هاتين الولايتين من دمشق وبصورة أهم إلى كون هؤلاء يمتّون غالباً بصلة القربى إلى ولاة الشام. وما يهمنا هنا أن أمير «الجردة» بعد تعيين ولاة صيدا وطرابلس لهذا المنصب أصبح يأتي إلى دمشق بعد شهر على الأكثر من مغادرة أمير الحج لها، وبعد أن يتم استعدادته في دمشق يغادرها في أواخر ذي القعدة أوائل ذي الحجة لملاقاة قافلة الحج. وعلى رغم المصاعب التي تجشمها ولاة الشام فإنهم أفادوا من إمارة الحج ببقائهم مدة أطول في مناصبهم ما داموا يؤمنون سلامة قافلة الحج وأفادوا أيضاً من الناحية الدينية نظراً لما تمتع به أمير الحج من مكانة مرموقة، كما أنهم كسبوا مادياً لأن قافلة التجار كانت ترافق قافلة الحج. وكثيراً ما اضطر التجار إلى شراء حماية أمير الحج لهم من خطر البدو، كما جرت العادة أن ينال أمير الحج حصة كبيرة من أموال الحجاج المتوفين.
وإلى جانب المخاطر التي كانت تتعرض لها قوافل الحج وهي في طريقها للديار المقدسة، فإنه لا يمكننا إغفال الآثار الإيجابية التي خلفتها تلك القوافل. فعلى صعيد المعلومات التي دونها وكتبها الكثير من الذين شاركوا في تلك القوافل أمكن لنا التعرف إلى يوميات الأحداث التي حفلت بها تلك الرحلات خصوصاً أن بين من شاركوا في قوافل الحج البرية كتّاباً ومؤرخين ورحالة دونوا ما شهدوه، ووصفوا مشاهد عمرانية وحضارية للكثير من المدن والأماكن التي مروا بها، ما أغنى المكتبة العربية بكتب قيمة حفظت للمكتبة العربية سجلاً حافلاً من المعلومات الدينية والاجتماعية والاقتصادية. (أنيس الأبيض)
طرق الحج الرئيسية
ونرى ونحن نتحدث عن طريق الحج الشامي أن نشير إلى طرق الحج الأخرى:
شهدت الجزيرة العربية في العصر الإسلامي ظهور سبعة طرق رئيسية للحج هي طريق الحج الكوفي والطريق البصري والطريق الشامي والطريق المصري والطريق اليمني الداخلي، والطريق اليمني الساحلي، والطريق العماني، وهي طرق تتصل في نقاط رئيسية أو بواسطة طرق فرعية. ولقيت طرق الحج ـ وهي أيضاً طرق القوافل التجارية ـ عناية فائقة من قبل الخلفاء المسلمين والأمراء والوزراء والأعيان ومن محبي الخير التجار والوجهاء على مر العصور، وبعضها استمر استخدامه حتى عهد قريب، والبعض الآخر اندثر بسبب الظروف المناخية والاقتصادية والهجرات السكانية. أقيمت على طرق الحج منشآت عدة مثل المحطات والمنازل والمرافق الأساسية من برك وآبار وعيون وسدود وخانات ومساجد وأسواق كما أقيمت على هذه الطرق الأعلام والمنارات والأميال التي توضح مسار تلك الطرق وتفرعاتها.
وحفظت المصادر التاريخية والجغرافية معلومات مهمة عن طرق الحج في الجزيرة العربية. ومن أبرز تلك المصادر ما كتبه الطبري وابن الأثير وابن كثير والحربي وابن رسته وابن خرداذبه والمقدسي والهمداني والبكري وياقوت الحموي وابن جبير وابن بطوطه والجزيري. وفي بحث سعد بن عبدالعزيز الراشد استعراض مفصل لطرق الحج الرئيسية وهي:
طريق الكوفة ـ مكة
يعد طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة من أهم طرق التجارة والحج في العصر الإسلامي. وعرف هذا الطريق لاحقاً باسم «درب زبيدة» نسبة إلى زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد المتوفى سنة 809م. إذ كانت لها أعمال كثيرة في إقامة بعض المنشآت على هذا الطريق وفي مكة المكرمة. ومن أهم أعمالها حفرها «عين زبيدة» التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم في مكة المكرمة.
وطريق الكوفة ـ مكة لا يستبعد أن يكون معروفاً قبل العصر الإسلامي إذ كانت الحيرة عاصمة المناذرة مجاورة للموقع الذي قامت فيه الكوفة بعد ذلك سنة 514م. وربما كانت القوافل التجارية من مكة والمدينة تتجه إلى الحيرة عبر هذا الطريق وكانت توجد مناهل للمياه قبل الإسلام توقف في بعضها الجيش الإسلامي قبل دخوله العراق. ومن هذه المناهل «زرود» و«الثعلبية» و«شرف» و«العذيب» و«القادسية». غير أن الطريق انتظم استخدامه بعد فتح العراق وانتشار الإسلام في المشرق الإسلامي فتحولت مناهل المياه وأماكن الرعي والتعدين على الطريق إلى محطات رئيسية وبدأ الطريق يزدهر تدريجياً وبانتقال مركز الخلافة من الشام إلى العراق في العصر العباسي أصبح الطريق حلقة اتصال مهمة بين عاصمة الخلافة في بغداد والحرمين الشريفين وبقية أنحاء الجزيرة العربية وحتى اليمن.
وطريق الحج العراقي أو «درب زبيدة» خطط مساره بطريقة علمية وهندسية متميزة، فحددت اتجاهاته وأقيمت على امتداده المحطات والمنازل والاستراحات، ورصفت أرضية الطريق بالحجارة في المناطق الرملية والموحلة ونظف الطريق من الجلاميد الصخرية والعوائق في المناطق الوعرة والصخرية، وزود بالمرافق الضرورية من منشآت مائية مثل: السدود والآبار والبرك، وأقيمت على امتداد الطريق العلامات التي توضح مسار الطريق كالأعلام والمنارات والأميال والصوى والمشاعل والمواقيد ليهتدي بها المسافرون ليلاً ونهاراً.
وأوردت المصادر الجغرافية المبكرة إشارات كثيرة إلى مواقع ومرافق أنشأها الأعيان. وكان للخلفاء والأمراء قصور خاصة بهم ينزلونها عند زيارتهم الأماكن المقدسة.
وكان لطريق الحج من الكوفة إلى مكة عمال وولاة يشرفون على الطريق ويتعهدونه بالصيانة والإعمار. ورصد الجغرافيون المسلمون 27 محطة رئيسية على الطريق من الكوفة إلى مكة و27 محطة ثانوية.
وهناك طرق فرعية أخرى منها طريق تسلكه القوافل من معدن بني سليم «مهد الذهب» عبر الحافة الشرقية لـ«حرة رهاط» مروراً على صفينة وحادة ثم المسلح ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في معدن النقرة ويتجه محاذياً له حتى يلتقي الطريقان في ذات عرق.
وتدريجاً اندثرت معظم محطات الطريق وتحولت المحطات والمنازل إلى أطلال فيما بقيت بعض الآبار والبرك صالحة للاستعمال، ولكن الغالبية العظمى منها غطتها الرمال.
وعلى الصعيد الأثري رصدت الآثار الباقية كالمنشآت المائية وآثار الرصف والتمهيد والأعلام وأمثلة من أحجار المسافة (الأميال) التي توضح المسافة بقياس البريد والميل.
وكشفت الحفريات الأثرية عن أنماط من القصور والتحصينات والمنازل والمساكن والمساجد في محطات الطريق. وكانت تخدم سكان هذه المناطق وقوافل الحجاج والتجار المسافرين ويتوافر لهم في هذه الأماكن ما يحتاجونه من مأكل ومشرب وملبس وأوان وأعلاف لدوابهم، ومن أشهر المواقع الأثرية: زبالة والثعلبية وفيد وسميرا والنقرة والربذة ومعدن بني سليم. والمنشآت المعمارية على طريق حج الكوفة ـ مكة تمثل نمطاً معمارياً فريداً للعمارة الإسلامية المبكرة في جزيرة العرب في أسلوب التخطيط المعماري والوظائف المختلفة، كما تميزت المباني بسماكة الجدران والأبراج ووجود خزانات لحفظ المياه للشرب. وطول الطريق من الكوفة إلى مكة المكرمة حوالى 751 ميلاً.
طريق البصرة ـ مكّة
تأسست مدينة البصرة سنة 635م. بعد الفتح الإسلامي للعراق. وأهمية طريق البصرة ـ مكة تركزت في القرون الثلاثة الأولى للهجرة. ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في ذات عرق ويلتقيان أيضاً في معدن النقرة.
ويلاحظ في كتابات الجغرافيين المسلمين قلة المعلومات التفصيلية عن طريق البصرة ولعل سبب ذلك أن معظمهم عاش في القرن الثالث الهجري وهي الفترة التي كان التركيز فيها على طريق الكوفة أكثر من طريق البصرة.
أما آثار الطريق فنشاهدها إلى اليوم في عدد من المواقع. ففي الأسياح «عين ابن فهيد» توجد أطلال قصر كبير ببقايا عقود نصف دائرية وغرف للجلوس وفي الجوار آثار العيون والقنوات القديمة والبرك والسدود. وفي ضرية لا تزال آثار البلدة القديمة باقية إلى اليوم. إضافة إلى العيون والبرك تشاهد آثار الأعلام (الرجوم) المتراكمة على امتداد الطريق خصوصاً في المناطق السهلية المستوية. ويلاحظ أن بعض محطات الطريق استمر فيها (أو بالقرب منها) الاستيطان الحضاري بسبب توافر المياه والمناطق الرعوية. كما أن بعض المحطات اختفت معالمها تحت الكثبان الرملية.
ومن المحطات المهمة على طريق البصرة بركة الخرابة الواقعة عند نقطة الالتقاء مع طريق الكوفة قرب ذات عرق وهي عبارة عن بركة دائرية مدرجة من أعلاها إلى أسفلها وتجاورها بركة مربعة مدرجة أيضاً وبينهما على مستوى سطح الأرض غرفة للمراقبة مقببة بأبواب ذات عقود نصف دائرية. ويمر من تحت مستوى الغرفة قناة تصريف للمياه من البركة المربعة إلى البركة الدائرية. يبلغ طول طريق البصرة ـ مكة حوالى 1200 ميل. ولا تزال بعض أسماء محطاته القديمة محتفظة بأسمائها حتى يومنا هذا، ومن هذه المواقع: حفر أبي موسى (في موضع حفر الباطن الآن) والعوسجة (الآن العوسجية) وطخفة وضرية والدفينة.
طريق الحج الشامي
يعد هذا الطريق من الطرق الرئيسية المهمة إذ يصل دمشق بالمدينة المنورة. بلغ عدد محطاته بين المدينتين 23 محطة. تغيرت أحوال الطريق عبر العصور الإسلامية بسبب تغير الأحوال السياسية الأمر الذي أدى إلى ظهور محطات ومرافق جديدة في العصور الإسلامية المتأخرة. (فترات الأيوبيين والمماليك والعثمانيين) وكان هذا سبباً في اختفاء محطات ومرافق كانت عامرة في العصور السابقة (الأموي والعباسي والفاطمي).
وتدل آثار الطريق الباقية على تطور الحضارة الإسلامية إذ اكتشفت عشرات النقوش الإسلامية التي يعود بعضها إلى القرن الأول الهجري.. وهناك كتابات تأسيسية على منشآت الطريق من قلاع وبرك وآبار. ومن أهم آثار الطريق قلعة ذات الحاج وقلعة تبوك وآثار الأخضر وفيها مدينة إسلامية مبكرة وثلاث برك وقلعة وآثار المعظم. وفيه قلعة وبركة وآثار البريكة وكانت تسمى قديماً بالدار الحمراء وفيها بقايا قلعة وبركة. وهناك آثار الحجر والعلا والتي يتبعها عدد من المرافق ثم آثار مغيرة وقلعة مزرد وقلعة الصورة وآثار هدية واسطبل عنتر والفحلتين وآثار نصيف وقلعة الحفيرة.
ويشاهد أيضاً على امتداد طريق الحج الشامي آثار سكة حديد الحجاز من عهد السلطان عبدالحميد في الفترة (1900 ـ 1906م). ومن الآثار الباقية للطريق المحطات المبنية بالحجر وأجزاء من مسار السكة والجسور.
طريق الحج المصري
كان حجاج مصر وغيرهم من حجاج شمال أفريقيا والمغرب يعبرون جزيرة سيناء حتى يصل بهم الطريق إلى آيله على رأس خليج العقبة ثم يتجه إلى الطريق جنوباً فيمر على حقل وشرف البعل ومدين ومنها يتفرع طريقين، الطريق الداخلي ويتجه إلى الجنوب الشرقي حتى المدينة المنورة ماراً على عشر محطات رئيسية. أما الطريق الآخر فهو الطريق الساحلي الذي يسير بمحاذاة ساحل البحر الأحمر وتقع عليه 13 محطة رئيسية، ويتصل الطريقان بطرق فرعية.
ويتضح من الآثار الباقية على الطريقين أن الطريق الساحلي استمر استخدامه لفترات طويلة. وكشفت البعثات عن وجود آثار خطية ومواقع أثرية وقلاع ومنشآت مائية. ومن الآثار الأخرى يمكن أن نذكر آثار مدين وقلعة المويلح والأزنم أو (الأزلم) والزريب وآثار مدينة الجار التاريخية.
طريق الحج اليمني الساحلي
وينطلق هذا الطريق من صنعاء بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، وبين مكة وصنعاء 21 محطة. وأوضحت المسوحات والدراسات الأثرية الحديثة عدداً من المواقع الأثرية التي كانت عامرة في العصور الإسلامية المبكرة. ومن أهم هذه المواقع سهى وعثر وعشم والسرين. وكشفت الدراسات عن الآثار المعمارية إضافة إلى أدوات فخارية وخزفية ونقوش خطية وغيرها.
طريق الحج اليمني الداخلي
يبدأ هذا الطريق من صنعاء مروراً بصعده ويسلك المناطق الجبلية لمنطقة عسير والحجاز ماراً قرب موقع جرش ثم يتجمع إلى بيشة وتباله وتربه حتى يصل قرن المنازل فمكة المكرمة. وبلغت المحطات على هذا الطريق بين صنعاء ومكة 25 محطة رئيسية.
وكشفت الاستطلاعات والدراسات الأثرية عن جوانب مهمة تتمثل في الأعمال الهندسية من رصف للطريق في المناطق الوعرة والمنشآت المائية والكتابات الإسلامية الصخرية المبكرة وأحجار المسافة. ومن المناطق التي يمكن من خلالها مشاهدة آثار هذا الطريق منطقة الراكبة والمصلولة وكريف العلب.
طريق عُمان ـ مكة
هناك طريقان من عمان إلى مكة. أحدهما ينطلق من عمان إلى يبرين ثم إلى البحرين فالساحل الشرقي ومنها إلى اليمامة ثم إلى ضرية. وتذكر المصادر الجغرافية أن ضرية كانت ملتقى حجاج البصرة والبحرين وهناك يفترقون إذا انصرفوا من الحج، فيأخذ حجاج البصرة ذات الشمال وحجاج البحرين ذات اليمين. وهناك طريق آخر من عُمان يتجه إلى فرق ثم عوكلان ثم إلى ساحل هباة وبعدها إلى شحر.
وبإمكان حجاج عُمان أخذ أحد الطريقين من اليمن. فأما طريق الحج الساحلي الموازي لساحل البحر الأحمر الذي يمر بعدد من المخاليف والمنازل مثل مخلاف عك والحردة، ومخلاف حكم وعثر ومرسى وضنكان والسرين حتى الشعيبة ثم جدة فمكة. أو الطريق الداخلي من اليمن إلى مكة مروراً بعدد من المنازل بعضها لا يزال معروفاً حتى اليوم مثل رنية تربة حتى يصل إلى مكة.
وبيّن سعد بن عبدالعزيز الراشد أن هذه الطرق لا تزال باقية حتى اليوم الحاضر كشاهد على اهتمام المسلمين بطرق الحج على مر العصور.
غير أن رحلة الحج إلى الأراضي المقدسة كانت على الدوام محفوفة بالمخاطر خصوصاً في العهود التي بدأت فيها الفتن تدب في الدولة الإسلامية، وبداية اختلال الأمن بسبب الحروب والفتن وتعديات القبائل على الطرق وأعمال النهب والسلب والقتل وقطع الطرق وتخريب المحطات الأمر الذي أدّى ألى انقطاع الحج لسنوات متصلة.
ميسر الشحري
الحج الشامي في القرن السابع عشر
ويصف قصي الحسين الحج الشامي في القرن السابع عشر:
استأثرت أنباء الحج الشامي في القرن السابع عشر، بجانب كبير من اهتمام الكتّاب والمؤرخين في ذلك العصر، إذ كانوا يحرصون أثناء تاريخهم لأحداث كل عام، على تتبّع هذه الأنباء وتسجيلها، خصوصاً بعد أن تفصل قافلة الحج وركب المحمل وقافلة الجردة من مدينة دمشق، حتى تصل إلى مكّة المكرمة. فقد كانت دمشق ملتقى الحجّاج من تركيا وسائر البلاد الشامية، ولذلك كانت المدينة تشهد توافد جموع الحجّاج، وذلك بفضل أهمية موقعها على أقصر طريق بين الآستانة والحرمين الشريفين. وكان والي دمشق يشغل منصب أمير الجردة/ الحملة المسافرة إلى الحج.
وإذ غدت دمشق مركزاً يتجمع فيه الحجاج من الجهات الشمالية، فقد أصبح لها لون من القدسية أو الشرف، بحيث دعيت «شام شريف». فكان يقع على عاتق المدينة مسؤولية استقبال وإيواء وتموين الحجّاج قبل رحيلهم إلى الحج، بالإضافة إلى السهر على أمنهم وتأمين سلامتهم واستقبالهم استقبال الضيوف الأعزّاء.
والأسبوع الأخير من شهر رمضان، هو موعد توارد الحجّاج البعيدين إلى دمشق. وكان أمير الصرّة العثماني يصل إليها، فتكون الترتيبات النهائية لإعداد قافلة الحج وركب المحمل. ويخرج أمير الحج من سرايا دمشق بقرب القلعة، على رأس موكب المحمل، ويتخذ طريق قرية المزيريب، وهي إحدى قرى حوران، وتبعد نحو مئة كلم جنوب دمشق.
وبعد خروج موكب الحج ببضعة أيام، من يومين إلى خمسة، تخرج قافلة الحج الشامي من الطريق نفسه، ويتبعها قافلة الحج الحلبي، ومعهم حجّاج العجم، ويتجه الجميع إلى قرية المزيريب، نقطة التجمع النهائي، ويقضون بها بضعة أيام، ريثما يعدّون أنفسهم للرحلة الشاقة إلى بلد الله الحرام، فيبيعون ويبتاعون، وينظم الباشا جنده ويستطلع ضلع الطريق، حتى إذا تمّ كل شيء، تقدّم أمير الحج بالمحمل الشريف والجند الكثيف، يشق الطريق أمام قوافل الحجاج الذين يسيرون من خلفه. وفي قرية المزيريب الشامية، كان يعقد بها إذن في موسم الحج سوق نافقة، كما أنها كانت سوقاً لسكان جنوب سورية، غير أنها بدأت تفقد أهميتها، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خصوصاً عندما تحوّل عدد كبير من الحجاج إلى استخدام طريق البحر الأحمر، ثمن سكة حديد الحجاز التي أنشئت وأهلّت، وغدت صالحة للاستعمال وتسيير قطارات النقل بين الشام والحجاز، فاستخدمت فيما بعد في نقل حجاج الشام والبلاد الشمالية.
وكان أواخر شهر شوّال موعداً لعودة مودّعي الحجاج في المزيريب والتجار الذين خرجوا معهم إلى دمشق، حيث يحدثون أهل الحاج بأنهم في خير حال، وأنهم في طريقهم لأداء الفريضة، أما الركب القافلة، فيمضي في طريقه إلى الحجاز، فإذا كان الوقت شتاء، مضوا في سيرهم نهاراً واستراحوا ليلاً، أما إذا كان الوقت صيفاً، آثروا المسير ليلاً والراحة نهاراً. وهم يتقدمون إلى مكة في طريق مألوف عرف بالدرب السلطاني، وهو أقرب ما يكون إلى البحر غرباً، وهم يؤثرونه على طريق آخر إلى الشرق، لأنه على رغم أنه أقصر من الطريق الغربي، فهو يجتاز أرضاً مجدبة، ويشق على الجمال الحملة اجتيازه.
وحين يصل الحاج إلى مكة في الأسبوع الأول من ذي الحجة، يرتاح قليلاً، وفي اليوم التالي لوصولهم يمرّ أمير الحاج في موكب فخم في شوارع مكة. في طريقه إلى الكعبة، فيؤدّي الحجاج شعائر الحج، ثم يبرحون عائدين إلى المدينة المنورة في أواخر شهر ذي الحجة، ومنها إلى دمشق، حيث يكون وصولهم إليها في الأيام الأولى من شهر صفر.
رحلة العودة
قافلة الجردة، يشكلها ويترأسها أحد الوزراء أو الولاة، الذي تختاره الدولة العثمانية، وكان يدعى سردار الجردة الذي يجهزها بالمؤن، من بقسماط وزيت ورزّ وشعير وعلّيق وحبال وملابس، كانت تعدّ لإسعاف الحجاج في طريق عودتهم إلى الشام، خشية نفاد ما عندهم من المؤن، وتلف أو فقدان ما هو ضروري لهم، من أجل الوصول بسلامة وعافية إلى ديارهم. وكانت قد جرت العادة، أن الجردة تصل إلى دمشق من حلب أو طرابلس أو صيدا في منتصف شهر ذي القعدة، وتمضي بدمشق بعض الوقت، ثم تفصل الجردة عن دمشق في العاشر من ذي الحجة، يقودها السردار. وتسير الجردة في الطريق نفسه الذي سار فيه ركب الحاج، وبعد أن تمضي في الطريق نحو 22 يوماً، تصل إلى مكان يسمى «هدية»، على بعد قليل، شمال المدينة المنوّرة، فتقيم بها أياماً في انتظار قافلة الحج، فيكون اللقاء في «هدية»، ويقضي الجميع بها قرابة عشرة أيام، يكون الحجاج أثناءها، ضيوفاً على قافلة الجردة وسردارها، وتكون هذه الفترة ترفيهاً عن الحجاج وتأهباً لقطع طريق العودة باتجاه دمشق. ومن المعروف أن أمير الحاج يسبق قوافل الحجاج في طلوعها من دمشق، ليشق لهم الطريق، أما أثناء العودة إلى دمشق، فإنه يتأخر عنهم وذلك من أجل حمايتهم وكان إذا اقترب الركب من دمشق، أنفذ أمير الحاج أحد رجاله الذي يُعرف بالجوقدار أو الجوخدار ليسبق الركب إلى دمشق ويبشّر الناس بسلامة الحجاج.
وكان الجوخدار ينفصل عن الركب في تبوك، ويسرع برجاله نحو دمشق متقدماً قافلة الحجاج بسبعة أيام، وكثيراً ما كان يصل إليها في الأسبوع الأخير من شهر المحرم، حيث يستقبل باحتفالات عظيمة، فيهرع إليه ذوي الحجاج، يقدمون له الحلوى والملابس، كما يهرع التجار إلى قرية المزيريب، وتقام هناك مرة ثانية سوق البيع والشراء، بمناسبة عودة الحجاج ووصولهم إلى هذه القرية، أقرب نقطة يمر بها الحجاج في طريقهم إلى دمشق.
ويستمر الجوخدار في طريقه إلى اسطنبول، مجتازاً مدينة دمشق، فتستقبله طلقات المدفع مقدّمة تحية له، ثم يشق شوارع العاصمة، مرتدياً زي أهل المدينة المنورة، فيستقبله السلطان والوزراء، حيث يتناولون بعضاً من تمر المدينة الذي جلبه معه على سبيل التبرّك، ثم يسلم الخطابات التي في حوزته إلى أصحابها.
وعقب وصول الجوخدار، كان يصل «الكتّاب» إلى دمشق، وهو الشخص الذي كلّفه أمير الحج ليحمل الرسائل إلى ذوي الحجاج، وكان يصل عادة بعد الجوخدار بثلاثة أيام. أما الحجاج فكان يبدأ وصولهم إلى دمشق بين الثاني والخامس من صفر، ويستمر دخولهم إلى المدينة نحو خمسة أيام، وفي أثرهم يدخل أمير الحج وسردار الجردة بزينتهما كاملة وأبهتهما، فتشتعل الزينات في مدينة دمشق، ويستقبل الأهالي قافلة الحجاج مهلّلين ومكبّرين، حامدين الله على وصولهم بسلامة.
وكانت الزينات ترتفع في الشوارع وفي المساجد وفوق مداخل الأبنية التي يقطنها ذوو الحجاج. وتبدأ الليالي التي يحتفي بها الناس في دورهم بعودة الحجاج، على مدى ثلاثة إلى سبعة أيام، وتقام المآدب، وتستدعى فرق الغناء، وتلبس المدينة مع ناسها حلّة الأعياد.
وكانت أفواج الناس من العامة والخاصة، تتقاطر إلى منازل الحجاج، يقبلونهم ويهنئونهم بمبرّة وبركة الحج. كما يهنئونهم بسلامة العودة ويدعون لهم بالصحة الدائمة.
وداخل أقبية الدور والقصور، كان الحجاج يروون على مسامع الشاميين، كيف طووا رحلة بلغت مدتها أربعة أشهر (من شهر شوّال إلى شهر صفر). وكان الحجاج يستفيضون في تفصيل ما كانوا قد تعرضوا له من مشقة الرحلة وقسوة الطبيعة، كالحر اللافح والبرد القارس والسيل الجارف، من دون أن يؤثر ذلك عليهم.
ذكريات الحج
إن ذكريات الحج في كتب المؤرخين، ترصد انطباعات الحجاج إلى بيت الله الحرام، وكيف كانوا ينظرون إلى هذه المناسبة الكريمة والمقدسة باعتبارها عاملاً من العوامل الأساسية، بحيث تسمح لكل حاج أن يكون رحالة مرة في حياته، وأن يجتمع مع غيره من المسلمين اجتماعاً أخوياً، فتتوحّد المشاعر الإنسانية على قاعدة من الإيمان والإسلام.
قصي الحسين
العمارة الإسلامية في دمشق
ظهرت التكية في العهد العثماني، التكية إلى جانب المدرسة كمجمع معماري له هندسة وتخطيط جديد. والتكية أكثر شمولاً وضخامة من المدرسة، وتضم المسجد الذي يشغل جناحاً خاصاً في جهة القبلة، وغرفاً للسكن والمطاعم والمطابخ، ومخازن التموين والقاعات والحدائق، كما ألحق ببعض التكايا مكتب لتعليم الأولاد.
انتشرت التكايا في المدن السورية وخصوصاً في دمشق وحلب، أشهرها التكية السليمانية التي شيدت عام 967هـ/ 1559م، وتكية مراد باشا المشيدة عام 976هـ/ 1568م في دمشق، وتكية الشيخ أبي بكر المشيدة عام 1041هـ/ 1631م في حلب.
تقع السليمانية على الضفة اليمنى لنهر بردى، شرق المتحف الوطني في مدينة دمشق. شيدها السلطان العثماني سليمان القانوني عام 962هـ/ 1554م، مكان قصر للملك الظاهر بيبرس، هدمه تيمورلنك، وكان يدعى «قصر الأبلق».
التكية السليمانية
استغرق بناء التكية ست سنوات، وأنجزت سنة 968هـ 1560م، وهي من أضخم الأبنية التاريخية في دمشق، وأعظمها. اعتمد في إنشائها التصميم العثماني بالقباب والأروقة.
تتألف التكية من صحن واسع تتوسطه بركة ماء، مستطيلة الشكل وتتوزع حول الصحن مجموعة من المباني. ويحيط بمباني التكية سور حجر، ولها ثلاثة أبواب، تتقدم الباب الشمالي منها قبة صغيرة محمولة على أربعة أعمدة.
وتشتمل التكية على مسجد يقع في جنوب الصحن، وهو مربع الشكل طول ضلعه 16م، تغطي سقفه قبة كبيرة، وهي نموذج مهم للقباب العثمانية، لها رقبة متعددة النوافذ وطاسة نصف كروية مصفحة بالرصاص، وفي جدران الحرم شبابيك مطلة على الحدائق وهذه النوافذ، ونوافذ القبة كانت من الجص المعشق بالزجاج الملون وتمثل مواضيع زخرفية ولكن زال الكثير منها.
المحراب تزينه المقرنصات، وتحيط به زخارف من الفسيفساء الرخام، والمنبر من الرخام الأبيض.
وتزين ألواح القيشاني جدران المسجد. وللمسجد مئذنتان كثيرتا الأضلاع، رأساهما مدببان، وفي أسفل ثلثهما العلوي شرفتان مزينتان بالمقرنصات.
تقع مساكن الدراويش في شرق الصحن وغربه، ولكل مجموعة منها رواق يتألف سقفه من قباب محمولة على أعمدة، فيه غرف، كل غرفة منها مسقوفة بقبة، وفي كل جناح ست غرف مربعة الشكل، طول ضلعها سبعة أمتار، وهي مزينة بألواح القيشاني.
والجناح الشمالي يقوم في شمال الصحن وفيه المخازن والمطابخ وقاعتان واسعتان. ويتوسط القاعتين الكبيرتين بناء مؤلف من تسع غرف، يتقدمه رواق محمول على أعمدة.
ويظهر في عمارة التكية تأثير الفن الأسطنبولي والفن السوري. وبناء التكية يستخدم حالياً كمتحف حربي، أما المسجد فما زالت تقام فيه الصلوات.
وإلى الشمال الشرقي من مدينة حلب تقوم تكية الشيخ أبي بكر بن أبي الوفاء المتوفى سنة 991هـ/ 1583م، والتي تنسب إليه، وهو صاحب الضريح فيها، والمبنى نشأ على نظام التكايا. أنشأه أحمد بن عمر القاري المتوفى عام 1041هـ/ 1631م.
تكية السلطان سليم
التكية تتألف من إيوان كبير في صدره حرم صغير ومحراب من الرخام الأصفر والأسود والأبيض، وفي جدرانها شبابيك من الجص البديع الصنعة، لكن داهمه التلف، وإلى اليسار من الإيوان حجرة ضريح الشيخ القاري. وفي شرق الإيوان رواق صغير له ثلاث قباب مبنية على عمودين من الرخام الأصفر، وفي صدر الرواق قاعة ذات قبة مرتفعة أرضها مرخمة، وإلى شرق القاعة قسطل ماء بني عام 1005هـ/ 1596م. ويوجد في التكية عدد من قبور الأتراك.
وهذا البناء يعد مزاراً مهماً، إذ كان الولاة العثمانيون يعنون بهذه التكية، ويحرص كل واحد منهم على أن يترك أثراً فيها.
وإلى جانب التكايا وجدت أيضاً منشآت معمارية خاصة لتلقين أصول الطرق الصوفية، وممارسة شعائرها كالجيلانية والرفاعية والقادرية والشاذلية… إلخ. وتسمى هذه المنشآت بالخانقاه أو الرباط أو الزاوية. ويبدو أن الاهتمام بهذه المباني يعود في بداياته إلى القرن السادس الهجري، وتحديداً إلى عهد الملك نور الدين الزنكي. فيذكر ابن كثير في ترجمة نور الدين: «… ويبنى الربط والخانقاه، وكان يجمع عنده الفقهاء والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعظمهم. وكان يحب الصالحين…».
ويشتمل الخانقاه على حرم وغرف للسكن وإيوان واسع كخانقاه النحاسية في دمشق، التي أنشأها شمس الدين بن النحاس الدمشقي، ومن أهم آثارها واجهتها الحجر الجميلة، وبواباتها المزينة بالمقرنصات، تستخدم حالياً كمسجد يعرف بجامع النحاسين.
وفي حي الكيلانة من مدينة حماه تقوم زاوية الشيخ حسين عفيف الدين الكيلاني الذي تولى بناءها، ودفن فيها وكان توفي في عام 990هـ/ 1582م. ويرجع بناء هذه الزاوية إلى بدايات الحكم العثماني.
وتعتبر خانقاه الفرافرة من أشهر الخانقاهات في سورية. فهي تقع في محلة الفرافرة في مدينة حلب. شيد البناء لإيواء المتصوفين. بنته ضيفة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر عام 635هـ/ (1237م).
تزين المدخل مقرنصة ذات ثلاث حطات، تعلوها زخارف هندسية بديعة، وتعلو المدخل كتابة تاريخية تبين أن هذا البناء شيد «أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين والدنيا يوسف بن الملك العزيز محمد في شهور سنة خمس وثلاثين وستمائة للهجرة».
يعقب المدخل دهليز منكسر يفضي إلى صحن مربع الشكل تتوسطه بركة ماء مثمنة الشكل. وفي الجهة الشرقية من الصحن هناك دهليز يؤدي إلى فسحة مربعة يحيط بها إيوان صغير وثلاث غرف. تتطاول جدران الغرف وتتقارب في الأعلى في شكل مائل مشكلة ما يشبه القبة المقطوعة من الأعلى.
ويتفرع من الممر السابق، ممر آخر يؤدي إلى الطابق الثاني يحتوي على غرف سقوفها نصف أسطوانية.
أما في الجهة الغربية من الصحن فيوجد درج يؤدي إلى سطح الإيوان، بعد أن يعبر ممراً ضيقاً مسقوفاً، تنفتح عليه غرف عدة كانت تستعمل لإيواء المتصوفين.
والحرم في هذه الخانقاه تعلوه قبة مرتفعة تستند إلى عنق مثمن الشكل بواسطة أربع زوايا مثلثية كروية، وفي أسفلها مقرنصات لتحويل الشكل المثمن إلى دائري.
وأما المحراب فهو رخامي يحيطه عمودان رخاميان زينا بتيجان مزخرفة، تعلوه زينة من الرخام الملون مؤلفة جدائل بديعة المنظر.
عبد الستار أحمد
عسكر دمشق المتعايش حرباً
في القرن الثامن عشر
الكتب والأعمال والمخطوطات التي تتحدث عن دمشق ليست بالقليلة، نظراً إلى أهمية المدينة على مرّ الحقب. والفترة العثمانية منذ مطلع القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، تحظى هي الأخرى بنصيب وافر من المراجع الخاصة بمدينة دمشق. ومن المعروف أن عدداً من الباحثين خصّ هذه الحاضرة بأبحاث أكاديمية مطولة، نذكر على سبيل المثال دراستي عبدالكريم رافق وعدنان البخيت. وهما تتناولان المدينة في الحقبة العثمانية بالذات. ويبدو أن القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، يستقطب العديد من الأعمال، ليس فقط لباحثين معاصرين، ولكن أيضاً لأعمال ما زال بعضها مخطوطاً، بينما حظي بعضها بالتحقيق والنشر، وتعود جميعها إلى القرن الثامن عشر الميلادي.
ركز الباحثون في دراساتهم عن دمشق في القرن الثامن عشر على منحيين بارزين: الأول يتعلق بحكم دمشق التي هي عاصمة ولاية واسعة الأرجاء وكبيرة الأهمية، توالى على حكمها العديد من الباشوات الولاة الذين يتحدرون من عائلة العظم. واعتبر هذا الأمر بمثابة تولي الوطنيين للحكم على اعتبار أن عائلة العظم عائلة عربية توارث أبناؤها حكم المدينة والولاية لمدة تزيد على الخمسين سنة، فضلاً عما أعطوه للولايات الأخرى مثل حلب وطرابلس من حكّام.
والمنحى الآخر الذي ركّز عليه الباحثون يتعلق بالصراعات بين القوى التي تتقاسم النفوذ في الشام على امتداد فترات طويلة من القرن الثامن عشر. والظاهرة الملفتة للانتباه في هذا المجال صراعات القوى العسكرية من (قبوقول) أي جند الانكشارية التابعين للباب العالي، و(يرلية) وهم جند الانكشارية من الأهلين، فضلاً عن فرق عسكرية وجماعات مسلحة أخرى مثل (اللاوند) و(المغاربة) وغيرهم. وهذه الصراعات عادة ما كانت تتوالى وتتعاقب مما يؤدي إلى الإضرار بمصالح الناس ويؤدي إلى تعطيل أعمالهم فضلاً عما توقعه من قتلى وجرحى.
وأحد أبرز المصادر العائدة إلى دمشق في الفترة المذكورة، أي على امتداد القرن الثامن عشر، يتمثل في كتاب «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر». ومؤلف هذا الكتاب هو مفتي دمشق الشاب محمد خليل المراوي الذي جمع في كتاب واحد (أربعة مجلدات) أخبار علماء دمشق وحكامها. وجعل العديد من الباحثين من كتاب «سلك الدرر» أساساً لأعمالهم نظراً إلى ما يتضمنه من معطيات اجتماعية وتاريخية حول الفترة المذكورة.
ومن بين المصادر البارزة كتاب دوَّنه حلاق دمشقي كان يسجل مذكراته مع استمراره في مزاولة حرفته. وعُرف هذا الكتاب بعد نشره باسم «حوادث دمشق اليومية». وكان الشيخ محمد سعيد القاسمي وجد المخطوطة التي دوّنها أحمد البديري الحلاق، قبل أن يخرجها في نسخة محققة الدكتور أحمد عزت عبدالكريم من جامعة عين شمس. وصار كتاب أحمد البديري الحلاق مرجعاً متداولاً نظراً إلى ما يتضمنه من معلومات ومعطيات حول دمشق في أواسط القرن الثامن عشر. فهو يحتوي على أخبار العلماء وأخبار الحكّام في صورة تعكس المجتمع الدمشقي من جوانبه المختلفة.
أما كتاب «غرائب البدائع وعجائب الوقائع» فهو مخطوطة، لا يُعرف عن مؤلفها سوى اسمه: «حسن ابن الصديق» ويبدو أنه كان قريباً من أوساط الحكام والجماعات العسكرية. ولهذا السبب فإن الأحداث التي يرويها تتصل اتصالاً مباشراً بالوقائع السياسية والعسكرية. وقام بتحقيق الكتاب د. يوسف نعيسة الذي سبق له أن نشر دراسة من جزئين بعنوان «مجتمع مدينة دمشق 1772 ـ 1840م». أما تحقيقه لنص «غرائب البدائع» فقد صدر في دمشق عن دار المعرفة 1988.
يبدأ صاحب النص ابن الصديق رواية أحداثه بذكر علي بيك الكبير المملوك الذي صار له النفوذ في مصر وأرسل محمد أبو الذهب على رأس قوات كبيرة للسيطرة على بلاد الشام وعاصمتها دمشق. وفي سياق روايته يخبر بتفاصيل كثيرة عن الصراعات بين أصحاب النفوذ في دمشق وحالات العصيان والتعديات بما في ذلك التعدي على قافلة الحج. ونجد في الكتاب أخبار ولاة دمشق المعينين من طرف الدولة، وأخبار ضاهر العمر في عكا وبلاد صفد وأخبار الجماعات الأهلية وخصوصاً في الأرياف.
وأهمية نص ابن الصديق تكمن في روايته للوقائع والمراسلات بين أصحاب النفوذ ما يدل عى سعة اطّلاعه وإمكان إقامته صلات وثيقة بالأطراف المتنازعة. وبما أنه يبدي تأييداً للسلطان والدولة فمن المرجح أن يكون من عداد الانكشارية أو الينكجرية.
ومهما يكن من أمر فإن الأهالي هم الذين كانوا يذهبون ضحية المنازعات بين أطراف النفوذ. ويذكر ابن الصديق بلغة عامية كيف وقعت مقتلة بسبب خلاف بسيط بين جماعات المغاربة والقابيقول: «فقتل من الطانقيين مقدار خمسة عشر رجل والمجاريح أشكل (أكثر) من ثلاثين رجل. وصار الحرب بينهم مقدار ثلاثة أيام بلياليها. وضاجت عليهم أهل الشام جميعاً كبيراً وصغيراً وجميع أكابر الحجاج، وعملوا ديوان، وجابوا جميع الاختيارية والضباط وآغات القابيقول وباش آغات المغاربة وأصلحوا بينهم، وأشرطوا عليهم أن كل طائفة يقع فيها الفساد فيكون جميع أهل البلد وعسكر الباشا قايم عليهم من كل طائفة وقمع منها الفساد». (ص29).
ويذكر من هذا القبيل الأحداث التي جرت عند حصار أبي الذهب لمدينة دمشق. ويبدو من خلال المفاوضات بين أبي الذهب وبين أعيان دمشق وعلمائها، أن المدينة رفضت الخضوع لمطالب أبي الذهب، إذ أن المجتمعين من أعيان الشام أجمعوا على المحاربة وعدم الخضوع.
والأحداث التي يرويها ابن الصديق تمكن مقارنتها بمعلومات مشابهة وردت في مراجع أخرى. إلا أن أهمية كتابه تكمن في التفاصيل التي يذكرها حول قادة العسكر من كل الفئات والجماعات. ومن هنا فإن هذا الكتاب يحتل موقعه وأهميته لجهة معرفتنا بمواقف كل فئة من الفئات وقوتها وعديدها وخصومها. كذلك فإن الدراسة الدقيقة لهذه المعطيات تبين كيف لعبت هذه الجماعات أدواراً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أن بعض البيوتات تحدر من أصولها بعد تحول أدوار أهلها وانخراطهم في الحياة المدنية لاحقاً.
خالد زيادة
يوميات دمشقية في ظل العثمانيين
خلال القرن السادس عشر
لم يكن الحكم العثماني الممتد على مدى أربعة قرون شكلاً استعمارياً عابراً، فهو تسرب إلى عمق الشكل الاجتماعي في المنطقة، ولم يقف عند حدود السلب الاقتصادي والاستنزاف البشري بل طاول سلم القيم والمناقب. ونحن نلاحظ هذا من خلال التدهور العام الذي عانته البلاد، لكننا نفتقر لمدونات تصف أو تحلل ما جرى. وباستثناء شهادات الرحالة الأجانب، فإن التاريخ لتلك الفترة اتخذ شكل اليوميات. وكتاب «نزهة الخاطر وبهجة الناظر» واحد من هذه الكتب التي تناولت حوادث دمشق خلال عام تقريباً. ومع أنه ليس شكلاً من أشكال كتابة التاريخ، إلا أنه يمنحنا رؤية عامة نستطيع من خلالها النظر إلى الشكل الاجتماعي المسيطر آنذاك.
الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة السورية في قسمين حمل مقدمات طويلة تشرح المادة التاريخية. تعطي المقدمة الأولى فكرة عن القاضي شرف الدين موسى المولود في العام 946هـ والمتوفى في 1002هـ، وهو من أسرة دمشقية عريقة، تولى عدداً من مناصب القضاء في دمشق. والكتاب واحد من ثلاث مخطوطات كتبها القاضي شرف الدين، الأولى بعنوان «التذكرة الأيوبية» موجودة في المكتبة الظاهرية في دمشق وفي برلين، والثانية «الروض العاطر فيما تيسر من أخبار القرن السابع إلى ختام القرن العاشر» وهي مخطوطة في برلين، ولم يتم نشر هاتين المخطوطتين حتى الآن.
المقدمة الثانية تحمل فكرة عن مضمون الكتاب الذي بدأ تدوينه العام 999هـ، وتطرق الكاتب فيه للقضاة والأعيان والولاة مفصلاً، حسب ترتيب اليوميات، وظائف كل منهم ودوره في الحياة العامة لدمشق. وسياق الكتاب كيوميات يجبر المؤلف على التطرق لعلماء الدين والشعراء، وبعض من أحداث دمشق المهمة. وتفاصيل دقيقة تتعلق بالهيكلية الإدارية، وعلاقة المسؤولين مع المواطنين، إضافة إلى طبيعة الترابط بين مركز الحكم في اسطنبول ودمشق، وهذه المواضيع يضعها محقق الكتاب في فصل خاص ليسهل على القارىء إدراك الهدف الأساسي من إعادة نشر المخطوطة. ويذكر المحقق أنه اعتمد نسخة مكتبة الظاهرية، وأضاف فهارس للأعلام والكتب والأماكن والمصطلحات التي وردت في المخطوطة.
يورد المحقق فصولاً عدة متلاحقة قبل ذكر المخطوطة، ويعتبرها ملامح من حياة دمشق في تلك الفترة. أولاً الإدارة المرتبطة مباشرة بوالي دمشق الذي يبدو أنه كان من أصحاب القرى والأموال، ومهمته مراقبة إقليم الشام عموماً وتولي موكب الحج. والفصل الثاني متعلق بالإفتاء، فالمخطوطة تعطينا فكرة عامة عن رأس السلطة الدينية، وكيف يتم اختيار المفتين من المذهب الحنفي. والفصل الثالث حول القضاء إذ تبين المخطوطة تطور هذه المهنة، والعلاقة بينها وبين رأس السلطة، والمراحل التي يمر بها القاضي متدرجاً في المناصب، إضافة للمحاكم وأشكالها الإدارية وطرق عملها وترتيبها الإداري.
الفصل الأخير قبل عرض المخطوطة أراده الباحث لتقصي بعض الملامح الاقتصادية، إذ أدى سوء الإدارة إلى جملة من الأزمات الاقتصادية، وتفشي الفقر والسرقة. والشيء الجديد الذي قدمه المحقق جداول بيانية استقت معلوماتها من المخطوطة تتعلق بأسعار الشعير والقمح والخبز، وهي تعطي فكرة عن حجم الغلاء الذي اجتاح البلاد خلال تلك الفترة. وفي النهاية جدول بأسماء القضاة في دمشق منذ إحداث هذا المنصب.
أصدرت وزارة الثقافة السورية المخطوطة في كتابين يصل الأول إلى نهاية الشهر الرابع الهجري (ربيع الثاني) ثم يأتي سرد أسماء القضاة. يبدأ الكاتب مخطوطته منع بداية شهر محرم 999هـ، فيضع اسم السلطان العثماني مراد خان ابن السلطان سليم خان، وهو المعروف باسم مراد الثالث. ويذكر بعد ذلك وزيره قوجه سنان باشا الذي كان ابنه والي دمشق في ذلك العام. ويذكر بعد ذلك اسم قاضي القضاة محمد أفندي بن حسن كتخدا، ثم أسماء القضاة في المحاكم ونوابهم، والملاحظ في هذا الترتيب أنه يأتي وفق تسلسل المسؤوليات. وتبرز تفاصيل أسماء القضاة درجة اهتمام الكاتب بمهنته. وفي الشهر الأول (محرم)، إذ استثنينا جملة الأحداث الشخصية التي جرت مع الكاتب، يمكننا ملاحظة درجة العلاقة المتبادلة بين القاضي والوالي، فعندما يذكر المؤلف وصول قاضي القضاة محمد أفندي يبرز بشكل واضح عدم خروج الوالي وكأنه أمر غريب. من جهة أخرى يذكر في أحداث الشهر انتهاء بناء جامع سنان باشا وملاقاة ركب الحج الشامي، ثم يشير إلى اهتمام الوالي ببناء المسجد وبموكب الحج، وهو بذلك يبرز أهمية المساجد بالنسبة إلى الولاة الذين حاولوا تخليد أسمائهم من خلال بناء المساجد.
أحداث الشهر الثاني مختصرة بشكل واضح، فهناك وصول ركب الحج واعتقال أمير الركب بعد وصوله بأيام من دون معرفة السبب، إضافة إلى مسألة انخفاض الأسعار وارتفاعها خلال شهر واحد مما يوحي بعدم استقرار اقتصادي. وهناك قصيدة طويلة يوردها المؤلف ألقاها عليه الشيخ شمس الدين محمد حول مقصف قريب من جامع يلبغا، أي في منطقة قريبة من المرجة حالياً، وتعطينا فكرة عن الطبيعة في تلك المنطقة التي اختلفت اليوم كلياً. ولا تختلف أحداث الشهر الثالث (ربيع الأول) كثيراً عن الثاني سواء من ناحية الغلاء أو تغيير القضاة. لكنه يورد حادثة سرقة القاضي شمس الدين محمد سبط الرجيحي، والملفت للنظر فيها حجم المسروقات. ومع أنه يذكر مكان السرقة باسم (خلوة القاضي)، لكن المقتنيات التي تحويها لا يمكن أن تكون سوى أثاث بيت، وكميتها لا يمكن أن تكون لقاضٍ فهي تدل على اهتمام بالأمور الفنية والتحف النادرة. ويورد أيضاً إخلاء سبيل أمير ركب الحج بعد أن دفع مبلغاً من المال وعين في منصب مرموق في صيدا.
ويبدو جلياً أن المؤلف صاحب ذوق فني رفيع فهو ينقل أبيات شعرية استطاع الحصول عليها من بعض المخطوطات ثم ينتقل لتحقيق عمل خاص به هو البحث عن أسماء القضاة في دمشق منذ ظهور هذا المنصب، ويذكرهم بأنسابهم حتى نهاية الكتاب، وهو الجزء الأول من المخطوطة.
في الكتاب الأول من نزهة الخاطر يصل الكاتب إلى نهاية شهر ربيع الثاني. أما الكتاب الثاني فيتابع سرد أسماء قضاة دمشق، ثم يعرض أحداث شهر جمادى الأولى التي تبدو فقيرة جداً، ربما لأن أخت الكاتب توفيت. ومع ذلك يورد قصة سرقة جرت في حمام دمشقي، عندما حاول أحد العاملين سرقة المناشف لشدة فقره. وشهر جمادى الثانية مليء بتنقلات القضاة، وهذه الحركة تثبت أن هذا القطاع من السلطة لم يكن مستقراً أبداً، فحتى المؤلف نقل وعزل مرات عدة على امتداد عام كامل. والأمور ـ كما يتضح من سير الأحداث ـ كانت تتبع مصالح الوالي وعلاقته مع كبير القضاة. وتستمر التنقلات في سلك القضاء طوال شهر رجب، إضافة لبعض المشاكل التي سببها القضاة المرتشون، والذين سبّب عزلهم ملاحقة الناس ومطالبتهم بالمال الذي دفعوه رشوة. وهنا يقدم الكاتب حملة التشكيلة القضائية الجديدة، ويذكر وفاة والي مصر أويس باشا بسبب فالج، ويرجع هذا المرض إلى كثرة الظلم الذي سببه مما جعل العلماء والمتصوفة يدعون عليه فأصابه الفالج وتوفي. ولا يظهر في أحداث شهر رجب ما يخص دمشق باستثناء أحداث القضاة وتغييرهم.
وقائع شهر شعبان يتصدرها حدث جرى في اسطنبول مع وزير السلطان سنان باشا، عندما حاول بعض رجال الدولة عزله عن طريق الوشاية للسلطات ففعلوا. وهذه الحادثة بحد ذاتها تبرز فهماً اجتماعياً خاصاً لإدارة الدولة العثمانية، فالكاتب ينقلها على أنها مؤامرة دنيئة. وبالطبع هو يتعاطف مع الوزير كون ابنه والي دمشق، خصوصاً أن سلك القضاء تابع لسلطة الوزير الأعظم. ومن الأحداث أيضاً وصول قاضي القضاة الجديد إلى دمشق وتعيين والٍ جديد لمصر. أما الأحداث الدمشقية فليس هناك سوى الغلاء، وانتشار الطاعون في حلب وما سببه من ويلات ومحن.
تتسارع الأحداث منذ شهر رمضان، فهو يذكر جملة مظالم وقعت على الناس، مع عجز كامل من قبل القضاء. وينقل وصفاً لبعض حلقات الذكر والعبادة التي حضرها، إضافة لتنقلات القضاة. وينتقل بشكل سريع نحو شهر شوَّال فلا يذكر فيه سوى حادثة قضائية واحدة تمت مع أحد القضاة إذ حكم على المدّعي لعدم استطاعته إحضار دليل. وفي شهر ذي القعدة الحدث الأهم وهو عزل الوزير الأعظم سنان باشا، وتبعه عزل ابنه محمد عن ولاية دمشق ووضعه في السجن، ولم يعف عنه إلا في منتصف شهر ذي الحجة، وأصبح خليل باشا والي دمشق. وبهذا الحدث ينهي الكاتب سنة يومياته الأولى ليبدأ بسنة هجرية جديدة. وعلى غرار يومياته في الكتاب الأول فإنه يورد اسم السلطان مراد الثالث ووزيره الأعظم فرحات باشا، ثم بقية الولاة والقضاة.
ليس هناك أهم من وصول خليل باشا والي دمشق الجديد، وبالتالي فإن البلاد ستتغير أحوالها طبقاً لأحوال الوالي الجديد. أما نقيض هذا الحدث، وفي اليوم نفسه، فهو انتحار بيّاع لفقره وعوزه، وينقل الكاتب هذه القصة بتفاصيلها الدقيقة، مسجلاً موقفاً ضد البائع المنتحر. كما يسجل حادثة خروج الجيوش للقبض على قرقماس بن منصور بن الفريج وهو ابن أمير موكب الحج، وأخذه رهينة ريثما يصل والده. ولكن عند وصول موكب الحج في شهر صفر كان منصور بن الفريج قد هرب. وفي شهر صفر أيضاً تنقلات قضائية جديدة في دمشق.
أحداث شهري ربيع الأول والثاني قليلة جداً متعلقة بالكاتب نفسه، فهو يصف مرضاً ألمّ به، ويذكر حادثة متعلقة بإلقاء القبض على سارق. وتنتهي المخطوطة بتاريخ الثالث عشر من ربيع الثاني. ولا بد هنا من ملاحظة أساسية، خصوصاً في الجزء الثاني من المخطوطة، ألا وهي تعليق الأهمية على نقل القضاة، والطعن ببعضهم، والتركيز على الرشوة وبعض ما يقوم به القضاة من جباية للأموال. هذه الأمور ينقلها الكاتب بأسف شديد، مستعملاً عبارة «لا حول ولا قوة إلا بالله» للتدليل على استنكاره. والكاتب هنا لا يتخذ موقف الحياد مما يجري لكنه في الوقت نفسه يكتب من موقع القاضي، أي أنه غير مهتم سوى بإصلاح الأمر، معتبراً نفسه خاضعاً بشكل اعتباري للسلطة الموجودة. هذا الشأن يتضح عندما يكتب عن رسائل الوالي أو محاولاته في مقاومة المجاعة، أو استحصاله على الغلال الزراعية من الخارج. وهكذا يبدو أن المخطوطة تخرج عن إطار اليوميات نحو توثيق القضاة في دمشق منذ استحداث هذه المهنة.
إن المخطوطة تظهر بوضوح حقبة من تاريخ دمشق ما تزال باهتة في أذهاننا، لدرجة أن محقق الكتاب عجز في كثير من الأحيان عن وضع تعريف ببعض الأسماء التي يوردها المؤلف بشكل ينقل صفتها كشخصيات مهمة جداً، وهذه المخطوطة تحتاج أيضاً لبحث أدق، كي يتم خلق تقاطعات بينها وبين باقي الأحداث التاريخية التي جرت في ظل الحكم العثماني.
التشيع في دمشق
كثرة التشيع في دمشق في القرن الرابع وما بعده
في تاريخ الخلفاء للسيوطي: «في سنة 360هـ أعلن المؤذنون بدمشق في الآذان حي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق المعز لدين الله ولم يجسر أحد على مخالفته وفي سنة 364 وبعدها غلا الرفض وفار بمصر والشام والمغرب والمشرق ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي» «انتهى كلام السيوطي ويقصد بالعبيدي: الخليفة الفاطمي».
وقال الذهبي: «كان النصب مذهباً لأهل دمشق في وقت، كما كان الرفض مذهباً لهم في وقت وهو في دولة بني عبيد)[181]( ثم عدم ولله الحمد النصب وبقي الرفض خفياً خاملاً». ووفاة الذهبي سنة 748هـ.
وذكر ابن جبير في رحلته التي كانت في القرن السابع عند الكلام على دمشق كثرة الشيعة بتلك البلاد فقال: «وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة وهم أكثر من السنيين بها».
واليوم يوجد في دمشق عدة ألوف من الشيعة.
وقد أقام فيها السيد محسن الأمين منذ سنة 1319هـ حتى وفاته سنة 1371هـ (1952م) ودفن في مقام السيدة زينب بضاحيتها.
وقد كانت إقامته فيها مصدر خير كثير للشيعة حيث أنشأ لهم المدارس والمعاهد والجمعيات وألّف بينهم وبين غيرهم من إخوانهم السنيين. وفيها كتب مؤلفاته. كما دعم الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار وقد أشار إلى ذلك الأستاذ منح الصلح في مقال له في مجلة الديار حيث جاء فيه بعد أن تحدث عن عبدالحميد بن باديس علامة الجزائر:
«… والنموذج الثاني بين رجال الدين، على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام هو: المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذي كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى، فهو على الصعيد الديني لم يقلّ أثراً وسعة أفق عن محمد عبده. وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سورية سنة 1936م إضراب الستة أشهر الشهير» (انتهى).
لذلك قررت حكومة الاستقلال بعد قيام الحكم الوطني إطلاق اسمه على منطقة بكاملها من دمشق في الجهة التي كان يسكن فيها فأسمتها «حي الأمين». وتقوم في الحي نفسه المدرسة المحسنية».
وقد برز بين شيعة دمشق نخبة كانت من ألمع وجوه المجتمع الدمشقي علماً وأدباً وشعراً فخرجوا خلال دراساتهم الأولى على السيد محسن الأمين، ثم أطلقهم في شتى الميادين الثقافية، فكان فيهم الفقيه والطبيب والكاتب والشاعر والاقتصادي والصحفي من أمثال: الدكتور أسعد الحكيم الذي كان طبيباً متميزاً في الطب والأدب وعضواً في المجمع العلمي، والكاتبين الشاعرين المؤرخين: أديب التقي عضو المجمع العلمي وأحمد صندوق، والفقيهين الشيخ علي الجمال والشيخ محمد علي صندوق، والقاضي علي بيضون، والصحافي عباس الحامض، وعالم الاقتصاد الدكتور أديب الرماني والطبيب الدكتور شفيق شحادة والمربي كامل الرماني والكاتب العصامي وجيه بيضون الذي كانت مطبعته في دمشق أرقى مطبعة فيها.
ويوسف حيدر وسعيد حيدر، وإن لم يكونا دمشقيي المولد، فقد كانا دمشقيي التعليم والنشأة فأصدر الأول منهما في دمشق في أوائل عشرينات القرن العشرين جريدة (المفيد) التي كانت لسان النضال الوطني السوري طيلة صدورها ولم تتوقف عن الصدور إلا سنة 1925م على إثر اندلاع الثورة السورية الكبرى، وقيام حزب الشعب بالتحريض عليها، والتحاق فريق من رجالها بالثوار واعتقال بعضهم وكان بين المعتقلين صاحب المفيد يوسف حيدر، والملتحقين بالثوار شقيقه وشريكه في (المفيد) سعيد الذي كان من أبرز رجال القانون، ومن كبار السياسيين والوطنيين المناضلين.
كما كان السيد محسن يرسل إلى مصر ولبنان أيام عاشوراء أفراداً من خطباء المنبر الحسيني منهم: إلى مصر السيد رشيد مرتضى وإلى بيروت الشيخ صادق الخياط وإلى صيدا الشيخ حسن الرامي.
ولعل فيما جاء في قصيدة للشيخ توفيق الصاروط أحد أعلام مدينة بعلبك علماً وشعراً، وهي القصيدة التي عزى بها السيد محسن الأمين بوفاة قريب له ـ لعل ما جاء فيها يُري القارىء حالة من حالات السيد محسن يومذاك:
لك العمر يا غوث الأنام وغيثها
وأفضل أهل العلم طراً وأطهرا
لئن فوق الدهر الخئون سهامه
وأصمى من العلياء قلباً ومنحرا
فقد أخطأت منه السهام ولم تصب
لها مقتلاً ما دمت فينا مصدرا
فيا كعبة حجت إليها ذوو النهى
على غيره لم تعقد اليوم خنصرا
لئن كان بيت الله للناس كعبة
فإنك نور الله تهدى بك الورى
وفي فضل ما أوتيت من نور حكمة
وفضل بيان كنت للدين مظهرا
على أن أسفاراً ملأت بطونها
علوماً بها وجه البسيط تعطرا
وسارت مسير الشمس نوراً وحكمة
(لها قيل كل الصيد في جانب الفرا)
أعدت بها للدين مجداً وسؤدداً
وجددت من أنواره ما تكورا
وأوليت أهل العصر فضلاً ومنة
وقلّدت جيد العصر دراً وجوهرا
حللت دمشق الشام والجهل خيمت
غياهبه في أهلها قبل أعصرا
فقمت بأمر الله تدعو إلى الهدى
بعزم كحد السيف لا يعرف المرا
بزغت بها كالبدر يبدو ضياؤه
رويداً فيجتاح الدجى حيث أبدرا
وقامت قناة الدين فيها وأحكمت
قواعده لما صفا ما تكدرا
ولا بدع إن لم يبق للجهل موئل
وأنت بها ينبوع علم تفجرا
فيا كوثر الفضل الذي عم نفعه
تفرع من (أن منحاك كوثرا)
لك القول أضحى والشريعة سلمت
إليك مقاليد القضاء بما ترى
وأنت منار العلم والعيلم الذي
طما فجرى من فيضه العلم أنهرا
الحنين إلى دمشق
قال السيد محسن الأمين وهو في جبل عامل يحن إلى دمشق ومنتزهاتها:
أحبابنا بدمشق لا أغبكم
فيض السحائب هطالاً وهتانا
إن ينأ ربعكم عن ربعنا فلكم
في القلب ربع غدوتم فيه سكّانا
وذكراكم في محاني القلب ثابتة
فهل نسيتم لبعد العهد ذكرانا
سقى ليالينا (بالنيربين) حيا
(ودمر) وسقى الصفصاف والبانا
حيث النسيم سرى غضا فرنح من
رياضها كقدود الغيد أغصانا
وبينها (بردى) تجري المياه به
عن الشمائل والإيمان غدرانا
أتذكرون إلى (الخضراء) رحلتنا
يوماً (وللفيجة) الغنّاء ممشانا
(والصالحية) جاد الغيث أربعها
سحا وحيا بتلك الأرض مثوانا
للَّه في (قبة السيار) مرتبع
مراحنا لم يزل فيه ومغدانا
إنا لنشتاق لقياكم أأنكم
بعد التفرق تشتاقون لقيانا
لكنما العجز والأقدار تقعدنا
عنكم وعقد من السبعين وافانا
لا تحسبونا من القوم الألى اتخذوا
بالدار داراً وبالجيران جيرانا
وقال في قصيدة:
حيا دمشق وجادها صوب الحيا
وغدت عليها نضرة ونعيم
يغري النسيم الغض طرفك بالبكا
إن هب من نحو الحبيب نسيم
لي في دمشق أحبة ودي لهم
عمر الليالي خالص وصميم
هم عصبة غر الوجوه أكارم
ما منهم إلا أغر كريم
بيض المساعي والوجوه أماجد
طابت نفوسهم وطاب الخيم
لله ليل الأربعاء فكم به
لذوي الصفاء مسامر ونديم)[182](
والأرض تحسدها السماء فكم بدا
من فوقها بدل النجوم نجوم
فأجابه الشيخ أحمد صندوق:
(شقراء) باكرك النسيم إذا سرى
وسقى ربوعك للغمام عميم
حصباؤك الدر اليتيم لناظر
وثراك للمستنشقين شميم
فيك الهداية والتقى فيك المكا
رم والندى فيك الصلاح مقيم
تيهي عى الدنيا بأروع ماجد
هو للفضائل والكمال زعيم
عقدت عليه بنو الزمان أمورها
طفلاً ولم تعقد عليه تميم
فصل الخطاب ترى بحكم يراعه
إن قام معترك ولج خصوم
نجم الهدى طود الحجى إن أظلمت
نوب وطاشت للأنام حلوم
حاط الشريعة منه علم زانه
رأي يصرفه أغر حكيم
يا ابن البهاليل الغطارفة الألى
طابت مآثرهم وطاب الخيم
والواهبين اليسر أما أجدبت
سنة وضن بما لديه كريم
طال الفراق فكم قلوب قرحت
سهداً وقلب طاح وهو كليم
سقيت ليالي (الأربعاء) وليتها
كانت تعود بأنسها وتدوم
كانت بجيد الدهر طوق لآلىء
بعظيم فضلك عقدها منظوم
ما لذ للأحباب بعدك مشرب
ولو أنه السلسال والتسنيم
إن فرقت عنك الجسوم فلم تزل
منَّا النفوس على حماك تحوم
لا زال في أفق الفضائل منكم
أقمار هدي للورى ونجوم
ومما قيل في الحنين إلى دمشق قول درويش الطالوي:
حمى دمشق سقاها غير مفسدها
صوب الغمام وروى روضها عللا
حتى تظل به الأرجاء باسمة
ويضحك النور في أكمامه جذلا
وخص بالجانب الغربي منزلة
لبست فيها لشباب الروق مقتبلا
تلك المنازل لا شرقي كاظمة
ولا العقيق ولا شعب الغوير ولا..
ما كنت لولا طلاب المجد أهجرها
هجر امرىء مغرم بالراح كأس طلا
ولا تخيرت أرض الروم لي سكناً
ولا تعوضت عنها بالصبا بدلا
وقول أديب التقي:
شذاك أم المسك الفتيت يضوع
له بيننا أنى نحل سطوع
أجلق هل للعيش فيك ودوننا
وهاد النوى، عود بنا ورجوع
أحن إلى عيشي لديك وإنما
يحن إلى الأم الرؤوم رضيع
تنكرت الأيام فيك وفرقت
بها ندوات بعدنا وجموع
فيا ليت شعري والزمان مفرق
أيرجع فينا الشمل وهو جميع
الدنابلة
نسبة إلى دنبل، قال في القاموس: دنبل كقنفذ قبيلة من الأكراد بنواحي الموصل.
وعن كتاب أنساب الأكراد لأبي حنيفة الدينوري أن كبار هذه الطائفة يقال لهم: عيسى بكلو لأنهم أولاد الأمير عيسى المذكور، وقيل أن سلسلة نسبهم تنتهي إلى البرامكة.
والدنابلة قبيلة كبيرة تتفرع عنها قبائل مختلفة الأسماء: منها قبيلة دنبلي يحيى أولاد يحيى، وقبيلة شمسكي أولاد شمس الملك، وقبيلة عيسى بكلّوا أولاد الأمير عيسى، وقبيلة بكزاد كان من نسل الأمير فريدون، وقبيلة أيوب خاني من سلسلة أيوب خان، وغير هؤلاء كثير تفرقوا في قاشان وخراسان وخبوشان وشيروان وكنجة وقراباغ وقراجه داغ.
وكانت طريقة أسلافهم التصوف، قيل أن أحد أجدادهم بنى ألفاً ومئتي تكية للبكتاشية، وقبورهم مزارات يتبرك بها.
ويقول في أعيان الشيعة: يظهر أن أسلافهم لم يكونوا شيعة لما عن القاموس وطبقات الشافعية للسبكي أن فيهم من كان شافعياً، ولأن التصوف على طريقة البكتاشية لا يتفق مع التشيع، وفي الروايات عن الأئمة جملة من أسماء الدنابلة، منهم محمد بن وهبان الدنبلي له حديث يعنعن بكميل بن زياد النخعي عن أمير المؤمنين (عليه السلام). وأورد الحديث أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في الجزء الأول من كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى. وكان موطنهم في كردستان ثمَّ هجروه منذ ما يقرب من تسعة قرون ونزلوا ضواحي تبريز وأحدثوا عدة قرى وقصبات وعمروا بلدة خوي عدة مرات وهي عاصمة ملكهم.
وكانت سلطتهم في كردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى ظهور حيدر الصفوي، فانضم إليه الأمير بهلول الدنبلي ودخل في خدمته، وتبعه من بعده أولاده وأحفاده، فكانوا حلفاء الصفويين متعاونين معهم.
وفي عهد الأمير أحمد بن الأمير موسى الملقب بملك طاهر رابع ملوك الدنابلة المتوفي سنة 387هـ بلغ الدنابلة على حد تعبير تاريخ شرفنامة: «أسمى المراتب وفتح جميع محال هكاري إلى قلعة جات وتوطن قلعة بأْي، وهو من الرواة المعتبرين. له تأليف معروف بين الدنابلة ذكر فيه عدة أحاديث»،
الدهناء
«الدهناء» كما حدد موقعها جغرافيو العرب القدامى أرض تقع فيما بين البصرة واليمامة في طريق البصرة الجنوبي إلى مكة المكرمة، يخرج السائر من البصرة على طريق المنكدر لمن أراد مكة فيسير إلى «كاظمة» ثلاثاً، ثمَّ إلى «الدو» ثلاثاً ثمَّ إلى «الصمان» ثلاثاً، ثمَّ إلى «الدهناء» ثلاثاً)[183](، وهي تقترب أشد الاقتراب من منطقة «الأحساء» الشرقية، يمتد طولها من حَزْن «ينسوعة» شمالاً إلى رمل «يبرين» جنوباً، ويتصل بها من الشمال رمل «عالج» عندما يسمى «بزرود» وهو الرمل الذي يحيط بأكثر أرض العرب، والذي ينقطع طرفه من دون الحجاز، حجاز وادي «القرى وتيماء»، وتتصل بها من الجنوب الغربي أرض «اليمامة» وكان يسكنها بطون «تميم، وضبة، وعدي، ويشكر، وقشير، وجعدة»)[184](.
واسعة مخيفة ضربوا بها المثل في السعة فقالوا: أوسع من الدهناء وفي هذا الاتساع تتمثل خطورتها.
قال الهمداني: ذهب في «صيهد» ـ بأرض اليمن ـ بعهدنا قطار فيه سبعون جملاً من الحاج صادرين من «نجران» كانت في أعقاب الناس، ولم يكن فيهم دليل، وأصبحوا قد تياسروا عن الطريق، وتمادى بهم الجسور حتى انقطعوا في الدهناء فهلكوا)[185](.
وقال أبو منصور: و«الدهناء» من ديار بني تميم، وهي سبعة أحبل ـ بالحاء المهملة ـ من الرمل في عرضها، والحبل منها يكون ميلاً وأكثر من ذلك، وبين كل حبلين شقيقة، والشقيقة ربما كانت فرسخاً عرضاً، وهي أرض تقع بين الحبلين، ليس بها من الرمل شيء هجول)[186](، وأكثر شجرها العرفج، وهي من أكثر بلاد الله كلاء، وإذا أخصبت «الدهناء» أربعت العرب جميعاً لسعتها وكثرة شجرها، عذاة، نزهة، من سكنها لا يعرف الحُمَّى لطيب تربتها وهوائها)[187](.
وقالوا: في سبب تسميتها بالدهناء: إن ذلك يرجع إلى اختلاف النبت والأزهار في عرامها، وذلك أخذاً من تفسير قوله تعالى: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} حيث شبهها في اختلاف ألوانها بالدهن، أو الأديم واختلاف ألوانه.
الملامح العامة
هذه الدهناء نشأ على أرضها الشاعر «ذو الرمة» فعشق رمالها وكثبانها وذكرها في شعره، ولسنا هنا في مجال رسم خريطة كاملة للدهناء معارفها ومنكراتها في شعر «ذي الرمة» فذلك أمر يطول شرحه، لكن حسبنا تحديد الملامح العامة وما يتصل برمال الدهناء من الشمال والجنوب:
1 ـ ذكر ذو الرمة من معالم «الدهناء» في أقصى الشمال «الوحيد» ويقع عند التقاء «الصمان» بالكثبان الرملية الحمراء من رمال الدهناء، وهو المنزل الذي كانت تقيم فيه «مية» حبيبة «ذي الرمة» كل شتاء حيث تتجمع في جانب منه مياه الأمطار، وفيه التقى «ذو الرمة بميَّة» أول لقاء:
تميمة، نجدية، دار أهلها
إذا موه الصمان من سبل القطر
ويلتقي «بالوحيد» حبل طويل من رمل هو «أمل العراف».
ويقول الراعي النميري:
مهاريس لاقت بالوحيد سحابة
إلى أمل العراف ذات السلاسل
وقريب من الوحيد مكان ملتصق به يعرف بـ«حوضى» وفيه مسجد بناه رسول الله (ص) أثناء مسيره إلى تبوك. ومن «حوضى» كان يشرف ويحاول تحديد مسير الظعائن وفيهن «مي»:
فأشرفت الغزالة رأس حوضى
أراقبهم وما أغنى قبالا
كأني أشهل العينين باز
على علياء شبه فاستحالا
وقريب من «حوضى» و«الوحيد» في الشمال أيضاً من الدهناء توجد أرض «حزوى» و«خفان» وهما كما قال «الأحول» موضعان قريبان من السواد بالعراق)[188]( يقول ذو الرمة:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرة
فماء الهوى يرفض أو يترقرق
ويشير إلى أن «حزوى» يقابله مكان آخر هو «الزرق» الذي يتمنى أن يعمّه المطر وهو يدعو لدار ميَّة بالسُّقيا، ويتحسر على الفراق. ومفهوم شعر ذي الرمة أن «الدحل والقرنية، واللوى، والجزائر»، كلها مواضع متقاربة من «حُزوى».
وفي نفس المنطقة توجد «وهْبَينْ» التي يصف فيها سير الثور الوحشي، وتحركه إلى ناحية الخضرة، كما توجد «الخلصاء» وهي أرض في ديار «بني يشكر» كانت فيها مضارب قوم «ميّ».
2 ـ فإذا ما انتقلنا إلى أسفل «الدهناء» من ناحية الجنوب وجدنا «القلات» و«شارع»، وهما موضعان في ديار بني تميم، وإليهما اتجهت مضارب قوم «مي» حبيبة ذي الرمة:
ألا ليت يوم القلات وشارع
رجعن لنا ثمَّ انقضى العيش أجمع
ويقول مالك بن نويرة:
فمجتمع الأسد أم من حول شارع
فروى حبال القريتين فضلغما
وقريباً منهما في أسفل «الدهناء» (قسا) وهو الموطن الأصلي لذي الرمة وفيه عرف «أميمة» قبل أن يعرف «مية» يقول ذي الرمة:
تغير بعدي من أميمة شارع
فصنع قساً فاستبكيا أو تجلدا
ويقول:
ولكنني أقبلت من جانبي قساً
أزور امرأ محضاً نجيباً يمانياً
وقريباً من قسا أو من حذائه توجد واحة «يبرين» في الجنوب الشرقي من الدهناء)[189](. يقول ذي الرمة:
إليك أمير المؤمنين تعسفت
بنا البعد أولاد الجديل وشدقم
نواشط من يبرين أو من حذائه
من الأرض تعمى في النحاس المخرم
كما يوجد في نفس المنطقة «نعف الأجرع»)[190]( وهو مكان قريب من القلات وشارع. يقول ذي الرمة:
قلت لنفسي حين فاضت أدمعي
يا نفس لاقيّ فموتي أودعي
ما في التلاقي أبداً من مطمع
ولا ليالي شارع برجع
ولا ليالينا بنعف الأجرع
إذ العصا ملساء لم تصدع
و«نقي الزرق»، وحومانة الزرق)[191](، والهدملة وهي موضع تنسب إليه حروب كانت في الأيام الغابرة، والعرب تضرب مثلاً للأمر الذي تقادم عهده فتقول كان هذا أيام الهدملة. قال كثير عزة:
كأن لم يدمنها أنيس ولم يكن
لها بعد أيام الهدملة عامر
قال الأول:
الهدملات: أكثبة بالدَّهناء، وأنشد لذي الرُّمة:
ودمنة هيجت شوقي معالمها
كأنها بالهدملات الرواسيم)[192](
وبين الشمال والجنوب تتناثر أماكن أخرى جاءت في شعر ذي الرمة هي «السبية، وجرعاء السبية، والمعا، وسهل المعا، وفتاخ، والرمادة، ورحا جابر، وبرقة الثور، والثعلبية، وذي الأرطى، ومحل الحواءين، وبطن مشرف، وعوج اللمام، وذي الرمث.. وغيرها».
وذكر ذو الرمة من حبال الدهناء ـ بالحاء المهملة ـ الفوارس، وهو حبل رملي، كما ذكر من مياه الدهناء «عين أُثال»، وهي قريبة من ذي الفوارس. يقول ذو الرمة مصوِّراً اتجاه وهدف قطيع الحُمُر الوحشية:
والهم عين أثال ما ينازعه
من نفسه لسواها مورداً أرب
والوشيج: يقول مصوِّراً مسير الظغائن:
فأصبحن يمهدن الخدر بسدفة
وقلن الوشيج الماء والمتصيف
إلى ذلك من تلك الأماكن الكثيرة المتناثرة التي حاول ذو الرمة أن يحدد معالمها وهو يتعسف الفلاة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
محمد عبدالمنعم خاطر
الدَّورق
في كتاب (معجم البلدان): أنَّ الدورق بفتح الدّال المُهملة وسكون الواو وفتح الرَّاء، آخرها قاف، قصبة كورة سُرّق من كور الأهواز وسرّق مدينة بخوزستان واسمُ نهر فيها تحفُّه مدن وقرى كثيرة حفره أردشير بن بهم بن أسفنديار القديم. وكورُ الأهواز عشر، كُلّ كورة باسم قصبتها إلأسُرّق فإنَّ مدينتها الدورق. وهذه أسماء الكور العشر حسبما ذكرت في كُتب الجغرافيا والتاريخ: سوق الأهواز، رامهرمز، أيذج، عسكر مكرّم، تستر، جنديسابور، سوس، نهر تيري، مناذر، سُرّق. والأخيرة (أي سرّق) اسم للكورة ولنهر أيضاً يَمُرّ من وسط الكورة.
قال الكاتب الإيراني إيرج أفشار في كتابه الفارسي الموسوم بـ (نگاهي بخوزستان) ما تعريبه: الذي يظهر من التحقيق والتنقيب أن أول طائفةٍ عربية وردت خوزستان في القرون الأولى للميلاد (القرن الأول والثاني والثالث) في العصر الأشكاني. ثُمَّ يضيف [الكاتب أفشار]: إنَّ الفتوحات الإسلامية التي قضت على الأمبراطورية الإيرانية في مدَّة قصيرة وضمّتها إلى الجزيرة العربية فتحت أبواب خوزستان أمام العرب المهاجرين من العراق والحجاز واليمن كي يتخذوا من خوزستان الغنيّة وطناً لهم، وقد دفعهم إلى هذا قربُ خوزستان من الجزيرة العربية ومناخها الملائم لهم.
وكتب [سيف الله رشيديان] يقول: أن أقدم القبائل العربية التي نزحت إلى هذه المنطقة، بنو حنظلة وقد قدموا إلى الإقليم مع سابور ذو الأكتاف عند عودته من حرب الروم واستوطنوا هناك، ولما جاء عصر الساسانيين خرجوا عن طاعة يزدجرد آخر ملوك الساسانية وتمردوا عليه وأخذوا ينهبون ويغيرون على جيرانهم، ثمَّ طلبوا المساعدة من أبي بكر أيام خلافته فمدَّ لهم يد العون تمهيداً لغزو الفُرس. وبنو حنظلة هؤلاء هم بنو تميم القحطانية وقد عرفوا ببني العم أيضاً وهم من مالك وبنو مالك بطن من تميم وقد جاء ذكر بني العم في شعر جرير في قوله:
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم
ونهر تيري ولم تعرفكم العرب
وقد كان لبني العمّ دور هامّ في دخول المسلمين للإقليم في الفتح الإسلامي: سنة 17 هجرية. وقال المقدسي في كتابه [أحسن التقاسيم]، ومذاهبهم مختلفة، وأكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق معتزلة، ونصف الأهواز شيعة ونهر سرّق كما مرّ نهر يعزى حفره إلى أردشير بهمن بن اسفنديار القديم ويبدأُ هذا النهر من بهبهان فتنشعب منه شعبة إلى هنديجان وزيدان، وأخرى تجري إلى ناحية الشمال من الأولى فيصبُّ فيها نهر رامز ثمَّ يمرّ على خلف آباد ويمتدُّ إلى الدورق فيشقّها نصفين وهذا النهر هو المعروف في زماننا هذا بالجراحي وكان ماؤه بعد سقي أراضي الدورق يصُبُّ في عدّة مصارف منها الأهواز المحيطة به ومنها نهر يتصل بخور الدورق ويخرج إلى البحر ومنها ما ينمزج بماء كارون وينحدرُ إلى حصن مهدي ثمَّ يصُبُّ إلى البحر.
قال يزيد بن المفرغ يذكر هذه الأنهار والمواقع:
تعلّق من أسماء من قد تعلّقا
ومثل الذي لاقى من الوجد أرّقا
وحسبك من أسماء نأي وأنّها
إذا ذكرت هاجت فؤاداً معلقا
سقى هزمُ الأرعاد منبجس العُرى
منازلها من مسرقان فسُّرِقا
إلى الفيّف الأعلى إلى رامهرمز
إلى قربات الشيخ من نهر سُرقا
إلى حين يرقى من دُجيل سفينه
ودجلة أسقاها سحاباً مطبَّقاً
فتستر لا زالت خصيباً جنابها
إلى مدفع السُلاّن من بطن دورقا
وقال الأحيمر السّعدي وكان قد أتى العراق وقطع الطريق فطلبه أمير البصرة سليمان بن علي وأهدر دمه فهرب وذكر حنينه إلى وطنه فقال:
لئن طال ليلي بالعراق لَربّما
أتى لي ليل بالشآم قصير
مَعي فتية بيض الوجوه كأنهم
على الرحل فوق الناعجات بدور
أيا نخلات الكرم لا زال رائحاً
اليكُنّ منهلّ الغمام مطير
سُقيتُنَّ ما دامت بكرمان نخلة
عوامر تجري بينهنّ بحور
وما زالت الأيام حتى رأيتني
بدورق مُلقى بينهنّ أدورُ
تُذكرني أطلالكُنّ إذا دجت
عليّ ظلال الدوم وهي هجير
وقد كنت رملياً فأصبحت ثاوياً
بدورق مُلقيّ بينهُنّ أدور
عوى الذّيب فاستأنستُ بالذيب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
رأى الله أني للأنيس لشانيء
وتبغضُهم لي مقلة وضمير
وذكر السمعاني في كتاب الأنساب جماعة من الرواة المنسوبين إلى الدورق منهم أبو عقيل بشير بن عقبة الأزدي الدورقي قال هو من دورق سكن البصرة يروي عن ابن سيرين وأبي نضرة المتوكل والحسن ويزيد بن عبدالله بن الشخير، روى عنه مسلم بن إبراهيم وهشيم ويحيى القطّان وعبدالرحمن بن مهدي وأبو نعيم المُلائي وأبو الوليد الطيالسي. قال أبو حاتم الرازي أبو عقيل صالح الحديث.
ومنهم ميسرة بن عبد ربّه الفارسي الدورقي قال أبو حاتم بن حيّان، من أهل دورق، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ويضع المعضلات على الثقات في الحث على الخير والزّجر عن الشرّ، لا تحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار يروي حمد بن زنجويه عن واحد عن علي بن قتيبة.
وأبو الفضل الدورقي، سمع سهل بن عمّار وغيره وهو أخو أبي علي الدورقي. وكان أبو علي أكبر منه وأبو مسلم الدورقي، أحمد بن محمد بن شيرويه التاجر روى عنه أبو بكر بن مردويه الحافظ الأصبهاني وأبو يوسف يعقوب الدورقي وأخوه أبو عبدالله أحمد الدورقي ابنا إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي البكري الدورقي من أهل بغداد أصلهما من فارس ولد يعقوب سنة 166هـ ومات ببغداد سنة 252هـ يروي عن هشيم بن بشير روى عنه جماعة مثل الحسن بن سفيان. أما أخوه أبو عبدالله فيروي عن وكيع ويزيد بن هارون روى عنه الناس ومات بالعسكر سنة 246هـ وكان مولده سنة 178هـ وأبو العبّاس عبدالله الدورقي ابن أحمد بن إبراهيم بن كثير العبدي المعروف بابن الورقي سمع مسلم بن إبراهيم وأبا سلمة التبوذكي وعفّان بن مسلم وأبا عمر الحوضي وعمر بن مرزوق ويحيى بن معين وغيرهم، روى عنه يحيى بن صاعد والقاضي المحاملي ومحمد بن مخلد وعبدالباقي بن قانع وكان يسكن سامراء ومات بها في شهر ربيع الأول سنة 276هـ، وكان زلق من الدرجة ومات. قال ابن حيّان وكان السراج يزعم أن جماعة كانوا يلبسون القلانس الطوال الدورقية فنسبوا إليها منهم أحمد بن إبراهيم بن كثير المار ذكره. وقيل أن الإنسان كان إذا نسك في ذلك الوقت قيل له دورقي، وكان أبوهما قد نسك فقيل له دورقي فنسب أبناؤه إليه. (انتهى).
أقول وبعض الدورقيين من أهل الأندلس ينسبون إلى مدينة بالأندلس اسمها دورقة منهم: أبو عبدالله محمد بن حوش الدورقي المقري النحوي كان آيةً في النحو وتعليل القراءات وله شعر حسن توفي سنة 512هـ. ومنهم أبو الأصبع عبدالعزيز بن محمد بن سعيد بن معاوية بن داود الأنصاري الدورقي الأطروشي، كان من أهل المعرفة بالحديث والحفظ والمذاكرة مات سنة 524هـ بقرطبة وله ولد من أهل الفقه والمعرفة يقال له محمد بن عبدالعزيز الدورقي مات قبل أبيه. ومنهم أبو زكريا يحيى بن عبدالله الدورقي.
أما الدورقيون من الشيعة المنسوبون إلى الدورق المعنية في هذا المقال فهم كثيرون أفردتُّ لهم فصلاً في كتابي الموسوم بـ [الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق] ذكرت منهم ما يقرب المائة رجل بين محدّث ومفسّر وأديب وشاعر ومن أقدمهم أبو الحسن علي بن مهزيار الأهوازي الدورقي كان ثقة صحيحاً جليل القدر له 33 كتاباً، روى عن الإمام الرضا وأبي جعفر (عليهم السلام) وكذلك عن أبي الحسن علي الهادي (عليه السلام)، وتوكل لهما، كان حيّاً سنة 229هـ. وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السّكيت الدورقي وهو من خواص الإمامين النقيين (عليهم السلام) وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة والنحو له تصانيف كثيرة قتله المتوكل.
حكومة الجلائريين في خوزستان
بعد أن أطاح السلطان قرا يوسف التركماني بالجلائريين في العراق فرّ الشاه ولد بن أويس الجلايري إلى الأهواز هو وزوجته (دوندي) البارعة الجمال ثمَّ قتل زوجها فانفردت هي بالحكم ووسَّعت منطقة حكمها وضربت السكة باسمها ودُعي لها على المنابر ثمَّ حكم بعدها أويس ابن شاه ولد، فثار عليه ميرزا إبراهيم بن شاهرخ من شيراز فلم يُطق مقابلته فانهزم سنة 826هـ وانطوى عهد الجلائريين في خوزستان بهزيمته. وبعد سقوط الجلائريين وضع ميرزا جهان شاه ابن قرا يوسف يده على كثير من البلاد، وكان حكمه مقارناً لظهور المشعشعيين في الحويزة وسيطرتهم على إقليم الأهواز، ومنذ الغزو التتري إلى ظهور المشعشعيين طرأت تغييرات كثيرة في أنظمة البلاد وأسمائها وسُكانها وانتشرت الأتراك والتركمان في الدورق وفي سائر مُدن الإقليم وأطلقت أيديهم في الحكم ثمَّ جاء عهد الصفويين فزادهم سُلطة وانتشاراً.
حكومة المشعشعيين
عندما ظهر المشعشعيون سنة 845هـ كانت حكومة الإقليم قد فوّضت إلى الشيخ أبي الخير الجزري المقيم في تُستر من قبل حاكم فارس عبدالله سلطان حفيد شاهرخ ميرزا بن تيمور وكان حاكم الحويزة يومئذ جلال الدين بن أبي الخير الحاكم العام في الإقليم، فلمّا حاصر المشعشعيون الحويزة كتب حاكمها إلى والده أبي الخير يخبره بما جرى فرفع والده الأمر إلى السلطان عبدالله بن إبراهيم بن شاهرخ ميرزا بن تيمور، فبعث السلطان إلى الحويزة قائداً وأمر الشيخ أبا الخير بالالتحاق به ولما وصلوا إلى الحويزة أرسلوا إلى بلاد الإقليم يطلبون المدد والنجدة فكانت الدورق في جملة البلاد التي وصل جيشها إلى الحويزة لقتال المشعشعيين وبعد وقائع كثيرة يطول شرحها استولى المولى علي بن السيد محمد المشعشع على جميع الأهواز مع شاطىء الفُرات إلى الحلة في العراق واستبدّ بالحكم دون أبيه إلى أن قُتل سنة 861هـ وعادت الأمور في قبضة أبيه فكان بيده الحل والعقد والنّصب والعزل وله نُواب في البلاد وكان الحكم قد صفى له في الإقليم فلم يجرؤ أحد على معارضته أو مخالفته، إلى أن توفي سنة 866هـ.
وخلفه ابنه السيّد محسن المعروف بالملك المحسن وقد بسط نفوذه على مناطق واسعة شملت البصرة والدورق وبندر عبّاس وكوه كيلويه ورامز وتستر والأحساء والقطيف وكرمنشاه وكردستان وضربت العُملة باسمه وفي أيام حكومته وفد عليه رجل من أشراف بني تميم من أهل نجد اسمه الأمير عبد علي ومعه جماعة من أقاربه ومماليكه وهم خمسة وعشرون بيتاً فأكرمه المحسن وأعطاه بلد الدورق بعد وضع إخراجات سياس الطوايل، ولهذا أسميت الدورق بلد السياس)[193](.
إمارة بني تميم في الدورق
كان الأمير عبد علي التميمي مُقيماً في القيصريّة من الحويزة وكان يتردّد على الدورق ويحدث فيها العمارات فلمّا توفي المحسن سنة 905هـ انتقل عبد علي بأهله إلى الدورق واجتمع عليه أقاربه وخدمه وحشمه من نجد وتمَّ له أمر الدورق فبنى لها سوراً وأحكم مواقعها وتغلب فيها على حُكام الموالي المشعشعيين وحكم بعده ابنه الميرزا علي بن عبد علي التميمي وذلك في زمان حكومة السيّد سجاد بن بدران بن فلاح بن المحسن في الحويزة وكان ذا شوكة وسطوة. قال السيّد علي ابن المولى عبدالله الحويزي المشعشعي في كتابه [الرحلة الملكية] نقلاً عن السيد الأمير باليل الدورقي.
إن حاكم الدورق الميرزا علي بن عبدالتميمي كان يغزو العمارة من الدورق يأخذ دونها ليلة ثمَّ يصالح العكيس ومن شعره قوله:
أصبحت من غربي العكيس مبرّزاً
خوفي من الطيّار [قيل] برزاً
والطيار هو والي بغداد علي باشا أبو الميازين عُرف بالطيار لسرعة سيره.
وبقي ميرزا علي منفرداً بحكومة الدورق رافضاً طاعة المشعشعيين والخضوع لهم وفي زمانه وقع نزاع بين أمير الحويزة السيّد سجاد وإخوته السادة الموالي مطلب ومناف ولاوي فرحلوا عنه إلى حاكم الدورق الميرزا علي فأعزّهم وأجلهم وعين لكل واحد منهم أرضاً وزوّج المولى مطلب ابنة أحد أقاربه فولدت له المولى خلف [مؤسس خلف آباد] وبعد مدّة غزا آل خميس الدورق فضاق بحكامها الأمر فبرز السادة الموالى لحرب الغازين على شرط رضيه الميرزا ثمَّ نَكَثَ علي الموعد فوقع في قلوبهم شيء من الغيض ومرّت عليه مدّة وهم في الدورق حتى تحالفت قبائل الحويزة على الإطاحة بإمارة المشعشعيين وطلبوا من الميرزا علي التميمي المعونة على سجاد، فأجابهم إلى ذلك وكان سجاد قد بعث إلى إخوته في الدورق يطلب منهم النصرة فتحركوا إلى الحويزة بعد خروج ميرزا علي من الدورق بثلاثة أيام ووقع القتال بين الطرفين وأصيب الميرزا بضربة سقط على أثرها وأخذا أسيراً إلى سجاد فقتله وانهزم أتباعه وحلفاؤهم ورجع بنو تميم إلى الدورق فاقدين أميرهم فاشتدت العداوة والبغضاء بين السادة الموالي في الدّورق وبني تميم، فعزموا على إخراج المشعشعيين من الدورق بالخديعة وهي أن يوقعوا ضجّة خارج البلد ويُوهموا الناس أن المواشي نهبت فتخرج الناس ومعهم السادة المشعشعيون فإذا خرجوا أُغلقت الأبواب ثمَّ أخرجت إليهم عيلاتهم فعلم السادة بهذه المكيدة وانعكس الأمر حيث خرج بنو تميم وبقي السادة في المدينة فأغلقوا عليهم أبواب السور واسترضوا الحرس ثمَّ أخرجوا عيالاتهم فتفرقوا في البلاد، بعضهم سكن الحويزة ومنهم من رجع إلى نجد)[194]( وذلك في سنة 971هـ.
ولما قتل الميرزا علي ونُفي بنو تميم من الدورق سنة 971هـ أرسل السادة الموالي أخاهم منافاً إلى الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي ملتمسين منه إسناد الإمارة إليهم فمات السيد مناف في سفره سنة 971هـ. وبقي السيّد مطلب المشعشعي وأتباعه في الدورق أعزاء محترمين من دون أن تُسند لهم الإمارة وكان الناس ينظرونهم بعين الإكبار والإجلال لكونهم من بيت المهدي ولقاربتهم من السيّد سجاد الحاكم العام في الإقليم. وكان السيد مطلب أو عبدالمطلب عالماً جليلاً وصفه علماء زمانه بالتقوى والورع وقد ظهرت من ابنه الأكبر المولى مبارك أعمال تتنافى مع جلالة والده، فأخرجه أبوه من الدورق، فذهب إلى الجزائر وشط العمارة واتفق مع قبيلة آل غزي على غزو الحويزة وتستر ودزفول وذلك في زمان إمارة المولى زنبور بن سجاد الذي تولى الحكم من سنة 992هـ إلى سنة 998هـ وكانت دزفول آنذاك تحت إمارته، فأجابه آل غزي فخرج بهم إلى الحويزة وفرّ زنبور إلى دزفول، ثمَّ أن مباركاً استولى على رامز بعد أن قتل حاكمها المنصوب من قبل الشاه وكتب إلى أبيه المولى مطلب في الدورق يخبره بما جرى فرأى أبوه أن يذهب إلى الشاه في أصفهان ويطلب منه إسناد الإمارة لابنه مبارك لكنه ما وفق للوصول إلى أصفهان فرجع من طريقه إلى الدورق. أما ابنه مبارك فقد ثار ثانية على زنبور في دزفول ومعه آل غزي وعبادة واشتدت الحرب بين الفريقين وألقي القبض على المولى زنبور فقتله المولى مبارك سنة 998هـ، ودخل دزفول فاستقبله أهل البلدة وأظهروا له الطاعة فنصب لهم أميراً اسمه مشكور من أعوانه وارتحل عنهم. أما والده المولى مطلب فقد طلب من الشيخ البهائي أن يتوسط لدى الشاه عباس الصفوي الأول لنصب ولده مبارك أميراً رسمياً على الإقليم فسعى الشيخ البهائي في ذلك فحصلت الموافقة من الشاه، فتوجه مبارك من دزفول إلى بلدة رامز وجعلها محل إمارته وأقر أباه المولى مُطلب والياً على الدورق، وكان في الدورق آنذاك جماعة من الترك الأفشار فأجلاهم مبارك عن الدورق.
سعي المولى مطلب في إبطال عقيدة الشعشعة ونشر المذهب الجعفري
كان أسلاف المشعشعين غلاة أصحاب شعوذة ومخرقة وخروج عن الإسلام وقد حملوا العوّام من الناس مصداقاً للحديث [الناس على دين ملوكهم] وأوّل من أنكر عليهم هو المولى السيد عبدالمطلب وله قصة في سبيل ذلك يقول هو في آخرها: فتبعني إخوتي على إسلامي وأسلم أهل بيتنا وصرنا معروفين بين قبائل المشعشعين بهذا الدين فلمّا وفق الله تعالى لاستيلائنا على هذا الآخر (يعني الإمارة) وانتزاعه من بني عمنا آل سجاد وآل فلاح لم يكن لي همّ إلاَّ رجوع الناس والأقوام من الكفر إلى الإسلام بالسيف واللسان وبذل المال فصرت أدعو قبيلة قبيلةً إلى الإسلام فمن أطاع أنعمت عليه ومن أبى قتلته حتى وفق الله في أيام قليلة إن رجع الناس إلى الإسلام وحسن إسلامهم وزال الكفر وأهله. قال حفيده المولى علي خان بن خلف الحويزي في كتابه [النور المبين] بعد أن ذكر كيفية اهتداء جدّه المذكور إلى الصراط المستقيم قال: ثُمَّ أنه شرع ببناء المساجد والمدارس وهرعت إليه العلماء وطلبة العلم من البلدان وجاوروه وانتفعوا به ونفعهم)[195](.
وفي أيام ولاية المولى مطلب المشعشعي وصل الدورق الشيخ نور الدين علي بن أبي جامع العاملي قاصداً أصفهان من ظلم العثمانيين في العراق فأحسن المولى وفادته وأكرمه وصرفه عن رأيه فبقي معه في الدورق. وكان معه في الدورق أيضاً الشيخ محمد بن نصّار الحويزي وكان المولى من تلاميذه وفي سنة 1003هـ أخذ المولى بدر بن مبارك الدورق من جدّه المولى مطلب وسجنه مع الشيخ محمد بن نصار، ثمَّ أطلقا فانتقلا إلى الحويزة.
وركب المولى بدر بن مبارك على الدورق فملكها في شهر ربيع الأول سنة 1003هـ وكان فارساً شجاعاً سخياً مدح الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطي بقصيدة عن لسان الشريف ابن قاضي القضاة عبدالرؤوف بن حسين الموسوي وقد نظم القصيدة ـ سنة 1008هـ وكان بدر آنذاك يلي عمل الدورق ومطلعها:
إلى الملك الوهّاب ما في يمينه
ولكنه بالعرض جدّ بخيل
وتوفي المولى بدر بن مبارك سنة 1024هـ في حياة والده ونقل إلى النجف الأشرف.
وبقي الدورق خاضعاً لحكومة المشعشعيين يعينون له الولاة والقضاة إلى زمان المولى محمد بن مبارك المشعشعي الذي تولى حكم الإمارة من سنة 1029هـ إلى سنة 1044هـ.
خروج الدورق من سيطرة المشعشعيين
كان المولى منصور بن عبدالمُطلب ينازع ابن أخيه المولى محمد بن مبارك على الإمارة وقد استمال جماعةً من الجند وسانده آل غزي وغيرهم من القبائل أما المولى محمد فقد استمد من الشاه عباس الصفوي فأمده بقوةٍ من الجند كانت تقيم عنده في المحسنية وقد اشتد النزاع بين الطرفين سنة 1035هـ فتحمل المولى محمد نفقات باهظة بسبب هذا النزاع فتنازل عن ولاية الدورق مقابل خمسمائة تومان يقبضها من الحكومة الصفوية ولكن لم يصله منها إلاَّ ثلاثمائة تومان)[196](. ولذلك خرجت الدورق عن حكم المشعشعيين بعد فترة تقرب مائتي سنة من سيادتهم عليها.
وبعث الشاه صفي الصفوي والياً من أصفهان اسمه علي سلطان لحكومة الدورق وهو أول حاكم يصلها من قبل الصفويين وبعد مدة عزله الشاه وبعث والياً آخر اسمه مهدي سلطان.
وفي محرّم 1034هـ وصل القائد الكبير إمام علي خان ابن الله وردي خان إلى الدورق مُسيّراً من قبل الشاه عباس الصفوي بجيش كبير في العدد والعُدَد لأخذ البصرة من واليها علي باشا بن أفراسياب الديري فنزلت عساكر الخان علي القبان بقيادة [إمام قلي بك بن بك وردي] المُكنى بأبي الرّوس، وكانت القبان آنذاك تابعة لوالي البصرة ويحكم فيها بدرُ بن عثمان الكعبي من قبله. أمّا الخان الكبير فقد طاب له المقام في الدورق واستهواه صيدها لأنه كان يخرج بين حين وآخر للصّيد في جمع غفير من خواصه وترك أمر البصرة لجيشه والأمراء المعينين من قبله ولما طال النزاع واحتدم القتال ولم تظفر إحدى الفرقتين توجه الخان إلى الحويزة لنصرة المولى محمد علي عمّ منصور فظفروا به وأخرجوه وبقي الجيش في المحسنية كما تقدم مسانداً للمولى محمد)[197](. وفي سنة 1043هـ استطاع المولى منصور أن يأخذ الحويزة من ابن أخيه ويُسمل عينيه، ليصبح حاكماً بلا معارض ولا منازع في الحويزة فحكم من سنة 1044هـ إلى سنة 1053هـ، وفي أواخر أيام حكومته قدم الدورق من أصفهان ميرزا مهدي قبل وزارته يريد الحج وقد ركب سفينة من شواطىء كارون فمنعه منصور من المسير وأخذ منه مائتي تومان ثمَّ سمح له)[198](. فكان ذلك من أسباب سخط الشاه عليه.
وكان مهدي سلطان ثاني مبعوث من قبل الشاه الصفوي لحكومة الدورق بعد خروجها من سيطرة المشعشعيين وقد طالت مُدة حكومته إلى أيام ولاية المولى علي خان بن خلف الحويزي(1060-1088هـ) على الحويزة، وفي ولايته سار إمام قلي خان بجيش كبير على البصرة كما مر مسبقاً، وفي زمانه أيضاً عُيّن السيد أحمد بن محمد بن فلاح المشعشعي الحويزي قاضياً في الدورق وكان هذا السيد فاضلاً أديباً رآه النسابة الجليل السيد ضامن بن شدقم الميداني في الدورق سنة 1068هـ وأثنى عليه وفي أيامه أيضاً وقع هجوم العثمانيين على البصرة.
هجوم العثمانيين على البصرة والجزائر
سنة 1078هـ
كان حسين باشا الديري والياً على البصرة والجزائر من قبل السلطان العثماني وكان أبوه وجدّه أيضاً واليين عليها وقد أسست إمارتهم سنة 1005هـ على يد أفراسياب الديري وانتهت بهزيمة حفيده حسين باشا بن علي باشا بن أفراسياب أمام الجيش العثماني سنة 1078هـ، وكانت البصرة آنذاك كثيرة السكن غاصة بالأهالي وكذلك الجزائر فإنّها كانت مليئة بالعشائر والسكّان ولأهلها قوة وشوكة يتحاشاهم السلطان وفيهم عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء فوقع من الموالى عصيان على السلطان فسيروا عليه جيشاً كبيراً، حاصر البصرة والجزائر في السنة المذكورة وطال أمدُ الحصار ففرَّ حسين باشا إلى الدورق ومنها إلى شيراز ثمَّ إلى الهند، وانهزم جيشه وتفرَّق أهل البصرة والجزائر لاجئين إلى الحويزة والدورق خوفاً من ظلم العثمانيين، وخرج كعب من القبان فارّين إلى بندر معشور لأنهم كانوا يُحسبون من رعايا والي البصرة وقد هلك خلق كثير من أهل البصرة والجزائر في الطريق عطشاً وجوعاً وغرقاً، فبعث والي الحويزة المولى علي خان بن خلف المشعشعي جماعة من جنوده يحملون قُرب الماء والخبز لاستقبالهم، وانتشر أهل البصرة والجزائر وتوطن منهم جماعة في بلاد أخرى ولم يعودوا بعدها إلى ديارهم مثل المحدّث الجليل السيد نعمة الله الجزائري الذي سكن تستر، العالم الأديب السيد علي بن باليل الجزائري الذي سكن الدورق والطبيب الحاذق السيّد عبد الرضا البصري الحكيم الذي سكن الدورق أيضاً وغيرهم. وقد كتب الشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي كتابه [زاد المسافر ولهنة المقيم والحاضر] تاريخاً لهذه الواقعة.
ولاية مرادخان على الدورق
ووجّهت إليه ولاية الدورق بعد أبيه مهدي سلطان وبقي مدة طويلة في منصبه ويظهر مما كتبه المشعشعيون في مذكّراتهم أن رابطته بهم لم تكن حسنة. وبعد مرادخان ولّيَ الدورق ابنه إبراهيم خان.
ولاية إبراهيم خان على الدورق
ولّيَ إبراهيم خان الدورق بعد فترة تنيف على خمسين سنة كانت الولاية فيها لأبيه وجدّه فهو إن لم يكن ولد فيها فقد ترعرع وانتشأ فيها. وفي زمانه كانت الدورق حافلة بالعلماء والأدباء والشعراء يقصدها الناس لطلب العلم وفيها أساتذة مذكورون في كتب التراجم ومن مدارسها [المدرسة الإبراهيمية] التي لا تزال مخطوطاتها موجودة في بعض المكتبات في عصرنا هذا. ويمكن أن نقول أن الحركة العلمية والأدبية في الدورق قد بلغت ذروتها في تلك الفترة، وأن أكثر العلماء والأدباء الدورقيين الذين ورد لهم ذكر في كتب التراجم هم من أهل تلك الفترة وما قبلها وبعدها بقليل (أي من أهل القرنين الأول والثاني بعد الألف للهجرة) ذكرت منهم جماعة يقرب عددهم المائة في كتابي [الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق] ممن عثرت لهم على آثار علمية وأدبية تدل على مكانتهم.
وفي أيام حكومة إبراهيم خان في الدورق ظهر طاعون جارف في البصرة ومنها انتقل إلى القبان وانتشر في الحويزة والدورق وتستر وغيرها من البلاد وذلك في سنة 1102هـ ففتك بالناس فتكاً عجيباً، أهلك العباد وأخلى البلاد وأصاب أهل العلم بنكبة لم تقم لهم بعدها قائمة تذكر في الدورق، وقد أشار السيد نعمة الله الجزائري إلى هذه الكارثة في كتابه الذي ألفه في هذه المناسبة وسمّاه (مسكن الشجون في جواز الفرار من الطاعون) حيث قال في مقدمته: وكان من أعظم المصائب لما فقد من العلماء الصالحين خاصة في الحويزة والدورق فقد هلك عدد كبير من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء فعطّلت المدارس وخلت منهم المساجد وسميت تلك السنة بـ (عام الحزن). أقول وفي هذا الطاعون خرج كثير من الناس فارين من الدورق طلباً للنجاة ووقع الباقون في مخالبه فلم ينج من أهل البيت الواحد إلا الشاذ والشارد حتى أن في بعض المناطق القريبة من الدورق كالقبان مثلاً هلك رؤساء العشائر والحكام وتشتت الرعايا فظهر آخرون وسكنوا مساكنهم وصارت لهم قوة وشوكة.
سقوط البصرة بيد الصفويين
وفي أيام حكومة إبراهيم خان في الدورق اتفق رئيس المنتفج الأمير مانع مع والي الحويزة المولى فرج الله بن السيد علي خان بن خلف المشعشعي وتحالفا على طرد الحاكم العثماني من البصرة واحتلالها، فحوصرت البصرة بموجب هذا الاتفاق ودخلها جيش المولى فاتحاً سنة 1108هـ. ولكن الشاه فوّض أمرها إلى الوالي إبراهيم خان إضافة إلى الدورق، فانتقل إبراهيم خان إلى البصرة وجعل مكانه أحد أقاربه المدعو محمد حسين بيك نائباً عنه في الدورق.
وبعد مدة قصيرة من حكم إبراهيم خان في البصرة بعث الصفويون والياً للدورق اسمه داود خان فشق ذلك على إبراهيم خان فاستقال من ولاية البصرة فضمت إلى داود خان أيضاً إضافة إلى الدورق وفي هذه المدة أُسند منصب القضاء في البصرة إلى العالم الأديب الشيخ فتح الله علوان الكعبي الدورقي [المتوفى سنة 1130هـ]، ثمَّ أنه رآه مخلاً لدينه فانصرف عنه.
ولما عزل الصفويون المولى فرج الله المشعشعي عن ولاية الحويزة سنة 1111هـ أراد أن ينتقم لنفسه من الحكومة الصفوية التي عزلته عن منصبه وفوّضت أمر البصرة المفتوحة على يده إلى غيره، فأركب في سنة 1112هـ خيلاً على الدورق ونهب بلدها وربضها بأجمعه.
وقوع الصّلح بين العثمانيين والصفويين
وفي سنة 1112هـ، وقع الصلح بين الحكومتين الصفوية والعثمانية وأُعيدت البصرة إلى العثمانيين بعد أن خضعت أربع سنوات لولاة الصفويين.
ولاية مهدي قلي خان
وكان داود خان يحكم البصرة والدورق معاً من قبل الصفويين فلما استعاد العثمانيون البصرة خرج منها داود خان عائداً إلى الدورق إلاَّ أن أيامه كانت قصيرة بعد ذلك في الدورق لأننا نجد الحاكم فيها سنة 1114هـ مهدي قلي خان بن محمد باقر سلطان ويظهر أنه كان ديناً تقياً يُحب العلماء ويجلهم، ألّف له الشيخ فتح الله بن علوان الدورقي رسالته الفقهية الموسومة [تحفة الإخوان] في فقه الصلاة وأجاز له روايتها عنه، وذكر فيها أنه يروي الأحاديث عن شيخه المولى أبي الحسن الشريف العاملي عن العلامة المجلسي عن والده التقي عن الشيخ البهائي بطرقه المعروفة.
حكومة سلمان الخزعلي في الدورق
حكم سلمان الخزعلي في الدورق بعد مهدي قلي خان ولم يتضح لي تاريخ توليه الحكم فيها إلاَّ أنه عزل عنها سنة 1124هـ ووليها بعده محمد حسين خان.
وبقي محمد حسين خان حاكماً في الدورق ثلاث سنوات فعزل عنها سنة 1127هـ. ومن هذا التاريخ يَنْبَهِم علينا أمر الولاة في الدورق حتى سنة 1145 حيث سار نادر شاه الأفشاري على خوزستان ودخل الحويزة بجيشه فضرب المشعشعيين ضربة قاسية بدّد سيطرتهم وكسر شوكتهم وولّى على الحويزة والياً من غيرهم.
وعندما دخل نادر شاه خوزستان وبدّد جمع المشعشعيين اختار منهم واحداً هو المولى فرج الله المشعشعي فولاه الدورق وهو غير فرج الله بن السيد علي خان الذي تصرّف البصرة سنة 1108هـ، فبقي هذا والياً في الدورق إلى ما بعد سنة 1150هـ، ثمَّ ولي الأمر بعده حفيده المولى مطلب بن محمد وكان له شأن خطير في الحوادث التي جرت في الإقليم.
وتسلم المولى مطلب الحكم بعد جدّه وقد ذكر وقائع أيام حكومته السيّد عبدالله الجزائري في كتابه [تذكرة تستر] فقال: وفي سنة 1155هـ حينما كان المولى مطلب والياً على الدورق أسندت الحويزة إلى محمد خان بن سرور سلطان القراجورلو، وكان وكيل الماليات [متسلم الضرائب] فيها رجلاً يدعى عبّاس قلي خان فاتفق المولى مطلب مع وكيل الماليات وبعض رؤساء القبائل على إقصاء والي الحويزة عن منصبه، فقبضوا عليه وسجنوه سنة 1160هـ فلما سمع بذلك إبراهيم خان بن بابا خان حاكم لرستان سار عليهم بجيش مؤلف من مقاتلي الألوار والأزبكيين والتحق به محمد رضا خان حاكم شوشتر بجيشه وأعيان حكومته للتنكيل بالمولى مطلب وحلفائه والإفراج عن والي الحويزة المسجون وخرج المولى مطلب والي الدورق بجيشه مستعداً لحربهم فالتقى الفريقان بالقرب من دزفول في الثامن من جمادى الأولى سنة 1160هـ، ونشب بينهم القتال فوقعت الهزيمة على جيش حاكم لرستان فعاد فارّاً إلى مقر حكومته، كما رجع محمد رضا خان إلى شوشتر وغنم جيش المولى غنائم كثيرة منهم وبعد ثلاثة أيام من هذه الواقعة حاصر المولى مطلب وعبّاس قلي خان مدينة شوشتر فاضطر حاكمها محمد رضا خان إلى الاستسلام فسار بنفسه إلى مُعسكر المولى فأمر بحبسه كما أمر بسجن عباس قلي خان لأنه أساء الظنَّ فيه ورجع بهما إلى الحويزة، وبقيا عنده إلى سنة 1161هـ فصدر في تلك السنة أمر من ملك عادل شاه ابن أخ نادر شاه بتعيين المولى مطلب حاكماً للحويزة، وعباس قلي خان والياً على شوشتر ودزفول وفوّضت الدورق في تلك السنة لمحمد بيك أخ عبَّاس قُلي خان وكان نائباً عن أخيه في شوشتر حيث كان أخوه مقيماً في دزفول فرفض أهل الدّروق وما اعتنوا به «فبطلت ولايته».
هجرة كعب من القبان إلى الدورق
وبناء مدينة الفلاحية
سكنت كعب القبان في العقد الأول للقرن الحادي عشر الهجري على أيام أفرسياب الديري والي البصرة، وكانوا أولي نجدة وقوّة مارسوا الحروب وتعوّدوا تحمل المشقات نتيجة بيئتهم الخشنة ورحلاتهم المتعددة، وكان الحُكام في إيران ينظرونهم نظرة حذر ويكرهون خروجهم من القبان إلى المدن القريبة وانتشارهم في الإقليم، فلمّا قتل نادر شاه سنة 1160هـ. اغتنم الكعبيون الفرصة فساروا بزعامة أميرهم الشيخ سلمان بن سلطان بن ناصر الكعبي تجاه ضفاف كارون إلى الشمال من القبان وتوقَّفوا قليلاً في مكان يدعى [شاخة الخان] وشقُّوا هناك نهراً كبيراً من كارون إلى الجنوب سمّوه «نهر السَّلمانة» على اسم رئيسهم الشيخ سلمان، ولما تأكدوا من مقتل نادر شاه، تركوا شاخة الخان واتجهوا نحو الدورق فلما وصلوها اصطدموا بالترك الأفشاريين وجرت بينهم معارك استطاعوا أن يتغلبوا فيها عليهم ويخرجوهم من الدورق ويسكنوا مكانهم وذلك في سنة 1160هـ وهو أول توطُّن جماعي لكعب في الدورق أما القّبان حاضرتهم الأولى فلم يتركوها بالمرة بل بقيت لهم جماعات من أقاربهم وذويهم كانوا على صلة ببيوتهم وأملاكهم والسبب في رحلتهم إلى الدورق طلب التوسع والحصول على أراض خصبة واسعة تضمن لهم رخاء العيش وفراغ البال في المستقبل. أما كعب فلم يذكروا اصطدامهم بالأفشاريين في تاريخهم بل ذكروا معركة عنيفة وقعت لهم مع بني خالد سكان المدينة آنذاك وأن الغلبة كانت لهم وقتل كثير من بني خالد وأسر جماعة منهم وتشتت الباقون وسكنت كعب في منازلهم إلاَّ أن أميرهم الشيخ سلمان بن سلطان لم تطب نفسه بالمقام في مدينة الدورق فطلب من كعب أن يبحثوا له عن أرض عسرة المسالك محاطة بالمياه تحميه من مباغتة الأعداء وبعد البحث والتفتيش وجد أرضاً بتلك الصفات على بعد ستة فراسخ من غربي مدينة الدورق، فأخبروا الشيخ سلمان بذلك فلما رآه هو وخواصه طابق مرادهم فقالوا جميعاً: هذا هو الفلاح فبنوا لذلك الموضع سوراً مربعاً وبنوا على السور جداراً عالياً وجعلوا له منافذ للمدافع والسّلاح وبنوا سوراً ثانياً من جهة القبلة ملاصقاً للسور الأول وسمّوه كوت الطرش، وبنوا سوراً ثالثاً لدوابهم ومواشيهم وسمّوه القولة، ثمَّ رحلوا عن مدينة الدّورق ونزلوا في ذلك المكان المسور وسموه كوت الفلاح لقولهم عندما رأوه أول مرة «هذا هو الفلاح» ثمَّ سُمي بعد ذلك «الفلاحية» فكان تخطيطها ونزولهم فيها في سنة 1160هـ)[199](.
ويذكر أن مادة تاريخ بناء الفلاحية حسب حروف الأبجد قول بعضهم: «بالفلاحية خنزير سكن» شريطة أن يُحسب حرف التاء من آخر كلمة الفلاحية هاءاً، كما يتلفظه أهل المنطقة فيكون مجموع حروف تلك الجملة 1154هـ.
وبعد أن فرغ الكعبيون من أمر سكناهم شقّوا الأنهار في تلك الأطراف وأجروا فيها الماء وغرسوا الأشجار والنخيل فصارت أرضهم مخصبةً كثيرة الأرزاق وافرة النّعمة فتبعهم أهل مدينة الدورق القديمة وقصدهم العلماء والأدباء.
موقع الدورق الجغرافي والاجتماعي
في القرن الثاني عشر
عُرف بلد الدورق في القرن الثاني عشر عند أهله بالمدينة، والقصد مدينة الدورق التي كان يحكمها المشعشعيون منذ ظهورهم وتقع على الجانب الغربي من نهر الجرّاحي (سرق القديم) وتقابلها في الضفة الشرقية من النهر عدّة قرى منها غريبة وخشاب والحسيني وكان هناك جسر على النهر يربط المدينة بالجانب الشرقي لا زالت آثاره موجودة إلى زماننا هذا وكان الارتباط بينها وبين سائر البلاد نهرياً، وتتصل بها سفن البحر عن طريق خور الدورق الذي لا زال موجوداً إلى الآن تصُب فيه مياه الأهواز فكانت السّفن تدخل هذا الخور وترسو في قرية تُسمى الآن [البزية] ويُقال لها السيف أيضاً وتردّد بين البزية ومدينة الدورق زوارق صغيرة أمّا سكانها فهم قبائل مختلفة من بني تميم وبني خالد وبيوتات علوية من المشعشعيين وغيرهم وبيوتات من رجال العلم والدين من بني أسد (الطريحيون) وغيرهم من القبائل العربية مثل بني سالة و.. و.. كما كان فيها أيضاً جماعات من الترك الأقشاريين منتشرين في نواحيها وكان حكامها في منتصف القرن الثاني عشر من بني خالد وقد هُجرت هذه المدينة بعد أن استولى عليها الكعبيون حدود سنة 1160هـ وأجلوا بني خالد عنها، ثمَّ اختط الكعبيُّون مدينة الفلاحية ونزلوها أما سبب الهجرة العامة منها، فيقال، أنَّه ظهر فيها طاعون أهلك كثيراً من السكان ففر من فر منهم ولم يعد إليها أحد بعد ذلك. وهذا السبب وإن كان مؤثراً في انخفاض عدد السكان إلاَّ أن هناك أسباباً أخرى أثرت في نزوح الناس عنها نزوحاً كاملاً لن يرى بعده في المدينة إلاَّ بيوت خالية استحالت بعد ذلك إلى أطلال وآثار ثمَّ أنقاض وتلول من التراب وصخور تسفو عليها الرياح وهي في زماننا هذا مزرعة لبعض أهل الفلاحية، يزرعون فيها الحنطة والشعير والرّز وفيها بساتين للمزارعين ولعلَّ من أهم أسباب الهجرة منها هو اندفاع الناس وانجذابهم نحو مدينة الفلاحية الجديدة التأسيس آنذاك للاحتماء بسكّانها أهل القوّة والشوكة في المنطقة.
إمارة في الفلاحية
أوّل من حكم في الفلاحية من الكعبيين هو الشيخ سلمان ابن سلطان بن ناصر وآزره أخوه الشيخ عثمان وكانا هذان الأخوان من أهل الرأي والتدبير محبين لأهل العلم ولهما اهتمام في أحياء الأراضي وإعمارها ذكرهما السيد عبدالله الجزائري في كتابه [تذكرة تستر] )[200]( فقال:
سافرت سنة 1167هـ إلى البصرة من طريق الدورق فنزلت فيها [في الدورق] ضيفاً عند الشيخ عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي وكان من أجلاء أبناء الزمان وأكابر المقيمين في تلك الأوطان ثمَّ توجهت إلى أخيه الشيخ سلمان وكان لي معه صداقة سابقة ومن أعماله العمرانية السدّ الذي بناه على كارون [سد السابلة] بالخشب والقصب والتبن وهو في الاستحكام والقوة على نمط يعجز أهل الخبرة التستريون أن يبنوا مثله بالصخرة والملاط، أمَّا عدله وحسن سياسته في الرعية فقد بلغ حداً لو خرجت امرأة عمياء في الليلة الظّلماء وعلى رأسها سفط من ذهب ودارت به الأحياء لما تعرّض لها أحد بسوء.
هجوم علي باشا والي بغداد على الفلاحية
كان الولاة في بغداد يعتبرون القبان جُزءاً من البصرة ويعدّون كعباً من رعيتهم وكانت كعب قد امتنعت من دفع الخراج إليهم فأراد والي بغداد أن يُرغم كعباً على طاعته ويأخذ منهم الخراج الذي منعوه، فسير عليهم جيشاً جراراً والتحق به جيش المولى مطلب والي الحويزة لأن المولى كان قلقاً من قوة كعب وازياد شوكتهم وتوسعهم في الأراضي فتجمعت الجيوش في المارد في النصف من ذي الحجّة سنة 1175هـ لكنهم عادوا بعد مدة قصيرة بدون جدوى. وأخذ الوالي يُعد العدة ويتجهز للإغارة ثانية على الفلاحية فلما دخلت سنة 1177هـ خرج بجيش كبير مؤلف من العرب والأكراد والأتراك وقبل أن يصل إلى الفلاحية خرجت كعب لقتالهم فوقعت بينهم الحرب فظهرت خيانة من جيش والي بغداد فبان فيهم الانكسار ورجع الباشا إلى بغداد وأخذ يوغر إلى كريم خان ملك إيران آنذاك في قتال كعب وإخراجهم من الفلاحية وكتب له رسالة بعثها مع وفد من بغداد وعده فيها بتوفير الميرة والطعام من قبل والي البصرة لجيش الكريم خان ما دام محاصراً للفلاحية.
حصار كريم خان الزندي مدينة الفلاحيّة
سنة 1178هـ
صادفت رسالة الباشا موافقة كريم خان فسار بجيشه من لرستان إلى خوزستان وخيم مدَّة في شوشتر حتى انقضى شهر رمضان ثمَّ سار نحو الفلاحية وكُلما وصل في طريقه إلى نهر بنى عليه جسراً، فلما اقترب من الفلاحية علم الشيخ سلمان أن لا طاقة له بمقابلته فأمر كعباً بالرّحيل من الفلاحية وخرج هو بماله وحشمه إلى الحفار. وبقي كريم خان ثلاثة أيام ثمَّ خرج منها لملاحقة كعب فخرج سلمان من الحفّار إلى المحرزي واستقر جيش كريم خان بين الحفّار والقبان وبعث إلى والي البصرة يطلب منه تنفيذ ما وعد به والي بغداد من إرسال الزاد والطعام وعلوفة الخيل وزوارق بحرية لمطاردة الكعبيين، فبعث إليه والي البصرة زورقين محمّلين بالتّمر وآخر خاصاً لركوب كريم خان واعتذر من إرسال غيره، وعبر كريم خان نهر بهمنشير ونزل في المحرزي وكان سلمان قد خرج منها إلى البحر فتبعته زوارق محملة بالجنود بقيادة زكي خان تلاحق الكعبيين من جزيرة إلى جزيرة ومن مكان إلى مكان، فأشار عليه بعض أهل العقول الفاسدة أن يهدم سدّ السابلة حتى لا يعلو ماءُ كارون أرض القبان)[201]( فتخلو أنهارها من الماء العذب وتموت أشجارها ومزارعها ولم يبق لكعب فيها رغبة فيتركوها من أنفسهم، فأمر كريم خان بكسر السدّ فكسروه وأمر بهدم قلعة الحفّار فهُدمت من ذلك الزمان (أي من سنة 1178هـ) أخذت القبان بالانهيار والدّمار وطغى ماء البحر المالح على مزارعه ونخيله فتركه أهله وخلى من سكن حتى أصبح هذا اليوم لا يرى منه إلاَّ تلول وآثار مدفونة تحت التراب بعد أن كان بلداً عامراً مزدحماً بالأهالي وفيه من النّعم ما لا يحصى.
وسدّ السابلة هذا، هو السد الواقع على كارون الذي رآه السيّد عبدالله الجزائري سنة 1167هـ ووصفه بالقوة والاستحكام ويقع بعد انشعاب نهر المارد نهر ينشعب من جهة كارون بقليل وكان له أثر كبير في إحياء الأراضي تلك الأنحاء. والمارد نهر ينشعب من جهة كارون الجنوبية ويتجه جنوباً ويتشعب فتسير بعض شعبه إلى أهواز الفلاحية وتتجه شعبة من المارد إلى أرض القبان فتسقي مزارعه وبساتينه ثمَّ تُصب في البحر.
ولما طالت ملاحقة كريم خان للكعبيّين بعث الشيخ سلمان رسولاً إلى كريم خان يعتذر عمّا سبق ويطلب الأمان ويعد بدفع خراج يُعادل ثلاثة آلاف تومان سنوياً شريطة أن يغادر جيش كريم خان الدورق ويسمح للكعبيين بالعودة إلى بلادهم فرضي كريم خان بذلك لأنهم كانوا شيعة مثله وكلهم يعتنقون المذهب الجعفري)[202](. وعاد الشيخ سلمان إلى الفلاحية ولكن قلت رغبته في التعمير وضعفت همّته عن إصلاح ما أفسده كريم خان كإصلاح السدّ مثلاً. ولم يمض على ذلك أكثر من سنتين حتى حوصرت الفلاحية مرّة أخرى من قبل شركة الهند الإنكليزية.
محاصرة شركة الهند الإنكليزية مدينة الفلاحية سنة 1180هـ
كانت الملاحة في البحر مهدّدة من قبل زوارق الكعبيين وكانت السفن التجارية معرّضة للخطر من قبل تلك الزوارق فأراد البريطانيون أن يزيحوا ذلك الخطر فوجهت شركة الهند الشرقية الإنكليزية سُفناً مشحونة بالجنود والمدافع وكامل القوة بقيادة المستر زبيد ومحمود كخية نحو خور الدورق لمحاصرة الفلاحية، وفي السادس من ربيع الأول سنة 1180هـ وصلت تلك السفن خور الدورق وخرج الجنود بالمدافع والسلاح ونصبوا خيامهم قريباً من سور الفلاحيّة وصنعوا تلالاً من التراب وأصعدوا عليها المدافع وأخذوا يوجهون قذائفهم نحو المدينة فخرج عليهم أهل الفلاحيّة واقتتلوا معهم وأزاحوهم عن مضاربهم وقتلوا المستر زبيد ومحمود كخية واستولوا على مخيمه وغنموا أموالاً كثيرة وأسلحة وأمتعة وفُرشاً كانت في مخيماتهم ثمَّ باغتوهم ليلاً وأشعلوا النار في سفنهم فانسحب البريطانيون بما بقي من سفنهم.
حكومة الشيخ غانم بن سلمان الكعبي في الفلاحيّة
في سنة 1182هـ توفي الشيخ سلمان بن سلطان وحكم مكانه ابنه غانم وفي زمانه هاجم العمانيون وأهل الجزر رجال كعب الموكلين بأخذ الضرائب من السُّفن في شط العرب والبحر ولم يُفلحوا بإخضاعهم وحكم بعد غانم أخوه داود وقتل سنة 1184هـ.
وحكم بركات بن عثمان بعد مقتل ابن عمه داود بن سلمان سنة 1184هـ وكان بركات صاحب قوة وسطوة تصرف أنحاء كثيرة ووسّع رقعة حكمه وفي زمانه حاصر محمد صادق خان أخُ صادق خان مدينة البصرة سنة 1187هـ ومعه بركات وجيشه واستمر الحصار حتى سنة 1189هـ فسقطت البصرة ودخلها صادق خان فاتحاً فحكم فيها إلى سنة 1193هـ فورد إليه خبر وفاة كريم خان في التاريخ المذكور فترك البصرة وعاد الشيخ بركات بجيشه إلى الفلاحية وفي زمانه أيضاً ضرب الطاعون في البصرة وشط العرب والمحرزي والفلاحية سنة 1196. كان الشيخ بركات يُحب أهل العلم ويجلهم وكانت له خزانة كتب جليلة في الفلاحية جلب إليها نفائس المخطوطات واستدعى جماعة من علماء النجف الأشرف وعين لهم المقررات الشهرية وأجزل لهم العطاء وهيّأ لهم أسباب التحقيق وكان النظير على مكتبته العالم المحدث الشيخ خلف بن عبد علي العصفور (ابن أخ الشيخ يوسف صاحب الحدائق الناظرة) رأيت بعض كُتب هذه الخزانة متفرقة في مكتبات الفلاحية وعليها ختم: وقفه أبو البركات سنة 1193هـ). وبقي بركات حاكماً في الفلاحية إلى أن قتل سنة 1197هـ.
حكومة الشيخ غضبان بن محمد بن بركات الكعبي في الفلاحية
لما قتل الشيخ بركات حكم بعده حفيده الشيخ محمد وفي زمانه سار والي بغداد سليمان باشا ومعه ثويني شيخ المنتفق على الفلاحية فرجعوا خائبين ثمَّ ضاقت الأحوال بالشيخ ثويني بعد ذلك فقصد الفلاحية مجبراً وبقي عند الشيخ غضبان حتى هدأت الأحوال فغادرها إلى دياره وقتل غضبان سنة 1207هـ وحكم بعده جماعة من آل ناصر الكعبيين ولم يتجاوز حكم أحدهم السنة والسنتين فيقتل أو يفر حتى جاءت سنة 1210هـ فحكّمت كعب علوان بن محمد.
وارتضته كعب أميراً عليها سنة 1210 وكان رجلاً متديناً ذكياً وفي زمانه ورد الفلاحية العالم الجليل الشيخ أحمد بن محمد المحسني الأحسائي فاراً من ظلم الوهابيين سنة 1211هـ فاستوطنها وتوفي فيها وكانت الفلاحية في زمانه مقسمة إلى محلات معلومة منها: المحلّة الشرقية العليا يسكنها الحُكام وفيها البيت الأحمر المعروف عند أهل الفلاحية بـ[الحوش الأحمر]. والمحلّة الشرقية السفلى ويسكنها أهل العلم والفضيلة والسادة أمثال آل الحكيم الموسوي وآل المحسني والشاعر الشهير الحاج هاشم بن حردان الدورقي وهاتان المحلتان يقعان في جنوب نهر الفلاحية أما الناحية الشمالية من النهر فيطلق عليها اسم الغيّاضي وفي سنة 1216هـ عُزل الشيخ علوان عن الحكم وحكم مكانه محمد بن بركات بن عثمان.
حكم في الفلاحية سنة 1216هـ واستمر حكمه إلى سنة 1227هـ وفي زمانه قسّمت الدولة القاجاريّة خوزستان إلى شطرين الشطر الشمالي ويشتمل على الحويزة وشوشتر ودزفول وقد ألحق بمحافظة كرمنشاه والشطر الجنوبي المشتمل على رامز الهنديان والفلاحية (الدورق) ضم إلى إقليم فارس وذلك للحد من استبداد الحكام في هذه البلاد واستيفاء الخراج منهم، إلاَّ أن أمراء الفلاحية امتنعوا من دفع الخراج المفروض عليهم في زمان الشيخ غيث بن غضبان فوجّهت الدولة القاجارية جيشاً بقيادة الشاهزاده حاكم كرمان لمحاصرة الفلاحية.
وفي سنة 1231 وكانت تلك السنة بداية حكم الشيخ غيث بن غضبان فجرت بينهم مذاكرات وعقدوا معاهدة صلح فرجع الشاهزاده ولم يتعرض للفلاحية. وفي سنة 1233هـ ظهر مرض الطاعون في الدورق فأهلك خلقاً كثيراً وفر الناس من الفلاحية فأضحت شبه خالية. وجرت حوادث كثيرة أيام حكومة غيث بن غضبان في الفلاحية فقتل سنة 1244هـ، وحكم مكانه أخوه مبادر وتتَبّع قتلة أخيه فقتلهم.
وحكم مبادر في الفلاحية بعد أخيه غضبان وكان له اهتمام كثير بشؤون الجيش وإعداده وتجهيزه بالأسلحة، ذكره السائح الإنكليزي (استاكلر) فقال أن جيشه كان يقدر بخمسة عشر ألف من المشاة وسبعة آلاف فارس وقد نصب المدافع والمنجنيقات في ميدان الفلاحيَّة ولم تطل أيام حكومته حيث خلعته كعب سنة 1147هـ فحكم مكانه عبدالله بن محمد بن بركات مرة ثانية فتوفي في السنة نفسها بمرض الطاعون الذي انتشر في سنة 1247هـ في البصرة والحويزة والدورق وأفنى كثيراً من الناس)[203](.
هجوم علي باشا وزير بغداد على المحمرة وفرار حاكم الفلاحية
في سنة 1247هـ حكم في الفلاحية الشيخ ثامر بن غضبان بن محمد وكان له ميل للشعر والأدب وفي زمانه سار علي باشا وزير بغداد على المحمرة بجيش جرار مكون من العسكريين والأرناواطيين وبعض القبائل العراقية واشتركت معهم قوة كويتية، ونصبوا جسراً على شط العرب فعبرت الجيوش ووقع الهجوم صباح يوم الاثنين في العشرين من رجب سنة 1253 فاستولوا على المحمرة فدكّوا حصونها وهدموا دورها وقتلوا الرجال وسبوا النّساء، وكانت المحمرة آنذاك قد فوّضت من قبل الكعبيين إلى الحاج جابر بن مرداو، والد خزعل، وكانت جنوده قد انسحبت إلى جزيرة عبدان لعجزهم عن مقابلة الجيش المهاجم، أما ثامر بن غضبان فقد فر من الفلاحية إلى الهنديان خشية زحف الجيش المهاجم عليه، وفوّض علي باشا أمر الفلاحية إلى حاكم يُدعى عبدالرضا بن بركات وتوجّه هو إلى الكويت وفي هذه الواقعة نظم عبدالباقي العمري قصيدته التي مطلعها:
فتحنا بحمد الله حصن المحمرة
فأضحت بتسخير الإله مدمّرة
وبعد أن ترك علي باشا وجيشه البلاد ثار أهل الفلاحيَّة على حاكمها المنصوب من قبل وزير بغداد فاضطرّ أن يغادر المدينة وعاد إليها ثامر بن غضبان حاكماً فيها.
وكان محمد تقي خان رئيس قبائل البختيارية من المتمردين على الدولة القاجارية وقد اصطدم بالجيش القاجاري فاضطرّ أن يلجأ بأهله وعياله إلى الشيخ ثامر في الفلاحية فسار منوشهر خان الملقب بـ[معتمد الدولة] إلى الفلاحية في طلبه سنة 1253 وكان معتمد الدولة آنذاك والياً عاماً على أقاليم أصفهان ولرستان وخوزستان فأبى ثامر أن يسلم محمد تقي خان إليه، فسعى العلماء للصلح بينهما وجرت الوساطات بين الطرفين فاستقرَّ رأيهم أن يخرج محمد تقي خان بصحبة الشيخ ثامر إلى معسكر معتمد الدولة الذي كان مرابطاً قرب الفلاحية للمذاكرة والاعتذار ولمّا وصلا إلى المعسكر أمر معتمد الدولة أحد ضباطه بحراسة محمد تقي خان ورجع ثامر إلى البلد وحده وقد ترك الخان في المعسكر فندم من عمله هذا ولما أتى عليهم الليل شنّ هجوماً كبيراً على معسكر معتمد الدولة بغية أنقاذ خان البختيارية وإخراجه من المعسكر لكن هجومه باء بالفشل إذ لم يستطع إنقاذه، فاستعد معتمد الدولة للهجوم على الفلاحية وآخذ جيشه يقيم الجسور على الأنهار المحيطة بالبلد تمهيداً للهجوم، فرأى الشيخ ثامر نفسه ضعيفاً أمام الجيش المهاجم فخرج فاراً إلى كوت الشيخ ومنها توجّه إلى الكويت، ودخل جيش معتمد الدولة مدينة الفلاحية وأخذ يدمر المدافع والآلات الحربية الموجودة في البلد التي غنمتها كعب في حروبها من الترك وغيرهم، ولقي أهل الفلاحية من هجوم المعتمد خسائر وأضرار وهلع شديد فبغضوه ولقبُّوه بـ[الخصيّ] وفي ذلك يقول الشيخ حسن بن أحمد الحسني الفلاحي مؤرخاً هذه الواقعة في بيتين من الشعر:
أتانا الخصيُّ أتاه العذاب
وأخفى ضر آماله بالهنا
يحاول غدراً أباه إلاَّ له
لذلك أرخ [غدر بنا]
سنة 1253هـ.
ونصّب المعتمد عبد الرضا بن بركات حاكماً في الفلاحيّة سنة 1253هـ، وفي نهاية السنة عزله وعين مكانه المولى فرج الله المشعشعي ولم يدُم المولى طويلاً حيث اضطر إلى الفرار بعد أقل من سنة واحدة ثمَّ حكم الشيخ فارس بن غضبان.
ظهور الخلاف بين مشايخ كعب وانشقاقهم
حكم الشيخ فارس بن غضبان بعد أن فر المولى فرج الله من الفلاحية وفي زمانه وقع انشقاق بين أمراء كعب ودب النفاق في صفوفهم واعتزل الكعبيون المقيمون في شط العرب والمحمرة وأنحائها عن أولئك المقيمين في الفلاحية وأخذ الحكام يتهافتون على الحكم ويقتل بعضهم بعضاً وقد ضعفت شوكتهم وتبدّدت قوتهم وظهر هذا الانشقاق جلياً في حادثة المحمرة التي وقعت سنة 1277هـ بين المحيسن وكعب وقتل فيها سلطان بن ثامر الكعبي وأخرج الشيخ حاكم بن غيث ومعه سبعون رجلاً من الكعبيين من المحمرة قهراً بمساعدة الحكومة القاجارية وحكم فيها الشيخ جابر بن مرداو، مستقلاً عن مشايخ الفلاحية وبقيت مدينة الفلاحية عرضة لاختلافات حُكامها وقد سادت الفوضى وعمت الخلافات فتركها بعض الأشراف من ذوي البيوت القديمة في الدورق مثل المقدس السيد شبر ابن السيد إبراهيم آل باليل الدورقي والشيخ خلف بن يوسف آل عصفور الفلاحي البحراني وغيرهما.
في سنة 1316هـ خولت الحكومة القاجارية شؤون الفلاحية إلى الشيخ خزعل بعد أن تعهد بدفع الخراج المقرر فكبر ذلك على آل ناصر ورفضوا الانصياع لأوامره فجهز الشيخ خزعل جيشاً مكوّناً من قبائل المحيسن وعلى رأسه ابنه الشيخ كاسب وسيره على الفلاحية، وكان عبّود بن ذياب رئيس الخنافرة، الكعبي الوحيد الذي له رغبة في دخول جيش الشيخ خزعل إلى الفلاحية وخرجت رجال كعب لمواجهة الجيش السائر عليهم واشتبكوا معه خارج البلد فانهزمت جموع الكعبيين فدخل الجيش الفلاحية سنة 1316هـ ولم تشهد الفلاحية بعد هذه الواقعة أمراً يذكر.
وعندما تعرض العراق للاحتلال البريطاني سنة 1333هـ أعلن مجتهدو النجف ومراجعها وجوب الدّفاع عن بلاد المسلمين فثارت العشائر في الفلاحية تحت راية السيد جابر المشعل وبعض رجال الدين مثل السيد عباس المجاهد والشيخ عبدالرضا السهلاني والشيخ حسين البندري والشيخ موسى العصامي وكان الشيخ خزعل حليفاً للبريطانيين فجهّز جيشاً وسيره نحو الفلاحية للوقوف بوجه الثائرين للجهاد ضد بريطانيا، وقد تجمع المجاهدون في قرية تسمى غريبة بالقرب من مدينة الدورق القديمة فباغتهم الجيش ودخل الفلاحية وسمع المجاهدون بذلك فهرعوا إلى الفلاحية واشتبك الفريقان داخل البلد واشتدت المعركة بينهم، فكانت الغلبة في البداية للمجاهدين ولكن سرعان ما تنصّل المجاهدون من صفوفهم لتخاذل رؤساء العشائر عن حركة الجهاد فوقعت الهزيمة على الباقين وقتل عدد كبير من المجاهدين واستباح الفلاحية جيش الشيخ خزعل نهباً وإجراماً وأجلي رؤساء المجاهدين ومعهم مشائخ آل ناصر وآل رامز وفوض خزعل أمر الفلاحية إلى عبود بن ذياب رئيس الخنافرة وأرّخ أعداء المجاهدين سنة الجهاد حسب حروف الأبجدية بقولهم: [جهادك غش سنة 1333هـ].
ولما تربع رضا خان على عرش الحكم في إيران أمر بتغيير أسماء بعض البلاد فأبدل اسم الدورق والفلاحية إلى شادگان ومن ذلك الزمان استعملت هذه التسمية في السجلات والمكاتبات الحكومية.
تاريخ الأدب الشيعي في الحويزة والدورق
كانت الحويزة والدورق من مراكز الأدب الشيعي منذ القدم، وقد ظهر في كلتا الحاضرتين نوابغ في الأدب العربي بصبغة شيعيّة بحتة كابن السكّيت الدورقي في القرن الثالث للهجرة والسيد ابن معتوق الحويزي في القرن الحادي عشر.
أمّا الحويزة، فقد كانت في حيازة بني أسد، وأميرهم دبيس ابن عفيف الأسدي هو الذي اختطّها لهم وحصّنها، ثمَّ سكنها بعد ذلك جماعة من الديلم واتخذوها قلعةً لهم في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجري، على عهد ملوك آل بويه، وكلتا الطائفتين من الشيعة.
ولما ظهر السادة الموالي في الحويزة وأسّسوا إمارة المشعشعية في المنطقة في منتصف القرن التاسع الهجري، اتخذوا الحويزة عاصمةً لهم واعتنوا بنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فهوت نحوهم أفئدة علماء الشيعة وأدبائهم، فقصدوا الحويزة من أقصى البلاد، بترحيب حُكّام المشعشعيّين وإجلالهم، وأغدقوا عليهم الصلات، فتجمّع أهل العلم والفضل فيها، وبنيت المدارس، وبرز الأساتذة والمدرّسون، وقصدها طلاّب العلم من جميع أطراف المنطقة.
ومن أبرز تلك المدارس، مدرسة آل أبي جامع العاملي، التي أُسِّست في العقود الأولى للقرن الحادي عشر، وتخرّج منها جماعة من رجال العلم والأدب في المنطقة.
ونتيجة لحضور العلماء وسكناهم في الحويزة أُلفت فيها الكتب والأسفار، ونُقلت إليها مخطوطات قيّمة من شتّى أنحاء المعمورة، واستنسخت فيها نسخ جليلة نادرة، وتأسّست فيها مكتبات عامرة تضم كتباً في أنواع العلوم المتداولة آنذاك.
ومن أهم تلك المكتبات، مكتبة السادة الموالي أُمراء الحويزة، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة إلى زماننا هذا في المكتبات العالميّة وفي إيران والعراق.
وكان علماء هذه المنطقة يمتازون بصبغتهم الأدبيّة وذلك لأن الأمراء فيها من صميم العرب، يتذوّقون الشعر والأدب ويعملون على نشره ورفع مستواه، وكان العلماء والأدباءُ والشعراء يؤلفون لهم الكتب ويصدّرونها بأسمائهم وينظمون القصائد في مدحهم لما يجدونه فيهم من ميل ورغبة في العلم والأدب.
ومن جملة من قصد الحويزة ومدح أُمراءها الشيخ نجيب الدين علي بن محمد العاملي، وَفَدَ على أمير الحويزة المولى مبارك ابن السيد عبدالمطلب المشعشعي، المتوفي سنة 1026هـ، ومدحه بهذه المقطوعة:
يا سائِلي عن أربي في سفري ومَطلبي
لي مطلبٌ مباركٌ مبارَك بن مطّلبِ
نجلُ عليّ المرتضى سبط النبيّ العربي
الطّيب بن الطّيب بن الطّيب
أمانُ كُلّ خائفٍ غياثُ كُلّ مُجْدِبِ
مُنيلُ كُلّ نعمةٍ من فضّةٍ أو ذَهَبِ
في عَدْلهِ وَجُوده تسمعُ كُلَّ العَجَبِ
الأسدُ الكاسِرُ لا يخشاه فَرْخُ الثَّعْلَبِ
كما السّخالُ جملةً ترعى وجود الأذْؤُب
والفُرْسُ والتُرْكُ له دانت وحتى العَرَبِ
إذا حللتُ أرضه نسيتُ أُمي وأبي
وأسرتي وولدي بنتاً يكون أو صبي
ومن يكون حيدرة أباه والجدُّ النبي
فكلُّ ما تصفه دون أدنى الرُّتَبِ
وله أيضاً في مدح السيِّد خلف بن عبدالمطّلب أخ الممدوح السابق:
إذا جرى ذِكرُ ذي فضل ومَكْرُمَةٍ
مِمّن مضى قلت خلّوا ذكر من سلفا
الحمد للَّه أهل الحمد أن لنا
عن كُلّ ذي كرمٍ مِمّن مضى خلفا
وبعث الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطّي، الشاعر الشهير، قصيدة غرّاء من البحرين إلى الدورق يمدح بها المولى بدر ابن مبارك المشعشعي والي الدورق سنة 1008 هجرية، يقول في مطلعها:
إلى الملك الوهّاب ما في يمينه
ولكنّه بالعِرْض جدّ بخيلِ
يَمُتّ إذا استنسبتهُ بأُبُوّةِ
تَمُدّ بباعٍ للفخّارِ طويلِ
يَضُمُّ عليّاً في الفخّارِ وطالباً
إلى جعفر أَكْرِمْ به وعقيلِ
والقصيدة طويلة وردت في موسوعة أعيان الشيعة في ترجمة الممدوح.
وألّف الشيخ عبد عليّ بن رحمة الحويزي، تلميذ الشيخ البهائي رسالةً في علم العروض سمّاها «المشعشعة في العروض» وصدّرها باسم المولى السيّد خلف بن عبدالمطّلب المشعشعي الحويزي وأهداها إليه، وهذا يدلُّ على رواج الأدب في الحويزة، ذلك الأدب الذي بُنِيَ على حُبّ أهل البيت وولائهم، فتبلور وظهر ذلك الحبّ في شعرهم وإنتاجهم الأدبي، حتّى قال الإسكندري في كتابه «الوسيط في الأدب» في الأدب العربي، في ترجمة السيّد ابن معتوق الحويزي: إنه من كبار شعراء الشيعة لنشوئه في دولة شيعيّة مغالية، فأفرط في التشيّع…!!
ولأدباء الحويزة فضل على الأدب العربي، لإبداعهم أوزاناً شعريّة جديدة لم يسبقهم فيها أحد من أدباء العرب، ومن تلك الأوزان (البند) الذي وُلد ونشأ في الحويزة، ومنها انتشر إلى الأقطار العربيّة الأخرى كالعراق والبحرين والحجاز وغيرها.
جاء في كتاب معادن الجواهر ونزهة الخواطر (3/627): البند اخترعه أهل الحويزة، وفيه قصائد.
أقول: وقد ظهر لي من خلال تحقيقي في أحوال هذه المنطقة، أنه قَلَّ ما وجد محدِّث أو فقيه أو مفسِّر في الحويزة إلاَّ وكان له ذوق أدبيِّ وروح شعريّة، حتى الحُكّام منهم لهم دواوين شعريّة لا تزال موجودة في المكتبات، وما كتبه المؤرّخون الحويزيّون أيضاً يشهد على ذلك ويصور لنا مجتمعاً تسودُه الروح الأدبية.
قال المولى السيد علي خان بن عبدالله الحويزي المشعشعي حاكم الحويزة في الفترة (1112 ـ 1124هـ) في كتابه «الرحلة المكيّة» يصفُ ثقافة أهل الحويزة وأدبهم في عصره وما قبل عصره:
عَلِمَ الله أنه كانت لهم خصال حميدة، وأفعال مرضيّة، وذوات زكية، وشيمٌ عربية، لو عددتها لم تحصرها الأوراق، ويكفي أهل الحويزة فخراً أنها دار العلماء، ومجمع الفضلاء والأتقياء الأبرار والصلحاء.
دارٌ بها الهمُّ مزاحٌ ومن
حلّ بها حلّ بدار أمان
وما ذكرت من محامدهم إلاَّ القليل، فكفاها مدحاً أن سفلتها أخيار، وسكّانها أطهار، وجهالهم لهم جمعيات وجماعات يلقبون بالأحداث، أدركتهم أنا أيام جدي السيد علي خان، لهم سجايا وخصال وكرامات وشيم، حيّاهم الله من شيب وشبّان، وبحقهم يليق قول القائل:
تحيى بهم كُلُّ أَرْضٍ ينزلون بها
كأنهم لبقاع الأرض أمطارُ
فوالله قسَماً بارّاً إنهم كانوا منات الوافد، وملاذ الجاني، وعزّ الجار، لم تخط أقدامهم لريبة، ولم تنطق ألسنتهم بغيبة، ولم ترمق أعينهم لدنس ومعيبة، لم أدرِ لأيّ فضائلهم أذكر، لتلك المضائف المعهودة، أم لتلك المباني المشيودة، أم لتلك الموائد المورودة… )[204](.
وفي الجملة فإن الأدب الشيعي قد بلغ في الحويزة ذروته في القرون الأربعة الماضية بفضل إرشاد العلماء واهتمام الحكام الموالي أمراء الحويزة، وقد ذكرتُ في كتابي «الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق» في علماء الحويزة وأدبائها وشعرائها والمفسّرين والمحدّثين فيها أكثر من مائة وأحد عشر رجلاً، ترجمت لهم بما وصل إليَّ من حياتهم العلميّة والأدبيّة وذكر نماذج من أدب كلِّ منهم.
أمّا الدورق: فإنه ثالث المدارس الأدبية بعد الكوفة والبصرة، ولأهله انطباع وتأثّر بالأدب البصري، وهو أقدم حضارةً في الحويزة ومن البصرة أيضاً، إذ أنّ البصرة مُصِّرَت على عهد الخليفة الثاني، بينما كان الدورق بلداً حافلاً بمعالم الحضارة قبل الإسلام، وفتحته الجيوش الإسلاميّة سنة 16 هجرية وارتفع عدد سُكّانه لخصبه وقربه من الحدود الشرقيّة للعراق.
وقد طبعت الحوادث التاريخية مدى القرون أهل الدورق بالطابع الشيعي بعد أن كانوا شيعة في العقيدة منذ القدم، فنشأ فيها رجال كبار في علم التشيّع، عاصر بعضهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ورووا عنهم، وخدموا العلم والأدب بما لا مزيد عليه، مثل علي بن مهزيار الدورقي، الذي كان حيّاً سنة 229هـ وله ثلاثة وثلاثون كتاباً، روى عن الأئمة أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن علي الهادي (عليهم السلام).
وأبي يوسف يعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكّيت الدورقي، وهو من خواصّ الإمامين النقيّين (عليهم السلام) وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر والنحو واللغة، وله تصانيف كثيرة، قتله المتوكل العبّاسي سنة 244هـ.
وكان لأهل الدورق ثبات في العقيدة مما جعلهم يتحدّون كثيراً من التيّارات العقائدية والحركات السياسية المشوبة بالمذاهب المختلفة، كفتن الخوارج والزنوج والقرامطة واصطدامات العبّاسيين بالعلويين، وفي أكثر هذه الحوادث كان الدورق عرضة للفتن والغارات.
وبالرغم من قرب الدورق من مدينة جبي بلد أئمة المعتزلة، ووقوعه عُرضةً لجميع تلك الحوادث، لا يجد المنقّب في عقائد سُكّانه خارجيّاً أو منحرفاً عن ولاء أهل البيت (عليهم السلام).
وبالرغم من اضطهاد بني العبّاس للموالين لأهل البيت وتتبُّعهم في أقصى البلاد وأدناها، فإن بذرة التشيّع كانت محفوظةً في هذا البلد، تنتظر المناخ الملائم والظروف المناسبة لتنشأ وتعطي ثمرتها كما ينبغي، حتى ظهرت الإمارة المشعشعيّة في مطلع القرن التاسع، فكانت الدورق إحدى الحاضرتين لهذه الإمارة، إحداهما الحويزة والأخرى هي الدورق، وربما فضلها المشعشعيون لخصوبة أرضها ونقاء هوائها بالنسبة للحويزة، فاختاروها وطناً لهم.
وكان أمراؤها قبل ذلك من بني تميم، نزحوا إليها من نجد في أواخر القرن التاسع رغبة في جوار المشعشعيين لأنهم كانوا من الشيعة أيضاً، وكان بنو تميم أمراء الدورق يُجلون العلماء والأدباء والشعراء ويصلونهم، وفي ذلك يقول أبو البحر الخطّي في قصيدة يمدح بها المولى خلف بن السيد عبدالمطلب المشعشعي، يتطرّق فيها لبني تميم أُمراء الدورق ويذكر أحسانهم للسادة الموالي، لأنهم أخوال المولى المذكور، وقد نظم قصيدته هذه سنة 1016هـ:
سَقى الله حيّاً من تميم بقدر ما
شربنا بأيديهم من النائل الغمر
هُمُ أَوْطَأُونا ساحة العسر بعدما
أَذَلّتْ خُطى أقدامنا عثرةُ العُسْرِ
فلم تبلغ الأُمُّ الرؤوم ببرّها
بنيها مدى ما أسلفونا من البرّ
وفي سنة 970هـ عاد الحكم في الدورق إلى السادة الموالي أمراء المشعشعيين، وأصبح السيد عبدالمطلب بن حيدر المشعشعي والياً على الدورق، وكان عالماً فاضلاً جليل القدر، فقصده العلماء والأدباء ولجأ إليه المطاردون من قبل حُكام الظلم والجور.
ومن جملة اللاجئين إليه الشيخ علي بن أحمد بن أبي جامع العاملي، فإنه فرَّ بأهله وعياله من بلاده جبل عامل بعد مقتل الشهيد الثاني (رحمه الله) خوفاً من الظالمين، فأقام بكربلاء مدّة فُوشِيَ به، فأمر السلطان العثماني بالقبض عليه وتسييره إليه، فخرج الشيخ المذكور بأهله وعياله إلى بلاد إيران، وحينما وصل الدورق رحّب به المولى عبدالمطلب والي البلد وأحسن وفادته وأكرمه وحسَّن له الإقامة في الدورق والإفادة والتدريس وخدمة العلم ونشر مذهب أهل العلم وبمساندة الوالي بالإرشاد والتدريس، فكان حصيلة ذلك أن تخرج على أيديهم نخبة صالحة من العلماء والأدباء، أحدهم المولى خلف بن والي الدورق، صاحب التأليفات النفيسة في الحديث والأدب والمنطق وسائر الفنون العلميّة.
وأخذ العلماء والأدباء يتوافدون على الدورق فيحظون بالترحيب والإكرام من قبل الولاة مما يحبّب السُّكنى فيها، حتى أصبح البلد حافلاً بالعلماء والأدباء والشعراء، وظهر الإنتاج العلمي والأدبي، وكثرت التصانيف، وازداد عدد المجالس العلميَّة والأدبية من بداية القرن الحادي عشر فما بعد، وقد ظهرت في تلك الفترة شخصيات علميّة كثيرة، كما عُرفت عدّة بيوتات بالعلم والفضيلة من السادة المشعشعيين، ومن غيرهم من العلويين والطريحيين والكعبيين، وغيرهم؛ ذكرتُ جملة منهم في كتابي «الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق».
وقد أُسّست في الدورق عدّة مدارس، أشار السيد عبدالله الجزائري إلى بعضها في كتابه «الإجازة الكبيرة» وأشار في الضمن إلى بعض أساتذتها ومدرّسيها، وذكر أنه تلقّى بعض العلوم فيها، ومن جملة تلك المدارس (المدرسة الإبراهيمية) في القرن الثاني عشر، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة في المكتبات الكبيرة كما في المكتبة المركزية لجامعة طهران.
وبفضل تلك الحركة العلمية والأدبية خلّد علماء الدورق وأدباؤها آثاراً قيّمة في شتى مجالات العلم والأدب، وأفاضوا على العربي فضلاً بطابع شيعي يستحقُّ المزيد من العناية والتقدير، فلو لاحظنا (البند) وهو نموذج من الأدب العربي الشيعي، لوجدنا أن أكبر شعرائه وأجودهم وأكثرهم نظماً فيه هو السيد علي بن باليل الدورقي، المتوفى حدود سنة 1100هـ، وقد بلغ الذروة في هذا النوع من الأدب الذي ولد ونشأ في الأوساط الأدبية الشيعية، كما أن تصنيفه الموسوم بـ «المستطاب» في شرح كتاب النحو لسيبويه المعروف بـ«الكتاب» يبيّن لنا مدى اهتمام علماء هذا البلد باللغة العربيّة وحرصهم على كشف غوامضها ومعرفة أسرارها، وكذلك كتابه الموسوم بـ«قلائد الغيد» له مرتبة سامية في الأدب العرفاني الرفيع.
كما أن للشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي، المتوفى سنة 1130هـ عدّة آثار أدبية هي خير شاهد على مستوى الأدب في هذا البلد.
وقد اعترض المستشرق الألماني بروكلمان في كتاب «تاريخ الأدب العربي» بحقّه واعتبره من رواد الأدب العربي، وأشار إلى آثاره الأدبية الممتعة في مكتبات الغرب.
كما أن شرح الشيخ جمال الدين بن إسكندر الدورقي، المتوفى حدود سنة 1150هـ، على نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيه دلالة واضحة على مكانة الأدب العربي ومقامه، ومدى اهتمام الدورق به آنذاك.
وهذه الآثار الأدبية وغيرها، التي لا تزال مبعثرة في شتى أنحاء العالم، ما هي إلاَّ شيء يسير من تُراث أدبي كثير خلّفه لنا علماء الدورق، وقد لعبت به أيدي الزمان، وجارت على بعضه يدُ الإنسان.
قال السيّد نعمة الله الجزائري في كتابه «مسكّن الشجون في جواز الفرار من الطاعون»: في سنة 1102 أصاب الطاعون مدينة الدورق، فأهلك عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء، فعطّلت المدارس وخلت المساجد فسمِّيت تلك السنة بعام الحُزن.
وطبيعيِّ أنَّ نكبة كهذه التي يذكرها السيّد الجزائري تترك الآثار النفسية ضائعةً، إذ لا يعرف قدرَ العلم إلاَّ العالم، ولا يقيم وزناً للأديب إلاَّ الأديب.
ثُمَّ جرت بعد تلك النكبة حوادث لا طائل من ذكرها، كانت سبباً لضياع معظم ذلك التراث القيّم، إلى أن انتقل الناس من الدورق القديمة إلى مدينة الفلاحيّة حدود سنة 1160هـ، وذلك إبّان ظهور الإمارة الكعبيّة في الدورق؛ وكان الكعبيّون شيعةً يوقِّرون العلماء ويعظّمونهم ويعطفون على الشعراء والأدباء.
ولهذا؛ فقد أخذت الحركة العلميّة والأدبيّة تستعيد نشاطها في الفلاحيّة من الدورق بعد أن أُصيبت بالتفكّكِ والخمول في الدورق القديمة.
ونظراً لِما كان يوله حُكّام كعَب من إكرام وحفاوةٍ لأهل العلم، وما يبدون من ودٍّ واحترام للمنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد ظهرت بيوتات علميّة جديدة في الفلاحيّة، وقصدها العلماء والأدباء والشعراء، وكان البلد كثير الخيرات وافر الأرزاق فانجذبت نحوه نفوس الشيعة.
ويُذكر أنّ أُمراء الكعبيّين راسلوا جماعة من علماء النجف الأشرف، وطلبوا منهم القدوم إلى الفلاحيّة بأهليهم وعيالهم وضمنوا لهم القيام بكلّ متطلّباتهم وشؤون حياتهم، خدمة للدين وحُباً لنشر العلم، وكان لأحد أُمرائهم ـ وهو الشيخ بركات بن عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي الدورقي، المتوفّى سنة 1197هـ خزانة كتب كبيرة في الفلاحيّة تضمُّ أمّهات الكتب في الفقه والحديث والتفسير والأدب والتاريخ وغيرها، وقد فوّضَ أمرها إلى الشيخ خلف العصفوري، المتوفّى سنة 1208هـ.
وكان الشيخ خَلف هذا من كبار علماء الشيعة، وهو ابن أخ الشيخ يوسف البحراني، صاحب الموسوعة الفقهيّة الموسومة بـ«الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة» فدعا الشيخ خلف جماعةً من علماء البلد للتحقيق والتنقيح ومقابلة تلك الكتب والاستنساخ، ومن جملة من آزره في هذا العمل الشيخ محمّد بن شمس الدين الطريحي، ولا تزال بعض نسخ هذه المكتبة موجودة في المكتبات العامّة والخاصّة وعليها ختم مكتبة (الشيخ بركات) وعلى صفحاتها حواشٍ وتعليقات لهذين العالمين الجليلين.
وفي هذه الفترة من تاريخ الدورق (في نهاية القرن الثاني عشر) ظهرت معالم الأدب الشيعي في أعلى المستويات كما تشهد مخطوطات وآثارُ تلك الفترة على هذا، ففي نسخةٍ من ديوان المتنبّي أورد المستنسِخُ هذه الأبيات في قافية اللام:
وقيل له وهو بالكوفة: لم لا تقول في أهل البيت رضوان الله عليهم شيئاً؟ فقال:
وتركت مدحي للوصي تعمداً
إذ كان نوراً مستضيئاً شاملا
وإذا استقام الشيءُ قام بذاته
وكذاك وصف الشمس يذهب باطلا
وهذه النسخة من الديوان كُتبت سنة 1196هـ في مدينة الفلاحيّة، وكاتبها الشيخ عبّاس بن الشيخ عيسى بن الشيخ إسكندر الفلاحِي الأسدي، من البيوتات العلميّة في الفلاحيّة، ترجم العلاّمة الطهراني لجماعة من رجال هذه الأُسرة في «الكرام البررة» ومن جملتهم الشيخ إسكندر بن عيسى الفلاحي أخ كاتب نسخة الديوان، وابنه الشيخ عبد عليّ بن إسكندر الفلاحي، وللشيخ عبد عليّ هذا تملّك على ظهر النسخة بخطه؛ وكان السيّد عبداللطيف الجزائري صاحب كتاب «تحفة العالِم» قد ورد الفلاحيّة سنة 1200هـ في سفره إلى العتبات المقدّسات، فزار الشيخ إسكندر ـ الآنف الذكر ـ ووصفه بأنه كان عالماً أديباً…
أمّا ديوان الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي، فإنه نار على علم، إذ ما سبقه في الماضين ولا لحقه في المتأخّرين شاعر عبّر عن ولائه وتفانيه في حبّ أهل البيت كما عبّر هو بذلك السبك الأدبي الرائع.
ولو فتّش المحقّق في أحوال علماء الدورق، لمّا وجد عالماً ينتسب إلى هذا البلد إلاّ وله يد في الأدب بغضّ النظر عن مستواه في سائر الفنون العلميّة.
فمن يتصفّح كتب التراجم يرى شخصيّات كبيرة منسوبة إلى هذا البلد قد امتزجت حياتهم بالأدب، مثل الشيخ محمد تقي الدورقي، المتوفّى حدود سنة 1186هـ، فإنّه مع مستواه العلمي الرفيع، ومرجعيّتِه العامّة آنذاك، وكونه من أساتذة السيّد بحر العلوم، فإنّه كان يحضر الندوات الأدبيّة في النجف الأشرف ويُساهم في معركة الخميس الشعريّة ويُحكِّم فيها.
ويظهر لي أنّ هناك روحاً أدبيّة شبه وراثيّة في بعض البيوتات العلميّة، يتوارثها الأحفاد عن الآباء عن الأجداد إلى عدّة ظهور حتّى ينقرض المتّصفون بالعلم من تلك الأُسرة، كما كانت أُسرةُ الشيخ أحمد المحسني الفلاحي، المتوفّى سنة 1247هـ، فإنّ هذا العالم الفقيه مع إحاطته وتبحّره في الفقه وسائر العلوم الإسلاميّة، له ديوان شعر حسن طافح بحبّ أهل البيت وولائهم، وكذلك ابنه الشيخ حسن الفلاحي، المتوفّى سنة 1272هـ، فإنّه من كبار أُدباء زمانه وله ديوان شعر جلّه في أهل البيت (عليهم السلام).
وقد سَرَت هذه الروح الأدبيّة إلى ولديه الشيخ موسى والشيخ محمّد ابني الشيخ حسن، ففاقا أباهُما وجدّهما في المجال الأدبي، ولكلٍّ منهما ديوان شعر يفوح منه شذا التشيّع الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا تمويه.
وعلى هذا نشأ وشبّ خَلَفُهم الشيخ سلمان بن محمّد بن حسن بن أحمد المحسني الفلاحي، المتوفّى سنة 1340هـ، ففي شعره ومخطوطاته الأدبيّة دلالة جليّة على مقامه الأدبي الرفيع هذا.
وقد كان الجدّ الأعلى لهذه الأسرة، أي الشيخ أحمد المحسني، من أهل الأحساء فخرج بأهله وعياله فارّاً من الأحساء على أثر ظلمِ الوهّابيّين ومطاردتهم لعلماء الشيعة، فوجد في الفلاحيّة (الدورق) مأمناً له، فحطّ رحل سيره فيها سنة 1213هـ.
هادي باليل الموسوي
دومة الجندل
كان للعرب قبل الإسلام أسواق عدة في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية يتجمعون فيها في مواسم معينة، يتبادلون البيع والشراء ويقيمون المناظرات الفكرية والشعرية. ومن أشهر هذه الأسواق سوق عكاظ أعظم أسواق العرب في الطائف، وسوق دومة الجندل في شمال الجزيرة وسوق هجر في البحرين وسوق مجنة وذي مجاز قرب مكة المكرمة.
عرفت دومة الجندل كإحدى أقدم أسواق العرب وأهمها نظراً إلى موقعها الجغرافي وطبيعة أرضها وتوافر المياه والمراعي وتواجد عدد من القبائل العربية في المناطق المجاورة لها. ويقول بعض المصادر إنما كان ابتداء أسواق العرب بدومة الجندل فإذا انتهت السوق آخر الشهر انتقلت إلى هجر… وهكذا حتى تنتهي أسواق العرب بسوق عكاظ عندما تتوجه القبائل إلى الحجاز.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنه كان من عادة القبائل في القرن الخامس الميلادي وما قبله أن تتجمع في دومة الجندل في أول يوم من ربيع الأول وحتى آخره لأغراض البيع والشراء.
كانت سوق دومة الجندل أكبر أسواق العرب قبل سوق عكاظ في الطائف، ويشترك فيها الكثير من القبائل العربية خصوصاً قبائل طي وغسان وبني كلب. ويذكر أحد المؤرخين أن العرب كانوا يلقون مشقة كبيرة في الوصول إلى دومة الجندل نتيجة فقدان الأمن ووعورة الطريق ولكن يحملهم على تكبد هذه المشاق ما تعدهم السوق به من ربح وفائدة. وورد أن قوافل قريش كانت إذا قصدت دومة الجندل وسلكت الطريق المارة بالحزن فإنها تكون آمنة مطمئنة لأنها تمر ببلاد مضر، ولا يتحرش مضري بمضري.
توجد مدينة دومة الجندل في أقصى شمال الجزيرة العربية (في إمارة الجوف)، وكانت حلقة وصل على مدى العصور السالفة ما بين عرب جنوب الجزيرة ووسطها وبلاد الشام والرافدين. واكتسبت المدينة أهميتها التاريخية من موقعها المتميز والإمكانات الطبيعية المتوافرة فيها.
وهي تقع على الطريق التجارية الممتدة من وسط الجزيرة إلى سورية وجنوب فلسطين إذ كانت غزة ميناء رئيسياً يشتري منه التجار منتجات المناطق الواقعة على البحر المتوسط.
وامتدت علاقات دومة الجندل التجارية إلى خارج الجزيرة العربية، وكانت لها صلات مع الحيرة في العراق وأمبراطورية الفرس في الشرق. ودلت الحفريات والآثار المكتشفة حديثاً على تعاقب عدد كبير من الحضارات القديمة على هذه المدينة التاريخية.
ودومة الجندل هي المكان الذي التقى فيه الحكمان لأول مرة بعد وقعة صفين.
الديارات
كتاب لأبي الفرج الأصفهاني
يقال: دير وديرة وأديار وديران ودارة ودارات وأديرة ودوران وأدوار ودوار وأدورة. وهذا يعني أن الدير من اللغات في الدار. ولعله بعد تسمية الدار به خصص الموضع الذي يسكن الرهبان به، وصار علماً له، حسب ما جاء في معجم البلدان. ويقول المقريزي «الدير عند النصارى يختص بالنساك المقيمين به، والكنيسة مجتمع عامتهم للصلاة». وأكثر ما تكون الديارات في ضواحي المدن تطل على الأنهر والحدائق، أو قسم الجبال والروابي بعيداً عن الناس والضوضاء.
واشتهر بعض الديارات بارتفاعه الشديد، ويقال للراهب الساكن في الدير المنتسب إليه «دياري وديراني» وللراهبة ديرية وديرانية. ويسمى الدير أيضاً: العمر وجمعه أعمار.
على رغم ما ضاع مما صنفه الأقدمون في الموضوع، فإن كتاب أبي الفرح «مصدر لكل من صنف في هذا المجال، ومن هنا تأتي أهميته البالغة. وقد جمع أبو الفرج في هذا الكتاب أخبار الأديرة المعروفة في عصره في العراق وفلسطين والشام والجزيرة وغيرها، حشد فيه أخبار من مر بها من الخلفاء والخلعاء والشعراء والأمراء والظرفاء، ضمنه أخبار الأديرة التي كان يرتادها بنفسه، وحرص على توثيق كل خبر بذكر سند رواته كما فعل في كتبه الأخرى».
وكان هذا الكتاب مفقوداً فجمعه خليل عطية من المخطوطات والكتب التي نقلت منه مباشرة أو بشكل غير مباشر، فاستخرجها وحقق نصوصها حتى بلغ مجموع أخبار الأديرة التي جمعها نحو اثنين وخمسين ديراً.
وحول منهجه في التحقيق، يذكر عطية، أنه حاول تقديم نسخة أقرب إلى ما وضعه المؤلف قدر الإمكان، فتجنب الإكثار من النصوص الشعرية على رغم كثرتها، والتزم النصوص حسب ما ذكرنا سابقاً، وبوب الكتاب، ورتب أخبار الأديرة وفق الحروف، وزاد نبذة معلوماتية عن بعض الأديرة زيادة في الإحاطة، وشرح المفردات الصعبة الواردة في النصوص، كما ترجم لعدد من الشخصيات وأسماء المدن والمواقع، وضبط الشعر لإزالة الغموض عن بعضه، وذكر الكتب التي ألفها الأقدمون والمعاصرون في الديارات، وأهمها: كتاب دير الجماجم للأزدي، وكتاب الحيرة وتسمية البيع ونسب العباديين للكلبي، والديرة للسري الرفاء، وكتاب الديارات للشابشتي علي بن محمد. ومن المعاصرين: رسالة في دير مار سمعان، ودير مار أنطاكيا لقيصر الأنطاكي، وأخبار أديرة ورهبان مصر للأضميمي القبطي، وكتب أفرام الشماس.
وكانت الصومعة التي ينفرد فيها راهب الدير تسمى قلاية. وكان الكثير من الديارات مقصوراً على النساء دون غيرهن، مثل دير الخوات بعكبرا، ودير العذارى حول بغداد وعشرات الدور الأخرى. ويذكر المحقق أن الديارات في الجاهلية اشتهرت بإيواء المجتازين بها، إلى أن جاء الإسلام وحث القائمين عليها باستضافة من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، مما أوجد مواضع في الديارات لمبيت الزوار وعابري السبيل.
ديترويت متشيگان
(الولايات المتحدة الأمريكيّة)
مراحل الهجرة والانتشار
بدأ الوجود الفعلي للمسلمين في أميركا مع مجموعات المسلمين الأفارقة الذين استقدمهم تجّار الرقيق الأوروبيون قهراً من غربي أفريقيا خلال القرنين 16 و17، ليستقروا في القارة الجديدة، عمالاً وخدماً عند السادة البيض الأوروبيين مستعمري الأرض الجديدة… وسرعان ما أجبر هؤلاء المستضعفون على التخلّي عن أسمائهم ولغاتهم وعقيدتهم. ومع مجيء الجيل الثاني، كان هؤلاء المسلمون الأفارقة قد ضيّعوا هويتهم الدينية، وفقدوا كل صلة لهم بماضيهم الديني العريق، لانقطاعهم عن منابعهم وأصولهم..
ومع منتصف القرن التاسع عشر، حدثت هجرة جديدة للمسلمين من الشرق الأوسط إلى أميركا، وكان أن ذاب أكثر هؤلاء أيضاً، في المجتمع الأميركي، بسبب الضياع والتنصّر والزواج المختلط، وعدم استطاعتهم إقامة مجتمع خاص بهم لتشتتهم في طول البلاد وعرضها.
وفي مطلع القرن العشرين، بدأ تدفق آخر من المهاجرين المسلمين نحو أميركا، وقد ازداد هذا التدفق بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد تعديل قانون الهجرة الأميركية سنة 1965. وترجع أسباب هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة، إلى الاضطهاد الذي حدث للمسلمين في بعض الدول، مثل دول شرق أوروبا الشيوعية، والهند، وبعض دول شرق آسيا، وإلى جريمة اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها، كما ترجع إلى الكساد الاقتصادي في البلاد الإسلامية، وإلى حاجة الولايات المتحدة للأيدي العاملة. فكان أن هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إلى أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة من لبنان وسوريا واليمن وفلسطين والعراق ومصر والأردن وبلاد المغرب العربي وتركيا وإيران والباكستان وأفغانستان وألبانيا والبوسنة والهرسك وغيرها.. وفي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ازدادت وتيرة هجرة اللبنانيين واليمنيين وعرب شمالي أفريقيا.. وقد رافق ذلك قدوم أعداد كبيرة من الطلاب المسلمين للدراسة في الجامعات الأميركية، وكثيراً ما تحوّلت الإقامة المؤقتة لهؤلاء الطلاب إلى إقامة دائمة. ليرفع ذلك كله باستمرار حجم الجاليات الإسلامية المتنوعة الأعراق، ويزيد من رقعة انتشارها في أنحاء الولايات المتحدة الأميركية قاطبة.. غير أن التجمعات الكبرى للمسلمين في أميركا، سواء منهم المواطنون أم المهاجرون، تتركز في عدد من الولايات منها: «نيويورك» حيث يكثر المواطنون السود، وفي «كاليفورنيا» حيث تقيم جالية إيرانية كبيرة تقدر بثلاثة أرباع المليون نسمة، وفي «إلينوي» حيث يغلب على المسلمين فيها العناصر التي جاءت من شرقي أوروبا، وفي ولاية «ميتشيغان» حيث يبرز الوجود العربي، ومن هذه الولايات أيضاً نيو جرسي وشيكاغو ولوس أنجلوس.
وبالنسبة إلى العرب الأميركيين فقد استقر 66% منهم في عشر ولايات، بينما استقر الثلث الباقي في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وميتشيغان. وحسب بعض الدراسات فإن هناك نسبة 6 إلى 10 على صعيد الجالية العربية من أصل سوري أو لبناني. ويشكل المتحدّرون من لبنان وسوريا 70% من الجالية العربية في شمال شرقي الولايات المتحدة.
أمّا عن عدد المسلمين في أميركا، فإنه في غياب الإحصاءات الرسمية ـ حيث تقضي سياسة الحكومة الأميركية بعدم تسجيل ديانة المواطنين في الإحصاءات العامة التي تجري كل عشر سنوات ـ فإن التقديرات متفاوتة، فهناك من يجعل العدد بين 5 و6 ملايين شخص أو أكثر، والاختلاف في التقديرات عائد إلى الصعوبة في التحديد ـ أولاً ـ وإلى أسس الاحتساب ـ ثانياً ـ.
هذا، ويشكل المسلمون السود أغلبية المسلمين من أصل أميركي، حيث يقدّر عددهم بمليون شخص، بينما يقدر عدد الأميركيين البيض الذين اهتدوا حديثاً إلى الإسلام بـ 80 ألفاً، ويتركز وجود المسلمين السود، في نيويورك وميتشيغان وكاليفورنيا وشيكاغو.
الجالية الإسلامية … شؤون وشجون
يوماً بعد يوم يزداد حضور المسلمين في أميركا، كما تشتد وتتسع فعاليتهم على مختلف الصعد حتى السياسية منها، وهذا ما دلّت عليه الانتخابات الأميركية الرئاسية الأخيرة، التي اهتم بها الكثير من المسلمين هناك، من زاوية تأثيرها وعلاقتها ـ أولاً ـ بأوضاعهم الداخلية في البلاد الأميركية، كأقلية دينية متعاظمة، لها مطالبها ولها حقوقها التي تحفظ وجودها وهويتها مقابل الفئات الأخرى، ومن زاوية تأثيرها في القضايا الأساسية الكبرى التي تهمّ أوطانها الأصلية والمسلمين جميعاً، كقضية الصراع مع الصهيونية ـ ثانياً ـ. وقد عكست وسائل الإعلام الأميركية حجم التأثير الذي شكله المسلمون في مجرى الانتخابات الأخيرة، مظهرة تكاتفهم النسبي هذه المرة من أجل قضاياهم العادلة. وقد بدأت تبرز في أميركا ملامح قوة ضغط عربية وإسلامية، تعمل من خلال الأطر والنظم الأميركية، في سبيل التأثير في مجرى السياسة الأميركية لتكون هذه أقرب إلى الحق والعدالة.
وفي الميادين الأخرى، نجد أن الكثيرين من أبناء الجاليات الإسلامية يتمتعون بمستويات ومراكز علمية واقتصادية حسنة، وقد بيّنت بعض الإحصائيات أن أكثر من 30% من المسلمين في أميركا هم من خريجي الجامعات، وأن أكثر من 60% منهم يعملون في وظائف ثابتة.
أمّا على الصعيد الثقافي والديني، فعلى الرغم من المحيط الاجتماعي والفكري المعاند للدين عموماً وللإسلام خصوصاً، وعلى الرغم من أجواء الفساد والانحلال الأخلاقي المنتشرة في كل مكان، والتي تجرف الكثيرين من أبناء المسلمين بمغرياتها، حين لا يتوفر لهم جو سليم حاضن، فهناك حركة إسلامية تبليغية كبيرة ومبشّرة في أوساط الجاليات، كما تتمثل بجهود المساجد والمراكز والمدارس الإسلامية والأندية الثقافية والاجتماعية التي تعجّ بحلقات التدريس والتوعية، الأمر الذي يساهم في ربط المسلمين بدينهم، وخاصة الأجيال الشابة والأطفال، ويقدّر عدد المؤسسات الدينية الإسلامية التي أنشأها المهاجرون بأكثر من 1200 مؤسسة، منها حوالي 70 مسجداً معتبراً، والباقي عبارة عن مصليات ومدارس ومنتديات مختلفة وأسواق للمأكولات المحللة.. كما أن هناك رابطات كبرى أنشئت للتعاون بين المراكز المختلفة كالجمعية الإسلامية في أميركا الشمالية، التي تحتضن 340 مركزاً.
نحو ولاية ميتشيغان
هذه التصورّات والهواجس والأمنيات ـ التي أشرنا إليها باختصار، عن الهجرة الإسلامية إلى بلاد حضارة «الأنكا» ـ الهنود الحمر ـ سابقاً و«العم سام» حالياً، وعن أوضاع وشؤون الجاليات الإسلامية منها على وجه الخصوص، كنّا قد حملناها معنا ونحن نقطع البحر المتوسط متوجهين إلى ولاية ميتشيغان الأميركية الجميلة، لا لأجل السياحة والتمتع بمناظر طبيعتها الخلابة، وإن كان هذا بحدّ ذاته قراءة ثمينة في كتاب إبداع الخالق جلّ وعلا، الذي يبرز في كل مكان من هذه البلاد الغنية بطبيعتها ومواردها، ولكن لنحصل على مزيد من الأجوبة والمعلومات، ولإجلاء الصورة عن الجالية الإسلامية النشيطة في هذه الولاية الأميركية التي تتمتع بميزات عدّة.. وليكن المدخل التعريف بها موقعاً واقتصاداً وسكاناً.
تقع ميتشيگان في شمالي شرقي الولايات المتحدة، وهي فريدة بين الولايات الأميركية، لأنها تتألف من شبه جزيرتين منفصلتين تحدّان أربعاً من البحيرات الخمس الكبرى، التي تشكل الحدود المشتركة لعدد من الولايات الأميركية مع كندا. واسم الولاية مأخوذ من إحدى هذه البحيرات وهي ميتشيگان. قبلت هذه الولاية في الاتحاد الأميركي سنة 1837، باعتبارها الولاية 26 فيه، وكانت سابقاً مركزاً أساسياً لتجارة الفرو، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، أخذت زراعتها الغنية بالتطور والنمو. وتقترن سمعة ميتشيگان الصناعية بازدهار صناعة السيارات فيها منذ أوائل القرن الماضي، خاصة شركة فورد للسيارات الشهيرة.
عاصمتها مدينة «لانسنغ»، أمّا أكبر مدنها فهي مدينة ديترويت، وتأتي هذه الولاية في المرتبة الثامنة من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة، حيث يبلغ عددهم عشرة ملايين نسمة، يشكل البيض نسبة 83,5 بالمئة منهم، والسود نسبة 13,9 بالمئة، والباقون هم من المهاجرين الآسيويين.
مدينة ديترويت
استطلاع أحوال الجالية الإسلامية الكبيرة وأوضاعها في مدينة ديترويت وضواحيها، كان هو المقصد الأساس لهذا الاستطلاع الذي نجريه عن ولاية ميتشيگان عموماً وعن هذه المدينة.
مدينة ديترويت هي أكبر مدن ولاية ميتشيگان، والمدينة السابعة في الولايات المتحدة من حيث السكان، وهي وإن كانت اليوم تضم حوالي 980 ألف نسمة، إلاَّ أنها كانت في الستينات تعد أكثر من 1,800,000 نسمة، حيث هجرها عدد كبير من سكانها البيض إلى الضواحي وإلى الغرب الأميركي، بسبب معاناة مصانع السيارات الموجودة فيها من الكساد والمزاحمة، وهذا ما أثر أيضاً في أوضاع وأعداد الجالية الإسلامية نفسها، أما عدد سكانها مع ضواحيها فيصل اليوم إلى حوالي 4,400,000 نسمة، يشكل السود نسبة 76% منهم والبيض 20% فقط.
تقع المدينة جنوب شرق ميتشيگان على شاطىء بحيرة «سانت كلير» وهي مركز مقاطعة «واين». مناخها معتدل بشكل عام، شتاؤها بارد باعتدال، حيث تتراوح الحرارة بين ـ 1 إلى ـ 9 درجات في كانون الثاني، وبين 16 إلى 29 درجة في تموز.
يقطن في ديترويت وضواحيها عدة أقليات عرقية ودينية منهم العرب، وهم الأقلية الكبرى، حيث يبلغ عدد أفرادها أكثر من 300 ألف نسمة. أمّا أكبر المجموعات الدينية فهم الكاثوليك يليهم اليهود ثمَّ المسلمون ومنهم العرب، ثمَّ أعضاء جماعة «أمّة الإسلام» التابعة للسود، فالكلدانيون العراقيون وبعض البوذيين.
ومما يلفت نظر الزائر للأحياء الإسلامية في ضواحي ديترويت، خاصة ضاحية ديربورن التي تضم العدد الأكبر من الجالية، وجود طابع شرقي وإسلامي يميّز هذه الأحياء يتمثل في واجهات المحلات التي تحمل أسماء عربية وإسلامية، وفي ما تحتويه هذه المحلات من الأطعمة الحلال والألبسة الشرعية للنساء، وفي المكتبات التي تعرض كتباً وصحفاً ومنشورات عربية وإسلامية، والأمر الأكثر بروزاً هو وجود عدد لا بأس به من المساجد التي ترتفع مناراتها وواجهاتها ذات الطراز الإسلامي، إلى جانب عدد أكبر من المصليات والأندية الثقافية والمدارس الخاصة بأبناء الجالية.
وفي هذا المجال، علينا أن لا ننسى ظاهرة انتشار الحجاب بين النساء والفتيات التي تصادفك أنّى ذهبت في هذه المنطقة، وهي علامة على النهضة الإيمانية المستجدة التي تبعث على الارتياح.
مع الرعيل الأول
وإذا كانت غايتنا هي الاطلاع عن كثب على أوضاع الجالية الإسلامية عامة، واللبنانية منها خاصة في هذا المنطقة، ماضياً وحاضراً، فما علينا إلاَّ أن نعرف ذلك من الرعيل الأول الذي رافق وعايش نمو الجالية الكمّي والكيفي، وشارك في صنع نهضتها الدينية والاجتماعية.
في الأربعينات من القرن العشرين، كان هناك 35 عائلة فقط من بلدة بنت جبيل في ديترويت، أمّا اليوم، فإن القادمين من أهل هذه البلدة وحدها يتجاوزون عشرة آلاف، وهذا يعطي صورة عن تدفق المهاجرين اللبنانيين إلى هذه المدينة، بحيث أصبح عددهم اليوم يقارب مائة ألف شخص، معظمهم مسلمون من (جبل عامل).
وعن بدايات العمل الإسلامي لحفظ أبناء الجالية في ديترويت: إن الجمعية الإسلامية الأولى لرعاية الجالية تأسست في بداية الأربعينات، وهي جمعية «النهضة العربية الهاشمية» ثمَّ كان إنشاء أول مركز ومسجد إسلامي في المنطقة، وهو الذي يسمى حالياً «المركز الاسلامي في اميركا». أما اليوم فإلى جانب هذا المركز والمسجد، يوجد في ديترويت وضواحيها، عشرات المساجد مع ملحقاتها من مراكز ثقافية ومدارس لتعليم اللغات والتربية الدينية، ومن هذه المساجد والمراكز، المجمع الإسلامي الثقافي، ومسجد جمعية أهل البيت (عليهم السلام) في ميتشيگان، الذي أسسه المسلمون الباكستانيون، والمركز الإسلامي في آن أربور، والمركز الإسلامي في ديترويت، ومساجد: الفتح، والإخلاص، والنور، وولي محمد ومركز التوحيد وغيرها.
ومن المدارس القائمة في المنطقة، أكاديمية ميتشيگان الإسلامية، ومعهد الإخلاص للتدريب، ومدرسة الأخت كلارا محمد، ومدرسة الهلال الإسلامية العالية، ومدرسة الهدى. ومما يجدر ذكره أن المسلمين الشيعة في هذه المنطقة، شكلوا رابطة تضم المراكز التابعة لمختلف الجنسيات، من أجل التعاون فيما بينها. وهذه المراكز والمساجد والمؤسسات التعليمية والمنتديات، تقوم كلها بجهود طيبة مشكورة في خدمة الجالية دينياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً، كما ترعى عملية التفاعل واللقاء مع المحيط الأميركي العام الذي بات ينظر إليها باحترام وتقدير. ولقد كانت هذه المراكز ورعاتها من العلماء والعاملين وما تزال واحات هدى تدعو إلى الإسلام وتشدّ إليه آلاف الأميركيين الذين تعرّفوا من خلالها إلى الدين الحنيف واعتنقوه عن اقتناع وحماس.
المركز الإسلامي في أميركا
«المركز الإسلامي في أميركا»، القائم في شارع «جوي» (Joy Rd) ـ ديربورن، هو الدرّة الأولى ونقطة البداية لكل ما شيّد وقام بعده، وهو ما زال منذ ما يزيد على أربعين عاماً يشعّ بالخير ونور الإيمان من خلال المسجد الشامخ بقبته الخضراء ومبانيه التربوية والاجتماعية المكمّلة.. ابتدِئ ببنائه سنة 1961 واكتمل البناء سنة 1963، وهو يتألف من مبنى المسجد ذي الطراز الإسلامي، وقاعة للمحاضرات، وقاعة أخرى للمناسبات الاجتماعية، ومطبخ حديث التجهيز، إلى جانب مكتبة عامة ومدرسة إسلامية حديثة التجهيز أيضاً، مؤلفة من 19 غرفة للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة… وفي الأساس تقام صلاة الجماعة والجمعة، ومحاضرة أسبوعية يوم الأحد، الوقت المناسب لاجتماع الأهالي، وهناك ملتقى الشباب في أمسيات الجمعة، بالإضافة إلى إحياء المناسبات الدينية مثل شهر رمضان ومجالس عاشوراء في محرّم، والاحتفال بمواليد الأئمة (عليهم السلام) ووفياتهم، ثمَّ إقامة مجالس الفاتحة عن أرواح الأموات من أبناء الجالية. ويعتبر المركز ملتقى للجالية في المناسبات الإسلامية والوطنية المهمة.. ولا ننسى المخيم الإسلامي السنوي للشباب الذي ينظم بين فترة وأخرى؛ وآخر المخيمات الشبابية أقيم في كاليفورنيا. ويصدر المركز نشرة فصلية باسم «رؤى إسلامية» كما أنّ هناك مشاركة إعلامية في التلفزيون المحلي لمدة ثلاث ساعات أسبوعياً، تبث خلالها صلاة الجمعة والمحاضرات والإسلامية..
المجمع الجديد لمباني المركز الإسلامي في أميركا
وجد المشرفون على المركز الإسلامي في أميركا، أن مباني المركز على الرغم من التجديدات والزيادات لم تعد تلبي حاجة الجالية الإسلامية كمّاً ونوعاً. لذلك كان التصميم والإعداد لإقامة مجمّع جديد يلبّي أحلام المسلمين في هذه المنطقة.
وهكذا تمّ شراء 10 هكتارات من الأراضي في شارع فورد بديربورن، لإقامة هذا المجمّع، الذي خطط لتنفيذه على أربعة مراحل، لكلفته العالية المقدرة بـ 15 مليون دولار، وقد تمّ بالفعل تنفيذ المرحلة الأولى منذ سنة 1997 ببناء المدرسة الجديدة المسماة «الأكاديمية الإسلامية الأميركية للشبيبة» (MAYA)، أمّا المرحلة الثانية فهي في طور التنفيذ، وتقام على مساحة 50 ألف قدم مربع، وتضم المسجد الحديث الذي يتسع لـ 700 رجل مع مصلّى منفصل للنساء يتسع لـ 300 امرأة، وترتفع فوقه مئذنتان، كما يضم مركزاً خاصاً لنشطات الجالية الاجتماعية يتسع لـ 950 شخصاً، ومبنى إدارياً منفصلاً، يحوي قاعة للاستقبال وغرفاً للاجتماعات، ثمَّ موقفاً يتسع لـ 700 سيارة.
أمّا المرحلتان الأخيرتان، فتهدفان إلى بناء قاعة كبرى للمحاضرات تتسع لـ 700 شخص مجهزة بالوسائل الحديثة، وإضافة بناء جديد للمدرسة، يضم غرفاً للدراسة ومختبراً للعلوم، وإلى توسعة المكاتب الإدارية والكافيتريا والمطبخ ومساحات لنشاطات الأطفال، وفي النية أن يضم العديد من البرامج المتنوعة الهادفة إلى خدمة الجالية، ومنها إنشاء حوزة علمية للمبلّغين يُعترف بشهادتها رسمياً.
المجمع الإسلامي الثقافي
«المجمع الإسلامي الثقافي» الكائن في شارع «شيفر» في دير بورن، الذي يشع في محيطه الأوسع علماً وإيماناً وتربية وخدمات اجتماعية متنوعة. وهذه الأهداف لم تعد مجرد أمنيات أو أحلام، بل إنها بالفعل برامج عمل لهذا «المجمع» يقوم بتنفيذها بالجهود الجماعية لأعضائه، وذلك منذ لحظة تأسيسه في سنة 1981 حتى الوقت الحاضر.
1 ـ نشر تعاليم الإسلام واللغة العربية وتقريب الإسلام إلى الشعب الأميركي، والاهتمام بدور المساجد والجامعات والمراكز الفكرية والإعلامية.
2 ـ العمل على حلّ مشكلات الجالية، الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
3 ـ المحافظة على الأسرة المسلمة ودعم روابط الأسرة وحمايتها من إباحية الغرب وظلم التقاليد.
4 ـ الاهتمام بالطلاب ودورهم الطليعي ورعاية طاقاتهم.
5 ـ تنمية أجواء الحوار والتفاعل والتعايش وقيم الخير بين الإسلام والمسيحية، خاصة في هذه البلاد.
6 ـ الاهتمام بلبنان وجبل عامل وتوثيق الصلة بين الجالية والأوطان.
ولتحقيق هذه الخطة، فإن أعمالاً تنفيذية كثيرة قام ويقوم بها «المجمع الإسلامي الثقافي»، كإقامة الصلوات جماعة، وإحياء المناسبات الإسلامية وليالي شهر رمضان المبارك وذكرى عاشوراء، والذكريات المتعلقة بالرسول الأكرم (ص) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرها، ثمَّ الحوزة العلمية التي تقيم دورات متتالية لتدريس الفقه والقرآن الكريم واللغة العربية ومختلف علوم الإسلام، ولقد أولى «المجمع» منذ تأسيسه اهتماماً بتعليم اللغة العربية للأطفال والناشئة، الذي كان يتم وما يزال في مدارس مدينة ديترويت الرسمية بعد الدوام الرسمي، كما يجري باستمرار تعليم القرآن الكريم، ومبادىء الإسلام وقيمه في قاعات «المجمع» نفسه، أيام السبت والأحد لهؤلاء الطلاب، ويستفيد من دروس اللغة العربية والتربية الدينية حوالي ألف طالب سنوياً، هذا إضافة إلى دروس الفقه والتفسير والتربية والمفاهيم الإسلامية. ولقد أصدر المجمع مجلة «الثقافة الإسلامية» لعدة سنوات ثمّ توقفت، وهو اليوم يصدر من جديد صحيفة «العصر الإسلامي» التي تهتم بنشر الفكر الإسلامي وأخبار الجالية وأنشطة «المجمع» باللغتين العربية والإنكليزية. ويعمل «المجمع» على نشر الكتب والمطبوعات الإسلامية باللغتين أيضاً كما يقيم الندوات والحوارات بشكل دروي مع الأميركيين الذين يقصدونه من مختلف الولايات، وخاصة رجال الدين المسيحيين وأساتذة الجامعات.
ومن ضمن المشاريع الحيوية للمجمع إقامة المدارس الإسلامية التي تدرس إلى جانب البرامج التعليمية الرسمية، التربية والقيم الإسلامية. ومن أجل رعاية هذا الجيل والأجيال التالية، أنشأ المجمع أولاً مدرسة ابتدائية خاصة وبدوام كامل، وهي «الأكاديمية الإسلامية» الواقعة على شارع «تشيس»، والعمل جار بصورة حثيثة وعاجلة على إنشاء ثانوية إسلامية و«فضلاً عن الثانوية الإسلامية، هناك مشروع آخر وهو وضع هيكلية معهد الدراسات الإسلامية»، وخططه، ومهمته هي تخريج المبلّغين الأكفاء القادرين على التحرّك في الوسط الأميركي.. بالإضافة إلى أنه سيكون صلة وصل بين المستشرقين الأميركيين والعالم الإسلامي.. وهناك عمل جاد ودؤوب لتوفير المفاهيم التربوية والفقهية والعقيدية باللغة الإنكليزية، وذلك مع اهتمام بترجمة المصطلحات، ومحاولة إيجاد المرادف الإنكليزي الدقيق لها قدر الإمكان. أمّا بخصوص التأثير الديني، فهناك برنامج مستمر ليلة كل أحد، تقدم فيه المحاضرات باللغة الإنكليزية، يحضره الأميركيون، وكل مَن يريد التعرّف إلى الإسلام من الأجانب.
نادي بنت جبيل
لا بد من ذكر «نادي بنت جبيل الثقافي الاجتماعي»، كان الهدف من إقامة النادي هو حفظ هوية وتراث أبناء البلدة الذين يربو عددهم على عشرة آلاف في هذه الناحية من ديترويت، والأمر كذلك بالنسبة إلى إخواننا من سائر أبناء الجالية، وكانت فكرة تأسيس النادي قد بدأت منذ سنة 1965، ولكن تأخر تنفيذها إلى سنة 1994 لظروف مختلفة..، وقد تمكن النادي من تحقيق العديد من الإنجازات المهمة في الحقول الثقافية والتربوية والرياضية والاجتماعية (التي شمل نفعها الجالية عموماً وأبناء بنت جبيل في المهجر والوطن خصوصاً) إلى دروس تعليم التربية الدينية والقرآن الكريم وذلك أسبوعياً كل نهار سبت لمدة ساعتين، بصفين واحد للذكور وآخر للإناث.. أمّا النشاط الاجتماعي فهو منصبّ على مساعدة المرضى المحتاجين لعمليات جراحية دقيقة.
مركز كربلاء
هو المركز الرئيسي للجالية العراقية اللاجئة، والتي تعاظم وجودها بشكل سريع في منطقة ديترويت، ويقدّر عدد أفرادها بحوالي 15 ألف نسمة، كما يستقطب هذا المركز الكائن في شارع «وورن» بديترويت العديد من أفراد الجاليات المسلمة الأخرى.
كان هم المركز منذ تأسيسه سنة 1994 الحفاظ على الجالية الإسلامية عقيدة والتزاماً وسلوكاً، خاصة حماية الشباب من الانحراف، ثمَّ تبليغ مبادىء الإسلام خصوصاً نهج أهل البيت (عليهم السلام) وتاريخهم، وتعريف المجتمع الغربي بها، وتقام في المركز، الصلاة اليومية جماعة، كما تحيا المناسبات والشعائر الإسلامية، وتجري فيه مجالس الفاتحة عن أرواح المتوفين، كما تقام فيه حفلات الزواج ولديه إذاعة وصحيفة تحملان الاسم نفسه. ويهتم المركز بالنشاطات الرياضية للشباب.
دار الحكمة
هي من المراكز الجديدة التي تأخذ طريقها لخدمة الجالية والأهداف الإسلامية، ويقع مبناها المتكامل الأقسام في ضاحية دير بورن هايت.. ومن النشاطات البارزة التي يوليها هذا المركز الاهتمام والمتابعة المستمرة، هي مدرسة يوم السبت لتعليم اللغة العربية والتربية الدينية للناشئة، ثمَّ مدرسة تعليم اللغة العربية للكبار. وفي إطار معهد النور التابع للدار، تقام دورات تدريس علوم القرآن الكريم على أيدي مختصين. هذا بالإضافة إلى الندوات والمحاضرات ومتابعة الحوارات مع أهل الأديان الأخرى، وإحياء المناسبات الإسلامية التي تقام على مدار السنة.
المجلس الإسلامي في أميركا
من الضروري في كلامنا عن المؤسسات الإسلامية في المنطقة، أن نشير إلى «المجلس الإسلامي في أميركا»، وهو يقوم بدور فعّال في التعريف بالإسلام على صعيد المجتمع الأميركي، خاصة عن طريق المنشورات الإسلامية التي يصدرها المركز تباعاً.
الجمعية الإسلامية الأميركية
وهي من الجمعيات الإسلامية القديمة العهد في هذه المنطقة، فلقد تأسست سنة 1938 بمبادرة من بعض اليمنيين والفلسطينيين واللبنانيين. ومنذ البداية أقامت الجمعية مسجداً هو مسجد ديربورن، وقد خضع للتوسعة والزيادات سنة 1986، وهو يتسع حالياً مع مصلى للنساء لحوالي خمسة آلاف مصلٍّ.
وبالإضافة إلى الصلاة جماعة، تُنظّم في المسجد دروس يومية في التربية الدينية والقرآن الكريم واللغة العربية للكبار كما للصغار.
دير العاقول
دير العاقول (أي عقلة «النهر» وعوجته)، ما زالت الخارطة الحديثة تشير إليه، وهو في الجانب الشرقي على عشرة فراسخ أسفل المدائن. واسمه يدل على شكل مجرى دجلة في هذا الموضع، وقد كان ديراً للنصارى حوله مدينة كبيرة كانت من أجلّ مدن طسوج النهروان الأوسط. وكان في المدينة مسجد جامع لا يبعد كثيراً عن السوق. وذكر ابن رسته في نهاية المئة الثالثة (التاسعة) المآصر على دجلة في هذا الموضع «وبها إسحاب السيارة والمأصر من قبل السلطان». قال: «والمأصر أن تشد سفينتان من أحد جانبي دجلة وسفينتان من الجانب الآخر، وتشد السفن على شطين ثمَّ تؤخذ قلوس (حبال) على عرض دجلة وتشد رؤوسها إلى السفن لئلا تجوز السفن بالليل». وذكر المقدسي في المئة الرابعة (العاشرة) أن «ليس على دجلة من نحو واسط مدينة أجل من دير العاقول، كبيرة عامرة آهلة». ثمَّ أن دجلة حوّل مجراه. فذكر ياقوت في المئة السابعة (الثالثة عشرة).
إن دير العاقول كان على شاطىء دجلة، فأما الآن فبينه وبين دجلة مقدار ميل، وهو بمفرده في وسط البرية. على أن المستوفي بعد ياقوت بقرن كان يعد دير العاقول مدينة كبيرة ذات هواء رطب لتوسطها بساتين النخيل.
ديرة إسماعيل خان
تقع على شاطىء نهر السند الغربي في الباكستان ويبلغ عدد نفوسها نحو مائة ألف نسمة منهم عدة ألوف من الشيعة لهم فيها مسجد جامع تقام فيه الجمعة والجماعة وعدة مساجد أخرى صغيرة وعشر حسينيات تقام فيها الاحتفالات الدينية خلال السنة.
وعدا المدينة نفسها ففي مقاطعة ديرة إسماعيل على امتداد الشاطىء العربي لنهر السند يسكن ألوف الشيعة. وبلدة بلوت، وكات كر، وجارا، وسيد علي، وبهاربور، وميا ودا وغيرها كل سكانها من الشيعة. ويعود تاريخ الاحتفال بالذكرى الحسينية في تلك البلاد إلى ما لا يزيد عن مائتي سنة. ومن هذه المنطقة خرج شعراء الملاحم العلوية والحسينية باللغة الملتانية إحدى اللغات الباكستانية التي جعلها التشيع بمدائحه العلوية ومراثيه الحسينية لغة تدوين ثمَّ لغة أدب وشعر.
دير الجماجم
يقع على مسيرة 28 ميلاً جنوبي الكوفة في الطريق البري إلى البصرة ويقال أن اسمه مشتق من روايات أسطورية عن الجماجم التي وجدت بهذا الموضع بعد معركة طاحنة جرت فيه قبل الإسلام.
وفي جواره كانت المعركة بين الحجاج وجيش الثورة الذي كان يقوده عبدالرحمن بن الأشعث سنة 82هـ 701م.
قبل الثورة
في سنة 79 هجرية كان الحجاج قد ساق نخبة رجال الشعب وخيرة فرسانه شيوخاً وشباناً إلى مجزرة رهيبة في محاولة لغزو (رتبيل) في عقر داره، وكان يقود الحملة والي سجستان عبيدالله بن أبي بكرة.
ولكي ندرك أن هذا الغزو لم يكن له أي مبرر ننقل عبارة الطبري كما وردت في تاريخه، يقول الطبري وهو يتحدث عن ولاية ابن أبي بكرة على سجستان: (ثمَّ أنه غزا رتبيل وقد كان مصالحاً) ثمَّ يقول الطبري: (فبعث الحجاج إلى عبيدالله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتليه وتسبي ذريته)[205]( ومن النصوص المتقدمة الواردة في الطبري نعلم أن «رتبيل» كان مصالحاً، وأن سلاماً كان متفقاً عليه بين الفريقين، وأن لا شيء يوجب نقض الصلح واستبدال الحرب بالسلم.
ثمَّ أن أوامر الحجاج صريحة: فهي لا تطلب من قائد الجيش أن يهدي الناس ويرشدهم ولا أن ينشر بينهم الرحمة والعدل والعلم والمعرفة، وهي الأهداف التي أراد الإسلام تحقيقها. بل يطلب إليه أن يستبيح الأرض ويقتل الرجال ويسبي النساء والأبناء.
وأية حرب هي هذه الحرب التي لا تهدف إلاَّ إلى الاستباحة والقتل والسبي. ولا تتحدث أوامرها إلاَّ عن المغانم والجرائم.
أهي الحرب التي يجوز أن يكون وقودها شباب المسلمين وشيوخهم وأن يفني فيها أهل الحفاظ والحمية والنجدة.
ويسترسل الطبري في الحديث فيقول: «فخرج عبيد الله بن أبي بكرة بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، حتى وغل في بلاد «رتبيل» فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء».
وهكذا فإن أهل البصرة والكوفة هم المقصودون، وهم المراد لهم أن يكونوا الضحايا، وهكذا فإن رجلاً كريماً مثل شريح بن هاني الحارثي يساق بعد السير تحت راية علي، إلى السير تحت رايات الحجاج لسلب البقر والغنم.
وهكذا فقد كانت غاية الحملة حيازة الأموال وسوق المواشي، وحسبك بهذه الغاية غاية لئيمة مجرمة، وغنم من وبقر من، وأموال من أصاب الجيش المجاهد، إنها غنم الفقراء وبقر المستضعفين، وأموال البؤساء في غير شك، إنها المواشي التي كانت تسرح في المراعي وأصحابها مطمئنون للصلح، أما عن الدعوة إلى الهدى والنداء إلى الحق، فلا تحدثنا أخبار الحملة بشيء أبداً. وما دام الجيش الغازي قد أصاب البقر والغنم والأموال فقد حقق هدفه وأنجز طلبته وفاز بالمراد.
وكان الترك قوم «رتبيل» وقد أعدوا خطة محكمة لحماية بلادهم فتركوا الجيش المقبل يتوغل في أرضهم ثمَّ «أخذوا على المسلمين العقاب والشعاب فسقط في أيدي المسلمين» على حد تعبير الطبري، وحوصروا في تلك الفجاج حصاراً محكماً وضاق بهم الأمر، ولم يفد البقر والغنم شيئاً، واحتار قائد الجيش ابن أبي بكرة فيما يصنع فأرسل إلى شريح بن هاني يستشيره في أن يدفع أموالاً ليخلوا بينه وبين الخروج. ولكن شريحاً نبهه إلى أن غاية «المتأمرين» من هذه الحرب هي سلب الأموال ، وأنه حين يدفع مالاً للأعداء، فإن الدولة ستقطع الأموال من رواتبهم، فقال له ما نصه: «إنك لا تصالح على شيء إلاَّ حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم» فقال ابن أبي بكرة: لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من إهلاكنا. وبعد حوار قصير بينهما قال له شريح: «إنما حسبك أن يقال بستان ابن أبي بكرة وحمام ابن أبي بكرة»)[206](.
ومن هذا الحوار نفهم أن ابن أبي بكرة وهو من ولاة الأمويين وحكامهم كان له من المزارع والعقارات كغيره من الحكام ما يغنيه عن راتبه، وأما الجنود هم من أفراد الشعب البائس المحروم، فليس لهم رزق إذا منعوا أعطياتهم وحرموا من رواتبهم لذلك كان من رأي شريح أن يجازفوا في الإفلات من الحصار بهجمات يائسة لعل بعضهم ينجو ويسلم. وهكذا نادى شريح يا أهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلي، فقاتل حتى قتل. ويقول الطبري: (فاتبعه فرسان الناس وأهل الحفاظ فقاتلوا حتى أصيبوا إلاَّ قليلاً، ونجا من نجا من «رتبيل» حتى خرجوا منها). ولما بلغ الحجاج الخبر كتب إلى عبدالملك بن مروان بما جرى من جملة كتاب: أما بعد فإن جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا ولم ينج منهم إلاَّ القليل.
وهكذا فإن فرسان العرب وأهل الحفاظ أبيدوا عن آخرهم إلاَّ قليلاً، أبيدوا في تلك الديار النائية، بعيدين عن أهلهم وأوطانهم، أبيدوا لأن «الدولة العربية» حولتهم إلى سراق بقر وغنم، وكانوا بين خطتين: إما أن يبيدهم السيف في أرض عدوهم أو يعودوا فيذلهم الفقر في أوطانهم.
جيش جديد
وكان فيما كتبه الحجاج لعبدالملك طلبه تجهيز حملة جديدة من أبناء الكوفة والبصرة لتسلك طريق الحملة الأولى فوافق هذا الطلب هوى عبدالملك فأرسل إلى الحجاج موافقاً على تسيير هذه الحملة.
يقول الطبري: «كان الحجاج وليس في العراق أبغض إليه من عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث». ويفترض في مثل هذا البغيض أن يكون بعيداً عن الحجاج ووظائف الحجاج ولكن الحجاج الذكي لم يختر لقيادة الحملة الجديدة إلاَّ بغيضه اللدود عبدالرحمن.
وكيف لا يختاره ما دام المقصود من الحملة لا كسب المحامد ونشر الفضائل، ولا الدعوة إلى صلاح ورشاد. بل أن المقصود منها تحطيم قوى الشعب الروحية والجسدية، والقضاء على فروسيته في المجاهل النائية.
ويروي الطبري أيضاً أن عبدالرحمن هذا دخل مرة على الحجاج فلما رآه مقبلاً قال لجليسه الشعبي: «انظر إلى مشيته والله لهممت أن أضرب عنقه».
عبدالرحمن أبغض الناس إلى الحجاج، والحجاج يود لو يقتله، فمن هو إذن أجدر من عبدالرحمن ليقود الأربعين ألف من الشبان العرب إلى مصارعهم باسم الفتح والجهاد.
إن نظرة الحجاج للقائد العام للجيش لا تختلف أبداً عن نظرته لكل فرد من أفراد الجيش وأن نواياه لعبدالرحمن لا تختلف عن نواياه لأولئك الأربعين الألف الجندي الباسلين وأنه يبغضهم كما يبغض قائدهم ويود لو ضرب أعناقهم كافة، لذلك خصهم كما خص قائدهم بهذا الجهاد.
يقول الطبري: «ثمَّ أن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة».
ومضى هذا الجيش بقيادة عبدالرحمن، ولما بلغ الخبر إلى «رتبيل» كتب إلى عبدالرحمن «يعتذر إليه عن مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارهاً وأنهم لجأوا إلى قتالهم ويسأله الصلح».
ولكن عبدالرحمن لم يجرؤ على قبول الصلح لأن الأوامر صريحة بوجوب غزو بلاد «رتبيل» على أن عبدالرحمن وهو يعلم الغاية من هذه الحملة وكل الحملات دبر في نفسه أمراً ينجيه من الوقوع فيما وقعت فيه الحملة السابقة، ويظهر به في نفس الوقت بمظهر من أدى واجبه فلا يناله الحجاج، ومن ورائه عبدالملك بسوء.
عبدالرحمن يحاول التخلص
وهكذا كان، فقد اقتحم عبدالرحمن بجيشه بلاد «رتبيل» دون أن يلقى مقاومة، لأن «رتبيل» كان قد اتبع نفس النهج الذي اتبعه في مقاومة الحملة الأولى، فترك هذه الحملة الثانية تتوغل في بلاده على أمل اصطيادها في الثنايا والشعاب، لأنه لا بد لها إذا أرادت تنفيذ أوامر عبدالملك والحجاج من الوقوع في المصيدة. ولكن عبدالرحمن وقف عند نقطة معينة ولم يتجاوزها. يقول الطبري: «حتى إذا حاز من أرض رتبيل أرضاً عظيمة وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الناس على الوغول في أرض رتبيل».
وبهذا أفسد عبدالرحمن خطة الحجاج وعبدالملك في أفناء شبان المسلمين في تلك المعاقل والعقاب والشعاب، وبنفس الوقت حقق لهما حيازة الأسلاب من البقر والغنم والأموال الأخرى.
ثمَّ كتب إلى الحجاج بما انتهى إليه وأبان له رأيه في وجوب التوقف عن الاندفاع في أراضي الأعداء، ولكن الحجاج لم يكن يرضيه هذا الرأي فلا بد من الغزو لأن في الغزو تحقيق ما يشتهي، فكتب إلى عبدالرحمن يفند رأيه ويحاول أن يثير فيه عاطفته فنسبه إلى الجبن وفساد الرأي فقال فيما قاله له: «إنه لم يحملك عليه إلاَّ ضعفك والتياث رأيك فامض بما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل وسبي ذراريهم». وهكذا فالأوامر واحدة لكل حملة: هدم وقتل وسبي، أما نشر الإسلام وإشاعة العدل والرحمة والحق فلا مكان لها في أوامر الدولة)[207]( ثمَّ أردف الكتاب بكتاب ثان ثمَّ بكتاب ثالث.
مؤتمر شعبي
وكان عبدالرحمن أعقل وأحكم من أن يعرض نفسه ويعرض معه الأربعين الألف العربي لمجزرة إرضاءً لنزوات الحجاج على أنه لم يشأ أن يتفرد بالأمر وحده بل رأى أن يشرك معه مجموع الجيش فدعا الناس ووقف فيهم قائلاً: «إني لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر. وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأي استشرت فيه ذوي أحلامكم وأولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأياً ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبي إذا أبيتم».
ومن هذه الكلمة ندرك أن عبدالرحمن كان قد استشار ذوي الرأي العسكري وتداول معهم فيما يجب عمله وأنهم كانوا قد أقروه على ما ارتأى وأنه حين جمع جمهرة الناس إنما جمعهم ليبلغهم رأي العسكريين الفنيين وأنهم مجمعون على أن لا أمل في نجاح الحملة، فهو الآن يترك الكلمة الأخيرة لهذه المجموعة الحاشدة لتحمل مسؤوليتها بنفسها.
يقول الطبري: «فثار إليه الناس فقالوا: لا بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع».
الأربعون الألف كانوا مدركين كل الإدراك غايات الحجاج، وكانوا يعلمون ما بيّته لهم، لذلك كان رأيهم فيه بالإجماع أنه «عدو الله» وأنهم «لا يسمعون له ولا يطيعون» هذا هو رأي الشعب بحكامه يومذاك هذا هو رأي المسلمين والعرب المحكومين بالدولة العربية الحاكمة.
ولم يكتف الناس بهذا القول الجماعي بل وقف خطباؤهم يفصلون الأمر ويشرحونه فكان ممن خطب عامر بن واثلة الكناني وكان شاعراً خطيباً فكان مما قاله: «إن الحجاج لا يرى فيكم إلاَّ رأي القائل الذي قال لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك. إن الحجاج والله لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم».
وتكلم غيره من الخطباء، فنادى الناس من كل جانب مؤيدين أقوال الخطباء منادين بالثورة على الحكم الفاسد الجائر والكلام الذي أعلنه الخطيب الكناني كان يصور الحقيقة البشعة التي استهدفها الحكام الأمويون فيما أسموه بالفتوحات والتي عرضوا بسببها الشعب إلى هذه المحن المبيدة)[208](.
وأعلنت الثورة وتقدم الثوار نحو العراق مستهدفين الحجاج ثمَّ الحكم الأموي كله. وكان شاعر الثورة أعشى همدان فقال مشيراً إلى أن الثورة عربية عامة تمثل العرب والمسلمين كلهم في نقمتهم على الحكم الفاسد الذي أراد بهم ما أراد:
إنا سمونا للكفور الفتان
حين طغى في الكفر بعد الإيمان
بالسيد الغطريف عبدالرحمن
سار بجمع كالدبي من قحطان
ومن معد قد أتى ابن عدنان
بجحفل جم شديد الأرنان
فقل لحجاج ولي الشيطان
يثبت لمذحج وهمدان
أمّا مبادىء الثورة فقد حددتها صورة المبايعة التي بايع بها الناس عبدالرحمن بن محمد الأشعث وهذا نصها: «نبايع على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلال وجهاد المحلين».
وهو نص واضح صريح يحدد أهداف الثورة ويعلن مناهجها ومبادئها وهي المناهج والمبادىء والأهداف التي تؤدي إلى تحرير الشعب من عبودية الحكام الفاسدين وإقطاعية الولاة الظالمين، والعودة به إلى المبادىء التي قضى عليها الحكام الجدد وعادوا بالمسلمين إلى ما هو شر من الجاهلية الأولى.
تطور الثورة
كانت الثورة في أول أمرها هي ثورة الجيش وحده، ولكن لم تكد طلائع هذا الجيش تقبل من سجستان ويعلم الناس بأمره حتى هب الشعب عن بكرة أبيه يؤيد الثائرين وينضم إلى صفوفهم، فأول مدينة ثارت هي البصرة فأقبل إليها ابن الأشعث، ويقول الطبري: «بايعه على حرب الحجاج وخلع عبدالملك جميع أهلها» وتلت البصرة في الثورة الكوفة. ويقول الطبري: «فلما دخل ابن الأشعث الكوفة مال إليه أهلها كلهم» ثمَّ تتابعت البلدان الثائرة فيقول الطبري: «وتقوضت إلى ابن الأشعث المسالح والثغور». وهذا أبلغ تعبير في الإشارة إلى انتشار الثورة في كل مكان انتشاراً جعل منها أضخم ثورة شعبية تحررية.
وكان قادتها زعماء شعبيين متواضعين نبتوا من أوساط الشعب وخبروا حياته وعاشوا دنياه بكل ما فيها من اهتضام وحرمان وجور، وكان بينهم نخبة العلماء والفقهاء والشعراء، أو باصطلاحنا الحديث نخبة المثقفين المتحررين ذوي الرسالات الهادفة المناضلة، وكانوا يحرضون الشعب على الصمود والثبات كأنما يسجلون شعارات الثورة، فمن أقوالهم ما كان يحرض به عبدالرحمن بن أبي ليلى الفقيه من جملة قوله: «قاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه». وقال أبو البختري: «أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم ودنياكم وليغلبن على دنياكم». قال الشعبي: «يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم». وقال سعيد بن جبير: «قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعليَّ آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء».
على أن الوحيد الذي كان بعيداً عن جوهر الثورة وروحها هو قائدها عبدالرحمن بن الأشعث، ولكن الظرف وحده هو الذي وضعه على رأس الثورة، وكان لا بد منه لتكتيل الجيش واستبقاء وحدته فإن وجوده على رأس الجيش جعله مفروضاً على قادة الثورة وزعمائها.
ولكن المقادير كتبت للثورة الفشل وهي في قمة نجاحها.
وقد كان الحجاج في ظفره لئيماً لا يخالط قلبه نبل أو مروءة، كما كان الزعماء الشعبيون أبطالاً في مواجهة الحجاج وهم أسرى بين يديه، فمن ذلك أنه كان بين من سيق إليه منهم كميل بن زياد النخعي فحاول الحجاج إهانته كما كان يفعل. فجرى بينهما حوار كان فيه كميل أبياً شموخاً في أعلى ذروات الرجولة، وقد أنهى حواره مع الحجاج بقوله: «أيها الرجل من ثقيف لا تصرف على أنيابك ولا تهدم عليّ تهدم الكئيب ولا تكشر كشران الذئب، اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله». فقتل كما قتل غيره من الألوف.
أولى معارك الثورة
مضى عبدالرحمن بالجيش إلى العراق ثائراً فلما بلغ الخبر إلى الحجاج كتب إلى عبدالملك في الشام يطلب إليه الإسراع بإرسال الجنود إليه لقمع الثورة، وتقدم هو فنزل البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبدالملك هاله وأخذ في تجهيز جيش وإرساله إلى الحجاج، وتتابعت النجدات إلى الحجاج فترك البصرة وتقدم إلى (تستر) لملاقاة عبدالرحمن بن الأشعث، ولم تلبث أن تلاقت مقدمة الجيشين عند (دجيل) فكان الصدام بين المقدمتين، فانهزمت مقدمة الحجاج بعد قتال شديد وقتل منها العدد الجم.
فاضطر الحجاج للرجوع إلى البصرة فتبعه جماعة من الثوار إليها فقتلوا جماعة من أصحابه، فترك البصرة ولم يلبث أن دخلها عبدالرحمن. ويصف ابن الأثير)[209]( ما جرى قائلاً: «فبايعه جميع أهلها: قراؤها وكهولها مستبصرين في قتال الحجاج».
هذه الجملة الموجزة تريك إلى أي حد كان الحكم مكروهاً من الشعب، هذا الشعب الذي لم يكد يرى أعلام الثورة مرفوعة حتى انضم إليها بكل طبقاته، محاولاً التخلص من أولئك الحكام الذين لم يلق منهم إلاَّ العسف والظلم والاضطهاد.
كان الحجاج بعد انسحابه من البصرة قد نزل (الزاوية) )[210]( غير بعيد عن البصرة، ويبدو أن سبب انسحابه من البصرة أنه أدرك الجو الشعبي المعادي له فيها فآثر الانسحاب منها على أن لا يبعد عنها.
وبعد أن ركز عبدالرحمن أموره في البصرة قرر الزحف إلى الحجاج بعد أن انضمت إليه جموع البصرة، ففي المحرم من سنة 83 تزاحف الفريقان فكان بينهما عدة معارك، وفي آخر المحرم اشتد القتال فانهزم جيش الحجاج أول الأمر، ولكن لم يطل أمر الهزيمة، إذ لم يلبث أمر الثوار أن تضعضع فانهزموا إلى الكوفة، بما فيهم أهل القوة وأصحاب الخيل من أهل البصرة.
وثبت في البصرة عبدالرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب فبايعه من بقي من أهل البصرة فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال، ثمَّ انسحب لاحقاً بعبدالرحمن في الكوفة.
وكان الصحابي عامر بن واثلة)[211]( ممن ساهم في هذا القتال مع ولده طفيل فقتل طفيل فرثاه أبوه بقصيدة منها:
خلى طفيل عليّ الهم فانشعبا
وهدّ ذلك ركني هدة عجبا
مهما نسيت فلا أنساه إذ حرقت
به الأسنة مقتولاً ومنسلبا
وأخطأتني المنايا لا تطالعني
حتى كبرت ولم يتركن لي نشبا
وكنت بعد طفيل كالذي نصبت
عنه السيول وغاض الماء فانقضبا
ولقد عرفت هذه الوقعة باسم يوم الزاوية.
وتمّ أمر البصرة للحجاج فكان أول ما استفتح به مجازره قتل أحد عشر ألفاً، وكان سبيله إلى ذلك أن خدع الناس بالأمان، فأرسل من نادى في البصرة: لا أمان لفلان بن فلان، وسمى رجالاً. فاعتقد العامة أنه قد آمن الناس، فحضروا إليه فأمر بقتلهم فقتلوا.
وأما في الكوفة فقد كان واليها من قبل الحجاج عبدالرحمن الحضرمي، وفي غياب الحجاج وانشغاله بما انشغل به استغل ذلك مطر بن ناجية اليربوعي فأراد الاستيلاء على الكوفة فتحصن ابن الحضرمي بالقصر، وثار أهل الكوفة مع مطر فأخرج ابن الحضرمي ومن معه وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على القصر. فلما وصل عبدالرحمن إلى الكوفة أبى مطر التسليم له وتحصن في القصر ومعه جماعة من بني تميم غير مدرك حقيقة قوة عبدالرحمن معتقداً أنه مجرد منهزم من الحجاج فاكتفى بأن أصعد الناس بالسلالم إلى القصر فاستولوا عليه وقبضوا على مطر بن ناجية فسجنه أول الأمر، ورأى أن يصطنعه لأنه بحاجة إليه فأطلقه، فانضم مطر إليه.
وكان أهل الكوفة قد خرجوا لاستقبال ابن الأشعث عندما علموا بقدومه، ثمَّ مالوا إليه كلهم، وسبقت همدان إليه فحفت به. وتداعى إليه الناس من كل مكان في العراق. «وتقوضت إليه أهل المسالح والثغور»، كما يقول الطبري (ج8 ص45).
ولم تؤثر هزيمة (الزاوية) في عزم الناس على الاستمرار في الثورة، وبعد أن كانت في أول أمرها ثورة الجيش أصبحت ثورة الشعب والجيش معاً.
الزحف من البصرة
لما تمكن الحجاج في البصرة زحف منها قاصداً عبدالرحمن، ومضى حتى مرّ بين القادسية والعذيب)[212]( فأرسل إليه عبدالرحمن بن الأشعث خيلاً عظيمة من فرسان الكوفة ارتفعوا على وادي السباع)[213](، ثمَّ تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة ونزل عبدالرحمن بن العباس دير الجماجم)[214](.
ومعنى ذلك أن الحجاج في زحفه من البصرة لم يلق مقاومة حتى كاد أن يشارف الكوفة، فلم تكن الأرياف التي مر فيها مهيأة للقتال، ولا كان ابن الأشعث مهيأ للصمود قبل الكوفة، بل كان منهزماً يريد أن يلوذ بالكوفة، وفي الكوفة تجمعت القوى من كل مكان، ومنها خرج ابن العباس بفرسانه لوقف زحف الحجاج، فأوقفوه عند دير قرة ووقفوا عند دير الجماجم.
ولما كان الحجاج زاحفاً بكل قوته كان لا بد للثورة من أن تقابله بكل قوتها، لذلك تقدم ابن الأشعث من الكوفة واصلاً إلى دير الجماجم.
يصف الطبري ج8 ص15، قوى الثورة بهذا الوصف: «واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم، والقراء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ومعهم مثلهم من مواليهم».
وكان الحجاج يتلقى النجدات من عبدالملك قبل نزوله دير قرة، وظلت النجدات تتواصل إليه وهو في دير قرة. على أنه كان قد فكر قبل نزوله دير قرة أن يتقدم إلى (هيت) )[215]( وناحية الجزيرة ليقترب من الشام فيأتي منها ومن الجزيرة المدد من قريب. ولكنه عندما وصل دير قرة قال: ما بهذا المنزل بعد أمير المؤمنين وأن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا، فنزل.
على أنه يبدو أن قوى الثورة كانت عاملاً في الحؤول دون تقدمه إلى هيت ونواحي الجزيرة، ما حمله على النزول بدير قرة.
وهكذا وقف الفريقان وجهاً لوجه يتناوشان، ثمَّ اشتد القتال بينهما، وكانت الأخبار تصل إلى عبدالملك بن مروان في دمشق على خيل البريد المسرعة، وعرفت دمشق قوة حشود الثورة وخيف من الصدام الأكبر بين الفريقين وما يجره من الضحايا وما يمكن أن ينتهي إليه أمر الثوار من النصر.
ويقول الطبري إن اشتداد القتال بلغ «رؤوس قريش وأهل الشام قِبَل عبدالملك ومواليه»، وعرفوا أن المطلوب رأس الحجاج بإقالته من ولاية العراق، فاقترحوا على عبدالملك: «إن كان إنما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجاج فإنْ نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم».
لا شك أن السبب الأول للثورة كان مظالم الحجاج وطغيانه، ولكن الثوار بعد أن توحدت كلمتهم واشتد ساعدهم وتنامت قوتهم، لم يعد عزل الحجاج هو مطلبهم، بل أن مطلبهم هو اقتلاع الشر من جذوره والقضاء على المصدر الأساسي للظلم والاضطهاد، فالحجاج شعبة من شعب الطغيان وفرع من فروعه، فإذا نحي اليوم فتنحيته لا تجدي ما دام من سيحل محله من نفس الطينة ومن نفس المعدن. ثمَّ إن المطلوب لا إنقاذ شعب العراق وحده، بل إنقاذ الأمة كلها من أقصى ديارها إلى أقصاها وهذا لا يتم إلاَّ بهدم الأساس الذي يقوم عليه هذا الهيكل الطغياني الذي استهان بالناس ودمائهم وكراماتهم وحقوقهم منذ قام في العام الواحد والأربعين من الهجرة.
هذا ما لم يفكر فيه «رؤوس قريش وأهل الشام قِبَل عبدالملك ومواليه».
لذلك اقترحوا على عبدالملك عزل الحجاج إرضاء للثوار. وما لم يفكر فيه عبدالملك نفسه لذلك قبل اقتراحهم، ورضي بأن يضحي بالحجاج.
استدعى عبدالملك ولده عبدالله وطلب إلى أخيه محمد بن مروان الذي كان بأرض الموصل أن يوافي إلى دمشق، فاجتمعا عنده كلاهما في جنديهما. فقد أراد أن يكون وفده إلى الثوار على مستوى عال ومن صميم البيت المالك ومن ألصق الناس بشخصه ليكون في ذلك ضماناً للثوار في إنقاذ ما يعرضه ولده وأخوه، ليقول للثوار ضمناً أنه لا يفاوضهم عن ضعف وأن الناطقين باسمه بلسانيهما سينطقان عند الاقتضاء بسيوف جنودهما.
ومضى الوفد المفاوض حاملاً الحل المقترح ليعرضه على الثوار وهو:
1 ـ عزل الحجاج عن ولاية العراق.
2 ـ يحل محله في ولاية العراق محمد بن مروان أخو عبدالملك.
3 ـ يختار عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث أي بلد في العراق ليكون والياً عليه ما دام حياً وما دام عبدالملك باقياً.
4 ـ أن تجري على أهل العراق أعطياتهم كما تجري على أهل الشام.
«فلم يأت على الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم».
فكتب إلى عبدالملك. لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلاَّ قليلاً حتى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلاَّ جرأة عليك، ألم تسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، فلما سألهم ما يريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يُفلَح، خار الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك.
ونحن هنا نريد أن نناقش رأي الحجاج هذا إننا لا نستغرب تشبث الحجاج بولاية العراق وتفضيله إراقة دماء الشعب على احتفاظه بالولاية. ولكن تعريضه بالثائرين على ابن عفان بقيادة الأشتر وقوله: بأنهم أن بعد استجاب لهم ابن عفان بعزل سعيد بن العاص عادوا فساروا إليه قبل أن تتم السنة فقتلوه.
إن تعريضه هذا نابع من روح الطغيان المتأصلة فيه، فهو لا يفهم أن للشعب حقوقاً هي أبعد من تغيير والي إلى آخر، وماذا يجدي إبدال سعيد بن العاص بغيره من الولاة ما دام مروان بن الحكم مسيطراً على الخليفة في المدينة، مروان بمفاسده وآثامه المتنافية مع أبسط حقوق الناس، وما دام الخليفة مسترسلاً في تلحكيم أسرته الفاسدة بمرافق الدولة وإباحة تلك المرافق لها، وحرمان أصحاب تلك الحقوق من حقوقهم.
لقد طالب أحرار الكوفة بقيادة الأشتر بإبدال سعيد بن العاص بعد أن نال الشعب ما ناله من مظالمه وتهتكه فاستجيب طلبهم فرضوا لعل الأمر العام يمشي إلى الصلاح، ولكن قبل أن تتم السنة كان الأمر في الأمة كلها يسير من سيىء إلى أسوأ فكان منهم ما كان.
رفض عبدالملك طلب الحجاج وأصر على عرض الاقتراحات على الثائرين.
لقد كانت الثورة كما قلنا ثورة الجيش وثورة الشعب بكل طبقاته، وكانت نقية مخلصة مؤمنة لا مطمع لرجالها إلاَّ صلاح الحكم.
ولكن الظروف وضعت على رأسها وسلمت قيادتها لرجل هو أبعد الناس عن مهمة الثورة وعن أهدافها وعما تطالب به، لرجل هو في حقيقته لا يقل بغياً وعسفاً وفساداً عن الذين تثور عليهم الثورة لبغيهم وعسفهم وفسادهم.
ويكفي أنه من الأرومة التي أنبتت الأشعث وبني الأشعث، ومن البيت الذي خرجت منه تلك الزمرة التي عرفها الناس بما عرفوها به من شرور وآثام.
وكان هذا هو الوهن الأكبر في الثورة.
تقدم عبدالله بن عبدالملك فقال: يا أهل العراق… أنا عبدالله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا… وذكر لهم المقترحات التي تقدم ذكرها.
ثمّ تقدم محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا… ففوجىء الثوار بهذا الموقف، ولم يكن من الممكن إعطاء الجواب في الحال، فقالوا: نرجع العشية… فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلاَّ أتاه.لقد كانت المقترحات موافقة لهوى ابن الأشعث فهو لم يثر لأمر عام بل ثار لأمر شخصي، وما دام هذا الأمر الشخصي قد تحقق لمصلحته، فهو سيكون والياً ككل ولاة هذه الدولة متحكماً بالشعب على هواه ومزاجه. ما دام الأمر كذلك فيجب إنهاء الثورة. لذلك فإن ابن الأشعث افتتح المؤتمر الشعبي المنعقد برئاسته لتقرير مصير فترة من أخطر فترات الأمة في ذلك الوقت ـ افتتحه بهذا الخطاب الانهزامي:
حمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمّا بعد فقد أعطيتم أمراً انتهازكم إياه فرصة ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة وإنكم اليوم على النِّصف وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تُستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله ما زلتم عليهم جُرّاء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبداً ما بقيتم.
هذا هو الخطاب الموجز الذي حاول فيه ابن الأشعث أن يكون منطقياً وأن يدخل إلى عقول القوم عن طريق المنطق وتحليل الواقع تحليلاً عقلياً. في حين أنه لم يقبل هو العرض لأن العرض كان منطقياً عقلياً بل قبله لأنه حقق له مطامعه الشخصية.
ولا شك أنه كان لهذا الخطاب أثر في توهين العزائم وضعضعة الأفكار، ولكن الصوت الأقوى كان للثائرين المتحمسين الذين لم يستطع أي صوت واهن أن يرتفع في دوي صوتهم الهادر، فوثبوا من كل جانب قائلين: إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة. لا والله لا نقبل.
ثمَّ أعادوا خلع عبدالملك من جديد بعد أن كانوا قد أعلنوا خلعه من قبل.
فعند ذلك رجع محمد بن مروان وعبدالله بن عبدالملك إلى الحجاج فقالا لا شأن لنا بعسكرك وجندك فاعمل برأيك فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت لكما إنه لا يراد بهذا الأمر غيركما. ثمَّ قال: إنما أقاتل لكما وإنما سلطاني سلطانكما.
وكان عبدالملك قد قال لهما حين أرسلهما: إن أبوا أن يقبلوا فالحجاج هو الأمير ووليّ القتال، وأنهما في طاعته.
فلما وصل الأمر إلى هذا الحد كانا إذا لقيا الحجاج سلما عليه بالأمرة.
الحرب
إلى هنا كان لا بد من القتال، وهكذا كان فنظم كل من الفريقين قياداته في الميمنة والميسرة والخيل والرجالة. ومن أبرز قيادات الثوار كان محمد بن سعد بن أبي وقاص)[216]( الي كان يقود الرجالة، وعبدالرحمن بن العباس الهاشمي الذي كان يقود الخيالة، وجبلة بن زحر بن قيس الجحفي)[217]( الذي كان يقود القرّاء وكان معه خمسة عشر رجلاً من قريش، فيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وأبو البختريّ الطائي وعبدالرحمن بن أبي ليلى.
وكان الثوار في وضع حياتي جيد إذ كانت تأتيهم المواد التموينية من الكوفة وريفها الواسع، في حين كان الحجاج في وضع سيىء إذ قل عنده الطعام وفقد اللحم، فهو شبه محصور.
وبدأ القتال بمناوشات بين الفريقين، يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون أشد قتال وتقدم جبلة بن زحر وتقدم أمامه كميل بن زياد في كتيبة فعبى الحجاج أصحابه ثمَّ زحف في صفوفه، وخرج ابن الأشعث في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض. فعبى الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبدالله الحكمي فأقبلوا نحوهم.
ويروي أبو يزيد السكسكي الذي كان مع الجراح الحكمي قائلاً: أنا والله في الخيل التي عُبّيت لجبلة بن زحر، حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات، كل كتيبة تحمل حملة فلا والله ما استنقصنا منهم شيئاً.
وقد سمعنا واحداً من جماعة الحجاج يصف حملات جماعته على خيل جبلة بن زحر، ولنسمع الآن واحداً من جماعة جبلة يصف تلك الحملات:
قال أبو الزبير الهمداني: كنت في خيل جبلة بن زحر فلما حمل عليه أهل الشام مرة نادى عبدالرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح به منكم إني سمعت علياً رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه سلم وبرىء، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر في قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه. وقال أبو البختري: أيها الناس قاتلوهم عن دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم. وقال الشعبي: يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار. وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعليّ آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم للضعفاء وإماتتهم للصلاة.
ويتمم أبو الزبير قوله متحدثاً عن أثر هذه الخطب في الثوار قائلاً: فتهيأنا للحملة عليهم.
ونفهم مما رواه أبو يزيد السكسكي، ثمَّ ما رواه أبو الزبير الهمداني أن الحال كان في أول الأمر حال هجوم من جيش الحجاج على الثوار، وأن الثوار لزموا جانب الدفاع، وأن هجمات الحجاج استهدفت كتيبة القراء التي كانت ضمن قيادة جبلة بن زحر برئاسة كميل بن زياد النخعي، وأن الحجاج عبى لهذه الكتيبة ثلاث كتائب، وأن القصد من ذلك كان القضاء على هذه الكتيبة التي كانت أصلب الكتائب في القتال وأشدها ثباتاً في مواجهة الأعداء، فإذا تضعضعت كان ذلك نذيراً بتضعضع الجيش كله، ومن هنا رأينا الحجاج يهاجمها بثلاثة أضعافها عدداً، ثمَّ يواصل الهجمات هجمة بعد هجمة. ولكنها صمدت لكل ذلك، وقد آن الآن للخيالة كلها ومنها كتيبة القراء أن تبادر بالهجوم. فخطب الخطباء الثلاثة محرضين معلنين حقيقة من يثورون عليهم في سلوكهم وفي معاملتهم للشعب بالظلم والجور.
يقول أبو الزبير: فتهيأنا للحملة عليهم، فقال لنا جبلة: إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. فحملنا عليهم حملة بجرمنا في قتالهم وقوة ما عليهم فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشتفترّت)[218](، ثمَّ مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه، ثمَّ انصرفنا فمررنا بجبلة صريعاً لا ندري كيف قتل، فهدّنا ذلك وجبنّا فوقفنا موقفنا الذي كنا به، وإن قرّاءَنا لمتوافرون ونحن نتناغى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه، بل هو في ذلك الموطن كان أشدّ علينا فقداً. فقال لنا أبو البختريّ الطائي: لا يستبين فيكم قتل جبلة بن زحر فإنما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب.
ويتمم أبو الزبير وصف ما جرى قالاً: فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة وإذا ألسنتهم منقطعة وإذا الفشل فيهم قد ظهر، وإذا أهل الشام قد سُروا وجذلوا فنادوا: يا أعداء الله قد هلكتم وقتل طاغوتكم.
أما الجانب الآخر فيحدث أبو زيد السكسكي قائلاً: إن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا وتبعونا وافترقت منا فرقة فكانت ناحية فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة)[219]( فقال بعضنا: هذا والله جبلة بن زحر احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه، فحملنا عليه فأشهد ما ولى ولكن حمل علينا بالسيف، فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلاً ورجع أصحابه فلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنه فلما رأوه قتيلاً رأينا من استرجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا، فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخروجهم إلينا.
يقول سهم بن عبدالرحمن الجهني وهو من الثوار:
لما أصيب جبلة هدّ الناس مقتله حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فشجع الناس مقدمه وقالوا يقوم مقام جبلة، فسمع هذا القول من بعضهم أبو البختريّ فقال: قبّحتم، إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم فإن قُتل الآن ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة وقلتم لم يبق أحد يقاتل معه ما أخلقكم أن يُخلف رجاؤنا فيكم.
وكان مقدم بسطام من الري فالتقى هو وقتيبة في الطريق فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشام ودعاه بسطام عبدالرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه وقال بسطام: لأن أموت مع أهل العراق أحب إليّ من أن أعيش مع أهل الشام)[220](.
وجيء برأس جبلة إلى الحجاج فحمله الحجاج على رمحين، ثمَّ قال: يا أهل الشام أبشروا هذا أول الفتح…
وقد كان الأمر كذلك.
ونستطيع تصوير الموقف بهذه الصورة: الثورة ثورة عارمة ذات أهداف محددة هي إلغاء السلطة القائمة التي طال عيثها بالشعب، وطال استغلالها له لمصلحة طبقة محددة من الأقرباء والأعوان، ثمَّ جاءت تقذف بمجموع الشعب من الشيوخ والكهول والشبان في أتون حرب عبثية لا تبتغي من ورائها إلاَّ جني المغانم، غير مبالية بالخطر الداهم الذي يحيق بتلك الجموع الشعبية التي لا تتكافأ قواها مع قوى العدو.
الثورة على السلطة الظالمة ثورة عارمة، ولكن هذه الثورة العارمة تنقصها القيادة المؤمنة بمبادىء الثورة المتحمسة لها، وحين تكون القيادة بهذه الصفة فإنها تبعث بإيمانها وحماستها العزم الصارم في نفوس الثوار، فتظل معنوياتهم قوية لا تهين ولا تلين.
ولكن قائد هذه الثورة انتهازي وصولي لا صلة له إلاَّ مطامحه الشخصية. فإذا ضُمنت له تخلى عن الثورة!
وقد بان ذلك للثوار منذ الساعة التي ضمن له فيها وفد عبدالملك إشراكه بالسلطة. فبدلاً من أن يكون وجوده في قيادة الثورة مصدر دفع لها، أصبح مصدر تراجع!
وأعتقد اعتقاداً جازماً بأن الثورة فقدت زخمها منذ بانت للثوار حقيقة عبدالرحمن، ولم يبق في هذا الزخم إلاَّ مجموعة القادة الكبار ومن إليهم. أمَّا الجمهور فقد تضعضع عزمه وبدأ ينهار هذا العزم من أول صدمة.
وقد رأينا ما فعل مقتل جبلة بن زحر بن قيس في النفوس، وقد كان أقل وصف له أنه هدّ الناس!
والثورة التي يهد الناس فيها مقتل قائد من قوادها هي ثورة مضعضعة الجمهور، والعامل الأول في هذا التضعضع هو قيادتها الانتهازية الوصولية التي لو كانت قيادة صالحة لكان مجرد ظهورها للناس كافياً لتثبيت أقدامهم وشحذ عزائمهم، ولكن ظهور عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي للناس يذكرهم بمواقفه ومواقف أسرته الخيانية الغادرة فيزلزل الأقدام ويوهي العزائم)[221](.
وقد كان جزع الناس لمقتل جبلة بن زحر ثمَّ تشجعهم بمجيء بسطام بن مصقلة دليلاً واضحاً على تلهفهم إلى القيادة الصحيحة التي كانوا يفتقدونها بوجود ابن الأشعث.
وقد عرف أبو البختريّ الأمر على حقيقته لذلك خاطب الناس بما خاطبهم به لانهدادهم بمقتل جبلة وانبعاثهم بمجيء بسطام!
لقد كانت جمهرة الثورة أمراً عجباً. فهذا عامر بن واثلة وعبدالرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وأبو البختريّ الطائي وأمثالهم ممن قاتلوا بقيادة علي بن أبي طالب يرون أنفسهم اليوم يقاتلون الرجل الذي كان جده من أسباب تخلخل خلافة علي بن أبي طالب، وكان أبوه وكان هو ممن وشى برسول الحسين بن علي بن أبي طالب، وممن تسببوا في مقتل ابن أخي علي بن أبي طالب، وكان أخوه قيس ممن قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلا وشارك في مقتله.
وهؤلاء ثوار ثائرون على الظلم والاستبداد والفساد، وعلى حكم أذل الشعب واستباح حرماته وأمواله يرون أنفسهم مقودين بمن كان هو وأبوه وأعمامه وجده من قواعد هذا الحكم، وحين اطمأنوا إليه فلُوّح له بالمنصب لم يلبث أن عاد إلى أصوله يحاول بيع الثورة ومبادئها وأهدافها بذلك المنصب!
عندما كان القتال قتال مناوشات ومبارزات، أظهرت هذه المبارزات حقيقة الانقسام القبلي، وتفرق العشيرة بين هذا الفريق وذاك الفريق. فمن ذلك أن رجلاً من أهل الشام تقدم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه الحجاج بن جارية فحمل عليه فطعنه فأذراه وحمل أصحابه فاستنقذوه، فإذا هو رجل من خثعم يقال له: أبو الدرداء، وكان ابن جارية خثعمي، فقال: إني أعرفه حتى وقع ولو عرفته ما بارزته، ما أحب أن يصاب أحد من قومي مثله.
وخرج عبدالرحمن بن عوف الرؤاسي فدعا إلى المبارزة فخرج إليه ابن عم له من أهل الشام فاضطربا بسيفهما، فقال كل واحد منهما: أنا الغلام الكلابي. فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ فلما تساءلا تحاجزا.
وإذا كان الأقرباء قد اقتتلوا: قريب في هذا الجانب وقريب في ذاك الجانب، فإن الأصدقاء كانوا كذلك وكانوا في الوقت نفسه من قبيلة واحدة.
خرج عبدالله بن رزام الحارثي إلى كتيبة الحجاج فقال: اخرجوا إليّ رجلاً رجلاً، فأخرج إليه رجل فقتله، ثمَّ فعل ذلك ثلاثة أيام يقتل كل يوم رجلاً، حتى إذا كان اليوم الرابع، أقبل، فقالوا قد جاء لا جاء الله به، فدعا إلى المبارزة، فقال الحجاج للجرّاح: أخرج إليه، فخرج إليه. فقال عبدالله بن رزام ـ وكان له صديقاً ـ ويحك يا جراح!. ما أخرجك إليّ؟ قال: قد ابتليت بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: انهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأما أنا فإني أحتمل مقالة الناس في انهزامي عنك، حباً لسلامتك فإني لا أحب أن أقتل من قومي مثلك. قال: فافعل فحمل عليه فأخذ يستطرد له فاطرد له الحارثي ـ وكان يصاحب الحارثي غلام له ـ وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلاَّ قتله، فصاح به غلامه: إن الرجل جاد في قتلك، فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه، وقال لغلامه: انضح على وجهه الماء واسقه، ففعل ذلك به. فقال: يا جراح بئس ما جزيتني، أردت بك العافية وأردت أن تزيّرني المنية، فقال: انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة.
لا يستطيع المؤرخ ـ مهما كان موضوعياً واقعياً ـ لا يستطيع وهو يعتقد أن طبيعة كل من الرجلين كانت مختلفة، وأن أخلاقهما كانت متباينة، فلو التقيا في موقف غير هذا الموقف وفي مناسبة غير هذه المناسبة لكان تصرف الرؤاسي نفس التصرف الأخلاقي الذي تصرفه وهو يبارز صديقه وقريبه الجراح التصرف المنبعث من النبل وكرم الأخلاق والشهامة… ولكان تصرف الجراح نفس التصرف غير الأخلاقي المنبعث من اللؤم والغدر والنذالة…
ولكن المؤرخ مع ذلك لا يستطيع وهو يرى هذا البون الشاسع بين تصرف الرجلين ـ لا يستطيع إلاَّ أن يلمح في أعماق نفسه طيف المدرستين المختلفتين اللتين تربى كل واحد منهما في أحدهما… والمنبعين المتناقضين الذي صدر كل واحد منهما عند أحدهما…
وظل التقاتل مستمراً مئة يوم كما عدها أبو المخارق. يقول أبو المخارق واصفاً ما جرى: قاتلناهم مئة يوم سواء أعدها عداً: نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد غداة الثلاثاء لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة 83 وهزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة عند امتداد الضحى ومتوع النهار، وما كنا قط أجرأ عليهم ولا هم أهون علينا منهم في ذلك اليوم.
خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط ونحن آمنون من الهزيمة عالون للقوم إذ خرج سفيان بن الأبرد الكلبي من الخيل من قبل ميمنة أصحابه حتى دنا من الأبرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبدالرحمن بن محمد فوالله ما قاتله كبير قتال حتى انهزم ابن الأبرد فأنكرها الناس منه وكان شجاعاً ولم يكن الفرار له بعادة، فظن الناس أنه قد كان أُومِنَ وصُولِحَ على أن ينهزم بالناس.
فلما فعل تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه. وصعد عبدالرحمن بن محمد المنبر فأخذ ينادي الناس: عباد الله إليّ أنا ابن محمد… فأتاه عبدالله بن رزام الحارثي فوقف تحت منبره، وجاء عبدالله بن ذؤاب السلمي في خيل له فوقف منه قريباً وثبت حتى دنا منه أهل الشام فأخذت نبلهم تحوزه. فقال: يا ابن رزام احمل هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا وثبت لا يبرح منبره. ودخل أهل الشام العسكر فكبروا، فصعد إليه عبدالله بن يزيد بن المغفل الأزدي، وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبدالرحمن، فقال: انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعاً يهلكهم الله بعد اليوم، فنزل وخلى أهل العراق العسكر وانهزموا لا يلوون على شيء (انتهى).
هذه الهزيمة المفجعة التي انبعثت فجأة من صميم ثبات وصمود، ومن أماني نصر مأمول، كانت بفعل فاعل متعمد هو سفيان بن الأبرد الكلبي الذي كان معروفاً بالشجاعة وعدم الفرار في الساعات العصيبة. ولكنه كان هنا لا جباناً ولا فرّاراً، بل خائناً مخامراً. لقد انهزم من غير كبير قتال بل من كبير خيانة!
والناس الذين شهدوه يومذاك وشهدوا موقفه اتهموه بالخيانة.
لقد استطاع الحجاج النفاد إلى صفوف الثوار بالرشوة بعد أن عجز عن النفاد إلى صفوفهم بالحرب فاستمال سفيان بن الأبرد الكلبي، وكان كافياً أن ينهزم قائد من قواد الميمنة معروف بالشجاعة والثبات، أن ينهزم بخيله لتتقوض الميمنة ويتقوض معها الجيش كله…
ولا نعلم الثمن الذي قبضه سفيان هذا لقاء خيانته!
على أننا يجب أن نتذكر الضعضعة المعنوية للجماهير المقاتلة بسبب فقدانها الثقة بالقيادة، وزاد في هذه الضعضعة بروز الانتهازية بروزاً كاملاً في نهج عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث في قبوله المنصب مقابل تخليه عن الثورة، لذلك رأينا تلك الجماهير تنهار.
وكما قلنا من قبل فإن القائد المخلص لجماهيره يبعث فيها الحماسة ويردها إلى الثبات، ولكن ظهور ابن الأشعث للجماهير كان يذكرها بماضيه وماضي أسلافه القذر وبانتهازيته الوضيعة لذلك رأينا تلك الجماهير لا تستجيب له حين راح يناديها، ولم يقبل عليه منها سوى قائدين لم يغنيا شيئاً.
كميل بن زياد
ذهب الحجاج بعد النصر الذي فاجأه إلى الكوفة ووضع نصاً جديداً للبيعة كان قد سبقه إلى مثله القائد الأموي الآخر فاتح مدينة الرسول مسلم بن عقبة حتى أصر على أن يبايعه كل واحد من أهلها على أنه عبد من عبيد يزيد بن معاوية، ومن رفض هذه البيعة قتل.
النص الذي وضعه الحجاج هو أن يشهد كل واحد على نفسه أنه كفر، ومن رفض هذه البيعة: قتل. ويروي الطبري)[222]( وهو يتحدث عن الحجاج ـ يروي ما جرى بهذا النص:
«وكان لا يبايعه أحد إلاَّ قال له: أتشهد أنك كفرت، فإذا قال: نعم، بايعه وإلاَّ قتله، فجاء إليه رجل من خثعم قد كان معتزلاً للناس جميعاً من وراء الفرات، فسأله عن حاله، فقال: ما زلت معتزلاً وراء هذه النطفة منتظراً أمر الناس حتى ظهرت فأتيتك لأبايعك مع الناس. قال: أمتربص أنت؟ أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثمَّ أشهد على نفسي بالكفر!. قال: إذاً أقتلك!. قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلاَّ القليل، وإني لأنتظر الموت صباح مساء. قال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه!.
ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين؟ قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً.. فقال: والله ما أدري على أينا أنت أشد غضباً؟ عليه، حين أفاد من نفسه؟ أم عليّ حين عفوت عنه؟ ثمَّ قال: أيها الرجل من ثقيف: لا تصرف عليّ أنيابك ولا تهدّم تهدُّم الكثيب ولا تكشر كشران الذئب، والله ما بقي من عمري إلاَّ ظِمِء الحمار فإنه يشرب غدوة ويموت عشية ويشرب عشية ويموت غدوة، اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب.
قال الحجاج: فإن الحجة عليك.
قال: ذلك إن كان القضاء إليك.
قال: بلى كنت فيمن قتل عثمان وخلعت أمير المؤمنين، اقتلوه. فتقدم فقتل.
وفي خلال هذه المذابح والفواجع حدثت هذه الأطروفة المضحكة:
فبعد كميل بن زياد قُدّم رجل يبدو أن الحجاج كان يريد قتله فحاول إغراءه بعدم الاعتراف بالكفر، فقال له: إني أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر.
فقال الرجل: أخادعي عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون ذي الأوتاد فلم يملك الحجاج نفسه من الضحك.
محاولة تجديد الثورة
بعد الهزيمة تفرق القادة محاولين التجمع من جديد، فذهب محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى (المدائن) حيث اجتمع إليه كثير من الناس، وخرج عبيدالله بن عبدالرحمن القرشي إلى البصرة فاستولى عليها، وقصدها في الوقت نفسه عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فتلقاه الناس فيها وانضم إليه عبيدالله.
أما الحجاج فعندما بلغته أخبار هذه التجمعات توجه أولاً إلى المدائن، فعلم محمد بن سعد أن لا قبل له بالحجاج فتوجه إلى عبدالرحمن بن محمد منضماً إليه. وأتاه أهل الكوفة وتجمعت الفلول من كل مكان، وأدرك الجميع أن فرارهم من المعركة كان ضعفاً لا مبرر له ولام بعضهم بعضاً على ما جرى وقرروا الصمود من جديد.
وكان أبرز القادة شجاعة وإقداماً بسطام بن مصقلة بن هبيرة فبايعه أكثر الناس على الموت وجاءهم خالد بن جرير بن عبدالله القسري من خراسان مع جماعة، وظلت القيادة العامة لعبدالرحمن بن محمد الذي كانت تدابيره أن بثق الماء من جانب فجعل القتال من وجه واحد.
وتابع الحجاج هذا التجمع الجديد وطارده فاشتعل القتال واحتدمت المعركة، وكانت الحرب من العنف والثوار من الصمود بحيث استمر القتال خمس عشرة ليلة قتل فيه فيمن قتل قائد من أبرز قواد الحجاج هو زياد بن غنيم القيني، ويقول راوي الأحداث أبو يزيد السكسكي أن مقتله هدّ الحجاج.
ولو أن هذا الثبات الذي ثبته الثوار في هذا الموقف ثبتوه يوم دير الجماجم لكان للثورة مصير غير المصير الذي صارت إليه، على أنهم كانوا هنا أقل عدداً، كانوا فلولاً وبقايا، وثباتهم خمس عشرة ليلة في قتال متواصل لم يحل دون هزيمتهم في النهاية.
وعندما بدت لأبي البختريّ ولعبدالرحمن بن أبي ليلى ملامح الهزيمة قالا: إن الفرار كل سلعة لنا لقبيح فاستقتلا فقتلا.
أما بسطام بن مصقلة الشيباني فقد أبى هو الآخر الفرار، وكان حوله أربعة آلاف من أهل الحفاظ من الكوفيين والبصريين فكسروا جفون السيوف وقال لهم بسطام: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه، فررنا، ولكننا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل، فأين المحيد عما لا بد منه. يا قوم إنكم محقون فقاتلوا على الحق، والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيراً من حياة في ذل.
فقاتل هو وأصحابه قتالاً شديداً كشفوا فيه جيش الحجاج مراراً حتى قال الحجاج: عليّ بالرماة، لا يقاتلهم غيرهم، فلما جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلاَّ قليلاً. وأسر بكير بن أبي ربيعة الضبي فأتى به الحجاج فقتله.
إذا كان بسطام بن مصقلة بن هبيرة قد وقف هو والأربعة الآلاف هذا الموقف البطولي فاستشهدوا ولقوا هذا المصير الدامي، فلأن أباه مصقلة وأمثاله قد خذلوا الحق وحامي الحق ولحقوا بالباطل وحامي الباطل، فأورثوهم إذلال الحكام لهم واستئثارهم بحقهم حتى لم يجدوا ملاذاً إلاَّ سيوفهم يثورون بها على الطغاة الظالمين والعتاة المستبدين، وإلاَّ الاستشهاد ينجيهم من حياة الهوان.
إن المسؤول عن مصير بسطام بن مصقلة بن هبيرة هو مصقلة…
أما عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فقد مضى في فل من المنهزمين نحو سجستان، فأرسل الحجاج لمطاردته قوة بقيادة عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج فأدركه بالسوس فتقاتلا واستطاع عبدالرحمن الإفلات حتى بلغ سابور وعمارة يطارده، وفي سابور اجتمع الأكراد إلى عبدالرحمن فتقوى بهم وصمد لعمارة وقاتله قتالاً شديداً فجرح عمارة وانهزم، فتقدم عبدالرحمن حتى وصل كرمان وكان يحكمها والي كان عبدالرحمن قد ولاه، هو عمرو بن لقيط العبدي، فأحسن عمرو استقباله وهيأ له نزلاً فنزل.
ولكي ندرك ما كان الناس يتناقلونه عن عبدالرحمن ورأيهم فيه نذكر هنا هذا الحوار بين شيخ من عبدالقيس وبين عبدالرحمن:
قال الشيخ: لقد بلغنا عنك يا ابن الأشعث إن كنت جباناً.
أجاب عبدالرحمن: والله ما جبنت ولقد دلفت الرجال بالرجال ولففت الخيل بالخيل ولقد قاتلت فارساً وقاتلت راجلاً وما انهزمت ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلاً ولا أرى معي مقاتلاً.
وما قاله عبدالرحمن عن نفسه صحيح فهو لم يكن جباناً، ولم يكن الجبن علة هزائمه. والناس دائماً على المغلوب، فما دام عبدالرحمن قد غلب فالناس يلصقون به العيوب، ويعللون فشله بما فيه من عيوب.
وصورة أخرى ترينا الحالة النفسية التي آل إليها الكوفيون المنهزمون المشردون الآن في كل مكان.
ففي خلال مطاردة جنود الحجاج لعبدالرحمن ووصولهم إلى مفازة كرمان وجد أحد رجاله كتابة كتبها بعض أهل الكوفة على أحد القصور، وهي أبيات من قصيدة لأبي جلدة اليشكري:
أيا لهفاً ويا حزناً جميعا
ويا حر الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين والدنيا جميعا
وأسلمنا الحلائل والبنينا
فما كنا أناساً أهل دين
فنصبر في البلاء إذا ابتلينا
وما كنا أناساً أهل دنيا
فنمنعها ولو لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك
وأنباط القرى والأشعرينا
وبالرغم من أن هذه الأبيات ليست من نظم الكوفي الذي كتبها على القصر، فإنها بمجرد تبنيه لها واستشهاده بها تعبّر لا عن لسان حاله وحده، بل عن لسان حال العراقيين جميعاً ولا سيما منهم الكوفيون، وتعتبر تصويراً للحالة النفسية التي يعيشونها في تلك الظروف الرهيبة!
بل هي في الواقع لسان حال العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.
هذا العالم الإسلامي، والعراقي منه خاصة، والكوفي على الأخص ـ هذا العالم الذي آمن برسالة محمد (ص)، واتخذ الإسلام ديناً.
رسالة محمد التي عبّر عنها القرآن بآيته: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.
هذا العالم الذي أصبح في قبضة طغاة سفاحين، يستحلون كل محرم، ويستبيحون الدماء والكرامات والأموال، ولا يردعهم رادع من دين أو ضمير أو شرف.
هذا العالم الذي أصبح أئمته ووارثوه لا المستضعفون بل الجبابرة. هذا العالم الذي يقف أحد عتاته ليطلب إلى الورعين الأتقياء أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر، فإذا أبوا سفك دماءهم.
هذا العالم الذي حمل بنوه السلاح لينقذوا أنفسهم من الذل والفقر والاستعباد فقهروا وتشردوا.
إن هذه الأبيات هي لسان حالهم…
ترك عبدالرحمن كرمان وفوّز في مفازتها)[223]( حتى وصل (زرنج) في سجستان، وكان أيام سلطانه قد ولّى عليها عبدالله بن عامر البعّار، فأغلق هذا دونه باب المدينة ومنعه من دخولها، فأقام عبدالرحمن عليها أياماً رجاء افتتاحها ودخولها ولكنها ظلت مغلقة في وجهه فتركها إلى (بُسْت)، وكان قد ولّى عليها عياض بن هميان السدوسي فاستقبله وأنزله، وانتظر حتى إذا غفل أصحاب عبدالرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه وأوثقه ناوياً إرساله إلى الحجاج.
ثلاثة رجال اختارهم عبدالرحمن بن الأشعث أيام تسلطه ولاة ليشاركوه الحكم.
اختارهم من بين رجاله ووثق بهم وأحسن إليهم وصاروا بفضله حكاماً يأمرون وينهون، ويسمع الناس لهم ويطيعون.
فلما أدبرت عنه الدنيا وأراد اللجوء إليهم مستطرقاً أحسن الوالي الأول استقباله وذكر أياديه عليه.
أمّا الثاني فقد أغلق في وجهه باب المدينة ورفض استقباله.
وأمّا الثالث فقد خدعه، فرحب به حتى إذا أمكنته منه الفرصة قبض عليه وأحكم وثاقه وأراد التقرب به إلى الحجاج!
هؤلاء هم الناس في كل مكان وزمان. وقد شاهدنا بأنفسنا في عصرنا هذا من لم يقلوا غدراً وعقوقاً وتنكراً للجميل عن عبدالله البعّار وعياش، وقد عانينا منهم ما عانينا، ونحن نعرف أي مرارة كان يكابدها عبدالرحمن وهو يقابل بما قوبل له في زرنج وبُسْت!.. قتل الإنسان ما أكفره…
وقد بلغ مسامع (رتبيل) المصير الذي صار إليه عبدالرحمن، فأسرع لإنقاذه وأحاط بجنوده ببُست وأرسل إلى عياش: والله لئن آذيته بما يُقذي عينه أو ضررته ببعض المضرة أو رزأته حبلاً من شعر لا أبرح العرصة حتى أستنزلك فأقتلك و(جميع من معك ثم أسبي ذراريكم وأقسم بين الجند أموالك).
أمام هذا التهديد المقرون بالقوة وإمكان سرعة التنفيذ استسلم عياض فأرسل إلى رتبيل يطلب الأمان على نفسه وأمواله ويتعهد بتسليم عبدالرحمن إليه سالماً مع أمواله.
فآمنه رتبيل، فخلى سبيل ابن الأشعث، فلما وصل هذا إلى رتبيل قال له: إن هذا كان عاملي على هذه المدينة، فغدرني فائذن لي في قتله، فقال رتبيل قد آمنته وأكره أن أغدر به. على أنه أذن له في تعنيفه والتصغير به…
وعنى رتبيل بابن الأشعث فكرمه وعظمه، ولم يكن ابن الأشعث وحده، بل كان معه من بقايا المنهزمين عدد وافر.
ولما استقر ابن الأشعث أقبل من تشرد من الرؤساء والجماعات ومن انضم إليهم من الناقمين فتشكل من مجموع ذلك ما لا يقل عن ستين ألف ثائر.
فاتصلوا بابن الأشعث وأخبروه بتجمعهم وعددهم وطلبوا إليه القدوم إليهم على أمل أن يسيروا إلى خراسان لعلهم يقنعون من بها من الجند الكثير بالانضمام إليهم. فضلاً عن أنها بلاد واسعة فيها الرجال والحصون.
وكان المتقدم في هؤلاء الستين الألف والمصلي بهم عبدالرحمان بن العباس الهاشمي. فاستجاب لهم ابن الأشعث ووفد عليهم بمن معه من الرجال، فأول ما فعلوه أن حصروا عبدالله بن عامر البعاج والي (زرنج) الذي رفض استقبال ابن الأشعث وأغلق دونه باب المدينة، فاستنزلوه، وضربوه وعذبوه وسجنوه.
وتناقشوا في أمر السير إلى خراسان، فكان من رأي ابن الأشعث أن واليها يزيد بن المهلب شاب شجاع صارم لن يتخلى عما في يده بسهولة.
وكان من رأيهم أن الخراسانيين منهم، وأنهم لو رأوهم لكان من يتبعهم منهم أكثر ممن يقاتلهم. ثم إنها أرض طويلة عريضة تتسع للجميع ويمكن الاستقلال برقعة منها انتظاراً لما تأتي به المقادير، فلعل الموت يسرع إلى الحجاج أو إلى عبدالملك. أو يرون من رأيهم.
فاقتنع ابن الأشعث وساروا جميعاً مخلفين سجستان متجهين إلى خراسان، فلما بلغوا هرات، كانت المقادير التي انتظروا أن تأتيهم بالخير، قد أعدت لهم الشر!.
فإن أحد كبرائهم عبيدالله بن عبدالرحمان بن سمرة القرشي انفصل عنهم بجماعته التي لا تقل عن ألفي رجل، وأخذ في طريق غير طريقهم…
ولما كانت أحداث الماضي قد روّعت ابن الأشعث بما فيه الكفاية ولا تزال ذكرياتها تروعه، فقد رأى في انفصال هذا القرشي نذير ترويع جديد، ولما كانت عزيمته لم تعد تتحمل ترويعاً جديداً لذلك وقف في الجماعة خطيباً قائلاً لهم:
إني قد شهدتكم في هذا المواطن وليس فيها مشهد إلاّ أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى منكم فيه أحد، فلما رأيت أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون أتيت ملجأ ومأمناً فكنت فيه، فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا فإنا قد اجتمعنا وأمرنا واحد لعلنا نقاتل عدونا، فأتيتكم فرأيت أن أمضي إلى خراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي وأنكم لن تتفرّقوا عني.
ثم هذا عبيد الله بن عبدالرحمان قد صنع ما قد رأيتم، فحسبي منكم يومي هذا، فاصنعوا ما بد لكم. أمّا أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبله، فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني، ومن كره ذلك فليذهب حيث أحب في عياذ من الله.
ولنا هنا أن نقف فنتساءل عن تعليل ما جرى، لماذا طالب هذا الجمع الذي تألف من الفلول المجتمعة من بقايا ذلك الحشد الكبير التي احتشد في دير الجماجم، وممن انضم إليهم في سجستان وغيرها ممن يرى رأيهم، لماذا طالب هذا التحشد الجديد بقيادة ابن الأشعث بعد أن كان قد تخلص من هذه القيادة بلجوء ابن الأشعث إلى رتبيل، وبعد أن لم يكن لابن الأشعث يد في تحشده، على عكس ما كان في الماضي من كون ابن الأشعث مفروضاً عليهم، لأنه قائد الجيش، والثورة في الأصل هي ثورة الجيش، فلا مناص من أن يقودها قائد الجيش… مع أن الجميع في أعماق نفوسهم كانوا كارهين لهذه القيادة لتناقض أهداف ابن الأشعث مع أهدافهم.
أمّا اليوم فقد تجمعوا وليس لابن الأشعث أثر في تجمعهم، وليس هو الذي ندبهم لهذا التجمع، وهو الآن بعيد عنهم قار في ملجئه مطمئن لمن احتمى به واستقر عنده.
لماذا إذاً دعوه ليتولى القيادة؟..
الجواب على ذلك: هو أنه لا بد لهم من قائد وليس فيهم من يجمعون على قيادته، ولا من هو بين قيادتهم بارز عن غيره بروزاً بيناً يؤهله لتسليم القياديين الآخرين له.
لذلك كان الحل بأن يعودوا للقيادة الأولى بعد أن اعتاد الناس عليها، هذا فضلاً عما كان لديه من الرجال الذين لم يفارقوه وكانوا سينضمون إليه فيتقوى الثائرون بهم.
أمّا انفصال عبيدالله بن عبدالرحمان القرشي عنهم وسيره في غير طريقهم، فيبدو أنه ناجم عن عدم اقتناعه بصلاح ابن الأشعث لقيادة الحركة الجديدة بعد تجارب الماضي، ثم إنه يبدو أنه كان من الأصل آنفاً ـ وهو القرشي الأصيل ـ من السير بقيادة غير قرشية، وأنه سلم في الماضي بذلك أملاً بوحدة الصف، أما اليوم فلم يعد يجد مبرراً لهذا التسليم بعد أن تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال… ولعله كان يائساً من النجاح في هذه المحاولة الجديدة، ولم تعد أعصابه تتحمل هزيمة بعد هزيمة، فآثر السلامة…
ونفذ ابن الأشعث قوله فانفصل عنهم وتبعه جماعة، وتفرقت جماعة. أما جمهور الثائرين فقد بقوا متكتلين واختاروا لقيادتهم عبدالرحمان بن العباس الهاشمي، وواصل ابن الأشعث سيره إلى رتبيل، وواصلوا هم تنفيذ الخطة التي كانوا اعتمدوها في السير إلى خراسان.
ويبدو من قول الطبري (ج8 ص29) أن عددهم قد نزل من الستين الألف إلى العشرين الألف، ووصلوا إلى هرات واستقروا فيها.
فأرسل يزيد بن المهلب إلى عبدالرحمان بن العباس الهاشمي: قد كان لك في البلاد متسع ومن هو أكلّ مني حداً وأهون شوكة، فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أحببت أن أمدك بمال لسفرك أعنتك به.
فأرسل إليه عبدالرحمان: ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريح ثم نشخص إن شاء الله، وليست بنا حاجة إلى ما عرضت.
فانصرف رسول يزيد إليه.(ولكن الهاشمي بدأ يتصرف تصرف المالكين، وراح يجبي الخراج وبلغ يزيد فقال: من أراد يريح ثم يجتاز لم يجب الخراج.
ولم يكتف بالكلام بل أرسل حملة عسكرية ثم سار بنفسه حتى أتى هرات، وأرسل إلى الهاشمي: قد أرحتَ وأسمنتَ وجبيتَ فلك ما جبيت وإن شئت زدناك فاخرج فوالله ما أحب أن أقاتلك.
ولكن الهاشمي لم يستجب فكان لا بد من القتال. ونشب القتال. ويقول الطبري: (ج8 ص30): «وتهايجوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى تفرق الناس عن عبدالرحمن الهاشمي، وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ».
ووقع في الأسر جماعة كان بينهم محمد بن سعد بن أبي وقاص فأرسلهم يزيد بن المهلب إلى الحجاج فكان من أمر محمد بن سعد معه ما يلي:
الحجاج: أيها يا ظل الشيطان، أعظم الناس تيهاً وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبّه بحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذناً لابن كناز عبد بني نصر (يعني عمر بن أبي الصلت).
ثم راح الحجاج يضرب بعود في يده رأس محمد بن سعد حتى أدماه.
فقال له محمد: أيها الرجل ملكت فأسجح.
ثم قال له: إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنتَ شريكاً في ذلك محموداً وأن جاءك غير ذلك كنتَ قد أعذرتَ.
فأطرق الحجاج ملياً، ثم قال: اضرب عنقه، فضُربت عنقه…
هكذا انتهى محمد بن سعد بن أبي وقاص.
وإننا لنعود قليلاً إلى الوراء، إلى حقبة من التاريخ غير بعيدة عن هذه الحقبة، فنرى سعد بن أبي وقاص يرفض أن يبايع علي بن أبي طالب وأن يسير معه لمحاربة الطغيان!
وبفضل خذلان سعد وغير سعد انتصر الطغيان، وامتد انتصاره فكان من ضحاياه ابن سعد. وليت سعد بن أبي وقاص كان يمكن أن يظل حياً ليرى بعينيه ذل ابنه محمد ثم ضرب عنقه وإراقة دمه، ليعرف هو وأمثاله ماذا جنوا بخذلانهم للحق، ماذا جنوا على الشعب وفيه ذراريهم.
وكما كان مصقلة بن هبيرة مسؤولاً عما أصاب ابنه بسطام، فكذلك كان سعد بن أبي وقاص مسؤولاً عما أصاب ابنه محمد.
أعشى همدان
هو عبدالرحمن بن عبدالله، وعرف بأعشى همدان. نشأ في الكوفة ولكن حياته كانت حياة تنقل واضطراب. وكان شاعراً مجيداً صاحب مواقف والتزام، رثى التوابين الذين خرجوا بقيادة سليمان بن صرد للطلب بثأر الحسين (عليه السلام) فقال فيهم من قصيدة:
فيا خير جيش للعراق وأهله
سقيتم روايا كل اسحم ساكب
فإن تقتلوا فالقتل أكرم ميتة
وكل فتى يوماً لإحدى النوائب
كان أعشى همدان شاعر الثورة، ثم كان بين الأسرى الذين سيقوا إلى الحجاج، فقال له الحجاج: (الحمد لله الذي أمكن منك ألست القائل لابن الأشعث وفرسك يهمج بك أمامه: (لما سمونا للكفور الفتان)، وهي الأبيات التي تقدم ذكرها.
ثم ألست القاتل:
يا ابن الأشج قريع كنـ
ـدة لا أبالي فيك عتبا
أنت الرئيس بن الرئيس
وأنت أعلى الناس كعبا
نبئت حجاج بن يوسف
خرّ من زلق فتبا
فانهض فديت لعله يجـ
ـلو بك الرحمن كربا
وابعث عطية في الجنـ
ـود يكبهن عليه كبا
كلا يا عدو الله، بل عبدالرحمان بن الأشعث هو الذي خر من زلق فتب، وحار وانكب وما لقي ما أحب.
فقال الأعشي: بل أنا القائل:
أبى الله إلا أن يتمم نوره
ويطفىء نور الفاسقين فيخمدا
ويظهر أهل الحق في كل موطن
ويُعدل وقع السيف من كان أصيدا
وينزل ذلاً بالعراق وأهله
لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا
وما أحدثوا من بدعة وعظيمة
من القول لم تصعد إلى الله مصعدا
وما نكثوا من بيعة بعد بيعة
إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا
وجبناً حشاه ربهم في قلوبهم
فما يقربون الناس إلا تهددا
فلا صدق في قول ولا صبر عندهم
ولكن فخراً فيهم وتزيدا
فكيف رأيت الله فرق جمعهم
ومزقهم عُرض البلاد وشردا
فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة
وحيهم أمسى ذليلاً مطرداً
ولما زحفنا لابن يوسف غدوة
وأبرق منا العارضان وارعدا
قطعنا إليه الخندقين وإنما
قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا
فكافحنا الحجاج دون صفوفنا
كفاحاً ولم يضرب لذلك موعدا
بصف كأن البرق في حجراته
إذا ما تجلى بيضه وتوقدا
دلفنا إليه في صفوف كأنها
جبال شرورى لو نُعانُ فتنهُدا
فما لبث الحجاج أن سل سيفه
علينا فولى جمعنا وتبددا
وما زاحف الحجاج إلا رأيته
معاناً ملقى للفتوح معودا
وأن ابن عباس لفي مرجحنة
نشبهها قطعاً من الليل أسودا
فما شرعوا رمحاً ولا جردوا له
إلا ربما لاقى الجبان فجردا
وكرت علينا خيل سفيان كرةٍ
بفرسانها والسمهري مقصدا
كهول ومرد من قضاعة حوله
مساعير أبطال إذا النكس عردا
إذا قال شدوا شدة حملوا معاً
فأنهل خرصان الرماح وأوردا
جنود أمير المؤمنين وخيله
وسلطانه أمسى عزيزاً مؤيدا
فيهنى أمر المؤمنين ظهوره
على أمة كانوا بغاة وحسدا
نزوا يشتكون البغي من أمرائهم
وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا
كذاك يضل الله من كان قلبه
مريضاً ومن والى النفاق وألحدا
فقد تركوا الأهلين والمال خلفهم
وبيضاً عليهم الجلابيب خردا
أنكثاً وعصياناً وغدراً وذلة
أهان الإله من أهان وأبعدا
فقال أهل الشام: أحسن، أصلح الله الأمير.
فقال الحجاج: لا لم يحسن، إنكم لا تدرون ما أراد بها.
ثم قال: يا عدو الله إنّا لسنا نحمدك على هذا القول، إنما قلت تأسف أن لا يكون ظهر وظفر وتحريضاً لأصحابك علينا. وليس عن هذا سألناك. انفذ إلينا قولك: (بين الأشج وبين قيس باذخ)، فانفذها، فلما قال: (بخ بخ لوالده وللمولود). قال الحجاج لا والله، لا تبخبخ بعدها لأحد أبداً فقدمه فقتل.
كان بين الأسرى الذين أرسلهم يزيد بن المهلب إلى الحجاج من يسميه الطبري (فيروز حصين) فقال الحجاج لحاجبه: إذا دعوتك بسيدهم فائتني بفيروز.
ثم قال لحاجبه: جئني بسيدهم.
فقال لفيروز: قم.
فقال له الحجاج: أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء، فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم.
قال: فتنة عمت الناس فكنا فيها.
قال: اكتب لي أموالك.
قال: ثم ماذا؟
قال: اكتبها أول.
قال: ثم أن آمن على دمي؟
قال: اكتبها ثم انظر.
قال: اكتب يا غلام: ألف ألف، ألفي ألف… وذكر مالاً كثيراً.
قال: أين هذه الأموال؟
قال: عندي.
قال: فأدها.
قال: وأنا آمن على دمي؟
قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك.
قال: والله لا تجمع مالي ودمي.
فأمر الحجاج به فعذب، فكان مما عذب به أن كان يُشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسده، ثم ينضح عليه الخل والملح.
فلما أحس بالموت قال صاحب العذاب: إن الناس لا يشكون بأني قد قتلت، ولي ودائع أموال عند الناس لا تؤدى لكم أبداً، فأظهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال.
فأُعلم الحجاج، فقال: أظهروه.
فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا فيروز حصين، أن لي عند أقوام مالاً، فمن كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حل، فلا يؤدين منه أحد درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب…
فأمر به الحجاج فقتل.
نهاية ابن الأشعث
فارق ابن الأشعث الجماعة في هرات لاجئاً إلى رتبيل مع فريق من رجاله، ولكن واحداً من هؤلاء الرجال اسمه علقمة بن عمر كان أبعد نظراً من ابن الأشعث فرفض مرافقته إلى رتبيل قائلاً له: إني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء فوقع إلى رتبيل يُرغبه ويُرهبه، فإذا هو قد بعث بك سلماً أو قتلكم، وكنا هاهنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها ونقاتل حتى نُعطى أماناً أو نموت كراماً.
فقال له ابن الأشعث: أمّا لو دخلت معي لآسيتك وأكرمتك.
فأبى علقمة. ودخل ابن الأشعث إلى رتبيل، وخرج هؤلاء الخمسمائة حتى جاءهم مهاجماً عُمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم فخرجوا إليه فوفى لهم.
أمّا الحجاج فقد تتابعت كتبه إلى رتبيل في ابن الأشعث ويتوعده إن لم يرسله إليه ويهدده بأن يغزوه بألف ألف مقاتل.
وكان عند رتبيل عربي اسمه عبيد بن أبي سبيع يحسن اغتنام الفرص الانتهازية فتوسط بين رتبيل وبين الحجاج قائلاً لرتبيل: أنا آخذ لك عهداً من الحجاج ليكفنّ الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبدالرحمان بن محمد بن الأشعث.
وهكذا بدأت المساومة على رأس ابن الأشعث، مساومة عمادها المال، وهكذا رخص هذا الرجل إلى الحد الذي وضعت حياته في المزاد.
لو كان رجل مبدأ ورجل قضية، بل لو كان رجل كرامة لأنف من الفرار بعد الفرار، وأنف من اللجوء إلى الأجنبي، والاحتماء بالغريب!..
ولكنه: عبدالرحمن، بن محمد، بن الأشعث. ومن كانت هذه أصوله، ومن كان الأشعث بن قيس منبته، لا يمكن أن يكون رجل مبدأ ورجل قضية ورجل كرامة وشرف.
وقد واجهه أحد أتباعه بحقيقته، فإنه وهو هارب إلى بلاد رتبيل تمثل بهذين البيتين:
يطرده الخوف فهو تائه
كذاك من يكره حَرّ الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوجا
تنكبه أطراف مُرو حداد
قد كان في الموت له راحة
والموت حتم في رقاب العباد
فقال له تابعه: هلاّ ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك، فكان خيراً لك مما صرت إليه..
لم يمت ميتة الكرامة في ساحة الحرب، بل آثر العيش الذليل، ثم مات الميتة التي تجدر بحفيد الأشعث من قيس…
لقد ساوم عبيد بن أبي سبيع، رتبيل على ابن الأشعث وأغراه بالمال، والانتهازي لا يساوم مجاناً، بل كان ينتظر نصيبه من هنا ومن هناك.
قال رتبيل لعبيد: إن فعلتَ فإن لك عندي ما سألت.
فكتب عبيد إلى الحجاج يخبره بأن رتبيل لا يعصيه وأنه لن يدع رتبيل حتى يبعث إليه بعبد الرحمان…
يقول الطبري: فأعطاه الحجاج على ذلك مالاً، وأخذ من رتبيل عليه مالاً…
ويقول الطبري عن عبيد هذا: «كان مع ابن الأشعث عبيد بن أبي سميع التميمي قد خُصّ به، وكان رسوله إلى رتبيل، فخص برتبيل أيضاً وخف عليه».
ولما تمت الصفقة أرسل رتبيل إلى ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته وقد أعد لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقه جامعة وفي عنق أخيه القاسم جامعة وأرسل بهم جميعاً إلى الحجاج، وقال لجماعة من كان مع ابن الأشعث من الناس تفرقوا إلى حيث شئتم.
وقد عزّ على ابن الأشعث أن يصل إلى الحجاج بهذه الحال، فاغتنم فرصة وضعهم على سطح قصر عال ـ وهم في طريقهم إلى الحجاج ـ فألقى بنفسه من فوق القصر فمات.
فاحتز عمارة بن تميم صاحب مسلحة الحجاج رأسه وقتل من كان معه من أهله وأرسل رؤوس الجميع إلى الحجاج…
واحد وثلاثون رجلاً من سلالة الأشعث قطعت رؤوسهم وأرسلت إلى الحجاج ومنه إلى عبدالملك… لقد خذل الأشعث علياً بن أبي طالب وتآمر على خلافته، ووشى ابنه محمد بمسلم بن عقيل، وقاتل ولده الآخر قيس: الحسين في كربلاء وشارك في قتله وقتل أهل بيته وأصحابه…
كل ذلك تدعيماً لحكم الطغيان ونصرة للظالمين… وتشاء إرادة الله أن تقطع رؤوس واحد وثلاثين رجلاً من سلالة الأشعث بأيدي حكم الطغيان نفسه الذي آزره الأشعث وبنوه، وبأوامر من أولئك الظالمين أنفسهم!
ليس ذلك من الأقدار انتقاماً للرؤوس التي تسبب آل الأشعث بإرسالها من كربلا إلى الكوفة ومنها إلى الشام.
فقلامة ظفر قدم من إقدام أصحاب تلك الرؤوس أغلى على الأقدار من الرؤوس الأشعثية الواحدة والثلاثين.
ولكنها عبرة الأقدار…
هل قامت الثورة باسم الحسن المثنى؟
هذه الثورة ذكر صاحب (عمدة الطالب) أنها قامت باسم الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والطبري حين تحدث عنها لم يذكر أنه دعي فيها للحسن بن الحسن، وعدم ذكر الطبري لذلك لا يدل على أنها لم تقم باسم الحسن، فالطبري في ذكره لها إنما كان يذكر مقدماتها ووقائعها، وكان هذا كل ما كان يعنيه، ومن المعقول جداً أن لا يتطرق إلى أنه دعي فيها للحسن.
ثم إنه ليس من المنطق ولا من مصلحة الثوار أن يكونوا مجرد ثوار على الأمويين وعلى عاملهم الحجاج دون أن يكون لثورتهم رمز يقاتلون باسمه، وقد كانوا من القوة بحيث كان أملهم بالنصر قوياً، وفي حالة حصول هذا النصر لمن كانوا سيودعون أمر الخلافة؟
وإذا كانت الظروف قد وضعت عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث على رأس الثوار، فلم يكن في تفكير أحد أن يكون هو صاحب الأمر في النهاية. والثورة كانت تستهدف الدولة الأموية من أساسها لا ممثلها الحجاج، وما دامت كذلك فلا بد من التفكير فيمن يحل محلها، ومن الطبيعي أن يكون في تفكير الثوار أن من يحل محلها هم الطالبيون.
وكان أبرز الطالبيين يومذاك: زين العابدين علي بن الحسين، والحسن بن الحسن. والثوار يعلمون أن الثورة المسلحة ليست من منهج علي بن الحسين: ولو كانت الثورة المسلحة من منهجه لقاد ثورة المدينة على يزيد، وهي (الثورة) التي عرفت باسم وقعة الحرّة، وقد كانت في أمس الحاجة للقيادة، لا سيما مثل قيادة علي بن الحسين، ومع ذلك تجنبها.
إذن فلم يكن في ذهن الثوار إلاّ الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهذا ما يؤكده صاحب عمدة الطالب.
على أن لنا رأياً آخر وهو أن قادة الثوار كانوا يأملون بعد فوز الثورة في العراق، بإقناع علي بن الحسين، لذلك ترك اسم المبايع له، ولم يذكر في نص البيعة التي كان هذا نصها: «نبايع على كتاب الله وسُنة نبيه وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم وجهاد المحلين».
وإذا كان صاحب (عمدة الطالب) قد أكد على أن الثورة كانت باسم الحسن بن الحسن فلأنه يرى أن علي بن الحسين لم يكن في كل الأحوال ليوافق على قبول قيادتها لذلك لم يفكر الثوار به، بل كان تفكيرهم منصباً على الحسن بن الحسن.
الحسن بن الحسن
سماه أبوه على اسمه فعرف باسم (الحسنى المثنى)، كما أنه هو سمى ابنه باسمه فعرق ابنه باسم (الحسن المثلث). وهو زوج فاطمة بنت عمه الحسين (عليه السلام).
أمه خولة بنت منظور بن زبان من بني فزارة، وكانت متزوجة قبله من محمد بن طلحة بن عبيدالله فقتل في معركة الجمل ولها منه أولاد فتزوجها بعده الحسن بن علي (عليه السلام).
وخولة هذه هي أخت (تماضر) التي كانت زوجة لعبدالله بن الزبير. وفي ذلك يقول جفير العبسي:
إن الندى من بني ذبيان قد علموا
والجود في آل منظور بن سيار
الماطرين بأيديهم ندى ديماً
وكل غيث من الوسمي مدرار
تزور جاراتهم وهنا فواضلهم
وما فتاهم لها سراً بزوار
ترضى قريش بهم صهراً لأنفسهم
وهم رضاً لبني أخت وأصهار
وتماضر بنت منظور هذه زوجة عبدالله بن الزبير هي التي نزلت عليها (النوار) زوجة الفرزدق حين نافرته إلى عبدالله بن الزبير ونزل هو على أولاد عبدالله بن الزبير، ففرق عبدالله بينهما، فقال في ذلك الفرزدق:
أما بنوه فقد ردت شفاعتهم
وشُفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً
مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وفزارية والدة الحسن هي التي نجته من القتل يوم كربلا. لم يفده أنه سبط محمد (ص) وحفيد فاطمة بنت محمد، بل أفادته خؤولة بني فزارة له وعمومتهم لأمه، فسلم بهذه الخؤولة من القتل!!..
وقد كان الحسن صحب عمه الحسين إلى العراق، فلما كان يوم كربلا أثخن بالجراح وسقط بين القتلى وبه رمق، فلما أرادوا أخذ الرؤوس ووجدوا فيه بقية حياة أرادوا قتله وأخذ رأسه مع رؤوس القتلى، فرجاهم أسماء بن خارجة الفزاري ـ وكان معهم ـ أن لا يقتلوه، وقال لهم: دعوه لي فإن وهبه الأمير عبيدالله بن زياد لي وإلاّ رأى رأيه، فتركوه فحمله إلى الكوفة، وحكوا ذلك لعبيد الله، فقال: دعوا لأبي حسان ابن أخته، وعالجه أسماء حتى برىء ثم لحق بالمدينة وكان عمره يومذاك 17 سنة.
ومن هنا اعتبره الزيدية إماماً بعد عمه الحسين، إذ أن من شروط الإمامة عندهم الخروج بالسيف، وقد كان شهوده كربلا وقتاله فيها حتى أثخن بالجراح كافياً لتحقيق هذا الشرط فيه. ولم يروا تحقق هذا الشرط في زين العابدين علي بن الحسين لأنه كان يوم كربلا مريضاً لم يقاتل فتجاوزوه إلى الحسن بن الحسن.
ولكن هل يمكن أن يكونوا اعتبروه إماماً لأن ثورة قامت باسمه وإن لم يشارك بالقتال فيها كما سيأتي؟
لا أحسب ذلك لأن الشرط يقضي بأن يدعو هو للقتال ثم يشارك فيه بنفسه.
صلة الحسن بن الحسن بالثورة
قلنا من قبل أن صاحب (عمدة الطالب) ذكر أن الثوار أعلنوا ثورتهم باسم (الحسن المثنى)، وقلنا إن الثوار أعلنوا أن ثورتهم تستهدف الفساد من أساسه، وأنهم لم يخلعوا الحجاج وحده، بل خلعوا عبدالملك بن مروان، وأن القضاء على الحكم الأموي الظالم كان غايتهم. فما داموا كذلك فلا بد لهم من بديل يثورون باسمه، فكان البديل الطبيعي هو الحسن بن الحسن بعد أن اعتقدوا أن الثورة المسلحة لم تكن من رأي زين العابدين علي بن الحسين.
أمّا لماذا لم يشاوروه في الأمر ولم يدعوه لتولي قيادة الثورة، فذلك لأن إعلان الثورة كان مفاجئاً، ولأن الثورة كانت ثورة الجيش، هذا الجيش الذي كان معهوداً إليه غزو تركستان، فلم يكن باستطاعة الثوار وهم على أبواب تركستان أن يفاوضوا الحسن وهو في المدينة، لذلك أعلنوا الثورة على أن يكون هو خليفتهم العتيد. وتركوا أمر الاتصال به إلى ما بعد نجاح الثورة.
أمّا إذا صح رأينا في أن كبار القادة كانت أنظارهم متجهة إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، فلنا أن نقول بأنهم رضوا بتداول اسم الحسن دون أن تعلن بيعته، أملاً منهم بإقناع علي بن الحسين بعد نجاح الثورة.
على أنه يبدو أن تداول اسم الحسن قد تسرب خبره إلى عبدالملك بن مروان نفسه ولكنه لم يكن لديه دليل على أن ذلك كان بموافقة الحسن، وأن له يداً في الإعداد للثورة، بل كان كل شيء ينفي هذه التهمة عنه لا سيما بُعد ما بينه من المكان وما بين الثوار.
ومع ذلك فإن عبدالملك لم يسكت، فإن أبا الفرج في (الأغاني) قال: «عاتب عبدالملك بن مروان الحسن بن الحسن (عليه السلام) على شيء بلغه من دعاء أهل العراق إياه إلى الخروج معهم على عبدالملك، فجعل يعتذر ويحلف له.
وهذا القول صريح بأن قيام الثورة باسم الحسن قد بلغ مسامع عبدالملك وأنه (حقق معه في هذا)، ولم يجد دليلاً يدين الحسن. وكلمة (إلى الخروج معهم) تدل صراحة على أن مفاتحة عبدالملك للحسن بهذا الأمر كانت خلال الثورة، وأن الثوار كانوا (خارجين) وأنهم يدعون الحسن إلى (الخروج معهم).
ويبدو أن عبدالملك كان متردداً في محاسبة الحسن، وأنه ربما كان قد أمضى فيه حكماً من الأحكام، لولا تدخل خالد بن يزيد بن معاوية الذي قال لعبد الملك: «ألا تقبل عذر ابن عمك وتزيل عن قلبك ما قد أشربته إياه».
وقول خالد: (ما أشربته إياه) دليل على عظم ما كان في قلب عبدالملك من التهمة للحسن.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فإن خلفاء عبدالملك لاحقوه فدسوا له السم فمات مسموماً)[224](.
الديلم
ـ 1 ـ
يمكن التعريف ببلاد الديلم، بأنها المنطقة الواقعة بين طبرستان والجبال وجيلان وبحر الخزر، ومن جهة الغرب شيء من آذربيجان وبلاد آران. وبلاد الديلم تتألف من قسمين أحدهما سهل والآخر جبل، وقد كون هذا السهل نهر «سفيد رود» عندما اخترق جبال ألبرز وصب في بحر قزوين عند كوتم في إقليم جيلان.
حدود بلاد الديلم: من الجنوب قزوين وطارم وجزءٌ من آذربيجان والريّ والأراضي المتصلة بهما. ومن الشرق أجزاء من الريّ وطبرستان والأراضي المتصلة بهما. من الشمال بحر قزوين (الخزر)، ومن الغرب آذربيجان وبلاد آران (القوقاز). لكن في بعض الأحيان كانت تلحق جيلان بمنطقة الديلم.
أمّا في قديم الأيام فإن الديلم هي محافظة جيلان الحالية، فهي تبدأ من طالش وتنتهي ببلدة (كلار) التي لم يبق منها إلاّ أنقاضها.
كان يطلق على المنطقة وسكانها اسم الديلم ولكن كانت تستعمل كلمة (الديالمة) للدلالة على أهالي المنطقة، على أن أهالي المنطقة ومؤرخي الفرس القدامى يطلقون عليها كلمة (ديلمستان) أو (ديلمان). والألف والنون في آخر الكلمة للنسبة وهما تفيدان معنى المكان والموضع فمعنى ديلمستان المكان الذي يسكن فيه الشعب الديلمي.
أمّا كلمة (گيل) أو (گيلك) فهي اسم لأهالي المنطقة التي تقع على الساحل الجنوبي لبحر قزوين، فالسكان في المنطقة يسمّون الأهالي بـ(گيل) ويسمون الداخلين عليهم من خارج المنطقة بـ(إيل).
وأهالي المنطقتين أي الجيلان والديلم مشهورون منذ القدم بالشجاعة والقوة والشهامة والمحاربة وكان الملوك الفرس القدامى أيام الساسانيين يستفيدون منهم في جيوشهم لقوتهم وبسالتهم، وقال المؤرخ اليوناني آگايتاس إن مهارتهم في استعمال السيف والخنجر أكثر من الرمي بالسهم، فاستعملهم سابور الساساني وكسرى أنوشيروان. وكان الذي فتح اليمن في عهد الساسانيين رجلاً ديلمياً اسمه «وهرز الديلمي»: وعند ظهور الإسلام أسلم 4000 ديلمي يوم القادسية عام 16هـ وساعدوا المسلمين في جلولاء، إلاَّ أن أكثر الديلم بقوا على ديانتهم المجوسية وكانت بلاد الديلم تعدّ من بلاد الكفر وكان المسلمون يذهبون لجهاد الكفار إليها، وكان أهالي جيلان والديلم يحتمون بجبالهم المنيعة ودافعوا عن منطقتهم أمام المسلمين وبرغم انتصارات المسلمين إلاّ أن كثيراً منهم تخفوا في مناطقهم النائية وبقوا على ديانتهم المجوسية، ثم بعد أن أسلموا صارت المنطقة حصناً وملجأ وملاذاً لمناوئي الخلافتين الأموية والعباسية من العلويين وغيرهم.
وفي عام 250هـ ثار أهالي المنطقة على ظلم الحاكم العباسي محمد بن أوس البلخي نائب الحاكم العام سليمان بن عبدالله بن طاهر بن عبدالله بن طاهر (عامل الخليفة في طبرستان) فاستدعوا أحد العلويين من الرّي وهو الحسن بن زيد العلوي المشتهر بالداعي الكبير فأطاعوه وساد منطقة (رويان) و(طبرستان) وأسس هناك سلسلة حكام طبرستان العلويين فدخل زعماء المنطقة تحت إمرة هذا العلوي وحكومته. وأول من خرج من الديالمة هو ليلى بن نعمان حيث نصبه الداعي الصغير الحسن بن قاسم عام 308هـ حاكماً على ولاية جرجان ولقّب بـ (المويد لدين الله والمنتصر لآل رسول الله) فاشتدت قوة ليلى وسيطر على نيسابور إلاّ أنه هزم في معركته مع نصر بن أحمد الساماني وقتل على يديه عام 309هـ.
ثم ثار بعده (أسفار بن شيرويه) وكان من ملازمي (ماكان بن كاكي) وقتل الأمير أبو علي الچغاني عام 329هـ (ماكان)، وقبل أن يقتل توترت العلاقات بين ماكان وأسفار وذلك لسوء تصرفات ماكان فثار عليه عام 315هـ. واستولى على طبرستان وكان من قادة جيش أسفار رجلٌ ديلمي اسمه (مرداويج بن زيار) فهذا الرجل كان يخطط في السرّ ويجمع القوات لنفسه وبدأ يأخذ البيعة من جنود أسفار لنفسه وجعلهم فدائيين له، ثم بعد أن قويت جماعته ثار على أسفار وقبض عليه وقتله عام 316هـ واستولى على طبرستان ثم بدأ يوسع رقعة فتوحاته فاستولى على قزوين والرّي وهمذان وبروجرد وقم وكاشان وگلبايگان وأصفهان والأهواز وجعل أصفهان عاصمة ملكه وأعلن عصيانه على الخليفة العباسي الراضي بالله وذلك عام 322هـ. وكان مرداويج فارسياً فأحيا العادات الفارسية القديمة وتقاليدها من الأعياد وزي الجنود وحياة بلاطه وعرشه وغير ذلك، ثم صنع لنفسه تاجاً مشابهاً لتاج كسرى وتوج نفسه به وحاول أن يستولي على العراق العربي ويقال أنه كان يحاول الاستيلاء على بغداد وإزالة الخلافة ثم تسمية نفسه بشاهنشاه ويعيد بناء طاق كسرى في المدائن لإحياء الأمبراطورية الفارسية. وكان كل اعتماده في هذه الخيالات على جنوده من الديالمة وكان يحتقر جنوده الترك ويسميهم بـ (الشياطين) وأخيراً ثار عليه الجنود الأتراك وقتلوه.
وبعد مقتله خلفه أخوه وشمگير ثم بعده في عام 357هـ ابنه قابوس ويعد أبرز شخصية من عائلة زيار، واشتهر بالأمير أبو الحسن المعالي ويعدُّ من مشاهير الملوك في إيران. استولى قابوس عام 366هـ (عام وفاة ركن الدولة الديلمي) على جرجان وطبرستان وصار مستقلاً في الحكم في هذه السنة، وفي هذه السنة اشتد النزاع بين أولاد ركن الدولة للسيطرة على ملك أبيهم فالتجأ إلى قابوس فخر الدولة ابن ركن الدولة بعد أن هُزم في صراعه مع أخويه عضد الدولة ومؤيد الدولة. فأكرمه قابوس وحاول أن يسترجع ملك أبيه له، وقد حاول عضد الدولة أن يستميل قابوس ويمنعه من مساعدة مؤيد الدولة إلاّ أن قابوس رفض ذلك واستمر في مساعداته للمؤيد ولكنهما هُزما أخيراً في معركتهم مع عضد الدولة فهرب من جرجان والتجأ إلى السامانيين في نيسابور. وبقي 18 عاماً بعيداً عن مملكته أي من عام 370 إلى 388 وبقي في خراسان وكان في هذه الفترة معاشراً للعلماء والأعيان ويبذل لهم الأموال الطائلة فاشتهر اسمه وذاع صيته في بلاد الغُربة. وأخيراً في عام 388هـ عاد قابوس إلى مملكته منتصراً وحكم منذ هذه السنة إلى 403هـ لكن في أواخر حياته ساءت سيرته وأخلاقه فسئمه الناس وحاصره جماعة واعتقلوه ثم قتلوه ونصبوا ابنه منوچهر (403 ـ 424).
عباس إقبال أشتياني
أمّا الجبل أو المنطقة الجبلية في بلاد الديلم فإنها منيعة، وباردة وتكسو قممها الثلوج، ومع ذلك فهي لا تخلو من الأشجار والغياض والغابات.
يسكن الديلم ـ سكان الجبال ـ الأراضي الجبلية على الجهة الشمالية لجبال البرز بين نهر «سفيدرود» ونهر «شالوش»، في حين يسكن الجيل ـ سكان السهول ـ الأراضي السهلية الساحلية على بحر قزوين في ركنه الجنوبي الغربي، وهي سهول كثيرة الأشجار والغياض وحافلة من الداخل بالمستنقعات. وعلى الرغم من الاختلاف الموجود في بعض الوجوه بين الديلم والجيل إلاّ أن الجغرافيين والمؤرخين المسلمين اصطلحوا على تسمية هذين الفريقين بالديلم أو الديالمة.
أمّا ديانتهم قبل أن يتخذوا الإسلام ديناً فيبدو أنها كانت خليطاً من تقاليد وعادات موروثة، ومن فلسفات وديانات متعددة، فيذكر المسعودي أن بين الديلم كان دين المجوسية والوثنية (أي المذاهب التي كانت سائدة في إيران قبل الإسلام كالزرداشتية والمزدكية والمانوية وسواها من المذاهب)، وأن بعضهم ربما عرف المسيحية ولعل بعضهم عرف الإسلام أيضاً خلال الفتوحات الإسلامية الأولى وذلك عن طريق الحرب والتجارة بينهم وبين ديار الإسلام المجاورة.
ولقد قاوم الديلم الفتح الإسلامي، وعلى الرغم من أن قسماً من بلادهم قد فتح عنوة من قبل الجيوش الإسلامية، إلاّ أنهم لم يدخلوا في الإسلام، كما أخفقت كل المحاولات العسكرية التي بذلها الأمويون وحتى العباسيون لحملهم على اعتناق الإسلام. غير أن الإسلام استطاع أن يدخل بلاد الديلم بصورة سليمة ويعتنقه عدد كبير منهم على أيدي العلويين الذين لجأوا إليهم في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وذلك حين لاذ يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) إلى بلاد الديلم هرباً من بطش هارون الرشيد، فاجتمع إليه عدد كبير من الديلم وبايعوه بعد أن دخلوا في الإسلام على يديه، فقويت شوكته في تلك الأصقاع، فكان لهذا العلوي الفضل الكبير على نشر الإسلام في تلك الربوع وقتذاك.
وبالرغم من أن هارون الرشيد تمكن بمعاونة وزيره الفضل بن يحيى البرمكي من استدراج الثائر العلوي إلى بغداد بمنحه الأمان، ثم نقض الرشيد للأمان وقتله، إلاّ أن أتباع يحيى بن عبدالله واصلوا مساعيهم في نشر الإسلام، كما أن تتابع خروج العلويين إلى بلاد الديلم، واتخاذهم منها مراكز ثورة ضد الخلافة العباسية ساعد كثيراً على انتشار المذهب الشيعي.
على أن أكبر موجة إسلامية غمرت بلاد الديلم وتم بموجبها نشر الدين الإسلامي على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية شملت طبقات الديلم، تلك التي تمت على يد علوي آخر يدعى «الحسن بن علي الأطروش». لقد دخل هذا الثائر الشيعي إلى بلاد الديلم سنة 301هـ، وأقام بينهم ثلاث عشر سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويدافع عنهم، فلبوا دعوته وأسلم منهم خلق كثير على المذهب الزيدي وبنى لهم المساجد.
وقد استطاع «الأطروش» أن يقضي على النظام الإقطاعي الذي كان يستند على سلطة رؤساء العوائل واستبدل به نظام التعاون بين طبقات الديلم المختلفة، الأمر الذي سهل عليه تثبيت زعامته السياسية ـ فضلاً عن زعامته الدينية ـ بين الديلم والخروج بهم من معاقلهم لمهاجمة أملاك الخلافة العباسية.
فاضل الخالدي
الديلم حتى ظهور بني بويه
آل بويه أسرة فارسية ديلمية، استطاعت أن تلفت إليها أنظار التاريخ، وأن يكون لها شأن بارز في تاريخ العراق وإيران في القرن الرابع الهجري، وأقامت دولة «بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ببال أحد، فدوخت الأمم، وأذلت العالم، واستولت على الخلافة فعزلت الخلفاء وولتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق»، ولكنها ـ على الرغم من كل شيء ـ لم تحظ حتى اليوم بدراسة منهجية تؤرخها بأمانة ونزاهة وصدق، وتتحدث عنها بصراحة سليمة من الإفراط والتفريط.
إن المنطقة التي انطلق منها رجال هذه الأسرة الأوائل، تعرف بـ«الديلم». وقد اختلف المؤرخون في اسم الديلم ومصدر اشتقاقه، فهل كان قوماً سميت بلادهم باسمهم أو أرضاً سمي سكانها باسمها؟
يقول المقدسي: «وإنما نسبناه (الإقليم) إلى الديلم لأن به ديارهم وفيه ملكهم ومنه منبعهم… ولم نجد لهذا الإقليم اسماً يجمع كوره فأضفناه إليهم ولقبناه بهم».
ويقول ياقوت: «الديلم جيل سموا بأرضهم ـ في قول بعض أهل الأثر ـ وليس باسم أب لهم».
فهو ـ إذن ـ اسم قوم قطنوا تلك ـ المناطق فسميت أرضهم باسمهم ونسبت إليهم ـ على رأي المقدسي ـ وهو أرض معينة سكنها لفيف من الناس فسموا باسمها ـ على رواية ياقوت.
والذي يقرأ التاريخ يرى أن هذه التسمية أبعد زمناً وتوغلاً في القدم من المقدسي، وإذا كان بدوره قد ابتكر هذا الاسم لأنه لم يجد اسماً لهذا الإقليم فسببه التوسع في إطلاق هذا الاسم على هذه الكور المتعددة، ذلك التوسع الذي نشأ عن توسع الديالمة في ملكهم ورقعة نفوذهم وانتشارهم في عدة مدن وأنحاء من بلاد الفرس مما جعل الجغرافيين يطلقون هذا الاسم على هذه المدن المتعددة المناطق المتفرقة. أمَّا الديلم الحقيقية الأولى فهي ما عبّر عنها المقدسي بـ«ديلمان» وجعلها إحدى كور إقليم الديلم. ومن معرفة اسمها يظهر أن اسم هؤلاء القوم مشتق من اسم أرضهم كما قال ياقوت.
وبلاد الديلم ـ في نظر جغرافيي القرن الرابع ـ إقليم كبير يشتمل على خمس كور: أولها من قبل خراسان قومس، ثم جرجان، ثم طبرستان، ثم الديلمان، ثم الخزر. وتقع بحيرتهم في وسط الكور الأربع الأخيرة ولا تتصل بقومس لأنها تقع على رؤوس الجبال بين الري وخراسان وتفصل طبرستان بينها وبين البحيرة.
أمّا قومس فهي «كورة رحبة نزهة حسنة الفواكه. وأكثرها جبال، قليلة المدن، خفيفة الأهل، كثيرة الأنعام».
«وأمّا جرجان فإنها كورة سهلية جبلية، لولا البرد لعملت فيها النخيل، غزيرة الأنهار، كثيرة البساتين».
«وأمّا طبرستان فإنها كورة سهلية بحرية، ولها أيضاً جبال، كثيرة الأمطار، قشفة كربة، وسخة مبرغثة… كثيرة الأسماك والثوم».
«وأمّا الديلمان فإنها كورة في الجبال صغيرة المدن. وقد أضفنا إليها الجيل لأن أكثر الناس لا يكادون يفرقون بينهم».
«وأمّا الخزر فإنها كورة واسعة خلف البيرة… كثيرة الأغنام والعسل. بآخرها سد ياجوج وماجوج».
ويستعرض المقدسي في كتابه أهم منتوجات هذا الإقليم وصادراته فيقول في خلال ذلك: «هذا إقليم القز والصوف، به صناع حذاق، وفواكه تحمل إلى الآفاق، وبزه معروف بمصر والعراق. كثير الأمطار. مستقيم الأسعار. مصر ظريف. لهم عمل لطيف… بحر عميق به مدن تطيف. به أسماك سرية. وضياع جليلة، وفواكه لذيذة، وأشياء متضادة… به تين وزيتون وإترنج وخرنوب. كثير العناب. حسن الأعناب. رساتيق رحاب. ومدن طياب. واسم كبير، وماء غزير، ودخل كثير، وبز خطير».
أمّا أصل الديلم فلعله يرجع «إلى أقوام غير إيرانية كانت تسكن في مناطق بحر قزوين في الزمن القديم»، ويدلنا على ذلك ما رواه الإصطخري من أن «لسانهم مفرد غير العربية والفارسية، وفي بعض الجبل ـ فيما بلغني ـ طائفة منهم يخالفون بلسانهم لسان الجيل والديلم».
ويذهب أحد المستشرقين إلى أن «أغلبية الديلم كانوا قد أصبحوا إيرانيين بمعنى الكلمة في العصر الإسلامي». ولم نعثر على دليل واحد يؤيد هذا الرأي، بل لعل الدليل قائم على عكس ذلك حيث كان الديلم والإيرانيون على طرفي نقيض في العقيدة واللغة والتقاليد والنظم الاجتماعية في القرون الأولى من العهد الإسلامي.
ومن ناحية وضعهم الاجتماعي كانوا يخضعون في الحكم لرب البيت «كتخدا»، ولم تكن «شريعة لهم محصلة ولا طاعة فيهم مستقرة» و«لا ترى لهم لباقة ولا علم ولا ديانة» ويمتازون بالخشونة والجلد والعجلة وقلة المبالاة»، وكانت لهم مقابل ذلك «دولة ورجلة وهيبة». ونالت النساء مقاماً كبيراً لديهم حيث كن «يجرين مجرى الرجال في قوة الحزم وأصالة الرأي، والمشاركة في التدبير».
ويشير بعض المؤرخين ـ ومنهم المقدسي ـ إلى بعض العادات الغريبة عندهم، كما ينبه على بعض ما يمتازون به في الشكل والسحنة والوجه والشعر، ولكنني أطوي تفصيله لعدم اتصاله بصميم البحث.
والديانة في الديلم غير واضحة المعالم لدينا لنحددها على وجه القطع واليقين، بل لم تتضح أيضاً للمؤرخين الأقدمين، فقد صرح قدامة بن جعفر أنه «لا شريعة لهم محصلة»، وعبر المسعودي عنهم أنهم «جاهلية ومنهم مجوس» وأنهم «منذ كانوا لم ينقادوا إلى ملة ولا استحبوا شرعاً، وكذلك يعلن المقدسي أنه لا ديانة لهم.
وفي أيام الخليفة عمر بن الخطاب تم فتح الري وجرجان وقزوين وطبرستان. وكان الذي غزا الديلم خاصة هو البراء بن عازب فقاتلهم حتى أدوا إليه الأتاوة ويروى أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ولي الكوفة من قبل عثمان غزا الديلم مما يلي قزوين، كما جاء في روايات أخرى أن سعيد بن العاص لما ولي الكوفة بعد الوليد بن عقبة غزا الديلم فأوقع بهم.
ومهما يكن من أمر فالشيء المستفاد من هذه النصوص أن فتح البلاد قد تم في أيام الخليفة عمر، وأن رسول الخليفة قد تسلم منهم الأتاوة الشرعية، وأنهم فضلوا دفع الجزية على إعلان الإسلام لشدة عنادهم وتصلبهم وإصرارهم على ما هم فيه. ثم يظهر من غزوات الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص أنهم لم يفوا بدفع الجزية أيضاً، الأمر الذي كان يدفع هؤلاء الولاة إلى إعادة الكرة تلو الكرة لتعود المياه إلى مجاريها، ولكن سرعان ما يتمنعون ويمتنعون. وإلى هذا يشير قدامة بن جعفر حيث يقول عنهم أنهم «بعد فتحهم قد نقضوا وكفروا غير مرة».
وفي أيام الحجاج بن يوسف الثقفي أو قبيل أيامه نقضوا عهدهم مرة أخرى، وأبوا أن يسلموا وأن يدفعوا الجزية، فلم يجد الحجاج بداً من أن يطلب وفداً منهم للتفاهم، فقدم الوفد فدعاهم إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فأبوا، فأمر أن تصور له الديلم سهلها وجبلها وعقابها وغياضها فصورت له، فدعا من قبله من الديلم فقال: إن بلادكم قد صورت لي فرأيت فيهما مطمعاً فأقروا لي بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد وأقتل المقاتلة وأسبي الذرية، فقالوا: أرنا هذه الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلادنا، فدعا بالصورة فنظروا فيها فقالوا صدقوك عن بلادنا. هذه صورتها غير أنهم لم يصوروا فرسانها الذين يمنعون هذه العقاب والجبال، وستعلم ذلك لو تكلفته. فأغزاهم بالجنود وعليهم محمد بن الحجاج فلم يصنعوا شيئاً».
وجوابهم هذا للحجاج دليل كبير على الجرأة والاعتماد على النفس في ذلك العصر الذي كانت فيه الفتوحات الإسلامية على مرأى ومسمع منهم، وكان الجيش الإسلامي ينساب دفاقاً في الآفاق فيكتسح كل ما يقف أمامه من عقبات وحدود وسدود.
ومن جملة الشواهد على تكرر تمردهم وازدهائهم بقوتهم أن الجيش الإسلامي قد شعر في غزواته الأولى للديلم أن هؤلاء أمة لا تلين قناتهم بسهولة ولا يقرون النظم الجديدة بيسر، فقرر القادة في ذلك الحين ضرورة إنشاء معسكر دائم آمن إلى جنب بلادهم ليسهل غزوهم كلما امتنعوا وإخضاعهم كلما ثاروا، وفي هذا الشأن يقول المسعودي: «ثم جاء الإسلام وفتح الله على المسلمين البلاد فجعلت قزوين للديلم ثغراً هي وغيرها مما أطاف ببلاد الديلم والجيل، وقصدها المتطوعة والغزاة فرابطوها وغزوا ونفروا منها»، ويؤيده ياقوت فيقول: «أن سعيد بن العاص لما غزا الديلم قدم قزوين فمصرها وجعلها مغزى أهل الكوفة إلى الديلم».
وهكذا نرى هؤلاء القوم في عصيان وخروج على النظام وعدم التزام بالمحالفات، على الرغم من تلك الغزوات التي أقامتهم وأقعدتهم عدة مرات، وعلى الرغم من المعسكر الدائم الذي أسس قريباً منهم.
واستمر هؤلاء على هذا الأسلوب من التمرد حتى دخلت سنة إحدى ومائتين، فاستطاع عبدالله بن خرداذبة والي طبرستان أو يفتح اللارز والشيزر من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان فأنزل شهريار ابن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر أبا ليلى ملك الديلم.
والظاهر أن هذه الغزوة كانت هي الأخيرة في بابها لأن جيش المسلمين استطاع ـ هذه المرة ـ إخضاع الديلم للحكم الإسلامي، فلم يسمع عنهم ـ بعد هذا اليوم ـ إعلان الحرب على الخليفة كما كان ديدنهم أولاً. ولكن كل ذلك لا علاقة له بالدين، لأن الدين خضوع روحي لا ارتباط له بالسيف والفتح ولا ينفع معه العَدد والعُدد، ولم يشر التاريخ إلى إسلامهم في هذه المعركة أو بعدها، بل كل ما في الأمر أنهم دفعوا الجزية وتعهدوا بمثلها في كل عام. ثم عاد الجيش إلى قواعده سالماً.
فمتى استجاب هؤلاء للدعوة الإسلامية؟
يقول بعض المؤرخين: إن ذلك كان في أيام الحسن الأطروش من أحفاد علي بن أبي طالب الذي ظهر ببلاد الديلم وطبرستان سنة إحدى وثلاثمائة، «وقد كان أقام في الديلم سنين وهم كفار على دين المجوسية ومنهم جاهلية، وكذلك الجيل، فدعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فاستجابوا وأسلموا… وبنى في الديلم مساجد»، و«كان بمدينة شالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل».
وانسياقاً مع هذه الروايات يكون دخول الديلم في الدين الإسلامي في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع وأنهم لم يكونوا قد عرفوا التدين بهذا الدين قبل ذلك الحين.
ولكننا حينما ندرس نهضات العلويين في بلاد الديلم وما يجاورها من القرى والأمصار، كنهضة يحيى بن عبدالله الملقب بصاحب الديلم (176هـ)، ومحمد بن القاسم العلوي (219هـ)، والحسن بن زيد (250هـ)، ومحمد بن زيد (270هـ)، وأضرابهم من العلويين. إننا حين ندرس نهضات هؤلاء السادة ونطلع على مدى نفوذهم الكبير في الديلم ومدى انقياد الديلم لهم ـ كما يأتي تفصيله ـ لا نستطيع القول بدخول الإسلام إلى الديلم في أواخر القرن الثالث. وإني لأعتقد اعتقاداً جازماً أن هؤلاء العلويين الذين سبقوا الأطروش بعشرات السنين كانوا قد سعوا في هذا السبيل سعياً كبيراً، وإن سعيهم قد أثر الأثر المحمود المبارك، ولكنه ربما يكون تأثيراً غير شامل فسعى الأطروش في شموله وتعميمه كما سعى في هدم سائر آثار المجوسية والزرادشتية.
ولعلنا نستفيد الإشارة إلى ذلك مما رواه المسعودي عن الحسن بن زيد العلوي وأخيه محمد من كونهما يدعوان إلى الرضا من آل محمد. وبديهي أن الدعوة إلى الرضا من آل محمد لا تصح ولا تليق ما لم تسبقها دعوة إلى الإسلام والإقرار بالشهادتين، وهل الإمامة إلا فرع اعتناق الإسلام والإيمان به؟
وسواء أدخل الإسلام إلى الديلم في أواخر القرن الثاني أو الثالث فإن دخوله إلى هناك كان على يد الدعاة العلويين، وكان سلطان هؤلاء وتأثيرهم في تلك المناطق قوياً جداً وإلى حد بعيد، على خلاف ما كان عليه القادة الفاتحون الكثر الذين غزوا تلك البلاد ثم رجعوا من دون أن يستطيعوا التغلغل في تلك الأطراف.
ولعل لما كان عليه هؤلاء العلويون من تواضع محبب وخلق فاضل ودعوة تعتمد على الحكمة والموعظة الحسنة أثراً مهماً في تقبل الديلم للدين وحسن استقبالهم لدعاته. وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، فالدين لا يملى بالقوة ولا يفرض بالإكراه.
وبانتهائنا إلى هذه النقطة في تسلسل الحديث يفرض علينا البحث أن نعرض لشيء من تاريخ هؤلاء العلويين وأسباب هجرتهم إلى هناك ومجمل نهضاتهم في تلك البلاد.
هناك عدة أسئلة ترتسم في الذهن حينما نسمع باسم الحكم العلوي في الديلم. فلماذا هاجر هؤلاء السادة إلى الديلم؟ ولِمَ كانت هذه البلاد دون غيرها هي المختارة لديهم؟ ومتى كانت هجرتهم إليها؟
ولعل أوضح الأسئلة وأيسرها جواباً هو الأول ـ يتعلق بسبب هذه الهجرة ـ ولا أظن أن باحثاً درس التاريخ ومحص حقائقه وأطلع على تفاصيله يحتاج إلى جواب عن هذا السؤال، وهذا هو التاريخ ينادي معلناً بملء فيه ما ابتلى به أولاد علي (عليه السلام) من محاربة ومطاردة وشدة ومحنة في العهد الأموي أولاً والعباسي ثانياً.
ولقد كان الضغط الأموي على هذه الفئة المضطهدة شديداً جداً وإلى أبعد الحدود، خصوصاً بعد فاجعة كربلاء الأليمة التي أتت على الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأكثر أهل بيته. ثم قام بعد ذلك الحكم العباسي، فكان ضغط بني الأعمام أشد من ذلك وأقسى، حتى قال أبو فراس الحمداني:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت
تلك الجرائم إلا دون نيلكم
وقال آخر:
تاللَّه ما فعلت أمية فيهم
معشار ما فعلت بنو العباس
فلا غرابة ـ إذن أن نرى بني علي مشردين في البلدان، موزعين على الأمصار، خشية من السيف المصلت على رؤوسهم. وهذا هو السبب الحقيقي في هجرتهم إلى الديلم وغير الديلم من بلاد الله الواسعة، وما عليهم في ذلك لوم أو تثريب.
وعلى هذا فلا غرابة أيضاً إذا ما رأينا وجهتهم تتجه نحو بلاد فارس والديلم بالخصوص ـ وهو ما فرضناه ثاني الأسئلة ـ فلهم في ذلك عدة أسباب موجبة نلخص أهمها فيما يلي:
إن بلاد الديلم بالخصوص لم تكن مسلمة في ذلك الحين ـ كما مر آنفاً ـ فلم يكن للجاسوسية الأموية أي أثر فيها، ولم يكن لعنوان الخلافة وأبهتها أي هيمنة على تلك البلاد، فلم يكن باستطاعة الأمويين مطاردة العلويين هناك، بل لم يكن باستطاعتهم دخول تلك البلاد لأي غرض من الأغراض.
إن الوضع الجغرافي في تلك البلاد من كثرة الجبال والتلال والوديان والكهوف كان من أسباب الأمان لهؤلاء السادة المهاجرين، فلو فرض للجيوش الأموية احتلال البلاد والسيطرة عليها، لم يكن من السهل العثور على أعدائهم، لسهولة سبل الفرار إلى تلك الجبال والوهاد، والاعتصام بكهوفها ومغاورها التي لا تمر على بال.
إن دخول العلويين لتلك البلاد لم يكن الالتجاء والفرار من السلطة الحاكمة، وكانت هذه السلطة مكروهة أشد الكره لدى سكان تلك المناطق، لأنها عاملتهم بالجور والاضطهاد، فكان العلويون يستغلون هذا الشعور المهيمن على السكان، كما يحلم العلويون أيضاً بما يمكنهم القيام به بعد استقرارهم وتمركزهم هناك من دعوة إلى الإسلام ونشر لأحكامه على هدى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولعلهم يحلمون أيضاً بإمكان تأسيس دولة علوية قوية بسواعد هؤلاء الديلم بعد إسلامهم وتشيعهم في مستقبل أمرهم.
كل هذه الأسباب وأمثالها كان دافعاً للعلويين على اختيار إقليم الديلم مقصداً في هجرتهم وملجأ لهم من مطاردة الحاكمين، وأظنها أسباباً على جانب كبير من الوجاهة وبعد النظر وسلامة التفكير.
أمّا تاريخ هذه الهجرة ومعرفة بدئها فلم نعثر له على ضبط وتحديد في كتب التاريخ، فلا نعلم متى كان وفي أي سنة بدأ، وهل كان في العهد الأموي أو العباسي؟ وليس لدينا في مصادر المراجعة أي نور يضيء لنا السبيل سوى نص لمولانا أولياء الله الآملي في كتابه ـ تاريخ رويان ـ جاء فيه:
«لما بويع الرضا (عليه السلام) بولاية العهد كان له أحد وعشرون أخا مع عدة من أولاد إخوته وبني عمه الحسنيين والحسينيين توجهت أنظارهم إلى ذلك ووصلوا إلى الري ونواحي العراق وقومس، فلما توفي الرضا (عليه السلام) خابت آمالهم، ولما بلغهم ذلك التجأوا إلى جبال الديلم وطبرستان، وإلى الري ونهاوند، فبعضهم استشهد هناك وبقي مزاره إلى الآن، وبعضهم توطن هناك، إلى أن آل الأمر إلى المتوكل الذي كان ظلمه للسادات متجاوزاً الحد فهربوا منه واتخذوا مساكن في الجبال وفي طبرستان».
وخلاصة هذا النص أن العلويين كانوا قد دخلوا إيران في أيام مبايعة الرضا (عليه السلام) بولاية العهد (201هـ)، وأنه لم يكن لهم عهد بإيران قبل ذلك، ولكن التحقيق التاريخي ينفي هذا الرأي كل النفي، لما نقرأه في التاريخ من ثورات وحركات للعلويين في تلك المناطق قبل هذا الحين.
يقول الطبري في حوادث سنة خمس وسبعين ومائة:
«وفيها صار يحيى بن عبدالله بن حسن إلى الديلم فتحرك هناك».
ثم يقول في حوادث سنة ست وسبعين ومائة:
«وفيها ظهر يحيى بن عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم» و«كان أول خبر يحيى.. أنه ظهر بالديلم واشتدت شوكته وقوي أمره ونزع إليه الناس من الأمصار والكور فاغتم لذلك الرشيد فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاة كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباود والرويان، وحملت معه الأموال» «فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذره وأشار عليه وبسط أمله… وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى… فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد فسره… وكتب أماناً ليحيى… إلخ».
ومن رواية الطبري هذه نعرف أن يحيى العلوي قد ورد الديلم عام (175هـ) وأن ثورته الدامية كانت أول ثورة للعلويين هناك. وهذا كله سابق على مبايعة الرضا بولاية العهد بربع قرن تقريباً، فلا تصح ـ إذن ـ حكاية مولانا أولياء الله السالف الذكر.
وقد استطاع الرشيد بجلب يحيى إلى بغداد، ثم حبسه بعد ذلك، وقتله ـ على بعض الروايات ـ أن يهدىء الحالة بالديلم وطبرستان، ولعله وضع في حدود هذين البلدين من العدة والعدد ما يكفيه مؤونة الثورات هناك وقمعها على وجه السرعة.
أمّا بقية المناطق في إيران فلم تكن هادئة مستقرة ولم يكن العلويون فيها خانعين ساكنين، وفي سنة تسع ومائتين ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسن بالطالقان من خراسان واجتمع الناس عليه، ووقعت له عدة معارك وحروب مع قواد عبدالله بن طاهر أدت إلى هرب محمد واختفائه، ثم العثور عليه من قبل عامل مدينة «نسا» بالقرب من خراسان وإرساله إلى عبدالله بن طاهر ومن ثم إلى المعتصم.
وبقي وضع الديلم ـ كما قلنا ـ هادئاً وادعاً، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، حتى حل العام الخمسون بعد المائتين، حيث قامت فيه الثورة هناك على قدم وساق وأعلن فيه الحكم العلوي تحت لواء الحسن بن زيد العلوي وقيادته.
ويحدثنا المؤرخون ـ وفي طليعتهم الطبري ـ عن عوامل هذه الثورة وأسبابها فيسهبون في ذلك طويلاً، وفيما يلي نلخص أهم تلك الأسباب:
1 ـ كان عامل طبرستان ـ يومئذٍ ـ سليمان بن عبدالله بن طاهر، وكان مغلوباً على أمره إلى حد بعيد من قبل محمد بن أوس البلخي. وبلغ من شدة نفوذ محمد هذا أنه وزع أولاده في مدن طبرستان وجعلهم ولاتها ـ وهم أحداث سفهاء ـ فتأثر الشعب منهم تأثراً كبيراً، واستنكر منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبدالله سفه هؤلاء الشبان الأغراء وسوء سلوكهم وتصرفاتهم. وكان هذا الأمر أول إيذان بالثورة.
2 ـ كان أهل الديلم وأهل طبرستان في سلم ومهادنة دائمة، فلم يكن يعتدي كل منهما على الآخر. بل لم يسمح كل من الطرفين أن تستغل بلاده ـ من قبل حكامها ـ لحرب البلاد الأخرى. وعلى الرغم من ذلك تحرك محمد بن أوس البلخي ـ السالف الذكر ـ فدخل إلى ما يقرب من بلاد الديلم من حدود طبرستان، ولم يقابله الديلم بل لم يستعدوا لمقابلته. لعدم علمهم بسوء قصده، فاستغل ابن أوس هذه الفرصة وأغار عليهم فسبى منهم وقتل، ثم انكفأ راجعاً إلى مقره بطبرستان حيث يحكم صاحبه سليمان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان حنقاً وغيظاً عليه.
3 ـ إن محمد بن عبدالله بن طاهر لما قام بأمر قمع الثورة التي أعلنها يحيى بن عمر العلوي في الكوفة (249هـ)، أقطعه الخليفة المستعين من أراضي السلطان الخاصة بطبرستان قطائع كبيرة واسعة جزاء له على صنيعه، وكان من تلك القطائع قطيعة بالقرب من ثغري طبرستان (كلار ـ وشالوس) وكان إلى جانب هذين الثغرين أرض واسعة ينتفع بها سكان تلك المنطقة في احتطابهم ورعي مواشيهم وسرح سارحتهم، ولم تكن ملكاً لأحد، بل هي صحراء من موات الأرض ذات غياض وكلأ وأشجار.
واختار محمد بن عبدالله بن طاهر جابر بن هارون النصراني نائباً عنه في حيازة تلك القطائع والأشراف عليها، فلما انتهى إلى طبرستان ابتدأ بحيازة ما أقطعه السلطان لصاحبه فحازه وحاز ما اتصل به، ثم حاول أن يضيف إلى كل ذلك تلك الأرض الموات التي كانت مرتاداً لأهل البلاد في الاحتطاب والرعي، فقام في وجهه رجلان من أشراف تلك المنطقة معروفان بالبأس والشجاعة هما محمد وجعفر ابنا رستم، وأنكرا على جابر سوء صنيعه، ومانعاه في ذلك مستنهضين معهما سائر من أطاعهما في تلك الناحية لصد هذا الاعتداء الأثيم، فهرب جابر خوفاً على نفسه ملتجأ إلى سليمان حاكم الإقليم، وكانت هذه الحركة الحمقاء من جابر سبباً لنفاد الصبر وبدأ للمعركة الفاصلة.
هذه هي أهم أسباب الثورة في الديلم وطبرستان ـ سردتها باختصار لئلا نخرج عن صلب البحث، ومن مجموعها نرى أنها لم تكن لغرض الملك والسيطرة، بل كانت على العكس من ذلك لمحاربة الظلم والاستعباد ولطرد الحكام المستبدين.
وما أن علم الأخوان ابنا رستم بالتجاء خصمهم إلى سليمان ـ وكان سليمان أخا محمد بن عبدالله بن طاهر صاحب القطائع ومرسل الرسول الجائر ـ حتى أدركوا مقدار الخطر الذي أصبح محدقاً بهم وبأنصارهم، فلم يروا بداً من مكاتبة الديلم واستنجادهم وتذكيرهم بالمعاهدة المعقودة بين الطرفين وبأفعال محمد بن أوس الفظيعة فيهم من قتل وغدر وسبي، وطلبا منهم النصرة والنجدة.
واستطاع هذان الأخوان بعد أخذ ورد أن يكونوا ـ هم والديلم ـ جبهة واحدة ضد عدوهم المشترك، وأسسوا معاهدة دفاع مشترك بينهما وتم التعاقد على ذلك.
«ثم أرسل ابنا رستم… إلى رجل من الطالبيين المقيمين كانوا يومئذ بطبرستان يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى البيعة له فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم: لكني أدلكم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه إليه مني، فقالوا: من هو فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلهم على منزله ومسكنه بالري، فوجه القوم إلى الري عن رسالة محمد بن إبراهيم العلوي إليه من يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان فشخص معه إليها».
والذي يفهم من طلب ابني رستم لمحمد العلوي أولاً وللحسن بن زيد ثانياً، أنهما كانا يخشيان من حدوث بعض المشاكل وبعض التصدع في جبهتهم حينما يريدون تعيين زعيم أو قائد لهم. ولهذا أرادا تعيين شخص لا علاقة له بالبلدين ولا صلة له بالطرفين المتعاقدين، فلم يريا خيراً من العلويين للزعامة والقيادة شجاعة وكفاءة ونسباً وشرفاً وديناً.
ومهما يكن من أمر فقد كان الاختيار موفقاً جداً. وجاء الحسن بن زيد إليهم وحل بين ظهرانيهم فبايعه الناس بما فيهم أبناء رستم ورؤساء الديلم، وبدأ بالتمهيد للثورة فطرد عمال ابن أوس وأولاده الذين كانوا في الديلم وطبرستان، ثم زحف بجيوشه نحو مدينة آمل فاحتلها، ثم تعداها إلى سارية فاحتلها كذلك، وهزم سليمان ومن معه. وبهذا تم له حكم طبرستان كلها وبعض المدن القريبة منها كالري وما حولها.
وحيث أن الحرب كر وفر فسرعان ما أعاد سليمان تنظيم جيوشه وعززها بالسلاح والمال، وكر على الحسن بن زيد في عام (251هـ)، فاضطر الحسن إلى التراجع المستمر حتى انتهى في تراجعه إلى الديلم، وعادت طبرستان لحكم أميرها السابق سليمان.
واستطاع الحسن بعد ذلك أن يسترجع طبرستان ويشرف على حكمها حتى عام (255هـ) حينما غزته جيوش موسى بن بغا تحت قيادة مفلح، فانهزم الحسن إلى الديلم مرة أخرى، وأحرق مفلح منازل الحسن لولا ورود أمر الخليفة في أثناء ذلك بالرجوع إلى بغداد لضرورة نشأت هناك، فانسحب من طبرستان وأخلاها فعاد الحسن بن زيد إليها بلا حرب ولا قتال.
وتغلب الحسن بن زيد على الري عام (256هـ)، وملك جرجان عام (257هـ)، واحتل قومس عام (259هـ)، ولكنه عاد فانهزم إلى الديلم سنة (260هـ)، على أثر حروب طاحنة له مع يعقوب بن الليث ولكن الحسن سرعان ما عاد إلى طبرستان فاسترجعهما عام (261هـ)، وأحرق شالوس لممالأة أهلها ليعقوب. وأقطع جميع ضياعهم للديالمة، وفي عام (266هـ)، تراجع الحسن من جرجان بعد أن هجم عليها الخجستاني على حين غرة.
وفي عام (270هـ) توفي الحسن بن زيد العلوي، «وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام وولي مكانه أخوه محمد بن زيد.
وقام محمد بن زيد بالأمر بعد أخيه، ورقعته تشمل كل الديلم وطبرستان ومدن أخرى خارج هاتين المنطقتين كالري وجرجان وما إليهما.
وفي عام (272) وقعت حروب طاحنة بين محمد وأذكوتكين أدت إلى انسحاب محمد من الري، وفي عام (275) انسحب محمد من جرجان واستراباد وسارية ثم انسحب من كل طبرستان منهزماً إلى الديلم فراراً من جيوش رافع بن هرثمة، ولكنه عاد إلى طبرستان بعد أن صالح رافعاً عام (279هـ).
وفي سنة سبع وثمانين ومائتين جرت حروب ومناوشات بين محمد بن زيد وإسماعيل الساماني أدت إلى أن يصاب محمد بعدة ضربات مميتة قضت عليه بعد أيام فدفن على باب جرجان، وأسر ابنه زيد في هذه الوقعة وحمل إلى إسماعيل.
وبقتل محمد بن زيد بدأت فترة هدوء في طبرستان لم يظهر خلالها علوي ثائر، حتى حل عام (301) فظهر فيه الحسن بن علي الأطروش العلوي هناك، وتغلب على المنطقة وطرد ممثل الأمير الساماني.
«وكان الحسن بن علي الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمد بن زيد وأقام بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويقتصر منهم على العشر ويدافع عنهم ابن حسان ملكهم فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا عليه، وبنى في بلادهم مساجد».
وفي سنة (302) «تنحى الحسن بن علي الأطروش العلوي عن آمل بعد غلبته عليها ـ كما ذكرناه ـ وسار إلى شالوس، ووجه إليه صعلوك جيشاً من الري فلقيهم الحسن وهزمهم وعاد إلى آمل، وكان الحسن بن علي حسن السيرة عادلاً، ولم يرَ الناس مثله في عدله وحسن سيرته وإقامته الحق.
وتوفي الحسن بن علي الناصر في شعبان (304) وعمره تسع وتسعون سنة. وبقي الحكم العلوي مستمراً في طبرستان حتى سنة ست عشرة وثلاثمائة حيث قتل فيها الحسن بن القاسم الداعي العلوي على يد أسفار بن شيرويه الديلمي، فانقرض بقتل ابن القاسم عهد الحكم العلوي هناك.
وفي أواخر الحكم العلوي بطبرستان والديلم لمع اسم قائد من قوادهم فكان له في مستقبل الأيام شأن كبير جداً في تلك المنطقة ذلك هو ماكان بن كالي الديلمي.
وقد استطاع (ماكان) هذا أن يؤثر تأثيراً كبيراً على أبي الحسين بن الحسن الأطروش ويقع من قلبه موقع الثقة والاعتماد فيعينه نائباً عنه في استراباد «فاجتمع إليه الديلم وقدموه وأمروه على أنفسهم».
وصادف أن سار إليه محمد بن عبيدالله البلغمي وسيمجور فوقف جيشهما عند باب استراباد، ولم يستطع احتلال البلدة واقتحامها فاتفقوا معه على أن ينسحب ظاهرياً عن استراباد إلى سارية وبذلوا له مالاً جزيلاً على ذلك، ثم يدخل جيشهم إلى استراباد فيفهم الناس أنهم افتتحوها، وأعطوه المواثيق على أنهم لن يستقيموا بها إلاّ قليلاً ثم ينسحبون منها فيعود إليها.
وفعل (ماكان) كما أراد هؤلاء، فانسحب عن استراباد إلى سارية وانتظر ريثما يخرجون من البلدة، فخرجوا منها بعد أيام وعاد إليها ماكان وأضاف إليها جرجان حيث استطاع احتلالها لما كان عليه عاملها من سوء سيرته في أهلها، وبهاتين المدينتين بدأ ملكه.
وفي عام (314) استولى الأمير السعيد نصر بن أحمد الساماني على الري فاستعمل عليها محمد بن علي صعلوك فأقام بها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة فمرض، فكاتب الأمير السعيد ماكان بن كالي والحسن الداعي العلوي في القدوم عليه ليسلم حكم الري إليهما فقدما إليه وتسلما حكم الري منه. وبهذا تكون الري ثالث بلدة يحكمها هذا القائد الديلمي.
وبعد أن تمّ لـ”ماكان” الاستقرار والسيطرة تلفت لجيشه لغرض تطهيره من عناصره الفاسدة فطرد أسفار بن شيرويه أحد قواده منه، لما كان معروفاً عنه من سوء الخلق والسيرة، فأسرع أسفار واتصل ببكر بن محمد بن اليسع ـ وهو بنيسابور ـ وخدمه خدمة كبرى فسيره بكر إلى جرجان ليحتلها «وكان ماكان بن كالي ذلك الوقت بطبرستان وأخوه أبو الحسن بن كالي بجرجان وقد اعتقل أبا علي بن أبي الحسن الأطروش العلوي عنده، فشرب أبو الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرقهم وبقي في بيت هو والعلوي فقام إلى العلوي ليقتله فظفر به العلوي وألبسوه القلنسوة وبايعوه. وجعل مقدم جيشه علي بن خرشيد ورضي به الجيش وكاتبوا أسفار بن شيرويه وعرفوه الحال واستقدموه إليهم فاستأذن بكر بن محمد وسار إلى جرجان واتفق مع علي بن خرشيد وضبطوا تلك الناحية فسار إليهم ماكان بن كالي من طبرستان في جيشه فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طبرستان وأقاموا بها ومعهم العلوي».
وبعد ذلك بقليل توفي العلوي ثم توفي بعده ابن خرشيد صاحب الجيش فاستغل ماكان الفرصة، وعاد إلى حرب أسفار، فانهزم أسفار منه ورجع إلى صاحبه الأول بكر بن محمد بن اليسع ـ وكان بجرجان -، وبقي مقيماً فيها إلى أن توفي بكر، فولاه الأمير السعيد نصر ولاية هذه البلدة عام (315) فأرسل أسفار إلى مرداويج بن زيار يستدعيه فحضر لديه فجعله أمير الجيش وقصدوا طبرستان فاستولوا عليها وطردوا ماكان.
وما أن استولى أسفار ومرداويج على طبرستان حتى ثار الحسن بن القاسم العلوي بالري فاستولى عليها وطرد منها أصحاب الأمير الساماني، ثم استولى ـ بمعونة ماكان بن كالي ـ على قزوين وزنجان وأبهر وقم، وسار إلى طبرستان فالتقى بجيوش أسفار عند ساريه فاقتتل الطرفان قتالاً شديداً أدى إلى هزيمة الحسن وقتله وفرار ماكان وسائر أصحابه».
ثم تقدم الأمر بأسفار فاستولى على الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرج، بالإضافة إلى جرجان وطبرستان اللتين كانتا تحت حكمه، واستولى بمكيدة له على قلعة (الموت) وكانت على جبل شاهق من ـ جبال الديلم ـ ودعا في سائر هذه البلدان لصاحب خراسان، ثم دعاه الغرور بما تمّ له من سلطان كبير إلى العصيان على الأمير السعيد صاحب خراسان، وكادت أن تقع الحرب بينهما لولا أن تنازل أسفار عن رأيه ودخل في طاعة الأمير مرة أخرى بشروط فرضت عليه.
وسار أسفار في دولته سيرة فاسدة كلها ظلم وجور وسلب ونهب فثار عليه أمير جيشه مرداويج بمعونة بعض القادة الواعين الذين ساءتهم سيرة صاحبهم، فقتلوا أسفار ـ في تفصيل لا يسعه البحث ـ واستنجدوا بماكان بن كالي ـ وكان مقيماً بطبرستان ـ فلباهم واتصل بهم.
وتوسع ملك مرداويج بعد قتل أسفار توسعاً عظيماً فملك قزوين والري وهمذان وكنكور والدينور ويزدجرد وقم وقاشان وأصبهان وجرباذقان، وحلا له بعد أن تمّ له الاستيلاء على كل هذه البلدان أن يملك طبرستان وجرجان وكانت تحت حكم صاحبه ماكان، فنقض مرداويج العهد واقتحم طبرستان فانهزم ماكان إلى الديلم ثم فر منها إلى نيسابور ودخل في طاعة الأمير السعيد وانتقل بعد ذلك إلى خراسان بجوار أميره نصر.
وكان في جملة قواد ماكان ـ أيام حكمه ونفوذه ـ أخوة ثلاثة هم علي والحسن وأحمد أولاد أبي شجاع بويه الديلمي، ولما رأوا ضعفه وتردي وضعه صارحه علي والحسن ابنا بويه فكان مما قالا له: «نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلاً عليك وعيالاً وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفف عنك مؤنتنا فإذا صلح أمرنا عدنا إليك، فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج واقتدى بهما جماعة من قواد ماكان وتبعوهما فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول وخلع على ابني بويه وأكرمهما، وقلد كل واحد من قواد ماكان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل».
(رابجع: البويهيون) وراجع: طبرستان. وراجع) الزيدية.
محمد حسن آل ياسين
الديلم والديالمة
ـ 2 ـ
كلمة ديلم
كلمة ديلم في اللغة الفارسية تعني آلة من حديد لثقب الأحجار والجدران وما إلى ذلك، طولها حوالي متر واحد وقطرها سنتيمان أو أكثر وكذلك هي آلة تعمل على الهواء المضغوط، وهي أيضاً: الإزميل أمّا في العربية فإنها تؤدي معنى العدو، وعندما يُقال: إن فلاناً من الديالمة فالمقصود أنه من الأعداء ومعناها أيضاً: الجماعة من الناس أو السواد من الناس أو من أي شيء آخر وتستعمل أيضاً للسواد مطلقاً)[225](.
وتستعمل كلمة ديلم أحياناً في الفارسية بمعنى الحارس وحارس السجن خاصة؛ والخادم.
ويمكن القول أن كلمة ديلم إذا استعملت في اللغة العربية فمعناها الأسود والسواد فيكون عندئذٍ أصلها عربي وإذا استعملت بمعنى العدو أو الجماعة من الناس فإنها مأخوذة من اللغة الفارسية ويراد منها التشبيه. وإذا ما أطلق على أحد كلمة ديلم أو الديلمي وكان يُراد منها العدو، فإنها تعني أنه كالديالمة في العداوة والبغضاء والحقد وإذا وصفنا الجماعة بالديالمة فيراد من ذلك كثرة عددهم أو حقدهم.
والمعروف أن العرب في صدر الإسلام كانوا يعرفون الديالمة الذين لم يعتنق أكثرهم الدين الإسلامي حتى بداية القرن الرابع بأنهم شعب شجاع وجسور وأنهم خطرون جداً في العداوة وإذا ما راجعنا كتب الأدب واللغة والتاريخ يتأكد لنا ذلك. قال الجاحظ إن العرب كلما أرادوا أن يصفوا جماعة بعداوتهم اللدودة يقولون: ما هُم إلاَّ التُرك والدّيلَمْ)[226](: وأمّا سبب استعمال كلمة ديلم للحارس والسّجان فيعود إلى أن الديالمة بالرغم من أنهم لم ينقادوا لسلطة الساسانيين فإنه كان يُعتمد عليهم كما أن شجاعتهم كان يُضْرب بها المثل ولهذا السبب كان الساسانيون يستخدمونهم كحراس للملك أو حراس للسجون. وكان المقصود من ديلم والديالمة في القرون التالية حتى القرن السابع والثامن تلك الجماعة من المحاربين والعساكر والرجال الأقوياء)[227](. وعلى أية حال، فإن كلمة الديالم تطلق على جيل الإيرانيين، يعيشون في ديلمستان، وكان هذا الجبل قائماً حتى القرن الثامن الهجري وهو منفصل عن الجيل الذي يسمى بـ (گيل). ففي القرن الثامن قتل السادة الكيائيون جمعاً كبيراً من هؤلاء الديالمة ويبدو أن من تبقى منهم اندمجوا مع شعب الگيل وأن الگيلانيين حالياً هم أبناء وأحفاد ذينك الجيلين. وهناك في إيران عدة مناطق يطلق عليها اسم ديلم وديلمان: 1 ـ ديلم ناحية في بوشهر شمال غرب المدينة وقصبة ميناء ديلم هي مركز تلك الناحية وتبعد 232 كيلومتراً شمال غربي بوشهر. 2 ـ ديلمان من كلمة (ديلم) وكلمة (ان) معناها مكان الديالمة، قرية في ناحية سياهكل من مدينة لاهيجان. 3 ـ وكانوا قديماً قد أطلقوا على منطقة گيلان، ديلم وديلمستان. 4 ـ ديلمستان منطقة من أعمال مدينة سلماس وتسمى اليوم ديلمقان)[228](.
قال ياقوت الحموي، يعتقد المؤرخون أن اسم جيل الديلم مأخوذ من اسم الأرض التي كانوا يعيشون فيها)[229](.
أرض الديلم
تعتبر أرض الديلم، اليوم قسماً من گيلان ولكن عكس ذلك ففي العصور القديمة خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين (في عصر البويهيين) كانت گيلان قسماً من الديلم. وكان علماء المسالك والممالك)[230]( آنذاك يطلقون على مازندران وگرگان، اسم الديلم. قال المقدسي: إن الديلم كانت تُقسم إلى خمس كُوَر بدءاً من جانب خراسان وهي قومس (حوالي دامغان) ثم گرگان (ما يسمى اليوم بگنبد قابوس وضواحيها بما في ذلك استرآباد التي تسمى اليوم (گرگان) وطبرستان (مازندران) وديلمان (گيلان حالياً) والخزر وأن البحيرة (بحيرة الخزر) تقع داخل هذه المناطق عدا قومس التي تقع في المنطقة الجبلية بين الري وخراسان وأن منطقة مازندران تفصلها عن البحيرة)[231](.
وجاء في كتاب حدود العالم أن الديلم كان يحدّها شرقاً منطقة خراسان وجنوباً المناطق الجبلية (تلك المنطقة التي كانت تسمى سابقاً عراق العجم) وغرباً آذربايجان وشمالاً بحر الخزر.
إلاّ أن غالبية علماء الجغرافيا كانوا يطلقون اسم الديلم على منطقة صغيرة حوالي منطقة (رودبار) حالياً (الواقعة على طريق قزوين إلى رشت وتُعرف باسم رودبار الزيتون) المتصلة بمنطقة گيل. (رشت وضواحيها) وكان يفصل بينها وبين قزوين سلسلة من الجبال)[232](.
وكانوا أحياناً يعتبرون منطقة گيل ضمن منطقة الديلم. وعندما يتحدث ابن الفقيه عن حدود آذربايجان، فيكتب أن حدها الشرقي يتصل بالديلم)[233](. في حين إذا كان يعتبر گيل منفصلاً عن الديلم، كان عليه أن يعتبر گيل الحد الشرقي لآذربايجان. أمّا الأصطخري فيقول أن حدود الديلم هي جنوباً قزوين وطرم (تارم) وقسم من آذربايجان (يجب الإمعان في هذه العبارة، ربما كان يقصد بها حدود منطقة خمسة) وجانباً من ناحية الري ومن الشرق جانباً آخر من الري وطبرستان، ومن الشمال بحر الخزر ومن الغرب جانباً آخر من آذربايجان ومنطقة ران)[234]( (أي أران وكانت ضمن القوقاز). وكانوا في بعض الأحيان يزيدون من مساحتها في الحد الجنوبي ويعتقدون أن طالقان وقزوين كانتا ضمن الديلم)[235](. وقد يحتمل أن الإصطخري لهذا السبب اعتبر جانباً من الري، حداً جنوبياً للديلم، حيث كانت طالقان تعتبر داخل حدود الري.
ويستفاد من بعض الكتب من القرنين الثالث والرابع أن الري كانت تحت سيطرة الديلم وذلك عند الفتوحات الإسلامية. ويقول ابن الفقيه أن عمر كتب إلى عمّار بن ياسر، عامله على الكوفة أن أرسل عروة بن زيد الخيل مع ثمانية آلاف من الجندُ إلى الري ودشتي)[236](. فتوجه عروة إلى تلك الناحية، وقد جمع الديالمة قواتهم لمواجهته، وساعدهم في هذا الأمر أهالي الري)[237](.
ويستفاد من عبارة من كتاب ابن الفقيه أن قزوين كانت بيد الديالمة. وجاء في كتابه أنه قبل أن نصل إلى آمل عن طريق منطقة الديلم بخمسة فراسخ توجد مدينة تسمى ناتل وإذا عبرنا هذه المدينة نصل إلى جالوس وهي ضمن حدود الديلم)[238](.
إذا نستخلص من مجموع ما تقدم مع الأخذ بنظر الاعتبار الخريطة الموجودة في كتاب المسالك والممالك للأصطخري بأن ديلمستان كانت منطقة واسعة تشتمل على المناطق الجنوبية من گيلان حالياً إلى قزوين وكانت تضم أيضاً رودبار الزيتون التي تقع على طريق قزوين إلى رشت ورودبار الموت وجميع المناطق الجبلية إلى مازندران.
أصل الديالمة ونشأتهم
كان الديالمة يحسبون دائماً ضمن الشعب الإيراني ولكن كيف كان أصلهم وكيف سكنوا جبال الديلم فإننا لا نعرف عن ذلك شيئاً عدا ما ذكره ابن الفقيه في كتابه حيث يقول: لما اعتقل فريدون، الضحاك في يوم مهر من شهر مهر (أي يوم المهرگان) وقيده بالسلاسل والأغلال، واعتقل أيضاً الرجل الذي كان مسؤولاً عن قتل الشبان (والمعروف أن جرحين أليمين كانا على كتفي الضحاك وكان علاجهما هو أن يضعوا مخ شابين عليهما ليهدأ الآلم ولذلك كان يجب قتل شابين يومياً) فقال له فريدون سأقتلك كما كنت تقتل الشبان. فقال الرجل إني كنت عملت عملاً ترك لي حقاً. فسأله فريدون، ماذا كان ذلك العمل؟ فأجاب أن الضحاك كان يأمر بقتل شابين يومياً، ولكني كنت أقتل واحداً منهما وأطلق سراح الشاب الآخر. فسأله فريدون أين إذاً أولئك الذين أطلقت سراحهم؟ قال: اركب معي لأدلك أين هم، فركب فريدون وأخذه الرجل إلى جبال الديلم وأشار إلى أولئك الذين أفرج عنهم حيث كانوا قد تناسلوا وازدادوا عدداً وقال: هؤلاء هم الذين أنقذتهم من الموت. فقال فريدون كفانا الذين أطلقت سراحهم لقد عينتك حاكماً عليهم)[239](. وهذا الرجل كان أول حاكم على الديلم. إلاَّ أن التاريخ لا يعترف بهذه الأسطورة، وربما يأتي يوم نعثر على دلائل تؤكد ذلك.
لغة الديالمة ولهجتهم
كان الديالمة وحكامهم، في عهد البويهيين يتكلمون اللغة الفارسية ولكن تشير بعض الأدلة إلى أنه كانت لهم لهجة خاصة بهم. يقول الأصطخري أن لغة أهل الديلم ليست عربية ولا فارسية)[240](. ولكن مما لا شك فيه ونظراً لبعض الألفاظ الباقية من لغتهم فإنه يجب اعتبارها واحدة من لهجات اللغة الفارسية والمؤكد أن اللهجة الگيلگية هي نفسها اللهجة الديلمية لأن الديالمة والگيل كانا في القرنين الثامن والتاسع الهجريين سلالة واحدة وأن الديلم انصهروا تدريجياً في الگيل. والدليل على أن اللهجة الديلمية هي واحدة من اللهجات الفارسية هو ما كتبه ناصر خسرو وحيث يقول: «كان في مدينة سمنان رجل من أهل العلم يسمونه الأستاذ علي النسائي، وكان يتكلم باللغة الفارسية على لغة أهل الديلم)[241](» والدليل الآخر هو بعض الأبيات من الشعر الباقية إلى يومنا هذا من اللهجة الديلمية وتؤكد بوضوح أن هذه اللهجة هي من لهجات اللغة الفارسية.
ويبدو مما جاء في كتاب حدود العالم أن لهجات مختلفة كانت موجودة في الديلم والگيل. ويقول الكتاب أن الديلم منطقة فيها لغات مختلفة والظاهر أن القصد من الديلم هو معناها العام الذي يشتمل على گيلان ومازندران وگرگان.
الأسماء الخاصة بالديالمة
إن الأسماء الباقية من الديالمة في الكتب الإسلامية منذ التوغل الإسلامي في الديلم تدل إلى حدٍ ما على ألفاظ خاصة بلهجتهم، ويبدو أنهم كانوا يختارون أسماء أطفالهم من الكلمات الموجودة في لهجتهم. لقد نقل المسعودي أسماء عدد من قادة ماكان ابن كاكي الديلمي.. ننقلها نصاً: مُشيز، تالجين، شركلة إشكرَى، هَشُونه بن إومكَرَ)[242](. ونشاهد في كتاب تجارب الأمم لمسكويه وكتاب رسوم دار الخلافة وكتاب معجم الأدباء، أسماء أخرى.. وهي.. كَردُويه، وهسودان، جستان، شهر كويه، ذُرِنتا، شيري، زيار، خواشاذه، لشكرى، مردي، فولاد، مانادر، كَبات، ديكُونه (من الأسماء الخاصة بالبنات) پولاد دريديد أوپولاد ذريد (اسم لسلالة أو مجموعة الديالمة) شيرك، نيباك، ماكرَد، أميدوار، شيرزاد، كورموش، شيردل، اسبهام، لشكريستان شهريستان، روستاباش، سرخاب، شيرانگبين، روزمان، جوانگوله، ذِزَبر، ونداسفجان، ميتشكي، شهپيروز، شيراسفار (شيرسوار)، لشكرورز، بياده، ولكين، خورشيد، جوانمرد، سرهنگ، سياهجنك، سيامرد، بَلكا، رَبَنَبْر، بوريش، روزبهان، وَنُداخورشيد. وذكر التنوخي أسماء أخرى من الديالمة، والگيل منها على سبيل المثال؛ سوريل اسم لأحد قادة الديالمة وكردكُ نقيب ديلمي وأبو الحسن شيرمودي بنُ بلعباس قاضي، الديلم وحلوز بن باعلى وتكيدار بن سليمان قائد گيلي)[243](.
وذكر ابن الفوطي في كتابه بعض الأسماء من الديالمة.. منها.. شيرويه بن شهردار الديلمي، گرشاسب بن مردآويج بن لياشير الديلمي، من قادة القرن الخامس)[244](. ومن الألفاظ التي كان يستخدمها الديالمة.. كلمة أشتُلُم بمعنى القوة والحدة)[245]( وتستخدم هذه الكلمة حالياً بنفس المعنى، وكلمة لوُك بمعنى جيد وحسن. ويقول المقدسي لما كنت في الديلم كانوا يقولون عني بلهجتهم الخاصة: لوك معلم يعني العالم الجيد)[246](.
صفة أهالي الديلم
يقول أبو الفضل بن العميد وزير ركن الدولة الذي كان قد عاشر الديالمة واتصل بهم عن قرب، يقول في صفتهم، أنهم أناس حاسدون وطماعون، ما تمكن أحد أن يحكمهم إلاّ إذا استغنى عن الزينة والأنانية ولا يجرهم إلى البَطَر والغرور والمال والمنصب ولا يرغمهم على الحسد ضد الآخرين ولا يتظاهر بينهم ويبدو وكأنه من الطبقة المتوسطة. وكل من يدعوهم إلى جانبه ويظهر نفسه أكثر مما هو عليه سيحسدونه ويسعون إلى القضاء عليه وينتهزون الفرصة ليفاجئوه وعندما يشعر بأنه أكثر أماناً، يطغون عليه. الديالمة أناس شجعان ومتهورون وكانوا قبل اعتناقهم الدين الإسلامي من ألد أعداء المسلمين، ولهذا السبب كان الذين ينذرون أنفسهم للذهاب إلى الحدود الفاصلة بين الكفار والمسلمين للدفاع عن الثغور الإسلامية ويصدّون هجوم الكفار كانوا يفضّلون الإقامة في مدينة قزوين التي كانت من أهم مناطق الديلم الحدودية لأن الديالمة كانوا أشد الكفار مهابةً، ولهذا السبب: فهناك الكثير والعديد من الأحاديث والأخبار عن الإقامة في قزوين وكانوا يطلقون عليها اسم باب الجنّة.
ومن أهم صفات الديالمة هي طاعة الصغار للكبار طاعة مطلقة وتواضع الصغار أمام الكبار حيث أن الأصغر ولو كان ملكاً كان ينحني ويقع أرضاً أمام والده أو شقيقه الأكبر ولا يجلس أمامهما ويقف مكتوف اليدين. على سبيل المثال أن مرزبان بن محمد المعروف بالسالار وهو من حكام الديلم وأحد المنافسين لركن الدولة، عندما عزم على مهاجمة الري، قرر أن يستشير والده محمد وأخاه وهَسودان. ولما وقع نظره على أبيه، خرّ على الأرض وقبّل الأرض، ثم أجلس والده في صدر المجلس ووقف أمامه ورفض الجلوس.
صفة الديلم والديالمة
حسب اعتقاد الأصطخري
أمّا الأصطخري وهو من أشهر علماء الجغرافيا في النصف الأول من القرن الرابع فقد وصف الديلم والديالمة كما يلي:
الديلم ينقسم إلى قسمين: السهل والجبل، أمّا في السهل فيعيش الگيل وتمتد أرضهم من جبال الديلم حتى البحر. وأمّا الجبل فخاص بالديلم وتتألف هذه المنطقة من الجبال الشاهقة الوعرة. ويقيم ملك الديلم في منطقة رودبار (أي رودبار گيلان) ويحكمها الآن آل جستان (لقد حكم في الديلم عدة سلالات منذ القرون الهجرية الأولى وجاء أسماء بعضهم في كتب التاريخ الإسلامي).
وتوجد في أرض الديلم وخاصة في منطقة الكيل، الأشجار والغابات الكثيرة وأن القرى والأرياف تقع في الأراضي السهلة، ومهنة أهالي الديلم هي الزراعة وتربية المواشي، ولغتهم لا عربية ولا فارسية (أي لهجتهم الخاصة) وقد سمعت أن بعض الگيلانيين يتكلمون بلغة لا هي باللهجة الگيلگية ولا الديلمية. وأهل الديلم أغلبهم ضعفاء الجسم، ذوو شعر قليل، عجولون وغير مبالين. وكانت الديلم حتى عهد الحسن بن زيد منطقة غير إسلامية. وفي ذلك العهد أسلم جماعة منهم وما زال (النصف الأول من القرن الرابع) البعض الآخر منهم غير مسلمين)[247](.
المقدسي
يقول المقدسي وهو من أكبر علماء المسالك والممالك في القرن الرابع وهو يصف أهالي الديلم: إن الديالمة يحترمون كبارهم وهم رحماء مع الضعفاء ويتمتعون بمرتبة عالية في الفقه والحديث، أقوياء وشجعان في الحرب، ساحاتهم طاهرة ولهم آداب طيبة، وجوههم جميلة ولحاهم جيدة، لهم آداب وطقوس عجيبة منها أنهم لا يزوجون بناتهم لغيرهم، كنت يوماً في أحد الأسواق، فشاهدت بنتاً تهرب ورجلاً شاهراً سيفه يلاحقها فسألت عن السبب، فقال الرجل إنها اختارت زوجاً من غير الديالمة وأن قتلها واجب. وفي المآتم لا يضع الديالمة على رؤوسهم شيئاً ويجتمع بعضهم حول البعض الآخر.
توجد في الأزقة والأسواق أماكن عالية يجتمع الديالمة فيها وهم يحملون معهم رماح قصيرة خاصة بهم. إن الديالمة يسمون الرجل العالم، معلماً، وكانوا عادة يقولون لي لوك معلم، ولوك معلم يعني العالم الجيد. وليس من عادة الديالمة أن يبيعوا الخبز، وكل من كان بحاجة إلى الخبز أو أي طعام آخر، يعطونه ذلك مجاناً في أيام الجمعة، وهم يقيمون الأسواق في القرى، وبعد الانتهاء من البيع والشراء، يجتمع الرجال والنساء في إحدى الساحات ويتصارع الشباب. وفي الأعراس، يجتمع الناس بعد الغروب وكل واحد منهم يحمل قنينة من ماء الورد ويشعلون النار أمام دار العروس ودار العريس ويلقي أحد الطاعنين في السن كلمة عن لسان العريس وآخر عن لسان العروس رداً على كلمة العريس ثم تُقرأ صيغة الزواج. وفي هذه اللحظة يلقون «قناني ماء الورد على الجدار، ويعطون طبقاً من الحلوى يسمونه آفروشه، لكل من يحمل بيده قنينة من ماء الورد (وتُصنع هذه الحلوى من الطحين والسمن والدبس).
نساء الديالمة لا تخرجن من بيوتهن في النهار، ويخرجن في المساء وهن مرتديات عباءة سوداء. والمرأة التي توفي زوجها وأصبحت أرملة لا تتزوج بعده وإذا ما تزوجت فإن الأطفال يطرقون باب بيتها بالخزف)[248](.
الديلم والديالمة
ـ 3 ـ
المقصود من الديلم وجمعه ديالمة، طائفة من سكان القسم الغربي من الولايات الساحلية لبحر الخزر وقد يأتي ذكرهم عادة في الكتب القديمة مع طائفة أخرى وهي طائفة الگيل أو الجيل أو گيله أو گيلك. وقد مدَّت هاتان الطائفتان حدود سلطتهما عندما تمتعتا بالقوة إلى گرگان من الشرق وارّان من الشمال وقزوين من الجنوب.
وتقسم الأراضي الساحلية لبحر الخزر كما تبدو من الناحية الجغرافية إلى قسمين منفصلين الأول المناطق الجبلية والثاني السهول الواقعة بين جبال البرز والبحر، أمّا الگيل فكانوا يعيشون في المناطق الجبلية. وكانوا يطلقون على الأراضي التي تعيش فيها طائفة الگيل، گيلان بينما كانوا يسمون المنطقة التي يعيش فيها الديلم، ديلمان. وقد توسعت گيلان رويداً رويداً وكانت تطلق على منطقتي الگيل والديلم وبقيت كلمة ديلمان تطلق على قصبة في هذه الناحية فقط.
أمّا الديلم: فكانت لها معانٍ عدة لدى المسلمين، فمن جهة لما كان الديالمة لم يعتنقوا الإسلام إلى فترة من الزمن وكانوا يهاجمون ثغور البلاد الإسلامية ويسببون المشاكل الكثيرة فإن كلمة الديلم كانت تعني بالعربية «العدو» كما كانوا يقولون هو ديلمٌ من الديالمة. ومن جهة أخرى لما كان المسلمون يأخذون الأسرى من الديالمة في حروبهم معهم وكانوا يبيعون هؤلاء الأسرى كالغلمان والخدم فإن كلمة الديلم كانت تعني الخادم والغلام كما هو الحال في كلمة الهنود والزنگي والرومي والترك والصقلبي.
ويبدو من الحكاية التي نقلها التنوخي وقد لخصناها في الفصل الخاص بالتزوير والتدليس أن الديالمة كانوا يحلقون رؤوسهم بأسلوب خاص ولما كانوا يأكلون الثوم بكثرة فإن رائحة كريهة كانت في فمهم)[249](. ويبدو من كتابات مسكويه أن الديالمة كانوا يُعرفون من الملابس الخاصة التي كانوا يرتدونها ويلبسونها)[250](.
الديلم والديلمان في
الشعر الفارسي القديم
لقد جاء ذكر كلمة الديلم وأهلها في الأشعار الفارسية والعربية القديمة. كما أن الشاعر الإيراني فخر الدين أسعد الگركاني في القرن الخامس الهجري قد أشار إلى كلمة الديلم وسكان هذه المنطقة في منظومته الشعرية ويس ورايين المأخوذة من اللغة البهلوية الخاصة بالعصر الساساني.
الديالمة في العهد الساساني
لم نحصل على معلومات دقيقة ووثيقة عن الديلم وحالة الديالمة في العصر الساساني، إلاَّ أنه وقد تأكد تقريباً أن الديالمة لم يكونوا في العصر الساساني تحت سلطة ملوك هذه السلالة، فإن منطقتهم الجبلية كان من الصعب السيطرة عليها، ومن جانب يهاجمون الأراضي المجاورة متى سنحت لهم الفرصة وكانوا يقتلون وينهبون أهاليها.
وكان للملوك الساسانيين حصنان منيعان على حدود الديلم للحيلولة دون هجوم الديالمة. واحد منها قزوين والثاني جالوس وكانت هاتان المدينتان من المدن الحدودية مع الديلم في العصر الإسلامي وكان فيها دائماً جماعة من المحاربين المسلمين المرابطين هم على أهبة الاستعداد)[251](.
ويروي الدينوري في كتابه، أن أرض الديلم كانت في عهد الساسانيين ملجأ الذين يغضب عليهم الملوك)[252](. وهذا دليل آخر على أن الديالمة لم يخضعوا لسلطة الساسانيين.
كان للديلم حكامٌ آنذاك لم نعرف أسماؤهم ولا حالتهم بوضوح، ويقول السيد ظهير الدين في كتابه تاريخ طبرستان أنه في زمن يزدجرد، آخر ملوك الساسانيين، كان يحكم الگيل والديلم ورويان حاكم اسمه گاوباره)[253](، وأمر يزدجرد، كبار الكهنة أن يحققوا في أصله ونسبه، وقالوا له أنه من أحفاد جاماسب ومن بني أعمام الأكاسرة، فأعطاه يزدجرد حكومة طبرستان)[254](. وبهذا يتبين أن ملوك الساسانيين كانت لهم سلطة على الديلم.
ومن المؤكد أن الديالمة وبالرغم من عدم انقيادهم فقد كانوا موضع ثقة الساسانيين ولهذا السبب فإن خسرو پرويز جاء بأربعة آلاف منهم إلى العاصمة وكان هؤلاء يشكلون خدمه وحشمه)[255](.
وكان الديالمة يشكلون قسماً من عساكر الساسانيين وأن بعض قادة الجيش كانوا من الديالمة. منهم وَهَرز الذي ذهب مع جيش من أهالي الديلم وبأمر من أنوشيروان إلى اليمن لمساعدة سيف بن ذي يزن وفتحها وطرد الزنوج الذين كانوا قد هاجموا اليمن من الحبشة وأعاد السلطة إلى سيف بن ذي يزن ـ وقد أقام وَهَرز وجنوده في اليمن وبقوا فيها)[256](.
الديلم بعد الإسلام
يقول البلاذري أن خسرو پرويز جاء بأربعة آلاف من الديلم إلى العاصمة وجعلهم من خدمه وحشمه الخاصين. وقد بقيت هذه المجموعة على حالها بعد خسرو پرويز أيضاً إلى أن وقعت حرب القادسية حيث انضموا إلى جيش رستم (رستم فرخزاد، قائد الجيش الفارسي) وبعد هزيمة الجيش الفارسي، انفصل هؤلاء الأربعة الآلاف عن بقية الفرس، وقال بعضهم للبعض الآخر، نحن لسنا كالآخرين ولا ملجأ لنا وأن الجيش الفارسي لا يثق بنا، فالأفضل أن نعتنق الإسلام لتكون لنا العزة والشرف. وعندما رأى سعد بن أبي وقاص انفصال هؤلاء عن بقية أفراد الجيش الفارسي، سأل عن السبب فجاءهم المُغيرة بن شعبة وسألهم عن حالهم، فشرحوا له أحوالهم وقالوا له نحن نقبل دينكم. فعاد المغيرة وأبلغ سعداً بذلك، فأعطاهم الأمان واعتنق هؤلاء الدين الإسلامي)[257](.
ويقول البلاذري في مكان آخر أن هؤلاء الأربعة الآلاف طلبوا الأمان شريطة أن يذهبوا أينما أرادوا ويتعاهدوا مع أي من أرادوا وأن تكون لهم حصة من بيت المال. فقبل المسلمون هذه الشروط وخصصوا لهم المكان الذي طلبوه وقرروا لهم ألف ألف درهم ونصبوا عليهم حاكماً كان يسمى ديلم. وسميت هذه المجموعة بحمراء الديلم)[258](.
وقد أرسل زياد بن أبيه جمعاً من هؤلاء إلى الشام فكانوا يسمونهم هناك بالفُرس. وأرسل جمعاً آخر إلى البصرة والتحقوا هناك ببقية الفرس الذين كانوا يسمونهم (الأساورة). ويقول أبو المسعود أن العرب يسمون الفرس (المقيمين في الكوفة والبصرة وبقية البلاد العربية) بالحمراء)[259](.
وكانت هذه المجموعة من الفرس المقيمين في الكوفة، مصدراً لكثير من الأمور ذات الشأن، منها إدخال بعض الألفاظ الفارسية إلى العربية، مثلاً كان العرب يسمون مفترقات الطرق. شهارسوج (جهارسو بالفارسية) )[260](. ثم أنهم شاركوا بصورة فاعلة في الانتفاضات التي حصلت بعد واقعة كربلاء.
ويقول الدينوري أن عشرين ألفاً من الفرس كانوا في جيش إبراهيم بن مالك الأشتر الذي ذهب لمحاربة عبيدالله بن زياد بأمر من المختار وكانوا يسمون «الحمراء» وكان أفراد هذا الجيش لا يتكلمون إلاَّ باللغة الفارسية)[261](. والمعلوم أن اعتناق الديالمة للدين الإسلامي وإقامتهم في البلاد الغريبة بدأ منذ عهد الرسول الأكرم (ص). وقد ذكرنا أن أحد القادة من الديلم ويدعى وَهَرز ذهب مع جيش من الديالمة إلى اليمن بأمر من أنوشيروان وطرد الأحباش من هناك وأعاد الملك إلى سيف بن ذي يزن. وقد بقي الجيش المذكور في اليمن وكان سكان اليمن يسمون هؤلاء بني الأحرار وتارة كانوا يسمونهم الأبناء. وكان لفظ الأبناء يطلق على أولاد أفراد هذا الجيش إلى أبناء الأحرار)[262](.
وبعد ظهور الإسلام، جاء ممثلون من اليمن إلى الرسول الأكرم (ص) وأسلموا. وبعث الرسول (ص) ممثلين عنه إلى اليمن ليعلموا أبناء اليمن تعاليم الدين الإسلامي. وكان الفرس المقيمون في اليمن آنذاك ما زالوا على دين زردشت. وكان النبي (ص) قد قرر أن يدفع كل مجوسي في اليمن (أبناء زردشت) قد بلغ أشده رجلاً كان أو امرأة ديناراً واحداً جزية)[263](.
الأسود العنسي والديالمة
المقيمين في اليمن
ادعى رجل كاهن يسمى عَيهَلَه النبوة في اليمن وجمع بعضاً من الناس حوله. ولما كانت بشرته سوداء كان يسمى الأسود فبعث الرسول الأكرم (ص) في العام الحادي عشر للهجرة، عام وفاته، جرير بن عبدالله البجلي إلى اليمن ليعرض الدين الإسلامي على عيهلة، إلاَّ أن الأسود رفض ذلك وكان رجلاً مغروراً كما كان يهين الفرس المقيمين في اليمن. ولما رفض قبول الإسلام، بعث النبي (ص) رجلاً يدعى قيس بن هبيرة الملقب بمكشوح إلى اليمن لمحاربته.
وكان الرسول (ص) قد أمر قيساً بالتعاطف مع الفرس (الأبناء) فذهب قيس أولاً إلى فيروز بن الديلمي الذي كان قد أسلم آنذاك. ثم ذهب إلى باذام الذي كان على رأس الأبناء (الفرس). ويعتقد البعض أن باذام كان قد توفي آنذاك وأن رجلاً يدعى داوديه كان يرأس الفرس فأسلم عندما ذهب إليه قيس، كما بعث ممثلين عنه إلى بقية الفرس ليسلموا وساعدوه في الحرب مع الأسود. حيث دخلوا إلى بيته عند الفجر عن طريق النهر أو عن طريق نقب أوجدوه وكان سكراناً نائماً قطع قيس رأسه وكان يصرخ كالبقر فاستوحش الحراس وسألوا ماذا جرى لرحمن اليمن؟ فردت زوجة الأسود (كانت فارسية اسمها مرزبانه وكان الأسود قد تزوجها كرهاً ولهذا السبب كانت حاقدة عليه) قائلة لا شيء، ينزل عليه الوحي. فسكت أصحاب الأسود. فقطع قيس رأس الأسود وأخذه إلى سطح حصن المدينة وفي الصباح أخذ ينادي: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن الأسود كذاب عدو الله: فلما اجتمع أنصار الأسود ألقى قيس رأس الأسود إليهم فتفرقوا. ويقول بعض الرواة أن فيروز بن الديلمي هو الذي قتل الأسود وقد مر قيس على جثته وقطع رأسه)[264](. نقل الطبري حكاية الأسود بالتفصيل… وأن ملحقه كما يلي:
بعد عشرين ليلة من ظهور الأسود، هاجمه شهر بن باذام (من الفرس المقيمين في اليمن). إلاّ أن الأسود قتل شهر وهزم الفرس الذين كانوا معه، وفوض أمر الفرس إلى فيروز الديلمي ودادويه. وبعد أن ثبت الأسود في مكانه، وأخذ يهين فيروز ودادويه وتزوج زوجة شهر التي كانت ابنة عم فيروز. يقول أحد الديالمة واسمه جشيش بن الديلمي أن وَبَرَ بن يُحَنّس حمل إلينا رسالة من النبي (ص) أمرنا فيها بالصمود في ديننا (وكان جشيش وأصحابه قد أسلموا من قبل) والنهوض لمحاربة الأسود. فذهبت أنا (جشيش) إلى زوجة الأسود وكانت تسمى آزاد وقلت لها يا ابنة العم، لا يخفى عليك العذاب الذي يلاقيه قومك من هذا الرجل (الأسود) لقد قتل زوجك وأسرف في قتل أبناء قومك واستهان ببقيتهم وهتك أعراض النساء. فأقسمت زوجة الأسود بأنها لا تكره أحداً في العالم كما تكره الأسود وتحقد عليه. وقالت أخبروني عن عزمكم، لأعلمكم عن خاتمة العمل. يقول: لقد خرجت من الدار وشاهدت فيروز ودادويه ينتظرانني، فرجعت إلى آزاد (زوجة الأسود) وأبلغتها عن عزمنا على قتل الأسود. فقالت آزاد ان الحراس قد حاصروا القصر في كل مكان عدا هذه الغرفة (وأشارت إلى الغرفة) وقالت خلف هذه الغرفة ينتهي إلى طريق كذا وليس هناك أي حارس.
عليكم أن تحفروا نقباً خلف هذا الجدار بعد غروب الشمس وادخلوا إلى الدار وعندها ليس أمامكم أي حائل لقتل الأسود. ففي هذا الوقت عزمت على مغادرة الدار فلقيت الأسود، فقال لي: من دخل بك إلى الدار؟ وضرب رأسي ضربة فوقعت على الأرض لأن الأسود كان رجلاً قوياً. فلما شاهدت زوجته هذا صرخت وقالت: إنه ابن عمي جاء ليزورني. وخلاصة القول أن جشيش وفيروز وأصحابهما نقبوا الجدار ليلاً وأن فيروز الذي كان أقواهم وأشجعهم قتل الأسود، فعند الفجر وقفت أنا (جشيش) للأذان ولما اجتمع أصحاب الأسود صرخت: أشهد أن محمداً رسول الله وأن عيهلة كذاب. ثم ألقينا رأس الأسود إليهم. وكتبنا إلى الرسول الأكرم (ص) بالأمر)[265](.
استيلاء الديالمة
على بعض المناطق
يبدو من كتاب تاريخ مدينة قم القديم (المؤلف في القرن الرابع الهجري) أنه في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، كان الديالمة يعتدون على المناطق المجاورة كلما سنحت لهم الفرصة ويقتلون الأهالي وينهبون الأموال. ويشرح الكتاب كيفية مجيء الأشاعرة العرب إلى مدينة قم فراراً من جور الحجاج.. ثم يقول أن خربنداد من أشراف منطقة أبرشجان (من محلات قم السبعة) جاء إلى الأحوص (من رؤساء الأشاعرة). وأن الأحوص عززه وأكرمه وأمر أن يقدموا له الخبز والحليب واللحم المجفف المُطعم بالزعفران والأباريز والدارسين. ثم سأل الحباب (وكان رجلاً ملازماً للأحوص، وكانوا يسمونه بالفارسية خوشنما وكان يجيد اللغتين العربية والفارسية) خربنداد عن اسمه. فقال: خربنداد، فقال الحباب للأحوص، يا بشرى إن معنى اسم هذا الرجل هو الجد السعيد أو الرجل السعيد. وكان الديالمة آنذاك (سنة 94 هجرية) يسطون على بلاد الجبل)[266]( وينهبون الأموال ويقتلون ويأسرون. وقد اتفق أن جماعة من الديلم حسب عادتهم هاجموا هذه المنطقة في يوم النيروز (النوروز) حيث كانوا يعلمون أن الأهالي في هذا اليوم يفرحون ويمرحون ويلعبون الصولجان. فتصدى لهم الأحوص ورجاله وهزموهم. فما كان من أهالي مدينة قم إلاّ أن رحبوا بالأحوص وقومه واستقبلوهم بالنقود والزعفران. فمنذ ذلك الوقت كان الأحوص ورجاله يتربصون للديالمة كلما حاولوا الهجوم على قم ورويداً رويداً انقطع الديالمة عن هذه المنطقة)[267](.
وكان الديالمة يسطون على ضواحي مدينة ساوه والمناطق المجاورة لمدينة قم. وجاء في تاريخ قم القديم (النصف الثاني من القرن الأول الهجري) أن الديالمة كان يسطون في كل عام على منطقة قريبة من ساوه وينهبون ويأسرون وأن هذه الجماعة من الديلم هاجمت قرية طخرود (تسمى اليوم تقرود وهي على مسافة أربعة فراسخ شمال غرب مدينة قم وكانت في الأصل تلخه رود) ونهبت الأهالي وأسرتهم. وهنا توجه العرب الأشاعرة من قم لمجابهة الديالمة وهزموهم)[268](. ويبدو أن الديالمة كانوا يهاجمون هذه النواحي من الطرق التي كانوا يعرفونها وفي غير هذه الحالة كان جيش قزوين والمرابطون يقفون أمامهم ويصدونهم.
صلة البرامكة بالديلم
يبدو من كتاب أبي الفرج الأصفهاني أنه كانت هناك صلة سرية بين البرامكة وأمراء الديلم وأن العلويين الذين كانت حياتهم مهددة من قبل الخلفاء، كانوا يلجأون إلى الديلم بإرشاد من آل برمك وتوصياتهم. ويقول أبو الفرج أن يحيى بن عبدالله بن الحسن بعد واقعة فخ)[269]( كان يعيش في الخفاء فترة من الزمن وكان يتجول في المدن متنكراً ريثما يجد ملجأ لنفسه. فعرف الفضل بن يحيى البرمكي مكانه فأرسل إليه بأن يخرج من مكانه ويتوجه إلى الديلم. وكتب رسالة وأعطاه إياها لكي لا يتعرض له أحد في الطريق. فذهب يحيى متنكراً إلى الديلم)[270](. ويقول أبو الفرج في مكان آخر: وسألوا يحيى لماذا اخترت الديلم على غيرها من المناطق والبلاد الأخرى؟ فأجاب، يبدو لي أن الديالمة سيقومون بمساعدة واحدٍ منا ضد الخلفاء وكنت أرجو أن أكون ذلك الواحد. ثم يشرح أبو الفرج الأصفهاني بعد ذلك ذهاب الفضل بن يحيى البرمكي إلى ولاية الري ونواحيها وإعطائه الأمان إلى يحيى العلوي وأخذه إلى بغداد دون علم الرشيد وكان هذا الأمر أحد أسباب الإطاحة بالبرامكة)[271](. وقد ذكر البيهقي في تاريخه بالتفصيل حكاية يحيى العلوي)[272](.
في عهد المأمون والمعتز
وفي عهد المأمون ذهب أبو دلف العجلي إلى حرب الديلم وفتح عدة حصون منها أقليم وبومج وأيلام وآنداق وعدة قلاع أخرى وفي سنة 253 أرسل الخليفة المعتز، موسى بن بُغا إلى الديلم لمحاربة آل أبي طالب الذين كانوا قد انتفضوا هناك ضد الخليفة. وكان الديالمة آنذاك قد اجتمعوا حول رجل علوي يدعى الكوكبي، (الحسين بن أحمد من أبناء علي بن الحسن (عليه السلام) وكانوا يدافعون عنه أمام جيش الخليفة)[273](. وكانت منطقة الديلم من أهم ملاجىء آل أبي طالب الذين كانوا يعيشون حياة قاسية صعبة منذ بداية خلافة العباسيين، لأن الوصول إلى منطقة الديلم كان شاقاً عسيراً للغاية كما أن أهالي الديلم كانوا يدافعون عنهم ويؤيدونهم، وقد ازداد ورود العلويين على الديلم في عصر المتوكل العباسي.
اعتناق الديلم للإسلام
لقد ذكرنا سابقاً الديالمة الأوائل الذين أسلموا خارج حدود بلاد الديلم (في اليمن) ومنذ بداية خلافة العباسيين وبعد أن أصبحت الديلم ملجأ لآل علي (عليهم السلام) بالتدريج، كان الإسلام قد فتح طريقه إلى هناك وكان عدد من ملوك وأمراء الديلم قد قبلوا الدين الإسلامي وساعدوا آل أبي طالب الذين انتفضوا في طبرستان)[274](.
وعلى الرغم من أن أغلبية أهالي الديلم كانوا قد تعرفوا على الإسلام بإرشاد آل أبي طالب واعتنقوه على أيديهم إلاّ أنه يبدو أن بعضهم قد اعتنقوا الإسلام عن طرق أخرى، فنرى أن حوالي خمسين ألفاً من الديلم كانوا في القرن الرابع من الحنابلة وكانوا يعرفون بأصحاب جعفر الحنبلي)[275](. وبالرغم من أن الديلم والگيل كانتا منطقة واحدة، وأن الگيل قسماً من الديلم في أغلب الأحيان إلاّ أنه وحسب تعبير المقدسي فإن أهالي ناحية الديلم كانوا في القرن الرابع من الشيعة وأن أغلبية أهالي الگيل كانوا من السُنّة)[276](.
وإضافة إلى ذلك فإنه حتى القرن الرابع قد برز من الديلم عدداً من العلماء ورجال الدين جاءت أسماؤهم في كتب الرجال والتراجم، وسنذكر عدداً منهم في فصل خاص.
على أن الإسلام لم يعم الديلم إلاّ على يد الطالبيين وبالأخص الحسن الأطروش منهم وعن الأطروش هذا يقول المسعودي: نهض الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حسن بن علي بن أبي طالب)[277]( الملقب بالأطروش في منطقة طبرستان والديلم وطرد المسودة)[278]( من هناك وكان ذلك في سنة ثلاثمائة وواحد للهجرة، ودعا الأطروش أهالي الديلم إلى الدين الإسلامي وأنهم قبلوا هذه الدعوة إلاّ القليل منهم حيث بقوا على دين آبائهم وظل هؤلاء (في عهد المسعودي في القرن الرابع) يعيشون في جبال الديلم وقد أسس الأطروش مساجد كثيرة في بلاد الديلم)[279](.
يقول ابن حَزم أن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروف بالأطروش وصل إلى الديلم حوالي سنة ثلاثمائة، وأن أهالي الديلم جميعهم أسلموا على يديه.
ويقول المقريزي أن الأطروش بقي بين أهالي الديلم مدة أربعة عشر عاماً ودعاهم إلى الإسلام، وآمن جمع كثير منهم ولقب بناصر الحق، وقد حرّض الديالمة لمساعدته للهجوم على مازندران. وبعد أن حارب حاكم مازندران، هزمه واحتل مازندران ودخل مدينة آمل في سنة ثلاثمائة وواحد للهجرة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اثني عشر عاماً كانت مازندران في سلطة العلويين ثم احتلها أمراء الديلم)[280](.
ويقول ابن الأثير أن الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين استولى في سنة 301 على طبرستان. دخل الحسن بن علي الأطروش الديلم بعد مقتل محمد بن زيد وبقي فيها ثلاثة عشر عاماً ودعاهم خلال هذه المدة إلى الإسلام فأسلموا واجتمعوا حوله وأسس الأطروش عدة مساجد لهم. وكان للمسلمين حدود أمام الديلم كمدينة قزوين ومدينة چالوس. وكان في چالوس حصن قوي أمر الأطروش بعد أن أسلم الديلم والگيل بهدمه. وكان الأطروش يدعو الديالمة للتعاون معه للهجوم على طبرستان ولكنهم كانوا يرفضون ذلك، واتفق أن أحمد الساماني عزل عبدالله من ولاية طبرستان ونصب مكانه رجلاً يدعى سلام. ولم تمض مدة طويلة حتى عُزل سلام من منصبه لسوء سياسته وسوء معاملته وجاء عبدالله ثانية إلاّ أنه توفي بعد مدة قصيرة وعيّن الأمير الساماني، رجلاً يدعى أبو العباس محمد بن إبراهيم الصعلوك لهذا المنصب. وكان سيىء الخلق والسيرة وقضى على التقاليد التي وضعها عبدالله وقطع الهدايا التي كانت ترسل إلى أمراء الديلم. فانتهز الأطروش الفرصة وحرّض أهالي الديلم ودعاهم للهجوم على طبرستان فاستجابوا لدعوته وهاجموا طبرستان فهزم الصعلوك في المعركة التي وقعت في مكان يسمى نوروز على مقربة من چالوس على ساحل البحر وقُتل ما يقارب أربعة آلاف من رجاله.
أمّا الديالمة الذين أسلموا على أيدي الأطروش، فكانوا من الذين يعيشون خلف نهر سفيد رود حتى منطقة آمل وكانوا شيعة، وكان الأطروش نفسه زيدياً وكان شاعراً ومن كبار العلماء وكان قدوة في الفقه والدين. وسبب تسميته بالأطروش هو أنه تلقى ضربة بالسيف على رأسه في الحرب مع محمد بن زيد ففقد سمعه)[281](.
رجال العلم والأدب الديالمة
بالرغم من أن الدين الإسلامي انتشر في الديلم في بداية القرن الرابع فإننا نشاهد رجالاً من الديلم كانوا قبل القرن الرابع في عداد المحدثين والعلماء والأدباء نذكر هنا بعضهم، علماً بأن أغلبية هؤلاء كانوا يعيشون خارج الديلم:
1 ـ ديلم الحِميري: هو ديلم بن فيروز ولنزوله في قبيلة حمير (من قبائل اليمن) فقد عُرف بالحميري. وكان في عداد صحابة رسول الله (ص) وقد سأل رسول الله عن الأشرِبة. وذهب إلى مصر ونقل أهل مصر الروايات منه. وهو أول من لقي رسول الله (ص) ممثلاً سكان اليمن. وكان له الدور الكبير في قتل الأسود الكذاب اليمني. وهو الذي حمل النبأ إلى المدينة. ولكنه وصلها بعد أن كان رسول الله (ص) قد توفي وهو ديلم بن هُوشَع.
وروى عنه ابنه عبدالله وكان يسمى فيروز وهو الذي قتل الأسود العَنَسي)[282](. ويقول ابن عبد البرّ أن ديلم الحميري الجيَشاني، هو ديلم بن أبي ديلم الذي يسمونه ديلم بن فيروز أيضاً وكان له كلام مع الرسول (ص) ـ إذاً فهو من الصحابة ـ وقد رُوي عنه حديث واحد حول الأشرِبة)[283](.
وقد جاء اسم فيروز الديلمي في كتب رجال الشيعة من الصحابة.
2 ـ الضحاك بن فيروز الديلمي ـ يقول السمعاني أن الضحاك روى عن أبيه فيروز وأن أبا وهب الجيشاني نقل الحديث عن الضحاك)[284](.
3 ـ نافع الديلمي ـ المتوفى سنة 117 وهو من علماء الحديث.
4 ـ يحيى بن زياد بن الديلمي ـ المعروف بالفرّاء ـ وكان الفرّاء أكثر علماً من جميع أهالي الكوفة في النحو واللغة. وكان قد تعلم النحو من الكسائي ودخل بغداد في عهد المأمون وألف كتاباً في أصول النحو بأمر من المأمون وطلب المأمون منه أن يعلم النحو لولديه)[285](.
5 ـ حمّاد بن أبي ليلى ـ شاپور الديلمي الكوفي المعروف بحماد الراوية من مشاهير علماء التاريخ واللغة في العصر الأموي وكان في الطبقة الأولى من علماء اللغة في الكوفة)[286](.
بعد القرن الرابع
أمّا في القرن الرابع وبعد ذلك فقد خرج الكثير من العلماء والأدباء من الديلم. نذكر عدداً منهم:
1 ـ أبو محمد الحسن بن موسى بن بندار الديلمي، ويقول السمعاني أنه كان شاباً أديباً فاضلاً وقد وصل بغداد في سنة 363 وقد روى الحديث عن عدد من الرجال كما روى أبو بكر البرقاني منه)[287](.
2 ـ أبو يعلى عثمان بن حسن الديلمي ـ المعروف بالطوسي من الفضلاء ومن أهل العلم والمعرفة توفي في سنة 367)[288](.
3 ـ الحمزة بن عبدالعزيز الديلمي الطبرستاني ـ المعروف بسلاّر (معرب كلمة سالار) من كبار الفقهاء، كان تلميذ الشيخ المفيد وله مؤلفات كثيرة وقد جاء اسمه في جميع كتب الرجال.
4 ـ شيرويه بن شهردار الديلمي ـ الموصوف بالحافظ من أفاضل عصره وله المؤلفات في الحديث والتاريخ ـ توفي في سنة 509)[289](. يقول ابن الفوطي أنه كان يعتبر نفسه من أحفاد الصحابي فيروز الديلمي)[290](.
5 ـ الأمير كيكاوس بن دَسمَر بن يار الديلمي الطبري، العالم الفاضل المجاز من الشيخ منتخب الدين صاحب الفهرست، توفي سنة 585. له كتاب في النجوم وكتاب آخر في مواعيد الصلاة)[291](.
6 ـ كوشيار الديلمي الگيلي: من كبار علماء النجوم والهيئة في القرن الرابع.
7 ـ الحسن بن أبي الحسن الديلمي من العلماء والعرفاء والزهاد في القرن السادس وله مؤلفات كثيرة منها كتاب إرشاد القلوب المعروف بإرشاد الديلمي.
8 ـ أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي ـ من كبار شعراء القرن الرابع. له ديوان مطبوع في أربع مجلدات. كان مهيار زرداشتياً وأسلم على أيدي الشريف الرضي في سنة 392، كانت وفاته في سنة 428 هجرية.
وعلى أي حال فقد أبرز الديالمة بعد خروجهم من منطقة الديلم الجبلية، كفاءتهم واستعدادهم ولياقتهم، لا في المناصب والمسؤوليات العلمية فحسب بل وفي المناصب والمسؤوليات العسكرية والشؤون الأخرى أيضاً. وقد أدوا خدمات جمة للخلفاء ومن بعدهم للبويهيين، ففي بداية عملهم وفي سنة 317 أوفد الخليفة العباسي أحد الديالمة ويدعى منصوراً مع حجاج بيت الله الحرام وتمكن أن يوصل الحجاج إلى مكة المكرمة بسلام)[292]( ويقول ابن الأثير أن منصوراً الديلمي كان المشرف على الحجاج)[293](.
بعض أمراء الديالمة
أيام البويهيين
هم جماعة من الأمراء الديالمة كانت لهم السلطة خارج أرض الديلم قبل البويهيين أو تزامناً مع ظهور البويهيين، والحديث التفصيلي عنهم خارج عن موضوعنا. يقول مسكويه في حديثه عن أحداث سنة 315 هجرية أن الديالمة ظهروا في هذه الأعوام. وأول من استولى منهم على الري هو ليلى بن نعمان وبعده جاء ماكان بن كاكي. وقد بعث أمير خراسان (الأمير الساماني) كتاباً إلى ماكان ودعاه إليه، فاستجاب ماكان لدعوة أمير خراسان وتوجّه إلى تلك الديار. وبعد ذهاب ماكان استولى أسفار بن شيرويه على الري.
بين البويهيين والسامانيين
السامانيون هم من أوائل من أسسوا حكومات مستقلة في إيران بعد الإسلام وبذلوا المساعي لنشر اللغة الفارسية وشجعوا الشعراء على نظم الشعر بها وكذلك الكتّاب على التأليف. أمّا البويهيون فلم يهتموا بالأدب الفارسي وشعره وكان اهتمامهم منصرفاً إلى اللغة العربية وآدابها.
كما أن البويهيين كانوا من أنصار آل علي ومن المؤيدين للمذهب الشيعي والسامانيون لم يكونوا كذلك وكانوا يضمرون العداء للعلويين أحياناً. ويفهم من إحدى رسائل أبي بكر الخوارزمي أنهم أنزلوا الضربات بآل علي.
ورغم كل هذا توجد بعض الدلالات التي تشير إلى أن السامانيين كانوا يهتمون بالمذهب الشيعي وبآل علي، كما توجد بعض الدلالات على أنهم كانوا في الباطن لا يرغبون بالعباسيين.
علي أصغر فقيهي
الديمقراطية من واقع التطبيق
كلمة (ديمقراطية) من المعرَّب الذي خضع لظاهرة تنقل الألفاظ وهو في طريقه إلى اللغة العربية، وأخضع في اللغة العربية لأصول التعريب، فقد قالوا هي في الأصل يونانية، مركبة من كلمتين، هما: (de mos) ومعناها (الشعب) و(Kratos) ومعناها (الحكم) أو (الحكومة).
ومن اليونانية انتقلت إلى اللغات الأخرى، ومن هذه اللغات التي انتقلت إليها اللغة الإنجليزية، وهي فيها (de mocracy) بلفظ قريب من الأصل اليوناني في نطقه.
ومنها الفرنسية، وهي فيها (de mocratie) ينطق فيه شيء من البعد عن الأصل اليوناني.
ومن الفرنسية انتقلت إلى اللغة العربية، وأخضعت لقواعد التعريب فكانت (ديمقراطية) بصيغة المصدر الصناعي مقصوداً به الاسم.
والترجمة الحرفية لها: (حكم الشعب) أو (حكومة الشعب)، ولكنها كنظام هي أوسع من هذا، ذلك أنهم نوّعوها بالنظر إلى واقعها على صعيد التطبيق إلى:
1 ـ الديمقراطية القديمة:
وهي الديمقراطية اليونانية التي لم تدم طويلاً، كما ذكروا في تاريخها.
2 ـ الديمقراطية الحديثة:
وتنقسم ـ أيضاً بالنظر إلى واقعها من حيث التطبيق ؛ إلى:
أ ـ الديمقراطية الغربية:
وهي القائمة ـ حالياً ـ في الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبا الغربية، وتتمثل خطوطها العامة في المبادىء التالية:
1 ـ مبدأ سيادة الشعب:
وتتمثل هذه السيادة في أن للشعب الحق في:
أ ـ اختيار رئيس الدولة وأعضاء حكومته، إما مباشرة أو عن طريق ممثليه.
ب ـ الموافقة على النظام الذي يتم تشريعه عن طريق فقهاء القانون.
ج ـ مراقبة الحكومة في مدى قيامها بوظيفة تنفيذ وتطبيق القانون تطبيقاً لا تعسف فيه.
2 ـ مبدأ كفالة الحريات الفردية في الرأي والتفكير في مجالي السياسة والاقتصاد.
3 ـ مبدأ المساواة أمام القانون فلا امتياز لمواطن على آخر.
وهذه المبادىء هي ما هدفت إليه الثورتان الفرنسية والأمريكية.
ب ـ الديمقراطية الشرقية:
وتقوم على المبادىء التالية:
1 ـ مبدأ سيادة الشعب.
2 ـ مبدأ العدالة في توزيع الثروة.
3 ـ مبدأ المساواة أمام القانون.
ولأننا ـ الآن ـ نعيش ونعايش تطبيقات الديمقراطية الحديثة سنكون معها في التعريف لما يراد بكل عنصر من عناصر كل قسم من قسميها.
وكما رأينا أن كلا القسمين يتفقان على أن المبدأ الأول هو سيادة الشعب.
ويعني هذا المبدأ ـ كما أسلفت ـ أن للشعب وحده الحق في:
أ ـ اختيار الحكومة.
ب ـ المصادقة على الدستور والأنظمة واللوائح والقرارات المتفرعة عنه.
ج ـ مراقبة الحكومة.
وكان هذا المبدأ (مبدأ سيادة الشعب) وبتفاصيله المذكورة ردّ فعل لما كانت تمارسه الحكومات الدكتاتورية قبل حدوث الثورات الديمقراطية.
وقبل أن نؤرخ مختصراً لذلك بما يلقي الضوء على أسباب ظهور هذا المبدأ (مبدأ سيادة الشعب) لا بد من تعرّف مفهوم الدكتاتور والدكتاتورية في العرف القانوني.
جاء في (المعجم القانوني) ـ لحارث الفاروفي طـ2 سنة 1996م: مادة Dictator ـ ما يلي: «ديكتاتور Dictator: من مَلَكَ السيادة والسلطة المطلقة في البلاد وكان له التصرف بشؤونها وسياستها كما شاء دون أن يعصى له أمر أو توجد في البلاد قوة أخرى تستطيع معارضته أو تملك حق تقييده أو مساءلته عما يفعل وإدانته».
وفي (معجم المصطلحات الفقهية والقانونية) للدكتور جرجس جرجس طـ1 سنة 1996م: مادة دكتاتور: «دكتاتور: هو الشخص ـ أكان سياسياً أو عسكرياً ـ الذي يتوصل بأساليبه الخاصة إمّا بانقلاب عسكري أو سياسي، وإمّا بطريقة شرعية، إلى استلام الحكم في بلده فيتحكم بكل دوائره السياسية واضعاً يده على السلطات الثلاث فيصبح الآمر والناهي والمنفّذ معاً».
وفي (الصحاح) للمرعشليين طـ1 سنة 1975م: مادة دكأ: «دكتاتورية Dictator ship: حكم الفرد أو الجماعة دون الالتزام بموافقة المحكومين.
ويرجع المصطلح إلى العهد الروماني القديم حين كان أعضاء مجلس الشيوخ يعينون في الأزمات القومية دكتاتوراً يتمتع بسلطان مطلق لمدة معينة».
وفي (معجم المصطلحات الفقهية والقانونية): «دكتاتورية: نظام الحكم الذي يهيمن عليه الدكتاتور فيتبع فيه سياسة التسلط والتحكم بالدولة والأفراد ويصبح الزعيم الأوحد في البلاد، ينبغي على جميع مواطنيه إطاعة واحترام سلطته، وكل من يخالفه يعاقب بالإعدام أو النفي».
وكل هذه التعريفات وأمثالها مستمدة من واقع سياسة الحكومات التي كان الناس في الغرب قبل الثورات الديمقراطية يعيشون أجواءها الجائرة.
ومن هنا ـ وبشكل طبيعي ـ كانت الثورات الديمقراطية الغربية في مجالها السياسي رد فعل لذلكم الواقع الدكتاتوري.
ولنأخذ مثالاً الثورة الفرنسية، قال البعلبكي في (موسوعة المورد) ـ طـ1 سنة 1981م: «الثورة الفرنسية French Revolution: سلسلة من الانتفاضات السياسية والاجتماعية الدامية عصفت بفرنسا في ما بين عام 1789 وعام 1799.
بدأت بهجوم الثوار على سجن الباستيل (14 يوليو 1789) وانتهت بقيام القنصلية)[294]( في 10 نوفمبر 1799.
من أبرز أسبابها:
1 ـ تركزُ السلطة السياسية في يد الملك والنبلاء ذوي الامتيازات.
2 ـ فقرُ الفلاحين ورزوحُهم تحت نير الاستبداد الإقطاعي.
3 ـ إفلاسُ الدولة بعد سلسلة طويلة من الحروب.
4 ـ تعاليمُ فلاسفة القرن الثامن عشر (وبخاصة روسّو ومونتيسكو) الداعية إلى الحرية والديمقراطية.
5 ـ نجاحُ الثورة الأمريكية)[295]( على نحو أثار مشاعر الفرنسيين وأوقع في نفوسهم الأمل في التخلص من أوضاعهم السيئة.
من أهم نتائجها:
1 ـ إلغاء الإقطاعية.
2 ـ إعلان حقوق الإنسان.
3 ـ تأميم أملاك الكنيسة.
4 ـ نشوب الحروب الثورية.
5 ـ الإطاحة بالنظام الملكي.
6 ـ قيام الجمهورية الفرنسية الأولى».
ومن المفروغ عنه ـ تاريخياً ـ أن الدكتاتوريات الغربية كانت تصادر الحريات الفردية، وتستولي على ثروات الأوطان وتتحكم في مقدرات شعوبها.
ولهذا وضع المبدآن الآخران ونُصَّ عليهما بشكل خاص، وهما: (إطلاق الحريات الفردية وكفالتها) في الديمقراطية الغربية و(التوزيع المنصف للثروة) في الديمقراطية الشرقية.
أمّا المبدأ الثالث الذي هو (المساواة أمام القانون) فَشُرَّعَ للقضاء على الامتيازات التي كان الحاكم الأعلى والمسؤولون الكبار يتمتعون بها.
وكما رأينا ـ وهو شيء واضح ـ أن الديمقراطية الحديثة انبثقت من واقع معاش فرض وجودها كرد فعل لمفارقات اجتماعية وأخرى اقتصادية وثالثة سياسية كان يعاني منها ذلكم الواقع المعاش الذي أهدرت فيه حقوق الإنسان، وسلبت منه كرامته وعزته، وصودرت مقومات شخصيته كإنسان.
وهذا يعني أنها جاءت حلولاً لمشكلات مُعاشة، ونحن نعلم أن من طبيعة وضع الحلول ـ في الغالب ـ لا ينظر فيها إلى أبعد من واقعها كحلول آنية.
ومن هنا:
ـ كان حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد.
ـ وكان إطلاق الحريات الفردية في مقابلة كبتها وقهرها.
ـ وكان التوزيع المنصف في مقابلة الاستئثار بثروة الوطن من قِبَلِ الحاكم والمحسوبين عليه.
ـ وكانت المساواة أمام القانون في مقابلة الامتيازات التي كان الحاكم والمحسوبون عليه يتمتعون بها.
ـ وكان أو رُوعي في تطبيقها أن يتم هذا في تلكم المجتمعات التي انبثقت فيها هذه الديمقراطية فقط.
ونلمس هذا ـ وبوضوح ـ في تعامل الحكومات الديمقراطية مع أبناء وثروات البلدان المستعمرة أو تلك الأخرى التي لها نفوذ فيها، حيث لم تنظر إنسانها إنساناً في التعامل معه، ولم تنظر ثروة وطنه ملكاً له، وله حق التمتع بها.
ولا أطيل الوقوف ـ هنا ـ فالشواهد كثيرة، ومآسيها أكثر منها.
وهذه المفارقة هي أُولى مفارقات التطبيق في الديمقراطيات الحديثة.
والمفارقة الثانية هي ما نتج عن المبادىء الديمقراطيَّة في أعلاه، حيث أدى إطلاق الحريات الفردية في عالم الاقتصاد والمال إلى ولادة الرأسمالية الطبقية وتكدس الثروة في حوزة الأفراد الرأسماليين.
وأدت العدالة في توزيع الثروة ـ كما يُدّعى ـ إلى ولادة الاشتراكية وتجمّع الثروة عند أفراد طبقة معينة من الناس يتمتعون بامتيازات مميزة على حساب حرمان سائر أبناء الشعب بها.
وثم أفضى هذا التحول المتطرف إلى ما هو أقوى منه حيث انهار الاتحاد السوفياتي الممثل للقوة الاشتراكية، وحيث أخذت الرأسمالية العالمية تغذُّ السير ـ وبسرعة ملحوظة ـ إلى ما اصطلح عليه بـ(العولمة) بما فيها من أخطار وأوزار.
والعولمة لا تعني غير سيطرة الشركات الرأسمالية الكبرى على الثروات الموجودة في هذا العالم، والتحكم فيها، ومن ثم التسلط على مقدرات الشعوب، والتحكم في مصير الناس.
وهذا يعني أن الديمقراطية الاقتصادية وبشقيها الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي لم تعد قادرة على تحقيق العدالة في توزيع الثروة بما يحقق لكل مواطن من المواطنين الحياة الحرة الكريمة في العيش.
ويرجع هذا ـ في أقوى أسبابه ـ إلى أن الديمقراطية الحديثة جاءت حلاًّ لمشكلات قائمة ولم يراعَ فيها المنظور البعيد للمستقبل.
كما أن علينا إذا حاولنا أن نقارن بين الديمقراطية والإسلام أن نركّز على المقارنة بين مصادر التشريعات الديمقراطية ومصادر الأحكام الشرعية الإسلامية، وهي تتلخص في أن مصادر التشريع الإسلامي هي الكتاب والسُنة، بينما هي في الديمقراطية: العرف والدين والتشريع الذي يراد به اجتهاد المشرّعين القانونيين في هدي أصول القانون.
أمّا المبادىء التي يقوم عليها التطبيق الإسلامي، والتي يدعو إليها الذين ينادون بتطبيق الديمقراطية في الوطن الإسلامي، والتي تتمثل في:
1 ـ حق الشعب باختيار الحكومة وفق التعليمات الإسلامية في هذا المجال، وعلى أساس من توافر الشروط الإسلامية في الموظف المرشح ـ رئيساً أو سواه ـ، وأهمها: الكفاءة الإدارية والعدالة في السلوك، فهو شيء مفروغ عنه عند المسلمين.
2 ـ حق المساواة أمام القانون، كذلك هو الآخر مؤكد عليه في التشريع الإسلامي.
3 ـ حق الأفراد في حرية الرأي وحرية التفكير في حدود أن لا يمس بأصول العقيدة الإسلامية، هو أصل منصوص عليه في التشريع الإسلامي.
4 ـ أمّا مبدأ العدالة في توزيع الثروة فهو الأساس الأهم الذي قام عليه الاقتصاد الإسلامي.
انظر للتوثيق:
1 ـ عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر ـ نهج البلاغة.
2 ـ اقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر.
3 ـ دراسات في نهج البلاغة للشيخ محمد مهدي شمس الدين.
4 ـ مشكلة الفقر، عبد الهادي الفضلي.
وأخيراً:
هناك نقطة أخرى يختلف فيها الإسلام عن الديمقراطية في مجال تشريع الحقوق والواجبات هي التزام الإسلام بالمبادىء التالية:
1 ـ مراعاة الفروق البايولوجية بين الرجل والمرأة، مع إيمان المساواة في الوظيفة العقلية بينهما.
2 ـ مراعاة العنصر الأخلاقي الذي يقوم على مبدأ وجوب المحافظة على مقاصد الشريعة الإسلامية المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
فلا يحق لأحد الإضرار بها أو الإهمال لها.
3 ـ أن ينبثق التشريع الإسلامي من العقيدة الإسلامية، فيقوم على أساس منها ويرتبط بها، ولا يخرج عن إطارها.
وبعد:
إن هذه الوقفات أملاها الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تعيشه الأمة الإسلامية في ظروف افتقدت عنصر التوازن بين القوى في العالم، وبرزت فيها ضخامة أطماع القوة الأكبر بثروات العالم وبخاصة العالم الثالث، حتى لم تعد تعترف بأن هذه الثروات هي ملك أصحابها من أفراد أو دول.
وهو واقع مشاهد ومعاش، فلم أرني بحاجة إلى التوثيق بذكر الوقائع المادية أو الوثائق المكتوبة.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
ديوان أبي بكر الخوارزمي
اشتهر الخوارزمي بكونه أحد كتاب الرسائل الأخوانية البارزين في القرن الرابع الهجري وطبعت رسائله عدة مرات. أمّا كونه شاعراً فلا تتناوله الدراسات المعاصرة بسبب فقدان ديوانه.
يحاول هذا الكتاب تسليط الأضواء على الجانب الشعري من حياة هذا الأديب، ويعد أوسع دراسة عن الخوارزمي وعصره وحياته وشعره والأغراض التي تناولها ويعتبر إضافة جديدة إلى مكتبة الدراسات الأدبية التراثية التي تتمتع فيها إيران بمكانة لا يمكن تجاهلها، وهو في 450 صفحة.
ديوان أسامة بن منقذ
قال عبدالملك السيد في الجزء الثالث من المجلد الثالث من مجلة (الكتاب) الصفحة 506 الصادر في كانون الثاني (يناير) سنة 1947 ما يلي:
اطّلعت على (ديوان أسامة بن منقذ) عند السيد عبدالرحمن صالح الراوي. وهذا الديوان على ما أذكر يقع في 400 صفحة متوسطة الحجم على ورق أسمر صقيل لماع مخطوط بخط جميل للغاية يسر الناظر ويبهج الخاطر من حسن خطه واتساقه بعناوين مذهبة مزخرفة. وقد خط قبل نيف وستمائة سنة، وقد أرخه صاحبه عند انتهائه من خطه.
والديوان يقع في مجلد واحد بغلاف جلدي جميل، وفي الصفحة الأولى قد كتب عنوان الكتاب بخط مذهب كبير، ونجد في نفس الصفحة التي كتب عليها العنوان أختاماً مختلفة تبين أسماء مالكيه وأسماء مُهديه. ويظهر أنه تنقل بين أكثر من شخص واحد، وعليها اسم المدينة المنورة، وقد كتب عليه أحدهم أن اشتراه بـ 45 جنيهاً.
والديوان ينقسم إلى أبواب مختلفة من مديح وغزل وفروسية وحماسة وإخوانيات ووصف للحروب والتعازي والرثاء وغيرها من أبواب الشعر.
ذات عِرق ويقال عرق
موقع في طريق مكة
يقول الشاعر:
لما رأى عرقاً ورجع صوتهُ
هَدراً كما هدر الفنيق المصعبُ
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: وذات عرقٍ مُهلُّ أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة وقيل جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق)[296]( نزله الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الاثنين رابع عشر ذي الحجة سنة 60 هجرية وذكر جماعة ملاقاة بشر بن غالب للحسين (عليه السلام) في ذات عرق وقال ابن نما في مثير الأحزان ص42 أنه كان في وادي العقيق وقال ابن طاووس في اللهوف ص30 (.. ثم سار حتى بلغ ذات عرق فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها فقال خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد…).
عبدالحسين الصالحي
ذخائر المحبين
في شرح ديوان أمير المؤمنين
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي بن الشيخ حمزة بن الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد تقي بن الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد كاظم القشندي القزويني المتوفى حدود سنة 1328 هجرية.
موسوعة كبيرة في التاريخ الإسلامي والغزوات ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) والأدب وغير ذلك في واحد وعشرين مجلداً ضخماً. جعل المؤلف لكل مجلد منها اسماً خاصاً: المجلد الأولى المسمى برهان المناظرين من أحد مجلدات ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين. شرع بتأليفه في شهر ربيع الأول سنة 1285 وانتهى من تأليف المجلد الحادي والعشرين المسمى رجاء المذنبين وهو آخر مجلدات موسوعة ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين في يوم الأربعاء الموافق ليوم الغدير من سنة 1304 ويبحث المجلد الأخير في تاريخ حياة رسول الله (ص). ومن أسمائها أمان المشتاقين، أعلام القاصرين، إيقاظ الغافلين، إرشاد العاملين، مكارم المجاهدين (بحث في تاريخ واقعة الجمل وصفين)، محامد الإنجبين، تبصرة الراشدين وعبرة العارفين، صراط العارفين ونجاة العاشقين، ذريعة الراجين سفينة الناجين، مفاخر المعصومين، محاسن المكرمين.
لم أجد ذكراً لهذه الموسوعة وللمؤلف في كتب التراجم والفهارس. فالمؤلف من علمائنا المنسيين وتوجد مجموعة وحيدة من الكتاب بخط المؤلف بين مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبدالحسين الصالحي في قزوين.
الذريعة
كتاب في أصول الفقه للشريف المرتضى مخطوط في (300) صحيفة، كل صحيفة واحد وعشرون سطراً، يشتمل على (14) باباً، كل باب يحتوي على عدة فصول، تحدث فيه عن الخطاب، والأمر، والنهي، والعموم، والخصوص، والمجمل، والمبين، والنسخ، والإجماع، والقياس وغير ذلك من أبواب أصول الفقه. ترجع أهمية الكتاب إلى أمرين:
الأول: كون المؤلف حاول الفصل في مباحثه بين ما هو من أصول الفقه، وبين ما هو من أصول العقائد. وقد كان أصول الفقه من قبل ذلك مزيجاً من الطرفين.
الثاني: أنه أول كتاب في أصول الفقه للشيعة، فهو بهذا يؤرخ مرحلة استقلال الشيعة في أصول الفقه ولا تزال آراء المرتضى الأصولية محل دراسة في مدارس النجف وإيران الدينية.
ذوحُسُم ويقال ذوجُشُم
الدينوري في الأخبار الطوال ص248 يقول ذوجُشُم. والطبري ج5 ص400 يقول: ذوحُسُم.
وصل الحسين (عليه السلام) في مسيره من الحجاز إلى (شراف). فلما كان السّحَرْ أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا. ثم سار منها حتى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه، فقال الحسين (عليه السلام): الله أكبر. لم كبرت؟ قال: رأيت النخل فقال له جماعة من أصحابه: والله إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط، فقال لهم الحسين (عليه السلام): فما ترونه؟ قالوا: نراه والله أسنة الرماح وآذان الخيل، قال: وأنا والله أرى ذلك، ثم قال (عليه السلام): ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقالوا له: بلى هذا ذو حسم وهو جبل إلى جنبك فمل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيناها وعدلنا عن الطريق فلما رأونا عدلنا عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه وذلك على مرحلتين من الكوفة وأمر الحسين (عليه السلام) بأبنيته فضربت وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم فقال الحسين (عليه السلام): لفتيانه اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً أي اسقوها قليلاً فأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوها عن آخرها قال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذٍ فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلما رأى الحسين (عليه السلام) ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية، والراوية عندي السقاء ثم قال: يا ابن الأخ أنخ الجمل)[297]( فأنخته فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين (عليه السلام): اخنث السقاء أي اعطفه فلم أدرِ كيف أفعل فقام فحنثه بيده فشربت وسقيت فرسي، وقال الحسين (عليه السلام) للحر: ألنا أم علينا؟ بل عليك يا أبا عبدالله فقال الحسين (عليه السلام): لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وكان مجيء الحر من القادسية وكان عبيدالله بن زياد بعث الحصين بن تميم وأمره أن ينزل القادسية ويقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين فلم يزل الحر موافقاً للحسين حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين (عليه السلام) الحجاج بن مسروق أن يؤذن فلما حضرت الإقامة قال للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين (عليه السلام) ثم دخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها (فلما) كان وقت العصر أمر الحسين (عليه السلام) أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين (عليه السلام) وقام فصلى ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه وبعد خطبة قصيرة للحسين (عليه السلام) ونقاش مع الحر، قال الحر: قد أُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيدالله، فقال له الحسين (عليه السلام): الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا فركبوا وانتظر هو حتى ركبت نساؤه، فقال لأصحابه: انصرفوا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين (عليه السلام) للحر: ثكلتك أمك ما تريد؟ فقال له الحر: أمّا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان ولكن مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلاّ بأحسن ما أقدر عليه، فقال له الحسين (عليه السلام): فما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيدالله بن زياد، فقال: إذاً والله لا أتبعك، فقال: إذاً والله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أُؤمر بقتالك إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى الأمير عبيدالله بن زياد فلعل الله أن يرزقني العافية من أن ابتلي بشيء من أمرك فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية فتياسر الحسين وسار والحر يسايره فقال الحسين (عليه السلام): إن رسول الله (ص) قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسُنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالأثم والعدوان فلم يغير بقول ولا فعل كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، إلاَّ وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وإني أولى بهذا الأمر وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ولكم بي أسوة وإن لم تفعلوا فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام».
عبدالحسين الصالحي
الرابطة الإسلامية
نشأت الرابطة الإسلامية في الهند حزباً سياسياً في مقابل حزب المؤتمر الهندي، ويعود تاريخ إنشائها إلى سنة 1906 ولكن جذورها أبعد من ذلك فهي تعود إلى الدعوة التي كان يبشر بها أحمد خان منذ سنة 1278هـ (1851م). وقد عقد الاجتماع الأول للرابطة في داكا عاصمة بنغلادش اليوم برئاسة نواب وقار الملك واتخذت لها هدفاً حماية حقوق المسلمين في الهند. وقد تعاونت طويلاً مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان في غالبيته من الهندوس والذي يعود تأسيسه إلى العام 1885 وكان تعاونها معه في سبيل استقلال الهند وتخليصها من الحكم الإنكليزي. وبالنهاية تحرجت الأمور بينهما وبلغ التحريج أقصاه حين قررت الرابطة الإسلامية بقيادة الزعيم الشيعي محمد علي جناح في اجتماع لاهور في 23 آذار (مارس) 1940 بحضور ممثلين منتخبين عن جميع مسلمي شبه القارة الهندية ـ قررت وجوب تأسيس باكستان دولة إسلامية وطناً خاصاً للمسلمين مما أدى بعد ذلك إلى تقسيم الهند إلى: الهند وباكستان. وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وقرب إعلان استقلال الهند. ثم أعلن الاستقلال سنة 1947 للقسمين منفصلين، وتولى محمد علي جناح زعيم حزب الرابطة يومذاك منصب حاكم الباكستان العام تمهيداً لتشكيل الحكومة الباكستانية تشكيلاً جذرياً كاملاً، ولم يلبث محمد علي جناح أن توفي سنة 1948 وبوفاته وقيام الحكومة الباكستانية انفرطت الرابطة الإسلامية وتفرق رجالها كل في طريقه.
ولد محمد علي جناح سنة 1876م ونشأ في أسرة برهمية الأصل أسلمت في القرن الماضي وانتقل جده بعد فتنة سنة 1857م إلى بومباي ثم كراتشي وكان أبوه (بو نجا جنه) ثاني أبناء أبيه يعمل في شركتهم التجارية واحداً من مديريها وكان معظم أعمالها في تصدير الجلود وملحقاتها ثم لحق بها الكساد من جراء القلاقل السياسية والأزمان الاقتصادية.
تلقى تعليمه الأول في كراتشي ثم انتقل إلى بومباي حيث واصل دراسته الابتدائية ثم الثانوية في المدرسة التابعة للجماعة الإسلامية ثم عاد إلى كراتشي ودخل مدرسة السند العليا.
وكان والده تاجراً ـ كما مر ـ وكان يرغب أن يدرس ولده مبادىء التجارة ليكون عوناً له إلاّ أن صديقاً لوالده نصحه بإرسال ولده إلى إنكلترا ليتم تحصيله العالي فاقتنع الوالد بهذا الرأي وأرسل ابنه إلى كلية الحقوق في لندن وهو لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره وفي عام 1896م نال محمد علي جناح شهادة الحقوق وعاد إلى كراتشي افتتح مكتباً للمحاماة ولكنه لم يلبث أن انتقل إلى بومباي وفي سنة 1900م عين قاضياً ثم انصرف إلى العمل الحر.
وفي عام 1909 انتُخب بإجماع الأصوات نائباً في المجلس التشريعي الأعلى لمدينة بومباي، ولما انتهت مدة نيابته عام 1913 أقر الحاكم العام تجديد تلك المدة كي يتمكن جناح من إتمام دراسته لمشروع قانون أوقاف المسلمين الذي كان قد بدأ تحضيره في أثناء نيابته. ولما صدر هذا القانون استقبله المسلمون بابتهاج، وأُعجبوا بهذا المتشرع الكبير الذي وقف يدافع عن مصالحهم، فالتفوا حوله، واعترفوا بجميله، وكانوا يمنحونه ثقتهم باستمرار في الجمعية التشريعية.
وبرزت مواهب جناح الخطابية في المجلس التشريعي، فكان خطيب المجلس، وأبرز المناقشين البرلمانيين فيه، فلم يعرض مشروع مهم على المجلس إلاّ تناوله بالبحث العميق، والمنطق المتزن. وكان الناس ينتظرون خطبه بفارغ الصبر؛ ويقدرونها حق قدرها. ولما انتُخب رئيساً للمستقلين في المجلس كان همه أن يحفظ التوازن بين الحكومة والمعارضة. وقد ساعده هذا الموقف المتزن على حل كثير من القضايا المستعصية والمشاريع المختلف عليها.
كان حزب المؤتمر الوطني الذي تأسس عام 1850 الهيئة الوحيدة في الهند التي تهتم بمصير البلاد، وتناضل لنيل الحكم الذاتي. وكان هذا الحزب يجمع تحت لوائه طائفتين تختلفان في الرأي: طائفة تنادي بوجوب اتخاذ سياسة العنف والشدة لتحرير البلاد واستقلالها وطائفة تميل إلى الاعتدال واللين. وكان الحزب يضم بين أعضائه نفراً من الشخصيات الإسلامية، وكان دور جناح في هذا النزاع المتواصل بين الطائفتين دور الوسيط الذي يحاول التوفيق بين الرأيين ليحافظ على وحدة الصفوف.
وفي سنة 1906 رأى بعض الزعماء المسلمين ما لم يرتاحوا إليه في سياسة حزب المؤتمر فانسحبوا من عضويته وأسسوا الرابطة الإسلامية لجميع الهند.
وفي عام 1910 عقد مؤتمر عام في (الله آباد) حضره زعماء المسلمين والهندوس لإيجاد حل للاختلافات التي تنشأ بين الطائفتين. ولكن المؤتمر خاب، ولم يصل إلى نتيجة.
وألح «جناح» على حزب الرابطة في جعل همها الأوحد تحقيق الحكم الذاتي للبلاد عن طريق اتباع الأحكام الدستورية. وهنا التقى حزب المؤتمر والرابطة على صعيد واحد وأصبح السيد جناح زعيم الحزبين.
وعقد الحزبان خلال المدة الواقعة ين 1915 و1920 عدة اجتماعات في بومباي، وأتاحت هذه الاجتماعات لجناح الذي كان عضو الحزبين أن يعمل كوسيط بينهما، ويبذل جهده لإيجاد تفاهم دائم يستهدف مصلحة الهندوس والمسلمين المشتركة. وكان أبرز نتائج هذه الجهود ميثاق (لكنؤ) الذي وقعه الحزبان عام 1916.
وفي سنة 1917 أصدر الحزبان قراراً مشتركاً وقعه تسعة عشر مندوباً عن المسلمين والهندوس، وعرف فيما بعد بقرار التسعة عشر، وقدم إلى الحكومة البريطانية. وقد طالب الحزبان في هذا القرار بأن تمنح البلاد الحكم الذاتي ثم تنقل السلطة إلى الهنود.
وفي سنة 1918 اقترحت لجنة (موناجو ـ جيميسفورد) نظاماً قريباً مما أقره الحزبان فاعتبرت هذه الخطوة نجاحاً طيباً للهنود، وبشير خير للهند بتحقيق بعض مطالبها القومية. وأدرك الهنود أن هذا النجاح الذي أصابوه إنما يرجع الفضل فيه إلى كفاءة جناح سفير الوحدة وزعيم الحزبين فكرموه ببناء قاعة عامة في بومباي تحمل اسمه اعترافاً بجميله.
وقام غاندي في ذلك الحين يبشر بسياسته الجديدة سياسة (اللاعنف) وعدم التعاون ومقاطعة الإنكليز. واتخذت هذه السياسة سبيلها بسهولة إلى أذهان الجماهير، وجعلها حزب المؤتمر هدفاً أساسياً يسعى بواسطته إلى تحقيق رغباته. ولكن «جناح» كان يعارض هذه السياسة ويصر على أن تنال البلاد حقوقها الشرعية بالأساليب الدستورية فأعلن انشقاقه عنها ثم استقال من حزب المؤتمر بعد عمل متواصل فيه دام عشرين سنة.
كان جناح قد أوجز سنة 1919 مطالب المسلمين في الهند في مشروعه الشهير ذي الأربعة عشر مطلباً. وكان أبرز تلك المطالب سن دستور اتحادي، ومنح المقاطعات سلطات محلية وحكمياً ذاتياً، وإنشاء مقاطعتين جديدتين هما السند وبلوجستان وأن تكون نسبة الممثلين في المجلس التشريعي المركزي 33% من المسلمين، والإبقاء على نظام الدوائر الانتخابية حتى يسن دستور جديد يضمن للمسلمين حرية العبادة والثقافة واللغة، ولقد رأى جناح في ذلك الحين أن هناك مؤسسات هندوسية متعصبة تعمل للقضاء على التراث الإسلامي في الهند وفي طليعة تلك المؤسسات حزب «المهاسبا». ولقد أيد المسلمون جميعهم جناح في مشروعه.
منذ سنة 1919 كتب جناح إلى رئيس الوزارة البريطانية السير رامزي ماكدونالد خطاباً يلح فيه بدعوة ممثلين عن الهند إلى لندن للبحث معهم في مدى الإصلاحات الدستورية التي يجب أن تمنحهم إياها إنجلترا. واستجابت بريطانية بعد لأي الى هذه الرغبة، ودعت إلى عقد مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن على أن يحضره ممثلون من الإنجليز، وآخرون من الأحزاب الهندية، وممثلون عن الولايات المختلفة وذلك لوضع دستور يتفق ومطالب الهنود. ولما عقد أول مؤتمر بلندن عام 1930 قاطعه زعماء حزب المؤتمر، واشترك فيه ممثلون عن الرابطة الإسلامية وعن سائر الأحزاب. وفي الدورة الثانية للمؤتمر عام 1932 رضي حزب المؤتمر أن يشترك في الدورة وأوفد غاندي لتمثيله. وظهرت مقدرة جناح السياسية خلال اجتماعات المؤتمر، وأصر على ضرورة إجابة مطالب المسلمين.
كانت الرابطة الإسلامية قد فقدت كثراً من نفوذها بين الجماهير، بسبب تغيب جناح مدة عن الهند. فلما عاد إليها عمل على إعادة تنظيم الرابطة بهمة لا تعرف الملل. ثم أخذ يتجول في البلاد ويخطب في الجماهير حتى عاد للرابطة نفوذها القديم، وأصبحت قوة هائلة يحسب لها ألف حساب.
وأرادت الرابطة أن تخوض المعركة الانتخابية على أساس الدستور الجديد فألفت لجنة برلمانية مركزية وخولت جناح رئاستها وضم لجان المقاطعات إليها.
وواجهت الرابطة قبل الانتخابات وفي أثنائها صعوبات مالية وتنظيمة عسيرة، فتغلبت عليها، واعتبر النجاح النسبي الذي أحرزته في تلك الانتخابات أبرز دليل على قوتها وإن لم يخولها ذلك القيام بدور حاسم في المجلس التشريعي الجديد.
أمّا حزب المؤتمر فقد فاز بأكثرية ساحقة في جميع المقاطعات ما عدا البنجاب والسند والبنغال: ورفض اقتراح جناح بقيام وزارة ائتلافية يشترك فيها المسلمون.
وفي سنة 1937 عقدت الرابطة الإسلامية مؤتمراً في بلدة «لنكؤ» برئاسة جناح قررت فيه التحول عن مطلبها بأن تصبح الهند «دومنيون» وطالبت بالاستقلال التام ضمن دولة حرة ديمقراطية. فكان هذا القرار نقطة انطلاق في تاريخ نضال المسلمين للفوز بكيان ذاتي منفصل. وانضمت الأحزاب الوزارية في البنجاب والبنغال إلى الرابطة، وبايعت جناح بالزعامة.
وفي سنة 1940 نادى جناح بضرورة قيام «باكستان» كدولة مستقلة للمسلمين تمكنهم من ممارسة حقوقهم ومعتقداتهم بحرية وأمان، وتسمح لهم بالتطور وفق الشرع الإسلامي.
نص مشروع القرار الذي قدمه جناح إلى الحكومة البريطانية وأقرته الرابطة الإسلامية على تقسيم الهند إلى حكومتين هما: باكستان وهندستان. على أن تضم باكستان الأقاليم التي تسكنها أغلبية من المسلمين وهي البنجاب والإقليم الشمالي الغربي وبلوجستان والسند وغرب البنغال وشرقه.
وفي آب سنة 1940 صرح المستر «امري» وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند في مجلس العموم أن الحكومة البريطانية ستنظر بعين الاعتبار إلى المسألة الهندية بعد انتهاء الحرب العالمية، ولن تمنح البلاد أية سلطات دستورية ما لم يوافق عليها المسلمون.
وفي عام 1942 صرح المستر كربيس بأن إنجلترة تقبل دولة خاصة بالمسلمين هي «باكستان».
وفي كانون الثاني سنة 1946 أجريت في البلاد الانتخابات التي طالما أجلت مدة الحرب فكانت امتحاناً عسيراً لقوة جناح ولنفوذ الرابطة، واختباراً لفكرة قيام دولة باكستان تلك الفكرة التي اعتنقها المسلمون وكانت نقطة الارتكاز في برنامج الرابطة الانتخابي.
وأسفرت تلك الانتخابات عن فوز ساحق للرابطة إذ فازت بأربعمائة وسبعة وعشرين مقعداً من أصل أربعمائة واثنين وثمانين مقعداً مخصصة للمسلمين.
وفي نيسان 1946 عقدت سلسلة من الاجتماعات بين البعثة الوزارية البريطانية من جهة وبين حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية من جهة، ثم أعلنت الحكومة البريطانية التقسيم، فأوفدت اللورد لويس مونتباتن لتنفيذ الخطة.
وصل اللورد مونتباتن إلى الهند وحل محل اللورد ويفل الحاكم العام وعقد سلسلة من الاجتماعات مع أعضاء حزب الرابطة وحزب المؤتمر أعلن على أثرها مشروعه في 3 حزيران سنة 1947.
وتسلم «القائد الأعظم» منصب الحاكم العام للدولة الجديدة باكستان فراح يصرف شؤون الدولة بحنكة وكفاءة ونشاط لا يعرف الملل، رغم السبعين التي يحمل أعباءها إلى أن توفاه الله بسكتة قلبية مفاجئة.
راولپندي
من مدن باكستنان تقع في سفوح جبال الهملايا المتوجة بالثلوج وموقعها يجعلها من أهم المدن في باكستان حيث الطرق الهامة الكثيرة التي تتفرع منها، فإن الطريق التاريخي الذي يؤدي إلى ممر خبير وبيشاور يتفرع منها كما تقع مدينة تكسيلا الشهيرة على بعد بضعة أميال منها وتقع مدينة ملتان في الجنوب الغربي منها، ويقع وادي كشمير الجميل على مقربة من راولپندي ولهذه الأسباب كان الإنجليز قد شيدوا فيها أكبر معسكر لهم في الهند.
وقد كانت هذه المنطقة محطاً للغزاة مثل الآريين والهون والإغريق والأتراك فقد غزا هؤلاء الهند من الشمال وحطوا رحلهم في هذه المنطقة لذلك فإننا ما زلنا نجد آثارهم في سكان هذه المنطقة. والمواضع التي يهتم بها السياح تقع على بعد 40 ميلاً منها مثل شاه دير ثم حسن إبدال ومن ثم إلى تكسيلا عاصمة الإغريق القديمة وقد أقيمت على مقربة منها مدينة إسلام آباد عاصمة باكستان الجديدة.
راوند
بلدة صغيرة قرب كاشان تقع على الخط الجغرافي على 51 درجة و20 دقيقة طولاً و34 درجة و(0) صفر دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 1010 متراً في منطقة سفح الجبل شمال غربي كاشان وجنوب غرب [كل آرا] على الطريق العام (قم ـ كاشان) ويشقها نهر طاهر آباد في مسيره نحو الشمال الشرقي. وحين اتسعت المدن في الفترة الأخيرة اتصلت راوند سنة 1413هـ بـ كاشان التابعة لمحافظة أصفهان. وحسب إحصائية عام 1407 هجرية بلغ عدد نفوس راوند 8776 نسمة وفي إحصائية عام 1417 هجرية ضمت إلى كاشان واعتبرتا مدينة واحدة ولم تبق راوند مركزاً مستقلاً. وتنسب الأبيات التالية إلى نصر بن غالب في رثاء أوس بن خالد وأنيساً. وقيل أنها لقس بن ساعدة الأبادي في خليلين كانا له وماتا في راوند:
نديميَّ هُبَّا طالما قد رقدتما
أجدَّ كما لا تقضيان كَراكُما
أجدّ كما ما ترثيان لموجَع
حزين على قبريكما قد رثاكما
ألم تعلما ما لي براوندَ كلها
ولا بخُزّاق من صديق سواكما
جرى النوم بين العَظم والجلد منكما
كأنكما ساقي عُقّار سَقَاكما
أصُب على قبريكما من مُدَامة
فإلا تذوقاها تروي ثراكما
ألم ترحماني أنني صرتُ مفرداً
وإني مشتاقٌ إلى أن أراكما
فإن كُنتما لا تسمعان فما الذي
خليلي عن سمع الدعاء نهاكما
أقيم على قبريكما لستُ بارحاً
طوَال الليالي أو يُجيب صَدَاكما
وأبكيكما طول الحياة وما الذي
يرُدُّ على ذي عولة إن بكاكما
وكانت راوند قبل حملة المغول إحدى المراكز العلمية ونبغ منها علماء وفضلاء وشعراء، وقال السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية (… راوند قرية من قرى قاشان بنواحي أصبهان، وراوند مدينة بالموصل قديمة بناها راوند الأكبر بن الضحاك بيوراسب ثم ذكر جملة من علمائها… )[298]( ونسب إليها علماء وفقهاء وشعراء مما أدى إلى اشتهارها بين الشيعة. وممن برز من رجالها:
1 ـ قطب الدين أبو الحسن سعيد بن عبدالله الراوندي المتوفى سنة 573 هجرية من شيوخ الشيعة وفصّل عنه أعيان الشيعة وذكر جملة من مشايخه وتلاميذه وأولاده وعد له ستة وخمسون عنوان من مؤلفاته في مختلف العلوم)[299]( وخلف من الأولاد الشيخ علي والشيخ حسين والشيخ محمد كلهم من أكابر علماء عصرهم.
2 ـ السيد أبو الرضا ضياء الدين فضل الله بن علي الحسيني الراوندي المتوفى سنة 570 هجرية من أكابر علماء الشيعة، شاعر أديب ذكره السمعاني وقال: (… السيد الفاضل أبا الرضا فضل الله بن علي العلوي الحسيني القاشاني، وكتب عنه أحاديث وقطعاً من شعره، وقال: لما وصلت إلى باب داره قرعت الحلقة وقعدت على الدكة انتظر خروجه فنظرت إلى الباب فرأيت مكتوباً فوقه بالجصّ إنّما يُريدُ الله ليذهِبَ عَنكُمُ الرجسَ أهل البيت ويَطَهركُم تَطهيراً. أنشدني أبو الرضا العلوي القاشاني لنفسه بقاشان وكتب لي بخطه…) )[300]( ثم أدرج قسماً من شعره.
3 ـ الإمام السيد عز الدين علي بن ضيا الدين أبو الرضا فضل الله الراوندي المتوفى حدود سنة 600 هجرية.
4 ـ الشيخ عماد الدين أبو الفرج علي بن قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي المتوفى سنة 600 هجرية)[301](.
5 ـ الشيخ أحمد بن يحيى بن أبو الحسن المعروف بأبي الراوندي المتوفى سنة 245 هجرية.
6 ـ الشيخ محمد بن علي بن سليمان الراوندي مؤلف تاريخ راحة الصدور وكذلك خاله الشيخ أحمد بن محمد بن علي وجده لأمه تاج الدين محمد بن علي بن أحمد الراوندي المدرس في مدرسة أتابكي في همذان.
7 ـ القاضي بشر بن المحارق الراوندي، تولى أمر القضاء في أصفهان ثم ترقى في عصر المأمون العباسي وأصبح قاضي القضاة في بغداد.
8 ـ الشيخ أبو الحسن سعيد بن أبي طاهر الراوندي صاحب خلاصة التفاسير المتوفى سنة 573 هجرية.
9 ـ الشيخ جمال الدين محمد بن أبي طاهر الراوندي. وغيرهم من العلماء والشعراء ومن أهم محصولات راوند الحنطة والشعير وتحيط بها بساتين عامرة من أهم فواكهها الرمان والعنب. كما يعيش قسم من سكانها على تربية المواشي. وفيها اليوم معامل ضخمة، كما لا يزال فيها محلات لحياكة السجاد اليدوي. والجدير بالذكر أن هناك ثلاث قرى أخرى تحيط بـ كاشان تسمى راوند العليا وراوند السفلى وراوند الوسطى.
عبدالحسين الصالحي
الربذة
لا خلاف بين المؤرخين العرب ومن اعتمدهم من اللغويين العرب، في أن الصحابي الجليل أبا ذر جُندب بن جُنادة الغفاري توفي في الربذة سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين للهجرة، ودفن فيها.
ففي (معجم ما استعجم) للبكري 2/636: «وبالربذة مات أبو ذر وحده لما نفي من المدينة ليس معه إلاّ امرأته وغلام له».
وفي (معجم البلدان) لياقوت الحموي 3/24: «والربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق، على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري».
وفي (المصباح المنير) للفيومي ـ مادة ربذ ـ: «الربذة وزان قصبة خرقة الصائغ يجلو بها الحلي، وبها سميت الربذة، وهي قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة».
وفي (تاج العروس) للزبيدي مادة ربذ: «والربذة قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاج العراق، على نحو ثلاثة أيام… بها مدفن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري وغيره من الصحابة».
وفي (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة) للسيد علي خان الشيرازي ص252: وأخرج الكشي عن حلام بن أبي ذر الغفاري ـ وكانت له صحبة ـ قال: مكث أبو ذر بالربذة حتى مات».
وفي ص 253: «وذكر أبو عمرو بن عبدالبر في كتاب الاستيعاب، قال لما حضرت أبا ذر الوفاة، وهو بالربذة…».
وفي ص 254: «وفي معالم التنزيل: أن أبا ذر لما أخرجه عثمان إلى الربذة فأدركته منيته ولم يكن معه إلاَّ امرأته وغلامه…».
وكان انتقال أبي ذر من المدينة المنورة إلى الربذة في أيام حكم عثمان بن عفان وبأمر منه لما كان يؤاخذه عليه من تصرفات في الإدارة والمال.
وقد التقاه غير واحد من المسلمين وهو في الربذة، منهم: أبو سخيلة «قال: حججت أنا وسلمان بن ربيعة بالربذة، قال: فأتيت أبا ذر فسلمنا عليه، وهو يقول: إن كانت بعدي فتنة، وهي كائنة، فعليكم كتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني سمعت رسول الله (ص)، وهو يقول: علي أول من آمن بي وصدقني وهو أول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو الفاروق بعدي يفرق بين الحق والباطل وهو يعسوب الدين، والمال يعسوب الظلمة» ـ الدرجات الرفيعة 239.
ومنهم: أبو الأسود الدؤلي، فقد «روى الواقدي… عن مالك ابن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعاً أم خرجت مكرهاً؟…» ـ م.ن.
وكذلك لا خلاف بين المؤرخين والجغرافيين العرب، ومن اعتمدهم من اللغويين العرب في أن الربذة محطة من محاط أو مرحلة من مراحل طريق الحاج العراقي المعروف بـ (درب زبيدة) زوج هارون الرشيد الحاكم العباسي، لأمرها بإنشائه.
ففي (معجم البلدان 3/24): «والربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة».
وفيه أيضاً، نقلاً عن كتاب نصر: «الربذة من منازل الحاج بين السليلة والعُمَق».
ويحدد الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) ص338 موقعها بين السليلة والماوان، يقول: «ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة: فمن مكة إلى البستان… ومنه إلى ذات عرق… ومنها إلى الغمرة… ومنها إلى المسلح… ومنه إلى الأفيعية… ومنها إلى حرة بني سليم… ومنها إلى العُمَق… ومنها إلى السليلة… ومنها إلى الربذة، ثلاثة وعشرون ميلاً، وعرض الربذة خمسة وعشرون جزءاً، ومنها إلى الماوان… ومنها إلى معدن النقرة… وهي ملتقى الطريقين، فهذا تقدير طريق العراق في العروض على ما عمله بعض علماء العراق».
وتحديده هو الصواب حيث رأيت ذلك في رحلتي إلى الربذة لدراسة الموقع ميدانياً. وتنظر الخرائط المرافقة له.
وفي (المصباح المنير): «وهي (يعني الربذة) عن المدينة في جهة الشرق، على طريق حاج العراق، نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني به جماعة من أهل المدينة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة».
وفي (تاج العروس): «الربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام ـ منها قرية ذات عرق)[302]( ـ على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة…
وفي كتاب أبي عبيد: من منازل الحج بين السليلة والعُمَق».
وكما تقدم أنها ليست بين السليلة والعمق، وإنما هي بين السليلة والماوان، ويؤيد هذا مضافاً لما سبق ما جاء في دراسة الزميل الأستاذ سيد عبدالمجيد بكر في كتابه (الملامح الجغرافية لدروب الحجيج) ص34 حيث سلسل منازل طريق الحاج العراقي من الكوفة إلى مكة كالتالي: «درب الحاج العراقي: منازل الطرق: الكوفة. النجف بين القادسية والعذيب. بركة أم قرون. بركة المغيثة. واقصة. بركة العقبة. القاع. بركة الهيثم. بركة زبالة. الشقوق (الشيخيات). البطان (بركة العشار). الثعلبية. زرود. الخزيمية. الأجفر. بين الأجفر وفيد. فيد. توز (التوزي) ـ سميرا. الحاجز (البعائث). قروري. النقرة. مغيشة الماوان. الربذة. السليلة. بئر عُمَق. معدن بني سليم (مهد الذهب). صفينة. حاذة. المسلح. الأفيعية. غمرة. ذات عرق (الضريبة). بستان ابن معمر. مكة المكرمة».
وفي (معجم معالم الحجاز 4/19): «وتبعد الربذة (150) كيلاً مقاسة على الخريطة شمال المهد على درب زبيدة».
وعللت تسميتها بالربذة بتعليلات مختلفة، لعل أقربها إلى الواقع ما ذكره ابن الكبي عن الشرقي من أن «الربذة وزرود والشقرة بنات يشرب بن قانية بن مهليل بن إرم بن عبيل بن أرفخشد بن سام بن نوح، فسميت قرية الربذة باسم أولاهن وسميت قرية زرود باسم الثانية وقرية الشقرة باسم الثالثة.
وكانت الربذة من القرى العامرة في صدر الإسلام، ذكر هذا غير واحد، منهم الفيومي في (المصباح المنير)، والزبيدي في (تاج العروس).
واستمر عمرانها حتى سنة 319هـ حيث قامت الحرب بين أهلها وأهل الضرية الذين استنجدوا بالقرامطة فخربوها.
يقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان 3/24): «وقرأت في تاريخ أبي محمد عبيدالله بن عبد المجيد بن سيران الأهوازي، قال: وفي سنة 319 خربت الربذة باتصال الحروب بين أهلها وبين ضرية، ثم استأمن أهل ضرية إلى القرامطة فاستنجدوهم عليهم، فارتحل عن الربذة أهلها، فخربت، وكانت من أحسن منزل في طريق مكة».
ويقول الزبيدي في (تاج العروس ـ مادة ربذ): «وفي المراصد تبعاً لأصله: الربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام منها، قريبة من ذات عرق على الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، بها قبر أبي ذر، خربت في سنة تسع عشر وثلاثمائة بالقرامطة».
ويبدو أنها بقيت دارسة حتى يومنا هذا، وممن أشار إلى دروسها بعد الحرب المشار إليها الفيومي المتوفى سنة 770هـ عند زيارته للمدينة المنورة وسؤاله الناس فيها عن الربذة، وذلك في سنة 723هـ، قال: «وهي (يعني الربذة) في وقتنا دارسة لا يعرف بها رسم، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاج العراق نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني به جماعة من أهل المدينة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة».
وزارها في أيامنا هذه المقدم البلادي قبل أن تجري فيها جامعة الرياض حفرياتها، وكتب في كتابه (معجم معالم الحجاز 4/19) يقول: «الربذة: المدينة التاريخية في شرق الحجاز وتعرف أطلالها اليوم باسم (البِركة)، وظهرت في بعض الخرائط باسم (بركة أبو سليم) وهو اسم غير معروف عند أهل الديار».
وفي يوم الاثنين 23/6/1409هـ 30/1/1989م قمت بالرحلة الميدانية التالية:
غادرت جدة بعد الظهر بسيارة جيب تويوتا استعرتها من أحد الأصدقاء، وكان برفقتي الخطيب الحسيني الشيخ صالح العبيدي والشاب عابد العلاسي ـ وهما من جدة ـ وابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان السبطان الحسن والحسين الخليفة.
ووصلنا المدينة المنورة ليلاً، وبتنا في قصر الزهراء.
وفجر يوم الثلاثاء 24/6/1409هـ تشرفنا بزيارة مرقدي رسول الله (ص) وبضعته الزهراء (عليها السلام)، وبالصلاة في الروضة المطهرة، وبزيارة مراقد أئمة البقيع (عليهم السلام)، ثم بزيارة مرقد الحمزة وشهداء أحد.
وبعد ذلك غادرنا المدينة المنورة إلى الربذة عن طريق القصيم. وتوقفنا عند أول محطة بعد المدينة، وتسمى (مشهد المدينة المنورة) لإمكان مشاهدة منائر الحرم النبوي الشريف منها، وبعد تناول وجبة الإفطار فيها توجهنا إلى الحناكية مروراً بصويدرة، ومن الحناكية إلى الشقران التي تأتي بعدها مباشرة.
ومن الشقران نزلنا يمين الطريق مستقبلين مطلع الشمس، متجهين إلى الربذة، وضللنا الطريق أكثر من مرة في صحراء جرداء إلاّ من الحجارة القاسية والرمال الغزيرة.
وبعد السؤال وصلنا إلى جبل سنام (سمي بذلك لأنه يشبه سنام البعير في شكله)، والمسافة بينه وبين محطة الشقران حوالي خمسين كيلاً.
ومن سنام انحدرنا جهة القبلة إلى الربذة على بعد خمسة عشر كيلاً منه.
ورأينا فيها الآثار التي اكتشفتها جامعة الملك سعود ـ قسم المتاحف والآثار، وهي:
ـ بئر ماء عميقة، لا تزال صالحة للاستعمال.
ـ بركة ماء كبيرة جداً، أسطوانية الشكل.
ـ حوض ماء مستطيل الشكل، إلى جنب البركة، فيه فوهتان، إحداهما لاستقبال مياه السيول، والأخرى للصب في البركة.
ـ مسجد كبير، لا تزال أسس جدرانه وأسطواناته ومحرابه قائمة.
ـ محل وضوء، إلى جنب المسجد، يمين القبلة.
ـ مقبرة، في قبلة المسجد، يتوسطها قبر أبي ذر مع قبور آخرين من الصحابة، عليها كومة من الحجارة، وعند رأس حجرة ناتئة على قبر أبي ذر علامة له.
وكل من المسجد والمقبرة مسيج بشبك من السلك.
ـ وهناك أماكن أخرى معدة للحفريات.
ـ ومجمع سكني من البناء الجاهز للجامعة، محاط بسياج، وعلى بابه لوحة كتب عليها: (المملكة العربية السعودية ـ وزارة التعليم العالي ـ جامعة الملك سعود ـ كلية الآداب ـ قسم المتاحف والآثار ـ حفريات الربذة).
وبعد أن زرنا قبر أبي ذر وقبور من معه من الصحابة وقرأنا الفاتحة عدنا قافلين إلى جدة.
استأجرنا شخصاً من مضارب ـ البدو الرعاة الساكنين هناك ـ وهم من قبيلة حرب ـ بمائة وخمسين ريالاً دليلاً يوصلنا إلى قرية صخيبرة، التي تبعد عن الربذة بأربعين كيلاً وعندما وصلنا إليها عبئنا! سيارتنا بالوقود، وصلينا الظهرين في مسجدها.
ثم غادرناها على طريق أرامكو (الجبيل ـ ينبع)، وهو طريق ممهد بطول 200 كيلومتر، من صُخيبرة إلى الخط السريع (مكة ـ المدينة)، ودخلنا الخط عند مفرق اللثامة الذي يبعد عن المدينة المنورة بستين كيلومتر، وبعد أن تناولنا العشاء في اليتمة، وصلينا العشائين، توجهنا إلى جدة ووصلناها بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، والحمد لله على توفيقه وفضله.
ونخلص من كل ما تقدم إلى النتائج التالية:
1 ـ تقع الربذة شرقي المدينة المنورة، على طريق الحاج العراقي المعروف بدرب زبيدة، والذي يعد حالياً من آثار العباسيين.
2 ـ تعد الربذة حالياً موقعاً من مواقع الآثار في جزيرة العرب التابعة رسمياً لمديرية الآثار السعودية.
3 ـ يجري قسم المتاحف والآثار ـ جامعة الملك سعود، حفريات توصل بها إلى اكتشافات ما أشرت إليه من معالم الطريق المذكور، ولا تزال حفرياته جارية.
4 ـ يقع قبر أبي ذر في وسط المقبرة المشار إليها.
5 ـ للربذة ـ الآن ـ عدة طرق، منها:
أ ـ طريق الحناكية ـ الشقران ـ جبل سنام ـ الربذة.
ب ـ طريق اللثامة ـ الصُخيبرة ـ الربذة.
جـ طريق مهد الذهب ـ العمق ـ السليلة ـ الربذة.
وكلها غير مزفتة ولا ممهدة إلاّ طريق اللثامة ـ الصُخيبرة فإنه ممهد.
ومن المفيد أن أنوه في ختام حديثي هذا إلى أن من الناس ـ وبخاصة الإيرانيين ـ من يذهب إلى قرية (الواسطة) من قرى بدر فيزور قبر عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي سقط في معركة بدر جريحاً وحمل إلى هذه القرية، واسمها قديماً (الصفراء). وتوفي فيها ودفن فيها، بدعوى أن قبره هو قبر أبي ذر.
وهي ـ كما نرى ـ دعوى لا تقوم على أساس، ولا أدري كيف ومن أين جاء هذا الخطأ.
وقلت عندما وقفت على قبر أبي ذر:
قطعت إليكَ البيدَ يحدو بي الشوق
أيا ثائراً للَّه غايته الحقُ
ولم يثنني وحشُ المسيرِ ووعره
ولا عاقني أن قد تَضُلُّ بي الطرقُ
فجئتُكَ والآمالُ تعلو كريمةً
لأنك صنو الصدق بل إنك الصدق
وطال مسيري في القفار مخيفة
فلا الغرب معروف لديَّ ولا الشرقُ
وحتى رأيتُ القبرَ قبرَك ماثلاً
بكومةِ أحجارٍ يصابحُها الوَدْقُ
وفي ثغرهِ جرداء أَمحلَ ربعُها
سوى أن أملاك السماء لها رِفُقُ
تعاليت عن منفَى نفوك لأرضه
فصوتُك باقٍ ما بقي الصدقُ والحقُ
وإن حَسِبُوا أن الممات نهايةٌ
فقد خَسِروا فيها وكان لكَ السّبْقُ
لقد كشفت تلك المواقف زيغَهُ
وناءَ بها حَمْلاً وضاقَ به الطوقُ
وأَضرمتها حتى تفجر ثورةً
نداؤك دكتْ عرشَهُ وبدا الخرقُ
فعشتَ مع التاريخ أمثولة الهدى
وراح بلا قبرٍ يواري ولا شِقُّ
فعُقباكَ عُقبى الأكرمين مثوبةً
وعُقباةُ عقبى خاسرٍ ماله رتقُ
سلامٌ على أرضٍ حوتْكَ ومربعٍ
ثويتَ به بدواً وهالتكَ الأفقُ
ونورٍ من الفكرِ العظيمِ تشعُّهُ
على هذه الدنيا فيسمُو به الخلقُ
د. عبد الهادي الفضلي
أبو ذر الغفاري
جندب بن جنادة
حياته في سطور
* المشهور والأصح أن اسمه: أبو ذر جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار، وينسب إلى قبيلته غفار، فيقال: أبو ذر الغفاري، وفي اسمه هذا خلاف كثير، فالبعض يقول أن اسمه: أبو الذر، والبعض الآخر يقول: إن اسمه برير بن عبدالله، أو برير بن عشرقة، أو برير بن جندب، أو بريد بن عبد، ومنهم من يقول: إنه: جندب بن السكن، أو جندب بن سفيان بن جنادة بن عبيد بن الواقفة بن حرام بن غفار بن مليل بن صخرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الغفاري.
* أما اسم أمه فإنه لا خلاف فيه، فهي: رملة بنت الوقيعة، من بني غفار بن مليل.
* ولد في قبيلة غفار، في تاريخ غير معلوم، وكانت مضاربها على طريق مكة التجاري إلى الشام.
(* وكان أبو ذر أسمر اللون، طويلاً، نحيف الجسم معروفاً.
* ولقد اهتدى إلى عقيدة التوحيد، فترك عبادة الأصنام، وعبَدَ الله وحده قبل بعثة الرسول محمد (ص)، بثلاث سنوات، وكان قومه يعلمون عنه ذلك، ويسمونه، لترك دينهم وخروجه عليه: الصابىء.
* كان من السابقين إلى تصديق الرسول في رسالته، وهناك اتفاق على أنه أحد الخمسة الأوائل الذي أسلموا مبكراً، والخلاف هل هو الرابع أو الخامس فيهم.
* كان إسلامه ودعوة الإسلام لا تزال سراً بمكة، فولاه الرسول مسؤولية قومه، فعاد ومكث فيهم يدعو للإسلام جهراً، فأسلم معه كثير من قومه، وظل في موقعه هذا حتى هاجر إلى المدينة سنة 5هـ. 627م.
* أبرز ما يميز حياة أبي ذر علمه الغزير، حتى قال عنه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ وهو من هو في العلم ـ: «وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه»… وكذلك زهده وتواضعه، وفي زهده يقول الرسول: «أبو ذر في أُمتي على زهد عيسى بن مريم (عليه السلام). ولقد بلغ به التواضع أنه كان يقدم لإمامة الصلاة ـ في منفاه بالربذة ـ رقيقا اسمه «مجاشع»، وهو دونه في كل الصفات والمؤهلات. وكذلك جرأته في الحق التي فاق فيها أصحابه، حتى قال عنه الرسول بصددها: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»!.
* روى عن الرسول أحاديث كثيرة، ومنها أحاديث عديدة ذات مضمون اجتماعي يدعو إلى المساواة والتكافل وينفر من التفاوت في الثروات، وروى هذه الأحاديث عن أبي ذر كوكبة من الصحابة والتابعين، منهم مثلاً: أنس بن مالك، وعبدالله بن عباس، وأبو إدريس الخولاني، وزيد بن وهب الجهني، والأحنف بن قيس، وجبير بن نفير، وعبدالرحمن بن تميم، وسعيد بن المسيب، وخالد بن وهبان (أو: أهبان) ـ وهو ابن خالة أبي ذر، وقيل: ابن أخيه ـ وعبدالله بن الصامت، وخرشة بن الحر، وزيد بن ظبيان، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الدُؤلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك، وأبو مرواح الغفاري، وعبدالرحمن بن حجيرة، وعبدالرحمن بن شماسة، وامرأة أبي ذر، وعطاء بن يسار، وغيرهم كثيرون.
* اختلف مع ثعمان بن عفان، لمحاباته أهله بعد توليه الخلافة، وثار على خروج المجتمع الإسلامي عن نهج الرسول في التقارب والتكافل الاجتماعي، وانتقد تسابق البعض على حيازة الثروات، ونفي بسبب ذلك أكثر من مرة، من المدينة إلى الشام، ومن الشام إلى المدينة وأخيراً إلى قرية صحراوية على بعد ثلاثة أميال من المدينة تسمى الربذة وكان ذلك في سنة 30هـ.
* في تاريخ وفاته خلاف بين سنوات 31 و32 و34هـ والأصح هو التاريخ الأول.
* لم يحضر وفاته سوى ابنته، وكان قد أمرها عندما اقترب منه الموت أن تولم وليمة لأول ركب يفد إلى منفاه كي يجهزوه ويدفنوه… وقبل أن يسلم روحه قال لابنته: استقبلي بي الكعبة، ففعلت، وقال: بالله، وعلى ملة رسول (ص). ثم أسلم الروح. وعندما وفد على ابنته ركب قادم من الكوفة، وكان فيه عبدالله بن مسعود، قالت لهم: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر، قالوا، وأين هو؟ فأشارت إليه ـ وقد مات ـ فجهزوه وصلوا عليه ودفنوه… ولقد بكى ساعتها ابن مسعود، وقال: صدق رسول الله (ص)، لقد قال عن أبي ذر: «يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
إسلام أبي ذر
في الأحاديث التي رويت عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، كلمات تشهد لأبي ذر الغفاري بالتميز والتفرد ببعض الخصال والصفات، سبقت إشارتنا إلى بعض من ذلك، وسيأتي الحديث عن بعضها الآخر بعد قليل.
وقصة العلاقة بين أبي ذر وبين الدين الإسلامي من أهم القسمات التي تميز أبا ذر عن غيره من الصحابة، سواء منهم الذين سبقوا إلى الإسلام أو الذين أبطأ بهم الإيمان بالرسول حيناً من الدهر، قل أو كثر ذلك الحين.
ففي شبه الجزيرة العربية كانت تتناثر، قبل بعثة الرسول، بعض المراكز الدينية، وبعض القبائل التي آمنت بشريعة عيسى (عليه السلام)، وكانت في هذه الأرض كذلك بقايا لديانة إبراهيم الخليل (عليه السلام) تمثلت أساساً في عقيدة التوحيد التي ترفض الأصنام، وتنكر على الناس عبادتها، وكانت هذه البقايا من عقيدة إبراهيم تسمى «الحنيفية»، وأتباعها يسمون «الحنفاء».. ولقد كانوا أكثر الناس إحساساً، في تلك البقعة وفي ذلك التاريخ، بشدة حاجة تلك البيئة إلى رسول يوحد العرب حول عقيدة توحيدية، وينتقل بهذا المجتمع إلى طور حضاري جديد…
ولقد كان أبو ذر الغفاري من هؤلاء الحنفاء، الذين اهتدوا ـ ذاتياً وبالتأمل والتعمق في التفكير ـ إلى عقيدة التوحيد، فدعا الله وعبده، بل ودعا إليه، قبل أن يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، بثلاث سنوات، وهذه ميزة ينفرد بها الرجل عن الذين شاركوه في صحبة الرسول.
وهو يقص علينا ذلك السبق في حوار دار بينه وبين ابن أخيه، يقول فيه: «ـ وقد صليت، يا ابن أخي، قبل أن ألقى رسول الله (ص)، بثلاث سنين.
قال: لمن؟
قلت: لله.
قال: فأين تتوجه؟
قلت: أتوجه حيث يوجهني ربي!…» )[303](.
وفي الوقت الذي بدأ فيه الرسول الدعوة سراً إلى الإسلام، كان أبو ذر مع أخيه «أنيس» قد غادرا مع أمهما مضارب قبيلتهم غفار، سخطاً على خروج القبيلة عن تقاليد العرب التي تحرم الحرب في الشهر الحرام، فنزلوا حيناً من الدهر عند خال لهما، ثم غادروه ونزلوا على مقربة من مكة… وفي هذا المكان سمع أبو ذر عن الرجل الذي يقول: إنه يتلقى وحي السماء، ويدعو إلى عقيدة التوحيد، فبعث بأخيه كي يتنسم له هذا الخبر الذي لم يكن بعد قد ذاع، وقال له: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني… وعندما عاد «أنيس» من رحلته، سأله أبو ذر:
ما صنعت؟
قلت: فما يقول الناس؟
قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر.. لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على إقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون».
ولكن ها القدر من الحديث، وذلك اليقين الذي تحدث به «أنيس» عن صدق محمد لم يكف لهفة أبي ذر ولم يشبع نهمه، وهو الذي ينتظر مثل ذلك اليوم منذ سنوات ثلاث… فطلب من أخيه القيام على أمر أمهما وأمر معاشهم حتى يذهب بنفسه إلى مكة كي يباشر السماع ويقف بنفسه على حقيقة الموضوع.
وعندما وصل إلى مكة اختار رجلاً ضعيف البنية من بين أهلها، كي يسأله عن مكان هذا الداعية إلى نبذ عقيدة الأصنام، فقال للرجل: أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟!.. ففزع الرجل، كيف شاع أمر الدعوة الجديدة، التي يريد أهل مكة أن يقبروها في مهدها، حتى بلغ خبرها إلى من هم خارج مكة، فجاء هذا الغريب يسأل عن مكان صاحبها!! ولذلك صرخ الرجل في تعجب من سؤال أبي ذر، وقال: الصابىء؟!.. الصابىء؟!.. ويحكي أبو ذر كيف هجم عليه القوم وانهالوا عليه بالضرب حتى اصطبغت ملابسه وبشرته بدمائه، فيقول: فمال عليَّ أهل الوادي بكل قدرة وعظم حتى خررت مغشياً عليَّ.. فارتفعت، حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر!!.
ولكن ذلك لم يصرف أبا ذر عن ما جاء من أجله.. فذهب إلى ماء بئر زمزم فاغتسل من دمائه، وشرب من مائه، ودخل المسجد واختفى خلف أستار الكعبة يترقب ما تأتي به الأيام من الأحداث.. واستمر في مخبئه هذا يتسمع خمسة عشر يوماً، وقيل ثلاثين يوماً، حتى كانت ليلة مقمرة انصرف فيها رجال مكة إلى السمر عن الطواف بالأصنام المنصوبة حول الكعبة وفوقها، وجاءت امرأتان تطوفان بالأصنام، وتدعوان الصنم «إساف» والصنم «نائلة» بما هو مألوف عندهم من الدعاء… وقرر أبو ذر أن يسخر من المرأتين ومن معبودهن ـ و«إساف» إله ذكر، ـ و«نائلة» آلهة أنثى ـ فرفع أبو ذر صوته من مخبئه، وقال للمرأتين: أنكحا أحدهما الأخرى؟!.. ولكنهما استمرتا في دعاء الصنمين فقال: «هَنٌ مثل الخشبة»؟!.. وعند ذلك فزعت المرأتان، وغادرتا مكان الطواف في اتجاه باب المسجد، وهما تصيحان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا؟؟! وصادف ذلك دخول رسول الله (ص) إلى المسجد، للصلاة، في تلك الليلة التي خلا فيها المسجد من المشركين.. فسأل المرأتين:
ـ مالكما؟
قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارها..
ـ ما قال لكما؟
قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم (أي غليظة في فحشها، لا يمكن التلفظ بها).
ويحكي أبو ذر ما حدث بعد ذلك، وكيف «جاء رسول الله (ص) حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت، ثم صلى، فلما قضى صلاته، قلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله.. ثم قال: من أنت؟ قلت: من غفار…» ويعلق أبو ذر على هذا اللقاء، وعلى إسلامه، دون أن يدعوه الرسول إلى الإسلام، فيقول «فكنت أنا أول من حيّاه بتحية الإسلام».
فأخبره الرسول بتفكيره في الهجرة من مكة، واحتمال أن تكون «يثرب»، (المدينة) هي مكان هذه الهجرة المرتقبة.. وطلب إليه أن يتولى أمر الدعوة إلى الإسلام في قبيلته غفار.. وقال له: «فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟… ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري».
ولكن أبا ذر لم يشأ أن يغادر مكة سراً، ودون أن يتحدى أهلها في ذلك الوقت المبكر الذي لم تكن فيه الدعوة الإسلامية قد أعلنت بعد، ولم يكن فيه عدد المسلمين قد تجاوز أربعة، فقال للرسول عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم».. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس بن عبدالمطلب فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟! وأنه طريق تجارتكم إلى الشام؟! فأنقذه منهم» وتكرر هذا المشهد في اليوم التالي حيث عاد أبو ذر لتحديهم علناً، فعادوا لضربه وأنقذه منهم ثانية العباس، عم الرسول.
وهكذا تفرد أبو ذر مرة أخرى بأمر آخر عن غيره من الصحابة الذين أسلموا حتى ذلك التاريخ.
وعندما عاد أبو ذر إلى قومه، تبعه في العقيدة أخوه «أنيس»، وأمه. ثم أخذ في الجهر بالدعوة إلى الإسلام، وفي السخرية من أصنام غفار وآلهتهم.. حتى دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام، وظل بينهم داعياً إلى الدين الجديد حتى هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وقدم إليها أبو ذر فأسلم من بقي من قومه، ودعا لهم الرسول فقال: «غفار غفر الله لها»)[304](… فكانت ميزة أخرى تميز بها هذا الداعية إلى الإسلام بين قبيلته وقومه عن كثير من الذين أسلموا في ذلك الحين…
صفحات أخرى للرجل
ولم تكن هذه هي كل الصفات التي تميز بها هذا الصحابي الجليل… بل كانت له صفات أخرى امتاز بها على الكثيرين…
* ومن أولى هذه الصفات غزارة العلم والمعرفة… فعلى الرغم من أن المشهور في الدراسات الإسلامية التي تناولت مركز الصحابة من العلم والمعرفة تجمع ـ وهي على حق في ذلك ـ على أن علي بن أبي طالب كان أبرز الصحابة في هذا الميدان، إلا أن تقييم أبي ذر في هذا الصدد يحتاج إلى تنبيه وجلاء وتفسير لبعض ما روي حوله في هذا الموضوع.
فلقد ذكرت في أوصاف الرجل أنه «كان يوازي ابن مسعود في العلم»)[305](.. وابن مسعود من المبرزين والمقدمين في هذا الميدان… ولكن الأمر الأهم الذي نود التنبيه إليه هو أن وصول أبي ذر إلى الإيمان بعقيدة التوحيد قبل البعثة المحمدية، وقبل سماعه بالقرآن والرسول، إنما يضعه بين أصحاب النظر العقلي والتحليل النظري والفكر الفلسفي، ومن ثم يعطي الرجل مكاناً متميزاً في هذا الميدان… ويبدو… أن الرجل قد كانت له آراء فلسفية ونظرات عميقة حول عدد من القضايا الفكرية، لم تكن البيئة الفكرية التي عاش فيها من سعة الصدر ورحابته بحيث تسمح له أن يلقي بكل ما عنده إلى الناس… ويشهد بذلك قول علي بن أبي طالب عندما سئل عن أبي ذر، فلقد قال: إنه «وعى علماً فعجز فيه، وكان شحيحاً حريصاً: شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم»)[306](، فهو هنا يشير إلى «نوعية» علم أبي ذر، وأيضاً إلى أن الرجل كان حريصاً عليه وضنيناً بإذاعته بين الناس… وفي حديث آخر لعلي عن هذا الموضوع يقول فيه، كان «أبو ذر وعاء مليء علماً، ثم أوكىء عليه»؟!)[307](… أي أن البيئة التي عاش فيها الرجل لم تشهد ما في وعاء علمه من قضايا وأفكار، لأن هذا الوعاء بعد أن ملىء بالعلم، حدث أن «أوكىء عليه»؟!.. وهناك رواية أخرى لكلماته هذه أكثر صراحة وأقطع في الدلالة عندما يقول «وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه»؟!)[308](.
ولأبي ذر نفسه إشارة إلى أنه قد تحصلت له وامتلك عقله نظرة شاملة ومتكاملة للكون والحياة، فهو يصف حالته الفكرية بعد أن اكتسب ما اكتسب من صحبة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ـ وكان ملازماً له منذ لحق به في المدينة ـ فيقول: «لقد تركنا رسول الله (ص)، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً؟!)[309](.. فالرجل ولا بد كانت لديه قضايا وأفكار أكثر مما حفظته لنا كتب الحديث والتاريخ.
* وزهد أبي ذر هو الآخر ميزة من الميزات التي تميز بها الرجل، فالرسول (ص) قد قال عنه: «أبو ذر في أُمتي على زهد عيسى بن مريم (عليه السلام)» )[310](، ولكن زهد أبي ذر لم يكن عزوفاً عن الدنيا وإدارة ظهر لمشاكلها وأحداثها، وإنما كان موقفاً نضالياً يرفض صاحبه الانغماس في الملذات والترف، وفي نفس الوقت يكافح الذين سلكوا هذا السبيل، فأبو ذر كان يؤمن بأن له في أموال المجتمع حقوقاً مثل ما للآخرين، وأن استئثار الآخرين بهذه الأموال لا يعني اختصاصهم بها دونه وحتى في منفاه «بالربذة»، وفد عليه «سلمة بن نباتة» فحدثه عن تسابق أصحابه في حيازة الأموال وتنمية الثروات، وقال له: «إن أصحابك قِبَلنا أكثر الناس مالاً؟! فقال له أبو ذر: «أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله»)[311]( فهو لم يكن زاهداً زهد الإنسان الذي لا يرى لنفسه علاقة بالدنيا ومباهجها، وإنما كان زاهداً زهد المناضل عند احتواء هذه المباهج لملكاته وقدراته وتطويعها لمزاياه الثورية التي اكتسبها من قبل ومن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام.. والإمام أحمد بن حنبل يروي بمسنده في «كتاب الزهد» الحديث الذي يقول فيه أبو ذر «إني لأقربكم مجلساً من رسول الله (ص) يوم القيامة، ذلك أني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها» ثم يستطرد أبو ذر فيقول: «والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري»)[312](. فهو إذا نمط من الزهد أقرب إلى المواقف النضالية منه إلى المعنى الشائع الآن عن الزهد والزاهدين… ولا شك أن هذه الميزة من ميزات أبي ذر ستبرز أكثر وأكثر عندما نعرض لمواقفه النضالية من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية في عهد عثمان بن عفان.
* وميزة أخرى للرجل لم يشترك معه فيها أحد من أصحابه، بشهادة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهي «صدق اللهجة»، التي تعني بلغة عصرنا أن الرجل كان أكثر الألسنة صدقاً في التعبير عن الرأي الحر، وأكثر الناس جرأة في إعلان ما يعتقده حقاً دونما مواربة أو مداورة، وأن لسانه كان أكثر منابر العصر تعبيراً عن الحقائق التي شهدها هذا الصحابي الجليل.
أما شهادة الرسول لأبي ذر بهذه الميزة وذلك الامتياز، فإنها قد جاءت في حديثه الذي يقول فيه عليه وآله الصلاة والسلام: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»)[313](. وهو حديث رواه أبو الدرداء، ورواه كذلك بنفس ألفاظه مع تقديم وتأخير عبدالله بن عمر بن الخطاب… ولقد اشتهر أمر هذا الحديث حتى أصبح من الصفات الشائعة لأبي ذر في كتب الطبقات الخاصة بالصحابة والمحدثين صفة «الصادق اللهجة»)[314](، وهو وصف لم يطلق على أحد غيره من صحابة رسول الله.
وأهمية هذه الصفة بالذات من بين صفات أبي ذر الغفاري أنها تعطي قيمة أكبر وأهمية أعظم لرأي الرجل وتقييمه للتطورات والأحداث التي دار حولها الخلاف بينه وبين عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ومن ناصرهما من الصحابة، وهي الأمور التي سيأتي حديثنا عنها بعد قليل… فالقطع ـ بصدق لهجة الرجل، واليقين بأنه أصدق أهل زمانه لهجة ينفي نفياً باتاً ما حاول به البعض تجريح الرجل والنيل من إنصافه عندما صوروه أداة لبعض من أسلم من اليهود، دفعوا به لمناوأة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، ومن ثم فإن هذه الصفة من صفات أبي ذر لا بد وأن تظل حاضرة في ذهن الباحث والدارس والقارىء عند التعرض لأحداث ذلك الصراع الذي قام بينه وبين جهاز الدولة والأغنياء في ذلك الحين.
وهذه الصفة التي يتميز بها أبو ذر قد جعلت الرجل أثيراً إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، قريباً منه، تدل على ذلك أحاديث كثيرة مثل ذلك الذي أخرجه الطبراني من أحاديث أبي الدرداء، قال: «كان رسول الله (ص) يبتدىء أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب «أي أن منزلة الرجل كانت كبيرة لدى الرسول… بل وأكثر من ذلك.. فنحن نستطيع أن نقول: إن الرسول كان شديد الحرص على أن يجد أبا ذر دائماً في المكان المرغوب لصفوة الصحابة وخيرة المسلمين، ولقد حدث أن انتشر وشاع تخلف الناس عن الخروج للقتال مع الرسول في غزوة «تبوك»، وأخذ بعض الصحابة ينقلون إلى الرسول أخبار المتخلفين عن الاستعداد للقتال، فيقولون: يا رسول الله: تخلف فلان… فيقول لهم: «دعوه… فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه».. فذهب هذا الحكم معياراً يميز الخارجين إلى القتال عن القاعدين عنه دون عذر مقبول… وعندما خرج الجيش المسلم عن المدينة، لم يكن فيه أبو ذر، لأن بعيره كان بطيء السير، وتفقد الرسول أبا ذر فلم يجده، فأخذ يتمنى على الله أن يكون أبو ذر في القادمين حرصاً منه على الرجل ومكانته في الإسلام وبين المسلمين وفي نفس الرسول… وفي نفس هذه اللحظات كان أبو ذر ـ وقد استبطأ بعيره ـ قد أخذ متاعه على ظهره، وتبع جيش الرسول مشياً على الأقدام.. «فنظر ناظر من المسلمين، فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله (ص): «كن أبا ذر»؟! ويكمل ابن مسعود رواية الحديث فيقول: «فلما تأملت القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر؟!» ففرح رسول الله فرحاً شديداً بتحقيق أمنيته في أن يكون أبو ذر في مكانه الطبيعي بين الذين جعل الله فيهم خيراً فألحقهم بجيش الذاهبين للقتال في «تبوك» وقال: «يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده ويموت وحده… ويحشر وحده)[315](؟!».
تحولات عهد عثمان
حتى نفهم موقف أبي ذر من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية أخريات حياته، لا بد أن نعرض لهذه التحولات، وحتى نحكم للرجل أو عليه لا بد من تقديم لمحة تجسد لنا ما حدث في الميدان الاجتماعي منذ ولي الخلافة عثمان بن عفان، فذلك هو السبيل الطبيعي للتقييم الأدق الذي ننشده، وللتمييز بين وجهتي النظر المتعارضتين للمؤرخين القدامى الذين عرضوا لموقف هذا الصحابي الجليل من هذه التحولات.
وبادىء ذي بدء فنحن مع الذين يرون أنه قد حدثت بالفعل تحولات اجتماعية في الحياة الإسلامية على عهد عثمان، لم تكن موجودة.
ويبدو أن الفرع الأموي، بزعامة أبي سفيان، قد رأى في تولي عثمان الخلافة فرصة طالما انتظروها كي تعود لهم المكانة الأولى التي فقدوها منذ ظهور الإسلام على يد محمد بن عبدالله، من الفرع الهاشمي الفقير من بني عبد مناف… ولقد ذكر عمار بن ياسر أنه قد حدث «عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره، ومعه بنو أُمية» أن قال لهم أبو سفيان، وكان قد كف بصره: «أفيكم أحد من غيركم؟… قالوا: لا.. قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة. ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار)[316](. «فهو إذا انقلاب سياسي قد حدث، طالما رجاه وانتظره أبو سفيان وبنو أمية، وهي إذاً بداية حقبة من الحكم الأموي يعدون أنفسهم لتلقفه كالكرة حتى تصير ملكاً وراثياً يتولاه الصبيان… لقد سنحت لهم الفرصة، ورأوا في شخصية عثمان المناخ المناسب كي يحققوا ما يريدون.. ولذلك كان حكم هذا الخليفة بداية لأحداث وتطورات استحدثت في الحياة الاجتماعية الإسلامية، سعى إليها البعض واغتنمها البعض وناضل ضدها البعض الآخر ومن ثم كانت الصراعات التي برز فيها أبو ذر الغفاري وكانت الثورة التي شهدها آخر عهد عثمان بن عفان…
* فقد انتشر كثير من الصحابة، في الأمصار، وقطعهم عثمان مساحات من الأرض التي كانت ملكية عامة لبيت مال المسلمين، فوزعت عليهم الأرض التي كانت مملوكة لكسرى وقيصر والأمراء والقواد الذين حاربوا ضد الفتح العربي لهذه البلاد، وهي التي كانت تسمى أرض «الصوافي»، وكان دخلها على عهد عثمان 50,000,000 درهم، كما كان عثمان أول من أقطع أرض العراق.
* وتغير حال العمال والولاة، فاستخدم عثمان الكثير من أقربائه.
* وانعكست هذه التطورات السياسية والإدارية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال… فسعيد بن العاص الأموي والي عثمان على الكوفة، يسير في الناس سيرة منكرة، ويستبد بالأموال دونهم، ويقول عن أرض العراق إنها بستان قريش؟! فيعترض عليه الأشتر مالك بن الحارث النخعي قائلاً: «أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟!».
* وتتبدى مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة، فالزبير بن العوام يبني له عدة دور فخمة بالبصرة، والكوفة، ومصر، والإسكندرية، وعند وفاته يحصون في ثروته 50,000 دينار، وألف فرس، وألفاً من العبيد والإماء… إلخ.
* وطلحة بن عبيدالله يبتني لنفسه هو الآخر إحدى الدور الفخمة بالكوفة وأخرى بالمدينة يشيدها «بالآجر والجص والساج»، ويبلغ دخله من ممتلكاته بالعراق وحدها ألف دينار في اليوم الواحد؟!» «وقيل أكثر من ذلك، وبناحية «الشراة» أكثر مما ذكرناه!!
* وعبدالرحمن بن عوف الزهري، تصبح ثروته مضرب الأمثال «فعلى مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم» وعندما توفي قدرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم، ولقد بلغ حجم القدر الذي أحضر منها إلى عثمان بن عفان في «البِدَر» و«الأكياس» قدراً من العِظَم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه؟!
ويذكر سعيد بن المسيب أنه قد كان في ثروة زيد بن ثابت ـ وكان من المدافعين عن عثمان حين ثار الناس عليه ـ يوم مات «من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار».
* أما يعلى بن منبه فإنه يخلف في تركته 500,000 دينار، تضاف إليها عقارات وديون له على الناس تقوم بمبلغ 30,000 دينار؟!
ويحصون لعثمان، يوم مقتله «عند خازنه من المال خمسين ومائة ألف دينار (150,000)، وألف ألف درهم» (1,000,000) وذلك غير قيمة «ضياعه بوادي القرى وحنين»، تلك التي قدرت بمبلغ 100,000 دينار، هذا عدا الخيل والإبل وغيرها من الممتلكات والمقتنيات.
ونحن نود قبل أن ننتقل للحديث عن أثر هذه التحولات المستحدثة في المجتمع الإسلامي، أن ننبه إلى أن صحبة هؤلاء الرجال لرسول الله (ص)، وسبق الكثير منهم إلى الإسلام، وبلاءهم الحسن في نشر الإسلام وإقامة دعوته، لم يكن له أن يمنع سعيهم هذا الذي حدث في سبيل الدنيا لأن النفس البشرية عندما تتاح لها الفرصة لذلك دونما مانع من القانون ورادع من النظام، فقلما تحجم عن السعي في هذا الطريق… ومن ثم استباح الكثيرون لأنفسهم واستحلوا هذا النمط من أنماط الحياة… ولقد كانت للقوم شبهة حل تجعل لهم هذا الأمر مباحاً لا حرج عليهم فيه… يشهد لذلك قول عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن عوف عندما أحضر له ما أحضر من أكياس دنانيره ودراهمه بعد وفاته: «إني لأرجو لعبدالرحمن خيراً، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون»… أي أنه قد كانت هناك وجهة نظر تمثل موقفاً فكرياً يرى أنه لا حرج على الناس ولا على ضمائرهم من السعي في هذا السبيل، وأن التقوى، والإيمان لن ينقص منهما جمع الأموال، بشرط أن يتصدق أصحابها ويكرموا الضيوف ويبذلوا منها قدراً معلوماً في بعض وجوه البر والإحسان.
بل لقد حدث أن استباح البعض ما حرمه الرسول على سبيل القطع في هذا الميدان، وفي (صحيح مسلم) نقرأ هذا الحديث الشاهد لما نقول: ـ «حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان «يعني ابن بلال» عن يحيى «وهو ابن سعيد»، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمراً قال: قال رسول الله (ص): «من احتكر فهو خاطىء»، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر!! قال سعيد، إن معمراً، الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر»؟!)[317](. فما بالنا باستحداث أمور كانت للبعض فيها شبهة حل؟! ولم يكن في صف الذين أنكروها وحاربوها سوى سلاح الاجتهاد في تفسير النصوص وقياس الأمر على كليات التعاليم وروح الشريعة الغراء؟!.
وعلى أي الوجوه قلبنا الأمر، فلقد أثمرت هذه التحولات التي شهدها عهد عثمان بن عفان مناخاً اجتماعياً ولد وشهد العديد من التناقضات والصراعات… ومن الكلمات الجيدة التي تصف تلك الحالة الجيدة قول جمال الدين الأفغاني: إنه «في زمن قصير من خلافة عثمان تغيرت الحالة الروحية في الأمة تغيراً محسوساً، وأشد ما كان منها ظهوراً في سيرة سير العمال والأمراء وذوي القربى من الخليفة، وأرباب الثروة، بصورة صار يمكن معها الحس بوجود طبقة تدعى «أمراء» وطبقة «أشراف» وأخرى أهل ثروة ثراء وبذخ» وانفصل عن تلك الطبقات طبقة العمال وأبناء المجاهدين، ومن كان على شاكلتهم من أرباب الحمية والسابقة في تأسيس الملك الإسلامي وفتوحاته، ونشر الدعوة وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طرز الحياة والذي أحدثته الحضارة الإسلامية، إذ كانوا مع كل جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين إلى رجال الدولة، وقد فشت العزة والأثرة والاستطالة، وتوفرت مهيئات الترف في حاشية الأمراء وأهل عصبيتهم، وفي الولاة وبمن استعملوه وولوه من الأعمال… إلخ… فنتج من مجموع تلك المظاهر التي أحدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين المستضعفين من المسلمين، تكوُّن طبقة أخذت تتحسس بشيء من الظلم، وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص.
وكان أول من تنبه لهذا الخطر الذي يتهدد الملك والجامعة الإسلامية، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري».
اتّهام مردود
ولقد كان طبيعياً أن تحدث تطورات مثل هذه اختلافاً في الرأي وتبايناً في وجهات النظر بين كبار الصحابة وكثير من المسلمين في ذلك الحين، وكان منطقياً وضرورياً أن تؤدي هذه التغيرات الاجتماعية إلى اختلاف وتباين في الزوايا التي ينظر منها الناس إلى الأمور.. ولذلك فإننا نؤيد النظر إلى اختلاف الآراء بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية على أنه أمر طبيعي، وننكر المحاولات التي تريد الانتقاص من قدر أبي ذر، بتصويره ضحية في مخطط يهودي استخدم الرجل في تنفيذ مؤامرة يهودية على الإسلام والمسلمين؟!.
وأصحاب هذا الرأي الشاط قد لجأوا إليه تحت وهم أنهم يدافعون بذلك عن عثمان بن عفان فأوقعهم مسلكهم هذا في منحدر وعر، لأنهم قد جرحوا صحابياً قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنه أصدق أهل الأرض لهجة ومقالاً… وتنبأ بما حدث له، لأنه كان يعرف معدن الرجل، ويستشرف ما ستجره عليه لهجته الصادقة عندما يلجأ القوم إلى الدعة وحب السلامة والرفه، وعندما يثور عليهم أبو ذر لسلوكهم هذا الطريق».
ولقد كانت دوافع أبي ذر إلى موقفه هذا موضع خلاف ـ منذ قرون ـ بين المؤرخين، فالطبري يذكر أن المؤرخين الذين سبقوه قد ذكروا في أسباب نفي أبي ذر من الشام إلى المدينة بأمر من عثمان لمعاوية، بعد أن كاتب معاوية الخليفة بصنع أبي ذر وتحريضه الفقراء على الأغنياء… يذكر الطبري أن بعض المؤرخين قد ذكر لذلك «النفي» و«الأشخاص» أسباباً كثيرة و«أشياء كثيرة وأموراً شنيعة كرهت ذكرها» وفي مكان آخر يقول: ـ «كرهت ذكر أكثرها»)[318](… لأنه كان متعاطفاً مع وجهة النظر التي وقف منها أبو ذر موقف العداء…
أما ابن الأثير ـ وهو من الناقلين عن الطبري ـ فإنه يشير إلى بعض هذه الأشياء التي ذكرها بعض المؤرخين، والتي كره الطبري ذكرها، مثل «سب معاوية» لأبي ذر، و«تهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ـ (فرش على ظهر الدابة) ـ ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع».. يذكر ابن الأثير هذه الإشارة، ثم يقف نفس موقف الطبري فيعلن كراهته للتفصيل في هذا الأمر، لأنه «لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للإمام أن يؤدب رعيته، وغير ذلك من الأعذار، لا أن يجعل ذلك سبباً للطعن عليه»… ثم يمضي ليذكر وجهة نظر الذين أيدوا عثمان ومعاوية ضد أبي ذر، ونسبوا موقف أبي ذر إلى مخطط يهودي، كان ينفذه عبدالله بن سبأ ـ (ابن السوداء) ـ فيقول: أما الذين يعذرون عثمان في موقفه من أبي ذر، «فإنهم قالوا: لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر، فقال يا أبا ذر، ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله؟! ألا إن كل شيء لله؟!!. كأنه يريد أن يحتجنه ـ (يختص به) ـ دون الناس، ويمحو اسم المسلمين!! مال الله الساعة؟!! قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله؟! قال: فلا تقله. قال: سأقول مال المسلمين.
وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له مثل ذلك، فقال: أظنك يهودياً، فأتى «عبادة بن الصامت»، فتعلق به عبادة، وأتى به معاوية، فقال: هذا الله الذي بعث عليك أبا ذر»)[319](.
ونحن لا نميل إلى موقف ابن الأثير هذا، بل نرفضه لأسباب كثيرة في مقدمتها:
أولاً: أنه لا يضع في اعتباره أن التطورات التي طرأت على الحياة العربية الإسلامية في ذلك التاريخ، من الطبيعي، بل ومن الضروري أن تثير اختلافات في وجهات النظر بين الناس، وأن هذا الاختلاف طبيعي تماماً، بل ضروري، خصوصاً في بيئة يشجع الفكر الإسلامي فيها الناس على التفكير بحرية، ويرى أن الإنسان فيها حر مختار، وموقف ابن الأثير هذا يفضي ـ ضمن ما يفضي ـ إلى جعل التفكير الاجتماعي وقفاً على اليهود، من دون العرب والمسلمين المخلصين لتعاليم الإسلام!؟
وثانياً: إن قصة عبدالله بن سبأ، برمتها، ومن أساسها، موضع شك وجدل بين الباحثين في تاريخ هذه الفترة من فترات حكم الإسلام والمسلمين، وهناك من يراها مجرد «مشجب وهمي»، اخترعها البعض ليعلق عليها الأخطاء، ويصرف بها نظر البحث والباحثين عن رؤية التطورات التي حدثت في المجتمع والخلافات التي ثارت فيه ذلك الحين)[320](..
وثالثاً: إن قصة الخلاف بين أبي ذر وعثمان حول قضايا المال والفقر والغنى سابقة على ذهاب أبي ذر إلى الشام، وعلى هذا اللقاء المزعوم بينه وبين ابن السوداء، كما يتضح ذلك ـ من الأحداث وترتيبها التاريخي ـ بعد قليل… وهو أمر يهدم هذه الدعوى من الأساس ولذلك فنحن نميل إلى رأي الفريق الآخر من المؤرخين ـ المسعودي مثلاً ـ الذي يصور الأحداث التي وقعت بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية باعتبارها أموراً طبيعية أثمرتها تطورات شهدتها حياة المجتمع يومئذٍ… فهو مجتمع، وهم بشر، والأليق بهم النظر إليهم وإلى خلافاتهم وصراعاتهم في هذا الإطار وبهذا المنظار.
الصدام مع عثمان ومعاوية
في المدينة:
كان أبو ذر قد اتخذ لنفسه سبيلاً قرر أن لا يحيد عنها، وهي الخروج من الدنيا فقيراً كحاله يوم ودع رسول الله (ص) عندما مات، وكان دائم الترديد لحديث الرسول الذي يقول فيه: «إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها». وعندما كان أبو ذر يردد هذا الحديث، كان ينظر إلى صحبه الذي أخذوا يجمعون الحظوظ من متاع الدنيا، ويغمزهم ويقول لهم: «والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري!…» وكان أيضاً دائم التحذير والإنذار للذين يجمعون الأموال ويصرفون في سبيلها جهداً كبيراً، فيذكر لهم قول الرسول (ص) عن المكثرين من المال وكيف «أن الأكثرين هم الأقلون يوم القيام»، إلا من أنفق ما تحصل له من المال ذات اليمين وذات الشمال، دون كنز أو إمساك أو احتكار».
ولقد أخذت أقوال أبي ذر هذه ومواقفه تؤذي الكثيرين، ورفعت إلى عثمان بن عفان العديد من الشكاوى ضد الرجل، فأصدر عثمان، أمراً إلى أبي ذر ينهاه فيه عن الجلوس «للفتوى» بين الناس… ولكن أبا ذر عصى أمر عثمان، واستمر في عقد المجالس بين الناس، يروي فيها الأحاديث ويفتي فيما يعرض عليه من الأمور، ويروي «ابن سعد» في طبقاته كيف وقف رجل على أبي ذر فقال له: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟! فقال له أبو ذر: والله لو وضعتم الصمصامة ـ (السيف) ـ على هذه (وأشار إلى حلقه)، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله (ص) لأنفذتها قبل أن يكون ذلك!» )[321](.
ولم يكن تصدي أبي ذر للفتيا بالأمر الذي يحدث فقط بعيداً عن عثمان، بل وفي مجلسه وحضرته كذلك.. ولقد ثار النقاش والجدل يوماً في مجلس عثمان حول أمرين يتعلقان بالأموال والثروات.
أولهما: خاص بما على الإنسان في ماله… هل عليه الزكاة فقط؟ أم ما هو أكثر من ذلك؟!
وثانيهما: مدى حرية الخليفة والسلطة الحاكمة في التصرف في أموال الدولة بالأخذ والإعطاء؟؟
وكان رأي أبي ذر إلى جانب فرض ما هو أكثر من الزكاة في أموال الناس، وضد إطلاق اليد لعثمان وولاته في التصرف بالأموال… ووقف مع عثمان، ضد رأي أبي ذر، أناس تزعمهم «كعب الأحبار» الذي أغلظ له أبو ذر القول، واستخدم ضده عصاه، فدفع بها في صدر «كعب»؟! وكان هذا الصدام أول موقف عنيف يقفه أبو ذر الغفاري من السلطة الممثلة يومئذٍ في عثمان بن عفان، مما أدى إلى غضب عثمان منه وعليه، فطلب منه مغادرة المدينة، فخرج منها أبو ذر إلى الشام… والمسعودي يحكم لنا ما حدث يومئذٍ في مجلس عثمان، فيقول:
قال عثمان: أرأيتم من زكّى ماله، هل فيه حق لغيره؟؟
فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين.
فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يابن اليهودي… (كعب الأحبار يهودي تظاهر بالإسلام) ثم تلا: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب… الآية).
فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا، ونعطيكموه؟
فقال كعب: لا بأس بذلك.
فرفع أبو ذر العصا، فدفع بها في صدر كعب، وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا؟!
فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي!! غيب وجهك عني فقد آذيتنا. فخرج أبو ذر إلى الشام…» )[322](.
فهو إذا أول قرار يصدره عثمان بن عفان «بنفي» أبي ذر من المدينة… ولم يحدد له عثمان المكان الذي يذهب إليه.. واختار أبو ذر الشام، لحكمة لعلها أن الرجل قد كان يريد التشديد من حملته ضد التحولات الاجتماعية التي كانت آخذة في الظهور والتفشي يومئذ، وصد من كان يرى انحرافهم من ولاة عثمان على الأقاليم، وفي مقدمتهم والي الشام معاوية بن أبي سفيان… فهو «نفي» عن المدينة العاصمة، ولكنها رحلة ثائر إلى ميدان أكثر خطراً واحتياجاً إلى الثوار…
في الشام
وفي الشام وجد أبو ذر أن الأمر أخطر مما هو عليه في المدينة فلم تكن بساطة الحياة العربية هي الأمر السائد كما هو حال المدينة، ولم تكن القاعدة هي الجماعية، والمساواة، والشذوذ هو الاستئثار والتفاوت في الثروات كما هو الحال في العاصمة.. وإنما كان العكس هو السائد في الشام… فلقد كانت هذه الولاية قد تحولت إلى صورة «عربية إسلامية» لما كان عليه نظام الحكم، أبهة وفخامة، أيام قيصرية الرومان البيزنطين.
ولقد أتاح عهد عثمان لمعاوية في الشام أن يستكمل كل أبهة الملك؛ وأن يبلغ بالأمر كل المدى الذي أراد… ووجد أبو ذر أن القضايا التي كانت لا تزال محل جدل في المدينة قد حسمت في الشام، فلقد كان معاوية يتصرف في مال الإمارة بحرية مطلقة، ويسميه «مال الله»… وكانت قد نبتت بذور ترى في الخليفة ـ ومن ثم في نوابه ـ ظلا لله في الأرض، ومن ثم فإنهم أحرار في تصرفاتهم، لا رقابة عليهم من البشر ولا قيود… فاعترض أبو ذر على معاوية، وطلب إليه أن يتصرف كأمير قد وكلت إليه رعاية «أموال المسلمين» فهي لهم، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها، وكان يعنف معاوية ويقول «يا معاوية.. لقد أغنيت الغني وأفقرت الفقير!».
ومضى أبو ذر يحدث الأغنياء من الناس عن أن جمعهم المال وحجبه عن مصارفه إنما هو «كنز» و«احتكار» وإذا كان القرآن قد وعد (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) بعذاب أليم، فلقد أخذ أبو ذر يخطب في مجتمعات الشام ويقول: «يا معشر الأغنياء: واسوا الفقراء.. بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوِ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» واستمر في دعايته وإثارته هذه للفقراء ضد الأغنياء، حتى تبلورت حركة جماهيرية عمادها الفقراء، ثم استمر الأمر في التصاعد حتى أخذ هؤلاء الفقراء بزعامة أبي ذر ينفذون أفكارهم وآراءهم بأيديهم، ويضعون تعاليم أبي ذر في التطبيق والممارسة رغماً عن سلطة الدولة وجهاز حكم معاوية بن أبي سفيان… وابن الأثير يذكر ذلك بقوله: «ما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وشكا الأغنياء ما يلقون منهم».
وسلك معاوية مع أبي ذر سبيل التهديد، وقال له: يا أبا ذر «خير لك أن تنتهي عما أنت فيه!» ولكن الرجل لم يعبأ بهذا التهديد وقال لمعاوية: «والله لا أنتهي حتى توزع الأموال على الناس كافة؟!». وعند ذلك لجأ معاوية إلى حيلة أخرى أراد بها أن يفسد ما بين أبي ذر وبين أنصاره وحزبه من الفقراء، وذلك في محاولة لإيهامهم أن الرجل ممن يتلقى منه الهدايا والصلات، فبعث في جنح الظلام أحد رسله يحمل ألف دينار لأبي ذر. وفي الصباح، بعث إليه ثانية نفس الرسول يخبره أن العطاء لم يكن له، وأنه قد أخطأ الطريق إليه، ويقول له: يا أبا ذر «أنقذ جسدي من عقاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك»… ولكن أبا ذر كان قد أنفق الدنانير الألف على الفقراء قبل أن يطلع عليها عنده الصباح ـ فطلب من رسول معاوية التأخير ثلاث أيام حتى يجمعها له ممن أخذوها من الفقراء… وعندما عاد الرسول إلى معاوية بالقصة، أدرك أن الرجل عصي على أن تنال منه هذه الأساليب، وذلك لأن «فعله يصدق قوله» في قضايا الأموال والثروات.
وعند ذلك قرَّ قراره على ضرورة إخراجه من الشام، فكتب إلى عثمان يصور له حال أبي ذر مع الفقراء، وكيف أصبحت الشام في حالة ثورة حقيقية، فقال: «إن أبا ذر قد ضيق عليَّ… وقد كان كذا وكذا، للذي يقوله للفقراء… تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك. فإن كان ذلك في القوم حاجة فاحمله إليك؟!».. فاستجاب عثمان لرجاء معاوية مخافة الثورة في الشام، ووافق على عودة أبي ذر ثانية إلى المدينة وهو الذي طلب منه الخروج منها… وكتب إلى معاوية يطلب معالجة الأمر برفق، فالثورة التي أشعلها أبو ذر على وشك الاندلاع، فقال: «إن الفتنة قد أخرجت خطمها ـ (أنفها) ـ وعينيها، ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح… وكفكف الناس ونفسك ما استطعت..!!» وطلب عثمان من معاوية أن يجهز أبا ذر، وأن يبعثه إلى المدينة بصحبة «مرافق»؟!
واتخذ معاوية من أمر عثمان سبيلاً للانتقام من أبي ذر، فأركبه بعيراً ضامراً على ظهره فراش يابس يدمي فخذي الراكب ـ «قتب يابس» ـ وأوصى به خمسة من الجنود الصقالبة ذوي المهارة في العدو ومسابقة الريح «يطيرون به، حتى أتوا المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه، وكاد يتلف…!». وأراد كذلك أن يسيء إلى سمعة الرجل ونزاهته، فأخرج أهله ليلحقوا به، وفي متاعهم جراب ثقيل يشد يد حامله، وجمع الناس ليروا أهل أبي ذر، حتى يوهمهم أن في متاع الرجل أموالاً يحملها ذووه، وقال للحضور: «انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا؟!.. ما عنده؟؟!!» ولكن امرأة أبي ذر خاطبت الناس قائلة: إن ما نحمل ليس دراهم ولا دنانير، ولكنها «فلوس» ـ (فكة) (فراطة) بلغة عصرنا ـ كان أبو ذر يعطيها لبيته من عطائه الذي يناله من بيت مال المسلمين.
وعندما لقي الناس أبا ذر بالمدينة، وهو على حافة الموت من رحلته القاسية هذه، قال له بعضهم: «إنك تموت من ذلك»، ولكن الرجل أنكر عليهم هذه النبوءة بالنهاية القريبة، وقال لهم إن طريق الجهاد لا يزال طويلاً أمامه: «هيهات.. لن أموت حتى أنفى؟!» ثم ذكر لهم أن أمامه من المتاعب أكثر من ذلك الذي وقع به حتى الآن!.. )[323](.
في المدينة… مرة ثانية
حاول عثمان أن يخفف عن أبي ذر، فاستضافه في داره عدة أيام، وأحسن إليه فيها، حتى استرد شيئاً من عافيته… وكان عثمان يرجو ويأمل أن يفتح بذلك صفحة جديدة مع أبي ذر… ولكن ذلك لم يحدث، فلقد تجدد النزاع وبدأ الصراع من جديد…
ففي أول جولة لأبي ذر في المدينة بعد عودته إليها رأى تلك المباني الفخمة التي استحدثها الأغنياء في شكل دور وقصور، ورأى امتدادات المباني وقد صنعت «ضواحياً للعاصمة، يسكنها هؤلاء الذين كانت حياتهم الجديدة موضع نقده الشديد. وعندما تحقق أبو ذر أن المباني الجميلة لقصور الأغنياء قد بلغت إلى مكة «جبل سلع» قفزت إلى ذاكرته نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام، التي قال فيها لأبي ذر إن ذلك سيكون إيذاناً باختلافه مع القوم، وإنكاره عليهم نمط حياتهم الجديدة، وتوالي الأحداث التي ستفضي به إلى منفاه حيث «يموت وحده»… فأخذ أبو ذر في الطواف على مجتمعات العاصمة، محذراً قائلاً: «بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار؟!».. وقرر الرجل أن يكرر بذلك النصح لعثمان، فدخل عليه يوماً «فجلس على ركبتيه»، وأخذ يحدث عثمان عن تلك النبوءة التي طالما حذرت من صنيع بني أمية إذا اجتمع لهم الأمر وزادت قوة عصبيتهم، وبلغ «وُلْدُ أبي العاص ثلاثين رجلاً» لأنهم عند ذلك سيتخذون «عباد الله خولاً» ـ (خدماً) ـ.
ووجد عثمان أن أبا ذر قد عاد إلى عهده القديم، وأنه قد أصبح يمارس في المدينة ما كان يمارسه فيها قديماً، وما مارسه في الشام من الإثارة والتحريض، ففتح معه الحديث عن ما أحدثه بالشام، وقال له: يا أبا ذر «ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟» وعندما أخبره أبو ذر بدوافعه إلى موقفه هذا.. قال عثمان: يا أبا ذر، عليَّ أن أقضي ما عليَّ وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما عليّ أن أجبرهم على الزهد…». ولكن أبا ذر لم يرض بقول عثمان هذا، فلم يكن الأمر في نظره أمر «زهد» لا يستطيع الخليفة أن «يجبر» الناس عليه، وإنما كان أمر أغنياء يزدادون غنى وفقراء تتسبب في أموال الأغنياء تتعدى مقدار الزكاة، فقال لعثمان: إنني أرى «ألا ترضوا في الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القربات».
وتصادف في لقاء أبي ذر هذا مع عثمان أن أحضرت إلى عثمان أكياس النقود التي أخذت من تركة عبدالرحمن بن عوف الزهري، وكانت عظيمة بلغت من الكثرة حداً جعلها تحجب الرؤية بين عثمان وجلسائه.. ودار الحديث من حول هذه الثروة التي جمعها ابن عوف، ومدى تطابق سلوكه هذا مع السلوك النموذجي لصحابة رسول الله (ص).. وانحاز عثمان ومعه «كعب الأحبار» إلى صف الدفاع عن عبدالرحمن بن عوف، لأنه كان يؤدي فريضة الزكاة «ومن أدى الفريضة فقد قضي ما عليه».. واعترض أبو ذر على موقفهم هذا، وعندما أمن «كعب الأحبار» على قول عثمان: إن الله قد أعطى لابن عوف خير الدنيا والآخرة، فقال: «صدقت يا أمير المؤمنين»، غضب أبو ذر، وتحامل على آلامه، ورفع عصاه فضرب بها رأس «كعب الأحبار» وقال له «يابن اليهودي»، تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا والآخرة؟! وتقطع على الله بذلك؟! وأنا سمعت النبي (ص) يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً؟! فغضب عثمان من أبي ذر، واسترضى خاطر كعب الأحبار وطلب منه التنازل له عن ضرب أبي ذر له، ففعل… ثم طلب، غاضباً، من أبي ذر أن يغادر المدينة، قائلاً له: «وارِ عني وجهك»!!..
«فقال أبو ذر: أسير إلى مكة؟
قال: لا والله.
قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟!
قال: أي والله.
قال: فإلى الشام؟
قال: لا والله.
قال: البصرة؟
قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان.
قال: لا والله ما اختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي (المدينة) ما أردت شيئاً من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلدان.
فقال: فإنس مسيرك إلى الربذه»)[324](..
ورواية المسعودي هذه تختلف مع ابن الأثير… ففيها أن عثمان هو الذي حدد لأبي ذر مكان منفاه، أما ابن الأثير فإنه يمثل وجهة النظر التي ترى أن أبا ذر هو الذي اختار لنفسه هذا المكان، وهو الذي «نفى نفسه إليه» احتجاجاً على الأوضاع التي ثار عليها… وملابسات القضية وقرائن أحوالها تشهد لرواية المسعودي ضد ابن الأثير، وذلك لأسباب منها:
أولاً: إن تسلسل الأحداث التي جرت بين أبي ذر وعثمان في المدينة أولاً، وفي الشام مع معاوية، ثم في المدينة ثانياً، كلها تحكي أن أبا ذر كان يجبر ـ وأحياناً بالقوة القاهرة ـ على مغادرة المكان الذي يمارس فيه الموعظة والإثارة والتحريض.
وثانياً: إن شخصية أبي ذر النضالية ليست بالتي تنسحب من بين الناس إلى مكان منعزل في الصحراء، حتى ولو كان هذا الانسحاب تعبيراً عن الاحتجاج والغضب والرفض لنمط الحياة الذي أخذ يسود في ذلك الحين… فلقد كان الرجل ولوعاً بجماهير الفقراء، كما ولعت به هذه الجماهير.
وثالثاً: إن الربذة «كانت قرية معزولة عن قرى المدينة، ولم تكن الحياة بها مرغوبة ولا محبوبة، حتى لزاهد مناضل كأبي ذر.
ولقد روى ابن الأثير نفسه أن أبا ذر كان يخشى على نفسه من العيش في «الربذة» أن يرتد ـ بفعل بيئتها ـ أعرابياً قد انسلخ عنه التطور الذي ألحقه الإسلام بعقول الناس وحياتهم، فكان يتردد على المدينة حتى يظل على صلة بحضارتها… وعبَّر ابن الأثير عن هذا الموقف بقوله: «وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً!».
ولقد تلقى أبو ذر قرار عثمان هذا ببشر يعبر عن التحدي… وأخبر عثمان بأن الرسول (ص) تنبأ له المصير…
ولقد أمر عثمان الناس في المدينة بتجنب أبي ذر حتى يغادرها، وأن يتجافوه، فلا يخرج أحد منهم لوداعه، وأمر أحد أقاربه (مروان) أن يكون في صحبة أبي ذر وابنته حتى يوصلهم إلى مستقرهم الجديد. ولكن بعض الصحابة قد غضبوا عن موقف عثمان هذا، فخرج نفر منهم خلف علي بن أبي طالب، وفيهم الحسن والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر ـ لوداع أبي ذر، مخالفين بذلك أمر عثمان… وعندما التقى ركب علي بن أبي طالب هذا بركب أبي ذر، اعترض عليه «مروان» فقال: يا علي، إن أمير المؤمنين، قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك… فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط، وضرب بين أذني راحلته، وقال: تنح نحاك الله إلى النار!، ومضى مع أبي ذر فشيعه، ثم ودعه وانصرف… فلما أراد الانصراف بكى أبو ذر تأثراً، وهو يبصر غياب ركب ابن عم الرسول!!
وذهب «مروان» فشكا إلى عثمان ما فعله به علي بن أبي طالب، فغضب عثمان، وشكا إلى من حضر مجلسه من المسلمين قائلاً: «يا معشر المسلمين… من يعذرني من عليّ؟! رد رسولي عما وجهته له، وفعل كذا؟! والله لنعطينه حقه!!». وذهب الناس من عند عثمان إلى عليّ يخبرونه بغضبه عليه، فوصف علي هذا الغضب بأنه «غضب الخيل على اللجم». معللاً بذلك موقفه من القضية برمتها، وكيف أن موقفه إنما هو موقف الناصح الأمين، وفعله إنما هو فعل «اللجم» تمنع من الجموح، فتحفظ للخيل سلامتها!
ويروي المسعودي قصة اللقاء العاصف بين علي وعثمان حول هذا الموضوع، وهو اللقاء الذي اشتكى بعده عثمان من علي وقال: «إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني».. وظل عليّ على موقفه، وقال لعثمان: «ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى».
وأخيراً استقر المقام بالثائر الكبير والصحابي الجليل، وأصدق الناس لهجة ومقالاً في «الربذة» منفاه الجديد والأخير، ولم يعدم الأمر قافلة تمر فيلقاه ركبها ليسمع منهم ويسمعون عنه… فبنى «بالربذة» مسجداً، وهناك عاش من سنة 30هـ حتى توفي في سنة 32هـ، محققاً بذلك نبوءة رسول الله عندما قال: يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».. ومحققاً بذلك أيضاً نموذج الإنسان المسلم الذي استطاع أن يوحد توحيداً نموذجياً، ويمزج مزجاً رائعاً ما بين سلوكه العملي في الحياة والأفكار التي آمن بها والتي دعا إلى تطبيقها في هذه الحياة.
د. محمد عمارة
جون مولى أبي ذر
كرّم محمد بن عبدالله (ص) الإنسانية كلها فألغى الاضطهاد العنصري إلغاء عملياً حين اختار لأقدس مهمة زنجياً أسود اللون، وجعل منه مؤذنه الذي ينادي المؤمنين للصلوات في أوقاتها الخمس.
هذا الأسود هو بلال الحبشي الذي كان عبداً من عبيد قريش فلم تكد تبلغه الدعوة الإسلامية حتى كان أول الملبين لها، وتعلم به قريش، ويعلم به سيده (أمية بن خلف) فينصحونه بالعدول عن الطريق الذي مشى فيه فلا يقبل النصيحة ويستمر مسلماً مخلصاً فيأخذون في تعذيبه العذاب الأليم، ولكنه لا يزداد إلا إيماناً، ثم يفر بنفسه إلى المدينة مع من هاجر إليها، وهناك صار مؤذن الرسول. ولقد كانت في صوته لكنة فلا يستطيع أن يلفظ الشين لفظاً صحيحاً، بل تخرج من فمه وكأنها سين، فيقول الرسول (ص) إن سينه عند الله شين..
وعلى صوت بلال الحبشي كان يهرع شيوخ المسلمين وشبانهم إلى المسجد ملبين نداء الله يبعثه هذا الإنسان الأسود اللون. ولم يكن تكريم لعنصر بلال أعظم من هذا التكريم الذي خصه به رسول الله، ولذلك فإنه لما مات النبي انقطع إلى أهل البيت مخلصاً لهم، وفياً لذكرى أبيهم الرسول.
وتدور الأيام ويلقى أهل البيت محناً، وأرزاء، ويبرز الأوفياء ملتفين حول الأسرة النبوية عازمين على الموت دونها إخلاصاً لمحمد ورسالته. ويقف الحسين في كربلاء في أقل من مائة من الرجال كانوا يمثلون في تلك الساعة أنبل ما في الكون من سجايا، وهل في الكون أنبل من أن يبذل الإنسان دمه طواعية وفاء لرجل، وثباتاً على مبدأ، وإخلاصاً لعقيدة.
وتبارى الرجال في التضحية ومضوا يسقطون واحداً بعد الآخر. وكان في الركب الحسيني رجل بسيط، لا يحسب إذا حسبت البطولات، ولا يذكر إذا ذكرت التضحيات، لا يؤبه لرأيه ولا يعد لمهمة من مهمات الأمور.
كان يؤمر فيلبي الأمر، ويستخدم فيخدم مسرعاً، كان أقصى ما يعرفه الرفاق عنه خادم أمين وتابع مخلص. وما فوق ذلك فليس مما يرد اسمه على البال.
كان رقيقاً من أولئك الأرقاء السود الذين امتلأت بهم قصور العتاة وبيوت الطغاة، وكانت أية حشرة تلقى عناية أكثر مما يلقاه أي واحد منهم. وكان نصيبه أن وصل إلى يد أبي ذر الغفاري صاحب محمد المخلص، وسمع أبو ذر النبي (ص) يوصي بالإرقاء خيراً ويحض الناس على تحريرهم، ومن أولى من أبي ذر بتنفيذ وصايا النبي فأعتق أبو ذر العبد (جون) وأرسله حراً.
وأصابت المحنة أبا ذر وطورد واضطهد ومات منفياً في الربذة، وظل جون فقيراً معدماً، فتلقاه أهل البيت بالحنان والعطف، فقد كانت فيه ذكريات من صاحب جدهم رأوها جديرة بالوفاء فاحتضنوه وألحقوه بشؤونهم يقوم على رعاية بيتهم والعناية بأطفالهم وقضاء حاجات رجالهم.
ومشى الحسين إلى كربلاء، وهذه حال جون، لا شأن له أكثر من هذا الشأن، ولا من يفكر بأن يكون لجون دور فوق هذا الدور. وكان في حسبان الجميع أنه سيغتنم أول فرصة للسلامة فينجو بنفسه وينشد الخدمة من جديد في بيت جديد.
ولكن جون بقي في ركب الحسين لم يفارقه مع المفارقين، وثبت مع الرجال المائة الذين ثبتوا حتى وصلوا إلى كربلاء وظن الناس أن (جون) سينتظر الساعة الحاسمة، ثم ينطلق بعدها في طريق النجاة، ولكن الأيام مضت وجون في مكانه لم يبرحه، وجاء اليوم التاسع من المحرم وجون قائم على خدمة الحسين، فها هو يصلح له سيفه والحسين يردد تلك الأبيات الشهيرة التي لم تستطع معها أخته زينب إلا أن تذرف دموعها.
أما جون فلم يذكر أحد أنه انفعل أو تأثر أو بكى، أتراه لم يفهم ما كانت تعنيه تلك الأبيات؟ أتراه صلب العاطفة متحجر القلب إلى حد لا يهزه صوت الحسين ينعى نفسه؟ أتراه في تلك الساعة في شاغل عن كل شيء إلا عن نفسه يفكر كيف يدبر وسيلة الخلاص عصر اليوم أو صباح الغد؟
الحقيقة كانت فوق كل تصور… لم يبك جون ولم ينفعل ولم يتأثر، لأن ما كان فيه كان فوق البكاء والانفعال والتأثر. كان جون وهو يصلح سيف الحسين، والحسين ينشد أبياته، كان جون يستعرض في ذهنه كل ذلك الماضي الحافل، كان يتذكر النبي محمداً (ص) وهو يرفع الإنسان الأسود إلى أعلى مراتب الكرامة حين عهد إلى واحد منهم بوظيفة مؤذنه الخاص وكان يتذكر تلك الألوف من السود التي انطلقت حرة تنفيذاً لوصايا محمد. كان كل ذلك يجول في ذهن (جون) مولى أبي ذر الغفاري.
وها هو سيف الحسين الآن في يده لآخر مرة يصلحه له ليقف به الحسين غداً على أعلى قمة في التاريخ فيهز الدنيا كلها لتشهد كيف تكون حماية الهدى والحق والخير، وكيف تكون البطولات التي لا تبغي إلا الاستشهاد ذوداً عما تؤمن به وتعتنقه، وكيف يرفض الأباة الحياة إذا لم تكن كما يريدون حياة الحرية والسعادة للأمة، وحياة الكرامة والحق لهم.
غداً سيلمع هذا السيف الحديدي في كف الحسين ثم ينثلم إلى الأبد، ولكن سيف الحق الذي جرده الحسين سيلمع إلى الأبد دون أن ينثلم، وغداً سيعلو صوت الحسين بنداء الحرية ثم يصمت إلى الأبد، ولكن صوت الحرية الذي انطلق من فم الحسين سيظل مدوياً إلى الأبد.
كان جون يلجأ إلى صمت رهيب، وظل صامتاً حتى دنا الليل، وأصغى بكل جوارحه إلى الحوار البطولي الخارق الذي جرى بين الحسين وأنصاره، وهو يحرضهم على تركه وحده والانطلاق في سواد الليل، وهم يردون عليه واحداً بعد واحد رافضين لأول مرة في حياتهم أوامره، ويصرون على أن يلقوا نفس المصير الذي سيلاقيه هو.
كان جون في تلك الساعة يجلس في زاوية دون أن يأبه له أحد، وكان يود من كل قلبه لو كان لصوت الزنوج صوت بين هذه الأصوات، ولكنه فضل الصمت المطبق.
وفي الصباح عندما تبارى الأبطال المائة متسابقين إلى الموت، ومشى كل منهم يستأذن الحسين ويودعه ماضياً إلى مصيره، تقدم (جون)، وهو في كل خطوة من خطواته لا ينفك مصغياً إلى صوت زميله بلال الحبشي متعالياً فوق كل أصوات البيض تكريماً، من محمد وإعزازاً. وربما خطر له في تلك اللحظات منظر بلال وهو واقف على أشرف مكان وأقدس بقعة، على ظهر الكعبة حين أمره محمد ساعة فتح مكة أن يصعد فينادي بالأذان. الأسود الذي كان عبداً ذليلاً قبل رسالة محمد يصعد على الكعبة، وهو في نظر الناس أعز إنسان.
دنت ساعة الوفاء لمحمد، دنت الساعة التي يرد فيها هذا الزنجي (جون) بعض الجميل لمحمد، وهل أعظم في الوفاء لمحمد من أن يموت ذوداً عن أبنائه ونسائه وتعاليمه، وتقدم جون من الحسين وقد انقلب بطلاً مغواراً، وقد تجمعت فيه كل فضائل بني جنسه، تقدم يستأذن الحسين في أن يكون كغيره من رفاق الحسين.
والتفت الحسين إليه وقد أخذته الرقة له والحنان عليه، ولم يشأ أن يورطه فيما لا شأن له به، فقال له: أنت إنما تبعتنا للعافية فلا تبتل بطريقتنا.
ولكن جون البطل أجاب الحسين: أنا في الرخاء على قصاعكم وفي الشدة أخذلكم؟! ثم أردف هذا الجواب بكلمات لم يقصد بها الحسين، بل أراد أن يوجهها للأجيال الماضية والأجيال الحاضرة والأجيال الآتية، تلك الأجيال التي لم تر للزنوج الكرامة التي لهم، فقال: إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، وأن لوني لأسود، فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي؟! والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود بدمائكم.
لقد كان جون يعلم أنه أكرم على الحسين من ألوف البيض، وأن الحسين أكرم من أن يراه لئيم الحسب نتن الريح… لم يكن جون في الواقع يخاطب الحسين سبط محمد مكرم الزنوج، بل كان يقف على ذروة من ذروات التاريخ ليقول للأدعياء المفاخرين بألوانهم وأطيابهم، إليكم هذا الذي ترونه في نظركم لئيم الحسب نتن الريح، إليكم به اليوم يطاولكم شرفاً وحمية وشجاعة ووفاء فلا تصلون إلى أخمص قدميه. منكم يزيد الأبيض اللون، المتحدر من عبد مناف، المضمخ بالأطياب، ومنكم عبيدالله بن زياد ومنكم شمر بن ذي الجوشن وحجار بن أبجر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، منكم قبل هؤلاء وبعد هؤلاء كثيرون، وكلهم يشع بياضاً ويعبق طيباً، وكلهم يجر وراءه حلقات آباء وأجداد.
أولئك غدروا بمحمد الذي أخرجهم من الظلمات، فداسوا تعاليمه وحشدوا الحشود على بنيه، أولئك يتهيؤون الآن ليرفعوا رؤوس أبناء محمد على رماحهم. وهذا الزنجي وفى لمحمد الذي حرره وأكرم جنسه، فتقدم ليذودكم عن بنيه وبناته وتعاليمه، وهو يتهيأ الآن ليسفك دمه دون ذلك، فأيكم اللَئِمِ الحسب، النتن الريح، الأسود الوجه؟ أأنتم أم هو؟
وحقق الحسين رجاء جون فأذن له، ومشى (جون) مزهواً ببطولته معتزاً بوفائه يود لو أن عيني بلال الحبشي تراه في خطواته هذه، وأن زنوج الدنيا يطلون عليه ليروا كيف مثلهم في موكب البطولات وتكلم باسمهم على منبر التضحيات، وكيف شرفهم ساعة لا شرف إلا للنفوس العظيمة.
لقد ضارب جون الحر أولئك العبيد بأعمالهم، السود بقلوبهم، وكان له ما أراد. فامتزج دمه الأسود مع أشرف دم، مع دم الحسين سبط محمد ومع دماء أهل بيته.
ووفى الزنوج لمحمد الذي رفع من شأنهم وأعلى أمرهم، وتحقق ما أراد جون. فلم ينفس عليه الحسين بالجنة، ولم يبخل عليه بأن يثبت بأنه كريم الحسب طيب الريح.
الربع الرشيدي
ولد رشيد الدين فضل الله في مدينة همدان سنة 645هـ (1247م) على الأرجح. إذ أنه يحدثنا أنه كان في سنة 705 في حدود الستين من حياته. وقبل غازان كان على صلة بأباقا خان وخلفائه مكرماً عندهم معنياً به في بلاطهم. ولكننا لا نعلم أنه تولى منصباً كبيراً قبل غازان الذي ولي الملك سنة 694هـ (1295).
ونحن نعلم أن أول من أسلم من ملوك المغول هو (تكودار) بن هولاكو الذي ولي الملك بعد أخيه (أباقا خان) وتسمى بأحمد. وكان أباقا خان قد عهد بالملك إلى ابنه (أرغون). ولكن آل جويني ومن والاهم من الأمراء والقواد لم يدعوا أرغون يتولى الملك ونادوا بتكودار ملكاً سنة 680 ولم يطل الأمر أكثر من ثلاث سنين حيث استطاع أرغون التغلب على عمه الأمير (أحمد تكودار) وقتله وتولى الحكم بعده. وفي عهد أرغون انتعشت الوثنية من جديد كما اشتد نفوذ اليهود. وبعد أرغون تولى ابنه غازان الذي كان أول ملك مغولي يؤدي الصلاة في المساجد والجوامع فيحذو حذوه الأمراء والكبراء وجمهرة الشعب المغولي. وكانت صلة رشيد الدين في أول أمرها صلة علمية بحتة. وكان السلطان يغتنم فرصة لقائه برشيد الدين ليذاكره في مبادىء الإسلام وتفسير القرآن ويستوضحه ما خفي عليه من شؤون الدين، وليجول معه في أمور العلم والفكر.
ثم ولاه المنصب الأول في الدولة وجعله وزيراً له، بعد مقتل الوزير السابق صدر الدين الزنجاني، الذي أودى به سعيه برشيد الدين عند غازان ومحاولة الإيقاع به لديه، فأدى ذلك إلى مقتله وإحلال رشيد الدين محله عام 697هـ (1297م) وأشرك معه في الوزارة سعد الدين الساوجي.
ثم مات غازان وتولى الحكم بعده أخوه الجايتو خدابنده فحفظ للوزيرين منصبهما وظلت لرشيد الدين نفس المنزلة التي كانت له عند غازان.
وكما حيكت له الدسائس لدى غازان أخذت الدسائس تحاك له ولزميله سعد الدين لدى (خدابنده) فنجا منها رشيد الدين مراراً في حين أنها أدت إلى مقتل زميله سعد الدين وإحلال علي شاه محله الذي أخذ يدس على رشيد الدين دون أن ينجح في دسائسه. ومات الجايتو خدابنده ورشيد الدين على مكانته، وتولى بعد خدابنده ولده أبو سعيد والتنافر بين الوزيرين على أشده ودسائس علي شاه لدى أبي سعيد تتوالى حتى نجح في حمل السلطان على إقصائه عن الوزارة سنة 717هـ (1317). على أن مساعي أصدقائه أعادته من جديد إلى الوزارة بعد أن تردد وأحجم، ولكن هذه العودة كانت السبب في وصوله إلى نهاية المحنة. إذ اتهمه زميله علي شاه بأنه سمم السلطان خدابنده وبعد مناقشات اقتنع أبو سعيد بأن رشيد الدين لم يسمم أباه فهو على الأقل وصف له دواء كان السبب في موته. وبالرغم من أن التهمة كانت واهية فقد سيطرت على أبي سعيد فأمر بأن يقتل رشيد الدين وأن يقتل معه ولده اليافع إبراهيم الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره بدعوى أنه هو الذي ناول الدواء بنفسه للسلطان، فقتل ولده أمام عينه ثم قتل هو سنة 718هـ (1319م) وقد بلغ الثالثة والسبعين من عمره.
ولم يلبث بعد ذلك أبو سعيد أن أدرك أنه كان مخطئاً فيما أجراه على رشيد الدين وولده، وشاء أن يكفر عما فعل فاستدعى غياث الدين أحد أولاد رشيد الدين وعهد إليه بالمنصب الذي كان يشغله أبوه في الوزارة.
من الخراب الباقي من الربع الرشيدي
الربع الرشيدي
أنشأ رشيد الدين في تبريز ضاحية أطلق عليها اسم الربع الرشيدي وعنى بها عناية فائقة. على أن أكثر ما يهمنا من تلك الضاحية أنه أنشأ فيها مكتبة حافلة جمع فيها من صنوف الكتب ما قل أن يجتمع مثيله في مكتبة. وكانت تحتوي على ما لا يقل عن خمسين ألف مجلد.
ولما نكب وقتل كان من أفجع أثار النكبة إحراق تلك المكتبة بكل ما فيها. ولدينا الكثير من الكتب التي لم يصلنا إلا اسمها وكانت فيما تحويه مكتبة الربع الرشيدي وذهبت كلها طعمة للنار. ويكفي أن نذكر منها مؤلفات ابن الفوطي وحدها.
المثقف المسلم والعالم العالمي
هذا تلخيص لحياة رشيد الدين السياسية، وهي حياة مهما كان قد أوتي فيها من كفاءة وتفوق في حسن تصريف الأمور، ومهما كتب له من النجاح في ميادينها، فهي على كل حال حياة كحياة كل السياسيين المتفوقين منهم وغير المتفوقين، الذين لا يلبث اسمهم أن يضيع في طيات الزمن ويختفي في أغوار الدهر. ولو كانت هذه الحياة هي كل ما كان لرشيد الدين لما وجد من يشغل نفسه بها ويلفت قراءه إليها.
ولكن لرشيد الدين حياة أخرى هي التي تعنينا في هذا البحث، وهي التي عنت قبلنا غيرنا من الكاتبين؛ هي حياة العالم المفكر المؤرخ على طول الدهر.
يقول المستشرق الفرنسي (كاترمير) في مقدمته التي كتبها لكتاب جامع التواريخ: «إذا غضضنا النظر عن الطب الذي أقبل رشيد الدين على تعلمه منذ زمن مبكر، وعن شتى فروع المعرفة الأخرى التي ترتبط بهذا العلم برباط مباشر، وجدنا أنه أيضاً لم يهمل دراسة الزراعة والهندسة والميتافيزيقا واللاهوت. وكان يحيط إحاطة تامة بكثير من اللغات وهي: الفارسية والعربية والمغولية والتركية والعبرية وربما الصينية».
من الخراب الباقي من الربع الرشيدي
ويقول عنه أيضاً «كان مولعاً بالمعرفة أشد الولع فاستطاع رغم كل هذه المشاغل والموانع أن يجد لنفسه الوسيلة لمعالجة الآداب والعلوم والإحاطة بالدين الإسلامي إلى أعمق حد».
والواقع أن رشيد الدين كان يمثل المسلم المثقف، الرفيع الثقافة كما كان يمثل العالم العالمي، بأوسع ما تعنيه هذه الكلمات من معنى. ولو لم تشغله السياسية، ولو لم يغره الحكم لكان له من الشأن فوق الذي كان. إذ أنه لم يعط الجانب الثقافي إلاّ بعض العطاء ومع ذلك فقد كان له فيه مثل الذي رأينا.
وإذا كان لرشيد الدين من الكتب مثل (التوضيحات) و(مفتاح التفاسير) و(الرسالة السلطانية) و(الأحياء أو الآثار) و(لطائف الحقائق) و(بيان الحقائق)، فلا شك أن قمة أعماله التأليفية هي ما كتبه في التاريخ في كتابه (جامع التواريخ).
قصة جامع التواريخ
يعود الفضل بالدرجة الأولى في تأليف هذا الكتاب إلى السلطان غازان الذي شاء أن يكون للمغول تاريخ مكتوب. وكان لا بد في الرجوع في تسجيل هذا التاريخ إلى مصادر معروفة وأحداث مكتوبة تكون المادة الأولى للمؤرخ الذي يأخذ على نفسه القيام بهذا العبء.
وكان سلاطين المغول يحتفظون في خزائنهم بوثائق مكتوبة بلغتهم فيها تدوين لكثير من وقائعهم، كما كان كثير من الأسر المغولية العريقة يحتفظ بمثل هذه الوثائق. وكان كل ذلك يحتاج إلى من ينظمه وينسقه ويستخلص منه الحقائق، ويخرج منه أصولاً لتاريخ يمكن أن يدون.
واهتم غازان بهذا ونضجت الفكرة في ذهنه فعمل على تحقيقها، ولم يكن في بلاطه أفضل من رشيد الدين من يمكن أن يعهد إليه بإنجاز تاريخ المغول وتدوينه. فأودع لديه كل ما كان تحت يده من وثائق وعهد إليه باستطلاع ما يمكنه استطلاعه من المدونات الأخرى أو الروايات غير المعروفة.
فقام رشيد الدين بالمهمة على أفضل وجهها وعكف على إنجازها بقدر ما تسمح له به ظروف اضطلاعه بشؤون الإدارة والحكم.
ولما أوشك الكتاب على التمام كان غازان قد توفي 703 (1303) وورث عرشة أخوه (الجايتو خدابنده) فلم يكن أقل اهتماماً من أخيه بإنجاز هذا التاريخ، بل زاد عليه بأن طلب إلى رشيد الدين أن يشير إلى الشعوب التي اتصل بها المغول ويعرض لتاريخها وأن يضيف إلى ذلك دراسة شاملة لكل الشعوب.
ولم تأت سنة 710 (1310) حتى كان الكتاب قد انتهى مكتوباً باللغة الفارسية باسم (جامع التواريخ) وأودع مكتبة المسجد الذي كان رشيد الدين قد بناه في مدينة تبريز.
ويصف كاترمير الكتاب قائلاً: «الواقع أن تاريخ رشيد الدين قد اعتمد في تأليفه على فحص الوثائق الوطنية الصحيحة المحفوظة في سجلات الأمبراطورية والمذكرات التي في حوزة الأسر الكبيرة وقام بتأليفه رجل صادق حي الضمير، وبذلك يكون قد توفرت له كل مقومات الصدق».
وينقل كاترمير عن المخطوطة العربية وصفاً لمنهج رشيد الدين وطريقته في التدوين بقلم رشيد الدين نفسه: (أستطيع أن أشهد لنفسي بأني لم أدخر أي احتياط أو جهد في تحري الحقيقة والامتناع عن كتابة كل ما هو زائف أو مشكوك فيه. وقد اقتبست دون أي تغيير ما انطوت عليه أصدق الوثائق الخاصة بكل شعب، والروايات التي حازت أحسن التقدير والمعلومات التي استقيتها من أعلم الرجال في كل قطر. وفتشت كتب المؤرخين ورجال الأنساب. وحققت هجاء اسم كل أمة وكل قبيلة».
الواقع أننا نستطيع أن نعد ميزة التجرد أولى الميزات التي اتصف بها رشيد الدين في تاريخه، وأن نوقن بأنه سعى وراء الحقيقة سعياً مخلصاً شجاعاً، ولم يراع جانب المغول وهو يتحدث عما في تاريخهم من فظائع، وكان كما قال عنه كاترمير: «إذ كان يبدو في كتابه مسلماً صادق الإسلام، فإنا نراه من جهة أخرى يتجنب الإطراء غير المجدي ويتمسك دائماً بنزاهة في الرأي تستحق كل إجلال، ولا سيما إذا كانت من مؤرخ».
ويقول أيضاً: «يذكر دون مواربة ولكن دون مبالغة أيضاً ضروب القسوة الشنيعة التي ارتكبها هذا الشعب (المغولي) وتخريب أعظم المدن وأكثرها ازدهاراً وتذبيح السكان العديدين دون قلق أو ندم، كما يصور بهدوء وتحفظ ضروب التجديف التي قاموا بها في مساجد بخارى وغيرها من المدن، حيث مزقوا المصاحف وألقوا بها أرضاً وصنعوا من أغلفتها الثمينة مذاود لخيلهم».
مجلدات الكتاب
يشتمل كتاب جامع التواريخ على أربعة ملجدات: الأول: يتعلق بتاريخ المغول المشتمل على تاريخ القبائل التركية المغولية وأجداد جنكيز، ثم جنكيز نفسه ومن بعده خلفاؤه حتى غازان. والثاني: يتعلق بتاريخ الفرس قبل الإسلام، ثم التاريخ الإسلامي إلى سقوط بغداد، ثم الأمم التي اتصل بها المغول في فتوحاتهم، والثالث: يشتمل على أبعد عصور التاريخ حتى آخر خلفاء بني العباس. والرابع: يشتمل على تفصيل حدود الأقاليم السبعة وولايات ممالك العالم.
على أن كاترمير يقول: لدينا الجزء الأول من كتاب رشيد الدين وهو الجزء الخاص بتاريخ المغول. وأنه الكتاب الوحيد الذي نستطيع العثور فيه على أصدق المعلومات عن حياة جنكيز خان وخلفائه وعن عهودهم.
ثم يتساءل كاترمير: هل الأجزاء الثلاثة الأخرى قد ضاعت دون أمل في العثور عليها؟ وكان في نية كاترمير تحقيق أكثر ما يمكنه تحقيقه من المجلد الأول ولكنه لم يستطع تحقيق سوى القسم الخاص بهولاكو ونشره بالفرنسية مع مقدمة نفيسة طويلة سنة 1836.
ويقول يحيى الخشاب: إن حديث كاترمير عن (جامع التواريخ) قديم، وقد جَدَّ الكثير عنه سواء من ناحية اكتشاف أجزاء منه لم تكن قد عثر عليها أيام كاترمير أو من ناحية النشر.
ومن أمثلة ذلك الطبعة التي صدرت سنة 1858 وهي قسم من الجزء الأول متعلق بأجداد جنكيز وتاريخ جنكيز نفسه. وكان إخراج آخر جزء من هذا البحث سنة 1888 باللغة الفارسية مع الترجمة الروسية وقد أخرج هذه الأجزاء المستشرق الروسي (برزين).
كما صدر بعد ذلك ابتداء من أوائل هذا القرن أكثر من قسم من المجلد الأول كهذا الذي نشره المستشرق الفرنسي (بلوشيه) سنة 1911 والذي نشر في إيران سنة 1937 والذي نشره المستشرق التشيكسلوفاكي (كارل) سنة 1940 وكذلك سنة 1941.
وهكذا يمكن القول أن المجلد الأول من جامع التواريخ قد نشر كله. كما نشر كارل يان سنة 1951 القسم المتعلق بالفرنج من المجلد الثاني.
في اللغة العربية
كان عبدالوهاب عزام أول من دعا في العرب لنشر (جامع التواريخ) وترجمته وألقى عام 1947 محاضرة في الجمعية الجغرافية عن رشيد الدين تحدث فيها عن كتابه وضرورة القيام بنشر القسم العربي منه وترجمة بقية الأجزاء إلى اللغة العربية.
ثم مضت عهود وعهود فكان أن قررت إدارة الثقافة والإرشاد القومي في مصر أن تقوم بنشر هذا التاريخ. ولكننا لا نعلم أنه صدر في اللغة العربية غير قسم من المجلد الثاني ـ الجزء الأول وهو (تاريخ هولاكو). نقله إلى اللغة العربية كل من محمد صادق نشأت ومحمد موسى هنداوي وفؤاد عبدالمعطي الصياد، وراجعه وقدم له يحيى الخشاب. وطبع سنة 1960.
كما نشرت مع هذا القسم السيرة الطويلة النفيسة لرشيد الدين التي كتبها المستشرق الفرنسي كاترمير والتي ترجمها محمد القصاص.
وكذلك نشر الجزء الثاني من المجلد الثاني..
ووعد يحيى الخشاب في آخر مقدمته بنشر ما ينجز من الكتاب أولاً بأول. ولا نعلم بعد هل تحقق شيء من هذا الوعد أم لا.
حرص رشيد الدين
على حفظ مؤلفاته
كان رشيد الدين حريصاً على أن تصل مؤلفاته لا سيما جامع التواريخ إلى الأجيال الآتية. وقد كان يعلم ما كان يمكن أن يكون عليه، أو ما كان عليه مصير كثير من الكتب حين لا يكون في أيدي الناس منها إلاّ نسخ محدودة تذهب بها أيدي الحدثان لا سيما في العصور التي تكثر فيها الفتن وتعم الفوضى.
لذلك حرص أشد الحرص على أن يتخذ طريقة يكتب لمؤلفاته معها الوصول من جيل إلى جيل، فاستكتب عدة نسخ من كتبه مفردة ومجمعة، بالفارسية وبالعربية. كما استكتب مجلداً ضخماً ضم كل مؤلفاته بالفارسية والعربية زيادة منه في الحرص على حفظها. وأودع ذلك في البناء الكبير الذي شاده في الربع الرشيدي ليكون مدفناً له. ثم توسع في الاحتياط فوقف قسماً من ثروته لكتابه نسخة بالفارسية ونسخة بالعربية في كل عام من مجموعة مؤلفاته كلها لترسل إلى مدينة من مدن الإسلام الكبرى وتوقف على أهل تلك المدينة، وكتب في ذلك وصية جميلة طريفة مؤثرة.
ولكن كل ذلك الحذر لم يفد وضاع من مؤلفاته ووجد ما وجد شأنه شأن كل المؤلفين في تلك العهود.
ولعل هذا الحرص هو الذي أوصل إلينا ما وصل، ولولاه لضاع الجميع، وقد كان مطمئناً إلى بناء الربع الرشيدي الذي حفظ فيه كتبه، ولكن الربع كله نهب بعد نكبته واحترقت مكتبته.
تفاصيل عن الربع الرشيدي)[325](
تعتبر عمارة الربع الرشيدي من أجمل وأعظم العمارات الرائعة التي قامت في تبريز وقد بنيت هذه العمارة الجميلة بأمر من الخواجة رشيد الدين فضل الله (654 ـ 714هـ) وتقع هذه العمارة في نهاية محلة شكلان التي تنتهي بمحلتي غميشة ووليانكوه بيلانكوه في تبريز وفي الجانب الأيسر من سفح جبل سرخاب على مرتفع من المدينة، تحيط بها من جميع الأطراف الأشجار والغابات وتعتبر هذه المنطقة من أحسن مناطق مدينة تبريز من حيث صفاء الجو وجمال الطبيعة.
وقام المؤرخون العديدون بالتحقيق والبحوث الكثيرة حول مبنى الربع الرشيدي وكتبوا عنه الأوصاف والمزايا الكثيرة التي تدل على عظمة هذا المبنى التاريخي العظيم. وكتب حمد الله المستوفي في كتابه (نزهة القلوب) حول هذا الموضوع ما مضمونه: قام الوزير السعيد الخواجه رشيد الدين طاب ثراه، في موضوع وليانكو ببناء فخم على أطراف مدينة تبريز أسماه الربع الرشيدي، ثم أضاف ولده الوزير غياث الدين الأمير محمد رشيدي أبنية جميلة إلى هذا المبنى.
وكتب دولت شاه سمرقندي يقول: بعد وفاة السلطان غازان، جلس السلطان محمد خدابنده على سدة الحكم في عام (703هـ) وجعل الوزارة بيد الخواجه رشيد الدين فضل الله الهمذاني، وكان هذا وزيراً فاضلاً تقياً وهو الذي بنى العمارة الرشيدية ولا توجد عمارة أعلى منها في العالم. وذكر الرحالة الفرنسي المعروف (شاردن) الذي زار إيران عام 1084هـ في مذكرات رحلته بأنه شاهد خارج مدينة تبريز في الجهة الشرقية من المدينة قلعة شاهقة جداً، هي الآن متهدمة تسمى بالرشيدية نسبة إلى بانيها رشيد الدين فضل الله وزير غازان صاحب التاريخ الرشيدي في أحوال المغول وقد تمّ بناؤها قبل أربعمائة عام.
ثم كتب يقول: «عندما جاء الشاه عباس إلى الحكم ووجد هذه العمارة وقد انهار الكثير من أقسامها، فعمد إلى تجديد بنائها وأرجعها كما كانت في السابق، ولكن السلاطين الصفوية بعد الشاه عباس لم يعيروا أهمية لهذه القلعة الرشيدية، فتركوها كما هي فعادت مرة أخرى منهارة خربة».
ويمكن الاستنتاج من هذه الروايات أن هذه العمارة كانت واسعة عظيمة لها شأن كبير حيث كُتب عنها أحياناً بأنها حي من الأحياء وفي مكان آخر بأنها مدينة صغيرة تتكون من المبنى الرئيسي الكبير وبجانبه عدة عمارات أخرى مثل المدرسة ودار الشفاء ودار السيادة والمسجد والمكتبة ومركزاً لضرب النقود ودار الصنايع ومعملاً للنسيج وآخر لصناعة الورق وقبة كبيرة أُعدت لتكون مدفناً له. ولا شك بأن أية عمارة لا يمكن أن يقال عنها مدينة صغيرة مهما كانت كبيرة لولا ما يحيط بها من الأبنية والمرافق والخدمات كما في بناية الربع الرشيدي وهذا دليل على عظمة هذا البناء، خاصة أن جميع تلك المباني كانت متصلة بعضها ببعض، وكان يحيط بها جميعاً سور عظيم له برج وعدد من المداخل، كما كان في المدن القديمة وكانت المكتبة من أكبر المكتبات في ذلك العصر، تحتوي على الكتب القيمة تأليف رشيد الدين وغيره)[326]( مثل جامع التواريخ، ومفتاح التفاسير، وكتاب التوضيحات، والرسالة السلطانية، ولطايف الحقائق)[327](، وبيان الحقائق، وكتاب الأحياء والآثار، وكتاب بيان الحق، وكتاب تأريخي باللغة التركية لمؤلفه نادر ميرزا عن مدينة تبريز، وكتاب دستور المملكة، وكتاب المنشآت وهي مجموعة رسائل رشيد الدين)[328]( التي كتبها إلى أولاده وولاته ورسائل أخرى في الحكمة والفلسفة وغير ذلك من كتب الآخرين باللغة الفارسية والعربية وكانت الكتب المؤلفة باللغة الفارسية تتم ترجمتها إلى اللغة العربية والكتب العربية تترجم إلى الفارسية، وهناك عدة نسخ للكتاب الواحد يتداولها الناس والطلاب وهناك الكثير من الوقوفات التي كتبت عنها الرسال الوقفية الخاصة بها في هذه المكتبة. كما أن عظمة أبنية الربع الرشيدي وسعتها ودار العلم ودار الشفاء ودار الصنايع واضحة في كتاب منشآت الخواجه (رسائله) كما أنه جلب لها الأساتذة وأهل الصناعة.
رسائل إلى الآخرين
بشأن الربع الرشيدي
ترجمت لنا هذه الرسائل عن نص فارسي، كما ترجم النص الذي قبلها. وقد جاءت الترجمة متعجمة مفككة فتركناها كما هي لئلا نتصرف بالنص، معتمدين على فهم القارىء لها:
من الرسائل التي بعثها ابنه إلى الخواجة جلال الدين الذي كان حاكماً على الروم)[329]( يخبره أولاً بما أُنشىء حول الربع قائلاً:
أنشأنا بجوار الربع الرشيدي بساتين يعجز عن تصورها وحسن صناعتها ودرك بدائعها أصحاب العظمة وأرباب الخبرة حيث أن رياضها والنزهة فيها والألوان الجميلة والجو الرائع تحاكي خيال الجنان. ثم يقول: البلابل فيها تغرد بالألحان الشجية من قمة الأغصان بحيث لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر، وفيها الحمائم ذات المناقير الياقوتية تتهادى في السور والجدران تذكرنا بالآية الشريفة: «لم يخلق مثلها في البلاد» إضافة إلى الجداول الرقراقة التي تشبه «جنات عدن فيها خالدين» ولما كانت هذه البساتين ذات مساحات شاسعة وساحاتها واسعة فقد أنشأنا فيها خمس قرى، يقام فيها غرس الأشجار وقطفت الثمار وحفر القنوات والأنهار وقد تمت منها أربع، وهي قرية الزنوج وفيها أربعون شخصاً من الذكور والإناث، وقرية القرديان وفيها أربعون شخصاً من الإناث والذكور، وقرية الأحباش وفيها أربعون شخصاً من الذكور والإناث وهناك القرية الرابعة ولا تزال خالية من العمران ونريد أن نجعلها قرية الروميين. لذا نتوقع منك إرسال أربعين غلاماً وجارية روميين إلى دار السلطنة في تبريز ليسكنوا في القرية المذكورة مع باقي العبيد والأماء وينشغلوا في البناء والعمل فيها. وأنا واثق بأنك لن تقصر في ذلك.
والرسالة الثانية التي بعثها ابنه إلى الخواجه سعد الدين تضمنت بيان الأبنية وشرح حال عمارة الربع الرشيدي طالباً فيها عدداً من العلماء والأطباء والمختصين لكي يقوموا بالتعليم والتدريس في مرافقها ومؤسساتها. ويستفاد من مضمون هذه الرسالة بأن الربع الرشيدي كان بمثابة (جامعة) تمّ فيها تأسيس كل الفروع العلمية وأنه يدرس فيها حوالي ستة آلاف طالب.
وهذه خلاصة مضمون الرسالة: أنه قبل أن يغدر بنا الزمان ويسلبنا مسراتنا وإمكاناتنا وينهي أعمارنا وتصل نيابة الوزارة إلى نهايتها، لا بد أن تمتد أنوار الشموس البهيجة فيتمتع بسرورها وبهجتها العالم، وأن نحمي الناس من عوارض المرض ونوجد لهم العلاج الشافي الكافي ونصفي مشارب الأنام من غوائل الزمان ومنغصاتها. وبحمد الله وحسن توفيقه، فإن الناس اليوم مبتهجين، فرحين كصائم بعد رؤية الهلال وكالمستسقي بالماء الزلال بوجود الظل الميمون لحضرة السلطان العظيم وهم يفتخرون بسرير الملك والسلطنة بما يرونه مما يسر العيون ويبهج القلوب كما أننا والحمد لله تمكنا من تأمين أبواب المعاش وأسباب الانتعاش، حيث لا يحتاج أي مخلوق إلى أي شيء وعلى هذا فإن صيت الكرم قد عم البسيطة ووصل إلى أسماع الخاصة والعامة بأن كل جهدنا ينحصر في أن يحظى كل مخلوق بإحساننا حيث إننا أنشأنا الربع الرشيدي في هذا الزمان الذي تتمثل فيه المفارقة والمباعدة. واليوم فإنه ببركة قدوم العلماء وبيمن همة الفضلاء قد وصل هذا الصرح إلى نهايته وتم إنشاء أربع وعشرين جناحاً ومبنى عظيماً كقصر الخورنق ومن حيث الارتفاع فقد تجاوز ارتفاعه قبة المينا وفيه ألف وخمسمائة حانوت متانتها تضاهي قبة الأهرام، وتم بناء ثلاثين ألف منزل تحتوي على ما يسر العين والقلب وفيه الحمامات الرائعة والبساتين الوارفة والحوانيت والطواحين ومعامل النسيج والورق ودار لضرب النقود ومركز للأصباغ وقد جلبنا من كل مدينة عدداً من الأشخاص ليسكنوا الربع ومن ضمنهم مائتا حافظ للقرآن كبلبل يشدو بألحان الوحي والتنزيل وعنادل روضة التسبيح والترتيل وجعلنا كل مائة شخص في زقاق حول القبة الكبرى من الشمال واليمين وعينا الإدارات والوظائف اللازمة لإدارتها وأسكنا أهل اليمين من واردات أوقاف شيراز وأهل الشمال من واردات أهل الشام ومنهم جماعة الكوفيين والبصريين والواسطين والشاميين ومنهم أهل الصيغة والآخرون من أصحاب المعاشرة حيث يقومون في دار القراءة كل يوم حتى الضحى بتلاوة القرآن المجيد وجعل في خدمتهم أربعين غلاماً من غلماننا ليعلموهم القراءات السبع وجاءتنا مختلف الجماعات بعد أن سمعوا بصيتنا من الخوارزميين والتبريزيين ليلتحقوا بجماعة قراء القرآن الكريم من الضحى حتى الزوال وأسكنا العلماء والفقهاء والمحدثين كل أربعة منهم في زقاق وخصصنا لهم جميعاً رواتب ومخصصات شهرية إضافة إلى منحهم سنوياً الألبسة الشتوية والصيفية وأجرينا لهم الحصص من الصابون والحاجات الأخرى وأسكنا ألف طالب في محلة أسميناها حي الطلاب وكل طالب في محلة أسميناها حي الطلاب وكل طالب منهم كنور يتلألأ في سماء العلم ونجم ساطع في فضاء التحصيل والدرس وجهزناهم بما يحتاجون إليه تماماً كالعلماء والأساتذة والأفاضل الآخرين وأسكنا ألف طالب آخر ممن جاؤوا من ممالك الإسلام على أمل الحصول على التربية والتعليم عندنا في دار السلطنة بتبريز وخصصنا احتياجاتهم من واردات الجزية من الروم والقسطنطينية الكبرى وجزيرة الهند ليكونوا مرتاحي البال فيواصلوا الدراسة بأعلى المستويات وقسمنا كل عدد من الطلاب يدرسون على يد أستاذ واحد معين وقسمناهم حسب ميولهم بالنسبة لعلوم الأصول والفروع والنقلية والعقلية وطلبنا من جميع أولئك الطلاب الساكنين في دار السلطنة بتبريز أن يمروا يومياً بطلابنا وأبنائنا في الربع الرشيدي وأسبغنا على خمسين طبيباً حاذقاً ممن جاؤوا من أقصى الهند ومصر والصين والشام والولايات الأخرى بصنوف الرعاية وآلاف العناية وطلبنا منهم أن يواظبوا كل يوم في دار الشفاء وجعلنا مع كل طبيب عشرة أشخاص ممن لديهم الاستعداد لدراسة الطب وفهمه لكي يتدبروا ويتعلموا هذا الفن الشريف وأسكنا هؤلاء الأطباء والجراحين العاملين في دار الشفاء في بستان رشيد آباد وكذلك أسكنا جميع أهل الصناعات والحرفيين الذين جلبناهم من الممالك والأمصار المختلفة في زقاق في حي معين. وأن الغرض من هذه السطور هو أن ترسلوا لنا خمسين حائكاً للصوف من أنطاكيا والسوس وطرسوس ولكن ليس بالزجر والقوة والقهر بل باللطف والود وإعلامهم بالحياة المنعمة والرفاهية التي تنتظرهم في الربع الرشيدي وكذلك يرجى التفضل بطلب عشرين حائكاً للصوف من مالك نوفل بن سحابيل لكي يرسلهم من قبرص إلى دار السلطنة في تبريز. والسلام.
وفي رسالة أخرى طلب من الخواجه علاء الدين في الهند بأن يرسل إلى دار الشفاء في الربع الرشيدي بعض الدهونات والمراهم بمقدار خمسة (مَنْ) و(10) (مَنْ) و100 (مَنْ) من كل نوع منها.
وهذه خلاصة الرسالة المذكورة:
إلى المعتمد الخواجه علاء الدين هندو: ليكن في علمكم بأن الفاضل الكامل قدوة العلماء والحكماء محمد بن النيلي الذي يمثل جالينوس زمانه والذي زاد العلم في فنون المعقول على أفلاطون قال: بسبب قلة الدهونات في دار الشفاء بالربع الرشيدي ولما كانت أكثر الأزهار وأغلب الرياحين المعروفة بحسن الرائحة وبطيب النكهة الموصوفة مفقودة في دار السلطنة في تبريز وكما يعلم أرباب الفطنة وأصحاب الخبرة فإنه بسبب صولة البرد وزمهرير الهواء في حالة الحركة الدائمة فإن المشار إليه وبالتعاون مع المولوي يقدمان التركيب الأجمل والطريقة الأسهل للحصول على ما تقدم، فإننا قد أرسلنا الخدم إلى الممالك المذكورة بحيث إنهم كل عام يرسلون المقدار المقرر من الأدهان إلى تبريز ودار السلطنة ولما كانت تلك الأصقاع بعيدة عن بعضها لذا فإننا أمرنا بذهاب شخص واحد لكل مملكة ونحن على يقين بأن الإهمال والإغفال غير ممكن في هذه الحالة لأن المسؤولية تقع على شخص واحد فقط وهم محل ثقتنا واعتمادنا. والسلام.
وبعد قتل رشيد الدين، أغار الطامعون والمنافقون على عمارة الربع الرشيدي وهدموا وأزالوا جميع تلك الآثار النفيسة الجميلة وما بقي منها تم هدمه أيضاً بعد مقتل ولده الخواجه غياث الدين محمد وذلك في يوم 21 شعبان عام 736 والآن لا يمكن مشاهدة ما بقي من تلك الآثار الراقية والعمارات النفيسة سوى تل من التراب ثم عمدت الجماهير الجهلة إلى قلع ما بقي من الحجارة من تلك الآثار العظيمة. وتظهر أحياناً من طيات التراب قطع من الفسيفساء المهمة وتوجد هناك آثار الجدران والأبواب الدارسة. ومن تأريخ ومنشآت الخواجه رشيد الدين يظهر بأن الخواجة كان لديه ثلاثة عشر ولداً حيث كان كل واحد منهم حاكماً على إحدى البلدان والأمصار وكان للخواجه جهاز ملوكي عظيم وإدارة ملكية عظيمة وواسعة وعنده الأملاك الشخصية الشاسعة التي جعل أغلبها وقفاً للربع الرشيدي. أمّا أسماء أولاده فهي بهذا الترتيب: (1) الأمير غياث الدين محمد: ناظر خراسان وبعد مقتل أبيه الخواجة أسندت إليه الوزارة لعدة سنوات. (2) الخواجة عز الدين إبراهيم: حاكم شيراز (3) الأمير علي: حاكم بغداد والعراق (4) الأمير محمود: حاكم كرمان (5) الأمير عبدالمؤمن: حاكم سمنان (6) الخواجة جلال الدين: حاكم الروم (7) الأمير شهاب الدين: حاكم تستر والأهواز (8) الخواجة عبداللطيف: حاكم أصفهان (9) الخواجة محي الدين (10) بير سلطان: حاكم كرجستان (11) الأمير أحمد: حاكم أردبيل (12) الخواجة همام (13) الخواجة سعد الدين: حاكم أنطاكيا.
رثار الحسين
لم يُرث إنسان في الدنيا كلها منذ عرف الشعر حتى هذا العصر بمثل ما رثي الحسين. ولم يلق شهيد مثل ما لقي من عناية الشعراء وتمجيدهم والتفنن في وصف بطولته وإبائه. ولم يوحِ رجل للفكر الإنساني بمثل ما أوحى الحسين.
لا في الشعر العربي وحده بل في الشعر الإسلامي العالمي في جميع اللغات الإسلامية. وما من بطل ظل يرثى بالشعر منذ استشهاده حتى هذا العصر وحتى إلى ما يعلمه إلاّ الله من عصور مثل ما ظل يرثى الحسين.
فمنذ عقبة بن عمرو السهمي الذي كان أول من رثى الحسين إثر استشهاده حتى محمد مهدي الجواهري الذي رثى الحسين في هذا العصر، ظل الشعراء يتتابعون في كل عصر في رثاء الحسين.
ونترك الكلام هنا للأستاذ إبراهيم الحيدري:
وفي الحقيقة فلم تكن عاشوراء مجرد حادثة تاريخية عابرة وإنما كانت ثورة دينية ـ سياسية لها أبعادها الفلسفية، التي تضمنت مفاهيم وقيماً وتقاليد إنسانية عالية، هي أساس تخليدها عبر العصور، كما انعكست في الآداب والشعر والفنون، فاستحضرها الأدباء والشعراء والفنانون، بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى، ووظفوها في معالجة المشاكل الراهنة بحيث أصبحت سمة بارزة من سمات الهوية الوطنية والثقافية التي غذت الحركة الأدبية والفنية بخبرات وتجارب تراثية غنية وطبعت إنتاجها بمسحة من الحزن والألم، مثلما تحوّلت إلى نماذج معاصرة في التضحية والفداء.
وفي الواقع فقد تخطى بعض الأدباء والشعراء والفنانين واقعة كربلاء، بوصفها حدثاً تاريخياً، إلى فضاءات أوسع تزامنت مع روح العصر، مثلما ظهر ذلك في قصائد عدد من الشعراء الجُدد أمثال بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومظفر النواب وغيرهم. أمّا في القصة فقد تمكّن عدد من القصاصين العراقيين استلهام تراجيديا كربلاء في وصف الحياة الاجتماعية وربطها بها، مؤكدين على المبادىء والقيم العليا التي أفرزتها في المجتمع العراقي للرجوع إليها دوماً والاحتماء بها في أوقات الشدائد والمحن وكذلك في الصراع مع الظلم والاستبداد، كما في قصص محمد خضير وجمعة اللامي وموسى كريدي وشوقي كريم وجبار ياسين وغيرهم.
وكان جبار ياسين قد استهلّ قصته التي كتبها باللغة الفرنسية «سماء معتمة النجوم» بهوامس قاتمة عن تاريخ العراق من عام 680 إلى 1991، وهو تاريخ الشهادة والحزن المستديم، قصة عهود طويلة من الطغيان ولكن بألم واحد. فمنذ خمسة عشر قرناً بدأت مذبحة كربلاء عام 61هـ. وانتهت في المكان نفسه حيث لما يزل الدم نفسه يسقي رمال الصحراء في آذار 1991، وحيث يعيد الأحفاد التاريخ نفسه ويتجدد الانتقام للشهداء الذين تركوا في الرمال دون رؤوس. إنها حكاية يتلاحم فيها العصران مثلما تتلاحم فيها الإرادة والشهادة. ويبقى الطغيان والألم وصوت الوطن الجريح وهو يئن: «جابر يا جابر.. ما دريت بكربلاء اشصار، من شبوا النار!».
لقد استطاع جبار ياسين في هذه القصة أن يستعير من كربلاء أسمى المعاني ويحولها إلى عصرنا الحاضر ويطعم القصة العراقية الحديثة بالألم يستقيه من طقوس كربلاء. ومن ردات العزاء الحسيني، التي تستعيد حضورها مرة أخرى في انتفاضة عام 1991، حيث يتحول الطقس بغتة إلى موت ودمار شنيع، موت حقيقي هذه المرة، وليس موتاً رمزياً)[330](.
وكان للمسرح نصيبه من تراجيديا كربلاء عند عوني كرومي، حيث جعل من «التشابيه الحسينية» موضوع رسالته للماجستير التي قدمها في ألمانيا، مبيناً أهميتها وأثرها الجمالي والمعرفي في صياغة أسلوب متميز لمسرح خاص يمثل الهوية الوطنية. وكذلك استلهم جواد الأسدي وعزيز خيون وكريم رشيد وغيرهم، كثيراً من معاني عاشوراء ونقلوها عبر عروض مسرحية إلى إشكاليات معاصرة)[331](. ومثلما استلهم الشاعر والقاص والمسرحي أفكاره وقيمه ورموزه الفنية من تراجيديا عاشوراء، استلهم الفنان التشكيلي أفكاره ورموزه وألوانه منها أيضاً وربطها بقضايا الإنسان المعاصر حيث تحول رأس الحسين وفرس الحسين وكذلك كف العباس وراية العباس وسيفه رموزاً بارزة في عدد من اللوحات والمنحوتات والتشكيلات الفنية، إلى جانب مفاهيم وقيم التضحية والفداء والشهادة.
لقد تحول «الرأس» المرفوع عالياً إلى رمز للرفض والتحدي والشموخ في الفن التشكيلي العراقي واحتل مساحة كبيرة منه.
فمنذ الستينات أصبح «الرأس» رمزاً وشعاراً وتاريخاً للقهر والألم، الذي مثل بشموخه جوهر معنى الآباء، ومعنى الانحياز نحو الحق والحرية والأصالة، وانتقل عبر الرسم والنحت ليعبر عن عمق عاشوراء في ضمير الناس، حيث ظهر في أعمال جواد سليم ذات رؤوس جامحة تتطلع نحو الأعلى في فضاء ممتد عبر التاريخ والأحداث والهموم.
وكان كاظم حيدر قد استوعب أبعاد عاشوراء ووظفها في أعماله الفنية توظيفاً جيداً فجاءت في أربعين لوحة فنية أخذت مكانة دولية هامة بسبب تحويله موضوع عاشوراء إلى رموز ذي أبعاد إنسانية يمكن فهمها شرقاً وغرباً وإخراجه من نطاقه التقليدي الضيق إلى مجال عالمي أشمل وأرحب)[332](.
صوّرت لوحات كاظم حيدر عاشوراء بمعاركها وخيولها وراياتها ورؤوسها وأجسادها بشكل معنوي وليس بشكل تقليدي جامد، حيث يتعدد الرأي داخل كل لوحة ويختلف من حيث اللون، وحيث يكون الفم مفتوحاً أبداً، لا سيما في «ملحمة الشهيد» التي جسمت واقعة الطف لتقول الكثير عبر الأزمنة والحدود والسدود والأحداث، وحيث تكون الرؤوس محلقة دوماً وشامخة في فضاءات من اللون، ترفض السقوط على الأرض، غير أن رؤوساً أخرى تتساقط وهي مغلقة العينين والأفواه بدلالات وألوان يغلب عليها اللون الأسود والرمادي)[333](.
أمّا شاكر حسن آل سعيد فقد تحرر من شكليات الفن التشكيلي ليدخل في عالم من الرؤوس الإيقاعية المتوالية وفي تجليات صوفية متمردة اختلطت عنده الرؤوس بالرماح والخطوط التي رسمها في جدارياته، في حين أدخل ضياء العزاوي «الرأس» بين الحروف والأقمار ليظهره بألوان وملامح أكثر شفافية ووسط خطوط متقاطعة ومتشابكة ومتصارعة تتجه نحو مناحي عديدة وفي أشكال نافرة تعبر عن بلاغة وشفافية عالية.
ومنذ الثمانينات برز «الرأس» المقطوع والمرفوع والمعلق أو النافر المتعالي في اللوحات التشكيلية العراقية الحديثة وبشكل مغاير، فقد ظهرت لوحات فنية يختفي فيها الرأس ليظهر الجسد مفصولاً ومسلوباً، في محاولة لتجسيد قيم الشهادة التي امتدت عبر التاريخ، من تراجيديا كربلاء، مروراً بثورة زيد بن علي حتى هذا العصر، مثلما جسدت حقيقة أخرى حاول بعض الفنانين إبرازها، وهي فصل الرأس عن الجسد، التي تعني تأكيد بقاء الرأس ـ الفكرة ـ المبدأ حياً وشامخاً في فضاءات لا يمكن حجب رؤيتها واستشراف أهدافها.
كما حفل التراث العربي بكم هائل من القصائد والمراثي التي عبّرت عن الحب والندم وكذلك الحزن والأسف على ما أصاب الحسين وأهل بيته من آلام في واقعة كربلاء.
غير أن المعالجات المعاصرة للأدباء والشعراء لمأساة كربلاء جاءت بأساليب فنية جديدة، وصاغت نماذج أدبية رفيعة، تنضح بالجرح المدمى والإثم العميق المتجذر في الوجدان، مستلهمة معاني عاشوراء في الثورة والشهادة.
لقد استلهم عبدالرحمن الشرقاوي مادة مسرحيته «الحسين ثائراً ـ الحسين شهيداً»)[334]( من تراجيديا كربلاء، وصاغها بأسلوب فني مسرحي، عكس فيها صدق المعاناة، في الدفاع المستميت عن المبادىء والقيم الإنسانية الرفيعة في الثورة وفي الاستشهاد بأسلوب درامي محكم، واستطاع بسهولة ويسر إبراز الصراع الملتهب بين الحسين ويزيد وما يعكسه من تناقضات في المبادىء والمصالح والأهداف، والتي تعكس في الوقت ذاته، فلسفة عاشوراء وأهدافها في الرفض والتضحية والفداء من أجل المبدأ والعقيدة، وهو بهذا حوّل مجد كربلاء وكبرياءها إلى تجربة إنسانية عميقة، يسعى إلى توصيلها إلى الناس، في لغة شعرية رقيقة مفعمة بالحب والوفاء. فالحسين شهيداً كان منذ البداية، لأنه يملك صفاء الروح ونقاوتها، مثل نقاوة القول والعمل الذي لا يهادن معه الشر. كما صاغ الشرقاوي مسرحيته في لغة شعرية غنية بمعانيها وجمالها وجزالتها، بلغة تثير الجدل والمحاججة بصورة مستمرة وكذلك الكبرياء، بهدف بناء موقف ثابت يطعمه بحوارات درامية تحمل في طياتها ثنائية الشخصية وذاتها، والبطل والأنا، وبذلك نجح، إلى حد بعيد في خلق دراما عربية تعكس روح التمرد والتحريض على الواقع ورفضه، وصور الحسين ثائراً حقيقياً ونموذجاً مثالياً لعموم المظلومين من البشر)[335](، لأنه دخل مع الشر في معركة حامية، كان يعرف، سلفاً، أنه الخاسر فيها جسدياً، والرابح فيها روحياً، من أجل إنقاذ الإنسان وشرف الإنسان وكلمته:
إن الكلمة مسؤولية
إن الرجل هو الكلمة
شرف الرجل هو الكلمة
شرف الله هو الكلمة.
ثم يقول:
أنا ذا أخوضُ المستحيل إلى جلاء حقيقتك
فأضيء طريقي من أشعة حكمتك
أنا ذا شهيد الحق ضعت لكي أصون
من الضياع شريعتك
لا تُخفِ عن وجهي وضاءة نظرتك..
وقد أصبحت كربلاء، عند عبدالعزيز المقالح رمزاً لعصر ذهبي مضى ومدينة فاضلة مفقودة بقي الشعراء يحلمون بها ويتغنون بأمجادها. فكربلاء هي رمز لتحدي الشر الذي ينتصر بالباطل فيها، لأن الخيانة أقوى من الحق، والمطامح أقوى من المبادىء النبيلة. كما أن كربلاء هي الوطن الذي يحلم به، وطن لا غدر فيه ولا خيانة ولا أطماع. يقول:
نحن من كربلاء التي لا تخون
ومن كربلاء التي لا تخون ولدنا،
ومن دم أشجارها خرجت للظهيرة أسماؤنا
منذ موت الحسين.
مدينتنا لا تصدر غير النجوم، ولا تصطفي غير رأس تتوجه
بالنهار الشهادة،
تغسله بالدماء العيون الجريحة.
كما تصبح الدماء التي سالت في كربلاء رمزاً للحق ووساماً فوق الرؤوس، وتضحية لا مفر منها. فالخير لا ينتصر بالكلمات فقط وإنما في الكفاح والدماء:
والموت في الشعب أروع ما يكتب الشعراء، نوافذ أكواخهم، تتألق بالموت والورد، تثمر بالخبز والدم. رأس الحسين غدا وردة في الحدائق، أنشودة صار للمتعبين، ونهراً ونافذة للمطر)[336](.
أمّا عبدالمعطي حجازي فقد جعل من كربلاء رمزاً للوحدة، وحدة الإنسان ووحدة المصير وكذلك وحدة الأمة العربية التي كادت أن تتحقق، في الستينات من هذا القرن، لولا أنها أجهضت.
في قصيدته «عودة فبراير» يقول:
كأنني سمعت صوتاً كالبكاء.
هذا الحسين وحده في كربلاء
ما زال وحده يقاتل
مُعفّر الوجه يريد كوب ماء
والأمويون على النهر القريب
كأنني أرى دمشق بعد ليلة الغياب
بيوتها مظلمة وسجنها العالي فضاء
الليل ليس الليل، والعقم في كأس الشراب
والكلمات مثقلات بالذنوب)[337](.
ويأتي جمال الغيطاني في كتابه «تجليات» ليجعل من الحسين ليس بطلاً فحسب، بل هو التحقق المادي الذي يتجسد عبر الأزمنة في الأبطال المدافعين عن شرف الأمة وحريتها وكرامتها.
الحسين عنده النموذج الذي يتمثله الإنسان رمزاً للاستشهاد، مقابل النموذج الشر، كرمز مناقض، في الوجدان العربي ـ الإسلامي ـ لقد حاول الغيطاني توظيف تراجيديا كربلاء توظيفاً حياً وعلى درجة عالية من التقنية الأدبية في إطلالته على تراث كربلاء، بالرغم من أن «تجلياته» هي سيرة ذاتية في قالب روائي فيه مسحة صوفية.
إن كربلاء عند الغيطاني محطة استذكار يلتقي فيها الكاتب مع الإمام الحسين، في خياله، ويتحدث معه بلغة قلبه دون لسانه، بحيث لم يعد هناك فاصل بين التاريخ والواقع، بين الحقيقة والخيال، ليقارن بين ابن زياد ـ حاكم الكوفة، والحكام (العرب) اليوم، في هذا الزمن المر، مثل كل شعراء العزاء الحسيني، ليترك أمنية، هي الانتقام من الظالمين، أينما كانوا، مثل أولئك الذين تسببوا في مقتل الحسين.
ونتيجة لإحباطاته في الواقع يلجأ إلى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة عله يجد في حضرته العزاء والسلوى. يقول:
وَلّيت قِبلة إمامي الحسين، وفاض أساي فخاطبته بوجهتي وليس بنطقي:
ـ يا نبع الصفاء، يا مشرق المودة، تعذبني قلة حيلتي، وصعوبة الطريق، يا إمامي، لم يعد حالي حالي، جئتك ملوّعاً بالفقد.
يقول صاحب الثغر العذب المنكوث بعصا الظالمين:
ـ كل شيء بقدر)[338](.
ويتوجع أمل دنقل، الشاعر المصري الراحل، مع آلام الحسين التي أضافت إلى الإنسان هالة من الحزن الشفاف ودفقاً من الكبرياء ورمزاً دائماً للتجدد، غير أنه، وفي الوقت نفسه، يظهرُ إحباطه أيضاً، ذلك الإحباط الإنساني الذي هو قاسم مشترك عند كل شعراء العزاء الحسيني ليعلن غضبه، ويقول:
كنت في كربلاء..
قال لي الشيخ إن الحسين
مات من أجل جرعة ماء
وتساءلت كيف السيوفُ استباحت بني الأكرمين؟
فأجاب الذي بصّرته السماء:
إنه الذاهبُ المتلألىء في كلِّ عين
إن تكن كلماتُ الحسين
وسيوف الحسين
وجلال الحسين
سقطت دون أن تنقذ الحقَّ من ذهب الأمراء
أفتقدر أن تنقذ الحقّ من ذهب الشعراء؟!
ويتحول أمل دنقل من نعيه الحسين إلى نعيه العصر كله، مشهّراً بهؤلاء الذين ما زالوا يذبحون «الحسين» كل يوم، ينافقون، ويرثون آخر الأمر:
والأموي يُعصى في طريق النبع:
«.. دون الماء رأسك يا حسين..».
وبعدها يتملكون، يضاجعون أرامل الشهداء.
لا يتورعون،
يؤذنون الفجر.. لم يتطهروا من رجسهم
فالحق مات… )[339](.
وهناك عدد آخر من الشعراء الذين استلهموا قصائدهم من نبع كربلاء. فقد كتب أحمد دحبور «العودة إلى كربلاء» وكتب بدر شاكر السياب «الدمعة الخرساء»، ونزار قباني «شمس كربلاء»، ومحمود درويش وغيرهم كثير.
إن القصائد والمرائي والخطب واللوحات الفنية تعبر عن ضروب من الرفض والاحتجاج، وكذلك التحدي أحياناً، وتعكس أشكالاً من أساليب المقاومة الخفية التي تنطلق من مقولة، هي أن ثمة رغبة بشرية تدفع الإنسان للحصول على حريته واستقلاله وكرامته، وتقود، تحت دافع التهديد والوعيد إلى ردود فعل مختلفة. فالجماعات المحكومة تصب غضبها على شكل «لعنات» على رؤوس الحاكمين. وغالباً ما تجسّد هذه اللعنات رسالة رمزية ومعقدة وشديدة الخطورة أحياناً، وقد تتجاوز اللعنات إلى ثأر غير محدود. وفي الحقيقة فإنه بمجرد الإعلان عنها في الزمان والمكان تصبح دعوة مفتوحة للرفض والمقاومة، تكشف عن مقدار الغضب المكتوب والاحتجاج الملجوم ضد القهر. كما أن الإحساس بالظلم يوضح أيضاً، بأن أولئك الذين ينحنون تحت وطأة الظلم والاضطهاد، أياً كان شكله، عليهم أن يدفعوا ثمناً نفيساً باهظاً. وقد عرفنا علم النفس الاجتماعي أيضاً بنوعية النتائج التي من الممكن أن تترتب على مثل هذا الإذعان. غير أنه، في حالة إخفاق المذعنين، فمن الممكن أن ينتج هذا الإذعان رد فعل أقوى، لأن ضروب المذلّة والهوان هي التي تشكل الجسر الذي يوصل إلى الوعي بتلك الوضعية الاجتماعية المزرية.
إن أشكال وأساليب الرفض والاحتجاج العلنية التي نلاحظها في مثل هذه الحركات الاجتماعية ينمو فيها خطاب ملجوم، بفعل القوة والسيطرة التي تتطلب من المرء أن ينطوي على ذاته أو على جزء منها، أو أن يتراجع ويختفي في الظل وداخل «حيز آمن» يمكن أن يظهر فيه الخطاب المستتر الذي يساعد على «تفتح الذات ثانية». غير أن الخطاب العلني يكون غير مباشر ومشوهاً أحياناً، إلى حد كافٍ، بحيث يصبح تورية رمزية يمكن قراءتها على وجهين، أحدهما واضح وملطّف، وآخر مغلق ومخفي، حتى يوفر منفذاً للانسحاب أمام التحدي المكشوف.
وفي الواقع، فإن المضطهدين يكتشفون دوماً طرقاً وأساليب للتعبير عن آرائهم وأفكارهم لتكون وببساطة ردود فعل سريعة ولاذعة على الخطاب الرسمي الموجه ضدهم.
يصبح «خطاب» العزاء الحسيني أداة من أدوات النقل والتواصل المثالية للمقاومة الشعبية ـ الثقافية، وهو خطاب يمكن أن ندعوه «بأيديولوجيا معاكسة» أو «تمرد أيديولوجي» مناهض يكون له «خطاب علني يقال في وجه السلطة، وآخر مستتر يقال من وراء ظهرها»)[340](. ثم أن هذا الخطاب ينتج غالباً عن كراهية شديدة تمتد جذورها إلى الخوف، وتتكثف عبر الصمت وتتحول من الشعور بالقهر إلى الرغبة في العنف والانتقام وإلى إلغاء متخيل للآخر.
وأننا ننشر هنا نماذج مما توالى من الشعر في رثائه في كل العصور.
قال عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب، وكان رثاؤه ـ كما قد يبدو ـ أول رثاء للحسين:
إذا العين قرت في الحياة وأنتم
تخافون في الدنيا فأظلم نورها
مررت على قبر الحسين بكربلا
ففاض عليه من دموعي غزيرها
وما زلت أبكيه وأرثي لشجوه
ويسعد عيني دمعها وزفيرها
وبكيت من بعد الحسين عصائباً
أطافت به من جانبيه قبورها
سلام على أهل القبور بكربلا
وقل لها مني سلام يزورها
سلام بآصال العشي وبالضحى
تؤديه نكباء الرياح ومورها
ولا برح الزوار زوار قبره
يفوح عليهم مسكها وعبيرها
على أنه ينبغي أن يكون أول من رثاه سليمان بن قتة العدوي التيمي مولى بني تيم بن مرة فإنه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السلام) بثلاث فنظر إلى مصارعهم واتكأ على فرس له وأنشأ يقول: وقيل إنها لأبي الرجح الخزاعي ويمكن كون بعضها لأحدهما وبعضها للآخر واشتبها:
مررت على أبيات آل محمد
فلم أرها أمثالها يوم حلت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة
لقتل حسين والبلاغ اقشعرت
وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية
لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
وتسألنا قيس فنعطي فقيرها
وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند غني قطرة من دمائنا
ستطلبها يوماً بها حيث حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها
وإن أصبحت منهم برغم تخلت
وإن قتيل الطف من آل هاشم
أذل رقاب المسلمين فذلت
وقد اعولت تبكي السماء لفقده
وأنجمنا ناحت عليه وصلت
ورثته زوجته الرباب بنت امرىء القيس بن عدي فقالت:
إن الذي كان نوراً يستضاء به
بكربلاء قتيل غير مدفون
قد كنت لي جبلاً صلداً ألوذ به
وكنت تصحبنا بالرحم والدين
فمن يجيب نداء المستغيث ومن
يغني ويؤوي إليه كل مسكين
تاللَّه لا أبتغي صهراً بصهركم
حتى أوسد بين اللحد والطين
وقالت الرباب أيضاً وهي بالشام بعدما أخذت الرأس الشريف وقبلته ووضعته في حجرها:
واحسيناً فلا نسيت حسينا
أقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعا
لا سقى الله جانبي كربلاء
«وخرجت» أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين (عليه السلام) ومعها أخواتها أم هانىء وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وتقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي
منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يرثيه من أبيات:
بكيت لفقد الأكرمين تتابعوا
لوصل المنايا دار عون وحسر
بهم فجعتنا والفواجع كاسمها
تميم وبكر والسكون وحمير
وفي كل حي نضحة من دمائنا
بني هاشم يعلو سناها ويشهر
وقال رجل من عبد القيس قتل أخوه مع الحسين (عليه السلام):
يا فرو قومي فاندبي
خير البرية في القبور
قتلوا الحرام من الأئمة
في الحرام من الشهور
وقال أبو دهبل الجمحي وهب بن زمعة وهو معاصر لقتل الحسين من قصيدة:
عجبت وأيام الزمان عجائب
ويظهر بين المعجبات عظيمها
تبيت النشاوى من أمية نوما
وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وتضحى كرام من ذؤابة هاشم
يحكم فيها كيف شاء لئيمها
وربات صون ما تبدت لعينها
قبيل السبا إلاّ لوقت نجومها
تزاولها أيدي الهوان كأنما
تقحم ما لا عفو فيه أثيمها
وما أفسد الإسلام إلا عصابة
تأمر نوكاها ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالم
إذا مال منها جانب لا يقيمها
وخاض بها طخياء لا يهتدى لها
سبيل ولا يرجو الهدى من يعومها
إلى حيث ألقاها ببيداء مجهل
تضل لأهل الحلم فيها حلومها
رمتها لأهل الطف منها عصابة
حداها إلى هدم المكارم لومها
فشنت بها شعواء في خير فتية
تخلت لكسب المكرمات همومها
أولائك آل اللَّه آل محمد
كرام تحدت ما حداها كريمها
يخوضون تيار المنايا ظواميا
كما خاض في عذب الموارد هيمها
يقوم بهم للمجد أبيض ماجد
أخو عزمات أقعدت من يرومها
فأقسمت لا تنفك نفسي جزوعة
وعيني سفوحا لا يمل سجومها
حياتي أو تلقى أمية وقعة
يذل لها حتى الممات قرومها
وقال خالد بن معدان الطائي من فضلاء التابعين لما شاهد رأس الحين (عليه السلام) بالشام:
جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد
مترملاً بدمائه ترميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد
قتلوا جهاراً عامدين رسولا
قتلوك عطاشانا ولما يرقبوا
في قتلك التأويل والتنزيلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما
قتلوا بك التكبير والتهليلا
وممن رثاه عبدالله بن الحر الجعفي حين أتى كربلاء ونظر إلى مصرع الحسين (عليه السلام) وأصحابه وكان قد دعاه الحسين (عليه السلام) إلى نصره فلم يفعل فقال من أبيات:
يقول أمير غادر وابن غادر
ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه
ونفسي على خذلانه واعتزاله
وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
سقى الله أرواح الذي تآزروا
على نصره سقيا من الغيث دائمه
وقفت على أطلالهم ومحالهم
فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا سراعاً إلى الوغى
مصاليت في الهيجا حماة خضارمه
تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم
بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
وما أن رأى الراؤون أفضل منهم
لدى الموت سادات وزهر قماقمه
وممن رثاه من القدماء جعفر بن عفان الطائي وكان معاصراً للصادق (عليه السلام) وقد استنشد الصادق شعره في رثاء الحسين (عليه السلام) وأثنى عليه وله في ذلك قصيدة أولها:
ليبك على الإسلام من كان باكياً
فقد ضيعت أحكامه واستحلت
وممن رثاه من القدماء منصور النمري من النمر بن قاسط وكان في زمن الرشيد فقال من قصيدة:
متى يشفيك دمعك من همول
ويبرد ما بقلبك من غليل
قتيل ما قتيل بني زياد
إلا بأبي وأمي من قتيل
غدت بيض الصفائح والعوالي
بأيدي كل مؤتشب دخيل
معاشر أودعت أيام بدر
صدورهم وديعات الغليل
فلما أمكن الإسلام شدوا
عليه شدة الحنق الصؤول
فوافوا كربلاء مع المنايا
بمرداة مسومة الخيول
وأبناء السعادة قد تواصوا
على الحدثان بالصبر الجميل
أيخلو قلب ذي ورع ودين
من الأحزان والهم الطويل
وقد شرقت رماح بني زياد
بري من دماء بني الرسول
وممن رثاه من القدماء دعبل بن علي الخزاعي وكان معاصراً للرضا (عليه السلام) فقال من قصيدة:
ألم تر للأيام ما جر جورها
على الناس من نقض وطول شتات
ومن دول المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
فكيف ومن أنى يطالب زلفة
إلى الله بعد الصوم والصلوات
سوى حب أبناء النبي ورهطه
وترك عداهم من هن وهنات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه
ومحكمه بالزور والشبهات
ولو قلدوا الموصى إليه أمورها
لزمت بمأمون على العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى
ومفترس الأبطال في الغمرات
نجي لجبريل الأمين وأنتم
عكوف على العزى معاً ومناة
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
منازل كانت للرشاد وللتقى
وللصوم والتطهير والصلوات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف للأيام والسنوات
هم آل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير سادات وخير حماة
إذا لم نناج الله في صلواتنا
بأسمائهم لم يقبل الصلوات
أفاطم لو خلت الحسين مجندلا
وقد مات عطشانا بشط فرات
إذا للطمت الخد فاطم عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي
نجوم سماوات بأرض فلاة
توفوا عطاشى بالفرات فليتني
توفيت فيهم قبل حين وفاتي
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجاً طعم كل فرات
بنفسي أنتم من كهول وفتية
لفك عناة أو لحمل ديات
سأبكيهم ما حج الله راكب
وما ناح قمري على الشجرات
سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق
ونادى منادي الخير للصلوات
وممن رثاه من القدماء القاسم بن يوسف الكاتب فقال من قصيدة:
يا ابن النبي وخير أمته
بعد النبي مقال ذي خبر
ماذا تحمل قاتلوك من الـ
ـآصار والأعباء والوزر
ما تنقضي حسرات ذي ورع
ودم الحسين على الثرى يجري
ودماء إخوته وشيعته
مستلحمون بجانب النهر
خذلوا وقل هناك ناصرهم
فاستعصموا بالله والصبر
مستقدمين على بصائرهم
لا ينكصون لروعة الذعر
يأبون أن يعطوا الدنية أو
يرضوا مهادنة على قسر
حلوا من الشرف اليفاع على
علياء بين الغفر والنسر
* * *
لا يبلغ المثني مداه ولا
تحوي المديح مقالة المطري
مأوى اليتامى والأرامل والـ
ـأضياف في اللزبات والعسر
لا مانعاً حق الصديق ولا
يخفى عليه مبيت ذي الفقر
كم سائل أعطى وذي عدم
أغنى وعان فك من أسر
وتخال في الظلماء سنته
قمراً توسط ليلة البدر
لا تنطق العوراء حضرته
عف يعاف مقالة الهجر
وقال الصنوبري معاصر سيف الدولة الحمداني من أبيات:
يا خير من لبس النبو
ة من جميع الأنبياء
وجدي على سبطيك وجـ
ـد ليس يؤذن بانقضاء
هذا قتيل الأشقيا
ء وذا قتيل الأدعياء
يوم الحسين هرقت دمـ
ـع الأرض مع دمع السماء
يوم الحسين تركت با
ب العز مهجور الفناء
نفسي فداء المصطلي
نار الوغى أي اصطلاء
فاختار درع الصبر حيـ
ـث الصبر من لبس السناء
وأبى إباء الأسد إن
الأسد صادقة الإباء
وقضى كريماً إذا قضى
ظمآن في نفر ظماء
منعوه طعم الماء لا
وجدوا الماء طعم ماء
ورثاه الشريف الرضي فقال من قصيدة:
يوم حدا الطعن فيه لابن فاطمة
سنان مطرد الكعبين مطرور
فخر للموت لا كف تقلبه
إلا بوطىء من الجرد المحاضير
ظمآن يسلي نجيع الطعن غلته
عن بارد من عباب الماء مقرور
لله ملقى على الرمضاء غص به
فم الردى بين أقدام وتشمير
تحنو عليه الربى ظلاً وتستره
عن النواظر أذيال الأعاصير
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه
وقد أقام ثلاثاً غير مقبور
تسبى بنات رسول الله بينهم
والدين غض المبادى غير مستور
يلقى القنا بجبين شان صفحته
وقع القنا بين تضميخ وتعفير
من بعد ما رد أطراف الرماح له
رأي فسيح وقلب غير محصور
والنقع يسحب من أذياله وله
على الغزالة جيب غير مزرور
أكل يوم لآل المصطفى قمر
يهوي بوقع العوالي والمباتير
وكل يوم لهم بيضاء صافية
يشوبها الدهر من رنق وتكدير
ورثاه محمود بن الحسين الملقب بكشاجم)[341]( بقوله من قصيدة:
يا بئس للدهر حين آل رسول الـ
ـله تجتاحهم جوانحه
أظلم في كربلاء يومهم
ثم تجلى وهم ذبائحه
يا شيع الغي والضلال ومن
كلهم جمة فضائحه
عفرتم بالثرى جبين فتى
جبريل قبل النبي ماسحه
وبين أيديكم حريق لظى
يلفح تلك الوجوه لافحه
إن عبتموه بجهلكم فكما
يضر بدر السماء نابحه
أو تكتموا فالقرآن مشكله
بفضلهم ناطق وواضحه
قوم أبى حد سيف والدهم
للدين أو يستقيم جامحه
حاربه القوم وهو ناصره
يوماً وغشوه وهو ناصحه
منخفض الطرف عن حطامهم
وهو إلى الصالحات طامحه
بحر علوم إذا العلوم طمت
فهي بتيارها ضحاضحه
يا عترة حبهم يبين به
صالح هذا الورى وطالحه
مغالق الشر أنتم يا بني أحـ
ـمد إذ غيركم مفاتحه
وممن رثاه من قدماء الشعراء الجبري فقال من قصيدة:
فهم مصابيح الدجى لذوي الحجى
والعروة الوثقى لذي استمساك
وهم الأدلة كالأهلة نورها
يجلو عمى المتحير الشكاك
يا أمة ضلت سبيل رشادها
إن الذي استرشدته أغواك
لا تحسبنك بريئة مما جرى
والله ما قتل الحسين سواك
يا آل أحمد كم يكابد فيكم
كبدي خطوباً للقلوب نواكي
وإذا ذكرت مصابكم قال الأسى
لجفوني اجتنبي لذيد كراك
وأبكي قتيلاً بالطفوف لأجله
بكت السماء دماً فحق بكاك
وممن رثاه أبو الفتح محمد بن عبيدالله المعروف بسبط ابن التعاويذي المتوفى سنة 553 فقال من قصيدة:
ولو أكرمت دمعك يا شؤوني
بكيت على الإمام الفاطمي
على نجم الهدى الساري وبحر الـ
ـعلوم وذروة الشرف العلي
على الحامي بأطراف العوالي
حمى الإسلام والبطل الكمي
على الباع الرحيب إذا ألمت
به الأزمات والكف السخي
على أندى الأنام يداً ووجهاً
وأرجحهم وقاراً في الندي
وخير العالمين أباً وأماً
وأطهرهم ثرى عرق زكي
لقد فصموا عرى الإسلام عوداً
وبدأ في الحسين وفي علي
ويوم الطف قام ليوم بدر
بأخذ الثأر من آل النبي
بكته الأرض إجلالاً وحزناً
لمصرعه وأملاك السمي
وغودرت الخيام بلا محام
يناضل دونهن ولا ولي
فما عطف البغاة على الفتاة الـ
ـحصان ولا على الطفل الصبي
ولا سفروا لثاماً عن حياء
ولا كرم ولا أنف حمي
وساروا بالكرائم من قريش
سبايا فوق أكوار المطي
فيالله يوم نعوه ماذا
وعى سمع الرسول من النعي
ولو رام الحياة نجا إليها
بعزمته نجاء المضرجي
ولكن المنية تحت ظل الر
فاق البيض أجدر بالأبي
وممن رثاه الشيخ علي بن الحسين الشهيفيني الحلي من أهل القرن السادس بقصائد كثيرة طويلة أجاد في كثير منها يقول في بعضها:
ماض على عزم يفل بحده الـ
ـماضي حدود البيض حين تجرد
في أسرة من هاشم علوية
عزت أرومتهم وطاب المولد
وسراة أنصار ضراغمة لهم
أهوال أيام الوقائع تشهد
التائبون العابدون الحامدو
ن السائحون الراكعون السجد
ألقت عليه السافيات ملابساً
وكسته وهو من اللباس مجرد
والسيد السجاد يحمل ضارعاً
ويقاد في الأغلال وهو مصفد
يا للرجال لعبد سوء آبق
أضحى أسيراً في يديه السيد
لا خير في سفهاء قوم عبدهم
ملك يطاع وحرهم مستعبد
متباعدون لهم بكل تنوفة
مستشهد وبكل أرض مشهد
كم مدحة لي فيكم في طيها
حكم تغور بها الركاب وتنجد
صلى الإله عليكم ما بكرت
ورق على ورق الغصون تغرد
وقال البوصيري صاحب البردة من جملة قصيدته الهمزية في مدح خير البرية:
يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا
مي عليه مدح له وثناء
بالعلوم التي لديك من اللَّـ
ـه بلا كاتب لها إملاء
وبريحانتين طيبهما منـ
ـك الذي أودعتهما الزهراء
كنت تؤويهما إليك كما آ
وت من الخط نقطتيها الياء
من شهيدين ليس ينسيني الطف
مصابيحهما ولا كربلاء
ما رعى فيهما ذمامك مرؤو
س وقد خان عهدك الرؤساء
أبدلوا الود والحفيظة في القر
بى وأبدت ضبابها النافقاء
وقست منهم قلوب على من
بكت الأرض فقدهم والسماء
فابكهم ما استطعت إن قليلا
في عظيم من المصاب البكاء
كل يوم وكل أرض لكربي
فيهم كربلاء وعاشوراء
آل بيت النبي طبتم فطاب الـ
ـمدح لي فيكم وطاب الرثاء
أنا حسان مدحكم فإذا نحـ
ـت عليكم فإنني الخنساء
سدتم الناس بالتقى وسواكم
سودته الصفراء والبيضاء
وممن رثاه في العصر القريب من عصرنا، هاشم الكعبي:
لو كان في الربع المحيل
برء العليل من الغليل
ربع الشباب ومنزل الـ
ـأحباب والظل الظليل
لعب الشمال به كما
لعبت شمول بالعقول
طلل يضيف النازلين
شجاؤه قبل النزول
مستأنسا بالوحش بعـ
ـد أوانس الحي الحلول
مستبدلا ريما بريم
آخذا غيلا بغيل
لا يقتضي عذرا ولا
يرتاع من عذل العذول
ومريعة باللوم تلـ
ـحوني وما تدري ذهولي
خلي أميمة عن ملا
مك ما المعزي كالثكول
ما الراقد الوسنان مثـ
ـل معذب القلب العليل
سهران من الم وهـ
ـذا نائم الليل الطويل
ذوقي أميمة ما أذو
ق وبعده ما شئت قولي
أو ما علمت الماجديـ
ـن غداة جدوا بالرحيل
عشقوا العلى فقضوا بها
والغصن يرمى بالذبول
آل الرسول ونعم اكـ
ـفاء العلى آل الرسول
خير الفروع فروعهم
وأصولهم خير الأصول
ومهابط الأملاك تتـ
ـرى بالبكور وبالأصيل
ذللا على الأبواب لا
يعدون اذنا للدخول
أبدا بسر الوحي تهـ
ـتف بالصعود وبالنزول
عرف الذبيح بهم وما
عرفت قريش بالفضول
من مالك خير البطو
ن وصنوه خير القبيل
من هاشم البطحاء لا
سلفي نمير أو سلول
من راكبي ظهر البرا
ق وممتطي قب الخيول
من آل أحمد رحمه الـ
أدنى ومغرسه الأصيل
ركبوا إلى العز المنو
ن وجانبوا عيش الذليل
وردوا الوغى فقضوا وليـ
ـس تعاب شمس بالأفول
هيهات ما الصبر الجميـ
ـل هناك بالصبر الجميل
أو ما سمعت ابن البتو
لة لو دريت ابن البتول
إذ قادها شعث النوا
صي عاقدات للذيول
طلق الأعنة عاطفا
ت بالرسيم على الذميل
يطوي بها متن الوعور
معارضاً طي السهول
متنكب الورد الذميم
مجانب المرعى الوبيل
طلاب مجد بالحسا
م العضب والرمح الطويل
متطلبا أقصى المطا
لب خاطب الخطب الجليل
يحدو مآثر قاصرا
عن منتهاها كل طول
شرف تورث عن وصي
أو اخي وحي رسول
ضلت أمية ما تريـ
ـد غداة مقترع النصول
رامت تسوق المصعب الـ
ـهدار مستاق الذلول
ويروح طوع يمينها
قود الجنيب أبو الشبول
رامت لعمر ابن النبي
الطهر ممتنع الحصول
وتيممت قصد المحا
ل فمارعت غير المحول
ورنت على السغب السرا
ب باعين في المجد حول
حتى إذا عبرت نفا
قا تبتغي عوج السبيل
وغوى بها جهل بها
والغي من خلق الجهول
لف الرجال بمثلها
وثنى الخيول على الخيول
وأباحها عضب الشبا
لا بالكهام ولا الكليل
خلط البراعة بالشجا
عة فالصليل عن الدليل
للسانه وسنانه
صدقان من طعن وقيل
قل الصحابة غير أن
قليلهم غير القليل
من كل أبيض واضح الـ
ـحسبين معدوم المثيل
من معشر ضربوا الخبا
في مفرق المجد الأثيل
وعصابة عقدت عصا
بة عزهم كف الجليل
كبني علي والحسيـ
ـن وجعفر وبني عقيل
وحبيب الليث الهزبـ
ـر ومسلم الأسد المديل)[342](
آحاد قوم يحطمو
ن الجمع في اليوم المهول
ومعارضي اسل الرما
ح بعارض الخد الأسيل
يمشون في ظلل القنا
ميل المعاطف غير ميل
وردوا على الظمأ الردى
ورد الزلال السلسبيل
وثووا على الرمضاء من
كاب ومنعفر جديل
وسطا العفرنى حين افـ
ـرد شيمة الليث الصؤول
ذات الفقار بكفه
وبكتفه ذات الفضول
وأبو المنية سيفه
وكذا السحاب أبو السيول
غرثان اورث حده
ضرب الطلى فرط النحول
صاح نحيل المضربيـ
ـن فديت للصاحي النحيل
يا ابن الذين توارثوا الـ
ـعليا قبيلا عن قبيل
والسابقين بمجدهم
في كل جيل كل جيل
والطاعني ثغر العدى
والمانعي ضيم النزيل
إن تمس منكسر اللوى
ملقى على وجه الرمول
فلقد قتلت مهذبا
من كل عيب في القتيل
جم المناقب لم تكن
تعطي العدى كف الذليل
كلا ولا اقررت اقـ
رار العبيد على الخمول
يهدى لك الذكر الجميـ
ـل على الزمان المستطيل
ما كنت إلا السيف ابـ
ـلته الضرائب بالفلول
والليث اقلع بعد ما
دق الرعيل على الرعيل
والطود قد جاز العلو
فلم يكن غير النزول
والطرف كفكف بعدما
غلب الجياد على الوصول
والشمس غابت بعدما
هدت الأنام إلى السبيل
والماجد الكشاف للكر
بات في الخطب الثقيل
حاوي الثناء المستطا
ب وكاسب الحمد الجزيل
بأبي وأمي أنتم
من بعدكم للمستنيل
يا ظلة العاني المخو
ف وكعبة العافي المعيل
من للهدى من للندى
من للمسائل والسؤول
رجعت بها آمالها
عن لا نوال ولا مثيل
فغدت وعبرتها تسح
وقلبها حلف الغليل
ثكلى لها الويل الطويـ
ـل شجى وإفراط العويل
ياطف طاف على مقا
مك كل هتان هطول
وأناخ فيك من السحا
ب الغر مثقلة الحمول
وحباك من مر النسيـ
ـم بكل خفاق عليل
ارج يضوع كأنه
قد بل بالمسك البليل
حتى ترى خضر المرا
بع والمراتع والفصول
كاسي الروابي والبطا
ح مطارفا هدل الذيول
قسما بترية ساكنيـ
ـك وما بضمنك من قتيل
انا ذلك الظامي وصا
حب ذلك الدمع الهطول
لا بدع ينسيني ولا
قرب يبرد لي غليلي
يا خير من لاذ القريـ
ـض بظل فخرهم الظليل
واجل مسؤول أتا
ه فنال عاف خير رسول
لكم المساعي الغر والـ
ـعلياء لامعة الحجول
والمكرمات وما اشا
د الدهر من ذكر جميل
وجميع ما قال الأنا
م وما تسامى من مقول
والمدح في أم الكتا
ب وما أتى عن جبرئيل
وثناي اقصر قاصر
واقل شيء من قليلي
والعجز ذنبي لا عدو
لي عن أخ البر الوصول
وأنا المقصر كيف كنـ
ـت فهل لعذر من قبول
ارى الكمال بكم فمد
ح الفاضلين من الفضول
صلى الإله عليكم
ما جد ركب في رحيل
وممن رثاه بعد ذلك حيدر الحلي من قصيدة:
هذا المحرم قد وافتك صارخة
مما استحلوا به أيامه الحرم
يملأن سمعك من أصوات ناعية
في مسمع الدهر من أعوالها صمم
تنعى إليك دماء غاب ناصرها
حتى أريقت ولم يرفع لكم علم
مسفوحة لم تجب عند استغاثتها
إلا بأدمع ثكلى شفها الألم
حنت وبين يديها فتية شربت
من نحرهم نصب عينيها الظبى الخذم
موسدون على الرمضاء تنظرهم
حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا
سقيا لثاوين لم تبلل مضاجعهم
إلا الدماء وإلا الأدمع السجم
أفناهم صبرهم تحت الظبى كرما
حتى قضوا ورداهم ملؤه كرم
وخائضين غمار الموت طافحة
أمواجها البيض بالهامات تلتطم
مشوا إلى الحرب مشي الضاريات لها
فصارعوا الموت فيها والقنا أجم
ولا غضاضة يوم الطف إن قتلوا
صبراً بهيجاء لم تثبت لها قدم
فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد
ماتت بها منهم الأسياف لا الهمم
أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت
رؤوسها لم تكفكف عزمها اللجم
وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا
في حدها هو والأرواح يختصم
وحائرات أطار القوم أعينها
رعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانت بحيث عليها قومها ضربت
سرادقاً أرضه من عزمهم حرم
يكاد من هيبة أن لا يطوف به
حتى الملائك لولا أنهم خدم
فغدوت بين أيدي القوم حاسرة
تسبى وليس لها من فيه تعتصم
نعم لوت جيدها بالعتب هاتفة
بقومها وحشاها ماؤه ضرم
عجت بهم مذ على أبرادها اختلفت
أيدي العدو ولكن من لها بهم
نادت ويا بعدهم عنها معاتبة
لهم ويا ليتهم من عتبها أمم
قومي الأولى عقدت قدماً مآزرهم
على الحمية ما ضيموا ولا اهتضموا
عهدي بهم قصر الأعمار شأنهم
لا يهرمون وللهيابة الهرم
ما بالهم لا عفت منهم رسومهم
قروا وقد حملتنا الأينق الرسم
يا غادياً بمطايا العزم حملها
هما تضيق به الأضلاع والحزم
عرج على الحي من عمرو العلى فأرح
منهم بحيث اطمأن البأس والكرم
وحي منهم حماة ليس بابنهم
من لا يرف عليه في الوغى العلم
المشبعين قرى طير السما ولهم
بمنعة الجار فيهم يشهد الحرم
والهاشمين وكل الناس قد علموا
بأن للضيف أو للسيف ما هشموا
كماة حرب ترى في كل بادية
قتلى بأسيافهم لم تحوها الرجم
قف منهم موقفاً تغلي القلوب به
من فورة العتب وأسأل ما الذي بهم
جفت عزائم فهر أم ترى بردت
منها الحمية أم قد ماتت الشيم
أم لم تجد لذع عتبي في حشاشتها
فقد تساقط جمراً من فمي الكلم
أين الشهامة أم أين الحفاظ أما
يأبى لها شرف الأحساب والكرم
تسبى حرائرها في الطف حاسرة
ولم تكن بغبار الموت تلتثم
لمن أعدت عتاق الخيل إن قعدت
عن موقف هتكت منها به الحرم
فما اعتذارك يا فهر ولم تثبِ
بالبيض تثلم أو بالسمر تنحطم
أجل نساؤك قد هزتك عاتبة
وأنت من رقدة تحت الثرى رمم
فالتفت الجيد عنك اليوم خائبة
فما غناؤك حالت دونك الرجم
ونذكر من رثاء هذا العصر ثلاثة نماذج لثلاثة شعراء معاصرين: قصيدة محمد مهدي الجواهري:
فِداءُ لِمثواكَ مِن مَضْجَعِ
تَنَوَّرَ باللأبلَج الأروَع)[343](
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنا
نِ رَوحاً ومن مِسكِها أضوع)[344](
ورعياً ليومِكَ يومِ «الطُّفوف»
وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصرَع)[345](
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ
على نهجِكَ النَّيِّرِ المِهْيَع)[346](
وصَوناً لمجدِكَ مِنْ أن يُذالَ
بما أنتَ تأباهُ مِن مُبدَع)[347](
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالِدِيـ
ـنَ فذَاً، إلى الآنَ لم يُشْفع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ
لِلاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مَفْزع للحتُوفِ
وبُورك قبرُكَ مِن مُفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد
على جانبيه ومِنْ رُكَّع
شَممت ثَراكَ فهبَّ النسيمُ
نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدّي بحيثُ استرا
حَ خدٌّ تفرَّى ولم يضرَع وحيث سنابك خيل الطغا ةعليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ
برُوحي إلى عالمٍ أرفع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ
بصومعةِ المُلْهمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريـ
ـحِ حمراءَ «مَبْتُورةَ الإِصْبَع»)[348](
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنو
عِ والضيمِ ذي شَرِقٍ مُتْرع)[349](
تَخبَّطَ في غايةٍ أطبَقَت
على مُذئِبِ منه أو مُسْبِع)[350](
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير
بآخَرَ مُعشَوشِبِ مُمرع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغا
رَ خوفاً إلى حَرَمِ أمنَع
* * *
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي
فإنْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ
لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع)[351](
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ
وقد حرَّفَتهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء
ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشَرَّ مِن جِذْمهِ
وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ
عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من «فَلَك» قُطْرهُ
يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ «البتولِ» وحَسْبي بها
ضَماناً على كل ما أدَّعي
ويابنَ البطينِ بلا بِطنةِ
ويابن الفتى الحاسر الأنْزَع)[352](
ويا غُصْنَ «هاشِمَ» لم ينفَتِحْ
بأزهرَ منكَ ولم يُفْرع)[353](
تَمثَّلتُ «يومَكَ» في خاطري
وردَّدت «صوتَكَ» في مسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم «أُرتَهبْ»
بنقلِ «الرُّواة» ولم أُخدَع
وقلتُ: لعلَّ دويَّ السِنين
بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المُخلِصونَ الدُّعا
ةُ مِن «مُرسلينَ» ومن «سُجَّع»
ومِنْ «ناثراتِ» عليكَ المساءَ
والصُّبْحَ بالشعرِ والأدمُع
لعلَّ السياسة فيما جَنَتْ
على لاصِقِ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي
بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و«كونِ» الشَّجي
وَلْوعاً بكلِّ شَج مُولِع
يداً في اصطباغِ حديثِ «الحُسين»
بلونٍ أُريد لهُ ممتعِ
وكانت ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةَ
يدُ الواثقِ المُلْجَإِ الألمعي
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةَ
وكيفَ، ومهما تُردْ تَصنع
ولمَّا أَزَحْتُ طلأ «القُرونِ»
وسُتْرَ الخِداع عنِ المَخْدع
أُريدُ «الحقيقة» في ذاتها
بغيرِ الطبيعةِ لم تُطْبَع
وجدتُكَ في صُورةِ لم أُرَعْ
بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا! أأروعُ مِنْ أن يكو
نَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي ـ دُون ما ترتإي ـ
ضميرَكَ بالأسَلِ الشُّرَّع
وأنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ
مِنَ «الأكهلينَ» إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني «الأمِّ» مِن هاشمٍ
وخيرَ بني «الأب» مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدو
رِ، كانوا وِقاءكَ، والأذْرع
* * *
وقدَّسْتُ «ذكراكَ» لم أنتحِلْ
ثِيابَ التُقاةِ ولم أدّع
تَقَحمْتَ صدري وريبُ «الشُّكوكِ»
يَضِجُّ بجدرانِه «الأرْبَع»
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب
عليَّ من القَلَقِ المُفزع)[354](
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات
و«الطيبينَ» ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ
تأبَّى وعادَ إلى موضع)[355](
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ «الـ
ـجدودِ» إلى الشكَّ فيما معي
إلى أن أقمتَ عليه الدليـ
ـل من «مبدا» بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليك القِياد
وأعطاكَ إذعانةَ المُهطِع
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي
وقوَّمْتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى
سِوى (العقلِ) في الشكَّ مِن مَرْجِع
بأنَّ (الإباء)، ووحيَ السماء،
وفيضَ النبوَّةِ، مِن مَنْبَع
تجمَّعُ في (جوهرِ) خالصِ
تَنَزَّهَ عن (عَرَضِ) المَطْمَع
قصيدة بدر شاكر السياب:
إرمِ السماء بنظرة استهزاءِ
واجعل شرابك من دم الأشلاءِ
وإسحق بظلِّك كل عرضٍ ناصعٍ
وابح لنعلكَ أعظمَ الضُّعفاءِ
واملأ سراجك إن تقضّ زيته
مما تدرُّ نواضب الأثداءِ
واخلع عليه كما تشاء ذبالة
هدب الرضيع وحلمة العذراءِ
واسدر بغيّك يا يزيد، فقد ثوى
عنك الحسين ممزَقَ الأحشاءِ
والليل أظلم والقطيع كما ترى
يرنو إليك بأعين بلهاءِ
احنى لسوطك شاحبات ظهوره
شأن الذليل ودبَّ في استرخاءِ
وإذا اشتكى فمن المغيث وإن غفا
أين المهيب به إلى العلياءِ
* * *
مثّلت غدرك فاقشعرَّ له
قلبي وثار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت
فيها بقايا دمعة خرساءِ
يطفو ويرسب في خيالي دونها
ظلَّ أدقُّ من الجناح النائي
ابصرتُ ظلَّك يا يزيد يرجّه
موج اللهيب وعاصف الانواءِ
رأسٌ تكلّل بالخنا واعتاض عن
ذاك النضار بحيَّة رقطاءِ
ويدان موثقتان بالسوط الذي
قد كان يعبث أمس بالاحياءِ
قم فاسمع اسمك وهو يغدو سُبّة
انظر لمجدك وهو محض هباءِ
وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبلّ
عن ذاهبٍ ذكرى أبي الشهداءِ
كالمشعل الوهّاج إلا إنها
نور الإله يجلّ عن إطفاءِ
* * *
عصفتْ بي الذكرى فألقت ظلَّها
في ناضريَّ كواكب الصحراءِ
مبهورة الأضواء يغشى ومضها
أشباح ركب لجّ في الإسراءِ
أضفى عليه الليل ستراً حِيك من
عرف الجنان ومن ظلال (حراءِ)
أسرى ونام فليس إلا هِمَّة
باسم الحسين، وجهشة استبكاءِ
تلك ابنة الزهراء ولهى راعها
حلم ألمَّ بها مع الظلماءِ
تنبي أخاها وهي تخفي وجهها
ذعرا وتلوي الجيد من أعياءِ
عن ذلك السهل الملبَّد يرتمي
في الأفق مثل الغيمة السوداءِ
يكتظ بالأشباح ظمأى حشرجت
ثم اشرأبّت في انتظار الماءِ
مفغورة الأفواه إلا جثَّة
من غير رأس لُطّخت بدماءِ
زحفت إلى ماء تراءى ثم لم
تبلغه والنكفأت على الحصباءِ
غير الحسين تصدّه عما انتوى
رؤيا فكُفِّي يا ابنة الزهراءِ
مَنْ للضعاف إذا استغاثوا والتظتْ
عينا (يزيد) سوى فتى الهيجاءِ
* * *
بأبي عطاشى لاغبين ورضعّاً
صُفرَ الشفاه خمائصَ الأحشاءِ
أيدِ تمدُّ إلى السماء وأعينّ
ترنو إلى الماء القريب النائي
طام أحل لكل صادٍ ورده
من سائب يعوي، ومن رقطاءِ
عزَّ الحسين وجلَّ عن أن يشتري
ريَّ الغليل بخطّة نكراءِ
آلى يموت ولا يوالي مارقاً
جمَّ الخطايا طائشَ الأهواءِ
فليصرعوه كما أرادوا إنما
ما ذنب أطفال وذنب نساءِ
* * *
عاجت بي الذكرى عليها ساعة
مرَّ الزمان بها على استيحاءِ
خفقت لتكشف عن رضيعٍ ناحلٍ
ذبلت مراشفُه ذبولَ خباءِ
ظمآن بين يدي أبيه كأنه
فرخ القطاة يدفُّ في النكباءِ
لاح الفرات له فأجهش باسطا
يمناه نحو اللجّة الزرقاءِ
واستشفع الأبُ حابسيه على الصدى
بالطفل يومىءُ باليد البيضاءِ
رجّى الرواء فكان سهماً حزَّ في
نحر الرضيع وضحكةِ استهزاءِ
فاهتزَّ واختلج اختلاجة طائرٍ
ظمآن رفَّ ومات قرب الماءِ
ذكرى ألمّت فاقشعرّ لهولها
قلبي وثار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت
فيها بقايا دمعة خرساءِ
يطفو ويرسب في خيالي دونها
ظلّ أدقُّ من الجناح النائي
حيران في قعر الجحيم معلّق
ما بين ألسنةِ اللّظى الحمراءِ
قصيدة عبدالرضا صادق:
روَّعتِ آمن سربِهِ فارتاعا
أرباعَ مكَّة لا أَمِنْتَ رباعا
ماذا تحسُّ حمامةٌ مذعورةٌ
حطَّت عليكَ جناحَها المرتاعا
أتبيتُ آمنةٌ وألفُ دخيلةٍ
سوداء ترصدُ خَطوَهُ إيقاعا
يا عائذاتِ الطير لا تتوقَّعي
حِفظَ الجوار وخيرُ جاءٍ ضاعا(
* * *
أبقيَّة السلفِ الخضيب حسامُهم
في الحقِّ مَنْ لشريعةٍ تتداعى
عزَّ النصيرُ بمكَّة فاحشدُ لها
في الكوفة الأنصارَ والأتباعا
وأقِم منار هِدايةٍ واهتفْ به
للَّه واقرعْ فوقَه الأسماعا
* * *
أمدارجَ الحرمين يا ذكرى رؤى
غُرَّ عبرنَ بأبطحيكِ سراعا
لعب النبي هنا وطاف بفسحة
خضراء ثمَّة واستقلَّ بقاعا
ورعى شويهاتٍ وداعب ثغرُه
أثداءَها المتحفلات رضاعا
وهفا ملاكٌ أبيضٌ وحبا سناً
غمرَ المغاني الكابيات شُعاعا
ما كنت هينةً وندَّت زفرةٌ
قَلَّت لمثلك أن تكون وداعا
الأبعدون هناك مدُّوا باعَهم
وضننتِ أنت فلم تمدِّي باعا
* * *
أَرمال هذي البيد غلّس مَوكبٌ
سار وأوغل في الدجى إيضاعا
بثي حواليهِ العيونَ رقيبةً
وتحذَّري في البيد أن يرتاعا
وترفقي أن تستثيري في الضحى
لفحاً كجالية الغضا لذَّاعا
آل النبي جلا بهم عن مكةٍ
أن يُستباحَ بها الكريمُ ضياعا
نفرٌ كما ائتلقَ الضحى إشراقةً
وكما تنفَّست الرياضُ طباعا
حيتكِ فارعة النخيل غمامة
وشهدت، منها الخصب والأمراعا
هذا الركاب الهاشمي أما سرى
نبأ الركاب الهاشمي وشاعا
أين الرجال المؤمنون يثيرهم
أن يصبح الدين الحنيف متاعا
أتُرى أصيب القوم في إيمانهم
فتواكلوا نظراً به وسماعا
فحنت به الهام المدلة حطة
للبأس يوسع شمسها إخضاعا
ماذا وراء النهر أيُّ غمامةٍ
سوداء تقتحمُ الضفافَ وساعا
غطَّت نجاد الأرض موغلة المدى
فيحاء واغتمرت ربى وتلاعا
هذي الجموع الحاشدات لباطلٍ
كانت لداعية الهدى أشياعا
* * *
أكميَ هاشم من يطيق على الظما
حربا ومن يقوى عليه صراعا
أتقول أشلاء الرجال بديدة
كان الحسين على الفرات شجاعا
يمنى هفت في المعمعان وما وهت
ضرباً ولا وَهنت هناك قراعا
يا قصة الأيام كم من عقدة
دعت البطولة عندها الإيقاعا
قضت المروءة أن يموتوا دونه
فتناثروا فوق الثرى أوزاعا
أتكون آكلة الكبود ضغينة
كالت بصاع من ذحول صاعا
رثاء الحسين
في غير الشعر العربي
عدا عن الشعر العربي فقد رثي الحسين بجميع اللغات الإسلامية، وفي الكثير من هذه اللغات كان رثاؤه يشكل ملاحم شعرية تفاخر بها تلك اللغات. وإننا لنأخذ نموذجاً لذلك الملحمة الشعرية التي نظمها الشاعر الألباني (نعيم فراشري) والتي ترجمها إلى اللغة العربية نثراً وقدم لها الدكتور محمد موفاكو)[356](. وإليك الملحة مع مقدمتها:
مع انتشار البكتاشية في أوساط الألبانيين نمت لديهم تقاليد شيعية، في العلاقات والعادات والاحتفالات إلخ. فمن ذلك لدينا مثلاً الاحتفال بمولد الإمام علي (عليه السلام)، ومن المناسبات لدينا المأتم Matemi الذي ينظم في الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم في ذكرى شهداء كربلاء. وقد أصبحت لهذه المناسبة تقاليدها الخاصة في أوساط الألبانيين البكتاشيين. ففي خلال هذه الأيام العشرة لا يشربون الماء، كمعايشة للعطش الذي حل بأبطال كربلاء. كما يتخلى الألبانيون فيها عن الفخفخة ويذهبون للتكية لاستذكار أيام كربلاء، حيث يرددون في الطريق: يا إمام! يا أمام!.
ولكن في هذه الأيام العشرة لا يسترجع فيها ذكر كربلاء فقط، بل الحوادث والتضحيات الأخرى لبعض الأنبياء والأئمة أيضاً. وقد جرت العادة على تقسيم هذه الأيام العشرة، بحيث تخصص كل ليلة لذكرى خاصة:
1 ـ في الليلة الأولى تسترجع فيها معاناة بعض الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وأخيراً المسيح.
2 ـ في الليلة الثانية تسترجع ذكر النبي محمد (ص) وما عاناه مع قومه.
3 ـ الليلة الثالثة تخصص لذكرى الإمام علي الذي سقط شهيداً في سبيل العدالة.
4 ـ في الليلة الرابعة تفتح سيرة الإمام الحسن، الذي توفي مسموماً بتدبير مؤامرة.
5 ـ الليلة الخامسة تخصص لسيرة الإمام الحسين.
6 ـ في الليلة السادسة تسترجع فيها ذكرى هجرة الإمام الحسين من المدينة إلى مكة.
7 ـ الليلة السابعة تخصص لذكرى مسلم بن عقيل، الذي ذهب مبعوثاً عن الحسين إلى أهل الكوفة، حيث استشهد هناك.
8 ـ في الليلة الثامنة تسترجع فيها ذكرى انطلاقة الحسين باتجاه الكوفة.
9 ـ الليلة التاسعة تخصص لذكرى وصول الإمام الحسين إلى ضواحي الكوفة، حيث يستلم رسالة مسلم الذي ينصحه بعدم القدوم.
10 ـ الليلة العاشرة تترك أخيراً لذكرى موقعة كربلاء.
ومع انتهاء المأتم يحضر ويقدم في التكية طبق من الحلوى يسمى عاشوراء Hashoreja الذي يحضر سنوياً في هذه المناسبة. وقد تحضر هذه الحلوى عادة باحتفال ديني، حيث تنشد فيه المرثيات Merthije للإمام الحسين. وبعد انتهاء هذا الاحتفال، الذي يتلوه دعاء ديني في جو مطبق من الحداد، يقبل المشاركون على أكل حلوى عاشوراء. وفي هذه الليالي العشر، يتم استرجاع الذكرى بالأحاديث التي تستند إلى الروايات التاريخية المختلفة حول هذه الموقعة، كما تنشد فيه القصائد الحسينية. ومن الواضح أنه لهذه الحاجة قد وضعت في القرن التاسع عشر ملحمة «الحديقة» لداليب فراشري Dalip Frasgeri وترجمت في الوقت نفسه تقريباً «مختار نامة» من قبل شاهين فراشري فقد كانت تنشد منها القصائد في المناسبات الخاصة في التكايا، ومن ذلك مناسبة كربلاء. وقد سمع هذه القصائد من هاتين الملحمتين، الشاعر الألباني نعيم فراشري في طفولته، حيث كان يعرفهما جيداً. ومما لا شك فيه أن هذا قد دفع نعيم إلى التفكير في تأليف ملحمة أكثر أصالة للألبانيين في هذه المناسبات. وفعلاً عكف الشاعر ما بين سنوات 1892 ـ 1895م على كتابة ملحمة «كربلاء».
وقبل أن نبدأ باستعراض هذه الملحمة التي تعد من روائع الأدب الألباني، نقدم ترجمة موجزة لصاحبها الشاعر والأديب الألباني الكبير نعيم فراشري (1846 ـ 1900) الذي يعتبر شاعر النهضة القومية الألبانية (1850 ـ 1912) ومن أكبر الشعراء الألبانيين على الإطلاق.
ولد في قرية فراشر (جنوب ألبانيا) حيث تلقى دروسه الأولى وواظب على تعلم اللغة الفارسية وآدابها في التكية البكتاشية، التي كانت من أهم التكايا البكتاشية في البلاد. في 1865 انتقلت أسرته إلى يانينا حيث أنهى هناك مدرسة «زوسيما» المعروفة، وأجاد في مقتبل شبابه اللغات الكلاسيكية (اليونانية، العربية، التركية، الفارسية إلخ) بالإضافة طبعاً إلى لغته الأم: الألبانية. بدأ نعيم في 1870 عمله الوظيفي البسيط وتنقل في عدة أماكن.
بدأ نعيم في ذلك الوقت اهتمامه بالشعر الألباني المتأثر بالشرق وباللغة الفارسية بشكل خاص. وهكذا فقد نشر سنة 1871 أول كتاب له في اللغة التركية بعنوان «قواعد اللغة الفارسية على الطريقة الجديدة» الذي طبع ثانية سنة 1887، ثم تحول لكتابة الشعر بالفارسية حيث أجاد كثيراً ونشر سنة 1885 أول ديوان له في هذه اللغة بعنوان «تخيلات».
ولكن تحت تأثير أحداث عصره الحاسمة على مصير بلاده (رابطة بريزرن (1878 ـ 1881) اتجه نعيم للكتابة في الألبانية بنفس قومي جديد. وهكذا أصدر سنة 1886 ديوانه الأول «الماشية والزراعة» ثم عدة كتب للأطفال، بينما أصدر لاحقاً أهم كتبه (أزهار الصيف، الكلمة الطائرة،… إلخ) وختم إبداعاته بالملحمتين العظيمتين «إسكندر بك» و«كربلاء».
توفي سنة 1900 في استنبول متأثراً بالسل ونقلت رفاته بعد ذلك إلى مسقط رأسه في ألبانيا.
وقد طبعت الملحمة عام 1898 ثم أعيد نشرها ضمن أعماله الكاملة عام 1978 في مدينة بريشتينا Prishtine في يوغسلافيا (في مؤسسة Biblioteka Rilindja) في 291 صفحة من القطع المتوسط وتحتوي على عشرة آلاف بيت من الشعر، وتعتبر هذه الملحمة من أفضل الإبداعات، لا في شعر نعيم فحسب، بل في الأدب البكتاشي بشكل عام.
وقد قسم نعيم ملحمته إلى خمسة وعشرين فصلاً مرقمة، دون عناوين، بحيث يتناول كل فصل حادثة أو أكثر.
في الفصل الأول يتحدث نعيم عن العرب قبل الإسلام، عن ظهور النبي محمد ومقاومة الوثنيين له وعن كفاح النبي حتى هجرته إلى المدينة وانتصار الإسلام. كما يتحدث في هذا الفصل عن وفاة النبي، وعن صراع السقيفة، والمشاكل التي أعقبت الخلافة حتى اغتيال عثمان بن عفان.
ويخصص نعيم الفصل الثاني عن مبايعة المسلمين للإمام علي (عليه السلام) وعن عهده، فيتحدث عن كفاحه في سبيل العدالة الاجتماعية.
أمّا الفصل الثالث يتناول فيه نعيم المشاكل التي أعقبت مبايعة الإمام علي، عن الصراع الذي وصل إلى موقعة الجمل. ويبدو الإمام علي في هذا الفصل في موقف دفع إليه دفعاً، بحيث لا يستطيع إلاّ الدفاع عن نفسه، ولذا يوصي أصحابه قبل الدخول في المعركة؛
كلنا أخوة
لكن الشيطان دخل بيننا
ليعبث بالفقراء!
لذا لا تشهروا السيوف لتقتلوا
بل عن أنفسكم لتدافعوا
وإلا فسوف تندمون
فهؤلاء هم أخوتنا
فهل يقتل الأخ أخاه؟
وفي الفصل الرابع يتحدث نعيم عن المشاكل الأخرى التي حلت بالأمة، عن النزاع بين علي ومعاوية وإلى ما أدى إليه من اقتتال بالسلاح في معركة صفين. وهنا يتحدث نعيم عن الاستعداد للمعركة عن نجاح أصحاب علي في اختيار المكان المناسب. حيث بقي جنود معاوية دون ماء، فاضطروا بعد أن كاد يقضي عليهم العطش أن يطلبوا بعض الماء. وهنا يبرز نعيم إنسانية الإمام علي، على عكس ما حدث مع الحسين وأصحابه في كربلاء:
لن نترككم دون ماء فالماء لله وليس للناس.
وفي هذا الفصل، كما في بقية الملحمة، بعض المبالغات التي ساق إليها الشاعر جو الملحمة. فمعركة صفين دامت فترة معروفة، إلاَّ أنها عند نعيم أطول من ذلك بكثير:
أربعة أشهر بقي فيها الجنود
يتقاتلون ليلاً ونهاراً دون انقطاع!
أوقف الحرب علي
وتشاور مع كبار أصحابه
فذهبوا وقالوا لمعاوية:
ماذا تطلب أنت؟
طالما أن علياً على قيد الحياة
فعد إلى صوابك
ولا تترك الناس تقتل هكذا!
وفي الفصل الخامس يتحدث نعيم عن بطولات الإمام علي في هذه الموقعة، عن حصانه الدُلدُل وعن سيفه «ذو الفقار». ومن المعروف أن هذه هي البغلة البيضاء التي كانت لمحمد (ص)، لكنها بقيت حية عند البكتاشيين، حيث آلت إلى الإمام علي الذي خاض غمار المعارك بها وفي هذه المعركة يحاول علي، بطريقة أو بأخرى، وقف إراقة الدماء:
اقترب علي وقال:
قولوا له ليخرج
لأقول له عدة كلمات،
أين هو أبن أبي سفيان
الذي يطلب دم عثمان؟
اخرج يا معاوية! اخرج!
فأنا لن أشهر السيف في وجه أحد
لنتبارز معاً
ولننقذ الناس
الذين لا ذنب لهم.
إلاّ أن معاوية لم يجب، وهكذا استمرت المعركة. وبعد هذا يتحدث نعيم عن هزيمة جنود معاوية ولجوئهم إلى الحيلة برفع القرآن، وما أعقب ذلك من توسيط أبي موسى الأشعري وخداع عمرو بن العاص له… إلخ.
وفيما بعد، في الفصل السادس يتحدث نعيم عن اغتيال الإمام علي من قبل ابن ملجم، الشيء الذي يربطه نعيم بـ«اصبع معاوية» الذي يراه وراء هذا الاغتيال. كما يتحدث عن نقل جثمان الإمام علي إلى النجف حيث واراه أصحابه، لكن:
هو ما زال حياً إلى اليوم للمشتاق إليه.
كما يتحدث نعيم عن مبايعة أصحابه للإمام الحسن من بعده. إلاّ أنه سرعان ما يتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة، حيث ينهال عليه أحدهم طعناً بالسكين. وفي هذه اللحظة يعرف نعيم كيف يبرز الإمام:
انهال عليه طعناً
بكل ما استطاع من قوة
تراخى الإمام وقال:
لا تمسوه، لا تقتلوه
لكن أصحابه ما سمعوه
بل أجهزوا عليه
ومع أن الإمام شفي من جراحه، إلاّ أنه سرعان ما تعرض لمحاولات أخرى لقتله عن طريق السم حتى فشلت فيه أربعون محاولة كما يقول نعيم. إلاّ أن المحاولة الأخيرة كما يقول نجحت، وهنا يرى نعيم أيضاً «أصبع معاوية» وراء هذه المحاولة. وبهذا يقر نعيم بانتصار معاوية ولكن أي انتصار:
دخل السرور إلى قلبه
وما عاد الآن
يطلب دم عثمان
بل ما عاد يذكره على لسانه
في الفصل السابع يتحدث نعيم عن محاولات معاوية لتأمين البيعة والخلافة لابنه يزيد من بعده، حيث ينجح في ذلك رغم المعارضة التي لقيها. ونتيجة لموقف الحسين المعارض يتعرض لمحاولة اغتيال، إلاّ أنه ينجو منها، ويفر من المدينة إلى مكة. وهناك تصل إليه رسالة أهل الكوفة الذين يطلبون منه القدوم:
نطلب العفو منك
على ما بدر منا
فقد عرفنا الآن ما يزيد
وما رجاله وحاشيته.
نحن الآن نبايعك
وكلنا رغبة في مشاهدتك
لكن أصحابه نصحوه ورجوه إلاّ يقبل، ولكنه يقبل أخيراً بإرسال مسلم بن عقيل مع ولديه إبراهيم والمختار، هنا يستقبل مسلم خير استقبال ويكتب رسالة مستعجلة للحسين يطالبه فيها بالقدوم، لكن أصحابه يلحون عليه بالرفض. وكان يعرف ما سيحدث ولكنه مضطر إلى الذهاب:
الإمام كان عارفاً بالأمر
لكنه كان في حيرة
فهم لن يتركوه بمكة
والعدو يلاحقه
كان عليه أن يترك مكة
ويذهب للكوفة
مع أن أصحابه ضد رأيه
ومن ناحية أخرى تكون الفاجعة قد حلت في الكوفة، في مسلم بن عقيل، فبعد أن اجتمع حوله عشرون ألف مسلح على مبايعة الحسين، وجد نفسه وحيداً في البيت الذي حوصر فيه، فأرسل وراء أولئك الذين بايعوا الحسين:
بعث خبراً إلى أصحابه:
ليخرج من به شجاعة!
ولكن من عشرين ألف محارب
لم يخرج أحد
بل تركوه وخذلوه
ويخصص نعيم الفصل الثامن للمواجهة بين جنود عبيدالله بن زياد وابن عقيل. فمع الخيبة التي أصيب بها مسلم لم يقبل بالاستسلام، بل صمم على مواجهة هؤلاء الجنود:
شهر مسلم سلاحه
وأخذ يضرب به
ولم يعد ينظر أين ومن يضرب!
قتل نحو مئتين
وأرغم الآخرين على الرجوع
لكن عددهم كان في ازدياد
فعادوا وحاصروه
رموه بالحجارة والسهام
وهجموا عليه بالسيوف
أصابوا رأسه
حطموا كتفيه
مزّقوا صدره
وأوقعوه عدة مرات
لكنه استند إلى الجدار
كل جرح فيه تحول إلى عين
من نزيف الدم
لكنه بقي مستنداً إلى الجدار
وعاد الأعداء يحاصرونه
وبكل ما لديهم يضربونه
صمد مسلم هناك
طلب منهم جرعة ماء
لكنهم رفضوا
بل شددوا عليه الحصار
في تلك اللحظة
جاءت له عجوز بكأس ماء
فتقدم مسلم ليشرب
لكنه ما استطاع من نزيف جراحه
في الفصل التاسع يتحدث نعيم عن تقدم الإمام الحسين نحو الكوفة، حيث يبدأ تأزم الموقف. في الطريق يلقاه الشاعر الفرزدق يرجوه أن يقلع عن فكرته وأن يعود من حيث أتى. إلاّ أن الإمام يصر على متابعة سيره باتجاه الكوفة. في الطريق يصل إلى الجماعة المحيطة به خبر مقتل مسلم بن عقيل مع ولديه فتنهار أعصاب الكثير منهم، ويهرب أكثرهم تاركين الإمام في حفنة من أصحابه:
قال الإمام: اذهبوا!
لا أريد أن تبقوا
ليبق معي
من يرغب في الموت فقط!
وتتابع الجماعة المسير، الحسين مع قلة مخلصة من أصحابه، إلى أن يعترض طريقها الحر بن يزيد التميمي على رأس قوة من ألف فارس. وهنا يستغل نعيم الموقف ليقدم لحظة مؤثرة من حوار الاثنين:
قال الإمام: قل لي
هل جئت لتحاربني
أو لتساعدني؟
هبط الحر ليقبل قدمه
وأجاب: أنا من الأصحاب
أنا أؤمن بالله
ولذا أرجوك أن تعود
دع الكوفة
وعد ثانية إلى مكة
وأمام هذا الرجاء يزداد الإمام إصراراً على متابعة سيره:
لن أعود، لأنني بعودتي
سيسخر العالم مني
لن أعود أبداً للوراء
بل سأموت هنا كرجل!
فأنا أسعى في سبيل الحق
وأحترق في سبيل الحقيقة
لإنقاذ الإنسانية!
الموت يبدو أمام أعيننا
فنحن لسنا خالدين في هذه الحياة
أفلن نموت مرة
فلِمَ نبقى إذن على قيد الحياة
في هذا المساء؟
وهنا نجد الحر يقتنع بما يقوله الإمام، ولكنه يحاول بدوره أن يقنع الإمام بضرورة عودته:
قال الحر: ما تقوله هو الحقيقة
لكن ما بقي شيء في الحياة
فهم لا يعرفون الحق
ولا ينظرون إلى الحقيقة
في الفصل العاشر يتحدث نعيم عن اللحظات الأولى من وصول الإمام إلى كربلاء، وعن الاحتكاك الأول مع رجال ابن زياد. الإمام يطلب منهم أن يسمحوا له بالعودة من حيث أتى، وأن يتركوه حراً في شؤونه، هؤلاء يوافقون بشرط أن يبايع يزيد، الشيء الذي كان يرفضه الإمام بقوة وإصرار. وعندما يسمع ابن زياد بالكوفة بموقف الإمام يطلب من رجاله أن يشددوا الحصار على الإمام وأصحابه، وأن يقطعوا عنهم ماء الفرات. وهنا تبدأ المعاناة من العطش وتصبح اللحظات بطيئة للغاية أمام هذا التأزم الجديد:
استسلم الإمام للنعاس
فرأى الله في نومه
محمداً وعليّاً
وأمه فاطمة
مع أخيه الحسن
رأى كل من في تلك الحياة
رأى عرش الله
رأى الملائكة وهم يبكون
وقال له كل من كان هناك:
نحن في انتظارك!
ومع صحوة الإمام، بدا أن الاشتباك لا مهرب منه. إلاّ أن الإمام كان يجد من يعزيه في هذه اللحظة.
فقد كان أصحابه يزدادون حماسة:
نريد أن نموت معك
لا أن نبقى من بعدك
في الفصل الحادي عشر يقترب بنا نعيم من اللحظات الأخيرة التي سبقت الاشتباك. ففي هذه اللحظات يجري الحوار الأخير بين الإمام وعمر بن سعد:
أنا للموت سائر
لكن قضيتي لن تموت
فالعالم لن ينسى
بل سيطالب بدمي هذا
ويصر عمر على ضرورة مبايعة الإمام ليزيد، لكن هذا لا يزيد الإمام إلاّ إصراراً على معارضته. وبعد انقطاع هذا الحوار يبدأ حوار القوة بين الطرفين. ولكن في هذه اللحظات ينتقل نعيم إلى الطرف الآخر، لينقل لنا مشهداً يعبر عن التناقضات فيه، فهو حوار بين الحر بن يزيد وعمر بن سعد:
من سنحارب،
الله العظيم الذي نؤمن به!
فكيف سنعيش في هذه الحياة
أمام الله الحق؟
قال الحر هذه الكلمات
وفاضت عيناه بالدموع
وفعلاً في لحظة مؤثرة، ترك الحر بن يزيد جيش عمر بن سعد، لينضم إلى أصحاب الإمام الحسين، حيث قاتل معه قتال الأبطال:
كان سيفه يقطر دماً
ولم يعد في استطاعة أحد أن يصمد أمامه
لكن واحداً منهم رمى بسهمه
فأصاب حصانه
سقط الحر
ولكنه سرعان ما نهض واقفاً
صارخاً: لا أريد حياة بل استشهاداً!
فأرسل الإمام رجلاً
ليرسل للحر حصاناً
ركب الحصان
وعاد ثانية للقتال
قتل وأطاح بالأعناق
حتى سال الدم بين الأقدام
فصرخ شمر بالجيش:
ما لكم، أين تهربون،
أتخافون هكذا من رجل واحد؟
فتجمع الجنود ثانية
وألقوا بأنفسهم على الحر
رموه كلهم بالسهام
فأصابوه بجروح كثيرة
حتى أنه غرق في دمائه
عاد إلى الإمام
فأنزله بنفسه من على حصانه
وبين يديه
عاد الحر إلى ربه!
في الفصل الثاني عشر يتابع نعيم عرض المعركة، مفصلاً في تصوير التضحيات العظيمة التي يقدمها أصحاب الحسين في سبيل إمامهم، الذي يمثل لنعيم الحق والخير في وجه الشر. وهنا يخرج نعيم قليلاً عن الأحداث ليأخذ رمزها:
أحداث كربلاء
تحلي قلوبنا
وتجمل ذواتنا
وتمجد ذواتنا
فالقلب الذي ما بكى
وما عرف من الأحزان
لا يعرف الإنسانية أبداً
ونعيم يلتفت إلى الألبانيين، في نهاية هذا الفصل، ليخاطبهم باسمهم وليطالبهم بتذكر هذا اليوم:
يا أيها الألبان، اذرفوا الدموع
أنتم يا من تؤمنون بعلي
يا من تؤمنون بالإنسان
يا من تحبون الإمام الحسين
والأم فاطمة
والأئمة الاثني عشر
الذي عانوا في سبيلنا
تذكروا ذلك اليوم
تذكروا كربلاء
وما حدث بها
في الفصل الثالث عشر، حين يشتد وطيس المعركة، يحدثنا نعيم عن بطولات بعض شهداء المعركة الذين استبسلوا حتى اللحظة الأخيرة في الدفاع عن إمامهم، من هؤلاء يحدثنا عن عبدالله بن مسلم وعن محمد حفيد جعفر الطيار، حيث يذكرنا ببطولة جده بدفاعه عن الراية بكل أعضائه. هنا يبرز محمد، حيث يصوره نعيم كباعث لذكرى جده ولبطولاته في هذه الموقعة، فيستشهد بعد كفاح مرير. وبعد هؤلاء يأتي دور أبناء الإمام الحسن:
خرج أولاً عبدالله
تاركاً النساء في بكاء
فصعد حصانه ومضى
وعندما صهل
أثار غبار الأرض من حوله
ومن أولئك القوم
تمكن سيفه من ستة وثلاثين
بقوا مطروحين على الأرض
فلم تبق جرأة لدى أي امرىء
ليخرج أمامه للقتال
بل تركوه وحيداً في الميدان
فسمع صوت من بينهم:
اتركوه وحيداً هناك
فسوف يتمكن منه العطش ويموت
وفي مشكلة العطش يروي نعيم مشاهد فاجعة في الفصل الرابع عشر. فالعطش أصبح سلاحاً لا يقاوم في وجه الحسين وأصحابه. فالماء أمامهم والعدو يحاصرهم والشمس اللاهبة من فوقهم، وليس لهم إلاّ الشهادة أو الاستسلام. ومع ذلك فالكبار كانوا يتحملون هذا العطش للحظات أخرى، ولكن ما شأن الأطفال:
اسمعوا يا سادة!
تتقاتلون معنا، مع الرجال
ولكن ما لكم مع الأطفال
لماذا لا تسمحون لهم بشرب الماء!
ولما رأى العباس أن هؤلاء لا يزدادون إلاّ إصراراً على حصارهم ومضايقتهم بسلاح العطش، توجه بجواده صوب الفرات مخترقاً الحصار:
نزل في الماء بكل عطشه
أراد أن يسقي حصانه
وأن يشرب بنفسه
تذكر أصحابه العطاشى فملأ القربة وكر عائداً
لكن الأعداء قطعوا طريقه
وأمطروه بمئات السهام
كانوا كثرة كثيرة
فمن يقتل منهم ليقتل؟
قتل وجرح منهم ما استطاع
ولكنه جرح في النهاية
قطعوا له أطرافه
فحمل القربة في فمه
ولكز الجواد بقدمه
كما فعل في الماضي
عمه جعفر الطيار
لكن سهماً لعيناً
اخترق القربة
فسال منها الماء
حتى لم يبق فيها قطرة
فأصيب بالخيبة
وسط جيش الكافرين
كان الماء يسيل منه
مع الدمع والدم!
وفي الفصل الخامس عشر يصور لنا نعيم بطولات عظيمة من معركة كربلاء. يتحدث أولاً عن علي الأكبر، الذي «حول باستشهاده النهار إلى ليل». وقد أثار استشهاده حماسة زين العابدين، الذي كان مريضاً، فتمالك نفسه وخرج يريد الحسين ليستأذنه في الخروج للقتال إلاّ أن الحسين يعارضه في ذلك ويقنعه بالبقاء من خلال فلسفة الحياة والموت قال الحسين:
البطل لا تهزمه المعاناة
أولئك ذهبوا إلى تلك الحياة
لدى الله الحق
حيث اجتمعوا مع الله
ومع محمد وعلي
ومع الأم فاطمة والحسن
هذه الحياة مثلها مثل النعاس
فالروح تصحو بعد الموت
والإنسان الحقيقي
لا يموت أبداً في هذه الحياة
فاليوم غير مكتوب لك
من الله العظيم
فبعدنا سيأتي دورك وتلحق بنا
حيث تجدنا في تلك الحياة
فالموت غير مكتوب لك اليوم
بل لقد ترك لك ليوم آخر
فقد كتب لسلالتنا البقاء
في الفصل السادس عشر يتحدث نعيم عن الإمام الحسين حديثاً مطولاً فبعد أن رأى الإمام أن الدائرة تضيق حوله صمم على الخروج، حيث أراد أن يتوجه بكلمة أخيرة إلى أعدائه. وفي هذه الكلمة الأخيرة يعبر نعيم عن كل شيء في نفسية الإمام:
لا يسوؤني ما جرى لنا
لأن هذا ما كتبه الله
بل يسوؤني ما جرى للوطن
للعهد والدين
والإنسانية
ما أردت في حياتي
أن أقاتل الناس
ما أردت أن أحمل وزر ذبابة
لأقتلها
فكيف أقتل الناس
هذه المجزرة لن تنسى أبداً
بل ستُذكر دائماً
ستبقى في ذاكرة العالم
ما دامت هذه الحياة
ستندمون كثيراً
وستجلبون العار لكم
فالنار التي أشعلتم لن تخبو
بل ستبقى
وسينتقل ذكرها من جيل إلى جيل
لا تتركوني حياً
فأنا لن أعيش بعد الآن
ارموا، ارموا بسهامكم
فقد قتلتم أصحابي كافة
وتركتموني وحيداً
لن أعود دون أصحابي
بل سأموت هنا
قد كان لهذه الكلمة، عند نعيم، تأثير كبير في جيش أعداء الحسين، فقد صدمتهم الحقيقة التي بدت واضحة من كلمة الإمام، إلاّ أن شمر عاود تحريضهم وترهيبهم ليعاودوا الهجوم على الإمام. وهنا يلجأ نعيم إلى الاستعانة بالله في المعمعة لإنقاذ الحسين:
السهام أصبحت كشبكة من كثرتها
فوق رأس الحسين
فقد حجبت الشمس بكثافتها
وظللت المكان بظلها
ولكن الله مد يده
فلم يمس واحد منها جسم الإمام
والفصل التالي، السابع عشر، هو ذروة الملحمة، فهو للحسين بكامله. ففيه يحدثنا نعيم عن فراق الحسين لنسائه وأولاده. وبعد هذا ينتقل نعيم إلى هجوم الحسين على أعدائه، مما حوّل كربلاء إلى بحر من الدماء:
كان بإمكانه أن ينال الجميع
لكنه كان يتلظى دون ماء
اقترب من النهر
توقف قليلاً وتفكر
تذكر أصحابه
فانهمرت دموعه.
وعاد الحسين ليحارب ببطولة حتى بلغت جروحه سبعين جرحاً إلاّ أن هذا لم يمنعه من متابعة هجومه على أعدائه، الذي سيطر عليهم العرب:
انهمرت السهام عليه كالمطر
كانوا يرمونه من بعيد
فما كانوا ليجرأوا على الاقتراب منه
غير أن محاولة الحسين كانت تزداد صعوبة، بتكاثر الأعداء عليه وازدياد جروحه: بلغت جروحه الآلاف.
التي تسيل منها الدماء
لكنه لم يستسلم
بل بقي صامداً وسط الميدان
وفي هذه الحالة أطبق عليه المزيد من جنود العدو، وبقي الحسين صامداً لفترة أخرى حتى نفدت قوته فسقط شهيداً:
سقط عمود الإنسانية
نور الله
فاهتزت سهول كربلاء
وأظلمت السماء
اهتزت كل الأرض
لدى سقوط الإمام
في الفصل الثامن عشر يتحدث نعيم عن موقعة كربلاء بعد سقوط الحسين، فيرى أن هذه الموقعة ليست هزيمة للحسين، كما ادعى ويدّعي أعداؤه، بل هي على العكس من ذلك:
هؤلاء الأعداء
لا يعرفون بأن أسيادنا
الذين سقطوا شهداء
قد عظّموا كربلاء
فهناك، حيث قتل سيدنا
تأتي اليوم الإنسانية
لتصلي عند أقدامه
وهنا يلتفت نعيم ليخاطب الألبانيين باسمهم:
أيها الأخوة الألبان
تذكروا باكين
واعلنوا الحداد في هذا اليوم
تذكروا كربلاء
وما حل بأسيادنا
وفيما بعد يحدثنا نعيم عن اصطحاب الجيش لمن بقي حياً من أهل البيت، ومنهم زين العابدين، إلى الكوفة. ويبرز لنا نعيم في هذا الفصل دخول من تبقى من الجماعة، على تلك الحالة البائسة، شوارع الكوفة حتى وصولهم ووقوفهم أمام عبيد الله بن زياد، الذي يغضب لرؤية زين العابدين على قيد الحياة:
أنت يا ولد! أين كنت.
لماذا لم يقتلوك في كربلاء،
لماذا تركوك حياً؟
لماذا تسألني أنا؟
لقد طلبت الموت
فما أردت أن أعيش أكثر
لقد أراد الجنود أن يقتلوني
ولكن الله أنقذني
فيد الله
فوق أيادي الناس!
ها أنا هنا، لم لا تقتلوني؟
ألا يكفي أولئك الذين سقطوا شهداء
في كربلاء؟
بل يغضبك
لِمَ تركوني حياً!
وفي بداية الفصل التاسع عشر يحدثنا نعيم عن انتشار خبر فاجعة كربلاء في العالم وما ترك ذلك من أثر:
طار الخبر بسرعة
ليعم أرجاء الأرض
كأنه على جناح طير
فعلم الجميع
وبكت كل الإنسانية
هب كل الناس على أقدامهم
أرادوا أن يأكلوا بأسنانهم
طائفة يزيد
وبعد هذا يحدثنا نعيم عن وصول رأس الحسين إلى ديوان يزيد مع جنوده، وكيف نظر إليه ونكث ثغره بقضيب كان بيده. إلاّ أن هذا المشهد قد استثار حتى أولئك المحيطين بيزيد، ومن هؤلاء النمير:
بكى كثيراً وقال:
لماذا تركني الله
أعيش لأرى هذه السيئات؟
ورأى يزيد أنه بموقفه قد أثار سخط المحيطين به أيضاً، فيريد، كما يقول نعيم، أن يتصرف بشكل ما ليلقي مسؤولية هذه الجريمة على غيره:
أراد أن يغطي ذنبه
فما استطاع قتل النمير
بل قتل البشير
لأنه أفسد عمله
وجلب الخطر حول رأسه!
ومع ذلك فيزيد، كما يقول نعيم، لم يفلت من العقاب الذي يستحقه، وقد جاءه هذا العقاب في حياته قبل مماته:
هبَّ كل الناس
كبيرهم وصغيرهم
ليطالبوا بدم الحسين
فلما وصل هذا إلى سمع يزيد
سقط مريضاً
مات واستراحت منه الإنسانية
ذهب رأساً إلى جهنم
ليبقى فيها مخلداً
وكما هو معروف، فقد جاء بعد يزيد معاوية الثاني إلاّ أنه كان لا مبالياً بالسلطة ففضل أن يتركها. وهنا يستغل نعيم رفض معاوية الثاني للعرش ليحوله إلى رفض سياسي، بل إلى محاكمة سياسية:
اسمعوا ما أقوله:
ابحثوا عن ملك آخر
فأنا لن أبقى
في عرض دموي
فاسد وملعون
فأبي وجدي
كانا طويلي الأيدي
قتلا عليّاً والحسين
وأولاد فاطمة
فهذا العرش ملعون
لأنه أقيم فوق نهر من الدم
فما فعلاه هما لن أفعله أنا
ولكي يكمل نعيم صورة هذا الرفض الواعي لمعاوية الثاني يضيف بأنه قد اغتيل اغتيالاً ولم يمت موتاً طبيعياً وذلك نتيجة لمواقفه الفاضحة للعرش الأموي.
وفي الفصلين اللاحقين، العشرين والواحد والعشرين، يتحدث نعيم عن تتابع بقية الأئمة حتى آخر العهد الأموي. أمّا في الفصلين الآخرين، الثاني والعشرين والثالث والعشرين، فيتحدث عن إسقاط الحكم الأموي عن طريق الجيوش التي تدفقت من الشرق تحت شعار الدعوة لعلي ولأهل البيت. وفي الفصل قبل الأخير، الرابع والعشرين، يتحدث نعيم عن استصفاء العباسيين للسلطة في بغداد، التي أصبحت باسمهم، وينتقدهم لعودتهم إلى سلوك العهد الأموي. وفي هذا الفصل يتحدث نعيم عن تسميم الأئمة من بعد الحسين الواحد بعد الآخر، حتى غيبة الإمام محمد المهدي:
الملائكة رفعت بأجنحتها
الإمام المهدي
انتشلوه من بين الناس
ورفعوه عند الله
حيث لا يزال على قيد الحياة
والفصل الأخير في هذه الملحمة الخامسة والعشرون، يتميز عن كل الفصول الأخرى ففي هذا الفصل يعرض نعيم رؤى شعرية لبعض القضايا والمفاهيم، التي تحمل قيمة خاصة من حيث إنها تحمل أحياناً روح نعيم المتميزة. فمن ذلك مثلاً رؤية نعيم الله:
والله الحق
وكل ما له في الحياة
هي لدى الإنسان
فلا تبحث عنها في مكان آخر
ومن ذلك أيضاً ما يراه نعيم عن العبادة ومفهومها، حيث يؤكد أكثر من مرة على مفهومه الإنساني للعبادة أو على مضمونها الإنساني:
العبادة هي الإنسانية لدينا
هي الصراحة وحب الخير
فمن يحب الإنسان
يكون قد أحب الله
وبالروح نفسها يعبر نعيم عن مقولته الأساسية:
لا يؤمن بالله
من لا يحب الإنسانية
وفي نهاية هذا الفصل يؤكد نعيم على المضمون المترابط الإنساني القومي للدين، حتى أنه ليبدو أن هدف كل هذه الملحمة هي ما يريد أن يبثه نعيم من شعور قومي في نفوس الألبانيين بالذات. فهو في ذلك يريد أن يحررهم من عقدة الدين ـ القومية، أي بمعنى أن الشعر القومي لا يتناقض مع الدين:
لنحب بني الإنسان
لنحب ألبانيا والألبانيين
لنحب لغتنا ووطننا
لنتعلم لغتنا
فالله قد منحنا إياها
ولكل قوم وطنه
كما للعصفور عشه
تكلموا بلغتكم
لا بلغات أجنبية
فلم تضغطون عليّ
لتعلموني لغة أخرى
لأنسى لغتي؟
ولا شك أن الشاعر نعيم في هذه الأبيات، وغيرها من إبداعاته وكتاباته، قد مارس تأثيراً كبيراً في نفوس الألبانيين. فالسلطة التركية قد استعلمت بنجاح عامل الدين في المناطق الألبانية، بحيث أن كلمة «تركي» التي أصبحت مرادفة لمسلم، قد أصبحت تطلق على الألبانيين، وبالتالي لم يعد هناك وجود لألبانيين أو للغة ألبانية في نظر السلطة التركية. فهذه السلطة كانت تكافح بعنف كل محاولة للاستقلال تنبع من الشعور القومي الألباني، الذي أصبح مصادراً ومعادياً للدين. لكن «نعيم» يطرح كما نرى هنا الأمور من منطق ديني معاكس. فلدى نعيم لا يوجد تناقض في جوهر الدين بين حب بني الإنسان وبين حب الألبانيين لأنفسهم، كما أن «لكل قوم وطنه كما للعصفور عشه» فبهذا المنطق فإن للألبانيين وطنهم كما للأتراك وطنهم، ومن حقهم التمتع به. وبالمنطق نفسه يعالج نعيم مسألة اللغة: «لنتعلم لغتنا، فالله قد منحنا إياها»، حيث أنه بهذا يحول اللغة الألبانية إلى لغة «من عند الله» فمن حقه أن يحتج على تعليمه لغة أخرى «التركية» لكي لا ينسى لغته التي هي من عند الله.
وبهذه الروح القومية يختتم ملحمته، فهو يحاول أن يربط كربلاء بشكل ما بمصير ألبانيا والألبانيين. فهو يريد من الألباني أن يستلهم كربلاء لمصلحة وطنه وقوميته، «ليموت في سبيل وطنه كما مات المختار بن أبي عبيد الثقفي في سبيل الحسين»:
يا الله، لأجل كربلاء
لأجل الحسن والحسين
لأجل الأئمة الاثني عشر
الذين عانوا ما عانوه في الحياة
لا تترك ألبانيا
تسقط أو تدمر
بل لتبقى خالدة
وليكن لها ما تريد
ليبق الألباني بطلاً كما كان
ليحب ألبانيا
ليمت في سبيل وطنه
كما مات المختار في سبيل الحسين
ليشرّف ألبانيا
ومن هذه الناحية علينا أن نقيّم، في نظرتنا النهائية، هذه الملحمة. فنعيم، دون أي شك، قد ترك تأثيراً كبيراً في نفوس الألبانيين بهذه الروح القومية، التي عرف كيف يثير بها ذلك القارىء الذي لاحق بشوق أحداث الملحمة. فهذه الملحمة كتبت لتكون مثلاً أعلى للألبانيين، فقد كانت محفوظة في الأذهان حتى الآن، لتردد في أكثر من مناسبة، إضافة إلى أنها طبعت أكثر من مرة، وبهذا المعنى فإن هذه الملحمة لا تزال حية.
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن لواقعة كربلاء أثر كبير في الأدب الألباني وهناك الكثير من الشعراء الألبان الذين ساهموا في أدب الطف وكتبوا مطولات الشعر الحسيني لينشد في ذكرى عاشوراء ومنهم على سبيل الاستشهاد بابا سرسم علي الذي ولد في نهاية القرن 15 وتوصل إلى منصب الصدر الأعظم في زمن السلطان سليمان القانوني، واشاعر البابا كمال الدين شميمي وغيرهم من أعلام الألبان ممن تستحق أعمالهم دراسة مستقلة.
الدكتور محمد موفاكو
راجع: الكعبيات. وراجع: المهياريات
رجال ابن الغضائري
أبو الحسين أحمد بن حسين بن عبيدالله الغضائري من الرجال المشهورين في عالم التشيع، وهو عالم ومحدّث وأديب، وهو في علم الرجال متبحر متعمق، وهو مؤلف كتاب (الرجال). عاش في القرن الخامس الهجري، وهو منسوب إلى الغضائر، جمع غضارة. والغضارة هي الفخار أو الخزف المصنوع من الطين الحار، ولعل جدّه كان خزافاً. فيما اعتبر البعض أنها جمع غضيرة، وهي الأرض الزراعية النقية ذات المياه العذبة، ولعل مسكنه كان في مثل تلك الأرض، فنسب لها.
إنّ التاريخ الدقيق لولادته غير معروف، أمّا وفاته فاعتبرها البعض عام (435هـ) دون أي مصدر. بينما اعتبر آخرون أن تاريخ وفاته مقارن لوفاة والده (حسين) وهو عام (411هـ).
ومن كلام زميله في الدراسة (النجاشي) المتوفى عام (450هـ) يبدو أن ابن الغضائري توفي قبل النجاشي، بل حتى قبل تأليف كتب الرجال والفهرست للنجاشي والطوسي، أمّا الشيخ الطوسي فقد (توفي 460هـ) وهو يقول إن ابن الغضائري مات شاباً في الأربعين من عمره تقريباً، وأنه حسب الظاهر مات بعد وفاة والده بقليل.
لم يتحدث علماء الرجال عن ابن الغضائري بإطناب، وكذلك المترجمون من غير الشيعة أمّا (الذهبي) فإنه تحدث في (ميزان الاعتدال) و(سير أعلام النبلاء) عن عظمة شخصية والده (حسين الغضائري) ومكانته العلمية والاجتماعية عند الشيعة، واعتبره مرشداً للشيخ المفيد.
أمّا الحموي فقد اعتبره فناناً في الخط فقال: (كان خطه جميلاً جداً، بحيث كان ينافس فيه خط ابن مقلة).
أمّا النجاشي فقد تحدث عنه كثيراً، ومن ذلك ما أورده في ترجمة (محمد بن شيران) حيث يقول: (كنت أنا وهو [محمد بن شيران] نحضر عند أحمد بن حسين) ويتضح من هذا الكلام أنه كان أستاذاً للنجاشي أيضاً.
والشيخ الطوسي ذكر في مقدمة الفهرست أنه كان عظيماً، فيقول: (لم يوفق أحد من المفهرسين إلى جمع كامل إلاّ أبو حسين أحمد بن حسين بن عبيدالله (رحمه الله)، حيث ألّف كتابين أحدهما في المصنفات والآخر في الأصول. وقد بذل ما أمكنه وما تيسر له في المجالين، لكنه قبل أن يبلغ الأربعين ربيعاً توفي، ولم يقم أحد باستنساخ كتابيه المذكورين، وقد ذكر لي بعض أهله أن أولئك سعوا إلى إتلاف كتابيه وباقي آثاره العلمية.
والحسين بن داود الحلّي ذكر الغضائري في مقدمة كتاب الرجال، والعلامة الحلّي أيضاً ذكره عدة مرات في كتابه (خلاصة الأقوال) ونقل عنه.
وكتب الوحيد البهبهاني: يبدو أنه [ابن الغضائري] كان من جلّة المشايخ والثقات، ولا يحتاج إلى توثيق، وقد ذكره أساتذة فن الرجال بإجلال، وأخذوا بكلامه، وجعلوا كلامه في مصاف باقي الأجّلاء، ووصفوه أحياناً بالشيخ مما يدل على عظمة قدره وجلاله، وهم يترجمون عليه بعد ذكر اسمه، وعندما يقال بشكل مطلق (ابن الغضائري) فالمقصود هو.
وكتب الطريحي: (إن ابن الغضائري هو عنوان مشترك بين حسين الذي كان أستاذاً للشيخ الطوسي، وأحمد ابنه. وكلما روى الشيخ الطوسي ومعاصروه عن ابن الغضائري كان المراد هو حسين، وعندما يرد اسمه في بحث الجرح والتعديل فالمراد هو ابنه أحمد).
الشيخ الحر العاملي اعتبر في كتابه (أمل الآمل) ابن الغضائري من معاصري الشيخ الطوسي، وعدّه من ثقات العلامة الحلي.
والسيد محمد باقر الخوانساري أورد في بحث مطول له أن (ساحته الجليلة هي أشمخ من أن تطالها الظنون والأوهام، وحريم شخصيته لا يدركه فكري العليل، فهو في مرتبة عالية من العلم والدين، وفي مقام الأستذة الرفيع).
الشيخ آغا بزرگ الطهراني كتب أربعة أبحاث مهمة عنه.
وهناك بحث بين العلماء في مستوى توثيق ابن الغضائري وقبول كلامه، فكثيرون منهم يوثقونه لأنه كان أستاذاً للنجاشي، واعتبر آخرون أن نقل العلامة الحلي عنه هو نوع من توثيقه، ورأى غيرهم أنه ثقة لأن النجاشي نقل عنه مباشرة، والنجاشي لا ينقل عن الضعفاء دون واسطة، لكنه نقل عن ابن الغضائري مباشرة، كما أن الشيخ الطوسي تحدث عن منزلته العلمية بإجلال وإكبار وترحم عليه. ومن هذا وذاك يثبت حسن حال ابن الغضائري.
الشيخ محمد علي المدرس الخياباني عدّه من كبار وثقات مشايخ الشيعة في أوائل القرن الخامس الهجري معتمداً بذلك على تقييم القدماء له، وأن كلامه لا يحتاج إلى تعديل وتوثيق.
واعتبره صاحب (نخبة المقال) عادلاً دون أي شك، وقال فيه:
سبط عبيد الله بن حسين
وهو غض عدل بغير منِّ
وفي (نقد الرجال) جاء: (إن أحمد بن حسين هو مصنف كتاب الرجال، إنه لا يذكر إلاّ الضعفاء، والمقصود من ابن الغضائري هو، ولم أر في كتب الرجال جرحاً أو تعديلاً عليه).
أمّا الوحيد البهبهاني فإنه يخالف سابقه عند ترجمته لإبراهيم بن عمر الصنعاني فيقول: (لم يوثق أحمد بن حسين صراحة، ومع ذلك فإن أحداً لم يسلم من قدحه وجرحه، ولم يفلت ثقة من طعنه، فقد جرح برواة جليلين وثقات كبار لم يكونوا يستحقوا ذلك، وهذا يدل على أنه لم يكن مطلعاً على حال الرجال، أو أنه قد جرح في مواضع لا تستحق ذلك).
ونقل المحقق الميرداماد: (كان ابن الغضائري السبّاق عادة في تضعيف الرواة وجرحهم، وكان يسقط الراوي لأبسط الأسباب.
والمامقاني قال في (تنقيح المقال): إن جماعة من العلماء اعترفوا أنهم لم يعثروا على جرح أو تعديل على ابن الغضائري، ثم يقول:
1 ـ ليس هناك من يوهن توثيق ابن الغضائري.
2 ـ توثيقه من قبل من يكثر تجريحه يزيد من توثيقه.
وخلاصة الأمر فإن كل من يتتبع رجال العلامة والنجاشي يجد أنهما كانا يأخذان بكلام ابن الغضائري بالمطلق فضلاً عن كلامه عند ترجيحه وعند عدم وجود معارض له. وكل من يبحث في كلام ابن طاووس يجد أنه كان يثق بابن الغضائري، ويعتقد به.
تصانيفه:
الشيخ الطوسي ذكر لابن الغضائري كتابين فقط، وأشار إلى أن ورثته سعوا إلى محو آثاره العلمية كما ذكرنا من قبل.
أمّا النجاشي فإنه لا يذكر له كتباً، رغم أنه ينقل عنه الكثير، ولعل النجاشي سمع ذلك منه مشافهة، حيث يستبعد بقاء كتاب من كتبه، فهو لم يذكر له أي كتاب ضمن كتاب الرجال، وكذا الشيخ الطوسي لم يشر إلى آثاره العلمية في كتاب الفهرست. على أي حال فإن علماء الرجال والمترجمين سجلوا لابن الغضائري كتاباً في مجال علم الرجال بأسماء مختلفة.
السيد حسن الصدر ذكر في تأسيس الشيعة أسماء خمسة كتب بعناوين محددة، ونسبها جميعاً لابن الغضائري.
السيد محسن الأمين ذكر في (أعيان الشيعة) مؤلفات ابن الغضائري وهي: في الجرح، في الموثقين، في ذكر المصنفات، في ذكر الأصول، كتاب التاريخ.
وفيما يلي أسماء وصفات الكتب التي وردت في المصادر كمؤلفات علمية لابن الغضائري:
1 ـ كتاب الرجال: يحتمل أن يكون هذا الكتاب هو ما سمّي أحياناً بالضعفاء وأحياناً (في الجرح) وذكر في الذريعة تحت اسم (رجال ابن الغضائري) أو (رجال ابن الغضائري الضعفاء) المعبر عنه بالضعفاء أيضاً.
وعن كتاب الرجال هذا قال صاحب الذريعة: (بعد التتبع تبين لنا بأن أول من حصل على هذا الكتاب هو السيد ابن طاووس (ت673هـ) وقد أورده في كتابه تحت اسم (حل الإشكال). وكان كتاب ابن طاووس هذا بخط السيد نفسه موجوداً عند الشهيد الثاني، وانتقل منه إلى ابنه صاحب المعالم، وأعد منه كتاب (التحرير الطاووسي) حتى وصلت النسخة إلى يد (عبدالله التستري) ويبدو أنه كان يشرف على التلف، فقام بفصل كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري عنه، ورتبه بالترتيب الهجائي، ومن بعده قام تلميذه (عناية الله القهبائي) بضمه في مجمع الرجال).
المجلسي قال في بحار الأنوار: (إذا كان كتاب رجال ابن الغضائري من تصنيف حسين، فإنه كان من الرواة الثقات، وكان جليل القدر. أمّا إذا كان من ابنه أحمد ـ والظاهر أنه منه ـ فإني لا أثق بكتابه كثيراً، ذلك لأن الاعتماد على مثل هذا الكتاب يؤدي إلى رد كثير من الكتب المشهورة).
وذكر المجلسي في مكان آخر أنه يميل إلى أن كتاب الضعفاء من تأليف أحمد بن حسين، وليس من تأليف والده.
ونقل الميرداماد في الرواشح أن ابن الغضائري هو مؤلف كتاب الرجال. وقد نقل العلامة الحلي وابن داود في كتبهم عنه، واستندا إليه في جرح وتعديل الرواة، وأنه هو أبو حسين أحمد بن حسين بن عبيدالله.
مؤلف فهرست مكتبة السيد محمد مشكاة أجرى دراسة شاملة في صحة أو عدم صحة نسبة كتاب الرجال إلى ابن الغضائري.
وعلى أي حال فقد ذكر في الذريعة: يبدو أن مؤلف كتاب الضعفاء كان ممن يعادون أكابر الشيعة، ويريد أن ينال منهم بأي طريق أمكن، لهذا قام بإعداد هذا الكتاب، وأن هناك من أدرج كلام ابن الغضائري في طيات ذلك الكتاب، ليوصل بذلك متاعه الكاسد وكلامه الواهي إلى القراء، والله أعلم.
2 ـ كتاب الضعفاء: يحتمل أن يكون هذا الكتاب هو الكتاب المذكور آنفاً، وقد ورد بهذا الاسم في بعض المصادر.
3 ـ كتاب المذمومين: لعله اسم آخر لنفس الكتاب السابق.
4 ـ كتاب في الجرح: ذكر السيد محسن الأمين اسم هذا الكتاب في أعيان الشيعة ونسبه للغضائري، وبدورنا نحتمل أن يكون اسماً آخر لكتاب الرجال.
5 ـ كتاب في المصنفات: أشار الشيخ الطوسي في الفهرست إلى هذا الكتاب، واحتمل فقدانه، وقال غيره أن هذا الكتاب هو عين كتاب (المذمومين والضعفاء) اللذين ذكرناهما آنفاً.
6 ـ كتاب في الموثقين: أورد العلامة الحلي في خلاصة الأقوال عند ترجمته لعمر بن ثابت بن هرم: إنه ضعيف جداً، هذا ما قاله ابن الغضائري. وقال فيه كتابه الآخر: إن عمر بن أبي مقدام ثابت العجلي جرح لجهة، لكني لا أرى صحة ذلك، فهو رجل ثقة.
يستفاد من كلام العلامة هذا أنه كان لابن الغضائري كتابين في الرجال الأول حول الضعفاء والمذمومين، والثاني حول الممدوحين والثقات.
7 ـ كتاب في الأصول: الشيخ الطوسي أورد اسم هذا الكتاب في فهرسته، واحتمل تلفه. ولعله نفس كتاب الممدوحين والموثقين.
8 ـ كتاب التاريخ: صاحب الذريعة نسب إليه كتاباً باسم تاريخ ابن الغضائري، وقال: هو أبو الحسين أحمد بن حسين زميل النجاشي في الدرس، وتوفي في حياته، ووقعت بعض كتبه بيد النجاشي، ومنها كتاب التاريخ الذي تحدث عنه النجاشي.
وخلال ترجمته للبرقي قال: وقال أحمد بن حسين في تاريخه توفي أحمد بن أبي عبدالله البرقي سنة 274.
من كلام النجاشي هذا يعلم أنه كان لابن الغضائري كتاب في التاريخ، بقي من بعده، وانتقل إلى النجاشي، وهو غير الكتب التي حاول ورثته إتلافها. وهو مثل تاريخ ابن عقدة يشمل أسماء جميع الرواة وتواريخ وفياتهم.
وقد شكك المحقق الطهراني في المجلد التالي من الذريعة بصحة نسبة هذا الكتاب لابن الغضائري، واعتبر أن مثل هذا الاستنتاج من عبارة النجاشي هو خطأ. وخلاصة كلامه هو: بعد التدقيق تبين لنا أن كلام النجاشي لا يدل على وجود كتاب تاريخ لابن الغضائري، بل يحتمل أن يكون الضمير الوارد في كلمة (في تاريخه) عائد على وفاة البرقي، وليس على ابن الغضائري. فيصبح معنى الجملة هكذا (بالنسبة لتاريخ وفاة البرقي قال ابن الغضائري أنه كان عام 274).
نسخ كتاب الرجال:
يبدو أن الكتاب الوحيد الذي بقي عن ابن الغضائري هو كتاب الرجال الذي ذكر بأسماء متعددة. وقد بقي منه عدة نسخ منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو خطي:
والنسخ المطبوعة هي:
1 ـ أحد الكتب الخمسة التي طبعت مضمومة في (حل الإشكال) للسيد ابن طاووس.
2 ـ أحد الكتب الخمسة التي طبعت مضمومة في (مجمع الرجال) لعناية الله القهبائي.
3 ـ نسخة مطبوعة تحت عنوان (التحرير الطاووسي).
والنسخ الخطية هي:
1 ـ نسخة مهداة من مكتبة السيد محمد المشكاة إلى مكتبة جامعة طهران العامة.
2 ـ نسخة موجودة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم تحت عنوان (الضعفاء) ومرقمة (228ب/ 242ب).
إبراهيم العلوي
الرجال (علم)
ـ 1 ـ
هذا البحث هو بقلم مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها السيد علي الخامنئي الذي هو رجل علم غزير وقلم بليغ قبل أن يكون رجل دولة ومناضل ثورة:
علم الرجال:
موضوعه وأنواع كتبه حتى أيام الشيخ والنجاشي بإجمال.
لعله من المفيد قبل ورودنا موضوع البحث، يعني «التعريف بالكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال وتقييمها»)[357]( أن نلقي نظرة إجمالية حول الموضوع، فنقدم نبذة تاريخية عن علم الرجال وفائدته.
تعريف بعلم الرجال:
يجدر بنا أولاً، أن نذكِّر بأن «فن الرجال» في هذا البحث، هو علم الرجال بمعناه العام، الذي يمكن تعريفه بأنه: «علم معرفة قبيل من الناس يشتركون في جهة خاصة، والاطلاع على أحوالهم أو أنسابهم أو تأليفاتهم أو بعض خصوصياتهم الأخرى» وعليه، فإن علم الرجال بمعناه الخاص، من فهرست وتراجم وأنساب ومشيخة جميعاً مندرج تحت ذلك التعريف.
هذا، لأن علم الرجال في اصطلاحه الخاص، علم يبحث في معرفة رواة الحديث من حيث الاسم أو الأوصاف التي لها دخل في قبول أقوالهم ورواياتهم وردها. «فالفهرست» مجموعة تنتظم أسماء المؤلفين والمصنفين. «والمشيخة» عليها بيان أسانيد الحديث. و«التراجم» بصورة عامة هي شرح حال العلماء أو الرواة بدون الإشارة إلى ما يؤثر في الرواية من حيث القبول والرد من الجهات.
وعلم الرجال باصطلاحه الخاص، يقسَّم حسب الدواعي المختلفة إلى أقسام ومواضيع أكثر تحديداً، كما تختلف الكتب الخاصة بهذه الأقسام في شكلها. فبعضها كتب عامة شاملة لأسماء الرواة، لا تتعرض لتوفر الثقة فيهم أو عدمها، مثل، «طبقات الرجال» المحتمل تأليفه لأحمد بن أبي عبدالله البرقي (المتوفى سنة 374 أو 380)، وبعضها خاص بالممدوحين والمذمومين، مثل، كتاب ابن داود القمي (المتوفى سنة 368). والكتاب الأكثر تفصيلاً منه أيضاً لأستاذه أحمد بن محمد بن عمار الكوفي (المتوفى سنة 346). وبعضها يقتصر على أصحاب إمام واحد، مثل، كتاب ابن عقدة (المتوفى سنة 332 أو 333) الذي أُلّف خاصة لأصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) واشتمل على أسماء أربعة آلاف راوٍ. كما أن بعضها نظر إلى جهات أخرى خاصة، ككتاب عبدالعزيز بن يحيى الجلودي (المتوفى سنة 332) المشتمل على أسماء العدة من صحابة الرسول الأكرم (ص) الذين رووا عن علي (عليه السلام) أو كتاب ابن ريدويه)[358]( في شرح حال «من روى من نساء آل أبي طالب». وكتب أخرى نأتي إلى ذكر أسماء بعضها.
نبذة تاريخية عن هذا العلم وتطوره بالإجمال حتى زمان الشيخ النجاشي:
كان هذا العلم منذ القرون الأولى لظهور الإسلام محل عناية المسلمين، ثم اتسع مجاله بالتدريج حسب تزايد الإحساس بالحاجة إليه.
فلو أننا عرّفنا علم الرجال بتلك العمومية التي سبق بيانها، بمعنى، إننا وسعنا اختصاصه إلى كتابه شرح الحال، فإن سابقة هذا العلم تعود إلى النّصف الأول من القرن الإسلامي الأول. ففي حدود سنة 40 الهجرية)[359](. جمع عبيدالله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أسماء لعدّة من أصحاب الرسول الأكرم (ص) الذين ساهموا مع علي في حروبه وحاربوا في صفه. والظاهر أنه هو أول من كتب كتاباً في الرجال. والشيخ الطوسي ذكر هذا الكتاب في الفهرست باسم «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ الجمل وصفين والنهروان من الصحابة ـ رضي الله عنهم» كما ذكر سنده أيضاً.
وفي القرن الثالث الهجري ازدهر فن الرجال على أثر شيوع كتب الحديث ورواج أصول هذا العلم ومصنفاته، فأُلِّفت ودُونت في هذا الفن كتب كثيرة نسبياً، لا يزال بعضها موجوداً للآن، وتعتبر من نفائس آثار الشيعة في هذا العلم. من جملتها: كتاب «طبقات الرجال» تأليف أحمد بن أبي عبدالله البرقي)[360]( الذي لا تزال نسخة ناقصة منه موجودة اليوم. وكتاب محمد بن أبي عبدالله بن جبلة بن حيان بن أبجر الكناني (المتوفى سنة 219) )[361]( الذي عدَّه الشيخ الطوسي في كتاب الرجال من أصحاب الإمام الكاظم. ونسب النجاشي إليه كتباً كثيرة منها كتاب في الرجال.
ومجموعة أخرى من الكتب الرجالية في القرن الثالث عبارة عن: رجال، الحسين بن علي بن فضالة (المتوفى سنة 224) ويقال أنه كان معروفاً في زمن النجاشي وربما كان تابعاً له)[362]( وكتاب رجال الحسن بن محبوب (المتوفى سنة 224) باسم «معرفة رواة الأخبار»)[363]( وهو غير كتابه الآخر في «المشيخة» الذي رتبه أبو جعفر الأودي فصولاً حسب ترتيب أسماء الرجال. وهناك أيضاً كتاب رجال إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي)[364]( (المتوفى سنة 283) وكتاب رجال الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن يوسف بن خراش المروزي البغدادي)[365]( (المتوفى سنة 283).
وهكذا يتبين مما قلنا أن قول «السيوطي» في كتاب «الأوائل» من أن: أول مؤلف في علم الرجال، شعبة بن الحجاج ـ من أئمة أهل السُنة وتوفي سنة 160)[366](، مجاف للحقيقة عار عن التحقيق. إذ أن فن الرجال كما شاهدنا، بدأ في القرن الأول، وقد وضع كتاب في هذا الفن بمعرفة عبيدالله بن أبي رافع قبل شعبة بأكثر من قرن.
ونظير هذا الخطأ إن لم يكن أسوأ أن الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو زهرة المصري المعاصر في كتابه «الإمام الصادق» يزعم بغفلة ناجمة عن عدم التتبع الكافي في مصادر الشيعة ومآخذهم، لا عن الانتماء الفرقي والعصبية، أن فهرست الشيخ الطوسي أول كتاب رجالي عند الشيعة فأثنى على الشيخ الثناء الوافر ومجده أكبر التمجيد)[367]( باعتباره فاتحاً لطريق جديد إلى أفق الثقافة الشيعية بوسيلة هذا المعبر. إن هذا الحكم دليل على عدم تدقيقه في كتاب الفهرست بالذات، إذ أن الشيخ نفسه أشار في مقدمة الكتاب إلى كتب أخرى في نفس المجال ألّفت بمعرفة العلماء السابقين.
وكائناً ما كان، فإن تأليف وتدوين كتب الرجال الذي اكتسب حالة نسبية من الذيوع والانتشار في القرن الثالث الهجري، قد صار في القرن الرابع وبنفس النسبة أكثر شيوعاً وتنوعاً وجامعية.
والظاهرة التي يمكن استخلاصها من دراسة الكثير من كتب الرجال في هذا القرن هي أن هذه الكتب ألّفت في موضوعات أكثر محدودية وانحصاراً، وكأنما راجت سنة التخصص في هذا القرن وأصبحت الفروع التخصصية والموضوعات المتنوعة مورد نظر الخبراء وعلماء الفن بصورة مستقلة. مما يعتبر في حد ذاته دليلاً على اتساع دائرة هذا العلم في القرن المذكور.
فمثلاً أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة (المتوفى سنة 332 أو 333))[368]( كما ذكرنا، جمع كتاباً اشتمل على رجال الإمام الصادق (عليه السلام) وذكر فيه أسماء أربعة آلاف شخص تشرفوا بصحبته (عليه السلام) والرواية عنه. وأبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبدالله الغضائري كتب كتابين عن مؤلفي الشيعة (يعني ما نطلق عليه اصطلاحاً «فهرست») وكتاباً آخر اشتمل على أسماء الرواة الضعفاء وغير الموثقين باسم «الضعفاء»)[369](. والقاضي أبو بكر بن عمر الجعابي البغدادي (المتوفى سنة 355) من كان قمة زمانه في الحديث والرجال)[370]( ألّف كتاباً كبيراً باسم «الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم» في طبقات رواة الشيعة، سمعه الشيخ النجاشي، وكتاباً آخر في «شرح طبقات أصحاب الحديث في بغداد»)[371]( ووضع عدة كتب أخرى في موضوعات محدودة ترتبط برواة الحديث)[372](.
ومجموعة أخرى من الكتب الرجالية المعروفة في القرن الرابع كالآتي:
رجال ابن داود القمي (المتوفى سنة 368) في باب الممدوحين والمذمومين.
رجال محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق (المتوفى سنة 381).
فهرست حسن بن محمد بن الوليد القمي، أستاذ الصدوق وقميين آخرين.
كتاب الطبقات لابن دول (المتوفى سنة 350).
كتاب رجال الكليني، محمد بن يعقوب مؤلف كتاب الكافي المعروف (المتوفى سنة 328 أو 329).
رسالة معروف إلى غالب الزراري إلى حفيده في تراجم آل أعين و… «التي حررت سنة 356 مرة وبعد 11 سنة يعني 367 حررت مرة أخرى».
والأشهر منها جميعاً كتاب «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين عليهم السلام»)[373]( تأليف الشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي (المتوفى في حدود منتصف القرن الرابع»)[374]( وتوجد منه في الحال الحاضر خلاصة منتخبة باسم «اختيار الرجال» والنسخة المطبوعة معروفة وفي متناول الأيدي.
وفي حدود النصف الأول من القرن الخامس الهجري يعني بعد مرور ثلاثة قرون على تأليف أول كتاب رجالي، وضعت الأصول الأربعة الرجالية، أي الكتب الأربعة المشهورة مورد استناد هذا العلم، التي تشكلت من تركيب المصنفات السابقة وتصحيحها واندماجها، فبدأ فصل جديد في تاريخ هذا العلم. ولحسن الحظ بقيت هذه الكتب الأربعة مصونة طول الزمان من تطاول يد الحدثان، وظل أصلها باقياً حتى يوم الناس هذا، وقد تكرر طبع بعضها. وهي عبارة عن:
اختيار الرجال
الفهرست
الرجال
وثلاثتها تأليف الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى 460).
وكتاب الفهرست المعروف «برجال النجاشي» تأليف أحمد بن علي النجاشي (المتوى سنة 450))[375](.
هذه الكتب الأربعة ظلت دائماً على مدى القرون العديدة التالية لتأليفها محل العناية والاستفادة والمراجعة بالنسبة لخبراء الفن. وكما سنرى بالتفصيل أن أعمالاً من قبيل الترتيب والتبويب والجمع والتفصيل قد أجريت على أساسها. ومن ثم استوجب تأليف هذه الكتب الأربعة اعتبار هذا القرن قمة القرون السابقة ونقطة أوج فعاليتها الرجالية حتى ذلك الوقت.
بداية تدوين أقسام علم الرجال كل على حدة والدافع لكلٍ:
إن علم الرجال بمعناه العام كما سبق أن قيل يتضمن عدة أقسام، من جملتها: الرجال بالاصطلاح الخاص (= معرفة أسماء الرواة أو الأوصاف التي تؤثر في ردّ أخبارهم وقبولها)، الفهرست (= معرفة أسماء المؤلفين والمصنفين)، التراجم أو تاريخ الرجال (= معرفة تاريخ وشرح حال العلماء أو الرواة لا من حيث التدخل في رد الخبر وقبوله)، والمشيخة (= معرفة سلسلة الأسانيد الروائية).
فلو شئنا تعيين تاريخ دقيق لبداية كل من هذه الأقسام، لأعوزنا الاطلاع الكافي إلاّ أنَّ جمع أسماء عدّة من الناس تشترك في جهة واحدة كما سبق أن وضّحنا قد حدث لأول مرة في القرن الإسلامي الأول بمعرفة أحد الشيعة باسم عبيدالله بن أبي رافع.
أمّا تدوين الكتب الرجالية بالمعنى المصطلح (يعني ما هو مرتبط بذكر أحوال رواة الحديث من حيث الصفات التي يمكن أن تؤثر في ردّ أخبارهم وقبولها) فإن الظن الغالب أنه بدأ في النصف الأول من القرن الثاني، يعني منذ فترة رواج الحديث. وربما أمكن القول بصفة قاطعة أن الدافع الأصلي لظهور هذا الفن وتدوين المصنفات الخاصة به، كان الاهتمام والمراقبة البالغين من الشدة حد الوسواس، اللذين كان المحدثون وجامعوا الحديث يراعونهما أثناء قيامهم بمهمة تدوين الروايات.
لقد تعددت عوامل جعل الحديث في ذلك الوقت فمنها: أولاً، أن مقام المحدثين وحملة الحديث ووزنهم الاجتماعي أغرى بعض السطحيين طلاب الشهرة بالاندساس في كوكبة المحدثين. ثانياً، كانت الأغراض السياسية والفرقية هي الأخرى عاملاً مهماً قائماً بذاته في تلك الحالة، مما أدى إلى نسبة أحاديث كثيرة نسبت على ألسن منابع الحديث إلى الرسول الأكرم (ص) ـ أو في حوزة التشيع ـ إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام). هذا الأمر الذي ينعكس في كثير من بيانات الأئمة (عليهم السلام) أو الرواة، استوجب أن يأخذ خبراء الفن في تشخيص الحديث صحيحه من سقيمه بذكر أسماء الرواة، وتمييز الممدوح من المذموم. وهكذا ألّفت الكتب في هذا الصدد.
وكذلك الحال، فإن أيدينا خالية من الاطلاع الدقيق بالنسبة لبداية تدوين الكتب الخاصة بقسم الفهرست. إلاّ أنه من المسلّم أن الفهرسة كانت رسماً متداولاً منذ سنوات قبل الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي، شأنها شأن كتب الرجال، هذا ما يستفاد من قول الشيخ الطوسي في مقدمة كتابه الفهرست، إذ يقول بالنص: «فإني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الأصول…» كما أن كلام المحقق الشوشتري في مقدمات الكتاب النفيس «قاموس الرجال» يثبت أن أكثر القدماء كانت لهم فهارس)[376]( وإن كان محتوى هذه الفهارس قد خضع لأسلوب الاختصار، ومؤلفوها لم ينصوا على الكتب التي رووا عنها أو التي كانت في مكتباتهم. ولقد ذكر الشيخ الطوسي في كتاب الفهرست بعضاً من هذه الفهارس، من جملتها فهرست ابن عبدون (المتوفى سنة 423) الذي ذكره ضمن ترجمة إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال)[377](.
وأول من وضع كتاباً مفصلاً في مجال الفهرست أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري المعروف بابن الغضائري معاصر الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي وكان يتقدم الاثنين في المرتبة. وهو كما ذكر الطوسي في مقدمة الفهرست)[378]( قد ألّف كتابين كبيرين كاملين في هذا القسم، أحدهما يقتصر على «الأصول» والآخر يختص «بالمصنفات»)[379]( إلاّ أن الذي حدث بعد موته الفجائي أن أحد أعقابه أتلف نسختي هذين الكتابين العزيزين القيمين لا غير. فلم يصل هذا الأثر العظيم إلى الأجيال التالية ولو بقي لكان بلا شك ثروة رجالية شيعية)[380](.
أمّا معرفة الدافع إلى تدوين الفهرست فيمكننا معرفته مما ذكره الشيخ النجاشي في مقدمة فهرسته المعتبر المبسوط المشهور برجال النجاشي حيث قال:
«فإني وقفت على ما ذكره السيد الشريف أطال الله بقاءه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا، أنه لا سلف لكم ولا مصنّف. وهذا قول من لا علم له بالناس ولا وقف على أخبارهم ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار أهل العلم ولا لقي أحداً فيعرف منه…».
ويكاد الظن أن يكون يقيناً بأن نصف دوافع مؤلفي كتب الفهرست الآخرين أو قسم عظيم منها على الأقل هو نفس هذا الدافع الذي تشير إليه العبارة المذكورة، يعني التعريف بسلف الشيعة، وتجديد المعرفة بآثارهم القيمة في العلوم والفنون المختلفة، والردّ على مغامز عدة من المخالفين وانتقاداتهم ممن يجهلون هذه الآثار ويقدحون في الشيعة بافتقارهم للسابقة العلمية)[381](.
وفي أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، يطالعنا اسم «مشيخة ابن محبوب» (المتوفى سنة 224) وهو من الكتب الرجالية المعروفة، وقد رتبه أبو جعفر الأودي)[382]( فصولاً حسب أسماء الرجال. وعليه، تصل سابقة «المشيخة» إحدى أقسام علم الرجال بالمعنى العام إلى سنوات ما قبل 224.
وفي قسم تاريخ الرجال أيضاً، وضعت في القرنين الثالث والرابع كُتب، مثل «تاريخ الرجال» تأليف أحمد بن علي العقيقي (الأب) وغيره، وقد ثبتت أسماؤها في كتب الفهرست)[383](.
وبناء عليه، يمكن القول إن جميع الأقسام المختلفة لعلم الرجال (بالمعنى العام) قد ظهرت في القرون الأولى على فترات لا تكاد تطول، ثم أخذت تتوسع بالتدريج. وأُلّفت الكتب في كل قسم من الأفسام وصنفت استجابة لمقتضيات الحاجة الماسة.
شخصية الشيخ الطوسي الرجالية:
يمكننا على ضوء ما تقدم ( من نبذة تاريخية وجيزة وبيان للتطور التاريخي لعلم الرجال على مدى القرون الثلاثة الأولى) أن نقدر المكانة العظيمة والمقام الرفيع الذي بلغه في هذا العلم شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460) الفقيه المحدث الكبير. أنه هو ذلك العالم الذي استطاع بتأليف كتبه القيمة في هذا المجال، أن يسجل غاية خالدة في تاريخ هذا العلم. وكما أنه في علم الحديث قد حاز قصب السبق بين مؤلفي «الكتب الأربعة» الآخرين، فقد انفرد في الفقه بكتاب لم يسبق إلى أسلوبه المبتكر. لقد كان له في هذا القسم أيضاً دور فائق مشخص، فهو جامع ثلاثة من الكتب الأربعة المعروفة عمدة اعتماد هذا الفن. وكانت من الجامعية ولياقة التنسيق ورشاقة الأسلوب وحسن السليقة والنبوغ بحيث بزّت كتب السابقين واخلفتها متروكة مهجورة.
وما زالت هذه الكتب الثلاثة التي يختص كل منها بقسم من أقسام علم الرجال المختلفة منذ زمان المؤلف حتى يوم الناس هذا. ـ وهي فاصلة تربو على 9 قرون ـ وهي مدار بحث الخبراء وتحقيقهم وتأليفهم، وكما سوف نبين فإن الشروح والتذييلات والترتيبات قد دارت في مدار هذه الكتب:
- اختيار الرجال
- الفهرست
ولنتناول الآن التعريف بالكتاب الأول والثاني.
ـ 1 ـ
اختيار الرجال أو تلخيص رجال الكَشيّ
يعود أصل هذا الكتاب ـ كما سنوضح بعد ـ إلى الشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشّي)[384]( (المتوفى في أواسط القرن الرابع). كان موسوماً بـ «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» وكانت قد وقعت فيه أخطاء واشتباهات وإضافات، فاهتم الشيخ الطوسي بتلخيصه وتهذيبه، وأطلق عليه اسم «اختيار الرجال» وبناء على رواية السيد علي بن طاووس في كتاب «فرج المهموم» من نسخة بخط المؤلف، شرع في إملائه على تلامذته يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456.
1 ـ مشخصات الكتاب:
موضوع هذا الكتاب، تاريخ الرجال وذكر طبقاتهم. ومبناه على ذكر الروايات الواردة في مدح الرجال والقدح فيهم، دونما إظهار للرأي في تلك الروايات.
ففي ذيل اسم كل رجل من الرجال. يأتي بحديث أو عدة أحاديث مسندة ذكر فيها الشخص المعني بصورة من الصور. وأحياناً ما تكون هذه الأحاديث محلاً للنظر من حيث ما تتضمنه من مدح أو قدح، أو تكون متعارضة أحدها مع الآخر. ففي هذه الحالة التي عادة ما تقتضي ترجيح أحد الحديثين، يمسك عن الكلام مكتفياً بما تقدره الروايات، اللهم إلاّ في بعض الموارد، حيث يبدي اعتقاداً بخصوص الشخص المعني أو السند أو مضمون أحد الأحاديث.
فمثلاً: في شرح حال زرارة بن أعين، بعد ذكره حديثاً في مذمته هكذا سنده «محمد بن الكرماني، عن أبي العباس المحاربي الجزري، عن يعقوب بن يزيد عن فضالة بن أيوب…» يقول: «محمد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه، مغير عن وجهه»)[385](.
والكتاب، لا يقتصر على رجال الشيعة فحسب ولا ينحصر في الموثقين والممدوحين قط. فكما أن فيه شرح حال زرارة وجه الشيعة المشرق، فيه أيضاً شرح حال أبي الخطاب المقلاص الغالي المعروف. إلاّ أنه اقتصر من غير الشيعة على ذكر من رووا للشيعة واعتبروا في عداد رجال الحديث الشيعة)[386]( فوجود اسم شخص في هذا الكتاب ليس دليلاً على كونه شيعياً ولا برهاناً على كونه ثقة. كما أن عدم وجود اسم شخص لا ينفي تشيعه أو يثبت ضعفه.
وفي مستهل الكتاب، ينقل سبع روايات في مدح الرواة وحملة الحديث، وأربع روايات تختص بأصحاب علي (عليه السلام) ومقربيه، ثم في ذكر أسماء الرجال، فيذكر اسم صاحب الترجمة في البداية، ثم يعقب بما تقرره الروايات في حقه.
مثلاً: «زيد بن صوحان ـ جبريل بن أحمد، قال حدثني موسى بن معاوية بن وهب… إلى آخره». فالشخص المعني في العنوان عاليه «زيد بن صوحان»، و«جبرائيل بن أحمد» هو الراوي الأول في سلسلة الحديث الذي نقل بخصوص زيد بن صوحان. وبعد هذا الحديث يشرع في الحديث الثاني على هذا النحو: «علي بن محمد القتيبي قال… إلى آخره» وبهذا الترتيب ينقل جميع الروايات التي وردت في زيد بن صوحان بالتوالي.
وأحياناً، يشخص اسم الشخص المعني بكلمة «في». مثلاً «في الحسين بن بشار ـ حدثني خلف بن حماد قال حدثنا… إلى آخره». أي أن «حسين بن بشار» هو مورد الترجمة. وأحياناً يبدأ المطلب على هذا النحو: «ما روي في». مثلاً: «ما روي في الحسن بن محبوب».
والروايات التي تنقل في ذيل كل عنوان أيضاً، تبدأ أحياناً بكلمة «حدثني» وأحياناً بجملة «وجدت بخط فلان»، وأحياناً بدونهما مقتصراً على اسم الراوي الأول.
ويبلغ مجموع من ذكر في هذا الكتاب من الرجال 515 شخصاً، مندرجة في ستة أقسام حسب التقدم والتأخر الزمني.
أمّا أسماء الرجال فلا أساس في ترتيبها، فلا هي على أساس تاريخ الوفاة ولا هي على أساس صحابة آل البيت (عليهم السلام) ولا هي على أساس أبجدية الأسماء، الأمر الذي يجعل العثور على شرح حال شخص ما أمراً صعباً. والنسخة المطبوعة في بومباي، ترتب فهرست الأسماء بنفس الترتيب الكائن في الكتاب مع ذكر رقم الصفحة الخاصة، مما يسهل أمر المراجعة إلى حد ما. إلاّ أنه أحياناً، عندما تكون الروايات الخاصة بشخص ما موزعة على مواضع مختلفة من الكتاب ـ وما زال «فهرست الأعلام» لم ينضم بعد إلى النسخة المطبوعة ليجبر هذه النقيصة)[387]( ـ فإن العثور على عنوان الشخص المعني، لا يكفي للاطمئنان إلى تحقق الاطلاع على جميع ما يرتبط به من الاطلاعات.
2 ـ نسبة الكتاب إلى الشيخ الطوسي:
هناك اختلاف في نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ. وتعتقد غالبية علماء الفن أن الكتاب موضوع البحث منتخب منقح جمعه الشيخ الطوسي من كتاب رجال أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي. كما أن عنوان الكتاب يؤيد هذا الرأي إلى حد ما.
والقول الآخر أن الكتاب الموجود هو أصل الكشي بعينه لا منتخب الشيخ. وهذا الرأي صادر من أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى سنة 673) وتلميذيه العلامة الحلي (648 ـ 726) وابن داود الحلي (المتولد سنة 647) )[388](. إلاّ أن عدة من الدلائل والشواهد تؤيد بشكل قاطع نسبة الكتاب إلى الشيخ، وكونه منتخباً. وإليك بعض هذه الدلائل:
علي بن طاووس (المتوفى 664 ـ أخو أحمد بن طاووس المذكور) في كتاب «فرج المهموم» يذكر نسخة من هذا الكتاب، كتب فيها بخط الشيخ بالذات أن: «هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز واخترت ما فيها»)[389]( وهذه العبارة تدل صراحة على أن الكتاب الموجود منتخب الشيخ الطوسي لا أصل الكشي.
والشيخ في فهرسته أثبت نسبة اختيار الرجال إلى نفسه، وعده بين آثاره العلمية)[390](. ومنذ ما بعد الشيخ حتى الآن، وهذا الاسم منطبق على هذا الكتاب موضوع البحث، ولا أثر هناك لكتاب آخر بهذا الاسم. والشيخ النجاشي صاحب الفهرست المعروف، معاصر الشيخ الطوسي كان في بعض الموارد ينقل من كتاب الكشي موضوعاً لا توجد له أي إشارة في الكتاب الموجود حالياً)[391](. وهذا دليل على أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي ـ التي كانت في متناول اليد أيام النجاشي وكانت مورد الاستفادة ـ غير كتاب «الاختيار» الحالي. وأن الكتاب الموجود منتخب وملخص من كتاب الكشي وليس أصلاً)[392](.
وأياً ما كان، فإنه لا مجال للشك في أن ما هو في اليد بعنوان «رجال الكشي» منذ عدة قرون حتى الآن، ليس شيئاً آخر غير منتخب الشيخ الطوسي هذا. وأغلب الظن أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لم تقع في يد أي من علماء الفن بعد أيام الشيخ، وأنها انقرضت بالكلية. والوحيد الذي يظن أنها كانت عنده، هو الشهيد الأول، لأنه في حاشيته على كتاب «الخلاصة» للعلامة، بعد أن نقل أحد المطالب من اختيار الرجال، نقل نفس المطلب من كتاب الكشي بصورة أخرى)[393]( وهذا يدل على أنه علاوة على وجود اختيار الرجال عنده أن أصل كتاب الكشي كان عنده أيضاً، وأنه قابل أحدهما بالآخر وطابق بينهما. ولكن المحقق الشوشتري المعاصر مؤلف قاموس الرجال (المتمتع بمقام رفيع في هذا الفن) يعتقد أن الشهيد قد اشتبه عليه أمر الكتاب الذي في يده، فتوهم نسخة من اختيار الرجال على أنها أصل كتاب الكشي، لأن نسخ اختيار الرجال تختلف الواحدة مع الأخرى في بعض الموارد. وأحسن شاهد على سهو الشهيد، أن هذه الجملة بعينها التي نسبها الشهيد إلى كتاب الكشي، نقلها المولى عناية الله القهبائي)[394]( (مرتب اختيار الرجال) من اختيار الرجال.
ويستفاد من بعض كلمات العلامة في كتاب «الخلاصة» أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي كانت لديه، لأنه كان في بعض الموارد ينقل مطلباً من الكشي مع عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» على حين أنه لا توجد إشارة للمطلب المذكور في اختيار الرجال. ولكن مع التوجه إلى أن العلامة في كتاب الخلاصة ينقل عين عبارات أصحاب الأصول الرجالية لا مطالبهم فقط، يمكننا الاطمئنان إلى أنه في الموارد المذكورة عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» أيضاً مأخوذة من الكتب المذكورة، مثل كتاب النجاشي أو فهرست الشيخ، وليست من العلامة، وفي هذه الحالة يكون نقلهم للمطلب من كتاب الكشي لا العلامة)[395](.
والنتيجة، أنه منذ أيام الشيخ الطوسي والنجاشي لم يعثر أحد من علماء الفن على أثر لأصل كتاب الكشي أو كان لديه اطلاع عنه. كما قيل أن هذا الكتاب لم يكن رائجاً قبل الشيخ. وبعد الانتخاب منه وتلخيصه سقط من التداول بالكلية، واكتسب المنتخب اعتباراً أكثر نظراً إلى مكانة منتخبه فاحتل مكانه.
ويمكننا من عبارة النجاشي بخصوص الشيخ الكشي، إذ يقول: «له كتاب الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»)[396]( ومن تناول الشيخ الطوسي له بالتنقيح، أن نستنتج أن النسخة الصحيحة المتقنة من الكتاب لم تصل حتى إلى الشيخ أو النجاشي، أو أنها في أصلها بالذات كانت كتاباً مليئاً بالخطأ. وهذا أيضاً في حد ذاته يحتسب عاملاً لإهمال الكتاب بعد اختيار الشيخ.
ويعتقد مؤلف قاموس الرجال، أن منظور النجاشي من الجملة: «وفيه أغلاط كثيرة» أن في أصل الكتاب خطأ في المطالب، لا أن الخطأ والتصحيف تطرق إليه فيما بعد عن طريق النساخ والكتاب. وإذ ذاك يبدي المحقق المذكور رأيه بأن هذا الحكم من النجاشي بلا أساس، وأن الأخطاء الموجودة في كتاب الكشي فاحشة حتى أنه لا يخطر على البال نسبتها إلى شخص كالكشي)[397]( وما أعجب هذا الرأي من المحقق!! إذ أنه مع قبول افتراض أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لا وجود لها، من أين له أن يعلم أو يقدر أن أخطاء الكتاب فاحشة أو غير فاحشة، وأن يحكم ويظهر الرأي في إمكان أو عدم إمكان نسبتها إلى الكشي؟! وبعبارة أخرى: على أخطاء أي كتاب يدور الكلام؟ كتاب اختيار الرجال؟ هذا الكتاب الذي تأتّى من صافي تحقيق الشيخ الطوسي وتنقيحه، وما كان النجاشي ليحكم عليه بطبيعة الحال؟ أم أصل كتاب الكشي؟ ولم يبق منه طول القرون إلاّ اسمه؟ وفي الحالة الثانية، من أين تأتّى لمؤلف قاموس الرجال أن يعرف أن أخطاءه فاحشة وينزه الكشي عن ارتكابها؟!
وعلى أية حالة، إذا قبلنا أن أخطاء أصل كتاب الكشي ناشئة عن تصحيف النساخ، وليست معلولاً لخطأ المؤلف، فلا مندوحة قد وجب البحث عن علة تحريضه في عدم اعتناء معاصريه بكتابه. لقد كان هو وأستاذه العياشي ينقلان عن الرواة ضعيفي الحال، وهذا يحتسب طعناً كبيراً في عرف القدماء، نفس الأمر الذي أدّى إلى ترك كتابه وهجره حال حياته وبعدها، مما ترتب عليه تحالف التحريف والتبديل على نسخه.
والعجب أن كتاب «اختيار الرجال» أيضاً وهو المنتخب المنقح من ذلك الكتاب، ولا شك في أنه أصلاً بريء من كثير من اشتباهات كتاب الكشي وأغلاطه، هو الآن مصاب بتحريفات وتصحيفات واشتباهات كثيرة.
وعلى حد قول العلامة الكلباسي مؤلف «سماء المقال»)[398]( فإن هناك قرائن تشير إلى تعرض هذا الكتاب لتطاول يد الحدثان وأسقطت وحذفت منه مطالب بمرور الزمان. كما أن المحدث النوري في خاتمة كتاب «مستدرك الوسائل» يذكر موارد نقل فيها مؤلفو الكتب الرجالية مطلباً من «اختيار الرجال» وهذا المطلب لا يوجد في النسخة الموجودة من الكتاب.
علاوة على كل هذا ـ كما أشرنا ـ فإنه تشاهد في النسخة الموجودة أخطاء وتصحيفات أشار الرجاليون المتأخرون إلى بعضها. ويعتقد المحقق الشوشتري أن أخطاء هذا الكتاب تفوق الحصر، وأن الموارد الصحيحة المصونة منه تعد على الأصابع. ومن الأخطاء التي يشير إليها المحقق، أنه في كثير من العناوين تختلط الأحاديث المتعلقة بشرح حال شخص، بالأحاديث المتعلقة بشرح حال شخص آخر، أو بأحاديث سمّيه من طبقة أخرى. مثلاً الأحاديث الخاصة بـ«أبي بصير ليث المرادي» اختلطت بالروايات الخاصة بـ«أبي بصير يحيى الأسدي». كما عرّف «الحميري» وهو من أصحاب العسكري (عليه السلام). في عداد أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). ومنها أيضاً أن أول رواية في حالات «عبدالله بن عباس» ذكرت خلال الأحاديث الخاصة بـ«خزيمة» الذي عنون قبل عبدالله. وأنه قد ذكرت في ذيل اسم «محمد بن زينب» المكنى بـ«أبي الخطاب» ثلاث وعشرون رواية لا ترتبط به من أي وجه)[399](.
وواضح جداً، أن هذا القبيل من الأخطاء ليس مما يشتبه على شخص كالكشي أو كالشيخ الطوسي أو أنها تصدر عنه. ولا يرقى الظن بنسبتها إلاّ إلى المستنسخين والكتاب… كما يبعد عن التصديق أن بعضاً من الأخطاء الأخرى الموجودة في هذا الكتاب، من قبيل الاشتباه في تاريخ وفاة حماد بن عيسى، وتعيين سني حياة معاوية بن عمار، وتحريف جبرئيل بن أحمد الفاريابي إلى جبرئيل بن محمد الفاريابي الموجود في أول الكتاب، وأمثالها مما أشار إليه العلامة الكلباسي في سماء المقال، تنسب إلى الشيخ الطوسي.
وبناء على ما قلناه، يمكن الحكم بأن رأي «مولى عناية الله القهبائي» في اعتبار هذه الأخطاء من الشيخ، واعتقاده أن أصل كتاب الكشي كان مبرأ وخالياً منها، خلاف التحقيق تماماً وادعاء بلا دليل.
3 ـ اسم أصل كتاب الكشي:
لم يذكر اسم كتاب الكشي في ذيل حالاته بأغلب كتب القدامى مثل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، واقتصرت على أصل وجوده.
فالشيخ الطوسي في «الفهرست» تحت عنوان «أبو عمرو الكشي» يقول: «ثقة بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال…» )[400]( وعبارة النجاشي في هذا الصدد أيضاً لا تزيد الأمر إيضاحاً: «كان ثقة عيناً، وروى عن الضعفاء كثيراً وصحب العيّاشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب الرجال»)[401](.
وعلى قدر اطلاعنا، فإن أول من ذكر اسماً لكتاب الكشي هو ابن شهر آشوب (المتوفى سنة 588) صاحب كتاب «معالم العلماء». ففي هذا الكتاب الذي يعتبر ذيلاً وتتمة لفهرست الشيخ، ذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين»)[402]( وبقرينة التقارب بينه وبين الكشي والشيخ، لا يبقى مجال للشك في أن قوله مستند إلى قرائن قطعية، وأن اسم كتاب الكشي هو هذا الذي ذكره.
والشيخ الطوسي في الفهرست في ذيل عنوان «أحمد بن داود بن سعيد» بعد أن نسب إليه كتباً متعددة، يقول: ذكره الكشي في كتابه في معرفة الرجال»)[403](. واستند مؤلف سماء المقال إلى هذه العبارة، وظن أن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال» ونسب هذا الظن إلى الشيخ أيضاً على حين أن هذه العبارة تقتصر على بيان أن كتاب الكشي كتب في معرفة الرجال، وليس فيها أي ذكر لاسمه. ويحتمل أن تكون هذه العبارة في النسخة التي لدى الكلباسي على هذا النحو: «ذكره الكشي في كتابه معرفة الرجال» (بحذف كلمة في) ومن ثم وقع صاحبنا في مثل هذا الزعم.
وفي النسخة المطبوعة من كتاب «اختيار الرجال» (طبع بمباي سنة 1317) أيضاً في آخر الجزء الخامس، ورد ذكر كتاب الكشي على هذا النحو: «قد تم الجزء الخامس من كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال…» والملاحظ في هذه العبارة أيضاً خلوها من أي تصريح بأن اسم الكتاب «معرفة الرجال».
والعلامة المجلسي)[404]( وكذلك من معاصرينا مؤلف قاموس الرجال)[405](، قالا أن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال»)[406]( ولكن بالنظر لما قدمناه، فإن هذا القول يعوزه الدليل)[407]( ولا يجوز العدول عما ارتآه ابن شهر آشوب، لما يتمتع به رأيه من رجحان.
ويمكننا على ضوء ما قلناه، أن ندرك أن اسم «معرفة أخبار الرجال» أيضاً المسمى به كتاب الكشي في أول النسخة المطبوعة في بمباي وآخرها، لا وجه له ولا دليل. فعلاوة على أن الكتاب الموجود المطبوع، تأليف الشيخ الطوسي وموسوم بـ«اختيار الرجال» لا «معرفة أخبار الرجال»، فإنه لا يوجد في المدارك أو المآخذ محل الاطمئنان، أية إشارة أصلاً إلى مثل هذا الاسم لكتاب الكشي. وكأن الذي باشر الطباعة أو أحد المستنسخين استفاد من تركيب عبارتي «كتاب أبي عمرو الكشي في أخبار الرجال» و«كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال» اللتين ذكرتا في بعض كتب الرجال أثناء ذكر كتاب الكشي وزعم أنها اسم الكتاب.
4 ـ طريقة انتخاب الشيخ وتلخيصه:
إن الأخطاء والزوائد كما أشرنا دائماً، هي أخطاء وزوائد كتاب الكشي، الذي نهض الشيخ الطوسي بتهذيبه وتلخيصه حتى أخرج كتاب «اختيار الرجال» إلى الوجود. وبقي علينا أن نرى من أي قبيل هذه الأخطاء والزوائد، وكيف تصرّف الشيخ بالنسبة لها.
يزعم البعض)[408]( إن كتاب الكشي مشتمل أصلاً على رجال عامة وخاصة، وأن الشيخ أسقط العامة وخصص كتابه الاختيار لتوجيه رجال الشيعة. إلاّ أنه بالنظر إلى أن النسخة الموجودة من الاختيار تشتمل على أسماء جمع من رجال العامة أيضاً، يتضح خطأ هذا الزعم. والمحقق أن كتاب الكشي أيضاً كغيره من كتب الرجال العديدة من قبيل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، كتبت لترجمة الشيعة وغير الشيعة ممن رووا للشيعة وعن أئمتهم أيضاً. ومن ثم نشاهد في كتاب الاختيار أسماء أشخاص مثل محمد بن إسحاق ومحمد بن المنكدر وعمرو بن خالد و…، مع أنهم ليسوا من الشيعة، وذلك لأنهم رووا عن أئمة الشيعة.
وأغلب الظن، أن الشيخ في تلخيصه وانتخابه كان ينظر قبل الرجال المذكورين في الكتاب إلى الروايات التي ذكرت تحت أسمائهم. وإذا كنا على استعداد لقبول ما يفترض من حق الشيخ في إسقاط عدة من أصحاب التراجم في أصل الكشي بجهة من الجهات، فإنه من باب أولى أن نعترف بحقه في أن يسقط أو يصحح ما يجده ـ فيما أورده الكشي من الأحاديث بمناسبة المترجم لهم ـ مخدوشاً في نظره من حيث السند أو ارتباطه بالمترجم له. وهذا يبدو أقرب وأليق بمقام الشيخ والكشي من أي احتمال آخر بالنسبة لطريقة تلخيص الشيخ واختياره أو انتخابه.
ويمكننا أن نستنسخ بناء على بعض القرائن، أن الشيخ في كتاب الاختيار، لم يذكر جميع القضاة الواردين في أصل كتاب الكشي. فمثلاً، في الفهرست، بعد أن ذكر «داود بن أبي زيد النيشابوري» وصرح بأنه ثقة وصادق، كتب: «وله كتب ذكرها الكشي وابن النديم في كتابيهما» على حين أن النسخة الحالية لاختيار الرجل خالية من اسمه وعليه، إذا سلمنا بأن المراد من كتاب الكشي المشار إليه في العبارة عاليه، هو كتاب «معرفة الناقلين» يعني أصل كتاب اختيار الرجال، مع فرض أن نسخة الاختيار الحالية لم تتعرض في هذا القسم لى التحريف والإسقاط، فلن يبقى هناك شك في أن تصفية الشيخ شملت قسماً من الرجال الثقات.
5 ـ ما دار حول محور «اختيار الرجال» من تأليف:
كتاب اختيار الرجال كما قلنا في البداية، أحد الكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال. وكان دائماً فيما بعد الشيخ الطوسي من الأزمان معقد نظر علماء الشيعة ومورد مراجعتهم. ونتيجة لهذه العناية والاهتمام تمت على مر الزمان عدة أعمال علمية ظهرت في صورة كتب تدور على محوره. ولما كان الكتاب المذكور غير مرتب أصلاً وغير مفصل بصورة كاملة، مما جعل الرجوع إليه والاستفادة منه أمراً شاقاً. فإن أغلب هذه الأعمال حدثت على مستوى التبويب والترتيب هادفة إلى تحقيق اليسر والسهولة للمراجعين. ونحن في حدود هذا البحث نقدم ما كتب على هذا الأساس:
أ ـ ترتيب القهبائي: رتب المولى عناية الله بن شرف الدين الألفبائي النجفي (المتوفى بعد 1016)[409]( كتاب الاختيار حسب الحروف الأولى من الأسماء، فذكر جميع من وردوا فيه سواء كانوا مستقلين أو واردين في ترجمة الآخرين على هذه الوتيرة. وأورد في كل مورد عين عبارة الكشي الخاصة بكل منهم بلا نقص ولا زيادة. وبعد أن ذكر روايات أول الكتاب أدرج أولاً الكنى المصدرة بـ (ابن) ثم الكنى المصدرة بـ (أب) وإذاك شرع في الأسماء من (إبان إلى «يونس» حسب ترتيب الحرف الأول. وتم هذا الكتاب بتاريخ سنة 1011 الهجرية.
وكما ذكرنا فإن طريقة هذا الكتاب تلتزم بعين عبارة الكشي ولا تتجاوزها، فتكرر ألفاظه بلا نقص أو زيادة تحت اسم كل واحد من الرجال. ومع هذا لم يكن هناك بدّ، مراعاة للترتيب الذي ارتآه، من أن يغير العناوين الموجودة في اختيار الرجال، وفي الموارد التي يُعَنْون فيها الكشي شخصين أو بعض الأشخاص معاً وضع كل اسم في مكانه حسب ترتيب الحروف. كما أن نسخته تتفاوت في بعض الموارد مع نسخة الاختيارات المطبوعة. من جملة ذلك، عنوان حسن بن سعيد الأهوازي ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي)[410](.
ب ـ ترتيب السيد يوسف بن محمد الحسيني العاملي مؤلف جامع المقال:
رتب المؤلف اختيار الرجال حسب طبقات أصحاب المعصومين (عليهم السلام) ترتيباً نظير ترتيب الشيخ، بمعنى، أنه ابتدأ أولاً بأصحاب الرسول الأكرم (ص) فأصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) وهكذا حتى أصحاب الإمام الحادي عشر (عليه السلام) جميعاً بالتتابع.
وبناء على ما قاله المحدث النوري في خاتمة «مستدرك الوسائل» فإن تاريخ إتمام هذا الكتاب هو سنة 981)[411](.
ج ـ ترتيب الشيخ داود بن حسن بن يوسف البحراني:
هو على وجه التقريب من معاصري الشيخ الحر العاملي صاحب «وسائل الشيعة». رتب الاختيار بالترتيب الألفبائي الكامل، يعني، مراعاة حروف الكلمة كلها، الأول والثاني والثالث و… )[412]( نظير منهج المقال)[413](.
د ـ كتاب «حل الإشكال» تأليف: السيد أحمد بن طاووس الحلّي، رجالي القرن السابع المعروف:
جمع المؤلف متن كتاب اختيار الرجال إلى متن الأصول الثلاثة الأخرى (فهرست ورجال الشيخ وفهرست النجاشي) بإضافة متن كتاب «الضعفاء» لابن الغضائري في كتاب وأطلق على هذه المجموعة اسم «حل الأشكال في معرفة الرجال». وقيل أن الشهيد الثاني رحمة الله عليه، كانت عنده النسخة الأصلية لهذا الكتاب)[414](.
وعلى الرغم من أن الكلباسي مؤلف «سماء المقال» (المتوفى سنة 1356) قد أفاض في تمجيد حسن الترتيب في هذا الكتاب والثناء عليه نظراً لأن أكثر أحاديث اختيار الرجال لم ترد فيه وأن بعضها قد اكتفى بالإشارة إليه أو نقلت بالمعنى حتى لا يستغني المراجعون عن الأصل، فإنه ينتقد الكتاب المذكور في موارد طرأ فيها الخطأ على قلم المؤلف العظيم)[415](.
وبعد ابن طاووس سار بعض تلاميذه وجماعة من المتأخرين على أثره وجمعوا الأصول الأربعة الرجالية مع بعض كتب أخرى للقدامى، مثل: الضعفاء، رجال البرقي ورجال العقيقي في كتاب واحد)[416](.
هـ – كتاب «تحرير طاووس» تأليف الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، صاحب المعالم (959 ـ 1011).
استخرج المؤلف كتاب «اختيار الرجال» من مجموعة حل الإشكال (المذكور عليه في الفقرة د) وسماه «تحرير الطاووسي» وعليه، فهذا الكتاب هو متن الاختيار بلا تفاوت إلاّ في أن عناوينه نقلت على نسق حل الإشكال لا بطريقة أصل الكشي والشيخ)[417](.
و ـ كتاب «مجمع الرجال» تأليف: المولى عناية الله شرف الدين القهبائي.
علاوة على أن المؤلف رتب كتاب اختيار الرجال (المذكور في الفقرة أ) فإنه قد وفق بين عبارات الكتاب المذكور بعينها وعبارات رجال الشيخ وفهرسته وفهرست النجاشي وضعفاء الغضائري، ورتبها، وأطلق على هذه المجموعة اسم «مجمع الرجال».
وتاريخ الفراغ من تأليف هذا الكتاب سنة 1016. وتوجد نسخة منه بخط المؤلف في مكتبة العلامة الطهراني صاحب «الذريعة»)[418](.
6 ـ هل حصل انتخاب آخر من رجال الكشي؟
عرفنا أن ما هو متداول اليوم باسم رجال الكشي، هو النخبة المنقحة التي جمعها الشيخ الطوسي رحمة الله عليه من كتاب رجال أبي عمرو الكشي، يعني، «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» والتي أسماها «اختيار الرجال» وأن أصل كتاب «معرفة الناقلين» لم يتيسر ليد أحد ما حتى في أيام العلامة الحلي (648 ـ 726).
ويستنبط من بعض العبارات أن شخصاً آخر غير الشيخ الطوسي قام بانتخاب من كتاب الكشي وهيأ منتخباً منه بصورة تأليف مستقل، وحسبنا أن نلفت النظر إلى هذه العبارة من «سماء المقال».
«ومن العجيب ما ذكره الفاضل العناية، من أنه يظهر بعد التصفح والتتبع التام في الكتاب أن الأغلاط ليس فيه (منه، ظ)، بل إنما هي من قلم المنتخبين منه مثل الشيخ» ثم أضاف مؤلف سماء المقال: «نعم يحتمل ذلك في البعض»)[419](.
فبهذه القرينة الموجودة في العبارة المذكورة، لو كان الكلام على اختيار الرجال، لأمكن احتمال كلمة «المنتخبين» على أن عدة اشتركوا مع الشيخ الطوسي في تهيئة الكتاب المذكور ويكون المراد بها هؤلاء المنتخبين. ولكن من حيث أن انتساب هذا الكتاب للشيخ لا يشوبه أي شك، وأن التأليف الجماعي لم يكن معهوداً ولا متداولاً في تلك الأعصار فإن الزعم بأن أشخاصاً آخرين أيضاً تناولوا كتاب الكشي بالتلخيص والانتخاب بصورة مستقلة يجد ما يقويه في هذه العبارة المذكورة.
ـ 2 ـ
الفهرست
هذا الكتاب من أثمن الآثار القديمة في فن الرجال لدى الشيعة، ومن الكتب العمدة بالنسبة لعلماء هذا الفن.
والفهرست كما بينا في البداية، يطلق اصطلاحاً على الكتب التي تذكر فيها أسماء أصحاب «الأصول» و«المصنفات»)[420]( وغالباً ما كانت لدى القدامى من علماء الرجال فهارس اكتفوا فيها بالتعريف ببعض مؤلفي الشيعة أو بالكتب الموجودة عندهم، مثل: «فهرست الزراري» و«فهرست ابن عبدون».
وأول من وضع كتاباً مفصلاً في هذا القسم، أبو الحسين أحمد بن حسين بن عبيدالله الغضائري رجالي الشيعة المعروف، معاصر الشيخ الطوسي والنجاشي، الذي كتب كتابين أحدهما في الأصول والآخر في المصنفات. ومن دواعي الأسف أن الكتابين لم يصلا إلى الأجيال اللاحقة كما سبق أن ذكرنا.
ويستفاد من لهجة الشيخ الطوسي في مقدمة «الفهرست» هناك حيث يتكلم عن إصرار «الشيخ الفاضل»، ومن بيان الشيخ النجاشي معاصر الشيخ في مقدمة كتابه الذي ألفه في نفس الموضوع أيضاً، أن الدافع لهذين العالمين الجهبذين المعاصرين، هو بالذات خلو المجال من هذا العمل، وافتقاد كتاب جامع مشبع في هذا القسم.
فإذا تجاوزنا «فهرست ابن النديم» (المتوفى سنة 385) الذي يتفاوت إلى حد من وجهة النظر الموضوعية مع الفهرست المصطلح، ويستوعب جميع العلوم والفنون والمذاهب والسنن الجارية بين المسلمين وبيان مؤلفاتهم في كل منها ومؤلفات علماء غير المسلمين، وكان تأليفه سنة 378، فإن فهرست الشيخ هو أقدم كتاب موضوعي مفصل موجود في هذا القسم وفي متناول الأيدي منذ كان.
فهرست أبي غالب الزراري)[421]( (المتوفى سنة 368) ومن الفهارس المتقدمة على الشيخ)[422](، وهو موجود في متناول اليد، وعبارة عن كتيبات، بل رسالات للتعريف بعدة كتب)[423](.
أمّا عن أسبقية تأليف أي من الفهرستين، فهرست الشيخ أم فهرست النجاشي، فلم يحدث تحقيق يبعث على اليقين. ولا يستبعد بالنظر إلى أن النجاشي في فهرسته ذكر الشيخ وتأليفاته ومنها الفهرست، على حين أنه لا يوجد في فهرست الشيخ ذكر للنجاشي وتأليفاته، إن يظن أن كتاب النجاشي أُلّف بعد كتاب الشيخ. إلاّ أن ذكر كتاب الشيخ في فهرست النجاشي لا ينهض دليلاً على تقدم كتاب الشيخ. ألاَ يمكننا أن نتصور أن النجاشي كان قد سجل اسم الشيخ وتأليفاته الأخرى في فهرسته، حتى إذا ما ظهر فهرست الشيخ أضافه النجاشي إلى شرح حال الشيخ وزاده على كتبه، تماماً بتمام كما أضاف الشيخ نفسه كتابه «المبسوط» الذي قيل أنه آخر تأليفاته إلى شرح حاله وزاده في عداد تأليفاته في فهرسته؟ ثانياً إذا كان خلو فهرست الشيخ من كتاب النجاشي موجباً لعدم وجود فهرست النجاشي أثناء كتابة الشيخ لفهرسته، لاستوجب ذلك ـ وقد كتب فهرست النجاشي فيما بعد ـ أن يذكره الشيخ في فهرسته. لأن المشهور أن الشيخ الطوسي ظل على قيد الحياة 10 سنوات بعد النجاشي، ولا بد من أنه كان قد علم بوجود كتابه. وعليه، ينبغي البحث عن دليل لعدم ذكر كتاب النجاشي في فهرست الشيخ مع ذكر النجاشي لكتاب الشيخ، في شيء آخر، يحتمل أن يكون اشتهار الشيخ الطوسي وعظمته العلمية وكتبه التي سيطرت على المجتمع الشيعي آنذاك في مقابل قلة حظ النجاشي من الشهرة، هي التي جذبت الأنظار إليه وإلى كتبه.
ولكن مع هذا كله، فإنه بالدراسة ومقابلة الكتابين المذكورين والعثور في فهرست النجاشي على عبارات هي بعينها عبارات فهرست الشيخ مع شيء من الإضافات، وبملاحظة طريقة بيان النجاشي التي تعرض نظره الانتقادي بالنسبة إلى مطالب فهرست الشيخ في كثير من الموارد، لا يبقى هناك مجال للشك في أن فهرست النجاشي أُلّف بعد فهرست الشيخ.
- خصوصيات الكتاب:
يشتمل هذا الكتاب على أسماء ما يقرب من 900 شخص وآثارهم من أصحاب الأصول والمصنفات مع سلسلة السند بينهم وبين الشيخ غالباً.
وجاءت تهيئة هذا الكتاب وتأليفه بناء على رغبة أحد معاصري الشيخ يشير إليه في مقدمة الكتاب بقوله «الشيخ الفاضل». ومع أنه لا توجد قرينة معتمدة تمكننا من معرفة هذا الشخص، إلاّ أنه يمكن من تعبير «الشيخ الفاضل» وكذلك من أن رجاءه لتأليف هذا الكتاب (وكذلك كتابي الشيخ الآخرين «الرجال» و«الجمل والعقود») قد استجيب من قبل الشخصية العلمية الكبيرة في زمانه، يمكن بصورة كلية أن تطمئن إلى أن هذا الفاضل كان يتمتع بمقام علمي مرموق)[424](.
ومبنى الكتاب على التعريف بأصحاب الأصول والمصنفين الشيعة ومن ألفوا كتاباً للشيعة على السواء)[425](. والشيخ نفسه يعد في مقدمة الكتاب بأن يردف اسم كل من المصنفين وأصحاب الأصول بما يرتبط به من جرح أو تعديل وأن يشير إلى ما إذا كانت روايته مورد الاعتماد أم لا، وإلى مذهبه واعتقاده. إلاّ أنه حصل في الكتاب بعض التخلف عن هذه الطريقة فسكت في بعض الموارد النادرة عن توثيق المذكورين أو تضعيفهم)[426](. وأمسك في بعض الموارد عن ذكر المذاهب في التعقيب على الشيعيين غير الإماميين من قبيل الفطحية والواقفية. والتزم بذكر المذهب إذا كان صاحب الترجمة من العامة. وبناء عليه، وجب كلما سكت عن مذهب شخص ولم يذكره، الاطمئنان إلى أنه ليس من العامة وإن لم يثبت كونه شيعياً إمامياً، بمعنى أنه من الممكن أن يكون متمذهباً بمذهب من سائر شعب الشيعة مثل الفطحية والواقفية وغيرهما. والخلاصة، أن من كان على مذهب الشيعة الإمامية)[427]( أو غير الإمامية قد ذكر مذهبه أحياناً وأحياناً لم يذكر في الفهرست، أمّا مذهب العامة وهو غير شيعي، فهو دائماً مورد الذكر. وكذلك، غالباً ما يتحاشى القدح في إمامي ضعيف أو تضعيفه، لأن موضوع الكتاب ومبناه كما قلنا تدوين أسماء من كتبوا أصولاً أو مصنفات للشيعة سواء أكان شيعياً أم غير شيعي ممدوحاً أم مذموماً. فتعيين هذه الصفات ليس مهمة هذا الكتاب.
- وضع الكتاب وترتيبه:
والكتاب مرتب حسب حروف الهجاء. وفي كل حرف فتح باب لكل اسم من الأسماء المصدرة بهذا الحرف. فمثلاً، في حرف الألف، فتح «لإبراهيم» باب و«لإسماعيل» باب و«لأحمد» باب. وبالنسبة لجميع أسماء الآحاد، فقد فتح لكل حرف باب على حدة بعنوان «باب الواحد». فمثلاً، في باب الواحد من حرف الألف تأتي أسماء «اصبغ» و«إدريس» و«أصرم» وهي آحاد لا غير. وهكذا دواليك حتى آخر حروف الهجاء. وجميع الأسماء الواردة في الكتاب البالغ عددها 900 تتدرج كلها تحت هذه الأبواب.
- كيفية نسخ الكتاب:
بناء على ما قرره خبراء الفن، فإن نسخ كتاب الفهرست مثل غالبية كتب الرجال المعتبرة القديمة من قبيل كتب الكشي والنجاشي والبرقي والغضائري، مصاب بالتحريف والتصحيف والنقص والزيادة. ولم تصل نسخته الصحيحة إلى يد أبناء هذا الزمان. ويقول العلامة الكلباسي، أن «أكثر نسخ الفهرست الحالية لا تخلو من التصحيف والغلط. وكما قال بعض أصحاب النظر أن أكثر النسخ المتيسرة للمراجعين في هذا الدور أصبحت محلاً لتطاول الحدثان وألعوبة بيد التصحيف. وقد تصدى المحقق الشيخ سليمان البحراني)[428]( لشرح هذا الكتاب وترتيبه وتصحيحه، فأصلح الأخطاء الناجمة عن قلم الكتاب في أكثر تراجمه، ولكنه لم يطبع إلاّ الأسماء المصدرة بالألف»)[429](.
فيستنبط من هذا القول أن تصحيحات المحقق البحراني من نوع «التصحيح القياسي» وأنه أجري على أساس المقابلة مع الكتب الأخرى المعتمدة لدى الرجال، لا «تصحيح النسخ» بمعنى الحصول على نسخ مصححة قابلة للاعتماد من كتاب الفهرست ومقابلتها الواحدة بالأخرى. وإلاّ لوجب على المحقق نفسه في هذه الحالة أن يشير إلى هذا الموضوع، ولنقله الكلباسي أيضاً. ولتحتم علاوة على هذا أن تكون مسألة اختلاف النسخ قد انحلت منذ ذاك، وتشخصت نسخة كاملة أو صحيحة تقريباً.
وفي حدود اطلاعنا، إن النسخة الصحيحة من الفهرست. كانت موجودة حتى زمان ابن داود الحلي (المولود سنة 647) فقد صرح في موارد بأن نسخة الرجال وفهرست الشيخ بخط المؤلف موجودة لديه. وليس لدينا من بعد اطلاع عن النسخة المصححة. ومن حيث أن العبارات المحرفة تشاهد بصورة قطعية في النسخ الحالية، ومن حيث أن مؤلفي الرجال المعروفين في الأدوار المتأخرة عن ابن داود مثل ميرزا محمد الأسترآبادي مؤلف «الرجال الكبير» (المتوفى سنة 1028 أو 1026) ومير مصطفى التفرشي مؤلف «نقد الرجال» (من علماء القرن الحادي عشر) يختلفون الواحد مع الآخر فيما نقل من المطالب، يمكننا بناء عليه الاطمئنان إلى أن أحداً منهم لم يصل إلى نسخة مصححة من هذين الكتابين وأن نسخة ابن داود مفقودة الأثر.
فحيثما كانت نسخ الفهرست الموجودة لا تنطبق على ما نقله ابن داود من الكتاب المذكور، وجب بلا تروّ تقديم نقل ابن داود واعتباره حجة، فالاعتقاد في صحته وتطابقه مع ما كتبه الشيخ أقوى وأبعث على الرضا. ولا يفوتنا، أنه حيثما شوهد عدم التطابق بين ما نقله ابن داود وما نقله العلامة الحلي (معاصره وزميله في التتلمذ على أحمد بن طاووس) لا نستطيع بصفة دائمة أن نقدم كلام ابن داود. لأن العلامة أيضاً كانت لديه نسخة مصححة من الرجال وفهرست الشيخ. وطبيعي ألا ينتفى الاشتباه بالكلية عن ابن داود في قراءة النسخة.
- كيفية النسخ المطبوعة:
طبع متن الفهرست بنفس الترتيب الأصلي لأول مرة سنة 1356 في المطبعة الحيدرية بالنجف مع مقدمة وتصحيح وهامش بمعرفة (السيد محمد صادق بحر العلوم) وتجدد طبع النسخة نفسها بنفس الخصوصيات مرة أخرى سنة 1380. وتقع هذه الطبعة في 252 صفحة من القطع «الوزيري»)[430]( وبها فهرست للأسماء وأرقام أسماء الرجال وهي كاملة التنقيط نسبياً والطباعة على وجه العموم ممتازة ولافتة للنظر. وقبل هذا التاريخ بسنوات يعني سنة 1271 الهجرية (=1853 الميلادية) رتبت نسخة من الفهرست حسب الحرف الأول والثاني والثالث من الاسم واسم الأب واسم الجد وصححت وطبعت في الهند بمعرفة «أ. سبرنجر» و«مولى عبدالحق». والعلامة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني (ج16/384) والسيد محمد صادق بحر العلوم وصفها في مقدمة رجال الطوسي (ص69) بالنقص والامتلاء بالغلط ورداءة الطباعة.
والمصحح المذكور ينقل في مقدمة كتاب الرجال عن قول العلامة الطهراني وصفاً لطبعة أخرى من الفهرست أنه قال ما خلاصته: «منذ عدة سنوات (في حدود سنة 1315) في طهران، رأيت نسخة من الفهرست في مكتبة العالم الكبير الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني. وهذه النسخة طبعت في «ليدن». وهي من حيث الإتقان وجودة الطباعة رائعة بالغة القيمة. وبعد أن تكبّدنا مشقة ترجمة ما كتب باللاتينية في آخرها من شرح، اتضح أن الناشر بذل جهوداً كبيرة في مقابلة النسخ والدقة في التصحيح. والآن، فإن النسخة التي استنسختها بخطي في ذلك التاريخ لا تزال موجودة بنفس الخط والورق».
ومما يبعث على العجب، أن العلامة الطهراني مع إعجابه بهذه النسخة لم يأت لها بذكر أصلاً في الذريعة في ذيل اسم «الفهرست» واكتفى بما قرره عن طبعة الهند. ألا يرقى الظن بهذه القرينة، وقرينة أن أحداً آخر لم ير نسخة هكذا من كتاب الفهرست أو تكن لديه إشارة عنها، إلاّ أن العلامة المذكور قد اشتبه عليه الأمر وظن طبعة الهند طبعة ليدن، أو أنه أثناء كتابة الوصف (الذي ذكرنا خلاصته) يكون قد نسي خصوصياتها نظراً لطول المدة واختلط الأمر عليه؟!
- اعتبار الفهرست والانتقادات الموجهة إليه:
حتى نقدّر ما لكتب الشيخ الطوسي من اعتبار، يجمل بنا قبل تناول الكتب بالدرس أن ننظر إلى ما يحتازه مؤلفه من اعتبار. لقد كانت عظمة مقام الشيخ العلمي ورفعة شأنه بحيث لا يطرأ على الذهن سوى التسليم بعظمة كتبه ورفعة مكانتها. إن كتبه في كل قسم كانت فتحاً لطريق جديد وابتكاراً للأسلوب وعرضاً لقدرة علمية فائقة يندر وجود سابقة لها.
فلا يخفى على أحد أن كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار» في عداد كتب الحديث الأربعة المشهوة وكتبه الفهرست والرجال واختيار الرجال ثلاثة من الأصول الأربعة العمدة في علم الرجال. وكتبه الأخرى، كلٌّ في قسمه الخاص من تفسير وكلام وأصول وفقه ممتاز مشخص على خط من الابتكار.
وعليه، فإن الخدش في آرائه ونظراته في فن الرجال أمر صعب وبعيد عن الاحتياط. وبالفعل كان كتاباه الفهرست والرجال فيما بعده من الأدوار مورد اهتمام وعناية العلماء الكبار المشهورين أمثال المحقق والعلامة وابن طاووس والشهيد وغيرهم. وعلى حد قول العلامة الكلباسي في سماء المقال (ص52):
«لقد نظر إلى مشهوري العلماء والتواثيق والتضعيفات وغيرها من نظراته للرجال بعين الاعتبار والإتقان».
وعلى الرغم من هذا كله، لا نستطيع أن نصف كل أقوال الشيخ الكبير الطوسي في الرجال بالصحة، وتغمض العين عن وجود بعض الاشتباهات في كتبه، وإن وجب الإذعان لكون هذه الاشتباهات نادرة وتعتبر بطبيعة الحال كَلَا شيء بجانب نظرات شيخ الطائفة الدقيقة الصائبة.
ولقد أشار المحقق الرجالي في أيامنا هذه الشيخ محمد تقي الشوشتري في عموم كتابه التحليلي الجامع «قاموس الرجال» إلى موارد أخطاء الشيخ الواقعة في كتابيه«الفهرست» و«الرجال» ومن جملة ذلك ما عرضه في الفصل العشرين من مقدمات الكتاب المذكور من نموذج لها في ترجمة «أبي غالب الزراري».
وبناء على ما أظهره المحقق المذكور، فإن الموجب الأصلي لاشتباهات الشيخ هو أنه نقل في موارد كثيرة عن «فهرست ابن النديم» وهو غير بالغ في دقته وليس محلاً للاعتماد. ومن ثم كلما وجد اختلاف بين نظر الشيخ والنجاشي في مورد ما، فإن كلام النجاشي هو المقدم، لأنه لم ينقل في كتابه كله عن الكتاب المذكور إلاّ مرة واحدة)[431](.
ومع هذا، لا نستطيع أن نحكم بصورة دائمة بتقديم كلام النجاشي على الشيخ في موارد الاختلاف بينهما، إذ أن الحكم في غالب الموارد هو القرائن والأمارات الخارجية.
(وسوف نستوفي الكلام في هذا الصدد في قسم تحت عنوان المقارنة بين فهرست النجاشي والشيخ).
- ما كُتب من الكتب على محور الفهرست:
إن التذييلات والترتيبات المتعددة التي كتبت على محور هذا الكتاب فيما بعد الشيخ من أدوار، دليل بارز على اهتمام الأصحاب به. وسنذكر تحت كلٍّ ما وصلنا إليه في هذا المجال:
1 ـ معالم العلماء: تأليف رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (المتوفى سنة 588) هذا الكتاب بناء على تصريح مؤلفه كتب لتتمة وتكملة «فهرست» الشيخ (رحمه الله) ويشتمل علاوة على ما ورد في الفهرست من أسماء، على أسماء جماعة من المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ أيضاً. ومجموع من ورد ذكرهم فيه 990 شخصاً ما عدا الشعراء. فإنهم اختصوا بفصل في الآخر لذكر أسمائهم أيضاً. وهذا الكتاب ولو أنه يشتمل على أسماء 990 شخصاً و600 كتاب علاوة على المذكورين في الفهرست، إلاّ أنه نظراً لحذف الأسناد يبدو مختصراً في مجموعه بالنسبة للكتاب المذكور.
وأحياناً ما يعقب أسماء الأفراد بالإشارة إلى توثيقهم أو ضعفهم وكذلك تاريخ وفاتهم. وهذا امتياز آخر لهذا الكتاب على فهرست الشيخ وفي ترتيب الأسماء روعي الحرف الأول، أمّا الحرف الثاني والثالث… فلم تراع. وعليه فهناك ترتيب بين «أحمد» و«بلال» ولا ترتيب بين «إبراهيم» و«أحمد».
وطبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1353 في طهران بعناية المرحوم عباس إقبال الذي قام بتصحيحه ومقابلته والتقديم له. وطبع مرة أخرى سنة 1381 مع تعليق ومقدمة مفصلة للسيد صادق بحر العلوم في 153 صفحة في المطبعة الحيدرية بالنجف. وهو في متناول اليد.
2 ـ فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن أبي القاسم عبيدالله بن بابويه القمي (توفي بعد 585))[432](.
اسم هذا الكتاب «أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم». وموضوعه، ذكر أصحاب الأصول والمصنفين الذين جاؤوا بعد الشيخ الطوسي أو عاصروه ولم ترد أسماؤهم في «الفهرست». فهذا يتفاوت من حيث الموضوع، لاشتماله على المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ، مع كتاب معاصره يعني معالم العلماء المتضمن للمتقدمين على الشيخ. وبناء على تحقيق عباس إقبال في مقدمة معالم العلماء، فإن هذين الكتابين مع كونهما من عالمين معاصرين وأنهما صدرا في وقت واحد تقريباً، قد كتبا دون علم لأحدهما بالآخر. وهذه الحقيقة لا تقبل الشك بالنسبة للشيخ منتجب الدين، لأنه في مقدمة كتابه بعد أن ذكر الفهرست، أضاف قوله: «ولم يصنف بعده شيء من ذلك…» وعليه، فإما أن يكون معالم العلماء في ذلك التاريخ ما زال يؤلف بعد، وإمّا أنه لم يصل إلى علم الشيخ منتجب الدين.
وترتيب هذا الكتاب عين ترتيب كتاب المعالم بلا زيادة ولا نقصان وحجمه أقل منه. وقد طبع مرة واحدة فقط بقطع كبير (رحلي) منضماً إلى الكتاب المعروف بحار الأنوار (في أول المجلد الخامس والعشرين) طبعة حجرية. وهو في حاجة إلى التصحيح وتجديد الطبع.
3 ـ تلخيص الفهرست، تأليف الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق الحلي (المتوفى سنة 676).
اكتفى في هذا الكتاب باسم الرجال والكتاب وبعض خصوصياتهم، وحذفت أسماء الكتب وكذلك سند المؤلفين. وبناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة، فإن نسخة من هذا الكتاب توجد في المكتبة الخاصة للسيد حسن الصدر.
4 ـ ترتيب القهبائي:
المولى عناية الله القهبائي كما علمنا جامع الأصول الأربعة الرجالية في مجموعة «مجمع الرجال» وقد رتب جانباً من هذه الأصول أيضاً على حدة، سبق أن تكلمنا عنها عند الكلام عن ترتيب اختيار الرجال. ومن بين الكتب التي رتبها «الفهرست» وقد ذكر هذا بنفسه في مقدمة مجمع الرجال.
5 ـ ترتيب البحراني:
الشيخ علي بن عبدالله الأصبعي البحراني (المتوفى سنة 1127) هو الآخر رتب الفهرست. وهذا الكتاب ثابت برقم 277 في المجلد الرابع من الذريعة. وليس لدينا اطلاع على خصوصياته، وعما إذا كانت نسخة منه باقية أم لا وأين هي.
6 ـ شرح الفهرست:
شرح الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله البحراني الماحوزي (1075 ـ 1121) الفهرست وصححه ورتب تراجمه وأطلق عليه «معراج الكمال إلى معرفة الرجال» ولكن هذا الكتاب لم يكتمل، ولم يكتب منه إلاّ حرف الألف (بناء على قول الكلباسي في سماء المقال/42) أو كتب منه حتى حرف التاء (بناء على رواية السيد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ عن قول الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين).
7 ـ بناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة (ج4/66) فإن أحد الفضلاء رتب الفهرست بترتيب الحروف: الحرف الأول والثاني والثالث. وفرغ منه سنة 1005، وهو نفس النسخة التي طبعت في كلكتا سنة 1271 الهجرية.
الرجال (علم)
ـ 2 ـ
تسميته:
يعرف هذا العلم بـ (علم رجال الحديث)، وقد يختصر فيقال (علم الرجال). وبغية أن نتبين معنى مفردات هذا العنوان نقول:
1 ـ المراد بالعلم: مجموعة الأصول العامة أو القواعد الكلية لهذا النوع أو الحقل من المعرفة الذي نحن بصدد دراسته.
2 ـ المراد بالرجال: الرواة للأخبار والآثار الشرعية سواء كان الراوي ذكراً أو أنثى، رجلاً أو امرأة.
وإطلاق لفظ (الرجال) ـ هنا ـ جاء من باب التغليب، أو لأن عدد الرواة من النساء بالإضافة إلى عدد الرواة من الرجال قليل جداً فكأنه لم يكن.
3 ـ والمراد بالحديث مايروى عن المعصوم من سنة قولية أو فعلية.
وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أن عنوان (علم رجال الحديث) كثيراً ما يطلق في ألسنة العلماء وكتاباتهم على مادة (رجال الحديث).
وقد يعود هذا إلى الجمع في البحث والتأليف ـ سابقاً ـ بين العلم والرجال، وعدم استقلال العلم عن الرجال.
والآن حيث كتب في علم الرجال بشكل مستقل ـ كما سيأتي ـ واستقل علم الرجال عن الرجال لا بد من أن نفرق بينهما فنطلق عنوان (علم الرجال) على القواعد العامة والضوابط الكلية، ونطلق عنوان (أسماء الرجال) على قيم الرواة من توثيق وتحسين وسواهما تلكم القيم المذكورة في كتب الرجال قرين اسم كل راوٍ.
والمراد بالأسماء: أسماء الرواة ولعل استخدام الأسماء في العنوان لأن البحث في الرواة يبدأ بتشخيص الراوي، والتشخيص يبدأ بالاسم.
تعريفه:
وقبل أن أذكر تعريف هذه المادة العلمية، لا بد من الإشارة إلى أن ما نروم تعريفه هنا هو علم رجال الحديث، لا أسماء رجال الحديث، ولأن المتقدمين لم يفرقوا في التعريف بينهما سأذكر ما ذكروه من تعريفات ثم أحاول إلقاء الضوء عليها للانتهاء إلى تعريف هذه المادة من خلال التعليق والمقارنة:
ذكر الشيخ المامقاني في مقدمة كتابه الرجالي (تنقيح المقال في أحوال الرجال) أربعة تعريفات، وهي:
1 ـ إنه العلم الباحث عن رواة الأخبار الواردة عن رؤساء الدين من حيث الأحوال التي لها مدخل في الرد والقبول وتميز ذواتهم عند الاشتباه.
2 ـ إنه علم يقتدر به على معرفة أحوال خبر الواحد صحة وضعفاً، وما في حكمهما بمعرفة سنده ورواة سلسلته منه ذاتاً ووصفاً، مدحاً، وقدحاً، وما في معناهما.
نقله عن كتاب (لب الألباب) في الدراية وعلم الرجال للشيخ محمد جعفر الأسترابادي المتوفى سنة 1263هـ.
3 ـ إنه ما وضع لتشخيص رواة الحديث من حيث هم كذلك ذاتاً ووصفاً مدحاً وقدحاً.
نسبه إلى بعض المحققين، وهو المولى علي الكني في كتابه (توضيح المقال).
4 ـ إنه علم يبحث فيه عن أحوال الراوي من حيث اتصافه بشرائط قبول الخبر وعدمه.
نسبه إلى بعض الأواخر.
وعرّفه شيخنا الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10/80) بأنه:
5 ـ علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث وأوصافهم التي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه.
وهذه التعاريف ـ وكما هو واضح ـ تلتقي عند مؤدى واحد، أو بتعبير أدق: عند موضع واحد، هو دراسة أحوال الرواة، ومن جانبين هما:
أ ـ تشخيص وتعيين هوية الراوي باسمه ونسبه أو نسبته، وما إلى ذلك.
ب ـ معرفة نعته أو وصفه الذي له علاقة ومدخلية بقبول روايته أو رفضها، منه حيث كونه عادلاً أو غير عادل، ثقة أو غير ثقة، ممدوحاً أو مقدوحاً، موثقاً أو مفسقاً، مضعفاً أو مهملاً أو مجهولاً.
ولكن قد يلاحظ عليها: أن أحوال الرواة موضوع مشترك بين مادة أسماء رجال الحديث ومادة علم رجال الحديث، إذ كل منهما يدرس أحوال الراوي، والفرق بينهما أن العلم يدرس الكليات أو القواعد العامة لمعرفة أحوال الرواة، وأسماء الرجال يدرس الجزئيات التي هي مصاديق لكليات العلم ومنطبقات لقواعده العامة.
وعليه: عندما نقول: (هذا العلم يبحث فيه عن معرفة أحوال الرواة)، فإن هذا القول يشمل الاثنين ـ مع التسامح بإطلاق عنوان العلم على مادة أسماء الرجال ـ، فنحتاج ـ على هذا ـ إلى ما يميز بينهما، ولأننا في صدد تعريف مادة علم رجال الحديث لا مادة أسماء رجال الحديث نضيف إليه كلمة (أصول) أو (قواعد) فنقول في تعريفه:
إنه العلم الذي يبحث فيه عن قواعد معرفة أحوال الرواة من حيث تشخيص ذواتهم، وتبين أوصافهم التي هي شرط في قبول روايتهم أو رفضها.
وباختصار: هو دراسة قواعد معرفة أحوال الرواة.
ذلك أن (قواعد) تعني العلم، و(الرواة) قرينة توضح معنى الأحوال أو المقصود بالأحوال، فلا نحتاج إلى إضافة قيود احترازية للتعريف.
موضوعه:
ومن تعرفنا تعريفه عرفنا موضوعه، وهو (أحوال الرواة).
فهذا العلم يعطيننا القواعد العامة التي في ضوئها نستطيع أن نشخص ونعين هوية الراوي باسمه ونسبه ونسبته، وما إلى هذه، وأن نعرف حاله من حيث الوثاقة واللاوثاقة، لنقرر ـ بعد هذا ـ أنه ممن تقبل روايته، أو هو ممن ترفض روايته.
وينبغي أن نلفت النظر إلى ملاحظة مهمة هنا، هي: أن موضع استخدام قواعد هذا العلم لتطبيقها على جزئياتها ومواردها يأتي في مجالين هما:
1 ـ عصر الراوي:
في مثل هذا المجال تأتي معرفة الراوي ومعرفة حاله من حيث الوثاقة وعدمها عن طريقين، هما:
أ ـ مشاهدته واختبار حاله.
ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة الواقعية).
ب ـ شهادة من يعرفه مباشرةً ممن هم بمستوى الشهادة من العدالة أو الثقة. ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة الظاهرية).
2 ـ بعد عصر الراوي:
كما هي الحال بالنسبة إلينا الآن حيث توقفت الرواية، وأصبح الاعتماد في الوصول إليها على مراجعة الكتب: كتب الحديث وكتب الرجال، فلا مجال لمعرفة الراوي معرفة واقعية أو معرفة ظاهرية.
في مثل هذه الحال تأتي معرفته من قبلنا عن طريق الرجوع إلى كتب الرجال، وملاحظة تقييم أصحابها للراوي.
ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة العلمية)، لأننا ـ هنا ـ نقوم بتطبيق القواعد العلمية لهذا العلم على تقييمات الرجاليين مؤلفي الكتب الرجالية، أمثال: الطوسي والنجاشي لننتهي إلى النتيجة المطلوبة، وهي قبول الرواية أو رفضها.
فائدته:
من خلال دراستنا في علم أصول الحديث لموقف علمائنا من مرويات المشايخ الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) في كتبهم الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) رأيناهم ينقسمون إلى فريقين: فريق يذهب إلى أن مرويات المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة مقطوع بصدورها من المعصومين (عليهم السلام)، وفريق يذهب إلى أنها مظنونة الصدور.
فمن ذهب إلى قطيعة صدورها لا يرى فائدة في دراسة علم الرجال، وكذلك لا فائدة في الرجوع إلى كتب الرجال لمعرفة قيم الرواة لأن الاستفادة منها إنما تكون بناء على ظنية صدورها لإثبات وثاقة الراوي، ومن ثم الأخذ بقوله.
ومن ذهب إلى ظنية صدورها يرى لزوم البحث في علم الرجال والاجتهاد فيه، ومن ثم تطبيق نتائج البحث والاجتهاد على تقييمات الرجاليين في كتبهم، وذلك لكي يثبت الباحث أو الفقيه من خلال رجوعه إلى تقييمات الرجاليين، وتطبيق نتائج اجتهاداته عليها وثاقة الراوي ليكون خبره حجة، أو عدم وثاقته فيعرض عن قبوله.
ولأنّا انتهينا في دراستنا هناك لمرويات المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة إلى أنها غير مقطوعة الصدور تكون حاجتنا لدراسة علم الرجال ضرورية ولا بد منها لمن يريد الاجتهاد والاستنباط.
ولا أدل على هذا من الاستقراء لحال الرواة الذي يثبت أن فيه ممن هو ليس بثقة، ومن نص على كذبه واختلاقه الحديث أمثال المغيرة بن سعيد وأبي الخطاب اللذين روى فيهما الشيخ الكشي عن محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي، قالا: حدثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن: أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا!
فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟!
فقال: حدثني هشام بن الحكم: إنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حيثاً إلاَّ ما وافق القرآن والسنَّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ درس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنّة نبينا محمد (ص)، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله ـ عز وجل، وقال رسول الله (ص).
قال يونس: وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعدُ علي أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن حدّثنا، حدّثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنَّة، إنما عن الله وعن رسوله نحدث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصدق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه، وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة، وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه، ولا نور عليه، فذلك قول الشيطان.
وعنه، عن يونس، عن هشام بن الحكم: أنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم»)[433](.
وأشار الشيخ الطوسي في كتابه (العدة 1/366) إلى وجود من هو ليس بثقة في رواتنا، قال: «إنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم.
وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها.
وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده، وضعفه بروايته، هذه عادتهم على قديم الوقت».
وفي الرجوع إلى أمثال (مرآة العقول) و(ملاذ الأخيار) يقف الدارس على أمثلة وشواهد من اشتمال الكتب الأربعة على رواة غير ثقات.
وللتدليل على هذا رجعت إلى كتاب (ملاذ الأخيار) ـ نشر مكتبة آية الله المرعشي سنة 1406هـ ج1 ص32 ـ 114 باب الأحداث الموجبة للطهارة، فرأيت الشيخ المجلسي ـ مؤلف الكتاب ـ قد نص على جهالة وضعف الأحاديث ذوات الأرقام قرينتها، المذكورة في أدناه لاشتمال أسانيدها على مجهولين وضعاف، وهي:
| ص
51 52 54 78 80 88 91 91 93 97 103 112 |
رقم الحديث
6 7 8 19 22 30 32 33 36 41 44 57 |
قيمته
مجهول مجهول مجهول مجهول مجهول مجهول ضعيف ضعيف مجهول ضعيف ضعيف ضعيف |
وهذه كلها في كتاب (التهذيب) أحد الكتب الأربعة.
وأعطى أستاذنا السيد الخوئي في كتابه (معجم رجال الحديث 1/66) أمثلة وشواهد منها:
الراوي المضعف
علي بن حجزة البطائني ـ يونس بن ظبيان ـ عبدالله بن خداش.
الكتاب
الكافي، ج1، ك3، ب11، الحديث 1.
التهذيب، ج5، باب ضروب الحج، الحديث 95، والاستبصار، ج1، باب أن التمتع فرض من نأى عن الحرم، الحديث 513.
الكافي، ج7، ك2، ب14، الحديث 4.
وقال الشيخ المجلسي في كتابه (ملاذ الأخيار 1/24): «وقد جرى رئيس المحدثين، ثقة الإسلام محمد بن بابويه ـ قدس الله روحه ـ على متعارف المتقدمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه، فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، وذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع.
وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين، ومنخرط في سلك الحسان والموثقات بل الضعاف».
وفي هدي ما تقدم تصبح الحاجة إلى دراسة علم الرجال أساسية، ومن المقدمات الضرورية للبلوغ إلى مرتبة الاجتهاد الفقهي، وتطبيق عملية الاستنباط.
وبهذا صرّح جمع من علمائنا، منهم العلاّمة الحلي، فقد قال في مقدمة (الخلاصة): «أما بعد: فإن العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية، وعليه تبنى القواعد السمعية، يجب على كل مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية، والروايات عن الأئمة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيات. فلا بد من معرفة الطريق إليهم، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله».
ومنهم الشيخ الماحوزي قال في خطبة كتابه (معراج أهل الكمال في معرفة الرجال): «إن معرفة أحوال الرواة ومراتبهم أساس معرفة الأحكام الشرعية، إذ هي معظم الأدلة التفصيلية السمعية، إذ أكثر الأحكام الدينية مستفادة من الأخبار النبوية والآثار الواردة عن العترة المعصومة الهادية المهدية.
فكان معرفة الرجال الناقلين لتلك الأخبار من الأمور الّلابُدية التي لا يستغني الفقيه عن معرفتها، لأن في رجالنا وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز التعويل على حديثه».
ومنهم شيخنا الطهراني، قال في كتابه (مصطفى المقال): «لا يصير الفقيه فقيهاً ما لم يكن رجالياً، فإن إحدى مقدمات الاجتهاد معرفة رجال الحديث وسنده».
الفرق بين علم الرجال وأسماء الرجال:
ألمحت ـ فيما تقدم ـ إلى أن هناك فرقاً بين مادة علم رجال الحديث ومادة رجال الحديث التي أطلقنا عليها عنوان أسماء رجال الحديث.
فالمادة الموجودة في المدونات المعروفة بكتب الرجال، أمثال: (رجال الكشي) و(رجال الطوسي) و(خلاصة الأقوال) للعلامة الحلي و(تنقيح المقال) للشيخ المامقاني، تحتوي اسم الراوي ونسبه أو نسبته، وتقييمه من قبل الرجاليين.
ولنأخذ لهذا مثالاً من كتاب (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) للعلاَّمة الحلي، قال في ص4:
ـ إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمي، أصله من الكوفة، وانتقل إلى قم، وأصحابنا يقولون: إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم، وذكروا أنه لقي الرضا (عليه السلام)، وهو تلميذ يونس بن عبدالرحمن من أصحاب الرضا (عليه السلام).
ولم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله».
والنص هذا ـ كما تراه ـ يحتوي تعريفاً وتقييماً للراوي المذكور.
بينما مادة علم الرجال تحتوي الأصول العامة والقواعد الكلية التي تطبق من قبل الباحث أو الفقيه على الجزئيات الموجودة في كتب الرجال التي هي تعريف الراوي وتقييم حاله، من أجل أن نعرف أنه ثقة أو غير ثقة.
فمن القضايا التي تبحث في هذا العلم وتساق مثالاً هنا: قضية بيان نوعية تقييم الرجالي لحال الراوي، هل هي من نوع الشهادة فيؤخذ بها، أو أنها نتيجة اجتهاد من الرجالي، فيتحمل هو مسؤوليته، وعلينا نحن أن نجتهد كما اجتهد.
إن نتيجة دراسة هذه القضية: أصل عام وقاعدة كلية.
فالفرق بينهما إذاً هو: أن علم الرجال يزودنا بالقواعد الكلية لنقوم بتطبيقها على جزئياتها ومواردها، مما هو مدوّن في كتب الرجال تعريفاً للراوي وتقييماً لحاله.
فمثلاً: إذا تحقق وثبت لنا نتيجة البحث والدراسة أن قول الرجالي في تعريف الراوي وتقييم حاله هو من نوع الشهادة، نستطيع أن نؤلف منه قاعدة كلية، كالتالي:
قول الرجالي إذا كان ثقة ثبتاً ضابطاً في حق الراوي هو شهادة يركن إليها ويعتمد عليها.
ونذهب نطبقها على مواردها في الكتب الرجالية.
وقد تمثلت مادة علم الرجال فيما يعرف بـ (الفوائد الرجالية) و(الكليات الرجالية).
وتمثلت مادة أسماء الرجال فيما يعرف بكتب الرجال التي هي بمثابة معاجم تشتمل على تعريف الراوي وتقييم حاله.
وسيتضح هذا أكثر عند حديثنا عن نشأة علم الرجال.
علاقة علم الرجال بالمعارف الشرعية الأخرى:
يعتبر علم الرجال من العلوم الإسلامية الخالصة التي لم تتأثر في وجودها بتجارب غير إسلامية، شأنه في هذا شأن سائر العلوم الشرعية الأخرى كعلم الحديث وعلم الفقه وعلم أصول الفقه.
ولأن هذه العلوم الشرعية جميعها تهدف إلى الوصول لمعرفة الأحكام الشرعية، تقوم بينها العلائق والروابط بسبب توزيع الأدوار الوظيفية لكل واحد منها في المساعدة على الوصول إلى هذا الهدف.
ومن هنا لا بد لنا من إيضاح علاقة علم الرجال بالمعارف الشرعية الأخرى.
وتبدأ علاقته بالمعارف الشرعية بأسماء الرجال، وقد تبينا ـ فيما سبقه ـ الفرق بين مادة علم رجال الحديث، ومادة أسماء رجال الحديث، بما يساعد في إلقاء الضوء على مسألتنا هذه، حيث قلنا هناك إن علم الرجال هو الكليات، وأسماء الرجال هي الجزئيات.
فالعلاقة بينهما علاقة الكلي بجزئياته، الكلي هو القواعد العامة التي يشتمل عليها علم الرجال، وجزئياته هي ترجمة الراوي في كتب الرجال التي تتمثل في تعريف شخصه وتقييم حاله.
وبعبارة أوضح: تتجسد العلاقة بينهما في عملية التطبيق: تطبيق القواعد العامة المستفادة من علم الرجال على جزئياتها ومواردها في كتب الرجال المتمثلة في تعريف شخص الراوي وبيان قيمة حاله من حيث الوثاقة وعدمها.
ولنوضح هذا بالمثال:
من المسائل التي تبحث في علم الرجال مسألة تعارض أقوال الرجاليين في تقييم الراوي، والتي تقول نتيجتها: يقدم قول الأكثر تحقيقاً والأقوى تدقيقاً.
وعلى هذا: لو رأينا في كتاب (رجال النجاشي) تقييماً لراوٍ معين يتعارض وتقييماً آخر للراوي نفسه، موجوداً في كتاب (رجال الطوسي)… هنا نطبق القاعدة المذكورة ونقدم قول النجاشي على قول الطوسي، لأن النجاشي أكثر تحقيقاً وأقوى تدقيقاً.
ثم تندرج العلاقة بينه وبين العلوم الشرعية الأخرى عن طريق علاقته برجال الحديث، ذلك أن أسماء الرجال بعد تطبيق قواعده أو كلياته لمعرفة قيمة السند، الذي يقدم هو بدوره المفردة لعلم أصول الفقه ليطبق عليها قواعده في تحديد حجية السند أو عدم حجيته، فيقدم بدوره المفردة لعلم الفقه لتطبيق قواعده في استنباط الحكم الشرعي من دلالة الحديث الشريف.
وخلاصة هذا التدرج هي:
1 ـ أسماء الرجال كجزئيات لقواعد علم الرجال.
2 ـ تطبيق قواعد علم الرجال لتهيئة الجزئيات لقواعد علم الحديث.
3 ـ تطبيق قواعد علم الحديث على مفردات السند لتقديم السند كجزئي تطبق عليه قواعد علم أصول الفقه.
4 ـ تطبيق قواعد علم أصول الفقه لمعرفة مستوى اعتبار السند من حيث الحجية وعدمها.
5 ـ القيام بعملية استنباط الحكم من متن الحديث الشريف من خلال تطبيق قواعد استنطاق دلالته.
ولنعط مثالاً لذلك من كتاب (الكافي) ـ كتاب الزكاة: باب فضل الصدقة ـ: «علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: سمعته يقول: يستحب للمريض أن يعطي السائل بيده، ويأمر السائل أن يدعو له».
إننا إذا أردنا أن نستدل بهذا الحديث الشريف علينا اتباع الخطوات التالية التي تبين لنا العلاقات المتدرجة بين موضوعنا وهو علم الرجال والعلوم الشرعية الأخرى:
1 ـ نرجع إلى كتب الرجال لنعرف مستوى قيمة كل راوٍ من رواة هذا الحديث وهم:
ـ محمد بن يعقوب الكليني، قال فيه النجاشي: «كان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم» = إمامي عادل.
ـ إبراهيم بن هاشم القمي، قال فيه الخوئي: «لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم»، ثم ذكر الأدلة الناهضة بإثبات وثاقته، راجع: معجم رجال الحديث 1/317 = إمامي عادل.
ـ محمد بن أبي عمير الأزدي، قال فيه النجاشي: «جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين» = إمامي عادل.
ـ عبدالله بن سنان، قال فيه النجاشي: «ثقة، من أصحابنا، جليل، لا يطعن عليه بشيء» ـ إمامي عادل.
2 ـ ثم نرجع إلى علم الرجال، ونطبق القاعدة الرجالية التي تقول: كل راوٍ شهد بوثاقته الرجاليون المتقدمون، أو قامت القرائن الدالة على وثاقته، هو ثقة.
وننتهي من تطبيقها إلى أن رواة هذا الحديث كلهم ثقات عدول.
3 ـ وبعد ذلك نرجع إلى علم الحديث، ونطبق القاعدة الحديثية القائلة: كل سند رواته إماميون عدول فهو صحيح.
فنتوصل إلى أن سند هذا الحديث معتبر وبمستوى الصحيح.
4 ـ ثم نرجع إلى علم أصول الفقه ونطبق القاعدة الأصولية التي تقول: خبر الثقة حجة.
فتسلمنا إلى أن هذا السند حجة لأن جميع رواته ثقات.
5 ـ وبعد ثبوت صحة صدور هذه الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ كما رأينا ـ نرجع إلى العرف الاجتماعي العربي، وسنراه يرى أن دلالة هذا الحديث هي من نوع الدلالة الظاهرية، لظهور معناه عندهم في استحباب إعطاء المريض الصدقة للسائل بنفسه، وأمره أن يدعو له بالشفاء.
6 ـ وأخيراً: نعود إلى علم أصول الفقه ونطبق على دلالة الحديث قاعدة الظهور التي تقول: كل ظاهر حجة.
فنقول:
هذا ظاهر + وكل ظاهر حجة = فهذا حجة.
ثم نصوغ النتيجة باللغة الفقهية فنقول: يستحب للمريض أن يعطي الصدقة للسائل بنفسه، كما يستحب له أن يأمره بالدعاء له بالشفاء.
وهكذا رأينا أن هذه العلوم الشرعية يرتبط بعضها بالآخر ارتباطاً تدرجياً، يمهد السابق منها للاحق، حتى الوصول إلى النتيجة، وهي استنباط الحكم الشرعي من الحديث الشريف.
نشأة علم رجال الحديث:
انبثق (علم رجال الحديث) من مادة (أسماء رجال الحديث)، وذلك من خلال التعامل معها بحثاً وتدريساً، حيث رُئي أن توضع لهذه الجزئيات ضوابط كلية تعرف بها وتقيّم، بسبب الحاجة للتوسع في عملية الاستنباط ووظيفة الاجتهاد نتيجة غيبة الإمام (عليه السلام) وتولي الفقهاء مهمة النيابة عنه في الإفتاء والقضاء والحكم.
ومن هنا، وتمهيداً لموضوعنا، وهو نشأة علم الرجال وتطوره، لا بد من إعطاء فكرة عن نشأة ما أطلقنا عليه أسماء رجال الحديث.
نشأة أسماء رجال الحديث:
كانت وثيقة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي ذكرناها في الكتاب المقرر لدرس علم الحديث، والتي تضمنت تقسيم الرواة إلى أربعة أقسام، البذرة الأولى لنشأة مادة أسماء الرجال، والفكرة الأولى التي انطلق منها التفكير في جمع أسماء الرواة، وتبيان هوياتهم، وتقييم أحوالهم.
والوثيقة هي:
في كتاب (الكافي): عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن، وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (ص)، أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟!.
قال: فأقبل (عليه السلام) عليّ فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: (أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ثم كذب عليه من بعده.
وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليست لهم خامس:
1 ـ رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (ص) متعمداً.
فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (ص) ورآه وسمع منه فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوْا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، ثم بقوا بعده (ص) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله… فهذا أحد الأربعة.
2 ـ ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئاً لم يحمله على وجهه، ووَهَمَ فيه، ولم يتعمد كذباً، فهو في يده، يقول به، ويعمل به، ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (ص).
فلو علم المسلمون أنه وَهَمَ لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
3 ـ ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئاً أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.
فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
4 ـ وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (ص)، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسوله (ص)، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه، ولم ينقص، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (ص) مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال الله تعالى في كتابه: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فيشتبه على من لا يعرف ولم يدرِ ما عنى الله به ورسوله (ص).
ليس كل أصحاب رسول الله (ص) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الإعرابي والطاري فيسأل رسول الله (ص) حتى يسمعوا»)[434](. فالإمام (عليه السلام) ـ في هذه الوثيقة العلمية القيمة ـ يقسم الرواة أربعة أقسام، هي:
1 ـ الراوي المنافق.
2 ـ الراوي الواهم.
وهو الراوي غير الحافظ أو ليس بالواعي.
3 ـ الراوي غير الضابط.
وهو الذي لا يميز بين أنواع الحديث ناسخها ومنسوخها وأمثال هذه.
4 ـ الراوي الثقة الضابط الحافظ.
وهو الذي تتوفر فيه شروط صدق نقله، وفي روايته شروط قبولها.
إن هذا التقسيم الرباعي من قبل الإمام (عليه السلام)، والذي استفاده من واقع الرواة ودراسة أحوالهم، عن ملاحظة فاحصة ونافذة لشخصياتهم وسلوكهم، فصورهم فيه هذا التصوير الواقعي، وضع العلماء أمام مسؤوليتهم الشرعية في رواية الحديث ونقله وجهاً لوجه، فكان المنطلق في دراسة أحوال الرواة، والاعتماد في قبول رواياتهم، على التقييمات التي تفاد من المشاهدة، وهو ما أطلقنا عليه المعرفة الظاهرية.
وكذلك كان لروايات الترجيح في مقام التعارض بين الخبرين المتضمنة لصفات الراوي دور مهم في التمهيد لانبثاق هذه المادة: مادة أسماء الرجال أو رجال الحديث، وهي أمثال:
1 ـ مقبولة عمر بن حنظلة، فقد جاء فيها مما يرتبط بموضوعنا: «قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
فقال (عليه السلام): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».
2 ـ مرفوعة زرارة، التي جاء فيها: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المعارضان، فأيهما آخذ؟
فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
فقلت: يا سيدي، إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم.
فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك».
فقد ذكرت الروايتان من صفات الراوي:
العدالة.
الوثاقة.
الصدق.
وأشارتا إلى أن هذه الأوصاف تتفاوت في المستوى، وأن الترجيح يتم بتقديم ذي المستوى الأعلى.
إن هذه الأحاديث وأمثالها كانت تمثل البدايات الأولى في تعريف الرواة وتقييمهم، حتى أنهت دراستها والبحث فيها إلى تدوين الكتب في أسماء الرجال وبيان أحوالهم من حيث الوثاقة وعدمها.
وكان هذا في أخريات القرن الثاني الهجري وأوليات القرن الثالث الهجري، يقول السيد حسن الصدر في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) ـ ص233 ـ: «وأما أول من أسس علم الرجال وصنف فيه فهو: أبو محمد عبدالله بن حيان بن أبجر الكناني، صنف (كتاب الرجال) كما في (فهرس أسماء المصنفين من الشيعة) للنجاشي، قال: وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة، وكان عبدالله واقفاً وكان فقيهاً، ثقة، مشهوراً، له كتب، منها: (كتاب الرجال)، إلى آخر ما ذكر من أسماء مصنفاته، ثم قال: ومات عبدالله بن جبلة سنة تسع عشرة ومايتين».
التأليف في أسماء رجال الحديث:
قرأنا في نص السيد الصدر المتقدم أن بداية التأليف في أسماء الرجال كان في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري.
1 ـ وأول من ألف فيه هو أبي محمد عبدالله بن جبلة الكناني. ثم توالت التواليف بعده، وممن ذكرهم شيخنا الطهراني في كتابه (مصفى المقال في مصنفي علم الرجال) من مؤلفي القرن الثالث الهجري:
2 ـ الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة 224هـ، له: كتاب المشيخة، وكتاب معرفة رواة الأخبار.
3 ـ أبو محمد الحسن بن علي بن فضال الكوفي المتوفى سنة 224هـ من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد عدَّ الشيخ النجاشي من جملة مصنفاته:
كتاب الرجال.
4 ـ ابنه أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضال الكوفي (ق3)، له: كتاب الرجال.
5 ـ الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري المتوفى بعد سنة 254هـ.
6 ـ أبو عبدالله محمد بن خالد البرقي الكوفي (ق3) من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، له: كتاب الرجال.
7 ـ ابنه أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكوفي المتوفى سنة 274هـ أو 280هـ، له: (كتاب الطبقات و(كتاب الرجال).
8 ـ أبو محمد جعفر بن بشير البجلي الوشاء المتوفى سنة 280هـ، له: (كتاب المشيخة)، وهو مثل كتاب الحسن بن محبوب إلا أنه أصغر منه.
9 ـ الشريف أحمد بن علي العلوي العقيقي المتوفى سنة 280هـ، له: كتاب تاريخ الرجال.
10 ـ علي بن الحكم النخعي الأنباري (ق3)، له: كتاب رجال الشيعة.
ولم يصل إلينا شيء من هذه الكتب، إلا ما ذكره شيخنا الطهراني في (الذريعة 15/145) من وجود (كتاب الطبقات) للبرقي، حتى عصرنا هذا، (وقد طبع بعنوان (رجال البرقي) مع (رجال أبي داود الحلي)، واختلف في نسبته فنسبه بعضهم إلى البرقي الابن: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ونسبه آخر إلى البرقي الأب: محمد بن خالد البرقي)، وإلا ما نقل إلينا من محتوياتها في بعض كتب الرجال المتأخرة عنها، كالذي نقله ابن حجر العسقلاني في كتابه الرجالي (لسان الميزان) عن كتاب (رجال الشيعة) لعلي بن الحكم، قال في الترجمة رقم 172: «إبراهيم بن سنان: ذكره علي بن الحكم في (رجال الشيعة) من أصحاب جعفر الصادق».
وفي الترجمة رقم 214: «إبراهيم بن عبدالعزيز: روى عن أبيه وجعفر الصادق، ذكره علي بن الحكم في رجال الشيعة».
وفي الترجمة رقم 857: «حسان بن أبي عيسى الصيقلي: ذكره علي بن الحكم في مصنفي الشيعة، وقال: روى عنه الحسن بن علي بن يقطين حديثاً كثيراً».
وكالذي نقله أستاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ في كتابه (معجم رجال الحديث) في الترجمة 169: «إبراهيم بن سنان: من أصحاب الصادق (عليه السلام). رجال البرقي».
وذكر في مقدمة المعجم تحت عنوان (الأصول الرجالية): «1 ـ رجال البرقي، المعبر عنه في فهرست الشيخ بـ (طبقات الرجال)، وقد اعتنى العلامة بهذا الكتاب في الخلاصة».
وفي حدود مراجعتي للخلاصة رأيته كثير النقل عن كتب الشيخ الطوسي: «الاختيار» و«الأبواب = الرجال) و(الفهرست»، وعن فهرس الشيخ النجاشي المعروف بـ (رجال النجاشي)، وعن كتاب ابن الغضائري (الضعفاء)، وعن كتب ابن عقدة.
ونقل عن البرقي في باب الكنى حوالي سبعين اسماً من أسماء أولياءالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
وانظر أيضاً ـ على سبيل المثال ـ تراجم كل من: داود بن أبي زيد، وسويد بن غفلة، وأبي ليلى، وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي.
ونقل عن الفضل بن شاذان ـ على سبيل المثال ـ في تراجم: بريد الأسلمي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وسعيد بن جبير، وعدي بن حاتم، ومحمد بن جبير بن مطعم.
ونقل عن العقيقي في أمثال تراجم: جابر بن يزيد، وحمران بن أعين، وخيشة الجعفي، وعبدالله بن عجلان، وأبي هريرة البزاز.
ونقل عن ابن فضال في ترجمة: جميل بن دراج.
ومصادر العلامة الحلي في (الخلاصة) هي مصادر معاصرة وزميله في الدرس ابن داود الحلي في كتابه المعروف بـ (رجال ابن داود)، فقد ذكرها ابن داود في مقدمته بقوله: «فصنفت هذا المختصر جامعاً لنخب كتاب (الرجال) للشيخ أبي جعفر (الطوسي) ـ رحمه الله ـ (والفهرست) له، وما حققه الكشي والنجاشي، وما صنفه البرقي والغضائري، وغيرهم… وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل، وبينت فيها المظان التي أخذت منها، واستخرجت عنها، فالكشي (كش)، والنجاشي (جش)، وكتاب الرجال للشيخ (جخ)، والفهرست (ست)، والبرقي (قي)، وعلي بن أحمد العقيقي (عق)، وابن عقدة (قد)، والفضل بن شاذان (فش)، وابن عبدون (عب)، والغضائري (غض)، ومحمد بن بابويه (يه)، وابن فضال (فض)…».
ويستظهر من هذا أن الكتب العشرة زائدة التأليف في أسماء الرجال التي ذكرت عناوينها في أعلاه، لم يبق منها حتى عصر العلامة الحلي، وهو القرن الثامن الهجري سوى الأربعة التي رجع إليها هو ومعاصره ابن داود الحلي، وهي:
1 ـ رجال البرقي.
2 ـ رجال العقيقي.
3 ـ رجال ابن فضال (الحسن بن علي).
4 ـ رجال الفضل بن شاذان.
واشتهر من مؤلفي أسماء الرجال في القرن الرابع الهجري.
1 ـ الكشي
أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي من علماء عصر الغيبة الصغرى، وعنوان كتابه: (معرفة الناقلين).
قال فيه الشيخ الطوسي في (الفهرست): «ثقة» بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد، له (كتاب الرجال)، أخبرنا عنه جماعة عن أبي محمد التلعكبري عنه».
وقال الشيخ النجاشي في حقه: «كان ثقة، عيناً، صحب العياشي، وأخذ عنه، وتخرج عليه، وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له: (كتاب الرجال)… أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، وغيره، عن جعفر بن محمد (بن قولويه) عنه بكتابه».
وكتاب الشيخ الكشي في أسماء الرجال، والمعنون بـ «معرفة الناقلين» من الكتب التي لم يقدر لها أن تكون بين أيدي الباحثين الرجاليين، وبخاصة مصنفي القرن السادس الهجري وما بعده.
ويرجع هذا إلى أن الكتاب المذكور لم يقتصر فيه مؤلفه على ذكر رواة الشيعة، وإنما جمع فيه بينهم وبين رواة أهل السنَّة والجماعة، إلى ملاحظات أخرى أوردت عليه، منها:
ـ الإكثار من الرواية عن الضعفاء.
سجل هذه الملاحظة عليه الشيخ أبو العباس النجاشي في كتابه الرجالي.
ويريد بروايته عن الضعفاء: رواياته في تعريف الرواة، وبيان أحوالهم.
وهذا يلزم بعدم الاعتماد على روايته إلا بعد التأكد والتوثق من سلامة إسنادها.
ـ كثرة الأغلاط فيه.
وهذه ـ أيضاً ـ مما سجله عليه الشيخ النجاشي في رجاله.
وهذه الأغلاط قد تكون علمية، وقد تكون فنية، كما أننا لا نعرف عن مستواها شيئاً، لأن الكتاب لم يصل إلينا، وذلك لأن الشيخ الطوسي عمد إلى هذا الكتاب واختصره في ما عنونه بـ:(اختيار معرفة الرجال)، فحل محل الأصل، وأصبح الرجوع إليه في معرفة آراء وأقوال الكشي، قال الشيخ أبو علي الحائري في كتابه (منتهى المقال) ـ ترجمة الكشي ـ: «ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة، خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة ـ طاب مضجعه ـ فلخصه، وأسقط منه الفضلات، وسماه بـ (اختيار الرجال).
والموجود في هذه الأزمان، بل وزمان العلامة وما قاربه، إنما هو اختيار الشيخ، لا الكشي الأصل»)[435](.
وسنتحدث عن الاختيار فيما يليه.
2 ـ ابن عقدة
أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبعي الهمداني الجارودي الزيدي المتوفى سنة 333هـ.
له أكثر من كتاب في أسماء الرجال، منها:
1 ـ كتاب التاريخچ
ذكر فيه رواة الحديث من الشيعة والسنَّة.
2 ـ كتاب من روى عن أمير المؤمنين.
3 ـ كتاب من روى عن الحسن.
4 ـ كتاب من روى عن الحسين.
5 ـ كتاب من روى عن فاطمة الزهراء من ولدها.
6 ـ كتاب من روى عن زيد الشهيد.
7 ـ كتاب من روى عن الباقر.
8 ـ كتاب الرجال في من روى عن الإمام الصادق.
ذكر الشيخ المفيد أن في كتاب الرجال أربعة آلاف راوٍ من ثقات أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام).
9 ـ كتاب تسمية من شهد حروب علي من الصحابة والتابعين.
10 ـ كتاب الشيعة من أصحاب الحديث.
وأشرت فيما تقدم أن كتب ابن عقدة كانت من مصادر ابن داود الحلي في كتابه الرجالي، ومن مصادر العلامة الحلي في كتابه (خلاصة الأقوال).
3 ـ الصدوق
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ.
له في أسماء الرجال.
1 ـ كتاب المصابيح.
بوّبه كالتالي:
ـ المصباح الأول فيمن روى عن النبي (ص) من الرجال.
المصباح الثاني فيمن روى عن النبي (ص) من النساء.
المصباح الثالث فيمن روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
ـ المصباح الرابع فيمن روى عن فاطمة (عليها السلام).
ـ المصباح الخامس فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح السادس فيمن روى عن أبي عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام).
ـ المباح السابع فيمن روى عن علي بن الحسين (عليه السلام).
ـ المصباح الثامن فيمن روى عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح التاسع فيمن روى عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام).
ـ المصباح العاشر فيمن روى عن موسى بن جعفر (عليه السلام).
ـ المصباح الحادي عشر فيمن روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
ـ المصباح الثاني عشر فيمن روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام).
ـ المصباح الثالث عشر فيمن روى عن أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام).
ـ المصباح الرابع عشر فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح الخامس عشر في أسماء الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات.
2 ـ كتاب الرجال، ولعله هو كتاب المصابيح.
وألمحت فيما سبق إلى أن كتب الصدوق كانت من مصادر ابن داود الحلي.
وأشهر مؤلفي الرجال في القرن الخامس الهجري:
1 ـ ابن الغضائري
أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله (ق ه)، له في أسماء الرجال:
1 ـ فهرس المصنفات:
ويبدو من عنوانه، ومما قاله الشيخ الطوسي فيه ـ كما ستأتي عبارته. أنه في ذكر أسماء كتب الحديث التي ألفها الرواة في عهود الأئمة (عليهم السلام)، والتي هي غير الأصول الأربعمائة.
2 ـ فهرس الأصول:
وهو في ذكر أسماء الكتب المعروفة بالأصول الأربعمائة.
وقد تلف هذان الكتابان بعد موته وقبل استنساخهما، ذكر هذا الشيخ الطوسي في مقدمة كتابه (الفهرست) بياناً لسبب تأليفه، قال: «إني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا… ولم أجد أحداً منهم استوفى ذلك… إلاّ ما كان قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله ـ رحمه الله ـ فإنه عمل كتابين، أحدهما في المصنفات، والآخر ذكر فيه الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه.
غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو ـ رحمه الله ـ، وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، على ما حكى بعضهم عنهم».
3 ـ كتاب الممدوحين والموثقين:
وكما هو صريح عنوانه، خاص في ذكر أسماء الممدوحين والموثقين من الرواة.
4 ـ كتاب الضعفاء:
وهو خاص في أسماء الرواة الضعفاء، كما هو صريح عنوانه.
وقد كثر النقل عنه لدى الرجاليين المتأخرين، بدءاً من الرجاليين الحليين: السيد أحمد بن طاووس المتوفى سنة (673هـ)، وتلميذيه: ابن داود الحلي والعلامة الحلي.
ويبدو من هذا أن الكتاب لم يعثر عليه، إلا من قبل السيد ابن طاووس الحلي.
ووجد ظهور لكتابه السابق في الممدوحين والموثقين في كتابي الشيخين ابن داود والعلامة الحليين.
ولشيخنا الطهراني رأي في نسبة هذا الكتاب لابن الغضائري يتلخص في أنه يستظهر ويستنتج من ملابسات الكتاب أنه ليس لابن الغضائري.
انظر كتابيه: الذريعة 290/ و10/88 ومصفى المقال 45 ـ 48.
ويذكر فيهما أيضاً أن السيد ابن طاووس أدرج كتاب الضعفاء ضمن كتابه (حل الأشكال في معرفة الرجال)، وعنه نقل من جاء بعده ما نسبوه لابن الغضائري من تجريحات، مع التصريح بالمنقول عنه، وبدونه.
وعندما حصل الشيخ عبدالله التستري المتوفى سنة (1021هـ) على نسخة (حل الأشكال) بخط مؤلفه (استخرج منه جميع ما فيه من عبارات ابن الغضائري في تراجم الرجال الضعفاء مرتبة على الحروف، وهو الموجود اليوم المعروف برجال ابن الغضائري).
وأدرج القهبائي ما في نسخة أستاذه الشيخ التستري في كتابه (مجمع الرجال) ـ كما تأتي الإشارة إليه.
2 ـ ابن عبدون
أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن الحاشر وابن عبدون والمتوفى سنة 423هـ.
له: (كتاب الفهرس)، وهو من مصادر المتعاصرَين الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في كتبهم الرجالية.
3 ـ النجاشي
أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الكوفي البغدادي المتوفى سنة 450هـ.
له: كتاب (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) المعروف بعنوان (رجال النجاشي).
قال فيه الميرزا النوري في خاتمة (مستدرك الوسائل 3/501): «العالم، النقاد، البصير، المضطلع، الخبير، الذي هو أفضل من خط في فن الرجال بقلم، أو نطق بفم، فهو الرجل كل الرجل، لا يقاس بسواه، ولا يعدل به من عداه، كلما زدت به تحقيقاً ازددت به وثوقاً، وهو صاحب الكتاب المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافة الأصحاب).
قال السيد الطباطبائي: وأحمد بن علي النجاشي أحد المشايخ الثقات، والعدول الأثبات، من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل، أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه».
4 ـ الطوسي
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ الفهرست.
2 ـ الأبواب ويعرف بـ (رجال الطوسي).
3 ـ اختيار معرفة الرجال، وهو تهذيب واختصار لرجال الكشي كما تقدم.
قال السيد بحر العلوم في (رجاله 3/228 و231): «صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في كل ذلك والإمام…».
وأما علم الأصول والرجال، فله في الأول: كتاب العدة، وهو أحسن كتاب صنف في الأصول، وفي الثاني: كتاب (الفهرست) الذي ذكر فيه أصول الأصحاب ومصنفاتهم.
وكتاب (الأبواب) المرتب على الطبقات من أصحاب رسول الله (ص) إلى العلماء الذين لم يدركوا أحد الأئمة (عليهم السلام).
وكتاب (الاختيار)، وهو تهذيب كتاب معرفة الرجال للكشي».
ومن أشهر من ألّف في أسماء الرجال في القرن السادس الهجري:
1 ـ منتجب الدين
الشيخ منتجب الدين علي بن موفق الدين عبيد الله بن بابويه القمي المتوفى بعد سنة 585هـ.
له كتاب (الفهرست)، وهو تتمة وتكملة لفهرست الشيخ الطوسي، أورد فيه ما فات الطوسي من أسماء معاصريه من المؤلفين الإماميين، وأكمله بذكر أسماء من كان في الفترة الزمنية بين عصره وعصر الشيخ الطوسي التي قد تناهز القرن ونصف القرن.
«أدرجه المجلسي في آخر مجلدات (البحار) بتمامه، وعمد إليه الشيخ الحر العاملي، وفرقه في (أمل الآمل) مع ضم تراجم أخر، استفادها من سائر الإجازات، كما صرح بذلك في (الآمل). والسيد البروجردي رتبه على الحروف، وعد تراجمه بثلاث وثلاثين وخمسمائة، وذيلهم بستين ترجمة فاتت المؤلف»)[436](.
وطبع في أيامنا هذه مستقلاً بتحقيق السيد عبدالعزيز الطباطبائي.
2 ـ ابن شهر آشوب
رشيد الدين محمد بن علي السروي الشهير بان شهر آشوب المتوفى سنة 588هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (معالم العلماء)، «ألفه تتميماً لفهرس شيخ الطائفة (الطوسي)، وذكر فيه أنه زاد عليه نحواً من ثلاثمائة مصنف»)[437](.
3 ـ ابن البطريق
شمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف بابن البطريق المتوفى سنة 600هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (رجال الشيعة)، وهو من مصادر ابن حجر العسقلاني في كتابه (لسان الميزان) وجلال الدين السيوطي في كتابه (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة).
وأشهر من ألف في أسماء الرجال في القرن السابع الهجري:
4 ـ ابن طاووس
جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحسني الحلي المتوفى سنة 673هـ.
له: كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال)، جمع فيه أسماء الرجال المذكورة في المصادر التالية:
1 ـ اختيار رجال الكشي، للطوسي.
2 ـ الأبواب، للطوسي أيضاً.
3 ـ الفهرست، للطوسي أيضاً.
4 ـ الفهرس، المعروف بالرجال، للنجاشي.
5 ـ كتاب الضعفاء، لابن الغضائري.
6 ـ الرجال، للبرقي (أحمد بن محمد بن خالد).
7 ـ معالم العلماء، لابن شهر آشوب.
ذكر هذا في مقدمة الكتاب، كما نقله عنه الشيخ حسن العاملي في مقدمة كتابه (التحرير الطاووسي)، قال: «قال السيد ـ رحمه الله ـ في أثناء خطبة الكتاب:
وقد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا أسماء الرجال المصنفين وغيرهم، ممن قيل فيه مدح أو قدح، وقد ألم بغير ذلك، من كتب خمسة:
ـ كتاب الرجال، لشيخنا أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضي الله عنه.
ـ وكتاب فهرست المصنفين، له.
ـ وكتاب اختيار الرجال من كتاب الكشي أبي عمرو محمد بن عبدالعزيز، له.
وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة.
رحمهم الله تعالى جميعاً.
ناسقاً للكل على حروف المعجم، وكلما فرغت من مضمون كتاب في حرف شرعت في الكتاب الآخر، ضاماً إلى حرف، منبهاً على ذلك، إلى آخر الكتاب.
وبعد الفراغ من الأسماء في آخره شرعت كذلك في إثبات الكنى، ونحوها من الألقاب.
ولي بالجميع روايات متصلة، عدا كتاب ابن الغضائري.
واختص كتاب الاختيار من كتاب الكشي بنوعي عناء لم يحصلا في غيره، لأنه غير منسوق على حروف المعجم، فنسقته، وغير ذلك من تحرير دبرته.
ثم القصد إلى تحقيق الأسانيد المتعلقة بالقدح في الرجال، والمدح حسبما اتفق لي.
وما أعرف أنه أحداً سبقني إلى هذا على مر الدهر وسالف العصر، وقد يكون عذر من ترك أوضح من عذر من فعل، ووجه عذري ما نبهت عليه أن الكتاب ملتبس جداً، وفي تدبيره على ما خطر لي بُعْدٌ عن طعن عدو، أو شك ولي، أو طعن في ولي، أو مدح لعدو، وذلك مظنة الاستيناس في موضع التهمة، والتهمة في موضع الاستيناس، وبناء الأحكام وإهمالها على غير الوجه، وهو ردم لباب رحمة، وفتح لباب هلكة».
وتعليقاً على هذا جاء في حاشية النسخة المطبوعة من (التحرير الطاووسي) ما نصه: «وقد علق الشيخ الجامع لهذا الكتاب على هذا الموضع بقوله: ذكر السيد ـ رحمه الله ـ بعد هذا الكلام ما نصه:
ثم أني اعتبرت بعد الكتب الخمسة:
ـ كتاب أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
ـ وكتاب معالم العلماء لمحمد بن شهر آشوب المازندراني.
فنقلت منهما أسماء الرجال، ورأيت أن أجعل ما اخترته من كتاب البرقي في غضون الرجال لشيخنا ـ رحمه الله ـ في الموضع اللايق به، وما اخترته من كتاب ابن شهر آشوب في آخر الكتب، ولم أجعل رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب البرقي مقفاة على حروف المعجم، إذ الرجال المشار إليهم نقل الرواية عنهم، بل جعلتهم في آخر الكتاب، مع أن صوارف الوقت عزيزة ومرادفه كثيرة.
قلت: وهذه الأسماء التي أشار إليها مع قلتها قد أصيب بالتلف أكثرها، ولو كان ما أجده من كتاب البرقي باقياً لحسن إفراده، لأن الكتاب المذكور ليس بموجود.
وإنما ذكرنا كلامه هذا ليعلم بالإجمال مضمون الكتاب مع نكت أخرى لطيفة لا يكاد يخفى على من تدبر الكتب المصنفة بعد السيد في هذا الفن».
وفي القرن الثامن الهجري اشتهر كل من متزاملي الدرس والتأليف متعاصري الزمان والمكان متوافقي الاسم واللقب: الشيخ حسن بن داود الحلي والشيخ حسن بن يوسف الحلي.
ـ ابن داود الحلي
تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المتوفى بعد سنة 707هـ. له: كتاب الرجال المعروف بـ (رجال ابن داود).
قال فيه الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي: «سلك فيه مسلكاً لم يسبقه إليه أحد من الأصحاب».
وأوضح الشيخ الحر العاملي في كتابه (أمل الآمل) مسلكه المذكور بقوله: «سلوكه في كتاب الرجال أنه رتبه على الحروف، الأول فالأول، في الأسماء وأسماء الآباء والأجداد.
وجمع جميع ما وصل إليه من كتب الرجال، مع حسن الترتيب، وزيادة التهذيب، فنقل ما في فهرستي الشيخ والنجاشي، والكشي، وكتاب الرجال للشيخ، وكتاب ابن الغضائري، والبرقي، والعقيقي، وابن عقدة، والفضل بن شاذان، وابن عبدون، وغيرها.
وجعل لكل كتاب علامة، بل لكل باب حرفاً أو حرفين، وضبط الأسماء، ولم يذكر من المتأخرين عن الشيخ إلا أسماء يسيرة»)[438](.
ولعله أخذ هذا من خطبة كتابه التي يقول فيها: «وبعد فإني لما نظرت في أصول الفتاوى الفقهية وفروعها النظرية، وحاولت الخلاص من الشبهات التقليدية، واتباع ما نشأت عليه من الفتاوى المحكية، اضطررت إلى سبر الأحاديث المروية عن الأئمة المهدية، والدخول بين مختلفها على الطريقة المرضية في القواعد الأصولية، واعتبار ما استنبطه الأصحاب منها من الفتاوى الفرعية، لأصطفي الموافق للحق في الروية، وأطرح المخالف بالكلية، رأيت من لوازم هذه القضية، النظر في الأحاديث الإمامية، ورجالها المرضية، وغير المرضية، فصنفت هذا المختصر، جامعاً لنخب كتاب (الرجال) للشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ، والفهرست) له، وما حققه الكشي، والنجاشي، وما صنفه البرقي والغضائري وغيرهم.
وبدأت بالموثقين، وأخرت المجروحين، ليكون الموضع بحسب الاستحقاق، والترتيب بالقصد لا بالاتفاق.
ورتبته على حروف المعجم في الأوائل والثواني، فالآباء، على قاعدة تقود الطالب إلى بغيته، وتسوقه إلى غايته، من غير طول وتصفح للأبواب، ولا خبط في الكتاب».
وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل.
وبينت فيه المظان التي أخذت منها، واستخرجت عنها، فالكشي (كش)، والنجاشي (جش)، وكتاب الرجال للشيخ (جخ)، والفهرست (ست)، والبرقي (قي)، وعلي بن أحمد العقيقي (عق)، وابن عقدة (قد)، والفضل بن شاذان (فش)، وابن عبدون (عب)، والغضائري (غض)، ومحمد بن بابويه (يه)، وابن فضال (فض).
وبينت رجال النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، فكل ما أعلمت عليه برمزٍ واحدٍ منهم فهو من رجاله، ومن روى من أكثر من واحد ذكرت الرمز بعددهم.
فارسول (ل)، وعلي (ي)، والحسن (ن)، والحسين (سين)، وعلي بن الحسين (بن)، ومحمد بن علي الباقر (قر)، وجعفر بن محمد الصادق (ق)، وموسى بن جعفر الكاظم (م)، وعلي بن موسى الرضا (ضا)، ومحمد بن علي الجواد (د)، وعلي بن محمد الهادي (دي)، والحسن بن علي العسكري (كر)، ومن لم يروِ عن واحد منهم (لم).
وهذه لجة لم يسبقني أحد من أصحابنا ـ رض الله عنهم ـ إلى خوض غمرها، وقاعدة أنا أبو عذرها».
وذكر السيد مصطفى التفريشي في كتابه (نقد الرجال) أن في كتاب ابن داود أغلاطاً كثيرة، وأعطى أمثلة لذلك، ثم أحصاها ـ من بعده ـ الشيخ أبو الهدى الكلباسي في كتابه (سماء المقال في تحقيق علم الرجال)، وأشار إليها بالتمثيل السيد محمد صادق بحر العلوم في تقديمه لكتاب ابن داود، ص14 بقوله: «المراد بالأغلاط أنه كثيراً ما يذكر الكشي، ويكون الصواب النجاشي، أو ينقل عن كتاب ما ليس فيه، واشتباه رجلين بواحد، وجعل الواحد رجلين، أو نحو ذلك من الأغلاط في ضبط الأسماء، وغير ذلك».
وقد كانت هذه الملاحظة مثار خلاف في تقييم الكتاب، ومدى صحة الاعتماد عليه عند الرجاليين المتأخرين.
أشار إلى هذا الميرزا النوري في خاتمة كتابه (مستدرك الرسائل 3/442) بقوله: «إلا أنهم (يعني الأصحاب) في الاعتماد والمراجعة إلى كتابه هذا بين غالٍ ومفرط ومقتصد.
فمن الأول: العالم الصمداني الشيخ حسين والد شيخنا البهائي، قال في درايته الموسومة بـ (وصول الأخيار): وكتاب ابن داود ـ رحمه الله ـ في الرجال مغنٍ لنا عن جميع ما صنف في هذا الفن، وإنما اعتمادنا الآن في ذلك.
ومن الثاني: شيخنا الأجل المولى عبدالله التستري، قال في شرحه على التهذيب: في شرح سند الحديث الأول منه، في جملة كلام له: ولا يعتمد على ما ذكره ابن داود في باب محمد بن أورمة، لأن كتاب ابن داود مما لم أجده صالحاً للاعتماد، لما ظفرنا عليه من الخلل الكثير في النقل عن المتقدمين، وفي تنقيد الرجال، والتمييز بينهم، ويظهر ذلك بأدنى تتبع للموارد التي نقل ما في كتابه منها.
ومن الثالث: جل الأصحاب فتراهم يسلكون بكتابه سلوكهم بنظائره».
ـ العلامة الحلي
جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الأسدي الحلي المتوفى سنة 726هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ كشف المقال في معرفة الرجال:
عرفه المؤلف في خطبة كتابه (الخلاصة) بقوله: «ذكرنا فيه كل ما نقل عن الرواة والمصنفين مما وصل إلينا عن المتقدمين، وذكرنا أحوال المتأخرين والمعاصرين، فمن أراد الاستقصاء فعليه به، فإنه كاف في بابه».
وكان يحيل عليه ويرجع إليه في كتبه الرجالية الأخرى الآتي ذكرها.
ويبدو أنه لم يعثر عليه فهو غير موجود الآن.
2 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال:
قال في خطبته يصفه ويوضح تبويبه، ويبين سبب تأليفه: «أما بعد، فإن العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية، وعليه تبنى القواعد السمعية، يجب على كل مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية والروايات عن الأئمة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيات ـ فلا بد من معرفة الطريق إليهم، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله، فدعانا ذلك إلى تصنيف مختصر في بيان حال الرواة ومن يعتمد عليه، ومن تترك روايته، مع أن مشايخنا السابقين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ صنفوا كتباً متعددة في هذا الفن، إلا أن بعضهم طول غاية التطويل مع إجمال الحال فيما نقله، وبعضهم اختصر غاية الاختصار، ولم يسلك أحد النهج الذي سلكناه في هذا الكتاب، ومن وقف عليه عرف منزلته وقدره، وتميزه عما صنفه المتقدمون، ولم يطل الكتاب بذكر جميع الرواة، بل اقتصرنا على قسمين منهم، وهم:
1 ـ الذين اعتمد على روايتهم.
2 ـ والذين أتوقف عن العمل بنقلهم، إما لضعفه، أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه، أو لكونه مجهولاً عندي.
ولم نذكر كل مصنفات الرواة، ولا طولنا في نقل سيرتهم، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمى بكشف المقال في معرفة الرجال».
وقد رجع إليه كل من تأخر عنه، ومن هنا كان من المصادر الرجالية المهمة، المستند إليها، والمعتمد عليها.
وقد طبع أكثر من مرة.
3 ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة:
وهو «في ضبط تراجم الرجال على ترتيب حروف أوائل الأسماء ببيان الحروف المركبة منها أسماؤهم وأسماء آبائهم وبلادهم وذكر حركات تلك الحروف»)[439](.
وقد عمد السيد جعفر الخوانساري (ت1158هـ) إليه، فرتبه وفق الطريقة المتعارف عليها عند الرجاليين المتأخرين من مراعاة الترتيب في الحرف الثاني والثالث أيضاً، وأخرجه بكتاب أسماه (تتميم الإفصاح في ترتيب الإيضاح).
وقام الشيخ علم الهدى محمد بن الفيض الكاشاني بترتيبه أيضاً وشرحه، مع زيادات فوائد أضافها عليه، وعنونه بـ (نضد الإيضاح)، وطبع بذيل فهرست الشيخ الطوسي في كلكتا بالهند باعتناء سپرنكر A. Springer . وطبع أصله، وهو الإيضاح، في إيران طبعاً حجرياً.
4 ـ تلخيص فهرست الشيخ الطوسي:
لخصه بحذف الكتب والأسانيد.
وفي القرنين التاسع والعاشر ضمر التأليف في أسماء الرجال، ثم عاد إلى نشاطه في القرن الحادي عشر بشكل تشكل فيه كثرته ظاهرة فارقة، ولعله من باب التعويض عن ذلكم الضمور الذي أشرت إليه.
ومن أشهر مؤلفي هذا القرن:
1 ـ صاحب المعالم:
جمال الدين أبو منصور حسن بن زين الدين العاملي المعروف بـ (صاحب المعالم)، المتوفى سنة 1011هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه.
2 ـ التعليقات على خلاصة الأقوال.
3 ـ التحرير الطاووسي.
وهو مضامين كتاب (الاختيار) الذي استخلصه الشيخ الطوسي من كتاب (معرفة الناقلين) لأبي عمرو الكشي، استخرجه الشيخ صاحب المعالم من كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس الحلي.
قال في خطبته: «هذا تحرير كتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي في الرجال، انتزعته من كتاب السيد الجليل العلامة المحقق جمال الملة والدين أبي الفضائل أحمد بن طاووس الحسني قدس الله نفسه وطهر رسمه».
ثم يوضح الباعث له على ذلك فيقول: «والباعث لي على ذلك أني لم أظفر لكتاب السيد ـ رحمه الله ـ بنسخة غير نسخة الأصل التي أغلبها بخط المصنف، وقد أصابها تلف في أكثر المواضع بحيث صار نسخ الكتاب بكماله متعذراً، ورأيت بعد التأمل أن المهم منه هو تحرير كتاب (الاختيار) حيث أن السيد ـ رحمه الله ـ جمع في الكتاب عدة كتب من كتب الرجال، بعد تلخيصه لها، ولما كان أكثر تلك الكتب منقحاً محرراً، اقتصر فيه على مجرد الجمع، فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتاب، لأن ما عدا كتاب ابن الغضائري منها، موجود في هذا الزمان، بلطف الله سبحانه ومَنّه، والحاجة إلى كتاب ابن الغضائري قليلة لأنه مقصور على ذكر الضعفاء، وأما كتاب الاختيار من كتاب الكشي للشيخ ـ رحمه الله ـ فهو باعتبار اشتماله على الأخبار المتعارضة من دون تعرض لوجه الجمع بينها محتاج إلى التحرير والتحقيق، ومع ذلك ليس بمبوب، فتحصيل المطلوب منه عسر، فعني السيد ـ رحمه الله ـ بتبويبه وتهذيبه، وبحث عن أكثر أخباره متناً وإسناداً، وضم إليه فوائد شريفة، وزوائد لطيفة، ووزعه على أبواب كتابه.
وحيث تعذر نسخ الكتاب آلى أمر تلك الفوائد إلى الضياع، مع أن أغلبها بتوفيق الله تعالى سليم من ذلك التلف، والذاهب منها شيء يسير، قليل الجدوى، فرأيت الصواب انتزاعه من باقي الكتاب، وجمعه كتاباً مفرداً، يليق أن يوسم بـ (التحرير الطاووسي لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي) نفع الله به تعالى».
2 ـ الجزائري
الشيخ عبد النبي بن سعد الدين الجزائري المتوفى سنة 1021هـ. له في أسماء الرجال: كتاب (حاوي الأقوال في معرفة الرجال). يقول شيخنا الطهراني في (مصفى المقال 251): «هو أول كتاب رتب الرجال فيه على أربعة أقسام بحسب القسمة الأصلية للحديث: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.
والكتب الرجالية قبله إما غير مقسمة أو مقسمة لها على قسمين، مثل (خلاصة العلامة) و(رجال ابن داود).
وفي المتأخرين رتب شيخنا الشيخ محمد طه نجف رجاله الموسوم (اتقان المقال) على ثلاثة أقسام».
3 ـ الميرزا الاسترآبادي
السيد الميرزا محمد بن علي الحسيني (الاسترآبادي المتوفى سنة 1028هـ. له ثلاثة كتب في أسماء الرجال ـ كبير ووسيط ووجيز ـ وهي:
ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، وهو الرجال الكبير، وقد طبع في إيران على الحجر.
ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال، وهو الوسيط.
ـ الوجيز.
4 ـ التفريشي
السيد الأمير مصطفى بن الحسين الحسيني التفريشي، كان حياً سنة 1044هـ.
له: كتاب (نقد الرجال)، طبع بإيران.
5 ـ القهبائي
زكي الدين عناية الله بن علي القهبائي.
له في أسماء الرجال: كتاب (مجمع الرجال)، جمع فيه الكتب الرجالية التالية أسماؤها:
ـ الاختيار من رجال الكشي، للطوسي.
ـ الأبواب (رجال الطوسي).
ـ الفهرست، للطوسي.
ـ الفهرس أو الرجال للنجاشي.
ـ الضعفاء، لابن الغضائري «الذي استخرجه أستاذه المولى عبدالله التستري (ت1021هـ) من كتاب رجال السيد ابن طاووس بغير إسناد… فرغ منه سنة 1016هـ».
وله أيضاً:
ـ ترتيب رجال الكشي، فرغ منه سنة 1011هـ.
ـ ترتيب رجال النجاشي.
ـ الحواشي على كتاب (نقد الرجال) للتفريشي.
ـ الحواشي على كتاب (منهج المقال) للأسترآبادي.
الحواشي على كتابي الكشي والنجاشي في الرجال.
6 ـ الطريحي
فخر الدين بن محمد علي الطريحي النجفي المتوفي سنة 1085هـ. له في أسماء الرجال:
ـ جامع المقال فيما يتعلق بالحديث والرجال.
ـ ترتيب مشيخة الفقيه.
ومن القرن الثاني عشر
1 ـ أمين الكاظمي:
الشيخ محمد أمين بن محمد علي الكاظمي (ق12).
له في أسماء الرجال:
ـ شرح جامع المقال لأستاذه فخر الدين الطريحي.
ـ هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين «في تمييز المشتركات، ويعرف بـ (مشتركات الكاظمي)، ألفه في سنة 1085هـ وهي سنة وفاة أستاذه ـ كما صرح فيه ـ، وكان حياً إلى سنة (1118هـ) على ما رأيت بخطه بعض تملكاته في التاريخ»)[440](.
«رتب الكتاب على ثلاثة أقسام:
أ ـ المشتركون في الاسم.
ب ـ المشتركون فيه وفي الأب.
ج ـ المشتركون في الكنى والنسب والألقاب.
وقد التزم الشيخ أبو علي (الحائري) في رجاله (منتهى المقال) بالنقل عن هذا الكتاب في كل ترجمة، ورمزه: مشكا».
نشر الكتاب ضمن منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي بقم.
2 ـ الحر العاملي
الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ رسالة الرجال.
ـ الفائدة الثانية عشرة من خاتمة كتابه (وسائل الشيعة) التي عقدها لأسماء الرجال.
3 ـ المجلسي
الشيخ محمد باقر بن محمد تقي المجلسي المتوفى سنة 1111هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (الوجيزة)، «اقتصر فيه على بيان ما اتضح له من أحوال الرواة، وجعل لها رموزاً:
ق = الثقة.
ح = الممدوح.
ض = الضعيف.
م = المجهول.
وفي خاتمته ذكر مشيخة الفقيه أيضاً مرمزاً.
صح = الصحيح.
ح = الحسن.
ق = الموثق.
م = المجهول.
ض = الضعيف.
ل = المرسل.
كتبه بالتماس جمع من الطلاب في أيام معدودة من رجب سنة 1086هـ)[441](».
4 ـ الأردبيلي
الشيخ محمد بن علي الأردبيلي (ق12).
أشهر مؤلفاته في أسماء الرجال: كتاب (جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد).
ويبدو أنه كالذيل لكتاب (تلخيص المقال) للميرزا الاسترآبادي فقد جاء في تقديم السيد البروجردي له ما نصه: «وأما كتابه هذا (جامع الرواة) فهو كالذيل لكتاب (تلخيص المقال) للسيد الجليل الميرزا محمد الاسترآبادي، وهو رجاله الأوسط (فقد) ذكر ديباجة التلخيص بعينها، ثم ذكر تراجمه بعين عبارته وترتيبه، فمن لم يجد له من فائدة زائدة في كتاب (نقد الرجال) للسيد الجليل التفريشي، ولا رواية له في الكتب الأربعة، اقتصر في ترجمته على ما في التلخيص، ورمز له في آخره (مح)، ومن وجد له فائدة زائدة في النقد أردفه بذكرها، ورمز له في آخرها (س)، ومن وجد له رواية أو روايات في الكتب الأربعة أعقبه بذكر ما له من الرواية فيها مع تعيين موضعها منها من حيث الكتاب والباب وغيرهما، ومع ذكر من رواها صاحب الترجمة عنه، ومن رواها عن صاحب الترجمة، ومن وجد له الرواية في الكتب الأربعة وأهمل ذكره في تلخيص المقال استدركه بذكره مع الإشارة إلى روايته على نحو ما ذكر.
وزاد أيضاً على التراجم المذكورة في تلخيص المقال تراجم المذكورين في فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي نزيل الري المتولد سنة أربع وخمسمائة والمتوفى سنة خمسة وثمانين وخمسمائة.
ولم يظهر لي وجه لهذه الزيادة إذ لم يقع أحد منهم في أسانيد الكتب الأربعة، ولا لذكرهم مدخل في تصحيحها أو اعتبارها، فعلى ما ذكرنا يكون بعض تراجم هذا الكتاب عين ما في تلخيص المقال بلا زيادة، وبعضها كالشرح له، وبعضها استدراكاً عليه، وبعضها زيادة عليه من غير موجب.
وبعد فراغه من التراجم ذكر خاتمة تلخيص المقال بما فيها من الفوائد العشر، وخاتمة نقد الرجال مع خمس مما فيها من الفوائد الست بعين عبارتهما حتى في عدد الفوائد، ولذلك حصل في عبارته شيء من التعقيد».
5 ـ السيد عليخان
صدر الدين علي بن أحمد الحسيني المعروف بالسيد علي خان المتوفى سنة 1118هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة).
رتبه على اثنتي عشرة طبقة، هكذا:
1 ـ الصحابة.
2 ـ التابعين.
3 ـ المحدثين الرواة.
4 ـ العلماء.
5 ـ الحكماء والمتكلمين.
6 ـ علماء العربية.
7 ـ السادة الصوفية.
8 ـ الملوك والسلاطين.
9 ـ الأمراء.
10 ـ الوزراء.
11 ـ الشعراء.
12 ـ النساء)[442](.
طبع الجزء الأول منه، وهو الخاص بالطبعة الأولى: طبقة الصحابة.
6 ـ الماحوزي
الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ. له في أسماء الرجال:
ـ معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال.
وهو شرح لفهرست الشيخ الطوسي على نحو الترتيب والتهذيب والتوضيح، قال في خطبته: «وقد صنف مشايخنا المتقدمون وعلماؤنا السابقون ـ روح الله أرواحهم وقدس أشباحهم ـ كتباً متعددة في هذا الفن الجميل، ومؤلفات متكثرة هي دساتير الجرح والتعديل.
ومن أحسن تلك المصنفات أسلوباً، وأعمها فائدة، وأكثرها نفعاً، وأعظمها عائدة، كتاب (الفهرست) لشيخ الطائفة ورئيس الفرقة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، قدس الله سره، ونور بلطفه قبره.
فقد جمع من نفائس هذا الفن الشريف خلاصتها، وحاز من دقايقه ومعرة أسراره نقاوتها، إلا أنه خال عن الترتيب، محتاج إلى التهذيب، يتعسر على الناظر فيه معرفة ما يحاوله، إلا بعد تفتيش كثير، فكأنه عقد قد انفصم فتناثرت لآليه.
مع أن أكثر نسخه الموجودة في أيدي أبناء الزمان، قد لعبت بها أيدي التصحيف، وركعت بها حوادث الغلط والتحريف.
فدعاني ذلك إلى أن كتبت هذا الشرح، محاولاً فيه ترتيب تراجمه على وجه أنيق، ومورداً أحوال رجاله على طرز رشيق، مصلحاً ما لعبت به أيدي الترف والفساد، مستضيئاً في ذلك بنور التوفيق ومصباح الرشاد، منبهاً في أكثر تراجمه على هفوات أفهام المتأخرين، وطغيان أقلام الناسخين، ذاكراً في ضمن ذلك ما اعتمد عليه، ونزك أو تبجيل.
وقد سميت كتابي هذا بـ (معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال)، ورتبته على حروف المعجم في أوله وثانيه، وهكذا إلى آخره، ليسهل أمره على ناظره، وما توفيقي إلا بالله في أوائله وأواخره.
وهكذا ألاحظ مع اتحاد الاسم حروف أبيه، جارياً على هذا المنوال، راجياً حسن التوفيق من حضرة ذي الجلال والجمال، ومنه الإمداد والتسهيل، وهو حسبي ونعم الوكيل».
ـ بلغة المحدثين:
وهي رسالة مختصرة كتبها بعد تأليفه لمعراج أهل الكمال، تذكرة لنفسه، ومرجعاً سهل المنال، قال في خطبته: «إني قد شرحت فيما سبق (فهرست الرجال) ووسمته بـ (معراج أهل الكمال) ورتبت فيه تراجمه على وجه أنيق، وحررت أحوال رجاله على طرز رشيق، وبسطت الكلام فيه بسطاً لا مزيد عليه، ونقحت المباحث الواقعة في تضاعيفه تنقيحاً يعطف قرائح أولي الألباب إليه.
إلا أنه طويل الذيل، ممتد السيل، فربما تنبو عنه طبائع إخوان الزمان لفتور عزائمهم وأفهامهم، وتتجافى عنه دواعي الإخوان لكونه فوق مرامهم، فعن بخلدي أن أكتب رسالة وجيزة في تحقيق أحوال الرجال، وأطوي فيها كشحاً عن القيل والقال، وأقتصر على بيان ما اتضح لي من أحوالهم، غير متعرض لاختلاف الأصحاب وأقوالهم، ولا للضعفاء والمجاهيل لعدم الفائدة، مع تأديته إلى التطويل».
وقد طبع الكتابان بإيران معاً.
ومن أعلام الرجاليين في القرن الثالث عشر:
1 ـ الوحيد البهبهاني
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني المتوفى سنة 1205هـ من تأليفاته في الرجال:
التعليقة،وهي حواش علقها على كتاب (منهج المقال) للميرزا الاسترآبادي، وقد طبعت معه سنة 1304هـ.
وأوردها الشيخ أبو علي الحائري تلميذ الوحيد البهبهاني في كتابه المعروف بـ (رجال أبي علي)، «فذكر في كل ترجمة النكات التي حققها أستاذه الوحيد، وجعل رمزه: تعق»)[443](.
2 ـ أبو علي الحائري
الشيخ أبو علي محمد بن إسماعيل الحائري المتوفى سنة 1216هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (منتهى المقال في أحوال الرجال) المعروف بـ (رجال أبي علي)، أبان شيخنا الطهراني في (الذريعة 23/13) عن طريقة المؤلف في تدوين كتابه قائلاً: «ابتدأ في كل ترجمة بكلام الميرزا الاسترآبادي) في الرجال الكبير (منهج المقال)، ثم بما ذكره الوحيد (البهبهاني) في التعليقة عليه، ثم بكلمات أخرى على ما شرحها في أول الكتاب، وقد ترجم نفسه في باب الكنى، وترك ذكر جماعة بزعم أنهم من المجاهيل، وبزعم عدم الفائدة في ذكرهم، وسبقه في إسقاط المجاهيل المولى عبدالنبي الجزائري في الحاوي، وكذلك المولى خداويردي الأفشار، وليتهم ما أسقطوهم لأنهم غير منصوصين بالجهالة من علماء الرجال، وصرح المحقق الداماد في الرواشح بلزوم الفحص عن حالهم، ولنعم ما فعله تلميذه المولى درويش علي الحائري حيث أفرد رسالة في ذكر من أسقطه الشيخ أبو علي من رجاله (وهي) بعنوان (تكملة رجال أبي علي)، وقد كتب الشيخ محمد آل كشكول كتاب (إكمال منتهى المقال)، ذكر في أوله وجه الحاجة إلى ذكر ما عدّوهم مجاهيل رداً على التاركين لذكرهم، ثم ذكرهم جميعاً».
3 ـ البروجردي
السيد حسين بن محمد رضا الحسيني البروجردي المتوفى سنة 1276هـ. له في أسماء الرجال: (نخبة المقال في علم الرجال)، منظومة، مطبوعة.
ومن القرن الرابع عشر:
1 ـ الكني
الشيخ علي بن قربان علي الكني المتوفى سنة 1306هـ.
له: كتاب (توضيح المقال في علم الدراية والرجال)، طبع مع رجال أبي علي.
2 ـ الجابلقي
السيد علي أصغر بن محمد شفيع الجابلقي البروجردي المتوفى سنة 1313هـ.
له: كتاب (طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال)، قسم فيه الطبقات إلى إحدى وثلاثين طبقة، ضمت 8261 راوياً وراوية، خصص الطبقة الأولى لذكر مشايخه ومعاصريه، واستمر حتى آخر طبقة وهي طبقة الصحابة.
3 ـ النراقي
الميرزا نجم الدين أبو القاسم بن محمد بن أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي المتوفى سنة 1319هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (شعب المقال)، طبع سنة 1367هـ.
4 ـ آل نجف
الشيخ محمد طه بن مهدي نجف المتوفى سنة 1323هـ.
له: كتاب (إتقان المقال في أحوال الرجال)، طبع سنة 1341هـ.
5 ـ الدنبلي
الشيخ ميرزا إبراهيم بن الحسين الدنبلي المتوفى سنة 1325هـ له: (ملخص المقال).
6 ـ العلياري
الشيخ علي بن عبدالله العلياري المتوفى سنة 1327هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ كتاب (بهجة الآمال في شرح زبدة المقال) التي هي منظومة السيد البروجردي المقدم ذكرها.
ـ (منتهى الآمال) وهو منظومة أتم بها منظومة (زبدة المقال) استدرك فيها ذكر الرواة المجاهيل، وأكثر المتأخرين، وأدرجها مع المنظومة مشروحة ضمن شرحها الذي أسماه بهجة الآمال المذكور في أعلاه.
7 ـ المامقاني
الشيخ عبدالله بن محمد حسن المامقاني المتوفى سنة 1351هـ.
له: كتاب (تنقيح المقال في أحوال الرجال)، وهو أوسع مدونة رجالية مطبوعة لدى الشيعة الإمامية، فقد ترجم فيه ـ كما هو مذكور مجدولاً في أوله لـ (16307) وكالتالي:
| من الأسماء
من الكنى من الألقاب من النساء المجموع |
13368
1444 1343 152 16307 |
تقريباً
تقريباً تقريباً تقريباً |
8 ـ اللواساني
الميرزا فضل الله بن شمس اللواساني المتوفى سنة 1353هـ.
له: كتاب (عين الغزال في فهرس أسماء الرجال)، «المطبوع في آخر فروع الكافي بطهران في (1310هـ)، وهو كتاب لطيف اقتصر فيه على الرواة إلى الطبقة السابعة، وهي طبقة الكليني، ورتبهم في جدولين لطيفين، أحدهما فيمن تحقق له أصل أو كتاب أو راوٍ معين عنه، والثاني فمن لم يتحقق فيه ذلك»)[444](.
9 ـ الصدر
السيد أبو محمد الحسن بن هادي الصدر المتوفى سنة 1354هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ تكملة أمل الآمل.
ـ مختلف الرجال.
ـ عيون الرجال.
ـ نكت الرجال.
ـ بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات، وغيرها.
10 ـ الكلباسي
الشيخ أبو الهدى بن محمد الكلباسي المتوفى سنة 1356هـ.
له:
ـ سماء المقال في علم الرجال.
ـ الدر الثمين في المصنفات والمصنفين.
ـ الفوائد الرجالية.
11 ـ الشهرستاني
السيد هبة الدين محمد علي بن حسين الشهرستاني المتوفى سنة 1386هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ ثقات الرواة.
ـ الشجرة الطيبة في سلسلة مشايخ الإجازات.
ـ طبقات أصحاب الروايات.
12 ـ التستري
الشيخ محمد تقي بن محمد كاظم التستري.
له: كتاب (قاموس الرجال)، طبع في إيران بعدة أجزاء.
ومن القرن الخامس عشر:
1 ـ الخرسان
السيد حسن بن عبدالهادي الخرسان النجفي المتوفى سنة 1405هـ. له في أسماء الرجال:
ـ شرح مشيخة التهذيب.
ـ شرح مشيخة من لا يحضره الفقيه.
ـ شرح مشيخة الاستبصار.
2 ـ الخوئي
السيد أبو القاسم بن علي أكبر الخوئي المتوفى سنة 1413هـ.
له: كتاب (معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة)، ترجم فيه لـ (15676) راوياً وراوية في ثلاثة وعشرين مجلداً، طبع في النجف الأشرف وبيروت وإيران.
ومن أهم ظواهره العلمية والفنية:
أ ـ وضع الراوي في مركزه الروائي، وذلك بذكر أسماء جميع الرواة الذين روى عنهم، وذكر أسماء جميع الرواة الذين رووا عنه.
ب ـ البحث العلمي ـ دراسة واستدلالاً ـ لإثبات مستوى الراوي من حيث الوثاقة والحسن.
جـ الاستقصاء لجميع ما ذكر في تقييم حال الراوي من روايات وأقوال، مع دراستها علمياً لقبولها أو رفضها.
3 ـ الشيخ جعفر السجاني
له: كتاب (أصحاب أمير المؤمنين).
4 ـ الشيخ محمد هادي الأميني
له: كتاب (أصحاب أمير المؤمنين والرواة عنه) طـ 1412هـ.
5 ـ السيد عبدالحسين بن علي أصغر النجفي
له: (أصحاب الإمام الصادق) و(أحسن التراجم لأصحاب الإمام موسى الكاظم).
6 ـ الشيخ محمد مهدي نجف
له: (الجامع لرواة وأصحاب الإمام الرضا).
7 ـ السيد محمد هادي بن محمد رضا الخرسان
له: (دراسة حول كتاب مجمع الرجال للقهبائي).
تبويب الكتب الرجالية
من أهم الجوانب الفنية التي ينبغي أن تعرف هي تبويب كتب أسماء الرجال.
وهي من خلال إلقاء نظرة على المطبوع منها تتنوع على أربعة أنماط من التبويب، هي:
1 ـ التبويب حسب الطبقات:
ويراد به تصنيف أسماء الرجال حسب طبقاتهم من حيث الزمان أو من حيث العنوان.
فمن الأول: كتاب (الأبواب) للشيخ الطوسي المعروف بـ (رجال الطوسي) والمطبوع بهذا العنوان أيضاً، فإنه رتبه حسب الطبقات التالية:
1 ـ باب من روى عن النبي (ص) من الصحابة.
2 ـ أسماء من روى عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
3 ـ أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
4 ـ أصحاب أبي عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام).
5 ـ أصحاب أبي محمد علي بن الحسين (عليه السلام).
6 ـ أصحاب أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليه السلام).
7 ـ أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
8 ـ أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام).
9 ـ أصحاب أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
10 ـ أصحاب أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد (عليه السلام).
11 ـ أصحاب أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي (عليه السلام).
12 ـ أصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).
13 ـ باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحد من الأئمة.
ورتب أسماء الرواة في كل باب حسب الحروف الهجائية (أ. ب. ت. ث…).
ثم أعقبها بـ (باب الكنى والألقاب) فـ (باب النساء).
ومنه أيضاً: كتاب (طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال) للسيد الجابلقي.
اعتمد في توزيع طبقاته على زمن الراوي فجعل الراوي طبقة، والمروي عنه طبقة، فكانت طبقاته ـ حسب هذا ـ إحدى وثلاثين طبقة، أولاها طبقة مشايخه ومعاصريه، وآخرها طبقة الصحابة.
قال في خطبته 1/33: «وأما الباب الأول ففيه طبقات تبلغ إلى الثلاثين ونيف، من هذا الزمان إلى زمان صحابة الرسول (ص)، والغالب درك أشخاص كل طبقة سابقة ولاحقة طبقة الوسط، إلا أنا قد لاحظنا الراوي والمروي عنه فجعلنا الأول في طبقة، والثاني في الأخرى، ولو بالنظر إلى غالب رجال كل منهما».
ومن الثاني: كتاب (الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة) للسيد علي خان المدني.
رتب طبقاته التي بلغت عدتها اثنتي عشرة طبقة حسب العناوين وكالتالي:
1 ـ طبقة الصحابة.
2 ـ طبقة التابعين.
3 ـ طبقة المحدثين والرواة.
4 ـ طبقة العلماء.
5 ـ طبقة الحكماء والمتكلمين.
6 ـ طبقة علماء العربية.
7 ـ طبقة السادة الصوفية.
8 ـ طبقة الملوك والسلاطين.
9 ـ طبقة الأمراء.
10 ـ طبقة الوزراء.
11 ـ طبقة الشعراء.
12 ـ طبقة النساء.
2 ـ التبويب حسب المستويات:
ويقصد به تصنيف أسماء الرجال حسب المستوى التوثيقي للراوي أو للرواية. فمن الأول: «كتاب (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) للعلامة الحلي».
قسّمه إلى قسمين:
ـ القسم الأول فيمن اعتمد (هو) على روايتهم.
ـ والقسم الثاني فيمن توقف عن العمل بنقلهم.
قال في خطبته: «ولم نطل الكتاب بذكر جميع الرواة بل اقتصرنا على قسمين منهم، وهم:
ـ الذين اعتمد على روايتهم.
ـ والذين أتوقف عن العمل بنقلهم، أما لضعفه، أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه أو لكونه مجهولاً عندي».
ومنه: كتاب (الرجال) لابن داود الحلي.
فإنه ـ أيضاً ـ قسم كتابه إلى قسمين:
ـ القسم الأول في ذكر الممدوحين ومن لم يضعفهم الأصحاب.
ـ والقسم الثاني في ذكر المجروحين والمجهولين.
قال في خطبة الجزء الثاني من الكتاب: «فإني لما أنهيت الجزء الأول من كتاب الرجال المختص بالموثقين والمهملين وجب أن أتبعه بالجزء الثاني المختص بالمجروحين والمجهولين».
ومن الثاني: كتاب (إتقان المقال في أحوال الرجال) للشيخ محمد طه نجف. بوبه على ثلاثة أقسام:
ـ الثقات.
ـ الحسان.
ـ الضعاف.
ومنه: كتاب (حاوي الأقوال في معرفة الرجال) للشيخ عبد النبي الجزائري. رتبه حسب أقسام الحديث:
ـ الصحيح.
ـ الحسن.
ـ الموثق.
ـ الضعيف.
3 ـ التبويب حسب التسميات المشترك فيها:
كما في كتاب (هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين) للشيخ محمد أمين الكاظمي المعروف بـ (مشتركات الكاظمي).
بوّبه على ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول للمشتركين في الاسم.
– القسم الثاني للمشتركين في الاسم واسم الأب.
ـ القسم الثالث في المشتركين في الكنى والألقاب والأنساب.
والهدف منه هو التمييز بين هذه المشتركات لتحديد هوية الراوي.
4 ـ التبويب المعجمي:
وهو تبويب أسماء الرجال حسب حروف المعجم (أ. ب. ت. ث…).
ومنه: كتاب (الفهرس) للنجاشي، وكتاب (الفهرست) للطوسي، وكتاب (معجم رجال الحديث) لأستاذنا السيد الخوئي.
الفرق بين أسماء الرجال والفهارس
ينقسم ما وصلنا إلينا من كتب أسماء الرجال من حيث المنهج إلى قسمين يلتقيان في الهدف وهو تحديد هوية الراوي وتقييم حاله من حيث الوثاقة وعدمها. والقسمان هما:
1 ـ كتب تترجم للراوي بتعريف شخصه وبيان حاله.
2 ـ وأخرى تهدف ـ مضافاً إلى ما تقدم من تعريف شخص الراوي وتبيان حاله ـ إلى ذكر مؤلفاته ـ وتأكيدها على ذلك، واعتباره الهدف الأساسي من تأليفها.
وباختصار:
تنقسم كتب أسماء الرجال إلى:
ـ كتب تراجم.
ـ كتب فهارس.
ومن كتب التراجم: كتابا (الاختيار) و(الأبواب) للشيخ الطوسي.
ومن كتب الفهارس: كتابا (الفهرست) للشيخ الطوسي و(فهرس أسماء مصنفي الشيعة) للشيخ النجاشي.
ولمعرفة الفرق بين كتب الفهارس الرجالية التي هي قسم من كتب أسماء الرجال، وكتب الفهارس العامة أمثال: كتاب (كشف الحجب والأستار عن أسامي الكتب والأسفار) للسيد الكنتوري، وكتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لشيخنا الطهراني، وكتاب (مرآة الكتب في أسماء رجال الشيعة ومؤلفاتهم) للشيخ علي بن موسى الخراساني التبريزي المعروف بثقة الإسلام المتوفى سنة 1330هـ، نذكر أهم الظواهر المنهجية لكل منهما:
1 ـ في كتب الفهارس الرجالية يبدأ مؤلف الفهرس بذكر اسم المؤلف ثم بيان حاله من حيث التوثيق وعدمه فتعداد مؤلفاته. والهدف الأساسي في التأليف هو الجرح والتعديل.
2 ـ وفي كتب الفهارس العامة يبدأ مؤلف الفهرس بذكر عنوان الكتاب ثم ذكر اسم المؤلف والبيانات الفنية للكتاب من خط وطبع وما إليهما.
وقد يبدأ بذكر اسم المؤلف ثم يذكر عناوين مؤلفاته.
وفي كلتا الطريقتين: الهدف الأساسي هو الكتاب ببيان عنوانه ومعرفة مؤلفه ومواصفاته الأخرى من خط وطبع وما إليهما.
الفرق بين أسماء الرجال والتراجم
من تبيننا أن كتب أسماء الرجال تتنوع من حيث منهج التأليف إلى نوعين هما: كتب التراجم وكتب الفهارس.
ولأننا تبينا هناك الفرق بين كتب الفهارس الرجالية وكتب الفهارس العامة، يأتي دور بيان الفرق بين كتب التراجم الرجالية وكتب التراجم العامة، ويتلخص في التالي:
1 ـ إن كتب التراجم العامة تؤكد على بيان سيرة المترجم له.
2 ـ أما كتب التراجم الرجالية فإنها تؤكد على بيان حال المترجم له من حيث الوثاقة واللاوثاقة.
هذا في منهج التأليف.
وفي مادة الكتاب فالفرق هو:
1 ـ تقتصر كتب التراجم الرجالية على ترجمة الرواة فقط.
2 ـ بينما في كتب التراجم العامة لا يقتصر على تراجم الرواة، وإنما تكون عامة للرواة وغيرهم.
وذلك مثل: كتابي (الاختيار) و(الأبواب) للشيخ الطوسي من كتب التراجم الرجالية.
ومثل: كتابي (طبقات أعلام الشيعة) للشيخ آقابزرك الطهراني و(أعيان الشيعة) للسيد محسن الأمين من كتب التراجم العامة.
الأصول الرجالية
الأصول الرجالية: هي تلكم الكتب المؤلفة في أسماء الرجال، واعتمدها أصحابنا مصادر أساسية واستندوا إليها مراجع أصلية، يستمدون منها ترجمة الراوي في تعريفه وتقييمه، ويرتكزون عليها منطلق بحث ودراسة ومداراً للاجتهاد والاستنباط.
وهي:
1 ـ الاختيار:
وعنوانه الكامل (اختيار معرفة الرجال)، ويعرف في الأوساط العلمية ولغة حواراتها بعنوان (رجال الكشي).
وهو اختيار الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي من كتاب (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) للشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي، وسماه الشيخ الطوسي في كتابه (الفهرست) بـ (معرفة الرجال)، وعبّر عنه النجاشي في (الفهرس) بـ (رجال الكشي).
اقتصر الشيخ الطوسي في اختياره منه على أسماء الرواة من الشيعة مع تهذيبه مما قد يعد من الأغلاط الفنية أو العلمية.
ويبدو مما ذكره المفهرسون والرجاليون أن الكتاب لم يعرف لدى الرجاليين إلا من خلال اختياره، يقول الشيخ أبو علي الحائري في (منتهى المقال) ـ ترجمة الكشي ـ: «ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة، خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة ـ طاب مضجعه ـ فلخصه، وأسقط منه الفضلات وسماه بـ (اختيار الرجال)، وهو الموجود في هذه الأزمان، بل وزمان العلامة وما قاربه، إنما هو اختيار الشيخ، لا الكشي الأصل».
ويشتمل ـ كما في ترقيم مطبوعة (اختيار معرفة الرجال) ـ على (1151) إسماً.
طبع في بمبي سنة 1317هـ، وطبع في النجف الأشرف بعنوان (رجال الكشي)، وأخيراً طبع بعنوان (اختيار معرفة الرجال) بتحقيق السيد حسن المصطفوي، وباهتمام مركز التحقيقات والمطالعات بكلية الإلهيات والمعارف الإسلامية ـ جامعة مشهد بإيران سنة 1348 هجرية شمسية، ومعه (فهرس رجال اختيار معرفة الرجال للكشي) من وضع محققه المصطفوي.
2 ـ الأبواب:
للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ويعرف في الأوساط العلمية بـ (رجال الطوسي).
وعُنون بـ (الأبواب) لأنه مرتب على طبقات الرواة من الصحابة فمن روى عن كل واحد من الأئمة ثم من لم يروِ عنهم إلا بالواسطة، وسمى مؤلفه كل طبقة باباً، فقال في الطبقة الأولى: (باب من روى عن النبي (ص) من الصحابة)، وهكذا.
«يتضمن زهاء (8900) اسم.
وغرضه من تأليفه مجرد تعداد أسمائهم، وجمع شتاتهم، وتمييز طبقاتهم ـ كما ذكر في مقدمته ـ لا تمييز الممدوح من المذموم.
وأما توثيقه لبعضهم في خلال ترجمته فهو استطرادي أو لدفع شبهة، ولذا ترى أنه لم يوثق فيه من لا خلاف فيه كزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير ليث المرادي، وهشام بن سالم، وهشام بن الحكم، كما أن جرح بعضهم قد جاء استطرادياً أو لدفع شبهة وثاقته وحسن حاله.
وقد ألفه ـ رحمه الله ـ بعد كتابه (الفهرست) لأنه كثيراً ما يحيل إليه في هذا الكتاب، ولا ينافي ذلك ذكره في عداد مؤلفاته في (الفهرست) عند ترجمة نفسه، إذ من المحتمل أنه أدرج ترجمة نفسه في (الفهرست) بعد أن فرغ من تأليفه للرجال، أو أنه بعد أن فرغ من تأليفه له أدرجه ضمن مؤلفاته في الفهرست، وذلك متعارف لدى المؤلفين.
وقد ذكر في مقدمة كتاب الرجال ما نصه: أما بعد فإني أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص) وعن الأئمة (عليهم السلام) من بعده إلى زمن القائم (عليه السلام)، ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يروِ عنهم (عليهم السلام)، وأرتب ذلك على حروف المعجم..» )[445](.
طبع في النجف الأشرف سنة 1381هـ بعنوان (رجال الطوسي) وبتحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم.
3 ـ الفهرست:
للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.
اشتمل على (909) اسم حسب ترقيم مطبوعة النجف الأشرف.
«حاول فيه مؤلفه ذكر المؤلفين الذين اتصل إليهم إسناده، مع الإيعاز إلى مكانتهم من الثقة والاعتماد أحياناً، والاكتفاء بذكر مؤلفاتهم اطراداً، إذ الغاية المقصودة له هو سرد المؤلفات، والإسناد إليها»)[446](.
طبع في الهند وإيران ثم في النجف الأشرف بتحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم.
4 ـ الفهرس:
للشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي.
وعنوانه الكامل: (فهرس أسماء مصنفي الشيعة)، ويعرف بين العلماء من أصحابنا بـ (رجال النجاشي).
طبع في الهند ثم في إيران بتحقيق الشيخ محمد جواد النائيني، معنوناً بـ (رجال النجاشي).
واحتوى ـ حسب ترقيم نشرة إيران ـ (1270) اسماً.
ولا خلاف بين علمائنا في صحة نسبة هذه الكتب الأربعة إلى مؤلفيها الثلاثة. ولوثاقة نسبتها إلى مؤلفيها، وثبوت عدالة مؤلفيها اعتمدوا عليها.
ولكن غير واحد من علمائنا خَمّسَ هذه الأصول الرجالية بإضافة كتاب (الضعفاء) إليها، وهو:
5 ـ الضعفاء:
اختلف في نسبته:
أ ـ فقيل: إنه من تأليف أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله الغضائري المتوفى سنة 411هـ.
ب ـ والمشهور: أنه من تأليف ابنه أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري (ق ه)، المعاصر للشيخين الرجاليين الطوسي والنجاشي، والمتوفى قبلهما لترحمهما عليه في كتابيهما الفهرسين عند ذكرهما له في غضون بعض التراجم.
ويفرق بين الأب والابن بتلقيب الأب بـ (الغضائري) والابن بـ (ابن الغضائري).
ومن اللافت للنظر أنه لم يرد أي ذكر أو أية إشارة إلى كتاب الضعفاء في فهرسي الطوسي والنجاشي، وكذلك الشأن في الكتب الرجالية المؤلفة بعدهما، حتى القرن الثامن الهجري حيث عثر السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحلي المتوفى سنة 673هـ، على نسخة من الكتاب، فأدرجها موزعة في كتابه الرجالي الموسوم بـ (حل الإشكال في معرفة الرجال)، الذي ألفه سنة 644هـ، وجمع فيه الأصول الرجالية الأربعة عن طريق روايتها عن مؤلفيها بأسانيده المعروفة إليهم، ومعها رجال البرقي ومعالم ابن شهر آشوب، وكتاب الضعفاء، ولكن مع تصريحه بعدم روايته له عن مؤلفه.
ومن بعد السيد ابن طاووس رجع كل من تلميذيه العلامة الحلي وابن داود الحلي في تأليفيهما لكتابيهما في أسماء الرجال (خلاصة الأقوال) و(رجال ابن داود) إلى كتاب (حل الإشكال) فنقلا منه تضعيفات ابن الغضائري، وتابعهما من جاء بعدهما من الرجاليين في النقل عنهما.
فكان كل من نقل تضعيفات ابن الغضائري من الرجاليين الذين تأخروا عن السيد ابن طاووس بدءاً بتلميذيه العلامة الحلي وابن داود الحلي حتى عصرنا هذا، نقلوا ما ذكره السيد ابن طاووس في كتابه (حل الإشكال).
ولأن (حل الإشكال) ـ هو الآخر ـ لم يقع في أيدي جميع الرجاليين من بعد ابن داود والعلامة اعتمد الناقلون عنه على كتابيهما، حيث بقي هكذا حتى وقف الشهيد الثاني (ت966هـ) على نسخة خط المؤلف السيد ابن طاووس، كما أشار إلى هذا في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي.
ثم انتقلت مخطوطة (حل الإشكال) بالإرث الشرعي إلى ولد الشيخ الشهيد الثاني الشيخ حسن صاحب المعالم المتوفى سنة 1011هـ، فاستخرج منها كتابه الذي وسمه بـ (التحرير الطاووسي).
وبعد هذا اختفت النسخة حتى عثر عليها الشيخ عبدالله التستري (ت1021هـ)، وكانت آيلة إلى التلف، فاستخرج منها عبائر كتاب (الضعفاء) خاصة، لعدم وجوده ـ كما ذكرنا ـ بين يدي الباحثين والعلماء، بخلاف الكتب الأربعة الأخرى، فإنها كانت موجودة ومتوفرة.
ثم قام تلميذ التستري وهو الشيخ عناية الله القهبائي فأدرج كتاب الضعفاء الذي استخرجه أستاذه التستري من كتاب حل الإشكال، أدرجه موزعاً في كتابه (مجمع الرجال) الذي جمع فيه الأصول الرجالية الخمسة.
نشأة علم رجال الحديث
إنوجد علم الرجال في مجال التطبيق قبل أن ينوجد في مجال النظرية، وذلك أن (أسماء الرجال) الذي ينطوي على تعريف الراوي وتقييم حاله، هو في واقعه تطبيق لنظريات وقواعد علم الرجال التي لم يقدر لها أن تدوّن في حينها علماً له أصوله ونظرياته.
وقد ألمحت إلى هذا عند بيان العلاقة بين مادتي علم الرجال وأسماء الرجال، فقلت ـ هناك ـ إن علم الرجال يمثل الكليات والقواعد العامة، وأسماء الرجال يمثل الجزئيات والمصاديق الخاصة التي تنطبق وتطبّق عليها كليات وقواعد علم الرجال.
فعلم الرجال هو النظرية، وأسماء الرجال هو التطبيق، وكان ينبغي أن تسبق النظرية التطبيق في عالمي الدرس والتأليف، ولكن الذي كان هو أن سبق التطبيق النظرية في عالم التأليف والتدوين، وقد أوحى هذا ـ وهو أمر طبيعي في دنيا العلوم ـ أن توضع النظرية.
وكانت البدايات لوضع النظرية قد انبثقت من خلال الدراسات الأصولية، في باب التعادل والترجيح للروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الموضوع أمثال مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة بن أعين اللتين تقدم ذكرهما، وفي باب حجية خبر الثقة استناداً إلى السيرة الاجتماعية الموروثة والممتدة من عهد رسول الله (ص) حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ففي هذا الباب حاول علماء الأصول أن يلتمسوا الطريق إلى معرفة ذلك.
ومن أقدم من قرأناه يشير إلى ذلك الشيخ الطوسي، فقد وضع النظرية لهذا، ملخصة في اعتبار خبر الواحد حجة إذا كان راويه ثقة لا ينكر حديثه ووجد في كتاب معروف أو أصل مشهور، يقول في كتابه (عدة الأصول 1/336 ـ 338): «فأما ما اخترته من المذهب: فهو أن خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) أو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديداً في نقله، ولم تكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر.
والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟، فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي (عليه السلام) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام)، ومن زمن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) الذي انتشر العلم عنه، وكثرت الرواية من جهته، فلولا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما أجمعوا على ذلك، ولأنكروه، لأن إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو».
فهو هنا يضع القاعدة أمام الباحثين، وفحواها: أن يعتمدوا على توثيقات الرجاليين المتقدمين مع وجود النص المروي في كتاب معروف أو أصل مشهور.
ومن بعده نقرأ المحقق الحلي في كتابه (معارج الأصول 150)، وهو يضع أمام الباحثين النظرية أو القاعدة لمعرفة عدالة الراوي بقوله: «عدالة الراوي تعلم باشتهارها بين أهل النقل، فمن اشتهرت عدالته من الرواة أو جرحه عمل بالاشتهار.
وإن خفي حاله وشهد بها محدث واحد، هل يقبل قوله بمجرده؟ الحق أنه لا يقبل إلا على ما يقبل عليه تزكية الشاهد وجرحه، وهو شهادة عدلين.
وإذا جرح بعض، وعدّل آخرون، قدم العمل بالجرح، لأنه شهادة بزيادة لم يطلع عليها المعدّل، ولأن العدالة قد يشهد بها على الظاهر، وليس كذلك الجرح».
ومن بعد هذا وأمثاله مما تناوله العلماء في الدرس الأصولي انبث الكثير من النظريات والقواعد الرجالية في غضون وثنايا تقييمات الرجاليين في المعاجم الرجالية، بما هيأ المادة الكافية لاستقلال علم الرجال وتدوين نظرياته وكلياته في كتب مستقلة.
ومن أقدم المعاجم الرجالية التي تناثرت فيها النظريات والكليات الرجالية كتاب (الخلاصة) للعلامة الحلي.
ومنه أمثال ما جاء في:
1 ـ ترجمة إبراهيم بن سليمان بن عبدالله بن حيان:
«قال الشيخ (ره): إنه كان ثقة في الحديث… وضعفه ابن الغضائري، قال: إنه يروي عن الضعفاء، وفي مذهبه ضعف، والنجاشي وثقه أيضاً كالشيخ، فحينئذٍ يقوى عندي العمل بما يرويه».
وهو ـ بهذا ـ يضع قاعدة رجالية، وخلاصتها: إذا تعارض توثيق الشيخين النجاشي والطوسي وتضعيف ابن الغضائري يقدم توثيق الشيخين.
2 ـ وكذلك نجد تطبيقاً للقاعدة المذكورة أعلاه في ترجمة إسماعيل بن مهران:
«وقال الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري (ره): إنه يكنى أبا محمد، ليس حديثه بالنقي، يضطرب تارة ويصلح أخرى، ويروي عن الضعفاء كثيراً، ويجوز أن يخرّج شاهداً.
والأقوى عندي قبول روايته، لشهادة الشيخ أبي جعفر الطوسي والنجاشي له بالثقة».
3 ـ ترجمة إسماعيل بن الخطاب:
«قال الكشي: حدثني محمد بن قولويه شيخ الفقهاء عن سعد عن أيوب بن نوح عن جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: أخبرني معمر بن خلاد، قال: رفعت إلى الرضا (عليه السلام) ما خرج من غلة إسماعيل بن الخطاب بما أوصى به إلى صفوان؛ فقال: رحم الله إسماعيل بن الخطاب ورحم صفوان فإنهما من حزب آبائي (عليه السلام). ومن كان من حزب آبائي أدخله الله الجنة.
ولم يثبت عندي صحة هذا الخبر ولا بطلانه، فالأقوى الموقف في روايته».
إن مفهوم تعليقة العلامة على رواية الكشي وهي قوله «لم يثبت عندي…» أنه يذهب إلى أن ترحم الإمام المعصوم توثيق للراوي، فيضع بهذا نظرية أخرى من نظريات علم الرجال.
4 ـ ترجمة إدريس بن زياد الكفر ثوثاني:
وقال ابن الغضائري: إنه خوزي الأم، يروي عن الضعفاء، والأقرب عندي قبول روايته لتعديل النجاشي له، وقول ابن الغضائري لا يعارضه، لأنه لم يجرحه في نفسه ولا طعن في عدالته».
وهنا تستفاد منه قاعدة أخرى مؤداها: أن نسبة الرواية للراوي عن الضعفاء، لأنها لا جرح فيها للراوي ولا طعن في عدالته، لا تعارض توثيقه إذا وثق من مثل النجاشي.
5 ـ ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة البجلي القمي:
«كان من أهل الفضل والأدب والعلم… ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل، ولم يروَ فيه جرح، فالأقوى قبول روايته، مع سلامتها من المعارض».
والقاعدة التي تستفاد من تعليقته هذه هي: أن الراوي الذي لم يعدل ولم يجرح ولم يكن هناك رواية تعارض روايته، تقبل روايته.
ومن بعد هذا صار المؤلفون من الرجاليين يدرجون النظريات الرجالية كالتي ذكرها العلامة الحلي في غضون ترجمات الرواة من كتاب (الخلاصة)، والتي هي بمثابة قواعد عامة، في أوائل ومقدمات معاجمهم الرجالية، ويعنونونها ـ في الغالب ـ بعنوان (الفوائد الرجالية)، ويغلب عليها أنها لم تنظم تنظيماً يرتفع بها إلى مستوى العلم.
وأقدم من صنع هذا هو الشيخ حسن العاملي صاحب المعالم في مقدمة كتابه (منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان).
وكانت اثنتي عشرة فائدة، وهي ـ كما جاء في (الذريعة 23/7):
1 ـ في معنى الأقسام الأربعة للحديث.
2 ـ في عدم الاكتفاء بتزكية العدل الواحد.
3 ـ في اختلاف مسلك المشايخ الثلاثة في ذكر السند.
4 ـ في ذكر مشايخه بالإجازة.
5 ـ بيان طريق الشيخ في كتابه إلى أكثر من روى عنهم معلقاً.
6 ـ بيان كلية للتمييز بين المشتركات.
7 ـ فيمن توهم الأصحاب اشتراكهم وليس مشتركاً.
8 ـ فيما أضمر عن ذكر الإمام.
9 ـ من أكثر عنه المشايخ ولم يذكر اسمه في كتب الرجال لا يعد مجهولاً لبعد اتخاذ هؤلاء الأجلاء الرجل الضعيف المجهول شيخاً يكثرون الرواية عنه.
10 ـ في عدول الشيخ في كتابه عن سند متضح إلى غيره لكونه أعلى.
11 ـ في أصحاب عدة الكليني.
12 ـ محمد بن إسماعيل المصدر به في بعض أسانيد الكافي.
وقد استخرجها من الكتاب المذكور وكتبها بشكل مستقل، كل من:
1 ـ الشيخ محمد بن جابر بن عباس النجفي.
2 ـ الشيخ محمد بن دنانة بن الحسين الكعبي.
3 ـ الشيخ محمد علي بن محمد طاهر الخراساني الخبوشاني المتوفى سنة 1236هـ، كتبها ضمن مجموعة تشتمل أيضاً على:
ـ الفوائد الرجالية لأستاذ الناسخ الشيخ يوسف البحراني.
ـ الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني.
ـ الفوائد الأصولية للوحيد البهبهاني أيضاً.
التأليف في علم الرجال
ويبدو أن أقدم من ألف كتاباً مستقلاً في الفوائد الرجالية هو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي الشهير بالبهائي المتوفى سنة 1031هـ، فقد ذكر أنه كتب رسالة مختصرة في (الفوائد الرجالية)، وذكر أيضاً أن الشيخ المامقاني أدرجها بتمامها في كتابه الرجالي (تنقيح المقال) )[447](.
ثم تتالى التأليف في الفوائد الرجالية، فألف بعد البهائي (1):
2ـ المولى إسماعيل بن محمد حسين الخاجوئي المتوفى سنة 1173هـ.
3ـ الشيخ يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني المتوفى سنة 1186هـ، وسبق أن أشرت إلى أن تلميذه الخبوشاني له مجموعة في الفوائد من ضمنها رسالة أستاذه الشيخ البحراني.
4 ـ المولى محمد باقر الشهير بالوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1206هـ، وأشرت إلى أن مجموعة الخبوشاني اشتملت على رسالتين للوحيد إحداهما في الفوائد الرجالية والأخرى في الفوائد الأصولية.
وهي ـ أعني الفوائد الرجالية ـ خمس فوائد صدر بها تعليقته الرجالية المعروفة.
وقد أفردها الشيخ حسين الخاقاني وألحقها بكتاب جده الشيخ علي الخاقاني المعروف بـ (رجال الخاقاني)، والذي هو شرح لها.
وهي كما فهرسها الوحيد البهبهاني نفسه:
1 ـ في بيان الحاجة إلى علم الرجال.
2 ـ في بيان طائفة من الاصطلاحات المتداولة في الفن وفائدتها.
3 ـ في سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة.
4 ـ في ذكر بعض مصطلحاتي في هذا الكتاب.
5 ـ في طريق ملاحظة الرجال وما ذكرته أنا أيضاً لمعرفة حال الراوي.
ثم كثر التأليف في الفوائد الرجالية في القرن الثالث عشر، فمن مؤلفيه بعد الوحيد البهبهاني.
5 ـ السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ، له (الفوائد الرجالية)، ونشر في النجف الأشرف بعنوان (رجال السيد بحر العلوم) بتحقيق وتعليق حفيديه: السيد محمد صادق بحر العلوم، وابن أخيه السيد حسين بن السيد محمد تقي بحر العلوم.
6 ـ السيد محسن الأعرجي الكاظمي المتوفى سنة 1227هـ، له (الفوائد الرجالية)، وعددها ثماني عشرة فائدة، كتبها مقدمة لكتابه الموسوم بـ (عدة الرجال) الذي ألفه لولده السيد علي المتوفى شاباً في حياة أبيه، ولم يكمله لهذا السبب)[448](.
7 ـ الميرزا محمد بن عبدالنبي الأخباري الهندي المتوفى سنة 1232هـ، له: (كليات الرجال) و(تقويم الرجال).
8 ـ السيد عبدالله بن ميرزا محمد رحيم الكبير الأصفهاني المتوفى سنة 1243هـ، له: (الكليات الرجالية).
9 ـ الشيخ محمد علي بن محمد باقر الهزار جريبي المتوفى سنة 1245هـ، له: كتاب (السراج المنير) في الفوائد الرجالية.
10 ـ السيد عبدالفتاح المراغي المتوفى سنة 1250هـ، له: (الفوائد الرجالية).
11 ـ السيد محمد رضا بن محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1253هـ، له: (الإيجاز) في القواعد الرجالية، و(اللب اللباب) في القواعد الرجالية، وهو أبسط من سابقه.
ومن المؤلفين في القواعد والفوائد الرجالية في القرن الرابع عشر الهجري:
1 ـ الشيخ أبو المعالي بن محمد إبراهيم الكلباسي المتوفى سنة 1315هـ، له: (الفوائد الرجالية).
2 ـ الشيخ علي بن محمد جعفر شريعتمدار الاسترآبادي الطهراني المتوفى سنة 1315هـ له: كتاب (مبدأ الآمال في قواعد علم الحديث والدراية والرجال).
3 ـ الشيخ محمد حسن بن محمد جعفر شريعتمدار الطهراني المتوفى سنة 1318هـ، له: كتاب (الإيجاز في قواعد الدراية والرجال).
4 ـ السيد محمد هاشم الجهار سوقي المتوفى سنة 1318هـ، له: (الفوائد الرجالية).
5 ـ الشيخ محمد تقي بن محمد باقر الطهراني المتوفى سنة 1332هـ، له: رسالة في دراية الحديث وقواعد علم الرجال.
6 ـ الشيخ محمد حسن آل كبة البغدادي المتوفى 1333هـ، له: (الفوائد الرجالية).
7 ـ السيد عطالله بن محمد باقر الخوانساري المتوفى سنة 1335هـ، له (الفوائد الرجالية).
8 ـ أيوب أبو تراب الخوانساري المتوفى سنة 1346هـ، له: (الفوائد الرجالية)، وهي خمسمائة فائدة.
9 ـ الشيخ أبو الهدى بن أبي المعالي الكلباسي المتوفى سنة 1356هـ، له: (الفوائد الرجالية) وهي ثلاثون فائدة في الرجال والحديث.
10 ـ الشيخ الميرزا أبو الحسن بن عبدالحسين المشكيني المتوفى سنة 1358هـ، له: كتاب (وجيزة في علم الرجال)، نشر في بيروت ستة 1411هـ 1991م بتحقيق السيد زهير الأعرجي.
11 ـ الشيخ محمد بن علي حرز الدين النجفي المتوفى سنة 1365هـ، له: كتاب (قواعد الرجال وفوائد المقال).
12 ـ الشيخ إبراهيم بن علي الكرباسي المتوفى سنة 1396هـ، له: كتاب (درر المقال في شرح الدراية والرجال).
ومن مؤلفي هذا القرن (الخامس عشر الهجري):
1 ـ أستاذنا السيد أبو القاسم الخوئي المتوفى سنة 1413هـ، صدّر موسوعته الرجالية القيمة (معجم رجال الحديث) بمقدمات فيها جملة من الفوائد الرجالية المهمة.
2 ـ الشيخ محمد آصف المحسني الأفغاني، له: كتاب (فوائد رجالية) طبع في إيران.
3 ـ الشيخ جعفر السبحاني له: كتاب (كليات في علم الرجال)، نشر في بيروت سنة 1410هـ 1990م.
ويتميز بدراسته للكتب الرجالية المعتمدة في الوسط العلمي كمصادر ومراجع في معرفة أحوال الرواة.
المصطلحات العامة:
1 ـ التوثيق
تستخدم كلمة (التوثيق) في هذه الدراسة بمعنيين، أحدهما عام، والآخر خاص.
ويراد بالتوثيق العام وصف الراوي بالوثاقة بمعناها الأعم من أن يكون الراوي معدَّلاً أو محسَّناً أو موثقاً بالمعنى الخاص.
ويراد بالتوثيق الخاص وصف الراوي بالوثاقة بالمعنى الخاص.
ويراد بالتوثيق الخاص وصف الراوي بالوثاقة بمعناها الخاص في مقابلة التعديل والتحسين.
وأكثر ما ستستخدم به ـ هنا ـ في التوثيق بمعناه العام، ويفهم المراد منها من قرينة السياق.
2 ـ الرجالي:
يراد به المتخصص بعلم الرجال، الخبير بأحوال الرواة وشؤونهم الأخرى التي لها ارتباط في قبول أو رفض روايتهم.
3 ـ الفقيه العادل:
يراد به العالم الواصل إلى رتبة الاجتهاد في الفقه، مع اتصافه بالعدالة في سلوكه.
4 ـ الكتب الرجالية:
ستستعمل ـ غالباً ـ في الكتب المتخصصة بعرض وبيان أحوال الرواة.
5 ـ المتقدمون:
يراد بذلك الرجاليون من الشيخ الطوسي ومعاصره الشيخ النجاشي، ومن قبلهم أمثال: الكشي وابن الغضائري والصدوق والمفيد وابن قولويه والكليني.. وإلخ.
6 ـ المتأخرون:
وهم الرجاليون بعد الشيخين النجاشي والطوسي، أمثال: ابن داود والعلامة الحليين وأستاذهما السيد ابن طاووس… وإلخ.
القواعد
تبيّنا في دراستنا لنشأة علم الرجال أنه ينطوي على نوعين من المعرفة العلمية، هما: القواعد والفوائد.
وعرفنا ـ أيضاً ـ أنه قد ألف فيهما منفردين ومجتمعين.
لهذا، ولأجل أن نكون أيضاً مع معطيات التراث العلمي نقسم دراستنا ـ هنا ـ على القسمين المذكورين بادئين بالقواعد.
والفرق بين القاعدة والفائدة، هو:
1 ـ القاعدة تعني الضابطة الكلية التي تطبق على مصاديقها وجزئياتها لتوصل الباحث إلى النتيجة العلمية المطلوبة.
2 ـ والفائدة: هي كل ما يستفيده الباحث زيادةً على معطيات القواعد.
وتنقسم القواعد الرجالية إلى قسمين:
1 ـ قواعد التقييم.
2 ـ قواعد التعارض.
وسنبدأ بدراسة قواعد التقييم، ثم نقوم بدراسة قواعد التعارض، لأن التعارض ـ في واقعه ـ تنافٍ بين تقييمين أو أكثر.
قواعد التقييم
التقييم في لغتنا هو: بيان وتقدير قيمة الشيء.
يقال: «قيّم الشيء تقييماً: قدّر قيمته»)[449](.
ولأننا نريد منه المعنى نفسه ـ هنا ـ وهو بيان قيمة واعتبار الراوي من حيث الوثاقة واللا وثاقة اخترته مصطلحاً لتقديرات الرجاليين المذكورة في كتبهم من: تعديل، وتجريح، ومدح وقدح، وتحسين وتهجين، وتقوية وتضعيف، وتجهيل وتعريف، وما إليها.
فالمراد من التقييم ـ هنا ـ: بيان قيمة الراوي من حيث الوثاقة واللاوثاقة.
واستبعدت أن أستخدم كلمة (تقويم) لأنها تعني تعديل المعوج، يقال: «قوّم الشيء تقويماً: عدّله»)[450](، ولسنا ـ هنا ـ بصدد هذا المعنى)[451](.
مشروعية تقييمات الرجاليين
وقبل التماسنا القواعد الرجالية لا بد من التأسيس لهذا بتعرفنا مشروعية تقييمات الرجاليين، ومدى جواز الرجوع إليها وصحة الاعتماد عليها.
وذلك لأن طريقنا الآن ـ كما ألمحت ـ إلى تقييم أسانيد الأحاديث ومعرفة أحوال الرواة هو كتب الرجال، فعلينا ـ إذاً ـ وقبل البدء بدرس القواعد الرجالية أن نعرف مدى حجية ما يذكره الرجاليون من تقييماتهم لأحوال الرواة ومقدار الاعتماد عليها والاستناد إليها.
فمتى ثبتت بالدليل حجية تقييمات الرجاليين ومشروعية العمل بها، انتقلنا إلى القواعد الرجالية التي تبنى وتشاد على هذا الأساس.
والمقصود من التقييمات ـ هنا ـ ما جاء منها في الكتب الرجالية الأصول، وهي: (الاختيار) و(الأبواب) و(الفهرست) للطوسي و(الفهرس) للنجاشي.
وقد يلحق بها ـ على رأي بعضهم ـ كتاب (الضعفاء) لابن الغضائري.
وذلك لأن ما بعده هذه الكتب المذكورة أمثال (الخلاصة) للعلامة الحلي و(الرجال) لابن داود الحلي، هي تطبيقات للقواعد الرجالية على تقييمات المشايخ الأربعة: الكشي والطوسي والنجاشي وابن الغضائري.
وعلى هذا، تكون تقييمات مؤلفيها كالعلامة وابن داود نتائج اجتهادية.. وسيأتي لهذا مزيد بيان.
الطريق إلى معرفة الراوي
أسلفت في أوائل البحث أن أنواع معرفة أحوال الرواة من حيث الوثاقة واللاوثاقة، ثلاثة، هي:
1 ـ المعرفة الواقعية:
وتأتي عن طريق الاطلاع المباشر على سلوك الراوي.
2 ـ المعرفة الظاهرية:
وتأتي عن طريق الاستماع لشهادة المطلع على سلوك الراوي بشكل مباشر.
3 ـ المعرفة العلمية:
وهي المكتسبة عن طريق الرجوع إلى كتب الرجال والوقوف على تقييماتهم لحال الراوي.
ونحن ـ الآن ـ لأننا لم نعاصر الرواة، ولم نعاصر المطلعين على أحوالهم الذين يحملون معهم الشهادة بواقع حالهم، ليس أمامنا إلاّ اكتساب المعرفة العلمية بحالهم، وذلك بالرجوع إلى الكتب الرجالية المعتمدة.
نوعية تقييم الراوي
وقد اختلف العلماء ـ وهم يستدلون على حجية قول الرجالي ـ في نوعية تقييم الرجالي للراوي (الذي عبروا عنه في لغتهم بتزكية الرجالي وقول الرجالي) على آراء هي:
1 ـ إن تقييم الرجالي للراوي هو من نوع الشهادة.
2 ـ إن تقييمه من نوع الرواية (خبر الثقة).
3 ـ إن تقييمه اجتهاد منه قائم على تطبيقه لمبادىء وقواعد علم الرجال.
4 ـ هو من نوع أهل الخبرة (المتخصصين).
5 ـ هو نوع من التثبت والتبين المورث للاطمئنان والوثوق الشخصي.
ونوضحه بالتالي:
2ـ الشهادة:
يقال: (شهد الشيء يشهده شهادة: حضره أو علم به).
ويقال: شهد يشهد شهادة: دل دلالة قاطعة بقول أو غيره)[452](.
هذا في المعجم اللغوي والدلالة اللغوية، وهي كذلك في عرف الناس والاستعمالات الاجتماعية، وأيضاً هي بنفس المعنى في الشريعة لأن المشرّع الأقدس أمضى وأقر سيرة الناس في هذا.
وقد اشترط القائلون بأن تقييم الرجالي للراوي هو من باب الشهادة تعدد الشاهد.
بمعنى أنه لا يكتفي بتقييم رجالي، بل لا بد من توفر تقييمين متوافقين في المدلول، ومن رجاليين اثنين أو أكثر ليتحقق بهذا معنى الشهادة.
فعلى رأي هؤلاء لا يكتفي ـ مثلاً ـ بقول الكشي وحده، بل لا بد من انضمام قول النجاشي أو الطوسي إليه.
وكذلك الشأن في قول كل من الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي.
والقول هو القول فيما ينقله هؤلاء الرجاليون من تقييمات العلماء المتقدمين أمثال: الكليني والصدوق وابن قولويه والمفيد والبرقي وغيرهم.
ونسب هذا الرأي لصاحب الفصول وجمع من العلماء.
2 ـ الرواية:
ويراد بها أن قول الرجالي هو من نوع الإخبار، أو بمعنى أصوب: الرواية ـ هنا ـ تعني نقل الرجالي خبر التقييم وشهادة من شهد بذلك.
أي أن النجاشي ـ مثلاً ـ ينقل في كتابه تقييمات المتقدمين فهو ـ على هذا ـ يروي التقييم وينقل الشهادة المشهود بها في حق الراوي.
وأصحاب هذا الرأي ـ بدورهم ـ ينفون اشتراط تعدد الرجاليين الناقلين للتقييم، لما ثبت من سيرة الناس في الاعتماد على خبر الثقة الواحد، فمتى لم يعارض قول الرجالي بما يسقطه أو يوجب التوقف، يؤخذ به ويعتمد عليه.
حكي هذا الرأي عن الشهيد الثاني صاحب المدارك وصاحب المعالم وآخرين.
3 ـ الاجتهاد:
ويقصد به أن تقييمات الرجاليين هي نتائج اجتهادية توصلوا إليها عن طريق ما اعتمدوه من قواعد علم الرجال وتطبيقاتها على ما وقفوا عليه من تقييمات المتقدمين أو من قرائن صاحبت ذلك.
ولازم هذا: أن على الفقيه الذي يروم معرفة مستوى سند الحديث الذي يدخل في إطار بحثه الفقهي، أن يجتهد هو الآخر، فيستعمل ما لديه من وسائل اجتهادية، ويطبق ما يعتمده من قواعد رجالية، ويستند إلى نتائجه في مجال البحث الفقهي، تماماً كما فعل الرجاليون المتقدمون.
4 ـ الخبرة:
ويراد بها أن التقييمات التي ينقلها الرجاليون في حق الرواة هي نتائج ممارسة واختصاص في معرفة أحوال الرواة.
وبتعبير آخر: إن الذين كانوا يتصدون لتقييم حال الراوي هم من أهل التخصص والخبرة في ذلك.
5 ـ الوثوق الشخصي:
وأعني به اعتماد الفقيه في معرفة صحة إسناد الرواية على الإمارات والقرائن التي تحيط بالرواية والتي يستفاد منها وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية.
وهو الطريق الذي سلكه المحقق الهمداني، فقد نقل عنه في (التنقيح فيشرح العروة 1/26) قوله: «ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتصافها بالصحة المطلوبة، وإلا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا إثبات عدالة رواته على سبيل التحقيق، لولا البناء على المسامحة في طريقها والعمل بظنون غير ثابتة الحجية.
بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية، وإن كان بواسطة القرائن الخارجية، التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة، أو مأخوذة من الأصول المعتبرة، مع اعتناء الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها…
ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالهم». ونُسب هذا الرأي إلى المشهور.
وبعد أن استعرضنا الآراء في المسألة، مع الإلماح خاطفاً إلى الدليل، ينبغي أن نشير إلى أن المنهج السليم لمعرفة واقع التقييم، هو أن نتبع التالي:
1 ـ الواقع التاريخي للرواية، فإنه يُبين وبوضوح أن التقييم المذكور في كتب الرجال، هو في غالبه تسلسل في نقل التقييم من قبل المختصين بذلك، وهم من يعبر عنهم في لغة أصول الفقه بأهل الخبرة.. فمثلاً:
أ ـ عندما ينص أحد الأئمة (عليهم السلام) على أحد أصحابه بالوثاقة، ينقل هذا النص عن طريق الرواية حتى يصل إلى مدوني الكتب الرجالية فيعتمد من قبلهم في تقييمهم لحال ذلك الراوي.
وهذا النص ينقله ـ عادة ـ من هو متخصص في دراسة أحوال الرواة.
ب ـ عندما تقوم البينة على تقويم حال راوٍ من الرواة، ينقل أولئك الخبراء المختصون هذه الشهادة، ويتسلسل نقلهم لها حتى يصل إلى مؤلفي الكتب الرجالية فينقلون خبر الشهادة معتمدين عليه.
في هاتين الحالين المذكورتين لا يخرج الواقع عن أن الأمر ـ هنا ـ هو نقلُ خبرٍ، وبوساطة الثقة الذي هو الرجالي صاحب الكتاب.
ج ـ قد يلتمس مؤلف الكتاب الرجالي تقييمه من مجموعة قرائن خارجية وملابسات أخرى وقف عليها.
في مثل هذه الحال يكون تقييمه من نوع الاجتهاد.
وفي ضوء هذه التفرقة يعامل النقل معاملة خبر الثقة فيؤخذ به كرواية.
وأما فيما هو اجتهاد، فالمنهج والدليل يفرضان على الباحث أن يجتهد كما اجتهد ذلك الرجالي.
فقد ينتهي إلى نتيجته فيوافقه فيها، وقد يختلف معه فيخالفه.
ويظهر مما أفاده أستاذنا السيد الخوئي في هذا المقام أن احتمال انبثاق تقييمات الرجاليين القدامى عن اجتهاد منهم، احتمال ضعيف لا يعتد به، وذلك لما ثبت من السيرة الاجتماعية المشار إليها، ومن طريقة الرجاليين القدامى في البحث الدالة على اهتمامهم بنقل الشهادات وبكل عناية.
قال في موسوعته (معجم رجال الحديث 1/41 ـ 42): «ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام، كالبرقي وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والشيخ، وأضرابهم.
وهذا ـ أيضاً ـ لا إشكال فيه، وذلك من جهة الشهادة وحجية خبر الثقة.
وقد ذكرنا في أبحاثنا الأصولية أن حجية خبر الثقة لا تختص بالأحكام الشرعية، (بل) تعم الموضوعات الخارجية أيضاً، إلا فيما قام دليل على اعتبار التعدد كما في المرافعات، كما ذكرنا أنه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة، ولهذا نعتمد على توثيقات ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما.
فإن قيل: إن إخبارهم عن الوثاقة والحسن ـ لعله ـ نشأ من الحدس والاجتهاد وإعمال النظر، فلا تشمله أدلة حجية خبر الثقة، فإنها لا تشمل الأخبار الحدسية، فإذا احتمل أن الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية.
قلنا: إن هذا الاعتماد لا يعتني به بعد قيام السيرة على حجية خبر الثقة فيما لم يعلم أنه نشأ من الحدس، ولا ريب في أن احتمال الحس في أخبارهم ـ ولو من جهة نقل كابر عن كابر، وثقة عن ثقة ـ موجود وجداناً.. كيف؟ وقد كان تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح في السقيم أمراً متعارفاً عندهم، وقد وصلتنا جملة من ذلك، ولم تصلنا جملة أخرى، وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفاً ومئة كتاب على ما يظهر من النجاشي والشيخ وغيرهما، وقد جمع ذلك البحاثة الشهيرة المعاصر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه (مصفى المقال).
قال الشيخ في كتاب (العدة) ـ في آخر فصل في ذكر خبر الواحد ـ: إنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرّقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم، وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلّط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها.
وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً طعن في إسناده وضعفه بروايته.
هذه عادتهم على قديم وحديث لا تنخرم».
والنجاشي قد يسند ما يذكره إلى أصحاب الرجال، ويقول: «ذكره أصحاب الرجال».
وهذه العبارات ـ كما ترى ـ صريحة الدلالة على أن التوثيقات أو التضعيفات، والمدح أو القدح، كانت من الأمور الشائعة المتعارفة بين العلماء، وكانوا ينصون عليها في كتبهم.
وبهذا يظهر أن مناقشة الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته (بأن توثيقات النجاشي أو الشيخ يحتمل أنها مبنية على الحدس فلا يعتمد عليها) في غير محلها».
2 ـ معرفة طريقة المشايخ أصحاب الأصول الرجالية في تأليفهم من خلال خطب كتبهم التي يذكرون فيها مثل هذا عادة.
وبرجوعنا إلى مقدمة الشيخ الطوسي لـ (الفهرست) رأيناه يقول: «فإذا ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلا بد من أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعوّل على روايته أو لا».
ونصه هذا صريح في أن ما يذكره من تقييمات هي نقول عمن قبله.
ويقول الشيخ النجاشي في عنوان كتابه: «الجزء الأول من كتاب (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) وما أدركنا من مصنفاتهم، وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم، وما قيل في كل رجل منهم من مدح أو ذم».
ونصه هذا ـ هو الآخر ـ صريح في أن ما ذكره من تقييمات هي منقولات عمن قبله.
وإذا ضممنا إلى هذا نص الشيخ الطوسي في كتاب (العدة) الذي مر في شواهد أستاذنا السيد الخوئي ننتهي إلى أن طريقة المشايخ في كتبهم الرجالية، هي الرواية.
ولأنها رواية وخبر واحد تشملها أدلة حجية خبر الثقة.
وبما أن مسألة حجية الثقة قد أشبعت بحثاً وتوضيحاً في علم أصول الفقه بما فيه الكفاية، ولأنكم درستم المسألة دراسة وافية، لا أراني بحاجة إلى إطالة الكلام فيها.
أما ما أفاده المحقق الهمداني من الرأي المشهور بينهم، فإنه لا يخرج ـ في واقعه ـ عن أنه نوع من الاجتهاد وصل فيه صاحبه إلى مرحلة القطع بالنتيجة، أو مرحلة الاطمئنان والوثوق بها، التي هي مستوى آخر من القطع.
وإثبات حجية القطع ـ كما هو معلوم ـ لا يحتاج إلى إقامة حجة لأنها ذاتية تدرك بالبداهة.
وأخيراً: نخلص من كل هذا إلى أن تقييمات الرجاليين المعتمدين أمثال الكليني والكشي والصدوق وابن قولويه والمفيد والطوسي والنجاشي وابن الغضائري معتمدة.
تقييمات غير الشيعة
سبق أن تعرفنا في الحديث عن التأليف في أسماء رجال الحديث الشيعة أن في مؤلفي المادة المذكورة من هو غير شيعي المذهب، وذكرنا منهم:
1 ـ ابن فضال (الأب): الحسن بن علي الكوفي (ت224هـ) الفطحي المذهب.
2 ـ ابن فضال (الابن): علي بن الحسن بن علي الكوفي (ق3) الفطحي المذهب.
3 ـ ابن عقدة: أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت333هـ) الزيدي المذهب.
وقد نهج كل من هؤلاء في كتابه الرجالي منهج علمائنا الرجاليين، فقيّم توثيقاً، وقيّم تضعيفاً، شهادة وإخباراً.
ولأنهم ليسوا بإماميي المذهب وقف علماؤنا من تقييماتهم موقفين، تمثلاً في القبول والرفض، فقال فريق بقبول تقييماتهم والاعتماد عليها، وذهب فريق آخر إلى التوقف عن قبول تقييماتهم.
ويرجع هذا الخلاف إلى الاختلاف في تحديد مفهوم الثقة أو الوثاقة المشروطة في قبول خبر الواحد.
وقد سبق أن درسنا المسألة في مادة (أصول الحديث)، ورأينا هناك أن الاختلاف في تحديد مفهوم الوثاقة يرجع إلى الاختلاف في مفاد دليل حجية خبر الثقة.
فمن استدل بآية النبأ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةِ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] ـ حدد الوثاقة بالعدالة بمعناها الفقهي (وهو الاستقامة في السلوك وفق الأحكام الشرعية، أو هي الملكة النفسانية الباعثة على الاستقامة في السلوك وفق الأحكام الشرعية)، وذلك لأن الذي يقابل معنى (الفاسق) المذكور في الآية الكريمة ـ كما يرون ـ هو معنى (العادل) بتحديده الفقهي.
ومن قال بأن دليل حجية خبر الثقة هو سيرة العقلاء حدد الوثاقة بالصدق في القول، والاكتفاء بهذا في صحة قبول خبر الثقة، وترتيب الآثار الشرعية عليه، لأن السيرة الاجتماعية قائمة على هذا.
فعلى القول الأول: لأنه لا تتحقق العدالة إلاّ بأن يكون المخبر إمامي المذهب لاعتبار الإيمان بإمامة الأئمة الإثني عشر شرطاً أساسياً في تحقق العدالة بمعناها الفقهي ـ كما هو معلوم ـ لا تقبل تقييمات الرجاليين غير الإماميين لعدم توفر الشرط المذكور فيهم.
وعلى القول الثاني: تقبل تقييماتهم لنص علمائنا على وثاقتهم وصدقهم في القول.
ومن النصوص على وثاقتهم:
ـ الطوسي في (الفهرست 76 ـ 77): «الحسن بن علي بن فضال، كان فطحياً، يقول بإمامة عبدالله بن جعفر، ثم رجع إلى إمامة أبي الحسن (عليه السلام) عند موته، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين… كان جليل القدر، عظيم المنزلة، زاهداً، ورعاً، ثقة في الحديث، وفي رواياته».
ـ النجاشي في (الرجال 2/82 ـ 83): «علي بن الحسن بن علي بن فضال… كان فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه، سمع منه شيء كثير، ولم يعثر له على زلة فيه، ولا ما يشينه، وقلَّ ما روى عن ضعيف، وكان فطحياً».
ـ الطوسي في (الفهرست 56): «أحمد بن محمد… المعروف بابن عقدة… وأمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر، وكان زيدياً جارودياً، وعلى ذلك مات، وإنما ذكرناه في جملة أصحابنا لكثرة روايته عنهم وخلطته بهم وتصنيفه لهم».
ـ النجاشي في (الرجال 1/240): «أحمد بن محمد… السبيعي الهمداني، هذا رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه، وكان كوفياً، زيدياً جارودياً، على ذلك حتى مات، وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم، ومداخلته إياهم، وعظم محله، وثقته، وأمانته».
والرأي الأول هو الذي يظهر من العلامة الحلي في (الخلاصة) حيث لم يعتمد توثيقات ابن عقدة، كما في ترجمة جميل بن عبدالله بن نافع الخثعمي الخياط الكوفي، وترجمة الحكم بن عبدالرحمن بن أبي نعيم وغيرهما.
وقال في ترجمة أحمد بن الحسن بن علي بن فضال: «كان فطحياً، غير أنه ثقة في الحديث، ومات سنة ستين ومائتين، وأنا أتوقف في روايته».
وعلى هذا الرأي أيضاً غير واحد من علمائنا.
وذهب جمع إلى القول الثاني وبخاصة من متأخري المتأخرين والمعاصرين، وعلى رأسهم أستاذنا السيد الخوئي، وقد مر في نص كلامه المتقدم ما يعرب عن هذا، حيث قال: «لا يعتبر في حجية الثقة العدالة، ولهذا نعتمد على توثيقات ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما».
ولأننا ناقشنا الاستدلال بآية النبأ في كتاب (أصول الحديث) بما خلاصته: أن كلمة (الفاسق) لم تستقر في الاستعمال القرآني على المعنى الشرعي المقابل لمعنى العدالة الذي أستفيد من أمثال صحيح عبدالله بن أبي يعفور)[453](، فلا مجال لحملها على المعنى المذكور، وبالتالي ننتهي إلى أنه لا مفهوم لها، فلا يصح الاستدلال بها، وعليه يرجع إلى السيرة الاجتماعية وهي قاضية بكفاية تحلي المخبر بصفة الصدق في القول.
تضعيفات ابن الغضائري
سبق أن ذكرت أن من الكتب الرجالية الأصول ـ في رأي البعض ـ كتاب (الضعفاء) لابن الغضائري، وألمحت إلى الخلاف في نسبته لابن الغضائري، ووعدت بالإفاضة في مسألة نسبته في هذا الفصل لاختلاف العلماء في الموقف من تضعيفاته ومدى اعتبارها والاعتماد عليها.
ويرجع هذا إلى الخلاف في نسبته إليه، فمن نفى نسبة الكتاب لابن الغضائري ألغى اعتبار تضعيفاته لجهالة مؤلفه.
والقائلون بصحة نسبته انقسموا إلى قسمين في تقدير واقع تضعيفاته.
1 ـ فبعضهم اعتبرها من نوع الفتوى المنبثقة عن اجتهاد منه، مارسه في دراسة عقيدة الراوي ومتون مروياته.
ويُلمس هذا في مثل:
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن الحسين بن مهران الملقب بدندان، قال: «وقال القميون كان غالياً، وحديثه فيما رأيته سالم، والله أعلم».
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن رشيد العامري الهلالي، قال: «زيدي، يدخل حديثه في حديث أصحابنا، ضعيف، فاسد».
وعلى هذا، فالذي يتفق معه في خط اجتهاده قد يتفق معه في نتائجه وفتواه.
ومن يختلف معه في خط اجتهاده يلغي اعتبار تضعيفاته، لأنها حجة بالنسبة إليه فقط، وليس هي حجة لغيره.
2 ـ وبعضهم اعتبرها من نوع الرواية وخبر الثقة.
ويُلمس هذا في مثل:
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن علي الرازي، قال: «كان ضعيفاً، وحدثني أبي ـ رحمه الله ـ أنه كان في مذهبه ارتفاع».
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن محمد بن سيار القمي، قال: «ضعيف، متهالك، غالٍ محرف، استثنى شيوخ القميين روايته من كتاب «نوادر الحكمة»)[454](، وحكى محمد بن علي بن محبوب في كتاب (نوادر المصنف): أنه قال بالتناسخ».
ولثبوت وثاقة ابن الغضائري يجوز ويصح الاعتماد على تضعيفاته.
وممن نفى نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري شيخنا الطهراني، وخلاصة ما استدل به لذلك هو:
1 ـ إن الشيخين الطوسي والنجاشي لم يذكرا كتاب الضعفاء في فهرسيهما، مع معاصرتهما لابن الغضائري وعلاقتهما الودية به، وموته في حياتهما.
قال في (الذريعة 4/290): «فتبين أن ابن الغضائري هذا، وإن كان من الأجلاء المعتمدين، ومن نظراء شيخ الطائفة والنجاشي، وكانا مصاحبين معه، ومطلعين على آرائه وأقواله، وينقلان عنه أقواله في كتابيهما، إلاّ أن نسبة كتاب (الضعفاء) هذا إليه مما لم نجد له أصلاً».
2 ـ إن السيد ابن طاووس الذي أدرج كتاب الضعفاء ضمن كتابه (حل الإشكال) تبرأ من عهدته بتصريحه بأن نقله لم يكن عن رواية له عن مؤلفه أو غيره.
3 ـ إن ابن الغضائري أسمى وأرفع من أن يستعمل ألفاظ الجرح العنيفة في حق عدد من أجلاء الرواة، أمثال محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب، الراوي للتفسير المنسوب للإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).
قال في المصدر نفسه: «فيحق لنا أن ننزه ساحة ابن الغضائري عن الإقدام في تأليف هذا الكتاب، والاقتحام في هتك هؤلاء المشاهير بالعفاف والتقوى والصلاح المذكورين في الكتاب والمطعونين بأنواع الجراح، بل جملة من جراحاته سارية إلى المبرئين من العيوب، كما في جرح هذا المفسر الأسترآبادي بأنه ضعيف كذاب.
أفلا يلزم من كونه كذاباً ـ والحال أن الصدوق قد أكثر من الرواية عنه وبالغ في الاعتماد عليه بجعله حجة بينه وبين ربه ـ أحد أمرين:
ـ إمَّا تكذيب الشيخ الطوسي في توصيفه الصدوق بأنه كان بصيراً بالرجال نقاداً للأخبار فيما إذا كان أخذ الصدوق عنه وشدة اعتماده عليه عن جهله بحاله من أنه كذاب، إذ يظهر منه أنه ليس كما وصفه الطوسي بصيراً ونقاداً.
ـ وإما تكذيب لتوصيف الحجة (عليه السلام) إياه في التوقيع بكونه خيراً فقيهاً في الدين كما حكاه آية الله بحر العلوم (ره) في (الفوائد الرجالية) )[455]( إن كان أخذه عنه عن عمد وعلم بحاله».
هذا خلاصة وأهم ما استدل به شيخنا الطهراني على نفي نسبة كتاب الضعفاء لابن الغضائري، وعلى عدم جواز الاعتماد على التضعيفات المذكورة فيه بحال من الأحوال.
ولكن يمكن أن يناقش:
1 ـ إن عدم وجدان النجاشي والطوسي نسخة كتاب الضعفاء واستقاء أقوال ابن الغضائري منها لا يدل على عدم وجود الكتاب، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود كما يقال، إذ ربما لم يطلعهما مؤلفه عليه لسبب برّر له ذلك، أو أنهما فضّلا النقل عنه من فلق فيه ونطق لسانه لأن هذا ألزم في الشهادة، وأوثق في النقل.
2 ـ إن تصريح السيد ابن طاووس بعدم روايته للكتاب عن مؤلفه لا يعني الطعن في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وإنما كان هذا هو الواقع لدى السيد ابن طاووس حيث استطاع الحصول على الرواية إلى غيره ولم يستطع الحصول على الرواية إليه.
والنقل من الكتاب من دون أن يرويه الناقل عن مؤلفه مع وثوقه بأنه له لا يعني وهن النسبة والطعن في الكتاب، بل الأمر بالعكس، فإن هذا الاعتماد من السيد ابن طاووس يضفي على الكتاب صفة الوثوق به.
3 ـ إن استعمال ابن الغضائري ألفاظ الجرح القاسية لا يدل على عدم تورعه إذا كان ضعف الراوي ثابتاً عنده، إذ قد يرجع هذا إلى حدة في مزاجه، أو لغرض التأكيد حتى لا يتورط في الرجوع إلى مثل هذا الراوي، أو لعله كما استنتج الوحيد البهبهاني بأن «هذا يشير إلى عدم تحققه حال الرجال كما هو حقه، أو كون أكثر ما يعتقده جرحاً ليس في الحقيقة جرحاً»)[456](.
وهذا لا يعني أن الكتاب ليس له، لأن الخطأ في المنهج، وكذلك في التطبيق من العالم على تقدير وقوعه في كتابه لا يدل على عدم صحة نسبة الكتاب إليه.
4 ـ وتضعيف ابن الغضائري لمحمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب، مع توثيق الشيخ الصدوق له، لا يعني نفي نسبة الكتاب لابن الغضائري.
وأقصى ما يمكن أن يقال: إن تضعيف ابن الغضائري لا يعارض توثيق الصدوق لتقديم الصدوق عليه لأنه خرّيت هذه الصناعة فيقدم قوله، إن تم هذا.
على أن وثاقة الأسترآبادي وتعديل الصدوق له مجال بحث، فقد ذكر أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 17/156): «إن محمد بن القاسم هذا لم ينص على توثيقه أحد من المتقدمين حتى الصدوق الذي أكثر الرواية عنه بلا واسطة، وكذلك لم ينص على تضعيفه إلاّ مما ينسب إلى ابن الغضائري، وقد عرفت غير مرة أن نسبة هذا الكتاب إليه لم تثبت.
وأما المتأخرون فقد ضعفه العلامة، والمحقق الداماد، وغيرهما.
ووثقه جماعة آخرون على ما نسب إليهم.
والصحيح أن الرجل مجهول الحال لم تثبت وثاقته ولا ضعفه.
ورواية الصدوق عنه كثيراً لا تدل على وثاقته، لا سيما إذا كانت الكثرة في غير كتاب (الفقيه) فإنه لم يلتزم بأن لا يروي إلاّ عن ثقة.
نعم، لا يبعد دعوى أن الصدوق كان معتمداً عليه لروايته عنه في (الفقيه) المؤيد بترضيه وترحمه عليه كثيراً.
ولكن اعتماد الصدوق لا يكشف عن الوثاقة، ولعله كان من جهة أصالة العدالة».
ومسألة تعديل الصدوق لشيخه الأسترآبادي تدخل منهجياً في قاعدة توثيق الرجالي لشيوخه، التي سيأتي الحديث عنها.
وعلى أية حال هي مسألة خلافية، وتعديل الرجالي لشيوخه لا يلزم منه طرح التقييمات الأخرى.
وأيضاً ممن نفى نسبة كتاب الضعفاء لابن الغضائري، السيد الخوئي.
وخلاصة ما استدل به.
1 ـ عدم تعرض العلامة الحلي له في إجازاته.
2 ـ عدم ذكر النجاشي والطوسي له في فهرسيهما.
3 ـ اختلاف ما ذكره النجاشي منسوباً إلى ابن الغضائري مع ما هو موجود في مطبوعة الضعفاء.
4 ـ قصور المقتضي لذلك.
ويعني به أن الأدلة التي استدل بها لإثبات نسبة الكتاب لابن الغضائري غير ناهضة بالإثبات.
1 ـ وتقدم منا مناقشة شيخنا الطهراني في استدلاله بعدم ذكر الطوسي والنجاشي للكتاب.
2 ـ إن عدم ذكر العلامة له في إجازاته لا يساعد على نفي نسبة الكتاب، لأن العلامة نفسه اعتمد الكتاب كما هو واضح في كتابه (الخلاصة).
فعدم ذكره له قد يكون لسهو منه، أو أن النسخة التي وصلت إلينا قد سقط منها ذكره أو لسبب آخر.
3 ـ والاختلاف الذي أشير إليه ربما جاء من اختلاف النسخ، أو لأن النجاشي نقل التضعيف سماعاً من لسان ابن الغضائري ـ كما هو الظاهر ـ ولم ينقله من النسخة التي اعتمدت في نشرة الكتاب.
4 ـ وما ذكر من قصور المقتضي وعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى مؤلفه ناقشه الشيخ السبحاني بأنه «غير تام لأن هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة، ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والإجازة)[457](.
وفي مقابل هذا يظهر من آخرين صحة نسبة الكتاب لابن الغضائري منهم:
1 ـ السيد جمال الدين أحمد بن طاووس، قال الوحيد البهبهاني: «من تتبع كلام ابن طاووس وجده كثير الاعتماد عليه، عظيم الاعتقاد به»)[458](.
2 ـ العلامة الحلي، فقد اعتمد كتاب الضعفاء أحد مصادر كتابه (الخلاصة)، وكشاهد على ذلك ننقل من خلاصته الخلاصة:
ـ في ترجمة ظفر بن حمدون البادراني، قال: «قال النجاشي: إنه من أصحابنا، وقال ابن الغضائري: ظفر بن حمدون بن شداد البادرائي أبو منصور، روى إبراهيم الأحمري: أنه كان في مذهبه ضعف.
والأقوى عندي التوقف في روايته لطعن هذا الشيخ فيه» يعني ابن الغضائري.
ـ في ترجمة علي بن ميمون الصائغ، قال: «قال الكشي: عن محمد بن مسعود، قال: حدثني محمد بن نصر، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن بشير عن علي بن ميمون الصائغ، قال: دخلت عليه ـ يعني أبا عبدالله (عليه السلام) ـ أسأله، فقلت: إني أدين الله بولايتك وولاية آبائك وأجدادك (عليهم السلام)، فادعُ الله أن يثبتني… فقال: رحمكم الله، رحمك الله.
وقال ابن الغضائري: «حديثه يعرف وينكر، ويجوز أن يخرج شاهداً، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام).
والأقرب عندي قبول روايته لعدم طعن الشيخ ابن الغضائري فيه صريحاً، مع دعاء الصادق (عليه السلام) له».
3 ـ ابن داود الحلي، فقد اعتمد ـ هو الآخر ـ كتاب الضعفاء أحد مصادره، وكشاهد على هذا:
ـ قال في ترجمة حذيفة بن منصور الخزاعي: (جخ، ست، كش): ممدوح (جش): ثقة (غض): حديثه غير تقي، يروي الصحيح والسقيم، ولذلك ذكرته في الضعفاء».
ـ وقال في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي: أقول: وذكرته في الضعفاء لطعن (غض) فيه، ويقوى عندي ثقته».
وكذلك هو الذي يظهر من الوحيد البهبهاني إلاَّ أنه علق بأن حال ابن الغضائري في عدم تعمقه بعلم الرجال وأحوال الرواة يضعف الوثوق بتضعيفاته، قال في (التعليقة) ـ في ترجمة إبراهيم بن عمر الصنعاني ـ إن أحمد هذا (يعني ابن الغضائري) غير مصرح بتوثيقه، ومع ذلك قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه، وجرح أعاظم الثقات وأجلاء الرواة، الذي لا يناسبهم ذلك».
وهذا يشير إلى عدم تحققه حال الرجال كما هو حقه، أو كون أكثر ما يعتقده جرحاً ليس ـ في الحقيقة ـ جرحاً.
وقد قال الشهيد الثاني (ره) في (شرح البداية): (وقد اتفق لكثير من العلماء جرح بعض، فلما استفسر ذكر ما لا يصلح جارحاً، قيل لبعضهم: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون، وسئل آخر عن آخر فقال: ما أصنع بحديث من ذكر يوماً عند حماد فامتخط حماد).
وبالجملة: لا شك في أن ملاحظة حاله توهن الوثوق بمقاله»)[459](.
وهناك رأي آخر ألمح إليه الوحيد البهبهاني في فوائده الرجالية، وأشرت إليه في مطلع حديثي هذا، وخلاصته: أن تضعيفات ابن الغضائري هي اجتهاد منه، اعتمد فيه نقده لمتون مرويات تخالف اعتقاده، فتكون ـ في رأيه ـ سبباً لحمل رواتها على أنهم ممن لا يوثق بروايتهم.
قال الوحيد البهبهاني: «اعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء سيما القميين منهم، (والغضائري) كانوا يعتقدون للأئمة (عليهم السلام) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعاً وغلواً حسب معتقدهم، حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلواً، ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم ـ أو التفويض الذي اختلف فيه كما سنذكر ـ أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم، وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم، مدلسين.
وبالجملة: الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضاً، فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً، غلواً أو تفويضاً، أو جبراً أو تشبيهاً، أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك.
وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ وادعاء أرباب المذاهب كونه منهم أو روايتهم عنه.
وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك.
فعلى هذا ربما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الأمور المذكورة»)[460](.
ونخلص من هذا بعد أن تبينا أن أدلة النفاة غير ناهضة بذلك، وأن القرائن المحيطة بالكتاب من اعتماد أمثال السيد ابن طاووس والعلامة الحلي وابن داود الحلي، وظاهر الوحيد البهبهاني في ثبوت النسبة وأمثالها من القرائن هي في جانب الإثبات… نخلص إلى التالي:
1 ـ إن كتاب (الضعفاء) هو من تأليف أبي الحسين أحمد بن الحسين الشهير بابن الغضائري.
2 ـ إن بعضاً من تضعيفاته رواية، وبعضاً منها اجتهاد.
3 ـ إن الموقف هو أن تعامل رواياته واجتهاداته في التضعيف كما تعامل روايات واجتهادات الموثوقين من الرجاليين.
أصالة العدالة
أصالة العدالة، أو أصل العدالة، من الأصول التي يرجع إليها في مقام الشك بحال المسلم من حيث العدالة واللاعدالة، فيحكم بعدالته، بمعنى عدم ترتيب آثار الفسق عليه.
ولعل أقدم من أشار إلى هذا الأصل، الشيخ ابن الجنيد الإسكافي، فقد نقل عنه الشيخ الأنصاري في رسالته في (العدالة) ـ الملحقة بكتاب (المكاسب) ـ قوله: «إن كل المسلمين على العدالة إلاّ أن يظهر خلافها».
وأصل هذا الأصل الشيخ الطوسي في كتابه (الخلاف) بقوله: «إن الأصل في المسلم العدالة، والفسق طارىء عليه يحتاج إلى دليل» كما نقله عنه الشيخ الأنصاري في الرسالة المذكورة.
ومورد إجراء هذه الأصالة أو مجال تطبيقها عند الرجاليين في الراوي المشكوك الحال.
ولإيضاح هذا نقول: تقدم منا أن دراسة أسماء الرجال تنصب على عنصرين: تعريف الراوي وبيان حاله من حيث الوثاقة واللاوثاقة، ويمكننا أن نصوغ هذا بالمعادلة التالية:
هوية الرجل + تقييم حاله = الراوي
فبلحاظ تعريف هويته وعدم تعريفها ينقسم إلى: معروف ومجهول.
فمن عُرِفت هويته وعُرِّفت في الكتب الرجالية هو المعروف.
ومن لم تعرف هويته، وهو ممن لم يرد له ذكر في كتب الرجال، أو ورد له ذكر بكتابة اسمه فقط مع مجهولية هويته عند المؤلف فهو المجهول.
ومن الطبيعي أن مثل هذا لا يعتمد على روايته لجهالته، وكذلك لا تجري في حقه أصالة العدالة لعدم إحراز إسلامه.
وقد يأتي التقسيم بلحاظ تقويم حاله وعدم تقويمه، بعد معلومية هويته لدى الرجاليين، فيقسم إلى:
1 ـ معلوم الحال:
وهو الذي قيّمه الرجاليون بالوثاقة أو بعدمها.
2 ـ غير معلوم الحال:
وهذا ينقسم ـ بدوره ـ إلى قسمين هما:
أ ـ مجهول الحال:
وهو الذي نص الرجاليون على جهالة حاله. ومثل هذا ـ أيضاً ـ لا يعتمد على روايته.
ب ـ مسكوت عنه:
وهو الذي لم يذكر اسمه في كتب الرجال، أو ذكر اسمه من غير أن يمدح أو يذم.
ونستطيع أن نطلق عليه مصطلح (مشكوك الحال). وهذا هو الذي يكون مجال تطبيق أصالة العدالة.
والخلاصة:
يقول السيد علي أصغر الجابلقي في كتابه (طرائف المقال 2/272) في توضيح معنى المجهول اصطلاحاً ولغة: «مجهول، ومعناه الاصطلاحي: ما حكم (عليه) أئمة الرجال ـ كلاً أو بعضاً ـ بالجهالة.
ولا شبهة في رد قوله.
وأما بمعناه اللغوي: فهو الذي لم يعلم حاله، إما من جهة عدم ذكره في كتب الرجال رأساً، أو ذكروه من دون إشارة إلى المدح والذم، مع عدم معهودية حاله، بحيث يستغني عن التوصيف.
وهذا هو الذي يسمى بالمجهول الفقاهتي».
وأكد هذا شيخنا الطهراني في كتابه (مصفى المقال ص394) عند مناقشته لأبي علي الحائري صاحب كتاب (منتهى المقال) في عدم ذكره لجمع من الرواة بزعم أنهم مجاهيل، قال: «جمع في كتابه بين (الرجال الكبير) ونكات (التعليقة) لأستاذه الوحيد، لكنه ترك جمعاً كثيراً من الرواة بزعم أنهم مجاهيل، ولكن المنهج السديد ما أشار إليه المحقق الداماد في (الرواشح) بأن المجهول الاصطلاحي الذي يضعف من جهته الحديث: هو من حكم عليه أئمة الرجال بالجهالة، كإسماعيل بن قتيبة، وبشير المستنير، وعلي بن أحمد بن أشيم، وغيرهم.
وأما غير معلوم الحال، المسكوت عن ذكره، أو عن مدحه وذمه، فعلى المجتهد أن يتتبع مظان استعلام حاله من الطبقات والأسانيد والمشيخات والإجازات والسير والتواريخ والأنساب حتى يستبين حاله، ويتضح سبيل الاجتهاد في شأنه».
وذلك لأن تطبيق أصالة العدالة في مثل هذا المورد لا يكشف عن وثاقة الراوي، وإنما يبين وظيفتنا تجاه الراوي المشكوك بأن نحكم عليه بالعدالة ظاهراً بمعنى أن لا نرتب آثار الفسق عليه.
ولهذا اختلف ـ هنا ـ في الاعتماد عليها، وعدم الاعتماد.
والمسألة ترجع إلى مبنى المجتهد، وقد رأينا ـ فيما تقدم ـ عند حديثنا عن محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي حيث ألمح أستاذنا السيد الخوئي إلى أن اعتماد الشيخ الصدوق عليه ربما كان تطبيقاً لهذه الأصالة.
فمن يرى توقف قبول الحديث على ثبوت وثاقة الراوي لا يعتمد هذه الأصالة، لأنها ـ كما ذكرت ـ لا تكشف عن الوثاقة.
ومن يذهب إلى أن قبول الحديث يتوقف على الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم:
ـ يستطيع أن يرجع إليها إذا أورثته الاطمئنان والوثوق.
ـ أو يرجع إليها مطلقاً فيقول بحجية كل رواية يرويها مسلم لم يظهر منه فسق، على أساس من هذه الأصالة التي تفيده الحكم بالعدالة على كل مسلم لم يظهر فسقه.
وقد عقد ابن داود الحلي في آخر كتابه الرجالي الفصل السابع عشر لذكر من أطلق عليه بأنه مجهول، ضم في قائمته ثمانية وثلاثين اسماً، أولهم إسماعيل بن قتيبة، وآخرهم يونس بن خباب.
اعتماد تقييمات الرجاليين القدامى
مما تسالم عليه أصحابنا أن اشتهار عدالة الرجالي في الأوساط العلمية والثناء عليه من قبل العلماء كافٍ في ثبوت عدالته والوثوق به.
قال الشيخ المامقاني في كتابه (مقباس الهداية 2/63) في معرض تعداده لمثبتات العدالة؛ «ثانيها: الاستفاضة والشهرة: فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم، وشاع الثناء عليه بها، كفى في عدالته، ولا يحتاج مع ذلك إلى معدَّل ينص عليها، كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ره) وما بعده إلى زماننا هذا، فإنه لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المشهورين إلى تنصيص على تزكية ولا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة».
ويضم نتيجة تطبيق هذه القاعدة على علماء الرجال القدامى، وهم:
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني.
ـ الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي.
ـ الشيخ الحسين بن أبي عقيل العماني الحذاء.
ـ الشيخ أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي الكاتب.
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق.
ـ الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي.
ـ الشيخ أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي.
ـ الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن الغضائري.
ـ الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد.
ـ الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي المرتضى.
ـ الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي الرضي.
ـ الشريف أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الأسدي.
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة.
ثم ضم صغرياتها إلى كبرى حجية خبر الثقة ـ بناء على ما تقدم من أن تقييماتهم هي من نوع الرواية لا الاجتهاد ـ تأتي النتيجة ثبوت حجية تقييمات هؤلاء الرجاليين.
ولكن، مع ملاحظة أن لا يكون في طريق روايتهم ما يضعفها أو ما يعارضها فيبطلها.
الموقف من تقييمات الرجاليين المتأخرين:
بعد أن تبينا ثبوت حجية تقييمات الرجاليين المتقدمين، من عهد الشيخ الكليني حتى عهد الشيخ الطوسي، نحاول الآن تحديد موقفنا العلمي من تقييمات رجاليينا المتأخرين، وهم:
ـ الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن بابويه القمي.
ـ الشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني.
ـ السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس الحلي.
ـ الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي.
ـ الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف الحلي.
وهم ممن اتفق علماؤنا على عدالتهم والوثوق بهم.
ولأن كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس لم يصل إلينا يستبعد من مجال البحث لأنه لا فائدة عملية من تحديد الموقف العلمي للتعامل معه.
وعليه، يقتصر بحثنا ـ هنا ـ على التعامل مع الكتب التالية:
1 ـ الفهرست لمنتجب الدين ابن بابويه.
2 ـ معالم العلماء لابن شهرآشوب.
3 ـ الخلاصة للعلامة الحلي.
4 ـ الرجال لابن داود.
ولأستاذنا السيد الخوئي رأي في المسألة يفرق فيه بين تقييمات الشيخ منتجب الدين القمي والشيخ ابن شهرآشوب المازندراني فيذهب إلى اعتبارها والاعتماد عليها لمعاصرتهما للرواة المذكورين في كتابيهما، أو لقربهما من عصرهم، وبين الحليين السيد ابن طاووس وتلميذيه العلامة وابن داود، فيلغي اعتبارها لأنها نتائج اجتهادية لهم، كما يجزم بهذا، قال في كتابه (المعجم 1/43): «ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين، بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر، أو قريب العصر منه، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهرآشوب.
وأما في غير ذلك، كما في توثيقات ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم كالمجلسي، لمن كان بعيداً عن عصرهم فلا عبرة بها، فإنها مبنية على الحدس والاجتهاد جزماً، وذلك فإن السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ، فأصبح عامة الناس إلا قليلاً منهم مقلدين يعملون بفتاوى الشيخ، ويستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به الحلي في (السرائر) وغيره في غيره.
والذي يكشف عما ذكرناه أنهم حينما يذكرون طرقهم إلى أرباب الأصول والكتب، المعاصرين للمعصومين (عليهم السلام) يذكرون طرقهم إلى الشيخ، ويحيلون ما بعد ذلك إلى طرقه، فهذا العلامة ذكر في إجازته الكبيرة لبني زهرة طريقاً له إلى الشيخ الصدوق، وإلى والده علي بن الحسين بن بابويه، وإلى الشيخ المفيد، وإلى السيد المرتضى، وإلى أخيه السيد الرضي (قدس الله أسرارهم)، ثم ذكر طرقه إلى كثير من كتب العامة وصحاحهم، وإلى جماعة من المتأخرين عن الشيخ (قدس سره) ثم قال: «ومن ذلك جميع كتب أصحابنا السابقين الذين تقدموا على الشيخ أبي جعفر الطوسي زماناً، مثل: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني والحسين بن سعيد وأخيه الحسن وظريف بن ناصح وغيرهم مما هو مذكور في كتاب فهرست المصنف)[461]( للشيخ أبي جعفر الطوسي برجاله المثبتة في الكتاب».
وللشيخ محمد تقي التستري تفرقة أو تفصيل آخر، أفاده من شمولية وعمق تعامله مع كتب الرجال، يلتقي فيه مع أستاذنا السيد الخوئي في منقولات هؤلاء من كتب الشيخ الطوسي وكتاب الشيخ النجاشي مما هو موجود في نسخها التي وصلت إلينا، لأنه يرى أن البحث في هذه المنقولات مما لا فائدة فيه لوجود الأصول التي نقلت عنها بين أيدينا، ويفترق عنه في غير هذه من المنقولات التي اقتبسوها من الكتب الأخرى أو من النسخ التي لم تصل إلينا، قال في كتابه (قاموس الرجال 1/15): «إن ما ينقله العلامة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد.
وإنما يفيد في ما لم نقف على مستنده، كما في ما ينقل من جزء من رجال العقيقي، وجزء من رجال ابن عقدة، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا، كما يظهر منه في سليمان النخعي، كما يفيد أيضاً فيما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا، فكان عنده النسخة الكاملة من النجاشي، وأكمل من الموجود في ابن الغضائري، كما في ليث البختري، وهشام بن إبراهيم العباسي، ومحمد بن نصير، ومحمد بن أحمد بن محمد بن سنان، ومحمد بن أحمد بن قضاعة، ومحمد بن الوليد الصيرفي، والمغيرة بن سعيد، ونقيع بن الحارث، وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي، وفيما أخذه من مطاوي الكتب كمحمد بن أحمد النطزي»)[462](.
ويسلط أستاذنا السيد الخوئي الضوء على هذا بقوله: «نعم، قد يتفق أن العلامة وابن داود يحكيان عن ابن عقدة توثيقاً لأحد إلا إنهما لا يذكران مستند حكايتهما.
والعلامة لم يذكر فيما ذكره من الكتب التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة كتاب الرجال لابن عقدة.
وقد تحصل مما ذكرناه: أن ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم إنما يعتمدون في توثيقاتهم وترجيحاتهم على آرائهم واستنباطاتهم أو على ما استفادوه من كلام النجاشي أو الشيخ في كتبهم، وقليلاً ما يعتمدون على كلام غيرهما، وقد يخطئون في الاستفادة… كما قد يخطئون في الاستنباط، فترى العلامة يعتمد على كل إمامي لم يرد فيه قدح، يظهر ذلك مما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة، وغير ذلك.
وترى المجلسي يعدّ كل من للصدوق إليه طريق ممدوحاً ـ وهو غير صحيح ـ… وعليه فلا يعتد بتوثيقاتهم بوجه من الوجوه»)[463](.
وفي ضوء ما ذكر لا غبار على اعتماد المنقولات من غير الأصول الخمسة وإن لم يكن للناقل طريق روائي إلى صاحب الكتاب الذي نقل عنه، إذا صحت نسبة الكتاب إلى صاحبه.
والخطأ في الاستفادة أو في الاستنباط لا يلغي الوثوق في المنقول إذا نقل نصاً، لأن الخطأ واقع ـ على تقديره ـ في الاجتهاد، لا في النقل.
والخلاصة: إن تعاملنا مع كتابي الخلاصة ورجال ابن داود يكون مع منقولاتهما مما هو غير موجود في نسخ الكتب الأصول الخمسة التي بين أيدينا، واعتبارها إن كانت روايات… ولكن مع الالتزام بشرط إخضاعها لأصول التعامل مع الروايات، وذلك بأن لا يكون في طريق الرواية ما يمنع من العمل بها، وأن لا تعارض بما يبطلها.
وأما ما كان اجتهاداً فعلى المجتهد أن يجتهد كما اجتهدوا، ولكل أجره.
نص الإمام
يراد بذلك أن يروى في الكتب الرجالية نص صريح أو ظاهر عن أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في تقييم حال راوٍ من الرواة توثيقاً أو تضعيفاً.
ولا خلاف بين علمائنا في الاعتماد على مثل هذه النصوص الشريفة والأخذ بمؤدياتها.
ومن أمثلة ذلك:
1 ـ ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حق الأعلام الأربعة: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد العجلي وليث بن البختري.. فعن الكشي، قال: حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي وأبا بصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست.
2 ـ وعن الكشي أيضاً، قال: حدثني حمدويه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيى ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين، وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة.
وبهذين النصين الشريفين ـ وهما صحيحان ومعتبران ـ استدل على وثاقة هؤلاء الأعلام الأربعة رضوان الله عليهم.
3 ـ وما رواه الكشي في حق المغيرة بن سعيد، قال: حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي يحيى زكريا بن يحيى الواسطي.
وحدثنا محمد بن عيسى بن عبيد عن أخيه جعفر بن عيسى وأبو يحيى الواسطي، قالا: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (عليه السلام) فأذاقه الله حر الحديد.
فقد استدل بهذا النص وأمثاله على عدم وثاقة المغيرة بن سعيد وعدم قبول رواياته.
دعاء الإمام
وينسق على القاعدة السالفة الذكر ما لو روي عن أحد الأئمة (عليهم السلام) بسند معتبر دعاء في حق راوٍ من الرواة، وكان الدعاء صريحاً أو ظاهراً في توثيق الراوي أو عدم توثيقه، كذلك يعتمد عليه ويعمل بمؤداه.
ومن أمثلة هذا ما رواه الكشي في حق محمد بن عبدالله الطيار المعروف بابن الطيار، فقد جاء في (المعجم 6/280) ـ ترجمة حمزة بن محمد بن عبدالله الطيار ـ ابن المذكور ـ «ثم أن الكشي ذكر روايتين قويتين تدلان على حسن ابن الطيار وجلالته، فقد روى عن حمدويه وإبراهيم، قالا: حدثنا محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): ما فعل ابن الطيار؟ قال: قلت: مات، قال: رحمه الله ولقاه نضرةً وسروراً، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.
وبهذا الإسناد عن محمد بن عيسى عن يونس عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: ما فعل ابن الطيار؟ قلت: توفي، فقال: رحمه الله، أدخل الله عليه الرحمة، ونضره، فإنه كان يخاصم عنا أهل البيت.
فقد استفيد من هذا الدعاء المبارك وثاقة ابن الطيار بمستوى التحسين والمدح، قال في (المعجم 16/256) ـ في ترجمته ـ: «وتقدم في (ترجمة) ابنه حمزة روايات تدل على مدحه».
وما رواه الكشي أيضاً في حق محمد بن أبي زينب مقلاص أبي الخطاب الأسدي الكوفي: عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، قالا: حدثنا الحسين بن موسى عن إبراهيم بن عبدالحميد عن عيسى بن أبي منصور، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول ـ وذكر أبا الخطاب ـ: اللهم العن أبا الخطاب، فإنه خوفني قائماً وقاعداً، وعلى فراشي، اللهم أذقه حر الحديد.
فقد استدل بهذا الدعاء وأمثاله على عدم وثاقة محمد بن أبي زينب المعروف بأبي الخطاب، وعدم قبول روايته.
الوكالة عن الإمام
يبدو أن من أقدم من أثار هذه المسألة هو الوحيد البهبهاني في (الفوائد الرجالية)، فقد جاء في النسخة المطبوعة الملحقة برجال الخاقاني ص45: «ومنها (أي سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة): كونه (أي الراوي) وكيلاً للأئمة (عليهم السلام)، وسنذكر حاله في ترجمة إبراهيم بن سلام» لأنه ـ أعني إبراهيم بن سلام ـ كان وكيلاً عن الإمام الرضا (عليه السلام).
قال المامقاني في (التنقيح 1/17) ـ ترجمة إبراهيم المذكور ـ: «عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (عليهم السلام)، وقال: إنه وكيل الرضا (عليه السلام)، وفي الخلاصة: إنه وكيل من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، لم يقل الشيخ فيه غير ذلك، والأقوى عندي قبول روايته، انتهى»)[464](.
وعلل شيخنا البهائي قبول روايته بأنهم ـ (عليهم السلام) ـ لا يجعلون الفاسق وكيلاً.
ثم قال ـ فيما حكي عنه ـ: لا يقال: لم يصرح الشيخ (ره) بأنه وكيل أحدهم، فلعله كان وكيلاً لبني أمية… لأنا نقول: هذا اصطلاح مقرر بين علماء الرجال من أصحابنا أنهم إذا قالوا: فلان وكيل، يريدون أنه وكيل أحدهم، (عليهم السلام) وهذا مما لا يرتاب فيه من مارس كلامهم وعرف لسانهم. انتهى.
وقال (أعني المامقاني) في (المقباس 2/259): «ثم أفاد (يعني البهائي) أن الوكالة عنهم (عليهم السلام) من أقوى أسباب الوثوق، لأنهم لا يجعلون الفاسق وكيلاً.
وقرره المولى الوحيد (ره) على ذلك.
ثم اعترض على نفسه: بأن في الوكلاء عنهم (عليهم السلام) جماعة مذمومين، فكيف تجعل الوكالة إمارة الوثاقة.
ثم أجاب: بأن ظاهر توكيلهم هو حسن حال الوكلاء، والاعتماد عليهم، وجلالتهم، بل وثاقتهم، إلا أن يثبت خلافه (من) تغيير وتبديل وخيانة، والمغيرون معروفون.
وبالجملة: فالأصل في الوكالة عنهم الثقة، بل ما فوقها، فيحتج بها (يعني الوكالة) عليها (يعني الثقة) إلى أن يثبت الخلاف.
ولقد أجاد (قدس سره) فيما أفاد.
ويستفاد ما ذكره من كلمات غيره أيضاً، فلا وجه لما صدر من الشيخ عبدالنبي الجزائري (ره) من منع دلالة اللفظة (يعني لفظة الوكالة) على العدالة، ضرورة عدم تعقل تسليط الإمام (عليه السلام) غير العادل على حقوق الله، وجعله واسطة بين عباد الله في أمورهم الشرعية وبين نفسه.
ولو تنزلنا عن ذلك، فلا أقل من إفادته المدح المعتد به الملحق للسند بالحسن كما هو ظاهر».
ويبدو أن المسألة كانت معترك الأعلام فأقرت من قبل بعض، ونفيت من قبل آخرين.
ورأينا أن الشيخ البهائي والوحيد البهبهائي كانا ممن أقرها، وأن الشيخ الجزائري ممن نفاها.
وكذلك نفاها أستاذنا السيد الخوئي، قال في (المعجم 1/75): «أقول: الوكالة لا تستلزم العدالة، ويجوز توكيل الفاسق إجماعاً وبلا إشكال، غاية الأمر أن العقلاء لا يوكلون في الأمور المالية خارجاً من لا يوثق بأمانته، وأين هذا من اعتبار العدالة في الوكيل».
وأرى أن لبحث المسألة بحثاً علمياً منتجاً يقتضينا المنهج العلمي اتباع الخطوتين التاليتين:
1 ـ تحديد مفهوم الوكالة من خلال واقع من نص على وكالتهم في الكتب الرجالية.
2 ـ معرفة طريقة الإمام في اختيار الوكيل، هل كان يعتمد في ذلك على ظاهر حال الشخص ـ كما هو الواقع والمعروف ـ، أو أن له طريقة أخرى يعتمد فيها على علمه الخاص؟
وفي ضوء هذا، وعلى هدي ما ذكره المثبتون والنافون، نقول: إن الذي يفهم مما ذكره وحكاه الشيخ المامقاني أن المراد بالوكالة ـ هنا ـ الوكالة في القيام بالوظائف الشرعية نيابة عن الإمام، أي أنها ترادف النيابة عن الإمام.
والذي يفهم مما ذكره السيد الخوئي أن المراد بالوكالة مطلق الوكالة أي بما يعم الوكالة بمعنى النيابة عن الإمام والوكالة في القضايا الاجتماعية.
كما أن المستفاد من الوقائع التاريخية أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يتعاملون مع الناس حسب ما يظهر لهم من أحوالهم.
وهذا ـ كما نراه ـ يستدعينا التفرقة بين مفهومي الوكالة: المفهوم العام وهو الذي يفهم من كلام النافين، والمفهوم الخاص الذي يفهم من كلام المثبتين.
فعلى الأول لا تستلزم الوكالة العدالة إذا لم يثبت أن الوكيل نائب عن الإمام.
وعلى الثاني لا بد من القول باستلزام الوكالة العدالة، لأن الإمام ـ وهو المعصوم الذي لا يحيد عن تطبيق الحكم الرعي أبداً ـ لا ينيب عنه للقيام بالوظائف الشرعية والمهام الدينية غير المسلم العادل.
ويفهم هذا الفرق من دراسة سيرة الراوي، فإذا ثبت أنه نائب عن الإمام قلنا بعدالته استناداً إلى الوكالة، وإذا لم يثبت هذا لا تستلزم الوكالة العدالة.
توثيق شيوخ النجاشي
تعرّف غير واحد من علمائنا منهج النجاشي في الرواية الرجالية من خلال قراءاتهم ومراجعاتهم المتكررة لكتابة الرجالي، ومن تصريحاته وما يظهر من كلامه في تراجم بعض من ضمهم فهرسه الرجالي في أنه لا يروي عن الضعفاء، فاستنتجوا من هذا وثاقة جميع شيوخه في الإجازة حتى من لم يصرح بوثاقته.
ويمكننا أن نصوغ هذا بشكل قاعدة فنقول: (كل من يروي عنه النجاشي مباشرة فهو ثقة) أو (كل من شيوخ النجاشي في الرواية هو ثقة).
وشيوخه في الرواية ـ كما ذكرهم الميرزا النوري في (المستدرك 3/502 ـ 503)، وهم:
1 ـ الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان الحارثي.
2 ـ أبو الفرج الكاتب: محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرة القناني.
3 ـ أبو عبدالله محمد بن علي شاذان القزويني.
4 ـ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي القمي.
5 ـ القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي.
6 ـ محمد بن جعفر المؤدب النحوي القمي.
7 ـ أبو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي.
8 ـ أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران بن موسى المعروف بابن الجندي.
9 ـ أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن عبدون.
10 ـ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري.
11 ـ القاضي أحمد بن محمد بن عبدالله الجعفي.
12 ـ أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الأهوازي المعروف بابن الصلت.
13 ـ والده: علي بن أحمد بن علي بن العباس النجاشي.
14 ـ أبو الحسين علي بن أحمد بن أبي جيد القمي.
15 ـ أبو القاسم علي بن شبل بن أسد الوكيل.
16 ـ القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف.
17 ـ الحسن بن أحمد بن إبراهيم.
18 ـ أبو محمد الحسن بن أحمد بن الهيثم العجيلي.
19 ـ أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري.
20 ـ أبو عبدالله الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف بابن الخمري.
21 ـ أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن موسى بن هدية.
22 ـ القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر.
23 ـ أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني.
24 ـ أبو الخير الموصلي سلافة بن زكا.
25 ـ أبو الحسن العباس بن عمر بن العباس بن عبدالملك بن أبي مروان الكلوذاني المعروف بابن المروان.
26 ـ أبو أحمد عبدالسلام بن الحسين بن محمد بن عبدالله البصري ابن الأديب.
27 ـ أبو محمد عبدالله بن محمد بن محمد بن عبدالله الدعجلي.
28 ـ عثمان بن حاتم بن المنتاب التغلبي.
29 ـ أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري.
30 ـ أبو جعفر أو أبو الحسين محمد بن هارون التلعكبري.
31 ـ أبو الحسين أحمد بن محمد بن علي الكوفي الكاتب.
ثم قال (أعني النوري): «الثالث: في حسن حال هؤلاء المشايخ، وجلالة قدرهم، وعلو مرتبتهم، فضلاً عن دخولهم في زمرة الثقات بالقرينة العامة التي تعمهم مع قطع النظر عن ملاحظة حال آحادهم، وما ذكر في ترجمة من تعرضوا لترجمته من التوثيق الصريح أو القرائن الكاشفة عن الوثاقة أو المدح العظيم.
وهذا ظاهر لمن عرف ديدنه وطريقته في الأخذ عن المشايخ، وتركه عن بعضهم لمجرد الاتهام، فكيف لو اعتقد انحرافه.
ولنذكر بعض كلماته في هذا المقام:
ـ قال (رحمه الله) في ترجمة (جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور مولى أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري: كوفي، أبو عبدالله، كان ضعيفاً في الحديث».
قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية.
ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري ـ رحمهم الله ـ، وليس هذا موضع ذكره).
ـ وقال: «أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن بن عياش الجوهري… كان سمع الحديث، فأكثر، واضطرب في آخر عمره، وكان جده وأبوه من وجوه أهل بغداد أيام آل حماد والقاضي أبي عمر…
رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم أروِ عنه وتجنبته».
ثم ختم فصله بقوله: «فتعين أن يكون مشايخه الذين يروي عنهم ثقات جميعاً».
وفي (الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم 4/146) ما نصه: «وقال (يعني النجاشي) في أبي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد الشيباني: «كان في أول أمره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه» ثم قال: «رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه».
ولعل المراد الاعتماد على رواية الواسطة عنه في حال التثبت.
ويستفاد من كلمات هذا الشيخ غاية التحرز في الرواية والتجنب عن الضعفاء والمتهمين، ويظهر من ذلك اعتماده على كل من يروي من المشايخ، وهذا أصل نافع في التعويل على مشايخ النجاشي».
وقال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/50 ـ 51): «وممن شهد بوثاقة جماعة ـ على نحو الإجمال ـ النجاشي، فإنه يظهر منه توثيق جميع مشايخه».
ـ قال (قدس سره) في ترجمة أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن الجوهري: (رأيت هذا الشيخ، وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم أروِ عنه شيئاً، وتجنبته…).
ـ وقال في ترجمة محمد بن عبدالله بن محمد بن عبيدالله بن البهلول: (وكان في أول أمره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه.. رأيت هذا الشيخ، وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه).
ولا شك في ظهور ذلك في أنه لا يروي عن ضعيف بلا واسطة، فيحكم بوثاقة جميع مشايخه.
هذا، وقد يقال: إنه لا يظهر من كلامه إلا أنه لا يروي بلا واسطة عمن غمز فيه أصحابنا أو ضعفوه، ولا دلالة فيه على أنه لا يروي عمن لم يثبت ضعفه ولا وثاقته، إذاً لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه.
ولكنه، لا يتم، فإن الظاهر من قوله: (ورأيت جل أصحابنا) أن الرؤية أخذت طريقاً إلى ثبوت الضعف، ومعناه أنه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة، فكل من روى عنه فهو ليس بضعيف، فيكون ثقة، لا محالة.
وبعبارة واضحة: إنه فرع عدم روايته عن شخص برؤيته أن شيوخه يضعفونه.
ومعنى ذلك أن عدم روايته عنه مترتب على ضعفه، لا على التضعيف من الشيوخ، ولعل هذا ظاهر».
وهذه بعض أسماء شيوخه الذين لم يصرح بتوثيقهم أو لم يظهر منه توثيقهم، ووثقهم الرجاليون تطبيقاً للقاعدة المذكورة:
1 ـ أبو عبدالله محمد بن علي بن شاذان القزويني:
أورده أستاذنا السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث 16/293) فقال: «محمد بن علي أبو عبدالله بن شاذان القزويني: ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي».
ذكره النجاشي في ترجمة يونس بن عبدالرحمن».
ونص عبارة النجاشي هي (الرجال 2/423): «أخبرنا محمد بن علي ـ أبو عبدالله ـ بن شاذان القزويني، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبدالله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا يونس بجميع كتبه».
2 ـ القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي:
في (م.س 16/234): «محمد بن عثمان بن الحسن القاضي أبو الحسين: ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي.
ذكره في ترجمة محمد بن أبي عمير».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 2/208) هي: «فأما التي رواها عنه عبيد الله بن أحمد بن نهيك فإني سمعتها من القاضي أبي الحسين محمد بن عثمان بن الحسن يقرأ عليه…».
3 ـ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي القمي:
في (م.س 15/14): «محمد بن أحمد بن علي بن الحسن: قال الوحيد في (التعليقة): محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي أبو الحسن، مضى في أبيه ما يظهر منه حسن حاله حيث جعل معرَّفاً لأبيه الجليل، وترحم عليه (جش).
أقول: تقدم في ترجمة أحمد أبيه كلام النجاشي وليس فيه تصريح باسمه، ولم يجعله معرّفاً لأبيه.
نعم، هو ثقة، لا لما ذكره، بل لأنه شيخ النجاشي، وقد عرفت أن مشايخه كلهم ثقات».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 1/222 ـ 223): «أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان أبو العباس الفامي القمي، شيخنا الفقيه، حسن المعرفة، صنف كتابين، لم يصنف غيرهما، كتاب زاد المسافر، وكتاب الأمالي.
أخبرنا بهما ابنه أبو الحسن رحمهما الله».
4 ـ محمد بن جعفر المؤدب النحوي القمي:
في (م.س 15/176(: «محمد بن جعفر المؤدب، ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي.
ذكره في ترجمة الحسن بن محمد بن سماعة».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 1/141) هي: «أخبرنا محمد بن جعفر المؤدب…».
توثيق الرجالي لأسانيده
من المسائل الرجالية التي تثار ـ هنا ـ عادة، والتي أفاد منها العلماء قاعدة عامة في التوثيق هي مسألة توثيق الرجالي العادل لرجال أسانيده المتصلة بالمعصومين.
ومثار هذا ما ورد في مقدمة تفسير علي بن إبراهيم القمي، ومقدمة كتاب (كامل الزيارة) لابن قولويه.
وعلي بن إبراهيم هو الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي شيخ ثقة الإسلام الكيني.
عاصر الإمام أبا محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وبقي بعده إلى أوائل القرن الرابع الهجري.
قال فيه النجاشي: «ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب».
واشتهر بتفسيره المعروف بـ (تفسير علي بن إبراهيم).
«وتفسيره كله أحاديث إلا كلمات يسيرة وعبارات نزيرة منه»)[465]( وجل ما في تفسيره رواه عن أبيه إبراهيم بن هاشم القمي.
وصرح في خطبة تفسيره بأنه أحاديث انتهت إليه بواسطة الرواية عن المعصومين (عليهم السلام)، قال: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم»)[466](.
وابن قولويه: هو الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمي المتوفى سنة 367هـ أو 368هـ.
قال فيه النجاشي: «وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه.
وعليه قرأ شيخنا أبو عبدالله (المفيد) الفقه».
اشتهر بكتابه في الزيارة، الذي عبّر عنه النجاشي بـ (كامل الزيارات) والطوسي في (الفهرست) بـ (جامع الزيارات).
واسمه المشهور به ـ كما يذكر شيخنا الطهراني في (الذريعة) ـ هو (كامل الزيارة).
ذكر فيه زيارات النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) وفضلها وثوابها.
وأيضاً كان منهجه فيه هو التحديث والرواية، وصرح بهذا في خطبته بقوله: «وأنا مبين لك ـ أطال الله بقاك ـ ما أثاب الله به الزائر لنبيه وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ بالآثار الواردة عنهم… وسألت الله ـ تبارك وتعالى ـ العون عليه، حتى أخرجته وجمعته عن الأئمة صلوات الله عليهم.
ولم أخرج فيه حديثاً روي عن غيرهم، إذ كان فيما رويناه عنهم من حديثهم ـ صلوات الله عليهم ـ كفاية عن حديث غيرهم.
وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا غيره، ولكن ما وقع لنا من وجهة الثقات من أصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ، ولا أخرجت فيه حديثاً مما روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم».
فقد فهم علماؤنا من عبارة علي بن إبراهيم: (ورواه مشايخنا وثقاتنا)، وعبارة ابن قولويه: (ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا)، أنهما شهادتان بالتوثيق.
واختلفوا في مدى سعة هذا التوثيق، فذهب البعض إلى قصره على مشايخهما فقط، وذهب الآخرون إلى تعميمه لكل رجال سلاسل أسانيدهما، وهو المشهور، وعلل بأنه لا فرق في التنصيص بالوثاقة بين أن يكون على فرد بعينه أو أفراد بأعيانهم، أي على نحو الدلالة المطابقية، أو يكون على رجال إسناد بكامله فيكون التوثيق لكل واحد منهم ضمنياً، أي من باب الدلالة التضمنية.
قال الميرزا النوري في ترجمة ابن قولويه من خاتمة مستدركه 3/523 بعد نقله عبارته المذكورة في أعلاه: «فتراه ـ رحمه الله ـ نص على توثيق كل من روى عنه فيه، بل كونه من المشهورين بالحديث والعلم.
ولا فرق في التوثيق بين النص على أحد بخصوصه، أو توثيق جمع محصورين بعنوان خاص.
وكفى بمثل هذا الشيخ مزكياً ومعدّلاً».
وقال الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/40) ـ في ترجمة إبراهيم بن هاشم القمي وهو في معرض الاستدلال على عدالته ووثاقته: «وقال علي بن إبراهيم بن هاشم في أول تفسيره المعروف: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم) ثم أنه روى كتابه هذا عن أبيه (رض)، ورواياته كلها: (حدثني أبي) و(أخبرني أبي)، إلا النادر اليسير الذي رواه عن غيره.
ومع هذا الإكثار لا يبقى ريب في أن أباه مراد عن عموم قوله: (مشايخنا وثقاتنا)، فيكون ذلك توثيقاً صريحاً له من ولده الثقة».
وكذلك استدل السيد جعفر بحر العلوم في كتابه (تحفة العالم 1/221) بتوثيق علي بن إبراهيم لرجال إسناده على توثيق أبيه إبراهيم بن هاشم لشموله به، قال: «والأصح عندي أنه (يعني إبراهيم بن هاشم) ثقة صحيح الحديث، ويدل على ذلك وجوه: الأول: ما ذكره ولده الثقة الثبت المعتمد في خطبة تفسيره المعروف فإنه قال: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم) ثم أنه روى معظم كتابه هذا عن أبيه».
وقال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/49): «قد عرفت ـ فيما تقدم ـ أن الوثاقة تثبت بإخبار ثقة، فلا يفرق في ذلك بين أن يشهد الثقة بوثاقة شخص معين بخصوصه، وأن يشهد بوثاقته في ضمن جماعة، فإن العبرة إنما هي بالشهادة بالوثاقة، سواء أكانت الدلالة مطابقية أم تضمنية.
ولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذي روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين (عليهم السلام)، فقد قال في مقدمة تفسيره: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا من مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم..) فإن في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنه لا يروي في كتابه هذا إلا عن ثقة.
وبما ذكرناه نحكم بوثاقة جميع من وقع في إسناد (كامل الزيارات) أيضاً، فإن جعفر بن قولويه قال في أول كتابه: (وقد علمنا بأنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا في جهة الثقات من أصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم).
فإنك ترى أن هذه العبارة واضحة الدلالة على أنه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله.
قال صاحب الوسائل ـ بعدما ذكر شهادة علي بن إبراهيم بأن روايات تفسيره ثابتة ومروية عن الثقات من الأئمة (عليهم السلام): (وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه، فإنه صرح بما هو أبلغ من ذلك في أول مزاره).
أقول: إن ما ذكره متين، فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته.
اللهم إلاّ أن يبتلي بمعارض».
ونخرج من هذا كله بالنتائج التالية:
1 ـ وثاقة رجال إسناد علي بن إبراهيم في تفسيره.
2 ـ وثقاة رجال إسناد ابن قولويه في مزاره.
3 ـ يعمل بكل من هذين الإسنادين في الكتاب المذكور فيه الإسناد وفي غيره.
4 ـ يعتمد توثيق كل راوٍ من رواة علي بن إبراهيم وجعفر بن قولويه إذا ورد ذكره في أسانيد أخرى.
5 ـ إن قبول شهادة الشيخين المذكورين يتوقف على عدم المعارض.
تصحيح الفقيه الرجالي للحديث
ومن المسائل التي دار الحديث فيها وحولها، وكقاعدة رجالية هي مسألة اعتبار تصحيح الفقيه الرجالي كالمحقق الأول والعلامة الحلي والشهيدين لحديثٍ توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث، أو عدمه.
قال الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/204) تحريراً للمسألة: «إن وصف فقيه عدل كالعلامة والمحقق ونحوهما من الواقفين بأحوال الرجال بصحة حديث، أو كونه موثقاً، أو حسناً، بمنزلة ما لو نص على كل واحد من رجال سنده بما وصف به السند، بحيث يدل وصفه لسندٍ بالصحة على كون كل من رجاله عدلاً إمامياً ضابطاً، حتى يترتب على المجهول الموجود في ذلك السند حكم الصحة إذا وقع في سند آخر.
وكذا وصفه لسند بالموثقية يقتضي ترتيب آثار الموثق على مجهول الحال من ذلك السند إذا وقع في سند آخر.
وكذا بالنسبة إلى الوصف بالحسن… أم لا؟».
ثم ذكر الأقوال في المسألة، وهي:
1 ـ الاعتبار مطلقاً.
بمعنى أن تصحيح الفقيه الرجالي لحديث يعتبر توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث.
وممن ذهب إلى هذا: الشيخ البهائي، والشيخ محمد الأمين الكاظمي صاحب المشتركات والميرزا محمد الأسترآبادي صاحب منهج المقال والشيخ عبد النبي الكاظمي صاحب تكملة نقد الرجال.
2 ـ عدم الاعتبار مطلقاً.
بمعنى أن تصحيح الفقيه الرجالي لحديث لا يعتد توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث.
وممن قال بهذا: السيد مصطفى التفريشي صاحب نقد الرجال، وأستاذه الشيخ التستري.
3 ـ التفصيل بين من كان مختلفاً فيه من الرجال فلا يعتد تصحيح الحديث توثيقاً له، وبين من هو غير مذكور في كتب الرجال، أو كان مذكوراً ولكنه غير معلوم الحال فيعتد تصحيح الحديث توثيقاً له.
حكي هذا القول عن السيد الداماد.
وعلق الشيخ المامقاني على هذا القول بقوله: «واستظهر بعضهم رجوع ذلك إلى الأول، وهو كذلك، ضرورة أن مظهر الثمرة إنما هو مجهول الحال، وأما المختلف فيه فلا معنى فيه للقبول تعبداً بعد وضوح رجوع توثيقه إلى اجتهاد الموثق ـ بالكسر ـ، مضافاً إلى أنه لم يقل أحد في مقام الاختلاف في الرجل بتقديم المزكي صريحاً فكيف بمثل هذه المسألة».
4 ـ التفصيل بين من كثرت تصحيحاته من الفقهاء الرجاليين فيعتد تصحيحه توثيقاً، وعلل ببعده في ذلك عن الغفلة، وبين من قلّت تصحيحاته فلا يعتبر تصحيحه توثيقاً، وعلل باحتمال الغفلة واحتمال إطلاعه على سندٍ آخر.
هذه هي خلاصة ما ذكره الشيخ المامقاني، ولكن المسألة في واقعها ترجع إلى المبدأ المعتمد عند الفقيه الرجالي العادل في مجال التصحيح:
ـ فإن كان المبدأ هو الوثوق بصدور الحديث عن المعصوم، لا يصح الاعتماد على تصحيحاته لاحتمال اعتماده على القرائن الخارجية أو خلفياته الثقافية التي ربما استند إليها.
ـ وإن كان هو وثاقة الراوي فترجع إلى ما ذكرناه آنفاً من الموقف من (تقييمات الرجاليين المتأخرين) فينطبق عليها ما ذكر هناك.
توثيقات الشيخ المفيد
من المسائل العلمية التي حررت في بعض الكتب الرجالية، مسألة توثيقات الشيخ المفيد التي وردت في:
ـ رسالته في الرد على أصحاب العدد المعروفة بـ (الرسالة العددية).
وهي رسالة فقهية بحث فيها الخلاف بين الفقهاء في أن أشهر رمضان هل يعتمد فيه العدد وهو الثلاثون يوماً، أو تعتمد فيه الرؤية لأنه قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعاً وعشرين؟… وأثبت ـ بعد الموازنة بين روايات العدد وروايات الرؤية ـ أن الاعتماد على الرؤية، وليس على العدد.
ـ كتابه الموسوم بـ (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد)، وهو كتاب تاريخي، ضمنه سير الأئمة (عليهم السلام) والأدلة على إثبات إمامتهم.
وممن حرر هذه المسألة الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/209)، فقد عقد لها الفائدة الثانية والعشرين، ومن المفيد أن أنقل هنا ما ذكره في هذه المسألة ثم أعقب بما يتطلبه البحث.
قال: «إن للشيخ المفيد (ره) في رسالته في الرد على أصحاب العدد، عبارة يستشهد بها المولى الوحيد (ره) في (التعليقة) كثيراً على وثاقة ما تضمنته العبارة من الرجال، فلزمنا نقل العبارة برمتها هنا حتى نحيل إليها حيثما احتجنا إلى الاستشهاد بها ولا يتكرر منا نقلها، فنقول: قال (ره) ما لفظه: (وأما رواة الحديث بأن شهر رمضان من شهور السنة يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمد بن علي وأبي عبدالله جعفر بن محمد بن علي وأبي الحسن علي بن محمد وأبي محمد الحسن بن علي بن محمد ـ صلوات الله عليهم ـ والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدوّنة والمصنفات المشهورة، وكلهم قد أجمعوا نقلاً وعملاً على أن شهر رمضان يكون تسعة وعشرين يوماً، نقلوا ذلك عن أئمة الهدى، وعرفوه في عقيدتهم، واعتمدوه في ديانتهم، وقد فصّلت أحاديثهم في كتابنا المعروف بـ (مصابيح النور في علامات الشهور).
ثم أن الرواة الذين ذكروا الروايات عنهم في أن شهر رمضان يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين ـ بعد أن مدحهم بما مدحهم ـ هم:
ـ محمد بن مسلم.
ـ ومحمد بن قيس الذي يروي عنه يوسف بن عقيل.
ـ وأبو الجارود.
ـ وعمار الساباطي.
ـ وأبو أحمد عمر بن الربيع.
ـ وأبو الصباح الكناني.
ـ ومنصور بن حازم.
ـ وعبدالله بن مسكان.
ـ وزيد الشحام.
ـ ويونس بن يعقوب.
ـ وإسحاق بن جرير.
ـ وجابر بن زيد.
ـ والنضر (النمر) والد الحسن.
ـ وابن أبي يعفور.
ـ وعبدالله بن بكير.
ـ ومعاوية بن بكير.
ـ ومعاوية بن وهب.
ـ وعبدالسلام بن سالم.
ـ وعبد الأعلى بن أعين.
ـ وإبراهيم بن حمزة العلوي.
ـ والفضيل بن عثمان.
ـ وسماعة بن مهران.
ـ وعبيد بن زرارة.
ـ والفضل بن عبدالملك.
ـ ويعقوب الأحمر.
(فإنه روى عن كلٍ منهم رواية على حدة متضمنة لمطلوبه، ثم قال) وروى:
ـ كرام الخثعمي.
ـ وعيسى بن أبي منصور.
ـ وقتيبة الأعشى.
ـ وشعيب الحداد.
ـ والفضيل بن يسار.
ـ وأبو أيوب الخراز.
ـ وقطر بن عبدالملك.
ـ وحبيب الجماعي.
ـ وعمر بن مرداس.
ـ ومحمد بن عبدالله بن الحسين.
ـ ومحمد بن الفضيل الصيرفي.
ـ وأبو علي بن راشد.
ـ وعبيد الله بن علي الحلبي.
ـ وعمران بن علي الحلبي.
ـ وهشام بن الحكم.
ـ وهشام بن سالم.
ـ وعبدالأعلى بن أمين.
ـ ويعقوب الأحمر.
ـ وزيد بن يونس.
ـ وعبدالله بن سنان.
ـ ومعاوية بن وهب.
ـ وعبدالله بن أبي يعفور.
ممن لا يحصى كثرة، مثل ذلك حرفاً.
(إلى أن قال:) إن حديث الرؤية قد عمل به معظم الشيعة وكافة فقهائهم وجماعة علمائهم، ولو لم يعمل به إلا فريق منهم لم يكن الخبر به بعيداً من قول العامة لقربه من مذهب الخاصة)، إلى آخر ما قال.
وله عبارتان أخريان في إرشاده تضمنتا توثيق جماعة أخرى، قال في (باب النص على الكاظم (ع) من الإرشاد) ما لفظه: (وممن روى النص)[467]( عن أبي عبدالله (عليه السلام) ابنه أبي الحسن موسى (عليه السلام) من شيوخ أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام) وخاصته، وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين ـ رحمهم الله ـ:
ـ المفضل بن عمر الجعفي.
ـ ومعاذ بن كثير.
ـ وعبدالرحمن بن الحجاج.
ـ والفيض بن المختار.
ـ ويعقوب السراج.
ـ وسليمان بن خالد.
ـ وصفوان الجمال.
ـ وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب ـ انتهى ـ).
قال (ره) في (باب النص على الرضا (عليه السلام)) ما صورته: (ممن روى النص على الرضا (عليه السلام) بالإمامة من أبيه (عليه السلام)، والإشارة إليه منه (عليه السلام) بذلك، من خاصته، وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته:
ـ داود بن كثير الرقي.
ـ ومحمد بن إسحاق بن عمار.
ـ وعلي بن يقطين.
ـ ونعيم القابوسي.
ـ والحسين بن المختار.
ـ وزياد بن مروان المخزومي.
ـ وداود بن سليمان.
ـ ونصر بن قابوس.
ـ وداود بن زربي.
ـ ويزيد بن سليط.
ـ ومحمد بن سنان ـ انتهى ـ).
وقال الفاضل الجزائري في ترجمة داود بن زربي، بعد نقل العبارة الأولى، ما صورته: (وأنت خبير بأن كلامه هذا ظاهر في التوثيق، وقد نقل العلامة (ره) في ترجمة محمد بن سنان توثيق المفيد (ره) له، والظاهر أنه فهمه من هذه العبارة، وحينئذٍ ينظر في أحوالهم، فمن وجد فيه المعارض لهذا التوثيق عمل بمقتضاه، ومن لم يوجد فالظاهر الاعتماد على هذا التوثيق، والرجل هنا لا معارض فيه، بل ما ذكرناه مؤكد له إن لم نعدّه وحده ـ انتهى ـ).
ولا يقدح عدّه لأبي الجارود الضعيف، إذ قد يكون مراده غير أبي الجارود المعروف، أو من غلط الناسخ، أو غير ذلك.
وقال الوحيد (ره): (لعل المراد من الطعن والذم المنفيين ـ يعني في العبارة الأولى ـ ما هو بالقياس إلى الاعتماد عليه، وقبول قوله، ووثاقته، كما هو الظاهر من رؤيته من عد عمار الساباطي وأمثاله منهم، لا أن عد أمثاله غفلة منه ـ انتهى ـ).
وأنت خبير بأنه حملٌ لكلام المفيد (ره) على غير ظاهره بغير قرينة، وحمل واحد أو اثنين ممن ذكر على سهو القلم من الناسخ أو منه، أقرب من حمل كلامه في الجميع على خلاف الظاهر ليسقط عن الاعتبار فتدبر».
والمستفاد من هذا:
1 ـ إن الوحيد البهبهاني اعتمد قول الشيخ المفيد في توثيق من ذكرهم في قائمة رواة أحاديث الرؤية.
2 ـ إن الفاضل الجزائري استظهر من عبارتي الإرشاد توثيق الشيخ المفيد لمن ذكرهم في قائمتي رواة أحاديث النص بالإمامة على الإمامين الكاظم (عليه السلام) والرضا (عليه السلام).
3 ـ كما استنتج الفاضل الجزائري من نقل العلامة الحلي في ترجمة محمد بن سنان توثيق المفيد له أن العلامة أفاد هذا التوثيق من عبارة المفيد في الإرشاد التي ورد فيها ذكر محمد بن سنان، وهي التي قالها الشيخ المفيد في بيان النص على إمامة الرضا (عليه السلام).
4 ـ ثم أفاد الفاضل الجزائري بأن من وجد فيه ما يعارض توثيق الشيخ المفيد له يعمل بمقتضى المعارض، ومن لم يوجد فيه ما يعارض توثيق الشيخ المفيد استظهر فيه الاعتماد على توثيق الشيخ المفيد.
5 ـ إن الشيخ المامقاني وجه عدّ الشيخ المفيد لأبي الجارود في قائمة رواة أحاديث الرؤية، وهو من الضعفاء بأنه قد يكون مراد الشيخ المفيد غير أبي الجارود المعروف، أو أنه من غلط الناسخ، أو غير ذلك.
وبعد هذا، فالذي أستظهره أن عبارة الشيخ المفيد في رواة أحاديث الرؤية ظاهرة كل الظهور في التوثيق.
وما قيل في ضعف أبي الجارود فمستنده روايات ضعيفة ذكرها أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 7/323 ـ 324) ـ ترجمة أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني ـ وأبان عن أسباب ضعفها وعدم اعتبارها، ثم قال: «أقول: هذه الروايات كلها ضعيفة، على أنها لا تدل على ضعف الرجل وعدم وثاقته إلا الرواية الثالثة منها، لكن في سندها علي بن محمد وهو ابن فيروزان ولم يوثق، ومحمد بن أحمد وهو محمد بن أحمد الوليد وهو مجهول، والحسين بن محمد بن عمران مهمل، إذن كيف يمكن الاعتماد على هذه الروايات في تضعيف الرجل، فالظاهر أنه ثقة، لا لأجل أن له أصلاً، ولا لرواية الأجلاء عنه، لما عرفت غير مرة من أن ذلك لا يكفي لإثبات الوثاقة، بل لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وقد شهد جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقة جميع رواتها.
ولشهادة الشيخ المفيد في الرسالة العددية بأنه من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم.
ولشهادة علي بن إبراهيم في تفسيره بوثاقة كل من وقع في إسناده».
وبالنسبة إلى عمار الساباطي وأمثاله وإن لم يكونوا عدولاً فهم ثقات وموضع اعتماد، فيكون مراد الشيخ المفيد من التوثيق مطلق التوثيق أي ما يعم العدالة والوثاقة.
وأما عبارتا الشيخ المفيد في (الإرشاد) فغير ظاهرتين في توثيق الجميع، وإنما أراد الشيخ ـ وهو في معرض إثبات إمامة الكاظمين (عليهم السلام) أن يذكر ما يفيد العلم واليقين بذلك، فذكر الثقات من أصحاب الأئمة، والناس الآخرين الذين هم ألصق بالأئمة وأقرب في الاطلاع على ذلك، ولذا عبّر بـ(الخاصة) و(البطانة) و(ثقات الفقهاء الصالحين) و(أهل الورع)، فهذه الأوصاف المذكورة لم تتعاطف على موصوف واحد حتى يقال إنه وصف بالوثاقة، وإنما هي تشير إلى عناوين متعددة مختلفة.
مضافاً إلى أن الكتاب (أعني الإرشاد) كتاب تاريخ لا تستخدم فيه العبارة الدقيقة، وإنما تراكم فيه المثبتات للحادثة بمجموعها وقوعها.
وعليه: لا نستطيع أن نأخذ بالظهور المدعى، فنفيد من العبارتين قاعدة توثيق.
ومن توثيقات الشيخ المفيد التي ذكرها في كتاب (الإرشاد)، توثيقه لجميع أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد من أهل آثار ونقلة الآخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبدالله (عليه السلام)، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل»)[468](.
واستدل بعضهم بهذا النص على وثاقة جميع من ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
كما «مال إلى هذا القول الشيخ الحر (قدس سره) قال في (أمل الآمل) ـ في ترجمة خليد بن أوفى أبي الربيع الشامي: (ولو قيل بتوثيقه وتوثيق جميع أصحاب الصادق (عليه السلام)، إلاّ من ثبت ضعفه، لم يكن بعيداً، لأن المفيد في (الإرشاد)، وابن شهرآشوب في (معالم العلماء) )[469](، والطبرسي في (إعلام الورى)، قد وثقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق (عليه السلام).
والموجود منهم في كتب الرجال والحديث لا يبلغون ثلاثة آلاف، وذكر العلامة وغيره أن ابن عقدة جمع أربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال»)[470](.
وعلق أستاذنا السيد الخوئي عليه بقوله: «أقول: الأصل في ذلك هو الشيخ المفيد (قدس سره) وتبعه على ذلك ابن شهرآشوب وغيره.
وأما ابن عقدة فهو وإن نسب إليه أنّه عدّد أصحاب الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف، وذكر لكل واحد منهم حديثاً إلاّ أنه لم ينسب إليه توثيقهم.
وتوهم المحدث النوري أن التوثيق إنما هو من ابن عقدة، ولكنه باطل جزماً»)[471](.
ثم ناقش المسألة فقال: «وكيف كان فهذه الدعوى غير قابلة للتصديق:
فإنه إن أريد بذلك أن أصحاب الصادق (عليه السلام) (الذين) كانوا أربعة آلاف، كلهم كانوا ثقات، فهي تشبه دعوى أن كل من صحب النبي (ص) عادل.
مع أنه ينافيها تضعيف الشيخ (الطوسي) جماعة، منهم:
ـ إبراهيم بن أبي حبة.
ـ والحارث بن عمر البصري.
ـ وعبدالرحمن بن الهلقام.
ـ وعمرو بن جميع.
ـ وجماعة أخرى غيرهم.
وقد عدّ الشيخ (الطوسي) أبا جعفر الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام)، أفهل يحكم بوثاقته بذلك؟
وكيف تصح هذه الدعوى مع أنه لا ريب في أن الجماعة المؤلفة من شتى الطبقات على اختلافهم في الآراء والاعتقادات يستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقات.
وإن أريد بالدعوى المتقدمة أن أصحاب الصادق كانوا كثيرين، إلاّ أن الثقات منهم أربعة آلاف، فهي في نفسها قابلة للتصديق إلاّ أنها مخالفة للواقع، فإن أحمد بن نوح زاد على ما جمعه ابن عقدة ممن روى عن الصادق (عليه السلام) على ما ذكره النجاشي، والزيادة كثيرة على ما ذكره الشيخ في ترجمة أحمد بن نوح، وال شيخ مع حرصه على جمع الأصحاب حتى من لم يذكره ابن عقدة على ما صرح به في أول رجاله، ولأجل ذلك ذكر موسى بن جعفر (عليه السلام) والمنصور الدوانيقي في أصحاب الصادق (عليه السلام) ومع ذلك فلم يبلغ عدد من ذكره الشيخ أربعة آلاف، فإن المذكورين في رجاله لا يزيدون على ثلاثة آلاف إلاّ بقليل.
على أنه لو سلمت هذه الدعوى لم يترتب عليها أثر أصلاً، فلنفرض أن أصحاب الصادق (عليه السلام) كانوا ثمانية آلاف، والثقات منهم أربعة آلاف، لكن ليس لنا طريق إلى معرفة الثقات منهم، ولا شيء يدلنا على أن جميع من ذكره الشيخ (الطوسي) من قسم الثقات، بل الدليل قائم على عدمه كما عرفت»)[472](.
والأمر ـ كما قلت سابقاً ـ إن كتاب الإرشاد كتاب تاريخي يختلف في منهج معالجته لأمثال هذه المسائل عن منهج الكتب الرجالية، وكتب الحديث.
ولعل الشيخ المفيد بنى قوله هنا على أساس من أصالة العدالة في المسلم حتى يثبت الفسق.
مشيخة الإجازة
عنون بعضهم هذا الموضوع بالعنوان المذكور، وعنونه آخر بـ (مشايخ الإجازة)، وثالث بـ (شيوخ الإجازة)، وكلها تعطي معنى واحداً، هم: العلماء الذين يستجازون في رواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث.
و(مشيخة) و(مشايخ) و(شيوخ) كلها في رأي أكثر المعاجم: جمع (شيخ)، وذهب بعض المعاجم إلى أن (مشايخ) جمع لمشيخة وهي ـ يعني مشيخة ـ اسم جمع.
و(الشيخ) في لغتنا العربية يطلق على كبير السن، وتوسع في استعماله فأصبح يطلق على الأستاذ والعالم لكبرهما في العلم بالنسبة إلى التلميذ والمتعلم.
ومنه (شيخ الإجازة) أي الأستاذ في الإجازة، وهو الذي يشتهر في الوسط العلمي بمنحه الإجازات برواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث.
قالوا في علم الرجال: إن مشيخة الإجازة من إمارات التوثيق، فكل شيخ من شيوخ الإجازة هو ثقة.
فأصّلوا هذه القاعدة وطبقوها في مواردها.
وهو الرأي المشهور بينهم.
وخالف آخرون فنفوا أن تكون شيخوخة الإجازة أمارة توثيق.
وممن أثار المسألة بحثاً الفاضل الدربندي في كتابه (قواميس الرجال والدراية)، فقد جاء في الورقة 22 منه: «الأصل الأصيل في مشايخ الإجازة هو التوثيق، بل إن هذا مما يتراءى من سيرتهم وتتبع الموارد في الإسناد.
والحاصل: إنه لا يعدل عن مقتضى هذا الأصل إلا بدليل».
وقال في الورقة 62: «وقد يتراءى من جمعٍ أن كون الرجل من مشايخ الإجازة دليل توثيقه».
وقال في الورقة 66: «ومن جملة الأمور التي اعتبرناها من علائم التوثيق وإمارات التعديل كون الرجل من مشيخة الإجازة»)[473](.
وجاء في (فوائد الوحيد البهبهاني) ـ الملحقة برجال الخاقاني ص44 ـ : «الفائدة الثالثة: في سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة، (منها): كون الرجل من مشايخ الإجازة.
والمتعارف عده من أسباب الحسن، وربما يظهر من (المجلسي الأول) ـ رحمه الله ـ دلالته على الوثاقة، وكذا من المصنف (الميرزا محمد الأسترآبادي) في ترجمة الحسن بن علي بن زياد.
وقال المحقق البحراني (الشيخ سليمان الماحوزي: «مشايخ الإجازة في أعلى درجات الوثاقة والجلالة».
ثم حكى عن المحقق المذكور في كتابه (معراج الكمال) أنه قال: «إن التعديل بهذه الجهة طريقة كثير من المتأخرين».
وحكى الشيخ المامقاني في (المقباس 2/219) عن الشهيد الثاني أنه قال في كتابه (البداية): (إن مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم».
ومن تطبيقات هذه القاعدة:
1 ـ ما ذكره السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية رجال السيد بحر العلوم 2/19) في حديثه عن توثيق أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد شيخ الشيخ المفيد، قال: «وقال العلامة المجلسي في (الوجيزة): يعد حديثه صحيحاً، لكونه من مشايخ الإجازة، ووثقه الشهيد الثاني ـ رحمه الله ـ أيضاً».
2 ـ ما جاء في كتاب بلغة المحدثين للشيخ سليمان الماحوزي ص404 في ترجمة البندقي، قال: «وأما محمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان، ويروي عنه محمد بن يعقوب، فهو البندقي: مجهول، إلاَّ أن الظاهر جلالته لكونه من مشايخ الإجازة».
ونفيد مما تقدم.
1 ـ إن شيخوخة الإجازة إمارة من أمائر التوثيق.
2 ـ اختلف في نوعية التوثيق الذي تفيده شيخوخة الإجازة على قولين:
أ ـ إنها تفيد الوثاقة.
ب ـ إنها تفيد الحسن.
3 ـ إن المستند في ذلك هو منزلة شيوخ الإجازة من حيث العلم والتدين، واشتهارها في الأوساط العلمية الدينية.
قال السيد الداماد في (الرواشح السماوية 179): «ومما يجب أن يعلم ولا يجوز أن يسهى عنه أن مشيخة المشايخ الذي هم كالأساطين والأركان أمرهم أجل من الاحتياج إلى تزكية مزكٍ وتوثيق موثق»)[474](.
وقال السيد الأعرجي الكاظمي في (عدة الرجال): «وما كان العلماء وجملة الأخيار ليطلبوا الإجازة من رواياتها إلاّ من شيخ الطائفة وفقيهها ومحدثها وثقتها ومن يسكنون إليه ويعتمدون عليه.
وبالجملة: فشيخ الإجازة مقام ليس للراوين»)[475](.
ولكن أستاذنا السيد الخوئي نفي اعتماد هذا، وأجاب عنه بـ «أن مشايخ الإجازة على تقدير تسليم وثاقتهم لا يزيدون في الجلالة وعظمة الرتبة على أصحاب الإجماع وأمثالهم ممن عرفوا بصدق الحديث والوثاقة، فكيف يتعرض في كتب الرجال والفقه لوثاقتهم، ولا يتعرض لوثاقة مشايخ الإجازة لوضوحها وعدم الحاجة إلى التعرض لها.
والصحيح: أن شيخوخة الإجازة لا تكشف عن وثاقة الشيخ كما لا تكشف عن حسنه.
بيان ذلك: إن الراوي قد يروي رواية عن أحد بسماعه الرواية عنه، وقد يرويها عنه بقراءتها عليه، وقد يرويها عنه لوجودها في كتاب قد أجازه شيخه أن يروي ذلك الكتاب عنه من دون سماع ولا قراءة، فالراوي يروي تلك الرواية عن شيخه، فيقول: حدثني فلان، فيذكر الرواية، ففائدة الإجازة هي صحة الحكاية عن الشيخ وصدقها، فلو قلنا: بأن رواية الثقة عن شخص كاشفة عن وثاقته أو حسنه فهو، وإلاّ فلا تثبت وثاقة الشيخ بمجرد الاستجازة والإجازة.
وقد عرفت ـ آنفاً ـ أن رواية ثقة عن شخص لا تدل لا على وثاقته ولا على حسنه.
ويؤيد ما ذكرناه أن الحسن بن محمد بن يحيى، والحسن بن حمدان الحضينين من مشايخ الإجازة ـ على ما يأتي في ترجمتها ـ وقد ضعفهما النجاشي».
وهذا الذي ذكره من تضعيف النجاشي للحسن بن محمد والحسين بن حمدان لا يتنافى والأخذ بالقاعدة، وذلك أن القواعد الرجالية ـ كما أسلفنا ـ يؤخذ بها ما لم تعارض.
فمن لم يثبت تضعيفه يوثّق بالقاعدة المذكورة.
الإجماع على التوثيق
ومن المسائل التي ذكرت في علم الرجال كقاعدة ذات دلالة على وثاقة أو حسن الراوي: الإجماع على التوثيق.
فمتى نقل أحد الرجاليين الثقات إجماعاً على وثاقة أو حسن راوٍ من الرواة يعتمد نقله ويرتب الأثر على وثاقة ذلك الراوي.
وممن تطرق لهذه المسألة واعتمد هذه القاعدة أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/46) قال: «ومن جملة ما تثبت به الوثاقة أو الحسن هو أن يدعي أحد من الأقدمين الأخيار: الإجماع على وثاقة أحد، فإن ذلك وإن كان إجماعاً منقولاً، إلاَّ أنه لا يقصر عن توثيق مدعي الإجماع نفسه منضماً إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، بل إن دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين، كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم، فقد ادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته، فإن هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة، وهو يكفي في إثبات الوثاقة».
وقد استخدمها في ترجمة إبراهيم، بن هاشم القمي قال في (المعجم 1/317): «إن العلامة في (الخلاصة) قال: «لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدم فيه، ولا على تعديل بالتنصيص والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول روايته».
أقول: «لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدل على ذلك عدة أمور:
1 ـ إنه روى عنه ابنه علي في تفسيره كثيراً وقد التزم في أول كتابه بأن ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات…
2 ـ إن السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: «ورواة الحديث ثقات بالاتفاق» ـ فلاح السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة 158».
كثرة الرواية
ومما ذكروه في هذا العلم إمارة دالة على وثاقة الراوي أو مدحه أو قوته كونه كثير الرواية عن المعصوم.
جاء في الفائدة الثالثة من (فوائد الوحيد البهبهاني ص 44 ـ 46) التي عقدها لبيان (سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة) قوله: «ومنها: كونه كثير الرواية».
ثم قال: «وهو (يعني كون الراوي كثير الرواية) موجب للعمل بروايته مع عدم الطعن عند الشهيد ـ رحمه الله ـ».
ويريد بهذا: أن الشهيد الأول يقول بإمارية كثرة الرواية ودلالتها على التوثيق، ولكن بشرط أن لا تعارض هذه القاعدة أو الإمارة بطعن في حال الراوي.
ثم ذكر في أنه سيشير إلى هذا في ترجمة الحكم بن مسكين؛ وأنه سيذكر في ترجمة علي بن الحسين السعد آبادي عن جده المجلسي الأول: أن جماعة عدوا حديث السعد آبادي من الحسان مستظهراً أن السبب في ذلك هو كثرة روايته.
وأشار إلى أن خاله المجلسي الثاني ذكر في ترجمة إبراهيم بن هاشم أن كثرة روايته في شواهد وثاقته.
وحكى عن العلامة الحلي أنه ذكر في ترجمة إبراهيم بن هاشم أيضاً أن كثرة روايته من أسباب قبول رواياته.
ونص قول العلامة في (الخلاصة) هو: لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله».
وكأنه أفاد أن المرجح عند العلامة لقبول إبراهيم بن هاشم هو كثرة الروايات عنه الذي هو دليل كثرة رواياته هو عن المعصوم.
ثم أشار إلى ما يظهر من عدد من التراجم من أن كثرة الرواية من أسباب المدح والقوة.
ونص عبارته هو: «ومنها: كونه كثير الرواية، وهو موجب للعمل بروايته مع عدم الطعن، عند الشهيد كما سنشير إليه في ترجمة الحكم بن مسكين.
وسنذكر في ترجمة علي بن الحسين السعد آبادي عن جدي أن الظاهر أنه لكثرة الرواية عدّ جماعة حديثه من الحسان، وقريب من ذلك في الحسن بن زياد الصيقل.
وعن خالي ـ وفي ترجمة إبراهيم بن هاشم ـ أنه من شواهد الوثاقة.
وعن العلامة فيها: أنه من أسباب قبول الرواية.
ويظهر من كثير من التراجم كونه من أسباب المدح والقوة، مثل: عباس بن عامر، وعباس بن هشام، وفارس بن سليمان، وأحمد بن محمد بن عمار، وأحمد بن إدريس، والعلاء بن رزين، وجبرئيل بن أحمد، والحسن بن خرزاد، والحسن بن متيل، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدالواحد، وأحمد بن محمد بن سليمان، وأحمد بن محمد بن علي بن عمر، وغيرها».
ونص عبارة المجلسي الأول في حق الحسن بن زياد الصيقل ـ كما حكاه المامقاني في (التنقيح 1/279) ـ هو: «يظهر من كثرة رواياته مع سلامة الجميع حسنه، وسيجيء عنهم (عليهم السلام): اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنا، ويمدحون بأنه كثير الرواية».
وممن ذهب إلى إفادة كثرة الرواية المدح، الشيخ الخاقاني في (رجاله ص345 ـ 346) قال معلقاً على ما تقدم من عبارة الوحيد البهبهاني: «لا إشكال ولا ريب في إفادة كونه كثير الرواية مدحاً ما، بل ومدحاً معتداً به لدلالته على علمه ومعرفته وزيادة بصيرته، بل لو كان كثير الرواية عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة، بل مشافهة وسماعاً منه، كان ذلك دالاً على أنه كثير الاتصال به، شديد الصحبة له، بل ربما يبلغ ذلك به إلى كونه من خاصته، وبطانته.
وهكذا لو كان كثير السماع من الشيخ فإنه أعلى مراتب التحمل للرواية، فإنه يفيد مدحاً تاماً، سيما لو كان من يتحمل منه من المشاهير أو من الأجلاء.
وكيف كان، وعلى كل حال، فلا يفيد التوثيق، والتعديل أصلاً حتى مع عدم الطعن فيه، فما عن الشهيد من القول بإفادته ذلك مع عدم الطعن، في محل المنع، بل لا بد من التنصيص عليه بالتوثيق، أو ما هو بحكمه، كما عن الشهيد (الثاني) راداً عليه.
نعم يكون بذلك في نظم الحسان، كما عن جماعة عد حديث علي بن الحسين السعد آبادي حسناً لكثرة روايته».
وذكر أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/79) مستند القائلين بالقاعدة المذكورة، وهو الروايات التالية:
1 ـ حمدويه بن نصير الكشي، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: اعرفوا منازل الرجال منا على قدر روايتهم عنا.
2 ـ محمد بن سعيد الكشي بن يزيد)[476](، وأبو جعفر محمد بن أبي عوف البخاري، قالا: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي، رفعه، قال: قال الصادق (عليه السلام): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنّا لا نعدُّ الفقيه فقيهاً حتى يكون محدِّثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثاً؟ قال: يكون مفهماً، والمفهم المحدث.
3 ـ إبراهيم بن محمد بن عباس)[477]( الختلي، قال: حدثنا أحمد بن إدريس القمي المعلم، قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن عمران، قال: حدثني سليمان الخطابي، قال: حدثني محمد بن محمد، عن بعض رجاله، عن محمد بن حمران العجلي، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا.
ثم ناقش (ره) استدلالهم بهذه الروايات بقوله: «إن هذه الروايات ـ بأجمعها ـ ضعيفة، أما الأخيرتان فوجه الضعف فيهما ظاهر)[478](، وأما الأولى فلأن محمد بن سنان ضعيف على الأظهر.
على أنه لو أغمضنا عن ضعف السند، فالدلالة فيها ـ أيضاً ـ قاصرة، وذلك فإن المراد بجملة: (قدر رواياتهم عنا) ليس هو قدر ما يخبر الراوي عنهم (عليهم السلام)، وإن كان لا يعرف صدقه وكذبه، فإن ذلك لا يكون مدحاً في الراوي، فربما تكون روايات الكاذب أكثر من روايات الصادق.
بل المراد بها هو قدر ما تحمله الشخص من رواياتهم (عليهم السلام)، وهذا لا يمكن إحرازه إلاّ بعد ثبوت حجيّة قول الراوي، وإن ما يرويه قد صدر عن المعصوم (عليه السلام)».
والأقرب إلى الاعتبار ـ فيما يبدو ـ هو قول الشهيد الأول، ذلك أن كثرة الرواية مع عدم الطعن في الراوي أمر يلفت النظر فلو كان الراوي ليس ممن يعتمد على نقله لأسرع العلماء الإثبات إلى بيان ذلك لخطورة الموقف بسبب كثرة الرواية.
وعليه نقول: إن كثرة الرواية ما لم تعارض بطعن في الراوي هي إمارة من إمارات التوثيق.
الشهادة للنفس بالتوثيق
يراد بها أن يثبت الرجالي وثاقة الراوي من خلال شهادة الراوي لنفسه بالوثاقة، وذلك كأن يروي حديثاً عن المعصوم فبه تزكية له.
ولعل أقدم من أشار إليها هو العلامة الحلي في (الخلاصة) عند ترجمته لعبدالله بن ميمون الأسود القداح المكي، قال: «عبيدالله بن ميمون الأسود القداح، يبري القداح، مولى بني مخزوم، روى أبوه عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليه السلام)، وروى هو عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وكان ثقة.
روى الكشي عن حمدويه عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن أبي خالد القماط عن عبدالله بن ميمون عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (يا بن ميمون، كم أنتم بمكة؟ قلت: نحن أربعة، قال: إنكم نور الله في ظلمات الأرض).
وهذا لا يفيد العدالة لأنه شهادة منه لنفسه، لكن الاعتماد على ما قاله النجاشي.
وروى الكشي عن جبريل بن أحمد، قال: سمعت محمد بن عيسى يقول: كان عبدالله بن ميمون يقول بالتزيد.
وفي هذا الطريق ضعف.
ولعله يشير بضعف الطريق إلى مجهولية حال جبرئيل بن أحمد وهو الناريابي، لأن محمد بن عيسى ـ وهو محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين ـ ثقة، قال فيه النجاشي: «جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف».
والعبارة الأولى من قول العلامة: (عبدالله) إلى قوله (وكان ثقة) هي نص عبارة النجاشي في رجاله المطبوع بفارق تقديم عبارة (يبري القداح) في (الخلاصة) على قوله (مولى بني مخزوم).
وهذا مما أشار إليه بعضهم أن من طريقة العلامة الحلي البدء بقول النجاشي دون أن يذكر اسمه أو الإرجاع إلى كتابه، ثم يتلوه بغيره، مستفيداً هذا من استقرائه لكتاب (الخلاصة)، ولذا أشار إليه بقوله: «لكن الاعتماد على ما قاله النجاشي» أي ليس على الرواية المذكورة.
ورواية الكشي عن حمدويه مذكورة في (اختيار معرفة الرجال) برقم 452 ص245 ـ 246، وبرقم 731 ص 389 بزيادة (بن نصير) بعد (حمدويه).
والرواية الثانية التي هي عن جبريل بن أحمد مذكورة برقم 732 ص389.
ونص على وثاقة ابن ميمون في الكثير من الكتب الرجالية، أمثال: رجال النجاشي، وخلاصة العلامة، ورجال ابن داود، وبلغة الماحوزي، وجامع الأردبيلي، ووجيزة المجلسي، وتنقيح المامقاني.
وظاهر الجميع ـ من بعد النجاشي ـ أنهم استندوا في توثيقه على النجاشي، ولم يستندوا على الروايتين أو إحداهما، إلاّ ما احتمله المامقاني في (التنقيح) من أن توثيق المجلسي له كان مستنداً إلى رواية الكشي الثانية، قال في (2/220): «وفي ما عندي من نسخة (الوجيزة) أنه موثق، ولعله بالنظر إلى رواية الكشي الثانية على قراءة (بالتزيد) ـ بالتاء والدال ـ مريداً به أنه كان زيدي المذهب».
فالمسألة ـ كما هو واضح ـ تفيد عدم جواز الاعتماد على شهادة الراوي لنفسه.
ويبدو أن ذلك لاستلزامها الدور، ذلك أن صدق الرواية يتوقف على صدق الراوي، وفي الوقت نفسه يراد إثبات صدق الراوي بصدق الرواية، فتكون النتيجة: توقف صدق الراوي على نفسه.
وقد يكون لأمثال الآية الكريمة: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} حيث نهت عن تزكية الإنسان لنفسه.
على أنه «ليس من التزكية المذمومة بيان الإنسان لبعض صفاته على سبيل التعريف حيث يحتاج إلى ذلك في توليته، كما حصل لنبي الله يوسف (عليه السلام) حيث قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيطٌ عَلِيمٌ..} )[479](.
ومن الجدير أن نشير في ختام دراسة هذه المسألة إلى أن أستاذنا السيد الخوئي قد أشار إليها إشارة عابرة مع الإلماح إلى الدليل في مقدمة موسوعته (معجم رجال الحديث) ضمن بحثه لمسألة ثبوت الوثاقة أو الحسن بنص أحد المعصومين حيث قال: «وربما يستدل بعضهم على وثاقة الرجل أو حسنه برواية ضعيفة، أو برواية نفس الرجل، وهذا من الغرائب، فإن الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها، كما أن في إثبات وثاقة الرجل وحسنه بقول نفسه دوراً ظاهراً».
ولعله يشير بـ (بعضهم) ـ بقرينة ما ذكره بعد كلامه هذا من نقده الاعتماد على الظنون الرجالية ـ إلى الشيخ المامقاني لأنه حرر المسألة هذه، وباختصار في (الفائدة الثلاثون) من مقدمة كتابه (تنقيح المقال) وبحث فيها وباختصار أيضاً حجية الظن الرجالي.
قواعد التعارض
بعد أن استعرضنا المهم من قواعد التقييم ننتقل الآن إلى دراسة قواعد التعارض كما وعدنا بهذا سالفاً.
التعارض ـ كما يعرفونه ـ هو: «التمانع بين الدليلين مطلقاً، بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضي الآخر».
والمقصود به ـ هنا ـ التمانع والتنافي بين تقييمين أو أكثر.
وهو مأخوذ من «تعارض البينات، لأن كل واحدة تعترض الأخرى، وتمنع نفوذها».
والشأن ـ هنا ـ كذلك إذ كل تقييم يعترض الآخر، ويمنع من الأخذ به، والاعتماد عليه.
وقد وضع الرجاليون قواعد لحل هذا التعارض، وسنأتي على المهم منها، كما فعلنا في قواعد التقييم.
التعارض بين التوثيق والتجريح
بحثت المسألة في كتب قواعد الحديث وقواعد الرجال، وأوسع تناول لها كان في كتاب (رجال الخاقاني، الفائدة السادسة: المقام الثالث)، وكتاب (مقباس الهداية) للشيخ المامقاني.
وتناولها بالبحث أيضاً الميرزا المشكيني في كتابه (الوجيزة) ولكن بشكل وجيز.
والمقصود بهذه المسألة: أن يأتينا توثيق لراوٍ (تعديلاً أو توثيقاً أو تحسيناً)، ويأتينا في مقابلة تجريح له، فأيهما يقدم، ويؤ خذ به ويعتمد عليه؟!
ربما وصلت الأقوال في المسألة ـ بتفصيلاتها ـ إلى تسعة أقوال، ولكن المهم هو االتالي:
1 ـ تقديم التجريح مطلقاً (في مقابل التفصيلين الآيتين). وهو القول المشهور.
وأستدل له بأن الموثق للراوي يخبر عما يعرفه من ظاهر حاله، والمجرح يخبر عما اطلع عليه من باطن خفي على الموثق.
فالتعارض يقوم بين إثبات المعصية من قبل المجرح بسبب اطلاعه عليها، ونفيها من قبل الموثق لعدم اطلاعه عليها واعتماده في شهادته على ظاهر الحال.
ولأن الإثبات ـ هنا ـ نص بالنسبة إلى المجرح، والنفي ظاهر بالنسبة إلى الموثق، يقدم النص.
2 ـ تقديم التوثيق مطلقاً (وأيضاً هو في مقابل التفصيلين الآتيين).
وأشير إلى دليله بأن «احتمال اطلاع الجارح على ما خفي على المعدل معارض باحتمال اطلاع المعدل على ما خفي على الجارح من مجدَّد التوبة والملكة، وإذا تعارضا تساقطا، ورجعنا إلى أصالة العدالة في المسلم»)[480](.
3 ـ التفصيل الأول، وله صورتان هما:
أ ـ إمكان الجمع بينهما، كما لو «قال المزكي: هو عدل، وقال الجارح: رأيته يشرب الخمر، فإن المزكي إنما شهد بالملكة، وهي لا تقتضي العصمة حتى ينافي صدور المحرم منه فيجتمعان»)[481](.
وهنا يقدم قول الجارح لأنه نص على قول المزكي لأنه ظاهر.
ب ـ عدم إمكان الجمع بينهما «كما لو عين الجارح السبب ونفاه المعدل، كما لو قال الجارح: رأيته في أول الظهر من اليوم الفلاني يشرب الخمر، وقال المعدل: إني رأيته في ذلك الوقت بعينه يصلي»)[482](.
وفي الحل قولان:
الأول: «الرجوع إلى المرجحات من الأكثرية والأعدلية والأورعية والأضبطية ونحوها… فيعمل بالراجح ويترك المرجوح، لما تقرر في محله من الرجوع إلى المرجحات عند تعارض البينتين.
فإن لم يتفق الترجيح وجب التوقف، للتعارض مع استحالة الترجيح من غير مرجح.
اختاره الشهيد الثاني في (البداية) والمحقق القمي)[483](، وغيرهما»)[484](.
الثاني: «التوقف مطلقاً، وهو المحكى عن الشيخ ـ رحمه الله ـ في (الخلاف).
وعلل بأن مقتضى القاعدة في صورة تعارض البينتين هو التساقط والتوقف، إلاّ أن يكون أصل في المورد فيرجع إليه.
والرجوع إلى الترجيح بالأكثرية والأعدلية ونحوهما في تعارض البينتين في الأملاك إنما هو لدليل خاص فيقتصر على مورده ويتوقف في غيره»)[485](.
4 ـ التفصيل الثاني، وله صورتان أيضاً، وهما:
أ ـ «أن يتعارضا في أصل ثبوت الملكة وعدمه، كأن يقول أحدهما: هو عدل ذو ملكة رادعة، وقال الآخر: هو عشّار)[486]( في جميع ما مضى من عمره، (فيحكم) بالتعارض والتساقط والرجوع إلى الأصل الموجود، وهو في المقام على عدم الملكة»)[487](، فيقدم قول المجرح.
ب ـ «أن يتعارضا في مجرد صدور المعصية وعدمه، فيقدم قول المعدل ويعمل عليه، لأن الملكة قد ثبتت بقوله، وقد تساقطا من حيث صدور المعصية وعدمه، فيرجع إلى أصالة العدم»)[488](، أي أصالة عدم صدور المعصية.
والمسألة ـ كما ترون ـ اجتهادية يعتمد فيها الفقيه مبانيه الاستنباطية ومرتكزاته الفكرية، وشاهد ذلك أن أكثر التجريحات أو الطعون منقولة عن كتاب (الضعفاء)، فمن صحت عنده نسبة الكتاب لابن الغضائري كالعلامة الحلي عدها معارضة لتوثيقات الآخرين، ومن لم تصح عنده نسبته لابن الغضائري كأستاذنا السيد الخوئي لا يعدها معارضة.
وكذلك من كان يرى صحة نسبة الكتاب إليه إلاّ أنه يرى أن جلّ تضعيفاته مستندة إلى اجتهاداته الشخصية في بعض الاعتقادات مثل سهو النبي (ص) حيث يذهب إلى أن من لا يعتقد بمضمون الرواية القائلة بحدوثه من النبي (ص) يعتبر غالياً، فإنه لا يجزم بصلاحية معارضة تضعيفاته لتوثيقات الآخرين.
والأقرب إلى طبيعة الموضوع أن يقال: إذا أمكن الجمع فهو المطلوب، وإن لم يمكن الجمع فالحكم التوقف والرجوع إلى الأصل المناسب للمقام.
هذا كله في مجال النظرية، وقد انصب البحث فيها على ما أسميناه بالمعرفة الواقعية.
ولكن الأمر يختلف عنه في مجال التطبيق باختلاف شخصية الرجالي الموثق، والرجالي المجرح، حيث تتمحور القضية في مركز المعرفة العلمية، وإليكم نماذج من تطبيقات المتأخرين، ومتأخري المتأخرين، والمعاصرين، أنقل موضع الشاهد منها من الكتب التالية:
ـ خلاصة الأقوال للعلامة الحلي.
ـ جامع الرواة للشيخ الأردبيلي.
ـ رجال السيد بحر العلوم.
ـ معجم رجال الحديث للسيد الخوئي.
1 ـ الخلاصة ص 5 ـ إبراهيم بن سليمان بن عبدالله بن حيان النهمي، قال الشيخ (ره): إنه كان ثقة في الحديث، وضعفه ابن الغضائري قال: إنه يروي عن الضعفاء، وفي مذهبه ضعف، والنجاشي وثقه أيضاً كالشيخ، فحينئذٍ يقوى عندي العمل به بما يرويه».
2 ـ الخلاصة ص14 ـ أحمد بن عمر الحلال، ثقة، قاله الشيخ الطوسي (ره)، وقال: إنه رديء الأصل، فعندي توقف في قبول روايته لقوله هذا».
3 ـ الخلاصة 60 ـ 61 حذيفة بن منصور، قال ابن الغضائري: حديثه غير نقي، يروي الصحيح والسقيم، وأمره ملتبس.
والظاهر عندي: التوقف فيه، لما قاله هذا الشيخ، ولما نقل عنه أنه كان والياً من قبل بني أمية، ويبعد انفكاكه عن القبيح.
وقال النجاشي: إنه ثقة».
4 ـ الخلاصة 141 ـ 142 محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، اختلف علماؤنا في شأنه، فقال شيخنا الطوسي (ره): إنه ضعيف، استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال (نوادر الحكمة)، وقال: لا أروي ما يختص بروايته.
قال الشيخ: وقيل إنه كان يذهب مذهب الغلاة.
وقال النجاشي: إنه جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف.
والأقوى عندي قبول روايته».
5 ـ الخلاصة 152 ـ 153 محمد بن أحمد بن خاقان النهدي، قال الكشي: قال النضر: إنه كوفي، ثقة، خيّر، وقال النجاشي: إنه مضطرب، وقال ابن الغضائري: إنه كوفي، ضعيف، يروي عن الضعفاء.
وعندي توقف في روايته لقول هذين الشيخين فيه».
6 ـ الخلاصة 205 ـ «أحمد بن علي بن علي بن كلثوم من أهل سرخس، متهم بالغلو، قال الكشي: كان من القوم، وكان مأموناً على الحديث.
والوجه عندي رد روايته».
7 ـ الخلاصة 210 ـ «جعفر بن محمد بن ملك، قال النجاشي: كان ضعيفاً في الحديث، وقال ابن الغضائري ـ رحمه الله ـ: إنه كان كذاباً، متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه، وقال الشيخ الطوسي (ره): جعفر بن محمد بن ملك)[489]( كوفي ثقة، ويضعفه قوم، روى في مولد القائم (عليه السلام) أعاجيب.
والظاهر أنه هو هذا المشار إليه، فعندي في حديثه توقف، ولا أعمل بروايته».
8 ـ الجامع 1/29 ـ إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني (ست، جش صه): شيخ من أصحابنا، ثقة، (صه): وقال ابن الغضائري: إنه ضعيف جداً.
والأرجح عندي قبول روايته، وإن حصل بعض الشك بالطعن فيه، انتهى، وفي الترجيح حسن نظر».
9 ـ رجال السيد بحر العلوم 2/45: «وقال الشهيد الثاني في نكاح (المسالك) في مسألة التوارث بالعقد المنقطع ـ بعد إيراد خبر في طريقه البرقي ـ: إنه (يعني البرقي) مشترك بين محمد بن خالد وأخيه الحسن وابنه أحمد، والكل ثقات على قول الشيخ أبي جعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ ولكن النجاشي ضعف محمداً، وقال ابن الغضائري: حديثه يعرف وينكر، ويروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل.
وإذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم، وظاهر حال النجاشي أنه أضبط الجماعة وأعرفهم بحال الرجال».
10 ـ المعجم حـ 9 رقم 5799 ـ صالح بن الحكم النيلي، قال النجاشي: ضعيف.
روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وروى عنه محمد بن صدقة، كامل الزيارات: الباب 54 في ثواب من زار الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه، الحديث 16.
أقول: إن توثيق جعفر بن محمد بن قولويه صالحاً النيلي يعارضه تضعيف النجاشي، فهو مجهول الحال».
تقديم قول النجاشي
ومما ينبغي أن يثار البحث فيه ـ هنا ـ ما ذكر من تقديم قول النجاشي عند المعارضة بينه وبين قول غيره من الرجاليين المتقدمين أمثال الكشي والطوسي.
وقد قرأنا شيئاً من هذا في الرقمين 7 و9 من النماذج المنقولة فيما سبقه.
ويرجع هذا إلى تفرغه للتخصص في مجال هذا العلم، وما وصل إليه من الخبرة فيه، بسبب ما تهيأ له من ظروف مساعدة، ومصادر (متوفرة) واطلاع واسع، حتى عُدَّ أعلم علماء الطائفة في هذا العلم.
قال السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية 2/35) ـ وهو من أعاظم الرجال في علم الرجال ـ: «وأحمد بن علي النجاشي ـ رحمه الله ـ أحد المشايخ الثقات، والعدول الأثبات، من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل».
أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه».
وقال الميرزا النوري في (المستدرك 3/501): «وبالجملة: فجلالة قدره وعظم شأنه في الطائفة أشهر من أن يحتاج إلى نقل الكلمات».
بل الظاهر منهم تقديم قوله ولو كان ظاهراً على قول غيره من أئمة الرجال في مقام المعارضة في الجرح والتعديل ولو كان نصاً.
وقال الشهيد في (المسالك): وظاهر حال النجاشي أنه أضبط الجماعة، وأعرفهم بحال الرجال.
وقال سبطه)[490]( في (شرح الاستبصار) ـ بعد ذكر كلام النجاشي والشيخ في سماعة)[491]( ـ: والنجاشي تقدم على الشيخ في هذه المقامات كما يعلم بالممارسة.
وقال شيخه المحقق الأسترآبادي في ترجمة سليمان بن صالح من رجاله (منهج المقال): ولا يخفى تخالف ما بين طريقي الشيخ والنجاشي، ولعل النجاشي أثبت.
وقال السيد بحر العلوم في (الفوائد 2/46): «وبتقديمه صرح جماعة من الأصحاب، نظراً إلى كتابه الذي لا نظير له في هذا الباب، والظاهر أنه الصواب».
وقال السيد حسن الصدر في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص268): «ثم اعلم أن أصول كتب علم الرجال خمسة: كتاباً الشيخ الطوسي (الفهرست) وكتاب (الرجال) وكتاب الكشي وكتاب ابن الغضائري، وكتاب النجاشي، وهو أحسنها وأجلها وأوثقها وأتقنها».
وقال السيد محمد صادق بحر العلوم في تعليقته على (لؤلؤة البحرين: «ويعد كتابه في الرجال أحد الكتب الأربعة الرجالية المعتمد عليها لدى العلماء ورواة الحديث، ويرجحونه في الضبط على كتابي الشيخ الطوسي (الفهرست) و(الرجال) عند التعارض».
ثم ذكر السيد بحر العلوم في فوائده بعد كلامه السالف الذكر عوامل هذا التقديم، وسأذكرها باختصار، وهي:
1 ـ تأليفه لكتابه الرجالي بعد تأليف الشيخ الطوسي لكتابيه (الأبواب) و(الفهرست)، و«هذان الكتابان هما أجل ما صنف في هذا العلم، وأجمع ما عمل في هذا الفن، ولم يكن لمن تقدم من أصحابنا على الشيخ ما يدانيهما، جمعاً، واستيفاء، وجرحاً وتعديلاً، وقد لحظهما النجاشي ـ رحمه الله ـ في تصنيفه، وكانا له من الأسباب الممدة والعلل المعدة، وزاد عليهما شيئاً كثيراً، وخالف الشيخ في كثير من المواضع.
والظاهر في مواضع الخلاف وقوفه على ما غفل عنه الشيخ من الأسباب المقتضية للجرح في موضع التعديل، والتعديل في موضع الجرح».
2 ـ تخصص النجاشي في علم الرجال، وتفرغه له، بخلاف الشيخ الطوسي فقد كان ـ كما هو معروف ـ مشاركاً في علوم كثيرة، فلم يتفرغ لعلم الرجال.
ومن الطبيعي أن التفرغ يكسب صاحبه الخبرة الوفيرة والكبيرة في مجال التخصص.
3 ـ «استمداد هذا العلم من علم الأنساب والآثار وأخبار القبائل والأمصار، وهذا مما عرف للنجاشي ـ رحمه الله ـ ودل عليه تصنيفه فيه واطلاعه عليه، كما يظهر من استطراده بذكر الرجل ذكر أولاده وأخوته وأجداده وبيان أحوالهم ومنازلهم حتى كأنه واحد منهم».
4 ـ «إن أكثر الرواة من الأئمة (عليهم السلام) كانوا من أهل الكوفة ونواحيها القريبة، والنجاشي كوفي من وجوه أهل الكوفة، وبخلافه الشيخ الطوسي فإنه لم يقدر له الاتصال به.
6 ـ «تقدم النجاشي» واتساع طرقه، وإدراكه كثيراً من المشايخ العارفين بالرجال ممن لم يدركهم الشيخ، كالشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن نوح السيرافي وأبي الحسن أحمد بن محمد الجندي وأبي الفرج محمد بن علي الكاتب وغيرهم».
الفوائد
بعد أن انتهينا من استعراض المهم من القواعد الرجالية تقييماً وتعارضاً، ننتقل إلى استعراض المهم من الفوائد الرجالية، وفاء بالوعد، وإتماماً لمفردات المقرر الدراسي.
وسنتناول ـ هنا ـ نوعين من الفوائد، وهما:
1 ـ ما يرتبط بأسماء الرواة من مشكلات علمية وفنية، وحلولها ببيان طرق التمييز.
2 ـ ما يرتبط بأسانيد ورواة كتب الحديث الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيبين) من قضايا علمية وفنية وإيضاح المراد منها.
وسنطلق على النوع الأول عنوان: (مشكلات أسماء الرواة)، وعلى النوع الثاني عنوان: (إيضاحات أسانيد الكتب الأربعة).
مشكلات أسماء الرواة
من القضايا المهمة في هذا العلم هي معرفة المشكلات العلمية والفنية الواقعة في أسماء الرواة، ومعرفة حلولها، لما يتوقف على هذا من معرفة هوية الراوي، ومن ثم معرفة حاله من حيث الوثاقة، واللاوثاقة، ومن بعد هذا معرفة قيمة السند من حيث الاعتبار واللااعتبار، لما يترتب على هذا من أهمية كبرى في مجال الاستنباط.
وهذه المشكلات تندرج تحت العناوين التالية:
1 ـ الائتلاف والاختلاف.
2 ـ الاتفاق والافتراق.
3 ـ الاشتباه.
4 ـ الاشتراك.
5 ـ الاشتهار.
وسنتحدث عنها فيما يليه وفق تسلسلها المذكور.
الائتلاف والاختلاف
تعنون هذه المشكلة في كتب علم الحديث وكتب علم الرجال بالمؤتلف والمختلف.
ويُقرأ الإسمان (المؤتلف والمختلف) بصيغة اسم الفاعل وصيغة اسم المفعول، والفرق بينهما واضح، وكذلك سبب جواز القراءة بهما.
وعرّف الدكتور المظاهري هذا الموضوع في كتابه (علم رجال الحديث ص88) بقوله: «وهو أن تتفق أسماء الرواة في الخط وتختلف في النطق».
ومثّل له بقوله: نحو (سلام) و(سلام) أحدهما بتشديد اللام).
وقال الشيخ المامقاني في (المقباس 1/291) توضيحاً لمعنى الموضوع: «ومجموعهما (يعني المؤتلف والمختلف) اسم لسند اتفق فيه اسمان فما زاد خطاً، واختلفا نطقاً».
وهو يعني بقوله (اسم السند) أن المؤتلف والمختلف اسم وعنوان للسند المشتمل على الاسمين أو الأسماء ذات المشكلة المذكورة.
ثم قال: «ومعرفته من مهمات هذا الفن، حتى أن أشد التصحيف ما يقع في الأسماء لأنه شيء لا يدخله القياس (يعني ليس له قاعدة)، ولا قبله شيء ولا بعده (أي وليس معه قرينة سياقية يتوصل إلى حل المشكلة بمعرفتها) ـ».
ثم يقول: «وهذا النوع منتشر جداً لا ينضبط مفصلاً إلاّ بالحفظ».
ويقول الدكتور المظاهري: «وفائدة هذا النوع منع وقوع الوهم في اسم الراوي، أو خلطه بغيره، (و) لا يتقنه إلاّ عالم كبير حافظ، ولا يعرف الصواب فيه بالقياس ولا بالنظر، وإنما هو الضبط والتوثيق في النقل».
ومنشأ هذا يرجع إلى عاملين، هما:
1 ـ إن الكتابة في عصر صدر الإسلام، وبخاصة في القرن الأول الهجري كانت بالخط الكوفي، ومعروف أن الخط الكوفي لم يعتمد النقط ولا الشكل، وكان يرجع في معرفة نطق المكتوب إلى قرائن السياق والرواية الشفوية.
2 ـ إن الكتابة حتى بعد وضع النقط والشكل كان يقع فيها التصحيف، وأيضاً يكتشف ويصحح في ضوء قرائن السياق وعن طريق الرواية الشفوية.
هذا في النصوص والمتون.
أمّا في الأسماء، فلأنها مفردة لا طريق إلى اكتشاف المفارقة فيها وتصحيحها إلاّ بالرواية الشفوية.
والملاحظ: إن هذا اللون من التصحيف كثر كثرة كبيرة في أسماء الرجال الرواة عند أهل السنَّة.
أمّا عند الشيعة الإمامية فلم يوجد هذا إلاّ في أسماء معدودة بلغت ـ كما سيأتي ـ ثلاثة عشر ـ أو أقل. شاهداً أو مثالاً.
ومن هنا كثر التأليف في هذا الموضوع عند أهل السنَّة، ومنه ما ذكره الدكتور المظاهري وهو:
1 ـ كتاب المؤتلف والمختلف، الدارقطني.
2 ـ كتاب المؤتلف والمختلف، عبدالغني بن سعيد الأسدي.
3 ـ كتاب المشتبه في النسبة، للأسدي أيضاً.
4 ـ كتاب تقييد المهمل وتمييز المشكل، الحسين بن محمد الغساني.
5 ـ المؤتلف والمختلف من الأسماء، محمد بن ظاهر المقدسي.
6 ـ الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب، ابن ماكولا البغدادي.
7 ـ تكملة الإكمال، ابن نقطة البغدادي.
8 ـ المشتبه في أسماء الرجال، الحافظ الذهبي.
9 ـ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، ابن حجر العسقلاني.
10 ـ تحفة ذوي الإرب في مشكل الأسماء والنسب، ابن خطيب الدهشة.
وذكر الشيخ المامقاني في (المقباس 1/291 ـ 300) من الأمثلة أو الشواهد في أسماء الرجال الإمامية اثنى عشر، وزاد حفيده الشيخ محمد رضا المامقاني في تعليقته على المقباس واحداً اكتملت به العدة ثلاثة عشر، نقله عن كتاب (نهاية الدراية) للسيد حسن الصدر… وهي:
1 ـ بُريد يَزيد.
واستشهدوا لما وقع من التمييز وعدمه بين (بريد) و(يزيد) بالروايين التاليين.
1 ـ بريد الكُناسي الكوفي من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
2 ـ يزيد (أبو خالد) الكناسي من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
ولننقل هنا بعض النصوص الرجالية تبين عن هذا:
ـ عن كتاب (مجمع الرجال 1/253): «بريد الكناسي، وسيذكر إن شاء الله تعالى عن (قر = الباقر) و(ق = الصادق) أيضاً بعنوان يزيد أبي خالد الكناسي».
وهذا يشير إلى عدم التمييز بينهما.
ـ عن كتاب (جامع الرواة 1/116 ـ 117): «بريد الكناسي [ق = من أصحاب الصادق] (مح).
أبو أيوب الخزاز عن بريد الكناسي في نسخة، وأخرى يزيد ـ بالمثناة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) في [يب: التهذيب] في باب عقد المرأة على نفسها النكاح.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [بص = الاستبصار] في باب أن الأب إذا عقد على ابنته الصغيرة.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية يزيد الغير المكنى بأبي خالد عن أبي جعفر (عليه السلام).
عنه عن بريد الكناسي في نسخة، وأخرى يزيد ـ بالمثناة ـ قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب حكم الظهار.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [في = الكافي] في باب الظهار.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
سماعة عنه عن بريد الكناسي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب أحكام الطلاق.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [في] في طلاق الحامل، وفي [بص] في باب طلاق الحامل.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
علي بن رئاب عن بريد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب أحكام الطلاق.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [بص] في باب طلاق الحامل.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
وبالجملة: كل ما روي عن بريد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) فهو أبو خالد يزيد ـ بالمثناة والزاي ـ.
وهذه الترجيحات كلها بناء على قول الشيخ.
ويحتمل بناء على ما نقل (مح) عن (صح = الإيضاح) في ترجمة يزيد أبي خالد الكناسي أن يكون بريداً ـ بالباء الموحدة ـ…
هذا غاية التوجيه في هذا المقام، وإنما أطنبنا الكلام فيه لأنه من مزال الأقدام، والله أعلم».
ـ عن كتاب (تنقيح المقال 1/164): «بريد الكناسي… ولا يخفى عليك أن بريداً هذا غير يزيد أبي خالد الكناسي الآتي في باب الياء، فإن الشيخ ذكر بريداً هذا في باب الباء الموحدة من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وذكر يزيد أبا خالد الكناسي في باب الياء من أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) بقوله: (يزيد يكنّى أبا خالد الكناسي)، فليس في باب الموحّدة من أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) من بريد ـ بالموحّدة ـ ذكر، فيكشف ذلك عن أنهما رجلان:
ـ بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ من أصحاب الصادق (عليه السلام).
ـ ويزيد أبو خالد الكناسي ـ بالمثناة ـ من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد وقع اشتباه كثير في الأسانيد بإبدال أحدهما بالآخر، فروي في نسخة في باب عقد المرأة على نفسها من التهذيب عن بريد ـ بالموحدة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام)، وروي تلك الرواية بعينها في باب عقد الرجل على ابنته الصغيرة من الاستبصار عن يزيد ـ بالمثناه ـ عن أبي جعفر (عليه السلام). وقد عرفت أن بريداً من أصحاب الصادق (عليه السلام) دون الباقر (عليه السلام)، فيصح ما في الاستبصار ونسخة أخرى من التهذيب من الياء المثناة.
وكذا روى في نسخة من التهذيب في باب أحكام الطلاق عن بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ ورواها بعينها في باب طلاق الحائل من الكافي والاستبصار ونسخة أخرى من التهذيب عن يزيد ـ بالمثناة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام).
إلى غير ذلك من موارد اشتباه بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ بيزيد ـ بالمثناة ـ، ولكن الذي يسهل الخطب اشتراكهما في الحسن، وعرائهما عن الضعف والجهالة على الأظهر.
وقال بعضهم إلى الباء على اتحاد بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ ويزيد أبي خالد الكناسي ـ بالمثناة ـ وأنه يروي عن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام).
وهو كما ترى، ضرورة استلزامه تخطئة الشيخ في عدّه إياه في أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) في باب الياء المثناة، وفي أبواب أصحاب الصادق (عليه السلام) في باب الباء الموحدة، ولا يمكن الالتزام به من غير برهان.
بل زعم الفاضل الأردبيلي في باب الباء من (جامع الرواة) اتحاد المذكورين مع بريد بن معاوية أبي القاسم العجلي، نظراً إلى اتحاد الراوي عنهم جميعاً، وهو أبو أيوب وهشام بن سالم وعلي بن رئاب، وهو ـ كما ترى ـ من غرائب الكلام، ضرورة عدم اقتضاء اتحاد الراوي عن جماعة اتحاد المروي عنهم، سيما بعد ظهور كلام الشيخ، بل صراحته، في كون بريد بالموحدة غير يزيد بالمثناة، وأن الأول من أصحاب الصادق (عليه السلام) دون الباقر، والثاني من أصحاب الباقر (عليه السلام) دون الصادق.
وأغرب منه زعم اتحادهما مع بريد بن معاوية العجلي بعد اعترافه بكون كنية يزيد بالمثناة أبا خالد، وكنية ابن معاوية أبا القاسم، وكون والد أحدهما معاوية وعدم معروفية والد الآخرين ووصفهم لهذين بالكناسي ولبريد بالعجلي، ومجرد إمكان اجتماع كون الرجل كناسياً مع كونه عجلياً لكون الأول نسبة إلى المكان أعني كناسة الكوفة، والثاني إلى العشيرة لا يجوز الاتحاد من غير برهان عليه، وظهور كشف تعدد الوصف عن تعدد الرجل.
والعجب منه حيث قال: إن كون كنية بريد بن معاوية أبا القاسم وكنية يزيد أبا خالد، وكون الأول كوفياً والثاني كناسياً لا تنافي فيه لكثرة أمثالها.
فإن فيه أن مجرد عدم المنافاة بينهما لا يجدي ما لم يقم برهان على الاتحاد يرفع به اليد عن ظهور تعدد الوصف والكنية في تعدد الرجل، فلا تذهل».
والغاية من نقل هذه النصوص الرجالية من الكتب الثلاثة (المجمع) و(الجامع) و(التنقيح) ليطلع الطالب على مدى ما في هذه المشكلات من تعقيد، وليتعرف كيفية حلولها، بغية التمييز بين الرواة.
2 ـ بشار يسار
مثل: بشار بن يسار الضبيعي، فالأول اسم الابن والثاني اسم الأب.
3 ـ بنان بيان
قال العلامة الحلي في (الخلاصة 208) في ترجمة الأول منهما: «بنان ـ بضم الباء بعدها النون قبل الألف وبعدها ـ روى الكشي عن سعد بن عبدالله، قال: حدثني محمد بن خالد الطيالسي عن عبدالرحمن بن أبي نجران عن ابن سنان: أن الصادق (عليه السلام) لعنه».
وهو بنان البيان، ورد لعنه وذمه في أكثر من رواية.
والثاني: بيان الجري أبو أحمد الكوفي، وبيان بن حمران التفليسي.
4 ـ جرير حريز
قال المامقاني في (المقباس 1/292): «فالأول بالجيم المفتوحة في أوله، والراء المهملة في آخره… والثاني بالحاء المهملة المضمومة في أوله، والزاي في آخره.
فالأول: جرير بن عبدالله البجلي، صحابي.
والثاني: حريز بن عبدالله السجستاني، يروي عن الصادق (عليه السلام).
5 ـ الحناط الخياط
ومما ذكره الأردبيلي في (الجامع 1/551) يفهم أن التصحيف بين الحناط والخياط وقع في (علي بن أبي صالح)، قال: «واسم أبي صالح محمد، يلقب بزرج، يكنى أبا الحسن، كوفي، حناط..
جعفر بن محمد بن يوسف الأزدي قال: حدثنا علي بن بزرج الخياط في [يب] في باب الزيادات في كتاب المزار».
ولذا قال المامقاني: «الأول (يعني الحناط) يطلق على جماعة، منهم:
- أبو ولاد، الثقة الجليل.
ـ ومحمد بن مروان.
ـ والحسن بن عطية.
ـ ومحمد بن عمر بن خالد.
ومن الثاني (يعني الخياط) ـ على قول بعضهم ـ: علي بن أبي صالح بزرج، ولكن في (البداية): أن الأصح كونه حناطاً ـ أيضاً ـ بالحاء والنون».
6 ـ حنّان حيّان
مثال الأول: حنّان بن سدير الصيرفي الكوفي.
ومثال الثاني: حيّان بن عبدالرحمن الكوفي، وحيّان بن علي العنزي.
7 ـ الخراز الخزاز
الأول نسبة إلى حرفة الخرازة، والثاني نسبة إلى بيع الخز. جاء في (الخلاصة 5): «إبراهيم بن عيسى أبو أيوب الخراز ـ بالخاء المعجمة والراء بعدها والزاي بعد الألف، وقيل: قبلها ـ»، فيجتمع فيه اللقبان على الخلاف، ولكن المشهور المذكور في الكتب الرجالية أنه بالزاي، أي الخزاز.
8 ـ خيشم خُثيم
قال المامقاني: «كلاهما بالخاء المعجمة، إلاّ أن الأول بفتحها ثم الياء المثناة من تحت ثم المثلثة، والثاني بضمها (يعني الخاء)، وتقديم الثاء المثلثة المفتوحة على الياء.
فالأول: أبو سعيد بن خيثم الهلالي التابعي الضعيف.
والثاني: أبو الربيع بن خثيم، أحد الزهاد الثمانية».
9 ـ رَشيد رُشيد
الأول بالتكبير، والثاني بالتصغير.
مثال الأول: رَشيد بن زيد الجعفي.
ومثال الثاني: رُشيد الهجري.
10 ـ شريح سريج
الأول بالشين المعجمة من أوله والحاء المهملة من آخره، والثاني بالسين المهملة في أوله والجيم المعجمة في آخره.
مثال الأول: شريح بن النعمان الهمداني من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
مثال الثاني: سريح بن النعمان الجوهري البغدادي من رواة أهل السنَّة.
11 ـ عَقيل عُقيل
الأول بالتكبير والثاني بالتصغير.
مثال الأول: عقيل بن أبي طالب الهاشمي الصحابي.
ونورد مثالاً للثاني مما ذكره ابن الصلاح عند ذكره المؤتلف والمختلف ـ القسم الثاني: (ضبط ما في الصحيحين مع الموطأ) قال: «ليس فيها عُقيل ـ بضم العين. إلاَّ عُقيل بن خالد، ويحيى بن عُقيل، وبنو عُقيل للقبيلة، ومن عدا هؤلاء عَقيل بفتح العين، والله أعلم»)[492](.
12 ـ ميثم ميتم
الأول بالثاء، والثاني بالتاء المثناة من فوق.
مثال الأول: ميثم بن يحيى التمار النهرواني.
أما الثاني فلم أعثر فيما لدي من معاجم وفهارس رجالية على شاهد له.
13 ـ الهمداني الهمذاني
الأول بالدال المهملة نسبة إلى قبيلة همدان العربية، والثاني بالذال المعجمة نسبة إلى مدينة همذان من بلاد إيران، وهي في أصلها الفارسي بالدال المهملة، ولكن عربها العرب بالذال المعجمة.
مثال الأول: الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني.
ومثال الثاني: محمد بن علي الهمذاني.
وبملاحظة أن اسم (سريج) واسم (عُقيل) ـ بالتصغير ـ واسم (ميتم) ـ بالتاء المثناة ـ غير موجودة في رواتنا كما يظهر من المراجعة لمظان ذلك، يهبط الرقم إلى عشرة.
الاتفاق والافتراق
تعنون هذه المسألة في كتب علم الحديث وكتب علم الرجال بـ (المتفق والمفترق).
وأوضحها الدكتور المظاهري بقوله: «وهو أن يتفق اثنان فأكثر من الرواة في الاسم واسم الأب لفظاً وخطاً»)[493](.
ووضحها الشيخ المامقاني بقوله: «مجموعها اسم لسند اتفقت أسماء رواته وأسماء آبائهم فصاعداً، واختلفت أشخاصهم.
فالاتفاق بالنظر إلى الأسماء، والافتراق بالنظر إلى الأشخاص»)[494](.
وذلك مثل:
ـ أبان بن أرقم الأسدي الكوفي.
ـ أبان بن أرقم الطائي الكوفي.
ـ أبان بن أرقم العنزي الكوفي.
ومثل:
ـ محمد بن حيان البكري الكوفي.
ـ محمد بن حيان الكندي الكوفي.
ـ محمد بن حيان الهمداني الكوفي.
ومثل:
ـ محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري.
ـ محمد بن عبدالله بن أبي طالب.
ـ محمد بن عبدالله بن جعفر بن الحسين.
ويميز بينها بالأنساب وبالطبقات والقرائن التاريخية.
الاشتباه
عُنونت هذه المسألة في بعض الكتب بـ (المشتبه)، ويقرأ اسم فاعل واسم مفعول، والفرق بينهما واضح، والسبب أوضح منه، وفي البعض الآخر بـ (المتشابه)، وكذلك يقرأ اسم فاعل واسم مفعول، وللسبب المشار إليه نفسه.
قال الشيخ المامقاني في تبيانه: «وهو اسم للسند الذي يقع الاشتباه فيه في الذهن لا في الخط، ويتفق ذلك في الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير، بأن يكون أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطاً ولفظاً، واسم الآخر كاسم أبي الأول كذلك، فينقلب على بعض أهل الحديث، كما انقلب كثيراً (أحمد بن محمد بن يحيى) بـ (محمد بن أحمد بن يحيى)…» )[495](.
ومثّل له في (التقييد والإيضاح 423) بالتالي:
ـ يزيد بن الأسود.
ـ والأسود بن يزيد.
فالأول: يزيد بن الأسود الصحابي الخزاعي، ويزيد بن الأسود الجرشي.
والثاني: الأسود بن يزيد النخعي التابعي.
ثم قال مؤلفه: «ومن ذلك:
ـ الوليد بن مسلم.
ـ ومسلم بن الوليد.
فمن الأول: الوليد بن مسلم البصري التابعي الراوي عن جندب بن عبدالله البجلي… والوليد بن مسلم الدمشقي المشهور، صاحب الأوزاعي، روى عنه أحمد بن حنبل والناس.
والثاني: مسلم بن الوليد بن رباح المدني، حدث عن أبيه وغيره، روى عنه عبدالعزيز الداروردي وغيره، وذكره البخاري في تاريخه فقلب اسمه ونسبه، فقال: (الوليد بن مسلم) وأخذ عليه ذلك».
ويتأتى التمييز ـ هنا ـ عن طريق معرفة الراوي والمروي عنه، وبالرجوع إلى مدونات علماء الرجال المعروفين بالحفظ والضبط والتثبت.
الاشتراك
تعنون علماء أصول الحديث وعلماء أصول الرجال هذا الموضوع بـ (المشترك)، ويريدون به: الاسم المشترك بين الراوي الثقة والراوي غير الثقة.
ولأن المشكلة ـ هنا ـ تدور بين الثقة وغير الثقة، اعتبرت من مهمات المسائل في هذا العلم، فأُلّف فيها، ومن أهم وأشهر ما أُلف فيها كتاب (هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين) للشيخ محمد أمين الكاظمي، المعروف في وسط علماء هذا العلم بـ (مشتركات الكاظمي).
وممن اهتم بأمر هذا المشتركات ووضع الحلول لها في كتابه الرجالي الشيخ الأردبيلي في (جامع الرواة) والشيخ المامقاني في (تنقيح المقال) وأستاذنا السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث).
ولهذا قالوا: لا بد من التمييز بين المشتركات لتوقف معرفة قيمة السند عليه.
والسبب في وقوع المشكلة ـ كما يذكره الشيخ السبحاني)[496]( ـ هو «إن مصنفي كتب أخبارنا القديمة كانوا يوردون فيها الأخبار المتعددة في المعاني المختلفة من طريق واحد، فيذكرون السند في أول حديث مفصلاً ثم يجملون في الباقي اعتماداً على التفصيل أولاً، ولما طرأ على تلك الأخبار اعتماداً على التفصيل أولاً، ولما طرأ على تلك الأخبار التحويل إلى كتاب آخر يخالف في الترتيب الكتاب الأول تقطعت تلك الأخبار بحسب اختلاف مضامينها، وإذا بعد العهد وقع الالتباس والإشكال».
وأظهر ضوابط التمييز التي اتبعها العلماء للتفرقة بين راو وآخر من أولئكم الرواة المشتركة أسماؤهم المتفرقة أبدانهم والمختلفة أحوالهم من حيث الوثاقة واللاوثاقة، هي معرفة طريقه في الرواية، أي معرفة من يروي هو عنهم، ومن يروون هم عنه.
فقد نهجوا في ذلك ذكر الرجال الذين يروون عن الراوي ذي الاسم المشترك، والرجال الذي يروي هو عنهم، وذكروا مصادر الروايات المتضمنة أسانيدها لرواية ذلك الشخص.
ونلمس هذا واضحاً في كتابي (جامع الرواة) و(معجم رجال الحديث) وأمثالهما.
ومن أهم الأسماء المشتركة التي تناولها الرجاليون بالبحث، هي:
1 ـ ابن سنان
وهو مشترك بين:
ـ عبدالله بن سنان بن طريف، المتفق على وثاقته وجلالته وكبير منزلته في الطائفة.
ـ محمد بن الحسن بن سنان الزاهري، المنسوب إلى جده (سنان) حيث يقال له (محمد بن سنان) لأن أباه توفى وهو طفل فكفله جده سنان فنسب إليه.
والمشهور شهرة كبيرة أنه غير ثقة.
والمشكلة ـ هنا ـ تتمركز في ورود عبارة (ابن سنان) في السند من غير ذكر الاسم الأول، فيحتمل إرادة عبدالله بن سنان الموثق، ويحتمل إرادة محمد بن سنان المضعف.
وأهم ما ميزوا به أحدهما من الآخر هو أن عبدالله سن سنان يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) مباشرة، ومحمد بن سنان يروي عنه بالواسطة.
فإذا كان المروي عنه مباشرة هو الإمام الصادق فالمراد بابن سنان عبدالله بن سنان.
وهذا نحو ما رواه ثقة الإسلام الكليني في (أصول الكافي: باب إدخال السرور على المؤمن): «عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن أُرومة عن علي بن يحيى عن الوليد بن العلاء عن ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله (ص)، ومن أدخله على رسول الله (ص) فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك من أدخل عليه كرباً».
وإن كان المروي عنه الإمام الصادق أيضاً، ولكن بالواسطة، فالراوي هو محمد بن سنان.
وهذا مثل ما رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب: باب تفصيل أحكام النكاح): «عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبدالله البرقي عن ابن سنان عن منصور الصيقل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية».
وممن نص على هذا الميرزا أبو الحسن المشكيني في (الوجيزة 46) قال: «إن وردت رواية عن ابن سنان، فإن كان المروي (عنه) هو الصادق (عليه السلام) فهو عبدالله بن سنان، لأن التتبع شاهد على أن محمد بن سنان يروي عنه (عليه السلام) بالواسطة».
2 ـ محمد بن قيس
وهو مشترك بين أربعة، هم:
ـ أبو نصر محمد بن قيس الأسدي، «ثقة».
ـ أبو نصر محمد بن قيس البجلي، «ثقة».
ـ محمد بن قيس الأسدي مولى بني نصر، «ممدوح».
ـ أبو أحمد بن قيس، «ضعيف».
والمسألة إشكالاً وحلاً كما جاءت بأقلام الأعلام، هي:
حكي عن الشهيد الثاني أنه قال في (شرح الدراية: فيما إذا اتفقت أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعداً واختلفت أشخاصهم وأنّ تميزهم بالطبقة أو بقرائن الزمان عند الإطلاق): «وكإطلاقهم الرواية عن محمد بن قيس، فإنه مشترك بين أربعة: اثنان ثقتان، وهما: محمد بن قيس الأسدي أبو نصر، ومحمد بن قيس البجلي أبو عبدالله، وكلاهما رويا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ـ، وواحد ممدوح، من غير توثيق، وهو محمد بن قيس الأسدي مولى بني نصر، ولم يذكروا عمن روى، وواحد ضعيف، وهو محمد بن قيس أبو أحمد، روى عن الباقر (عليه السلام) خاصة.
وأمر الحجية بما يطلق فيه هذا الإسلام مشكل.
والمشهور بين أصحابنا رد روايته حيث يطلق مطلقاً، نظراً إلى احتمال كونه الضعيف.
ولكن الشيخ أبا جعفر الطوسي كثيراً ما يعمل بالرواية من غير التفات إلى ذلك، وهو سهل على ما علم من حاله.
وقد يوافقه على بعض الروايات بعض الأصحاب برغم الشهرة.
والتحقيق في ذلك، أن الرواية:
ـ إن كانت عن الباقر (عليه السلام) فهي مردودة لاشتراكه حينئذٍ بين الثلاثة الذين أحدهم الضعيف، واحتمال كونه الرابع حيث لم يذكروا طبقته.
ـ وإن كانت الرواية عن الصادق (عليه السلام) فالضعيف منتف عنها، لأن الضعيف لم يرو عن الصادق (عليه السلام) ـ كما عرفت ـ. ولكنها محتملة لأن تكون من الصحيح أن كان هو أحد الثقتين، وهو الظاهر، لأنهما وجهان من وجوه الرواة، ولكل منهما أصل في الحديث، بخلاف الممدوح خاصة.
ويحتمل ـ على بُعد ـ أن يكون هو الممدوح، فتكون الرواية من الحَسَن، فتبنى على قبول الحسن في ذلك المقام وعدمه.
فتنبه لذلك فإنه غفل عنه الجميع، ورووا بسبب الغفلة عنه روايات، وجعلوها ضعيفة، والأمر فيها ليس كذلك»)[497](.
«وقال الشيخ عبد النبي الجزائري (تعليقاً على ما حكي عن الشهيد الثاني) ما حاصله: أن ما ذكره حسن، إلاّ أن رد الرواية إذا كانت عن الباقر (عليه السلام) مطلقاً في غير محله، لأنه الظاهر كونه هو الثقة إذا كان الراوي عن محمد المذكور عاصم بن حميد أو يوسف بن عقيل أو عبيد ابنه، لأن النجاشي ذكر أن هؤلاء يروون عنه كتاباً.
بل لا يبعد كونه الثقة إذا روى عن الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) لأن كلاً من البجلي والأسدي صنف كتاب القضايا لأمير المؤمنين كما ذكره النجاشي»)[498](.
وقال السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية 4/138 ـ 139): «محمد بن قيس مشترك بين الثقة وغيره، لكن صرح علماء الرجال بتعيين إرادة البجلي منه برواية يوسف بن عقيل عنه.
وقد ذكر المحقق الشيخ حسن ـ في (المنتقى): «أن محمد بن قيس متى كان راوياً عن أبي جعفر (عليه السلام) فالظاهر أنه الثقة إن كان الناقل عنه عاصم بن حميد أو يوسف بن عقيل أو عبيد ابنه، أو كان راوياً عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ.
وأما الراوي عن أبي عبدالله (عليه السلام) فيحتمل أن يكون حديثه من الصحيح أو من الحسن)…».
3 ـ أبو بصير
قال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 21/44): «يكنى به جماعة:
ـ يحيى بن القاسم.
ـ وليث بن البختري.
ـ وعبدالله بن محمد الأسدي.
ـ ويوسف بن الحارث.
ـ وحماد بن عبدالله أسيد الهروي».
ثم قال (في ص 45): «وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين ومائتين وخمس وسبعين مورداً».
وبعد أن ذكر ـ قدس سره ـ موارد هذه الروايات أشار إلى ما ذكره بعضهم من قيام المشكلة (مشكلة الاشتراك في هذه الكنية بين الثقة وغيره فتدخل في إطار بحثنا هذا، أشار أيضاً إلى انصراف هذه الكنية عند إطلاقها إلى يحيى بن أبي القاسم وحده، أو أنها تتردد بينه وبين ليث بن البختري، وكلاهما ثقة، فتخرج بهذا عن إطار المشكلة.
قال: «قد ذكر بعضهم أن أبا بصير مشترك بين الثقة وغيره، ولأجل ذلك تسقط هذه الروايات الكثيرة عن الحجيّة.
ولكنا ذكرنا في ترجمة يحيى بن القاسم: أن أبا بصير عندما يطلق فالمراد به هو يحيى بن أبي القاسم.
وعلى تقدير الإغماض فالأمر يتردد بينه وبين ليث بن البختري المرادي الثقة، فلا أثر للتردد.
وأما غيرهما فليس بمعروف بهذه الكنية، بل لم يوجد مورد يطلق فيه أبو بصير، ويراد به غير هذين».
والذي ذكره ـ قدس سره ـ في ترجمة يحيى بن أبي القاسم، وأشار إليه هنا هو قوله: «إن المذكور في الروايات الكثيرة (أبو بصير) من دون ذكر اسمه.
و(أبو بصير) كنية لعدة أشخاص، منهم: عبدالله بن محمد الأسدي، وليث بن البختري المرادي، ويحيى بن أبي القاسم الأسدي.
ولكن المعروف بأبي بصير هو الأخير، فمتى لم تكن قرينة على إرادة غيره فهو المراد.
ويدلنا على هذا الأمور:
الأول: قول الشيخ فيه إنه يعرف بأبي بصير الأسدي، فإنه يظهر من ذلك أن أبا بصير الأسدي متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم دون عبدالله بن محمد وإن كان هو ـ أيضاً ـ أسدياً.
الثاني: قول ابن فضال حينما سئل عن اسم أبي بصير أنه يحيى بن أبي القاسم، فإنه ظاهر في أن أبا بصير متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم.
الثالث: إن الصدوق ذكر طريقه إلى أبي بصير مطلقاً، وقد بدأ به السند في (الفقيه) ما يقرب من ثمانين مورداً، ولم يذكر اسمه، والمراد به يحيى بن أبي القاسم جزماً، فإن الراوي عنه علي بن أبي حمزة وهو قائد أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، وروايته عن أبي بصير كثيرة في الكتب الأربعة.
وهذا يدلنا بوضوح أن أبا بصير متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم.
هذا مع أنه لم يوجد ولا مورد واحد يطلق أبو بصير ويراد به عبدالله بن محمد الأسدي، أو غيره من غير المعروفين.
فغاية الأمر أن يتردد أمر أبي بصير متى أطلق بين يحيى بن أبي القاسم الأسدي وبين ليث بن البختري المرادي، ولا أثر لهذا التردد بعد كون كل منهما ثقة».
وبعد ما تبيناه من نتائج تحقيقات أستاذنا السيد الخوئي ـ وهو خريت هذه الصناعة وأبو عذرها ـ أن كنية (أبي بصير) ليست من المشترك المصطلح عليه هنا، أي أن هذا الاسم غير مردد بين الثقة وغير الثقة تخرج هذه المسألة من حريم النزاع ـ كما يقولون.
الاشتهار
يقف المستقرىء لكيفية ورود أسماء الرواة في واقع أسانيد الروايات، على ظاهرة ترتبط بالواقع الاجتماعي أكثر منها بالجانب الفني العلمي.
تلك الظاهرة هي أن الرواة قد يذكرون الرجال في الأسانيد بكناهم فقط، أو بألقابهم فقط، معتمدين على أن الراوي معروف في وسطه الاجتماعي بكنيته أو لقبه.
وعندما جاء المؤلفون في أسماء الرجال، والعهد بينهم وبين الرواة الأوائل بعيد، لم يستطيعوا أن يعرفوا أسماء هؤلاء الرواة الذين اشتهروا بألقابهم أو كنياتهم، وربما أدّى هذا إلى شيء من الاشتباه والالتباس بين راوٍ وآخر.
لهذا كانت هذه مشكلة من المشكلات القائمة في هذا العلم.
ومن هنا أيضاً كان لا بد لها من حل.
وممن أشار إلى هذه العلامة الحلي في كتابه (خلاصة الأقوال) في (الفائدة الأولى) من خاتمة الكتاب، ووضع حلاً تطبيقياً لها، وذلك بذكر الأسماء قرين الكنى المشهورة في حدود ما وقف عليه منها.
قال: «قد ذكر أصحابنا في كتب الأخبار روايات برجال يذكرون كناهم دون أسمائهم، ويعسر تحصيل أسمائهم ومعرفة حالهم إلاّ بعد تعب شديد، وقد ذكرت أكثر ذلك في هذه الفائدة».
وكذلك عقد الشيخ ابن داود الحلي الفصل الخامس من القسم الأول من رجاله لـ«ذكر جماعة اشتهرت كناهم وخفيت أسماؤهم».
وبغية أن يطلع الطلبة الأعزاء على شيء من هذا الذي هو تطبيق لحل المشكلة جمعت بين قائمتي العلامة وابن داود، بعد التنسيق بينهما، والتنظيم أبجدياً، وفرز الألقاب عن الكنى التي أدرجت معها من غير أن يشار إليها، وهي:
1 ـ ابن حمدون الكاتب: أحمد بن إبراهيم.
2 ـ أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد.
3 ـ أبو أيوب الخراز: إبراهيم بن عثمان، وقيل: إبراهيم بن عيسى.
4 ـ أبو بكر الحضرمي: عبدالله بن محمد.
5 ـ أبو جرير: زكريا بن إدريس.
6 ـ أبو جميلة: المفضل بن صالح.
7 ـ أبو الجوزا: منبه بن عبدالله.
8 ـ أبو الجيش: مظفر.
9 ـ أبو حمزة (علي بن أبي حمزة): سالم.
10 ـ أبو حنيفة (سابق الحاج): سعيد بن بنان.
11 ـ أبو خالد (القماط): يزيد.
12 ـ أبو خديجة: سالم بن مكرم.
13 ـ أبو الخطاب: (محمد بن الحسين أبي الخطاب): زيد.
14 ـ أبو الخطاب: محمد بن أبي زينب = محمد بن مقلاص.
15 ـ أبو داود (المسترق): سليمان بن سفيان.
16 ـ أبو الربيع (الشامي): خليل بن أوفى.
17 ـ أبو زياد (إسماعيل بن أبي زياد): مسلم.
18 ـ أبو سعيد (القماط): خالد بن سعيد.
19 ـ أبو سمينة: محمد بن علي بن إبراهيم القرشي.
20 ـ أبو الصباح (الكناني): إبراهيم بن نعيم.
21 ـ أبو الصهبان (محمد بن أبي الصهبان): عبدالجبار.
22 ـ أبو عبدالله (عبدالرحمن بن أبي عبدالله): ميمون.
23 ـ أبو عبدالله (العمركي): علي البرمكي.
24 ـ أبو عبيدة (الحذاء) زياد بن عيسى.
25 ـ أبو علي (الأشعري): أحمد بن إدريس.
26 ـ أبو علي (الأشعري): محمد بن عيسى بن عبدالله بن سعد بن مالك شيخ القميين.
27 ـ أبو عمير (محمد بن أبي عمير): زياد.
28 ـ أبو فاختة (ثوير بن أبي فاختة): سعيد بن جهمان.
29 ـ أبو الفضل(الحناط): سالم.
30 ـ أبو مالك (الحضرمي): الضحاك.
31 ـ أبو مريم: عبدالغفار.
32 ـ أبو المغرا: حميد.
33 ـ أبو المقدام (عمرو بن أبي المقدام): ثابت.
34 ـ أبو نجران (عبدالرحمن بن أبي نجران): عمرو بن مسلم.
35 ـ أبو نصر (أحمد بن نصر): زيد.
36 ـ أبو همام: إسماعيل بن همام.
37 ـ أبو ولاد (الحناط): حفص بن سالم.
38 ـ أبو يعفور (عبدالله بن أبي يعفور): قيس بن منصور، وقيل: واقد، وقيل: وقدان.
الألقاب:
1 ـ البزوفري: الحسين بن سفيان.
2 ـ البقباق: الفضل بن عبدالملك.
3 ـ الحجال: عبدالله بن محمد.
4 ـ حمدان (النهدي القلانسي): محمد بن أحمد.
5 ـ الساباطي: عمرو بن سعيد.
6 ـ سعدان: عبدالرحمن بن سالم.
7 ـ السكوني: إسماعيل بن أبي زياد.
8 ـ الشاذاني: محمد بن أحمد بن نعيم.
9 ـ الصفواني: محمد بن أحمد بن أبي عبدالله بن قضاعة.
10 ـ الطاطري: علي بن الحسين.
11 ـ الطاطري: يوسف بن إبراهيم.
12 ـ القلانسي: الحسين بن المختار.
13 ـ الكاهلي: عبدالله بن يحيى.
14 ـ المسعودي: علي بن الحسين.
15 ـ النخعي: أيوب بن نوح.
16 ـ النوفلي: الحسين بن يزيد.
17 ـ الوشاء: الحسن بن علي.
أسانيد الكتب الأربعة
أسانيد الكافي
العدة:
جاء في كثير من أسانيد الكافي التعبير بـ (عدة من أصحابنا)، وبناء على عدم قطعية صدور جميع أحاديث الكافي، كما أوضحناه وأثبتناه في درس أصول علم الحديث، لا بد من معرفة المقصود من هؤلاء العدة، لمعرفة أحوالهم فمستواهم من حيث التقييم توثيقاً أو غيره، لتوقف اعتبار السند وعدم اعتباره على هذا.
ولعل أقدم من تناول المسألة فأبان عن المقصود من العدة ـ ولو جزئياً ـ هو الشيخ النجاشي، ناقلاً ذلك عن مؤلف الكتاب الشيخ الكليني قال ـ في ترجمة الكليني في الفهرس 2/292 ـ: «وقال أبو جعفر الكليني: كل ما كان في كتابي: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى)، فهم:
ـ محمد بن يحيى.
ـ وعلي بن موسى الكمداني.
ـ وداود بن كوره.
ـ وأحمد بن إدريس.
ـ وعلي بن إبراهيم بن هاشم».
وتناول المسألة من بعد النجاشي العلامة الحلي، ولكن بأوسع مما ذكره النجاشي، وأيضاً ناقلاً بياناته عن مؤلف الكتاب الشيخ الكليني، قال في (الخلاصة: الفائدة الثالثة): «قال الشيخ الصدوق محمد بن يعقوب الكليني في كتابه (الكافي) في أخبار كثيرة: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى).
قال: (والمراد بقولي: عدة من أصحابنا:
ـ محمد بن يحيى.
ـ وعلي بن موسى الكمداني.
ـ وداود بن كوره.
ـ وأحمد بن إدريس.
وعلي بن إبراهيم بن هاشم).
وقال: (كل ما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي فهم:
ـ علي بن إبراهيم.
ـ وعلي بن محمد بن عبدالله بن أذينه.
ـ وأحمد بن عبدالله بن أمية.
ـ وعلي بن الحسن.
(و) قال: (وكل ما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد فهم:
ـ علي بن محمد بن علان.
ـ ومحمد بن أبي عبدالله.
ـ ومحمد بن الحسن.
ـ ومحمد بن عقيل الكليني).
وكما ترون إن النجاشي نقل عن الشيخ الكليني بيان عدة واحدة، ونقل عنه العلامة الحلي بيان العدة التي نقلها النجاشي مع بيان عدتين أخريين.
ومع هذا، هناك عُدد أُخر قليلة لم ينقل عن الكليني بيان مراده منها، نحو ما جاء في آخر (كتاب العقل والجهل من أصول الكافي): «عدة من أصحابنا عن عبدالله البزاز عن محمد بن عبدالرحمن بن حماد عن الحسن بن عمار…».
وقد بحثها الكثيرون من محدثين ورجاليين لمعرفة المقصود منها.
وكان الطريق إلى ذلك هو دراسة طرق أسانيد الكليني بتتبع سلسلة الرواة في الرواية انطلاقاً من الراوي المطلوب معرفته إلى من قبله وإلى من بعده، ويتتبع ذكر الراوي نفسه في الروايات الأخرى لاكتشاف من يروي عنهم ومن يروون عنه.
وينبغي الإشارة ـ هنا ـ إلى أن للشيخ الخاقاني في رجاله ص16 تعليقة لتصحيح اسم علي بن الحسن المذكور في العدة الثانية، قال: «الظاهر أن علي بن الحسن المذكور فيها (يعني العدة الثانية) ـ على ما في الوسائل، ومثله الشيخ أبو علي في رجاله، ومثلهما عبارة أصل الخلاصة (يعني مخطوطة الخلاصة) الموجودة عندي ـ من الغلط، بل هو علي بن الحسين، إذ هو اسعد آباذي ـ بالذال المعجمة على ضبط العلامة ـ، الذي هو أحد مشايخ الكليني الذي يروي عنهم، وهو أحد الرواة عن البرقي كما ذكروه، وهو المعدود حديثه من الحسان لكونه من مشايخ الإجازة، بل لا يبعد عَدُّ حديثه صحيحاً كما قيل».
واستظهر الشيخ التستري في قاموسه ـ على ما حكي عنه)[499]( ـ أن (أذينة) المذكور في نهاية الاسم الثاني من قائمة العدة الثانية هو تحريف لكلمة (ابنته)، والصواب هو (علي بن محمد بن عبدالله بن ابنته) والضمير يعود إلى البرقي، أي (ابن بنت البرقي)، ذلك أن أبا القاسم عبدالله (أبو عبيدالله) الملقب بـ(بندار) كان صهر أحمد بن محمد البرقي على ابنته فيكون ابنه محمد ـ الملقب ماجيلويه ـ ابن بنت البرقي.
وهناك تعليقات وتحقيقات أخرى حول أسماء أخرى من الأسماء المذكورة في العُدد، ومن غيرها سوف نتحدث عن بعضها بعد الذي يليه.
كما ينبغي أن نشير ـ هنا أيضاً ـ إلى أن الشيخ الكليني قد يعبر في موضع (عدة) بـ (جماعة) فيقول (جماعة من أصحابنا)، ومنه قوله (جماعة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى).
وهو واضح أنهما (أعني العدة والجماعة) بمعنى واحد.
التعليق في الإسناد:
درسنا في أصول علم الحديث في فصل (المسند) أن الخبر المعلق هو ـ في واقعه ـ من المسند، لأنه من الأصل هو مسند لكن حذف من أول إسناده راوٍ واحد، وربما أكثر من واحد.
ولأن ذلك المحذوف معروف، والمحذوف المعروف في قوة المذكور يبقى الخبر على إسناده.
وقد وقع مثل هذا في (الكافي) بسبب توخي الاختصار، اعتماداً على ما قبله، فقد كان مؤلفه ـ رحمه الله ـ يذكر الإسناد كاملاً في حديث، ثم بعد هذا يروي بنفس الإسناد حديثاً آخر، ويختصر السند بحذف أوله اعتماداً على المتقدم.
وقد توهم البعض بسبب هذا التعليق الذي لم يلتفت إليه بأن الخبر مرسل، كما حدث هذا من الشيخ الطوسي، قال صاحب المعالم في (المنتقى): «إعلم أنه اتفق لبعض الأصحاب توهم الانقطاع في جملة من أسانيد الكافي، لغفلتهم عن ملاحظة بنائه لكثير منها على طرق سابقة، وهي طريقة معروفة بين القدماء.
والعجب أن الشيخ ـ رحمه الله ـ ربما غفل عن مراعاتها فأورد الإسناد من الكافي بصورته ووصله بطرقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة، فيصير الإسناد في رواية الشيخ له منقطعاً، ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله.
ومنشأ التوهم الذي أشرنا إليه فقدُ الممارسة المطلعة على التزام تلك الطريقة»)[500](.
وعلق عليه الشيخ السبحاني بقوله: «وقد تعجب صاحب (سماء المقال) من الشيخ في تهذيبه، حيث نقل رواية عن الكليني، وادّعى أنها مرسلة مع أنه من باب التعليق.
والرواية موجودة في باب الزيادات في الزكاة من (التهذيب) بهذا السند:
«محمد بن يعقوب مرسلاً عن يونس بن عبدالرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)».
والرواية موجودة في (الكافي): كتاب الزكاة: باب منع الزكاة: الحديث 3، ولكنها مبنية على الرواية التي نقلها قبلها بهذا السند:
«علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكانَ، يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام)».
فما رواه الشيخ عن الكليني عن يونس ليس مرسلاً، كما أن المحدث الحر العاملي التفت إلى التعليق، وأتى بتمام السند، هكذا:
«محمد بن يعقوب عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)…» )[501](.
ولا يعرف هذا ـ وكما أوضح الشيخ صاحب المعالم ـ إلاَّ بالممارسة التي تفيد معرفة طريقة وكيفية الإسناد عند الشيخ الكليني في كتاب (الكافي).
تعيين بعض الرواة:
جاءنا في بعض أسانيد الكافي أسماء لرواة لم يستوفِ الشيخ الكليني بياناتها فاكتفى بالاسم الأول للراوي، أو بالاسم الأول والثاني، أو بالكنية فقط.
ومنهجياً هذا مما يحتاج معه إلى التعيين، إمّا لرفع الجهالة، وإما لرفع الاشتراك، ليعرف بعد هذا قيمة الراوي.
ومن هذه الأسماء:
1 ـ الحسين
2 ـ حماد
قال السيد بحر العلوم في الفائدة الرابعة عشرة (4/129 ـ 130): «في الكافي: (محمد عن أحمد عن شاذان بن الخليل النيسابوري عن يونس عن حماد عن الحسين) )[502](.
الظاهر أن الحسين ـ هذا ـ هو الحسين بن مختار القلانسي، وأن حماداً هو حماد بن عيسى الجهني، لما فيه (النجاشي) في ترجمة الحسين بن مختار: (له كتاب يروي عنه حماد بن عيسى وغيره).
ولم يذكر رواية حماد عن الحسين إلاّ هاهنا، وهو دليل على تعيينها معاً».
وقال الشيخ ابن داود الحلي في رجاله: التنبية الرابع: «إذا ورد عليك الإسناد من إبراهيم بن هاشم إلى حماد فلا تتوهم أنه حماد بن عثمان، فإن إبراهيم بن هاشم لم يلق حماد بن عثمان بل حماد بن عيسى».
وقال العلامة الحلي في (الخلاصة): الفائدة التاسعة: «قد يغلط جماعة في الإسناد من إبراهيم بن هاشم إلى حماد بن عيسى فيتوهمونه حماد بن عثمان، وهو غلط فإن إبراهيم بن هاشم لم يلق حماد بن عثمان بل حماد بن عيسى».
3 ـ علي بن محمد
جاء هذا الاسم في مبتدأ جملة من أسانيد الكليني في الكافي، وقد اختلف العلماء ـ حديثيين ورجاليين ـ في تعيينه وتحديد المقصود منه.
والمشهور أنه يتردد بين شخصين، هما:
ـ علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بـ (علان)، خال الشيخ أبي جعفر الكليني وأستاذه.
قال في (التنقيح 2/302): «هو الذي يروي عنه الكليني بغير واسطة كثيراً، وهو داخل في العدة التي يروي بتوسطهم عن سهل بن زياد».
ـ علي بن محمد بن أبي القاسم عبدالله بن عمران البرقي، المعروف أبوه ماجيلويه.
وفي ضوء التعليق والتحقيق الذي أفاده القاموس من أن (أذينة) من الاسم الثاني في العدة الثانية هو محرّف كلمة (ابنته)، وأن الضمير يعود على البرقي، أي ابن بنت البرقي، يكون علي بن محمد في العدة الثانية الذين يروي الكليني عنهم بتوسط البرقي هو المذكور هنا (علي بن محمد بن عبدالله بن عمران البرقي).
وذهب الشيخ المازندراني في شرحه على الكافي إلى أن المراد به هو الأول علي بن محمد الكليني المعروف بعلان)[503](.
«واختار العلامة المجلسي في مواضع من (مرآة العقول) كون المراد منه علي بن محمد بن عبدالله بن أذينة الذي ذكره العلامة في العدة التي تروي عن البرقي»)[504](، أي أنه علي بن محمد ماجيلويه ـ على الترجيح المذكور.
والذي يسهل الأمر في الوصول إلى الغاية من معرفة قيمة الراوي ـ هنا ـ من حيث الوثاقة وعدمها، أن كلاً من الشخصين ثقة، فلا ثمرة مهمة في البين، إذ لا يختلف الأمر من حيث تقييم السند بين أن يكون الراوي هو محمد بن علي الكليني أو محمد بن علي ماجيلويه.
4ـ محمد بن إسماعيل:
جاء هذا الاسم في مبتدأ جملة من أسانيد الكليني في الكافي يروي عنه عن الفضل بن شاذان، قال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 15/84): «رواية محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل وروايته عن الفضل بن شاذان كثيرة جداً، وقد بلغت سبعمائة وواحداً وستين مورداً.
وهو ـ كما يقول المشكيني في (الوجيز 48) ـ: «مشترك بين ثلاثة عشر رجلاً:
ـ ثلاثة من الثقات: البرمكي والزعفراني ومحمد بن إسماعيل بن بزيع.
ـ وواحد محل الخلاف وهو النيسابوري.
ـ والباقي من المجاهيل».
ولتردده بين هذه المجموعة من الأشخاص ترددت الأقوال في تعيينه، وأهمها الأربعة التالية:
1 ـ عدم تعينه، فيبقى مشتركاً بين الثقة وغير الثقة.
وذهب أصحاب هذا القول إلى تضعيف ما يرويه الكليني عن طريقه للاشتراك المذكور، وعدم التمييز.
2 ـ إنه محمد بن إسماعيل البرمكي، وهو ثقة.
قال بهذا الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين))[505](.
3 ـ محمد بن إسماعيل النيشابوري.
وهو ظاهر صاحب المعالم، وقواه الكلباسي في (سماء المقال)، والتستري في (قاموس الرجال) )[506](.
وإليه أيضاً ذهب الدربندي في (القواميس) )[507](،
وبه صرح أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 15/89 ـ 90).
4 ـ إنه مردد بين البرمكي والنيشابوري.
ذهب إلى هذا الميرزا المشكيني في (الوجيزة 52).
وتقدم أن محمد بن إسماعيل النيشابوري موضع خلاف من حيث توثيقه. وممن وثقه:
ـ الميرزا المشكيني، لأنه من شيوخ الإجازة.
ـ وأستاذنا السيد الخوئي، لوقوعه في إسناد كامل الزيارات.
ـ وآخرون، لكثرة رواية الكليني عنه.
والمسألة ـ فيما يبدو من أدلتهم وتقريباتهم ـ تعتمد على معرفته من خلال معرفة طبقته وعلاقته بالفضل بن شاذان التي قد تكشف عن هويته.
ومن هذا ما أفاده أستاذنا السيد الخوئي قال في (المعجم 15/90): «أقول: محمد بن إسماعيل، هذا روى عنه الكشي بلا واسطة، وهو يروي عن الفضل بن شاذان، في ترجمة سلمان الفارسي: 1، مرتين، وفي ترجمة أبي حمزة الشمالي: 81، والمذكور في هذه الموارد: هو محمد بن إسماعيل مطلقاً، إلاَّ أنه صرح في ترجمة أبي يحيى الجرجاني: 409، بأن محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه: هو النيسابوري.
وأوضح من ذلك: ما ذكره في ترجمة الفضل بن شاذان: 416، قال: ذكر أبو الحسن محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري أن الفضلبن شاذان بن خليل نفاه عبدالله بن طاهر النيسابوري، فيظهر من ذلك أن محمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل، ويروي عنه الكشي بلا واسطة هو محمد بن إسماعيل النيسابوري.
وبما أن الكشي قريب الطبقة من الكليني ـ قدس سره. بمحمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل، ويروي عنه الكليني كثيراً ينطبق على هذا، ويحكم بوثاقته، لا لإكثار الكليني الرواية عنه، بل لوقوعه في إسناد كامل الزيارات».
5 ـ محمد بن الحسن:
اختلف فيه بين محمد بن الحسن الصفار، وآخرين، هم:
ـ محمد بن الحسن بن علي المحاربي.
ـ محمد بن الحسن القمي.
ـ محمد بن الحسن بن بندار.
ـ محمد بن الحسن البرناني.
وقد أشبع الميرزا النوري في (المستدرك 3/543) المسألة بحثاً، فذكر القائلين بأنه الصفار وما أفادوه في ذلك، ثم ذكر رأيه، وهو أنه مردد بين المذكورين في أعلاه جميعاً.
فممن ذهب إلى أنه الصفار:
ـ السيد الأسترآبادي في (منهج المقال)، قال في ذكر عدة سهل بن زياد: «والظاهر أن محمد بن أبي عبدالله هو محمد بن جعفر الأسدي الثقة، وأن محمد بن الحسن هو الصفار».
ـ السيد الأعرجي الكاظمي في (عدة الرجال) قال: «ومحمد بن الحسن، الظاهر أنه الصفار الثقة الجليل، فإن الكليني يروي عنه».
ـ السيد حجة الإسلام الأصفهاني، قال في رسالته في العدة في شرح كلام الأسترآبادي: «وأما كون المراد بمحمد بن الحسن هو الصفار فلكونه في طبقة ثقة الإسلام (الكليني)، وعمّر بعد موته بتسع أو ثمان وثلاثين سنة لأن النجاشي والعلامة قالا: إن محمد بن الحسن هذا مات في سنة تسعين ومائتين، وقد تقدم أن موت ثقة الإسلام في سنة تسع أو ثمان وعشرين وثلاثمائة.
وأيضاً إن رواية ثقة الإسلام عن محمد بن الحسن في أول سند الكافي أكثر من أن يحصى، ولم يقيده في شيء من المواضع، ويظهر من عدم تقييده في موضع بقيدٍ أنه واحد، وهو إما الصفار أو غيره، والغير الذي يحتمل ذلك هو الذي يروي عنه الكشي، وهو محمد بن الحسن البرناني ونحوه ممن كان في طبقته، ويبعد في الغاية أن يقتصر ثقة الإسلام في الرواية عن محمد بن الحسن البرناني مع مجهولية حاله، ولم يروِ عن الصفار الذي هو من أعاظم رجال الحديث والعلماء وكتبه معروفة مثل بصائر الدرجات ونحوه.
وأيضاً قد أكثر ثقة الإسلام في الرواية عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، منه في باب قلة عدد المؤمنين من الأصول (يعني أصول الكافي) حيث قال: (محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار عن إبراهيم بن إسحاق)، ومنه ما في الخضاب من كتاب الزي والتجمل من الفروع (يعني فروع الكافي) قال: (علي بن محمد بن بندار ومحمد بن الحسن عن إبراهيم بن إسحاق)، ومنه ما في باب النبيذ من كتاب الأشربة، قال: (محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار جميعاً، عن إبراهيم بن إسحاق).
وإبراهيم بن إسحاق هذا، هو إبراهيم بن إسحاق الأحمر، للتصريح به في كثير من المواضع.
وقد ذكر شيخ الطائفة (الطوسي) في (ست = الفهرست) في ترجمة إبراهيم هذا أن محمد بن الحسن الصفار يروي عنه، حيث قال ـ بعد أن أورد جملة من كتبه ـ ما هذا لفظه: «أخبرنا بها أبو الحسن بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر».
وأيضاً أن محمد بن الحسن بن الوليد الذي تكون وفاته بعد وفاة ثقة الإسلام بأربع عشرة سنة لما في (جش = النجاشي) من أن محمد بن الحسن بن الوليد مات في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وقد مر عن (جش) أن وفاة ثقة الإسلام في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة يروي عن الصفار كما صرح به شيخ الطائفة في رجاله، فرواية ثقة الإسلام عنه أولى».
أما أدلة النوري على نفي أن يكون المراد به هو الصّفار وحده، فهي، وعلى نحو الاختصار والتصرف:
1 ـ عدم وجود رواية للصفار عن سهل بن زياد في كتاب (بصائر الدرجات)، فكيف يكون الصفار من رجال سهل بن زياد ولا يروي عنه في كتابه هذا.
2 ـ إن الرجاليين الذين ترجموا للصفار وذكروا كتبه والطرق إليها لم يوردوا فيها ذكر الشيخ الكليني، فلو كان الكليني ممن يروي عن الصفار بلا واسطة لقدموه في الذكر على غيره.
3 ـ الظاهر من النجاشي في (الرجال) والطوسي في (الفهرست) و(المشيخة) أن محمد بن يحيى العطار يروي عن الصفار، وقد روى الكليني في (الكافي) عن محمد بن يحيى هذا أخباراً بدءُ سندها بهذا اللفظ: (عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن)، وهذه الأخبار موجودة في كتاب (بصائر الدرجات) أيضاً، وهو يعني أن الكليني يروي عن الصفار بالواسطة لا مباشرة.
4 ـ وهو أهمها، ولذا رأيت نقله كاملاً وبلفظه، قال: «الرابع: إن الشيخ محمد بن الحسن الصفار يروي عن جماعة كثيرة من المشايخ والثقات وغيرهم، ومذكور في طرق جماعة من أرباب الأصول والمصنفات، مثل: أحمد بن محمد بن عيسى، وأحمد بن محمد بن خالد، وإبراهيم بن هاشم، ويعقوب بن يزيد، وعلي بن حسان، والحسن بن علي بن النعمان، ومحمد بن الحسين، وعمران بن موسى، وعبدالله بن جعفر، وعلي بن محمد القاساني، وعبدالله بن محمد، والحسن بن موسى الخشاب، وإبراهيم بن إسحاق، والعباس بن معروف، وعباد بن سليمان، والسندي بن محمد، ومحمد بن الجعفي، وعبدالله بن عامر، وسلمة بن الخطاب، وأحمد بن موسى، وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال، ومحمد بن أحمد، وأحمد بن جعفر، ومحمد بن عيسى، وعلي بن الحسين، ومحمد بن عبدالجبار، وعلي بن إسماعيل، وسلام بن أبي عمرة، ومحمد بن يعلى، وموسى بن جعفر، وعلي بن محمد بن سعيد، وعلي بن خالد، وأحمد بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق، والحسن بن أحمد، وأيوب بن نوح، ومحمد بن عبدالحميد، ومعاوية بن حكيم، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن خالد الطيالسي، وغير هؤلاء مما لا يحصى.
فلما راجعنا أسانيد الكافي رأينا محمد بن الحسن الذي يروي عنه ثقة الإسلام بالواسطة يروي عن تلك الجماعة متفرقة، ولم يروِ عن سهل بن زياد قط في موضع.
ومحمد بن الحسن الذي في أول السند منفرداً، أو مع علي بن محمد لم نرَ روايته عن غير سهل بن زياد الذي مر عدم وجوده في أسانيد البصائر، وعدم وجود الصفار في طرق المشايخ إليه إلاّ في مواضع نادرة منها باب أدنى المعرفة، وباب جوامع التوحيد، وباب آخر من معاني الأسماء من كتاب التوحيد، فروى فيها عن عبدالله بن الحسن العلوي.
وعن إبراهيم بن إسحاق في مواضع قليلة، وإن نسب إلى الكثرة في كلام السيد المعظم، فلو كان من الصفار لما كان لاقتصار روايته عن الرجلين الغير المذكورين في مشايخه، وعن إبراهيم، وعدم روايته عن مشايخه المعروفين وجهٌ.
وهذه قرينة تورث سكون النفس ووثوقها بعدم كونه هو».
ولأن الوجوه الثلاثة الباقية لا ترقى من حيث الأهمية إلى ما قبلها أعرضتُ عن نقلها أو الإشارة إليها، وللطالب أن يرجع إليها لاستزادة الفائدة.
وقد نقول ـ موازنةً بين تقريبات وترجيحات القائلين بأنه الصفار وحده، والقائلين بنفي ذلك وتعميمه إلى الآخرين ـ: إن الشيخ النوري بإشارته إلى وجود محمد بن الحسن يروي عن عبدالله بن الحسن العلوي الذي عده من طرق محمد بن الحسن الصفار كما في الرواية المذكورة في باب أدنى المعرفة رقم 1 من الكافي، والنص الشاهد منها هو قوله: «محمد بن الحسن عن عبدالله بن الحسن العلوي»، وكذلك روايته عن إبراهيم بن إسحاق الذي هو الآخر من طرق الصفار يجعل الباحث يميل إلى أنه الصفار لأن القلة في موضع لا تعني عدم الكثرة في موضع آخر.
أسانيد الفقيه
أَلَّف الشيخ أبو جعفر الصدوق كتابه الموسوم بـ (من لايحضره الفقيه) إجابة لطلب الشريف محمد بن الحسن بن إسحاق العلوي، ليكون رسالة فتيا يرجع إليها في مقام العمل.
ولأن الشيخ الصدوق من رؤوس مدرسة الفقهاء المحدثين التي تحدثنا عنها في دروس (تاريخ التشريع الإسلامي) للسنة الدراسية الثانية، وعرفنا هناك أن من أهم معالم منهج هذه المدرسة الإفتاء بنص الحديث ولفظه، سار المنهج هذا في تأليفه الكتاب المشار إليه، وذلك بحذف الأسانيد والاقتصار على المتون.
وقد صرح بهذا في خطبة الكتاب بقوله: «وصنفت له (يعني الشريف) هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه».
وأَلَّف لذكر الأسانيد المحذوفة كتابه المعروف بـ (مشيخة الفقيه)، وألحقه به.
فللباحث الذي يريد الوقوف على سند حديث من أحاديث الفقيه لم يذكر في الكتاب يرجع إلى المشيخة لمعرفته.
أسانيد التهذيبين
تعيين بعض الرواة:
قال العلاَّمة الحلي في (الخلاصة: الفائدة الثانية): «ذكر الشيخ وغيره، في كثير من الأخبار (سعد بن عبدالله عن أبي جعفر)، والمراد بـ (أبي جعفر) ـ هنا ـ هو: (أحمد بن محمد بن عيسى).
ويرد أيضاً في بعض الآخبار: (الحسن بن محبوب عن أبي القاسم)، والمراد به: (معاوية بن عمار).
تعيين الوسائط المحذوفة:
وقال العلاَّمة الحلي أيضاً في (الخلاصة: الفائدة الثامنة): «إعلم أن الشيخ الطوسي (ره) ذكر أحاديث كثيرة في كتابي (التهذيب) و(الاستبصار) عن رجال لم يلق زمانهم، وإنما روى عنهم بوسائط حذفها في الكتابين، ثُم ذكر في آخرهما طريقه إلى كلٍ رجل، رجل، مما ذكره في الكتابين».
وهو بهذا يشير إلى رسالتيه:
1 ـ مشيخة التهيب.
2 ـ مشيخة الاستبصار.
اللتين ذكر فيهما طوقه في الكتابين (التهذيبين)، وألحقهما في آخر الكتابين، فلمريد معرفة ذلك الرجوع إليهما.
أسانيد الفهرسين
فهرست الطوسي
العدة:
قال السيد بحر العلوم في الفائدة السابعة من فوائده الرجالية: «قد تكرر من الشيخ في (الفهرست) قوله: (أخبرنا عدة من أصحابنا). أو: (جماعة من أصحابنا).
وربما توهم بعضهم جهالة الطريق بذلك، لعدم تسمية (العدة)، وعدم ظهور اصطلاح من الشيخ فيها، فيحتمل عدم اشتمالها على الثقة.
ويدفع هذا التوهم ما أشرنا إليه)[508]( من أن روايات الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذا الكتاب وغيره إنما هي عن مشايخه الأربعة المعروفين ـ غالباً ـ، وهم:
1 ـ المفيد، المعلوم ثقته.
2 ـ والحسين بن عبيدالله، والمعروف من أصحابنا أنه ثقة.
3 ـ وكذا ابن عبدون.
4 ـ وابن أبي جيد ـ على الأظهر ـ.
ودخول أحد الأولين، بل أحد الأربعة كاف في الصحة.
على أن الباقين ـ كالأخيرين من الأربعة ـ من مشايخ الإجازة، وليس لهم كتاب يحتمل الأخذ منه، فلا يخرج الحديث بهم عن الصحة خصوصاً مع اجتماع عدة منهم، فإنه لا يقصر عن أخبار ثقة واحد.
مع أن الممارسة والتتبع لكتاب الشيخ يقضيان بوقوع الاصطلاح من الشيخ ـ رحمه الله ـ على ذلك، وأنه متى أطلق «العدة» أو «الجماعة» فإنه يريدد : المفيد مع غيره ممن تكمل به العدة».
ثم ذكر شواهد لذلك منها:
ـ «في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال الشيخ: له كتاب الجامع أخبرنا به عدة من أصحابنا منهم: الشيخ أبو عبدالله».
ـ وفي ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي ـ بعد ذكر كتبه ـ: «أخبرنا بهذه الكتب وبجميع رواياته عدة من أصحابنا، منهم: الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد، وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، وغيرهم، عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري.. وأخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الحسن بن حمزة العلوي… وأخبرنا هؤلاء إلاّ الشيخ أبا عبدالله، وغيرهم، عن أبي المفضل الشيباني.. وأخبرنا بها ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد».
ثم بعد شواهد أخرى قال: «وإنما يدخل المفيد ـ رحمه الله ـ في «العدة» مع إمكان دخوله.
فلو كانت الرواية عمن لم يلقه المفيد، كأحمد بن محمد بن يحيى العطار ونحوه، كان خارجاً بدلالة القرينة عليه، ولذا قال في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى: «… عدة من أصحابنا، منهم: الحسين بن عبيدالله وابن أبي جيد عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، وعدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد» فأخرج المفيد عن (العدة) الأولى دون الثانية.
والحاصل من تَتَبّعَ (الفهرست) عرف دخول المفيد ـ رحمه الله ـ في «العدة» حيث يمكن دخول المشايخ الثلاثة فيها ـ غالباً ـ وإنما ينفرد ابن أبي جيد عنهم لعلو سنده، وروايته عن محمد بن الحسن بن الوليد، دون غيره من المشايخ الثلاثة.
ويمكن التعيين في كلامه بالمروي عنه، مثلاً: إذا روى عن العدة عن ابن بابويه، فالمراد الأربعة الذين ذكروا في ترجمته)[509](، ولو قال: «العدة عن الزراري، أو العلوي، أو البزطي أو البيرقي، فالمراد الثلاثة وغيرهم ـ كما علم مما ذكرناه ـ.
وبالجملة، فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية عن «العدة» و«الجماعة» في (الفهرست) إلاّ إذا حصل الضعف من جهة أخرى».
تعيين أبي عبدالله:
وقال السيد بحر العلوم ـ أيضاً ـ في الفائدة الثامنة، «أبو عبدالله، الذي يروي عنه الشيخ ـ رحمه الله ـ في (الفهرست) مشترك بين:
ـ محمد بن محمد بن النعمان المفيد.
ـ والحسين بن عبيدالله الغضائري.
ـ وأحمد بن عبدون.
فإن كلهم يكنى (أبا عبدالله).
وقد وقع إطلاق ذلك في كثير من المواضع، لكن الذي يقضي به تصفح كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ إرادة (المفيد) من ذلك حيث يطلق، فإنه وإن ذكر غيره، إلاّ أنه على سبيل الندرة، فينصرف الإطلاق إلى الشايع المعروف المعلوم من تتبع استعمالاته.
مع أن هذا الاشتراك لا يضر، لاشتراك الجميع في التوثيق عند التحقيق».
فهرس النجاشي
العدة:
بحث الشيخ النائيني محقق (رجال النجاشي) في تقديمه له موضوع (العدة) في أسانيد النجاشي الواردة في رجاله الموسوم (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) بحثاً موفقاً ووافياً، استقصى فيه كل رجالات عُدد الشيخ النجاشي.
ونظراً لأهمية فائدته للباحثين بعامة ولطلبتنا الأعزاء بخاصة رأيت نقله هنا.
قال ـ سلمه الله تعالى ـ:
تكرر من النجاشي رحمه الله في الكتاب قوله: أخبرنا عدّة من أصحابنا، أو جماعة من أصحابنا، أو جميع شيوخنا، أو غير واحد، أو محمد وغيره، أو أحمد وغيره، وهكذا. ويمكن استظهار المراد منها بقرينة الموارد المتفرقة التي روى عن هؤلاء المشايخ، وقدف استقصينا تلك الموارد ونبّهنا عليه في الكتاب أو في تراجمهم، إلاّ أن جمعهم هنا لا يخلو من فائدة. فنقول وبالله الاستعانة.
أمّا العدّة عن أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع الأنصاري، فهم عدّة من مشايخه، منهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي. كما ذكره في ترجمة بريد بن معاوية برقم (285) وعلي بن عبدالله برقم (690) وغيرهما.
2 ـ أحمد بن عبدالواحد البزّار المعروف بابن عبدون، كما ذكره في ترجمة الحسن بن محمد بن سهل برقم (74).
3 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري. كما ذكره في ترجمة أحمد بن إبراهيم الأنصاري برقم (201) وأحمد بن الحسن الضرير برقم (229) وغير ذلك.
والعدّة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، فهم:
1 ـ أحمد بن محمد بن عمران بن الجندي. كما في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي برقم (178) وغير ذلك.
2 ـ أحمد بن محمد بن هارون بن الصلت الأهوازي. كما في ترجمة إبراهيم بن مهزم برقم (30) وإسماعيل بن زيد برقم (53).
3 ـ أحمد بن نوح السيرافي عن محمد بن أحمد بن داوود عنه، كما في ترجمة أبي هارون السنجي برقم (1235).
4 ـ أحمد بن نوح السيرافي عن محمد بن بكران النقاش عنه، كما في ترجمة زكريا بن عبدالله الفياض برقم (452).
5 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري عن محمد بن أحمد بن داوود عنه، كما في ترجمة ربيع بن زكريا برقم (432) حيث قال: أخبرنا عدّة من أصحابنا عن محمد بن أحمد بن داوود، فيشمله أيضاً الغضائري كما سيأتي.
6 ـ محمد بن جعفر النحوي الأديب، كما في تراجم أبي رافع برقم (1) ومنذر بن محمد برقم (1119) وغيرهما.
7 ـ محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي المعدّل، كما في ترجمة عباس بن هلال الشامي برقم (747).
8 ـ محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد عن أبي الحسن بن داوود عنه، كما في ترجمة يزيد بن خليفة الحارثي برقم (1225).
9 ـ أبو عبدالله الجعفي القاضي. كما في ترجمة أبان بن محمد برقم (10) وعبدالله الكاهلي برقم (578) وغيرهما.
والعدّة عن أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري، فهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة بشر بن سلام برقم (284) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري. كما في ترجمة أحمد بن أبي نصر البزنطي برقم (178) وغيره.
3 ـ محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد رحمه الله. كما في ترجمة إسماعيل بن مهران برقم (48).
4 ـ ابن ابنه: محمد بن عبيدالله بن أحمد الزراري أبو طالب، حيث قال في ترجمته برقم (65:1): شيخنا. وقد أجازه أبو غالب رواية جميع كتبه ورسائله، إلاّ أن النجاشي لم يرو عنه في الكتاب شيئاً.
والعدة عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، فهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة الحسين بن سعيد برقم (135) وعبدالله بن المغيرة برقم (559) وغيرهما.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة أحمد بن محمد السياري برقم (190) وغيره.
3 ـ والده علي بن أحمد بن العباس النجاشي، كما في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل برقم (198).
4 ؛ محمد بن علي بن شاذان القزويني، كما في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى برقم (196).
والعدة عن أحمد بن جعفر بن سفيان البزوفري، فهما:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة إبراهيم بن صالح برقم (12) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة إبراهيم بن مسلم برقم (43) وغيره.
والعدّة عن جعفر بن محمد بن قولويه، فهم:
1 ـ الشيخ المفيد.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري.
3 ـ الحسين بن أحمد بن موسى بن هدية. كما ذكرهم في ترجمة علي بن مهزيار برقم (662) وسعد بن عبدالله الأشعري برقم (465).
4 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة الكشي برقم (1019) والكليني برقم (1027) ومحمد بن علي الهمذاني برقم (929) وغيرهم.
والعدّة عن الحسن بن حمزة الطبري المرعشي، فقد روى عن جميع مشايخه عنه كما قاله في ترجمته برقم (148)، فحينئذٍ يشمله جميع مشايخه في الإجازة الذين ذكرناهم هنا. أما الذين نص عليهم وروى عنهم عنه في هذا الفهرس، فهم:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة إسماعيل بن أبي زياد برقم (46) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة الحسين بن موسى برقم (89) والحسن بن رباط برقم (93) وغيرهما.
3 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، كما في ترجمة إبراهيم بن رجاء برقم (15) وإبراهيم بن هاشم برقم (17) وغيرهما.
4 ـ محمد بن جعفر النحوي التميمي، كما احتمله المولى القهبائي في مجمع الرجال، أو محمد بن عثمان النصيبي المعدّل، حيث قال في ترجمة الحسن بن أبي قتادة برقم (73): أخبرنا به الحسين بن عبيدالله ومحمد محمد عن الحسن بن حمزة. فكلاهما محتملان.
والعدّة عن الحسن بن محمد بن يحيى بن أخي طاهر، فهما:
1 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة إسماعيل بن محمد المخزومي برقم (66) ومتوكل بن عمير برقم (1145).
2 ـ أحمد بن عبدون، كما في جامع الرواة للأردبيلي ج1 ص227.
والعدة عن سهل بن أحمد الديباجي، فهما:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمته برقم (491).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة محمد بن محمد بن الأشعث برقم (1032).
تذييل: قال السيد بحر العلوم الطباطبائي في فوائده الرجالية ج2 ص(104): وقد روى الشيخ رحمه الله في الفهرس عن عدّة من أصحابنا عن جعفر بن محمد بن قولويه وأحمد بن محمد الزراري، والحسن بن حمزة ومحمد بن أحمد بن داوود وأحمد بن إبراهيم بن أبي رافع والقاضي أبي بكر الجعابي، وأراد بالعدّة: المفيد والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون وغيرهم، كما يستفاد من كلامه في عدّة مواضع من كتابه المذكور، ولا يبعد دخول ابن عبدون في عُدد النجاشي أيضاً، لثبوت روايته عن الجميع إلا أنه قال في سهل بن أحمد الديباجي بعد ذكر كتابه: أخبرني به عدّة من أصحابنا وأحمد بن عبدالواحد، وأخرج ابن عبدون عن العدّة فكأنه اصطلحها لغيره ولذا تركنا ذكره في عدده. انتهى.
وروى عن غير واحد عن علي بن حبش بن قوني الكاتب، كما في ترجمة عبيدالله الحلبي برقم (610)، وهما:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمة الحسين بن أحمد المنقري برقم (117)، والقاسم بن عروة برقم (858) وغيرهما.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة القاسم بن عروة برقم (858).
والعدّة عن محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي، وصفهم بكونهم ثقات كما في ترجمته من الكتاب برقم (1048)، والذين روى عنهم عنه في الكتاب فهما:
1 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة حارث بن عمران الجعفري برقم (360).
2 ـ الشيخ المفيد، كما في ترجمة زكريا الفياض برقم (452) وزكريا التميمي برقم (453)، وقد روى الشيخ رحمه الله في الفهرس عن المفيد وابن عبدون عن ابن الجنيد كما صرح بهما في ترجمته ص(134)، وحينئذٍ يشمل التوثيق لابن عبدون أيضاً.
والعدّة عن محمد بن أحمد بن داوود القمي، فهم:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري.
3 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان. رحمهم الله، كما صرح بهم في ترجمته برقم (1046) وفي ترجمة سلامة بن محمد برقم (512).
والعدّة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، فهما:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة جهيم بن أبي جهم برقم (336) وحكم بن حكيم برقم (351).
2 ـ والده علي بن أحمد النجاشي رحمه الله، كما في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع برقم (894) ومحمد بن أبي القاسم البرقي برقم (948) وترجمة الصدوق نفسه برقم (1050).
والعدّة عن محمد بن عمر بن مسلم الجعابي التميمي، فهما:
1 ـ محمد بن عثمان النصيبي المعدّل، كما في ترجمة عبدالله بن علي برقم (597) وعبدالله بن محمد الرازي برقم (601).
2 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، كما في ترجمته برقم (1056) وجعفر بن محمد أبو قيراط برقم (312).
والعدّة عن أبي الحسين محمد بن علي بن تمام الدهقان، فهما:
1 ـ أحمد بن علي السيرافي، كما في ترجمة الحسن بن سعيد برقم (135) والحسن بن الحسين العرني برقم (110).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة عقبة بن خالد برقم (812).
والعدّة عن محمد بن همام الأسكافي، فهم:
1 ـ أحمد بن محمد بن الجندي، كما في ترجمة الحسن بن محمد الحضرمي برقم (104) وأحمد بن هلال برقم (197).
2 ـ أحمد بن محمد المستنشق، كما في ترجمة عبدالله بن مسكان برقم (557).
3 ـ محمد بن محمد بن النعمان عن عمر بن محمد الزيّات عنه، كما في ترجمة نوح بن الحكم أبو اليقظان برقم (1153).
والعدّة عن محمد بن وهبان الدبيلي، فهم:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمة حبيش بن مبشر برقم (377).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن المعلّى برقم (237).
3 ـ محمد بن علي الكاتب القناني، كما في ترجمة إسحاق بن بشر برقم (169) وأحمد بن عبدالله الأشعري برقم (250).
الاختصارات والرموز
كنى وألقاب الأئمة (عليهم السلام)
يراد بها الكنى والألقاب لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) المستعملة في كتب الحديث وكتب الرجال، وهي:
الكنى
1 ـ أبو جعفر (محمد بن علي الباقر).
2 ـ أبو عبدالله (جعفر بن محمد الصادق).
3 ـ أبو الحسن (موسى بن جعفر الكاظم).
4 ـ أبو الحسن الأول (موسى بن جعفر الكاظم).
5 ـ أبو الحسن الماضي (موسى بن جعفر الكاظم).
6 ـ أبو إبراهيم (موسى بن جعفر الكاظم).
7 ـ أبو الحسن الثاني (علي بن موسى الرضا).
8 ـ أبو جعفر الثاني (محمد بن علي الجواد).
9 ـ أبو محمد (الحسن بن علي العسكري).
الألقاب
1 ـ أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب).
2 ـ الحسن المجتبى (الحسن بن علي بن أبي طالب).
3 ـ الحسين الشهيد (الحسين بن علي بن أبي طالب).
4 ـ زين العابدين (علي بن الحسين).
5 ـ السجاد (علي بن الحسين).
6 ـ الباقر (محمد بن علي بن الحسين).
7 ـ الصادق (جعفر بن محمد).
8 ـ الكاظم (موسى بن جعفر).
9 ـ العالم (موسى بن جعفر).
10 ـ الفقيه (موسى بن جعفر).
11 ـ الشيخ (موسى بن جعفر).
12 ـ الرجل (موسى بن جعفر).
13 ـ العبد الصالح (موسى بن جعفر).
14 ـ الرضا (علي بن موسى).
15 ـ الجواد (محمد بن علي بن موسى).
16 ـ الهادي (علي بن محمد).
17 ـ العسكري (علي بن محمد).
18 ـ العسكري (الحسن بن علي).
19 ـ المهدي (محمد بن الحسن).
20 ـ الحجة (محمد بن الحسن).
21 ـ القائم (محمد بن الحسن).
22 ـ قائم آل محمد (محمد بن الحسن).
23 ـ الناحية المقدسة (محمد بن الحسن).
24 ـ الغائب (محمد بن الحسن).
25 ـ المنتظر (محمد بن الحسن).
رموز الصحابة وأصحاب الأئمة
1 ـ ل (صحابة رسول الله).
2 ـ ي (أصحاب علي أمير المؤمنين).
3 ـ ن (أصحاب الحسن).
4 ـ سين (أصحاب الحسين).
5 ـ ين (أصحاب علي بن الحسين).
6 ـ قر (أصحاب محمد الباقر).
7 ـ ق (أصحاب جعفر الصادق).
8 ـ ظم (أصحاب موسى الكاظم).
9 ـ م (أصحاب موسى الكاظم) عند ابن داوود خاصة.
10 ـ ضا (أصحاب علي الرضا).
11 ـ ج (أصحاب محمد الجواد).
12 ـ د (أصحاب محمد الجواد) عند ابن داوود خاصة.
13 ـ دي (أصحاب علي الهادي).
14 ـ كر (أصحاب الحسن العسكري) في بعض الكتب.
15 ـ دي (أصحاب الحسن العسكري).
ملحوظة
رمز الشيخ الطوسي في رجاله لمن لم يروِ عن أحد الأئمة (عليهم السلام) أي أنه لم يدرك صحبة أحدهم بـ (لم).
اختصارات كتب الحديث الثمانية
1 ـ كا (الكافي) في أكثر الكتب.
2 ـ في (الكافي) في بعض الكتب.
3 ـ في (الوافي).
4 ـ يه (الفقيه = من لا يحضره الفقيه).
5 ـ يب (التهذيب).
6 ـ صا (الاستبصار) في بعض الكتب.
7 ـ بص (الاستبصار) في البعض الآخر.
8 ـ بح (بحار الأنوار).
9 ـ ئل (وسائل الشيعة).
10 ـ مست (مستدرك الوسائل).
اختصارات كتب الرجال
1 ـ كش (رجال الكشي = الاختيار).
2 ـ جش (رجال النجاشي).
3 ـ جخ (رجال الشيخ الطوسي).
4 ـ ست (فهرست الشيخ الطوسي).
5 ـ قي (رجال البرقي).
6 ـ عق (رجال العقيقي).
7 ـ قد (رجال ابن فضال).
8 ـ فض (رجال ابن فضال).
9 ـ عب (رجال ابن عبدون).
10 ـ غض (رجال الغضائري).
11 ـ يه (رجال ابن بابويه الصدوق).
12 ـ فش (رجال الفضل بن شاذان).
13 ـ صه (رجال العلامة الحلي = الخلاصة).
14 ـ د (رجال ابن داود الحلي).
15 ـ ب (رجال ابن شهرآشوب = معالم العلماء).
16 ـ م (رجال ابن شهرآشوب = معالم العلماء).
17 ـ ضح (رجال العلامة الحلي الكبير = إيضاح الاشتباه).
18 ـ حاوي (حاوي الأقوال).
19 ـ بلغة (بلغة المحدثين).
20 ـ تنقيح (تنقيح المقال).
21 ـ مح (رجال ميرزا محمد الأسترآبادي = منهج المقال).
22 ـ ج (معراج أهل الكمال).
23 ـ عه (فهرست منتجب الدين ابن بابويه).
24 ـ جع (جامع الرواة).
25 ـ عدة (عدة الرجال).
26 ـ قد (نقد الرجال).
27 ـ تكملة (تكملة الرجال).
28 ـ منتهى (منتهى المقال).
29 ـ مجمع (مجمع الرجال).
30 ـ مشكا (مشتركات الكاظمي = هداية المحدثين).
31 ـ ن (نخبة المقال).
ولمعرفة بقية الرموز لبقية الكتب يرجع إلى كتاب (معجم الرموز والإشارات للشيخ محمد رضا المامقاني.
د. عبدالهادي الفضلي
الرجال (علم)
ـ 3 ـ
الرجال: علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث اتصافهم بشرائط قبول أخبارهم وعدمه. وإن شئت قلت: هو علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث التي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه.
وربما يعرّف: بأنه علم وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، ومدحاً وقدحاً. والمراد من تشخيص الراوي ذاتاً، هو معرفة ذات الشخص وكونه فلان بن فلان. كما أنَّ المراد من التشخيص الوصفي، هو معرفة أوصافه من الوثاقة ونحوها. وقوله: «مدحاً وقدحاً» بيان لوجوه الوصف، إلى غير ذلك من التعاريف.
والمطلوب المهم في هذا العلم حسبما يكشف عنه التعريف، هو التعرّف على أحوال الرواة من حيث كونهم عدولاً أو غير عدول، موثقين أو غير موثقين، ممدوحين أو مذمومين، أو مهملين، أو مجهولين والاطلاع على مشايخهم وتلاميذهم وحياتهم وأعصارهم وطبقاتهم في الرواية حتى يعرف المرسل عن المسند ويميز المشترك، إلى غير ذلك مما يتوقف عليه قبول الخبر.
موضوع علم الرجال هو رواة الحديث الواقعين في طريقه، فيما أنّ كل علم يبحث فيه عن عوارض موضوع معين وحالاته الطارئة عليه، ففي المقام يبحث عن أحوال الرواة من حيث دخالتها في اعتبار قولهم وعدمه، أما حالاتهم الأخرى التي ليست لها دخالة في قبول قولهم فهو خارج عن هذا العلم، فالبحث في هذا العلم إنَّما هو عن اتصاف الراوي بكونه ثقة وضابطاً أو عدلاً أو غير ذلك من الأحوال العارضة للموضوع، أمّا الأحوال الأخرى ككونه تاجراً أو شاعراً أو غير ذلك من الأحوال التي لا دخالة لها في قبول حديثهم فهي خارجة عن هذا العلم.
ومسائل علم الرجال هي العلم بأحوال الأشخاص من حيث الوثاقة وغيرها، وعند ذلك يستشكل على تسمية ذلك علماً، فإنّ مسائل العلم تجب أن تكون كليّة لا جزئيّة، وأجيب عن هذا الإشكال بوجهين:
الأول: إن التعرف على أحوال الراوي كزرارة ومحمد بن مسلم يعطي ضابطة كلية للمستنبط بأنّ كل ما رواه هذا أو ذاك هو حجة، والشخص مقبول الرواية، كما أنّ التعرف على أحوال وهب بن وهب يعطي عكس ذلك، وعلى ذلك فيمكن انتزاع قاعدة كلية من التعرّف على أحوال الأشخاص، فكانت المسألة في هذا العلم تدور حول: «هل كل ما يرويه زرارة أو محمد بن مسلم حجة أو لا؟» والبحث عن كونه ثقة أو ضابطاً يعدّ مقدمة لانتزاع هذه المسألة الكلية.
وهذا الجواب لا يخلو من تكلف كما هو واضح، لأنّ المسألة الأصلية في هذا العلم هي وثاقة الراوي المعين وعدمها، لا القاعدة المنتزعة منها.
الثاني: وهو الموافق للتَّحقيق أن الالتزام بكون مسائل العلوم مسائل كلية، التزام بلا جهة، لأنّا نرى أنّ مسائل بعض العلوم ليست إلا مسائل جزئية، ومع ذلك تعدّ من العلوم، كالبحث عن أحوال الموضوعات الواردة في علمي الهيئة والجغرافية، فإنَّ البحث عن أحوال القمر والشمس وسائر الكواكب بحوث عن الأعيان الشخصية، كما أنّ البحث عن الأرض وأحوالها الطبيعية والاقتصادية والأوضاع السياسية الحاكمة على المناطق منها، أبحاث عن الأحوال العارضة للوجود الشخصي، ومع ذلك لا يوجب ذلك خروجهما عن نطاق العلوم، ويقرب من ذلك «العرفان»؛ فإنّ موضوع البحث فيه هو «الله» سبحانه ومع ذلك فهو من أهم المعارف والعلوم؛ وبذلك يظهر أنّه لا حاجة إلى ما التزموا به من لزوم كون مسائل العلوم كلية خصوصاً العلوم الاعتبارية كالعلوم الأدبية والرجال التي يكفي فيها كون المسألة (جزئية كانت أو كلية) واقعة في طريق الهدف الذي لأجله أسس العلم الاعتباري.
وفي جانب هذا العلم، علم التراجم الذي يعد أخاً لعلم الرجال وليس نفسه، فإن علم الرجال يبحث فيه عن أحوال رجال وليس نفسه، فإن علم الرجال يبحث فيه عن أحوال رجال وقعوا في سند الأحاديث من حيث الوثاقة وغيرها، وأما التراجم فهو بحث عن أحوال الشخصيات من العلماء، وغيرهم، سواء كانوا رواة أم لا وبذلك يظهر أن بين العلمين بوناً شاسعاً.
نعم، وبما يجتمعان في مورد، كما إذا كان الراوي عالماً مثلاً، كالكليني والصدوق، ولكن حيثية البحث فيهما مختلفة، فالبحث عن أحوالهما من حيث وقوعهما في رجال الحديث واتصافهما بما يشترط في قبول الرواية، غير البحث عن أحوالهما وبلوغهما شأواً عظيماً من العلم وأنَّهما مثلاً قد ألفا كتباً كثيرة في مختلف العلوم.
وقد أدخل القدماء من الرجاليين تراجم خصوص العلماء من علم التراجم في علم الرجال، من دون أن يفرقوا بين العلمين حتى إنَّ الشيخ منتجب الدين ابن بابوية (الذي ولد سنة 504 وكان حيّاً إلى سنة 585هـ) ألَّف فهرساً في تراجم الرواة والعلماء المتأخرين عن الشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460هـ)، وتبع في ذلك طريقة من سبقه من علماء الرجال أعني الشيخ الكشي والنجاشي والشيخ الطوسي الذين هم أصحاب الأصول لعلم الرجال والتراجم في الشيعة، وكذلك فعل الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب (المتوفى عام 588هـ) فألَّف كتاب «معالم العلماء» وألحق بآخره أسماء عدّة من أعلام شعراء الشيعة المخلصين لأهل البيت. وبعده أدرج العلاّمة الحلي (المتوفى عام 726هـ) في كتاب «الخلاصة» بعض علماء القرن السابع، كما أدرج الشيخ تقي الدين الحسن بن داود (المولود عام 647هـ) أحوال العلماء المتأخرين في رجاله المعروف بـ «رجال ابن داود» واستمر الحال على ذلك إلى أن استقل «التراجم» عن «علم الرجال» فصار كل، علماً مستقلاً في ـ التأليف.
ولعلَّ الشيخ المحدِّث الحر العاملي من الشيعة أول من قام بالتفكيك بين العلمين فألَّف كتابه القيّم «أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل» في جزئين: الجزء الأول بهذا الاسم والجزء الثاني باسم «تذكرة المتبحرين في ترجمة سائر علماء المتأخرين» وقد توفي الشيخ عام «1104هـ» وشرع في تأليف ذلك الكتاب عام «1096 هـ»، وبعده توالى التأليف في التراجم فألف الشيخ عبداللَّه الأفندي التبريزي (المتوفى قبل عام 1134)، «رياض العلماء» في عشر مجلدات إلى غير ذلك من التآليف القيمة في التراجم كـ«روضات الجنّات» للسيد الأصفهاني و«أعيان الشيعة» للسيد الأمين و«الكنى والألقاب» للمحدّث القمي و«ريحانة الأدب» للمدرس التبريزي.
والغرض من هذا البحث إيقاف القارىء على التمييز بين العلمين لاختلاف الأغراض الباعثة إلى تدوينها بصورة علمين متمايزين، والحيثيّات الراجعة إلى الموضوع، المبينة لاختلاف الأهداف، فنقول:
إن الفرق بين العلمين يمكن بأحد وجوه على سبيل مانعة الخلو:
1 ـ العلمان يتحدان موضوعاً ولكن الموضوع في كل واحد يختلف بالحيثية، فالشخص بما هو راوٍ وواقع في سند الحديث، موضوع لعلم الرجال، وبما أنَّ له دوراً في حقل العلم والاجتماع والأدب والسياسة والفن والصناعة، موضوع لعلم التراجم. نظير الكلمة العربية التي من حيث الصحة والاعتلال موضوع لعلم الصرف، ومن حيث الإعراب والبناء موضوع لعلم النحو. ولأجل ذلك يكون الموضوع في علم الرجال هو شخص الراوي وإن لم تكن له شخصية اجتماعية، بخلاف التراجم فإنَّ الموضوع فيه، الشخصيات البارزة في الاجتماع لجهة من الجهات.
2 ـ العلمان يتحدان موضوعاً ويختلفان محمولاً، فالمحمول في علم الرجال وثاقة الشخص وضعفه، وأما التعرف على طبقته وعلى مشايخه وتلاميذه ومقدار رواياته كثرة وقلة، فمطلوب بالعرض والبحث عنها لأجل الوقوف على المطلوب بالذات وهو تمييز الثقة الضابط عن غيره، إذ الوقوف على طبقة الشخص والوقوف على مشايخه والراوين عنه خير وسيلة لتمييز المشتركين في الاسم، ولا يتحقق التعرف على الثقة إلا به. كما أنَّ الوقوف على مقدار رواياته ومقايسة ما يرويه مع ما يرويه غيره من حيث اللفظ والمعنى، سبب للتعرف على مكانة الراوي من حيث الضبط.
أما المطلوب في علم التراجم فهو التعرف على أحوال الأشخاص لا من حيث الوثاقة والضعف، بل من حيث دورهم في حقل العلم والأدب والفن والصناعة من مجال السياسة والاجتماع وتأثيره في الأحداث والوقائع إلى غير ذلك مما يطلب من علم التراجم.
3 ـ إنَّ علم الرجال من العلوم التي أسسها المسلمون للتعرف على رواة آثار الرسول (ص) والأئمة من بعده حتى يصح الركون إليها في مجال العمل والعقيدة، ولولا لزوم التعرف عليها في ذاك المجال لم يؤسس ولم يدوَّن.
وأمّا علم التراجم فهو بما أنّه كان نوعاً من علم التاريخ وكان الهدف التعرف على الأحداث والوقائع الجارية في المجتمع، كان علماً عريقاً متقدماً على الإسلام، موجوداً في الحضارات السابقة على الإسلام. وبهذه الوجوه الثلاثة نقتدر على تمييز أحد العلمين عن الآخر.
الفرق بين علم الرجال والدراية
علم الرجال والدراية كوكبان في سماء الحديث، وقمران يدوران على فلك واحد، يتحدان في الهدف والغاية وهو الخدمة للحديث سنداً ومتناً، غير أنَّ الرجال يبحث عن سند الحديث والدراية عن متنها، وبذلك يفترق كل عن الآخر، افتراق كل علم عن العلم الآخر بموضوعاته.
وإن شئت قلت: إنَّ موضوع الأول هو المحدث، والغاية، التعرف على وثاقته وضعفه ومدى ضبطه، وموضوع الثاني، هو الحديث والغاية، التعرف على أقسامها والطوارىء العارضة عليها.
نعم، ربما يبحث في علم الدراية عن مسائل بما لا يمت إلى الحديث بصلة مثل البحث عن مشايخ الثقات، وأنَّهم ثقات أو لا؟ أو أنَّ مشايخ الإجازة تحتاج إلى التوثيق أو لا؟
ولكنَّ الحق عد نظائرهما من مسائل علم الرجال، لأنَّ مآل البحث فيهما تمييز الثقة من غيرها عن طريق القاعدتين وأمثالهما. فإنَّ البحث عن وثاقة الشخص يتصور على ثلاثة أوجه:
1 ـ البحث عن وثاقة شخص معين كـ «زرارة» و«محمد بن مسلم» و…
2 ـ البحث عن وثاقة أشخاص معينة كـ «كون مشايخ الأقطاب الثلاثة: محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى والبزنطي» ثقات.
3 ـ البحث عن وثاقة عدة ينطبق عليهم أحد العنوانين المذكورين كـ «كونهم من مشايخ الإجازة أو من مشايخ الثقة أو الثقات».
ولما كان علم الرجال يركز البحث على تمييز الثقة عن غيره، يكون أكثر أبحاثه بحثاً صغروياً وأنَّه هل الراوي الفلاني ثقة أو لا؟ ضابط أو لا؟ وهذا المنهج من البحث، لا يليق بالدراسة وإلقاء المحاضرة لكثرتها أولاً وغنى القارىء عنها بالمراجعة إلى الكتب المعدّة لبيان أحوال تلك الصغريات ثانياً.
نعم هناك نمط آخر من البحث وهو المحرك لنا إلى إلقاء المحاضرة، وهو البحث عن ضوابط كلية وقواعد عامة ينتفع منها المستنبط في استنباطه وعند مراجعته إلى الكتب الرجالية، وتوجب بصيرة وافرة للعالم الرجالي وهي لا تتجاوز عن عدة أمور نأتي بها واحداً بعد آخر، وقد طرحها الرجاليون في مقدمات كتبهم أو مؤخراتها. شكر الله مساعيهم.
الحاجة إلى علم الرجال
لقد طال الحوار حول الحاجة إلى علم الرجال وعدمها، فمن قائل بتوقف الاستنباط عليه وأنّ رحاه يدور على أمور، منها العلم بأحوال الرواة، ولولاه لما تمكن المستنبط من استخراج كثير من الأحكام عن أدلتها، إلى قائل بنفي الحاجة إليه، محتجاً بوجوه منها: قطعية أخبار الكتب الأربعة صدوراً، إلى ثالث قال بلزوم الحاجة إليه في غير ما عمل به المشهور من الروايات، إلى غير ذلك من الأنظار، وتظهر حقيقة الحال مما سيوافيك من أدلة الأقوال، والهدف إثبات الحاجة إلى ذاك العلم بنحو الإيجاب الجزئي، وأنه مما لا بد منه في استنباط الأحكام في الجملة، في مقابل السلب الكلي الذي يدعي قائله بأنه لا حاجة إليه أبداً، فنقول:
استدل العلماء على الحاجة إلى علم الرجال بوجوه نذكر أهمها:
الأول: حجية قول الثقة
لا شك أنَّ الأدلة الأربعة دلت على حرمة العمل بغير العلم، قال سبحانه وتعالى: {قُلْ أَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ})[510]( وقال ـ عزَّ من قائل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ})[511]( وقال أيضاً: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً})[512](.
وأما الروايات الناهية عن العمل بغير العلم فكثيرة لا تحصى، يقف عليها كل من راجع الوسائل، كتاب القضاء الباب «10 ـ 11 ـ 12» من أبواب صفات القاضي فيرى فيها أحاديث كثيرة تمنع من العمل بغير العلم غير أنَّه قد دلَّت الأدلة الشرعية على حجية بعض الظنون، كالظواهر وخبر الواحد إلى غير ذلك من الظنون المفيدة للاطمئنان في الموضوعات والأحكام، والسر في ذلك هو أنَّ الكتاب العزيز غير متكفل ببيان جميع الأحكام الفقهية، هذا من جانب. ومن جانب آخر إنَّ الإجماع الكاشف عن قول المعصوم قليل جداً. ومن جهة ثالثة إنَّ العقل قاصر في أن يستكشف به أحكام الله، لعدم إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعية.
نعم هو حجة في ما إذا كانت هناك ملازمة بين حكم العقل والشرع، كما في إدراكه الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، ووجوب الشيء وحرمة ضده، والملازمة بين حرمة الشيء وفساده، إلى غير ذلك من الأمور التي بحث عنها الأصوليون في باب الملازمات العقلية.
فهذه الجهات الثلاث أوجبت كون خبر الواحد بشرائطه الخاصة حجة قطعية، وعند ذلك صارت الحجج الشرعية وافية باستنباط الأحكام الشرعية.
ومن المعلوم أنَّه ليس مطلق الخبر حجة، بل الحجة هو خصوص خبر العدل، كما مال إليه بعض، أو خبر الثقة أعني من يثق العقلاء بقوله، ومن المعلوم أنَّ إحراز الصغرى ـ أعني يكون الراوي عدلاً أو ثقة ـ يحتاج إلى الرجوع إلى علم الرجال المتكفل ببيان أحوال الرواة من العدالة والوثاقة، وعند ذلك يقدر المستنبط على تشخيص الثقة عن غيره، والصالح للاستدلال عن غير الصالح، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يستغني عنها المستنبط إلا بالرجوع إلى الكتب المعدَّة لبيانها.
وهناك رأي ثالث يبدو أنه أقوى الآراء في باب حجية الخبر، وهو أن الخارج عن تحت الظنون المنهية، هو الخبر الموثوق بصدوره وإن لم تحرز وثاقة الراوي، ومن المعلوم أنَّ إحراز هذا الوصف للخبر، يتوقف على جمع أمارات وقرائن تثبت كون الخبر مما يوثق بصدوره. ومن القرائن الدالة على كون الخبر موثوق الصدور، هو العلم بأحوال الرواة الواقعة في إسناد الأخبار.
وهناك قول رابع، وهو كون الخارج عن تحت الظنون التي نهي عن العمل بها عبارة عن قول الثقة المفيد للاطمئنان الذي يعتمد على مثله العقلاء في أمورهم ومعاشهم، ولا شبهة أنَّ إحراز هذين الوصفين ـ أعني كون الراوي ثقة والخبر مفيداً للاطمئنان ـ لا يحصل إلى بملاحظة أمور. منها الوقوف على أحوال الرواة الواقعة في طريق الخبر، ولأجل ذلك يمكن أن يقال: إنَّه لا منتدح لأي فقيه بصير من الرجوع إلى «علم الرجال» والوقوف على أحوال الرواة وخصوصياتهم، إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في ذلك العلم.
وإنما ذهب هذا القائل إلى الجمع بين الوصفين في الراوي والمروي (أي وثاقة الراوي وكون المروي مفيداً للاطمئنان)، لأنَّ كون الراوي ثقة لا يكفي في الحجية، بل يحتاج مع ذلك إلى إحراز كون الخبر مفيداً للاطمئنان، ولا يتحقق إلا إذا كان الراوي ضابطاً للحديث ناقلاً إياه حسب ما ألقاه الإمام (عليه السلام)، وهذا لا يعرف إلا بالمراجعة إلى أحوال الراوي، ومن المعلوم أنَّ عدم ضابطية بعض الرواة مع كونهم ثقات أوجد إضراباً في الأحاديث وتعارضاً في الروايات، حيث حذفوا بعض الكلم والجمل الدخيلة في فهم الحديث، أو نقلوه بالمعنى من غير أن يكون اللفظ كافياً في إفادة مراد الإمام (عليه السلام).
وبذلك يعلم بطلان دليل نافي الحاجة إلى الرجال، حيث قال «إنَّ مصير الأكثر إلى اعتبار الموثق، بل الحسن، بل الضعيف المنجبر، ينفي الحاجة إلى علم الرجال، لأنَّ عملهم يكشف عن عدم الحاجة إلى التعديل». وفيه: أنَّ ما ذكره إنَّما يرد على القول بانحصار الحجية في خبر العدل، وأنَّ الرجوع إلى كتب الرجال لأجل إحراز الوثاقة بمعنى العدالة. وأما على القول بحجية الأعم من خبر العدل، وقول الثقة، أو الخبر الموثوق بصدوره أو المجتمع منهما فالرجوع إلى الرجال لأجل تحصيل الوثوق بالصدق أو وثاقة الراوي.
ثم إنَّ المحقق التستري استظهر أنَّ مسلك ابن داود في رجاله ومسلك القدماء هو العمل بالممدوحين والمهملين الذين لم يرد فيهم تضعيف من الأصحاب، ولأجل ذلك خص القسم الأول من كتابه بالممدوحين، ثم قال: وهو الحق الحقيق بالاتباع وعليه عمل الأصحاب فترى القدماء كما يعملون بالخبر الذي رواته ممدوحون، يعملون بالخبر الذي رواته غير مجروحين، وإنما يردون المطعونين، فاستثنى ابن الوليد وابن بابويه من كتاب «نوادر الحكمة» عدة أشخاص، واستثنى المفيد من شرائع علي بن إبراهيم حديثاً واحداً في تحريم لحم البعير، وهذا يدل على أن الكتب التي لم يطعنوا في طرقها ولم يستثنوا منها شيئاً كان معتبراً عندهم، ورواتها مقبولو الرواية، إن لم يكونوا مطعونين من أئمة الرجال ولا قرينة، وإلا فتقبل)[513]( مع الطعن ثم ذكر عدة شواهد على ذلك فمن أراد فليلاحظ)[514](.
وعلى فرض صحة ما استنتج، فالحاجة إلى علم الرجال في معرفة الممدوحين والمهملين والمطعونين قائمة بحالها.
هذا هو الوجه الأول للزوم المراجعة إلى علم الرجال. وإليك الوجوه الباقية.
الثاني: الرجوع إلى صفات الراوي في الأخبار العلاجية:
إنَّ الأخبار العلاجية تأمر بالرجوع إلى صفات الراوي من الأعدلية والأفقهية، حتى يرتفع التعارض بين الخبرين بترجيح أحدهما على الآخر في ضوء هذه الصفات. ومن المعلوم أن إحراز هذه الصفات في الرواة لا يحصل إلا بالمراجعة إلى «علم الرجال»، قال الصادق (عليه السلام) في الجواب عن سؤال عمر بن حنظلة عن اختلاف القضاة في الحكم مع استناد اختلافهما إلى الاختلاف في الحديث: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»)[515](.
فإنَّ الحديث وإن كان وارداً في صفات القاضي، غير أنَّ القضاة في ذلك الوقت كانوا رواة أيضاً وبما أنَّ الاجتهاد كان في ذلك الزمن قليل المؤنة، بسيط الحقيقة، لم يكن هناك فرق بين الاستنباط ونقل الحديث إلاَّ قليلاً، ولأجل ذلك تعدى الفقهاء من صفات «القاضي» إلى صفات «الراوي».
أضف إلى ذلك أنَّ الروايات العلاجية غير منحصرة بمقبولة عمر بن حنظلة، بل هناك روايات أخر تأمر بترجيح أحد الخبرين على الآخر بصفات الراوي أيضاً، يقف عليها من راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج18، كتاب القضاء).
الثالث: وجود الوضاعين والمدلسين في الرواة:
إنَّ من راجع أحوال الرواة يقف على وجود الوضاعين والمدلسين والمتعمدين للكذب على الله ورسوله فيهم، ومع هذا كيف يصح للمجتهد الإفتاء بمجرد الوقوف على الخبر من دون التعرف قبل ذلك على الراوي وصفاته.
قال الصادق (عليه السلام): «إنَّ المغيرة بن سعيد، دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنَّة نبينا محمد»)[516](.
وقال أيضاً: «إنَّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذَّاب يكذب علينا فليسقط صدقنا بكذبة علينا عن الناس»)[517](.
وقال يونس بن عبد الرحمن: وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهم السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فأنكر منها أحاديث كثرة أن تكون من أصحاب أبي عبدالله قال: «إنَّ أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسُون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»)[518](.
إنَّ الاستدلال بهذه الروايات على فرض تواترها أو استفاضتها سهل، ولعل المراجع المتتبع يقف على مدى استفاضتها وتواترها.
ولكن الاستدلال بها يتم وإن لم تثبت بإحدى الصورتين أيضاً، بل يكفي كونها أخبار آحاد مرددة بين كونها صحيحة أو مكذوبة، فلو كانت صحيحة، لصارت حجة على المقصود وهو وجود روايات مفتعلة على لسان النبي الأعظم وآله الأكرمين، وإن كانت مكذوبة وباطلة، فيثبت المدعي أيضاً بنفس وجود تلك الروايات المصنوعة في الكتب الروائية.
وهذا القسم من الروايات مما تثبت بها المدعي على كل تقدير سواء أصحت أم لا تصح، وهذا من لطائف الاستدلال.
ولأجل هذا التخليط من المدلسين، أمر الأئمة (عليهم السلام) بعرض الأحاديث على الكتاب والسنَّة، وأنَّ كل حديث لا يوافق كتاب الله ولا سنَّة نبيه يضرب به عرض الجدار. وقد تواترت الروايات على الترجيح بموافقة الكتاب والسنَّة، يقف عليها القارىء إذا راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج18، كتاب القضاء).
ويوقفك على حقيقة الحال ما ذكره الشيخ الطوسي في كتاب «العدَّة» قال: «إنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، فوثقت الثقات منهم وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذموا المذموم وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم»)[519](.
وهذه العبارة تنص على وجود المدلسين والوضاعين والمخلطين بين رواة الشيعة، فكيف يمكن القول بحجية كل ما في الكتب الأربعة أو غيرها من دون تمييز بين الثقة وغيره.
وما ربما يقال من أنَّ أئمة الحديث، قد استخرجوا أحاديث الكتب الأربعة من الأصول والجوامع الأولية بعد تهذيبها عن هؤلاء الأشخاص، وإن كان صحيحاً في الجملة، ولكن قصارى جهدهم أنَّه حصلت للمشايخ الثلاث وحضرت عندهم قرائن تفيد الاطمئنان على صدور ما رووه في كتبهم الأربعة أو الثلاثة)[520]( عن الأئمة، ولكن من أين نعلم أنَّه لو حصلت عندنا تلك القرائن الحاصلة عندهم، لحصل لنا الاطمئنان أيضاً مثل ما حصل لهم.
أضف إلى ذلك أن ادعاء حصول الاطمئنان للمشايخ في مجموع ما رووه بعيد جداً، لأنهم رووا ما نقطع ببطلانه.
هذا مضافاً إلى أن ادعاء حصول الوثوق والاطمئنان للمشايخ بصدور عامة الروايات حتى المتعارضين أمر لا يقبله الذوق السليم.
الرابع: وجود العامي في أسانيد الروايات:
إنَّ من سبر روايات الكتب الأربعة وغيرها، يقف على وجود غير الشيعي في أسانيد الروايات، وكثير منهم قد وقعوا في ذيل السند، وكان الأئمة يفتون لهم بما هو معروف بين أئمتهم، وقد روى أئمة الحديث تلك الأسئلة والأجوبة، من دون أن يشيروا إلى كون الراوي غير شيعي يقتفي أثر أئمته وعندئذٍ فالرجوع إلى أحوال الرواة يوجب تمييز الخبر الصادق عن غيره.
الخامس: إجماع العلماء:
أجمع علماء الشيعة، بل فرق المسلمين جميعاً في الأعصار السابقة، على العناية بتأليف هذا العلم وتدوينه من عصر الأئمة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، ولولا دخالته في استنباط الحكم الإلهي، لما كان لهذه العناية وجه.
والحاصل أنَّ التزام الفقهاء والمجتهدين، بل المحدثين في عامة العصور، بنقل أسانيد الروايات، والبحث عن أوصاف الرواة من حيث العدالة والوثاقة، والدقة والضبط، يدل على أنَّ معرفة رجال الروايات من دعائم الاجتهاد.
حجة النافين للحاجة إلى علم الرجال
قد عرفت أدلة القائلين بوجود الحاجة إلى علم الرجال في استنباط الأحكام عن أدلتها. بقيت أدلة النافين، وإليك بيان المهم منها:
الأول: قطعية روايات الكتب الأربعة:
ذهبت الأخبارية إلى القول بقطعية روايات الكتب الأربعة وأنَّ أحاديثها مقطوعة الصدور عن المعصومين (عليهم السلام) وعلى ذلك فالبحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة وعدمها، لأجل طلب الاطمئنان بالصدور، والمفروض أنَّها مقطوعة الصدور.
ولكن هذا دعوى بلا دليل، إذ كيف يمكن ادعاء القطعية لأخبارها، مع أنَّ مؤلفيها لم يدعوا ذلك، وأقصى ما يمكن أن ينسب إليهم أنَّهم ادعوا صحة الأخبار المودعة فيها، وهي غير كونها متواترة أو قطعية، والمراد من الصحة اقترانها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الأئمة (عليهم السلام). وهل يكفي الحكم بالصحة في جواز العمل بأخبارها بلا تفحص أولاً، سنعقد فصلاً خاصاً للبحث في ذلك المجال، فتربص حتى حين.
أضف إلى ذلك أنَّ أدلة الأحكام الشرعية لا تختص بالكتب الأربعة، ولأجل ذلك لا مناص عن الاستفسار عن أحوال الرواة. وقد نقل في الوسائل عن سبعين كتاباً، أحاديث غير موجودة في الكتب الأربعة وقد وقف المتأخرون على أصول وكتب لم تصل إليه يد صاحب الوسائل أيضاً، فلأجل ذلك قام المحدث النوري بتأليف كتاب أسماه «مستدرك الوسائل» وفيه من الأحاديث ما لا غنى عنها للمستنبط.
الثاني: عمل المشهور جابر لضعف السند:
ذهب بعضهم إلى أنَّ كل خبر عمل به المشهور فهو حجة سواء كان الراوي ثقة أو لا، وكل خبر لم يعمل به المشهور ليس بحجة وإن كانت رواتها ثقات.
وفيه: أنَّ معرفة المشهور في كل المسائل أمر مشكل، لأنَّ بعض المسائل غير معنونة في كتبهم، وجملة أخرى منها لا شهرة فيها، وقسم منها يعد من الأشهر والمشهور، ولأجل ذلك لا مناص من القول بحجية قول الثقات وحده وإن لم يكن مشهوراً. نعم يجب أن يكون معرضاً عنه كما حقق في محله.
الثالث: لا طريق إلى إثبات العدالة:
إنَّ عدالة الراوي لا طريق إليها إلا بالرجوع إلى كتب أهل الرجال الذين أخذوا عدالة الراوي من كتب غيرهم، وغيرهم من غيرهم، ولا يثبت بذلك، التعديل المعتبر، لعدم العبرة بالقرطاس.
وفيه: أنَّ الاعتماد على الكتب الرجالية، لأجل ثبوت نسبتها إلى مؤلفيها، لقراءتهم على تلاميذهم وقراءة هؤلاء على غيرهم وهكذا، أو بقراءة التلاميذ عليهم أو بإجازة من المؤلف على نقل ما في الكتاب، وعلى ذلك يكون الكتاب مسموعاً على المستنبط أو ثابتة نسبته إلى المؤلف.
والحاصل؛ أنَّ الكتابة إذا ثبتت نسبتها إلى كاتبها عن طريق التواتر والاستفاضة، أو الاطمئنان العقلائي الذي يعدّ علماً عرفياً أو الحجّة الشرعية يصح الاعتماد عليها. ولأجل ذلك تقبل الأقارير المكتوبة والوصايا المرقومة بخطوط المقر والموصي أو بخط غيرهم، إذا دلت القرائن على صحتها، كما إذا ختمت بخاتم المقر والموصي أو غير ذلك من القرائن. ومن يرفض الكتابة فإنَّما يرفضها في المشكوك لا في المعلوم والمطمئن منها.
أضف إلى ذلك أن تشريع اعتبار العدالة في الراوي، يجب أن يكون على وجه يسهل تحصيلها، ولو كان متعسراً أو متعذراً، يكون الاعتبار لغواً والتشريع بلا فائدة.
وعلى هذا فلو كانت العدالة المعتبرة في رواة الأحاديث، ممكنة التحصيل بالطريق الميسور وهو قول الرجاليين فهو، وإلا فلو لم يكن قولهم حجة، يكون اعتبارها فيهم أمراً لغواً لتعسر تحصيلها بغير هذا الطريق.
وللعلاَّمة المامقاني جواب آخر وهو: أنَّ التزكية شهادة حتى يعتبر فيها ما يعتبر في ذلك، من الأصالة والشفاه وغيرها، وإلا لما جاز أخذ الأخبار من الأصول مع أنَّها مأخوذة من الأصول الأربعمائة، بل المقصود من الرجوع إلى علم الرجال هو التثبت وتحصيل الظن الاطمئناني الانتظامي الذي انتظم أمور معاشاً ومعاداً ويختلف في كل منهما باعتبار زيادة الاهتمام ونقصانه)[521](.
وهذا الجواب إنما يتم على مذهب من يجعل الرجوع إلى الكتب الرجالية من باب جمع القرائن والشواهد لتحصيل الاطمئنان على وثاقة الراوي أو صدور الحديث. وأما على مذهب من يعتبر قولهم حجة من باب الشهادة فلا.
فالحق في الجواب هو التفصيل بين المذهبين. فلو اعتبرنا الرجوع إليهم من باب الشهادة، فالجواب ما ذكرناه. ولو اعتبرناه من باب تحصيل القرائن والشواهد على صدق الراوي وصدور الرواية، فالجواب ما ذكره قدس سره ـ.
ثم إنَّ محل البحث في حجية قولهم، إنَّما هو إذا لم يحصل العلم من قولهم أو لم يتحقق الاطمئنان وإلا انحصر الوجه، في قبول قولهم من باب التعبد، وأما الصورتان الأوليان، فخارجتان عن محل البحث، لأنَّ الأول علم قطعي، والثاني علم عرفي وحجة قطعية وإن لم تكن حجيته ذاتية مثل العلم.
الرابع: الخلاف في معنى العدالة والفسق:
إنَّ الخلاف العظيم في معنى العدالة والفسق، يمنع من الأخذ بتعديل علماء الرجال بعد عدم معلومية مختار المعدل في معنى العدالة ومخالفته معنى في المبنى، فإنَّ مختار الشيخ في العدالة، أنَّها ظهور الإسلام، بل ظاهره دعوى كونه مشهوراً، فكيف يعتمد على تعديله، من يقول بكون العدالة هي الملكة.
وأجاب عنه العلاَّمة المامقاني (مضافاً إلى أنَّ مراجعة علماء الرجال إنَّما هو من باب التبين الحاصل على كل حال)، بقوله: إنَّ عدالة مثل الشيخ والتفاته إلى الخلاف في معنى العدالة، تقتضيان إرادته بالعدالة فيمن أثبت عدالته من الرواة، العدالة المتفق عليها، فإنَّ التأليف والتصنيف إذا كان لغيره خصوصاً للعمل به مدى الدهر… فلا يبنى على مذهب خاص إلا بالتنبيه عليه)[522](.
توضيحه؛ أنَّ المؤلف لو صرح بمذهبه في مجال الجرح والتعديل يؤخذ به، وإن ترك التصريح به، فالظاهر أنَّه يقتفي أثر المشهور في ذاك المجال وطرق ثبوتهما وغير ذلك مما يتعلق بهما، إذ لو كان له مذهب خاص وراء مذهب المشهور لوجب عليه أن ينبه به، حتى لا يكون غاراً، لأنَّ المفروض أنَّ ما قام به من العبء في هذا المضمار، أنَّه ألفه لاستفادة العموم ومراجعتهم عند الاستنباط، فلا بدَّ أن يكون متفق الاصطلاح مع المشهور، وإلاَّ لوجب التصريح بالخلاف.
يقول المحقق القمي في هذا الصدد: «والظاهر أنَّ المصنَّف لمثل هذه الكتب لا يريد اختصاص مجتهدي زمانه به، حتى يقال إنَّه صنَّفه للعارفين بطريقته، سيَّما وطريقة أهل العصر من العلماء عدم الرجوع إلى كتب معاصريهم من جهة الاستناد غالباً، وإنَّما تنفع المصنَّفات بعد موت مصنفيها غالباً إذا تباعد الزمان. فعمدة مقاصدهم في تأليف هذه الكتب بقاؤها أبد الدهر وانتفاع من سيجيء بعدهم منهم، فإذا لوحظ هذا المعنى منضماً إلى عدالة المصنفين وورعهم (وتقويهم) وفطانتهم وحذاقتهم، يظهر أنَّهم أرادوا بما ذكروا من العدالة المعنى الذي هو مسلَّم الكل حتى ينتفع الكل. واحتمال الغفلة للمؤلف عن هذا المعنى حين التأليف سيما مع تمادي زمان التأليف والانتفاع به في حياته في غاية البعد»)[523](.
وهناك قرينة أخرى على أنَّهم لا يريدون من الثقة، مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق، وإلاَّ يلزم توثيق أكثر المسلمين، ولا مجرد حسن الظاهر، لعدم حصول الوثوق به ما لم يحرز الملكة الرادعة.
قال العلاَّمة المامقاني: «إنَّ هناك قرائن على أنَّهم أرادوا بالعدالة معنى الملكة وهو أنَّا وجدنا علماء الرجال قد ذكروا في جملة من الرواة ما يزيد على ظهور الإسلام وعدم ظهور الفسق، بل على حسن الظاهر بمراتب ومع ذلك لم يصرحوا فيهم بالتعديل والتوثيق، ألا ترى أنَّهم ذكروا في إبراهيم بن هاشم، أنَّه أول من نشر أحاديث الكوفيين بقم، وهذا يدل على ما هو أقوى من حسن الظاهر بمراتب، لأنَّ أهل قم كان من شأنهم عدم الوثوق بمن يروي عن الضعفاء، بل كانوا يخرجونه من بلدهم، فكيف بمن كان هو في نفسه فاسقاً أو على غير الطريقة الحقة. فتحقق نشر الأخبار بينهم يدل على كمال جلالته ومع ذلك لم يصرح فيه أحد بالتوثيق والتعديل»)[524](.
الخامس: تفضيح الناس في هذا العلم:
إنَّ علم الرجال علم منكر يجب التحرز عنه، لأنَّ فيه تفضيحاً للناس، وقد نهينا عن التجسس عن معايبهم وأمرنا بالغض والتستر.
وفيه أولاً: النقض بباب المرافعات. حيث إنَّ للمنكر جرح شاهد المدعي وتكذيبه، وبالأمر بذكر المعايب في مورد الاستشارة، إلى غير ذلك مما يجوز فيه الاغتياب.
وثانياً: إنَّ الأحكام الإلهية أولى بالتحفظ من الحقوق التي أشير إليها.
أضف إلى ذلك أنَّه لو كان التفحص عن الرواة أمراً مرغوباً عنه، فلماذا أمر الله سبحانه بالتثبت والتبين عند سماع الخبر، إذ قال سبحانه: {إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} [الحجرات: 6].
والأمر به وإن جاء في مورد الفاسق، لكنه يعم المجهول للتعليل الوارد في ذيل الآية {أَن تُصِيبُواْ قَوْمَاً بَجَهَالَةِ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُم نَادِمِينَ} فإنَّ احتمال إصابة القوم بجهالة لا يختص بمن علم فسقه، بل يعم محتمله كما لا يخفى.
السادس: قول الرجالي وشرائط الشهادة:
لو قلنا باعتبار قول الرجالي من باب الشهادة، يجب أن يجتمع فيه شرائطها التي منها الاعتماد على الحس دون الحدس. وهو شرط اتفق عليه العلماء، ومن المعلوم عدم تحقق هذا الشرط، لعدم تعاصر المعدل (بالكسر) والمعدل (بالفتح) غالباً.
والجواب أنَّه يشترط في الشهادة، أن يكون المشهود به أمراً حسيّاً أو يكون مبادئه قريبة من الحس وإن لم يكن بنفسه حسيّاً، وذلك مثل العدالة والشجاعة فإنَّهما من الأمر وغير الحسيّة، لكن مبادئها حسيّة من قبيل الالتزام بالفرائض والنوافل، والاجتناب عن اقتراف الكبائر في العدالة، وقرع الأبطال في ميادين الحرب، والإقدام بالأمور الخطيرة بلا تريث واكتراث في الشجاعة.
وعلى ذلك فكما يمكن إحراز عدالة المعاصر بالمعاشرة، أو بقيام القرائن والشواهد على عدالته، أو شهرته وشياعه بين الناس، على نحو يفيد الاطمئنان، فكذلك يمكن إحراز عدالة الراوي غير المعاصر من الاشتهار والشياع والأمارات والقرائن المنقولة متواترة عصراً بعد عصر المفيدة للقطع واليقين أو الاطمئنان.
ولا شك أنَّ الكشي والنجاشي والشيخ، بما أنَّهم كانوا يمارسون المحدثين والعلماء ـ بطبع الحال ـ كانوا واقفين على أحوال الرواة وخصوصياتهم ومكانتهم من حيث الوثاقة والضبط، فلأجل تلك القرائن الواصلة إليهم من مشايخهم وأكابر عصرهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، شهدوا بوثاقة هؤلاء.
وهناك جواب آخر؛ وهو أنَّ من المحتمل قوياً أن تكون شهاداتهم في حق الرواة، مستندة إلى السماع من شيوخهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، وكانت الطبقة النهائية معاشرة معهم ومخالطة إياهم.
وعلى ذلك، لم يكن التعديل أو الجرح أمراً ارتجالياً، بل كان مستنداً، إما إلى القرائن المتواترة والشواهد القطعية المفيدة للعلم بعدالة الراوي أو ضعفه، أو إلى السماع من شيخ إلى شيخ آخر.
وهناك وجه ثالث؛ وهو رجوعهم إلى الكتب المؤلفة في العصور المتقدمة عليهم، التي كان أصحابها معاصرين مع الرواة ومعاشرين معهم، فإنَّ قسماً مهماً، من مضامين الأصول الخمسة الرجالية، وليدة تلك الكتب المؤلفة في العصور المتقدمة.
فتبين أنَّ الأعلام المتقدمين كانوا يعتمدون في تصريحاتهم على وثاقة الرجل، على الحس دون الحدس وذلك بوجوه ثلاثة:
1 ـ الرجوع إلى الكتب التي كانت بأيديهم من علم الرجال التي ثبتت نسبتها إلى مؤلفيها بالطرق الصحيحة.
2 ـ السماع من كابر عن كابر ومن ثقة عن ثقة.
3 ـ الاعتماد على الاستفاضة والاشتهار بين الأصحاب وهذا من أحسن الطرق وأمتنها، نظير علمنا بعدالة صاحب الحدائق وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وغيرهم من المشايخ عن طريق الاستفاضة والاشتهار في كل جيل وعصر، إلى أن يصل إلى زمان حياتهم وحينئذٍ نذعن بوثاقتهم وإن لم تصل إلينا بسند خاص.
ويدل على ذلك (أي استنادهم إلى الحس في التوثيق) ما نقلناه سالفاً عن الشيخ، من أنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة، فوثقت الثقات وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره ـ إلى آخر ما ذكره)[525](.
ولأجل أن يقف القارىء على أنَّ أكثر ما في الأصول الخمسة الرجالية ـ جميعها ـ مستندة إلى شهادة من قبلهم من الإثبات في كتبهم في حق الرواة، نذكر في المقام أسامي ثلة من القدماء، قد ألفوا في هذا المضمار، ليقف القارىء على نماذج من الكتب الرجالية المؤلفة قبل الأصول الخمسة أو معها ولنكتف بالقليل عن الكثير.
1 ـ الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (المتوفى 381) ترجمة النجاشي (الرقم 1048) وعدّ من تصانيفه كتاب «المصابيح» في من روى عن النبي والأئمة (عليهم السلام) وله أيضاً كتاب «المشيخة» ذكر فيه مشايخه في الرجال وهم يزيدون عن مائتي شيخ، طبع في آخر «من لا يحضره الفقيه»)[526](.
2 ـ الشيخ أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد البزاز المعروف بـ «ابن عبدون» (بضم العين المهملة وسكون الباء الموحدة)، كما في رجال النجاشي (الرقم 211) وبـ («ابن الحاشر» كما في رجال الشيخ)[527](، والمتوفى سنة 423 وهو من مشايخ الشيخ الطوسي والنجاشي وله كتاب «الفهرس». أشار إليه الشيخ الطوسي في الفهرس في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي)[528](.
3 ـ الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بـ «ابن عقدة» (ـ بضم العين المهملة وسكون القاف ـ المولود سنة 249 والمتوفي سنة 333) له كتاب «الرجال» وهو كتاب جمع فيه أسامي من روى عن جعفر بن محمد (عليه السلام) وله كتاب آخر في هذا المضمار وجمع فيه أسماء الرواة عمن تقدم على الإمام الصادق من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) )[529](.
4 ـ أحمد بن علي العلوي العقيقي (المتوفى عام 280) له كتاب «تاريخ الرجال» وهو يروي عن أبيه، عن إبراهيم بن هاشم القمي)[530](.
5 ـ أحمد بن محمد الجوهري البغدادي، ترجمه النجاشي (الرقم 207) والشيخ الطوسي)[531]( وتوفي سنة 401، ومن تصانيفه «الاشتمال في معرفة الرجال».
6 ـ الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن نوح، ساكن البصرة له كتاب «الرجال الذين رووا عن أبي عبدالله (عليه السلام)» )[532](.
7 ـ أحمد بن محمد القمي (المتوفي سنة 350) ترجمه النجاشي (الرقم 223). له كتاب «الطبقات».
8 ـ أحمد بن محمد الكوفي، ترجمه النجاشي (الرقم 236) وعدّ من كتبه كتاب الممدوحين والمذمومين»)[533](.
9 ـ الحسن بن محبوب السراد (بفتح السين المهملة وتشديد الراء) أو الزراد (المولود عام 149، والمتوفي عام 224) روى عن ستين رجلاً من أصحاب الصادق (عليه السلام) وله كتاب «المشيخة» وكتاب «معرفة رواة الأخبار»)[534](.
10 ـ الفضل بن شاذان، الذي يعدُّ من أئمة علم الرجال وقد توفي بعد سنة 254، وقيل 260، وكان من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وتوفي في أيام العسكري (عليه السلام) )[535]( ينقل عنه العلاَّمة في الخلاصة في القسم الثاني في ترجمة «محمد بن سنان» ـ بعد قوله: والوجه عندي التوقف فيما يرويه ـ «فإنَّ الفضل بن شاذان ـ رحمهما الله ـ قال في بعض كتبه: إنَّ من الكذابين المشهورين ابن سنان»)[536](.
إلى غير ذلك من التآليف للقدماء في علم الرجال وقد جمع أسماءها وما يرجع إليها من الخصوصيات، المتتبع الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب أسماه «مصفى المقال في مصنفي علم الرجال»)[537](.
والحاصل، أنَّ التتبع في أحوال العلماء المتقدمين، يشرف الإنسان على الإذعان واليقين بأنَّ التوثيقات والتضعيفات الواردة في كتب الأعلام الخمسة وغيرها، يستند إما إلى الوجدان في الكتاب الثابت نسبته إلى مؤلفه أو إلى النقل والسماع، أو إلى الاستفاضة والاشتهار، أو إلى طريق يقرب منها.
السابع: التوثيق الإجمالي:
إنَّ الغاية المتوخاة من علم الرجال، هو تمييز الثقة عن غيره، فلو كان هذا هو الغاية منه، فقد قام مؤلفوا الكتب الأربعة بهذا العمل، فوثقوا رجال أحاديثهم وإسناد رواياتهم على وجه الإجمال دون التفصيل، فلو كان التوثيق التفصيلي من نظراء النجاشي والشيخ وأضرابهما حجة، فالتوثيق الإجمالي من الكليني والصدوق والشيخ أيضاً حجة، فهؤلاء الأقطاب الثلاثة، صححوا رجال أحاديث كتبهم وصرحوا في ديباجتها بصحة رواياتها.
قول المحقق الكاشاني في المقدمة الثانية من مقدمات كتابه الوافي في هذا الصدد، ما هذا خلاصته)[538](: «إنَّ أرباب الكتب الأربعة قد شهدوا على صحة الروايات الواردة فيها. قال الكليني في أول كتابه في جواب من التمس منه التصنيف: «وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين، والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدي فرض الله وسنَّة نبيه… إلى أن قال ـ قدس الله روحه ـ: وقد يسر الله له الحمد تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت». وقال الصدوق في ديباجة «الفقيه»: إني لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنَّه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره ـ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع». وذكر الشيخ في «العدّة» أنَّ جميع ما أورده في كتابيه (التهذيب والاستبصار)، إنَّما أخذه من الأصول المعتمد عليها.
والجواب: أنَّ هذه التصريحات أجنبية عما نحن بصدده، أعني وثاقة رواة الكتب الأربعة.
أمَّا أولاً: فلأن المشايخ شهدوا بصحة روايات كتبهم، لا بوثاقة رجال رواياتهم، وبين الأمرين بون بعيد، وتصحيح الروايات كما يمكن أن يكون مستنداً إلى إحراز وثاقة رواتها، يمكن أن يكون مستنداً إلى القرائن المنفصلة التي صرح بها المحقق البهائي في «مشرق الشمسين» والفيض الكاشاني في «الوافي» ومع هذا كيف يمكن القول بأنَّ المشايخ شهدوا بوثاقة رواة أحاديث كتبهم؟ والظاهر كما هو صريح كلام العلمين، أنَّهم استندوا في التصحيح على القرائن لا على وثاقة الرواة، ويدل على ذلك ما ذكره الفيض حول هذه الكلمات، قال ـ قدس سره ـ بعد بيان اصطلاح المتأخرين في تنويع الحديث المعتبر: «وسلك هذا المسلك العلاَّمة الحلي ـ رحمه الله ـ وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ـ قدس الله أرواحهم ـ كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه، واقترن بما يوجب الوثوق به، والركون إليه (1) كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة ـ سلام الله عليهم ـ. (2) وكتكرره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة ـ وأسانيد عديدة معتبرة ـ. (3) وكوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم، كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار. (4) أو على تصحيح ما يصح عنهم، كصفوان بن يحيى، ويونس بن عبدالرحمن، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي. (5) أو العمل بروايتهم، كعمار الساباطي ونظرائه. (6) وكاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فأثنوا على مؤلفيها، ككتاب عبيدالله الحلبي الذي عرض على الصادق (عليه السلام) وكتابي يونس بن عبدالرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري (عليه السلام). (7) وكأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء كان مؤلفوها من الإمامية، ككتاب الصلاة الحريز بن عبدالله السجستاني وكتب ابني سعيد، وعلي بن مهزيار أو من غير الشيعة، ككتاب حفص بن غياث القاضي، والحسين بن عبيدالله السعدي، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري… إلى أن قال: فحكموا بصحة حديث بعض الرواة من غير الإمامية كعلي بن محمد بن رباح وغيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم… إلى أن قال: فإن كانوا لا يعتمدون على شهادتهم بصحة كتبهم فلا يعتمدوا على شهادتهم وشهادة أمثالهم من الجرح والتعديل إلى أن قال: نعم، إذا تعارض الخبران المعتمد عليهما على طريقة القدماء فاحتجنا إلى الترجيح بينهما، فعلينا أن نرجع إلى حال رواتهما في الجرح والتعديل المنقولين عن المشايخ فيهم ونبني الحكم على ذلك كما أشير إليه في الأخبار الواردة في التراجيح بقولهم (عليهم السلام): «فالحكم ما حكم به أعدلهما وأورعهما وأصدقهما في الحديث» وهو أحد وجوه التراجيح المنصوص عليها، وهذا هو عمدة الأسباب الباعثة لنا على ذكر الأسانيد في هذا الكتاب»)[539](.
وثانياً: سلَّمنا أنَّ منشأ حكمهم بصحتها هو الحكم بوثاقة رواتها، لكن من أين نعلم أنَّهم استندوا في توثيقهم إلى الحس، إذ من البعيد أن يستندوا في توثيق هذا العدد الهائل من الرواة الواردة في هذه الكتب إلى الحس، بل من المحتمل قوياً، أنَّهم استندوا إلى القرائن التي يستنبط وثاقتهم منها، ومثله يكون حجة للمستنبط ولمن يكون مثله في حصول القرائن.
وثالثاً: نفترض كونهم مستندين في توثيق الرواة إلى الحس، ولكن الأخذ بقولهم إنَّما يصح لو لم تظهر كثرة أخطائهم، فإنَّ كثرتها تسقط قول المخبر عن الحجية في الإخبار عن حس أيضاً، فكيف في الإخبار عن حدس. مثلاً إنَّ كثيراً من رواة الكافي ضعفهم النجاشي والشيخ، فمع هذه المعارضة الكثيرة تسقط قوله عن الحجية. نعم، إن كانت قليلة لكان لاعتبار قوله وجه. وإنَّ الشيخ قد ضعف كثيراً من رجال «التهذيب والاستبصار» في رجاله وفهرسه، فكيف يمكن أن يعتمد على ذلك التصحيح.
فظهر أنَّه لا مناص عن القول بالحاجة إلى علم الرجال وملاحظة إسناد الروايات، وأنَّ مثل هذه الشهادات لا تقوم مكان توثيق رواة تلك الكتب.
الثامن: شهادة المشايخ الثلاثة:
إذا شهد المشايخ الثلاثة على صحة روايات كتبهم، وأنَّها صادرة عن الأئمة بالقرائن التي أشار إليها المحقق الفيض، فهل يمكن الاعتماد في هذا المورد على خبر العدل أو لا؟
الجواب: أنَّ خبر العدل وشهادته إنَّما يكون حجة إذا أخبر عن الشيء عن حس لا عن حدس، والإخبار عنه بالحدس لا يكون حجة إلا على نفس المخبر، ولا يعدو غيره إلاَّ في موارد نادرة، كالمفتى بالنسبة إلى المستفتى. وأخبار هؤلاء عن الصدور إخبار عن حدس لا عن حس.
توضيح ذلك أنَّ احتمال الخلاف والوهم في كلام العادل ينشأ من أحد أمرين:
الأول: التعمد في الكذب وهو مرتفع بعدالته.
الثاني: احتمال الخطأ والاشتباه وهو مرتفع بالأصل العقلاني المسلَّم بينهم من أصالة عدم الخطأ والاشتباه، لكن ذاك الأصل عند العقلاء مختص بما إذا أخبر بالشيء عن حس، كما إذا أبصر وسمع، لا ما إذا أخبر عنه عن حدس، واحتمال الخطأ في الإبصار والسمع مرتفع بالأصل المسلَّم بين العقلاء، وأما احتمال الخطأ في الحدس والانتقال من المقدمة إلى النتيجة، فليس هنا أصل يرفعه، ولأجل ذلك لا يكون قول المحدس حجة إلا لنفسه.
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ المشايخ لم يروا بأعينهم ولم يسمعوا بآذانهم صدور روايات كتبهم، وتنطق أئمتهم بها، وإنَّما انتقلوا إليه عن قرائن وشواهد جرتهم إلى الاطمئنان بالصدور، وهو إخبار عن الشيء بالحدس، ولا يجري في مثله أصالة عدم الخطأ ولا يكون حجة في حق الغير.
وإن شئت قلت: ليس الانتقال من تلك القرائن إلى صحة الروايات وصدورها أمراً يشترك فيه الجميع أو الأغلب من الناس، بل هو أمر تختلف فيه الأنظار بكثير، فرب إنسان تورثه تلك القرائن اطمئناناً في مقابل إنسان آخر، لا تفيده إلا الظن الضعيف بالصحة والصدور، فإذن كيف يمكن حصول الاطمئنان لأغلب الناس بصدور جميع روايات الكتب الأربعة التي يناهز عددها ثلاثين ألف حديث؟ وليس الإخبار عن صحتها كالإخبار عن عدالة إنسان أو شجاعته، فإنَّ لهما مبادىء خاصة معلومة، يشترك في الانتقال عنها إلى ذينك الوصفين أغلب الناس أو جميعهم، فيكون قول المخبر عنهما حجة وإن كان الإخبار عن حدس، لأنه ينتهي إلى مبادىء محسوسة، وهي ملموسة لكل من أراد أن يتفحص عن أحوال الإنسان. ولا يلحق به الإخبار عن صحة تلك الروايات، مستنداً إلى تلك القرائن التي يختلف الناس في الانتقال عنها إلى الصحة إلى حد ربما لا تفيد لبعض الناس إلا الظن الضعيف. وليس كل القرائن من قبيل وجود الحديث في كتاب عرض على الإمام ونظيره، حتى يقال إنَّها من القرائن الحسية، بل أكثرها قرائن حدسية.
فإن قلت: فلو كان إخبارهم عن صحة كتبهم حجة لأنفسهم دون غيرهم، فما هو الوجه في ذكر هذه الشهادات في ديباجتها؟
قلت: إنَّ الفائدة لا تنحصر في العمل بها، بل يكفي فيها كون الإخبار باعثاً وحافزاً إلى تحريك الغير لتحصيل القرائن والشواهد، لعله يقف أيضاً على مثل ما وقف عليه المؤلف وهو جزء علَّة لتحصيل الركون لاتمامها.
ويشهد بذلك أنَّهم مع ذاك التصديق، نقلوا الروايات بإسنادها حتى يتدبر الآخرون في ما ينقلونه ويعملوا بما صح لديهم، ولو كانت شهادتهم على الصحة حجة على الكل، لما كان وجه لتحمل ذاك العبء الثقيل؛ أعني نقل الروايات بإسنادها. كل ذلك يعرب عن أنَّ المرمى الوحيد في نقل تلك التصحيحات، هو إقناع أنفسهم وإلفات الغير إليها حتى يقوم بنفس ما قام به المؤلفون ولعله يحصل ما حصلوه.
المصادر الأولية لعلم الرجال
اهتم علماء الشيعة من عصر التابعين إلى يومنا هذا بعلم الرجال، فألَّفوا معاجم تتكفل لبيان أحوال الرواة وبيان وثاقتهم أو ضعفهم، وأول تأليف ظهر لهم في أوائل النصف الثاني من القرن الأول هو كتاب «عبيدالله بن أبي رافع» كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث دوَّن أسماء الصحابة الذين شايعوا عليّاً وحضروا حروبه وقاتلوا معه في البصرة وصفين والنهروان، وهو مع ذلك كتاب تاريخ ووقائع.
وألَّف عبدالله بن جبلة الكناني (المتوفى عام 219) وابن فضال وابن محبوب وغيرهم في القرن الثاني إلى أوائل القرن الثالث، كتباً في هذا المضمار، واستمر تدوين الرجال إلى أواخر القرن الرابع.
ومن المأسوف عليه، أنَّه لم تصل هذه الكتب إلينا، وإنَّما الموجود عندنا ـ وهو الذي يعد اليوم أصول الكتب الرجالية)[540]( ـ ما دوّن في القرنين الرابع والخامس، وإليك بيان تلك الكتب والأصول التي عليها مدار علم الرجال، وإليك أسماؤها وأسماء مؤلفيها وبيان خصوصيات مؤلفاتهم.
1 ـ رجال الكشي
هو تأليف محمد بن عمر بن عبدالعزيز المعروف بالكشي، والكش ـ بالفتح والتشديد ـ بلد معروف على مراحل من سمرقند، خرج منه كثير من مشايخنا وعلمائنا، غير أنَّ النجاشي ضبطه بضم الكاف، ولكن الفاضل المهندس البرجندي ضبطه في كتابه المعروف «مساحة الأرض والبلدان والأقاليم» بفتح الكاف وتشديد الشين، وقال: «بلد من بلاد ما وراء النهر وهو ثلاث فراسخ في ثلاثة فراسخ».
وعلى كل تقدير؛ فالكشي من عيون الثقات والعلماء والأثبات. قال النجاشي: «محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي أبو عمرو، كان ثقة عيناً وروى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره الذي كان مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب الرجال، كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»)[541](.
وقال الشيخ في الفهرس: «ثقة بصير بالأخبار والرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال»)[542](.
وقال في رجاله: «ثقة بصير بالرجال والأخبار، مستقيم المذهب»)[543](.
وأما أستاذه العياشي أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي فهو ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة… قال لنا أبو جعفر الزاهد: أنفق أبو النضر على العلم والحديث تركة أبيه وسائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارىء أو معلق، مملوءة من الناس)[544]( وله كتب تتجاوز على مائتين.
وقد أسمى الكشي كتابه بـ «معرفة الرجال» كما يظهر من الشيخ في ترجمة أحمد بن داود بن سعيد الفزاري)[545](.
وربما يقال بأنَّه أسماه بـ «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» أو «معرفة الناقلين» فقط، وقد كان هذا الكتاب موجوداً عند السيد ابن طاووس، لأنَّه تصدى بترتيب هذا الكتاب وتبويبه وضمه إلى كتب أخرى من الكتب الرجالية وأسماه بـ«حل الإشكال في معرفة الرجال» وكان موجوداً عند الشهيد الثاني، ولكن الموجود من كتاب الكشي في هذه الأعصار، هو الذي اختصره الشيخ مسقطاً منه الزوائد، وأسماه بـ«اختيار الرجال»، وقد عدَّه الشيخ من جملة كتبه، وعلى كل تقدير فهذا الكتاب طبع في الهند وغيره، وطبع في النجف الأشرف وقد فهرس الناشر أسماء الرواة على ترتيب حروف المعجم، وقام أخيراً المتتبع المحقق الشيخ حسن المصطفوي بتحقيقه تحقيقاً رائعاً وفهرس له فهارس قيمة.
كيفية تهذيب رجال الكشي
قال القهبائي: «إنَّ الأصل كان في رجال العامة والخاصة فاختار منه الشيخ، الخاصة»)[546](.
والظاهر عدم تماميته، لأنه ذكر فيه جمعاً من العامة رووا عن أئمتنا كمحمد بن إسحاق، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن خالد، وعمرو بن جميع، وعمرو بن قيس، وحفص بن غياث، والحسين بن علوان، وعبدالملك بن جريج، وقيس بن الربيع، ومسعدة بن صدقة، وعباد بن صهيب، وأبي المقدام، وكثير النوا، ويوسف بن الحرث، وعبدالله البرقي)[547](.
والظاهر أنَّ تنقيحه كان بصورة تجريده عن الهفوات والاشتباهات التي يظهر من النجاشي وجودها فيه.
إن الخصوصية التي تميز هذا الكتاب عن سائر ما ألف في هذا المضمار عبارة عن التركيز على نقل الروايات المربوطة بالرواة التي يقدر القارىء بالإمعان فيها على تمييز الثقة عن الضعيف وقد ألَّفه على نهج الطبقات مبتدءاً بأصحاب الرسول والوصي إلى أن يصل إلى أصحاب الهادي العسكري (عليه السلام) ثم إلى الذين يلونهم وهو بين الشيعة كطبقات ابن سعد بن السنَّة.
2 ـ فهرس النجاشي
هو تأليف الثبت البصير الشيخ أبي العباس)[548]( أحمد بن علي بن أحمد بن العباس، الشهير بالنجاشي، وقد ترجم نفسه في نفس الكتاب وقال: «أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن النجاشي، الذي ولي الأهواز وكتب إلى أبي عبدالله (عليه السلام) يسأله وكتب إليه رسالة عبدالله بن النجاشي المعروفة)[549]( ولم ير لأبي عبدالله (عليه السلام) مصنَّف غيره.
مصنف هذا الكتاب له كتاب «الجمعة وما ورد فيه من الأعمال»، وكتاب «الكوفة وما فيها من الآثار والفضائل»، وكتاب «أنساب بني نصر بن قعين وأيامهم وأشعارهم»، وكتاب «مختصر الأنوار» و«مواضع النجوم التي سمتها العرب»)[550](.
وقد ذكر في ديباجة الكتاب، الحوافز التي دعته إلى تأليف فهرسه وقال: «فإني وقفت على ما ذكره السيد الشريف ـ أطال الله بقاه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا أنَّه لا سلف لكم ولا مصنف، وهذا قول من لا علم له بالناس. ولا وقف على أخبارهم، ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار العلم، ولا لقي أحداً فيعرف منه ولا حجة علينا لم لا يعلم ولا عرف، وقد جمعت من ذلك ما استطعته ولم أبلغ غايته، لعدم أكثر الكتب، وإنما ذكرت ذلك عذراً إلى من وقع إليه كتاب لم أذكره… إلى أن قال: على أنَّ لأصحابنا ـ رحمهم الله ـ في بعض هذا الفن كتباً ليست مستغرقة لجميع ما رسم، وأرجو أن يأتي في ذلك على ما رسم وحد إن شاء الله، وذكرت لكل رجل طريقاً واحداً حتى لا يكثر الطرق فيخرج عن الغرض»)[551](.
أقول: الرجل نقاد هذا الفن ومن أجلائه وأعيانه، وحاز قصب السبق في ميدانه، قال العلاَّمة في الخلاصة: «ثقة معتمد عليه، له كتاب الرجال نقلنا منه في كتابنا هذا وغيره أشياء كثيرة، وتوفي بمطير آباد في جمادي الأولى سنة خمسين وأربعمائة وكان مولده في صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة»)[552](.
وقد اعتمد عليه المحقق في كتاب المعتبر. فقد قال في غسالة ماء الحمام: «وابن جمهور ضعيف جداً، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال»)[553](.
وأطراه كل من تعرض له، فهو أبو عذر هذا الأمر وسابق حلبته كما لا يخفى، ولكتابه هذا امتيازات نشير إليها:
الأول: اختصاصه برجال الشيعة كما ذكره في مقدمته، ولا يذكر من غير الشيعي إلا إذا كان عامياً روى عنّا، أو صنَّف لنا فيذكره مع التنبيه عليه، كالمدائني، والطبري، وكذا في شيعي غير إمامي فيصرح كثيراً وقد يسكت.
الثاني: تعرضه لجرح الرواة وتعديلهم غالباً استقلالاً أو استطراداً، ورب رجل وثقة في ضمن ترجمة الغير، وربما أعرض عن التعرض بشيء من الوثاقة والضعف في حق بعض من ترجمهم.
نعم، ربَّما يقال: كل من أهمل فيه القول فذلك آية أنَّ الرجل عنده سالم عن كل مغمز ومطعن، ولكنه غير ثابت، حيث إنَّ كتابه ليس إلا مجرد فهرس لمن صنف من الشيعة أو صنف لهم دون الممدوحين والمذمومين، وليس يجب على مؤلف حول الرجال، أن يتعرض للمدح والذم، فسكوته ليس دليلاً على المدح ولا على كونه شيعياً إمامياً، وإن كان الكتاب موضوعاً لبيان الشيعي أو من صنف لهم، لكن الأخير (عدم دلالته على كونه شيعياً إمامياً) موضع تأمل، لتصريحه بأنَّ الكتاب لبيان تآليف الأصحاب ومصنَّفاتهم، فما دام لم يصرح بالخلاف يكون الأصل كونه إمامياً.
الثالث: تثبته في مقالاته وتأمله في إفاداته، والمعروف أنَّه أثبت علماء الرجال وأضبطهم وأضبط من الشيخ والعلاَّمة، لأنَّ البناء على كثرة التأليف يقتضي قلَّة التأمل. وهذا الكلام وإن كان غير خال عن التأمل لكنه جار على الغالب.
الرابع: سعة معرفته بهذا الفن، وكثرة اطلاعه بالأشخاص، وما يتعلق بهم من الأوصاف والأنساب وما يجري مجراهما، ومن تتبَّع كلامه عند ذكر الأشخاص يقف على نهاية معرفته بأحوال الرجال وشدَّة إحاطته بما يتعلق بهذا المجال من جهة معاصرته ومعاشرته لغير واحد منهم، كما يشهد استطرافه ذكر أمور لا يطلع عليها إلاَّ المصاحب ولا يعرفها عدا المراقب الواجد)[554](.
وقد حصل له ذاك الاطلاع الواسع بصحبته كثيراً من العارفين بالرجال كالشيخ أحمد بن الحسين الغضائري، والشيخ أحمد بن علي بن عباس بن نوح السيرافي)[555](، وأحمد بن محمد «ابن الجندي»)[556](، وأبي الفرج محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرَّة الكاتب)[557]( وغيره من نقَّاد هذا الفن وأجلائه)[558](.
الخامس: أنَّه ألَّف فهرسه بعد فهرس الشيخ الطوسي بشهادة أنَّه ترجمه وذكر فيه فهرس الشيخ)[559]( والسابر في فهرس النجاشي يقف على أنه كان ناظراً لفهرس معاصره ولعل بعض ما جاء فيه مخالفاً لما في فهرس الشيخ كان لغاية التصحيح وكان المحقق البروجردي يعتقد بأنَّ فهرس النجاشي كالذيل لفهرس الشيخ.
وأخيراً يقول: إنَّ المعروف في وفاته هو أنَّه توفي عام 450، ونص عليه العلاَّمة في خلاصته، لكن القارىء يجد في طيَّات الكتاب أنَّه أرخ فيه وفاة محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري عام 463)[560](. ولازم ذلك أن يكون حيّاً إلى هذه السنة، ومن المحتمل أن يكون الزيادة من النساخ أو القراء، وكانت الزيادة في الحاشية، ثم أدخلها المتأخرون من النساخ في المتن زاعمين أنه منه كما اتقف ذلك في غير مورد.
ثم إنَّ الشيخ النجاشي قد ترجم عدَّة من الرواة ووثقهم في غير تراجمهم، كما أنَّه لم يترجم عدَّة من الرواة مستقلاً، ولكن وثقهم نفي تراجم غيرهم، ولأجل إكمال البحث عقدنا العنوانين التاليين لئلاّ يفوت القارىء فهرس الموثوقين في تراجم غيرهم.
الأول: من لهم تراجم ولكن وثقوا في تراجم غيرهم.
1 ـ أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك (الرقم 313).
2 ـ سلمة بن محمد بن عبدالله الخزاعي، وثقه في ترجمة أخيه منصور بن محمد (الرقم 1099).
3 ـ شهاب بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبدالخالق (الرقم 50).
4 ـ صالح بن خالد المحاملي الكناسي، وثقه في باب الكنى في ترجمة أبي شعيب المحاملي (الرقم 1240).
5 ـ عمرو بن منهال بن مقلاص القيسي، وثقه في ترجمة ابنه حسن بن عمرو بن منهال (الرقم 133).
6 ـ محمد بن عطية الحناط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن بن عطية الحنّاط (الرقم 93).
7 ـ محمد بن همام بن سهيل الإسكافي، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك الفزاري (الرقم 313).
الثاني: من ليس لهم ترجمة ولكن وثقوا في تراجم الغير.
1 ـ أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابنه الحسن (الرقم 151).
2 ـ أسد بن أعفر المصري، وثقه في ترجمة ابنه داود (الرقم 414).
3 ـ إسماعيل بن أبي السمال الأسدي، وثقه في ترجمة أخيه إبراهيم (الرقم 30).
4 ـ إسماعيل بن الفضل بن يعقوب النوفلي، وثقه في ترجمة ابن أخيه الحسين بن محمد بن الفضل (الرقم (13)).
5 ـ جعفر بن إبراهيم الطالبي الجعفري، وثقه في ترجمة ابنه سليمان (الرقم 883).
6 ـ حسن بن أبي سارة الرواسي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 882).
7 ـ حسن بن شجرة بن ميمون الكندي، وثقه في ترجمة أخيه علي (الرقم 720).
8 ـ حسن بن علوان الكلبي، وثقه في ترجمة أخيه الحسين (الرقم 116).
9 ـ حسن بن محمد بن خالد الطيالسي، وثقه في ترجمة أخيه عبدالله (الرقم 572).
10 ـ حفص بن سابور الزيات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
11 ـ حفص بن سالم، وثقه في ترجمة أخيه عمر (الرقم 758).
12 ـ حيّان بن علي العنزي، وثقه في ترجمة أخيه مندل (الرقم 1131).
13 ـ زكريا بن سابور الزيات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
14 ـ زياد بن سابور الزيّات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
15 ـ زياد بن أبي الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابن ابنه رافع بن سلمة (الرقم 447).
16 ـ زياد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخيه حفص (الرقم 447).
17 ـ سلمة بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابنه رافع (الرقم 447).
18 ـ شجرة بن ميمون بن أبي أراكة الكندي، وثقه في ترجمة ابنه علي (الرقم 720).
19 ـ صباح بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة أخيه عمّار (الرقم 779).
20 ـ عبدالأعلى بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيدالله (612) ومحمد (الرقم 885).
21 ـ عبدالخالق بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 50).
22 ـ عبدالرحمن ابن أبي عبدالله البصري، وثقه في ترجمة ابن ابنه إسماعيل بن همام (الرقم 62).
23 ـ عبدالرحمن بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبدالخالق (الرقم 50).
24 ـ عبدالله بن رباط البجلي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 955).
25 ـ عبدالله بن عثمان بن عمرو الفزاري، وثقه في ترجمة أخيه حماد (الرقم 371).
26 ـ عبدالملك بن سعيد الكناني، وثقه في ترجمة أخيه عبدالله (الرقم 565).
27 ـ عبدالملك بن عتبة النخعي، وثقه في ترجمة عبدالملك بن عتبة الهاشمي (الرقم 635).
28 ـ علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابنه عبيدالله (الرقم 612).
29 ـ علي بن بشير، وثقه في ترجمة أخيه محمد (الرقم 927).
30 ـ علي بن عطية الحنّاط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن (الرقم 93).
31 ـ عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيدالله (الرقم 612) ومحمد (الرقم 885).
32 ـ عمر بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابن أخيه عبيدالله بن علي (الرقم 612).
33 ـ عمرو بن مروان اليشكري، وثقه في ترجمة أخيه عمار (الرقم 780).
34 ـ قيس بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة إخيه عمار (الرقم 779).
35 ـ أبو خالد، محمد بن مهاجر بن عبيد الأزدي، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 46).
36 ـ محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابن ابنه الحسن بن أحمد (الرقم 151).
37 ـ محمد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخي حفص (الرقم 348).
38 ـ معاذ بن مسلم بن أبي سارة، وثقه في ترجمة ابن عمه محمد بن الحسن (الرقم 883).
39 ـ همام بن عبدالرحمن بن ميمون البصري، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 62).
40 ـ يعقوب بن إلياس بن عمرو البجلي، وثقه في ترجمة أخيه عمرو (الرقم 772).
41 ـ أبو الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابن حفيده رافع بن سلمة بن زياد (الرقم 447).
42 ـ أبو شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابن ابنه عبيدالله بن علي (الرقم 612).
43 ـ أبو عامر بن جناح الأزدي، وثقه في ترجمة أخيه سعيد (الرقم 512).
3 ـ رجال الشيخ
تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المولود عام 385، والمتوفى عام 460) فقد جمع في كتابه «أصحاب النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) حسب ترتيب عصورهم.
يقول المحقق التستري: «إنَّ مسلك الشيخ في رجاله يغاير مسلكه في الفهرس ومسلك النجاشي في فهرسه، حيث إنَّه أراد في رجاله استقصاء أصحابهم ومن روى عنهم مؤمناً كان أو منافقاً، إمامياً كان أو عامياً، فعدَّ الخلفاء ومعاوية وعمرو بن العاص ونظراءهم من أصحاب النبي، وعدَّ زياد بن أبيه وابنه عبيدالله بن زياد من أصحاب أمير المؤمنين، وعدَّ منصوراً الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام) بدون ذكر شيء فيهم، فالاستناد إليه ما لم يحرز إماميّة رجل غير جائز حتى في أصحاب غير النبي وأمير المؤمنين، فكيف في أصحابهما؟»)[561](.
ومع ذلك فلم يأت بكل الصحابة، ولا بكل أصحاب الأئمة، ويمكن أن يقال: إن الكتاب حسب ما جاء في مقدمته ألف لبيان الرواة من الأئمة، فالظاهر كون الراوي إمامياً ما لم يصرح بالخلاف أو لا أقل شيعياً فتدبر.
وكان السيد البروجردي يقول: «إنَّ كتاب الرجال للشيخ كانت مذكرات له ولم يتوفق لإكماله، ولأجل ذلك نرى أنَّه يذكر عدة أسماء ولا يذكر في حقهم شيئاً من الوثاقة والضعف ولا الكتاب والرواية، بل يعدهم من أصحاب الرسول والأئمة فقط».
4 ـ فهرست الشيخ
وهو له ـ قدس سره ـ فقد أتى بأسماء الذين لهم أصل أو تصنيف)[562](.
إنَّ الشيخ الطوسي مؤلف الرجال والفهرس أظهر من أن يعرف، إذ هو الحبر الذي يقتطف منه أزهار العلوم، ويقتبس منه أنواع الفضل، فهو رئيس المذهب والملة، وشيخ المشايخ الأجلَّة، فقد أطراه كل من ذكره، ووصفه بشيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوي إليه الأعناق، صنَّف في جميع علوم الإسلام، فهو مضافاً إلى اختيار الكشي، صنَّف الفهرس والرجال.
أما الفهرس فهو موضوع لذكر الأصول والمصنفات، وذكر الطرق إليها غالباً وهو يفيد من جهتين:
الأولى: في بيان الطرق إلى نفس هذه الأصول، والمصنَّفات.
الثانية: إنَّ الشيخ نقل في التهذيب روايات من هذه الأصول والمصنفات، ولم يذكر طريقه إلى تلك الأصول والمصنَّفات، لا في نفس الكتاب ولا في خاتمة الكتاب، ولكن ذكر طريقه إليها في الفهرس، بل ربما يكون مفيداً من وجه ثالث وهو أنَّه ربما يكون طريق الشيخ إلى هذه الأصول والمصنَّفات ضعيفاً في التهذيب، ولكنه صحيح في الفهرس، فيصح توصيف الخبر بالصحة لأجل الطريق الموجود في الفهرس، لكن بشرط أن يعلم أنَّ الحديث مأخوذ من نفس الكتاب. وعلى كل تقدير فالفهرس موضوع لبيان مؤلفي الشيعة على الإطلاق سواء كان إمامياً أو غيره.
قال في مقدمته: «فإذا ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلا بدَّ أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعول على روايته أو لا، وأبين اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لأنَّ كثيراً من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة، فإذا سهل الله إتمام هذا الكتاب فإنَّه يطلع على أكثر ما عمل من التصانيف والأصول ويعرف به قدر صالح من الرجال وطرائقهم»)[563](.
ولكنَّه ـ قدس سره ـ لم يف بوعده في كثير من ذوي المذاهب الفاسدة، فلم يقل في إبراهيم بن أبي بكير بن أبي السمال شيئاً، مع أنَّه كان واقفياً كما صرح به الكشي والنجاشي، ولم يذكر شيئاً في كثير من الضعفاء حتى في مثل الحسن بن علي السجاد الذي كان يفضل أبا الخطاب على النبي (ص) والنجاشي مع أنَّه لم يعد ذلك في أول كتابه، وأكثر ذكراً منه بفساد مذهب الفاسدين وضعف الضعفاء)[564](.
5 ـ رجال البرقي
(كتاب الرجال للبرقي كرجال الشيخ، أتى فيه أسماء أصحاب النبي (ص) والأمة إلى الحجة صاحب الزمان (عليه السلام) ولا يوجد فيه أي تعديل وتجريح، وذكر النجاشي في عداد مصنفات البرقي كتاب الطبقات، ثم ذكر ثلاثة كتب أخرى ثم قال: «كتاب الرجال» (الرقم 182).
والموجود هو الطبقات المعروف برجال البرقي، المطبوع مع رجال أبي داود في طهران، واختلفت كلماتهم في أن رجال البرقي هل هو تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن (المتوفى عام 274 أو عام 280) أو تأليف أبيه، والقرائن تشهد على خلاف كلتا النظريتين وإليك بيانها:
1 ـ إنَّه كثيراً ما يستند في رجاله إلى كتاب سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفى 301 أو 299) وسعد بن عبدالله ممن يروي عن أحمد بن محمد بن خالد فهو شيخه، ولا معنى لاستناد البرقي إلى كتاب تلميذه)[565](.
2 ـ وقد عنون فيه عبدالله بن جعفر الحميري وصرح بسماعه منه وهو مؤلف قرب الإسناد وشيخ القميين، وهو يروي عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، فيكون البرقي شيخه، فكيف يصرح بسماعة منه؟)[566](
3 ـ وقد عنون فيه أحمد بن أبي عبدالله، وهو نفس أحمد بن محمد بن خالد البرقي المعروف، ولم يذكر أنَّه مصنف الكتاب كما هي القاعدة فيمن يذكر نفسه في كتابه، كما فعل الشيخ والنجاشي في فهرسيهما والعلامة وابن داود في كتابيهما)[567](.
4 ـ وقد عنون محمد بن خالد ولم يشر إلى أنَّه أبوه)[568](.
وهذه القرائن تشهد أنَّه ليس تأليف البرقي ولا والده وهو إما من تأليف ابنه ـ أعني عبدالله بن أحمد البرقي ـ الذي يروي عنه الكليني، أو تأليف نجله ـ أعني أحمد بن عبدالله بن أحمد البرقي ـ الذي يروي عنه الصدوق، والثاني أقرب لعنوان سعداً والحميري اللذين يعدان معاصرين للابن وفي طبقة المشيخة للنجل)[569](.
6 ـ رسالة أبي غالب الزراري
وهي رسالة للشيخ أبي غالب، أحمد بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى بكير بن أعين. وهذه الرسالة في نسب آل أعين، وتراجم المحدثين منهم، كتبها أبو غالب إلى ابن ابنه «محمد بن عبدالله بن أبي غالب» وهي إجازة منه سنة 356هـ، ثم جددها في سنة 367 هـ. وتوفي بعد ذلك بسنة (أي سنة 368هـ) وكانت ولادته سنة 285هـ. ذكر في تلك الرسالة بضعة وعشرين من مشايخه، منهم: جده أبو طاهر الذي مات سنة 300)[570]( ومنهم: عبدالله بن جعفر الحميري الذي ورد الكوفة سنة 297)[571](.
وفي أواخر الرسالة ذكر فهرس الكتب الموجودة عنده. التي يرويها هو عن مؤلفيها، وتبلغ مائة واثنين وعشرين كتاباً، وجزء، وأجاز لابن ابنه المذكور روايتها عنه وقال: «ثبت الكتب التي أجزت لك روايتها على الحال التي قدمت ذكرها»)[572](.
قال العلاَّمة الطهراني: «وفي هذا الكتاب تراجم كثيرة من آل أعين الذين كان منهم في عصر واحد أربعون محدثاً قال فيه: ولم يبق في وقتي من آل أعين أحد يروي الحديث، ولا يطلب العلم، وشححت على أهل هذا البيت الذي لم يخل من محدث أن يضمحل ذكرهم، ويدرس رسمهم، ويبطل حديثهم من أولادهم»)[573](.
وبالجملة، هذه الرسالة مع صغر حجمها تعد من الأصول الرجالية وهي بعينها مندرجة في «كشكول» المحدث البحراني.
وطبعت أخيراً مع شرح السيد محمد علي الأبطحي وفيه فوائد مهمة.
7 ـ مشيخة الصدوق
وهي تأليف الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المولود بدعاء الحجة صاحب الزمان ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ عام 306، والمتوفى عام 381، وهو أوسط المحمدين الثلاثة المصنفي للكتب الأربعة، وهو قد سلك في كتابه هذا مسلكاً غير ما سلكه الشيخ الكليني، فإنَّ ثقة الإسلام يذكر جميع السند غالباً إلا قليلاً، اعتماداً على ما ذكره في الأخبار السابقة، وأما الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه، فهو بنى من أول الأمر على اختصار الأسانيد، وحذف أوائل الإسناد، ثم وضع في آخره مشيخة يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال سنده في أخبار هذا الكتاب، وهذه المشيخة إحدى الرسائل الرجالية التي لا تخلو من فوائد، وقد أدرجها الصدوق ـ رحمه الله ـ في آخر كتابه «من لا يحضره الفقيه».
8 ـ مشيخة الشيخ الطوسي في كتابي: التهذيب والاستبصار
وهي كمشيخة الصدوق، فقد صدر الشيخ أحاديث الكتابين بأسماء أصحاب الأصول والمصنفات، وذكر سنده إليهم في مشيخة الكتابين التي جعلها في آخر كل من الكتابين. وسيوافيك البحث حول المشيختين.
توالي التأليف في علم الرجال
وقد توالى التأليف في علم الرجال بعد هذه الأصول الثمانية، ولكن لا يقاس في الوزن والقيمة بها، ولأجل ذلك يجب الوقوف عليها واستخراج ما فيها من النصوص في حق الرواة، وسيوافيك وجه الفرق بين هذه الكتب وما ألف بعدها وقيمة توثيق المتأخرين.
الفرق بين كتب الرجال والفهرست
قد أومأنا إلى أنَّ الصحيح هو تسمية كتاب النجاشي بالفهرست لا بالرجال، ولإكمال البحث نقول:
الفرق بين كتاب الرجال وفهرست الأصول والمصنفات، أنَّ الرجال ما كان مبنياً على بيان طبقات أصحابهم (عليهم السلام) )[574]( كما عليه رجال الشيخ، حيث شرع بتدوين أصحاب النبي (ص) ثم الإمام علي (عليه السلام)، وهكذا.
وأما الفهارس، فيكتفي فيها بمجرد الأصول والمصنفات ومؤلفيها وذكر الطرق إليها، ولأجل ذلك ترى النجاشي يقول في حق بعضهم «ذكره أصحاب الفهرس»، وفي بعضهم: «ذكره أصحاب الرجال»، ويؤيد ذلك ما ذكره نفس النجاشي ومقدمة الجزء الأول من الكتاب)[575]( وفي أول الجزء الثاني منه حيث يصفه بقوله: «الجزء الثاني من كتاب فهرس أسماء مصنفي الشيعة وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم وما قيل في كل رجل منهم من مدح أو ذم»)[576](.
قال المحقق التستري: «إن كتب فن الرجال العام على أنحاء: منها بعنوان الرجال المجرد ومنها بعنوان معرفة الرجال، ومنها بعنوان تاريخ الرجال، ومنها بعنوان الفهرس، ومنها بعنوان الممدوحين والمذمومين، ومنها بعنوان المشيخة، ولكل واحد موضوع خاص»)[577](.
رجال ابن الغضائري
من الكتب الرجالية المؤلفة في العصور المتقدمة التي تعدُّ عند البعض من أمهات الكتب الرجالية، الكتاب الموسوم بـ«رجال الغضائري» تارة و«رجال ابن الغضائري» أخرى، وليس هو إلا كتاب «الضعفاء» الذي أدرجه العلاَّمة في خلاصته، والقهبائي في مجمعه. ولرفع الستر على وجه الحقيقة يجب الوقوف على أمور.
وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر.
أ ـ ترجمة الغضائري:
الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري من رجال الشيعة وهو معني في كتب الرجال بإكبار.
قال النجاشي: «شيخنا رحمه الله له كتب» ثم ذكر أسماء تآليفه البالغة إلى أربعة عشر كتاباً ولم يسم له أي كتاب في الرجال، ثم قال: «أجازنا جميعها وجميع رواياته عن شيوخه ومات ـ رحمه الله ـ في منتصف شهر صفر سنة إحدى عشر وأربعمائة)[578](.
وقال الشيخ في رجاله: «الحسين بن عبيدالله الغضائري يكنى أبا عبدالله، كثير السماع. عارف بالرجال وله تصانيف ذكرناها في الفهرس، سمعنا منه وأجاز لنا بجميع رواياته. مات سنة إحدى عشر وأربعمائة»)[579]( ولكن النسخ الموجودة من الفهرس خالية من ترجمته ولعل ذلك صدر منه ـ رحمه الله ـ سهواً، أو سقط من النسخ المطبوعة، ولا يخفى أنَّ هذه التعابير دالة على وثاقة الرجل. بل يكفي كونه من مشايخ النجاشي والشيخ، وقد ثبت في محله ـ وسيوافيك ـ أن مشايخ النجاشي كلهم ثقات.
ب ـ ترجمة ابن الغضائري:
هو أحمد بن الحسين بن عبيدالله، ذكره الشيخ في مقدمة الفهرس وقال: «إني لما رأيت جماعة بن شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الأصول، ولم أجد أحداً استوفى ذلك… إلا ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله ـ رحمه الله ـ فإنَّه عمل كتابين، أحدهما ذكر فيه المصنفات والآخر ذكر فيه الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنَّ هذين الكتابين لم يسنخهما أحد من أصحابنا واخترم هو وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[580](.
وهذه العبارة تفيد أنَّه قد تلف الكتابان قبل استنساخهما، غير أنَّ النجاشي كما سيوافيك ينقل عنه (بكثير). والمنقول عنه غير هذين الكتابين كما سيوافيك بيانه.
ويظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل أنَّه اشترك مع ابن الغضائري في الأخذ عن والده وغيره حيث قال: «له كتب لا يعرف منها إلا النوادر، قرأته أنا وأحمد بن الحسين ـ رحمه الله ـ على أبيه»)[581]( كما يظهر ذلك أيضاً في ترجمة علي بن الحسن بن فضال حيث قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق و… على أحمد بن عبدالله بن أبي عبدالواحد في مدَّة سمعتها معه»)[582](. ويظهر ذلك في ترجمة عبدالله بن أبي عبدالله محمد بن خالد بن عمر الطيالسي قال: «ولعبدالله كتاب نوادر ـ إلى أن قال: ونسخة أخرى نوادر صغيرة رواه أبو الحسين النصيبي، أخبرناها بقراءة أحمد بن الحسين»)[583](.
نعم يظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران أنَّه من أساتذة النجاشي حيث قال: «كنا نجتمع معه عند أحمد بن الحسين»)[584]( والاجتماع عند العالم لا يكون إلا للاستفادة منه.
والعجب أنَّ النجاشي مع كمال صلته به ومخالطته معه لم يعنونه في فهرسه مستقلاً، ولم يذكر ما قاله الشيخ في حقه من أنَّه كان له كتابان… إلخ، نعم نقل عنه في موارد وأشار في تاريخه ويحتمل أنَّه غير رجاله، كما يحتمل أن يكون نفسه، لشيوع إطلاق لفظ التاريخ على كتاب الرجال كتاريخ البخاري وهو كتاب رجاله المعروف، وتاريخ بغداد وهو نوع رجال، ويكفي في وثاقة الرجال اعتماد مثل النجاشي عليه والتعبير عنه بما يشعر بالتكريم، وقد نقل المحقق الكلباسي كلمات العلماء في حقه فلاحظ)[585](.
ج ـ كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء:
إنَّ أول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلي (المتوفى سنة 673) فأدرجه ـ موزعاً له ـ في كتابه «حل الإشكال في معرفة الرجال» الذي ألفه عام 644، وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي رجال الطوس وفهرسه واختيار الكشي وفهرس النجاشي وكتاب الضعفاء المنسوب إلى ابن الغضائري. قال السيد في أول كتابه بعد ذكر الكتب بهذا الترتيب: «ولي بالجميع روايات متصلة سوى كتاب ابن الغضائري» فيظهر منه أنَّه لم يروه عن أحد وإنَّما وجده منسوباً إليه، ولم يجد السيد كتاباً آخر للممدوحين منسوباً إلى ابن الغضائري وإلا أدرجه أيضاً ولم يقتصر بالضعفاء.
ثم تبع السيد تلميذاه العلاَّمة الحلي (المتوفى عام 726) في الخلاصة وابن داود في رجاله (المؤلف في 707) فأدرجا في كتابيهما عين ما أدرجه أستاذهما السيد ابن طاووس في «حل الإشكال» وصرح ابن داود عند ترجمة أستاذه المذكور بأنَّ أكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشارات هذا الأستاذ وتحقيقاته.
ثم إنَّ المتأخرين عن العلاَّمة وابن داود كلهم ينقلون عنهما، لأن نسخة الضعفاء التي وجدها السيد بن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري إلا ما وضعه السيد بن طاووس في كتابه «حل الإشكال» ولولاه لما بقي منه أثر ولم يكن أدراجه فيه من السيد لأجل اعتباره عنده، بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حق الرجل حقاً أو باطلاً، ليصير ملزماً بالتتبع عن حقيقة الأمر.
وأما كتاب «حل الإشكال» فقد كان موجوداً بخط مؤلفه عند الشهيد الثاني، كما ذكره في إجازته للشيخ حسين بن عبدالصمد، وبعده انتقل إلى ولده صاحب المعالم، فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ «التحرير الطاووسي» ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله بن الحسين التستري (المتوفى سنة 1021) شيخ الرجاليين في عصره، وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب الضعفاء، المنسوب إلى ابن الغضائري، مرتباً على الحروف وذكر في أوله سبب استخراجه فقط. ثم أدخل تلميذه المولى عناية الله القهبائي، تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور، في كتابه مجمع الرجال المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى إنَّ خطبها ذكرت في أول هذا المجمع)[586](.
وإليك نص ما ذكره المولى عبدالله التستري حسب ما نقله عنه تلميذه القهبائي في مقدمة كتابه «مجمع الرجال»: «اعلم ـ أيدك الله وإيانا ـ أني لما وقفت على كتاب السيد المعظم السيد جمال الدين أحمد بن طاووس في الرجال، فرأيته مشتملاً على نقل ما في كتب السلف، وقد كنت رزقت بحمد الله النافع من تلك الكتب، إلا كتاب ابن الغضائري، فإني كنت ما سمعت له وجوداً في زماننا وكان كتاب السيد هذا بخطه الشريف مشتملاً عليه فحداني التبرك به مع ظن الانتفاع بكتاب ابن الغضائري أن أجعله منفرداً عنه راجياً من الله الجواد، الوصول إلى سبيل الرشاد»)[587]( وعلى ذلك فالطريق إلى ما ذكره ابن الغضائري عبارة عما أدرجه العلاَّمة وابن داود في رجاليهما وأخيراً ما أدرجه القهبائي مما جرده أستاذه التستري كتاب «حل الإشكال» وجعله كتاباً مستقلاً، وأما طريق السيد إلى الكتاب فغير معلوم أو غير موجود.
هذا هو حال كتاب ابن الغضائري وكيفية الوقوف عليه ووصوله إلينا.
د ـ الكتاب تأليف نفس الغضائري أو تأليف ابنه:
ها هنا قولان: أما الأول: فقد ذهب الشهيد الثاني إلى أنه تأليف نفس الغضائري «الحسين بن عبيدالله» لا تأليف ابنه، أي «أحمد بن الحسين»، مستدلاً بما جاء في الخلاصة في ترجمة سهل بن زياد الآدمي حيث قال: «وقد كاتب أبا محمد العسكري (عليه السلام) على يد محمد بن عبدالحميد العطار في المنتصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين. ذكر أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين ـ رحمهما الله ـ. وقال ابن الغضائري: أنه كان ضعيفاً)[588]( قال الشهيد الثاني: «إن عطف ابن الغضائري على أحمد بن الحسين يدل على أنه غيره»)[589](.
ولا يخفى عدم دلالته على ما ذكره، لأن ما ذكره العلامة (… ذكر أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين) من تتمة كلام النجاشي الذي نقله العلاَّمة عنه في كتابه، فإن النجاشي يعرف «السهل» بقوله: «كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري، وكان يسكنها وقد كاتب أبا محمد ـ إلى قوله: رحمهما الله»)[590](.
وبالاسترحام (رحمهما الله) تم كلام النجاشي، ثم إنَّ العلاَّمة بعدما نقل عن النجاشي كلام ابن نوح وأحمد بن الحسين في حق الرجل، أراد أن يأتي بنص كلام ابن الغضائري أيضاً في كتاب الضعفاء، ولأجل ذلك عاد وقال: «قال ابن الغضائري: إنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل»)[591](.
وعلى هذا فعطف جملة «وقال ابن الغضائري» على «أحمد بن الحسين» لا يدل على المغايرة بعد الوقوف على ما ذكرناه)[592](.
ويظهر هذا القول من غيره، فقد نقل المحقق الكلباسي، أنَّه يظهر من نظام الدين محمد بن الحسين الساوجي في كتابه المسمى بـ «نظام الأقوال» أنَّه من تأليف الأب حيث قال فيه: «ولقد صنف أسلافنا ومشايخنا ـ قدس الله تعالى أرواحهم ـ فيه كتباً كثيرة ككتاب الكشي، وفهرس الشيخ الطوسي، والرجال له أيضاً، وكتاب الحسين بن عبيدالله الغضائري. إلى أن قال: وأكتفي في هذا الكتاب عن أحمد بن علي النجاشي بقولي «النجاشي» ـ إلى أن قال: وعن الحسين بن عبيدالله الغضائري بـ «ابن الغضائري»)[593](. وعلى ما ذكره كلما أطلق ابن الغضائري فالمراد هو الوالد، وأما الولد فيكون نجل الغضائري لا ابنه.
ويظهر التردد من مؤلف معجم الرجال حيث استدل على عدم ثبوت نسبة الكتاب بقوله: «فإنَّ النجاشي لم يتعرض له مع أنَّه ـ قدس سره ـ بصدد بيان الكتب وإنَّما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيدالله أو ابنه أحمد؟ وقد تعرض ـ قدس سره ـ لترجمة الحسين بن عبيدالله وذكر كتبه ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما أنّه حكى عن أحمد بن الحسين في عدة موارد ولم يذكر أنَّ له كتاب الرجال»)[594](.
ولكن النجاشي نقل عن ابن الغضائري كثيراً وكلما قال: «وقال أحمد بن الحسين» أو «ذكره أحمد بن الحسين» فهو المراد، وصرح في ترجمة البرقي بأنَّ له كتاب التاريخ ومن القريب أنَّ مراده منه هو كتاب رجاله، لشيوع تسمية «الرجال» بالتاريخ كما سيوافيك.
وأما الثاني، فهو أنَّ الكتاب على فرض ثبوت النسبة، من تأليف ابن الغضائري (أحمد) لا نفسه ـ أعني الحسين ـ ويدل عليه وجوه:
الأول: إنَّ الشيخ كما عرفت ذكر لأحمد بن الحسين كتابين: أحدهما: في الأصول والآخر في المصنفات، ولم يذكر للوالد أي كتاب في الرجال، وإن وصفه الشيخ والنجاشي بكونه كثير السماع، عارفاً بالرجال، غير أنَّ المعرفة بالرجال لا تستلزم التأليف فيه، ومن المحتمل أنَّ هذا الكتاب هو أحد هذين أو هو كتاب ثالث وضع لذكر خصوص الضعفاء والمذمومين، كما احتمله صاحب مجمع الرجال، ويحتمل أن يكون له كتاب آخر في الثقات والممدوحين وإن لم يصل إلينا منه خبر ولا أثر، كما ذكره الفاضل الخاجوئي، محتملاً أن يكون كتاب الممدوحين، أحد الكتابين اللذين صرح بهما الشيخ في أول الفهرس على ما نقله صاحب سماء المقال)[595]( ولكن الظاهر خلافه، وسيوافيك حق القول في ذلك فانتظر.
الثاني: إنَّ أول من وقف على هذا الكتاب هو السيد الجليل ابن طاووس الحلي، فقد نسبه إلى الابن في مقدمة كتابه على ما نقله عنه في التحرير الطاووسي، حيث قال: «إني قد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا أسماء الرجال المصنفين وغيرهم من كتب خمسة إلى أن قال: وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة»)[596](.
الثالث: إنَّ المتتبع لكتاب «الخلاصة» للعلاَّمة الحلي، يرى أنَّه يعتقد بأنَّه من تأليف ابن الغضائري، فلاحظ ترجمة عمر بن ثابت، وسليمان النخعي، يقول في الأول: «إنَّه ضعيف، قاله ابن الغضائري» وقال في الثاني: «قال ابن الغضائري: يقال إنه كذاب النخع ضعيف جداً».
وبما أنَّه يحتمل أن يكون ابن الغضائري كنية للوالد، ويكون الجد منسوباً إلى «الغضائر» الذي هو بمعنى الطين اللازب الحر، قال العلامة في إسماعيل بن مهران: «قال الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري ـ رحمه الله ـ: إنَّه يكنى أبا محمد، ليس حديثه بالنقي» وعلى ذلك فكلما أطلق ابن الغضائري يريد به أحمد بن الحسين، لا غيره.
ومما يؤيد أن الكتاب من تأليف ابن الغضائري، أنَّ بعض ما ينقله النجاشي في فهرسه عن أحمد بن الحسين موجود في هذا الكتاب، وأما الاختلاف من حيث العبارة فسيوافيك وجهه.
وهناك قرائن أخر جمعها المتتبع الخبير الكلباسي في كتابه سماء المقال فلاحظ)[597](.
هـ كتاب الضعفاء رابع كتبه:
الظاهر أن ابن الغضائري ألَّف كتباً أربعة وأنَّ كتاب الضعفاء رابع كتبه. الأول والثاني ما أشار إليهما الشيخ في مقدمة الفهرس «فإنَّه (أبا الحسين» عمل كتابين: أحدهما ذكر فيه المصنَّفات والآخر ذكر فيه الأصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنَّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم هو ـ رحمه الله ـ وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[598](.
والثالث هو كتاب الممدوحين ولم يصل إلينا أبداً، لكن ينقل عنه العلاَّمة في الخلاصة، والرابع هو كتاب الضعفاء الذي وصل إلينا على النحو الذي وقفت عليه، والظاهر أنَّ النجاشي لأجل مخالطته ومعاشرته معه قد وقف على مسوداته ومذكراته فنقل ما نقل عنها.
ومن البعيد جداً أن يكون كتاب الضعفاء نفس الكتابين اللذين ذكرهما الشيخ في مقدمة الفهرس، وما عمل من كتابين كان مقصوراً في بيان المصنفات والأصول، كفهرس الشيخ من دون تعرض لوثاقة شخص أو ضعفه، فعلى ذلك يجب أن يكون للرجل وراءهما كتاب رجال لبيان الضعفاء والممدوحين، كما أنَّ من البعيد أن يؤلف كتاباً في الضعفاء فقط، دون أن يؤلف كتاباً في الثقات أو الممدوحين، والدليل على تأليفه كتاباً في الممدوحين وجود التوثيقات منه في حق عدة من الرواة، ونقلها النجاشي عنه. أضف إلى ذلك أنَّ العلاَّمة يصرح بتعدد كتابه ويقول في ترجمة سليمان النخعي: «قال ابن الغضائري سليمان بن هارون النخعي أبو داود يقال له: كذاب النخع، روى عن أبي عبدالله ضعيف جداً» وقال في كتابه الآخر: «سليمان بن عمر أبو داود النخعي… إلخ»)[599]( وقال في ترجمة عمر بن ثابت: «ضعيف جداً قاله ابن الغضائري وقال في كتابه الآخر عمر بن أبي المقدام…» )[600]( وقال في ترجمة محمد بن مصادف: «اختلف قول ابن الغضائري فيه ففي أحد الكتابين إنَّه ضعيف وفي الآخر إنَّه ثقة»)[601](. وهذه النصوص تعطي أنَّ للرجل كتابين، أحدهما للضعفاء والمذمومين، والآخر للممدوحين والموثقين، وقد عرفت أنَّ ما ذكره الشيخ في أول الفهرس لا صلة لهما بهذين الكتابين. فقد مات الرجل وترك ثروة علمية مفيدة.
و ـ كتاب الضعفاء وقيمته العلمية عند العلماء:
لقد اختلفت نظرية العلماء حول الكتاب اختلافاً عميقاً، فمن ذاهب إلى أنَّه مختلق لبعض معاندي الشيعة أراد به الوقيعة فيهم، إلى قائل بثبوت الكتاب ثبوتاً قطعياً وأنَّه حجة ما لم يعارض توثيق الشيخ والنجاشي، إلى ثالث بأنَّ الكتاب له وأنَّه نقاد هذا العلم ولا يقدم توثيق الشيخ والنجاشي عليه، إلى رابع بأنَّ الكتاب له، غير أنَّ جرحه وتضعيفه غير معتبر، لأنَّه لم يكن في الجرح والتضعيف مستنداً إلى الشهادة ولا إلى القرائن المفيدة للاطمئنان بل إلى اجتهاده في متن الحديث، فلو كان الحديث مشتملاً على الغلو والارتفاع في حق الأئمة حسب نظره، وصف الراوي بالوضع وضعفه وإليك هذه الأقوال.
النظرية الأولى:
إنَّ شيخنا المتتبع الطهراني بعدما سرد وضع الكتاب وأوضح كيفية الاطلاع عليه، حكم بعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري، وأن المؤلف له كان من المعاندين لأكابر الشيعة، وكان يريد الوقيعة فيهم بكل حيلة، ولأجل ذلك ألف هذا الكتاب وأدرج فيه بعض مقالات ابن الغضائري تمويهاً ليقبل عنه جميع ما أراد إثباته من الوقائع والقبائح)[602]( ويمكن تأييده في بادىء النظر بوجوه:
1 ـ إنَّه كانت بين النجاشي وابن الغضائري خلطة وصداقة في أيام الدراسة والتحصيل، وكانا يدرسان عند والد ابن الغضائري، كما كانا يدرسان عند غيره، على ما مر في ترجمتهما فلو كان الكتاب من تأليف ابن الغضائري، اقتضى طبع الحال وقوف النجاشي عليه وقوف الصديق على أسرار صديقه، وإكثار النقل منه، مع أنَّه لا ينقل عنه إلا في موارد لا تتجاوز بضعة وعشرين مورداً، وهو يقول في كثير من هذه الموارد «قال أحمد بن الحسين» أو «قاله أحمد بن الحسين» مشعراً بأخذه منه مشافهة لا نقلاً عن كتابه.
نعم، يقول في بعض الموارد: «وذكر أحمد بن الحسين» الظاهر في أنَّه أخذه من كتابه.
2 ـ إنَّ الظاهر من الشيخ الطوسي أنَّ ما ألَّفه ابن الغضائري أهلك قبل أن يستنسخ حيث يقول: «واخترم هو (ابن الغضائري) وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[603](.
3 ـ إنَّ لفظ «اخترم» الذي أطلقه الشيخ عليه، يكشف عن أنَّ الرجل مات بالموت الاخترامي، وهو موت من لم يتجاوز الأربعين بما أنَّ النجاشي الذي هو زميله تولد عام 372، يمكن أن يقال إنَّه أيضاً من مواليد ذلك العام أو ما قبله بقليل، وبما أنَّ موته كان موتاً اخترامياً، يمكن التنبؤ بأنَّه مات بعد أبيه بقليل، فيكون وفاته حوالي 412، وعلى ذلك فمن البعيد أن يصل الكتاب إلى يد النجاشي ولا يصل إلى يد الشيخ، مع أنَّ بيئة بغداد كانت تجمع بين العلمين (النجاشي والشيخ) كل يوم وليلة، وقد توفي الشيخ سنة 460، وتوفي النجاشي على المشهور عام 450، فهل يمكن بعد هذا وقوف النجاشي على الكتاب وعدم وقوف الشيخ عليه؟
وأقصى ما يمكن أن يقال: «إنَّ ابن الغضائري ترك أوراقاً مسودة في علم الرجال، ووقف عليها النجاشي، ونقل عنه ما نقل، ثم زاد عليه بعض المعاندين ما تقشعر منه الجلود وترتعد منه الفرائص من جرح المشايخ ورميهم بالدس والوضع، وهو كما قال السيد الداماد في رواشحه «قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه».
تحليل هذه النظرية:
هذه النظرية في غاية التفريط، في مقابل النظرية الثالثة التي هي في غاية الإفراط ولا يخفى وهن هذه الأمور:
أما الأول: فيكفي في صحة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري تطابق ما نقله النجاشي في موارد كثيرة مع الموجود منه، وعدم استيعابه بنقل كل ما فيه، لأجل عدم ثبوته عنده، ولذلك ضرب عنه صفحاً إلا في موارد خاصة لاختلاف مشربهما في نقد الرجال وتمييز الثقات عن غيرها.
وأما الثاني: فلما عرفت من أنَّ كتاب الضعفاء، غير ما ألَّفه حول الأصول والمصنفات، وهو غير كتاب الممدوحين، الذي ربما ينقل عنه العلاَّمة كما عرفت، وتعمد الورثة على إهلاك الأولين لا يكون دليلاً على إهلاك الآخرين)[604](.
وأما الثالث: فيكفي في الاعتذار عن عدم اطلاع الشيخ علي بقية كتب ابن الغضائري، أنَّ الشيخ كان رجلاً عالمياً مشاركاً في أكثر العلوم الإسلامية ومتخصصاً في بعض النواحي منها، زعيماً للشيعة في العراق. والغفلة عن مثل هذا الشخص المتبحر في العلوم، والمتحمل للمسؤوليات الدينية والاجتماعية، أمر غير بعيد.
وهذا غير النجاشي الذي كان زميلاً ومشاركاً له في دروس أبيه وغيره، متخصصاً في علم الرجال والأنساب، والغفلة عن مثله أمر على خلاف العادة.
وما ذكره صاحب معجم رجال الحديث من قصور المقتضى وعدم ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه)[605]( غير تام، لأنَّ هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة، ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والإجازة.
وعلى الجملة لا يصح رد الكتاب بهذه الوجوه الموهونة.
النظرية الثانية:
الظاهر من العلامة في الخلاصة ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري ثبوتاً قطعياً، ولأجل ذلك توقّف في كثير من الرواة لأجل تضعيف ابن الغضائري، وإنَّما خالف في موارد، لتوثيق النجاشي والشيخ وترجيح توثيقهما على جرحه.
النظرية الثالثة:
إنَّ هذا الكتاب وإن اشتهر من عصر المجلسي بأنه لا عبرة به، لأنَّه يتسرع إلى جرح الأجلة، إلا أنَّه كلام قشري وأنَّه لم ير مثله في دقة النظر، ويكفيه اعتماد مثل النجاشي الذي هو أضبط أهل الرجال عليه، وقد عرفت من شيخ أنَّه أول من ألف فهرساً كاملاً في مصنفات الشيعة وأصولهم، والرجال نقاد هذا العلم، ولم يكن متسرعاً في الجرح بل كان متأملاً متثبتاً في التضعيف، قد قوي من ضعفه القميون جميعاً كأحمد بن الحسين بن سعيد، والحسين بن اذويه وزيد الزراد وزيد النرسي ومحمد بن أورمة بأنَّه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.
نعم إنَّ المتأخرين شهروا ابن الغضائري بأنَّه يتسرع إلى الجرح فلا عبرة بطعونه، مع أنَّ الذي وجدناه بالسبر في الذين وقفنا على كتبهم ممن طعن فيهم، ككتاب الاستغاثة لعلي بن أحمد الكوفي، وكتاب تفسير محمد بن القاسم الأسترآبادي، وكتاب الحسين بن عباس بن الجريش أنَّ الأمر كما ذكر)[606](.
ولا يخفى أن تلك النظرية في جانب الإفراط، ولو كان الكتاب بتلك المنزلة لماذا لم يستند إليه النجاشي في عامة الموارد، بل لم يستند إليه إلا في بضعة وعشرين مورداً؟ مع أنَّه ضعف كثيراً من المشايخ التي وثاقتهم عندنا كالشمس في رائعة النهار.
إنَّ عدم العبرة بطعونه ليس لأجل تسرعه إلى الجرح وأنَّه كان جراحاً للرواة خارجاً عن الحد المتعارف، بل لأجل أنَّه لم يستند في جرحه بل وتعديله إلى الطرق الحسية، بل استند إلى استنباطات واجتهادات شخصية كما سيوافيك بيانه في النظرية الرابعة.
النظرية الرابعة:
إنَّ كتاب الضعفاء هو لابن الغضائري، غير أنَّ تضعيفه وجرحه للرواة والمشايخ لم يكن مستنداً إلى الشهادة والسماع، بل كان اجتهاداً منه عند النظر إلى روايات الأفراد، فإن رآها مشتملة على الغلو والارتفاع حسب نظره، وصفه بالضعف ووضع الحديث، وقد عرفت أنَّه صحح روايات عدَّة من القميين بأنَّه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة (أي بملاحظة مطابقتها لمعتقده).
ويرشد إلى ذلك ما ذكره المحقق الوحيد البهبهاني في بعض المقامات حيث قال: «اعلم أنَّ الظاهر أنَّ كثيراً من القدماء سيما القميين منهم والغضائري كانوا يعتقدون للأئمة (عليهم السلام) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعاً وغلواً حسب معتقدهم، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلواً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم أو التفويض الذي اختلف فيه ـ كما سنذكر ـ أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجهة أنَّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين.
وبالجملة، الظاهر أنَّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضاً فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً أو غلواً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده أو لا هذا ولا ذاك. وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ أو ادعاء أرباب المذاهب كونه منهم أو روايتهم عنه وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الأمور المذكورة إلى أن قال:
ثم اعلم (أحمد بن محمد بن عيسى) والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلو وكأنه لروايته ما يدل عليه»)[607](.
إجابة المحقق التستري عن هذه النظرية:
إنَّ المحقق التستري أجاب عن هذه النظرية بقوله: «كثيراً ما يرد المتأخرون طعن القدماء في رجل بالغلو، بأنهم رموه به لنقله معجزاتهم وهو غير صحيح، فإنَّ كونهم (عليهم السلام) ذوي معجزات من ضروريات مذهب الإمامية، وهل معجزاتهم وصلت إلينا إلا بنقلهم؟ وإنما مرادهم بالغلو ترك العبادة اعتماداً على ولايتهم (عليهم السلام). فروى أحمد بن الحسين الغضائري، عن الحسن بن محمد بن بندار القمي، قال: سمعت مشايخي يقولون: «إنَّ محمد بن أورمة لما طعن عليه بالغلو بعث إليه الأشاعرة ليقتلوه، فوجدوه يصلي الليل من أوله إلى آخره، ليالي عدَّة فتوقفوا عن اعتقادهم.
وعن فلاح السائل)[608]( لعلي بن طاووس عن الحسين بن أحمد المالكي قال: قلت لأحمد بن مليك الكرخي)[609]( عما يقال في محمد بن سنان من أمر الغلو، فقال: معاذ الله، وهو والله علمني الطهور.
وعنون الكشي)[610]( جمعاً، منهم علي بن عبدالله بن مروان وقال إنَّه سأل العياشي عنهم فقال: وأما علي بن عبدالله بن مروان فإنَّ القوم (يعني الغلاة) تمتحن في أوقات الصلوات ولم أحضره وقت صلاة. وعنون الكشي)[611]( أيضاً الغلاة في وقت الإمام الهادي (عليه السلام) وروى عن أحمد بن محمد بن عيسى أنَّه كتب إليه (عليه السلام) في قوم يتكلمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها إليك وإلى آبائك ـ إلى أن قال: ومن أقاويلهم أنَّهم يقولون: إنَّ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأولوها وصيروها على هذا الحد الذي ذكرت»)[612](.
أقول: ما ذكره من أنَّ الغلاة كانوا يمتحنون في أوقات الصلاة صحيح في الجملة، ويدل عليه مضافاً إلى ما ذكره، بعض الروايات. قال الصادق (عليه السلام): احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فإنَّ الغلاة شر خلق الله ـ إلى أن قال: إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصر فنقبله، فقيل له: كيف ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجلّ أبداً وإنَّ المقصر إذا عرف عمل وأطاع)[613](.
وكتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام): أنَّ علي بن حسكة يدعي أنَّه من أوليائك وأنك أنت الأول القديم وأنَّه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك ويزعم أنَّ الصلاة والزكاة والحج والصوم كل ذلك معرفتك ـ إلى آخره)[614](.
ونقل الكشي عن يحيى بن عبدالحميد الحماني، في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الغلاة: أنَّ معرفة الإمام تكفي من الصوم والصلاة)[615](.
ومع هذا الاعتراف إنَّ هذه الروايات لا تثبت ما رامه وهو أنَّ الغلو كان له معنى واحد في جميع الأزمنة، ولازمه ترك الفرائض، وأنَّ ذلك المعنى كان مقبولاً عند الكل من عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إلى عصر الغضائري إذ فيه:
أما أولاً: فإنَّه يظهر عما نقله الكشي عن عثمان بن عيسى الكلابي أن محمد بن بشير أحد رؤساء الغلاة في عصره، وأتباعه كانوا يأخذون بعض الفرائض، وينكرون البعض الآخر، حيث زعموا أنَّ الفرائض عليهم من الله تعالى إقامة الصلاة والخمس وصوم شهر رمضان، وفي الوقت نفسه، أنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض)[616](. وعلى ذلك فما ذكره من امتحان الغلاة في أوقات الصلاة راجع إلى صنف خاص من الغلاة دون كلهم.
وثانياً: إنَّ الظاهر من كلمات القدماء أنَّهم لم يتفقوا في معنى الغلو بشكل خاص على ما حكى شيخنا المفيد عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنَّه قال: أول درجة في الغلو، نفي السهو عن النبي (ص) والإمام، ثم قال الشيخ: فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع أنَّه من علماء القميين ومشيختهم، وقد وجدنا جماعة وردت إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، ينزلون الأئمة (عليهم السلام) عن مراتبهم، ويزعمون أنَّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية، حتى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنَّهم كانوا يلجأون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ويدعون مع ذلك أنَّهم من العلماء)[617](.
فإذا كانت المشايخ من القميين وغيرهم يعتقدون في حق الأئمة ما نقله الشيخ المفيد، فإذا وجدوا رواية على خلاف معتقدهم وصفوها بحسب الطبع بالضعف وراويها بالجعل والدس.
قال المجلسي ـ رحمه الله ـ بعد ما فسر الغلو في النبي والأئمة (عليهم السلام): «ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة (عليهم السلام)، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات بعض غرائب المعجزات»)[618](.
وعلى ذلك، فليس من البعيد أنَّ الغضائري ونظراءه الذين ينسبون كثيراً من الرواة إلى الضعف والجعل، كانوا يعتقدون في حق النبي والأئمة (عليهم السلام) عقيدة هذه المشايخ، فإذا وجدوا أنَّ الرواية لا توافق معتقدهم اتهموه بالكذب ووضع الحديث.
والآفة كل الآفة هو أن يكون ملاك تصحيح الرواية عقيدة الشخص وسليقته الخاصة فإنَّ ذلك يوجب طرح كثير من الروايات الصحيحة واتهام كثير من المشايخ.
والظاهر أنَّ الغضائري كان له مذاق خاص في تصحيح الروايات وتوثيق الرواة، فقد جعل إتقان الروايات في المضمون، حسب مذاقه، دليلاً على وثاقة الراوي، ولأجل ذلك صحح روايات عدة من القميين، ممن ضعفهم غيره، لأجل أنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.
كما أنَّه جعل ضعف الرواية في المضمون، ومخالفته مع معتقده في ما يرجع إلى الأئمة، دليلاً على ضعف الرواية، وكون الراوي جاعلاً للحديث، أو راوياً ممن يضع الحديث، والتوثيق والجرح المبنيان على إتقان المتن، وموافقته مع العقيدة، من أخطر الطرق إلى تشخيص صفات الراوي من الوثاقة والضعف.
ويشهد على ما ذكرنا أنَّ الشيخ والنجاشي ضعفا محمد بن أورمة، لأنَّه مطعون عليه بالغلو وما تفرد به لم يجز العلم به)[619]( ولكن ابن الغضائري أبرأه عنه، فنظر في كتبه ورواياته كلها متأملاً فيها، فوجدها نقية لا فساد فيها، إلا في أوراق ألصقت على الكتاب، فحمله على أنَّها موضوعة عليه.
وهذا يشهد أنَّ مصدر قضائه هو التتبع في كتب الراوي، وتشخيص أفكاره وعقائده وأعماله من نفس الكتاب.
ثم إنَّ للمحقق الشيخ أبي الهدى الكلباسي كلاماً حول هذا الكتاب يقرب مما ذكره المحقق البهبهاني، ونحن نأتي بملخصه وهو لا يخلو من فائدة.
قال في سماء المقال: «إنَّ دعوى التسارع غير بعيدة نظراً إلى أمور)[620](:
الأول: إنَّ الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره، أنَّه كان يرى نقل بعض غرائب الأمور من الأئمة (عليهم السلام) من الغلو على حسب مذاق القميين، فكان إذا رأى من أحدهم ذكر شيء غير موافق لاعتقاده، يجزم بأنَّه من الغلو، فيعتقد بكذبه وافترائه، فيحكم بضعفه وغلوه، ولذا يكثر حكمه بهما (بالضعف والكذب) في غير محلهما.
ويظهر ذلك مما ذكره من أنَّه كان غالياً كذاباً كما في سليمان الديلمي، وفي آخر من أنَّه ضعيف جداً لا يلتفت إليه، أو في مذهبه غلو كما في عبدالرحمن بن أبي حمّاد، فإنَّ الظاهر أن منشأ تضعيفه ما ذكره من غلوه، ومثله ما في خلف بن محمد من أنَّه كان غالياً، في مذهبه ضعف لا يلتفت إليه، وما في سهل بن زياد من أنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أخرجه من قم. والظاهر أنَّ منشأ جميعه ما حكاه النجاشي عن أحمد المذكور من أنَّه كان يشهد عليه بالغلو والكذب، فأخرجه منه)[621]( وما في حسن بن ميّاح من أنَّه ضعيف غال، وفي صالح بن سهل: غال كذاب وضاع للحديث، لا خير فيه ولا في سائر ما رواه»، وفي صالح بن عقبة «قال كذاب لا يلتفت إليه»، وفي عبدالله بن بكر «مرتفع القول ضعيف»، وفي عبدالله بن حكم «ضعيف مرتفع القول»، ونحوه في عبدالله بن سالم وعبدالله بن بحر وعبدالله بن عبدالرحمن.
الثاني: إنَّ الظاهر أنَّه كان غيوراً في دينه، حامياً عنه، فكان إذا رأى مكروهاً اشتدت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، مكثراً على مقترفه من الطعن والتشنيع واللعن والتفظيع، يشهد عليه سياق عبارته، فأنت ترى أنَّ غيره في مقام التضعيف يقتصر بما فيه بيان الضعف، بخلافه فإنَّه يرخي عنان القلم في الميدان باتهامه بالخبث والتهالك واللعان، فيضعف مؤكداً وإليك نماذج:
قال في المسمعي: «إنَّه ضعيف مرتفع القول، له كتاب في الزيارات يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة».
وقال حول كتاب علي بن العباس: «تصنيف يدل على خبثه وتهالك مذهبه لا يلتفت إليه ولا يعبأ بما رواه».
وقال في جعفر بن مالك: «كذاب متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه».
والحاصل أنَّه كان يكبر كثيراً من الأمور الصغيرة وكانت له روحية خاصة تحمله على ذلك.
ويشهد على ذلك أنَّ الشيخ والنجاشي ربما ضعفا رجلاً، والغضائري أيضاً ضعفه، لكن بين التعبيرين اختلافاً واضحاً.
مثلاً ذكر الشيخ في عبدالله بن محمد أنَّه كان واعظاً فقيهاً، وضعفه النجاشي بقوله: «إنَّه ضعيف» وضعفه الغضائري بقوله: «إنَّه كذاب، وضاع للحديث لا يلتفت إلى حديثه ولا يعبأ به».
ومثله علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه أهل الرجال، فعرفه الشيخ بأنَّه واقفي، والعلاَّمة بأنَّه أحد عمد الواقفة. وقال الغضائري: «علي بن أبي حمزة لعنه الله، أصل الوقف وأشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم».
ومثله إسحاق بن أحمد المكني بـ «أبي يعقوب أخي الأشتر» قال النجاشي: «معدن التخليط وله كتب في التخليط» وقال الغضائري: «فاسد المذهب، كذاب في الرواية، وضاع للحديث، لا يلتفت إلى ما رواه»)[622](.
وبذلك يعلم ضعف ما استدل به على عدم صحة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري من أنَّ النجاشي ذكر في ترجمة الخيبري عن ابن الغضائري، أنَّه ضعيف في مذهبه، ولكن في الكتاب المنسوب إليه: «إنَّه ضعيف الحديث، غالي المذهب» فلو صح هذا الكتاب، لذكر النجاشي ما هو الموجود أيضاً»)[623](.
وذلك لما عرفت من أنَّ الرجل كان ذا روحية خاصة، وكان إذا رأى مكروهاً، اشتدت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، فيأتي بألفاظ لا يصح التعبير بها إلا عند صاحب هذه الروحية، ولما كان النجاشي على جهة الاعتدال نقل مرامه من دون غلو وإغراق.
وبالجملة الآفة كل الآفة في رجاله هو تضعيف الأجلة والموثقين مثل «أحمد بن مهران» قال: «أحمد بن مهران روى عنه الكليني ضعيف» ولكن ثقة الإسلام يروي عنه بلا واسطة، ويترحم عليه كما في باب مولد الزهراء سلام الله عليها)[624]( قال: «أحمد بن مهران ـ رحمه الله ـ رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار الشيباني» إلى غير ذلك من الموارد.
ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على تضعيفاته، فضلاً عن معارضته بتوثيق النجاشي خبير الفن والشيخ عماد العلم. نعم ربما يقال توثيقاته في أعلى مراتب الاعتبار ولكنه قليل وقد عرفت من المحقق الداماد من أنَّه قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه)[625](. وقد عرفت آنفاً وسيأتي أنَّ الاعتماد على توثيقه كالاعتماد على جرحه.
النظرية الخامسة:
وفي الختام تشير إلى نظرية خامسة وإن لم نوعز إليها في صدر الكلام وهي أنَّه ربما قال بعدم اعتبار تضعيفات ابن الغضائري لأنَّه كان جرّاحاً كثير الرد على الرواة، وقليل التعديل والتصديق بهم ومثل هذا يعد خرقاً للعادة وتجاوزاً عنها، وإنَّما يعتبر قول الشاهد إذا كان إنساناً متعارفاً غير خارق للعادة. ولأجل ذلك لو ادعى رجلان رؤية الهلال مع الغيم الكثيف في السماء وكثرة الناظرين، لا يقبل قولهما، لأنَّ مثل تلك الشهادة تعدّ على خلاف العادة، وعلى ذلك فلا يقبل تضعيفه، ولكن يقبل تعديله.
وفيه: أنَّ ذلك إنَّما يتم لو وصل إلينا كتاب الممدوحين منه، فعندئذٍ لو كان المضعفون أكثر من الممدوحين والموثقين لكان لهذا الرأي مجال. ولكن يا للأسف! لم يصل إلينا ذلك الكتاب، حتى تقف على مقدار تعديله وتصديقه، فمن الممكن أن يكون الممدوحون عنده أكثر من الضعفاء، ومعه كيف يرمي بالخروج عن المتعارف؟
ولأجل ذلك نجد أنَّ النسبة بين ما ضعفه الشيخ والنجاشي أو وثقاه، وما ضعفه ابن الغضائري أو وثقه، عموم من وجه. فرب ضعيف عندهما ثقة عنده وبالعكس، وعلى ذلك فلا يصح رد تضعيفاته بحجة أنَّه كان خارجاً عن الحد المتعارف في مجال الجرح.
بل الحق في عدم قبوله هو ما أوعزنا إليه من أنَّ توثيقاته وتضعيفاته لم تكن مستندة إلى الحس والشهود والسماع عن المشايخ والثقات، بل كانت مستندة إلى الحدس والاستنباط وقراءة المتون والروايات، ثم القضاء في حق الراوي بما نقل من الرواية، ومثل هذه الشهادة لا تكون حجة لا في التضعيف ولا في التوثيق. نعم، كلامه حجة في غير هذا المجال، كما إذا وصف الراوي بأنه كوفي أو بصري أو واقفي أو فطحي أو له كتب، والله العالم بالحقائق.
المصادر الثانوية لعلم الرجال
الأصول الرجالية الأربعة
قد وقفت بفضل الأبحاث السابقة، على الأصول الأولية لعلم الرجال، التي تعد أمهات الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة، ومؤلفو هذه الأصول يعدون في الرعيل الأول من علماء الرجال، لا يدرك لهم شأو، ولا يشق لهم غبار، لأنهم ـ قدس الله أسرارهم ـ قد عاصروا أساتذة الحديث وأساطينه، وكانوا قريبي العهد من رواة الأخبار ونقلة الآثار، ولأجل ذلك تمكنوا تمكناً تاماً مورثاً للاطمئنان، من الوقوف على أحوالهم وخصوصيات حياتهم، إما عن طريق الحس والسماع ـ كما هو التحقيق ـ أو من طريق جمع القرائن والشواهد المورثة للاطمئنان الذي هو علم عرفي، كما سيوافيك تحقيقه في الأبحاث الآتية.
وقد تلت الطبقة الأولى، طبقة أخرى تعد من أشهر علماء الرجال بعدهم، كما تعد كتبهم مصادر له بعد الأصول الأولية، نأتي بأسمائهم وأسماء كتبهم، وكلهم كانوا عائشين في القرن السادس.
إنَّ أقدم فهرس عام لكتب الشيعة، هو فهرس الشيخ أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري، الذي قد تعرفت عليه وما حوله من الأقوال والآراء.
نعم، إنَّ فهرس أبي الفرج محمد بن إسحاق المعروف بابن النديم (المتوفى عام 385) وإن كان أقدم من فهرس ابن الغضائري، لكنه غير مختص بكتب الشيعة، وإنما يضم بين دفتيه الكتب الإسلامية وغيرها، وقد أشار إلى تصانيف قليلة من كتب الشيعة.
وقد قام الشيخ الطوسي بعد ابن الغضائري، فألف فهرسه المعروف حول كتب الشيعة ومؤلفاتهم، وهو من أحسن الفهارس المؤلفة، وقد نقل عنه النجاشي في فهرسه واعتمد عليه، وإن كان النجاشي أقدم منه عصراً وأرسخ منه قدماً في هذا المجال.
وقد قام بعدهم في القرن السادس، العلامتان الجليلان، الشيخ الحافظ أبو الحسن منتجب الدين الرازي، والشيخ الحافظ محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني، فأكملا عمل الشيخ الطوسي وجهوده إلى عصرهما، وإليك الكلام فيهما إجمالاً:
1 ـ فهرس الشيخ منتجب الدين
وهو تأليف الحافظ علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين (أخي الشيخ الصدوق ـ قده ـ) بن علي (والد الصدوق). عرفه صاحب الرياض بقوله: «كان بحراً لا ينزف، شيخ الأصحاب، صاحب كتاب الفهرس. يروي عن الشيخ الطبرسي (المتوفى عام 548) وأبي الفتوح الرازي وعن جمع كثير من علماء العامة والخاصة. ويروي عن الشيخ الطوسي بواسطة عمه الشيخ بابويه بن سعد، عن الشيخ الطوسي (المتوفى عام 460).
وهذا الإمام الرافعي و(هو الشيخ أبو القاسم عبدالكريم بن محمد الرافعي الشافعي، المتوفى عام 623) يعرفه في تاريخه (التدوين): الشيخ علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه شيخ ريان من علم الحديث سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، قل من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع، قرأت عليه بالري سنة 584، وتولد سنة 504، ومات بعد سنة 585، ثم قال: ولئن أطلت عند ذكره بعض الإطالة فقد كثر انتفاعي بمكتوباته وتعاليقه فقضيت بعض حقه بإشاعة ذكره وأحواله»)[626](.
وقال الشيخ الحر العاملي في ترجمته: «الشيخ الجليل علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، كان فاضلاً عالماً ثقة صدوقاً محدثاً حافظاً راوية علامة، له كتاب الفهرس في ذكر المشايخ المعاصرين للشيخ الطوسي والمتأخرين إلى زمانه»)[627](.
وقد ألَّفه للسيد الجليل أبي القاسم يحيى بن الصدر)[628]( السعيد المرتضى باستدعاء منه حيث قال السيد له: «إنَّ شيخنا الموفق السعيد أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ رفع الله منزلته ـ قد صنف كتاباً في أسامي مشايخ الشيعة ومصنفيهم، ولم يصنف بعده شيء من ذلك» فأجابه الشيخ منتجب الدين بقوله: «لو أخر الله أجلي وحقق أملي، لأضفت إليه ما عندي من أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم، الذين تأخر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ وليكون أسهل مأخذاً ومن الله التوفيق»)[629](.
وكلامه هذا ينبىء عن أنَّه لم يصل إليه تأليف معاصره الشيخ محمد بن علي بن شهرآشوب، الذي كتب كتابه الموسوم بـ«معالم العلماء» تكملة لفهرس الشيخ، ولأجل ذلك قام بهذا العمل من غير ذكر لذلك الكتاب.
وقد ألَّف الشيخ الطوسي الفهرس بأمر أستاذه المفيد الذي توفي سنة 413، وفي حياته، كما صرح به في أوله.
وقد أورد الشيخ منتجب الدين في فهرسه هذا، من كان في عصر المفيد إلى عصره المتجاوز عن مائة وخمسين سنة. وفي الختام، نقول: «إنَّ الحافظ بن حجر العسقلاني (المتوفى عام 852) قد أكثر النقل عن هذا الفهرس في كتابه المعروف بـ«لسان الميزان»، معبراً عنه بـ «رجال الشيعة» أو «رجال الإمامية» ولا يريد منهما إلا هذا الفهرس، ويعلم ذلك بملاحظة ما نقله في لسان الميزان، مع ما جاء في هذا الفهرس، كما أنَّ لصاحب هذا الفهرس تأليفاً آخر أسماه تاريخ الري، وينقل منه أيضاً ابن حجر في كتابه المزبور، والأسف كل الأسف أن هذا الكتاب وغيره مثل «تاريخ ابن أبي طي»)[630]( و«رجال علي بن الحكم»، و«رجال الصدوق» التي وقف على الجميع، ابن حجر في عصره ونقل عنها في كتابه «لسان الميزان» لم تصل إلينا، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
ثم إنَّ الغاية من اقتراح السيد عز الدين يحيى، نقيب السادات، هو كتابه ذيل لفهرس الشيخ على غراره، بأن يشتمل على أسامي المؤلفين، ومؤلفاتهم واحداً بعد واحد، وقد قبل الشيخ منتجب الدين اقتراح السيد، وقام بهذا العمل لكنه ـ قدس سره ـ عدل عند الاشتغال بتأليف الفهرس عن هذا النمط، فجاء بترجمة كثير من شخصيات الشيعة، يناهز عددهم إلى 540 شخصية علمية وحديثية من دون أن يذكر لهم أصلاً وتصنيفاً، ومن ذكر لهم كتاباً لا يتجاوز عن حدود مائة شخص.
نعم ما يوافيك من الفهرس الآخر لمعاصره ـ أعني معالم العلماء ـ فهو على غرار فهرس الشيخ حذو القذة بالقذة.
2 ـ معالم العلماء
في فهرس كتب الشيعة وأسماء المصنفين:
وهو تأليف الحافظ الشهير محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني، المولود عام 488، والمتوفى سنة 588، وهو أشهر من أن يعرف، فقد أطراه أرباب المعاجم من العامة والخاصة.
قال صلاح الدين الصفدي: «محمد بن علي بن شهرآشوب أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين الشيعي، أحد شيوخ الشيعة. حفظ القرآن وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أصول الشيعة، كان يرحل إليه من البلاد، ثم تقدم في علم القرآن والغريب والنحو، ذكره ابن أبي طي في تاريخه، وأثنى عليه ثناء بليغاً، وكذلك الفيروزآبادي في كتاب البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، وزاد أنَّه كان واسع العلم، كثير العبادة دائم الوضوء، وعاش مائة سنة إلا ثمانية أشهر، ومات سنة 588»)[631](.
وذكره الشيخ الحر العاملي في «أمل الآمل» في باب المحمدين، وذكر كتبه الكثيرة، التي أعرفها «مناقب آل أبي طالب» وقد طبع في أربع مجلدات، و«متشابه القرآن» وهو من محاسن الكتب وقد طبع في مجلد واحد، و«معالم العلماء» الذي نحن بصدد تعريفه، وهذا الكتاب يتضمن 1021 ترجمة وفي آخرها «فصل فيما جهل مصنفه» و«باب في بعض شعراء أهل البيت» وهذا الفهرس، كفهرس الشيخ منتجب الدين تكملة لفهرس الشيخ الطوسي، والمؤلفان متعاصران، والكتابان متقاربا التأليف، وقد أصبح معالم العلماء من المدارك المهمة لعلماء الرجال، كالعلاَّمة الحلي في «الخلاصة»، ومن بعده.
3 ـ رجال ابن داود
وهو تأليف تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المولود سنة 647، أي قبل تولد العلاَّمة بسنة، والمتوفى بعد سنة 707، تتلمذ على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس (المتوفى سنة 673) قرأ عليه أكثر كتاب «البشرى» و«الملاذ» حتى قال: «وأكثر فوائد هذا الكتاب من إشاراته وتحقيقاته، رباني وعلمني وأحسن إليّ»)[632](.
كما قرأ على الإمام نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق، وقال في حقه: «قرأت عليه ورباني صغيراً، وكان له عليّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنفه وقرأه ورواه»)[633](.
ومن مزايا ذلك الكتاب، أنَّه سلك فيه مسلكاً لم يسبقه أحد من الأصحاب، لأنَّه رتبه على الحروف، الأول فالأول، من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد، وجمع ما وصل إليه من كتب الرجال مع حسن الترتيب وزيادة التهذيب، فنقل ما في فهرس الشيخ والنجاشي، ورجال الكشي، والشيخ وابن الغضائري والبرقي والعقيقي وابن عقدة والفضل بن شاذان وابن عبدون، وجعل لكل كتاب علامة، ولم يذكر المتأخرين عن الشيخ إلا أسماء يسيرة، وجعل كتابه في جزئين، الأول يختص بذكر الموثقين والمهملين، والثاني بالمجروحين والمجهولين.
وذكر في آخر القسم الأول، تحت عنوان خاص، جماعة وصفهم النجاشي بقوله: «ثقة ثقة» مرتين، عدتهم أربعة وثلاثون رجلاً مرتبين على حروف الهجاء، ثم أضاف بأن الغضائري جاء في كتابه خمسة رجال زيادة على ما ذكره النجاشي، ووصف كلاً منهم بأنَّه «ثقة ثقة» مرتين، ثم ذكر خمسة فصول لا غنى للباحث عنها، كل فصل معنون بعنوان خاص.
ثم ذكر في آخر القسم الثاني، سبعة عشر فصلاً لا يستغني عنها الباحثون، كل فصل معنون بعنوان خاص ثم أورد تنبيهات تسعة مفيدة.
وبما أنَّه وقع في هذا الكتاب اشتباهات عند النقل عن كتب الرجال، مثلاً نقل عن النجاشي مطلباً وهو للكشي أو بالعكس، قام المحقق الكبير السيد محمد صادق آل بحر العلوم في تعليقاته على الكتاب، بإصلاح تلك الهفوات، ولعل أكثر تلك الهفوات نشأت من استنساخ النساخ، وعلى كل تقدير، فلهذا الكتب مزية خاصة لا توجد في قرينه الآتي أعني خلاصة العلاَّمة.
قال الأفندي في «رياض العلماء»: و«ليعلم أنَّ نقل ابن داود في رجاله عن كتب رجال الأصحاب، ما ليس فيها، مما ليس فيه طعن عليه، إذ أكثر هذا نشأ من اختلاف النسخ، والازدياد والنقصان الحاصلين من جانب المؤلفين أنفسهم بعد اشتهار بعض نسخها وبقي في أيدي الناس على حاله الأولى من غير تغيير، كما يشاهد في مصنفات معاصرينا أيضاً ولا سيما في كتب الرجال التي يزيد فيها مؤلفوها، الأسامي والأحوال يوماً فيوماً، وقد رأيت نظير ذلك في كتاب فهرس الشيخ منتجب الدين، وفهرس الشيخ الطوسي، وكتاب رجال النجاشي وغيرها، حتى إني رأيت في بلدة الساري نسخة من خلاصة العلاَّمة قد كتبها تلميذه في عصره وكان عليها خطه وفيه اختلاف شديد مع النسخ المشهورة بل لم يكن فيها كثير من الأسامي والأحوال المذكورة في النسخ المتداولة منه»)[634](.
أقول: ويشهد ذلك أنَّ المؤلفات المطبوعة في عصرنا هذا تزيد وتنقص حسب طبعاتها المختلفة، فيقوم المؤلف في الطبعة اللاحقة بتنقيح ما كتب بإسقاط بعض ما كتبه وإضافة ما لم يقف عليه في الطبعة الأولى، ولأجل ذلك تختلف الكتب للمعاصرين حسب اختلاف الطبعات.
وفي الختام نذكر نص إجازة السيد أحمد بن طاووس، لتلميذه ابن داود مؤلف الرجال، وهي تعرب عن وجود صلة وثيقة بين الأستاذ والمؤلف فإنَّه بعدما قرأ ابن داود كتاباً «نقض عثمانية جاحظ»)[635]( على مؤلفه «أحمد بن طاووس» كتب الأستاذ إجازة له وهذه صورته:
«قرأ عليّ هذا «البناء» من تصنيفي، الولد العالم الأديب التقي، حسن بن علي بن داود ـ أحسن الله عاقبته وشرف خاتمته ـ وأذنت له في روايته عني.
وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن طاووس حامداً لله ومصلياً على رسوله، والطاهرين من عترته، والمهديين من ذريته».
وفي آخر الرسالة ما هذه صورته:
«أنجزت الرسالة، والحمد لله على نعمه، وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.
كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى، حسن بن علي بن داود ربيب صدقات مولانا المصنف ـ ضاعف الله مجده وأمتعه الله بطول حياته ـ وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله وسلامه».
وكان نسخ الكتاب في شوال من سنة خمسة وستين وستمائة.
وقال الأفندي: ويروي ابن داود عن جماعة من الفضلاء.
منهم: السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس.
ومنهم: الشيخ مفيد الدين محمد بن جهيم الأسدي على ما يظهر من ديباجة رجاله)[636](.
أقول: وهو يروي عن جماعة أخرى أيضاً.
منهم: المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (المتوفى عام 676).
ومنهم الشيخ نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن سعيد الحلي ابن عم المحقق المذكور (المتوفى عام 689).
ومنهم الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي والد العلامة الحلي.
ونقل الأفندي في الرياض أنه كان شريك الدرس مع السيد عبدالكريم بن جمال الدين)[637]( أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى عام 693) عند المحقق، ولكن العلاَّمة الأميني عدّه من مشايخه)[638]( والظاهر اتقان الأول.
ويروي عنه جماعة كثيرة:
منهم: الشيخ رضي الدين علي بن أحمد المزيدي الحلي)[639](، أستاذ الشهيد الأول، المتوفى عام 757.
ومنهم: الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن طراد المطارآبادي، المتوفى بالحلة 754.
وللمترجم له تآليف قيّمة تبلغ ثلاثين كتاباً ذكر أسماءها في رجاله.
ومن شعره الرائق قوله في حق الوصي:
وإذا نظرت إلى خطاب محمد
يوم الغدير إذا استقر المنزل
من كنت مولاه فهذا حيدر
مولاه لا يرتاب فيه محصل
لعرفت نص المصطفى بخلافة
من بعده غراء لا يتأول
وله أرجوزة في الإمامة، طويلة، مستهلها:
وقد جرت لي قصة غريبة
قد نتجت قضية عجيبة)[640](
وقد عرفت أنَّه قد فرغ من رجاله عام 707، ولم يعلم تاريخ وفاته على وجه اليقين، غير أنَّ العلاَّمة الأميني ينقل عن «رياض العلماء» أنَّه رأى في مشهد الرضا نسخة من «الفصيح» بخط المترجم له، في آخرها: «كتبه مملوكه حقاً حسن بن علي بن داود غفر له في ثالث عشر شهر رمضان المبارك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة حامداً مصلياً مستغفراً».
فيكون له من العمر حينذاك 94 عاماً، فيكون من المعمرين، ولم يذكر منهم)[641](.
4 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال
وهي للعلامَّة)[642]( على الإطلاق الحسن بن يوسف بن المطهر، المولود عام 648. والمتوفى عام 726، الذي طار صيته في الآفاق، برع في المعقول والمنقول، وتقدم على الفحول وهو في عصر الصبا. ألَّف في فقه الشريعة مطولات ومتوسطات ومختصرات، وكتابه هذا في قسمين: القسم الأول؛ فيمن اعتمد عليه وفيه سبعة عشر فصلاً، والقسم الثاني؛ مختص بذكر الضعفاء ومن ردَّ قوله أو وقف فيه، وفيه أيضاً سبعة عشر فصلاً، وفي آخر القسم الثاني خاتمة تشتمل على عشر فوائد مهمة، وكتابه هذا خلاصة ما في فهرس الشيخ والنجاشي وقد يزيد عليهما.
قال المحقق التستري: «إنَّ ما ينقله العلاَّمة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد، وإنَّما يفيد في ما لم نقف على مستنده، كما في ما ينقل من جزء من رجال العقيقي، وجزء من رجال ابن عقدة، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا، كما يظهر منه في سليمان النخعي، كما يفيد أيضاً فيما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا، فكان عنده النسخة الكاملة في ليث البختري، وهشام بن إبراهيم العباسي، ومحمد بن نصير، ومحمد بن أحمد بن محمد بن سنان، ومحمد بن أحمد بن قضاعة، ومحمد بن الوليد الصيرفي، والمغيرة بن سعيد، ونقيع بن الحارث، وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي، وفيما أخذه من مطاوي الكتب كمحمد بن أحمد النطنزي»)[643](.
وبما أنَّ هذا الكتاب ورجال ابن داود متماثلان في التنسيق وكيفية التأليف، يمكن أن يقال: أنَّ واحداً منهما اقتبس المنهج عن الآخر، كما يمكن أن يقال: إنَّ كليهما قد استقلا في التنسيق والمنهج بلا استلهام من آخر، غير أنَّ المظنون هو أنَّ المؤلفين، بما أنَّهما تتلمذا على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس المتوفى سنة 673، وقد كان هو رجالي عصره ومحقق زمانه في ذلك الفن، قد اقتفيا في تنسيق الكتاب ما خطه أستاذهما في ذلك الموقف، والله العالم.
الفروق بين رجالي العلاَّمة وابن داود
ثم إنَّ هنا فروقاً بين رجالي العلاَّمة وابن داود يجب الوقوف عليها، وإليك بيانها:
1 ـ إنَّ القسم الأول من الخلاصة مختص بمن يعمل بروايته، والثاني بمن لا يعمل بروايته، حيث قال: «الأول: في من اعتمد على روايته أو ترجح عندي قبول قوله. الثاني: فيمن تركت روايته أو توقفت فيه».
ولأجل ذلك يذكر في الأول الممدوح، لعمله بروايته، كما يذكر فيه فاسد المذهب إذا عمل بروايته كابن بكير وعلي بن فضال. وأما الموثقون الذين ليسوا كذلك، فيعنونهم في الجزء الثاني لعدم عمله بخبرهم، هذا.
والجزء الأول من كتاب ابن داود فيمن ورد فيه أدنى مدح ولو مع ورود ذموم كثيرة أيضاً فيه ولم يعمل بخبره، والجزء الثاني من كتابه، فيمن ورد فيه أدنى ذم ولو كان أوثق الثقات وعمل بخبره، ولأجل ذلك ذكر بريداً العجلي مع جلالته في الثاني، كما ذكر هشام بن الحكم فيه أيضاً لأجل ورود ذم ما فيه، أعني كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق.
2 ـ إنَّ العلاَّمة لا يعنون المختلف فيه في القسمين، بل إن رجح المدح يذكره في الأول، وإن رجح الذم أو توقف يذكره في الثاني.
وأما ابن داود فيذكر المختلف فيه في الأول باعتبار مدحه، وفي الثاني باعتبار جرحه.
3 ـ إنَّ العلاَّمة إذا أخذ من الكشي أو النجاشي أو فهرس الشيخ أو رجاله أو الغضائري لا يذكر المستند، بل يعبر بعين عبائرهم. نعم فيما إذا نقل عن غيبة الشيخ أو عن رجال ابن عقدة أو رجال العقيقي فيما وجد من كتابيهما، يصرح بالمستند.
كما أنَّه إذا كان أصحاب الرجال الخمسة مختلفين في رجل، يصرح بأسمائهم، وحينئذٍ فإن قال في عنوان شيئاً وسكت عن مستنده، يستكشف أنَّه مذكور في الكتب الخمسة ولو لم نقف عليه في نسختنا.
وأما ابن داود فيلتزم بذكر جميع من أخذ عنه، فلو لم يذكر المستند، علم أنَّه سقط من نسختنا رمزه، إلا ما كان مشتبهاً عنده فلا يرمزه.
4 ـ إنَّ العلاَّمة يقتصر على الممدوحين في الأول، بخلاف ابن داود، فإنَّه يذكر فيه المهملين أيضاً، والمراد من المهمل من عنونه الأصحاب ولم يضعفوه.
قال ابن داود: «والجزء الأول من الكتاب في ذكر الممدوحين ومن لم يضعفهم الأصحاب، والمفهوم منه أنَّه يعمل بخبر رواته مهملون، لم يذكروا بمدح ولا قدح، كما يعمل بخبر رواته ممدوحون. نعم هو وإن استقصى الممدوحين، لكنه لم يستقص المهملين.
هذه هي الفروق الجوهرية بين الرجالين.
المجهول في مصطلح العلاَّمة وابن داود
إن هناك فرقاً بين مصطلح العلاَّمة وابن داود، ومصطلح المتأخرين في لفظ المجهول. فالمجهول في كلامهما غير المهمل الذي عنونه الرجاليون ولم يضعفوه، بل المراد منه من صرح أئمة الرجال فيه بالمجهولية، وهو أحد ألفاظ الجرح، ولذا لم يعنوناه إلا في الجزء الثاني من كتابيهما، المعد للمجروحين، وقد عقد ابن داود لهم فصلاً في آخر الجزء الثاني من كتابه، كما عقد فصلاً لكل من المجروحين من العامة والزيدية والواقفية وغيرهم.
لكن المجهول في كلام المتأخرين من الشهيد الثاني والمجلسي والمامقاني، أعم منه ومن المهمل الذي لم يذكر فيه مدح ولا قدح.
وقد عرفت أنَّ العلاَّمة لا يعنون المهمل أصلاً، وابن داود يعنون في الجزء الأول كالممدوح، وكان القدماء يعملون بالمهمل كالممدوح، ويردّون المجهول وقد تفطن بذلك ابن داود)[644](.
فهذه الكتب الأربعة، هي الأصول الثانوية لعلم الرجال. ألف الأول والثاني منهما في القرن السادس، كما ألف الثالث والرابع في القرن السابع، والعجب أنَّ المؤلفين متعاصرون ومتماثلو التنسيق والمنهج كما عرفت.
وقد ترجم ابن داود العلاَّمة في رجاله، ولم يترجمه العلاَّمة في الخلاصة، وإنَّ ذا مما يقضي منه العجب.
هذه هي أصول الكتب الرجالية أوليّها وثانويّها، وهناك كتب أخرى لم تطبع ولم تنشر ولم تتداولها الأيدي، ولأجل ذلك لم نذكر عنها شيئاً ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب «مصفى المقال في مؤلفي الرجال» للعلاَّمة المتتبع الطهراني ـ رحمه الله ـ.
وهذه هي الأصول الأولية الثمانية والثانوية الأربعة لعلم الرجال، وأما الجوامع الرجالية فسيوافيك ذكرها عن قريب.
الجوامع الرجالية في العصور المتأخرة
قد وقفت على الأصول الرجالية، وهناك جوامع رجالية مطبوعة ومنتشرة يجب على القارىء الكريم التعرف بها، وهذه الجوامع ألفت في أواخر القرن العاشر إلى أواخر القرن الثاني عشر، تلقاها العلماء بالقبول وركنوا إليها ولا بد من التعرف عليها.
1 ـ مجمع الرجال
تأليف زكي الدين عناية الله القهبائي، من تلاميذ المقدس الأردبيلي (المتوفى سنة 993). والمولى عبدالله التستري (المتوفى عام 1021) والشيخ البهائي (المتوى سنة 1031). جمع في ذلك الكتاب تمام ما في الأصول الرجالية الأولية، حتى أدخل فيه كتاب الضعفاء للغضائري وقد طبع الكتاب في عدة أجزاء.
2 ـ منهج المقال
تأليف السيد الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي (المتوفى سنة 1028) وهو أستاذ المولى محمد أمين الأسترآبادي صاحب «الفوائد المدنية». له كتب ثلاثة في الرجال: الكبير وأسماه «منهج المقال». والوسيط، الذي ربما يسمى بـ «تلخيص المقال» أو «تلخيص الأقوال»، والصغير الموسوم بـ «الوجيز». والأول مطبوع، والثاني مخطوط ولكن نسخه شائعة، والثالث توجد نسخة منه في الخزانة الرضوية كما جاء في فهرسها.
3 ـ جامع الرواة
تأليف الشيخ محمد بن علي الأردبيلي. صرف من عمره في جمعه ما يقرب من عشرين سنة، وابتكر قواعد رجالية صار ببركتها كثير من الأخبار التي كانت مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة، معلومة الحال، صحيحة مسندة، وطبع الكتاب في مجلدين، وقدم له الإمام المغفور له الأستاذ الحاج آقا حسين البروجردي ـ قدس الله سره ـ مقدمة وله أيضاً «تصحيح الأسانيد» الذي أدرجه شيخنا النوري بجميعه أو ملخصه في الفائدة الخامسة من فوائد خاتمة المستدرك.
ومن مزايا هذا الكتاب أنَّه جمع رواة الكتب الأربعة، وذكر في كل راو ترجمة من رووا عنه ومن روي عنهم، وعين مقدار رواياتهم ورفع بذلك، النقص الموجود في كتب الرجال.
قال في مقدمته: «سنح بخاطره (يعني نفسه) الفاتر ـ بتفضله غير المتناهي ـ أنَّه يمكن استعلام أحوال الرواة المطلقة الذكر، من الراوي والمروي عنه بحيث لا يبقى اشتباه وغموض، وعلماء الرجال ـ رضوان الله عليهم ـ لم يذكروا ولم يضبطوا جميع الرواة، بل ذكروا في بعض المواضع تحت بعض الأسماء بعنوان أنه روى عنه جماعة، منهم فلان وفلان، ولم يكن هذا كافياً في حصول المطلوب ـ إلى أن قال: صار متوكلاً على رب الأرباب، منتظماً على التدريج راوي كل واحد من الرواة في سلك التحرير، حتى إنَّه رأى الكتب الأربعة المشهورة، والفهرس للشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ والفهرس للشيخ منتجب الدين… ومشيخة الفقيه والتهذيب والاستبصار، وكتب جميع الرواة الذين كانوا فيها، ورأى أيضاً كثيراً من الرواة رووا عن المعصوم، ولم يذكر علماء الرجال روايتهم عنه (عليه السلام)، والبعض الذين عدّوه من رجال الصادق، رأى روايته عن الكاظم (عليه السلام) مثلاً، والذين ذكروا ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام) رأى أنَّه روي عنهم (عليهم السلام) إلى أن قال: إنَّ بعض الرواة الذين وثقوه ولم ينقلوا أنَّه روي عن المعصوم (عليه السلام) ورأى أنَّه روي عنه (عليه السلام) ضبطه أيضاً، حتى تظهر فائدته في حال نقل الحديث مضمراً ـ إلى أن قال ـ: (ومن فوائد هذا الكتاب) أنَّه بعد التعرف على الراوي والمروي عنه، لو وقع في بعض الكتب اشتباه في عدم ثبت الراوي في موقعه يعلم أنَّه غلط وواقع غير موقعه.
(ومن فوائده أيضاً) أنَّ رواية جمع كثير من الثقات وغيرهم عن شخص واحد تفيد أنَّه كان حسن الحال أو كان من مشايخ الإجازة»)[645](.
والحق أنَّ الرجل مبتكر في فنه، مبدع في عمله، كشف بعمله هذا الستر عن كثير من المبهمات، ومع أنَّه تحمل في تأليف هذا الكتاب طيلة عشرين سنة، جهوداً جبارة، بحيث ميز التلميذ عن الشيخ، والراوي عن المروي عنه، ولكن لم يجعل كتابه على أساس الطبقات حتى يقسم الرواة إلى طبقة وطبقة، ويعين طبقة الراوي ومن روى هو عنه، أو رووا عنه، مع أنَّه كان يمكنه القيام بهذا العمل في ثنايا عمله بسبر جميع الكتب والمسانيد بإمعان ودقة.
4 ـ نقد الرجال
تأليف السيد مصطفى التفريشي ألَّفه عام 1015، وهو من تلاميذ المولى عبدالله التستري وقد طبع في مجلد.
قال في مقدمته: «أردت أن أكتب كتاباً يشتمل على جميع أسماء الرجال من الممدوحين والمذمومين والمهملين، يخلو من تكرار وغلط، ينطوي على حسن الترتيب، يحتوي على جميع أقوال القوم ـ قدس الله أرواحهم ـ من المدح والذم إلا شاذاً شديد الشذوذ».
5 ـ منتهى المقال في أحوال الرجال
المعروف برجال أبي علي الحائري: تأليف الشيخ أبي علي محمد بن إسماعيل الحائري (المولود عام 1159هـ، والمتوفى عام 1215 أو 1216 في النجف الأشرف).
ابتدأ في كل ترجمة بكلام الميرزا في الرجال الكبير، ثم بما ذكره الوحيد في التعليقة عليه، ثم بكلمات أخرى، وقد شرح نمط بحثه في أول الكتاب، وترك ذكر جماعة بزعم أنَّهم من المجاهيل وعدم الفائدة في ذكرهم، ولكنهم ليسوا بمجاهيل، بل أكثرهم مهملون في الرجال، وقد عرفت الفرق بين المجهول والمهمل.
وهذه الكتب الخمسة كلها ألفت بين أواخر القرن العاشر إلى أواخر القرن الثاني عشر، وقد اجتهد مؤلفوها في جمع القرائن على وثاقة الراوي أو ضعفها، واعتمدوا على حدسيّات وتقريبات.
هذه هي الجوامع الرجالية المؤلفة في القرون الماضية، وهناك مؤلفات أخرى بين مطولات ومختصرات ألفت في القرون الأخيرة ونحن نشير إلى ما هو الدارج بين العلماء في عصرنا هذا.
علم الرجال والأحاديث غير الفقهية
إنَّ الرجوع إلى علم الرجال لا يختص بمورد الروايات الفقهية فكما أنَّ الفقيه لا منتدح له عن الرجوع إلى ذلك العلم ليميز الصحيح عن الساقط، فهكذا المحدث والمؤرخ الإسلاميان يجب عليهما الرجوع إلى علم الرجال في القضايا التاريخية والحوادث المؤلمة أو المسرة. فإن يد الجعل والوضع قد لعبت تحت الستار في مجال التاريخ والمناقب أكثر منها في مجال الروايات الفقهية. ومن حسن الحظ أنَّ قسماً كبيراً من التواريخ المؤلفة في العصور الأولى مسندة لا مرسلة، كتاريخ الطبري لابن جرير وتفسيره، فقد ذكر إسناد ما يرويه في كلا المجالين. وبذلك يقدر الإنسان على تمييز الصحيح عن الزائف، ومثله طبقات ابن سعد (المتوفى عام 209) وغير ذلك من الكتب المؤلفة في تلك العصور مسندة.
ولأجل إيقاف القارىء على عدَّة من الكتب الرجالية لأهل السنَّة نأتي بأسماء المهم منها ولا غنى للباحث عن الرجوع إلى تلك الكتب الثمينة:
1 ـ «الجرح والتعديل»: «تأليف الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي (المولود عام 240 والمتوفى عام 327) وطبع الكتاب في تسعة أجزاء يحتوي على ترجمة ما يقرب من عشرين ألف شخص.
2 ـ «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»: تأليف أبي عبدالله محمد بن أحمد الذهبي (المتوفى عام 748هـ).
قال السيوطي: «والذي أقوله: المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر»)[646](.
3 ـ «تهذيب التهذيب»: تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المولود عام 773، والمتوفى عام 852) صاحب التآليف الكثيرة منها «الإصابة» و«الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وغيرهما.
والأصل في هذا الكتاب هو «الكمال في أسماء الرجال»)[647]( تأليف الحافظ أبي محمد عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي الحنبلي (المتوفى سنة 600).
وهذبه الحافظ جمال الدين يوسف بن الزكي المزي (المتوفى سنة 724) وأسماه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال».
وقام ابن حجر بتلخيص التهذيب وأسماه «تهذيب التهذيب» واقتصر فيه على الجرح والتعديل وحذف ما طال به الكتاب من الأحاديث. طبع في 12 جزءاً في حيدرآباد دكن من بلاد الهند عام 1325.
4 ـ «لسان الميزان»: تأليف الحافظ بن حجر العسقلاني وهو اختصار لكتاب «ميزان الاعتدال» للذهبي وقد ذكر في مقدمة الكتاب كيفية العمل الذي قام به في طريق اختصاره. طبع الكتاب في سبعة أجزاء في حيدر آباد دكن من بلاد الهند وأعيد طبعه كسابقه في بيروت بالافست.
وهذه الكتب الأربعة هي مصادر علم الرجال عند أهل السنَّة، فيجب على كل عالم إسلامي «الإلمام بها والاستعانة بها في تمييز الأحاديث والمرويات المزورة والمختلفة في طول الأجيال الماضية، عن الصحاح الثابتة.
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
الكتب المؤلفة في حياة الصحابة
قد قام عدَّة من المتضلعين في التاريخ والحديث بتأليف كتب حافلة بترجمة صحابة النبي الأكرم (ص) والمهم منها ما يلي:
1 ـ «الاستيعاب في أسماء الأصحاب»: تأليف الحافظ أبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر (المولود سنة 363 والمتوفى عام 463).
2 ـ «أسد الغابة»: للعلاَّمة أبي الحسن علي بن محمد بن عبدالكريم الجزري المعروف بابن الأثير (المتوفى عام 630) وقد جاء فيه سبعة آلاف وخمسمائة ترجمة.
3 ـ «الإصابة في تمييز الصحابة»: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني السابق ذكره.
وقد قمنا بتأليف كتاب حول صحابة النبي الذين شايعوا عليّاً في حياة النبي وبعد رحلته إلى أن لفظوا آخر نفس من حياتهم فبلغ عددهم 250 شخصاً طبع منه جزءان.
جعفر السبحاني
الرجال (كتاب)
كتاب «الرجال» للشيخ الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460هـ) واحد من الأصول الرجالية الخمسة.
ويمتاز مؤلفه الشيخ الطوسي ـ بين مؤلفي تلك الكتب ـ بأنَّه مؤلف لثلاثة من تلك الأصول الخمسة، وهي كتاب «الفهرست» وكتاب «اختيار معرفة الرجال» وكتاب «الرجال» هذا الذي نتحدث عنه.
كما يمتاز الشيخ الطوسي ـ بين المؤلفين القدماء في علم الرجال ـ بأنه الوحيد الذي له مزاولات فقهية وأصولية، بالمستوى الرفيع في ذلك العصر، حيث أصبح مرجعاً وشيخاً للطائفة وزعيماً في الفتوى والعلم، وفي خصوص علم الرجال استحق ـ بجدارة ـ أن يكون: «إمام هذا الشأن»)[648](.
وبما أنَّ علم الرجال يبدو تأثيره الإيجابي المباشر في علم الفقه، في طريق استنباط الأحكام الشرعية من دليل الحديث الشريف، فإنَّ انعكاس ذلك على الشيخ الطوسي في أعماله الفقهية واضح، وينعكس مثل ذلك على محاولاته الرجالية، حيث لم تكن مجرد نظريات علمية صرفة، بل إنَّها ـ بفرض المزاولة الفقهية ـ أصبحت واردة في المجال العملي بتطبيقاتها في الحديث والفقه، فكانت عملية ملموسة، مما جعل الشيخ «أشد مراساً في ذلك»)[649](.
وتختلف كتب الشيخ الرجالية، من حيث المنهج والعرض، وكذلك من حيث الفائدة والنتائج المتوخاة.
ويمتاز كتاب «الرجال» من بينها بأنَّه:
1 ـ أوسعها من حيث تعداد الأسماء.
2 ـ ترتيبه على الطبقات.
3 ـ تأخره في التأليف عن الفهرست، لإرجاع الشيخ في كتاب «الرجال» إلى الفهرست كثيراً، وخاصة في الباب الأخير.
وتأخره عن رجال الكشي، لأن الشيخ كان واقفاً على كتاب الكشي، لأنه ذكره في الفهرست. وفي الباب الأخير من الرجال.
وبذلك يكون كتاب «الرجال» من أهم الكتب الرجالية للشيخ، حيث أخذ فيه ـ بنظر الاعتبار جميع ما في الكتابين الآخرين.
وهذا الكتاب ـ بَعْدَ ذلك ـ يحتوي على أمور كانت سبباً للتحامل عليه من قبل بعض الممارسين لهذا العلم، لعدم وقوفهم على ما تميز به هذا الكتاب الجليل من خصوصيات، ولعدم اطلاعهم على منهج تأليفه، ولا على الهدف من تأليفه، ولعدم وقوفهم على كثير من المصطلحات التي استخدمها الشيخ فيه.
لكن المتمرسين في العلم يربأون بالشيخ وبكتابه الجليل عن أن تتجه إليه حملة طائشة أو انتقاد باهت.
ونعتقد أن الشيخ في جلالته وقدمه الراسخة في العلم، قد وضع كل كلمة من كلمات هذا الكتاب، في موقعها المناسب، حسب منهجية علمية مدروسة، وطبق قواعد متينة رصينة.
توضيح هذه المشكلة
ومن أمثلة ذلك: ما صنعه الشيخ في الباب الأخير من كتاب «الرجال» الذي عنونه بباب «من لم يرو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)».
حيث أورد فيه أسماء مجموعة من الرواة الذين أورد هو أسماءهم في الأبواب السابقة المعقودة لذكر «من روى عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)»، فبرز أمام الباحثين تناقض في عد الشيخ هؤلاء الرواة في بابين «باب من روى» و«باب من لم يروِ» وطرح هذا السؤال نفسه:
كيف يكون الشخص راوياً، ويعد في «من لم يروِ»؟، أو كيف يكون غير راوٍ، وقد عد في «من روى»؟
ولنسمع المشكلة من حديث بعض الأعلام:
قال السيد بحر العلوم: من الإشكال المشهور أن الشيخ رحمه الله في كتاب «الرجال» قد يذكر الرجل في باب «من لم يرو عنهم (عليهم السلام)» وفي غيره من الأبواب.
وقال الشيخ المامقاني ـ بعد أن نقل كلام الشيخ في مقدمة الرجال ـ: عقد باباً… ثم باباً، لكل من روى عن إمام إمام، على الترتيب ثم باباً لمن لم يرو عن أحد من الأئمة (عليهم السلام)، وقد اتفق له في هذا الكتاب ذكر الرجل في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، مع ذكره له بعينه في بعض أبواب من روى عنهم (عليهم السلام)، وهذا من التناقض البين، وقد أشكل على أساتيذ الفن حل ذلك.
وقال السيد الخوئي: وقد اتفق في غير مورد أن الشيخ ذكر اسماً في أصحاب المعصومين (عليهم السلام)، وذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً، وفي هذا جمع بين المتناقضين، إذ كيف يمكن أن يكون شخص واحد أدرك أحد المعصومين (عليهم السلام) وروى عنه، ومع ذلك يدرج في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وقد ذكر في توجيه ذلك وجوه لا يرجع شيء منها إلى محصل.
المشكلة من كلام الشيخ
والأفضل تقديم كلام الشيخ الطوسي رحمه الله في مقدمة كتابه، لعرض المشكلة من خلاله، ومعرفة مدى دلالته عليها.
وقال: … كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص)، وعن الأئمة (عليهم السلام) من بعده، إلى زمن القائم.
ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم.
والذي يدل عليه هذا الكلام بوضوح، هو:
أولاً: أنَّ الشيخ يهدف إلى ضبط أسماء خصوص الرواة عن المعصومين (عليهم السلام)، وسردها على ترتيب الطبقات، من دون أن يقصد ذكر مطلق أصحابهم، أو الذين شاهدوهم، أو كان لهم مجرد لقاء بهم (عليهم السلام)، بل الكتاب خاص بتعديد رواة الحديث عنهم (عليهم السلام).
ثانياً: أنَّ الباب الأخير، يحتوي على صنفين من الرجال:
1 ـ الذين تأخر زمانهم عن زمان حضور الأئمة (عليهم السلام)، ممن ولد في زمان الغيبة، أو قبلها بقليل، أو بدأ نشاطه العلمي بعد دخول الغيبة، وهم أكثر علماء النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
2 ـ من عاصر الأئمة (عليهم السلام)، وكان له نشاط علمي في زمانهم، لكنه لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وظاهر أن هؤلاء ـ الذين لم يعاصروا، والذين عاصروا ولم يرووا ـ لا بد أن لا تكون لهم رواية عن الأئمة (عليهم السلام) حتى يصح أن يقال في حقهم أنهم «لم يرووا عنهم» (عليهم السلام).
فظاهر كلامه يقتضي ـ بوضوح ـ أنَّ رواية الراوي عن أحد الأئمة (عليهم السلام) يخرجه عن هذا العنوان، فالتناقض بين، بين من لم يرو، ومن روى.
لكن الشيخ عنون الباب الأخير، الذي عقده لاحتواء هؤلاء، بقوله: «باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)».
وقد يتصور أنَّ مراده: من لم يرو عن واحد، وإن روى عن غيره من الأئمة (عليهم السلام)، فيكون باعتبار عدم روايته عن ذلك الواحد، مذكوراً في باب من لم يرو وباعتبار روايته عن غيره مذكوراً في باب الرواة.
لكن من الواضح أن عنوان هذا الباب أيضاً يدل على نفس ما ذكره الشيخ في المقدمة صراحة، لأنَّ المقصود هنا أيضاً عدم رواية الراوي عن أي واحد من الأئمة (عليهم السلام)، بحيث تنافيه روايته حتى عن واحد منهم، ويدل على ذلك:
1 ـ القاعدة التي تنص على أنَّ النكرة بعد النفي تفيد العموم.
2 ـ مطابقة مدلول العنوان بهذا الشكل لما صرح به في المقدمة، كما أوضحنا.
3 ـ مناسبة هذا المعنى في من عاصرهم، للصنف الأول المشمولين في هذا الباب وهم من تأخر عنهم، فإن المقصود فيهما واحد، وهو أن لا يعد المذكورون في الباب من الرواة عن الأئمة (عليهم السلام).
4 ـ أنَّ الهدف من عقد باب مستقل هو احتواؤه على من يتميز عن المذكورين سابقاً بشكل من الأشكال، والمائز بين الأبواب السابقة هو اختلاف الإمام المروي عنه في كل باب باب، ولم تبق ميزة لهذا الباب الأخير سوى عدم الرواية عن السابقين، وإلا كان عقد باب منفصل أمر لغواً لفرض عدم الميزة الموجبة لاستقلاله.
وإذا كانت ميزة هذا الباب هي عدم الرواية عن المعصومين (عليهم السلام) فمن الواضح تنافيه مع الرواية عن واحد منهم.
فقد اتضح أنَّ التصور البدوي، للعنوانين هو التنافي في ما لو ذكر الرجل فيهما معاً.
واعلم أنَّ بعض الرجاليين نقل عبارة مقدمة الشيخ بلفظ: «أو من عاصرهم ولم يرهم».
ولا يخفى فساده:
أولاً: لمخالفته لأكثر النسخ المصححة الموجودة، منها المطبوعة المعتمدة على نسخة الشيخ ابن إدريس الحلي ومنها المخطوطة المسموعة من ابن الشيخ.
وكذلك مخالفته لنسخ أكثر أعلام الفن الذين نقلوا عنها مثل القهبائي والتفريشي وغيرهما.
ثانياً: إنَّ كلمة «لم يرهم» لا معنى لها في المقام، لأن الرؤية وعدمها لا دخل لهما في ترتيب كتاب الرجال، ولا أنَّ الشيخ رتب في كتابه أثراً عليهما بل الدخيل هو الرواية.
ثالثاً: إنَّ الرواية قد جعلت في كلام الشيخ محوراً للأبواب السابقة، ومن الواضح أنَّ عدمها هو المحور للباب الأخير، وهذا واضح بأدنى تأمل على أساس دلالة الإيماء والتنبيه.
ومن الغريب أنَّ بعض الأعلام جعل هذه النسخة: «لم يرهم» مداراً لبعض ما أورده من النقض والإبرام، مع وضوح التصحيف فيها.
تاريخ المشكلة
لم أجد من تعرض لذكر هذه المشكلة قبل الشيخ الرجالي ابن داود الحلي صاحب الرجال، المتوفى بعد (707)، فهو أول من تعرض لها بصراحة في رجاله في ترجمة «القاسم بن محمد الجوهري».
وتعرض لها بعد ذلك علماء الفن، ومن المؤلفين فيه السيد التفريشي في كتابه «نقد الرجال» الذي ألفه سنة (1015).
وأما المتأخرون عنهم فقد فصلوا الحديث عنها مثل السيد بحر العلوم الكبير ـ المتوفى (1212) ـ في رجاله.
وأخيراً تعرض لها المؤلفون في علم الرجال من أعلام العصر، في كتبهم في المقدمات، وحيثما ذكرت موارد المشكلة، واحداً واحداً، وآخرهم السيد الخوئي في معجمه.
التوجيهات المطروحة لحل مشكلة التناقض
التوجيه الأول: التعدد.
بأن يتحفظ في كل من الموردين على ظاهر كلامه، فليلتزم بالتعدد، وأنَّ من ذكر في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام) مغاير لمن ذكر في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
التزم بهذا التوجيه الشيخ ابن داود الحلي وقال الكاظمي: استظهر المصنف [أي السيد التفريشي صاحب نقد الرجال]. والميرزا [أي الأسترآبادي في منهج المقال] التعدد.
وأضاف: وكأنَّ استظهارهما من حيث أنَّه لو بني على الاتحاد لزم التناقض فلا بد من التعدد.
وقال: ولا يبعد أن يقال: إنَّ ذلك دليل ظهور التعدد فتأمل.
أقول: قال الأسترآبادي في بعض الموارد مثل بكر بن صالح الرازي: إنَّ إيراده في «لم»)[650]( «يقتضي التعدد».
ونقل الكاظمي عن الشيخ محمد حفيد الشهيد الثاني في شرحه على الاستبصار للشيخ الطوسي، في ترجمة عبدالغفار [المورد 31] )[651](، قوله: وأنت خبير بأن ذكر الشيخ الرجل، في من لم يرو لا يخلو من غرابة، فربما يتخيل التعدد، إلا أنَّ الاعتماد على ذلك من كلام الشيخ مشكل.
وعلق عليه الكاظمي بقوله: والغرابة في محلها، لوقوع روايته عن أبي عبدالله (عليهم السلام) في الاستبصار.
واختاره بعض المعاصرين فقال: إنَّ الشيخ الطوسي وضع كتاب رجاله على قسمين… ولازم هذا ثبوت التغاير بين الرواة المذكورين في القسم الأول والمذكورين في القسم الثاني، وإنْ اشتركوا في الأسماء.
وأضاف: إنَّ استبعاد اشتراك شخص مع آخر في اسمه واسم أبيه ولقبه حاصل، إلا أنه لا يوجب الوثوق بالاتحاد بعد وجود ما يقتضي التعدد مثل ذكرهما في ذينك القسمين من رجال الشيخ، ويضعف ذلك الاستبعاد عند اختلافهما في اللقب.
أقول: إنَّ العمدة في دليل هذا التوجيه في تعدد الباب واختلاف العنوان في البابين، وقد اعتبر بعضهم هذا (دالاً) على تعدد الراويين، وجعله بعضهم (مقتضياً) للتعدد، وبعضهم (ظاهراً) فيه، وبعضهم (متخيلاً) منه، وجعله الآخر (ملزوماً) له.
والجواب عنه:
أما نقضاً فبالقطع بالاتحاد في بعض هذه الموارد، وظهوره في بعض آخر. قال الكلباسي: مع ظهور الاتحاد، بل القطع به، في غير مورد، فما جرى عليه ابن داود ـ من استظهار التعدد ـ غير سديد.
ونقل عن الأسترآبادي والتفريشي القطع بالاتحاد.
وقال المامقاني: واعترضه الميرزا [الأسترآبادي] في منهج المقال: بأنَّ الاتحاد واضح عند التأمل.
أقول: قال الميرزا الأسترآبادي في بكر بن صالح: إنَّ إيراده في «لم» يقتضي التعدد، ولعل الاتحاد أظهر.
وقال التفريشي في القاسم بن محمد الجوهري: إنَّ مثل هذا كثير مع قطعنا بالاتحاد.
وقال السيد الخوئي: إنَّ هذا وإن أمكن الالتزام به في الجملة إلا أنه لم يمكن الالتزام به في جملة منها، فإنه لا شك في عدم تعدد بعض المذكورين في كلا الموردين، كفضالة بن أيوب.
وأما حلاً: فلأن البابين، غير مرتبطين حتى يدل أحدهما على المقصود في الآخر. إلا بنحو دلالة الإيماء والتنبيه، فإن الشيخ إنما عقد كتابه لذكر الرواة من الشيعة، دون مطلق الرجال، انظر إلى كلامه في المقدمة حيث يقول: كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص) وعن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث.
فجميع المذكورين في الأبواب السابقة أو باب من لم يرو، لا بد أن يكونوا من رواة الحديث، لكن المذكور في الأبواب السابقة روى عن الأئمة، والمذكور في هذا الباب لم يروِ عنهم.
وليس مجرد ذكر شخص في باب منافياً لذكره في باب آخر، إلاَّ أنَّ الباب الأخير لما قيد بقيد «لم يَروِ عن الأئمة (عليهم السلام)» كان منافياً للأبواب السابقة بالنفي والإثبات، وهذا المقدار من التنافي يدل بدلالة الإيماء على أن من ذكر أولاً لا يذكر أخيراً وبالعكس، وهذا التنافي كما يرتفع مع الالتزام بالتعدد في بعض الموارد، يمكن أن يرتفع مع الالتزام بكون الأسانيد مرسلة أو مقطوعة، مع اتحاد هؤلاء المذكورين هنا مع المذكورين في الأبواب السابقة.
وبعبارة أخرى: إنَّ اقتضاء الذكر في بابين للتعدد غير صحيح، لكثرة من تكرر في أكثر من باب من الأبواب السابقة.
وأما الجهة المنافية فهي فقط التنافي بين «رَوى» و«لم يَرْوِ» فإذا كان الشخص في الباب السابق راوياً ولم يقصد في الباب الأخير نفي روايته بل قصد التعبير بذلك من بعد طبقته في سند خاص، كفى في رفع التنافي مع اتحاد الشخص في البابين.
وسيأتي عند توضيح الرأي المختار الاستدلال على هذا مفصلاً ونوضح أنَّ المذكورين في باب «لم» من الذين جاء اسمهم سابقاً أيضاً، كيف أدرجوا في باب «لم» مع أنهم من الرواة؟
التوجيه الثاني: الرواية بلا وساطة ومعها.
إنء الراوي إنما يذكر في البابين باعتبار الأمرين، أي أنه قد يروي عن الأئمة (عليهم السلام) بلا واسطة، فيذكره الشيخ في أبواب من روى عنهم (عليهم السلام) وقد يروي بواسطة فيذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ»، فيذكره في البابين.
وقال الشيخ المامقاني: والذي ظهر لي بلطف الله سبحانه بعد فضل الغوص في التراجم والالتفات إلى نكات كلمات الأعاظم من دون تصريح أحد منهم بذلك: أنَّ الرجال أقسام:
فقسم منهم يروي عن الإمام دائماً بغير واسطة.
وقسم منهم لم يَرْو عن إمامٍ أصلاً إلا بالواسطة، لعدم دركه أزمنة الأئمة (عليهم السلام)، أو عدم روايته عنهم (عليهم السلام).
وقسم منهم له روايات عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة، وروايات عنه (عليه السلام) بواسطة غيره.
فالذي يذكره الشيخ في باب «مَنْ روى عن أحدهم (عليهم السلام)» تارة، وفي باب «مَنْ لم يروِ عنهم (عليهم السلام)» أخرى، يشير بذلك إلى حالتيه، فباعتبار روايته عنه (عليه السلام) بغير واسطة أدرجه فيمن روى عنه (عليه السلام)، وباعتبار روايته عنه (عليه السلام) بواسطة آخر أدرجه في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)».
أقول: ما ذكره من عدم تصريح أحد بذلك، غريب إذ قد سبقه غيره كما نقلناه عن الكاظمي، والأغرب أنَّ الشيخ المامقاني قد نقل أيضاً ذلك عنه، قبل سطرين من ادعائه هذا.
وما ذكره الشيخ المامقاني سادس الوجوه وحكاه عن الميرزا في «الوسيط» ـ في ترجمة بكر بن محمد الأزدي من قوله: «ما في «لم» إما سهو، أو بناء على أنَّ العباس لم يَرْوِ عن بكر إلا ما رواه عن غيرهم (عليهم السلام) ـ قريب من هذا التوجيه.
ويشترك معه في أنَّ المذكور في باب «لم» إنما يروي عن غير الأئمة (عليهم السلام)، فالرواية بالواسطة تعني الرواية عن غير الأئمة (عليهم السلام)، فلاحظ. وقد اختار هذا التوجيه بعض الفضلاء المحققين.
وقد أجيب عن هذا التوجيه:
أولاً: إنَّ وجود رواية شخص عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة لا يصحح ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) بعد ما كانت له رواية عنهم(عليهم السلام) فإنَّ المصحح لذكر أحد في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) هو عدم روايته عنهم بلا واسطة، مع كونه من رواة الحديث، لا روايته عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة، ولو كان راوياً عنه بلا واسطة أيضاً.
وثانياً: إنَّ أكبر الرواة عن الأئمة (عليهم السلام) قد رووا عن غير الأئمة (عليهم السلام) من أصحابهم ومن غيرهم، فلو صح ما ذكر «لزم ذكر جميع أصحاب الأئمة في (من لم يرو عنهم (عليهم السلام)) إلاَّ من شذَّ ونَدَرَ فإنه قلَّ في أصحابهم (عليهم السلام) من لم يرو عن غير المعصومين».
التوجيه الثالث: المعاصرة وعدمها.
قال السيد بحر العلوم: قد يحتمل أن يكون المراد في القسم الثاني من عاصرهم ولم يرو عنهم، أو روى عنهم وبقي بعدهم، بأن يكون المراد من تأخر زمانه أعمَّ ممن وجد بعدهم، أو بقي بعدهم وإن روى عنهم.
وقال السيد حسن الصدر ـ وهو يتحدث عن الترجيح بين النجاشي والشيخ في أمر الجرح والتعديل ـ ما نصه: الشيخ أشد مراساً في ذلك من النجاشي، وربما صحب الرجل الواحد إمامين أو ثلاثة، فيذكره في رجال الكل وربما صحب ولم يرو، فيذكره في الأصحاب وفيمن لم يرو.
قال: وهذا وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنَّه تأويل يصار إليه عند الضرورة. وقال السيد الخوئي: أن يراد بذكره في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام) مجرد المعاصرة وإن لم يره ولم يرو عنه، فيصح حينئذٍ ذكره في «من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً.
ويظهر منه اختياره هذا الوجه في بعض الموارد.
فقد قال في بكر بن صالح: لا مناقضة بين عد الشيخ الرجل من أصحاب الرضا (عليه السلام) وعده في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) إذ لا تنافي بين أن يكون الرجل من أصحاب أحد الأئمة (عليهم السلام) ولا يروي عنهم (عليهم السلام).
وفي الفضل بن أبي قرّة ـ بناءًا على عدم صحة روايته عن الصادق (عليه السلام) لضعف طريقها ـ قال: وعلى ما ذكرناه صح عدُّه من أصحاب الصادق(عليه السلام) باعتبار مصاحبته (عليه السلام)، وعدُّه في «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» باعتبار عدم ثبوت روايته عن الصادق (عليه السلام)، وأما قول النجاشي: «روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)» فلعله ينظر إلى مطلق الرواية عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) وإن لم تكن الرواية صحيحة، فإنَّه قد ورد في الكتب الأربعة في (25) مورداً.
وذكر نحوه في محمد بن عبدالجبار.
والظاهر من مقدمة الكتاب أنَّ السيد عدل عن هذا، واختار التوجيه العاشر التالي.
وقد اختار هذا التوجيه الثالث جمع من المتأخرين.
والجواب عنه بوجوه:
الأول: أن الظاهر من قوله «من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام)» عدم إدراكه لزمانهم، إما لعدم وجوده في ذلك الزمان، أو لصغره وعدم قابليته للرواية عنهم.
أقول: في تمامية هذا الجواب نظر:
أما أولاً: فلأنَّ موارد النقض لا تدخل في هذا النوع وهو من تأخر زمانه عنهم، بل هو داخل في النوع الآخر وهو من عاصرهم ولم يرو عنهم كما صرح به الشيخ في «الرجال» في المقدمة، وقد فصلناه.
وثانياً: أنَّ الأمر لا ينحصر فيما ذكره من الصغر وعدم القابلية، بل الملاك عدم الرواية بأي وجه كان ولو كان قابلاً للرواية، كما إذا كان بعيداً عن مكان وجود الإمام (عليه السلام) أو كان عامياً غير معتقد بالإمام ثم اعتقد بعد زمان الإمام، أو لم يكن من أهل الحديث والفقه، ثم صار منهم بعد فوات عصر الإمام، فإنه يصدق على جميع هؤلاء أنَّه عاصرهم ولم يروِ عنهم، فلاحظ.
الثاني: أنَّه خلاف صريح عبارته من أنَّه يذكر أولاً من روى عن النبي (ص) أو أحد المعصومين (عليهم السلام)، ثم يذكر من تأخر عنهم أو عاصرهم ولم يرهم.
هكذا أجاب السيد الخوئي عن هذا التوجيه.
أقول: قوله: «ولم يرهم» غير صحيح، فإنَّ «الرؤية» وعدمها لا دخل لهما في عد الرجل من باب من روى أو لم يرو، بل الدخيل في ذلك هي «الرواية» وعدمها، وقد أشرنا إلى ذلك في ما سبق، وقد ذكرنا أنَّ المراد من الأصحاب في الكتاب هم أصحاب الرواية لا الرؤية أو اللقاء.
فالصحيح: أنَّ الشيخ إنما التزم بذكر الرواة في الأبواب الأولى، وخصص الباب الأخير بمن لم يرو عن أي واحد منهم مطلقاً، فمجرد روايته عن أي إمام يدرجه في الرواة، ولا يصح حينئذٍ فيمن لم يرو عنهم، للتنافي بين النفي والإثبات.
الثالث: أنَّ الشيخ في بعض الموارد ذكر المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) في أبواب رواتهم وصرح بعدم روايتهم عنهم، ليكون كالمعتذر لذكرهم في تلك الأبواب، فيقول: رآه أو لقيه أو لحقه ولم يروِ عنه.
فلو كان جميع المذكورين في «لم» ممن سبق ذكره من هذا القبيل، لصرح معهم بمثل ذلك، ولم يقتصر على تلك الموارد القليلة.
الرابع: أنّه لا يتم في كثير من الموارد، فإنّ مَن ذكره في مَن لم يروِ عنهم (ع) أيضاً قد روى عنهم، ولم يقتصر على مجرد المعاصرة.
الخامس: أنه منقوض بمجموعة من الرواة عن إمام (ع) ممن ذكرهم الشيخ في بابه، وقد امتدت أعمارهم وبقوا الى أعصر الأئمة المتأخرين ولم يرووا عنهم، ومع ذلك لم يدرجهم الشيخ في باب « مَنْ لم يروِ»، مثل:
حماد بن راشد الأزدي البزاز أبو العلاء الكوفي، ذكره في اصحاب الباقر(ع) وقال: أسند عنه، توفي سنة (156) ومثله في أصحاب الصادق (ع)، وأضاف: وهو ابن (77) سنة.
فقد عاصر الكاظم (ع) ولم يروِ عنه، ولم يذكره في أصحابه (ع) ولا في «من لم يروِ».
داود بن أبي هند القشري السرخسي يكنى أبا بكر، واسم أبي هند دينار، ذكره في أصحاب الباقر(ع)، وقال: مات في طريق مكة سنة (139)، ومع أنه عاصر الإمام الصادق(ع) فلم يذكره في أصحابه، ولا في باب «من لم يروِ».
عبدالعزيز بن أبي خازن سلمة بن دينار المدني، ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) وقال: أسند عنه، مات سنة (185) ولم يذكره في أصحاب الكاظم ولا الرضا (عليهم السلام)، ولا في باب مَنْ لم يَرْوِ عنهم. وغيرهم كثير.
التوجيه الرابع: التحمل في الصغر والأداء في الكبر.
قال السيد بحر العلوم: أن يكون قد تحمل الرواية عنهم (عليهم السلام) صغيراً وأداها بعدهم كبيراً، فهو من أصحابهم، وممن تأخر زمان روايته عنهم.
وأجاب عنه المامقاني:
أولاً: أنَّ من المقرر في علم الدراية عدم شرطية الكبر في تحمل الرواية. فهذا الذي تحمل صغيراً وأدى كبيراً ممن روى عنهم (عليهم السلام)، فإثباته في عداد من لم يرو عنهم (عليهم السلام) لا وجه له.
توضيحه: أنَّ المراد بمن روى عنهم، هو من تحمل عنهم الحديث، فإنْ كان تحمل الصغير صحيحاً، كان راوياً، فلم يندرج في باب «مَنْ لم يَرْوِ» وإنْ لم يكن تحمله صحيحاً، لم يكن راوياً فلم يصح درجه في أبواب الرواة.
وأجاب ثانياً: بعدم ظهور اطراد هذا الوجه في مواضع الإشكال.
أقول: وهذا جواب عن أكثر هذه التوجيهات، حيث أنها غير جارية في جميع الموارد التي ورد فيها هذا الإشكال.
فإن فيهم من لقي إمامين أو أكثر، وقد ذكر في باب «لم»، فلا يمكن أن يقال إنه لقي الإمام الثاني وهو صغير أيضاً.
مثل بكر بن محمد الأزدي، فقد ذكر في أصحاب الصادق وأصحاب الرضا (عليهما السلام) وفي «لم» وسيأتي في المورد [8].
وحفص بن غياث من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [15].
والريان بن الصلت من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [17].
وزرعه بن محمد من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [18] وهكذا غيرهم.
التوجيه الخامس: الرواية شفهاً وغيرها.
قال السيد بحر العلوم: أن يكون مراده بالرواية عنهم (عليهم السلام) ما يعم الرواية بالمشافهة والكتابة، وبعدم الرواية عنهم (عليهم السلام) عدم الرواية بخصوص المشافهة.
وأجاب عنه ـ بعد عدم وضوحه، وكونه مجرد ادعاء لا دليل عليه ـ :
أولاً: بأن المقابلة قاضية بإرادة المعنى الواحد في النفي والإثبات.
ثانياً: بعدم اطراد هذا الوجه في مواضع الإشكال.
التوجيه السادس: عدول الشيخ عن رأيه.
قال المامقاني: إن مجمل ما صدر من الشيخ هو العدول مما ذكره أولاً.
والجواب: أنَّ هذا غير ممكن الالتزام به.
فإذا كان الراوي قد روى عن الإمام (عليه السلام) وتثبت الشيخ من روايته في مصادر الحديث، وذكره في أبواب من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، فلا معنى للعدول عن هذا الأمر الواقع، وهل هو أمر قابل للعدول؟
وإذا كان وقف الشيخ على عدم صحة ما أثبته أولاً، فاللازم عليه حذف اسمه من الأبواب الأولى، وإدراج اسمه في باب «مَنْ لم يَرْوِ». فأمَّا الجمع بذكر اسمه في البابين، فلا يناسب الاحتمالين.
مع أنَّ هذا الاحتمال لو صح في بعض الموارد، فإنه لا يصح في كثير منهم قطعاً، حيث أن روايتهم عن الأئمة (عليهم السلام) ثابتة قطعاً.
التوجيه السابع: الشك والتردد من الشيخ.
ما ذكره الكاظمي بقوله: لقد أحسن بعض مشايخنا في توجيه ذلك حيث قال: قد يقطع الشيخ على رواية الراوي عنهم (عليهم السلام) بلا واسطة، فيذكره في باب من روى عنه (عليه السلام)، وقد يقطع بعدم الرواية عنهم (عليهم السلام)، فيذكره في باب مَنْ لَمْ يَرْوِ، وقد يحصل له الشك في ذلك فلا يمكنه التطلع والتفحص عن حقيقة الحال، فيذكره في البابين تنبيهاً على الاحتمالين.
أقول: ظاهر كلام الشيخ في جميع الأبواب القطع بما أورد فيها، ولو كان متردداً في ما أثبته لذكر ذلك وأشار إليه كما فعل في مواضع عديدة، وسيأتي بيان أن الشيخ استعمل أكثر الألفاظ التي تدل على تمييز الراوي، وهذا لا يصدر عن من يتردد في أمر الرواة، كما هو واضح.
قال المامقاني ـ مجيباً على الاحتمال الخامس بما ذكره ـ: إنَّ عادة الشيخ رحمه الله في الكتاب على بيان معتقده في حق الرجال، وذكره لهم في المقامين ـ على سبيل الجزم ـ ينافي تردده في ذلك.
(ولاحظ التوجيه التاسع).
التوجيه الثامن: اختلاف الآراء.
قال الكاظمي: وله وجه آخر وجيه ـ يشهد به بعض كلام الشيخ. وهو أنه يذكره في البابين، إشارة للخلاف، وجمعاً بين الأقوال.
وقال المامقاني: أن يكون اختلاف كلام الشيخ رحمه الله لاختلاف العلماء في شأن أمثال هؤلاء الذين ذكرهم في الموضعين.
وقد أورده السيد بحر العلوم احتمالاً ممكناً، ولم يرده.
وأجاب عنه المامقاني بقوله:
إنَّ عدَّه لهم في من روى عنهم (عليهم السلام) يكشف عن عثوره على روايتهم عنهم (عليهم السلام)، فلا يمكن إنكاره لروايتهم عنهم (عليهم السلام).
أقول: يمكن توضيح هذا الجواب بأنَّ الاختلاف في مثل المقام لا معنى له، فإنَّ رواية الشخص عند الشيخ إن ثبتت، أثبت الشيخ اسم الراوي في باب «مَنْ روى عنهم» وإلا أثبته في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم» ولا معنى لأن يذكره في البابين من دون تنبيه.
ونجيب: «أنَّ الشيخ قد تعرض للاختلافات حيثما وجدت عند ذكر الرواة، وهذا يدل على تنبهه إلى الخلاف، وتنبيهه عليه كما هو اللازم، ومع ذلك لم يذكرهم في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم»، مثل:
1 ـ في أصحاب السجاد (عليه السلام): محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قال: وقيل ليس له منه رواية.
ومع ذلك لم يذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
2 ـ وفي أصحاب الرضا (عليه السلام): إبراهيم بن عبدالحميد، قال: من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، ولم يسمع منه على قول سعد بن عبدالله ومع ذلك لم يذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
3 ـ وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): ثابت بن دينار، قال: توفي سنة (150) وقال في أصحاب الكاظم (عليه السلام): اختلف في بقائه إلى وقت أبي الحسن (عليه السلام).
ومع ذلك لم يذكره في باب «من لم يَرْوِ عنهم».
لكنه في أصحاب العسكري (عليه السلام) قال: الحسين بن الحسن بن أبان، أدركه ولم أعلم أنه روى عنه:
وذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
فلا بد أن يكون لمن يعاد ذكره في «لم» خصوصية أخرى غير جهة الاختلاف.
التوجيه التاسع: التوقف.
قال السيد بحر العلوم: بعد ما ذكر عدة محتملات وأجاب عنها ـ: والحق ضعف هذه الوجوه كلها، وأنَّ عبارة الشيخ رحمه الله قاصرة في هذا الباب عن تأدية المراد.
وأضاف السيد بحر العلوم: ولصاحب النقد رحمه الله في ترجمة القاسم بن محمد الجوهري كلام جيد كأنه أصاب المنحر، فليلحظ ذلك، والله أعلم.
أقول: راجعت نقد الرجال في تلك الترجمة فلم أجد فيه شيئاً يذكر كتوجيه للتناقض المتوهم، إلا رده على ابن داود الذي اختار التعدد (وهو التوجيه الأول) فإنه قال: إنَّ مثل هذا كثير في كتاب الشيخ مع قطعنا بالاتحاد… وإن كان منافياً لقوله قدس سره عنوان الكتاب.
فإن كان نظر السيد بحر العلوم إلى كلام صاحب النقد هذا، فهو ليس إلا تأكيداً للإشكال، ولا يبعد أن يكون غرض السيد ذلك؛ وأنه إنما تأدب في مجابهة الشيخ الطوسي، فأحال على هذا الكلام.
واحتمل الشيخ المامقاني أن يكون نظر السيد بحر العلوم إلى ما ذكره صاحب التعليقة على النقد وهو الشيخ عبدالنبي الكاظمي، حيث ذكر فيها احتمالات ثلاثة واختار منها ما ذكرناه في التوجيه السابع، فلاحظ.
التوجيه العاشر: الاشتباه والغفلة.
وذهب جمع إلى أنَّ ذلك وقع في الكتاب على أثر غفلة الشيخ، فذكر شخصاً في الرواة، وسها عن ذلك فأورده في «مَنْ لم يَرْوِ» وعللوا ذلك بأنَّ الشيخ كان مرجعاً للعام والخاص من الناس، ومع كثرة مراجعة الناس إليه لأخذ الفتوى وكثرة أماليه ودروسه التي أخذها منه تلامذته، نجده مكثراً في التأليف جداً، ومن أكثر فقد عرض للأخطاء لا محالة.
قال السيد محسن الأعرجبي في عدة الرجال: وربما رجح حكاية النجاشي على حكاية الشيخ، لتسرعه وكثرة تأليفه في العلوم الكثيرة، ولذلك عظم الخلل في كلامه، فتراه يذكر الرجل تارة في رجال الصادق (عليه السلام) وأخرى في رجال الكاظم (عليه السلام)، وتارة في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، مع القطع بالاتحاد… مع أنه أخذ على نفسه في أول كتابه أن يذكر أصحاب النبي (ص) والأئمة إلى القائم (عليه السلام) الذين رووا عنهم (عليهم السلام) كلاً في بابه، ثم يذكر من تأخر عنهم من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم (عليهم السلام).
وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلا أنَّه تأويل يصار إليه عند الضرورة، والسهو والنسيان طبيعة ثانية للإنسان لا يكاد ينجو منهما أحد.
ومع ذلك فالطعن على الشيخ خارج عن قانون الأدب، وهو إمام في هذا الشأن، وإنما جاء الاشتباه في بعض الأحيان لشدة إقبال الناس في تناولهم ما يخرج عنه قبل إعادة النظر فيه)[652](.
والقهبائي يرى أن ذكر الشيخ لشخص في أصحاب إمام أو أكثر وفي باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» أيضاً، إنما هو على الاشتباه.
وعلق على جميع الموارد المفروض فيها ذلك بقوله «كيف يكون ممن لم يرو» مستنكراً ذلك، وأضاف في (حفص بن غياث): ولكن مثله من مثله قدس سره غير عزيز، حيث لزمته العجلة الدينية.
وقال الخاقاني: بعد أن ذكر أنه لا بد من حصول الغفلة لأمثال الشيخ ممن كان مستوعب الأوقات ما بين درس وتأليف وإفتاء وقضاء وغيرها ـ: ومن ذلك ذكره الرجل في بابين متناقضين كباب من يروي وباب من لم يرو، فيما علم اتحاده، فتوهم من لا تدبر له التعدد.
وقال المامقاني ـ بعد أن أورد وجوهاً وردها ـ: وبالجملة، فلم نقف على ما يزيح الإشكال تحقيقاً، فلا محمل لما صدر من الشيخ رحمه الله إلا العدول عما ذكره أولاً أو سهو القلم الذي يقع فيه من لم يكن معصوماً.
وقال السيد الخوئي: والتوجيه الصحيح أنَّ ذلك قد صدر عن الشيخ لأجل الغفلة والنسيان فعندما ذكر شخصاً في «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» غفل عن ذكره في أصحاب المعصومين (عليهم السلام) وأنَّه روى عنهم بلا واسطة، فإنَّ الشيخ لكثرة اشتغاله بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ فقد يذكر شخصاً واحداً في باب واحد مرتين أو يترجم شخصاً واحداً في فهرسته مرتين.
والغريب أن سيدنا الأستاذ، يصحح في مقدمة كتابه هذا التوجيه، لكنه في متن الكتاب يحاول رفع التناقض بالتوجيه الثالث، وقد ذكرنا موارد لجوئه إلى ذلك التوجيه عند ذكره، فلاحظ.
والجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أنَّ تعرض الشيخ في كتاب الرجال لآراء الآخرين وذكر الاختلافات وإظهار نظره الخاص أحياناً بقوله: «لا أعلم له رواية» ونحو ذلك، وتصديه ـ في خصوص باب «مَنْ لم يَرْوِ» وبالأخص في موارد البحث ـ لذكر الراوي عن الرجل والمروي عنه، كشف ـ بلا شك ـ عن دقة الشيخ في هذا الكتاب والتفاته الكامل لما وضع فيه.
وسنبحث عن هذه الجهة فيما يلي بشكل أوسع.
الثاني: أنَّ هذه الغفلة المدعاة، قد صدرت في خصوص [62] مورداً فقط، مع أنَّ كتاب الرجال يحتوي على الآلاف العديدة من الأسماء، أفلا يطرح هذا السؤال: لماذا أغفل الشيخ في هذه الأسماء فقط فأعادها في باب «مَنْ لَمْ يَرْوِ» دون غيرها؟
مع أن الأسماء المعادة، لم يعدها الشيخ بعين ما ذكرها أولاً، بل أعاد كثيراً منها باختلاف في أسماء الأجداد أو الألقاب وما أشبه، وأما أكثرها فأعادها مع قيد الراوي أو المروي عنه، مما يكشف عن أن الشيخ كان يهدف من هذه الإعادة غرضاً علمياً خاصاً.
وسيأتي توضيح ذلك عند كل مورد.
وقد تنبه الشيخ عبد النبي الكاظمي إلى بعض ذلك، في إبراهيم بن صالح، وهو المورد (3) ـ بعد أن حكم بالتعدد ـ فقال: ومما يدل على عدم غفلة الشيخ في الفهرست أنه قال: «إبراهيم بن صالح، له كتاب، رويناه بالإسناد الأول».
قال الكاظمي: فلو كان غافلاً عن ذكره أولاً لذكر الإسناد ثانياً، ولم يحله على الأول.
الثالث: أنَّ بعض الأسماء من المذكورين، روايتهم عن الإمام، من الوضوح بحيث لا يمكن أن يدعي في حق الشيخ أنه يغفل عنه، كفضالة بن أيوب، فكيف يمكن ادعاء غفلة الشيخ عن روايته عن الصادق (عليه السلام) ليعيده في باب «لم» سهواً، مع كثرة روايات فضالة وسعتها، ومع سعة أعمال الشيخ الحديثية وتعمقه في كتب الحديث والفهارس، إنَّ هذا بعيد عن مقام الشيخ جداً.
الرابع: أنَّ وجود الحل الموجه لعمل الشيخ ـ ولو احتمالاً ـ كاف في منع هؤلاء القائلين من توجيه هذه الحملات على الشيخ، ولا أقل من اعتبار ذلك شبهة يدرأ بها حد تلك المواجهات الصعبة، فكان الأولى بهم التأمل والتدقيق في فهم مراده.
وأخيراً ـ ونحن لا ندعي العصمة للشيخ ـ: فإنَّ طرح مثل هذا الاحتمال في عمل الشيخ، مع أنه إمام هذا الشأن، وأشد مراساً له، لما ذكرناه في التمهيد من أنه الرجالي الوحيد الذي كانت له جهود فقهية وحديثية، فكان له مراس قوي في تطبيق نظرياته الرجالية في الفقه والحديث. إنَّ طرح هذا الاحتمال في حقه يؤدي إلى طرح الأقوى منه في حق غيره من الرجاليين، وهذا ما نأباه بكل مشاعرنا، ونجل علم الرجال وأعلامه منه.
ولو أنَّ هؤلاء القائلين حاولوا الوقوف على منهج الشيخ في تأليف رجاله وهدفه من صنيعه في هذا الباب، لم يوجهوا هذه الكلمات إلى ساحته المقدسة.
التوجيه الحادي عشر: كثرة الطرق.
قال الخاقاني: إنَّ غرضه من باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» أنَّه عقده لمن لم يرو عنهم: إمَّا لتأخر زمانه عنهم، أو لعدم رؤياه لهم وإن كان في زمانهم، ولا يمتنع أن يذكر فيه بعض من صحبهم وروى عنهم لوجود الطريق له هناك أيضاً. فيكون هذا الباب مشتملاً على أقسام ثلاثة:
1 ـ من تأخر زمانه عنهم.
2 ـ مَنْ لم يَروِ عنهم وإن عاصرهم.
3 ـ مَنْ صحبهم وروى عنهم أيضاً.
فلا يكون باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» منحصراً في القسمين الأولين، كما عساه يظهر من كلامه أعلى الله مقامه، وإن كان أصل الغرض من عقد هذا الباب مختصاً بهما، لكنه لا بأس به، بل هو أنفع لإفادته كثرة الطرق وزيادتها، ولا إشكال في رجحانه، إذ ربما تكون الرواية بواسطة ذلك من قسم المستفيض أو المحفوف بالقرائن المتاخمة للعلم، بل قد يبلغ العلم، والله أعلم.
أقول: إنَّ كل راوِ من الرواة لا بد وأن يكون للشيخ إليه طريق واحد أو أكثر، ومحل بيان الطرق وتعدادها إما أسانيد الروايات أو الفهارس. والمشيخات، وكتاب الرجال لم يعد لذكر الطرق وتعدادها، حتى يتصدى فيه لذلك.
مضافاً إلى أنَّ تعدد الطرق لا ينحصر بهذا العدد الضئيل من الرواة، فلماذا حصر الشيخ المعادين فيهم؟
مع أنَّه لا حاجة لبيان كثرة الطرق وتعدادها إلى أن يعيد ذكرهم في باب من لم يرو، إذ لا ينافي كثرة الطرق كونهم رواة فلا حاجة إلى عدهم في ذلك الباب من أجل بيان هذا الأمر؟
وليست كثرة الطرق وتعدادها موجبة لشبهة مخرجة لهم عن باب الرواة!
الرأي المختار
إنَّ الاهتمام بأمر طبقات الرواة وتعيينها مما لا خفاء في لزومه، لوضوح فائدته بل أهميته، لتأثيره المباشر في تحديد عصر كل راوٍ وتمييزه بشكل دقيق عمن يشاركه في خصوصياته وملابساته من الرواة، وبمعرفة ذلك يقف طالب السند على ما في ذلك السند من زيادة ان نقص من الوسائط، ويحكم على أساس ذلك بالاتصال أو الإرسال، فإنَّ الأسانيد قد يقع فيها حذف اسم راوٍ أو أكثر، فتكون الرواية مرسلة، يسقط الحديث بإرسالها عن الاعتبار.
ولأجل تلافي ذلك وضع علماء الرجال كتباً تتكفل أمر طبقات الرواة مرتبين فيها أسماء الرواة، لتحديد عصورهم، ومعرفة من يروي عنهم ومن يروون عنه، ومن تمكن روايته عنه أولاً تمكن، من حيث العصر والطبقة.
قال المحقق الدربندي: إنَّ فائدة معرفة الطبقات هي الأمن من تداخل المتشابهين، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة، من السماع أو اللقاء أو الإجازة أو نحوها، فإنَّ العنعنة تحتملها.
وقد انتهجوا في رسم كتب الطبقات مناهج عديدة.
فمنهم من رتبها على القرون.
ومنهم من رتبها على المشايخ.
ومنهم من رتبها على الوفيات.
ومنهم من رتبها على أعصر الأئمة (عليهم السلام)، وغير ذلك.
وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي ـ والد البهائي ـ: ينبغي للحاذق التنبه للزيادة في السند والنقص… ومما يعين على ذلك معرفة أصحاب الأئمة واحداً واحداً، ومن لحق من الرواة الأئمة ومن لم يلحق، وقد صنف أصحابنا في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كتباً ذكروا فيها أصحاب كل إمام ومن لحق منهم إمامين أو أكثر.
رجال الشيخ أكبر كتاب على الطبقات.
ونعتقد أن أكبر كتاب مؤلف على الطبقات هو كتاب رجال الشيخ رحمه الله فلا بد أن يكون غرضه منه هو الغرض من الطبقات أعني تمييز طبقة كل راوٍ، عن طبقة الرواة الآخرين، كي لا يلتبس أحدهما بالآخر عند مشاركتهما في الأسماء أو أسماء الآباء أو الألقاب.
والديل على أنَّ كتاب الرجال هو على الطبقات ما يلي:
أولاً: ترتيب الكتاب على الأبواب المعنونة بأسماء المعصومين (عليهم السلام) بحيث جعل لكم معصوم باباً خاصاً أدرج فيه أسماء الرواة عنه، وهذا هو ترتيب كتب الطبقات، وقد عرفنا أن قسماً من كتب أصحابنا قد وضع على طبقات أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ولم يبق بأيدينا منها سوى طبقات الرواة للبرقي أحمد بن محمد بن خالد، فقد صرح الشيخ الطوسي بأن اسمه «طبقات الرجال»، وهو مرتب على أبواب بأسماء المعصومين (عليهم السلام)، ورجال الشيخ على نسقه وترتيبه، مع إضفاء صبغة فنية عليه وهو ترتيب أسماء كل باب على حروف المعجم.
فرجال الشيخ هو أكبر كتاب ـ من القدماء ـ في طبقات أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
ثانياً: أنَّ كتاب الرجال يحتوي على مجرد سرد أسماء الرواة، من دون ذكر ما يرتبط بهم من اهتمامات رجالية تتعلق بأحوال الراوي، من الوثاقة والمدح أو الضعف والقدح، وسائر التفاصيل التي يهتم بها علماء الرجال.
وإما التركيز فيه على تعيين الطبقة بذكره في الباب المعين رغم تشخص الراوي باسمه واسم أبيه وما يحتاج إلى تعيينه من الألقاب والمضافات.
وهذا هو ديدن أصحاب الطبقات.
وأعتقد أن المقدار الذي ذكره الشيخ من التوثيق والتضعيف في كتاب الرجال أحياناً إنما هو في الموارد التي يؤثر ذلك فيها لتعيين الراوي، ولتفصيل ذلك محل آخر.
ثالثاً: أنَّ الشيخ الطوسي في هذا الكتاب يؤكد على أمور لا ثمرة لها إلا تعيين الطبقة، ويستعمل أساليب وألفاظاً خاصة بكتب الطبقات، وإليك نماذج منها:
1 ـ تعيين الإمام المروي عنه، ولو أكثر من واحد.
مع أنَّ كتاب الشيخ موضوع على الأبواب، ومبين في مقدمته أنه يذكر في كل باب من روى عن ذلك الإمام، فمع ذلك نراه يصرح في ترجمة الشخص في الباب أنه روى عن الإمام الآخر، مع ذكره في بابه أيضاً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنَّ غرض الشيخ هو التأكيد على طبقة الراوي.
فكثيراً ما يقول في باب أصحاب الباقر (عليه السلام): روى عنه وعن أبي عبدالله (عليه السلام).
انظر (ص108 و110 و111 و113 و117 و119 و120 و121 و123 و139).
أو يقول: «روى عنهما» والمقصود الباقر والصادق (عليهما السلام)، انظر: (ص109 و158 و190 و216 و218 و224 و232 و233 و242 و266) )[653](.
2 ـ وفي مواضع كثيرة يلجأ إلى ذكر من روى عن الراوي، انظر مثلاً (ص23) رقم (127) و(ص228) رقم (118) و(ص306) رقم (411).
وعامة من في باب «مَنْ لم يَرْوَ عنهم (عليهم السلام)» مصحوب بهذا الأمر.
3 ـ تحديد وفيات كثير من الرواة، وتحديد سني أعمارهم، أو من لقوا ومن لم يلقوا من الأئمة (عليهم السلام)، انظر مثلاً: (ص249) رقم (420 و427) و(ص254) رقم (508) و(ص256) رقم (538) و(ص260) رقم (614).
وصرح في بعض الموارد ببقاء الراوي إلى أزمنة متأخرة، انظر مثلاً: (ص174) رقم (152).
4 ـ ويركز على ذكر الاختلاف أو نفي الرواية مع اسم الراوي، انظر مثلاً:
(ص101) رقم (6) و(ص430) رقم (8) و(ص431) رقم (3) من حرف السين.
5 ـ ويذكر عدد حديث الشخص: مثل (ص367) رقم (9).
6 ـ ويعدد أسماءه ـ تأكيداً على تمييزه ـ مثل (ص 289) رقم (146) ولو ظناً، مثل (ص390) رقم (40).
7 ـ ويستعمل ألفاظاً خاصة بأصحاب الطبقات مثل «الحق» انظر (ص406) رقم (13) و(14).
ومثل «أدْرَك» و«عاصَرَ» و«لَقِيَ» وغيرها.
8 ـ وإليك النص التالي الدال بوضوح على أنَّ الشيخ إنَّما يهتم في كتابه بأمر تحديد الطبقة، يقول في ترجمة: (الحُسَيْن بن الحَسَن بن أبان):
ذكر ابن قولويه: «أنَّه قُرابَةُ الصَفَّارِ وسَعْدِ) وهو أقدم منهما، لأنَّه روى عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه.
وكلمة (القرابة) تعني القرب في العصر والطبقة، ومعنى الكلام أنَّ ابن قولويه ذكر أنَّ ابن أبان يقرب من الصفار وسعد من حيث الطبقة فهما من طبقة واحدة، لكن الشيخ الطوسي، لا يقبل ذلك ويقول: إنَّ ابن أبان أقدم منهما طبقة، لروايته عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه، فهما متأخران طبقة عن ابن أبان.
وهذا أوضح دليل على أنَّ الشيخ يتصدى في كتابه هذا إلى موضوع تعيين الطبقات، خاصة إذا لاحظنا خلوه من أي اهتمام رجالي آخر، كالجرح والتعديل أو ذكر الطرق، أو أيَّة خصوصية رجالية أخرى.
وقد أدى الشيخ هذا الدور في الكتاب بشكل علمي دقيق، وبشكل فني ظريف بما لا مزيد عليه.
9 ـ وأخيراً نجد التصريح بلفظ «الطبقة» في مورد من كتابه، قال في ترجمة محمد بن أحمد بن الوليد: يروي عن حماد بن عثمان ومن في طبقته)[654](.
10 ـ وأما في خصوص باب «مَنْ لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام)» فد أبدى اهتماماً أكثر بما يفيد تعيين الطبقة، حيث أن الأبواب السابقة محددة بعصر كل إمام إمام، فيكون عصر الراوي محدداً بزمن السماع من الإمام المعقود له الباب، فلم يكن بحاجة إلى تمييز الراوي إلا من جهة معرفة شخصه، بمشخصاته الخاصة من اسم الأب أو الكنية أو البلد أو الصنعة أو الولاء، أو الإضافة إلى الأقارب، ونحو ذلك، وفي بعض الحالات المعدودة باللجوء إلى الرواة عنه ومعرفته بهم.
أما في هذا الباب، فإنَّ المعنون فيه لا بد وأن يتحدد بكلا طرفيه، بمن يروي الشخص عنهم، وبمن يروون عن الشخص، وبعبارة أخرى: لا بد أن تحدد طبقته بذكر الراوي والمروي عنه.
وقد استعمل هذا في أكثر تراجم هذا الباب، في غير من تأخر زمانه عن عصر الأئمة (عليهم السلام)، وأما في هؤلاء فيكتفي غالباً بتحديد زمن الولادة والوفاة بالسنين لأنها معلومة غالباً.
وأما الإشكال في موارد خاصة
فقد يوجد في الأسانيد رواية بعض المتأخرين عن عصر الأئمة (عليهم السلام) في الطبقة، عن بعض المتقدمين في الطبقات السابقة. مثلاً، رواية سعد بن عبدالله الأشعري المتوفى سنة (300) عن الهيثم بن أبي مسروق الذي هو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) المتوفى (114) أو الجواد (عليه السلام) المتوفى سنة (220) فإنَّ هذا غير ممكن إذا لاحظنا طبقتهما.
فنلاحظ أن الهيثم شخص معروف من جهة روايته، وهو في طبقة من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، لكن رواية سعد عنه مباشرة تفيد أنَّ سعداً قد أدرك الهيثم، ولازم ذلك:
إما أن يكون الهيثم قد بقي إلى عصر لقيه سعد، وهذا شيء لم يذكروه.
أو أن يكون الهيثم الذي روى عنه سعد شخصاً آخر غير الهيثم الراوي عن الأئمة (عليهم السلام)، فهذا من طبقة من لم يرو.
وبما أنَّ الهيثم واحد قطعاً، وليس هناك شخص آخر بهذا الاسم في الأسانيد، لعدم ذكرهم له، وبما أنَّ سعداً لا يمكن أن يروي مباشرة عن الراوي عن الأئمة (عليهم السلام)، فللازم هو الالتزام بأنَّ هذا السند: «سعد عن الهيثم» قد سقطت فيه واسطة ـ واحدة أو أكثر ـ ومعنى ذلك أنَّ الرواية مرسلة.
وهكذا، كلما وجد الشيخ أن في سند الحديث خللاً من حيث طبقة رواته، أو علة في اسم الراوي أو معرفة شخصه أو من جهة الكلام في اتصاله عند أعلام الطائفة إذا حكموا بإرساله أو انقطاعه، أو حكموا بعدم لقاء الراويين أو شكوا في سماع الراوي عن المروي عنه، فإنَّ الشيخ يورد المروي عنه في «باب مَنْ لم يَرْوه عنهم» للدلالة على هذا الانقطاع والإرسال، وهذا البعد في الطبقة بين رواة الإسناد، وهذه العلة في رجاله.
وعمل الشيخ هذا هو بمثابة استنتاج من كتاب الرجال المبني على طبقات الرواة، واستثمار وتطبيق لما أورده في الأبواب السابقة من جهد علمي.
ويبقى السؤال الأساسي: بماذا يرفع التنافي بين عد الراوي في الأبواب السابقة. وبين عده في هذا الباب؟
وبعبارة أخرى: إذا كان هؤلاء قد رووا بالفرض عن الأئمة (عليهم السلام)، كيف يقول عنهم في هذا الباب: «إنَّهم لم يرووا»؟
أقول: إذا لوحظ الغرض المزبور من عقد الأبواب علمنا أن الشيخ إنما يعقدها لطبقة من روى وطبقة من لم يرو، والمذكورون إذا وردوا في سند مرسل، كما في الهيثم، يكون الشخص في ظاهر هذا السند في طبقة من لم يرو، وإلا لم يمكن رواية سعد عنه، ولا أقل من وجود شبهة فيهم أن يكونوا ممن لم يرو، وهذا كاف في تجويز ذكرهم هنا، وغرض الشيخ هو التنبيه على هذه الجهة، كي يعرف أمر المذكورين فحيثما قطع بالاتحاد بين المذكورين سابقاً ولاحقاً، فالحكم يكون على الرواية بالإرسال والانقطاع ويجزم بذلك، ويخرج المذكورون عن شبهة دخولهم في طبقة من لم يرو.
وهذه ملاحظة دقيقة دل عليها الشيخ بتصرفه البديع ذلك، فعنوان الباب هو «طبقة مَنْ لم يَرْو» وهؤلاء في هذه الطبقة على ظاهر الأسانيد المرسلة، وإن كانوا في طبقة الرواة على أساس رواياتهم عن الأئمة (عليهم السلام).
وبهذا أيضاً يعرف وجه ذكر الشيخ لجمع من الرواة في أبواب من روى عن الإمام، مع تصريحه في ترجمة كل بأنه «لم يَرْو عنه» وإنما لحقه أو أدركه.
وذلك، لأنَّ إدراك الراوي للإمام ولحوقه بعصره، يوجب دخوله في طبقة من روى، فهذا هو الموجب لذكره، ولكن بما أنَّ الشيخ يعلم عدم روايته، لزمه أن يذكر ذلك ليتداركه، ويتلافى احتمال روايته، أو دفعاً لتوهم أنه روى.
وإذا تمكنا من إثبات هذا الرأي ـ كما سيأتي مفصلاً ـ ظهر لنا أنَّ التنافي بين عد الرجل في أبواب من روى وفي باب من لم يرو ليس إلا مجرد صورة التنافي، فلا مناقضة واقعاً بينهما، لأنَّ الشيخ لا يريد أن يقول «روى» و«لم يرو» ـ والشيخ يجل مقامه من أن يتصور ذلك في حقه ـ.
بل أراد الكشف عن أنَّ روايات هؤلاء ـ تلك التي وردت بطرق خاصة ـ إنما هي من نوع الحديث «المُعَلَّل» وهو ما فيه علة غامضة خفية، وظاهره السلامة.
قال العاملي: أما وقوعها في السند، فكاشتراك الراوي بين الثقة وغيره، ورواية الراوي عمن لم يلقه قطعاً، أو مخالفة غيره له في السند، مع قرائن أخرى تنبه الحاذق على وهم، بإرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو إدخال سند في سند، أو نحو ذلك، بحيث يغلب على ظنه الخلل بعدم الصحة أو يتوقف فيه.
وقال الشهيد: وإنما يتمكن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطرق الحديث ومتونه، ومراتب الرواة، الضابط لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك، ويستعان على إدراكها ـ أي العلل المذكورة ـ بتفرف الراوي بذلك الطريق، أو المتن وبمخالفة غيره له، مع انضمام قرائن تنبه العارف على تلك العلة، من إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بحيث يغلب على الظن ذلك ولا يبلغ اليقين، وإلا لحقه حكم ما تيقن من إرسال وغيره، أو يترد في ذلك فيتوقف.
ولا ريب أنَّ شرط الخبر الصحيح الذي يعمل به سلامته من العلة فيه وأما ما يتراءى من عدم التفات الأصحاب إلى هذه الجهة في الأسانيد المبحوث عنها، فليس إلا من جهة عدم التأمل الدقيق في عبارة الشيخ في الرجال وفي طرقه في الفهرست، ولعدم التفاتهم إلى مدى اعتبار انتفاء العلة في حجية الحديث.
وقد نقل عن الشهيد قوله: إنَّ رواية الراوي عن المعصوم تارةً بالواسطة، وأخرى بدونها اضطراب في السند، يمنع من صحته.
وقد ذكر الشيخ في مثل ذلك قوله: «وهذا مما يضعف الاحتجاج بالخبر».
وللتفصيل عنه مجال آخر.
ومع قطع النظر عن ذلك فإنَّ في ذكر ذلك والتدقيق فيه مزية يختص بها أمثال الشيخ من المهرة في فن الرجال من بيان واقع حال السند، وإن لم يكن له أثر في الحكم عليه من حيث الاعتبار.
تطبيق الحل المختار على الموارد:
ونبدأ الآن بتطبيق هذا الرأي على الموارد المفروض وقوع الإشكال فيها، ولا بد من التذكير ـ أولاً ـ بأمور:
1 ـ أنَّ أي حل يفرض لهذه المشكلة لا بد أن يكون مطرداً في جميع الموارد قابلاً للتطبيق عليها كلها.
وقد أشار السيد بحر العلوم إلى ذلك في جوابه عن بعض التوجيهات، بقوله: مع عدم ظهور اطراده في مواقع الإشكال.
2 ـ إنَّ منهج الشيخ في تأليف كتاب الرجال عامة يعتمد على كتب الحديث، فحيثما وجد رواية لأحد عن واحد من الأئمة (عليهم السلام) أثبت اسم ذلك الراوي في باب أصحاب ذلك الإمام، باعتبار روايته عنه، وحاول أن يشخصه بما يعرفه من مشخصات ومميزات، وإذا تكررت روايته عن ذلك الإمام بعنوان آخر كرره في نفس الباب أيضاً بالعنوان الثاني، وإن روى عن إمام آخر أدرجه في بابه كذلك، ويشير أحياناً إلى سبق روايته عن إمام آخر أو لحوقها كذلك.
وقد أحرزنا هذا المنهج بالتتبع في كتب الحديث المختلفة للخاصة والعامة، فوجدنا فيها أسماء من ذكرهم الشيخ في الرجال، بينما لا ذكر لهم في أي كتاب رجالي آخر، ولتفصيل الاستدلال عليه مجال آخر.
والغرض من هذا أنه لا بد لإحراز ما صنعه الشيخ فيما يرتبط بالمشكلة من مراجعة كتب الحديث التي كانت متوفرة لدى الشيخ للعثور على الروايات التي ترتبط بالمذكورين في موارد المشكلة بأسانيدها التي أشار الشيخ إليها هنا في باب «لم». ونحاول في ما يلي الكشف عن وجه الخلل الممكن فيها، من حيث الإرسال وغيره، بما يلائم رأينا في الحل.
ولا بد أن نذكر أن أكثر تلك الأسانيد المعللة، مذكورة في كتاب «الفهرست» للشيخ الطوسي، بما يقرب الاعتقاد بأنَّ ما عمله في هذا الباب ناظر إلى تصحيح أسانيد الفهرست.
3 ـ أنَّ ما أثبته الشيخ في هذا المجال لا يكون منفصلاً عن سائر ما يلتزم به الشيخ من القواعد والنظريات الرجالية والأصولية، فلا بدأ أن تؤخذ بنظر الاعتبار، كما سيجيء شرحه عند المورد (32).
4 ـ أنَّ الموارد المذكورة ليس حكمها على حد سواء في أنها تحل بهذا الرأي.
بل إنَّ بعضها خارج عن مورد الإشكال للقطع فيها بالتعدد، ويؤيده أنَّ الشيخ أعاد الأسماء باختلاف في الألقاب والنسب وغير ذلك، مما يوهم التعدد أو يكون المورد قابلاً له.
وفي بعضها الآخر، ليس للإشكال مورد أصلاً، كما إذا كان الشيخ قد ذكر اسمه في أبواب من روى على أساس إدراكه ولحوقه لا على أساس روايته.
تبقى الموارد الأخرى داخلة، وسنحاول تطبيق هذا الحل المختار عليها، حسبما يساعدنا عليه التوفيق إن شاء الله.
الموارد
المورد (1)
إبراهيم بن رجاء المعروف بابن هراسة
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) بقوله: إبراهيم بن رجاء، أبو إسحاق المعروف بابن هراسة الشيباني الكوفي.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: إبراهيم بن هراسة.
أقول: إشكال الطبقة فيه يظهر من سند الشيخ إليه في الفهرست، فإنه يروي عنه محمد بن أبي القاسم وهو المعروف بـ«ما جيْلوَيْه» الذي ترجمه النجاشي ووثقه وقال فيه: صهر أحمد بن أبي عبدالله البرقي، أخذ عنه العلم والأدب.
والبرقي أحمد توفي سنة (274) أو (280) فتلميذه متأخر عنه طبقة، فكيف يروي ما جيلويه عن إبراهيم الذي هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) مباشرة وبلا واسطة؟
وبما أنَّ «إبراهيم بن هراسة» ليس متعدداً قطعاً، وليس في الرجال في طبقة «مَنْ لم يَرْوِ» من ترجم بهذا الاسم، فلا بد أن يكون السند مرسلاً.
المورد (2)
إبراهيم بن إسحاق أو العجمي
قال الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام): إبراهيم بن إسحاق، ثقة. ونقله القهپائي، وأضاف: سيذكر عند «لم» بعنوان إبراهيم العجمي.
وقد ذكر الشيخ في باب «مَنْ لم يَرْوِ» ما نصُّه إبراهيم العجمي، من أهل نهاوند، روى عنه البرقي أحمد بن أبي عبدالله.
وأورد رواية البرقي عن الفهرست.
أقول: الظاهر أنَّ الأول غير الثاني، فإنَّ المسمى بإبراهيم بن إسحاق في رجالنا عدة، والمحتمل هنا، اثنان:
1 ـ الذي عده الشيخ من أصحاب الهادي (عليه السلام) ووثقه، وقد عده البرقي أيضاً من أصحابه وقال: إبراهيم بن إسحاق بن أزور شيخ لا بأس به وهذا لم ينسب إلى نهاوند، ولم يرو عنه البرقي.
2 ـ والذي في «لم» وهو إبراهيم بن إسحاق النهاوندي المعروف بالأحمري الذي صرحوا بضعفه.
وهذا لم يعد في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ولم يرو عنه البرقي حسب تتبعنا.
وهذان متعددان قطعاً.
وأما المذكور بعنوان إبراهيم العجمي، فإن كان هو الثاني كما احتمله السيد الخوئي فهو غير الأول، لما عرفت من تعددهما.
وإن كان غيره، فهو شخص ثالث غيرهما، فلاحظ.
فهذا المورد ليس من موارد النقض، بل هو من المتعدد.
المورد (3)
إبراهيم بن صالح
قال الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) وقال في أصحاب الرضا (عليه السلام): إبراهيم بن صالح.
وقال في باب «مَنْ لم يِرْوِ» إبراهيم بن صالح الأنماطي روى عنه أحمد بن نهيك، ذكرناه في الفهرست)[655](.
وأورد ترجمته في الفهرست لكن فيه رواية عبدالله بن أحمد بن نهيك.
أقول: ذكر البرقي في أصحاب الباقر (عليه السلام): إبراهيم بن صالح الأنماطي. وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام): إبراهيم بن صالح.
وقد ترجم النجاشي لاثنين باسم (إبراهيم بن صالح الأنماطي) قال في أحدهما: الأسدي ثقة، روى عن أبي الحسن (عليه السلام) ووقف.
والظاهر من قوله (وقف) أنه يروي عن الكاظم (عليه السلام)، لأن الواقفة إنما يروون عنه دون الرضا(عليه السلام).
وقال في الآخر: يكنى بأبي إسحاق. كوفي، ثقة لا بأس به.(وكذلك ترجم الشيخ في الفهرست لاثنين باسم (إبراهيم بن صالح).
وكذلك الشيخ ابن شهر آشوب في معالم العلماء.
وقد استظهر الشيخ الكاظمي من تعدد الترجمة في هذه الكتب أنَّ المترجمين متعددان، وقال: الأظهر التعدد لبعد التكرار من هؤلاء.
أقول: ما يرتبط بمورد بحثنا من رجال الشيخ، فقد عرفنا أنه ذكره ثلاث مرات: مرة في رجال الباقر (عليه السلام)، ومرة في رجال الرضا (عليه السلام)، ومرة في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، فالاحتمالات في ذلك:
1 ـ فإن جعلنا الأولين شخصاً واحداً، والثالث شخصاً آخر، فلا إشكال من حيث الطبقة إلاَّ أنَّه يرد عليه أنَّ الراوي عن الثاني وعن الثالث في رجال النجاشي واحد، وهو عبيد الله بن أحمد، وهذا يدعو إلى اتحادهما.
أقول وسيجيء جوابه في الاحتمال الثالث، وهذا من مؤيداته، وانظر ما ذكره السيد الخوئي بهذا الصدد.
2 ـ وان جعلناهم ثلاثة كما يظهر من السيد الأستاذ فلا إشكال أيضاً.
3 ـ ومن المحتمل أن يكون الأول منفرداً، وأن يكون الثاني والثالث شخصاً واحداً، وحينئذٍ فالإشكال يطرح، بأنه: كيف يعد من أصحاب الرضا(عليه السلام) ويذكر في باب «لم»؟
فنقول: إنَّ رواية عبيدالله بن أحمد بن نهيك عمن هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) بل الكاظم (عليه السلام)، مباشرة لا تتحملها الطبقة، فيكون حديثه مرسلاً.
وإن جعلنا الراوي عن إبراهيم هو أحمد بن نهيك لا ابنه، كما هو صريح عبارة الشيخ في باب «مَنْ لم يَرْوِ».
فالخلل في السند من جهة اختلاف الراوي عن إبراهيم، هل هو أحمد أو ابنه عبيدالله؟
ومما يؤيد هذا الخلل أنَّ سند النجاشي إلى عبيد الله هو بوسائط ثلاث، بينما سند الطوسي إليه بأربع وسائط، مع اتحاد طبقة الطوسي والنجاشي.
وعلى هذا فإشكال الطبقة وارد.
المورد (4)
أحمد بن إدريس القمي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): أحمد بن إدريس القمي المعلم، لحقه (عليه السلام)، ولم يرو عنه.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: أحمد بن إدريس القمي، الأشعري، يكنى أبا علي وكان من القواد، روى عنه التلعكبري، قال: سمعت منه أحاديث يسيرة في دار ابن همام، وليس لي منه إجازة.
أقول: وليس هذا من موارد الإشكال لأن الشيخ يصرح في الأول بأنه لم يرو عن الإمام (عليه السلام)، وإنما الإشكال فيه وفي أمثاله: لماذا ذكره الشيخ في أصحاب الإمام مع أنه عقد الباب لذكر الرواة عنه (عليه السلام) وهذا ليس منهم؟
وقد أجبنا عن ذلك فيما مضى، وحاصل الجواب: أنَّ الشيخ إنما عقد الأبواب لطبقة الرواة، والذي لحق الإمام وأدركه، يكون في هذه الطبقة، ولكن بما أنَّ هذا الراوي لم يرو عنه، ذكره الشيخ في أصحابه وصرح بعدم روايته دفعاً لشبهة أنه روى، أو رداً على من زعم أو توهم ذلك.
المورد (5)
أحمد بن الحسن بن إسحاق
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) بقوله: أحمد بن الحسن بن إسحاق بن سعد.
وذكره في «باب مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» بقوله: أحمد بن الحسن بن إسحاق، روى عنه ابن نوح.
أقول: الظاهر أن ابن نوح هو أبو العباس أحمد بن علي السيرافي البصري وهو شيخ النجاشي، قال الشيخ عنه: مات من قرب.
ومن الواضح أنه لا يروى عن أصحاب الهادي (عليه السلام) مباشرة، لبعد الطبقة، فروايته عنه مرسلة.
وإن كان المراد بابن نوح (أيوب بن نوح) فالإشكال أقوى، حيث أنه أقدم من أحمد هذا، فكيف يروي عنه؟
المورد (6)
أحمد بن عمر الحلال أو الخلال
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): أحمد بن عمر الحلال، كان يبيع الحل، كوفي، إنماطي، ثقة، ردي الأصل.
أقول: في النسخة المخطوطة: «الخلال» بالمعجمة.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم»: أحمد بن عمر الحلال، روى عنه محمد بن عيسى اليقطيني.
أقول: إنَّ رواية اليقطيني عنه أوردها في الفهرست في ترجمة (عبدالله بن محمد الحصيني) وهذا من أصحاب الرضا(عليه السلام). والإشكال فيه من جهتين:
1 ـ أنَّ سند النجاشي إلى (أحمد الحلال) هو: محمد بن عيسى بن عبيد (وهو اليقطيني) عن عبدالله بن محمد عن أحمد.
فلا يروي اليقطيني عن أحمد مباشرة.
2 ـ أن رواية اليقطيني عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرة فيها كلام، وقد ذكروا أنه أصغر في السن عن أن يروي عن ابن محبوب، المتوفى سنة (224).
وعلى هذا فإشكال الطبقة واضح.
وللشيخ ابن داود الحلي ـ في هذا المورد ـ رأي آخر، قال: الظاهر أنهما رجلان، فابن الخلال، بالمعجمة، من أصحاب الرضا (عليه السلام)، والذي بالمهملة ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام).
والنسخة المخطوطة توافقه، وكذلك نسخة صاحب المنهج.
وعلى هذا الاحتمال، فليس هذا من موارد النقض.
ولعل نظر الشيخ إلى انقطاع الطريق لما ذكره الأعلام في (محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني)، فاستثنوا روايته من كتاب (نوادر الحكمة) وسيأتي تفصيله في المورد (32).
وأشار الأسترآبادي إلى شيء من هذا بقوله: ومحمد بن عيسى يكون قد روى عنه [أي عن أحمد] الكتاب بواسطة، وغيره بلا واسطة.
ولكن عبارته غير واضحة الدلالة، وانظر المورد [52].
المورد (7)
بكر بن صالح الرازي
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): بكر بن صالح الضبي، الرازي مولى وقال في باب «من لم يرو» بكر بن صالح الرازي، روى عنه إبراهيم بن هاشم.
وأورد في الفهرست رواية إبراهيم عنه ونقل عن تفسير القمي روايته عنه، وكذلك وقعت في طريق الصدوق إلى (بكر) في المشيخة.
أقول: لعل الوجه فيه أنَّ (بكراً) من قدماء أصحاب الرضا (عليه السلام) بدليل رواية كثير من أصحابه (عليه السلام) عنه، كالحسين بن سعيد.
وإبراهيم بن هاشم، وإن لقي أصحاب الرضا (عليه السلام)، لكنه لم يرو عن كبارهم، ولذا شكك في لقائه للإمام الرضا (عليه السلام)، وتلمذته ليونس بن عبدالرحمن، وقد تنظر النجاشي في ذلك، على الرغم من قول الكشي به وقد صوب السيد الأستاذ نظر النجاشي باعتبار: أنَّ إبراهيم ليست له رواية مباشرة عن يونس.
المورد (8)
بكر بن محمد الأزدي
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): بكر بن محمد أبو محمد الأزدي، الكوفي، عربي.
وذكره البرقي في رجاله (عليه السلام): وقال عربي كوفي.
وعده الشيخ في رجال الكاظم (عليه السلام) وقال: له كتاب. وذكره البرقي في رجاله (عليه السلام).
وذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: له كتاب من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
وقال في باب «من لم يَرْوِ» روى عنه العباس بن معروف.
أقول: أورد روايته عنه في الفهرست.
والظاهر أن الإشكال فيه كما في المورد السابق حيث أنَّ بكراً من كبار أصحاب الرضا (عليه السلام)، والعباس من صغارهم، فلاحظ.
المورد (9)
ثابت بن شريح
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): ثابت بن شريح الكوفي الصائغ.
وفي باب «من لم يَرْوِ» قال: ثابت بن شريح، روى عنه عبيس بن هشام.
وقد أورد روايته عنه في طريقه النجاشي والفهرست.
وأورد في الفهرست بعده رواية ابن نهيك عنه.
والإشكال: أن عبيساً هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، فكيف يروي عن من هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة؟
وقد يكون الإشكال في رواية ابن نهيك عنه أيضاً، لأنه بعيد عنه طبقة، فلاحظ.
المورد (10)
جعفر بن أحمد
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) وكذلك البرقي باسم: جعفر بن أحمد.
وذكره الشيخ في باب «من لم يرو» بقوله: جعفر بن أحمد بن أيوب، يعرف بابن التاجر، من أهل سمرقند، متكلم، له كتب)[656](.
أقول: «لم يظهر كونهما واحداً، بل الظاهر هو التعدد، فإنَّ الثاني يروي عنه العياشي والكشي مباشرةً، كما في ترجمته عند النجاشي. وهما متأخران طبقة عمن يروي عن أصحاب الهادي (عليه السلام)، فلاحظ.
فالمورد ليس من موارد النقض.
المورد (11)
الحسن بن خرزاد
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) وقال: قمي.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: من أهل كش.
أقول: استظهر الاتحاد بعضهم، وقال القهپائي: الظاهر أنَّه واحد، فكيف يكون ممن لم يرو، وكأنَّ أصله من كش، وهو مجاور بقم.
وقال السيد الخوئي ـ بعد أن ذكرهما متعاقبين ـ. يحتمل اتحاده مع سابقه والله العالم.
وقد دمجهما ابن داود في ترجمة واحدة.
وقد أغرب ابن داود في صنيعه، حيث أنَّ مبناه في أمثاله هو التعدد، كما عرفنا في التوجيه الأول مفصلاً.
مع أنه لم يظهر من كلام الشيخ أية قرينة على الاتحاد، بل العكس هو الظاهر، فإنه استعمل النسبة إلى البلد قرينة على التعدد ومميزاً، فالأول قمي، والثاني كشي، وما أبعد ما بينهما!
وعلى فرض الاتحاد، فالظاهر أنَّ الإشكال إنما هو في رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن خرزاد، لأنهم ذكروا في ترجمة (أحمد بن محمد بن عيسى) أنه لا يروي عن الحسن هذا)[657](.
وعليه: فاللازم إضافة قولنا (روى عنه أحمد محمد بن عيسى) في ترجمة (الحسن بن خرزاد) في «لم» ليعلم وجه الإشكال فيه.
المورد (12)
الحسن بن موسى الخشاب
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام).
وذكره في باب «من لم يرو» بقوله: روى عن الصفار. ورواية الصفار عن الخشاب في الفهرست.
لعل الإشكال في أنَّ الصفار متأخر طبقة عن الرواية عن الخشاب، لأن سعد بن عبدالله وهو في طبقة الصفار قد روى عن الخشاب بواسطة وهو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، فكيف يروي الصفار عنه بلا واسطة.
ولكن قد وردت روايته عنه بلا واسطة أيضاً فلاحظ.
المورد (13)
الحسين بن أشكيب
قال الشيخ في رجال الهادي (عليه السلام): الحسين بن أشكيب القمي، خادم القبر.
وقال في أصحاب العسكري (عليه السلام): الحسين بن أشكيب المروزي، المقيم بسمرقند وكش، عالم، متكلم، مصنف للكتب.
وقال في باب «من لم يرو»: الحسين بن أشكيب المروزي، فاضل، جليل، متكلم فقيه مناظر، صاحب تصانيف لطيف الكلام، جيد النظر.
أقول: ترجم النجاشي للحسين بن أشكيب، وأورد في ترجمته قول الكشي يكون الرجل من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وقال هو القمي خادم القبر، وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): المروزي المقيم بسمرقند، وكش، عالم متكلم، مؤلف للكتب.
ويظهر من اتفاق عبارة الكشي مع عبارة الشيخ الطوسي، أنَّ الشيخ اعتمد على نقل الكشي في عد الرجل من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) ويظهر من عده في باب «لم» أنه لم يقف له على روايته عن الإمامين (عليهم السلام)، فكأنه استدرك بذلك على الكشي.
وقد يؤيد ذلك بأنَّ الشيخ حذف ترجمة الرجل من ما اختاره من رجال الكشي فلم يوجد في اختياره المطبوع.
المورد (14)
الحسين بن الحسن بن أبان
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): الحسين بن الحسن بن أبان، أدركه (عليه السلام) ولم أعلم أنه روى عنه، وذكر ابن قولويه أنه قرابة الصفار وسعد بن عبدالله، وهو أقدم منهما، لأنّه روى عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه.
وقال في باب «من لم يرو»: الحسين بن الحسن بن أبان، روى عن الحسين بن سعيد كتبه كلها، روى عنه ابن الوليد.
أقول: ليس هذا من موارد النقض، لتصريح الشيخ في الباب الأول بعدم وقوفه على روايته عن الإمام، وأما عده مع ذلك في باب أصحابه (عليه السلام) فقد ذكرنا أنَّ وجهه هو تلافي توهم كونه من الرواة، ولعلَّ في الرجاليين من اعتقد أو التزم بذلك.
ويظهر من نقل الشيخ كلام بن قولويه، والرد عليه، تصدي الشيخ لتعيين طبقة الرجل بدقة وافرة.
وأما قول الشيخ: «روى عنه ابن الوليد» فدليل آخر على أنَّ الشيخ إذا ذكر الراوي عن الرجل، فإنما يريد تعيين طبقته بذلك، فابن الوليد ـ والمراد هنا هو محمد بن الحسن ـ إنما يروي عن أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) بواسطة دائماً هي الصفار ومن في طبقته، مع أنّه قد روى عن الحسين بن الحسن بن أبان هذا بواسطة محمد بن يحيى العطار في بعض الروايات.
ولاحظ منتقى الجمان (ج1 ص38 الطبعة الأولى) ورجال الخاقاني (ص195 ـ 197).
(المورد (15)
حفص بن غياث
ذكره الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) وقال: حفص بن غياث، عامي.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر، النخعي القاضي الكوفي، أسند عنه.
وقال في أصحاب الكاظم (عليه السلام): حفص بن غياث النخعي، الكوفي، صاحب أبي عبدالله (عليه السلام) )[658](.
وقال في باب «من لم يرو»: حفص بن غياث القاضي، روى عنه ابن الوليد عن محمد بن حفص، عن أبيه.
أقول: أورد رواية ابن الوليد عن ابنه محمد عنه في الفهرست.
والنجاشي رواه بعين السند لكن فيه: ابن الوليد عن عمر بن حفص عن أبيه.
وحفص هو من كبار العامة وقضاتهم توفي سنة (194) والمشهور أنَّ الراوي عنه هو ابنه عمر المتوفى سنة (222) وقد ترجم له علماء العامة.
وأما ابنه (محمد) فلم أجد له ذكراً في المعاجم الرجالية، إلا ما ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب «من لم يرو عنهم (عليهم السلام)» والظاهر أنه استند في ذلك إلى نفس هذا السند الذي كان بيده، وأورده في الفهرست، ويظهر أنَّ الشيخ علل هذا السند بوجود (محمد) فيه، حيث لم يذكر لحفص ابن بإسم (محمد) ولا ترجم في المعاجم، وكأنَّه يشير إلى احتمال تصحيف (عمر) إلى (محمد) في سند كتابه.
المورد (16)
حمدان بن سليمان النيسابوري
قال الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام): حمدان بن سليمان بن عميرة، نيسابوري، المعروف بالتاجر.
وقال في أصحاب العسكري (عليه السلام): حمدان بن سليمان النيسابوري.
وقال في باب «من لم يرو»: حمدان بن سليمان النيسابوري، روى عنه محمد بن يحيى العطار.
أورد رواية العطار عنه النجاشي والفهرست بل قيل في ترجمته: إن العطار كان من أخص أصحاب حمدان.
ولم يتبين لي وجه إعادة الشيخ له هنا.
إلاَّ أنَّ لي ملاحظة على رواية نقلت عن الكافي، الجزء (6) كتاب الأشربة باب المياه المنهي عنها (10) الحديث (3) وفي سنده:
(حمدان بن سليمان عن محمد بن يحيى).
ويلاحظ فيها أن (محمد بن يحيى) هذا من هو؟ وما هو شأنه؟ وانظر المورد (35).
المورد (17)
الريان بن الصلت
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): الريان بن الصلت، بغدادي، ثقة خراساني الأصل.
وقال في أصحاب الهادي (عليه السلام): الريان بن الصلت البغدادي ثقة.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: الريان بن الصلت، روى عنه إبراهيم بن هاشم.
أقول: هما اثنان.
1 ـ الريان بن الصلت، الأشعري القمي، ترجم له النجاشي وقال: روى عن الرضا (عليه السلام) وكان ثقة صدوقاً.
2 ـ البغدادي الثقة، ذكره الشيخ في أصحاب الرضا والهادي (عليه السلام) وقال؛ خراساني الأصل، كما مرَّ.
وأما من ذكره الشيخ في «لم» فقد عنونه في الفهرست أيضاً بالريان بن الصلت من دون وصف، وقال: له كتاب، رواه بسنده عن إبراهيم بن هاشم عنه.
فكأن الشيخ يريد أن يعبر عن تردد الرجل بين الأشعري القمي، أو البغدادي الخراساني، ولا شك أن هذا يدخل الحديث في المعلل، من حيث عدم تعين شخص المروي عنه، فلاحظ.
المورد (18)
زرعة بن محمد
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): زرعة بن محمد الحضرمي.
وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام) أضاف: واقفي.
وقال في باب «لم»: زرعة بن محمد، عن سماعة.
أقول: قوله: «عن سماعة» يعني سماعة بن مهران، والمراد: أنَّ زرعة يروي عن سماعة بن مهران، والكلام ـ بهذا المقدار ـ غير مفيد أثراً جديداً، لأنَّ روايات زرعة عن سماعة كثيرة جداً، بل هو من أخص أصحابه، ويشتركان في اعتقاد الوقف.
وأتصور أنَّ في عبارة الشيخ هنا نقصاً.
ولعله نظر إلى رواية خاصة لزرعة ابن محمد، رواها شخص معين، لم يرد اسمه في الكتاب.
وأظن أنَّ المنظور إليه هو رواية الحسين بن سعيد الأهوازي عن زرعة.
لما ذكر في ترجمة الحسين من أنَّ روايته عن زرعة مرسلة، لتوسط أخيه الحسن بينهما.
قال الشيخ في ترجمة الحسن: روى جميع ما صنفه أخوه عن جميع شيوخه وزاد عليه بروايته عن زرعة عن سماعة، فإنه يختص به الحسن، والحسين إنما يرويه عن أخيه عن زرعة.
ومن المحتمل ـ بعيداً ـ أن يكون نظر الشيخ إلى رواية خاصة لزرعة عن سماعة أوردها الكشي، وفيها تكذيب الإمام الرضا (عليه السلام) له، فلاحظ.
المورد (19)
سعد بن عبدالله القمي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): سعد بن عبدالله القمي، عاصره (عليه السلام)، ولم أعلم أنَّه روي عنه.
وقال في باب «من لم يرو» سعد بن عبدالله بن أبي خلف القمي، جليل القدر، صاحب تصانيف، ذكرناها في الفهرست، روى عنه ابن الوليد وغيره، وروى عنه ابن قولويه عن أبيه عنه.
أقول: في لقاء سعد للإمام العسكري (عليه السلام) كلام، قال النجاشي: في مولانا أبا محمد (عليه السلام)، ورأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد، ويقولون: هذه حكاية موضوعة عليه.
أقوله: والإشارة إلى حديث اللقاء الذي رواه الصدوق)[659]( وقد تحدث الشيخ التستري عن الحديث متناً وسنداً بتفصيل بعد إيراده له.
وعلى فرض صحة الحديث وثبوت اللقاء فليس فيه رواية سعد عن الإمام العسكري (عليه السلام) شيئاً، كما هو واضح فيه، فلا يكون ـ على كل حال ـ ممن روى عنه (عليه السلام).
وهذا المورد ليس من موارد النقض بعد تصريح الشيخ بعدم علمه بروايته عن الإمام.
المورد (20)
سليمان بن صالح الجصاص
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): سليمان بن صالح الجصاص الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: سليمان بن صالح الجصاص روى عنه الحسن بن محمد بن سماعة.
أقول: الحسن بن محمد بن سماعة توفي سنة (263) فهو لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة.
وقد أورد الشيخ رواية ابن سماعة عنه في الفهرست.
لكن النجاشي أورد بعين السند وفيه: ابن سماعة قال: حدثنا الحسين بن هاشم عن سليمان.
فظهر أن ما أورده الشيخ في الفهرست من السند مرسل، ولذا أورد ذكر (سليمان) في طبقة من لم يرو.
المورد (21)
سندي بن الربيع
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: كوفي.
وذكره في أصحاب العسكري (عليه السلام) بقوله: سندي بن الربيع، ثقة كوفي.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: السندي بن الربيع بن محمد، روى عنه الصفار.
أقول: ذكر في الفهرست رواية الصفار عمن سماه بسندي بن الربيع البغدادي، وأسند إلى الصفار عنه.
وعنون النجاشي للبغدادي وقال: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): وأسند إلى صفوان عنه.
ومن الواضح أنَّ البغدادي الذي روى عن الكاظم (عليه السلام) هو غير الكوفي الذي عده الشيخ من أصحاب الرضا والعسكري (عليهما السلام).
وأما المذكور في «لم» فلم يصفه بأحد الوصفين (البغدادي) أو (الكوفي)، ورواية الصفار عن (البغدادي) بعيد طبقة كما هو واضح، ولم يتشخص كون المروي عنه أيهما، وهذه هي العلة في السند.
وأما احتمال أن يكون السندي بن الربيع رجلاً واحداً، قد أدرك الكاظم والرضا والعسكري (عليهم السلام)، وأن يكون بغدادياً وكوفياً معاً، «من الممكن أن يكون أحدهما مولده والآخر مسكنه».
ففيه: أولاً أنَّ مجرد إمكان ذلك، لا يكون دليلاً على كونه فعلاً كذلك، ما لم يقم دليل واضح عليه، فإنَّ مجرد الإمكان لا يثبت به الوقوع.
وثانياً: أنَّ الشيخ لو كان ملتزماً بالاتحاد لذكر البغدادي في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ولجمع بين الوصفين عند ذكره في أحد المواضع، كما فعل ذلك مع عدة من المذكورين في رجاله فذكرهم مصرحاً بنسبتهم إلى أكثر من مدينة واحدة، كما قال: محمد بن علي الحلبي، كوفي، وحاتم بن إسماعيل المدني أصله كوفي وحازم بن إبراهيم البجلي الكوفي سكن البصرة وغيرهم.
والواقع أنَّ هذه غفلة عن طريقة أهل الطبقات حيث أنهم يعتمدون في كتبهم لتمييز الرواة وتحديدهم ـ بعد الطبقة وبعد ذكر الاسم واسم الأب ـ على الكنى ثم الأوصاف الخلقية، ثم الأنساب، ثم القبائل، أصلاً وولاء، ثم المهن والحرف، ثم المدن، ثم أماكن السكن، وهكذا.
ولهم في هذا أساليب ومصطلحات تدل على عنايتهم الفائقة بها، وأنَّ إفرادهم لنسبة أحد إلى مدينة عمل مقصود لهم، يميزون به الرواة بعضهم عن بعض وقد أدى الشيخ الطوسي هذه المهمة بجودة ودقة فائقة في رجاله.
وللتفصيل عن هذا مجال آخر.
المورد (22)
السندي بن محمد
ذكره في أصحاب الهادي (عليه السلام) وقال: السندي بن محمد أخو علي.
وذكره في باب «من لم يرو»: روى عنه الصفار، ولم يرد في المطبوعة، وإنما ورد في المخطوطة، وفي نسخة القهپائي، ونقله الأسترآبادي: عن نسخة لا تخلو من صحة.
وأما رواية الصفار عنه، فكثيرة.
لكن رواية الصفار عنه مباشرة فيها:
أولاً: أنَّ طريق الفهرست إلى (سندي بن محمد) ينتهي إلى الصفار عن أحمد بن أبي عبدالله عن سندي.
وهذا يعني أنَّ الصفار متأخر عنه بطبقة واحدة.
وثانياً: أنَّ رواية السندي هذا هو محمد بن علي بن محبوب، وهو في طبقة مشايخ الصفار، فكيف يروي الصفار عن سندي مباشرة.
المورد (23)
شعيب بن أعين الحدَّاد
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): شعب بن أعين الحداد الكوفي.
أقول: أورد الشيخ في الفهرست رواية الحسن بن محمد بن سماعة عن شعيب.
وقد عرفت في المورد (20) أنَّ الحسن بن سماعة قد توفي سنة (236)، فلا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة فروايته مرسلة.
المورد (24)
صالح بن مسلمة أبي حماد
قال الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام): صالح بن أبي حماد، يكنى أبا الخير.
وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): صالح بن أبي حماد.
وفي باب «من لم يرو» من نسخة القهپائي: صالح بن أبي حماد، روى عنه أحمد البرقي.
أقول: لم يرد في المطبوعة ولا المخطوطة.
ورواية أحمد البرقي عنه أثبتها الشيخ في الفهرست.
لكن البرقي قيل في حقه: إنَّه اعتمد المراسيل. ولعل ذلك هو السبب في تعليل حديثه.
المورد (25)
صالح بن عقبة
ذكر الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام): صالح بن عقبة.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان مولى رسول الله (ص).
وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام): صالح بن عقبة من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
وفي باب «لم» من نسخة القهپائي: صالح بن عقبة، روى عنه محمد بن إسماعيل بن بزيع.
أقول: ولم يرد في المطبوعة ولا المخطوطة.
وأما رواية ابن بزيع عنه، فقد ذكرها الشيخ في الفهرست وكذلك النجاشي في الرجال.
وعلى هذا لا إشكال في رواية محمد بن بزيع عنه إنْ كان هو صالح بن عقبة بن قيس الذي عدَّ في أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، لأنَّ ابن بزيع هو من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، إلا أنَّ النجاشي نسب روايته عن الصادق (عليه السلام) إلى «قيل» وقال: «والله أعلم» فيظهر أنه لم يتأكد من ذلك، ومع ذلك فإنَّ في الرواة شخصاً باسم (صالح بن عقبة بن خالد الأسدي) ترجم له النجاشي وأسند إلى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن محمد بن أيوب عنه.
وهذا لم يذكر في أصحاب أحد من الأئمة (عليهم السلام).
فإنْ كان المذكور في باب «لم» هو هذا الأسدي، فرواية محمد بن بزيع عنه مرسلة، لأنه مقدمٌ عليه بطبقة ويروي عنه بواسطة (محمد بن أيوب).
ويكفي هذا في تعليل مثل ذلك السند.
المورد (26)
طاهر بن حاتم بن ماهوية
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: غالي كذاب، أخو فارس.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: روى عنه محمد بن عيسى بن يقطين، غالي.
أقول: أورد النجاشي والفهرست رواية محمد بن عيسى عنه.
وخصصها الشيخ بقوله: «أخبرنا برواياته في حال الاستقامة».
وقال ابن الغضائري: كانت له حال استقامة، لكنها لا تثمر.
وقال السيد الخوئي: إنَّ رواياته بعد الانحراف لا تقبل، لشهادة الشيخ بأنَّه غال كذاب، وكذا ما تردد بين حال الاستقامة وحال الانحراف.
وأقول: فلعل الشيخ علل روايات محمد بن عيسى المطلقة عنه لذلك، ولعله استبعد الطبقة، لأن محمد بن عيسى اليقطيني يروي عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بواسطة، وقد مر بعض الكلام في ذلك في المورد (6) ويأتي مفصلاً في المورد (32) و(52).
المورد (27)
عامر بن عبدالله بن جذاعة
ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) وأضاف: الأزدي، عربيٌّ، كوفيٌّ.
وقال في باب «من لم يرو عنهم»: عامر بن جذاعة، روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما.
أقول: كذا في المخطوطة، وفي نسخة القهپائي: عامر بن جذاعة، روى عن حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنه.
وفي المطبوعة: عامر بن جذاعة، روى عن حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما (عليهما السلام).
وعلق محققه على قوله (عنهما) بما نصه: يريد بقوله (عنهما) الباقر والصادق (عليهم السلام)، وهو اصطلاح عند الرجاليين.
أقول: هذا الاصطلاح وإن كان معمولاً به في موارد القابلة إلاَّ أنَّ هذا ليس منها، لأن الراوي عنهما (عليهما السلام) إن كان إبراهيم الخزاز فمن الواضح أنه بعيد طبقة، فلا يروي عنهما (عليهما السلام) ، وإن كان (عامر) المعنون، فهو ـ بالفرض ـ ممن لم يرو.
والظاهر أن الذي أوقعه في الاشتباه خطأ النسخة، فالصحيح ما في المخطوطة من أن حميداً روى عن إبراهيم عن عامر وعن الرجل المذكور قبله في الرجال برقم (71) وهو (عبدالغفار الجازي) )[660](.
وقد ذكرهما الشيخ في الفهرست أيضاً متعاقبين وسنده إليهما واحد ينتهي بحميد عن القاسم بن إسماعيل عنهما، فلاحظ.
هذا، وأما الإشكال في المورد: فإنَّ رواية إبراهيم الخزاز عمن هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ومباشرة، بعيدة من حيث الطبقة، فحديثه مرسل.
وإن كان الرجل المذكور في «باب لم» شخصاً آخر كما يظهر من النسخ حيث لم يذكر فيها كلمة (عبدالله) بين عامر وجذاعة، فعامر بن جذاعة لم يذكر في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فيكون من طبقة من لم يروِ، ولا إشكال.
المورد (28)
العباس بن عامر
قال الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام): العباس بن عامر.
وقال في باب «من لم يرو»: العباس بن عامر القصباني، روى عنه أيوب بن نوح.
وأورد في الفهرست رواية أيوب عنه.
أقول: أيوب بن نوح من أصحاب الرضا والهادي والعسكري (عليهم السلام) وكان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمد (عليهما السلام)، وروى عن جماعة من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
فروايته عن العباس بن عامر، ليست بعيدة طبقة ولم أعرف الإشكال فيها.
إلاَّ أنَّ النجاشي في ترجمة العباس بن عامر من رجاله أسند إلى سعد بن عبدالله عن العباس.
وهذا السند منقطع بلا ريب، فلاحظ.
المورد (29)
عبدالجبار النهاوندي
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): عبدالجبار بن مبارك النهاوندي.
ومثله في أصحاب الجواد (عليه السلام).
وقال في «لم»: عبدالجبار من أهل نهاوند، روى عنه البرقي.
وذكر الشيخ في الفهرست ما نصه: عبدالجبار بن علي من أهل نهاوند، له كتاب، رويناه بالإسناد الأول، عن أحمد بن أبي عبدالله عنه.
أقول: إن لم نشكل في رواية البرقي أحمد (المتوفى 274 ـ أو ـ 280) عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرة، فإنَّ من الظاهر تعدد المذكور في «لم» ومن قبله لاختلاف أسماء الآباء فهذا ابن علي، وذلك ابن مبارك.
المورد (30)
عبدالعزيز بن المهتدي
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) بقوله: عبدالعزيز بن المهتدي أشعري قمي.
وقال في باب «من لم يرو»: عبدالعزيز بن المهتدي، جدّ محمد بن الحسين، روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى، والبرقي.
أقول: أما البرقي، فقد أورد روايته عن عبدالعزيز في رجال النجاشي والفهرست.
والمراد به أحمد بن محمد بن خالد المتوفى (274 ـ أو ـ 280).
وقد مر مراراً أنَّ روايته عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة، مضافاً إلى ما قيل في ترجمته من أنه يعتمد المراسيل.
وأما رواية أحمد بن محمد بن عيسى ـ وهو الأشعري ـ عن عبدالعزيز فلم أعرف وجه الإشكال فيها، إلاَّ على ما ذكره الكشي في ترجمة الأشعري من أنَّه كان يروي عمن كان أصغر سناً منه، فلاحظ.
المورد (31)
عبدالغفار الجازي
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) وقال: عبدالغفار بن حبيب الجازي.
وقال في باب «لم»: عبدالغفار الجازي)[661](.
وذكر بعده (عامر بن جذاعة) وقال: روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما)[662](.
وقد فصل القهپائي الضمير في الموردين وقال هنا: روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنه)[663](.
أقول: والإشكال فيه بين، فإن رواية الخزاز عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، بعيدة جداً.
المورد (32)
عبدالله بن محمد الشامي الدمشقي
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام) بقوله: عبدالله بن محمد يكنى أبا محمد، الشامي الدمشقي، يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وغيره.
وفي باب «لم»: عبدالله بن محمد الشامي، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: العلة في هذا المورد هو ما تسالم عليه علماء الفن من القاعدة الرجالية التي تلقوها بالقبول، وهي «مستثنيات ابن الوليد من نوادر الحكمة».
إنَّ محمد بن الحسن بن الوليد قد استثنى من كتاب «نوادر الحكمة» تأليف محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري ـ وهو كتاب كبير يشمل عدة من كتب الفقه والأحكام تبلغ (22) كتاباً وكان مؤلفه ثقة في الحديث، إلاَّ نَّ أصحابنا قالوا:
إنه كان يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء ـ فاستثنى ابن الوليد من هذا الكتاب مجموعة من الروايات، فتركت لأجل ذلك.
ولا بأس بأن نصرف جهداً في معرفة:
1 ـ عدة ما استثني، والنصوص المرتبطة بذلك.
2 ـ السبب الذي استثنيت تلك الأخبار من أجله.
3 ـ النتائج المترتبة على ذلك.
فنقول:
1 ـ موارد الاستثناء:
أورد النجاشي موارد الاستثناء نقلاً عن ابن الوليد ونقلها الشيخ عن ابن بابويه وبين النقلين اختلاف سنشير إليه، ونجمع هنا بين النصين.
قال النجاشي: وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه:
1 ـ محمد بن موسى الهمداني.
2 ـ أو ما رواه عن رجل.
3 ـ أو يقول: عن بعض أصحابنا.
4 ـ أو يقول: وروي)[664](.
5 ـ أو يرويه عن محمد بن يحيى المعاذي.
6 ـ أو عن أبي عبدالله الرازي الجاموراني.
7 ـ أو عن أبي عبدالله السياري.
8 ـ أو يرويه عن يوسف بن السخت.
9 ـ أو عن وهب بن المنبه.
10 ـ أو عن أبي علي النيسابوري.
11 ـ أو عن أبي يحيى الواسطي.
12 ـ أو عن محمد بن علي أبي سمينة الصيرفي.
13 ـ أو قول: وجدت في كتاب ولم أروه)[665](.
14 ـ أو عن سهل بن زياد الآدمي.
15 ـ أو عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناد منقطع (ينفرد به) )[666](.
16 ـ أو عن الهيثم بن عدي)[667](.
17 ـ أو عن أحمد بن هلال.
18 ـ أو عن محمد بن علي الهمداني.
19 ـ أو عن عبدالله بن محمد الشامي.
20 ـ أو عن عبدالله بن أحمد الرازي.
21 ـ أو عن أحمد بن الحسين بن سعيد.
22 ـ أو عن أحمد بن بشير الرقي.
32 ـ أو عن محمد بن هارون.
24 ـ أو عن مويه بن معروف.
25 ـ أو عن محمد بن عبدالله بن مهران.
26 ـ أو ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي.
27 ـ أو جعفر بن محمد الكوفي)[668](.
28 ـ وما يرويه عن جعفر بن محمد بن مالك.
29 ـ أو يوسف بن الحارث.
30 ـ أو عبدالله بن محمد الدمشقي.
وقد نقلها الشيخ في الفهرست بقوله: قال أبو جعفر بن بابويه: «إلاَّ ما كان فيها من غلو أو تخليط، وهو الذي يكون طريقه…» وذكر الموارد، وقد أشرنا إلى الخلاف بين عبارته وعبارة النجاشي.
وقال أبو العباس بن نوح: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله، وتبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه الله على ذلك، إلاَّ في مورد سيأتي ذكره.
أقوله: وأورد هذه المستثنيات العلامة في الخلاصة ونقله القهپائي في المجمع من دون تعقيب، والطريحي في جامع المقال (ص8 ـ 179) الفائدة السابعة.
وظاهر نقلهم لذلك وسكوتهم عنه موافقتهم له كما لا يخفى.
2 ـ وأما وجه الاستثناء:
فلم يبين في كلام ابن الوليد ـ الذي هو أصل هذا الاستثناء ـ ما يدل على وجهه، لكن الصدوق ـ تلميذه ـ قد ذكر في كلامه المنقول سابقاً أنَّ الاستثناء تعلق بما «كان فيه غلو أو تخليط» كما مرَّ.
وظاهره أنَّ وجه الاستثناء هو احتواء هذه الموارد على الغلو والتخليط ويراد بالتخليط ـ بقرينة العطف على الغلو ـ فساد الاعتقاد والمغالاة وما لا يوافق الحق من العقائد.
ولكن أرى أنَّ السبب في الاستثناء ليس ذلك، لوجوه:
1 ـ الغلو كلام ابن الوليد ـ الذي هو الأصل فيه ـ من ذلك.
2 ـ لعدم جريان ذلك في جميع موارد الاستثناء، لأنَّ المذكورة بالأرقام (2 و3 و4 و13 و15 و26) التي يصرح فيها بالإرسال أو الجهالة لم يعرف رواتها حتى يكون الاستثناء على أساس من عقائدهم، ولم نقف على متون الروايات حتى نعرف احتواءها على المعاني الباطلة والعقائد الفاسدة مع التصريح في الموردين (13) و(15) بأنَّ سبب الاستثناء هو الخلل في الإسناد من حيث عدم الرواية الصحيحة والاعتماد على مجرد الوجادة، أو انقطاع السند، وهذا هو صريح كلام ابن الوليد في ذينك الموردين فلو جعلنا وجه الاستثناء هو الغلو والتخليط بذلك المعنى، لانتقض في هذه الموارد.
وأعتقد أنَّ السبب في الاستثناء، كما يظهر من هذه الموارد، هو كون هذه الأحاديث المستثناة «معللة» سنداً أو متناً من حيث الإرسال أو الانقطاع، أو عدم تمييز رواته، أو الخلل في اسمه، أو كونه يعتمد المراسيل أو كونه مدلساً، فتدخل في ذلك الروايات المرفوعة، والمرسلة والمعللة، والمدلسة، والمنقطعة، والمجهولة الراوي، وحتى الغريبة، وهذا يسمى «تخليطاً» في مصطلح علماء الحديث وهو أعم مما ذكره الصدوق)[669](.
قال الشيخ العاملي: من «خلط» لذهاب بصر أو لخرف، أو فسق، أو بدعة، أو كفر يغلو ونحوه، قبل ما حدث به قبل ذلك)[670](.
فالظاهر أنَّ «التخليط» مسبب عن الأمور المذكورة، والتي منها الكفر ومن أنواعه الغلو، فالغلو سبب قد يؤدي بمعتقده إلى التخليط، لا أنه عينه، بل هو في عرض أسابه، ومن المعلوم: أنَّ التخليط الحاصل من ذهاب البصر أو الخرف إنما يكون فساداً حسياً في الرواية سنداً أو متناً، بنقص أو زيادة أو تصحيف وما أشبه، ولا مساس له مباشرة بالمعنى وفساد الاعتقاد.
ويؤيد ذلك أنَّ بعض الثقات والأجلاء نسب إلى التخليط.
قال بعضهم: الظاهر أنَّ المراد بقولهم «مِخلّطٌ» من لا يبالي عمن يروي وممن يأخذ بين الغث والسمين، وليس هذا طعناً في الرجل، وإلا، كيف يقول الحمصي، في ابن إدريس: «مُخَلّطٌ».
أقول: روى الكشي قال: محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن بن فضَّال عن أبي بصيرٍ؟
فقال: اسمه يحيى بن أبي القاسم، أبو بصير، كان يكنى أبا محمد، وكان مكفوفاً.
فسألته: هل يُتَّهمُ بالغُلُوّ؟
فقال: أمَّا الغلو فلا، ولكن كان مخلطاً.
فانظر، كيف نفى ابن فضال الغلو مع إثباته التخليط، وهو دليل واضح على عدم ارتباط التخليط بالعقائد.
وقال ابن الوليد في محمد بن جعفر بن بطة: كان ضعيفاً مخلطاً فيما يسنده فقد قيد التخليط بالإسناد، ويوضحه قول النجاشي الذي أورد هذا الكلام، فإنه قال: كثير الأدب والفضل والعلم، يتساهل في الحديث، ويعلق الأسانيد بالإجازات وفي فهرست ما رواه غلط كثير.
ومما يدل على أن التخليط غير الغلو قولهم في ترجمة محمد بن علي الصيرفي: إلاَّ ما كان فيها من تخليط أو غلوٍ أو تدليس أو يتفرد به ولا يعرف من غير طريقه.
فإنَّ العطف ـ وخاصة بأوْ ـ يقتضي التغاير بين المعطوفات ـ كما لا يخفى والظاهر أنَّ «التخليط» هو السبب في جعل الرواية «معللة» ساقطة عن الاعتبار.
والغرض منها في كتاب «الرجال» هو التنبيه على الخلل الحاصل بذلك في الإسناد، دون المتن، وبهذا يتبين ارتباط البحث بالفهارس والإجازات، وهو محط بحث أصحاب الطبقات.
ومن هنا نعرف ما في كلام ابن نوح بعد ما نقل عن ابن بابويه أنه تبع ابن الوليد على استثنائه لتلك الموارد فقال: إلاَّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رأيه فيه، لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة.
أقول: كأنَّ الشيخ ابن نوح لم يدقق في وجه استثناء ابن الوليد، وتوهم أن الوجه فيه هو ضعف الرواة المذكورين، كما يحتمله ظاهر العبارة المنقولة عن الصدوق، وتبين بما قلنا أنَّ المراد ليس ذلك قطعاً، بل الأمر يرتبط بالخلل في أسانيد تلك الروايات من جهة كونها معللة بما ذكرنا، فلا نعيد.
والغريب أنَّ ابن عبيد قد صرح في استثنائه بأنَّه من أجل (انقطاع السند) بلا تعرض لجهة ضعفه، وسيأتي مزيد كلام عنه في المورد (52).
3 ـ نتيجة هذا الاستثناء:
فقد ظهر أنَّ نتيجة هذا الاستثناء كون هذه الموارد المستثناة معللة من جهة دراية الحديث، فلا يمكن الاعتماد عليها، ولذلك قد أعاد الشيخ في الرجال أسماء من كان من أصحاب الأئمة من المذكورين في الاستثناء، في باب «من لم يرو عنهم» أيضاً للتنبيه على هذه الجهة.
ومنهم المورد (32): عبدالله بن محمد الشامي الدمشقي، فقد ذكر فيهم مرتين برقم (19 و30).
وقد استظهر السيد الخوئي من هذا التكرار أنه متعدد.
لكن الظاهر أنَّه واحدٌ، بدليل جمع الشيخ الطوسي الوصفين في محل واحد في ذكر الرجل في أصحاب العسكري (عليه السلام) فقال: (الشامي الدمشقي).
مع أنَّ الشام ودمشق، يطلقان على موضع واحد، لكن أحدهما أعم من الآخر، فذكر الثاني بعد الأول، من ذكر الخاص بعد العام.
وأما تعدد ذكره في المستثنيات، فليس لأجل تعدده، بل لأن ابن الوليد إنما استثنى من كتاب «نوادر الحكمة» ما وجد فيه من الأحاديث المعللة فذكرها بأسماء رواتها كما وجدها فيه فقد وصف محمد بن عبدالله في بعض الموارد بالشامي وفي بعضها الآخر بالدمشقي، فأورده مرتين، حسب تعدد ذكره مختلفاً.
وعلى كل، فذكر الشيخ للرجل موصوفاً بالوصفين في محل واحد، قاطع على الاتحاد.
ويؤيده أنَّ الشيخ لم يذكر في «لم» عبدالله بن محمد الدمشقي، مع أنه كالشامي في أن محمد بن أحمد بن يحيى روى عنه، مع أنه ذكر بقية الموارد، فلاحظ.
والحاصل: أنَّ الشيخ إنَّما ذكر الرجل في باب «من لم يرو» لأنَّ الأصحاب اعتبروا روايته المثبتة في «نوادر الحكمة» التي رواها محمد بن أحمد بن يحيى ساقطة لما فيها من الخلل.
ثم إنَّ السيد الخوئي نقل عن الكشي قوله: «حدثني أبو محمد الدمشقي عن أحمد بن محمد بن عيسى» وقال: ظاهر هذا أنه يروي عنه بلا واسطة وهو بعيد جداً، ولا يبعد سقوط الواسطة في البين.
أقول: إنَّ أحمد بن محمد بن عيسى هو الأشعري وهو معدود في أصحاب الهادي (عليه السلام)، فأي بُعد في أن يروي عنه الدمشقي الذي هو من أصحاب العسكري (عليه السلام)؟ وقد صرح الشيخ بأنه يروي عن الأشعري.
المورد (33)
عبيس بن هشام
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) فقال: عبيس بن هشام الناشري.
وقال في باب «من لم يرو»: عبيس بن هشام الناشري، يروي عنه محمد بن الحسين، والحسن بن علي الكوفي.
أقول: أورد روايتهما عنه الشيخ في الفهرست وقال النجاشي: مات سنة عشرين ومائتين أو قبلها بسنة.
ومحمد بن الحسين الراوي عنه هو: محمد بن الحسين بن عبدالعزيز بن المهتدي.
وقد ذكره الشيخ في «لم» وهو بعيد طبقة عن الرواية عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرةً، كما لا يخفى.
والحسن بن علي الكوفي، هو الحسن بن علي بن عبدالله بن المغيرة، الذي ترجمه النجاشي وهو في طبقة أصحاب العسكري (عليه السلام) فلاحظ.
المورد (34)
غالب بن عثمان
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام) وقال: واقفي.
وقال لي في باب «من لم يرو»: غالب بن عثمان روى عنه الحسن بن علي بن فضَّال عنه.
وابن فضَّال توفي سنة 224 وروايته عن غالب كثيرة، ولم أقف على علة فيها.
وأقول: في رجال الصادق (عليه السلام): غالب بن عثمان الهمداني مات سنة (166) وهذا ليس مراداً، لأن قوله واقفي يعني وجوده بعد وفاة الكاظم (عليه السلام).
وآخر: غالب بن عثمان المنقري مولاهم السماك الكوفي ولم يعلم وجوده إلى زمان الكاظم (عليه السلام) إنْ لم يكن هو الواقفي.
والظاهر ـ بقرينة تورط ابن فضال بالانحراف ـ روايته عن الواقفي الذي ذكر في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، فلاحظ.
المورد (35)
غياث بن إبراهيم
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): غياث بن إبراهيم، أبو محمد التميمي الأسيدي، أسند عنه، وروى عن أبي الحسن (عليه السلام).
وعنه في أصحاب الكاظم (عليه السلام): غياث بن إبراهيم.
وقال في باب «لم»: غياث بن إبراهيم، روى محمد بن يحيى الخزاز عنه.
ذكر روايته عن الكاظم (عليه السلام) النجاشي في ترجمته وقد عرفت أن الشيخ أيضاً ذكرها، ونقل القهپائي عن نسخته من الرجال ورود اسمه في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، لكنها لم ترد في المطبوعة ولا المخطوطة.
وذكر الشيخ في الفهرست رواية الخزاز عنه.
أقول: العلة في الرواية أنَّ (محمد بن يحيى) الراوي عنه غير معين؟ فإنَّ المذكور بهذا الاسم ـ مطلقاً ومقيداً بالخزاز ـ أربعة:
1 ـ ففي الفهرست: محمد بن يحيى، له كتاب يرويه عن غياث بن إبراهيم، رويناه بالإسناد عن أحمد بن أبي عبدالله عنه.
وهذا فيه موردان للنظر:
الأول: ـ أنه في طبقة أصحاب الرضا (عليه السلام) ـ ورواية البرقي عنه مباشرةً بعيدةً.
الثاني: ؛ أنَّ المفروض في الفهارس والذي عليه وضع كتاب الفهرست للشيخ هو أن يذكر مؤلف الكتاب ثم يذكر سنده إلى المؤلف، وفي هذه الترجمة لم يذكر (لمحمد بن يحيى) كتاب، وإنما هو مجرد راوٍ لكتاب غياث بن إبراهيم، فاللازم ذكر ذلك في ترجمة غياث، وقد عرفت أنَّ الشيخ ذكر رواية (محمد بن يحيى الخزاز) في ترجمة غياث وأنه روى عنه كتابه. مع أنَّه هناك موصوف بالخزاز وهنا غير موصوف.
2 ـ محمد بن يحيى من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ذكره الشيخ في رجاله.
وهذا لم يوصف بالخزاز، وذكره البرقي في أصحابه (عليه السلام) أيضاً.
3 ـ وترجم النجاشي لمن سما: (محمد بن يحيى الخزاز) وقال: كوفي روى عن أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، له كتاب نوادر وأسند إلى يحيى بن زكريا اللؤلؤي عنه.
4 ـ في باب «لم»: محمد بن يحيى الخزاز، تقدم في غياث بن إبراهيم، كذا نقله القهپائي ولم يرد في الرجال.
ونقول: لا شك في اتحاد الثاني والثالث لكن الأول إن كان متحداً معهما أيضاً، لم تمكن رواية البرقي عنه بلا واسطة، والظاهر من تصريحهم بأنه راوٍ لكتاب غياث، أنه متحد معهما، فهم رجل واحد، لكن رواية البرقي عنه في المورد الأول مرسلة، فلاحظ.
وانظر المورد (16).
المورد (36)
فضالة بن أيوب
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) فقال: فضالة بن أيوب، عربي أزدي.
وذكره في باب «لم» بقوله: وفضالة بن أيوب، روى عنه الحسين بن سعيد.
كذا في نسخة القهپائي، والمخطوطة، وقد سقط اسم (فضالة بن أيوب) من المطبوعة.
أقول: الإشكال فيه أنَّ الحسين بن سعيد، لا يروي عن عن فضالة مباشرة، وقد صرحوا بذلك، قال النجاشي، قال لي أبو الحسن (هارون بن يحيى) البغدادي البزاز، قال لنا: الحسين بن يزيد السورائي: كل شيء رواه الحسين بن سعيد عن فضالة فهو غلط، إنما هو الحسين عن أخيه الحسن بن محمد الحضرمي.
وعلى هذا، فتكون رواية الحسين عن فضالة بواسطة محمد بن أبي عمير.
وقد علق الشيخ حسن ابن الشهيد على هذا السند بقوله: هكذا صورة إسناد الحديث في التهذيب، وإثبات كلمة «عن» بين ابن أبي عمير وفضالة سهو، والصواب عطفه عليه بالواو، لأنه المعهود، وسيأتي إسناد مثله.
أقول: الطبقة لا تأبى ذلك، بل تقتضيه، مضافاً إلى ما نقلنا عن النجاشي.
وأورد السيد الخوئي على محل البحث بقوله: روايات الحسين عن فضالة في الكتب الأربعة تبلغ حدود (922) مورداً.
أقول: يرد عليه.
أولاً: إنَّ ما ذكروه وتناقلوه ظاهرهم قبوله، ويؤيده عدم معارضتهم له صريحاً)[671](.
وأما ما في النجاشي: «ورأيت الجماعة تروي…» فلم يظهر كونه من كلام النجاشي، بل ظاهره أنه من تتمة كلام السورائي.
ولو كان من كلام النجاشي فلم يظهر في كونه اعتراضاً على كلام السورائي.
بل لعله تعجب من عمل الطائفة، فيكون تأييداً للسورائي، وحاصله أنه كيف يروون عن الحسين عن فضالة مع وجود هذا النص بعدم روايته عنه؟
ولو كان النجاشي لم يرتض ذلك الكلام عن السورائي ـ على ما فهمه السيد الأستاذ ـ، لما كان وجه لاكتفائه بهذا القدر من الرد غير الصريح!
وثانياً: أنَّ أمر أسانيد الكتب مبتن على هذه المسألة المفروضة، فهو كالتعليق الذي علم من عمل المحدثين في أوائل الأسانيد، وإنما لم يشرحوها في كل موردٍ موردٍ، لاعتمادهم على وضوحها.
فليس بمجرد وجود ذلك في الكتب الأربعة ـ مهما بلغت من الكثرة ـ دليلاً على عدم الواسطة، كمسألة التعليق.
ثم إنَّ سند الشيخ في الفهرست إلى فضالة ينتهي بأحمد بن أبي عبدالله ـ وهو البرقي ـ ومن الواضح أنَّ الطبقة لا تساعد على روايته عن فضالة مباشرة.
ولذلك (استظهر بعضهم سقوط الواسطة، فإنَّ أحمد البرقي يروي عن أبيه عن فضالة في (20) مورداً كما يظهر من الطبقات).
واعتمد السيد الخوئي على ذلك، فقال: رواية أحمد عن أبيه عن فضالة لا تنافي روايته عنه بكتابه بلا واسطة، فقد روى أحمد عنه بلا واسطة:
أقول: قوله: «لا تنافي» غير تام، لأن الطبقة لها مدخلية تامة في إحراز رواية شخص عن شخص، وإلاَّ كانت الرواية معللة، كما بين في محله.
وإذا كان أحمد البرقي متأخراً عن طبقة (فضالة)، فلا بد من وجود الواسطة.
ثم إذا عرفنا من سيرة (أحمد) في ترجمته أنه «اعتمد المراسيل» لزم الفحص عن ذلك، حتى يحصل التأكد من سلامة روايته عن الإرسال.
والبرقي ـ كما يبدو من ملاحظة مشايخه ـ متأخر عن (فضالة) بطبقة واحدة بل أكثر، إذا صح ما قيل في (الحسين بن سعيد) من أنه لا يروي عن فضالة مباشرة، فإن البرقي يروي عن الحسين، فلاحظ.
وما ذكره بقوله: «وروايته عنه بكتابه بلا واسطة».
إن كان المراد روايته [أحمد] عن كتاب فضالة، فلا بدَّ أن يكون الكتاب قد وصل إليه برواية من أوصله إليه. بإحدى طرق التحمل، فعدم ذكر الواسطة في رواية الكتاب هو الإرسال.
وإن كان المراد روايته عنه وجادة. فهذا غير مراد ـ قطعاً ـ في الأسانيد المعنعنة، مع أنَّ عدم التصريح بذلك علة في الحديث، وقد ذكروه في علل الحديث أيضاً، فلاحظ المورد (32).
المورد (37)
الفضل بن أبي قرة
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) بقوله: الفضل بن أبي قرة التفليسي.
وقال في باب «من لم يرو»: الفضل بن أبي قرة، روى حميد عن إبراهيم بن سليمان عن الفضل.
أقول: أورد رواية إبراهيم عنه في الفهرست.
وقد مرَّ مراراً أن إبراهيم لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة.
المورد (38)
القاسم بن عروة
ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) فقال: القاسم بن عروة: مولى أبي أيوب المكي، وكان أبو أيوب من موالي المنصور، له كتاب.
وفي باب «من لم يرو»: القاسم بن عروة: روى عنه البرقي أحمد بن أبي عبدالله.
أقول: أحمد البرقي لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) إلاَّ بوسائط، وقد تنبه إليه القهپائي، فعلق عليه بقوله: عن أبيه ظاهراً».
ولكنه مع ذلك أضاف «كيف يكون ممن لم يرو» وهذا يدل على عدم تنبه إلى حل الإشكال باختلاف الطبقة.
وقال السيد الخوئي: إن أحمد بن أبي عبدالله، لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، لبعد طبقته، وإن كان القاسم المذكور في «من لم يرو» غير المذكور في أصحاب الصادق (عليه السلام)، فلا بد وأن يكون شخصاً معروفاً روى عنه أحمد البرقي، مع أنه لم يوجد في رواياتنا شاهد على ذلك.
ولقد أجاد السيد الخوئي في هذا المورد، وهو ما نقوله فيه وفي جميع موارد النقض الأخرى.
والغريب أنه لم يتنبه إلى أن هذا هو الحل الأساسي لمشكلة التناقض المتوهم في هذا الباب، فلم يذكره إلا في هذا المورد وبعض الموارد التالية.
والأغرب أنه التزم في الحل ببعض التوجيهات السابقة، التي مضى بطلانها.
ونحن نعتبر كلام السيد الخوئي في هذه الموارد موافقة ضمنية لنا على ما التزمناه من الحل لهذه المشكلة ـ وإن لم يذكرها هو بعنوان الحل لها ـ والحمد لله على توفيقه.
المورد (39)
القاسم بن محمد الجوهري
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام): القاسم بن محمد الجوهري، له كتاب. واقفي.
وذكره في باب «من لم يرو» بقوله: القاسم بن محمد الجوهري، روى عنه الحسين بن سعيد.
وأورد رواية الحسين عنه في الفهرست والنجاشي.
والحسين يروي عن أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ولم أقف على الإشكال فيه، إلا أن يكون من قبيل ما مرَّ في الموردين (18) و(36) ولم يذكروه.
وقد يكون الإشكال في القاسم هو رواية أحمد البرقي عنه مباشرة، والتي أوردها الشيخ في الفهرست أيضاً.
قال السيد الخوئي: الجوهري من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والظاهر أنه لم يدرك الرضا (عليه السلام) فكيف يروي عنه كتابه أحمد وقد توفي حدود سنة (280).
أقول: وأيضاً، فإن البرقي يروي عن الحسين بن سعيد، فكيف يروي عن شيخه الجوهري مباشرة؟
وعلى هذا فيكون اسم أحمد البرقي ساقطاً من باب «لم» من الرجال هنا.
المورد (40)
القاسم بن يحيى
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام) بقوله: القاسم بن يحيى بن الحسن.
وذكره في «لم» بقوله: القاسم بن يحيى روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى.
وأورد روايته عنه في الفهرست لكنه فيه باسم (القاسم بن يحيى الراشدي) والسند فيه هكذا… الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن القاسم.
لكن النجاشي ذكر سنده إليه… عن أحمد بن إدريس ـ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى بن عبيد الله عن القاسم.
ومع أنَّ أحمد بن إدريس والصفار، في طبقة واحدة، فمع هذا نجد أن سند الشيخ يصل بواسطة واحدة من الصفار إلى القاسم، وسند النجاشي بواسطتين من ابن إدريس إلى القاسم.
ثم إنَّ سند الشيخ في الفهرست إلى قاسم يصل بطريق آخر إلى أحمد البرقي عنه وهو بعيد طبقة عن أصحاب الرضا (عليه السلام)، فالرواية مرسلة.
ولعل اسم أحمد قد سقط هنا، كما في المورد السابق.
المورد (41)
قتيبة بن محمد الأعشى
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): قتيبة بن محمد الأعشى، أبو محمد الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو» قتيبة بن محمد الأعشى، روى حميد عن القاسم بن إسماعيل عنه.
وأورد رواية القاسم عنه في الفهرست.
أقول: لكن حميداً لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بواسطة واحدة.
المورد (42)
كُلَيْب بن معاوية
قال الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام): كليب بن معاوية الأسدي.
وأيضاً: كليب بن معاوية الصيداوي.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): كليب بن معاوية بن جبلة، أبو محمد الصيداوي، عربي كوفي.
وفي باب «من لم يرو»: كليب بن معاوية الأسدي روى عنه صفوان.
وفي نسخة القهپائي: الصفواني.
ولا شك في اتحاد (كليب) في الموارد كلها، وتكراره في أصحاب الباقر (عليه السلام) من رجال الشيخ لا يدل إلا على تعدد عنوانه في كتب الحديث.
أقول: ويروي عن كليب: صفوان بن يحيى.
وقد روى الشيخ بسنده إلى (صفوان) عنه في الفهرست.
فهل هو صفوان بن يحيى؟ ومن المحتمل أن يكون المراد منه (صفوان بن مهران) لأنَّ الطبقة تساعد على روايته عن كليب، بل هو أقرب لأن كليباً من كبار أصحاب الصادق (عليه السلام)، وصفوان بن يحيى من صغار أصحاب الكاظم (عليه السلام) فليلاحظ.
وأما على ما في نسخة القهپائي من أن الراوي عنه (الصفواني) فالإشكال واضح، لأنَّ الصفواني هو: محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة، بن صفوان بن مهران الجمال، ترجم له الشيخ في الرجال والفهرست وكذلك النجاشي.
فإن صحت النسخة، فرواية الصفواني عن كليب مرسلة قطعاً وقد روى أبوه عن أبيه عن جده عن صفوان بن مهران.
المورد (43)
محمد بن أحمد بن عبيدالله
قال في أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن أحمد بن عبيدالله بن المنصور، أو الحسن أسند عنه.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن أحمد بن عبيدالله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، عباسي، هاشمي، روى عنه التلعكبري يكنى أبا الحسن، يروي عن عمه أبي موسى، عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور عن أبي محمد صاحب العسكري (عليه السلام) معجزات ودلائل.
أقول: من الواضح أنَّ (محمد بن أحمد) هذا ليس في طبقة من يروي عن الهادي (عليه السلام) لتصريح الشيخ بأنَّ التلعكبري روى عنه وهو متأخر طبقة عن أن يروي عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ولأنَّ روايته عن العسكري (عليه السلام) إنما هي برواية عمه عيسى بن أحمد، فكيف يكون هو من أصحاب الهادي (عليه السلام)؟
مع أنَّ عمه مذكور في أصحاب الهادي (عليه السلام) فلا بد أن يكون هو متأخراً طبقة.
فالإشكال في هذا المورد في إيراد الرجل في أصحاب الهادي (عليه السلام) مع أنه لم يرو عنه (عليه السلام).
ولذلك لم يرد اسمه في ذلك الباب في المخطوطة ولا في نسخة القهپائي.
ولعل الشيخ تنبه لهذا فحذفه بعد تسجيله أولاً.
المورد (44)
محمد بن إسحاق القمي
ذكره في أصحاب الجواد (عليه السلام) على ما في المخطوطة ونسخة القهپائي ولم يرد في المطبوعة.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن إسحاق القمي، روى عنه أحمد بن أبي عبدالله.
أقول: رواية البرقي عن أصحاب الجواد (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة من حيث الطبقة.
المورد (45)
محمد بن أسلم الجبلي
ذكره في أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقال في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن أسلم الجبلي، الطبري، أصله كوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن أسلم الجبلي، روى عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
وأورد في الفهرست رواية ابن أبي الخطاب عنه.
فإن كان في الموارد كلها رجلاً واحداً، فذلك بعيد، إذ لو كان من أصحاب الباقر (عليه السلام) فهو في حين وفاته (عليه السلام) سنة 114 في سن من يروي، فبقاؤه إلى عصر الرضا (عليه السلام) ورواية ابن أبي الخطاب المتوفى (262) عنه يعني تجاوزه المائة سنة أو بلوغها، وهذا بعيد جداً.
قال السيد الخوئي: فإن صح ما ذكره الشيخ أنه من أصحاب الباقر (عليه السلام)، فهو رجل آخر غير من يأتي [في «لم»]، فإنَّ من يأتي يروي عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ومن هو في طبقته، ولا يمكن أن يروي عمن هو من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد نقل عن الميرزا ما حاصله نسبة الاشتباه إلى الشيخ حيث رأى رواية (محمد بن أسلم) عن أبي جعفر (عليه السلام)، فتخيله أنه الباقر (عليه السلام)، مع أنَّ المراد به هو الجواد (عليه السلام).
أقول: إنَّ هذا الاحتمال بعيد في حق الشيخ حيث أنه كان متصدياً لضبط طبقات الرواة، وكان يسجل ما يجده في الأسانيد، فبعيد جداً أن يتشبه عليه أبو جعفر الجواد بأبي جعفر الباقر (عليه السلام).
مضافاً إلى ما ذكره السيد الخوئي من أنه لم توجد بأيدينا رواية لمحمد بن أسلم عن الجواد (عليه السلام).
فإما أن يكون الرجل متعدداً، أو أن بين محمد بن أسلم وابن أبي الخطاب واسطة.
المورد (46)
محمد بن أورمة
قال في أصحاب الرضا (عليه السلام): القمي.
وقال في باب «لم»: ضعيف، روى عنه الحسين بن الحسن بن أبان، ثقة)[672](.
أقول: أورد الشيخ رواية الحسين عنه في الفهرست قال: في رواياته تخليط.
وقد مر في المورد (32) أنَّ المراد بالتخليط هو الخلل في الإسناد، فلاحظ.
المورد (47)
محمد بن حسان الرازي
ذكر في أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن حسان الرازي الزينبي)[673](.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن حسان الرازي، روى عنه الصفار وغيره.
وأورد الشيخ في الفهرست رواية الصفار وسعد ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس عنه.
وقد روى أحمد بن إدريس عنه بواسطة عمران بن موسى في ترجمة موسى بن زنجويه.
ولم يتبين لي وجه إعادة ذكره، إلا أنَّ النجاشي قال فيه: يعرف وينكر، يروي عن الضعفاء كثيراً.
واعلم أنَّ سند الفهرست بعد ما ذكرنا يحتوي على زيادة نصها: «عن محمد بن علي الصيرفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني عنه».
وقد علق عليها السيد الخوئي بقوله: ليس من تتمة الطريق، فإنَّ ابن أبي حمزة لا يمكن أن يروي عمن هو من أصحاب الهادي (عليه السلام)، ولعله طريق لترجمة شخص آخر قد سقط من البين، والشاهد على ذلك طريق النجاشي.
واحتمل أن يكون تتمة للسند السابق، والمقصود أنَّ (محمد بن حسان) يروي عن محمد بن علي الصيرفي إلى آخره، وأنَّ هذا مثال واحد من أسانيده، وكأنَّ الشيخ يريد أن يؤكد ما ذكره النجاشي من روايته عن الضعفاء، ويؤيده أن نسخة القهپائي لا تحتوي على كلمة (عنه) في آخر هذه الزيادة.
وأقول: أتصور أن الأسماء الواردة في الزيادة متعاطفة هكذا: «محمد بن حسان، عن محمد بن علي الصيرفي وإسماعيل بن مهران والحسن بن علي بن أبي حمزة» وأن المقصود أن هؤلاء الثلاثة هم ممن يروي عنهم محمد بن حسان وهم ـ كما يبدو من تراجمهم كلهم ـ ضعفاء، فيكون المذكور أمثلة لما ذكره النجاشي، فلاحظ.
المورد (48)
محمد بن الحسن بن جمهور العمي
قال في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن جمهور العمي، عربي، بصري، غالٍ.
وقال في باب «لم»: محمد بن الحسن بن جمهور العمي، روى سعد عن أحمد بن الحسين بن سعيد عنه.
وأورد هذه الرواية عنه في الفهرست وكذلك النجاشي.
والظاهر أنَّ الإشكال في رواية أحمد عنه، لما قالوا في حقه من أنه «يروي عن سائر مشايخ أبيه» مع أنَّ طبقته متأخرة عن ذلك، فلذلك نقلها علماء الفن بلفظ مشعر بالتشكيك فيه فقالوا: «فيما زعم أصحابنا القميون».
ويؤيده أنهم استثنوا رواياته من كتاب «نوادر الحكمة»، وقد مرَّ برقم (21) في المورد (32).
ويلاحظ هنا أنَّ ابن بابويه روى كتاب العمي بهذا السند بثلاث وسائط، بينما رواه بسندٍ آخر بأربع وسائط، فلاحظ.
وسيأتي في المورد (62) أنَّ من رواته (يوسف بن السخت) وهو من مستثنيات ابن الوليد.
فلاحظ المورد (32) أيضاً.
المورد (49)
محمد بن خالد الطيالسي
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام).
وقال في «لم»: محمد بن خالد الطيالسي، روى عنه علي بن الحسن بن فضال وسعد بن عبدالله)[674](.
وذكر أيضاً في «لم» محمد بن خالد (بن عمر) الطيالسي، يكنى أبا عبدالله، روى عنه حميد أصولاً كثيرة، ومات سنة (تسع وخمسين ومائتين) وله (سبع وتسعون) سنة.
وما بين القوسين ورد في نسخة القهپائي.
أما رواية سعد عن أصحاب الكاظم (عليه السلام) مباشرة، فهي بعيدة طبقة كما لا يخفى.
وأما الثالث: فإن كان هو الأول، فإعادة ذكره للتنبيه على أنه بلغ طبقة من لم يرو لطول عمره.
وأما تكراره في باب «من لم يرو» فلعله لأجل تغير عنوانه في الأسانيد، كما هو دأب الشيخ في الرجال، حيث أنَّ الثاني أضيف على عنوان اسم جده «… بن عمر…» كما في نسخة القهپائي.
مع أنه لم يذكر في ترجمته أنه من أصحابهم (عليهم السلام) فيلاحظ.
المورد (50)
محمد بن عبدالحميد العطار
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام)، وقال: محمد بن عبدالحميد وأبوه عبدالحميد بن سالم العطار مولى لبجيلة وذكره البرقي أيضاً في أصحابه (عليه السلام) وعده ممن نشأ في عصره.
وقال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن عبدالحميد العطار، كوفي، مولى لبجيلة.
وذكره الشيخ في باب «من لم يرو»: محمد بن عبدالحميد، روى عنه ابن الوليد.
أقول: ابن الوليد هو محمد بن الحسن المتوفى (343) وروايته عن من نشأ في عصر الرضا (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة جداً.
وقال السيد الخوئي: بناءً على صحة النسخة المعروفة التي فيها: «روى عنه ابن الوليد» فهو رجل آخر [أي غير العطار البجلي] مجهول فإن ابن الوليد توفي سنة «343»، ولا يمكن روايته عمن نشأ في عصر الرضا (عليه السلام) على ما صرح به البرقي.
أقول: إلا أن يكون السند معللاً بالإرسال والانقطاع، وهو الموجب لإعادة ذكره، حيث لم يعنونوا في كتب الرجال لشخص آخر بهذا الاسم في طبقة مشايخ ابن الوليد، فلاحظ.
المورد (51)
محمد بن عبدالله بن مهران
ذكره في أصحاب الجواد (عليه السلام)، وقال: محمد بن عبدالله بن مهران، ضعيف.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام) بقوله: محمد بن عبدالله بن مهران الكرخي، يرمى بالغلو، ضعيف.
وفي باب «لم»: محمد بن عبدالله بن مهران، ضعيف، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: العلة فيه أنه من مستثنيات ابن الوليد من كتاب «نوادر الحكمة» وقد مر في المورد (32) برقم «25».
المورد (52)
محمد بن عيسى بن عبيد
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد، بغدادي.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، يونسي، ضعيف.
أقول: وفي المخطوطة: «عن يونس، ضعيف على قول القميين».
وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، بغدادي، يونسي.
وفي باب «لم» محمد بن عيسى اليقطيني، ضعيف.
وذكره الشيخ في الفهرست وقال: استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه عن رجال «نوادر الحكمة» وقال: لا أروي ما يختص برواياته، وقيل إنه كان يذهب مذهب الغلاة.
أقول: الإشكال فيه أن محمد بن عيسى ورد في مستثنيات ابن الوليد ـ الذي هو أصل الاستثناء ـ كما مر في المورد (32) رقم «15».
والظاهر من بعض الموارد أن الإشكال في خصوص (محمد بن عيسى عن يونس)، وقد صرح الشيخ الطوسي بذلك في الاستبصار، حيث تكلم على مثل السند وقال: طريقه (محمد بن عيسى عن يونس)، وهو ضعيف، وقد استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله من جملة الرجال الذين روى عنهم صاحب «نوادر الحكمة» وقال: ما يختص بروايته، لا أرويه.
والذي في عبارة الاستثناء المنقولة عن ابن الوليد: «أو عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناد منقطع» وأضاف عليه ابن بابويه قوله: «ينفرد به».
وقد نقل أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه.
ويحصل من ضم هذه القيود بعضها إلى بعض: أنَّ رواية محمد بن عيسى عن يونس إذا انفرد بها، وكان الطريق مقطوعاً، فهو من المستثنيات.
والعلة فيها ـ بعد الانقطاع ـ هو الانفراد، ولعل كون انفراده علة سببها أنه كان من أتباع يونس في المذهب الفقهي، فإن ليونس مذاهب كثيرة اختارها مما علم بطلانه.
وأتصور أنَّ هذا معنى قولهم «يونسي» في حقه.
وقد تكون العلة في ذلك أنه كان متساهلاً في الحديث ويروي عمن لم يلقه.
كما ورد في حقه أنه أصغر في السن من أن يروي عن ابن محبوب.
ولعله كان أصغر طبقة من لقاء يونس أيضاً. فلاحظ. وانظر الموارد (6) و(32).
المورد (53)
محمد بن نافع
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): محمد بن نافع الحميري، كوفي.
وقال: محمد بن نافع الأنصاري المدني، أسند عنه.
وقال في «لم»: محمد بن نافع، روى عنه حميد.
وفي الفهرست: محمد بن نافع، له نوادر، عن حميد عنه.
أقول: من الواضح أنَّ حميداً لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، فلا بد إما من أن يكون السند منقطعاً، أو يكون محمد بن نافع شخصاً آخر لم يذكروه.
مع أنَّ (محمد بن نافع) الذي روى عنه حميد غير مميز هل هو الحميري الكوفي، أو الأنصاري المدني؟ ولا إشكال في تعددهما.
فالسند معلل، لأمرين.
المورد (54)
محمد بن يحيى المعاذي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن يحيى المعاذي. وقال في باب «لم»: محمد بن يحيى المعاذي، ضعيف، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: هو من مستثنيات ابن الوليد من رجال «نوادر الحكمة» وقد عرفنا في المورد (32) أنَّ تلك المستثنيات إنما كان فيها تخليط، فلاحظ.
المورد (55)
محمد بن يزداد
قال في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن يزداد الرازي.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن يزداد، روى عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
أقول: ابن أبي الخطاب توفي سنة «262» وقد روى عنه الصفار ومن في طبقته، ومحمد بن يزداد أرفع عنهم طبقة.
ولكن الإشكال غير واضح.
المورد (56)
معاوية بن حكيم
ذكره الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام) وقال: الكوفي.
وقال في أصحاب الهادي (عليه السلام): معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمار الكوفي.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: معاوية بن حكيم روى عنه الصفار.
أقول: الصفار متأخر طبقة عن أن يروي عن معاوية بن حكيم، لأنه أقدم منه بطبقة.
وقد قال النجاشي فيه: جليل من أصحاب الرضا (عليه السلام)، فهو من قدماء أصحاب الهادي (عليه السلام).
المورد (57)
منصور بن العباس
ذكره الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام): منصور بن العباس، كوفي أو بغدادي كان داره بباب الكوفة ببغداد.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام): منصور بن العباس.
وفي باب «من لم يرو»: منصور بن العباس، روى عنه البرقي.
أقول: البرقي هو أحمد بن أبي عبدالله المتوفى (274 أو 280) وقد أورد روايته عنه في الفهرست.
ومن الواضح أن البرقي لا يروي عمن هو من أصحاب الجواد (عليه السلام) بلا واسطة فليلاحظ.
المورد (58)
موسى بن زنجويه
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام).
وفي باب «لم»: موسى بن زنجويه الأرمني، يكنى أبا عمران، روى عن عبدالله بن الحكم، روى أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان عن أبي عمران.
أقول: (محمد بن حسان) من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وقد مر في هذا البحث في المورد (47) وروايته عن موسى كثيرة.
لكن رواية أحمد بن إدريس (المتوفى 306) عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بواسطة واحدة بعيدة، ويؤيد ذلك أنَّ سند النجاشي إلى موسى هكذا: أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمران بن موسى، عن محمد بن حسان، عن موسى بن زنجويه.
ومحمد بن يحيى (أبو أحمد) هو في طبقة أحمد بن إدريس، وإذا روى عن موسى بواسطتين، دلَّ على نقص في رواية أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان مباشرة وقد أشرنا إلى ذلك في المورد (47).
المورد (59)
موسى بن سابق
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) فقال: موسى بن سابق الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: موسى بن سابق.
أقول: ذكره في الفهرست وروى بإسناده عن حميد عن أبي محمد الحسن بن علي الشعيري اللؤلؤي عنه وكذلك النجاشي.
ولا يمكن رواية حميد عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بواسطة واحدة.
المورد (60)
الهيثم بن أبي مسروق
ذكره الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) بقوله: هيثم النهدي، هو ابن أبي مسروق.
وذكر هفي باب «من لم يرو» وقال: الهيثم بن أبي مسروق النهدي، روى عنه سعد بن عبدالله.
وقد أورد الشيخ رواية سعد عنه في الاستبصار.
أقول: سعد المتوفى (300) لا يروي عن أصحاب الباقر (عليه السلام) مباشرة. وقد نبه السيد الخوئي إلى تفاوت الطبقة فقال: قد عرفت رواية سعد عن الهيثم على ما ذكره الشيخ وفي كامل الزيارات. وسعد توفي حدود سنة (300) وروى عنه الصفار على ما ذكره الشيخ وقد توفي سنة (290) ولا يمكن روايتهما عادة عمن هو من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد حاول توجيه ذلك بقوله: ولا يبعد أنَّ الشيخ رأى رواية الهيثم عن أبي جعفر (عليه السلام)، فتخيل أن المراد بأبي جعفر هو الباقر (عليه السلام)، مع أنَّ المراد به هو الجواد (عليه السلام).
أقول: قد نقل السيد الخوئي مثل هذا الاحتمال عن الميرزا في المورد (45) في رواية (محمد بن أسلم عن أبي جعفر)، لكنه ردَّه بأنه لم يوجد فيما بأيدينا رواية لذلك الراوي عن الجواد (عليه السلام).
أقول: ونحن إذ نعيد عليه ذلك الرد، نضيف: إنَّ هذا غاية التعدي على ساحة الشيخ الذي رتب كتابه على الطبقات وبذل غاية وسعه في تنظيمه على الأبواب ثم على حروف المعجم، ولو عبَّر الميرزا بما عبَّر به صاحب النقد من أنه: كان ينبغي أن يذكره الشيخ قدس سره في رجال أبي جعفر الثاني (عليه السلام) لا أبي جعفر الأول (عليه السلام)، لأنه يبعد أن يروي الصفار وسعد عن الباقر بواسطة واحدة. كان أولى وأنسب.
لكن نقول: أليس الأجدر أن يلتزم بكون الرواية مرسلة حتى يرتفع إشكال الطبقة من البين؟ ولا نواجه الشيخ بهذا الشكل؟!
المورد (61)
يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام) وذكره البرقي فيهم أيضاً.
وقال في باب «من لم يرو» يحيى بن إبراهيم، روى عنه البرقي.
وأورد الشيخ في الفهرست رواية البرقي أحمد بن أبي عبدالله بن أبيه عنه.
أقول: كلمة «البرقي» منصرفة عند الإطلاق إلى أحمد، ولعل الشيخ قد اطلع على روايته عن المترجم بلا توسط أبيه، وإلا فإنَّ توسط أبيه محمد بن خالد وروايته عن يحيى لا مانع منها من حيث الطبقة، فلاحظ.
المورد (62)
يوسف بن السخت
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام) وقال: يوسف بن السخت أبو يعقوب، بصري.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام): يوسف بن السخت، روى عن محمد بن جمهور العمي، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: هو من موارد استثناء ابن الوليد من رجال «نوادر الحكمة» وقد مر في المورد (32) برقم «8».
تعقيب على الموارد:
إنَّ مجموع الموارد التي يتصور فيها التناقض هي (62) مورداً، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما جاء في النسخ المختلفة.
وقد تبين من خلال عرضنا المفصل لها ما يلي.
1 ـ أنَّ (خمسة) موارد منها ليس للتناقض فيها محل أصلاً، وهي الموارد (4 و12 و19 و43 و49).
2 ـ أنَّ (ثلاثة) من الموارد هي من تعدد الأشخاص والأسماء، وهي الموارد (2 و10 و11).
3 ـ أنَّ (أربعة) موارد محتملة للتعدد، وهي (6 و13 و7و45) مورداً فهذه (12) مورداً خارجة عن محل البحث، لأنها ليست موارد للنقض واقعاً، كما أثبتنا مفصلاً في كل مورد موردٍ منها، فبقي (خمسون) مورداً فقط، وهي كما يلي:
1 ـ (تسعة وثلاثون) مورداً منها مبتنية على اختلاف الطبقة أو العلة في السند، وهو الحل المختار لتوجيه التكرار، وهي (1 و3 و5 و7 و8 و9 و18 و20 و21 و22 و23 و26 و27 و29 و30 و31 و32 و33 و35 و36 و37 و38 و39 و41 و42 و44 و48 و50 و51 و52 و53 و54 و56 و57و58 و59 و60 و61 و62).
(وخمسة) موارد منها على احتمال الطبقة أو العلة وهي (15 و24 و25 و40 و46).
فهذه (أربعة وأربعون) مورداً مبتنٍ أمرها على الحل المختار، فتبقى (ستة) موارد فقط، لم أتمكن ـ فعلاً ـ من العثور على وجه تكرارها، ولم تتبين لي علة ظاهرة فيها وهي (12 و16 و28 و47 و55).
ومن المعلوم أنَّ نسبة الموارد التي يصح حمل كلام الشيخ فيها على الحل المختار ويزول بذلك التناقض المتصور عنها، تبلغ نسبة (88) إلى المائة وهي نسبة كبيرة توجب إلحاق الموارد الستة المتبقية بالأعم الأغلب.
القيمة العلمية لهذا العمل
نستنتج من تطبيقنا الرأي المختار على الموارد أنَّ الذي حدا بالشيخ إلى هذا التصرف إنما هو التعبير عن ما في هذه الأسانيد الخاصة من عللٍ، من حيث اتصال رواتها وانقطاعهم، وهذه هي أهم فوائد فن طبقات الرواة فإنه لما وضع الرواة في «الرجال» على طبقات الأئمة (عليهم السلام) ورتبهم في أبواب من رووا عنه من الأئمة (عليهم السلام)، وجد هذه المجموعة من الموارد في خلال الأسانيد، وحيث أن المعنونين فيها قد ذكروا في أبواب من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، ولا يمكن من حيث الطبقة أن يقعوا في هذه المواضع من الأسانيد لأنها مواضع لطبقة من لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) لجأ إلى إعادة ذكرهم في باب طبقة من لم يرو، لا من أجل أن يعبر عن تأخرهم فعلاً، بل ليعبر عن جهة الخلل في تلك الأسانيد، وقد لاحظنا في كل مورد مورد وجه الخلل في السند الذي وقعوا فيه.
فعرض الشيخ يتعلق بالأسانيد، وطبقة رواتها، وما يترتب على فن الطبقات من آثار علمية من الحكم بالاتصال أو الانقطاع.
وليس نظر الشيخ إلى أي من شخص الراوي، أو المروي عنه المعاد اسمه في هذا الباب، بل ينظر إلى نفس الطريق، من دون غرض في جرح الطرفين أو قدحهما، كما ربما يتوهم، وذلك:
أولاً: لأنَّ هذا الكتاب «رجال الطوسي» لم يلتزم فيه بإيراد الجرح والقدح، ولا التعديل والمدح، كما هو ديدان علماء الرجال، فهناك الكثير ممن يستحق ذلك، ولم يتعرض له، إلا إذا كان ذلك مؤثراً في تحديد طبقته.
وثانياً: أنَّ من بين المذكورين في هذه الموارد كثير من الثقات الإجلاء، مثل: أحمد بن إدريسي القمي الأشعري، وسعد بن عبدالله الأشعري وفضالة بن أيوب، ويحيى بن عبدالحميد العطار، ومعاوية بن حكيم، والهيثم بن مسروق، والريان بن الصلت.
كما أنَّ فيهم من الضعاف من صرح بضعفهم وسقوطهم، مثل: حفص بن غياث، وطاهر بن حاتم بن ماهويه، ومحمد بن أورمة، ومحمد بن عبدالله بن مهران، ومحمد بن يحيى المعاذي.
فأية فائدة في إعادة ذكرهم للإشارة إلى ضعفهم، بعد التصريح بذلك؟!
ثم لو كان الضعف هو الموجب لإعادة ذكرهم، لوجب إعادة جميع الضعفاء والهالكين المذكورين في الأبواب السابقة، وما أكثرهم؟!
فتخصيص الإعادة لبعضهم دون دليل على أنَّ الإعادة ليست لما ذكر، بل لها سبب آخر.
فائدة
إنَّ الرجاليين اصطلحوا بوضع رمز «لم» علامة لباب «مَنْ لم يَرْوِ» عن الأئمة (عليهم السلام)» من كتاب «الرجال للطوسي»، فمتى ما وجدوا هذا الرمز علموا أنَّ صاحبه مذكور في هذا الباب.
وأول من وضع هذا الرمز، كسائر الرموز الرجالية، هو الشيخ الفاضل الشيخ ابن داود الحلي الرجالي، في كتاب «الرجال» فقط قال: وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل، وبينت فيها التي أخذت منها واستخرجت عنها».
ثم ذكر الرموز، وفي آخرها: «ومَنْ لَمْ يَرْوِ عن واحد من الأئمة (عليهم السلام):» «لم»، وهذه لجة لم يسبقني أحد من أصحابنا رضي الله عنهم إلى خوض غمرها، وقاعدة أنا أبو عذرها.
لكن ابن داود لم يستعمل هذا الرمز منفرداً، وإنما أعقبه بالمصدر الذي أخذه منه، كما قال هو، فإن كان أخذه من رجال الشيخ قال: (لم، جخ)، أي إن الرجل ممن لم يَرْو عنهم (عليهم السلام) جاء ذلك في كتاب الرجال للشيخ.
وإن كان أخذه من كتاب النجاشي قال: (لم، جش) وإن أخذه من الفهرست للطوسي، قال (لم، ست) وإن أخذه من الكشي، قال: «لم، كش).
لكن المتأخرين عنه اصطلحوا برمز (لم) في خصوص باب مَنْ لم يَرْو عن الأئمة (عليهم السلام) من كتاب «رجال الطوسي» فقط، دون غيره.
ولذلك قال القهپائي: رأيت في الإشارة إلى كتاب الرجال الاكتفاء برمز «لم» عن ذكر «جخ».
وجرى في كتاب (مجمع الرجال) كله على ذلك، فمهما وجد فيه رمز (لم) فهو من باب «مَنْ لم يَرْوِ عن الأئمة (عليهم السلام)» من كتاب الرجال للشيخ.
وعلى هذا الاصطلاح الأخير جرى جميع متأخري المتأخرين ولم ينتبهوا إلى مصطلح ابن داود، وظنوا أنَّ «لم» عنده أيضاً إشارة إلى رجال الشيخ دائماً، فإذا وجدوا في كتابه رمز (لم، جش) ظنوا أنَّه يرمز إلى باب «مَنْ لم يَرْو» من رجال الشيخ، وإلى النجاشي، فلما لم يجدوا الرجل في باب «من لم يرو» من رجال الشيخ اعترضوا على ابن داود.
منهم صاحب نقد الرجال، قال في «أبان بن عمر»: ففي قول ابن داود إنه «لم» نظر.
وقال في (أبان بن عثمان): وفي قول ابن داود حيث قال «لم» نظر.
وعلق عليه الكاظمي بقوله: وجه النظر أنه ليس في باب «من لم يرو عنهم» ذكر لأبان بالكلية.
بينما الموجود في رجال ابن داود هكذا: (لم، جش).
ومعناه أن أبان بن عمر عده النجاشي ممن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) وكذلك في رجال ابن داود هكذا (لم، كش)، ومعناه: أنَّ أبان بن عثمان عده الكشي ممن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام).
ولكن صاحب النقد والتكملة ظناً أنَّ ابن داود رمز إلى باب من لم يرو من كتاب رجال الشيخ، ولما لم يجدوا لأبان فيه ذكراً اعترضوا على ابن داود.
وهذه غفلة عن مصطلح ابن داود، جرى عليه كثير من أعلام العصر أيضاً فتابعوا الاعتراض على ابن داود بمثل ذلك.
ثم أن لابن داود اصطلاح آخر استعمله في كتاب رجاله وهو أنه كلما رأى ترجمة رجل في كتاب النجاشي خالية عن نسبته إلى الأئمة (عليهم السلام) بالرواية عن أحد منهم (عليهم السلام) أورده في الرجال وقال: «لم، جش» حيث علم من ديدن النجاشي أنه إذا كان لم يذكره من الرجال رواية عن أحدهم، فإنه يورد، ذلك في ترجمته أو ترجمة رجل آخر غيره، فمهما أهمل القول بذلك فهو علامة أن الرجل عنده من طبقة من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وحيث أنَّ هذا الاصطلاح من ابن داود خفي على «القاصرين عن تعرف الأساليب والاصطلاحات، كلما رأوا ذلك في كتابه اعترضوا عليه بأن النجاشي لم يقل «لم».
وقد تنبه شيخنا في الرواية السيد محمد صادق بحر العلوم، (1315 ـ 1399) إلى هذه الاصطلاحات في كتاب (الرجال) لابن داود الحلي، فحقق الكتاب ووفق إلى تصحيح كثير من التصحيفات التي منيت بها طبعة دانشكاه طهران سنة (1383)، ورفع بذلك جملة من الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الكتاب الجليل في فنه.
الخاتمة: خلاصة الرأي المختار.
1 ـ إنَّ الشيخ الطوسي إنما رتب كتاب «الرجال» على الطبقات لتمييزهم بذلك، فذكر كل راوٍ، في باب من روى عنه من الأئمة (عليهم السلام)، وخصص الباب الثالث عشر لمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، لكن أورد فيه أسماء جمع في أسانيد روى فيها الرواة، وإنما فعل ذلك لورود أسمائهم في أسانيد روى فيها عنهم من تأخرت طبقته عن الرواية عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) مباشرة وبلا واسطة، أو أنَّ الرواة عنهم قد تكلم أصحاب علم الرجال فيهم بالتخليط بحيث تكون رواياتهم «معلَّلة» أو أن أسماء الرواة فيها مشتبهة ومتماثلة بحيث لم يتمكن من تعيين أشخاصهم، وغير ذلك مما يؤثر في اتصال السند ويعرف من تعيين طبقات الرواة المؤلف له الكتاب.
إنَّ تصرف الشيخ ذلك يعد استنتاجاً من كتاب الرجال نفسه، لأنَّ ثمرة الطبقات هو: معرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها على أثر تمييز رواتها.
2 ـ لقد طبَّقنا هذا الرأي على موارد توهم التناقض فكان الحاصل أنَّ (88) بالمائة من الموارد يحل فيها التناقض على أساس من هذا الرأي، وهي نسبة كبيرة تدعو إلى الوثوق والاطمئنان به.
ونحمد الله الذي وفقنا وهدانا لحل هذه العقدة التي ظلت طيلة (سبعة قرون) تتجاذب الآراء، وتتجاوب معها الأفكار، والأقلام، وتتابعت حولها جهود الأعلام.
محمد رضا الحسيني الجلالي
رحلة أبي طالب خان
ميرزا أبو طالب خان (1752 ـ 1806) واحد من الرحالة المسلمين الذين نشأوا في الهند، زار أوروبا بين 1799 و1803، وسجل وقائع رحلته باللغة الفارسية تحت عنوان: «مسير طالب في بلاد الإفرنج». وقد ترجمت الرحلة سريعاً إلى الإنكليزية عام 1814 وإلى الفرنسية عام 1819. والمعلومات المعروفة عن أبي طالب خان وحياته مأخوذة بغالبيتها عن السيرة التي كتبها عن نفسه وقدم بها رحلته.
أبو طالب هو ابن حاجي محمد بيك الذي عاش في أصفهان. وهو من أصل تركي، وتعبير تركي هنا ليس له دلالة محددة لأن القبائل التركية كانت تنتشر في أرجاء آسيا. ولكن في عهد نادر شاه الذي حكم إيران بين 1736 و1747 اضطر للفرار من بلاده إيران إلى الهند حيث عمل في خدمة أبي منصور خان، لكنه اضطر إلى الانسحاب طلباً للسلامة بعد وفاة هذا الأخير حيث استقر في البنغال حتى توفي عام 1768م.
ولد أبو طالب خان عام 1752م في مدينة «ليكناو» بالهند، وكان لا يزال فتى عند وفاة والده فاضطر للعمل وتقلب في مناصب متعددة في خدمة حكام وأمراء الهند، مما أجبره على الفرار مرات عديدة هرباً من اضطهاد هذا وظلم ذاك. وقد عمل أيضاً في خدمة الإنكليز وأقام علاقات مع بعض ضباطهم… مما أفسح له المجال للقيام برحلته. وحسب وصفه فقد كانت حياته سلسلة من المآسي المتواصلة، وكان يأمل من وراء الرحلة التخلص من جميع مشاكله، لعل السفينة المسافرة تغرق ويرتاح من الحياة!!
غادر أبو طالب خان كالكوتا في شباط عام 1799 وعاد إليها في آب من عام 1803. حيث كتب وقائع رحلته، وسجلها في كتاب «مسير طالب في بلاد الإفرنج». وقد أعد أبو طالب كتباً أخرى: «لب السير وجهنم». و«خلاصة الأفكار» و«تهذيب الغافلين». والكتاب الأخير هو تاريخ لإقليم أوود Aoudh في الهند في عهد آصف الدولة وقد ترجمت إلى الإنكليزية عام 1888.
وقائع الرحلة
يذكر أبو طالب خان في مطلع كتابه: لقد فكرت بأن وقائع رحلة في أوروبا قد تهم مواطني، خصوصاً أن عادات مختلف الشعوب التي زرتها لا تزال شبه مجهولة عند الآسيويين. وأن المسلمين سيأخذون عبرة وفائدة من الاطلاع على العدد الهائل من المكتشفات التي تشرف تلك البلاد.
لهذا فإن أبا طالب قد دون مشاهداته منذ أن أقلعت سفينته، ودون ملاحظات دقيقة لكل الأحداث التي كان لها شاهداً، والتي أعطاها عند عودته شكل كتاب. ويضيف «إن القارىء المتنور لا بد أن يأخذ بالاعتبار الصعوبات التي عشتها؛ وإذا لم تضجره الكلمات والعبارات الغريبة التي يحتوي عليها الكتاب فإنني أعده ما يزيد معلوماته أيضاً». إذاً، أبو طالب كان عارفاً بفائدة كتابه وكان مدركاً للتقدم والتطور الأوروبي. ورحلته الطويلة تشتمل بدون شك على وصف مدقق لبلدين أوربيين زارهما، وهما إنكلترة وفرنسا.
ويبدأ المؤلف بذكر إقلاعه حتى وصوله إلى الساحل الإفريقي ورأس الرجاء الصالح، ومن هناك حتى يصل إلى دبلن التي يصفها ويصف عادات الإيرلنديين. ثم يزور لندن والقصر الملكي وضواحي المدينة. ويتحدث عن حالة الفنون والعلوم في إنكلترة واصفاً المانيفكتورات والمصانع وخصائص التجارة الإنكليزية، كما يصف طرق عيش الإنكليز وشكل الحكومة ويتحدث عن شركة الهند الشرقية. وبخصوص إنكلترة فإنه يتحدث عن نظامها القضائي ومساوئه، وعن ماليتها، وينهي حديثه بنقد الإنكليز وذكر فضائلهم أيضاً.
وقبل أن يصل إلى فرنسا يتحدث عن جغرافية أوروبا وعن الثورة الفرنسية، التي يفرد فصلاً خاصاً لذكر حوادثها وتفصيل مبادئها. ويتحدث عن احتلال نابليون لمصر. وحين يصل إلى باريس يصفها ويذكر طبائع الفرنسيين والمرأة الفرنسية ثم يزور ليون وأفينيون ومارسيليا، ومنها يبحر إلى جانوس Genes في إيطاليا ومنها إلى ليفورن Livourne حتى يصل إلى مالطة التي احتلها الأتراك، ومن هناك إلى أزمير ومنها إلى الدردنيل حتى يصل إلى استامبول.
ويصف هذه المدينة الكبرى وعادت الترك كما يتحدث عن حكومة الأتراك. ومن هناك يغادر إلى بغداد عبر كردستان فيصفها، ويصل إلى كربلاء ويتحدث عن الوهابيين، ثم يزور النجف ويغادر إلى البصرة. ويركب البحر في الخليج حتى يصل إلى بومباي ومنها إلى كالكوتا.
تتميز هذه الرحلة بطول مدتها، (أربع سنوات) وبشمولها فقد زار صاحبها بلداناً متعددة إذ سلك في الذهاب طريقاً مختلفاً لطريق العودة. وقد مكنه ذلك من زيارة بلدين أوروبيين هما أكبر بلاد العالم آنذاك، إنكلترة وفرنسا. ولهذا أهمية خاصة بأدب الرحلات في تلك الحقبة، إذ قلما تمكن رحالة من زيارة هذين البلدين دفعة واحدة، مما ساعده على عقد مقارنة بين شعبين أوروبيين مختلفين، ولكن متشابيهن في التقدم والحضارة.
نضيف إلى ذلك مرور المؤلف باستامبول، وهي حاضرة العالم الإسلامي آنذاك ومركز السلطنة والخلافة، أكثر من ذلك، ففي تلك الفترة كانت الدولة الإسلامية تحت ظل سليم الثالث (1879 ـ 1807) الذي يعتبر أول السلاطين المصلحين والذي حاول فعلاً أن يحدث الدولة العثمانية بإقامة فرق عسكرية حديثة على الطراز الأوروبي، كما بنى المدارس والمصحات والترسانات وأدخل تحسينات على صنع الأسلحة وعلى سلاح البحرية في بلاده.
والحقيقة أن رحلة أبي طالب قد تمت في ظرف تاريخي خاص لم يكن هو بعيداً عن إدراكه. فعدا عن زيارته ووصفه للتقدم في كل من إنكلترة وفرنسا وعدا عن مروره باستامبول ووصفه للتجربة التحديثية فيها، فقد تحدث في رحلته عن احتلال نابليون لمصر وعن ظهور الوهابيين. ويكون بذلك قد أحاط بحوادث عصره الكبرى خصوصاً ما يتعلق منها بالعالم الإسلامي. إلا أن وصفه للثورة الفرنسية وحديثه عن مبادئها، التي كانت هاجس معاصريه والذين أتوا بعده مباشرة من الرحالة المسلمين الذين زاروا أوروبا، يكتسب هذا أهمية خاصة كونه الكلام الأول الذي يكتبه مسلم باللغة الفارسية عن هذه الثورة الكبرى، بل الكلام الأول الذي يكتسب هذه اللغة عن أوروبا ويصفها ويصف تقدمها ومدنيتها وفنونها وعلومها.
وبالرغم من صعوبة الدخول في تحديد ما إذا كان أبو طالب خان هندياً أو فارسياً أو تركياً لجهة العنصر، فمن الواضح بأن رحلته تعود بالنفع الأول على قراء اللغة التي كتبت بها وقائع الرحلة أي الفارسية.
وبهذا المعنى فإن أبا طالب خان يستبق أول فارسي كتب عن المؤسسات الدستورية البريطانية بعد زيارته لإنكلترة. فقد أرسل ميرزا صالح إلى أوروبا عام 1815 ضمن إطار مشروع لإدخال إصلاحات عسكرية في إيران، وعاد إلى بلاده ليتحدث عن الثورة الفرنسية.
إن رحلة أبي طالب خان المسماة: «مسير طالب في بلاد الإفرنج»، مرجع هام لدراسة تطور اتصال الإيرانيين، واللغة الفارسية خصوصاً، بأوروبا وتقدمها. ومرجع هام لدراسة عنصر الانتقال من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، خصوصاً أنه في هذا الانتقال جرت حوادث كبرى في عالم المسلمين لم تدرس بما فيه الكفاية.
خالد زيادة
رحلة الجبيلي
يعتبر الشيخ علي الجبيلي، الملقب بنجيب الدين مثال المهاجر المغامر الذي لا يستطيب له المقام إذا حدث مطامحه أو أوقفت مطامعه.
وجميع الذين كتبوا عنه من القدامى وصفوه بالعلم والفقه والشعر والأدب والتأليف ولا شك أنه في ذلك كله مبرز فائق ولكن ميزته الكبرى ـ عندي ـ هو أنه رحالة من الطراز الأول بحيث يكا يضاهي ابن بطوطة.
من هو الجبيلي؟
والشيخ علي الجبيلي لم يعرف تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته ولكن الذي عرف عنه أنه كان حياً سنة 1041 هـ ولولا أرجوزة شعرية نظمها يصف فيها رحلته وختمها ببيت يؤرخ فيه ختام الرحلة لجهلنا حتى هذا التاريخ ولكنه قال في ختام الأرجوزة مؤرخاً نهاية الرحلة:
حتى وصلنا لدمشق الشام
والحمد لله على التمام
وقد مضت لهجرة أعوام
وجمعها تاريخه ختام
وهذا بحساب الجمل يعادل 1041.
تتنازعه بلدتا جبيل الساحلية وبنت جبيل الجبلية، فقد اشتهر بنسبته الجبيلي وحار بعض المؤرخين فيه. أهو منسوب إلى جبيل أم بنت جبيل؟ ولكن إضافة كلمة (العاملي) إلى اسمه في جميع ما كتب عنه في القديم ربما رجحت نسبته إلى الثانية، مع العلم بأن الأقدمين اعتادوا أن يصفوا بـ (العاملي) كل من انتسب إلى بلد من بلاد الشام..
ومن أشهر رحلاته تلك الرحلة الضخمة التي قام بها في ذاك العصر مع عسر الوسائل ومشقة السفر، ولو أنه اتبع طريقة غيره من الرحالين فدون رحلته نثراً وأخرج عنها كتاباً لأفادنا أعظم الفائدة. ولكنه لم يفعل ذلك بل وصف رحلته وصفاً شعرياً وأخرج عنها أرجوزة فلم يتيسر له التدقيق في الوصف والإحاطة بالتصوير، ولم يتسن له أن يترك لنا إلا نبذاً صغيرة عن وصف الأحداث التي شاهدها وللمنازل التي نزلها والناس الذين لقيهم، وأين الشعر من النثر في مثل هذه المواقف؟…
تلقى الجبيلي دراسته في جبل عامل وفي بلدة جباع بالذات، والذي يجهله الناس إن هذا الجبل ـ جبل عامل ـ كان طوال قرون حمى للغة العربية وآدابها وعلومها، ففي أشد العصور ظلاماً، وأكثرها إيغالاً في الجهل، وفي أسوأ عهود الانحطاط، كان جبل عامل منارة تشع بأروع صور الشعر وأنقى ألوانه وأصفى أخيلته وأجزل ألفاظه.
من هذه المشاريع ارتوى الشيخ علي الجبيلي وفي هذه الحلقات العاملية تربى وتعلم، هناك في جباع في مدرسة الشيخ حسن صاحب المعالم والسيد محمد صاحب المدارك وبين مئات أمثاله من الطلاب قضى الفترة الدراسية الأولى، ثم التقى بعد ذلك في إيران بعاملي آخر كان قد أصبح عالمياً هو الفيلسوف الرياضي الفقيه بهاء الدين العاملي فأكمل دراسته عليه واستحق أن يقول فيه بعد ذلك صاحب أمل الآمل: «كان عالماً فقيهاً محدثاً متكلماً شاعراً منشئاً جليل القدر».
وأن يقول فيه صاحب رياض العلماء: كان من أكابر علماء عصره. لا أريد الآن أن أسترسل في الحديث عنه عالماً فقيهاً، ولا أن يُتصدى لبيان مكانه في هذا الميدان، فقد شهد هذا الجبل العاملي على مر العصور الألوف من أمثاله، وليس علمه هو الذي استهواني فكتبت عنه، ولكن الذي شاقني فيه هو هذه الرحلة الأرجوزة التي نظمها في رحلته وهو إن كان شاعراً دونه عالماً وإن كان شعره ليس من الطراز الرفيع فإننا لا نستطيع أن ننكر أنه كان في أرجوزته موفقاً. وقد وصف صاحب السلافة رحالتنا فقال: كان قد ساح في الأرض وطوى منها الطول والعرض فدخل الحجاز واليمن والهند وإيران والعراق ونظم في ذلك رحلة أودعها من بديع نظمه ما رق وراق.
ضياع بعض الرحلة
والأرجوزة التي نظمها تبلغ فيما يروى المؤرخون ألفين وخمسمائة بيت ولكن الذي عثر عليه منها لا يتجاوز ألفاً وخمسمائة ليست كلها في وصف الرحلة.
بل تضمنت مواعظ وحكماً وآداباً وصفت الرحلة والمؤسف أن بين ما هو مفقود الكثير من حوادث الرحلة فضاع علينا تسلسلها ولم نشعر إلا وهو في مدينة المخا باليمن التي أقام فيها عاماً ثم رحل عنها:
ولم تكن الأرض يومذاك في نظر الناس أوسع كثيراً من هذا المدى الذي يراه صاحب السلافة، ولا كانت وسائل النقل متيحة لهم مجالاً أفسح من هذا الذي يحدده، لذلك لا نعجب حين نراه يقول: أنه قد ساح في الأرض وطوى منها الطول والعرض.
وبعد عام في المخا ركبنا
ثامن عشر صفر ورحنا
ومما يدل على فقدان القسم الكبير من وصف الرحلة أنه يقول قبل هذا البيت:
عدنا إلى إتمام شرح الرحلة
وما جرى فيها لنا في الجملة
معتمدين الاختصار فيها
كيلا يمل الطول ناظريها
ومن هنا نعلم أنه كان قد بدأ يصف رحلته ثم أخذ يستطرد كعادته إلى ذكر ما يريد ذكره من آراء وحكم ثم عاد إلى إتمام شرح الرحلة.
من أين بدأ الرحلة؟
ولفقدان هذا القسم من الأرجوزة لم نعلم من أين بدأ رحلته، هل بدأها من بنت جبيل مثلاً وهل وصف فيها هذا البلد وهل وصف الطريق… نحن لا نعلم إلا أنه في المخا وأنه ينوي الرحيل عنها بعد عام من الإقامة فيها، ثم هو يحدثنا عن الحجاج الصينيين المسلمين القادمين بحراً لزيارة الديار المقدسة فنعرف طريقة انتقالهم وأن وسيلتهم في السفر كانت البحر…
جاء وقد كنا هناك مركب
وفيه شخص عالم مهذب
من جهة الصين يريد يمضي
لمكة والحج عنه يقضي
وبعد أن يروي قصة هذا العالم الصيني يخبرنا بأنه هو نفسه أبحر مع المبحرين في هذا المركب قاصداً بلاد «الشحر»… وطال الإبحار شهراً ونصف الشهر لاقوا فيها عناء وقلقاً.
ثم لنعد لوصف بعض الحال
وما لقيناه من الأهوال
فلم نزل في البحر نسري شهرا
ونصف شهر ودخلنا (الشحرا)
بعد بلاء وعناء وقلق
وحالة أشكل من حال الغرق
ثم مضى إلى حضرموت ولم يقصد المدينة نفسها بل استدعاه فيمن استدعى الأمير عمر بن بدر إلى قلعة «هينن».
بقلعة من هينن المذكورة
من حضرموت البلدة المشهورة
ثم مضى إلى مدينة حضرموت نفسها:
وبعد أيام لنحو البلد
عدنا برفد زائد ومدد
كاتب رسائل الأمراء
وبعد حديث غير قصير عما جرى له هناك من الحوادث الشخصية وأهمها انتحال أحد الناس شخصية الأمير إبراهيم بن لاوي وانخداعه هو نفسه بهذا الانتحال وتكليفه تحرير رسائل الأمير المزيف ثم اكتشافه التزييف بعد وصوله إلى إيران. والذي يلفت النظر في سرد الرحلة إن كل أمير يلقاه في تجواله كان يكلفه تحبير الرسائل أو الإجابة عن الكتب فهو عند الأمير عمر بن بدر في قلعة هينن يقول بعد أن يصف استدعاءه إياه مع جماعة آخرين:
وكان قد جاء كتاب لليمن
إليه من بعض سلاطين الدكن
كلامه وخطه عجيب
يعجز عن وصفه اللبيب
في ذلك اليوم الذي أشرنا
إليه إن عنده حضرنا
وبعد يوم احضر الكتابا
وقال لي نبغي لذا جوابا
إلى آخر ما أورده…
ومن هنا نعلم أن صلات وثيقة كانت تربط سلاطين الدكن في الهند بملوك اليمن وأمراء حضرموت، وإن الرسائل بينهم كانت متبادلة وإن لغة التخاطب كانت العربية، وليته أوضح لنا مضمون الرسالة وهل كانت تتجاوز حدود المجاملات أم كانت ضمن هذه الحدود. وكذلك فإن الأمير المزيف المنتحل شخصية الأمير إبراهيم بن لاوي قد استدعاه إليه وكلفه إنشاء رسائله:
قال لنا اكتب لبعض الأمرا
والعم والشيخ وبعض الوزرا
إلى أن يقول:
ثم جلسنا وكتبنا الكتبا
في جلسة كادت تفوت المغربا
وللطرافة نشير إلى حادث اكتشافه تزييف الأمير بعد وصوله إلى أصفهان، فهو بعد أن يسرد كيف كلفه كتابة الرسائل وما جرى له معه يستطرد إلى ذكر سفره إلى الهند ثم نيته في العودة إلى الوطن ماراً بإيران، وفي أصفهان مرت به خيل وفرسان يتقدمهم أمير جميل فسأل عن الخيل وصاحبها فقيل هو الأمير إبراهيم بن لاوي فسره أن يلقاه هنا من جديد:
فقلت من هذا السيد العظيم
فقيل هذا هو إبراهيم
هذا ابن لاوي أبي أخي مطلب
فقلت هذا أربي ومطلبي
هذا الذي كان لنا في الشحر
مصاحبا في سره والجهر
وبعد أن يصف تعجب جلاسه من هذا الكلام وردهم عليه بأن الأمير إبراهيم لم يبرح وطنه إلا إلى إيران.
وكاد لولا الاعتقاد فينا
في كل ما قلناه يكذبونا
إلى أن يقول:
فانظر إلى احتيال ذي الوقاحة
والجرأة العظيمة الفضاحة
الأخطار
وانتهى مقامه في هذه الأرض ونوى الرجل إلى غيرها. فقال:
ثم قمنا هرباً من العطب
لسابع العشرين من شهر رجب
وفيه سافرنا إلى «ظفار»
وصاحبتنا نوب الأخطار
وبديهي أن الأخطار المقصودة هي أخطار البحر وأهواله، وإذا كان في ركوب البحار اليوم من الشدائد ما يهد العزم فما قولك بركوب البحر في تلك العصور.
على أن في حديثه عن تلك الأخطار شيئاً يلفت النظر ويصعب تحليله وتفسيره ويضيق عن فهمه، ولكنه على كل حال يدلنا على شيء من طراز حياة البحار، وإن ظل هذا الشيء غامضاً مغلقاً. فهو أولاً يتحدث عن الشدة التي لاقاها المركب:
في غبة للقمر انغمسنا
وكلنا من البقا، أنسنا
قال لنا الربان هذي الغبب
قد قل أن ينجو منها المركب
وطال فيها مكثنا أياما
لكنها تعادل الأعواما
فقال لي شخص من الأعيان
من ولد عمر السلطان
لو أمكن الراحة من ذا المركب
نأمن كنا من حلول العطب
وإلى هنا والموضوع صريح واضح، أما طريقة الراحة من (المركب) فهي الغريبة، فنحن نعرف أن البواخر الحديثة تحتفظ فيها بما يسمى قوارب النجاة، وإن هذه القوارب تعد لتكون الملجأ الأخير حين تتصدع الباخرة ويبتلعها اليم، وأن هذا الملجأ إنما يلجأ إليه حين لا عاصم من الماء وأنه ملجأ اضطراري قد ينجو لاجئه وقد لا ينجو، أما أن يكون في المركب الكبير قوارب صغيرة هي أسلم منه وأضمن، وأن تكون هي الحمى من المركب والمفر من أخطاره وهو بعد لا يزال سليماً صحيحاً فهذا هو الغريب الغامض:
وكان للمركب قاربان
وحاكم المركب ذو إيمان
فقلت للحاكم هذا المركب
زادت به همومنا والكرب
وإن توجهنا إلى ظفار
نكن قضينا سائر الأوطار
فارفع إلينا القارب الصغيرا
نركبه ثم ادخروا الكبيرا
فقال سمعا لكم وطاعه
قوموا اركبوا المركب هذي الساعة
والعجيب أن القارب الذي لجؤوا إليه من المركب لم يكن يتسع إلا لستة:
ثم ركبنا ستة في القارب
ونحن في مضايق المتاعب
ولم يكن الأمر سهلاً هينا عليهم:
ولم نزل نعتقد الهلاكا
أيامنا أجمعها هناكا
وبعد شهر وليال عشر
جزنا ظفار من ركوب الشحر
والشهر والليالي العشر هي مدة رحلتهم من الشحر إلى ظفار، أما مدتها من ركوب القارب فلم يحددها لنا، وقد أوجز وصف ما لاقوه في بيت واحد:
من بعد ما صارت لنا أمور
يضيق من تعدادها التسطير
ثم انتهى الإبحار بالسلامة والوصول إلى البر، ولكن القارب كان على آخر رمق فلم يكادوا يغادرونه حتى غرق.
ومذ طلعنا منه في البحر رسب
كأنما كان طلوعنا السبب
ومن العجيب أن يصل القارب الصغير، والمركب لما يصل بعد، وأن يطول انتظارهم لوصوله:
ثم جلسنا في انتظار الفرج
وهل يجي المركب أم ليس يجي
فبعد أيام أتى رسول
من قبل السلطان لي يقول
قم وامض للسلطان من غير مهل
ورح إليه مسرعاً على عجل
أما لماذا طلبه السلطان فذلك لكي يخبره عن وصول المركب، وقد عرف السلطان بقرب وصوله بتطلعه من (ناظور) مكبر:
فقدمت أسعى نحوه كاللمح
وجدته قد قام فوق السطح
فقال لي يهنيك جاء المركب
(ناظورنا) قال ولا يكذب
وليس في البحر سواه أبداً
في مثل هذا الوقت فيما عهدا
ومن البيت الأخير نفهم أنه كانت للمراكب مواعيد معروفة للوصول والقفول.
ومن الطريف أن (حاكم) المركب قد آثر هو الآخر ترك المركب والفرار منه فامتطى مع جماعة من أعوانه القارب الثاني وتركوا الناس في المركب للأقدار، ولكن القارب الكبير تحطم بهم، ويظهر أنه تحطم قريباً من الساحل فلجأوا إلى بر قاطعين القفار. لينتهوا إلى ظفار فوصل المركب بدون حاكم…
وإذا كانت تقاليد هذا العصر تقضي بأن يكون قائد المركب أو حاكمه كما يسميه الجبيلي ـ هو آخر من يغادر المركب، هذا إذا غادره ولم يغرق معه، فإن تقاليد ذلك العصر كما يبدو هي أن يفر الحاكم من المركب وينجو بنفسه قبل الجميع.
على أن كلمة «الحاكم» وإصرار الجبيلي على استعمالها لا يدل على أنه استعملها مصادفة، بل يدل على أنه تعمد استعمالها وأن استعمالها كان مألوفاً، وبذلك فهي تشبه في مدلولها كلمة قبطان (كابتن) التي تقال اليوم:
وأخبروا عن شرح حال الحاكم
وبعض ما لاقى من العظائم
مذ ركب القارب مع جماعة
من بعض من دان له بالطاعة
ثم مضوا للماء في الشراع
وملأوا ما كان في أواعي
وركبوا جميعهم فانكسرا
ودمعهم لما جرى دما جرى
وامتنع العود لنحو المركب
وأصبحوا في محن وعطب
هم حفاة والطريق وعر
ويدهم من الفلوس صفر
فيسر الله لهم بعرب
هناك بعد تعب ونصب
فاستأجروا منهم دليلاً وجمل
وجعلوا ظفار للقبض الأجل
ثم اشتروا زوادة رأس بقر
وسلقوه واستعدوا للسفر
وكلمة رأس بقر تحتمل أمرين: إما أن يكون رأس بقر بمعناه الحقيقي أي رأساً بدون جثة أو أن يكون رأس بقر بمعناه المجازي أي بقرة أو ثوراً كاملاً، ولو صرح بعددهم لعرفنا حقيقة ما يقصد:
وبعد أيام إلينا وصلوا
وأخبرونا بالذي قد فعلوا
بحالة أوصافها عجيبة
وهيئة مضحكة غريبة
وهكذا تكون هذه الرحلة من أظرف الرحلات. مركب يخرج ركابه في البحر مجتمعين، ثم إذا بعضهم يصل على قارب وبعض على جمل وبعض على المركب.
إلى الهند
ثم رحل عن ظفار ووجهته الهند فوصل أولاً إلى (ذابول) بعد شهر ونصف الشهر:
ثم ركبنا قاصدين السفرا
لمما قضينا من ظفار الوطرا
من بعد شهر ونصف شهر
جزنا إلى ذابول وقت العصر
إلى أن يقول:
ثم مضيت مسرعاً للجامع
لدرك الوقت بمن جاء معي
حتى دخلت مسجداً معظماً
في صحن تجاه بركة ما
والناس للوضوء جالسونا
وهم عن اليدين حاسرونا
أما ما اعتبره مفاجأة كبرى فهو انعدام التعصب الطائفي بين المسلمين في ذلك البلد انعداماً كاملاً فقد كانوا يتوضؤون ويصلون جنباً إلى جنب في مسجد واحد وكل يجهر بما يراه صحيحاً في وضوئه وصلاته، على ما في فعلهم من اختلاف جزئي يبدو للناظر فيدل على أتباع كل من المذهبين:
البعض منهم يغسل الرجلين
وبعضهم يمسح باليدين
ما بينهم من منكر على أحد
وكلهم يفعل ما قد اعتمد
ثم دخلنا لصلاة المغرب
فزاد من فعلهم تعجبي
إذ ذاك في صلاته يؤمن
وذاك بالقنوت فيها يعلن
ثم يقول:
فقلت في نفسي هذا أعجب
من كل ما شاهدته وأغرب
وأقام في ذابول شهراً ويوماً، ولم يحفظ لنا منها إلا تلك الصور الجميلة للتسامح المذهبي والألفة الدينية وحسبه بها صورة رائعة عذبة تدل على ما وصل إليه أولئك الناس من التسامي بالعقيدة والتعالي بالدين…
ثم يعاود الرحلة متجهاً إلى حيدر آباد:
ثاني القعدة أنشأنا السفر
لحيدرآباد مطايانا البقر
ويا لها من رحلة على البقر، فمن المركب إلى القارب وأخيراً إلى البقر:
ومرت القافلة في طريقها على بلدة (بنجافورة) ثم تجاوزتها واصلة إلى حيدر آباد وقد ذكر وصوله إلى حيدرآباد بهذا البيت:
عند الضحى المشهور بالغدير
وكان فيه منتهى المسير
والذي يبدو أنه يقصد بكلمة الغدير ـ (يوم الغدير) الذي يقع في الثامن عشر من شهر ذي الحجة وإذا كان هذا قصده فمعنى ذلك أنهم أمضوا في سفرهم ـ البقري ـ هذا ستة وأربعين يوماً أي من الثاني من ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة، وهكذا ترى أي عناء كان السفر يومذاك.
فأما أن يركبوا البحر على تلك الألواح الخشبية، أو يأخذوا البر على هذه الدواب البقرية. وهو لا يشكو ولا يتذمر من سفر البر إذ حسبه منه أنه بعيد عن الموت غرقاً، أما الجهد والتعب فإنه يحتملهما غير شاك ولا متذمر.
الهروب
ويظن أنه كانت له مطامح بعيدة في حيدرآباد، وأنه كان يأمل منها خيراً كثيراً ولكن سارت الأمور على غير ما يرجو فخابت الآمال وضاعت المطامح وصار أقصى همه أن ينجو بنفسه ويفوز بالسلامة والعافية:
لكننا لما دخلنا البلدا
بها وجدنا عدداً وعددا
لما أتى عن أحمد آباد الخبر
بفتحها وشاع ذاك واشتهر
وكان قد جاء إلى الديوان
شخص من الهنود بانياني
وقال جيش المغل في ذا البهر
قد دخل القلعة عند العصر
إلى أن يقول:
والناس قيل وقال وفكر
والغربا من ذاك في أبي ضجر
كلهم في شاغل وشغل
للخوف من هجوم جيش المغل
ليس لهم شغل عن الطريق
سوى خلو السرب والرفيق
ويتمثل في هذه الأبيات هلع الناس وذعرهم من الفتح المغولي ومحاولة الغرباء الفرار بأرواحهم قبل أن تدهمهم النازلة المريعة أما صاحبنا فكان كما يبدو من أول الهاربين:
فمذ أتاح الله للناس الهرب
لم أتأخر عنهم خوف العطب
الخيبة
ثم صور خيبته وما آل إليه أمر الآمال والأطماع من الانهيار والضياع، وكيف أصبحت أمنيته الكبرى هي الفرار والرحيل:
غدوت أرجو بعد إطماعي الأول
سلامتي مما أخاف والقفل
قلت قنوع المرء بالسلامة
أولى من الخسران والندامة
ثم إلى البحر!
ثم عاد للبحر وأهواله حتى «بندر الهرموز» وعاد يتحدث عن الرعب وخوف الغرق إلى أن قال:
ولم تزل تصحبنا الدواهي
حتى دخلناها بحمد الله
ومن بندر الهرموز قصد إلى (اللار) ومنها توجه إلى أصفهان فوصلها في شهر ذي القعدة:
ثم مضينا بعد تلك المدة
لأصفهان ودخلنا القعدة
سنة في سفر متواصل
وهكذا يكون أمضى في سفره من ذابول إلى أصفهان سنة كاملة، فقد ترك ذابول متجهاً إلى حيدرآباد في ذي القعدة ووصل أصفهان في ذي القعدة من العام الثاني.
ولم يبد منشرحاً كما يبدو هو في أصفهان، ولم تتهلل أساريره كما تهللت وهو يتحدث عن مقامه في هذا البلد الطيب، فقد كانت أصفهان في ذاك العهد مدينة العلم والعلماء فهو يقول:
كانت لنا أوقات صفو وصفا
لولا أمور لم يكن فيها خفا
وراحة تزري بفعل الراح
في اللطف والسرور والأفراح
ونشأة بجملة العلوم
ورائق المنشور والمنظومو
ويدلك على العناية باللغة العربية وآدابها في ذاك العصر بأصفهان وعلى مكانة الشعر العربي فيها حتى لقد كان موضع مذاكرة الأدباء وأداة سمرهم وحديتهم، يدلك على ذلك قوله:
فوقعت ما بيننا مسامره
يوماً إلى أن أدت المذاكرة
لذكر أبيات لبعض الفضلا
فواحد من الحضور سألا
مني أبياتاً بذاك الوزن
ولم يكن يقبل عذراً مني
في طريق الإياب
وكما كان كاتب الأمراء والملوك في البلاد السالفة، فقد كان كذلك هنا في أصفهان فقد استدعاه أمير ليكتب له إلى أمير آخر، ثم ترك أصفهان بعد حوالي خمسة أشهر ومضى إلى (مشهد الرضا) في خراسان:
ثم مضينا نحو مولانا الرضا
عليه من ربي السلام والرضا
وترك المشهد عائداً إلى أصفهان في طريق العودة إلى وطنه فوصل أصفهان بعد سنتين من تركه ذابول ثم مضى باتجاه العراق فزار العتبات المقدسة وبغداد ثم استقر في النجف وتركه في شهر ذي القعدة بعد ثلاث سنين من تركه (ذابول) ومن العراق قصد إلى الحج فزار مكة المكرمة ثم وصل إلى دمشق خاتماً الرحلة بهذين البيتين:
حتى وصلنا لدمشق الشام
والحمد لله على التمام
وقد مضت لهجرة أعوام
وجمعها تاريخه ختام (1041)
ولعلك تريد أن تعرف رأيه في التغرب وأثره في نفسه وعاطفته… إنه نفس رأي كل مغترب تضيق به بلاده فينشد في غيرها عيشاً أكرم وكرامة أوفر ولكنه لا يلبث أن يرى أن ضياع ما ضاع من حياته في الاغتراب هو خسارة لا تعدلها خسارة.
إنه نفس رأي الأدباء المهجريين في هذا العصر، ينطق به هذا المهاجر القديم في أبيات من قصيدة أخرى غير أرجوزة الرحلة قال فيها:
ضاعت الأوقات في أرض العجم
فتدارك بعضها قبل الندم
ما كفى ما ضاع في أرض اليمن
ثم في الشحر وفي أرض الدكن
أن يوما مر في أرض الشام
بعضه في غيرها يعدل عام
مع أني كنت فيها تابعاً
خاصفاً نعلي وثوبي راقعا
ليس لي فيها من الأحوال ما
يترجى عنده جرعة ما
هذا هو شعور المغتربين، مغتربي الأمس ومغتربي اليوم.
الرد على جالينوس
في الرد على أرسطوطاليس للفارابي
يجيب الفارابي في رسالته هذه على الإشكالات التي وضعها جالينوس على آراء أرسطو حول العلة الأولية، ويحتمل أن يكون الفارابي قد كتب أثره هذا تبعاً لرد «إسكندر فردويسي» على جالينوس.
توجد نسخة خطية من هذه الرسالة في طشقند. ونسخة أخرى في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران رقمها 71 من المجموعة 242ب.
الرس
ورد ذكر الرس في القرآن الكريم:
{وَعَادَا وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونَاْ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} ـ سورة الفرقان، الآية: 38.
2 ـ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} ـ سورة ق الآية: 13 ـ.
وقد سار المفسرون والمؤرخون في سبيل إيضاح مدلول كلمة (الرس) في بيداء خفية الصوى، مجهولة المعالم، يصدق عليها قول الطيب المتنبي:
يتلون الخريتُ من خوف التوى
فيها كما تتلون الجرباء
وسبب ذلك: 1 ـ أن الرس كلمة يقصد بها معاني كثيرة، منها: 1 ـ البئر. 2 ـ والبئر القليلة الماء 3 ـ والبئر التي لم تطو بالحجارة أو غيرها. 4 ـ والمعدن 5 ـ وإصلاح ما بين القوم. 6 ـ والرس: الدس: رسوه في بئر أي دسّوه فيها، وعلى هذا نشأ كثير من اختلافهم، الأمر الثاني: أن الرس لم يوضح مدلول الكلمة منه في القرآن الكريم، ذلك أن القرآن يعني من الخبر بموقع العبرة: وبما تؤخذ منه الحكمة والتجربة، والاقتداء بالعمل الصالح، فالقرآن ليس كتاب تاريخ أو تحديد مواضع، ولكنه كتاب هداية هام، ولم يرد نص صحيح عن الرسول (ص) في تحديد موقع الرس، ولذلك وقع من المفسرين والمؤرخين قديمهم وحديثهم اضطراب كبير، واختلاف واسع حول مدلول هذه الكلمة، ولا يعني في هذه الكلمة سوى أمرين: أحدهما: عرض المشهور من أقوالهم، وثانيهما: ذكر المواضع التي تسمى باسم الرس وهذا مما قد يفيد الباحث.
يختلف المتقدمون في كلمة الرس هل يقصد بها قرية بعينها أو موضع بعينه أو يقصد بها بئر، وعلى هذا فقد نشأ رأيان أحدهما يرى أن الكلمة تطلق على موضع بعينه.
1 ـ فمنهم من يرى أن المقصود قرية من قرى اليمامة تسمى الرس وتسمى الفلج ـ بفتح اللام ـ وأقدم من عرف عنه هذا الرأي قتادة التابعي الجليل، وفي بعض الكتب ينسب إلى ابن عباس الصحابي الجليل، مع أن لـ “قتادة” قولاً آخر ستأتي الإشارة إليه.
2 ـ ويرى آخرون بأن المقصود من كلمة الرس المعدن وممن ذهب إلى هذا القول أبو عبيدة معمر بن المثنى، العالم اللغوي المعروف، وابن قتيبة، صاحب التآليف المشهورة.
وذهب آخرون إلى أن المقصود بكلمة الرس البئر، وينسب هذا القول إلى ابن عباس ويرى آخرون أن المقصود بئر دون اليمامة، وهو رأي ابن الكلبي، ويرى فريق ثالث أن المقصود بئر بأذربيجان، وينسب هذا القول لابن عباس أيضاً، وفريق ثالث يرى أن البئر المقصود تقع في مدينة أنطاكية، التي لا تزال معروفة تابعة للبلاد التركية في إقليم الإسكندرونة، وينسب هذا الرأي لكعب الأحبار، ومقاتل بن حيَّان، وهما تابعيان، كما ينسب للسُّدَّي الذي عرف بنقل كثير من الأخبار الغريبة والخرافية.
ويأتي أناس آخرون من المفسرين فيرون أن كلمة الرس يقصد بها الأخدود، ويطبقون ذلك على موقع الأخدود في نجران في جنوب الجزيرة، ويؤيد هذا الرأي العلامة ابن جرير في تفسيره، ويقول آخرون بأن المقصود أرض واسعة في جنوب الجزيرة بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت، ويذهب فريق ثالث إلى أن الرأس موضع في جنوب الجزيرة بدون تحديد، وفريق رابع يراه في شمالها في بلاد بني أسد.
ثم يختلف المتقدمون في النبي الذي أرسل إلى أهل الرس، فيراه بعضهم حنظلة بن صفوان، ومن أقدم من ذكر ذلك سعيد بن جبير التابعي الجليل، ويرى وهب بن منبه الذي نقل لنا كثيراً من أخبار أهل الكتاب أن النبي هو شعيب، وأن أهل الرس قوم أصيبوا بالخسف، فانهارت بئرهم وخسف بهم، وفريق رابع يرى أن ذلك النبي هو حبيب النجار من أهل أنطاكية المتقدم ذكرها، وأن قومه قتلوه في بئر، وينسب هذا القول لكعب الأحبار ومقاتل بن حيان والسدي)[675](.
هذا ملخص ما ورد عن المتقدمين في تحديد موقع الرس وفي ذكر من أرسل إليهم، وهذان أمران لا يستطاع البت فيهما بدون الرجوع إلى نصوص واضحة صريحة، ويعتبر هذا الأمر مما يصعب على الباحثين الوصول إليه.
ويحسن الرجوع إلى ما ورد في الشعر القديم وهو من أهم المصادر التاريخية في تحديد المواضع، مع أن كلمة الرس تعتبر شاملة وواسعة، بحيث أن بعض الشعراء أطلقها وقصد من إطلاقه المعنى اللغوي، إلا أن ذلك لا يمنع من الاستئناس بأقوال أولئك الشعراء.
فما ورد من أقوالهم قول الشنفري)[676](:
أمشي بأطراف الحماط وتارة
تنفض رجلي مسبطياً معصفرا
وأبغي بني صعب بحر ديارهم
وسوف ألاقيهم إن الله يسرا
ويوم بذات الرس، أو بطن منجل
هنالك تبغي العاصر المتنورا
وقول عامر بن عمرو الحصيني ثم المكاري:
وأقفرت العبلاء والرس منهم
وأوحش منهم يثقب فقراقر)[677](
لمن طلل كالموحي عاف منازله؟
عفا الرس منه، فالرسيس فعاقله
وقوله:
بكرن بكوراً، واستحرن بسحرة
فهن ووادي الرس كاليد للفم
وهناك شعراء كثيرون ذكروا الرس ذكراً لا يخرج عن المواضع التي ذكرها الشعراء الثلاثة، وهي فيما يظهر من أقوالهم في جنوب الجزيرة كما في قول الشنفرى، وفي وسطها كما في قول زهير، وفي شمالها كما في قول عامر بن عمرو، الذي قرنه بقراقر.
بقي ذكر المواضع التي يطلق عليها اسم الرس في الجزيرة وفي غيرها:
1 ـ يطلق اسم الرس على البلاد المعروفة الآن باسم الأفلاج، الواقعة في جنوب الجزيرة وهي إقليم واسع يحوي عدداً من القرى والأودية وكان في الماضي مشهوراً بخصبه وعمرانه، وقد أورد الهمداني في كتاب وصفة جزيرة العرب، فصلاً وافياً عن تحديد مواضعه، وعن الآثار العمرانية القديمة فيه وكان مما قال: (سوق… الذي تسوقه نزار واليمن وهو لبني سمرة من جعدة ثم على أثرها من سيحي جعدة حصن يقال له مرغم، أي يرغم العدو بامتناعه دونه، وهو لبني أبي سمرة، والقصر العادي بالأثل من عهد طسم وجديس، وصفته أن بانيه بنى حصناً من طين ثلاثين ذراعاً دكة، ثم بنى عليه الحصن، وحوله منزل الحاشية للرئيس الذي يكون فيه، والأثل والنخل، وساكنه اليوم بنو أبي شمسة، وسوق الفلج عليها أبواب الحديد، وسمك سورها ثلاثون ذراعاً، ومحيط به الخندق وهو منطق بالفضاض والحجارة والشاروق، قامة وبسطة، فرقاً أن يحصر أو يرسل العدو السيوح عليه، وفي جوف السوق مائتان وستون بئراً ماؤها عذب فرات، يشاكل ماء السماء ولا يفيض، وأربعمائة حانوت، ولبني جعدة سيحان يقال لأحدهما الرقادي وللآخر الأطلس، وأما سيح قشير فاسمه سيح إسحاق، فأما الرقادي فإن مخرجه من عين ابن اصمع، ومن عين يقال لها الزباء مختلطتين، وأما الأطلس فإن مخرجها من عين الناقة ويقول أهل الفلج في اشتقاق هذا الاسم: إن امرأة مرت بها على ناقة لها فتقحمت بها الناقة في جوف العين فخرج بَعْدُ سوارها بنهر مُحَلّمٍ بهجر البحرين) )[678](.
وينسب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير وهشام بن محمد الكلبي القول بأن أهل الرس من أهل فلج الأفلاج وكان هذا الرأي معروفاً إلى منتصف القرن الخامس الهجري، كما أشار إلى ذلك ناصر خسرو في «سفر نامه».
2 ـ الرس قرية ذات نخيل وعيون في العهد القديم، وقد غارت مياهها ومحلت أرضها، وأصبحت ذات سباخ، وهذه القرية لا تزال آثار موجودة في مداين صالح، حسبما ذكر الأستاذ عبدالحميد مرداد)[679](. وتحسن الإشارة إلى أن بعض المفسرين ذكر أن أصحاب الرس هم بقية ممن آمن بصالح ولكنهم كفروا وعوقبوا بعد ذلك)[680](.
3 ـ هناك من يرى بأن أصحاب الرس كانوا من أهل بلاد مدين، وأول من رأيته قال هذا القول هو عبدالله فلبي، فقد ذكر في كتابه «أرض مدين» موضعاً دعاه الرس ـ بالسين بخلاف ما ينطقه أهل تلك الجهة فهم يقولون الرص، بالصاد ـ وقال: (ولم يستطع أحد التعرف على الرس والأيكة، وإن كان يبدو أنهما يجب أن يكونا في المناطق المجاورة لمدين. ولعله يبدو من التسرع القول بأنني قد وصلت إلى خرائب الأولى، ولكنني لم أعرف مكاناً آخر يدعى الرس في شبه الجزيرة العربية غير هذا الموقع، ومكان آخر في القصيم، والثاني يشك في أنه المذكور في القرآن الكريم. والأيكة وادٍ يتفرع من وادي عفال، الذي ينحدر من جبل اللوز الكبير. وقد قيل إن الرس تقع على مرتفع يطل على الضفة اليمنى لوادي الأبيض، من نقطة يلتقي فيها هذا الوادي برافد ينحدر من الجهة الشمالية الغربية، يدعى شيب الوسيطى، ومن الممكن أن هذا الموقع كان مزاراً يؤمه الناس قبل الإسلام، وأشار موسيل إلى هذا المكان في خريطته غير أنه لم يزره، وأكاد أجزم بأن هذا المكان لم يزره أوروبي قبلي)[681](. انتهى كلامه باختصار.
4 ـ وهناك موضع في غرب القصيم يطلق عليه اسم الرس، وهو الذي ورد في شعر زهير المتقدم. وأول من رأيته نسب أهل الرس إليه ما نقله أبو حيان التوحيدي عن من تقدمه، في تفسيره «البحر)[682](» والقرطبي في تفسيره)[683]( ومن بعده من المتأخرين الأستاذ فؤاد حمزة في كتابه «قلب جزيرة العرب»)[684]( ثم الأستاذ محمد حسين زيدان)[685]( وإن لم يصرح بذلك، غير أن القول بأن أهل الرس من هذا الموقع الذي لا يزال معروفاً في القصيم قائم على أساس مجرد التسمية وليس هناك ما يدل على صحة القول به، لأن عمران هذا المكان كان حديثاً بخلاف الأفلاج وغيره من الأمكنة.
5 ـ وموضع خامس يطلق عليه الرس، ولكن لم يرد عن المتقدمين ما يدل على أنه هو المقصود بأصحاب الرس، ذلك الرس من أودية القبلية، والقبلية على ما نقل الزمخشري عن شيخه الشريف عُلَيّ بن وهاس الحسني المكي: سراة فيما بين المدينة وينبع، فما سال منها إلى ينبع يسمى الغور، وما سال من أودية المدينة يسمَّى بالقبليَّة، وحدُّها من الشام ما بين الحت من جبال بني عرك من جهينة، وما بين شرف السيالة ـ والسيالة أرض يطؤها طريق الحاج ـ فأودية القبلية: الثاجة، وحزرة، ومثعر، والرس وحورة، وحراضان، وظلم، وملحتان، وبواط، ومنكثة، ورسوس، والعشيرة، والبلياء (البلدة؟) وتَيْتَد ـ وهو المعروف بأذينة ـ وفيه عرض النخل من صدقة رسول الله (ص) نحلها فاطمة (عليها السلام) وشميسى، والناصفة)[686]( ثم ذكر جبال القبلية.
وإلى هذا الموضع ينسب الإمام الهادي مؤسس الإمامة الزيدية في اليمن وناشر المذهب الزيدي فيه فقد جاءه وفد من اليمن إلى حرس يدعونه للذهاب معهم ليلي الأمر هناك وذلك سنة 280.
ولم يلبث بعد أن أجاب الدعوة وذهب إلى اليمن وبويع هناك على النصرة والتأييد ـ لم يلبث بعد أن بلغ (الشرفة) من بلد (نهم) أن عاد إلى الحجاز لأنه لم يجد النصرة الكافية والتأييد المطلوب، ويظهر أن الوفد كان قد بالغ في وصف القوى المؤيدة والعناصر المناصرة ولما وصل الهادي وتحقق الأمر لم يشأ أن يدخل في مغامرة غير مضمونة العواقب فآثر العودة إلى موطنه في الحجاز.
وانقضت على ذلك أربع سنوات وأتت السنة 284 فعاود اليمانيون الرحالة إليه وأخذوه معهم من جديد ومضوا به إلى صعدة فاستتب له الأمر وتقدم إلى نجران وبرط فملكهما وملك أعمالهما ثم استدعاه أبو العتاهية ابن الروية إلى صنعاء في المحرم سنة 288 ثم عاد إلى صعدة ويقول بعض المؤرخين اليمنيين إن الفوضى المنتشرة في اليمن يومذاك، والفتن السائدة كانت من العوامل الفعالة في نجاح دعوة الهادي.
يقول حمد الجاسر كاتب هذا المقال، أذكر أنني ضمني مجلس من بين من فيه عبدالله بن الوزير أثناء عقد المعاهدة اليمنية السعودية في الطائف تحدث قائلاً: نحن منكم يا أهل نجد من بلاد الرس. فقلت: أنتم من الرس القريبة من المدينة ولستم من رس القصيم، فطلب مني إيضاحاً لتحديد هذا الموقع فأوضحته له.
6 ـ وذهب كثير من المتقدمين إلى أن الرس المذكور في القرآن الكريم من بلاد اليمن، وها هي الأقوال الواردة في ذلك نسوقها بالتتابع حسبما ورد من أقوال المتقدمين.
أ ـ قال محمد بن هشام بن السائب الكليبي: وأما الحارث ـ بن قحطان ـ فولد (قينا) يقال لهم الأقيون، وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس، والرس فيما بين نجران واليمن من حضرموت إلى اليمامة، وكانوا يسكنون الرس)[687](.
بـ ـ وقال ابن هشام صاحب «السيرة» قال أبو محمد: لما بلغ سليمان إلى عجز الأحقاف أمر الريح فأمسكت، ثم قال ـ وأشار بيده ـ هناك ولي الله حنظلة بن صفوان صدق وكذبوه، فنجا وهلكوا، وإلى الله المصير.
ـ ثم أورد قصة طويلة جاء فيها ـ فدخلنا وهدة من الأرض فأصبنا على بابها حجراً مطبقاً فاعتورنا قلعه، فقلعناه، فإذا رجل عليه جبة صوف، في يده خاتم عليه مكتوب: أنا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس، رسول الله ـ وعند رأسه صحيفة نحاس مكتوب فيها: بعثني الله إلى عريب وهمدان والعرب من اليمن بشيراً ونذيراً، فكذبوني وقتلوني. فأعادوا عليه الحجر كما كان، والصخرة في مكانها كما كانت)[688](.
وقال أبو محمد الهمداني مؤلف «صفة جزيرة العرب»: وأما الحارث ـ بن قحطان ـ فولد قيناً، بطن يقال لهم الأقيون، دخلوا في حمير، وهم رهط حنظلة بن صفوان، ووجد في قبره لوح مكتوب فيه: أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله بعثني إلى حمير وهمدان، والعريب من أهل اليمن فكذبوني وقتلوني). فمن يقول بهذا الخبر يرى أنه إلى سبأ بمأرب، فلما كذبوه أرسل الله عليهم سيل العرم. قال ابن هشام هو حنظلة بن صفوان من الأقيون نبي الرس، والرس بناحية صيهد، وهي بلدة منحرفة ما بين بيحان، فمأرب، فالجوف، فنجران، فالعتيق، فالدهناء، فراجعاً إلى عبر حضرموت.
وذهب في صيهد بعهدنا ـ 340 تقريباً ـ قطار فيه سبعون محملاً من حاج الحضارم، صادرين من نجران. لحق هذا القطار في أعقاب الناس، ولم يكن فيهم دليل فساروا ليلة وأصبحوا قد تياسروا عن الطريق، وتمادى بهم الجور، حتى انقطعوا في الدهناء فلم يدر ما خبرهم، لأن أحداً لا يدخل ذلك المكان، ولو دخله لم يظفر بموضعهم لسعة ذلك المكان الخرق، وهي فلاة صداد (؟) فيها بقايا قصور هذه الأمة، فيما يصل العمران من جانبها الغربي، يعدنها الناس في زماننا هذا، فيجدون فيها الذهب وما قد أسرع إليه أكل التراب من الفضة)[689](.
جـ – وقال الهمداني: ويقال بل كان أهل الرس قبائل من نسل من سمينا من قحطان، وهم أسلم، ويامن، وأبو زرع ورعويل، وقدمان، فبعث الله اليهم حنظلة بن صفوان بن الأقيون ـ كذا رواه النساب مثل الأملوك والأصنوع والأخضوض وإنما هذا اسم كأنه جماع قبيلة ـ فكذبوه فقتلوه، وطرحوه في بئر رس ماؤها فأهلكهم الله كما قال (وأصحاب الرس، وقروناً بين ذلك كثيراً) فقال رجل من قحطان يرثيهم:
بكت عيني لأهل الرس
رعويل وقدمان
واسلم وأبي زرع
نضار الحي قحطان)[690](
هـ ـ وقال ابن حزم في كتابه: «جمهرة النسب»: فولد الحارث ـ بن قحطان ـ فهم، يقال لهم الأقيون وهم رهط حنظلة ابن صفوان، نبي الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة)[691](.
و ـ وقال نشوان بن سعيد الحميري اليمني: الرس في قوله تعالى: (وأصحاب الرس) بئر بمأرب. قال مجاهد: رسوا نبيهم فيها. وقال كعب الأحبار: هم أصحاب الأخدود، والرس الأخدود. والرس اسم ماء)[692](.
وقال ابن كثير: وبعث إلى العرب شعيب صاحب مدين، وحنظلة بن صفوان، فكذبوهما فسلط الله على العرب بخت نصر، فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بني إسرائيل، وذلك في زمن معد بن عدنان)[693](.
وقال ابن خلدون في «تاريخه»:
1 ـ وإما حضورا فكانت ديارهم بالرس، وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع، فكذبوه فهلكوا)[694](.
2 ـ وقال: فولد فيما يقال له لاسور (؟) وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة.
8 ـ وذهب آخرون إلى أصحاب الرس من بني إسرائيل، فقد ذكر ابن جرير في تاريخه ما نصه: وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه يذكر أن معد بن عدنان لما ولد ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم، فكان آخر من قتل يحيى بن زكريا، وعدا أهل الرس على نبيهم فقتلوه، فلما اجترأوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معذ بن عدنان من أنبيائهم، فبعث الله بخت نصر على بني إسرائيل، فلما فرغ من إخراب المسجد ـ سار إلى بلاد العرب ـ فالتقى عدنان وبخت نصر بذات عرق، وسار في بلاد العرب حتى قدم حضور… )[695]( وبقيت بلاد العرب خرابا.
9 ـ ويرى غير من تقدم ذكرهم أن أصحاب الرس من بلاد العجم، فقد ذكر ياقوت في كتابه ما نصه: وقال آخرون في قول الله عز وجل: {وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيراً} الرس: وادي أذربيجان وحد أذربيجان ما وراء الرس، ويقال بأنه كان بأران على الرس ألف مدينة، فبعث الله إليهم نبياً يقال له موسى، وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى الله، والإيمان به فكذبوه وجحدوه، وعصوا أمره فدعا عليهم، فحول الله الحارث والحويرث من الطائف، فأرسلهما عليهم، فقال أهل الرس تحت هذين الجبلين ومخرج الرس من قاليقلاء، ويمر بأران، ثم يمر بورثان، ثم يمر بالمجمع، فيجتمع هو والكر وبينهما مدينة البيلقان، ويمر الكر والرس جميعاً فيصبان في بحر جرجان، والرس هذا وادٍ عجيب فيه من السمك أصناف كثيرة)[696](.
وروى ابن الفقيه أنه كان على نهر الرس بأرمينية ألف مدينة، فبعث الله إليهم نبياً يقال له موسى وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى الله والإيمان به فكذبوه وجحدوه، وعصو أمره، فدعا عليهم، فحول الحارث والحويرث ـ وهما جبلان ـ من الطائف، فأرسلهما عليهم، فيقال أن أهل الرس تحت هذين الجبلين)[697]( وقال أبو دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي الينبعي: وإلى جانبه ـ البذ ـ نهر الرس، وعليه رمان عجيب، لم أر في بلد من البلدان مثله، وبها تين عجيب… ونهر الرس يخرج إلى صحراء البلاسجان، وهي إلى شاطىء البحر، وفي الطول من برزند إلى بردعة، وفي هذه الصحراء خمسة آلاف قرية أو أكثر خراب، إلا أن حيطانها وأبنيتها قائمة، لم تتغير لجودة التربة، ويقال أن تلك القرى كانت لأصحاب الرس، الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن)[698](.
وقال ابن الأثير عن الملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد ـ عندما ذكر فتوحاته ـ فوطىء بلاد الران، وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان)[699](.
وقال المسعودي المؤرخ المعروف: 1 ـ نهر الكُرَ: يجتمع بنهر الرس الذي هو نهر ورَثْان، فيصبان جميعاً فيه)[700](.
ويتلخص من الأقوال المتقدمة:
1 ـ أن أكثر المؤرخين والمفسرين يرون أن الرس في بلاد العرب، ولكنهم يختلفون في تحديد موقعه، فاليمنيون من الباحثين يرونه في بلاد اليمن، ومن أقدم من يرى هذا الرأي ابن الكلبي، ثم هم يختلفون في أي موقع هل هو في بلاد الأقيون أو في الأخدود أو في مأرب.
2 ـ بينما يذهب آخرون إلى أنه في بلاد الأفلاج في جنوب نجد، وهي بلاد عريقة الحضارة، مجهولة التاريخ، والآثار الباقية فيها تدل على قدمها.
3 ـ وهناك من يرى أن الرس في شمال الحجاز، في المعلا أو في أرض مدين، كما تقدم النقل عن الأستاذ محمد عبدالحميد مرداد، ويؤيده ما نقل القرطبي: الرس اسم بئر لبقية ثمود)[701](، مع أن هذا الأخير يوجد ما يؤيد قوله من آراء المتقدمين من أن نبي أهل الرس هو شعيب، ومدين هي بلاد شعيب، وهناك نص أصرح من هذا وهو ما أورده القرطبي في تفسيره عن قتادة قال: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيباً فكذبوه، فعذبهما الله بعذابين. اهـ. والرس ـ على ما يرى “فلبي” ـ مجاور للأيكة، قريب أحدهما من الآخر.
4 ـ أما القول بأنه الرس المعروف الآن في القصيم، فهو قول بعيد عن الصواب، ذلك أن هذا الرس لم يعمر إلا حديثاً، وإن كان معروفاً لدى الشعراء المتقدمين، ولم يبرز فيه من الآثار ما يدل على سكناه في القديم.
5 ـ والقول بأنه في بلاد العجم، فلعله ناشىء من وجود موضع هناك باسم الرس، غير أن المعروف أن الأسماء العربية في تلك البلاد الأعجمية ما نشأت إلا بعد انتقال العرب إليها بعد ظهور الإسلام، وقد يكون للعصبية من الأثر في ذلك ما حمل بعض المتقدمين إلى القول بأن الرس هناك.
6 ـ ويماثل هذا القول في الضعف ما روي من أن نبي أهل الرس هو حبيب النجار من أهل أنطاكية، وقد كفانا مؤونة إبطال هذا الرأي الحافظ ابن كثير في تاريخه.
وبعد فكل ما تقدم لا يعدو عرضاً موجزاً لأقوال القدماء، ومن خطل الرأي الحكم بأن الموضع الفلاني هو المعين بالنص القرآني الكريم، ما لم يرد نص صريح صحيح عن المصطفى (ص) ولو ورد ذلك لكان القول الفصل. ومن يدري؟ فقد تكشف لنا الآثار في المستقبل ما نجهله الآن)[702](.
حمد الجاسر
رسالة أبي غالب الزراري
تأليف: أبي غالب الزراري أحمد بن محمد بن أعين الكوفي البغدادي (285 ـ 368هـ).
اشتمل الكتاب على رسالة كتبها أبو غالب الزراري إلى ابن ابنه في التعريف بآل أعين، وتعد هي ترجمة ذاتية باعتبار أن كاتبها واحد من أعلام آل أعين، وقد كتب عن أفراد عائلته بدقة فائقة، كما ترجم لنفسه في الكتاب ترجمة وافية.
وتعتبر هذه الرسالة أقدم إجازة مكتوبة تحدد معالم طرق تحمل الحديث وأدائه وصلت إلينا من القدماء.
وتعد أيضاً أقدم ما كتب في «الرجال» فهي تحتوي على معلومات رجالية قيمة.
كما تعد هذه الرسالة أقدم ما ألف في الفهرسة إذ احتوت في آخرها على «ثبت الكتب» التي رواها المؤلف، وأجاز لحفيده روايتها.
كما اشتمل الكتاب على تكملة الرسالة المذكورة أعلاه كان قد كتبها أبو عبدالله العضائري الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الواسطي البغدادي، المتوفى سنة 411هـ، إذ كان هو راوي الرسالة وأحد تلامذة مؤلفها، وقد جمعت هذه التكملة أحاديث نادرة جعلت منها كأصل الرسالة من حيث الأهمية العلمية والتراثية، كما أنها تدل على عمق معارف مؤلفها.
كما ألحق محقق الرسالتين مؤلفاً بآخر الكتاب بعنوان «معجم الأعلام من آل أعين الكرام» استوعب فيه كل من ذكر في الكتاب وكل من انتمى إلى أعين ـ بنسب أو سبب ـ وإن لم يذكر فيه، يضم بين دفتيه جميع ما يرتبط بهم من تاريخ وتراجم.
ثم ألحق بكل ما تقدم مجموعة من الفهارس الفنية العلمية.
وكان قد طبع قسم من الكتاب في بغداد بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين سنة 1373هـ.
وطبع أيضاً في أصفهان مع شرح السيد محمد علي الأبطحي الموحد الأصفهاني سنة 1399هـ.
تم تحقيق الكتاب على عدة نسخ مخطوطة نفيسة، مذكورة تفاصيلها في مقدمة الكتاب.
رسائل الشريف المرتضى
وهي 52 رسالة من رسائل الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ)، تعالج فنونناً شتى، في ثلاثة أجزاء كانت نادرة الوجود وقد طبعت سنة 1407هـ في قم لأول مرة وتتضمن:
1 ـ إبطال العمل بأخبار الآحاد 3 :308.
2 ـ أجوبة مسائل متفرقة 3: 121.
3 ـ أجوبة المسائل القرآنية 3: 83.
4 ـ أحكام أهل الآخرة: 133.
5 ـ الاعتراض على من يثبت حدود الأجسام 3: 329.
6 ـ أقاويل العرب في الجاهلة 3: 221.
7 ـ إنقاذ البشر من الجبر والقدر 3: 178.
8 ـ تفسير الآيات المشابهات3: 285.
9 ـ تفضيل الأنبياء على الملائكة 2: 155.
10 ـ جمل العلم والعمل 3: 9.
11 ـ الجواب عن الشبهات في خبر الغدير3: 249.
12 ـ جواب المسائل الرازية1: 99.
13 ـ جواب المسائل التبانيات1: 5.
14 ـ جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة 1: 359.
15 ـ جوابات المسائل الطرابلسيات الثانية 1: 309.
16 ـ جوابات المسائل الميافارقينيات 1: 271.
17 ـ جوابات المسائل الموصليات الثانية 1: 201.
18 ـ جوابات المسائل الموصليات الثانية 1: 169.
19 ـ جوابات المسائل الطبرية 1: 135.
20 ـ جوابات المسائل الرسية الثانية3 : 383.
21 ـ جوابات المسائل الرسية الأولى 2: 316.
22 ـ الحدود والحقائق 2: 261.
23 ـ حكم الباء في آية: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} 67:2.
24 ـ الرد على أصحاب العدد 2: 18.
25 ـ الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة 2: 251.
26 ـ شرح الخطبة الشقشقية 2: 107.
27 ـ عدم تخطئة العامل بخبر الواحد3 : 267.
28 ـ علّة امتناع علي عن محاربة الغاصبين 3: 315.
29 ـ علّة خذلان أهل البيت 3: 207.
30 ـ علّة مبايعة علي (عليه السلام) 3: 241.
31 ـ عدم وجوب غسل الرجلين في الطهارة 3: 159.
32 ـ غَيْبة الحُجَّة (رسالة في…)2 : 293.
33 ـ قول النبي: نيّة المؤمن خير من عمله 3: 233.
34 ـ مسألة في الإجماع 3: 199 ج.
35 ـ مسألة في إرث الأولاد 3: 255.
36 ـ مسألة في الاستثناء 2: 79.
37 ـ مسألة في استلام الحجر 3: 273.
38 ـ مسألة في توارد الأدلّة 2: 147.
39 ـ مسألة في الحسن والقبح العقليين 3: 175.
40 ـ مسألة في خلق الأعمال 3: 187.
41 ـ مسألة في الرد على المنجمين 2: 302.
42 ـ مسألة في العصمة 3: 323.
43 ـ مسألة في العمل مع السلطان 2: 89.
44 ـ مسألة في المسح على الخُفين 3: 181.
45 ـ مسألة في المنامات 2: 9.
46 ـ مسألة من يتولى غسل الإمام 3: 153.
47 ـ مسألة في نفي الرؤية 3: 279.
48 ـ مناظرة الخصوم وكيفية الاستدلال عليهم 2: 117.
49 ـ المنع من تفضيل الملائكة على الأنبياء 2: 169.
50 ـ نفي الحكم لعدم الدليل عليه 2: 101.
51 ـ وجه العلم بتناول الوعيد كافة الكفار 2: 85.
52 ـ وجه التكرار في الآيتين 2: 75.
الشريف المرتضى
صاحب الرسائل
في عام خمس وخمسين وثلاثمائة للهجرة ولد للشريف «أبي أحمد الموسوي» نقيب الطالبيين ببغداد، من زوجته فاطمة بنت أبي محمد الحسن «الناصر الصغير» ولد أسماه «عليّاً» ولعله تيمن باسم جده علي بن أبي طالب. إذ قد عرف بعد أن كبر «بالمرتضى»، وهو لقب للإمام علي من بين أئمة أهل البيت.
ومن أجل أن نلم بالمهيئات التي أعدّت المولود الجديد لمقامه الذي تبوأه بعد حين، لا بد لنا في جملة ما نلم به أن نشير إلى مكانة أبويه.
أما أبوه فقد حلاه المؤرخون بألقاب كثيرة، فهو الأجل الطاهر الأوحد ذو المناقب الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم سابع أئمة الإمامية، وأما أمه فهي فاطمة)[703]( بنت الحسن نقيب العلويين ببغداد ابن أحمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين رابع أئمة الشيعة.
فالمولود ينتسب لأبوين يصلان به في نسب قصير إلى غاية ما يمكن أن يطمح له طامح في التأتي لمعالي الأمور دينية ودنيوية ومن هنا ما كان يستشعر الشيعة له من سمو المقام والمنزلة بين سائر العلويين والطالبيين، وما كان يستشعره هو نفسه من تكاليف وضرورات ألقاها على عاتقه هذا النسب المتوثب الذي ظل دائماً باعث الحماسة في الطالبيين، إلى نهضات طالما ألقت بهم إلى الصدور أو القبور.
ولتصوير ما كان يهيأ له هذا المولود من مقام في مستقبل حياته يحسن إيراد ما قصه «ابن أبي الحديد» وغيره: أن الشيخ المفيد رأى في حلمه أن «فاطمة الزهراء» بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين صغيرين، فأسلمتهما إليه وقالت علمهما الفقه، فانتبه الشيخ عجباً، فلما تعالى النهار صبيحة تلك الليلة، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها «علي المرتضى» و«محمد الرضي» صغيرين، فقام إليها، وسلم عليها، فقالت له: «أيها الشيخ، هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه، فبكى الشيخ وقص عليها الرؤيا وتولى تعليمهما)[704](.
هذا الحلم الذي قصه «المفيد» ككثير من أحلام الناس، ولكنه في الدلالة على ما كان يستشعره من منزلة هذا البيت، أو ما يحاول أن يظهر استشعاره من منزلتهم أو منزلته أبلغ أثراً ـ في أدنى صور الدلالات ـ مما لو كان حقيقة من الحقائق من حيث فعله في نفس الطفل الذي جيء به ليتعلم الفقه.
وهكذا ظل الشعور واللاشعور يعملان على تكوين صاحبنا في نفسه وفي نفوس معاصريه، بل هكذا ظلت اليقظة والأحلام تتعاونان على تكوين الرجل طول حياته.
فإنه لما مرض الوزير «أبو سعيد محمد بن عبدالرحيم» سنة 420هـ رأى الإمام عليّاً في المنام يقول له: قل «لعلم الهدى» يقرأ عليك الفاتحة حتى تبرأ، فقال: يا أمير المؤمنين، ومن عَلَم الهدى؟ قال: علي بن الحسين الموسوي، فكتب إليه الوزير، فقال المرتضى: الله الله في أمري، فإنَّ قبولي لهذا اللقب شناعة عليّ، فقال الوزير: والله ما أكتب إليك إلا ما أمرني به أمير المؤمنين. فسمع «القادر بالله» بالقصة، فكتب إلى المرتضى: تقبل ما لقبك به جدك، فقبل)[705](.
بهذا الإحساس واجه الصبي كونه الجديد، فكان فخوراً معتداً بنفسه، ولهذا كثر فخره بنفسه وبآبائه في شعره، وهي ظاهرة شاركه فيها أخوه «الرضي» حتى لقد كان يغلب على طلائع شعرهما الحماسة والفخر، ولهذا الشعور أيضاً أحس بعظم ما ألقى على عاتقه من واجبات، فانصرف إلى تكميل نفسه وتثقيفها موفياً به على أبعد الغايات العلمية والأدبية.
لم أعرف تحديداً مضبوطاً للعام الذي بدأ به دراسته، ولا أول الفروع التي درسها، وإن كنت أرجح أنه الأدب، إذ قرأه ـ وهو صبي)[706]( بين الثانية عشرة والخامسة عشرة ـ على «ابن نباتة» وهذا يجعلني أفترض أنه حين وجه إلى «الشيخ المفيد» لدراسة الفقه ـ كانت سنه لا تقل عن خمسة عشر عاماً، إذ كان معه أخوه «الرضي» والرضي ولد بعده بأربعة أو خمسة أعوام. ومن البعيد أو يذهب بالفتى إلى دراسة فقهية قبل أن يشدوا طرفاً من اللغة والأدب، ومن تلك العلوم التي تعتبر أدوات لدراسة الفقه.
إن نتاجه العلمي والأدبي يدل على أنه سعى للدراسة صغيراً، وأنه قطع شوط صباه في دراسة جدّية مضنية، حتى إذا بلغ السابعة والعشرين من مرة عُدَّ مرجعاً فقهياً وكلامياً، وبدأ الشيعة وغيرهم يتوجهون إليه بالكتب والرسائل في علمي الفقه والكلام من مختلف البلاد المسلمة.
وقد وصفه المؤرخون بأنه كان نحيف الجسم، أشرب بياض بشرته حمرة. ولا بد لي أن أقرر أن نحافة جسمه ليست من هزال أو ضعف، ألا أن يكون ذلك الوصف له في أيام شيخوخته، فإني لم أعهد الرجل كان شاكياً مرضاً أو علة طوال أيام حياته، وأن أسفاره المتعددة إلى مكة أميراً لتتطلب قوة جسمية عظيمة وخصوصاً أن السفر في تلك الأيام كان فيه من المشاق والمخاطر، ما لا يقوى عليه إلا رجل قوي البنية، وأن قيامه بأعمال نقابة النقباء، وقضاء القضاة ـ وقد ضاق بها أبوه وأخوه الرضي وطلبا الإعفاء منها ـ مدة ثلاثين عاماً لتستدعي من القوى الجسمية والعقلية ما لا بد من توفر الرجل على قوى خارقة بالغة.
كما يبدو لي أنه كان رقيق المشاعر، يتأثر بما ينزل بإخوانه، ويأسى لأساهم، فلا تصيب أحدهم مصيبة إلا بادر إلى المؤاساة، معزياً في قصيدة، أو مهنئاً بأبيات، مع العلم أن بين أخوانه من لا شأن له في الدولة، ولا نصيب له من جاه المال والقبيل.
ولقد توفي أخوه «الرضي» وشهد الناس جنازته كافة ولكنه أمتنع من شهودها، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى أخيه في النزع، ولا إلى جثمانه محمولاً على الأعناق، ولاذ «بالمشهد»)[707]( إلى أن أعاده الوزير «فخر الملك» إلى داره، فقعد لمجلس العزاء، ورثاه بقصيدة تفيض لوعة وأسى)[708](.
قُدْني إليك فقد أمنت شماسي
وكُفيتَ مني اليوم صدْق مِراسي
أسري بلا هاد بكل مُضِلة
وأجوب مظلمة بلا مِقْياس
في أسْر قاصمة أخادعُ جيرتي
عنها وأكتم داءَها جلاسي
يا للرجال لفجعة جَذَمت يدي
ووددتها ذهبت على براسي
ما زلتُ آبى ورْدَها حتى أتت
فحسوتُها في بعض ما أنا حاسي
رادَيْتُها فَلَقِيتُ منها صخرةً
صمّاءَ من جَبلَ أشم راسي
وهي قصيدة طويلة)[709](.
كما أنه كان كظوماً للغيظ، يلقي من أبناء عمومته من الكيد والحسد الشيء البالغ ولكنني لم أعلمه قابل أحداً منهم بالسوء. وكل ما علمته أنني رأيته يلجأ إلى قول الشعر ينفس به عن نفسه، ويلطف من حدته، ويشير إلى ما يلقاه من أذى، وما يلقاهم به من لطف.
كان مرتضى كإسمه، ولقد يحدث أن يكدر الجو بينه وبين أخيه، فتسوء العلائق أو تكاد، فلا يجد بأساً ـ وهو الأكبر سناً ـ أن يمد لأخيه الصغير يداً تسترضيه وتحييه ثم يخطب ودَّه في قصيدة شاعرة، يرد عليها، «الرضي» بمثلها أو بأحسن منها، فلا يلبث الجو الأخوي أن يعود نقي الجوانب، مشرق الأنحاء:
تَكَشَّف ظلُّ العَتب عن غرة العهدِ
وأعدى اقتراب الوصل مِنّا على البعدِ
تجنبني من لستُ عن بعض هجره
صفوحاً، ولا في قسوة منه بالجلد
وكنتُ على ما جره الهجر ممسكاً
بحبل وفاء غير منفصم العَقْد
أمني نواحي السر لم تسْر غدرةً
ببالي، ولم أحْفِل بداعية الصدّ
إذا تركتْ يمْنى يديك تعلقي
فيا ليت شعري من تَمَسِّكُ من بعدي؟
هلمَّ نُعِدْ صفو الوداد كما بدا
أعادةَ من لم يُلْفِ عن ذاك من بدّ
فأجابه الشريف الرضي:
عجبتُ من الأيام انجازها وعدي
وتقريبها ما كان مني على بعدِ
ورثاؤه المتعدّد لزوجته أم فتاه «أبي محمد» صورة واضحة لتلك المشاعر الرقيقة المرهفة:
ألا هَلْ أتاها كيفَ حزني بعدَها
وإنّ دموعي لستُ أملِك ردَّها
ومما شجاني أنني لم أجد لها
على خُبْرتي شيئاً يهوّن فقدها
وأنّي لمّا قضى الله هُلْكَها
على قلبي المحزون بقيتُ بَعْدَها
حرام ـ وقد عُيِّبت عني ـ أن أرى
من الخلق إلاّ نظرة لن أردُها
وسِيّان عندي أنْ حبتني خريدة
بوصل يُرجّى أو حبتني صدّها
ومن أينَ لي في غيرها عوض بها
وقد أحرزت سُبْلَ الفضائل وحدها؟
أُسامُ التسليِّ وهو عني بمعزِل
وكيف تسام النفس ما ليس عندها؟
ووُدِّي بأنّ الله يوم اخْترامها
تخرَّم من جنبيَّ ما حاز وُدَّها
وأني لَما نالها الموت غالني
فبُعْداً لنفسي أن قضى الله بُعْدَّها
ولله منها حفرة جئت طائعاً
فأودعتُ ديني ثم دنياي لَحْدها
وولَّيتُ عنها أنفض الترب عن يد
نفضت تراب القبر عنها وزندها
كما يبدو حسن التصرفات، منسجماً مع عقيدته ومركزه أشد انسجام. يتغزل غزلاً لا يبعد به عن مقام رجل الدين، ويلجأ إلى الأحلام ـ شعره في الطيف ـ لينفس عن عواطفه المكبوتة، في خواطر لم يحاسب عليها مخلوق في دينه أو في دنياه، ولم يكن كذلك شأن أخيه ـ «الرضي»، فقد تغزل ـ على عفة في نفسه ينص عليها التاريخ ـ غزلاً حاراً صريحاً شأن المدلهين المغرمين، وهذا ما لاحظه السيد نعمة الله الجزائري في مقاماته)[710](.
وينبغي أن أشير إلى أن للرجل مسلكاً علمياً وآخر اجتماعياً، فهو في مسلكه العلمي صلب راسخ لا يتزحزح عن رأيه ومدرسته قيد أنملة: يحارب الأشاعرة والظاهرية، إمامي أصولي يناهض المحدثين الأخباريين من الشيعة.
ولكنه في مسلكه الاجتماعي صحب إخواناً وأساتذة وطلاباً من كل الأجناس والمذاهب، وعاشرهم معاشرة المشاركين له في الرأي وفي العقيدة، ثم هو لا يمتنع أن يغضي ويصفح حين تقضى ضرورات الخلافة بالحد من نشاط الشيعة، أو بمنع إقامة شعائر المذهب، ولقد أخرج أستاذه «المفيد» وزعيم مذهبه في «بغداد» فلم تثر ثائرته، كما منع الشيعة من إقامة شعائرهم على عهد بعض الخلفاء فما شهدته أعلن نقمة وهياجاً، ولكنه سعى باللطف، فأعاد شعائر مذهبه إلى ما كانت عليه.
وفاة المرتضى
وبعد عمر حافل بجلائل الأعمال لم ينقطع فيه عن عمل في السياسة أو عمل في التأليف، وبعد أن تجاوز الثمانين، ولخمس بقين من ربيع الأول سنة 436 مشى به المشيعون في حشد من تلاميذ مدرسته. فتولى غسله تلميذه «أحمد بن الحسين النجاشي»، يعاونه الشريف أبو يعلى «محمد بن الحسن الجعفري»، و«سلار بن عبدالعزيز»، وكلاهما من أعلام تلاميذه، وصلّى عليه ابنه في داره بالكرخ، ثم دفن في مساء اليوم الذي توفي فيه، فانطوى بموته علم من أعلام القرن الرابع ببغداد.
هذا وللمرتضى كما لأخيه «الرضي» ضريحان قائمان حتى اليوم في الكظمية، قرب مرقد الإمام «موسى الكاظم(عليه السلام)»، تسرج فيهما المصابيح ليلاً، ويقصدهما العامة للتبرك وقراءة الفاتحة، وقد تعاقبت الأيدي على هذا منذ زمن يجهل مداه على التحقيق، ولكنه ليس بالقريب على كل حال. يقابل ذلك حديث المؤرخين ورجال البحث الذاهب إلى أنهما ليسا مرقدي الشريفين، وأنهما دفنا في كربلاء عند ضريح الحسين (عليه السلام).
ولقد حاولت جهد الطاقة دراسة ما تقوم عليه هذه اليد، وما يتحدث به الخاصة، فانتهيت إلى:
1 ـ أن التاريخ القديم شيعياً وغير شيعي يجمع على أن كلاً من الشريفين دفن في داره)[711]( وداراهما ـ بحسب ما يراه المعاصرون العارفون بخطط بغداد ـ ليستا حيث مرقدهما الآن.
2 ـ أن التاريخ الشيعي قديماً وحديثاً ينص على أنهما نقلا بعد الدفن في دارهما إلى كربلاء)[712](، ودفنا في مقبرة جدهما الأعلى إبراهيم المجاب)[713](، وتقع مقبرته جوار ضريح الإمام الحسين (عليه السلام).
3 ـ إن تقليداً شيعياً شائعاً منذ القرن الرابع حتى اليوم ينقل تمسكاً به جثمان الملوك والوزراء والشخصيات العلمية إلى حيث يرقد الإمام الحسين، أو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقد دفن في النجف على العهد البويهي «عضد الدولة» وابنه «شرف الدولة» و«بهاء الدولة» وكثير من الملوك والوزراء البويهيين)[714](، وإن تكن «مقبرة قريش» في بغداد حظيت تربتها بكثير من أعلام الشيعة)[715](.
4 ـ إن تقليداً أسرياً لآل «أبي أحمد» يقضي في الغالب بدفن أفراد الأسرة في «كربلاء»، فقد دفن والد الشريفين النقيب «أبو أحمد»)[716]( في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين «بكربلاء» وإن أختاً للشريفين نقل جثمانها إلى «كربلاء»)[717]( وأن زوجة الشرف المرتضى)[718]( ماتت ببغداد ونقل جثمانها إلى كربلاء، فالملاحظ أن من تقاليد هذه الأسرة أن تتخذ من مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) مدفناً لها.
عقب المرتضى
أنجب المرتضى ولداً كنّاه «أبا محمد» وكان حريصاً على تربيته تربية عالية، ولكنه ـ فيما ظهر لي ـ لم يكن على شيء من العلم، لأنه لم يذكر في تراجم أعلام الشيعة، وقد ذكره «ابن خلكان» بين المتوفين في حوادث 443. وأسماه «أبا عبدالله الحسين». تزوج «أبو محمد» هذا في حياة أبيه فأعقب ولداً، وظل عقب «المرتضى» يطرد من ابنه هذا حتى وصل إلى «أبي القاسم» النسابة صاحب كتاب «ديوان النسب».
قال صاحب «عمدة الطالب»: والعقب «للمرتضى» من ابنه «أبي محمد» ـ وهو الذي من ولده أبو القاسم النسابة صاحب كتاب «ديوان النسب» وغيره ـ علي بن الحسن بن محمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن أبي عبدالله الحسين بن المرتضى. وكان للنسابة ابن اسمه «أحمد» درج ومات وانقرض به بيت الشريف المرتضى علم الهدى.
وأنجب من الإناث زينب وخديجة.
وفيما قرأت أن أخاه «الرضي» يهنيه بولادة ثلاثة بنات في ثلاث قصائد:
1 – لبستُ الوغى قبل ثوب الغبار
وقارعتُ بالنصل قبل الغرار
2 ـ وقد أعدها لتهنئة أخيه بمولود ذكر فلم يتفق له ذلك:
ليهنيك مولود يولّد فخره
أب بشره للسائلين ذرائعُ
وليدٌ لو أنَّ الليلَ رُدِّي بوجههِ
لما جاوزته بالجنوب المضاجعْ
ومبتسم يرتجُّ في ماء حسنه
له من عيون الناظرين فواقعُ
3 ـ يهني أخاه بميلاد ذكر فجاءته بنت فصرفها (القصيدة) إلى غيره، كما شاهدته يعزي أخاه بابنتين توفِّيتا:
1 – لا لومَ للدهر ولا عتابا
تابَ إنَّ الجَلْدَ من تغابى
2 – فلا تحسبَنْ رزءَ الصائر هيِّناً
فإنَّ وَجَى الأخفاف يُنضي الغواريا
والذي يهمني من تعداد بنات «السيد المرتضى» وتحقيق أنَّ له أكثر من بنتين، أن انتهى إلى أنه من الجائز أن تكون الثالثة هي التي بقيت حيّة، وروت عن عمها «الرضي» كتاب «نهج البلاغة»، ورواه عنها الشيخ «عبدالرحيم» المعروف بـ«ابن الأخوة».
قال صاحب «رياض العلماء»: كانت فاضلة جليلة، تروي عن عمها «الرضي» كتاب نهج البلاغة، ويروي عنها الشيخ «عبدالرحيم» البغدادي، المعروف بـ«ابن الأخوة» على ما أورده «القطب الراوندي» في آخر شرحه على النهج.
هذا ولم يعقب «الرضي» بعد ولده «أحمد» أبي عدنان ـ الذي تولى النقابة بعد عمه ـ أحداً فانقرض بيت «الرضي» بانقراضه.
وفي حدود ما ظهر لي من كتب الأنساب والتاريخ أن عقب «الرضي» انقرض بانقراض ولده «عدنان» وأن عقب المرتضى انقرض بانقراض «أحمد» ابن النسابة صاحب «ديوان النسب» المتقدم ذكره. فلا شاهد لأحد من المعاصرين إذ يرتفع بنسبه إلى الشريف المرتضى.
بينه وبين معاصريه
في تاريخ «السيد» من المفارقات الطريفة ما لو حاولنا الجمع بينها لاستعصى إلاّ على ضرب من التخريج. والملاحظ في هذه المفارقات أنها لم تكتب في تاريخه مباشرة، وإنما كُتبت في تاريخ يتصل به اتصالاً ما، فأنت إذ تقرأ ترجمته في كتب السير ترى ما يشبه الإجماع على علو همة الرجل، وسمو منزلته، وترفعه عن الصغائر والدنايا، بل أنك واجد ما هو أبعد من هذا: واجد نبلاً ومروءة، وإنفاقاً على العلم وأهله، ولكنك إذ تقرأ سيرة أخيه «الرضي» في شرح النهج وغيره واجد ـ من أجل تصوير ما عليه الرضي من فتاء وأباء ـ أن «المرتضى» كان ضعيف الهمة، متضائل النفس، قد يقابل من جانب الوزراء بالإزدراء، أو بما يشبه الازدراء، على حين يقابل أخوه «الرضي» بكثير من التعظيم والإجلال.
وسأسوق لك طرفاً من المفارقات العجيبة، ثم أضع بين يديك ما انتهيت إليه، من إمكان صحة ما ورد فيها وبطلانه، لَعَلي وإياك نقف على الأصل الذي اصطنع هذه المفارقات.
1 ـ حكى الخطيب «أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي»: إن أبا الحسن «علي بن أحمد بن علي الفالي الأديب». كانت له نسخة من كتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى» بستين ديناراً، وتصفحها، فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها:
أنستُ بها عشرين حَوْلاً وبعتُها
لقد طالَ وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها
ولو خلَّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تسهلُّ شؤوني
فقلت ـ ولم أملكْ سوابقَ عَبْرَة ـ
مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حزينِ:
وقد تخرج الحاجاتُ يا «أم مالك»
كرائمَ من ربِّ بهنّ ضنينِ
فأرجع النسخة إليه وترك الدنانير)[719](.
2 ـ قرأت بخط «محمد بن إدريس الحلى الفقيه الشيعي» قال:
حكى «أبو حامد» أحمد بن محمد الإسفراييني الفقيه الشافعي قال:
كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب «محمد بن خلف» وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة، فدخل عليه «الرضي» أبو الحسن، فأعظمه وأجلَّه، ورفع من منزلته، وخلَّى ما كان بيده من القصص والرقاع، وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف. ثم دخل بعده المرتضى أبو القاسم ـ رضي الله عنه ـ، فلم يعظمه ذلك التعظيم، ولا أكرمه ذلك الإكرام، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها، وتوقيعات يوقع بها، فجلس قليلاً، وسأله أمراً فقضاه، ثم انصرف.
قال «أبو حامد» فتقدمت إليه وقلت له: أصلح الله الوزير، هذا «المرتضى» هو الفقيه المتكلم، صاحب الفنون، وهو الأفضل والأمثل منهما، وإنما «أبو الحسن» شاعر، قال: فقال: إذا انصرف الناس، وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة، قال: وكنت مجمعاً على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحداً فواحداً، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه، ولم يبق عنده غيري، قال الخادم له: هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني، فأحضرهما، فقال: هذا كتاب «الرضي»، اتصل بي أنه قد ولد له، فأنفذت إليه ألف دينار، وقلت: هذا للقابلة، فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم، وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردّها، وكتب إليَّ هذا الكتاب فاقرأه، فقرأته ـ وهو اعتذار على الرد ـ وفي جملته: «أننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزها يتولين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممن يأخذن أجرة، ولا يقبلن صلة». قال فهذا هذا.
وأما «المرتضى» فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك بـ«بادرويا» تقسيطاً نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف «بنهر عيسى». فأصاب ملكاً «للشريف المرتضى» بالناحية المعروفة «بالداهرية» من التقسيط عشرون درهماً، ثمنها دينار واحد، قد كتب إليَّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فاقرأه، فقرأته، وهو أكثر من مائة سطر، يتضمن من الخضوع والخشوع، والاستمالة والهز، والطلب والسؤال، في إسقاط هذه الدراهم عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه. قال «فخر الملك»: فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل.: هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يشتهر إلا بالشعر ونفسه تلك النفس؟ فقلت: وافق الله سيدنا الوزير)[720](.
هاتان قصتان تتفارقان مفارقة كلية، تدل أولاهما على نبل «السيد» وسمو روحه، وتدل الثانية على نفسه متخاذلة متهالكة، لا تحسن في سبيل التوفر على دينار واحد أن تحفظ مقامها الاجتماعي.
أما الأولى فلا تكاد تبعد كثيراً عما عرف عن «السيد» من مقام اجتماعي، وخلق نفسي، وأما الثانية ـ وهي التي تبدو ناشزة على سيرة الشريف ـ فهي التي وعدت أن أضع بين يديك أمر النظر فيها.
القصة يرويها «ابن أبي الحديد» في سبيل التنويه بمقام «الرضي» ونحن لا نحيل التنويه بمقامه ـ فقد كان مجمعاً على فضله ـ ولكن التنويه بمقام إنسان لا ينبغي أن يتم على حساب إنسان آخر، ليتخذ منه سبيل مقارنة ومفارقة. وسننقد القصة من حيث سندها ورواتها وما اختلفت عليه الروايات: (أ) يقول ابن أبي الحديد: قرأت بخط «محمد بن إدريس الحلي الفقيه الإمامي». وأنا أستبعد جداً أن يسجل «محمد بن إدريس الحلي الإمامي» على «المرتضى» هذه المنقصة. وقد عُرِفَ «ابن إدريس» بأنه من رأي «المرتضى» في كثير من مسائل الفقه، ومن مشايعيه في رأيه الأصولي، ومن تلاميذ مدرسته، بحيث متى ذكر «ابن إدريس» قُرَن «بالسيد المرتضى» في كثير مما تدفع به عن «ابن إدريس» المآخذ الفقهية.
ب ـ حكى «أبو حامد أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي».
والشافعي أبو حامد الإسفراييني ـ على عظم مقامه، وسمو منزلته في نظر الشافعية خاصة ـ كان معاصراً «للمرتضى» وقرنا له في الزعامة المذهبية ومن أجل الإسفراييني أخرج الشيخ المفيد ـ أستاذ المرتضى ـ من بغداد وكانت العداوة يومئذ بين الشيعة والشافعية في ذات أئمتها بالغة ذروتها.
ج ـ كنت يوماً عند فخر الملك… إلخ. أن علاقة المرتضى بـ«فخر الملك» كانت وثيقة جداً، وكانت العواطف المتبادلة بينهما لا نظير لها في كل من عرفت «للسيد» لة به، وكانا يتزاوران ويصطحبان)[721]( وللسيد في مدحه قصائد جياد تنيف على عشرين قصيدة)[722](، وإذ قتل «فخر الملك» جزع السيد جزعاً شديداً، ورثاه بقصائد أربع، لم يرث بمثلها خليفة أو ملكاً أو صديقاً، وأقسم بعد قتله ألا يقول الشعر، وظل منقطعاً عنه سنين ثمانية، حتى إذا قدم «سلطان الدولة» ابن الملك «بهاء الدولة إلى بغداد طلب منه أن يقول الشعر ملحاً معاوداً، فاعتذر بما سبق أن عزم عليه: من ترك الشعر بعد «فخر الملك»، ولكنه حمله على قوله بمعاودة الإصرار)[723](. فهل تكون هذه العواطف من جانب «المرتضى» لرجل كان يزدري مقامه، ويستهين بكرامته، ويلقاه بالفتور والبرود؟
والطريف في الأمر أنك تجد القصة نفسها تروى بلسان آخرين، ومع وزير آخر غير فخر الملك، فمرة تروى عن أبي إسحاق محمد بن إبراهيم العباسي الكاتب)[724](، ومرة عن لسان «أبي إسحاق»)[725](، وكلاهما ـ كما كان الحال مع «أبي حامد الإسفراييني» ـ يدَّعي مشاهدة المجلس وحده، ومع ادعاء التفرد بمجلس الوزير لا يصح أن يشاهدها آخرون، وهذا صريح في اختراع القصة، أو في اختراع راويها.
وأطرف من هذا أنها في إحدى الروايات تجري مع «أبي محمد الوزير المهلبي» لا مع «فخر الملك»، ولكن الوزير «المهلبي» مات قبل أن يخلق المرتضى بثلاث سنوات أو أربع)[726](.
3 ـ ويدخل في باب المفارقات ما يورد للسيد وعنه بحسن نية، ويقصد التنويه بذكره، ولكنه يخرج به عن خلقه المعروف به، وعن الخلق الإنساني السوي العام. فمن الشائع في الأوساط الخاصة لرجال المذهب الشيعي، والوارد في بعض المصادر)[727]( أن السيد الرضي حين أسمع أخاه المرتضى قصيدته في رثاء أبي إسحاق الصابي»:
أعلمتَ من حَمَلوا على الأعوادِ
أرأيت كيف خبا ضياء النادي
وفيها قوله:
إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي
فلأنت أعلقهم يداً بودادي
الفضل ناسبَ بيننا أن لم يكنْ
شرفي مناسبه ولا ميلادي
غضب المرتضى ـ لمكانة أخيه من النسب والدين وقال له مستخفاً «بالصابي»: حملوا كلباً.
يريدون بما أرادوا أن ينزهوا مقام رجل الدين المسلم عن رثاء رجل ذمي، ناسين أن جواب «المرتضى» إن صح يتنافى مع الخلق الرفيع، الذي يجب أن يتحلى به رجل كالمرتضى.
ولكني وجدت الشريف «المرتضى» نفسه يرثي «أبا إسحاق الصابي» رثاء لا يقل تقديراً وأسى عن رثاء «الرضي» له، ووجدت بن «المرتضى» وأبي «إسحاق» من تبادل العواطف والآخاء ما دل على أن الأخّوات والصداقات لا يحول دونها اختلاف في منسب أو مذهب، وإن الرجل ما كان يحول مقامه الديني من أن يتغنى بإخاء رجل «كأبي إسحاق» وأن يرثيه:
ما كانَ يومُك يا أبا إسحاق
إلاَّ وَدَاعِي للمُنى وفِرَاقِي
لولا حُمامُك ما اهتدى همُ إلى
قلبي ولا نار إلى إحراقي
وسُلِبْتُ منك أجلَّ شَطْرَيْ عيشتي
وفُجِعْتُ منك بأنفسِ الأعلاق
لما رأيتُك فوقَ صَهوةِ شَرْجع
بيد المنايا أظلمت آفاقي
وكأنني من بعد ثكلك ذو يد
جذاءَ أو غصن بلا إيراق
ومودةً بين الرجال تضمُّهم
وتَلُفُّهم خير مِنَ الأعراق
من ذا نضا عنَّا شعار جمالنا
ورمى هلالَ سمائِنا بمحاق)[728](؟
بل رأيت «المرتضى» يجري إلى أكثر من هذا فيمدح «هلال بن المحسن الصابي» وهو حفيد «أبي إسحاق» بأبيات فيها:
وقول زارني فوددت أني
وقيتُ بمهجتي من كان قاله)[729](
ذكرت به الصابي والغواني
وأيام الشبية والبطالة
وكيف ألوم امَّا لمتُ دهراً
ضللتُ به فاطلع لي هلاله
غفرتُ به ذنوب الدهر لما
أتى كفى وأعلقها وصاله
وما أنا مصطف إلاَّ خليلاً
رضيتُ على تجاربه خلاله
وهي طويلة قبست منها موضع الحاجة.
4 ـ وقد رمي الشريف بالبخل في أحد المصادر القديمة وعنه نقلت المصادر المتأخرة ذلك. جاء في «عمدة الطالب»: «وكان المرتضى يبخل، ولما مات خلف مالاً كثيراً، وخزانته اشتملت على ثمانين ألف مجلد، ولم أسمع مثل ذلك)[730](.
إن صفتي البخل والكرم يختلف فيها عرف عن عرف، وليس لمدلولها حد معين وبخاصة فيما تعارف عليه العرب من تقدير الصفتين فإنْ أريد بهذه العبارة اتهام الشريف بالتخلي عن واجباته الاجتماعية وبتقتيره على نفسه أو أسرته أو إخوانه في سبيل التوفر على جمع المال واختزانه فذلك ما لم يثبت من سيرته، إذ قد عرف بالسعة فيما توجبه منزلته: من الظهور بمظهر الغنى والبسطة، ومن إعطاء الجرايات الشهرية لأفاضل مدرسته وأصدقائه، ومن حبسه قرية على كاغد الفقراء، وإهدائه الهدايا الجسام لزعماء القبائل حين يجتاز البادية إلى مكة.
وإنْ أريد بالبخل عدم الأخذ بأساليب الأجواد من كرام الأشراف والأمراء والخلفاء، وذلك بالإنفاق في إسراف على الشعراء، ويخلع الخلع للمادحين لهم وبالعطاء المتسع لكل مجتد وطالب، حتى ينتقل الثري منهم ـ ما لم يكن وهاباً نهاباً ـ بين عشية وضحاها من غنى إلى فقر، ومن ثراء إلى عدم، فذلك ما كان الشريف حقاً عليه. ولكن هذا ليس بالصفة التي يعاب بها رجل العلم والدين.
لو كان الشريف من الأجواد لتسابق شعراء العصر إلى امتداحه، ولتزاحموا على بابه، ولديهم أكثر من سبب للقول فيه، والتغني بأمجاده، ولكنهم كانوا نزري القول فيه على كثرة المناسبات.
هذا «مهيار الديلمي» لم يحفل ديوانه الكبير بغير قصيدة واحدة في مدح الشريف، والقصيدة نفسها ـ على ما احتوت من إطراء ـ لا تخلو من تثريب على التباطؤ عن إنجاز وعد كان الشريف وعده إياه، بل هي قيلت تذكيراً بوعد لم ينجز:
«أبا القاسم» استمتع بها نبويةً
تراجع عنها الناس فيما توغلوا
محاسن إن سارت فقد سار كوكب
بذكركَ، أو طارتْ فقد طارَ أجدْلَ
تحدَّث عنها الناطقون وأصبحتْ
بها العيشُ تحدى والسوابق تصهل
سما للعلى قوم سواك فلم تنل
سماؤك، حتماً أنَّ باعك أطول
ألست من القوم استخفت سيوفهم
رقابَ عدا كانت على الموت تثقل!
تؤدي فروض الشعر ـ ما قيل فيكم ـ
وفي الناس أما جازكم يتنفل
نحمس من آثاركم وعلاكم
وننسب من أحلامكم ونغزل
لكَ الخيرُ! ظني في اعتلاقكَ عاذري
فلا تتركنْ ـ يا حرّ ـ وعدك يعذل
لعَمْري! وبعضُ الريثِ خير مغبَّةً
ولكنْ حسابُ الناس لي فيك أعجل
تتشَبَّثْ بها أكرومةً فيَّ إنها
كتابٌ يوفى في يديك مسجل
فوالله ما أدري! هل الدهر عارف
بفضلك إلهاماً أم الدهرُ يغفل)[731](؟
ومن القصص الطريف الذي يراد به الدلالة على ذكاء المرتضى المفرط، أو ذكاء من يكون طرفاً ثانياً للمرتضى، ولكنه بما حاط به من تَزَيُّد أو مغالاة، يحيله إلى ما يعود على خُلق «المرتضى» بأذى وتخديش، لو قبلناهما لتناقضا كثيراً مع الخلق المعروف عن الرجل، ومع الظروف التي تلابسه. فقد روي أن «أبا العلاء» يوم ورد على «بغداد» كان ملازماً لمجلسه وأنه ـ أعني أبا العلاء ـ كان يتعصب «للمتنبي»، ويفضله على غيره من الشعراء، على حين كان الشريف ينتقصه، ويورد معايب في شعره، فقال «المعري» يوماً: لو لم يكن «للمتنبي» إلا قوله:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازل
أقفرتِ أنتِ وهُنْ منك أواهلُ
لكفاه فضلاً. فغضب المرتضى «وأمر بإخراجه من مجلسه، وتزيد بعض الروايات على ذلك فتقول: فسحب برجله وأخرج ثم قال لمن حضر: أتدرون أي شيء أراد بذكر هذه القصيدة، فإن «للمتنبي» أجود منها ولم يذكرها. إنما أراد قوله:
وإذا أتتك مذمتي مِنْ ناقص
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
إننا ننكر هذا، لأننا لم نشهد في كل ما كتب «أبو العلاء» تعريضاً بالمرتضى، ولا في جملة ما كتب «المرتضى» انتقاصاً «لأبي العلاء»، بل وجدنا غير ذلك. وجدنا أبو العلاء ـ الطريد في مجلس «الشريف» على زعم الإخباريين ـ بعد تسعة أعوام من عودته إلى المعرة لا ينسى فضل هذا البيت، ولا فضل الشريفين خاصة، فيبعث إليهما عند وفاة والدهما «أبي أحمد» مواسياً معزياً، بقصيدة من غرر ما في ديوانه ـ سقط الزند ـ ولا يفوته أن يستطرد إلى مدح «المرتضى» وولده بما يدل على كرم شيم، ونبل نفس، وأن يستجد عذراً له قدم من شعره في التعزي هو دون أهل هذا البيت مقاماً ومنزلة.
أودي فليت الحادثات كفاف
مال المسيف وعنبر المستاف
الطاهر الآباء والأبناء وإلا
راب والأثواب والألاف
* * *
ولقيت ربك فاسترد لك الهدى
ما نالت الأيام بالأتلاف
وسقاك أمواه الحياة مخلَّداً
وكساك شرخ شبابك الأفواف
أبقيت فينا كوكبين سناهما
في الصبح والظلماء ليس بخافي
قَدَرَيْنِ في الإرداء بل مطرين في
الإجداء بل قمرين في الإسداف
رزقا العلاء فأهل نجد كلّما
نطقا الفصاحة مثل أهل دياف
ساوى «الرضى» «المرتضى» وتقاسما
خطط العلى بتناص وتصافي
حلفا ندى سبقا وصل
المرضى فيا لثلاثة أحلاف)[732](
* * *
أنتم ذوو النسب القصير فطولُكم
باد على الكبراء والأشراف
والراح إن قبل ابنة العنب اكتفت
بأب عن الأسماء والأوصاف)[733](
ما زاغ بيتكم الرفيع وإنَّما
بالوجد أدركه خفى زحاف
ويخال «موسى»)[734]( جدكم لجلاله
في النفس صاحب «سورة الأعراف»
* * *
يا مالكي سرح القريض أتتكما
مني حمولة مسِنتين عجاف
لا تعرف الورق اللجين وإن تُسَلْ
تُخْبرْ عن القلام والخذراف
وأنا الذي أهدى أقل بهارة
حسناً لأحسن روضة مثناف
أوضعت في طرق التشرف سامياً
بكما ولم أسلك طريق العافي)[735](
وأدل من هذا كله على مما لأبي العلاء من إعجاب بالشريف، وذكرى حسنة لأيام إقامته في بغداد، لم تنقص بإذلال وإهانة، ما روي من أن أبا العلاء سئل عن «المرتضى» بعد عودته من العراق فقال:
يا سائلي عنه فيما جئت تسأله
ألا هو الرجل العاري من العار
لو جئته لرأيتَ الناس في رجل
والدهر في ساعة والأرض في دار)[736](
ومن الطرائف التي تساق في كتب الأدب أنَّ المرتضى أطل يوماً من روشنه، فرأى «ابن المطرز» الشاعر وقد انقطعت شراك نعله وهو يصلحه فقال: قدّت ركائبك: أشار إلى قصيدته التي أولها:
سرى مغرماً بالعيس ينتجع الرَّكبا
يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا
على عَذَابات الجزع من ماء «تغلب»
غزال يرى ماء القلوب له شربا
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي
فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فقال له «ابن المطرز» مسرعاً:
أتراها ما تشبه مجلسك وشربك وخلعك؟ يريد بذلك أبيات المرتضى:
يا خليلي من ذؤابة قيس
في التصابي مكارم الأخلاقِ
غنياني بذكرهم تطرباني
واسقياني دمعي بكأس دهاقِ
وخذا النوم من جفوني فإني
قد خلعت الكرى على العشاق)[737](
* * *
ومما استحسن الناقدون من شعره فيما أورده ابن خلكان)[738](:
بيني وبين عواذلي
في الحب أطْرافُ الرماحِ
أنا خارجي في الهوى
لا حكم إلا للملاح
وقوله:
مولاي يا بدرَ كل داجية
خُذْ بيدي قد وقعت في اللجج
حُسْنُكَ ما تنقضي عجائبُه
كالبحرِ حَدَّثْ عنه بلا حَرَجِ
يحقّ من خطَّ عارضيكَ ومَنْ
سلَّطَ سلطانَها على المهجِ
مُدَّ يديكَ الكريمتين معي
ثمَّ ادعُ لي من هواكَ بالفرج)[739](
ومما عدّه صاحب «أنوار الربيع»)[740]( مطرباً مرقصاً قوله:
أحب ثَرَى نجد ونجد بعيدة
ألا حبذا نجد وإن لم تفَدْ قُربا
يقولونَ نجدٌ لستَ مِنْ شعبِ أهلها
وقد صدقوا لكنني منهم حُباً
كأني وقد فارقتُ نجداً شقاوةٌ
فتى ضلَّ عنه قلبُه ينشد القلبا)[741](
وقوله:
ضن عني بالنزر إذ أنا يقظان
وأعطى كثيره في المنام
والتقينا كما اشتهينا ولا عيب
سوى أن ذاك في الأحلامِ
وإذا كانت الملاقاة ليلاً
فالليالي خير من الأيام
وقوله:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى
تبين ودٌّ خالصٌ وتوددُ
كأني وقد سار الخليط عشيةً
أخو جنة مما أقوم وأقعد
وقوله:
قلْ للذين على مواعدهم
لنا خلف ومطْلُ
كمْ ضامني من لا أضيمُ
وملني من لا أحلُّ
يا عاذلاً لملامه
كل على سمعي وثقل
إن كنت تأمر بالسلو
فقل لقلبي كيف يسلو؟
قلبي رهين في الهوى
إن كان قلبك منه يخلو
ولقد علمت على الهوى
أن الهوى سقم وذلٌ
وتعجبت «جملٌ» لشيب
مفارقي وتشيب «جمل»
ورأت بياضاً في سواد
ما رأته هناك قبل)[742](
كذبالة رفعت على
الهضبات للسارين ضلوا
منزلته الاجتماعية
كان المجتمع الأرستقراطي البغدادي في القرن الربع ينقسم إلى طبقات: طبقة تعتز بشرفها ونسبها ودمها، كالعلويين والعباسيين والبويهيين والمهلبين، وطبقة تعتز بمناصبها في الدولة كالوزراء والقادة ورؤساء الدواوين. فطبقة تعتز بعلمها ودينها وأدبها كرجال المذاهب من فقهاء ومتكلمين، وكرجال الأدب من ناثرين وشاعرين.
من هذه الطبقات يتألف المجتمع الأرستقراطي المتنعم بخير البلاد وبمواردها ومناصبها.
والمفروض في رجل كالشريف «المرتضى» أن يصيب مركزاً اجتماعياً مرموقاً ما دام العصر طبقياً، وما دامت الأرستقراطية تحيط به من كل جهاته: النسب العلوي القصير الصاعد به عن طريق أبيه إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سابع أئمة الشيعة، والدم الثائر المالك الواصل به عن طريق أمه إلى الحسن الأطروش الكبير، صاحب الديلم وطبرستان، والقرشية الصريحة الدانية في قرباها من رسول الله (ص) عن طريق ابنتِه فاطمة، وهي قربى طالما اعتزوا بها على الخلفاء من بني العباس، ثم الخؤولة، «بني بويه» عن طريقة أمه، وكانوا ملوك العصر، وسادات المجتمع في ذلك الحين.
فالمنصب في الدولة، وقد كان أبواه لأمه وأبيه نقباء، وأمراء حج، وولاة مظالم، وسفراء، وملوك، فالزعامة المذهبية والعلمية، وقد كان رئيس الشيعة وفقيههم، وعالم الحاضرة العباسية، وأحد أدبائها المبرزين، وكل هذه الروافد الأرستقراطية كانت تفيض على «الشريف» بالجاه والمنعة، وتمده بوسائل الأعزاز والإكرام.
بدأ الشريف «المرتضى» يبرز للمجتمع البغدادي في حياة أبيه «أبي أحمد»، إذ عُيَّن نائباً عنه في نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وإمارة الحج وهو شاب فتي لم يتجاوز خمسة وعشرين عاماً.
جاء في المنتظم حوادث 380: فمن الحوادث فيها أنه قلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وإمارة الحج وكتب عهده على جميع ذلك واستخلف له ولداه: «المرتضى أبو القاسم» و«الرضي أبو الحسن»، وخلع عليهما من دار الخلافة.
ولندرك خطر هذه الوظائف الدينية والإدارية يحسن الرجوع إلى ما كتبه «الماوردي» المعاصر للمرتضى في كتابه «الأحكام السلطانية».
«هذه النقابة موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف، يختار لها من هو أجلهم بيتاً، وأكثرهم فضلاً، وأجزلهم رأياً، وهي عامة وخاصة».
أما الخاصة: فهو أن يقتصِر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم، وإقامة حد. ويلزمه على أهله من حقوق النظر: حفظ أنسابهم من داخل عليها أو خارج منها، وتمييز بطونهم، ومعرفة أنسابهم، وتسجيل ذلك في ثبت، وأخذهم بالأدب، وتنزيههم عن المكاسب الدنيئة، وكفهم عن ارتكاب المآثم والمحارم، ومنعهم من التسلط على العامة، وعونهم على اكتساب حقوقهم، وأخذ الحقوق منهم، والنيابة عنهم في المطالبة بحقوقهم من الفيء والغنيمة، ومنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء، ورعاية وقوفهم، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، ورعاية قسمتها بين مستحقيها.
وأما العامة. فيضاف إليها أشياء: الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه، والولاية على أيتامهم فيما ملكوه، وإقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه، وتزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن، أو تعينوا فهجروهن، وإيقاع الحجر على من به عته أو سفه.
يشترط في النقابة العامة أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد، ليصح حكمه وينفذ قضاءه)[743](.
وهناك تفصيلات أخرى يحسن بمن يبغي الاستزادة من خصائصها الرجوع إلى الكتاب المذكور وينبغي أن يلاحظ أن نقابة المرتضى ـ كما سيأتي ـ كانت عامة.
أما إمارة الحج فهي على ضربين ـ بحسب ما أورده «الماوردي» أيضاً ـ:
أحدهما: أن تكون على تسيير الحج، والثاني: أن تكون على إقامة الحج.
فأما تسيير الحج فهي ولاية سياسة، وزعامة تدبير، ويشترط فيها أن يكون أميرها مطاعاً، ذا رأي وشجاعة، وهيبة وهداية، وله واجبات، وعليه تبعات فصّلها «المارودي».
وأما الولاية على إقامة الحج فيكون صاحبها بمنزلة الإمام)[744](. ولها شروط وأحكام.
وأما ولاية المظالم: «فهي ولاية تشريعية وتنفيذية، ومهمتها قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة. وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع». ولها سلطات قضائية كثيرة استعرضها صاحب «الأحكام السلطانية»)[745](.
ويحسن أن يلاحظ أن السيد الشريف شغل هذه المناصب الخطيرة أصالة منذ عام 406 ـ 436هـ.
وكان ممن يدعى في أكثر المناسبات السياسية، ويعتد التاريخ بتسجيل حضوره في هذه المناسبات، فمما ذكر أنه انحدر وأخوه وجماعة من أعيان المجتمع البغدادي لاستقبال بعض الملوك القادمين على بغداد)[746](.
ويوم أن قلد نقابة الطالبيين أصالة، وكان ذلك عام 406 قُرِىءَ عهده في الدار الملكية، وحضر «فخر الملك» والأشراف والقضاة والفقهاء، وكان في العهد: هذا ما عاهد «عبدالله أبو العباس أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين» إلى «علي بن موسى العلوي» حين قربته إليه الأنساب الزكية، وقدمته إليه الأسباب القوية، واستظل معه بأغصان الدوحة الكريمة، واختص عنده بوسائل الحرمة الوكيدة، وقلد الحج والنقابة وأمره بتقوى الله)[747](.
ولقد سجل التاريخ أن الشريف كان أول المبايعين للقائم بأمر الله، وفي هذا التنصيص المجمع عليه ما يشير إلى خطر تقدمه في المبايعة.
ويجاوز مقام الرجل الاجتماعي هذا الحد، وبلغ أن أصبح بيته حرماً يلجأ إليه الملك «البويهي» ووزراؤه حين يثور الجند عليه. جاء في ابن الأثير حوادث 424:
في هذه السنة من «رمضان» شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه وأخرجوه من دار المملكة، فنقل ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي، وعبر هو في الليل إلى الكرخ، فلقيه أهل الكرخ بالدعاء، فنزل بدار «المرتضى» ـ بدرب جميل ـ، وعبر الوزير «أبو القاسم» بعبوره، فنزل في دار تجاوره، ولم يعد إلى دار الملك إلا بعد مفاوضات قام بها «المرتضى».
وجاء في «الكامل» حوادث 427:
«في هذه السنة ثار الجند ببغداد «بجلال الدولة»، وأرادوا إخراجه، فاستنظرهم ثلاث أيام، فلم ينظروه، ورموه بالآجر، واجتمع الغلمان فردوهم، فخرج من باب لطيف في «سمارية» متنكراً، وصعد راجلاً منها الى دار «المرتضى» بالكرخ، ومنها خرج إلى «تكريت» فأرسل الخليفة إليه، وقرر أمر الجند، وأعاده إلى بغداد».
ولا أريد أن أستطرد أكثر من هذا في عرض منزلته الاجتماعية وبحسبي. من ذلك أن أقول: إنه كان مرجعاً مهماً في الأحداث السياسية، يلجأ إليه الملك والخليفة والسلطة العامة)[748](.
وهكذا نجده طوال عمره الطويل من أبرز الشخصيات في المجتمع البغدادي، محافظاً بتسامٍ على مركزه، من دون ذبذبة أو انتقاص، على حين لم يسلم لأحد من رجال الجاه والسلطان ـ حتى الخلفاء ـ حال «من غير تبديل وتحويل. ولقد تعرضت داره للأذى ثلاث مرات من قبل العيارين، سجلها التاريخ في أحداث عام 416، 422، 426، وكان أهمها ما وقع في التاريخ الأول، فقد تعرضت دار «المرتضى» على «الصراة» لغارة من قبل «العيارين» شنوها على البيوت الآمنة، فاحترقت داره، وهدم هو باقيها، وانتقل منها إلى دار في «درب جميل»)[749](.
وفي أثناء الحملة انفذ الملك «شرف الدولة» ابن «بهاء الدولة» جميع غلمان داره من الأتراك لحمايتها وحفظ ما فيها)[750](. ولم يعد إليها الشريف إلا بعد إعادة عمارتها، وبعد أن خرج توقيع الخليفة بذهاب قادة الجيش والوجوه إلى بيته، فمشوا مهطعين بين يديه، وهم ينشدون الأهازيج في مدحه والثناء عليه. وكان صنيع الخليفة هذا مما سارت به الركبان، وتناقلته الرواة)[751](.
ويبدو من جملة حاله أنه كان على جانب من اليسر والثراء، قلَّ أن نعم به رجال الدين والأدب والعلم من معاصريه، فمع اليسر الذي كان يعيش فيه أيام أبيه، ومع ما يظهر من أنه وأخاه الرضي ـ أيام خلفا أباهما على إمارة الحج ـ دفعا من مالهما الخاص في سبيل سلامة الحاج تسعة آلاف دينار، للأعراب الذين يقطعون الطريق)[752](، ومع أن أباه كان ذا أملاك وقف بعضها على البر، فإن حال المرتضى تبدو أوسع ثراء من ذلك كثيراً، فقد روي عن «يحيى بن الحسين العلوي الزيدي» أنه يدخل على السيد من أملاكه كل سنة أربعة وعشرون ألف دينار)[753](، وروي عن القاضي التنوخي: أن المرتضى خلف من الأملاك ما يتجاوز الوصف، وأن قرى السيد وضياعه كانت ثمانين قرية، واقعة بين بغداد وكربلاء)[754](، وكانت معمورة للغاية. وفي وصف عمارتها قيل: إنها تقع على نهر من شعب، «الفرات» تعمل فيه السفائن المارة فيه، فإذا كان موسم الثمار كانت السفائن المارة فيه تمتلىء من سقطات تلك الأشجار، الواقعة على حافتي النهر، وكان الناس يتناولون منها من دون مانع أو محاجز)[755](، وأنه كان له طلاب ومدرسة يجري عليها وعليهم الأرزاق، فقد يبلغ راتب طالبها اثني عشر ديناراً، أو ثمانية دنانير كل شهر، وأن بعض الفقراء من غير المسلمين كان يدرس عليه علم الفلك بقصد التوفر على هذا الراتب)[756](، وأنه وقف قرية على كاغد الفقراء)[757](، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه خلف من الكتب ثمانين ألف مجلدة)[758]( من مقروءاته ومصنفاته ومحفوظاته أدركنا مدى اليسر الذي نعم به.
وتحسن الإشارة هنا إلى أنني لم أقرأ فيما قرأت أن أحداً من الناس وهب له، أو أقطعه هذه الثروة العريضة الواسعة، أو أن «المرتضى» صادرها من أحد، أو أن شخصاً شكاه في ظلامة، كما أن ثروته لم تعرض يوماً للمصادرة ـ وما أكثر المصادرات في تلك الأيام من جانب الخلفاء والملوك ـ وقد صودرت أموال أبيه على جليل قدره.
وأدل ما تدل عليه هذه الثروة الضخمة هو سلامة جمعها من مواردها المشروعة، وأنها ضرب من ضروب ثرائه الذهني، فقد سمي بالمثانيني ـ لأنه ألف ثمانين مؤلفاً، وعاش ثمانين عاماً، وملك ثمانين قرية، كما تدل على مرونة مسلكه الاجتماعي، ولولا مرونته وحسن تأتيه لمواجهة ما يحدث لأمثاله من مصادرة الأموال بالحق وبالباطل في ذلك العصر لما استطاع أن يبقي عليها سليمة طوال أيام حياته.
منزلته العلمية بين معاصريه
وبخصوص منزلته العلمية والأدبية في نظر معاصريه، تحدثنا رسائله المتنوعة أنها كانت إجابات عن أسئلة يتوجه بها السائلون من مختلف الأقطار الإسلامية، إما بقصد أخذ الرأي عن طريق الاستدلال من «المرتضى»، عليه، وإما بقصد العمل بمضمونه من غير إرادة للتدليل منه عليه، وإما بقصد الإنكار عليه في هيئة أسئلة صحبها ما يحيل الجواب عنها، وإمَّا بقصد التحرش والتحريض ببعض آراء الشيعة أو المتكلمين بوجه عام.
وقد كان بعض هذه الرسائل موجهاً له في سن مبكرة، وقبل أن يشخص بزعامة الشيعة، وهذا أوضح شاهد على ما بدأ يطالعه من مركز علمي في نظر معاصريه.
وكان بعض مؤلفاته وقصائده إجابة لرغبة بعض الخلفاء والملوك أو باقتراح من بعض الوزراء، وكانوا في تقديم رغباتهم واقتراحاتهم في منتهى ما يتوجه به سائل لمسؤول من العبارة المؤدبة، ويوم كان يحضر مجلس الشيخ «المفيد» شيخ الشيعة كان المفيد يقيمه مقامه، ويرغب أن يجلس منه مجلس التلميذ تقديراً لمكانته العلمية، وترشيحاً لأن يقوم مقام أستاذه في زعامة الشيعة.
وقد حدَّثنا التاريخ أن مجلس «المرتضى» كان مثابة رجال الفكر ومثار بحوث أدبية وفقهية وكلامية، وأن «أبا العلاء المعري» كان من روَّاده يوم حضوره إلى بغداد، وأن طرائف من الجدل والحوار الأدبي كانت بينه وبين «المرتضى»، وأن «أبا إسحاق الصابي» و«عثمان بن جني» كانا يلازمان مجلسه.
كان «المرتضى» يشرع في تأليف الكتاب، فلا يكاد ينهي جزءً منه حتى يذيع بين الناس، فلا يتمكن من إعادة النظر فيه؛ لخروجه من يده إلى أيدي القارئين. وكان من عناية الناس بمؤلفاته أن تؤلَّف من أجلها الكتب أيام حياته، إمَّا بالنقض عليها من جانب مخالفيه، أو بالشرح والتأييد لها من جانب مؤيديه.
ولقد ينقض النقض عليه وهو حي، فيشهد الخلاف والالتفاف على آثاره ومن حولها. كما حددت الآراء التي اختلفت فيها مع أساتذته.
وتسابق بعض الأعلام من معاصريه إلى رواية كتبه وشعره، وظلت هذه الإجازة تطرد ممعنة في الأعقاب والأجيال التي بعده حتى القرون المتأخرة، وظل صدى منزلته العلمية والأدبية يتردد في أجواء التاريخ، فلا يؤلف كتاب في أعلام المسلمين أو في أعلام الأدب وليس «للمرتضى» منه نصيب.
رسالة الغفران
لأبي العلاء المعري
ورسالة المعراج الأندلسية
والكوميديا الإلهية لدانتي
أبو العلاء المعري من الشعراء المتشيعين، وقد بدا تشيعه واضحاً في شعره القائل فيما قال فيه:
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسيناً
وكان على خلافتكم يزيد
والقائل:
وعلى الدهر من دماء الشهيدين
علي ونجله شاهدان
إلى آخر القصيدة:
والقائل:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم)[759](
إلى غير ذلك من الشعر.
وهو المؤلف كتاباً في بعض فضائل علي (عليه السلام)، كما ذكر (ياقوت) في مؤلفاته.
ومن مؤلفاته: رسالة الغفران الشهيرة. وقد كتب (دانتي) (الكوميديا الإلهية) وهي في موضوع رسالة الغفران. كما أن هناك (رسالة المعراج) الأندلسي.
فهو أخذ (دانتي) عن أبي العلاء وعن رسالة المعراج؟ ذاك ما قد يراه بعضهم، وما قد لا يراه آخرون. وفي الدراسات التالية بحث في هذا الموضوع بقلم أمينة غصن، ثم بحث بقلم عبد السميع المصري، ثم ثالث بقلم الدكتور نظير العظمة:
أوجه الشبه والاختلاف بينها وبين كوميديا دانتي
إذا كانت المقارنة مصدراً خصباً من مصادر المعرفة الإنسانية فإن الإنسان في مختلف دراساته اتخذ المقارنة سبيلاً للوصول إلى الحقائق الجوهرية المتعلقة بميادين بحثه. ففي علم الحيوان مثلاً قارن الدارسون بين الحيوانات المختلفة فصنفوها إلى أجناس وأنواع. وكان هذا التصنيف مبنياً على الملاحظة وملاحظة الخصائص الجوهرية لكل جنس من الأجناس وكل نوع من الأنواع المتباينة. ولقد خضعت اللغات وهي أدوات التعبير عن الأدب لمثل هذه الدراسة المقارنة، فكان لها أثرها العميق في التعرف إلى أصولها، والإحاطة بما تحقق لها من تطور خلال العصور. لقد طبقت الدراسة المقارنة على المفردات اللغوية، كما طبقت على المركبات، وكان من نتائج تطبيق الدراسة المقارنة على المفردات أن وجد لدينا علم اللغة المختلفة، ذات الأصل الواحد، وأن وجدت لدينا دراسات كثيرة في النحو المقارن، فأدى ذلك إلى تصنيف لغات العالم إلى أسر لغوية تضم كل أسرة منها مجموعة من اللغات يجمع بينها أصل واحد مشترك.
أما الأدب فيمثل مشكلة قائمة بذاتها، تختلف عن الحالات السابقة التي أشرنا إليها، أن الدراسة الأدبية المقارنة لا تتناول قضايا محسوسة بل هي تدور حول تأثيرات قد تتضح وقد تخفى. ولا يكون وضوحها بالضرورة مقتبساً من مميزات الأعمال الأدبية المقارنة، بقدر ما يكون مقتبساً من قرائن خارجية على هذا التأثير. أما الاقتصار على مجرد المشابهة فكثيراً ما قاد إلى أخطاء كان منشؤها الاقتناع بظواهر الأمور بدون غوص إلى بواطنها.
وفي ضوء هذا الفهم، لا بد لنا، ونحن بصدد دراسة رحلتي أبي العلاء ودانتي من دراسة بواعث الرحلتين الظاهرة والخفية، والإشارة إلى نقطة انطلاق هذين الرحالين وتحديد محطة السفر الأولى، لأنه بحيث انطلق أبو العلاء من الجنة وأبدع في تصويره لحياة الفردوس، انطلق دانتي في المقابل من الجحيم الملغز، والنيران المتأججة هذا إلى جانب انطلاق أبي العلاء في رحلته متقمصاً شخصية ابن القارح، في حين ذهب دانتي بنفسه يستطلع ويستكشف.
وتعود كتابة «رسالة الغفران» إلى أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة.
1 ـ دراسة الأسباب غير المباشرة:
2 ـ الأسباب الظاهرة:
ظاهر الأمر أن الرسالة كتبت رداً على رسالة بعث بها ابن القارح إلى أبي العلاء، فخرج بذلك إلى النور في وقت لم يسجله تقويم الزمن، من الربع الأول للقرن الخامس الهجري، نص أدبي كتب له أن يخلد مع روائع الآثار الباقيات، فكانت «رسالة الغفران».
3 ـ التراسل كنوع أدبي:
غير أن وراء السبب الظاهر دواعي أخرى أن تخف على البعيدين عن دراسة ذلك العصر، فلن تخفى على من تعرفوا حياة أهله، وعرفوا ولع أدبائه بالتراسل، لسبب ولغير سبب، سوى إظهار البراعة، وعرض البضاعة.
ورسالة ابن القارح تأخذ في شكلها وظاهرها صورة الرسائل الإخوانية، لكن كاتبها الذي لم تكن تربطه بأبي العلاء معرفة سابقة، لم يعن بالمسائل الإخوانية بقدر ما عناه سرد محفوظة من اللغة، والأخبار والأشعار، والإعلان عن براعته، والتحدث عما لقي من الأئمة والشيوخ.
وقد جرى أبو العلاء ـ مثل ابن القارح ـ على عادة عصره، واقتفى أثر الأدباء قبله، وتبع سنتهم، فمضى مثلهم يعرض بضاعته، ويترجم بحديثه عن حاجة في نفسه.
الأسباب المباشرة
لكننا مع القبول بهذه الأسباب الظاهرة، ومع فهمنا لروح العصر وتقديرنا لأثر أبي العلاء، قد نستغرب تلك الرحلة الخيالية الطويلة المثيرة التي قاد صاحبه إليها، فطاف به في أرجاء العالم الآخر، وأذاقه من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ويقربنا هذا الاستغراب إلى تعرف الأسباب المباشرة، للقيام بهذه الرحلة، وتقديمها بالشكل الذي قدمت به، ومنها:
أ ـ الخصائص الخاصة بحياة المعري:
إذا قلنا أن أبا العلاء كان يعرض بضاعته من العلم واللغة والفن، فلقد كان إلى جانب هذا يحلم، وينال من عالم الخيال ما لم ينله من عالم الواقع، خاصة إذا ما عرفنا أن حياة أبي العلاء قد انشطرت الى شطرين واضحين ومتميزين:
ـ كان في أولهما يعيش في دنيا الناس، ويأخذ فيما يأخذون فيه من لهو وجَدٍّ محاولاً أن يشارك في حياتهم، ومناضلاً بكفايته وامتيازه ليظفر بما كان له فيها.
ـ في حين كان معتكفاً في دنياه منصرفاً إلى التأمل والإملاء في شطرها الثاني.
ب ـ حالة أبي العلاء النفسية:
وبتحديدنا للزمن الذي كتبت فيه الرسالة، وهو في أخريات الربع الأول للقرن الخامس الهجري، يسهل علينا أن نتعرف إلى الحالة النفسية لأبي العلاء حين أملاها. غير أننا لا نملك أن نحدد بالضبط مبدأ كل شطر من حياته ومنتهاه، لأن العلائي انصرف بنفسه عن دنيا الناس، قبل أن ينسحب منها، ونفض يديه منها وهو لا يزال فيها، وفكر في اعتزالها طويلاً قبل أن يجمع أمره على العزلة في محبسه بمعرة النعمان. لكننا نملك أن نقول كتب «رسالة الغفران» في صميم الشطر الثاني من حياته، وكان إذ ذاك يستهل العقد السابع من عمره.
ج ـ يأس أبي العلاء ونضجه:
وكتب العلائي «رسالة الغفران» بعد أن هزم في النضال مع الدنيا ونسا به مكانه بين الناس، كتبها بعد أن يئس من بلوغ ما اشتهاه من مجد الحياة ونعيمها. وكتبها في السبعين بعد أن أنضجته الأيام بتجاربها، ومصائبها وكشفت له من أشواقه الكامنة، وجراحه التي لم تندمل قط، وطالت صحبته لنفسه حتى عرفها على حقيقتها، وأزال عنها حجب الوهم وأستار المداراة.
وأخيراً كتبها في شيخوخته، بعد أن قطع مراحل الحياة الدنيا، وأشرف على العالم الآخر، وانصرفت نفسه إلى التأمل الحزين الطويل في مصير الإنسان.
في ذلك الجو القاتم ظهرت «رسالة الغفران»، وفي تلك الحالة النفسية الأليمة، أملى «أبو العلاء»، وأنها الحالة تفسر لنا ما في «الغفران» من أشواق مستثارة إلى الرغبات المادية، وعرض متفنن لنعم الدنيا منقولة إلى العالم الآخر.
وتفسر لنا كيف جمع أبو العلاء، الأدباء والشعراء في جنته، وهو المعتزل المنفرد، وكيف حشد فيها ملذات الدنيا من نساء، وطعام وشراب، وهو الذي كفر بالخمر، وتجنب النساء، وحرم نفسه طيبات الطعام والشراب.
وتفسر لنا كيف ملأ جنته حركة وانفعالاً، من صيد ونزهة ورقص ومآدب ومجالس وطرب وخمر، وهو الذي حكم على نفسه بالحبس في منزله بمعرة النعمان نحو نصف قرن من الزمان مقيداً سجيناً. لذا أطال الحديث عن الحياة الآخرة، وتفنن في تصويرها لغير ضرورة ظاهرة، واستمر حلمه الطويل حتى شغله عن الرد على ما جاء في رسالة «ابن القارح» ولم يشرع به إلا بعد أن أتم رحلته وفرغ من رسم صورة الحياة الأخرى.
انعكاسات البواعث على رسالة المعري
جاءت رسالة الغفران آية من آيات المعري. وكان سر عظمتها دلالتها الأمينة على نفس صاحبها وعلى الحياة من حوله. فلو لم نعرف صورة صاحبها لرسمت لنا صورة بينة السمات، ولدلتنا على شخصيته، وعرفنا أنه: أديب يائس معتزل محروم.
ولو لم نعرف الزمن الذي أملي فيه «الغفران» لحددت لنا الرسالة ذلك الزمن، إذ أن فهم الحياة فهماً ناموسياً، يجعلنا نطمئن إلى أن «التفات» أبي العلاء إلى العالم الآخر لا يكون إلا مع يأسه من هذه الدنيا، لأنه ما كان ليسرح إلى الأخرى هائماً حالماً وهو في غمار الحياة والمجتمع قبل عزلته.
وربما كانت هذه البواعث كافية لأن يخترق أبو العلاء خط السير في الممالك الإلهية، فيبدأ من حيث يحلم، وتكون الجنة العالم الأول الذي يطالعنا به، وكأن أبواب المرور من الأرض السفلى مفتوحة وعلى مصراعيها على أبواب الجنة.
بواعث كوميديا دانتي
لكن دانتي لم يخترق حيث اخترق أبو العلاء، ولم يبدل وجهات السير، ولم يغير مقاييس العالم الآخر، بل بدأ كتابته للكوميديا من حيث تبدأ الأديان، وانتهى إلى حيث تنتهي، وكان تقسيم الكوميديا تقسيماً كلاسيكياً دينياً مسيحياً. كيف لا، وقد كان دانتي الإنسان المسيحي المؤمن، المشبع بقراءة التوراة والإنجيل والكتاب المقدس بخاصة. غير أن هذا التقسيم يبقى السبب الظاهر، في كتابة الكوميديا بحيث تطالعنا أسباب أعمق وأبعد في تصور الشاعر، وفي تاريخ حياته: الذاتية، والسياسية، والوطنية… ربما كانت هي الباعث الأصدق والأهم في كتابتها.
وقد نورد هذه البواعث والأسباب ولكن بإيجاز، وذلك بسبب أهميتها في خلق جو الكوميديا الإلهية العام، وفي جو من الينابيع، والمناهل التي استقى منها دانتي رائعته.
1 ـ ونبدأ أولاً بحياة الشاعر الذاتية
الكل يعلم أن دانتي شرد وجرد من كل شيء: الأسرة، والأصدقاء والمال، والوطن، فاشتد عليه المد واتعبه. وربما أفاد كثيراً من حياته الشبيهة بالبوهيمية على فارق واحد أو أكثر، وهو أن البوهيمي قرير العين مرتاح إلى حياته لأنه ليس له أهداف، وليس به طموح.
ومن فوائد منفاه أنه تنقل بين كثير من المقاطعات، فشاهد المدن، والقرى، والجبال، والأودية، والخمائل، والأرض القاحلة. وكلها مناظر خلابة ـ من الأرض الإيطالية ـ مما عزاه بعض الشيء عما كان يلاقيه من الحرمان، وقد ذكر أكثر تلك الأمكنة في الكوميديا، وأدخلها في طوبوغرافية العالم الآخر، وجعلها قسماً من جغرافيته.
2 ـ المؤثرات الوطنية وانعكاسها في نفس دانتي
كأن النفي كان ضرورياً لدانتي، لأنه ضاعف فيه حبه لأرض وطنه الذي تحده جبال الألب من الشمال، والبحار من جميع الأطراف. وحمل دانتي بين حناياه فكرة الوطن الواحد الموحد إيطالية الكبرى. وقد كانت حتى الساعة ـ أي زمنه ـ نهباً مقسماً بين عدة دويلات أجنبية ووطنية، وملكية وجمهورية، وإقطاعية وبابوية، وأشباه ذلك.
وملك هذا الإحساس على دانتي جميع مشاعره ومنافد الفكر منه، فكرة الوطن الموحد. فلم يقتصر على رسم حدود وطنه المقدسة على حد قوله، بل كانت ذاكرته تزخر بأمجاد روما وعظمتها، فحلم بمملكة عالمية تضم بتناغم مثالي الأمراء جميعهم، والممالك كلها، وتسوسهم قوانين حكيمة عادلة، وتعمل في هذه المملكة العالمية الشاملة جنباً لجنب السلطة البابوية وهي الروحية والسلطة الإمبراطورية وهي السلطة الزمنية. وأناط دانتي بهذه المملكة إنقاذ الإنسانية التائهة في أدغال الشك، والتي تنهشها الفوضى والبلبلة. وما ذلك اليوم ببعيد عن روما مركز السلطتين الروحية والزمنية، وعن إيطاليا كلها، جنة الإمبراطورية، ومهد الحصارة اللاتينية الكبرى.
وكي يعد دانتي النفوس إلى تقبل هذه النبوءة الكبرى والأمنية الغالية بين الناس طرفته المسماة «الكوميديا الإلهية» حيث اتصل الزمن بالأبدية، وانعكس وجها الفضيلة والرذيلة على صفحة مرآة.
3 ـ ثقافة دانتي وانعكاسها في الكوميديا
لقد وصف لنا دانتي في بعض صفحات من كتابه «الوليمة» الصراع الداخلي الذي كان يعتمل في نفسه عندما اجتاز مرحلة النظم في الغزل، والنسيب والتشبيب بالحسان، إلى دراسة الفلسفة. فأكب على دراسة بوزيو وشيشرون، مما أجج فيه حب المعرفة، ودفعه ذلك إلى أن يقود خطاه نحو مدارس رجال الدين وتتبع جدال أهل العلوم والفلسفة.
فتردد على إحدى الحلقات للأباء الدومينيكيين في دير القديسة ماريا نوفلله، وبات من المؤكد أنه تابع الدراسات للأباء الفرنسيسكان في سنت كروتشه، ودرس أرسطو الذي بدأت مؤلفاته تروج وتنتشر. أما توما الأكويني وبونا فنتورا فقد كانا منهله الفياض العذب. وعكف دانتي على دراسة القانون، والطب، والموسيقى، والتصوير، والنحت، والفلسفة، والطبيعة، والكيمياء، والفلك، والسياسة، والتاريخ، واللاهوت ودرس تراث اللاتين، وألم بتراث اليونان والشرق بطريق غير مباشر، وعرف ثقافة العصور الوسطى، وتعلم الفرنسية ولغة البروفنس، ودرس أدب التروبادور.
هكذا اجتمعت لدى دانتي الحكمة المشرقية كلها، وبلاغة اليونان ومحبة الله في المسيحية، وعظمة المدينة الرومانية، وكان يحترم أرسطو، ويتبع توما الأكويني، ولا يحجم عن الاطلاع على التراث العربي وفلاسفته ويستلهم مادته من التوراة والإنجيل وما أمكنه الاطلاع عليه من الفكر والتراث الإسلامي من هذا المضمار. غير أن مرد التأليف بين الأضداد في نفس دانتي يعود إلى قدرة التوحيد الطبيعي في عبقريته. وقد نفذت بشتى الثقافات.
وبفضل هذه الكونية التامة التي كانت تؤاخي بين الماضي والحاضر والمستقبل استطاع دانتي أن يجعل من نفسه في «الكوميديا» رمزاً للجنس البشري أجمع. وطرفة دانتي من ألفها إلى يائها بطابعها الخاص وأهدافها، ليست إلا تكافؤاً جميلاً غريزياً لشقاوته وضعفه.
استناداً إلى ما قدمنا من بواعث وأسباب مباشرة وغير مباشرة في أوجه المقارنة في رسالة الغفران، والكوميديا الإلهية، حق لنا اتهام النقاد بالتجني على دانتي، والقول بأخذه فكرة الرحلة إلى الممالك الإلهية عن أبي العلاء، ومحاكاته من ثم وتقليده.
كثيرون هم الجناة والمدعون، أمثال قسطاكي حمصي الذي قال «بسرقة دانتي لموضوع أبي العلاء وتخلفه عنه في السمو والبيان»)[760](، وقول الدكتور عمر فروخ «أن المعري سبق دانتي إلى بعض تخيلاته»)[761]( وتعصب مصطفى آل عيال)[762]( الذي لا يريد بدوره «أن ينقص من حق المعري الذي هو بغنى عن أن يضاف إلى مجده مجد آخر»، وذلك بتلقيبه «ملهم دانتي» أو قول زيدان «باقتباس دانتي فكرة الكوميديا من «الغفران» أو قول «كرد علي» أن شاعرنا كان معلماً لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال.
فذلك ومثله ما يمكن حمله على محمل التعصب، وهو أيضاً مما يمكن إغفاله والسكوت عنه، لأنه لم يأخذ سمة البحث العلمي.
غير أن المهم في آراء النقاد هو كتاب «سيجويل اسين بلاسيوس» وليس بلاسيوس بالعربي، أو الشرقي، أو المسلم، حتى يحمل قوله على التعصب، وليست دعواه، أحكاماً سريعة مرتجلة حتى تقابل بالإستهانة.
إنما هي شهادة من أهلها.
شهادة كاثوليكي، من الإسبان المعروفين بالتعصب.
وجاء بلاسيوس يقرر بعد دراسة واسعة متخصصة، قضى منها خمساً وعشرين سنة، باحثاً منقباً في التفكير الإسلامي في العصور الوسطى ـ جاء يقرر «أن أصولاً إسلامية ـ من بينها الغفران ـ قد كونت أسس الكوميديا الإلهية تلك القصيدة التي طبعت كل الثقافة الأوروبية المسيحية في العصور الوسطى».
ولكن بلاسيوس وقف في مظاهر التشابة عند رسائل جزئية غير ذات بال، وظواهر سطحية لا يمكن أن يحتكم إليها في مثل تلك القضية.
ومن أمثلة الحكم على دانتي بأخذه من أبي العلاء، في رأي بلاسيوس، نورد المثلين الآتيين)[763](:
1 ـ لاحظ بلاسيوس مثلاً أن أبا العلاء لكي يحقق هدفه المزدوج، الأدبي والديني، يلقى الشعراء في جهنم منفردين واحداً بعد الآخر، أما في الجنة فيلقاهم جماعات. وكذلك فعل دانتي، فهذه الحلقات الأدبية لأبي العلاء تعادل الحلقات والتيجان التي نظمها دانتي في السماوات من رجال الدين والجنود والقضاة وغيرهم.
وقد جاء بلاسيوس في دليله بما يضعفه، فأبوا العلاء لا يلقى إلا الشعراء ولا يريد سواهم ودانتي يريد أقواماً آخرين، أكثرهم لا يمتون إلى الشعر بسبب.
2 ـ كذلك رأى بلاسيوس أن الطريقة التي كان أبو العلاء يلقى بها من أراد من الشعراء تشبه الطريقة التي اتبعها دانتي: «فهو إما أن يستعلم عن روح بعينها فيرشد إلى صاحبها، وأما أن تظهر له فجأة روح يخطىء معرفتها، فيسأل عن اسم صاحبها».
وبحسبنا في التفريق ما بين الشاعرين هنا أن «ابن القارح» كان يلقى الأشخاص بأجسامهم، ولم يحدث قط أن لقى روحاً أو تحدث إلى روح على حين لم يلق دانتي سوى الأرواح.
نكتفي بهذين المثلين شهادة على تجني أسين بلاسيوس على دانتي، وليس بوسعنا الإطالة، وكشف نقاط أخرى، وقد اعتمدنا في ذلك على بنت الشاطىء، لعجز ما في قراءة نص بلاسيوس الأسباني.
وكدراسة مقارنة، أؤيد أحكام بنت الشاطىء في بحثها الرصين المتعمق والموضوعي، ويكفيني إثباتاً ما قدمته من بواعث كتابة لرسالة الغفران والكوميديا الإلهية، إلى جانب دراسة وجوه التشابه والاختلاف في كل من الرحلتين، وهي وجوه نابعة من أصالة عالمين داخليين مختلفين، ومن عمق ثقافتين متمايزتين، ومن غايتين مفارقتين ـ قصد إليهما الأديب والشاعر:
ـ أن الفكرة عند المعري كانت بسيطة في حد ذاتها، فقد أراد أن يسخر بعالم الأدباء، وقد أصاب الهدف إصابة محكمة.
وكان له أيضاً هدف ثانوي ذكره طه حسين في كتابه «مع أبي العلاء المعري في سجنه» حيث قال:
«لقد ألف أبو العلاء رسالة الغفران ليبرهن عن واسع خياله وعظيم مقدرته بالعلوم اللسانية واللغوية، وغريب الشعر والألفاظ والمفردات ومعانيها المختلفة، ولم يكن همه العالم الأخروي، ولم يعنه تركيب هذا العالم، ولا سيما التركيب المعنوي والخلقي للجنة والجحيم. ولم يصف الصراعات التي تتأكل بين البشر تكالباً منهم على حطام الدنيا في شتى المناحي والميادين. لقد ركز همه في الشعراء فقط وبغريب الأبيات من الشعر». وما كان بهتان صوره وعبثيته وسخريته إلا لتأكيد ذلك.
ـ أما كوميديا دانتي، في صورتها الأدبية، فتعد عملاً مبتكراً لم يسبق إليه الشاعر، كما أن هذا العمل استعصى نظيره على من جاء بعده فكثير من الشعراء حاول تقليده أو مجاراته في هذا الميدان الذي فتحه، لكن ذلك كان بدون جدوى، فلم تكد الأعمال التي انبثقت من هذا التقليد تولد حتى تداعت وانزوت إلى ظلال كثيفة من النسيان.
وعدّ بحق الدكتور عبدالسلام كفاني)[764]( الكوميديا «بأنها ملحمة عن الإنسان وحياته وموقفه في مواجهة العدالة الإلهية».
في حين قال حسن عثمان)[765]( «الكوميديا مرآة الحياة وقصيدة الإنسان الكبرى. وهي فن رفيع يهدف إلى تغيير الإنسان وإصلاح المجتمع. وقصد دانتي أن يجعل منها بداية لعصر جديد، وكأنه أراد بذلك أن يضع كتاباً مقدساً جديداً يهدي البشر إلى سواء السبيل، وبدأ فيها دانتي أورفيو جديد لعالم جديد».
وفي حين تناول النقاد جوهر الكوميديا ومواضيعها، فقد تناول الشاعر والناقد (T.S. ELIOT) ت.س. أليوت لغة الكوميديا فقال: ان أول درس يستفاد من دراسة دانتي أنه لا يوجد شاعر من مستواه بذل من العناية والجهد في دراسة فن الشعر ما بذله دانتي ولا يستثن من هذا فرجيل». كما أن أليوت يقول «إنه لا يعرف شاعراً إنكليزياً قدم للغته من الخدمات مثل ما قدمه دانتي لإيطاليا». ويكون أليوت قد رفع دانتي هنا إلى قمة البارناس الشعرية، وتجاوز به شكسبير وشعر شكسبير.
إذن، انطلاقاً من دراستنا، وانطلاقاً من آراء النقاد الجادين، وانطلاقاً من الاحتكام إلى نص «الرسالة» و«الكوميديا» نحكم بعدم وجود التشابه المدعى، لنؤكد التقاء الأثرين عند فكرة واحدة هي «الرحلة الخيالية إلى العالم الآخر»، وهي فكرة إنسانية مشتركة لم تنحصر في حضارة، ولا قوم، ولا دين، فمنذ سمعت البشرية أن هناك عالماً آخر، راحت تتمثل ذلك العالم، ثم جعلت تقوم برحلة خيالية إليه.
وتصوير ذلك العالم قديم العهد، تحدثت به الأساطير قبل أن يولد «أبو العلاء» بدهور، وعرضته الأديان عرضاً مفصلاً لا يدع لنا سبيلاً إلى إيثار «أبي العلاء» به.
أمينة غصن
تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية
ألف الدكتور صلاح فضل كتاباً بعنوان (تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي) علق عليه عبدالسميع المصري بعرض هو في صميم ما ذكرناه فيما تقدم من هذا المجلد في موضوع رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، ونحن نأخذ هنا هذا العرض لنرى الآراء المتباينة في هذا الموضوع:
«تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي». دراسة جادة في الأدب المقارن «تعطي لنا دفعة قوية من الثقة المدعمة بالبراهين العلمية في ثقافتنا القومية وتحفزنا إلى الاعتزاز الواعي بتراثنا وتساعدنا على التخلص من حساسية المتخلف الذي يخشى عواقب الاتصال الفكري على أصالته مع أنه شرط جوهري لتغذيتها وإنمائها.
وليس أدل على ضخامة الجهد الذي بذل في هذا الكتاب من قول مؤلفه الدكتور صلاح فضل في مقدمته «من هنا نشبت ضرورة هذا البحث الذي حاول أن يستوعب بشكل مباشر المادة العلمية المقارنة التي استخدمت في الدراسات الأوروبية ـ على سعتها ـ ويطلع على نصوصها العربية الأصيلة ـ على كثرتها ـ ثم يقدم إعادة ترجمة وعرض لوثيقة المعراج التي أصبحت البرهان الأخيرة في القضية. ويبحث عن نماذج لنظائرها في التراث متفرقة حتى يعثر عليها مجتمعة.
وقد مهد المؤلف لبحثه بفصل عن الأدب المقارن عرف فيه هذا الأدب بقوله أنه «العلم المنهجي الذي ينشد دراسة روابط التشابه والقرابة والتأثير بين الأدب ومظاهر المعرفة الإنسانية الأخرى أو بين النصوص الأدبية نفسها، مما قد يبدو للوهلة الأولى متباعداً في الزمان أو المكان، يشرط أن ينتمي إلى لغات أو ثقافات عديدة، حتى ولو كانت تدين لتراث مشترك واحد، وتنحو هذه الدراسة إلى وصف ظواهر الالتقاء الأدبي وفهمها وتذوقها بأكبر قدر من التعمق والاستبصار، مما يجعلها تتخذ منهج الوصف التحليلي والمقارنة المنظمة التي لا تلغي الفروق بين الأشياء، بل تبرزها وتؤولها كظواهر أدبية تقوم بين اللغات والثقافات المختلفة استجابة لعوامل تاريخية ونقدية وفلسفية. كل هذا بهدف النفاذ إلى فهم الأدب ووظائفه الحيوية في خدمة الروح الإنساني العام».
لكنه يسارع إلى التحذير من البحث عن المكاسب والانتصارات الفنية للعمل المؤثر نتيجة لسبقه الزمني فحسب ويطالبنا بافتراض مجرد التوافق العفوي لا سيما ونحن نعالج أثر الثقافة الإسلامية في واحدة من قمم الإبداع الأوروبي في العصور الوسطى… فلا نغرق في البحث عن عوامل الفخر القومي أو الحماس لمؤثراتنا فيه.
ثم يدعونا في هذا الفصل إلى عدم التخوف أو الإعراض عن التراث الإنساني والتأثر به الذي يختلف عن التقليد «لأن الشعوب لا تثري على أساس الفروض الشكلية وإنما اعتماداً على استصفاء المبادىء التي تجدد حياتها الفكرية وامتصاصها بروية وتمهل وعندما يحدث تماس بين حضارتين مختلفتين ويبتل ريق شعب بحلاوة الآخر فإن المزيج الذي يتكون منهما لا يدانيه شيء في قوته المخصبة الخلاقة لكن عندما يقتصر الأمر على مجرد التقليد فإنه لا ينبت من ذلك سوى الأزهار الصناعية المفتعلة».
وإذا أثبتت الدراسة التي بين أيدينا مدى تأثر دانتي بالثقافة العربية والإسلامية… ودانتي هذا هو الذي تدين له الآداب الأوروبية في العصر الوسيط بالشيء الكثير… لا تضح لنا مدى اتصال التراث الإنساني وتشابك علاقاته مما يدعونا لأن نكون أكثر حرية في الأخذ من هذا التراث اليوم دون أدنى حساسية.
ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك فصلاً لتاريخ اتصال دانتي بالثقافة الإسلامية وتأثره بها فيروي كيف أن المستشرق الأسباني أسين بالاثيوس (1871 ـ 1944) هو أول من تعرض لهذا الموضوع منذ ستين عاماً باعتباره فرضاً علمياً قضى سنوات عديدة يجمع الأدلة والبراهين لإثباته. لكنه لا يستطع أن يحسم الأمر لافتقاده الدليل المادي الذي يثبت اطلاع دانتي على التراث العربي لكن بعد وفاته بخمس سنوات ظهرت ترجمة قديمة لرواية مطولة عن معراج الرسول (ص) ليلة أسريَ به من مكة إلى بيت المقدس كتبت باللاتينية والفرنسية القديمة مما رجح اطلاع دانتي عليها. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الموضوع مسلماً به في الأدب المقارن كنموذج واضح للتأثير الإسلامي في الأدب الأوروبي وأصبحت القضية كلها مسلماً بها ومفروغاً منها في الأوساط العلمية والأدبية في العالم كله.
وفي عام 1949 قام كل من الباحث الأسباني مونيوث سندينو والباحث الإيطالي انريكو تشير ولي بنشر الترجمات اللاتينية والفرنسية لوثيقة «معراج محمد» دون اتفاق مسبق بينهما من مخطوطات مكتبات أكسفورد بانجلترا والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة الفاتيكان وغيرها من دور الكتب.
كما عرف العالم من هذه الوثيقة أن ملك أسبانيا الفونسو العاشر كان قد أمر إبراهام الحكمي الطبيب اليهودي الذي كان يعمل في بلاطه بترجمة قصة المعراج الإسلامية من العربية إلى القشتالية عام 1263 وكانت هذه الترجمة أصلاً لترجمة أخرى إلى اللاتينية والفرنسية قام بها بوينا فينتورادي سينا الموثق الإيطالي الذي كان يعمل أيضاً في بلاط الفونسو سنة 1364 أي قبل ميلاد دانتي بسنة واحدة.
وفي الفصل التالي من الكتاب المعنون «عوامل التأثير ومستوياته» يحاول الدكتور صلاح تقديم المزيد من الأدلة ليؤيد قضيته الثقافية فيمهد لذلك بقوله «إن الثقافة إنما هي كل معقد متشابك يشمل المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وجميع مظاهر الخلق التي يبدعها الإنسان ويكتسبها في مجتمع من المجتمعات ومن هنا فإن الآداب سواء كانت رسمية أو شعبية والمعتقدات سواء كانت دينية أو أسطورية… مسجلة كتابة أو متداولة شفاها… كل ذلك يدخل من باب الثقافة العريض… وفي ضوء هذا المفهوم نرى بوضوح أن المؤثرات الإسلامية في الكوميديا الإلهية ذات طابع ثقافي شامل، فهي لا تقتصر على نصوص أدبية بذاتها ولا على الأفكار الدينية المعتد بها، بل تخللتها عناصر فولكلورية شعبية، لعب خيال الناس فيها دوراً هاماً وأشبعها بقدر كبير من المبالغة والتحرر».
ويضيف أن معرفة دانتي للتراث الإسلامي وتصور المسلمين لمجالي العالم الآخر حفزته إلى اتخاذ نموذج الرحلة إلى عالم الغيب قالباً فنياً لعمله، خاصة عندما بهرته المشاهد الإسلامية بما تحفل به من تنظيم دقيق وصور فنية ولم تكن محاكاة النماذج القديمة شيئاً معيباً في عصر دانتي بل كانت قانون الكلاسيكية العام وروحها الغالب… تكتسب بها الأعمال الفذة لوناً من مشروعية الوجود وتبرير النهج».
ومن المسلم به أن قنوات الاتصال بين أوروبا والعالم الإسلامي التي سهلت التبادل الثقافي بينهما وساعدت على تأثر الأدب الأوروبي بصفة خاصة بالثقافة الإسلامية… هذه القنوات بدأت تتفتح منذ القرن الثامن الميلادي متمثلة في الحركة التجارية المتنامية ثم حركة الحجيج من أوروبا إلى بيت المقدس ثم الحروب الصليبية وما أدت إليه من إنشاء إمارات مسيحية يحكمها أوروبيون في قلب الشرق الأدنى… ثم منارات العلم الإسلامي في صقلية والأندلس على سبيل المثال والتي كانت قبلة لكل راغب في العلم من أهل أوروبا… ثم ذلك الدور المنقطع النظير الذي قامت به الأندلس الإسلامية سواء في الترجمة أو احتضان وفود الدارسين من أنحاء أوروبا ونقل التراث الإسلامي إليها مترجماً…
ولقد حفظ التاريخ كثيراً من الترجمات التي تمت في تلك الفترة الثرية لا سيما ما بين القرن الحادي عشر الميلادي والقرن الثالث عشر عندما بلغت حركة الترجمة قمة ازدهارها في عهد الفونسو العاشر ملك قشتالة. الذي كان يسمى بالعالم والتي كان من بينها مؤلفات الخوارزمي والفرغاني وابن سينا والزرقالي وغيرهم، حتى فاض العلم الإسلامي على أوروبا وملأها خصباً.
وإذا كان دانتي منذ ولد عام 1265 وكتب الجزء الأول من الكوميديا الإلهية عام 1307 في وقت كانت الترجمات اللاتينية والفرنسية لقصة المعراج لها شهرتها في الأوساط الأدبية، فلا شك أنه قد وجد الفرصة للاطلاع عليها ودراستها الدراسة التي تركت بصماتها على عمله العظيم ولا سيما إذا علمنا أن كثيراً من رواد الترجمة كانوا يكثرون من التردد على إيطاليا وخاصة فلورنسا موطن دانتي والحوار والمشافهة كانت وما زالت من عوامل انتشار الثقافة.
كما أن هناك قسيساً يدعى سان بدرو باسكوال معاصراً لدانتي وعاش في فلورنسا له مؤلف بعنوان «تفنيد مزاعم الطائفة المحمدية» أورد فيه قصة المعراج بالتفصيل، وقد اشتهر كتابه هذا في جميع الأوساط المسيحية الأوروبية وكان في متناول دانتي مما يرجح لدى بعض الباحثين أن هذا الكتاب كان الوسيلة التي تعرف دانتي من خلالها على القصة الإسلامية.
كل هذه المراجع والاتصالات الشخصية بين دانتي ومعاصريه من المهتمين بالعلوم الإسلامية والتوافق التام بين كثير من عناصر الكوميديا وقصة المعراج، جعل المفكرين الإيطاليين أنفسهم يؤكدون أنه لم يعد هناك مجال لأي شك في اطلاع دانتي على قصة المعراج التي كانت مترجمة بثلاث لغات أوروبية هي لغات العلم في عصره… وتأثره بها.
«الكوميديا» ورسالة الغفران
ولا يكتفي الدكتور صلاح فضل بهذه الأدلة فيقدم لنا مقارنات طريفة ممتعة بين الكوميديا ورسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، والتي تعتبر من أنضج نماذج الثقافة الإسلامية والعالمية.
ورسالة الغفران ـ وكذلك الكوميديا الإلهية ـ رحلة للعالم الآخر تتميز بخلوها من عناصر الخوارق والمعجزات التي تحفل بها روايات الإسراء والمعراج الأخرى.
«فباستثناء الفكرة الأساسية للرحلة ـ التي تقع في نطاق المعجزات ـ تمضي الحوادث بعد ذلك على نسق أقرب ما يكون إلى منطق الحياة المألوفة… فالمسافر عند أبي العلاء ليس نبياً ولا ولياً ولا من كبار الأبطال، ولكنه مجرد إنسان عادي يقترف الذنوب ويسعى في الأرض مثله في ذلك مثل دانتي بطل الكوميديا. كما أن الشخصيات التي تقوم بالأدوار الثانوية ليست في معظمها من الأنبياء أو القديسين وإنما هم أناس عاديون منهم المؤمن والكافر مثل الذين نجدهم أيضاً عند الشاعر الإيطالي… وعلى هذا فإن الخاصية الإنسانية الواقعية الأرضية في الكوميديا تجد سابقتها الأدبية الكبرى عند شاعر المعرة العربي».
ويتفق دانتي مع أبي العلاء في معاني التسامح وسعة الأفق في معاملة الأرواح وفي خروج بعضها إلى الجنة بعد رحلة التطهر.
بل إن التشابه في بعض أجزاء العملين يصل إلى درجة التطابق فنجد في رسالة الغفران قصة لقاء ابن القارح بحوريتين من الحور العين يبهره جمالهما، فيقبل كل واحدة منهما ويرتشف رضابها ويتمثل في حسنها بأبيات لامرىء القيس فتستغرقان في الضحك وتقول إحداهما «أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ فيقول أنت من حور الجنان اللاتي خلقهن الله جزاء للمتقين… فتقول، أنا كذلك بأنعام الله العظيم، غير أني كنت في الدار العاجلة أعرف بحمدونة وأسكن في باب العراق بحلب وأبي صاحب رحى وتزوجني رجل يبيع السقط فطلقني لرائحة كرهها من فيّ، وكنت من أقبح نساء حلب فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرارة وتوفرت على العبادة فصيرني ذلك إلى ما ترى».
وبعيداً عن أسلوب المعري الساخر في هذه القصة نرى الشبه الكبير بينها وبين بعض الوقائع عند دانتي كلقائه مع بياسينا في المطهر ومع بيكاردا الفلورنسية في سماء القمر. والأولى تنعي حظها التعس وشقاءها مع زوجها مثل حمدونة أما بيكاردا فتبدو رائعة الحسن رغم دمامتها في الدنيا وكلاهما تذكر لدانتي قصتها في الدنيا وموطنها واسمها الدنيوي.
وغير ذلك من التشابه الذي يبلغ درجة التطابق بين الكوميديا ورسالة الغفران كثير مما ذكره الدكتور صلاح ولا سيما صور العبور على الصراط يوم القيامة.
وبعد ذلك ينتقل الدكتور صلاح في رياض كتابه ليحدثنا عن العناصر الصوفية في الكوميديا الإلهية فيقول: «إن الكوميديا الإلهية ـ طبقاً لهذا الفهم ـ تعبير مجازي عن حياة دانتي الشخصية وعن خلاص البشرية. فدانتي نموذج للإنسان الذي أضله الجهل وأعمته الشهوات لكنه يستطيع أن يتحرر من عبودية الشر بهداية من عقله وفضل من الله تعالى، وذلك عن طريق التطهر والتوبة من الذنوب، هذا التطهر الذير يرمز إليه بالرحلة إلى الجحيم والمطهر. وعندما يظفر بهذا الكمال الخلقي يصعد ـ عن طريق التأمل وبنعمة من الله ـ إلى السعادة الخالدة التي تتمثل في لذة الاستمتاع برؤية الذات العلية… فدانتي إذن مثل المتصوفة المسلمين عامة وابن عربي بصفة خاصة يستخدم معراج الإنسان إلى السماوات، ليرمز به إلى الدراما الصوفية للتجدد الأخلاقي للأرواح بالإيمان والكمال والصلاح».
ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك أطول فصول الكتاب «للتحليل المقارن لأجزاء الكوميديا الإلهية» ولما كان الكتاب رحلة في العالم الآخر فإن دانتي يبدأ رحلته من «الليمبو» أي الأعراف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ويحددها دانتي بأنها منطقة تقع فوق الجحيم مباشرة أي أنها البهو المفضي إليه وتنقسم إلى شطرين أولهما ما يلي الجحيم وتسكنه أرواح الأطفال ومن ماتوا دون أن يعملوا خيراً أو شراً.
أما الشطر الثاني فهو سهل عميق تحف به الأشجار ويحميه من حوله جدول جميل وفيه تسكن أرواح من ماتوا على الفطرة قبل الأديان وأرواح الحكماء والفلاسفة والأبطال ممن لم يعتنقوا المسيحية عند دانتي بالرغم من نبلهم وحكمتهم. ولا يعاني هؤلاء من العذاب سوى الحرمان من الجنة والشوق الذي لا يحدوه أمل.
وظهور الأعراف في الفكر المسيحي بدأ بدانتي. ومعنى ذلك أن المصدر الوحيد له في تصورها هو الثقافة الإسلامية، التي تفننت كتبها في رسم صور شائقة للأعراف ومكانها ونوع العذاب الوحيد الذي يعانيه سكانها وهو شوقهم إلى الجنة وحرمانهم منها إذ لم يدخلوها وهم يطمعون.
كما يجمع الباحثون على أن «كل أوصاف الجحيم الواردة في العهد القديم ـ التوراة ـ والأدب الكلاسيكي وفي العصور الوسطى الأولى السابقة لدانتي كانت أوصافاً بسيطة مبهمة لا لون لها. ولا تشبه بحال تلك الصورة الغنية المجسمة التشكيلية الواضحة التي رسمها دانتي للجحيم… لذلك أدركوا عند اكتشاف تأثير الثقافة الإسلامية عند دانتي أنها هي المصدر الحقيقي الذي نهل منه دانتي كثيراً من أوصافه دون أن يطعن ذلك في مدى أصالته أو يقلل من قيمته…
ولقد اتبع دانتي أيضاً النموذج الإسلامي الذي يقسم الجحيم إلى طبقات عامة تحتوي على تقسيمات فرعية تخدم الهدف الأخلاقي للقصة… وقد سمى شراح دانتي هذا التقسيم بالبناء الأخلاقي للجحيم.
(كما تتطابق أوصاف «مينوس» خازن النار عند دانتي وحواره معه مع ما جاء في قصة معراج الرسول (ص) عن لقائه مع مالك خازن النار وحديثه معه.
عن رحلة المطهر
ثم يمضي الدكتور صلاح متتبعاً فصول الرحلة فصلاً فصلاً وما فيها من وصف لأنواع العذاب التي يسامها المذنبون والعصاة مظهراً ما فيها من تطابق أو تقارب شديد مع القصة الإسلامية… حتى عذاب رجال الدين والعلماء يكاد يتطابق مع ما جاء في صحيح البخاري من حديث «يجاء بالرجل يوم القيام فيطرح في النار فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: أي فلان… ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتية وأنهى عن المنكر وآتيه».
ويختتم الدكتور صلاح هذا الفصل بقوله: «بهذا يتضح لنا أن كثيراً من المواد الأولية التي صاغ منها دانتي صوره وتصوراته عن الجحيم مستقاة من التراث الإسلامي وإذا كانت القدرة الشعرية تعتمد أولاً على عبقرية الصياغة والسياق الفلسفي والفكري الجديد، فأن هذا التأثير لا يقلل بحال من قيمة الشاعر الإيطالي بل يوضح طبيعة إبداعه ومدى أصالته».
لكن الدكتور صلاح يعود بعد ذلك ليفرد فصلاً شائقاً عن رحلة المطهر في الكوميديا وهي الرحلة التي يقطعها دانتي بعد خروجه من الجحيم عبر جبل المطهر الذي ينقسم إلى سبع درجات متصلة فيما بينها تسكنها أرواح بريئة من الكبائر وذنوبها مما تسعه رحمة الله تعالى… وفي هذا الجبل ترعاها الملائكة وتقودها في دروبه إلى الصعود التدريجي حتى تصل إلى السماء بعد أن تكون قد تطهرت بالصلاة والابتهال والدعاء وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة» ويمضي الدكتور صلاح في دراسته المقارنة لرحلة المطهر حتى يصل إلى لقاء دانتي مع بياتريس حبيبته السابقة في الدنيا التي تأخذ بيده وترافقه باقي رحلته… وهو أمر ترفضه الكنيسة لمجافاته لروحها في التهوين من شأن العلاقات العاطفية واتهامها بالمادية.
لذا فالدكتور صلاح يرى «إن هذا الحب الفردوسي المثالي الذي غذى خيال دانتي مدين بدوره للتصور العربي الإسلامي للحب العذري كما تبلور لدى الشعراء والمفكرين العرب في المشرق والمغرب وانتقل عن طريق الأندلس وصقلية والحروب الصليبية إلى أوروبا».
ثم يسهب الكدتور صلاح في وصف هذا اللقاء، وما جاء من أوصاف الحور العين في الروايات الإسلامية وما يقابلها أو يشبهها في كوميدية دانتي ليؤكد الحضور القوي لهذا العالم الذي صورته المأثورات الإسلامية في خيال دانتي عندما كتب رائعته.
وأخيراً فإني أتساءل مع الدكتور صلاح فضل:
لماذا أثمر هذا التراث الخصب من المأثورات الدينية والأدبية والشعبية واحدة من أهم الملاحم الدينية في الآداب الأوروبية وأثمر شيئاً قريباً من ذلك في الملاحم الفارسية من سنائي إلى إقبال ثم عقم الأدب العربي عن احتضان هذه الخمائر والإفادة منها؟ ثم ألا سبيل أمامنا للإفادة الرشيدة من هذا التراث العظيم بكل طاقاته الروحية وإمكاناته الشعرية وقدرته الهائلة على تجسيد الوجدان الشعبي في أعمال فنية فذة؟
بين أبي العلاء والوزير المغربي
قال الدكتور إحسان عباس:
تدور لزوميات أبي العلاء في معظمها حول المشكلات الوجودية والقضايا الميتافيزيقية: هنالك يجد المرء وقفات كثيرة عند مشكلة الجبر والقدر، والخير والشر، والنفس والجسد، والتقوى والنفاق والعقل والخمر، والمرأة والتناسل، والعدل والجور، والرعية والرعاة، والدنيا والإنسان، إلى غير ذلك من قضايا إنسانية وشؤون كونية، ولذلك فليس من الغريب أن يحس القارىء ـ مثلما أحسست ـ بمفاجأة لافتة تستوقف النظر وتستثير التعجب، إذا وَجَدَ بين ذلك العدد الغزير من القصائد والمقطعات مقطوعة في رثاء أحد الناس؛ إذ يكاد يكون عهد المعري بالاهتمام بشؤون الأفراد قد تولى مع فترة سقط الزند، وحل محله الاهتمام بالجماعة والمصير الإنساني في اللزوميات. والتوقف عند رثاء فرد في حومة ذلك الديوان الكبير لا بد أن يعني أن ذلك الفرد الذي أخرج المعري عن خطته الكبرى لا بد وأن يكون ذا مقام خاص في نفسه، ولا بد من أن يكون فقده عميق الأثر في مشاعره.
أما ذلك الفرد فهو الوزير أبو القاسم المغربي الحسين بن علي بن الحسين، وأما المقطوعة فهي قول المعري:
ليس يبقى الضربُ الطِّوالُ على الدَّهرِ
ذو العبالةِ الدِّرحاية)[766](
يا أبا القاسم الوزير ترَحَّلتَ
وغادرتني ثفال رحايه)[767](
وتركت الكتب الثمينة للناس
وما رحت عنهم بسحاية)[768](
ليتني كنت قبل أن تشرب الموتَ
أصيلاً شربْتُهُ في ضحايه
إن نَحَتْك المَنُون قبلي فإنّي
منتحاها وإنَّها منتحايه
أمُّ دَفْر تقولُ بعدكَ للذائق
لا طعم لي فأين فحايه)[769](
إن يخط الذنب اليسير حفيظاك
فكم من فضيلة محاية
هي أبيات قليلة ـ كما نرى ـ غير أنها، على تضايق في القافية يحول دون الاسترسال، مفعمة بالأسى لفقد ذلك الرجل، حتى ليحس أبو العلاء أنه أصبح بعده «ثفال رحاية» محض خرقة تدور فوقها رحى الحياة، وأنَّ الحياة قد فقدت طعمها الشهي بعد أن ترحل عنها ما كان منها بمكان الأفاويه والتوابل.
وقبل أن نغادر هذه الأبيات علينا أن نتذكر أموراً هامة، قد تفيدنا كلما تقدمنا في غمرة هذا البحث:
الأول: أنَّ أبا القاسم الوزير ترك للناس كتباً ثمينة، وتقول مخطوطات اللزوميات إنَّ ذلك يشير إلى كتب وقفها الوزير بمدينة ميافارقين، وقد تكون هذه الكتب مكتبته الخاصة، وقد تكون مجموعة ما ألَّفه من كتب.
الثاني: أنَّ الوزير توفي سنة 418هـ، وهذه اللزومية من أواخر ما جاء في الديوان، فإن كانت اللزوميات قد نظمت ولاء بحسب القوافي، فهذا التاريخ يفيدنا في تحديد الزمن الذي انتهت فيه، وإلا فهو تاريخ صالح يدل على أنَّ أبا العلاء كان معنياً بنظم جانب من اللزوميات في تلك الفترة.
الثالث: أنَّ أبا العلاء كان مشغول الذهن بالنهاية التي سينتهي إليها الوزير في الآخرة، فهو قد احتقب ذنوباً سجلها عليه الملكان الحافظان، إلاَّ أنَّها ذنوب يسيرة تمحوها فضائله الكثيرة، وأنَّ الغفران مرجوَّ له.
فمن هو الوزير المغربي؟ وما مدى صلته بأبي العلاء المعري؟ أما التعريف بالوزير المغربي فحسبي منه الإيجاز، إذ لست أزيد في هذا المقام على ما كتبه الدكتور سامي الدهان في مقدمته على رسالة في السياسة للوزير نفسه، جمع في ختامها أيضاً معظم ترجماته من المصادر المتيسرة حينئذٍ، كما لا أستطيع أن أتجاوز تلك الترجمة المسهبة التي صدر بها شيخنا حمد الجاسر كتاب الوزير المغربي «أدب الخواص»، فالإيجاز هو الطريق السوي في هذا المقام.
يقول الوزير المغربي في إحدى رسائله: «… إذ كان أصلي من البصرة، وانتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد، وكان جد أبي ـ وهو أبو الحسن علي بن محمد ـ يخلف على ديوان المغرب، فنسب به إلى المغربي، وولد له جدي الأدنى ببغداد في سوق العطش، ونشأ وتقلد أعمالاً كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على المملكة… وأقام والدي وعمي بمدينة السلام وهما حدثان». ثم يصف كيف انتقل الجد وأبناؤه إلى مصر ثم عادوا جميعاً إلى حلب، وعاشوا في ظل سيف الدولة: «واستولى جدي على أمره استيلاءً تشهد به مدائح أبي نصر ابن نباتة فيه، ثم غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده غلبة تدل عليها مدائح أبي العباس النامي فيه، ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا…» وأخيراً استقر الأب بمصر، ونقل إليها ابنه وسائر عائلته من حلب، ولقي حظوة بمصر إلى أن تغيرت الظروف.
فأبو القاسم الحسين ـ إذن ـ ليس مغربياً، وإنَّما هو عراقي الأصل، يرتفع نسبه إلى الفرس. وقد ولد بحلب حين كان أبوه وزيراً لسيف الدولة. ثم وزر لابنه من بعده. وبحلب نشأ ونال ثقافته. يقول أبوه في ذكر نشأته وثقافته: «ولد ـ سلمه الله وبلغه مبلغ الصالحين ـ أول وقت طلوع الفجر، من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، واستظهر القرآن وعدّة من الكتب المجردة في اللغة والنحو، ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم. ونظم الشعر، وتصرف في النثر. وبلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات إلى ما يستقل بدونه الكاتب. وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة. واختصر هذا الكتاب [يعني «إصلاح المنطق» لابن السكيت]. فتناهى باختصاره، وأوفى على جميع فوائده، حتى لم يفته شيء من ألفاظه، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار، وجمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره، فابتدأ به، وعمل منه عدة أوراق في ليلة. وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة. وأرغب إلى الله في بقائه وسلامته».
وعلى هذا، فإنَّ المعري كان يكبر أبا القاسم المغربي بما لا يقل عن ثماني سنوات، أي أنَّه كان في الخامسة والعشرين حين كان أبو القاسم في السابعة عشرة. ومع أن أبا القاسم انتقل بصحبة أبيه وسائر آل المغربي إلى مصر سنة 381 (أي وهو في سن الحادية عشرة)، فإنَّه كان شديد الحنين إلى عهد نشأته بحلب، فيقول في بعض شعره ـ من بعد ـ:
حن قلبي إلى معالم بابلا
حنين الموله المشغوف
مطلب اللهو والهوى وكناس
الخرد العين والظباء الهيف
حيث شطا قويق مسرح طرفي
والأسامي مؤانسي وأليفي
ليس من لم يسل حنيناً إلى الأوطان
إن شئت النوى بظريف
كما أنَّه يحن إلى معرة النعمان، مما قد يدل على أنَّه عرفها قبل الرحلة إلى مصر، وليس بمستبعد أن يكون في تلك السن قد تعرف إلى أبي العلاء، وأعجب به، وقرر أن يشأى شأوه في الدرس والاطلاع، إذ من المرجح أن يكون لوالده ـ وهو وزير سيف الدولة ـ صلة قوية بالمعرة، مما جعل أبا العلاء المعري يهتم بأخباره، بل لعله سمع منه مباشرة أخباراً لم تضيعها ذاكرته القوية، فهو يروي في «رسالة الصاهل والشاحج» أنَّ علي بن الحسين المغربي حدث أنه كان مع سيف الدولة علي بن حمدان، وهما خاليان، فسأله سيف الدولة عن التزويج، فقال له علي بن الحسين: لي بنت عم وأنا أنتظر قدومها علي، فتلفت سيف الدولة يميناً وشمالاً، هل بقربه من يسمع كلامه، ثم قال: لا تفعل، بنت العم بنت الغم. ومما يقوي القول بهذه العلاقة أن علي بن الحسين لم يكد يعود من مصر إلى ديار الشام على رأس جيش صد هجوماً رومياً عند حارم، حتى سجل أبو العلاء ذلك بقصيدة له، مطلعها:
هو الهجر حتى ما يلمُّ خيالُ
وبعضُ صُدود الزائرين وصالُ
أشاد فيها بانتصار ابن المغربي في تلك الوقعة، ومدحه بقوله:
فلا زلت بدراً كاملاً في ضيائه
على أنَّه عند النماءِ هلالُ
فما لخميسٍ لم تَقُده عرامةٌ
ولا لزمانٍ لست فيه جمالُ
وقد تمت هذه المعركة في أيام العزيز بالله صاحب مصر (الذي توفي سنة 386)، فهي قد حدثت قبل ذلك العام، ببضع سنوات، وكان القائد الأعلى هو بنجوتكين التركي، وابن المغربي قد عُيِّنَ من قبله غير أن القصيدة لا تشير إلى القائد الأعلى ولا إلى العزيز، وإنما تقتصر على مدح الجيش المقاتل وقائده، وتكاد أن تقتصر على إعجابه الشخصي بعلي بن الحسين المغربي لما حققه من نصر، وهو إعجاب عاش مع الزمن، حتى أنَّه حين تذكره بعد وفاته بسنوات عديدة قال فيه: «فقد كان ذلك الرجل سيداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيداً، ولمن قوي منهم واداً، ودونه للنوب محاداً، وكان كما قال القائل:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه
لم تدرِ أيهما ذوو الأرحام
وكان كما قال الطائي:
كلُّ شعْبٍ كنتم به آل وهبٍ
فهو شعبي وشعب كل أديب
وفي هذا البيت الأخير الذي استشهد به إشارة إلى أنَّه كان يعدُّ آل المغربي شعبه وشعب كل أديب»، مصِرّاً على موالاتهم ومحبتهم، رغم كل ما قد يقوله فيهم الشائنون المبغضون.
لا عجب إذن ـ وهذا الإعجاب متبادل ـ أن يكون أبو العلاء هو المرجع الكبير الذي يُعْرضُ عليه أول نتاج يحققه الفتى أبو القاسم المغربي ـ أعني اختصاره «إصلاح المنطق» لابن السكيت. وإذا لم يكن ذلك بدافع من نصيحة الأب نفسه، فقد تم بدافع من إيمان الفتى أبي القاسم، لأنَّه ـ فيما يبدو ـ لم يكن يقل عن أبيه إعجاباً بقدرة أبي العلاء. واختصار كتاب ـ مهما يبلغ من الجودة والإتقان ـ لا يعد عملاً إبداعياً، حتى يجرد له أبو العلاء المعري همته ويملي فيه رسالة طويلة نسبياً، تعرف بـ «الإغريضية» أو «رسالة الإغريض»، افتتحها بقوله: «السلام عليك أيتها الحكمة المغربية والألفاظ العربية، أي هواء رقاك، وأي غيث سقاك، برقه كالإحريض وودقه مثل الإغريض» (ومن هنا جاء اسم الرسالة). فإهداء مختصر إصلاح المنطق لم يكن إلاَّ سبباً واحداً جداً إلى إملاء هذه الرسالة من بين عدة أسباب؛ إذ يبدو أنها توكيد لاستمرار علاقة طيبة بآل المغربي: «إنْ كاتبت فلا ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب، حسبي ما لدي من أياديه، وما غمر من فضل السيد الأكبر أبيه، أدام الله لهما القدرة ما دام الضرب الأول من الطويل صحيحاً، والمنسرح خفيفاً سريحاً…» وإن المراسلة بين آل المغربي والمعري كانت مستمرة، فهو يذكر في «الإغريضية» أنَّه استقبل رسولين من لدن ابن المغربي: أحدهما اسمه موسى، فيما الآخر هو الزهيري. ثم إنَّ الكتاب لم يصل وحده، وإنما وصل معه ـ فيما يبدو ـ قصيدة أو قصائد من نظم أبي القاسم، ولذلك وقف أبو العلاء عند شعره يقرظه ويثني على قدرته في ممارسة مختلف الموضوعات، قبل أن يتحدث عن اختصاره «إصلاح المنطق». فلما عرض لهذا الكتاب بالغ في الثناء: «… شرفاً له تصنيفاً شفى الريب، وكفى من ابن قريب، ودل على جوامع اللغة بالإيماء، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء». حتى لقد فضله على أصل ابن السكيت. وأبرز ما في الرسالة أمرين: قدرته ـ أعني أبا العلاء ـ على التصرف بالصور النحوية واللغوية والعروضية، ومعرفته بكتاب «إصلاح المنطق» وبعيوبه معرفة حفظ ودرس، ثم ختم رسالته بالشكوى من أنه يقطن في موطن لم تَجُدْهُ عِهادُ الأدب، وأما من حيث النشب فإنَّ لديه بُلْغَتين: بلغة صبر، وبلغة وفر (أي أنه ليس في حاجة إلى عون مادي). واعتذر من مكاتبة الابن بدلاً من الاب بقوله: « وأنا في مكاتبة حضرة سيدنا الجليلة، والميل عن حضرة سيدنا الأجل والده ـ أعز الله سلطانه ـ كسباً بن يعرب، لما ابتهل في التقرب إلى خالق النور، ومصرف الأمور، نظر فلم ير أشرف من الشمس يداً، فسجد لها تعبداً…».
إن هذه الرسالة التي أقدر أنَّها صدرت في حدود سنة 338هـ، لم تكن، على وجه التأكيد، أول رسالة من المعري إلى الوزير المغربي، بل تشير الدلائل جميعها إلى أن «رسالة المنيح» كتبت قبلها. ولم تكن «رسالة المنيح» جواباً على رسالة خص بها المعري، وإنما كانت جواباً عن رسالة عامة بعث بها أبو القاسم المغربي إلى أهل المعرة جملة: «وذلك أنّا معشر أهل هذه البلدة وهب لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم، صدر عن حضرة السيد الحبر، ومالك أعنة النظم والنثر، قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون». وفي رسالة ابن المغربي سلام للمعري أدخل السرور على قلبه: «فحمل فؤادي من الطرف على روق اليعفور، بل فوق جناح العصفور، وكأنَّما رفعني الفلك، أو ناجاني الملك». وإنما أحكم بأن هذه الرسالة قبل «الإغريضية»، لأنَّها جاءت جواباً عن رسالة عامة لأهل المعرة، وفيها يشير المعري إلى العهد الذي قضاه المغربي فيها، فكأنما هو حديث عهد بالرحلة عنها، «فظعن وأرجه مقيم، وارتحل وللثناء تخييم». كما أن «ترسم» المعري فيها في خطاب أبي القاسم يبدو وكأنه غير قادر على «رفع الكلفة» بينهما، فهو حين يقرأ ثناء ابن المغربي عليه يستشعر التواضع، ويقول: «ومن أنا… هل أدبي في أدبه إلا كالقطرة في المطرة». وعندما يريد أن يسأله شيئاً من نظمه ونثره ينتحل التهيب ويقول: «لقد هممت باسترفاد حضرته البهية من بدائعه ما يفضل المال ويكون الجمال، فعداني عن ذلك إعظامي له واستحقاري نفسي، وارعوت بي الهيبة إلى إرمامي وكفى، وأبى الله إلا أن يكون التفضيل من قبله، فوعد التشريف بما سنح من المنثور والمنظوم». وفي الرسالة لفتة لا نجدها في الإغريضية»، وهي تنويه المعري برعاية المغربي للمعرة «بكتاب حكمة يوفده وعهد بصيرة يعهده»، أو برعاية مزالفها وحماية مزارعها، ويذكره ببؤس حال أهلها لإحاطة العدو بها، «فهم يتوقفون كفة الحابل، ويتوقعون رشق النابل، وسالمهم هامة اليوم أو غدٍ، وإن لم يكن ما خافوا فكأن قد»، وكأنَّما المعري يخاطب في هذه الرسالة المغربي أبو ـ أبا الحسن ـ لا ابنه أبا القاسم، وفي هذا ما قد يشير إلى ما كان يعلقه المعري من آمال على آل المغربي، منذ أن أصبحوا ذوي مكانة عالية في الدولة الفاطمية، للنظر إلى حال البلاد الحلبية، أو إن شئت الشام، وفي مقدمتها المعرة.
هذا من جانب المعري، أما من جانب أبي القاسم المغربي فلم أعثر إلا على رسالة واحدة موجهة إلى المعري وإلى شخص آخر، مبنية على التثنية: «سيدي»، وفيها تشوق كثير، ومراوحة بين النثر والنظم، وليس فيها مما ينبىء عن سبب باعث لكتابتها سوى ذلك، وفيها لمحة من شكوى الحال: «وأما حالي وما أنا عليه فجملتها أني أمسي وأصبح في غل التدبير، وأروح وأغدو في سجن المقادير، هدفاً لسهام الليالي والأيام، وعرضة لأسنة الأحوال والأعوام، أجد ما لا أريد وأريد ما لا أجد». وهي شكوى عامة لا تحدد وضعاً، وربما كانت أدل على مزيد من الطموح لا على بؤس الحال أو ترديها. ولا نجد لأبي العلاء جواباً عن هذه الرسالة، وإنَّما نجد له قطعة تدل على أنها كانت في تاريخ متأخر، ولعلها كانت بعد خروج أبي القاسم من مصر بسنوات، وهذه هي القطعة: «كلما هم خبري بالهمود، وأشرفت ناري على الخمود، نعشني الله بسلام برد من حضرته، يجعل أثري كالروضة الحزنية والبارقة المزنية، ولو كنت عن نفسي راضياً لشرفتها بزيارة حضرته، ولكني عنها غير راضٍ، وما أقربني إلى انقراض، وإنما أنا قصيص التمراد ومتخلف المراد، فقد عددت في أناس قيل فيهم {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسَأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وإن نعمت أو شقيت فدعائي يتصل بحضرته ما بقيت». فقوله: «لشرفتها بزيارته»، لا يمكن أن يعني أن أبا العلاء كان ينوي زيارته في مصر، وإنما كان ابن المغربي منه دانياً حينئذٍ، إمَّا في الرملة، وإمَّا في بغداد، وإمَّا في مكان آخر يسهل على مثله السفر إليه، وقوله: «وما أقربني إلى انقراض»، يشير إلى وهن في العزيمة واستشعار لوطأة العمر. وبين اليأس الذي تنضح به هذه الرسالة والآمال العراض في «رسالة المنيح» بون شاسع. فما السر في ذلك يا ترى؟
أعتقد أنَّ ذلك كله يعود إلى إخفاق الوزير المغربي في ثورته على الدولة الفاطمية، فقد ذهب العزيز وجاء الحاكم، فقتل والده وعمه وأخوين له، وهرب أبو القاسم إلى الشام مع بعض العربان، وحصل عند حسان بن المفرج ـ زعيم طيىء ـ واستجار به، وأشار عليه بمباينة الدولة الفاطمية، وبمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة ومبايعته، ليصبح خليفة، وترسل أبو القاسم بنفسه في إنجاز هذا الأمر، وسار إلى العرب كلها من سليم وهلال وعوف بن عامر وغيرهم ليبايعوا أبا الفتوح خليفة عليهم بدلاً من الفاطمي، ثم جاء بابن جعفر العلوي أمير مكة ودخل به الرملة؛ فتلقاه بنو الجراح، وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين. وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وخطب بذلك على المنبر. غير أنَّ هذا التدبير لم يتم، إذ كتب الحاكم الفاطمي إلى حسان وإلى المفرج والد حسان، وبذل لهما من الوعود ما جعلهما يترددان في نصرة هذه الثورة، فضعف أمر أبي الفتوح، وعاد إلى موطنه مكة، وهدأت الثورة التي تريد قلب الدولة الفاطمية، كأنَّها لم تكن. وفي الوقت نفسه كتب الحاكم إلى أبي القاسم يقول له: «إنَّك آمن بأمان الله ورسوله محمد المصطفى وأبينا علي المرتضى والأئمة من آلهما مصابيح الدجى، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين… أماناً ماضياً لا يُتَعَقّبُ بتأويل، ولا يتبع بنسخ ولا تبديل». وشفع هذا كله بالأمان المؤكد. ولكن الوزير المغربي كان قد وصل قبل بلوغ الأمان إلى العراق يؤم فخر الملك أبا غالب وزير مشرف الدولة أبي علي. ولكن الخليفة العباسي، القادر لم يكن مرتاحاً لوروده. فاتهمه بنية إفساد الدولة العباسية.
المهم أنَّ هذه الثورة أو إخفاقها، واكب عودة المعري من بغداد، وهو الذي كان يعرف معرفة اليقين تلك الحركة البدوية، ودورها في محاولة زعزعة الحكومات القائمة حينئذٍ، وهي التي يصورها بقوله، بعد العودة.
وما أذهلتني عن ودادك روعة
وكيف وفي أمثالها يجب الغبط
ولا فتنة طائية عامرية
يحرق في نيرانها الجعد والسبط
وقد طرحت حول الفرات جرانها
إلى نيل مصر فالوساع بها تقطو
ولكن هذه الآمال التي واكبت عودته من بغداد، وثورة الوزير المغربي، حينئذٍ، أوقعته في يأس عميق. ولقد كنا نقرأ من قبل أنَّ أبا العلاء بعد عودته من بغداد خاطب أهل بلده بأنه مزمع على العزلة، ولكنا حين نقرن ذلك بالأخفاق الذي مني به الوزير المغربي ندرك أنَّ العزلة لم تكن أرباً شخصياً، وإنَّما لعلَّها كانت نتيجة لأحلام كان المعري يعقدها على أبي القاسم المغربي وثورته. ولهذا، فإنَّ الوزير حين كتب له بعد إخفاق تلك الثورة رسالته التي أشرت إليها ردَّ عليها أبو العلاء بما يشرح موقفه اليائس الذي لا يرجو له انتعاشاً.
وتلف المعري عزلته، وتتقلب الأيام بالوزير المغربي تقلباً ليس هذا موطن شرحه، ولكن التباعد بين الرجلين ـ الصديقين ـ لم يوقظه إلاَّ ناقوس الموت، موت الوزير، فإذا بأبي العلاء يرثيه، وهو مشغول بالتحدث عن القضايا الإنسانية لا عن الأفراد.
ولكن سخرية القدر لا تقف عند هذا الحد. لقد مات الوزير المغربي وابنه أبو العلاء على نحو لم يفعله مع أحد آخر، وأصبحت ذكراه موضع حديث طويل، بل أخذ أبو العلاء يقيس الناس بعلاقاتهم به، وتشاء الأقدار ذات يوم أن يذكروا على مسمع منه رجلاً اسمه ابن القارح فيقول أبو العلاء: «أعرفه خبراً، وهو الذي هجا أبا القاسم بن الحسين بن علي المغربي». فيكتب ابن القارح رسالة يتحدث فيها عن نفسه، وعن علاقته ببني المغربي، وعن الخطيئات وأصحابها على مر الزمن، وكأنَّما يسائل المعري: أين يقع صاحبك الوزير المغربي بين أصحاب ذوي الخطيئات؟ ذلك أنَّه صوره في رسالته امرء شديد الطموح، حتى كان والده نفسه يخاف مغبة طموحه، وأنَّ أبا القاسم قال له يوماً: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه. فقال له: وأي خمول هنا؟ تأخذون من مولانا ـ يعني الخليفة الفاطمي ـ في كل سنة ألف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظم مكرم. فقال: أريد أن يصار إليَّ ديوان الكتاب، والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان. ويلمح ابن القارح إلى أنَّ الوزير أبا القاسم كان يسر حسواً في ارتغاء، وأنه كان يتخوف هذه العاقبة، ويقول: «ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه». وقبض على لحيته. ويمضي ابن القارح فيعدد سيئات أبي القاسم، ويصفه بأنَّه كان مجنوناً، ويقول: وكان أبو القاسم ملولاً والملول ربما مل الملال. ولكنه كان يدري أو لا يدري محبة أبي العلاء لأبي القاسم، بل لعله كان يستشيره ليعلن رأيه فيه.
ولكن خاب فأل ابن القارح، إذ رد أبو العلاء على كل ما جاء في رسالته، وعلى أشياء لم تجيء فيها، فسخر منه سخرية عريضة في «رسالة الغفران»، ووضعه في مواضع مضحكة، وتهكم به ويفهمه لمعنى الذنوب ولمعنى المغفرة تهكماً لا نظير له في الأدب العربي، وكتب في ذلك رسالة تعد من روائع الأدب العالمي ـ لا الأدب العربي وحده ـ ولكنه سكت فيها عن كل إشارة لأبي القاسم لأنه كان قبل ست سنوات (وهي المدة بين رثاء الوزير المغربي وكتابة رسالة الغفران) قد قال:
إن يخط الذنب اليسير حفيظاك فكم من فضيلةٍ محايه
كانت مشكلة الغفران لدى أبي العلاء هاجساً مثيراً قبل أن يكتب إليه ابن القارح رسالته، حتى إنَّه في «رسالة المنيح» يقول: «أفبلدتنا جنان أم وضح لأهلها الغفران»؛ فقد كانت تلك المشكلة تلح على خاطره، فلما طالعه «دَوْخَلَة» أعني ابن القارح بالسؤالات عن أصحاب ذوي الذنوب، كتب إليه «رسالة الغفران» ليسخر به، وسكت عن أي ذكر للوزير المغربي، كأنما يقول له: عليك أن تقرأ اللزوميات، لتعرف رأيي فيه، فقد كان الوزير المغربي كغيره من البشر ذا هنات يسيرة قيدها الحافظان، ولكن ما أقربها من الغفران. ولذلك يصدق في رسالة الغفران ما قلته فيها منذ زمن بعيد: «نخطىء كثيراً إذا اعتقدنا أنَّ رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء هي التي دفعت فيلسوف المعرة إلى إنشاء، «الغفران» دفعة واحدة، دون أن تكون مقدماتها حاضرة في نفسه منذ زمن بعيد. ولو أنَّ ابن القارح لم يكتب رسالته، لكان لا بد لرسالة الغفران أن تكتب على نحو ما حين بلغ التهيؤ النفسي حده الأقصى لإبداعها». هذا ما قلته بدافع الحدس القوي، وأنا اليوم أجد شواهده بالاستقراء، وخير شاهد على ذلك هذه العلاقة التي حاولت رسم خطوطها العريضة بينه وبين الوزير المغربي.
الرسالة الفارقة والملحة الفائقة
جمع وتأليف عبدالرحمن بن محمد العتائقي)[770](
اسم مؤلف هذه الرسالة النادرة، عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف المعروف بابن العتائقي، والملقب بكمال الدين. وهو يعد من فقهاء وعلماء وأطباء الشيعة في القرن الثامن ومن معاصري الشهيد الأول (المتوفى سنة 786هـ).
وابن العتائقي من أهل الحلة، وهو منسوب إلى «العتائق» القرية التي تقع إلى الشرق منها.
ويكتب صاحب روضات الجنات أن عدداً من جماعات وعلماء ذلك العصر رووا عن ابن العتائقي، منهم الشيخ نجم الدين جعفر الزهدري أو ابن الزهدري والسيد بهاء الدين علي بن عبدالحميد النجفي صاحب كتاب الدر النضيد.
وقد مدحه السيد بهاء الدين علي بن عبدالحميد النجفي أستاذ بن فهد الحلى في كتاب «السلطان المفرج عن أهل الإيمان» حين قال:
في صفر من سنة 759 في مدينة (الحلة السيفية) سمعت عن لسان المولى الأجل الأمجد: والعالم الفاضل، والقدوة الكامل.
المحقق المدقق. مجمع الفضائل، ومرجع الأفاضل، وافتخار العلماء في العالمين، وكمال الأمة والدين، عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم العتائقي قال:
إن مولاي الكبير وجمال الدين والشيخ الأجل والعقيد والقارىء الأوحد نجم الدين زهدري. أصيب بالفلج، وقد عالجته وعالجت جد ابيه.
بعد ذلك يكتب السيد بهاء الدين المذكور، أنه يعني ابن العتائقي، كتب بخطه الكريم الذي توجد صورته أمامي. ما يلي «قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى عبدالرحمن بن إبراهيم العتائقي».
ومن هذه الحكاية يبدو لنا أن ابن العتائقي كان من علماء الطب. وسنرى في آثاره كتبا في صناعة الطب أيضاً.
وليس لدينا معلومات كثيرة عن حياته. وكل ما كتبوه عنه أنه عاش طويلاً فقد كتب خير الدين الزركلي أن، ابن العتائقي ولد في حدود سنة 699هـ في مدينة الحلة في العراق، وتعلم في نفس المدينة: واتجه نحو الفلسفة والتاريخ وفي سنة 746هـ غاب عن تلك المدينة نحو عشرين عاماً قضاها متجولاً في إيران وبلاد أخرى، وقضى أكبر مدة منها في اصفهان. ثم عاد إلى العراق وأقام في النجف الأشرف. ومات في سنة 790هـ.
ولابن العتائقي تآليف كثيرة منها الكتب التالية التي ذكرت في كتب المؤلفين:
1 ـ شرح نهج البلاغة ويقع في أربعة مجلدات.
2 ـ كتاب اختيار حقائق الخلل في دقايق الحيل.
3 ـ اختصار كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري.
4 ـ كتاب الأعمال.
5 ـ كتاب الأضواء في اللغة.
6 ـ كتاب مختصر تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم القمي.
7 ـ الإيضاح والتبيين في شرح منهاج اليقين للعلامة الحلي في أصول الدين.
8 ـ كتاب الإماقي شرح كتاب الإيلاقي.
9 ـ شرح ديوان المتنبي.
10 ـ شرح صفوة المعارف في شرح منظومة سعد بن علي الحظري.
11 ـ الحدود النحوية والمآخذ على الحاجبية.
12 ـ البسط والبيان في شرح تجريد الميزان.
13 ـ تجريد النية من الفخرية.
14 ـ كتاب الشهدة في شرح الزبدة.
15 ـ كتاب التصريح في شرح التلويح.
16 ـ شرح رسالة في الدلالة.
17 ـ الإرشاد في معرفة الأبعاد.
18 ـ المنتخب.
19 ـ الدر المنتخب من لباب الأدب.
20 ـ شرح الفصول الإيلاقية في كليات الطب.
21 ـ الرسالة الفارقة والملحة الفايقة، هي موضوع بحثنا هذا.
وقد كتب الشيخ آغا بزرك طهراني في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة حول هذه الرسالة ما يلي.
هي رسالة في الفرق والملل، للشيخ كمال الدين عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم العتائقي الحلي. وهي عبارة عن مجموعة كتبت كلها بخطه وموجودة تحت رقم (778) في خزانة الغروية وتبدأ بما يلي الحمد لله المنقذ من الضلالات المخلص من الجهالات. إلى قوله.
فهذه رسالة تتضمن أن مخالف الحق من أهل القبلة هو كافر أم لا:
وتعدد فرق المسلمين «وآخر هذه الرسالة ناقص. ويظهر أنه لم يكتب غيرها بقلمه من قبل»… يوجد نسخة من هذه الرسالة النادرة عند كاتب هذه السطور التي تتضمن نفس الذي وصفه الشيخ آغا بزرك طهراني في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
وقد أتى على ظهر هذه الرسالة ما يلي:
الرسالة الفارقة والملحة الفائقة جمع عبدالرحمن بن محمد العتائقي وتأليفه عفى الله عنه وأيده بالطافه بمحمد وآله الطاهرين.
وجد تماماً أن هذه العبارات من المؤلف، وهو الذي كتب في تسمية وتعريف الرسالة المذكورة. بخط المؤلف في الخزانة الغروية.
وفي نسخة الكاتب وبعد ذكر العنوان جاء ما يلي:
هذه الرسالة الشريفة نسخت عن خط المؤلف قدس سره الموجودة في المكتبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف في آخريات شهر ذي الحجة الحرام سنة (1353) وباشرت تصحيحها على نسخة الأصل في الثاني والثالث من محرم الحرام سنة (1354) قرأتها مع العالم الفاضل السيد أبي القاسم الأصبهاني نزيل النجف الأشرف وقطينها سلمه الله تعالى وأنا الأقل محمد علي الغروي الأردوبادي… وفي الحاشية الطرف الأيسر من نفس الصفحة جاء بخط آخر ما يلي: «رسالة نفيسة في الفرق الإسلامية تأليف العالم الجليل عبدالرحمن بن محمد الشهير بابن العتائقي شارح نهج البلاغة.
استنسخت عن نسخة الأصل الموجودة بين كتب المؤلف المرحوم غالبها في خزانة الكتب العلوية على ساكنها آلاف التحية.
حررها الأحقر فضل الله الزنجاني عفي عنه. ويظهر أنها كتبت بخط العالم المعاصر ميرز أفضل الله الشهير بشيخ الإسلام الزنجاني المتوفى في شهر فروردين سنة 1333 شمسية.
كما جاء بخط آخر في آخر هذه الصفحة وعلى حاشية الطرف الأيمن ما يلي:
كانت هذه الرسالة في مجموعة فيها رسالة بقاء النفس لنصير الدين الطوسي الفيلسوف وكان تاريخ كتابتها سنة ثمان وسبعين وثمانمائة. وكان خط واحد في رسالة مجموعة كانت بينها رسالة في الدلالة للبندهي والنسخة الأصلية الآن موجودة في خزانة كتب الحضرة العلوية في النجف الأشرف وبذلك يظهر أن المؤلف كان من علماء ذلك العصر.
رسالة في تصدير
كتاب التوطئة في المنطق
رسالة صدر بها الفارابي كتاب التوطئة في المنطق.
دانلوب طبع المتن العربي لهذه الرسالة مرفقاً بترجمة إنكليزية عام 1957م.
ويوجد من هذا الكتاب خمس نسخ خطية في السليمانية.
والدكتورة مباهاة توركركويل طبعت المتن العربي وأرفقته بترجمة تركية.
في تعريف آثار الفارابي لموجفان جنبور تم تعريف ترجمتين المانيتين كنسخ خطية لهذا الأثر.
- () قامت لجنة لتحديد الحدود حسب هذه الاتفاقية ودامت لمدة خمسة سنين ولكنها لم تنته من تلك المهمة فتركت العمل في عام 1268هـ 1851م وقبيل الحرب العالمية أعيد البحث في تعيين الحدود فشكلت لجنة ثانية من الحكومات الروسية والبريطانية والتركية والإيرانية وجرى العمل في عام 1331 ـ 1913م فلم تسفر عن نتيجة حاسمة بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى وبقيت تلك الحدود غير مبتوت بها. ↑
- () يقول حسن الأمين: عندما كنت في أصفهان صيف سنة 1970 زرت خونسار بصحبة بعض الرفاق الأصفهانيين فرأيت بلداً من أجمل بلاد الله. وفي أحد مجالس الأنس قلت شعراً ملمعاً عربياً فارسياً لم أعد أذكر منه إلا مطلعه، أذكره هنا وهو:خونسار أجمل ما رأيت و(بهتر)
فهي (البهشت) بها يسيل الكوثر
↑ - () كان ذلك عند كتابة هذا المقال سنة 1970م. ↑
- () معجم البلدان مادة (خيبر)، وفي مجمع الأمثال للميداني ينسب البيت الأخير إلى النابغة الجعدي في المثل ويقول (كمستبضع التمر إلى هجر وإلى خيبر) إلى ص234. ↑
- () محمد رسول الله ـ محمد رضا ص382 طـ2 مطـ عيسى البابي الحلبي بمصر. ↑
- () المصدر المتقدم ص381. ↑
- () البداية والنهاية ج4، ص185. ↑
- () المصدر المتقدم. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك للطبري ج2، ص301 مط الاستقامة بالقاهرة. ↑
- () القلقشندي، نهاية الأرب ص17. ↑
- () ابن هشام، السيرة ج1، ص54. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج1، ص656. ↑
- () جواد علي، المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6، ص532، 568، 581. ↑
- () روى النجار أن العرب بنوا ثلاثة عشر أطماً، وفي مكان آخر مائة وسبعة وعشرين، مقابل تسعة وخمسين لليهود. النجار، الدرر الثمينة في تاريخ المدينة، ص325 ـ 327. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ، ج2، ص49 وهو يرى أن بني فخذ من جذام ثم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به. وات، محمد في المدينة ص292. ↑
- () الكامل، ج1، ص656. ↑
- () السمهودي، وفاء الوفا ج1، ص177. ↑
- () الأعلاق النفيسة ص61 ـ 62، انظر أيضاً الدرر الثمينة ص325. ↑
- () النجار، المصدر السابق ص327. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج1، ص655 ـ 656. جواد علي، المرجع السابق ج4، ص119. ↑
- () يرى وات أن رغبة كانت لدى بعض العرب في طرد اليهود والاستيلاء على أراضيهم. محمد في المدينة ص297. ↑
- () الواقدي، كتاب المغازي ج1، ص157. ↑
- () محمد في المدينة، ص297 ـ 298. ↑
- () الدرر الثمينة، ص326. ↑
- () الكامل، ج1، ص658. ↑
- () محمد في المدينة، ص295. ↑
- () الدرر الثمينة، ص327. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج1، ص327. ↑
- () الدرر الثمينة، ص327. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج1، ص680. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص658، وما بعدها. ↑
- () إبراهيم بيضون، الأنصار والرسول، إشكاليات الهجرة والمعارضة في الدولة الإسلامية الأولى ص71 ـ 72. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص95. ↑
- () ابن هشام، ج2، ص55 ـ 57. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص106. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص176. ↑
- () ابن هشام، ج2، ص168 ـ 169. ↑
- () المغازي، ج1، ص176. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص176. انظر أيضاً ابن هشام، ج2، ص144. ↑
- () الواقدي، ج1، ص364. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص174. ↑
- () المصدر نفسه، ج؛1، ص175. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص177. انظر ابن الأثير، ج2، ص138. ↑
- () المكان نفسه في المصدرين السابقين. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج2، ص143. ↑
- () المكان نفسه. انظر الواقدي، مغازي، ج1، ص187. ↑
- () الواقدي، ج1، ص187 ـ 190. ↑
- () ابن حبيب، المحبّر، ص282. ابن الأثير ج2، ص147. ↑
- () عبدالله بن عتيك، مسعود بن سنان، عبدالله بن أنيس، أبو قتادة وحليف لهم من خزاعة هو أبو الأسود. ابن حبيب، المحبّر، ص282، ابن الأثير، ج2، ص146. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص148 ـ 149. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص146. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج2، ص17. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص364. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، ج1، ص366. ابن الأثير، ج2، ص173. ↑
- () الواقدي، ج1، ص367. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص361. ↑
- () سلاّم بن مشكم. ↑
- () الواقدي، ج1، ص374. ↑
- () الواقدي، ج2، ص457. ↑
- () الواقدي، ج2، ص457. ↑
- () محمد في المدينة، ص326. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص141. ↑
- () المصدر نفسه، ج3، ص142. ↑
- () الواقدي، ج2، ص511. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص145. ↑
- () الواقدي، ج2، ص515. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص146. ↑
- () الواقدي، ج2، ص515. ↑
- () المصدر نفسه، ص512. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص518 ـ 519. ↑
- () المغازي، ج2، ص520. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () محمد في المدينة، ص330. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المرجع نفسه، ص331. ↑
- () قامت سنة ست للهجرة. ابن سعد، غزوات الرسول وسراياه، ص89 ↑
- () الواقدي، ج2، ص562. ابن سعد، غزوات ص89. ↑
- () الواقدي، ج2، ص562 ـ 563. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص92. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، ج2، ص566 ـ 567. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص667. ابن سعد، ص92. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص568. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص92. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص203. ↑
- () ابن الأثير ج2، ص211. ↑
- () الواقدي، ج2، ص637. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () الواقدي، ج2، ص637. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () بيضون، الأنصار والرسول، ص39. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () محمد في المدينة، ص332. ↑
- () المرجع نفسه، ص333. ↑
- () المرجع نفسه، ص334. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص221 ـ 222. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص96. ↑
- () سورة الزخرف، الآية 3، انظر مغازي، عروة بن الزبير، تحقيق الأعظمي، ص123. ↑
- () واحة على الطريق ما بين المدينة والشام، على نحو 95 كلم شرق المدينة وهي مجموعة أودية فسيحة كثيرة المياه، تمتد فتصبح وادياً كبيراً واحداً.كانت خيبر عند قيام الدعوة موطناً لليهود. وقد أقاموا فيها عدة حصون للدفاع. وفي أوائل العام السابع للهجرة (628م) بعد صلح الحديبية بشهر أو نصف الشهر غزا المسلمون هذه الحصون. ↑
- () بعد أن يجتاز نهر دجلة صدور جداول منطقة العمارة ويصل إلى جنوب مدينة قلعة صالح يصبح نهراً صغيراً إذ تكون هذه الجداول قد سحبت مياه النهر لتصبها في الأهوار المجاورة. ويبدأ القسم من مياه هذه الأهوار بالرجوع إلى النهر بعد اجتيازه بلدة العزير، ومن هنا يأخذ النهر بالتوسع تدريجياً حتى إذا ما تجاوز گرمة علي أصبح واسعاً بحيث يصلح للملاحة البحرية. ويسمى النهر ابتداء من هذه النقطة حتى الجنوب بشط العرب، ويزداد توسعاً بعد أن يصب فيه نهر كارون من الشرق. وليس في هذا القسم من النهر مشروعات صناعية إلا أنه يعد من أخصب مناطق العالم بنخيله. وتعتمد بساتين النخيل الممتدة على ضفتيه في ريها على المد والجزر في الخليج الذي يحدث هناك فيسبب المد صعود مياه النهر إلى داخل مساقي البساتين بصورة أوتوماتيكية وذلك كلما ارتفع منسوب المياه في النهر بتأثير المد. ↑
- () ديار بكر أو آمد قديماً: مدينة في تركيا على شاطىء دجلة الأيسر. ↑
- () بلد: وهي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل (معجم البلدان). ↑
- () الحديثة، أي حديثة الموصل: وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى وهي غير حديثة الفرات وحديثة دمشق. (انظر ياقوت). ↑
- () وفي المعجم «بارما»، بتشديد الميم: جبل بين تكريت والموصل وهو الذي يعرف بجبل حمرين. ↑
- () ذكره ياقوت فقال: «ساتيدما»، هو الجبل المحيط بالأرض، منه جبل بارما وما يتصل به قرب الموصل والجزيرة وتلك النواحي، ص232 ـ 233. ↑
- () الأرماث جمع رمث (بفتح الميم) وهو خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب في البحر. ويشاهد ذلك بكثرة في دجلة والفرات حتى الآن في مواسم الفيضان لسهولة انحداره مع التيار. ↑
- () أي أن النوتي يستثقل مجذافه لأنه مصنوع من الخشب الثقيل لمقاومة الماء الطاغي وأنه ينهمك بتجديد مقبضه خوفاً عليه من الانكسار. ↑
- () في البيت إشارة إلى أن فيضان دجلة ينشأ عن ذوبان الثلوج الذي يبتدىء من فصل الصيف حتى فصل الخريف. الكسف: القطع. ↑
- () إشارة إلى مزامير النبي «داود» المعروفة وإلى ألحان «معبد» من شيوخ المغنين في العهد الأموي واضعي أُسس الغناء وقواعده. ↑
- () الهيم: العطاش. والغيد: النساء الحسان اللينات الأعطاف. ↑
- () يراد بفرائد العقد حبات الماء المتجمعة في النهر، وكذلك الشر د. وتهفو: بمعنى تتعثر. ↑
- () الأيّد: القوي. ↑
- () في مراصد الاطلاع لصفي الدين بن عبدالحق (ديلة كودان وهو أقرب إلى الصواب). ↑
- () في المراصد (من أعلى أصبهان). ↑
- () معجم البلدان لياقوت (4، 44) وشبيب هذا هو ابن يزيد الشيبابي الخارجي. ↑
- () .. تقع أطلال اصطبلات في الجانب الغربي من نهر دجلة وتبعد عن بغداد بنحو ثمانية وتسعين كيلومتراً وعن سامراء بنحو ثمانية عشر كيلومتراً.. كانت معسكراً كبيراً للجيش العباسي وفيها دور للقواد وساحات للخيم وثكنات للجند. وتقع القادسية في الجانب الشرقي من دجلة على بعد ثمانية كيلومترات من سامراء من جهة الجنوب. ↑
- () قال الحموي (الطاهرية قرية ببغداد) والصواب ما قاله ابن عبدالحق من أنها مغيض فضلات الماء من يزد جيل ومن نهر عيسى، صار نهراً عليه قناطر معقودة بالآجر بعدة أبواب ويرمي إلى دجلة. ↑
- () الدكتور أحمد سوسة في كتاب وادي الفرات. ↑
- () المصدر نفسه ص39. ↑
- () وادي الفرات (2: 40). ↑
- () مجلة عالم الغد ج2، ص2. ↑
- () يراد بالإمامي: الشيعي. ↑
- () (محيى الدين، الملقب عالمگير) 1118م ـ 1707م سادس وآخر أباطرة المغول في الهند حكم ـ 1707م/ 1118هـ). عُرفت إمبراطوريته في عهده أقصى اتساعها وأسقط الدولتين القطب شاهية والعادل شاهية، كان شديد التعصب والعداء للشيعة وغيرهم.بعد وفاته خلفه ابنه شاه عالم بهادر شاه وكان خلافاً لأبيه معلناً ومجاهراً بالتشيع. ↑
- () الوهد: الأرض المنخفضة. ↑
- () تلعات: جمع تلعة وهي ما علا وما سفل من الأرض. ↑
- () سويقة: اسم لأكثر من موضع في الحجاز والمقصود هنا بسويقة: حي كان في مكة المكرمة إلى الشمال من المسجد الحرام وفيه منزل السيد المدني ولكن دخل مؤخراً هذا الحي في التوسعة للمسجد الحرام. ↑
- () أجياد: موضع إلى الغرب من جبل الصفا بمكة المكرمة. ↑
- () المأزمين (بلفظ التثنية): موضع بين المشعر وعرفة. ↑
- () حراز (كسحال): جبل بمكة، قاله صاحب القاموس ولم يذكره الحموي. ↑
- () جارية كناز (بالكسر): كثيرة اللحم صلبة. ↑
- () محمد رسول الله لمحمد رضا 2 ص383 مط عيسى البابي الحلبي بمصر. ↑
- () راجع عن تشيع السعديين بحث البربر. ↑
- () تشير الوثائق التاريخية، والرُّقم الأثرية إلى أن مدينة دمشق هي إحدى أقدم المدن التي ما زالت قائمة تضج بالحياة، وثمة في جنبات المدينة وأروقتها وحاراتها شواهد كثيرة تتجلى في الأوابد، والقلاع، والمباني القديمة التي تشهد على تاريخها المديد، وترسخ عراقتها الموغلة في القدم.وبقليل من التمعن يكتشف المرء هذه الحقيقة، إذ تكثر في دمشق المقاهي، والقباب، والمتاحف، والأبواب، والجوامع، ونماذج من العمارة تعود إلى مختلف الحقب التاريخية التي مرت بها المدينة. وكلها تروي قصة موشاة بعبق التاريخ فجلب لها شهرة واسعة. ↑
- () عندما نزح الآراميون من الجزيرة العربية، وفق ما ترجحه غالبية المؤرخين، في إحدى هجرات الشعوب التي اعتاد الباحثون في العصور الحديثة تسميتها بـ (السامية)، والتي حدثت في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، واتجهوا إلى أعالي الرافدين وحوض الفرات الأوسط وبلاد الشام، كانت قد سبقتهم إلى المنطقة شعوب أخرى، وطدت وجودها وعززت قوتها، إلا أنهم استطاعوا تحصين مواقعهم وتشكيل دويلات عدة، منها ممالك دمشق وحماة وحلب وحران في سورية وكالدو في جنوب الرافدين.لكن هذه الدويلات اضطرت إلى الخضوع أخيراً للسلطة الآشورية القوية، بعد حروب طاحنة دامت نحو قرنين، ومع ذلك تمكن الآراميون من أن يحكموا آخر إمبراطورية في تاريخ العراق القديم في بابل التي عرفت بالكلدانية، ودام حكمها من سنة 626 ق.م إلى 539 ق.م.
وعلى رغم أن سلطان الآراميين السياسي كان محدوداً، جغرافياً، باستثناء الفترة الكلدانية، وقصيراً زمنياً بوجه عام، إلا أنهم استطاعوا أن يفرضوا لغتهم وثقافتهم وبقاءهم في رقعة الشرق القديم، خلافاً لما آل الأمر إلى غالبية الآخرين، بمن فيهم أولئك الذين دعمتهم القوة العسكرية لقرون عديدة. ↑
- () عثرت في عام 1965 في تنقيبات قمت بها في صحن الجامع الأموي على فخار يرجع إلى عهد البرونز القديم أي إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، إنه أقدم ما عثر عليه في دمشق حتى الآن.. ↑
- () Dussaud: Topographie…, p.292 ↑
- () Abel: Géographie de la Palestine, T.11, p.301. ↑
- () Syria T.III. p.234, ref.1. ↑
- () يقول النويري في (كتابه نهاية الارب في فنون الأدب): غوطة دمشق، هي شرك العقول وقيد الخواطر، وعقال النفوس نزهة النواظر، خلخلت الأنهار أسؤق أشجارها، جلست المياه خلال ديارها وصافحت أيدي النسيم أكف غدرانها، ومثلت في باطنها موائس أغصانها، يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان، ويتوهم المتأمل لثمراتها أنها أشربة قد وقفت بغير أوان في كل أوان، فيا لها من رياض من لم يطف بزهرها من قبل أن يحلق فقد قصر، ومن غياض من لم يشاهدها في إبانها فقد فاته من عمره الأكثر». ↑
- () تتميّز دمشق بكثرة أسواقها، ولعل أشهرها صيتاً هو سوق الحميدية الذي يمتد من قلعة دمشق إلى بوابة الجامع الأموي الغربية. ويجذب هذا السوق السياح الأجانب بصورة خاصة لأنه يبيع ـ من جملة ما يبيع ـ التحف الشرقية، والمشغولات اليدوية، والصناعات التقليدية التي تتميز بندرتها وخصوصيتها الشرقية، فضلاً عن أسواق أخرى كثيرة مثل: الصالحية، مدحت باشا، باب توما، الشيخ محي الدين ابن عربي، الحمراء… إلخ. ↑
- () لمزيد من التفاصيل عن تاريخ القلعة ووصف بنائها، انظر: عبدالقادر ريحاوي، مدينة دمشق تراثها ومعالمها التاريخية، دمشق، 1969، ص179 ـ 184.سيشار لهذا المرجع: ريحاوي، مدينة دمشق. ↑
- () مالية مدورة، ص87 ـ 90. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus, p.10-1. ↑
- () Ibid: p.101. ↑
- () الطوبيجية: رماة المدفعية. Bakhit, The Ottoman Province of Damascus p.101. ↑
- () مالية مدورة، ص90 ـ 91. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus, pp.101-102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () العربجية: استخدم العثمانيون المدافع المتحركة، لذا كان لا بد من وجود العربجية الذين توكل إليهم مهمة جر المدافع، وقد عرف قائدهم بالعربجي باشي.انظر: جب وبون، المجتمع الإسلامي والغرب، ج1، ص97 ـ 98. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus p.102 ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damasscus, p.102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () العرضي، معادن الذهب، ورقة 83أ ـ 84ب. ↑
- () الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين، ص149. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية (القسمة العسكرية)، م3، قضية 21، ص17، 17 صفر 1040هـ/ 1630م. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية (القسمة العسكرية)، م 4ق3، قضية 109، ص49، 2 ربيع الثاني 1045هـ/ 1635م. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية، (القسمة العسكرية)، م8، قضية 104، ص53، 8 شعبان 1060هـ/ 1650م. ↑
- () Thevenot, Travels into the Levant, Book 1, Part II. ↑
- () الطاط: العناصر غير التركية كالأكراد والفرس.انظر: Heyd, Ottoman Documents, p.68. ↑
- () Ibid pp.68 – 69; Bakhit. The Ottoman Province of Damascus, p.103; Rafeq, Abdul-karim, The Province of Damascus 1723-1783, Khyats, Beirut, 1966, p.27.سيشار لهذا المرجع: Rafeq, the Province of Damascus: ↑
- () محمد كوبرلي الوزير الأعظم في عهد السلطان محمد بن السلطان إبراهيم، كان قد تولى الأمور في وقت كانت فيه الأمور مضطربة فاستطاع بدهائه وبطشه أن يرسخ دعائم الدولة ويقضي على الكثير من حركات العصيان، أما على الجبهة الأوروبية فقد أحرز انتصاراً باهراً سنة 1067هـ/ 1656م واشتهر عن هذا الوزير أعماله العمرانية، وأصبحت هذه الأسرة عوناً للدولة بما كانت تخرجه من إداريين أفذاذ خدموا الدولة العثمانية خدمة جليلة، وكان محمد كوبرلي قد ولي الشام سنة 1056هـ/ 1646م، كما ولي القدس وطرابلس، وكانت وفاته 1072هـ/ 1661م المحبي، خلاصة الأثر، ج4، ص309 ـ 311، Huart. Cl., «Koprulus» E.I’. vol II, pp.1059-1062. ↑
- () المحبي، خلاصة الأثر ج4، ص311. ↑
- () عبدالكريم رافق، «مظاهر من الحياة العسكرية العثمانية في بلاد الشام من القرن السادس عشر حتى مطلع القرن التاسع عشر».دراسات تاريخية، العدد الأول، جامعة دمشق، دمشق، 1980، ص176 ـ 189، سيشار لهذا المرجع: رافق، «مظاهر من الحياة العسكرية». ↑
- () Bakhit, «Aleppo and Ottoman Military in the Sixteencth Century», AL-Abhath, vol XXVII, A. U.B., Beirut, 1978/1979, pp.30-31سيشار لهذا المرجع: Bakhit, «Aleppo and Ottoman Military» ↑
- () انظر ص101 ـ 107 من هذه الدراسة. ↑
- () الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين، ص136. ↑
- () انظر ص104 ـ 107 من هذه الدراسة. ↑
- () يقتضينا البحث ـ ابتداءاً ـ تعريفاً لغوياً بالخان يمليه ما نشأ من خلط اصطلاحي بينه وبين الفندق أحياناً، وبينه وبين القيسارية (أو القيصرية) أحياناً أخرى، وهو خلط ربما نشأ عن وظائف متشابهة بين هذه المنشآت الثلاث ليست هي ـ على أية حال ـ وظائفها كلها، وإن صح القول ـ من قبيل المجاز ـ إن خان الأمس هو فندق اليوم.والظاهر أن مصطلح الخان لم يستقر على معنى المؤسسة التجارية الحرفية الفندقية إلا في العهدين المملوكي والعثماني، فهذا ابن منظور الذي عاش في القرنين السابع والثامن الهجريين (630 ـ 711)، يبدو متردداً في القول بوظائف الخان المعروفة، فهو عنده: «الحانوت أو صاحب الحانوت، فارسي معرب، وقيل: الخان الذي للتجار». ولكن التعريف يقطع بأن المصطلح مقترض من الفارسية، في صورة ترخيم، إذ هو في الأصل «خانه» بهاء غير ملفوظة، فيما الخان رتبة يبلغها القائد (انظر معاجم اللغة الفارسية).
إذاً، فالمصطلح تطور مع الزمن ثم استقر، بدليل أن من أسماء الخان في القرن الرابع الهجري «التيم»، وتحديداً في منطقة «ما وراء النهر» كما يذكر المقدسي (نقله عنه آدم متز في «الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري»: 2/387)، وبدليل تدرج الخان حتى في العصرين المملوكي والعثماني من «كلمة الدار التي أطلقت في البداية على منازل المسافرين في كل من سورية والعراق في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) إلى «دار الوكالة» التي ترادفت مع «سراي القوافل» في داخل المدن خلال القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) حتى حلّت كلمة الخان محل كل الكلمات السابقة على أبنية المسافرين داخل المدن (عاصم محمد مرزوق: «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية»، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2000، ص92). ↑
- () ويبدو لنا أن الخان نفسه اختلف في المدن عنه على طرق القوافل، وأن الجامع بينهما أنه مكان لإقامة المسافرين من التجار، أضافتها إلى الحرفيين والحرف كخان الخياطين وخان الصابون في طرابلس، أو إضافتها إلى نوع السلعة التجارية كخان الرز في صيدا ـ كانت لإقامة المسافرين وتخزين بضائعهم وإيواء دوابهم، كما كانت مقراً للحرفيين ومحترفاتهم ومنتوجاتهم، فيما كانت خانات طرق القوافل مأوى للتجار المسافرين ودوابهم فحسب، ففي المصطلح الأثري المعماري كان الخان «عبارة عن نزل للاستراحة على طرق القوافل المختلفة بين المدن أو عند مداخل أسوارها» (عاصم محمد مرزوق، المصدر السابق، ص91).كذلك اختلف المصطلح بين منطقة وأخرى، فالفندق «الذي تشابه في وظيفته وتخطيطه مع الخان… اصطلاح شاع في الشمال الإفريقي للدلالة ـ في معنى الخان ذاته ـ على نزل أعد لإقامة الإنسان والحيوان، وكان يتكون من فناء أوسط تحيط به من الجهات الأربع أبنية ذات طابقين، خصص الأرضي منها لإيواء الدواب الناقلة للمسافرين وتجاراتهم، بينما خصص العلوي الذي كان يشتمل على رواق يدور حول الصحن به مجموعة من الطباق السكنية الصغيرة لإيواء التجار والمسافرين» (نفسه، ص92).
إن هذا النص يضعنا أمام الخان لا الفندق، وإن بدا أن مصطلح الفندق (ذي الأصل اليوناني أو اللاتيني) عرف أيام الأيوبيين، فقد «ظهرت كلمة الفندق لأول مرة في نص منقوش فوق باب مدخل فندق العروس الذي شيَّده الناصر صلاح الدين سنة (577هـ/ 1181م) بالقرب من بلدة القطنية على طريق القوافل بين حمص ودمشق» (نفسه، ص92)، وفندق العروس هذا ـ كما يبدو لنا ـ أقرب إلى فنادق اليوم منه إلى الخانات، إذا جاز لنا أن نستنتج من اسمه أنه استضاف العرائس، وإن كنا لا نملك حججاً قاطعة ندافع بها عن هذا الرأي.
يبقى أن نتلمس الفروق ما بين الخان والقيسارية، وهذه الأخيرة أقرب إلى أن تكون سوقاً، مع وجود شبه في بعض التفاصيل المعمارية والوظائف بينها وبين الخان. ↑
- () يمكن للدارس والسائح أن يعثرا في الأقطار العربية والإسلامية على الكثير من الخانات التي تشكل حلقة أساسية في تاريخ تطور العمارة العربية الإسلامية، وفي تاريخ تطور المنشأة التجارية الفندقية ونظم التجارة منذ ما قبل الإسلام حتى مطلع القرن العشرين، وفي إمكان المنقّب في المصادر والمراجع أن يعثر على معلومات وافرة عن خانات كانت واندثرت لشتى الأسباب والظروف.بعض هذه الخانات، ولا سيما خانات المدن، يلقى عناية من حكومات وهيئات أهلية محلية وهيئات دولية، تتعهدها بالترميم، وتتطلع إلى دور ثقافي لها، مختلف عن دورها التجاري الفندقي الذي انتهى وأخلى الساحة لدور الفنداق والمؤسسات التجارية الحديثة، فيما تُهمل الخانات الصغيرة المتداعية الباقية على طرق القوافل، لبُعدها من مراكز النشاط الثقافي، ولأنها متواضعة في أحجامها وهندستها. وثمة خانات في المدن يتهددها الزوال لأن ترميمها يحتاج إلى المال الكثير، أو لأن ورثتها يتطلعون إلى استثمار المساحات التي تشغلها في بناء عمارات حديثة. وفي المصادر والمراجع أخبار كثيرة عن خانات كانت وزالت لمصلحة شق طريق أو توسيع مرفأ، وعن خانات تغيرت وجهة استعمالها ثم هدمت لاحقاً. ↑
- () أي الفاطميين. ↑
- () ليل الأربعاء: ليلة ثقافية كان يقيمها كل ليلة أربعاء. ↑
- () معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ج2، ص566. ↑
- () المرجع السابق، ج3، ص914. ↑
- () المرجع السابق نفس الصفحة. ↑
- () هجول: جمع هيجل وهو المطمئن من الأرض يكون موطئه صلباً. ↑
- () لسان العرب ج17، ص20. ↑
- () معجم ما استعجم ج4، ص1384. ↑
- () معجم ما استعجم ج3، ص775. ↑
- () النعف: ما انحدر عن السطح وغلظ وكان فيه صعود وهبوط. ↑
- () الحومانة: القطعة الغليظة من الأرض. ↑
- () معجم ما استعجم ج4، ص1349. ↑
- () كتاب الرحلة المكيّة للسيد علي خان بن المولى عبدالله الحويزي المشعشعي مخطوط في مكتبة مدرسة ميهسا لار بطهران، وإخراجات السياس علوفة الخيل والبغال، والطوايل جمع طويلة وهي مربطة الخيل. ↑
- () كتاب (الرحلة المكيّة) للسيد علي بن عبدالله الحويزي المشعشعي وقد عبّر عنه كسروي في كتابه (تاريخ پانصد ساله خوزستان) بـ [كتاب سيد علي]. ↑
- () رياض العلماء وأعيان الشيعة. ↑
- () كتاب الرحلة المكيّة مخطوط. ↑
- () [تاريخ الإمارة الإفراسيابية] للأستاذ محمد قاضي السلمانية طبع في المجمع العلمي العراقي سنة 1380. وهو ملخّص كتاب [السيرة المرضيّة في شرح الفرضيّة] للشيخ عبد علي بن رحمة الحويزي المتوفى سنة 1075 على ما في هدية العارفين. ↑
- () ميرزا مهدي من وزراء الصفويين في القرن الحادي عشر للهجرة كانت له روابط حسنة مع الأمراء المشعشعين في الحويزة، وللسيد ابن معتوق الحويزي قصيدة في مدحه موجودة في ديوانه.مطلعها:
سلّ ضاحك البرق يوماً عن ثناياها
قد حكاها فهل يروي حكاياها
↑ - () تاريخ إمارة كعب مخطوط ↑
- () تذكرة شوشتر كلمكته صفحة 165. ↑
- () القبان: مدينة تقع على ضفة نهر بهمنشير اليُسري عند مصبّه في البحر وكانت ميناءاً مهماً من الموانىء القريبة للدورق ومدينة عامرة لها سوق مشحون بالبضائع والأرزاق وفيها مساجد ومدارس كثيرة وأهلها معروفون بالصّلاح والتقوى من أشهر رجالها الشيخ علوان بن بشارة الكعبي القباني وابنه القاضي فتح الله بن علوان وحفيده الشيخ إبراهيم بن أحمد بن علوان القباني. كان يحكمها في العقد الأول للقرن الحادي عشر الهجري حاكم تركي اسمه بكتاش آغا وكان مستقلاً بحكمه بسبب مُداهنته لمن حوله من الحكام كحاكم البصرة والدورق ولما فوضت البصرة لأفراسياب الديري غزى القبان وحاصر بكتاش فطلب الأمان وسَلم القبان إليه، وكانت كعب آنذاك من أنصار أفراسياب وأعوانه فأراد أن يكافئهم ويضمن لنفسه ولائهم فأعطاهم حكم القبان، وكانت الصقور آنذاك حُكاماً فيها فرفضوا تسليمها فدخلت كعب القبان عنوة بعد معركةٍ وقعت بينهم كانت الغلبة فيها للكعبيين، ونَسبت كعب هذه المعركة إلى قبيلة المطور وذكروا أنَّها وقعت في العقد الأخير من القرن الحادي عشر لكنّ الصحيح ما ذكرته، لأننا نجد كعباً ساكنين في القبان منذ تولّي علي باشا إمارة البصرة، وكان أميرهم آنذاك بدر بن عثمان الكعبي الذي نصر علي باشا ووقف في جانبه وقفة صمود وثبات عندما حاصره الجيش الصفوي بقيادة إمام قليخان سنة 1036. وكان علي باشا بن أفراسياب قد اغتنى بتعمير القبان وتنظيم شؤونه فبنى فيه ثلاث قلاع عُرفت كلّ قلعة منها بالكوت وهي عبارة عن كوت الشمالي وكوت الجنوبي وكوتُ ميان، وميان كلمة فارسيّة معناها الوسطى، أي كوت الوسط، وفيه حاصر محمد حسين خان القاجاري كعباً سنة 1144، وكان علي باشا يتردد على القبان بين حين وآخر وربّما أقام فيه مُدة، وفيه يقول السيّد علي المغربي المعروف بالأحضري يُخاطب علي باشا:شوقي إلى الملك الذي
حاز القبان به النهاية
ملك عظيم لم تقف
فيه الرآسة عند غاية
تتلو دواماً مدحه
لمّا غدا في المجد آية
وفي سنة 1078هـ لمّا هجم الجيش العثماني على البصرة وحاصر واليها حسين باشا كان حاكم القبان… ↑
- () تاريخ زندية، فارسي. تاريخ كعب مخطوط. ↑
- () ترجم له العلامة الطهراني في [الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة] ظناً من أنه من العلماء لما رآه من بعض النسخ المكتوبة لخزانته والتي فيها تنويه باسم الشيخ بركات الكعبي. وأهم الطواعين التي ضربت البصرة والحويزة والدورق من مطلع القرن الثاني عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر هي في السنين التالية.أ ـ طاعون سنة 1102 الذي راح ضحيته كثير من علماء الحويزة والدورق وفيهم العلامة السيد علي باليل الدورقي.
ب ـ طاعون سنة 1132، هلك فيه خلق كثير من أهل البصرة وبغداد.
جـ طاعون سنة 1186.
د ـ طاعون سنة 1233، فتك بأهل الفلاحيّة فتكاً عجيباً ففَرّ الناس خارج المدينة فأصبحت شبه خالية.
هـ طاعون سنة 1247، وهو المعروف بطاعون (أبو ربيّة)، وفيه توفي العالم الجليل الشيخ أحمد المحسني الفلاحي.
و ـ طاعون سنة 1334 ضرب أهل جزيرة عبادان وقراها. ↑
- () الرحلة المكّيّة، مخطوط صفحة 221. ↑
- () كانت وصية معاوية لبسر بن أرطأة حين سيره إلى الحجاز: (سر حتى تمر بالمدينة فأطرد الناس وأخف من مررت به وأنهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا). ووصى معاوية أيضاً سفيان بن عوف الغامدي حين أرسله إلى العراق: (أقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من قرى). ولما أرسل منكوخان أخاه هولاكو لغزو البلاد الإسلامية كان من جملة وصيته له: (أما من يعصيك فأغرقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرب القلاع والحصون). فأي فرق بين الأوامر المغولية وأوامر معاوية والحجاج، مع العلم بأن جيوش معاوية كانت تغزو بلاداً إسلامية عربية، وتطبق هذه الأوامر على المسلمين والعرب. ↑
- () الطبري. ↑
- () في عهد معاوية أرسل زياد بن أبيه إلى الحكم بن عمرو بخراسان أن يغزو أهل جبل الأشل فغزاهم وغنم غنائم كبيرة. قال الطبري فأرسل إليه زياد: «إن أمير المؤمنين كتب أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئاً حتى تخرج ذلك». ولكن الحكم هذا كان من الأحرار الذين لا يبالون سخط الحكام إذا أرضى الله والشعب، فقد ساءه أن يحرم الجند أبناء الشعب من الغنائم ليحظى بها معاوية فرفض ذلك وكتب إلى زياد: «إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ولو كانت السماوات والأرض رتقاً على عبد اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجاً». ثم قال الحكم للناس: «اغدوا على غنائمكم» فغدا الناس، ثم استخرج من الغنائم ضريبة الدولة وهي الخمس وقسم الغنائم بين الناس، فكتب إليه زياد يتوعده بالشر. فقال الحكم: «اللَّهم إن كان لي عندك خير فاقبضني». فمات بخراسان بمرو قبل أن يصل إليه أذى زياد. وهكذا كان الأمر في كل غزاة وفتح: يطلب من يسمى أمير المؤمنين أن يصطفوا له كل صفراء وبيضاء والروائع، أما أبناء الشعب الذين بتضحياتهم جاءت البيضاء والصفراء والروائع فلهم الحرمان. وليس كل الولاة أحراراً مثل الحكم بن عمرو ليتمردوا على الأوامر، بل كانوا في مجموعهم شركاء في الجريمة. وهذه الغزاة التي طلب معاوية أن يصطفوا له بيضاءها وصفراءها وروائعها، هي من الغزوات التي كاد أبناء الشعب أن يفنوا فيها ولم ينجوا إلاَّ بشق النفس. فقد قال الطبري وهو يصفها: لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الأشل سلكوا في شعاب ضيقة فعارضه الترك فأخذوا عليه بالطرق»… إلى آخر ما قال. ↑
- () كان هذا رأي الشعب في حكامه فبعد ست وثلاثين سنة من هذه الأحداث وفي خلافة هشام بن عبدالملك سنة 117 قال رجل من عبدالقيس يصف حالة الشعب يومذاك وما يعرضه له حكامه من الويل في دفعه إلى لهوات المنون ليعيشوا على أشلائه:تولت قريش لذة العيش واتقت
بنا كل فج من خراسان اغبرا
وقد ظل الشعب يعبر أبداً بهذا وأمثاله عن الآلام التي يعيشها. ↑
- () ج4، ص465. ↑
- () الزاوية: موضع قرب البصرة. ↑
- () ولد عام أحد وتوفي سنة 100 وهو آخر من مات من الصحابة، وشهد مع علي صفين وكان من مخلصي أنصاره، وهو شاعر مجيد طبع بعض مستشرقي الألمان ديوانه. وكان عندما أقبل مع عبدالرحمن لقتال الحجاج قال:ألا طرقتنا بالغريين بعدما
كللنا على شحط المزار جنوب
أتوك يقودون المنايا وإنما
هدتها بأولانا إليك ذنوب
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له
من الله في دار القرار نصيب
ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله
عذاب بأيدي المؤمنين مصيب
↑ - () القادسية: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً. والعذيب: ماء بينه وبين القادسية أربعة أميال. ↑
- () وادي السباع: من نواحي الكوفة. ↑
- () دير الجماجم: بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى البصرة. ودير قرة: دير بإزاء دير الجماجم، ملاصق لطرف البر ودير الجماجم مما يلي الكوفة. قال أبو عبيدة: الجمجمة: القدح من الخشب وبذلك سمي دير الجماجم لأنه كان يعمل فيه الأقداح من الخشب، والجمجمة أيضاً: البئر تحفر في سبخه، فيجوز أن يكون الموضع سمي بذلك. ↑
- () هيت: بلدة على الفرات فوق الأنبار. ↑
- () كان لسعد بن أبي وقاص ولدان: عمر بن سعد الذي قاد الجماعة التي قتلت الحسين (عليه السلام) ثم قتله بعد ذلك المختار في الحملة التي قادها للأخذ بثأر الحسين. والابن الثاني لسعد هو محمد هذا الذي كان من زعماء الثورة على الحجاج والأمويين ثم قتله الحجاج كما سنرى.أمّا سعد نفسه فقد كان من جماعة الشورى الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة، ولما بويع علي رفض أن يبايعه ووقف على الحياد. ولما استتب الأمر لمعاوية لقي سعد منه الإهانة والتحقير.
وكان لسعد ابن أخ هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص كان من أخلص أنصار علي ومن كبار قواده في صفين واستشهد فيها. ↑
- () زحر بن قيس والد جبلة هذا: أمره محير، فقد ذكر جميع المؤرخين أنه كان في أصحاب علي (عليه السلام) المخلصين المتفانين، وكان في صفين من أبرز الفرسان حتى إن علياً كان إذا نظر إليه قال: من سره إن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا، وكان رسوله إلى جرير بن عبدالله البجلي، وواليه علي الري. وهو القائل يوم الجمل:أضربكم حتى تقروا لعلي
خير قريش كلها بعد النبي
من زانه الله وسماه الوصي
إن الولي حافظ ظهر الولي
كما الغوي تابع أمر الغوي
والقائل يوم صفين:
فصلى الإله على أحمد
رسول المليك تمام النعم
رسول المليك ومن بعده
خليفتنا القائم المدعم
عليا عنيت وصي النبي
بجالد عنه غواة الأمم
وهناك زحر بن قيس الذي كان ممن خرجوا لقتال الحسين، وهو الذي دفع إليه ابن زياد رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية في دمشق، فلما دخل على يزيد قال له يزيد ما وراءك وما عندك؟ قال زحر: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستين من شيعته فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيدالله بن زياد أو القتال فأرادوا القتال على الاستسلام فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والشجر لواذاً كما لاذ الحمام من الصقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشموس وتسفي عليهم الرياح زوارهم العقبان والرخم.
فهل يمكن أن يكون زحر هذا هو زحر الآخر نفسه؟
ولم لا يكون ونحن نرى في عصرنا الذي نعيش فيه من أخلاق الرجال ما هو أحط من هذا!.. كما رأينا ذلك في الماضين وهذا شبث بن ربعي مثلاً كان من أصحاب علي وأرسله عضواً في وفد إلى معاوية فكان من أشد أعضاء الوفد احتجاجاً على معاوية ونقاشاً، ثم كان من الخارجين إلى قتال الحسين يوم كربلا. ثم كان ابنه عبدالمؤمن من أبرز رجال هذه الثورة التي نتحدث عنها.
على أننا لا نستبعد أن يكون هناك زحران، لا زحر واحد، اسم أبي كل منهما قيس.
وفي كتاب (الإصابة): كان لزحر أربعة أولاد نجباء أشراف بالكوفة: أحدهم فرات قتله المختار والثاني جبلة قتل مع ابن الأشعث والثالث جهم كان مع قتيبة بن مسلم والرابع كان بالرستاق. ↑
- () الشفترة: التفرق واشتفترّ الشيء: تفرق واشتفترّ العود: تكسر. ↑
- () الرهو والرهوة: ما ارتفع من الأرض، شبه تل صغير. ↑
- () بسطام هذا هو ابن مصقلة بن هبيرة الشيباني. ولأبيه مصقلة تاريخ سيء يتناقض مع موقف ابنه هذا. ذلك أن أسرى كان قد أسرهم معقل بن قيس أحد قواد أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة وهو عامل علي على أردشير خُرّة وكانوا خمسمائة إنسان فاستجاروا بمصقلة ليفتديهم بمبلغ من المال ففاوض في ذلك معقلاً فاتفقا على أن يدفع مصقلة عنهم مليون ودفعهم إليه وقال عجل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر ثم أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنت وأصبت. وانتظر علي مصقلة أن يبعث بالمال ـ مع العلم بأن هذا المال هو مال الدولة يدخل خزينتها ـ وبلغ علياً أن مصقلة خلى سبيل الأسرى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلاَّ قد تحمل حمالة، ألا لا أراكم سترونه عن قريب ملْبِداً، ثم إنه كتب إليه: أمَّا بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأُمة وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف فابعث بها إليّ ساعة يأتيك رسولي وإلا فأقبل حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلاَّ أن تبعث بالمال والسلام عليك.فكانت النهاية فرار مصقلة إلى معاوية، فقال علي لما بلغه ذلك: فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر. وكان نعيم بن هبيرة أخو مصقلة من أخلص الناس لعلي فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل يدعى حلوان يدعوه إلى اللحاق به ويقول له: إن معاوية وعدك الإمارة ومناك الكرامة فأقبل إليّ ساعة يلقاك رسولي. فرد نعيم على أخيه مصقلة بهذه الأبيات ورافضاً طلبه:
لا ترمين هداك الله معترضاً
بالظن منك فما بالي وحلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع
وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا
ماذا أردت إلى إرساله سفهاً
ترجو سقاط امرىء لم يلف وسنانا
عرّضته لعلي إنه أسد
يمشي العِرِضْنَة من آساد خفانا
قد كنت في منظر عن ذا ومستمع
تحمي العراق وتدعى خير شيبانا
حتى تقحمت أمراً كنت تكرهه
للراكبين له سراً وإعلانا
لو كنت أديت ما للقوم مصطبراً
للحق أحييت أحيانا وموتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمساً
فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن الغُرم من ندم
ماذا تقول وقد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة
لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا
↑ - () موقف الأشعث بن قيس جد عبدالرحمن من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) معروف. أما عبدالرحمن فهو الذي وشى بمسلم بن عقيل. وأما أبوه فهو الذي قاد الجماعة التي هاجمت مسلم بن عقيل في الدار التي أوى إليها وقبض عليه وأخذه إلى عبيد الله بن زياد فقتله وأخو قيس محمد شارك في قتل الحسين في كربلا. ↑
- () ج8، ص25. ↑
- () هذه المفازة تمتد فتقطع هضبة إيران العالية من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، ويقدر طولها بنحو 800 ميل، وعرضها يختلف باختلاف بقاعها، وحين تفصل بين سجستان وكرمان لا يتجاوز عرضها المئة ميل. وقد عرفها البلدانيون العرب في القرون الوسطى باسم (المفازة)، أما اليوم فتعرف بـ(دشت لوط) أي مفازة لوط، ويعرف ما فيها من مستنقعات ملحية وسباخ بـ (دشت كوير) ـ بوزن صغير ـ ويطلق أحياناً اسم كوير على المفازة بأجمعها أيضاً. أما اشتقاق اسم لوط وكوير فغير معروف.وما كتبه ابن حوقل والمقدسي عن المفازة إنما كان عن خبرة ومشاهدة إذ أن كليهما اجتاز قفارها غير مرة. وقال عنها ابن حوقل بأنه ليس فيها قرية ولا مدينة سوى في ثلاثة مواضع. وقال المقدسي الذي أمضى فيها سبعين يوماً مخترقاً إياها من أقصاها إلى أقصاها: إن فيها رمالاً قليلة ونخيلاً وزروعاً في أضعاف كثير من وديانها الصغيرة.
وبعد المقدسي بنحو من نصف قرن أي في سنة 444هـ (1052م) قطع ناصر خسرو الجزء الشمالي من المفازة في عودته من حجه إلى مكة، ولم يطلق عليها اسماً خاصاً بها، بل أشار إليها فقط بلفظ (بيابان)، أي: أرض لا ماء فيها. وتتوسط القسم الأعلى الواسع من المفازة عند منتصف الطريق بين أصفهان وطبس في قوهستان واحة يقال لها اليوم (جندك) أو (بيابانك) وهي التي كان يعرفها العرب في القرون الوسطى بالجرمق، وكانت تكتب بالفارسية بصورة (گرمة). ↑
- () يقول في (عمدة الطالب) أن الذي دس إليه السم هو الوليد بن عبدالملك فمات وعمره خمس وثلاثون سنة. وفي هامش عمدة الطالب: أظن الصحيح: سليمان بن عبدالملك، مكان الوليد بن عبدالملك لأنه توفي في زمنه سنة 97 وقوله: وعمره خمس وثلاثون سنة فيه تقديم وتأخير، بل ينبغي أن يكون ثلاث وخمسون سنة، فإنه مات بعد موت والده بثمان وأربعين سنة. ↑
- () لسان العرب وتاج العروس في كلمة دَلَمَ. ↑
- () رسائل الجاحظ ج1 الصفحة 76. ↑
- () تاريخ كيلان وديلمستان للسيد ظهير الدين. ↑
- () قامون معين (قسم الأعلام) كلمة ديلم. ↑
- () معجم البلدان ج2 صفحة 712. ↑
- () المقصود من المسالك والممالك هو ما نعرفه اليوم بالجغرافيا وكان كتاب مثل هذه الكتب هم من السواح عادة. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353. ↑
- () راجع كتاب الخراج لقدامة بن جعفر ومختصر البلدان لابن الفقيه الهمداني وفتوح البلدان للبلاذري. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 285. ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () أبو حيان التوحيدي في مقالب الوزيرين صفحة 82. ↑
- () دشتبي، ناحية كانت تقع بين الري وهمدان (مراصد الاطلاع) وقد قُسمت بين الري وهمدان وكانوا يسمون حصة الري بالرازي ويسمون حصة همدان بالهمداني. (فتوح البلدان صفحة 384). ↑
- () مختصر البلدان صفحة 268 و269. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 303. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 278 ـ لقد ذكر بعض المؤلفين من العرب نقلاً عن ابن الكلبي وغيره من علماء الأنساب العرب القدامى. أنساباً عجيبة للديالمة. ويقول مؤلف تاج العروس في كلمة (دلِم) أن ديلم على وزن حيدر، هم قوم معروفون. ويعتقد ابن الكلبي أنهم من أبناء مُضر (من القبائل العربية المعروفة) وأن بعض ملوك إيران أسكنوهم في جبال الديلم. ويقول ابن عبدالبر أن الديالمة هم أبناء يافت بن نوح. ويقول ابن قتيبة أن باسل بن ضبّة (جد بني ضبة) هو جد الديالمة. ويقولون أن قوس باسل وجهاز بعيره ما زال حتى يومنا هذا (القرن الثالث الهجري) موجوداً عند أهالي الديلم. (المعارف صفحة 74). ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () رحلة ناصر خسرو صفحة 3. ↑
- () مروج الذهب ج3 صفحة 373. ↑
- () نشوار المحاضرة ج1 في صفحات متعددة وج3 صفحة 249. ↑
- () معجم الألقاب ج4 ق3 صفحة 183 و286. ↑
- () مسكويه ج6 صفحة 154. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353. ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353 لقد عاش المقدسي مرة من الزمن في الديلم. ↑
- () المحاضرة ج1 صفحة 175. ↑
- () تجارب الأمم ج6 صفحة 227. ↑
- () المرابطون: جماعة من المسلمين كانوا يعيشون في المناطق الحدودية بين البلاد الإسلامية وغيرها من البلاد لمحاربة غير المسلمين إذا ما هاجموا البلاد الإسلامية. وكان ذلك شرفاً عظيماً لهم ليستشهدوا في هذا السبيل وكلمة المرابط مأخوذة من الآية الكريمة: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [سورة الأنفال، آية: 61]. ↑
- () أخبار الطوال صفحة 101. ↑
- () مدينة في القسم الجبلي من طبرستان (معجم البلدان). ↑
- () سيد ظهير الدين صفحة 9. ↑
- () البلاذري ـ فتوح البلدان ـ صفحة 344. ↑
- () المعارف لابن قتيبة ـ صفحة 664. سنذكر عن الفرس المقيمين في اليمن في الفصل القادم. ويعتقد بعض المؤرخين أن الجيش الذي كان مع وَهَرز إلى اليمن كان من السجناء الذين حكم عليهم بالإعدام. ↑
- () فتوح البلدان صفحة 343 ـ 344. ↑
- () يقول الدينوري أنه كان يعيش في الكوفة (بعد حرب القادسية) عشرون ألف فارسي كانوا يسمونهم الحمراء (الأخبار الطوال ـ صفحة 288) ويمكن القول أن كلمة حمراء ديلم أطلقت على هؤلاء الأربعة آلاف من الديالمة لفصلهم عن غيرهم من الفرس. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 343 ـ 344. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 345. ↑
- () الأخبار الطوال صفحة 294. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 126. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 86. ↑
- () البلاذري ـ فتوح البلدان ـ صفحة 125. ↑
- () تاريخ الطبري ـ ملخص من الصفحة 1854 ـ 1863 الحلقة الأولى طبع هولندا. ويقول صاحب كتاب الإصابة (ج1 ـ صفحة 467) إن فيروز الديلمي كان من رواة الحديث. ↑
- () بلاد الجبل هي ما تسمى اليوم أراك وهي تشمل على مدن المحافظة المركزية ومحافظتي أصفهان وهمذان. ↑
- () عن ترجمة تاريخ قم ـ الصفحة 248. أصل الكتاب بالعربية ولكنه غير موجود. وأن قسماً مترجماً منه إلى الفارسية ما زال موجوداً. ↑
- () ترجمة تاريخ قم صفحة 261. ↑
- () مكان بالقرب من مكة. ↑
- () مقاتل الطالبيين صفحة 465. ↑
- () مقاتل الطالبيين صفحة 470. ↑
- () تاريخ البيهقي صفحة 414. ↑
- () فتوح البلدان صفحة 398. ↑
- () مروج الذهب ج4 ـ صفحة 280. ↑
- () عمدة الطالب ـ صفحة 86. ↑
- () أحسن التقاسيم ـ صفحة 367. ↑
- () جاء في ريحانة الأدب نسب الأطروش أنه: ناصر الحق الحسن بن علي بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) المكنى بأبو محمد الملقب بناصر الحق والناصر الكبير المعروف بالأطروش والأصم، وهو جد السيد المرتضى والسيد الرضى لوالدتهما وهو الذي نشر الدين الإسلامي في بلاد الديلم. ↑
- () المسودة هم أنصار آل العباس لأن ملابسهم وراياتهم كانت سوداء. ↑
- () مروج الذهب ـ ج3 ـ صفحة 373. ↑
- () جوامع السيرة ـ الرسالة الرابعة ـ الصفحة 250. ↑
- () السلوك لمعرفة دول الملوك ـ ج1 ـ الصفحة 24. ↑
- () ويسميها المسعودي ـ كشوين ـ ج4 ـ الصفحة 280. ↑
- () الكامل ـ ج6 ـ الصفحة 146 بتلخيص. ↑
- () الإصابة ـ ج1 الصفحة 466 و467 بتلخيص. ↑
- () الاستيعاب ـ ج1 ـ الصفحة 466. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () ريحانة الأدب ـ تحت كلمة ديلمي، شيرويه. ↑
- () معجم ألقاب ـ ج4 ـ ق3 ـ الصفحة 183. ↑
- () ريحانة الأدب ـ عنوان الطبري. ↑
- () مسكويه ـ ج5 ـ الصفحة 201 ـ وكان هذا المسؤول يرافق الحجاج إلى مكة المكرمة ويراقبهم ويحميهم من قطاع الطرق. ويقول إن منصور الديلمي أوصل الحجاج سالمين إلى مكة، إلاَّ أن أبا طاهر القرمطي هاجمهم وقتل الحجاج في المسجد الحرام وفي الأزقة وفي الوديان المحيطة بمكة. ↑
- () الكامل ـ ج6 ـ الصفحة 203. ↑
- () القنصلية Consulate: «حكومة فرنسا من عام 1799 إلى عام 1804، خَلَفَتْ (حكومة الإدارة Directory) التي أطاح بها نابليون بونابرت عام 1799.كانت تتألف من ثلاثة أعضاء يحمل كل منهم لقب (قنصل) وكان نابليون بونابرت واحداً منهم، ولكنه سرعان ما سيطر على زميليه فأصبح قنصلاً (أوتى) مدى الحياة عام 1802 ثم أمبراطوراً عام 1804» ـ موسوعة المورد: مادة Consulate. ↑
- () يُراد بالثورة الأمريكية American Revolution: «ثورة المستعمرات الأمريكية السابقة على بريطانيا (1775 ـ 1783) في عهد الملك جورج الثالث. انتهت بانفصال تلك المستعمرات (وكان عددها ثلاث عشرة) عن بريطانيا ونشوء الولايات المتحدة الأمريكية.سببها المباشر فرضُ السلطة البريطانية ضرائب مختلفة على أبناء تلك المستعمرات بدعوى تحميلهم قسطاً من نفقات الدفاع عنها.
تولى القيادة العسكرية فيها جورج واشنطن تدعمه العناصر المعتدلة والمتطرفة التي رجحت كفتها على كفة العناصر الموالية لبريطانيا بُعَيْدَ اندلاع الثورة عام 1775 وأثر إعلان الاستقلال عام 1776 بخاصة.
انتهت بمعاهدة باريس التي عقدت في 3 سبتمبر 1783 والتي اعترفت بريطانيا بموجبها باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية» ـ موسوعة المورد: المادة المذكورة.. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج6، ص154، القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () الراوية في لسان أهل الحجاز اسم للجمل الذي يستقي عليه وفي لسان أهل العراق اسم للسقاء الذي فيه الماء فلذلك لم يفهم مراد الحسين (عليه السلام) حتى قال له أنخ الجمل. ↑
- () عبدالكريم السمعاني: الأنساب ج3، ص31، بيروت دار الجنان 1408هـ 1988م. ↑
- () أعيان الشيعة ج7، ص239 ـ 241. بيروت دار التعارف 1403هـ 1983م. ↑
- () عبدالكريم السمعاني: الأنساب ج4، ص426. بيروت دار الجنان 1408هـ 1988م. ↑
- () انظر أعيان الشيعة ج7، ص239، وج/8، ص301 ـ 408 بيروت دار التعارف 1403هـ 1983م. ↑
- () في العبارة تحريف ناشىء من النسخ أو الطبع لأنها منقولة ـ كما استنتج ـ من (معجم البلدان)، وهي فيه ـ كما مر ـ: (قريبة من ذات عرق). ↑
- () صحيح مسلم ج6، ص27 وما بعدها. ↑
- () صحيح مسلم ج16 ص27 وما بعدها، وأسد الغابة، ج5، ص87 والاستيعاب ج4، ص64 والإصابة ج1، ص88. ↑
- () الإصابة ج4، ص65. ↑
- () طبقات ابن سعد ج2، ق2، ص112. ↑
- () الإصابة ج4، ص65، وهو حديث أخرجه أبو داود. ↑
- () الاستيعاب ج4، ص64. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص64، 65. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص64. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك ج5، ص67. ↑
- () الإصابة ج4، ص65. ↑
- () الاستيعاب ج4، ص64، ح65، والإصابة ج4، ص65. ↑
- () الإصابة ج4، ص63. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص65. ↑
- () الكامل في التاريخ، لابن الأثير ج3، ص74. ↑
- () صحيح مسلم، بشرح النووي ج11، ص43. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك ج5، ص 66 و67. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص55. ↑
- () د. طه حسين، كتاب الفتنة الكبرى ج1 (عثمان). ↑
- () طبقات ابن سعد، ج2، ق2، ص112. ↑
- () مروج الذهب ج2، ص348 ـ 349. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص55، 56، ومروج الذهب ج2، ص349. ↑
- () مروج الذهب ج2، ص349 ـ 350. ↑
- () كتبها الحاج حسين آقا نخجواني. ↑
- () كتب الأستاذ عباس إقبال آشتياني شرحاً مفصلاً عن هذه الكتب في كتابه المسمى (التأريخ المفصل لإيران من جنكيز إلى تيمور). ↑
- () توجد نسخة نفيسة جداً من كتاب لطايف الحقائق في مكتبة السيد الحاج حسين آقا ملك في طهران وقد رأيتها بعيني والذي كتب في حياة الخواجة ومؤرخ فيه بأنه تمت كتابته بتاريخ 708. ↑
- () هناك نسخة نفيسة من كتاب منشآت الخواجة في مكتبة أخي الحاج محمد نخجواني. ↑
- () المقصود بالروم: بلاد الأناضول. ↑
- () جبار ياسين، سماء معتمة النجوم، نص مترجم عن الفرنسية أهداه لنا القاص جبار ياسين 1993: انظر أيضاً: مقال رائد الناصري، سماء معتمة النجوم، جريدة المؤتمر، صفحة ثقافة، العدد 47، أيلول 1994. ↑
- () انظر: علي هادي، قراءة في انعكاسات الثورة الحسينية على الثقافة العراقية، نداء الرافدين، العدد 10، دمشق 1995. ↑
- () لم تلق في الواقع أعمال كاظم حيدر من البداية أي اهتمام ـ بدافع الجهل والحسد والتكفير أيضاً، لكونها فريدة ونادرة، ولكنها سرعان ما بيعت إلى الأجانب ولم يبق منها سوى واحدة، وهي الآن عند سيدة عراقية من أصل بولوني. وقد رفضت السيدة بيع تلك اللوحة «الأثرية» حتى بعشرة آلاف دولار. (حوار مع الدكتور محمد مكية في لندن في 18/6/1996). ↑
- () انظر: علي رؤوف، الفن التشكيلي العراقي وقضية الرأس (نداء الرافدين 1995)، وكذلك هادي المهدي، الرأس المقطوع، (المؤتمر 1997). ↑
- () عبدالرحمن الشرقاوي، الحسين ثائراً ـ الحسين شهيداً، مسرحيتان شعريتان، 1985. ↑
- () انظر: عباس الجميلي، مسرحية الحسين شهيداً وثائراً ـ عبدالرحمن الشرقاوي رائد المسرح الإسلامي، مجلة النور العدد 66، لندن 1997 ص67 ـ 70، أيضاً: حسن حسين، الحسين في الأدب العربي، مجلة النور، العدد 49، ص51.وكان من المفروض أن تعرض «مسرحية ثار الله» التي قام بإخراجها كرم مطاوع للمسرح القومي بالقاهرة، غير أن عرض المسرحية لم يتم بعد صدور قرار بمنعها قبل يوم واحد من الافتتاح تنفيذاً لتعليمات أصدرها الأزهر. انظر أيضاً: حسن حسين، المصدر السابق ص51. ↑
- () نبيلة عبدالعزيز هويجي، كربلاء في الأدب العربي المعاصر، مجلة النور، العدد 49، ص68 ـ 69. ↑
- () المصدر نفسه، ص68. ↑
- () المصدر نفسه، ص68 ـ 69. ↑
- () حسن حسين، الحسين في الأدب العربي، مصدر سابق ص51. ↑
- () انظر: جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة، ص11. ↑
- () يقال إن هذا اللقب منحوت من علوم كان يتقنها: الكاف للكتابة، والجيم للجدل، والميم للمنطق. شاعر متفنن من أهل الرملة بفلسطين فارسي الأصل، تنقل بين القدس ودمشق وحلب وبغداد وزار مصر أكثر من مرة واستقر بحلب فكان من شعراء سيف الدولة الحمداني. توفي سنة 360 (970)، له ديوان شعر وله كتاب اسمه: «الطبيخ» ومن هنا قيل إنه كان في أول أمره طباخاً لسيف الدولة. ↑
- () حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة ممن استشهدوا مع الحسين. ↑
- () «الأبلج»: الوضاء الوجه. و«الأروع»: المعجب بشجاعته أو حسنه. ↑
- () الروح هنا نسيم الريح. و«ضاع» من ضاع المسك يضوع إذا عبقت رائحته. ↑
- () الطفوف: هي الأراضي المشرقة من جوانب الشواطىء، وهي تطلق بصورة خاصة على ما أشرف من أراضي «الغاضرية» ـ وهي مدينة كربلاء الآن ـ على نهر الفرات وفيها كان مصرع الحسين الشهيد وآله وأبنائه. ↑
- () المهيع: البين الواضح. ↑
- () يذال: يهان. المبدع بفتح الدال من «البدعة». ↑
- () مبتورة الأصبع: هي يد الحسين (عليه السلام) وقد بترت إصبعُه بعد مقتله. ↑
- () ذو شرق: ذو شجا وغصة. ↑
- () مذئب ومسبع: كثير الذئاب والسباع. ↑
- () التأزم: حك الأسنان بعضها ببعض من الغيظ، أي أنك تتحرق إذ ترى الصاعقات لا تدفع ضراً ولا تجلب نفعاً. ↑
- () البطنة: النهم. الأنزع: من انحسر الشعر عن جانبي جبهته. وكان يقال للإمام عليّ «الأنزع البطين». ↑
- () لم تنون «هاشم» للضرورة فجرت بالفتحة. ↑
- () ران: غطى وأطبق. ↑
- () تأبى: أبى، امتنع. ↑
- () عدا هذه الملحمة فقد نظم (شاهين فراشري) ملحمة بعنوان (مختار نامه) نسبة إلى (المختار) الذي أخذ بثأر الحسين، مؤلفة من 12 ألف بيت. وهناك ملحمة أخرى لشاعر ألباني مجهول عن كربلاء مؤلفة من 13 ألف بيت. ↑
- () يقال أن المنظور من «تاريخ الرجال» المذكور في بعض الكتب في عداد فروع علم الرجال، واختصت به بعض مصنفات القدماء ككتاب العقيقي (الأب)، هو هذه التراجم. ↑
- () هذه الكنية في بعض المصادر (ابن ريدويه) بالراء المهملة، وضبطت في البعض الآخر (ابن رويدة)، والكنية الواردة في المتن نقلت عن الفهرست للشيخ الطوسي. وعلى كل حال فالمقصود هو علي بن محمد بن جعفر بن عنبسة الجداد العسكري. ↑
- () تم تحديد هذا التاريخ اعتماداً على قول الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1/84) إلاَّ أنه بالتوجه إلى أن عبيدالله كان حتى أواخر القرن الأول الهجري على قيد الحياة (الفهرست طبع النجف حاشية الصفحة 133 نقلاً عن «التقريب» لابن حجر) يصبح ذلك القول بلا دليل، اللهم إلاَّ أن يكون تأليفه في سنوات في حدود الأربعين. ↑
- () الذريعة (ج10/99) والإسناد المصفى/79. إن ما قيل عن مؤلف هذا الكتاب هو نظر العلامة الطهراني في كتابه القيم «الذريعة» وفي رسالته «المشيخية» أيضاً المعروفة «بالإسناد المصفى» وهو في هذا النظر سائر على أثر النجاشي وربما على أثر بعض من أئمة الرجال الآخرين. وفريق آخر يعزو هذا الكتاب إلى أبيه أبي عبدالله محمد بن خالد البرقي. ولكن المحقق الرجالي المعاصر محمد تقي الشوشتري صاحب كتاب «قاموس الرجال» يرد هذين القولين، ويعتبر أن مؤلف «طبقات الرجال» بقرينة طبقة الرواية هو عبدالله بن أحمد البرقي ـ من مشايخ رواية الكليني ـ أو أحمد بن عبدالله البرقي من مشايخ الصدوق الثاني. وهناك أيضاً بين هذين الاثنين احتمال كون الثاني أقرب إلى الصواب. لمزيد من التفصيل راجع إلى قاموس الرجال ج1/31 ـ 32. ↑
- () فهرست النجاشي، طبع الحروف طهران/160 وضبط هذا التاريخ في قاموس الرجال نقلاً عن فهرست النجاشي 229. وبالرجوع إلى نسختي النجاشي المطبوعتين وإلى بعض الكتب الأخرى التي نقلت عن النجاشي مثل الذريعة وتأسيس الشيعة حصل الاطمئنان إلى وقوع صاحب القاموس أو المامقاني صاحب الرجال في خطأ (لأن القاموس يكا يكون حاشية عليه). ↑
- () الذريعة: ج1/89. ↑
- () معالم العلماء: تأليف محمد بن علي بن شهرآشوب (المتوفى سنة 588) طبع عباس إقبال/28 أما في فهرست الشيخ الطوسي فلم يذكر إلاَّ المشيخة فقط دون هذا الكتاب. ↑
- () الذريعة: ج10/ رقم 147. ↑
- () الذريعة: ج10/رقم 154. ↑
- () تأسيس الشيعة لفنون الإسلام ـ تأليف السيد حسن الصدر (المتوفى سنة 1354)/233. وقدسها قلم العلامة المذكور فأثبت وفاة شعبة سنة 260 وظنه متأخراً عن ابن جبلة، واعتبر عبدالله بن جبلة أول مؤلف في علم الرجال. ↑
- () الإمام الصادق: طبع مصر/458. ↑
- () أثبت الشيخ وفاته في الفهرست سنة 333 وذكر في كتاب الرجال إنها سنة 332. والمحقق الشوشتري في قاموس الرجال استصوب القول الأول. القاموس، ج1/397. ↑
- () اكتشف هذا الكتاب لأول مرة جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى سنة 673) وأدرجه في كتابه «حل الإشكال» وهو مجموعة شاملة لهذا الكتاب والأصول الأربعة لعلم الرجال. ثم استخرجه المولى عبدالله التستري بعد ذلك من حل الأشكال ودونه على حدة. لمزيد من الاطلاع ارجع إلى الذريعة ج10. ↑
- () قاموس الرجال، ج8/323 نقلاً عن أنساب السمعاني. ↑
- () الذريعة، ج1/323. ↑
- () الفهرست، طبع النجف/178 والقاموس، ج8/322. ↑
- () تكلمنا عن اسم هذا الكتاب بالتفصيل في القسم الخاص بـ«اختيار الرجال». ↑
- () بناء على قول السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ طبع النجف/61. ↑
- () هذا القول بخصوص وفاة الشيخ النجاشي معروف وقد ذكره المؤلفون المتأخرون أيضاً كالعلامة المامقاني. والعلامة الطهراني وغيرهما. كما وضح جماعة آخرون هذا التاريخ ذاته بعبارة «عشر سنوات قبل الشيخ». ولم يخطّىء هذا القول إلاّ المحقق الشوشتري صاحب القاموس. مستدلاً بأن النجاشي في كتابه أشار إلى محمد بن الحسن بن حمزة بن أبي يعلى وقال إنه توفي في سنة 463. وعليه وجب أن يكون النجاشي على قيد الحياة في هذا التاريخ وأنه توفي بعد ذلك (القاموس، ج1/347). ولكن السيد موسى الشبيري الزنجاني (ساكن قم) له في هذا الصدد رأي يستند إلى استدلال متين. وقد ردّ كلام مؤلف القاموس. والرأي المعزى إليه هكذا بالنص:نظراً لأن النجاشي لم يثبت وفاة الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 في كتابه ولم يذكر كتب الشيخ المعروفة كالمبسوط والتبيان، يمكننا أن نطمئن إلى أن التاريخ المذكور يعني تاريخ وفاة محمد بن الحسن بن حمزة الثابت في كتاب النجاشي. أمّا أن يكون خطأ وصحته 436، وأمّا أن يكون من الخطوط الملحقة التي يحدث نظيرها في كثير من الكتب على أثر اختلاط الحاشية بالملحق، ومن ذلك القبيل تاريخ وفاة عبدالكريم القشيري المتوفى سنة 465 الذي ضبط في بعض نسخ تاريخ بغداد تأليف الخطيب المتوفى سنة 463، والخطوط الملحقة في فهرست ابن النديم المتوفى 380 أو 385 زائدة جداً. والظن الغالب صحة الاحتمال الثاني. وذلك يعلم بالرجوع إلى «فرحة الغريّ» تأليف عبدالكريم بن طاووس. ↑
- () القاموس، ج1/34. ↑
- () فهرست الشيخ، طبع النجف (سنة 1380)/ ص24. ↑
- () الفهرست/28. ↑
- () يحتمل أن يكون «الأصل» كتاباً ذكرت فيه المطالب دون تبويب وترتيب، و«التصنيف» ما ذكرت فيه المطالب مرتبة تحت عناوين خاصة. أو أن الأصل هوما نقلت فيه الروايات بسندها، والتصنيف ما أزاد عليه الجامع من كلامه وبيانه. ↑
- () الفهرست/24. يعتقد مؤلف قاموس الرجال أن هذين الكتابين لم يتلفا وأنهما وصلا بعده إلى النجاشي. ويقيم على هذا الادعاء دلائل من أقوال النجاشي أيضاً، لا تنهض مطلقاً بتأييد هذا الرأي. ارجع إلى القاموس، ج1/291 ـ 292. ↑
- () وتمكن مشاهدة إشارة إلى هذا الدافع الفِرقي في قول ابن شهرآشوب في مقدمة كتاب «معالم العلماء» هناك عندما ينقل كلام الغزالي عن أول كتاب في الإسلام ثم يرده وينسب أول كتاب إلى علي (عليه السلام) ثم إلى سلمان وأبي ذر وأصبغ و… ↑
- () بناء على ضبط النجاشي: الأزدي. ↑
- () لو أن كتاب عبيدالله بن أبي رافع ـ الذي مر اسمه سابقاً ـ كان مشتملاً على شرح حال الأفراد أيضاً، لكان أول كتاب في قسم تاريخ الرجال بطبيعة الحال. أمّا قرينة أن الشيخ ضبط اسم الكتاب المذكور «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين» فتوجب احتمال اقتصاره على أسماء الرجال فقط دون شرح حالهم. وفي هذه الحالة يكون خارجاً عن موضوع تاريخ الرجال. ↑
- () ينسب إلى «كَشّ» (بفتح الكاف وتشديد الشين) من قرى جرجان ويقول آخر، من بلاد ما وراء النهر. ↑
- () اختيار الرجال طبع بمباي/99. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/16. ↑
- () فرج الهموم، طبع النجف/130. ↑
- () ملحق بالنسخة الحديثة الجامعة التي جمعت وطبعت من اختيار الرجال، التي جمعها وصححها ونقحها العالم المتتبع الحاج ميرزا حسن مصطفوي، فهرست كامل مبسوط للأعلام يشتمل على جميع من ذكر من الرجال سيان من ترجم لهم ومن لم يترجم لهم، ولا شك في أنه إنتاج قيم لجهد وعناء كبير، شكر الله سعيه. كما أن السيد موسى الزنجاني هو الآخر قد أعد فهرستا للأعلام المترجم لها، إلاَّ أنه لم يطبع لا مع أي من الكتب الرجالية ولا على حدة، فلم يتوفر لاستفادة المراجعين. هذا، ويوجد مع الطبعة الجديدة الأخرى أيضاً التي انتشرت أخيراً في النجف بتصحيح وتحشية السيد أحمد الحسيني، فهرست بالأسماء والكنى والألقاب، وفهرست على حدة لأسماء النساء وكناهن وألقابهن، وفهرست للموضوعات المفترقة. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/32. ↑
- () الفهرست/190. ↑
- () لتفصيل هذه الموارد، ارجع إلى: قاموس الرجال، ج1/33. ↑
- () يقيم مولى عناية الله القهبائي أيضاً أدلة أخرى على هذا المطلب، وإن كانت غالباً قاصرة عن إفادة المدّعي. للتفصيل ارجع إلى: قاموس الرجال، ج1/34. ↑
- () على هذا النحو: إنه أولاً ينقل هذه العبارة من العلامة: «روى الكشي عن جعفر بن أحمد بن أيوب عن صفوان…» (ما يتعلق بخالد البجلي) ثم يقول: هذا الحديث علاوة على عدم دلالته على التوثيق والمدح، سنده مجهول مضطرب، لأن الشيخ في كتاب الاختيار أورد السند بهذه الصورة ولكن السند في كتاب الكشي بهذه الصورة عن جعفر بن أحمد عن جعفر بن بشير» إلخ: (قاموس الرجال، ج1/36). ↑
- () بضم الكاف، معرب «كوهبابي» نسبة إلى «كوهباية» يا «كوهبايا» من محال أصفهان. وهو من تلامذة الشيخ البهائي وله عدة تآليف في علم الرجال. ↑
- () ارجع إلى القاموس، ج1/36 ـ 37. ↑
- () فهرست النجاشي، طبع طهران (مركز نشر الكتاب)/288. ↑
- () قاموس الرجال، ج8/321. ↑
- () صفحة 32. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/43 ـ 44. ↑
- () الفهرست/167. ↑
- () رجال النجاشي/277. ↑
- () معالم العلماء/91 والعبارة هكذا: «وله معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين». ↑
- () الفهرست/59. ↑
- () نقلاً عن الكلباسي في «سماء المقال»(47. ↑
- () ج1/15. ↑
- () يستنبط من جملة «اختيار معرفة الرجال» التي انتخبت عنواناً لكتاب الشيخ في الطبعة الأخيرة المصححة الكاملة، أن مصححها كان يعرف اسم أصل كتاب الكشي. فكان طبيعياً أن يطلق على كتاب الشيخ اسم «اختيار معرفة الرجال» باعتباره انتخاباً واختياراً منه. على أن في هذه التسمية مسامحتين: إحداهما بالنسبة لأصل كتاب الكشي، وهو «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين لا «معرفة الرجال» والأخرى بالنسبة إلى اختيار الشيخ المذكور في جميع المدارك المعتبرة باسم «اختيار الرجال» لا اختيار معرفة الرجال. ↑
- () ابن شهرآشوب في كتابه الآخر «مناقب آل أبي طالب» يذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الرجال» ج4/147. ولكن الظاهر أن منظوره هو تلخيص الشيخ لا أصل الكتاب، لأنه يقول: «معرفة الرجال عن الكشي عن أبي بصير». ↑
- () منهم المحدث القمي في الكنى والألقاب، ج3/116 طبع النجف. ↑
- () التاريخ المذكور سنة فراغه من تأليف كتابه المشهور «مجمع الرجال» وليس لدينا بعد هذا التاريخ أية معلومات عن حاله، كما أننا لم نحصل على تاريخ دقيق لوفاته. ↑
- () لمزيد من التفصيل وتحقيق هذه الموارد ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/46. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 281 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 279 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () يعرف بـ «الرجال الكبير» تأليف ميرزا محمد الأسترآبادي المتوفى 1026 أو 1028. ↑
- () سماء المقال/30. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى سماء المقال/30 ـ 31. ↑
- () الذريعة، ج10/81. ↑
- () من هذا الكتاب نسختان في مكتبة استان قدس في مشهد برقمي 3625، 3603…. 13… ↑
- () مقدمة رجال الشيخ، طبع النجف/81. ↑
- () سماء المقال/26. ↑
- () سبق إيضاح معنى «الأصول» و«المصنفات» والفرق بين هذين الاصطلاحين في الهامش رقم 23. ↑
- () فهرست أبو غالب جزء من رسالته المعروفة (نامه) إلى حفيده التي ذكر فيها شرح حال آباء عائلته وأعمامها وسلسلتها. وفيها إجازة لرواية الكتب المذكورة في هذا الفهرست. وتوجد نسخة من هذا الكتاب بالخط النسخ الجميل لم توغل في القدم تقع في 29 صفحة قطع «الجاير» تحت رقم 7669 بمكتبة استان قدس الرضوية هكذا أولها:«حدثنا أبو عبدالله الحسين بن عبدالله بن إبراهيم الواسطي، قال حدثنا أبو غالب أحمد بن محمد بن سليمان بن الحسن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، منه إلى ابن ابنه محمد بن عبدالله بن أحمد، سلام عليك فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو…». ↑
- () من جملة الفهارس المعروفة قبل الشيخ فهرست كتب السيد المرتضى. ويحتمل أن يكون لنفس السيد كما يحتمل أن يكون لتلميذه محمد بن محمد البصروي (المتوفى سنة 443) ارجع إلى الذريعة (ج16/381 و392) نقلاً عن العلامة الطهراني. وتوجد نسخة من هذا الكتاب في مكتبة سِبَهْسالار. ↑
- () على أي حال، فإن رأي المرحوم عباس إقبال الوارد في مقدمة معالم العلماء أن فهرست الشيخ أول كتاب بقي من علماء سلف الشيعة، ناشىء عن قلة الاطلاع، فبالإضافة إلى فهرستي أبي غالب والسيد المرتضى الموجوين الآن، فإن ابن النديم مؤلف فهرست ابن النديم هو أيضاً شيعي. ارجع إلى الذريعة، ج16/375. ↑
- () ينقل العلامة الطهراني في المجلد الخامس من الذريعة (ص145) عن بعض نسخ، «الجمل والعقود» القديمة أن المقصود بالشيخ الفاضل هو القاضي عبدالعزيز بن البرّاج قاضي طرابلس (المتوفى سنة 481). ↑
- () زعم عباس إقبال في مقدمة «معالم العلماء» أن الفهرست يختص بالمصنفين وأصحاب الأصول من الشيعة، ولكن بيان الشيخ ذاته في مقدمة الفهرست وذكر جماعة من المؤلفين من غير الشيعة بالفعل، يجُبُّ ذلك الزعم. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى: (الفهرست طبع النجف 1380) الصفحات 71/78/88/89 ـ وسماء المقال/ 41 ـ 42. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/18 في هذه الحالة يكون كلام العلامة الطباطبائي والسيد الداماد (نقلاً عن المامقاني في الرجال ج1/205) من أن مبنى الشيخ على التصريح بمذهب غير الإمامي مثل الفطحية والواقفية، لا وجه له. ↑
- () توفي سنة 1121 هجرية. ↑
- () سماء المقال/42. ↑
- () لعل القطع الوزيري هو ما يقال عنه باصطلاح المطابع في مصر 70×100. ↑
- () القاموس، ج1/37 ـ 39. ↑
- () كان منتجب الدين معمراً وفي سنة 600هـ حصل على الإجازة العامة لرواية الحديث والدليل على ذلك، القول الآتي: «قال ابن الفوطي في مجمع الآداب في تلخيص معجم الألقاب في كتاب الميم ص(775): منتجب الدين أبو الحسن علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الرازي المحدث المقري، ذكره الشيخ الحافظ صائن الدين أبو رشد محمد بن أبي القاسم بن الغزال الأصبهاني في كتاب الجمع المبارك والنفع المشارك من تصنيفه وقال: أجاز عامة سنة ستماية، وله كتاب الأربعين عن الأربعين رواه عنه مجد الدين أبو المجد محمد بن الحسين القزويني…» (حواشي وتعليقات ديوان قوامي الرازي، من جلال الدين المحدث الأرموي/229). ↑
- () معجم رجال الحديث 18/275 ـ 276. ↑
- () الوافي: باب اختلاف الحديث والحكم 1/62 ـ 63. ↑
- () تقديم (اختيار معرفة الرجال) للحسن المصطفوي ص18. ↑
- () مصفى المقال 464. ↑
- () م.س. 414. ↑
- () رجال ابن داود، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم ص13 ـ 14. ↑
- () الذريعة 2/493. ↑
- () مصفى المقال: 84. ↑
- () الذريعة 25/47. ↑
- () سحر بابل وسجع البلابل ص269 «الهامش» للشيخ آل كاشف الغطاء. ↑
- () مصفى المقال 86. ↑
- () مصفى المقال 364 ـ 365. ↑
- () رجال الطوسي: مقدمة محققه السيد بحر العلوم 55 ـ 56. ↑
- () الفهرست: مقدمة محققه السيد بحر العلوم 10. ↑
- () الذريعة 16/339. ↑
- () مصفى المقال 387. ↑
- () المعجم الوسيط، مادة: قيم. ↑
- () محيط المحيط، مادة: قوم. ↑
- () راجع: كتاب (في أصول اللغة) لمجمع اللغة العربية المصري جـ1 ص228 موضوع (استعمال التقييم بمعنى بيان القيمة) وقرار مجمع اللغة العربية بذلك. ↑
- () معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة (شهد). ↑
- () ونصه: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟قال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان.
ويعرف باجتناب الكبائر التي وعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه». ↑
- () يريد به كتاب (نوادر الحكمة) لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران القمي. وهو مجموعة كتب في الفقه والأخلاق.قال النجاشي: كان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني روايات محمد بن أحمد (صاحب نوادر الحكمة) بعضاً منها، سماها مفصلاً.
ثم نقل عن ابن نوح وابن بابويه تأييدهما كل هذا الاستثناء أو بعضه، كما هو معروف في الكتب الرجالية. (الذريعة 24/346). ↑
- () الفوائد الرجالية (رجال السيد بحر العلوم 3/293) فقد قال مؤلفه في ترجمة الصدوق: «ووصفه الإمام (عليه السلام) في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: فقيه، خير، مبارك، ينفع الله به». ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () كليات في علم الرجال 92. ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () فوائد الوحيد البهبهاني ص38 «ملحق برجال الخاقاني». ↑
- () الموجود في نسخة (بحار الأنوار ج104 ص106) المطبوعة، هو: (في كتاب فهرست المصنف الشيخ أبي جعفر الطوسي) ومن المظنون قوياً أنه خطأ نسخي، وصوابه: (فهرست المصنفين للشيخ أبي جعفر الطوسي). ↑
- () نقلاً عن كتاب (كليات في علم الرجال) 119 ـ 120. ↑
- () المعجم 1/46. ↑
- () الموجود في (رجال الطوسي) نشرة النجف الأشرف سنة 1381هـ: هو: «إبراهيم بن سلامة، نيشابوري، وكيل»، وهمشه محققه السيد محمد صادق بحر العلوم بقوله: «يريد أنه وكيل للرضا (عليه السلام) ـ كما قيل ـ، وفي بعض النسخ: إبراهيم بن سلام بدون هاء في آخره، فراجع».فالذي يظهر من الشيخ المامقاني أنه إما أن يكون قد رجع إلى نسخة مخطوطة أخرى غير التي اعتمدتها المطبوعة، وإما أنه استنتج هذا من ذكر الشيخ الطوسي له في أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام).
وأما ما نقله عن (الخلاصة) من أنه من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) ونسبة ذلك إلى الشيخ الطوسي فقد يكون من الخطأ النسخي أو المطبعي، أو أن هذا كان في النسخة المخطوطة التي رجع إليها العلامة الحلي… وقد يكون أن الرجل كان من أصحاب الإمام الكاظم ثم توكل للإمام الرضا فصح عدّه من أصحاب كل منهما. ↑
- () تحفة العالم 1/221. ↑
- () م.ن. ↑
- () الموجود في نسخة الإرشاد المطبوعة ص288: فممن روى صريح النص بالإمامة من… ↑
- () الإرشاد 270 ـ 271. ↑
- () ذكر ابن شهرآشوب هذا في كتابه (المناقب) وهو غير موجود في النسخة المطبوعة من كتاب (معالم العلماء). ↑
- () المعجم 1/58. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: رسالة (المنتقى النفيس من درر القواميس) للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي المنشورة في مجلة (تراثنا) ع3 س6، 1411هـ ص232 ـ 233. ↑
- () مقباس الهداية 2/219 هامش 3. ↑
- () م.ن. ↑
- () في منشورة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة مشهد من كتاب اختيار معرفة الرجال للكشي: محمد بن سعد الكشي بن مزيد. ↑
- () في م.س: العباس. ↑
- () لكون الثانية مرفوعة، ولمجهولية بعض رواة الأخيرة. ↑
- () الموسوعة الفقهية (الكويتية) ج11 مادة: تزكية. ↑
- () المقباس 2/113. ↑
- () المقباس 2/114. ↑
- () المقباس 2/114 ـ 115. ↑
- () في (القوانين). ↑
- () المقباس 2/115. ↑
- () المقباس 2/115 ـ 116. ↑
- () هو الذي يجبي ضريبة العشر بأمر الحاكم الظالم. ↑
- () المقباس 2/116. ↑
- () م.ن. ↑
- () في (رجال الطوسي 458): مالك. ↑
- () حفيده وهو الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، وعنوان كتابه (استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار). ↑
- () المراد به: سماعة بن مهران الحضرمي، وثقه النجاشي 1/413 قال: «ثقة، ثقة»، ونسبه الشيخ الطوسي إلى الوقف، قال في (الرجال ـ فصل أصحاب الكاظم): «وله كتاب، روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، واقفي».والذي يبدو أن صاحب شرح الاستبصار استظهر من عبارة النجاشي (ثقة، ثقة) أنه معدل بالعدالة الخاصة التي من شروطها كون المنعوت بها إمامي المذهب، وهذا يتعارض مع قول الشيخ الطوسي بأنه (واقفي)، فقدّم قول النجاشي على قول الطوسي، للسبب الذي أشار إليه، وهو ما يفهم من ظاهر حال النجاشي لمن يتعامل مع كتابه الرجالي وكتب الشيخ الطوسي الرجالية، أنه متقدم ومتفوق على الشيخ الطوسي في مجالات هذا العلم. ↑
- () التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ص400. ↑
- () ص91. ↑
- () المقباس 1/286. ↑
- () المقباس 1/285 ـ 286. ↑
- () كليات في علم الرجال 473. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 4/139 ـ 140 هامش 1. ↑
- () وجيزة المشكيني 47. ↑
- () راجع كليات في علم الرجال 454. ↑
- () كليات في علم الرجال ص451 عن المنتقى 1/24 ـ 25. ↑
- () كليات في علم الرجال 451 ـ 452. ↑
- () في هامشه: راجع كتاب الطهارة: باب مسح الرأس والقدمين: الحديث 3. ↑
- () كليات في علم الرجال 453. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: كليات في علم الرجال 457. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: المنتقى من درر القواميس: الرقم 54. ↑
- () في الفائدة الخامسة. ↑
- () في هامشه: يعني في ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق، والأربعة الذين ذكروا في ترجمته هم: الشيخ المفيد، والحسين بن عبيدالله، وأبو الحسين جعفر بن الحسين بن حسكة القمي، وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، لأن هؤلاء الأربعة كلهم لقوا ابن بابويه القمي ورووا عنه، بخلاف الزراري والعلوي والبزنطي والبرقي وغيرهم ممن لم يلقهم الشيخ المفيد ولم يروِ عنهم، فلاحظ ذلك. ↑
- () سورة يونس، الآية: 59. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 36. ↑
- () سورة يونس، الآية: 36. ↑
- () كذا في المطبوع والظاهر «فلا تقبل». ↑
- () قاموس الرجال، ج1 الصفحة 25 ـ 27. ↑
- () الوسائل، ج18 كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي الحديث الأول، الصفحة 75. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 195. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 257. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 195، ترجمة المغيرة الرقم 103. ↑
- () عدة الأصول، ج1 للشيخ الطوسي، الصفحة 366. ↑
- () الترديد بين الأربعة والثلاثة، إنما هو لأجل الترديد في أن الاستبصار كتاب مستقل أو هو جزء من كتاب التهذيب، وقد نقل شيخنا الوالد (قدس الله سره) عن شيخه شيخ الشريعة الأصفهاني، أنه كان يذهب إلى أن الاستبصار ذيل لكتاب التهذيب وليس كتاباً مستقلاً. ولكن الظاهر من العدة ج1 الصفحة 356 أنهما كتابان مستقلان. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 175، من المقدمة. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 176، من المقدمة. ↑
- () القوانين ج1 الباب السادس في السنة الصفحة 474. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 176 من المقدمة. ↑
- () لاحظ عدة الأصول ج1، الصفحة 366. ↑
- () ترجمة الشيخ في الرجال، في الصفحة 495، الرقم 25 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 156، تحت الرقم 695، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 184، تحت الرقم 709. ↑
- () رجال الشيخ، الصفحة 450، ترجمة الشيخ بـ «أحمد بن حمدون». ↑
- () الفهرس، «الطبعة الأولى»، الصفحة 4 ـ 6، تحت الرقم 7 و«الطبعة الثانية» الصفحة 27 ـ 29. ↑
- () ذكره الشيخ في الرجال، الصفحة 44، الرقم 30 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 28، تحت الرقم 76، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 52، تحت الرقم 86، وذكر في رجال النجاشي تحت الرقم 233. ↑
- () ترجمة النجاشي في رجاله، تحت الرقم 196، والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 24، تحت الرقم 63، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 48، تحت الرقم 73، وفي الرجال في الصفحة 453، الرقم 90. ↑
- () رجال الشيخ، الصفحة 449، الرقم 64، والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 33، تحت الرقم 89، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 57، تحت الرقم 99. ↑
- () ترجمة الشيخ في رجاله، الصفحة 456، الرقم 108 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 37، تحت الرقم 107، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 61، تحت الرقم 117. ↑
- () ذكره الشيخ في الرجال، الصفحة 454، وقال في الفهرس «الطبعة الأولى» بعد ترجمته في الصفحة 29، تحت الرقم 78: «توفي سنة 346» ويكون في «الطبعة الثانية» من الفهرس في الصفحة 53، تحت الرقم 88. ↑
- () راجع رجال الشيخ الطوسي، الصفحة 347، الرقم 9 والصفحة 372، الرقم 11، والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 46، تحت الرقم 151، وفي «الطبعة الثانية الصفحة 72، تحت الرقم 162». ↑
- () ذكره النجاشي في رجاله تحت الرقم 840 والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 124، تحت الرقم 552، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 150، تحت الرقم 564، وفي الرجال في الصفحة 420، الرقم 1، والصفحة 434، الرقم 2. ↑
- () الخلاصة، الصفحة 251، طبع النجف. ↑
- () طبع الكتاب عام 1378. ↑
- () الوافي الجزء الأول، المقدمة الثانية، الصفحة 11. ↑
- () الوافي، الجزء الأول-الثانية، الصفحة 11 ـ 12. ↑
- () المعروف أن الأصول الرجالية أربعة أو خمسة بزيادة رجال البرقي، لكن عهدها ثمانية بلحاظ أن الجميع من تراث القدماء، وأن كان بينها تفاوت في الوزن والقيمة، فلاحظ. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 1018. ↑
- () فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 141، الرقم 604، و: «الطبعة الثانية» الصفحة 167، الرقم 615. ↑
- () رجال الشيخ: الصفحة 497. ↑
- () راجع رجال النجاشي: الرقم 944. ↑
- () ذكره في «ترتيب رجال الكشي» الذي رتب فيه «اختيار معرفة الرجال» للشيخ على حروف التهجي، والكتاب غير مطبوع بعد، والنسخة الموجودة بخط المؤلف عند المحقق التستري. ↑
- () راجع فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 34، الرقم 90، و«الطبعة الثانية» الصفحة 58، الرقم 100. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 17، ↑
- () يكنى بـ «أبي العباس» تارة وبـ «أبي الحسين» أخرى. ↑
- () هذه الرسالة مروية في كشف الريبة ونقلها في الوسائل في كتاب التجارة، لاحظ: الجزء 12، الباب 49 من أبواب ما يكتسب به. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 253. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 3. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 20 ـ 21، طبعة النجف. ↑
- () المعتبر: ج1 الصفحة 92. ↑
- () لاحظ ترجمة سليمان بن خالد، الرقم 484، وترجمة سلامة بن محمد، الرقم 514، في نفس الكتاب تجد مدى اطلاعه على أحوال الرجال. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 209. ↑
- () قال في رجاله بالرقم 206: أحمد بن محمد بن عمران بن موسى، أبو الحسن المعروف بـ «ابن الجندي» أستاذنا ـ رحمه الله ـ ألحقنا بالشيوخ في زمانه. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1066. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة: 59 ـ 66. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1068. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1070. ↑
- () قاموس الرجال: ج1، الصفحة 190. ↑
- () سيوافيك الفرق بين الأصل والتصنيف في الأبحاث الآتية. ↑
- () الفهرس: «الطبعة الأولى» الصفحة 2 و: «الطبعة الثانية» الصفحة 24 ـ 25. ↑
- () لاحظ قاموس الرجال: ج1، الصفحة 18. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 23، 32، 34، 35، 46، 53. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 60، 61. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 57 ـ 59. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 50، 54، 55. ↑
- () لاحظ قاموس الرجال: ج1 الصفحة 31. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 38، من النسخة المطبوعة مع شرح العلامة الأبطحي. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 38. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 45. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 42. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 33، وأضاف أن أصل رجال الكشي كان على الطبقات والظاهر أنه يكفي في هذا النوع من التأليف ذكر الأشخاص على ترتيب الطبقات وإن لم يكن على طبقات أصحابهم (عليهم السلام)، والموجود من الكشي هو النمط الأول. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 3. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 211. ↑
- () قاموس الرجال: ج1، الصفحة 18. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 166. ↑
- () رجال الشيخ: الصفحة 470، الرقم 52. ↑
- () ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 23 ـ 24. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 200. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 676. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 572. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 705. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة 7 ـ 15. ↑
- () راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج1 الصفحة 9 ـ 188، وج10 الصفحة 9 ـ 88. ↑
- () مجمع الرجال: ج1 الصفحة 10. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 228 ـ 229. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 22. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 490. ↑
- () رجال العلاَّمة: الصفحة 228 ـ 229. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة 7، وقاموس الرجال: ج1، الصفحة 32. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 5 في الهامش. وكان نظام الدين الساوجي نزيل الري وتلميذ الشيخ البهائي، توفي بعد 1038 بقليل، وفرغ من تأليف نظام الأقوال في سنة 1022، وهو بعد مخطوط لم يطبع. ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1 الصفحة 113 ـ 114 من المقدمة طبعة النجف، والصفحة 101 ـ 103 من طبعة لبنان. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 2. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 5 ـ 6. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 6 ـ 7. ↑
- () ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 4. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 235. ↑
- () المصدر: الصفحة 241. ↑
- () المصدر: الصفحة 256. ↑
- () الذريعة: ج4 الصفحة 288 ـ 289، وج10 الصفحة 89. ↑
- () مقدمة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 2، و«الطبعة الثانية» الصفحة 24. ↑
- () نعم الظاهر من مقدمة الفهرس للشيخ تعمد الورثة لإهلاك جميع آثاره بشهادة لفظة «وغيرهما». ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1 الصفحة 114 من المقدمة (طبعة النجف) والصفحة 102 طبعة لبنان. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 41 ـ 51. ↑
- () الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني: الصفحة 38 ـ 39 المطبوعة في آخر رجال الخاقاني، والصفحة 8 من المطبوعة في مقدمة منهج المقال. ↑
- () فلاح السائل: الصفحة 13 وفي أحمد بن هليل الكرخي. ↑
- () كذا وفي رجال السيد بحر العلوم «أحمد بن هليك» وفي تنقيح المقال «أحمد بن مليك» والظاهر وقوع تصحيف فيه، والصحيح هو أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي، للشواهد التالية:الأول: كون الحسين بن أحمد المالكي في سند الخبر الذي هو راوٍ عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع روضة الكافي: الحديث 371).
الثاني: كون محمد بن سنان فيه، الذي يروي عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع أيضاً روضة الكافي: الحديث 371).
الثالث: أن أبا علي بن همام ينقل بعض القضايا المرتبطة بأحمد بن هلال الكرخي كما في غيبة الشيخ (الصفحة 245) وهو أيضاً يذكر تاريخ وفاة أحمد هذا كما نقل عنه السيد ابن طاووس. أضف إلى ذلك أنا لم نعثر على ترجمة لأحمد بن هليل، أو هليك أو مليك في كتب الرجال المعروفة. ↑
- () رجال الكشي: الصفحة 530. ↑
- () رجال الكشي: الصفحة 516 ـ 517. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 50 ـ 51. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 ص265 ـ 266 الحديث 6 نقلاً عن أمالي الطوسي طبعة النجف الصفحة 264. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 316، الحديث 82 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 518. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 302، الحديث 67 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 324. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 309، الحديث 76 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 478 ـ 479. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 345 ـ 346، نقلاً عن تصحيح الاعتقاد، باب معنى الغلو والتفويض الصفحة 65 ـ 66. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 347. ↑
- () رجال الشيخ الصفحة 512 رقم 112، الفهرس: «الطبعة الأولى» الصفحة 143. الرقم 610، وفي «الطبعة الثانية»: الصفحة 170 الرقم 621، ورجال النجاشي: الرقم 891. ↑
- () ذكر ـ رحمه الله ـ أموراً واخترنا منها أمرين. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 490. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1، الصفحة 19 ـ 21 بتلخيص منا. ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1، الصفحة 114 من المقدمات طبعة النجف، والصفحة 102 طبعة لبنان. ↑
- () الكافي: ج1، الصفحة 458، الحديث 3. ↑
- () لاحظ سماء المقال: الصفحة: 22. ↑
- () رياض العلماء، ج4، الصفحة 140 ـ 141، ولكن التحقيق إنه كان حياً إلى عام 600. لاحظ مقال المحقق السيد موسى الزنجاني المنشور في مجموعة حول ذكرى العلامة الأميني ـ قدس الله سره ـ. ↑
- () أمل الأمل: ج2، الصفحة 194. ↑
- () المدفون بـ «ري» المعروف عند الناس بإمام زادة يحيى وربما يحتمل تعدد الرجلين. ↑
- () فهرس الشيخ منتجب الدين: الصفحة 5 ـ 6. ↑
- () راجع في الوقوف على وصف هذا التاريخ وما كتبه في طبقات الإمامية أيضاً «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج3، ص219 ـ 220 هذا وتوفي ابن أبي طي سنة 630هـ. ↑
- () الوافي بالوفيات: ج4 الصفحة 164. ↑
- () لاحظ رجال ابن داود: الصفحة 45 ـ 46 طبعة النجف. ↑
- () رجال ابن داود: الصفحة 62 طبعة النجف ↑
- () رياض العلماء ج1، ص258. ↑
- () وقد أسماه المؤلف بـ«بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية للجاحظ» ويقال اختصاراً «البناء». ↑
- () نقض عثمانية جاحظ المطبوع حديثاً بـ «عمان». ↑
- () رياض العلماء، ج1، الصفحة 256. ↑
- () الغدير: ج6، الصفحة 7. ↑
- () وفي رياض العلماء مكان «المزيدي»، «المرندي»، وهو تصحيف. ↑
- () لاحظ الغدير، ج6، الصفحة 3 ـ 6، وذكر شطراً منها السيد الأمين في أعيان الشيعة ج22 الصفحة 343. ↑
- () الغدير نقلاً عن روضات الجنات الصفحة 357. ↑
- () إنَّ العلاَّمة غني عن الإطراء، وترجمته تستدعي تأليف رسالة مفردة، وقد كفانا، ما ذكره أصحاب المعاجم والتراجم في حياته وفضله وآثاره. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 15. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 31. ↑
- () لاحظ المقدمة: الصفحة 4 ـ 5 بتصرف يسير. ↑
- () مقدمة «ميزان الاعتدال» الصفحة «ز». ↑
- () لاحظ حول هذا الكتاب من التلخيص والاختصار كشف الظنون ج2، الصفحة 330. ↑
- () السيد محسن الأعرجي في عُدة الرجال. ↑
- () السيد حسن الصدر في نهاية الدراية. ↑
- () رمز «لم» مصطلح يرمز به عند الرجاليين إلى باب «مَنْ لم يَرْوِ عن أحد منهم (عليهم السلام) من كتاب رجال الشيخ، وسيأتي توضيح له في نهاية هذا البحث. ↑
- () مرادنا بكلمة «المورد» هو الإرجاع إلى موارد وقوع التناقض المذكورة في هذا البحث، والرقم الذي يليه هو رقم المورد فيما يلي. ↑
- () عُدة الرجال ـ مخطوط ـ ونقلنا عنه بواسطة كتاب (دائرة المعارف المسماة بمقتبس الآثر) للشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري (ج3 ص70 ـ 71). ↑
- () أرقام الصفحات هي لكتاب رجال الطوسي. ↑
- () مجمع الرجال (ح5 ص142) ولم أجده في المطبوع من كتاب رجال الشيخ. ↑
- () هذه الترجمة لا توجد في المخطوطة لكنها موجودة في المطبوعة والمصادر الأخرى. ↑
- () رجال الطوسي (ص458) رقم (7) والملاحظ أن ما نقلناه جاء في المخطوطة، وفي نسخة مجمع الرجال (ج2 ص23)، لكن في المطبوعة (جعفر بن محمد) وهو غلط يشهد له ما في ترجمة الرجل من النجاشي. ↑
- () رجال النجاشي (ص82) رقم (198) ومجمع الرجال (1/162 و164) وبهجة الآمال ـ نقلاً عن تعليقة البهبهاني على المنهج ـ (ج2 ص96). ↑
- () رجال الطوسي (ص347) رقم (16) وهذه الترجمة ليست في المخطوطة. ↑
- () إكمال الدين (ص454 ـ وما بعده) الباب (43) ح (21) ورواه الطبري في دلائل الإمامة (ص274) بسندٍ آخر. ↑
- () كذا في المخطوطة والفهرست وهو الصحيح الموافق للموارد الأخرى، وانظر هنا المورد (31)، وفي المطبوعة هنا (الجابرزي) فلاحظ. ↑
- () كذا في المخطوطة، وفي المطبوعة الجابرزي، وهو خطأ، ولاحظ المورد [27]. ↑
- () ذكرنا في المورد (27) أنَّ الضمير راجع إلى (عبدالغفار وعامر) فلاحظ. ↑
- () مجمع الرجال (ج4 ص98) وقد زاد لفظه (عن) قبل حميد وقد أشرنا إلى ذلك في المورد (27) فلاحظ. ↑
- () هذا المورد ليس في النجاشي. ↑
- () كذا في الفهرست، وكان في النجاشي «أو يقول في حديث أو كتاب ولم أروه» وما في الفهرست هو الصحيح: لأن قوله «لم أروه» قيد لما سبقه، ولو كانا اثنين (حديث أو كتاب)، لقال: «لم أروهما» مع أن مراده أنَّه حصل على الكتاب (وجادة) لا رواية فلذلك توقفوا فيه مضافاً إلى أن قوله (أو حديث) لو كان منفصلاً عما بعده، وكان مورداً مستقلاً للاستثناء، فمعنى ذلك أنَّه استثنى ما ذكره الأشعري بقوله: في (حديث) وهذا وإن كان محتمل الصحة إلا أنه لا يناسب ما بعده، فلاحظ. ↑
- () ما بين القوسين زيادة من الفهرست. ↑
- () هذا لم يرد في النجاشي. ↑
- () هذا المورد ليس في النجاشي. ↑
- () وأظن أن الصدوق رحمه الله لم يعبر إلا بكلمة «التخليط» وأن غيره أضاف كلمة «الغلو» لتصوره المراد بالتخلبط، أو يكون الصدوق هو قد اجتهد في وجه الاستثناء وفسره بذلك. ↑
- () وصول الأخبار (ص91) وانظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص352). ↑
- () لاحظ ما ذكره في المورد (18) سابقاً. ↑
- () أيضاً (ص512) رقم (12) وكلمة «ثقة» ليست في المطبوعة. ↑
- () رجال الطوسي (ص425) رقم (43) وفي المخطوطة «الزيتي» بدل الزينبي. ↑
- () أيضاً (493) رقم (17) ذكره مع جمع وقال: ضعفاء روى عنهم محمد. ↑
- () انظر زاد المسير لابن الجوزي ج6، ص90 والبحر المحيط لأبي حيان ج6، ص499. ↑
- () «معجم البلدان» ـ منجل. ↑
- () نفس المصدر ـ ملحوب ـ. ↑
- () صفة جزيرة العرب ص160. ↑
- () «مدائن صالح» ص171. ↑
- () تاريخ ابن خلدون. ↑
- () The Land of Midian ص285 الترجمة العربية وص206 النص الإنجليزي. ↑
- () ج6، ص(499). ↑
- () ج13، ص33. ↑
- () ص224 الطبعة الأولى. ↑
- () جريدة عكاظ، تاريخ صفر 1390هـ. ↑
- () «الجبال والأمكنة والمياه». ↑
- () «النسب الكبير» الورقة 86 نسخة دير الأرسكوريال في إسبانية. ↑
- () «التيجان» لابن هشام ص163 ـ 164. ↑
- () «من الأكليل» 1/121 والمخطوطة الورقة الـ23. ↑
- () «الأكليل»: 1/122 ـ 124. ↑
- () «جمهرة النسب» لابن حزم ـ 329 ـ الطبعة الثانية ـ. ↑
- () نشوان بن سعيد الحميري «منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم» ص41. ↑
- () «البداية والنهاية» 2/212. ↑
- () «العبر» لابن خلدون 2 ص53 ـ 87. ↑
- () تاريخ ابن جرير 1، ص672 ـ 674 (باختصار). ↑
- () «معجم البلدان» ـ الرس ـ. ↑
- () «معجم البلدان» مادة الحارث. ↑
- () «رسالة مسعر» ص6 ـ 7 و«معجم البلدان» ـ البذ ـ الرس ـ. ↑
- () «الكامل لابن الأثير» 1 ـ 414 ـ طبعة بيروت. ↑
- () «التنبيه والإشراف» ـ 62. ↑
- () «الجامع لأحكام القرآن» 13 ـ 33. ↑
- () من دلائل التشيع في الرس أن للسيد المرتضى رسالتين جوابيتين على مسائل وردت عليه من الرس:المسائل الرسية الأولى:
رسالة مخطوطة تشتمل على ثمان وعشرين مسألة. عدد صفحاتها 24 صحيفة، كل صحيفة تحتوي على 21 سطراً.
سأله عنها «أبو الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي». والسائل فيما وصفه «ابن إدريس»، وفيما تنطق به أسئلته، عالم مدقق، فقيه حاذق، وهو كذلك فيما يبدو من تقدير «الشريف المرتضى» له، وثنائه عليه. ألَّفها سنة 428.
وهي تشمل على مسائل فقهية وكلامية، أحال فيها السيد على كتابه «مسائل في أصول الفقه» وعلى كتابه «المسائل والمطلبيات».
وترجع أهميتها إلى أنها تؤرّخ آخر فتاوى الشريف في الفقه وآرائه في الكلام.
المسائل الرسية الثانية:
وردت بعد الأولى من «أبي الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي»، فألحقها الشريف بها. وهي خمس مسائل في أربع صحائف، كل صحيفة 22 سطراً كل سطر 28 كلمة. الأول منها فقهية، والأخريات، مزيج من الفقه والكلام. ↑
- () انظر مقدمة كتابه «إنقاذ البشر». ↑
- () ابن أبي الحديد ج1، ص14 ط دار الحلبي، ورياض العلماء ص413 نقلاً عن خط الشيخ البهائي، نقلاً عن خط الشيخ الشهيد، و«روضات الجنات» ج2 ص383 طـ إيران. ↑
- () رياض العلماء ص470: وقد نقل حكاية الوزير جماعة من الخاصة والعامة. و«روضات الجنات» ج2 ص383. ومثل هذه في روضات الجنات ج2 ص564. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص383 طـ إيران نقلاً عن كتاب الدرجات الرفيعة. ورياض العلماء ص413 نقلاً عن خط الشيخ «البهائي»، نقلاً عن خط «الشهيد». ↑
- () ضريح الإمام موسى الكاظم. ↑
- () المنتظم وابن الأثير حوادث 406. ↑
- () الديوان مخطوط ج3، ص93. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص577 طـ إيران. ↑
- () الخطيب البغدادي ج1، ص403 طـ الخانجي، وابن خلكان ج4 ص48 مطبعة النهضة وفوات الوفيات ج2، ص378 طـ استانبول، والمنتظم لابن الجوزي حوادث 406. أما ابن الأثير فقد نص على نقل جثمانه إلى كربلاء. انظر الكامل حوادث 400. ↑
- () رياض العلماء ص413 نقلاً عن الفاضل التنوخي، 448 نقلاً عن رجال النجاشي، 482 نقلاً عن العلامة الحلي في الخلاصة، وروضات الجنات ج2 ص324 نقلاً عن كتاب «الدرجات الرفيعة» وحاشية الخلاصة للشهيد، و«زهر الرياض» و«بحر العلوم». ↑
- () يخالف (أعيان الشيعة) ما هو مشهور من أن الشريفين من أبناء إبراهيم المجاب، وينسبهما إلى أخيه إبراهيم المرتضى. وقد ذهب إلى ذلك من قبله صاحب «عمدة الطالب». انظر رياض العلماء ص471 وأعيان الشيعة ترجمة إبراهيم المجاب. ↑
- () انظر المنتظم وابن الأثير حوادث 373، 378. ↑
- () ممن دفن بها عميد الجيوش أستاذ هرمز بأمر من الشريف الرضي، المنتظم حوادث 401، 403 والملك معز الدولة ينقل من قبره ليدفن بمقابر قريش حوادث 357. ↑
- () المصدر السابق حوادث 440. ↑
- () ديوان الرضى ج1، ص139 طـ بيروت. ↑
- () ديوان المرتضى مخطوط ج1، ص94. ↑
- () ابن خلكان ج3، ص6 طـ النهضة المصرية سنة 1948 ومرآة الجنان ج3، ص506طـ حيدر آداب وشذرات الذهب ج3، ص258. ↑
- () ابن أبي الحديد ج1، ص13. ↑
- () الديوان ج2، ص85. ↑
- () الديوان ج2، ص68، 72، 73، 80، 85، 86، 87، وج3، ص3، 5، 7، 8، 10، 11، 12، 14، 15، 17، 19، 21، 89. ↑
- () الديوان ج3، ص99. ↑
- () انظر مقدمة ديوان الرضي طبع بيروت. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص575 طبع إيران. ↑
- () المنتظم حوادث 351 وتجارب الأمم حوادث 352. ↑
- () الشريف الرضي للدكتور محفوظ طبع بيروت سنة 1944. ↑
- () الديوان ج3، ص83. ↑
- () الديوان ج3، ص81، 82 قالها المرتضى جواباً، «لهلال ابن المحسن» عن قصيدة أرسلها للمرتضى وفيها يقول هلال بن المحسن:أسيدنا الشريف علوت عزا
تضاف إليك أوصاف الجلالة
لأنك أوحد والناس دون
ومن يسمو لمجدك لن يناله
ولي أمل سأدركه وشيكاً
بعون الله فيك بلا محاله
وليس على موالاتي مزيد
لأني لم أرثها عن كلاله
↑ - () رياض العلماء ص471 وروضات الجنات ترجمة المرتضى. ↑
- () ديوان مهيار الديلمي ج3، ص11. ↑
- () سقط الزند ج3، ص62 طـ بولاق قال الشارح: الأظهر المرضي: هو ابن للمرتضى. ↑
- () فوات الوفيات ج2، ص275طـ مصر. قال الصفدي: ما عزى كبير بذاهب سلف بمثل هذا البيت. ↑
- () يريد الإمام موسى بن جعفر الكاظم. ↑
- () سقط الزند ص1264 ـ 1320طـ دار الكتب. ↑
- () روضات الجنات ج1، ص74. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص387 نقلاً عن الوافي في الوفيات، وابن خلكان ج3، ص4 طـ النهضة المصرية، وانظر تتمة اليتيمية طـ طهران سنة 1353هـ تجد أبيات ابن المطرز، والغيث المنسجم للصفدي ج1، ص350 طـ مصر، و«أنوار الربيع» ص481. ↑
- () ابن خلكان ج3، ص4، 5 طـ مكتبة النهضة نقلاً عن كتاب «جنان الجنان» و«رياض الأذهان». ↑
- () أنوار الربيع ص481: مد يديك الكريمتين معاً. ↑
- () أنوار الربيع ص481 ـ 484. ↑
- () الديوان ج1، ص60: ضل عنه قلبه يبتغي قلباً. ↑
- () الشيب والشباب ص68:ورأت بياضاً ما رأتـ
ـه بداً هناك سواه قبل
↑ - () الأحكام السلطانية ص164طـ بون 1853. ↑
- () الأحكام السلطانية ص185طـ بون. ↑
- () نفس المصدر ص180. ↑
- () المنتظم، حوادث 403. ↑
- () ابن الأثير، المنتظم، حوادث 406. ↑
- () انظر المنتظم، حوادث 433، حوادث 427، وديوان المرتضى ج5، ص16 نسخة السماوي. ↑
- () المنتظم حوادث 416. ↑
- () اديوان ج5، ص13. ↑
- () الديوان ج5، ص16. ↑
- () المنتظم حوادث 389، وروضات الجنات ج2، ص383. ↑
- () معجم الأدباء ج5، ص177 طـ بون. ↑
- () رياض العلماء ص471. ↑
- () رياض العلماء ص446 ترجمة ابن البراج. ↑
- () رياض العلماء ترجمة الشيخ الطوسي وابن البراج. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص383. ↑
- () روضات الجنات: قال الثعالبي أنها قومت بثلاثين ألف دينار بعد أن أهدى إلى الرؤساء والوزراء منها شطراً عظيماً، وانظر مجالس المؤمنين بالفارسية ترجمة المرتضى. ↑
- () غدير خم: هو المكان الذي خاطب فيه النبي (ص) جموع الحجاج قائلاً فيما قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فاتخذ الشيعة اليوم الذي قيل فيه هذا الكلام عيداً، وسموه (عيد الغدير). (راجع: غدير خم). ↑
- () قسطاكي حمصي: المقال الرابع من مجلة الرسالة الصادرة عن المجمع العلمي في دمشق سنة 1934. ↑
- () عمر فروخ: حكيم المعرة ـ ص97. ↑
- () مصطفى آل عيال: سلسلة اقرأ رقم 164 ـ 95. ↑
- () الغفران: لعائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) ص328. ↑
- () الدكتور عبدالسلام كفاني: «في الأدب المقارن» ص181. ↑
- () مقدمة جحيم الكوميديا ص63 ترجمة حسن عثمان. ↑
- () الضربُ: الرجل الخفيف اللحم، وذو العِبَالة: الغليظ الضخم، والدَّرْحاية: الكثير اللحم القصير السمين. ↑
- () الثفال: الجلد الذي يبسط تحت رحى اليد ليقي الطحين من التراب. ↑
- () السحاية أو السحاءة: قطعة من القِرْطاس. ↑
- () أمُّ دَفَر: الدنيا، الفِحَا (بفتح الفاء وكسرها): التوابل والأبزار. ↑
- () صححها وقدم لها الدكتور محمد جواد مشكور. ↑
خوزستان
تقع خوزستان البالغة مساحتها سبعون ألف كيلومتر مربع تقريباً في الجنوب الغربي من إيران، يتكون سطحها من منطقة جبلية وأخرى سهلية. والمنطقة السهلية فيها تكوّنت بفعل الترسبات التي خلفتها المرحلة الثالثة من مراحل علم طبقات الأرض «الجيلوجيا». هذه المنطقة التي تمتد بانحدار مناسب ـ نحو الجنوب لتصل سواحل الخليج الفارسي، يشكل القسم الأعظم منها ترسبات أنهار كارون والكرخة والجراحي. أما المنطقة الجبلية فإنها تقع في شمال خوزستان وفي شرقها. وتشكل جبالها في الحقيقة القسم الجنوبي من جبال «زاجرس» التي تأخذ بالانخفاض شيئاً فشيئاً كلما سرنا باتجاه المنطقة السهلية.
إن أهم الأنهار في منطقة خوزستان هو نهر الكرخة الذي ينبع من الأجزاء الجنوبية لجبال الوند، واشتهر ـ على مر التاريخ ـ بأسماء أخرى مثل: «گاماساب» أي النهر الكبير، ونهر الشوش، ودجلة العميا، وشط الحي.. ومن الأنهار الأخرى نهر كارون ومنبعه منطقة (زردكو بختياري). يتفرع هذا النهر في المحمرة (خهرمشهر) إلى رافدين: أحدهما «بهمنشهر» ويمر من شرق عبادان ليصب في الخليج الفارسي، والآخر هو نهر كارون نفسه ويصب في شط العرب.
ومن أنهار خوزستان الأخرى: نهر «دز»، ونهر «مارون» أو «الجراحي»، ونهر «خير آباد».
أما بالنسبة لمناخ خوزستان فما عدا المناطق الجبلية المرتفعة حيث يعتدل المناخ فيها إلى حدٍّ ما، فإنه عموماً حارّ جداً في فصل الصيف، ويكون رطباً شديد الحرارة عندما تهب رياح حارة رطبة. أما في فصل الشتاء فالجو ليس بارداً جداً. والأمطار قليلة جداً، ونادراً ما يسقط الثلج.
تهب في هذا الفصل رياح باردة قادمة من ناحية الجبال لكن سرعان ما تختفي حين تصطدم برياح ساحلية حارة تواجهها.
كما تهب على خوزستان ريح قادمة من الحجاز تسمى (ريح السموم) وهي ريح شديدة الحرارة لا تطاق. وكما يقول صاحب كتاب «نزهة القلوب» فإن هبوبها يحرم الناس من الاستمتاع بالهواء الطلق حتى في الليل.
يصل عدد السكان في خوزستان إلى أكثر من مليونين، يعيش أكثرهم بالقرب من أنهار المنطقة.. وبالإضافة إلى وجود الزراعة في القرى والأرياف وانشغال الناس فيها، فإنّ هناك أعمالاً أخرى يمارسها الناس في مدن خوزستان المهمة مثل: البتروكيمياويات التي تساهم في تشغيل طاقة بشرية كبيرة، كما لها تأثيرها على ارتفاع المستوى المعيشي والدخل الفردي للناس. ومدن خوزستان المهمة هي: الأهواز، عبادان، ميناء معشور (بندر ماهشر)، باب هاني (بهبهان)، المحمّرة (خرمشهر)، الخفاجية (سوسنگرد) والحويزة والبستين والحميدية وتسمى هذه المناطق بالفارسية (دشت آزدگان)، رامهرمز، تستر (شوشتر) مسجد سليمان، أنديمشك، دزفول، إيذة.
في خوزستان أكبر مصفى للنفط في الشرق الأوسط، هو مصفى عبادان حيث تبلغ قدرته الحدّية لتكرير النفط وتصفيته (600) ألف برميل يومياً… وفي الأهواز معمل «نورد» لصناعة الفولاذ والأنابيب. وصناعات أخرى بحرية وغير بحرية، كما أن هناك صناعة إنشاء المراكب وبنائها، وقد ساعدت هذه الصناعات على توفير أرضية واسعة في مجال المنتوجات الصناعية.
على صعيد الزراعة فإن وجود الأنهار في خوزستان جعلها في وضع جيد تقريباً حيث بلغ إنتاج الغلاّت سنة (1983م) ما يقارب مليون طن مع وجود الحرب، كما أن القمح وحده إنتاجه حوالى ستمائة ألف طن. وهناك سكر القصب أحد المنتوجات الزراعية في المنطقة حيث دلّت الإحصائيات الواردة على أن إنتاج السكر بلغ في تلك السنة مائتي ألف طن… وهناك التمور وهي من المحاصيل المحلية وقد بلغ إنتاجها مائة وخمسين ألف طن.
أُطلق اسم خوزستان على المنطقة مأخوذاً من اسم قوم سكنوا مناطقها الجبلية قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة وهم الكيشيون أو الكوشيون وكانوا يعيشون فيها قبل الإيلاميين والآريائيين. وكانوا يذكرون في التاريخ حتى عصر الإسكندر.
إن كلمة (كوشي) التي تبدلت فيما بعد إلى (خوزي) كانت تلفظ (حوزي) أيضاً.
لهذا فإنّ خوز كانت محلاً لسكنى هؤلاء القوم. وقد سكن فيها أقوام آخرون حطّ منهم جماعة كانوا قد جاؤوا من الجبال المحيطة بسهل سوزيانا (الشوش) وأسّسوا فيها حكومة «عيلام». فأصبحت خوزستان مع مناطق من «لرستان» و«البختياري» جزاءً من دولتها آنذاك، علماً أن لفظ «عيلام» هو نفسه «حلامتو الأكدي» الذي يتكرر ذكره في النقوش الهخامنشية والإيلامية المحلية.
كان الإيلاميون يطلقون على حكومتهم اسم «أنزل سوسكونكا» أو «إنشان سوزيانا» وكانت هذه الحكومة قد تشكلت في الألف الثالث قبل الميلاد ومع تعاقب الزمن استطاعت القضاء على الحكومة السومرية والأكدية.
بعد ذلك دخل الأيلاميون في حرب مع البابليين، استبيحت بابل على أثرها. وفي تلك الفترة بالذات دخل الكاسيونيون (الخوزيون) في طاعة الإيلاميين.
من أشهر ملوك إيلام في تلك الحقبة «شيل خاكين شوشناك» وكان من أهل الفن ورعاته.
وأخيراً تم القضاء على الحكومة الإيلامية من قبل «آشور» في القرن السابع قبل الميلاد وبما أن حروباً كثيرة كانت قد نشبت بين «إيلام» و«آشور»، وقتل على أثرها عدد كبير من الناس وفر الباقون أو أسروا لهذا لم تعد بعض المدن والولايات، ولا سيما «شوش» عاصمة إيلام نفسها، آهلة بالسكان بل أضحت قفرى لا أحد فيها.
في العهد الهخامنشي صارت خوزستان جزءاً من الإمبراطورية الهخامنشية. واستطاعت أن تستعيد مكانتها السابقة كما أن الملوك الهخامنشيين اتخذوا من «شوش» عاصمة شتوية لهم.
في المرحلة التي تلت عصر الإسكندر وقعت خوزستان تحت سيطرة «سولوكس» فأصبحت جزءاً من المملكة السولوكية سنة (312) قبل الميلاد.
وقعت خوزستان أيضاً في زمن «أشك السادس» أو «مهرداد الأول» (174 ـ 136ق.م) في قبضة الأشكانيين. وظلت كذلك مدة أربعمائة سنة إلى أن دحر «أردشير بابكان» (224 ـ 241م) «الأردوان الأشكاني الخامس» في منطقة رامهرمز من مناطق خوزستان، وكانت هذه المنطقة هي أول المناطق التي وقعت تحت الاحتلال الساساني.
ظلت خوزستان جزءاً لا يتجزأ من الحكومة الساسانية طيلة الفترة التي حكمت فيها، والبالغة (416 سنة) وقد بذل الساسانيون جهودهم في سبيل إعمارها. وما جسر دزفول وجسر شوشتر، وخربة أيوان الكرخة وسد الأهواز وسد والرين (سد شادُروان) إلاّ شواهد على الإعمال الحاصل في تلك الفترة.
وازدهرت جامعة «جندي شاپور» في الأهواز في زمانهم ازدهاراً ملحوظاً وهي محل تلاقح الأفكار وتبادل الآراء الفلسفية والفكرية من أجل تقدم البحوث العلمية والطبية ورُقيها.
بدأت جهود المسلمين لفتح خوزستان من السنة الثانية عشرة للهجرة واستمرت حتى السنة الثامنة عشر حيث دحر المسلمون «هرمزان» قائد الجيش الفارسي في رامهرمز. فخضعت المنطقة بأسرها للهيمنة الإسلامية… وعلى أثر ذلك هاجر إليها العرب ليسكنوا فيها.
كان لخوزستان وفارس حاكم واحد في العصر الأموي والعباسي، وكانت المنطقة جميعها تدار أحياناً من البصرة وأحياناً أخرى من فارس.
في سنة (261هـ) وقعت خوزستان تحت سيطرة محمد بن واصل الذي كان قد تمرد على الخليفة العباسي ولكن سرعان ما خرجت من قبضته بعد هجوم يعقوب بن الليث الصفّار عليها، واحتلاله لها سنة (262هـ) وبقي فيها حتى وفاته سنة 265هـ.
في تلك الفترة ظهر صاحب الزنج فسيطر على جزء آخر من خوزستان.
بعد أسر عمرو بن الليث الصفّار أخي يعقوب، وقعت خوزستان مرة أخرى تحت قبضة أتباع الخليفة العباسي. وبقيت على حالها ذلك حتى سنة (326هـ) حيث سيطر عليها وعلى فارس «عماد الدولة الديلمي».
في القرن الخامس الهجري تسلم السلاجقة مقاليد الأمور في خوزستان مرتين، الأولى بواسطة الديالمة وصاحبهم (أبو كاليجار الديلمي) والثانية بصورة مباشرة دون تعيين من قبل أحد.
في القرن السادس حكم خوزستان شخص اسمه «شملة» من القبيلة الأفشارية التي كانت قد هاجرت إلى خوزستان وتوطنت هناك. وبقي في الحكم مدة، ثم خلفه أولاده وأحفاده في حكومتها. لكن اختلافهم مع الخليفة أعطاه فرصة أخرى ليستعيد قدرته عليها بعد سنة 590هـ. وعلى أثر استعادة قدرته عليها، أصبح في مواجهة مع أتابكة لرستان «أمراء فضلوية» وأتابكة فارس. ومن سنة «600هـ» إلى سنة «623هـ» كانت خوزستان مسرحاً لاحتلال متناوب بين أتابكة فارس من جهة، وجلال الدين خوارزمشاه من جهة أخرى، والخليفة العباسي من جهة ثالثة ولكن لم تدم الحالة إذ وقعت خوزستان مرة أخرى في قبضة الخليفة العباسي بعد أُفول شمس السلطان الخوارزمشاهي. وبقيت على هذا الحال حتى مجيء هولاكو إلى إيران وسقوط الخلافة العباسية فسيطر عليها الأيلخانيون.
في سنة (723هـ) تشكلت حكومة آل مظفر في فارس من قبل «مبارز الدين محمد» واستمرت حتى سنة (785هـ) أي سبعين سنة، حكمت خلالها على جزء من خوزستان. وحكم الجلائريون خوزستان بعض الوقت في أواخر أيام سلطنتهم.
في أواسط القرن التاسع هاجم السيد محمد المشعشع الحويزة، ومع كافة الجهود التي بذلها عملاء الحكومة التيمورية لإخراجه منها لكنها لم تثمر، وتلا تحرك السيد المشعشع تقاطر العرب على خوزستان حتى قسمت تدريجياً إلى منطقتين: واحدة: للعرب. والأخرى: لغيرهم.
وقد ساعدت الدولة البويهية في القرنين الرابع والخامس، وكذلك حكومة المشعشعيين الشيعية، وبعدها حكومة الصفويين على انتشار المذهب الشيعي بين أهالي خوزستان تدريجياً حتى عمّ المنطقة بأسرها بحيث لا يشكل غير الشيعة الآن إلاّ نسبة ضئيلة يعيشون في القرى والأرياف. ولم يكتف المشعشعيون بالسيطرة على جميع خوزستان، بل تقدموا حتى وصلوا حدود بغداد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم كانوا يحكمون مناطق كهگيلويه وموانىء الخليج الفارسي، ومنطقة البختياريين ولرستان.
وقعت خوزستان في أوائل القرن العاشر تحت سيطرة الشاه إسماعيل الصفوي. وفي سنة (929هـ) تمردت أسرة الرعناشي التي كانت تحكم خوزستان من قبل الشاه إسماعيل ضد الحكومة الصفوية، وواصلت تمردها حتى سنة (948) حيث وجّه الشاه طهماسب جيشاً إلى خوزستان للقضاء على ذلك التمرد وأفلح في ذلك. لكن عادت الأوضاع باشتعال نار الفوضى والاضطرابات مرة أخرى في المناطق الغربية من خوزستان بعد موت الشاه طهماسب، إذ استقل السيد سجاد المشعشعي بالأمور وصار له موقع جديد. بقي هذا الوضع على حاله حتى مجيء الشاه عباس الذي استطاع دحر المشعشعيين والأفشاريين الذين تمردوا سلفاً في آن واحد، وقضى عليهم. بعدها ضمّ خوزستان إلى الحكومة المركزية.
إبان الحكم الصفوي والأفشاري كانت خوزستان مسرحاً للفوضى والاضطرابات. لكن عندما توجه إليها نادر شاه عن طريق فارس سنة (1142هـ)، وبعد توقفه في رامهرمز أياماً، وتوجهه إلى شوشتر عن طريق الأهواز، اعتقل رؤساء القبائل العربية، ثم أبعدهم بعد ذلك إلى خراسان.
وبعد رجوعه تحالف «محمد خان البلوچ» و«أبو الفتح خان» وإليه على شوشتر، وأعلنا تمردهما عليه فعاد ثانية وسيطر على خوزستان محكماً قبضته عليها بإطفاء نار التمرد وقام بقطع أيدي الولاة المشعشعيين عن خوزستان تماماً وكذلك قام بتوحيد منطقتيها اللتين مرَّ ذكرهما وجعل مدينة الحويزة مركزاً لها. لكن هذه الحالة لم تستمر إذ توفي نادر شاه، وبعد وفاته عادت خوزستان إلى ما كانت عليه من فوضى واضطرابات، وعاد المشعشعيون ومعهم بنو كعب فأعلنوا عن عصيانهم ومعارضتهم. ولما سمع «كريم خان زند» توجه بمجرد تسلمه السلطة إلى خوزستان ودخل شوشتر دون مقاومة وأفلح في القضاء على عصيان بني كعب مع المشعشعيين..
انقسمت خوزستان في أواخر الحكم الزندي وأوائل الحكم القاجاري إلى مناطق مستقلة لها حكوماتها. فكانت لدزفول وشوشتر وآل كثير والكعبيين والمشعشعيين حكومات خاصّة بهم لها استقلاليتها.
بعد مقتل «آغا محمد خان» في بداية حكم فتح علي شاه خمدت نار الاضطرابات تدريجياً. وقسم فتح علي شاه خوزستان إلى قسمين مستقلين: الشمالي ويشمل شوشتر، دزفول، والحويزة وجعله تابعاً لحاكم باختران «محمد علي ميرزا. والفلاحية، وجعله تحت حكم حسن علي ميرزا حاكم فارس.
من الأحداث المهمّة التي عاشتها خوزستان إبان الحكم القاجاري هي حرب إيران والإنجليز التي أدّت إلى سقوط المحمرة واستقرار القوات البريطانية في الأراضي الإيرانية.
في سنة (1305هـ) أصبحت خوزستان ولاية واحدة لها حاكم تعيّنه طهران. لكن لم تستقر على هذه الحالة إذ كان البختياريون في شمالها وآل كعب في جنوبها يتدخلون في شؤونها، ويتغلغلون في دوائرها، وكان الحكام القادمون من طهران يواجهون هذه الحالة بتحريض من الشيخ خزعل من جهة والبختياريين من جهة أخرى.
إن المسائل الاجتماعية التي كانت تعيشها خوزستان بعد سقوط الحكومة الصفوية هي باختصار ما يلي:
1 ـ العداء بين العرب والإيرانيين.
2 ـ تدمير الزراعة الواسع، واستبدال مناطق سكن القبائل والعشائر المختلفة من عرب مهاجرين أو لُر أو بختياريين رُحَّل بالأراضي الزراعية.
3 ـ التعرض المستمر للقوافل التجارية وسلبها من قبل بني لام «إحدى القبائل المهاجرة».
4 ـ تضعضع أركان السلطة المركزية الذي أدّى إلى تردي الوضع الإداري، وعدم الاهتمام بالناس، وتشكيل حكومات مؤقتة.
5 ـ الضغط الذي كان يمارسه ممولو الضرائب كما كان شيوخ العرب أحياناً يأخذون الضرائب من الناس خمس إلى ست مرّات سنوياً.
بعد اكتشاف النفط في مدينة «مسجد سليمان» في أوائل القرن العشرين، طرأ تحسن نسبي على أحوال الناس، وعندما تمّ تأسيس السكك الحديد العامة التي ربطت بين طهران والأهواز تطورت خوزستان وصارت في وضع أحسن من السابق نوعاً ما.
خوزستان والشيخ خزعل
كان الشيخ خزعل عميلاً للإنجليز وحليفاً لهم سواء في وقت منح امتياز نفط الجنوب لـ«دارسي» من قبل «مظفر الدين شاه» سنة 1319هـ (1901م)، أو عند نشوب الحرب العالمية الأولى.
بما أن الإنجليز طردوا الأتراك من خوزستان. وتقدموا داخل العراق أيضاً لذلك مسكوا زمام الأمور في أرجاء خوزستان وحشدوا جيشاً في المحمرة (خرمشهر) والأهواز والشوش، وأسسوا دائرة سياسية أو قنصلية في كل من شوشتر ودزفول، وكذلك فتحوا فيها دائرة للعدل… وسيطروا على دوائر البريد والبرق في كل مكان وعينوا لها مسؤولين منهم.
كان هذا الوضع سائداً اعتباراً من سنة 1323 وحتى 1339هـ… وأطلق الشيخ خزعل على نفسه لقب «أمير عربستان» [وعربستان هي الاسم الذي أطلقه هو نفسه على خوزستان] على أي حال لم يدّخر الشيخ خزعل وسعاً لتحقيق أمانيه، وكانت تعينه على ذلك مقدرته وثروته. لكن في سنة (1339هـ) كُلّف رئيس الوزراء آنذاك وهو (رضا شاه) الذي أسس فيما بعد السلالة البهلوية وصار ملكاً على إيران، كُلّف بالتوجه إلى خوزستان لإلحاق كافة مناطقها بالحكومة المركزية، فتحرك نحو الجنوب بعدّة وعدد كافيين. ومع أن قوات الشيخ خزعل كانت أكثر من القوات الحكومية، لكن هزيمة أنصاره وتفرقهم أدّت إلى اضطرابه فلم يجد بُدّاً من الاستسلام، وبالفعل استسلم للقوات الحكومية، وعلى أثر ذلك أُلحقت خوزستان بالحكومة المركزية وصارت تابعة لها.
سيد حسين رئيس السادات
المدن والقبائل
تقسم خوزستان إلى قسمين القسم الشمالي والقسم الجنوبي وأهم مدن القسم الشمالي الأهواز (وهي القاعدة) والحويزة وعسكر مكرم (بندقير) وشوشتر ودزفول وغيرها. وأما القسم الجنوبي فأهم مدنه المحمرة (خرم شهر) ورامهرمز وغيرها. وعبادان والفلاحية وبندر معشور والهنديان ويتبع هذه المدن كثير من القرى والقصبات.
وأهم قبائل خوزستان اليوم التي تقطن القسم الشمالي هي: آل كثير وبنو طرف وبنو سالة وبنو لام وبنو مالك وبنو خالد وبنو تميم وآل خميس وزبيد وربيعة.
وأما قبائلها الجنوبية فهي: بنو كعب وبنو تميم.
لمحة تاريخية
فتح المسلمون هذا الإقليم عام 19هـ 640م في عهد عمر بن الخطاب (رض).
ولما قامت الدولة الأموية خضع هذا القطر لها في بادىء الأمر إلى أن أعلن الخوارج (الأزارقة) ثورتهم على الأمويين في عصر يزيد بن معاوية فشملته تلك الثورة وصار بعد ذلك مسرحاً للحروب التي دارت بينهم وبين المهلب بن أبي صفرة في عصر عبدالله بن الزبير، وفي ولاية الحجاج الثقفي على العراق إلى أن أخمدت تلك الثورة فاستقرت الأحوال.
ولقد كان لخوزستان في العصر العباسي أدوار سياسية هامة فقد طغت عليها ثورة صاحب الزنج الذي وصلت غاراته إلى الأهواز فاضطر والي الأهواز لمحاربتهم إلا أنه لم يستطع الصمود فانهزم وهو يرى بعينيه قصبة ولايته (الأهواز) تنهب وتسلب وتدمر وقد خربت على يدهم كثير من مدن خوزستان وذلك عام 261هـ (874م) ولما ولَّى المعتمد أخاه الموفق أمر مقاتلة صاحب الزنج وولى الموفق من قبله مسرور البلخي على البصرة والأهواز لتمكن مسرور من استخلاص الأهواز من صاحب الزنج وفي خلال ذلك شن يعقوب بن الليث الصفار حملة على قوات الموفق التي في الأهواز سنة 262هـ (875م) ولكن الموفق انتصر عليه.
وفي شهر ربيع الثاني عام 277هـ (889م) شخص الموفق إلى الأهواز فأصلح ما أفسده الزنج وعاد إلى البصرة.
وفي شهر رمضان سنة 322هـ (933م) سارت عساكر مرداويج قاصدة خوزستان واستولى عليها.
ولم يطل عمر مرداويج بعد هذا أكثر من عام واحد ففي سنة 323هـ (934م) مات ثم انتهى أمرها إلى أبي عبدالله البريدي.
وفي عام 324هـ (935م) تغلب عمال الأطراف في زمن الخليفة أبي العباس أحمد (المقتدر) واستولوا على ما بيدهم فكانت الموصل وديار بكر وربيعة ومضر بيد بني حمدان والبصرة وواسط بيد ابن رائق وخوزستان بيد البريدي ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها.
وفي سنة 325هـ (936م) بعث محمد بن رائق جيشاً بقيادة بجكم لمحاربة البريدي واستخلاص خوزستان من يده فالتحق البريدي بعماد الدولة بن بويه مستنجداً به فأرسل معه أخاه معز الدولة الذي استولى بقواته على خوزستان وخضعت لسلطان البويهيين فأولوها اهتمامهم وعنايتهم واتخذها بهاء الدولة مقراً لسلطنته وبقيت كذلك إلى آخر العهد البويهي عام 447هـ (1055م) ثم قامت الدولة السلجوقية غير أن أمر خوزستان في عهد هذه الدولة لم يتميز بشيء ذي بال وأهم من استولى عليها في هذا العصر (برسق وبنوه) ثم تولاها (بوزابة) وفي عهد ملك شاه بن السلطان محمود استخلصها شملة وكانت تحت إدارته من عام 550هـ (1155) إلى عام 570هـ (1174) ولما مات شملة اختلف بنوه من بعده على إمارة خوزستان فضعف أمرهم.
وفي عام 575هـ (1179م) ولي الناصر لدين الله العباسي الخلافة فأصلح ما فسد من الأمور ونظم الدولة وأعاد هيبتها إلى النفوس وأكثر من الجند. ولما أسند أمور الوزارة إلى مؤيد الدين عبدالله بن علي المعروف (بابن القصاب) كانت خوزستان يومئذٍ بيد أولاد شملة وهم مختلفون فيما بينهم فطلب الوزير من الخليفة أن يرسل معه العسكر إلى خوزستان ليمتلكها فأجابه الناصر لذلك فخرج في سنة 597هـ (1202) وحارب بني شملة وتغلب عليهم وملكها وأرسل بني شملة إلى بغداد.
فولى الناصر على خوزستان (طاش تكين) وفي سنة 602هـ (1205) توفي (طاش تكين) فولى الناصر مكانه صهره (سنجر) وهو من مواليه ثم بلغ الناصر أن (سنجر) ينوي العصيان فكتب إليه في عام 606هـ (1209م) يستقدمه إلى بغداد فاعتذر (سنجر) عن ذلك فبعث إليه الناصر عساكر بقيادة وزيره مؤيد الدين محمد بن محمد القمي ومعه عز الدين بن نجا الشرابي ولما قاربت تلك الجيوش خوزستان هرب (سنجر) ودخلت جيوش الخليفة خوزستان في شهر ربيع الأول عام 609هـ (1212م) فولى الناصر عليها (ياقوت أمير الحاج).
وكان للناصر ولد اسمه علي فلقبه (بالملك الأعظم) ورشحه لولاية العهد وعزل عنها ابنه البكر فمات علي في شهر ذي القعدة عام 610هـ (1212م) وكان قد ترك ولدين هما الحسن (المؤيد لدين الله) والحسين (الموفق بالله) فأرسلهما الناصر إلى خوزستان يوم الخميس ثاني المحرم عام 613هـ (1216م) وبعث معهما العساكر بقيادة وزيره مؤيد الدين وعزل عنها ياقوت ثم عاد الحسن (المؤيد لدين الله) مع الوزير الشرابي إلى بغداد في شهر ربيع الأول وأقام الحسين (الموفق بالله) حاكماً على خوزستان.
وظلت خوزستان بعد الناصر في يد الخلفاء العباسيين إلى أن تدفقت جيوش المغول واكتسحت البلاد وقضت على الدولة العباسية عام 656هـ (1258م).
وبعد سقوط الدولة العباسية لم يستقر الوضع في خوزستان فقد تولتها دول كثيرة كالدولة الجنكيزية والأليخانية والتيمورية والجلائرية والمشعشعية والصفوية وغيرها.
الدولة المشعشعية
نشأت دولة المشعشعيين في خوزستان سنة 844هـ وكانت قاعدتها مدينة الحويزة. وقد أطلقت عليهم عدة أسماء، منها ما أطلق أولاً على بعض زعمائهم ثم أصبح علماً لهم جميعاً، وهي:
1 ـ آل المشعشع: نسبة إلى مؤسس دولتهم محمد بن فلاح الذي لقب بالمشعشع ويعلل بعضهم سبب هذا التلقيب بأسباب لا يمكن الركون إليها.
وقد أخذ الشاعر السيد جعفر الحلي في شعره بأسباب هذا اللقب، لا اعتقاداً بل خيالاً شعرياً، فقال من قصيدة:
مشعشع الخدِّ كَمْ دبت عقاربه
بوجنتيه وكم سابت أفاعيه
وسجر النار في قلبي وحل بها
إن المشعشع نار ليس تؤذيه
كما لقب محمد بن فلاح بالمهدي لادّعائه المهدوية.
2 ـ آل فلاح: نسبة إلى فلاح والد محمد بن فلاح.
3 ـ الموالي: نسبة إلى علي بن محمد وهو أول من لقّب بهذا اللقب من المشعشعيين ثم سموا به جميعاً.
4 ـ آل خان: نسبة إلى علي خان بن خلف.
وبعد أن تشعبت الأسرة حملوا عدة ألقاب منها: آل حيدر وآل سجاد وغير ذلك من الألقاب التي تطلق على بعض طوائفهم في العراق وخارجه.
وقد خرج فيهم فقهاء وأدباء ومؤلفون. وكانت لهم مكتبة عامرة احتوت على مختلف الكتب في شتى المعارف والعلوم والفنون بينها مؤلفات لرجالهم، وازدادت في عهد المولى خلف ابن مطلب، ثم أضاف إليها ولده السيد علي خان في أواخر القرن الحادي عشر الهجري شيئاً كثيراً بينه مؤلفاته.
وبعد زوال إمارتهم من الحويزة سنة 1300هـ تشتّت المكتبة بين العراق وإيران.
ومؤسس أمر المشعشعيين هو محمد بن فلاح المولود بواسط والمتتلمذ على أحمد بن فهد الحلي، فقد ادّعى المهدوية سنة 840هـ وحاول جمع الأعوان حوله وتنسب إليه شعوذات قام بها في هذا السبيل مما أدى إلى تكفيره وإهدار دمه لا سيما من أستاذه الحلي، ووجد في آخر الأمر من يقول بقوله وصار له جمع قاتل به سنة 844هـ في شوخة من قرى جصان وكان قد ارتحل إليها.
وبعد انتهاء هذا القتال الذي أصيب أنصاره فيه بالقتل والأسر عاد بهم إلى مواطنهم الأصلية وهي: البثقة، والنازور، والغاضري، ثم ارتحلوا إلى الدوب بين دجلة والحويزة، وهو في الأصل منازل (المعادي) الذين انضموا إليه.
وأول معاركه التي انتصر فيها هي التي كانت في الحويزة سنة 844هـ حين جاء العامل ليجمع الضريبة المقررة على الناس، فدعاهم محمد بن فلاح إلى التمرد على ذلك وانتصر بهم وصارت له سلطة، وتتابع له وقائع انتصر بها ثم سيطر على الجزائر ولكن جيشه الذي أرسله إلى واسط انهزم وقتل منه مقتلة مما أدى الى تركه الجزائر والنزول في الحويزة في أول رمضان سنة 845هـ وكان لا بد له من القتال حتى سيطر على الحويزة ثم انضمت إليه جماعات من عدة قبائل قوّت أمره مما جعله يهاجم البصرة. ثم استولى على المجرة والدورق ودزفول وغيرها. وفي سنة 857هـ (1454م) استولى على واسط وكان يقود جيوشه ابنه علي الذي لم يتورع عن العيث فساداً ثم احتل مدينة الحلة وأحرقها وخربها وقتل من بقي فيها، ثم رحل عنها إلى النجف وكربلاء ونهبهما ونهب ما في قبر أمير المؤمنين مما هو مودع فيه من الذخائر النفيسة حتى (السجاد) وكذلك في كربلاء ودخل بفرسه إلى داخل الضريح وقتل الناس مقتلة عامة بعدما جعل القبة مطبخاً للطعام. وأحرق ما هو دائر على قبة الإمام. وذلك في شهر شوال سنة 858هـ.
وفي سنة 860؟هـ (1456م) كان علي هذا يمشي إلى طريق خراسان من ولاية بغداد فينهب ويقتل ويأسر الذراري ويسبي النساء واحتل مدينة بعقوبة وسلمان باك وقتل مشايخ سلمان باك وأسر الباقين. ثم بلغه إقبال الجيوش إليه فانسحب عائداً إلى الحويزة. وفي سنة 861هـ قتل علي أثناء حصاره قلعة بهبهان.
ويقول صاحب (مجالس المؤمنين) أن علياً كان في أواخر أيام أبيه هو المسيطر الفعلي وأنه خرج عن الإسلام مدّعياً أن روح الإمام علي (عليه السلام) قد حلت فيه وأن الأمر قد وصل فيه إلى ادعاء المهدوية أولاً ثم الألوهية.
وعلى هذا الغلو قامت (المشعشعية) وتوفي محمد بن فلاح في 7 شعبان سنة 866هـ وتوالى خلفاؤه حتى سنة 914هـ وكانت قد قامت الدولة الصفوية وفتح الشاه إسماعيل بغداد وكان يتولى أمر المشعشعيين علي وأيوب ولدا محسن. وعند رجوع إسماعيل من بغداد توجه إلى الحويزة وقتل الأخوين مع أعيان من رجالهما واستولى على الحويزة وسيطر على خوزستان كلها.
وبعد فترة استطاع فلاح بن محسن المشعشعي أن يسترضي الشاه إسماعيل، فعينه حاكماً على الحويزة وبعض خوزستان تابعاً للسلطة الإيرانية.
ومضى المشعشعيون بعد ذلك في مد وجزر إلى أن آل أمرهم أن حكمهم لم يتعد الحويزة وسوادها.
وفي عهد الدولة الزندية (1176هـ 1202هـ) أرسل مؤسسها كريم خان حملة بقيادة أخيه صادق على الحويزة في عهد محمد المشعشعي فانهزم محمد ولجأ إلى الأهوار بين الحويزة والعمارة، ولكن بعد موت كريم خان استرجع محمد الحويزة واستقر بها.
وانتهى حكم المشعشعيين بحكم مطلب بن نصر الله سنة 1300هـ (1882م) وذلك على يد الشيخ خزعل المرسل بحملة من أخيه الشيخ مزعل فاشتبك بقوة مطلب التي لم تلبث أن انهزمت وفر مطلب إلى مدينة دزفول حيث أقام فيها إلى أن مات.
وهكذا انتهت دولة المشعشعيين الذين كانوا قد حملوا اسم الموالي بعد أن عاشت حوالي خمسة قرون. وحلت محلها في الحويزة إمارة كعب التي سادت خوزستان.
وتفرق المشعشعيون في العراق والكويت وإيران والمحمرة.
بنو كعب
1 ـ آل أبو ناصر: خلفت الدولة الصفوية في إيران الدولة الأفشارية على يد مؤسسها (نادر شاه) وقد وافق انقراض الدولة الصفوية ضعف الدولة المشعشعية أيضاً وانقسام مملكتهم بين القبائل الشمالية من خوزستان أما القبائل الجنوبية فقد كان لها شأن غير شأن القبائل الأخرى فقد ظل كيانها قوياً لم يؤثر فيه النفوذ الإيراني كثيراً وبقيت مناطقهم حصينة آمنة وقد كانت رئاسة القبائل الجنوبية إلى بني كعب المعروفين (بآل بو ناصر) وكانوا قد اتخذوا مدينة (القبان) مقراً لإمارتهم وبحكم موقعها الجغرافي اضطروا لتشييد أسطول بحري كبير وبواسطته تمكّنوا من نشر نفوذهم في الخليج الفارسي وفي شط العرب وكان الشيخ سلمان من أهم وأقوى من تولى الأمر في بني كعب.
ولمّا قتل نادر شاه عام 1160هـ رحل الشيخ سلمان مع قسم من قبائل بني كعب من القبان إلى مدينة الدورق وأبدل اسمها بالفلاحية واتخذها مقراً لهم.
2 ـ آل بو كاسب: بعد انهيار الدولة الأفشارية في إيران قامت الدولة الزندية على يد كريم خان وعلى أنقاض الدولة الزندية قامت الدولة القاجارية بزعامة محمد شاه وكانت إيران في عهد هذه الدولة مؤلفة من مجموعة حكّام ومقاطعات وكل حاكم مستقل داخلياً وعلاقته محدودة مع الحكومة المركزية وكان إقليم خوزستان أقل ارتباطاً بالحكومة الإيرانية من بقية الأقطار (ولا سيما القسم الجنوبي) وكان حكّامه عندما يشعرون بضعف الحكومة الإيرانية يظهرون العصيان ويعلنون استقلالهم ويحاربون من يتعرض لمصالحهم فترسل الحكومة الإيرانية الجيوش وتشتبك معهم.
وبعد أن ترك آل بو ناصر مدينة القبّان ومنطقة شط العرب تخلف عن المسير ثلاثة من قبائل كعب وهي النصار والدريس وآل بو كاسب ومن هنا انقسمت بنو كعب إلى قسمين قسم الفلاحية وقسم المحمرة وكانت رئاسة قبيلة آل بو كاسب إلى مرداو ثم خلفه ولده الأكبر الحاج يوسف.
وفي عصر الحاج يوسف شيدت مدينة المحمرة (خرّم شهر) عام (1229هـ 3/1812م) ثم تولى الرئاسة من بعده أخوه الحاج جابر، وفي عهد هذا الأمير اتّسعت المحمرة وسطع نجمها وصارت هدف الخلاف بين الدولتين العثمانية والإيرانية تدّعي كل من الدولتين ملكيتها.
وفي العام 1253هـ (1837م) هاجمت قوات والي بغداد (علي رضا باشا) المحمرة وانضم إليه عرب زبيد بقيادة شيخها وادي وآل عقيل بقيادة سليمان وعرب نجد بقيادة ابن مشاري وبنو طي وعرب السعدون بقيادة أميرهم طلال، فقاومهم الشيخ جابر ولكن علي رضا استطاع دخول المحمرة فأصابها التدمير والخراب. وفي ذلك يقول الشاعر العراقي الموصلي عبدالباقي العمري المقرب من علي رضا من قصيدة حشاها بالبذاءات المذهبية مما يأخذ به هؤلاء القوم كلما سنحت لهم الفرصة، وما تركناه من القصيدة هو أشد بذاءة مما أخذناه:
فتحنا بحمد الله حصن المحمره
فأضحت بتسخير الآله مدمره
بسيف علي ذي الفقار الذي لنا
لقد أخلصت صقلاً يد الله جوهره
و(جابر) أورثناه كسراً (بكعبه)
وليس لعظم قد كسرنا مجبره
غدا هارباً يرجو النجاة بنفسه
وخلى قناطير التراث المقنطره
ونخل أمانيه (بمكتوم) خبثه
عثاكلها في غدر (تامر) مثمره
على ساقها قامت (لكعب) قيامة
فنزلت بهم أقدامهم متعثره
غدوا طعمة للجيش إلا أقلهم
قد اتّخذوا من شط (كارون) مقبره
فكارون يحكي (النهروان) وهذه الـ
الخوارج والغازي الغضنفر حيدره
سقى الرفض ساقي الحوض كأس منية
غداة وردنا بالمسرات كوثره
فيا عجباً من شيعة كيف تدعى
ولاء علي وهي عنه منفره
وأمست بنو (النصار) والرفض دينها
على ما دهاها من علي مفكره
قطعنا من (الدروند) حبل وريدهم
بل وأصبنا من طلى الرفض منحره
وآل (زبيد) صولجان رماحهم
دعا رؤسا (كعب) جماجمها كره
وقد سال (واديهم) وصال بجمعه
عليهم فأصبحن الجموع مكسره
وحفت به من آل (حمير) أسرة
فكانوا لنا عن قوم تبعّ تذكره
وآل عقيل مع سليمان شيخهم
على السور قد شاهدتها متسوره
وأقيال نجد لم نجد كطرادها
بيوم أثار ابن (المشاري) عثيره
وفارس (طي) في جحافل خيله
أتى بمساع في الحروب موفره
وخيل بني السعدون كر (طلالهم)
إلى أهله والخيل بالمال موقره
وطار بسر الباز صيت عقابنا
لهم فغدت شيراز منهم مطيره
وعن (كعب) الأخبار متهمة سرت
ومنجدة فيها الرواة ومغوره
وفي مجمع البحرين آيات حربنا
عن الخضر يرويها الكليم مفسره
و(جابر) في حصن الكويت قد التجا
إلينا وقاد الصافنات المضمره
وقد شملته من علي مراحم
وخلعة فخر فيه كمل مفخره
(علي رضا) بالسيف حكم عبده
فقيل له عبد الرضا حين أمره
وطابت له سكنى (فلاحية) الهنا
وقد حاز من رستاق (تامر) أكثره
وفر لنحو الهنديان وقومه
لعباد الرضا انحازت وكرت مقهقره
ثم عقد سنة 1260هـ (1844م) مؤتمر عرف بمؤتمر أرضروم اشتركت فيه الحكومتان الروسية والبريطانية مضافاً إلى الحكومتين المتخاصمتين واستمرت المفاوضات ثلاث سنوات ثم انتهت بعقد معاهدة بتاريخ 13 جمادى الآخرة 1263هـ (1847م) عرفت بمعاهدة أرضروم ألحقت فيها المحمرة وعبادان وبعض المناطق الأخرى بالدولة الإيرانية، وألحقت السليمانية وتوابعها بالدولة العثمانية. وجاء فيها هذا النص:
«تتعهد الحكومة الإيرانية بأن تترك للحكومة العثمانية جميع الأراضي المنخفضة أي الأراضي الكائنة في القسم الغربي من منطقة ذهاب. وتتعهد الحكومة العثمانية بأن تترك للحكومة الإيرانية القسم الشرقي أي جميع الأراضي الجبلية في المنطقة المذكورة بما في ذلك وادي كرند وتتنازل الحكومة الإيرانية عن كل مالها من ادعاءات في مدينة السليمانية ومنطقتها وتتعهد تعهداً رسمياً بأن لا تتدخل في سيادة الحكومة العثمانية على تلك المنطقة أو تتجاوز عليها.
وتعترف الحكومة العثمانية بصورة رسمية بسيادة الحكومة الإيرانية على مدينة المحمرة ومينائها وجزيرة خضر والمرسي والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية اليسرى من شط العرب التي تحت تصرف عشائر معترف بأنها تابعة لإيران وفضلاً عن ذلك فللمراكب الإيرانية حق الملاحة في شط العرب بملء الحرية وذلك في البحر إلى نقطة اتصال حدود الفريقين».
وقد أثارت الدولة العثمانية في مذكرتها الإيضاحية المؤرخة 26/4/1847م المقدمة إلى السفيرين الروسي والبريطاني في اسطنبول بعض الأسئلة فذكرت في إيضاحها الأول كما يلي:
«يظن الباب العالي بأن الفقرة الواردة في المادة الثانية في مسودة المعاهدة والتي تنص على ترك مدينة المحمرة ومينائها ومرساها وجزيرة خضر لإيران لا يمكن أن تشمل أراضي الباب العالي المتضمنة خارج المدينة ولا موانيه الأخرى الواقعة في هذا الإقليم.
ويهم الباب العالي كذلك فيما يتعلق بالنص الوارد في فقرة أخرى من هذه المادة حول إمكان تقسيم العشائر التابعة فعلاً لإيران أي سكان نصفها الواحد في أراضي عثمانية ونصفها الآخر في أراضي إيرانية أن يعلم هل أن ذلك معناه أن تصبح أيضاً أقسام العشائر الموجودة في تركية خاضعة لإيران وبالتالي أن تترك كذلك لإيران الأراضي التي تحت تصرف تلك الأقسام؟ وهل سيكون لإيران الحق يوماً من الأيام في المستقبل في أن تنازع الباب العالي حق التصرف في الأراضي المذكورة».
فأجابها السفيران بمذكرة مشتركة بتاريخ 26/4/1847م بما يلي: «… بخصوص)[1]( أن مرسى المحمرة هو القسم الواقع مقابل مدينة المحمرة في قناة الحفار وهذا التعريف لا يحتمل أن يؤثر أي تفسير آخر من معناه وفضلاً عن ذلك فإن الممثلين الموقعين أدناه يشاطران الحكومة العثمانية الرأي القائل بأن ترك الحكومة العثمانية لإيران مدينة المحمرة وميناءها ومرساها وجزيرة الخضر في المنطقة المذكورة لا يعني تركها أية أرض أو موانىء أخرى موجودة في تلك المنطقة.
ويصرح كذلك الممثلان الموقعان في أدناه بأنه لن يكون لإيران الحق بأية حجة كانت من أن تقدم ادعاءات حول المناطق الكائنة على الضفة اليمنى من شط العرب ولا حول الأراضي العائدة لتركية على الضفة اليسرى حتى إذا كانت تقطن تلك الضفة أو تلك الأراضي عشائر إيرانية أو أقسام منها».
وأجابت الدولة الثعمانية بمذكرتها المؤرخة في 29 جمادى الأولى 1263هـ والدولة الإيرانية بمذكرتها المؤرخة 31/1/1848م بالموافقة على ما جاء بمذكرة السفيرين.
فزاد هذا الحادث مكانة المحمرة السياسية والتجارية وزاد الحاج جابر حرصاً على تقدم قطره وعلو شأنه.
انشقاق قبائل خوزستان
وموقف الحاج جابر
في عام 1265هـ (1849م) انشقت قبائل خوزستان على نفسها فأعلن الشيخ حداد بن فارس (رئيس قبيلة آل كثير) استقلاله وكذلك فعل الشيخ مهاوي (رئيس قبيلة بني طرف) ولم يشذ الشيخ طلال (رئيس قبيلة ربيعة) عن ذلك ولم يكن شأن آل بو ناصر (رؤساء بني كعب) في الفلاحية أحسن حالاً من غيرهم فقد ثار بينهم النزاع على الإمارة ودارت حروب طاحنة بين جميع القبائل ولم يبق محافظاً منهم على مقامه سوى الحاج جابر المرداو (أمير المحمرة).
وتدخلت الحكومة بالأمر واستطاعت السيطرة على الموقف فيما عدا ما كان من أمر قبيلة ربيعة التي أوكلت أمرها إلى الشيخ جابر فعالجه بالحكمة وتزوج نورة ابنة شيخ قبيلة طلال فأولدها خزعل.
وبعد ذلك اجتمع على الحاج جابر كل من تخلف عن بني كعب الذين في الفلاحية فضاقت به ذرعاً بنو كعب ورأته يزداد قوة يوماً بعد يوم فدارت بينه وبينهم حروب عديدة كان النصر له في أكثرها فسطع نجمه وعلت شهرته.
وحصل خلاف بين الحكومة البريطانية والدولة الإيرانية على تحديد الحدود الإيرانية الأفغانية ثم أدّى ذلك إلى إعلان الحرب بين الدولتين على الأثر هاجمت الحكومة البريطانية بأسطولها المحمرة بتاريخ 29 رجب 1273هـ (26 آذار 1857م) ففكر الحاج جابر بما يجب أن يعمل لتخليص بلده من هذا الخطر الذي لا يعرف أحد مغبته فرأى أن يصمد بوجه الهجوم البريطاني متكلاً على أتباعه فجرت له معهم صدامات قوية وبقيت كذلك إلى أن وردت الأنباء بالصلح بين بريطانيا وإيران عندئذٍ انسحبت القوات البريطانية من المحمرة.
وفي أواخر عام 1273هـ (1857م) حددت علاقة خوزستان بإيران بما يلي:
1 ـ تكون إمارة خوزستان إلى الحاج جابر بن مرداو ولأبنائه من بعده.
2 ـ تبقى الكمارك تحت إدارة الدولة الإيرانية.
3 ـ يقيم في المحمرة مأمور من قبل الدولة الإيرانية ليمثِّلها لدى أمير خوزستان ومهمته تنحصر في الأمور التجارية فقط.
4 ـ يكون علم الإمارة نفس العلم الإيراني.
5 ـ تكون النقود المتداولة في خوزستان نفس النقود الإيرانية.
6 ـ شؤون خوزستان الخارجية منوطة بوزارة الخارجية الإيرانية.
7 ـ يتعهد أمير خوزستان بنجدة الدولة الإيرانية بجيوشه في حالة اشتباكها بالحرب مع دولة أخرى.
وفي 10 ذي الحجة عام 1298هـ (1881م) توفي الشيخ جابر وخلفه على الإمارة ولده الشيخ مزعل.
فسار سيرته واستعمل اللين مع مشايخ الأعراب فثبت دعائم الإمارة إلى أن اغتاله أخوه خزعل في الليلة الثانية من شهر محرم عام 1315هـ (1896م) وتولى مكانه.
وكانت إمارته ضيقة النطاق وبعض القبائل منقطعة عن الإمارة فحاول بشتى الطرق إصلاح الحال فتمكن من إخضاع القطر جميعه لسيطرته وبسط نفوذه من شط العرب إلى مدينة دزفول ومن الحويزة إلى جبال البختيارية.
ولما استتب له الأمر ودانت له القبائل أخذت الحكومة البريطانية تتقرب إليه وتحتك به فعرضت عليه في عام 1317هـ (1898م) استعدادها لمساعدته وأوعزت لسفيرها في طهران أن يؤيد سياسته ويدافع عن إمارته وفي عام 1320هـ (1902م) استأنفت مفاوضاته لتحقيق أمانيها في إمارة خوزستان فكتب إليه السير هردنك كتاباً بتاريخ 7 كانون أول 1902م ومن ضمن ما جاء فيه ما يلي:
(نحمي المحمرة من كل هجوم بحري تقوم به دولة أجنبية مهما كانت حجة التدخل التي تدّعي ما زلتم مخلصين للشاه وتعملون بمشورتنا فنحن أيضاً نستمر على معاونتكم ومصادقتكم).
وفي عام 1332هـ (1914م) كتب إليه الكولونيل نوكس كتاباً يتمنى اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال إمارته واستعدادها للقيام بحفظها من اعتداء أي دولة بما فيها الدولة الإيرانية.
من البيوت العلوية في خوزستان
ونترك الحديث هنا للسيد هادي باليل الموسوي:
1 ـ آل أبي شوكة: سادة حسينيون موسويّون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وجدّهم الأعلى السيّد مطلب المعروف بـ (العود) ابن عمّ السيد عبدالعزيز النجفي جدّ السادة آل الصافي النجفيين، كانت منازلهم في مطلع القرن الثاني عشر الهجري في الدورق، ومنها رحل السيد عبدالعزيز جدّ آل الصافي إلى النجف الأشرف حدود سنة 1120 هجرية، والسادة آل أبي شوكة أو (البو شوكة) كما هو على لغة أهل المنطقة يقطنون اليوم الأهواز (منطقة كوت سيد صالح) والفلاحية والمحمّرة وسائر مدن الإقليم، اشتهر منهم السيد عناية المتوفى سنة 1323هـ والسيد جابر المشعل زعيمي حركة الجهاد الذي أفتى به المرجع الكبير السيد محمد كاظم اليزدي ضد الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1333هـ وكان السيد جابر المشعل رائد حركة الجهاد في الدورق فقد ساهم مساهمة فعّالة في إثارة القبائل في بداية الأمر وأخذوا يهتفون باسمه (ميزان الحق سيد جابر) ثم جرت وقائع لا مجال لذكرها هنا فتخلّت عنه القبائل، ونُفِيَ السيد جابر هو ورئيس حركة الجهاد في المنطقة إلى رامز.
وأرّخ بعض مناوئيه سنة الجهاد حسب حروف الأبجد بقوله (جهادك غشّ = 1333هـ). وكانت وفاة السيّد جابر المشعل سنة 1357هـ كما أرّخه الملا محمد الماجدي في قصيدة رثائية يقول في آخرها:
وانع المفاخر طرّا فالعماد هوى
أرّخ (ومات أبو الأيتام والفقرا)
2 ـ السادة آل باليل أو (آل أبي ليل): أسرة حسينية موسوية من أقدم بيوتات السادة سكناً في الدورق وتعود صلتهم بالدورق إلى ما قبل القرن الحادي عشر الهجري أيام إمارة المشعشعيّين وحكومتهم في الدورق ويتصل جدّهم الأمير باليل المتوفى عشر الستين بعد الألف للهجرة بالسيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عبر عشرين جيلاً أغلبهم من كبار العلماء ومشاهير رجال الشيعة، وكان الأمير باليل الذي عرفت به الأسرة من أجلاّء أمراء المشعشعيين ومشاهير فرسانهم، ذكره صاحب كتاب (الرحلة المكّية والإمارة المشعشعية) وذكر له مواقف جليلة تدل على نبله وشجاعته وعلوّ همته، ومن آثاره الإعمارية (نهر باليل) الذي شقّه من نهر كارون إلى جهة الأراضي الواقعة في شمال الفلاحية باتجاه القبلة (كما ذكرته مخطوطة تاريخ كعب) وقد غمرته الأهواز في عصرنا الحاضر فلا يهتدي إليه إلا أبناء تلك المنطقة.
ويتصل السادة بالأمير باليل بواسطة جدّهم السيد إسماعيل (المتوفى عشرة الثلاثين بعد المائتين والألف للهجرة) ابن السيد محمود بن العالم الأديب السيد إبراهيم (المتوفى في عشرة الخمسين بعد المائة والألف) ابن العلاّمة الجليل السيد علي (صاحب التصانيف الأدبية الراقية المتوفى حدود سنة 1103هـ) ابن الأمير باليل الدورقي. ويتفرعون من السيد إسماعيل بواسطة ابنيه السيد إبراهيم المتوفى سنة 1243 والسيد نعمة، أما السيد إبراهيم فله ثلاثة أبناء، أكبرهم الفاضل المقدّس السيد شبر المتوفى حدود سنة 1315هـ، ويعرف أعقابه بـ(الشبّريين) ويقال هم بيت السيد شبر وقد غلب هذا الاسم على سائر السادة من آل باليل فعرفوا به، ومن هذا البيت: (صاحب كتاب الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق)، وهو السيد هادي بن السيد ياسين بن السيد عاشور بن السيد شبّر المذكور.
أما إخوة السيد شبّر فهم السيد صالح والسيد علي ولهما أعقاب منتشرون.
وأما السيد نعمة بن السيد إسماعيل فله ابنان: السيد محسن والسيد فضل ولهما أعقاب.
وفي الجملة فإنّ السادة آل باليل منتشرون في أكثر مدن الإقليم، في عبادان والأهواز والفلاحيَّة ومعشور وفي القرى والسواد مثل الحفّار والمحرزي وشنّة والفيّة وبعضهم خرجوا إلى الكويت وتوطّنوا فيها وبعضهم في بلاد نائية، مثل يزد وأصفهان، وفيهم مثقفون وأدباء وشعراء وخطباء وحملة شهادات جامعيّة.
3 ـ آل أبو دانّين: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وجدّهم الأعلى الذي عرفت به الأسرة هو أدنانة بن غزال بن حسان وحسّان هذا هو الجدّ الثالث للسيد مطلب العود جدّ السادة آل أبي شوكة، والسادة البوادنيّن منتشرون في الإقليم محترمون عند القبائل ويتفرّع منهم آل موزان بواسطة جدّهم موزان بن جابر بن حردان بن أدنانة المذكور آنفاً.
4 ـ بيت الحكيم: أسرة حسينيّة موسويّة ينتسبون إلى جدّهم الحكيم السيد عبدالرضا بن شمس الدين الموسوي البصري الدورقي من كبار علماء زمانه، وكان قد هاجر من البصرة سنة 1078 هجرية وتوطّن في الدورق هو وولداه السيد إبراهيم والسيد هاشم بجميع أهلهم لما حصل في البصرة من ظلم العثمانيين وفسادهم، وبقي أعقاب الحكيم يسكنون الدورق إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري وكان لهم فيها دور أملاك وأراض واسعة، ثم انتقلوا إلى جزيرة عبّادان وسكنوا قرية الطرّة الواقعة على الجانب الغربي من نهر بهمنشير، ولا زالوا يسكنونها حتى هذا اليوم، وانتقل بعضهم إلى سائر مدن الإقليم للاكتساب وطلب المعيشة.
5 ـ السادة الزوامل: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بواسطة جدّهم زامل بن صالح بن جعفر بن علي، وعلي هذا هو الجدّ الأعلى للسادة آل أبي شوكة والبوادنيّن وآل موزان كما ينتسب للسيد علي هذا أيضاً السادة (البخات) على (وزن الحُمات، والثُقات) والسادة الهرامشة وهؤلاء السادة أعني البخات والهرامشة كثيرون منتشرون في الإقليم منهم في الشوش وفي الميناو، ومنهم في البلاد العراقية يقطنون الكوت على ضفّة الفرات الغربية.
6 ـ الشرفاء: ذكر مؤلف قبائل الأهواز السادة الشرفاء ونسبهم إلى شرفاء مكّة من سلالة الشريف قتادة الحسني المتوفى سنة 418هـ.
وهذا خطأ وقع فيه أغلب من كتب في هذا الموضوع والصحيح في نسبهم ما كتبه السيد ضامن بن شدقم المدني في كتابه (تحفة الأزهار) والمؤلف نسّابة من أهل القرن الحادي عشر الهجري ويتصل بهم في سلسلة نسبهم المنتهية إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، وعلى أي حال فإن الشرفاء قبيلة علوية حسينية نزحت من المدينة المنوّرة في أوائل القرن العاشر الهجري وهي من سلالة الشريف أبي عمارة المهني أمير المدينة رحلوا من المدينة على عهد جدهم جبران بن أحمد بن معرعر ونزلوا ساحة المشعشعيين.
قال المولى السيد علي بن عبدالله المشعشعي في كتابه (الرحلة المكّية والإمارة المشعشعية) كان السيد حمد الشريف أول من ورد الحويزة من ديرة الريحاني وخدم السيد مبارك ثم تلافت عليه أعمامه بعد ذلك.
(أقول): إن حمداً هذا هو بن غزي بن جبران المذكور آنفاً وأنه ورد الحويزة في العقد الأول من القرن الحادي عشر الهجري حدود سنة 1010 هجرية، وأن ديرة الريحاني من نواحي تستر (شوشتر) لأن أعقاب غزي وأخيه محيل كانوا بنواحي شوشتر كما ذكر السيد علي آل شدقم المدني في كتابه (زهرة المقول في نسب ثاني فرعي الرسول) ولما وردوا الحويزة قرّبهم أمراء الموالي وأقطعوهم الأراضي الزراعية والمقاطعات واتّخذوا منهم رجالاً في إدارة شؤون الإمارة حتى إدارة ما يسمى بتشريفات البلاط وكان محل سكناهم منطقة زين العابدين في شمال الحويزة وكانوا آنذاك شجعاناً أقوياء لهم مواقف مشهورة ومآثر مذكورة مع سخاء وكرم وجميل طباع وشيم ومن أبرز رجالهم في القرن الحادي عشر الهجري، حمد المذكور وابن أخيه باليل بن معن وسالم بن حمد وباليل بن مقياس، أمّا في هذا القرن فقد كان زعيمهم محيي بن زيبق بن حمد بن حمود بن مدلي بن شهاب بن سالم بن جبر بن سالم بن حمد الآنف الذكر، والشرفاء اليوم كثيرون منتشرون في أكثر مدن الإقليم.
7 ـ الغرابات: أو بنو غراب قبيلة علويّة حسينية كبيرة الفروع منتشرة في إيران والعراق والهند وفي بلاد أخرى وجدّها الأعلى أبو الحسن علي المدعو غراباً بن يحيى المدعو عنبراً بن أبي القاسم علي بن أبي البركات محمد بن أحمد بن محمد صاحب دار الصخر بالكوفة بن زيد بن علي الحماني الشاعر ابن محمد الخطيب الشاعر الحماني بن أبي عبدالله جعفر الشاعر بن محمد بن محمد الأصغر بن زيد الشهيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
والموجودون من الغرابات في الإقليم كثيرون منتشرون في المدن والأطراف من أشهرهم السيد حمد الغرابي المتوفى حدود سنة 1392هـ وهو السيد حمد بن السيد موسى بن السيد عبدالله بن السيد مطلب الغرابي وكان وجيهاً ورعاً سخيّاً وصولاً للفقراء يسكن قرية (الإبيرش) من قرى الأهواز الواقعة في شمال نهر الجراحي، وهو ممدوح الشاعر الأديب الملاّ محمد الماجدي الدورقي في قصيدته لتي يقول فيها:
فلا أبالي إذا ما الدهر عاندني
أخشى وكهفي وسيفي أن سطى حمد
مولى حوى الشرف الأعلى وحلّ به
فلا يدانيه في شأو العلا أحد
8 ـ السادة النواجي: سادة حسينيون موسويون ينتسبون إلى عبدالله بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وجدّهم الذي عرفوا به هو السيد ناجي بن محمود بن هبة الله بن عبدالله بن محمد بن حسين بن محمد بن عبدالله بن السيد نجم الدين الجزائري أخ ـ السيد نعمة الله الجزائري المحدّث الشهير، انتشر السادة النواجي من الحويزة والعمارة وهم يقطنون اليوم في المحمّرة وعبادان والأطراف كالمنينج والحفّار، والعبارة، وأم التلول والطرّة وشنّة والمحرزي ومنهم في الفلاحيّة، وأغلبهم يمتهنون الزراعة والتجارة ونسبة المثقفين فيهم ضئيلة.
9 ـ الهرامشة: سادة حسينيون موسويون من ذرية جعفر بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عرفوا بالهرامشة نسبة إلى جدّهم هرموش الذي احتفر نهراً من شطّ الكرخ والنهر أيضاً يعرف بالهرموشي إلى هذا العصر والسيد هرموش هو أخو السيد سري الذي كان له حصن حصين هدمه المشعشعيّون في حروبهم ويتصل هذان الأخوان بالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عبر واحد وعشرين جيلاً والهرامشة الموجودون في الإقليم يتصلون بجدّهم هرموش بواسطة جدّهم الأدنى علي بن عبيد بن شكور بن حمود بن درباش بن عبدالله بن محمد بن هرموش المذكور.
كذا ذكرهم السيد جعفر الأعرجي في كتابه (مناهل الضرب في أنساب العرب) ومساكنهم تقع بين دزفول وشوشتر ومنهم جماعة في دزفول وفي الشوشن (في قرية آل كثير) وزعامتهم في بيت السيد عناية ونسبة الثقافة بينهم ضئيلة وأكثرهم مزارعون وعددهم يربو على مائتي بيت.
هادي باليل الموسوي
خونسار
الحدود: تحد مدينة خونسار ذات الهواء النقي الصافي في القاطع الشمالي الغربي، محافظة أصفهان وذلك بمسافة ما يقارب 144كم عن مركز المدينة. ومن الشمال مدينة گلپايگان ومن الجنوب قرية (دامنة) وهي تقع على الطريق العام بين أصفهان وعبادان، ومن الغرب قرى فريدون وهي تقع على 33 درجة و12 دقيقة في العرض الشمالي و50 درجة وعشرين دقيقة طولاً من الشمال وارتفاعها عن مستوى سطح البحر 2408 أمتار.
المناخ: المناخ في الصيف يكون معتدلاً لطيفاً ويكون في الشتاء بارداً، وأقصى درجات الحرارة في الصيف 38 درجة مئوية، وفي الشتاء تنخفض درجة الحرارة إلى 15 درجة مئوية ولهذا المناخ المعتدل، يقصدها الآلاف من الناس للاصطياف فيها)[2](.
وقد قلّت الأمطار فيها في الآونة الأخيرة، فقلّت المحاصيل الزراعية وتضاءل إنتاجها.
مصادر المياه: تتكون مصادر المياه في خونسار من اتحاد الينابيع والقنوات المتعددة الموجودة فيها، فتروى الأراضي بانتظام.
وهناك نبع ماء رئيس يسمى (سر چشمه) واقع في سفح جبل (سول)، الذي تكثر ينابيعه الصغيرة في فصل الربيع، فتبعث في المدينة جمالاً وبهاءً وبعد أن تسقي هذه المياه الأراضي المجاورة لها تلتقي بمياه النهر الذي يشطر المدينة إلى شطرين ماضياً إلى (گلپايگان) و(قم).
وأقيم على النبع الكبير منتزه جميل، كما ارتوت المنازل بالمياه المنقولة إليها بالأنابيب.
الجبال: تظهر مدينة خونسار الجميلة الخضراء وكأنها غابة لكثافة الأشجار فيها بين المرتفعات، فهي تقع في وادٍ فسيح، إحدى جهاته مرتفعات جبل (سوَل) الذي يبدو وكأنه جدار يحتضن المدينة. ومن الجهة الأخرى تطل عليها (سگر بابا عظيم).
شي من التاريخ: لم يكتب لمدينة (خونسار) تاريخ
في خونسار تموز سنة 1970 ويُرى المؤلف الثاني من اليمين
مفصل، ولكن هناك مصادر جزئية هي بالنسبة إلينا مهمة وتعتبر من المسلمات في تاريخ خونسار.
فاللهجة الخونسارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع اللغة التي كانت سائدة قبل الإسلام، ففي خونسار لا يزالون يحافظون على تلك اللهجة بأصاتها حتى الآن.
فنرى أن كلمة خونسار هي بالأصل كلمة أوستائية.
ومن الجدير بالذكر ما جاء في التاريخ من كلام ابنة يزدجر (خسرو پرويز) بعد فتح المسلمين لإيران ـ من كلامها عند الخليفة الثاني بعد الأسر حين قالت (أف بر ايروزير بوكه كاغذ پيغمبر برّرا) يعني أف على برويز لأنه مزق رسالة النبي (ص) فنرى إنها تكلمت باللهجة الخونسارية المتداولة الآن.
وعلى تقدير علماء الآثار وذوي الاختصاص فإن اللهجة الخونسارية تعود أصالتها إلى اللغة الپهلوية الساسانية، كما أن لفظة خونسار هي بالأصل خانياسر: أي كثيرة الينابيع، فأصلها على تقدير العلماء أصل أوستائي.
ولكن وكما أسلفنا ليس لزعمنا هذا كتاب أو مصدر يستند إليه تاريخياً لا قبل الإسلام، ولا بعده، وهناك كتاب واحد عن خونسار وهو كتاب (دور نماي خونسار) وهو يبحث عن الأمور العامة والكلية ومؤلف هذا الكتاب هو فضل الله الزهرائي ويرجع تاريخ تأليفه إلى سنة 1962م.
ومن أخبار خونسار أنه حين هجم الأفغان على المدينة أبرز أهلها بسالة حيث يئس معها قائد الهجوم من الانتصار عليهم فانصرف عنها.
السكان: يبلغ نفوس خونسار مع توابعها إلى ما يقارب ستة كيلومترات من مركز المدينة أكثر من 45 ألف نسمة. (سنة 1970).
المذهب: ينتمي أهالي مدينة خونسار إلى المذهب الشيعي وقد كانت مهداً للتشيع من قديم الزمان وقد سميت بدار المؤمنين على ما نقل عن بعض المعمرين فيها، وتخرج منها علماء كبار أجلاء وسنشير إليهم في قسم أعلام خونسار.
ولكن لم نعلم علم اليقين تاريخ انتماء أهالي خونسار إلى المذهب الشيعي، على أن المسلّم به هو أن ذلك يعود إلى ما يقارب الخمسمائة السنة. وفيها أقلية يهودية مؤلفة من عدة أفراد.
الجانب الثقافي: ينقسم المجال الثقافي في مدينة خونسار إلى قسمين:
فقسم ينتمي إلى العلوم القديمة، وآخر ينتمي إلى العلوم الحديثة. وقد تشير لنا الشواهد التأريخية بأن مدينة خونسار كانت مهداً لتربية رواد العلم ورجال الثقافة، حيث نرى بعضهم يتصدر المراكز العلمية المهمة، ويؤيد زعمنا وجود مدرستين دينتين، يرجع تاريخهما إلى العهد الصفوي.
وهناك أيضاً صورة صادقة عن هذا الامتداد العلمي، بأنه كان يوجد في كل حي من أحيائها قبل ثلاثين سنة عشرة من العلماء المجتهدين، ومن تلك الآثار أيضاً المدرسة القديمة الأثرية التي يرجع تأريخها إلى ما قبل ثلاثمائة سنة، وهي لا تخلو في أي من السنين من إقبال طلاب العلوم الدينية عليها، وبعد أن ينهوا دراسة المقدمات فيها يوفدون إلى مدينة قم أو النجف الأشرف لإكمال دراستهم، وتسمى هذه المدرسة بمدرسة (مريم بيگم) ويدير هذه المدرسة اليوم السيد حسين العلوي ويتولى تدريس الطلاب في مختلف الدروس. وهو نفسه من خريجيها، ومنها انتقل إلى أصفهان التي كانت مركزاً علمياً في ذلك العهد، وبعد أصفهان هاجر إلى النجف لإتمام الدراسة فكان من أساتذته فيها المرجع الشهير السيد أبو الحسن الأصفهاني، وبعد تخرجه من النجف عاد إلى خونسار لأداء رسالته العلمية والاجتماعية.
وقد برز علماء كبار أجلاء في العلوم الإسلامية من مدينة خونسار ما سنشير إليه فيما يأتي من القول.
أما في العلوم الحديثة فإن أول مدرسة أُنشئت فيها كانت سنة 1330هـ وكانت ذات أربعة صفوف. وفيها اليوم مدرسة ثانوية كاملة للبنين وأخرى للبنات وتسع عشرة مدرسة ابتدائية)[3](.
شعراء خونسار: برز من مدينة خونسار، هذا البلد الذي يوصف بصفاء مناخه وجمال طبيعته برز منه على مدى الزمن شعراء وردت أسماؤهم في كتاب (تذكرة شعراء خونسار) منهم الحكيم الإسلامي الذي كان معاصراً للشاه عباس الكبير وتوفي سنة 1645م ومنهم الشاعر (أفسس) الذي توفي قبل بضع سنوات، والشاعر حسين علي دوستي الشاعر المعاصر، وهو صاحب معراج عاشوراء، وانقلاب عاشوراء.
مشاهير خونسار: ونقصد بمشاهير خونسار العلماء فيها باعتبارها كانت مهداً للتشيع والروح الدينية لقد برز من هذه المدينة علماء كبار أجلاء وها نحن نشير إليهم كما يلي:
(1) ملا حيدر: وهو من علماء القرن التاسع الهجري وصاحب كتاب (زبدة التصانيف).
(2) آقا حسين وآقا جمال الخونساري وهما من كبار علماء العهد الصفوي.
(3) بابا ترك: له مقبرة في مدينة خونسار، وكان من علماء القرن الثامن والتاسع الهجريين.
(4) الحاج أحمد الخونساري المعاصر.
ـ الملاّ مبين: وهو من علماء القرن الثاني عشر الهجري، وكان له مكتبة كبيرة، تحوي ما يقارب الألفي مجلد من المخطوطات.
ـ السيد علي المجتهدي (العلوي) الجد الأبوي لكاتب هذه السطور وكان من العلماء الكبار في أيامه وله تأليفات في الفقه والأصول، ولكنها لم تطبع.
وقد برز في خونسار عدد من الفنانين في الخط والرسم والخطابة، وهؤلاء وردت أسماؤهم في كتاب (دور نماي خونسار).
سيد مرتضى العلوي
خيبر
ـ 1 ـ
ورد اسم خيبر في الكتابات البابلية القديمة، ويقول محمد رضا في كتابه (محمد) أن معنى خيبر باللغة العبرية هو الحصن أو القلعة مستنداً على ما ذكره ياقوت في معجم البلدان، وخيبر هذه مشهورة بحصونها المنيعة المبنية بالحجارة والصخور، وأشهرها سبعة حصون هي:
1 ـ حصن ناعم.
2 ـ القموص حصن أبي الحقيق.
3 ـ حصن الشق.
4 ـ حصن النطاة.
5 ـ حصن السُلالم.
6 ـ حصن الوطيح.
7 ـ حصن الكتيبة.
ويستبان أن كل حصن من هذه الحصون كان يشتمل على مجموعة من الحصون، ولكون هذه البقعة تشمل هذا العدد من الحصون سميت (بالخيابر) وكان أمنع حصونها حصن الناعم من حصون (النطاة).
وسكان خيبر يهود كانوا يقطنون بيوتاً حصينة وسط النخيل وحقول القمح، ومن سكانها المشاهير كان السموأل بن عاديا ولعل خيبر أكثر القرى في شمال الحجاز ثروة ومالاً لوفرة زرعها وحاصلاتها من الحبوب والفواكه وعلى الأخص التمور.
يقول حسان بن ثابت:
أتفخرُ بالكتّان لما لبِستَه
وقد تلبس الألباط ريطاً مقصّراً
فلا تَكُ كالعاوي فأقبل نَحره
ولم تخشه سهماً من النبل مضمراً
فإنّا، ومن يهدي القصائد نحونا
كمستبضع تمراً إلى أرض خيبرا)[4](
وإنّ لخيبر في حاصل تمورها شهرة كشهرة (هجر) التي ورد في الأمثال عنها: (كمستبضع التمر إلى هجر) أو (مستبضع التمر إلى خيبر) وكان لحاصل التمور يومها قيمة جد كبيرة في ثروة البلاد.
وكان يهود خيبر يحسون بقيمة هذه الثروة الطائلة من المزروعات والنخيل والتمر ويخافون عليها من الغزو لذلك حصنوا قراهم وبساتينهم بقلاع وليس من الهيّن الاستيلاء عليها لمناعتها ولوفرة السلاح وتنوعه فيها، فحين حاصر النبي (ص) قلاع خيبر في السنة السابعة من الهجرة أتاه رجل في الليلة السادسة من الحصار من يهود خيبر وأخبره أنه قد خرج من حصن (النطاة) وهو يعرف بعض أسرار الحصن، وقال: إن في حصن (الصعب) وهو من حصون (النطاة) وفي بيت فيه تحت الأرض منجنيقاً، ودبابات، ودروعاً، وسيوفاً، فإذا دخل فيه رسول الله أوقفه على أسراره)[5](. فإذا كان في بيت من بيوت خيبر مثل هذه العادة فكم يكون في عشرات البيوت الأخرى.
ولقد توقى الغزاة هذه القلاع وتهيّبوها ولذلك لم نعثر على فاتح استطاع أن يخضعها لنفوذه ويفتحها قبل الإسلام، وقد كلف فتحها الإسلام الشيء الكثير من العنف والشدة، حيث حنث اليهود ونكثوا العهد الذي أعطاهم النبي إياه والذي تضمن حريتهم وحفظ أموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم، وقد جاء أن النبي (ص) كان يعقد في كل يوم لواء الحرب لقائد من القواد لمحاربة الحصن الأول وهو حصن (ناعم)، فيرجع القائد ويرجع الجيش دون طائل، وقد عزّ على النبي (ص) أن يستشهد في هذه المعارك قائد كمحمود بن مسلمة أخي محمد بن مسلمة حتى لقد أعطى اللواء لأبي بكر وعمر بن الخطاب (رض). ويكفي دليلاً على أهمية هذه الحصون وخطورتها أن نستعرض النبي وهو يستعيذ بالله من شر هذه المعركة، فقد جاء في البخاري عن أنس: أن النبي (ص) لما أشرف على خيبر قال لأصحابه قفوا: ثم قال:
اللَّهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشر أهلها، وشر ما فيها.. أقدموا باسم الله)[6](.
حتى إذا تأزم الوضع وتعقدت الحرب دون الحصول على نتيجة طلب النبي (ص) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ودفع إليه اللواء فكان أن تم الفتح على يديه.
ويقول ابن الأثير عن علي (عليه السلام): فنهض ـ أي الإمام علي ـ بالراية وعليه حلّة حمراء فأتى خيبر فأشرف عليه رجل من يهود فقال:
من أنت؟
قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: غلبتم يا معشر يهود.
وقد رويت عن فتح الإمام علي (عليه السلام) لقلاع خيبر روايات كثيرة اتفقت كلها في المضمون ففي صحيح مسلم، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)؛
«لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله يفتح عليه، قال عمر (رض): فما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فدعا علياً (عليه السلام) فبعثه ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك، ولا تلتفت إلخ…» )[7](.
وقال الإمام أحمد: إن رسول الله (ص) أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان فقال: أنا، قال: امض، ثم جاء رجل آخر فقال: امض، ثم قال النبي (ص) والذي كرّم وجه محمد لأعطينها رجلاً لا يفر، فقال: هاك يا علي، فانطلق حتى فتح الله عليه (خيبر) و(فدك) وجاء بعجوتها وقديدها)[8](.
أما إحدى روايات الطبري فتتلخص في أن رسول الله (ص) لما نزل بحصن أهل خيبر أعطى اللواء لعمر بن الخطاب (رض) ونهص من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (ص) وهم يجبنونه ـ أي يجبنون عمر ـ وهو يجبّنهم، فقال رسول الله ـ وكان قد مرّ على محاصرة القلعة عدة أيام دون طائل، قال: لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر (ض) فدعا علياً (عليه السلام) وهو أرمد وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض فإذا (بمرحب) وهو أشهر أبطال اليهود يرتجز ويقول:
قد علمتْ خيبر أني مرحبُ
شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ
فارتجز علي (عليه السلام) قائلاً:
أنا الذي سمّتني أمي حيدَرَهْ
أَكيلكُمْ بالسيف كيلَ السندرة
ليث بغابات شديدٌ قسورهْ
ويروي الطبري واصفاً هذه المقاتلة وما كان يدّرع به (مرحب) إذ يقول عنه: وخرج مرحب من الحصن وهو صاحبه وعليه مغفر معصفر يمان، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وتقاتلا قتالاً عنيفاً انتهى بقتل مرحب وأخذ المدينة)[9]( وكانت مدة النزال شهراً على ما ذكرت التواريخ.
وجاء في كتاب (محمد رسول الله): وكان أول حصن فتحه المسلمون هو حصن (الناعم) من حصون (النطاة) على يد عليّ ولأهمية هذا الفتح قال النبي (ص): ـ وكان جعفر بن أبي طالب قد قدم من الحبشة يوم فتح خيبر ـ: ما أدري بأيما أنا أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
إلى جانب هذه النعمة الوافرة التي كان ينعم بها أهل خيبر، والحصن المنيع الذي يضمن لهم الأمن والاطمئنان، والعيش الرغيد كان هنالك شيء ينغّص حياة سكان خيبر وينكّد عيشهم، وذلك هو الحمّى التي عرفت بها قرى خيبر، والراجح أنها كانت (الملاريا) وذلك لكثرة المياه ولمراودة هذه الحمّى السكان بين آن وآخر على ما تصف الأخبار وقد عرفت هذه الحمّى بالحمّى الخيبرية ووصفت بالشعر، ومنه قول أحد الشعراء:
كأن به إذ جئته ـ خيبريةً
يعود عليه وردُها ومُلالها
وقدم أعرابي خيبر بعياله فقال:
قلتُ لحمّى خيبر: استعدي
هاكِ عيالي فاجهدي وجدي
وباكري بصالب وَوِرْدِ
أعانكِ الله على ذا الجند
ويقول ياقوت: فحُم ومات هو وبقي عياله!
وقال الأخنس بن شهاب:
فلابنة حطّان بن قيس منازلٌ
كما نمق العُنوان في الرقِّ كاتبُ
ظللتُ بها أُعرى وأُشعر سُخنةً
كما اعتاد محموماً بخيبر صالِبُ
خيبر
ـ 2 ـ
إنها مسألة غامضة ـ شأن مسألة اليهود في الحجاز، برغم الدراسات المحيطة بهم والجدل المثار حولهم والمكان الذي خرجوا منه ـ وهي علاقة هؤلاء بالهجرة النبوية وموقفهم بالتالي من قيام الدولة الإسلامية في المدينة. فثمة فجوة في الروايات، ينقطع معها حبلُ الأحداث، ويندلعُ الضباب في فضاء البقعة الصغيرة، بينما ينتشر الوضوح، أو الكثير منه، على مسافة الطريق الطويل، فتمتلىء الصفحات بالتفاصيل الواسعة والدقيقة.
كان الوجوم قد بدأ يشيع على وجه الرسول وأصحابه، ولم يكن بدُ من الاعتراف بإخفاق المحاولة في مكة، بعد عشر ونحو ثلاثةٍ من الأعوام القاسية، فالحاضرة القرشية ترفض التغيير أو المسّ بالصيغة «الإيلافية» التي امتزج فيها «الدين» بالتجارة، وتعزّزت بالتفاف القبائل حولها، مما دفع الأخيرة إلى أن تخوض حرباً «مقدسة» من أجل هذه الصيغة في ظل ما نسمي بحروب «الفجار» الشهيرة. ولأن هذا الموقع كرّس لمكة زعامتها في الحجاز، فقد عانى الرسول كثيراً في محاولته التي بدت شبه مستحيلة، لحمل الزعامة القُرشية على الاقتناع بدعوته، واتخاذ مكة منطلقها وسبيلها إلى بقية الحواضر والقبائل الدائرة في فلكها الديني ونفوذها الاجتماعي والاقتصادي. ولعل مكة كانت جديرة بهدر سنوات عجاف طويلة، لما تشكّله السيطرة عليها من أهمية بالنسبة للقوى المرتبطة بها أو «المتعاهدة» معها، ولما يؤدي إليه ذلك بالتالي من اختصار للمهمة الصعبة.
أخفقت المحاولة إذن في مكة، المدخل المناسب والأقل صعوبة إلى عقل القبائل العربية في الحجاز، وباتت المهمة معقدة ومحفوفة بالأخطار، لأن الخروج من الحاضرة القرشية، معناه فتح الصراع العلني معها، بما يفرضه ذلك من جهود غير عادية لاختراق الجبهة الواسعة التي تسيطر عليها. ولقد أثبتت المحاولة التالية، سواء مع الطائف أو اليمامة، صلابة هذه الجبهة والتزامها بالموقف القرشي، المعبّر عن مصالحها الحيوية، مما جعلها ترفض مسبقاً فكرة الحوار مع الرسول، وتتفادى الدخول في أي مشروع يمسّ الوضع القائم، أو يفتح الباب على تغيرات ليست واضحة بالنسبة إليها على الأقل.
على أن مكاناً ربما بدا خارج الدائرة الجغرافية لمكة، ومن ثم خارج الارتباط المباشر بها، أعني به يثرب التي وُصفت بأنها «نجدية» أكثر منها حجازية)[10](، برغم وقوعها في دائرة المواصلات الرئيسة لتجارة قريش مع الشام. ولعل هذه المعطيات كانت في بال الرسول، حين تطلع إلى يثرب، كمكان تتوافر فيه شروط المواجهة مع مكة، فضلاً عن إمكانية الاختراق عبره للجبهة القرشية، تقودُه جبهةً جديدة، متكافئة مع الأخيرة على الصعد الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يأتي التفكير في يثرب كبديل لمكة، محصلاً على الأرجح لهذه المعطيات، أكثر مما هو خاضع للمصادفة التي تجعل منها الروايات التاريخية سبيلاً إلى ذلك، حين التقى الرسول ببعض الخزرج في «القبة» وهم في طريقهم إلى مكة للمشاركة في موسم للحج)[11](.
هكذا إذن تتوجه الأنظار إلى يثرب التي وضعتها «الهجرة» مقابل مكة وفي موقع الصراع معها، وهو ما كانت غير قادرةٍ على تحقيقه قبل ذلك، إن كان من طموح يخالُجها إلى التنافس مع الأخيرة أو التفوق عليها. وإذا كان لهذا الأمر تأثيره في مسار الأحداث التي أدّت إلى الهجرة، فإنه سيحملنا على البحث عن دور القوة الفاعلة التي مهدت لها، من غير أن يكون ذلك مرتبطاً بالفئة المؤيدة فقط، وإنما بالفئة غير المعارضة أو الصامتة التي لم تعلن رأيها إبّان مرحلة الإعداد للهجرة وفي بداياتها الأولى، وهي القبائل اليهودية التي ترى الأخبار أنها كانت ما تزال الأكثر نفوذاً وفي موقع التفوق على القبائل العربية. وهنا تواجهنا جملة من التساؤلات عن موقف اليهود من الهجرة إذا كان ثمة موقف لهم منها. وإن صح ذلك، فما هي خلفيات هذا الموقف وأبعاده؟ وبالتالي هل كانت لديهم القدرة على منعها أو التصدّي لها؟ علماً بأن المصادر ـ أو معظمها ـ تشير إلى تفوقهم العددي في ذلك الوقت)[12](.
وفي محاولة للإجابة على هذه التساؤلات، علينا تقديم صورة سريعة للوضع في يثرب عشية الهجرة، دون الغوص في الجدل بحثاً عن أصول اليهود والمكان الذي وفدوا منه، فلعل بعض الدراسات حققت شيئاً من التقدم في هذا المجال، ولكن الثابت أنهم في تكوينهم الاجتماعي ونمط حياتهم، لم يختلفوا كثيراً عن الحياة المعروفة للقبائل العربية)[13](، بما في ذلك تقليد بناء «الآطام» التي بدا أنها لم تكن وقفاً عليهم، بعد أن اتخذ العرب مثلها أيضاً)[14](، مما رجّح لدى بعض المؤرخين انتماءهم أو بعضهم إلى أصول عربية)[15](. ولكن ظاهرة الآطام التي كان لها على الأرجح أغراضٌ عسكرية، قد لا تكون بالضرورة دليل قوة أو تفوق، بقدر ما تعبّر عن الانكفاء والخوف، ليصبح الطابع الدفاعي غالباً عليها، إذا ما توقفنا عند رواية ابن الأثير في قولها بأنهم ـ أي اليهود ـ «قد بنوا حصوناً يجتمعون بها إذا خافوا، فنزل عليهم الأوس والخزرج، فابتنوا المساكن والحصون، إلا أن الغلبة والحكم لليهود»)[16](. على أن هذه «الغلبة» التي كانت لهؤلاء يوم نزل عليهم العرب، استناداً إلى قول ابن الأثير، يبدو أنها أخذت في التراجع بعد وقت لم يكن مروره لمصلحتهم، بقدر ما كان لمصلحة العرب الذين عاشوا في محيطهم وسيطروا على الأراضي الزراعية الخصبة)[17](، لا سيما وأن هؤلاء قد سبقتهم ما توقفنا عند الرواية التي أوردها ابن رسته بأنه كان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل وكان قد تركها أحياء من العرب فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل فكان ممن كان من يهود من قبائل العرب قبل نزول الأوس والخزرج عليهم بنو أنيف وهم حيّ من بليّ»)[18](، وقد حدا ذلك اليهود إلى أن يعقدوا معهم حلفاً «يأمن به بعضهم من بعض ويمنعوا به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمناً طويلاً، وأثرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد، فلما رأت قريظة حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دُورهم وأموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا ذلك الحلف الذي كان بينهم»، حسب مروية النجار)[19](.
وهكذا يصبح تفوق عدد الآطام اليهودية، ظاهرة ضعف وقلق، إزاء تكاثر الأوس والخزرج المتحدّرين من هجرة عربية كبيرة قادتها «الأزد» نحو الشمال وحققت من خلالها نفوذاً هاماً في الشام والعراق)[20](، بمثل ما كان لفرعها الحجازي من نفوذ، دفعها إلى تحدّي القبائلِ اليهودية في يثرب، وإلى أن تفرض نفسها بالقوة عليها، وليس من باب الحوار الذي كان نتيجة لها فيما بعد. ولا شك أن التحدي اليهودي أسهم في تماسك وحدة القبيلتين، ودفع بهما إلى اتخاذ الوسائلُ الدفاعية نفسها التي اتخذها اليهود، بحيث كان الحذر هو الشعور المشترك لدى الطرفين والمهدّد لحلف الجوار بينهما، والمعرقلُ كذلك للتعايش الطبيعي الذي بدا غير ممكن في ظل طموح أحدهما للسيادة على الآخر)[21](. وكان ثمة واقع مشترك أيضاً، حال دون حسم هذا الأمر، أن كليهما أخذ يعاني المتاعب في جبهته الداخلية، متجلية في التحالفات الجزئية بين بعض العرب وبعض اليهود)[22](، أو الصراعات الدامية في هذا الجانب أو ذاك، وإن كانت أكثر استفحالاً بين العرب، خصوصاً في المرحلة السابقة على الهجرة. فقد ظهر اليهود هنا أكثر ذكاءً في ضرب الوحدة الاجتماعية للعرب واستغلال تناقضاتها، الأمر الذي أدى إلى عرقلة مشروعهم في السيادة الكاملة على يثرب، بل كاد ينتهي بهم إلى الخضوع، لولا معاهدة العقبة التي أعادت توحيدهم ووضعت حداً لصراعاتهم الطاحنة.
على أن الصراع العربي ـ العربي، برغم انعكاساته السلبية، لم يؤد إلى اختلال التوازن في يثرب، إذ إن التمزق الذي أصاب جبهة الأوس والخزرج كانت في مقابله «وحدةً متزعزعة» في جانب اليهود الذين «كانوا في علاقاتهم السياسية يتصرفون تقريباً كالقبائل العربية أو الجماعات الصغيرة الشأن» حسب تعبير وات)[23](. ذلك أن العرب قطعوا شوطاً على ما يبدو في تكوين ذاتهم، سواء على الصعيد الاجتماعي أو على الصعيد الاقتصادي، متقدّمين عبر الأول إلى مستوى القبائل الرئيسية في الحجاز (اتخاذُ صنم لهم (مناة) بين الأصنام الكبرى في الكعبة إلى جانب قريش وثقيف)، ومنافسين في إطار الثاني القبائل اليهودية حتى «صار لهم مال وعدد» كما يقول الحافظ النجار)[24](، وصاروا «أعزّ أهل المدينة» كما يقول ابن الأثير»)[25](. وثمة محطة هامة في هذا الصراع على النفوذ، تسهم في بلورة الموقف في يثرب وتعزّر رجحان قوة العرب، لا سيما قسم من الخزرج الذي وصفه وات بأن «أصبح مستقلاً»)[26](، تتجلى فيما رواه الحافظ النجار عن حركة لا يحدّد زماناً، قام بها مالك بن العجلان من الخزرج ضد اليهود، مدعوماً من الغساسنة في الشام)[27](. فقد جاء في الرواية أن مالكاً بعث «إلى من وقع في الشام من قومهم يخبرونهم حالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم وكان رسولهم الدَمَق بن زيد (من الخزرج).. فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان.. فشكا إليه الدمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخوفون منهم وأنهم يخشون أن يخرجوهم، فأقبل أبو جبيلة (من ولد جفنة بن عمر بن عامر وقيل كان أحد بني جشم من الخزرج) في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج وعاهد الله لا يبرح حتى يُخرج من بها من اليهود أو يُذِلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج. فسار وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة وهي يومئذٍ يثرب فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ما جاء به فقالوا إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلن نقدر عليهم، ولكن تدعوهم للقائك وتنطلق بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتتمكن منهم. فصنع لهم طعاماً وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك، وقد بنى لهم حيّزاً وجعل فيه قوماً وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه، حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم، فلما فعل ذلك عزّت الأوس والخزرج في المدينة واتخذوا الديار والأموال، وانصرف أبو جبيلة راجعاً إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها»)[28](.
ولعل هذه الحركة قد حققت للعرب السيطرة على جزء كبير من مزارع يثرب وآطامها)[29](، والتحرر من التبعية لليهود الذين تعرضوا للإنكفاء، إذ حال الدعم الأزدي للعرب دون القيام بأية خطوة مضادة لاستعادة التوازن في المدينة، فلجأوا إلى ضرب وحدة القبيلتين وإثارة الشقاق بينهما، مما أدى إلى اندلاع «أيام» طاحنة أنهكت قواهما وأضعفت موقعهما إلى حد كبير، ولقد حدث ذلك في وقت لم يعد الدعم الأزدي (الغساسنة) ممكناً، بعد المتغيرات التي خلفتها الحرب الفارسية ـ البيزنطية في الشام، وما انتهت إليه من تحجيم للإمارة الغسانية، وفي وقت عزفت فيه مكة عن التدخل في هذا الصراع الداخلي الذي دفع بني النضير وقريظة وغيرهما من اليهود، إلى أن يتجرؤوا عليهم ـ أي الأوس والخزرج ـ فذهب «قوم منهم إلى مكة يطلبون قريشاً لتقويهم، وعزّوا ـ أي قريش ـ فاشترطوا عليهم شروطاً لم يكن لهم فيها مقنع» حسب رواية اليعقوبي)[30](. وإذا أضفنا إلى ذلك محاولةً مماثلة قام بها الأوس والخزرج مع الطائف ـ التي قصدوها بعد إخفاق محاولتهم في مكة ـ وإبطاء ثقيف عنهم حسب الرواية نفسها، لأدركنا معاناة العرب حينذاك في يثرب وصعوبة التئامهم مجدداً في جبهة واحدة.
وثمة محصلة أخرى في هذا السياق، أن الأوس والخزرج الذين وفدوا على يثرب، بعد أن سبقتهم إليها هجرةٌ عربية، ربما كانت سابقة بدورها على الهجرة اليهودية)[31](، سرعان ما تعزّز موقعهم بفضل الدعم الأزدي والانتماء للبيئة العربية الواسعة التي كانوا جزءاً منها. وإذا كانت قد تخاذلت عن نصرتهم كلٌّ من قريش وثقيف، فإن وضعهم السياسي برغم ذلك، كان أكثر منعة من اليهود الذي افتقدوا إلى أي دعم خارجي، باستثناء البقع الصغيرة المنتشرة في الحجاز، وهي في وضع لا يؤهلها للتدخل المباشر. وعلى الرغم من احتدام الصراع بين القبيلتين والشعور بخطر اخلال التوازن لمصلحة اليهود، إلا أن الاختلال على الأرجح لم يحدث فعلاً، وإنما الذي حدث هو الخوف منه والعمل على تفادي الوقوع فيه، مما يفسر لجوء وفد مشترك إلى مكة لاستنهاضها على درء الخطر، ويفسر أيضاً سرعة الاستجابة من جانبهما ـ لا سيما الخزرج الذين دارت عليهم هذه المرة دائرة الحرب ـ لدعوة الرسول إلى الإسلام في لقاء «العقبة» الشهير. وإذا كان المؤرخ لا يقتنع بوجود سبب واحد وراء الأحداث، خصوصاً الكبيرة في التاريخ، فإن الخطر الذي أحدق بالأوس والخزرج وخشية هؤلاء من تحول السيادة للقبائل اليهودية، قد حملهما على التوجه نحو «المنقذ» الذي بدا أنه الوحيد القادر على إعادة الوحدة إليهم وإخراجهم من دائرة الحرب الدامية.
ويبدو أن القبال اليهودية في يثرب وقفت إلى جانب الأوس في صراعها مع الخزرج (بعاث) )[32](، باستثناء القينقاع التي كانت حليفة لفريق من القبيلة الأخيرة كما سبقت الإشارة، مما أخلّ في التوازن الذي كان يتم عادة لمصلحة الخزرج)[33](. وفي ضوء ما أحدثه الحلف الجديد (قريظة ـ الأوس) من تغيير في الخارطة السياسية ليثرب كانت الخزرج الخاسرة الكبرى فيه، يمكن فهم دوافع الخطوة الرائدة التي قامت بها هذه القبيلة نحو الإسلام الذي قابلها بخطوة مماثلة، إذا افترضنا ـ وهو افتراض منطقي ـ أن الرسول كان متابعاً أحداث الصراع في يثرب، وربما أجرى اتصالات مع الخزرج خصوصاً بعد رفض قريش التدخل المباشر فيه، من دون أن يكون موقف الرسول بعيداً عن مألوف سياسته المتعاطفة مع أعداء قريش وخصومها (العلاقة مع الحبشة والدولة البيزنطية في مرحلة الدعوة على سبيل المثال).
وهكذا فإن حرب بعاث أضعفت الخزرج ووضعتهم في مواجهة حلف قوي، كان من الصعب التصدي له أو تفادي أخطاره على المدى القريب. كما أضعفت أيضاً الأوس وإن بصورة أقل وجعلتهم مرتهنين لقبيلتين من اليهود ومدينين لهما بالنصر. ولكن هذه الحرب لم تجعل اليهود في المقابل أقوياء إلى درجة السيادة، بقدر ما كان لها تأثير في الحدّ، من خطر العرب في عرقلة وحدتهم التي تؤدي في حال قيامها، إلى تكريس معادلة جديدة في يثرب، ينتهي في ظلها اليهود إلى الخضوع والتبعية الكاملة.
وتبقى محصلة أخيرة، هي أن العرب برغم انتصار الأوس، كانوا مهزومين جماعياً في الحرب التي أتت على قياداتهم ودمّرت اقتصادهم، مما هيأ لمفاوضات مع الرسول تولتها فئة لم تتورط مباشرة في الحرب)[34](، ولم تكن على الأقل ضالعةً في أسبابها. ولعل الحاجة المشتركة من جانب القبيلتين إلى إرساء وضع جديد وتكريس سلام ثابت، دفعتهما إلى احتضان «المهاجرين» على نحو بدا وكأن التعايش مع هؤلاء فرض عليهما كثيراً من التنازل والتضحية. كما أن القبائل اليهودية التي عانت بدورها الانقسام وعاشت هاجس السيطرة العربية ولم يكن وضعها يتجاوز الموقف الدفاعي والسعي ما أمكن إلى تأجيج الصراع بين الأوس والخزرج، هذه القبائل كانت غير قادرة على التدخل الفعلي، لمنع «الهجرة» أو التصدي لها بصورة جدية، بعد أن حققت الأخيرة ما عجزت عنه الأعوام الطويلةُ السابقة، بوضعها القبيلتين على طريق الوحدة، الإنجاز الأول الساطع للهجرة.
والواقع أن الروايات لم تشر إلى أي اتصال بين الرسول والقبائل اليهودية التي كانت إحداها (القينقاع) حليفةً لابن أبي (من الخزرج)، وهو لم يشارك في مفاوضات العقبة التمهيدية، وكانت الاثنتان الأخريان حليفتين للأوس، وهي لم تشارك فيها)[35](، بينما شاركت جزئياً في بيعة العقبة الأولى)[36](. ويبدو أن الرسول، العارف بأمور يثرب ووضع اليهود فيها، لم ير في هؤلاء ما يشكل مصدراً للخطر على الهجرة، بل إن ما ورد في سيرة ابن هشام، يعزّز الرأي باتجاه الرسول إلى احتوائهم في تلك المرحلة المبكرة، حيث تردّد ذكرهم كأتباع للأنصار أو ملحقين بهم في «كتاب الموادعة مع القبائل اليهودية)[37](. ولعل الرواية التي أوردها الواقدي، تدعم هذه النظرة في قولها بأن الرسول لما قدم المدينة «وادعته يهودٌ كلها وكتب بينه وبينها كتاباً وألحق كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أماناً وشرط عليهم شروطاً، فكان فيما شرط ألا يظاهروا عليه عدواً»)[38](. ومن الواضح أن الرسول، بعد أن حقق وحدة الأوس والخزرج في إطار الأنصار، ووحدة هؤلاء مع المهاجرين في إطار الأنصار، ووحدة هؤلاء مع المهاجرين في إطار الجماعة، لم يجد حينذاك في موقف اليهود ما يثير القلق، مكتفياً بمراقبة نشاطهم ورصد حركتهم، في الوقت الذي كان اهتمامه منصرفاً إلى مواجهة الخطر القرشي. وفي المقابل، كان موقف اليهود من الهجرة فاتراً، يؤكده عدم اتصالهم بالرسول قبل حدوثها، فضلاً من الاستجابة الضعيفة من جانبهم للدعوة إلى الإسلام، مقتصرة على عبدالله بن سلام وأهل بيته وعمته بعيد الهجرة، ورجل (مخيريق) وُصف بأنه «حبر عالم»، قُتل مع المسلمين في «أحد» وأوصى بأمواله للرسول)[39](.
ولعل الفترة الأولى من الهجرة، اتسمت بالمهادنة مع اليهود، وبالحرص من جانب الرسول على توثيق عرى الوحدة بين المسلمين في المدينة، وتجنيب جبهته الداخلية مخاطر التصدع والشقاق، وهو ما سيتجلى على الخصوص في المواجهة الهادئة مع حركة النفاق. ويمكن اعتبار غزوة القينقاع مفترقاً في العلاقة بين المسلمين واليهود، سبقته محاولةً أخيرة لاحتواء هؤلاء حين جمعهم الرسول في سوق بني قينقاع بعيد غزوة بدر، إذ «بغت يهود وقطعت ما كان بنيها وبينه» حسب رواية الواقدي)[40](، فدعاهم إلى الإسلام «قبل أن يوقع الله بهم مثل وقعة قريش»)[41](. ولكن هذا التهديد المبطّن قوبل بتهديد مباشر: «لا يغرنك من لقيت، أنك قهرت قوماً أغمار، وإنا والله أصحاب الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا»)[42](. وقد بدى أن اليهود يقومون بمثل هذه المحاولة من جانبهم لاحتواء المسلمين والمراهنة على انقسامهم، وذلك تمهيداً لإخراجهم من المدينة)[43](. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار هذه المسألة منعطفاً رئيساً في العلاقات بين الطرفين، أفضى إلى مرحلة ثانية كان عنوانها بداية المواجهة، متمثلةً في القضاء على شخصيات أعلنت عداءها السافر للرسول، وتتوجّت بغزوة القينقاع.
وكانت على ما يبدو الحادثةُ التي أدت إلى اغتيال اليهودي الشهير «أبي عفك» بداية الصراع العلني بين المسلمين واليهود في المدينة، وذلك بعد أقل من عامين على الهجرة. فقد جاء في «مغازي» الواقدي «أن شيخاً من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك: كان يحرض على عداوة النبي ولم يدخل في الإسلام»)[44](. وتنسب الرواية أبياتاً لهذا الشيخ أذاعها في أعقاب عودة الرسول والمسلمين من بدر، متجلياً فيها «الحسد والبغي»، مما أهاج سالم بن عمير وهو من بني النجار (من الخزرج)، وأخذ على نفسه عهداً بقتله)[45](. ولعل هذه الحادثة كانت السبب المباشر في غزوة بني القينقاع، إذ وقعت كلتاهما في شوَّال من السنة الثانية للهجرة، ولكن المصادر توقفت عموماً عندما تعرضت المرأة العربية في سوق بني القينقاع، على نحو بدا الحادث مفتعلاً ومنطوياً على استدراج للمسلمين إلى القتال، فقد انتصر أحدُ هؤلاء ـ وكان حاضراً ـ للمرأة العربية، وردّ على الإهانة بقتل اليهودي، «فاجتمعت بنو قينقاع وتحايشوا فقتلوا الرجل»)[46](. وكان في مقدمة ما يعنيه ذلك، هو نقضُ العهد مع الرسول وإعلانُ الحرب على المسلمين من جانب هذه القبيلة التي التجأت إلى حصن لها، فحاصرها الرسول وأجبرها على الجلاء ـ منزوعة السلاح مصادرة الأموال ـ عن المدينة، بعد تدخل من جانب حليفهم ابن أبي (من بني سالم من الخزرج) بأن «يُحسن ـ الرسول ـ في مواليه»)[47](.
ولعل أبرز دلالات هذه الغزوة، أن التعايش بدا غير ممكن بين المسلمين واليهود في المدينة، مما سيؤدى إلى صراع حاسم بين الطرفين، إذ إنَّ الرسول الذي اكتفى بقرار النفي، بات مقتنعاً بضرورة التخلص السريع من عدوٍ يتربص به من الداخل. وثمة ما يلفت الانتباه في هذا الصراع، أن اليهود لجأوا إلى استخدام سلاح فعّال هو الشعر الذي كان له من التأثير على المستوى الإعلامي في تلك المرحلة الدقيقة، ما شكّل حرجاً للمسلمين، خصوصاً وأن هذا السلاح كان موظفاً لمصلحة قريش. وقد سار كعب بن الأشرف، وهو عربي من طي ولكنه متهوّد بتأثير من أمه اليهودية النضيرية)[48](، على خطى سلفه أبي عفك، فنظم شعراً ردّدته الألسنة في رثاء قتلى قريش ببدر. وبعد سجال خاضه شاعر المسلمين حسان بن ثابت، أوحى الرسول إلى أصحابه بقتل ابن الأشرف)[49]( الذي تصدى له رجل من الأنصار أيضاً (من الأوس هذه المرة)، وهو محمد بن مسلمة، فنفذ المهمة بعد شهور قليلة من غزوة القينقاع)[50](. وليست مصادفة في الواقع أن يتولى الأنصار هذه المواجهة التي ألقيت على عاتقهم حتى نهاية الصراع مع اليهود، إذ كان الأمر مخططاً له ومعبِّراً عن سياسةٍ مرسومة، تفادى الرسول من خلالها إثارة النزعات الإقليمية، فضلاً عن القبلية فيما بعد. ومن هذا المنطلق يتولى الخزرج في نهاية العام الثالث، التخلص من أكثر زعماء اليهود، وهو أبو رافع سلام بن أبي الحقيق الذي وُصف بأنه «تاجرُ أهل الحجاز»)[51]( وكان على ما يبدو يموّل الحركة المعادية للمسلمين خارج إطار المدينة، مما دفع خمسةً)[52]( من الخزرج إلى تدبير اغتيال متقن له في بيته بخيبر، كان له الوقع الحسن على الرسول والمسلمين)[53](، وذلك عشية غزوة أُحد)[54]( التي ستكشف عن ضلوعٍ أكثر وضوحاً لليهود في التآمر على المسلمين والتحالف مع قريش.
وإذا كانت المرحلة الأولى من الصراع مع اليهود قد اتسمت بالمهادنة، بينما سيطر على الثانية الحذرُ الشديد، متمثلة بإجلاء بني القينقاع واغتيال شخصيات ذات دورٍ إعلامي أو اقتصادي، فإن المرحلة الثالثة سيكون طابعها الحسم، متجسدةً في الاجتثاث الكامل لجذور اليهود في المدينة وملاحقتهم في معاقل أخرى من الحجاز. على أن ما يجمع هذه المراحل لدى اليهود، أنهم لم يجرؤوا طيلة السنوات الخمس التي قضوها في ظل الدولة الإسلامية، على خوض حرب علنية ضدها، مؤثرين عليها الأسلوب التآمري، باتخاذ أنفسهم رأس حربة من الداخل وترك الواجهة في هذه الحرب لقريش. ولعل في ذلك ما يتعدى الأسلوب إلى المنهج الذي أصبح مما يميزهم في هذا المجال، إلاَّ أنه في الوقت نفسه كانت له معطياته على الصعيد الخاص وواقع أمرهم في المدينة، هذا الواقع الذي رافقهم منذ مفاوضات «العقبة» التي جرت بعيداً عنهم، بما حققته من إنجاز الهجرة وقيام الدولة، دون أن يكون لديه من ردة فعل سوى الصمت والترقب ومن ثم التآمر. وقد يصح القول، إن اليهود راهنوا «المهاجرين»، وهم تجارٌ كان لهم باعهم في مكة وأن وجودهم في المدينة سيحدث تحوّلاً في حركة التجارة في المدينة، ربما كانوا أول المستفيدين منه، ولكن ذلك يبقى مجرد افتراض إذا ما أخذنا في الاعتبار التجربةُ النضالية الصعبة التي خاضها المهاجرون تحت قيادة الرسول وصمودهم المثير في أحلك الظروف. وقد يصحّ القول أيضاً، أن اليهود اختاروا الدخول في الصراع تحت راية قريش وفي ظلها، بعد أن أدركوا عجزهم عن التصدي المباشر للمسلمين وهو ما كان ليتم بصورة علنية، دون ترك مضاعفات ربما انعكست على جبهة قريش نفسها وحملتها على التردد في خوض الصراع ضد فريق منها إلى جانب اليهود.
وهكذا، فإن اليهود الذين فشلوا في احتواء المسلمين عبر الطريقة نفسها التي اتّبعوها مع الأوس والخزرج من قبل، وذلك بإحداث حالة دائمة التفجّر في الجبهة الداخلية، لم يعد أمامهم من خيار سوى المواجهة الحاسمة ليس من جانبهم، إذ كانوا غير قادرين على ذلك، ولكن من جانب المسلمين الذين تعاطفوا معهم بذكاء شديد، سواء في التوقيت والقرار المناسبين، أم في اليقظة الدائمة إزاء مجريات الأحوال والمعالجة لأسباب التصدع بالسرعة القصوى. ولا نستثني في هذا المجال، ما كان لليهود من دور خفي في حركة النفاق التي تزعّمها عبدالله بن أبيّ، وكادت أن تؤدي إلى انشقاق جبهة المسلمين، لم تكن خافية أبعاده القبلية والإقليمية. وثمة مسألةٌ ليست منفصلةً عن هذا السياق قد انعكست على الصراع مع قريش وتحالف اليهود الضمني معها، وهي المتعلقة باتخاذ البيت الحرام قبلةً للمسلمين، إذ كان لها من الأهمية ما جعلها تشكل لبنة أساسية في وحدة العرب، إلى جانب الهجرة، فضلاً عن غزوة الحديبية فيما بعد، مشكلة هذه المبادراتُ خطوات توحيدية كبرى، غذّت مشاعر التكتّل بين القبائل العربية في مواجهة الخطر الخارجي. ولا شك أن قرار «القبلة»، لم يخلُ من انعكاس على قريش وإحساس من جانبها بالانتماء المشترك مع المدينة، فضلاً عما أوجده من عوائق أمام التحالف المقنّع مع اليهود ضد العرب المسلمين.
وفي غمرة هذه التطورات، كان الموقف يزداد تعقيداً على جبهة العلاقة مع اليهود وتلاشت فرص التعايش معهم، وهم في مثل ذلك الوضع من التربّص بالمسلمين والتآمر على الرسول. وقد أكدت الأحداثُ التي سبقت غزوة بني النضير انعدام الحدود الدنيا للتعايش وتناقض النظرة إلى الواقع الذي رأى فيه اليهود حالة مؤقتة، بينما كان للمسلمين بداية مشروع كبير تتوحد في ظله القبائل العربية وتنخرط فيه الفئات الأخرى حتى الانصهار. أما أسباب هذه الغزوة التي وقعت في مطلع العام الهجري الرابع، فتعود إلى أن أحداً من المسلمين (عمرو بن أمية)، غَدَر برجلين من بني عامر في أعقاب غزوة «بئر معونة»، منتقماً للمسلمين الذين قُتلوا عن آخرهم باستثناء رجل من الأنصار)[55](. وعلى الرغم من استنكار الرسول لقتل رجلين كان لهما أمان منه وعهد)[56]( حسب رواية الواقدي، ومحاولته تسوية الأمر مع بني عامر بدفع الدّية عنهما، إلا أن جانباً لهذه المسألة أثار تعقيداً، وهو ما كان له علاقةٌ ببني النضير حلفاء بني عامر)[57](. فقد ورد في الرواية أن الرسول ومعه كبار الصحابة قصدوا حيّ بني النضير للإعانة في دفع دية حليفيهما، فتظاهر هؤلاء بالترحيب به قائلين ما نسب لهم: «نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، قد أنَّى لك أن تزورنا وأن تأتينا»)[58](.. ولكنهم كانوا يبيّتون خطة لقتله، بأن يطرحوا عليه «حجارة من فوق»)[59](، حتى إذا قتل عادت قريش إلى حرمها «وبقي من هاهنا الأوس والخزرج حلفاؤكم» حسب الرواية التاريخية)[60](.
على أن هذه الخطة التي حذرهم منها أحدهم (سلاّم بن مشكم)، أحسّ بها الرسول وغادر لتوه المكان عائداً إلى بيته، دون أن يُعلِم أصحابه الذين استأخروا رجوعه، حيث أخبرهم بخطة اليهود بعد اللحاق به)[61](. وسرعان ما أخطر بني النضير عبر محمد بن أبي مسلمة بالجلاء عن المدينة، ممهلاً إياهم عشرة أيام ومن «رئيَ بعد ذلك ضُربت عنقُه»)[62](. ولم يستسلم هؤلاء للأمر قبل محاولة الضرب على وتر التناقض بين المسلمين، مستدرجين موفد الرسول ـ وكانت من قبل عشيرتُه حليفةً لهم ـ بقولهم: «ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجلٌ من الأوس»)[63](. ولكنها القلوب تغيّرت كما عبر عن ذلك ابن مسلمة، والتاريخ ما عادت مسيرته ممكنة إلى الوراء، والمدينة ما عادت يثرب، والأنصار خرجوا من بطونهم وأحلافهم وانخرطوا كتلةً واحدة في دولة الرسول وتحت راية دعوته. كان وحده المتردّد بينهم هو عبدالله بن أبي، راصداً السوانح أو مفتعلاً لها لتحقيق غايةٍ في نفسه، قد لا تلتقي في العمق مع غاية اليهود، ولكنها تجد ضالتها في كل حركة معارضة، سواء كانت في هذه الجبهة أو تلك. فلم يتردد ابنُ أبي في استغلال الموقف، محرّضاً بني النضير على الصمود، بما نُسب له قوله: «ولا تخرجوا من دياركم وأموالكم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم قبل أن يُوصل إليكم، وتمدُّكم قريظة فإنهم لن يخذلوكم، ويمدكم حلفاؤكم من غطفان»)[64](. ولكن اليهودي «الحكيم»)[65]( الذي حذّرهم من الغدر بالرسول، حذرهم أيضاً من الاعتماد على ابن أبي الذي سبق له أن حرّض بني القينقاع على الصمود ثم خذلهم، وهو لن يتورّع عن خذلهم كذلك حسب القول المنسوب له. وقد صحّ ما نصح به الرجل، إذ حاصر المسلمون بني النضير دون أن تتجلى بوادرُ المساعدة من جانب ابن أبي أو قريظة أو غطفان، خلال خمسة عشر يوماً من الحصار، انتهت بإجلائهم عن المدينة، وذلك بإشراف محمد بن مسلمة نفسه، وخروج قسم منها إلى خيبر والآخر إلى الشام)[66](.
والواقع أنه بعد هذه الضربة التي حلّت بواحدة أخرى من القبائل الثلاث الرئيسة، لم يعد هنالك ما يثير القلق إزاء الخطر اليهوي في المدينة. فقد انكفأت قريظة على نفسها، وهي التي تفادت الدخول في الصراع إلى جانب النضير منتظرةً مصيرها الأكثر سوءاً، دون أن يبدو ما يشير إلى أنها تخلّت عن عدائها للرسول أو استفادت من تجربة القبيلتين السابقتين. وإذ يخبو النفوذ اليهودي في المدينة، يبرز موقعٌ آخر كان من الممكن أن يعرقل مسيرة المسلمين، وهو حصنُ خيبر الذي لجأ إليه قسم من بني النضير، وبات المعقلُ الرئيس لليهود في الحجاز. وكانت خطورة هذا الحصن، أنه أصبح بؤرةً لمناوأة المدينة وملتقى أعدائها من قريش وغطفان فضلاً عن اليهود، يعدّون الخطط ويحبكون المؤامرات ويحرضون الشعراء وكل ما استطاعوا إليه سبيلاً في محاولة التضييق على المسلمين في تلك المرحلة الدقيقة. على أن هؤلاء الذين كانت أعينهم مفتوحةً على كافة الجبهات وراصدةً مناطق الخطر، لم تغب عن بالهم خيبر التي تمّ اختراقها في ذلك الوقت بعملية اغتيال مثيرة، استهدفت أبي رافع كما سبقت الإشارة.
ولعل أبرز دلالات هذا الاختراق للحصن الشهير، في أن الصراع مع اليهود لن يتوقف عند حدود الموادعة والالتزام بها من جانب هؤلاء، كما توحي الروايات التاريخية التي تجعل من نقض اليهود للعهد سبباً في إعلان الحرب عليهم من جانب المسلمين. فإذا كان هذا التصوّرُ ممكناً في بدء الصراع الذي تجسّد أولاً في موقف بني القينقاع، فإنه بات من غير الممكن تصورُ الأمر من هذا المنظور فيما بعد، لا سيما بعد طرد قبيلتين من المدينة ونقل الصراع إلى خيبر. فقد أضحى اليهود في تلك المرحلة عنصراً غريباً في الدولة الصاعدة، دون أن يرتقوا في ظلها إلى مستوى الانخراط مع المسلمين. وإذا كانت المقارنة جائزة بين حركتهم الغامضة وبين حركة النفاق التي اندرج فيها بعض العرب من الخزرج، كما هي جائزة أيضاً بالنسبة للنتائج التي انتهت إلى احتواء الثانية من دون الأولى، فإن حركة النفاق جوبهت بما يقتضيه واقع الحال الحفاظ على وحدة الجماعة الإسلامية وتجنيبها كل ما يؤدي إلى إثارة العصبيات، ويؤدي بالتالي إلى انفراط المشروع الذي بنيَ أساساً على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، بينما اقتضى الأمر تكتيل هذه الجماعة ضد عنصر اختار أن يكون غريباً عنها ومنفصلاً عن قضيتها الأساسية.
والواقع أن الروايات التاريخية لا تتحدث عن أسباب مباشرة للقرار الذي اتخذ في أعقاب غزوة الخندق، بالتخلص من بني قريظة، آخر اليهود في المدينة. فقد اقتصرت على ما راود بعض المسلمين من شكٍ نحو هذه القبيلة التي «نقضت العهد وحاربت»)[67](، متابعة رواية الواقدي في هذا السياق، بأن الرسول أوفد الزبير بن العوّام للاطلاع على أوضاعهم، فإذا بالشك يصبح يقيناً في جواب موفد الرسول: «رأيتهم يصلحون حصونهم ويدرّبون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم» حسب الرواية)[68](. ولعل في ذلك ما يكفي لأن يمهّد كسبب مباشر لغزوة بني قريظة ووضع حد لوجودهم في المدينة. ولكن هل شارك هؤلاء بصورة فعلية في غزوة الأحزاب (الخندق)؟ هذا ما يحتاج إلى تأكيد لم توفره المصادر التاريخية ولم تقدم دلالاتٍ واضحةٍ عليه، لأن المشاركة على نحو ما مع قريش، لم يكن من سبيل إليه لو شاءت قريظة ذلك، وهي شبهُ محاصرةٍ في المدينة، إن لم تكن محاصرةً فعلاً منذ القضاء على بني النضير. وقد يتوافق هذا الرأي مع ما ذهب إليه المستشرق وات بأنها ـ أي قريظة ـ ظلت «على الحياد فيما يتعلق بالعمل العسكري، ولكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد، ولو أنها وثقت من قريش وحلفائهم من اليهود لانقلبت على محمد»)[69](.
ولعل التعاطي مع المسألة اليهودية كحالة مجزأة لا يعبر عن الحقيقة، إذ هي بدايةً تشكل حالة واحدة برغم الملامح الجزئية التي يرى فيها البعضُ حالات خاصةً، فرضتها العلاقةُ مع كل من القبائل اليهودية. ولا شك أن التدرّج في هذا الصراع قد أكسبه تلك الملامح خلال سنوات خمس مرّات على الهجرة، احتلت المهادنة حيزاً قصيراً فيها، بينما كانت الخطة محكمةً خلال الحيز الآخر، سواء من حيث التوقيت أو من حيث القرار الحاسم. فلم يكن مصادفة تهيؤ الأسباب الملائمة والاستفراد لليهود قبيلةً وراء قبيلة بعيد كل مواجهة مسلحة مع مكة. فقد تمّ ضرب القينقاع في أعقاب بدر، والنضير بعيد أحد وقريظة جاء القضاء عليها محصّلاً لغزوة الخندق. وإذا كانت الغزوتان ضد الأولى والثانية، قد أسهمت نتائجهما فيما اتخذ من قرار موضوعي في حينه، فإن نتائج الخندق تجاوزت ما سبقها وبلغ معها المسلمون الذروة في الصمود وفي قهر التحديات الخارجية. ولا شك أن المدينة بعد هذه الغزوة (الخندق)، تجاوزت آفاق الحظر، فضلاً عن العزلة التي كان للسرايا النبوية تأثير كبير في التقليل منها، بينما لم تجد مكة سبيلاً إلى تفادي هذه العزلة التي أخذت تعانيها بعد تلك الغزوة ـ المنعطف في تاريخ الصراع مع المدينة، مؤكدةً فشلها في اختراق الأخيرة وفي استمرار المحافظة على جبهتها الواسعة، بعد اهتزاز صورتها أمام القبائل الحليفة. ومن هنا اختلفت انعكاساتُ الصراع مع قريظة، عن تلك التي انعكست على القينقاع والنضير، خاضعةً لمعطيات الوضع الجديد في أعقاب غزوة الخندق، وإن كانت في سياقها المحلي وظروفها الخاصة غير مختلفة عما أحاط بإخراج القبيلتين السابقتين.
وكانت السرعة في المبادرة وفي التعبئة، ما يستوقف المؤرخ، متمثلاً ذلك في قرار حاسم للرسول بعد عودة المسلمين من الخندق بأن «لا يصلين أحدٌ العصر إلا ببني قريظة»)[70](، مما اعتبر إعلاناً صريحاً للحرب على هذه القبيلة، ما لبث أن اقترن بتحرك المسلمين نحو حصونها، ضاربين حولها حصاراً دام خمساً وعشرين ليلة)[71](. ولقد أثارت هذه الغزوة في تقويمها ملابساتٌ، وبما كان المستشرقون أكثر توقفاً عندها، إذ رأوا في حكم الموت على هذه القبيلة ما يتعارض وتقليد التسامح في الإسلام. وقد يصعب في الواقع على المؤرخ مجابهة هذا الموقف دون قراءة دقيقة لتلك المرحلة التي كان من أبرز سماتها، التحوّل من أفق القبيلة إلى آفاق الدولة، مما نجده واضحاً في حيثيات القرار المتخذ من جانب زعيم الأوس سعد بن معاذ الذي عهد إليه الرسول بهذا الأمر. ولعل اختيار سعد لهذه المهمة كان يندرج في إطار السياسة ذاتها التي أعطت للأنصار دوراً أساسياً في الصراع مع اليهود، في ضوء العلاقة الخلاصة بين هؤلاء وبين بطون الأوس والخزرج وبعض شخصياتهم. ولذلك لم يكن غريباً أن يتولى سعدٌ مثل هذه المسؤولية وقد ارتبطت عشيرتُه قبل الهجرة بحلف مع قريظة وسوندت من جانبها في يومي الحدائق وبعاث ضد الخزرج)[72](. وكان اثنان من الأوس أيضاً قد عهد إليهما الرسول الاتصال تباعاً بقريظة بعد إحكام الحصار عليها: أحدهما أبو لبابة بن عبدالمنذر وثانيهما أسيد بن حضير، إذ حلّ الثاني في مهمةٍ، أخفق فيها الأول، بعد أن حرّك اليهود في نفسه رواسب الماضي.
إن دفع الأوس إلى غمار هذه المهمة، شكّل تعديلاً في موازين القوى على صعيد جبهة الأنصار التي ظل الخزرجُ أكثر تألقاً وأكثر ممارسة للأدوار البارزة فيها. ولذلك فإن تصدي سعد بن معاذ للمهمة الصعبة التي أوكلت إليه، سيكون بمستوى الثقة التي حازها من الرسول، مؤكداً انضباطية الأوس وعدم انفعالهم بالمواقف السابقة على الهجرة، هذا إذا سلّمنا بأن قرار القتل الجماعي الذي اتُّخذ ببني قريظة، كان وراءه ابن معاذ فقط، وأنه أقدم عليه دون العودة إلى الرسول والصحابة الذين كان جلهم مشاركاً في هذه الغزوة. فقد تعرض سعد لضغطٍ من قومه أو بعضهم، بأن «يحسن في مواليه» متذرّعين بأن الخزرج (والمقصود هنا عبدالله بن أبي) طلبوا من الرسول أن يحسن ببني القينقاع فاستجاب لهم)[73](. ولكنه لم يشأ الخضوع للعواطف أو التأثر برواسب العصبية، وإنما كان في حكمه متجاوزاً اعتبارات القبيلة ومغلِّباً عليها مصلحة الجماعة. ولما شكك الخزرج على لسان اثنين من زعمائهم (سعد بن عبادة والحُباب بن المنذر) في رغبة الأوس بتنفيذ حكم ابن معاذ)[74]( وهو أن «يُقتل الرجال وتقسمُ الأموال وتُسبى الذراري والنساء»)[75](، لم يتردد زعيمُ الأوس وآخر معه (أسيد بن حضير) في نفي ذلك والتأكيد على التزام قومهما بالحكم)[76](. وعلى العكس من ذلك فإن سعداً بن معاذ في آخر أيامه ـ وقد أصيب بجراح بالغة في الخندق وعشية اتخاذ الحكم ضد قريظة، لا ينفك محرّضاً على الأخيرة، بأن تكون له شهادةً في حربها. فقد كان في ظنه ـ أن الحرب انتهت مع قريش، وأن ما جرى مع قريظة كان آخر الحروب حسب رواية الواقدي)[77](. وقد كان ابن معاذ مصيباً فيما نسب له من اعتقاد، لأن صمود المسلمين في الخندق وانكفاء قريش على أعقابها، أخرجا المدينة من دائرة التهديد الفعلي، وما بقي من خطر كان شأنه متروكواً للوقت، بعد أن أصبح زمامُ الأمور في قبضة المسلمين الذين كانت وحدتهم الصلبة، السلاح الأقوى في مواجهة تلك التحديات.
وبالقضاء على قريظة، تلاشى وجودُ اليهود في المدينة، باستثناء أفرادٍ بدا أنهم نالوا عفواً أو شفع بهم أحدٌ من حلفائهم السابقين، مثل الزبير بن ياطا، وكان شيخاً كبيراً، سعى من أجله ثابت بن قيس لدى الرسول فوهبه له)[78](، إلا أن الزبير الذي ضاق به العيش بعد قتل «سراة بني قريظة»، اكتفى بإطلاق امرأته وولديه وردِ أموالهم إليهم، مؤثراً الموت بسيف صاحبه (ثابت) حسب راية الواقدي)[79](. كما تشير الرواية نفسها إلى يهودي آخر يدعى أبو الشحم، حضر بيع السبي واشترى امرأتين «مع كل واحدة منهما ثلاثة أطفال وغلمان وجوار بخمسين ومائة دينار»)[80](، دون أن توضح الرواية إذا كان أبو الشحم من يهود المدينة أم أنه وفد عليها من القرى اليهودية لافتداء هؤلاء بأموالهم. ذلك أن الاعتقاد بوجود يهود في المدينة بعد غزوة قريظة، لا تدعمه الروايات التاريخية التي تكتفي بهاتين الحادثتين حيث بنى «وات» افتراضه على الثانية بأن بعض اليهود كان ما يزال فيها)[81]( وقد علل هذا المستشرق وجود «عدد من اليهود» في المدينة، في معرض تسويغه لسياسة الرسول إزاء المسألة اليهودية، معتبراً ذلك حجةً على آراء العلماء الأوروبيين الذين يقولون «بأن محمداً اتّبع سياسةً شديدة فطرد جميع اليهود من المدينة لا لسبب إلا لأنهم يهود»)[82](. فقد نفى وات استخدام الرسول مثل هذه السياسة التي كانت غير مألوفة في تقاليده، معللاً الموقف من اليهود لا سيما بني قريظة، بأنهم شكلوا خطراً «بأفكارهم على نبوته»، مما دفعه إلى هذا التشدد تفادياً لفتور الحماسة الدينية عند جماعته)[83](.
على أن اليهود كان ما يزال لهم حضورٌ قوي في خيبر وبقع مجاورة لها على تخوم المدينة، حيث قاموا بدور تحريضي ضد الأخيرة وأعدّوا لها خططاً انتقامية لم تكن خافية عنها. ولذلك لم يتردد المسلمون في متابعة سياسة المداهمة نفسها إزاء يهود خيبر، متمثلةً في الاختراق المفاجىء للأخير كما سبقت الإشارة. فقد أعطى المسلمون حيّزاً في سياستهم العسكرية لهذا الحصن الذي يمكن القول إنه بات شبه محاصر بعد غزوة بني قريظة، دون أن تكون منفصلةً عن هذا السياق، عملياتٌ ضد مواقع أخرى مثل سرية علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بني سعد بفدك)[84](، بعد أن بلغ الرسول «أن لهم جمعاً يريدون أن يمدّوا يهود خيبر»)[85](، فأدرك «نعمهم وشاءهم»، بينما تفرق رجالهم وهربوا)[86](. كما تندرج في مقدمات الصراع مع خيبر، السرية التي استهدفت خلفية أبي رافع، أسير بن زارم، وذلك بقيادة عبدالله بن رواحة في ثلاثين من المسلمين)[87](، ممهداً لها بعملية)[88]( محدودة، تمكّن بواسطتها من رصد حركته واستطلاع أخباره. وقد جاءت هذه السريةُ بعد أن تناهت معلوماتٌ عن تحريض أسير لليهود على الثأر من الرسول واستهدافه في «عقر داره»)[89](، معدّاً لذلك «كتائب اليهود»)[90]( حسب رواية الواقدي، وقد نجح ابن رواحة وأصحابه في استدراج أسير إلى خارج الحصن، بعد إيهامه بنية الرسول في استعماله على خيبر)[91](، على الرغم من تحذير رجاله بأن «محمداً ما كان يستعمل رجلاً من بني إسرائيل»)[92]( حسب الرواية نفسها. ولم يجد أسير بدّاً من المواجهة المسلحة مع المسلمين الذين ضيقوا عليه الخناق وانتهوا إلى قتله ورجاله، باستثناء واحدٍ فقط، دون أن يصاب منهم أحد)[93](.
ولعل هذه العملية تعبّر، كما عبّرت سابقاتُها، عن سقوط مقومات التعايش مع اليهود، حيث وجد المسلمون وامتد لهم نفوذ، مما يعني أن الصراع معهم لم تعد مقتصرة ساحته على المدينة فقط، وإنما بات متحركاً خارجها باتجاه بقية المواقع التي وجدت نفسها في حالة حرب مع المسلمين، مختلفة عن تلك الحالة المقنعة في المرحلة السابقة، على نحو أضحت فيه خيبر، المحطة الحاسمة في الصراع ضد اليهود في الحجاز. وكان التوقيت عنصراً هاماً في العملية التي داهمت اليهود في حصونهم وأربكت حركتهم، حين قام الرسول بغزوته في العام السابع بعد تحقيق إنجازين كبيرين على المستوى السياسي: الأول تمثّل بغزوة الحديبية وما كان لها من نتائج ساطعة)[94](، قطفت ثمارها المدينة، مقابل تراجع لافت من قريش وتكريس لعزلتها العربية المتصاعدة، والثاني، عبّرت عنه الرسائلُ النبويةُ إلى الملوك ورؤساء القبائل في الشام)[95](، الأمر الذي سيجعل الأخير هدفاً مبكّراً لسياسة الرسول التوسعية. على أن التوقيت هنا لم يكن بعيداً عنه الشأن الاقتصادي، الذي كان حاضراً في كثير من السرايا النبوية، حيث اتخذت محورها غالباً في منطقة العبور التجاري إلى الشام. ومن هنا يأتي قرارُ الهجوم على خيبر الذي وُصف بأنه «ريف الحجاز طعاماً وودكاً وأموالاً»)[96](، وحظي بموقع جغرافي هام على تخوم طريق القوافل، منسجماً مع الخطوتين السابقتين، إذ حققت كلتاهما من النتائج السياسية والاقتصادية، ما جعل المدينة تنتزعُ زمام المبادرة من مكة بما في ذلك التهديد الفعلي لتجارتها وإجراءُ الاتصالات المباشرة مع الشام. ولذلك يشكّل خيبر من هذا المنظور، الحلقة الأخيرة في إحكام القبضة على شمالي الحجاز والإمساك بمفاصل الطريق التجاري، وصولاً إلى الحصار السياسي والاقتصادي والنفسي على الحاضرة القُرشية، إذا ما أخذنا في الاعتبار ما أحدثته غزوةُ الحديبية من إرباك لعلاقتها مع القبائل وانكفاءٍ لتجارتها الشهيرة.
ولعل خطورة الغزوة إلى خيبر، كانت واضحة في التعبئة الجدية لها، وفي القول المنسوب للرسول (ص) بأن «لا يخرجن سوى راغب في الجهاد»)[97](، مندرجاً ذلك في خطة محكمة، كانت المفاجأة من أبرز عناصرها، فضلاً عن التوقيت الملائم. فلم تكن مواجهة تلك الحصون التي تعجّ بالمقاتلين وتمتلىء بالسلاح)[98]( على جانب من السهولة، دون إعدادٍ مناسب لها، يُفضي إلى حسم المعركة بالسرعة القصوى لأن أي تعثّر في إحراز النصر أو إخفاق في فتح الحصون، ستكون له نتائجه السلبية على المدينة، بما يتعدى الصراع مع اليهود، إلى الصراع مجدداً مع مكة التي ستقطف ثمار أي فشل يحيق بالمسلمين. ولذلك كانت الخطة متقنة في سرّيتها، مفاجئةً لليهود الذين أصبحوا في ذلك اليوم من شهر جمادى الأول سنة سبع للهجرة، «ففتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم»)[99](، دون أن يشعروا بأمر غير عادي، حتى إذا اصطدموا بقوات المسلمين عادوا أدراجهم وقد سيطر عليهم الذعر وحالت المفاجأة دون تنظيم صفوفهم والإعداد المناسب للمعركة، مما هيأ للمسلمين، وكان جلهم من الأنصار)[100]( اختراق جبهتهم بسهولة وإسقاط حصونهم واحداً بعد آخر)[101](. وقد رأى «وات» أن عدة أسباب كانت وراء هزيمة اليهود في خيبر، منها أن بعضهم لم يتردد في مساعدة المسلمين، اعتقاداً منه بأن ذلك يضمن سلامته وعائلته)[102](، وأنهم ـ أي اليهود ـ «لم يهتموا بالتزويد بالماء الكافي للحصار وكان قصير المدى»)[103](، فضلاً عن خُذلان حليفتهم القريبة غطفان التي تظاهرت ـ والكلام لوات ـ «بالتأييد لهم ولم تتدخل بشكل فعّال أثناء عمليات خيبر»)[104](.
ومهما كانت تقديرات «وات» مصيبةً، فإن ثمة ما يمكن إضافته إلى أسباب نجاح المسلمين في القضاء على حصون خيبر، أن هؤلاء كانوا يحاربون كتلةً متماسكة ويتحركون وفق خطة ذكية وتوقيت مدروس، بينما كانت جبهةُ اليهود مفككةً وغير قادرة على تحقيق النصر، أو الصمود على الأقل، دون دعم فعلي من جانب قريش و«الأحزاب» المؤيدة لها، وهو لم يحدث عملياً عبر مراحل الصراع الإسلامي اليهودي في الحجاز. فقد كان هاجسُ الرسول، أن لا يدع لليهود فرصةً للوحدة أو مجالاً لاتخاذ المبادرة، مما يفسر استفراد قبائلهم دون أن يتاح لهم، برغم نزعتها العدائية، الانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم. فقد ضاعت منهم ـ أي اليهود ـ فرصة للتعايش التي كانت ممكنة في وقت ما، ولكنها ما عادت قائمة في بال المسلمين منذ غزوة القينقاع وما تركته في نفوسهم من ارتياب بجدوى المهادنة، الأمر الذي جعل الوجود اليهودي مرفوضاً حتى بعد وفاة الرسول، على الرغم من أن هذا الوجود بات هامشياً إثر سقوط خيبر واستسلام فدك ووادي القرى)[105](.
وهكذا، وبعيداً عن أي اجتهاد خاص أو رؤية فكروية مسبقة، كان اليهود على هامش الهجرة إلى يثرب التي كان أول ما يعني تبديل اسمها، أنها لم تعد مدينة اليهود أو يكون لهم حقُ البقاء فيها، بقدر ما أضحت مدينة العرب المسلمين وحاضرتهم ومنطلق مشروعهم، المتناقض في الجوهر مع المشروع اليهودي، الرامي إلى احتواء المهاجرين وجرّهم إلى خلاف مع الأنصار، بغية تكريس حالةٍ شبيهةٍ بتلك التي سادت المدينة من قبل. وفي ضوء ما أسلفنا مدّعماً بالنصوص التاريخية، فإن الهجرة كانت إنجازاً أسهم فيه الأنصار بنصيب كبير، مجسَّداً بمشاركة طليعية من جانب الخزرج الذين هُزموا في بعاث، دون أن يعني ذلك أن الأوس هم الأقوى أو لديهم الثقةُ باستمرار المحافظة على النصر الذي لم يكن يتم لولا مساعدة اليهود. ومن هذا المنظور، فإن الخزرج الذي مهّدوا السبيل للهجرة، إنما كانوا يخوضون بمعنى ما صراعاً عربياً ضد اليهود، مما جعلها تكتسب ـ أي الهجرة ـ هذه السمة منذ البدء وتدخل سلفاً في مواجهة مصيرية معهم. فقد بلغوا ـ أي الخزرج ـ إلى جانب الأوس شأواً في نفوذهم وباتوا «أعزّ أهل المدينة» وشاركوا اليهود في النخل والدور كما في المروية السالفة وهو أمر يدفعنا إلى إعادة النظر، بالفكرة السائدة عن «غلبة» النفوذ اليهودي في ذلك الوقت. ولعل أقدم هذه المؤشرات ما عبّرت عنه حركة مالك بن العجلان السالفة ضد أشراف اليهود، وهي في ذاتها مرتبطةٌ بنمو النفوذ العربي في المدينة، دون أن نجد بين ثنايا الروايات ما يشير إلى ردٍّ لليهود على هذه الحركة، سوى ما كان من جهود لضرب وحدة القبيلتين وإشغالهما بحروب داخلية.
وثمة أصداء لهذا الصراع المبكر نجدُه أيضاً في مؤشر آخر، حينما التجأ الخزرج إلى قريش تحت تأثير حافز ليست خافيةً دلالاته القومية، بغية إيقاف الحرب مع الأوس، من غير أن يكون الهاجس محكوماً بالصراع مع هؤلاء، بقدر ما كانت له خلفيته المتصلة بالخطر اليهودي الذي استهدف القبيلتين في آن. ولكن قريشاً التي رفض أحد زعمائها (أبو جهل المخزومي) التورط في صراع قد يعود على تجارتها بالضرر، تفادت القيام بأية خطوة تؤدي إلى اختلال التوازن في يثرب، مخيبةً للآمال بزعامتها «العربية» في الحجاز. وكان تكرارُ المحاولة مع الطائف غير مجدٍ أيضاً لأن الأخيرة ما كانت لتخرج على إرادة قريش، ولكن المحاولة في مضمونها تؤكد المنحى الذي اتخذه الصراعُ في يثرب عشية الهجرة، على نحو بدا وكأنه صراعٌ حتمي، ليس بين العرب الذين خاضوا فيما بينهم حروباً مفتعلة، ولكن بينهم وبين اليهود بعد شعور هؤلاء بالقلق من تصاعد نفوذ الأوس والخزرج في يثرب. ومن هذا المنظور أيضاً تصبح الهجرة في ذاتها مشروعاً عربياً وحدوياً، يرمي في بداياته إلى إنقاذ القبيلتين من الاقتتال ويلبي الطموح إلى تحرير المدينة من اليهود دون أن يكون ما نسب للخزرج من قولٍ للرسول: «إن بين قومنا شراً وعسى الله أن يجمعهم بك»)[106](، بعيداً عن هذا الحقيقة، إذ كانت عبارة «القوم» في حديثهم تعني العرب وليس مجرد فريق منهم، بعد أن دمرت الحرب طاقة الجميع وهدّدت وجودهم بالخطر.
وإذا كان اليهود أخيراً قد استمدوا قوتهم من هذا الصراع العربي ـ العربي واستمراريته، فإن ذلك لا يؤكد في المقابل أنهم بلغوا مرحلة السيادة في المدينة وباتوا أصحاب القرار فيها. فقد أثبتت تلك الوقائع عجزهم عن التدخل الفعلي في الأحداث والتحكم في مسارها، خصوصاً وأن الهجرة التي اقترنت أساساً بالوحدة، متسعةً للأوس برغم انفراد الخزرج في التمهيد لها، كان التصدي لها من جانب اليهود أمراً لا يرتكز على معطيات الواقع الذي رجح لمصلحة «الهجرة العربية». والقبائلُ اليهودية الحجازية وإن تطبعت في الشكل مع الواقع واكتسبت من العادات الاجتماعية والمؤثرات الثقافية، حتى ظن بعضُ المؤرخين أن قبيلة منها أو أكثر من أصل عربي، فهي من المؤكد قد ظلت خارج التشكيل القبلي الذي تتبعت كتبُ الأنساب أصوله وفروعه في شبه الجزيرة والأطراف، كما ظلت جمساً غريباً يلفظ بقية الأجسام التي لفظته بدورها لانعدام التلاؤم والانصهار. ولم تكن تجربة المدينة وما انبثق عنها من مشروع عربي في الصميم، سوى اختيارٍ ربما تدخل فيه الموقفُ السياسي وسرَّعَته الأحداث الدامية، ولكن الخيار الحقيقي، كان هو المشروع نفسه الذي رسم للقبائل العربية وحدتها ومعالم تاريخها الجديد، مرموزاً له في الآية القرآنية الأولى التي تُليت في المدينة على لسان المهاجر الأول مصعب بن عمير: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ})[107](.
الدكتور إبراهيم بيضون
خيبر)[108](
ـ 3 ـ
قال ياقوت: هي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام. يطبق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. وأسماء حصونها: حصن ناعم، والقموص حصن أبي الحقيق، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة. وأما لفظ «خيبر» فهو بلسان اليهود: الحصن ولكون هذه البقعة تشتمل على هذه الحصون سميت «خيابر» (انتهى).
ولقد كان النبي (ص) يخشى غدر اليهود الذين لا يزالون مقيمين شمال المدينة، صحيح أنه قد عقد عهد الحديبية، فأمن قريشاً وأمن الجنوب كله، لكنه لن يأمن من ناحية الشمال أن يستعين هرقل بيهود خيبر، وأن يحرك في نفوسهم ثاراتهم القديمة، وأن يذكرهم إخوانهم في الدين من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وقد أجلاهم (محمد) عن ديارهم بعد أن حصرهم بها وقاتلهم فيها وقتل منهم وسفك دماءهم. واليهود أشد من قريش عداوة له. لأنهم أحرص منهم على دينهم، ولأن فيهم ذكاء وعلماً أكثر مما في قريش. وليس من اليسير أن يوادعهم بصلح كصلح الحديبية، ولا أن يطمئن لهم وقد سبقت بينه وبينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها. فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا هم وجدوا من ناحية هرقل مدداً. لا بد إذاً من القضاء على شوكة هؤلاء اليهود قضاء أخيراً حتى لا تقوم لهم من بعد ببلاد العرب قائمة أبداً ولا بد من المسارعة إلى ذلك حتى لا يكون لديهم من الوقت متسع للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد (ص) والموالية لهم.
وكذلك فعل، فإنه لم يقم بالمدينة بعد عوده من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول، وشهراً على قول آخر، ثم أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر وانطلق المسلمون في ألف وستمائة ومعهم مائة فارس، وقطعوا مراحل الطريق ما بين خيبر والمدينة في ثلاثة أيام لم تكد خيبر تحسسهم أثناءها، حتى لقد باتوا أمام حصونها وأصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم، فما رأوا جيش المسلمين ولوا الأدبار، يتصايحون: هذا محمد والجيش معه.
على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون أن يغزوهم محمد وكانوا يودون أن يجدوا الوسيلة إلى الخلاص منه. أما بعضهم فنصح لهم أن يبادروا إلى تأليف كتلة منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء تغزو يثرب، دون اعتماد على البطون العربية في الغزو. وأما آخرون وغيرهم فكانوا يرون أن يدخلوا في حلف مع الرسول (ص)، لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين، والأنصار منهم خاصة، بعد اشتراك حيي بن أخطب وجماعة من اليهود معه في تأليب العرب لاقتحام المدينة وأخذها عنوة في غزوة الخندق.
كانت هذه الموقعة من أكبر المواقع لأن جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأساً، وأوفرها مالاً، وأكثرها سلاحاً، وكان المسلمون مؤمنين بأنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه الجزيرة فستظل المنافسة بينهم وبين الإسلام حائلاً دون الغلب لهم، ووقفت قريش ووقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون من قريش يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها فوق الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال.
وقف المسلمون أمام حصون خيبر متأهبين كاملي العدة، وتشاور اليهود فيما بينهم فأشار عليهم زعيمهم سلام بن مشكم، فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصني الوطيح والسلالم، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم، ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حصن نطاة، والتقى الجمعان حول حصن نطاة واقتتلوا قتالاً شديداً، حتى قيل: إن عدد الجرحى من المسلمين في هذا اليوم بلغ خمسين فكم كان إذاً عدد جرحى اليهود؟. وتوفي سلام بن مشكم، فتولى الحارث بن أبي زينب قيادة اليهود، وخرج من حصن ناعم يريد منازلة المسلمين، فدحره بنو الخزرج واضطروه أن يرتد إلى الحصن على أعقابه. وضيق المسلمون الحصار على الحصون واليهود يستميتون في الدفاع إيماناً منهم بأن هزيمتهم أمام محمد (ص) هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب. وتتابعت الأيام، فبعث الرسول أبا بكر براية إلى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن. وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه كحظ أبي بكر. فقال النبي: «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كراراً غير فرَّار» ثم دعا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له خذ هذه الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج حتى ركز رايته تحت الحصن وخرج إليه الحصن بكامله وكان أول من خرج الحارث أخو مرحب وكان معروفاً بالشجاعة فانكشف المسلمون وثبت علي فتضاربا فقتله علي وانهزم اليهود إلى الحصن. ولما علم مرحب بطل اليهود أن أخاه قد قتل خرج من الحصن في سلاحه وهو ينشد الشعر الحماسي فاستقبله علي بن أبي طالب وهجم عليه فقتله وكان أهل الحصن قد خرجوا واشتبكوا مع المسلمين.
قال في أعيان الشيعة: والعجب من الدكتور هيكل فإنه لم يذكر في كتابه إلا الخبر الشاذ الذي وضعه أعداء علي وحاسدوه بأن مرحباً قتله محمد بن مسلمة وأعرض عن الخبر المتواتر بأن قاتل مرحب هو علي بن أبي طالب ولم يشر إليه أصلاً مع حكم الحفاظ والنقاد من مؤرخي المسلمين ومحادثيهم بصحته وتواتره. ومع ظهور الحال في ذلك ظهوراً يجعله كالشمس الضاحية ولا عجب فأنا رأينا هذا الرجل في كتابه يغمط علياً حقه في كل موضع ما استطاع.
وقدم على النبي (ص) جعفر بن أبي طالب من الحبشة يوم فتح خيبر فقبل رسول الله (ص) بين عينيه والتزمه وقال ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
وعامل محمد (ص) يهود خيبر بغير ما عامل به بني قينقاع وبني النضير حين أجلاهم عن أرضهم فترك أهل خيبر في أرضهم لأنه أمن بسقوط خيبر بأس اليهود، وآمن بأنهم لن تقوم لهم بعد ذلك قائمة أبداً. ثم إنَّ ما كان بخيبر من الحدائق والمزارع والنخيل كان يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة لاستغلاله وحسن القيام على زراعته. ولئن كان أنصار المدينة أهل زراعة، لقد كانت أرضهم بها في حاجة إلى أذرعهم، كما أن النبي كان في حاجة إلى جيوشه للحرب، فهو لا يرضى أن يتركها للزرع. وكذلك ظل يهود يعملون بعد أن انهار سلطانهم السياسي انهياراً أثّر حتى على نشاطهم، حتى لقد أسرعت خيبر من ناحية الزراعة نفسها إلى البوار والخراب، مع ما كان من حسن معاملة النبي لأهلها، ومن عدل عبدالله بن رواحة رسوله إليهم كل عام بينهم في القسمة وقد كان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوها عدة صحائف من التوراة. فطلب اليهود ردها، فأمر النبي بتسليمها لهم، ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع الإسبان في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حيث أحرقوا كتب اليهود المقدسة.
خيبر (ممر)
ممر جبلي هو الطريق بين أفغانستان وباكستان، تحصره من الجانبين مرتفعات ضمها في بعض أجزائه أكثر من ألف متر. وكان هذا الممر طريقاً لجميع من غزوا الهند. وظلت مواكب الغزاة تتوافد عبر الممر على مدار التاريخ، من الشمال الهون البيض والفرس والترك والمغول، ومن الجنوب الهندوس والإنكليز.
حسن الأمين على حدود أفغانستان بعد اجتياز ممر خيبر
وتروي كتب التاريخ أن أول من مهد ممر خيبر هو شير شاه سوري أحد ملوك المغول في منتصف القرن السادس عشر، ولكن الطريق المستخدم الآن، وهو مواز للطريق القديم الذي شقه الإنكليز بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1920م ضمن خطوات أخرى لأسباب عسكرية خالصة، أرادوا بها تسهيل عمليات نقل القوات والإمدادات من مدينة «بشاور» إلى الحدود الأفغانية. ذلك أن الإنكليز بعد الحرب الأولى قدروا أن الروس يخططون للوصول إلى الهند وأن ذلك قد يتم عبر أفغانستان وممر خيبر. وأعد الإنكليز عدتهم لمواجهة هذا الاحتمال، فمهدوا هذا الطريق، ومدوا خطاً للسكة الحديد ليس بعيداً عن الممر ـ بين بشاور ونلديكوت ـ أهم بلدة على الطريق.
وعندما ينبسط الطريق أمام المسافر يلمح قرى الباتان التي لا يرى منها سوى أسوارها العالية المتراصة في لون رمال الصحراء تتخللها أبواباً ضخمة مماثلة لبوابات القلاع ينفتح في جانب منها باب صغير في حجم قامة الإنسان.
وهذه الأسوار العالية تعكس إلى حد كبير شخصية مجتمع قبائل الباتان، ذلك المجتمع المحافظ المنعزل الذي يشك في الغريب ـ ربما لكثرة تعرض بلادهم للغزو ـ ويقدس حرمة الأسرة. والبيت عنده ليس مأوى فقط ولكنه ساتر وغطاء وقلعة محاربة أيضاً. هو حصن بكل معنى الكلمة تتوفر له مقومات تحقيق الأمن العسكري والأمن الاجتماعي أيضاً، إذ غاية ما تراه من منشآت البيت بعد السور برج مراقبة في ركن منه للرصد والصد.
وتنتشر القرى بغير عدد فوق التلال وعند السفوح والوديان بطول الحدود الباكستانية الأفغانية (1400كلم) وينتقل الباتانيون بملايينهم العشرة على الجانبين بغير هويات ولا جوازات سفر فقبائل الباتان أفغانية الأصول وأبناء عمومتهم الباتانيون أيضاً منتشرون في أفغانستان. ولغتهم ـ الباشتو ـ لغة أساسية في أفغانستان.
المنطقة طبعاً تحت سيادة الدولة الباكستانية من الناحية القانونية، ولكن أمن المنطقة بين أيدي القبائل بل أن الشريط الحدودي كله يعبر «منطقة حرة بالمعنى الأمني والاقتصادي». إذا وقع حادث مثلاً تتدخل الحكومة عن طريق الاتصال برئيس القبيلة، وإذا تنازعت قبيلتان فإن دور الحكومة ينحصر في محاولة التوفيق بين شيوخهما.
وإذا كانت الباتان هي أكبر مجتمع قبلي في العالم، فإن الأفريديين هم أكبر قبائل البات وأوسعها نفوذاً.
والباتان سنيون حنفيون في أغلبيتهم، ويناهز عدد الشيعة بينهم أكثر من الربع من مجموعهم.
الدار البيضاء
تعتبر الدار البيضاء أكبر المدن المغربية دون منازع، مساحة وسكاناً. وهي العاصمة الاقتصادية للمملكة منذ أمد يعود إلى ألف سنة أو نحوها.
ويعتبر «الحسن الوزاني» المعروف بلقب «ليون الأفريقي» أن الرومان هم الذين شيّدوا مدينة أنفا، وهي التسمية القديمة للدار البيضاء. أما «مارمول» فيرى أن تأسيسها يعود إلى عهد الفينيقيين، ولعل لاسمها صلة بجذر أمازيغي أو عربي من الأنف أو الأنفة.
ويعتقد أن أنفا كانت نقطة انطلاق المغاربة نحو القارة الجديدة قبل العام 1100م، حيث رسوا أمام الساحل الأمريكي قبل كريستوف كولومبوس.
واحتلت أنفا مكانة اقتصادية متميزة، واشتهرت ببطيخها الذي كان محط إقبال كبير من لدن الحواضر الكبرى كمراكش ومكناس وفاس ووجدة، وكانت ذات موارد وفيرة، حيث عين فيها أول وال للجباية، ويدع «عبو»، وهو من بني الترجمان وقد امتدحه ذو الوزارتين ابن الخطيب السلماتي.
احتفظت آنفا بمكانتها في التصنيع وكانت تمد بحديدها، المتوفر في تامسنا، مدينة فاس ذائعة الصيت، لاستعماله في الصناعة التقليدية.
وتغير اسم أنفا ليحل محله اسم الدار البيضاء أيام السلطان سيدي محمد بن عبدالله المتوفى سنة 1304هـ. والاسم الجديد مستمد، في الأرجح، من دار مبيضة بالجير أو الكلس كانت على الشاطىء، واتخذها البرتغاليون صورة أو منارة تمكنهم من الاهتداء بها ليلاً في البحر.
عرفت الدار البيضاء تحولاً ملحوظاً حين دخلها محمد الثالث العام 1197م. وأعجب بمينائها وأمر بعمارتها وبناء سور لها، وأذن للأجانب بجمل الزرع منها.
وكانت مركزاً لتجارة الحبوب، كأهم بضاعة سمحت السلطات بتصديرها منذ 1782 لشركة إسبانية مقرها قائم بقادس، ثم لشركة أخرى بمدريد سنة 1789.
صورة شاملة لمدينة الدار البيضاء
والجدير بالذكر أن محمداً بن عبدالله هو أول مؤسس للديوانات (الجمارك) بالمراسي المفتوحة، التي من بينها مرسى الدار البيضاء، كما منح قروضاً لدور تجارية تكفّلت بجلب المواد الحيوية من الخارج وبيعها بثمن بخس.
وقد بلغ دخل هذا الميناء وقتئذٍ ستة ملايين فرنك. لكن السلطان المولى سليمان أغلق ميناء الدار البيضاء العام 1794م، عقب ثورة عامل الشاوية، الذي كان يقطن في المدينة، وأمر بنقل التجار المسيحيين المستقرين فيها إلى الرباط.
وأعيد فتحه من جديد العام 1830م، في عهد السلطان المولى عبدالرحمن بن هشام، وعاد إليها التجار الأجانب العام 1852م، ومن ضمنهم التجار الفرنسيون الذين يبحثون في المغرب عن الصوف الخام، بغية التحرر من التبعية للسوق الإنجليزية.
في هذا السياق، تأسست في العام 1852م شركة للاستيراد عملت على التحرر من السوق الإنجليزية، وأقامت لها فروعاً بالعرائش والرباط.
تطورت الملاحة البخارية منذ 1883م عن طريق ست شركات لها عامل مأمور في ميناء الدار البيضاء، ونشأت مصانع للسيجار ومصنعان لتعبئة المياه الغازية ومصنع للزرابي (السجاد المغربي).
وكانت أسواق الصوف تنعقد، أوائل القرن العشرين، في مديونة. وفي سنة 1893م، أسس رجال أعمال ألمانيون مصنعاً صغيراً للصابون، وأقام أمريكي يدعى «جوهن كوب» طاحونة بخارية سنة 1875م لطحن القمح وبيع طحينه. وعرفت سنة 1887م عهداً جديداً بإحداث مصالح بريدية وانتظام السفريات في الخطوط البحرية، وسهل تأسيس التلغراف في طنجة الاتصال بالدور التجارية الأوروبية.
أصبح ميناء الدار البيضاء، انطلاقاً من سنة 1907م، أكبر ميناء تجاري مغربي. وقد ساهم في ظهور المدينة النشاط التجاري الأوروبي وحلول التجار الأجانب فيها، فضلاً عن قدوم المواطنين من المدن المختلفة إليها.
تتربع الدار البيضاء على قمة الهرم الصناعي المغربي بفضل ثقل نظامها الإنتاجي وتنوع منتجاتها وأهمية أنشطتها الخدماتية الصناعية. لقد قفز التشغيل بالقطاع الصناعي المغربي بين سنتي 1967 و1996، من (92000) إلى زهاء (460000) فرصة عمل. وقد استأثرت الدار البيضاء بالنصيب الأوفر، كمياً ونوعياً معاً، إذ انتقلت اليد العاملة في القطاع الصناعي بها من (50000) عامل العام 1967 إلى (240000) عامل (أي بنسبة 53% من مجموع العاملين في هذا القطاع على الصعيد الوطني).
ولعل ما يميز الدار البيضاء ويزيد من تفوقها صناعياً تنوع نسيجها الصناعي وتوفرها على جملة من الإنتاجات المتكاملة، مقارنة بباقي مدن المغرب. فهي تجمع بين الصناعات الكيماوية والمعدنية والميكانيكية والكهربائية، إلى جانب صناعات مواد البناء والخزف والزجاج والورق والورق المقوى والطباعة والخشب والأثاث المنزلي والجلد والأحذية والنسيج والألبسة والمواد الغذائية الفلاحية.
وتتمركز هذه الصناعات في الشمال الشرقي في الدار البيضاء الكبرى (التي ألحقت بها مدينة المحمدية في إطار سياسة تنمية الجهات) حيث يتم تشغيل نصف اليد العاملة ويوجد 60 بالمئة من الوحدات الصناعية الموروثة عن الحماية الفرنسية وثلثاً للمقاولات الكبرى المتواجدة بالدار البيضاء الكبرى. وتوجد الصناعة العصرية، بأحياء الصخور السوداء وعين برجة وجبروند، وعين السبع حيث تنامت المعامل على طول المحاور الطرقية من جهة، في حين استقرت المقاولات الصغرى والمتوسطة بالأزقة السكنية، من جهة أخرى. ويأتي أخيراً حي سيدي البرنوصي الذي يعد منطقة صناعية لا زالت فيها مساحات غير مستثمرة جمدتها المضاربة العقارية.
وتختص مدينة المحمدية، بالصناعات الكيماوية وشبه الكيماوية والميكانيكية والكهربائية وصناعة الطاقة. ويوجد بالمدينة المجمع البيتروكيماوي الوحيد في البلاد (مصفاة لاسامير، الشركة الوطنية للطاقة والبترول ـ سنيب) ومحطة حرارية مهمة ومقاولات ميكانيكية بحجم وطني كبير. ونشأت بقطبي الدار البيضاء ـ المحمدية صناعات جديدة ما زالت في طور التكوين بفعل النسيج الحضري. ويبلغ اليوم عدد الأشخاص المتنقلين بين هذين القطبين والضواحي المحيطة بهما نحو (30000) عامل وموظف يومياً.
وينبغي أن لا نغفل الإشارة إلى مينائي كل من الدار البيضاء والمحمدية لما لهما من أهمية فائقة في المجال التجاري ودور في توسع عمراني ملحوظ رافق التطور الاقتصادي، الذي عرفته الدار البيضاء (بمعية المحمدية اللصيقة بها).
يعزى التوسع العمراني في المدينة إلى دينامية مينائها. وقد توالت، منذ مطلع قرننا هذا، التصاميم الحضرية التوجيهية، انطلاقاً من ذلك الذي أنجزه (هـ. بروست) في العشرينات و(م. اكوشار) سنة 1944 (بإدماج المحمدية) وانتهاء بتصميم ثالث أعده مكتب (ميشيل بانسو) سنة 1984 وكان يرمي القضاء على فوضى البناء.
وتنتشر دور الصفيح في مناطق الصخور السوداء وعين السبع وسيدي البرنوصي والحي المحمدي، إلى جانب أحياء هامشية ممتدة على طول الطريق الكبرى المؤدية إلى اتجاهات مختلفة. وقد استفادت 23 بالمئة من الأسر القاطنة في أحياء الصفيح من عملية الإسكان، ومن جملتها الأسر التي كانت تسكن في حي مولاي رشيد. وتعتبر المنطقة الجنوبية للمدينة، الأشد حاجة لمشاريع العمران.
تعاني عاصمة المغرب الاقتصادية من تمايز مجالي حاد، فمقابل المناطق المعدة بشكل جيد ـ مكان سكن الطبقات الموسرة كأنفا ـ توجد مناطق سكنية شعبية يتكدس فيها السكان ذوو الدخل المحدود.
وتقع مناطق التشغيل بالشمال الشرقي وبقلب المدينة وتجلب إليها آلاف العمال على امتداد كيلومترات عديدة مع ما يطرح ذلك من ضغوط وحاجيات على مستوى النقل والتجهيزات والخدمات الحضارية. وجاء الانفجار الديموغرافي ليزيد المجال العمراني تعقيداً.
يبلغ سكان الدار البيضاء نحو 12 بالمئة من عدد سكان المغرب وربع السكان في المناطق الحضرية، أكثر من نصفهم لا تتعدى أعمارهم 24 سنة.
تحولت الدار البيضاء، بموجب ظهير (قانون) 6 آب (أغسطس) 1976 من بلدية وحيدة إلى خمس بلديات (هي: عين الذياب، عين الشق، مرس السلطان، بن مسيك، وعين السبع) توجد على رأسها الجماعة الحضرية للدار البيضاء.
وأحدث الميثاق الوطني لـ 30 أيلول (سبتمبر) 1976، المحدد للتنظيم الإداري والمالي للجماعات، تقسيماً جديداً على مستوى الاختصاصات والسلطات المسيرة للمدينة من أعضاء منتخبين وآخرين معينين، وقد حدد هذا الميثاق سلطات المجلس البلدي ووسع من اختصاصات رئيسه.
وانتقلت في تموز (يوليو) 1981 من عمالة (محافظة) وحيدة إلى خمس عمالات، وهي تضم حالياً تسع عمالات. وتتوج هذه الجماعات الترابية بنية إدارية عليا للتنسيق هي ولاية الدار البيضاء الكبرى.
وتمتد جهة الدار البيضاء الكبرى التي أنشئت سنة 1997 على مساحة 86896 هكتاراً، ذات كثافة سكانية تتراوح بين (6,2) نسمة في الجماعات القروية و(95) نسمة في الهكتار بالجماعات الحضرية.
وتتوزع سلطة تسيير وتدبير تراث جهة الدار البيضاء الكبرى، حالياً، بين مؤسسات عدة هي: الجهة، الولاية، تسع عمالات، المجموعة الحضرية، و29 جماعة حضرية و6 جماعات قروية.
وتتميز الدار البيضاء بعماراتها الشاهقة وشوارعها الفسيحة وطبيعتها المتنوعة كشواطىء عين الذياب وتماريس وعين السبع وزناتة والمحمدية وغابة بوسكورة والشلالات والمواقع الأركيلوجية، سباما وكهوف سيدي عبدالرحمن وفولزو والمدينة القديمة.
محمد البرجوي
دار العلم
وتعرف بدار الحكمة: معهدان أحدهما في القاهرة والآخر في طرابلس الشام. أما الأولى فقد أنشأها الخليفة الفاطمي سنة 395هـ وجعلها جزء من قصره وقد حمل إليها الكتب من خزائن القصر من سائر العلوم والآداب ما لم ير مثله مجتمعاً قط لأحد من الملوك وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها فجلس فيها القراء وعلماء الفلك وأصحاب النحو واللغة والأطباء وغيرهم، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق، مع إجراء الرزق الكثير لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها. وإلى جانب كونها مكتبة عامة على نحو ما نراه اليوم في المكتبات العامة، كانت كذلك جامعة علمية للتعليم. وكثيراً ما كانت تقام المناظرات بين علمائها.
وكان فيها كل ما يبعث على النشاط العلمي والبحث والتحصيل.
وأما دار العلم في طرابلس فقد أنشأها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار أحد أمراء بني عمار أمراء طرابلس فور استقلاله بطرابلس سنة 462هـ (1070م). وقد جمع فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفاً. وكان يرسل المراسلات إلى أقطار البلاد ويبذل الأثمان الباهظة، ويجلب الكتب النادرة لهذه الدار ويهتم بالعلم ويحنو على العلماء. وكذلك كانت دار العلم الطرابلسية بمثابة جامعة علمية وكان فيها الكثير من كتب اليونان والفرس، وكانت الكتب كلها أو أغلبها «من أجمل الكتب المجلدة والمزخرفة والمحلات بالذهب والفضة بالخطوط المنسوبة لأشهر الخطاطين، وفيها عدد كبير جداً من الكتب بخطوط مؤلفيها».
على أن عدد الكتب الذي ذكرناه وهو مائة ألف كتاب لا يشمل جميع ما حوته مكتبة بني عمار الكبرى في طرابلس. فقد أوصل بعض المؤرخين العدد إلى ثلاثمائة ألف وبعضهم إلى مليون وبعضهم إلى ثلاثة ملايين. ولعل هذا الاختلاف هو أن بعضهم نظر إلى مكتبات بعينها، والبعض الآخر نظر إلى مجموع المكتبات.
(راجع: طرابلس).
دجلة (نهر)
يتكون نهر دجلة في منبعه من مصدرين، المجرى الرئيسي في أعالي النهر ثم الروافد الستة التي تنصب فيه من جانبه الشرقي، وأول الروافد التي تنصب فيه هو بطمان صو وينبع من قلب جبال الحكياري فيتجه نحو الغرب حيث يتصل بمجرى دجلة الأصلي في نقطة تبعد نحو 1000 كيلومتر عن الحدود العراقية الشمالية.
وإذ كان الفرات يكاد يكون محروماً من الروافد بعد اختراقه الحدود العراقية، فإن دجلة يتلقى جميع روافده تقريباً ضمن أراضي العراق، وهذه الروافد لا تزيد على الخمسة عداً، وهي الخابور والزابان الأعلى والأسفل والعظيّم فديالى. ويلتقي الرافد الأول، الخابور، بنهر دجلة بعد اختراقه الحدود العراقية مباشرة وعلى مسافة نحو 200 كيلومتر من هذا الملتقى يمر نهر دجلة بالموصل، وتقدر مساحة الحوض الذي يغذي النهر بالمياه في شمال الموصل بنحو (54000) كيلومتر مربع، ويستوعب مجرى نهر دجلة في جوار الموصل حوالي (43) بالمائة من مجموع الإيراد المائي السنوي للنهر.
إن معظم كميات المياه التي تسبب فيضان نهر دجلة تأتيه من رافديه المهمين، الزاب الأعلى والزاب الأسفل، وينبع الأول من الجبال الواقعة بين بحيرة “وان” وبحيرة أورمية في تركيا ويجري في أعلى الأراضي من حوض نهر دجلة في تلك الجهة، وبعد أن يجتاز الحدود العراقية تنضم إليه مياه راوندوز جاي على مسافة قليلة من شمال مضيق بيخمه، ومن ثم يلتقي بنهر دجلة عند منتصف الطريق بين الموصل والشرقاط. وتبلغ مساحة الحوض الذي يزود هذا النهر بالمياه نحو (26000) كيلومتر مربع تقع في تركية وإيران والعراق، وتؤلف مياه هذا الرافد 28 بالمائة من مجموع التجهيز المائي السنوي لنهر دجلة.
أما الزاب الأسفل فينبع من إيران، ويمر في أراضي أقل وعورة وأوطأ ارتفاعاً من تلك التي يمر بها الزاب الأعلى، وتبلغ مساحة حوضه (22000) كيلومتر مربع.
ويصب نهر الزاب الأسفل بدجلة في نقطة تبعد 36 كيلومتراً جنوب الشرقاط، وعلى مسافة 30 كيلومتراً من جنوب مصبه بدجلة يمر نهر دجلة بجبل حمرين وذلك عند مضيق الفتحة بالقرب من بيجي شمالاً.
وعلى بعد 143 كيلومتراً من جنوب بيجي يدخل نهر دجلة منطقة سهول الدلتا الغرينية ولما كانت مناسيب المياه هنا ترتفع في مواسم الفيضان إلى مستوى أعلى من السهول المحاذية فقد أقيمت أسداد ترابية على جانبي النهر لوقاية الأراضي من الغرق. وفي نقطة تقع عند منتصف الطريق بين (بلد) وبغداد يتصل بدجلة رافد صغير يدعى نهر العظيّم وتبلغ مساحة حوض هذا الرافد (11000) كيلومتر مربع، ويستمد الحوض مياهه من الأمطار، لذا فإنه يؤثر في مناسيب مياه دجلة في موسم الفيضان إلا قليلاً، أما في أشهر القيظ فيكاد يكون هذا الرافد جافاً.
وعلى بعد (130) كيلومتراً في أسفل (بلد) يدخل نهر دجلة العاصمة بغداد وبعدها بنحو 32 كيلومتراً يلتقي بالرافد المسمى نهر ديالى الذي ينبع من الهضاب الإيرانية في الشمال الشرقي من بغداد، وتبلغ مساحة حوض هذا النهر نحو (30000) كيلومتر مربع، أما المصدر الذي يستمد مياهه منه فهو الأمطار، وهذه تكون عادة ضئيلة الأثر في مناسيب الفيضان الربيعي الناشئة غالباً عن ذوبان الثلوج.
وفي الكوت، على بعد 343 كيلومتراً من جنوب بغدد، تعترض نهر دجلة قناطر واسعة على بعد مسافة قليلة من خلف المكان الذي يتفرع منه شط الغرّاف. وكان الغراف قديماً الفرع الأصلي لنهر دجلة ثم تحولت عنه المياه متجهة نحو المجرى الحالي لنهر دجلة في جنوب الكوت، وقد أصبح الآن بفضل القناطر التي أنشئت قرب صدره في الكوت يزود بالمياه حسب حاجة الأراضي التي تروى منه، وهذه الأراضي تؤلف مساحات كبيرة من المزروعات الشتوية وقد أنشىء مشروع ري على هذه القناطر يشتمل على إحياء نهر الدجيلة القديم.
وفي أطراف العمارة الواقعة على بعد 203 كيلومترات من جنوب الكوت تتفرع من نهر دجلة قنوات واسعة عديدة تفيض مياهها في مساحات شاسعة فتكوّن الأهوار التي يزرع فيها الشلب ومن ثم تعود فتتجمع مياه هذه الأهوار في مجرى موحد وهذا المجرى يمتد جنوباً حتى يصل إلى القرنة الواقعة على مسافة زهاء 140 كيلومتراً في جنوب العمارة. وهنا يصب في الجانب الغربي من نهر دجلة نهير كان يستمد مياهه قديماً من ذنائب نهر الفرات فيصبها في دجلة عند القرنة، إلا أنه بعد أن تحول مصب نهر الفرات إلى جهة كرمة علي في الجنوب صار هذا النهير يستمد كل مياهه تقريباً من مياه الأهوار الواقعة على الجانب الغربي من نهر دجلة.
وفي القرنة يبدأ (شط العرب) المتكوّن من التقاء دجلة بالفرات فيجري مسافة 180 كيلومتراً قبل أن ينصب في خليج البصرة عند الفاو. ويصب نهر كارون في الجهة الشرقية من شط العرب، وهو الرافد الوحيد الواقع بين ديالى وخليج البصرة، ونهر كارون هذا ينبع من الجبال الإيرانية الشاهقة وتبلغ مساحة الأراضي التي يشغلها حوضه زهاء (50000) كيلومتر مربع. وكان ينصب في نهر كارون من جانبه الأيمن النهر المعروف باسم الكرخة وقد تحوّل مجرى هذا النهر الآن فصارت مياهه تنصب في الجهات الشرقية من بطائح العمارة. وتبلغ مساحة الحوض الذي يستمد نهر الكرخه منه المياه زهاء (38000) كيلومتر مربع.
ويتأثر شط العرب بأحوال المد والجزر في الخليج وبتصاريف مختلف الجداول التي تصب فيه، ويحدث المد والجزر مرتين في كل 24 ساعة وتتأثر مناسيب المياه تأثراً كلياً بالرياح. ويتراوح الفرق بين منسوب المد ومنسوب الجزر بين 1,42 و1,70 متراً في أوطأ أيام الصيف ثم يهبط الفرق إلى (0,25 ـ 0,45) متراً في موسم الفيضان. ويمتد تأثير المد والجزر في شط العرب نفسه إلى (العزير) شمالاً الذي يبعد من كرمة علي 110 كيلومترات ويمتد في مجرى شط القرنة إلى الجبايش التي تبعد عن القرنة 50 كيلومتراً. ويبلغ الفرق بين منسوب المد ومنسوب الجزر في القرنة زهاء قدمين في أوطأ أيام الصيف.
ويستدل من رسم مقطعي نهري دجلة والفرات على أن مسنوب قعر نهر دجلة يبلغ عند دخوله الحدود العراقية حوالي 320 متراً فوق سطح البحر، وبعد أن يجري مسافة 1516 كيلومتراً ينتهي إلى البحر في (الفاو) حيث يصبح منسوبه مساوياً إلى سطح البحر. ويلاحظ أن شدّة انحدار مجراه تقع في المسافة التي تمتد بين فيشخابور وبلد حيث يبلغ الانحدار نصف متر في كل كيلومتر. ومن ثم يهبط الانحدار في سهول الدلتا إلى 6 ثم إلى 3 سنتيمترات في الكيلومتر حتى ينتهي إلى مستوى البحر.
أما نهر الفرات فيبلغ منسوب قعره في القائم عند دخوله الحدود العراقية حوالي 160 متراً فوق سطح البحر وبعد أن يجري مسافة حوالي 1062 كيلومتراً ينتهي إلى هور الحمّار حيث يصبح منسوبه مساوياً إلى الهور المذكور وهو يتراوح بين مترين وثلاثة أمتار فوق سطح البحر. ويلاحظ أن شدة انحداره تقع في المسافة التي تمتد بين القائم وهيت وهي حوالي 30 سنتيمتراً في الكيلومتر، ونستخلص من ذلك أن الانحدار في نهر دجلة أشد منه في نهر الفرات.
إن كمية الغرين التي تحملها مياه الفرات هي أقل من التي تحملها مياه دجلة، إذ يبلغ المعدل التقريبي لكمية الغرين في مياه الفرات في شهر مايس وهو الشهر الذي تحصل فيه أكبر كمية من الطمي حوالي 180 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك بجوار الرمادي. أما مياه دجلة فالمعدل التقريبي للكمية التي تحملها من الغرين في شهر نيسان الذي تحصل فيه أكبر كمية من الطمي حوالي 230 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك بجوار بغداد، ويمكن تعليل زيادة الطمي في مياه دجلة في أنه ليس للفرات روافد هامة في قسمه الأسفل كما لدجلة. وتدل الإحصاءات على أن أكبر كمية من الطمي رصدت في مياه الفرات هي تلك التي رصدت بتاريخ 17 نيسان من سنة 1928 عندما بلغ الفيضان أعلاه حيث وصلت إلى 610 غرامات في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء، وهذا في حين أن السير ويليم ويلكوكس كان قد رصد في سنة 1909 كمية الطمي في مياه دجلة وذلك أثناء بلوغ النهر قمة الفيضان فوجدها 755 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء أي يزيد على أربعة أمثال كمية الطمي التي تحملها مياه النيل في زمن الفيضان حيث أن مياه النيل لا تحتوي على أكثر من 170 غراماً من الطمي في كل مائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء. وقد أجرت دائرة الري فحوصاً كثيرة لمياه دجلة خلال السنوات الأخيرة فحصلت على نتائج تدل على أن مياه دجلة تحمل من الطمي ما يزيد بكثير على الكمية التي توصل إليها السير ويليم ويلكوكس، حيث أن الفحص الذي أجري لمياه دجلة في فيضان سنة 1938 دل على أن كمية الطمي في تلك المياه كانت 1562 غراماً في المائة ألف سنتيمتر مكعب من الماء وذلك عندما كان منسوب المياه في بغداد (31,02) متراً بتأريخ 10 كانون الأول سنة 1938)[109](.
دجلة كما يصفه الأقدمون
جاء في كتاب الخراج لقدامة بن جعفر (ت: 337هـ) من الباب الخامس في الأنهار والعيون والبطائح:
فأمّا الإقليم الخامس فإنَّ فيه من الأنهار خمسة وعشرين نهراً منها دجلة وابتداءها عند طول نيّف وستين جزءاً وعرض سبعة وثلاثين جزءاً وتمر نحو الجنوب ثمَّ تنحرف في المغرب قليلاً وانبعاثها من عين تمرُّ بين جبلين عند مدينة أمد)[110]( وتمرُّ بباسورين حتى تصير إلى مدينة بَلَد)[111]( ومدينة الموصل وفيما بينهما إلى الحديثة)[112]( فإذا صارت إليها صبّ فيها هناك نهر يأتي من بلد شَهر زَورُ يقال له الزابي ثم تمتد حتى تمر بين جبلين يعرف أحدهما ببارمّا)[113]( والآخر بساتيدما)[114]( إلى أن تتجاوز مدينة سُرَّ مَن رأى، فإذا تجاوزها قليلاً وقع إليها نهر يقال له الزيب، يأتي من الجبل ويقع إليها نهر آخر يأتي من الجبل أيضاً ثمَّ تمر دجلة وسط مدينة بغداد ثم تمر بواسط إلى أن تصب إلى البطائح ومقدارها نيّف وستون ميلاً، ثم تخرج فتفترق فرقتين، فرقة تمر إلى البصرة وفرقة أخرى تمرُّ إلى ناحية المَذار ثم يصب الجميع إلى بحر فارس ومقدار مسافة دجلة منذ ابتدائها إلى منتهاها ثماني مائة ميل ونيّف.
ومما قيل في دجلة قول الشاعر المعاصر محمد مهدي الجواهري:
سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ
وشطِّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى
على النخلِ ذي السَعَفاتِ الطوالِ
على سيدِ الشَجرِ المُقتنى
على الرُّطَبِ الغَضِّ إذ يُجتلَى
كَوَشْيِ العروسِ وإذ يُجتنى
بإيسارهِ يومَ أعذاقُه
ترفُّ، وبالعسرِ عندَ القنى
وبالسَّعف والكَربِ المُستجدِ
ثوباً تهراً وثوباً نضا
ودجلة إذ فارَ آذِيُها
كما حَمَّ ذُو حَرَدٍ فاغتلى
ودجلة تمشي على هَوْنها
وتمشي رُخاء عليها الضبا
ودجلة زهوِ الصَبايا الملاحِ
تُخَوِضُ منها بماءِ صرَى
تُريكَ العراقيَّ في الحالتيـ
ـن يُسرفُ في شُحِهِ والندى!
سلامٌ على قَمر فوقها
عليها هفا وإليها رَنا
تُدغدِغُ أضواؤهُ صَدْرَها
وتَمسحُ طيَّاتها والثِنى
كأنَّ يداً طرَزَتْ فوقها
من الحُسن مَوشِيةً تُجتلى
رواءُ النميرِ لها لُحمة
وذَوبُ الشعاعِ عليها سَدى
ونجمٌ تَغوَّرَ من حبها
ونجم عليها أدنى فادلى
وقال يصف دجلة في الخريف:
بكَّر «الخريف» فراح يُوعِدُهُ
أن سوفَ يُزْبِدُه ويُرْعِدُهُ
وبَدَتْ من الأرماث، عاثمةً
فيه، طلائعُ ما يُجنِّدُهُ)[115](
وكأنَّ من زَبَدِ الرِّمال على
أمواجه، طفلاً يُهَدْهِده
واستَثْقَلَ النوتيُّ مِجذَفَه
بَرِماً بمِقبَضه يُجدِّده)[116](
وتحفَّزَتْ شُمُّ الجبال لهُ
بثُلوجها كِسَفاً تُهدِّده)[117](
ظلَّتْ تَعُدُّ خُطاه تَرقُبُه
في الصيف مُزدهراً وتَحسُده
جَرداءُ، وهو يَضِجُّ مَلْعَبُهُ
ظَلْماءُ، وهو يَشُبُّ مَوقِده!
خَرساءُ، والأنغامُ تُرقصهُ
وكأنَّها بالموج تَرْفِده
تَتَعَثَّرُ الأجيالُ خالدةً
فيها.. ويَحضُنُها مُخَلَّده
«داودُ» بالمزمارِ يُوقِظه
ويُنيمُهُ بالعُود «مَعبده»)[118](
والهِيمُ تخزُنهُ وتنهبُهُ
والٍهيدُ تَنزِلهُ وتَصعَدُه)[119](
ألقَتْ إليهِ مِن مفاتِنِها
ما ليسَ إلاَّ اللَّهُ يَشهَده
ورمَتْ له يقظانَ مِن مُتَعِ
ما نحنُ في الأحلامِ نَنشُده
والنجمُ حارسُها وحارسُه
والظلُّ موعدُها وموعده
الآنَ أُدْرِكُ سِرَّ زَفْرتهِ
إذ لم يَعُدْ سِرّاً تَجلده
فلفَقدِه نَفساً تَنَفُّسُهُ
ولذِكره نَهداً تَنَهُّده
يَتَعَقَّبُ المسكينُ موجَتَها
عَبَثاً بمَوْجتهِ وتطْردُه
لم يَذرِ حتى الآن شِيمَتَها
حسِبَ الهوى نَغَماً يُردِّده
أمسِ استطابت فيه مَقصِدَها
واليومَ أهونُ منه مَقصِده
* * *
لو يستطيعُ لَرَدَّ خُرتَهُ
وبرغْم سَفْحَيْه تورُده
وبرغمهِ أنْ حُبَّ خَابِطُهُ
للزارعينَ وذُمَّ مَورده
ما سرَّهُ «البِيضُ» تُنْكِرهُ
أنَّ المراعي الخُضْرَ تُحمدُه!
فالذكْرياتُ الغُرُّ يَشهدُه
* * *
يا صامتاً عِيّاً، ومَنْطِقُهُ
مُتَفَجِّرُ اليَنْبُوع سَرْمَده
تَهفو فرائدُ عِقْدهِ جَزَعاً
مما بها، وتهيمُ شُرَّده)[120](
وتُشيرُ فيه الذكرياتُ شجِاً
يَعيا به فيَخُورُ أيذُه)[121](
ومُوَكَّلاً بالدَّهر، يَزرعُهُ
في شاطئيه ثمَّ يحصُده
يا شَطُّ، أنتَ أعزُّ مُنقَلباً
في الناطقينَ بما تُخلِّده
وكذا الطبيعة في عناصرها
جِنٌّ حَبيسُ الرُّوحِ مجهدَه!
نَرتادُ جامدَها نُفَجِّرهُ
وعقيمَ غامضِها نُوَلِّده
فلعلَّ ذا، ولعلَّها لُغةٌ
من غيرِ ما جَرْسٍ نُعوِّده
ولربَّما ضَحِكتْ بسائطُها
هُزْءاً بنا ممَّا نُعَقِّده
الدجيل
اسم لثلاثة أنهر في ثلاثة مواضع. ولكن أغلب أرباب المعاجم وكتب المسالك لم يذكروا إلا اثنين منها هما: نهر بالأهواز حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس. وقال حمزة: كان اسمه في أيام الفرس (ديلدا كودك))[122]( ومعناه دجلة الصغيرة فعرب على دجيل ومخرجه من أرض أصبهان)[123]( ومصبه في بحر فارس قرب عبدان. وكانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج وفيه غرق شبيب الخارجي)[124]( اهـ. والظاهر أن دجيل هذا هو نهر كارون الحالي.
الثاني: «دجيل بغداد» وهو نهر كثير النفع جليل الفائدة، حسن الموقع كان (ولا يزال) يستمد مياهه من ضفة نهر دجلة اليمنى بالقرب من أطلال اسطبلات ومقابل أثار القادسية)[125]( بالقرب من سامراء ويمتد شاقاً طريقه باتجاه نهر دجلة تقريباً فيروي كل المنطقة الكائنة بين سامراء وبغداد حيث أنه يصب فضلته في دجلة عند مغيض «مستنقع» يدعى بخندق طاهر أو الطاهرية)[126]( وتتفرع عن دجيل هذا جداول متعددة تمتد شرقاً وغرباً فتسقي القرى والضياع البعيدة عن النهر نفسه ولذلك قالوا أن هذه المنطقة كانت في زمن ما بقعة خضراء من أقصاها إلى أقصاها. ومن فروع هذا النهر ما يدخل بغداد من شمالها وشمالها الغربي وقد بلغ عدد القرى والمدن التي وقفت عليها الخمسين مما كانت تقع عليه أو حواليه ولم يبق الزمن العاتي إلا على قريتين هما (بلد) و(سميكة). كما لم يبق إلا على قطعة صغيرة من هذا النهر لا تتجاوز ضياع سميكة، ومنه يمتد الآن فرع إلى (بلد) فيسقي بساتينها في بعض الأحيان.. أما الدجيل الثالث وهو النهر الذي لم تتعرض له أكثر أسفار المسالك والبلدان فهو دجيل الفرات الذي كان يستمد مياهه من ضفة نهر الفرات اليسرى ويصب في دجلة وإن الرجل الوحيد ـ فيما أعلم ـ الذي عني بأمره فذكره وحدد مخرجه ابن سرابيون (903م ـ 290هـ) فقد قال: «ويحمل منه ويعني من الفرات أيضاً نهر يقال له دجيل أوله فوق قرية الرب بفرسخ أو أكثر ثم يمر في العراض، ويتفرع منه أنهار كثيرة تسقي ضياع مسكن وقطربل وما يليها من الرساتيق ويصب في دجلة بين عكبراء وبغداد).
ويؤخذ مما كتبه المقدسي أن مدينة الرب كانت تقع على بعد مرحلة واحدة من جنوب هيت وهذه تقدر بحوالي 25 كيلومتراً أما الإدريسي فيقدر المسافة بحوالي 30 ميلاً)[127](.
فكان هذا النهر يسحب مياهه من نهر الفرات فيمتد شرقاً في موازاة نهر عيسى من الشمال ثم يتصل بدجلة بعد أن يروي المنطقة الواقعة شمال بغداد الغربية)[128](.
وفروع هذا النهر كثيرة وأهمها نهر بطاطيا الذي كان أوله من أسفل فوهة الدجيل بستة فراسخ ويمر في وسط مسكن ويصب في الضياع ويغني بها وقد أفاض ابن سرابيون بتعداد الفروع وسرد المواضع التي تشقها…
ويرتئي الدكتور أحمد نسيم سوسة رأياً من الوجاهة بمكان في تعيين آثار الدجيل هذا بعد اندراسه ـ إن كان قد اندرسي ـ فلقد قال: (وقد أشار السير ويليم ويلكوكس في الخريطة التي نظمها لمقاطع نهر الفرات بين هيت والشامية إلى أن هناك آثاراً لنهر قديم يأخذ من الضفة اليسرى من نهر الفرات من نقطة تقع على مسافة حوالي (38) كيلومتراً من جنوب مدينة هيت ولعل تلك الآثار تعود لنهر الدجيل حين كان يأخذ الماء من نهر الفرات… حيث أن الموقع الذي يشير إليه السير ويليم ويلكوكس يكاد يتفق مع ما ذكره المؤرخان المشار إليهما)[129]( ويعني المقدسي والإدريسي.
أجل هو رأي وجيه يستطيع الباحث أن يعتدّ به إذا شاء أن يتغاضى عن نهر (حداقل) القديم. النهر الذي كان يستمد مياهه من ضفة الفرات اليسرى ويصب في دجلة. والذي ذكره الدكتور سوسة في كتابه نفسه ص 5 أثناء كلامه عن مجرى الصقلاوية القديم بقوله: (وكان قد عرف الأقدمون مجرى الصقلاوية كجزء من نهر دجلة. بل صدره الرئيسي فأطلقوا عليه اسم (دقل دجلة) ذلك هو النهر الذي ورد ذكره في العهد القديم باسم حداقل) فإن الدكتور مصطفى جواد يرى أن دجيل العتيق (ويعني دجيل الفرات) هو عينه نهر دقل أو حداقل كما ورد في التوراة (فإن من الظاهر الواضح أن لفظ دجيل قريب من حداقل)[130](.
ويحاول البعض من المطّلعين على أسرار اللغات القديمة أن يطبق ما ورد في العهد القديم (التوراة) على دجلة لعدم وقوفه على نهر باسم الدجيل ولو وقف ما فعل. ومعنى ما ورد في العهد كان يقول هو السريع. ولكننا لما علمنا بأن الأقدمين قد عرفوا هذا الجدول الكبير كجزء من نهر دجلة بل صدره الرئيسي (كما يقول الدكتور سوسة) فلا يبعد أن يكون ما سمي في التوراة بالسريع هو دجيل لا دجلة. ولقد كان الميديون يسمونه باسم (دجل) ومعناه السهم كما كان العبرانيون يسمونه الداجل أي السريع أيضاً. فإن وصف النهر بالسريع حيناً وبالسهم حيناً آخر لا ينطبق على دجلة الهادىء بل يتفق تماماً مع أوصاف الدجيل التي وصفها به السير ويليم ويلكوكس على اعتبار أنه الصقلاوية القديم إذ قال(ويبلغ هذا النهر حوالي 250 قدماً في العرض و25 قدماً في العمق وهو يشبه في جريه وضع القناة التي تدير الطاحونة. أما اتجاه جريه فينحدر أولاً نحو منخفض عقر قوف ثم يمر منها فيصب في دجلة قرب بغداد. ويستطيع هذا النهر لو ترك لطبيعته أن يحمل إلى دجلة كمية من المياه تزيد على نصف ما يستوعب نهر الفرات)…
ومن مجموع ما تقدم نستطيع أن نقول إن النهر الذي كان يدعى (دقل) صار في أيام العرب يسمى (الدجيل) ثم توقف حيناً من الدهر عن الجريان للترسبات الكثيرة فيه. وعاد بعد زمن إلى حاله الأولى باسم الصقلاوية مع اختلاف في صدره وبهذا ينتفي الظن القائل بأن آثار النهر الكائن في جنوب هيت هي آثار نهر دجيل الفرات.
وفي دجيل يقول الشاعر:
أسال بالليل سيل
أم زيد في الليل ليل
ذكرت أهل دجيل
وأين مني دجيل
محمد موسى الموسوي
دراية الحديث
الدراية بالشيء: «العلم به العلم المسبوق بالشك. ولذا يقال: علم الله ولا يقال درى الله. وهو اصطلاحاً ـ العلم بأصول الحديث ورد الفروع إلى الأصول ـ فهذا العلم يبحث فيه: (1) عن سند الحديث. (2) وعن متنه. (3) وكيفية تحمله. (4) وآداب نقله، وموضوعه: السند والمتن أي الراوي من حيث كونه راوياً والمروي من حيث كونه مروياً، وغايته: معرفة المقبول من الأحاديث ليعمل به من غير المقبول ليطرح فلا يعمل به ومن أشهر كتب دراية الحديث عند الشيعة: كتاب «دراية الحديث» للشهيد الثاني. و«دراية الحديث» لتلميذه الشيخ حسين بن الشيخ عبدالصمد. ودراية الحديث (الوجيزة) لبهاء الدين العاملي فضلاً عما ورد في مؤلفات الشيخ يوسف البحراني لا سيما كتابه «لؤلؤة البحرين». وما ورد في كتاب «الفوائد الرجالية» للسيد مهدي بحر العلوم (راجع: الحديث).
وننشر هنا ما كتبه الشهيد الثاني زين الدين بن علي. قال الشهيد زين الدين:
الخبر والحديث في علم الدراية بمعنىً واحدٍ، هو كلام يحكي قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله وتقريره.
وقد يختص الحديث، بما ورد عن المعصوم (عليه السلام)، والخبر بما جاء عن غيره، والأثر أعم منهما مطلقاً.
والمتن: لفظ الحديث الدال على المعنى، والسند: طريقه، أي سلسلة رواة الحديث.
والإسناد: رفع الحديث إلى قائلة من الرسول والإمام وغيرهما.
والخبر: ما يحتمل الصدّق والكذب بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن صدق قائله أو كذبه، فكل خبر إما صادق في نفس الأمر أو كاذب. وقد يعلم الصدق والكذب بأمور خارجة عن ذات الخبر، كالموارد التالية:
(أ) أن يعلم صدقه قطعاً ضرورة كالمتواتر، أو علم بوجود ما أُخبر به بالضرورة كوجود مكة مثلاً.
(ب) أن يعلم صدقه قطعاً لا بالضرورة، بل بالنظر والكسب، كخبر الله تعالى، والرسول والإمام، ومثل الخبر المتواتر معنى، والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بالصدق، ونحو ذلك وهكذا الأمر في جانب الكذب أيضاً.
وقد يحتمل الخبر الأمرين، فلا يعلم بشيء من الصدق والكذب كأكثر الأخبار.
وينقسم الخبر مطلقاً ـ أي سواء علم صدقه أم لم يعلم على قسمين:
أولاً: المتواتر: وهو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً يستحيل عادةً تواطؤهم على الكذب. ويلزم أن يتحقق ذلك في جميع طبقات الرواة، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا يشترط في المخبرين عدد خاص كما قاله بعضهم والتواتر إنما يفيد العلم إذا اجتمعت فيه الشروط التالية:
(أ) أن لا يكون السامع عالماً بمدلول الخبر قبل ذلك وإلا لزم تحصيل الحاصل.
(ب) أن لا يكون ذهن السامع مسبوقاً بشبهة تنافي مدلول التواتر.
(ج) أن يكون استناد المخبرين إلى الحسّ، لا الحدس، والاستدلال العقلي.
ويتحقق التواتر اللفظي في أحكام الشريعة كثيراً، كفريضة الصلاة، وأعداد ركعاتها، والصوم، والحج، ونحوها. والتواتر قليل في الأحاديث الخاصة، وإن تحقق فيها التواتر المعنوي.
وحديث «إنما الأعمال بالنيات» ليس من التواتر المصطلح وإن نقله الآن عدد التواتر وأكثر. لأن ذلك طرأ في وسط إسناده إلى اليوم، وقد تقدم اشتراط ذلك في جميع الطبقات. وأكثر ما ادّعى تواتره من هذا القبيل.
ثانياً خبر الواحد: وهو ما لم ينته إلى التواتر، وينقسم على:
(أ) المستفيض: وهو الذي زادت رواته عن ثلاثة أو اثنين، في جميع الطبقات، ويقال له «المشهور» أيضاً.
وقد يفرق بينهما بجعل المستفيض ما اتّصف بذلك في ابتدائه وانتهائه على السواء، والمشهور أعم من ذلك.
(ب) الغريب: وهو الحديث الذي انفرد به راوٍ واحدٍ.
(ج)المقبول: وهو الذي عمل به العلماء، فأصبح مقبولاً عندهم.
(د) المردود: وهو الذي ترك العلماء العمل به لمانعٍ في الراوي، أو لجهات في متن الرواية.
(هـ) المشتبه: وهو الذي اشتبه حاله بسبب الاشتباه في حال راويه.
ولا تنحصر الأخبار في عدد معين لإمكان وجود أخبار لدى بعض الناس لم تصل إلينا.
ومن ادّعى حصرها في عدد معين كما عن بعض غير الشيعة فبحسب ما وصل إليه. وقد جمع المتقدمون ما وصل إليهم من أحاديث أئمتنا ـ سلام الله عليهم ـ في أربعمائة كتاب سمّوها «الأصول» وكان عليها اعتمادهم كـ«أصل جميل بن دراج» و«أصل زرارة»… وهكذا.
وقد تصدى بعض مشايخنا لجمعها وترتيبها في كتب خاصة، تقريباً على المتناول، وأحسنها الكتب الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار، وهي كتاب:
1 ـ «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (ت: 329هـ) الذي جمع فيه صنوفاً من الحديث.
2 ـ «من لا يحضره الفقيه» لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (ت: 381هـ) الذي جمع فيه من الأصول أحاديث الأحكام.
3 و4 ـ «التهذيب» و«الاستبصار» للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ) وقد أورد فيهما أيضاً أحاديث الأحكام خاصة.
ولا يبحث في هذا العلم عن متون الأحاديث ودلالتها إلا نادراً، بل يبحث فيه عن الحديث من جهة القوة والضعف ونحوهما من الأوصاف التي ترجع إلى أوصاف الرواة من العدالة والضبط والإيمان ونحوها، أو إلى الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال ونحوها.
وذلك يقتضي البحث عن:
1 ـ أنواع الحديث من الصحيح والحسن والموثق وغيرها. وبيان الجرح والتعديل للرواة.
2 ـ كيفية أخذ الحديث وطرق تحمله من القراءة، والسماع، والإجازة، ونحوها.
3 ـ بعض المصطلحات في أسماء الرواة وطبقاتهم.
فها هنا أبواب أربعة:
الأول: في أقسام الحديث.
والثاني: في من تقبل روايته.
والثالث: في طرق أخذ الحديث وكيفية روايته.
والرابع: في أسماء الرجال وطبقاتهم.
في أقسام الحديث
إعلم أن أصول أقسام الحديث أربعة، وباقي الأنواع يرجع إليها.
الأول: الصحيح: وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي)[131](، عن مثله في جميع الطبقات.
وعليه فالحديث المقطوع السند ـ أي مرتبة اتفق القطع ـ لا يسمى صحيحاً وإن كان رواته من رجال الصحيح.
وقد عرّف الصحيح عند غير الشيعة بما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله. ومع ملاحظة اكتفائهم في تحقق العدالة بعدم ظهور الفسق والبناء على ظاهر حال المسلم، تكثر أحاديثهم الصحيحة.
واعلم أن من لا يعمل بخبر الواحد مطلقاً كالسيد المرتضى لا يفيد البحث عن غير المتواتر، كما أن العامل بخبر الواحد لا يشك في صحة العمل بالخبر الصحيح. إذ المفروض أن رواته عدول صحيحو العقائد، فلا مانع من العمل به.
نعم لو كان الخبر الصحيح شاذاً، أو وجد له معارض من الأخبار الصحيحة لم يعمل به حينئذٍ، بل يطلب المرجح.
الثاني: الحسن، وهو: ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، سواء كان ذلك في جميع الطبقات أم في بعضها بأن كان فيهم إمامي واحد ممدوح غير موثق، فيوصف الحديث بالحسن لأجل ذلك الواحد وإن كان الباقي من رجال الصحيح.
وإذا كان فيه واحد غير إمامي عدل كان الحديث موثقاً، كما أنه يوصف بالضعف إذا كان في طريقه واحد ضعيف.
وبالجملة فإن الحديث يتبع أخس ما في طريقه من الصفات.
واختلفوا في العمل بالحسن، فمنهم من عمل به مطلقاً كالصحيح، وهو الشيخ (رحمه الله) على ما يظهر من عمله، وهكذا كل من اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام.
ومنهم من رده مطلقاً، وهم الأكثرون حيث اشترطوا في قبول الرواية الإيمان والعدالة كما قطع به العلامة في كتبه الأصولية.
وفصل بعضهم كالمحقق في «المعتبر» والشهيد في «الذكرى» فقبلوا الحسن، بل الموثق، وربما ترقوا إلى الضعيف أيضاً إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب، حتى قدموه حينئذٍ على الخبر الصحيح الذي لم يشتهر العمل بمضمونه.
الثالث: الموثق: ويقال له «القوي» أيضاً، وهو: ما دخل في طريقه مَن نصَّ الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته، بأن يكون من إحدى الفرق المخالفة للإمامية الاثني عشرية وإن كان من الشيعة.
ويجب فيه أن لا يشتمل باقي الطرق على ضعف وإلا كان الطريق ضعيفاً، من جهة اتباعه للأحسن كما تقدم.
وقد يطلق القوي على مروي الإمامي غير الممدوح ولا المذموم.
وقد اختلفوا في العمل بالموثق كاختلافهم في الحسن، فقبله قوم مطلقاً، ورده آخرون كذلك، وفصّل غيرهم بالشهرة وعدمها.
الرابع: الضعيف، وهو: ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدمة، بأن يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك، كالوضاع.
ودرجات الضعف متفاوتة بحسب بعد الحديث عن شروط الصحة، فكلما بعد عنها، كان أقوى في الضعف. فما كثر فيه الرواة المجروحون يكون أضعف مما قل فيه ذلك، كما تتفاوت درجات الصحيح وأخويه الحسن والموثق بحسب تمكّنه من أوصافها.
فما رواه الإمامي الثقة الفقيه الورع الضابط مثل ابن أبي عمير أصح مما لم يكن كذلك، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مراتبه.
وما رواه الممدوح كثيراً مثل إبراهيم بن هاشم أحسن مما رواه من هو دونه، وكذا القول في الموثق، فإن ما كان في طريقه مثل علي بن فضال، وأبان بن عثمان أقوى من غيره، وهكذا.
ويظهر أثر القوة عند التعارض حيث يؤخذ بأقوى الحديثين المتعارضين.
وأما العمل بالخبر الضعيف فذهب الأكثر إلى عدم جوازه مطلقاً، وأجازه آخرون مع اعتضاده بالشهرة رواية ـ بأن يكثر تدوينها وروايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى ـ أو فتوى بأن يفتى بمضمونها في كتب الفقه.
تقسيم آخر للحديث
اعلم أن للحديث أوصافاً أُخرى سوى ما تقدّم، تشترك فيها الأقسام الأربعة تارة، وتختص بالضعيف أخرى.
أما الأوصاف المشتركة فهي:
1 ـ المسند: وهو ما اتصل سنده مرفوعاً إلى المعصوم.
2 ـ المتصل: ويسمى «الموصول» أيضاً، وهو ما اتصل سنده إلى المعصوم أو غيره، وكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، أو ما هو في معنى السماع كالإجازة.
3 ـ المرفوع: وهو ما نسب إلى المعصوم (عليه السلام) من قول أو فعل، بأن يقال في الرواية: إنه (عليه السلام) قال كذا، أو فعل كذا.
4 ـ المعنعن: وهو ما يقال في سنده: فلان عن فلان، عن فلان عن غير بيان للتحديث والإخبار والسماع.
5 ـ المعلّق: وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد أو أكثر، فإن عرّف الأسماء المحذوفة في السند ثقة مثل قول الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» «محمد بن يعقوب الكليني» أو ذكره اسم غيره ممن لم يدركه ثم ذكر في آخر الكتاب طريقه إلى كل واحد ممن ذكره فإنه حينئذٍ يكون المحذوف في حكم المذكور، وينظر في السند، ويوصف الحديث بما يقتضيه من الصحة والقوة وغيرهما. وإن لم يعرف المحذوف دخل الحديث في المرسل.
6 ـ المفرد: وهو ما انفرد بروايته شخص خاص، أو أفراد معينون من بلدة معينة كالبصرة والكوفة مثلاً.
7 ـ المدرج: وهو ما أُدرج فيه كلام بعض الرواة، فيظن أن الحديث كله من المعصوم.
8 ـ المشهور: وهو ما شاع عند أهل الحديث بأن نقله رواة كثيرون.
9 ـ الغريب: وهو ما تفرد بروايته راوٍ واحد، وقد يطلق عليه «الشاذ» أيضاً.
10 ـ المصحف: والتصحيف يقع تارة في الراوي كتصحيف «جريز» بـ«جرير» و«بريد» بـ«يزيد» ونحوهما، وأُخرى في المتن كتصحيف السين بالشين في كلمة «ستّاً» في حديث «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوَّال».
11 ـ العالي السند: وهو ما قلت الواسطة فيه مع اتصاله بالمعصوم، وعلو السند يبعد الحديث عن الخلل المتطرق إلى كل راوٍ من الرواة.
12 ـ الشاذ: وهو ما رواه الراوي الثقة مخالفاً لما رواه الأكثر، فإن كان الراوي في الطرف المخالف أحفظ أو أضبط، أو أعدل يكون الشاذ مردوداً وإلا فلا يرد.
13 ـ المسلسل وهو ما تتابع فيه رجال الإسناد على صفة أو حالة في الراوي من قول أو فعل أو غيرهما، مثل أن يقول:
أخبرنا فلان والله، قال أخبرنا فلان والله… إلى آخر السند، أو يقول: أخبرنا فلان وقد شبك أصابعه… إلى آخر السند. أو يقول: أخبرنا فلان وكان متكئاً… كذلك إلى آخر السند.
14 ـ المزيد: وتقع الزيادة في المتن تارة، مثل أن يروي في الحديث كلمة زائدة لا توجد في غيره. وفي الإسناد أُخرى، مثل أن يكون السند مشتملاً على ثلاثة رجال، فيرويه المزيد بأربعة.
15 ـ المختلف: وهو أن يوجد حديثان ظاهرهما التضاد في المعنى، وحكمه الجمع بينهما مهما أمكن ولو بوجه بعيد، وهذا من أهم فنون علم الحديث، ولا يملك القيام به إلا المحققون من أهل البصائر، المتضلعون في الفقه والأصول.
16 ـ الناسخ والمنسوخ: والأول ما دل على رفع حكم شرعي سابق، ويسمى الحكم المرفوع منسوخاً.
وطريق معرفته النص، أو نقل الصحابي، أو التاريخ، أو الإجماع.
17 ـ الغريب اللفظي: وهو ما اشتمل متنه على لفظ غامض بعيد عن الفهم.
18 ـ المقبول: وهو ما تلقوه بالقبول وعملوا بمضمونه من غير التفات إلى أنه من قسم الصحيح، أو الحسن أو الموثق، كحديث عمر بن حنظلة الوارد في حكم الخبرين المتعارضين.
أنواع الحديث الضعيف
وأما الأوصاف التي تختص بالحديث الضعيف فهي ثمانية.
1 ـ الموقوف: وهو ما يروى عن مصاحب المعصوم من قول أو فعل والموقوف لا يكون حجة وإن صح سنده، لأن مرجعه إلى قول من وقف عليه، وقوله ليس بحجة.
2 ـ المقطوع: وهو ما روي عن التابعين ومن في حكمهم، وهذا في عدم الحجية كسابقه.
3 ـ المرسل: وهو ما رواه عن المعصوم ولم يدركه بغير واسطة، أو بواسطة نسيها، أو تركها، أو أبهمها، مثل أن يقول: قال رسول الله (ص) كذا أو كذا أو يقول: عن رجل، أو عن بعض أصحابنا، ونحو ذلك والمرسل ليس بحجة للجهل بحال المحذوف.
4 ـ المعلّل: وهو ما كان في الحديث أسباب خفية غامضة تقدح في صحته وإن كان سالماً في الظاهر: وإنما يعرف ذلك الخبر بطرق الحديث ومتونه.
5 ـ المدلس: وهو ما أُخفي عيبه كأن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه على وجه يوهم أنه سمعه منه، مثل أن يقول: قال فلان، أو عن فلان، وأما إذا قال: «حدثنا أو أخبرنا» فهو كذب لا تدليس. هذا هو التدليس في الإسناد، وقد يكون التدليس في الشيوخ، كما إذا سمع الحديث من شيخ لا يحب ذكر اسمه لغرض من الأغراض، فيسميه أو يكنيه باسم أو كنية غير معروف بهما.
6 ـ المضطرب: وهو ما اختلف راويه في الحديث متناً أو إسناداً فيروي مرة على وجه وأُخرى على وجه آخر مخالف له.
وإنما يتحقق الوصف بالاضطراب مع تساوي الروايتين، وإلا فلو ترجحت إحداهما على الأخرى بالحفظ والضبط ونحوهما فلا يكون الحديث مضطرباً.
7 ـ المقلوب: وهو ما ورد بطريق، فيروى بطريق آخر أجود منه ليرغب فيه الناس.
وقد يقع ذلك من العلماء بعضهم لبعض لامتحان حفظهم وضبطهم.
8 ـ الموضوع: وهو المختلق المصنوع، وهو شر أقسام الضعيف، ولا تجوز روايته إلا مبيناً لحاله من الوضع.
ويعرف الموضوع بإقرار واضعه، أو ركاكة ألفاظه، أو الوقوف على غلطه.
والوضاعون أصناف، أعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، وزعم أن وضعه يقرّبه إلى الله تعالى، فقبل الناس موضوعاتهم ثقة بظاهر حالهم.
في من تُقبل روايته ومن تردّ
ومعرفة ذلك مهمة جداً، إذ بها يحصل التمييز بين صحيح الرواية وضعيفها، وبها جاز البحث عن أحوال الأشخاص ـ وإن اشتمل على القدح في المسلم ـ صيانة للشريعة المطهرة.
نعم يجب على الباحث في ذلك التأمل والتثبت، لئلا يقدح في غير مجروح بما يظن جرحاً. وفي هذا الباب مسائل ثمان:
المسألة الأولى:
اتفق أئمة علم الحديث على اشتراط إسلام الراوي، وبلوغه، وعقله وجمهورهم على اشتراط عدالته، بمعنى كونه سالماً من أسباب الفسق، ومن خلاف المروة.
واشترطوا أيضاً ضبطه بمعنى كونه حافظاً للحديث إن حدث من حفظه وضابطاً لكتابته إن حدث بها، عارفاً بما يختل به المعنى في الرواية بالمعنى.
ولا يشترط الذكورة والحرية، ولا العلم بفقه وعربية، ولا البصر، والمشهور بين أصحابنا اشتراط إيمانه أيضاًا، وقطعوا به في كتب الأصول وغيرها، مع عملهم بأخبار ضعيفة أو موثقة في أبواب الفقه، معتذرين من ذلك بانجبار الضعف بالشهرة.
المسألة الثانية:
تُعرف العدالة بتنصيص عدلين عليهما، وبالاستفاضة، وفي الاكتفاء بتزكية الواحد في الرواية قول مشهور.
المسألة الثالثة:
الأشهر أن التعديل مقبول وإن لم يذكر سبب، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها.
وأما الجرح فلا يقبل إلا مع بيان سبب، لاختلاف الناس في ما يوجب الجرح، فيمكن أن لا يكون الجارح عند أحد جارحاً عند غيره.
المسألة الرابعة:
المشهور ثبوت الجرح بالواحد كالتعديل، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلا يشترط في وصفه.
ولو اجتمع في واحد جرح وتعديل يقدّم الجرح على الأصح وإن تعدد المعدّل، لأن المعدِّل يخبر عما ظهر له من حاله، والجارح يخبر عن أمر خفي على المعدل.
ومع ملاحظة ما ذكرنا إذا تعارض الجرح والتعديل يتوقف حتى يجد المرجح.
المسألة الخامسة:
إذا قال الثقة: «حدثني ثقة» لم يكف ذلك في العمل بروايته، لعدم ذكر الاسم، ويجوز كونه ثقة عنده دون غيره.
ولو روى العدل عن رجل سمّاه لم تجعل روايته تعديلاً له على الأصح، كما أن عمل العالم وفتواه على وفق حديث لا يكون حكماً منه بصحته، ومخالفته له لا تكون قدحاً فيه، لأنه أعم.
المسألة السادسة:
ألفاظ التعديل: عدل، ثقة، حجة، صحيح الحديث، وما أدّى معناها.
وألفاظ الجرح: ضعيف، كذاب، وضاع، غال، ونحو ذلك.
المسألة السابعة:
من خلط بعد استقامته بحمق وضعف عقل ونحوهما، أو بفسق ونحوه، يقبل ما روي عنه قبل الاختلاط، ويرد ما بعده، وذلك كالواقفية في زمن الكاظم (عليه السلام)، والفطحية في زمن الصادق (عليه السلام) بعد استقامتهم.
المسألة الثامنة:
إذا روى ثقة حديثاً، ونفاه المروي عنه، فإن كان جازماً بنفيه بأن قال:
«ما رويته ونحوه» وجب ردّ الحديث.
وإن قال: «لا أعرفه أو لا أذكره» لم يقدح على الأصح، بل يجوز للمروي عنه حينئذٍ روايته عمن سمعه عنه، فيقول: حدثني فلان أني حدثته بكذا.
وقد وقع من ذلك جملة أحاديث لأكابر نسوها بعدما حدثوا بها.
في تحمل الحديث وطرق نقله
وفي فصول:
الفصل الأول:
في أهلية التحمل، وشرطه التمييز إن تحمله بالسماع، والمراد به أن يفرق بين الحديث الذي هو بصدد روايته وغيره.
ولا يعتبر الإسلام ولا البلوغ، وقد اتفق الناس على رواية جماعة من الصحابة قبل بلوغهم عن النبي، كالحسنين (عليهما السلام)، وعبدالله بن عباس، وابن الزبير وغيرهم.
وتحديد قوم سنهم بعشر سنين، أو خمس، أو أربع خطأ، لاختلاف الناس في مراتب الفهم والتمييز.
وكذلك لا يشترط في المروي عنه أن يكون أكبر سناً أو رتبة من الراوي.
الفصل الثاني:
في طرق التحمل: وهي سبعة:
1 ـ السماع من لفظ الشيخ، وهو أرفع الطرق عند جمهور المحدثين، فيقول: سمعت فلاناً، كما أن هذه العبارة أعلاها في الدلالة على السماع، وبعدها في المرتبة: «حدثني، وحدثنا لدلالتهما على قراءة الشيخ عليه مع احتمال الإجازة أيضاً.
ويليه في المرتبة «أخبرنا» ثم «أنبأنا ونبأنا».
2 ـ القراءة على الشيخ: وتسمى «العرض» لأنَّ القارىء يعرضه على الشيخ، سواء كانت القراءة من حفظه أم من كتاب، فيقول الراوي حينئذٍ: قرأت على فلان، أو قرىء عليه وأنا أسمع فأقر به الشيخ.
وبعدهما في المرتبة: حدثنا وأخبرنا قراءة عليه.
3 ـ الإجازة: وهي الإذن والتسويغ، فيقول: أجزت له رواية كذا، وأعلاها الإجازة لشخص معين وكتاب معين كقوله: أجزتك رواية الكتاب الفلاني، وبعدها في المرتبة أن يقول: أجزتك رواية مسموعاتي، وبعدهما الإجازة لغير معين كجميع المسلمين، أو كل من أدرك زمانه، ونحوهما.
4 ـ المناولة: وهي أعلى من الإجازة، لافتقارها إلى مشافهة المجيز للمجاز ولا يفتقر إلى ذلك في الإجازة.
والمناولة نوعان:
أحدهما: هي التي تقترن بالإجازة كما إذا أعطاه كتابه على نحو التمليك أو العارية، وقال له: هذا سماعي من فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني.
وثانيهما: المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله كتاباً ويقول: «هذا سماعي أو روايتي» مقتصراً عليه. والصحيح عدم جواز الرواية بهذا القسم.
5 ـ الكتابة: وهي على ضربين:
الأول: أن تقع مقرونة بالإجازة بأن يكتب ويقول أجزت لك رواية ما كتبته.
الثاني: أن تقع مجردة عنها، والأشهر جواز الرواية بها، لتضمنها الإجازة معنى كما يكتفي بها في الفتوى.
نعم يعتبر معرفة خطّ الكاتب للحديث بحيث يؤمن من التزوير.
6 ـ الإعلام، وهو إعلام الشيخ للطالب أن هذا الكتاب أو الحديث روايته أو سماعه من دون أن يقول: اروه عني، أو أجزت لك روايته. وفي جواز الرواية به قولان.
7 ـ الوجادة: من وجد يجد وهو أن يجد مروي شخص بخطه، ولم يسمعه منه، فيقول: وجدت بخط فلان.
الفصل الثالث:
وفي كيفية رواية الحديث، وأكملها ما سمعه بنفسه من المحدث حيث يؤمن فيه من التغيير والتبديل، وتجوز الرواية من كتابه على الأصح مع أمن التغيير.
وتجوز الرواية بالمعنى بشرط المحافظة على معنى الرواية، وعدم الإخلال به.
تقطيع الحديث
اختلفوا في جواز تقطيع الحديث وعدمه، فجوزه جماعة بشرط أن يورد بقية الرواية في محل آخر، أو أن يكون غيره قد أوردها بتمامها.
وأما تقطيع المصنف الحديث في كتاب بحيث يجعل كل مقطع في الباب اللائق به للاحتجاج المناسب فهو أقرب إلى الجواز.
ولا يروي بقراءة لحان، ولا مصحف، ويتعلم ما يسلم به من اللحن، فإن وقع في رواية لحن أو تصحيف رواه صواباً، فيقول: وروايتنا كذا، أو يقدم الرواية الملحونة، ثم يقول: وصوابه كذا.
وما رواه عن اثنين فصاعداً، واتفقا معنى لا لفظاً جمعهما في الإسناد مع بيان أن اللفظ من أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان.
وما اشتمل على أحاديث متعددة بإسناد واحد فله أن يذكر الإسناد في كل حديث، وله أن يذكره في الحديث الأول، ثم يقول في الحديث الثاني: «وبالإسناد» أو «وبه» أي بالإسناد السابق.
إذا سمع بعض الحديث عن شيخ، وبعضه عن شيخ آخر روى جملته عنهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، ثم يصير الحديث مشاعاً بينهما. وحينئذٍ فإن كانا ثقتين فالأمر سهل إذ يعمل به على كل حال، وإن كان أحدهما مجروحاً لم يحتج بشيء منه.
في بعض المصطلحات
في أسماء الرجال وطبقاتهم.
الصحابي من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والتابعي من لقي الصحابي.
ثم الراوي والمروي عنه إن استويا في السن، أو في الأخذ عن المشايخ يقال له: «رواية الأقران».
فإن روى كل منهما عن الآخر فهو المدبج ـ بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الباء ـ مأخوذة من ديباجة الوجه، كأن كلاًّ منهما يبذل ديباجة وجهه للآخر ويروي عنه.
وإن روى عمن دونه فيسمى (رواية الأكابر عن الأصاغر) ومنه رواية الآباء عن الأبناء.
وإن اشترك اثنان عن شيخ، وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق وإن اتفقت الأسماء واختلف الآباء فهو المتشابه مثل محمد بن عقيل بفتح العين، ومحمد بن عقيل بضمها، فإن الأول نيسابوري والثاني فريابي.
والرواة إن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعداً واختلفت أشخاصهم فهو المتفق والمفترق أي المتفق في الاسم، والمفترق في الشخص، وذلك كرواية الشيخ (رحمه الله) ومن سبقه من المشايخ عن أحمد بن محمد، على نحو الإطلاق، فإن هذا الاسم مشترك بين جماعة منهم أحمد بن خالد، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وأحمد بن محمد بن الوليد. وتتميز عند الإطلاق بقرائن الزمان، فإن المروي عنه إن كان من الشيخ في أول السند أو ما قاربه فهو أحمد بن محمد بن الوليد، وإن كان في آخره مقارناً للرضا (عليه السلام) فهو أحمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي، وإن كان في الوسط فالأغلب أن يريد به أحمد بن محمد بن عيسى، وقد يراد غيره.
وإن اتفقت الأسماء في الخط والكتابة واختلفت في النطق فهو المؤتلف والمختلف، مثل: جرير، وحريز، فإن الأول بالجيم والراء هو جرير بن عبدالله البجلي، والثاني بالحاء والزاء هو حريز بن عبدالله السجستاني، فإن اسمهما مؤتلف واسم أبيهما واحد، والمائز بينهما الطبقة.
ومعرفة ذلك من مهمات هذا الفن كما أنَّ معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم مهمة جداً، إذ بها يحصل الأمن من تداخل المشتبهين، ومن دعوى لقاء الراوي المروي عنه إن كان كاذباً في دعواه.
فهذه جملة موجزة في الإشارة إلى مقاصد هذا العلم، فمن أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة فليراجع الكتب المفصلة.
دربند
قال في معجم البلدان: دربند هو باب الأبواب وينسب إليه الحسن بن محمد بن علي بن محمد الصوفي البلخي أبو الوليد المعروف بالدربندي.
ثم قال في باب الأبواب: ويقال له: الباب غير مضاف.
جاء في كتاب (تاريخ هيرودوت) اليوناني أن قوم (سكا) هجموا على بلاد ماد من مدينة دربند. وقد عرفت الأمبراطورية الفارسية منذ أيام كوروش أهمية هذه المدينة ومنطقتها الاستراتيجية حيث بنى فيها كوروش القلاع والحصون المنيعة. أما في فترة سلالة الاشكانين فلا نملك معلومات دقيقة عن وضع المدينة والمنطقة. تقع منطقة دربند في منطقة جبلية تعد المنفذ الوحيد لربط ولايات القوقاز الشمالية بولايات آنران وأرمينا وآذربيجان، وقال ياقوت الحموي إن سدّ منطقة درنبد من بناء كسرى أنو شروان بناه لصد هجمات الخزر، وقال حمزة الأصفهاني ما مؤدّاه، أن طول هذا السدّ يبلغ 20 فرسخاً حيث يمتد من البحر حتى سفح الجبل وقد عيّن لكل منطقة من أطراف هذا السدّ أميراً وأوقف الأراضي الزراعية على الأمير والجنود المرابطين هناك ليكونوا المدافعين عن الحدود ويصدوا هجمات الأعداء على بلاد فارس.
ومعنى (دربند) هو المنفذ ولذا سمّاه الجغرافيون العر ب بـ (باب الأبواب) أو (الأبواب أو (الحديد) أو (مدينة الباب).
تقع درنبد الآن في جمهورية داغستان الواقعة في القوقاز وقد تحدث عن قلاع دربند والجوار الذي يمتد من ساحل البحر الأسود حتى قمم الجبال المسعودي والأصطخري وصاحب آثار البلاد وابن حوقل.
وقد ورد ذكرها في المصادر الأرمنية باسم (دربند أجوكا) أو (چزرا) وتقع الآن بالقرب من مدينة دربند ناحية تسمى (چورا) وكانت هذه المنطقة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين إحدى المراكز المسيحية الهامة في القوقاز ثم زالت مركزيتها نتيجة لهجمات الخزر عليها.
إن مدينة دربند من أقدم المناطق التاريخية في القوقاز وتقع في الساحل الغربي لبحر قزوين عند مصب نهر (سامور) ويقع على جانبي نهر سامور الجبال العالية، وتمتد حتى ساحل البحر. وقد وصف المؤرخون اليونانيون والروميون المدينة باسم (معبر آلباني) أو (ممر الخزر) وسماها الكرج (دوگيس كاري) والترك العثمانيين (دمير قابيسى) وباللغة الداغية (چولى) أو (چرول).
وخلاصة القول إن كل الأقوام المهاجمة التي كانت تسكن في شمال القوقاز مثل (سكا) و(الخزر) و(الهون) و(الآن) و(الروس) و(التاتار) لم يكن لهم طريق عندما يريدون الهجوم إلا مضيق دربند.
ومن هنا فمنذ دولة الميديين ثم الأخمينين ثم الأشكانيين ثم الساسانيين ثم الأمبراطورية الرومانية الشرقية ثم المسلمين ثم السلاجقة ثم المغول ثم العثمانيين كانوا يبنون القلاع في هذه الناحية منعاً لنفوذ الأقوام المهاجمة، ولكن العثور على ألواح صخرية منذ أيام الدولة الفارسية أي الأمبراطورية الساسانية في تلك المنطقة وعلى صخورها وقلاعها هو دليل على أهمية المنطقة والمضيق. وبعد سقوط الدولة الفارسية وظهور الإسلام التحم الجيش الإسلامي بقيادة سليمان بن ربيعة الباهلي في أيام الخليفة الثاني مع جيش القوقاز فانهزم المسلمون وقتل سلمان مع جنوده وهناك رواية أخرى تقول إن أبا موسى الأشعري بعد أن فتح أصفهان عام 19هـ بعث أحد قواده وهو سراقة بن عمرو صوب (باب الأبواب) وكان قائد جنده عبدالرحمن بن سراقة وبعد معارك طاحنة تمكن من السيطرة على المنطقة وذلك عام 734م وطرد الخزر صوب الشمال بعيداً عن دربند ودخل المنطقة تحت سيطرة والي أرمينيا وهو آنذاك مسلمة بن عبدالملك وقد قام مسلمة بإعمار قلاع دربند وإصلاح ما كان قد هدمته الحرب، وتوسعت المدينة أيام حكم المسلمين وصارت تنقسم سبع محلات وفيها بني المسجد الجامع، وصار لها موقع اقتصادي هناك حيث كانت تمر فيها القوافل التجارية.
وقد تحدث المسعودي عن المنطقة في الجزء الأول من مروج الذهب كما تحدث عنها أبو الفداء.
كانت منطقة دربند أيام السلاجقة والخوارزمشاهيين جزءاً من بلاد فارس ثم حكمها في القرن التاسع الميلادي الهاشميون (769هـ 1368؟م) ثم حكمها ألشرونشاهيون ويقال إنهم من أحفاد بهرام گور إلا أن بعض الباحثين منهم نيورسكي شكك في هذه النسبة، واستمر حكمهم إلى أن سيطر عليهم الشاه طهماسب الصفوي وأنهى حكمهم في تلك المنطقة. وقبل الصفويين كان المغول قد سيطروا على مدينة دربند وقتلوا كثيراً من أهلها ثم حكم المنطقة فترة الإيلخانيون ثم التيموريون ثم صارت المنطقة موضع تنافس بين العثمانيين والصفويين وكان أكثر حكمها بيد الصفويين ثم بعدهم استولى عليها نادر شاه ولكن ظلت المعارك بينه وبين العثمانيين مستمرة إلى أن هزمهم في معركة حاسمة وكان أهالي داغستان وگرجستان وأرمينيا في جانب نادر شاه. كما أنه كانت بين حكام دربند والأمبراطورية الروسية علاقات وصلات ورسائل متبادلة، وبعد أن ضعفت الحكومة الفارسية أيام سلطان حسين الصفوي، هجم على مدينة دربند عام (1722م)، وانهزم إمام قلي حاكم القوقاز وسلم المدينة للأمبراطور فدخل المدينة ومكث في دربند عدة أيام لكن لم يستطع السيطرة عليها نهائياً وعاد الى بطرسبورغ، ثم بعد زوال الصفويين تمكن نادر من هزيمة العثمانيين والسيطرة على دربند ونصب أخاه إبراهيم خان ظهير الدولة حاكماً على داغستان ولكن لم يهدأ له بال فإن بعض القبائل الساكنة في داغستان مثل اللزگية كانوا يهاجمون الجيش الفارسي باستمرار وتمكنوا أخيراً من قتل الحاكم في إحدى المعارك فيها، وبُلِّغ الخبر وهو بمدينة پيشاور في طريقه إلى دلهي عاصمة الهند وبعد أن سيطر عليها ذهب في طريق عودته إلى داغستان وأراد إبادة القبائل الثائرة هناك فمكث في المنطقة 18 شهراً وحاربهم، ولكن لصعوبة المنطقة ووعورتها عجز عن إبادتهم، وبعد أن قُتل نادر شاه عام 1765م استولى (فتح علي خان قبه اي) ملك شمخال وقيطاق على دربند ولكنها كانت سيطرة مؤقتة فقد ثار بعض زعماء داغستان عليه واستولوا على دربند، لكن في عام 1775م تمكّن فتح علي خان من إعادة سيطرته على المنطقة وذلك بمعاونة الجيش الروسي وبعث بمفاتيح المدينة إلى كاترين الثانية أمبراطورة روسيا ولكنها رفضت المفاتيح لئلا تسيء إلى علاقاتها مع إيران فاستمر حكم إيران عليها إلى أن قتل آغا محمد خان القاجاري. وحينما نشبت المعركة الأولى بين الجيشين الإيراني والروسي عام 1706م كان الجيش الروسي مرابطاً بالقرب من دربند وكان الحاكم فيها الشيخ علي خان فانهزم في المعركة ونصب الروس حاكماً يدعى علي پناه بيك وهو من أهالي تلك المنطقة، لكن استمرت المعارك بين الجيش الإيراني والروسي سنوات طويلة ولم تهدأ المنطقة إلا في عام 1813م حيث عقدت الحكومة الإيرانية معاهدة (گلستان) مع الحكومة الروسية وبموجب هذه المعاهدة صارت منطقة دربند تحت سيطرة الروس إلا أن أهالي المنطقة ظلّوا يقاتلون الروس ويرفضون سيطرتهم إلى سنوات بعيدة وفي عام 1920م دخل الجيش الروسي منطقة داغستان ودخل مدينة دربند يوم 25 مارس في نفس العام وهكذا استقر الوضع في المنطقة والمدينة لصالح الروس. وأخيراً فإن مدينة دربند تقع على سفح جبل سوان ويمر نهر (سمور) من جنوبها ثم يصب في البحر الأسود ويحدها من الجنوب جمهورية آذربيجان ومن الشرق بحر قزوين. أما القسم القديم من المدينة فإن معظمه مهدم. وأما حصارها ومعسكر الجنود فإن مساحتهما 72 هكتاراً وهما مبنيتان من الصخر بجدران سميكة عريضة جداً والحصار من بناء أنو شروان وقياده.
وتعتبر مدينة دربند ثاني مدينة في داغستان، ومن سكّانها (التات) ولغتهم فارسية وديانتهم يهودية، و(اللزگك) ثم (الأذربيجانيون) وهم مسلمون.
وفي المدينة جامع كبير بني عام 750هـ ويعرف باسم (مسجد الجمعة) وهذا المسجد من مساجد الشيعة هناك.
أما الآثار التاريخية الباقية في المدينة إلى الآن فهي.
(1) قصر نادر شاه.
(2) القلعة التي بناها ملوك وحكّام الفرس.
(3) صخرة قبر اسفنديار.
(4) جامع خارجي.
(5) الحمام القديم.
(6) قبور حكام دربند الفرس.
مجيد يكتائي
الدرجات الرفيعة
في طبقات الشيعة
كتاب للسيد علي خان المدني الشيرازي، الشهير بابن معصوم.
ولد في المدينة المنورة سنة 1052 وتوفي في شيراز سنة 1118 ودفن في حرم السيد أحمد بن الإمام الكاظم (عليه السلام) المعروف بشاه چراغ بجوار السيد ماجد البحراني.
(المدني): نسبة إلى مسقط رأسه المدينة المنورة وهذا اللقب هو من أشهر ألقابه وأحبها إليه فيلقب نفسه دائماً به كما في مقدمته لكتابه رياض السالكين.
و(الشيرازي): حيث كان ستة عشر جَدّاً من أجداده يستوطنون شيراز وقد اشتهر بهذا اللقب بعد لقب المدني في الأوساط الدينية والعلمية في إيران.
و(ابن معصوم): نسبة لجدَّه الأول محمد معصوم صدر الدين وقد كنى نفسه في مقدمة رياض السالكين به.
وفي الأوساط العلمية في إيران يُعرف بالسيد علي خان الكبير ـ والكبير هنا من الإكبار والإجلال، ويُعرف بالسيد علي شارح الصحيفة.
وأسرته أسرة علمية عريقة مشهورة في التاريخ الإسلامي. برز منهم علماء في الفلسفة والأدب والفقه…
انتشرت في أماكن عدة كالحجاز والعراق وإيران والهند..
ووالده هو نظام الدين أحمد المولود في الطائف بالحجاز سنة 1027 وعاش مع والده (جد السيد علي خان) وتلقى علومه الأولية في مكة حتى دعاه سلطان حيدر آباد السلطان عبدالله قطب شاه إلى الهند سنة 1055 وعمره 28 سنة فلبى الدعوة، وبعد وصوله أسند السلطان إليه تدبير أمور المملكة القطب شاهية والشيعية القائمة في حيدرآباد ورشح ليكون ولياً للعهد بعد زواجه من ابنة الملك قطب شاه.
وبعد وفاة الملك المذكور تغلب صهره الميرزا أبو الحسن على الحكم فحكم، وأودع السيد نظام الدين أحمد وابنه السيد علي خان السجن إلى أن توفي السيد نظام الدين محجوزاً في 17 صفر 1085.
وأرّخ وفاته ابنه السيد علي خان فقال:
حزنت لموتك طيبة
ومنى وزمزم والحطيم
فلذا أتى ببديهة
تاريخه حزن عظيم
له ديوان شعر وقصائد كما في سلوة الغريب وأسوة الأريب، وله رسالة في التوحيد ورسالة في المعاد الجسماني والنبوة.
ووالدته هي كريمة الشيخ أحمد بن محمد المنوفي المصري إمام الشافعية في الحجاز والمتوفى بدمشق سنة 1044هـ. كان صاحب ثروة.
توفيت عنه والدته وهو في المهد فتولت عمته تربيته.
اشتهر في الوسط الديني والحوزات العلمية بكتابه شرح الصحيفة السجادية وكتاب الحدائق الندية.
واشتهر في الوسط الأدبي بديوانه وكتابه سلوة الغريب وسلافة العصر.
كما لا غنى لمن يبحث في التاريخ والتراجم عن بعض كتبه كالدرجات الرفيعة وكذا الحال في اللغة والطرافة وغيرها.
واحد وعشرون مؤلفاً ذكرها مؤرخوه من تصانيفه لا يزال بعضها مخطوطاً والبعض الآخر مفقوداً أو ناقصاً كما طبع كثير منها في أماكن كثيرة كمصر ولبنان وإيران والعراق.
أمّا (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة).
فإن النسخ المتداولة من هذا الكتاب تحوي فقط على الطبقة الأولى وشيء من الطبقة الرابعة والحادية عشرة وهي الأجزاء التي عثر عليها دون بقية الطبقات التي أشار المؤلّف في مقدمته إليها.
وتوجد من الكتاب نسخة في برلين وأخرى في مكتبة آل كاشف الغطاء بالنجف الأشرف وقد طبع في المطبعة الحيدرية بالنجف الأشرف سنة 1382هـ 1912م في 590 صفحة. وطبعته مكتبة بصيرتي في قم سنة 1397هـ.
وأعادت مؤسسة الوفاء في بيروت طبعه سنة 1403هـ 1982م. ومن أشهر كتبه كتاب سلوة الغريب وأسوة الأريب.. المعروف برحلة ابن معصوم.
وهو وصف لما شاهده في رحلته من مكة إلى حيدرآباد سنة 1066. وهو لم يزل حدث السن.
انتهى من تأيفه في جمادى الثانية سنة 1075هـ وتوجد منه نسخة في برلين بألمانيا وأخرى في مكتبة السيد محمد باقر الحجة بكربلاء وثالثة في طهران لدى السيد محمد باقر بحر العلوم، الكتاب من أشهر كتب المؤلف في الوسط الأدبي وتردد ذكره كمصدر أدبي.
يصف السيد المدني في كتابه هذا المدن والقرى والسكان والمناخ والماء والهواء والجبال والأشجار والثمار والحيوان والمساجد ومراقد العلماء وترجم بعضهم، ووصف البحار وما فيها من حيوان وأحجار كريمة وغرائب. فنمق كل ذلك ووشاه بما عرف عنه من القدرة على الاستطراد الأدبي والاستدراك العلمي المفيد وأورد الكثير من الشواهد المختارة المفيدة نظماً ونثراً.. والحكايات والفوائد الطريفة المسلية.
وقد قال فيه:
رحلتي المشتهاة تزري
بالروض عند الفتى الأريب
فإن تغربت فاصطحبها
فإنها سلوة الغريب
طبع سنة 1306هـ وطبع مؤخراً في بيروت بتحقيق شاكر هادي شكر.
وكتاب (سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر).
وهو مجموعة أدبية قيمة ويشتمل على تراجم أدباء القرن الحادي عشر الهجري ومن قاربهم ممن تقدم زمانه قليلاً، وهو ذيل ريحانة الألباء لشهاب الدين الخفاجي.
شرع في تأيفه أواخر سنة 1081هـ في الهند وانتهى منه في 7 ربيع الثاني 1082هـ جمع فيه أخبار المعاصرين وبعض أقوالهم ومؤلفاتهم وأشعارهم وقسمه إلى خمسة أقسام..
الأول: محاسن أهل الحرمين.
الثاني: محاسن أهل الشام ومصر.
الثالث: محاسن أهل اليمن.
الرابع: محاسن أهل إيران والعراق والبحرين.
الخامس: محاسن أهل المغرب.
طبع في مصر بمطبعة الخانجي سنة 1328هـ في 607 صفحات والطبعة الثانية في إيران سنة 1387هـ.
وله ملحق السلافة أو ذيل السلافة وهو تراجم كثيرة ألحقها بالسلافة. منها نسخة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم انتهى منه (1082هـ).
(ومن هذا الكتاب وهو في مجلدين نسخة في مكتبة آل كاشف الغطاء.
واستقر السيد المدني في حيدرآباد وقضى فيها ثمانية عشر عاماً (1068هـ 1085هـ) وحضر مجلس والده الذي عُين ولياً لعهد السلطان عبدالله قطب شاه المتوفي سنة1083هـ/ 1672م.
ومن المؤكد أن مجلس والده كان منتدى للعلماء والأدباء والأعيان القادمين من مختلف الأمصار. وقد ذكر السيد المدني في كتابه بعضهم وتولى السيد المدني مناصب في الدولة القطب شاهية.
بعد وفاة السلطان عبدالله قطب شاه (1083هـ) تغلب صهره الميرزا أبو الحسن المعروف بتاناشاه وكان ضعيفاً وآخر ملوك القطب شاهية حيث هزمه الحاكم المغولي محمد أورنك زيب شاه)[132]( فأودعه السجن وأنهى دولة القطب شاهية سنة 1687م.
وقبل أن تهزم الدولة في عهد أبو الحسن قطب شاه فرضت الإقامة الجبرية على السيد علي خان وأبيه الذي توفي محجوزاً سنة 1085هـ.
فأخذ السيد المدني يكابد ويستغيث النبي (ص) طالباً الفرج فمدح النبي الأكرم واستجار به وأشعر يقول:
طالبي الأسرُ وطال الأسى
وما على ذلك لي مُسعدُ
قد نفد الصبرُ لما نالني
وكيف لا يفني ولا ينفذُ
فالغارة الغارة يا سيدي
فإنك الملجأ والمقصِدُ
حبك ذخري يوم لا والد
يغني ولا والدةٌ تسعد
وأنت في الدارين لي موئلٌ
إذا جفا الأقربُ والأبعدُ
فاكشف بلائي سيدي عاجلاً
علَّ جرارات الأسى تبردُ
وأدنني منك جواراً فقد
ضاق بي المضجع والمرقدُ
وبوئني طيبة موطناً
فأنّها لي سابقاً مولدُ
وهي لعمري مقصدي والمُنى
لا الأبلقُ الفردُ ولا ثهمدُ
وبعد وفاة والده في الحجز نمي له أن القوم يريدون قتله فهرب من حيدر آباد إلى برهان پور التي كان يحكمها في ذلك الوقت السلطان المغولي محمد أورنك زيب شاه فلاحقه القوم وجدوا في طلبه ولكن لم يتمكنوا منه فأنشد الشعر قائلاً:
وبثوا الجياد السابحات ليلحقوا
وهل يدرك الكسلان شأوا أخي الجد
فساروا وعادوا خائبين على وجى
كما خاب من قد بات منهم على وعد
ووصل إلى برهان پور بعد أن أفلت من أعدائه كما أسلفنا واستقبله مرحباً سلطانها محمد أورنك زيب شاه وقلده قيادة كتيبة من الجيش تعدادها 1300 فارس ولقبه بالسيد علي خان وهو لقب تشريفي كبير في الهند يومذاك.
ولما ذهب أورنك زيب شاه إلى مدينة أحمد نگر شرقي بمبي بالهند اصطحبه معه وجعله حارساً عليها ثم عينه والياً على حكومة لاهور وتوابعها وهي العاصمة القديمة للمسلمين في الهند.
ثم تقلد رئاسة ديوان السلطان في برهان پور حتى تكونت حالة ثقة قوية بينه وبين السلطان المذكور يمكن استشفافها من خلال إهدائه للسلطان نظمه في تخميس قصيدة البردة الشهيرة للبوصيري.
أمضى السيد المدني في هذه المناصب وغيرها مدة طويلة ثم طلب الاستعفاء من منصبه وكان ذلك عام 1113هـ.
ويظهر أنه لم يكن على وفاق تام مع السلطان أورنك زيب شاه في آخر حياته لكبر سنه فنبزه السيد المدني بالظلم والتغطرس، والإصغاء إلى أقوال الأعداء، فضاق ذرعاً ولم يعد يتحمل البقاء معه فحاول مراراً التخلص منه والخروج من الهند بالتي هي أحسن فطلب من السلطان السماح له بالسفر مع عائلته لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الأكرم (ص).
ولقد سجل السيد المدني القلق الذي كان يساوره في تلك الفترة بعدة قصائد نبوية طافحة بالألم ومر الشكوى منها بضعة أبيات من قصيدة نظمها وهو على ظهر السفينة عند خروجه من الهند يقول فيها:
إذا ما امتطيت الفلك مقتحم البحر
وولّيت ظهري الهند منشرح الصدر
فما لمليك الهند إن شاق صدره
علي يد تقضي بنهي ولا أمر
ألم يصغ للأعداء سمعاً وقد عدت
عقاربهم نحوي بكيدهم تسري
فأوتر قوس الظلم لي وهو ساخط
وسدد لي سهم التغطرس والكبر
وسد علي الطرق من كل جانب
وهم بما ضاقت به ساحة الصبر
إلى أن أراد الله إنفاذ أمره
على الرغم منه في مشيئته أمري
فرد عليه سهمه نحو نحره
وقلد بالنعماء من فضله نحري
فأمسيت من تلك المخاوف آمناً
وعادت أموري بعد عسر إلى يسر
فوصل السيد المدني مع عائلته إلى مكة المكرمة وأدى مناسك الحج ثم زار قبر النبي الأعظم محمد (ص) وقبور أئمة البقيع (عليهم السلام).
فعمر أملاكه التي في الحجاز وهي كثيرة وأوقفها وولّى عليها أولاده الأكبر فالأكبر.
وأراد السيد المدني أن يستقر في مكة والمدينة التي طالما حن إليهما ولكنه وجد الناس غير الناس الذين فارقهم وألفهم، فلا أصحاب ولا إلفة وكل شيء غريب. فلم يبقى طويلاً وغادر مكة والمدينة وهو غير راغب في مغادرتهما حيث كانت أمنيته أن يبقى فيهما طوال عمره كما يشير في قصيدة له:
فإبت إلى البيت العتيق مودعا
له نويا عودي إليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصدا
إلى خير مقصود من البر والبحر
فتوجه للعراق وزار البصرة والنجف وكربلاء وبغداد وسامراء وبعد إقامة قصيرة وزيارة العتبات المقدسة لم يطب له المقام فيها فسافر إلى خراسان ومن ثم إلى أصفهان عاصمة إيران آنذاك بدعوة من شاه إيران الشاه حسين الصفوي فوصل إليها سنة 1117هـ.
وهناك قدم السيد المدني كتابه رياض السالكين إلى السلطان الصفوي ولكنه وجد الأمور غير طبيعية ومضطربة في العاصمة فقصد مدينة أجداده شيراز ووجدها عامرة بالحركة العلمية فاختارها مقراً مؤقتاً لسكناه آملاً بالعودة إلى الحجاز وانصرف إلى التدريس والتأليف في المدرسة المنصورية حتى لبى نداء ربه.
انعكس حبه للوطن وألمه للفراق وحنين العودة في مواضع عدة من شعره وتمتاز مكة المكرمة بمكانة خاصة في قلبه فيخاطبها عندما غادرها للهند ملتحقاً بوالده:
امعاد هل يفضي إليك معاد
يوما يرغم معاند أوعاد
فأفوز منك بكل ما املته
ذخراً لآخرتي ويوم معاد
ويقول في مكة أيضاً:
فارقت مكة والأقدار تقحمني
ولي فؤاد بها ثاو مدى الزمن
فارقتها لا رضى مني وقد شهدت
بذاك أملاك ذاك الحجر والدكن
فارقتها وبودي إذ فرقت بها
لو كان قد فارقت روحي بدني
ويذكر نجد مستصغراً أرض الهند أمامها فيقول:
يقول الهاشمي غداة حزنا
بحار الهند نقطع كل وهد)[133](
أتذكر عن هوى تلعات)[134]( نجد
وأين الهند من تلعات نجد
وفي موضع ثالث يقول عن مكة المكرمة:
خليلي هل عهدي بمكة راجع
فقد قلبت بالهند مني المضاجع
وهل شربة من ماء زمزم ترتوي
بها (كبد) قد أظمأتها الوقائع
وهل عامر ربع الهوى بسويقه)[135](
فعهدي بذاك الربع للشمل جامع
وهل من صفا من سالف العيش بالصفا
يعود لنا يوما فتصفو المشارع
سقى الله ما بين الحجوان إلى الصفا
مرابع فيها للظباء مراتع
وجاد بأجياد)[136]( منازل جيرة
بهن حمام الأبطحين سواجع
وحيّـــــــــــــــــــا الحيــــــــا بالمــــأزميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن)[137]( معــــــــــــــــــــــــــــــــــــاهدا
فما عهدها عندي مدى الدهر ضائع
ويخاطب أهل مكة قائلاً:
وحياتكم يا ساكني أم القرى
ما كان حبكم حديثاً يفترى
اهوى دياركم التي من حلها
حل الجنان بها وعل الكوثر
إلى أن يقول:
للَّه أيامي بمكة والصبا
تهدي إلى فؤادي مسكا أوفر
اشري بكل الدهر منها ساعة
لو أنها مما تباع وتشترى
ويتذكر بحرقة أيام إقامته بالحجاز قائلاً:
سقى الله أيامنا بالحجاز
ولا جازها الغيدق الهاطل
فما كان أرغد عيشي بها
إذ المنزل القفر بي آهل
لقد طال وجدي وذكري لها
وليس لعصر مضى طائل
فيها لهف نفسي له ماضيا
ترحل والوجد بي نازل
ترى من عزائي به خارج
وداء الأسى في الحشا داخل
درى أن وجدي به لا يزو
ل وصبري من بعده زائل
يقولون لي أنه خاذل
وخير الظبا الشادن الخاذل
اتعذلني جاهلا حاله
لك الويل يا أيها العاذل
تجيب الصفاة وليس يجيـ
ـب ودمعي على وجنتي سائل
ويقول في خاتمة قصيدة أخرى:
ولاح من الحجاز لنا بريق
تلألا يستطير. على حراز)[138](
سقى الله الحجاز وساكنيه
وحيا معهد الخلود الكناز)[139](
إلى أهل الحجاز يحق قلبي
فوا شوقي إلى أهل الحجاز
ولا يزال الشاعر يعتبر نجد جزء من بلده فيشعرها بشاعريته وإحساسه المرهف فيقول:
سل الديار عن أهيل نجد
إن كان تسآل الديار يجدي
وقف بهاتيك الرسوم ساعة
لعله يطفي لهيب وجدي
منازلُ قد حزت فيها أربي
ونلتُ سُؤلي وقضيت وَعْدي
ما عن لي ذكر زمان قد مضى
بظلها إلاّ وهاج وقدي
أصبو من الهند إلى نجد هوى
وأين نجد من ديار الهند
والتقي كل رياح خطرت
أحسبها ليلاً نسيم نجد
آه من البين المشت والنوى
كم قرحا من كبد وخد
فهل ترى ينتظم الشمل الذي
قد نثرته البين نثر العقد
وهل لأيام الصبا من رجعة
أم هل لأيام النوى من بعد
أنوح ما ناح الحمام غدوة
هيهات ما قصد الحمام قصدي
أبكي وتبكي لوعة وطربا
وما بكاء الهزل مثل الجد
ظنت حمامات اللوى عشية
في الحب أن عندها ما عندي
تلهو على غصونها ومهجتي
تصبو إلى تلك القدود الملد
شتان ما بين جو وفرح
وبين مخف سره ومبد
ما مشربي صاف وإن ساغ ولا
عيشي من بعد النوى برغد
سل ادمعي عما تجن أضلعي
فالقلب يخفي والدموع تبدي
وقال يمدح رسول الله (ص) ويخاطبه:
وقــــــــــــــــــــــد طـــــــــــــال البــــــــــــــــعاد وزاد شــــــــــــــــــــــــــــــــــوقـــــــــــــــــــــــــي
إليك وعاقني دهري واواني
فابدلني ببعد الدار قربا
وبوّئني بتلك الدار سكني
وكانت فرحته كبيرة وهو عائد إلى وطنه بعد غربة عنه دامت 47 سنة فأنشد قصيدة وصف فيها حاله في مكة بجوار البيت الحرام وفي المدينة بجوار النبي المصطفى (ص) فيقول:
اسفت على المرسى بشاطىء جدة
فجددت الأفراح لي طلعة البر
وهب نسيم القرب من نحو مكة
ولاح سنى البيت المحرم والحجر
وسارت ركابي لا تمل من السَرى
إلى موطن التقوى ومنتجع البر
إلى الكعبة البيت الحرام الذي علا
على كل عالٍ من بناءٍ ومن قصر
فطفت به سبعاً وقبلت ركنه
وأقبلت نحو الحجر آوي إلى حجر
وقد ساغ لي من ماء زمزم شربة
نقعت بها بعد الصدى غلة الصدر
هنالك الفيت المسرة والهنا
وفزت بما املت من سالف الدهر
وقمت بفرض الحج طوعاً لمن قضى
على الناس حج البيت مغتنم الأجر
وسرت إلى تلك المشاعر راجياً
من الله غفران المآثم والوزر
وجئت منى والقلب قد فاز بالمنى
وما راعني بالخيف خوف من النفر
وباكرت رميي للجمار وإنما
رميت بها قلب التباعد بالجمر
أقمنا ثلاثاً ليتها الدهر كله
إلى أن نفرنا من منى رابع العشر
فأبت إلى البيت العتيق مودعاً
له ناوياً عودي إليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصداً
إلى خير مقصود من البر والبحر
إلى السيد البر الذي فاض بره
فوافيت من بحر أسير إلى بر
إلى خيرة الله الذي شهد الورى
له أنّه المختار في عالم الذرِّ
فقبلت من مثواه أعتابه التي
أنافت على هام السماكين والنسر
وعفرت وجهي في ثراه لوجهه
وطاب لي التعفير إذ جئت عن عفر
فقلت لقلبي قد برئت من الجوى
وقلت لنفسي قد نجوت من العسر
وقلت لعيني شاهدي نور حضرة
أضاءت به الأنوار في عالم الأمر
أتدرين ما هذا المقام الذي سما
على قمم الأفلاك أم أنت لم تدري
مقام النبي المصطفى خير من وفى
محمد المحمود في منزل الذكر
رسول الهدى بحر الندى منبع الجدا
مبيد العدى مروي الصدى كاشف الضر
هو المجتبى المختار من آل هاشم
فيالك من فرع زكي ومن نجر
دُرَرُ السِّمْط في خبر السِّبط
في الآثار الأدبية الأندلسية الباقية كتاب «لطيف الحجم» بل هو رسالة صغيرة لابن الأبّار القضاعي البلنسي الأندلسي سماه: «درر السِّمط في خبر السّبط»)[140]( خصصه لفصول قصيرة متلاحقة تتابع من وراء أسلوب أدبي ممتع أطرافاً من السير النبوية مما يخص النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وزوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وابنته البتول فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسين (عليهم السلام).
وانفرد المؤلف بعد فصول بحديث أحد السبطين الكريمين فوقف عند أخبار من أخبار الحسين بن علي (عليه السلام) متباعاً الوقائع إلى ما بعد نكبة كربلاء بما فيها من أحداث جسام.
والكتاب، من حيث تقويمه وتبويبه كتاب نثر أدبي فني، لكنه يتمركز حول قضية تاريخية. ومن هنا جاء الكتاب متمزياً بمزايا هذين الطرفين: طرف التاريخ من جهة وطرف التعبير الأدبي المؤثر من جهة أخرى.
ولئن لم يكن الكتاب من حيث موضوعه وفكرته بِدْعاً في الآثار الأندلسية فإنه متميز من حيث طريقة عرضه، ومستقلّ بأسلوبه وصياغته، وخاص من حيث الشحنة العاطفية الغامرة التي غلبت على جوانبه وفصوله.
وهو يستحقّ وقفة لعرضه، والحديث عنه وعن مؤلفه، وأن نلمّح إلى آثار أندلسية مشابهة.
ابن الأبَّار
المؤلف هو أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن أبي بكر بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، البلنسي، الأندلسي، ولد في أحد الرّبيعين ـ كما قرّر هو في بعض كلامه ـ سنة 595هـ، في بلنسية، وتوفي صريعاً في المحرّم من سنة 658هـ بتونس.
و(القضاعي) نسبة إلى قُضاعة، فنسبه عربي صريح. وكثيراً ما تعدّ قضاعة في عرب الجنوب وللنسابة والمؤرخين كلامٌ في هذا.
والبلنسي نسبة إلى مدينة بلنسية إحدى مدن الأندلس المشهورة. كبرى مدن شرق الأندلس. وكان قومه يسكنون في أُندَة من نواحيها وكانت ولادة ابن الأبّار في بلنسية سنة 595هـ؛ ويبدو أن والده انتقل فسكنها فقيل فيه: «أصله من أُندة وسكن بلنسية وولد فيها».
ونشأ ابن الأبّار في بيت علم وديانة وصيانة، وتلقى عن أبيه كثيراً من وجوه العلم والمعرفة واستفاد من صلته بعدد من العلماء، ووصف أباه فقال فيه:
«كان (رحمه الله) ـ ولا أزكّيه ـ مقبلاً على ما يعنيه، شديد الانقباض، بعيداً عن التصنع، حريصاً على التخلص مقدماً في حملة القرآن، كثير التلاوة له والتهجّد به، صاحب ورد لا يكاد يهمله، ذاكراً للقراءات، مشاركاً في حفظ المسائل آخذاً فيما يُستحسن من الأدب، مُعَدّلاً عن الحكام، وكان القاضي أبو الحسن بن واجب يستخلفه على الصلاة بمسجد السيدة من داخل بلنسية» وزاد بعد ذلك «قرأت عليه القرآن بقراءة نافع مراراً، وسمعت عنه أخباراً وأشعاراً، واستظهرت عليه مراراً أيام أخذي على الشيوخ؛ يمتحن بذلك حفظي، وناولني جميع كتبه، وشاركته في أكثر من روى عنه…».
وتتلمذ على عدد من الشيوخ، ولكنه أفاد علماً جماً ورواية واسعة من أحد علماء الأندلس الكبار، وهو أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي (565 ـ 624هـ) وكان عالماً مؤلفاً راوية متبحّراً في التصنيف والتأليف صادعاً بالحق مجاهراً به، من المجاهدين بالكلمة وبالسيف معاً. وقد سقط شهيداً في حرب العدو في معركة أنيشة سنة 624هـ وهي بلدة قريبة من مدينة بلنسية.
ووصفه ابن الأبار فقال فيه:
«كان إماماً في صناعة الحديث، بصيراً به، حافظاً حافلاً، عارفاً بالجرح والتعديل… مع الاستبحار في الأدب والاشتهار في البلاغة، فَرْداً في إنشاء الرسائل، مجيداً في النظم… إلخ».
ومن مؤلفات شيخه كتاب (الاكتفاء) في السيرة النبوية وأخبار الفتوحات أيام الخلفاء الثلاثة من بعده.
ولا شك في أن ابن الأبار استفاد من أستاذه أموراً شتى، في الحديث، والتاريخ والرواية، وفي جوانب أدبية من شعرية ونثرية. وفي ثبت أسماء شيوخه عدد جمّ من العلماء بالحديث والتاريخ والفقه والحديث والأخبار والآداب…
ونستطيع ـ من خلال ما بقي من آثار ابن الأبار، وأخباره ـ أن نقول إنه نضج في معرفة العلوم الشرعية واللُّغوية وفي التواريخ والرواية وفنون المعارف العامة الأخرى، وصار مهيأ من وقت مبكر من حياته ـ ليمارس الأعمال المناسبة: من القضاء والكتابة السلطانية، والسفارة، وغير ذلك من مهمات الأمور.
ونعرف من تاريخ حياته أن أباه توفي ابن ثمان وأربعين سنة وذلك سنة 619هـ، والشاعر حينها ابن أربع وعشرين سنة، توفي أبوه ببلنسية وكان هو بثغر بَطَلْيوس (من غرب الأندلس).
وكان عليه أن يخوض غمار الحياة، فلم يكتف بطريق العلم، ولم ينقطع له، ولكنه ـ كما عبّر د. حسين مؤنس في مقدمة الحلّة السيراء ـ «انصرف وهو في مطلع شبابه إلى السياسة وطلب الوظائف والجاه في ظروف ضيّقة عسيرة على الحاكمين والمحكومين معاً، فأصابه من ذلك بلاء شديد».
الأندلس في زمانه
كانت الأندلس في مدة حياة ابن الأبار (أواخر القرن السادس إلى أواسط السابع) في ظل دولة الموحّدين. والموحدون دولة نشأت في الغرب، وامتدّ نفوذها إلى الأندلس الإسلامية كلها تقريباً، فقد ورثت دولة المرابطين التي جمعت القطرين الكبيرين (المغرب العربي كله مع أطراف من إفريقيا الغربية بالإضافة إلى الأندلس).
وشهد ابن الأبّار حين أدرك واختلط شاباً ـ بأمور الحياة، ضعف دولة الموحدين، وانقسامهم وتكالب بعضهم دون بعض على السلطة وعلى التسمي بالخلافة. وكتب لبعض أمرائهم الولاة ولبعض من خلفهم على حكم المنطقة الشرقية من الأندلس، وشهد ابن الأبار في حياته ـ التي كانت سلسلة متلاحقة من مواجهة المخاطر ـ انهيار الأندلس الكبرى، وضياع أجزائها الرئيسية من البلدان والأراضي، وشهد سقوط السيادة العربية الإسلامية عن أراضي عزيزة غالية!
وكانت دولة الموحدين قد بدأت بالانحدار منذ وقعة العقاب (سنة 609) التي محّص الله تعالى فيها المسلمين، وأصيبوا بهزيمة منكرة كانت النذير الذي يسبق الاجتياح العاتي.
وكان شرق الأندلس تحت نظر عدد من أمراء الموحّدين. ففي سنة 607هـ أقام محمد الناصر (حكم 595 ـ 611هـ) أبا عبدالله بن أبي حفص عمر بن عبدالمؤمن والياً على بلنسية. وكان لأبي عبدالله هذا ولدان ترشحا للخدمة الإمارية: أبو زيد عبدالرحمن، وأخوه عبدالله المعروف بالبيّاسي.
وقد بدأ ابن الأبار كاتباً لأبي عبدالله بن أبي حفص. كتب بعد ذلك لابنه أبي زيد. وكان أبو زيد متهاوناً في الجهاد، معادياً للعدو. وخرج إلى ملك أراغون يطلب منه العون ثم استقر عنده خانعاً ذليلاً. فتركه ابن الأبار، واستقر مدة عند صديقه حاكم شاطبة أبي الحسين الخزرجي، وتولى قضاء دانية مدة ثم استدعاه أبو جميل فكتب له.
وكانت بلنسية قد صارت إلى أبي جميل زيان من أسرة مردَنيش الأندلسية. وكتب ابن الآبار عنه وخدم دولته ووزارته.
وبنو مردنيش كانوا من القادة الذين تصدوا للأمور العامة في الأندلس بعد انهيار الموحدين وشاركهم في ذلك بنو هود وبنو نصر المعروفون ببني الأحمر.
ولم تستطع هذه القيادات الصغيرة ـ كثيراً ما كانت تتناحر ـ أن تقف للحرب الصليبية الغربية على الأندلس التي فقدت الكبير والرأس المدبر والكلمة الموحدة.
وتعرضت (بلنسية) لضغط شديد من ملك أراغون.
وفي سنة 636هـ أرسل أبو جميل حاكم بلنسية كاتبه ـ ووزيره ـ ابن الأبار إلى تونس الحفصيّة (والحفصيون فرع مستقل من الموحّدين) يطلب العون لإنقاذ الأندلس ويعترف للسلطان الحفصي بالطاعة، وأنشد ابن الأبار مخاطباً أبا زكريا يحيى الحفصي، قصيدته الرنانة المؤثرة:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى منجاتها درساً
ولما جاءت الحملة البحرية من تونس كانت بلنسية تحت ظل الحصار الكامل براً وبحراً فنزلوا في (دانية) وتركوا المدينة المسكينة لمصيرها المحتوم!
وانتقل ابن الأبار بأهله وولده إلى تونس، بعد أن يئس من استمراره في وطنه الأصلي الذي رآه يضيع شبراً شبراً!
ابن الأبّار في تونس
خرج ابن الأبار من الأندلس فنزل في بجاية من القطر التونسي ثم استدعاه الخليفة الحفصي أبو زكريا يحيى فكتب له الرسائل (الإنشاء) والعلامة.. ثم فوّض الأمير كتابة العلامة إلى كاتب آخر مما أثار حفيظة ابن الأبار فقال كلاماً مغضباً نقل إليه فكف يده عن العمل. وتوسّل الكاتب الشاعر بأبي عبدالله محمد بن الخليفة ليسترضي أباه، وقال في ذلك الشعر، وألّف كتابه (إعتاب الكتاب)، فرجع إلى مكانه.
وفي سنة 646هـ يصير الأمر في تونس إلى أبي عبدالله محمد المستنصر (بعد وفاة ولي العهد أبو يحيى ووفاة أبيه زكريا حزناً عليه). ويكتب ابن الأبار له. ولكنه سرعان ما يصطدم بالكتّاب الآخرين، وعدد من موظفي القصر الحاسدين. فتحدث جفوة جديدة فيُنفى إلى (بجَّايه) ويقيم فيها مدّة. ثم يعود بعد استرضاء آخر، ولكنه لا يسلم من غضبة سلطانية أخرى، ويقتل قتلة قاسية سنة 658هـ.
وعلى رغم إحراق كثير من كتب ابن الأبار مع شِلْوه، فقد بقي للمكتبة العربية تراثٌ زاخر من مؤلفاته بالفوائد، وخصوصاً في مجال تراجم الرجال الأندلسيين وأخبارهم.
وكانت مدة إقامته الطويلة ببجاية فرصة لإظهار عدد من مؤلفاته المهمّة.
(درر السمط) بين مؤلفاته: وصل إلينا من كتبه الكثيرة ثمانية كتب هي:
1 ـ إعتابُ الكُتّاب، حقّقه د. صالح الأشتر، ونشره في دمشق (مجمع اللغة العربية 1380هـ 1961م).
2 ـ الحلة السيراء في أشعار الأمراء نشرت قطع منه، ثم نشره كاملاً د. حسين مؤنس بعنوان (الحلة السيراء)، في جزءين في القاهرة 1963م.
3 ـ التكملة لكتاب الصّلة، نُشر على يد بعض المستشرقين، وطبع طبعة ناقصة في مصر. (الأوروبية في ثلاثة أجزاء)، (والمصرية في جزءين).
4 ـ تحفة القادم، وبقي منه مختصر أو منتقى هو: المقتضب من كتاب تحفة القادم من اختيار أبي البركات بن الحاج البلفيقي، نشر مرّتين، الثانية في القاهرة سنة 1957م.
5 ـ معجم أصحاب أبي علي الصدفي. نشره أولاً كوديرا نشرة استشراقية ثم طبع في القاهرة، نقلاً عن هذه الطبعة بزيادة في أخطائها.
6 ـ رسالة (مظاهرة المسْفى الجميل، ومحاذرة المرعى الوبيل في معارضة (ملقى السبيل) نشرها د. صلاح الدين المنجد في (رسائل ونصوص).
7 ـ ديوان شعر. نشره د. عبدالسلام هرّاس في الدار التونسية للنشر سنة 1985م.
8 ـ درر السمط في خبر السِّبط، الذي نعرف به.
وقد سردت كتب التراجم لابن الأبار أكثر من أربعين كتاباً ورسالة وفي جملتها كتاب (معدن اللجين في مراثي الحسين) وهو كتاب مفقود وقد قال فيه الغبريني في عنوان الدّراية:
«لو لم يكن له من التآليف إلا هذا الكتاب لكفاه في ارتفاع درجته وعلوّ منصبه وسموّ رتبته».
ويتوزع كتبه الاهتمام بالحديث والتاريخ والأدب والتراجم، والفقه. وقد ألَّف ابن الأبار في تراجم الأندلسيين وأخبار بلادهم كتباً مهمة ضاع كثير منها، وبقي القليل وهو نافعٌ جداً.
كتاب درر السمط
لم يكن ابن الأبار بين الأندلسيين والمغاربة أول من التفت إلى المديح النبويّ، وتذكار ما أصاب الحسين بن علي (عليه السلام) فقد سبقه عدد غير قليل من الأدباء والشعراء نذكر منهم الكاتب الفقيه أبا عبدالله محمد بن مسعود بن أبي الخصال الغافقي المتوفى سنة 540هـ وأبا بحر صفوان بن إدريس التجيبي (561هـ 598هـ) وغيرهما كثير.
ونذكر هنا أن ابن الأبار روى كتاب (مناقب السَّبطين) لأبي عبدالله محمد التجيبي (540 ـ 610هـ) وأجيز فيه (من المؤلف) وهو ابن ثلاثة عشرة عاماً.
والسلسلة للمتتبع طويلة. ويتألف الكتاب على صغر حجمه من مقدمة، وواحد وأربعين فصْلاً.
والمقدمة قصيرة مهمتها أن تبدأ الكلام، وأن تسوقه دون إطالة إلى الفصل الأول الذي تتلوه الفصول الأخرى، دون مشقة.
وعنوان (الفصل) الذي يحجز فقرة عن أُخرى هو في الحقيقة إشعار بانتقال الكاتب عادة من جانب من جوانب الموضوع إلى طرف آخر جديد فكأنها حلقات متسلسلة متواصلة، تتنامى فيها الأحداث، ويغزر عطاء الأخبار، وعرض الأسماء، وتقويمها، حين تبلغ تلك الأحداث الذروة، ثم تكون خاتمة سريعة، فاصلة، مؤثرة.
وكانت فصول الكتاب، من خلال عرض الكاتب البليغ قادرة على تصوير الأحداث بعنفها وانفعالها، وبنهايتها الدرامية المأساوية. وكان تمكّن الكاتب ـ في الغالب ـ من ناحية اللغة هو الوسيلة التقنية لحسن عرض الفكرة المختصرة من جهة ولتذويب أثر التكلف (من سجع وجناس خاصّة) من جهة أخرى.
وهذه قطعة من المقدمة، نتعرف من خلالها على نمط من أسلوب المؤلف، وطريقته في التناول: متنبهين إلى ما في النص من الاقتباس والتضمين والإشارة إلخ، قال:
«رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، فروع النبوة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة صفوة آل أبي طالب، وسراة بني لؤي بن غالب الذين حيّاهم الروح الأمين، وحلاّهم الكتاب المبين. فقلْ في قوم شرعوا الدين القيّم، ومنعوا اليتيم أن يُقهر والأيم. ما قُد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة، ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة…» إلخ.
وتسترسل الفصول على هذا النمط من العبارة، ويستفيد الكاتب من ثقافته اللغوية والأدبية والتاريخية، ومن الثقافة العامة أيضاً ليوظف ذلك كله في فصوله، فيعطيها رصيداً ضخماً من الإشارات والإحالات، وليمزج النص النثري بألوان شعرية مختلفة. وقد استغل الأبيات الشعرية ذات الأغراض المتعددة المتباينة فوجّهها لتزيد النص ـ على ما قصد إليه ـ إثارة وإحكاماً.
قال في النص الثاني:
«يا لك من أنجم هداية، لا تصلح الشمس لهم داية. كفلتهم في حِجْرها النبوّة {ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}. سرعان ما يلي منهم الجديد وغري بهم الحديد. نسفت أجبلهم الشامخة، وشُدِخت غررهم الشارخة؛ فطارت بطررهم الأرواح؛ وراحت عن جسومهم الأرواح؛ بعد أن فعلوا الأفاعيل، وعيل صبر أقتالهم وصبرهم ما عيل!
يودّ أعداؤهم لو أنهم قتلوا
وأنهم صنعوا بعض الذي صَنعُوا
تذامروا والردى موجهُ يلتطم، وتوامروا والقنا يكسر بعضه بعضاً ويحتطم.
فإن يكونوا ما عرجوا في مراقي الملك فقد درجوا في مهاوي الهلك.
ونحن أناس لا توسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وعلى هذا فقد نجموا ونجبوا مع الحتوف الشداد والسيوف الحداد، والتمرُ أنمى على الجداد. ما أعجب كلمة أبيهم ظهر صدقها فيهم: «بقية السيف أنمى عدداً وأنجب ولداً»، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً}.
رضوا في ذاته رضا، فمشوا إلى الموت ركضاً «إنا والله لا نموت حبجاً كما يموت بنو مروان».
تسيل على حدّ الظباة نفوسنا
وليست على غير الظباة تسيلُ
(انتهى الفصل)
ملاحظات في النص المختار
1 ـ الداية: الظئر، القائمة على التربية والتدبير. والعبارة تنظر إلى قول ابن زيدون:
كانت له الشمس ظئراً في أكلّته
بل ما تجلى لها إلا أحايينا
2 ـ استشهاد بالآية الكريمة 34 من سورة آل عمران.
3 ـ غري: لصق، وغري بالشيء: أولع به ولزمه. والكاتب يشير إلى مقاتل الطالبيين، ويكني عنها.
4 ـ شدخت غررهم أي هشمت وكسرت وكنى بالغُرر عن الرؤوس، وأحسن الكناية. والشادخة: اسم فاعل من شَدخت الغرّة (بالبناء للمعلوم هنا) أي اتّسعت في الوجه وسالت سُفلاً أو ملأت الجبهة ولم تبلغ العينين.
5 ـ طارت بغررهم الأرواح: جمع ريح.
6 ـ والأرواح الثانية جمع رُوح.
7 ـ أقتالهم: أندادهم في القتال (وغيره) وأكفائهم.
8 ـ البيت من قصيدة لأبي تمام (4 :89) في رثاء بني حميد بن قَحْطبة.
9 ـ تذامروا: تحاضوا على القتال، وتوامروا: من المؤامرة (المشاورة).
10 ـ البيت لأبي فراس الحمداني ومعرضه في قصيدته الفخر.
11 ـ نجم: ظهر. ونجب (من النجابة).
12 ـ جدّ التمر قطه وقطعه.
13 ـ يعني كلمة للإمام علي (عليه السلام) (العقد 1: 102) والكلمة من نهج البلاغة يريد أن السيف إذا أسرع في أهل البيت كثر عددهم ونما ولدهم.
14 ـ من الآية 169 من سورة آل عمران.
15 ـ يقال مات (البعير) حبجاً إذ أكل لحاء العرفج فسمن، وربما أكثر منه قتله (أي كثرة الأكل). والعبارة لعبد الله بن الزبير.
16 ـ البيت من قصيدة مشهورة لعبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي أحد شعراء مطلع العصر العباسي (وتنسب خطأ للسموأل).
وقد تكثر الإشارات وتخفي مآخذها التي استقى منها على القارىء، وتحوج الدارس إلى طول المدارسة والمراجعة.
وخلاصة القول:
إن ما كتبه ابن الأبار في (درر السمط في خبر السّبط) هو نثر فنيٌّ يعبر عن موضوع تاريخي، مزجه الكاتب بطاقة وجدانية عارمة، وأعدّ له قدّراً كبيراً من الإشارات ووجوه الاحتجاج. والاستشهاد، وعرض فيه براعته الفنّية عرْضاً معجباً، وإن أثقل النص باختياره الأسلوب الشائع في زمانه من القيود البديعية والتلميحات الواسعة والاتكاء على النصوص التراثية.
ـ والكتاب: ذو مقصد واحد واضح، أدّى التعبير عنه بنثر فني مزوّق منمق متقن.
ـ والعبارة منمقة، مسجوعة، تعتمد ـ بالإضافة إلى السَّجع ـ على ضروب من الجناس؛ وقد يخرج الكاتب في الفواصل (أواخر السجَّع) إلى لزوم ما لا يلزم، كقوله في الفصل الحادي عشر:
«إلى البتول سير بالشرف التالد، وسيق الفخرُ بالأم الكريمة والوالد. حلت في الجيل الجليل، وتحلت بالمجد الأثيل ثم تولت إلى الظل الظليل…».
ويتعانق الشعر والنثر في الفصول كلها. ومعظم الشعر من قصائد مشهورة قديمة، ليست أصلاً من الشعر الذي قيل في المناسبات التاريخية ولا هو من الشعر الذي قيل في النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الكرام، وإنما وظّفه الكاتب ليكون مجارياً للسياق، مناسباً للكلام، متداخلاً مع النثر ليعطي الإحساس المطلوب، ويساعد على ظهور المقصد، ويرتفع بالقارىء إلى درجة التأثر القصوى.
ـ والنص يحفل بالاقتباس، والاستشهاد بآيات القرآن الكريم، والتحلية بالأحاديث النبوية، والأخذ من أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم.
ـ والنص زاخر بالإشارات التاريخية والتلميحات إلى الخلفاء والقادة والأشخاص المعاصرين ذوي الشأن.
وأسلوب ابن الأبّار في هذا الكتاب أسلوب مقيد، مصنوع، قال فيه العبدري صاحب الرحلة إنه نحا فيه منحى ابن الجوزي.
قال في ص (271 ـ 272) في ترجمة الشيخ الفاضل أبي محمد بن هارون (من علماء تونس): «وقرأت عليه: درر السمط في خبر السّبط لأبي عبدالله القُضاعي، وحدّثني به سماعاً وقراءة، وهو جزءٌ وضعه في مقتل الحسين (عليه السلام) نحا فيه نحو طريقة أبي الفرج بن الجوزي» قال: «وكنت أتكلم معه في تعقب مواضع منه فيعجبه قولي فيها»… ولم يبيّن لنا تلك المواضع التي كان العبدري ينتقد ابن الأبار فيها، ولعلها في المواقف التاريخية خاصة.
ومعلوم أن بعض من ترجم لابن الأبّار أخذ عليه بعض شططه في طريقة تناول أحداث من التاريخ أو في طريقة عَرْضِها.
وللدارسين الباحثين من القُدامى والمحدثين كلامٌ في جوهر الكتاب وفي ألفاظ منه، وكلام آخر في الظروف التي أنشأ فيها الكاتب كتابه تستحق أن تكون جزءاً من دراسة واسعة أُخرى عن النثر الفني عصرَي المرابطين والموحدين.
وأزيد أمراً آخر هو أنني لاحظت أثر أبي عبدالله بن أبي الخصال، الغافقي الأندلسي أحد كتّاب العصر السابق لابن الأبار في كتاباته وفي درر السمط أيضاً، وكان ابن أبي الخصال يعرف بـ (رئيس كتّاب الأندلس) وكانوا يحفظون رسائله حفظاً ويستظهرونها زيادة في الإعجاب بها والتأثر، والنسج على منوالها.
الدكتور محمد رضوان الداية
دَرْعَة
مدينة وولاية خصبة في جنوب المغرب الأقصى وراء جبال الأطلس، وتقع شرقي إقليم السوس ويخترقها نهر طويل يعرف بوادي درعة، يصب في المحيط الأطلسي بالقرب من رأس نون. وكانت ولاية درعة في العصور الوسطى الإسلامية محطة تجارية مزدهرة ولا سيما في واردات السودان من الذهب والفضة، كما كانت مركزاً علمياً اشتهر بعلمائه وزواياه، وناهيك بالزاوية الناصرية ومكتبتها الشهيرة، وإليها ينسب أبو زيد نصر بن علي بن محمد الدرعي، والفقيه أبو الحسن الدرعي.
وسكان درعة خليط من العرب وبربر صنهاجة وتسمى بالبربرية تبومتين، وتليها في الأهمية مدينة ورزازات.
والجدير بالذكر أن هذا الإقليم هو الموطن الأصلي لدولة السعديين في المغرب)[141](.
الدعاء
للدعاء في حياة الإنسان معنى الانفتاح على الله، والإقبال عليه في إحساس عميق بالحاجة إليه على أساس الفقر الذاتي المتمثل في عمق كيانه والعبودية التي توحي بانسحاق وجوده أمامه، وذوبان إرادته أمام إرادته…
وهو ـ في الوقت نفسه ـ عبادة حيّة متحركة لا تخضع لتقاليد العبادة فيما هو الزمان المحدود، والمكان المعين، والكلمات الخاصة والأفعال المحددة.. بل يأخذ الإنسان حريته ـ معها ـ في الوقت الذي يختاره وفي الحالة التي يكون عليها، وفي المكان الذي يقف فيه وفي الكلمات التي يختارها، وفي اللغة التي يتحدث بها، وفي المضمون الذي يعبر عنه.. فيستطيع أن يدعو ربه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وسائراً وواقفاً.. في الصباح وفي المساء، وفي الظهيرة. في قضاياه الصغيرة والكبيرة، وفي أحاسيسه الذاتية، ومشاعره المتصلة بالآخرين.
وقد يتمثل فيه الأسلوب الحيّ النابض بحركة الروح في الذات وانطلاقة العقل في الحياة، للقاء بالله، من دون حواجز ووسائط ليخاطبه بعفوية الإنسان الذي يثير المشاعر في الكلمات… حتى لا يحس بالكلمات إلا من خلال حركة الشعور في التنفس وليتحدث إليه ببساطة الروح التي تعرج.. وتعرج إلى ربها حتى تلتقي به كما لو كان حاضراً في حالة الشهود.. ولتعترف أمامه بكل الأسرار التي تنقلها، وبكل الأحاسيس المثيرة أو المخجلة، أو الخطيرة فيما لا تستطيع أن تفضي به إلى غيره.. لأنه هو المطّلع عليها دون الناظرين، والعارف بخفاياها دون العالمين.. فلا فضيحة فيما يخشاه الإنسان عن الفضيحة.. لأنه هو الذي يعلم السّر وأخفى.. وهو خير الساترين.. الذي يستر على الإنسان قبل الاعتراف فيما يعمله من سرّه.. وهو الذي يستر عليه.. بعد الاعتراف فيما يثيره من أمره..
وفي ضوء ذلك كله يعيش الإنسان في حديثه الدائم مع الله الجوّ الروحي الحميم الذي يوحي بالمحبة.. ويؤكد العلاقة.. ويحوّل التواصل الدائم بالله إلى ما يشبه الصداقة الروحية في تفاعلها مع إرادته وفي حركتها مع وسائل محبته، وفي إقبالها على مواقع طاعته والبعد عن معصيته.. فتتأكد في ذاته مشاعر الحضور الإلهي في عمق وعيه في هيمنته على الوجود كله.. وفي إحاطته بالحياة كلها.. حتى لينظر إلى الكون من خلاله.. كما ينظر إليه من خلال تعبير الكون عن عظمته وبذلك يفقد كل شيء حجمه معه.. فلا يدعو الله للكون .. لا تسمح بوجود أي حجاب بينه وبين خلق.. حتى يحتاج بعض خلقه إلى أن يجعل بعض خلقه وسيطاً بينه وبينه… وذلك فيما يخاطب به عباده في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}.
{فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
وهو في حركة الأساليب المتنوعة في مضمون الدعاء الانفتاح على العقيدة الإلهية في مفرداتها… الذي يستحضر كل صفات الله في وعيه.. ليتحدث عنها بطريقة إيحائية تحرك تفاصيل العقيدة في الروح لتعمق إحساسها بالله فيما يلتقي فيه الفكر والشعور مما يحقق لها الوضوح في الرؤية التي تجعل كل تفاصيل الوجود مظهراً حياً من مظاهر إرادته وقدرته وعظمته.. وسيطرة وجوده حتى يجتمع إليه الغيب المطلق الذي يتمثل فيه السمو الإلهي عن انكشاف حقيقته لأحد، فيما هو الذات.. وفيما هي الرؤية.. وفيما هي الحقيقة.. والشهود الحي.. فيما هو الإحساس بالحضور حتى كأنه يراه.. في خفقة قلبه، ونبضة روحه.. وإحساس وجوده وحركة حياته.. وفي عظمة الكون من حوله.. وهو بذلك يحمل الأسلوب العلمي الإيحائي، في تنمية الإيمان وزيادته وتطويره.. فلا مجال لأيّ اهتزاز أو قلقٍ أو حيرة معه، لأن الإنسان يجد في مفردات العقيدة في صفات الله جواباً على كل سؤال.. وانطلاقاً مع أكثر من أفق..
وقد يجد الإنسان في حركة الدعاء في المضمون العقيدي.. الحديث عن الرسالة والرسول.. في مسؤوليته أمام الرسالة.. وفي فهمه لحركة الرسول وشخصيته.. وعلاقته الروحية به.. ودوره الرسالي في حياة الناس بعيداً عما هو الاستغراق في ذاته.. لتكون المسألة في تحريك التفاصيل الجزئية من حياته.. فيما هو الدور المتحرك الحيّ في تبليغه للرسالة.. وفي تجسيده لمعانيها.. وفي تنفيذه لتعاليمها وفي إخلاصه لله من خلال ذلك كله.. فلا تحس بذاته إلا من خلال رسالته.. لتكون الرسالة هي النافذة التي تطل على جوانب شخصيته.. وليس العكس.. فلا يدخل الإنسان في عبادة الشخصية فيما يخاطبه أو فيما يتصوره من حياته.. مما يحقق التوازن في التصور وفي العقيدة.. بعيداً عن كل الاستغراق الفلسفي والعرفاني الذي يثير المسألة فيما يشبه الغياب فيما ستقرؤك به الكلمات الضبابية والأسرار غير المفهومة.. وهذا ما نجده في كل مفردات الدعاء المنقولة في تراث أهل البيت من الدعاء فيما يتصل بالحديث عن النبي محمد (ص).
وقد يلاحظ الإنسان في الدعاء أن به أكثر من حديث عن اليوم الآخر في استحضار الموقف بين يدي الله عندما يقوم الناس لرب العالمين في شمول الحساب ودقته، لكل عمل قام به الإنسان في حياته وفي حديث الجنة في نعيمها الخالد المتنوع الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. فيما أعده الله للمؤمنين المتقين وفي حديث النار وفي عقابها المقيم، فيما أعده الله للكافرين المتمردين. وينطلق لهاث الإنسان من أجل أن يصل في الدنيا إلى النتائج الإيجابية الكبيرة في الآخرة على مستوى المصير.. ويتصاعد الدعاء بأساليب متنوعة من أجل التعبير الروحي عن تمنياته الإنسانية في الحصول على رضا الله.. وعن اعترافاته الخاشعة بالذنوب التي قام بها في حياته، في رغبةٍ مخلصةٍ للتوصل إلى مغفرة الله ورضوانه. مما يجعل من الدعاء وسيلة تعبوية روحية في شخصية الإنسان بطريقة الإيحاء الذاتي بالأفكار والمعاني والمشاعر والتطلعات التي يثيرها الدعاء من خلال التفاصيل الكثيرة في حياة الإنسان.
وإذا درسنا التراث الكبير مما ترك لنا أئمة أهل البيت من الدعاء ولا سيما ما روي عن الإمام زين العابدين في أدعيته في الصحيفة السجادية، وفي غيرها، فسنرى هناك ثروة كبيرة من النماذج التي تثير مفاهيم الحياة الفردية والاجتماعية على المستوى الأخلاقي في الخطوط التفصيلية للأخلاق، أو على المستوى الروحي في التطلعات الواسعة إلى انطلاق الروح في رحاب الله، أو على المضمون الإيجابي الفاعل في حركة الزمن في وعي الإنسان.. وفي موقف الإنسان من الزمن… أو على العلاقات الإنسانية التي تعالج الخصوصيات التي تحكم علاقة الإنسان بالناس من حوله… كما تحدد مشاعرها تجاه الشخصيات الرسالية في فكره وعمله.. أو على الآفاق الكونية التي يستغرق فيها الإنسان في ظواهر الإبداع في الكون حيث يحس الإنسان بالتفاعل مع الكون من حوله في وحدة الخالق الذي يشرف على الخلق كله ليتكامل على الجميع في حركة إرادته الإلهية الحكيمة التي تنظم الكون بحكمة بالغة تتولى توزيع الأدوار في إقامة النظام على أفراد الخلق فيما يملكه كل واحدٍ منهم من إمكانيات..
مما يجعل من الدعاء حركة في سبيل تمديد المفاهيم الإسلامية في هذه المجالات.. وفي سبيل التربية الإسلامية في أجواء الإسلام الفكرية والعملية في جولة روحية تستوعب كل مواقعه ومفاهيمه ومناهجه وأساليبه.
وقد يفرض علينا ذلك أن نلاحظ وجود تركةٍ من نماذج الدعاء المتنوعة التي تنسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وإلى الأنبياء السابقين.. كما نلاحظ وجود نماذج أخرى في كتب العلماء الذين ألّفوا الكثير منها بأسلوبهم الخاص، أو مما يروونه عن كتب أخرى لا تعرف هوية أصحابها.. بل يكشفون في الحديث عنها بوجودها في بعض الكتب العتيقة، أو القديمة.. ثم جاء جامعو الأدعية ليخلصوا بين ذلك كله.. ولينظموا أعمال الأيام والليالي والشهور فيما روي من ذلك كله..
ولم يكلف هؤلاء وغيرهم أنفسهم عناة في التدقيق في صحة نسبة هذه الأدعية إلى النبي محمد (ص). أو إلى الأنبياء من قبله (عليهم السلام) أو إلى الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، بل أطلقا نسبتها إليهم بطريق الرواية عنهم.. ما أدخل في وعي القارئين لها من المؤمنين، صحة النسبة.. وبذلك دخلت في تقاليد العبادة في حياة هؤلاء.. وتحوّلت في بعض المواقع إلى أسلوب مقدّس من أساليب التعبئة الجماهيرية فيما تريد أن تثير من مشاعر وأحاسيس وأفكار، أو تؤكد من حركة العقيدة في نفس المؤمن في تصوره لله. وللنبي.. وللأئمة.. وفي أسلوبه العملي في تربية هذه العلاقة. وفي اختزانه للمفاهيم العامة في مضامين هذه الأدعية..
وبذلك دخلت المسألة في دائرة الخطورة، فيما يمكن أن يدخل من خلالها من أفكار الانحراف.. أو أساليب الضلال، في وعي الأمة وحركتها في العقيدة والحياة.
وقد يعلّل هؤلاء المسألة، بأن الدعاء لا يمثل أساساً تشريعياً في مجال الاجتهاد الفقهي الذي يحدد مواقع الحلال والحرام، مما قد يفرض التدقيق في السند والمضمون لأن ذلك يعني سلامة التصور الفكري، والسلوك العملي، للإسلام في حياة الإنسان المسلم.. فيما يمثله الحلال والحرام من المضمون الداخلي للإسلام.. فلا أهمية للدعاء من ناحية علاقته بالتشريع.. بل كل ما هناك.. أنه يمثل أسلوباً من أساليب التعبئة الروحية في علاقة الإنسان بالله.. فيما يختزنه من مشاعر وأحاسيس تجاه ربه.. وفيما يثيره من أفكار واعترافات أمامه وفيما يتطلع إليه من تمنيات ومشاريع مستقبلية في حياته الفردية والجماعية في الدنيا والآخرة.. ولذلك فإن من الممكن أن يعبر عن ذلك بأي أسلوب.. وبأي نص.. حتى فيما يؤلفه لنفسه، تماماً، كما هي المشاعر الإنسانية الذاتية في علاقة الإنسان بالآخرين مما لا يحتاج إلى الدقة في النص الأدبي الذي يصورها ويثيرها في علاقات المحبّة الإنسانية.
ولكننا نلاحظ على ذلك.. أن الدعاء لا يمثل حالة شعورية في داخل الإنسان فيما يفكر فيه في حديثه مع الله.. وفي مناجاته له.. لتكون له الحرية في وسائل التعبير عنها.. وفي طبيعته المضمون الداخلي لها.. بل يمثل، إلى جانب ذلك، أسلوباً من أساليب إثارة المفاهيم الإسلامية في وعي الإنسان المؤمن.. وتحريك تفاصيلها العقيدية والأخلاقية والروحية والاجتماعية والسياسية في فكره وشعوره بالمستوى الذي يتحول فيه إلى أسلوب من أساليب الدعوة والتربية والتغيير في حركة الحياة من حوله فيأخذ نفس الدور الذي يأخذه النص القرآني، أو السنة النبوية أو الأحاديث الدينية الواردة من الأئمة فيما يتحدثون به عن وعيهم للرسالة الإسلامية.. لأنها تلتقي جميعاً في تحديد المفاهيم وتفصيلها وتحريكها في الوجدان الديني للإنسان.. مما يجعلها تتحول إلى نوع من الفتيا في قضايا العقيدة ومفاهيمها.. فيتطلب فيها الدقة في المصادر، تماماً كما يتطلب ذلك عند تحديد الرأي في الأبحاث العلمية الفكرية فيما تريد تأصيله من هذه المفاهيم لتصحيح نسبته إلى الإسلام..
وقد تكون المسألة في الدعاء أكثر خطورة من غيره، لأنه ينفذ إلى عمق الشعور الإنساني ليصعد إلى الفكر من خلال تأثيره على المنطقة الشعورية، بينما يحتاج الأسلوب العلمي إلى جهدٍ كبير حتى ينفذ إلى منطقة الإحساس والشعور.
وعلى ضوء ذلك.. فإننا ندعو إلى أن ينطلق البحث العلمي إلى أجواء الدعاء ليدرس السند الذي يربطه بالمصادر الإسلامية الأصلية المعصومة، ليكون ذلك أساساً لاعتباره سنداً إسلامياً للمفاهيم التي يتضمنها، وليدرس المضمون ليعرف انسجامه مع المفاهيم القطعية التي جاءه بها الكتاب والسنة المطهرة.. وليطرح الصحيح منه في ساحة التداول العملي للأمة في أجواء العبادة.. وليفسح المجال لما لم تصح نسبته إلى المصادر المعصومة إذا لم يكن فيه ما ينافي كلام الله والرسول..
وليمنع من التداول الجماهيري ما لم تثبت صحته في السند والمضمون، أو ما أشكل أمره فيما يمكن أن يسيء إلى التصور الإسلامي الأصيل.. لنحمي الإسلام والمسلمين من الانحراف من خلال الأجواء الروحية القدسية التي يثيرها الدعاء في الفكر والشعور.. فيدخل فيهما من دون وعي ولا شعور.
إننا نريد التأكيد على ذلك، كما نؤكد على دراسة الزيارات التي يزار بها النبي والأئمة والأولياء.. لأنها تحمل التصور التفصيلي للشخصية الإسلامية فيما يريد الإنسان المسلم أن يحمله في داخله من تفاصيلها وطبيعتها.. وموقعها من الله ودورها في حياة الإنسان.. مما يمكن أن يؤثر تأثيراً إيجابياً أو سلبياً في ثقافة الجماهير في الملامح العامة للشخصية الإسلامية التاريخية..
إنا نريد إثارة هذه الأفكار حول الأدعية والزيارات.. لأنها تمثل أسلوب الثقافة الشعبية الروحية العبادية.. التي تترك تأثيراتها على الحياة والواقع والإنسان.
وإننا ـ إذ نثير هذا الموضوع، فإننا نعتبره جزءاً من الدعوة إلى خطة علمية دراسية شاملة لتنقية التراث الإسلامي في كل نماذجه من الانحرافات الفكرية والروحية، على أساس القواعد العلمية في تنقية المصادر الإسلامية والاجتهادية. في العقيدة والتشريع.
دمشق
ـ 1 ـ
تقع دمشق في منخفض سلسلة جبال لبنان الداخلية. حيث تنبع مياه نهر بردى لتروي شبكة واحات لا يقل طولها عن ثلاثين كيلومتراً، مما مكّن هذه المدينة العريقة من لعب دور تاريخي منقطع النظير على مرّ العصور. ولا يقدرّ المرء أهمية هذا الموقع حتى يصل إلى إحدى النقاط المشرفة من على سفوح جبل قاسيون: فإذا نظر جنوباً وشرقاً وجد أن الصحراء الشاسعة تنحسر عند ضفاف بردى. وليس من قبيل الصدفة. والحال هذه، أن تكون دمشق قبلة قوافل المسافرين عبر الصحراء. وإذا نظر المرء من على قاسيون شمالاً وغرباً وجد جبال لبنان الداخلية الشاهقة التي تنتهي بجبل الشيخ (2814 متراً) والذي غالباً ما تغطي قمته الثلوج.
ورد ذكر مدينة دمشق للمرة الأولى في ألواح (ماري) الطينية. في حدود عام 2500 قبل الميلاد. ثم في وثائق (أيبلا). وتوطّن فيها العموريون في أوائل الألف الثانية قبل الميلاد. ثم سيطر عليها الفراعنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، إذ تأتي وثائق تل العمارنة على ذكرها أيضاً. وأقام فيها الآراميون إمارتهم المسماة آرام ـ دمشق عام 1200 قبل الميلاد والتي تصدّت لممالك إسرائيل ويهوذا المذكورة في التوراة. وفي عام 732 قبل الميلاد احتلها الآشوريون ثم البابليون عام 572 قبل الميلاد بإمرة نبوخذ نصر. بيد أن قورش ملك الفرس اجتاح بلاد الشام برمتها عام 539 قبل الميلاد في معرض مواجهته مع الإغريق.
واحتل الإسكندر المقدوني دمشق عام 332 قبل الميلاد وأرسى لها بعض الأسس التخطيطية. إلا أن الصراع الدائم بين السلوقيين والبطالمة أدّى إلى انحسار الهيمنة الإغريقية في القرن الأول للميلاد وأفضى إلى غزو الأنباط لهذه المدينة. وقد شيّدوا حيّاً جديداً إلى الشرق منها غير أن الرومان سارعوا إلى بسط حكمهم الذي امتد زهاء سبعة قرون على بلاد الشام ابتداءً من عام 64 قبل الميلاد. وقاموا بتطوير التخطيط الميداني للمدينة ـ الذي ورثوه عن الإغريق ـ وبتسويرها وبناء سبع أو ثماني بوابات ومد قنوات جرّ المياه من نهر بردى إلى البيوت والحمامات العامة. وفي القرن الرابع الميلادي أعاد الرومان بناء معبدهم الوثني الذي أصبح كاتدرائية النبي يحيى بعد تنصر الأمبراطورية الرومانية. والتي تحولت على يد المسلمين فيما بعد إلى المسجد الأموي.
دخلت مدينة دمشق مرحلة تاريخية زاهية عندما فتحها المسلمون عام 14هـ/635م بعد أن تغلّبوا على البيزنطيين في معركة اليرموك ناهين بذلك ألف عام من النفوذ الغربي. وبلغت دمشق أوج ازدهارها عام 661م. ويشهد على ذلك المسجد الأموي، إحدى روائع فن العمارة الإسلامية. وعمائر إسلامية أخرى.
وأشار العديد من رحّالة العصر إلى أن مساحة دمشق بعد ذلك كانت أوسع بكثير من مساحة باريس وفلورنسا. وأصبحت دمشق قبلة الفقهاء والفلاسفة والشعراء المسلمين من كل حدب وصوب. مما ساهم في تعدّد المدارس الإسلامية وتنوعها.
غير أن دمشق تعرّضت إلى موجات متتالية مدمرة حتى ظهور حكم المماليك الذين جعلوا منها عاصمتهم الثانية بعد القاهرة. حيث قاموا ببناء وترميم أكثر من أربعين عمارة إسلامية. ووسّعوها خارج نطاق السور الروماني القديم.
وضمّ العثمانيون سورية عام 1516م إلى ملكهم واعتنوا بدمشق بوصفها إحدى آخر المحطات للتزود بالماء والطعام في خط سير قوافل الحجاج القادمين من اسطنبول. وهي رحلة تستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أسابيع. وقام الولاة بتحسين البنية التحتية لدمشق. كما ارتبط الاهتمام المتزايد بالحج بتوسيع منطقة الميدان إلى الجنوب منها.
واستقلّت سورية عام 1946م حين كان تعداد سكان دمشق ثلاثمائة ألف نسمة. لكنها شهدت انفجاراً سكّانياً هائلاً منذ ذلك الوقت. إذ يربو تعداد سكانها اليوم عن ثلاثة ملايين نسمة. وتمّ استيعاب هذه الأعداد الضخمة بتوسيع المدينة من دون المساس بأبنيتها التاريخية.
ودمشق القديمة هي الواقعة ضمن السور، ويتميز النسيج العمراني للمدينة القديمة بكثافة البيوت وتلاصقها. وهي على الطراز العربي الإسلامي المتمثل بالساحات الوسطية المكشوفة التي تزينها الخضرة وبرك المياه. أما الأزقّة المؤدية لهذه البيوت فهي ضيقة في الغالب بحيث تتلامس الطوابق العليا للبيوت فيما بينها.
تنتشر في أرجاء المدينة القديمة. بالإضافة إلى بيوتاتها وأزقتها الجميلة، معالم تاريخية عريقة أبرزها الجامع الأموي وقلعة دمشق وسوق الحميدية وسوق مدحت باشا وسوق البزورية وبعض الأسواق الأخرى وقصر العظم والحمامات العامة كحمّام نور الدين والمدارس الدينية والمراقد الصغيرة والأضرحة والمقامات.
وتضم مدينة دمشق بقسميها القديم والجديد وضواحيها العديد من الجوامع والأضرحة والمقامات يعود تاريخها إلى عهود إسلامية مختلفة. أشهرها الجامع الأموي.
وتعتبر المدارس الدينية من معالم الحضارة الإسلامية في دمشق. ويعود تاريخها إلى عهود إسلامية مختلفة. ومن أشهرها المدرسة النورية الكبرى. والمدرسة الظاهرية الكبرى. والمدرسة الجقمقية، والمدرسة الرشيدية، والمدرسة السباهية، والمدرسة القليجية.
أما الصروح الثقافية والعلمية فأشهرها جامعة دمشق. ومكتبة الأسد الوطنية، والمكتبة الظاهرية إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي.
سوق الحميدية، دمشق
وتضم دمشق، خصوصاً القسم القديم منها، العديد من القصور والبيوت التراثية، التي تعد من روائع المباني الإسلامية في سوريا. ومن أشهرها: قصر العظم الواقع إلى الجنوب مباشرةً من الجامع الأموي (يشغل مبنى هذا القصر حالياً متحف للفنون والتقاليد الشعبية). وبيت خالد العظم، وبيت السباعي، وبيت جبري، وبيت نظام، وقصر النعسان.
وتشتهر هذه القصور والبيوت بساحاتها الداخلية الجميلة التي تزينها الأشجار المثمرة والزهور وبرك المياه البديعة. وتحيط بها صفوف من الغرف الكبيرة والصغيرة الموزعة على طابقين. وغالباً ما تكون شبابيكها وجدرانها مزينة بزخارف بديعة.
تقع في بداية سوق الحميدية عند الزاوية الشمالية الغربية من سور دمشق القديمة، ويعود بناؤها إلى العهد الأيوبي عام 1068م. وفي عام 1202م تهدمت ثم أعيد بناؤها.
أهم ما يميز قلعة دمشق أنها تقع على أرض منبسطة بخلاف القلاع التي عادة ما تبنى على مناطق مرتفعة. وكانت في حينها بمثابة مدينة صغيرة بحد ذاتها. إذ كانت تضم مكاتب إدارية وأسواقاً وحمامات ومسجداً وبيت المال والسجن.
وسوق الحميدية الذي يستمد اسمه من السلطان العثماني عبد الحميد. يُعدّ من أشهر الأسواق الشاملة وأهمها في مدينة دمشق. حيث يزدحم بالمشترين على مدار السنة. يمتد من قلعة دمشق وينتهي عند قوس النصر مقابل الباب الغربي للجامع الأموي ويبلغ طوله حوالي 600 متر، أما عرضه فيبلغ حوالي 15 متراً. وارتفاع سقفه المعدني المقوس حوالي 10 أمتار وتصطف على جانبيه مئات المحلات التجارية.
ويتفرع من سوق الحميدية العديد من الأسواق الفرعية بعضها يمتد جنوباً ويتصل بسوق مدحت باشا الشهير أيضاً. كسوق الحرير، وسوق الأروام، والبعض الآخر يمتد شمالاً، كسوق نصري، وسوق العصرونية الخاص باللوازم المنزلية. وسوق المسكية لبيع الكتب، وسوق البورص، وسوق مردم بك، وسوق الجرابات، وسوق باب البريد. وسوق الصاغة، وسوق القباقبية، وسوق الأقمشة والنسيج.
أما سوق البزورية الّذي تباع فيه التوابل والأعشاب الطبية والبزورات (المكسرات) فيعتبر من الأسواق الشهيرة أيضاً وهو الذي يصل سوق مدحت باشا بالجامع الأموي. وفي منتصفه تقريباً يقع خان أسعد باشا الذي يعتبر من أجمل الخانات في سورية.
ومن الأسواق الأخرى القديمة المعروفة في دمشق: سوق باب سريجة، وسوق باب الجابية، وسوق باب مصلى، وسوق باب توما، وسوق الجمعة وسوق العتيق، وسوق الدرويشية، وسوق النحاسين، وسوق الحدادين. يضاف إلى هذه الأسواق القديمة أسواق حديثة مشهورة أيضاً تنتشر في شوارع دمشق. مثل: سوق الصالحية، وسوق شارع الحمراء، وسوق شارع العابد، وسوق الصاغة في المرجة، وسوق الخجا في شارع الثورة وغيرها.
سوق دمشقية
وتنتشر في أحياء مدينة دمشق، خصوصاً القديمة، العديد من الحمامات الشعبية العريقة التي ما زال بعض أهالي المدينة يرتادها. ومن أكثرها شهرة حمام نور الدين الواقع في سوق البزورية. وحمام الورد في سوق ساروجه. وحمام الملك الظاهر قرب المكتبة الظاهرية. وحمام الرفاعي في حي الميدان، وحمام التيروزي في باب سريجة، وحمام الخانجي قرب سوق الهال القديم، وحمام السلسلة قرب متحف الخط العربي.
وتضم دمشق العديد من المتاحف المتخصصة من أهمها: المتحف الوطني ويقع غربي التكية السليمانية، والمتحف الحربي ويقع مقابل المتحف الوطني من جهة الشرق، والمتحف التاريخي في شارع سوق ساروجة، ومتحف الطب والعلوم عند العرب ويشغل مبنى البيمارستان النوري الكائن جنوبي وسط سوق الحميدية، ومتحف التقاليد العشبية ويشغل مبنى قصر العظم، والمتحف الزراعي ويقع في شارع الحلبوني، ومتحف الخط العربي ويشغل مبنى المدرسة الجقمقية المملوكية، ومتحف المالكي ويقع في ساحة المالكي، وأخيراً التكية السليمانية وتضم الجامع والمدرسة والمتحف الحربي وسوق المصنوعات اليدوية.
بالإضافة إلى المعالم التاريخية، فإن المدينة والمناطق المحيطة بها تضم العديد من المواقع الجميلة. التي تُعدّ أماكن للاصطياف والاستجمام للسوريين والعرب. ومن أشهر هذه المناطق: الزبداني، وبلودان، ومضايا، وبقين، وتمتاز باعتدال مناخها صيفاً ونقاء هوائها، ووفرة نباتاتها وطيب فاكهتها وعذوبة مياهها التي تنبع من عشرات الينابيع.
ومن المواقع السياحية الجميلة الأخرى في ضواحي دمشق: عين الخضراء، وعين الفيجة، ومنطقة الربوة. أما منطقة الغوطة فتعد من المناطق الرائعة ببساتينها وأشجارها المثمرة وغيرها من الأشجار الباسقة بجمالها وظلها.
ومن المناطق الرائعة في دمشق سفح جبل قاسيون المطل على المدينة ويؤدي إليه طريق اسفلتي. وعند أعلى الجبل تتراىء دمشق وبساتين الغوطة بأبهى صورها وجمالها.
د. رؤوف الأنصاري
دمشق
ـ 2 ـ
أقدم ما نعرفه عن تاريخ دمشق يوم كانت عاصمة دولة صغيرة للآراميين)[142](.
والآراميون شعب قديم من تلك الشعوب التي خرجت من الجزيرة العربية على موجات متلاحقة، باحثة عن المجال الحيوي في بادية الشام وأطراف الهلال الخصيب. ثم كانت تتسرب منها إلى السهول والوديان في سورية وبلاد الرافدين. ولقد تعارف العلماء على تسميتهم بالشعوب السامية.
كذلك كان شأن الشعب الآرامي في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد حين راح يؤسس دويلات انتظمت سورية الداخلية من الشمال إلى الجنوب، وكانت دولة دمشق أقوى هذه الدول وأشهرها)[143](.
وتظهر دمشق على مسرح الأحداث، في منطقة الشرق القديم، لأول مرة في التاريخ مع بداية العهد الآرامي، ثم تأخذ مكانتها فيه تزداد أهمية يوماً بعد يوم. وإذا كانت أخبار دمشق قبل العهد الآرامي ما تزال ضئيلة، فليس معنى ذلك أنها وجدت فجأة في هذا العهد)[144](، إذ لا بد أن تكون قد مرت كغيرها من المدن السورية بمرحلة طويلة من النمو والتطور، ولا بد أنها جذبت الإنسان الأول للإقامة على أرضها التي تتوفر فيها كل أسباب الحياة، من تربة خصبة ومياه غزيرة وإقليم معتدل وموقع ممتاز. فوجودها إذاً قبل العهد الآرامي كان حقيقة واقعة تؤيدها الوثائق الفرعونية التي عثر عليها في تل العمارنة. فلقد ورد اسمها كثيراً في هذه الوثائق في عدد المدن التي فتحها تحوتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والطريف في الأمر أن اسمها في هذه الوثائق ورد هكذا: «دمشقاً»)[145](، وهو اسم لا يختلف مع ما ورد في التوراة والوثائق الآشورية. غير أن الآراميين أطلقوا عليها اسم «دار ميسيق» التي تعني كما رأى بعض العلماء)[146](، الأرض المسقية، أو الدار المسقية، المعنى الذي يتفق مع الواقع أكثر من أي تفسير آخر من التفاسير الكثيرة التي اجتهد المؤرخون العرب ومَن قبلهم في استخراجها. ثم حور اليونان والرومان اسم دمشق إلى «داماسكس» بينما احتفظ العرب بالتسمية الأولى فأطلقوا عليها اسم «دمشق». ومن أهم ما نعرفه من أخبار دمشق الآرامية نزاعها وحروبها الدائمة مع مملكة إسرائيل، وكيف أنها أصبحت أكثر منها قوة وغلبة بعد عهد النبي داود وسليمان من بعده، حتى اضطر ملوك إسرائيل مراراً إلى دفع جزية من الذهب والفضة لإرضاء ملوك دمشق، وكانوا يتقيدون بما يشترطه هؤلاء عليهم من تخفيض لقواتهم العسكرية واستعداداهم الحربي. وكانت دمشق على علاقات صداقة مع الدول الآرامية في الشمال، وكانت في الغالب زعيمة الأحلاف التي ألّفتها هذه الدويلات للوقوف أمام الغزو الآشوري. ثم تشتبك دولة دمشق مع الآشوريين في معارك عديدة، وتسقط أخيراً بأيديهم، وتحتلها جيوش «تغلات فلازار الثالث» في عام 734ق.م. فتفقد دمشق بهذا الاحتلال استقلالها وتبقى خلال عدة قرون خاضعة للحكم الأجنبي.
وتنتقل في القرن السابع من أيدي الآشوريين إلى الكلدانيين، ثم يحتلها الفرس حوالي عام 538ق.م. ويتخذون منها عاصمة الولاية السورية ومقر القيادة العسكرية الفارسية. ويعتبر عام 333 ق.م. نقطة تحول في تاريخ دمشق كما سنرى.
دمشق في العهود
اليونانية ـ الرومانية ـ البيزنطية
بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن السابع بعده، مع وصول جيوش الإسكندر المقدوني إلى سورية، ينتهي الحكم الفارسي فيها، ويرتبط مصير دمشق بالغرب لفترة تدوم عشرة قرون، كانت فيها دمشق تابعة للسلوقيين، ثم للرومان، ثم للبيزنطيين. وتفقد دمشق أهميتها السياسية في هذه الحقبة الطويلة من الزمن فيتحول النشاط السياسي عنها إلى أنطاكية عاصمة الدولة الهلنستية السلوقية، ثم عاصمة مقاطعة المشرق في العهدين الروماني والبيزنطي.
وتميزت فترة الحكم الهلنستي من الناحية السياسية بالصراع الذي نشأ بين خلفاء الإسكندر إثر وفاته وتجزؤ أمبراطوريته الواسعة. وقد حرم هذا الصراع دمشق الاستقرار، وتناوبت عليها جيوش الاحتلال لتجعلها تابعة لأنطاكية السلوقيين تارة، ولإسكندرية الباطلسة تارة أخرى.وعني السلوقيون مع ذلك بدمشق واتخذوها لعدة سنوات من القرن الثالث قبل الميلاد عاصمة الدولة «سورية» التي تجاوزت حدودها وقتئذ بلاد الفرس.
ويحدث في عهدهم تمازج ثقافي وحضاري بين سكان دمشق ذوي الحضارة العريقة، وبين الجالية اليونانية التي حملت معها من الوطن الأم، الثقافة الهيلينية الخصبة، وسرعان ما انتشرت في دمشق لغة اليونان وفنونهم ومعتقداتهم.
وينتهي النفوذ اليوناني بدخول (پومپه Pompee)، القائد الروماني، دمشق فاتحاً عام أربعة وستين قبل الميلاد. وقبل هذا التاريخ كان الأنباط ـ كقوة وطنية جديدة ـ قد ظهروا على مسرح الأحداث في المنطقة وأزعجوا السلوقيين، كما سيزعجون الرومان أيضاً وقد تمكّنوا من إقامة دولة عربية في الأردن وحوران واتخذوا «البتراء» عاصمة لهم، ونجحوا في مد سلطانهم إلى دمشق وضمها إلى دولتهم مرتين، الأولى في عام خمسة وثمانين ق.م. في عهد ملكهم الحارث الثالث، والثانية في عام سبعة وثلاثين بعد الميلاد، في أيام الحارث الرابع.
وتفيد دمشق من تبعيتها للأمبراطورية الرومانية ومن السلام والاستقرار الذين توفرا في عهدها، فتنشط حركة التجارة التي كانت تصرِّفها دمشق بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها في طريق القوافل، وامتداد رقعة الأمبراطورية الرومانية. وينعكس أثر الازدهار الاقتصادي على تطور المدينة العمراني، فتشيد من جديد، وتقام فيها المباني الفخمة، وتغدو في عهد الأمبراطور «ديو كلسيان» مركزاً عسكرياً لجيوش الأمبراطورية له أهميته في النزاع مع دولة الفرس. رفع الأباطرة الرومان من مكانتها، فأصبحت في عهد «هادريان» من أمهات المدن، وحصلت على لقب «ميتروبول» أي مدينة رئيسية، ثم على لقب (مستعمرة رومانية) أيام الأمبراطور «سيبنيم سيفير» المنحدر من أصل سوري، الأمر الذي أكسبها بعض الامتيازات. ولم يكن موقف دمشق سلبياً في العهد الروماني بل أسهم سكانها في الحياة الرومانية في شتى الميادين الحضارية، فكان منهم مهندسون عرف التاريخ منهم واحداً يدعى «أبو لودور الدمشقي»، الذي وصلت شهرته إلى روما في مطلع القرن الثاني، وقام ببناء بعض أوابدها الشهيرة مثل (فوروم تراجان) في روما، والجسر العظيم على نهر الدانوب.
وعند ظهور المسيحية نرى دمشق لا تقف بمعزل عن هذا الحدث التاريخي العام الذي انتشر صداه سريعاً، بل أصبح للدين الجديد فيها أتباع ومريدون يذودون عنه ويخلصون له. وقدَّمت دمشق في الفترة العصيبة من نشوء هذه الديانة شهداء وعرفت قديسين مشهورين كالنبي يحيى والقديسين حنانيا وبولس الذين تحفظ لهم دمشق ذكريات باقية إلى اليوم. ويقول «دوسو»)[147]( المستشرق الفرنسي الكبير إن اضطهاد المسيحيين لم يكن على يد الوثنيين بل كان على يد اليهود الذين أحرقوا وقتئذٍ كنيستي النصارى في دمشق.
وفي أواخر القرن الرابع الميلادي تنقسم الأمبراطورية الرومانية، وتصبح دمشق مع سورية في عداد أملاك الدولة الشرقية، التي اتخذت القسطنطينية عاصمة لها، وأصبحت تعرف باسم الدولة البيزنطية.
ومن الطبيعي أن ترث هذه الدولة النزاع مع الفرس الساسانيين، الأمر الذي جعل من دمشق أحد المراكز العسكرية الهامة. وتكل الدول أمر الدفاع عن سورية إلى الغساسنة العرب القاطنين في دمشق وضواحيها وفي حوران والبادية. وتكون الحروب سجالاً، وينتصر الساسانيون أحياناً فيحتلون سورية. وفعلاً فقد دخلوا دمشق في عام 612م أيام «كسرى الثاني» فبقيت بأيديهم خمسة عشر عاماً. ثم ينتصر عليهم «هرقل» ويخرجهم منها في عام 627م.
(من 661 إلى 750 للميلاد)
وبعد سنوات قلائل أي في عام 635م (14 للهجرة) ترى دمشق نفسها محاصرة من جديد، ولكنها في هذه المرة أمام كتائب عربية تحمل الدين الجديد الذي ظهر في الحجاز، وقد وصلت تقرع أبواب دمشق معلنة الحدث التاريخي العظيم، فاحتل أبو عبيدة نصفها الغربي صلحاً واحتل خالد نصفها الشرقي عنوة.
دمشق
ـ 3 ـ
عاصمة الجمهورية العربية السورية تعلو 2230 قدم أو نحو 691 متراً عن سطح البحر المتوسط وتبعد عنه نحو 100 كيلومتر. وأطلق عليها اسم جلق قال حسان بن ثابت:
للَّه در عصابة نادمتهم
يوماً بجلق في الزمان الأول
وقالوا إن إرم ذات العماد التي وردت في القرآن هي دمشق، وبعض المفسرين يذهبون إلى ذلك وإياها عنى البحتري بقوله:
إليك رحلن العيس من أرض بابل
يجوز بها سمت الدبور ويهتدي
فكم جزعت من وهد بعد وهدة
وكم قطعت من فدفد بعد فدفد
طلبتك من أم العراق نوازعاً
بنا وقصور الشام منك بمرصد
إلى أرم ذات العماد وإنها
لموضع قصدي موجفاً وتعمدي
وسماها بعضهم بجيرون.
دمشق بكسر الدال وفتح الميم وإسكان الشين، وقالوا: إن دمشق لفظة آرامية مماثلة (مشق) تتقدمها دال النسبة. وقد وردت في اللغة الهيروغليفية على هذا النحو تقريباً ومعناها الأرض المزهرة أو الحديقة الغنّاء. وأطلق الآراميون عليها اسم (درمسوق) وأهل لغة التلمود (درمسقين).
قامت في نجد من الأرض. ومعدل ما تجود به سماؤها من المطر كل سنة نحو 350 ملليمتراً. وهي تقع في عرض 36,18 درجة من الطول و20 ,33 درجة من العرض. يطل عليها من الشمال جبل قاسيون وهو فرع من فروع جبل سنير الذي يطلق على بعضه اليوم اسم جبل قلمون ويشرف عليها من الجنوب الجبل الأسود، وجبل مانع، ومن الغرب جبل الشيخ المعروف بحرمون في التوراة وبجبل الثلج عند قدماء العرب. وغربها مفتوح وكذلك شرقها فهي سهلية جبلية، ومعتدلة الهواء تأخذ الفصول الأربعة فيها حكمها، وقد تنزل درجة الحرارة في الشتاء إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصفر وتصعد فيها أيام الصيف إلى نحو 37 درجة.
وكانت دمشق لقربها من جزيرة العرب والعراق والجزيرة ومصر مدينة تجارية تصل بين الشرق والغرب. وظلت عامرة على اختلاف العصور نحو أربعة آلاف سنة. فهي أقدم مدينة في العالم باقية على عمرانها.
استولى الآشوريون والبابليون والفرس والأرمن واليونان والرومان على هذه المدينة. ومنهم من كانت تطول أيامهم فيها كالرومان، حكموها سبعمائة سنة، واليونان حكموها 269 سنة. ومنهم من كانت لهم منزل قلعة كالأرمن، استولوا عليها ثماني عشرة سنة. وكان الدمشقيون هم الذين استدعوا صاحب أرمينية لما سئموا تنازع الرومان والفراعنة عليها. والغالب أن الفراعنة لم يستولوا على دمشق واكتفوا بالاستيلاء على ساحلها غير مرة. ووقعت في أيدي اسكندر المقدوني ثم في أيدي خلفائه السلوقيين، وفي أيامهم كانت دمشق هيلينية يونانية كما كانت في عصور كثيرة سريانية آرامية.
وسقطت دمشق في أيدي دولة النبطيين في سنة 85 قبل الميلاد، فتحها الحارث النبطي فكانت نبطية من سنة 38 إلى سنة 54 للمسيح. وظهر النفوذ العربي في دمشق في عهد مبكر جداً، وهل النبط إلا عرب بأصولهم؟ وإذ كانت هذه المدينة تحت سلطان أهل الوبر لم يجعل منها الرومان عاصمة ولايتهم بل جعلوا مدينة حمص قصبتهم. ولم تخضع دمشق خضوعاً تاماً لأمراء العرب الحاكمين في أرجائها، حتى ولا للغسانيين الذين كانوا عمالاً للروم يرابطون في الجنوب والشمال والشرق فتتقي دمشق بهم عادية الأعراب.
ولنا بذلك أن نقول إن اللغة العربية انتشرت في دمشق وأرجائها قبل الفتح الإسلامي بزمن طويل وسبق إلى نشرها الوثنيون من العرب ثم متنصرة العرب.
وتولى فتح دمشق كل من أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان حاصروها بعد وقعة اليرموك أعظم وقائع العرب في الشام، من الشرق والغرب، ففتح نصفها عنوة والنصف الآخر صلحاً فأجراها عمر بن الخطاب صلحاً كلها، وذلك سنة 14 من الهجرة، 636م.
وكان أول من اقتطع جزءاً عظيماً من جسم الخلافة العباسية أحمد بن طولون التركي. استولى على مصر نائباً عن أحد أمراء الأتراك في بغداد أولاً، ثم صفت له أصالة واستولى على الشام، وكان حكمه فيها وفي الثغور ضئيلاً، وسده إلى بعض العمال الذين ارتضاهم. ولما هلك ابن طولون، خلفه ابنه خمارويه في الشام ومصر. ولما انقرضت دولة الطولونيين سنة 292 وقضى العباسيون على القرامطة الذين جاؤوا دمشق. ظهرت الدولة الإخشيدية دولة محمد بن طغج، فصادر الإخشيد أغنياء دمشق، واستصفى أموالهم.
ثم سافر الإخشيد إلى دمشق فمات فيها سنة 334هـ. وفي السنة التي قبلها كان سيف الدولة بن حمدان استولى على حلب ودخل دمشق ودهش بغوطتها فصرَّح بأنه سيستولي عليها جملة. فكتب أهلها إلى المتغلب على مصر كافور الإخشيدي فبعث جيشاً أخرجه منها وضمها إلى مصر. وآذنت شمس الإخشيديين بالأفول سنة 357هـ. وجاءت دولة الفاطميين فاستولت على هذه المدينة سنة 359هـ وخطب على منبرها للمعز الفاطمي وانقطعت خطبة بني العباس.
وجاء أتسز من أمراء السلجوقيين واستولى على المدينة، وأعاد إليها الخطبة العباسية سنة 468هـ، وانقطعت أيام الفاطميين فيها. ثم جاءها رجل من مماليك السلجوقيين اسمه طغتكين. واستمر في حكمها من سنة 497 إلى سنة 522هـ. واستولوا على أنطاكية وعلى الساحل الشامي وبيت المقدس. وحاول الصليبيون الاستيلاء على دمشق، وقد وصلوا مرة إلى المرج الأخضر من ضواحي دمشق بقيادة كونراد الألماني ولويز السابع الفرنسي وبودوين الثالث ملك القدس في جيش عظيم فهزمهم المسلمون شر هزيمة ودفعوهم إلى الساحل ثم أصبحت دمشق عاصمة نور الدين محمود وعاصمة صلاح الدين وغيره من الأيوبيين.
بويع الملك الظاهر بيبرس البندقداري ملكاً على مصر والشام بعد أن قتل تورانشاه آخر الأيوبيين سنة 647هـ ولقّب الملك الظاهر، وهو رأس دولة المماليك البحرية. وجاء جماعة هولاكو إلى دمشق بعد تخريبهم بغداد والقضاء على الخلافة العباسية فيها سنة 656هـ. وفي السنة التالية خرّب هولاكو حلب وأوقع بها، وأنفذت دمشق مفاتيحها إلى هولاكو.
واستولى السلطان سليم الأول العثماني على دمشق سنة 922هـ. بعد وقعة مرج دابق التي قتل فيها قانصوه الغوري آخر ملوك المماليك.
المسجد الأموي في الوسط 1870م
ولما رحل السلطان سليم بعد فتحه مصر خلا الجو لنائبه جان بردي الغزالي فخرج عن الطاعة وسمى نفسه بالملك الأشرف، وخطب له على المنابر، ثم أرسلت الدولة العثمانية جيشاً قضى عليه.
واستولى إبراهيم باشا بن محمد علي باشا على دمشق، وقد رأى الدماشقة إدارته أحسن من الإدارة التي عهدوها من العثمانيين، وكان من أول أعمال المصريين ترتيب المجالس الملكية والعسكرية وإقامة مجلس الشورى، وترتيب المالية ووضع نظام للجباية، ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل. ودام حكمه في الشام تسع سنين.
وفتح الجيش العربي مدينة دمشق أواخر الحرب العالمية وتولى الأمير فيصل بن الحسين حكمها، ووضع فيها أساس الحكومة العربية. وكان قد وقع الاتفاق بين الحلفاء على تقسيم الديار الشامية، فكانت فلسطين وغرب الأردن من حصة بريطانية، وسورية ولبنان من نصيب فرنسا.
وفي عهد الأمير فيصل التأم مؤتمر من نواب الديار الشامية (فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية) في مدينة دمشق وقرروا فيه المناداة بالأمير فيصل ملكاً على هذه البلاد، فلم يرق الحكومتين المنتدبتين عمل المؤتمر، وطلبت فرنسا دخول جيشها إلى الأرض السورية فمانعت حكومة فيصل، فدخل الجيش الفرنسي دمشق عنوة بعد وقعة في ميسلون مع قوة قليلة من الجيش العربي والمتحمسين من الأهلين.
وظل الفرنسيون في دمشق وسوريا كلها حتى الحرب العالمية الثانية التي كان من نتائجها استقلال سوريا وجلاء الفرنسيين.
أهم مساجد دمشق
الجامع الأموي
يقع الجامع الأموي في قلب مدينة دمشق القديمة، ويعد من أهم المنشآت المعمارية الهامة في الحضارة الإسلامية. ومن المؤكد أن أرض الجامع كانت مخصصة للعبادة منذ مئات السنين، فكان يقوم في المكان نفسه معبد «للإله حدد الآرامي» وذلك في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وفي العصر الروماني بني «معبد للإله جوبتر» على إنقاض معبد حدد الآرامي. وبعد انتصار المسيحية على الوثنية، أنشأ الأمبراطور تيودوسيوس كنيسة داخل المعبد على اسم القديس يوحنا المعمدان. وبعد الفتح الإسلامي عام 14هـ/ 635م، اقتسم المسلمون هذا المعبد الكبير مع المسيحيين ليقيموا الصلوات فيه، وأقام المسلمون مسجدهم مستقلاً عن بناء الكنيسة يجمعهما سور المعبد. وبقي المسلمون والمسيحيون يؤدون فرائض دينهم متجاورين حوالي سبعين عاماً حتى 86هـ/ 705م، حيث جرت المفاوضات مع الرعايا المسيحيين لكي يتنازلوا بالعدل والرضا والطرق المشروعة عن نصف المعبد الذي أقاموا عليه كنيستهم، وتم ذلك مقابل بناء كنائس جديدة في أماكن مختلفة من مدينة دمشق. وقد هدم بناء الكنيسة وكل ما كان داخل جدران المعبد من منشآت رومانية وبيزنطية، وشيد الجامع وفق مخطط مبتكر، يتلاءم مع شعائر الدين الإسلامي وأغراض الحياة العامة. فجاء فريداً في هندسته. وقد شيّدت المساجد الكبرى في العالم الإسلامي فيما بعد على نسقه، وظل المعماريون
يستوحون منه قروناً طويلة.
استغرق بناء الجامع الأموي قرابة عشر سنين، بدءاً من ذي الحجة عام 86هـ/ 705م، وقد جُنّد خلالها عدد ضخم من البنَّائين والمهندسين حتى كان فتنة للناظرين، ووضعت على نسقه هندسة الجوامع الكبرى في العالم. وقد حافظ على عظمة بنائه وروعة زخارفه قرابة ثلاثة قرون ونصف، ثم تعرض بعد ذلك للحرائق والزلازل، وكان في كل مرة يصاب فيها بجهة من جهاته يفقد شيئاً من بهائه ورونقه، حتى صار إلى ما هو عليه الآن.
احترق الجامع أول مرة عام 461هـ/ 1068م، وفي عام 562هـ/ 1166م احترق الباب الشرقي، ثم أصابه حريق عام 570هـ/ 1174م امتد إليه من الكلاّسة، فأصاب مئذنته الشمالية. وفي عام 645هـ/ 1247م أتى الحريق على القسم الشرقي من الحرم والمئذنة الشرقية.
وعندما هاجم تيمورلنك دمشق عام 804هـ/ 1401م، نصبت الآلات الحربية في صحن الجامع لمهاجمة القلعة، فلحق به حريق وتخريب. وفي عام 884هـ/ 1479م شب حريق في الجامع، أتى على المئذنة الغربية وباب الزيادة والباب الغربي والرواق الشمالي حتى الكلاسة. وكان آخر حريق له عام 1311هـ/1893م في أواخر الحكم العثماني، تهدم فيه حرم الجامع الداخلي.
أمَّا الزلازل فكانت كثيرة، أشدها حدثت في أعوام 552هـ/ 1157م، 597هـ/ 1200م، 1173هـ/ 1759م. وكان يتلو هذه الحرائق والزلازل دوماً إعادة تشييد وبناء، ومحاولة إعادة الزخارف إلى ما كانت عليه.
وقد أشار المؤرخون إلى سلسلة الترميمات وإعادة البناء عقب الكوارث التي أصابت الجامع، وقد خلد ذكرى ترميم عامي 475 ـ 476هـ/ 1082 ـ 1083م لوحان كتابيان محفوظان في المتحف الوطني بدمشق، وبفضل الجهود التي بذلت من أجل ترميم وإصلاح ما تهدم منه، بقي الجامع أثراً خالداً للحضارة الإسلامية.
يشكل الجامع مستطيلاً بطول 156م وعرض 97م. له صحن واسع. وتقوم من حول جهاته الثلاث أروقة محمولة على أقواس مستديرة. أما طرفه الرابع فمشيد عليه جدار الحرم الذي يبلغ طوله 139م وعرضه 37م وللجامع أربعة أبواب. الباب الغربي يسمى باب البريد، ويتألف من ثلاثة مداخل، صفحت درفاته بالنحاس في العهد المملوكي بالقرن الخامس عشر. الباب الشمالي: ويسمى باب الفراديس، ويطلق عليه اليوم باب العمارة تعلوه كتابة كوفية مزهرة من العهد السلجوقي. الباب الشرقي: يعرف بباب جيرون ويسمى باب النوفرة أيضاً، وهو محافظ على وضعه الأول. باب الزيادة: وهو الباب المفتوح من الجهة الجنوبية من الحرم.
وأهم ما يلفت النظر في صحن الجامع قبلة الخزنة، التي بنيت لوضع أموال المسلمين فيها، شكلها مثمن قائمة على ثمانية أعمدة كورنثية الطراز، جميلة التيجان، زينت بالفسيفساء وما زال بعض أجزاء منها ماثلاً حتى اليوم. وصفها ابن جبير فقال: إن فسيفساء قبة الخزنة المتعددة الألوان أجمل من حديقة غناء.
أما الحرم فيبلغ طوله 139م وعرضه 37م، ويقسمه إلى قسمين متساويين رواق قاطع ممتد من الشمال إلى الجنوب، وتقوم في وسط الحرم قبة كبيرة اسمها قبة النسر، ترتفع قرابة 36م، محمولة على أربعة عصائد كبيرة فوقها رقبة مثمنة مزودة بالنوافذ، وتغطي الحرم ثلاثة سقوف سنامية الشكل (جملونات) من الخشب، تمتد من الشرق إلى الغرب يقطعها في وسطها سقف الرواق القاطع الذي يعترضها. وأهم ما يلفت النظر داخل الحرم المحاريب الأربعة، ثلاثة منها قديمة وواحد حديث. ففي الطرف الشرقي، المحراب المالكي، ثم يليه المحراب الحنفي وهو المحراب الحديث، وفي أقصى الطرف الغربي المحراف الحنبلي ويليه المحراب الشافعي. ويعد المحراب الحنفي المزين بالرخام والصدف والمرمر في غاية الإبداع والجمال. ويقوم ضريح مهيب من الرخام في الطرف الشرقي من الحرم للنبي يحيى (عليه السلام).
مأذنة قايتباي 1880م
أما عن مآذن المسجد فهي ثلاث: مئذنة العروس، وتقوم في وسط الرواق الشمالي، وقد أنشئت في عصر مليك شاه بين سنتي 570 ـ 580هـ / 1174 ـ 1184م، ويعود قسمها السفلي إلى عهد الوليد بن عبدالملك، ثم مئذنة عيسى وتقوم في الزاوية الجنوبية الشرقية، وقد شيّدت فوق برج المعبد القديم، واحترقت وتهدمت مرات عديدة، ويرجع بناء قسمها السفلي للعهد المملوكي، وقسمها العلوي إلى العهد العثماني. والمئذنة الغربية وهي تقع في الزاوية الجنوبية الغربية وأقيمت أيضاً فوق برج قديم وجددت في السنوات 580هـ/ 1184م، 803هـ/ 1400م، 893هـ/ 1488م. وتشير الكتابة المنقوشة عليها إلى أنها قد تجددت بعد الحريق الذي أصابها عام 884هـ/ 1479م، وتم ذلك في عهد السلطان قايتباي عام 893هـ/ 1488م. وتعد المئذنة الغربية أجمل المآذن الثلاث.
جامع الحنابلة
وقد زينت جدران وأروقة وأقواس الجامع الأموي بالفسيفساء الجميلة، وتتألف ألواح الفسيفساء هذه من فصوص صغيرة على شكل مكعبات من الزجاج الملون والمذهب وقطع من الصدف، رصفت هذه الأجزاء الصغيرة إلى جانب بعضها البعض مؤلفة مواضيع زخرفية متناسقة على غاية من الدقة والإتقان. وتعتبر ألواح الفسيفساء في الجامع الأموي من أجمل وأهم الثروات الفنية الإسلامية في سوريا.
جامع الحنابلة
يقع في حي الصالحية بدمشق، ويعد من أهم المساجد الأيوبية، وقد دعا لبناء هذا المسجد الشيخ أبو عمر بن قدامة المقدسي أحد أئمة المقادسة في القرن السادس الهجري، وتولى الإنفاق عليه أبو داود محاسن الفامي عام 598هـ/ 1201م، لكن أمواله لم تعد كافية، فأخبر الأمير مظفر الدين كوكبوري ابن علي بن بكتكين صاحب أربل بوضع الجامع، فأرسل ثلاثة آلاف دينار أتابكية لإتمام العمارة، وما تبقى تشتري به الأوقاف وتوقف عليه.
وعرف الجامع بعدة أسماء أهمها: الجامع المظفري: نسبة إلى مظفر الدين كوكبوري. وجامع الجبل: سمي بهذا الاسم لأنه في مصاعد جبل قاسيون. وجامع الحنابلة: لأنه مختص بالحنابلة في الوقت، لأن المقادسة الذين أسسوا بناءه كانوا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ثم جامع الصالحين: نسبة لصلاح المقادسة مؤسسيه الذين سميت بهم أيضاً الصالحية.
وقد قصد بمسقط جامع الحنابلة وتخطيطه محاكاة مسقط الجامع الأموي بدمشق. وأهم ما يمتاز به الجامع محرابه الرائع الذي يعد من أندر المحاريب في نقوشه وجماله. وكان للجامع مئذنتان، لم يبق منهما حالياً سوى واحدة، تقع في آخر الرواق الشمالي، وعلى عتبة مدخل المئذنة كتابة أثرية تنص على أنها عمرت أيام 610هـ/ 1213م بأمر مظفر الدين كوكبوري في عهد الملك العادل أبي بكر بن أيوب. ويعد منبر الجامع من روائع منابر الشام، وقد صنع عام 604هـ/ 1207م حسبما تشير إلى ذلك كتابة تاريخية فوق باب المنبر.
جامع التوريزي (التيروزي)
يقع في محلة رأس الشويكة شمالي قبر عاتكة بدمشق شرع بإنشائه الأمير غرس الدين خليل التوريزي حاجب الحجاب بدمشق وذلك في سنة 823هـ/ 1420م، وذلك حسب اللوحة التاريخية الموجودة فوق الباب ونصها «أمر بإنشاء هذا الجامع المعمور بذكر الله تعالى المقر الغرسي خليل النوريزي تقبل الله منه خامس وعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة وعشرين وثمانمائة».
وقد فرغ من بنائه عام 825هـ/ 1422م، وأضيفت إليه مئذنته بعد تسع سنوات. ويلاحظ أنَّ بناته تحرروا من قواعد الفن الأيوبي التي سادت العمارات الدمشقية أكثر من نصف قرن، واتّبعوا أصول فن المماليك الذي ازدهر في القاهرة، واتخذوا في ذلك عناصر جديدة في التخطيط والبناء والزخرفة.
وتخطيط الجامع يختلف عن تخطيطات الجوامع الدمشقية، إذ ليس له صحن واسع، وواجهته مبنية بأحجار ذات لونين مختلفين. وللمسجد حرم جميل، حافظ على بنائه الأول وجماله، والمنبر تزينه حشوات صغيرة حفرت بخط نسخي مملوكي جميل. المحراب يعلوه شريط عريض حفر عليه بالخط النسخي المملوكي الآية الكريمة التالية: {في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. كما يوجد في صدر المحراب شريط حفر عليه بالخط النسخي المملوكي أيضاً قوله سبحانه: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} الآية. تعد مئذنة الجامع من أجمل مآذان دمشق، شكلها مربع، على حين أن مآذن المماليك مضلَّعة. وتزين المئذنة زخارف كثيرة وعليها كتابة تاريخية.
جامع درويش باشا
المعروف بجامع الدرويشية
1 ـ يقع في محلة الدرويشية بدمشق، وهو نموذج لفن العمارة العثمانية من حيث التخطيط والقواعد المعمارية والفنية. أنشأه درويش باشا بن رستم باشا أحد ولاة دمشق في العهد العثماني، الذي تصدر ولاية دمشق في سنتي 979 ـ 983هـ/ 1571 ـ 1574م، ثم نقل إلى اسطانبول، وتوفي بها عام 987هـ/ 1579م، ونقلت رفاته إلى دمشق ودفنت في تربته، التي أنشأها بجانب هذا الجامع.
شيد المسجد عام 982هـ/ 1574م، كما هو مثبت في الكتابة التاريخية المنقوشة فوق الباب، وهي عبارة عن أبيات شعر، وقد ورد التاريخ في البيت الأخير مرتباً على الأحرف الأبجدية.
وروعي في بناء الجامع أسلوب العمارة الرسمية للدولة العثمانية، وكان من أهم خصائصها الاعتناء بالمظهر الخارجي، والشكل العام للبناء، فكان هذا الجامع مستوفياً لتلك الشروط والقواعد والأسس، وغدا نموذجاً رائعاً لهذا الأسلوب في دمشق. وعلى الرغم من تصميمه العثماني، فإنه لا يخلو من التأثيرات المحلية التي تجعل له صبغة سورية. صحن الجامع مستطيل الشكل، تتوسطه بركة حجرية مضلعة والرواق يقع في جنوب الصحن، تتقدمه خمسة عقود محمولة على أعمدة مستديرة ذات تيجان وقواعد مختلفة. ويعلو الرواق خمس قباب صغيرة. وفي الجدار الجنوبي من الرواق محراب مزين بألواح القاشاني. أما الحرم فهو عبارة عن قاعة كبيرة مستطيلة الشكل، تغطيها سبع قباب. مستديرة تقوم القبة الكبرى في الوسط ويتوسط المحراب الجدار الجنوبي من الحرم، ويعد آية في الإبداع والفن وعلى جانبي المحراب إطارات هندسية عريضة من الرخام الأبيض والأسود.
المنبر من المرمر، وأهم ما فيه قبة الخطيب المبنية على أربع دعائم رشيقة يعلو كل منها قوس مدبب تكتنفه زوايا مزخرفة. ويلاحظ أن الزخارف الرائعة تزين الجامع من بابه إلى محرابه.
وصف آخر لجامع الدرويشية: لم يكن العهد العثماني ليحمل الكثير إلى أهل دمشق، فعلى الرغم من اتخاذه طابعاً إسلامياً كغيره من العصور المتقدمة، إلا أنه لم يستطيع الولوج إلى حقيقة بناء الحضارات، بل ظل يجسد حالات معمارية استثنائية برزت في اسطانبول من خلال المساجد الضخمة. أما باقي المدن فكانت تتصدع عمرانياً بشكل متسارع.
كان السلاطين والولاة العثمانيون يسعون إلى استرضاء فئات معينة فيبنون لها تكية أو مسجداً، وفي أحيان كثيرة يتعمدون بناء المسجد ليلحقوا به مقبرة تكون مدفناً لهم. ولكن معظم مساجدهم في دمشق كان على أنقاض مبان أخرى، فهم لم يضيفوا سوى القليل. والتكية السليمانية المشهورة كطراز عثماني بنيت عوضاً عن القصر الأبلق المشهور بجماله وقدمه، فقد دمره العثمانيون بعد موقعة مرج دابق وسقوط السلطان المملوكي قانصوه الغوري، لأن القصر في الأساس يرمز إلى موقع السلطة المملوكية في دمشق.
جامع الدرويشية واحد من المباني العثمانية الموجودة في قلب دمشق، قرب منطقة باب الجابية حيث يقع أكبر تجمع للمساجد والمباني العثمانية. وهو يقع شمالي المدرسة السيبائية، ويكاد يجاورها اليوم بعد أن طغى العمران الحديث على المنطقة. وينسب إلى والي دمشق درويش باشا الذي جاء سنة 979 للهجرة، وتقول بعض المرويات إنه سار بأهالي دمشق سيرة حسنة، وتعقب المجرمين ونشر الأمن في ربوع البلاد التي عرفت آنذاك أعداداً كبيراً من «العواينية» (أصحاب الشرور باللهجة الدمشقية حتى اليوم) والجويش المحلية مثل الانكشارية.
بني الجامع سنة 982 هجرية، أي في العالم الذي نقل درويش باشا من دمشق. ولم يتبع مهندس المسجد الطابع العثماني فيه، ربما لقربه من المدرسة السيبائية الضخمة المبنية على الطراز المملوكي. لكن المنارة الخاصة بالمسجد جاءت عثمانية، فالمهندس جعل محيطها من الحجر الأسود والأبيض المتناوب بشكل جميل، وجعل بوابتها كبيرة نوعاً ما.
والإضافات على المسجد تبدو وكأنها منفصلة عنه، فالمسجد يضم من الناحية القبلية التربة الدرويشية التي دفن بها الوالي درويش باشا العام 987هـ، كما يحتوي من الناحية نفسها غرفاً للتدريس تعلوها قبة. ويستطيع الإنسان المرور عبر قنطرة تحتوي في أعلاها غرف التدريس إلى الأزقة الخلفية المجاورة للمسجد والمؤدية إلى منطقة القنوات.
والطراز المملوكي المسيطر على الشكل العام للمسجد يجعله مع جامع السيبائية نسيجاً متكاملاً، وفي داخله ألواح جميلة من القيشاني نسخها أسعد باشا العظم ليصنع مثلها في قصره. وأول من درّس في هذا الجامع الشيخ إسماعيل النابلسي ثم خلفه الحسن البوريني. وهذا الأخير لم يذكر درويش باشا أو يضع له ترجمة في مؤلفاته العديدة.
عندما جدد المسجد في العام 1945م جدد السبيل الموجود إلى جانبه. والمعروف أيضاً أن الوالي درويش باشا بنى حمام القيشاني وخان الحرمين. علماً بأن البنائين يعودان إلى عهد السلاجقة، وكان الخان معروفاً باسم خان القوسين.
جامع سنان باشا
منطقة «باب الجابية» أي الطريق الموصل بين قلعة دمشق ومقبرة «الباب الصغير»، كانت معبراً إلى دمشق القديمة وصارت أثناء الحكم المملوكي نقطة اتصال مع الأحياء الجديدة، وفي العهد العثماني شكلت شريان المدينة التجاري. وعلى طول 500 متر تقريباً تنزرع المدارس والمساجد التي تحمل أسماء الولاة بدءاً من جامع أرغون فالدرويشية والسيبائية والسنانية وغيرها من الأسماء.
وتظهر الطريق تنافساً بين الولاة على تشييد مناطق عمرانية تساعدهم على استقطاب الناس. فالمسجد كان مدرسة أيضاً تستقطب العلماء والطلاب. وباستثناء سوق مدحت باشا، فإننا لا نصادف سوى مآذن وقباب مختلفة الأشكال، ويخيل للزائر أنه يتنقل في أحياء اسطانبول القديمة حيث تكتظ المساجد الكبيرة لتصبح في منطقة «بيازيت» أكثر من المنازل.
والأمر مشابه في دمشق، إذ أن جامع السنانية يعتبر نسخة مصغرة عن مسجد أيا صوفيا. فكما كان السلاطين يتنافسون في تشييد المساجد في اسطانبول كي تحمل أسماءهم عبر الزمن، كان ولاة دمشق يقلدونهم محلياً. أي أن العمران كان يحمل صفة دعائية (بتعبير العصر) أكثر من كونه شأناً عمرانياً منتظماً، بدليل وجود هذه الكمية من المساجد في منطقة واحدة بينما تفتقر أماكن عدة من دمشق في تلك الفترة إلى مساجد جامعة.
وبالعودة إلى تفاصيل تلك الفترة، نقف عند جامع سنان باشا المشهور بمئذنته الخضراء المبنية على الطريقة العثمانية. لكن التاريخ أضاع حقيقة الشخص الذي بنى هذا المسجد، فنحن نجد خمسة يحملون الاسم نفسه.
1 ـ سنا نباشا الذي تولى دمشق سنة 994هـ، ثم تولى الصدارة العظمى في السلطنة.
2 ـ سنان باشا الوزير حاكم اليمن والمتوفى العام 1016هـ.
3 ـ سنان باشا بن محمود متولي الجامع المتوفى سنة 1076هـ.
4 ـ سنان آغا الانكشارية المتوفى سنة 980هـ.
5 ـ سنان باشا المعمار المشهور.
التشابه في الاسم حرم باني المسجد من امتلاك الشهرة الخاصة، وإن كان أكرم حسن العلبي في كتابه «خطط دمشق» يرجح أن يكون سنان باشا والي دمشق هو الذي أمر ببنائه العام 999هـ. فهذا الوالي واسمه الكامل يوسف بن عبدالله سنان باشا كان يقوم بمثل هذه الأعمال في كافة أنحاء السلطنة، فقد بنى في بولاق بالقاهرة جامعاً عظيماً وبنى مثله باليمن وآخر في اسطانبول، مما يرجح بأن يكون هو بانيه في فترة ولايته على دمشق.
والجامع لم يكن وحيداً، فقد كانت معه مجموعة عمرانية تشمل حماماً وسوقاً وقهوة ومكتباً. وبالطبع لم يكن موقع الجامع خالياً، بل كان فيه مسجد يقال له «مسجد البصل». وإذا حاولنا تتبع بعض التفاصيل نجد أن الأمير محمد بن منجم هو الذي باشر العمران فيه، وتكامل في آخر سنة من القرن العاشر الهجري، وخطب فيه الشيخ فخر الدين السيوفي في تلك الفترة، ثم تعاقبت عليه العصور فأصبح اليوم مسجداً متميزاً لقربه من مقبرة «الباب الصغير» حيث يتم في الغالب الصلاة على الأموات فيه.
من الناحية المعمارية، يجاور الجامع سوق دمشق التاريخية مما أجبر بانيه على حرف صحنه كي لا يصطدم بالسور، وتعلوه قبة كبيرة تغطي قسماً كبيراً من مساحته. وتتميز بوابته بالعلو على الطراز المملوكي. ولا نجد شأناً متميزاً في الزخرفة فيه لكنه بالشكل العام يتقارب مع جامع أيا صوفيا والجامع أنموذج لمعظم المساجد العثمانية، يتألف من مئذنة وحرم وحصن وأروقة.
الصحن مستطيل الشكل يوجد له بابان. الأول هو المدخل الرئيسي للجامع يقع في الجهة الغربية نحو شارع السنانية، وهو باب جميل يعلوه لوح مستطيل من القاشاني الأزرق، فيه صور نباتية متشابكة بينها أبيات شعرية، ويعلو لوح القاشاني مقرنصات جميلة. أما الباب الثاني فهو في الجدار الشمالي يعلوه من الداخل نقش مزولة شمسية، وفي الطرف الغربي من الجدار الشمالي توجد لوحة مستطيلة تتألف من قطع القاشاني الأزرق والأخضر تزينها صور نباتية من أوراق وأزهار متعانقة بينها قيشاني أبيض عليه كتابة باللون الأسود بخط نسخي كبير تشير إلى تاريخ الجامع واسم الباني.
تتوسط صحن الجامع بركة مثمنة الشكل مبنية من الحجارة الكلسية، أما بلاط الصحن فهو من الحجارة المصقولة البيضاء والسوداء، رصفت بأشكال هندسية جميلة تتخللها قطع كبيرة من المرمر الأحمر والأبيض والأسود في الجهة الجنوبية وبأشكال هندسية. الرواق مسقوف بسبع قباب يتقدم الحرم وهو محمول على ستة أعمدة، ويوجد محراب صغير ذو عمودين من الرخام الأبيض في الجهة الشرقية من الرواق، وفوق هذا المحراب توجد لوحة كتابية من ستة أبيات شعرية. الحرم مستطيل الشكل، مسقوف بقبة كبيرة تتخللها نوافذ جميلة وكتابات رائعة وأعمدة رشيقة. والمنبر من المرمر الأبيض المحفور. والمحراب ترسمه قطع المرمر المتعددة الألوان الدقيقة الصنع وتعلو المحراب لوحة مستطيلة من القاشاني الأزرق عليها كتابة قرآنية. مئذنة الجامع مستديرة مبنية بالحجارة، تكسوها من الخارج طبقة من الآجر المطلي بطبقة من القاشاني الأخضر (الخزف الزنجاري)، يفصل بينها ثلاثة خطوط من القاشاني الملون بالأزرق، وتعلو جذع المئذنة مقرنصات بسيطة وجميلة، ولا بد من التنويه أنه لا يوجد في سوريا ما يماثل هذه المئذنة.
جامع الشيخ عبدالغني النابلسي
يقع في منطقة الصالحية (الشيخ محيي الدين) وينسب إلى العالم المحدث عبدالغني النابلسي المولود في دمشق 1050هـ/ 1640م، حينما توفي ترك هذا المكان داراً للسكن، ولم يكن فيه مسجد، بل أحدث بعد وفاته. أنشأه حفيده الشيخ مصطفى النابلسي المتوفى عام 1191هـ/ 1777م، وغلب على هذا المسجد اسم جامع الشيخ عبدالغني النابلسي واشتهر بذلك. وكانت شهرة الشيخ عبدالغني قد حفزت كثيراً من الولاة والسلاطين على العناية بتخليد ذكراه بتجديد المكان في أدوار مختلفة.
أما طراز البناء فهو من العصر العثماني، والطراز الغالب على البناء والزخرفة الطراز الدمشقي. يضم البناء مسجداً وتربة وداراً للسكن، أما مئذنة الجامع فتقع في أقصى الجناح الشرقي للبناء مبنية بالحجارة المنحوتة. أما القاعة الكبرى فيعلو بابها لوح من القاشاني فيه كتابة وتاريخ تجديد القاعة سنة 1178هـ/ 1764م، ومدفن الشيخ عبدالغني يقع في شرقي الصحن، وبجانبه مدفن الشيخ مصطفى المتوفى عام 1191هـ/ 1777م، وهو باني المسجد. أما المصلَّى فهو عبارة عن قاعتين، يفصل بينهما قوس، وفيه المحراب والمنبر.
جامع السنجقدار
يقع في محلة السنجقدار بدمشق، وكان يسمى جامع الحر، أنشأه أرغون شاه نائب السلطنة المملوكية في دمشق الذي قتل عام 750هـ/ 1349م، ودفن في تربته التي أنشأها مع الجامع. تم تحديد حرم المسجد في العهد العثماني عام 1008هـ/ 1599م من قبل سنان آغا الينكجرية.
أهم آثار المسجد المملوكية واجهته الحجرية الجميلة، ومقرنصات بوابته، والتربة المسقوفة بقبة إلى يمين المسجد، ومئذنة رشيقة.
جامع التوبة
يقع في حي العقيبة في نهاية سوق ساروجة بدمشق، وقد بني على نسق الجامع الأموي بدمشق، ويعد من روائع فن العمارة الأيوبية. كانت أرض الجامع قديماً تعرف بخان الزنجاري، ترتكب فيه المحرمات وتشرب فيه الخمور، فأمر الملك موسى العادل أبو بكر بهدمه وبناء الجامع الذي سماه جامع التوبة، وتم بناؤه عام 632هـ/ 1234م. صحن الجامع مستطيل الشكل تحيط به ثلاثة أروقة شرقي وغربي وشمالي، تتوسطه بركة مربعة الشكل. الحرم مستطيل وأجمل ما فيه المحراب الغني بالزخارف، المكسو بالرخام في أسفله، ثم تعلو ذلك طبقة جصية عليها رسوم نباتية جميلة تتخللها كتابات وزخارف، يعلوها رسم هندسي ونباتي، وعلى جانبي المحراب عمودان من الرخام بشكل لولبي، وهو يعد من أجمل المحاريب التي وصلت إلينا من العهد الأيوبي.
مسجد فلوس
مسجد قديم يقع في حي الميدان بدمشق ويعرف حالياً بزاوية الرفاعي. وأهم ما يميز هذا المسجد هو النتاج الفني الذي بقي من العصر الفاطمي في دمشق المتمثل في زخرفة محرابه، حيث تعلو المحراب طاقية أثرية نادرة، تقوم على شريط عريض به سطر من الكتابة الكوفية المزهرة. ويعلو هذا الشريط طاقية من زخارف جصية عناصرها أوراق نباتية بينها فروع دقيقة متشابكة، وقد ملىء فراغ سطوح الأوراق النباتية بزخارف هندسية.
الجامع المعلق
الجامع المعلق نموذج من الأوابد المملوكية، وهو معبر أيضاً عن الطريقة التي كان المماليك يفكرون بها. يقع الجامع بين باب الفرج والفراديس في منطقة العمارة البرانية خارج سور دمشق، وسمي بالمعلق لأنه مرتفع عن الأرض قليلاً، ولأنه معلق بشكل أو بآخر إذ يقع على نهر بردى.
والناس يسمونه بالجامع الجديد أو جامع بردبك أو جامع بين الحواصل، فالتسمية الأولى نابعة من تكرار ترميمه إذ جدد العام 1058 للهجرة بعد أن ضربته صاعقة وألحقت أضراراً به وهوى رأس مئذنته، فأعيد بناؤها على الطريقة المملوكية لمساجد القاهرة، ثم جدد مرة أخرى العام 1328 هجرية.
أما التسمية الثانية فتعود لبانيه بردبك الأشرفي إينال، الذي بني في قناطر السباع في مصر جامعاً هائلاً، وبنى مثله في غزة ودمشق العام 826 للهجرة. والمعروف عن هذا الأمير أنه كان مقرباً من الأشرف إينال ونفي إلى مكة حيث قتل في طريق العودة العام 868 هجرية ودفن في مكة المكرمة.
وتعود التسمية الحالية إلى الواقع المحيط بالمسجد، فالمعروف عن منطقته أنها ساحة للأسواق يتم استعمالها لتخزين الحبوب والمواد التي تباع بكميات كبيرة مثل الخشب والحديد والنحاس، ومنطقة العمارة أصلاً مشهورة منذ بداية العصر المملوكي بهذه المخازن، التي تسمَّى باللهجة العامية «حواصل»، فجاء المسجد «وسط الحواصل» وفي أمكنة تجارة الناس.
المسجد واسع جداً ومبني على الطريقة المملوكية باستعمال الحجر الأبيض والأسود بالتناوب، إضافة لنوافذه التي سورت بالحديد على شكل شبك. وبوابة المسجد لا تتبع الطراز المملوكي إذ أنها ليست مرتفعة، وتوحي زخارف الباب بأنه جدد عندما تم تجديد المسجد أخيراً، فتم الاحتفاظ بالشكل الأساسي مع تبديل ما تلف من أثاثه.
وفي الجامع ـ كغيره ـ من المساجد المملوكية ـ ثماني غرف للطلاب في الطابق العلوي، لكنها اليوم جزء من المسجد، ورواد الجامع قليلون نسبياً لأنه يقع في منطقة الأسواق. وما يتميز به هذا المسجد عن باقي المساجد المملوكية أنه:
أولاً: يعتبر مسجداً مملوكياً أصيلاً لم يبن على أنقاض مسجد أقدم منه، فالمساجد والمدارس المملوكية كانت تقام عادة على أنقاض مساجد قديمة، فهي عملياً تمثل حالة ترميم وتعبر عن توسع عمراني، بينما المسجد المعلق بني بشكل مستقل.
ثانياً: يتفرد بموقعه البعيد نسبياً عن الفعاليات العلمية والدينية، فالمماليك غالباً ما كانوا يبنون مدارسهم في محيط دمشق القديمة، أو في منطقة الصالحية، وذلك للبقاء قريباً من رجال الدين والعلماء، أما الجامع المعلق فبعيد عن هذه المناطق بل يكاد يكون معزولاً عن التيارات التي سادت في تلك الفترة وكان المماليك يخطبون ودها.
جامع الورد
في مطلع القرن الحالي كانت منطقة سوق صاروجا من أكثر مناطق دمشق ازدهاراً، حتى أنها سميت باسطانبول الصغيرة لكثرة الضباط والموظفين الأتراك الذي سكنوا فيها. ونجد أن معظم من يتكنى بكنية تركية هو في الأصل من هذه المنطقة.
لكنها في الواقع أقدم من العهد العثماني، فهي ازدهرت في العصر الأيوبي وكانت تسمى العوينة، وبدأت المدارس بالظهور فيها أولاً فبنت الخاتون ست الشام ابنة نجم الدين أيوب المدرسة الشامية البرانية في سنة 582 للهجرة (وهي قيد الترميم حالياً).
وإذا كنا اليوم لا نشاهد إلا أطلال سوق صاروجا، فإن جامع الورد يبرز من بين البقايا بمئذنته الغربية وتموضعه بين زقاقين صغيرين. وهو يعود للفترة المملوكية وانتهى بناؤه في الرابع عشر من رمضان سنة 830هـ.
يعرف الجامع تاريخياً بجامع «برسباي» أو الحاجب، وذلك نسبة لبانيه الأمير برسباي الذي تولى نيابة طرابلس وحلب، ثم استقال من وظائفه ومارس الأعمال الحرة، وتوفي سنة 851 للهجرة في مدينة سراقب وحمل جثمانه إلى دمشق ودفن في الجامع الذي بناه. وكان المسجد يعرف بالورد نسبة إلى حمام يقع إلى الشمال منه، وما زال مشهوراً بهذا الاسم حتى أن الزقاق الموجود فيه يطلق عليه اسم الورد.
وكما كافة المساجد المملوكية، فإن مكان الجامع الحالي كان مسجداً صغيراً يعود تاريخه إلى سنة 784هـ، فقام برسباي بتوسيعه ورفع منارة وقبة له، وتم إنجاز بنائه في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة 830هـ، وصليت فيه الجمعة في ذلك اليوم.
ومن المعروف أن بناء المسجد جاء بعد اجتياح تيمورلنك لدمشق، أي أنه نوع من إعادة الإعمار التي بدأت منذ سنة 811 (بعد سبع سنوات على رحيل تيمورلنك).
جامع يلبغا
هل يحق لنا تذكر جامع يلبغا مع أنه اختفى من دمشق سنة 1960م بعد أن كان من أعظم المساجد في دمشق بعد الجامع الأموي؟
ما زال القادمون إلى المدينة يشاهدون مشروع إعادة إعماره في ساحة المرجة، فالجامع كان مملوكي الطابع عمد الأمير يلبغا في عمارته إلى منافسة جامع تنكز الذي لم تنج من الهدم سوى مئذنته.
قصة الجامع تبدأ مع الأمير يلبغا الذي دخل دمشق أميراً في عام 756 للهجرة وخلف فيها مسجداً وقبة مشهورة في منطقة القدم. ولا تختلف سيرة الأمير عن سير بقية المماليك، فما كاد يتسلم إمارة دمشق حتى بدأ بتقليب الأمراء على السلطان. لكن المفارقة معه تتعلق بتصرفاته عند دخول دمشق. ففي 14 جمادى الأولى من عام 746هـ، أي بعد يومين من دخوله دمشق، أمر بقطع أيدي وأرجل ثلاثة عشر رجلاً بلغه تكرار وقوع الجنايات منهم.
وحسب روايات تلك الفترة فإن الناس اغتبطوا لهذه الشدة، غير أن سيرة يلبغا تعطي مداليل أخرى، فهو اشترك في خلع الملك الكامل شعبان، وبعد ذلك الملك المظفر حاجي، ولكن الأخير كان أسرع منه فقام برشوة الأمراء وأرسل جيشاً لقتال يلبغا وعزله وحاصره ففر إلى حماه. ولم تكن هذه العملية لتتم إلا بالاتفاق مع أرغون شاه أمير حلب وقبائل عرب المهنا، فقطعت الطرقات على يلبغا، وطلب منه الملك التوجه إلى القاهرة لتسلم منصب رأس أمراء المشورة، فاقتنع يلبغا وسار إلى هناك فتخلى عنه بقية الأمراء. وحاول أرغون شاه القبض عليه، لكن الأمير منجك قتله في منطقة قاقون في فلسطين عام 748 للهجرة، أي أن فترة ولايته لم تستمر سوى عامين كانا كافيين لبناء قبة النصر والشروع ببناء جامع يلبغا.
وبغض النظر عن تفاصيل معارك الأمير يلبغا، إلا أن فترة ولايته كانت شبه مستقلة عن القاهرة، لذلك فإن مسجده كان ضخماً جداً ليعبر عن الطريقة التي يفكر بها في منافسة حكم الملك في القاهرة، وقد تعطل العمل في بناء الجامع بعد مقتله، ثم سار الأمر ببطء شديد وظهر أخيراً كمسجد جامع، وحضر افتتاحه عدد كبير من الأمراء الذين شاركوا أساساً في قتل الأمير يلبغا اليحاوي.
ومن أهم ذكريات هذا المسجد ما قام به إبراهيم باشا المصري أثناء حملته على سورية إذ حوله إلى مصنع للبسكويت. ويبدو الأمر اليوم مضحكاً لكن عصرنة الدولة كما فهمها إبراهيم باشا اقتضت منه تحويل هذا المبنى الأثري المهم إلى مصنع، وكان لذلك أثره في الفن المعماري الموجود في المسجد. لكن خروج إبراهيم باشا أدى إلى إعادة تجديده، وهو جدد بالفعل أربع مرات كانت الأخيرة عام 1173 للهجرة على أثر الزلزال الذي ضرب دمشق.
غوطة دمشق)[148](
لولا الغوطة لما كانت مدينة دمشق، فهي من أجمل منتزهات العالم بما حبتها به الطبيعة من جمال الشجر وخصب التربة وكثرة الجداول والأنهار، فمن قديم الزمان وحتى الوقت الحاضر يتغنى الشعراء بجمال الغوطة وسحرها ويشيرون إلى طيب الإقامة فيها، ويسهبون في وصفها، وفي مقدم هؤلاء الشعراء «حسان بن ثابت» وأبو بكر الخوارزمي الذي وصفها بأنها إحدى جنّات الأرض الأربع، وصولاً إلى شعراء العصر الحديث.
والغوطة تعني المطمئن من الأرض، مساحتها 40600 هكتار وطولها 20 كلم وعرضها (10 ـ 14 كلم)، وهي ببساتينها وقراها تحيط بمدينة دمشق، والمعدل السنوي ـ للأمطار فيها 225 ملم، والمعدل السنوي للحرارة 16 درجة مئوية ويبلغ متوسط ارتفاعها عن سطح البحر 700 متر، وعدد قراها 44 قرية كان يسكنها 318250 نسمة وفق إحصائيات عام 1948م.
وغوطة دمشق تجود بمعظم الثمار والحبوب والبقول التي تغطي احتياج مدينة دمشق وبعض المدن السورية، وفي بعض المواسم تشحن كميات كبيرة منها إلى لبنان. ومن الموارد المهمة فيها أشجار الحور (الرومي والفارسي) التي تستخدم أخشابها في الصناعات المنزلية.
وتعتمد الزراعة المروية في الغوطة(على المياه) التي يؤمنها نهري بردى، حيث يقوم بري كامل مساحة الغوطة عبر فروعه السبعة وهي (يزيد ـ قناة المزة ـ الديراني ـ شورى ـ قنوات باناس ـ العقرباني ـ الداعياني ـ المليحي). ومن هذه الفروع السبعة يخترق اثنان مدينة دمشق وهما (القنوات وباناس).
وتروي المصادر التاريخية أن غوطة دمشق تعرضت في الماضي إلى كوارث طبيعية كالأوبئة والمجاعات والزلازل التي ساهمت في خراب قسم منها، ولكن يد الطبيعة لم تكن بتلك القسوة التي اتصفت بها يد الإنسان، فمن الحروب والغزوات والمعارك والثورات التي كانت الغوطة ساحة لها في الماضي، إلى امتداد يد الإنسان في الوقت الحاضر لتغييب بعض من جمالها وروعتها عن طريق امتداد السكن والعمران الذي أتى على قسم كبير من أراضيها الزراعية، إلى إقامة بعض المصانع والمعامل التي باتت تلوث هواءها بما تنفثه من سموم وغبار ومخلفات، إلى الهجرة من الريف إلى المدينة حيث انتقال الفلاح البسيط الذي كان يعنى بأرضه ويكسب لقمة عيش هنيئة وبسيطة ونظيفة لا يلوثها ضجيج المدن وصخبه، هذا الفلاح انتقل من غوطة دمشق إلى مدينتها ليستقر نهائياً مخلفاً وراءه بستاناً أو قطعة أرض تتعطش لمن ينبش تربتها ويعتني بها.
وعلى رغم عوامل الخراب والدمار التي ألمت بغوطة دمشق فهي تبقى موئلاً لكل من يطلب الراحة والطمأنينة والهدوء والأمان وذلك ببساتينها الغنّاء التي لا تزال تحافظ على خضرتها وجمالها وبأشجارها الوارفة الظلال وأنهارها وجداولها التي تبعث الحياة فيها…
وفي غوطة دمشق يقول الشاعر العراقي الحاج عبدالحسين الأزري وقد زارها سنة 1944:
ذكرتُ الجنانَ وأنهارَها
غداةَ تَنسَّمتُ مِعْطارَها
مَغانيَ تَبدُو بهنَّ الحياةُ
تكادُ تُضاحِكُ أحجارَها
كخطِّ المجرَّةِ لكنَّ من
حِسان الخرائد أقْمارها
أرادَ الإلهُ لحُورِ الجِنان
مِثالاً على الأرضِ فاخْتارها
حرائرَ عِيناً سحَرْنَ العُيونَ
كسِحْرِ الكواكب سُمَّارَها
هَبطن عليها كسِرب الحَمامِ
اتَّخَذْنَ المغانيَ أوكارَها
كأنَّ الخَمائلَ مِن فَوقِهنَّ
نثرنَ على الأرضِ أَزْهارها
سَقاني عُقاراً بهنَّ النَّسيمُ
فلم تَبلُغ الخمرُ آثارَها
نَسيمٌ إذا نشقَتْهُ المِراضُ
شفاها وجدَّد أعْمارَها
يَرقُّ فيُسكرُني نشرُهُ
ويَقوى فيُسكرُ أشجارَها
فما زالَ يُنعِشُ رُوحي بها
وما زلتُ أشكرُ خمَّارَها
إلى أن رَجعتُ سليبَ الفُؤادِ
ووَدَّعَتِ الدار زُوَّارَها
وأيْكٍ تَعانق أغْصانُها
كما عانَقَ الطَّلعُ نوَّارَها
لَبِسْنَ مَطارِفَ خُضراً وصُغُـ
ـنَ من الثَّمرِ الغَضِّ أزْرارَها
رَفعنَ عن السُّوق أذْيالَهنَّ وخُضْـ
ـنَ من الزَّهوِ أنهارها
كأنَّ الغَوانيَ منها اقْتَبَسْـ
ـنَ رفيفَ الثِّيابِ وإقصارَها
تَخالُ المناظِرُ أسْطورَةً
قد ابْتَدع السِّحرُ أخْبارَها
تُصيبُ القَرائحُ من وَحيِها
فتُملي على الطِّرسِ أشْعارَها
تقولُ هَلمَّ وخلِّ السَّبيلَ
لروحِكَ تَسبقُ أطْيارَها
هُنا لغةُ الحبِّ إن كنتَ قد
أتيتَ لِتَسْبُر أغْوارَها
سَلِ الأعْينَ الدُّعج عنها فإنَّ
بتلك الطَّلاسِمِ أسْرارَها
وقِيثارَةٌ مِن خَريرِ المِياهِ
تَجسُّ الطَّبيعةُ أوْتارَها
تظلُّ تكرِّرُ ألحانَها
ويَستعذِبُ السَّمعُ تَكرارَها
جَلستُ بِجانِبها مُصْغِياً
ونَفْسي تُجاوبُ أفْكارَها
تحدِّثُني عن حَياةِ الشَّبابِ
وقَد غيَّر الشَّيبُ أدْوارَها
وكانَ لها باعِثٌ مِن مَهاً
مَرَرْنَ فألفَتْنَ أنظارَها
فقلتُ: اقصِري رَيعانِ الصِّبا
شِراكَ الظِّباءِ وأوْجارَها
* * *
رأيتُ الجمالَ كنَبْعٍ يَفورُ
وأحْلَى اليَنابيعِ فَوَّارَها
بوادٍ يُعدُّ مِن المعجِزاتِ
ومَن ذا يُحاولُ إنكارَها
يصوِّر كالمَوْجِ أشجارَهُ
مَتى تُرسلُ الريحُ إعصارَها
إذا ما تَموَّجْنَ خِلت البيوتَ
سفيناً تُصارعُ تيَّارَها
مَنازلُ غطَّتْ عليها الرِّياضُ
فغابتْ وأخفَيْنَ أنوارَها
تَباركتَ يا ربِّ في حُسْنِها
وباركتَ يا ربِّ أثمارَها
* * *
وَداعاً مَليكةَ تلكَ الرُّبُوعِ
سقَتْكِ السحائبُ مِدْرارَها
تَركتُكِ والنَّفسُ لم تَقضِ من
أطايبِ وادِيكِ أوطارَها
وما كنتُ ضيَّعتُ مَعنى الحَياةِ
لو أنِّي بهِ عشتُ معْشارَها
جبل قاسيون
قديم قدم الزمان، محاط بالبيوت والأساطير والأماكن المقدسة. وعلى سفوحه: دير مران، الربوة، النيرب، أرزة، بيت أبيات، مقرى، الميطور.
ـ دير مران: سُميت بهذا الاسم لوجود دير يدعى دير مران. اندثر زمن الحكومة الأتابكية إبان الحروب الصليبية.
ـ الربوة: وهي أول منفسح الوادي الغربي الآخذ إلى دمشق، وفيها يخرج بردى لينقسم إلى أنهار عدة.
سُميت بالربوة لأنها مرتفعة، فيها أثر لكتابة كوفية منقوشة على صفحة الجبل، أسفله.
ذكر ابن جبير الأندلسي أن الربوة هي مأوى المسيح وأمه مريم: «وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين».
ـ النيرب: أو شعب النيرب هو ما بين جبلين وبين الجبلين أعلاه وكان قرية بقاسيون، وبجامعها قبر مريم بنت عمران.
ـ أرزة: مكانها اليوم حي الشهداء في طريق الصالحية.
ـ بيت أبيات: مكانها اليوم في محلة طاحون الأشنان أسفل حي الأكراد.
ـ مقرى: تقع أسفل حي الأكراد، وكانت إحدى الطرق التي تؤدي إلى جبل قاسيون.
الميطور: ومحلها اليوم أسفل المدرسة الركنية التي في حي الأكراد.
الهجرة الريفية إلى دمشق
من أبرز مؤشرات الهجرة من الريف إلى المدينة في سورية، كما في غيرها من بلدان العالم، ذلك النمو الهائل والسريع للمدينة سكاناً وأبنية خصوصاً في إطار الأحزمة الجديدة، وهي إحياء ذات أغلبية كبرى من مهاجري الريف والمدن الصغرى، وفيها جملة خصائص ديموغرافية وحضارية تجعلها ذات ملامح متميزة عن بقية أحياء المدينة الأساسية.
ويمكن التأكيد على مؤشر النمو الهائل للمدن في سورية باعتباره أحد نواتج الهجرة الريفية للمدن انطلاقاً من أرقام رسمية سورية تقول: «إن معدل تزايد السكان السنوي في المدن يصل إلى 5 في المئة بينما يتزايد سكان الريف بمعدل سنوي مقداره 2,8 في المئة والمعدل العام السنوي لتزايد السكان هو 3,3 في المئة».
وانطلاقاً من الإطار العام نحو التخصيص، يمكن القول إنه في حركة السكان بين المحافظات السورية ومراكز مدنها تبرز دمشق وحلب وحمص بين أهم التجمعات السكانية السورية التي توجه إليها السوريون من بقية المحافظات وأقاموا فيها خلال العقود الأخيرة طبقاً لما تشير إليه الأرقام الرسمية.
وفي مثال دمشق هناك مجموعة من الأحياء الجديدة ذات الكثافة العالية من السكان التي تعتبر أحد أبرز تعبيرات ظاهرة الهجرة الريفية للمدينة التي وصل عدد سكانها حالياً إلى ما يزيد عن أربعة ملايين نسمة في حين لم يكن عدد سكانها يزيد إلا قليلاً عن نصف مليون نسمة قبل أربعة عقود، ونما عدد أحياء المدينة من نحو ستة أحياء إلى أكثر من عشرين حيّاً، يزيد عدد سكان أحدها عن إجمالي عدد سكان المدينة القديمة)[149](.
والسمة العامة لمهاجري الريف والمدن الصغرى إلى المدن الكبرى أنهم من العناصر الشابة. وطبقاً للتقديرات فإن أعمار هؤلاء تتراوح ما بين 15 و34 عاماً، وتضيف التقديرات إلى أن عدد الذكور المهاجرين يزيد قليلاً عن عدد الإناث. وبشكل عام فإن المهاجرين هم من أكثر الفئات الريفية تعلماً وخبرة وثقافة، وهم الأكثر طموحاً ورغبة في أحداث تبدلات جوهرية في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أقرانهم الريفيين الآخرين.
والغالبية من المهاجرين حول المدن الكبرى يضعون نصب أعينهم هدف الارتقاء في السلم الاجتماعي كهدف أساسي لهجرتهم إلى المدينة سواء من خلال مواقع يحتلونها في أجهزة الدولة ومؤسساتها أو من خلال تحقيق ثروة تراكم من أنشطة تتيحها الحياة في المدن الكبرى أو من خلال الاثنين معاً، وفي الحالات كلها تحسم الإمكانات الشخصية والموضوعية مثل هذه الخيارات فتجعل مهاجراً ريفياً يحتل موقعاً في الجهاز الرسمي للدولة أو أن يتجه للأعمال الحرة في السوق بعيداً عن الجهاز أو قريباً منه.
وعلى رغم أن السمات العامة للمهاجرين من الريف إلى المدن الصغرى السورية تكشف بعض أسباب الهجرة إلا أن الجوهري من هذه الأسباب هو عوامل الجذب التي تفرزها المدينة ثم عوامل الطرد من الريف والمدن الصغرى. وفي الحالتين يتداخل الاقتصادي مع الاجتماعي والثقافي وتفعل الظروف والشروط الشخصية والعائلية فعلها في هذا المجال في الاتجاهين السلبي والإيجابي على السواء.
إن بين عوامل الجذب المدينية للريفيين وأبناء البلدان الصغرى مستويات الدخل المرتفعة المنتظمة في المدينة، مقارنة بالدخل في الريف وهناك مستوى الحياة اليومية الأكثر ارتفاعاً، إضافة إلى توفر مستويات أعلى من الخدمات الصحية والثقافية والبلدية ولسهولة الحياة بصورة عامة، والأهم من ذلك كله الحلم بإجراء تغييرات دراماتيكية في أوضاعهم ومرتباتهم الاجتماعية، وهو ما يقدم نموذجاً عنه عدد من أبناء كل قرية لأقرانهم.
ولدى استعراض بعض المعطيات الرقمية الخاصة بالمدن السورية الكبرى يتضح بعض عوامل الجذب للهجرة الريفية.
وفي هذا المجال يمكن القول إن الجامعات السورية وفروعها الأساسية قائمة في أكبر المدن وهي دمشق وحلب وحمص واللاذقية ما يجذب الراغبين من أبناء الريف لإتمام تعليمهم العالي، ويبلغ عدد المتعلمين الجامعيين في المدن 40 في الألف مقابل أربعة في الألف في الريف للذكور، وخمسة لكل عشرة آلاف مقابل 2 لكل عشرة آلاف في الريف بالنسبة للإناث.
وثمة جانب مهم في عوامل الجذب الثقافية، وهو حصر وجود المؤسسات الثقافية والإعلامية في كبريات المدن السورية حيث أن الصحف والمجلات الرئيسية موجودة في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وحماة، وكذلك الإذاعة والتلفزيون المتمركزة في دمشق ولها مراكز فرعية في المدن الكبرى كما أن المسارح ودور السينما ينحصر وجودها في دمشق وحلب وعدد قليل من أهم المدن.
إلى جانب ذلك تتركز الخدمات الصحية باعتبارها من عوامل الجذب المديني في دمشق التي كانت تستحوذ حتى وقت قريب على 62 في المئة من أطباء الصحة العامة و54 في المئة من أطباء الأسنان و51 في المئة من الصيادلة و60 في المئة من القابلات و77 في المئة من الممرضات و27 في المئة من المشافي الحكومية والمشافي الخاصة.
وعلى النسق ذاته من عوامل الجذب المدينية تأتي عوامل الطرد الريفية حيث تدنت مستويات الدخل الزراعي وضعف مردود العمل الزراعي وظروفه المحيطة التي يتداخل فيها الكثير من المؤثرات الطبيعية والبيروقراطية ومستويات التقنية وضعف التمويل. ومن بين عوامل الطرد انخفاض مستوى الخدمات البلدية والصحية والثقافية وهو أمر له أسبابه ودواعيه.
إن من بين عوامل الطرد الريفية على الصعيد الاجتماعي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تثقل كاهل الريفيين مثل علاقات الثأر وارتفاع المهور والالتزامات تجاه البنى الاجتماعية ما قبل الرأسمالية مثل القبليات والعشائرية والإقليمية وغيرها ما يفترض أن المجتمع الحديث تجاوزها. وفي نماذج محددة يمكن القول إن المهر وتكاليف الزواج الريفي للفئات الدنيا في الريف السوري (الشمالي والشمالي الشرقي خصوصاً)، تتجاوز مثيلاتها في معظمُ المدن السورية، ويدفع ذلك كثيراً من الشبان إلى الاتجاه نحو المدن إلى الزواج فيها ومن ثم الإقامة والاستقرار هناك.
وبشكل عام فإن لظاهرة الهجرة الريفية إلى المدن لا سيما المدن الكبرى آثار ونتائج على أكثر من صعيد في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وصولاً إلى إفراز تأثيراتها على البيئة.
ومن أبرز الآثار والنتائج على الهجرة انخفاض مستوى الأداء الاقتصادي للمناطق الريفية بسبب النقص المتزايد لليد العاملة الشابة والخبيرة ومن ثم إعادة توزيع الأراضي والحيازات الزراعية سواء بطريقة البيع أو بطريقة الإيجار وما في حكمها مثل أنظمة الحصص. وحدوث تبدلات في نظام القيم والتقاليد الاجتماعية، والانخفاض النسبي في حجم تعداد سكان الريف وارتفاع معدلات الأعمال في أوساطهم بسبب هجرة العنصر الشاب.
وترتب الهجرة الريفية إلى المدن المستقبلة للمهاجرين وفرة اليد العاملة وانخفاض أجورها الأمر الذي يفسح في المجال أمام المدن لتأمين احتياجاتها من الأيدي العاملة لتنمية مرافقها وتشغيل مؤسساتها الصناعية والتجارية والخدمية، الأمر الذي يمكن أن يحسن ويجمل صورة هذه المدن في بعض أحيائها لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يوسع إطار أحياء البؤس في بعض بقاع المدن. وبشكل عملي يمكن ملاحظة هذين الوجهين في أي من المدن السورية الكبرى.
ورتبت الهجرة الريفية الواسعة إلى المدن وبخاصة العاصمة دمشق أعباء جديدة على موارد المدن وهو أمر يبدو مفهوماً لمدينة ذات قدرات محدودة أصلاً ما شكل ضغطاً هائلاً على الموارد القائمة مثل المياه والأراضي الزراعية وغيرها وأسفر عن أزمات ملموسة.
وإذا كانت المناطق الريفية والمدن على السواء واجهت نتائج وآثار الهجرة، فإن الدولة بما فيها من مؤسسات وأجهزة عانت من الهجرة الريفية وعجزت عن استيعاب هذه الهجرة بمعطياتها وإمكاناتها بسبب نقص الإمكانات، التي كان يمكن أن توظف هذه الهجرة بطرق مجدية وعملية في إحداث تحولات دراماتيكية لتحقيق تقدم اقتصادي ـ اجتماعي ملموس، وكل ما حصدته الدولة في هذا السياق أنها أخذت تلهث وراء إحداث فرص عمل غير حقيقية لمئات الآلاف من المهاجرين الريفيين، وتواجه مطالب بخدمات ومرافق في المدينة والريف لقطاعات واسعة من الذين أمّوا المدن، وكثير منهم لم يقطع صلاته بالريف، وينتظر معظمهم فرصة تقاعده أو إحالته على المعاش للعودة إلى قريته ولذا فهو يطالب بخدمات ومرافق هنا وهناك مما يجعل الأعباء مزدوجة.
واستفادت فئات محدودة من مهاجري الريف، فاغتنت سواء عن طريق مواقعها الوظيفية في الدولة، أو بواسطة أنشطتها الاقتصادية ـ المرفقية التي غلب عليها الطابع الهامشي، أو بكلاهما معاً، وحققت تراكماً رأسمالياً أدخلته دورات استثمارية سهلة الكسب، سريعة الربح الأمر الذي جعلها تصعد في السلم الاجتماعي نحو الفئات العليا في المجتمع السوري.
وتعيش الغالبية الكبرى من مهاجري الريف في ظروف مختلفة ومتناقضة قسم منها منخرط في أعمال وظيفية محدودة المدخول بحيث تتطلب ظروف هؤلاء إعانات من الأهل الريفيين إذا كانت أحوالهم حسنة، وقسم آخر يتعيش من أعمال «حرة» و«هامشية» تتقلب دخولها وتتفاوت مستويات حياتها ومواقعها في الخريطة الاجتماعية.
والخلاصة في موضوع هجرة الريف إلى المدينة، أن لها إيجابيات وسلبيات في مختلف الاتجاهات وعلى كافة الصعد. وعموماً فإن تقصيراً واضحاً حصل في الاستفادة من إيجابياتها فيما تفاقمت سلبياتها الأمر الذي يتطلب وضع خطة تحد أولاً من الهجرة، وتقوم بتنظيمها طبقاً لاحتياجات ملموسة مرتبطة بخطط التنمية وتطوير الواقع الاقتصادي ـ الاجتماعي.
قد يكون المطلوب في بعض المواقع التشجيع على هجرة معاكسة باتجاه الريف مرفقاً بخلق شروط مادية ومعنوية تساعد في ذلك مثل التقليل من واقع التمايز بين الريف والمدينة بتحسين مستوى الحياة الريفية وإيجاد فرص عمل حقيقية وواقعية في مجالات الإنتاج والمرافق ومشاريعها العامة والخاصة والمشتركة.
سور دمشق وأبراجها
يعود تاريخ إنشاء سور دمشق إلى العهد الآرامي ثم اليوناني وبعده الروماني. وكان السور الروماني يمتد على خط مستقيم محدثاً شكلاً مستطيلاً منتظماً طوله 1340 متراً وعرضه 750 متراً، وكان يحوي مساحة تقدر بمائة هكتار، وهي مقسمة إلى جزر مستطيلة يبلغ بعد كل منها 100 مضروبة بـ45 متراً. مفصولة عن بعضها البعض بشوارع تتجه من الشمال إلى الجنوب أو من الشرق إلى الغرب.
وضم السور الروماني سبعة أبواب هي: الباب الشرقي، باب توما، باب السلام، باب الفراديس، باب الجابية، الباب الصغير، باب كيسان.
أما السور الحالي فهو مختلف عن السور الروماني، الذي رمم عدة مرات للخراب الذي أصابه على مر العصور، فعندما احتل العباسيون دمشق في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (132هـ/ 749م) قام عبدالله بن علي، الذي دخل المدينة في عهد الخليفة أبو العباس الملقب بالسفاح، بتخريب السور ولم يترك منه سوى قطعة صغيرة تمتد بين باب توما وباب السلام.
وأهمل السور طوال العهد العباسي وزاد تخريبه إبان الثورات المتلاحقة أيام الأخشيديين والفاطميين والسلاجقة. إلى أن أعاد الفاطميون بناءه في القرن العاشر أول مرة، وبناه نور الدين محمود بن زنكي مرة ثانية، وأخيراً تم استكمال بناء السور على يد الأيوبيين.
كان هناك خندق يحيط بالسور من جهاته الثلاث الشرقية والجنوبية والغربية، وكثرة الأنهار في الجهة الشمالية منعت حفر الخندق من تلك الجهة.
حيّد السور الحالي عن تخطيطه الروماني وذلك رغبة في دعمه، وجعله متفقاً مع اتساع المدينة وامتدادها، وعلى يد الأيوبيين جددت تحصيناته وتم توسيعه خصوصاً من الجهة الشمالية، حيث جعلوه يحاذي مجرى بردى الأصلي، بدلاً من أن يحاذي كما كان سابقاً نهر عقربا الذي لم يعد يحاذيه إلا بعد باب السلام. ولما أتى المماليك ثم العثمانيون، قاموا كذلك بإصلاح ما تداعى من منشآته.
وإذا لم يكن في الإمكان اليوم تحديد المراحل المتعاقبة التي مر بها منذ تحوله عن تخطيطه المستطيل القديم، إلى تخطيطه المتعرج الحالي، إلا أنه يمكن تبيان كل المراحل التاريخية التي تم فيها بناء الأقسام المتبقية من السور، فصفوف أحجاره السفلية الضخمة التي أخذت من السور القديم يعود عهدها إلى ما قبل القرن الثاني عشر. وصفوف الأحجار التي تليها والتي يراوح ارتفاعها بين 50 و60 سنتيمتراً تعود إلى زمن نور الدين وزمن الأيوبيين. أما مداميك الأحجار الصغيرة ذات الأبعاد 20 ـ 30 سنتيمتراً فهي تعود إلى عهد المماليك وبقية الأحجار غير المنحوتة العلوية، وضعت بعد الفتح العثماني.
قلت العناية بأسوار دمشق وأبراجها في العهد العثماني، وذلك لأنها أصبحت غير لازمة في الحرب بعدما تقدم في المدفعية فجعل الانصراف عن الاهتمام بالأسوار أمراً محتوماً له ما يبرره. ولهذا أخذ الناس يبنون بيوتاً متواضعة على الأسوار ويستفيدون من أساساتها. وامتلأت الخنادق التي كانت أمام السور بما كان يلقى بها من أنقاض وغيرها. وتركت القلعة وشأنها، وانتقلت الحياة الرسمية منها، ولم يبق فيها إلا حاكم كان يسميه السلطان لتمثيل سلطته في المدينة ولمراقبة الباشا الحاكم. أما أبواب السور فإنه لم تعد لها فائدة إلا كمناطق اجتياز وعبور تدخل منها البضائع إلى المدينة وتجرى عندها هناك المكوس.
أما أهم معالم سور مدينة دمشق فهي: برج نور الدين، وبرج الصالح أيوب، وقلعة دمشق، وأبواب السور.
برج نور الدين
يقع في الطرف الجنوبي الغربي من سور المدينة ويبلغ ارتفاعه الحالي عشرة أمتار. بناه نور الدين زنكي سنة 654هـ/ 1256م له قاعدة مربعة وشكل شبه مستدير. ويشبه الأبراج التي بناها المهندسون المسلمون في هذا القرن، والبرج مبني من أحجار أخذت كما يظن من سور المدينة القديم. ويلاحظ أن صفوفها السفلية أضخم من صفوفها العلوية التي جددت في زمن الملك الناصر قلاوون.
برج الصالح أيوب
يستند هذا البرج إلى الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة، ويصل سورها الشرقي بسورها الشمالي. أنشأه الملك الصالح أيوب سنة 646هـ/ 1248م، كما تشير كتابة بالخط النسخي على قطعة مرمر داخل إطار في جبهته الشمالية.
ويعد البرج نموذجاً للأبراج الأيوبية الدمشقية، شكله مربع وبناؤه مستوحى من أشكال وتخطيطات أبراج القلعة التي سبقته، ويختلف عنها ببعض التفاصيل، منها أن الوجوه الخارجية لأحجاره ملساء وغير بارزة، ومنحوتة بشكل جيد وما تزال محافظة تماماً على هيئتها القديمة.
كانت توجد عليه شرفات متصلة لم يبق منها الآن إلا مساندها المعلقة عند الطابق المتوسط.
قلعة دمشق
بنيت قلعة دمشق على سور المدينة، خلافاً لأكثر القلاع الإسلامية كقلاع حلب وشيزر وحماه وحمص التي شيدت على بعض المرتفعات.
والسلجوقيون كانوا أول من فكر ببناء هذه القلعة لتحصين دمشق. ولما حكم الملك العادل، أخو السلطان صلاح الدين الأيوبي، هدم القلعة القديمة وبدأ يجدِّد بناءها منذ سنة 605هـ/ 1206م.
للقلعة شكل مستطيل تقريباً مساحته 220 مضروبة بـ 190 متراً لها ثلاثة عشر برجاً، يبتعد كل منها عن الآخر ثلاثين متراً، وكانت تتصل ببعضها بأسوار مرتفعة سمكها بين 4 و 5 أمتار. واستخدمت القلعة كمكان للنشاط السياسي والإداري في دمشق. وكان في جنوبها الغربي قصر لم يبق منه إلا بعض الحجرات المتتابعة المسقوفة بالقباب. ويظن أن قاعات الاستقبال كانت أمام هذه الحجرات كما تدل الآثار.
برج قلعة دمشق
رمم بعض حصون القلعة وأسوارها، أو أعيد إنشاؤه عدة مرات، منذ زمن بنائها حتى أول القرن السادس عشر، حيث جدد الملك الظاهر بيبرس عدة حصون في شمالها وجنوبها. وأصلح السلطان قلاوون بعض أبراجها الشرقية والقصر الملكي. وعمل ابنه الناصر ومن بعده توروز الحفيظي وقانصوه الغوري أيضاً في إصلاح عدة مواضع من السور والأبراج.
وعن قلعة دمشق قال نوفان رجا الحمود:
ـ قلعة دمشق: القلعة في بنائها الحالي تعود إلى الفترة الأيوبية وأُدخل عليها بعض الترميمات والتحسينات في العهد المملوكي، كما أنها نالت اهتمام العثمانيين ورعايتهم، وتتكون القلعة من اثني عشر برجاً ومزودة بشرفات حربية، ومرامي للنبال والأسلحة النارية)[150]( وكانت حامية القلعة سنة 961هـ/ 1553م تتكون من:
أ ـ أربعة عشر بلوكاً من طائفة المستحفظان، بلغ عدد أفرادها مائة واثنين وأربعين جندياً)[151](، وارتفع هذا العدد ليصل بعد أربع سنوات إلى مائة وثمانين جندياً)[152](، كان أفراد هذه البلوكات يتقاضون رواتب نقدية من خزينة الدولة، يتراوح راتب الفرد منهم ما بين 4 ـ 6 أقجات يومياً)[153](.
ب ـ بلوكان من الطوبجية)[154](، وقدر عدد أفرادهما بستة وعشرين جندياً)[155]( وكان يتقاضى كل فرد منهم راتباً نقدياً يتراوح بين 5 ـ 10 أقجات يومياً)[156](. وانخفض عدد الطويجية إلى أحد عشر جندياً سنة 971هـ/ 1563م)[157](.
اثنا عشر فرداً من العربجية)[158](، الذين انخفض عددهم سنة 971هـ/ 1563م إلى سبعة أفراد فقط، وبلغ راتب العربجي اليومي ما بين 5 ـ 6 أقجات)[159](.
أحد عشر فرداً من الجبه جية، ولكن عددهم أخذ في التناقص إلى أن وصل سنة 971هـ/ 1563م إلى ستة أفراد)[160](. كان الفرد منهم يتقاضى راتباً يومياً يتراوح ما بين 5 ـ 8 أقجات)[161](.
عشر أفراد من المتفرقة كان راتب الواحد منهم يتراوح ما بين 5 ـ 8 أقجات يومياً)[162](. ونستطيع القول إن عدد جنود قلعة دمشق لم يقف عند هذا العدد بل زاد زيادة ملحوظة في السنوات التي تلت، وذلك لعدة أسباب منها: الأهمية الاستراتيجية لقلعة دمشق، حيث يتفرع من مدينة دمشق طريقان مهمان: أحدهما طريقة تجاري ذو أهمية اقتصادية كبرى بالنسبة للدولة وهو الطريق الذاهب عبر فلسطين إلى مصر والطريق الآخر ذو أهمية دينية كبرى وهو طريق الحج الشامي، إضافة إلى أهميته الاقتصادية أيضاً، لذا كان لا بد من وجود قوة كافية في القلعة تكون مستعدة عند الحاجة إليها إذا ما تعرض أحد هذين الطريقين إلى الخطر، خاصة بعد أن هجرت بعض قلاع طريق الحج، هذا بجانب الأهمية التي كانت تعلقها الدولة على عسكر دمشق في المساعدة في جمع الأموال السلطانية، خاصة من مدينة حلب وريفها، فقد ذكر أبو الوفاء العرضي سنة 1012هـ/ 1603م أن عدد جنود دمشق الذين كانوا في مدينة حلب عند حدوث المواجهة بينهم وبين عسكر قلعة حلب، يقارب الألف جندي)[163]( وكان من مسؤولية القوة العسكرية مواجهة حركات العصيان المتكررة التي كان يقوم بها الزعماء المحليون، وقد قدرت عدد قوات دمشق التي خرجت لقتال الأمير فخر الدين المعني سنة 1033هـ/ 1623م ما يقارب عشرة آلاف جندي)[164](. من هنا كان لا بد من مرابطة قوات كبيرة في قلعة دمشق، ويعزز هذا الرأي ما تورده سجلات محاكم دمشق الشرعية من أسماء بعض الفرق العسكرية التي كانت ترابط في دمشق، كالفرقة الحادية والسبعين)[165](، والفرقة الثانية والستين)[166](، وفرقة القابوقولية الثالثة والثلاثين)[167](. وعندما زار التاجر الفرنسي Thevenot مدينة دمشق سنة 1664م، ذكر أن عدد جنود قلعتها يتراوح ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف انكشاري، وكان هذا العدد ينقص حيناً ويزيد حيناً آخر)[168](.
ونظراً لما تمثله قلعة دمشق من أهمية في نظر الدولة، فقد حاولت الدولة جاهدة المحافظة على نقاء قوات القلعة وعدم تسرب العناصر المحلية والغريبة (الطاط) )[169]( إلى صفوفها، كي تبقى هذه القوات محافظة على الروح العسكرية، وتمثل ذلك في مراسيم سلطانية وجهت إلى ولاة دمشق (كما حدث سنة 979هـ/ 1571م و985هـ/ 1577م) والتي كانت تنص على أن يملأ الولاة الوظائف التي تشغر بين صفوف الجند بعناصر رومية (تركية) )[170](، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً، فقد حدث تسرب من كلا الاتجاهين: السكان المحليين الذين أرادوا الاستفادة من الامتيازات الممنوحة للعسكر، والعسكر الذين وجدوا المجال مفتوحاً أمامهم لمشاركة الرعية في ممارسة مختلف وجوه النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي ترتب عليه إضعاف الروح العسكرية فيهم، مما اضطر الدولة إلى تجديد حامية دمشق بين حين وآخر، كما حدث سنة 1069هـ/ 1658م عندما بعث الصدر الأعظم (محمد باشا كوبرلي) )[171]( قوة من القابوقولية قدر عددها بثلاثمائة فرد للحلول محل حاميتها، ونتيجة لهذا العمل علل المحبي فساد عسكر الشام)[172](، وهكذا أصبح في دمشق نوعان من الانكشارية: الانكشارية التي كان ولاؤها للدولة وسميت بالقابوقول. والانكشارية التي حدث بينها وبين السكان ارتباط مصالح وسموا بالانكشارية المحلية (اليرلية) )[173](. ومع مرور الزمن زاد ارتباط المصالح بين الانكشارية المحلية والسكان. وبرز العديد منهم في مجالات مختلفة كان أهمها المجال الاقتصادي، ولم ينحصر اهتمامهم في دمشق بل تعدى ذلك إلى ولاية حلب خاصة عندما أوكل إلى عسكر دمشق جمع الأموال السلطانية من ولاية حلب، الأمر الذي أدى إلى ثرائهم، حتى أن بعضهم فضل الإقامة في حلب وريفها على العودة إلى دمشق)[174](. وبلغ من أهمية الانكشارية المحلية أن أوكل إلى بعضهم إمارة قافلة الحج عدة مرات)[175](، وبرز من بين صفوفهم زعماء مشهورون مثل: كيوان بلوكباشي، وكورد حمزة بلوكباشي اللذان تزعما جند دمشق لفترة من الزمن)[176](، وعبدالسلام المرعشي وعلي بن الأرناؤوط وحسن التركماني وكثيرون غيرهم)[177](. وقد زادت المصاهرة من الارتباط بين الانكشارية والسكان، وأصبح زعماء الانكشارية المحلية، في نظر أفراد الرعية، هم المدافعين عن مصالحهم، فالتفوا حولهم وساندوهم ضد قوات القابوقول وضد الولاة الجدد، الذين كانوا أبرز الأعداء في نظر الانكشارية المحلية لمحاولتهم سلبهم ما حصلوا عليه من مكاسب.
أبواب دمشق
يضم سور المدينة أبواباً عدة، كانت سبعة في السور الروماني، أما في السور الحالي ففتحت أبواب جديدة أو سدت أبواب أخرى، وحالياً اختفت بعض الأبواب وحلت مكانها أبنية أو طرق أو أسواق. والأبواب هي:
مشهد من دمشق
1 ـ الباب الشرقي:
يقع على الجهة الشرقية من السور، وينتهي عنده الشارع المستقيم الواصل بين الباب الشرقي وباب الجابية، بني في العهد الروماني أوائل القرن الثالث للميلاد، وجدد في عهد نور الدين زنكي سنة 559هـ/ 1163م كما جدد بناء المئذنة في عهد السلطان العثماني مراد الثالث قبيل سنة 990هـ/ 1582م.
يتألف الباب من ثلاث فتحات أكبرها الأوسط، الذي يقابل منتصف الشارع المستقيم سدت هذه الفتحة والفتحة الجنوبية في القرون الوسطى، ولم يبق إلا الفتحة الشمالية التي تعلوها صفوف من أحجار السور، بقي الوضع كذلك حتى عهد قريب حيث تم الكشف عن الأجزاء التي كانت مختفية منه وفتحت الفتحات الثلاث.
ومستوى أرض الباب أعلى من مستواه القديم، وكانت توجد خارجه باشورة (سوق صغيرة) ذات حوانيت، يمكن إغلاقها ليتمكن أهلها من البقاء فيها، لدى حدوث الغارات أو إقامة الحصار على المدينة. وهذه الباشورة كغيرها من الباشورات الموجودة قرب الأبواب الأخرى، هي من عمل نور الدين زنكي، الذي قام أيضاً ببناء مسجد ومنارة عند كل باب من أبواب المدينة، وذلك بغية مراقبة العدو من مكان مرتفع عند اقترابه من دمشق إبان الحملات الصليبية، إضافة إلى الأذان.
ومن أهم الأحداث التي وقعت عند هذا الباب، نزول خالد بن الوليد عندما فتح دمشق سنة (14هـ 635م)، ومنه دخل عبدالله بن علي حين احتلها العباسيون سنة (132هـ/ 749م).
2 ـ باب توما:
يقع باب توما في الجهة الشمالية الشرقية من سور دمشق، وهو في الأصل باب روماني نسب لأحد عظمائهم واسمه (توما). كانت عنده كنيسة حولت إلى مسجد فيما بعد، وارتفعت فوقه مئذنة كالباب الشرقي، كما كانت توجد عنده باشورة على غرار الأبواب الأخرى.
أعيد بناؤه بشكل جديد زمن «الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى الأيوبي» سنة (625هـ 1228م) كما تشير إلى ذلك كتابة في داخله، وجدد في زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون بواسطة نائبه في دمشق الأمير تنكز سنة (734هـ 1333م) كما تنص على ذلك كتابة على عتبة الباب من خارجه.
أزيل المسجد الذي كان عنده أثناء تنظيم المنطقة في بدايات العهد الفرنسي، وبقيت المئذنة إلى أن أزالها المهندس أيكوشار في الثلاثينات من هذا القرن قبيل الحرب العالمية الثانية بسنوات.
يعتبر باب توما نموذجاً من نماذج المنشآت العسكرية الأيوبية التي تقدم صنعها تقدماً مدهشاً في أول القرن الثالث عشر الميلادي. يعلوه قوس مجزوء. وشرفتان بارزتان لهما دور عسكري وتزييني معاً، وبينهما كوّات الدفاع المستطيلة. أما طبقة الباب العلوية فهي مهدمة ومصلّحة. وينسب باب توما كما أورد ابن عساكر إلى كوكب الزهرة.
3 ـ باب الجنيق:
لا توجد معلومات وافية عنه، غير أنه ذكر في المراجع بأنه يقع بين باب توما وباب السلام، وقد سد منذ عهد بعيد وكانت عنده كنيسة حولت إلى جامع صار بيوتاً للسكن فيما بعد.
4 ـ باب السلام:
من أبواب دمشق الشمالية، يقع غرب باب الجنيق ويقوم في منعطف من السور يجعل اتجاهه نحو الشرق، يقول ابن عساكر في تسميته: «سمي بذلك تفاؤلاً، لأنه لا يتهيأ القتال على البلد من ناحيته، لما دونه من الأنهار والأشجار… ومنه كانوا يدخلون دمشق للسلام على الخلفاء.
اختلفت الروايات حول أصله، فمنهم من نسبه إلى العصر الروماني، ومنهم من قال بأنه لا يبعد أن يكون قد بني لأول مرة في زمن نور الدين زنكي سنة (560هـ/ 1164م) وعلى عتبته من الخارج كتابة تشير إلى ذلك. كما كانت تعلوه مئذنة على غرار باب توما والباب الشرقي. وله درفتان مصفحتان بالحديد، وهو ثاني باب أيوبي أنشىء بعد باب توما، ويشبهه بقوسه وكوّته وشرفاته، ويمتاز عنه بأنه لم يرمم في زمن المماليك ولم يزل في حالة جيدة.
5 ـ باب الفراديس:
ويسمى أيضاً باب العمارة، يقع في الجهة الشمالية للسور، وتعود تسميته إلى العهد الروماني لكثرة البساتين أمامه، أعاد إنشاءه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل سنة (639هـ، 1241م)، وهو حالياً موجود ضمن سوق العمارة وتحيط به المحلات التجارية من الجهة الخارجية للسور.
6 ـ باب الفرج:
يقع في الجهة الشمالية من سور دمشق، بين العصرونية والمناخلية. لذلك يسمى أحياناً باب المناخلية، كذلك يسمى باب البوابجية.
يلاحظ أن عدد أبواب المدينة في الجهة الشمالية أكثر منه في الجهات الأخرى، بسبب عدم إمكان توقع هجوم من هذه الجهة للحماية التي توفرها قنوات المياه (بردى وفروعه العقرباني والداعياني) إضافة لصعوبة التضاريس الناتجة عن سفوح قاسيون.
أحدث الباب نور الدين وسمي باب الفرج لما وجد الناس فيه من الفرج، وجدد أيام سيف الدين ابن أبي بكر بن أيوب عام 689هـ وهو باب مزدوج.
7 ـ باب النصر:
كان يقع على الجهة الغربية للسور جنوب القلعة مباشرة عند سوق الأروام (بداية سوق الحميدية من جهة شارع النصر). أنشأه نور الدين ثم هدم أيام الوالي العثماني محمد رشيدي باشا الشرواني سنة 1280هـ/ 1863م.
8 ـ باب الجابية:
كان يقع غرب سور المدينة جنوب باب النصر، وهو يكاد يواجه الباب الشرقي، ويصل بينهما السوق الطويل (الشارع المستقيم).
يماثل باب الجابية الباب الشرقي من حيث التصميم، إذ كان يتألف من ثلاث فتحات أكبرها هي الوسطى، وقد سمي بهذا الاسم لأنه يؤدي إلى قرية الجابية التي تقع في الجولان. أعاد إنشاءه نور الدين سنة (560هـ، 1164م)، ثم جدده ناصر الدين داود بن عيسى.
يقال إن أبا عبيدة بن الجراح دخل دمشق من باب الجابية صلحاً عند الفتح العربي لها.
9 ـ الباب الصغير:
يسمى أيضاً باب الشاغور، ويقوم في طرف السور الجنوبي مكان باب روماني قديم، والباب الحالي جدده نور الدين، وعليه كتابة مستطيلة بالخط الكوفي تشير إلى أن نور الدين رفع حق التسفير عن التجَّار الذاهبين إلى العراق والقافلين منها.
جدد الباب ثانية في زمن الأيوبيين، وعليه كتابة تذكر أن السلطان عيسى ابن الملك العادل هو الذي قام بهذا العمل سنة 623هـ، ويظهر أن ذلك لم يكن إلا دعماً لما قام به نور الدين.
سمي بالباب الصغير لأنه أصغر أبواب دمشق. وسبب ذلك خطورة الجنوب لدفاع دمشق كونه مفتوحاً عكس الشمال المحمي بالأنهار والأشجار.
يعلو الباب قوس مدوّر، وفوق القوس من الداخل قبة على شكل المهد، وله مصراعان ملبسان بصفائح الحديد المثبتة بمسامير غليظة، يتحركان بارتكازهما على عضادتين صغيرتين علويتين، وعضادتين سفليتين.
10 ـ باب كيسان:
يقع إلى الجهة الجنوبية للسور قبالة دوّار المطار في شارع ابن عساكر، قام نور الدين بسده، ثم أعيد فتحه في عهد المماليك سنة (765هـ/ 1363م) على يد الملك الأشرف ناصر الدين شعبان الثاني، ورمم مجدداً في عهد الانتداب الفرنسي.
كان في قربه مسجد جدده نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، وتشير اللوحة الأثرية عند هذا الباب أنه جدد في العهد العربي، وأدخلت عليه تعديلات عام 1925م، وحالياً، أصبح الباب مدخلاً لكنيسة القديس بولس (سانت بول) التي شيدت عام 1939م، وتروي المصادر التاريخية أن هذه الكنيسة بنيت في نفس المكان الذي تم فيه إنزال بولس بسلة من فوق السور، فتمكن من الوصول إلى أوروبا حيث نشر الديانة المسيحية.
الخانات)[178](
تعددت التسميات التي تطلق على المنشآت المعدة لاستقبال المسافرين والقوافل، والتي تعرف في بلاد الشام تحت اسم «الخانات» ويطلق عليها في مصر اسم «الوكالة».
ولعل تسمية «الخان» تعود إلى الفارسية «أو خانة»، وكانت تعني المبنى المقام على الدروب الخارجية لإيواء القوافل والجنود، ظهرت في فارس منذ عهد قورش «سيرهوس» 550ق.م.
مقبرة الباب الصغير 1865م
وفي المغرب العربي سرت تسمية «الفندق» و«الرباط» الذي يعني الحصن المخصص لإيواء المحاربين أكثر من معناه الفندقي.
وأطلق العرب اسم «القيسارية»)[179]( على الأسواق المغلقة، ثم اختلطت التسمية وأصبحت القيسارية مرادفة للفندق والخان، بدءاً من القرن الخامس عشر، ولكن التسمية استمرت في المغرب، بعد أن أهملت في المشرق العربي.
وظائف الخان
إن الوظائف الأساسية التي من أجلها أُنشئت الخانات هي إيواء القوافل والمسافرين، ولكن ثمة وظائف مرافقة كالبريد والتجارة والأمن، كانت تتميز في عصر أو آخر. فيأخذ الخان وظيفة دون أخرى. وكثيراً ما أصبحت الخانات مقرات سكنية مستمرة يستأجرها المقيمون لوقت دائم، بعد أن كانت لإقامة مؤقتة، أو أصبحت أسواقاً لتبادل البضائع والمتاجرة بها، أو مستودعات لا نشاط فيها أو مراكز لجاليات أو قنصليات لدول أجنبية، لعبت دوراً في حماية التجارة الدولية، أو أصبحت حصناً وثكنة عسكرية ومركزاً دفاعياً.
على أن الوظيفة الفندقية، يعني استقبال المسافرين لإقامة مؤقتة، هي الوظيفة الأساسية التي استمرت حتى هذا القرن العشرين.
النموذج المعماري للخان
ويختلف نموذج عمارة الخان في البلاد الشامية عن «الوكالة» في مصر وعن الرباط في المغرب، والخان السوري الذي نرى له نماذج كثيرة في دمشق يقوم بوظيفتين معاً، الوظيفة الفندقية، وهي إيواء المسافرين وتأمين معاشهم الموقت في غرف عليا، والوظيفة التجارية التي تمارس في فناء الطابق الأرضي وغرفه، حيث تربط الجمال والدواب التي تحمل البضائع المعروضة للبيع والتداول، وفي الغرف المجاورة تمارس عمليات التجارة والاتفاقات، وتخزن البضائع عند الحاجة في المستودعات.
هكذا يتألف الخان من طابقين مشرفين على باحة مكشوفة، وبعد الباب الكبير الذي يشكّل المدخل الرئيسي للخان، تقوم غرفتان صغيرتان للإدارة والمراقبة، يعقبهما درجان يصلان إلى الطابق العلوي المحاط برواق مفتوح على الباحة المكشوفة، وتنفتح على الأروقة الأربعة أبواب ونوافذ الغرف أو الوحدات المؤلفة من عدد من الغرف، والتي تستوعب المسافرين. وتغطَّى هذه الغرف بقباب نصف كروية أو مفلطحة، وجهزت هذه الغرف بمصاطب هي أسرّة للنوم. ويتضمن الخان عادة مراحيض ومياه جارية وبركة تتوسط الباحة المكشوفة لسقاية الدواب، ولا بد من مصلّى مرفق بالخان وقد يكون مسجداً، وقد يشمل الخان حماماً خاصاً، وكانت الخانات في العهد السلجوقي تحوي مطابخ ومخابز.
الكارافان سراي
وقد يقام الخان داخل المدن أو على الطرقات الواصلة بين المدن، وقديماً أطلق على الخانات الخارجية اسم «كارافان سراي» وتعني قصر القوافل، وهي كلمة فارسية ـ تركية انتقلت إلى اللغات الأجنبية ولم يستعملها العرب، وكانت هذه الخانات محصنة، حتى أنها تحولت إلى حصن عسكري في بعض الأحيان.
وتضاءل دور الخانات مع تضاؤل التبادل التجاري البري، وظهور وسائل النقل البحري ووسائل النقل الآلي، أعني السيارات التي ضخمت وطورت عمليات السفر والنقل، وظهرت أبنية لإيواء المسافرين مستقلة عن الأسواق والمستودعات. ثم كانت الفنادق الحديثة بشروطها المتطورة، وأهملت الخانات الخارجية والداخلية، وأصبحت موئلاً للوظائف الثانوية، حتى انتبهت السلطات الأثرية لحمايتها فقامت بترميمها، وإعادة الحياة إليها، ولكن بتحويلها إلى مقرات سياحية ومتحفية، وإلى أسواق أو معامل…
وكانت الخانات تدار وفق نظام دقيق، فإذا كانت تابعة للدولة كالخانات الخارجية، فإنها تدار من وكيل الوالي، أما إذا كانت خاصة فإنها تدار من صاحبها يساعده ناظر أو وكيل في تأجير الغرف وتحقيق النظافة والأمن وجباية ضرائب الدولة، ومن عسس لحراسة المبنى وكان تأجير الخان الخاص يتم لمدة محدودة أو مدة طويلة عن طريق دفع ما يسمى بـ«الخلوة» أو «كدبل» بالتركية. ويمكن بيع الخانات ووقفها لجهة خيرية أو ذُرية.
أما الضرائب فكانت تجبى بصورة دقيقة مركزة في الخان، وهي الزكاة، والعشر للأجانب، وكثيراً ما كان صاحب الخان يلتزم عملية جباية الضرائب للدولة، وكان على مستخدمي الخان أن يدفعوا للوالي ضريبة خاصة تسمى «المكس». وفي العهد العثماني أضيفت ضريبة خاصة على موارد الخان تدفع سنوياً، ولقد أصبح بعض الخانات مقراً لموظف المكوس والجمارك.
خانات دمشق)[180](:
في كتاب «دمشق، مدينة إسلامية» ج2 سنة 1924 للباحثين الألمانيين فولتسنغر وفاتسنغر تحقيق لمواقع المنشآت الإسلامية، وفيه ورد ذكر أقدم خان في دمشق هو دار الضيافة، يعود إلى عام 720م، ثم ورد اسم خان (أماجور) ويعود إلى عام 878م، وهذا يعني أن الخانات في دمشق أنشئت في العصر الأموي واستمرت إلى العصر العباسي، ثم الفاطمي، حيث ورد في هذا الكتاب اسم القيسارية الفخرية التي تعود إلى عام 1042م.
ووردت في الكتاب أيضاً أسماء خانات تعود إلى العصر الزنكي، زادت على العشرين خاناً، وأسماء خانات تعود إلى العصر الأيوبي تزيد على هذا العدد. ولم يبق من هذه الخانات اليوم أي أثر. أما الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي فبلغت مئة وخمسين خاناً بقي منها، خان الدكة فقط.
وبلغ عدد الخانات التي أُنشئت في العهد العثماني ثلاثة وثمانين خاناً، بقي منها خان المرادية، وخان الجمرك، وخان الزيت، وخان سليمان باشا، وخان أسعد باشا، وخان السفر جلانية، وخان الزعفرنجية، وخان العامود، وخان الرز، وحان العصرونية، وخان القيشاني، وخان التوتون، وخان الصوّان، وخان الصنوبر، وخان السلق، وخان القطن، وخان الجلود، وخان مردم بيك، وخان الجيجاوي، وخان الكزبري، وخان شموط (ولم يذكره الكتاب خاناً بل حماماً) وخان القوتلي، ثم وكالة العشا ووكالة كحالة.
ويفتقر أكثر الخانات إلى مصادر تاريخية، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم أو دراسة المهدومة، وسنتحدث عن أهم الخانات الدمشقية التي ما زالت باقية، وشملتها عمليات الترميم والتأهيل، بعد أن أهملت طويلاً، ولا بد من القول إن الخانات المتبقية، مسجلة في القوائم الأثرية، وهذا يعني أنها في حماية السلطة الأثرية ورعايتها. فلا يجوز هدمها وتغيير أوصافها. حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية.
خان الدكة: هو أقدم خان ما زال قائماً حتى اليوم، وتسميته تعود إلى منصة حجرية فيه، حيث كانت تعرض الجواري والأقنان لبيعها، ولذلك أطلق عليه أحياناً اسم خان الجواري، ويقع في سوق مدحت باشا.
وهو مؤلف من باحة مكشوفة محاطة بثماني غرف، وثمة قائمة كبرى في الزاوية الشمالية الشرقية، وما زالت أعمدة المنصة أو الدكة قائمة في الباحة التي زالت منها البركة ذات الاثني عشر ضلعاً. وفي الدهليز الذي يعقب بوابة الخان غرفتان من كل جانب، والخان مؤلف من طابق أرضي فقط.
ومن العصر المملوكي ما زال «خان جقمق» قائماً، وكان الأمير سيف الدين جقمق نائب السلطان المملوكي في دمشق أنشأه عام 1421م، وهو يقع كسابقه في سوق مدحت باشا، هذا السوق الذي كان في العهد الروماني السوق الرئيسي للمدينة (دوكومانوس).
ولهذا الخان الصغير بوابة مزخرفة كبيرة، تنتهي بعد دهليز مسقوف إلى باحة مكشوفة مستطيلة، كانت لها بركة سداسية، وأحيطت بغرف عددها ثماني عشرة غرفة، وفي جانبيها إيوانان من الشرق والغرب مغطيان بقبوة متصالبة، ويصعد إلى الطابق العلوي من درجتين في الدهليز، وفيه اثنتان وعشرون غرفة، سقوفها كانت مقببة قبل حريق 1925، ثم أعيد بناؤها مسطحة.
أما «خان الخياطين» الذي أنشأه الوالي العثماني شعبان أحمد شمسي باشا سنة 1556م، فإنه يقع في سوق الخياطين، وكان اسمه «خان الجوخية». وهو مؤلف من بوابة مزخرفة، ودهليز في طرفيه درج وقاعة واسعة، لعل أحدها كان مطبخاً، وينتهي الدهليز بباحة مستطيلة مؤلفة من مربعين، ومحاطة برواق، ولعل الباحة كانت مغطاة بقبتين لهما أثر واضح في زوايا وأركان القباب المتبقية. ويحيط بالباحة اثنتي عشرة غرفة، كل غرفة مؤلفة من قسمين تعلو كل واحد قبة، أما الطابق العلوي فكان مؤلفاً من عدد مماثل من الغرف التي يتقدمها رواق مقبب يدور حول الباحة ويشرف عليها. ويعتبر هذا الخان أقدم الخانات العثمانية في دمشق.
أما «خان الحرير» الذي يقع في سوق الحرير، جنوبي الجامع الأموي الكبير، فأنشأه سنة 1573 درويش باشا، ويطلق عليه اسم قيسارية درويش باشا، وقد أوقفه لصالح جامع الدرويشية وملحقاته.
وتبلغ مساحة هذا الخان الواسع 2500 متر مربع. وتنفتح بوابة الخان المزخرفة من طرف الواجهة المبنية من مداميك متناوبة من الحجر المنحوت الأبيض والأسود، ويحيط بالخان خارجياً سبعة وعشرون مخزناً. وعندما نتجاوز البوابة، وبعد اختراق الدهليز المغطى بقبتين متصالبتين، نصل إلى الباحة المكشوفة المحاطة بتسعة عشر مخزناً، لكل مخزن مستودع، وفي وسط الباحة بركة، وتغطي المخازن قبوات سريرية أو متصالبة، وهي مبنية من الحجر المنحوت الأسود، وفوق أبوابها ونوافذها أقواس مزينة بمنحوتات بديعة.
ونصعد إلى الطابق العلوي من درجين في الدهليز، ونصل إلى رواق محيط مغطى بأربع وأربعين قبة صغيرة، تقوم خلفه اثنتان وخمسون غرفة مغطاة بقبوات سريرية، وثمة غرفة واسعة تخرج عن مخطط الخان في الزاوية الشمالية الشرقية، وتقوم فوق مخزن في الطابق الأرضي.
في عام 1593، وبمقتضى وقفية مراد باشا تم بناء «قيسارية ابن القطان» التي تسمى «خان الصابون»… و«خان المرادية» الذي يسمى «البزستان». أما القيسارية فهي بناء صغير مؤلف من طابقين حول باحة مربعة، وفي الطابق العلوي رواق مغطى بإحدى عشر قبة.
أما خان «المرادية» فكان موقوفاً على فقراء الحرمين الشريفين، ويقع غربي الجامع الأموي، وله خمسة أبواب، وهو مؤلف من بناء مربع وملحق مستطيل، ويتألف البناء المربع من باحة مربعة محاطة بأربعة وعشرين مخزناً، عدا ثلاثة وعشرين مخزناً خارجياً، أما الملحق فهو دهليز يشكل مدخلاً لخان الجمرك.
أما «خان الجمرك» وهو من منشآت الوالي مراد باشا سنة 1596م. فيختلف بمخططه عن جميع الخانات، إذ يمتد على شكل زاوية قائمة من دخلة السليمانية إلى سوق الحرير في اتجاه الشرق. ولقد وصف في وقفية مراد باشا وصفاً دقيقاً مع وصف المرادية، وهو يتضمن ثلاثة وخمسين مخزناً كبيراً وثمانية مخازن صغيرة، وتقوم بين المخازن عضادات تحمل أقواساً تستند عليها تروس، تحمل تسع قباب ذات رقاب ونوافذ.
وقبل أن نتحدث عن خان أسعد باشا، لا بد أن نتذكر خان سليمان باشا الذي يقع في سوق مدحت باشا، وهو مبني بمداميك بيضاء وسوداء بالتناوب. وهو كباقي الخانات هندسة، ويمتاز بباحة مستطيلة كانت مغطاة بقبتين زالتا وما زالت آثارهما باقية. وفي مدخل الباحة تقوم سبع عشرة غرفة ومخزن وإسطبل ودورتان للمياه.
أما الطابق العلوي فمؤلف من رواق مغطى بقبوات متصالبة ومحاط بتسع وعشرين غرفة ذات نوافذ من الطرفين، الداخلي والخارجي، ولهذا الخان أبواب ثلاثة تقع في الزاوية الجنوبية الغربية، ابتدأ بناء هذا الخان بأمر الوالي سليمان باشا العظم سنة 1732م وانتهى عام 1736م، وفي عهد ابن أخيه أسعد باشا سنة 1743 ابتدىء ببناء خان أسعد باشا الذي يستحق بحثاً مستقلاً، فهو رائعة معمارية تفوق نظائرها في جميع أنحاء البلاد التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية، وصفه «لامارتين» عند زيارته إلى دمشق، بكثير من الإعجاب والتقدير لصانعيه ومصمميه.
أُنشىء خان أسعد باشا في عام 1743م وانتهى بناؤه عام 1756م، وهو ملك خاص لوالي دمشق أسعد باشا العظم، ثم انتقلت ملكيته إلى عدد من التجار، ثم استملكته مديرية الآثار مؤخراً، ورممته لاستخدامه سوقاً سياحية للصناعات الشعبية.
يقع الخان في سوق البزورية الشهير، حيث باعة العطارة والسكاكر، إلى جانب حمام تاريخي أُنشىء في عهد نور الدين بن زنكي، وتبلغ مساحته 2500 متر مربع، ويمتاز بواجهة عريضة في وسطها بوابة ضخمة مزخرفة، يعلوها ساكف مزخرف بقوسين بارزين متشابكين، وفوقهما تجويف من المقرنصات يحيطه قوس مركب من أحجار متشابكة مسننة بلونين أبيض وأسود متناوبين، وفوقه نافذتان، وعلى جانبي القوس الأعلى نوافذ مستطيلة، ومن الأسفل فتحتان مزودتان بفسقيتين، وفي واجهة البناء الجنوبية والغربية 31 مخزناً، وبعد دهليز عريض يستوعب غرفتين للحراسة ومصعدي الدرجين، نصل إلى باحة ذات فتحة سماوية دائرية توحي أنها كانت مغلقة بقبة، وفي وسط الباحة، بركة مثمنة. وجدران الباحة التي تشكل واجهات الغرف مبنية بالحجر الأسود والأبيض بمداميك متناوبة. وتحيط بالفتحة السماوية ثماني قباب تغطي الباحة، عدا مركزها، بمساحة 729 متراً مربعاً، وأعيد ترميم بعض هذه القباب مؤخراً، وهي ترتفع عشرين متراً.
ويتألف الخان من طابقين: الطابق السفلي ويحوي واحداً وعشرين مخزناً أكثرها مزود بمستودعات، وفي القسم الشمالي الغربي مسجد صغير ينفتح إلى خارج الخان.
يتألف الطابق العلوي، من أروقة مشرفة على الباحة، وخلفها خمس وأربعون غرفة، وجناح للمراحيض، الغرف كلها مغطاة بقباب صغيرة، وذات أبواب ونوافذ ما زالت تحتفظ بأصالتها مع أقفالها.
وواجهة هذا الخان ومشهده الداخلي يثيران الإعجاب بروعة الزخرفة، والتنسيق اللوني، مع دراسة رائعة للفضاء الداخلي.
وفي مقابل خان أسعد باشا يقوم خان صغير يضم مجموعتين من المخازن، بينهما ما زال قائماً عمود يحمل أساس عقود، مما يدل على أنه كان يحمل أعصاب قبتين تغطيان باحتي المجموعتين، وهو مؤلف من طابقين، ويطلق على هذا الخان اسم «خان العمود» ولا يعرف تاريخه الدقيق.
وليس بعيداً من هذا الخان، يقوم «خان الصدرانية» ويختلف مخططه عن باقي الخانات، بسبب مساحة الأرض المحدودة الضيقة، ويلفت النظر بحلوله الهندسية التي أدّت إلى الاستفادة من كل جزء من الأرض لإقامة المخازن والغرف حول باحة مستطيلة، وعددها ثلاثة عشر مخزناً. أما غرف الطابق العلوي فهي مهدمة ومهجورة.
قباب خان أسعد باشا ومأذنة الشحم 1870م
وثمة خان صغير يسمى «العفرنجية» يشبه هندسياً خان الصدرانية وهو معاصر له.
إن عدد الخانات الوافر في دمشق، وما زال القليل منها باقياً، يدل على مدى ازدهار الحياة الاقتصادية والتبادل التجاري بين دمشق وغيرها من المدن السورية أو العواصم الإسلامية، خصوصاً مكة المكرمة والمدينة المنورة، إذ كانت مواسم الحج ذهاباً وعودة من أخصب المواسم وأطولها، وأثرت الظروف السياسية والاقتصادية في الدول المجاورة وفي سورية، على المواسم الاقتصادية، ما نراه واضحاً في تزايد أو إهمال الخانات عبر التاريخ.
خان أسعد باشا يتحول متحفاً للتاريخ الطبيعي
حظيت دمشق منذ الأزمنة القديمة بموقع استراتيجي مكّنها وعلى مرّ العصور من أن تكون بوابة للقادمين إلى مناطق الشرق. وقديماً احتلت موقعاً مميزاً على طريق القوافلِ التجارية المحملة بالبضائع المتعددة الأنواع للتجار القادمين إلى الشرق. وهذا الأمر دعا سكّانها لإقامة المنازل والمنشآت الخاصة بالمسافرين. وقد أقيم في دمشق العديد من المنازل لاستقبال القوافل من تجار وحجاج وأطلق على هذه المنازل تسميات عدة منها الفنادق.. القيساريات.. الخانات. فمع كون هذه المنازل تختص بوظائف متشابهة إلا أن لكل منها هندسة معمارية رائعة خاصة به. وقد تطورت هندسة هذه الخانات منذ أواخر العهد العثماني حتى أصبح واحدها أشبه بسوق مغلق مبني في طبقتين من الحجارة الجيدة النحت في واجهته وبوابته وجدرانه الداخلية. أما القباب فبنيت من الآجر وطليت بالكلسة البيضاء. هذا ويتخلّل الواجهات البوابات وبعض الزخارف المعمارية والأحجار الملونة.
ومن أشهر خانات العهد العثماني خان أسعد باشا الذي يعتبر من أجمل الخانات، وقد شيّد الخان والي دمشق أسعد باشا بن إسماعيل باشا العظم الذي حكم دمشق بين عامي (1156 ـ 1170هـ) (1743 ـ 1756م).
ولخان أسعد باشا شهرة فائقة لازمته منذ بنائه حتى يومنا هذا حيث كان قديماً قبلة للرحالة والسياح يقصدونه للتفرّج على ما يمثله من عراقة في التقاليد وما يقدمه بناؤه من فن معماري رائع، حيث نجد أن فنون العمارة في بلاد الشام متمثلة في هندسته وفي عناصره المعمارية وأهمها الحجارة البلقاء المؤلفة من اللونين الأبيض والأسود المستعملين بالتناوب في مداميك الجدران.
ونظراً للتطور الطبيعي والحيوي الذي عرفته دمشق عبر العصور الموغلة في القدم والتي تعود إلى مليون سنة خلت، تقرر إنشاء متحف للتاريخ الطبيعي في خان أسعد باشا الأثري الواقع بالقرب من سوق البزورية في دمشق القديمة.
وقد تجلّت فكرة قيام المتحف في سورية كونها الأهم تاريخياً بين العواصم المأهولة. كذلك أن عملية تحويل خان أسعد باشا إلى متحف للتاريخ الطبيعي هو المشروع الأول من نوعه في الشرق وقد تمّ الاتفاق بين الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) ووزارة الثقافة السورية على أن يتم إنجاز هذا العمل خلال عام 2000، وقد تولت المديرية العامة للآثار والمتاحف الإشراف على الخان من صيانة وترميم منذ عام 1980 حيث تقوم لجنة يابانية تضم أكاديميين وخبراء بتحويل الخان إلى متحف، وقد رصد لهذا المشروع حوالى 17 مليون دولار أميركي في إطار خطة للتعاون (جايكا).
بدأ العمل في هذا المشروع الهام وذلك بالتعاون بين وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف بإدارة الدكتور سلطان محيسن، والجانب الفرنسي بإدارة الدكتور فريديريك آبس والبروفسور الياباني تاكيروا أكازاوا بالإضافة إلى الاستعانة بمهندس إيطالي مختص بالناحية المعمارية، ويتألف المتحف التاريخ من عدة أقسام:
القسم الأول: قسم المكتشفات الأثرية التي تعود لعصر ما قبل التاريخ بعصريه الحجري القديم والحجري المتأخر.
القسم الثاني: يختص بالبحث والتدريب الأثريين، أما القسم الثالث، وهو قسم عفرين، فستعرض فيه هياكل عظمية لطفل النياندرتال. والجدير بالذكر أن البروفسور الياباني تاكيروا اكازاوا عمل في مغارة الديدرية الواقعة في منطقة عفرين بمحافظة حلب، وهو من اكتشف هيكل عظيم لطفل النياندرتال أثار وما زال يثير ألغازاً وأسئلة كثيرة وقف عندها المختصون بعلم الآثار.
كذلك هناك قسم الوثائق التاريخية وقسم الترميم وقسم الموجودات التاريخية. هذا وسيتم عرض آثار ما قبل التاريخ في الطابق الأول من الخان. أما الطابق الثاني فستعرض فيه مواضيع البيئة القديمة والحديثة وسيتم التركيز من خلالها على الأخطار التي واجهت البيئة السورية قديماً وسيتم من خلال ذلك عملية ربط بين البيئة القديمة والبيئة الحديثة ودراسة أنواع من الحيوانات التي انقرضت.
كذلك سيتم إنشاء عدة مخابر كمخبر للبيئة ومخبر للنباتات القديمة ومخبر حيوي ومخبر للنباتات الحديثة ومخبر ما قبل التاريخ.
أما عن معروضات المتحف فهي قطع أثرية منذ عصر النياندرتالي وعصر الإنسان الحديث الذي يبدأ مع نهاية الألف العاشر قبل الميلاد وبداية الألف السادس قبل الميلاد أي منذ عصر الفخار. كذلك سيتم عرض للأدوات القديمة التي كان يستخدمها الإنسان القديم من أدوات منزلية وأدوات صيد بالإضافة لعظام الحيوانات.
هذه المعروضات ستوزّع على 40 قاعة عرض دائمة سيرتبها المنظمون بحسب الحقب التاريخية وبحسب المناطق التي اكتشفت فيها. هذا وسيضم المتحف الذي تبلغ مساحته 2500 متر مربع قاعات عرض موقتة تتوزّع في الطابقين السفلي والعلوي.
أما المخابر فستجري فيها دراسة نوعين من الموضوعات هي البيئة الطبيعية والبيئة الحديثة والربط والمقارنة بينهما من حيث الأخطار التي واجهت البيئة السورية القديمة والبيئة السورية الآن بالإضافة إلى دراسة الحياة الفكرية لإنسان ما قبل التاريخ منذ العصر الحجري الوسيط ثم الوضع الحالي للإنسان والبيئة والعلاقة بينهما، وسترتكز هذه الدراسات على أسلوب شايكو وهو الطب الطبيعي التقليدي المحلي المستخدم في اليابان والذي يعتمد على تحليل النبات والحيوان والمواد الطبيعية المختلفة.
المدرسة الجقمقية
متحف الخط العربي
بداية كان المتحف مدرسة للتعليم الديني، خططها وأسس جدرانها علم الدين سنجر الهلالي، لكنه لم يتمّها. وحوالى العام 1360م أمر السلطان حسن بعمارتها، فبنى فوق أساساتها الأولى جدراناً بحجارة سود وبيض، وجُعل لها نوافذ في شرقها، فأصبحت في عهده ميتماً للأطفال، ثم حُوّلت إلى خانقاه. واحترقت حينما احتل تيمورلنك دمشق، وجدّدها الأمير سيف الدين جقمق الذي عُيّن حاكماً على دمشق العام 1419م من قبل حكام المماليك في مصر. لتسمى بعد ذلك «المدرسة الجقمقية».
أنشأ في شمالها (خانقاه) يفصل بينهما الطريق، ويطوّق جدار المدرسة من أول الجدار الشمالي إلى آخر الجدار الشرقي سطر يبتدىء بالمعوذة ثم بالبسملة ثم آيات من القرآن الكريم ثم الآتي: «أنشأ هذه الخانقاه والتربة المباركتين المقر الأشرفي المولوي الكبيري العالمي العادلي المهدي العابدي الخاشعي الناسكي الزعيمي المقدمي الذخري والظهيري السيفي عزّ الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، سيف أمير المؤمنين، جقمق الدوّا دار المؤيدي، كافل الممالك الشامية المحروسة، ضاعف الله له الثواب وغفر له ولوالديه ولأحبابه يوم الحساب بمباشرة الحساب السيفي قفري ورَمْش، وذلك في شهور سنة أربع وعشرين وثمان مئة».
توفيت والدة سيف الدين فدفنها في المدرسة، وتعد من أبدع المدارس الدينية آنذاك، وفرشها بالبسط الثمينة والقناديل المكفّتة بالذهب.
أوقف لها طاحوناً في سوق وادي بردى، وخان جقمق في الحميدية للفقراء. ثم أعلن التمرد على السلاطين في مصر فقُتل في قلعة دمشق العام 1421م وجاء من بعده أبو سعيد جقمق فأهدى المدرسة مخطوطة «الدعاء السيفي» إذ تحتوي على أدعية وأسماء الله الحسنى، واسمه في أول الصفحة العام 1438م وظلت المدرسة تقوم بدورها كدار للتعليم الديني حتى 1943م وهو العام الذي هُدمت فيه بسبب القصف الفرنسي آنذاك على حيّ الكلاسة الذي تقع فيه. وابتدىء ترميمها من عام 1955 حتى 1960 من قبل مديرية الآثار والمتاحف العامة، وافتتحت كمتحف للخط العربي منذُ ذلك الحين، لوجود أشرطة كتابية من القرآن على معظم الجداريات الداخلية والخارجية.
أهم محتوياته من كتابات ما قبل الإسلام:
1 ـ (نقش النمّارة) وهو نسخة جصّية عن كتابات عربية نبطية وُجدت في النمارة (الواقعة شمال الصفا والقصر الأبيض في حوران) على قبر امرىء القيس أحد ملوك العرب من لخم مؤرخة سنة 328م (القرن الرابع الميلادي). النص الأصلي لهذه النسخة موجود في متحف اللوفر في باريس.
ويتألف النقش من خمسة سطور كتبت بالقلم النبطي ونصه الآتي: «هذا قبر امرىء القيس بن عمر ملك العرب كلهم الذي حاز التاج، قهر الأسديين ونزار وملوكهم وهزم مسحج القوية، يجزي من أنحار نجران ومدينة شمر وملك معد وأظهر بنيه على الشعوب ووكلهم الفرس لصدّ الروم فلم يبلغ مبلغ ملك مبلغه قوة، ملك سنة 223 نبطي يوم 7 كانون أول (ديسمبر) ليسعد أولاده. طول 173 عرض 42 سم».
2 ـ جزء من حجر بازلت نُقِش عليه باللغة السريانية نص مؤرّخ سنة 576م. وجد في الدير الوسطاني شرق بحيرة العتيبة، الأصل محفوظ في متحف دمشق الوطني.
3 ـ كتابات عربية منقوشة بالخط الكوفي من القرن الحادي عشر ميلادي. وجزء من لوحة يزينها شريط من الأعلى كتابي منفّذ بالخط الكوفي ونصه: «الذي يشفع عنده» والأسفل زخرفي، وجزء من لوحة من الحجر مزينة، بوجهها شريط كتابي بالكوفي: «بن تغلب وكليب وقابور» ونطاق آخر: «أنه لا إله إلا هو والملائكة». أما النطاق المكتوب على الظهر فهو من آية الكرسي وهو أيضاً بالخط الكوفي ونصه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلاَّ بِمَا شَاءَ}.
وبعض الكتابات العربية المنقوشة على الأحجار رقّمت بالخط الثلث يعود تاريخها إلى القرنين 18 و19م ـ العهد العثماني. ومخطوطة ملكية نُفذت الكتابة بالحبرين الأحمر والأسود، واستعمل من الزخرفة التذهيب والألوان «باسم السلطان ناصر الدين قاجار شاه، بالخط الثلث 1593م».
ومخطوطة «لسان الحكام» نفذت كتابتها بالحبر الأسود واستعمل في تزيينها الألوان والتذهيب، ألّفها أثير الدين بن الشحنة، تاريخها 1618م، وورقة تحوي حكماً دوّنت بالخطين العربي والفارسي، ومخطوطة «قنديل حرم» في الغزل، ذات جلد نفيس جداً، وهي بالخط الفارسي، وكتابات كوفية من العهد العباسي على ثلاث أقمشة تعود للقرنين التاسع والعاشر الميلاديين.
إحدى هذه القطع تحمل اسم الخليفة المقتدر بالله ابن الإمام المكتفي بالله، وهي مؤرخة 291هـ/ 903 ـ 904م. ومخطوط يحتوي على سجل مخابرات الحكومة العثمانية في سورية 1631م ـ 1644م. ومرسوم سلطاني باسم السلطان محمود الأول، زين أعلاه (الطغراء)، ومخطوطة الجزء التاسع من القرآن الكريم، بالخط الثلث أوقفها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي على المدرسة النورية في دمشق سنة 1162م، والجزء الخامس من القرآن الكريم وهو ذو جلد مذهب وكتابة بالثلث منمقة (القرن 14م)، ومخطوطة جامعة لكتابين وهما: «مرج البحرين في مدح الملكين الناصرين» و«الكواكب الدرية» ـ 14م، ورقة من رق الغزال عليهما أربع صفحات مكتوبة بآيات قرآنية من سورة العنكبوت ـ الخط البديع، مشكولة باللونين الأحمر والأخضر، وورقة من رقّ الغزال «سورة الأحزاب» 36 ـ 49، كتبت بالخط الكوفي القديم وبالمداد الأسود. شُكلت بالأحمر. وكتابة كوفية منقوشة على جلاميد بازلتية يتّسم تنفيذها بالبساطة والسرعة، وجدت على جبل أسيس.
حياة دمشق كما وصفها الرحالة الغربيون
في القرنين السابع عشر والثامن عشر
تقدم مدونات التاريخ الوسيط نظرة شبه موحَّدة إلى الأحداث، إذ تسيطر الشخصة التاريخية على رؤية المؤرخ وآلية تعاطيه مع الحدث. وبالطبع فإن هذه الطريقة لم تقتصر على تدوين ما عاصره المؤرخون، بل صارت حالة عامة في كتابة التاريخ.
وليس غريباً أن تستحوذ الشخصية التاريخية على عقل المؤرخين، فعلم التاريخ نشأ أصلاً عندما شرع مدونو الحديث بالتحقق من الرواة وبكتابة السيرة النبوية، لذا كان من الصعب استخراج التاريخ العام للمجتمع من خلال المدونات التاريخية تلك.
وكانت أوصاف المدن وتاريخها ترد بشكل مفصل في كتب الرحالة أكثر من كتب المؤرخين، فمعجم البلدان لياقوت الحموي يضع أمامنا تفصيلات ومواصفات مهمة، ولكنها في الوقت نفسه مرويات تفتقر إلى الدقة العلمية، وابن بطوطة يضع أمامنا الكثير من المظاهر التي لا نجدها عند كبار المؤرخين، وحتى عند العلماء المتأخرين أمثال ابن عساكر، فإن وصف الأماكن يغلب على وصف الحياة العامة.
المناهج التي سادت في زمن ابن عساكر تطورت بشكل كبير في نهاية العصر المملوكي وخلال العهد العثماني لتصبح سيراً شخصية، نستطيع عبرها رصد مواقف عامة وأحداث متفرقة، ولكن هؤلاء المدونين لم يفقدوا اهتمامهم بالأشخاص، فنرى بدير الحلاق مثلاً يكتب عن ولاة دمشق وأفعالهم ومواقف الناس منهم، وميخائيل الدمشقي يسير على المنوال نفسه. وكانوا يرون ما حولهم من أشكال اجتماعية شأناً عادياً، مما جعل مذكرات الرحالة الأجانب في النهاية تقدم وجهة نظر الآخرين تجاه منطقتنا، وما يقولونه عن دمشق مثلاً يعبر أولاً وأخيراً عن شكل اجتماعي كان متمايزاً عن الحالة الأوروبية عموماً.
الجامع الأموي والفارس دارفيو
الفارس دارفيو فرنسي الأصل، قرر بعد وفاة والده العام 1650م الذهاب إلى الشرق لمزاولة التجارة، فزار دمشق العام 1660م لكنه لم يستطع البقاء فيها طويلاً بسبب وفاة والدته، وخلال الفترة القصيرة التي قضاها في دمشق سجل بعض الملاحظات كالتالي:
أولاً: قدم وصفاً للجامع الأموي وأبدى إعجابه الشديد بالفسيفساء التي تغطي جدرانه، وذكر أن الدخول إليه يتم من اثني عشر باباً جميلاً مكسوة بالنحاس المنقوش. وأهم ما لفت نظره التالي: «ويكن المسلمون لهذا الجامع احتراماً يبلغ أقصى الحدود، لدرجة أنهم يخلعون نعالهم قبل دخول الصحن ويمنعون النصارى والأجانب من دخوله».
ثانياً: تحدث عن البيوت الدمشقية فوصفها بأنها صغيرة من الخارج لكنها كبيرة من الداخل، وقال عن المنزل الدمشقي: «ويندر أن تجد هنا منزلاً من دون منهل يعمل على تزيينه وتوفير رفاهيته»، وأشار إلى أن جدران المنازل مزينة برسوم فيها الكثير من الذهب واللازورد، وقال: «يحب سكان دمشق أن يظهروا بلباس لائق وأن يعيشوا برفاهية، وأن يقتنوا الأثاث الفاخر، وهم يحبون حريتهم، إنهم رعايا السلطان وليسوا بعبيد لأحد». وهذه الملاحظة لا نسمعها ممن كتبوا عن تاريخ المدينة من أهالي دمشق، فبدير الحلاق مثلاً لا يرصد سوى الغلاء والأحداث التي تعبر عن معاناة الناس.
ثالثاً: قام الفارس دارفيو بجولة في ضواحي دمشق وسجل عن مدينة جوبر لاحتوائها على كنيس يهودي، وقدم وصفاً لصيدنايا وكنيستها الشهيرة، وربط معظم الأوابد بأحادث وردت في المرويات اليهودية، أي أن نظرته إلى دمشق كانت خاضعة لثقافة محددة معينة.
جان تيفينو ومقاهي دمشق
رحالة آخر فرنسي هو جان تيفينو زار دمشق العام 1664م وأهم ما لفت نظره فيها المقاهي التي يبدو أنها كانت منتشرة على سور دمشق، وهو يسميها ضواحي المدينة. يصف مقهى السنانية فيقول إنه يحتوي عدداً كبيراً من النوافير الدافقة في بحرته الكبيرة، ويقارنه بمقهى الدرويشية الذي كان يحتوي جدولاً وأشجاراً كبيرة. وهذان المقهيان زالا من الوجود اليوم، وهما كانا حسب وصف الرحالة مجاورين لجامعي السنانية والدرويشية اللذين لا يبعدان عن بعضهما سوى أمتار قليلة. ويتحدث عن قهوة بين النهرين التي كانت تقع في منطقة المرجة، حيث يتفرع بردى إلى فرعين بينهما جزيرة أقام عليها الدمشقيون القهوة ويصفها جان تيفينو بأنها «مكسوة بالزهور والنباتات الأخرى… إن هذه الخضرة والألوان المرقشة بالإضافة إلى أريج الأزاهير العديدة تضفي الكثير من البهجة على تلك المشاهد… نعم فإنها حرية بتعزيز الإمتاع الذي تشعر به في أي مكان يتّصف أصلاً بالجمال».
وهناك رحالة إنكليزي يصف هذا المقهى أيضاً في القرن السابع عشر، ويذكر أيضاً أنه يحتوي قسماً للصيف وآخر للشتاء، كما يصف الرواد بأنهم «يجلسون على الدواوين مبتهجين بهذا المكان الممتع، فليس هناك ما يستحوذ على مشاعرهم بكل هذا السرور كالخضرة والمياه».
إن المشاهدات السابقة هي نوع من إتاحة المجال لرأي آخر ومختلف حول مدينة دمشق، في فترة كانت تعاني من غياب عام لأجهزة الدولة، إضافة لوجود تذمر من الوضع العام، فالرحالة الأجانب مهما كانت بغيتهم في وصف المدينة، يقدمون لنا مادة مهمة للدراسة والبحث والقراءة.
«البيت الدمشقي القديم»
سحر خاص
تعتبر مدينة دمشق من أقدم المدن الحية التي ما زالت قائمة إلى الآن. ودلت المكتشفات الأثرية في «إيبلا» إلى أنها تعود إلى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد. لذا فمن البديهي أن تعثر في دمشق القديمة على صفحات منسية من التاريخ، متناثرة على قبابها، ومآذنها، وجوامعها، وأبوابها، وبيوتها صفحات موشاة بالفسيفساء والموزاييك والنقوش وأطياف الماضي، وها هي «الحياة» تفتح صفحة من تلك الصفحات وتقرأ:
لعل ما يلفت النظر في تلك الآلىء المخبأة بأصداف العصور الآفلة، هو البيت الدمشقي القديم الذي يتميز بطراز معماري فريد وجميل من الداخل بعكس الخارج، إذ لا يظهر منه سوى باب منخفض صغير لا تتوقع مطلقاً أنه يقود إلى ذلك المكان الواسع والجميع والهادىء.
يقول د.أ. كوسيوغلو في كتاب «دمشق القديمة في الثلاثينات»: «لا توجد واجهات خارجية بل جدران مرتفعة جداً تخترقها بعض النوافذ المسيجة بشبك، وبأبواب منخفضة. والبيوت تدير ظهرها للطريق لتمتد الباحات الداخلية الواسعة برخاء لا يتوقع، وحيث الحياة الأنثوية تسيل وديعة في منأى
عن نظرات الفضوليين».
واللافت لدى دخول بيت دمشقي قديم هو ذلك الفناء الواسع حيث الماء والورود والأشجار: «يلاحظ في منتصف الفناء فسقية تكسو جدرانها الخارجية ألواح من الرخام مختلفة الألوان، وهي مصففة كيفياً على شكل فسيسفاء تتدفق المياه إليها عن طريق أربع نوافير مختلفة الأشكال، وعلى كورنيش هذا الحائط الصغير من الرخام نجد أحواض الزهور، وتميل شجرة صفصاف بأغصانها المكسوة بالأوراق الخفيفة على سطح الماء شبيهة بسجف من حرير».
الساحة الداخلية لبيت دمشقي قديم
يقول ذلك ش. رونو في كتاب «من أثينة إلى بعلبك» 1846م ويضيف: «تنتشر في أرض الفناء بعض أشجار الليمون تتداخل فيها كتل من الورود والآس والريحان والكثيفة والياسمين الدائري الشكل. والجدران مدهونة بخطوط عريضة صفراء وبيضاء مرتبة بشكل متوازٍ علماً أن واجهة واحدة من تلك الجدران تخترقها فتحة تؤلف نوعاً من رواق تحيط به أريكة».
ففناء البيت الدمشقي بهذا المعنى كفيل بمنح الروح الهدوء، والمتعة، والصفاء إذ يجتمع فيه رذاذ الماء، وعبق الورود، وتغريد العصافير، وجمال الشكل والتصميم.
بعد الفناء ندخل الليوان الذي يصفه د.أ. كوسيوغلو بالقول: «يقع الليوان وهو مكان الشرف، والصالون الطبيعي مع مقصوراته وزخارفه المتعددة الألوان تحت إحدى القناطر بين غرفتين متواجهتين ويكون عادة على مستوى أعلى من الفناء».
الساحة الداخلية لبيت دمشقي قديم
ويتابع: «نصعد إلى الطابق الأعلى عن طريق درج حاد. أما الغرف فتراها في نسقٍ واحد على طول الرواق تطل على الجهة الجنوبية للاستفادة ما أمكن من أوضاع الشمس في مسارها. وبمقدار ما تكون منخفضة تكون درجة حرارتها مرتفعة شتاء فتدخل الغرف بشكل واسع، وأما صيفاً فهي تنشر برودة عندما تكون الشمس في السمت ولا تتجاوز عتبة الأبواب».
على رغم هذه التفاصيل الصغيرة والدقيقة فإن البيت الدمشقي التقليدي يمكن تقسيمه إلى قسمين أساسيين، الأول يسمى «السلاملك» وهو مكان مخصص للاستقبالات ويدخل إليه من الخارج مباشرة، وكانت تتبلور بين جدرانه الحياة السياسية (الرسمية) والاقتصادية والاجتماعية فتعقد فيه الجلسات واستقبال الضيوف والمهتمين بشؤون المدينة وذلك تبعاً للعصور التي مرت بها.
أما القسم الثاني فيسمى «الحرملك» وهو بيت الحريم ومؤلف من سلسلة من الغرف تشرف على فناء مرصوف بالحجارة من مختلف الألوان ومزينة بكتلة من النباتات الخضراء وبحرة ماء.
إضافة إلى هذا وذاك هناك سلسلة من الشقق الصغيرة الحجم وغرف كبيرة للاستقبال منها واحدة تسمى «القاعة» على شكل صليب ذي ثلاثة فروع وهي ذات زينة فاخرة.
يقول إيكوشار في «المقتطفات» ـ قصر العظم ـ 1930م: «وأخيراً فإن الباحة المزينة ببركة صغيرة والمتصلة بالحرملك كانت تضم حجرات سكنية مزخرفة بمنجور خشبي بسيط، فهناك المطبخ الواسع والغرفة الصغيرة التي تضم مدخنة تركية حيث يتم صنع القهوة التي تقدم في كل ساعة من النهار للضيوف أو أفراد العائلة على حد سواء». ويرى إيكوشار أن البيت الدمشقي من أروع نماذج الفن الإسلامي وذلك بفضل الذكاء الذي وضع في مخططه وجمال المواد المستخدمة في تنفيذه.
باحة منزل دمشقي 1875م
ويتساءل الباحث، ما هذا الترف في التزيين؟ ما هذا البذخ في التفاصيل والألوان؟ ما هذا التوزيع في مواد البناء التي ساهمت جميعها في ترتيب تلك المساكن الواسعة. «ويجدر أن نلاحظ تلك الكمية من أنواع الحجارة، وذلك البازلت الأسود، وتلك الحجارة الكلسية التي يتحول فيها الكهرماني الفاتح إلى الأحمر القاني، وأيضاً الرخام الأصفر والقرمزي والرمادي الفاتح… كل ذلك كان يستعمل في تبليط الغرف ثم إنشاء الأحواض المائية، ونادراً في إكساء الغرف الممتازة والفاخرة.
أما الإكساء الخشبي الذي يغطي الجدران حتى منتصف ارتفاعها فيتنوع كذلك في ديكوراته وألوانه وعلى الخشب المطلي رسمت باقات متعددة الألوان تحيط بها خيوط ذهبية».
إن كل ذلك يمنح البيت الدمشقي سحراً لا يضاهى ولا يخبو مع السنين، يقول أي كاريل في مجلة «المهندسون المعماريون والهندسة المعمارية» 1989م: «يكمن سحر البيوت في تراكم الأشياء من الأصناف كافة (الشمعدانات والثريات والمصابيح والمجموعات الخزفية والمرايا) وكذلك في الأثاث والمفروشات من مصادر مختلفة (الموبيليا السورية والعثمانية) كل ذلك لم يكن ليشوه انطباع الاتساع والانفراج الناتجين من خطوط الغرف البسيطة ومن بياض الجدران وعذوبة الباحات».
في الواقع هناك صعوبة في الإحاطة بتفاصيل البيت الدمشقي، فأنّى جلت بنظرك ترى ما هو مدهش ومثير للمخيلة. ففي كل زاوية وكل ركن وحول كل نافذة وكل باب تسترعي انتباهك روعة التصميم الملائم للظروف المناخية والمعيشية والقيم السائدة، ما جعل الأديبة ناديا خوست تكرس قلمها للكتابة عن دمشق القديمة. «دمشق مدينة ثمينة بطابعها المعماري المتميز، وهي شهادة على التناسب المدهش بين العمارة وبين المناخ». ونبهت الكاتبة خوست: «كي تستعيد دمشق القديمة يجب أن تتخيل الطوالع التي كانت تتدفق منها المياه في الحارات، ويجب أن تستعيد العلاقات الإنسانية التي كانت تربط الحي بالأحياء المجاورة، وتجعل المدينة مترابطة في اللهفة وفي العلاقات الإنسانية بين الجار والجار».
وقالت الأديبة عن البيت الدمشقي: «البيت الدمشقي بالمفهوم الحديث فيلّا جميلة مستقلة في حياتها الداخلية تجمع المياه والأزهار والأشجار وتجمع الشعور بفصول السنة» واستدركت: «لكن هذه الفيلّا متصلة ببقية الحي وليست معزولة أو متطوقة بفراغات تشعر الإنسان بأنه وحيد في العالم دون بشر».
وتابعت: «في البيت الدمشقي فسحة للهواء وللشمس وتقسيم ذكي جداً لما يناسب الصيف ولما يناسب الشتاء، وتوظيف مهم جداً للظلال والعرائش والماء، وفيه الصلة مستمرة بين الإنسان وبين الطبيعة. فسطح البيت الدمشقي مكان مهم ليس فقط لنشر البرغل والمربيات والغسيل تحت الشمس، وإنما أيضاً للصلة بالقمر والنجوم، وللصلة الإنسانية بالجيران، ولرؤية فن المدينة المطرز بالقباب والمآذن…».
إيراهيم حاج عبدي
وصف البيت الدمشقي
أما فيما يتعلّق بوصف المنزل الدمشقي فهو متوسطي، مصنوع لمناخ معتدل، مركزي التكوين، غرفه تنتظم حول فناء داخلي مفتوح على السماء، يحتوي على أشجار الحمضيات (كالكباد والنارنج والليمون) وبحرة ماء. نظامه المركزي كامل وحقيقي، أي الحركة فيه دائماً تتم عبر المرور بالفناء (أرض الديار)، فحتى ممر الدخول من الحارة ينتهي به، ودرج التخديم إلى الطابق العلوي ينطلق منه، فالفناء المفتوح هو القلب النابض للمنزل وأوكسجين تنفسه. هو مركزه الهندسي والمعماري في آن، ومركزيته هذه تستمد قوتها الحقيقية من انغلاقه شبه التام على نفسه، فهو عالم قائم بذاته مستقل عن الخارج.
من الجهة الجنوبية وفي محور البحرة تماماً يوجد غرفة مفتوحة على الفناء باتجاه الشمال تدعى الليوان، يحدّها من جهة الفناء قوس كبير، تستعمل كغرفة جلوس أيام الصيف، فبحكم موقعها لا تدخلها أشعّة الشمس.
كتكوين، الفناء مع الليوان وقوسه يشكّلان الحدث المعماري الأهم في هذا المنزل وهما اثنان في واحد وواحد في اثنين.
قاعة الاستقبال وغرف أخرى ذات السقف المرتفع (يساوي طابقين) تنقسم أفقياً إلى قسمين، الأول منخفض عند الدخول يدعى العتبة، وهو المكان الذي يخلع المرء فيه حذاءه للصعود إلى القسم الثاني المرتفع عنه 50سم تقريباً، والذي يدعى الطراز، وهو على شكل مصطبة جلوس (غير صالحة للمفروشات بالمعنى الأوروبي للكلمة) يفرش بالسجاد والمساند والطراريح، يفصل بينهما قوس كبير، وهنا أيضاً المكان اثنان في واحد وواحد في اثنين.
لا نستطيع الكلام عن المنزل الدمشقي من دون التطرّف إلى المحيط الموجود فيه، فهو جزء لا يتجزأ منه.
صنع الدمشقيون في الماضي حزاماً أخضر كثيفاً محيطاً بالمدينة من جهة الصحراء يدعى الغوطة، بفضل نظام ري يعتمد على توزيع مياه نهر بردى في شبكة من القنوات المفتوحة، وهي طريقة ذكية للاستفادة إلى أقصى حدّ من المياه محدودة الكمية في الزراعة. مع هذا الحزام الأخضر وتبخّر مياه القنوات استطاعوا أيضاً صنع نوع من المناخ المعتدل والمستقل (ميكروكليما) خاص بمدينتهم. بهذه الغوطة صنع الدمشقيون بحراً لمدينة بلا بحر، فالغوطة هي بحر دمشق الأخضر.
إذاً، دمشق كانت مدينة بيئية تتعامل بانسجام وتوازن مع محيطها الطبيعي. والمنزل الدمشقي، في الحقيقة، ليس سوى ميكروكليما صغير داخل هذه الميكروكليما الأكبر. لتوضيح الفكرة، مثلاً، أشجار الحمضيات التي لا تنمو في الغوطة بسبب برودة وقسوة شتاء دمشق، تنمو داخل هذه المنازل، حيث الجدران المرتفعة لأرض الديار تحمي الأشجار وتمتص حرارة الشمس مضاعفة وتعكسها عليها.
فهو أيضاً منزل بيئي يأخذ في الاعتبار حركة الشمس ويستفيد من حضور الطبيعة في وسطه. فالسكن فيه صحة وعافية، عندما تقتنيه تقتني معه الأرض والسماء، الشمس والهواء. وبالتالي هو منزل بيئي داخل مدينة بيئية، في علاقة متبادلة بين الاثنين، أيّ خلل في أحدهما يترك أثره على الآخر.
المبدأ الحسي الأساسي الذي تقوم عليه هذه العمارة هو التضاد:
صغير ـ كبير
داخلي ـ خارجي
مغلق ـ مفتوح
ظلام ـ نور
غامق ـ فاتح
خاص ـ عام
فأرض الديار هي الوسط الكبير المفتوح الخارجي والمليء بالنور، أما الغرف والممرات فهي صغيرة مغلقة داخلية والنور فيها غير مباشر مخفف خافت.
هذه البيوت تجمع بين عظمة المكان وإنسانيته المرهفة. إنها عظيمة من دون أن تخرج عن النمط المنزلي ومقياسه الإنساني.
في الحقيقة، إنّها تحتوي كل المعطيات التي تجعل منها عمارة متطورة راقية متكاملة، فهي ليست إلا انعكاساً لحضارة عريقة كانت من الألمع في القرون الوسطى، يجب الاعتناء بها والحفاظ عليها.
ـ كانت أرض فناء البيت الدمشقي تُكسى بنوعين من الحجارة، وعلى شكل شريط ملتو وبالتناوب بين المزّاوي ذي اللوز الزهري والبازلتي الأسود، وقد تبيّن أن اختيار مواد الإكساء هذه له أصول عميقة. فالتوازن بين الزهري والأسود هو توازن دقيق بين الانعكاس الخفيف والامتصاص القوي لأشعة الشمس المتوهجة في صيف هذه المنطقة، والذي يساعد في إعطاء هذا المكان ضوءه المريح والهادىء. ومع عملية الشطف الصيفية (سكب الماء على الأرض) وتجمّع الماء في مسام هذه الحجارة الكامدة وذات الملمس الخشن ومن ثم تبخّرها البطيء ترتفع درجة رطوبة الهواء. وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجو، فيساعد ذلك في تكوين هذا المناخ الخاص للمنزل (الميكروكليما) الذي تكلّمنا عنه.
بالإضافة إلى أن المشي على هذا النوع من الحجارة وهو مبلل بالماء لا يترك آثاراً غير مستحبة لدعسات الأرجل، ويخفف كثيراً من أخطار الإنزلاق والوقوع.
دمشق المدينة التاريخية
والنظام «العمراني» الجديد
تتميز مدينة دمشق عن غيرها من المدن التاريخية الإسلامية بالمساحات الواسعة الباقية والمتصلة من البيوت والأبنية الأثرية التي تشكل أحياء كاملة بقي فيها هذا النسيج العمراني القديم متماسكاً حتى يومنا هذا. وهذه الأحياء التاريخية لا تقتصر فقط على المدينة القديمة داخل الأسوار والمسجلة كمدينة أثرية لدى اليونسكو، بل تتعداها لتشمل الأحياء أو الأرباض خارج الأسوار. ففي هذه الأحياء بقيت أيضاً مساحات واسعة من النسيج العمراني التاريخي المتصل والمتكون من بيوت وأبنية عامة ذات طابع تاريخي.
في دمشق اليوم، ومن دون مبالغة، آلاف من البيوت القديمة باقية على رغم عمليات الهدم والتنظيم وفتح الشوارع التي قامت منذ الثلاثينات وحتى الآن. وإذا قارنا دمشق القديمة مع واقع المدن التاريخية الأخرى كاسطنبول والقاهرة فإننا نلاحظ الفارق بوضوح، فالبيوت القديمة الباقية في كلا المدينتين لا يتعدى عُشر أو 10 في المئة مما بقي منها حالياً في دمشق. والسبب في ذلك يعود ببساطة إلى أن عمليات التحديث العمراني بدأت في اسطنبول والقاهرة منذ بداية القرن التاسع عشر. فقد قام محمد علي في القاهرة بهدم مساحات واسعة من الأحياء القديمة، ثم تتابعت عمليات الهدم والتغيير بشكل فعال بعده، حتى أصبح حي الأزبكية، على سبيل المثال، والذي كان حياً لعلية القوم في العهدين المملوكي والعثماني، قطعة من أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.
في المقابل، كانت عمليات التحديث العمراني في دمشق القرن التاسع عشر تسير بصورة أقل عمقاً بحيث لا تمس بشكل كبير بنية المدينة كما هي الحال في القاهرة. وحتى الأبنية والبيوت القديمة التي أقيمت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على طابقين مع غرفة علوية تسمى طيارة، لم تتنافر مع باقي التشكيل المعماري للمدينة. ولكن عملية التنظيم المعماري والتغييرات الجذرية المعمارية بدأت فعلياً في ظل الانتداب الفرنسي ومنذ الثلاثينات بالذات حين وضع المخط التنظيمي لمدينة دمشق، والذي جاء متأثراً إلى حد بعيد بأفكار مخطط المدن «أوسمان» الذي ارتبط اسمه بالتغييرات المهمة التي أحدثها في مدينة باريس والتي لم ولن يتمكن أحد من بعده أن يعملها.
كما أن أفكار العصر الاستعماري وجهت نظرة دونية إلى المدينة الإسلامية باعتبار أنها كانت تمثل انحطاطاً وعشوائية أساءا للتنظيم الروماني الذي سبقها. وكان للظروف السياسية والعسكرية، والحاجة للوصول إلى مناطق الثوار وقمع الاضطرابات بسرعة دور مهم في التغيير العمراني الكبير الذي مهّدت له فترة الانتداب الفرنسي. وقد رأى المهندس ومخطط المدن ميشيل إيكوشار، الذي ينسب إليه المخطط التنظيمي لمدينة دمشق، أن الأحياء القديمة الواقعة خارج أسوار المدينة القديمة «غير قابلة للحماية» لأن الزمن والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية ستكون وحدها كفيلة بالقضاء عليها، لذلك حكم عليها بالإعدام سلفاً في مخططه التنظيمي.
ومع ذلك، وعلى رغم الأجزاء الكبيرة التي اقتطعت من هذه الأحياء فإنها ما تزال باقية حتى اليوم، ولم تتحقق توقعات إيكوشار إلا جزئياً. ولكن هل ستصمد هذه الأحياء الآن أمام التغييرات الاقتصادية وأما عصر الربح والاستهلاكية والازدياد السكاني والهجرة إلى العاصمة؟
الحقيقة أن المشكلة كبيرة، وتضع محافظة مدينة دمشق أمام خيارات حرجة وصعبة. وعلى كل الأحوال، فهناك أحياء مثل حي ساروجة مثلاً الذي يقع قرب المركز الاقتصادي للمدينة، وأسعار العقارات فيه تصل إلى أرقام خيالية إذا استثمر تجارياً وحول إلى أبنية طابقية حديثة. وبالمقابل، فإن الحفاظ على هذه الأبنية والبيوت التاريخية وترميمها وصيانتها يتطلب مبالغ كبيرة من المال.
منظر عام لمدينة دمشق: تلاقي القديم والحديث
في مواجهة هذا الواقع الصعب، نرى جانباً إيجابياً، وهو مسألة ازدياد الوعي الأثري الذي أخذ يتطور بشكل مهم. فأعمال الهدم التي جربت أواخر الستينات وأزالت العديد من الأبنية الأثرية المهمة يصعب أن تتكرر اليوم بالسهولة نفسها. لكن بقيت هناك مشكلات تتعلق بقانون الآثار نفسه، ففي سورية، وخلافاً للدول الأوروبية والمتقدمة، يشترط أن يزيد عمر البناء على 200 سنة حتى يعتبر أثرياً. وبالتالي فإن الغالبية العظمى للبيوت الدمشقية، والتي شهدت ترميماً دورياً خلال القرون الماضية، كل عشرين إلى ثلاثين سنة، لا تعتبر اليوم أبنية أثرية، لذلك فإن عدد البيوت المسجلة أثرياً، أو التي تعتبر أبنية أثرية، لا يزيد عن العشرة.
وحالياً يثير المثقفون والمهتمون بالآثار قضية الدفاع عن الأحياء القديمة الواقعة خارج الأسوار، ونرى في الصحف المحلية بشكل شبه يومي مقالات تدعو للحفاظ على أحد المباني أو المناطق التاريخية المهددة بالهدم. وتشتد الصراعات بين دعاة الحفاظ على التراث وأصحاب رؤوس الأموال، حول المناطق القريبة من المركز التجاري للمدينة، والتي يمكن أن تدر أموالاً طائلة إذا حولت إلى أبنية برجية.
دمشق: شارع بيروت
ولكن في الوقت نفسه، شهدت أحياء كبيرة بعيدة عن المركز التجاري، ولكن لها أهميتها الخاصة مثل الميدان والصالحية (الشيخ محي الدين والأكراد)، تغييرات سريعة في السنوات الأخيرة تتمثل في هدم البيوت القديمة وإقامة أبنية طابقية وبرجية مكانها. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فلن يبقى في هذين الحيين أثر للبيوت التقليدية، وسيحافظ فيها فقط على الأبنية العامة كالمساجد والمدارس القديمة.
كذلك فإن دمشق تعيش راهناً فترة الإعداد لمخطط تنظيمي جديد للمدينة. ومع أن هذا المخطط لم يعلن بعد، إلا أننا نشعر بأن المشاركين في وضعه حوصروا من جهتين: فمن جهة أولى يتوقع أن تنعكس التغييرات الاقتصادية المحلية والعالمية على هذا المخطط بشكل أو بآخر، ولا شك في أن لرجال الأعمال والتجار مصالح ومطامع يسعون إلى تحقيقها من خلال هذا المخطط وحسب بعض الطروحات التي رأيناها قبل أن تعلن، فإن مناطق قديمة عدة ستزال، فمنطقة العقيبة التاريخية الواقعة شمال المدينة القديمة مهددة بالتغيير الكلي، إن لم نقل بالزوال. ومن جهة أخرى يقف العديد من دعاة الحفاظ على التراث من مثقفين وكتّاب وفنانين ومهندسين بوجه من يريد المساس بالأحياء القديمة فلم تعد فكرة الحفاظ على التراث مجرد إبقاء أبنية عامة معزولة عن النسيج أو المحيط العمراني الذي حولها من حارات وأزقّة ودروب بما تحتويه من بيوت ومعالم تاريخية، فإن هذه المعالم أصبحت مثلها مثل الأبنية الأثرية جزءاً من التراث يتوجب الحفاظ عليها حسب المفهوم الحديث للتراث العمراني. وهذا المفهوم الحديث نسبياً لم نقتبسه بشكل كامل من الغرب بعد كما اقتبسنا النظام الاستهلاكي العالمي الجديد الذي استورد وأصبح شائعاً في الملبس والمأكل والمسكن…
عبدالرزاق معاذ
مجتمع دمشق
يرصد كتاب دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (تأليف ليندا شيلشر، ترجمة: عمرو الملاح ودينا الملاح) تاريخ المدينة وتأثيرها في المنطقة، حيث يرسم صورة حية لدمشق بجغرافيتها الطبيعية والبشرية عبر الرواية والخرائط مقدماً وصفاً للقوى الفاعلة داخل المجتمع السوري قبيل فترة التحديث السريع وأثناء مرحلة مليئة بالأحداث، فيضع الاقتصاد السياسي للمدينة في إطار التاريخ والبنى الاجتماعية التي تتجاوز حالة النخب، والكاتبة عبر مقدمتها أن بداية التاريخ الحديث لسورية يبدأ في الستينات من القرن السابع عشر، حين استطاع آل العظم تعزيز مواقعهم في وسط سورية حول مدينة حماه، إلا أن هناك تواريخ مهمة أخرى مثل عام 1725 يوم تولى أول أفراد هذه الأسرة ولاية دمشق، أو عام 1746 عندما انتصرت هذه الأسرة الحاكمة على المعارضة المحلية، والنتيجة المهمة حسب رأي الباحثة من اعتماد هذا التقسيم الزمني هو أن التطور الاجتماعي ـ السياسي الحديث لهذه المنطقة المركزية في الشرق الأوسط كان موازياً لمثيله في أوروبا، وليس مجرد رد فعل ناجم عنه أو نتيجة له.
منظر عام لمدينة دمشق القديمة
تتطرق الكاتبة في الفصل الأول للجغرافيا الخاصة بمدينة دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فبعد استعراض تاريخي سريع لأهمية المدينة وموقعها الجغرافي تجد أن خصوصية المدينة الجيوسياسية للعثمانيين تأتي من كونها آخر مستوطنة مدينية تقع على طريق الحج إلى مكة قبل دخول الصحراء، وبالنسبة للسكان فإنه من المستحيل الوصول إلى معلومات دقيقة حول حجم زيادته في الفترة المدروسة، فالأرقام التي قدمها الرحالة والحملات العسكرية تبدو متناقضة لكنها توحي بأن المدينة نمت بشكل كبير في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهذا النمو أدّى لتضاعف عدد سكانها ست مرات حتى نهاية القرن الماضي، مما يشير إلى وجود عوامل اقتصادية وثقافية وسياسية ساعدت على هذه الزيادة وأثرت في حجم التغيرات السكانية، وعلى رغم هذا التوسع فإن المدينة احتفظت في القرن التاسع عشر بأجزاء كبيرة من سورها ذي الشكل البيضوي والذي يرجع إلى العصور الوسطى، فهي امتدت إلى ما وراء السور في نقاط معينة حيث توسعت قرية العقيبة باتجاه المدينة واتصلت بها، وكان هذا الانتشار جزءاً من منطقة مكتظة بالسكان تدعى العمارة البرانية، وكذلك كان شأن الشاغور البراني الذي توسع خارج السور الجنوبي للمدينة، وعملياً تم الاستيطان إلى الغرب والجنوب الغربي على طول الطرق التجارية الرئيسة، في حي سوق السريجة على الطريق المؤدي إلى ساحل فلسطين ومصر، ومحلتي السويقة والميدان على طريق شبه الجزيرة العربية، وباتجاه الشرق والجنوب الشرقي كان الامتداد ضعيفاً وربما كان سبب ذلك ندرة المياه العذبة في هذه المنطقة التي ينتهي عندها نظام الأقنية. بالنسبة لمخطط دمشق الداخلية تجد الباحثة أنه تحوير قسري لنمط الزاوية القائم الكلاسيكية في العصر الروماني، وبالرغم من الطابع الشرقي للمدينة بقي هناك مستطيل شبه كامل من الشوارع ضمن سورها، ويتحدد هذا المستطيل بأربع نقاط تقريبية هي القلعة، باب الجابية، باب السلام وجامع الكنيسة، وكان القسم الأكبر من المعاهد الدينية يقع ضمن هذا المستطيل، وللجامع الأموي الذي يهيمن على المنطقة بأسرها أهمية خاصة بلا ريب، ففيه كان الوالي يؤدي صلاة الجمعة ويشيد الخطيب ـ وهو عالم محلي ـ بشرعية الحكم العثماني للمدينة، وعلى النقيض من هذا التجمع فإن العناصر المسلحة في المدينة وقدر كبير من الإنتاج المعد للاستهلاك المحلي تتواجد خارج السور.
يقدم الفصل الثاني دراسة للسياسة وظهور العصبية في عهد آل العظم، فالعثمانيون عمدوا إلى استرضاء أسرة العظم ذات القاعدة المحلية، ويسروا لها أسباب النهوض اقتصادياً آملين الإفادة من قوتها في إحياء القاعدة العثمانية، وبالفعل قام آل العظم بهذه المهمة وأرسوا النظام في المنطقة كما أخضعوا العديد من العناصر المتمردة، وتستعرض الباحثة تاريخ هذه الأسرة منذ استقرار جدهم في منطقة المعرة إلى آخر وال لهم في دمشق عبدالله باشا، لتصل إلى أن آل العظم أسرة آغوات سلطانية أعادت لدمشق ما كان لها من مركز قوة خلال حكم أبنائها للمدينة، وربما كا هدف الولاة أن يكون لهم كما كان للبكوات المماليك في مصر من مكانة، إلا أنهم اتّبعوا في ذلك استراتيجية مغايرة كانت أكثر فعالية، فما أن استقروا في المدن السورية حتى ربطوا مصائرهم بجماعات محلية معينة وأصبحوا النواة لنخبة مدينية سورية، ففي دمشق تمت حماية المصالح التجارية على طول طرق التجارة الداخلية والخارجية مع اسطنبول ومصر وبغداد ومكة، وراجت الصناعات الدمشقية الكمالية وأصبحت لها أسواق واسعة جداً وكان من نتائج ذلك ازدياد الأرباح وتراكم الثروات، وأدّى اعتماد آل العظم على قاعدة محلية لبلوغ سطوة في إطار الأمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر إلى اندماجهم في مؤسسة الولاية، وسعى كل والٍ منهم للفوز بالعصب المحلية إلى جانبه، واستمر هذا الأمر طوال قرن من الزمن، فأحدثوا تبدلاً في الاقتصاد السياسي نتيجة عمليات الاحتكار واعتمادهم على تقوية مصالح أهالي المنطقة الواقعة داخل السور والتي تعنى بتجارة استيراد وتصدير الكماليات والبضائع الغذائية، وبنظرة سريعة على العمران الدمشقي نجد أن المدينة لم تفد من إصلاح البنى التحتية في عهد آل العظم فحسب، بل أصبحت تتمتع بتراث من العمارة الفذة تذكر بعظمة المدينة في عهودها الإسلامية الأولى، وتكمن الدلالة التاريخية لحكمهم في نجاحهم على بعث مصالح وموقع نخبة مدينية معينة ورعايتها، فضمت عصبة الأعيان المتصلين بعم من أغوات القوات السلطانية وتجار المنطقة المركزية داخل السور، وأدّى تضامن هذه العصبة إلى قمع آغوات الأحياء الجنوبية وخصوصاً الميدان الذين تم إقصاؤهم عن وظيفتهم في مرافقة قافلة الحج، وحيل دون ذلك دخول المواد الغذائية ومكونات الإنتاج التي يتاجرون بها ما دام آل العظم في السلطة، وبذلك أثار حكمهم معارضة محلية قوامها آغوات الأحياء الجنوبية والحرفيين والفلاحين والتجار المحليين، لكن بعض هذه الفئات انتعش مع نهاية حكم آل العظم وصعود أحمد باشا الجزار الذي تولى ولاية دمشق أكثر من مرة، وحظي بدعم محدود من عصبة آل العظم وتوصل بالضغط الفظ إلى قمعهم، وفي نفس الوقت تعاون بعض آغوات الميدان معه وكانوا على اتصال بأعوانه الماليين، ويبدو أن التعاون بين بعض أهالي الميدان وأصحاب المصالح في عكا ترسخ في عهد الجزار، وتستعرض الباحثة مراحل القلاقل وأحداث ثورة 1831 وتأثيرات الحكم المصري.
يتناول الفصل الثالث القوة الرئيسية المسؤولة عن التغيير الاقتصادي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالتغلغل الاقتصادي الأوروبي كان له آثار قوية على الاقتصاد الدمشقي، وبسبب الهيمنة الإقطاعية التي تأسست في عهد آل العظم ازدهرت التجارة الخارجية الدمشقية في القرن الثامن عشر، وعمل آل العظم على تشجيع التجارة الخارجية بعدة طرق، فكان من مصلحتهم نجاح التجارة بما لهم من صلات بمصر وشبه الجزيرة العربية، إلا أن القوانين التجارية العثمانية المستحدثة والتي خفضت من التعرفة الجمركية، وأدّى هذا الأمر إلى طرح بضائع أوروبية بسعر منافس في الوقت الذي فرضت به ضرائب على الصادرات، وكان من نتائج ذلك اختلال ميزان التجارة الخارجية وما نجم عنه من استنزاف الاحتياط المحلي والتحول إلى رأس المال الأوروبي، كما أدّى إلى أزمة في صناعة النسيج المحلي نتيجة عدم قدرته منافسة النسيج الأوروبي، وأخيراً تم الاعتماد المتزايد على الحبوب السورية بوصفها سلعة قابلة للتصدير واعتمد أيضاً على رأسمال الحمايات في تمويل الولايات العثمانية، وبالانتقال إلى الفصل الرابع فإن الباحثة تستعرض بشكل سريع أحداث 1860 وتحاول قراءة ما جرى مع مراجعة إحصائية لأرقام القتلى، كما تقدم في الفصلين الخامس والسادس طبيعة الشرائح الدمشقية وتراجم أهم العائلات، لتظهر طبيعة استلام أسر معينة لوظائف خاصة في ولاية دمشق، والباحثة دعمت كتابها بعدد كبير من الوثائق الخاصة بشجرة أهم العائلات الدمشقية وبمجموعة خرائط للمدينة خلال الفترة المدروسة.
من دمشق منطلق الحج الشامي
كان لقوافل الحجاج المسلمين خطوط متعددة، فمن أقاصي منطقة جنوب شرق آسيا انطلقت أفواج الحجاج عبر مدن ومناطق شكلت تاريخياً محطات حضارية مهمة كمدن بخارى وسمرقند. وكذلك سائر خطوط قوافل الحجاج كالخط الإفريقي الذي يبدأ واحده من مدن السودان وواحده الآخر من القاهرة، وكذلك خط الحج الذي سلكه مسلمو الأندلس انطلاقاً من أراضي شبه جزيرة إيبيريا مروراً بمدن شمال أفريقيا.
وهذه الدراسة هي عن الخط الشامي في عهد المماليك وصولاً إلى العهد العثماني.
لمدينة دمشق شهرة تاريخية كبرى في ما يتعلق بالحج لأنها كانت ملتقى قوافل الحجاج العرب والفرس والمغول والأتراك. وكانت في أهميتها هذه لا تقل عن أهمية القاهرة نفسها. كانت قافلة الحج الشامي هي الشغل الشاغل لمؤرخي الفترة، إذ لا تكاد تمضي سنة من دون الإشارة إلى خروج القافلة وعودتها وما جرى لها في الطريق. ويشار إلى أن قافلة الحج الشامي انقطعت أربع سنوات متتالية بين سنتي 912 و916هـ (1507 و1511م) ثم عادت وانقطعت في السنة التالية سنة 917هـ (1512م).
ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينقطع فيها خروج القافلة، إذ انقطعت سنة 900هـ (1495م) ولم يخرج أحد من دمشق. أما أعداد قافلة الحج فقد خضعت في العصر المملوكي إلى تقاليد ثابتة بقي معمول بها حتى العصر العثماني. وكان أول أعمال الحاج وضع الصنجق (العلم) السلطاني على الباب الأوسط من أبواب الجامع الأموي تحت قبة النسر اعتباراً من شهر جمادى الآخرة إيذاناً للناس بالتهيؤ لأمر الحج وبأن القافلة ستنطلق في هذا العام. وكان وضع الصنجق يتم باحتفال كبير ترافقه «النقارات والمشغلين والملبسين»، وكان الصنجق المملوكي من حرير أصفر مزركش وهلاله من ذهب وكان على حد تعبير ابن طولون أكثر بهجة من صنجق العثمانيين الأحمر ذي الهلال الفضي.
وبعد نصب الصنجق يبدأ «دوران المحمل» والمحمل عبارة عن صندوق خشبي مربع يعلوه هرم مزين بالحلي والنفائس ويحمله جمل قوي وجميل مزين هو الآخر بمختلف الحلي ومغطى بفاخر القماش، وكان يحمل معه مصحف شريف مغطى بالحرير.
ويذكر أن أول من فكر بإرسال هذا المحمل الملك الظاهر بيبرس، كما يفهم مما أورده المقريزي في حوادث سنة 664هـ (1265م). وأرجع آخرون هذه العادة إلى الشريف أبي نمي المعاصر للظاهر في مكة المكرمة.
أما الغاية من المحمل فهي تأكيد سيادة الأمراء الذين يرسلونه وإضفاء صفة حماية الأراضي المقدسة عليهم الأمر الذي يثبت مراكزهم ويضفي عليهم شرفاً عظيماً. ولذلك اقتصر خروج المحمل على القاهرة (عاصمة دولة المماليك) ودمشق (عاصمة بلاد الشام). وكانت دولة المماليك أقوى الدول الإسلامية آنذاك وصاحبة الحماية على مكة المكرمة والمدينة المنورة. ويذكر أكرم حسن العلبي في كتابه «دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين 906/ 922هـ 1500/ 1520م»، أنه لما كان حكّام العراق مستقلين عن المماليك رغبوا بدورهم بإضفاء صفة الحماية على الأراضي المقدسة فأرسلوا محملاً عظيماً مع قافلة الحجاج سنة 721هـ (1321م) واستمروا على ذلك حتى استطاعت مصر التخلص من منافستهم سنة 877هـ (1472م). وحاول أئمة اليمن بدورهم إرسال محمل مماثل لكن شرفاء مكة منعوا المحمل اليمني من الدخول إلى الأراضي المقدسة اعتباراً من سنة 782هـ (1380م). وعندما جاء العثمانيون رفعوا هذا الحظر وسمحوا بإرسال المحمل اعتباراً من سنة 964هـ (1556م). واستمر محملهم مع المحملين الشامي والمصري حتى سنة 1040هـ (1630م).
وخلافاً لما جرت عليه عادة العثمانيين من تغيير كل شعارات المماليك وعاداتهم أبقوا المحمل وجهز السلطان سليم محملين كبيرين من دمشق والقاهرة عند احتلاله لهما وأتبعهما بثالث هو «خليفتي» أي باسم الخليفة ليؤكد سيطرة العثمانيين وحمايتهم للأراضي المقدسة وانتزاع الأمر من المماليك. واستمر المحمل الشامي مع بعض الانقطاع حتى قيام الحرب العالمية الأولى في حين بقي المحمل المصري حتى منع سنة 1345هـ.
وبعد نصب الصنجق يخرج المحمل ومعه الصنجق من دار السعادة مقر الحكومة ويدور دورة حول سور دمشق ومعه خيول وهجن وجمال وقد ألبست فاخر الثياب. ويقود الجميع رجال لهم لباس مخصوص ثم يودع الصنجق في الجامع الأموي ويعود المحمل إلى دار السعادة. ويكون ذلك عادة في شهر رجب أو رمضان أو شوَّال. وفي بعض السنين كان المحمل يدور دورتين. وبعد ذلك يصدر مرسوم من القاهرة بتسمية أمير القافلة أو أمير الركب الشامي، كما كان يسمى، وكانت هذه الوظيفة طوال العهد المملوكي منوطة بالأمراء والمماليك الذين هم دون النائب في المرتبة ولم يعين لهذه الوظيفة أحد من أبناء البلد. وكان الاحتفال بهذا التعيين يجري في دار السعادة حيث يلبس الأمير «أمرة الحاج» من قبل النائب. وجرت العادة أن يسير «أمير الوفد» في شهر رمضان من قبة (يلبغا) إلى تحت القلعة.
وكان أمراء المماليك يتسابقون في الحصول على هذه الوظيفة، لما كانت تدره عليهم من أموال، ذلك أنه إضافة إلى ما كان يجمع من السكان من أجل القافلة من طريق «الرميات» و«الدورة» كان أمير الركب يصادر الحجاج ويرث المتوفين منهم. حتى أن أمير الركب الشامي سنة 920هـ (1514م) المدعو «اصباي» سجن في القلعة بعد عودته لشكاية الأتراك عليه من أنه دفن جماعة منهم أحياء وأخذ أموالهم. وبعد تعيين أمير الركب تبدأ الرميات التي أساء المماليك استغلالها وصاروا يبالغون في جبايتها ويرهقون الأهالي. وكان يفرض على كل حارة مبلغ معين يقوم عرفاؤها بجمعه، حتى أن بعض الناس دعوا على الحجاج بألا يرجعوا من كثرة ما جرّوا عليهم من الظلم. ويفهم من نقش في الجامع الأموي بدمشق أنه بلغ الملك الأشرف قايتباي أنه جدد على الحجاج في «المملكة» الشامية مكس وأخذ على جمل عشرة دراهم ولذلك أمر بمنع هذه المظالم كما مر بعدم التعرض إلى ميراث من يتوفى بطريق الحج. أما كلفة الحج فقدرت بحوالى ثلاثين أشرفياً وكان هذا المبلغ يشمل أجرة الطريق ونفقات الحج…
وبعد أن تتكامل الاستعدادات تخرج القافلة من دمشق في يوم مشهود، وكان يرافقها إضافة إلى أميرها «قاضي الركب» وحوالى مئة من الجند المسلمين يتقدمهم محمل الحج والمصحف الشريف والصنجق السلطاني. وكانت هذه القافلة تضم حجاج دمشق وما حولها، إضافة إلى بعض الحجاج الغرباء. أما حجاج بقية النيابات، وبخاصة حماه وحلب، فكانت لهم قافلة خاصة وأمير خاص. وفي الفترة بين الخامس عشر والعشرين من شهر شوَّال من كل عام يحل اليوم المنشود يوم خروج القافلة. ويبدو مما ذكره ابن بطوطة أن القافلة كانت تخرج في عهده في مستهل شوّال لا في أواسطه. وكان يرافقها إلى قبة «يلبغا» نائب دمشق وأركان الحكومة فيها وهنالك يخلع النائب على أمير الركب ثم تتوجه القافلة إلى الأراضي المقدسة.
أما الوصول إلى مكة المكرمة فتسبقه محطات عدة يتوقف بها الحجاج.
ففي العام 920هـ (1514م) كانت «قبة يلبغا» أولى مراحل الحاج الشامي، وكان الحجاج يبيتون فيها يوماً أو يومين فيتبعهم من تخلف ويتوجه الركب منها إلى خان ذي النون، فالشيخ مسكين، فطفس، فالمزيريب، حيث يقيم الركب بضعة أيام. وهناك يدركهم من تأخر كما يدركهم حجاج تلك المناطق، ويشتري الحجاج ما يلزمهم من الأقوات والحوائج. ويذكر ابن بطوطة أن المزيريب لم تكن هي المركز الرئيسي من قبل إنما كانت بُصرى ثم عدل عنها إلى المزيريب. وبعد المزيريب يتوجه الركب إلى درعا أو درعات كما كانت تسمى، وفيها يمتار الحجاج أيضاً ثم يغادرونها إلى أرض المفرق، فالزرقاء، فعمان. ومن المحطات المهمة بعد ذلك اللجون وفيها يبيت الحجاج ليلتين ويمترون أيضاً مما يصلها من مؤن من القدس. بعدها يصل الركب إلى حالات عمار، فتبوك، فمدائن صالح، ومنها إلى العلا التي قال عنها ابن طولون: «إن فيها خيراً كثيراً حتى أنه اشترى رطل العجوة بثلاثة دراهم». وعند العلا، يتوقف تجار الشام النصارى لا يتعدونها يبيعون فيها إلى الحجاج، ومن العلا إلى المدينة المنورة. وهناك يستقبل الركب الشامي الطواشية، وناظر الحرم، وأكابر البلد، ثم أمير المدينة، وبقية العرب. أما المدة التي تستغرقها القافلة بين دمشق والمدينة فهي حوالى 35 يوماً وعشرة أيام أخرى إلى مكة المكرمة كما يفهم مما أورده ابن طولون في رحلة الحج التي قام بها سنة 920هـ (1514م). أما أمير الركب فكان عليه أن يجهز مسبقاً إلى دمشق كتب الوفد التي كانت تسبق الركب بحوالى أسبوع أو نحوه، فكانت تصل في العشر الثالث من شهر محرم فإذا ما حل يوم 25 ولم تصل انتشر القلق في المدينة على الحجاج. وكانت الكتب تتضمن خلاصة أخبار القافلة ويوم الوقفة وأسعار البضائع ومدى توافر المياه والمشكلات مع البدو وأحوال أمراء الحجاز إلى ما هنالك.
وفي مطلع العصر العثماني ظهرت وظيفة جديدة هي وظيفة «المبشر بسلامة الحج» الذي كان يتقاضى على بشارته مالاً كثيراً يجبى له عنوة. وعلق ابن طولون على ذلك بقوله: «ولم نعلم وقع في دمشق هذا قبل هذه المدة». أما ما كان يشغل بال الحجاج فهو غارات البدو عليهم طوال العهد المملوكي بل والعثماني أيضاً. وكان في أبسط ما يتعرض له الحجاج أن يدفعوا جعلاً للبدو أو أن يقضي البدو على القافلة بأسرها. ويذكر ابن أياس في حوادث سنة 907هـ (1501م) أن «العرب خرجوا على ركب الحج الشامي في رابغ قبل أن يدخلوا مكة فنهبوا الركب عن آخره، وقتلوا الرجال وأسروا النساء، إلا أن ذلك لم يمنعنا من القول إنه على رغم هذه الحوادث التي كانت تتعرض لها قوافل الحج الشامي في العقود الأخيرة من العهد المملوكي كانت غالبية القوافل تعود بسلام لأن رغبة حكام المماليك هي في نجاح القوافل باعتبارهم حماة للأراضي المقدسة.
خلال فترة حكم العثمانيين شهدت بلاد الشام تطوراً مهماً يتعلق بانتقال إمارة الحج إلى دمشق وتعيين ولاة الشام باستمرار لهذا المنصب منذ العام 1120هـ (1708 ـ 1709). وترتب عن انتقال إمارة الحج إليها نتائج عدة، فمن المتفق عليه أن مدينة دمشق كانت منذ القدم مركزاً مهماً لكل القادمين من مناطق الساحل الشامي والقاصدين بلاد الحجاز ومنطقة الرافدين. وهذا التلاقي البشري المتنوع جعل منها قاعدة اقتصادية وحضارية تتجمع فيها عناصر شتى من شعوب هذه المنطقة التي دأبت على السفر والترحال بدوافع اقتصادية ودينية لأداء فريضة الحج وممارسة شعائرها الدينية في بلاد الحجاز.
وأهمية هذا التلاق أنه يتيح لكل العناصر كي تتحاور وتتبادل الآراء طوال مدة الإقامة وأثناء السفر، وهذا ما لم يعد متوافراً في هذه الأيام، نتيجة للتطور العلمي الهائل المتمثل باستخدام الطائرات وغيرها من وسائل النقل الحديثة، الأمر الذي قصر المسافة وقلل من المدن الزمنية التي تفصل بين بدء انتقال الحجاج من أقاصي العالم الإسلامي وانتهاءَ بوصولهم إلى مكة والمدينة.
وعودة إلى الحديث عن التطورات التي رافقت انتقال إمارة الحج إلى دمشق خلال فترة الحكم العثماني ترينا ازدياد نفوذ الانكشارية في تعيين الدولة بعض أفرادها أمراء لقافلة الحج الشامي. وبعد نجاح الأمير فخر الدين الثاني بالقضاء على نفوذ الأمراء المحليين، الذين كانوا يعينون أمراء لقافلة الحج الشامي، منذ الربع الأول من القرن السادس عشر، ضعف هؤلاء الأمراء وأصبح الانكشارية، بازدياد سلطتهم يعينون أمراء لقافلة الحج للمحافظة عليها. وأدت هذه التطورات إلى تناقص تعيين الأمراء المحليين في ولاية الشام أمراء للحج وإلى تزايد تعيين انكشارية دمشق في هذا المنصب. إلا أن تطور الأحداث الداخلية في الدولة العثمانية وما رافق ذلك من تدهور وضع الانكشارية بعد عام 1660، دفع الإدارة العثمانية إلى تعيين موظفين عثمانيين إلى جانب بقايا الأمراء المحليين، لإمارة الحج، ونتج من هذا التنوع في هويات أمراء الحج عدم استقرار في عاداتهم مع البدو مما دفع هؤلاء إلى مهاجمة قافلة الحج، خصوصاً أن الموظفين العثمانيين المعينين أمراء للحج لمدة عام أو نحو ذلك غالباً ما امتنعوا عن دفع «الصرّة» أي المال المخصص من الدولة لشراء رضا البدو. كما يلاحظ أيضاً أن بعض المعينين، لإمارة الحج عيّنوا في الوقت نفسه حكّاماً على صنجق أو أكثر من الصناجق التابعة لولاية الشام. وهذا استمرار لتقليد، شاع في النصف الأول من القرن السابع عشر حين عين أغلب أمراء الحج من حكّام هذه الصناجق. وكانت العادة أن يأتي أمير الحج حاكم الصنجق مع قواته إلى قبّة الحج الواقعة جنوب حي الميدان في دمشق خارج «باب الله» وسمي بذلك لأنه يؤدي إلى الأماكن المقدسة في الحجاز والقدس لتسلم قيادة قافلة الحج. واستفادت دمشق من عدم دخول أمير الحج إليها لأنها سلمت من تعديات القوات المرافقة له. وحين عين الموظفون العثمانيون أمراء لقافلة الحج لم يعين جميعهم حكام صناجق، لذلك أقاموا مع قواتهم في دمشق، وعانى الدمشقيون نتيجة ذلك من وجودهم. ويذكر عبدالكريم واثق في كتابه «العرب والعثمانيون» أن هذا الأمر حفز الشيخ مراد المرادي الطلب من السلطان العثماني «رفع إمارة الحج عن دمشق وعودها إلى حكام القدس وعجلون».
وقد وجهت للشريف يحيى بن بركات المكي بمنصب القدس «لأنه كان موجوداً في الروم بعد خلعه عن شرافة مكة المكرمة» فذهب المذكور في تلك السنة أميراً للحج ولسوء تصرف الشريف يحيى عزل هذا الأخير وأعيدت إمارة الحج إلى دمشق. وكانت إمارة الشريف يحيى للحج من عام 1102هـ (1690 ـ 1691م)، وعزل عنها إثر مهاجمة البدو قافلة الحج بسبب إهماله وأصبحت دمشق منذ ذلك التاريخ مركز أمراء الحج، ولكن لم يعين ولاتها باستمرار أثر ذلك أمراء للحج.
ونلاحظ في الفترة بين 1102 ـ 1120هـ (1690 ـ 1708م)، حين عين نصوح باشا والياً على الشام «أن ثمانية على الأقل من ولاة الشام عينوا أمراء للحج». وتزايدت هجمات البدو على القافلة في هذه الفترة نظراً لكثرة تبدل الولاة وطمع بعضهم بأخذ «الصرة» المخصص للبدو لأنفسهم ولتأمين سلامة الحج بدأ السلطان منذ العام 1120هـ (1708 ـ 1709م) يعين باستمرار ولاة الشام أمراء للحج، وكان والي دمشق يبغي في الولاية والإمارة ما دام يؤمن سلامة الحج.
ونتجت من نقل مركز إمارة الحج إلى دمشق ومن تكليف ولاة الشام هذه الإمارة باستمرار تطورات مهمة تركت آثارها في تاريخ بلاد الشام بكاملها، واعتُبر تعيين ولاة الشام لمنصب أمير الحج قمة تطور سياسي وصراع على النفوذ حدثاً في بلاد الشام في القرن السابع عشر.
كما أدى تعيين ولاة الشام لمنصب أمير الحج الشامي، «لاضطرارهم إلى التغيب عن دمشق لفترة طويلة»، وكان الوالي أمير الحج يغادر دمشق مع القافلة عادة في النصف الأول من شهر شوَّال ويعود إليها من الحجاز حوالى النصف الأول من شهر صفر، وقد تتأخر عودته أكثر منذ لك إذا ما هدد البدو قافلة الحج وأعاقوا سيره. وكثيراً ما عاد الحجيج في مثل هذه الحالات بواسطة الطريق الفرعي عبر غزة، وهكذا وجب على والي الشام ـ أمير الحج ـ أن يتغيب عن دمشق مع قافلة الحج قرابة أربعة أشهر. إلى ذلك قضى تعيينه لهذا المنصب غيابه عن دمشق فترة أخرى إذ كان عليه إعداد قافلة الحج وتمويلها بالمال اللازم والذهاب بنفسه لجمع الأموال الميرية من الملتزمين في ولايتهم.
وكان والي الشام أمير الحج يخرج كل سنة قبيل خروج القافلة بفترة من الزمن، يجمع المال اللازم لتمويلها، لأنه أصبح المسؤول المباشر عن ذلك وسمي خروجه هذا لجمع المال من الملتزمين في الولاية بـ«الدورة». وفي حين كان تاريخ خروجه للدورة يتوقف على مشاغله ورغبته الخاصة، فإن تاريخ عودته من «الدورة» كان يقرره موعد خروجه مع قافلة الحج إلى الحجاز. وكان الوالي يضطر أحياناً إلى قتال الملتزمين الأقوياء الذين يرفضون دفع المال الميري، وتزداد عادة في هذه الحال مدة «الدورة».
ونظراً لانشغال الوالي بهذه المهمات التي لا يمكن التهاون فيها بسبب طبيعتها الدينية، أعفي من الخروج مع عساكر دمشق لنجدة الدولة من حروبها الداخلية أو الخارجية، كما كان الأمر قبل ذلك ولم يحدث في القرن الثامن عشر أن ولاة الشام قاموا بمثل أعمال النجدة هذه. وعلى غرار التطور الذي أصاب إمارة الحج فإن أمراء الجردة الذين كانوا يخرجون لتموين وحماية قافلة الحج في طريق العودة، عينوا من الموظفين العثمانيين بعد ضعف الأمراء المحليين والانكشارية. وفي الوقت الذي أصبح ولاة الشام أمراء للحج انحصرت إمارة الجردة بوالي صيدا أو بوالي طرابلس، وفي حالات نادرة بوالي حلب، ويعود سبب كثرة اختيار ولاة صيدا وطرابلس هذه المهمة إلى قرب تعيين هاتين الولايتين من دمشق وبصورة أهم إلى كون هؤلاء يمتّون غالباً بصلة القربى إلى ولاة الشام. وما يهمنا هنا أن أمير «الجردة» بعد تعيين ولاة صيدا وطرابلس لهذا المنصب أصبح يأتي إلى دمشق بعد شهر على الأكثر من مغادرة أمير الحج لها، وبعد أن يتم استعدادته في دمشق يغادرها في أواخر ذي القعدة أوائل ذي الحجة لملاقاة قافلة الحج. وعلى رغم المصاعب التي تجشمها ولاة الشام فإنهم أفادوا من إمارة الحج ببقائهم مدة أطول في مناصبهم ما داموا يؤمنون سلامة قافلة الحج وأفادوا أيضاً من الناحية الدينية نظراً لما تمتع به أمير الحج من مكانة مرموقة، كما أنهم كسبوا مادياً لأن قافلة التجار كانت ترافق قافلة الحج. وكثيراً ما اضطر التجار إلى شراء حماية أمير الحج لهم من خطر البدو، كما جرت العادة أن ينال أمير الحج حصة كبيرة من أموال الحجاج المتوفين.
وإلى جانب المخاطر التي كانت تتعرض لها قوافل الحج وهي في طريقها للديار المقدسة، فإنه لا يمكننا إغفال الآثار الإيجابية التي خلفتها تلك القوافل. فعلى صعيد المعلومات التي دونها وكتبها الكثير من الذين شاركوا في تلك القوافل أمكن لنا التعرف إلى يوميات الأحداث التي حفلت بها تلك الرحلات خصوصاً أن بين من شاركوا في قوافل الحج البرية كتّاباً ومؤرخين ورحالة دونوا ما شهدوه، ووصفوا مشاهد عمرانية وحضارية للكثير من المدن والأماكن التي مروا بها، ما أغنى المكتبة العربية بكتب قيمة حفظت للمكتبة العربية سجلاً حافلاً من المعلومات الدينية والاجتماعية والاقتصادية. (أنيس الأبيض)
طرق الحج الرئيسية
ونرى ونحن نتحدث عن طريق الحج الشامي أن نشير إلى طرق الحج الأخرى:
شهدت الجزيرة العربية في العصر الإسلامي ظهور سبعة طرق رئيسية للحج هي طريق الحج الكوفي والطريق البصري والطريق الشامي والطريق المصري والطريق اليمني الداخلي، والطريق اليمني الساحلي، والطريق العماني، وهي طرق تتصل في نقاط رئيسية أو بواسطة طرق فرعية. ولقيت طرق الحج ـ وهي أيضاً طرق القوافل التجارية ـ عناية فائقة من قبل الخلفاء المسلمين والأمراء والوزراء والأعيان ومن محبي الخير التجار والوجهاء على مر العصور، وبعضها استمر استخدامه حتى عهد قريب، والبعض الآخر اندثر بسبب الظروف المناخية والاقتصادية والهجرات السكانية. أقيمت على طرق الحج منشآت عدة مثل المحطات والمنازل والمرافق الأساسية من برك وآبار وعيون وسدود وخانات ومساجد وأسواق كما أقيمت على هذه الطرق الأعلام والمنارات والأميال التي توضح مسار تلك الطرق وتفرعاتها.
وحفظت المصادر التاريخية والجغرافية معلومات مهمة عن طرق الحج في الجزيرة العربية. ومن أبرز تلك المصادر ما كتبه الطبري وابن الأثير وابن كثير والحربي وابن رسته وابن خرداذبه والمقدسي والهمداني والبكري وياقوت الحموي وابن جبير وابن بطوطه والجزيري. وفي بحث سعد بن عبدالعزيز الراشد استعراض مفصل لطرق الحج الرئيسية وهي:
طريق الكوفة ـ مكة
يعد طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة من أهم طرق التجارة والحج في العصر الإسلامي. وعرف هذا الطريق لاحقاً باسم «درب زبيدة» نسبة إلى زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد المتوفى سنة 809م. إذ كانت لها أعمال كثيرة في إقامة بعض المنشآت على هذا الطريق وفي مكة المكرمة. ومن أهم أعمالها حفرها «عين زبيدة» التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم في مكة المكرمة.
وطريق الكوفة ـ مكة لا يستبعد أن يكون معروفاً قبل العصر الإسلامي إذ كانت الحيرة عاصمة المناذرة مجاورة للموقع الذي قامت فيه الكوفة بعد ذلك سنة 514م. وربما كانت القوافل التجارية من مكة والمدينة تتجه إلى الحيرة عبر هذا الطريق وكانت توجد مناهل للمياه قبل الإسلام توقف في بعضها الجيش الإسلامي قبل دخوله العراق. ومن هذه المناهل «زرود» و«الثعلبية» و«شرف» و«العذيب» و«القادسية». غير أن الطريق انتظم استخدامه بعد فتح العراق وانتشار الإسلام في المشرق الإسلامي فتحولت مناهل المياه وأماكن الرعي والتعدين على الطريق إلى محطات رئيسية وبدأ الطريق يزدهر تدريجياً وبانتقال مركز الخلافة من الشام إلى العراق في العصر العباسي أصبح الطريق حلقة اتصال مهمة بين عاصمة الخلافة في بغداد والحرمين الشريفين وبقية أنحاء الجزيرة العربية وحتى اليمن.
وطريق الحج العراقي أو «درب زبيدة» خطط مساره بطريقة علمية وهندسية متميزة، فحددت اتجاهاته وأقيمت على امتداده المحطات والمنازل والاستراحات، ورصفت أرضية الطريق بالحجارة في المناطق الرملية والموحلة ونظف الطريق من الجلاميد الصخرية والعوائق في المناطق الوعرة والصخرية، وزود بالمرافق الضرورية من منشآت مائية مثل: السدود والآبار والبرك، وأقيمت على امتداد الطريق العلامات التي توضح مسار الطريق كالأعلام والمنارات والأميال والصوى والمشاعل والمواقيد ليهتدي بها المسافرون ليلاً ونهاراً.
وأوردت المصادر الجغرافية المبكرة إشارات كثيرة إلى مواقع ومرافق أنشأها الأعيان. وكان للخلفاء والأمراء قصور خاصة بهم ينزلونها عند زيارتهم الأماكن المقدسة.
وكان لطريق الحج من الكوفة إلى مكة عمال وولاة يشرفون على الطريق ويتعهدونه بالصيانة والإعمار. ورصد الجغرافيون المسلمون 27 محطة رئيسية على الطريق من الكوفة إلى مكة و27 محطة ثانوية.
وهناك طرق فرعية أخرى منها طريق تسلكه القوافل من معدن بني سليم «مهد الذهب» عبر الحافة الشرقية لـ«حرة رهاط» مروراً على صفينة وحادة ثم المسلح ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في معدن النقرة ويتجه محاذياً له حتى يلتقي الطريقان في ذات عرق.
وتدريجاً اندثرت معظم محطات الطريق وتحولت المحطات والمنازل إلى أطلال فيما بقيت بعض الآبار والبرك صالحة للاستعمال، ولكن الغالبية العظمى منها غطتها الرمال.
وعلى الصعيد الأثري رصدت الآثار الباقية كالمنشآت المائية وآثار الرصف والتمهيد والأعلام وأمثلة من أحجار المسافة (الأميال) التي توضح المسافة بقياس البريد والميل.
وكشفت الحفريات الأثرية عن أنماط من القصور والتحصينات والمنازل والمساكن والمساجد في محطات الطريق. وكانت تخدم سكان هذه المناطق وقوافل الحجاج والتجار المسافرين ويتوافر لهم في هذه الأماكن ما يحتاجونه من مأكل ومشرب وملبس وأوان وأعلاف لدوابهم، ومن أشهر المواقع الأثرية: زبالة والثعلبية وفيد وسميرا والنقرة والربذة ومعدن بني سليم. والمنشآت المعمارية على طريق حج الكوفة ـ مكة تمثل نمطاً معمارياً فريداً للعمارة الإسلامية المبكرة في جزيرة العرب في أسلوب التخطيط المعماري والوظائف المختلفة، كما تميزت المباني بسماكة الجدران والأبراج ووجود خزانات لحفظ المياه للشرب. وطول الطريق من الكوفة إلى مكة المكرمة حوالى 751 ميلاً.
طريق البصرة ـ مكّة
تأسست مدينة البصرة سنة 635م. بعد الفتح الإسلامي للعراق. وأهمية طريق البصرة ـ مكة تركزت في القرون الثلاثة الأولى للهجرة. ويلتقي طريق البصرة مع طريق الكوفة في ذات عرق ويلتقيان أيضاً في معدن النقرة.
ويلاحظ في كتابات الجغرافيين المسلمين قلة المعلومات التفصيلية عن طريق البصرة ولعل سبب ذلك أن معظمهم عاش في القرن الثالث الهجري وهي الفترة التي كان التركيز فيها على طريق الكوفة أكثر من طريق البصرة.
أما آثار الطريق فنشاهدها إلى اليوم في عدد من المواقع. ففي الأسياح «عين ابن فهيد» توجد أطلال قصر كبير ببقايا عقود نصف دائرية وغرف للجلوس وفي الجوار آثار العيون والقنوات القديمة والبرك والسدود. وفي ضرية لا تزال آثار البلدة القديمة باقية إلى اليوم. إضافة إلى العيون والبرك تشاهد آثار الأعلام (الرجوم) المتراكمة على امتداد الطريق خصوصاً في المناطق السهلية المستوية. ويلاحظ أن بعض محطات الطريق استمر فيها (أو بالقرب منها) الاستيطان الحضاري بسبب توافر المياه والمناطق الرعوية. كما أن بعض المحطات اختفت معالمها تحت الكثبان الرملية.
ومن المحطات المهمة على طريق البصرة بركة الخرابة الواقعة عند نقطة الالتقاء مع طريق الكوفة قرب ذات عرق وهي عبارة عن بركة دائرية مدرجة من أعلاها إلى أسفلها وتجاورها بركة مربعة مدرجة أيضاً وبينهما على مستوى سطح الأرض غرفة للمراقبة مقببة بأبواب ذات عقود نصف دائرية. ويمر من تحت مستوى الغرفة قناة تصريف للمياه من البركة المربعة إلى البركة الدائرية. يبلغ طول طريق البصرة ـ مكة حوالى 1200 ميل. ولا تزال بعض أسماء محطاته القديمة محتفظة بأسمائها حتى يومنا هذا، ومن هذه المواقع: حفر أبي موسى (في موضع حفر الباطن الآن) والعوسجة (الآن العوسجية) وطخفة وضرية والدفينة.
طريق الحج الشامي
يعد هذا الطريق من الطرق الرئيسية المهمة إذ يصل دمشق بالمدينة المنورة. بلغ عدد محطاته بين المدينتين 23 محطة. تغيرت أحوال الطريق عبر العصور الإسلامية بسبب تغير الأحوال السياسية الأمر الذي أدى إلى ظهور محطات ومرافق جديدة في العصور الإسلامية المتأخرة. (فترات الأيوبيين والمماليك والعثمانيين) وكان هذا سبباً في اختفاء محطات ومرافق كانت عامرة في العصور السابقة (الأموي والعباسي والفاطمي).
وتدل آثار الطريق الباقية على تطور الحضارة الإسلامية إذ اكتشفت عشرات النقوش الإسلامية التي يعود بعضها إلى القرن الأول الهجري.. وهناك كتابات تأسيسية على منشآت الطريق من قلاع وبرك وآبار. ومن أهم آثار الطريق قلعة ذات الحاج وقلعة تبوك وآثار الأخضر وفيها مدينة إسلامية مبكرة وثلاث برك وقلعة وآثار المعظم. وفيه قلعة وبركة وآثار البريكة وكانت تسمى قديماً بالدار الحمراء وفيها بقايا قلعة وبركة. وهناك آثار الحجر والعلا والتي يتبعها عدد من المرافق ثم آثار مغيرة وقلعة مزرد وقلعة الصورة وآثار هدية واسطبل عنتر والفحلتين وآثار نصيف وقلعة الحفيرة.
ويشاهد أيضاً على امتداد طريق الحج الشامي آثار سكة حديد الحجاز من عهد السلطان عبدالحميد في الفترة (1900 ـ 1906م). ومن الآثار الباقية للطريق المحطات المبنية بالحجر وأجزاء من مسار السكة والجسور.
طريق الحج المصري
كان حجاج مصر وغيرهم من حجاج شمال أفريقيا والمغرب يعبرون جزيرة سيناء حتى يصل بهم الطريق إلى آيله على رأس خليج العقبة ثم يتجه إلى الطريق جنوباً فيمر على حقل وشرف البعل ومدين ومنها يتفرع طريقين، الطريق الداخلي ويتجه إلى الجنوب الشرقي حتى المدينة المنورة ماراً على عشر محطات رئيسية. أما الطريق الآخر فهو الطريق الساحلي الذي يسير بمحاذاة ساحل البحر الأحمر وتقع عليه 13 محطة رئيسية، ويتصل الطريقان بطرق فرعية.
ويتضح من الآثار الباقية على الطريقين أن الطريق الساحلي استمر استخدامه لفترات طويلة. وكشفت البعثات عن وجود آثار خطية ومواقع أثرية وقلاع ومنشآت مائية. ومن الآثار الأخرى يمكن أن نذكر آثار مدين وقلعة المويلح والأزنم أو (الأزلم) والزريب وآثار مدينة الجار التاريخية.
طريق الحج اليمني الساحلي
وينطلق هذا الطريق من صنعاء بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، وبين مكة وصنعاء 21 محطة. وأوضحت المسوحات والدراسات الأثرية الحديثة عدداً من المواقع الأثرية التي كانت عامرة في العصور الإسلامية المبكرة. ومن أهم هذه المواقع سهى وعثر وعشم والسرين. وكشفت الدراسات عن الآثار المعمارية إضافة إلى أدوات فخارية وخزفية ونقوش خطية وغيرها.
طريق الحج اليمني الداخلي
يبدأ هذا الطريق من صنعاء مروراً بصعده ويسلك المناطق الجبلية لمنطقة عسير والحجاز ماراً قرب موقع جرش ثم يتجمع إلى بيشة وتباله وتربه حتى يصل قرن المنازل فمكة المكرمة. وبلغت المحطات على هذا الطريق بين صنعاء ومكة 25 محطة رئيسية.
وكشفت الاستطلاعات والدراسات الأثرية عن جوانب مهمة تتمثل في الأعمال الهندسية من رصف للطريق في المناطق الوعرة والمنشآت المائية والكتابات الإسلامية الصخرية المبكرة وأحجار المسافة. ومن المناطق التي يمكن من خلالها مشاهدة آثار هذا الطريق منطقة الراكبة والمصلولة وكريف العلب.
طريق عُمان ـ مكة
هناك طريقان من عمان إلى مكة. أحدهما ينطلق من عمان إلى يبرين ثم إلى البحرين فالساحل الشرقي ومنها إلى اليمامة ثم إلى ضرية. وتذكر المصادر الجغرافية أن ضرية كانت ملتقى حجاج البصرة والبحرين وهناك يفترقون إذا انصرفوا من الحج، فيأخذ حجاج البصرة ذات الشمال وحجاج البحرين ذات اليمين. وهناك طريق آخر من عُمان يتجه إلى فرق ثم عوكلان ثم إلى ساحل هباة وبعدها إلى شحر.
وبإمكان حجاج عُمان أخذ أحد الطريقين من اليمن. فأما طريق الحج الساحلي الموازي لساحل البحر الأحمر الذي يمر بعدد من المخاليف والمنازل مثل مخلاف عك والحردة، ومخلاف حكم وعثر ومرسى وضنكان والسرين حتى الشعيبة ثم جدة فمكة. أو الطريق الداخلي من اليمن إلى مكة مروراً بعدد من المنازل بعضها لا يزال معروفاً حتى اليوم مثل رنية تربة حتى يصل إلى مكة.
وبيّن سعد بن عبدالعزيز الراشد أن هذه الطرق لا تزال باقية حتى اليوم الحاضر كشاهد على اهتمام المسلمين بطرق الحج على مر العصور.
غير أن رحلة الحج إلى الأراضي المقدسة كانت على الدوام محفوفة بالمخاطر خصوصاً في العهود التي بدأت فيها الفتن تدب في الدولة الإسلامية، وبداية اختلال الأمن بسبب الحروب والفتن وتعديات القبائل على الطرق وأعمال النهب والسلب والقتل وقطع الطرق وتخريب المحطات الأمر الذي أدّى ألى انقطاع الحج لسنوات متصلة.
ميسر الشحري
الحج الشامي في القرن السابع عشر
ويصف قصي الحسين الحج الشامي في القرن السابع عشر:
استأثرت أنباء الحج الشامي في القرن السابع عشر، بجانب كبير من اهتمام الكتّاب والمؤرخين في ذلك العصر، إذ كانوا يحرصون أثناء تاريخهم لأحداث كل عام، على تتبّع هذه الأنباء وتسجيلها، خصوصاً بعد أن تفصل قافلة الحج وركب المحمل وقافلة الجردة من مدينة دمشق، حتى تصل إلى مكّة المكرمة. فقد كانت دمشق ملتقى الحجّاج من تركيا وسائر البلاد الشامية، ولذلك كانت المدينة تشهد توافد جموع الحجّاج، وذلك بفضل أهمية موقعها على أقصر طريق بين الآستانة والحرمين الشريفين. وكان والي دمشق يشغل منصب أمير الجردة/ الحملة المسافرة إلى الحج.
وإذ غدت دمشق مركزاً يتجمع فيه الحجاج من الجهات الشمالية، فقد أصبح لها لون من القدسية أو الشرف، بحيث دعيت «شام شريف». فكان يقع على عاتق المدينة مسؤولية استقبال وإيواء وتموين الحجّاج قبل رحيلهم إلى الحج، بالإضافة إلى السهر على أمنهم وتأمين سلامتهم واستقبالهم استقبال الضيوف الأعزّاء.
والأسبوع الأخير من شهر رمضان، هو موعد توارد الحجّاج البعيدين إلى دمشق. وكان أمير الصرّة العثماني يصل إليها، فتكون الترتيبات النهائية لإعداد قافلة الحج وركب المحمل. ويخرج أمير الحج من سرايا دمشق بقرب القلعة، على رأس موكب المحمل، ويتخذ طريق قرية المزيريب، وهي إحدى قرى حوران، وتبعد نحو مئة كلم جنوب دمشق.
وبعد خروج موكب الحج ببضعة أيام، من يومين إلى خمسة، تخرج قافلة الحج الشامي من الطريق نفسه، ويتبعها قافلة الحج الحلبي، ومعهم حجّاج العجم، ويتجه الجميع إلى قرية المزيريب، نقطة التجمع النهائي، ويقضون بها بضعة أيام، ريثما يعدّون أنفسهم للرحلة الشاقة إلى بلد الله الحرام، فيبيعون ويبتاعون، وينظم الباشا جنده ويستطلع ضلع الطريق، حتى إذا تمّ كل شيء، تقدّم أمير الحج بالمحمل الشريف والجند الكثيف، يشق الطريق أمام قوافل الحجاج الذين يسيرون من خلفه. وفي قرية المزيريب الشامية، كان يعقد بها إذن في موسم الحج سوق نافقة، كما أنها كانت سوقاً لسكان جنوب سورية، غير أنها بدأت تفقد أهميتها، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خصوصاً عندما تحوّل عدد كبير من الحجاج إلى استخدام طريق البحر الأحمر، ثمن سكة حديد الحجاز التي أنشئت وأهلّت، وغدت صالحة للاستعمال وتسيير قطارات النقل بين الشام والحجاز، فاستخدمت فيما بعد في نقل حجاج الشام والبلاد الشمالية.
وكان أواخر شهر شوّال موعداً لعودة مودّعي الحجاج في المزيريب والتجار الذين خرجوا معهم إلى دمشق، حيث يحدثون أهل الحاج بأنهم في خير حال، وأنهم في طريقهم لأداء الفريضة، أما الركب القافلة، فيمضي في طريقه إلى الحجاز، فإذا كان الوقت شتاء، مضوا في سيرهم نهاراً واستراحوا ليلاً، أما إذا كان الوقت صيفاً، آثروا المسير ليلاً والراحة نهاراً. وهم يتقدمون إلى مكة في طريق مألوف عرف بالدرب السلطاني، وهو أقرب ما يكون إلى البحر غرباً، وهم يؤثرونه على طريق آخر إلى الشرق، لأنه على رغم أنه أقصر من الطريق الغربي، فهو يجتاز أرضاً مجدبة، ويشق على الجمال الحملة اجتيازه.
وحين يصل الحاج إلى مكة في الأسبوع الأول من ذي الحجة، يرتاح قليلاً، وفي اليوم التالي لوصولهم يمرّ أمير الحاج في موكب فخم في شوارع مكة. في طريقه إلى الكعبة، فيؤدّي الحجاج شعائر الحج، ثم يبرحون عائدين إلى المدينة المنورة في أواخر شهر ذي الحجة، ومنها إلى دمشق، حيث يكون وصولهم إليها في الأيام الأولى من شهر صفر.
رحلة العودة
قافلة الجردة، يشكلها ويترأسها أحد الوزراء أو الولاة، الذي تختاره الدولة العثمانية، وكان يدعى سردار الجردة الذي يجهزها بالمؤن، من بقسماط وزيت ورزّ وشعير وعلّيق وحبال وملابس، كانت تعدّ لإسعاف الحجاج في طريق عودتهم إلى الشام، خشية نفاد ما عندهم من المؤن، وتلف أو فقدان ما هو ضروري لهم، من أجل الوصول بسلامة وعافية إلى ديارهم. وكانت قد جرت العادة، أن الجردة تصل إلى دمشق من حلب أو طرابلس أو صيدا في منتصف شهر ذي القعدة، وتمضي بدمشق بعض الوقت، ثم تفصل الجردة عن دمشق في العاشر من ذي الحجة، يقودها السردار. وتسير الجردة في الطريق نفسه الذي سار فيه ركب الحاج، وبعد أن تمضي في الطريق نحو 22 يوماً، تصل إلى مكان يسمى «هدية»، على بعد قليل، شمال المدينة المنوّرة، فتقيم بها أياماً في انتظار قافلة الحج، فيكون اللقاء في «هدية»، ويقضي الجميع بها قرابة عشرة أيام، يكون الحجاج أثناءها، ضيوفاً على قافلة الجردة وسردارها، وتكون هذه الفترة ترفيهاً عن الحجاج وتأهباً لقطع طريق العودة باتجاه دمشق. ومن المعروف أن أمير الحاج يسبق قوافل الحجاج في طلوعها من دمشق، ليشق لهم الطريق، أما أثناء العودة إلى دمشق، فإنه يتأخر عنهم وذلك من أجل حمايتهم وكان إذا اقترب الركب من دمشق، أنفذ أمير الحاج أحد رجاله الذي يُعرف بالجوقدار أو الجوخدار ليسبق الركب إلى دمشق ويبشّر الناس بسلامة الحجاج.
وكان الجوخدار ينفصل عن الركب في تبوك، ويسرع برجاله نحو دمشق متقدماً قافلة الحجاج بسبعة أيام، وكثيراً ما كان يصل إليها في الأسبوع الأخير من شهر المحرم، حيث يستقبل باحتفالات عظيمة، فيهرع إليه ذوي الحجاج، يقدمون له الحلوى والملابس، كما يهرع التجار إلى قرية المزيريب، وتقام هناك مرة ثانية سوق البيع والشراء، بمناسبة عودة الحجاج ووصولهم إلى هذه القرية، أقرب نقطة يمر بها الحجاج في طريقهم إلى دمشق.
ويستمر الجوخدار في طريقه إلى اسطنبول، مجتازاً مدينة دمشق، فتستقبله طلقات المدفع مقدّمة تحية له، ثم يشق شوارع العاصمة، مرتدياً زي أهل المدينة المنورة، فيستقبله السلطان والوزراء، حيث يتناولون بعضاً من تمر المدينة الذي جلبه معه على سبيل التبرّك، ثم يسلم الخطابات التي في حوزته إلى أصحابها.
وعقب وصول الجوخدار، كان يصل «الكتّاب» إلى دمشق، وهو الشخص الذي كلّفه أمير الحج ليحمل الرسائل إلى ذوي الحجاج، وكان يصل عادة بعد الجوخدار بثلاثة أيام. أما الحجاج فكان يبدأ وصولهم إلى دمشق بين الثاني والخامس من صفر، ويستمر دخولهم إلى المدينة نحو خمسة أيام، وفي أثرهم يدخل أمير الحج وسردار الجردة بزينتهما كاملة وأبهتهما، فتشتعل الزينات في مدينة دمشق، ويستقبل الأهالي قافلة الحجاج مهلّلين ومكبّرين، حامدين الله على وصولهم بسلامة.
وكانت الزينات ترتفع في الشوارع وفي المساجد وفوق مداخل الأبنية التي يقطنها ذوو الحجاج. وتبدأ الليالي التي يحتفي بها الناس في دورهم بعودة الحجاج، على مدى ثلاثة إلى سبعة أيام، وتقام المآدب، وتستدعى فرق الغناء، وتلبس المدينة مع ناسها حلّة الأعياد.
وكانت أفواج الناس من العامة والخاصة، تتقاطر إلى منازل الحجاج، يقبلونهم ويهنئونهم بمبرّة وبركة الحج. كما يهنئونهم بسلامة العودة ويدعون لهم بالصحة الدائمة.
وداخل أقبية الدور والقصور، كان الحجاج يروون على مسامع الشاميين، كيف طووا رحلة بلغت مدتها أربعة أشهر (من شهر شوّال إلى شهر صفر). وكان الحجاج يستفيضون في تفصيل ما كانوا قد تعرضوا له من مشقة الرحلة وقسوة الطبيعة، كالحر اللافح والبرد القارس والسيل الجارف، من دون أن يؤثر ذلك عليهم.
ذكريات الحج
إن ذكريات الحج في كتب المؤرخين، ترصد انطباعات الحجاج إلى بيت الله الحرام، وكيف كانوا ينظرون إلى هذه المناسبة الكريمة والمقدسة باعتبارها عاملاً من العوامل الأساسية، بحيث تسمح لكل حاج أن يكون رحالة مرة في حياته، وأن يجتمع مع غيره من المسلمين اجتماعاً أخوياً، فتتوحّد المشاعر الإنسانية على قاعدة من الإيمان والإسلام.
قصي الحسين
العمارة الإسلامية في دمشق
ظهرت التكية في العهد العثماني، التكية إلى جانب المدرسة كمجمع معماري له هندسة وتخطيط جديد. والتكية أكثر شمولاً وضخامة من المدرسة، وتضم المسجد الذي يشغل جناحاً خاصاً في جهة القبلة، وغرفاً للسكن والمطاعم والمطابخ، ومخازن التموين والقاعات والحدائق، كما ألحق ببعض التكايا مكتب لتعليم الأولاد.
انتشرت التكايا في المدن السورية وخصوصاً في دمشق وحلب، أشهرها التكية السليمانية التي شيدت عام 967هـ/ 1559م، وتكية مراد باشا المشيدة عام 976هـ/ 1568م في دمشق، وتكية الشيخ أبي بكر المشيدة عام 1041هـ/ 1631م في حلب.
تقع السليمانية على الضفة اليمنى لنهر بردى، شرق المتحف الوطني في مدينة دمشق. شيدها السلطان العثماني سليمان القانوني عام 962هـ/ 1554م، مكان قصر للملك الظاهر بيبرس، هدمه تيمورلنك، وكان يدعى «قصر الأبلق».
التكية السليمانية
استغرق بناء التكية ست سنوات، وأنجزت سنة 968هـ 1560م، وهي من أضخم الأبنية التاريخية في دمشق، وأعظمها. اعتمد في إنشائها التصميم العثماني بالقباب والأروقة.
تتألف التكية من صحن واسع تتوسطه بركة ماء، مستطيلة الشكل وتتوزع حول الصحن مجموعة من المباني. ويحيط بمباني التكية سور حجر، ولها ثلاثة أبواب، تتقدم الباب الشمالي منها قبة صغيرة محمولة على أربعة أعمدة.
وتشتمل التكية على مسجد يقع في جنوب الصحن، وهو مربع الشكل طول ضلعه 16م، تغطي سقفه قبة كبيرة، وهي نموذج مهم للقباب العثمانية، لها رقبة متعددة النوافذ وطاسة نصف كروية مصفحة بالرصاص، وفي جدران الحرم شبابيك مطلة على الحدائق وهذه النوافذ، ونوافذ القبة كانت من الجص المعشق بالزجاج الملون وتمثل مواضيع زخرفية ولكن زال الكثير منها.
المحراب تزينه المقرنصات، وتحيط به زخارف من الفسيفساء الرخام، والمنبر من الرخام الأبيض.
وتزين ألواح القيشاني جدران المسجد. وللمسجد مئذنتان كثيرتا الأضلاع، رأساهما مدببان، وفي أسفل ثلثهما العلوي شرفتان مزينتان بالمقرنصات.
تقع مساكن الدراويش في شرق الصحن وغربه، ولكل مجموعة منها رواق يتألف سقفه من قباب محمولة على أعمدة، فيه غرف، كل غرفة منها مسقوفة بقبة، وفي كل جناح ست غرف مربعة الشكل، طول ضلعها سبعة أمتار، وهي مزينة بألواح القيشاني.
والجناح الشمالي يقوم في شمال الصحن وفيه المخازن والمطابخ وقاعتان واسعتان. ويتوسط القاعتين الكبيرتين بناء مؤلف من تسع غرف، يتقدمه رواق محمول على أعمدة.
ويظهر في عمارة التكية تأثير الفن الأسطنبولي والفن السوري. وبناء التكية يستخدم حالياً كمتحف حربي، أما المسجد فما زالت تقام فيه الصلوات.
وإلى الشمال الشرقي من مدينة حلب تقوم تكية الشيخ أبي بكر بن أبي الوفاء المتوفى سنة 991هـ/ 1583م، والتي تنسب إليه، وهو صاحب الضريح فيها، والمبنى نشأ على نظام التكايا. أنشأه أحمد بن عمر القاري المتوفى عام 1041هـ/ 1631م.
تكية السلطان سليم
التكية تتألف من إيوان كبير في صدره حرم صغير ومحراب من الرخام الأصفر والأسود والأبيض، وفي جدرانها شبابيك من الجص البديع الصنعة، لكن داهمه التلف، وإلى اليسار من الإيوان حجرة ضريح الشيخ القاري. وفي شرق الإيوان رواق صغير له ثلاث قباب مبنية على عمودين من الرخام الأصفر، وفي صدر الرواق قاعة ذات قبة مرتفعة أرضها مرخمة، وإلى شرق القاعة قسطل ماء بني عام 1005هـ/ 1596م. ويوجد في التكية عدد من قبور الأتراك.
وهذا البناء يعد مزاراً مهماً، إذ كان الولاة العثمانيون يعنون بهذه التكية، ويحرص كل واحد منهم على أن يترك أثراً فيها.
وإلى جانب التكايا وجدت أيضاً منشآت معمارية خاصة لتلقين أصول الطرق الصوفية، وممارسة شعائرها كالجيلانية والرفاعية والقادرية والشاذلية… إلخ. وتسمى هذه المنشآت بالخانقاه أو الرباط أو الزاوية. ويبدو أن الاهتمام بهذه المباني يعود في بداياته إلى القرن السادس الهجري، وتحديداً إلى عهد الملك نور الدين الزنكي. فيذكر ابن كثير في ترجمة نور الدين: «… ويبنى الربط والخانقاه، وكان يجمع عنده الفقهاء والمشايخ والصوفية ويكرمهم ويعظمهم. وكان يحب الصالحين…».
ويشتمل الخانقاه على حرم وغرف للسكن وإيوان واسع كخانقاه النحاسية في دمشق، التي أنشأها شمس الدين بن النحاس الدمشقي، ومن أهم آثارها واجهتها الحجر الجميلة، وبواباتها المزينة بالمقرنصات، تستخدم حالياً كمسجد يعرف بجامع النحاسين.
وفي حي الكيلانة من مدينة حماه تقوم زاوية الشيخ حسين عفيف الدين الكيلاني الذي تولى بناءها، ودفن فيها وكان توفي في عام 990هـ/ 1582م. ويرجع بناء هذه الزاوية إلى بدايات الحكم العثماني.
وتعتبر خانقاه الفرافرة من أشهر الخانقاهات في سورية. فهي تقع في محلة الفرافرة في مدينة حلب. شيد البناء لإيواء المتصوفين. بنته ضيفة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر عام 635هـ/ (1237م).
تزين المدخل مقرنصة ذات ثلاث حطات، تعلوها زخارف هندسية بديعة، وتعلو المدخل كتابة تاريخية تبين أن هذا البناء شيد «أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين والدنيا يوسف بن الملك العزيز محمد في شهور سنة خمس وثلاثين وستمائة للهجرة».
يعقب المدخل دهليز منكسر يفضي إلى صحن مربع الشكل تتوسطه بركة ماء مثمنة الشكل. وفي الجهة الشرقية من الصحن هناك دهليز يؤدي إلى فسحة مربعة يحيط بها إيوان صغير وثلاث غرف. تتطاول جدران الغرف وتتقارب في الأعلى في شكل مائل مشكلة ما يشبه القبة المقطوعة من الأعلى.
ويتفرع من الممر السابق، ممر آخر يؤدي إلى الطابق الثاني يحتوي على غرف سقوفها نصف أسطوانية.
أما في الجهة الغربية من الصحن فيوجد درج يؤدي إلى سطح الإيوان، بعد أن يعبر ممراً ضيقاً مسقوفاً، تنفتح عليه غرف عدة كانت تستعمل لإيواء المتصوفين.
والحرم في هذه الخانقاه تعلوه قبة مرتفعة تستند إلى عنق مثمن الشكل بواسطة أربع زوايا مثلثية كروية، وفي أسفلها مقرنصات لتحويل الشكل المثمن إلى دائري.
وأما المحراب فهو رخامي يحيطه عمودان رخاميان زينا بتيجان مزخرفة، تعلوه زينة من الرخام الملون مؤلفة جدائل بديعة المنظر.
عبد الستار أحمد
عسكر دمشق المتعايش حرباً
في القرن الثامن عشر
الكتب والأعمال والمخطوطات التي تتحدث عن دمشق ليست بالقليلة، نظراً إلى أهمية المدينة على مرّ الحقب. والفترة العثمانية منذ مطلع القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، تحظى هي الأخرى بنصيب وافر من المراجع الخاصة بمدينة دمشق. ومن المعروف أن عدداً من الباحثين خصّ هذه الحاضرة بأبحاث أكاديمية مطولة، نذكر على سبيل المثال دراستي عبدالكريم رافق وعدنان البخيت. وهما تتناولان المدينة في الحقبة العثمانية بالذات. ويبدو أن القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، يستقطب العديد من الأعمال، ليس فقط لباحثين معاصرين، ولكن أيضاً لأعمال ما زال بعضها مخطوطاً، بينما حظي بعضها بالتحقيق والنشر، وتعود جميعها إلى القرن الثامن عشر الميلادي.
ركز الباحثون في دراساتهم عن دمشق في القرن الثامن عشر على منحيين بارزين: الأول يتعلق بحكم دمشق التي هي عاصمة ولاية واسعة الأرجاء وكبيرة الأهمية، توالى على حكمها العديد من الباشوات الولاة الذين يتحدرون من عائلة العظم. واعتبر هذا الأمر بمثابة تولي الوطنيين للحكم على اعتبار أن عائلة العظم عائلة عربية توارث أبناؤها حكم المدينة والولاية لمدة تزيد على الخمسين سنة، فضلاً عما أعطوه للولايات الأخرى مثل حلب وطرابلس من حكّام.
والمنحى الآخر الذي ركّز عليه الباحثون يتعلق بالصراعات بين القوى التي تتقاسم النفوذ في الشام على امتداد فترات طويلة من القرن الثامن عشر. والظاهرة الملفتة للانتباه في هذا المجال صراعات القوى العسكرية من (قبوقول) أي جند الانكشارية التابعين للباب العالي، و(يرلية) وهم جند الانكشارية من الأهلين، فضلاً عن فرق عسكرية وجماعات مسلحة أخرى مثل (اللاوند) و(المغاربة) وغيرهم. وهذه الصراعات عادة ما كانت تتوالى وتتعاقب مما يؤدي إلى الإضرار بمصالح الناس ويؤدي إلى تعطيل أعمالهم فضلاً عما توقعه من قتلى وجرحى.
وأحد أبرز المصادر العائدة إلى دمشق في الفترة المذكورة، أي على امتداد القرن الثامن عشر، يتمثل في كتاب «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر». ومؤلف هذا الكتاب هو مفتي دمشق الشاب محمد خليل المراوي الذي جمع في كتاب واحد (أربعة مجلدات) أخبار علماء دمشق وحكامها. وجعل العديد من الباحثين من كتاب «سلك الدرر» أساساً لأعمالهم نظراً إلى ما يتضمنه من معطيات اجتماعية وتاريخية حول الفترة المذكورة.
ومن بين المصادر البارزة كتاب دوَّنه حلاق دمشقي كان يسجل مذكراته مع استمراره في مزاولة حرفته. وعُرف هذا الكتاب بعد نشره باسم «حوادث دمشق اليومية». وكان الشيخ محمد سعيد القاسمي وجد المخطوطة التي دوّنها أحمد البديري الحلاق، قبل أن يخرجها في نسخة محققة الدكتور أحمد عزت عبدالكريم من جامعة عين شمس. وصار كتاب أحمد البديري الحلاق مرجعاً متداولاً نظراً إلى ما يتضمنه من معلومات ومعطيات حول دمشق في أواسط القرن الثامن عشر. فهو يحتوي على أخبار العلماء وأخبار الحكّام في صورة تعكس المجتمع الدمشقي من جوانبه المختلفة.
أما كتاب «غرائب البدائع وعجائب الوقائع» فهو مخطوطة، لا يُعرف عن مؤلفها سوى اسمه: «حسن ابن الصديق» ويبدو أنه كان قريباً من أوساط الحكام والجماعات العسكرية. ولهذا السبب فإن الأحداث التي يرويها تتصل اتصالاً مباشراً بالوقائع السياسية والعسكرية. وقام بتحقيق الكتاب د. يوسف نعيسة الذي سبق له أن نشر دراسة من جزئين بعنوان «مجتمع مدينة دمشق 1772 ـ 1840م». أما تحقيقه لنص «غرائب البدائع» فقد صدر في دمشق عن دار المعرفة 1988.
يبدأ صاحب النص ابن الصديق رواية أحداثه بذكر علي بيك الكبير المملوك الذي صار له النفوذ في مصر وأرسل محمد أبو الذهب على رأس قوات كبيرة للسيطرة على بلاد الشام وعاصمتها دمشق. وفي سياق روايته يخبر بتفاصيل كثيرة عن الصراعات بين أصحاب النفوذ في دمشق وحالات العصيان والتعديات بما في ذلك التعدي على قافلة الحج. ونجد في الكتاب أخبار ولاة دمشق المعينين من طرف الدولة، وأخبار ضاهر العمر في عكا وبلاد صفد وأخبار الجماعات الأهلية وخصوصاً في الأرياف.
وأهمية نص ابن الصديق تكمن في روايته للوقائع والمراسلات بين أصحاب النفوذ ما يدل عى سعة اطّلاعه وإمكان إقامته صلات وثيقة بالأطراف المتنازعة. وبما أنه يبدي تأييداً للسلطان والدولة فمن المرجح أن يكون من عداد الانكشارية أو الينكجرية.
ومهما يكن من أمر فإن الأهالي هم الذين كانوا يذهبون ضحية المنازعات بين أطراف النفوذ. ويذكر ابن الصديق بلغة عامية كيف وقعت مقتلة بسبب خلاف بسيط بين جماعات المغاربة والقابيقول: «فقتل من الطانقيين مقدار خمسة عشر رجل والمجاريح أشكل (أكثر) من ثلاثين رجل. وصار الحرب بينهم مقدار ثلاثة أيام بلياليها. وضاجت عليهم أهل الشام جميعاً كبيراً وصغيراً وجميع أكابر الحجاج، وعملوا ديوان، وجابوا جميع الاختيارية والضباط وآغات القابيقول وباش آغات المغاربة وأصلحوا بينهم، وأشرطوا عليهم أن كل طائفة يقع فيها الفساد فيكون جميع أهل البلد وعسكر الباشا قايم عليهم من كل طائفة وقمع منها الفساد». (ص29).
ويذكر من هذا القبيل الأحداث التي جرت عند حصار أبي الذهب لمدينة دمشق. ويبدو من خلال المفاوضات بين أبي الذهب وبين أعيان دمشق وعلمائها، أن المدينة رفضت الخضوع لمطالب أبي الذهب، إذ أن المجتمعين من أعيان الشام أجمعوا على المحاربة وعدم الخضوع.
والأحداث التي يرويها ابن الصديق تمكن مقارنتها بمعلومات مشابهة وردت في مراجع أخرى. إلا أن أهمية كتابه تكمن في التفاصيل التي يذكرها حول قادة العسكر من كل الفئات والجماعات. ومن هنا فإن هذا الكتاب يحتل موقعه وأهميته لجهة معرفتنا بمواقف كل فئة من الفئات وقوتها وعديدها وخصومها. كذلك فإن الدراسة الدقيقة لهذه المعطيات تبين كيف لعبت هذه الجماعات أدواراً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكيف أن بعض البيوتات تحدر من أصولها بعد تحول أدوار أهلها وانخراطهم في الحياة المدنية لاحقاً.
خالد زيادة
يوميات دمشقية في ظل العثمانيين
خلال القرن السادس عشر
لم يكن الحكم العثماني الممتد على مدى أربعة قرون شكلاً استعمارياً عابراً، فهو تسرب إلى عمق الشكل الاجتماعي في المنطقة، ولم يقف عند حدود السلب الاقتصادي والاستنزاف البشري بل طاول سلم القيم والمناقب. ونحن نلاحظ هذا من خلال التدهور العام الذي عانته البلاد، لكننا نفتقر لمدونات تصف أو تحلل ما جرى. وباستثناء شهادات الرحالة الأجانب، فإن التاريخ لتلك الفترة اتخذ شكل اليوميات. وكتاب «نزهة الخاطر وبهجة الناظر» واحد من هذه الكتب التي تناولت حوادث دمشق خلال عام تقريباً. ومع أنه ليس شكلاً من أشكال كتابة التاريخ، إلا أنه يمنحنا رؤية عامة نستطيع من خلالها النظر إلى الشكل الاجتماعي المسيطر آنذاك.
الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة السورية في قسمين حمل مقدمات طويلة تشرح المادة التاريخية. تعطي المقدمة الأولى فكرة عن القاضي شرف الدين موسى المولود في العام 946هـ والمتوفى في 1002هـ، وهو من أسرة دمشقية عريقة، تولى عدداً من مناصب القضاء في دمشق. والكتاب واحد من ثلاث مخطوطات كتبها القاضي شرف الدين، الأولى بعنوان «التذكرة الأيوبية» موجودة في المكتبة الظاهرية في دمشق وفي برلين، والثانية «الروض العاطر فيما تيسر من أخبار القرن السابع إلى ختام القرن العاشر» وهي مخطوطة في برلين، ولم يتم نشر هاتين المخطوطتين حتى الآن.
المقدمة الثانية تحمل فكرة عن مضمون الكتاب الذي بدأ تدوينه العام 999هـ، وتطرق الكاتب فيه للقضاة والأعيان والولاة مفصلاً، حسب ترتيب اليوميات، وظائف كل منهم ودوره في الحياة العامة لدمشق. وسياق الكتاب كيوميات يجبر المؤلف على التطرق لعلماء الدين والشعراء، وبعض من أحداث دمشق المهمة. وتفاصيل دقيقة تتعلق بالهيكلية الإدارية، وعلاقة المسؤولين مع المواطنين، إضافة إلى طبيعة الترابط بين مركز الحكم في اسطنبول ودمشق، وهذه المواضيع يضعها محقق الكتاب في فصل خاص ليسهل على القارىء إدراك الهدف الأساسي من إعادة نشر المخطوطة. ويذكر المحقق أنه اعتمد نسخة مكتبة الظاهرية، وأضاف فهارس للأعلام والكتب والأماكن والمصطلحات التي وردت في المخطوطة.
يورد المحقق فصولاً عدة متلاحقة قبل ذكر المخطوطة، ويعتبرها ملامح من حياة دمشق في تلك الفترة. أولاً الإدارة المرتبطة مباشرة بوالي دمشق الذي يبدو أنه كان من أصحاب القرى والأموال، ومهمته مراقبة إقليم الشام عموماً وتولي موكب الحج. والفصل الثاني متعلق بالإفتاء، فالمخطوطة تعطينا فكرة عامة عن رأس السلطة الدينية، وكيف يتم اختيار المفتين من المذهب الحنفي. والفصل الثالث حول القضاء إذ تبين المخطوطة تطور هذه المهنة، والعلاقة بينها وبين رأس السلطة، والمراحل التي يمر بها القاضي متدرجاً في المناصب، إضافة للمحاكم وأشكالها الإدارية وطرق عملها وترتيبها الإداري.
الفصل الأخير قبل عرض المخطوطة أراده الباحث لتقصي بعض الملامح الاقتصادية، إذ أدى سوء الإدارة إلى جملة من الأزمات الاقتصادية، وتفشي الفقر والسرقة. والشيء الجديد الذي قدمه المحقق جداول بيانية استقت معلوماتها من المخطوطة تتعلق بأسعار الشعير والقمح والخبز، وهي تعطي فكرة عن حجم الغلاء الذي اجتاح البلاد خلال تلك الفترة. وفي النهاية جدول بأسماء القضاة في دمشق منذ إحداث هذا المنصب.
أصدرت وزارة الثقافة السورية المخطوطة في كتابين يصل الأول إلى نهاية الشهر الرابع الهجري (ربيع الثاني) ثم يأتي سرد أسماء القضاة. يبدأ الكاتب مخطوطته منع بداية شهر محرم 999هـ، فيضع اسم السلطان العثماني مراد خان ابن السلطان سليم خان، وهو المعروف باسم مراد الثالث. ويذكر بعد ذلك وزيره قوجه سنان باشا الذي كان ابنه والي دمشق في ذلك العام. ويذكر بعد ذلك اسم قاضي القضاة محمد أفندي بن حسن كتخدا، ثم أسماء القضاة في المحاكم ونوابهم، والملاحظ في هذا الترتيب أنه يأتي وفق تسلسل المسؤوليات. وتبرز تفاصيل أسماء القضاة درجة اهتمام الكاتب بمهنته. وفي الشهر الأول (محرم)، إذ استثنينا جملة الأحداث الشخصية التي جرت مع الكاتب، يمكننا ملاحظة درجة العلاقة المتبادلة بين القاضي والوالي، فعندما يذكر المؤلف وصول قاضي القضاة محمد أفندي يبرز بشكل واضح عدم خروج الوالي وكأنه أمر غريب. من جهة أخرى يذكر في أحداث الشهر انتهاء بناء جامع سنان باشا وملاقاة ركب الحج الشامي، ثم يشير إلى اهتمام الوالي ببناء المسجد وبموكب الحج، وهو بذلك يبرز أهمية المساجد بالنسبة إلى الولاة الذين حاولوا تخليد أسمائهم من خلال بناء المساجد.
أحداث الشهر الثاني مختصرة بشكل واضح، فهناك وصول ركب الحج واعتقال أمير الركب بعد وصوله بأيام من دون معرفة السبب، إضافة إلى مسألة انخفاض الأسعار وارتفاعها خلال شهر واحد مما يوحي بعدم استقرار اقتصادي. وهناك قصيدة طويلة يوردها المؤلف ألقاها عليه الشيخ شمس الدين محمد حول مقصف قريب من جامع يلبغا، أي في منطقة قريبة من المرجة حالياً، وتعطينا فكرة عن الطبيعة في تلك المنطقة التي اختلفت اليوم كلياً. ولا تختلف أحداث الشهر الثالث (ربيع الأول) كثيراً عن الثاني سواء من ناحية الغلاء أو تغيير القضاة. لكنه يورد حادثة سرقة القاضي شمس الدين محمد سبط الرجيحي، والملفت للنظر فيها حجم المسروقات. ومع أنه يذكر مكان السرقة باسم (خلوة القاضي)، لكن المقتنيات التي تحويها لا يمكن أن تكون سوى أثاث بيت، وكميتها لا يمكن أن تكون لقاضٍ فهي تدل على اهتمام بالأمور الفنية والتحف النادرة. ويورد أيضاً إخلاء سبيل أمير ركب الحج بعد أن دفع مبلغاً من المال وعين في منصب مرموق في صيدا.
ويبدو جلياً أن المؤلف صاحب ذوق فني رفيع فهو ينقل أبيات شعرية استطاع الحصول عليها من بعض المخطوطات ثم ينتقل لتحقيق عمل خاص به هو البحث عن أسماء القضاة في دمشق منذ ظهور هذا المنصب، ويذكرهم بأنسابهم حتى نهاية الكتاب، وهو الجزء الأول من المخطوطة.
في الكتاب الأول من نزهة الخاطر يصل الكاتب إلى نهاية شهر ربيع الثاني. أما الكتاب الثاني فيتابع سرد أسماء قضاة دمشق، ثم يعرض أحداث شهر جمادى الأولى التي تبدو فقيرة جداً، ربما لأن أخت الكاتب توفيت. ومع ذلك يورد قصة سرقة جرت في حمام دمشقي، عندما حاول أحد العاملين سرقة المناشف لشدة فقره. وشهر جمادى الثانية مليء بتنقلات القضاة، وهذه الحركة تثبت أن هذا القطاع من السلطة لم يكن مستقراً أبداً، فحتى المؤلف نقل وعزل مرات عدة على امتداد عام كامل. والأمور ـ كما يتضح من سير الأحداث ـ كانت تتبع مصالح الوالي وعلاقته مع كبير القضاة. وتستمر التنقلات في سلك القضاء طوال شهر رجب، إضافة لبعض المشاكل التي سببها القضاة المرتشون، والذين سبّب عزلهم ملاحقة الناس ومطالبتهم بالمال الذي دفعوه رشوة. وهنا يقدم الكاتب حملة التشكيلة القضائية الجديدة، ويذكر وفاة والي مصر أويس باشا بسبب فالج، ويرجع هذا المرض إلى كثرة الظلم الذي سببه مما جعل العلماء والمتصوفة يدعون عليه فأصابه الفالج وتوفي. ولا يظهر في أحداث شهر رجب ما يخص دمشق باستثناء أحداث القضاة وتغييرهم.
وقائع شهر شعبان يتصدرها حدث جرى في اسطنبول مع وزير السلطان سنان باشا، عندما حاول بعض رجال الدولة عزله عن طريق الوشاية للسلطات ففعلوا. وهذه الحادثة بحد ذاتها تبرز فهماً اجتماعياً خاصاً لإدارة الدولة العثمانية، فالكاتب ينقلها على أنها مؤامرة دنيئة. وبالطبع هو يتعاطف مع الوزير كون ابنه والي دمشق، خصوصاً أن سلك القضاء تابع لسلطة الوزير الأعظم. ومن الأحداث أيضاً وصول قاضي القضاة الجديد إلى دمشق وتعيين والٍ جديد لمصر. أما الأحداث الدمشقية فليس هناك سوى الغلاء، وانتشار الطاعون في حلب وما سببه من ويلات ومحن.
تتسارع الأحداث منذ شهر رمضان، فهو يذكر جملة مظالم وقعت على الناس، مع عجز كامل من قبل القضاء. وينقل وصفاً لبعض حلقات الذكر والعبادة التي حضرها، إضافة لتنقلات القضاة. وينتقل بشكل سريع نحو شهر شوَّال فلا يذكر فيه سوى حادثة قضائية واحدة تمت مع أحد القضاة إذ حكم على المدّعي لعدم استطاعته إحضار دليل. وفي شهر ذي القعدة الحدث الأهم وهو عزل الوزير الأعظم سنان باشا، وتبعه عزل ابنه محمد عن ولاية دمشق ووضعه في السجن، ولم يعف عنه إلا في منتصف شهر ذي الحجة، وأصبح خليل باشا والي دمشق. وبهذا الحدث ينهي الكاتب سنة يومياته الأولى ليبدأ بسنة هجرية جديدة. وعلى غرار يومياته في الكتاب الأول فإنه يورد اسم السلطان مراد الثالث ووزيره الأعظم فرحات باشا، ثم بقية الولاة والقضاة.
ليس هناك أهم من وصول خليل باشا والي دمشق الجديد، وبالتالي فإن البلاد ستتغير أحوالها طبقاً لأحوال الوالي الجديد. أما نقيض هذا الحدث، وفي اليوم نفسه، فهو انتحار بيّاع لفقره وعوزه، وينقل الكاتب هذه القصة بتفاصيلها الدقيقة، مسجلاً موقفاً ضد البائع المنتحر. كما يسجل حادثة خروج الجيوش للقبض على قرقماس بن منصور بن الفريج وهو ابن أمير موكب الحج، وأخذه رهينة ريثما يصل والده. ولكن عند وصول موكب الحج في شهر صفر كان منصور بن الفريج قد هرب. وفي شهر صفر أيضاً تنقلات قضائية جديدة في دمشق.
أحداث شهري ربيع الأول والثاني قليلة جداً متعلقة بالكاتب نفسه، فهو يصف مرضاً ألمّ به، ويذكر حادثة متعلقة بإلقاء القبض على سارق. وتنتهي المخطوطة بتاريخ الثالث عشر من ربيع الثاني. ولا بد هنا من ملاحظة أساسية، خصوصاً في الجزء الثاني من المخطوطة، ألا وهي تعليق الأهمية على نقل القضاة، والطعن ببعضهم، والتركيز على الرشوة وبعض ما يقوم به القضاة من جباية للأموال. هذه الأمور ينقلها الكاتب بأسف شديد، مستعملاً عبارة «لا حول ولا قوة إلا بالله» للتدليل على استنكاره. والكاتب هنا لا يتخذ موقف الحياد مما يجري لكنه في الوقت نفسه يكتب من موقع القاضي، أي أنه غير مهتم سوى بإصلاح الأمر، معتبراً نفسه خاضعاً بشكل اعتباري للسلطة الموجودة. هذا الشأن يتضح عندما يكتب عن رسائل الوالي أو محاولاته في مقاومة المجاعة، أو استحصاله على الغلال الزراعية من الخارج. وهكذا يبدو أن المخطوطة تخرج عن إطار اليوميات نحو توثيق القضاة في دمشق منذ استحداث هذه المهنة.
إن المخطوطة تظهر بوضوح حقبة من تاريخ دمشق ما تزال باهتة في أذهاننا، لدرجة أن محقق الكتاب عجز في كثير من الأحيان عن وضع تعريف ببعض الأسماء التي يوردها المؤلف بشكل ينقل صفتها كشخصيات مهمة جداً، وهذه المخطوطة تحتاج أيضاً لبحث أدق، كي يتم خلق تقاطعات بينها وبين باقي الأحداث التاريخية التي جرت في ظل الحكم العثماني.
التشيع في دمشق
كثرة التشيع في دمشق في القرن الرابع وما بعده
في تاريخ الخلفاء للسيوطي: «في سنة 360هـ أعلن المؤذنون بدمشق في الآذان حي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق المعز لدين الله ولم يجسر أحد على مخالفته وفي سنة 364 وبعدها غلا الرفض وفار بمصر والشام والمغرب والمشرق ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي» «انتهى كلام السيوطي ويقصد بالعبيدي: الخليفة الفاطمي».
وقال الذهبي: «كان النصب مذهباً لأهل دمشق في وقت، كما كان الرفض مذهباً لهم في وقت وهو في دولة بني عبيد)[181]( ثم عدم ولله الحمد النصب وبقي الرفض خفياً خاملاً». ووفاة الذهبي سنة 748هـ.
وذكر ابن جبير في رحلته التي كانت في القرن السابع عند الكلام على دمشق كثرة الشيعة بتلك البلاد فقال: «وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة وهم أكثر من السنيين بها».
واليوم يوجد في دمشق عدة ألوف من الشيعة.
وقد أقام فيها السيد محسن الأمين منذ سنة 1319هـ حتى وفاته سنة 1371هـ (1952م) ودفن في مقام السيدة زينب بضاحيتها.
وقد كانت إقامته فيها مصدر خير كثير للشيعة حيث أنشأ لهم المدارس والمعاهد والجمعيات وألّف بينهم وبين غيرهم من إخوانهم السنيين. وفيها كتب مؤلفاته. كما دعم الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار وقد أشار إلى ذلك الأستاذ منح الصلح في مقال له في مجلة الديار حيث جاء فيه بعد أن تحدث عن عبدالحميد بن باديس علامة الجزائر:
«… والنموذج الثاني بين رجال الدين، على العلاقة الخلاقة بين العمل الوطني والإسلام هو: المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين الذي كان في دمشق إمام العمل الوطني السوري ومرجع المذهب الشيعي الأعلى، فهو على الصعيد الديني لم يقلّ أثراً وسعة أفق عن محمد عبده. وعلى الصعيد الوطني كان رأس الوطنيين السوريين وفي بيته أعلنت الحركة الوطنية في سورية سنة 1936م إضراب الستة أشهر الشهير» (انتهى).
لذلك قررت حكومة الاستقلال بعد قيام الحكم الوطني إطلاق اسمه على منطقة بكاملها من دمشق في الجهة التي كان يسكن فيها فأسمتها «حي الأمين». وتقوم في الحي نفسه المدرسة المحسنية».
وقد برز بين شيعة دمشق نخبة كانت من ألمع وجوه المجتمع الدمشقي علماً وأدباً وشعراً فخرجوا خلال دراساتهم الأولى على السيد محسن الأمين، ثم أطلقهم في شتى الميادين الثقافية، فكان فيهم الفقيه والطبيب والكاتب والشاعر والاقتصادي والصحفي من أمثال: الدكتور أسعد الحكيم الذي كان طبيباً متميزاً في الطب والأدب وعضواً في المجمع العلمي، والكاتبين الشاعرين المؤرخين: أديب التقي عضو المجمع العلمي وأحمد صندوق، والفقيهين الشيخ علي الجمال والشيخ محمد علي صندوق، والقاضي علي بيضون، والصحافي عباس الحامض، وعالم الاقتصاد الدكتور أديب الرماني والطبيب الدكتور شفيق شحادة والمربي كامل الرماني والكاتب العصامي وجيه بيضون الذي كانت مطبعته في دمشق أرقى مطبعة فيها.
ويوسف حيدر وسعيد حيدر، وإن لم يكونا دمشقيي المولد، فقد كانا دمشقيي التعليم والنشأة فأصدر الأول منهما في دمشق في أوائل عشرينات القرن العشرين جريدة (المفيد) التي كانت لسان النضال الوطني السوري طيلة صدورها ولم تتوقف عن الصدور إلا سنة 1925م على إثر اندلاع الثورة السورية الكبرى، وقيام حزب الشعب بالتحريض عليها، والتحاق فريق من رجالها بالثوار واعتقال بعضهم وكان بين المعتقلين صاحب المفيد يوسف حيدر، والملتحقين بالثوار شقيقه وشريكه في (المفيد) سعيد الذي كان من أبرز رجال القانون، ومن كبار السياسيين والوطنيين المناضلين.
كما كان السيد محسن يرسل إلى مصر ولبنان أيام عاشوراء أفراداً من خطباء المنبر الحسيني منهم: إلى مصر السيد رشيد مرتضى وإلى بيروت الشيخ صادق الخياط وإلى صيدا الشيخ حسن الرامي.
ولعل فيما جاء في قصيدة للشيخ توفيق الصاروط أحد أعلام مدينة بعلبك علماً وشعراً، وهي القصيدة التي عزى بها السيد محسن الأمين بوفاة قريب له ـ لعل ما جاء فيها يُري القارىء حالة من حالات السيد محسن يومذاك:
لك العمر يا غوث الأنام وغيثها
وأفضل أهل العلم طراً وأطهرا
لئن فوق الدهر الخئون سهامه
وأصمى من العلياء قلباً ومنحرا
فقد أخطأت منه السهام ولم تصب
لها مقتلاً ما دمت فينا مصدرا
فيا كعبة حجت إليها ذوو النهى
على غيره لم تعقد اليوم خنصرا
لئن كان بيت الله للناس كعبة
فإنك نور الله تهدى بك الورى
وفي فضل ما أوتيت من نور حكمة
وفضل بيان كنت للدين مظهرا
على أن أسفاراً ملأت بطونها
علوماً بها وجه البسيط تعطرا
وسارت مسير الشمس نوراً وحكمة
(لها قيل كل الصيد في جانب الفرا)
أعدت بها للدين مجداً وسؤدداً
وجددت من أنواره ما تكورا
وأوليت أهل العصر فضلاً ومنة
وقلّدت جيد العصر دراً وجوهرا
حللت دمشق الشام والجهل خيمت
غياهبه في أهلها قبل أعصرا
فقمت بأمر الله تدعو إلى الهدى
بعزم كحد السيف لا يعرف المرا
بزغت بها كالبدر يبدو ضياؤه
رويداً فيجتاح الدجى حيث أبدرا
وقامت قناة الدين فيها وأحكمت
قواعده لما صفا ما تكدرا
ولا بدع إن لم يبق للجهل موئل
وأنت بها ينبوع علم تفجرا
فيا كوثر الفضل الذي عم نفعه
تفرع من (أن منحاك كوثرا)
لك القول أضحى والشريعة سلمت
إليك مقاليد القضاء بما ترى
وأنت منار العلم والعيلم الذي
طما فجرى من فيضه العلم أنهرا
الحنين إلى دمشق
قال السيد محسن الأمين وهو في جبل عامل يحن إلى دمشق ومنتزهاتها:
أحبابنا بدمشق لا أغبكم
فيض السحائب هطالاً وهتانا
إن ينأ ربعكم عن ربعنا فلكم
في القلب ربع غدوتم فيه سكّانا
وذكراكم في محاني القلب ثابتة
فهل نسيتم لبعد العهد ذكرانا
سقى ليالينا (بالنيربين) حيا
(ودمر) وسقى الصفصاف والبانا
حيث النسيم سرى غضا فرنح من
رياضها كقدود الغيد أغصانا
وبينها (بردى) تجري المياه به
عن الشمائل والإيمان غدرانا
أتذكرون إلى (الخضراء) رحلتنا
يوماً (وللفيجة) الغنّاء ممشانا
(والصالحية) جاد الغيث أربعها
سحا وحيا بتلك الأرض مثوانا
للَّه في (قبة السيار) مرتبع
مراحنا لم يزل فيه ومغدانا
إنا لنشتاق لقياكم أأنكم
بعد التفرق تشتاقون لقيانا
لكنما العجز والأقدار تقعدنا
عنكم وعقد من السبعين وافانا
لا تحسبونا من القوم الألى اتخذوا
بالدار داراً وبالجيران جيرانا
وقال في قصيدة:
حيا دمشق وجادها صوب الحيا
وغدت عليها نضرة ونعيم
يغري النسيم الغض طرفك بالبكا
إن هب من نحو الحبيب نسيم
لي في دمشق أحبة ودي لهم
عمر الليالي خالص وصميم
هم عصبة غر الوجوه أكارم
ما منهم إلا أغر كريم
بيض المساعي والوجوه أماجد
طابت نفوسهم وطاب الخيم
لله ليل الأربعاء فكم به
لذوي الصفاء مسامر ونديم)[182](
والأرض تحسدها السماء فكم بدا
من فوقها بدل النجوم نجوم
فأجابه الشيخ أحمد صندوق:
(شقراء) باكرك النسيم إذا سرى
وسقى ربوعك للغمام عميم
حصباؤك الدر اليتيم لناظر
وثراك للمستنشقين شميم
فيك الهداية والتقى فيك المكا
رم والندى فيك الصلاح مقيم
تيهي عى الدنيا بأروع ماجد
هو للفضائل والكمال زعيم
عقدت عليه بنو الزمان أمورها
طفلاً ولم تعقد عليه تميم
فصل الخطاب ترى بحكم يراعه
إن قام معترك ولج خصوم
نجم الهدى طود الحجى إن أظلمت
نوب وطاشت للأنام حلوم
حاط الشريعة منه علم زانه
رأي يصرفه أغر حكيم
يا ابن البهاليل الغطارفة الألى
طابت مآثرهم وطاب الخيم
والواهبين اليسر أما أجدبت
سنة وضن بما لديه كريم
طال الفراق فكم قلوب قرحت
سهداً وقلب طاح وهو كليم
سقيت ليالي (الأربعاء) وليتها
كانت تعود بأنسها وتدوم
كانت بجيد الدهر طوق لآلىء
بعظيم فضلك عقدها منظوم
ما لذ للأحباب بعدك مشرب
ولو أنه السلسال والتسنيم
إن فرقت عنك الجسوم فلم تزل
منَّا النفوس على حماك تحوم
لا زال في أفق الفضائل منكم
أقمار هدي للورى ونجوم
ومما قيل في الحنين إلى دمشق قول درويش الطالوي:
حمى دمشق سقاها غير مفسدها
صوب الغمام وروى روضها عللا
حتى تظل به الأرجاء باسمة
ويضحك النور في أكمامه جذلا
وخص بالجانب الغربي منزلة
لبست فيها لشباب الروق مقتبلا
تلك المنازل لا شرقي كاظمة
ولا العقيق ولا شعب الغوير ولا..
ما كنت لولا طلاب المجد أهجرها
هجر امرىء مغرم بالراح كأس طلا
ولا تخيرت أرض الروم لي سكناً
ولا تعوضت عنها بالصبا بدلا
وقول أديب التقي:
شذاك أم المسك الفتيت يضوع
له بيننا أنى نحل سطوع
أجلق هل للعيش فيك ودوننا
وهاد النوى، عود بنا ورجوع
أحن إلى عيشي لديك وإنما
يحن إلى الأم الرؤوم رضيع
تنكرت الأيام فيك وفرقت
بها ندوات بعدنا وجموع
فيا ليت شعري والزمان مفرق
أيرجع فينا الشمل وهو جميع
الدنابلة
نسبة إلى دنبل، قال في القاموس: دنبل كقنفذ قبيلة من الأكراد بنواحي الموصل.
وعن كتاب أنساب الأكراد لأبي حنيفة الدينوري أن كبار هذه الطائفة يقال لهم: عيسى بكلو لأنهم أولاد الأمير عيسى المذكور، وقيل أن سلسلة نسبهم تنتهي إلى البرامكة.
والدنابلة قبيلة كبيرة تتفرع عنها قبائل مختلفة الأسماء: منها قبيلة دنبلي يحيى أولاد يحيى، وقبيلة شمسكي أولاد شمس الملك، وقبيلة عيسى بكلّوا أولاد الأمير عيسى، وقبيلة بكزاد كان من نسل الأمير فريدون، وقبيلة أيوب خاني من سلسلة أيوب خان، وغير هؤلاء كثير تفرقوا في قاشان وخراسان وخبوشان وشيروان وكنجة وقراباغ وقراجه داغ.
وكانت طريقة أسلافهم التصوف، قيل أن أحد أجدادهم بنى ألفاً ومئتي تكية للبكتاشية، وقبورهم مزارات يتبرك بها.
ويقول في أعيان الشيعة: يظهر أن أسلافهم لم يكونوا شيعة لما عن القاموس وطبقات الشافعية للسبكي أن فيهم من كان شافعياً، ولأن التصوف على طريقة البكتاشية لا يتفق مع التشيع، وفي الروايات عن الأئمة جملة من أسماء الدنابلة، منهم محمد بن وهبان الدنبلي له حديث يعنعن بكميل بن زياد النخعي عن أمير المؤمنين (عليه السلام). وأورد الحديث أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في الجزء الأول من كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى. وكان موطنهم في كردستان ثمَّ هجروه منذ ما يقرب من تسعة قرون ونزلوا ضواحي تبريز وأحدثوا عدة قرى وقصبات وعمروا بلدة خوي عدة مرات وهي عاصمة ملكهم.
وكانت سلطتهم في كردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى ظهور حيدر الصفوي، فانضم إليه الأمير بهلول الدنبلي ودخل في خدمته، وتبعه من بعده أولاده وأحفاده، فكانوا حلفاء الصفويين متعاونين معهم.
وفي عهد الأمير أحمد بن الأمير موسى الملقب بملك طاهر رابع ملوك الدنابلة المتوفي سنة 387هـ بلغ الدنابلة على حد تعبير تاريخ شرفنامة: «أسمى المراتب وفتح جميع محال هكاري إلى قلعة جات وتوطن قلعة بأْي، وهو من الرواة المعتبرين. له تأليف معروف بين الدنابلة ذكر فيه عدة أحاديث»،
الدهناء
«الدهناء» كما حدد موقعها جغرافيو العرب القدامى أرض تقع فيما بين البصرة واليمامة في طريق البصرة الجنوبي إلى مكة المكرمة، يخرج السائر من البصرة على طريق المنكدر لمن أراد مكة فيسير إلى «كاظمة» ثلاثاً، ثمَّ إلى «الدو» ثلاثاً ثمَّ إلى «الصمان» ثلاثاً، ثمَّ إلى «الدهناء» ثلاثاً)[183](، وهي تقترب أشد الاقتراب من منطقة «الأحساء» الشرقية، يمتد طولها من حَزْن «ينسوعة» شمالاً إلى رمل «يبرين» جنوباً، ويتصل بها من الشمال رمل «عالج» عندما يسمى «بزرود» وهو الرمل الذي يحيط بأكثر أرض العرب، والذي ينقطع طرفه من دون الحجاز، حجاز وادي «القرى وتيماء»، وتتصل بها من الجنوب الغربي أرض «اليمامة» وكان يسكنها بطون «تميم، وضبة، وعدي، ويشكر، وقشير، وجعدة»)[184](.
واسعة مخيفة ضربوا بها المثل في السعة فقالوا: أوسع من الدهناء وفي هذا الاتساع تتمثل خطورتها.
قال الهمداني: ذهب في «صيهد» ـ بأرض اليمن ـ بعهدنا قطار فيه سبعون جملاً من الحاج صادرين من «نجران» كانت في أعقاب الناس، ولم يكن فيهم دليل، وأصبحوا قد تياسروا عن الطريق، وتمادى بهم الجسور حتى انقطعوا في الدهناء فهلكوا)[185](.
وقال أبو منصور: و«الدهناء» من ديار بني تميم، وهي سبعة أحبل ـ بالحاء المهملة ـ من الرمل في عرضها، والحبل منها يكون ميلاً وأكثر من ذلك، وبين كل حبلين شقيقة، والشقيقة ربما كانت فرسخاً عرضاً، وهي أرض تقع بين الحبلين، ليس بها من الرمل شيء هجول)[186](، وأكثر شجرها العرفج، وهي من أكثر بلاد الله كلاء، وإذا أخصبت «الدهناء» أربعت العرب جميعاً لسعتها وكثرة شجرها، عذاة، نزهة، من سكنها لا يعرف الحُمَّى لطيب تربتها وهوائها)[187](.
وقالوا: في سبب تسميتها بالدهناء: إن ذلك يرجع إلى اختلاف النبت والأزهار في عرامها، وذلك أخذاً من تفسير قوله تعالى: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} حيث شبهها في اختلاف ألوانها بالدهن، أو الأديم واختلاف ألوانه.
الملامح العامة
هذه الدهناء نشأ على أرضها الشاعر «ذو الرمة» فعشق رمالها وكثبانها وذكرها في شعره، ولسنا هنا في مجال رسم خريطة كاملة للدهناء معارفها ومنكراتها في شعر «ذي الرمة» فذلك أمر يطول شرحه، لكن حسبنا تحديد الملامح العامة وما يتصل برمال الدهناء من الشمال والجنوب:
1 ـ ذكر ذو الرمة من معالم «الدهناء» في أقصى الشمال «الوحيد» ويقع عند التقاء «الصمان» بالكثبان الرملية الحمراء من رمال الدهناء، وهو المنزل الذي كانت تقيم فيه «مية» حبيبة «ذي الرمة» كل شتاء حيث تتجمع في جانب منه مياه الأمطار، وفيه التقى «ذو الرمة بميَّة» أول لقاء:
تميمة، نجدية، دار أهلها
إذا موه الصمان من سبل القطر
ويلتقي «بالوحيد» حبل طويل من رمل هو «أمل العراف».
ويقول الراعي النميري:
مهاريس لاقت بالوحيد سحابة
إلى أمل العراف ذات السلاسل
وقريب من الوحيد مكان ملتصق به يعرف بـ«حوضى» وفيه مسجد بناه رسول الله (ص) أثناء مسيره إلى تبوك. ومن «حوضى» كان يشرف ويحاول تحديد مسير الظعائن وفيهن «مي»:
فأشرفت الغزالة رأس حوضى
أراقبهم وما أغنى قبالا
كأني أشهل العينين باز
على علياء شبه فاستحالا
وقريب من «حوضى» و«الوحيد» في الشمال أيضاً من الدهناء توجد أرض «حزوى» و«خفان» وهما كما قال «الأحول» موضعان قريبان من السواد بالعراق)[188]( يقول ذو الرمة:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرة
فماء الهوى يرفض أو يترقرق
ويشير إلى أن «حزوى» يقابله مكان آخر هو «الزرق» الذي يتمنى أن يعمّه المطر وهو يدعو لدار ميَّة بالسُّقيا، ويتحسر على الفراق. ومفهوم شعر ذي الرمة أن «الدحل والقرنية، واللوى، والجزائر»، كلها مواضع متقاربة من «حُزوى».
وفي نفس المنطقة توجد «وهْبَينْ» التي يصف فيها سير الثور الوحشي، وتحركه إلى ناحية الخضرة، كما توجد «الخلصاء» وهي أرض في ديار «بني يشكر» كانت فيها مضارب قوم «ميّ».
2 ـ فإذا ما انتقلنا إلى أسفل «الدهناء» من ناحية الجنوب وجدنا «القلات» و«شارع»، وهما موضعان في ديار بني تميم، وإليهما اتجهت مضارب قوم «مي» حبيبة ذي الرمة:
ألا ليت يوم القلات وشارع
رجعن لنا ثمَّ انقضى العيش أجمع
ويقول مالك بن نويرة:
فمجتمع الأسد أم من حول شارع
فروى حبال القريتين فضلغما
وقريباً منهما في أسفل «الدهناء» (قسا) وهو الموطن الأصلي لذي الرمة وفيه عرف «أميمة» قبل أن يعرف «مية» يقول ذي الرمة:
تغير بعدي من أميمة شارع
فصنع قساً فاستبكيا أو تجلدا
ويقول:
ولكنني أقبلت من جانبي قساً
أزور امرأ محضاً نجيباً يمانياً
وقريباً من قسا أو من حذائه توجد واحة «يبرين» في الجنوب الشرقي من الدهناء)[189](. يقول ذي الرمة:
إليك أمير المؤمنين تعسفت
بنا البعد أولاد الجديل وشدقم
نواشط من يبرين أو من حذائه
من الأرض تعمى في النحاس المخرم
كما يوجد في نفس المنطقة «نعف الأجرع»)[190]( وهو مكان قريب من القلات وشارع. يقول ذي الرمة:
قلت لنفسي حين فاضت أدمعي
يا نفس لاقيّ فموتي أودعي
ما في التلاقي أبداً من مطمع
ولا ليالي شارع برجع
ولا ليالينا بنعف الأجرع
إذ العصا ملساء لم تصدع
و«نقي الزرق»، وحومانة الزرق)[191](، والهدملة وهي موضع تنسب إليه حروب كانت في الأيام الغابرة، والعرب تضرب مثلاً للأمر الذي تقادم عهده فتقول كان هذا أيام الهدملة. قال كثير عزة:
كأن لم يدمنها أنيس ولم يكن
لها بعد أيام الهدملة عامر
قال الأول:
الهدملات: أكثبة بالدَّهناء، وأنشد لذي الرُّمة:
ودمنة هيجت شوقي معالمها
كأنها بالهدملات الرواسيم)[192](
وبين الشمال والجنوب تتناثر أماكن أخرى جاءت في شعر ذي الرمة هي «السبية، وجرعاء السبية، والمعا، وسهل المعا، وفتاخ، والرمادة، ورحا جابر، وبرقة الثور، والثعلبية، وذي الأرطى، ومحل الحواءين، وبطن مشرف، وعوج اللمام، وذي الرمث.. وغيرها».
وذكر ذو الرمة من حبال الدهناء ـ بالحاء المهملة ـ الفوارس، وهو حبل رملي، كما ذكر من مياه الدهناء «عين أُثال»، وهي قريبة من ذي الفوارس. يقول ذو الرمة مصوِّراً اتجاه وهدف قطيع الحُمُر الوحشية:
والهم عين أثال ما ينازعه
من نفسه لسواها مورداً أرب
والوشيج: يقول مصوِّراً مسير الظغائن:
فأصبحن يمهدن الخدر بسدفة
وقلن الوشيج الماء والمتصيف
إلى ذلك من تلك الأماكن الكثيرة المتناثرة التي حاول ذو الرمة أن يحدد معالمها وهو يتعسف الفلاة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.
محمد عبدالمنعم خاطر
الدَّورق
في كتاب (معجم البلدان): أنَّ الدورق بفتح الدّال المُهملة وسكون الواو وفتح الرَّاء، آخرها قاف، قصبة كورة سُرّق من كور الأهواز وسرّق مدينة بخوزستان واسمُ نهر فيها تحفُّه مدن وقرى كثيرة حفره أردشير بن بهم بن أسفنديار القديم. وكورُ الأهواز عشر، كُلّ كورة باسم قصبتها إلأسُرّق فإنَّ مدينتها الدورق. وهذه أسماء الكور العشر حسبما ذكرت في كُتب الجغرافيا والتاريخ: سوق الأهواز، رامهرمز، أيذج، عسكر مكرّم، تستر، جنديسابور، سوس، نهر تيري، مناذر، سُرّق. والأخيرة (أي سرّق) اسم للكورة ولنهر أيضاً يَمُرّ من وسط الكورة.
قال الكاتب الإيراني إيرج أفشار في كتابه الفارسي الموسوم بـ (نگاهي بخوزستان) ما تعريبه: الذي يظهر من التحقيق والتنقيب أن أول طائفةٍ عربية وردت خوزستان في القرون الأولى للميلاد (القرن الأول والثاني والثالث) في العصر الأشكاني. ثُمَّ يضيف [الكاتب أفشار]: إنَّ الفتوحات الإسلامية التي قضت على الأمبراطورية الإيرانية في مدَّة قصيرة وضمّتها إلى الجزيرة العربية فتحت أبواب خوزستان أمام العرب المهاجرين من العراق والحجاز واليمن كي يتخذوا من خوزستان الغنيّة وطناً لهم، وقد دفعهم إلى هذا قربُ خوزستان من الجزيرة العربية ومناخها الملائم لهم.
وكتب [سيف الله رشيديان] يقول: أن أقدم القبائل العربية التي نزحت إلى هذه المنطقة، بنو حنظلة وقد قدموا إلى الإقليم مع سابور ذو الأكتاف عند عودته من حرب الروم واستوطنوا هناك، ولما جاء عصر الساسانيين خرجوا عن طاعة يزدجرد آخر ملوك الساسانية وتمردوا عليه وأخذوا ينهبون ويغيرون على جيرانهم، ثمَّ طلبوا المساعدة من أبي بكر أيام خلافته فمدَّ لهم يد العون تمهيداً لغزو الفُرس. وبنو حنظلة هؤلاء هم بنو تميم القحطانية وقد عرفوا ببني العم أيضاً وهم من مالك وبنو مالك بطن من تميم وقد جاء ذكر بني العم في شعر جرير في قوله:
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم
ونهر تيري ولم تعرفكم العرب
وقد كان لبني العمّ دور هامّ في دخول المسلمين للإقليم في الفتح الإسلامي: سنة 17 هجرية. وقال المقدسي في كتابه [أحسن التقاسيم]، ومذاهبهم مختلفة، وأكثر أهل الأهواز ورامهرمز والدورق معتزلة، ونصف الأهواز شيعة ونهر سرّق كما مرّ نهر يعزى حفره إلى أردشير بهمن بن اسفنديار القديم ويبدأُ هذا النهر من بهبهان فتنشعب منه شعبة إلى هنديجان وزيدان، وأخرى تجري إلى ناحية الشمال من الأولى فيصبُّ فيها نهر رامز ثمَّ يمرّ على خلف آباد ويمتدُّ إلى الدورق فيشقّها نصفين وهذا النهر هو المعروف في زماننا هذا بالجراحي وكان ماؤه بعد سقي أراضي الدورق يصُبُّ في عدّة مصارف منها الأهواز المحيطة به ومنها نهر يتصل بخور الدورق ويخرج إلى البحر ومنها ما ينمزج بماء كارون وينحدرُ إلى حصن مهدي ثمَّ يصُبُّ إلى البحر.
قال يزيد بن المفرغ يذكر هذه الأنهار والمواقع:
تعلّق من أسماء من قد تعلّقا
ومثل الذي لاقى من الوجد أرّقا
وحسبك من أسماء نأي وأنّها
إذا ذكرت هاجت فؤاداً معلقا
سقى هزمُ الأرعاد منبجس العُرى
منازلها من مسرقان فسُّرِقا
إلى الفيّف الأعلى إلى رامهرمز
إلى قربات الشيخ من نهر سُرقا
إلى حين يرقى من دُجيل سفينه
ودجلة أسقاها سحاباً مطبَّقاً
فتستر لا زالت خصيباً جنابها
إلى مدفع السُلاّن من بطن دورقا
وقال الأحيمر السّعدي وكان قد أتى العراق وقطع الطريق فطلبه أمير البصرة سليمان بن علي وأهدر دمه فهرب وذكر حنينه إلى وطنه فقال:
لئن طال ليلي بالعراق لَربّما
أتى لي ليل بالشآم قصير
مَعي فتية بيض الوجوه كأنهم
على الرحل فوق الناعجات بدور
أيا نخلات الكرم لا زال رائحاً
اليكُنّ منهلّ الغمام مطير
سُقيتُنَّ ما دامت بكرمان نخلة
عوامر تجري بينهنّ بحور
وما زالت الأيام حتى رأيتني
بدورق مُلقى بينهنّ أدورُ
تُذكرني أطلالكُنّ إذا دجت
عليّ ظلال الدوم وهي هجير
وقد كنت رملياً فأصبحت ثاوياً
بدورق مُلقيّ بينهُنّ أدور
عوى الذّيب فاستأنستُ بالذيب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
رأى الله أني للأنيس لشانيء
وتبغضُهم لي مقلة وضمير
وذكر السمعاني في كتاب الأنساب جماعة من الرواة المنسوبين إلى الدورق منهم أبو عقيل بشير بن عقبة الأزدي الدورقي قال هو من دورق سكن البصرة يروي عن ابن سيرين وأبي نضرة المتوكل والحسن ويزيد بن عبدالله بن الشخير، روى عنه مسلم بن إبراهيم وهشيم ويحيى القطّان وعبدالرحمن بن مهدي وأبو نعيم المُلائي وأبو الوليد الطيالسي. قال أبو حاتم الرازي أبو عقيل صالح الحديث.
ومنهم ميسرة بن عبد ربّه الفارسي الدورقي قال أبو حاتم بن حيّان، من أهل دورق، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ويضع المعضلات على الثقات في الحث على الخير والزّجر عن الشرّ، لا تحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار يروي حمد بن زنجويه عن واحد عن علي بن قتيبة.
وأبو الفضل الدورقي، سمع سهل بن عمّار وغيره وهو أخو أبي علي الدورقي. وكان أبو علي أكبر منه وأبو مسلم الدورقي، أحمد بن محمد بن شيرويه التاجر روى عنه أبو بكر بن مردويه الحافظ الأصبهاني وأبو يوسف يعقوب الدورقي وأخوه أبو عبدالله أحمد الدورقي ابنا إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي البكري الدورقي من أهل بغداد أصلهما من فارس ولد يعقوب سنة 166هـ ومات ببغداد سنة 252هـ يروي عن هشيم بن بشير روى عنه جماعة مثل الحسن بن سفيان. أما أخوه أبو عبدالله فيروي عن وكيع ويزيد بن هارون روى عنه الناس ومات بالعسكر سنة 246هـ وكان مولده سنة 178هـ وأبو العبّاس عبدالله الدورقي ابن أحمد بن إبراهيم بن كثير العبدي المعروف بابن الورقي سمع مسلم بن إبراهيم وأبا سلمة التبوذكي وعفّان بن مسلم وأبا عمر الحوضي وعمر بن مرزوق ويحيى بن معين وغيرهم، روى عنه يحيى بن صاعد والقاضي المحاملي ومحمد بن مخلد وعبدالباقي بن قانع وكان يسكن سامراء ومات بها في شهر ربيع الأول سنة 276هـ، وكان زلق من الدرجة ومات. قال ابن حيّان وكان السراج يزعم أن جماعة كانوا يلبسون القلانس الطوال الدورقية فنسبوا إليها منهم أحمد بن إبراهيم بن كثير المار ذكره. وقيل أن الإنسان كان إذا نسك في ذلك الوقت قيل له دورقي، وكان أبوهما قد نسك فقيل له دورقي فنسب أبناؤه إليه. (انتهى).
أقول وبعض الدورقيين من أهل الأندلس ينسبون إلى مدينة بالأندلس اسمها دورقة منهم: أبو عبدالله محمد بن حوش الدورقي المقري النحوي كان آيةً في النحو وتعليل القراءات وله شعر حسن توفي سنة 512هـ. ومنهم أبو الأصبع عبدالعزيز بن محمد بن سعيد بن معاوية بن داود الأنصاري الدورقي الأطروشي، كان من أهل المعرفة بالحديث والحفظ والمذاكرة مات سنة 524هـ بقرطبة وله ولد من أهل الفقه والمعرفة يقال له محمد بن عبدالعزيز الدورقي مات قبل أبيه. ومنهم أبو زكريا يحيى بن عبدالله الدورقي.
أما الدورقيون من الشيعة المنسوبون إلى الدورق المعنية في هذا المقال فهم كثيرون أفردتُّ لهم فصلاً في كتابي الموسوم بـ [الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق] ذكرت منهم ما يقرب المائة رجل بين محدّث ومفسّر وأديب وشاعر ومن أقدمهم أبو الحسن علي بن مهزيار الأهوازي الدورقي كان ثقة صحيحاً جليل القدر له 33 كتاباً، روى عن الإمام الرضا وأبي جعفر (عليهم السلام) وكذلك عن أبي الحسن علي الهادي (عليه السلام)، وتوكل لهما، كان حيّاً سنة 229هـ. وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السّكيت الدورقي وهو من خواص الإمامين النقيين (عليهم السلام) وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة والنحو له تصانيف كثيرة قتله المتوكل.
حكومة الجلائريين في خوزستان
بعد أن أطاح السلطان قرا يوسف التركماني بالجلائريين في العراق فرّ الشاه ولد بن أويس الجلايري إلى الأهواز هو وزوجته (دوندي) البارعة الجمال ثمَّ قتل زوجها فانفردت هي بالحكم ووسَّعت منطقة حكمها وضربت السكة باسمها ودُعي لها على المنابر ثمَّ حكم بعدها أويس ابن شاه ولد، فثار عليه ميرزا إبراهيم بن شاهرخ من شيراز فلم يُطق مقابلته فانهزم سنة 826هـ وانطوى عهد الجلائريين في خوزستان بهزيمته. وبعد سقوط الجلائريين وضع ميرزا جهان شاه ابن قرا يوسف يده على كثير من البلاد، وكان حكمه مقارناً لظهور المشعشعيين في الحويزة وسيطرتهم على إقليم الأهواز، ومنذ الغزو التتري إلى ظهور المشعشعيين طرأت تغييرات كثيرة في أنظمة البلاد وأسمائها وسُكانها وانتشرت الأتراك والتركمان في الدورق وفي سائر مُدن الإقليم وأطلقت أيديهم في الحكم ثمَّ جاء عهد الصفويين فزادهم سُلطة وانتشاراً.
حكومة المشعشعيين
عندما ظهر المشعشعيون سنة 845هـ كانت حكومة الإقليم قد فوّضت إلى الشيخ أبي الخير الجزري المقيم في تُستر من قبل حاكم فارس عبدالله سلطان حفيد شاهرخ ميرزا بن تيمور وكان حاكم الحويزة يومئذ جلال الدين بن أبي الخير الحاكم العام في الإقليم، فلمّا حاصر المشعشعيون الحويزة كتب حاكمها إلى والده أبي الخير يخبره بما جرى فرفع والده الأمر إلى السلطان عبدالله بن إبراهيم بن شاهرخ ميرزا بن تيمور، فبعث السلطان إلى الحويزة قائداً وأمر الشيخ أبا الخير بالالتحاق به ولما وصلوا إلى الحويزة أرسلوا إلى بلاد الإقليم يطلبون المدد والنجدة فكانت الدورق في جملة البلاد التي وصل جيشها إلى الحويزة لقتال المشعشعيين وبعد وقائع كثيرة يطول شرحها استولى المولى علي بن السيد محمد المشعشع على جميع الأهواز مع شاطىء الفُرات إلى الحلة في العراق واستبدّ بالحكم دون أبيه إلى أن قُتل سنة 861هـ وعادت الأمور في قبضة أبيه فكان بيده الحل والعقد والنّصب والعزل وله نُواب في البلاد وكان الحكم قد صفى له في الإقليم فلم يجرؤ أحد على معارضته أو مخالفته، إلى أن توفي سنة 866هـ.
وخلفه ابنه السيّد محسن المعروف بالملك المحسن وقد بسط نفوذه على مناطق واسعة شملت البصرة والدورق وبندر عبّاس وكوه كيلويه ورامز وتستر والأحساء والقطيف وكرمنشاه وكردستان وضربت العُملة باسمه وفي أيام حكومته وفد عليه رجل من أشراف بني تميم من أهل نجد اسمه الأمير عبد علي ومعه جماعة من أقاربه ومماليكه وهم خمسة وعشرون بيتاً فأكرمه المحسن وأعطاه بلد الدورق بعد وضع إخراجات سياس الطوايل، ولهذا أسميت الدورق بلد السياس)[193](.
إمارة بني تميم في الدورق
كان الأمير عبد علي التميمي مُقيماً في القيصريّة من الحويزة وكان يتردّد على الدورق ويحدث فيها العمارات فلمّا توفي المحسن سنة 905هـ انتقل عبد علي بأهله إلى الدورق واجتمع عليه أقاربه وخدمه وحشمه من نجد وتمَّ له أمر الدورق فبنى لها سوراً وأحكم مواقعها وتغلب فيها على حُكام الموالي المشعشعيين وحكم بعده ابنه الميرزا علي بن عبد علي التميمي وذلك في زمان حكومة السيّد سجاد بن بدران بن فلاح بن المحسن في الحويزة وكان ذا شوكة وسطوة. قال السيّد علي ابن المولى عبدالله الحويزي المشعشعي في كتابه [الرحلة الملكية] نقلاً عن السيد الأمير باليل الدورقي.
إن حاكم الدورق الميرزا علي بن عبدالتميمي كان يغزو العمارة من الدورق يأخذ دونها ليلة ثمَّ يصالح العكيس ومن شعره قوله:
أصبحت من غربي العكيس مبرّزاً
خوفي من الطيّار [قيل] برزاً
والطيار هو والي بغداد علي باشا أبو الميازين عُرف بالطيار لسرعة سيره.
وبقي ميرزا علي منفرداً بحكومة الدورق رافضاً طاعة المشعشعيين والخضوع لهم وفي زمانه وقع نزاع بين أمير الحويزة السيّد سجاد وإخوته السادة الموالي مطلب ومناف ولاوي فرحلوا عنه إلى حاكم الدورق الميرزا علي فأعزّهم وأجلهم وعين لكل واحد منهم أرضاً وزوّج المولى مطلب ابنة أحد أقاربه فولدت له المولى خلف [مؤسس خلف آباد] وبعد مدّة غزا آل خميس الدورق فضاق بحكامها الأمر فبرز السادة الموالى لحرب الغازين على شرط رضيه الميرزا ثمَّ نَكَثَ علي الموعد فوقع في قلوبهم شيء من الغيض ومرّت عليه مدّة وهم في الدورق حتى تحالفت قبائل الحويزة على الإطاحة بإمارة المشعشعيين وطلبوا من الميرزا علي التميمي المعونة على سجاد، فأجابهم إلى ذلك وكان سجاد قد بعث إلى إخوته في الدورق يطلب منهم النصرة فتحركوا إلى الحويزة بعد خروج ميرزا علي من الدورق بثلاثة أيام ووقع القتال بين الطرفين وأصيب الميرزا بضربة سقط على أثرها وأخذا أسيراً إلى سجاد فقتله وانهزم أتباعه وحلفاؤهم ورجع بنو تميم إلى الدورق فاقدين أميرهم فاشتدت العداوة والبغضاء بين السادة الموالي في الدّورق وبني تميم، فعزموا على إخراج المشعشعيين من الدورق بالخديعة وهي أن يوقعوا ضجّة خارج البلد ويُوهموا الناس أن المواشي نهبت فتخرج الناس ومعهم السادة المشعشعيون فإذا خرجوا أُغلقت الأبواب ثمَّ أخرجت إليهم عيلاتهم فعلم السادة بهذه المكيدة وانعكس الأمر حيث خرج بنو تميم وبقي السادة في المدينة فأغلقوا عليهم أبواب السور واسترضوا الحرس ثمَّ أخرجوا عيالاتهم فتفرقوا في البلاد، بعضهم سكن الحويزة ومنهم من رجع إلى نجد)[194]( وذلك في سنة 971هـ.
ولما قتل الميرزا علي ونُفي بنو تميم من الدورق سنة 971هـ أرسل السادة الموالي أخاهم منافاً إلى الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي ملتمسين منه إسناد الإمارة إليهم فمات السيد مناف في سفره سنة 971هـ. وبقي السيّد مطلب المشعشعي وأتباعه في الدورق أعزاء محترمين من دون أن تُسند لهم الإمارة وكان الناس ينظرونهم بعين الإكبار والإجلال لكونهم من بيت المهدي ولقاربتهم من السيّد سجاد الحاكم العام في الإقليم. وكان السيد مطلب أو عبدالمطلب عالماً جليلاً وصفه علماء زمانه بالتقوى والورع وقد ظهرت من ابنه الأكبر المولى مبارك أعمال تتنافى مع جلالة والده، فأخرجه أبوه من الدورق، فذهب إلى الجزائر وشط العمارة واتفق مع قبيلة آل غزي على غزو الحويزة وتستر ودزفول وذلك في زمان إمارة المولى زنبور بن سجاد الذي تولى الحكم من سنة 992هـ إلى سنة 998هـ وكانت دزفول آنذاك تحت إمارته، فأجابه آل غزي فخرج بهم إلى الحويزة وفرّ زنبور إلى دزفول، ثمَّ أن مباركاً استولى على رامز بعد أن قتل حاكمها المنصوب من قبل الشاه وكتب إلى أبيه المولى مطلب في الدورق يخبره بما جرى فرأى أبوه أن يذهب إلى الشاه في أصفهان ويطلب منه إسناد الإمارة لابنه مبارك لكنه ما وفق للوصول إلى أصفهان فرجع من طريقه إلى الدورق. أما ابنه مبارك فقد ثار ثانية على زنبور في دزفول ومعه آل غزي وعبادة واشتدت الحرب بين الفريقين وألقي القبض على المولى زنبور فقتله المولى مبارك سنة 998هـ، ودخل دزفول فاستقبله أهل البلدة وأظهروا له الطاعة فنصب لهم أميراً اسمه مشكور من أعوانه وارتحل عنهم. أما والده المولى مطلب فقد طلب من الشيخ البهائي أن يتوسط لدى الشاه عباس الصفوي الأول لنصب ولده مبارك أميراً رسمياً على الإقليم فسعى الشيخ البهائي في ذلك فحصلت الموافقة من الشاه، فتوجه مبارك من دزفول إلى بلدة رامز وجعلها محل إمارته وأقر أباه المولى مُطلب والياً على الدورق، وكان في الدورق آنذاك جماعة من الترك الأفشار فأجلاهم مبارك عن الدورق.
سعي المولى مطلب في إبطال عقيدة الشعشعة ونشر المذهب الجعفري
كان أسلاف المشعشعين غلاة أصحاب شعوذة ومخرقة وخروج عن الإسلام وقد حملوا العوّام من الناس مصداقاً للحديث [الناس على دين ملوكهم] وأوّل من أنكر عليهم هو المولى السيد عبدالمطلب وله قصة في سبيل ذلك يقول هو في آخرها: فتبعني إخوتي على إسلامي وأسلم أهل بيتنا وصرنا معروفين بين قبائل المشعشعين بهذا الدين فلمّا وفق الله تعالى لاستيلائنا على هذا الآخر (يعني الإمارة) وانتزاعه من بني عمنا آل سجاد وآل فلاح لم يكن لي همّ إلاَّ رجوع الناس والأقوام من الكفر إلى الإسلام بالسيف واللسان وبذل المال فصرت أدعو قبيلة قبيلةً إلى الإسلام فمن أطاع أنعمت عليه ومن أبى قتلته حتى وفق الله في أيام قليلة إن رجع الناس إلى الإسلام وحسن إسلامهم وزال الكفر وأهله. قال حفيده المولى علي خان بن خلف الحويزي في كتابه [النور المبين] بعد أن ذكر كيفية اهتداء جدّه المذكور إلى الصراط المستقيم قال: ثُمَّ أنه شرع ببناء المساجد والمدارس وهرعت إليه العلماء وطلبة العلم من البلدان وجاوروه وانتفعوا به ونفعهم)[195](.
وفي أيام ولاية المولى مطلب المشعشعي وصل الدورق الشيخ نور الدين علي بن أبي جامع العاملي قاصداً أصفهان من ظلم العثمانيين في العراق فأحسن المولى وفادته وأكرمه وصرفه عن رأيه فبقي معه في الدورق. وكان معه في الدورق أيضاً الشيخ محمد بن نصّار الحويزي وكان المولى من تلاميذه وفي سنة 1003هـ أخذ المولى بدر بن مبارك الدورق من جدّه المولى مطلب وسجنه مع الشيخ محمد بن نصار، ثمَّ أطلقا فانتقلا إلى الحويزة.
وركب المولى بدر بن مبارك على الدورق فملكها في شهر ربيع الأول سنة 1003هـ وكان فارساً شجاعاً سخياً مدح الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطي بقصيدة عن لسان الشريف ابن قاضي القضاة عبدالرؤوف بن حسين الموسوي وقد نظم القصيدة ـ سنة 1008هـ وكان بدر آنذاك يلي عمل الدورق ومطلعها:
إلى الملك الوهّاب ما في يمينه
ولكنه بالعرض جدّ بخيل
وتوفي المولى بدر بن مبارك سنة 1024هـ في حياة والده ونقل إلى النجف الأشرف.
وبقي الدورق خاضعاً لحكومة المشعشعيين يعينون له الولاة والقضاة إلى زمان المولى محمد بن مبارك المشعشعي الذي تولى حكم الإمارة من سنة 1029هـ إلى سنة 1044هـ.
خروج الدورق من سيطرة المشعشعيين
كان المولى منصور بن عبدالمُطلب ينازع ابن أخيه المولى محمد بن مبارك على الإمارة وقد استمال جماعةً من الجند وسانده آل غزي وغيرهم من القبائل أما المولى محمد فقد استمد من الشاه عباس الصفوي فأمده بقوةٍ من الجند كانت تقيم عنده في المحسنية وقد اشتد النزاع بين الطرفين سنة 1035هـ فتحمل المولى محمد نفقات باهظة بسبب هذا النزاع فتنازل عن ولاية الدورق مقابل خمسمائة تومان يقبضها من الحكومة الصفوية ولكن لم يصله منها إلاَّ ثلاثمائة تومان)[196](. ولذلك خرجت الدورق عن حكم المشعشعيين بعد فترة تقرب مائتي سنة من سيادتهم عليها.
وبعث الشاه صفي الصفوي والياً من أصفهان اسمه علي سلطان لحكومة الدورق وهو أول حاكم يصلها من قبل الصفويين وبعد مدة عزله الشاه وبعث والياً آخر اسمه مهدي سلطان.
وفي محرّم 1034هـ وصل القائد الكبير إمام علي خان ابن الله وردي خان إلى الدورق مُسيّراً من قبل الشاه عباس الصفوي بجيش كبير في العدد والعُدَد لأخذ البصرة من واليها علي باشا بن أفراسياب الديري فنزلت عساكر الخان علي القبان بقيادة [إمام قلي بك بن بك وردي] المُكنى بأبي الرّوس، وكانت القبان آنذاك تابعة لوالي البصرة ويحكم فيها بدرُ بن عثمان الكعبي من قبله. أمّا الخان الكبير فقد طاب له المقام في الدورق واستهواه صيدها لأنه كان يخرج بين حين وآخر للصّيد في جمع غفير من خواصه وترك أمر البصرة لجيشه والأمراء المعينين من قبله ولما طال النزاع واحتدم القتال ولم تظفر إحدى الفرقتين توجه الخان إلى الحويزة لنصرة المولى محمد علي عمّ منصور فظفروا به وأخرجوه وبقي الجيش في المحسنية كما تقدم مسانداً للمولى محمد)[197](. وفي سنة 1043هـ استطاع المولى منصور أن يأخذ الحويزة من ابن أخيه ويُسمل عينيه، ليصبح حاكماً بلا معارض ولا منازع في الحويزة فحكم من سنة 1044هـ إلى سنة 1053هـ، وفي أواخر أيام حكومته قدم الدورق من أصفهان ميرزا مهدي قبل وزارته يريد الحج وقد ركب سفينة من شواطىء كارون فمنعه منصور من المسير وأخذ منه مائتي تومان ثمَّ سمح له)[198](. فكان ذلك من أسباب سخط الشاه عليه.
وكان مهدي سلطان ثاني مبعوث من قبل الشاه الصفوي لحكومة الدورق بعد خروجها من سيطرة المشعشعيين وقد طالت مُدة حكومته إلى أيام ولاية المولى علي خان بن خلف الحويزي(1060-1088هـ) على الحويزة، وفي ولايته سار إمام قلي خان بجيش كبير على البصرة كما مر مسبقاً، وفي زمانه أيضاً عُيّن السيد أحمد بن محمد بن فلاح المشعشعي الحويزي قاضياً في الدورق وكان هذا السيد فاضلاً أديباً رآه النسابة الجليل السيد ضامن بن شدقم الميداني في الدورق سنة 1068هـ وأثنى عليه وفي أيامه أيضاً وقع هجوم العثمانيين على البصرة.
هجوم العثمانيين على البصرة والجزائر
سنة 1078هـ
كان حسين باشا الديري والياً على البصرة والجزائر من قبل السلطان العثماني وكان أبوه وجدّه أيضاً واليين عليها وقد أسست إمارتهم سنة 1005هـ على يد أفراسياب الديري وانتهت بهزيمة حفيده حسين باشا بن علي باشا بن أفراسياب أمام الجيش العثماني سنة 1078هـ، وكانت البصرة آنذاك كثيرة السكن غاصة بالأهالي وكذلك الجزائر فإنّها كانت مليئة بالعشائر والسكّان ولأهلها قوة وشوكة يتحاشاهم السلطان وفيهم عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء فوقع من الموالى عصيان على السلطان فسيروا عليه جيشاً كبيراً، حاصر البصرة والجزائر في السنة المذكورة وطال أمدُ الحصار ففرَّ حسين باشا إلى الدورق ومنها إلى شيراز ثمَّ إلى الهند، وانهزم جيشه وتفرَّق أهل البصرة والجزائر لاجئين إلى الحويزة والدورق خوفاً من ظلم العثمانيين، وخرج كعب من القبان فارّين إلى بندر معشور لأنهم كانوا يُحسبون من رعايا والي البصرة وقد هلك خلق كثير من أهل البصرة والجزائر في الطريق عطشاً وجوعاً وغرقاً، فبعث والي الحويزة المولى علي خان بن خلف المشعشعي جماعة من جنوده يحملون قُرب الماء والخبز لاستقبالهم، وانتشر أهل البصرة والجزائر وتوطن منهم جماعة في بلاد أخرى ولم يعودوا بعدها إلى ديارهم مثل المحدّث الجليل السيد نعمة الله الجزائري الذي سكن تستر، العالم الأديب السيد علي بن باليل الجزائري الذي سكن الدورق والطبيب الحاذق السيّد عبد الرضا البصري الحكيم الذي سكن الدورق أيضاً وغيرهم. وقد كتب الشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي كتابه [زاد المسافر ولهنة المقيم والحاضر] تاريخاً لهذه الواقعة.
ولاية مرادخان على الدورق
ووجّهت إليه ولاية الدورق بعد أبيه مهدي سلطان وبقي مدة طويلة في منصبه ويظهر مما كتبه المشعشعيون في مذكّراتهم أن رابطته بهم لم تكن حسنة. وبعد مرادخان ولّيَ الدورق ابنه إبراهيم خان.
ولاية إبراهيم خان على الدورق
ولّيَ إبراهيم خان الدورق بعد فترة تنيف على خمسين سنة كانت الولاية فيها لأبيه وجدّه فهو إن لم يكن ولد فيها فقد ترعرع وانتشأ فيها. وفي زمانه كانت الدورق حافلة بالعلماء والأدباء والشعراء يقصدها الناس لطلب العلم وفيها أساتذة مذكورون في كتب التراجم ومن مدارسها [المدرسة الإبراهيمية] التي لا تزال مخطوطاتها موجودة في بعض المكتبات في عصرنا هذا. ويمكن أن نقول أن الحركة العلمية والأدبية في الدورق قد بلغت ذروتها في تلك الفترة، وأن أكثر العلماء والأدباء الدورقيين الذين ورد لهم ذكر في كتب التراجم هم من أهل تلك الفترة وما قبلها وبعدها بقليل (أي من أهل القرنين الأول والثاني بعد الألف للهجرة) ذكرت منهم جماعة يقرب عددهم المائة في كتابي [الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق] ممن عثرت لهم على آثار علمية وأدبية تدل على مكانتهم.
وفي أيام حكومة إبراهيم خان في الدورق ظهر طاعون جارف في البصرة ومنها انتقل إلى القبان وانتشر في الحويزة والدورق وتستر وغيرها من البلاد وذلك في سنة 1102هـ ففتك بالناس فتكاً عجيباً، أهلك العباد وأخلى البلاد وأصاب أهل العلم بنكبة لم تقم لهم بعدها قائمة تذكر في الدورق، وقد أشار السيد نعمة الله الجزائري إلى هذه الكارثة في كتابه الذي ألفه في هذه المناسبة وسمّاه (مسكن الشجون في جواز الفرار من الطاعون) حيث قال في مقدمته: وكان من أعظم المصائب لما فقد من العلماء الصالحين خاصة في الحويزة والدورق فقد هلك عدد كبير من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء فعطّلت المدارس وخلت منهم المساجد وسميت تلك السنة بـ (عام الحزن). أقول وفي هذا الطاعون خرج كثير من الناس فارين من الدورق طلباً للنجاة ووقع الباقون في مخالبه فلم ينج من أهل البيت الواحد إلا الشاذ والشارد حتى أن في بعض المناطق القريبة من الدورق كالقبان مثلاً هلك رؤساء العشائر والحكام وتشتت الرعايا فظهر آخرون وسكنوا مساكنهم وصارت لهم قوة وشوكة.
سقوط البصرة بيد الصفويين
وفي أيام حكومة إبراهيم خان في الدورق اتفق رئيس المنتفج الأمير مانع مع والي الحويزة المولى فرج الله بن السيد علي خان بن خلف المشعشعي وتحالفا على طرد الحاكم العثماني من البصرة واحتلالها، فحوصرت البصرة بموجب هذا الاتفاق ودخلها جيش المولى فاتحاً سنة 1108هـ. ولكن الشاه فوّض أمرها إلى الوالي إبراهيم خان إضافة إلى الدورق، فانتقل إبراهيم خان إلى البصرة وجعل مكانه أحد أقاربه المدعو محمد حسين بيك نائباً عنه في الدورق.
وبعد مدة قصيرة من حكم إبراهيم خان في البصرة بعث الصفويون والياً للدورق اسمه داود خان فشق ذلك على إبراهيم خان فاستقال من ولاية البصرة فضمت إلى داود خان أيضاً إضافة إلى الدورق وفي هذه المدة أُسند منصب القضاء في البصرة إلى العالم الأديب الشيخ فتح الله علوان الكعبي الدورقي [المتوفى سنة 1130هـ]، ثمَّ أنه رآه مخلاً لدينه فانصرف عنه.
ولما عزل الصفويون المولى فرج الله المشعشعي عن ولاية الحويزة سنة 1111هـ أراد أن ينتقم لنفسه من الحكومة الصفوية التي عزلته عن منصبه وفوّضت أمر البصرة المفتوحة على يده إلى غيره، فأركب في سنة 1112هـ خيلاً على الدورق ونهب بلدها وربضها بأجمعه.
وقوع الصّلح بين العثمانيين والصفويين
وفي سنة 1112هـ، وقع الصلح بين الحكومتين الصفوية والعثمانية وأُعيدت البصرة إلى العثمانيين بعد أن خضعت أربع سنوات لولاة الصفويين.
ولاية مهدي قلي خان
وكان داود خان يحكم البصرة والدورق معاً من قبل الصفويين فلما استعاد العثمانيون البصرة خرج منها داود خان عائداً إلى الدورق إلاَّ أن أيامه كانت قصيرة بعد ذلك في الدورق لأننا نجد الحاكم فيها سنة 1114هـ مهدي قلي خان بن محمد باقر سلطان ويظهر أنه كان ديناً تقياً يُحب العلماء ويجلهم، ألّف له الشيخ فتح الله بن علوان الدورقي رسالته الفقهية الموسومة [تحفة الإخوان] في فقه الصلاة وأجاز له روايتها عنه، وذكر فيها أنه يروي الأحاديث عن شيخه المولى أبي الحسن الشريف العاملي عن العلامة المجلسي عن والده التقي عن الشيخ البهائي بطرقه المعروفة.
حكومة سلمان الخزعلي في الدورق
حكم سلمان الخزعلي في الدورق بعد مهدي قلي خان ولم يتضح لي تاريخ توليه الحكم فيها إلاَّ أنه عزل عنها سنة 1124هـ ووليها بعده محمد حسين خان.
وبقي محمد حسين خان حاكماً في الدورق ثلاث سنوات فعزل عنها سنة 1127هـ. ومن هذا التاريخ يَنْبَهِم علينا أمر الولاة في الدورق حتى سنة 1145 حيث سار نادر شاه الأفشاري على خوزستان ودخل الحويزة بجيشه فضرب المشعشعيين ضربة قاسية بدّد سيطرتهم وكسر شوكتهم وولّى على الحويزة والياً من غيرهم.
وعندما دخل نادر شاه خوزستان وبدّد جمع المشعشعيين اختار منهم واحداً هو المولى فرج الله المشعشعي فولاه الدورق وهو غير فرج الله بن السيد علي خان الذي تصرّف البصرة سنة 1108هـ، فبقي هذا والياً في الدورق إلى ما بعد سنة 1150هـ، ثمَّ ولي الأمر بعده حفيده المولى مطلب بن محمد وكان له شأن خطير في الحوادث التي جرت في الإقليم.
وتسلم المولى مطلب الحكم بعد جدّه وقد ذكر وقائع أيام حكومته السيّد عبدالله الجزائري في كتابه [تذكرة تستر] فقال: وفي سنة 1155هـ حينما كان المولى مطلب والياً على الدورق أسندت الحويزة إلى محمد خان بن سرور سلطان القراجورلو، وكان وكيل الماليات [متسلم الضرائب] فيها رجلاً يدعى عبّاس قلي خان فاتفق المولى مطلب مع وكيل الماليات وبعض رؤساء القبائل على إقصاء والي الحويزة عن منصبه، فقبضوا عليه وسجنوه سنة 1160هـ فلما سمع بذلك إبراهيم خان بن بابا خان حاكم لرستان سار عليهم بجيش مؤلف من مقاتلي الألوار والأزبكيين والتحق به محمد رضا خان حاكم شوشتر بجيشه وأعيان حكومته للتنكيل بالمولى مطلب وحلفائه والإفراج عن والي الحويزة المسجون وخرج المولى مطلب والي الدورق بجيشه مستعداً لحربهم فالتقى الفريقان بالقرب من دزفول في الثامن من جمادى الأولى سنة 1160هـ، ونشب بينهم القتال فوقعت الهزيمة على جيش حاكم لرستان فعاد فارّاً إلى مقر حكومته، كما رجع محمد رضا خان إلى شوشتر وغنم جيش المولى غنائم كثيرة منهم وبعد ثلاثة أيام من هذه الواقعة حاصر المولى مطلب وعبّاس قلي خان مدينة شوشتر فاضطر حاكمها محمد رضا خان إلى الاستسلام فسار بنفسه إلى مُعسكر المولى فأمر بحبسه كما أمر بسجن عباس قلي خان لأنه أساء الظنَّ فيه ورجع بهما إلى الحويزة، وبقيا عنده إلى سنة 1161هـ فصدر في تلك السنة أمر من ملك عادل شاه ابن أخ نادر شاه بتعيين المولى مطلب حاكماً للحويزة، وعباس قلي خان والياً على شوشتر ودزفول وفوّضت الدورق في تلك السنة لمحمد بيك أخ عبَّاس قُلي خان وكان نائباً عن أخيه في شوشتر حيث كان أخوه مقيماً في دزفول فرفض أهل الدّروق وما اعتنوا به «فبطلت ولايته».
هجرة كعب من القبان إلى الدورق
وبناء مدينة الفلاحية
سكنت كعب القبان في العقد الأول للقرن الحادي عشر الهجري على أيام أفرسياب الديري والي البصرة، وكانوا أولي نجدة وقوّة مارسوا الحروب وتعوّدوا تحمل المشقات نتيجة بيئتهم الخشنة ورحلاتهم المتعددة، وكان الحُكام في إيران ينظرونهم نظرة حذر ويكرهون خروجهم من القبان إلى المدن القريبة وانتشارهم في الإقليم، فلمّا قتل نادر شاه سنة 1160هـ. اغتنم الكعبيون الفرصة فساروا بزعامة أميرهم الشيخ سلمان بن سلطان بن ناصر الكعبي تجاه ضفاف كارون إلى الشمال من القبان وتوقَّفوا قليلاً في مكان يدعى [شاخة الخان] وشقُّوا هناك نهراً كبيراً من كارون إلى الجنوب سمّوه «نهر السَّلمانة» على اسم رئيسهم الشيخ سلمان، ولما تأكدوا من مقتل نادر شاه، تركوا شاخة الخان واتجهوا نحو الدورق فلما وصلوها اصطدموا بالترك الأفشاريين وجرت بينهم معارك استطاعوا أن يتغلبوا فيها عليهم ويخرجوهم من الدورق ويسكنوا مكانهم وذلك في سنة 1160هـ وهو أول توطُّن جماعي لكعب في الدورق أما القّبان حاضرتهم الأولى فلم يتركوها بالمرة بل بقيت لهم جماعات من أقاربهم وذويهم كانوا على صلة ببيوتهم وأملاكهم والسبب في رحلتهم إلى الدورق طلب التوسع والحصول على أراض خصبة واسعة تضمن لهم رخاء العيش وفراغ البال في المستقبل. أما كعب فلم يذكروا اصطدامهم بالأفشاريين في تاريخهم بل ذكروا معركة عنيفة وقعت لهم مع بني خالد سكان المدينة آنذاك وأن الغلبة كانت لهم وقتل كثير من بني خالد وأسر جماعة منهم وتشتت الباقون وسكنت كعب في منازلهم إلاَّ أن أميرهم الشيخ سلمان بن سلطان لم تطب نفسه بالمقام في مدينة الدورق فطلب من كعب أن يبحثوا له عن أرض عسرة المسالك محاطة بالمياه تحميه من مباغتة الأعداء وبعد البحث والتفتيش وجد أرضاً بتلك الصفات على بعد ستة فراسخ من غربي مدينة الدورق، فأخبروا الشيخ سلمان بذلك فلما رآه هو وخواصه طابق مرادهم فقالوا جميعاً: هذا هو الفلاح فبنوا لذلك الموضع سوراً مربعاً وبنوا على السور جداراً عالياً وجعلوا له منافذ للمدافع والسّلاح وبنوا سوراً ثانياً من جهة القبلة ملاصقاً للسور الأول وسمّوه كوت الطرش، وبنوا سوراً ثالثاً لدوابهم ومواشيهم وسمّوه القولة، ثمَّ رحلوا عن مدينة الدّورق ونزلوا في ذلك المكان المسور وسموه كوت الفلاح لقولهم عندما رأوه أول مرة «هذا هو الفلاح» ثمَّ سُمي بعد ذلك «الفلاحية» فكان تخطيطها ونزولهم فيها في سنة 1160هـ)[199](.
ويذكر أن مادة تاريخ بناء الفلاحية حسب حروف الأبجد قول بعضهم: «بالفلاحية خنزير سكن» شريطة أن يُحسب حرف التاء من آخر كلمة الفلاحية هاءاً، كما يتلفظه أهل المنطقة فيكون مجموع حروف تلك الجملة 1154هـ.
وبعد أن فرغ الكعبيون من أمر سكناهم شقّوا الأنهار في تلك الأطراف وأجروا فيها الماء وغرسوا الأشجار والنخيل فصارت أرضهم مخصبةً كثيرة الأرزاق وافرة النّعمة فتبعهم أهل مدينة الدورق القديمة وقصدهم العلماء والأدباء.
موقع الدورق الجغرافي والاجتماعي
في القرن الثاني عشر
عُرف بلد الدورق في القرن الثاني عشر عند أهله بالمدينة، والقصد مدينة الدورق التي كان يحكمها المشعشعيون منذ ظهورهم وتقع على الجانب الغربي من نهر الجرّاحي (سرق القديم) وتقابلها في الضفة الشرقية من النهر عدّة قرى منها غريبة وخشاب والحسيني وكان هناك جسر على النهر يربط المدينة بالجانب الشرقي لا زالت آثاره موجودة إلى زماننا هذا وكان الارتباط بينها وبين سائر البلاد نهرياً، وتتصل بها سفن البحر عن طريق خور الدورق الذي لا زال موجوداً إلى الآن تصُب فيه مياه الأهواز فكانت السّفن تدخل هذا الخور وترسو في قرية تُسمى الآن [البزية] ويُقال لها السيف أيضاً وتردّد بين البزية ومدينة الدورق زوارق صغيرة أمّا سكانها فهم قبائل مختلفة من بني تميم وبني خالد وبيوتات علوية من المشعشعيين وغيرهم وبيوتات من رجال العلم والدين من بني أسد (الطريحيون) وغيرهم من القبائل العربية مثل بني سالة و.. و.. كما كان فيها أيضاً جماعات من الترك الأقشاريين منتشرين في نواحيها وكان حكامها في منتصف القرن الثاني عشر من بني خالد وقد هُجرت هذه المدينة بعد أن استولى عليها الكعبيون حدود سنة 1160هـ وأجلوا بني خالد عنها، ثمَّ اختط الكعبيُّون مدينة الفلاحية ونزلوها أما سبب الهجرة العامة منها، فيقال، أنَّه ظهر فيها طاعون أهلك كثيراً من السكان ففر من فر منهم ولم يعد إليها أحد بعد ذلك. وهذا السبب وإن كان مؤثراً في انخفاض عدد السكان إلاَّ أن هناك أسباباً أخرى أثرت في نزوح الناس عنها نزوحاً كاملاً لن يرى بعده في المدينة إلاَّ بيوت خالية استحالت بعد ذلك إلى أطلال وآثار ثمَّ أنقاض وتلول من التراب وصخور تسفو عليها الرياح وهي في زماننا هذا مزرعة لبعض أهل الفلاحية، يزرعون فيها الحنطة والشعير والرّز وفيها بساتين للمزارعين ولعلَّ من أهم أسباب الهجرة منها هو اندفاع الناس وانجذابهم نحو مدينة الفلاحية الجديدة التأسيس آنذاك للاحتماء بسكّانها أهل القوّة والشوكة في المنطقة.
إمارة في الفلاحية
أوّل من حكم في الفلاحية من الكعبيين هو الشيخ سلمان ابن سلطان بن ناصر وآزره أخوه الشيخ عثمان وكانا هذان الأخوان من أهل الرأي والتدبير محبين لأهل العلم ولهما اهتمام في أحياء الأراضي وإعمارها ذكرهما السيد عبدالله الجزائري في كتابه [تذكرة تستر] )[200]( فقال:
سافرت سنة 1167هـ إلى البصرة من طريق الدورق فنزلت فيها [في الدورق] ضيفاً عند الشيخ عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي وكان من أجلاء أبناء الزمان وأكابر المقيمين في تلك الأوطان ثمَّ توجهت إلى أخيه الشيخ سلمان وكان لي معه صداقة سابقة ومن أعماله العمرانية السدّ الذي بناه على كارون [سد السابلة] بالخشب والقصب والتبن وهو في الاستحكام والقوة على نمط يعجز أهل الخبرة التستريون أن يبنوا مثله بالصخرة والملاط، أمَّا عدله وحسن سياسته في الرعية فقد بلغ حداً لو خرجت امرأة عمياء في الليلة الظّلماء وعلى رأسها سفط من ذهب ودارت به الأحياء لما تعرّض لها أحد بسوء.
هجوم علي باشا والي بغداد على الفلاحية
كان الولاة في بغداد يعتبرون القبان جُزءاً من البصرة ويعدّون كعباً من رعيتهم وكانت كعب قد امتنعت من دفع الخراج إليهم فأراد والي بغداد أن يُرغم كعباً على طاعته ويأخذ منهم الخراج الذي منعوه، فسير عليهم جيشاً جراراً والتحق به جيش المولى مطلب والي الحويزة لأن المولى كان قلقاً من قوة كعب وازياد شوكتهم وتوسعهم في الأراضي فتجمعت الجيوش في المارد في النصف من ذي الحجّة سنة 1175هـ لكنهم عادوا بعد مدة قصيرة بدون جدوى. وأخذ الوالي يُعد العدة ويتجهز للإغارة ثانية على الفلاحية فلما دخلت سنة 1177هـ خرج بجيش كبير مؤلف من العرب والأكراد والأتراك وقبل أن يصل إلى الفلاحية خرجت كعب لقتالهم فوقعت بينهم الحرب فظهرت خيانة من جيش والي بغداد فبان فيهم الانكسار ورجع الباشا إلى بغداد وأخذ يوغر إلى كريم خان ملك إيران آنذاك في قتال كعب وإخراجهم من الفلاحية وكتب له رسالة بعثها مع وفد من بغداد وعده فيها بتوفير الميرة والطعام من قبل والي البصرة لجيش الكريم خان ما دام محاصراً للفلاحية.
حصار كريم خان الزندي مدينة الفلاحيّة
سنة 1178هـ
صادفت رسالة الباشا موافقة كريم خان فسار بجيشه من لرستان إلى خوزستان وخيم مدَّة في شوشتر حتى انقضى شهر رمضان ثمَّ سار نحو الفلاحية وكُلما وصل في طريقه إلى نهر بنى عليه جسراً، فلما اقترب من الفلاحية علم الشيخ سلمان أن لا طاقة له بمقابلته فأمر كعباً بالرّحيل من الفلاحية وخرج هو بماله وحشمه إلى الحفار. وبقي كريم خان ثلاثة أيام ثمَّ خرج منها لملاحقة كعب فخرج سلمان من الحفّار إلى المحرزي واستقر جيش كريم خان بين الحفّار والقبان وبعث إلى والي البصرة يطلب منه تنفيذ ما وعد به والي بغداد من إرسال الزاد والطعام وعلوفة الخيل وزوارق بحرية لمطاردة الكعبيين، فبعث إليه والي البصرة زورقين محمّلين بالتّمر وآخر خاصاً لركوب كريم خان واعتذر من إرسال غيره، وعبر كريم خان نهر بهمنشير ونزل في المحرزي وكان سلمان قد خرج منها إلى البحر فتبعته زوارق محملة بالجنود بقيادة زكي خان تلاحق الكعبيين من جزيرة إلى جزيرة ومن مكان إلى مكان، فأشار عليه بعض أهل العقول الفاسدة أن يهدم سدّ السابلة حتى لا يعلو ماءُ كارون أرض القبان)[201]( فتخلو أنهارها من الماء العذب وتموت أشجارها ومزارعها ولم يبق لكعب فيها رغبة فيتركوها من أنفسهم، فأمر كريم خان بكسر السدّ فكسروه وأمر بهدم قلعة الحفّار فهُدمت من ذلك الزمان (أي من سنة 1178هـ) أخذت القبان بالانهيار والدّمار وطغى ماء البحر المالح على مزارعه ونخيله فتركه أهله وخلى من سكن حتى أصبح هذا اليوم لا يرى منه إلاَّ تلول وآثار مدفونة تحت التراب بعد أن كان بلداً عامراً مزدحماً بالأهالي وفيه من النّعم ما لا يحصى.
وسدّ السابلة هذا، هو السد الواقع على كارون الذي رآه السيّد عبدالله الجزائري سنة 1167هـ ووصفه بالقوة والاستحكام ويقع بعد انشعاب نهر المارد نهر ينشعب من جهة كارون بقليل وكان له أثر كبير في إحياء الأراضي تلك الأنحاء. والمارد نهر ينشعب من جهة كارون الجنوبية ويتجه جنوباً ويتشعب فتسير بعض شعبه إلى أهواز الفلاحية وتتجه شعبة من المارد إلى أرض القبان فتسقي مزارعه وبساتينه ثمَّ تُصب في البحر.
ولما طالت ملاحقة كريم خان للكعبيّين بعث الشيخ سلمان رسولاً إلى كريم خان يعتذر عمّا سبق ويطلب الأمان ويعد بدفع خراج يُعادل ثلاثة آلاف تومان سنوياً شريطة أن يغادر جيش كريم خان الدورق ويسمح للكعبيين بالعودة إلى بلادهم فرضي كريم خان بذلك لأنهم كانوا شيعة مثله وكلهم يعتنقون المذهب الجعفري)[202](. وعاد الشيخ سلمان إلى الفلاحية ولكن قلت رغبته في التعمير وضعفت همّته عن إصلاح ما أفسده كريم خان كإصلاح السدّ مثلاً. ولم يمض على ذلك أكثر من سنتين حتى حوصرت الفلاحية مرّة أخرى من قبل شركة الهند الإنكليزية.
محاصرة شركة الهند الإنكليزية مدينة الفلاحية سنة 1180هـ
كانت الملاحة في البحر مهدّدة من قبل زوارق الكعبيين وكانت السفن التجارية معرّضة للخطر من قبل تلك الزوارق فأراد البريطانيون أن يزيحوا ذلك الخطر فوجهت شركة الهند الشرقية الإنكليزية سُفناً مشحونة بالجنود والمدافع وكامل القوة بقيادة المستر زبيد ومحمود كخية نحو خور الدورق لمحاصرة الفلاحية، وفي السادس من ربيع الأول سنة 1180هـ وصلت تلك السفن خور الدورق وخرج الجنود بالمدافع والسلاح ونصبوا خيامهم قريباً من سور الفلاحيّة وصنعوا تلالاً من التراب وأصعدوا عليها المدافع وأخذوا يوجهون قذائفهم نحو المدينة فخرج عليهم أهل الفلاحيّة واقتتلوا معهم وأزاحوهم عن مضاربهم وقتلوا المستر زبيد ومحمود كخية واستولوا على مخيمه وغنموا أموالاً كثيرة وأسلحة وأمتعة وفُرشاً كانت في مخيماتهم ثمَّ باغتوهم ليلاً وأشعلوا النار في سفنهم فانسحب البريطانيون بما بقي من سفنهم.
حكومة الشيخ غانم بن سلمان الكعبي في الفلاحيّة
في سنة 1182هـ توفي الشيخ سلمان بن سلطان وحكم مكانه ابنه غانم وفي زمانه هاجم العمانيون وأهل الجزر رجال كعب الموكلين بأخذ الضرائب من السُّفن في شط العرب والبحر ولم يُفلحوا بإخضاعهم وحكم بعد غانم أخوه داود وقتل سنة 1184هـ.
وحكم بركات بن عثمان بعد مقتل ابن عمه داود بن سلمان سنة 1184هـ وكان بركات صاحب قوة وسطوة تصرف أنحاء كثيرة ووسّع رقعة حكمه وفي زمانه حاصر محمد صادق خان أخُ صادق خان مدينة البصرة سنة 1187هـ ومعه بركات وجيشه واستمر الحصار حتى سنة 1189هـ فسقطت البصرة ودخلها صادق خان فاتحاً فحكم فيها إلى سنة 1193هـ فورد إليه خبر وفاة كريم خان في التاريخ المذكور فترك البصرة وعاد الشيخ بركات بجيشه إلى الفلاحية وفي زمانه أيضاً ضرب الطاعون في البصرة وشط العرب والمحرزي والفلاحية سنة 1196. كان الشيخ بركات يُحب أهل العلم ويجلهم وكانت له خزانة كتب جليلة في الفلاحية جلب إليها نفائس المخطوطات واستدعى جماعة من علماء النجف الأشرف وعين لهم المقررات الشهرية وأجزل لهم العطاء وهيّأ لهم أسباب التحقيق وكان النظير على مكتبته العالم المحدث الشيخ خلف بن عبد علي العصفور (ابن أخ الشيخ يوسف صاحب الحدائق الناظرة) رأيت بعض كُتب هذه الخزانة متفرقة في مكتبات الفلاحية وعليها ختم: وقفه أبو البركات سنة 1193هـ). وبقي بركات حاكماً في الفلاحية إلى أن قتل سنة 1197هـ.
حكومة الشيخ غضبان بن محمد بن بركات الكعبي في الفلاحية
لما قتل الشيخ بركات حكم بعده حفيده الشيخ محمد وفي زمانه سار والي بغداد سليمان باشا ومعه ثويني شيخ المنتفق على الفلاحية فرجعوا خائبين ثمَّ ضاقت الأحوال بالشيخ ثويني بعد ذلك فقصد الفلاحية مجبراً وبقي عند الشيخ غضبان حتى هدأت الأحوال فغادرها إلى دياره وقتل غضبان سنة 1207هـ وحكم بعده جماعة من آل ناصر الكعبيين ولم يتجاوز حكم أحدهم السنة والسنتين فيقتل أو يفر حتى جاءت سنة 1210هـ فحكّمت كعب علوان بن محمد.
وارتضته كعب أميراً عليها سنة 1210 وكان رجلاً متديناً ذكياً وفي زمانه ورد الفلاحية العالم الجليل الشيخ أحمد بن محمد المحسني الأحسائي فاراً من ظلم الوهابيين سنة 1211هـ فاستوطنها وتوفي فيها وكانت الفلاحية في زمانه مقسمة إلى محلات معلومة منها: المحلّة الشرقية العليا يسكنها الحُكام وفيها البيت الأحمر المعروف عند أهل الفلاحية بـ[الحوش الأحمر]. والمحلّة الشرقية السفلى ويسكنها أهل العلم والفضيلة والسادة أمثال آل الحكيم الموسوي وآل المحسني والشاعر الشهير الحاج هاشم بن حردان الدورقي وهاتان المحلتان يقعان في جنوب نهر الفلاحية أما الناحية الشمالية من النهر فيطلق عليها اسم الغيّاضي وفي سنة 1216هـ عُزل الشيخ علوان عن الحكم وحكم مكانه محمد بن بركات بن عثمان.
حكم في الفلاحية سنة 1216هـ واستمر حكمه إلى سنة 1227هـ وفي زمانه قسّمت الدولة القاجاريّة خوزستان إلى شطرين الشطر الشمالي ويشتمل على الحويزة وشوشتر ودزفول وقد ألحق بمحافظة كرمنشاه والشطر الجنوبي المشتمل على رامز الهنديان والفلاحية (الدورق) ضم إلى إقليم فارس وذلك للحد من استبداد الحكام في هذه البلاد واستيفاء الخراج منهم، إلاَّ أن أمراء الفلاحية امتنعوا من دفع الخراج المفروض عليهم في زمان الشيخ غيث بن غضبان فوجّهت الدولة القاجارية جيشاً بقيادة الشاهزاده حاكم كرمان لمحاصرة الفلاحية.
وفي سنة 1231 وكانت تلك السنة بداية حكم الشيخ غيث بن غضبان فجرت بينهم مذاكرات وعقدوا معاهدة صلح فرجع الشاهزاده ولم يتعرض للفلاحية. وفي سنة 1233هـ ظهر مرض الطاعون في الدورق فأهلك خلقاً كثيراً وفر الناس من الفلاحية فأضحت شبه خالية. وجرت حوادث كثيرة أيام حكومة غيث بن غضبان في الفلاحية فقتل سنة 1244هـ، وحكم مكانه أخوه مبادر وتتَبّع قتلة أخيه فقتلهم.
وحكم مبادر في الفلاحية بعد أخيه غضبان وكان له اهتمام كثير بشؤون الجيش وإعداده وتجهيزه بالأسلحة، ذكره السائح الإنكليزي (استاكلر) فقال أن جيشه كان يقدر بخمسة عشر ألف من المشاة وسبعة آلاف فارس وقد نصب المدافع والمنجنيقات في ميدان الفلاحيَّة ولم تطل أيام حكومته حيث خلعته كعب سنة 1147هـ فحكم مكانه عبدالله بن محمد بن بركات مرة ثانية فتوفي في السنة نفسها بمرض الطاعون الذي انتشر في سنة 1247هـ في البصرة والحويزة والدورق وأفنى كثيراً من الناس)[203](.
هجوم علي باشا وزير بغداد على المحمرة وفرار حاكم الفلاحية
في سنة 1247هـ حكم في الفلاحية الشيخ ثامر بن غضبان بن محمد وكان له ميل للشعر والأدب وفي زمانه سار علي باشا وزير بغداد على المحمرة بجيش جرار مكون من العسكريين والأرناواطيين وبعض القبائل العراقية واشتركت معهم قوة كويتية، ونصبوا جسراً على شط العرب فعبرت الجيوش ووقع الهجوم صباح يوم الاثنين في العشرين من رجب سنة 1253 فاستولوا على المحمرة فدكّوا حصونها وهدموا دورها وقتلوا الرجال وسبوا النّساء، وكانت المحمرة آنذاك قد فوّضت من قبل الكعبيين إلى الحاج جابر بن مرداو، والد خزعل، وكانت جنوده قد انسحبت إلى جزيرة عبدان لعجزهم عن مقابلة الجيش المهاجم، أما ثامر بن غضبان فقد فر من الفلاحية إلى الهنديان خشية زحف الجيش المهاجم عليه، وفوّض علي باشا أمر الفلاحية إلى حاكم يُدعى عبدالرضا بن بركات وتوجّه هو إلى الكويت وفي هذه الواقعة نظم عبدالباقي العمري قصيدته التي مطلعها:
فتحنا بحمد الله حصن المحمرة
فأضحت بتسخير الإله مدمّرة
وبعد أن ترك علي باشا وجيشه البلاد ثار أهل الفلاحيَّة على حاكمها المنصوب من قبل وزير بغداد فاضطرّ أن يغادر المدينة وعاد إليها ثامر بن غضبان حاكماً فيها.
وكان محمد تقي خان رئيس قبائل البختيارية من المتمردين على الدولة القاجارية وقد اصطدم بالجيش القاجاري فاضطرّ أن يلجأ بأهله وعياله إلى الشيخ ثامر في الفلاحية فسار منوشهر خان الملقب بـ[معتمد الدولة] إلى الفلاحية في طلبه سنة 1253 وكان معتمد الدولة آنذاك والياً عاماً على أقاليم أصفهان ولرستان وخوزستان فأبى ثامر أن يسلم محمد تقي خان إليه، فسعى العلماء للصلح بينهما وجرت الوساطات بين الطرفين فاستقرَّ رأيهم أن يخرج محمد تقي خان بصحبة الشيخ ثامر إلى معسكر معتمد الدولة الذي كان مرابطاً قرب الفلاحية للمذاكرة والاعتذار ولمّا وصلا إلى المعسكر أمر معتمد الدولة أحد ضباطه بحراسة محمد تقي خان ورجع ثامر إلى البلد وحده وقد ترك الخان في المعسكر فندم من عمله هذا ولما أتى عليهم الليل شنّ هجوماً كبيراً على معسكر معتمد الدولة بغية أنقاذ خان البختيارية وإخراجه من المعسكر لكن هجومه باء بالفشل إذ لم يستطع إنقاذه، فاستعد معتمد الدولة للهجوم على الفلاحية وآخذ جيشه يقيم الجسور على الأنهار المحيطة بالبلد تمهيداً للهجوم، فرأى الشيخ ثامر نفسه ضعيفاً أمام الجيش المهاجم فخرج فاراً إلى كوت الشيخ ومنها توجّه إلى الكويت، ودخل جيش معتمد الدولة مدينة الفلاحية وأخذ يدمر المدافع والآلات الحربية الموجودة في البلد التي غنمتها كعب في حروبها من الترك وغيرهم، ولقي أهل الفلاحية من هجوم المعتمد خسائر وأضرار وهلع شديد فبغضوه ولقبُّوه بـ[الخصيّ] وفي ذلك يقول الشيخ حسن بن أحمد الحسني الفلاحي مؤرخاً هذه الواقعة في بيتين من الشعر:
أتانا الخصيُّ أتاه العذاب
وأخفى ضر آماله بالهنا
يحاول غدراً أباه إلاَّ له
لذلك أرخ [غدر بنا]
سنة 1253هـ.
ونصّب المعتمد عبد الرضا بن بركات حاكماً في الفلاحيّة سنة 1253هـ، وفي نهاية السنة عزله وعين مكانه المولى فرج الله المشعشعي ولم يدُم المولى طويلاً حيث اضطر إلى الفرار بعد أقل من سنة واحدة ثمَّ حكم الشيخ فارس بن غضبان.
ظهور الخلاف بين مشايخ كعب وانشقاقهم
حكم الشيخ فارس بن غضبان بعد أن فر المولى فرج الله من الفلاحية وفي زمانه وقع انشقاق بين أمراء كعب ودب النفاق في صفوفهم واعتزل الكعبيون المقيمون في شط العرب والمحمرة وأنحائها عن أولئك المقيمين في الفلاحية وأخذ الحكام يتهافتون على الحكم ويقتل بعضهم بعضاً وقد ضعفت شوكتهم وتبدّدت قوتهم وظهر هذا الانشقاق جلياً في حادثة المحمرة التي وقعت سنة 1277هـ بين المحيسن وكعب وقتل فيها سلطان بن ثامر الكعبي وأخرج الشيخ حاكم بن غيث ومعه سبعون رجلاً من الكعبيين من المحمرة قهراً بمساعدة الحكومة القاجارية وحكم فيها الشيخ جابر بن مرداو، مستقلاً عن مشايخ الفلاحية وبقيت مدينة الفلاحية عرضة لاختلافات حُكامها وقد سادت الفوضى وعمت الخلافات فتركها بعض الأشراف من ذوي البيوت القديمة في الدورق مثل المقدس السيد شبر ابن السيد إبراهيم آل باليل الدورقي والشيخ خلف بن يوسف آل عصفور الفلاحي البحراني وغيرهما.
في سنة 1316هـ خولت الحكومة القاجارية شؤون الفلاحية إلى الشيخ خزعل بعد أن تعهد بدفع الخراج المقرر فكبر ذلك على آل ناصر ورفضوا الانصياع لأوامره فجهز الشيخ خزعل جيشاً مكوّناً من قبائل المحيسن وعلى رأسه ابنه الشيخ كاسب وسيره على الفلاحية، وكان عبّود بن ذياب رئيس الخنافرة، الكعبي الوحيد الذي له رغبة في دخول جيش الشيخ خزعل إلى الفلاحية وخرجت رجال كعب لمواجهة الجيش السائر عليهم واشتبكوا معه خارج البلد فانهزمت جموع الكعبيين فدخل الجيش الفلاحية سنة 1316هـ ولم تشهد الفلاحية بعد هذه الواقعة أمراً يذكر.
وعندما تعرض العراق للاحتلال البريطاني سنة 1333هـ أعلن مجتهدو النجف ومراجعها وجوب الدّفاع عن بلاد المسلمين فثارت العشائر في الفلاحية تحت راية السيد جابر المشعل وبعض رجال الدين مثل السيد عباس المجاهد والشيخ عبدالرضا السهلاني والشيخ حسين البندري والشيخ موسى العصامي وكان الشيخ خزعل حليفاً للبريطانيين فجهّز جيشاً وسيره نحو الفلاحية للوقوف بوجه الثائرين للجهاد ضد بريطانيا، وقد تجمع المجاهدون في قرية تسمى غريبة بالقرب من مدينة الدورق القديمة فباغتهم الجيش ودخل الفلاحية وسمع المجاهدون بذلك فهرعوا إلى الفلاحية واشتبك الفريقان داخل البلد واشتدت المعركة بينهم، فكانت الغلبة في البداية للمجاهدين ولكن سرعان ما تنصّل المجاهدون من صفوفهم لتخاذل رؤساء العشائر عن حركة الجهاد فوقعت الهزيمة على الباقين وقتل عدد كبير من المجاهدين واستباح الفلاحية جيش الشيخ خزعل نهباً وإجراماً وأجلي رؤساء المجاهدين ومعهم مشائخ آل ناصر وآل رامز وفوض خزعل أمر الفلاحية إلى عبود بن ذياب رئيس الخنافرة وأرّخ أعداء المجاهدين سنة الجهاد حسب حروف الأبجدية بقولهم: [جهادك غش سنة 1333هـ].
ولما تربع رضا خان على عرش الحكم في إيران أمر بتغيير أسماء بعض البلاد فأبدل اسم الدورق والفلاحية إلى شادگان ومن ذلك الزمان استعملت هذه التسمية في السجلات والمكاتبات الحكومية.
تاريخ الأدب الشيعي في الحويزة والدورق
كانت الحويزة والدورق من مراكز الأدب الشيعي منذ القدم، وقد ظهر في كلتا الحاضرتين نوابغ في الأدب العربي بصبغة شيعيّة بحتة كابن السكّيت الدورقي في القرن الثالث للهجرة والسيد ابن معتوق الحويزي في القرن الحادي عشر.
أمّا الحويزة، فقد كانت في حيازة بني أسد، وأميرهم دبيس ابن عفيف الأسدي هو الذي اختطّها لهم وحصّنها، ثمَّ سكنها بعد ذلك جماعة من الديلم واتخذوها قلعةً لهم في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجري، على عهد ملوك آل بويه، وكلتا الطائفتين من الشيعة.
ولما ظهر السادة الموالي في الحويزة وأسّسوا إمارة المشعشعية في المنطقة في منتصف القرن التاسع الهجري، اتخذوا الحويزة عاصمةً لهم واعتنوا بنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فهوت نحوهم أفئدة علماء الشيعة وأدبائهم، فقصدوا الحويزة من أقصى البلاد، بترحيب حُكّام المشعشعيّين وإجلالهم، وأغدقوا عليهم الصلات، فتجمّع أهل العلم والفضل فيها، وبنيت المدارس، وبرز الأساتذة والمدرّسون، وقصدها طلاّب العلم من جميع أطراف المنطقة.
ومن أبرز تلك المدارس، مدرسة آل أبي جامع العاملي، التي أُسِّست في العقود الأولى للقرن الحادي عشر، وتخرّج منها جماعة من رجال العلم والأدب في المنطقة.
ونتيجة لحضور العلماء وسكناهم في الحويزة أُلفت فيها الكتب والأسفار، ونُقلت إليها مخطوطات قيّمة من شتّى أنحاء المعمورة، واستنسخت فيها نسخ جليلة نادرة، وتأسّست فيها مكتبات عامرة تضم كتباً في أنواع العلوم المتداولة آنذاك.
ومن أهم تلك المكتبات، مكتبة السادة الموالي أُمراء الحويزة، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة إلى زماننا هذا في المكتبات العالميّة وفي إيران والعراق.
وكان علماء هذه المنطقة يمتازون بصبغتهم الأدبيّة وذلك لأن الأمراء فيها من صميم العرب، يتذوّقون الشعر والأدب ويعملون على نشره ورفع مستواه، وكان العلماء والأدباءُ والشعراء يؤلفون لهم الكتب ويصدّرونها بأسمائهم وينظمون القصائد في مدحهم لما يجدونه فيهم من ميل ورغبة في العلم والأدب.
ومن جملة من قصد الحويزة ومدح أُمراءها الشيخ نجيب الدين علي بن محمد العاملي، وَفَدَ على أمير الحويزة المولى مبارك ابن السيد عبدالمطلب المشعشعي، المتوفي سنة 1026هـ، ومدحه بهذه المقطوعة:
يا سائِلي عن أربي في سفري ومَطلبي
لي مطلبٌ مباركٌ مبارَك بن مطّلبِ
نجلُ عليّ المرتضى سبط النبيّ العربي
الطّيب بن الطّيب بن الطّيب
أمانُ كُلّ خائفٍ غياثُ كُلّ مُجْدِبِ
مُنيلُ كُلّ نعمةٍ من فضّةٍ أو ذَهَبِ
في عَدْلهِ وَجُوده تسمعُ كُلَّ العَجَبِ
الأسدُ الكاسِرُ لا يخشاه فَرْخُ الثَّعْلَبِ
كما السّخالُ جملةً ترعى وجود الأذْؤُب
والفُرْسُ والتُرْكُ له دانت وحتى العَرَبِ
إذا حللتُ أرضه نسيتُ أُمي وأبي
وأسرتي وولدي بنتاً يكون أو صبي
ومن يكون حيدرة أباه والجدُّ النبي
فكلُّ ما تصفه دون أدنى الرُّتَبِ
وله أيضاً في مدح السيِّد خلف بن عبدالمطّلب أخ الممدوح السابق:
إذا جرى ذِكرُ ذي فضل ومَكْرُمَةٍ
مِمّن مضى قلت خلّوا ذكر من سلفا
الحمد للَّه أهل الحمد أن لنا
عن كُلّ ذي كرمٍ مِمّن مضى خلفا
وبعث الشيخ أبو البحر جعفر بن محمد الخطّي، الشاعر الشهير، قصيدة غرّاء من البحرين إلى الدورق يمدح بها المولى بدر ابن مبارك المشعشعي والي الدورق سنة 1008 هجرية، يقول في مطلعها:
إلى الملك الوهّاب ما في يمينه
ولكنّه بالعِرْض جدّ بخيلِ
يَمُتّ إذا استنسبتهُ بأُبُوّةِ
تَمُدّ بباعٍ للفخّارِ طويلِ
يَضُمُّ عليّاً في الفخّارِ وطالباً
إلى جعفر أَكْرِمْ به وعقيلِ
والقصيدة طويلة وردت في موسوعة أعيان الشيعة في ترجمة الممدوح.
وألّف الشيخ عبد عليّ بن رحمة الحويزي، تلميذ الشيخ البهائي رسالةً في علم العروض سمّاها «المشعشعة في العروض» وصدّرها باسم المولى السيّد خلف بن عبدالمطّلب المشعشعي الحويزي وأهداها إليه، وهذا يدلُّ على رواج الأدب في الحويزة، ذلك الأدب الذي بُنِيَ على حُبّ أهل البيت وولائهم، فتبلور وظهر ذلك الحبّ في شعرهم وإنتاجهم الأدبي، حتّى قال الإسكندري في كتابه «الوسيط في الأدب» في الأدب العربي، في ترجمة السيّد ابن معتوق الحويزي: إنه من كبار شعراء الشيعة لنشوئه في دولة شيعيّة مغالية، فأفرط في التشيّع…!!
ولأدباء الحويزة فضل على الأدب العربي، لإبداعهم أوزاناً شعريّة جديدة لم يسبقهم فيها أحد من أدباء العرب، ومن تلك الأوزان (البند) الذي وُلد ونشأ في الحويزة، ومنها انتشر إلى الأقطار العربيّة الأخرى كالعراق والبحرين والحجاز وغيرها.
جاء في كتاب معادن الجواهر ونزهة الخواطر (3/627): البند اخترعه أهل الحويزة، وفيه قصائد.
أقول: وقد ظهر لي من خلال تحقيقي في أحوال هذه المنطقة، أنه قَلَّ ما وجد محدِّث أو فقيه أو مفسِّر في الحويزة إلاَّ وكان له ذوق أدبيِّ وروح شعريّة، حتى الحُكّام منهم لهم دواوين شعريّة لا تزال موجودة في المكتبات، وما كتبه المؤرّخون الحويزيّون أيضاً يشهد على ذلك ويصور لنا مجتمعاً تسودُه الروح الأدبية.
قال المولى السيد علي خان بن عبدالله الحويزي المشعشعي حاكم الحويزة في الفترة (1112 ـ 1124هـ) في كتابه «الرحلة المكيّة» يصفُ ثقافة أهل الحويزة وأدبهم في عصره وما قبل عصره:
عَلِمَ الله أنه كانت لهم خصال حميدة، وأفعال مرضيّة، وذوات زكية، وشيمٌ عربية، لو عددتها لم تحصرها الأوراق، ويكفي أهل الحويزة فخراً أنها دار العلماء، ومجمع الفضلاء والأتقياء الأبرار والصلحاء.
دارٌ بها الهمُّ مزاحٌ ومن
حلّ بها حلّ بدار أمان
وما ذكرت من محامدهم إلاَّ القليل، فكفاها مدحاً أن سفلتها أخيار، وسكّانها أطهار، وجهالهم لهم جمعيات وجماعات يلقبون بالأحداث، أدركتهم أنا أيام جدي السيد علي خان، لهم سجايا وخصال وكرامات وشيم، حيّاهم الله من شيب وشبّان، وبحقهم يليق قول القائل:
تحيى بهم كُلُّ أَرْضٍ ينزلون بها
كأنهم لبقاع الأرض أمطارُ
فوالله قسَماً بارّاً إنهم كانوا منات الوافد، وملاذ الجاني، وعزّ الجار، لم تخط أقدامهم لريبة، ولم تنطق ألسنتهم بغيبة، ولم ترمق أعينهم لدنس ومعيبة، لم أدرِ لأيّ فضائلهم أذكر، لتلك المضائف المعهودة، أم لتلك المباني المشيودة، أم لتلك الموائد المورودة… )[204](.
وفي الجملة فإن الأدب الشيعي قد بلغ في الحويزة ذروته في القرون الأربعة الماضية بفضل إرشاد العلماء واهتمام الحكام الموالي أمراء الحويزة، وقد ذكرتُ في كتابي «الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق» في علماء الحويزة وأدبائها وشعرائها والمفسّرين والمحدّثين فيها أكثر من مائة وأحد عشر رجلاً، ترجمت لهم بما وصل إليَّ من حياتهم العلميّة والأدبيّة وذكر نماذج من أدب كلِّ منهم.
أمّا الدورق: فإنه ثالث المدارس الأدبية بعد الكوفة والبصرة، ولأهله انطباع وتأثّر بالأدب البصري، وهو أقدم حضارةً في الحويزة ومن البصرة أيضاً، إذ أنّ البصرة مُصِّرَت على عهد الخليفة الثاني، بينما كان الدورق بلداً حافلاً بمعالم الحضارة قبل الإسلام، وفتحته الجيوش الإسلاميّة سنة 16 هجرية وارتفع عدد سُكّانه لخصبه وقربه من الحدود الشرقيّة للعراق.
وقد طبعت الحوادث التاريخية مدى القرون أهل الدورق بالطابع الشيعي بعد أن كانوا شيعة في العقيدة منذ القدم، فنشأ فيها رجال كبار في علم التشيّع، عاصر بعضهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ورووا عنهم، وخدموا العلم والأدب بما لا مزيد عليه، مثل علي بن مهزيار الدورقي، الذي كان حيّاً سنة 229هـ وله ثلاثة وثلاثون كتاباً، روى عن الأئمة أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن علي الهادي (عليهم السلام).
وأبي يوسف يعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكّيت الدورقي، وهو من خواصّ الإمامين النقيّين (عليهم السلام) وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر والنحو واللغة، وله تصانيف كثيرة، قتله المتوكل العبّاسي سنة 244هـ.
وكان لأهل الدورق ثبات في العقيدة مما جعلهم يتحدّون كثيراً من التيّارات العقائدية والحركات السياسية المشوبة بالمذاهب المختلفة، كفتن الخوارج والزنوج والقرامطة واصطدامات العبّاسيين بالعلويين، وفي أكثر هذه الحوادث كان الدورق عرضة للفتن والغارات.
وبالرغم من قرب الدورق من مدينة جبي بلد أئمة المعتزلة، ووقوعه عُرضةً لجميع تلك الحوادث، لا يجد المنقّب في عقائد سُكّانه خارجيّاً أو منحرفاً عن ولاء أهل البيت (عليهم السلام).
وبالرغم من اضطهاد بني العبّاس للموالين لأهل البيت وتتبُّعهم في أقصى البلاد وأدناها، فإن بذرة التشيّع كانت محفوظةً في هذا البلد، تنتظر المناخ الملائم والظروف المناسبة لتنشأ وتعطي ثمرتها كما ينبغي، حتى ظهرت الإمارة المشعشعيّة في مطلع القرن التاسع، فكانت الدورق إحدى الحاضرتين لهذه الإمارة، إحداهما الحويزة والأخرى هي الدورق، وربما فضلها المشعشعيون لخصوبة أرضها ونقاء هوائها بالنسبة للحويزة، فاختاروها وطناً لهم.
وكان أمراؤها قبل ذلك من بني تميم، نزحوا إليها من نجد في أواخر القرن التاسع رغبة في جوار المشعشعيين لأنهم كانوا من الشيعة أيضاً، وكان بنو تميم أمراء الدورق يُجلون العلماء والأدباء والشعراء ويصلونهم، وفي ذلك يقول أبو البحر الخطّي في قصيدة يمدح بها المولى خلف بن السيد عبدالمطلب المشعشعي، يتطرّق فيها لبني تميم أُمراء الدورق ويذكر أحسانهم للسادة الموالي، لأنهم أخوال المولى المذكور، وقد نظم قصيدته هذه سنة 1016هـ:
سَقى الله حيّاً من تميم بقدر ما
شربنا بأيديهم من النائل الغمر
هُمُ أَوْطَأُونا ساحة العسر بعدما
أَذَلّتْ خُطى أقدامنا عثرةُ العُسْرِ
فلم تبلغ الأُمُّ الرؤوم ببرّها
بنيها مدى ما أسلفونا من البرّ
وفي سنة 970هـ عاد الحكم في الدورق إلى السادة الموالي أمراء المشعشعيين، وأصبح السيد عبدالمطلب بن حيدر المشعشعي والياً على الدورق، وكان عالماً فاضلاً جليل القدر، فقصده العلماء والأدباء ولجأ إليه المطاردون من قبل حُكام الظلم والجور.
ومن جملة اللاجئين إليه الشيخ علي بن أحمد بن أبي جامع العاملي، فإنه فرَّ بأهله وعياله من بلاده جبل عامل بعد مقتل الشهيد الثاني (رحمه الله) خوفاً من الظالمين، فأقام بكربلاء مدّة فُوشِيَ به، فأمر السلطان العثماني بالقبض عليه وتسييره إليه، فخرج الشيخ المذكور بأهله وعياله إلى بلاد إيران، وحينما وصل الدورق رحّب به المولى عبدالمطلب والي البلد وأحسن وفادته وأكرمه وحسَّن له الإقامة في الدورق والإفادة والتدريس وخدمة العلم ونشر مذهب أهل العلم وبمساندة الوالي بالإرشاد والتدريس، فكان حصيلة ذلك أن تخرج على أيديهم نخبة صالحة من العلماء والأدباء، أحدهم المولى خلف بن والي الدورق، صاحب التأليفات النفيسة في الحديث والأدب والمنطق وسائر الفنون العلميّة.
وأخذ العلماء والأدباء يتوافدون على الدورق فيحظون بالترحيب والإكرام من قبل الولاة مما يحبّب السُّكنى فيها، حتى أصبح البلد حافلاً بالعلماء والأدباء والشعراء، وظهر الإنتاج العلمي والأدبي، وكثرت التصانيف، وازداد عدد المجالس العلميَّة والأدبية من بداية القرن الحادي عشر فما بعد، وقد ظهرت في تلك الفترة شخصيات علميّة كثيرة، كما عُرفت عدّة بيوتات بالعلم والفضيلة من السادة المشعشعيين، ومن غيرهم من العلويين والطريحيين والكعبيين، وغيرهم؛ ذكرتُ جملة منهم في كتابي «الياقوت الأزرق في أعلام الحويزة والدورق».
وقد أُسّست في الدورق عدّة مدارس، أشار السيد عبدالله الجزائري إلى بعضها في كتابه «الإجازة الكبيرة» وأشار في الضمن إلى بعض أساتذتها ومدرّسيها، وذكر أنه تلقّى بعض العلوم فيها، ومن جملة تلك المدارس (المدرسة الإبراهيمية) في القرن الثاني عشر، التي لا تزال بعض مخطوطاتها موجودة في المكتبات الكبيرة كما في المكتبة المركزية لجامعة طهران.
وبفضل تلك الحركة العلمية والأدبية خلّد علماء الدورق وأدباؤها آثاراً قيّمة في شتى مجالات العلم والأدب، وأفاضوا على العربي فضلاً بطابع شيعي يستحقُّ المزيد من العناية والتقدير، فلو لاحظنا (البند) وهو نموذج من الأدب العربي الشيعي، لوجدنا أن أكبر شعرائه وأجودهم وأكثرهم نظماً فيه هو السيد علي بن باليل الدورقي، المتوفى حدود سنة 1100هـ، وقد بلغ الذروة في هذا النوع من الأدب الذي ولد ونشأ في الأوساط الأدبية الشيعية، كما أن تصنيفه الموسوم بـ «المستطاب» في شرح كتاب النحو لسيبويه المعروف بـ«الكتاب» يبيّن لنا مدى اهتمام علماء هذا البلد باللغة العربيّة وحرصهم على كشف غوامضها ومعرفة أسرارها، وكذلك كتابه الموسوم بـ«قلائد الغيد» له مرتبة سامية في الأدب العرفاني الرفيع.
كما أن للشيخ فتح الله بن علوان الكعبي الدورقي، المتوفى سنة 1130هـ عدّة آثار أدبية هي خير شاهد على مستوى الأدب في هذا البلد.
وقد اعترض المستشرق الألماني بروكلمان في كتاب «تاريخ الأدب العربي» بحقّه واعتبره من رواد الأدب العربي، وأشار إلى آثاره الأدبية الممتعة في مكتبات الغرب.
كما أن شرح الشيخ جمال الدين بن إسكندر الدورقي، المتوفى حدود سنة 1150هـ، على نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيه دلالة واضحة على مكانة الأدب العربي ومقامه، ومدى اهتمام الدورق به آنذاك.
وهذه الآثار الأدبية وغيرها، التي لا تزال مبعثرة في شتى أنحاء العالم، ما هي إلاَّ شيء يسير من تُراث أدبي كثير خلّفه لنا علماء الدورق، وقد لعبت به أيدي الزمان، وجارت على بعضه يدُ الإنسان.
قال السيّد نعمة الله الجزائري في كتابه «مسكّن الشجون في جواز الفرار من الطاعون»: في سنة 1102 أصاب الطاعون مدينة الدورق، فأهلك عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والصالحين والأتقياء، فعطّلت المدارس وخلت المساجد فسمِّيت تلك السنة بعام الحُزن.
وطبيعيِّ أنَّ نكبة كهذه التي يذكرها السيّد الجزائري تترك الآثار النفسية ضائعةً، إذ لا يعرف قدرَ العلم إلاَّ العالم، ولا يقيم وزناً للأديب إلاَّ الأديب.
ثُمَّ جرت بعد تلك النكبة حوادث لا طائل من ذكرها، كانت سبباً لضياع معظم ذلك التراث القيّم، إلى أن انتقل الناس من الدورق القديمة إلى مدينة الفلاحيّة حدود سنة 1160هـ، وذلك إبّان ظهور الإمارة الكعبيّة في الدورق؛ وكان الكعبيّون شيعةً يوقِّرون العلماء ويعظّمونهم ويعطفون على الشعراء والأدباء.
ولهذا؛ فقد أخذت الحركة العلميّة والأدبيّة تستعيد نشاطها في الفلاحيّة من الدورق بعد أن أُصيبت بالتفكّكِ والخمول في الدورق القديمة.
ونظراً لِما كان يوله حُكّام كعَب من إكرام وحفاوةٍ لأهل العلم، وما يبدون من ودٍّ واحترام للمنتسبين لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد ظهرت بيوتات علميّة جديدة في الفلاحيّة، وقصدها العلماء والأدباء والشعراء، وكان البلد كثير الخيرات وافر الأرزاق فانجذبت نحوه نفوس الشيعة.
ويُذكر أنّ أُمراء الكعبيّين راسلوا جماعة من علماء النجف الأشرف، وطلبوا منهم القدوم إلى الفلاحيّة بأهليهم وعيالهم وضمنوا لهم القيام بكلّ متطلّباتهم وشؤون حياتهم، خدمة للدين وحُباً لنشر العلم، وكان لأحد أُمرائهم ـ وهو الشيخ بركات بن عثمان بن سلطان بن ناصر الكعبي الدورقي، المتوفّى سنة 1197هـ خزانة كتب كبيرة في الفلاحيّة تضمُّ أمّهات الكتب في الفقه والحديث والتفسير والأدب والتاريخ وغيرها، وقد فوّضَ أمرها إلى الشيخ خلف العصفوري، المتوفّى سنة 1208هـ.
وكان الشيخ خَلف هذا من كبار علماء الشيعة، وهو ابن أخ الشيخ يوسف البحراني، صاحب الموسوعة الفقهيّة الموسومة بـ«الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة» فدعا الشيخ خلف جماعةً من علماء البلد للتحقيق والتنقيح ومقابلة تلك الكتب والاستنساخ، ومن جملة من آزره في هذا العمل الشيخ محمّد بن شمس الدين الطريحي، ولا تزال بعض نسخ هذه المكتبة موجودة في المكتبات العامّة والخاصّة وعليها ختم مكتبة (الشيخ بركات) وعلى صفحاتها حواشٍ وتعليقات لهذين العالمين الجليلين.
وفي هذه الفترة من تاريخ الدورق (في نهاية القرن الثاني عشر) ظهرت معالم الأدب الشيعي في أعلى المستويات كما تشهد مخطوطات وآثارُ تلك الفترة على هذا، ففي نسخةٍ من ديوان المتنبّي أورد المستنسِخُ هذه الأبيات في قافية اللام:
وقيل له وهو بالكوفة: لم لا تقول في أهل البيت رضوان الله عليهم شيئاً؟ فقال:
وتركت مدحي للوصي تعمداً
إذ كان نوراً مستضيئاً شاملا
وإذا استقام الشيءُ قام بذاته
وكذاك وصف الشمس يذهب باطلا
وهذه النسخة من الديوان كُتبت سنة 1196هـ في مدينة الفلاحيّة، وكاتبها الشيخ عبّاس بن الشيخ عيسى بن الشيخ إسكندر الفلاحِي الأسدي، من البيوتات العلميّة في الفلاحيّة، ترجم العلاّمة الطهراني لجماعة من رجال هذه الأُسرة في «الكرام البررة» ومن جملتهم الشيخ إسكندر بن عيسى الفلاحي أخ كاتب نسخة الديوان، وابنه الشيخ عبد عليّ بن إسكندر الفلاحي، وللشيخ عبد عليّ هذا تملّك على ظهر النسخة بخطه؛ وكان السيّد عبداللطيف الجزائري صاحب كتاب «تحفة العالِم» قد ورد الفلاحيّة سنة 1200هـ في سفره إلى العتبات المقدّسات، فزار الشيخ إسكندر ـ الآنف الذكر ـ ووصفه بأنه كان عالماً أديباً…
أمّا ديوان الحاج هاشم بن حردان الكعبي الدورقي، فإنه نار على علم، إذ ما سبقه في الماضين ولا لحقه في المتأخّرين شاعر عبّر عن ولائه وتفانيه في حبّ أهل البيت كما عبّر هو بذلك السبك الأدبي الرائع.
ولو فتّش المحقّق في أحوال علماء الدورق، لمّا وجد عالماً ينتسب إلى هذا البلد إلاّ وله يد في الأدب بغضّ النظر عن مستواه في سائر الفنون العلميّة.
فمن يتصفّح كتب التراجم يرى شخصيّات كبيرة منسوبة إلى هذا البلد قد امتزجت حياتهم بالأدب، مثل الشيخ محمد تقي الدورقي، المتوفّى حدود سنة 1186هـ، فإنّه مع مستواه العلمي الرفيع، ومرجعيّتِه العامّة آنذاك، وكونه من أساتذة السيّد بحر العلوم، فإنّه كان يحضر الندوات الأدبيّة في النجف الأشرف ويُساهم في معركة الخميس الشعريّة ويُحكِّم فيها.
ويظهر لي أنّ هناك روحاً أدبيّة شبه وراثيّة في بعض البيوتات العلميّة، يتوارثها الأحفاد عن الآباء عن الأجداد إلى عدّة ظهور حتّى ينقرض المتّصفون بالعلم من تلك الأُسرة، كما كانت أُسرةُ الشيخ أحمد المحسني الفلاحي، المتوفّى سنة 1247هـ، فإنّ هذا العالم الفقيه مع إحاطته وتبحّره في الفقه وسائر العلوم الإسلاميّة، له ديوان شعر حسن طافح بحبّ أهل البيت وولائهم، وكذلك ابنه الشيخ حسن الفلاحي، المتوفّى سنة 1272هـ، فإنّه من كبار أُدباء زمانه وله ديوان شعر جلّه في أهل البيت (عليهم السلام).
وقد سَرَت هذه الروح الأدبيّة إلى ولديه الشيخ موسى والشيخ محمّد ابني الشيخ حسن، ففاقا أباهُما وجدّهما في المجال الأدبي، ولكلٍّ منهما ديوان شعر يفوح منه شذا التشيّع الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا تمويه.
وعلى هذا نشأ وشبّ خَلَفُهم الشيخ سلمان بن محمّد بن حسن بن أحمد المحسني الفلاحي، المتوفّى سنة 1340هـ، ففي شعره ومخطوطاته الأدبيّة دلالة جليّة على مقامه الأدبي الرفيع هذا.
وقد كان الجدّ الأعلى لهذه الأسرة، أي الشيخ أحمد المحسني، من أهل الأحساء فخرج بأهله وعياله فارّاً من الأحساء على أثر ظلمِ الوهّابيّين ومطاردتهم لعلماء الشيعة، فوجد في الفلاحيّة (الدورق) مأمناً له، فحطّ رحل سيره فيها سنة 1213هـ.
هادي باليل الموسوي
دومة الجندل
كان للعرب قبل الإسلام أسواق عدة في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية يتجمعون فيها في مواسم معينة، يتبادلون البيع والشراء ويقيمون المناظرات الفكرية والشعرية. ومن أشهر هذه الأسواق سوق عكاظ أعظم أسواق العرب في الطائف، وسوق دومة الجندل في شمال الجزيرة وسوق هجر في البحرين وسوق مجنة وذي مجاز قرب مكة المكرمة.
عرفت دومة الجندل كإحدى أقدم أسواق العرب وأهمها نظراً إلى موقعها الجغرافي وطبيعة أرضها وتوافر المياه والمراعي وتواجد عدد من القبائل العربية في المناطق المجاورة لها. ويقول بعض المصادر إنما كان ابتداء أسواق العرب بدومة الجندل فإذا انتهت السوق آخر الشهر انتقلت إلى هجر… وهكذا حتى تنتهي أسواق العرب بسوق عكاظ عندما تتوجه القبائل إلى الحجاز.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنه كان من عادة القبائل في القرن الخامس الميلادي وما قبله أن تتجمع في دومة الجندل في أول يوم من ربيع الأول وحتى آخره لأغراض البيع والشراء.
كانت سوق دومة الجندل أكبر أسواق العرب قبل سوق عكاظ في الطائف، ويشترك فيها الكثير من القبائل العربية خصوصاً قبائل طي وغسان وبني كلب. ويذكر أحد المؤرخين أن العرب كانوا يلقون مشقة كبيرة في الوصول إلى دومة الجندل نتيجة فقدان الأمن ووعورة الطريق ولكن يحملهم على تكبد هذه المشاق ما تعدهم السوق به من ربح وفائدة. وورد أن قوافل قريش كانت إذا قصدت دومة الجندل وسلكت الطريق المارة بالحزن فإنها تكون آمنة مطمئنة لأنها تمر ببلاد مضر، ولا يتحرش مضري بمضري.
توجد مدينة دومة الجندل في أقصى شمال الجزيرة العربية (في إمارة الجوف)، وكانت حلقة وصل على مدى العصور السالفة ما بين عرب جنوب الجزيرة ووسطها وبلاد الشام والرافدين. واكتسبت المدينة أهميتها التاريخية من موقعها المتميز والإمكانات الطبيعية المتوافرة فيها.
وهي تقع على الطريق التجارية الممتدة من وسط الجزيرة إلى سورية وجنوب فلسطين إذ كانت غزة ميناء رئيسياً يشتري منه التجار منتجات المناطق الواقعة على البحر المتوسط.
وامتدت علاقات دومة الجندل التجارية إلى خارج الجزيرة العربية، وكانت لها صلات مع الحيرة في العراق وأمبراطورية الفرس في الشرق. ودلت الحفريات والآثار المكتشفة حديثاً على تعاقب عدد كبير من الحضارات القديمة على هذه المدينة التاريخية.
ودومة الجندل هي المكان الذي التقى فيه الحكمان لأول مرة بعد وقعة صفين.
الديارات
كتاب لأبي الفرج الأصفهاني
يقال: دير وديرة وأديار وديران ودارة ودارات وأديرة ودوران وأدوار ودوار وأدورة. وهذا يعني أن الدير من اللغات في الدار. ولعله بعد تسمية الدار به خصص الموضع الذي يسكن الرهبان به، وصار علماً له، حسب ما جاء في معجم البلدان. ويقول المقريزي «الدير عند النصارى يختص بالنساك المقيمين به، والكنيسة مجتمع عامتهم للصلاة». وأكثر ما تكون الديارات في ضواحي المدن تطل على الأنهر والحدائق، أو قسم الجبال والروابي بعيداً عن الناس والضوضاء.
واشتهر بعض الديارات بارتفاعه الشديد، ويقال للراهب الساكن في الدير المنتسب إليه «دياري وديراني» وللراهبة ديرية وديرانية. ويسمى الدير أيضاً: العمر وجمعه أعمار.
على رغم ما ضاع مما صنفه الأقدمون في الموضوع، فإن كتاب أبي الفرح «مصدر لكل من صنف في هذا المجال، ومن هنا تأتي أهميته البالغة. وقد جمع أبو الفرج في هذا الكتاب أخبار الأديرة المعروفة في عصره في العراق وفلسطين والشام والجزيرة وغيرها، حشد فيه أخبار من مر بها من الخلفاء والخلعاء والشعراء والأمراء والظرفاء، ضمنه أخبار الأديرة التي كان يرتادها بنفسه، وحرص على توثيق كل خبر بذكر سند رواته كما فعل في كتبه الأخرى».
وكان هذا الكتاب مفقوداً فجمعه خليل عطية من المخطوطات والكتب التي نقلت منه مباشرة أو بشكل غير مباشر، فاستخرجها وحقق نصوصها حتى بلغ مجموع أخبار الأديرة التي جمعها نحو اثنين وخمسين ديراً.
وحول منهجه في التحقيق، يذكر عطية، أنه حاول تقديم نسخة أقرب إلى ما وضعه المؤلف قدر الإمكان، فتجنب الإكثار من النصوص الشعرية على رغم كثرتها، والتزم النصوص حسب ما ذكرنا سابقاً، وبوب الكتاب، ورتب أخبار الأديرة وفق الحروف، وزاد نبذة معلوماتية عن بعض الأديرة زيادة في الإحاطة، وشرح المفردات الصعبة الواردة في النصوص، كما ترجم لعدد من الشخصيات وأسماء المدن والمواقع، وضبط الشعر لإزالة الغموض عن بعضه، وذكر الكتب التي ألفها الأقدمون والمعاصرون في الديارات، وأهمها: كتاب دير الجماجم للأزدي، وكتاب الحيرة وتسمية البيع ونسب العباديين للكلبي، والديرة للسري الرفاء، وكتاب الديارات للشابشتي علي بن محمد. ومن المعاصرين: رسالة في دير مار سمعان، ودير مار أنطاكيا لقيصر الأنطاكي، وأخبار أديرة ورهبان مصر للأضميمي القبطي، وكتب أفرام الشماس.
وكانت الصومعة التي ينفرد فيها راهب الدير تسمى قلاية. وكان الكثير من الديارات مقصوراً على النساء دون غيرهن، مثل دير الخوات بعكبرا، ودير العذارى حول بغداد وعشرات الدور الأخرى. ويذكر المحقق أن الديارات في الجاهلية اشتهرت بإيواء المجتازين بها، إلى أن جاء الإسلام وحث القائمين عليها باستضافة من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، مما أوجد مواضع في الديارات لمبيت الزوار وعابري السبيل.
ديترويت متشيگان
(الولايات المتحدة الأمريكيّة)
مراحل الهجرة والانتشار
بدأ الوجود الفعلي للمسلمين في أميركا مع مجموعات المسلمين الأفارقة الذين استقدمهم تجّار الرقيق الأوروبيون قهراً من غربي أفريقيا خلال القرنين 16 و17، ليستقروا في القارة الجديدة، عمالاً وخدماً عند السادة البيض الأوروبيين مستعمري الأرض الجديدة… وسرعان ما أجبر هؤلاء المستضعفون على التخلّي عن أسمائهم ولغاتهم وعقيدتهم. ومع مجيء الجيل الثاني، كان هؤلاء المسلمون الأفارقة قد ضيّعوا هويتهم الدينية، وفقدوا كل صلة لهم بماضيهم الديني العريق، لانقطاعهم عن منابعهم وأصولهم..
ومع منتصف القرن التاسع عشر، حدثت هجرة جديدة للمسلمين من الشرق الأوسط إلى أميركا، وكان أن ذاب أكثر هؤلاء أيضاً، في المجتمع الأميركي، بسبب الضياع والتنصّر والزواج المختلط، وعدم استطاعتهم إقامة مجتمع خاص بهم لتشتتهم في طول البلاد وعرضها.
وفي مطلع القرن العشرين، بدأ تدفق آخر من المهاجرين المسلمين نحو أميركا، وقد ازداد هذا التدفق بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد تعديل قانون الهجرة الأميركية سنة 1965. وترجع أسباب هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة، إلى الاضطهاد الذي حدث للمسلمين في بعض الدول، مثل دول شرق أوروبا الشيوعية، والهند، وبعض دول شرق آسيا، وإلى جريمة اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها، كما ترجع إلى الكساد الاقتصادي في البلاد الإسلامية، وإلى حاجة الولايات المتحدة للأيدي العاملة. فكان أن هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إلى أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة من لبنان وسوريا واليمن وفلسطين والعراق ومصر والأردن وبلاد المغرب العربي وتركيا وإيران والباكستان وأفغانستان وألبانيا والبوسنة والهرسك وغيرها.. وفي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ازدادت وتيرة هجرة اللبنانيين واليمنيين وعرب شمالي أفريقيا.. وقد رافق ذلك قدوم أعداد كبيرة من الطلاب المسلمين للدراسة في الجامعات الأميركية، وكثيراً ما تحوّلت الإقامة المؤقتة لهؤلاء الطلاب إلى إقامة دائمة. ليرفع ذلك كله باستمرار حجم الجاليات الإسلامية المتنوعة الأعراق، ويزيد من رقعة انتشارها في أنحاء الولايات المتحدة الأميركية قاطبة.. غير أن التجمعات الكبرى للمسلمين في أميركا، سواء منهم المواطنون أم المهاجرون، تتركز في عدد من الولايات منها: «نيويورك» حيث يكثر المواطنون السود، وفي «كاليفورنيا» حيث تقيم جالية إيرانية كبيرة تقدر بثلاثة أرباع المليون نسمة، وفي «إلينوي» حيث يغلب على المسلمين فيها العناصر التي جاءت من شرقي أوروبا، وفي ولاية «ميتشيغان» حيث يبرز الوجود العربي، ومن هذه الولايات أيضاً نيو جرسي وشيكاغو ولوس أنجلوس.
وبالنسبة إلى العرب الأميركيين فقد استقر 66% منهم في عشر ولايات، بينما استقر الثلث الباقي في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وميتشيغان. وحسب بعض الدراسات فإن هناك نسبة 6 إلى 10 على صعيد الجالية العربية من أصل سوري أو لبناني. ويشكل المتحدّرون من لبنان وسوريا 70% من الجالية العربية في شمال شرقي الولايات المتحدة.
أمّا عن عدد المسلمين في أميركا، فإنه في غياب الإحصاءات الرسمية ـ حيث تقضي سياسة الحكومة الأميركية بعدم تسجيل ديانة المواطنين في الإحصاءات العامة التي تجري كل عشر سنوات ـ فإن التقديرات متفاوتة، فهناك من يجعل العدد بين 5 و6 ملايين شخص أو أكثر، والاختلاف في التقديرات عائد إلى الصعوبة في التحديد ـ أولاً ـ وإلى أسس الاحتساب ـ ثانياً ـ.
هذا، ويشكل المسلمون السود أغلبية المسلمين من أصل أميركي، حيث يقدّر عددهم بمليون شخص، بينما يقدر عدد الأميركيين البيض الذين اهتدوا حديثاً إلى الإسلام بـ 80 ألفاً، ويتركز وجود المسلمين السود، في نيويورك وميتشيغان وكاليفورنيا وشيكاغو.
الجالية الإسلامية … شؤون وشجون
يوماً بعد يوم يزداد حضور المسلمين في أميركا، كما تشتد وتتسع فعاليتهم على مختلف الصعد حتى السياسية منها، وهذا ما دلّت عليه الانتخابات الأميركية الرئاسية الأخيرة، التي اهتم بها الكثير من المسلمين هناك، من زاوية تأثيرها وعلاقتها ـ أولاً ـ بأوضاعهم الداخلية في البلاد الأميركية، كأقلية دينية متعاظمة، لها مطالبها ولها حقوقها التي تحفظ وجودها وهويتها مقابل الفئات الأخرى، ومن زاوية تأثيرها في القضايا الأساسية الكبرى التي تهمّ أوطانها الأصلية والمسلمين جميعاً، كقضية الصراع مع الصهيونية ـ ثانياً ـ. وقد عكست وسائل الإعلام الأميركية حجم التأثير الذي شكله المسلمون في مجرى الانتخابات الأخيرة، مظهرة تكاتفهم النسبي هذه المرة من أجل قضاياهم العادلة. وقد بدأت تبرز في أميركا ملامح قوة ضغط عربية وإسلامية، تعمل من خلال الأطر والنظم الأميركية، في سبيل التأثير في مجرى السياسة الأميركية لتكون هذه أقرب إلى الحق والعدالة.
وفي الميادين الأخرى، نجد أن الكثيرين من أبناء الجاليات الإسلامية يتمتعون بمستويات ومراكز علمية واقتصادية حسنة، وقد بيّنت بعض الإحصائيات أن أكثر من 30% من المسلمين في أميركا هم من خريجي الجامعات، وأن أكثر من 60% منهم يعملون في وظائف ثابتة.
أمّا على الصعيد الثقافي والديني، فعلى الرغم من المحيط الاجتماعي والفكري المعاند للدين عموماً وللإسلام خصوصاً، وعلى الرغم من أجواء الفساد والانحلال الأخلاقي المنتشرة في كل مكان، والتي تجرف الكثيرين من أبناء المسلمين بمغرياتها، حين لا يتوفر لهم جو سليم حاضن، فهناك حركة إسلامية تبليغية كبيرة ومبشّرة في أوساط الجاليات، كما تتمثل بجهود المساجد والمراكز والمدارس الإسلامية والأندية الثقافية والاجتماعية التي تعجّ بحلقات التدريس والتوعية، الأمر الذي يساهم في ربط المسلمين بدينهم، وخاصة الأجيال الشابة والأطفال، ويقدّر عدد المؤسسات الدينية الإسلامية التي أنشأها المهاجرون بأكثر من 1200 مؤسسة، منها حوالي 70 مسجداً معتبراً، والباقي عبارة عن مصليات ومدارس ومنتديات مختلفة وأسواق للمأكولات المحللة.. كما أن هناك رابطات كبرى أنشئت للتعاون بين المراكز المختلفة كالجمعية الإسلامية في أميركا الشمالية، التي تحتضن 340 مركزاً.
نحو ولاية ميتشيغان
هذه التصورّات والهواجس والأمنيات ـ التي أشرنا إليها باختصار، عن الهجرة الإسلامية إلى بلاد حضارة «الأنكا» ـ الهنود الحمر ـ سابقاً و«العم سام» حالياً، وعن أوضاع وشؤون الجاليات الإسلامية منها على وجه الخصوص، كنّا قد حملناها معنا ونحن نقطع البحر المتوسط متوجهين إلى ولاية ميتشيغان الأميركية الجميلة، لا لأجل السياحة والتمتع بمناظر طبيعتها الخلابة، وإن كان هذا بحدّ ذاته قراءة ثمينة في كتاب إبداع الخالق جلّ وعلا، الذي يبرز في كل مكان من هذه البلاد الغنية بطبيعتها ومواردها، ولكن لنحصل على مزيد من الأجوبة والمعلومات، ولإجلاء الصورة عن الجالية الإسلامية النشيطة في هذه الولاية الأميركية التي تتمتع بميزات عدّة.. وليكن المدخل التعريف بها موقعاً واقتصاداً وسكاناً.
تقع ميتشيگان في شمالي شرقي الولايات المتحدة، وهي فريدة بين الولايات الأميركية، لأنها تتألف من شبه جزيرتين منفصلتين تحدّان أربعاً من البحيرات الخمس الكبرى، التي تشكل الحدود المشتركة لعدد من الولايات الأميركية مع كندا. واسم الولاية مأخوذ من إحدى هذه البحيرات وهي ميتشيگان. قبلت هذه الولاية في الاتحاد الأميركي سنة 1837، باعتبارها الولاية 26 فيه، وكانت سابقاً مركزاً أساسياً لتجارة الفرو، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، أخذت زراعتها الغنية بالتطور والنمو. وتقترن سمعة ميتشيگان الصناعية بازدهار صناعة السيارات فيها منذ أوائل القرن الماضي، خاصة شركة فورد للسيارات الشهيرة.
عاصمتها مدينة «لانسنغ»، أمّا أكبر مدنها فهي مدينة ديترويت، وتأتي هذه الولاية في المرتبة الثامنة من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة، حيث يبلغ عددهم عشرة ملايين نسمة، يشكل البيض نسبة 83,5 بالمئة منهم، والسود نسبة 13,9 بالمئة، والباقون هم من المهاجرين الآسيويين.
مدينة ديترويت
استطلاع أحوال الجالية الإسلامية الكبيرة وأوضاعها في مدينة ديترويت وضواحيها، كان هو المقصد الأساس لهذا الاستطلاع الذي نجريه عن ولاية ميتشيگان عموماً وعن هذه المدينة.
مدينة ديترويت هي أكبر مدن ولاية ميتشيگان، والمدينة السابعة في الولايات المتحدة من حيث السكان، وهي وإن كانت اليوم تضم حوالي 980 ألف نسمة، إلاَّ أنها كانت في الستينات تعد أكثر من 1,800,000 نسمة، حيث هجرها عدد كبير من سكانها البيض إلى الضواحي وإلى الغرب الأميركي، بسبب معاناة مصانع السيارات الموجودة فيها من الكساد والمزاحمة، وهذا ما أثر أيضاً في أوضاع وأعداد الجالية الإسلامية نفسها، أما عدد سكانها مع ضواحيها فيصل اليوم إلى حوالي 4,400,000 نسمة، يشكل السود نسبة 76% منهم والبيض 20% فقط.
تقع المدينة جنوب شرق ميتشيگان على شاطىء بحيرة «سانت كلير» وهي مركز مقاطعة «واين». مناخها معتدل بشكل عام، شتاؤها بارد باعتدال، حيث تتراوح الحرارة بين ـ 1 إلى ـ 9 درجات في كانون الثاني، وبين 16 إلى 29 درجة في تموز.
يقطن في ديترويت وضواحيها عدة أقليات عرقية ودينية منهم العرب، وهم الأقلية الكبرى، حيث يبلغ عدد أفرادها أكثر من 300 ألف نسمة. أمّا أكبر المجموعات الدينية فهم الكاثوليك يليهم اليهود ثمَّ المسلمون ومنهم العرب، ثمَّ أعضاء جماعة «أمّة الإسلام» التابعة للسود، فالكلدانيون العراقيون وبعض البوذيين.
ومما يلفت نظر الزائر للأحياء الإسلامية في ضواحي ديترويت، خاصة ضاحية ديربورن التي تضم العدد الأكبر من الجالية، وجود طابع شرقي وإسلامي يميّز هذه الأحياء يتمثل في واجهات المحلات التي تحمل أسماء عربية وإسلامية، وفي ما تحتويه هذه المحلات من الأطعمة الحلال والألبسة الشرعية للنساء، وفي المكتبات التي تعرض كتباً وصحفاً ومنشورات عربية وإسلامية، والأمر الأكثر بروزاً هو وجود عدد لا بأس به من المساجد التي ترتفع مناراتها وواجهاتها ذات الطراز الإسلامي، إلى جانب عدد أكبر من المصليات والأندية الثقافية والمدارس الخاصة بأبناء الجالية.
وفي هذا المجال، علينا أن لا ننسى ظاهرة انتشار الحجاب بين النساء والفتيات التي تصادفك أنّى ذهبت في هذه المنطقة، وهي علامة على النهضة الإيمانية المستجدة التي تبعث على الارتياح.
مع الرعيل الأول
وإذا كانت غايتنا هي الاطلاع عن كثب على أوضاع الجالية الإسلامية عامة، واللبنانية منها خاصة في هذا المنطقة، ماضياً وحاضراً، فما علينا إلاَّ أن نعرف ذلك من الرعيل الأول الذي رافق وعايش نمو الجالية الكمّي والكيفي، وشارك في صنع نهضتها الدينية والاجتماعية.
في الأربعينات من القرن العشرين، كان هناك 35 عائلة فقط من بلدة بنت جبيل في ديترويت، أمّا اليوم، فإن القادمين من أهل هذه البلدة وحدها يتجاوزون عشرة آلاف، وهذا يعطي صورة عن تدفق المهاجرين اللبنانيين إلى هذه المدينة، بحيث أصبح عددهم اليوم يقارب مائة ألف شخص، معظمهم مسلمون من (جبل عامل).
وعن بدايات العمل الإسلامي لحفظ أبناء الجالية في ديترويت: إن الجمعية الإسلامية الأولى لرعاية الجالية تأسست في بداية الأربعينات، وهي جمعية «النهضة العربية الهاشمية» ثمَّ كان إنشاء أول مركز ومسجد إسلامي في المنطقة، وهو الذي يسمى حالياً «المركز الاسلامي في اميركا». أما اليوم فإلى جانب هذا المركز والمسجد، يوجد في ديترويت وضواحيها، عشرات المساجد مع ملحقاتها من مراكز ثقافية ومدارس لتعليم اللغات والتربية الدينية، ومن هذه المساجد والمراكز، المجمع الإسلامي الثقافي، ومسجد جمعية أهل البيت (عليهم السلام) في ميتشيگان، الذي أسسه المسلمون الباكستانيون، والمركز الإسلامي في آن أربور، والمركز الإسلامي في ديترويت، ومساجد: الفتح، والإخلاص، والنور، وولي محمد ومركز التوحيد وغيرها.
ومن المدارس القائمة في المنطقة، أكاديمية ميتشيگان الإسلامية، ومعهد الإخلاص للتدريب، ومدرسة الأخت كلارا محمد، ومدرسة الهلال الإسلامية العالية، ومدرسة الهدى. ومما يجدر ذكره أن المسلمين الشيعة في هذه المنطقة، شكلوا رابطة تضم المراكز التابعة لمختلف الجنسيات، من أجل التعاون فيما بينها. وهذه المراكز والمساجد والمؤسسات التعليمية والمنتديات، تقوم كلها بجهود طيبة مشكورة في خدمة الجالية دينياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً، كما ترعى عملية التفاعل واللقاء مع المحيط الأميركي العام الذي بات ينظر إليها باحترام وتقدير. ولقد كانت هذه المراكز ورعاتها من العلماء والعاملين وما تزال واحات هدى تدعو إلى الإسلام وتشدّ إليه آلاف الأميركيين الذين تعرّفوا من خلالها إلى الدين الحنيف واعتنقوه عن اقتناع وحماس.
المركز الإسلامي في أميركا
«المركز الإسلامي في أميركا»، القائم في شارع «جوي» (Joy Rd) ـ ديربورن، هو الدرّة الأولى ونقطة البداية لكل ما شيّد وقام بعده، وهو ما زال منذ ما يزيد على أربعين عاماً يشعّ بالخير ونور الإيمان من خلال المسجد الشامخ بقبته الخضراء ومبانيه التربوية والاجتماعية المكمّلة.. ابتدِئ ببنائه سنة 1961 واكتمل البناء سنة 1963، وهو يتألف من مبنى المسجد ذي الطراز الإسلامي، وقاعة للمحاضرات، وقاعة أخرى للمناسبات الاجتماعية، ومطبخ حديث التجهيز، إلى جانب مكتبة عامة ومدرسة إسلامية حديثة التجهيز أيضاً، مؤلفة من 19 غرفة للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة… وفي الأساس تقام صلاة الجماعة والجمعة، ومحاضرة أسبوعية يوم الأحد، الوقت المناسب لاجتماع الأهالي، وهناك ملتقى الشباب في أمسيات الجمعة، بالإضافة إلى إحياء المناسبات الدينية مثل شهر رمضان ومجالس عاشوراء في محرّم، والاحتفال بمواليد الأئمة (عليهم السلام) ووفياتهم، ثمَّ إقامة مجالس الفاتحة عن أرواح الأموات من أبناء الجالية. ويعتبر المركز ملتقى للجالية في المناسبات الإسلامية والوطنية المهمة.. ولا ننسى المخيم الإسلامي السنوي للشباب الذي ينظم بين فترة وأخرى؛ وآخر المخيمات الشبابية أقيم في كاليفورنيا. ويصدر المركز نشرة فصلية باسم «رؤى إسلامية» كما أنّ هناك مشاركة إعلامية في التلفزيون المحلي لمدة ثلاث ساعات أسبوعياً، تبث خلالها صلاة الجمعة والمحاضرات والإسلامية..
المجمع الجديد لمباني المركز الإسلامي في أميركا
وجد المشرفون على المركز الإسلامي في أميركا، أن مباني المركز على الرغم من التجديدات والزيادات لم تعد تلبي حاجة الجالية الإسلامية كمّاً ونوعاً. لذلك كان التصميم والإعداد لإقامة مجمّع جديد يلبّي أحلام المسلمين في هذه المنطقة.
وهكذا تمّ شراء 10 هكتارات من الأراضي في شارع فورد بديربورن، لإقامة هذا المجمّع، الذي خطط لتنفيذه على أربعة مراحل، لكلفته العالية المقدرة بـ 15 مليون دولار، وقد تمّ بالفعل تنفيذ المرحلة الأولى منذ سنة 1997 ببناء المدرسة الجديدة المسماة «الأكاديمية الإسلامية الأميركية للشبيبة» (MAYA)، أمّا المرحلة الثانية فهي في طور التنفيذ، وتقام على مساحة 50 ألف قدم مربع، وتضم المسجد الحديث الذي يتسع لـ 700 رجل مع مصلّى منفصل للنساء يتسع لـ 300 امرأة، وترتفع فوقه مئذنتان، كما يضم مركزاً خاصاً لنشطات الجالية الاجتماعية يتسع لـ 950 شخصاً، ومبنى إدارياً منفصلاً، يحوي قاعة للاستقبال وغرفاً للاجتماعات، ثمَّ موقفاً يتسع لـ 700 سيارة.
أمّا المرحلتان الأخيرتان، فتهدفان إلى بناء قاعة كبرى للمحاضرات تتسع لـ 700 شخص مجهزة بالوسائل الحديثة، وإضافة بناء جديد للمدرسة، يضم غرفاً للدراسة ومختبراً للعلوم، وإلى توسعة المكاتب الإدارية والكافيتريا والمطبخ ومساحات لنشاطات الأطفال، وفي النية أن يضم العديد من البرامج المتنوعة الهادفة إلى خدمة الجالية، ومنها إنشاء حوزة علمية للمبلّغين يُعترف بشهادتها رسمياً.
المجمع الإسلامي الثقافي
«المجمع الإسلامي الثقافي» الكائن في شارع «شيفر» في دير بورن، الذي يشع في محيطه الأوسع علماً وإيماناً وتربية وخدمات اجتماعية متنوعة. وهذه الأهداف لم تعد مجرد أمنيات أو أحلام، بل إنها بالفعل برامج عمل لهذا «المجمع» يقوم بتنفيذها بالجهود الجماعية لأعضائه، وذلك منذ لحظة تأسيسه في سنة 1981 حتى الوقت الحاضر.
1 ـ نشر تعاليم الإسلام واللغة العربية وتقريب الإسلام إلى الشعب الأميركي، والاهتمام بدور المساجد والجامعات والمراكز الفكرية والإعلامية.
2 ـ العمل على حلّ مشكلات الجالية، الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
3 ـ المحافظة على الأسرة المسلمة ودعم روابط الأسرة وحمايتها من إباحية الغرب وظلم التقاليد.
4 ـ الاهتمام بالطلاب ودورهم الطليعي ورعاية طاقاتهم.
5 ـ تنمية أجواء الحوار والتفاعل والتعايش وقيم الخير بين الإسلام والمسيحية، خاصة في هذه البلاد.
6 ـ الاهتمام بلبنان وجبل عامل وتوثيق الصلة بين الجالية والأوطان.
ولتحقيق هذه الخطة، فإن أعمالاً تنفيذية كثيرة قام ويقوم بها «المجمع الإسلامي الثقافي»، كإقامة الصلوات جماعة، وإحياء المناسبات الإسلامية وليالي شهر رمضان المبارك وذكرى عاشوراء، والذكريات المتعلقة بالرسول الأكرم (ص) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وغيرها، ثمَّ الحوزة العلمية التي تقيم دورات متتالية لتدريس الفقه والقرآن الكريم واللغة العربية ومختلف علوم الإسلام، ولقد أولى «المجمع» منذ تأسيسه اهتماماً بتعليم اللغة العربية للأطفال والناشئة، الذي كان يتم وما يزال في مدارس مدينة ديترويت الرسمية بعد الدوام الرسمي، كما يجري باستمرار تعليم القرآن الكريم، ومبادىء الإسلام وقيمه في قاعات «المجمع» نفسه، أيام السبت والأحد لهؤلاء الطلاب، ويستفيد من دروس اللغة العربية والتربية الدينية حوالي ألف طالب سنوياً، هذا إضافة إلى دروس الفقه والتفسير والتربية والمفاهيم الإسلامية. ولقد أصدر المجمع مجلة «الثقافة الإسلامية» لعدة سنوات ثمّ توقفت، وهو اليوم يصدر من جديد صحيفة «العصر الإسلامي» التي تهتم بنشر الفكر الإسلامي وأخبار الجالية وأنشطة «المجمع» باللغتين العربية والإنكليزية. ويعمل «المجمع» على نشر الكتب والمطبوعات الإسلامية باللغتين أيضاً كما يقيم الندوات والحوارات بشكل دروي مع الأميركيين الذين يقصدونه من مختلف الولايات، وخاصة رجال الدين المسيحيين وأساتذة الجامعات.
ومن ضمن المشاريع الحيوية للمجمع إقامة المدارس الإسلامية التي تدرس إلى جانب البرامج التعليمية الرسمية، التربية والقيم الإسلامية. ومن أجل رعاية هذا الجيل والأجيال التالية، أنشأ المجمع أولاً مدرسة ابتدائية خاصة وبدوام كامل، وهي «الأكاديمية الإسلامية» الواقعة على شارع «تشيس»، والعمل جار بصورة حثيثة وعاجلة على إنشاء ثانوية إسلامية و«فضلاً عن الثانوية الإسلامية، هناك مشروع آخر وهو وضع هيكلية معهد الدراسات الإسلامية»، وخططه، ومهمته هي تخريج المبلّغين الأكفاء القادرين على التحرّك في الوسط الأميركي.. بالإضافة إلى أنه سيكون صلة وصل بين المستشرقين الأميركيين والعالم الإسلامي.. وهناك عمل جاد ودؤوب لتوفير المفاهيم التربوية والفقهية والعقيدية باللغة الإنكليزية، وذلك مع اهتمام بترجمة المصطلحات، ومحاولة إيجاد المرادف الإنكليزي الدقيق لها قدر الإمكان. أمّا بخصوص التأثير الديني، فهناك برنامج مستمر ليلة كل أحد، تقدم فيه المحاضرات باللغة الإنكليزية، يحضره الأميركيون، وكل مَن يريد التعرّف إلى الإسلام من الأجانب.
نادي بنت جبيل
لا بد من ذكر «نادي بنت جبيل الثقافي الاجتماعي»، كان الهدف من إقامة النادي هو حفظ هوية وتراث أبناء البلدة الذين يربو عددهم على عشرة آلاف في هذه الناحية من ديترويت، والأمر كذلك بالنسبة إلى إخواننا من سائر أبناء الجالية، وكانت فكرة تأسيس النادي قد بدأت منذ سنة 1965، ولكن تأخر تنفيذها إلى سنة 1994 لظروف مختلفة..، وقد تمكن النادي من تحقيق العديد من الإنجازات المهمة في الحقول الثقافية والتربوية والرياضية والاجتماعية (التي شمل نفعها الجالية عموماً وأبناء بنت جبيل في المهجر والوطن خصوصاً) إلى دروس تعليم التربية الدينية والقرآن الكريم وذلك أسبوعياً كل نهار سبت لمدة ساعتين، بصفين واحد للذكور وآخر للإناث.. أمّا النشاط الاجتماعي فهو منصبّ على مساعدة المرضى المحتاجين لعمليات جراحية دقيقة.
مركز كربلاء
هو المركز الرئيسي للجالية العراقية اللاجئة، والتي تعاظم وجودها بشكل سريع في منطقة ديترويت، ويقدّر عدد أفرادها بحوالي 15 ألف نسمة، كما يستقطب هذا المركز الكائن في شارع «وورن» بديترويت العديد من أفراد الجاليات المسلمة الأخرى.
كان هم المركز منذ تأسيسه سنة 1994 الحفاظ على الجالية الإسلامية عقيدة والتزاماً وسلوكاً، خاصة حماية الشباب من الانحراف، ثمَّ تبليغ مبادىء الإسلام خصوصاً نهج أهل البيت (عليهم السلام) وتاريخهم، وتعريف المجتمع الغربي بها، وتقام في المركز، الصلاة اليومية جماعة، كما تحيا المناسبات والشعائر الإسلامية، وتجري فيه مجالس الفاتحة عن أرواح المتوفين، كما تقام فيه حفلات الزواج ولديه إذاعة وصحيفة تحملان الاسم نفسه. ويهتم المركز بالنشاطات الرياضية للشباب.
دار الحكمة
هي من المراكز الجديدة التي تأخذ طريقها لخدمة الجالية والأهداف الإسلامية، ويقع مبناها المتكامل الأقسام في ضاحية دير بورن هايت.. ومن النشاطات البارزة التي يوليها هذا المركز الاهتمام والمتابعة المستمرة، هي مدرسة يوم السبت لتعليم اللغة العربية والتربية الدينية للناشئة، ثمَّ مدرسة تعليم اللغة العربية للكبار. وفي إطار معهد النور التابع للدار، تقام دورات تدريس علوم القرآن الكريم على أيدي مختصين. هذا بالإضافة إلى الندوات والمحاضرات ومتابعة الحوارات مع أهل الأديان الأخرى، وإحياء المناسبات الإسلامية التي تقام على مدار السنة.
المجلس الإسلامي في أميركا
من الضروري في كلامنا عن المؤسسات الإسلامية في المنطقة، أن نشير إلى «المجلس الإسلامي في أميركا»، وهو يقوم بدور فعّال في التعريف بالإسلام على صعيد المجتمع الأميركي، خاصة عن طريق المنشورات الإسلامية التي يصدرها المركز تباعاً.
الجمعية الإسلامية الأميركية
وهي من الجمعيات الإسلامية القديمة العهد في هذه المنطقة، فلقد تأسست سنة 1938 بمبادرة من بعض اليمنيين والفلسطينيين واللبنانيين. ومنذ البداية أقامت الجمعية مسجداً هو مسجد ديربورن، وقد خضع للتوسعة والزيادات سنة 1986، وهو يتسع حالياً مع مصلى للنساء لحوالي خمسة آلاف مصلٍّ.
وبالإضافة إلى الصلاة جماعة، تُنظّم في المسجد دروس يومية في التربية الدينية والقرآن الكريم واللغة العربية للكبار كما للصغار.
دير العاقول
دير العاقول (أي عقلة «النهر» وعوجته)، ما زالت الخارطة الحديثة تشير إليه، وهو في الجانب الشرقي على عشرة فراسخ أسفل المدائن. واسمه يدل على شكل مجرى دجلة في هذا الموضع، وقد كان ديراً للنصارى حوله مدينة كبيرة كانت من أجلّ مدن طسوج النهروان الأوسط. وكان في المدينة مسجد جامع لا يبعد كثيراً عن السوق. وذكر ابن رسته في نهاية المئة الثالثة (التاسعة) المآصر على دجلة في هذا الموضع «وبها إسحاب السيارة والمأصر من قبل السلطان». قال: «والمأصر أن تشد سفينتان من أحد جانبي دجلة وسفينتان من الجانب الآخر، وتشد السفن على شطين ثمَّ تؤخذ قلوس (حبال) على عرض دجلة وتشد رؤوسها إلى السفن لئلا تجوز السفن بالليل». وذكر المقدسي في المئة الرابعة (العاشرة) أن «ليس على دجلة من نحو واسط مدينة أجل من دير العاقول، كبيرة عامرة آهلة». ثمَّ أن دجلة حوّل مجراه. فذكر ياقوت في المئة السابعة (الثالثة عشرة).
إن دير العاقول كان على شاطىء دجلة، فأما الآن فبينه وبين دجلة مقدار ميل، وهو بمفرده في وسط البرية. على أن المستوفي بعد ياقوت بقرن كان يعد دير العاقول مدينة كبيرة ذات هواء رطب لتوسطها بساتين النخيل.
ديرة إسماعيل خان
تقع على شاطىء نهر السند الغربي في الباكستان ويبلغ عدد نفوسها نحو مائة ألف نسمة منهم عدة ألوف من الشيعة لهم فيها مسجد جامع تقام فيه الجمعة والجماعة وعدة مساجد أخرى صغيرة وعشر حسينيات تقام فيها الاحتفالات الدينية خلال السنة.
وعدا المدينة نفسها ففي مقاطعة ديرة إسماعيل على امتداد الشاطىء العربي لنهر السند يسكن ألوف الشيعة. وبلدة بلوت، وكات كر، وجارا، وسيد علي، وبهاربور، وميا ودا وغيرها كل سكانها من الشيعة. ويعود تاريخ الاحتفال بالذكرى الحسينية في تلك البلاد إلى ما لا يزيد عن مائتي سنة. ومن هذه المنطقة خرج شعراء الملاحم العلوية والحسينية باللغة الملتانية إحدى اللغات الباكستانية التي جعلها التشيع بمدائحه العلوية ومراثيه الحسينية لغة تدوين ثمَّ لغة أدب وشعر.
دير الجماجم
يقع على مسيرة 28 ميلاً جنوبي الكوفة في الطريق البري إلى البصرة ويقال أن اسمه مشتق من روايات أسطورية عن الجماجم التي وجدت بهذا الموضع بعد معركة طاحنة جرت فيه قبل الإسلام.
وفي جواره كانت المعركة بين الحجاج وجيش الثورة الذي كان يقوده عبدالرحمن بن الأشعث سنة 82هـ 701م.
قبل الثورة
في سنة 79 هجرية كان الحجاج قد ساق نخبة رجال الشعب وخيرة فرسانه شيوخاً وشباناً إلى مجزرة رهيبة في محاولة لغزو (رتبيل) في عقر داره، وكان يقود الحملة والي سجستان عبيدالله بن أبي بكرة.
ولكي ندرك أن هذا الغزو لم يكن له أي مبرر ننقل عبارة الطبري كما وردت في تاريخه، يقول الطبري وهو يتحدث عن ولاية ابن أبي بكرة على سجستان: (ثمَّ أنه غزا رتبيل وقد كان مصالحاً) ثمَّ يقول الطبري: (فبعث الحجاج إلى عبيدالله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتليه وتسبي ذريته)[205]( ومن النصوص المتقدمة الواردة في الطبري نعلم أن «رتبيل» كان مصالحاً، وأن سلاماً كان متفقاً عليه بين الفريقين، وأن لا شيء يوجب نقض الصلح واستبدال الحرب بالسلم.
ثمَّ أن أوامر الحجاج صريحة: فهي لا تطلب من قائد الجيش أن يهدي الناس ويرشدهم ولا أن ينشر بينهم الرحمة والعدل والعلم والمعرفة، وهي الأهداف التي أراد الإسلام تحقيقها. بل يطلب إليه أن يستبيح الأرض ويقتل الرجال ويسبي النساء والأبناء.
وأية حرب هي هذه الحرب التي لا تهدف إلاَّ إلى الاستباحة والقتل والسبي. ولا تتحدث أوامرها إلاَّ عن المغانم والجرائم.
أهي الحرب التي يجوز أن يكون وقودها شباب المسلمين وشيوخهم وأن يفني فيها أهل الحفاظ والحمية والنجدة.
ويسترسل الطبري في الحديث فيقول: «فخرج عبيد الله بن أبي بكرة بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، حتى وغل في بلاد «رتبيل» فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء».
وهكذا فإن أهل البصرة والكوفة هم المقصودون، وهم المراد لهم أن يكونوا الضحايا، وهكذا فإن رجلاً كريماً مثل شريح بن هاني الحارثي يساق بعد السير تحت راية علي، إلى السير تحت رايات الحجاج لسلب البقر والغنم.
وهكذا فقد كانت غاية الحملة حيازة الأموال وسوق المواشي، وحسبك بهذه الغاية غاية لئيمة مجرمة، وغنم من وبقر من، وأموال من أصاب الجيش المجاهد، إنها غنم الفقراء وبقر المستضعفين، وأموال البؤساء في غير شك، إنها المواشي التي كانت تسرح في المراعي وأصحابها مطمئنون للصلح، أما عن الدعوة إلى الهدى والنداء إلى الحق، فلا تحدثنا أخبار الحملة بشيء أبداً. وما دام الجيش الغازي قد أصاب البقر والغنم والأموال فقد حقق هدفه وأنجز طلبته وفاز بالمراد.
وكان الترك قوم «رتبيل» وقد أعدوا خطة محكمة لحماية بلادهم فتركوا الجيش المقبل يتوغل في أرضهم ثمَّ «أخذوا على المسلمين العقاب والشعاب فسقط في أيدي المسلمين» على حد تعبير الطبري، وحوصروا في تلك الفجاج حصاراً محكماً وضاق بهم الأمر، ولم يفد البقر والغنم شيئاً، واحتار قائد الجيش ابن أبي بكرة فيما يصنع فأرسل إلى شريح بن هاني يستشيره في أن يدفع أموالاً ليخلوا بينه وبين الخروج. ولكن شريحاً نبهه إلى أن غاية «المتأمرين» من هذه الحرب هي سلب الأموال ، وأنه حين يدفع مالاً للأعداء، فإن الدولة ستقطع الأموال من رواتبهم، فقال له ما نصه: «إنك لا تصالح على شيء إلاَّ حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم» فقال ابن أبي بكرة: لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من إهلاكنا. وبعد حوار قصير بينهما قال له شريح: «إنما حسبك أن يقال بستان ابن أبي بكرة وحمام ابن أبي بكرة»)[206](.
ومن هذا الحوار نفهم أن ابن أبي بكرة وهو من ولاة الأمويين وحكامهم كان له من المزارع والعقارات كغيره من الحكام ما يغنيه عن راتبه، وأما الجنود هم من أفراد الشعب البائس المحروم، فليس لهم رزق إذا منعوا أعطياتهم وحرموا من رواتبهم لذلك كان من رأي شريح أن يجازفوا في الإفلات من الحصار بهجمات يائسة لعل بعضهم ينجو ويسلم. وهكذا نادى شريح يا أهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلي، فقاتل حتى قتل. ويقول الطبري: (فاتبعه فرسان الناس وأهل الحفاظ فقاتلوا حتى أصيبوا إلاَّ قليلاً، ونجا من نجا من «رتبيل» حتى خرجوا منها). ولما بلغ الحجاج الخبر كتب إلى عبدالملك بن مروان بما جرى من جملة كتاب: أما بعد فإن جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا ولم ينج منهم إلاَّ القليل.
وهكذا فإن فرسان العرب وأهل الحفاظ أبيدوا عن آخرهم إلاَّ قليلاً، أبيدوا في تلك الديار النائية، بعيدين عن أهلهم وأوطانهم، أبيدوا لأن «الدولة العربية» حولتهم إلى سراق بقر وغنم، وكانوا بين خطتين: إما أن يبيدهم السيف في أرض عدوهم أو يعودوا فيذلهم الفقر في أوطانهم.
جيش جديد
وكان فيما كتبه الحجاج لعبدالملك طلبه تجهيز حملة جديدة من أبناء الكوفة والبصرة لتسلك طريق الحملة الأولى فوافق هذا الطلب هوى عبدالملك فأرسل إلى الحجاج موافقاً على تسيير هذه الحملة.
يقول الطبري: «كان الحجاج وليس في العراق أبغض إليه من عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث». ويفترض في مثل هذا البغيض أن يكون بعيداً عن الحجاج ووظائف الحجاج ولكن الحجاج الذكي لم يختر لقيادة الحملة الجديدة إلاَّ بغيضه اللدود عبدالرحمن.
وكيف لا يختاره ما دام المقصود من الحملة لا كسب المحامد ونشر الفضائل، ولا الدعوة إلى صلاح ورشاد. بل أن المقصود منها تحطيم قوى الشعب الروحية والجسدية، والقضاء على فروسيته في المجاهل النائية.
ويروي الطبري أيضاً أن عبدالرحمن هذا دخل مرة على الحجاج فلما رآه مقبلاً قال لجليسه الشعبي: «انظر إلى مشيته والله لهممت أن أضرب عنقه».
عبدالرحمن أبغض الناس إلى الحجاج، والحجاج يود لو يقتله، فمن هو إذن أجدر من عبدالرحمن ليقود الأربعين ألف من الشبان العرب إلى مصارعهم باسم الفتح والجهاد.
إن نظرة الحجاج للقائد العام للجيش لا تختلف أبداً عن نظرته لكل فرد من أفراد الجيش وأن نواياه لعبدالرحمن لا تختلف عن نواياه لأولئك الأربعين الألف الجندي الباسلين وأنه يبغضهم كما يبغض قائدهم ويود لو ضرب أعناقهم كافة، لذلك خصهم كما خص قائدهم بهذا الجهاد.
يقول الطبري: «ثمَّ أن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة».
ومضى هذا الجيش بقيادة عبدالرحمن، ولما بلغ الخبر إلى «رتبيل» كتب إلى عبدالرحمن «يعتذر إليه عن مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارهاً وأنهم لجأوا إلى قتالهم ويسأله الصلح».
ولكن عبدالرحمن لم يجرؤ على قبول الصلح لأن الأوامر صريحة بوجوب غزو بلاد «رتبيل» على أن عبدالرحمن وهو يعلم الغاية من هذه الحملة وكل الحملات دبر في نفسه أمراً ينجيه من الوقوع فيما وقعت فيه الحملة السابقة، ويظهر به في نفس الوقت بمظهر من أدى واجبه فلا يناله الحجاج، ومن ورائه عبدالملك بسوء.
عبدالرحمن يحاول التخلص
وهكذا كان، فقد اقتحم عبدالرحمن بجيشه بلاد «رتبيل» دون أن يلقى مقاومة، لأن «رتبيل» كان قد اتبع نفس النهج الذي اتبعه في مقاومة الحملة الأولى، فترك هذه الحملة الثانية تتوغل في بلاده على أمل اصطيادها في الثنايا والشعاب، لأنه لا بد لها إذا أرادت تنفيذ أوامر عبدالملك والحجاج من الوقوع في المصيدة. ولكن عبدالرحمن وقف عند نقطة معينة ولم يتجاوزها. يقول الطبري: «حتى إذا حاز من أرض رتبيل أرضاً عظيمة وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الناس على الوغول في أرض رتبيل».
وبهذا أفسد عبدالرحمن خطة الحجاج وعبدالملك في أفناء شبان المسلمين في تلك المعاقل والعقاب والشعاب، وبنفس الوقت حقق لهما حيازة الأسلاب من البقر والغنم والأموال الأخرى.
ثمَّ كتب إلى الحجاج بما انتهى إليه وأبان له رأيه في وجوب التوقف عن الاندفاع في أراضي الأعداء، ولكن الحجاج لم يكن يرضيه هذا الرأي فلا بد من الغزو لأن في الغزو تحقيق ما يشتهي، فكتب إلى عبدالرحمن يفند رأيه ويحاول أن يثير فيه عاطفته فنسبه إلى الجبن وفساد الرأي فقال فيما قاله له: «إنه لم يحملك عليه إلاَّ ضعفك والتياث رأيك فامض بما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل وسبي ذراريهم». وهكذا فالأوامر واحدة لكل حملة: هدم وقتل وسبي، أما نشر الإسلام وإشاعة العدل والرحمة والحق فلا مكان لها في أوامر الدولة)[207]( ثمَّ أردف الكتاب بكتاب ثان ثمَّ بكتاب ثالث.
مؤتمر شعبي
وكان عبدالرحمن أعقل وأحكم من أن يعرض نفسه ويعرض معه الأربعين الألف العربي لمجزرة إرضاءً لنزوات الحجاج على أنه لم يشأ أن يتفرد بالأمر وحده بل رأى أن يشرك معه مجموع الجيش فدعا الناس ووقف فيهم قائلاً: «إني لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر. وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأي استشرت فيه ذوي أحلامكم وأولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأياً ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبي إذا أبيتم».
ومن هذه الكلمة ندرك أن عبدالرحمن كان قد استشار ذوي الرأي العسكري وتداول معهم فيما يجب عمله وأنهم كانوا قد أقروه على ما ارتأى وأنه حين جمع جمهرة الناس إنما جمعهم ليبلغهم رأي العسكريين الفنيين وأنهم مجمعون على أن لا أمل في نجاح الحملة، فهو الآن يترك الكلمة الأخيرة لهذه المجموعة الحاشدة لتحمل مسؤوليتها بنفسها.
يقول الطبري: «فثار إليه الناس فقالوا: لا بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع».
الأربعون الألف كانوا مدركين كل الإدراك غايات الحجاج، وكانوا يعلمون ما بيّته لهم، لذلك كان رأيهم فيه بالإجماع أنه «عدو الله» وأنهم «لا يسمعون له ولا يطيعون» هذا هو رأي الشعب بحكامه يومذاك هذا هو رأي المسلمين والعرب المحكومين بالدولة العربية الحاكمة.
ولم يكتف الناس بهذا القول الجماعي بل وقف خطباؤهم يفصلون الأمر ويشرحونه فكان ممن خطب عامر بن واثلة الكناني وكان شاعراً خطيباً فكان مما قاله: «إن الحجاج لا يرى فيكم إلاَّ رأي القائل الذي قال لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك. إن الحجاج والله لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم».
وتكلم غيره من الخطباء، فنادى الناس من كل جانب مؤيدين أقوال الخطباء منادين بالثورة على الحكم الفاسد الجائر والكلام الذي أعلنه الخطيب الكناني كان يصور الحقيقة البشعة التي استهدفها الحكام الأمويون فيما أسموه بالفتوحات والتي عرضوا بسببها الشعب إلى هذه المحن المبيدة)[208](.
وأعلنت الثورة وتقدم الثوار نحو العراق مستهدفين الحجاج ثمَّ الحكم الأموي كله. وكان شاعر الثورة أعشى همدان فقال مشيراً إلى أن الثورة عربية عامة تمثل العرب والمسلمين كلهم في نقمتهم على الحكم الفاسد الذي أراد بهم ما أراد:
إنا سمونا للكفور الفتان
حين طغى في الكفر بعد الإيمان
بالسيد الغطريف عبدالرحمن
سار بجمع كالدبي من قحطان
ومن معد قد أتى ابن عدنان
بجحفل جم شديد الأرنان
فقل لحجاج ولي الشيطان
يثبت لمذحج وهمدان
أمّا مبادىء الثورة فقد حددتها صورة المبايعة التي بايع بها الناس عبدالرحمن بن محمد الأشعث وهذا نصها: «نبايع على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلال وجهاد المحلين».
وهو نص واضح صريح يحدد أهداف الثورة ويعلن مناهجها ومبادئها وهي المناهج والمبادىء والأهداف التي تؤدي إلى تحرير الشعب من عبودية الحكام الفاسدين وإقطاعية الولاة الظالمين، والعودة به إلى المبادىء التي قضى عليها الحكام الجدد وعادوا بالمسلمين إلى ما هو شر من الجاهلية الأولى.
تطور الثورة
كانت الثورة في أول أمرها هي ثورة الجيش وحده، ولكن لم تكد طلائع هذا الجيش تقبل من سجستان ويعلم الناس بأمره حتى هب الشعب عن بكرة أبيه يؤيد الثائرين وينضم إلى صفوفهم، فأول مدينة ثارت هي البصرة فأقبل إليها ابن الأشعث، ويقول الطبري: «بايعه على حرب الحجاج وخلع عبدالملك جميع أهلها» وتلت البصرة في الثورة الكوفة. ويقول الطبري: «فلما دخل ابن الأشعث الكوفة مال إليه أهلها كلهم» ثمَّ تتابعت البلدان الثائرة فيقول الطبري: «وتقوضت إلى ابن الأشعث المسالح والثغور». وهذا أبلغ تعبير في الإشارة إلى انتشار الثورة في كل مكان انتشاراً جعل منها أضخم ثورة شعبية تحررية.
وكان قادتها زعماء شعبيين متواضعين نبتوا من أوساط الشعب وخبروا حياته وعاشوا دنياه بكل ما فيها من اهتضام وحرمان وجور، وكان بينهم نخبة العلماء والفقهاء والشعراء، أو باصطلاحنا الحديث نخبة المثقفين المتحررين ذوي الرسالات الهادفة المناضلة، وكانوا يحرضون الشعب على الصمود والثبات كأنما يسجلون شعارات الثورة، فمن أقوالهم ما كان يحرض به عبدالرحمن بن أبي ليلى الفقيه من جملة قوله: «قاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه». وقال أبو البختري: «أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم ودنياكم وليغلبن على دنياكم». قال الشعبي: «يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم». وقال سعيد بن جبير: «قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعليَّ آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء».
على أن الوحيد الذي كان بعيداً عن جوهر الثورة وروحها هو قائدها عبدالرحمن بن الأشعث، ولكن الظرف وحده هو الذي وضعه على رأس الثورة، وكان لا بد منه لتكتيل الجيش واستبقاء وحدته فإن وجوده على رأس الجيش جعله مفروضاً على قادة الثورة وزعمائها.
ولكن المقادير كتبت للثورة الفشل وهي في قمة نجاحها.
وقد كان الحجاج في ظفره لئيماً لا يخالط قلبه نبل أو مروءة، كما كان الزعماء الشعبيون أبطالاً في مواجهة الحجاج وهم أسرى بين يديه، فمن ذلك أنه كان بين من سيق إليه منهم كميل بن زياد النخعي فحاول الحجاج إهانته كما كان يفعل. فجرى بينهما حوار كان فيه كميل أبياً شموخاً في أعلى ذروات الرجولة، وقد أنهى حواره مع الحجاج بقوله: «أيها الرجل من ثقيف لا تصرف على أنيابك ولا تهدم عليّ تهدم الكئيب ولا تكشر كشران الذئب، اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله». فقتل كما قتل غيره من الألوف.
أولى معارك الثورة
مضى عبدالرحمن بالجيش إلى العراق ثائراً فلما بلغ الخبر إلى الحجاج كتب إلى عبدالملك في الشام يطلب إليه الإسراع بإرسال الجنود إليه لقمع الثورة، وتقدم هو فنزل البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبدالملك هاله وأخذ في تجهيز جيش وإرساله إلى الحجاج، وتتابعت النجدات إلى الحجاج فترك البصرة وتقدم إلى (تستر) لملاقاة عبدالرحمن بن الأشعث، ولم تلبث أن تلاقت مقدمة الجيشين عند (دجيل) فكان الصدام بين المقدمتين، فانهزمت مقدمة الحجاج بعد قتال شديد وقتل منها العدد الجم.
فاضطر الحجاج للرجوع إلى البصرة فتبعه جماعة من الثوار إليها فقتلوا جماعة من أصحابه، فترك البصرة ولم يلبث أن دخلها عبدالرحمن. ويصف ابن الأثير)[209]( ما جرى قائلاً: «فبايعه جميع أهلها: قراؤها وكهولها مستبصرين في قتال الحجاج».
هذه الجملة الموجزة تريك إلى أي حد كان الحكم مكروهاً من الشعب، هذا الشعب الذي لم يكد يرى أعلام الثورة مرفوعة حتى انضم إليها بكل طبقاته، محاولاً التخلص من أولئك الحكام الذين لم يلق منهم إلاَّ العسف والظلم والاضطهاد.
كان الحجاج بعد انسحابه من البصرة قد نزل (الزاوية) )[210]( غير بعيد عن البصرة، ويبدو أن سبب انسحابه من البصرة أنه أدرك الجو الشعبي المعادي له فيها فآثر الانسحاب منها على أن لا يبعد عنها.
وبعد أن ركز عبدالرحمن أموره في البصرة قرر الزحف إلى الحجاج بعد أن انضمت إليه جموع البصرة، ففي المحرم من سنة 83 تزاحف الفريقان فكان بينهما عدة معارك، وفي آخر المحرم اشتد القتال فانهزم جيش الحجاج أول الأمر، ولكن لم يطل أمر الهزيمة، إذ لم يلبث أمر الثوار أن تضعضع فانهزموا إلى الكوفة، بما فيهم أهل القوة وأصحاب الخيل من أهل البصرة.
وثبت في البصرة عبدالرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب فبايعه من بقي من أهل البصرة فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال، ثمَّ انسحب لاحقاً بعبدالرحمن في الكوفة.
وكان الصحابي عامر بن واثلة)[211]( ممن ساهم في هذا القتال مع ولده طفيل فقتل طفيل فرثاه أبوه بقصيدة منها:
خلى طفيل عليّ الهم فانشعبا
وهدّ ذلك ركني هدة عجبا
مهما نسيت فلا أنساه إذ حرقت
به الأسنة مقتولاً ومنسلبا
وأخطأتني المنايا لا تطالعني
حتى كبرت ولم يتركن لي نشبا
وكنت بعد طفيل كالذي نصبت
عنه السيول وغاض الماء فانقضبا
ولقد عرفت هذه الوقعة باسم يوم الزاوية.
وتمّ أمر البصرة للحجاج فكان أول ما استفتح به مجازره قتل أحد عشر ألفاً، وكان سبيله إلى ذلك أن خدع الناس بالأمان، فأرسل من نادى في البصرة: لا أمان لفلان بن فلان، وسمى رجالاً. فاعتقد العامة أنه قد آمن الناس، فحضروا إليه فأمر بقتلهم فقتلوا.
وأما في الكوفة فقد كان واليها من قبل الحجاج عبدالرحمن الحضرمي، وفي غياب الحجاج وانشغاله بما انشغل به استغل ذلك مطر بن ناجية اليربوعي فأراد الاستيلاء على الكوفة فتحصن ابن الحضرمي بالقصر، وثار أهل الكوفة مع مطر فأخرج ابن الحضرمي ومن معه وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على القصر. فلما وصل عبدالرحمن إلى الكوفة أبى مطر التسليم له وتحصن في القصر ومعه جماعة من بني تميم غير مدرك حقيقة قوة عبدالرحمن معتقداً أنه مجرد منهزم من الحجاج فاكتفى بأن أصعد الناس بالسلالم إلى القصر فاستولوا عليه وقبضوا على مطر بن ناجية فسجنه أول الأمر، ورأى أن يصطنعه لأنه بحاجة إليه فأطلقه، فانضم مطر إليه.
وكان أهل الكوفة قد خرجوا لاستقبال ابن الأشعث عندما علموا بقدومه، ثمَّ مالوا إليه كلهم، وسبقت همدان إليه فحفت به. وتداعى إليه الناس من كل مكان في العراق. «وتقوضت إليه أهل المسالح والثغور»، كما يقول الطبري (ج8 ص45).
ولم تؤثر هزيمة (الزاوية) في عزم الناس على الاستمرار في الثورة، وبعد أن كانت في أول أمرها ثورة الجيش أصبحت ثورة الشعب والجيش معاً.
الزحف من البصرة
لما تمكن الحجاج في البصرة زحف منها قاصداً عبدالرحمن، ومضى حتى مرّ بين القادسية والعذيب)[212]( فأرسل إليه عبدالرحمن بن الأشعث خيلاً عظيمة من فرسان الكوفة ارتفعوا على وادي السباع)[213](، ثمَّ تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة ونزل عبدالرحمن بن العباس دير الجماجم)[214](.
ومعنى ذلك أن الحجاج في زحفه من البصرة لم يلق مقاومة حتى كاد أن يشارف الكوفة، فلم تكن الأرياف التي مر فيها مهيأة للقتال، ولا كان ابن الأشعث مهيأ للصمود قبل الكوفة، بل كان منهزماً يريد أن يلوذ بالكوفة، وفي الكوفة تجمعت القوى من كل مكان، ومنها خرج ابن العباس بفرسانه لوقف زحف الحجاج، فأوقفوه عند دير قرة ووقفوا عند دير الجماجم.
ولما كان الحجاج زاحفاً بكل قوته كان لا بد للثورة من أن تقابله بكل قوتها، لذلك تقدم ابن الأشعث من الكوفة واصلاً إلى دير الجماجم.
يصف الطبري ج8 ص15، قوى الثورة بهذا الوصف: «واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم، والقراء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ومعهم مثلهم من مواليهم».
وكان الحجاج يتلقى النجدات من عبدالملك قبل نزوله دير قرة، وظلت النجدات تتواصل إليه وهو في دير قرة. على أنه كان قد فكر قبل نزوله دير قرة أن يتقدم إلى (هيت) )[215]( وناحية الجزيرة ليقترب من الشام فيأتي منها ومن الجزيرة المدد من قريب. ولكنه عندما وصل دير قرة قال: ما بهذا المنزل بعد أمير المؤمنين وأن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا، فنزل.
على أنه يبدو أن قوى الثورة كانت عاملاً في الحؤول دون تقدمه إلى هيت ونواحي الجزيرة، ما حمله على النزول بدير قرة.
وهكذا وقف الفريقان وجهاً لوجه يتناوشان، ثمَّ اشتد القتال بينهما، وكانت الأخبار تصل إلى عبدالملك بن مروان في دمشق على خيل البريد المسرعة، وعرفت دمشق قوة حشود الثورة وخيف من الصدام الأكبر بين الفريقين وما يجره من الضحايا وما يمكن أن ينتهي إليه أمر الثوار من النصر.
ويقول الطبري إن اشتداد القتال بلغ «رؤوس قريش وأهل الشام قِبَل عبدالملك ومواليه»، وعرفوا أن المطلوب رأس الحجاج بإقالته من ولاية العراق، فاقترحوا على عبدالملك: «إن كان إنما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجاج فإنْ نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم».
لا شك أن السبب الأول للثورة كان مظالم الحجاج وطغيانه، ولكن الثوار بعد أن توحدت كلمتهم واشتد ساعدهم وتنامت قوتهم، لم يعد عزل الحجاج هو مطلبهم، بل أن مطلبهم هو اقتلاع الشر من جذوره والقضاء على المصدر الأساسي للظلم والاضطهاد، فالحجاج شعبة من شعب الطغيان وفرع من فروعه، فإذا نحي اليوم فتنحيته لا تجدي ما دام من سيحل محله من نفس الطينة ومن نفس المعدن. ثمَّ إن المطلوب لا إنقاذ شعب العراق وحده، بل إنقاذ الأمة كلها من أقصى ديارها إلى أقصاها وهذا لا يتم إلاَّ بهدم الأساس الذي يقوم عليه هذا الهيكل الطغياني الذي استهان بالناس ودمائهم وكراماتهم وحقوقهم منذ قام في العام الواحد والأربعين من الهجرة.
هذا ما لم يفكر فيه «رؤوس قريش وأهل الشام قِبَل عبدالملك ومواليه».
لذلك اقترحوا على عبدالملك عزل الحجاج إرضاء للثوار. وما لم يفكر فيه عبدالملك نفسه لذلك قبل اقتراحهم، ورضي بأن يضحي بالحجاج.
استدعى عبدالملك ولده عبدالله وطلب إلى أخيه محمد بن مروان الذي كان بأرض الموصل أن يوافي إلى دمشق، فاجتمعا عنده كلاهما في جنديهما. فقد أراد أن يكون وفده إلى الثوار على مستوى عال ومن صميم البيت المالك ومن ألصق الناس بشخصه ليكون في ذلك ضماناً للثوار في إنقاذ ما يعرضه ولده وأخوه، ليقول للثوار ضمناً أنه لا يفاوضهم عن ضعف وأن الناطقين باسمه بلسانيهما سينطقان عند الاقتضاء بسيوف جنودهما.
ومضى الوفد المفاوض حاملاً الحل المقترح ليعرضه على الثوار وهو:
1 ـ عزل الحجاج عن ولاية العراق.
2 ـ يحل محله في ولاية العراق محمد بن مروان أخو عبدالملك.
3 ـ يختار عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث أي بلد في العراق ليكون والياً عليه ما دام حياً وما دام عبدالملك باقياً.
4 ـ أن تجري على أهل العراق أعطياتهم كما تجري على أهل الشام.
«فلم يأت على الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم».
فكتب إلى عبدالملك. لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلاَّ قليلاً حتى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلاَّ جرأة عليك، ألم تسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، فلما سألهم ما يريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يُفلَح، خار الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك.
ونحن هنا نريد أن نناقش رأي الحجاج هذا إننا لا نستغرب تشبث الحجاج بولاية العراق وتفضيله إراقة دماء الشعب على احتفاظه بالولاية. ولكن تعريضه بالثائرين على ابن عفان بقيادة الأشتر وقوله: بأنهم أن بعد استجاب لهم ابن عفان بعزل سعيد بن العاص عادوا فساروا إليه قبل أن تتم السنة فقتلوه.
إن تعريضه هذا نابع من روح الطغيان المتأصلة فيه، فهو لا يفهم أن للشعب حقوقاً هي أبعد من تغيير والي إلى آخر، وماذا يجدي إبدال سعيد بن العاص بغيره من الولاة ما دام مروان بن الحكم مسيطراً على الخليفة في المدينة، مروان بمفاسده وآثامه المتنافية مع أبسط حقوق الناس، وما دام الخليفة مسترسلاً في تلحكيم أسرته الفاسدة بمرافق الدولة وإباحة تلك المرافق لها، وحرمان أصحاب تلك الحقوق من حقوقهم.
لقد طالب أحرار الكوفة بقيادة الأشتر بإبدال سعيد بن العاص بعد أن نال الشعب ما ناله من مظالمه وتهتكه فاستجيب طلبهم فرضوا لعل الأمر العام يمشي إلى الصلاح، ولكن قبل أن تتم السنة كان الأمر في الأمة كلها يسير من سيىء إلى أسوأ فكان منهم ما كان.
رفض عبدالملك طلب الحجاج وأصر على عرض الاقتراحات على الثائرين.
لقد كانت الثورة كما قلنا ثورة الجيش وثورة الشعب بكل طبقاته، وكانت نقية مخلصة مؤمنة لا مطمع لرجالها إلاَّ صلاح الحكم.
ولكن الظروف وضعت على رأسها وسلمت قيادتها لرجل هو أبعد الناس عن مهمة الثورة وعن أهدافها وعما تطالب به، لرجل هو في حقيقته لا يقل بغياً وعسفاً وفساداً عن الذين تثور عليهم الثورة لبغيهم وعسفهم وفسادهم.
ويكفي أنه من الأرومة التي أنبتت الأشعث وبني الأشعث، ومن البيت الذي خرجت منه تلك الزمرة التي عرفها الناس بما عرفوها به من شرور وآثام.
وكان هذا هو الوهن الأكبر في الثورة.
تقدم عبدالله بن عبدالملك فقال: يا أهل العراق… أنا عبدالله بن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا… وذكر لهم المقترحات التي تقدم ذكرها.
ثمّ تقدم محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم وهو يعرض عليكم كذا وكذا… ففوجىء الثوار بهذا الموقف، ولم يكن من الممكن إعطاء الجواب في الحال، فقالوا: نرجع العشية… فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلاَّ أتاه.لقد كانت المقترحات موافقة لهوى ابن الأشعث فهو لم يثر لأمر عام بل ثار لأمر شخصي، وما دام هذا الأمر الشخصي قد تحقق لمصلحته، فهو سيكون والياً ككل ولاة هذه الدولة متحكماً بالشعب على هواه ومزاجه. ما دام الأمر كذلك فيجب إنهاء الثورة. لذلك فإن ابن الأشعث افتتح المؤتمر الشعبي المنعقد برئاسته لتقرير مصير فترة من أخطر فترات الأمة في ذلك الوقت ـ افتتحه بهذا الخطاب الانهزامي:
حمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمّا بعد فقد أعطيتم أمراً انتهازكم إياه فرصة ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة وإنكم اليوم على النِّصف وإن كانوا اعتدّوا بالزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تُستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله ما زلتم عليهم جُرّاء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبداً ما بقيتم.
هذا هو الخطاب الموجز الذي حاول فيه ابن الأشعث أن يكون منطقياً وأن يدخل إلى عقول القوم عن طريق المنطق وتحليل الواقع تحليلاً عقلياً. في حين أنه لم يقبل هو العرض لأن العرض كان منطقياً عقلياً بل قبله لأنه حقق له مطامعه الشخصية.
ولا شك أنه كان لهذا الخطاب أثر في توهين العزائم وضعضعة الأفكار، ولكن الصوت الأقوى كان للثائرين المتحمسين الذين لم يستطع أي صوت واهن أن يرتفع في دوي صوتهم الهادر، فوثبوا من كل جانب قائلين: إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة. لا والله لا نقبل.
ثمَّ أعادوا خلع عبدالملك من جديد بعد أن كانوا قد أعلنوا خلعه من قبل.
فعند ذلك رجع محمد بن مروان وعبدالله بن عبدالملك إلى الحجاج فقالا لا شأن لنا بعسكرك وجندك فاعمل برأيك فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت لكما إنه لا يراد بهذا الأمر غيركما. ثمَّ قال: إنما أقاتل لكما وإنما سلطاني سلطانكما.
وكان عبدالملك قد قال لهما حين أرسلهما: إن أبوا أن يقبلوا فالحجاج هو الأمير ووليّ القتال، وأنهما في طاعته.
فلما وصل الأمر إلى هذا الحد كانا إذا لقيا الحجاج سلما عليه بالأمرة.
الحرب
إلى هنا كان لا بد من القتال، وهكذا كان فنظم كل من الفريقين قياداته في الميمنة والميسرة والخيل والرجالة. ومن أبرز قيادات الثوار كان محمد بن سعد بن أبي وقاص)[216]( الي كان يقود الرجالة، وعبدالرحمن بن العباس الهاشمي الذي كان يقود الخيالة، وجبلة بن زحر بن قيس الجحفي)[217]( الذي كان يقود القرّاء وكان معه خمسة عشر رجلاً من قريش، فيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وأبو البختريّ الطائي وعبدالرحمن بن أبي ليلى.
وكان الثوار في وضع حياتي جيد إذ كانت تأتيهم المواد التموينية من الكوفة وريفها الواسع، في حين كان الحجاج في وضع سيىء إذ قل عنده الطعام وفقد اللحم، فهو شبه محصور.
وبدأ القتال بمناوشات بين الفريقين، يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون أشد قتال وتقدم جبلة بن زحر وتقدم أمامه كميل بن زياد في كتيبة فعبى الحجاج أصحابه ثمَّ زحف في صفوفه، وخرج ابن الأشعث في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض. فعبى الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبدالله الحكمي فأقبلوا نحوهم.
ويروي أبو يزيد السكسكي الذي كان مع الجراح الحكمي قائلاً: أنا والله في الخيل التي عُبّيت لجبلة بن زحر، حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات، كل كتيبة تحمل حملة فلا والله ما استنقصنا منهم شيئاً.
وقد سمعنا واحداً من جماعة الحجاج يصف حملات جماعته على خيل جبلة بن زحر، ولنسمع الآن واحداً من جماعة جبلة يصف تلك الحملات:
قال أبو الزبير الهمداني: كنت في خيل جبلة بن زحر فلما حمل عليه أهل الشام مرة نادى عبدالرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح به منكم إني سمعت علياً رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يُدعى إليه فأنكره بقلبه سلم وبرىء، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر في قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه. وقال أبو البختري: أيها الناس قاتلوهم عن دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم. وقال الشعبي: يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار. وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعليّ آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم للضعفاء وإماتتهم للصلاة.
ويتمم أبو الزبير قوله متحدثاً عن أثر هذه الخطب في الثوار قائلاً: فتهيأنا للحملة عليهم.
ونفهم مما رواه أبو يزيد السكسكي، ثمَّ ما رواه أبو الزبير الهمداني أن الحال كان في أول الأمر حال هجوم من جيش الحجاج على الثوار، وأن الثوار لزموا جانب الدفاع، وأن هجمات الحجاج استهدفت كتيبة القراء التي كانت ضمن قيادة جبلة بن زحر برئاسة كميل بن زياد النخعي، وأن الحجاج عبى لهذه الكتيبة ثلاث كتائب، وأن القصد من ذلك كان القضاء على هذه الكتيبة التي كانت أصلب الكتائب في القتال وأشدها ثباتاً في مواجهة الأعداء، فإذا تضعضعت كان ذلك نذيراً بتضعضع الجيش كله، ومن هنا رأينا الحجاج يهاجمها بثلاثة أضعافها عدداً، ثمَّ يواصل الهجمات هجمة بعد هجمة. ولكنها صمدت لكل ذلك، وقد آن الآن للخيالة كلها ومنها كتيبة القراء أن تبادر بالهجوم. فخطب الخطباء الثلاثة محرضين معلنين حقيقة من يثورون عليهم في سلوكهم وفي معاملتهم للشعب بالظلم والجور.
يقول أبو الزبير: فتهيأنا للحملة عليهم، فقال لنا جبلة: إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. فحملنا عليهم حملة بجرمنا في قتالهم وقوة ما عليهم فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشتفترّت)[218](، ثمَّ مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه، ثمَّ انصرفنا فمررنا بجبلة صريعاً لا ندري كيف قتل، فهدّنا ذلك وجبنّا فوقفنا موقفنا الذي كنا به، وإن قرّاءَنا لمتوافرون ونحن نتناغى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه، بل هو في ذلك الموطن كان أشدّ علينا فقداً. فقال لنا أبو البختريّ الطائي: لا يستبين فيكم قتل جبلة بن زحر فإنما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب.
ويتمم أبو الزبير وصف ما جرى قالاً: فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة وإذا ألسنتهم منقطعة وإذا الفشل فيهم قد ظهر، وإذا أهل الشام قد سُروا وجذلوا فنادوا: يا أعداء الله قد هلكتم وقتل طاغوتكم.
أما الجانب الآخر فيحدث أبو زيد السكسكي قائلاً: إن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا وتبعونا وافترقت منا فرقة فكانت ناحية فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة)[219]( فقال بعضنا: هذا والله جبلة بن زحر احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه، فحملنا عليه فأشهد ما ولى ولكن حمل علينا بالسيف، فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلاً ورجع أصحابه فلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنه فلما رأوه قتيلاً رأينا من استرجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا، فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخروجهم إلينا.
يقول سهم بن عبدالرحمن الجهني وهو من الثوار:
لما أصيب جبلة هدّ الناس مقتله حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني فشجع الناس مقدمه وقالوا يقوم مقام جبلة، فسمع هذا القول من بعضهم أبو البختريّ فقال: قبّحتم، إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم فإن قُتل الآن ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة وقلتم لم يبق أحد يقاتل معه ما أخلقكم أن يُخلف رجاؤنا فيكم.
وكان مقدم بسطام من الري فالتقى هو وقتيبة في الطريق فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشام ودعاه بسطام عبدالرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه وقال بسطام: لأن أموت مع أهل العراق أحب إليّ من أن أعيش مع أهل الشام)[220](.
وجيء برأس جبلة إلى الحجاج فحمله الحجاج على رمحين، ثمَّ قال: يا أهل الشام أبشروا هذا أول الفتح…
وقد كان الأمر كذلك.
ونستطيع تصوير الموقف بهذه الصورة: الثورة ثورة عارمة ذات أهداف محددة هي إلغاء السلطة القائمة التي طال عيثها بالشعب، وطال استغلالها له لمصلحة طبقة محددة من الأقرباء والأعوان، ثمَّ جاءت تقذف بمجموع الشعب من الشيوخ والكهول والشبان في أتون حرب عبثية لا تبتغي من ورائها إلاَّ جني المغانم، غير مبالية بالخطر الداهم الذي يحيق بتلك الجموع الشعبية التي لا تتكافأ قواها مع قوى العدو.
الثورة على السلطة الظالمة ثورة عارمة، ولكن هذه الثورة العارمة تنقصها القيادة المؤمنة بمبادىء الثورة المتحمسة لها، وحين تكون القيادة بهذه الصفة فإنها تبعث بإيمانها وحماستها العزم الصارم في نفوس الثوار، فتظل معنوياتهم قوية لا تهين ولا تلين.
ولكن قائد هذه الثورة انتهازي وصولي لا صلة له إلاَّ مطامحه الشخصية. فإذا ضُمنت له تخلى عن الثورة!
وقد بان ذلك للثوار منذ الساعة التي ضمن له فيها وفد عبدالملك إشراكه بالسلطة. فبدلاً من أن يكون وجوده في قيادة الثورة مصدر دفع لها، أصبح مصدر تراجع!
وأعتقد اعتقاداً جازماً بأن الثورة فقدت زخمها منذ بانت للثوار حقيقة عبدالرحمن، ولم يبق في هذا الزخم إلاَّ مجموعة القادة الكبار ومن إليهم. أمَّا الجمهور فقد تضعضع عزمه وبدأ ينهار هذا العزم من أول صدمة.
وقد رأينا ما فعل مقتل جبلة بن زحر بن قيس في النفوس، وقد كان أقل وصف له أنه هدّ الناس!
والثورة التي يهد الناس فيها مقتل قائد من قوادها هي ثورة مضعضعة الجمهور، والعامل الأول في هذا التضعضع هو قيادتها الانتهازية الوصولية التي لو كانت قيادة صالحة لكان مجرد ظهورها للناس كافياً لتثبيت أقدامهم وشحذ عزائمهم، ولكن ظهور عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي للناس يذكرهم بمواقفه ومواقف أسرته الخيانية الغادرة فيزلزل الأقدام ويوهي العزائم)[221](.
وقد كان جزع الناس لمقتل جبلة بن زحر ثمَّ تشجعهم بمجيء بسطام بن مصقلة دليلاً واضحاً على تلهفهم إلى القيادة الصحيحة التي كانوا يفتقدونها بوجود ابن الأشعث.
وقد عرف أبو البختريّ الأمر على حقيقته لذلك خاطب الناس بما خاطبهم به لانهدادهم بمقتل جبلة وانبعاثهم بمجيء بسطام!
لقد كانت جمهرة الثورة أمراً عجباً. فهذا عامر بن واثلة وعبدالرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وأبو البختريّ الطائي وأمثالهم ممن قاتلوا بقيادة علي بن أبي طالب يرون أنفسهم اليوم يقاتلون الرجل الذي كان جده من أسباب تخلخل خلافة علي بن أبي طالب، وكان أبوه وكان هو ممن وشى برسول الحسين بن علي بن أبي طالب، وممن تسببوا في مقتل ابن أخي علي بن أبي طالب، وكان أخوه قيس ممن قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلا وشارك في مقتله.
وهؤلاء ثوار ثائرون على الظلم والاستبداد والفساد، وعلى حكم أذل الشعب واستباح حرماته وأمواله يرون أنفسهم مقودين بمن كان هو وأبوه وأعمامه وجده من قواعد هذا الحكم، وحين اطمأنوا إليه فلُوّح له بالمنصب لم يلبث أن عاد إلى أصوله يحاول بيع الثورة ومبادئها وأهدافها بذلك المنصب!
عندما كان القتال قتال مناوشات ومبارزات، أظهرت هذه المبارزات حقيقة الانقسام القبلي، وتفرق العشيرة بين هذا الفريق وذاك الفريق. فمن ذلك أن رجلاً من أهل الشام تقدم يدعو إلى المبارزة فخرج إليه الحجاج بن جارية فحمل عليه فطعنه فأذراه وحمل أصحابه فاستنقذوه، فإذا هو رجل من خثعم يقال له: أبو الدرداء، وكان ابن جارية خثعمي، فقال: إني أعرفه حتى وقع ولو عرفته ما بارزته، ما أحب أن يصاب أحد من قومي مثله.
وخرج عبدالرحمن بن عوف الرؤاسي فدعا إلى المبارزة فخرج إليه ابن عم له من أهل الشام فاضطربا بسيفهما، فقال كل واحد منهما: أنا الغلام الكلابي. فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ فلما تساءلا تحاجزا.
وإذا كان الأقرباء قد اقتتلوا: قريب في هذا الجانب وقريب في ذاك الجانب، فإن الأصدقاء كانوا كذلك وكانوا في الوقت نفسه من قبيلة واحدة.
خرج عبدالله بن رزام الحارثي إلى كتيبة الحجاج فقال: اخرجوا إليّ رجلاً رجلاً، فأخرج إليه رجل فقتله، ثمَّ فعل ذلك ثلاثة أيام يقتل كل يوم رجلاً، حتى إذا كان اليوم الرابع، أقبل، فقالوا قد جاء لا جاء الله به، فدعا إلى المبارزة، فقال الحجاج للجرّاح: أخرج إليه، فخرج إليه. فقال عبدالله بن رزام ـ وكان له صديقاً ـ ويحك يا جراح!. ما أخرجك إليّ؟ قال: قد ابتليت بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: انهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأما أنا فإني أحتمل مقالة الناس في انهزامي عنك، حباً لسلامتك فإني لا أحب أن أقتل من قومي مثلك. قال: فافعل فحمل عليه فأخذ يستطرد له فاطرد له الحارثي ـ وكان يصاحب الحارثي غلام له ـ وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلاَّ قتله، فصاح به غلامه: إن الرجل جاد في قتلك، فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه، وقال لغلامه: انضح على وجهه الماء واسقه، ففعل ذلك به. فقال: يا جراح بئس ما جزيتني، أردت بك العافية وأردت أن تزيّرني المنية، فقال: انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة.
لا يستطيع المؤرخ ـ مهما كان موضوعياً واقعياً ـ لا يستطيع وهو يعتقد أن طبيعة كل من الرجلين كانت مختلفة، وأن أخلاقهما كانت متباينة، فلو التقيا في موقف غير هذا الموقف وفي مناسبة غير هذه المناسبة لكان تصرف الرؤاسي نفس التصرف الأخلاقي الذي تصرفه وهو يبارز صديقه وقريبه الجراح التصرف المنبعث من النبل وكرم الأخلاق والشهامة… ولكان تصرف الجراح نفس التصرف غير الأخلاقي المنبعث من اللؤم والغدر والنذالة…
ولكن المؤرخ مع ذلك لا يستطيع وهو يرى هذا البون الشاسع بين تصرف الرجلين ـ لا يستطيع إلاَّ أن يلمح في أعماق نفسه طيف المدرستين المختلفتين اللتين تربى كل واحد منهما في أحدهما… والمنبعين المتناقضين الذي صدر كل واحد منهما عند أحدهما…
وظل التقاتل مستمراً مئة يوم كما عدها أبو المخارق. يقول أبو المخارق واصفاً ما جرى: قاتلناهم مئة يوم سواء أعدها عداً: نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد غداة الثلاثاء لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة 83 وهزمنا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة عند امتداد الضحى ومتوع النهار، وما كنا قط أجرأ عليهم ولا هم أهون علينا منهم في ذلك اليوم.
خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط ونحن آمنون من الهزيمة عالون للقوم إذ خرج سفيان بن الأبرد الكلبي من الخيل من قبل ميمنة أصحابه حتى دنا من الأبرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبدالرحمن بن محمد فوالله ما قاتله كبير قتال حتى انهزم ابن الأبرد فأنكرها الناس منه وكان شجاعاً ولم يكن الفرار له بعادة، فظن الناس أنه قد كان أُومِنَ وصُولِحَ على أن ينهزم بالناس.
فلما فعل تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه. وصعد عبدالرحمن بن محمد المنبر فأخذ ينادي الناس: عباد الله إليّ أنا ابن محمد… فأتاه عبدالله بن رزام الحارثي فوقف تحت منبره، وجاء عبدالله بن ذؤاب السلمي في خيل له فوقف منه قريباً وثبت حتى دنا منه أهل الشام فأخذت نبلهم تحوزه. فقال: يا ابن رزام احمل هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا وثبت لا يبرح منبره. ودخل أهل الشام العسكر فكبروا، فصعد إليه عبدالله بن يزيد بن المغفل الأزدي، وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبدالرحمن، فقال: انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعاً يهلكهم الله بعد اليوم، فنزل وخلى أهل العراق العسكر وانهزموا لا يلوون على شيء (انتهى).
هذه الهزيمة المفجعة التي انبعثت فجأة من صميم ثبات وصمود، ومن أماني نصر مأمول، كانت بفعل فاعل متعمد هو سفيان بن الأبرد الكلبي الذي كان معروفاً بالشجاعة وعدم الفرار في الساعات العصيبة. ولكنه كان هنا لا جباناً ولا فرّاراً، بل خائناً مخامراً. لقد انهزم من غير كبير قتال بل من كبير خيانة!
والناس الذين شهدوه يومذاك وشهدوا موقفه اتهموه بالخيانة.
لقد استطاع الحجاج النفاد إلى صفوف الثوار بالرشوة بعد أن عجز عن النفاد إلى صفوفهم بالحرب فاستمال سفيان بن الأبرد الكلبي، وكان كافياً أن ينهزم قائد من قواد الميمنة معروف بالشجاعة والثبات، أن ينهزم بخيله لتتقوض الميمنة ويتقوض معها الجيش كله…
ولا نعلم الثمن الذي قبضه سفيان هذا لقاء خيانته!
على أننا يجب أن نتذكر الضعضعة المعنوية للجماهير المقاتلة بسبب فقدانها الثقة بالقيادة، وزاد في هذه الضعضعة بروز الانتهازية بروزاً كاملاً في نهج عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث في قبوله المنصب مقابل تخليه عن الثورة، لذلك رأينا تلك الجماهير تنهار.
وكما قلنا من قبل فإن القائد المخلص لجماهيره يبعث فيها الحماسة ويردها إلى الثبات، ولكن ظهور ابن الأشعث للجماهير كان يذكرها بماضيه وماضي أسلافه القذر وبانتهازيته الوضيعة لذلك رأينا تلك الجماهير لا تستجيب له حين راح يناديها، ولم يقبل عليه منها سوى قائدين لم يغنيا شيئاً.
كميل بن زياد
ذهب الحجاج بعد النصر الذي فاجأه إلى الكوفة ووضع نصاً جديداً للبيعة كان قد سبقه إلى مثله القائد الأموي الآخر فاتح مدينة الرسول مسلم بن عقبة حتى أصر على أن يبايعه كل واحد من أهلها على أنه عبد من عبيد يزيد بن معاوية، ومن رفض هذه البيعة قتل.
النص الذي وضعه الحجاج هو أن يشهد كل واحد على نفسه أنه كفر، ومن رفض هذه البيعة: قتل. ويروي الطبري)[222]( وهو يتحدث عن الحجاج ـ يروي ما جرى بهذا النص:
«وكان لا يبايعه أحد إلاَّ قال له: أتشهد أنك كفرت، فإذا قال: نعم، بايعه وإلاَّ قتله، فجاء إليه رجل من خثعم قد كان معتزلاً للناس جميعاً من وراء الفرات، فسأله عن حاله، فقال: ما زلت معتزلاً وراء هذه النطفة منتظراً أمر الناس حتى ظهرت فأتيتك لأبايعك مع الناس. قال: أمتربص أنت؟ أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثمَّ أشهد على نفسي بالكفر!. قال: إذاً أقتلك!. قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلاَّ القليل، وإني لأنتظر الموت صباح مساء. قال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه!.
ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين؟ قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً.. فقال: والله ما أدري على أينا أنت أشد غضباً؟ عليه، حين أفاد من نفسه؟ أم عليّ حين عفوت عنه؟ ثمَّ قال: أيها الرجل من ثقيف: لا تصرف عليّ أنيابك ولا تهدّم تهدُّم الكثيب ولا تكشر كشران الذئب، والله ما بقي من عمري إلاَّ ظِمِء الحمار فإنه يشرب غدوة ويموت عشية ويشرب عشية ويموت غدوة، اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب.
قال الحجاج: فإن الحجة عليك.
قال: ذلك إن كان القضاء إليك.
قال: بلى كنت فيمن قتل عثمان وخلعت أمير المؤمنين، اقتلوه. فتقدم فقتل.
وفي خلال هذه المذابح والفواجع حدثت هذه الأطروفة المضحكة:
فبعد كميل بن زياد قُدّم رجل يبدو أن الحجاج كان يريد قتله فحاول إغراءه بعدم الاعتراف بالكفر، فقال له: إني أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر.
فقال الرجل: أخادعي عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون ذي الأوتاد فلم يملك الحجاج نفسه من الضحك.
محاولة تجديد الثورة
بعد الهزيمة تفرق القادة محاولين التجمع من جديد، فذهب محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى (المدائن) حيث اجتمع إليه كثير من الناس، وخرج عبيدالله بن عبدالرحمن القرشي إلى البصرة فاستولى عليها، وقصدها في الوقت نفسه عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فتلقاه الناس فيها وانضم إليه عبيدالله.
أما الحجاج فعندما بلغته أخبار هذه التجمعات توجه أولاً إلى المدائن، فعلم محمد بن سعد أن لا قبل له بالحجاج فتوجه إلى عبدالرحمن بن محمد منضماً إليه. وأتاه أهل الكوفة وتجمعت الفلول من كل مكان، وأدرك الجميع أن فرارهم من المعركة كان ضعفاً لا مبرر له ولام بعضهم بعضاً على ما جرى وقرروا الصمود من جديد.
وكان أبرز القادة شجاعة وإقداماً بسطام بن مصقلة بن هبيرة فبايعه أكثر الناس على الموت وجاءهم خالد بن جرير بن عبدالله القسري من خراسان مع جماعة، وظلت القيادة العامة لعبدالرحمن بن محمد الذي كانت تدابيره أن بثق الماء من جانب فجعل القتال من وجه واحد.
وتابع الحجاج هذا التجمع الجديد وطارده فاشتعل القتال واحتدمت المعركة، وكانت الحرب من العنف والثوار من الصمود بحيث استمر القتال خمس عشرة ليلة قتل فيه فيمن قتل قائد من أبرز قواد الحجاج هو زياد بن غنيم القيني، ويقول راوي الأحداث أبو يزيد السكسكي أن مقتله هدّ الحجاج.
ولو أن هذا الثبات الذي ثبته الثوار في هذا الموقف ثبتوه يوم دير الجماجم لكان للثورة مصير غير المصير الذي صارت إليه، على أنهم كانوا هنا أقل عدداً، كانوا فلولاً وبقايا، وثباتهم خمس عشرة ليلة في قتال متواصل لم يحل دون هزيمتهم في النهاية.
وعندما بدت لأبي البختريّ ولعبدالرحمن بن أبي ليلى ملامح الهزيمة قالا: إن الفرار كل سلعة لنا لقبيح فاستقتلا فقتلا.
أما بسطام بن مصقلة الشيباني فقد أبى هو الآخر الفرار، وكان حوله أربعة آلاف من أهل الحفاظ من الكوفيين والبصريين فكسروا جفون السيوف وقال لهم بسطام: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه، فررنا، ولكننا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل، فأين المحيد عما لا بد منه. يا قوم إنكم محقون فقاتلوا على الحق، والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيراً من حياة في ذل.
فقاتل هو وأصحابه قتالاً شديداً كشفوا فيه جيش الحجاج مراراً حتى قال الحجاج: عليّ بالرماة، لا يقاتلهم غيرهم، فلما جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلاَّ قليلاً. وأسر بكير بن أبي ربيعة الضبي فأتى به الحجاج فقتله.
إذا كان بسطام بن مصقلة بن هبيرة قد وقف هو والأربعة الآلاف هذا الموقف البطولي فاستشهدوا ولقوا هذا المصير الدامي، فلأن أباه مصقلة وأمثاله قد خذلوا الحق وحامي الحق ولحقوا بالباطل وحامي الباطل، فأورثوهم إذلال الحكام لهم واستئثارهم بحقهم حتى لم يجدوا ملاذاً إلاَّ سيوفهم يثورون بها على الطغاة الظالمين والعتاة المستبدين، وإلاَّ الاستشهاد ينجيهم من حياة الهوان.
إن المسؤول عن مصير بسطام بن مصقلة بن هبيرة هو مصقلة…
أما عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فقد مضى في فل من المنهزمين نحو سجستان، فأرسل الحجاج لمطاردته قوة بقيادة عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج فأدركه بالسوس فتقاتلا واستطاع عبدالرحمن الإفلات حتى بلغ سابور وعمارة يطارده، وفي سابور اجتمع الأكراد إلى عبدالرحمن فتقوى بهم وصمد لعمارة وقاتله قتالاً شديداً فجرح عمارة وانهزم، فتقدم عبدالرحمن حتى وصل كرمان وكان يحكمها والي كان عبدالرحمن قد ولاه، هو عمرو بن لقيط العبدي، فأحسن عمرو استقباله وهيأ له نزلاً فنزل.
ولكي ندرك ما كان الناس يتناقلونه عن عبدالرحمن ورأيهم فيه نذكر هنا هذا الحوار بين شيخ من عبدالقيس وبين عبدالرحمن:
قال الشيخ: لقد بلغنا عنك يا ابن الأشعث إن كنت جباناً.
أجاب عبدالرحمن: والله ما جبنت ولقد دلفت الرجال بالرجال ولففت الخيل بالخيل ولقد قاتلت فارساً وقاتلت راجلاً وما انهزمت ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلاً ولا أرى معي مقاتلاً.
وما قاله عبدالرحمن عن نفسه صحيح فهو لم يكن جباناً، ولم يكن الجبن علة هزائمه. والناس دائماً على المغلوب، فما دام عبدالرحمن قد غلب فالناس يلصقون به العيوب، ويعللون فشله بما فيه من عيوب.
وصورة أخرى ترينا الحالة النفسية التي آل إليها الكوفيون المنهزمون المشردون الآن في كل مكان.
ففي خلال مطاردة جنود الحجاج لعبدالرحمن ووصولهم إلى مفازة كرمان وجد أحد رجاله كتابة كتبها بعض أهل الكوفة على أحد القصور، وهي أبيات من قصيدة لأبي جلدة اليشكري:
أيا لهفاً ويا حزناً جميعا
ويا حر الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين والدنيا جميعا
وأسلمنا الحلائل والبنينا
فما كنا أناساً أهل دين
فنصبر في البلاء إذا ابتلينا
وما كنا أناساً أهل دنيا
فنمنعها ولو لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك
وأنباط القرى والأشعرينا
وبالرغم من أن هذه الأبيات ليست من نظم الكوفي الذي كتبها على القصر، فإنها بمجرد تبنيه لها واستشهاده بها تعبّر لا عن لسان حاله وحده، بل عن لسان حال العراقيين جميعاً ولا سيما منهم الكوفيون، وتعتبر تصويراً للحالة النفسية التي يعيشونها في تلك الظروف الرهيبة!
بل هي في الواقع لسان حال العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.
هذا العالم الإسلامي، والعراقي منه خاصة، والكوفي على الأخص ـ هذا العالم الذي آمن برسالة محمد (ص)، واتخذ الإسلام ديناً.
رسالة محمد التي عبّر عنها القرآن بآيته: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.
هذا العالم الذي أصبح في قبضة طغاة سفاحين، يستحلون كل محرم، ويستبيحون الدماء والكرامات والأموال، ولا يردعهم رادع من دين أو ضمير أو شرف.
هذا العالم الذي أصبح أئمته ووارثوه لا المستضعفون بل الجبابرة. هذا العالم الذي يقف أحد عتاته ليطلب إلى الورعين الأتقياء أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر، فإذا أبوا سفك دماءهم.
هذا العالم الذي حمل بنوه السلاح لينقذوا أنفسهم من الذل والفقر والاستعباد فقهروا وتشردوا.
إن هذه الأبيات هي لسان حالهم…
ترك عبدالرحمن كرمان وفوّز في مفازتها)[223]( حتى وصل (زرنج) في سجستان، وكان أيام سلطانه قد ولّى عليها عبدالله بن عامر البعّار، فأغلق هذا دونه باب المدينة ومنعه من دخولها، فأقام عبدالرحمن عليها أياماً رجاء افتتاحها ودخولها ولكنها ظلت مغلقة في وجهه فتركها إلى (بُسْت)، وكان قد ولّى عليها عياض بن هميان السدوسي فاستقبله وأنزله، وانتظر حتى إذا غفل أصحاب عبدالرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه وأوثقه ناوياً إرساله إلى الحجاج.
ثلاثة رجال اختارهم عبدالرحمن بن الأشعث أيام تسلطه ولاة ليشاركوه الحكم.
اختارهم من بين رجاله ووثق بهم وأحسن إليهم وصاروا بفضله حكاماً يأمرون وينهون، ويسمع الناس لهم ويطيعون.
فلما أدبرت عنه الدنيا وأراد اللجوء إليهم مستطرقاً أحسن الوالي الأول استقباله وذكر أياديه عليه.
أمّا الثاني فقد أغلق في وجهه باب المدينة ورفض استقباله.
وأمّا الثالث فقد خدعه، فرحب به حتى إذا أمكنته منه الفرصة قبض عليه وأحكم وثاقه وأراد التقرب به إلى الحجاج!
هؤلاء هم الناس في كل مكان وزمان. وقد شاهدنا بأنفسنا في عصرنا هذا من لم يقلوا غدراً وعقوقاً وتنكراً للجميل عن عبدالله البعّار وعياش، وقد عانينا منهم ما عانينا، ونحن نعرف أي مرارة كان يكابدها عبدالرحمن وهو يقابل بما قوبل له في زرنج وبُسْت!.. قتل الإنسان ما أكفره…
وقد بلغ مسامع (رتبيل) المصير الذي صار إليه عبدالرحمن، فأسرع لإنقاذه وأحاط بجنوده ببُست وأرسل إلى عياش: والله لئن آذيته بما يُقذي عينه أو ضررته ببعض المضرة أو رزأته حبلاً من شعر لا أبرح العرصة حتى أستنزلك فأقتلك و(جميع من معك ثم أسبي ذراريكم وأقسم بين الجند أموالك).
أمام هذا التهديد المقرون بالقوة وإمكان سرعة التنفيذ استسلم عياض فأرسل إلى رتبيل يطلب الأمان على نفسه وأمواله ويتعهد بتسليم عبدالرحمن إليه سالماً مع أمواله.
فآمنه رتبيل، فخلى سبيل ابن الأشعث، فلما وصل هذا إلى رتبيل قال له: إن هذا كان عاملي على هذه المدينة، فغدرني فائذن لي في قتله، فقال رتبيل قد آمنته وأكره أن أغدر به. على أنه أذن له في تعنيفه والتصغير به…
وعنى رتبيل بابن الأشعث فكرمه وعظمه، ولم يكن ابن الأشعث وحده، بل كان معه من بقايا المنهزمين عدد وافر.
ولما استقر ابن الأشعث أقبل من تشرد من الرؤساء والجماعات ومن انضم إليهم من الناقمين فتشكل من مجموع ذلك ما لا يقل عن ستين ألف ثائر.
فاتصلوا بابن الأشعث وأخبروه بتجمعهم وعددهم وطلبوا إليه القدوم إليهم على أمل أن يسيروا إلى خراسان لعلهم يقنعون من بها من الجند الكثير بالانضمام إليهم. فضلاً عن أنها بلاد واسعة فيها الرجال والحصون.
وكان المتقدم في هؤلاء الستين الألف والمصلي بهم عبدالرحمان بن العباس الهاشمي. فاستجاب لهم ابن الأشعث ووفد عليهم بمن معه من الرجال، فأول ما فعلوه أن حصروا عبدالله بن عامر البعاج والي (زرنج) الذي رفض استقبال ابن الأشعث وأغلق دونه باب المدينة، فاستنزلوه، وضربوه وعذبوه وسجنوه.
وتناقشوا في أمر السير إلى خراسان، فكان من رأي ابن الأشعث أن واليها يزيد بن المهلب شاب شجاع صارم لن يتخلى عما في يده بسهولة.
وكان من رأيهم أن الخراسانيين منهم، وأنهم لو رأوهم لكان من يتبعهم منهم أكثر ممن يقاتلهم. ثم إنها أرض طويلة عريضة تتسع للجميع ويمكن الاستقلال برقعة منها انتظاراً لما تأتي به المقادير، فلعل الموت يسرع إلى الحجاج أو إلى عبدالملك. أو يرون من رأيهم.
فاقتنع ابن الأشعث وساروا جميعاً مخلفين سجستان متجهين إلى خراسان، فلما بلغوا هرات، كانت المقادير التي انتظروا أن تأتيهم بالخير، قد أعدت لهم الشر!.
فإن أحد كبرائهم عبيدالله بن عبدالرحمان بن سمرة القرشي انفصل عنهم بجماعته التي لا تقل عن ألفي رجل، وأخذ في طريق غير طريقهم…
ولما كانت أحداث الماضي قد روّعت ابن الأشعث بما فيه الكفاية ولا تزال ذكرياتها تروعه، فقد رأى في انفصال هذا القرشي نذير ترويع جديد، ولما كانت عزيمته لم تعد تتحمل ترويعاً جديداً لذلك وقف في الجماعة خطيباً قائلاً لهم:
إني قد شهدتكم في هذا المواطن وليس فيها مشهد إلاّ أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى منكم فيه أحد، فلما رأيت أنكم لا تقاتلون ولا تصبرون أتيت ملجأ ومأمناً فكنت فيه، فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا فإنا قد اجتمعنا وأمرنا واحد لعلنا نقاتل عدونا، فأتيتكم فرأيت أن أمضي إلى خراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي وأنكم لن تتفرّقوا عني.
ثم هذا عبيد الله بن عبدالرحمان قد صنع ما قد رأيتم، فحسبي منكم يومي هذا، فاصنعوا ما بد لكم. أمّا أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبله، فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني، ومن كره ذلك فليذهب حيث أحب في عياذ من الله.
ولنا هنا أن نقف فنتساءل عن تعليل ما جرى، لماذا طالب هذا الجمع الذي تألف من الفلول المجتمعة من بقايا ذلك الحشد الكبير التي احتشد في دير الجماجم، وممن انضم إليهم في سجستان وغيرها ممن يرى رأيهم، لماذا طالب هذا التحشد الجديد بقيادة ابن الأشعث بعد أن كان قد تخلص من هذه القيادة بلجوء ابن الأشعث إلى رتبيل، وبعد أن لم يكن لابن الأشعث يد في تحشده، على عكس ما كان في الماضي من كون ابن الأشعث مفروضاً عليهم، لأنه قائد الجيش، والثورة في الأصل هي ثورة الجيش، فلا مناص من أن يقودها قائد الجيش… مع أن الجميع في أعماق نفوسهم كانوا كارهين لهذه القيادة لتناقض أهداف ابن الأشعث مع أهدافهم.
أمّا اليوم فقد تجمعوا وليس لابن الأشعث أثر في تجمعهم، وليس هو الذي ندبهم لهذا التجمع، وهو الآن بعيد عنهم قار في ملجئه مطمئن لمن احتمى به واستقر عنده.
لماذا إذاً دعوه ليتولى القيادة؟..
الجواب على ذلك: هو أنه لا بد لهم من قائد وليس فيهم من يجمعون على قيادته، ولا من هو بين قيادتهم بارز عن غيره بروزاً بيناً يؤهله لتسليم القياديين الآخرين له.
لذلك كان الحل بأن يعودوا للقيادة الأولى بعد أن اعتاد الناس عليها، هذا فضلاً عما كان لديه من الرجال الذين لم يفارقوه وكانوا سينضمون إليه فيتقوى الثائرون بهم.
أمّا انفصال عبيدالله بن عبدالرحمان القرشي عنهم وسيره في غير طريقهم، فيبدو أنه ناجم عن عدم اقتناعه بصلاح ابن الأشعث لقيادة الحركة الجديدة بعد تجارب الماضي، ثم إنه يبدو أنه كان من الأصل آنفاً ـ وهو القرشي الأصيل ـ من السير بقيادة غير قرشية، وأنه سلم في الماضي بذلك أملاً بوحدة الصف، أما اليوم فلم يعد يجد مبرراً لهذا التسليم بعد أن تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال… ولعله كان يائساً من النجاح في هذه المحاولة الجديدة، ولم تعد أعصابه تتحمل هزيمة بعد هزيمة، فآثر السلامة…
ونفذ ابن الأشعث قوله فانفصل عنهم وتبعه جماعة، وتفرقت جماعة. أما جمهور الثائرين فقد بقوا متكتلين واختاروا لقيادتهم عبدالرحمان بن العباس الهاشمي، وواصل ابن الأشعث سيره إلى رتبيل، وواصلوا هم تنفيذ الخطة التي كانوا اعتمدوها في السير إلى خراسان.
ويبدو من قول الطبري (ج8 ص29) أن عددهم قد نزل من الستين الألف إلى العشرين الألف، ووصلوا إلى هرات واستقروا فيها.
فأرسل يزيد بن المهلب إلى عبدالرحمان بن العباس الهاشمي: قد كان لك في البلاد متسع ومن هو أكلّ مني حداً وأهون شوكة، فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أحببت أن أمدك بمال لسفرك أعنتك به.
فأرسل إليه عبدالرحمان: ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريح ثم نشخص إن شاء الله، وليست بنا حاجة إلى ما عرضت.
فانصرف رسول يزيد إليه.(ولكن الهاشمي بدأ يتصرف تصرف المالكين، وراح يجبي الخراج وبلغ يزيد فقال: من أراد يريح ثم يجتاز لم يجب الخراج.
ولم يكتف بالكلام بل أرسل حملة عسكرية ثم سار بنفسه حتى أتى هرات، وأرسل إلى الهاشمي: قد أرحتَ وأسمنتَ وجبيتَ فلك ما جبيت وإن شئت زدناك فاخرج فوالله ما أحب أن أقاتلك.
ولكن الهاشمي لم يستجب فكان لا بد من القتال. ونشب القتال. ويقول الطبري: (ج8 ص30): «وتهايجوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى تفرق الناس عن عبدالرحمن الهاشمي، وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ».
ووقع في الأسر جماعة كان بينهم محمد بن سعد بن أبي وقاص فأرسلهم يزيد بن المهلب إلى الحجاج فكان من أمر محمد بن سعد معه ما يلي:
الحجاج: أيها يا ظل الشيطان، أعظم الناس تيهاً وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبّه بحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذناً لابن كناز عبد بني نصر (يعني عمر بن أبي الصلت).
ثم راح الحجاج يضرب بعود في يده رأس محمد بن سعد حتى أدماه.
فقال له محمد: أيها الرجل ملكت فأسجح.
ثم قال له: إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنتَ شريكاً في ذلك محموداً وأن جاءك غير ذلك كنتَ قد أعذرتَ.
فأطرق الحجاج ملياً، ثم قال: اضرب عنقه، فضُربت عنقه…
هكذا انتهى محمد بن سعد بن أبي وقاص.
وإننا لنعود قليلاً إلى الوراء، إلى حقبة من التاريخ غير بعيدة عن هذه الحقبة، فنرى سعد بن أبي وقاص يرفض أن يبايع علي بن أبي طالب وأن يسير معه لمحاربة الطغيان!
وبفضل خذلان سعد وغير سعد انتصر الطغيان، وامتد انتصاره فكان من ضحاياه ابن سعد. وليت سعد بن أبي وقاص كان يمكن أن يظل حياً ليرى بعينيه ذل ابنه محمد ثم ضرب عنقه وإراقة دمه، ليعرف هو وأمثاله ماذا جنوا بخذلانهم للحق، ماذا جنوا على الشعب وفيه ذراريهم.
وكما كان مصقلة بن هبيرة مسؤولاً عما أصاب ابنه بسطام، فكذلك كان سعد بن أبي وقاص مسؤولاً عما أصاب ابنه محمد.
أعشى همدان
هو عبدالرحمن بن عبدالله، وعرف بأعشى همدان. نشأ في الكوفة ولكن حياته كانت حياة تنقل واضطراب. وكان شاعراً مجيداً صاحب مواقف والتزام، رثى التوابين الذين خرجوا بقيادة سليمان بن صرد للطلب بثأر الحسين (عليه السلام) فقال فيهم من قصيدة:
فيا خير جيش للعراق وأهله
سقيتم روايا كل اسحم ساكب
فإن تقتلوا فالقتل أكرم ميتة
وكل فتى يوماً لإحدى النوائب
كان أعشى همدان شاعر الثورة، ثم كان بين الأسرى الذين سيقوا إلى الحجاج، فقال له الحجاج: (الحمد لله الذي أمكن منك ألست القائل لابن الأشعث وفرسك يهمج بك أمامه: (لما سمونا للكفور الفتان)، وهي الأبيات التي تقدم ذكرها.
ثم ألست القاتل:
يا ابن الأشج قريع كنـ
ـدة لا أبالي فيك عتبا
أنت الرئيس بن الرئيس
وأنت أعلى الناس كعبا
نبئت حجاج بن يوسف
خرّ من زلق فتبا
فانهض فديت لعله يجـ
ـلو بك الرحمن كربا
وابعث عطية في الجنـ
ـود يكبهن عليه كبا
كلا يا عدو الله، بل عبدالرحمان بن الأشعث هو الذي خر من زلق فتب، وحار وانكب وما لقي ما أحب.
فقال الأعشي: بل أنا القائل:
أبى الله إلا أن يتمم نوره
ويطفىء نور الفاسقين فيخمدا
ويظهر أهل الحق في كل موطن
ويُعدل وقع السيف من كان أصيدا
وينزل ذلاً بالعراق وأهله
لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا
وما أحدثوا من بدعة وعظيمة
من القول لم تصعد إلى الله مصعدا
وما نكثوا من بيعة بعد بيعة
إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا
وجبناً حشاه ربهم في قلوبهم
فما يقربون الناس إلا تهددا
فلا صدق في قول ولا صبر عندهم
ولكن فخراً فيهم وتزيدا
فكيف رأيت الله فرق جمعهم
ومزقهم عُرض البلاد وشردا
فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة
وحيهم أمسى ذليلاً مطرداً
ولما زحفنا لابن يوسف غدوة
وأبرق منا العارضان وارعدا
قطعنا إليه الخندقين وإنما
قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا
فكافحنا الحجاج دون صفوفنا
كفاحاً ولم يضرب لذلك موعدا
بصف كأن البرق في حجراته
إذا ما تجلى بيضه وتوقدا
دلفنا إليه في صفوف كأنها
جبال شرورى لو نُعانُ فتنهُدا
فما لبث الحجاج أن سل سيفه
علينا فولى جمعنا وتبددا
وما زاحف الحجاج إلا رأيته
معاناً ملقى للفتوح معودا
وأن ابن عباس لفي مرجحنة
نشبهها قطعاً من الليل أسودا
فما شرعوا رمحاً ولا جردوا له
إلا ربما لاقى الجبان فجردا
وكرت علينا خيل سفيان كرةٍ
بفرسانها والسمهري مقصدا
كهول ومرد من قضاعة حوله
مساعير أبطال إذا النكس عردا
إذا قال شدوا شدة حملوا معاً
فأنهل خرصان الرماح وأوردا
جنود أمير المؤمنين وخيله
وسلطانه أمسى عزيزاً مؤيدا
فيهنى أمر المؤمنين ظهوره
على أمة كانوا بغاة وحسدا
نزوا يشتكون البغي من أمرائهم
وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا
كذاك يضل الله من كان قلبه
مريضاً ومن والى النفاق وألحدا
فقد تركوا الأهلين والمال خلفهم
وبيضاً عليهم الجلابيب خردا
أنكثاً وعصياناً وغدراً وذلة
أهان الإله من أهان وأبعدا
فقال أهل الشام: أحسن، أصلح الله الأمير.
فقال الحجاج: لا لم يحسن، إنكم لا تدرون ما أراد بها.
ثم قال: يا عدو الله إنّا لسنا نحمدك على هذا القول، إنما قلت تأسف أن لا يكون ظهر وظفر وتحريضاً لأصحابك علينا. وليس عن هذا سألناك. انفذ إلينا قولك: (بين الأشج وبين قيس باذخ)، فانفذها، فلما قال: (بخ بخ لوالده وللمولود). قال الحجاج لا والله، لا تبخبخ بعدها لأحد أبداً فقدمه فقتل.
كان بين الأسرى الذين أرسلهم يزيد بن المهلب إلى الحجاج من يسميه الطبري (فيروز حصين) فقال الحجاج لحاجبه: إذا دعوتك بسيدهم فائتني بفيروز.
ثم قال لحاجبه: جئني بسيدهم.
فقال لفيروز: قم.
فقال له الحجاج: أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء، فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم.
قال: فتنة عمت الناس فكنا فيها.
قال: اكتب لي أموالك.
قال: ثم ماذا؟
قال: اكتبها أول.
قال: ثم أن آمن على دمي؟
قال: اكتبها ثم انظر.
قال: اكتب يا غلام: ألف ألف، ألفي ألف… وذكر مالاً كثيراً.
قال: أين هذه الأموال؟
قال: عندي.
قال: فأدها.
قال: وأنا آمن على دمي؟
قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك.
قال: والله لا تجمع مالي ودمي.
فأمر الحجاج به فعذب، فكان مما عذب به أن كان يُشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجرّ عليه حتى يخرّق جسده، ثم ينضح عليه الخل والملح.
فلما أحس بالموت قال صاحب العذاب: إن الناس لا يشكون بأني قد قتلت، ولي ودائع أموال عند الناس لا تؤدى لكم أبداً، فأظهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال.
فأُعلم الحجاج، فقال: أظهروه.
فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا فيروز حصين، أن لي عند أقوام مالاً، فمن كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حل، فلا يؤدين منه أحد درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب…
فأمر به الحجاج فقتل.
نهاية ابن الأشعث
فارق ابن الأشعث الجماعة في هرات لاجئاً إلى رتبيل مع فريق من رجاله، ولكن واحداً من هؤلاء الرجال اسمه علقمة بن عمر كان أبعد نظراً من ابن الأشعث فرفض مرافقته إلى رتبيل قائلاً له: إني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء فوقع إلى رتبيل يُرغبه ويُرهبه، فإذا هو قد بعث بك سلماً أو قتلكم، وكنا هاهنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها ونقاتل حتى نُعطى أماناً أو نموت كراماً.
فقال له ابن الأشعث: أمّا لو دخلت معي لآسيتك وأكرمتك.
فأبى علقمة. ودخل ابن الأشعث إلى رتبيل، وخرج هؤلاء الخمسمائة حتى جاءهم مهاجماً عُمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم فخرجوا إليه فوفى لهم.
أمّا الحجاج فقد تتابعت كتبه إلى رتبيل في ابن الأشعث ويتوعده إن لم يرسله إليه ويهدده بأن يغزوه بألف ألف مقاتل.
وكان عند رتبيل عربي اسمه عبيد بن أبي سبيع يحسن اغتنام الفرص الانتهازية فتوسط بين رتبيل وبين الحجاج قائلاً لرتبيل: أنا آخذ لك عهداً من الحجاج ليكفنّ الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبدالرحمان بن محمد بن الأشعث.
وهكذا بدأت المساومة على رأس ابن الأشعث، مساومة عمادها المال، وهكذا رخص هذا الرجل إلى الحد الذي وضعت حياته في المزاد.
لو كان رجل مبدأ ورجل قضية، بل لو كان رجل كرامة لأنف من الفرار بعد الفرار، وأنف من اللجوء إلى الأجنبي، والاحتماء بالغريب!..
ولكنه: عبدالرحمن، بن محمد، بن الأشعث. ومن كانت هذه أصوله، ومن كان الأشعث بن قيس منبته، لا يمكن أن يكون رجل مبدأ ورجل قضية ورجل كرامة وشرف.
وقد واجهه أحد أتباعه بحقيقته، فإنه وهو هارب إلى بلاد رتبيل تمثل بهذين البيتين:
يطرده الخوف فهو تائه
كذاك من يكره حَرّ الجلاد
منخرق الخفين يشكو الوجا
تنكبه أطراف مُرو حداد
قد كان في الموت له راحة
والموت حتم في رقاب العباد
فقال له تابعه: هلاّ ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك، فكان خيراً لك مما صرت إليه..
لم يمت ميتة الكرامة في ساحة الحرب، بل آثر العيش الذليل، ثم مات الميتة التي تجدر بحفيد الأشعث من قيس…
لقد ساوم عبيد بن أبي سبيع، رتبيل على ابن الأشعث وأغراه بالمال، والانتهازي لا يساوم مجاناً، بل كان ينتظر نصيبه من هنا ومن هناك.
قال رتبيل لعبيد: إن فعلتَ فإن لك عندي ما سألت.
فكتب عبيد إلى الحجاج يخبره بأن رتبيل لا يعصيه وأنه لن يدع رتبيل حتى يبعث إليه بعبد الرحمان…
يقول الطبري: فأعطاه الحجاج على ذلك مالاً، وأخذ من رتبيل عليه مالاً…
ويقول الطبري عن عبيد هذا: «كان مع ابن الأشعث عبيد بن أبي سميع التميمي قد خُصّ به، وكان رسوله إلى رتبيل، فخص برتبيل أيضاً وخف عليه».
ولما تمت الصفقة أرسل رتبيل إلى ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته وقد أعد لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقه جامعة وفي عنق أخيه القاسم جامعة وأرسل بهم جميعاً إلى الحجاج، وقال لجماعة من كان مع ابن الأشعث من الناس تفرقوا إلى حيث شئتم.
وقد عزّ على ابن الأشعث أن يصل إلى الحجاج بهذه الحال، فاغتنم فرصة وضعهم على سطح قصر عال ـ وهم في طريقهم إلى الحجاج ـ فألقى بنفسه من فوق القصر فمات.
فاحتز عمارة بن تميم صاحب مسلحة الحجاج رأسه وقتل من كان معه من أهله وأرسل رؤوس الجميع إلى الحجاج…
واحد وثلاثون رجلاً من سلالة الأشعث قطعت رؤوسهم وأرسلت إلى الحجاج ومنه إلى عبدالملك… لقد خذل الأشعث علياً بن أبي طالب وتآمر على خلافته، ووشى ابنه محمد بمسلم بن عقيل، وقاتل ولده الآخر قيس: الحسين في كربلاء وشارك في قتله وقتل أهل بيته وأصحابه…
كل ذلك تدعيماً لحكم الطغيان ونصرة للظالمين… وتشاء إرادة الله أن تقطع رؤوس واحد وثلاثين رجلاً من سلالة الأشعث بأيدي حكم الطغيان نفسه الذي آزره الأشعث وبنوه، وبأوامر من أولئك الظالمين أنفسهم!
ليس ذلك من الأقدار انتقاماً للرؤوس التي تسبب آل الأشعث بإرسالها من كربلا إلى الكوفة ومنها إلى الشام.
فقلامة ظفر قدم من إقدام أصحاب تلك الرؤوس أغلى على الأقدار من الرؤوس الأشعثية الواحدة والثلاثين.
ولكنها عبرة الأقدار…
هل قامت الثورة باسم الحسن المثنى؟
هذه الثورة ذكر صاحب (عمدة الطالب) أنها قامت باسم الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والطبري حين تحدث عنها لم يذكر أنه دعي فيها للحسن بن الحسن، وعدم ذكر الطبري لذلك لا يدل على أنها لم تقم باسم الحسن، فالطبري في ذكره لها إنما كان يذكر مقدماتها ووقائعها، وكان هذا كل ما كان يعنيه، ومن المعقول جداً أن لا يتطرق إلى أنه دعي فيها للحسن.
ثم إنه ليس من المنطق ولا من مصلحة الثوار أن يكونوا مجرد ثوار على الأمويين وعلى عاملهم الحجاج دون أن يكون لثورتهم رمز يقاتلون باسمه، وقد كانوا من القوة بحيث كان أملهم بالنصر قوياً، وفي حالة حصول هذا النصر لمن كانوا سيودعون أمر الخلافة؟
وإذا كانت الظروف قد وضعت عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث على رأس الثوار، فلم يكن في تفكير أحد أن يكون هو صاحب الأمر في النهاية. والثورة كانت تستهدف الدولة الأموية من أساسها لا ممثلها الحجاج، وما دامت كذلك فلا بد من التفكير فيمن يحل محلها، ومن الطبيعي أن يكون في تفكير الثوار أن من يحل محلها هم الطالبيون.
وكان أبرز الطالبيين يومذاك: زين العابدين علي بن الحسين، والحسن بن الحسن. والثوار يعلمون أن الثورة المسلحة ليست من منهج علي بن الحسين: ولو كانت الثورة المسلحة من منهجه لقاد ثورة المدينة على يزيد، وهي (الثورة) التي عرفت باسم وقعة الحرّة، وقد كانت في أمس الحاجة للقيادة، لا سيما مثل قيادة علي بن الحسين، ومع ذلك تجنبها.
إذن فلم يكن في ذهن الثوار إلاّ الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهذا ما يؤكده صاحب عمدة الطالب.
على أن لنا رأياً آخر وهو أن قادة الثوار كانوا يأملون بعد فوز الثورة في العراق، بإقناع علي بن الحسين، لذلك ترك اسم المبايع له، ولم يذكر في نص البيعة التي كان هذا نصها: «نبايع على كتاب الله وسُنة نبيه وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم وجهاد المحلين».
وإذا كان صاحب (عمدة الطالب) قد أكد على أن الثورة كانت باسم الحسن بن الحسن فلأنه يرى أن علي بن الحسين لم يكن في كل الأحوال ليوافق على قبول قيادتها لذلك لم يفكر الثوار به، بل كان تفكيرهم منصباً على الحسن بن الحسن.
الحسن بن الحسن
سماه أبوه على اسمه فعرف باسم (الحسنى المثنى)، كما أنه هو سمى ابنه باسمه فعرق ابنه باسم (الحسن المثلث). وهو زوج فاطمة بنت عمه الحسين (عليه السلام).
أمه خولة بنت منظور بن زبان من بني فزارة، وكانت متزوجة قبله من محمد بن طلحة بن عبيدالله فقتل في معركة الجمل ولها منه أولاد فتزوجها بعده الحسن بن علي (عليه السلام).
وخولة هذه هي أخت (تماضر) التي كانت زوجة لعبدالله بن الزبير. وفي ذلك يقول جفير العبسي:
إن الندى من بني ذبيان قد علموا
والجود في آل منظور بن سيار
الماطرين بأيديهم ندى ديماً
وكل غيث من الوسمي مدرار
تزور جاراتهم وهنا فواضلهم
وما فتاهم لها سراً بزوار
ترضى قريش بهم صهراً لأنفسهم
وهم رضاً لبني أخت وأصهار
وتماضر بنت منظور هذه زوجة عبدالله بن الزبير هي التي نزلت عليها (النوار) زوجة الفرزدق حين نافرته إلى عبدالله بن الزبير ونزل هو على أولاد عبدالله بن الزبير، ففرق عبدالله بينهما، فقال في ذلك الفرزدق:
أما بنوه فقد ردت شفاعتهم
وشُفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً
مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وفزارية والدة الحسن هي التي نجته من القتل يوم كربلا. لم يفده أنه سبط محمد (ص) وحفيد فاطمة بنت محمد، بل أفادته خؤولة بني فزارة له وعمومتهم لأمه، فسلم بهذه الخؤولة من القتل!!..
وقد كان الحسن صحب عمه الحسين إلى العراق، فلما كان يوم كربلا أثخن بالجراح وسقط بين القتلى وبه رمق، فلما أرادوا أخذ الرؤوس ووجدوا فيه بقية حياة أرادوا قتله وأخذ رأسه مع رؤوس القتلى، فرجاهم أسماء بن خارجة الفزاري ـ وكان معهم ـ أن لا يقتلوه، وقال لهم: دعوه لي فإن وهبه الأمير عبيدالله بن زياد لي وإلاّ رأى رأيه، فتركوه فحمله إلى الكوفة، وحكوا ذلك لعبيد الله، فقال: دعوا لأبي حسان ابن أخته، وعالجه أسماء حتى برىء ثم لحق بالمدينة وكان عمره يومذاك 17 سنة.
ومن هنا اعتبره الزيدية إماماً بعد عمه الحسين، إذ أن من شروط الإمامة عندهم الخروج بالسيف، وقد كان شهوده كربلا وقتاله فيها حتى أثخن بالجراح كافياً لتحقيق هذا الشرط فيه. ولم يروا تحقق هذا الشرط في زين العابدين علي بن الحسين لأنه كان يوم كربلا مريضاً لم يقاتل فتجاوزوه إلى الحسن بن الحسن.
ولكن هل يمكن أن يكونوا اعتبروه إماماً لأن ثورة قامت باسمه وإن لم يشارك بالقتال فيها كما سيأتي؟
لا أحسب ذلك لأن الشرط يقضي بأن يدعو هو للقتال ثم يشارك فيه بنفسه.
صلة الحسن بن الحسن بالثورة
قلنا من قبل أن صاحب (عمدة الطالب) ذكر أن الثوار أعلنوا ثورتهم باسم (الحسن المثنى)، وقلنا إن الثوار أعلنوا أن ثورتهم تستهدف الفساد من أساسه، وأنهم لم يخلعوا الحجاج وحده، بل خلعوا عبدالملك بن مروان، وأن القضاء على الحكم الأموي الظالم كان غايتهم. فما داموا كذلك فلا بد لهم من بديل يثورون باسمه، فكان البديل الطبيعي هو الحسن بن الحسن بعد أن اعتقدوا أن الثورة المسلحة لم تكن من رأي زين العابدين علي بن الحسين.
أمّا لماذا لم يشاوروه في الأمر ولم يدعوه لتولي قيادة الثورة، فذلك لأن إعلان الثورة كان مفاجئاً، ولأن الثورة كانت ثورة الجيش، هذا الجيش الذي كان معهوداً إليه غزو تركستان، فلم يكن باستطاعة الثوار وهم على أبواب تركستان أن يفاوضوا الحسن وهو في المدينة، لذلك أعلنوا الثورة على أن يكون هو خليفتهم العتيد. وتركوا أمر الاتصال به إلى ما بعد نجاح الثورة.
أمّا إذا صح رأينا في أن كبار القادة كانت أنظارهم متجهة إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، فلنا أن نقول بأنهم رضوا بتداول اسم الحسن دون أن تعلن بيعته، أملاً منهم بإقناع علي بن الحسين بعد نجاح الثورة.
على أنه يبدو أن تداول اسم الحسن قد تسرب خبره إلى عبدالملك بن مروان نفسه ولكنه لم يكن لديه دليل على أن ذلك كان بموافقة الحسن، وأن له يداً في الإعداد للثورة، بل كان كل شيء ينفي هذه التهمة عنه لا سيما بُعد ما بينه من المكان وما بين الثوار.
ومع ذلك فإن عبدالملك لم يسكت، فإن أبا الفرج في (الأغاني) قال: «عاتب عبدالملك بن مروان الحسن بن الحسن (عليه السلام) على شيء بلغه من دعاء أهل العراق إياه إلى الخروج معهم على عبدالملك، فجعل يعتذر ويحلف له.
وهذا القول صريح بأن قيام الثورة باسم الحسن قد بلغ مسامع عبدالملك وأنه (حقق معه في هذا)، ولم يجد دليلاً يدين الحسن. وكلمة (إلى الخروج معهم) تدل صراحة على أن مفاتحة عبدالملك للحسن بهذا الأمر كانت خلال الثورة، وأن الثوار كانوا (خارجين) وأنهم يدعون الحسن إلى (الخروج معهم).
ويبدو أن عبدالملك كان متردداً في محاسبة الحسن، وأنه ربما كان قد أمضى فيه حكماً من الأحكام، لولا تدخل خالد بن يزيد بن معاوية الذي قال لعبد الملك: «ألا تقبل عذر ابن عمك وتزيل عن قلبك ما قد أشربته إياه».
وقول خالد: (ما أشربته إياه) دليل على عظم ما كان في قلب عبدالملك من التهمة للحسن.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فإن خلفاء عبدالملك لاحقوه فدسوا له السم فمات مسموماً)[224](.
الديلم
ـ 1 ـ
يمكن التعريف ببلاد الديلم، بأنها المنطقة الواقعة بين طبرستان والجبال وجيلان وبحر الخزر، ومن جهة الغرب شيء من آذربيجان وبلاد آران. وبلاد الديلم تتألف من قسمين أحدهما سهل والآخر جبل، وقد كون هذا السهل نهر «سفيد رود» عندما اخترق جبال ألبرز وصب في بحر قزوين عند كوتم في إقليم جيلان.
حدود بلاد الديلم: من الجنوب قزوين وطارم وجزءٌ من آذربيجان والريّ والأراضي المتصلة بهما. ومن الشرق أجزاء من الريّ وطبرستان والأراضي المتصلة بهما. من الشمال بحر قزوين (الخزر)، ومن الغرب آذربيجان وبلاد آران (القوقاز). لكن في بعض الأحيان كانت تلحق جيلان بمنطقة الديلم.
أمّا في قديم الأيام فإن الديلم هي محافظة جيلان الحالية، فهي تبدأ من طالش وتنتهي ببلدة (كلار) التي لم يبق منها إلاّ أنقاضها.
كان يطلق على المنطقة وسكانها اسم الديلم ولكن كانت تستعمل كلمة (الديالمة) للدلالة على أهالي المنطقة، على أن أهالي المنطقة ومؤرخي الفرس القدامى يطلقون عليها كلمة (ديلمستان) أو (ديلمان). والألف والنون في آخر الكلمة للنسبة وهما تفيدان معنى المكان والموضع فمعنى ديلمستان المكان الذي يسكن فيه الشعب الديلمي.
أمّا كلمة (گيل) أو (گيلك) فهي اسم لأهالي المنطقة التي تقع على الساحل الجنوبي لبحر قزوين، فالسكان في المنطقة يسمّون الأهالي بـ(گيل) ويسمون الداخلين عليهم من خارج المنطقة بـ(إيل).
وأهالي المنطقتين أي الجيلان والديلم مشهورون منذ القدم بالشجاعة والقوة والشهامة والمحاربة وكان الملوك الفرس القدامى أيام الساسانيين يستفيدون منهم في جيوشهم لقوتهم وبسالتهم، وقال المؤرخ اليوناني آگايتاس إن مهارتهم في استعمال السيف والخنجر أكثر من الرمي بالسهم، فاستعملهم سابور الساساني وكسرى أنوشيروان. وكان الذي فتح اليمن في عهد الساسانيين رجلاً ديلمياً اسمه «وهرز الديلمي»: وعند ظهور الإسلام أسلم 4000 ديلمي يوم القادسية عام 16هـ وساعدوا المسلمين في جلولاء، إلاَّ أن أكثر الديلم بقوا على ديانتهم المجوسية وكانت بلاد الديلم تعدّ من بلاد الكفر وكان المسلمون يذهبون لجهاد الكفار إليها، وكان أهالي جيلان والديلم يحتمون بجبالهم المنيعة ودافعوا عن منطقتهم أمام المسلمين وبرغم انتصارات المسلمين إلاّ أن كثيراً منهم تخفوا في مناطقهم النائية وبقوا على ديانتهم المجوسية، ثم بعد أن أسلموا صارت المنطقة حصناً وملجأ وملاذاً لمناوئي الخلافتين الأموية والعباسية من العلويين وغيرهم.
وفي عام 250هـ ثار أهالي المنطقة على ظلم الحاكم العباسي محمد بن أوس البلخي نائب الحاكم العام سليمان بن عبدالله بن طاهر بن عبدالله بن طاهر (عامل الخليفة في طبرستان) فاستدعوا أحد العلويين من الرّي وهو الحسن بن زيد العلوي المشتهر بالداعي الكبير فأطاعوه وساد منطقة (رويان) و(طبرستان) وأسس هناك سلسلة حكام طبرستان العلويين فدخل زعماء المنطقة تحت إمرة هذا العلوي وحكومته. وأول من خرج من الديالمة هو ليلى بن نعمان حيث نصبه الداعي الصغير الحسن بن قاسم عام 308هـ حاكماً على ولاية جرجان ولقّب بـ (المويد لدين الله والمنتصر لآل رسول الله) فاشتدت قوة ليلى وسيطر على نيسابور إلاّ أنه هزم في معركته مع نصر بن أحمد الساماني وقتل على يديه عام 309هـ.
ثم ثار بعده (أسفار بن شيرويه) وكان من ملازمي (ماكان بن كاكي) وقتل الأمير أبو علي الچغاني عام 329هـ (ماكان)، وقبل أن يقتل توترت العلاقات بين ماكان وأسفار وذلك لسوء تصرفات ماكان فثار عليه عام 315هـ. واستولى على طبرستان وكان من قادة جيش أسفار رجلٌ ديلمي اسمه (مرداويج بن زيار) فهذا الرجل كان يخطط في السرّ ويجمع القوات لنفسه وبدأ يأخذ البيعة من جنود أسفار لنفسه وجعلهم فدائيين له، ثم بعد أن قويت جماعته ثار على أسفار وقبض عليه وقتله عام 316هـ واستولى على طبرستان ثم بدأ يوسع رقعة فتوحاته فاستولى على قزوين والرّي وهمذان وبروجرد وقم وكاشان وگلبايگان وأصفهان والأهواز وجعل أصفهان عاصمة ملكه وأعلن عصيانه على الخليفة العباسي الراضي بالله وذلك عام 322هـ. وكان مرداويج فارسياً فأحيا العادات الفارسية القديمة وتقاليدها من الأعياد وزي الجنود وحياة بلاطه وعرشه وغير ذلك، ثم صنع لنفسه تاجاً مشابهاً لتاج كسرى وتوج نفسه به وحاول أن يستولي على العراق العربي ويقال أنه كان يحاول الاستيلاء على بغداد وإزالة الخلافة ثم تسمية نفسه بشاهنشاه ويعيد بناء طاق كسرى في المدائن لإحياء الأمبراطورية الفارسية. وكان كل اعتماده في هذه الخيالات على جنوده من الديالمة وكان يحتقر جنوده الترك ويسميهم بـ (الشياطين) وأخيراً ثار عليه الجنود الأتراك وقتلوه.
وبعد مقتله خلفه أخوه وشمگير ثم بعده في عام 357هـ ابنه قابوس ويعد أبرز شخصية من عائلة زيار، واشتهر بالأمير أبو الحسن المعالي ويعدُّ من مشاهير الملوك في إيران. استولى قابوس عام 366هـ (عام وفاة ركن الدولة الديلمي) على جرجان وطبرستان وصار مستقلاً في الحكم في هذه السنة، وفي هذه السنة اشتد النزاع بين أولاد ركن الدولة للسيطرة على ملك أبيهم فالتجأ إلى قابوس فخر الدولة ابن ركن الدولة بعد أن هُزم في صراعه مع أخويه عضد الدولة ومؤيد الدولة. فأكرمه قابوس وحاول أن يسترجع ملك أبيه له، وقد حاول عضد الدولة أن يستميل قابوس ويمنعه من مساعدة مؤيد الدولة إلاّ أن قابوس رفض ذلك واستمر في مساعداته للمؤيد ولكنهما هُزما أخيراً في معركتهم مع عضد الدولة فهرب من جرجان والتجأ إلى السامانيين في نيسابور. وبقي 18 عاماً بعيداً عن مملكته أي من عام 370 إلى 388 وبقي في خراسان وكان في هذه الفترة معاشراً للعلماء والأعيان ويبذل لهم الأموال الطائلة فاشتهر اسمه وذاع صيته في بلاد الغُربة. وأخيراً في عام 388هـ عاد قابوس إلى مملكته منتصراً وحكم منذ هذه السنة إلى 403هـ لكن في أواخر حياته ساءت سيرته وأخلاقه فسئمه الناس وحاصره جماعة واعتقلوه ثم قتلوه ونصبوا ابنه منوچهر (403 ـ 424).
عباس إقبال أشتياني
أمّا الجبل أو المنطقة الجبلية في بلاد الديلم فإنها منيعة، وباردة وتكسو قممها الثلوج، ومع ذلك فهي لا تخلو من الأشجار والغياض والغابات.
يسكن الديلم ـ سكان الجبال ـ الأراضي الجبلية على الجهة الشمالية لجبال البرز بين نهر «سفيدرود» ونهر «شالوش»، في حين يسكن الجيل ـ سكان السهول ـ الأراضي السهلية الساحلية على بحر قزوين في ركنه الجنوبي الغربي، وهي سهول كثيرة الأشجار والغياض وحافلة من الداخل بالمستنقعات. وعلى الرغم من الاختلاف الموجود في بعض الوجوه بين الديلم والجيل إلاّ أن الجغرافيين والمؤرخين المسلمين اصطلحوا على تسمية هذين الفريقين بالديلم أو الديالمة.
أمّا ديانتهم قبل أن يتخذوا الإسلام ديناً فيبدو أنها كانت خليطاً من تقاليد وعادات موروثة، ومن فلسفات وديانات متعددة، فيذكر المسعودي أن بين الديلم كان دين المجوسية والوثنية (أي المذاهب التي كانت سائدة في إيران قبل الإسلام كالزرداشتية والمزدكية والمانوية وسواها من المذاهب)، وأن بعضهم ربما عرف المسيحية ولعل بعضهم عرف الإسلام أيضاً خلال الفتوحات الإسلامية الأولى وذلك عن طريق الحرب والتجارة بينهم وبين ديار الإسلام المجاورة.
ولقد قاوم الديلم الفتح الإسلامي، وعلى الرغم من أن قسماً من بلادهم قد فتح عنوة من قبل الجيوش الإسلامية، إلاّ أنهم لم يدخلوا في الإسلام، كما أخفقت كل المحاولات العسكرية التي بذلها الأمويون وحتى العباسيون لحملهم على اعتناق الإسلام. غير أن الإسلام استطاع أن يدخل بلاد الديلم بصورة سليمة ويعتنقه عدد كبير منهم على أيدي العلويين الذين لجأوا إليهم في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وذلك حين لاذ يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) إلى بلاد الديلم هرباً من بطش هارون الرشيد، فاجتمع إليه عدد كبير من الديلم وبايعوه بعد أن دخلوا في الإسلام على يديه، فقويت شوكته في تلك الأصقاع، فكان لهذا العلوي الفضل الكبير على نشر الإسلام في تلك الربوع وقتذاك.
وبالرغم من أن هارون الرشيد تمكن بمعاونة وزيره الفضل بن يحيى البرمكي من استدراج الثائر العلوي إلى بغداد بمنحه الأمان، ثم نقض الرشيد للأمان وقتله، إلاّ أن أتباع يحيى بن عبدالله واصلوا مساعيهم في نشر الإسلام، كما أن تتابع خروج العلويين إلى بلاد الديلم، واتخاذهم منها مراكز ثورة ضد الخلافة العباسية ساعد كثيراً على انتشار المذهب الشيعي.
على أن أكبر موجة إسلامية غمرت بلاد الديلم وتم بموجبها نشر الدين الإسلامي على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية شملت طبقات الديلم، تلك التي تمت على يد علوي آخر يدعى «الحسن بن علي الأطروش». لقد دخل هذا الثائر الشيعي إلى بلاد الديلم سنة 301هـ، وأقام بينهم ثلاث عشر سنة يدعوهم إلى الإسلام، ويدافع عنهم، فلبوا دعوته وأسلم منهم خلق كثير على المذهب الزيدي وبنى لهم المساجد.
وقد استطاع «الأطروش» أن يقضي على النظام الإقطاعي الذي كان يستند على سلطة رؤساء العوائل واستبدل به نظام التعاون بين طبقات الديلم المختلفة، الأمر الذي سهل عليه تثبيت زعامته السياسية ـ فضلاً عن زعامته الدينية ـ بين الديلم والخروج بهم من معاقلهم لمهاجمة أملاك الخلافة العباسية.
فاضل الخالدي
الديلم حتى ظهور بني بويه
آل بويه أسرة فارسية ديلمية، استطاعت أن تلفت إليها أنظار التاريخ، وأن يكون لها شأن بارز في تاريخ العراق وإيران في القرن الرابع الهجري، وأقامت دولة «بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ببال أحد، فدوخت الأمم، وأذلت العالم، واستولت على الخلافة فعزلت الخلفاء وولتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتفاق»، ولكنها ـ على الرغم من كل شيء ـ لم تحظ حتى اليوم بدراسة منهجية تؤرخها بأمانة ونزاهة وصدق، وتتحدث عنها بصراحة سليمة من الإفراط والتفريط.
إن المنطقة التي انطلق منها رجال هذه الأسرة الأوائل، تعرف بـ«الديلم». وقد اختلف المؤرخون في اسم الديلم ومصدر اشتقاقه، فهل كان قوماً سميت بلادهم باسمهم أو أرضاً سمي سكانها باسمها؟
يقول المقدسي: «وإنما نسبناه (الإقليم) إلى الديلم لأن به ديارهم وفيه ملكهم ومنه منبعهم… ولم نجد لهذا الإقليم اسماً يجمع كوره فأضفناه إليهم ولقبناه بهم».
ويقول ياقوت: «الديلم جيل سموا بأرضهم ـ في قول بعض أهل الأثر ـ وليس باسم أب لهم».
فهو ـ إذن ـ اسم قوم قطنوا تلك ـ المناطق فسميت أرضهم باسمهم ونسبت إليهم ـ على رأي المقدسي ـ وهو أرض معينة سكنها لفيف من الناس فسموا باسمها ـ على رواية ياقوت.
والذي يقرأ التاريخ يرى أن هذه التسمية أبعد زمناً وتوغلاً في القدم من المقدسي، وإذا كان بدوره قد ابتكر هذا الاسم لأنه لم يجد اسماً لهذا الإقليم فسببه التوسع في إطلاق هذا الاسم على هذه الكور المتعددة، ذلك التوسع الذي نشأ عن توسع الديالمة في ملكهم ورقعة نفوذهم وانتشارهم في عدة مدن وأنحاء من بلاد الفرس مما جعل الجغرافيين يطلقون هذا الاسم على هذه المدن المتعددة المناطق المتفرقة. أمَّا الديلم الحقيقية الأولى فهي ما عبّر عنها المقدسي بـ«ديلمان» وجعلها إحدى كور إقليم الديلم. ومن معرفة اسمها يظهر أن اسم هؤلاء القوم مشتق من اسم أرضهم كما قال ياقوت.
وبلاد الديلم ـ في نظر جغرافيي القرن الرابع ـ إقليم كبير يشتمل على خمس كور: أولها من قبل خراسان قومس، ثم جرجان، ثم طبرستان، ثم الديلمان، ثم الخزر. وتقع بحيرتهم في وسط الكور الأربع الأخيرة ولا تتصل بقومس لأنها تقع على رؤوس الجبال بين الري وخراسان وتفصل طبرستان بينها وبين البحيرة.
أمّا قومس فهي «كورة رحبة نزهة حسنة الفواكه. وأكثرها جبال، قليلة المدن، خفيفة الأهل، كثيرة الأنعام».
«وأمّا جرجان فإنها كورة سهلية جبلية، لولا البرد لعملت فيها النخيل، غزيرة الأنهار، كثيرة البساتين».
«وأمّا طبرستان فإنها كورة سهلية بحرية، ولها أيضاً جبال، كثيرة الأمطار، قشفة كربة، وسخة مبرغثة… كثيرة الأسماك والثوم».
«وأمّا الديلمان فإنها كورة في الجبال صغيرة المدن. وقد أضفنا إليها الجيل لأن أكثر الناس لا يكادون يفرقون بينهم».
«وأمّا الخزر فإنها كورة واسعة خلف البيرة… كثيرة الأغنام والعسل. بآخرها سد ياجوج وماجوج».
ويستعرض المقدسي في كتابه أهم منتوجات هذا الإقليم وصادراته فيقول في خلال ذلك: «هذا إقليم القز والصوف، به صناع حذاق، وفواكه تحمل إلى الآفاق، وبزه معروف بمصر والعراق. كثير الأمطار. مستقيم الأسعار. مصر ظريف. لهم عمل لطيف… بحر عميق به مدن تطيف. به أسماك سرية. وضياع جليلة، وفواكه لذيذة، وأشياء متضادة… به تين وزيتون وإترنج وخرنوب. كثير العناب. حسن الأعناب. رساتيق رحاب. ومدن طياب. واسم كبير، وماء غزير، ودخل كثير، وبز خطير».
أمّا أصل الديلم فلعله يرجع «إلى أقوام غير إيرانية كانت تسكن في مناطق بحر قزوين في الزمن القديم»، ويدلنا على ذلك ما رواه الإصطخري من أن «لسانهم مفرد غير العربية والفارسية، وفي بعض الجبل ـ فيما بلغني ـ طائفة منهم يخالفون بلسانهم لسان الجيل والديلم».
ويذهب أحد المستشرقين إلى أن «أغلبية الديلم كانوا قد أصبحوا إيرانيين بمعنى الكلمة في العصر الإسلامي». ولم نعثر على دليل واحد يؤيد هذا الرأي، بل لعل الدليل قائم على عكس ذلك حيث كان الديلم والإيرانيون على طرفي نقيض في العقيدة واللغة والتقاليد والنظم الاجتماعية في القرون الأولى من العهد الإسلامي.
ومن ناحية وضعهم الاجتماعي كانوا يخضعون في الحكم لرب البيت «كتخدا»، ولم تكن «شريعة لهم محصلة ولا طاعة فيهم مستقرة» و«لا ترى لهم لباقة ولا علم ولا ديانة» ويمتازون بالخشونة والجلد والعجلة وقلة المبالاة»، وكانت لهم مقابل ذلك «دولة ورجلة وهيبة». ونالت النساء مقاماً كبيراً لديهم حيث كن «يجرين مجرى الرجال في قوة الحزم وأصالة الرأي، والمشاركة في التدبير».
ويشير بعض المؤرخين ـ ومنهم المقدسي ـ إلى بعض العادات الغريبة عندهم، كما ينبه على بعض ما يمتازون به في الشكل والسحنة والوجه والشعر، ولكنني أطوي تفصيله لعدم اتصاله بصميم البحث.
والديانة في الديلم غير واضحة المعالم لدينا لنحددها على وجه القطع واليقين، بل لم تتضح أيضاً للمؤرخين الأقدمين، فقد صرح قدامة بن جعفر أنه «لا شريعة لهم محصلة»، وعبر المسعودي عنهم أنهم «جاهلية ومنهم مجوس» وأنهم «منذ كانوا لم ينقادوا إلى ملة ولا استحبوا شرعاً، وكذلك يعلن المقدسي أنه لا ديانة لهم.
وفي أيام الخليفة عمر بن الخطاب تم فتح الري وجرجان وقزوين وطبرستان. وكان الذي غزا الديلم خاصة هو البراء بن عازب فقاتلهم حتى أدوا إليه الأتاوة ويروى أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ولي الكوفة من قبل عثمان غزا الديلم مما يلي قزوين، كما جاء في روايات أخرى أن سعيد بن العاص لما ولي الكوفة بعد الوليد بن عقبة غزا الديلم فأوقع بهم.
ومهما يكن من أمر فالشيء المستفاد من هذه النصوص أن فتح البلاد قد تم في أيام الخليفة عمر، وأن رسول الخليفة قد تسلم منهم الأتاوة الشرعية، وأنهم فضلوا دفع الجزية على إعلان الإسلام لشدة عنادهم وتصلبهم وإصرارهم على ما هم فيه. ثم يظهر من غزوات الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص أنهم لم يفوا بدفع الجزية أيضاً، الأمر الذي كان يدفع هؤلاء الولاة إلى إعادة الكرة تلو الكرة لتعود المياه إلى مجاريها، ولكن سرعان ما يتمنعون ويمتنعون. وإلى هذا يشير قدامة بن جعفر حيث يقول عنهم أنهم «بعد فتحهم قد نقضوا وكفروا غير مرة».
وفي أيام الحجاج بن يوسف الثقفي أو قبيل أيامه نقضوا عهدهم مرة أخرى، وأبوا أن يسلموا وأن يدفعوا الجزية، فلم يجد الحجاج بداً من أن يطلب وفداً منهم للتفاهم، فقدم الوفد فدعاهم إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فأبوا، فأمر أن تصور له الديلم سهلها وجبلها وعقابها وغياضها فصورت له، فدعا من قبله من الديلم فقال: إن بلادكم قد صورت لي فرأيت فيهما مطمعاً فأقروا لي بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد وأقتل المقاتلة وأسبي الذرية، فقالوا: أرنا هذه الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلادنا، فدعا بالصورة فنظروا فيها فقالوا صدقوك عن بلادنا. هذه صورتها غير أنهم لم يصوروا فرسانها الذين يمنعون هذه العقاب والجبال، وستعلم ذلك لو تكلفته. فأغزاهم بالجنود وعليهم محمد بن الحجاج فلم يصنعوا شيئاً».
وجوابهم هذا للحجاج دليل كبير على الجرأة والاعتماد على النفس في ذلك العصر الذي كانت فيه الفتوحات الإسلامية على مرأى ومسمع منهم، وكان الجيش الإسلامي ينساب دفاقاً في الآفاق فيكتسح كل ما يقف أمامه من عقبات وحدود وسدود.
ومن جملة الشواهد على تكرر تمردهم وازدهائهم بقوتهم أن الجيش الإسلامي قد شعر في غزواته الأولى للديلم أن هؤلاء أمة لا تلين قناتهم بسهولة ولا يقرون النظم الجديدة بيسر، فقرر القادة في ذلك الحين ضرورة إنشاء معسكر دائم آمن إلى جنب بلادهم ليسهل غزوهم كلما امتنعوا وإخضاعهم كلما ثاروا، وفي هذا الشأن يقول المسعودي: «ثم جاء الإسلام وفتح الله على المسلمين البلاد فجعلت قزوين للديلم ثغراً هي وغيرها مما أطاف ببلاد الديلم والجيل، وقصدها المتطوعة والغزاة فرابطوها وغزوا ونفروا منها»، ويؤيده ياقوت فيقول: «أن سعيد بن العاص لما غزا الديلم قدم قزوين فمصرها وجعلها مغزى أهل الكوفة إلى الديلم».
وهكذا نرى هؤلاء القوم في عصيان وخروج على النظام وعدم التزام بالمحالفات، على الرغم من تلك الغزوات التي أقامتهم وأقعدتهم عدة مرات، وعلى الرغم من المعسكر الدائم الذي أسس قريباً منهم.
واستمر هؤلاء على هذا الأسلوب من التمرد حتى دخلت سنة إحدى ومائتين، فاستطاع عبدالله بن خرداذبة والي طبرستان أو يفتح اللارز والشيزر من بلاد الديلم، وافتتح جبال طبرستان فأنزل شهريار ابن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر أبا ليلى ملك الديلم.
والظاهر أن هذه الغزوة كانت هي الأخيرة في بابها لأن جيش المسلمين استطاع ـ هذه المرة ـ إخضاع الديلم للحكم الإسلامي، فلم يسمع عنهم ـ بعد هذا اليوم ـ إعلان الحرب على الخليفة كما كان ديدنهم أولاً. ولكن كل ذلك لا علاقة له بالدين، لأن الدين خضوع روحي لا ارتباط له بالسيف والفتح ولا ينفع معه العَدد والعُدد، ولم يشر التاريخ إلى إسلامهم في هذه المعركة أو بعدها، بل كل ما في الأمر أنهم دفعوا الجزية وتعهدوا بمثلها في كل عام. ثم عاد الجيش إلى قواعده سالماً.
فمتى استجاب هؤلاء للدعوة الإسلامية؟
يقول بعض المؤرخين: إن ذلك كان في أيام الحسن الأطروش من أحفاد علي بن أبي طالب الذي ظهر ببلاد الديلم وطبرستان سنة إحدى وثلاثمائة، «وقد كان أقام في الديلم سنين وهم كفار على دين المجوسية ومنهم جاهلية، وكذلك الجيل، فدعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ فاستجابوا وأسلموا… وبنى في الديلم مساجد»، و«كان بمدينة شالوس حصن منيع قديم، فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل».
وانسياقاً مع هذه الروايات يكون دخول الديلم في الدين الإسلامي في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع وأنهم لم يكونوا قد عرفوا التدين بهذا الدين قبل ذلك الحين.
ولكننا حينما ندرس نهضات العلويين في بلاد الديلم وما يجاورها من القرى والأمصار، كنهضة يحيى بن عبدالله الملقب بصاحب الديلم (176هـ)، ومحمد بن القاسم العلوي (219هـ)، والحسن بن زيد (250هـ)، ومحمد بن زيد (270هـ)، وأضرابهم من العلويين. إننا حين ندرس نهضات هؤلاء السادة ونطلع على مدى نفوذهم الكبير في الديلم ومدى انقياد الديلم لهم ـ كما يأتي تفصيله ـ لا نستطيع القول بدخول الإسلام إلى الديلم في أواخر القرن الثالث. وإني لأعتقد اعتقاداً جازماً أن هؤلاء العلويين الذين سبقوا الأطروش بعشرات السنين كانوا قد سعوا في هذا السبيل سعياً كبيراً، وإن سعيهم قد أثر الأثر المحمود المبارك، ولكنه ربما يكون تأثيراً غير شامل فسعى الأطروش في شموله وتعميمه كما سعى في هدم سائر آثار المجوسية والزرادشتية.
ولعلنا نستفيد الإشارة إلى ذلك مما رواه المسعودي عن الحسن بن زيد العلوي وأخيه محمد من كونهما يدعوان إلى الرضا من آل محمد. وبديهي أن الدعوة إلى الرضا من آل محمد لا تصح ولا تليق ما لم تسبقها دعوة إلى الإسلام والإقرار بالشهادتين، وهل الإمامة إلا فرع اعتناق الإسلام والإيمان به؟
وسواء أدخل الإسلام إلى الديلم في أواخر القرن الثاني أو الثالث فإن دخوله إلى هناك كان على يد الدعاة العلويين، وكان سلطان هؤلاء وتأثيرهم في تلك المناطق قوياً جداً وإلى حد بعيد، على خلاف ما كان عليه القادة الفاتحون الكثر الذين غزوا تلك البلاد ثم رجعوا من دون أن يستطيعوا التغلغل في تلك الأطراف.
ولعل لما كان عليه هؤلاء العلويون من تواضع محبب وخلق فاضل ودعوة تعتمد على الحكمة والموعظة الحسنة أثراً مهماً في تقبل الديلم للدين وحسن استقبالهم لدعاته. وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، فالدين لا يملى بالقوة ولا يفرض بالإكراه.
وبانتهائنا إلى هذه النقطة في تسلسل الحديث يفرض علينا البحث أن نعرض لشيء من تاريخ هؤلاء العلويين وأسباب هجرتهم إلى هناك ومجمل نهضاتهم في تلك البلاد.
هناك عدة أسئلة ترتسم في الذهن حينما نسمع باسم الحكم العلوي في الديلم. فلماذا هاجر هؤلاء السادة إلى الديلم؟ ولِمَ كانت هذه البلاد دون غيرها هي المختارة لديهم؟ ومتى كانت هجرتهم إليها؟
ولعل أوضح الأسئلة وأيسرها جواباً هو الأول ـ يتعلق بسبب هذه الهجرة ـ ولا أظن أن باحثاً درس التاريخ ومحص حقائقه وأطلع على تفاصيله يحتاج إلى جواب عن هذا السؤال، وهذا هو التاريخ ينادي معلناً بملء فيه ما ابتلى به أولاد علي (عليه السلام) من محاربة ومطاردة وشدة ومحنة في العهد الأموي أولاً والعباسي ثانياً.
ولقد كان الضغط الأموي على هذه الفئة المضطهدة شديداً جداً وإلى أبعد الحدود، خصوصاً بعد فاجعة كربلاء الأليمة التي أتت على الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأكثر أهل بيته. ثم قام بعد ذلك الحكم العباسي، فكان ضغط بني الأعمام أشد من ذلك وأقسى، حتى قال أبو فراس الحمداني:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت
تلك الجرائم إلا دون نيلكم
وقال آخر:
تاللَّه ما فعلت أمية فيهم
معشار ما فعلت بنو العباس
فلا غرابة ـ إذن أن نرى بني علي مشردين في البلدان، موزعين على الأمصار، خشية من السيف المصلت على رؤوسهم. وهذا هو السبب الحقيقي في هجرتهم إلى الديلم وغير الديلم من بلاد الله الواسعة، وما عليهم في ذلك لوم أو تثريب.
وعلى هذا فلا غرابة أيضاً إذا ما رأينا وجهتهم تتجه نحو بلاد فارس والديلم بالخصوص ـ وهو ما فرضناه ثاني الأسئلة ـ فلهم في ذلك عدة أسباب موجبة نلخص أهمها فيما يلي:
إن بلاد الديلم بالخصوص لم تكن مسلمة في ذلك الحين ـ كما مر آنفاً ـ فلم يكن للجاسوسية الأموية أي أثر فيها، ولم يكن لعنوان الخلافة وأبهتها أي هيمنة على تلك البلاد، فلم يكن باستطاعة الأمويين مطاردة العلويين هناك، بل لم يكن باستطاعتهم دخول تلك البلاد لأي غرض من الأغراض.
إن الوضع الجغرافي في تلك البلاد من كثرة الجبال والتلال والوديان والكهوف كان من أسباب الأمان لهؤلاء السادة المهاجرين، فلو فرض للجيوش الأموية احتلال البلاد والسيطرة عليها، لم يكن من السهل العثور على أعدائهم، لسهولة سبل الفرار إلى تلك الجبال والوهاد، والاعتصام بكهوفها ومغاورها التي لا تمر على بال.
إن دخول العلويين لتلك البلاد لم يكن الالتجاء والفرار من السلطة الحاكمة، وكانت هذه السلطة مكروهة أشد الكره لدى سكان تلك المناطق، لأنها عاملتهم بالجور والاضطهاد، فكان العلويون يستغلون هذا الشعور المهيمن على السكان، كما يحلم العلويون أيضاً بما يمكنهم القيام به بعد استقرارهم وتمركزهم هناك من دعوة إلى الإسلام ونشر لأحكامه على هدى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ولعلهم يحلمون أيضاً بإمكان تأسيس دولة علوية قوية بسواعد هؤلاء الديلم بعد إسلامهم وتشيعهم في مستقبل أمرهم.
كل هذه الأسباب وأمثالها كان دافعاً للعلويين على اختيار إقليم الديلم مقصداً في هجرتهم وملجأ لهم من مطاردة الحاكمين، وأظنها أسباباً على جانب كبير من الوجاهة وبعد النظر وسلامة التفكير.
أمّا تاريخ هذه الهجرة ومعرفة بدئها فلم نعثر له على ضبط وتحديد في كتب التاريخ، فلا نعلم متى كان وفي أي سنة بدأ، وهل كان في العهد الأموي أو العباسي؟ وليس لدينا في مصادر المراجعة أي نور يضيء لنا السبيل سوى نص لمولانا أولياء الله الآملي في كتابه ـ تاريخ رويان ـ جاء فيه:
«لما بويع الرضا (عليه السلام) بولاية العهد كان له أحد وعشرون أخا مع عدة من أولاد إخوته وبني عمه الحسنيين والحسينيين توجهت أنظارهم إلى ذلك ووصلوا إلى الري ونواحي العراق وقومس، فلما توفي الرضا (عليه السلام) خابت آمالهم، ولما بلغهم ذلك التجأوا إلى جبال الديلم وطبرستان، وإلى الري ونهاوند، فبعضهم استشهد هناك وبقي مزاره إلى الآن، وبعضهم توطن هناك، إلى أن آل الأمر إلى المتوكل الذي كان ظلمه للسادات متجاوزاً الحد فهربوا منه واتخذوا مساكن في الجبال وفي طبرستان».
وخلاصة هذا النص أن العلويين كانوا قد دخلوا إيران في أيام مبايعة الرضا (عليه السلام) بولاية العهد (201هـ)، وأنه لم يكن لهم عهد بإيران قبل ذلك، ولكن التحقيق التاريخي ينفي هذا الرأي كل النفي، لما نقرأه في التاريخ من ثورات وحركات للعلويين في تلك المناطق قبل هذا الحين.
يقول الطبري في حوادث سنة خمس وسبعين ومائة:
«وفيها صار يحيى بن عبدالله بن حسن إلى الديلم فتحرك هناك».
ثم يقول في حوادث سنة ست وسبعين ومائة:
«وفيها ظهر يحيى بن عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم» و«كان أول خبر يحيى.. أنه ظهر بالديلم واشتدت شوكته وقوي أمره ونزع إليه الناس من الأمصار والكور فاغتم لذلك الرشيد فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاة كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباود والرويان، وحملت معه الأموال» «فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذره وأشار عليه وبسط أمله… وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى… فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد فسره… وكتب أماناً ليحيى… إلخ».
ومن رواية الطبري هذه نعرف أن يحيى العلوي قد ورد الديلم عام (175هـ) وأن ثورته الدامية كانت أول ثورة للعلويين هناك. وهذا كله سابق على مبايعة الرضا بولاية العهد بربع قرن تقريباً، فلا تصح ـ إذن ـ حكاية مولانا أولياء الله السالف الذكر.
وقد استطاع الرشيد بجلب يحيى إلى بغداد، ثم حبسه بعد ذلك، وقتله ـ على بعض الروايات ـ أن يهدىء الحالة بالديلم وطبرستان، ولعله وضع في حدود هذين البلدين من العدة والعدد ما يكفيه مؤونة الثورات هناك وقمعها على وجه السرعة.
أمّا بقية المناطق في إيران فلم تكن هادئة مستقرة ولم يكن العلويون فيها خانعين ساكنين، وفي سنة تسع ومائتين ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسن بالطالقان من خراسان واجتمع الناس عليه، ووقعت له عدة معارك وحروب مع قواد عبدالله بن طاهر أدت إلى هرب محمد واختفائه، ثم العثور عليه من قبل عامل مدينة «نسا» بالقرب من خراسان وإرساله إلى عبدالله بن طاهر ومن ثم إلى المعتصم.
وبقي وضع الديلم ـ كما قلنا ـ هادئاً وادعاً، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، حتى حل العام الخمسون بعد المائتين، حيث قامت فيه الثورة هناك على قدم وساق وأعلن فيه الحكم العلوي تحت لواء الحسن بن زيد العلوي وقيادته.
ويحدثنا المؤرخون ـ وفي طليعتهم الطبري ـ عن عوامل هذه الثورة وأسبابها فيسهبون في ذلك طويلاً، وفيما يلي نلخص أهم تلك الأسباب:
1 ـ كان عامل طبرستان ـ يومئذٍ ـ سليمان بن عبدالله بن طاهر، وكان مغلوباً على أمره إلى حد بعيد من قبل محمد بن أوس البلخي. وبلغ من شدة نفوذ محمد هذا أنه وزع أولاده في مدن طبرستان وجعلهم ولاتها ـ وهم أحداث سفهاء ـ فتأثر الشعب منهم تأثراً كبيراً، واستنكر منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبدالله سفه هؤلاء الشبان الأغراء وسوء سلوكهم وتصرفاتهم. وكان هذا الأمر أول إيذان بالثورة.
2 ـ كان أهل الديلم وأهل طبرستان في سلم ومهادنة دائمة، فلم يكن يعتدي كل منهما على الآخر. بل لم يسمح كل من الطرفين أن تستغل بلاده ـ من قبل حكامها ـ لحرب البلاد الأخرى. وعلى الرغم من ذلك تحرك محمد بن أوس البلخي ـ السالف الذكر ـ فدخل إلى ما يقرب من بلاد الديلم من حدود طبرستان، ولم يقابله الديلم بل لم يستعدوا لمقابلته. لعدم علمهم بسوء قصده، فاستغل ابن أوس هذه الفرصة وأغار عليهم فسبى منهم وقتل، ثم انكفأ راجعاً إلى مقره بطبرستان حيث يحكم صاحبه سليمان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان حنقاً وغيظاً عليه.
3 ـ إن محمد بن عبدالله بن طاهر لما قام بأمر قمع الثورة التي أعلنها يحيى بن عمر العلوي في الكوفة (249هـ)، أقطعه الخليفة المستعين من أراضي السلطان الخاصة بطبرستان قطائع كبيرة واسعة جزاء له على صنيعه، وكان من تلك القطائع قطيعة بالقرب من ثغري طبرستان (كلار ـ وشالوس) وكان إلى جانب هذين الثغرين أرض واسعة ينتفع بها سكان تلك المنطقة في احتطابهم ورعي مواشيهم وسرح سارحتهم، ولم تكن ملكاً لأحد، بل هي صحراء من موات الأرض ذات غياض وكلأ وأشجار.
واختار محمد بن عبدالله بن طاهر جابر بن هارون النصراني نائباً عنه في حيازة تلك القطائع والأشراف عليها، فلما انتهى إلى طبرستان ابتدأ بحيازة ما أقطعه السلطان لصاحبه فحازه وحاز ما اتصل به، ثم حاول أن يضيف إلى كل ذلك تلك الأرض الموات التي كانت مرتاداً لأهل البلاد في الاحتطاب والرعي، فقام في وجهه رجلان من أشراف تلك المنطقة معروفان بالبأس والشجاعة هما محمد وجعفر ابنا رستم، وأنكرا على جابر سوء صنيعه، ومانعاه في ذلك مستنهضين معهما سائر من أطاعهما في تلك الناحية لصد هذا الاعتداء الأثيم، فهرب جابر خوفاً على نفسه ملتجأ إلى سليمان حاكم الإقليم، وكانت هذه الحركة الحمقاء من جابر سبباً لنفاد الصبر وبدأ للمعركة الفاصلة.
هذه هي أهم أسباب الثورة في الديلم وطبرستان ـ سردتها باختصار لئلا نخرج عن صلب البحث، ومن مجموعها نرى أنها لم تكن لغرض الملك والسيطرة، بل كانت على العكس من ذلك لمحاربة الظلم والاستعباد ولطرد الحكام المستبدين.
وما أن علم الأخوان ابنا رستم بالتجاء خصمهم إلى سليمان ـ وكان سليمان أخا محمد بن عبدالله بن طاهر صاحب القطائع ومرسل الرسول الجائر ـ حتى أدركوا مقدار الخطر الذي أصبح محدقاً بهم وبأنصارهم، فلم يروا بداً من مكاتبة الديلم واستنجادهم وتذكيرهم بالمعاهدة المعقودة بين الطرفين وبأفعال محمد بن أوس الفظيعة فيهم من قتل وغدر وسبي، وطلبا منهم النصرة والنجدة.
واستطاع هذان الأخوان بعد أخذ ورد أن يكونوا ـ هم والديلم ـ جبهة واحدة ضد عدوهم المشترك، وأسسوا معاهدة دفاع مشترك بينهما وتم التعاقد على ذلك.
«ثم أرسل ابنا رستم… إلى رجل من الطالبيين المقيمين كانوا يومئذ بطبرستان يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى البيعة له فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم: لكني أدلكم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه إليه مني، فقالوا: من هو فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلهم على منزله ومسكنه بالري، فوجه القوم إلى الري عن رسالة محمد بن إبراهيم العلوي إليه من يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان فشخص معه إليها».
والذي يفهم من طلب ابني رستم لمحمد العلوي أولاً وللحسن بن زيد ثانياً، أنهما كانا يخشيان من حدوث بعض المشاكل وبعض التصدع في جبهتهم حينما يريدون تعيين زعيم أو قائد لهم. ولهذا أرادا تعيين شخص لا علاقة له بالبلدين ولا صلة له بالطرفين المتعاقدين، فلم يريا خيراً من العلويين للزعامة والقيادة شجاعة وكفاءة ونسباً وشرفاً وديناً.
ومهما يكن من أمر فقد كان الاختيار موفقاً جداً. وجاء الحسن بن زيد إليهم وحل بين ظهرانيهم فبايعه الناس بما فيهم أبناء رستم ورؤساء الديلم، وبدأ بالتمهيد للثورة فطرد عمال ابن أوس وأولاده الذين كانوا في الديلم وطبرستان، ثم زحف بجيوشه نحو مدينة آمل فاحتلها، ثم تعداها إلى سارية فاحتلها كذلك، وهزم سليمان ومن معه. وبهذا تم له حكم طبرستان كلها وبعض المدن القريبة منها كالري وما حولها.
وحيث أن الحرب كر وفر فسرعان ما أعاد سليمان تنظيم جيوشه وعززها بالسلاح والمال، وكر على الحسن بن زيد في عام (251هـ)، فاضطر الحسن إلى التراجع المستمر حتى انتهى في تراجعه إلى الديلم، وعادت طبرستان لحكم أميرها السابق سليمان.
واستطاع الحسن بعد ذلك أن يسترجع طبرستان ويشرف على حكمها حتى عام (255هـ) حينما غزته جيوش موسى بن بغا تحت قيادة مفلح، فانهزم الحسن إلى الديلم مرة أخرى، وأحرق مفلح منازل الحسن لولا ورود أمر الخليفة في أثناء ذلك بالرجوع إلى بغداد لضرورة نشأت هناك، فانسحب من طبرستان وأخلاها فعاد الحسن بن زيد إليها بلا حرب ولا قتال.
وتغلب الحسن بن زيد على الري عام (256هـ)، وملك جرجان عام (257هـ)، واحتل قومس عام (259هـ)، ولكنه عاد فانهزم إلى الديلم سنة (260هـ)، على أثر حروب طاحنة له مع يعقوب بن الليث ولكن الحسن سرعان ما عاد إلى طبرستان فاسترجعهما عام (261هـ)، وأحرق شالوس لممالأة أهلها ليعقوب. وأقطع جميع ضياعهم للديالمة، وفي عام (266هـ)، تراجع الحسن من جرجان بعد أن هجم عليها الخجستاني على حين غرة.
وفي عام (270هـ) توفي الحسن بن زيد العلوي، «وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام وولي مكانه أخوه محمد بن زيد.
وقام محمد بن زيد بالأمر بعد أخيه، ورقعته تشمل كل الديلم وطبرستان ومدن أخرى خارج هاتين المنطقتين كالري وجرجان وما إليهما.
وفي عام (272) وقعت حروب طاحنة بين محمد وأذكوتكين أدت إلى انسحاب محمد من الري، وفي عام (275) انسحب محمد من جرجان واستراباد وسارية ثم انسحب من كل طبرستان منهزماً إلى الديلم فراراً من جيوش رافع بن هرثمة، ولكنه عاد إلى طبرستان بعد أن صالح رافعاً عام (279هـ).
وفي سنة سبع وثمانين ومائتين جرت حروب ومناوشات بين محمد بن زيد وإسماعيل الساماني أدت إلى أن يصاب محمد بعدة ضربات مميتة قضت عليه بعد أيام فدفن على باب جرجان، وأسر ابنه زيد في هذه الوقعة وحمل إلى إسماعيل.
وبقتل محمد بن زيد بدأت فترة هدوء في طبرستان لم يظهر خلالها علوي ثائر، حتى حل عام (301) فظهر فيه الحسن بن علي الأطروش العلوي هناك، وتغلب على المنطقة وطرد ممثل الأمير الساماني.
«وكان الحسن بن علي الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمد بن زيد وأقام بينهم نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويقتصر منهم على العشر ويدافع عنهم ابن حسان ملكهم فأسلم منهم خلق كثير، واجتمعوا عليه، وبنى في بلادهم مساجد».
وفي سنة (302) «تنحى الحسن بن علي الأطروش العلوي عن آمل بعد غلبته عليها ـ كما ذكرناه ـ وسار إلى شالوس، ووجه إليه صعلوك جيشاً من الري فلقيهم الحسن وهزمهم وعاد إلى آمل، وكان الحسن بن علي حسن السيرة عادلاً، ولم يرَ الناس مثله في عدله وحسن سيرته وإقامته الحق.
وتوفي الحسن بن علي الناصر في شعبان (304) وعمره تسع وتسعون سنة. وبقي الحكم العلوي مستمراً في طبرستان حتى سنة ست عشرة وثلاثمائة حيث قتل فيها الحسن بن القاسم الداعي العلوي على يد أسفار بن شيرويه الديلمي، فانقرض بقتل ابن القاسم عهد الحكم العلوي هناك.
وفي أواخر الحكم العلوي بطبرستان والديلم لمع اسم قائد من قوادهم فكان له في مستقبل الأيام شأن كبير جداً في تلك المنطقة ذلك هو ماكان بن كالي الديلمي.
وقد استطاع (ماكان) هذا أن يؤثر تأثيراً كبيراً على أبي الحسين بن الحسن الأطروش ويقع من قلبه موقع الثقة والاعتماد فيعينه نائباً عنه في استراباد «فاجتمع إليه الديلم وقدموه وأمروه على أنفسهم».
وصادف أن سار إليه محمد بن عبيدالله البلغمي وسيمجور فوقف جيشهما عند باب استراباد، ولم يستطع احتلال البلدة واقتحامها فاتفقوا معه على أن ينسحب ظاهرياً عن استراباد إلى سارية وبذلوا له مالاً جزيلاً على ذلك، ثم يدخل جيشهم إلى استراباد فيفهم الناس أنهم افتتحوها، وأعطوه المواثيق على أنهم لن يستقيموا بها إلاّ قليلاً ثم ينسحبون منها فيعود إليها.
وفعل (ماكان) كما أراد هؤلاء، فانسحب عن استراباد إلى سارية وانتظر ريثما يخرجون من البلدة، فخرجوا منها بعد أيام وعاد إليها ماكان وأضاف إليها جرجان حيث استطاع احتلالها لما كان عليه عاملها من سوء سيرته في أهلها، وبهاتين المدينتين بدأ ملكه.
وفي عام (314) استولى الأمير السعيد نصر بن أحمد الساماني على الري فاستعمل عليها محمد بن علي صعلوك فأقام بها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة فمرض، فكاتب الأمير السعيد ماكان بن كالي والحسن الداعي العلوي في القدوم عليه ليسلم حكم الري إليهما فقدما إليه وتسلما حكم الري منه. وبهذا تكون الري ثالث بلدة يحكمها هذا القائد الديلمي.
وبعد أن تمّ لـ”ماكان” الاستقرار والسيطرة تلفت لجيشه لغرض تطهيره من عناصره الفاسدة فطرد أسفار بن شيرويه أحد قواده منه، لما كان معروفاً عنه من سوء الخلق والسيرة، فأسرع أسفار واتصل ببكر بن محمد بن اليسع ـ وهو بنيسابور ـ وخدمه خدمة كبرى فسيره بكر إلى جرجان ليحتلها «وكان ماكان بن كالي ذلك الوقت بطبرستان وأخوه أبو الحسن بن كالي بجرجان وقد اعتقل أبا علي بن أبي الحسن الأطروش العلوي عنده، فشرب أبو الحسن بن كالي ليلة ومعه أصحابه ففرقهم وبقي في بيت هو والعلوي فقام إلى العلوي ليقتله فظفر به العلوي وألبسوه القلنسوة وبايعوه. وجعل مقدم جيشه علي بن خرشيد ورضي به الجيش وكاتبوا أسفار بن شيرويه وعرفوه الحال واستقدموه إليهم فاستأذن بكر بن محمد وسار إلى جرجان واتفق مع علي بن خرشيد وضبطوا تلك الناحية فسار إليهم ماكان بن كالي من طبرستان في جيشه فحاربوه وهزموه وأخرجوه عن طبرستان وأقاموا بها ومعهم العلوي».
وبعد ذلك بقليل توفي العلوي ثم توفي بعده ابن خرشيد صاحب الجيش فاستغل ماكان الفرصة، وعاد إلى حرب أسفار، فانهزم أسفار منه ورجع إلى صاحبه الأول بكر بن محمد بن اليسع ـ وكان بجرجان -، وبقي مقيماً فيها إلى أن توفي بكر، فولاه الأمير السعيد نصر ولاية هذه البلدة عام (315) فأرسل أسفار إلى مرداويج بن زيار يستدعيه فحضر لديه فجعله أمير الجيش وقصدوا طبرستان فاستولوا عليها وطردوا ماكان.
وما أن استولى أسفار ومرداويج على طبرستان حتى ثار الحسن بن القاسم العلوي بالري فاستولى عليها وطرد منها أصحاب الأمير الساماني، ثم استولى ـ بمعونة ماكان بن كالي ـ على قزوين وزنجان وأبهر وقم، وسار إلى طبرستان فالتقى بجيوش أسفار عند ساريه فاقتتل الطرفان قتالاً شديداً أدى إلى هزيمة الحسن وقتله وفرار ماكان وسائر أصحابه».
ثم تقدم الأمر بأسفار فاستولى على الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرج، بالإضافة إلى جرجان وطبرستان اللتين كانتا تحت حكمه، واستولى بمكيدة له على قلعة (الموت) وكانت على جبل شاهق من ـ جبال الديلم ـ ودعا في سائر هذه البلدان لصاحب خراسان، ثم دعاه الغرور بما تمّ له من سلطان كبير إلى العصيان على الأمير السعيد صاحب خراسان، وكادت أن تقع الحرب بينهما لولا أن تنازل أسفار عن رأيه ودخل في طاعة الأمير مرة أخرى بشروط فرضت عليه.
وسار أسفار في دولته سيرة فاسدة كلها ظلم وجور وسلب ونهب فثار عليه أمير جيشه مرداويج بمعونة بعض القادة الواعين الذين ساءتهم سيرة صاحبهم، فقتلوا أسفار ـ في تفصيل لا يسعه البحث ـ واستنجدوا بماكان بن كالي ـ وكان مقيماً بطبرستان ـ فلباهم واتصل بهم.
وتوسع ملك مرداويج بعد قتل أسفار توسعاً عظيماً فملك قزوين والري وهمذان وكنكور والدينور ويزدجرد وقم وقاشان وأصبهان وجرباذقان، وحلا له بعد أن تمّ له الاستيلاء على كل هذه البلدان أن يملك طبرستان وجرجان وكانت تحت حكم صاحبه ماكان، فنقض مرداويج العهد واقتحم طبرستان فانهزم ماكان إلى الديلم ثم فر منها إلى نيسابور ودخل في طاعة الأمير السعيد وانتقل بعد ذلك إلى خراسان بجوار أميره نصر.
وكان في جملة قواد ماكان ـ أيام حكمه ونفوذه ـ أخوة ثلاثة هم علي والحسن وأحمد أولاد أبي شجاع بويه الديلمي، ولما رأوا ضعفه وتردي وضعه صارحه علي والحسن ابنا بويه فكان مما قالا له: «نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلاً عليك وعيالاً وأنت مضيق، والأصلح لك أن نفارقك لنخفف عنك مؤنتنا فإذا صلح أمرنا عدنا إليك، فأذن لهما، فسارا إلى مرداويج واقتدى بهما جماعة من قواد ماكان وتبعوهما فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول وخلع على ابني بويه وأكرمهما، وقلد كل واحد من قواد ماكان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل».
(رابجع: البويهيون) وراجع: طبرستان. وراجع) الزيدية.
محمد حسن آل ياسين
الديلم والديالمة
ـ 2 ـ
كلمة ديلم
كلمة ديلم في اللغة الفارسية تعني آلة من حديد لثقب الأحجار والجدران وما إلى ذلك، طولها حوالي متر واحد وقطرها سنتيمان أو أكثر وكذلك هي آلة تعمل على الهواء المضغوط، وهي أيضاً: الإزميل أمّا في العربية فإنها تؤدي معنى العدو، وعندما يُقال: إن فلاناً من الديالمة فالمقصود أنه من الأعداء ومعناها أيضاً: الجماعة من الناس أو السواد من الناس أو من أي شيء آخر وتستعمل أيضاً للسواد مطلقاً)[225](.
وتستعمل كلمة ديلم أحياناً في الفارسية بمعنى الحارس وحارس السجن خاصة؛ والخادم.
ويمكن القول أن كلمة ديلم إذا استعملت في اللغة العربية فمعناها الأسود والسواد فيكون عندئذٍ أصلها عربي وإذا استعملت بمعنى العدو أو الجماعة من الناس فإنها مأخوذة من اللغة الفارسية ويراد منها التشبيه. وإذا ما أطلق على أحد كلمة ديلم أو الديلمي وكان يُراد منها العدو، فإنها تعني أنه كالديالمة في العداوة والبغضاء والحقد وإذا وصفنا الجماعة بالديالمة فيراد من ذلك كثرة عددهم أو حقدهم.
والمعروف أن العرب في صدر الإسلام كانوا يعرفون الديالمة الذين لم يعتنق أكثرهم الدين الإسلامي حتى بداية القرن الرابع بأنهم شعب شجاع وجسور وأنهم خطرون جداً في العداوة وإذا ما راجعنا كتب الأدب واللغة والتاريخ يتأكد لنا ذلك. قال الجاحظ إن العرب كلما أرادوا أن يصفوا جماعة بعداوتهم اللدودة يقولون: ما هُم إلاَّ التُرك والدّيلَمْ)[226](: وأمّا سبب استعمال كلمة ديلم للحارس والسّجان فيعود إلى أن الديالمة بالرغم من أنهم لم ينقادوا لسلطة الساسانيين فإنه كان يُعتمد عليهم كما أن شجاعتهم كان يُضْرب بها المثل ولهذا السبب كان الساسانيون يستخدمونهم كحراس للملك أو حراس للسجون. وكان المقصود من ديلم والديالمة في القرون التالية حتى القرن السابع والثامن تلك الجماعة من المحاربين والعساكر والرجال الأقوياء)[227](. وعلى أية حال، فإن كلمة الديالم تطلق على جيل الإيرانيين، يعيشون في ديلمستان، وكان هذا الجبل قائماً حتى القرن الثامن الهجري وهو منفصل عن الجيل الذي يسمى بـ (گيل). ففي القرن الثامن قتل السادة الكيائيون جمعاً كبيراً من هؤلاء الديالمة ويبدو أن من تبقى منهم اندمجوا مع شعب الگيل وأن الگيلانيين حالياً هم أبناء وأحفاد ذينك الجيلين. وهناك في إيران عدة مناطق يطلق عليها اسم ديلم وديلمان: 1 ـ ديلم ناحية في بوشهر شمال غرب المدينة وقصبة ميناء ديلم هي مركز تلك الناحية وتبعد 232 كيلومتراً شمال غربي بوشهر. 2 ـ ديلمان من كلمة (ديلم) وكلمة (ان) معناها مكان الديالمة، قرية في ناحية سياهكل من مدينة لاهيجان. 3 ـ وكانوا قديماً قد أطلقوا على منطقة گيلان، ديلم وديلمستان. 4 ـ ديلمستان منطقة من أعمال مدينة سلماس وتسمى اليوم ديلمقان)[228](.
قال ياقوت الحموي، يعتقد المؤرخون أن اسم جيل الديلم مأخوذ من اسم الأرض التي كانوا يعيشون فيها)[229](.
أرض الديلم
تعتبر أرض الديلم، اليوم قسماً من گيلان ولكن عكس ذلك ففي العصور القديمة خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين (في عصر البويهيين) كانت گيلان قسماً من الديلم. وكان علماء المسالك والممالك)[230]( آنذاك يطلقون على مازندران وگرگان، اسم الديلم. قال المقدسي: إن الديلم كانت تُقسم إلى خمس كُوَر بدءاً من جانب خراسان وهي قومس (حوالي دامغان) ثم گرگان (ما يسمى اليوم بگنبد قابوس وضواحيها بما في ذلك استرآباد التي تسمى اليوم (گرگان) وطبرستان (مازندران) وديلمان (گيلان حالياً) والخزر وأن البحيرة (بحيرة الخزر) تقع داخل هذه المناطق عدا قومس التي تقع في المنطقة الجبلية بين الري وخراسان وأن منطقة مازندران تفصلها عن البحيرة)[231](.
وجاء في كتاب حدود العالم أن الديلم كان يحدّها شرقاً منطقة خراسان وجنوباً المناطق الجبلية (تلك المنطقة التي كانت تسمى سابقاً عراق العجم) وغرباً آذربايجان وشمالاً بحر الخزر.
إلاّ أن غالبية علماء الجغرافيا كانوا يطلقون اسم الديلم على منطقة صغيرة حوالي منطقة (رودبار) حالياً (الواقعة على طريق قزوين إلى رشت وتُعرف باسم رودبار الزيتون) المتصلة بمنطقة گيل. (رشت وضواحيها) وكان يفصل بينها وبين قزوين سلسلة من الجبال)[232](.
وكانوا أحياناً يعتبرون منطقة گيل ضمن منطقة الديلم. وعندما يتحدث ابن الفقيه عن حدود آذربايجان، فيكتب أن حدها الشرقي يتصل بالديلم)[233](. في حين إذا كان يعتبر گيل منفصلاً عن الديلم، كان عليه أن يعتبر گيل الحد الشرقي لآذربايجان. أمّا الأصطخري فيقول أن حدود الديلم هي جنوباً قزوين وطرم (تارم) وقسم من آذربايجان (يجب الإمعان في هذه العبارة، ربما كان يقصد بها حدود منطقة خمسة) وجانباً من ناحية الري ومن الشرق جانباً آخر من الري وطبرستان، ومن الشمال بحر الخزر ومن الغرب جانباً آخر من آذربايجان ومنطقة ران)[234]( (أي أران وكانت ضمن القوقاز). وكانوا في بعض الأحيان يزيدون من مساحتها في الحد الجنوبي ويعتقدون أن طالقان وقزوين كانتا ضمن الديلم)[235](. وقد يحتمل أن الإصطخري لهذا السبب اعتبر جانباً من الري، حداً جنوبياً للديلم، حيث كانت طالقان تعتبر داخل حدود الري.
ويستفاد من بعض الكتب من القرنين الثالث والرابع أن الري كانت تحت سيطرة الديلم وذلك عند الفتوحات الإسلامية. ويقول ابن الفقيه أن عمر كتب إلى عمّار بن ياسر، عامله على الكوفة أن أرسل عروة بن زيد الخيل مع ثمانية آلاف من الجندُ إلى الري ودشتي)[236](. فتوجه عروة إلى تلك الناحية، وقد جمع الديالمة قواتهم لمواجهته، وساعدهم في هذا الأمر أهالي الري)[237](.
ويستفاد من عبارة من كتاب ابن الفقيه أن قزوين كانت بيد الديالمة. وجاء في كتابه أنه قبل أن نصل إلى آمل عن طريق منطقة الديلم بخمسة فراسخ توجد مدينة تسمى ناتل وإذا عبرنا هذه المدينة نصل إلى جالوس وهي ضمن حدود الديلم)[238](.
إذا نستخلص من مجموع ما تقدم مع الأخذ بنظر الاعتبار الخريطة الموجودة في كتاب المسالك والممالك للأصطخري بأن ديلمستان كانت منطقة واسعة تشتمل على المناطق الجنوبية من گيلان حالياً إلى قزوين وكانت تضم أيضاً رودبار الزيتون التي تقع على طريق قزوين إلى رشت ورودبار الموت وجميع المناطق الجبلية إلى مازندران.
أصل الديالمة ونشأتهم
كان الديالمة يحسبون دائماً ضمن الشعب الإيراني ولكن كيف كان أصلهم وكيف سكنوا جبال الديلم فإننا لا نعرف عن ذلك شيئاً عدا ما ذكره ابن الفقيه في كتابه حيث يقول: لما اعتقل فريدون، الضحاك في يوم مهر من شهر مهر (أي يوم المهرگان) وقيده بالسلاسل والأغلال، واعتقل أيضاً الرجل الذي كان مسؤولاً عن قتل الشبان (والمعروف أن جرحين أليمين كانا على كتفي الضحاك وكان علاجهما هو أن يضعوا مخ شابين عليهما ليهدأ الآلم ولذلك كان يجب قتل شابين يومياً) فقال له فريدون سأقتلك كما كنت تقتل الشبان. فقال الرجل إني كنت عملت عملاً ترك لي حقاً. فسأله فريدون، ماذا كان ذلك العمل؟ فأجاب أن الضحاك كان يأمر بقتل شابين يومياً، ولكني كنت أقتل واحداً منهما وأطلق سراح الشاب الآخر. فسأله فريدون أين إذاً أولئك الذين أطلقت سراحهم؟ قال: اركب معي لأدلك أين هم، فركب فريدون وأخذه الرجل إلى جبال الديلم وأشار إلى أولئك الذين أفرج عنهم حيث كانوا قد تناسلوا وازدادوا عدداً وقال: هؤلاء هم الذين أنقذتهم من الموت. فقال فريدون كفانا الذين أطلقت سراحهم لقد عينتك حاكماً عليهم)[239](. وهذا الرجل كان أول حاكم على الديلم. إلاَّ أن التاريخ لا يعترف بهذه الأسطورة، وربما يأتي يوم نعثر على دلائل تؤكد ذلك.
لغة الديالمة ولهجتهم
كان الديالمة وحكامهم، في عهد البويهيين يتكلمون اللغة الفارسية ولكن تشير بعض الأدلة إلى أنه كانت لهم لهجة خاصة بهم. يقول الأصطخري أن لغة أهل الديلم ليست عربية ولا فارسية)[240](. ولكن مما لا شك فيه ونظراً لبعض الألفاظ الباقية من لغتهم فإنه يجب اعتبارها واحدة من لهجات اللغة الفارسية والمؤكد أن اللهجة الگيلگية هي نفسها اللهجة الديلمية لأن الديالمة والگيل كانا في القرنين الثامن والتاسع الهجريين سلالة واحدة وأن الديلم انصهروا تدريجياً في الگيل. والدليل على أن اللهجة الديلمية هي واحدة من اللهجات الفارسية هو ما كتبه ناصر خسرو وحيث يقول: «كان في مدينة سمنان رجل من أهل العلم يسمونه الأستاذ علي النسائي، وكان يتكلم باللغة الفارسية على لغة أهل الديلم)[241](» والدليل الآخر هو بعض الأبيات من الشعر الباقية إلى يومنا هذا من اللهجة الديلمية وتؤكد بوضوح أن هذه اللهجة هي من لهجات اللغة الفارسية.
ويبدو مما جاء في كتاب حدود العالم أن لهجات مختلفة كانت موجودة في الديلم والگيل. ويقول الكتاب أن الديلم منطقة فيها لغات مختلفة والظاهر أن القصد من الديلم هو معناها العام الذي يشتمل على گيلان ومازندران وگرگان.
الأسماء الخاصة بالديالمة
إن الأسماء الباقية من الديالمة في الكتب الإسلامية منذ التوغل الإسلامي في الديلم تدل إلى حدٍ ما على ألفاظ خاصة بلهجتهم، ويبدو أنهم كانوا يختارون أسماء أطفالهم من الكلمات الموجودة في لهجتهم. لقد نقل المسعودي أسماء عدد من قادة ماكان ابن كاكي الديلمي.. ننقلها نصاً: مُشيز، تالجين، شركلة إشكرَى، هَشُونه بن إومكَرَ)[242](. ونشاهد في كتاب تجارب الأمم لمسكويه وكتاب رسوم دار الخلافة وكتاب معجم الأدباء، أسماء أخرى.. وهي.. كَردُويه، وهسودان، جستان، شهر كويه، ذُرِنتا، شيري، زيار، خواشاذه، لشكرى، مردي، فولاد، مانادر، كَبات، ديكُونه (من الأسماء الخاصة بالبنات) پولاد دريديد أوپولاد ذريد (اسم لسلالة أو مجموعة الديالمة) شيرك، نيباك، ماكرَد، أميدوار، شيرزاد، كورموش، شيردل، اسبهام، لشكريستان شهريستان، روستاباش، سرخاب، شيرانگبين، روزمان، جوانگوله، ذِزَبر، ونداسفجان، ميتشكي، شهپيروز، شيراسفار (شيرسوار)، لشكرورز، بياده، ولكين، خورشيد، جوانمرد، سرهنگ، سياهجنك، سيامرد، بَلكا، رَبَنَبْر، بوريش، روزبهان، وَنُداخورشيد. وذكر التنوخي أسماء أخرى من الديالمة، والگيل منها على سبيل المثال؛ سوريل اسم لأحد قادة الديالمة وكردكُ نقيب ديلمي وأبو الحسن شيرمودي بنُ بلعباس قاضي، الديلم وحلوز بن باعلى وتكيدار بن سليمان قائد گيلي)[243](.
وذكر ابن الفوطي في كتابه بعض الأسماء من الديالمة.. منها.. شيرويه بن شهردار الديلمي، گرشاسب بن مردآويج بن لياشير الديلمي، من قادة القرن الخامس)[244](. ومن الألفاظ التي كان يستخدمها الديالمة.. كلمة أشتُلُم بمعنى القوة والحدة)[245]( وتستخدم هذه الكلمة حالياً بنفس المعنى، وكلمة لوُك بمعنى جيد وحسن. ويقول المقدسي لما كنت في الديلم كانوا يقولون عني بلهجتهم الخاصة: لوك معلم يعني العالم الجيد)[246](.
صفة أهالي الديلم
يقول أبو الفضل بن العميد وزير ركن الدولة الذي كان قد عاشر الديالمة واتصل بهم عن قرب، يقول في صفتهم، أنهم أناس حاسدون وطماعون، ما تمكن أحد أن يحكمهم إلاّ إذا استغنى عن الزينة والأنانية ولا يجرهم إلى البَطَر والغرور والمال والمنصب ولا يرغمهم على الحسد ضد الآخرين ولا يتظاهر بينهم ويبدو وكأنه من الطبقة المتوسطة. وكل من يدعوهم إلى جانبه ويظهر نفسه أكثر مما هو عليه سيحسدونه ويسعون إلى القضاء عليه وينتهزون الفرصة ليفاجئوه وعندما يشعر بأنه أكثر أماناً، يطغون عليه. الديالمة أناس شجعان ومتهورون وكانوا قبل اعتناقهم الدين الإسلامي من ألد أعداء المسلمين، ولهذا السبب كان الذين ينذرون أنفسهم للذهاب إلى الحدود الفاصلة بين الكفار والمسلمين للدفاع عن الثغور الإسلامية ويصدّون هجوم الكفار كانوا يفضّلون الإقامة في مدينة قزوين التي كانت من أهم مناطق الديلم الحدودية لأن الديالمة كانوا أشد الكفار مهابةً، ولهذا السبب: فهناك الكثير والعديد من الأحاديث والأخبار عن الإقامة في قزوين وكانوا يطلقون عليها اسم باب الجنّة.
ومن أهم صفات الديالمة هي طاعة الصغار للكبار طاعة مطلقة وتواضع الصغار أمام الكبار حيث أن الأصغر ولو كان ملكاً كان ينحني ويقع أرضاً أمام والده أو شقيقه الأكبر ولا يجلس أمامهما ويقف مكتوف اليدين. على سبيل المثال أن مرزبان بن محمد المعروف بالسالار وهو من حكام الديلم وأحد المنافسين لركن الدولة، عندما عزم على مهاجمة الري، قرر أن يستشير والده محمد وأخاه وهَسودان. ولما وقع نظره على أبيه، خرّ على الأرض وقبّل الأرض، ثم أجلس والده في صدر المجلس ووقف أمامه ورفض الجلوس.
صفة الديلم والديالمة
حسب اعتقاد الأصطخري
أمّا الأصطخري وهو من أشهر علماء الجغرافيا في النصف الأول من القرن الرابع فقد وصف الديلم والديالمة كما يلي:
الديلم ينقسم إلى قسمين: السهل والجبل، أمّا في السهل فيعيش الگيل وتمتد أرضهم من جبال الديلم حتى البحر. وأمّا الجبل فخاص بالديلم وتتألف هذه المنطقة من الجبال الشاهقة الوعرة. ويقيم ملك الديلم في منطقة رودبار (أي رودبار گيلان) ويحكمها الآن آل جستان (لقد حكم في الديلم عدة سلالات منذ القرون الهجرية الأولى وجاء أسماء بعضهم في كتب التاريخ الإسلامي).
وتوجد في أرض الديلم وخاصة في منطقة الكيل، الأشجار والغابات الكثيرة وأن القرى والأرياف تقع في الأراضي السهلة، ومهنة أهالي الديلم هي الزراعة وتربية المواشي، ولغتهم لا عربية ولا فارسية (أي لهجتهم الخاصة) وقد سمعت أن بعض الگيلانيين يتكلمون بلغة لا هي باللهجة الگيلگية ولا الديلمية. وأهل الديلم أغلبهم ضعفاء الجسم، ذوو شعر قليل، عجولون وغير مبالين. وكانت الديلم حتى عهد الحسن بن زيد منطقة غير إسلامية. وفي ذلك العهد أسلم جماعة منهم وما زال (النصف الأول من القرن الرابع) البعض الآخر منهم غير مسلمين)[247](.
المقدسي
يقول المقدسي وهو من أكبر علماء المسالك والممالك في القرن الرابع وهو يصف أهالي الديلم: إن الديالمة يحترمون كبارهم وهم رحماء مع الضعفاء ويتمتعون بمرتبة عالية في الفقه والحديث، أقوياء وشجعان في الحرب، ساحاتهم طاهرة ولهم آداب طيبة، وجوههم جميلة ولحاهم جيدة، لهم آداب وطقوس عجيبة منها أنهم لا يزوجون بناتهم لغيرهم، كنت يوماً في أحد الأسواق، فشاهدت بنتاً تهرب ورجلاً شاهراً سيفه يلاحقها فسألت عن السبب، فقال الرجل إنها اختارت زوجاً من غير الديالمة وأن قتلها واجب. وفي المآتم لا يضع الديالمة على رؤوسهم شيئاً ويجتمع بعضهم حول البعض الآخر.
توجد في الأزقة والأسواق أماكن عالية يجتمع الديالمة فيها وهم يحملون معهم رماح قصيرة خاصة بهم. إن الديالمة يسمون الرجل العالم، معلماً، وكانوا عادة يقولون لي لوك معلم، ولوك معلم يعني العالم الجيد. وليس من عادة الديالمة أن يبيعوا الخبز، وكل من كان بحاجة إلى الخبز أو أي طعام آخر، يعطونه ذلك مجاناً في أيام الجمعة، وهم يقيمون الأسواق في القرى، وبعد الانتهاء من البيع والشراء، يجتمع الرجال والنساء في إحدى الساحات ويتصارع الشباب. وفي الأعراس، يجتمع الناس بعد الغروب وكل واحد منهم يحمل قنينة من ماء الورد ويشعلون النار أمام دار العروس ودار العريس ويلقي أحد الطاعنين في السن كلمة عن لسان العريس وآخر عن لسان العروس رداً على كلمة العريس ثم تُقرأ صيغة الزواج. وفي هذه اللحظة يلقون «قناني ماء الورد على الجدار، ويعطون طبقاً من الحلوى يسمونه آفروشه، لكل من يحمل بيده قنينة من ماء الورد (وتُصنع هذه الحلوى من الطحين والسمن والدبس).
نساء الديالمة لا تخرجن من بيوتهن في النهار، ويخرجن في المساء وهن مرتديات عباءة سوداء. والمرأة التي توفي زوجها وأصبحت أرملة لا تتزوج بعده وإذا ما تزوجت فإن الأطفال يطرقون باب بيتها بالخزف)[248](.
الديلم والديالمة
ـ 3 ـ
المقصود من الديلم وجمعه ديالمة، طائفة من سكان القسم الغربي من الولايات الساحلية لبحر الخزر وقد يأتي ذكرهم عادة في الكتب القديمة مع طائفة أخرى وهي طائفة الگيل أو الجيل أو گيله أو گيلك. وقد مدَّت هاتان الطائفتان حدود سلطتهما عندما تمتعتا بالقوة إلى گرگان من الشرق وارّان من الشمال وقزوين من الجنوب.
وتقسم الأراضي الساحلية لبحر الخزر كما تبدو من الناحية الجغرافية إلى قسمين منفصلين الأول المناطق الجبلية والثاني السهول الواقعة بين جبال البرز والبحر، أمّا الگيل فكانوا يعيشون في المناطق الجبلية. وكانوا يطلقون على الأراضي التي تعيش فيها طائفة الگيل، گيلان بينما كانوا يسمون المنطقة التي يعيش فيها الديلم، ديلمان. وقد توسعت گيلان رويداً رويداً وكانت تطلق على منطقتي الگيل والديلم وبقيت كلمة ديلمان تطلق على قصبة في هذه الناحية فقط.
أمّا الديلم: فكانت لها معانٍ عدة لدى المسلمين، فمن جهة لما كان الديالمة لم يعتنقوا الإسلام إلى فترة من الزمن وكانوا يهاجمون ثغور البلاد الإسلامية ويسببون المشاكل الكثيرة فإن كلمة الديلم كانت تعني بالعربية «العدو» كما كانوا يقولون هو ديلمٌ من الديالمة. ومن جهة أخرى لما كان المسلمون يأخذون الأسرى من الديالمة في حروبهم معهم وكانوا يبيعون هؤلاء الأسرى كالغلمان والخدم فإن كلمة الديلم كانت تعني الخادم والغلام كما هو الحال في كلمة الهنود والزنگي والرومي والترك والصقلبي.
ويبدو من الحكاية التي نقلها التنوخي وقد لخصناها في الفصل الخاص بالتزوير والتدليس أن الديالمة كانوا يحلقون رؤوسهم بأسلوب خاص ولما كانوا يأكلون الثوم بكثرة فإن رائحة كريهة كانت في فمهم)[249](. ويبدو من كتابات مسكويه أن الديالمة كانوا يُعرفون من الملابس الخاصة التي كانوا يرتدونها ويلبسونها)[250](.
الديلم والديلمان في
الشعر الفارسي القديم
لقد جاء ذكر كلمة الديلم وأهلها في الأشعار الفارسية والعربية القديمة. كما أن الشاعر الإيراني فخر الدين أسعد الگركاني في القرن الخامس الهجري قد أشار إلى كلمة الديلم وسكان هذه المنطقة في منظومته الشعرية ويس ورايين المأخوذة من اللغة البهلوية الخاصة بالعصر الساساني.
الديالمة في العهد الساساني
لم نحصل على معلومات دقيقة ووثيقة عن الديلم وحالة الديالمة في العصر الساساني، إلاَّ أنه وقد تأكد تقريباً أن الديالمة لم يكونوا في العصر الساساني تحت سلطة ملوك هذه السلالة، فإن منطقتهم الجبلية كان من الصعب السيطرة عليها، ومن جانب يهاجمون الأراضي المجاورة متى سنحت لهم الفرصة وكانوا يقتلون وينهبون أهاليها.
وكان للملوك الساسانيين حصنان منيعان على حدود الديلم للحيلولة دون هجوم الديالمة. واحد منها قزوين والثاني جالوس وكانت هاتان المدينتان من المدن الحدودية مع الديلم في العصر الإسلامي وكان فيها دائماً جماعة من المحاربين المسلمين المرابطين هم على أهبة الاستعداد)[251](.
ويروي الدينوري في كتابه، أن أرض الديلم كانت في عهد الساسانيين ملجأ الذين يغضب عليهم الملوك)[252](. وهذا دليل آخر على أن الديالمة لم يخضعوا لسلطة الساسانيين.
كان للديلم حكامٌ آنذاك لم نعرف أسماؤهم ولا حالتهم بوضوح، ويقول السيد ظهير الدين في كتابه تاريخ طبرستان أنه في زمن يزدجرد، آخر ملوك الساسانيين، كان يحكم الگيل والديلم ورويان حاكم اسمه گاوباره)[253](، وأمر يزدجرد، كبار الكهنة أن يحققوا في أصله ونسبه، وقالوا له أنه من أحفاد جاماسب ومن بني أعمام الأكاسرة، فأعطاه يزدجرد حكومة طبرستان)[254](. وبهذا يتبين أن ملوك الساسانيين كانت لهم سلطة على الديلم.
ومن المؤكد أن الديالمة وبالرغم من عدم انقيادهم فقد كانوا موضع ثقة الساسانيين ولهذا السبب فإن خسرو پرويز جاء بأربعة آلاف منهم إلى العاصمة وكان هؤلاء يشكلون خدمه وحشمه)[255](.
وكان الديالمة يشكلون قسماً من عساكر الساسانيين وأن بعض قادة الجيش كانوا من الديالمة. منهم وَهَرز الذي ذهب مع جيش من أهالي الديلم وبأمر من أنوشيروان إلى اليمن لمساعدة سيف بن ذي يزن وفتحها وطرد الزنوج الذين كانوا قد هاجموا اليمن من الحبشة وأعاد السلطة إلى سيف بن ذي يزن ـ وقد أقام وَهَرز وجنوده في اليمن وبقوا فيها)[256](.
الديلم بعد الإسلام
يقول البلاذري أن خسرو پرويز جاء بأربعة آلاف من الديلم إلى العاصمة وجعلهم من خدمه وحشمه الخاصين. وقد بقيت هذه المجموعة على حالها بعد خسرو پرويز أيضاً إلى أن وقعت حرب القادسية حيث انضموا إلى جيش رستم (رستم فرخزاد، قائد الجيش الفارسي) وبعد هزيمة الجيش الفارسي، انفصل هؤلاء الأربعة الآلاف عن بقية الفرس، وقال بعضهم للبعض الآخر، نحن لسنا كالآخرين ولا ملجأ لنا وأن الجيش الفارسي لا يثق بنا، فالأفضل أن نعتنق الإسلام لتكون لنا العزة والشرف. وعندما رأى سعد بن أبي وقاص انفصال هؤلاء عن بقية أفراد الجيش الفارسي، سأل عن السبب فجاءهم المُغيرة بن شعبة وسألهم عن حالهم، فشرحوا له أحوالهم وقالوا له نحن نقبل دينكم. فعاد المغيرة وأبلغ سعداً بذلك، فأعطاهم الأمان واعتنق هؤلاء الدين الإسلامي)[257](.
ويقول البلاذري في مكان آخر أن هؤلاء الأربعة الآلاف طلبوا الأمان شريطة أن يذهبوا أينما أرادوا ويتعاهدوا مع أي من أرادوا وأن تكون لهم حصة من بيت المال. فقبل المسلمون هذه الشروط وخصصوا لهم المكان الذي طلبوه وقرروا لهم ألف ألف درهم ونصبوا عليهم حاكماً كان يسمى ديلم. وسميت هذه المجموعة بحمراء الديلم)[258](.
وقد أرسل زياد بن أبيه جمعاً من هؤلاء إلى الشام فكانوا يسمونهم هناك بالفُرس. وأرسل جمعاً آخر إلى البصرة والتحقوا هناك ببقية الفرس الذين كانوا يسمونهم (الأساورة). ويقول أبو المسعود أن العرب يسمون الفرس (المقيمين في الكوفة والبصرة وبقية البلاد العربية) بالحمراء)[259](.
وكانت هذه المجموعة من الفرس المقيمين في الكوفة، مصدراً لكثير من الأمور ذات الشأن، منها إدخال بعض الألفاظ الفارسية إلى العربية، مثلاً كان العرب يسمون مفترقات الطرق. شهارسوج (جهارسو بالفارسية) )[260](. ثم أنهم شاركوا بصورة فاعلة في الانتفاضات التي حصلت بعد واقعة كربلاء.
ويقول الدينوري أن عشرين ألفاً من الفرس كانوا في جيش إبراهيم بن مالك الأشتر الذي ذهب لمحاربة عبيدالله بن زياد بأمر من المختار وكانوا يسمون «الحمراء» وكان أفراد هذا الجيش لا يتكلمون إلاَّ باللغة الفارسية)[261](. والمعلوم أن اعتناق الديالمة للدين الإسلامي وإقامتهم في البلاد الغريبة بدأ منذ عهد الرسول الأكرم (ص). وقد ذكرنا أن أحد القادة من الديلم ويدعى وَهَرز ذهب مع جيش من الديالمة إلى اليمن بأمر من أنوشيروان وطرد الأحباش من هناك وأعاد الملك إلى سيف بن ذي يزن. وقد بقي الجيش المذكور في اليمن وكان سكان اليمن يسمون هؤلاء بني الأحرار وتارة كانوا يسمونهم الأبناء. وكان لفظ الأبناء يطلق على أولاد أفراد هذا الجيش إلى أبناء الأحرار)[262](.
وبعد ظهور الإسلام، جاء ممثلون من اليمن إلى الرسول الأكرم (ص) وأسلموا. وبعث الرسول (ص) ممثلين عنه إلى اليمن ليعلموا أبناء اليمن تعاليم الدين الإسلامي. وكان الفرس المقيمون في اليمن آنذاك ما زالوا على دين زردشت. وكان النبي (ص) قد قرر أن يدفع كل مجوسي في اليمن (أبناء زردشت) قد بلغ أشده رجلاً كان أو امرأة ديناراً واحداً جزية)[263](.
الأسود العنسي والديالمة
المقيمين في اليمن
ادعى رجل كاهن يسمى عَيهَلَه النبوة في اليمن وجمع بعضاً من الناس حوله. ولما كانت بشرته سوداء كان يسمى الأسود فبعث الرسول الأكرم (ص) في العام الحادي عشر للهجرة، عام وفاته، جرير بن عبدالله البجلي إلى اليمن ليعرض الدين الإسلامي على عيهلة، إلاَّ أن الأسود رفض ذلك وكان رجلاً مغروراً كما كان يهين الفرس المقيمين في اليمن. ولما رفض قبول الإسلام، بعث النبي (ص) رجلاً يدعى قيس بن هبيرة الملقب بمكشوح إلى اليمن لمحاربته.
وكان الرسول (ص) قد أمر قيساً بالتعاطف مع الفرس (الأبناء) فذهب قيس أولاً إلى فيروز بن الديلمي الذي كان قد أسلم آنذاك. ثم ذهب إلى باذام الذي كان على رأس الأبناء (الفرس). ويعتقد البعض أن باذام كان قد توفي آنذاك وأن رجلاً يدعى داوديه كان يرأس الفرس فأسلم عندما ذهب إليه قيس، كما بعث ممثلين عنه إلى بقية الفرس ليسلموا وساعدوه في الحرب مع الأسود. حيث دخلوا إلى بيته عند الفجر عن طريق النهر أو عن طريق نقب أوجدوه وكان سكراناً نائماً قطع قيس رأسه وكان يصرخ كالبقر فاستوحش الحراس وسألوا ماذا جرى لرحمن اليمن؟ فردت زوجة الأسود (كانت فارسية اسمها مرزبانه وكان الأسود قد تزوجها كرهاً ولهذا السبب كانت حاقدة عليه) قائلة لا شيء، ينزل عليه الوحي. فسكت أصحاب الأسود. فقطع قيس رأس الأسود وأخذه إلى سطح حصن المدينة وفي الصباح أخذ ينادي: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن الأسود كذاب عدو الله: فلما اجتمع أنصار الأسود ألقى قيس رأس الأسود إليهم فتفرقوا. ويقول بعض الرواة أن فيروز بن الديلمي هو الذي قتل الأسود وقد مر قيس على جثته وقطع رأسه)[264](. نقل الطبري حكاية الأسود بالتفصيل… وأن ملحقه كما يلي:
بعد عشرين ليلة من ظهور الأسود، هاجمه شهر بن باذام (من الفرس المقيمين في اليمن). إلاّ أن الأسود قتل شهر وهزم الفرس الذين كانوا معه، وفوض أمر الفرس إلى فيروز الديلمي ودادويه. وبعد أن ثبت الأسود في مكانه، وأخذ يهين فيروز ودادويه وتزوج زوجة شهر التي كانت ابنة عم فيروز. يقول أحد الديالمة واسمه جشيش بن الديلمي أن وَبَرَ بن يُحَنّس حمل إلينا رسالة من النبي (ص) أمرنا فيها بالصمود في ديننا (وكان جشيش وأصحابه قد أسلموا من قبل) والنهوض لمحاربة الأسود. فذهبت أنا (جشيش) إلى زوجة الأسود وكانت تسمى آزاد وقلت لها يا ابنة العم، لا يخفى عليك العذاب الذي يلاقيه قومك من هذا الرجل (الأسود) لقد قتل زوجك وأسرف في قتل أبناء قومك واستهان ببقيتهم وهتك أعراض النساء. فأقسمت زوجة الأسود بأنها لا تكره أحداً في العالم كما تكره الأسود وتحقد عليه. وقالت أخبروني عن عزمكم، لأعلمكم عن خاتمة العمل. يقول: لقد خرجت من الدار وشاهدت فيروز ودادويه ينتظرانني، فرجعت إلى آزاد (زوجة الأسود) وأبلغتها عن عزمنا على قتل الأسود. فقالت آزاد ان الحراس قد حاصروا القصر في كل مكان عدا هذه الغرفة (وأشارت إلى الغرفة) وقالت خلف هذه الغرفة ينتهي إلى طريق كذا وليس هناك أي حارس.
عليكم أن تحفروا نقباً خلف هذا الجدار بعد غروب الشمس وادخلوا إلى الدار وعندها ليس أمامكم أي حائل لقتل الأسود. ففي هذا الوقت عزمت على مغادرة الدار فلقيت الأسود، فقال لي: من دخل بك إلى الدار؟ وضرب رأسي ضربة فوقعت على الأرض لأن الأسود كان رجلاً قوياً. فلما شاهدت زوجته هذا صرخت وقالت: إنه ابن عمي جاء ليزورني. وخلاصة القول أن جشيش وفيروز وأصحابهما نقبوا الجدار ليلاً وأن فيروز الذي كان أقواهم وأشجعهم قتل الأسود، فعند الفجر وقفت أنا (جشيش) للأذان ولما اجتمع أصحاب الأسود صرخت: أشهد أن محمداً رسول الله وأن عيهلة كذاب. ثم ألقينا رأس الأسود إليهم. وكتبنا إلى الرسول الأكرم (ص) بالأمر)[265](.
استيلاء الديالمة
على بعض المناطق
يبدو من كتاب تاريخ مدينة قم القديم (المؤلف في القرن الرابع الهجري) أنه في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، كان الديالمة يعتدون على المناطق المجاورة كلما سنحت لهم الفرصة ويقتلون الأهالي وينهبون الأموال. ويشرح الكتاب كيفية مجيء الأشاعرة العرب إلى مدينة قم فراراً من جور الحجاج.. ثم يقول أن خربنداد من أشراف منطقة أبرشجان (من محلات قم السبعة) جاء إلى الأحوص (من رؤساء الأشاعرة). وأن الأحوص عززه وأكرمه وأمر أن يقدموا له الخبز والحليب واللحم المجفف المُطعم بالزعفران والأباريز والدارسين. ثم سأل الحباب (وكان رجلاً ملازماً للأحوص، وكانوا يسمونه بالفارسية خوشنما وكان يجيد اللغتين العربية والفارسية) خربنداد عن اسمه. فقال: خربنداد، فقال الحباب للأحوص، يا بشرى إن معنى اسم هذا الرجل هو الجد السعيد أو الرجل السعيد. وكان الديالمة آنذاك (سنة 94 هجرية) يسطون على بلاد الجبل)[266]( وينهبون الأموال ويقتلون ويأسرون. وقد اتفق أن جماعة من الديلم حسب عادتهم هاجموا هذه المنطقة في يوم النيروز (النوروز) حيث كانوا يعلمون أن الأهالي في هذا اليوم يفرحون ويمرحون ويلعبون الصولجان. فتصدى لهم الأحوص ورجاله وهزموهم. فما كان من أهالي مدينة قم إلاّ أن رحبوا بالأحوص وقومه واستقبلوهم بالنقود والزعفران. فمنذ ذلك الوقت كان الأحوص ورجاله يتربصون للديالمة كلما حاولوا الهجوم على قم ورويداً رويداً انقطع الديالمة عن هذه المنطقة)[267](.
وكان الديالمة يسطون على ضواحي مدينة ساوه والمناطق المجاورة لمدينة قم. وجاء في تاريخ قم القديم (النصف الثاني من القرن الأول الهجري) أن الديالمة كان يسطون في كل عام على منطقة قريبة من ساوه وينهبون ويأسرون وأن هذه الجماعة من الديلم هاجمت قرية طخرود (تسمى اليوم تقرود وهي على مسافة أربعة فراسخ شمال غرب مدينة قم وكانت في الأصل تلخه رود) ونهبت الأهالي وأسرتهم. وهنا توجه العرب الأشاعرة من قم لمجابهة الديالمة وهزموهم)[268](. ويبدو أن الديالمة كانوا يهاجمون هذه النواحي من الطرق التي كانوا يعرفونها وفي غير هذه الحالة كان جيش قزوين والمرابطون يقفون أمامهم ويصدونهم.
صلة البرامكة بالديلم
يبدو من كتاب أبي الفرج الأصفهاني أنه كانت هناك صلة سرية بين البرامكة وأمراء الديلم وأن العلويين الذين كانت حياتهم مهددة من قبل الخلفاء، كانوا يلجأون إلى الديلم بإرشاد من آل برمك وتوصياتهم. ويقول أبو الفرج أن يحيى بن عبدالله بن الحسن بعد واقعة فخ)[269]( كان يعيش في الخفاء فترة من الزمن وكان يتجول في المدن متنكراً ريثما يجد ملجأ لنفسه. فعرف الفضل بن يحيى البرمكي مكانه فأرسل إليه بأن يخرج من مكانه ويتوجه إلى الديلم. وكتب رسالة وأعطاه إياها لكي لا يتعرض له أحد في الطريق. فذهب يحيى متنكراً إلى الديلم)[270](. ويقول أبو الفرج في مكان آخر: وسألوا يحيى لماذا اخترت الديلم على غيرها من المناطق والبلاد الأخرى؟ فأجاب، يبدو لي أن الديالمة سيقومون بمساعدة واحدٍ منا ضد الخلفاء وكنت أرجو أن أكون ذلك الواحد. ثم يشرح أبو الفرج الأصفهاني بعد ذلك ذهاب الفضل بن يحيى البرمكي إلى ولاية الري ونواحيها وإعطائه الأمان إلى يحيى العلوي وأخذه إلى بغداد دون علم الرشيد وكان هذا الأمر أحد أسباب الإطاحة بالبرامكة)[271](. وقد ذكر البيهقي في تاريخه بالتفصيل حكاية يحيى العلوي)[272](.
في عهد المأمون والمعتز
وفي عهد المأمون ذهب أبو دلف العجلي إلى حرب الديلم وفتح عدة حصون منها أقليم وبومج وأيلام وآنداق وعدة قلاع أخرى وفي سنة 253 أرسل الخليفة المعتز، موسى بن بُغا إلى الديلم لمحاربة آل أبي طالب الذين كانوا قد انتفضوا هناك ضد الخليفة. وكان الديالمة آنذاك قد اجتمعوا حول رجل علوي يدعى الكوكبي، (الحسين بن أحمد من أبناء علي بن الحسن (عليه السلام) وكانوا يدافعون عنه أمام جيش الخليفة)[273](. وكانت منطقة الديلم من أهم ملاجىء آل أبي طالب الذين كانوا يعيشون حياة قاسية صعبة منذ بداية خلافة العباسيين، لأن الوصول إلى منطقة الديلم كان شاقاً عسيراً للغاية كما أن أهالي الديلم كانوا يدافعون عنهم ويؤيدونهم، وقد ازداد ورود العلويين على الديلم في عصر المتوكل العباسي.
اعتناق الديلم للإسلام
لقد ذكرنا سابقاً الديالمة الأوائل الذين أسلموا خارج حدود بلاد الديلم (في اليمن) ومنذ بداية خلافة العباسيين وبعد أن أصبحت الديلم ملجأ لآل علي (عليهم السلام) بالتدريج، كان الإسلام قد فتح طريقه إلى هناك وكان عدد من ملوك وأمراء الديلم قد قبلوا الدين الإسلامي وساعدوا آل أبي طالب الذين انتفضوا في طبرستان)[274](.
وعلى الرغم من أن أغلبية أهالي الديلم كانوا قد تعرفوا على الإسلام بإرشاد آل أبي طالب واعتنقوه على أيديهم إلاّ أنه يبدو أن بعضهم قد اعتنقوا الإسلام عن طرق أخرى، فنرى أن حوالي خمسين ألفاً من الديلم كانوا في القرن الرابع من الحنابلة وكانوا يعرفون بأصحاب جعفر الحنبلي)[275](. وبالرغم من أن الديلم والگيل كانتا منطقة واحدة، وأن الگيل قسماً من الديلم في أغلب الأحيان إلاّ أنه وحسب تعبير المقدسي فإن أهالي ناحية الديلم كانوا في القرن الرابع من الشيعة وأن أغلبية أهالي الگيل كانوا من السُنّة)[276](.
وإضافة إلى ذلك فإنه حتى القرن الرابع قد برز من الديلم عدداً من العلماء ورجال الدين جاءت أسماؤهم في كتب الرجال والتراجم، وسنذكر عدداً منهم في فصل خاص.
على أن الإسلام لم يعم الديلم إلاّ على يد الطالبيين وبالأخص الحسن الأطروش منهم وعن الأطروش هذا يقول المسعودي: نهض الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حسن بن علي بن أبي طالب)[277]( الملقب بالأطروش في منطقة طبرستان والديلم وطرد المسودة)[278]( من هناك وكان ذلك في سنة ثلاثمائة وواحد للهجرة، ودعا الأطروش أهالي الديلم إلى الدين الإسلامي وأنهم قبلوا هذه الدعوة إلاّ القليل منهم حيث بقوا على دين آبائهم وظل هؤلاء (في عهد المسعودي في القرن الرابع) يعيشون في جبال الديلم وقد أسس الأطروش مساجد كثيرة في بلاد الديلم)[279](.
يقول ابن حَزم أن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروف بالأطروش وصل إلى الديلم حوالي سنة ثلاثمائة، وأن أهالي الديلم جميعهم أسلموا على يديه.
ويقول المقريزي أن الأطروش بقي بين أهالي الديلم مدة أربعة عشر عاماً ودعاهم إلى الإسلام، وآمن جمع كثير منهم ولقب بناصر الحق، وقد حرّض الديالمة لمساعدته للهجوم على مازندران. وبعد أن حارب حاكم مازندران، هزمه واحتل مازندران ودخل مدينة آمل في سنة ثلاثمائة وواحد للهجرة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اثني عشر عاماً كانت مازندران في سلطة العلويين ثم احتلها أمراء الديلم)[280](.
ويقول ابن الأثير أن الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين استولى في سنة 301 على طبرستان. دخل الحسن بن علي الأطروش الديلم بعد مقتل محمد بن زيد وبقي فيها ثلاثة عشر عاماً ودعاهم خلال هذه المدة إلى الإسلام فأسلموا واجتمعوا حوله وأسس الأطروش عدة مساجد لهم. وكان للمسلمين حدود أمام الديلم كمدينة قزوين ومدينة چالوس. وكان في چالوس حصن قوي أمر الأطروش بعد أن أسلم الديلم والگيل بهدمه. وكان الأطروش يدعو الديالمة للتعاون معه للهجوم على طبرستان ولكنهم كانوا يرفضون ذلك، واتفق أن أحمد الساماني عزل عبدالله من ولاية طبرستان ونصب مكانه رجلاً يدعى سلام. ولم تمض مدة طويلة حتى عُزل سلام من منصبه لسوء سياسته وسوء معاملته وجاء عبدالله ثانية إلاّ أنه توفي بعد مدة قصيرة وعيّن الأمير الساماني، رجلاً يدعى أبو العباس محمد بن إبراهيم الصعلوك لهذا المنصب. وكان سيىء الخلق والسيرة وقضى على التقاليد التي وضعها عبدالله وقطع الهدايا التي كانت ترسل إلى أمراء الديلم. فانتهز الأطروش الفرصة وحرّض أهالي الديلم ودعاهم للهجوم على طبرستان فاستجابوا لدعوته وهاجموا طبرستان فهزم الصعلوك في المعركة التي وقعت في مكان يسمى نوروز على مقربة من چالوس على ساحل البحر وقُتل ما يقارب أربعة آلاف من رجاله.
أمّا الديالمة الذين أسلموا على أيدي الأطروش، فكانوا من الذين يعيشون خلف نهر سفيد رود حتى منطقة آمل وكانوا شيعة، وكان الأطروش نفسه زيدياً وكان شاعراً ومن كبار العلماء وكان قدوة في الفقه والدين. وسبب تسميته بالأطروش هو أنه تلقى ضربة بالسيف على رأسه في الحرب مع محمد بن زيد ففقد سمعه)[281](.
رجال العلم والأدب الديالمة
بالرغم من أن الدين الإسلامي انتشر في الديلم في بداية القرن الرابع فإننا نشاهد رجالاً من الديلم كانوا قبل القرن الرابع في عداد المحدثين والعلماء والأدباء نذكر هنا بعضهم، علماً بأن أغلبية هؤلاء كانوا يعيشون خارج الديلم:
1 ـ ديلم الحِميري: هو ديلم بن فيروز ولنزوله في قبيلة حمير (من قبائل اليمن) فقد عُرف بالحميري. وكان في عداد صحابة رسول الله (ص) وقد سأل رسول الله عن الأشرِبة. وذهب إلى مصر ونقل أهل مصر الروايات منه. وهو أول من لقي رسول الله (ص) ممثلاً سكان اليمن. وكان له الدور الكبير في قتل الأسود الكذاب اليمني. وهو الذي حمل النبأ إلى المدينة. ولكنه وصلها بعد أن كان رسول الله (ص) قد توفي وهو ديلم بن هُوشَع.
وروى عنه ابنه عبدالله وكان يسمى فيروز وهو الذي قتل الأسود العَنَسي)[282](. ويقول ابن عبد البرّ أن ديلم الحميري الجيَشاني، هو ديلم بن أبي ديلم الذي يسمونه ديلم بن فيروز أيضاً وكان له كلام مع الرسول (ص) ـ إذاً فهو من الصحابة ـ وقد رُوي عنه حديث واحد حول الأشرِبة)[283](.
وقد جاء اسم فيروز الديلمي في كتب رجال الشيعة من الصحابة.
2 ـ الضحاك بن فيروز الديلمي ـ يقول السمعاني أن الضحاك روى عن أبيه فيروز وأن أبا وهب الجيشاني نقل الحديث عن الضحاك)[284](.
3 ـ نافع الديلمي ـ المتوفى سنة 117 وهو من علماء الحديث.
4 ـ يحيى بن زياد بن الديلمي ـ المعروف بالفرّاء ـ وكان الفرّاء أكثر علماً من جميع أهالي الكوفة في النحو واللغة. وكان قد تعلم النحو من الكسائي ودخل بغداد في عهد المأمون وألف كتاباً في أصول النحو بأمر من المأمون وطلب المأمون منه أن يعلم النحو لولديه)[285](.
5 ـ حمّاد بن أبي ليلى ـ شاپور الديلمي الكوفي المعروف بحماد الراوية من مشاهير علماء التاريخ واللغة في العصر الأموي وكان في الطبقة الأولى من علماء اللغة في الكوفة)[286](.
بعد القرن الرابع
أمّا في القرن الرابع وبعد ذلك فقد خرج الكثير من العلماء والأدباء من الديلم. نذكر عدداً منهم:
1 ـ أبو محمد الحسن بن موسى بن بندار الديلمي، ويقول السمعاني أنه كان شاباً أديباً فاضلاً وقد وصل بغداد في سنة 363 وقد روى الحديث عن عدد من الرجال كما روى أبو بكر البرقاني منه)[287](.
2 ـ أبو يعلى عثمان بن حسن الديلمي ـ المعروف بالطوسي من الفضلاء ومن أهل العلم والمعرفة توفي في سنة 367)[288](.
3 ـ الحمزة بن عبدالعزيز الديلمي الطبرستاني ـ المعروف بسلاّر (معرب كلمة سالار) من كبار الفقهاء، كان تلميذ الشيخ المفيد وله مؤلفات كثيرة وقد جاء اسمه في جميع كتب الرجال.
4 ـ شيرويه بن شهردار الديلمي ـ الموصوف بالحافظ من أفاضل عصره وله المؤلفات في الحديث والتاريخ ـ توفي في سنة 509)[289](. يقول ابن الفوطي أنه كان يعتبر نفسه من أحفاد الصحابي فيروز الديلمي)[290](.
5 ـ الأمير كيكاوس بن دَسمَر بن يار الديلمي الطبري، العالم الفاضل المجاز من الشيخ منتخب الدين صاحب الفهرست، توفي سنة 585. له كتاب في النجوم وكتاب آخر في مواعيد الصلاة)[291](.
6 ـ كوشيار الديلمي الگيلي: من كبار علماء النجوم والهيئة في القرن الرابع.
7 ـ الحسن بن أبي الحسن الديلمي من العلماء والعرفاء والزهاد في القرن السادس وله مؤلفات كثيرة منها كتاب إرشاد القلوب المعروف بإرشاد الديلمي.
8 ـ أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي ـ من كبار شعراء القرن الرابع. له ديوان مطبوع في أربع مجلدات. كان مهيار زرداشتياً وأسلم على أيدي الشريف الرضي في سنة 392، كانت وفاته في سنة 428 هجرية.
وعلى أي حال فقد أبرز الديالمة بعد خروجهم من منطقة الديلم الجبلية، كفاءتهم واستعدادهم ولياقتهم، لا في المناصب والمسؤوليات العلمية فحسب بل وفي المناصب والمسؤوليات العسكرية والشؤون الأخرى أيضاً. وقد أدوا خدمات جمة للخلفاء ومن بعدهم للبويهيين، ففي بداية عملهم وفي سنة 317 أوفد الخليفة العباسي أحد الديالمة ويدعى منصوراً مع حجاج بيت الله الحرام وتمكن أن يوصل الحجاج إلى مكة المكرمة بسلام)[292]( ويقول ابن الأثير أن منصوراً الديلمي كان المشرف على الحجاج)[293](.
بعض أمراء الديالمة
أيام البويهيين
هم جماعة من الأمراء الديالمة كانت لهم السلطة خارج أرض الديلم قبل البويهيين أو تزامناً مع ظهور البويهيين، والحديث التفصيلي عنهم خارج عن موضوعنا. يقول مسكويه في حديثه عن أحداث سنة 315 هجرية أن الديالمة ظهروا في هذه الأعوام. وأول من استولى منهم على الري هو ليلى بن نعمان وبعده جاء ماكان بن كاكي. وقد بعث أمير خراسان (الأمير الساماني) كتاباً إلى ماكان ودعاه إليه، فاستجاب ماكان لدعوة أمير خراسان وتوجّه إلى تلك الديار. وبعد ذهاب ماكان استولى أسفار بن شيرويه على الري.
بين البويهيين والسامانيين
السامانيون هم من أوائل من أسسوا حكومات مستقلة في إيران بعد الإسلام وبذلوا المساعي لنشر اللغة الفارسية وشجعوا الشعراء على نظم الشعر بها وكذلك الكتّاب على التأليف. أمّا البويهيون فلم يهتموا بالأدب الفارسي وشعره وكان اهتمامهم منصرفاً إلى اللغة العربية وآدابها.
كما أن البويهيين كانوا من أنصار آل علي ومن المؤيدين للمذهب الشيعي والسامانيون لم يكونوا كذلك وكانوا يضمرون العداء للعلويين أحياناً. ويفهم من إحدى رسائل أبي بكر الخوارزمي أنهم أنزلوا الضربات بآل علي.
ورغم كل هذا توجد بعض الدلالات التي تشير إلى أن السامانيين كانوا يهتمون بالمذهب الشيعي وبآل علي، كما توجد بعض الدلالات على أنهم كانوا في الباطن لا يرغبون بالعباسيين.
علي أصغر فقيهي
الديمقراطية من واقع التطبيق
كلمة (ديمقراطية) من المعرَّب الذي خضع لظاهرة تنقل الألفاظ وهو في طريقه إلى اللغة العربية، وأخضع في اللغة العربية لأصول التعريب، فقد قالوا هي في الأصل يونانية، مركبة من كلمتين، هما: (de mos) ومعناها (الشعب) و(Kratos) ومعناها (الحكم) أو (الحكومة).
ومن اليونانية انتقلت إلى اللغات الأخرى، ومن هذه اللغات التي انتقلت إليها اللغة الإنجليزية، وهي فيها (de mocracy) بلفظ قريب من الأصل اليوناني في نطقه.
ومنها الفرنسية، وهي فيها (de mocratie) ينطق فيه شيء من البعد عن الأصل اليوناني.
ومن الفرنسية انتقلت إلى اللغة العربية، وأخضعت لقواعد التعريب فكانت (ديمقراطية) بصيغة المصدر الصناعي مقصوداً به الاسم.
والترجمة الحرفية لها: (حكم الشعب) أو (حكومة الشعب)، ولكنها كنظام هي أوسع من هذا، ذلك أنهم نوّعوها بالنظر إلى واقعها على صعيد التطبيق إلى:
1 ـ الديمقراطية القديمة:
وهي الديمقراطية اليونانية التي لم تدم طويلاً، كما ذكروا في تاريخها.
2 ـ الديمقراطية الحديثة:
وتنقسم ـ أيضاً بالنظر إلى واقعها من حيث التطبيق ؛ إلى:
أ ـ الديمقراطية الغربية:
وهي القائمة ـ حالياً ـ في الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوروبا الغربية، وتتمثل خطوطها العامة في المبادىء التالية:
1 ـ مبدأ سيادة الشعب:
وتتمثل هذه السيادة في أن للشعب الحق في:
أ ـ اختيار رئيس الدولة وأعضاء حكومته، إما مباشرة أو عن طريق ممثليه.
ب ـ الموافقة على النظام الذي يتم تشريعه عن طريق فقهاء القانون.
ج ـ مراقبة الحكومة في مدى قيامها بوظيفة تنفيذ وتطبيق القانون تطبيقاً لا تعسف فيه.
2 ـ مبدأ كفالة الحريات الفردية في الرأي والتفكير في مجالي السياسة والاقتصاد.
3 ـ مبدأ المساواة أمام القانون فلا امتياز لمواطن على آخر.
وهذه المبادىء هي ما هدفت إليه الثورتان الفرنسية والأمريكية.
ب ـ الديمقراطية الشرقية:
وتقوم على المبادىء التالية:
1 ـ مبدأ سيادة الشعب.
2 ـ مبدأ العدالة في توزيع الثروة.
3 ـ مبدأ المساواة أمام القانون.
ولأننا ـ الآن ـ نعيش ونعايش تطبيقات الديمقراطية الحديثة سنكون معها في التعريف لما يراد بكل عنصر من عناصر كل قسم من قسميها.
وكما رأينا أن كلا القسمين يتفقان على أن المبدأ الأول هو سيادة الشعب.
ويعني هذا المبدأ ـ كما أسلفت ـ أن للشعب وحده الحق في:
أ ـ اختيار الحكومة.
ب ـ المصادقة على الدستور والأنظمة واللوائح والقرارات المتفرعة عنه.
ج ـ مراقبة الحكومة.
وكان هذا المبدأ (مبدأ سيادة الشعب) وبتفاصيله المذكورة ردّ فعل لما كانت تمارسه الحكومات الدكتاتورية قبل حدوث الثورات الديمقراطية.
وقبل أن نؤرخ مختصراً لذلك بما يلقي الضوء على أسباب ظهور هذا المبدأ (مبدأ سيادة الشعب) لا بد من تعرّف مفهوم الدكتاتور والدكتاتورية في العرف القانوني.
جاء في (المعجم القانوني) ـ لحارث الفاروفي طـ2 سنة 1996م: مادة Dictator ـ ما يلي: «ديكتاتور Dictator: من مَلَكَ السيادة والسلطة المطلقة في البلاد وكان له التصرف بشؤونها وسياستها كما شاء دون أن يعصى له أمر أو توجد في البلاد قوة أخرى تستطيع معارضته أو تملك حق تقييده أو مساءلته عما يفعل وإدانته».
وفي (معجم المصطلحات الفقهية والقانونية) للدكتور جرجس جرجس طـ1 سنة 1996م: مادة دكتاتور: «دكتاتور: هو الشخص ـ أكان سياسياً أو عسكرياً ـ الذي يتوصل بأساليبه الخاصة إمّا بانقلاب عسكري أو سياسي، وإمّا بطريقة شرعية، إلى استلام الحكم في بلده فيتحكم بكل دوائره السياسية واضعاً يده على السلطات الثلاث فيصبح الآمر والناهي والمنفّذ معاً».
وفي (الصحاح) للمرعشليين طـ1 سنة 1975م: مادة دكأ: «دكتاتورية Dictator ship: حكم الفرد أو الجماعة دون الالتزام بموافقة المحكومين.
ويرجع المصطلح إلى العهد الروماني القديم حين كان أعضاء مجلس الشيوخ يعينون في الأزمات القومية دكتاتوراً يتمتع بسلطان مطلق لمدة معينة».
وفي (معجم المصطلحات الفقهية والقانونية): «دكتاتورية: نظام الحكم الذي يهيمن عليه الدكتاتور فيتبع فيه سياسة التسلط والتحكم بالدولة والأفراد ويصبح الزعيم الأوحد في البلاد، ينبغي على جميع مواطنيه إطاعة واحترام سلطته، وكل من يخالفه يعاقب بالإعدام أو النفي».
وكل هذه التعريفات وأمثالها مستمدة من واقع سياسة الحكومات التي كان الناس في الغرب قبل الثورات الديمقراطية يعيشون أجواءها الجائرة.
ومن هنا ـ وبشكل طبيعي ـ كانت الثورات الديمقراطية الغربية في مجالها السياسي رد فعل لذلكم الواقع الدكتاتوري.
ولنأخذ مثالاً الثورة الفرنسية، قال البعلبكي في (موسوعة المورد) ـ طـ1 سنة 1981م: «الثورة الفرنسية French Revolution: سلسلة من الانتفاضات السياسية والاجتماعية الدامية عصفت بفرنسا في ما بين عام 1789 وعام 1799.
بدأت بهجوم الثوار على سجن الباستيل (14 يوليو 1789) وانتهت بقيام القنصلية)[294]( في 10 نوفمبر 1799.
من أبرز أسبابها:
1 ـ تركزُ السلطة السياسية في يد الملك والنبلاء ذوي الامتيازات.
2 ـ فقرُ الفلاحين ورزوحُهم تحت نير الاستبداد الإقطاعي.
3 ـ إفلاسُ الدولة بعد سلسلة طويلة من الحروب.
4 ـ تعاليمُ فلاسفة القرن الثامن عشر (وبخاصة روسّو ومونتيسكو) الداعية إلى الحرية والديمقراطية.
5 ـ نجاحُ الثورة الأمريكية)[295]( على نحو أثار مشاعر الفرنسيين وأوقع في نفوسهم الأمل في التخلص من أوضاعهم السيئة.
من أهم نتائجها:
1 ـ إلغاء الإقطاعية.
2 ـ إعلان حقوق الإنسان.
3 ـ تأميم أملاك الكنيسة.
4 ـ نشوب الحروب الثورية.
5 ـ الإطاحة بالنظام الملكي.
6 ـ قيام الجمهورية الفرنسية الأولى».
ومن المفروغ عنه ـ تاريخياً ـ أن الدكتاتوريات الغربية كانت تصادر الحريات الفردية، وتستولي على ثروات الأوطان وتتحكم في مقدرات شعوبها.
ولهذا وضع المبدآن الآخران ونُصَّ عليهما بشكل خاص، وهما: (إطلاق الحريات الفردية وكفالتها) في الديمقراطية الغربية و(التوزيع المنصف للثروة) في الديمقراطية الشرقية.
أمّا المبدأ الثالث الذي هو (المساواة أمام القانون) فَشُرَّعَ للقضاء على الامتيازات التي كان الحاكم الأعلى والمسؤولون الكبار يتمتعون بها.
وكما رأينا ـ وهو شيء واضح ـ أن الديمقراطية الحديثة انبثقت من واقع معاش فرض وجودها كرد فعل لمفارقات اجتماعية وأخرى اقتصادية وثالثة سياسية كان يعاني منها ذلكم الواقع المعاش الذي أهدرت فيه حقوق الإنسان، وسلبت منه كرامته وعزته، وصودرت مقومات شخصيته كإنسان.
وهذا يعني أنها جاءت حلولاً لمشكلات مُعاشة، ونحن نعلم أن من طبيعة وضع الحلول ـ في الغالب ـ لا ينظر فيها إلى أبعد من واقعها كحلول آنية.
ومن هنا:
ـ كان حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد.
ـ وكان إطلاق الحريات الفردية في مقابلة كبتها وقهرها.
ـ وكان التوزيع المنصف في مقابلة الاستئثار بثروة الوطن من قِبَلِ الحاكم والمحسوبين عليه.
ـ وكانت المساواة أمام القانون في مقابلة الامتيازات التي كان الحاكم والمحسوبون عليه يتمتعون بها.
ـ وكان أو رُوعي في تطبيقها أن يتم هذا في تلكم المجتمعات التي انبثقت فيها هذه الديمقراطية فقط.
ونلمس هذا ـ وبوضوح ـ في تعامل الحكومات الديمقراطية مع أبناء وثروات البلدان المستعمرة أو تلك الأخرى التي لها نفوذ فيها، حيث لم تنظر إنسانها إنساناً في التعامل معه، ولم تنظر ثروة وطنه ملكاً له، وله حق التمتع بها.
ولا أطيل الوقوف ـ هنا ـ فالشواهد كثيرة، ومآسيها أكثر منها.
وهذه المفارقة هي أُولى مفارقات التطبيق في الديمقراطيات الحديثة.
والمفارقة الثانية هي ما نتج عن المبادىء الديمقراطيَّة في أعلاه، حيث أدى إطلاق الحريات الفردية في عالم الاقتصاد والمال إلى ولادة الرأسمالية الطبقية وتكدس الثروة في حوزة الأفراد الرأسماليين.
وأدت العدالة في توزيع الثروة ـ كما يُدّعى ـ إلى ولادة الاشتراكية وتجمّع الثروة عند أفراد طبقة معينة من الناس يتمتعون بامتيازات مميزة على حساب حرمان سائر أبناء الشعب بها.
وثم أفضى هذا التحول المتطرف إلى ما هو أقوى منه حيث انهار الاتحاد السوفياتي الممثل للقوة الاشتراكية، وحيث أخذت الرأسمالية العالمية تغذُّ السير ـ وبسرعة ملحوظة ـ إلى ما اصطلح عليه بـ(العولمة) بما فيها من أخطار وأوزار.
والعولمة لا تعني غير سيطرة الشركات الرأسمالية الكبرى على الثروات الموجودة في هذا العالم، والتحكم فيها، ومن ثم التسلط على مقدرات الشعوب، والتحكم في مصير الناس.
وهذا يعني أن الديمقراطية الاقتصادية وبشقيها الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي لم تعد قادرة على تحقيق العدالة في توزيع الثروة بما يحقق لكل مواطن من المواطنين الحياة الحرة الكريمة في العيش.
ويرجع هذا ـ في أقوى أسبابه ـ إلى أن الديمقراطية الحديثة جاءت حلاًّ لمشكلات قائمة ولم يراعَ فيها المنظور البعيد للمستقبل.
كما أن علينا إذا حاولنا أن نقارن بين الديمقراطية والإسلام أن نركّز على المقارنة بين مصادر التشريعات الديمقراطية ومصادر الأحكام الشرعية الإسلامية، وهي تتلخص في أن مصادر التشريع الإسلامي هي الكتاب والسُنة، بينما هي في الديمقراطية: العرف والدين والتشريع الذي يراد به اجتهاد المشرّعين القانونيين في هدي أصول القانون.
أمّا المبادىء التي يقوم عليها التطبيق الإسلامي، والتي يدعو إليها الذين ينادون بتطبيق الديمقراطية في الوطن الإسلامي، والتي تتمثل في:
1 ـ حق الشعب باختيار الحكومة وفق التعليمات الإسلامية في هذا المجال، وعلى أساس من توافر الشروط الإسلامية في الموظف المرشح ـ رئيساً أو سواه ـ، وأهمها: الكفاءة الإدارية والعدالة في السلوك، فهو شيء مفروغ عنه عند المسلمين.
2 ـ حق المساواة أمام القانون، كذلك هو الآخر مؤكد عليه في التشريع الإسلامي.
3 ـ حق الأفراد في حرية الرأي وحرية التفكير في حدود أن لا يمس بأصول العقيدة الإسلامية، هو أصل منصوص عليه في التشريع الإسلامي.
4 ـ أمّا مبدأ العدالة في توزيع الثروة فهو الأساس الأهم الذي قام عليه الاقتصاد الإسلامي.
انظر للتوثيق:
1 ـ عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر ـ نهج البلاغة.
2 ـ اقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر.
3 ـ دراسات في نهج البلاغة للشيخ محمد مهدي شمس الدين.
4 ـ مشكلة الفقر، عبد الهادي الفضلي.
وأخيراً:
هناك نقطة أخرى يختلف فيها الإسلام عن الديمقراطية في مجال تشريع الحقوق والواجبات هي التزام الإسلام بالمبادىء التالية:
1 ـ مراعاة الفروق البايولوجية بين الرجل والمرأة، مع إيمان المساواة في الوظيفة العقلية بينهما.
2 ـ مراعاة العنصر الأخلاقي الذي يقوم على مبدأ وجوب المحافظة على مقاصد الشريعة الإسلامية المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
فلا يحق لأحد الإضرار بها أو الإهمال لها.
3 ـ أن ينبثق التشريع الإسلامي من العقيدة الإسلامية، فيقوم على أساس منها ويرتبط بها، ولا يخرج عن إطارها.
وبعد:
إن هذه الوقفات أملاها الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تعيشه الأمة الإسلامية في ظروف افتقدت عنصر التوازن بين القوى في العالم، وبرزت فيها ضخامة أطماع القوة الأكبر بثروات العالم وبخاصة العالم الثالث، حتى لم تعد تعترف بأن هذه الثروات هي ملك أصحابها من أفراد أو دول.
وهو واقع مشاهد ومعاش، فلم أرني بحاجة إلى التوثيق بذكر الوقائع المادية أو الوثائق المكتوبة.
الدكتور عبد الهادي الفضلي
ديوان أبي بكر الخوارزمي
اشتهر الخوارزمي بكونه أحد كتاب الرسائل الأخوانية البارزين في القرن الرابع الهجري وطبعت رسائله عدة مرات. أمّا كونه شاعراً فلا تتناوله الدراسات المعاصرة بسبب فقدان ديوانه.
يحاول هذا الكتاب تسليط الأضواء على الجانب الشعري من حياة هذا الأديب، ويعد أوسع دراسة عن الخوارزمي وعصره وحياته وشعره والأغراض التي تناولها ويعتبر إضافة جديدة إلى مكتبة الدراسات الأدبية التراثية التي تتمتع فيها إيران بمكانة لا يمكن تجاهلها، وهو في 450 صفحة.
ديوان أسامة بن منقذ
قال عبدالملك السيد في الجزء الثالث من المجلد الثالث من مجلة (الكتاب) الصفحة 506 الصادر في كانون الثاني (يناير) سنة 1947 ما يلي:
اطّلعت على (ديوان أسامة بن منقذ) عند السيد عبدالرحمن صالح الراوي. وهذا الديوان على ما أذكر يقع في 400 صفحة متوسطة الحجم على ورق أسمر صقيل لماع مخطوط بخط جميل للغاية يسر الناظر ويبهج الخاطر من حسن خطه واتساقه بعناوين مذهبة مزخرفة. وقد خط قبل نيف وستمائة سنة، وقد أرخه صاحبه عند انتهائه من خطه.
والديوان يقع في مجلد واحد بغلاف جلدي جميل، وفي الصفحة الأولى قد كتب عنوان الكتاب بخط مذهب كبير، ونجد في نفس الصفحة التي كتب عليها العنوان أختاماً مختلفة تبين أسماء مالكيه وأسماء مُهديه. ويظهر أنه تنقل بين أكثر من شخص واحد، وعليها اسم المدينة المنورة، وقد كتب عليه أحدهم أن اشتراه بـ 45 جنيهاً.
والديوان ينقسم إلى أبواب مختلفة من مديح وغزل وفروسية وحماسة وإخوانيات ووصف للحروب والتعازي والرثاء وغيرها من أبواب الشعر.
ذات عِرق ويقال عرق
موقع في طريق مكة
يقول الشاعر:
لما رأى عرقاً ورجع صوتهُ
هَدراً كما هدر الفنيق المصعبُ
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: وذات عرقٍ مُهلُّ أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة وقيل جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق)[296]( نزله الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الاثنين رابع عشر ذي الحجة سنة 60 هجرية وذكر جماعة ملاقاة بشر بن غالب للحسين (عليه السلام) في ذات عرق وقال ابن نما في مثير الأحزان ص42 أنه كان في وادي العقيق وقال ابن طاووس في اللهوف ص30 (.. ثم سار حتى بلغ ذات عرق فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها فقال خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد…).
عبدالحسين الصالحي
ذخائر المحبين
في شرح ديوان أمير المؤمنين
تأليف الشيخ محمد تقي بن محمد علي بن الشيخ حمزة بن الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد تقي بن الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد كاظم القشندي القزويني المتوفى حدود سنة 1328 هجرية.
موسوعة كبيرة في التاريخ الإسلامي والغزوات ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) والأدب وغير ذلك في واحد وعشرين مجلداً ضخماً. جعل المؤلف لكل مجلد منها اسماً خاصاً: المجلد الأولى المسمى برهان المناظرين من أحد مجلدات ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين. شرع بتأليفه في شهر ربيع الأول سنة 1285 وانتهى من تأليف المجلد الحادي والعشرين المسمى رجاء المذنبين وهو آخر مجلدات موسوعة ذخائر المحبين في شرح ديوان أمير المؤمنين في يوم الأربعاء الموافق ليوم الغدير من سنة 1304 ويبحث المجلد الأخير في تاريخ حياة رسول الله (ص). ومن أسمائها أمان المشتاقين، أعلام القاصرين، إيقاظ الغافلين، إرشاد العاملين، مكارم المجاهدين (بحث في تاريخ واقعة الجمل وصفين)، محامد الإنجبين، تبصرة الراشدين وعبرة العارفين، صراط العارفين ونجاة العاشقين، ذريعة الراجين سفينة الناجين، مفاخر المعصومين، محاسن المكرمين.
لم أجد ذكراً لهذه الموسوعة وللمؤلف في كتب التراجم والفهارس. فالمؤلف من علمائنا المنسيين وتوجد مجموعة وحيدة من الكتاب بخط المؤلف بين مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبدالحسين الصالحي في قزوين.
الذريعة
كتاب في أصول الفقه للشريف المرتضى مخطوط في (300) صحيفة، كل صحيفة واحد وعشرون سطراً، يشتمل على (14) باباً، كل باب يحتوي على عدة فصول، تحدث فيه عن الخطاب، والأمر، والنهي، والعموم، والخصوص، والمجمل، والمبين، والنسخ، والإجماع، والقياس وغير ذلك من أبواب أصول الفقه. ترجع أهمية الكتاب إلى أمرين:
الأول: كون المؤلف حاول الفصل في مباحثه بين ما هو من أصول الفقه، وبين ما هو من أصول العقائد. وقد كان أصول الفقه من قبل ذلك مزيجاً من الطرفين.
الثاني: أنه أول كتاب في أصول الفقه للشيعة، فهو بهذا يؤرخ مرحلة استقلال الشيعة في أصول الفقه ولا تزال آراء المرتضى الأصولية محل دراسة في مدارس النجف وإيران الدينية.
ذوحُسُم ويقال ذوجُشُم
الدينوري في الأخبار الطوال ص248 يقول ذوجُشُم. والطبري ج5 ص400 يقول: ذوحُسُم.
وصل الحسين (عليه السلام) في مسيره من الحجاز إلى (شراف). فلما كان السّحَرْ أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا. ثم سار منها حتى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه، فقال الحسين (عليه السلام): الله أكبر. لم كبرت؟ قال: رأيت النخل فقال له جماعة من أصحابه: والله إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط، فقال لهم الحسين (عليه السلام): فما ترونه؟ قالوا: نراه والله أسنة الرماح وآذان الخيل، قال: وأنا والله أرى ذلك، ثم قال (عليه السلام): ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقالوا له: بلى هذا ذو حسم وهو جبل إلى جنبك فمل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيناها وعدلنا عن الطريق فلما رأونا عدلنا عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب وكأن راياتهم أجنحة الطير فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه وذلك على مرحلتين من الكوفة وأمر الحسين (عليه السلام) بأبنيته فضربت وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم فقال الحسين (عليه السلام): لفتيانه اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً أي اسقوها قليلاً فأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوها عن آخرها قال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذٍ فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلما رأى الحسين (عليه السلام) ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية، والراوية عندي السقاء ثم قال: يا ابن الأخ أنخ الجمل)[297]( فأنخته فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين (عليه السلام): اخنث السقاء أي اعطفه فلم أدرِ كيف أفعل فقام فحنثه بيده فشربت وسقيت فرسي، وقال الحسين (عليه السلام) للحر: ألنا أم علينا؟ بل عليك يا أبا عبدالله فقال الحسين (عليه السلام): لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وكان مجيء الحر من القادسية وكان عبيدالله بن زياد بعث الحصين بن تميم وأمره أن ينزل القادسية ويقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين فلم يزل الحر موافقاً للحسين حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين (عليه السلام) الحجاج بن مسروق أن يؤذن فلما حضرت الإقامة قال للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين (عليه السلام) ثم دخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها (فلما) كان وقت العصر أمر الحسين (عليه السلام) أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين (عليه السلام) وقام فصلى ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه وبعد خطبة قصيرة للحسين (عليه السلام) ونقاش مع الحر، قال الحر: قد أُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيدالله، فقال له الحسين (عليه السلام): الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا فركبوا وانتظر هو حتى ركبت نساؤه، فقال لأصحابه: انصرفوا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين (عليه السلام) للحر: ثكلتك أمك ما تريد؟ فقال له الحر: أمّا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان ولكن مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلاّ بأحسن ما أقدر عليه، فقال له الحسين (عليه السلام): فما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيدالله بن زياد، فقال: إذاً والله لا أتبعك، فقال: إذاً والله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أُؤمر بقتالك إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى الأمير عبيدالله بن زياد فلعل الله أن يرزقني العافية من أن ابتلي بشيء من أمرك فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية فتياسر الحسين وسار والحر يسايره فقال الحسين (عليه السلام): إن رسول الله (ص) قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسُنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالأثم والعدوان فلم يغير بقول ولا فعل كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، إلاَّ وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتولوا عن طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وإني أولى بهذا الأمر وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ولكم بي أسوة وإن لم تفعلوا فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام».
عبدالحسين الصالحي
الرابطة الإسلامية
نشأت الرابطة الإسلامية في الهند حزباً سياسياً في مقابل حزب المؤتمر الهندي، ويعود تاريخ إنشائها إلى سنة 1906 ولكن جذورها أبعد من ذلك فهي تعود إلى الدعوة التي كان يبشر بها أحمد خان منذ سنة 1278هـ (1851م). وقد عقد الاجتماع الأول للرابطة في داكا عاصمة بنغلادش اليوم برئاسة نواب وقار الملك واتخذت لها هدفاً حماية حقوق المسلمين في الهند. وقد تعاونت طويلاً مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان في غالبيته من الهندوس والذي يعود تأسيسه إلى العام 1885 وكان تعاونها معه في سبيل استقلال الهند وتخليصها من الحكم الإنكليزي. وبالنهاية تحرجت الأمور بينهما وبلغ التحريج أقصاه حين قررت الرابطة الإسلامية بقيادة الزعيم الشيعي محمد علي جناح في اجتماع لاهور في 23 آذار (مارس) 1940 بحضور ممثلين منتخبين عن جميع مسلمي شبه القارة الهندية ـ قررت وجوب تأسيس باكستان دولة إسلامية وطناً خاصاً للمسلمين مما أدى بعد ذلك إلى تقسيم الهند إلى: الهند وباكستان. وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وقرب إعلان استقلال الهند. ثم أعلن الاستقلال سنة 1947 للقسمين منفصلين، وتولى محمد علي جناح زعيم حزب الرابطة يومذاك منصب حاكم الباكستان العام تمهيداً لتشكيل الحكومة الباكستانية تشكيلاً جذرياً كاملاً، ولم يلبث محمد علي جناح أن توفي سنة 1948 وبوفاته وقيام الحكومة الباكستانية انفرطت الرابطة الإسلامية وتفرق رجالها كل في طريقه.
ولد محمد علي جناح سنة 1876م ونشأ في أسرة برهمية الأصل أسلمت في القرن الماضي وانتقل جده بعد فتنة سنة 1857م إلى بومباي ثم كراتشي وكان أبوه (بو نجا جنه) ثاني أبناء أبيه يعمل في شركتهم التجارية واحداً من مديريها وكان معظم أعمالها في تصدير الجلود وملحقاتها ثم لحق بها الكساد من جراء القلاقل السياسية والأزمان الاقتصادية.
تلقى تعليمه الأول في كراتشي ثم انتقل إلى بومباي حيث واصل دراسته الابتدائية ثم الثانوية في المدرسة التابعة للجماعة الإسلامية ثم عاد إلى كراتشي ودخل مدرسة السند العليا.
وكان والده تاجراً ـ كما مر ـ وكان يرغب أن يدرس ولده مبادىء التجارة ليكون عوناً له إلاّ أن صديقاً لوالده نصحه بإرسال ولده إلى إنكلترا ليتم تحصيله العالي فاقتنع الوالد بهذا الرأي وأرسل ابنه إلى كلية الحقوق في لندن وهو لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره وفي عام 1896م نال محمد علي جناح شهادة الحقوق وعاد إلى كراتشي افتتح مكتباً للمحاماة ولكنه لم يلبث أن انتقل إلى بومباي وفي سنة 1900م عين قاضياً ثم انصرف إلى العمل الحر.
وفي عام 1909 انتُخب بإجماع الأصوات نائباً في المجلس التشريعي الأعلى لمدينة بومباي، ولما انتهت مدة نيابته عام 1913 أقر الحاكم العام تجديد تلك المدة كي يتمكن جناح من إتمام دراسته لمشروع قانون أوقاف المسلمين الذي كان قد بدأ تحضيره في أثناء نيابته. ولما صدر هذا القانون استقبله المسلمون بابتهاج، وأُعجبوا بهذا المتشرع الكبير الذي وقف يدافع عن مصالحهم، فالتفوا حوله، واعترفوا بجميله، وكانوا يمنحونه ثقتهم باستمرار في الجمعية التشريعية.
وبرزت مواهب جناح الخطابية في المجلس التشريعي، فكان خطيب المجلس، وأبرز المناقشين البرلمانيين فيه، فلم يعرض مشروع مهم على المجلس إلاّ تناوله بالبحث العميق، والمنطق المتزن. وكان الناس ينتظرون خطبه بفارغ الصبر؛ ويقدرونها حق قدرها. ولما انتُخب رئيساً للمستقلين في المجلس كان همه أن يحفظ التوازن بين الحكومة والمعارضة. وقد ساعده هذا الموقف المتزن على حل كثير من القضايا المستعصية والمشاريع المختلف عليها.
كان حزب المؤتمر الوطني الذي تأسس عام 1850 الهيئة الوحيدة في الهند التي تهتم بمصير البلاد، وتناضل لنيل الحكم الذاتي. وكان هذا الحزب يجمع تحت لوائه طائفتين تختلفان في الرأي: طائفة تنادي بوجوب اتخاذ سياسة العنف والشدة لتحرير البلاد واستقلالها وطائفة تميل إلى الاعتدال واللين. وكان الحزب يضم بين أعضائه نفراً من الشخصيات الإسلامية، وكان دور جناح في هذا النزاع المتواصل بين الطائفتين دور الوسيط الذي يحاول التوفيق بين الرأيين ليحافظ على وحدة الصفوف.
وفي سنة 1906 رأى بعض الزعماء المسلمين ما لم يرتاحوا إليه في سياسة حزب المؤتمر فانسحبوا من عضويته وأسسوا الرابطة الإسلامية لجميع الهند.
وفي عام 1910 عقد مؤتمر عام في (الله آباد) حضره زعماء المسلمين والهندوس لإيجاد حل للاختلافات التي تنشأ بين الطائفتين. ولكن المؤتمر خاب، ولم يصل إلى نتيجة.
وألح «جناح» على حزب الرابطة في جعل همها الأوحد تحقيق الحكم الذاتي للبلاد عن طريق اتباع الأحكام الدستورية. وهنا التقى حزب المؤتمر والرابطة على صعيد واحد وأصبح السيد جناح زعيم الحزبين.
وعقد الحزبان خلال المدة الواقعة ين 1915 و1920 عدة اجتماعات في بومباي، وأتاحت هذه الاجتماعات لجناح الذي كان عضو الحزبين أن يعمل كوسيط بينهما، ويبذل جهده لإيجاد تفاهم دائم يستهدف مصلحة الهندوس والمسلمين المشتركة. وكان أبرز نتائج هذه الجهود ميثاق (لكنؤ) الذي وقعه الحزبان عام 1916.
وفي سنة 1917 أصدر الحزبان قراراً مشتركاً وقعه تسعة عشر مندوباً عن المسلمين والهندوس، وعرف فيما بعد بقرار التسعة عشر، وقدم إلى الحكومة البريطانية. وقد طالب الحزبان في هذا القرار بأن تمنح البلاد الحكم الذاتي ثم تنقل السلطة إلى الهنود.
وفي سنة 1918 اقترحت لجنة (موناجو ـ جيميسفورد) نظاماً قريباً مما أقره الحزبان فاعتبرت هذه الخطوة نجاحاً طيباً للهنود، وبشير خير للهند بتحقيق بعض مطالبها القومية. وأدرك الهنود أن هذا النجاح الذي أصابوه إنما يرجع الفضل فيه إلى كفاءة جناح سفير الوحدة وزعيم الحزبين فكرموه ببناء قاعة عامة في بومباي تحمل اسمه اعترافاً بجميله.
وقام غاندي في ذلك الحين يبشر بسياسته الجديدة سياسة (اللاعنف) وعدم التعاون ومقاطعة الإنكليز. واتخذت هذه السياسة سبيلها بسهولة إلى أذهان الجماهير، وجعلها حزب المؤتمر هدفاً أساسياً يسعى بواسطته إلى تحقيق رغباته. ولكن «جناح» كان يعارض هذه السياسة ويصر على أن تنال البلاد حقوقها الشرعية بالأساليب الدستورية فأعلن انشقاقه عنها ثم استقال من حزب المؤتمر بعد عمل متواصل فيه دام عشرين سنة.
كان جناح قد أوجز سنة 1919 مطالب المسلمين في الهند في مشروعه الشهير ذي الأربعة عشر مطلباً. وكان أبرز تلك المطالب سن دستور اتحادي، ومنح المقاطعات سلطات محلية وحكمياً ذاتياً، وإنشاء مقاطعتين جديدتين هما السند وبلوجستان وأن تكون نسبة الممثلين في المجلس التشريعي المركزي 33% من المسلمين، والإبقاء على نظام الدوائر الانتخابية حتى يسن دستور جديد يضمن للمسلمين حرية العبادة والثقافة واللغة، ولقد رأى جناح في ذلك الحين أن هناك مؤسسات هندوسية متعصبة تعمل للقضاء على التراث الإسلامي في الهند وفي طليعة تلك المؤسسات حزب «المهاسبا». ولقد أيد المسلمون جميعهم جناح في مشروعه.
منذ سنة 1919 كتب جناح إلى رئيس الوزارة البريطانية السير رامزي ماكدونالد خطاباً يلح فيه بدعوة ممثلين عن الهند إلى لندن للبحث معهم في مدى الإصلاحات الدستورية التي يجب أن تمنحهم إياها إنجلترا. واستجابت بريطانية بعد لأي الى هذه الرغبة، ودعت إلى عقد مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن على أن يحضره ممثلون من الإنجليز، وآخرون من الأحزاب الهندية، وممثلون عن الولايات المختلفة وذلك لوضع دستور يتفق ومطالب الهنود. ولما عقد أول مؤتمر بلندن عام 1930 قاطعه زعماء حزب المؤتمر، واشترك فيه ممثلون عن الرابطة الإسلامية وعن سائر الأحزاب. وفي الدورة الثانية للمؤتمر عام 1932 رضي حزب المؤتمر أن يشترك في الدورة وأوفد غاندي لتمثيله. وظهرت مقدرة جناح السياسية خلال اجتماعات المؤتمر، وأصر على ضرورة إجابة مطالب المسلمين.
كانت الرابطة الإسلامية قد فقدت كثراً من نفوذها بين الجماهير، بسبب تغيب جناح مدة عن الهند. فلما عاد إليها عمل على إعادة تنظيم الرابطة بهمة لا تعرف الملل. ثم أخذ يتجول في البلاد ويخطب في الجماهير حتى عاد للرابطة نفوذها القديم، وأصبحت قوة هائلة يحسب لها ألف حساب.
وأرادت الرابطة أن تخوض المعركة الانتخابية على أساس الدستور الجديد فألفت لجنة برلمانية مركزية وخولت جناح رئاستها وضم لجان المقاطعات إليها.
وواجهت الرابطة قبل الانتخابات وفي أثنائها صعوبات مالية وتنظيمة عسيرة، فتغلبت عليها، واعتبر النجاح النسبي الذي أحرزته في تلك الانتخابات أبرز دليل على قوتها وإن لم يخولها ذلك القيام بدور حاسم في المجلس التشريعي الجديد.
أمّا حزب المؤتمر فقد فاز بأكثرية ساحقة في جميع المقاطعات ما عدا البنجاب والسند والبنغال: ورفض اقتراح جناح بقيام وزارة ائتلافية يشترك فيها المسلمون.
وفي سنة 1937 عقدت الرابطة الإسلامية مؤتمراً في بلدة «لنكؤ» برئاسة جناح قررت فيه التحول عن مطلبها بأن تصبح الهند «دومنيون» وطالبت بالاستقلال التام ضمن دولة حرة ديمقراطية. فكان هذا القرار نقطة انطلاق في تاريخ نضال المسلمين للفوز بكيان ذاتي منفصل. وانضمت الأحزاب الوزارية في البنجاب والبنغال إلى الرابطة، وبايعت جناح بالزعامة.
وفي سنة 1940 نادى جناح بضرورة قيام «باكستان» كدولة مستقلة للمسلمين تمكنهم من ممارسة حقوقهم ومعتقداتهم بحرية وأمان، وتسمح لهم بالتطور وفق الشرع الإسلامي.
نص مشروع القرار الذي قدمه جناح إلى الحكومة البريطانية وأقرته الرابطة الإسلامية على تقسيم الهند إلى حكومتين هما: باكستان وهندستان. على أن تضم باكستان الأقاليم التي تسكنها أغلبية من المسلمين وهي البنجاب والإقليم الشمالي الغربي وبلوجستان والسند وغرب البنغال وشرقه.
وفي آب سنة 1940 صرح المستر «امري» وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند في مجلس العموم أن الحكومة البريطانية ستنظر بعين الاعتبار إلى المسألة الهندية بعد انتهاء الحرب العالمية، ولن تمنح البلاد أية سلطات دستورية ما لم يوافق عليها المسلمون.
وفي عام 1942 صرح المستر كربيس بأن إنجلترة تقبل دولة خاصة بالمسلمين هي «باكستان».
وفي كانون الثاني سنة 1946 أجريت في البلاد الانتخابات التي طالما أجلت مدة الحرب فكانت امتحاناً عسيراً لقوة جناح ولنفوذ الرابطة، واختباراً لفكرة قيام دولة باكستان تلك الفكرة التي اعتنقها المسلمون وكانت نقطة الارتكاز في برنامج الرابطة الانتخابي.
وأسفرت تلك الانتخابات عن فوز ساحق للرابطة إذ فازت بأربعمائة وسبعة وعشرين مقعداً من أصل أربعمائة واثنين وثمانين مقعداً مخصصة للمسلمين.
وفي نيسان 1946 عقدت سلسلة من الاجتماعات بين البعثة الوزارية البريطانية من جهة وبين حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية من جهة، ثم أعلنت الحكومة البريطانية التقسيم، فأوفدت اللورد لويس مونتباتن لتنفيذ الخطة.
وصل اللورد مونتباتن إلى الهند وحل محل اللورد ويفل الحاكم العام وعقد سلسلة من الاجتماعات مع أعضاء حزب الرابطة وحزب المؤتمر أعلن على أثرها مشروعه في 3 حزيران سنة 1947.
وتسلم «القائد الأعظم» منصب الحاكم العام للدولة الجديدة باكستان فراح يصرف شؤون الدولة بحنكة وكفاءة ونشاط لا يعرف الملل، رغم السبعين التي يحمل أعباءها إلى أن توفاه الله بسكتة قلبية مفاجئة.
راولپندي
من مدن باكستنان تقع في سفوح جبال الهملايا المتوجة بالثلوج وموقعها يجعلها من أهم المدن في باكستان حيث الطرق الهامة الكثيرة التي تتفرع منها، فإن الطريق التاريخي الذي يؤدي إلى ممر خبير وبيشاور يتفرع منها كما تقع مدينة تكسيلا الشهيرة على بعد بضعة أميال منها وتقع مدينة ملتان في الجنوب الغربي منها، ويقع وادي كشمير الجميل على مقربة من راولپندي ولهذه الأسباب كان الإنجليز قد شيدوا فيها أكبر معسكر لهم في الهند.
وقد كانت هذه المنطقة محطاً للغزاة مثل الآريين والهون والإغريق والأتراك فقد غزا هؤلاء الهند من الشمال وحطوا رحلهم في هذه المنطقة لذلك فإننا ما زلنا نجد آثارهم في سكان هذه المنطقة. والمواضع التي يهتم بها السياح تقع على بعد 40 ميلاً منها مثل شاه دير ثم حسن إبدال ومن ثم إلى تكسيلا عاصمة الإغريق القديمة وقد أقيمت على مقربة منها مدينة إسلام آباد عاصمة باكستان الجديدة.
راوند
بلدة صغيرة قرب كاشان تقع على الخط الجغرافي على 51 درجة و20 دقيقة طولاً و34 درجة و(0) صفر دقيقة عرضاً وترتفع عن سطح البحر 1010 متراً في منطقة سفح الجبل شمال غربي كاشان وجنوب غرب [كل آرا] على الطريق العام (قم ـ كاشان) ويشقها نهر طاهر آباد في مسيره نحو الشمال الشرقي. وحين اتسعت المدن في الفترة الأخيرة اتصلت راوند سنة 1413هـ بـ كاشان التابعة لمحافظة أصفهان. وحسب إحصائية عام 1407 هجرية بلغ عدد نفوس راوند 8776 نسمة وفي إحصائية عام 1417 هجرية ضمت إلى كاشان واعتبرتا مدينة واحدة ولم تبق راوند مركزاً مستقلاً. وتنسب الأبيات التالية إلى نصر بن غالب في رثاء أوس بن خالد وأنيساً. وقيل أنها لقس بن ساعدة الأبادي في خليلين كانا له وماتا في راوند:
نديميَّ هُبَّا طالما قد رقدتما
أجدَّ كما لا تقضيان كَراكُما
أجدّ كما ما ترثيان لموجَع
حزين على قبريكما قد رثاكما
ألم تعلما ما لي براوندَ كلها
ولا بخُزّاق من صديق سواكما
جرى النوم بين العَظم والجلد منكما
كأنكما ساقي عُقّار سَقَاكما
أصُب على قبريكما من مُدَامة
فإلا تذوقاها تروي ثراكما
ألم ترحماني أنني صرتُ مفرداً
وإني مشتاقٌ إلى أن أراكما
فإن كُنتما لا تسمعان فما الذي
خليلي عن سمع الدعاء نهاكما
أقيم على قبريكما لستُ بارحاً
طوَال الليالي أو يُجيب صَدَاكما
وأبكيكما طول الحياة وما الذي
يرُدُّ على ذي عولة إن بكاكما
وكانت راوند قبل حملة المغول إحدى المراكز العلمية ونبغ منها علماء وفضلاء وشعراء، وقال السمعاني المتوفى سنة 562 هجرية (… راوند قرية من قرى قاشان بنواحي أصبهان، وراوند مدينة بالموصل قديمة بناها راوند الأكبر بن الضحاك بيوراسب ثم ذكر جملة من علمائها… )[298]( ونسب إليها علماء وفقهاء وشعراء مما أدى إلى اشتهارها بين الشيعة. وممن برز من رجالها:
1 ـ قطب الدين أبو الحسن سعيد بن عبدالله الراوندي المتوفى سنة 573 هجرية من شيوخ الشيعة وفصّل عنه أعيان الشيعة وذكر جملة من مشايخه وتلاميذه وأولاده وعد له ستة وخمسون عنوان من مؤلفاته في مختلف العلوم)[299]( وخلف من الأولاد الشيخ علي والشيخ حسين والشيخ محمد كلهم من أكابر علماء عصرهم.
2 ـ السيد أبو الرضا ضياء الدين فضل الله بن علي الحسيني الراوندي المتوفى سنة 570 هجرية من أكابر علماء الشيعة، شاعر أديب ذكره السمعاني وقال: (… السيد الفاضل أبا الرضا فضل الله بن علي العلوي الحسيني القاشاني، وكتب عنه أحاديث وقطعاً من شعره، وقال: لما وصلت إلى باب داره قرعت الحلقة وقعدت على الدكة انتظر خروجه فنظرت إلى الباب فرأيت مكتوباً فوقه بالجصّ إنّما يُريدُ الله ليذهِبَ عَنكُمُ الرجسَ أهل البيت ويَطَهركُم تَطهيراً. أنشدني أبو الرضا العلوي القاشاني لنفسه بقاشان وكتب لي بخطه…) )[300]( ثم أدرج قسماً من شعره.
3 ـ الإمام السيد عز الدين علي بن ضيا الدين أبو الرضا فضل الله الراوندي المتوفى حدود سنة 600 هجرية.
4 ـ الشيخ عماد الدين أبو الفرج علي بن قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي المتوفى سنة 600 هجرية)[301](.
5 ـ الشيخ أحمد بن يحيى بن أبو الحسن المعروف بأبي الراوندي المتوفى سنة 245 هجرية.
6 ـ الشيخ محمد بن علي بن سليمان الراوندي مؤلف تاريخ راحة الصدور وكذلك خاله الشيخ أحمد بن محمد بن علي وجده لأمه تاج الدين محمد بن علي بن أحمد الراوندي المدرس في مدرسة أتابكي في همذان.
7 ـ القاضي بشر بن المحارق الراوندي، تولى أمر القضاء في أصفهان ثم ترقى في عصر المأمون العباسي وأصبح قاضي القضاة في بغداد.
8 ـ الشيخ أبو الحسن سعيد بن أبي طاهر الراوندي صاحب خلاصة التفاسير المتوفى سنة 573 هجرية.
9 ـ الشيخ جمال الدين محمد بن أبي طاهر الراوندي. وغيرهم من العلماء والشعراء ومن أهم محصولات راوند الحنطة والشعير وتحيط بها بساتين عامرة من أهم فواكهها الرمان والعنب. كما يعيش قسم من سكانها على تربية المواشي. وفيها اليوم معامل ضخمة، كما لا يزال فيها محلات لحياكة السجاد اليدوي. والجدير بالذكر أن هناك ثلاث قرى أخرى تحيط بـ كاشان تسمى راوند العليا وراوند السفلى وراوند الوسطى.
عبدالحسين الصالحي
الربذة
لا خلاف بين المؤرخين العرب ومن اعتمدهم من اللغويين العرب، في أن الصحابي الجليل أبا ذر جُندب بن جُنادة الغفاري توفي في الربذة سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين للهجرة، ودفن فيها.
ففي (معجم ما استعجم) للبكري 2/636: «وبالربذة مات أبو ذر وحده لما نفي من المدينة ليس معه إلاّ امرأته وغلام له».
وفي (معجم البلدان) لياقوت الحموي 3/24: «والربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق، على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري».
وفي (المصباح المنير) للفيومي ـ مادة ربذ ـ: «الربذة وزان قصبة خرقة الصائغ يجلو بها الحلي، وبها سميت الربذة، وهي قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة».
وفي (تاج العروس) للزبيدي مادة ربذ: «والربذة قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاج العراق، على نحو ثلاثة أيام… بها مدفن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري وغيره من الصحابة».
وفي (الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة) للسيد علي خان الشيرازي ص252: وأخرج الكشي عن حلام بن أبي ذر الغفاري ـ وكانت له صحبة ـ قال: مكث أبو ذر بالربذة حتى مات».
وفي ص 253: «وذكر أبو عمرو بن عبدالبر في كتاب الاستيعاب، قال لما حضرت أبا ذر الوفاة، وهو بالربذة…».
وفي ص 254: «وفي معالم التنزيل: أن أبا ذر لما أخرجه عثمان إلى الربذة فأدركته منيته ولم يكن معه إلاَّ امرأته وغلامه…».
وكان انتقال أبي ذر من المدينة المنورة إلى الربذة في أيام حكم عثمان بن عفان وبأمر منه لما كان يؤاخذه عليه من تصرفات في الإدارة والمال.
وقد التقاه غير واحد من المسلمين وهو في الربذة، منهم: أبو سخيلة «قال: حججت أنا وسلمان بن ربيعة بالربذة، قال: فأتيت أبا ذر فسلمنا عليه، وهو يقول: إن كانت بعدي فتنة، وهي كائنة، فعليكم كتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني سمعت رسول الله (ص)، وهو يقول: علي أول من آمن بي وصدقني وهو أول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو الفاروق بعدي يفرق بين الحق والباطل وهو يعسوب الدين، والمال يعسوب الظلمة» ـ الدرجات الرفيعة 239.
ومنهم: أبو الأسود الدؤلي، فقد «روى الواقدي… عن مالك ابن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعاً أم خرجت مكرهاً؟…» ـ م.ن.
وكذلك لا خلاف بين المؤرخين والجغرافيين العرب، ومن اعتمدهم من اللغويين العرب في أن الربذة محطة من محاط أو مرحلة من مراحل طريق الحاج العراقي المعروف بـ (درب زبيدة) زوج هارون الرشيد الحاكم العباسي، لأمرها بإنشائه.
ففي (معجم البلدان 3/24): «والربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة».
وفيه أيضاً، نقلاً عن كتاب نصر: «الربذة من منازل الحاج بين السليلة والعُمَق».
ويحدد الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) ص338 موقعها بين السليلة والماوان، يقول: «ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة: فمن مكة إلى البستان… ومنه إلى ذات عرق… ومنها إلى الغمرة… ومنها إلى المسلح… ومنه إلى الأفيعية… ومنها إلى حرة بني سليم… ومنها إلى العُمَق… ومنها إلى السليلة… ومنها إلى الربذة، ثلاثة وعشرون ميلاً، وعرض الربذة خمسة وعشرون جزءاً، ومنها إلى الماوان… ومنها إلى معدن النقرة… وهي ملتقى الطريقين، فهذا تقدير طريق العراق في العروض على ما عمله بعض علماء العراق».
وتحديده هو الصواب حيث رأيت ذلك في رحلتي إلى الربذة لدراسة الموقع ميدانياً. وتنظر الخرائط المرافقة له.
وفي (المصباح المنير): «وهي (يعني الربذة) عن المدينة في جهة الشرق، على طريق حاج العراق، نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني به جماعة من أهل المدينة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة».
وفي (تاج العروس): «الربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام ـ منها قرية ذات عرق)[302]( ـ على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة…
وفي كتاب أبي عبيد: من منازل الحج بين السليلة والعُمَق».
وكما تقدم أنها ليست بين السليلة والعمق، وإنما هي بين السليلة والماوان، ويؤيد هذا مضافاً لما سبق ما جاء في دراسة الزميل الأستاذ سيد عبدالمجيد بكر في كتابه (الملامح الجغرافية لدروب الحجيج) ص34 حيث سلسل منازل طريق الحاج العراقي من الكوفة إلى مكة كالتالي: «درب الحاج العراقي: منازل الطرق: الكوفة. النجف بين القادسية والعذيب. بركة أم قرون. بركة المغيثة. واقصة. بركة العقبة. القاع. بركة الهيثم. بركة زبالة. الشقوق (الشيخيات). البطان (بركة العشار). الثعلبية. زرود. الخزيمية. الأجفر. بين الأجفر وفيد. فيد. توز (التوزي) ـ سميرا. الحاجز (البعائث). قروري. النقرة. مغيشة الماوان. الربذة. السليلة. بئر عُمَق. معدن بني سليم (مهد الذهب). صفينة. حاذة. المسلح. الأفيعية. غمرة. ذات عرق (الضريبة). بستان ابن معمر. مكة المكرمة».
وفي (معجم معالم الحجاز 4/19): «وتبعد الربذة (150) كيلاً مقاسة على الخريطة شمال المهد على درب زبيدة».
وعللت تسميتها بالربذة بتعليلات مختلفة، لعل أقربها إلى الواقع ما ذكره ابن الكبي عن الشرقي من أن «الربذة وزرود والشقرة بنات يشرب بن قانية بن مهليل بن إرم بن عبيل بن أرفخشد بن سام بن نوح، فسميت قرية الربذة باسم أولاهن وسميت قرية زرود باسم الثانية وقرية الشقرة باسم الثالثة.
وكانت الربذة من القرى العامرة في صدر الإسلام، ذكر هذا غير واحد، منهم الفيومي في (المصباح المنير)، والزبيدي في (تاج العروس).
واستمر عمرانها حتى سنة 319هـ حيث قامت الحرب بين أهلها وأهل الضرية الذين استنجدوا بالقرامطة فخربوها.
يقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان 3/24): «وقرأت في تاريخ أبي محمد عبيدالله بن عبد المجيد بن سيران الأهوازي، قال: وفي سنة 319 خربت الربذة باتصال الحروب بين أهلها وبين ضرية، ثم استأمن أهل ضرية إلى القرامطة فاستنجدوهم عليهم، فارتحل عن الربذة أهلها، فخربت، وكانت من أحسن منزل في طريق مكة».
ويقول الزبيدي في (تاج العروس ـ مادة ربذ): «وفي المراصد تبعاً لأصله: الربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام منها، قريبة من ذات عرق على الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، بها قبر أبي ذر، خربت في سنة تسع عشر وثلاثمائة بالقرامطة».
ويبدو أنها بقيت دارسة حتى يومنا هذا، وممن أشار إلى دروسها بعد الحرب المشار إليها الفيومي المتوفى سنة 770هـ عند زيارته للمدينة المنورة وسؤاله الناس فيها عن الربذة، وذلك في سنة 723هـ، قال: «وهي (يعني الربذة) في وقتنا دارسة لا يعرف بها رسم، وهي عن المدينة في جهة الشرق على طريق حاج العراق نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني به جماعة من أهل المدينة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة».
وزارها في أيامنا هذه المقدم البلادي قبل أن تجري فيها جامعة الرياض حفرياتها، وكتب في كتابه (معجم معالم الحجاز 4/19) يقول: «الربذة: المدينة التاريخية في شرق الحجاز وتعرف أطلالها اليوم باسم (البِركة)، وظهرت في بعض الخرائط باسم (بركة أبو سليم) وهو اسم غير معروف عند أهل الديار».
وفي يوم الاثنين 23/6/1409هـ 30/1/1989م قمت بالرحلة الميدانية التالية:
غادرت جدة بعد الظهر بسيارة جيب تويوتا استعرتها من أحد الأصدقاء، وكان برفقتي الخطيب الحسيني الشيخ صالح العبيدي والشاب عابد العلاسي ـ وهما من جدة ـ وابناي معاد وفؤاد وابنا عمتهما السيدان السبطان الحسن والحسين الخليفة.
ووصلنا المدينة المنورة ليلاً، وبتنا في قصر الزهراء.
وفجر يوم الثلاثاء 24/6/1409هـ تشرفنا بزيارة مرقدي رسول الله (ص) وبضعته الزهراء (عليها السلام)، وبالصلاة في الروضة المطهرة، وبزيارة مراقد أئمة البقيع (عليهم السلام)، ثم بزيارة مرقد الحمزة وشهداء أحد.
وبعد ذلك غادرنا المدينة المنورة إلى الربذة عن طريق القصيم. وتوقفنا عند أول محطة بعد المدينة، وتسمى (مشهد المدينة المنورة) لإمكان مشاهدة منائر الحرم النبوي الشريف منها، وبعد تناول وجبة الإفطار فيها توجهنا إلى الحناكية مروراً بصويدرة، ومن الحناكية إلى الشقران التي تأتي بعدها مباشرة.
ومن الشقران نزلنا يمين الطريق مستقبلين مطلع الشمس، متجهين إلى الربذة، وضللنا الطريق أكثر من مرة في صحراء جرداء إلاّ من الحجارة القاسية والرمال الغزيرة.
وبعد السؤال وصلنا إلى جبل سنام (سمي بذلك لأنه يشبه سنام البعير في شكله)، والمسافة بينه وبين محطة الشقران حوالي خمسين كيلاً.
ومن سنام انحدرنا جهة القبلة إلى الربذة على بعد خمسة عشر كيلاً منه.
ورأينا فيها الآثار التي اكتشفتها جامعة الملك سعود ـ قسم المتاحف والآثار، وهي:
ـ بئر ماء عميقة، لا تزال صالحة للاستعمال.
ـ بركة ماء كبيرة جداً، أسطوانية الشكل.
ـ حوض ماء مستطيل الشكل، إلى جنب البركة، فيه فوهتان، إحداهما لاستقبال مياه السيول، والأخرى للصب في البركة.
ـ مسجد كبير، لا تزال أسس جدرانه وأسطواناته ومحرابه قائمة.
ـ محل وضوء، إلى جنب المسجد، يمين القبلة.
ـ مقبرة، في قبلة المسجد، يتوسطها قبر أبي ذر مع قبور آخرين من الصحابة، عليها كومة من الحجارة، وعند رأس حجرة ناتئة على قبر أبي ذر علامة له.
وكل من المسجد والمقبرة مسيج بشبك من السلك.
ـ وهناك أماكن أخرى معدة للحفريات.
ـ ومجمع سكني من البناء الجاهز للجامعة، محاط بسياج، وعلى بابه لوحة كتب عليها: (المملكة العربية السعودية ـ وزارة التعليم العالي ـ جامعة الملك سعود ـ كلية الآداب ـ قسم المتاحف والآثار ـ حفريات الربذة).
وبعد أن زرنا قبر أبي ذر وقبور من معه من الصحابة وقرأنا الفاتحة عدنا قافلين إلى جدة.
استأجرنا شخصاً من مضارب ـ البدو الرعاة الساكنين هناك ـ وهم من قبيلة حرب ـ بمائة وخمسين ريالاً دليلاً يوصلنا إلى قرية صخيبرة، التي تبعد عن الربذة بأربعين كيلاً وعندما وصلنا إليها عبئنا! سيارتنا بالوقود، وصلينا الظهرين في مسجدها.
ثم غادرناها على طريق أرامكو (الجبيل ـ ينبع)، وهو طريق ممهد بطول 200 كيلومتر، من صُخيبرة إلى الخط السريع (مكة ـ المدينة)، ودخلنا الخط عند مفرق اللثامة الذي يبعد عن المدينة المنورة بستين كيلومتر، وبعد أن تناولنا العشاء في اليتمة، وصلينا العشائين، توجهنا إلى جدة ووصلناها بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، والحمد لله على توفيقه وفضله.
ونخلص من كل ما تقدم إلى النتائج التالية:
1 ـ تقع الربذة شرقي المدينة المنورة، على طريق الحاج العراقي المعروف بدرب زبيدة، والذي يعد حالياً من آثار العباسيين.
2 ـ تعد الربذة حالياً موقعاً من مواقع الآثار في جزيرة العرب التابعة رسمياً لمديرية الآثار السعودية.
3 ـ يجري قسم المتاحف والآثار ـ جامعة الملك سعود، حفريات توصل بها إلى اكتشافات ما أشرت إليه من معالم الطريق المذكور، ولا تزال حفرياته جارية.
4 ـ يقع قبر أبي ذر في وسط المقبرة المشار إليها.
5 ـ للربذة ـ الآن ـ عدة طرق، منها:
أ ـ طريق الحناكية ـ الشقران ـ جبل سنام ـ الربذة.
ب ـ طريق اللثامة ـ الصُخيبرة ـ الربذة.
جـ طريق مهد الذهب ـ العمق ـ السليلة ـ الربذة.
وكلها غير مزفتة ولا ممهدة إلاّ طريق اللثامة ـ الصُخيبرة فإنه ممهد.
ومن المفيد أن أنوه في ختام حديثي هذا إلى أن من الناس ـ وبخاصة الإيرانيين ـ من يذهب إلى قرية (الواسطة) من قرى بدر فيزور قبر عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي سقط في معركة بدر جريحاً وحمل إلى هذه القرية، واسمها قديماً (الصفراء). وتوفي فيها ودفن فيها، بدعوى أن قبره هو قبر أبي ذر.
وهي ـ كما نرى ـ دعوى لا تقوم على أساس، ولا أدري كيف ومن أين جاء هذا الخطأ.
وقلت عندما وقفت على قبر أبي ذر:
قطعت إليكَ البيدَ يحدو بي الشوق
أيا ثائراً للَّه غايته الحقُ
ولم يثنني وحشُ المسيرِ ووعره
ولا عاقني أن قد تَضُلُّ بي الطرقُ
فجئتُكَ والآمالُ تعلو كريمةً
لأنك صنو الصدق بل إنك الصدق
وطال مسيري في القفار مخيفة
فلا الغرب معروف لديَّ ولا الشرقُ
وحتى رأيتُ القبرَ قبرَك ماثلاً
بكومةِ أحجارٍ يصابحُها الوَدْقُ
وفي ثغرهِ جرداء أَمحلَ ربعُها
سوى أن أملاك السماء لها رِفُقُ
تعاليت عن منفَى نفوك لأرضه
فصوتُك باقٍ ما بقي الصدقُ والحقُ
وإن حَسِبُوا أن الممات نهايةٌ
فقد خَسِروا فيها وكان لكَ السّبْقُ
لقد كشفت تلك المواقف زيغَهُ
وناءَ بها حَمْلاً وضاقَ به الطوقُ
وأَضرمتها حتى تفجر ثورةً
نداؤك دكتْ عرشَهُ وبدا الخرقُ
فعشتَ مع التاريخ أمثولة الهدى
وراح بلا قبرٍ يواري ولا شِقُّ
فعُقباكَ عُقبى الأكرمين مثوبةً
وعُقباةُ عقبى خاسرٍ ماله رتقُ
سلامٌ على أرضٍ حوتْكَ ومربعٍ
ثويتَ به بدواً وهالتكَ الأفقُ
ونورٍ من الفكرِ العظيمِ تشعُّهُ
على هذه الدنيا فيسمُو به الخلقُ
د. عبد الهادي الفضلي
أبو ذر الغفاري
جندب بن جنادة
حياته في سطور
* المشهور والأصح أن اسمه: أبو ذر جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار، وينسب إلى قبيلته غفار، فيقال: أبو ذر الغفاري، وفي اسمه هذا خلاف كثير، فالبعض يقول أن اسمه: أبو الذر، والبعض الآخر يقول: إن اسمه برير بن عبدالله، أو برير بن عشرقة، أو برير بن جندب، أو بريد بن عبد، ومنهم من يقول: إنه: جندب بن السكن، أو جندب بن سفيان بن جنادة بن عبيد بن الواقفة بن حرام بن غفار بن مليل بن صخرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الغفاري.
* أما اسم أمه فإنه لا خلاف فيه، فهي: رملة بنت الوقيعة، من بني غفار بن مليل.
* ولد في قبيلة غفار، في تاريخ غير معلوم، وكانت مضاربها على طريق مكة التجاري إلى الشام.
(* وكان أبو ذر أسمر اللون، طويلاً، نحيف الجسم معروفاً.
* ولقد اهتدى إلى عقيدة التوحيد، فترك عبادة الأصنام، وعبَدَ الله وحده قبل بعثة الرسول محمد (ص)، بثلاث سنوات، وكان قومه يعلمون عنه ذلك، ويسمونه، لترك دينهم وخروجه عليه: الصابىء.
* كان من السابقين إلى تصديق الرسول في رسالته، وهناك اتفاق على أنه أحد الخمسة الأوائل الذي أسلموا مبكراً، والخلاف هل هو الرابع أو الخامس فيهم.
* كان إسلامه ودعوة الإسلام لا تزال سراً بمكة، فولاه الرسول مسؤولية قومه، فعاد ومكث فيهم يدعو للإسلام جهراً، فأسلم معه كثير من قومه، وظل في موقعه هذا حتى هاجر إلى المدينة سنة 5هـ. 627م.
* أبرز ما يميز حياة أبي ذر علمه الغزير، حتى قال عنه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ وهو من هو في العلم ـ: «وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه»… وكذلك زهده وتواضعه، وفي زهده يقول الرسول: «أبو ذر في أُمتي على زهد عيسى بن مريم (عليه السلام). ولقد بلغ به التواضع أنه كان يقدم لإمامة الصلاة ـ في منفاه بالربذة ـ رقيقا اسمه «مجاشع»، وهو دونه في كل الصفات والمؤهلات. وكذلك جرأته في الحق التي فاق فيها أصحابه، حتى قال عنه الرسول بصددها: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»!.
* روى عن الرسول أحاديث كثيرة، ومنها أحاديث عديدة ذات مضمون اجتماعي يدعو إلى المساواة والتكافل وينفر من التفاوت في الثروات، وروى هذه الأحاديث عن أبي ذر كوكبة من الصحابة والتابعين، منهم مثلاً: أنس بن مالك، وعبدالله بن عباس، وأبو إدريس الخولاني، وزيد بن وهب الجهني، والأحنف بن قيس، وجبير بن نفير، وعبدالرحمن بن تميم، وسعيد بن المسيب، وخالد بن وهبان (أو: أهبان) ـ وهو ابن خالة أبي ذر، وقيل: ابن أخيه ـ وعبدالله بن الصامت، وخرشة بن الحر، وزيد بن ظبيان، وأبو أسماء الرحبي، وأبو عثمان النهدي، وأبو الأسود الدُؤلي، والمعرور بن سويد، ويزيد بن شريك، وأبو مرواح الغفاري، وعبدالرحمن بن حجيرة، وعبدالرحمن بن شماسة، وامرأة أبي ذر، وعطاء بن يسار، وغيرهم كثيرون.
* اختلف مع ثعمان بن عفان، لمحاباته أهله بعد توليه الخلافة، وثار على خروج المجتمع الإسلامي عن نهج الرسول في التقارب والتكافل الاجتماعي، وانتقد تسابق البعض على حيازة الثروات، ونفي بسبب ذلك أكثر من مرة، من المدينة إلى الشام، ومن الشام إلى المدينة وأخيراً إلى قرية صحراوية على بعد ثلاثة أميال من المدينة تسمى الربذة وكان ذلك في سنة 30هـ.
* في تاريخ وفاته خلاف بين سنوات 31 و32 و34هـ والأصح هو التاريخ الأول.
* لم يحضر وفاته سوى ابنته، وكان قد أمرها عندما اقترب منه الموت أن تولم وليمة لأول ركب يفد إلى منفاه كي يجهزوه ويدفنوه… وقبل أن يسلم روحه قال لابنته: استقبلي بي الكعبة، ففعلت، وقال: بالله، وعلى ملة رسول (ص). ثم أسلم الروح. وعندما وفد على ابنته ركب قادم من الكوفة، وكان فيه عبدالله بن مسعود، قالت لهم: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر، قالوا، وأين هو؟ فأشارت إليه ـ وقد مات ـ فجهزوه وصلوا عليه ودفنوه… ولقد بكى ساعتها ابن مسعود، وقال: صدق رسول الله (ص)، لقد قال عن أبي ذر: «يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
إسلام أبي ذر
في الأحاديث التي رويت عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، كلمات تشهد لأبي ذر الغفاري بالتميز والتفرد ببعض الخصال والصفات، سبقت إشارتنا إلى بعض من ذلك، وسيأتي الحديث عن بعضها الآخر بعد قليل.
وقصة العلاقة بين أبي ذر وبين الدين الإسلامي من أهم القسمات التي تميز أبا ذر عن غيره من الصحابة، سواء منهم الذين سبقوا إلى الإسلام أو الذين أبطأ بهم الإيمان بالرسول حيناً من الدهر، قل أو كثر ذلك الحين.
ففي شبه الجزيرة العربية كانت تتناثر، قبل بعثة الرسول، بعض المراكز الدينية، وبعض القبائل التي آمنت بشريعة عيسى (عليه السلام)، وكانت في هذه الأرض كذلك بقايا لديانة إبراهيم الخليل (عليه السلام) تمثلت أساساً في عقيدة التوحيد التي ترفض الأصنام، وتنكر على الناس عبادتها، وكانت هذه البقايا من عقيدة إبراهيم تسمى «الحنيفية»، وأتباعها يسمون «الحنفاء».. ولقد كانوا أكثر الناس إحساساً، في تلك البقعة وفي ذلك التاريخ، بشدة حاجة تلك البيئة إلى رسول يوحد العرب حول عقيدة توحيدية، وينتقل بهذا المجتمع إلى طور حضاري جديد…
ولقد كان أبو ذر الغفاري من هؤلاء الحنفاء، الذين اهتدوا ـ ذاتياً وبالتأمل والتعمق في التفكير ـ إلى عقيدة التوحيد، فدعا الله وعبده، بل ودعا إليه، قبل أن يبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، بثلاث سنوات، وهذه ميزة ينفرد بها الرجل عن الذين شاركوه في صحبة الرسول.
وهو يقص علينا ذلك السبق في حوار دار بينه وبين ابن أخيه، يقول فيه: «ـ وقد صليت، يا ابن أخي، قبل أن ألقى رسول الله (ص)، بثلاث سنين.
قال: لمن؟
قلت: لله.
قال: فأين تتوجه؟
قلت: أتوجه حيث يوجهني ربي!…» )[303](.
وفي الوقت الذي بدأ فيه الرسول الدعوة سراً إلى الإسلام، كان أبو ذر مع أخيه «أنيس» قد غادرا مع أمهما مضارب قبيلتهم غفار، سخطاً على خروج القبيلة عن تقاليد العرب التي تحرم الحرب في الشهر الحرام، فنزلوا حيناً من الدهر عند خال لهما، ثم غادروه ونزلوا على مقربة من مكة… وفي هذا المكان سمع أبو ذر عن الرجل الذي يقول: إنه يتلقى وحي السماء، ويدعو إلى عقيدة التوحيد، فبعث بأخيه كي يتنسم له هذا الخبر الذي لم يكن بعد قد ذاع، وقال له: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني… وعندما عاد «أنيس» من رحلته، سأله أبو ذر:
ما صنعت؟
قلت: فما يقول الناس؟
قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر.. لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على إقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون».
ولكن ها القدر من الحديث، وذلك اليقين الذي تحدث به «أنيس» عن صدق محمد لم يكف لهفة أبي ذر ولم يشبع نهمه، وهو الذي ينتظر مثل ذلك اليوم منذ سنوات ثلاث… فطلب من أخيه القيام على أمر أمهما وأمر معاشهم حتى يذهب بنفسه إلى مكة كي يباشر السماع ويقف بنفسه على حقيقة الموضوع.
وعندما وصل إلى مكة اختار رجلاً ضعيف البنية من بين أهلها، كي يسأله عن مكان هذا الداعية إلى نبذ عقيدة الأصنام، فقال للرجل: أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟!.. ففزع الرجل، كيف شاع أمر الدعوة الجديدة، التي يريد أهل مكة أن يقبروها في مهدها، حتى بلغ خبرها إلى من هم خارج مكة، فجاء هذا الغريب يسأل عن مكان صاحبها!! ولذلك صرخ الرجل في تعجب من سؤال أبي ذر، وقال: الصابىء؟!.. الصابىء؟!.. ويحكي أبو ذر كيف هجم عليه القوم وانهالوا عليه بالضرب حتى اصطبغت ملابسه وبشرته بدمائه، فيقول: فمال عليَّ أهل الوادي بكل قدرة وعظم حتى خررت مغشياً عليَّ.. فارتفعت، حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر!!.
ولكن ذلك لم يصرف أبا ذر عن ما جاء من أجله.. فذهب إلى ماء بئر زمزم فاغتسل من دمائه، وشرب من مائه، ودخل المسجد واختفى خلف أستار الكعبة يترقب ما تأتي به الأيام من الأحداث.. واستمر في مخبئه هذا يتسمع خمسة عشر يوماً، وقيل ثلاثين يوماً، حتى كانت ليلة مقمرة انصرف فيها رجال مكة إلى السمر عن الطواف بالأصنام المنصوبة حول الكعبة وفوقها، وجاءت امرأتان تطوفان بالأصنام، وتدعوان الصنم «إساف» والصنم «نائلة» بما هو مألوف عندهم من الدعاء… وقرر أبو ذر أن يسخر من المرأتين ومن معبودهن ـ و«إساف» إله ذكر، ـ و«نائلة» آلهة أنثى ـ فرفع أبو ذر صوته من مخبئه، وقال للمرأتين: أنكحا أحدهما الأخرى؟!.. ولكنهما استمرتا في دعاء الصنمين فقال: «هَنٌ مثل الخشبة»؟!.. وعند ذلك فزعت المرأتان، وغادرتا مكان الطواف في اتجاه باب المسجد، وهما تصيحان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا؟؟! وصادف ذلك دخول رسول الله (ص) إلى المسجد، للصلاة، في تلك الليلة التي خلا فيها المسجد من المشركين.. فسأل المرأتين:
ـ مالكما؟
قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارها..
ـ ما قال لكما؟
قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم (أي غليظة في فحشها، لا يمكن التلفظ بها).
ويحكي أبو ذر ما حدث بعد ذلك، وكيف «جاء رسول الله (ص) حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت، ثم صلى، فلما قضى صلاته، قلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله.. ثم قال: من أنت؟ قلت: من غفار…» ويعلق أبو ذر على هذا اللقاء، وعلى إسلامه، دون أن يدعوه الرسول إلى الإسلام، فيقول «فكنت أنا أول من حيّاه بتحية الإسلام».
فأخبره الرسول بتفكيره في الهجرة من مكة، واحتمال أن تكون «يثرب»، (المدينة) هي مكان هذه الهجرة المرتقبة.. وطلب إليه أن يتولى أمر الدعوة إلى الإسلام في قبيلته غفار.. وقال له: «فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟… ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري».
ولكن أبا ذر لم يشأ أن يغادر مكة سراً، ودون أن يتحدى أهلها في ذلك الوقت المبكر الذي لم تكن فيه الدعوة الإسلامية قد أعلنت بعد، ولم يكن فيه عدد المسلمين قد تجاوز أربعة، فقال للرسول عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم».. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس بن عبدالمطلب فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟! وأنه طريق تجارتكم إلى الشام؟! فأنقذه منهم» وتكرر هذا المشهد في اليوم التالي حيث عاد أبو ذر لتحديهم علناً، فعادوا لضربه وأنقذه منهم ثانية العباس، عم الرسول.
وهكذا تفرد أبو ذر مرة أخرى بأمر آخر عن غيره من الصحابة الذين أسلموا حتى ذلك التاريخ.
وعندما عاد أبو ذر إلى قومه، تبعه في العقيدة أخوه «أنيس»، وأمه. ثم أخذ في الجهر بالدعوة إلى الإسلام، وفي السخرية من أصنام غفار وآلهتهم.. حتى دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام، وظل بينهم داعياً إلى الدين الجديد حتى هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وقدم إليها أبو ذر فأسلم من بقي من قومه، ودعا لهم الرسول فقال: «غفار غفر الله لها»)[304](… فكانت ميزة أخرى تميز بها هذا الداعية إلى الإسلام بين قبيلته وقومه عن كثير من الذين أسلموا في ذلك الحين…
صفحات أخرى للرجل
ولم تكن هذه هي كل الصفات التي تميز بها هذا الصحابي الجليل… بل كانت له صفات أخرى امتاز بها على الكثيرين…
* ومن أولى هذه الصفات غزارة العلم والمعرفة… فعلى الرغم من أن المشهور في الدراسات الإسلامية التي تناولت مركز الصحابة من العلم والمعرفة تجمع ـ وهي على حق في ذلك ـ على أن علي بن أبي طالب كان أبرز الصحابة في هذا الميدان، إلا أن تقييم أبي ذر في هذا الصدد يحتاج إلى تنبيه وجلاء وتفسير لبعض ما روي حوله في هذا الموضوع.
فلقد ذكرت في أوصاف الرجل أنه «كان يوازي ابن مسعود في العلم»)[305](.. وابن مسعود من المبرزين والمقدمين في هذا الميدان… ولكن الأمر الأهم الذي نود التنبيه إليه هو أن وصول أبي ذر إلى الإيمان بعقيدة التوحيد قبل البعثة المحمدية، وقبل سماعه بالقرآن والرسول، إنما يضعه بين أصحاب النظر العقلي والتحليل النظري والفكر الفلسفي، ومن ثم يعطي الرجل مكاناً متميزاً في هذا الميدان… ويبدو… أن الرجل قد كانت له آراء فلسفية ونظرات عميقة حول عدد من القضايا الفكرية، لم تكن البيئة الفكرية التي عاش فيها من سعة الصدر ورحابته بحيث تسمح له أن يلقي بكل ما عنده إلى الناس… ويشهد بذلك قول علي بن أبي طالب عندما سئل عن أبي ذر، فلقد قال: إنه «وعى علماً فعجز فيه، وكان شحيحاً حريصاً: شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم»)[306](، فهو هنا يشير إلى «نوعية» علم أبي ذر، وأيضاً إلى أن الرجل كان حريصاً عليه وضنيناً بإذاعته بين الناس… وفي حديث آخر لعلي عن هذا الموضوع يقول فيه، كان «أبو ذر وعاء مليء علماً، ثم أوكىء عليه»؟!)[307](… أي أن البيئة التي عاش فيها الرجل لم تشهد ما في وعاء علمه من قضايا وأفكار، لأن هذا الوعاء بعد أن ملىء بالعلم، حدث أن «أوكىء عليه»؟!.. وهناك رواية أخرى لكلماته هذه أكثر صراحة وأقطع في الدلالة عندما يقول «وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئاً منه»؟!)[308](.
ولأبي ذر نفسه إشارة إلى أنه قد تحصلت له وامتلك عقله نظرة شاملة ومتكاملة للكون والحياة، فهو يصف حالته الفكرية بعد أن اكتسب ما اكتسب من صحبة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ـ وكان ملازماً له منذ لحق به في المدينة ـ فيقول: «لقد تركنا رسول الله (ص)، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً؟!)[309](.. فالرجل ولا بد كانت لديه قضايا وأفكار أكثر مما حفظته لنا كتب الحديث والتاريخ.
* وزهد أبي ذر هو الآخر ميزة من الميزات التي تميز بها الرجل، فالرسول (ص) قد قال عنه: «أبو ذر في أُمتي على زهد عيسى بن مريم (عليه السلام)» )[310](، ولكن زهد أبي ذر لم يكن عزوفاً عن الدنيا وإدارة ظهر لمشاكلها وأحداثها، وإنما كان موقفاً نضالياً يرفض صاحبه الانغماس في الملذات والترف، وفي نفس الوقت يكافح الذين سلكوا هذا السبيل، فأبو ذر كان يؤمن بأن له في أموال المجتمع حقوقاً مثل ما للآخرين، وأن استئثار الآخرين بهذه الأموال لا يعني اختصاصهم بها دونه وحتى في منفاه «بالربذة»، وفد عليه «سلمة بن نباتة» فحدثه عن تسابق أصحابه في حيازة الأموال وتنمية الثروات، وقال له: «إن أصحابك قِبَلنا أكثر الناس مالاً؟! فقال له أبو ذر: «أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله»)[311]( فهو لم يكن زاهداً زهد الإنسان الذي لا يرى لنفسه علاقة بالدنيا ومباهجها، وإنما كان زاهداً زهد المناضل عند احتواء هذه المباهج لملكاته وقدراته وتطويعها لمزاياه الثورية التي اكتسبها من قبل ومن بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام.. والإمام أحمد بن حنبل يروي بمسنده في «كتاب الزهد» الحديث الذي يقول فيه أبو ذر «إني لأقربكم مجلساً من رسول الله (ص) يوم القيامة، ذلك أني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها» ثم يستطرد أبو ذر فيقول: «والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري»)[312](. فهو إذا نمط من الزهد أقرب إلى المواقف النضالية منه إلى المعنى الشائع الآن عن الزهد والزاهدين… ولا شك أن هذه الميزة من ميزات أبي ذر ستبرز أكثر وأكثر عندما نعرض لمواقفه النضالية من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية في عهد عثمان بن عفان.
* وميزة أخرى للرجل لم يشترك معه فيها أحد من أصحابه، بشهادة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهي «صدق اللهجة»، التي تعني بلغة عصرنا أن الرجل كان أكثر الألسنة صدقاً في التعبير عن الرأي الحر، وأكثر الناس جرأة في إعلان ما يعتقده حقاً دونما مواربة أو مداورة، وأن لسانه كان أكثر منابر العصر تعبيراً عن الحقائق التي شهدها هذا الصحابي الجليل.
أما شهادة الرسول لأبي ذر بهذه الميزة وذلك الامتياز، فإنها قد جاءت في حديثه الذي يقول فيه عليه وآله الصلاة والسلام: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»)[313](. وهو حديث رواه أبو الدرداء، ورواه كذلك بنفس ألفاظه مع تقديم وتأخير عبدالله بن عمر بن الخطاب… ولقد اشتهر أمر هذا الحديث حتى أصبح من الصفات الشائعة لأبي ذر في كتب الطبقات الخاصة بالصحابة والمحدثين صفة «الصادق اللهجة»)[314](، وهو وصف لم يطلق على أحد غيره من صحابة رسول الله.
وأهمية هذه الصفة بالذات من بين صفات أبي ذر الغفاري أنها تعطي قيمة أكبر وأهمية أعظم لرأي الرجل وتقييمه للتطورات والأحداث التي دار حولها الخلاف بينه وبين عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ومن ناصرهما من الصحابة، وهي الأمور التي سيأتي حديثنا عنها بعد قليل… فالقطع ـ بصدق لهجة الرجل، واليقين بأنه أصدق أهل زمانه لهجة ينفي نفياً باتاً ما حاول به البعض تجريح الرجل والنيل من إنصافه عندما صوروه أداة لبعض من أسلم من اليهود، دفعوا به لمناوأة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، ومن ثم فإن هذه الصفة من صفات أبي ذر لا بد وأن تظل حاضرة في ذهن الباحث والدارس والقارىء عند التعرض لأحداث ذلك الصراع الذي قام بينه وبين جهاز الدولة والأغنياء في ذلك الحين.
وهذه الصفة التي يتميز بها أبو ذر قد جعلت الرجل أثيراً إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، قريباً منه، تدل على ذلك أحاديث كثيرة مثل ذلك الذي أخرجه الطبراني من أحاديث أبي الدرداء، قال: «كان رسول الله (ص) يبتدىء أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب «أي أن منزلة الرجل كانت كبيرة لدى الرسول… بل وأكثر من ذلك.. فنحن نستطيع أن نقول: إن الرسول كان شديد الحرص على أن يجد أبا ذر دائماً في المكان المرغوب لصفوة الصحابة وخيرة المسلمين، ولقد حدث أن انتشر وشاع تخلف الناس عن الخروج للقتال مع الرسول في غزوة «تبوك»، وأخذ بعض الصحابة ينقلون إلى الرسول أخبار المتخلفين عن الاستعداد للقتال، فيقولون: يا رسول الله: تخلف فلان… فيقول لهم: «دعوه… فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه».. فذهب هذا الحكم معياراً يميز الخارجين إلى القتال عن القاعدين عنه دون عذر مقبول… وعندما خرج الجيش المسلم عن المدينة، لم يكن فيه أبو ذر، لأن بعيره كان بطيء السير، وتفقد الرسول أبا ذر فلم يجده، فأخذ يتمنى على الله أن يكون أبو ذر في القادمين حرصاً منه على الرجل ومكانته في الإسلام وبين المسلمين وفي نفس الرسول… وفي نفس هذه اللحظات كان أبو ذر ـ وقد استبطأ بعيره ـ قد أخذ متاعه على ظهره، وتبع جيش الرسول مشياً على الأقدام.. «فنظر ناظر من المسلمين، فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله (ص): «كن أبا ذر»؟! ويكمل ابن مسعود رواية الحديث فيقول: «فلما تأملت القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر؟!» ففرح رسول الله فرحاً شديداً بتحقيق أمنيته في أن يكون أبو ذر في مكانه الطبيعي بين الذين جعل الله فيهم خيراً فألحقهم بجيش الذاهبين للقتال في «تبوك» وقال: «يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده ويموت وحده… ويحشر وحده)[315](؟!».
تحولات عهد عثمان
حتى نفهم موقف أبي ذر من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية أخريات حياته، لا بد أن نعرض لهذه التحولات، وحتى نحكم للرجل أو عليه لا بد من تقديم لمحة تجسد لنا ما حدث في الميدان الاجتماعي منذ ولي الخلافة عثمان بن عفان، فذلك هو السبيل الطبيعي للتقييم الأدق الذي ننشده، وللتمييز بين وجهتي النظر المتعارضتين للمؤرخين القدامى الذين عرضوا لموقف هذا الصحابي الجليل من هذه التحولات.
وبادىء ذي بدء فنحن مع الذين يرون أنه قد حدثت بالفعل تحولات اجتماعية في الحياة الإسلامية على عهد عثمان، لم تكن موجودة.
ويبدو أن الفرع الأموي، بزعامة أبي سفيان، قد رأى في تولي عثمان الخلافة فرصة طالما انتظروها كي تعود لهم المكانة الأولى التي فقدوها منذ ظهور الإسلام على يد محمد بن عبدالله، من الفرع الهاشمي الفقير من بني عبد مناف… ولقد ذكر عمار بن ياسر أنه قد حدث «عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره، ومعه بنو أُمية» أن قال لهم أبو سفيان، وكان قد كف بصره: «أفيكم أحد من غيركم؟… قالوا: لا.. قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة. ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار)[316](. «فهو إذا انقلاب سياسي قد حدث، طالما رجاه وانتظره أبو سفيان وبنو أمية، وهي إذاً بداية حقبة من الحكم الأموي يعدون أنفسهم لتلقفه كالكرة حتى تصير ملكاً وراثياً يتولاه الصبيان… لقد سنحت لهم الفرصة، ورأوا في شخصية عثمان المناخ المناسب كي يحققوا ما يريدون.. ولذلك كان حكم هذا الخليفة بداية لأحداث وتطورات استحدثت في الحياة الاجتماعية الإسلامية، سعى إليها البعض واغتنمها البعض وناضل ضدها البعض الآخر ومن ثم كانت الصراعات التي برز فيها أبو ذر الغفاري وكانت الثورة التي شهدها آخر عهد عثمان بن عفان…
* فقد انتشر كثير من الصحابة، في الأمصار، وقطعهم عثمان مساحات من الأرض التي كانت ملكية عامة لبيت مال المسلمين، فوزعت عليهم الأرض التي كانت مملوكة لكسرى وقيصر والأمراء والقواد الذين حاربوا ضد الفتح العربي لهذه البلاد، وهي التي كانت تسمى أرض «الصوافي»، وكان دخلها على عهد عثمان 50,000,000 درهم، كما كان عثمان أول من أقطع أرض العراق.
* وتغير حال العمال والولاة، فاستخدم عثمان الكثير من أقربائه.
* وانعكست هذه التطورات السياسية والإدارية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال… فسعيد بن العاص الأموي والي عثمان على الكوفة، يسير في الناس سيرة منكرة، ويستبد بالأموال دونهم، ويقول عن أرض العراق إنها بستان قريش؟! فيعترض عليه الأشتر مالك بن الحارث النخعي قائلاً: «أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟!».
* وتتبدى مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة، فالزبير بن العوام يبني له عدة دور فخمة بالبصرة، والكوفة، ومصر، والإسكندرية، وعند وفاته يحصون في ثروته 50,000 دينار، وألف فرس، وألفاً من العبيد والإماء… إلخ.
* وطلحة بن عبيدالله يبتني لنفسه هو الآخر إحدى الدور الفخمة بالكوفة وأخرى بالمدينة يشيدها «بالآجر والجص والساج»، ويبلغ دخله من ممتلكاته بالعراق وحدها ألف دينار في اليوم الواحد؟!» «وقيل أكثر من ذلك، وبناحية «الشراة» أكثر مما ذكرناه!!
* وعبدالرحمن بن عوف الزهري، تصبح ثروته مضرب الأمثال «فعلى مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم» وعندما توفي قدرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم، ولقد بلغ حجم القدر الذي أحضر منها إلى عثمان بن عفان في «البِدَر» و«الأكياس» قدراً من العِظَم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه؟!
ويذكر سعيد بن المسيب أنه قد كان في ثروة زيد بن ثابت ـ وكان من المدافعين عن عثمان حين ثار الناس عليه ـ يوم مات «من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار».
* أما يعلى بن منبه فإنه يخلف في تركته 500,000 دينار، تضاف إليها عقارات وديون له على الناس تقوم بمبلغ 30,000 دينار؟!
ويحصون لعثمان، يوم مقتله «عند خازنه من المال خمسين ومائة ألف دينار (150,000)، وألف ألف درهم» (1,000,000) وذلك غير قيمة «ضياعه بوادي القرى وحنين»، تلك التي قدرت بمبلغ 100,000 دينار، هذا عدا الخيل والإبل وغيرها من الممتلكات والمقتنيات.
ونحن نود قبل أن ننتقل للحديث عن أثر هذه التحولات المستحدثة في المجتمع الإسلامي، أن ننبه إلى أن صحبة هؤلاء الرجال لرسول الله (ص)، وسبق الكثير منهم إلى الإسلام، وبلاءهم الحسن في نشر الإسلام وإقامة دعوته، لم يكن له أن يمنع سعيهم هذا الذي حدث في سبيل الدنيا لأن النفس البشرية عندما تتاح لها الفرصة لذلك دونما مانع من القانون ورادع من النظام، فقلما تحجم عن السعي في هذا الطريق… ومن ثم استباح الكثيرون لأنفسهم واستحلوا هذا النمط من أنماط الحياة… ولقد كانت للقوم شبهة حل تجعل لهم هذا الأمر مباحاً لا حرج عليهم فيه… يشهد لذلك قول عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن عوف عندما أحضر له ما أحضر من أكياس دنانيره ودراهمه بعد وفاته: «إني لأرجو لعبدالرحمن خيراً، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون»… أي أنه قد كانت هناك وجهة نظر تمثل موقفاً فكرياً يرى أنه لا حرج على الناس ولا على ضمائرهم من السعي في هذا السبيل، وأن التقوى، والإيمان لن ينقص منهما جمع الأموال، بشرط أن يتصدق أصحابها ويكرموا الضيوف ويبذلوا منها قدراً معلوماً في بعض وجوه البر والإحسان.
بل لقد حدث أن استباح البعض ما حرمه الرسول على سبيل القطع في هذا الميدان، وفي (صحيح مسلم) نقرأ هذا الحديث الشاهد لما نقول: ـ «حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان «يعني ابن بلال» عن يحيى «وهو ابن سعيد»، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمراً قال: قال رسول الله (ص): «من احتكر فهو خاطىء»، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر!! قال سعيد، إن معمراً، الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر»؟!)[317](. فما بالنا باستحداث أمور كانت للبعض فيها شبهة حل؟! ولم يكن في صف الذين أنكروها وحاربوها سوى سلاح الاجتهاد في تفسير النصوص وقياس الأمر على كليات التعاليم وروح الشريعة الغراء؟!.
وعلى أي الوجوه قلبنا الأمر، فلقد أثمرت هذه التحولات التي شهدها عهد عثمان بن عفان مناخاً اجتماعياً ولد وشهد العديد من التناقضات والصراعات… ومن الكلمات الجيدة التي تصف تلك الحالة الجيدة قول جمال الدين الأفغاني: إنه «في زمن قصير من خلافة عثمان تغيرت الحالة الروحية في الأمة تغيراً محسوساً، وأشد ما كان منها ظهوراً في سيرة سير العمال والأمراء وذوي القربى من الخليفة، وأرباب الثروة، بصورة صار يمكن معها الحس بوجود طبقة تدعى «أمراء» وطبقة «أشراف» وأخرى أهل ثروة ثراء وبذخ» وانفصل عن تلك الطبقات طبقة العمال وأبناء المجاهدين، ومن كان على شاكلتهم من أرباب الحمية والسابقة في تأسيس الملك الإسلامي وفتوحاته، ونشر الدعوة وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طرز الحياة والذي أحدثته الحضارة الإسلامية، إذ كانوا مع كل جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين إلى رجال الدولة، وقد فشت العزة والأثرة والاستطالة، وتوفرت مهيئات الترف في حاشية الأمراء وأهل عصبيتهم، وفي الولاة وبمن استعملوه وولوه من الأعمال… إلخ… فنتج من مجموع تلك المظاهر التي أحدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين المستضعفين من المسلمين، تكوُّن طبقة أخذت تتحسس بشيء من الظلم، وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص.
وكان أول من تنبه لهذا الخطر الذي يتهدد الملك والجامعة الإسلامية، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري».
اتّهام مردود
ولقد كان طبيعياً أن تحدث تطورات مثل هذه اختلافاً في الرأي وتبايناً في وجهات النظر بين كبار الصحابة وكثير من المسلمين في ذلك الحين، وكان منطقياً وضرورياً أن تؤدي هذه التغيرات الاجتماعية إلى اختلاف وتباين في الزوايا التي ينظر منها الناس إلى الأمور.. ولذلك فإننا نؤيد النظر إلى اختلاف الآراء بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية على أنه أمر طبيعي، وننكر المحاولات التي تريد الانتقاص من قدر أبي ذر، بتصويره ضحية في مخطط يهودي استخدم الرجل في تنفيذ مؤامرة يهودية على الإسلام والمسلمين؟!.
وأصحاب هذا الرأي الشاط قد لجأوا إليه تحت وهم أنهم يدافعون بذلك عن عثمان بن عفان فأوقعهم مسلكهم هذا في منحدر وعر، لأنهم قد جرحوا صحابياً قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنه أصدق أهل الأرض لهجة ومقالاً… وتنبأ بما حدث له، لأنه كان يعرف معدن الرجل، ويستشرف ما ستجره عليه لهجته الصادقة عندما يلجأ القوم إلى الدعة وحب السلامة والرفه، وعندما يثور عليهم أبو ذر لسلوكهم هذا الطريق».
ولقد كانت دوافع أبي ذر إلى موقفه هذا موضع خلاف ـ منذ قرون ـ بين المؤرخين، فالطبري يذكر أن المؤرخين الذين سبقوه قد ذكروا في أسباب نفي أبي ذر من الشام إلى المدينة بأمر من عثمان لمعاوية، بعد أن كاتب معاوية الخليفة بصنع أبي ذر وتحريضه الفقراء على الأغنياء… يذكر الطبري أن بعض المؤرخين قد ذكر لذلك «النفي» و«الأشخاص» أسباباً كثيرة و«أشياء كثيرة وأموراً شنيعة كرهت ذكرها» وفي مكان آخر يقول: ـ «كرهت ذكر أكثرها»)[318](… لأنه كان متعاطفاً مع وجهة النظر التي وقف منها أبو ذر موقف العداء…
أما ابن الأثير ـ وهو من الناقلين عن الطبري ـ فإنه يشير إلى بعض هذه الأشياء التي ذكرها بعض المؤرخين، والتي كره الطبري ذكرها، مثل «سب معاوية» لأبي ذر، و«تهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ـ (فرش على ظهر الدابة) ـ ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع».. يذكر ابن الأثير هذه الإشارة، ثم يقف نفس موقف الطبري فيعلن كراهته للتفصيل في هذا الأمر، لأنه «لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للإمام أن يؤدب رعيته، وغير ذلك من الأعذار، لا أن يجعل ذلك سبباً للطعن عليه»… ثم يمضي ليذكر وجهة نظر الذين أيدوا عثمان ومعاوية ضد أبي ذر، ونسبوا موقف أبي ذر إلى مخطط يهودي، كان ينفذه عبدالله بن سبأ ـ (ابن السوداء) ـ فيقول: أما الذين يعذرون عثمان في موقفه من أبي ذر، «فإنهم قالوا: لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر، فقال يا أبا ذر، ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله؟! ألا إن كل شيء لله؟!!. كأنه يريد أن يحتجنه ـ (يختص به) ـ دون الناس، ويمحو اسم المسلمين!! مال الله الساعة؟!! قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله؟! قال: فلا تقله. قال: سأقول مال المسلمين.
وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له مثل ذلك، فقال: أظنك يهودياً، فأتى «عبادة بن الصامت»، فتعلق به عبادة، وأتى به معاوية، فقال: هذا الله الذي بعث عليك أبا ذر»)[319](.
ونحن لا نميل إلى موقف ابن الأثير هذا، بل نرفضه لأسباب كثيرة في مقدمتها:
أولاً: أنه لا يضع في اعتباره أن التطورات التي طرأت على الحياة العربية الإسلامية في ذلك التاريخ، من الطبيعي، بل ومن الضروري أن تثير اختلافات في وجهات النظر بين الناس، وأن هذا الاختلاف طبيعي تماماً، بل ضروري، خصوصاً في بيئة يشجع الفكر الإسلامي فيها الناس على التفكير بحرية، ويرى أن الإنسان فيها حر مختار، وموقف ابن الأثير هذا يفضي ـ ضمن ما يفضي ـ إلى جعل التفكير الاجتماعي وقفاً على اليهود، من دون العرب والمسلمين المخلصين لتعاليم الإسلام!؟
وثانياً: إن قصة عبدالله بن سبأ، برمتها، ومن أساسها، موضع شك وجدل بين الباحثين في تاريخ هذه الفترة من فترات حكم الإسلام والمسلمين، وهناك من يراها مجرد «مشجب وهمي»، اخترعها البعض ليعلق عليها الأخطاء، ويصرف بها نظر البحث والباحثين عن رؤية التطورات التي حدثت في المجتمع والخلافات التي ثارت فيه ذلك الحين)[320](..
وثالثاً: إن قصة الخلاف بين أبي ذر وعثمان حول قضايا المال والفقر والغنى سابقة على ذهاب أبي ذر إلى الشام، وعلى هذا اللقاء المزعوم بينه وبين ابن السوداء، كما يتضح ذلك ـ من الأحداث وترتيبها التاريخي ـ بعد قليل… وهو أمر يهدم هذه الدعوى من الأساس ولذلك فنحن نميل إلى رأي الفريق الآخر من المؤرخين ـ المسعودي مثلاً ـ الذي يصور الأحداث التي وقعت بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية باعتبارها أموراً طبيعية أثمرتها تطورات شهدتها حياة المجتمع يومئذٍ… فهو مجتمع، وهم بشر، والأليق بهم النظر إليهم وإلى خلافاتهم وصراعاتهم في هذا الإطار وبهذا المنظار.
الصدام مع عثمان ومعاوية
في المدينة:
كان أبو ذر قد اتخذ لنفسه سبيلاً قرر أن لا يحيد عنها، وهي الخروج من الدنيا فقيراً كحاله يوم ودع رسول الله (ص) عندما مات، وكان دائم الترديد لحديث الرسول الذي يقول فيه: «إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها». وعندما كان أبو ذر يردد هذا الحديث، كان ينظر إلى صحبه الذي أخذوا يجمعون الحظوظ من متاع الدنيا، ويغمزهم ويقول لهم: «والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري!…» وكان أيضاً دائم التحذير والإنذار للذين يجمعون الأموال ويصرفون في سبيلها جهداً كبيراً، فيذكر لهم قول الرسول (ص) عن المكثرين من المال وكيف «أن الأكثرين هم الأقلون يوم القيام»، إلا من أنفق ما تحصل له من المال ذات اليمين وذات الشمال، دون كنز أو إمساك أو احتكار».
ولقد أخذت أقوال أبي ذر هذه ومواقفه تؤذي الكثيرين، ورفعت إلى عثمان بن عفان العديد من الشكاوى ضد الرجل، فأصدر عثمان، أمراً إلى أبي ذر ينهاه فيه عن الجلوس «للفتوى» بين الناس… ولكن أبا ذر عصى أمر عثمان، واستمر في عقد المجالس بين الناس، يروي فيها الأحاديث ويفتي فيما يعرض عليه من الأمور، ويروي «ابن سعد» في طبقاته كيف وقف رجل على أبي ذر فقال له: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟! فقال له أبو ذر: والله لو وضعتم الصمصامة ـ (السيف) ـ على هذه (وأشار إلى حلقه)، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله (ص) لأنفذتها قبل أن يكون ذلك!» )[321](.
ولم يكن تصدي أبي ذر للفتيا بالأمر الذي يحدث فقط بعيداً عن عثمان، بل وفي مجلسه وحضرته كذلك.. ولقد ثار النقاش والجدل يوماً في مجلس عثمان حول أمرين يتعلقان بالأموال والثروات.
أولهما: خاص بما على الإنسان في ماله… هل عليه الزكاة فقط؟ أم ما هو أكثر من ذلك؟!
وثانيهما: مدى حرية الخليفة والسلطة الحاكمة في التصرف في أموال الدولة بالأخذ والإعطاء؟؟
وكان رأي أبي ذر إلى جانب فرض ما هو أكثر من الزكاة في أموال الناس، وضد إطلاق اليد لعثمان وولاته في التصرف بالأموال… ووقف مع عثمان، ضد رأي أبي ذر، أناس تزعمهم «كعب الأحبار» الذي أغلظ له أبو ذر القول، واستخدم ضده عصاه، فدفع بها في صدر «كعب»؟! وكان هذا الصدام أول موقف عنيف يقفه أبو ذر الغفاري من السلطة الممثلة يومئذٍ في عثمان بن عفان، مما أدى إلى غضب عثمان منه وعليه، فطلب منه مغادرة المدينة، فخرج منها أبو ذر إلى الشام… والمسعودي يحكم لنا ما حدث يومئذٍ في مجلس عثمان، فيقول:
قال عثمان: أرأيتم من زكّى ماله، هل فيه حق لغيره؟؟
فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين.
فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يابن اليهودي… (كعب الأحبار يهودي تظاهر بالإسلام) ثم تلا: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب… الآية).
فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا، ونعطيكموه؟
فقال كعب: لا بأس بذلك.
فرفع أبو ذر العصا، فدفع بها في صدر كعب، وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا؟!
فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي!! غيب وجهك عني فقد آذيتنا. فخرج أبو ذر إلى الشام…» )[322](.
فهو إذا أول قرار يصدره عثمان بن عفان «بنفي» أبي ذر من المدينة… ولم يحدد له عثمان المكان الذي يذهب إليه.. واختار أبو ذر الشام، لحكمة لعلها أن الرجل قد كان يريد التشديد من حملته ضد التحولات الاجتماعية التي كانت آخذة في الظهور والتفشي يومئذ، وصد من كان يرى انحرافهم من ولاة عثمان على الأقاليم، وفي مقدمتهم والي الشام معاوية بن أبي سفيان… فهو «نفي» عن المدينة العاصمة، ولكنها رحلة ثائر إلى ميدان أكثر خطراً واحتياجاً إلى الثوار…
في الشام
وفي الشام وجد أبو ذر أن الأمر أخطر مما هو عليه في المدينة فلم تكن بساطة الحياة العربية هي الأمر السائد كما هو حال المدينة، ولم تكن القاعدة هي الجماعية، والمساواة، والشذوذ هو الاستئثار والتفاوت في الثروات كما هو الحال في العاصمة.. وإنما كان العكس هو السائد في الشام… فلقد كانت هذه الولاية قد تحولت إلى صورة «عربية إسلامية» لما كان عليه نظام الحكم، أبهة وفخامة، أيام قيصرية الرومان البيزنطين.
ولقد أتاح عهد عثمان لمعاوية في الشام أن يستكمل كل أبهة الملك؛ وأن يبلغ بالأمر كل المدى الذي أراد… ووجد أبو ذر أن القضايا التي كانت لا تزال محل جدل في المدينة قد حسمت في الشام، فلقد كان معاوية يتصرف في مال الإمارة بحرية مطلقة، ويسميه «مال الله»… وكانت قد نبتت بذور ترى في الخليفة ـ ومن ثم في نوابه ـ ظلا لله في الأرض، ومن ثم فإنهم أحرار في تصرفاتهم، لا رقابة عليهم من البشر ولا قيود… فاعترض أبو ذر على معاوية، وطلب إليه أن يتصرف كأمير قد وكلت إليه رعاية «أموال المسلمين» فهي لهم، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها، وكان يعنف معاوية ويقول «يا معاوية.. لقد أغنيت الغني وأفقرت الفقير!».
ومضى أبو ذر يحدث الأغنياء من الناس عن أن جمعهم المال وحجبه عن مصارفه إنما هو «كنز» و«احتكار» وإذا كان القرآن قد وعد (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) بعذاب أليم، فلقد أخذ أبو ذر يخطب في مجتمعات الشام ويقول: «يا معشر الأغنياء: واسوا الفقراء.. بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوِ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» واستمر في دعايته وإثارته هذه للفقراء ضد الأغنياء، حتى تبلورت حركة جماهيرية عمادها الفقراء، ثم استمر الأمر في التصاعد حتى أخذ هؤلاء الفقراء بزعامة أبي ذر ينفذون أفكارهم وآراءهم بأيديهم، ويضعون تعاليم أبي ذر في التطبيق والممارسة رغماً عن سلطة الدولة وجهاز حكم معاوية بن أبي سفيان… وابن الأثير يذكر ذلك بقوله: «ما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وشكا الأغنياء ما يلقون منهم».
وسلك معاوية مع أبي ذر سبيل التهديد، وقال له: يا أبا ذر «خير لك أن تنتهي عما أنت فيه!» ولكن الرجل لم يعبأ بهذا التهديد وقال لمعاوية: «والله لا أنتهي حتى توزع الأموال على الناس كافة؟!». وعند ذلك لجأ معاوية إلى حيلة أخرى أراد بها أن يفسد ما بين أبي ذر وبين أنصاره وحزبه من الفقراء، وذلك في محاولة لإيهامهم أن الرجل ممن يتلقى منه الهدايا والصلات، فبعث في جنح الظلام أحد رسله يحمل ألف دينار لأبي ذر. وفي الصباح، بعث إليه ثانية نفس الرسول يخبره أن العطاء لم يكن له، وأنه قد أخطأ الطريق إليه، ويقول له: يا أبا ذر «أنقذ جسدي من عقاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك»… ولكن أبا ذر كان قد أنفق الدنانير الألف على الفقراء قبل أن يطلع عليها عنده الصباح ـ فطلب من رسول معاوية التأخير ثلاث أيام حتى يجمعها له ممن أخذوها من الفقراء… وعندما عاد الرسول إلى معاوية بالقصة، أدرك أن الرجل عصي على أن تنال منه هذه الأساليب، وذلك لأن «فعله يصدق قوله» في قضايا الأموال والثروات.
وعند ذلك قرَّ قراره على ضرورة إخراجه من الشام، فكتب إلى عثمان يصور له حال أبي ذر مع الفقراء، وكيف أصبحت الشام في حالة ثورة حقيقية، فقال: «إن أبا ذر قد ضيق عليَّ… وقد كان كذا وكذا، للذي يقوله للفقراء… تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك. فإن كان ذلك في القوم حاجة فاحمله إليك؟!».. فاستجاب عثمان لرجاء معاوية مخافة الثورة في الشام، ووافق على عودة أبي ذر ثانية إلى المدينة وهو الذي طلب منه الخروج منها… وكتب إلى معاوية يطلب معالجة الأمر برفق، فالثورة التي أشعلها أبو ذر على وشك الاندلاع، فقال: «إن الفتنة قد أخرجت خطمها ـ (أنفها) ـ وعينيها، ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح… وكفكف الناس ونفسك ما استطعت..!!» وطلب عثمان من معاوية أن يجهز أبا ذر، وأن يبعثه إلى المدينة بصحبة «مرافق»؟!
واتخذ معاوية من أمر عثمان سبيلاً للانتقام من أبي ذر، فأركبه بعيراً ضامراً على ظهره فراش يابس يدمي فخذي الراكب ـ «قتب يابس» ـ وأوصى به خمسة من الجنود الصقالبة ذوي المهارة في العدو ومسابقة الريح «يطيرون به، حتى أتوا المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه، وكاد يتلف…!». وأراد كذلك أن يسيء إلى سمعة الرجل ونزاهته، فأخرج أهله ليلحقوا به، وفي متاعهم جراب ثقيل يشد يد حامله، وجمع الناس ليروا أهل أبي ذر، حتى يوهمهم أن في متاع الرجل أموالاً يحملها ذووه، وقال للحضور: «انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا؟!.. ما عنده؟؟!!» ولكن امرأة أبي ذر خاطبت الناس قائلة: إن ما نحمل ليس دراهم ولا دنانير، ولكنها «فلوس» ـ (فكة) (فراطة) بلغة عصرنا ـ كان أبو ذر يعطيها لبيته من عطائه الذي يناله من بيت مال المسلمين.
وعندما لقي الناس أبا ذر بالمدينة، وهو على حافة الموت من رحلته القاسية هذه، قال له بعضهم: «إنك تموت من ذلك»، ولكن الرجل أنكر عليهم هذه النبوءة بالنهاية القريبة، وقال لهم إن طريق الجهاد لا يزال طويلاً أمامه: «هيهات.. لن أموت حتى أنفى؟!» ثم ذكر لهم أن أمامه من المتاعب أكثر من ذلك الذي وقع به حتى الآن!.. )[323](.
في المدينة… مرة ثانية
حاول عثمان أن يخفف عن أبي ذر، فاستضافه في داره عدة أيام، وأحسن إليه فيها، حتى استرد شيئاً من عافيته… وكان عثمان يرجو ويأمل أن يفتح بذلك صفحة جديدة مع أبي ذر… ولكن ذلك لم يحدث، فلقد تجدد النزاع وبدأ الصراع من جديد…
ففي أول جولة لأبي ذر في المدينة بعد عودته إليها رأى تلك المباني الفخمة التي استحدثها الأغنياء في شكل دور وقصور، ورأى امتدادات المباني وقد صنعت «ضواحياً للعاصمة، يسكنها هؤلاء الذين كانت حياتهم الجديدة موضع نقده الشديد. وعندما تحقق أبو ذر أن المباني الجميلة لقصور الأغنياء قد بلغت إلى مكة «جبل سلع» قفزت إلى ذاكرته نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام، التي قال فيها لأبي ذر إن ذلك سيكون إيذاناً باختلافه مع القوم، وإنكاره عليهم نمط حياتهم الجديدة، وتوالي الأحداث التي ستفضي به إلى منفاه حيث «يموت وحده»… فأخذ أبو ذر في الطواف على مجتمعات العاصمة، محذراً قائلاً: «بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار؟!».. وقرر الرجل أن يكرر بذلك النصح لعثمان، فدخل عليه يوماً «فجلس على ركبتيه»، وأخذ يحدث عثمان عن تلك النبوءة التي طالما حذرت من صنيع بني أمية إذا اجتمع لهم الأمر وزادت قوة عصبيتهم، وبلغ «وُلْدُ أبي العاص ثلاثين رجلاً» لأنهم عند ذلك سيتخذون «عباد الله خولاً» ـ (خدماً) ـ.
ووجد عثمان أن أبا ذر قد عاد إلى عهده القديم، وأنه قد أصبح يمارس في المدينة ما كان يمارسه فيها قديماً، وما مارسه في الشام من الإثارة والتحريض، ففتح معه الحديث عن ما أحدثه بالشام، وقال له: يا أبا ذر «ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟» وعندما أخبره أبو ذر بدوافعه إلى موقفه هذا.. قال عثمان: يا أبا ذر، عليَّ أن أقضي ما عليَّ وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما عليّ أن أجبرهم على الزهد…». ولكن أبا ذر لم يرض بقول عثمان هذا، فلم يكن الأمر في نظره أمر «زهد» لا يستطيع الخليفة أن «يجبر» الناس عليه، وإنما كان أمر أغنياء يزدادون غنى وفقراء تتسبب في أموال الأغنياء تتعدى مقدار الزكاة، فقال لعثمان: إنني أرى «ألا ترضوا في الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القربات».
وتصادف في لقاء أبي ذر هذا مع عثمان أن أحضرت إلى عثمان أكياس النقود التي أخذت من تركة عبدالرحمن بن عوف الزهري، وكانت عظيمة بلغت من الكثرة حداً جعلها تحجب الرؤية بين عثمان وجلسائه.. ودار الحديث من حول هذه الثروة التي جمعها ابن عوف، ومدى تطابق سلوكه هذا مع السلوك النموذجي لصحابة رسول الله (ص).. وانحاز عثمان ومعه «كعب الأحبار» إلى صف الدفاع عن عبدالرحمن بن عوف، لأنه كان يؤدي فريضة الزكاة «ومن أدى الفريضة فقد قضي ما عليه».. واعترض أبو ذر على موقفهم هذا، وعندما أمن «كعب الأحبار» على قول عثمان: إن الله قد أعطى لابن عوف خير الدنيا والآخرة، فقال: «صدقت يا أمير المؤمنين»، غضب أبو ذر، وتحامل على آلامه، ورفع عصاه فضرب بها رأس «كعب الأحبار» وقال له «يابن اليهودي»، تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا والآخرة؟! وتقطع على الله بذلك؟! وأنا سمعت النبي (ص) يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً؟! فغضب عثمان من أبي ذر، واسترضى خاطر كعب الأحبار وطلب منه التنازل له عن ضرب أبي ذر له، ففعل… ثم طلب، غاضباً، من أبي ذر أن يغادر المدينة، قائلاً له: «وارِ عني وجهك»!!..
«فقال أبو ذر: أسير إلى مكة؟
قال: لا والله.
قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟!
قال: أي والله.
قال: فإلى الشام؟
قال: لا والله.
قال: البصرة؟
قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان.
قال: لا والله ما اختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي (المدينة) ما أردت شيئاً من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلدان.
فقال: فإنس مسيرك إلى الربذه»)[324](..
ورواية المسعودي هذه تختلف مع ابن الأثير… ففيها أن عثمان هو الذي حدد لأبي ذر مكان منفاه، أما ابن الأثير فإنه يمثل وجهة النظر التي ترى أن أبا ذر هو الذي اختار لنفسه هذا المكان، وهو الذي «نفى نفسه إليه» احتجاجاً على الأوضاع التي ثار عليها… وملابسات القضية وقرائن أحوالها تشهد لرواية المسعودي ضد ابن الأثير، وذلك لأسباب منها:
أولاً: إن تسلسل الأحداث التي جرت بين أبي ذر وعثمان في المدينة أولاً، وفي الشام مع معاوية، ثم في المدينة ثانياً، كلها تحكي أن أبا ذر كان يجبر ـ وأحياناً بالقوة القاهرة ـ على مغادرة المكان الذي يمارس فيه الموعظة والإثارة والتحريض.
وثانياً: إن شخصية أبي ذر النضالية ليست بالتي تنسحب من بين الناس إلى مكان منعزل في الصحراء، حتى ولو كان هذا الانسحاب تعبيراً عن الاحتجاج والغضب والرفض لنمط الحياة الذي أخذ يسود في ذلك الحين… فلقد كان الرجل ولوعاً بجماهير الفقراء، كما ولعت به هذه الجماهير.
وثالثاً: إن الربذة «كانت قرية معزولة عن قرى المدينة، ولم تكن الحياة بها مرغوبة ولا محبوبة، حتى لزاهد مناضل كأبي ذر.
ولقد روى ابن الأثير نفسه أن أبا ذر كان يخشى على نفسه من العيش في «الربذة» أن يرتد ـ بفعل بيئتها ـ أعرابياً قد انسلخ عنه التطور الذي ألحقه الإسلام بعقول الناس وحياتهم، فكان يتردد على المدينة حتى يظل على صلة بحضارتها… وعبَّر ابن الأثير عن هذا الموقف بقوله: «وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً!».
ولقد تلقى أبو ذر قرار عثمان هذا ببشر يعبر عن التحدي… وأخبر عثمان بأن الرسول (ص) تنبأ له المصير…
ولقد أمر عثمان الناس في المدينة بتجنب أبي ذر حتى يغادرها، وأن يتجافوه، فلا يخرج أحد منهم لوداعه، وأمر أحد أقاربه (مروان) أن يكون في صحبة أبي ذر وابنته حتى يوصلهم إلى مستقرهم الجديد. ولكن بعض الصحابة قد غضبوا عن موقف عثمان هذا، فخرج نفر منهم خلف علي بن أبي طالب، وفيهم الحسن والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر ـ لوداع أبي ذر، مخالفين بذلك أمر عثمان… وعندما التقى ركب علي بن أبي طالب هذا بركب أبي ذر، اعترض عليه «مروان» فقال: يا علي، إن أمير المؤمنين، قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك… فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط، وضرب بين أذني راحلته، وقال: تنح نحاك الله إلى النار!، ومضى مع أبي ذر فشيعه، ثم ودعه وانصرف… فلما أراد الانصراف بكى أبو ذر تأثراً، وهو يبصر غياب ركب ابن عم الرسول!!
وذهب «مروان» فشكا إلى عثمان ما فعله به علي بن أبي طالب، فغضب عثمان، وشكا إلى من حضر مجلسه من المسلمين قائلاً: «يا معشر المسلمين… من يعذرني من عليّ؟! رد رسولي عما وجهته له، وفعل كذا؟! والله لنعطينه حقه!!». وذهب الناس من عند عثمان إلى عليّ يخبرونه بغضبه عليه، فوصف علي هذا الغضب بأنه «غضب الخيل على اللجم». معللاً بذلك موقفه من القضية برمتها، وكيف أن موقفه إنما هو موقف الناصح الأمين، وفعله إنما هو فعل «اللجم» تمنع من الجموح، فتحفظ للخيل سلامتها!
ويروي المسعودي قصة اللقاء العاصف بين علي وعثمان حول هذا الموضوع، وهو اللقاء الذي اشتكى بعده عثمان من علي وقال: «إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني».. وظل عليّ على موقفه، وقال لعثمان: «ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى».
وأخيراً استقر المقام بالثائر الكبير والصحابي الجليل، وأصدق الناس لهجة ومقالاً في «الربذة» منفاه الجديد والأخير، ولم يعدم الأمر قافلة تمر فيلقاه ركبها ليسمع منهم ويسمعون عنه… فبنى «بالربذة» مسجداً، وهناك عاش من سنة 30هـ حتى توفي في سنة 32هـ، محققاً بذلك نبوءة رسول الله عندما قال: يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».. ومحققاً بذلك أيضاً نموذج الإنسان المسلم الذي استطاع أن يوحد توحيداً نموذجياً، ويمزج مزجاً رائعاً ما بين سلوكه العملي في الحياة والأفكار التي آمن بها والتي دعا إلى تطبيقها في هذه الحياة.
د. محمد عمارة
جون مولى أبي ذر
كرّم محمد بن عبدالله (ص) الإنسانية كلها فألغى الاضطهاد العنصري إلغاء عملياً حين اختار لأقدس مهمة زنجياً أسود اللون، وجعل منه مؤذنه الذي ينادي المؤمنين للصلوات في أوقاتها الخمس.
هذا الأسود هو بلال الحبشي الذي كان عبداً من عبيد قريش فلم تكد تبلغه الدعوة الإسلامية حتى كان أول الملبين لها، وتعلم به قريش، ويعلم به سيده (أمية بن خلف) فينصحونه بالعدول عن الطريق الذي مشى فيه فلا يقبل النصيحة ويستمر مسلماً مخلصاً فيأخذون في تعذيبه العذاب الأليم، ولكنه لا يزداد إلا إيماناً، ثم يفر بنفسه إلى المدينة مع من هاجر إليها، وهناك صار مؤذن الرسول. ولقد كانت في صوته لكنة فلا يستطيع أن يلفظ الشين لفظاً صحيحاً، بل تخرج من فمه وكأنها سين، فيقول الرسول (ص) إن سينه عند الله شين..
وعلى صوت بلال الحبشي كان يهرع شيوخ المسلمين وشبانهم إلى المسجد ملبين نداء الله يبعثه هذا الإنسان الأسود اللون. ولم يكن تكريم لعنصر بلال أعظم من هذا التكريم الذي خصه به رسول الله، ولذلك فإنه لما مات النبي انقطع إلى أهل البيت مخلصاً لهم، وفياً لذكرى أبيهم الرسول.
وتدور الأيام ويلقى أهل البيت محناً، وأرزاء، ويبرز الأوفياء ملتفين حول الأسرة النبوية عازمين على الموت دونها إخلاصاً لمحمد ورسالته. ويقف الحسين في كربلاء في أقل من مائة من الرجال كانوا يمثلون في تلك الساعة أنبل ما في الكون من سجايا، وهل في الكون أنبل من أن يبذل الإنسان دمه طواعية وفاء لرجل، وثباتاً على مبدأ، وإخلاصاً لعقيدة.
وتبارى الرجال في التضحية ومضوا يسقطون واحداً بعد الآخر. وكان في الركب الحسيني رجل بسيط، لا يحسب إذا حسبت البطولات، ولا يذكر إذا ذكرت التضحيات، لا يؤبه لرأيه ولا يعد لمهمة من مهمات الأمور.
كان يؤمر فيلبي الأمر، ويستخدم فيخدم مسرعاً، كان أقصى ما يعرفه الرفاق عنه خادم أمين وتابع مخلص. وما فوق ذلك فليس مما يرد اسمه على البال.
كان رقيقاً من أولئك الأرقاء السود الذين امتلأت بهم قصور العتاة وبيوت الطغاة، وكانت أية حشرة تلقى عناية أكثر مما يلقاه أي واحد منهم. وكان نصيبه أن وصل إلى يد أبي ذر الغفاري صاحب محمد المخلص، وسمع أبو ذر النبي (ص) يوصي بالإرقاء خيراً ويحض الناس على تحريرهم، ومن أولى من أبي ذر بتنفيذ وصايا النبي فأعتق أبو ذر العبد (جون) وأرسله حراً.
وأصابت المحنة أبا ذر وطورد واضطهد ومات منفياً في الربذة، وظل جون فقيراً معدماً، فتلقاه أهل البيت بالحنان والعطف، فقد كانت فيه ذكريات من صاحب جدهم رأوها جديرة بالوفاء فاحتضنوه وألحقوه بشؤونهم يقوم على رعاية بيتهم والعناية بأطفالهم وقضاء حاجات رجالهم.
ومشى الحسين إلى كربلاء، وهذه حال جون، لا شأن له أكثر من هذا الشأن، ولا من يفكر بأن يكون لجون دور فوق هذا الدور. وكان في حسبان الجميع أنه سيغتنم أول فرصة للسلامة فينجو بنفسه وينشد الخدمة من جديد في بيت جديد.
ولكن جون بقي في ركب الحسين لم يفارقه مع المفارقين، وثبت مع الرجال المائة الذين ثبتوا حتى وصلوا إلى كربلاء وظن الناس أن (جون) سينتظر الساعة الحاسمة، ثم ينطلق بعدها في طريق النجاة، ولكن الأيام مضت وجون في مكانه لم يبرحه، وجاء اليوم التاسع من المحرم وجون قائم على خدمة الحسين، فها هو يصلح له سيفه والحسين يردد تلك الأبيات الشهيرة التي لم تستطع معها أخته زينب إلا أن تذرف دموعها.
أما جون فلم يذكر أحد أنه انفعل أو تأثر أو بكى، أتراه لم يفهم ما كانت تعنيه تلك الأبيات؟ أتراه صلب العاطفة متحجر القلب إلى حد لا يهزه صوت الحسين ينعى نفسه؟ أتراه في تلك الساعة في شاغل عن كل شيء إلا عن نفسه يفكر كيف يدبر وسيلة الخلاص عصر اليوم أو صباح الغد؟
الحقيقة كانت فوق كل تصور… لم يبك جون ولم ينفعل ولم يتأثر، لأن ما كان فيه كان فوق البكاء والانفعال والتأثر. كان جون وهو يصلح سيف الحسين، والحسين ينشد أبياته، كان جون يستعرض في ذهنه كل ذلك الماضي الحافل، كان يتذكر النبي محمداً (ص) وهو يرفع الإنسان الأسود إلى أعلى مراتب الكرامة حين عهد إلى واحد منهم بوظيفة مؤذنه الخاص وكان يتذكر تلك الألوف من السود التي انطلقت حرة تنفيذاً لوصايا محمد. كان كل ذلك يجول في ذهن (جون) مولى أبي ذر الغفاري.
وها هو سيف الحسين الآن في يده لآخر مرة يصلحه له ليقف به الحسين غداً على أعلى قمة في التاريخ فيهز الدنيا كلها لتشهد كيف تكون حماية الهدى والحق والخير، وكيف تكون البطولات التي لا تبغي إلا الاستشهاد ذوداً عما تؤمن به وتعتنقه، وكيف يرفض الأباة الحياة إذا لم تكن كما يريدون حياة الحرية والسعادة للأمة، وحياة الكرامة والحق لهم.
غداً سيلمع هذا السيف الحديدي في كف الحسين ثم ينثلم إلى الأبد، ولكن سيف الحق الذي جرده الحسين سيلمع إلى الأبد دون أن ينثلم، وغداً سيعلو صوت الحسين بنداء الحرية ثم يصمت إلى الأبد، ولكن صوت الحرية الذي انطلق من فم الحسين سيظل مدوياً إلى الأبد.
كان جون يلجأ إلى صمت رهيب، وظل صامتاً حتى دنا الليل، وأصغى بكل جوارحه إلى الحوار البطولي الخارق الذي جرى بين الحسين وأنصاره، وهو يحرضهم على تركه وحده والانطلاق في سواد الليل، وهم يردون عليه واحداً بعد واحد رافضين لأول مرة في حياتهم أوامره، ويصرون على أن يلقوا نفس المصير الذي سيلاقيه هو.
كان جون في تلك الساعة يجلس في زاوية دون أن يأبه له أحد، وكان يود من كل قلبه لو كان لصوت الزنوج صوت بين هذه الأصوات، ولكنه فضل الصمت المطبق.
وفي الصباح عندما تبارى الأبطال المائة متسابقين إلى الموت، ومشى كل منهم يستأذن الحسين ويودعه ماضياً إلى مصيره، تقدم (جون)، وهو في كل خطوة من خطواته لا ينفك مصغياً إلى صوت زميله بلال الحبشي متعالياً فوق كل أصوات البيض تكريماً، من محمد وإعزازاً. وربما خطر له في تلك اللحظات منظر بلال وهو واقف على أشرف مكان وأقدس بقعة، على ظهر الكعبة حين أمره محمد ساعة فتح مكة أن يصعد فينادي بالأذان. الأسود الذي كان عبداً ذليلاً قبل رسالة محمد يصعد على الكعبة، وهو في نظر الناس أعز إنسان.
دنت ساعة الوفاء لمحمد، دنت الساعة التي يرد فيها هذا الزنجي (جون) بعض الجميل لمحمد، وهل أعظم في الوفاء لمحمد من أن يموت ذوداً عن أبنائه ونسائه وتعاليمه، وتقدم جون من الحسين وقد انقلب بطلاً مغواراً، وقد تجمعت فيه كل فضائل بني جنسه، تقدم يستأذن الحسين في أن يكون كغيره من رفاق الحسين.
والتفت الحسين إليه وقد أخذته الرقة له والحنان عليه، ولم يشأ أن يورطه فيما لا شأن له به، فقال له: أنت إنما تبعتنا للعافية فلا تبتل بطريقتنا.
ولكن جون البطل أجاب الحسين: أنا في الرخاء على قصاعكم وفي الشدة أخذلكم؟! ثم أردف هذا الجواب بكلمات لم يقصد بها الحسين، بل أراد أن يوجهها للأجيال الماضية والأجيال الحاضرة والأجيال الآتية، تلك الأجيال التي لم تر للزنوج الكرامة التي لهم، فقال: إن ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، وأن لوني لأسود، فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي؟! والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود بدمائكم.
لقد كان جون يعلم أنه أكرم على الحسين من ألوف البيض، وأن الحسين أكرم من أن يراه لئيم الحسب نتن الريح… لم يكن جون في الواقع يخاطب الحسين سبط محمد مكرم الزنوج، بل كان يقف على ذروة من ذروات التاريخ ليقول للأدعياء المفاخرين بألوانهم وأطيابهم، إليكم هذا الذي ترونه في نظركم لئيم الحسب نتن الريح، إليكم به اليوم يطاولكم شرفاً وحمية وشجاعة ووفاء فلا تصلون إلى أخمص قدميه. منكم يزيد الأبيض اللون، المتحدر من عبد مناف، المضمخ بالأطياب، ومنكم عبيدالله بن زياد ومنكم شمر بن ذي الجوشن وحجار بن أبجر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، منكم قبل هؤلاء وبعد هؤلاء كثيرون، وكلهم يشع بياضاً ويعبق طيباً، وكلهم يجر وراءه حلقات آباء وأجداد.
أولئك غدروا بمحمد الذي أخرجهم من الظلمات، فداسوا تعاليمه وحشدوا الحشود على بنيه، أولئك يتهيؤون الآن ليرفعوا رؤوس أبناء محمد على رماحهم. وهذا الزنجي وفى لمحمد الذي حرره وأكرم جنسه، فتقدم ليذودكم عن بنيه وبناته وتعاليمه، وهو يتهيأ الآن ليسفك دمه دون ذلك، فأيكم اللَئِمِ الحسب، النتن الريح، الأسود الوجه؟ أأنتم أم هو؟
وحقق الحسين رجاء جون فأذن له، ومشى (جون) مزهواً ببطولته معتزاً بوفائه يود لو أن عيني بلال الحبشي تراه في خطواته هذه، وأن زنوج الدنيا يطلون عليه ليروا كيف مثلهم في موكب البطولات وتكلم باسمهم على منبر التضحيات، وكيف شرفهم ساعة لا شرف إلا للنفوس العظيمة.
لقد ضارب جون الحر أولئك العبيد بأعمالهم، السود بقلوبهم، وكان له ما أراد. فامتزج دمه الأسود مع أشرف دم، مع دم الحسين سبط محمد ومع دماء أهل بيته.
ووفى الزنوج لمحمد الذي رفع من شأنهم وأعلى أمرهم، وتحقق ما أراد جون. فلم ينفس عليه الحسين بالجنة، ولم يبخل عليه بأن يثبت بأنه كريم الحسب طيب الريح.
الربع الرشيدي
ولد رشيد الدين فضل الله في مدينة همدان سنة 645هـ (1247م) على الأرجح. إذ أنه يحدثنا أنه كان في سنة 705 في حدود الستين من حياته. وقبل غازان كان على صلة بأباقا خان وخلفائه مكرماً عندهم معنياً به في بلاطهم. ولكننا لا نعلم أنه تولى منصباً كبيراً قبل غازان الذي ولي الملك سنة 694هـ (1295).
ونحن نعلم أن أول من أسلم من ملوك المغول هو (تكودار) بن هولاكو الذي ولي الملك بعد أخيه (أباقا خان) وتسمى بأحمد. وكان أباقا خان قد عهد بالملك إلى ابنه (أرغون). ولكن آل جويني ومن والاهم من الأمراء والقواد لم يدعوا أرغون يتولى الملك ونادوا بتكودار ملكاً سنة 680 ولم يطل الأمر أكثر من ثلاث سنين حيث استطاع أرغون التغلب على عمه الأمير (أحمد تكودار) وقتله وتولى الحكم بعده. وفي عهد أرغون انتعشت الوثنية من جديد كما اشتد نفوذ اليهود. وبعد أرغون تولى ابنه غازان الذي كان أول ملك مغولي يؤدي الصلاة في المساجد والجوامع فيحذو حذوه الأمراء والكبراء وجمهرة الشعب المغولي. وكانت صلة رشيد الدين في أول أمرها صلة علمية بحتة. وكان السلطان يغتنم فرصة لقائه برشيد الدين ليذاكره في مبادىء الإسلام وتفسير القرآن ويستوضحه ما خفي عليه من شؤون الدين، وليجول معه في أمور العلم والفكر.
ثم ولاه المنصب الأول في الدولة وجعله وزيراً له، بعد مقتل الوزير السابق صدر الدين الزنجاني، الذي أودى به سعيه برشيد الدين عند غازان ومحاولة الإيقاع به لديه، فأدى ذلك إلى مقتله وإحلال رشيد الدين محله عام 697هـ (1297م) وأشرك معه في الوزارة سعد الدين الساوجي.
ثم مات غازان وتولى الحكم بعده أخوه الجايتو خدابنده فحفظ للوزيرين منصبهما وظلت لرشيد الدين نفس المنزلة التي كانت له عند غازان.
وكما حيكت له الدسائس لدى غازان أخذت الدسائس تحاك له ولزميله سعد الدين لدى (خدابنده) فنجا منها رشيد الدين مراراً في حين أنها أدت إلى مقتل زميله سعد الدين وإحلال علي شاه محله الذي أخذ يدس على رشيد الدين دون أن ينجح في دسائسه. ومات الجايتو خدابنده ورشيد الدين على مكانته، وتولى بعد خدابنده ولده أبو سعيد والتنافر بين الوزيرين على أشده ودسائس علي شاه لدى أبي سعيد تتوالى حتى نجح في حمل السلطان على إقصائه عن الوزارة سنة 717هـ (1317). على أن مساعي أصدقائه أعادته من جديد إلى الوزارة بعد أن تردد وأحجم، ولكن هذه العودة كانت السبب في وصوله إلى نهاية المحنة. إذ اتهمه زميله علي شاه بأنه سمم السلطان خدابنده وبعد مناقشات اقتنع أبو سعيد بأن رشيد الدين لم يسمم أباه فهو على الأقل وصف له دواء كان السبب في موته. وبالرغم من أن التهمة كانت واهية فقد سيطرت على أبي سعيد فأمر بأن يقتل رشيد الدين وأن يقتل معه ولده اليافع إبراهيم الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره بدعوى أنه هو الذي ناول الدواء بنفسه للسلطان، فقتل ولده أمام عينه ثم قتل هو سنة 718هـ (1319م) وقد بلغ الثالثة والسبعين من عمره.
ولم يلبث بعد ذلك أبو سعيد أن أدرك أنه كان مخطئاً فيما أجراه على رشيد الدين وولده، وشاء أن يكفر عما فعل فاستدعى غياث الدين أحد أولاد رشيد الدين وعهد إليه بالمنصب الذي كان يشغله أبوه في الوزارة.
من الخراب الباقي من الربع الرشيدي
الربع الرشيدي
أنشأ رشيد الدين في تبريز ضاحية أطلق عليها اسم الربع الرشيدي وعنى بها عناية فائقة. على أن أكثر ما يهمنا من تلك الضاحية أنه أنشأ فيها مكتبة حافلة جمع فيها من صنوف الكتب ما قل أن يجتمع مثيله في مكتبة. وكانت تحتوي على ما لا يقل عن خمسين ألف مجلد.
ولما نكب وقتل كان من أفجع أثار النكبة إحراق تلك المكتبة بكل ما فيها. ولدينا الكثير من الكتب التي لم يصلنا إلا اسمها وكانت فيما تحويه مكتبة الربع الرشيدي وذهبت كلها طعمة للنار. ويكفي أن نذكر منها مؤلفات ابن الفوطي وحدها.
المثقف المسلم والعالم العالمي
هذا تلخيص لحياة رشيد الدين السياسية، وهي حياة مهما كان قد أوتي فيها من كفاءة وتفوق في حسن تصريف الأمور، ومهما كتب له من النجاح في ميادينها، فهي على كل حال حياة كحياة كل السياسيين المتفوقين منهم وغير المتفوقين، الذين لا يلبث اسمهم أن يضيع في طيات الزمن ويختفي في أغوار الدهر. ولو كانت هذه الحياة هي كل ما كان لرشيد الدين لما وجد من يشغل نفسه بها ويلفت قراءه إليها.
ولكن لرشيد الدين حياة أخرى هي التي تعنينا في هذا البحث، وهي التي عنت قبلنا غيرنا من الكاتبين؛ هي حياة العالم المفكر المؤرخ على طول الدهر.
يقول المستشرق الفرنسي (كاترمير) في مقدمته التي كتبها لكتاب جامع التواريخ: «إذا غضضنا النظر عن الطب الذي أقبل رشيد الدين على تعلمه منذ زمن مبكر، وعن شتى فروع المعرفة الأخرى التي ترتبط بهذا العلم برباط مباشر، وجدنا أنه أيضاً لم يهمل دراسة الزراعة والهندسة والميتافيزيقا واللاهوت. وكان يحيط إحاطة تامة بكثير من اللغات وهي: الفارسية والعربية والمغولية والتركية والعبرية وربما الصينية».
من الخراب الباقي من الربع الرشيدي
ويقول عنه أيضاً «كان مولعاً بالمعرفة أشد الولع فاستطاع رغم كل هذه المشاغل والموانع أن يجد لنفسه الوسيلة لمعالجة الآداب والعلوم والإحاطة بالدين الإسلامي إلى أعمق حد».
والواقع أن رشيد الدين كان يمثل المسلم المثقف، الرفيع الثقافة كما كان يمثل العالم العالمي، بأوسع ما تعنيه هذه الكلمات من معنى. ولو لم تشغله السياسية، ولو لم يغره الحكم لكان له من الشأن فوق الذي كان. إذ أنه لم يعط الجانب الثقافي إلاّ بعض العطاء ومع ذلك فقد كان له فيه مثل الذي رأينا.
وإذا كان لرشيد الدين من الكتب مثل (التوضيحات) و(مفتاح التفاسير) و(الرسالة السلطانية) و(الأحياء أو الآثار) و(لطائف الحقائق) و(بيان الحقائق)، فلا شك أن قمة أعماله التأليفية هي ما كتبه في التاريخ في كتابه (جامع التواريخ).
قصة جامع التواريخ
يعود الفضل بالدرجة الأولى في تأليف هذا الكتاب إلى السلطان غازان الذي شاء أن يكون للمغول تاريخ مكتوب. وكان لا بد في الرجوع في تسجيل هذا التاريخ إلى مصادر معروفة وأحداث مكتوبة تكون المادة الأولى للمؤرخ الذي يأخذ على نفسه القيام بهذا العبء.
وكان سلاطين المغول يحتفظون في خزائنهم بوثائق مكتوبة بلغتهم فيها تدوين لكثير من وقائعهم، كما كان كثير من الأسر المغولية العريقة يحتفظ بمثل هذه الوثائق. وكان كل ذلك يحتاج إلى من ينظمه وينسقه ويستخلص منه الحقائق، ويخرج منه أصولاً لتاريخ يمكن أن يدون.
واهتم غازان بهذا ونضجت الفكرة في ذهنه فعمل على تحقيقها، ولم يكن في بلاطه أفضل من رشيد الدين من يمكن أن يعهد إليه بإنجاز تاريخ المغول وتدوينه. فأودع لديه كل ما كان تحت يده من وثائق وعهد إليه باستطلاع ما يمكنه استطلاعه من المدونات الأخرى أو الروايات غير المعروفة.
فقام رشيد الدين بالمهمة على أفضل وجهها وعكف على إنجازها بقدر ما تسمح له به ظروف اضطلاعه بشؤون الإدارة والحكم.
ولما أوشك الكتاب على التمام كان غازان قد توفي 703 (1303) وورث عرشة أخوه (الجايتو خدابنده) فلم يكن أقل اهتماماً من أخيه بإنجاز هذا التاريخ، بل زاد عليه بأن طلب إلى رشيد الدين أن يشير إلى الشعوب التي اتصل بها المغول ويعرض لتاريخها وأن يضيف إلى ذلك دراسة شاملة لكل الشعوب.
ولم تأت سنة 710 (1310) حتى كان الكتاب قد انتهى مكتوباً باللغة الفارسية باسم (جامع التواريخ) وأودع مكتبة المسجد الذي كان رشيد الدين قد بناه في مدينة تبريز.
ويصف كاترمير الكتاب قائلاً: «الواقع أن تاريخ رشيد الدين قد اعتمد في تأليفه على فحص الوثائق الوطنية الصحيحة المحفوظة في سجلات الأمبراطورية والمذكرات التي في حوزة الأسر الكبيرة وقام بتأليفه رجل صادق حي الضمير، وبذلك يكون قد توفرت له كل مقومات الصدق».
وينقل كاترمير عن المخطوطة العربية وصفاً لمنهج رشيد الدين وطريقته في التدوين بقلم رشيد الدين نفسه: (أستطيع أن أشهد لنفسي بأني لم أدخر أي احتياط أو جهد في تحري الحقيقة والامتناع عن كتابة كل ما هو زائف أو مشكوك فيه. وقد اقتبست دون أي تغيير ما انطوت عليه أصدق الوثائق الخاصة بكل شعب، والروايات التي حازت أحسن التقدير والمعلومات التي استقيتها من أعلم الرجال في كل قطر. وفتشت كتب المؤرخين ورجال الأنساب. وحققت هجاء اسم كل أمة وكل قبيلة».
الواقع أننا نستطيع أن نعد ميزة التجرد أولى الميزات التي اتصف بها رشيد الدين في تاريخه، وأن نوقن بأنه سعى وراء الحقيقة سعياً مخلصاً شجاعاً، ولم يراع جانب المغول وهو يتحدث عما في تاريخهم من فظائع، وكان كما قال عنه كاترمير: «إذ كان يبدو في كتابه مسلماً صادق الإسلام، فإنا نراه من جهة أخرى يتجنب الإطراء غير المجدي ويتمسك دائماً بنزاهة في الرأي تستحق كل إجلال، ولا سيما إذا كانت من مؤرخ».
ويقول أيضاً: «يذكر دون مواربة ولكن دون مبالغة أيضاً ضروب القسوة الشنيعة التي ارتكبها هذا الشعب (المغولي) وتخريب أعظم المدن وأكثرها ازدهاراً وتذبيح السكان العديدين دون قلق أو ندم، كما يصور بهدوء وتحفظ ضروب التجديف التي قاموا بها في مساجد بخارى وغيرها من المدن، حيث مزقوا المصاحف وألقوا بها أرضاً وصنعوا من أغلفتها الثمينة مذاود لخيلهم».
مجلدات الكتاب
يشتمل كتاب جامع التواريخ على أربعة ملجدات: الأول: يتعلق بتاريخ المغول المشتمل على تاريخ القبائل التركية المغولية وأجداد جنكيز، ثم جنكيز نفسه ومن بعده خلفاؤه حتى غازان. والثاني: يتعلق بتاريخ الفرس قبل الإسلام، ثم التاريخ الإسلامي إلى سقوط بغداد، ثم الأمم التي اتصل بها المغول في فتوحاتهم، والثالث: يشتمل على أبعد عصور التاريخ حتى آخر خلفاء بني العباس. والرابع: يشتمل على تفصيل حدود الأقاليم السبعة وولايات ممالك العالم.
على أن كاترمير يقول: لدينا الجزء الأول من كتاب رشيد الدين وهو الجزء الخاص بتاريخ المغول. وأنه الكتاب الوحيد الذي نستطيع العثور فيه على أصدق المعلومات عن حياة جنكيز خان وخلفائه وعن عهودهم.
ثم يتساءل كاترمير: هل الأجزاء الثلاثة الأخرى قد ضاعت دون أمل في العثور عليها؟ وكان في نية كاترمير تحقيق أكثر ما يمكنه تحقيقه من المجلد الأول ولكنه لم يستطع تحقيق سوى القسم الخاص بهولاكو ونشره بالفرنسية مع مقدمة نفيسة طويلة سنة 1836.
ويقول يحيى الخشاب: إن حديث كاترمير عن (جامع التواريخ) قديم، وقد جَدَّ الكثير عنه سواء من ناحية اكتشاف أجزاء منه لم تكن قد عثر عليها أيام كاترمير أو من ناحية النشر.
ومن أمثلة ذلك الطبعة التي صدرت سنة 1858 وهي قسم من الجزء الأول متعلق بأجداد جنكيز وتاريخ جنكيز نفسه. وكان إخراج آخر جزء من هذا البحث سنة 1888 باللغة الفارسية مع الترجمة الروسية وقد أخرج هذه الأجزاء المستشرق الروسي (برزين).
كما صدر بعد ذلك ابتداء من أوائل هذا القرن أكثر من قسم من المجلد الأول كهذا الذي نشره المستشرق الفرنسي (بلوشيه) سنة 1911 والذي نشر في إيران سنة 1937 والذي نشره المستشرق التشيكسلوفاكي (كارل) سنة 1940 وكذلك سنة 1941.
وهكذا يمكن القول أن المجلد الأول من جامع التواريخ قد نشر كله. كما نشر كارل يان سنة 1951 القسم المتعلق بالفرنج من المجلد الثاني.
في اللغة العربية
كان عبدالوهاب عزام أول من دعا في العرب لنشر (جامع التواريخ) وترجمته وألقى عام 1947 محاضرة في الجمعية الجغرافية عن رشيد الدين تحدث فيها عن كتابه وضرورة القيام بنشر القسم العربي منه وترجمة بقية الأجزاء إلى اللغة العربية.
ثم مضت عهود وعهود فكان أن قررت إدارة الثقافة والإرشاد القومي في مصر أن تقوم بنشر هذا التاريخ. ولكننا لا نعلم أنه صدر في اللغة العربية غير قسم من المجلد الثاني ـ الجزء الأول وهو (تاريخ هولاكو). نقله إلى اللغة العربية كل من محمد صادق نشأت ومحمد موسى هنداوي وفؤاد عبدالمعطي الصياد، وراجعه وقدم له يحيى الخشاب. وطبع سنة 1960.
كما نشرت مع هذا القسم السيرة الطويلة النفيسة لرشيد الدين التي كتبها المستشرق الفرنسي كاترمير والتي ترجمها محمد القصاص.
وكذلك نشر الجزء الثاني من المجلد الثاني..
ووعد يحيى الخشاب في آخر مقدمته بنشر ما ينجز من الكتاب أولاً بأول. ولا نعلم بعد هل تحقق شيء من هذا الوعد أم لا.
حرص رشيد الدين
على حفظ مؤلفاته
كان رشيد الدين حريصاً على أن تصل مؤلفاته لا سيما جامع التواريخ إلى الأجيال الآتية. وقد كان يعلم ما كان يمكن أن يكون عليه، أو ما كان عليه مصير كثير من الكتب حين لا يكون في أيدي الناس منها إلاّ نسخ محدودة تذهب بها أيدي الحدثان لا سيما في العصور التي تكثر فيها الفتن وتعم الفوضى.
لذلك حرص أشد الحرص على أن يتخذ طريقة يكتب لمؤلفاته معها الوصول من جيل إلى جيل، فاستكتب عدة نسخ من كتبه مفردة ومجمعة، بالفارسية وبالعربية. كما استكتب مجلداً ضخماً ضم كل مؤلفاته بالفارسية والعربية زيادة منه في الحرص على حفظها. وأودع ذلك في البناء الكبير الذي شاده في الربع الرشيدي ليكون مدفناً له. ثم توسع في الاحتياط فوقف قسماً من ثروته لكتابه نسخة بالفارسية ونسخة بالعربية في كل عام من مجموعة مؤلفاته كلها لترسل إلى مدينة من مدن الإسلام الكبرى وتوقف على أهل تلك المدينة، وكتب في ذلك وصية جميلة طريفة مؤثرة.
ولكن كل ذلك الحذر لم يفد وضاع من مؤلفاته ووجد ما وجد شأنه شأن كل المؤلفين في تلك العهود.
ولعل هذا الحرص هو الذي أوصل إلينا ما وصل، ولولاه لضاع الجميع، وقد كان مطمئناً إلى بناء الربع الرشيدي الذي حفظ فيه كتبه، ولكن الربع كله نهب بعد نكبته واحترقت مكتبته.
تفاصيل عن الربع الرشيدي)[325](
تعتبر عمارة الربع الرشيدي من أجمل وأعظم العمارات الرائعة التي قامت في تبريز وقد بنيت هذه العمارة الجميلة بأمر من الخواجة رشيد الدين فضل الله (654 ـ 714هـ) وتقع هذه العمارة في نهاية محلة شكلان التي تنتهي بمحلتي غميشة ووليانكوه بيلانكوه في تبريز وفي الجانب الأيسر من سفح جبل سرخاب على مرتفع من المدينة، تحيط بها من جميع الأطراف الأشجار والغابات وتعتبر هذه المنطقة من أحسن مناطق مدينة تبريز من حيث صفاء الجو وجمال الطبيعة.
وقام المؤرخون العديدون بالتحقيق والبحوث الكثيرة حول مبنى الربع الرشيدي وكتبوا عنه الأوصاف والمزايا الكثيرة التي تدل على عظمة هذا المبنى التاريخي العظيم. وكتب حمد الله المستوفي في كتابه (نزهة القلوب) حول هذا الموضوع ما مضمونه: قام الوزير السعيد الخواجه رشيد الدين طاب ثراه، في موضوع وليانكو ببناء فخم على أطراف مدينة تبريز أسماه الربع الرشيدي، ثم أضاف ولده الوزير غياث الدين الأمير محمد رشيدي أبنية جميلة إلى هذا المبنى.
وكتب دولت شاه سمرقندي يقول: بعد وفاة السلطان غازان، جلس السلطان محمد خدابنده على سدة الحكم في عام (703هـ) وجعل الوزارة بيد الخواجه رشيد الدين فضل الله الهمذاني، وكان هذا وزيراً فاضلاً تقياً وهو الذي بنى العمارة الرشيدية ولا توجد عمارة أعلى منها في العالم. وذكر الرحالة الفرنسي المعروف (شاردن) الذي زار إيران عام 1084هـ في مذكرات رحلته بأنه شاهد خارج مدينة تبريز في الجهة الشرقية من المدينة قلعة شاهقة جداً، هي الآن متهدمة تسمى بالرشيدية نسبة إلى بانيها رشيد الدين فضل الله وزير غازان صاحب التاريخ الرشيدي في أحوال المغول وقد تمّ بناؤها قبل أربعمائة عام.
ثم كتب يقول: «عندما جاء الشاه عباس إلى الحكم ووجد هذه العمارة وقد انهار الكثير من أقسامها، فعمد إلى تجديد بنائها وأرجعها كما كانت في السابق، ولكن السلاطين الصفوية بعد الشاه عباس لم يعيروا أهمية لهذه القلعة الرشيدية، فتركوها كما هي فعادت مرة أخرى منهارة خربة».
ويمكن الاستنتاج من هذه الروايات أن هذه العمارة كانت واسعة عظيمة لها شأن كبير حيث كُتب عنها أحياناً بأنها حي من الأحياء وفي مكان آخر بأنها مدينة صغيرة تتكون من المبنى الرئيسي الكبير وبجانبه عدة عمارات أخرى مثل المدرسة ودار الشفاء ودار السيادة والمسجد والمكتبة ومركزاً لضرب النقود ودار الصنايع ومعملاً للنسيج وآخر لصناعة الورق وقبة كبيرة أُعدت لتكون مدفناً له. ولا شك بأن أية عمارة لا يمكن أن يقال عنها مدينة صغيرة مهما كانت كبيرة لولا ما يحيط بها من الأبنية والمرافق والخدمات كما في بناية الربع الرشيدي وهذا دليل على عظمة هذا البناء، خاصة أن جميع تلك المباني كانت متصلة بعضها ببعض، وكان يحيط بها جميعاً سور عظيم له برج وعدد من المداخل، كما كان في المدن القديمة وكانت المكتبة من أكبر المكتبات في ذلك العصر، تحتوي على الكتب القيمة تأليف رشيد الدين وغيره)[326]( مثل جامع التواريخ، ومفتاح التفاسير، وكتاب التوضيحات، والرسالة السلطانية، ولطايف الحقائق)[327](، وبيان الحقائق، وكتاب الأحياء والآثار، وكتاب بيان الحق، وكتاب تأريخي باللغة التركية لمؤلفه نادر ميرزا عن مدينة تبريز، وكتاب دستور المملكة، وكتاب المنشآت وهي مجموعة رسائل رشيد الدين)[328]( التي كتبها إلى أولاده وولاته ورسائل أخرى في الحكمة والفلسفة وغير ذلك من كتب الآخرين باللغة الفارسية والعربية وكانت الكتب المؤلفة باللغة الفارسية تتم ترجمتها إلى اللغة العربية والكتب العربية تترجم إلى الفارسية، وهناك عدة نسخ للكتاب الواحد يتداولها الناس والطلاب وهناك الكثير من الوقوفات التي كتبت عنها الرسال الوقفية الخاصة بها في هذه المكتبة. كما أن عظمة أبنية الربع الرشيدي وسعتها ودار العلم ودار الشفاء ودار الصنايع واضحة في كتاب منشآت الخواجه (رسائله) كما أنه جلب لها الأساتذة وأهل الصناعة.
رسائل إلى الآخرين
بشأن الربع الرشيدي
ترجمت لنا هذه الرسائل عن نص فارسي، كما ترجم النص الذي قبلها. وقد جاءت الترجمة متعجمة مفككة فتركناها كما هي لئلا نتصرف بالنص، معتمدين على فهم القارىء لها:
من الرسائل التي بعثها ابنه إلى الخواجة جلال الدين الذي كان حاكماً على الروم)[329]( يخبره أولاً بما أُنشىء حول الربع قائلاً:
أنشأنا بجوار الربع الرشيدي بساتين يعجز عن تصورها وحسن صناعتها ودرك بدائعها أصحاب العظمة وأرباب الخبرة حيث أن رياضها والنزهة فيها والألوان الجميلة والجو الرائع تحاكي خيال الجنان. ثم يقول: البلابل فيها تغرد بالألحان الشجية من قمة الأغصان بحيث لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر، وفيها الحمائم ذات المناقير الياقوتية تتهادى في السور والجدران تذكرنا بالآية الشريفة: «لم يخلق مثلها في البلاد» إضافة إلى الجداول الرقراقة التي تشبه «جنات عدن فيها خالدين» ولما كانت هذه البساتين ذات مساحات شاسعة وساحاتها واسعة فقد أنشأنا فيها خمس قرى، يقام فيها غرس الأشجار وقطفت الثمار وحفر القنوات والأنهار وقد تمت منها أربع، وهي قرية الزنوج وفيها أربعون شخصاً من الذكور والإناث، وقرية القرديان وفيها أربعون شخصاً من الإناث والذكور، وقرية الأحباش وفيها أربعون شخصاً من الذكور والإناث وهناك القرية الرابعة ولا تزال خالية من العمران ونريد أن نجعلها قرية الروميين. لذا نتوقع منك إرسال أربعين غلاماً وجارية روميين إلى دار السلطنة في تبريز ليسكنوا في القرية المذكورة مع باقي العبيد والأماء وينشغلوا في البناء والعمل فيها. وأنا واثق بأنك لن تقصر في ذلك.
والرسالة الثانية التي بعثها ابنه إلى الخواجه سعد الدين تضمنت بيان الأبنية وشرح حال عمارة الربع الرشيدي طالباً فيها عدداً من العلماء والأطباء والمختصين لكي يقوموا بالتعليم والتدريس في مرافقها ومؤسساتها. ويستفاد من مضمون هذه الرسالة بأن الربع الرشيدي كان بمثابة (جامعة) تمّ فيها تأسيس كل الفروع العلمية وأنه يدرس فيها حوالي ستة آلاف طالب.
وهذه خلاصة مضمون الرسالة: أنه قبل أن يغدر بنا الزمان ويسلبنا مسراتنا وإمكاناتنا وينهي أعمارنا وتصل نيابة الوزارة إلى نهايتها، لا بد أن تمتد أنوار الشموس البهيجة فيتمتع بسرورها وبهجتها العالم، وأن نحمي الناس من عوارض المرض ونوجد لهم العلاج الشافي الكافي ونصفي مشارب الأنام من غوائل الزمان ومنغصاتها. وبحمد الله وحسن توفيقه، فإن الناس اليوم مبتهجين، فرحين كصائم بعد رؤية الهلال وكالمستسقي بالماء الزلال بوجود الظل الميمون لحضرة السلطان العظيم وهم يفتخرون بسرير الملك والسلطنة بما يرونه مما يسر العيون ويبهج القلوب كما أننا والحمد لله تمكنا من تأمين أبواب المعاش وأسباب الانتعاش، حيث لا يحتاج أي مخلوق إلى أي شيء وعلى هذا فإن صيت الكرم قد عم البسيطة ووصل إلى أسماع الخاصة والعامة بأن كل جهدنا ينحصر في أن يحظى كل مخلوق بإحساننا حيث إننا أنشأنا الربع الرشيدي في هذا الزمان الذي تتمثل فيه المفارقة والمباعدة. واليوم فإنه ببركة قدوم العلماء وبيمن همة الفضلاء قد وصل هذا الصرح إلى نهايته وتم إنشاء أربع وعشرين جناحاً ومبنى عظيماً كقصر الخورنق ومن حيث الارتفاع فقد تجاوز ارتفاعه قبة المينا وفيه ألف وخمسمائة حانوت متانتها تضاهي قبة الأهرام، وتم بناء ثلاثين ألف منزل تحتوي على ما يسر العين والقلب وفيه الحمامات الرائعة والبساتين الوارفة والحوانيت والطواحين ومعامل النسيج والورق ودار لضرب النقود ومركز للأصباغ وقد جلبنا من كل مدينة عدداً من الأشخاص ليسكنوا الربع ومن ضمنهم مائتا حافظ للقرآن كبلبل يشدو بألحان الوحي والتنزيل وعنادل روضة التسبيح والترتيل وجعلنا كل مائة شخص في زقاق حول القبة الكبرى من الشمال واليمين وعينا الإدارات والوظائف اللازمة لإدارتها وأسكنا أهل اليمين من واردات أوقاف شيراز وأهل الشمال من واردات أهل الشام ومنهم جماعة الكوفيين والبصريين والواسطين والشاميين ومنهم أهل الصيغة والآخرون من أصحاب المعاشرة حيث يقومون في دار القراءة كل يوم حتى الضحى بتلاوة القرآن المجيد وجعل في خدمتهم أربعين غلاماً من غلماننا ليعلموهم القراءات السبع وجاءتنا مختلف الجماعات بعد أن سمعوا بصيتنا من الخوارزميين والتبريزيين ليلتحقوا بجماعة قراء القرآن الكريم من الضحى حتى الزوال وأسكنا العلماء والفقهاء والمحدثين كل أربعة منهم في زقاق وخصصنا لهم جميعاً رواتب ومخصصات شهرية إضافة إلى منحهم سنوياً الألبسة الشتوية والصيفية وأجرينا لهم الحصص من الصابون والحاجات الأخرى وأسكنا ألف طالب في محلة أسميناها حي الطلاب وكل طالب في محلة أسميناها حي الطلاب وكل طالب منهم كنور يتلألأ في سماء العلم ونجم ساطع في فضاء التحصيل والدرس وجهزناهم بما يحتاجون إليه تماماً كالعلماء والأساتذة والأفاضل الآخرين وأسكنا ألف طالب آخر ممن جاؤوا من ممالك الإسلام على أمل الحصول على التربية والتعليم عندنا في دار السلطنة بتبريز وخصصنا احتياجاتهم من واردات الجزية من الروم والقسطنطينية الكبرى وجزيرة الهند ليكونوا مرتاحي البال فيواصلوا الدراسة بأعلى المستويات وقسمنا كل عدد من الطلاب يدرسون على يد أستاذ واحد معين وقسمناهم حسب ميولهم بالنسبة لعلوم الأصول والفروع والنقلية والعقلية وطلبنا من جميع أولئك الطلاب الساكنين في دار السلطنة بتبريز أن يمروا يومياً بطلابنا وأبنائنا في الربع الرشيدي وأسبغنا على خمسين طبيباً حاذقاً ممن جاؤوا من أقصى الهند ومصر والصين والشام والولايات الأخرى بصنوف الرعاية وآلاف العناية وطلبنا منهم أن يواظبوا كل يوم في دار الشفاء وجعلنا مع كل طبيب عشرة أشخاص ممن لديهم الاستعداد لدراسة الطب وفهمه لكي يتدبروا ويتعلموا هذا الفن الشريف وأسكنا هؤلاء الأطباء والجراحين العاملين في دار الشفاء في بستان رشيد آباد وكذلك أسكنا جميع أهل الصناعات والحرفيين الذين جلبناهم من الممالك والأمصار المختلفة في زقاق في حي معين. وأن الغرض من هذه السطور هو أن ترسلوا لنا خمسين حائكاً للصوف من أنطاكيا والسوس وطرسوس ولكن ليس بالزجر والقوة والقهر بل باللطف والود وإعلامهم بالحياة المنعمة والرفاهية التي تنتظرهم في الربع الرشيدي وكذلك يرجى التفضل بطلب عشرين حائكاً للصوف من مالك نوفل بن سحابيل لكي يرسلهم من قبرص إلى دار السلطنة في تبريز. والسلام.
وفي رسالة أخرى طلب من الخواجه علاء الدين في الهند بأن يرسل إلى دار الشفاء في الربع الرشيدي بعض الدهونات والمراهم بمقدار خمسة (مَنْ) و(10) (مَنْ) و100 (مَنْ) من كل نوع منها.
وهذه خلاصة الرسالة المذكورة:
إلى المعتمد الخواجه علاء الدين هندو: ليكن في علمكم بأن الفاضل الكامل قدوة العلماء والحكماء محمد بن النيلي الذي يمثل جالينوس زمانه والذي زاد العلم في فنون المعقول على أفلاطون قال: بسبب قلة الدهونات في دار الشفاء بالربع الرشيدي ولما كانت أكثر الأزهار وأغلب الرياحين المعروفة بحسن الرائحة وبطيب النكهة الموصوفة مفقودة في دار السلطنة في تبريز وكما يعلم أرباب الفطنة وأصحاب الخبرة فإنه بسبب صولة البرد وزمهرير الهواء في حالة الحركة الدائمة فإن المشار إليه وبالتعاون مع المولوي يقدمان التركيب الأجمل والطريقة الأسهل للحصول على ما تقدم، فإننا قد أرسلنا الخدم إلى الممالك المذكورة بحيث إنهم كل عام يرسلون المقدار المقرر من الأدهان إلى تبريز ودار السلطنة ولما كانت تلك الأصقاع بعيدة عن بعضها لذا فإننا أمرنا بذهاب شخص واحد لكل مملكة ونحن على يقين بأن الإهمال والإغفال غير ممكن في هذه الحالة لأن المسؤولية تقع على شخص واحد فقط وهم محل ثقتنا واعتمادنا. والسلام.
وبعد قتل رشيد الدين، أغار الطامعون والمنافقون على عمارة الربع الرشيدي وهدموا وأزالوا جميع تلك الآثار النفيسة الجميلة وما بقي منها تم هدمه أيضاً بعد مقتل ولده الخواجه غياث الدين محمد وذلك في يوم 21 شعبان عام 736 والآن لا يمكن مشاهدة ما بقي من تلك الآثار الراقية والعمارات النفيسة سوى تل من التراب ثم عمدت الجماهير الجهلة إلى قلع ما بقي من الحجارة من تلك الآثار العظيمة. وتظهر أحياناً من طيات التراب قطع من الفسيفساء المهمة وتوجد هناك آثار الجدران والأبواب الدارسة. ومن تأريخ ومنشآت الخواجه رشيد الدين يظهر بأن الخواجة كان لديه ثلاثة عشر ولداً حيث كان كل واحد منهم حاكماً على إحدى البلدان والأمصار وكان للخواجه جهاز ملوكي عظيم وإدارة ملكية عظيمة وواسعة وعنده الأملاك الشخصية الشاسعة التي جعل أغلبها وقفاً للربع الرشيدي. أمّا أسماء أولاده فهي بهذا الترتيب: (1) الأمير غياث الدين محمد: ناظر خراسان وبعد مقتل أبيه الخواجة أسندت إليه الوزارة لعدة سنوات. (2) الخواجة عز الدين إبراهيم: حاكم شيراز (3) الأمير علي: حاكم بغداد والعراق (4) الأمير محمود: حاكم كرمان (5) الأمير عبدالمؤمن: حاكم سمنان (6) الخواجة جلال الدين: حاكم الروم (7) الأمير شهاب الدين: حاكم تستر والأهواز (8) الخواجة عبداللطيف: حاكم أصفهان (9) الخواجة محي الدين (10) بير سلطان: حاكم كرجستان (11) الأمير أحمد: حاكم أردبيل (12) الخواجة همام (13) الخواجة سعد الدين: حاكم أنطاكيا.
رثار الحسين
لم يُرث إنسان في الدنيا كلها منذ عرف الشعر حتى هذا العصر بمثل ما رثي الحسين. ولم يلق شهيد مثل ما لقي من عناية الشعراء وتمجيدهم والتفنن في وصف بطولته وإبائه. ولم يوحِ رجل للفكر الإنساني بمثل ما أوحى الحسين.
لا في الشعر العربي وحده بل في الشعر الإسلامي العالمي في جميع اللغات الإسلامية. وما من بطل ظل يرثى بالشعر منذ استشهاده حتى هذا العصر وحتى إلى ما يعلمه إلاّ الله من عصور مثل ما ظل يرثى الحسين.
فمنذ عقبة بن عمرو السهمي الذي كان أول من رثى الحسين إثر استشهاده حتى محمد مهدي الجواهري الذي رثى الحسين في هذا العصر، ظل الشعراء يتتابعون في كل عصر في رثاء الحسين.
ونترك الكلام هنا للأستاذ إبراهيم الحيدري:
وفي الحقيقة فلم تكن عاشوراء مجرد حادثة تاريخية عابرة وإنما كانت ثورة دينية ـ سياسية لها أبعادها الفلسفية، التي تضمنت مفاهيم وقيماً وتقاليد إنسانية عالية، هي أساس تخليدها عبر العصور، كما انعكست في الآداب والشعر والفنون، فاستحضرها الأدباء والشعراء والفنانون، بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى، ووظفوها في معالجة المشاكل الراهنة بحيث أصبحت سمة بارزة من سمات الهوية الوطنية والثقافية التي غذت الحركة الأدبية والفنية بخبرات وتجارب تراثية غنية وطبعت إنتاجها بمسحة من الحزن والألم، مثلما تحوّلت إلى نماذج معاصرة في التضحية والفداء.
وفي الواقع فقد تخطى بعض الأدباء والشعراء والفنانين واقعة كربلاء، بوصفها حدثاً تاريخياً، إلى فضاءات أوسع تزامنت مع روح العصر، مثلما ظهر ذلك في قصائد عدد من الشعراء الجُدد أمثال بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومظفر النواب وغيرهم. أمّا في القصة فقد تمكّن عدد من القصاصين العراقيين استلهام تراجيديا كربلاء في وصف الحياة الاجتماعية وربطها بها، مؤكدين على المبادىء والقيم العليا التي أفرزتها في المجتمع العراقي للرجوع إليها دوماً والاحتماء بها في أوقات الشدائد والمحن وكذلك في الصراع مع الظلم والاستبداد، كما في قصص محمد خضير وجمعة اللامي وموسى كريدي وشوقي كريم وجبار ياسين وغيرهم.
وكان جبار ياسين قد استهلّ قصته التي كتبها باللغة الفرنسية «سماء معتمة النجوم» بهوامس قاتمة عن تاريخ العراق من عام 680 إلى 1991، وهو تاريخ الشهادة والحزن المستديم، قصة عهود طويلة من الطغيان ولكن بألم واحد. فمنذ خمسة عشر قرناً بدأت مذبحة كربلاء عام 61هـ. وانتهت في المكان نفسه حيث لما يزل الدم نفسه يسقي رمال الصحراء في آذار 1991، وحيث يعيد الأحفاد التاريخ نفسه ويتجدد الانتقام للشهداء الذين تركوا في الرمال دون رؤوس. إنها حكاية يتلاحم فيها العصران مثلما تتلاحم فيها الإرادة والشهادة. ويبقى الطغيان والألم وصوت الوطن الجريح وهو يئن: «جابر يا جابر.. ما دريت بكربلاء اشصار، من شبوا النار!».
لقد استطاع جبار ياسين في هذه القصة أن يستعير من كربلاء أسمى المعاني ويحولها إلى عصرنا الحاضر ويطعم القصة العراقية الحديثة بالألم يستقيه من طقوس كربلاء. ومن ردات العزاء الحسيني، التي تستعيد حضورها مرة أخرى في انتفاضة عام 1991، حيث يتحول الطقس بغتة إلى موت ودمار شنيع، موت حقيقي هذه المرة، وليس موتاً رمزياً)[330](.
وكان للمسرح نصيبه من تراجيديا كربلاء عند عوني كرومي، حيث جعل من «التشابيه الحسينية» موضوع رسالته للماجستير التي قدمها في ألمانيا، مبيناً أهميتها وأثرها الجمالي والمعرفي في صياغة أسلوب متميز لمسرح خاص يمثل الهوية الوطنية. وكذلك استلهم جواد الأسدي وعزيز خيون وكريم رشيد وغيرهم، كثيراً من معاني عاشوراء ونقلوها عبر عروض مسرحية إلى إشكاليات معاصرة)[331](. ومثلما استلهم الشاعر والقاص والمسرحي أفكاره وقيمه ورموزه الفنية من تراجيديا عاشوراء، استلهم الفنان التشكيلي أفكاره ورموزه وألوانه منها أيضاً وربطها بقضايا الإنسان المعاصر حيث تحول رأس الحسين وفرس الحسين وكذلك كف العباس وراية العباس وسيفه رموزاً بارزة في عدد من اللوحات والمنحوتات والتشكيلات الفنية، إلى جانب مفاهيم وقيم التضحية والفداء والشهادة.
لقد تحول «الرأس» المرفوع عالياً إلى رمز للرفض والتحدي والشموخ في الفن التشكيلي العراقي واحتل مساحة كبيرة منه.
فمنذ الستينات أصبح «الرأس» رمزاً وشعاراً وتاريخاً للقهر والألم، الذي مثل بشموخه جوهر معنى الآباء، ومعنى الانحياز نحو الحق والحرية والأصالة، وانتقل عبر الرسم والنحت ليعبر عن عمق عاشوراء في ضمير الناس، حيث ظهر في أعمال جواد سليم ذات رؤوس جامحة تتطلع نحو الأعلى في فضاء ممتد عبر التاريخ والأحداث والهموم.
وكان كاظم حيدر قد استوعب أبعاد عاشوراء ووظفها في أعماله الفنية توظيفاً جيداً فجاءت في أربعين لوحة فنية أخذت مكانة دولية هامة بسبب تحويله موضوع عاشوراء إلى رموز ذي أبعاد إنسانية يمكن فهمها شرقاً وغرباً وإخراجه من نطاقه التقليدي الضيق إلى مجال عالمي أشمل وأرحب)[332](.
صوّرت لوحات كاظم حيدر عاشوراء بمعاركها وخيولها وراياتها ورؤوسها وأجسادها بشكل معنوي وليس بشكل تقليدي جامد، حيث يتعدد الرأي داخل كل لوحة ويختلف من حيث اللون، وحيث يكون الفم مفتوحاً أبداً، لا سيما في «ملحمة الشهيد» التي جسمت واقعة الطف لتقول الكثير عبر الأزمنة والحدود والسدود والأحداث، وحيث تكون الرؤوس محلقة دوماً وشامخة في فضاءات من اللون، ترفض السقوط على الأرض، غير أن رؤوساً أخرى تتساقط وهي مغلقة العينين والأفواه بدلالات وألوان يغلب عليها اللون الأسود والرمادي)[333](.
أمّا شاكر حسن آل سعيد فقد تحرر من شكليات الفن التشكيلي ليدخل في عالم من الرؤوس الإيقاعية المتوالية وفي تجليات صوفية متمردة اختلطت عنده الرؤوس بالرماح والخطوط التي رسمها في جدارياته، في حين أدخل ضياء العزاوي «الرأس» بين الحروف والأقمار ليظهره بألوان وملامح أكثر شفافية ووسط خطوط متقاطعة ومتشابكة ومتصارعة تتجه نحو مناحي عديدة وفي أشكال نافرة تعبر عن بلاغة وشفافية عالية.
ومنذ الثمانينات برز «الرأس» المقطوع والمرفوع والمعلق أو النافر المتعالي في اللوحات التشكيلية العراقية الحديثة وبشكل مغاير، فقد ظهرت لوحات فنية يختفي فيها الرأس ليظهر الجسد مفصولاً ومسلوباً، في محاولة لتجسيد قيم الشهادة التي امتدت عبر التاريخ، من تراجيديا كربلاء، مروراً بثورة زيد بن علي حتى هذا العصر، مثلما جسدت حقيقة أخرى حاول بعض الفنانين إبرازها، وهي فصل الرأس عن الجسد، التي تعني تأكيد بقاء الرأس ـ الفكرة ـ المبدأ حياً وشامخاً في فضاءات لا يمكن حجب رؤيتها واستشراف أهدافها.
كما حفل التراث العربي بكم هائل من القصائد والمراثي التي عبّرت عن الحب والندم وكذلك الحزن والأسف على ما أصاب الحسين وأهل بيته من آلام في واقعة كربلاء.
غير أن المعالجات المعاصرة للأدباء والشعراء لمأساة كربلاء جاءت بأساليب فنية جديدة، وصاغت نماذج أدبية رفيعة، تنضح بالجرح المدمى والإثم العميق المتجذر في الوجدان، مستلهمة معاني عاشوراء في الثورة والشهادة.
لقد استلهم عبدالرحمن الشرقاوي مادة مسرحيته «الحسين ثائراً ـ الحسين شهيداً»)[334]( من تراجيديا كربلاء، وصاغها بأسلوب فني مسرحي، عكس فيها صدق المعاناة، في الدفاع المستميت عن المبادىء والقيم الإنسانية الرفيعة في الثورة وفي الاستشهاد بأسلوب درامي محكم، واستطاع بسهولة ويسر إبراز الصراع الملتهب بين الحسين ويزيد وما يعكسه من تناقضات في المبادىء والمصالح والأهداف، والتي تعكس في الوقت ذاته، فلسفة عاشوراء وأهدافها في الرفض والتضحية والفداء من أجل المبدأ والعقيدة، وهو بهذا حوّل مجد كربلاء وكبرياءها إلى تجربة إنسانية عميقة، يسعى إلى توصيلها إلى الناس، في لغة شعرية رقيقة مفعمة بالحب والوفاء. فالحسين شهيداً كان منذ البداية، لأنه يملك صفاء الروح ونقاوتها، مثل نقاوة القول والعمل الذي لا يهادن معه الشر. كما صاغ الشرقاوي مسرحيته في لغة شعرية غنية بمعانيها وجمالها وجزالتها، بلغة تثير الجدل والمحاججة بصورة مستمرة وكذلك الكبرياء، بهدف بناء موقف ثابت يطعمه بحوارات درامية تحمل في طياتها ثنائية الشخصية وذاتها، والبطل والأنا، وبذلك نجح، إلى حد بعيد في خلق دراما عربية تعكس روح التمرد والتحريض على الواقع ورفضه، وصور الحسين ثائراً حقيقياً ونموذجاً مثالياً لعموم المظلومين من البشر)[335](، لأنه دخل مع الشر في معركة حامية، كان يعرف، سلفاً، أنه الخاسر فيها جسدياً، والرابح فيها روحياً، من أجل إنقاذ الإنسان وشرف الإنسان وكلمته:
إن الكلمة مسؤولية
إن الرجل هو الكلمة
شرف الرجل هو الكلمة
شرف الله هو الكلمة.
ثم يقول:
أنا ذا أخوضُ المستحيل إلى جلاء حقيقتك
فأضيء طريقي من أشعة حكمتك
أنا ذا شهيد الحق ضعت لكي أصون
من الضياع شريعتك
لا تُخفِ عن وجهي وضاءة نظرتك..
وقد أصبحت كربلاء، عند عبدالعزيز المقالح رمزاً لعصر ذهبي مضى ومدينة فاضلة مفقودة بقي الشعراء يحلمون بها ويتغنون بأمجادها. فكربلاء هي رمز لتحدي الشر الذي ينتصر بالباطل فيها، لأن الخيانة أقوى من الحق، والمطامح أقوى من المبادىء النبيلة. كما أن كربلاء هي الوطن الذي يحلم به، وطن لا غدر فيه ولا خيانة ولا أطماع. يقول:
نحن من كربلاء التي لا تخون
ومن كربلاء التي لا تخون ولدنا،
ومن دم أشجارها خرجت للظهيرة أسماؤنا
منذ موت الحسين.
مدينتنا لا تصدر غير النجوم، ولا تصطفي غير رأس تتوجه
بالنهار الشهادة،
تغسله بالدماء العيون الجريحة.
كما تصبح الدماء التي سالت في كربلاء رمزاً للحق ووساماً فوق الرؤوس، وتضحية لا مفر منها. فالخير لا ينتصر بالكلمات فقط وإنما في الكفاح والدماء:
والموت في الشعب أروع ما يكتب الشعراء، نوافذ أكواخهم، تتألق بالموت والورد، تثمر بالخبز والدم. رأس الحسين غدا وردة في الحدائق، أنشودة صار للمتعبين، ونهراً ونافذة للمطر)[336](.
أمّا عبدالمعطي حجازي فقد جعل من كربلاء رمزاً للوحدة، وحدة الإنسان ووحدة المصير وكذلك وحدة الأمة العربية التي كادت أن تتحقق، في الستينات من هذا القرن، لولا أنها أجهضت.
في قصيدته «عودة فبراير» يقول:
كأنني سمعت صوتاً كالبكاء.
هذا الحسين وحده في كربلاء
ما زال وحده يقاتل
مُعفّر الوجه يريد كوب ماء
والأمويون على النهر القريب
كأنني أرى دمشق بعد ليلة الغياب
بيوتها مظلمة وسجنها العالي فضاء
الليل ليس الليل، والعقم في كأس الشراب
والكلمات مثقلات بالذنوب)[337](.
ويأتي جمال الغيطاني في كتابه «تجليات» ليجعل من الحسين ليس بطلاً فحسب، بل هو التحقق المادي الذي يتجسد عبر الأزمنة في الأبطال المدافعين عن شرف الأمة وحريتها وكرامتها.
الحسين عنده النموذج الذي يتمثله الإنسان رمزاً للاستشهاد، مقابل النموذج الشر، كرمز مناقض، في الوجدان العربي ـ الإسلامي ـ لقد حاول الغيطاني توظيف تراجيديا كربلاء توظيفاً حياً وعلى درجة عالية من التقنية الأدبية في إطلالته على تراث كربلاء، بالرغم من أن «تجلياته» هي سيرة ذاتية في قالب روائي فيه مسحة صوفية.
إن كربلاء عند الغيطاني محطة استذكار يلتقي فيها الكاتب مع الإمام الحسين، في خياله، ويتحدث معه بلغة قلبه دون لسانه، بحيث لم يعد هناك فاصل بين التاريخ والواقع، بين الحقيقة والخيال، ليقارن بين ابن زياد ـ حاكم الكوفة، والحكام (العرب) اليوم، في هذا الزمن المر، مثل كل شعراء العزاء الحسيني، ليترك أمنية، هي الانتقام من الظالمين، أينما كانوا، مثل أولئك الذين تسببوا في مقتل الحسين.
ونتيجة لإحباطاته في الواقع يلجأ إلى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة عله يجد في حضرته العزاء والسلوى. يقول:
وَلّيت قِبلة إمامي الحسين، وفاض أساي فخاطبته بوجهتي وليس بنطقي:
ـ يا نبع الصفاء، يا مشرق المودة، تعذبني قلة حيلتي، وصعوبة الطريق، يا إمامي، لم يعد حالي حالي، جئتك ملوّعاً بالفقد.
يقول صاحب الثغر العذب المنكوث بعصا الظالمين:
ـ كل شيء بقدر)[338](.
ويتوجع أمل دنقل، الشاعر المصري الراحل، مع آلام الحسين التي أضافت إلى الإنسان هالة من الحزن الشفاف ودفقاً من الكبرياء ورمزاً دائماً للتجدد، غير أنه، وفي الوقت نفسه، يظهرُ إحباطه أيضاً، ذلك الإحباط الإنساني الذي هو قاسم مشترك عند كل شعراء العزاء الحسيني ليعلن غضبه، ويقول:
كنت في كربلاء..
قال لي الشيخ إن الحسين
مات من أجل جرعة ماء
وتساءلت كيف السيوفُ استباحت بني الأكرمين؟
فأجاب الذي بصّرته السماء:
إنه الذاهبُ المتلألىء في كلِّ عين
إن تكن كلماتُ الحسين
وسيوف الحسين
وجلال الحسين
سقطت دون أن تنقذ الحقَّ من ذهب الأمراء
أفتقدر أن تنقذ الحقّ من ذهب الشعراء؟!
ويتحول أمل دنقل من نعيه الحسين إلى نعيه العصر كله، مشهّراً بهؤلاء الذين ما زالوا يذبحون «الحسين» كل يوم، ينافقون، ويرثون آخر الأمر:
والأموي يُعصى في طريق النبع:
«.. دون الماء رأسك يا حسين..».
وبعدها يتملكون، يضاجعون أرامل الشهداء.
لا يتورعون،
يؤذنون الفجر.. لم يتطهروا من رجسهم
فالحق مات… )[339](.
وهناك عدد آخر من الشعراء الذين استلهموا قصائدهم من نبع كربلاء. فقد كتب أحمد دحبور «العودة إلى كربلاء» وكتب بدر شاكر السياب «الدمعة الخرساء»، ونزار قباني «شمس كربلاء»، ومحمود درويش وغيرهم كثير.
إن القصائد والمرائي والخطب واللوحات الفنية تعبر عن ضروب من الرفض والاحتجاج، وكذلك التحدي أحياناً، وتعكس أشكالاً من أساليب المقاومة الخفية التي تنطلق من مقولة، هي أن ثمة رغبة بشرية تدفع الإنسان للحصول على حريته واستقلاله وكرامته، وتقود، تحت دافع التهديد والوعيد إلى ردود فعل مختلفة. فالجماعات المحكومة تصب غضبها على شكل «لعنات» على رؤوس الحاكمين. وغالباً ما تجسّد هذه اللعنات رسالة رمزية ومعقدة وشديدة الخطورة أحياناً، وقد تتجاوز اللعنات إلى ثأر غير محدود. وفي الحقيقة فإنه بمجرد الإعلان عنها في الزمان والمكان تصبح دعوة مفتوحة للرفض والمقاومة، تكشف عن مقدار الغضب المكتوب والاحتجاج الملجوم ضد القهر. كما أن الإحساس بالظلم يوضح أيضاً، بأن أولئك الذين ينحنون تحت وطأة الظلم والاضطهاد، أياً كان شكله، عليهم أن يدفعوا ثمناً نفيساً باهظاً. وقد عرفنا علم النفس الاجتماعي أيضاً بنوعية النتائج التي من الممكن أن تترتب على مثل هذا الإذعان. غير أنه، في حالة إخفاق المذعنين، فمن الممكن أن ينتج هذا الإذعان رد فعل أقوى، لأن ضروب المذلّة والهوان هي التي تشكل الجسر الذي يوصل إلى الوعي بتلك الوضعية الاجتماعية المزرية.
إن أشكال وأساليب الرفض والاحتجاج العلنية التي نلاحظها في مثل هذه الحركات الاجتماعية ينمو فيها خطاب ملجوم، بفعل القوة والسيطرة التي تتطلب من المرء أن ينطوي على ذاته أو على جزء منها، أو أن يتراجع ويختفي في الظل وداخل «حيز آمن» يمكن أن يظهر فيه الخطاب المستتر الذي يساعد على «تفتح الذات ثانية». غير أن الخطاب العلني يكون غير مباشر ومشوهاً أحياناً، إلى حد كافٍ، بحيث يصبح تورية رمزية يمكن قراءتها على وجهين، أحدهما واضح وملطّف، وآخر مغلق ومخفي، حتى يوفر منفذاً للانسحاب أمام التحدي المكشوف.
وفي الواقع، فإن المضطهدين يكتشفون دوماً طرقاً وأساليب للتعبير عن آرائهم وأفكارهم لتكون وببساطة ردود فعل سريعة ولاذعة على الخطاب الرسمي الموجه ضدهم.
يصبح «خطاب» العزاء الحسيني أداة من أدوات النقل والتواصل المثالية للمقاومة الشعبية ـ الثقافية، وهو خطاب يمكن أن ندعوه «بأيديولوجيا معاكسة» أو «تمرد أيديولوجي» مناهض يكون له «خطاب علني يقال في وجه السلطة، وآخر مستتر يقال من وراء ظهرها»)[340](. ثم أن هذا الخطاب ينتج غالباً عن كراهية شديدة تمتد جذورها إلى الخوف، وتتكثف عبر الصمت وتتحول من الشعور بالقهر إلى الرغبة في العنف والانتقام وإلى إلغاء متخيل للآخر.
وأننا ننشر هنا نماذج مما توالى من الشعر في رثائه في كل العصور.
قال عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب، وكان رثاؤه ـ كما قد يبدو ـ أول رثاء للحسين:
إذا العين قرت في الحياة وأنتم
تخافون في الدنيا فأظلم نورها
مررت على قبر الحسين بكربلا
ففاض عليه من دموعي غزيرها
وما زلت أبكيه وأرثي لشجوه
ويسعد عيني دمعها وزفيرها
وبكيت من بعد الحسين عصائباً
أطافت به من جانبيه قبورها
سلام على أهل القبور بكربلا
وقل لها مني سلام يزورها
سلام بآصال العشي وبالضحى
تؤديه نكباء الرياح ومورها
ولا برح الزوار زوار قبره
يفوح عليهم مسكها وعبيرها
على أنه ينبغي أن يكون أول من رثاه سليمان بن قتة العدوي التيمي مولى بني تيم بن مرة فإنه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السلام) بثلاث فنظر إلى مصارعهم واتكأ على فرس له وأنشأ يقول: وقيل إنها لأبي الرجح الخزاعي ويمكن كون بعضها لأحدهما وبعضها للآخر واشتبها:
مررت على أبيات آل محمد
فلم أرها أمثالها يوم حلت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة
لقتل حسين والبلاغ اقشعرت
وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية
لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
وتسألنا قيس فنعطي فقيرها
وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند غني قطرة من دمائنا
ستطلبها يوماً بها حيث حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها
وإن أصبحت منهم برغم تخلت
وإن قتيل الطف من آل هاشم
أذل رقاب المسلمين فذلت
وقد اعولت تبكي السماء لفقده
وأنجمنا ناحت عليه وصلت
ورثته زوجته الرباب بنت امرىء القيس بن عدي فقالت:
إن الذي كان نوراً يستضاء به
بكربلاء قتيل غير مدفون
قد كنت لي جبلاً صلداً ألوذ به
وكنت تصحبنا بالرحم والدين
فمن يجيب نداء المستغيث ومن
يغني ويؤوي إليه كل مسكين
تاللَّه لا أبتغي صهراً بصهركم
حتى أوسد بين اللحد والطين
وقالت الرباب أيضاً وهي بالشام بعدما أخذت الرأس الشريف وقبلته ووضعته في حجرها:
واحسيناً فلا نسيت حسينا
أقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعا
لا سقى الله جانبي كربلاء
«وخرجت» أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحسين (عليه السلام) ومعها أخواتها أم هانىء وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل تبكي قتلاها بالطف وتقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي
منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يرثيه من أبيات:
بكيت لفقد الأكرمين تتابعوا
لوصل المنايا دار عون وحسر
بهم فجعتنا والفواجع كاسمها
تميم وبكر والسكون وحمير
وفي كل حي نضحة من دمائنا
بني هاشم يعلو سناها ويشهر
وقال رجل من عبد القيس قتل أخوه مع الحسين (عليه السلام):
يا فرو قومي فاندبي
خير البرية في القبور
قتلوا الحرام من الأئمة
في الحرام من الشهور
وقال أبو دهبل الجمحي وهب بن زمعة وهو معاصر لقتل الحسين من قصيدة:
عجبت وأيام الزمان عجائب
ويظهر بين المعجبات عظيمها
تبيت النشاوى من أمية نوما
وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وتضحى كرام من ذؤابة هاشم
يحكم فيها كيف شاء لئيمها
وربات صون ما تبدت لعينها
قبيل السبا إلاّ لوقت نجومها
تزاولها أيدي الهوان كأنما
تقحم ما لا عفو فيه أثيمها
وما أفسد الإسلام إلا عصابة
تأمر نوكاها ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالم
إذا مال منها جانب لا يقيمها
وخاض بها طخياء لا يهتدى لها
سبيل ولا يرجو الهدى من يعومها
إلى حيث ألقاها ببيداء مجهل
تضل لأهل الحلم فيها حلومها
رمتها لأهل الطف منها عصابة
حداها إلى هدم المكارم لومها
فشنت بها شعواء في خير فتية
تخلت لكسب المكرمات همومها
أولائك آل اللَّه آل محمد
كرام تحدت ما حداها كريمها
يخوضون تيار المنايا ظواميا
كما خاض في عذب الموارد هيمها
يقوم بهم للمجد أبيض ماجد
أخو عزمات أقعدت من يرومها
فأقسمت لا تنفك نفسي جزوعة
وعيني سفوحا لا يمل سجومها
حياتي أو تلقى أمية وقعة
يذل لها حتى الممات قرومها
وقال خالد بن معدان الطائي من فضلاء التابعين لما شاهد رأس الحين (عليه السلام) بالشام:
جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد
مترملاً بدمائه ترميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد
قتلوا جهاراً عامدين رسولا
قتلوك عطاشانا ولما يرقبوا
في قتلك التأويل والتنزيلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما
قتلوا بك التكبير والتهليلا
وممن رثاه عبدالله بن الحر الجعفي حين أتى كربلاء ونظر إلى مصرع الحسين (عليه السلام) وأصحابه وكان قد دعاه الحسين (عليه السلام) إلى نصره فلم يفعل فقال من أبيات:
يقول أمير غادر وابن غادر
ألا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه
ونفسي على خذلانه واعتزاله
وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
سقى الله أرواح الذي تآزروا
على نصره سقيا من الغيث دائمه
وقفت على أطلالهم ومحالهم
فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا سراعاً إلى الوغى
مصاليت في الهيجا حماة خضارمه
تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم
بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
وما أن رأى الراؤون أفضل منهم
لدى الموت سادات وزهر قماقمه
وممن رثاه من القدماء جعفر بن عفان الطائي وكان معاصراً للصادق (عليه السلام) وقد استنشد الصادق شعره في رثاء الحسين (عليه السلام) وأثنى عليه وله في ذلك قصيدة أولها:
ليبك على الإسلام من كان باكياً
فقد ضيعت أحكامه واستحلت
وممن رثاه من القدماء منصور النمري من النمر بن قاسط وكان في زمن الرشيد فقال من قصيدة:
متى يشفيك دمعك من همول
ويبرد ما بقلبك من غليل
قتيل ما قتيل بني زياد
إلا بأبي وأمي من قتيل
غدت بيض الصفائح والعوالي
بأيدي كل مؤتشب دخيل
معاشر أودعت أيام بدر
صدورهم وديعات الغليل
فلما أمكن الإسلام شدوا
عليه شدة الحنق الصؤول
فوافوا كربلاء مع المنايا
بمرداة مسومة الخيول
وأبناء السعادة قد تواصوا
على الحدثان بالصبر الجميل
أيخلو قلب ذي ورع ودين
من الأحزان والهم الطويل
وقد شرقت رماح بني زياد
بري من دماء بني الرسول
وممن رثاه من القدماء دعبل بن علي الخزاعي وكان معاصراً للرضا (عليه السلام) فقال من قصيدة:
ألم تر للأيام ما جر جورها
على الناس من نقض وطول شتات
ومن دول المستهزئين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلمات
فكيف ومن أنى يطالب زلفة
إلى الله بعد الصوم والصلوات
سوى حب أبناء النبي ورهطه
وترك عداهم من هن وهنات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه
ومحكمه بالزور والشبهات
ولو قلدوا الموصى إليه أمورها
لزمت بمأمون على العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى
ومفترس الأبطال في الغمرات
نجي لجبريل الأمين وأنتم
عكوف على العزى معاً ومناة
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
منازل كانت للرشاد وللتقى
وللصوم والتطهير والصلوات
ديار عفاها جور كل منابذ
ولم تعف للأيام والسنوات
هم آل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير سادات وخير حماة
إذا لم نناج الله في صلواتنا
بأسمائهم لم يقبل الصلوات
أفاطم لو خلت الحسين مجندلا
وقد مات عطشانا بشط فرات
إذا للطمت الخد فاطم عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي
نجوم سماوات بأرض فلاة
توفوا عطاشى بالفرات فليتني
توفيت فيهم قبل حين وفاتي
رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة
وردت أجاجاً طعم كل فرات
بنفسي أنتم من كهول وفتية
لفك عناة أو لحمل ديات
سأبكيهم ما حج الله راكب
وما ناح قمري على الشجرات
سأبكيهم ما ذر في الأفق شارق
ونادى منادي الخير للصلوات
وممن رثاه من القدماء القاسم بن يوسف الكاتب فقال من قصيدة:
يا ابن النبي وخير أمته
بعد النبي مقال ذي خبر
ماذا تحمل قاتلوك من الـ
ـآصار والأعباء والوزر
ما تنقضي حسرات ذي ورع
ودم الحسين على الثرى يجري
ودماء إخوته وشيعته
مستلحمون بجانب النهر
خذلوا وقل هناك ناصرهم
فاستعصموا بالله والصبر
مستقدمين على بصائرهم
لا ينكصون لروعة الذعر
يأبون أن يعطوا الدنية أو
يرضوا مهادنة على قسر
حلوا من الشرف اليفاع على
علياء بين الغفر والنسر
* * *
لا يبلغ المثني مداه ولا
تحوي المديح مقالة المطري
مأوى اليتامى والأرامل والـ
ـأضياف في اللزبات والعسر
لا مانعاً حق الصديق ولا
يخفى عليه مبيت ذي الفقر
كم سائل أعطى وذي عدم
أغنى وعان فك من أسر
وتخال في الظلماء سنته
قمراً توسط ليلة البدر
لا تنطق العوراء حضرته
عف يعاف مقالة الهجر
وقال الصنوبري معاصر سيف الدولة الحمداني من أبيات:
يا خير من لبس النبو
ة من جميع الأنبياء
وجدي على سبطيك وجـ
ـد ليس يؤذن بانقضاء
هذا قتيل الأشقيا
ء وذا قتيل الأدعياء
يوم الحسين هرقت دمـ
ـع الأرض مع دمع السماء
يوم الحسين تركت با
ب العز مهجور الفناء
نفسي فداء المصطلي
نار الوغى أي اصطلاء
فاختار درع الصبر حيـ
ـث الصبر من لبس السناء
وأبى إباء الأسد إن
الأسد صادقة الإباء
وقضى كريماً إذا قضى
ظمآن في نفر ظماء
منعوه طعم الماء لا
وجدوا الماء طعم ماء
ورثاه الشريف الرضي فقال من قصيدة:
يوم حدا الطعن فيه لابن فاطمة
سنان مطرد الكعبين مطرور
فخر للموت لا كف تقلبه
إلا بوطىء من الجرد المحاضير
ظمآن يسلي نجيع الطعن غلته
عن بارد من عباب الماء مقرور
لله ملقى على الرمضاء غص به
فم الردى بين أقدام وتشمير
تحنو عليه الربى ظلاً وتستره
عن النواظر أذيال الأعاصير
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه
وقد أقام ثلاثاً غير مقبور
تسبى بنات رسول الله بينهم
والدين غض المبادى غير مستور
يلقى القنا بجبين شان صفحته
وقع القنا بين تضميخ وتعفير
من بعد ما رد أطراف الرماح له
رأي فسيح وقلب غير محصور
والنقع يسحب من أذياله وله
على الغزالة جيب غير مزرور
أكل يوم لآل المصطفى قمر
يهوي بوقع العوالي والمباتير
وكل يوم لهم بيضاء صافية
يشوبها الدهر من رنق وتكدير
ورثاه محمود بن الحسين الملقب بكشاجم)[341]( بقوله من قصيدة:
يا بئس للدهر حين آل رسول الـ
ـله تجتاحهم جوانحه
أظلم في كربلاء يومهم
ثم تجلى وهم ذبائحه
يا شيع الغي والضلال ومن
كلهم جمة فضائحه
عفرتم بالثرى جبين فتى
جبريل قبل النبي ماسحه
وبين أيديكم حريق لظى
يلفح تلك الوجوه لافحه
إن عبتموه بجهلكم فكما
يضر بدر السماء نابحه
أو تكتموا فالقرآن مشكله
بفضلهم ناطق وواضحه
قوم أبى حد سيف والدهم
للدين أو يستقيم جامحه
حاربه القوم وهو ناصره
يوماً وغشوه وهو ناصحه
منخفض الطرف عن حطامهم
وهو إلى الصالحات طامحه
بحر علوم إذا العلوم طمت
فهي بتيارها ضحاضحه
يا عترة حبهم يبين به
صالح هذا الورى وطالحه
مغالق الشر أنتم يا بني أحـ
ـمد إذ غيركم مفاتحه
وممن رثاه من قدماء الشعراء الجبري فقال من قصيدة:
فهم مصابيح الدجى لذوي الحجى
والعروة الوثقى لذي استمساك
وهم الأدلة كالأهلة نورها
يجلو عمى المتحير الشكاك
يا أمة ضلت سبيل رشادها
إن الذي استرشدته أغواك
لا تحسبنك بريئة مما جرى
والله ما قتل الحسين سواك
يا آل أحمد كم يكابد فيكم
كبدي خطوباً للقلوب نواكي
وإذا ذكرت مصابكم قال الأسى
لجفوني اجتنبي لذيد كراك
وأبكي قتيلاً بالطفوف لأجله
بكت السماء دماً فحق بكاك
وممن رثاه أبو الفتح محمد بن عبيدالله المعروف بسبط ابن التعاويذي المتوفى سنة 553 فقال من قصيدة:
ولو أكرمت دمعك يا شؤوني
بكيت على الإمام الفاطمي
على نجم الهدى الساري وبحر الـ
ـعلوم وذروة الشرف العلي
على الحامي بأطراف العوالي
حمى الإسلام والبطل الكمي
على الباع الرحيب إذا ألمت
به الأزمات والكف السخي
على أندى الأنام يداً ووجهاً
وأرجحهم وقاراً في الندي
وخير العالمين أباً وأماً
وأطهرهم ثرى عرق زكي
لقد فصموا عرى الإسلام عوداً
وبدأ في الحسين وفي علي
ويوم الطف قام ليوم بدر
بأخذ الثأر من آل النبي
بكته الأرض إجلالاً وحزناً
لمصرعه وأملاك السمي
وغودرت الخيام بلا محام
يناضل دونهن ولا ولي
فما عطف البغاة على الفتاة الـ
ـحصان ولا على الطفل الصبي
ولا سفروا لثاماً عن حياء
ولا كرم ولا أنف حمي
وساروا بالكرائم من قريش
سبايا فوق أكوار المطي
فيالله يوم نعوه ماذا
وعى سمع الرسول من النعي
ولو رام الحياة نجا إليها
بعزمته نجاء المضرجي
ولكن المنية تحت ظل الر
فاق البيض أجدر بالأبي
وممن رثاه الشيخ علي بن الحسين الشهيفيني الحلي من أهل القرن السادس بقصائد كثيرة طويلة أجاد في كثير منها يقول في بعضها:
ماض على عزم يفل بحده الـ
ـماضي حدود البيض حين تجرد
في أسرة من هاشم علوية
عزت أرومتهم وطاب المولد
وسراة أنصار ضراغمة لهم
أهوال أيام الوقائع تشهد
التائبون العابدون الحامدو
ن السائحون الراكعون السجد
ألقت عليه السافيات ملابساً
وكسته وهو من اللباس مجرد
والسيد السجاد يحمل ضارعاً
ويقاد في الأغلال وهو مصفد
يا للرجال لعبد سوء آبق
أضحى أسيراً في يديه السيد
لا خير في سفهاء قوم عبدهم
ملك يطاع وحرهم مستعبد
متباعدون لهم بكل تنوفة
مستشهد وبكل أرض مشهد
كم مدحة لي فيكم في طيها
حكم تغور بها الركاب وتنجد
صلى الإله عليكم ما بكرت
ورق على ورق الغصون تغرد
وقال البوصيري صاحب البردة من جملة قصيدته الهمزية في مدح خير البرية:
يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا
مي عليه مدح له وثناء
بالعلوم التي لديك من اللَّـ
ـه بلا كاتب لها إملاء
وبريحانتين طيبهما منـ
ـك الذي أودعتهما الزهراء
كنت تؤويهما إليك كما آ
وت من الخط نقطتيها الياء
من شهيدين ليس ينسيني الطف
مصابيحهما ولا كربلاء
ما رعى فيهما ذمامك مرؤو
س وقد خان عهدك الرؤساء
أبدلوا الود والحفيظة في القر
بى وأبدت ضبابها النافقاء
وقست منهم قلوب على من
بكت الأرض فقدهم والسماء
فابكهم ما استطعت إن قليلا
في عظيم من المصاب البكاء
كل يوم وكل أرض لكربي
فيهم كربلاء وعاشوراء
آل بيت النبي طبتم فطاب الـ
ـمدح لي فيكم وطاب الرثاء
أنا حسان مدحكم فإذا نحـ
ـت عليكم فإنني الخنساء
سدتم الناس بالتقى وسواكم
سودته الصفراء والبيضاء
وممن رثاه في العصر القريب من عصرنا، هاشم الكعبي:
لو كان في الربع المحيل
برء العليل من الغليل
ربع الشباب ومنزل الـ
ـأحباب والظل الظليل
لعب الشمال به كما
لعبت شمول بالعقول
طلل يضيف النازلين
شجاؤه قبل النزول
مستأنسا بالوحش بعـ
ـد أوانس الحي الحلول
مستبدلا ريما بريم
آخذا غيلا بغيل
لا يقتضي عذرا ولا
يرتاع من عذل العذول
ومريعة باللوم تلـ
ـحوني وما تدري ذهولي
خلي أميمة عن ملا
مك ما المعزي كالثكول
ما الراقد الوسنان مثـ
ـل معذب القلب العليل
سهران من الم وهـ
ـذا نائم الليل الطويل
ذوقي أميمة ما أذو
ق وبعده ما شئت قولي
أو ما علمت الماجديـ
ـن غداة جدوا بالرحيل
عشقوا العلى فقضوا بها
والغصن يرمى بالذبول
آل الرسول ونعم اكـ
ـفاء العلى آل الرسول
خير الفروع فروعهم
وأصولهم خير الأصول
ومهابط الأملاك تتـ
ـرى بالبكور وبالأصيل
ذللا على الأبواب لا
يعدون اذنا للدخول
أبدا بسر الوحي تهـ
ـتف بالصعود وبالنزول
عرف الذبيح بهم وما
عرفت قريش بالفضول
من مالك خير البطو
ن وصنوه خير القبيل
من هاشم البطحاء لا
سلفي نمير أو سلول
من راكبي ظهر البرا
ق وممتطي قب الخيول
من آل أحمد رحمه الـ
أدنى ومغرسه الأصيل
ركبوا إلى العز المنو
ن وجانبوا عيش الذليل
وردوا الوغى فقضوا وليـ
ـس تعاب شمس بالأفول
هيهات ما الصبر الجميـ
ـل هناك بالصبر الجميل
أو ما سمعت ابن البتو
لة لو دريت ابن البتول
إذ قادها شعث النوا
صي عاقدات للذيول
طلق الأعنة عاطفا
ت بالرسيم على الذميل
يطوي بها متن الوعور
معارضاً طي السهول
متنكب الورد الذميم
مجانب المرعى الوبيل
طلاب مجد بالحسا
م العضب والرمح الطويل
متطلبا أقصى المطا
لب خاطب الخطب الجليل
يحدو مآثر قاصرا
عن منتهاها كل طول
شرف تورث عن وصي
أو اخي وحي رسول
ضلت أمية ما تريـ
ـد غداة مقترع النصول
رامت تسوق المصعب الـ
ـهدار مستاق الذلول
ويروح طوع يمينها
قود الجنيب أبو الشبول
رامت لعمر ابن النبي
الطهر ممتنع الحصول
وتيممت قصد المحا
ل فمارعت غير المحول
ورنت على السغب السرا
ب باعين في المجد حول
حتى إذا عبرت نفا
قا تبتغي عوج السبيل
وغوى بها جهل بها
والغي من خلق الجهول
لف الرجال بمثلها
وثنى الخيول على الخيول
وأباحها عضب الشبا
لا بالكهام ولا الكليل
خلط البراعة بالشجا
عة فالصليل عن الدليل
للسانه وسنانه
صدقان من طعن وقيل
قل الصحابة غير أن
قليلهم غير القليل
من كل أبيض واضح الـ
ـحسبين معدوم المثيل
من معشر ضربوا الخبا
في مفرق المجد الأثيل
وعصابة عقدت عصا
بة عزهم كف الجليل
كبني علي والحسيـ
ـن وجعفر وبني عقيل
وحبيب الليث الهزبـ
ـر ومسلم الأسد المديل)[342](
آحاد قوم يحطمو
ن الجمع في اليوم المهول
ومعارضي اسل الرما
ح بعارض الخد الأسيل
يمشون في ظلل القنا
ميل المعاطف غير ميل
وردوا على الظمأ الردى
ورد الزلال السلسبيل
وثووا على الرمضاء من
كاب ومنعفر جديل
وسطا العفرنى حين افـ
ـرد شيمة الليث الصؤول
ذات الفقار بكفه
وبكتفه ذات الفضول
وأبو المنية سيفه
وكذا السحاب أبو السيول
غرثان اورث حده
ضرب الطلى فرط النحول
صاح نحيل المضربيـ
ـن فديت للصاحي النحيل
يا ابن الذين توارثوا الـ
ـعليا قبيلا عن قبيل
والسابقين بمجدهم
في كل جيل كل جيل
والطاعني ثغر العدى
والمانعي ضيم النزيل
إن تمس منكسر اللوى
ملقى على وجه الرمول
فلقد قتلت مهذبا
من كل عيب في القتيل
جم المناقب لم تكن
تعطي العدى كف الذليل
كلا ولا اقررت اقـ
رار العبيد على الخمول
يهدى لك الذكر الجميـ
ـل على الزمان المستطيل
ما كنت إلا السيف ابـ
ـلته الضرائب بالفلول
والليث اقلع بعد ما
دق الرعيل على الرعيل
والطود قد جاز العلو
فلم يكن غير النزول
والطرف كفكف بعدما
غلب الجياد على الوصول
والشمس غابت بعدما
هدت الأنام إلى السبيل
والماجد الكشاف للكر
بات في الخطب الثقيل
حاوي الثناء المستطا
ب وكاسب الحمد الجزيل
بأبي وأمي أنتم
من بعدكم للمستنيل
يا ظلة العاني المخو
ف وكعبة العافي المعيل
من للهدى من للندى
من للمسائل والسؤول
رجعت بها آمالها
عن لا نوال ولا مثيل
فغدت وعبرتها تسح
وقلبها حلف الغليل
ثكلى لها الويل الطويـ
ـل شجى وإفراط العويل
ياطف طاف على مقا
مك كل هتان هطول
وأناخ فيك من السحا
ب الغر مثقلة الحمول
وحباك من مر النسيـ
ـم بكل خفاق عليل
ارج يضوع كأنه
قد بل بالمسك البليل
حتى ترى خضر المرا
بع والمراتع والفصول
كاسي الروابي والبطا
ح مطارفا هدل الذيول
قسما بترية ساكنيـ
ـك وما بضمنك من قتيل
انا ذلك الظامي وصا
حب ذلك الدمع الهطول
لا بدع ينسيني ولا
قرب يبرد لي غليلي
يا خير من لاذ القريـ
ـض بظل فخرهم الظليل
واجل مسؤول أتا
ه فنال عاف خير رسول
لكم المساعي الغر والـ
ـعلياء لامعة الحجول
والمكرمات وما اشا
د الدهر من ذكر جميل
وجميع ما قال الأنا
م وما تسامى من مقول
والمدح في أم الكتا
ب وما أتى عن جبرئيل
وثناي اقصر قاصر
واقل شيء من قليلي
والعجز ذنبي لا عدو
لي عن أخ البر الوصول
وأنا المقصر كيف كنـ
ـت فهل لعذر من قبول
ارى الكمال بكم فمد
ح الفاضلين من الفضول
صلى الإله عليكم
ما جد ركب في رحيل
وممن رثاه بعد ذلك حيدر الحلي من قصيدة:
هذا المحرم قد وافتك صارخة
مما استحلوا به أيامه الحرم
يملأن سمعك من أصوات ناعية
في مسمع الدهر من أعوالها صمم
تنعى إليك دماء غاب ناصرها
حتى أريقت ولم يرفع لكم علم
مسفوحة لم تجب عند استغاثتها
إلا بأدمع ثكلى شفها الألم
حنت وبين يديها فتية شربت
من نحرهم نصب عينيها الظبى الخذم
موسدون على الرمضاء تنظرهم
حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا
سقيا لثاوين لم تبلل مضاجعهم
إلا الدماء وإلا الأدمع السجم
أفناهم صبرهم تحت الظبى كرما
حتى قضوا ورداهم ملؤه كرم
وخائضين غمار الموت طافحة
أمواجها البيض بالهامات تلتطم
مشوا إلى الحرب مشي الضاريات لها
فصارعوا الموت فيها والقنا أجم
ولا غضاضة يوم الطف إن قتلوا
صبراً بهيجاء لم تثبت لها قدم
فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد
ماتت بها منهم الأسياف لا الهمم
أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت
رؤوسها لم تكفكف عزمها اللجم
وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا
في حدها هو والأرواح يختصم
وحائرات أطار القوم أعينها
رعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانت بحيث عليها قومها ضربت
سرادقاً أرضه من عزمهم حرم
يكاد من هيبة أن لا يطوف به
حتى الملائك لولا أنهم خدم
فغدوت بين أيدي القوم حاسرة
تسبى وليس لها من فيه تعتصم
نعم لوت جيدها بالعتب هاتفة
بقومها وحشاها ماؤه ضرم
عجت بهم مذ على أبرادها اختلفت
أيدي العدو ولكن من لها بهم
نادت ويا بعدهم عنها معاتبة
لهم ويا ليتهم من عتبها أمم
قومي الأولى عقدت قدماً مآزرهم
على الحمية ما ضيموا ولا اهتضموا
عهدي بهم قصر الأعمار شأنهم
لا يهرمون وللهيابة الهرم
ما بالهم لا عفت منهم رسومهم
قروا وقد حملتنا الأينق الرسم
يا غادياً بمطايا العزم حملها
هما تضيق به الأضلاع والحزم
عرج على الحي من عمرو العلى فأرح
منهم بحيث اطمأن البأس والكرم
وحي منهم حماة ليس بابنهم
من لا يرف عليه في الوغى العلم
المشبعين قرى طير السما ولهم
بمنعة الجار فيهم يشهد الحرم
والهاشمين وكل الناس قد علموا
بأن للضيف أو للسيف ما هشموا
كماة حرب ترى في كل بادية
قتلى بأسيافهم لم تحوها الرجم
قف منهم موقفاً تغلي القلوب به
من فورة العتب وأسأل ما الذي بهم
جفت عزائم فهر أم ترى بردت
منها الحمية أم قد ماتت الشيم
أم لم تجد لذع عتبي في حشاشتها
فقد تساقط جمراً من فمي الكلم
أين الشهامة أم أين الحفاظ أما
يأبى لها شرف الأحساب والكرم
تسبى حرائرها في الطف حاسرة
ولم تكن بغبار الموت تلتثم
لمن أعدت عتاق الخيل إن قعدت
عن موقف هتكت منها به الحرم
فما اعتذارك يا فهر ولم تثبِ
بالبيض تثلم أو بالسمر تنحطم
أجل نساؤك قد هزتك عاتبة
وأنت من رقدة تحت الثرى رمم
فالتفت الجيد عنك اليوم خائبة
فما غناؤك حالت دونك الرجم
ونذكر من رثاء هذا العصر ثلاثة نماذج لثلاثة شعراء معاصرين: قصيدة محمد مهدي الجواهري:
فِداءُ لِمثواكَ مِن مَضْجَعِ
تَنَوَّرَ باللأبلَج الأروَع)[343](
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنا
نِ رَوحاً ومن مِسكِها أضوع)[344](
ورعياً ليومِكَ يومِ «الطُّفوف»
وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصرَع)[345](
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ
على نهجِكَ النَّيِّرِ المِهْيَع)[346](
وصَوناً لمجدِكَ مِنْ أن يُذالَ
بما أنتَ تأباهُ مِن مُبدَع)[347](
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالِدِيـ
ـنَ فذَاً، إلى الآنَ لم يُشْفع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ
لِلاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مَفْزع للحتُوفِ
وبُورك قبرُكَ مِن مُفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد
على جانبيه ومِنْ رُكَّع
شَممت ثَراكَ فهبَّ النسيمُ
نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدّي بحيثُ استرا
حَ خدٌّ تفرَّى ولم يضرَع وحيث سنابك خيل الطغا ةعليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ
برُوحي إلى عالمٍ أرفع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ
بصومعةِ المُلْهمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريـ
ـحِ حمراءَ «مَبْتُورةَ الإِصْبَع»)[348](
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنو
عِ والضيمِ ذي شَرِقٍ مُتْرع)[349](
تَخبَّطَ في غايةٍ أطبَقَت
على مُذئِبِ منه أو مُسْبِع)[350](
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير
بآخَرَ مُعشَوشِبِ مُمرع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغا
رَ خوفاً إلى حَرَمِ أمنَع
* * *
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي
فإنْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ
لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع)[351](
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ
وقد حرَّفَتهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء
ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشَرَّ مِن جِذْمهِ
وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ
عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من «فَلَك» قُطْرهُ
يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ «البتولِ» وحَسْبي بها
ضَماناً على كل ما أدَّعي
ويابنَ البطينِ بلا بِطنةِ
ويابن الفتى الحاسر الأنْزَع)[352](
ويا غُصْنَ «هاشِمَ» لم ينفَتِحْ
بأزهرَ منكَ ولم يُفْرع)[353](
تَمثَّلتُ «يومَكَ» في خاطري
وردَّدت «صوتَكَ» في مسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم «أُرتَهبْ»
بنقلِ «الرُّواة» ولم أُخدَع
وقلتُ: لعلَّ دويَّ السِنين
بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المُخلِصونَ الدُّعا
ةُ مِن «مُرسلينَ» ومن «سُجَّع»
ومِنْ «ناثراتِ» عليكَ المساءَ
والصُّبْحَ بالشعرِ والأدمُع
لعلَّ السياسة فيما جَنَتْ
على لاصِقِ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي
بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و«كونِ» الشَّجي
وَلْوعاً بكلِّ شَج مُولِع
يداً في اصطباغِ حديثِ «الحُسين»
بلونٍ أُريد لهُ ممتعِ
وكانت ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةَ
يدُ الواثقِ المُلْجَإِ الألمعي
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةَ
وكيفَ، ومهما تُردْ تَصنع
ولمَّا أَزَحْتُ طلأ «القُرونِ»
وسُتْرَ الخِداع عنِ المَخْدع
أُريدُ «الحقيقة» في ذاتها
بغيرِ الطبيعةِ لم تُطْبَع
وجدتُكَ في صُورةِ لم أُرَعْ
بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا! أأروعُ مِنْ أن يكو
نَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي ـ دُون ما ترتإي ـ
ضميرَكَ بالأسَلِ الشُّرَّع
وأنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ
مِنَ «الأكهلينَ» إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني «الأمِّ» مِن هاشمٍ
وخيرَ بني «الأب» مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدو
رِ، كانوا وِقاءكَ، والأذْرع
* * *
وقدَّسْتُ «ذكراكَ» لم أنتحِلْ
ثِيابَ التُقاةِ ولم أدّع
تَقَحمْتَ صدري وريبُ «الشُّكوكِ»
يَضِجُّ بجدرانِه «الأرْبَع»
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب
عليَّ من القَلَقِ المُفزع)[354](
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات
و«الطيبينَ» ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ
تأبَّى وعادَ إلى موضع)[355](
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ «الـ
ـجدودِ» إلى الشكَّ فيما معي
إلى أن أقمتَ عليه الدليـ
ـل من «مبدا» بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليك القِياد
وأعطاكَ إذعانةَ المُهطِع
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي
وقوَّمْتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى
سِوى (العقلِ) في الشكَّ مِن مَرْجِع
بأنَّ (الإباء)، ووحيَ السماء،
وفيضَ النبوَّةِ، مِن مَنْبَع
تجمَّعُ في (جوهرِ) خالصِ
تَنَزَّهَ عن (عَرَضِ) المَطْمَع
قصيدة بدر شاكر السياب:
إرمِ السماء بنظرة استهزاءِ
واجعل شرابك من دم الأشلاءِ
وإسحق بظلِّك كل عرضٍ ناصعٍ
وابح لنعلكَ أعظمَ الضُّعفاءِ
واملأ سراجك إن تقضّ زيته
مما تدرُّ نواضب الأثداءِ
واخلع عليه كما تشاء ذبالة
هدب الرضيع وحلمة العذراءِ
واسدر بغيّك يا يزيد، فقد ثوى
عنك الحسين ممزَقَ الأحشاءِ
والليل أظلم والقطيع كما ترى
يرنو إليك بأعين بلهاءِ
احنى لسوطك شاحبات ظهوره
شأن الذليل ودبَّ في استرخاءِ
وإذا اشتكى فمن المغيث وإن غفا
أين المهيب به إلى العلياءِ
* * *
مثّلت غدرك فاقشعرَّ له
قلبي وثار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت
فيها بقايا دمعة خرساءِ
يطفو ويرسب في خيالي دونها
ظلَّ أدقُّ من الجناح النائي
ابصرتُ ظلَّك يا يزيد يرجّه
موج اللهيب وعاصف الانواءِ
رأسٌ تكلّل بالخنا واعتاض عن
ذاك النضار بحيَّة رقطاءِ
ويدان موثقتان بالسوط الذي
قد كان يعبث أمس بالاحياءِ
قم فاسمع اسمك وهو يغدو سُبّة
انظر لمجدك وهو محض هباءِ
وانظر إلى الأجيال يأخذ مقبلّ
عن ذاهبٍ ذكرى أبي الشهداءِ
كالمشعل الوهّاج إلا إنها
نور الإله يجلّ عن إطفاءِ
* * *
عصفتْ بي الذكرى فألقت ظلَّها
في ناضريَّ كواكب الصحراءِ
مبهورة الأضواء يغشى ومضها
أشباح ركب لجّ في الإسراءِ
أضفى عليه الليل ستراً حِيك من
عرف الجنان ومن ظلال (حراءِ)
أسرى ونام فليس إلا هِمَّة
باسم الحسين، وجهشة استبكاءِ
تلك ابنة الزهراء ولهى راعها
حلم ألمَّ بها مع الظلماءِ
تنبي أخاها وهي تخفي وجهها
ذعرا وتلوي الجيد من أعياءِ
عن ذلك السهل الملبَّد يرتمي
في الأفق مثل الغيمة السوداءِ
يكتظ بالأشباح ظمأى حشرجت
ثم اشرأبّت في انتظار الماءِ
مفغورة الأفواه إلا جثَّة
من غير رأس لُطّخت بدماءِ
زحفت إلى ماء تراءى ثم لم
تبلغه والنكفأت على الحصباءِ
غير الحسين تصدّه عما انتوى
رؤيا فكُفِّي يا ابنة الزهراءِ
مَنْ للضعاف إذا استغاثوا والتظتْ
عينا (يزيد) سوى فتى الهيجاءِ
* * *
بأبي عطاشى لاغبين ورضعّاً
صُفرَ الشفاه خمائصَ الأحشاءِ
أيدِ تمدُّ إلى السماء وأعينّ
ترنو إلى الماء القريب النائي
طام أحل لكل صادٍ ورده
من سائب يعوي، ومن رقطاءِ
عزَّ الحسين وجلَّ عن أن يشتري
ريَّ الغليل بخطّة نكراءِ
آلى يموت ولا يوالي مارقاً
جمَّ الخطايا طائشَ الأهواءِ
فليصرعوه كما أرادوا إنما
ما ذنب أطفال وذنب نساءِ
* * *
عاجت بي الذكرى عليها ساعة
مرَّ الزمان بها على استيحاءِ
خفقت لتكشف عن رضيعٍ ناحلٍ
ذبلت مراشفُه ذبولَ خباءِ
ظمآن بين يدي أبيه كأنه
فرخ القطاة يدفُّ في النكباءِ
لاح الفرات له فأجهش باسطا
يمناه نحو اللجّة الزرقاءِ
واستشفع الأبُ حابسيه على الصدى
بالطفل يومىءُ باليد البيضاءِ
رجّى الرواء فكان سهماً حزَّ في
نحر الرضيع وضحكةِ استهزاءِ
فاهتزَّ واختلج اختلاجة طائرٍ
ظمآن رفَّ ومات قرب الماءِ
ذكرى ألمّت فاقشعرّ لهولها
قلبي وثار وزلزلت أعضائي
واستقطرت عيني الدموع ورنَّقت
فيها بقايا دمعة خرساءِ
يطفو ويرسب في خيالي دونها
ظلّ أدقُّ من الجناح النائي
حيران في قعر الجحيم معلّق
ما بين ألسنةِ اللّظى الحمراءِ
قصيدة عبدالرضا صادق:
روَّعتِ آمن سربِهِ فارتاعا
أرباعَ مكَّة لا أَمِنْتَ رباعا
ماذا تحسُّ حمامةٌ مذعورةٌ
حطَّت عليكَ جناحَها المرتاعا
أتبيتُ آمنةٌ وألفُ دخيلةٍ
سوداء ترصدُ خَطوَهُ إيقاعا
يا عائذاتِ الطير لا تتوقَّعي
حِفظَ الجوار وخيرُ جاءٍ ضاعا(
* * *
أبقيَّة السلفِ الخضيب حسامُهم
في الحقِّ مَنْ لشريعةٍ تتداعى
عزَّ النصيرُ بمكَّة فاحشدُ لها
في الكوفة الأنصارَ والأتباعا
وأقِم منار هِدايةٍ واهتفْ به
للَّه واقرعْ فوقَه الأسماعا
* * *
أمدارجَ الحرمين يا ذكرى رؤى
غُرَّ عبرنَ بأبطحيكِ سراعا
لعب النبي هنا وطاف بفسحة
خضراء ثمَّة واستقلَّ بقاعا
ورعى شويهاتٍ وداعب ثغرُه
أثداءَها المتحفلات رضاعا
وهفا ملاكٌ أبيضٌ وحبا سناً
غمرَ المغاني الكابيات شُعاعا
ما كنت هينةً وندَّت زفرةٌ
قَلَّت لمثلك أن تكون وداعا
الأبعدون هناك مدُّوا باعَهم
وضننتِ أنت فلم تمدِّي باعا
* * *
أَرمال هذي البيد غلّس مَوكبٌ
سار وأوغل في الدجى إيضاعا
بثي حواليهِ العيونَ رقيبةً
وتحذَّري في البيد أن يرتاعا
وترفقي أن تستثيري في الضحى
لفحاً كجالية الغضا لذَّاعا
آل النبي جلا بهم عن مكةٍ
أن يُستباحَ بها الكريمُ ضياعا
نفرٌ كما ائتلقَ الضحى إشراقةً
وكما تنفَّست الرياضُ طباعا
حيتكِ فارعة النخيل غمامة
وشهدت، منها الخصب والأمراعا
هذا الركاب الهاشمي أما سرى
نبأ الركاب الهاشمي وشاعا
أين الرجال المؤمنون يثيرهم
أن يصبح الدين الحنيف متاعا
أتُرى أصيب القوم في إيمانهم
فتواكلوا نظراً به وسماعا
فحنت به الهام المدلة حطة
للبأس يوسع شمسها إخضاعا
ماذا وراء النهر أيُّ غمامةٍ
سوداء تقتحمُ الضفافَ وساعا
غطَّت نجاد الأرض موغلة المدى
فيحاء واغتمرت ربى وتلاعا
هذي الجموع الحاشدات لباطلٍ
كانت لداعية الهدى أشياعا
* * *
أكميَ هاشم من يطيق على الظما
حربا ومن يقوى عليه صراعا
أتقول أشلاء الرجال بديدة
كان الحسين على الفرات شجاعا
يمنى هفت في المعمعان وما وهت
ضرباً ولا وَهنت هناك قراعا
يا قصة الأيام كم من عقدة
دعت البطولة عندها الإيقاعا
قضت المروءة أن يموتوا دونه
فتناثروا فوق الثرى أوزاعا
أتكون آكلة الكبود ضغينة
كالت بصاع من ذحول صاعا
رثاء الحسين
في غير الشعر العربي
عدا عن الشعر العربي فقد رثي الحسين بجميع اللغات الإسلامية، وفي الكثير من هذه اللغات كان رثاؤه يشكل ملاحم شعرية تفاخر بها تلك اللغات. وإننا لنأخذ نموذجاً لذلك الملحمة الشعرية التي نظمها الشاعر الألباني (نعيم فراشري) والتي ترجمها إلى اللغة العربية نثراً وقدم لها الدكتور محمد موفاكو)[356](. وإليك الملحة مع مقدمتها:
مع انتشار البكتاشية في أوساط الألبانيين نمت لديهم تقاليد شيعية، في العلاقات والعادات والاحتفالات إلخ. فمن ذلك لدينا مثلاً الاحتفال بمولد الإمام علي (عليه السلام)، ومن المناسبات لدينا المأتم Matemi الذي ينظم في الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم في ذكرى شهداء كربلاء. وقد أصبحت لهذه المناسبة تقاليدها الخاصة في أوساط الألبانيين البكتاشيين. ففي خلال هذه الأيام العشرة لا يشربون الماء، كمعايشة للعطش الذي حل بأبطال كربلاء. كما يتخلى الألبانيون فيها عن الفخفخة ويذهبون للتكية لاستذكار أيام كربلاء، حيث يرددون في الطريق: يا إمام! يا أمام!.
ولكن في هذه الأيام العشرة لا يسترجع فيها ذكر كربلاء فقط، بل الحوادث والتضحيات الأخرى لبعض الأنبياء والأئمة أيضاً. وقد جرت العادة على تقسيم هذه الأيام العشرة، بحيث تخصص كل ليلة لذكرى خاصة:
1 ـ في الليلة الأولى تسترجع فيها معاناة بعض الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم ويوسف وموسى وأخيراً المسيح.
2 ـ في الليلة الثانية تسترجع ذكر النبي محمد (ص) وما عاناه مع قومه.
3 ـ الليلة الثالثة تخصص لذكرى الإمام علي الذي سقط شهيداً في سبيل العدالة.
4 ـ في الليلة الرابعة تفتح سيرة الإمام الحسن، الذي توفي مسموماً بتدبير مؤامرة.
5 ـ الليلة الخامسة تخصص لسيرة الإمام الحسين.
6 ـ في الليلة السادسة تسترجع فيها ذكرى هجرة الإمام الحسين من المدينة إلى مكة.
7 ـ الليلة السابعة تخصص لذكرى مسلم بن عقيل، الذي ذهب مبعوثاً عن الحسين إلى أهل الكوفة، حيث استشهد هناك.
8 ـ في الليلة الثامنة تسترجع فيها ذكرى انطلاقة الحسين باتجاه الكوفة.
9 ـ الليلة التاسعة تخصص لذكرى وصول الإمام الحسين إلى ضواحي الكوفة، حيث يستلم رسالة مسلم الذي ينصحه بعدم القدوم.
10 ـ الليلة العاشرة تترك أخيراً لذكرى موقعة كربلاء.
ومع انتهاء المأتم يحضر ويقدم في التكية طبق من الحلوى يسمى عاشوراء Hashoreja الذي يحضر سنوياً في هذه المناسبة. وقد تحضر هذه الحلوى عادة باحتفال ديني، حيث تنشد فيه المرثيات Merthije للإمام الحسين. وبعد انتهاء هذا الاحتفال، الذي يتلوه دعاء ديني في جو مطبق من الحداد، يقبل المشاركون على أكل حلوى عاشوراء. وفي هذه الليالي العشر، يتم استرجاع الذكرى بالأحاديث التي تستند إلى الروايات التاريخية المختلفة حول هذه الموقعة، كما تنشد فيه القصائد الحسينية. ومن الواضح أنه لهذه الحاجة قد وضعت في القرن التاسع عشر ملحمة «الحديقة» لداليب فراشري Dalip Frasgeri وترجمت في الوقت نفسه تقريباً «مختار نامة» من قبل شاهين فراشري فقد كانت تنشد منها القصائد في المناسبات الخاصة في التكايا، ومن ذلك مناسبة كربلاء. وقد سمع هذه القصائد من هاتين الملحمتين، الشاعر الألباني نعيم فراشري في طفولته، حيث كان يعرفهما جيداً. ومما لا شك فيه أن هذا قد دفع نعيم إلى التفكير في تأليف ملحمة أكثر أصالة للألبانيين في هذه المناسبات. وفعلاً عكف الشاعر ما بين سنوات 1892 ـ 1895م على كتابة ملحمة «كربلاء».
وقبل أن نبدأ باستعراض هذه الملحمة التي تعد من روائع الأدب الألباني، نقدم ترجمة موجزة لصاحبها الشاعر والأديب الألباني الكبير نعيم فراشري (1846 ـ 1900) الذي يعتبر شاعر النهضة القومية الألبانية (1850 ـ 1912) ومن أكبر الشعراء الألبانيين على الإطلاق.
ولد في قرية فراشر (جنوب ألبانيا) حيث تلقى دروسه الأولى وواظب على تعلم اللغة الفارسية وآدابها في التكية البكتاشية، التي كانت من أهم التكايا البكتاشية في البلاد. في 1865 انتقلت أسرته إلى يانينا حيث أنهى هناك مدرسة «زوسيما» المعروفة، وأجاد في مقتبل شبابه اللغات الكلاسيكية (اليونانية، العربية، التركية، الفارسية إلخ) بالإضافة طبعاً إلى لغته الأم: الألبانية. بدأ نعيم في 1870 عمله الوظيفي البسيط وتنقل في عدة أماكن.
بدأ نعيم في ذلك الوقت اهتمامه بالشعر الألباني المتأثر بالشرق وباللغة الفارسية بشكل خاص. وهكذا فقد نشر سنة 1871 أول كتاب له في اللغة التركية بعنوان «قواعد اللغة الفارسية على الطريقة الجديدة» الذي طبع ثانية سنة 1887، ثم تحول لكتابة الشعر بالفارسية حيث أجاد كثيراً ونشر سنة 1885 أول ديوان له في هذه اللغة بعنوان «تخيلات».
ولكن تحت تأثير أحداث عصره الحاسمة على مصير بلاده (رابطة بريزرن (1878 ـ 1881) اتجه نعيم للكتابة في الألبانية بنفس قومي جديد. وهكذا أصدر سنة 1886 ديوانه الأول «الماشية والزراعة» ثم عدة كتب للأطفال، بينما أصدر لاحقاً أهم كتبه (أزهار الصيف، الكلمة الطائرة،… إلخ) وختم إبداعاته بالملحمتين العظيمتين «إسكندر بك» و«كربلاء».
توفي سنة 1900 في استنبول متأثراً بالسل ونقلت رفاته بعد ذلك إلى مسقط رأسه في ألبانيا.
وقد طبعت الملحمة عام 1898 ثم أعيد نشرها ضمن أعماله الكاملة عام 1978 في مدينة بريشتينا Prishtine في يوغسلافيا (في مؤسسة Biblioteka Rilindja) في 291 صفحة من القطع المتوسط وتحتوي على عشرة آلاف بيت من الشعر، وتعتبر هذه الملحمة من أفضل الإبداعات، لا في شعر نعيم فحسب، بل في الأدب البكتاشي بشكل عام.
وقد قسم نعيم ملحمته إلى خمسة وعشرين فصلاً مرقمة، دون عناوين، بحيث يتناول كل فصل حادثة أو أكثر.
في الفصل الأول يتحدث نعيم عن العرب قبل الإسلام، عن ظهور النبي محمد ومقاومة الوثنيين له وعن كفاح النبي حتى هجرته إلى المدينة وانتصار الإسلام. كما يتحدث في هذا الفصل عن وفاة النبي، وعن صراع السقيفة، والمشاكل التي أعقبت الخلافة حتى اغتيال عثمان بن عفان.
ويخصص نعيم الفصل الثاني عن مبايعة المسلمين للإمام علي (عليه السلام) وعن عهده، فيتحدث عن كفاحه في سبيل العدالة الاجتماعية.
أمّا الفصل الثالث يتناول فيه نعيم المشاكل التي أعقبت مبايعة الإمام علي، عن الصراع الذي وصل إلى موقعة الجمل. ويبدو الإمام علي في هذا الفصل في موقف دفع إليه دفعاً، بحيث لا يستطيع إلاّ الدفاع عن نفسه، ولذا يوصي أصحابه قبل الدخول في المعركة؛
كلنا أخوة
لكن الشيطان دخل بيننا
ليعبث بالفقراء!
لذا لا تشهروا السيوف لتقتلوا
بل عن أنفسكم لتدافعوا
وإلا فسوف تندمون
فهؤلاء هم أخوتنا
فهل يقتل الأخ أخاه؟
وفي الفصل الرابع يتحدث نعيم عن المشاكل الأخرى التي حلت بالأمة، عن النزاع بين علي ومعاوية وإلى ما أدى إليه من اقتتال بالسلاح في معركة صفين. وهنا يتحدث نعيم عن الاستعداد للمعركة عن نجاح أصحاب علي في اختيار المكان المناسب. حيث بقي جنود معاوية دون ماء، فاضطروا بعد أن كاد يقضي عليهم العطش أن يطلبوا بعض الماء. وهنا يبرز نعيم إنسانية الإمام علي، على عكس ما حدث مع الحسين وأصحابه في كربلاء:
لن نترككم دون ماء فالماء لله وليس للناس.
وفي هذا الفصل، كما في بقية الملحمة، بعض المبالغات التي ساق إليها الشاعر جو الملحمة. فمعركة صفين دامت فترة معروفة، إلاَّ أنها عند نعيم أطول من ذلك بكثير:
أربعة أشهر بقي فيها الجنود
يتقاتلون ليلاً ونهاراً دون انقطاع!
أوقف الحرب علي
وتشاور مع كبار أصحابه
فذهبوا وقالوا لمعاوية:
ماذا تطلب أنت؟
طالما أن علياً على قيد الحياة
فعد إلى صوابك
ولا تترك الناس تقتل هكذا!
وفي الفصل الخامس يتحدث نعيم عن بطولات الإمام علي في هذه الموقعة، عن حصانه الدُلدُل وعن سيفه «ذو الفقار». ومن المعروف أن هذه هي البغلة البيضاء التي كانت لمحمد (ص)، لكنها بقيت حية عند البكتاشيين، حيث آلت إلى الإمام علي الذي خاض غمار المعارك بها وفي هذه المعركة يحاول علي، بطريقة أو بأخرى، وقف إراقة الدماء:
اقترب علي وقال:
قولوا له ليخرج
لأقول له عدة كلمات،
أين هو أبن أبي سفيان
الذي يطلب دم عثمان؟
اخرج يا معاوية! اخرج!
فأنا لن أشهر السيف في وجه أحد
لنتبارز معاً
ولننقذ الناس
الذين لا ذنب لهم.
إلاّ أن معاوية لم يجب، وهكذا استمرت المعركة. وبعد هذا يتحدث نعيم عن هزيمة جنود معاوية ولجوئهم إلى الحيلة برفع القرآن، وما أعقب ذلك من توسيط أبي موسى الأشعري وخداع عمرو بن العاص له… إلخ.
وفيما بعد، في الفصل السادس يتحدث نعيم عن اغتيال الإمام علي من قبل ابن ملجم، الشيء الذي يربطه نعيم بـ«اصبع معاوية» الذي يراه وراء هذا الاغتيال. كما يتحدث عن نقل جثمان الإمام علي إلى النجف حيث واراه أصحابه، لكن:
هو ما زال حياً إلى اليوم للمشتاق إليه.
كما يتحدث نعيم عن مبايعة أصحابه للإمام الحسن من بعده. إلاّ أنه سرعان ما يتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة، حيث ينهال عليه أحدهم طعناً بالسكين. وفي هذه اللحظة يعرف نعيم كيف يبرز الإمام:
انهال عليه طعناً
بكل ما استطاع من قوة
تراخى الإمام وقال:
لا تمسوه، لا تقتلوه
لكن أصحابه ما سمعوه
بل أجهزوا عليه
ومع أن الإمام شفي من جراحه، إلاّ أنه سرعان ما تعرض لمحاولات أخرى لقتله عن طريق السم حتى فشلت فيه أربعون محاولة كما يقول نعيم. إلاّ أن المحاولة الأخيرة كما يقول نجحت، وهنا يرى نعيم أيضاً «أصبع معاوية» وراء هذه المحاولة. وبهذا يقر نعيم بانتصار معاوية ولكن أي انتصار:
دخل السرور إلى قلبه
وما عاد الآن
يطلب دم عثمان
بل ما عاد يذكره على لسانه
في الفصل السابع يتحدث نعيم عن محاولات معاوية لتأمين البيعة والخلافة لابنه يزيد من بعده، حيث ينجح في ذلك رغم المعارضة التي لقيها. ونتيجة لموقف الحسين المعارض يتعرض لمحاولة اغتيال، إلاّ أنه ينجو منها، ويفر من المدينة إلى مكة. وهناك تصل إليه رسالة أهل الكوفة الذين يطلبون منه القدوم:
نطلب العفو منك
على ما بدر منا
فقد عرفنا الآن ما يزيد
وما رجاله وحاشيته.
نحن الآن نبايعك
وكلنا رغبة في مشاهدتك
لكن أصحابه نصحوه ورجوه إلاّ يقبل، ولكنه يقبل أخيراً بإرسال مسلم بن عقيل مع ولديه إبراهيم والمختار، هنا يستقبل مسلم خير استقبال ويكتب رسالة مستعجلة للحسين يطالبه فيها بالقدوم، لكن أصحابه يلحون عليه بالرفض. وكان يعرف ما سيحدث ولكنه مضطر إلى الذهاب:
الإمام كان عارفاً بالأمر
لكنه كان في حيرة
فهم لن يتركوه بمكة
والعدو يلاحقه
كان عليه أن يترك مكة
ويذهب للكوفة
مع أن أصحابه ضد رأيه
ومن ناحية أخرى تكون الفاجعة قد حلت في الكوفة، في مسلم بن عقيل، فبعد أن اجتمع حوله عشرون ألف مسلح على مبايعة الحسين، وجد نفسه وحيداً في البيت الذي حوصر فيه، فأرسل وراء أولئك الذين بايعوا الحسين:
بعث خبراً إلى أصحابه:
ليخرج من به شجاعة!
ولكن من عشرين ألف محارب
لم يخرج أحد
بل تركوه وخذلوه
ويخصص نعيم الفصل الثامن للمواجهة بين جنود عبيدالله بن زياد وابن عقيل. فمع الخيبة التي أصيب بها مسلم لم يقبل بالاستسلام، بل صمم على مواجهة هؤلاء الجنود:
شهر مسلم سلاحه
وأخذ يضرب به
ولم يعد ينظر أين ومن يضرب!
قتل نحو مئتين
وأرغم الآخرين على الرجوع
لكن عددهم كان في ازدياد
فعادوا وحاصروه
رموه بالحجارة والسهام
وهجموا عليه بالسيوف
أصابوا رأسه
حطموا كتفيه
مزّقوا صدره
وأوقعوه عدة مرات
لكنه استند إلى الجدار
كل جرح فيه تحول إلى عين
من نزيف الدم
لكنه بقي مستنداً إلى الجدار
وعاد الأعداء يحاصرونه
وبكل ما لديهم يضربونه
صمد مسلم هناك
طلب منهم جرعة ماء
لكنهم رفضوا
بل شددوا عليه الحصار
في تلك اللحظة
جاءت له عجوز بكأس ماء
فتقدم مسلم ليشرب
لكنه ما استطاع من نزيف جراحه
في الفصل التاسع يتحدث نعيم عن تقدم الإمام الحسين نحو الكوفة، حيث يبدأ تأزم الموقف. في الطريق يلقاه الشاعر الفرزدق يرجوه أن يقلع عن فكرته وأن يعود من حيث أتى. إلاّ أن الإمام يصر على متابعة سيره باتجاه الكوفة. في الطريق يصل إلى الجماعة المحيطة به خبر مقتل مسلم بن عقيل مع ولديه فتنهار أعصاب الكثير منهم، ويهرب أكثرهم تاركين الإمام في حفنة من أصحابه:
قال الإمام: اذهبوا!
لا أريد أن تبقوا
ليبق معي
من يرغب في الموت فقط!
وتتابع الجماعة المسير، الحسين مع قلة مخلصة من أصحابه، إلى أن يعترض طريقها الحر بن يزيد التميمي على رأس قوة من ألف فارس. وهنا يستغل نعيم الموقف ليقدم لحظة مؤثرة من حوار الاثنين:
قال الإمام: قل لي
هل جئت لتحاربني
أو لتساعدني؟
هبط الحر ليقبل قدمه
وأجاب: أنا من الأصحاب
أنا أؤمن بالله
ولذا أرجوك أن تعود
دع الكوفة
وعد ثانية إلى مكة
وأمام هذا الرجاء يزداد الإمام إصراراً على متابعة سيره:
لن أعود، لأنني بعودتي
سيسخر العالم مني
لن أعود أبداً للوراء
بل سأموت هنا كرجل!
فأنا أسعى في سبيل الحق
وأحترق في سبيل الحقيقة
لإنقاذ الإنسانية!
الموت يبدو أمام أعيننا
فنحن لسنا خالدين في هذه الحياة
أفلن نموت مرة
فلِمَ نبقى إذن على قيد الحياة
في هذا المساء؟
وهنا نجد الحر يقتنع بما يقوله الإمام، ولكنه يحاول بدوره أن يقنع الإمام بضرورة عودته:
قال الحر: ما تقوله هو الحقيقة
لكن ما بقي شيء في الحياة
فهم لا يعرفون الحق
ولا ينظرون إلى الحقيقة
في الفصل العاشر يتحدث نعيم عن اللحظات الأولى من وصول الإمام إلى كربلاء، وعن الاحتكاك الأول مع رجال ابن زياد. الإمام يطلب منهم أن يسمحوا له بالعودة من حيث أتى، وأن يتركوه حراً في شؤونه، هؤلاء يوافقون بشرط أن يبايع يزيد، الشيء الذي كان يرفضه الإمام بقوة وإصرار. وعندما يسمع ابن زياد بالكوفة بموقف الإمام يطلب من رجاله أن يشددوا الحصار على الإمام وأصحابه، وأن يقطعوا عنهم ماء الفرات. وهنا تبدأ المعاناة من العطش وتصبح اللحظات بطيئة للغاية أمام هذا التأزم الجديد:
استسلم الإمام للنعاس
فرأى الله في نومه
محمداً وعليّاً
وأمه فاطمة
مع أخيه الحسن
رأى كل من في تلك الحياة
رأى عرش الله
رأى الملائكة وهم يبكون
وقال له كل من كان هناك:
نحن في انتظارك!
ومع صحوة الإمام، بدا أن الاشتباك لا مهرب منه. إلاّ أن الإمام كان يجد من يعزيه في هذه اللحظة.
فقد كان أصحابه يزدادون حماسة:
نريد أن نموت معك
لا أن نبقى من بعدك
في الفصل الحادي عشر يقترب بنا نعيم من اللحظات الأخيرة التي سبقت الاشتباك. ففي هذه اللحظات يجري الحوار الأخير بين الإمام وعمر بن سعد:
أنا للموت سائر
لكن قضيتي لن تموت
فالعالم لن ينسى
بل سيطالب بدمي هذا
ويصر عمر على ضرورة مبايعة الإمام ليزيد، لكن هذا لا يزيد الإمام إلاّ إصراراً على معارضته. وبعد انقطاع هذا الحوار يبدأ حوار القوة بين الطرفين. ولكن في هذه اللحظات ينتقل نعيم إلى الطرف الآخر، لينقل لنا مشهداً يعبر عن التناقضات فيه، فهو حوار بين الحر بن يزيد وعمر بن سعد:
من سنحارب،
الله العظيم الذي نؤمن به!
فكيف سنعيش في هذه الحياة
أمام الله الحق؟
قال الحر هذه الكلمات
وفاضت عيناه بالدموع
وفعلاً في لحظة مؤثرة، ترك الحر بن يزيد جيش عمر بن سعد، لينضم إلى أصحاب الإمام الحسين، حيث قاتل معه قتال الأبطال:
كان سيفه يقطر دماً
ولم يعد في استطاعة أحد أن يصمد أمامه
لكن واحداً منهم رمى بسهمه
فأصاب حصانه
سقط الحر
ولكنه سرعان ما نهض واقفاً
صارخاً: لا أريد حياة بل استشهاداً!
فأرسل الإمام رجلاً
ليرسل للحر حصاناً
ركب الحصان
وعاد ثانية للقتال
قتل وأطاح بالأعناق
حتى سال الدم بين الأقدام
فصرخ شمر بالجيش:
ما لكم، أين تهربون،
أتخافون هكذا من رجل واحد؟
فتجمع الجنود ثانية
وألقوا بأنفسهم على الحر
رموه كلهم بالسهام
فأصابوه بجروح كثيرة
حتى أنه غرق في دمائه
عاد إلى الإمام
فأنزله بنفسه من على حصانه
وبين يديه
عاد الحر إلى ربه!
في الفصل الثاني عشر يتابع نعيم عرض المعركة، مفصلاً في تصوير التضحيات العظيمة التي يقدمها أصحاب الحسين في سبيل إمامهم، الذي يمثل لنعيم الحق والخير في وجه الشر. وهنا يخرج نعيم قليلاً عن الأحداث ليأخذ رمزها:
أحداث كربلاء
تحلي قلوبنا
وتجمل ذواتنا
وتمجد ذواتنا
فالقلب الذي ما بكى
وما عرف من الأحزان
لا يعرف الإنسانية أبداً
ونعيم يلتفت إلى الألبانيين، في نهاية هذا الفصل، ليخاطبهم باسمهم وليطالبهم بتذكر هذا اليوم:
يا أيها الألبان، اذرفوا الدموع
أنتم يا من تؤمنون بعلي
يا من تؤمنون بالإنسان
يا من تحبون الإمام الحسين
والأم فاطمة
والأئمة الاثني عشر
الذي عانوا في سبيلنا
تذكروا ذلك اليوم
تذكروا كربلاء
وما حدث بها
في الفصل الثالث عشر، حين يشتد وطيس المعركة، يحدثنا نعيم عن بطولات بعض شهداء المعركة الذين استبسلوا حتى اللحظة الأخيرة في الدفاع عن إمامهم، من هؤلاء يحدثنا عن عبدالله بن مسلم وعن محمد حفيد جعفر الطيار، حيث يذكرنا ببطولة جده بدفاعه عن الراية بكل أعضائه. هنا يبرز محمد، حيث يصوره نعيم كباعث لذكرى جده ولبطولاته في هذه الموقعة، فيستشهد بعد كفاح مرير. وبعد هؤلاء يأتي دور أبناء الإمام الحسن:
خرج أولاً عبدالله
تاركاً النساء في بكاء
فصعد حصانه ومضى
وعندما صهل
أثار غبار الأرض من حوله
ومن أولئك القوم
تمكن سيفه من ستة وثلاثين
بقوا مطروحين على الأرض
فلم تبق جرأة لدى أي امرىء
ليخرج أمامه للقتال
بل تركوه وحيداً في الميدان
فسمع صوت من بينهم:
اتركوه وحيداً هناك
فسوف يتمكن منه العطش ويموت
وفي مشكلة العطش يروي نعيم مشاهد فاجعة في الفصل الرابع عشر. فالعطش أصبح سلاحاً لا يقاوم في وجه الحسين وأصحابه. فالماء أمامهم والعدو يحاصرهم والشمس اللاهبة من فوقهم، وليس لهم إلاّ الشهادة أو الاستسلام. ومع ذلك فالكبار كانوا يتحملون هذا العطش للحظات أخرى، ولكن ما شأن الأطفال:
اسمعوا يا سادة!
تتقاتلون معنا، مع الرجال
ولكن ما لكم مع الأطفال
لماذا لا تسمحون لهم بشرب الماء!
ولما رأى العباس أن هؤلاء لا يزدادون إلاّ إصراراً على حصارهم ومضايقتهم بسلاح العطش، توجه بجواده صوب الفرات مخترقاً الحصار:
نزل في الماء بكل عطشه
أراد أن يسقي حصانه
وأن يشرب بنفسه
تذكر أصحابه العطاشى فملأ القربة وكر عائداً
لكن الأعداء قطعوا طريقه
وأمطروه بمئات السهام
كانوا كثرة كثيرة
فمن يقتل منهم ليقتل؟
قتل وجرح منهم ما استطاع
ولكنه جرح في النهاية
قطعوا له أطرافه
فحمل القربة في فمه
ولكز الجواد بقدمه
كما فعل في الماضي
عمه جعفر الطيار
لكن سهماً لعيناً
اخترق القربة
فسال منها الماء
حتى لم يبق فيها قطرة
فأصيب بالخيبة
وسط جيش الكافرين
كان الماء يسيل منه
مع الدمع والدم!
وفي الفصل الخامس عشر يصور لنا نعيم بطولات عظيمة من معركة كربلاء. يتحدث أولاً عن علي الأكبر، الذي «حول باستشهاده النهار إلى ليل». وقد أثار استشهاده حماسة زين العابدين، الذي كان مريضاً، فتمالك نفسه وخرج يريد الحسين ليستأذنه في الخروج للقتال إلاّ أن الحسين يعارضه في ذلك ويقنعه بالبقاء من خلال فلسفة الحياة والموت قال الحسين:
البطل لا تهزمه المعاناة
أولئك ذهبوا إلى تلك الحياة
لدى الله الحق
حيث اجتمعوا مع الله
ومع محمد وعلي
ومع الأم فاطمة والحسن
هذه الحياة مثلها مثل النعاس
فالروح تصحو بعد الموت
والإنسان الحقيقي
لا يموت أبداً في هذه الحياة
فاليوم غير مكتوب لك
من الله العظيم
فبعدنا سيأتي دورك وتلحق بنا
حيث تجدنا في تلك الحياة
فالموت غير مكتوب لك اليوم
بل لقد ترك لك ليوم آخر
فقد كتب لسلالتنا البقاء
في الفصل السادس عشر يتحدث نعيم عن الإمام الحسين حديثاً مطولاً فبعد أن رأى الإمام أن الدائرة تضيق حوله صمم على الخروج، حيث أراد أن يتوجه بكلمة أخيرة إلى أعدائه. وفي هذه الكلمة الأخيرة يعبر نعيم عن كل شيء في نفسية الإمام:
لا يسوؤني ما جرى لنا
لأن هذا ما كتبه الله
بل يسوؤني ما جرى للوطن
للعهد والدين
والإنسانية
ما أردت في حياتي
أن أقاتل الناس
ما أردت أن أحمل وزر ذبابة
لأقتلها
فكيف أقتل الناس
هذه المجزرة لن تنسى أبداً
بل ستُذكر دائماً
ستبقى في ذاكرة العالم
ما دامت هذه الحياة
ستندمون كثيراً
وستجلبون العار لكم
فالنار التي أشعلتم لن تخبو
بل ستبقى
وسينتقل ذكرها من جيل إلى جيل
لا تتركوني حياً
فأنا لن أعيش بعد الآن
ارموا، ارموا بسهامكم
فقد قتلتم أصحابي كافة
وتركتموني وحيداً
لن أعود دون أصحابي
بل سأموت هنا
قد كان لهذه الكلمة، عند نعيم، تأثير كبير في جيش أعداء الحسين، فقد صدمتهم الحقيقة التي بدت واضحة من كلمة الإمام، إلاّ أن شمر عاود تحريضهم وترهيبهم ليعاودوا الهجوم على الإمام. وهنا يلجأ نعيم إلى الاستعانة بالله في المعمعة لإنقاذ الحسين:
السهام أصبحت كشبكة من كثرتها
فوق رأس الحسين
فقد حجبت الشمس بكثافتها
وظللت المكان بظلها
ولكن الله مد يده
فلم يمس واحد منها جسم الإمام
والفصل التالي، السابع عشر، هو ذروة الملحمة، فهو للحسين بكامله. ففيه يحدثنا نعيم عن فراق الحسين لنسائه وأولاده. وبعد هذا ينتقل نعيم إلى هجوم الحسين على أعدائه، مما حوّل كربلاء إلى بحر من الدماء:
كان بإمكانه أن ينال الجميع
لكنه كان يتلظى دون ماء
اقترب من النهر
توقف قليلاً وتفكر
تذكر أصحابه
فانهمرت دموعه.
وعاد الحسين ليحارب ببطولة حتى بلغت جروحه سبعين جرحاً إلاّ أن هذا لم يمنعه من متابعة هجومه على أعدائه، الذي سيطر عليهم العرب:
انهمرت السهام عليه كالمطر
كانوا يرمونه من بعيد
فما كانوا ليجرأوا على الاقتراب منه
غير أن محاولة الحسين كانت تزداد صعوبة، بتكاثر الأعداء عليه وازدياد جروحه: بلغت جروحه الآلاف.
التي تسيل منها الدماء
لكنه لم يستسلم
بل بقي صامداً وسط الميدان
وفي هذه الحالة أطبق عليه المزيد من جنود العدو، وبقي الحسين صامداً لفترة أخرى حتى نفدت قوته فسقط شهيداً:
سقط عمود الإنسانية
نور الله
فاهتزت سهول كربلاء
وأظلمت السماء
اهتزت كل الأرض
لدى سقوط الإمام
في الفصل الثامن عشر يتحدث نعيم عن موقعة كربلاء بعد سقوط الحسين، فيرى أن هذه الموقعة ليست هزيمة للحسين، كما ادعى ويدّعي أعداؤه، بل هي على العكس من ذلك:
هؤلاء الأعداء
لا يعرفون بأن أسيادنا
الذين سقطوا شهداء
قد عظّموا كربلاء
فهناك، حيث قتل سيدنا
تأتي اليوم الإنسانية
لتصلي عند أقدامه
وهنا يلتفت نعيم ليخاطب الألبانيين باسمهم:
أيها الأخوة الألبان
تذكروا باكين
واعلنوا الحداد في هذا اليوم
تذكروا كربلاء
وما حل بأسيادنا
وفيما بعد يحدثنا نعيم عن اصطحاب الجيش لمن بقي حياً من أهل البيت، ومنهم زين العابدين، إلى الكوفة. ويبرز لنا نعيم في هذا الفصل دخول من تبقى من الجماعة، على تلك الحالة البائسة، شوارع الكوفة حتى وصولهم ووقوفهم أمام عبيد الله بن زياد، الذي يغضب لرؤية زين العابدين على قيد الحياة:
أنت يا ولد! أين كنت.
لماذا لم يقتلوك في كربلاء،
لماذا تركوك حياً؟
لماذا تسألني أنا؟
لقد طلبت الموت
فما أردت أن أعيش أكثر
لقد أراد الجنود أن يقتلوني
ولكن الله أنقذني
فيد الله
فوق أيادي الناس!
ها أنا هنا، لم لا تقتلوني؟
ألا يكفي أولئك الذين سقطوا شهداء
في كربلاء؟
بل يغضبك
لِمَ تركوني حياً!
وفي بداية الفصل التاسع عشر يحدثنا نعيم عن انتشار خبر فاجعة كربلاء في العالم وما ترك ذلك من أثر:
طار الخبر بسرعة
ليعم أرجاء الأرض
كأنه على جناح طير
فعلم الجميع
وبكت كل الإنسانية
هب كل الناس على أقدامهم
أرادوا أن يأكلوا بأسنانهم
طائفة يزيد
وبعد هذا يحدثنا نعيم عن وصول رأس الحسين إلى ديوان يزيد مع جنوده، وكيف نظر إليه ونكث ثغره بقضيب كان بيده. إلاّ أن هذا المشهد قد استثار حتى أولئك المحيطين بيزيد، ومن هؤلاء النمير:
بكى كثيراً وقال:
لماذا تركني الله
أعيش لأرى هذه السيئات؟
ورأى يزيد أنه بموقفه قد أثار سخط المحيطين به أيضاً، فيريد، كما يقول نعيم، أن يتصرف بشكل ما ليلقي مسؤولية هذه الجريمة على غيره:
أراد أن يغطي ذنبه
فما استطاع قتل النمير
بل قتل البشير
لأنه أفسد عمله
وجلب الخطر حول رأسه!
ومع ذلك فيزيد، كما يقول نعيم، لم يفلت من العقاب الذي يستحقه، وقد جاءه هذا العقاب في حياته قبل مماته:
هبَّ كل الناس
كبيرهم وصغيرهم
ليطالبوا بدم الحسين
فلما وصل هذا إلى سمع يزيد
سقط مريضاً
مات واستراحت منه الإنسانية
ذهب رأساً إلى جهنم
ليبقى فيها مخلداً
وكما هو معروف، فقد جاء بعد يزيد معاوية الثاني إلاّ أنه كان لا مبالياً بالسلطة ففضل أن يتركها. وهنا يستغل نعيم رفض معاوية الثاني للعرش ليحوله إلى رفض سياسي، بل إلى محاكمة سياسية:
اسمعوا ما أقوله:
ابحثوا عن ملك آخر
فأنا لن أبقى
في عرض دموي
فاسد وملعون
فأبي وجدي
كانا طويلي الأيدي
قتلا عليّاً والحسين
وأولاد فاطمة
فهذا العرش ملعون
لأنه أقيم فوق نهر من الدم
فما فعلاه هما لن أفعله أنا
ولكي يكمل نعيم صورة هذا الرفض الواعي لمعاوية الثاني يضيف بأنه قد اغتيل اغتيالاً ولم يمت موتاً طبيعياً وذلك نتيجة لمواقفه الفاضحة للعرش الأموي.
وفي الفصلين اللاحقين، العشرين والواحد والعشرين، يتحدث نعيم عن تتابع بقية الأئمة حتى آخر العهد الأموي. أمّا في الفصلين الآخرين، الثاني والعشرين والثالث والعشرين، فيتحدث عن إسقاط الحكم الأموي عن طريق الجيوش التي تدفقت من الشرق تحت شعار الدعوة لعلي ولأهل البيت. وفي الفصل قبل الأخير، الرابع والعشرين، يتحدث نعيم عن استصفاء العباسيين للسلطة في بغداد، التي أصبحت باسمهم، وينتقدهم لعودتهم إلى سلوك العهد الأموي. وفي هذا الفصل يتحدث نعيم عن تسميم الأئمة من بعد الحسين الواحد بعد الآخر، حتى غيبة الإمام محمد المهدي:
الملائكة رفعت بأجنحتها
الإمام المهدي
انتشلوه من بين الناس
ورفعوه عند الله
حيث لا يزال على قيد الحياة
والفصل الأخير في هذه الملحمة الخامسة والعشرون، يتميز عن كل الفصول الأخرى ففي هذا الفصل يعرض نعيم رؤى شعرية لبعض القضايا والمفاهيم، التي تحمل قيمة خاصة من حيث إنها تحمل أحياناً روح نعيم المتميزة. فمن ذلك مثلاً رؤية نعيم الله:
والله الحق
وكل ما له في الحياة
هي لدى الإنسان
فلا تبحث عنها في مكان آخر
ومن ذلك أيضاً ما يراه نعيم عن العبادة ومفهومها، حيث يؤكد أكثر من مرة على مفهومه الإنساني للعبادة أو على مضمونها الإنساني:
العبادة هي الإنسانية لدينا
هي الصراحة وحب الخير
فمن يحب الإنسان
يكون قد أحب الله
وبالروح نفسها يعبر نعيم عن مقولته الأساسية:
لا يؤمن بالله
من لا يحب الإنسانية
وفي نهاية هذا الفصل يؤكد نعيم على المضمون المترابط الإنساني القومي للدين، حتى أنه ليبدو أن هدف كل هذه الملحمة هي ما يريد أن يبثه نعيم من شعور قومي في نفوس الألبانيين بالذات. فهو في ذلك يريد أن يحررهم من عقدة الدين ـ القومية، أي بمعنى أن الشعر القومي لا يتناقض مع الدين:
لنحب بني الإنسان
لنحب ألبانيا والألبانيين
لنحب لغتنا ووطننا
لنتعلم لغتنا
فالله قد منحنا إياها
ولكل قوم وطنه
كما للعصفور عشه
تكلموا بلغتكم
لا بلغات أجنبية
فلم تضغطون عليّ
لتعلموني لغة أخرى
لأنسى لغتي؟
ولا شك أن الشاعر نعيم في هذه الأبيات، وغيرها من إبداعاته وكتاباته، قد مارس تأثيراً كبيراً في نفوس الألبانيين. فالسلطة التركية قد استعلمت بنجاح عامل الدين في المناطق الألبانية، بحيث أن كلمة «تركي» التي أصبحت مرادفة لمسلم، قد أصبحت تطلق على الألبانيين، وبالتالي لم يعد هناك وجود لألبانيين أو للغة ألبانية في نظر السلطة التركية. فهذه السلطة كانت تكافح بعنف كل محاولة للاستقلال تنبع من الشعور القومي الألباني، الذي أصبح مصادراً ومعادياً للدين. لكن «نعيم» يطرح كما نرى هنا الأمور من منطق ديني معاكس. فلدى نعيم لا يوجد تناقض في جوهر الدين بين حب بني الإنسان وبين حب الألبانيين لأنفسهم، كما أن «لكل قوم وطنه كما للعصفور عشه» فبهذا المنطق فإن للألبانيين وطنهم كما للأتراك وطنهم، ومن حقهم التمتع به. وبالمنطق نفسه يعالج نعيم مسألة اللغة: «لنتعلم لغتنا، فالله قد منحنا إياها»، حيث أنه بهذا يحول اللغة الألبانية إلى لغة «من عند الله» فمن حقه أن يحتج على تعليمه لغة أخرى «التركية» لكي لا ينسى لغته التي هي من عند الله.
وبهذه الروح القومية يختتم ملحمته، فهو يحاول أن يربط كربلاء بشكل ما بمصير ألبانيا والألبانيين. فهو يريد من الألباني أن يستلهم كربلاء لمصلحة وطنه وقوميته، «ليموت في سبيل وطنه كما مات المختار بن أبي عبيد الثقفي في سبيل الحسين»:
يا الله، لأجل كربلاء
لأجل الحسن والحسين
لأجل الأئمة الاثني عشر
الذين عانوا ما عانوه في الحياة
لا تترك ألبانيا
تسقط أو تدمر
بل لتبقى خالدة
وليكن لها ما تريد
ليبق الألباني بطلاً كما كان
ليحب ألبانيا
ليمت في سبيل وطنه
كما مات المختار في سبيل الحسين
ليشرّف ألبانيا
ومن هذه الناحية علينا أن نقيّم، في نظرتنا النهائية، هذه الملحمة. فنعيم، دون أي شك، قد ترك تأثيراً كبيراً في نفوس الألبانيين بهذه الروح القومية، التي عرف كيف يثير بها ذلك القارىء الذي لاحق بشوق أحداث الملحمة. فهذه الملحمة كتبت لتكون مثلاً أعلى للألبانيين، فقد كانت محفوظة في الأذهان حتى الآن، لتردد في أكثر من مناسبة، إضافة إلى أنها طبعت أكثر من مرة، وبهذا المعنى فإن هذه الملحمة لا تزال حية.
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن لواقعة كربلاء أثر كبير في الأدب الألباني وهناك الكثير من الشعراء الألبان الذين ساهموا في أدب الطف وكتبوا مطولات الشعر الحسيني لينشد في ذكرى عاشوراء ومنهم على سبيل الاستشهاد بابا سرسم علي الذي ولد في نهاية القرن 15 وتوصل إلى منصب الصدر الأعظم في زمن السلطان سليمان القانوني، واشاعر البابا كمال الدين شميمي وغيرهم من أعلام الألبان ممن تستحق أعمالهم دراسة مستقلة.
الدكتور محمد موفاكو
راجع: الكعبيات. وراجع: المهياريات
رجال ابن الغضائري
أبو الحسين أحمد بن حسين بن عبيدالله الغضائري من الرجال المشهورين في عالم التشيع، وهو عالم ومحدّث وأديب، وهو في علم الرجال متبحر متعمق، وهو مؤلف كتاب (الرجال). عاش في القرن الخامس الهجري، وهو منسوب إلى الغضائر، جمع غضارة. والغضارة هي الفخار أو الخزف المصنوع من الطين الحار، ولعل جدّه كان خزافاً. فيما اعتبر البعض أنها جمع غضيرة، وهي الأرض الزراعية النقية ذات المياه العذبة، ولعل مسكنه كان في مثل تلك الأرض، فنسب لها.
إنّ التاريخ الدقيق لولادته غير معروف، أمّا وفاته فاعتبرها البعض عام (435هـ) دون أي مصدر. بينما اعتبر آخرون أن تاريخ وفاته مقارن لوفاة والده (حسين) وهو عام (411هـ).
ومن كلام زميله في الدراسة (النجاشي) المتوفى عام (450هـ) يبدو أن ابن الغضائري توفي قبل النجاشي، بل حتى قبل تأليف كتب الرجال والفهرست للنجاشي والطوسي، أمّا الشيخ الطوسي فقد (توفي 460هـ) وهو يقول إن ابن الغضائري مات شاباً في الأربعين من عمره تقريباً، وأنه حسب الظاهر مات بعد وفاة والده بقليل.
لم يتحدث علماء الرجال عن ابن الغضائري بإطناب، وكذلك المترجمون من غير الشيعة أمّا (الذهبي) فإنه تحدث في (ميزان الاعتدال) و(سير أعلام النبلاء) عن عظمة شخصية والده (حسين الغضائري) ومكانته العلمية والاجتماعية عند الشيعة، واعتبره مرشداً للشيخ المفيد.
أمّا الحموي فقد اعتبره فناناً في الخط فقال: (كان خطه جميلاً جداً، بحيث كان ينافس فيه خط ابن مقلة).
أمّا النجاشي فقد تحدث عنه كثيراً، ومن ذلك ما أورده في ترجمة (محمد بن شيران) حيث يقول: (كنت أنا وهو [محمد بن شيران] نحضر عند أحمد بن حسين) ويتضح من هذا الكلام أنه كان أستاذاً للنجاشي أيضاً.
والشيخ الطوسي ذكر في مقدمة الفهرست أنه كان عظيماً، فيقول: (لم يوفق أحد من المفهرسين إلى جمع كامل إلاّ أبو حسين أحمد بن حسين بن عبيدالله (رحمه الله)، حيث ألّف كتابين أحدهما في المصنفات والآخر في الأصول. وقد بذل ما أمكنه وما تيسر له في المجالين، لكنه قبل أن يبلغ الأربعين ربيعاً توفي، ولم يقم أحد باستنساخ كتابيه المذكورين، وقد ذكر لي بعض أهله أن أولئك سعوا إلى إتلاف كتابيه وباقي آثاره العلمية.
والحسين بن داود الحلّي ذكر الغضائري في مقدمة كتاب الرجال، والعلامة الحلّي أيضاً ذكره عدة مرات في كتابه (خلاصة الأقوال) ونقل عنه.
وكتب الوحيد البهبهاني: يبدو أنه [ابن الغضائري] كان من جلّة المشايخ والثقات، ولا يحتاج إلى توثيق، وقد ذكره أساتذة فن الرجال بإجلال، وأخذوا بكلامه، وجعلوا كلامه في مصاف باقي الأجّلاء، ووصفوه أحياناً بالشيخ مما يدل على عظمة قدره وجلاله، وهم يترجمون عليه بعد ذكر اسمه، وعندما يقال بشكل مطلق (ابن الغضائري) فالمقصود هو.
وكتب الطريحي: (إن ابن الغضائري هو عنوان مشترك بين حسين الذي كان أستاذاً للشيخ الطوسي، وأحمد ابنه. وكلما روى الشيخ الطوسي ومعاصروه عن ابن الغضائري كان المراد هو حسين، وعندما يرد اسمه في بحث الجرح والتعديل فالمراد هو ابنه أحمد).
الشيخ الحر العاملي اعتبر في كتابه (أمل الآمل) ابن الغضائري من معاصري الشيخ الطوسي، وعدّه من ثقات العلامة الحلي.
والسيد محمد باقر الخوانساري أورد في بحث مطول له أن (ساحته الجليلة هي أشمخ من أن تطالها الظنون والأوهام، وحريم شخصيته لا يدركه فكري العليل، فهو في مرتبة عالية من العلم والدين، وفي مقام الأستذة الرفيع).
الشيخ آغا بزرگ الطهراني كتب أربعة أبحاث مهمة عنه.
وهناك بحث بين العلماء في مستوى توثيق ابن الغضائري وقبول كلامه، فكثيرون منهم يوثقونه لأنه كان أستاذاً للنجاشي، واعتبر آخرون أن نقل العلامة الحلي عنه هو نوع من توثيقه، ورأى غيرهم أنه ثقة لأن النجاشي نقل عنه مباشرة، والنجاشي لا ينقل عن الضعفاء دون واسطة، لكنه نقل عن ابن الغضائري مباشرة، كما أن الشيخ الطوسي تحدث عن منزلته العلمية بإجلال وإكبار وترحم عليه. ومن هذا وذاك يثبت حسن حال ابن الغضائري.
الشيخ محمد علي المدرس الخياباني عدّه من كبار وثقات مشايخ الشيعة في أوائل القرن الخامس الهجري معتمداً بذلك على تقييم القدماء له، وأن كلامه لا يحتاج إلى تعديل وتوثيق.
واعتبره صاحب (نخبة المقال) عادلاً دون أي شك، وقال فيه:
سبط عبيد الله بن حسين
وهو غض عدل بغير منِّ
وفي (نقد الرجال) جاء: (إن أحمد بن حسين هو مصنف كتاب الرجال، إنه لا يذكر إلاّ الضعفاء، والمقصود من ابن الغضائري هو، ولم أر في كتب الرجال جرحاً أو تعديلاً عليه).
أمّا الوحيد البهبهاني فإنه يخالف سابقه عند ترجمته لإبراهيم بن عمر الصنعاني فيقول: (لم يوثق أحمد بن حسين صراحة، ومع ذلك فإن أحداً لم يسلم من قدحه وجرحه، ولم يفلت ثقة من طعنه، فقد جرح برواة جليلين وثقات كبار لم يكونوا يستحقوا ذلك، وهذا يدل على أنه لم يكن مطلعاً على حال الرجال، أو أنه قد جرح في مواضع لا تستحق ذلك).
ونقل المحقق الميرداماد: (كان ابن الغضائري السبّاق عادة في تضعيف الرواة وجرحهم، وكان يسقط الراوي لأبسط الأسباب.
والمامقاني قال في (تنقيح المقال): إن جماعة من العلماء اعترفوا أنهم لم يعثروا على جرح أو تعديل على ابن الغضائري، ثم يقول:
1 ـ ليس هناك من يوهن توثيق ابن الغضائري.
2 ـ توثيقه من قبل من يكثر تجريحه يزيد من توثيقه.
وخلاصة الأمر فإن كل من يتتبع رجال العلامة والنجاشي يجد أنهما كانا يأخذان بكلام ابن الغضائري بالمطلق فضلاً عن كلامه عند ترجيحه وعند عدم وجود معارض له. وكل من يبحث في كلام ابن طاووس يجد أنه كان يثق بابن الغضائري، ويعتقد به.
تصانيفه:
الشيخ الطوسي ذكر لابن الغضائري كتابين فقط، وأشار إلى أن ورثته سعوا إلى محو آثاره العلمية كما ذكرنا من قبل.
أمّا النجاشي فإنه لا يذكر له كتباً، رغم أنه ينقل عنه الكثير، ولعل النجاشي سمع ذلك منه مشافهة، حيث يستبعد بقاء كتاب من كتبه، فهو لم يذكر له أي كتاب ضمن كتاب الرجال، وكذا الشيخ الطوسي لم يشر إلى آثاره العلمية في كتاب الفهرست. على أي حال فإن علماء الرجال والمترجمين سجلوا لابن الغضائري كتاباً في مجال علم الرجال بأسماء مختلفة.
السيد حسن الصدر ذكر في تأسيس الشيعة أسماء خمسة كتب بعناوين محددة، ونسبها جميعاً لابن الغضائري.
السيد محسن الأمين ذكر في (أعيان الشيعة) مؤلفات ابن الغضائري وهي: في الجرح، في الموثقين، في ذكر المصنفات، في ذكر الأصول، كتاب التاريخ.
وفيما يلي أسماء وصفات الكتب التي وردت في المصادر كمؤلفات علمية لابن الغضائري:
1 ـ كتاب الرجال: يحتمل أن يكون هذا الكتاب هو ما سمّي أحياناً بالضعفاء وأحياناً (في الجرح) وذكر في الذريعة تحت اسم (رجال ابن الغضائري) أو (رجال ابن الغضائري الضعفاء) المعبر عنه بالضعفاء أيضاً.
وعن كتاب الرجال هذا قال صاحب الذريعة: (بعد التتبع تبين لنا بأن أول من حصل على هذا الكتاب هو السيد ابن طاووس (ت673هـ) وقد أورده في كتابه تحت اسم (حل الإشكال). وكان كتاب ابن طاووس هذا بخط السيد نفسه موجوداً عند الشهيد الثاني، وانتقل منه إلى ابنه صاحب المعالم، وأعد منه كتاب (التحرير الطاووسي) حتى وصلت النسخة إلى يد (عبدالله التستري) ويبدو أنه كان يشرف على التلف، فقام بفصل كتاب الضعفاء المنسوب لابن الغضائري عنه، ورتبه بالترتيب الهجائي، ومن بعده قام تلميذه (عناية الله القهبائي) بضمه في مجمع الرجال).
المجلسي قال في بحار الأنوار: (إذا كان كتاب رجال ابن الغضائري من تصنيف حسين، فإنه كان من الرواة الثقات، وكان جليل القدر. أمّا إذا كان من ابنه أحمد ـ والظاهر أنه منه ـ فإني لا أثق بكتابه كثيراً، ذلك لأن الاعتماد على مثل هذا الكتاب يؤدي إلى رد كثير من الكتب المشهورة).
وذكر المجلسي في مكان آخر أنه يميل إلى أن كتاب الضعفاء من تأليف أحمد بن حسين، وليس من تأليف والده.
ونقل الميرداماد في الرواشح أن ابن الغضائري هو مؤلف كتاب الرجال. وقد نقل العلامة الحلي وابن داود في كتبهم عنه، واستندا إليه في جرح وتعديل الرواة، وأنه هو أبو حسين أحمد بن حسين بن عبيدالله.
مؤلف فهرست مكتبة السيد محمد مشكاة أجرى دراسة شاملة في صحة أو عدم صحة نسبة كتاب الرجال إلى ابن الغضائري.
وعلى أي حال فقد ذكر في الذريعة: يبدو أن مؤلف كتاب الضعفاء كان ممن يعادون أكابر الشيعة، ويريد أن ينال منهم بأي طريق أمكن، لهذا قام بإعداد هذا الكتاب، وأن هناك من أدرج كلام ابن الغضائري في طيات ذلك الكتاب، ليوصل بذلك متاعه الكاسد وكلامه الواهي إلى القراء، والله أعلم.
2 ـ كتاب الضعفاء: يحتمل أن يكون هذا الكتاب هو الكتاب المذكور آنفاً، وقد ورد بهذا الاسم في بعض المصادر.
3 ـ كتاب المذمومين: لعله اسم آخر لنفس الكتاب السابق.
4 ـ كتاب في الجرح: ذكر السيد محسن الأمين اسم هذا الكتاب في أعيان الشيعة ونسبه للغضائري، وبدورنا نحتمل أن يكون اسماً آخر لكتاب الرجال.
5 ـ كتاب في المصنفات: أشار الشيخ الطوسي في الفهرست إلى هذا الكتاب، واحتمل فقدانه، وقال غيره أن هذا الكتاب هو عين كتاب (المذمومين والضعفاء) اللذين ذكرناهما آنفاً.
6 ـ كتاب في الموثقين: أورد العلامة الحلي في خلاصة الأقوال عند ترجمته لعمر بن ثابت بن هرم: إنه ضعيف جداً، هذا ما قاله ابن الغضائري. وقال فيه كتابه الآخر: إن عمر بن أبي مقدام ثابت العجلي جرح لجهة، لكني لا أرى صحة ذلك، فهو رجل ثقة.
يستفاد من كلام العلامة هذا أنه كان لابن الغضائري كتابين في الرجال الأول حول الضعفاء والمذمومين، والثاني حول الممدوحين والثقات.
7 ـ كتاب في الأصول: الشيخ الطوسي أورد اسم هذا الكتاب في فهرسته، واحتمل تلفه. ولعله نفس كتاب الممدوحين والموثقين.
8 ـ كتاب التاريخ: صاحب الذريعة نسب إليه كتاباً باسم تاريخ ابن الغضائري، وقال: هو أبو الحسين أحمد بن حسين زميل النجاشي في الدرس، وتوفي في حياته، ووقعت بعض كتبه بيد النجاشي، ومنها كتاب التاريخ الذي تحدث عنه النجاشي.
وخلال ترجمته للبرقي قال: وقال أحمد بن حسين في تاريخه توفي أحمد بن أبي عبدالله البرقي سنة 274.
من كلام النجاشي هذا يعلم أنه كان لابن الغضائري كتاب في التاريخ، بقي من بعده، وانتقل إلى النجاشي، وهو غير الكتب التي حاول ورثته إتلافها. وهو مثل تاريخ ابن عقدة يشمل أسماء جميع الرواة وتواريخ وفياتهم.
وقد شكك المحقق الطهراني في المجلد التالي من الذريعة بصحة نسبة هذا الكتاب لابن الغضائري، واعتبر أن مثل هذا الاستنتاج من عبارة النجاشي هو خطأ. وخلاصة كلامه هو: بعد التدقيق تبين لنا أن كلام النجاشي لا يدل على وجود كتاب تاريخ لابن الغضائري، بل يحتمل أن يكون الضمير الوارد في كلمة (في تاريخه) عائد على وفاة البرقي، وليس على ابن الغضائري. فيصبح معنى الجملة هكذا (بالنسبة لتاريخ وفاة البرقي قال ابن الغضائري أنه كان عام 274).
نسخ كتاب الرجال:
يبدو أن الكتاب الوحيد الذي بقي عن ابن الغضائري هو كتاب الرجال الذي ذكر بأسماء متعددة. وقد بقي منه عدة نسخ منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو خطي:
والنسخ المطبوعة هي:
1 ـ أحد الكتب الخمسة التي طبعت مضمومة في (حل الإشكال) للسيد ابن طاووس.
2 ـ أحد الكتب الخمسة التي طبعت مضمومة في (مجمع الرجال) لعناية الله القهبائي.
3 ـ نسخة مطبوعة تحت عنوان (التحرير الطاووسي).
والنسخ الخطية هي:
1 ـ نسخة مهداة من مكتبة السيد محمد المشكاة إلى مكتبة جامعة طهران العامة.
2 ـ نسخة موجودة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم تحت عنوان (الضعفاء) ومرقمة (228ب/ 242ب).
إبراهيم العلوي
الرجال (علم)
ـ 1 ـ
هذا البحث هو بقلم مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها السيد علي الخامنئي الذي هو رجل علم غزير وقلم بليغ قبل أن يكون رجل دولة ومناضل ثورة:
علم الرجال:
موضوعه وأنواع كتبه حتى أيام الشيخ والنجاشي بإجمال.
لعله من المفيد قبل ورودنا موضوع البحث، يعني «التعريف بالكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال وتقييمها»)[357]( أن نلقي نظرة إجمالية حول الموضوع، فنقدم نبذة تاريخية عن علم الرجال وفائدته.
تعريف بعلم الرجال:
يجدر بنا أولاً، أن نذكِّر بأن «فن الرجال» في هذا البحث، هو علم الرجال بمعناه العام، الذي يمكن تعريفه بأنه: «علم معرفة قبيل من الناس يشتركون في جهة خاصة، والاطلاع على أحوالهم أو أنسابهم أو تأليفاتهم أو بعض خصوصياتهم الأخرى» وعليه، فإن علم الرجال بمعناه الخاص، من فهرست وتراجم وأنساب ومشيخة جميعاً مندرج تحت ذلك التعريف.
هذا، لأن علم الرجال في اصطلاحه الخاص، علم يبحث في معرفة رواة الحديث من حيث الاسم أو الأوصاف التي لها دخل في قبول أقوالهم ورواياتهم وردها. «فالفهرست» مجموعة تنتظم أسماء المؤلفين والمصنفين. «والمشيخة» عليها بيان أسانيد الحديث. و«التراجم» بصورة عامة هي شرح حال العلماء أو الرواة بدون الإشارة إلى ما يؤثر في الرواية من حيث القبول والرد من الجهات.
وعلم الرجال باصطلاحه الخاص، يقسَّم حسب الدواعي المختلفة إلى أقسام ومواضيع أكثر تحديداً، كما تختلف الكتب الخاصة بهذه الأقسام في شكلها. فبعضها كتب عامة شاملة لأسماء الرواة، لا تتعرض لتوفر الثقة فيهم أو عدمها، مثل، «طبقات الرجال» المحتمل تأليفه لأحمد بن أبي عبدالله البرقي (المتوفى سنة 374 أو 380)، وبعضها خاص بالممدوحين والمذمومين، مثل، كتاب ابن داود القمي (المتوفى سنة 368). والكتاب الأكثر تفصيلاً منه أيضاً لأستاذه أحمد بن محمد بن عمار الكوفي (المتوفى سنة 346). وبعضها يقتصر على أصحاب إمام واحد، مثل، كتاب ابن عقدة (المتوفى سنة 332 أو 333) الذي أُلّف خاصة لأصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) واشتمل على أسماء أربعة آلاف راوٍ. كما أن بعضها نظر إلى جهات أخرى خاصة، ككتاب عبدالعزيز بن يحيى الجلودي (المتوفى سنة 332) المشتمل على أسماء العدة من صحابة الرسول الأكرم (ص) الذين رووا عن علي (عليه السلام) أو كتاب ابن ريدويه)[358]( في شرح حال «من روى من نساء آل أبي طالب». وكتب أخرى نأتي إلى ذكر أسماء بعضها.
نبذة تاريخية عن هذا العلم وتطوره بالإجمال حتى زمان الشيخ النجاشي:
كان هذا العلم منذ القرون الأولى لظهور الإسلام محل عناية المسلمين، ثم اتسع مجاله بالتدريج حسب تزايد الإحساس بالحاجة إليه.
فلو أننا عرّفنا علم الرجال بتلك العمومية التي سبق بيانها، بمعنى، إننا وسعنا اختصاصه إلى كتابه شرح الحال، فإن سابقة هذا العلم تعود إلى النّصف الأول من القرن الإسلامي الأول. ففي حدود سنة 40 الهجرية)[359](. جمع عبيدالله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أسماء لعدّة من أصحاب الرسول الأكرم (ص) الذين ساهموا مع علي في حروبه وحاربوا في صفه. والظاهر أنه هو أول من كتب كتاباً في الرجال. والشيخ الطوسي ذكر هذا الكتاب في الفهرست باسم «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ الجمل وصفين والنهروان من الصحابة ـ رضي الله عنهم» كما ذكر سنده أيضاً.
وفي القرن الثالث الهجري ازدهر فن الرجال على أثر شيوع كتب الحديث ورواج أصول هذا العلم ومصنفاته، فأُلِّفت ودُونت في هذا الفن كتب كثيرة نسبياً، لا يزال بعضها موجوداً للآن، وتعتبر من نفائس آثار الشيعة في هذا العلم. من جملتها: كتاب «طبقات الرجال» تأليف أحمد بن أبي عبدالله البرقي)[360]( الذي لا تزال نسخة ناقصة منه موجودة اليوم. وكتاب محمد بن أبي عبدالله بن جبلة بن حيان بن أبجر الكناني (المتوفى سنة 219) )[361]( الذي عدَّه الشيخ الطوسي في كتاب الرجال من أصحاب الإمام الكاظم. ونسب النجاشي إليه كتباً كثيرة منها كتاب في الرجال.
ومجموعة أخرى من الكتب الرجالية في القرن الثالث عبارة عن: رجال، الحسين بن علي بن فضالة (المتوفى سنة 224) ويقال أنه كان معروفاً في زمن النجاشي وربما كان تابعاً له)[362]( وكتاب رجال الحسن بن محبوب (المتوفى سنة 224) باسم «معرفة رواة الأخبار»)[363]( وهو غير كتابه الآخر في «المشيخة» الذي رتبه أبو جعفر الأودي فصولاً حسب ترتيب أسماء الرجال. وهناك أيضاً كتاب رجال إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي)[364]( (المتوفى سنة 283) وكتاب رجال الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن يوسف بن خراش المروزي البغدادي)[365]( (المتوفى سنة 283).
وهكذا يتبين مما قلنا أن قول «السيوطي» في كتاب «الأوائل» من أن: أول مؤلف في علم الرجال، شعبة بن الحجاج ـ من أئمة أهل السُنة وتوفي سنة 160)[366](، مجاف للحقيقة عار عن التحقيق. إذ أن فن الرجال كما شاهدنا، بدأ في القرن الأول، وقد وضع كتاب في هذا الفن بمعرفة عبيدالله بن أبي رافع قبل شعبة بأكثر من قرن.
ونظير هذا الخطأ إن لم يكن أسوأ أن الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو زهرة المصري المعاصر في كتابه «الإمام الصادق» يزعم بغفلة ناجمة عن عدم التتبع الكافي في مصادر الشيعة ومآخذهم، لا عن الانتماء الفرقي والعصبية، أن فهرست الشيخ الطوسي أول كتاب رجالي عند الشيعة فأثنى على الشيخ الثناء الوافر ومجده أكبر التمجيد)[367]( باعتباره فاتحاً لطريق جديد إلى أفق الثقافة الشيعية بوسيلة هذا المعبر. إن هذا الحكم دليل على عدم تدقيقه في كتاب الفهرست بالذات، إذ أن الشيخ نفسه أشار في مقدمة الكتاب إلى كتب أخرى في نفس المجال ألّفت بمعرفة العلماء السابقين.
وكائناً ما كان، فإن تأليف وتدوين كتب الرجال الذي اكتسب حالة نسبية من الذيوع والانتشار في القرن الثالث الهجري، قد صار في القرن الرابع وبنفس النسبة أكثر شيوعاً وتنوعاً وجامعية.
والظاهرة التي يمكن استخلاصها من دراسة الكثير من كتب الرجال في هذا القرن هي أن هذه الكتب ألّفت في موضوعات أكثر محدودية وانحصاراً، وكأنما راجت سنة التخصص في هذا القرن وأصبحت الفروع التخصصية والموضوعات المتنوعة مورد نظر الخبراء وعلماء الفن بصورة مستقلة. مما يعتبر في حد ذاته دليلاً على اتساع دائرة هذا العلم في القرن المذكور.
فمثلاً أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة (المتوفى سنة 332 أو 333))[368]( كما ذكرنا، جمع كتاباً اشتمل على رجال الإمام الصادق (عليه السلام) وذكر فيه أسماء أربعة آلاف شخص تشرفوا بصحبته (عليه السلام) والرواية عنه. وأبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبدالله الغضائري كتب كتابين عن مؤلفي الشيعة (يعني ما نطلق عليه اصطلاحاً «فهرست») وكتاباً آخر اشتمل على أسماء الرواة الضعفاء وغير الموثقين باسم «الضعفاء»)[369](. والقاضي أبو بكر بن عمر الجعابي البغدادي (المتوفى سنة 355) من كان قمة زمانه في الحديث والرجال)[370]( ألّف كتاباً كبيراً باسم «الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم» في طبقات رواة الشيعة، سمعه الشيخ النجاشي، وكتاباً آخر في «شرح طبقات أصحاب الحديث في بغداد»)[371]( ووضع عدة كتب أخرى في موضوعات محدودة ترتبط برواة الحديث)[372](.
ومجموعة أخرى من الكتب الرجالية المعروفة في القرن الرابع كالآتي:
رجال ابن داود القمي (المتوفى سنة 368) في باب الممدوحين والمذمومين.
رجال محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق (المتوفى سنة 381).
فهرست حسن بن محمد بن الوليد القمي، أستاذ الصدوق وقميين آخرين.
كتاب الطبقات لابن دول (المتوفى سنة 350).
كتاب رجال الكليني، محمد بن يعقوب مؤلف كتاب الكافي المعروف (المتوفى سنة 328 أو 329).
رسالة معروف إلى غالب الزراري إلى حفيده في تراجم آل أعين و… «التي حررت سنة 356 مرة وبعد 11 سنة يعني 367 حررت مرة أخرى».
والأشهر منها جميعاً كتاب «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين عليهم السلام»)[373]( تأليف الشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي (المتوفى في حدود منتصف القرن الرابع»)[374]( وتوجد منه في الحال الحاضر خلاصة منتخبة باسم «اختيار الرجال» والنسخة المطبوعة معروفة وفي متناول الأيدي.
وفي حدود النصف الأول من القرن الخامس الهجري يعني بعد مرور ثلاثة قرون على تأليف أول كتاب رجالي، وضعت الأصول الأربعة الرجالية، أي الكتب الأربعة المشهورة مورد استناد هذا العلم، التي تشكلت من تركيب المصنفات السابقة وتصحيحها واندماجها، فبدأ فصل جديد في تاريخ هذا العلم. ولحسن الحظ بقيت هذه الكتب الأربعة مصونة طول الزمان من تطاول يد الحدثان، وظل أصلها باقياً حتى يوم الناس هذا، وقد تكرر طبع بعضها. وهي عبارة عن:
اختيار الرجال
الفهرست
الرجال
وثلاثتها تأليف الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى 460).
وكتاب الفهرست المعروف «برجال النجاشي» تأليف أحمد بن علي النجاشي (المتوى سنة 450))[375](.
هذه الكتب الأربعة ظلت دائماً على مدى القرون العديدة التالية لتأليفها محل العناية والاستفادة والمراجعة بالنسبة لخبراء الفن. وكما سنرى بالتفصيل أن أعمالاً من قبيل الترتيب والتبويب والجمع والتفصيل قد أجريت على أساسها. ومن ثم استوجب تأليف هذه الكتب الأربعة اعتبار هذا القرن قمة القرون السابقة ونقطة أوج فعاليتها الرجالية حتى ذلك الوقت.
بداية تدوين أقسام علم الرجال كل على حدة والدافع لكلٍ:
إن علم الرجال بمعناه العام كما سبق أن قيل يتضمن عدة أقسام، من جملتها: الرجال بالاصطلاح الخاص (= معرفة أسماء الرواة أو الأوصاف التي تؤثر في ردّ أخبارهم وقبولها)، الفهرست (= معرفة أسماء المؤلفين والمصنفين)، التراجم أو تاريخ الرجال (= معرفة تاريخ وشرح حال العلماء أو الرواة لا من حيث التدخل في رد الخبر وقبوله)، والمشيخة (= معرفة سلسلة الأسانيد الروائية).
فلو شئنا تعيين تاريخ دقيق لبداية كل من هذه الأقسام، لأعوزنا الاطلاع الكافي إلاّ أنَّ جمع أسماء عدّة من الناس تشترك في جهة واحدة كما سبق أن وضّحنا قد حدث لأول مرة في القرن الإسلامي الأول بمعرفة أحد الشيعة باسم عبيدالله بن أبي رافع.
أمّا تدوين الكتب الرجالية بالمعنى المصطلح (يعني ما هو مرتبط بذكر أحوال رواة الحديث من حيث الصفات التي يمكن أن تؤثر في ردّ أخبارهم وقبولها) فإن الظن الغالب أنه بدأ في النصف الأول من القرن الثاني، يعني منذ فترة رواج الحديث. وربما أمكن القول بصفة قاطعة أن الدافع الأصلي لظهور هذا الفن وتدوين المصنفات الخاصة به، كان الاهتمام والمراقبة البالغين من الشدة حد الوسواس، اللذين كان المحدثون وجامعوا الحديث يراعونهما أثناء قيامهم بمهمة تدوين الروايات.
لقد تعددت عوامل جعل الحديث في ذلك الوقت فمنها: أولاً، أن مقام المحدثين وحملة الحديث ووزنهم الاجتماعي أغرى بعض السطحيين طلاب الشهرة بالاندساس في كوكبة المحدثين. ثانياً، كانت الأغراض السياسية والفرقية هي الأخرى عاملاً مهماً قائماً بذاته في تلك الحالة، مما أدى إلى نسبة أحاديث كثيرة نسبت على ألسن منابع الحديث إلى الرسول الأكرم (ص) ـ أو في حوزة التشيع ـ إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام). هذا الأمر الذي ينعكس في كثير من بيانات الأئمة (عليهم السلام) أو الرواة، استوجب أن يأخذ خبراء الفن في تشخيص الحديث صحيحه من سقيمه بذكر أسماء الرواة، وتمييز الممدوح من المذموم. وهكذا ألّفت الكتب في هذا الصدد.
وكذلك الحال، فإن أيدينا خالية من الاطلاع الدقيق بالنسبة لبداية تدوين الكتب الخاصة بقسم الفهرست. إلاّ أنه من المسلّم أن الفهرسة كانت رسماً متداولاً منذ سنوات قبل الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي، شأنها شأن كتب الرجال، هذا ما يستفاد من قول الشيخ الطوسي في مقدمة كتابه الفهرست، إذ يقول بالنص: «فإني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الأصول…» كما أن كلام المحقق الشوشتري في مقدمات الكتاب النفيس «قاموس الرجال» يثبت أن أكثر القدماء كانت لهم فهارس)[376]( وإن كان محتوى هذه الفهارس قد خضع لأسلوب الاختصار، ومؤلفوها لم ينصوا على الكتب التي رووا عنها أو التي كانت في مكتباتهم. ولقد ذكر الشيخ الطوسي في كتاب الفهرست بعضاً من هذه الفهارس، من جملتها فهرست ابن عبدون (المتوفى سنة 423) الذي ذكره ضمن ترجمة إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال)[377](.
وأول من وضع كتاباً مفصلاً في مجال الفهرست أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري المعروف بابن الغضائري معاصر الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي وكان يتقدم الاثنين في المرتبة. وهو كما ذكر الطوسي في مقدمة الفهرست)[378]( قد ألّف كتابين كبيرين كاملين في هذا القسم، أحدهما يقتصر على «الأصول» والآخر يختص «بالمصنفات»)[379]( إلاّ أن الذي حدث بعد موته الفجائي أن أحد أعقابه أتلف نسختي هذين الكتابين العزيزين القيمين لا غير. فلم يصل هذا الأثر العظيم إلى الأجيال التالية ولو بقي لكان بلا شك ثروة رجالية شيعية)[380](.
أمّا معرفة الدافع إلى تدوين الفهرست فيمكننا معرفته مما ذكره الشيخ النجاشي في مقدمة فهرسته المعتبر المبسوط المشهور برجال النجاشي حيث قال:
«فإني وقفت على ما ذكره السيد الشريف أطال الله بقاءه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا، أنه لا سلف لكم ولا مصنّف. وهذا قول من لا علم له بالناس ولا وقف على أخبارهم ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار أهل العلم ولا لقي أحداً فيعرف منه…».
ويكاد الظن أن يكون يقيناً بأن نصف دوافع مؤلفي كتب الفهرست الآخرين أو قسم عظيم منها على الأقل هو نفس هذا الدافع الذي تشير إليه العبارة المذكورة، يعني التعريف بسلف الشيعة، وتجديد المعرفة بآثارهم القيمة في العلوم والفنون المختلفة، والردّ على مغامز عدة من المخالفين وانتقاداتهم ممن يجهلون هذه الآثار ويقدحون في الشيعة بافتقارهم للسابقة العلمية)[381](.
وفي أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، يطالعنا اسم «مشيخة ابن محبوب» (المتوفى سنة 224) وهو من الكتب الرجالية المعروفة، وقد رتبه أبو جعفر الأودي)[382]( فصولاً حسب أسماء الرجال. وعليه، تصل سابقة «المشيخة» إحدى أقسام علم الرجال بالمعنى العام إلى سنوات ما قبل 224.
وفي قسم تاريخ الرجال أيضاً، وضعت في القرنين الثالث والرابع كُتب، مثل «تاريخ الرجال» تأليف أحمد بن علي العقيقي (الأب) وغيره، وقد ثبتت أسماؤها في كتب الفهرست)[383](.
وبناء عليه، يمكن القول إن جميع الأقسام المختلفة لعلم الرجال (بالمعنى العام) قد ظهرت في القرون الأولى على فترات لا تكاد تطول، ثم أخذت تتوسع بالتدريج. وأُلّفت الكتب في كل قسم من الأفسام وصنفت استجابة لمقتضيات الحاجة الماسة.
شخصية الشيخ الطوسي الرجالية:
يمكننا على ضوء ما تقدم ( من نبذة تاريخية وجيزة وبيان للتطور التاريخي لعلم الرجال على مدى القرون الثلاثة الأولى) أن نقدر المكانة العظيمة والمقام الرفيع الذي بلغه في هذا العلم شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460) الفقيه المحدث الكبير. أنه هو ذلك العالم الذي استطاع بتأليف كتبه القيمة في هذا المجال، أن يسجل غاية خالدة في تاريخ هذا العلم. وكما أنه في علم الحديث قد حاز قصب السبق بين مؤلفي «الكتب الأربعة» الآخرين، فقد انفرد في الفقه بكتاب لم يسبق إلى أسلوبه المبتكر. لقد كان له في هذا القسم أيضاً دور فائق مشخص، فهو جامع ثلاثة من الكتب الأربعة المعروفة عمدة اعتماد هذا الفن. وكانت من الجامعية ولياقة التنسيق ورشاقة الأسلوب وحسن السليقة والنبوغ بحيث بزّت كتب السابقين واخلفتها متروكة مهجورة.
وما زالت هذه الكتب الثلاثة التي يختص كل منها بقسم من أقسام علم الرجال المختلفة منذ زمان المؤلف حتى يوم الناس هذا. ـ وهي فاصلة تربو على 9 قرون ـ وهي مدار بحث الخبراء وتحقيقهم وتأليفهم، وكما سوف نبين فإن الشروح والتذييلات والترتيبات قد دارت في مدار هذه الكتب:
- اختيار الرجال
- الفهرست
ولنتناول الآن التعريف بالكتاب الأول والثاني.
ـ 1 ـ
اختيار الرجال أو تلخيص رجال الكَشيّ
يعود أصل هذا الكتاب ـ كما سنوضح بعد ـ إلى الشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشّي)[384]( (المتوفى في أواسط القرن الرابع). كان موسوماً بـ «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» وكانت قد وقعت فيه أخطاء واشتباهات وإضافات، فاهتم الشيخ الطوسي بتلخيصه وتهذيبه، وأطلق عليه اسم «اختيار الرجال» وبناء على رواية السيد علي بن طاووس في كتاب «فرج المهموم» من نسخة بخط المؤلف، شرع في إملائه على تلامذته يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456.
1 ـ مشخصات الكتاب:
موضوع هذا الكتاب، تاريخ الرجال وذكر طبقاتهم. ومبناه على ذكر الروايات الواردة في مدح الرجال والقدح فيهم، دونما إظهار للرأي في تلك الروايات.
ففي ذيل اسم كل رجل من الرجال. يأتي بحديث أو عدة أحاديث مسندة ذكر فيها الشخص المعني بصورة من الصور. وأحياناً ما تكون هذه الأحاديث محلاً للنظر من حيث ما تتضمنه من مدح أو قدح، أو تكون متعارضة أحدها مع الآخر. ففي هذه الحالة التي عادة ما تقتضي ترجيح أحد الحديثين، يمسك عن الكلام مكتفياً بما تقدره الروايات، اللهم إلاّ في بعض الموارد، حيث يبدي اعتقاداً بخصوص الشخص المعني أو السند أو مضمون أحد الأحاديث.
فمثلاً: في شرح حال زرارة بن أعين، بعد ذكره حديثاً في مذمته هكذا سنده «محمد بن الكرماني، عن أبي العباس المحاربي الجزري، عن يعقوب بن يزيد عن فضالة بن أيوب…» يقول: «محمد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه، مغير عن وجهه»)[385](.
والكتاب، لا يقتصر على رجال الشيعة فحسب ولا ينحصر في الموثقين والممدوحين قط. فكما أن فيه شرح حال زرارة وجه الشيعة المشرق، فيه أيضاً شرح حال أبي الخطاب المقلاص الغالي المعروف. إلاّ أنه اقتصر من غير الشيعة على ذكر من رووا للشيعة واعتبروا في عداد رجال الحديث الشيعة)[386]( فوجود اسم شخص في هذا الكتاب ليس دليلاً على كونه شيعياً ولا برهاناً على كونه ثقة. كما أن عدم وجود اسم شخص لا ينفي تشيعه أو يثبت ضعفه.
وفي مستهل الكتاب، ينقل سبع روايات في مدح الرواة وحملة الحديث، وأربع روايات تختص بأصحاب علي (عليه السلام) ومقربيه، ثم في ذكر أسماء الرجال، فيذكر اسم صاحب الترجمة في البداية، ثم يعقب بما تقرره الروايات في حقه.
مثلاً: «زيد بن صوحان ـ جبريل بن أحمد، قال حدثني موسى بن معاوية بن وهب… إلى آخره». فالشخص المعني في العنوان عاليه «زيد بن صوحان»، و«جبرائيل بن أحمد» هو الراوي الأول في سلسلة الحديث الذي نقل بخصوص زيد بن صوحان. وبعد هذا الحديث يشرع في الحديث الثاني على هذا النحو: «علي بن محمد القتيبي قال… إلى آخره» وبهذا الترتيب ينقل جميع الروايات التي وردت في زيد بن صوحان بالتوالي.
وأحياناً، يشخص اسم الشخص المعني بكلمة «في». مثلاً «في الحسين بن بشار ـ حدثني خلف بن حماد قال حدثنا… إلى آخره». أي أن «حسين بن بشار» هو مورد الترجمة. وأحياناً يبدأ المطلب على هذا النحو: «ما روي في». مثلاً: «ما روي في الحسن بن محبوب».
والروايات التي تنقل في ذيل كل عنوان أيضاً، تبدأ أحياناً بكلمة «حدثني» وأحياناً بجملة «وجدت بخط فلان»، وأحياناً بدونهما مقتصراً على اسم الراوي الأول.
ويبلغ مجموع من ذكر في هذا الكتاب من الرجال 515 شخصاً، مندرجة في ستة أقسام حسب التقدم والتأخر الزمني.
أمّا أسماء الرجال فلا أساس في ترتيبها، فلا هي على أساس تاريخ الوفاة ولا هي على أساس صحابة آل البيت (عليهم السلام) ولا هي على أساس أبجدية الأسماء، الأمر الذي يجعل العثور على شرح حال شخص ما أمراً صعباً. والنسخة المطبوعة في بومباي، ترتب فهرست الأسماء بنفس الترتيب الكائن في الكتاب مع ذكر رقم الصفحة الخاصة، مما يسهل أمر المراجعة إلى حد ما. إلاّ أنه أحياناً، عندما تكون الروايات الخاصة بشخص ما موزعة على مواضع مختلفة من الكتاب ـ وما زال «فهرست الأعلام» لم ينضم بعد إلى النسخة المطبوعة ليجبر هذه النقيصة)[387]( ـ فإن العثور على عنوان الشخص المعني، لا يكفي للاطمئنان إلى تحقق الاطلاع على جميع ما يرتبط به من الاطلاعات.
2 ـ نسبة الكتاب إلى الشيخ الطوسي:
هناك اختلاف في نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ. وتعتقد غالبية علماء الفن أن الكتاب موضوع البحث منتخب منقح جمعه الشيخ الطوسي من كتاب رجال أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي. كما أن عنوان الكتاب يؤيد هذا الرأي إلى حد ما.
والقول الآخر أن الكتاب الموجود هو أصل الكشي بعينه لا منتخب الشيخ. وهذا الرأي صادر من أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى سنة 673) وتلميذيه العلامة الحلي (648 ـ 726) وابن داود الحلي (المتولد سنة 647) )[388](. إلاّ أن عدة من الدلائل والشواهد تؤيد بشكل قاطع نسبة الكتاب إلى الشيخ، وكونه منتخباً. وإليك بعض هذه الدلائل:
علي بن طاووس (المتوفى 664 ـ أخو أحمد بن طاووس المذكور) في كتاب «فرج المهموم» يذكر نسخة من هذا الكتاب، كتب فيها بخط الشيخ بالذات أن: «هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز واخترت ما فيها»)[389]( وهذه العبارة تدل صراحة على أن الكتاب الموجود منتخب الشيخ الطوسي لا أصل الكشي.
والشيخ في فهرسته أثبت نسبة اختيار الرجال إلى نفسه، وعده بين آثاره العلمية)[390](. ومنذ ما بعد الشيخ حتى الآن، وهذا الاسم منطبق على هذا الكتاب موضوع البحث، ولا أثر هناك لكتاب آخر بهذا الاسم. والشيخ النجاشي صاحب الفهرست المعروف، معاصر الشيخ الطوسي كان في بعض الموارد ينقل من كتاب الكشي موضوعاً لا توجد له أي إشارة في الكتاب الموجود حالياً)[391](. وهذا دليل على أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي ـ التي كانت في متناول اليد أيام النجاشي وكانت مورد الاستفادة ـ غير كتاب «الاختيار» الحالي. وأن الكتاب الموجود منتخب وملخص من كتاب الكشي وليس أصلاً)[392](.
وأياً ما كان، فإنه لا مجال للشك في أن ما هو في اليد بعنوان «رجال الكشي» منذ عدة قرون حتى الآن، ليس شيئاً آخر غير منتخب الشيخ الطوسي هذا. وأغلب الظن أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لم تقع في يد أي من علماء الفن بعد أيام الشيخ، وأنها انقرضت بالكلية. والوحيد الذي يظن أنها كانت عنده، هو الشهيد الأول، لأنه في حاشيته على كتاب «الخلاصة» للعلامة، بعد أن نقل أحد المطالب من اختيار الرجال، نقل نفس المطلب من كتاب الكشي بصورة أخرى)[393]( وهذا يدل على أنه علاوة على وجود اختيار الرجال عنده أن أصل كتاب الكشي كان عنده أيضاً، وأنه قابل أحدهما بالآخر وطابق بينهما. ولكن المحقق الشوشتري المعاصر مؤلف قاموس الرجال (المتمتع بمقام رفيع في هذا الفن) يعتقد أن الشهيد قد اشتبه عليه أمر الكتاب الذي في يده، فتوهم نسخة من اختيار الرجال على أنها أصل كتاب الكشي، لأن نسخ اختيار الرجال تختلف الواحدة مع الأخرى في بعض الموارد. وأحسن شاهد على سهو الشهيد، أن هذه الجملة بعينها التي نسبها الشهيد إلى كتاب الكشي، نقلها المولى عناية الله القهبائي)[394]( (مرتب اختيار الرجال) من اختيار الرجال.
ويستفاد من بعض كلمات العلامة في كتاب «الخلاصة» أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي كانت لديه، لأنه كان في بعض الموارد ينقل مطلباً من الكشي مع عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» على حين أنه لا توجد إشارة للمطلب المذكور في اختيار الرجال. ولكن مع التوجه إلى أن العلامة في كتاب الخلاصة ينقل عين عبارات أصحاب الأصول الرجالية لا مطالبهم فقط، يمكننا الاطمئنان إلى أنه في الموارد المذكورة عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» أيضاً مأخوذة من الكتب المذكورة، مثل كتاب النجاشي أو فهرست الشيخ، وليست من العلامة، وفي هذه الحالة يكون نقلهم للمطلب من كتاب الكشي لا العلامة)[395](.
والنتيجة، أنه منذ أيام الشيخ الطوسي والنجاشي لم يعثر أحد من علماء الفن على أثر لأصل كتاب الكشي أو كان لديه اطلاع عنه. كما قيل أن هذا الكتاب لم يكن رائجاً قبل الشيخ. وبعد الانتخاب منه وتلخيصه سقط من التداول بالكلية، واكتسب المنتخب اعتباراً أكثر نظراً إلى مكانة منتخبه فاحتل مكانه.
ويمكننا من عبارة النجاشي بخصوص الشيخ الكشي، إذ يقول: «له كتاب الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»)[396]( ومن تناول الشيخ الطوسي له بالتنقيح، أن نستنتج أن النسخة الصحيحة المتقنة من الكتاب لم تصل حتى إلى الشيخ أو النجاشي، أو أنها في أصلها بالذات كانت كتاباً مليئاً بالخطأ. وهذا أيضاً في حد ذاته يحتسب عاملاً لإهمال الكتاب بعد اختيار الشيخ.
ويعتقد مؤلف قاموس الرجال، أن منظور النجاشي من الجملة: «وفيه أغلاط كثيرة» أن في أصل الكتاب خطأ في المطالب، لا أن الخطأ والتصحيف تطرق إليه فيما بعد عن طريق النساخ والكتاب. وإذ ذاك يبدي المحقق المذكور رأيه بأن هذا الحكم من النجاشي بلا أساس، وأن الأخطاء الموجودة في كتاب الكشي فاحشة حتى أنه لا يخطر على البال نسبتها إلى شخص كالكشي)[397]( وما أعجب هذا الرأي من المحقق!! إذ أنه مع قبول افتراض أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لا وجود لها، من أين له أن يعلم أو يقدر أن أخطاء الكتاب فاحشة أو غير فاحشة، وأن يحكم ويظهر الرأي في إمكان أو عدم إمكان نسبتها إلى الكشي؟! وبعبارة أخرى: على أخطاء أي كتاب يدور الكلام؟ كتاب اختيار الرجال؟ هذا الكتاب الذي تأتّى من صافي تحقيق الشيخ الطوسي وتنقيحه، وما كان النجاشي ليحكم عليه بطبيعة الحال؟ أم أصل كتاب الكشي؟ ولم يبق منه طول القرون إلاّ اسمه؟ وفي الحالة الثانية، من أين تأتّى لمؤلف قاموس الرجال أن يعرف أن أخطاءه فاحشة وينزه الكشي عن ارتكابها؟!
وعلى أية حالة، إذا قبلنا أن أخطاء أصل كتاب الكشي ناشئة عن تصحيف النساخ، وليست معلولاً لخطأ المؤلف، فلا مندوحة قد وجب البحث عن علة تحريضه في عدم اعتناء معاصريه بكتابه. لقد كان هو وأستاذه العياشي ينقلان عن الرواة ضعيفي الحال، وهذا يحتسب طعناً كبيراً في عرف القدماء، نفس الأمر الذي أدّى إلى ترك كتابه وهجره حال حياته وبعدها، مما ترتب عليه تحالف التحريف والتبديل على نسخه.
والعجب أن كتاب «اختيار الرجال» أيضاً وهو المنتخب المنقح من ذلك الكتاب، ولا شك في أنه أصلاً بريء من كثير من اشتباهات كتاب الكشي وأغلاطه، هو الآن مصاب بتحريفات وتصحيفات واشتباهات كثيرة.
وعلى حد قول العلامة الكلباسي مؤلف «سماء المقال»)[398]( فإن هناك قرائن تشير إلى تعرض هذا الكتاب لتطاول يد الحدثان وأسقطت وحذفت منه مطالب بمرور الزمان. كما أن المحدث النوري في خاتمة كتاب «مستدرك الوسائل» يذكر موارد نقل فيها مؤلفو الكتب الرجالية مطلباً من «اختيار الرجال» وهذا المطلب لا يوجد في النسخة الموجودة من الكتاب.
علاوة على كل هذا ـ كما أشرنا ـ فإنه تشاهد في النسخة الموجودة أخطاء وتصحيفات أشار الرجاليون المتأخرون إلى بعضها. ويعتقد المحقق الشوشتري أن أخطاء هذا الكتاب تفوق الحصر، وأن الموارد الصحيحة المصونة منه تعد على الأصابع. ومن الأخطاء التي يشير إليها المحقق، أنه في كثير من العناوين تختلط الأحاديث المتعلقة بشرح حال شخص، بالأحاديث المتعلقة بشرح حال شخص آخر، أو بأحاديث سمّيه من طبقة أخرى. مثلاً الأحاديث الخاصة بـ«أبي بصير ليث المرادي» اختلطت بالروايات الخاصة بـ«أبي بصير يحيى الأسدي». كما عرّف «الحميري» وهو من أصحاب العسكري (عليه السلام). في عداد أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). ومنها أيضاً أن أول رواية في حالات «عبدالله بن عباس» ذكرت خلال الأحاديث الخاصة بـ«خزيمة» الذي عنون قبل عبدالله. وأنه قد ذكرت في ذيل اسم «محمد بن زينب» المكنى بـ«أبي الخطاب» ثلاث وعشرون رواية لا ترتبط به من أي وجه)[399](.
وواضح جداً، أن هذا القبيل من الأخطاء ليس مما يشتبه على شخص كالكشي أو كالشيخ الطوسي أو أنها تصدر عنه. ولا يرقى الظن بنسبتها إلاّ إلى المستنسخين والكتاب… كما يبعد عن التصديق أن بعضاً من الأخطاء الأخرى الموجودة في هذا الكتاب، من قبيل الاشتباه في تاريخ وفاة حماد بن عيسى، وتعيين سني حياة معاوية بن عمار، وتحريف جبرئيل بن أحمد الفاريابي إلى جبرئيل بن محمد الفاريابي الموجود في أول الكتاب، وأمثالها مما أشار إليه العلامة الكلباسي في سماء المقال، تنسب إلى الشيخ الطوسي.
وبناء على ما قلناه، يمكن الحكم بأن رأي «مولى عناية الله القهبائي» في اعتبار هذه الأخطاء من الشيخ، واعتقاده أن أصل كتاب الكشي كان مبرأ وخالياً منها، خلاف التحقيق تماماً وادعاء بلا دليل.
3 ـ اسم أصل كتاب الكشي:
لم يذكر اسم كتاب الكشي في ذيل حالاته بأغلب كتب القدامى مثل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، واقتصرت على أصل وجوده.
فالشيخ الطوسي في «الفهرست» تحت عنوان «أبو عمرو الكشي» يقول: «ثقة بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال…» )[400]( وعبارة النجاشي في هذا الصدد أيضاً لا تزيد الأمر إيضاحاً: «كان ثقة عيناً، وروى عن الضعفاء كثيراً وصحب العيّاشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب الرجال»)[401](.
وعلى قدر اطلاعنا، فإن أول من ذكر اسماً لكتاب الكشي هو ابن شهر آشوب (المتوفى سنة 588) صاحب كتاب «معالم العلماء». ففي هذا الكتاب الذي يعتبر ذيلاً وتتمة لفهرست الشيخ، ذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين»)[402]( وبقرينة التقارب بينه وبين الكشي والشيخ، لا يبقى مجال للشك في أن قوله مستند إلى قرائن قطعية، وأن اسم كتاب الكشي هو هذا الذي ذكره.
والشيخ الطوسي في الفهرست في ذيل عنوان «أحمد بن داود بن سعيد» بعد أن نسب إليه كتباً متعددة، يقول: ذكره الكشي في كتابه في معرفة الرجال»)[403](. واستند مؤلف سماء المقال إلى هذه العبارة، وظن أن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال» ونسب هذا الظن إلى الشيخ أيضاً على حين أن هذه العبارة تقتصر على بيان أن كتاب الكشي كتب في معرفة الرجال، وليس فيها أي ذكر لاسمه. ويحتمل أن تكون هذه العبارة في النسخة التي لدى الكلباسي على هذا النحو: «ذكره الكشي في كتابه معرفة الرجال» (بحذف كلمة في) ومن ثم وقع صاحبنا في مثل هذا الزعم.
وفي النسخة المطبوعة من كتاب «اختيار الرجال» (طبع بمباي سنة 1317) أيضاً في آخر الجزء الخامس، ورد ذكر كتاب الكشي على هذا النحو: «قد تم الجزء الخامس من كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال…» والملاحظ في هذه العبارة أيضاً خلوها من أي تصريح بأن اسم الكتاب «معرفة الرجال».
والعلامة المجلسي)[404]( وكذلك من معاصرينا مؤلف قاموس الرجال)[405](، قالا أن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال»)[406]( ولكن بالنظر لما قدمناه، فإن هذا القول يعوزه الدليل)[407]( ولا يجوز العدول عما ارتآه ابن شهر آشوب، لما يتمتع به رأيه من رجحان.
ويمكننا على ضوء ما قلناه، أن ندرك أن اسم «معرفة أخبار الرجال» أيضاً المسمى به كتاب الكشي في أول النسخة المطبوعة في بمباي وآخرها، لا وجه له ولا دليل. فعلاوة على أن الكتاب الموجود المطبوع، تأليف الشيخ الطوسي وموسوم بـ«اختيار الرجال» لا «معرفة أخبار الرجال»، فإنه لا يوجد في المدارك أو المآخذ محل الاطمئنان، أية إشارة أصلاً إلى مثل هذا الاسم لكتاب الكشي. وكأن الذي باشر الطباعة أو أحد المستنسخين استفاد من تركيب عبارتي «كتاب أبي عمرو الكشي في أخبار الرجال» و«كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال» اللتين ذكرتا في بعض كتب الرجال أثناء ذكر كتاب الكشي وزعم أنها اسم الكتاب.
4 ـ طريقة انتخاب الشيخ وتلخيصه:
إن الأخطاء والزوائد كما أشرنا دائماً، هي أخطاء وزوائد كتاب الكشي، الذي نهض الشيخ الطوسي بتهذيبه وتلخيصه حتى أخرج كتاب «اختيار الرجال» إلى الوجود. وبقي علينا أن نرى من أي قبيل هذه الأخطاء والزوائد، وكيف تصرّف الشيخ بالنسبة لها.
يزعم البعض)[408]( إن كتاب الكشي مشتمل أصلاً على رجال عامة وخاصة، وأن الشيخ أسقط العامة وخصص كتابه الاختيار لتوجيه رجال الشيعة. إلاّ أنه بالنظر إلى أن النسخة الموجودة من الاختيار تشتمل على أسماء جمع من رجال العامة أيضاً، يتضح خطأ هذا الزعم. والمحقق أن كتاب الكشي أيضاً كغيره من كتب الرجال العديدة من قبيل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، كتبت لترجمة الشيعة وغير الشيعة ممن رووا للشيعة وعن أئمتهم أيضاً. ومن ثم نشاهد في كتاب الاختيار أسماء أشخاص مثل محمد بن إسحاق ومحمد بن المنكدر وعمرو بن خالد و…، مع أنهم ليسوا من الشيعة، وذلك لأنهم رووا عن أئمة الشيعة.
وأغلب الظن، أن الشيخ في تلخيصه وانتخابه كان ينظر قبل الرجال المذكورين في الكتاب إلى الروايات التي ذكرت تحت أسمائهم. وإذا كنا على استعداد لقبول ما يفترض من حق الشيخ في إسقاط عدة من أصحاب التراجم في أصل الكشي بجهة من الجهات، فإنه من باب أولى أن نعترف بحقه في أن يسقط أو يصحح ما يجده ـ فيما أورده الكشي من الأحاديث بمناسبة المترجم لهم ـ مخدوشاً في نظره من حيث السند أو ارتباطه بالمترجم له. وهذا يبدو أقرب وأليق بمقام الشيخ والكشي من أي احتمال آخر بالنسبة لطريقة تلخيص الشيخ واختياره أو انتخابه.
ويمكننا أن نستنسخ بناء على بعض القرائن، أن الشيخ في كتاب الاختيار، لم يذكر جميع القضاة الواردين في أصل كتاب الكشي. فمثلاً، في الفهرست، بعد أن ذكر «داود بن أبي زيد النيشابوري» وصرح بأنه ثقة وصادق، كتب: «وله كتب ذكرها الكشي وابن النديم في كتابيهما» على حين أن النسخة الحالية لاختيار الرجل خالية من اسمه وعليه، إذا سلمنا بأن المراد من كتاب الكشي المشار إليه في العبارة عاليه، هو كتاب «معرفة الناقلين» يعني أصل كتاب اختيار الرجال، مع فرض أن نسخة الاختيار الحالية لم تتعرض في هذا القسم لى التحريف والإسقاط، فلن يبقى هناك شك في أن تصفية الشيخ شملت قسماً من الرجال الثقات.
5 ـ ما دار حول محور «اختيار الرجال» من تأليف:
كتاب اختيار الرجال كما قلنا في البداية، أحد الكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال. وكان دائماً فيما بعد الشيخ الطوسي من الأزمان معقد نظر علماء الشيعة ومورد مراجعتهم. ونتيجة لهذه العناية والاهتمام تمت على مر الزمان عدة أعمال علمية ظهرت في صورة كتب تدور على محوره. ولما كان الكتاب المذكور غير مرتب أصلاً وغير مفصل بصورة كاملة، مما جعل الرجوع إليه والاستفادة منه أمراً شاقاً. فإن أغلب هذه الأعمال حدثت على مستوى التبويب والترتيب هادفة إلى تحقيق اليسر والسهولة للمراجعين. ونحن في حدود هذا البحث نقدم ما كتب على هذا الأساس:
أ ـ ترتيب القهبائي: رتب المولى عناية الله بن شرف الدين الألفبائي النجفي (المتوفى بعد 1016)[409]( كتاب الاختيار حسب الحروف الأولى من الأسماء، فذكر جميع من وردوا فيه سواء كانوا مستقلين أو واردين في ترجمة الآخرين على هذه الوتيرة. وأورد في كل مورد عين عبارة الكشي الخاصة بكل منهم بلا نقص ولا زيادة. وبعد أن ذكر روايات أول الكتاب أدرج أولاً الكنى المصدرة بـ (ابن) ثم الكنى المصدرة بـ (أب) وإذاك شرع في الأسماء من (إبان إلى «يونس» حسب ترتيب الحرف الأول. وتم هذا الكتاب بتاريخ سنة 1011 الهجرية.
وكما ذكرنا فإن طريقة هذا الكتاب تلتزم بعين عبارة الكشي ولا تتجاوزها، فتكرر ألفاظه بلا نقص أو زيادة تحت اسم كل واحد من الرجال. ومع هذا لم يكن هناك بدّ، مراعاة للترتيب الذي ارتآه، من أن يغير العناوين الموجودة في اختيار الرجال، وفي الموارد التي يُعَنْون فيها الكشي شخصين أو بعض الأشخاص معاً وضع كل اسم في مكانه حسب ترتيب الحروف. كما أن نسخته تتفاوت في بعض الموارد مع نسخة الاختيارات المطبوعة. من جملة ذلك، عنوان حسن بن سعيد الأهوازي ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي)[410](.
ب ـ ترتيب السيد يوسف بن محمد الحسيني العاملي مؤلف جامع المقال:
رتب المؤلف اختيار الرجال حسب طبقات أصحاب المعصومين (عليهم السلام) ترتيباً نظير ترتيب الشيخ، بمعنى، أنه ابتدأ أولاً بأصحاب الرسول الأكرم (ص) فأصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده أصحاب الإمام الحسن (عليه السلام) وهكذا حتى أصحاب الإمام الحادي عشر (عليه السلام) جميعاً بالتتابع.
وبناء على ما قاله المحدث النوري في خاتمة «مستدرك الوسائل» فإن تاريخ إتمام هذا الكتاب هو سنة 981)[411](.
ج ـ ترتيب الشيخ داود بن حسن بن يوسف البحراني:
هو على وجه التقريب من معاصري الشيخ الحر العاملي صاحب «وسائل الشيعة». رتب الاختيار بالترتيب الألفبائي الكامل، يعني، مراعاة حروف الكلمة كلها، الأول والثاني والثالث و… )[412]( نظير منهج المقال)[413](.
د ـ كتاب «حل الإشكال» تأليف: السيد أحمد بن طاووس الحلّي، رجالي القرن السابع المعروف:
جمع المؤلف متن كتاب اختيار الرجال إلى متن الأصول الثلاثة الأخرى (فهرست ورجال الشيخ وفهرست النجاشي) بإضافة متن كتاب «الضعفاء» لابن الغضائري في كتاب وأطلق على هذه المجموعة اسم «حل الأشكال في معرفة الرجال». وقيل أن الشهيد الثاني رحمة الله عليه، كانت عنده النسخة الأصلية لهذا الكتاب)[414](.
وعلى الرغم من أن الكلباسي مؤلف «سماء المقال» (المتوفى سنة 1356) قد أفاض في تمجيد حسن الترتيب في هذا الكتاب والثناء عليه نظراً لأن أكثر أحاديث اختيار الرجال لم ترد فيه وأن بعضها قد اكتفى بالإشارة إليه أو نقلت بالمعنى حتى لا يستغني المراجعون عن الأصل، فإنه ينتقد الكتاب المذكور في موارد طرأ فيها الخطأ على قلم المؤلف العظيم)[415](.
وبعد ابن طاووس سار بعض تلاميذه وجماعة من المتأخرين على أثره وجمعوا الأصول الأربعة الرجالية مع بعض كتب أخرى للقدامى، مثل: الضعفاء، رجال البرقي ورجال العقيقي في كتاب واحد)[416](.
هـ – كتاب «تحرير طاووس» تأليف الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، صاحب المعالم (959 ـ 1011).
استخرج المؤلف كتاب «اختيار الرجال» من مجموعة حل الإشكال (المذكور عليه في الفقرة د) وسماه «تحرير الطاووسي» وعليه، فهذا الكتاب هو متن الاختيار بلا تفاوت إلاّ في أن عناوينه نقلت على نسق حل الإشكال لا بطريقة أصل الكشي والشيخ)[417](.
و ـ كتاب «مجمع الرجال» تأليف: المولى عناية الله شرف الدين القهبائي.
علاوة على أن المؤلف رتب كتاب اختيار الرجال (المذكور في الفقرة أ) فإنه قد وفق بين عبارات الكتاب المذكور بعينها وعبارات رجال الشيخ وفهرسته وفهرست النجاشي وضعفاء الغضائري، ورتبها، وأطلق على هذه المجموعة اسم «مجمع الرجال».
وتاريخ الفراغ من تأليف هذا الكتاب سنة 1016. وتوجد نسخة منه بخط المؤلف في مكتبة العلامة الطهراني صاحب «الذريعة»)[418](.
6 ـ هل حصل انتخاب آخر من رجال الكشي؟
عرفنا أن ما هو متداول اليوم باسم رجال الكشي، هو النخبة المنقحة التي جمعها الشيخ الطوسي رحمة الله عليه من كتاب رجال أبي عمرو الكشي، يعني، «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» والتي أسماها «اختيار الرجال» وأن أصل كتاب «معرفة الناقلين» لم يتيسر ليد أحد ما حتى في أيام العلامة الحلي (648 ـ 726).
ويستنبط من بعض العبارات أن شخصاً آخر غير الشيخ الطوسي قام بانتخاب من كتاب الكشي وهيأ منتخباً منه بصورة تأليف مستقل، وحسبنا أن نلفت النظر إلى هذه العبارة من «سماء المقال».
«ومن العجيب ما ذكره الفاضل العناية، من أنه يظهر بعد التصفح والتتبع التام في الكتاب أن الأغلاط ليس فيه (منه، ظ)، بل إنما هي من قلم المنتخبين منه مثل الشيخ» ثم أضاف مؤلف سماء المقال: «نعم يحتمل ذلك في البعض»)[419](.
فبهذه القرينة الموجودة في العبارة المذكورة، لو كان الكلام على اختيار الرجال، لأمكن احتمال كلمة «المنتخبين» على أن عدة اشتركوا مع الشيخ الطوسي في تهيئة الكتاب المذكور ويكون المراد بها هؤلاء المنتخبين. ولكن من حيث أن انتساب هذا الكتاب للشيخ لا يشوبه أي شك، وأن التأليف الجماعي لم يكن معهوداً ولا متداولاً في تلك الأعصار فإن الزعم بأن أشخاصاً آخرين أيضاً تناولوا كتاب الكشي بالتلخيص والانتخاب بصورة مستقلة يجد ما يقويه في هذه العبارة المذكورة.
ـ 2 ـ
الفهرست
هذا الكتاب من أثمن الآثار القديمة في فن الرجال لدى الشيعة، ومن الكتب العمدة بالنسبة لعلماء هذا الفن.
والفهرست كما بينا في البداية، يطلق اصطلاحاً على الكتب التي تذكر فيها أسماء أصحاب «الأصول» و«المصنفات»)[420]( وغالباً ما كانت لدى القدامى من علماء الرجال فهارس اكتفوا فيها بالتعريف ببعض مؤلفي الشيعة أو بالكتب الموجودة عندهم، مثل: «فهرست الزراري» و«فهرست ابن عبدون».
وأول من وضع كتاباً مفصلاً في هذا القسم، أبو الحسين أحمد بن حسين بن عبيدالله الغضائري رجالي الشيعة المعروف، معاصر الشيخ الطوسي والنجاشي، الذي كتب كتابين أحدهما في الأصول والآخر في المصنفات. ومن دواعي الأسف أن الكتابين لم يصلا إلى الأجيال اللاحقة كما سبق أن ذكرنا.
ويستفاد من لهجة الشيخ الطوسي في مقدمة «الفهرست» هناك حيث يتكلم عن إصرار «الشيخ الفاضل»، ومن بيان الشيخ النجاشي معاصر الشيخ في مقدمة كتابه الذي ألفه في نفس الموضوع أيضاً، أن الدافع لهذين العالمين الجهبذين المعاصرين، هو بالذات خلو المجال من هذا العمل، وافتقاد كتاب جامع مشبع في هذا القسم.
فإذا تجاوزنا «فهرست ابن النديم» (المتوفى سنة 385) الذي يتفاوت إلى حد من وجهة النظر الموضوعية مع الفهرست المصطلح، ويستوعب جميع العلوم والفنون والمذاهب والسنن الجارية بين المسلمين وبيان مؤلفاتهم في كل منها ومؤلفات علماء غير المسلمين، وكان تأليفه سنة 378، فإن فهرست الشيخ هو أقدم كتاب موضوعي مفصل موجود في هذا القسم وفي متناول الأيدي منذ كان.
فهرست أبي غالب الزراري)[421]( (المتوفى سنة 368) ومن الفهارس المتقدمة على الشيخ)[422](، وهو موجود في متناول اليد، وعبارة عن كتيبات، بل رسالات للتعريف بعدة كتب)[423](.
أمّا عن أسبقية تأليف أي من الفهرستين، فهرست الشيخ أم فهرست النجاشي، فلم يحدث تحقيق يبعث على اليقين. ولا يستبعد بالنظر إلى أن النجاشي في فهرسته ذكر الشيخ وتأليفاته ومنها الفهرست، على حين أنه لا يوجد في فهرست الشيخ ذكر للنجاشي وتأليفاته، إن يظن أن كتاب النجاشي أُلّف بعد كتاب الشيخ. إلاّ أن ذكر كتاب الشيخ في فهرست النجاشي لا ينهض دليلاً على تقدم كتاب الشيخ. ألاَ يمكننا أن نتصور أن النجاشي كان قد سجل اسم الشيخ وتأليفاته الأخرى في فهرسته، حتى إذا ما ظهر فهرست الشيخ أضافه النجاشي إلى شرح حال الشيخ وزاده على كتبه، تماماً بتمام كما أضاف الشيخ نفسه كتابه «المبسوط» الذي قيل أنه آخر تأليفاته إلى شرح حاله وزاده في عداد تأليفاته في فهرسته؟ ثانياً إذا كان خلو فهرست الشيخ من كتاب النجاشي موجباً لعدم وجود فهرست النجاشي أثناء كتابة الشيخ لفهرسته، لاستوجب ذلك ـ وقد كتب فهرست النجاشي فيما بعد ـ أن يذكره الشيخ في فهرسته. لأن المشهور أن الشيخ الطوسي ظل على قيد الحياة 10 سنوات بعد النجاشي، ولا بد من أنه كان قد علم بوجود كتابه. وعليه، ينبغي البحث عن دليل لعدم ذكر كتاب النجاشي في فهرست الشيخ مع ذكر النجاشي لكتاب الشيخ، في شيء آخر، يحتمل أن يكون اشتهار الشيخ الطوسي وعظمته العلمية وكتبه التي سيطرت على المجتمع الشيعي آنذاك في مقابل قلة حظ النجاشي من الشهرة، هي التي جذبت الأنظار إليه وإلى كتبه.
ولكن مع هذا كله، فإنه بالدراسة ومقابلة الكتابين المذكورين والعثور في فهرست النجاشي على عبارات هي بعينها عبارات فهرست الشيخ مع شيء من الإضافات، وبملاحظة طريقة بيان النجاشي التي تعرض نظره الانتقادي بالنسبة إلى مطالب فهرست الشيخ في كثير من الموارد، لا يبقى هناك مجال للشك في أن فهرست النجاشي أُلّف بعد فهرست الشيخ.
- خصوصيات الكتاب:
يشتمل هذا الكتاب على أسماء ما يقرب من 900 شخص وآثارهم من أصحاب الأصول والمصنفات مع سلسلة السند بينهم وبين الشيخ غالباً.
وجاءت تهيئة هذا الكتاب وتأليفه بناء على رغبة أحد معاصري الشيخ يشير إليه في مقدمة الكتاب بقوله «الشيخ الفاضل». ومع أنه لا توجد قرينة معتمدة تمكننا من معرفة هذا الشخص، إلاّ أنه يمكن من تعبير «الشيخ الفاضل» وكذلك من أن رجاءه لتأليف هذا الكتاب (وكذلك كتابي الشيخ الآخرين «الرجال» و«الجمل والعقود») قد استجيب من قبل الشخصية العلمية الكبيرة في زمانه، يمكن بصورة كلية أن تطمئن إلى أن هذا الفاضل كان يتمتع بمقام علمي مرموق)[424](.
ومبنى الكتاب على التعريف بأصحاب الأصول والمصنفين الشيعة ومن ألفوا كتاباً للشيعة على السواء)[425](. والشيخ نفسه يعد في مقدمة الكتاب بأن يردف اسم كل من المصنفين وأصحاب الأصول بما يرتبط به من جرح أو تعديل وأن يشير إلى ما إذا كانت روايته مورد الاعتماد أم لا، وإلى مذهبه واعتقاده. إلاّ أنه حصل في الكتاب بعض التخلف عن هذه الطريقة فسكت في بعض الموارد النادرة عن توثيق المذكورين أو تضعيفهم)[426](. وأمسك في بعض الموارد عن ذكر المذاهب في التعقيب على الشيعيين غير الإماميين من قبيل الفطحية والواقفية. والتزم بذكر المذهب إذا كان صاحب الترجمة من العامة. وبناء عليه، وجب كلما سكت عن مذهب شخص ولم يذكره، الاطمئنان إلى أنه ليس من العامة وإن لم يثبت كونه شيعياً إمامياً، بمعنى أنه من الممكن أن يكون متمذهباً بمذهب من سائر شعب الشيعة مثل الفطحية والواقفية وغيرهما. والخلاصة، أن من كان على مذهب الشيعة الإمامية)[427]( أو غير الإمامية قد ذكر مذهبه أحياناً وأحياناً لم يذكر في الفهرست، أمّا مذهب العامة وهو غير شيعي، فهو دائماً مورد الذكر. وكذلك، غالباً ما يتحاشى القدح في إمامي ضعيف أو تضعيفه، لأن موضوع الكتاب ومبناه كما قلنا تدوين أسماء من كتبوا أصولاً أو مصنفات للشيعة سواء أكان شيعياً أم غير شيعي ممدوحاً أم مذموماً. فتعيين هذه الصفات ليس مهمة هذا الكتاب.
- وضع الكتاب وترتيبه:
والكتاب مرتب حسب حروف الهجاء. وفي كل حرف فتح باب لكل اسم من الأسماء المصدرة بهذا الحرف. فمثلاً، في حرف الألف، فتح «لإبراهيم» باب و«لإسماعيل» باب و«لأحمد» باب. وبالنسبة لجميع أسماء الآحاد، فقد فتح لكل حرف باب على حدة بعنوان «باب الواحد». فمثلاً، في باب الواحد من حرف الألف تأتي أسماء «اصبغ» و«إدريس» و«أصرم» وهي آحاد لا غير. وهكذا دواليك حتى آخر حروف الهجاء. وجميع الأسماء الواردة في الكتاب البالغ عددها 900 تتدرج كلها تحت هذه الأبواب.
- كيفية نسخ الكتاب:
بناء على ما قرره خبراء الفن، فإن نسخ كتاب الفهرست مثل غالبية كتب الرجال المعتبرة القديمة من قبيل كتب الكشي والنجاشي والبرقي والغضائري، مصاب بالتحريف والتصحيف والنقص والزيادة. ولم تصل نسخته الصحيحة إلى يد أبناء هذا الزمان. ويقول العلامة الكلباسي، أن «أكثر نسخ الفهرست الحالية لا تخلو من التصحيف والغلط. وكما قال بعض أصحاب النظر أن أكثر النسخ المتيسرة للمراجعين في هذا الدور أصبحت محلاً لتطاول الحدثان وألعوبة بيد التصحيف. وقد تصدى المحقق الشيخ سليمان البحراني)[428]( لشرح هذا الكتاب وترتيبه وتصحيحه، فأصلح الأخطاء الناجمة عن قلم الكتاب في أكثر تراجمه، ولكنه لم يطبع إلاّ الأسماء المصدرة بالألف»)[429](.
فيستنبط من هذا القول أن تصحيحات المحقق البحراني من نوع «التصحيح القياسي» وأنه أجري على أساس المقابلة مع الكتب الأخرى المعتمدة لدى الرجال، لا «تصحيح النسخ» بمعنى الحصول على نسخ مصححة قابلة للاعتماد من كتاب الفهرست ومقابلتها الواحدة بالأخرى. وإلاّ لوجب على المحقق نفسه في هذه الحالة أن يشير إلى هذا الموضوع، ولنقله الكلباسي أيضاً. ولتحتم علاوة على هذا أن تكون مسألة اختلاف النسخ قد انحلت منذ ذاك، وتشخصت نسخة كاملة أو صحيحة تقريباً.
وفي حدود اطلاعنا، إن النسخة الصحيحة من الفهرست. كانت موجودة حتى زمان ابن داود الحلي (المولود سنة 647) فقد صرح في موارد بأن نسخة الرجال وفهرست الشيخ بخط المؤلف موجودة لديه. وليس لدينا من بعد اطلاع عن النسخة المصححة. ومن حيث أن العبارات المحرفة تشاهد بصورة قطعية في النسخ الحالية، ومن حيث أن مؤلفي الرجال المعروفين في الأدوار المتأخرة عن ابن داود مثل ميرزا محمد الأسترآبادي مؤلف «الرجال الكبير» (المتوفى سنة 1028 أو 1026) ومير مصطفى التفرشي مؤلف «نقد الرجال» (من علماء القرن الحادي عشر) يختلفون الواحد مع الآخر فيما نقل من المطالب، يمكننا بناء عليه الاطمئنان إلى أن أحداً منهم لم يصل إلى نسخة مصححة من هذين الكتابين وأن نسخة ابن داود مفقودة الأثر.
فحيثما كانت نسخ الفهرست الموجودة لا تنطبق على ما نقله ابن داود من الكتاب المذكور، وجب بلا تروّ تقديم نقل ابن داود واعتباره حجة، فالاعتقاد في صحته وتطابقه مع ما كتبه الشيخ أقوى وأبعث على الرضا. ولا يفوتنا، أنه حيثما شوهد عدم التطابق بين ما نقله ابن داود وما نقله العلامة الحلي (معاصره وزميله في التتلمذ على أحمد بن طاووس) لا نستطيع بصفة دائمة أن نقدم كلام ابن داود. لأن العلامة أيضاً كانت لديه نسخة مصححة من الرجال وفهرست الشيخ. وطبيعي ألا ينتفى الاشتباه بالكلية عن ابن داود في قراءة النسخة.
- كيفية النسخ المطبوعة:
طبع متن الفهرست بنفس الترتيب الأصلي لأول مرة سنة 1356 في المطبعة الحيدرية بالنجف مع مقدمة وتصحيح وهامش بمعرفة (السيد محمد صادق بحر العلوم) وتجدد طبع النسخة نفسها بنفس الخصوصيات مرة أخرى سنة 1380. وتقع هذه الطبعة في 252 صفحة من القطع «الوزيري»)[430]( وبها فهرست للأسماء وأرقام أسماء الرجال وهي كاملة التنقيط نسبياً والطباعة على وجه العموم ممتازة ولافتة للنظر. وقبل هذا التاريخ بسنوات يعني سنة 1271 الهجرية (=1853 الميلادية) رتبت نسخة من الفهرست حسب الحرف الأول والثاني والثالث من الاسم واسم الأب واسم الجد وصححت وطبعت في الهند بمعرفة «أ. سبرنجر» و«مولى عبدالحق». والعلامة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني (ج16/384) والسيد محمد صادق بحر العلوم وصفها في مقدمة رجال الطوسي (ص69) بالنقص والامتلاء بالغلط ورداءة الطباعة.
والمصحح المذكور ينقل في مقدمة كتاب الرجال عن قول العلامة الطهراني وصفاً لطبعة أخرى من الفهرست أنه قال ما خلاصته: «منذ عدة سنوات (في حدود سنة 1315) في طهران، رأيت نسخة من الفهرست في مكتبة العالم الكبير الحاج ميرزا أبو الفضل الطهراني. وهذه النسخة طبعت في «ليدن». وهي من حيث الإتقان وجودة الطباعة رائعة بالغة القيمة. وبعد أن تكبّدنا مشقة ترجمة ما كتب باللاتينية في آخرها من شرح، اتضح أن الناشر بذل جهوداً كبيرة في مقابلة النسخ والدقة في التصحيح. والآن، فإن النسخة التي استنسختها بخطي في ذلك التاريخ لا تزال موجودة بنفس الخط والورق».
ومما يبعث على العجب، أن العلامة الطهراني مع إعجابه بهذه النسخة لم يأت لها بذكر أصلاً في الذريعة في ذيل اسم «الفهرست» واكتفى بما قرره عن طبعة الهند. ألا يرقى الظن بهذه القرينة، وقرينة أن أحداً آخر لم ير نسخة هكذا من كتاب الفهرست أو تكن لديه إشارة عنها، إلاّ أن العلامة المذكور قد اشتبه عليه الأمر وظن طبعة الهند طبعة ليدن، أو أنه أثناء كتابة الوصف (الذي ذكرنا خلاصته) يكون قد نسي خصوصياتها نظراً لطول المدة واختلط الأمر عليه؟!
- اعتبار الفهرست والانتقادات الموجهة إليه:
حتى نقدّر ما لكتب الشيخ الطوسي من اعتبار، يجمل بنا قبل تناول الكتب بالدرس أن ننظر إلى ما يحتازه مؤلفه من اعتبار. لقد كانت عظمة مقام الشيخ العلمي ورفعة شأنه بحيث لا يطرأ على الذهن سوى التسليم بعظمة كتبه ورفعة مكانتها. إن كتبه في كل قسم كانت فتحاً لطريق جديد وابتكاراً للأسلوب وعرضاً لقدرة علمية فائقة يندر وجود سابقة لها.
فلا يخفى على أحد أن كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار» في عداد كتب الحديث الأربعة المشهوة وكتبه الفهرست والرجال واختيار الرجال ثلاثة من الأصول الأربعة العمدة في علم الرجال. وكتبه الأخرى، كلٌّ في قسمه الخاص من تفسير وكلام وأصول وفقه ممتاز مشخص على خط من الابتكار.
وعليه، فإن الخدش في آرائه ونظراته في فن الرجال أمر صعب وبعيد عن الاحتياط. وبالفعل كان كتاباه الفهرست والرجال فيما بعده من الأدوار مورد اهتمام وعناية العلماء الكبار المشهورين أمثال المحقق والعلامة وابن طاووس والشهيد وغيرهم. وعلى حد قول العلامة الكلباسي في سماء المقال (ص52):
«لقد نظر إلى مشهوري العلماء والتواثيق والتضعيفات وغيرها من نظراته للرجال بعين الاعتبار والإتقان».
وعلى الرغم من هذا كله، لا نستطيع أن نصف كل أقوال الشيخ الكبير الطوسي في الرجال بالصحة، وتغمض العين عن وجود بعض الاشتباهات في كتبه، وإن وجب الإذعان لكون هذه الاشتباهات نادرة وتعتبر بطبيعة الحال كَلَا شيء بجانب نظرات شيخ الطائفة الدقيقة الصائبة.
ولقد أشار المحقق الرجالي في أيامنا هذه الشيخ محمد تقي الشوشتري في عموم كتابه التحليلي الجامع «قاموس الرجال» إلى موارد أخطاء الشيخ الواقعة في كتابيه«الفهرست» و«الرجال» ومن جملة ذلك ما عرضه في الفصل العشرين من مقدمات الكتاب المذكور من نموذج لها في ترجمة «أبي غالب الزراري».
وبناء على ما أظهره المحقق المذكور، فإن الموجب الأصلي لاشتباهات الشيخ هو أنه نقل في موارد كثيرة عن «فهرست ابن النديم» وهو غير بالغ في دقته وليس محلاً للاعتماد. ومن ثم كلما وجد اختلاف بين نظر الشيخ والنجاشي في مورد ما، فإن كلام النجاشي هو المقدم، لأنه لم ينقل في كتابه كله عن الكتاب المذكور إلاّ مرة واحدة)[431](.
ومع هذا، لا نستطيع أن نحكم بصورة دائمة بتقديم كلام النجاشي على الشيخ في موارد الاختلاف بينهما، إذ أن الحكم في غالب الموارد هو القرائن والأمارات الخارجية.
(وسوف نستوفي الكلام في هذا الصدد في قسم تحت عنوان المقارنة بين فهرست النجاشي والشيخ).
- ما كُتب من الكتب على محور الفهرست:
إن التذييلات والترتيبات المتعددة التي كتبت على محور هذا الكتاب فيما بعد الشيخ من أدوار، دليل بارز على اهتمام الأصحاب به. وسنذكر تحت كلٍّ ما وصلنا إليه في هذا المجال:
1 ـ معالم العلماء: تأليف رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني (المتوفى سنة 588) هذا الكتاب بناء على تصريح مؤلفه كتب لتتمة وتكملة «فهرست» الشيخ (رحمه الله) ويشتمل علاوة على ما ورد في الفهرست من أسماء، على أسماء جماعة من المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ أيضاً. ومجموع من ورد ذكرهم فيه 990 شخصاً ما عدا الشعراء. فإنهم اختصوا بفصل في الآخر لذكر أسمائهم أيضاً. وهذا الكتاب ولو أنه يشتمل على أسماء 990 شخصاً و600 كتاب علاوة على المذكورين في الفهرست، إلاّ أنه نظراً لحذف الأسناد يبدو مختصراً في مجموعه بالنسبة للكتاب المذكور.
وأحياناً ما يعقب أسماء الأفراد بالإشارة إلى توثيقهم أو ضعفهم وكذلك تاريخ وفاتهم. وهذا امتياز آخر لهذا الكتاب على فهرست الشيخ وفي ترتيب الأسماء روعي الحرف الأول، أمّا الحرف الثاني والثالث… فلم تراع. وعليه فهناك ترتيب بين «أحمد» و«بلال» ولا ترتيب بين «إبراهيم» و«أحمد».
وطبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1353 في طهران بعناية المرحوم عباس إقبال الذي قام بتصحيحه ومقابلته والتقديم له. وطبع مرة أخرى سنة 1381 مع تعليق ومقدمة مفصلة للسيد صادق بحر العلوم في 153 صفحة في المطبعة الحيدرية بالنجف. وهو في متناول اليد.
2 ـ فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن أبي القاسم عبيدالله بن بابويه القمي (توفي بعد 585))[432](.
اسم هذا الكتاب «أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم». وموضوعه، ذكر أصحاب الأصول والمصنفين الذين جاؤوا بعد الشيخ الطوسي أو عاصروه ولم ترد أسماؤهم في «الفهرست». فهذا يتفاوت من حيث الموضوع، لاشتماله على المعاصرين والمتأخرين عن الشيخ، مع كتاب معاصره يعني معالم العلماء المتضمن للمتقدمين على الشيخ. وبناء على تحقيق عباس إقبال في مقدمة معالم العلماء، فإن هذين الكتابين مع كونهما من عالمين معاصرين وأنهما صدرا في وقت واحد تقريباً، قد كتبا دون علم لأحدهما بالآخر. وهذه الحقيقة لا تقبل الشك بالنسبة للشيخ منتجب الدين، لأنه في مقدمة كتابه بعد أن ذكر الفهرست، أضاف قوله: «ولم يصنف بعده شيء من ذلك…» وعليه، فإما أن يكون معالم العلماء في ذلك التاريخ ما زال يؤلف بعد، وإمّا أنه لم يصل إلى علم الشيخ منتجب الدين.
وترتيب هذا الكتاب عين ترتيب كتاب المعالم بلا زيادة ولا نقصان وحجمه أقل منه. وقد طبع مرة واحدة فقط بقطع كبير (رحلي) منضماً إلى الكتاب المعروف بحار الأنوار (في أول المجلد الخامس والعشرين) طبعة حجرية. وهو في حاجة إلى التصحيح وتجديد الطبع.
3 ـ تلخيص الفهرست، تأليف الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق الحلي (المتوفى سنة 676).
اكتفى في هذا الكتاب باسم الرجال والكتاب وبعض خصوصياتهم، وحذفت أسماء الكتب وكذلك سند المؤلفين. وبناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة، فإن نسخة من هذا الكتاب توجد في المكتبة الخاصة للسيد حسن الصدر.
4 ـ ترتيب القهبائي:
المولى عناية الله القهبائي كما علمنا جامع الأصول الأربعة الرجالية في مجموعة «مجمع الرجال» وقد رتب جانباً من هذه الأصول أيضاً على حدة، سبق أن تكلمنا عنها عند الكلام عن ترتيب اختيار الرجال. ومن بين الكتب التي رتبها «الفهرست» وقد ذكر هذا بنفسه في مقدمة مجمع الرجال.
5 ـ ترتيب البحراني:
الشيخ علي بن عبدالله الأصبعي البحراني (المتوفى سنة 1127) هو الآخر رتب الفهرست. وهذا الكتاب ثابت برقم 277 في المجلد الرابع من الذريعة. وليس لدينا اطلاع على خصوصياته، وعما إذا كانت نسخة منه باقية أم لا وأين هي.
6 ـ شرح الفهرست:
شرح الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله البحراني الماحوزي (1075 ـ 1121) الفهرست وصححه ورتب تراجمه وأطلق عليه «معراج الكمال إلى معرفة الرجال» ولكن هذا الكتاب لم يكتمل، ولم يكتب منه إلاّ حرف الألف (بناء على قول الكلباسي في سماء المقال/42) أو كتب منه حتى حرف التاء (بناء على رواية السيد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ عن قول الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين).
7 ـ بناء على ما نقله العلامة الطهراني في الذريعة (ج4/66) فإن أحد الفضلاء رتب الفهرست بترتيب الحروف: الحرف الأول والثاني والثالث. وفرغ منه سنة 1005، وهو نفس النسخة التي طبعت في كلكتا سنة 1271 الهجرية.
الرجال (علم)
ـ 2 ـ
تسميته:
يعرف هذا العلم بـ (علم رجال الحديث)، وقد يختصر فيقال (علم الرجال). وبغية أن نتبين معنى مفردات هذا العنوان نقول:
1 ـ المراد بالعلم: مجموعة الأصول العامة أو القواعد الكلية لهذا النوع أو الحقل من المعرفة الذي نحن بصدد دراسته.
2 ـ المراد بالرجال: الرواة للأخبار والآثار الشرعية سواء كان الراوي ذكراً أو أنثى، رجلاً أو امرأة.
وإطلاق لفظ (الرجال) ـ هنا ـ جاء من باب التغليب، أو لأن عدد الرواة من النساء بالإضافة إلى عدد الرواة من الرجال قليل جداً فكأنه لم يكن.
3 ـ والمراد بالحديث مايروى عن المعصوم من سنة قولية أو فعلية.
وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أن عنوان (علم رجال الحديث) كثيراً ما يطلق في ألسنة العلماء وكتاباتهم على مادة (رجال الحديث).
وقد يعود هذا إلى الجمع في البحث والتأليف ـ سابقاً ـ بين العلم والرجال، وعدم استقلال العلم عن الرجال.
والآن حيث كتب في علم الرجال بشكل مستقل ـ كما سيأتي ـ واستقل علم الرجال عن الرجال لا بد من أن نفرق بينهما فنطلق عنوان (علم الرجال) على القواعد العامة والضوابط الكلية، ونطلق عنوان (أسماء الرجال) على قيم الرواة من توثيق وتحسين وسواهما تلكم القيم المذكورة في كتب الرجال قرين اسم كل راوٍ.
والمراد بالأسماء: أسماء الرواة ولعل استخدام الأسماء في العنوان لأن البحث في الرواة يبدأ بتشخيص الراوي، والتشخيص يبدأ بالاسم.
تعريفه:
وقبل أن أذكر تعريف هذه المادة العلمية، لا بد من الإشارة إلى أن ما نروم تعريفه هنا هو علم رجال الحديث، لا أسماء رجال الحديث، ولأن المتقدمين لم يفرقوا في التعريف بينهما سأذكر ما ذكروه من تعريفات ثم أحاول إلقاء الضوء عليها للانتهاء إلى تعريف هذه المادة من خلال التعليق والمقارنة:
ذكر الشيخ المامقاني في مقدمة كتابه الرجالي (تنقيح المقال في أحوال الرجال) أربعة تعريفات، وهي:
1 ـ إنه العلم الباحث عن رواة الأخبار الواردة عن رؤساء الدين من حيث الأحوال التي لها مدخل في الرد والقبول وتميز ذواتهم عند الاشتباه.
2 ـ إنه علم يقتدر به على معرفة أحوال خبر الواحد صحة وضعفاً، وما في حكمهما بمعرفة سنده ورواة سلسلته منه ذاتاً ووصفاً، مدحاً، وقدحاً، وما في معناهما.
نقله عن كتاب (لب الألباب) في الدراية وعلم الرجال للشيخ محمد جعفر الأسترابادي المتوفى سنة 1263هـ.
3 ـ إنه ما وضع لتشخيص رواة الحديث من حيث هم كذلك ذاتاً ووصفاً مدحاً وقدحاً.
نسبه إلى بعض المحققين، وهو المولى علي الكني في كتابه (توضيح المقال).
4 ـ إنه علم يبحث فيه عن أحوال الراوي من حيث اتصافه بشرائط قبول الخبر وعدمه.
نسبه إلى بعض الأواخر.
وعرّفه شيخنا الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة 10/80) بأنه:
5 ـ علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث وأوصافهم التي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه.
وهذه التعاريف ـ وكما هو واضح ـ تلتقي عند مؤدى واحد، أو بتعبير أدق: عند موضع واحد، هو دراسة أحوال الرواة، ومن جانبين هما:
أ ـ تشخيص وتعيين هوية الراوي باسمه ونسبه أو نسبته، وما إلى ذلك.
ب ـ معرفة نعته أو وصفه الذي له علاقة ومدخلية بقبول روايته أو رفضها، منه حيث كونه عادلاً أو غير عادل، ثقة أو غير ثقة، ممدوحاً أو مقدوحاً، موثقاً أو مفسقاً، مضعفاً أو مهملاً أو مجهولاً.
ولكن قد يلاحظ عليها: أن أحوال الرواة موضوع مشترك بين مادة أسماء رجال الحديث ومادة علم رجال الحديث، إذ كل منهما يدرس أحوال الراوي، والفرق بينهما أن العلم يدرس الكليات أو القواعد العامة لمعرفة أحوال الرواة، وأسماء الرجال يدرس الجزئيات التي هي مصاديق لكليات العلم ومنطبقات لقواعده العامة.
وعليه: عندما نقول: (هذا العلم يبحث فيه عن معرفة أحوال الرواة)، فإن هذا القول يشمل الاثنين ـ مع التسامح بإطلاق عنوان العلم على مادة أسماء الرجال ـ، فنحتاج ـ على هذا ـ إلى ما يميز بينهما، ولأننا في صدد تعريف مادة علم رجال الحديث لا مادة أسماء رجال الحديث نضيف إليه كلمة (أصول) أو (قواعد) فنقول في تعريفه:
إنه العلم الذي يبحث فيه عن قواعد معرفة أحوال الرواة من حيث تشخيص ذواتهم، وتبين أوصافهم التي هي شرط في قبول روايتهم أو رفضها.
وباختصار: هو دراسة قواعد معرفة أحوال الرواة.
ذلك أن (قواعد) تعني العلم، و(الرواة) قرينة توضح معنى الأحوال أو المقصود بالأحوال، فلا نحتاج إلى إضافة قيود احترازية للتعريف.
موضوعه:
ومن تعرفنا تعريفه عرفنا موضوعه، وهو (أحوال الرواة).
فهذا العلم يعطيننا القواعد العامة التي في ضوئها نستطيع أن نشخص ونعين هوية الراوي باسمه ونسبه ونسبته، وما إلى هذه، وأن نعرف حاله من حيث الوثاقة واللاوثاقة، لنقرر ـ بعد هذا ـ أنه ممن تقبل روايته، أو هو ممن ترفض روايته.
وينبغي أن نلفت النظر إلى ملاحظة مهمة هنا، هي: أن موضع استخدام قواعد هذا العلم لتطبيقها على جزئياتها ومواردها يأتي في مجالين هما:
1 ـ عصر الراوي:
في مثل هذا المجال تأتي معرفة الراوي ومعرفة حاله من حيث الوثاقة وعدمها عن طريقين، هما:
أ ـ مشاهدته واختبار حاله.
ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة الواقعية).
ب ـ شهادة من يعرفه مباشرةً ممن هم بمستوى الشهادة من العدالة أو الثقة. ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة الظاهرية).
2 ـ بعد عصر الراوي:
كما هي الحال بالنسبة إلينا الآن حيث توقفت الرواية، وأصبح الاعتماد في الوصول إليها على مراجعة الكتب: كتب الحديث وكتب الرجال، فلا مجال لمعرفة الراوي معرفة واقعية أو معرفة ظاهرية.
في مثل هذه الحال تأتي معرفته من قبلنا عن طريق الرجوع إلى كتب الرجال، وملاحظة تقييم أصحابها للراوي.
ويمكننا أن نطلق عليها اسم (المعرفة العلمية)، لأننا ـ هنا ـ نقوم بتطبيق القواعد العلمية لهذا العلم على تقييمات الرجاليين مؤلفي الكتب الرجالية، أمثال: الطوسي والنجاشي لننتهي إلى النتيجة المطلوبة، وهي قبول الرواية أو رفضها.
فائدته:
من خلال دراستنا في علم أصول الحديث لموقف علمائنا من مرويات المشايخ الثلاثة (الكليني والصدوق والطوسي) في كتبهم الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار) رأيناهم ينقسمون إلى فريقين: فريق يذهب إلى أن مرويات المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة مقطوع بصدورها من المعصومين (عليهم السلام)، وفريق يذهب إلى أنها مظنونة الصدور.
فمن ذهب إلى قطيعة صدورها لا يرى فائدة في دراسة علم الرجال، وكذلك لا فائدة في الرجوع إلى كتب الرجال لمعرفة قيم الرواة لأن الاستفادة منها إنما تكون بناء على ظنية صدورها لإثبات وثاقة الراوي، ومن ثم الأخذ بقوله.
ومن ذهب إلى ظنية صدورها يرى لزوم البحث في علم الرجال والاجتهاد فيه، ومن ثم تطبيق نتائج البحث والاجتهاد على تقييمات الرجاليين في كتبهم، وذلك لكي يثبت الباحث أو الفقيه من خلال رجوعه إلى تقييمات الرجاليين، وتطبيق نتائج اجتهاداته عليها وثاقة الراوي ليكون خبره حجة، أو عدم وثاقته فيعرض عن قبوله.
ولأنّا انتهينا في دراستنا هناك لمرويات المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة إلى أنها غير مقطوعة الصدور تكون حاجتنا لدراسة علم الرجال ضرورية ولا بد منها لمن يريد الاجتهاد والاستنباط.
ولا أدل على هذا من الاستقراء لحال الرواة الذي يثبت أن فيه ممن هو ليس بثقة، ومن نص على كذبه واختلاقه الحديث أمثال المغيرة بن سعيد وأبي الخطاب اللذين روى فيهما الشيخ الكشي عن محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي، قالا: حدثنا سعد بن عبدالله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبدالرحمن: أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا!
فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟!
فقال: حدثني هشام بن الحكم: إنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حيثاً إلاَّ ما وافق القرآن والسنَّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ درس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنّة نبينا محمد (ص)، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله ـ عز وجل، وقال رسول الله (ص).
قال يونس: وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعدُ علي أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن حدّثنا، حدّثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنَّة، إنما عن الله وعن رسوله نحدث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصدق لكلام آخرنا، وإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه، وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة، وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه، ولا نور عليه، فذلك قول الشيطان.
وعنه، عن يونس، عن هشام بن الحكم: أنه سمع أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم»)[433](.
وأشار الشيخ الطوسي في كتابه (العدة 1/366) إلى وجود من هو ليس بثقة في رواتنا، قال: «إنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم.
وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها.
وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً نظر في إسناده، وضعفه بروايته، هذه عادتهم على قديم الوقت».
وفي الرجوع إلى أمثال (مرآة العقول) و(ملاذ الأخيار) يقف الدارس على أمثلة وشواهد من اشتمال الكتب الأربعة على رواة غير ثقات.
وللتدليل على هذا رجعت إلى كتاب (ملاذ الأخيار) ـ نشر مكتبة آية الله المرعشي سنة 1406هـ ج1 ص32 ـ 114 باب الأحداث الموجبة للطهارة، فرأيت الشيخ المجلسي ـ مؤلف الكتاب ـ قد نص على جهالة وضعف الأحاديث ذوات الأرقام قرينتها، المذكورة في أدناه لاشتمال أسانيدها على مجهولين وضعاف، وهي:
| ص
51 52 54 78 80 88 91 91 93 97 103 112 |
رقم الحديث
6 7 8 19 22 30 32 33 36 41 44 57 |
قيمته
مجهول مجهول مجهول مجهول مجهول مجهول ضعيف ضعيف مجهول ضعيف ضعيف ضعيف |
وهذه كلها في كتاب (التهذيب) أحد الكتب الأربعة.
وأعطى أستاذنا السيد الخوئي في كتابه (معجم رجال الحديث 1/66) أمثلة وشواهد منها:
الراوي المضعف
علي بن حجزة البطائني ـ يونس بن ظبيان ـ عبدالله بن خداش.
الكتاب
الكافي، ج1، ك3، ب11، الحديث 1.
التهذيب، ج5، باب ضروب الحج، الحديث 95، والاستبصار، ج1، باب أن التمتع فرض من نأى عن الحرم، الحديث 513.
الكافي، ج7، ك2، ب14، الحديث 4.
وقال الشيخ المجلسي في كتابه (ملاذ الأخيار 1/24): «وقد جرى رئيس المحدثين، ثقة الإسلام محمد بن بابويه ـ قدس الله روحه ـ على متعارف المتقدمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه، فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، وذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع.
وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين، ومنخرط في سلك الحسان والموثقات بل الضعاف».
وفي هدي ما تقدم تصبح الحاجة إلى دراسة علم الرجال أساسية، ومن المقدمات الضرورية للبلوغ إلى مرتبة الاجتهاد الفقهي، وتطبيق عملية الاستنباط.
وبهذا صرّح جمع من علمائنا، منهم العلاّمة الحلي، فقد قال في مقدمة (الخلاصة): «أما بعد: فإن العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية، وعليه تبنى القواعد السمعية، يجب على كل مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية، والروايات عن الأئمة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيات. فلا بد من معرفة الطريق إليهم، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله».
ومنهم الشيخ الماحوزي قال في خطبة كتابه (معراج أهل الكمال في معرفة الرجال): «إن معرفة أحوال الرواة ومراتبهم أساس معرفة الأحكام الشرعية، إذ هي معظم الأدلة التفصيلية السمعية، إذ أكثر الأحكام الدينية مستفادة من الأخبار النبوية والآثار الواردة عن العترة المعصومة الهادية المهدية.
فكان معرفة الرجال الناقلين لتلك الأخبار من الأمور الّلابُدية التي لا يستغني الفقيه عن معرفتها، لأن في رجالنا وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز التعويل على حديثه».
ومنهم شيخنا الطهراني، قال في كتابه (مصطفى المقال): «لا يصير الفقيه فقيهاً ما لم يكن رجالياً، فإن إحدى مقدمات الاجتهاد معرفة رجال الحديث وسنده».
الفرق بين علم الرجال وأسماء الرجال:
ألمحت ـ فيما تقدم ـ إلى أن هناك فرقاً بين مادة علم رجال الحديث ومادة رجال الحديث التي أطلقنا عليها عنوان أسماء رجال الحديث.
فالمادة الموجودة في المدونات المعروفة بكتب الرجال، أمثال: (رجال الكشي) و(رجال الطوسي) و(خلاصة الأقوال) للعلامة الحلي و(تنقيح المقال) للشيخ المامقاني، تحتوي اسم الراوي ونسبه أو نسبته، وتقييمه من قبل الرجاليين.
ولنأخذ لهذا مثالاً من كتاب (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) للعلاَّمة الحلي، قال في ص4:
ـ إبراهيم بن هاشم أبو إسحاق القمي، أصله من الكوفة، وانتقل إلى قم، وأصحابنا يقولون: إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم، وذكروا أنه لقي الرضا (عليه السلام)، وهو تلميذ يونس بن عبدالرحمن من أصحاب الرضا (عليه السلام).
ولم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله».
والنص هذا ـ كما تراه ـ يحتوي تعريفاً وتقييماً للراوي المذكور.
بينما مادة علم الرجال تحتوي الأصول العامة والقواعد الكلية التي تطبق من قبل الباحث أو الفقيه على الجزئيات الموجودة في كتب الرجال التي هي تعريف الراوي وتقييم حاله، من أجل أن نعرف أنه ثقة أو غير ثقة.
فمن القضايا التي تبحث في هذا العلم وتساق مثالاً هنا: قضية بيان نوعية تقييم الرجالي لحال الراوي، هل هي من نوع الشهادة فيؤخذ بها، أو أنها نتيجة اجتهاد من الرجالي، فيتحمل هو مسؤوليته، وعلينا نحن أن نجتهد كما اجتهد.
إن نتيجة دراسة هذه القضية: أصل عام وقاعدة كلية.
فالفرق بينهما إذاً هو: أن علم الرجال يزودنا بالقواعد الكلية لنقوم بتطبيقها على جزئياتها ومواردها، مما هو مدوّن في كتب الرجال تعريفاً للراوي وتقييماً لحاله.
فمثلاً: إذا تحقق وثبت لنا نتيجة البحث والدراسة أن قول الرجالي في تعريف الراوي وتقييم حاله هو من نوع الشهادة، نستطيع أن نؤلف منه قاعدة كلية، كالتالي:
قول الرجالي إذا كان ثقة ثبتاً ضابطاً في حق الراوي هو شهادة يركن إليها ويعتمد عليها.
ونذهب نطبقها على مواردها في الكتب الرجالية.
وقد تمثلت مادة علم الرجال فيما يعرف بـ (الفوائد الرجالية) و(الكليات الرجالية).
وتمثلت مادة أسماء الرجال فيما يعرف بكتب الرجال التي هي بمثابة معاجم تشتمل على تعريف الراوي وتقييم حاله.
وسيتضح هذا أكثر عند حديثنا عن نشأة علم الرجال.
علاقة علم الرجال بالمعارف الشرعية الأخرى:
يعتبر علم الرجال من العلوم الإسلامية الخالصة التي لم تتأثر في وجودها بتجارب غير إسلامية، شأنه في هذا شأن سائر العلوم الشرعية الأخرى كعلم الحديث وعلم الفقه وعلم أصول الفقه.
ولأن هذه العلوم الشرعية جميعها تهدف إلى الوصول لمعرفة الأحكام الشرعية، تقوم بينها العلائق والروابط بسبب توزيع الأدوار الوظيفية لكل واحد منها في المساعدة على الوصول إلى هذا الهدف.
ومن هنا لا بد لنا من إيضاح علاقة علم الرجال بالمعارف الشرعية الأخرى.
وتبدأ علاقته بالمعارف الشرعية بأسماء الرجال، وقد تبينا ـ فيما سبقه ـ الفرق بين مادة علم رجال الحديث، ومادة أسماء رجال الحديث، بما يساعد في إلقاء الضوء على مسألتنا هذه، حيث قلنا هناك إن علم الرجال هو الكليات، وأسماء الرجال هي الجزئيات.
فالعلاقة بينهما علاقة الكلي بجزئياته، الكلي هو القواعد العامة التي يشتمل عليها علم الرجال، وجزئياته هي ترجمة الراوي في كتب الرجال التي تتمثل في تعريف شخصه وتقييم حاله.
وبعبارة أوضح: تتجسد العلاقة بينهما في عملية التطبيق: تطبيق القواعد العامة المستفادة من علم الرجال على جزئياتها ومواردها في كتب الرجال المتمثلة في تعريف شخص الراوي وبيان قيمة حاله من حيث الوثاقة وعدمها.
ولنوضح هذا بالمثال:
من المسائل التي تبحث في علم الرجال مسألة تعارض أقوال الرجاليين في تقييم الراوي، والتي تقول نتيجتها: يقدم قول الأكثر تحقيقاً والأقوى تدقيقاً.
وعلى هذا: لو رأينا في كتاب (رجال النجاشي) تقييماً لراوٍ معين يتعارض وتقييماً آخر للراوي نفسه، موجوداً في كتاب (رجال الطوسي)… هنا نطبق القاعدة المذكورة ونقدم قول النجاشي على قول الطوسي، لأن النجاشي أكثر تحقيقاً وأقوى تدقيقاً.
ثم تندرج العلاقة بينه وبين العلوم الشرعية الأخرى عن طريق علاقته برجال الحديث، ذلك أن أسماء الرجال بعد تطبيق قواعده أو كلياته لمعرفة قيمة السند، الذي يقدم هو بدوره المفردة لعلم أصول الفقه ليطبق عليها قواعده في تحديد حجية السند أو عدم حجيته، فيقدم بدوره المفردة لعلم الفقه لتطبيق قواعده في استنباط الحكم الشرعي من دلالة الحديث الشريف.
وخلاصة هذا التدرج هي:
1 ـ أسماء الرجال كجزئيات لقواعد علم الرجال.
2 ـ تطبيق قواعد علم الرجال لتهيئة الجزئيات لقواعد علم الحديث.
3 ـ تطبيق قواعد علم الحديث على مفردات السند لتقديم السند كجزئي تطبق عليه قواعد علم أصول الفقه.
4 ـ تطبيق قواعد علم أصول الفقه لمعرفة مستوى اعتبار السند من حيث الحجية وعدمها.
5 ـ القيام بعملية استنباط الحكم من متن الحديث الشريف من خلال تطبيق قواعد استنطاق دلالته.
ولنعط مثالاً لذلك من كتاب (الكافي) ـ كتاب الزكاة: باب فضل الصدقة ـ: «علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: سمعته يقول: يستحب للمريض أن يعطي السائل بيده، ويأمر السائل أن يدعو له».
إننا إذا أردنا أن نستدل بهذا الحديث الشريف علينا اتباع الخطوات التالية التي تبين لنا العلاقات المتدرجة بين موضوعنا وهو علم الرجال والعلوم الشرعية الأخرى:
1 ـ نرجع إلى كتب الرجال لنعرف مستوى قيمة كل راوٍ من رواة هذا الحديث وهم:
ـ محمد بن يعقوب الكليني، قال فيه النجاشي: «كان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم» = إمامي عادل.
ـ إبراهيم بن هاشم القمي، قال فيه الخوئي: «لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم»، ثم ذكر الأدلة الناهضة بإثبات وثاقته، راجع: معجم رجال الحديث 1/317 = إمامي عادل.
ـ محمد بن أبي عمير الأزدي، قال فيه النجاشي: «جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين» = إمامي عادل.
ـ عبدالله بن سنان، قال فيه النجاشي: «ثقة، من أصحابنا، جليل، لا يطعن عليه بشيء» ـ إمامي عادل.
2 ـ ثم نرجع إلى علم الرجال، ونطبق القاعدة الرجالية التي تقول: كل راوٍ شهد بوثاقته الرجاليون المتقدمون، أو قامت القرائن الدالة على وثاقته، هو ثقة.
وننتهي من تطبيقها إلى أن رواة هذا الحديث كلهم ثقات عدول.
3 ـ وبعد ذلك نرجع إلى علم الحديث، ونطبق القاعدة الحديثية القائلة: كل سند رواته إماميون عدول فهو صحيح.
فنتوصل إلى أن سند هذا الحديث معتبر وبمستوى الصحيح.
4 ـ ثم نرجع إلى علم أصول الفقه ونطبق القاعدة الأصولية التي تقول: خبر الثقة حجة.
فتسلمنا إلى أن هذا السند حجة لأن جميع رواته ثقات.
5 ـ وبعد ثبوت صحة صدور هذه الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ كما رأينا ـ نرجع إلى العرف الاجتماعي العربي، وسنراه يرى أن دلالة هذا الحديث هي من نوع الدلالة الظاهرية، لظهور معناه عندهم في استحباب إعطاء المريض الصدقة للسائل بنفسه، وأمره أن يدعو له بالشفاء.
6 ـ وأخيراً: نعود إلى علم أصول الفقه ونطبق على دلالة الحديث قاعدة الظهور التي تقول: كل ظاهر حجة.
فنقول:
هذا ظاهر + وكل ظاهر حجة = فهذا حجة.
ثم نصوغ النتيجة باللغة الفقهية فنقول: يستحب للمريض أن يعطي الصدقة للسائل بنفسه، كما يستحب له أن يأمره بالدعاء له بالشفاء.
وهكذا رأينا أن هذه العلوم الشرعية يرتبط بعضها بالآخر ارتباطاً تدرجياً، يمهد السابق منها للاحق، حتى الوصول إلى النتيجة، وهي استنباط الحكم الشرعي من الحديث الشريف.
نشأة علم رجال الحديث:
انبثق (علم رجال الحديث) من مادة (أسماء رجال الحديث)، وذلك من خلال التعامل معها بحثاً وتدريساً، حيث رُئي أن توضع لهذه الجزئيات ضوابط كلية تعرف بها وتقيّم، بسبب الحاجة للتوسع في عملية الاستنباط ووظيفة الاجتهاد نتيجة غيبة الإمام (عليه السلام) وتولي الفقهاء مهمة النيابة عنه في الإفتاء والقضاء والحكم.
ومن هنا، وتمهيداً لموضوعنا، وهو نشأة علم الرجال وتطوره، لا بد من إعطاء فكرة عن نشأة ما أطلقنا عليه أسماء رجال الحديث.
نشأة أسماء رجال الحديث:
كانت وثيقة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي ذكرناها في الكتاب المقرر لدرس علم الحديث، والتي تضمنت تقسيم الرواة إلى أربعة أقسام، البذرة الأولى لنشأة مادة أسماء الرجال، والفكرة الأولى التي انطلق منها التفكير في جمع أسماء الرواة، وتبيان هوياتهم، وتقييم أحوالهم.
والوثيقة هي:
في كتاب (الكافي): عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن، وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (ص)، أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟!.
قال: فأقبل (عليه السلام) عليّ فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: (أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ثم كذب عليه من بعده.
وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليست لهم خامس:
1 ـ رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله (ص) متعمداً.
فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله (ص) ورآه وسمع منه فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوْا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}، ثم بقوا بعده (ص) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله… فهذا أحد الأربعة.
2 ـ ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئاً لم يحمله على وجهه، ووَهَمَ فيه، ولم يتعمد كذباً، فهو في يده، يقول به، ويعمل به، ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (ص).
فلو علم المسلمون أنه وَهَمَ لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم لرفضه.
3 ـ ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئاً أمر به، ثم نهى عنه، وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء، ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.
فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.
4 ـ وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (ص)، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسوله (ص)، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه، ولم ينقص، وعلم الناسخ والمنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (ص) مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال الله تعالى في كتابه: {ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فيشتبه على من لا يعرف ولم يدرِ ما عنى الله به ورسوله (ص).
ليس كل أصحاب رسول الله (ص) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الإعرابي والطاري فيسأل رسول الله (ص) حتى يسمعوا»)[434](. فالإمام (عليه السلام) ـ في هذه الوثيقة العلمية القيمة ـ يقسم الرواة أربعة أقسام، هي:
1 ـ الراوي المنافق.
2 ـ الراوي الواهم.
وهو الراوي غير الحافظ أو ليس بالواعي.
3 ـ الراوي غير الضابط.
وهو الذي لا يميز بين أنواع الحديث ناسخها ومنسوخها وأمثال هذه.
4 ـ الراوي الثقة الضابط الحافظ.
وهو الذي تتوفر فيه شروط صدق نقله، وفي روايته شروط قبولها.
إن هذا التقسيم الرباعي من قبل الإمام (عليه السلام)، والذي استفاده من واقع الرواة ودراسة أحوالهم، عن ملاحظة فاحصة ونافذة لشخصياتهم وسلوكهم، فصورهم فيه هذا التصوير الواقعي، وضع العلماء أمام مسؤوليتهم الشرعية في رواية الحديث ونقله وجهاً لوجه، فكان المنطلق في دراسة أحوال الرواة، والاعتماد في قبول رواياتهم، على التقييمات التي تفاد من المشاهدة، وهو ما أطلقنا عليه المعرفة الظاهرية.
وكذلك كان لروايات الترجيح في مقام التعارض بين الخبرين المتضمنة لصفات الراوي دور مهم في التمهيد لانبثاق هذه المادة: مادة أسماء الرجال أو رجال الحديث، وهي أمثال:
1 ـ مقبولة عمر بن حنظلة، فقد جاء فيها مما يرتبط بموضوعنا: «قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
فقال (عليه السلام): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».
2 ـ مرفوعة زرارة، التي جاء فيها: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المعارضان، فأيهما آخذ؟
فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر.
فقلت: يا سيدي، إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم.
فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك».
فقد ذكرت الروايتان من صفات الراوي:
العدالة.
الوثاقة.
الصدق.
وأشارتا إلى أن هذه الأوصاف تتفاوت في المستوى، وأن الترجيح يتم بتقديم ذي المستوى الأعلى.
إن هذه الأحاديث وأمثالها كانت تمثل البدايات الأولى في تعريف الرواة وتقييمهم، حتى أنهت دراستها والبحث فيها إلى تدوين الكتب في أسماء الرجال وبيان أحوالهم من حيث الوثاقة وعدمها.
وكان هذا في أخريات القرن الثاني الهجري وأوليات القرن الثالث الهجري، يقول السيد حسن الصدر في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) ـ ص233 ـ: «وأما أول من أسس علم الرجال وصنف فيه فهو: أبو محمد عبدالله بن حيان بن أبجر الكناني، صنف (كتاب الرجال) كما في (فهرس أسماء المصنفين من الشيعة) للنجاشي، قال: وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة، وكان عبدالله واقفاً وكان فقيهاً، ثقة، مشهوراً، له كتب، منها: (كتاب الرجال)، إلى آخر ما ذكر من أسماء مصنفاته، ثم قال: ومات عبدالله بن جبلة سنة تسع عشرة ومايتين».
التأليف في أسماء رجال الحديث:
قرأنا في نص السيد الصدر المتقدم أن بداية التأليف في أسماء الرجال كان في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري.
1 ـ وأول من ألف فيه هو أبي محمد عبدالله بن جبلة الكناني. ثم توالت التواليف بعده، وممن ذكرهم شيخنا الطهراني في كتابه (مصفى المقال في مصنفي علم الرجال) من مؤلفي القرن الثالث الهجري:
2 ـ الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة 224هـ، له: كتاب المشيخة، وكتاب معرفة رواة الأخبار.
3 ـ أبو محمد الحسن بن علي بن فضال الكوفي المتوفى سنة 224هـ من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد عدَّ الشيخ النجاشي من جملة مصنفاته:
كتاب الرجال.
4 ـ ابنه أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن فضال الكوفي (ق3)، له: كتاب الرجال.
5 ـ الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري المتوفى بعد سنة 254هـ.
6 ـ أبو عبدالله محمد بن خالد البرقي الكوفي (ق3) من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، له: كتاب الرجال.
7 ـ ابنه أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكوفي المتوفى سنة 274هـ أو 280هـ، له: (كتاب الطبقات و(كتاب الرجال).
8 ـ أبو محمد جعفر بن بشير البجلي الوشاء المتوفى سنة 280هـ، له: (كتاب المشيخة)، وهو مثل كتاب الحسن بن محبوب إلا أنه أصغر منه.
9 ـ الشريف أحمد بن علي العلوي العقيقي المتوفى سنة 280هـ، له: كتاب تاريخ الرجال.
10 ـ علي بن الحكم النخعي الأنباري (ق3)، له: كتاب رجال الشيعة.
ولم يصل إلينا شيء من هذه الكتب، إلا ما ذكره شيخنا الطهراني في (الذريعة 15/145) من وجود (كتاب الطبقات) للبرقي، حتى عصرنا هذا، (وقد طبع بعنوان (رجال البرقي) مع (رجال أبي داود الحلي)، واختلف في نسبته فنسبه بعضهم إلى البرقي الابن: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ونسبه آخر إلى البرقي الأب: محمد بن خالد البرقي)، وإلا ما نقل إلينا من محتوياتها في بعض كتب الرجال المتأخرة عنها، كالذي نقله ابن حجر العسقلاني في كتابه الرجالي (لسان الميزان) عن كتاب (رجال الشيعة) لعلي بن الحكم، قال في الترجمة رقم 172: «إبراهيم بن سنان: ذكره علي بن الحكم في (رجال الشيعة) من أصحاب جعفر الصادق».
وفي الترجمة رقم 214: «إبراهيم بن عبدالعزيز: روى عن أبيه وجعفر الصادق، ذكره علي بن الحكم في رجال الشيعة».
وفي الترجمة رقم 857: «حسان بن أبي عيسى الصيقلي: ذكره علي بن الحكم في مصنفي الشيعة، وقال: روى عنه الحسن بن علي بن يقطين حديثاً كثيراً».
وكالذي نقله أستاذنا السيد الخوئي ـ قدس سره ـ في كتابه (معجم رجال الحديث) في الترجمة 169: «إبراهيم بن سنان: من أصحاب الصادق (عليه السلام). رجال البرقي».
وذكر في مقدمة المعجم تحت عنوان (الأصول الرجالية): «1 ـ رجال البرقي، المعبر عنه في فهرست الشيخ بـ (طبقات الرجال)، وقد اعتنى العلامة بهذا الكتاب في الخلاصة».
وفي حدود مراجعتي للخلاصة رأيته كثير النقل عن كتب الشيخ الطوسي: «الاختيار» و«الأبواب = الرجال) و(الفهرست»، وعن فهرس الشيخ النجاشي المعروف بـ (رجال النجاشي)، وعن كتاب ابن الغضائري (الضعفاء)، وعن كتب ابن عقدة.
ونقل عن البرقي في باب الكنى حوالي سبعين اسماً من أسماء أولياءالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
وانظر أيضاً ـ على سبيل المثال ـ تراجم كل من: داود بن أبي زيد، وسويد بن غفلة، وأبي ليلى، وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي.
ونقل عن الفضل بن شاذان ـ على سبيل المثال ـ في تراجم: بريد الأسلمي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وسعيد بن جبير، وعدي بن حاتم، ومحمد بن جبير بن مطعم.
ونقل عن العقيقي في أمثال تراجم: جابر بن يزيد، وحمران بن أعين، وخيشة الجعفي، وعبدالله بن عجلان، وأبي هريرة البزاز.
ونقل عن ابن فضال في ترجمة: جميل بن دراج.
ومصادر العلامة الحلي في (الخلاصة) هي مصادر معاصرة وزميله في الدرس ابن داود الحلي في كتابه المعروف بـ (رجال ابن داود)، فقد ذكرها ابن داود في مقدمته بقوله: «فصنفت هذا المختصر جامعاً لنخب كتاب (الرجال) للشيخ أبي جعفر (الطوسي) ـ رحمه الله ـ (والفهرست) له، وما حققه الكشي والنجاشي، وما صنفه البرقي والغضائري، وغيرهم… وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل، وبينت فيها المظان التي أخذت منها، واستخرجت عنها، فالكشي (كش)، والنجاشي (جش)، وكتاب الرجال للشيخ (جخ)، والفهرست (ست)، والبرقي (قي)، وعلي بن أحمد العقيقي (عق)، وابن عقدة (قد)، والفضل بن شاذان (فش)، وابن عبدون (عب)، والغضائري (غض)، ومحمد بن بابويه (يه)، وابن فضال (فض)…».
ويستظهر من هذا أن الكتب العشرة زائدة التأليف في أسماء الرجال التي ذكرت عناوينها في أعلاه، لم يبق منها حتى عصر العلامة الحلي، وهو القرن الثامن الهجري سوى الأربعة التي رجع إليها هو ومعاصره ابن داود الحلي، وهي:
1 ـ رجال البرقي.
2 ـ رجال العقيقي.
3 ـ رجال ابن فضال (الحسن بن علي).
4 ـ رجال الفضل بن شاذان.
واشتهر من مؤلفي أسماء الرجال في القرن الرابع الهجري.
1 ـ الكشي
أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي من علماء عصر الغيبة الصغرى، وعنوان كتابه: (معرفة الناقلين).
قال فيه الشيخ الطوسي في (الفهرست): «ثقة» بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد، له (كتاب الرجال)، أخبرنا عنه جماعة عن أبي محمد التلعكبري عنه».
وقال الشيخ النجاشي في حقه: «كان ثقة، عيناً، صحب العياشي، وأخذ عنه، وتخرج عليه، وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له: (كتاب الرجال)… أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، وغيره، عن جعفر بن محمد (بن قولويه) عنه بكتابه».
وكتاب الشيخ الكشي في أسماء الرجال، والمعنون بـ «معرفة الناقلين» من الكتب التي لم يقدر لها أن تكون بين أيدي الباحثين الرجاليين، وبخاصة مصنفي القرن السادس الهجري وما بعده.
ويرجع هذا إلى أن الكتاب المذكور لم يقتصر فيه مؤلفه على ذكر رواة الشيعة، وإنما جمع فيه بينهم وبين رواة أهل السنَّة والجماعة، إلى ملاحظات أخرى أوردت عليه، منها:
ـ الإكثار من الرواية عن الضعفاء.
سجل هذه الملاحظة عليه الشيخ أبو العباس النجاشي في كتابه الرجالي.
ويريد بروايته عن الضعفاء: رواياته في تعريف الرواة، وبيان أحوالهم.
وهذا يلزم بعدم الاعتماد على روايته إلا بعد التأكد والتوثق من سلامة إسنادها.
ـ كثرة الأغلاط فيه.
وهذه ـ أيضاً ـ مما سجله عليه الشيخ النجاشي في رجاله.
وهذه الأغلاط قد تكون علمية، وقد تكون فنية، كما أننا لا نعرف عن مستواها شيئاً، لأن الكتاب لم يصل إلينا، وذلك لأن الشيخ الطوسي عمد إلى هذا الكتاب واختصره في ما عنونه بـ:(اختيار معرفة الرجال)، فحل محل الأصل، وأصبح الرجوع إليه في معرفة آراء وأقوال الكشي، قال الشيخ أبو علي الحائري في كتابه (منتهى المقال) ـ ترجمة الكشي ـ: «ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة، خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة ـ طاب مضجعه ـ فلخصه، وأسقط منه الفضلات، وسماه بـ (اختيار الرجال).
والموجود في هذه الأزمان، بل وزمان العلامة وما قاربه، إنما هو اختيار الشيخ، لا الكشي الأصل»)[435](.
وسنتحدث عن الاختيار فيما يليه.
2 ـ ابن عقدة
أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبعي الهمداني الجارودي الزيدي المتوفى سنة 333هـ.
له أكثر من كتاب في أسماء الرجال، منها:
1 ـ كتاب التاريخچ
ذكر فيه رواة الحديث من الشيعة والسنَّة.
2 ـ كتاب من روى عن أمير المؤمنين.
3 ـ كتاب من روى عن الحسن.
4 ـ كتاب من روى عن الحسين.
5 ـ كتاب من روى عن فاطمة الزهراء من ولدها.
6 ـ كتاب من روى عن زيد الشهيد.
7 ـ كتاب من روى عن الباقر.
8 ـ كتاب الرجال في من روى عن الإمام الصادق.
ذكر الشيخ المفيد أن في كتاب الرجال أربعة آلاف راوٍ من ثقات أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام).
9 ـ كتاب تسمية من شهد حروب علي من الصحابة والتابعين.
10 ـ كتاب الشيعة من أصحاب الحديث.
وأشرت فيما تقدم أن كتب ابن عقدة كانت من مصادر ابن داود الحلي في كتابه الرجالي، ومن مصادر العلامة الحلي في كتابه (خلاصة الأقوال).
3 ـ الصدوق
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ.
له في أسماء الرجال.
1 ـ كتاب المصابيح.
بوّبه كالتالي:
ـ المصباح الأول فيمن روى عن النبي (ص) من الرجال.
المصباح الثاني فيمن روى عن النبي (ص) من النساء.
المصباح الثالث فيمن روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
ـ المصباح الرابع فيمن روى عن فاطمة (عليها السلام).
ـ المصباح الخامس فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح السادس فيمن روى عن أبي عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام).
ـ المباح السابع فيمن روى عن علي بن الحسين (عليه السلام).
ـ المصباح الثامن فيمن روى عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح التاسع فيمن روى عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام).
ـ المصباح العاشر فيمن روى عن موسى بن جعفر (عليه السلام).
ـ المصباح الحادي عشر فيمن روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
ـ المصباح الثاني عشر فيمن روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام).
ـ المصباح الثالث عشر فيمن روى عن أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام).
ـ المصباح الرابع عشر فيمن روى عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
ـ المصباح الخامس عشر في أسماء الرجال الذين خرجت إليهم التوقيعات.
2 ـ كتاب الرجال، ولعله هو كتاب المصابيح.
وألمحت فيما سبق إلى أن كتب الصدوق كانت من مصادر ابن داود الحلي.
وأشهر مؤلفي الرجال في القرن الخامس الهجري:
1 ـ ابن الغضائري
أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله (ق ه)، له في أسماء الرجال:
1 ـ فهرس المصنفات:
ويبدو من عنوانه، ومما قاله الشيخ الطوسي فيه ـ كما ستأتي عبارته. أنه في ذكر أسماء كتب الحديث التي ألفها الرواة في عهود الأئمة (عليهم السلام)، والتي هي غير الأصول الأربعمائة.
2 ـ فهرس الأصول:
وهو في ذكر أسماء الكتب المعروفة بالأصول الأربعمائة.
وقد تلف هذان الكتابان بعد موته وقبل استنساخهما، ذكر هذا الشيخ الطوسي في مقدمة كتابه (الفهرست) بياناً لسبب تأليفه، قال: «إني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا… ولم أجد أحداً منهم استوفى ذلك… إلاّ ما كان قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله ـ رحمه الله ـ فإنه عمل كتابين، أحدهما في المصنفات، والآخر ذكر فيه الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه.
غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو ـ رحمه الله ـ، وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب، على ما حكى بعضهم عنهم».
3 ـ كتاب الممدوحين والموثقين:
وكما هو صريح عنوانه، خاص في ذكر أسماء الممدوحين والموثقين من الرواة.
4 ـ كتاب الضعفاء:
وهو خاص في أسماء الرواة الضعفاء، كما هو صريح عنوانه.
وقد كثر النقل عنه لدى الرجاليين المتأخرين، بدءاً من الرجاليين الحليين: السيد أحمد بن طاووس المتوفى سنة (673هـ)، وتلميذيه: ابن داود الحلي والعلامة الحلي.
ويبدو من هذا أن الكتاب لم يعثر عليه، إلا من قبل السيد ابن طاووس الحلي.
ووجد ظهور لكتابه السابق في الممدوحين والموثقين في كتابي الشيخين ابن داود والعلامة الحليين.
ولشيخنا الطهراني رأي في نسبة هذا الكتاب لابن الغضائري يتلخص في أنه يستظهر ويستنتج من ملابسات الكتاب أنه ليس لابن الغضائري.
انظر كتابيه: الذريعة 290/ و10/88 ومصفى المقال 45 ـ 48.
ويذكر فيهما أيضاً أن السيد ابن طاووس أدرج كتاب الضعفاء ضمن كتابه (حل الأشكال في معرفة الرجال)، وعنه نقل من جاء بعده ما نسبوه لابن الغضائري من تجريحات، مع التصريح بالمنقول عنه، وبدونه.
وعندما حصل الشيخ عبدالله التستري المتوفى سنة (1021هـ) على نسخة (حل الأشكال) بخط مؤلفه (استخرج منه جميع ما فيه من عبارات ابن الغضائري في تراجم الرجال الضعفاء مرتبة على الحروف، وهو الموجود اليوم المعروف برجال ابن الغضائري).
وأدرج القهبائي ما في نسخة أستاذه الشيخ التستري في كتابه (مجمع الرجال) ـ كما تأتي الإشارة إليه.
2 ـ ابن عبدون
أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن الحاشر وابن عبدون والمتوفى سنة 423هـ.
له: (كتاب الفهرس)، وهو من مصادر المتعاصرَين الشيخ النجاشي والشيخ الطوسي في كتبهم الرجالية.
3 ـ النجاشي
أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الكوفي البغدادي المتوفى سنة 450هـ.
له: كتاب (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) المعروف بعنوان (رجال النجاشي).
قال فيه الميرزا النوري في خاتمة (مستدرك الوسائل 3/501): «العالم، النقاد، البصير، المضطلع، الخبير، الذي هو أفضل من خط في فن الرجال بقلم، أو نطق بفم، فهو الرجل كل الرجل، لا يقاس بسواه، ولا يعدل به من عداه، كلما زدت به تحقيقاً ازددت به وثوقاً، وهو صاحب الكتاب المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافة الأصحاب).
قال السيد الطباطبائي: وأحمد بن علي النجاشي أحد المشايخ الثقات، والعدول الأثبات، من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل، أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه».
4 ـ الطوسي
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ الفهرست.
2 ـ الأبواب ويعرف بـ (رجال الطوسي).
3 ـ اختيار معرفة الرجال، وهو تهذيب واختصار لرجال الكشي كما تقدم.
قال السيد بحر العلوم في (رجاله 3/228 و231): «صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في كل ذلك والإمام…».
وأما علم الأصول والرجال، فله في الأول: كتاب العدة، وهو أحسن كتاب صنف في الأصول، وفي الثاني: كتاب (الفهرست) الذي ذكر فيه أصول الأصحاب ومصنفاتهم.
وكتاب (الأبواب) المرتب على الطبقات من أصحاب رسول الله (ص) إلى العلماء الذين لم يدركوا أحد الأئمة (عليهم السلام).
وكتاب (الاختيار)، وهو تهذيب كتاب معرفة الرجال للكشي».
ومن أشهر من ألّف في أسماء الرجال في القرن السادس الهجري:
1 ـ منتجب الدين
الشيخ منتجب الدين علي بن موفق الدين عبيد الله بن بابويه القمي المتوفى بعد سنة 585هـ.
له كتاب (الفهرست)، وهو تتمة وتكملة لفهرست الشيخ الطوسي، أورد فيه ما فات الطوسي من أسماء معاصريه من المؤلفين الإماميين، وأكمله بذكر أسماء من كان في الفترة الزمنية بين عصره وعصر الشيخ الطوسي التي قد تناهز القرن ونصف القرن.
«أدرجه المجلسي في آخر مجلدات (البحار) بتمامه، وعمد إليه الشيخ الحر العاملي، وفرقه في (أمل الآمل) مع ضم تراجم أخر، استفادها من سائر الإجازات، كما صرح بذلك في (الآمل). والسيد البروجردي رتبه على الحروف، وعد تراجمه بثلاث وثلاثين وخمسمائة، وذيلهم بستين ترجمة فاتت المؤلف»)[436](.
وطبع في أيامنا هذه مستقلاً بتحقيق السيد عبدالعزيز الطباطبائي.
2 ـ ابن شهر آشوب
رشيد الدين محمد بن علي السروي الشهير بان شهر آشوب المتوفى سنة 588هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (معالم العلماء)، «ألفه تتميماً لفهرس شيخ الطائفة (الطوسي)، وذكر فيه أنه زاد عليه نحواً من ثلاثمائة مصنف»)[437](.
3 ـ ابن البطريق
شمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف بابن البطريق المتوفى سنة 600هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (رجال الشيعة)، وهو من مصادر ابن حجر العسقلاني في كتابه (لسان الميزان) وجلال الدين السيوطي في كتابه (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة).
وأشهر من ألف في أسماء الرجال في القرن السابع الهجري:
4 ـ ابن طاووس
جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحسني الحلي المتوفى سنة 673هـ.
له: كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال)، جمع فيه أسماء الرجال المذكورة في المصادر التالية:
1 ـ اختيار رجال الكشي، للطوسي.
2 ـ الأبواب، للطوسي أيضاً.
3 ـ الفهرست، للطوسي أيضاً.
4 ـ الفهرس، المعروف بالرجال، للنجاشي.
5 ـ كتاب الضعفاء، لابن الغضائري.
6 ـ الرجال، للبرقي (أحمد بن محمد بن خالد).
7 ـ معالم العلماء، لابن شهر آشوب.
ذكر هذا في مقدمة الكتاب، كما نقله عنه الشيخ حسن العاملي في مقدمة كتابه (التحرير الطاووسي)، قال: «قال السيد ـ رحمه الله ـ في أثناء خطبة الكتاب:
وقد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا أسماء الرجال المصنفين وغيرهم، ممن قيل فيه مدح أو قدح، وقد ألم بغير ذلك، من كتب خمسة:
ـ كتاب الرجال، لشيخنا أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضي الله عنه.
ـ وكتاب فهرست المصنفين، له.
ـ وكتاب اختيار الرجال من كتاب الكشي أبي عمرو محمد بن عبدالعزيز، له.
وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة.
رحمهم الله تعالى جميعاً.
ناسقاً للكل على حروف المعجم، وكلما فرغت من مضمون كتاب في حرف شرعت في الكتاب الآخر، ضاماً إلى حرف، منبهاً على ذلك، إلى آخر الكتاب.
وبعد الفراغ من الأسماء في آخره شرعت كذلك في إثبات الكنى، ونحوها من الألقاب.
ولي بالجميع روايات متصلة، عدا كتاب ابن الغضائري.
واختص كتاب الاختيار من كتاب الكشي بنوعي عناء لم يحصلا في غيره، لأنه غير منسوق على حروف المعجم، فنسقته، وغير ذلك من تحرير دبرته.
ثم القصد إلى تحقيق الأسانيد المتعلقة بالقدح في الرجال، والمدح حسبما اتفق لي.
وما أعرف أنه أحداً سبقني إلى هذا على مر الدهر وسالف العصر، وقد يكون عذر من ترك أوضح من عذر من فعل، ووجه عذري ما نبهت عليه أن الكتاب ملتبس جداً، وفي تدبيره على ما خطر لي بُعْدٌ عن طعن عدو، أو شك ولي، أو طعن في ولي، أو مدح لعدو، وذلك مظنة الاستيناس في موضع التهمة، والتهمة في موضع الاستيناس، وبناء الأحكام وإهمالها على غير الوجه، وهو ردم لباب رحمة، وفتح لباب هلكة».
وتعليقاً على هذا جاء في حاشية النسخة المطبوعة من (التحرير الطاووسي) ما نصه: «وقد علق الشيخ الجامع لهذا الكتاب على هذا الموضع بقوله: ذكر السيد ـ رحمه الله ـ بعد هذا الكلام ما نصه:
ثم أني اعتبرت بعد الكتب الخمسة:
ـ كتاب أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
ـ وكتاب معالم العلماء لمحمد بن شهر آشوب المازندراني.
فنقلت منهما أسماء الرجال، ورأيت أن أجعل ما اخترته من كتاب البرقي في غضون الرجال لشيخنا ـ رحمه الله ـ في الموضع اللايق به، وما اخترته من كتاب ابن شهر آشوب في آخر الكتب، ولم أجعل رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب البرقي مقفاة على حروف المعجم، إذ الرجال المشار إليهم نقل الرواية عنهم، بل جعلتهم في آخر الكتاب، مع أن صوارف الوقت عزيزة ومرادفه كثيرة.
قلت: وهذه الأسماء التي أشار إليها مع قلتها قد أصيب بالتلف أكثرها، ولو كان ما أجده من كتاب البرقي باقياً لحسن إفراده، لأن الكتاب المذكور ليس بموجود.
وإنما ذكرنا كلامه هذا ليعلم بالإجمال مضمون الكتاب مع نكت أخرى لطيفة لا يكاد يخفى على من تدبر الكتب المصنفة بعد السيد في هذا الفن».
وفي القرن الثامن الهجري اشتهر كل من متزاملي الدرس والتأليف متعاصري الزمان والمكان متوافقي الاسم واللقب: الشيخ حسن بن داود الحلي والشيخ حسن بن يوسف الحلي.
ـ ابن داود الحلي
تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المتوفى بعد سنة 707هـ. له: كتاب الرجال المعروف بـ (رجال ابن داود).
قال فيه الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين بن عبدالصمد العاملي: «سلك فيه مسلكاً لم يسبقه إليه أحد من الأصحاب».
وأوضح الشيخ الحر العاملي في كتابه (أمل الآمل) مسلكه المذكور بقوله: «سلوكه في كتاب الرجال أنه رتبه على الحروف، الأول فالأول، في الأسماء وأسماء الآباء والأجداد.
وجمع جميع ما وصل إليه من كتب الرجال، مع حسن الترتيب، وزيادة التهذيب، فنقل ما في فهرستي الشيخ والنجاشي، والكشي، وكتاب الرجال للشيخ، وكتاب ابن الغضائري، والبرقي، والعقيقي، وابن عقدة، والفضل بن شاذان، وابن عبدون، وغيرها.
وجعل لكل كتاب علامة، بل لكل باب حرفاً أو حرفين، وضبط الأسماء، ولم يذكر من المتأخرين عن الشيخ إلا أسماء يسيرة»)[438](.
ولعله أخذ هذا من خطبة كتابه التي يقول فيها: «وبعد فإني لما نظرت في أصول الفتاوى الفقهية وفروعها النظرية، وحاولت الخلاص من الشبهات التقليدية، واتباع ما نشأت عليه من الفتاوى المحكية، اضطررت إلى سبر الأحاديث المروية عن الأئمة المهدية، والدخول بين مختلفها على الطريقة المرضية في القواعد الأصولية، واعتبار ما استنبطه الأصحاب منها من الفتاوى الفرعية، لأصطفي الموافق للحق في الروية، وأطرح المخالف بالكلية، رأيت من لوازم هذه القضية، النظر في الأحاديث الإمامية، ورجالها المرضية، وغير المرضية، فصنفت هذا المختصر، جامعاً لنخب كتاب (الرجال) للشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ، والفهرست) له، وما حققه الكشي، والنجاشي، وما صنفه البرقي والغضائري وغيرهم.
وبدأت بالموثقين، وأخرت المجروحين، ليكون الموضع بحسب الاستحقاق، والترتيب بالقصد لا بالاتفاق.
ورتبته على حروف المعجم في الأوائل والثواني، فالآباء، على قاعدة تقود الطالب إلى بغيته، وتسوقه إلى غايته، من غير طول وتصفح للأبواب، ولا خبط في الكتاب».
وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل.
وبينت فيه المظان التي أخذت منها، واستخرجت عنها، فالكشي (كش)، والنجاشي (جش)، وكتاب الرجال للشيخ (جخ)، والفهرست (ست)، والبرقي (قي)، وعلي بن أحمد العقيقي (عق)، وابن عقدة (قد)، والفضل بن شاذان (فش)، وابن عبدون (عب)، والغضائري (غض)، ومحمد بن بابويه (يه)، وابن فضال (فض).
وبينت رجال النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، فكل ما أعلمت عليه برمزٍ واحدٍ منهم فهو من رجاله، ومن روى من أكثر من واحد ذكرت الرمز بعددهم.
فارسول (ل)، وعلي (ي)، والحسن (ن)، والحسين (سين)، وعلي بن الحسين (بن)، ومحمد بن علي الباقر (قر)، وجعفر بن محمد الصادق (ق)، وموسى بن جعفر الكاظم (م)، وعلي بن موسى الرضا (ضا)، ومحمد بن علي الجواد (د)، وعلي بن محمد الهادي (دي)، والحسن بن علي العسكري (كر)، ومن لم يروِ عن واحد منهم (لم).
وهذه لجة لم يسبقني أحد من أصحابنا ـ رض الله عنهم ـ إلى خوض غمرها، وقاعدة أنا أبو عذرها».
وذكر السيد مصطفى التفريشي في كتابه (نقد الرجال) أن في كتاب ابن داود أغلاطاً كثيرة، وأعطى أمثلة لذلك، ثم أحصاها ـ من بعده ـ الشيخ أبو الهدى الكلباسي في كتابه (سماء المقال في تحقيق علم الرجال)، وأشار إليها بالتمثيل السيد محمد صادق بحر العلوم في تقديمه لكتاب ابن داود، ص14 بقوله: «المراد بالأغلاط أنه كثيراً ما يذكر الكشي، ويكون الصواب النجاشي، أو ينقل عن كتاب ما ليس فيه، واشتباه رجلين بواحد، وجعل الواحد رجلين، أو نحو ذلك من الأغلاط في ضبط الأسماء، وغير ذلك».
وقد كانت هذه الملاحظة مثار خلاف في تقييم الكتاب، ومدى صحة الاعتماد عليه عند الرجاليين المتأخرين.
أشار إلى هذا الميرزا النوري في خاتمة كتابه (مستدرك الرسائل 3/442) بقوله: «إلا أنهم (يعني الأصحاب) في الاعتماد والمراجعة إلى كتابه هذا بين غالٍ ومفرط ومقتصد.
فمن الأول: العالم الصمداني الشيخ حسين والد شيخنا البهائي، قال في درايته الموسومة بـ (وصول الأخيار): وكتاب ابن داود ـ رحمه الله ـ في الرجال مغنٍ لنا عن جميع ما صنف في هذا الفن، وإنما اعتمادنا الآن في ذلك.
ومن الثاني: شيخنا الأجل المولى عبدالله التستري، قال في شرحه على التهذيب: في شرح سند الحديث الأول منه، في جملة كلام له: ولا يعتمد على ما ذكره ابن داود في باب محمد بن أورمة، لأن كتاب ابن داود مما لم أجده صالحاً للاعتماد، لما ظفرنا عليه من الخلل الكثير في النقل عن المتقدمين، وفي تنقيد الرجال، والتمييز بينهم، ويظهر ذلك بأدنى تتبع للموارد التي نقل ما في كتابه منها.
ومن الثالث: جل الأصحاب فتراهم يسلكون بكتابه سلوكهم بنظائره».
ـ العلامة الحلي
جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الأسدي الحلي المتوفى سنة 726هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ كشف المقال في معرفة الرجال:
عرفه المؤلف في خطبة كتابه (الخلاصة) بقوله: «ذكرنا فيه كل ما نقل عن الرواة والمصنفين مما وصل إلينا عن المتقدمين، وذكرنا أحوال المتأخرين والمعاصرين، فمن أراد الاستقصاء فعليه به، فإنه كاف في بابه».
وكان يحيل عليه ويرجع إليه في كتبه الرجالية الأخرى الآتي ذكرها.
ويبدو أنه لم يعثر عليه فهو غير موجود الآن.
2 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال:
قال في خطبته يصفه ويوضح تبويبه، ويبين سبب تأليفه: «أما بعد، فإن العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية، وعليه تبنى القواعد السمعية، يجب على كل مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية والروايات عن الأئمة المهدية ـ عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيات ـ فلا بد من معرفة الطريق إليهم، حيث روى مشايخنا ـ رحمهم الله ـ عن الثقة وغيره، ومن يعمل بروايته، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله، فدعانا ذلك إلى تصنيف مختصر في بيان حال الرواة ومن يعتمد عليه، ومن تترك روايته، مع أن مشايخنا السابقين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ صنفوا كتباً متعددة في هذا الفن، إلا أن بعضهم طول غاية التطويل مع إجمال الحال فيما نقله، وبعضهم اختصر غاية الاختصار، ولم يسلك أحد النهج الذي سلكناه في هذا الكتاب، ومن وقف عليه عرف منزلته وقدره، وتميزه عما صنفه المتقدمون، ولم يطل الكتاب بذكر جميع الرواة، بل اقتصرنا على قسمين منهم، وهم:
1 ـ الذين اعتمد على روايتهم.
2 ـ والذين أتوقف عن العمل بنقلهم، إما لضعفه، أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه، أو لكونه مجهولاً عندي.
ولم نذكر كل مصنفات الرواة، ولا طولنا في نقل سيرتهم، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمى بكشف المقال في معرفة الرجال».
وقد رجع إليه كل من تأخر عنه، ومن هنا كان من المصادر الرجالية المهمة، المستند إليها، والمعتمد عليها.
وقد طبع أكثر من مرة.
3 ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة:
وهو «في ضبط تراجم الرجال على ترتيب حروف أوائل الأسماء ببيان الحروف المركبة منها أسماؤهم وأسماء آبائهم وبلادهم وذكر حركات تلك الحروف»)[439](.
وقد عمد السيد جعفر الخوانساري (ت1158هـ) إليه، فرتبه وفق الطريقة المتعارف عليها عند الرجاليين المتأخرين من مراعاة الترتيب في الحرف الثاني والثالث أيضاً، وأخرجه بكتاب أسماه (تتميم الإفصاح في ترتيب الإيضاح).
وقام الشيخ علم الهدى محمد بن الفيض الكاشاني بترتيبه أيضاً وشرحه، مع زيادات فوائد أضافها عليه، وعنونه بـ (نضد الإيضاح)، وطبع بذيل فهرست الشيخ الطوسي في كلكتا بالهند باعتناء سپرنكر A. Springer . وطبع أصله، وهو الإيضاح، في إيران طبعاً حجرياً.
4 ـ تلخيص فهرست الشيخ الطوسي:
لخصه بحذف الكتب والأسانيد.
وفي القرنين التاسع والعاشر ضمر التأليف في أسماء الرجال، ثم عاد إلى نشاطه في القرن الحادي عشر بشكل تشكل فيه كثرته ظاهرة فارقة، ولعله من باب التعويض عن ذلكم الضمور الذي أشرت إليه.
ومن أشهر مؤلفي هذا القرن:
1 ـ صاحب المعالم:
جمال الدين أبو منصور حسن بن زين الدين العاملي المعروف بـ (صاحب المعالم)، المتوفى سنة 1011هـ.
له في أسماء الرجال:
1 ـ ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه.
2 ـ التعليقات على خلاصة الأقوال.
3 ـ التحرير الطاووسي.
وهو مضامين كتاب (الاختيار) الذي استخلصه الشيخ الطوسي من كتاب (معرفة الناقلين) لأبي عمرو الكشي، استخرجه الشيخ صاحب المعالم من كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس الحلي.
قال في خطبته: «هذا تحرير كتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي في الرجال، انتزعته من كتاب السيد الجليل العلامة المحقق جمال الملة والدين أبي الفضائل أحمد بن طاووس الحسني قدس الله نفسه وطهر رسمه».
ثم يوضح الباعث له على ذلك فيقول: «والباعث لي على ذلك أني لم أظفر لكتاب السيد ـ رحمه الله ـ بنسخة غير نسخة الأصل التي أغلبها بخط المصنف، وقد أصابها تلف في أكثر المواضع بحيث صار نسخ الكتاب بكماله متعذراً، ورأيت بعد التأمل أن المهم منه هو تحرير كتاب (الاختيار) حيث أن السيد ـ رحمه الله ـ جمع في الكتاب عدة كتب من كتب الرجال، بعد تلخيصه لها، ولما كان أكثر تلك الكتب منقحاً محرراً، اقتصر فيه على مجرد الجمع، فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتاب، لأن ما عدا كتاب ابن الغضائري منها، موجود في هذا الزمان، بلطف الله سبحانه ومَنّه، والحاجة إلى كتاب ابن الغضائري قليلة لأنه مقصور على ذكر الضعفاء، وأما كتاب الاختيار من كتاب الكشي للشيخ ـ رحمه الله ـ فهو باعتبار اشتماله على الأخبار المتعارضة من دون تعرض لوجه الجمع بينها محتاج إلى التحرير والتحقيق، ومع ذلك ليس بمبوب، فتحصيل المطلوب منه عسر، فعني السيد ـ رحمه الله ـ بتبويبه وتهذيبه، وبحث عن أكثر أخباره متناً وإسناداً، وضم إليه فوائد شريفة، وزوائد لطيفة، ووزعه على أبواب كتابه.
وحيث تعذر نسخ الكتاب آلى أمر تلك الفوائد إلى الضياع، مع أن أغلبها بتوفيق الله تعالى سليم من ذلك التلف، والذاهب منها شيء يسير، قليل الجدوى، فرأيت الصواب انتزاعه من باقي الكتاب، وجمعه كتاباً مفرداً، يليق أن يوسم بـ (التحرير الطاووسي لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمرو الكشي) نفع الله به تعالى».
2 ـ الجزائري
الشيخ عبد النبي بن سعد الدين الجزائري المتوفى سنة 1021هـ. له في أسماء الرجال: كتاب (حاوي الأقوال في معرفة الرجال). يقول شيخنا الطهراني في (مصفى المقال 251): «هو أول كتاب رتب الرجال فيه على أربعة أقسام بحسب القسمة الأصلية للحديث: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.
والكتب الرجالية قبله إما غير مقسمة أو مقسمة لها على قسمين، مثل (خلاصة العلامة) و(رجال ابن داود).
وفي المتأخرين رتب شيخنا الشيخ محمد طه نجف رجاله الموسوم (اتقان المقال) على ثلاثة أقسام».
3 ـ الميرزا الاسترآبادي
السيد الميرزا محمد بن علي الحسيني (الاسترآبادي المتوفى سنة 1028هـ. له ثلاثة كتب في أسماء الرجال ـ كبير ووسيط ووجيز ـ وهي:
ـ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، وهو الرجال الكبير، وقد طبع في إيران على الحجر.
ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال، وهو الوسيط.
ـ الوجيز.
4 ـ التفريشي
السيد الأمير مصطفى بن الحسين الحسيني التفريشي، كان حياً سنة 1044هـ.
له: كتاب (نقد الرجال)، طبع بإيران.
5 ـ القهبائي
زكي الدين عناية الله بن علي القهبائي.
له في أسماء الرجال: كتاب (مجمع الرجال)، جمع فيه الكتب الرجالية التالية أسماؤها:
ـ الاختيار من رجال الكشي، للطوسي.
ـ الأبواب (رجال الطوسي).
ـ الفهرست، للطوسي.
ـ الفهرس أو الرجال للنجاشي.
ـ الضعفاء، لابن الغضائري «الذي استخرجه أستاذه المولى عبدالله التستري (ت1021هـ) من كتاب رجال السيد ابن طاووس بغير إسناد… فرغ منه سنة 1016هـ».
وله أيضاً:
ـ ترتيب رجال الكشي، فرغ منه سنة 1011هـ.
ـ ترتيب رجال النجاشي.
ـ الحواشي على كتاب (نقد الرجال) للتفريشي.
ـ الحواشي على كتاب (منهج المقال) للأسترآبادي.
الحواشي على كتابي الكشي والنجاشي في الرجال.
6 ـ الطريحي
فخر الدين بن محمد علي الطريحي النجفي المتوفي سنة 1085هـ. له في أسماء الرجال:
ـ جامع المقال فيما يتعلق بالحديث والرجال.
ـ ترتيب مشيخة الفقيه.
ومن القرن الثاني عشر
1 ـ أمين الكاظمي:
الشيخ محمد أمين بن محمد علي الكاظمي (ق12).
له في أسماء الرجال:
ـ شرح جامع المقال لأستاذه فخر الدين الطريحي.
ـ هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين «في تمييز المشتركات، ويعرف بـ (مشتركات الكاظمي)، ألفه في سنة 1085هـ وهي سنة وفاة أستاذه ـ كما صرح فيه ـ، وكان حياً إلى سنة (1118هـ) على ما رأيت بخطه بعض تملكاته في التاريخ»)[440](.
«رتب الكتاب على ثلاثة أقسام:
أ ـ المشتركون في الاسم.
ب ـ المشتركون فيه وفي الأب.
ج ـ المشتركون في الكنى والنسب والألقاب.
وقد التزم الشيخ أبو علي (الحائري) في رجاله (منتهى المقال) بالنقل عن هذا الكتاب في كل ترجمة، ورمزه: مشكا».
نشر الكتاب ضمن منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي بقم.
2 ـ الحر العاملي
الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ رسالة الرجال.
ـ الفائدة الثانية عشرة من خاتمة كتابه (وسائل الشيعة) التي عقدها لأسماء الرجال.
3 ـ المجلسي
الشيخ محمد باقر بن محمد تقي المجلسي المتوفى سنة 1111هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (الوجيزة)، «اقتصر فيه على بيان ما اتضح له من أحوال الرواة، وجعل لها رموزاً:
ق = الثقة.
ح = الممدوح.
ض = الضعيف.
م = المجهول.
وفي خاتمته ذكر مشيخة الفقيه أيضاً مرمزاً.
صح = الصحيح.
ح = الحسن.
ق = الموثق.
م = المجهول.
ض = الضعيف.
ل = المرسل.
كتبه بالتماس جمع من الطلاب في أيام معدودة من رجب سنة 1086هـ)[441](».
4 ـ الأردبيلي
الشيخ محمد بن علي الأردبيلي (ق12).
أشهر مؤلفاته في أسماء الرجال: كتاب (جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد).
ويبدو أنه كالذيل لكتاب (تلخيص المقال) للميرزا الاسترآبادي فقد جاء في تقديم السيد البروجردي له ما نصه: «وأما كتابه هذا (جامع الرواة) فهو كالذيل لكتاب (تلخيص المقال) للسيد الجليل الميرزا محمد الاسترآبادي، وهو رجاله الأوسط (فقد) ذكر ديباجة التلخيص بعينها، ثم ذكر تراجمه بعين عبارته وترتيبه، فمن لم يجد له من فائدة زائدة في كتاب (نقد الرجال) للسيد الجليل التفريشي، ولا رواية له في الكتب الأربعة، اقتصر في ترجمته على ما في التلخيص، ورمز له في آخره (مح)، ومن وجد له فائدة زائدة في النقد أردفه بذكرها، ورمز له في آخرها (س)، ومن وجد له رواية أو روايات في الكتب الأربعة أعقبه بذكر ما له من الرواية فيها مع تعيين موضعها منها من حيث الكتاب والباب وغيرهما، ومع ذكر من رواها صاحب الترجمة عنه، ومن رواها عن صاحب الترجمة، ومن وجد له الرواية في الكتب الأربعة وأهمل ذكره في تلخيص المقال استدركه بذكره مع الإشارة إلى روايته على نحو ما ذكر.
وزاد أيضاً على التراجم المذكورة في تلخيص المقال تراجم المذكورين في فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسن بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي نزيل الري المتولد سنة أربع وخمسمائة والمتوفى سنة خمسة وثمانين وخمسمائة.
ولم يظهر لي وجه لهذه الزيادة إذ لم يقع أحد منهم في أسانيد الكتب الأربعة، ولا لذكرهم مدخل في تصحيحها أو اعتبارها، فعلى ما ذكرنا يكون بعض تراجم هذا الكتاب عين ما في تلخيص المقال بلا زيادة، وبعضها كالشرح له، وبعضها استدراكاً عليه، وبعضها زيادة عليه من غير موجب.
وبعد فراغه من التراجم ذكر خاتمة تلخيص المقال بما فيها من الفوائد العشر، وخاتمة نقد الرجال مع خمس مما فيها من الفوائد الست بعين عبارتهما حتى في عدد الفوائد، ولذلك حصل في عبارته شيء من التعقيد».
5 ـ السيد عليخان
صدر الدين علي بن أحمد الحسيني المعروف بالسيد علي خان المتوفى سنة 1118هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة).
رتبه على اثنتي عشرة طبقة، هكذا:
1 ـ الصحابة.
2 ـ التابعين.
3 ـ المحدثين الرواة.
4 ـ العلماء.
5 ـ الحكماء والمتكلمين.
6 ـ علماء العربية.
7 ـ السادة الصوفية.
8 ـ الملوك والسلاطين.
9 ـ الأمراء.
10 ـ الوزراء.
11 ـ الشعراء.
12 ـ النساء)[442](.
طبع الجزء الأول منه، وهو الخاص بالطبعة الأولى: طبقة الصحابة.
6 ـ الماحوزي
الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ. له في أسماء الرجال:
ـ معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال.
وهو شرح لفهرست الشيخ الطوسي على نحو الترتيب والتهذيب والتوضيح، قال في خطبته: «وقد صنف مشايخنا المتقدمون وعلماؤنا السابقون ـ روح الله أرواحهم وقدس أشباحهم ـ كتباً متعددة في هذا الفن الجميل، ومؤلفات متكثرة هي دساتير الجرح والتعديل.
ومن أحسن تلك المصنفات أسلوباً، وأعمها فائدة، وأكثرها نفعاً، وأعظمها عائدة، كتاب (الفهرست) لشيخ الطائفة ورئيس الفرقة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، قدس الله سره، ونور بلطفه قبره.
فقد جمع من نفائس هذا الفن الشريف خلاصتها، وحاز من دقايقه ومعرة أسراره نقاوتها، إلا أنه خال عن الترتيب، محتاج إلى التهذيب، يتعسر على الناظر فيه معرفة ما يحاوله، إلا بعد تفتيش كثير، فكأنه عقد قد انفصم فتناثرت لآليه.
مع أن أكثر نسخه الموجودة في أيدي أبناء الزمان، قد لعبت بها أيدي التصحيف، وركعت بها حوادث الغلط والتحريف.
فدعاني ذلك إلى أن كتبت هذا الشرح، محاولاً فيه ترتيب تراجمه على وجه أنيق، ومورداً أحوال رجاله على طرز رشيق، مصلحاً ما لعبت به أيدي الترف والفساد، مستضيئاً في ذلك بنور التوفيق ومصباح الرشاد، منبهاً في أكثر تراجمه على هفوات أفهام المتأخرين، وطغيان أقلام الناسخين، ذاكراً في ضمن ذلك ما اعتمد عليه، ونزك أو تبجيل.
وقد سميت كتابي هذا بـ (معراج أهل الكمال إلى معرفة الرجال)، ورتبته على حروف المعجم في أوله وثانيه، وهكذا إلى آخره، ليسهل أمره على ناظره، وما توفيقي إلا بالله في أوائله وأواخره.
وهكذا ألاحظ مع اتحاد الاسم حروف أبيه، جارياً على هذا المنوال، راجياً حسن التوفيق من حضرة ذي الجلال والجمال، ومنه الإمداد والتسهيل، وهو حسبي ونعم الوكيل».
ـ بلغة المحدثين:
وهي رسالة مختصرة كتبها بعد تأليفه لمعراج أهل الكمال، تذكرة لنفسه، ومرجعاً سهل المنال، قال في خطبته: «إني قد شرحت فيما سبق (فهرست الرجال) ووسمته بـ (معراج أهل الكمال) ورتبت فيه تراجمه على وجه أنيق، وحررت أحوال رجاله على طرز رشيق، وبسطت الكلام فيه بسطاً لا مزيد عليه، ونقحت المباحث الواقعة في تضاعيفه تنقيحاً يعطف قرائح أولي الألباب إليه.
إلا أنه طويل الذيل، ممتد السيل، فربما تنبو عنه طبائع إخوان الزمان لفتور عزائمهم وأفهامهم، وتتجافى عنه دواعي الإخوان لكونه فوق مرامهم، فعن بخلدي أن أكتب رسالة وجيزة في تحقيق أحوال الرجال، وأطوي فيها كشحاً عن القيل والقال، وأقتصر على بيان ما اتضح لي من أحوالهم، غير متعرض لاختلاف الأصحاب وأقوالهم، ولا للضعفاء والمجاهيل لعدم الفائدة، مع تأديته إلى التطويل».
وقد طبع الكتابان بإيران معاً.
ومن أعلام الرجاليين في القرن الثالث عشر:
1 ـ الوحيد البهبهاني
الشيخ محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني المتوفى سنة 1205هـ من تأليفاته في الرجال:
التعليقة،وهي حواش علقها على كتاب (منهج المقال) للميرزا الاسترآبادي، وقد طبعت معه سنة 1304هـ.
وأوردها الشيخ أبو علي الحائري تلميذ الوحيد البهبهاني في كتابه المعروف بـ (رجال أبي علي)، «فذكر في كل ترجمة النكات التي حققها أستاذه الوحيد، وجعل رمزه: تعق»)[443](.
2 ـ أبو علي الحائري
الشيخ أبو علي محمد بن إسماعيل الحائري المتوفى سنة 1216هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (منتهى المقال في أحوال الرجال) المعروف بـ (رجال أبي علي)، أبان شيخنا الطهراني في (الذريعة 23/13) عن طريقة المؤلف في تدوين كتابه قائلاً: «ابتدأ في كل ترجمة بكلام الميرزا الاسترآبادي) في الرجال الكبير (منهج المقال)، ثم بما ذكره الوحيد (البهبهاني) في التعليقة عليه، ثم بكلمات أخرى على ما شرحها في أول الكتاب، وقد ترجم نفسه في باب الكنى، وترك ذكر جماعة بزعم أنهم من المجاهيل، وبزعم عدم الفائدة في ذكرهم، وسبقه في إسقاط المجاهيل المولى عبدالنبي الجزائري في الحاوي، وكذلك المولى خداويردي الأفشار، وليتهم ما أسقطوهم لأنهم غير منصوصين بالجهالة من علماء الرجال، وصرح المحقق الداماد في الرواشح بلزوم الفحص عن حالهم، ولنعم ما فعله تلميذه المولى درويش علي الحائري حيث أفرد رسالة في ذكر من أسقطه الشيخ أبو علي من رجاله (وهي) بعنوان (تكملة رجال أبي علي)، وقد كتب الشيخ محمد آل كشكول كتاب (إكمال منتهى المقال)، ذكر في أوله وجه الحاجة إلى ذكر ما عدّوهم مجاهيل رداً على التاركين لذكرهم، ثم ذكرهم جميعاً».
3 ـ البروجردي
السيد حسين بن محمد رضا الحسيني البروجردي المتوفى سنة 1276هـ. له في أسماء الرجال: (نخبة المقال في علم الرجال)، منظومة، مطبوعة.
ومن القرن الرابع عشر:
1 ـ الكني
الشيخ علي بن قربان علي الكني المتوفى سنة 1306هـ.
له: كتاب (توضيح المقال في علم الدراية والرجال)، طبع مع رجال أبي علي.
2 ـ الجابلقي
السيد علي أصغر بن محمد شفيع الجابلقي البروجردي المتوفى سنة 1313هـ.
له: كتاب (طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال)، قسم فيه الطبقات إلى إحدى وثلاثين طبقة، ضمت 8261 راوياً وراوية، خصص الطبقة الأولى لذكر مشايخه ومعاصريه، واستمر حتى آخر طبقة وهي طبقة الصحابة.
3 ـ النراقي
الميرزا نجم الدين أبو القاسم بن محمد بن أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي المتوفى سنة 1319هـ.
له في أسماء الرجال: كتاب (شعب المقال)، طبع سنة 1367هـ.
4 ـ آل نجف
الشيخ محمد طه بن مهدي نجف المتوفى سنة 1323هـ.
له: كتاب (إتقان المقال في أحوال الرجال)، طبع سنة 1341هـ.
5 ـ الدنبلي
الشيخ ميرزا إبراهيم بن الحسين الدنبلي المتوفى سنة 1325هـ له: (ملخص المقال).
6 ـ العلياري
الشيخ علي بن عبدالله العلياري المتوفى سنة 1327هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ كتاب (بهجة الآمال في شرح زبدة المقال) التي هي منظومة السيد البروجردي المقدم ذكرها.
ـ (منتهى الآمال) وهو منظومة أتم بها منظومة (زبدة المقال) استدرك فيها ذكر الرواة المجاهيل، وأكثر المتأخرين، وأدرجها مع المنظومة مشروحة ضمن شرحها الذي أسماه بهجة الآمال المذكور في أعلاه.
7 ـ المامقاني
الشيخ عبدالله بن محمد حسن المامقاني المتوفى سنة 1351هـ.
له: كتاب (تنقيح المقال في أحوال الرجال)، وهو أوسع مدونة رجالية مطبوعة لدى الشيعة الإمامية، فقد ترجم فيه ـ كما هو مذكور مجدولاً في أوله لـ (16307) وكالتالي:
| من الأسماء
من الكنى من الألقاب من النساء المجموع |
13368
1444 1343 152 16307 |
تقريباً
تقريباً تقريباً تقريباً |
8 ـ اللواساني
الميرزا فضل الله بن شمس اللواساني المتوفى سنة 1353هـ.
له: كتاب (عين الغزال في فهرس أسماء الرجال)، «المطبوع في آخر فروع الكافي بطهران في (1310هـ)، وهو كتاب لطيف اقتصر فيه على الرواة إلى الطبقة السابعة، وهي طبقة الكليني، ورتبهم في جدولين لطيفين، أحدهما فيمن تحقق له أصل أو كتاب أو راوٍ معين عنه، والثاني فمن لم يتحقق فيه ذلك»)[444](.
9 ـ الصدر
السيد أبو محمد الحسن بن هادي الصدر المتوفى سنة 1354هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ تكملة أمل الآمل.
ـ مختلف الرجال.
ـ عيون الرجال.
ـ نكت الرجال.
ـ بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات، وغيرها.
10 ـ الكلباسي
الشيخ أبو الهدى بن محمد الكلباسي المتوفى سنة 1356هـ.
له:
ـ سماء المقال في علم الرجال.
ـ الدر الثمين في المصنفات والمصنفين.
ـ الفوائد الرجالية.
11 ـ الشهرستاني
السيد هبة الدين محمد علي بن حسين الشهرستاني المتوفى سنة 1386هـ.
له في أسماء الرجال:
ـ ثقات الرواة.
ـ الشجرة الطيبة في سلسلة مشايخ الإجازات.
ـ طبقات أصحاب الروايات.
12 ـ التستري
الشيخ محمد تقي بن محمد كاظم التستري.
له: كتاب (قاموس الرجال)، طبع في إيران بعدة أجزاء.
ومن القرن الخامس عشر:
1 ـ الخرسان
السيد حسن بن عبدالهادي الخرسان النجفي المتوفى سنة 1405هـ. له في أسماء الرجال:
ـ شرح مشيخة التهذيب.
ـ شرح مشيخة من لا يحضره الفقيه.
ـ شرح مشيخة الاستبصار.
2 ـ الخوئي
السيد أبو القاسم بن علي أكبر الخوئي المتوفى سنة 1413هـ.
له: كتاب (معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة)، ترجم فيه لـ (15676) راوياً وراوية في ثلاثة وعشرين مجلداً، طبع في النجف الأشرف وبيروت وإيران.
ومن أهم ظواهره العلمية والفنية:
أ ـ وضع الراوي في مركزه الروائي، وذلك بذكر أسماء جميع الرواة الذين روى عنهم، وذكر أسماء جميع الرواة الذين رووا عنه.
ب ـ البحث العلمي ـ دراسة واستدلالاً ـ لإثبات مستوى الراوي من حيث الوثاقة والحسن.
جـ الاستقصاء لجميع ما ذكر في تقييم حال الراوي من روايات وأقوال، مع دراستها علمياً لقبولها أو رفضها.
3 ـ الشيخ جعفر السجاني
له: كتاب (أصحاب أمير المؤمنين).
4 ـ الشيخ محمد هادي الأميني
له: كتاب (أصحاب أمير المؤمنين والرواة عنه) طـ 1412هـ.
5 ـ السيد عبدالحسين بن علي أصغر النجفي
له: (أصحاب الإمام الصادق) و(أحسن التراجم لأصحاب الإمام موسى الكاظم).
6 ـ الشيخ محمد مهدي نجف
له: (الجامع لرواة وأصحاب الإمام الرضا).
7 ـ السيد محمد هادي بن محمد رضا الخرسان
له: (دراسة حول كتاب مجمع الرجال للقهبائي).
تبويب الكتب الرجالية
من أهم الجوانب الفنية التي ينبغي أن تعرف هي تبويب كتب أسماء الرجال.
وهي من خلال إلقاء نظرة على المطبوع منها تتنوع على أربعة أنماط من التبويب، هي:
1 ـ التبويب حسب الطبقات:
ويراد به تصنيف أسماء الرجال حسب طبقاتهم من حيث الزمان أو من حيث العنوان.
فمن الأول: كتاب (الأبواب) للشيخ الطوسي المعروف بـ (رجال الطوسي) والمطبوع بهذا العنوان أيضاً، فإنه رتبه حسب الطبقات التالية:
1 ـ باب من روى عن النبي (ص) من الصحابة.
2 ـ أسماء من روى عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
3 ـ أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام).
4 ـ أصحاب أبي عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام).
5 ـ أصحاب أبي محمد علي بن الحسين (عليه السلام).
6 ـ أصحاب أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليه السلام).
7 ـ أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).
8 ـ أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام).
9 ـ أصحاب أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
10 ـ أصحاب أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد (عليه السلام).
11 ـ أصحاب أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي (عليه السلام).
12 ـ أصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).
13 ـ باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحد من الأئمة.
ورتب أسماء الرواة في كل باب حسب الحروف الهجائية (أ. ب. ت. ث…).
ثم أعقبها بـ (باب الكنى والألقاب) فـ (باب النساء).
ومنه أيضاً: كتاب (طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال) للسيد الجابلقي.
اعتمد في توزيع طبقاته على زمن الراوي فجعل الراوي طبقة، والمروي عنه طبقة، فكانت طبقاته ـ حسب هذا ـ إحدى وثلاثين طبقة، أولاها طبقة مشايخه ومعاصريه، وآخرها طبقة الصحابة.
قال في خطبته 1/33: «وأما الباب الأول ففيه طبقات تبلغ إلى الثلاثين ونيف، من هذا الزمان إلى زمان صحابة الرسول (ص)، والغالب درك أشخاص كل طبقة سابقة ولاحقة طبقة الوسط، إلا أنا قد لاحظنا الراوي والمروي عنه فجعلنا الأول في طبقة، والثاني في الأخرى، ولو بالنظر إلى غالب رجال كل منهما».
ومن الثاني: كتاب (الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة) للسيد علي خان المدني.
رتب طبقاته التي بلغت عدتها اثنتي عشرة طبقة حسب العناوين وكالتالي:
1 ـ طبقة الصحابة.
2 ـ طبقة التابعين.
3 ـ طبقة المحدثين والرواة.
4 ـ طبقة العلماء.
5 ـ طبقة الحكماء والمتكلمين.
6 ـ طبقة علماء العربية.
7 ـ طبقة السادة الصوفية.
8 ـ طبقة الملوك والسلاطين.
9 ـ طبقة الأمراء.
10 ـ طبقة الوزراء.
11 ـ طبقة الشعراء.
12 ـ طبقة النساء.
2 ـ التبويب حسب المستويات:
ويقصد به تصنيف أسماء الرجال حسب المستوى التوثيقي للراوي أو للرواية. فمن الأول: «كتاب (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) للعلامة الحلي».
قسّمه إلى قسمين:
ـ القسم الأول فيمن اعتمد (هو) على روايتهم.
ـ والقسم الثاني فيمن توقف عن العمل بنقلهم.
قال في خطبته: «ولم نطل الكتاب بذكر جميع الرواة بل اقتصرنا على قسمين منهم، وهم:
ـ الذين اعتمد على روايتهم.
ـ والذين أتوقف عن العمل بنقلهم، أما لضعفه، أو لاختلاف الجماعة في توثيقه وضعفه أو لكونه مجهولاً عندي».
ومنه: كتاب (الرجال) لابن داود الحلي.
فإنه ـ أيضاً ـ قسم كتابه إلى قسمين:
ـ القسم الأول في ذكر الممدوحين ومن لم يضعفهم الأصحاب.
ـ والقسم الثاني في ذكر المجروحين والمجهولين.
قال في خطبة الجزء الثاني من الكتاب: «فإني لما أنهيت الجزء الأول من كتاب الرجال المختص بالموثقين والمهملين وجب أن أتبعه بالجزء الثاني المختص بالمجروحين والمجهولين».
ومن الثاني: كتاب (إتقان المقال في أحوال الرجال) للشيخ محمد طه نجف. بوبه على ثلاثة أقسام:
ـ الثقات.
ـ الحسان.
ـ الضعاف.
ومنه: كتاب (حاوي الأقوال في معرفة الرجال) للشيخ عبد النبي الجزائري. رتبه حسب أقسام الحديث:
ـ الصحيح.
ـ الحسن.
ـ الموثق.
ـ الضعيف.
3 ـ التبويب حسب التسميات المشترك فيها:
كما في كتاب (هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين) للشيخ محمد أمين الكاظمي المعروف بـ (مشتركات الكاظمي).
بوّبه على ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأول للمشتركين في الاسم.
– القسم الثاني للمشتركين في الاسم واسم الأب.
ـ القسم الثالث في المشتركين في الكنى والألقاب والأنساب.
والهدف منه هو التمييز بين هذه المشتركات لتحديد هوية الراوي.
4 ـ التبويب المعجمي:
وهو تبويب أسماء الرجال حسب حروف المعجم (أ. ب. ت. ث…).
ومنه: كتاب (الفهرس) للنجاشي، وكتاب (الفهرست) للطوسي، وكتاب (معجم رجال الحديث) لأستاذنا السيد الخوئي.
الفرق بين أسماء الرجال والفهارس
ينقسم ما وصلنا إلينا من كتب أسماء الرجال من حيث المنهج إلى قسمين يلتقيان في الهدف وهو تحديد هوية الراوي وتقييم حاله من حيث الوثاقة وعدمها. والقسمان هما:
1 ـ كتب تترجم للراوي بتعريف شخصه وبيان حاله.
2 ـ وأخرى تهدف ـ مضافاً إلى ما تقدم من تعريف شخص الراوي وتبيان حاله ـ إلى ذكر مؤلفاته ـ وتأكيدها على ذلك، واعتباره الهدف الأساسي من تأليفها.
وباختصار:
تنقسم كتب أسماء الرجال إلى:
ـ كتب تراجم.
ـ كتب فهارس.
ومن كتب التراجم: كتابا (الاختيار) و(الأبواب) للشيخ الطوسي.
ومن كتب الفهارس: كتابا (الفهرست) للشيخ الطوسي و(فهرس أسماء مصنفي الشيعة) للشيخ النجاشي.
ولمعرفة الفرق بين كتب الفهارس الرجالية التي هي قسم من كتب أسماء الرجال، وكتب الفهارس العامة أمثال: كتاب (كشف الحجب والأستار عن أسامي الكتب والأسفار) للسيد الكنتوري، وكتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لشيخنا الطهراني، وكتاب (مرآة الكتب في أسماء رجال الشيعة ومؤلفاتهم) للشيخ علي بن موسى الخراساني التبريزي المعروف بثقة الإسلام المتوفى سنة 1330هـ، نذكر أهم الظواهر المنهجية لكل منهما:
1 ـ في كتب الفهارس الرجالية يبدأ مؤلف الفهرس بذكر اسم المؤلف ثم بيان حاله من حيث التوثيق وعدمه فتعداد مؤلفاته. والهدف الأساسي في التأليف هو الجرح والتعديل.
2 ـ وفي كتب الفهارس العامة يبدأ مؤلف الفهرس بذكر عنوان الكتاب ثم ذكر اسم المؤلف والبيانات الفنية للكتاب من خط وطبع وما إليهما.
وقد يبدأ بذكر اسم المؤلف ثم يذكر عناوين مؤلفاته.
وفي كلتا الطريقتين: الهدف الأساسي هو الكتاب ببيان عنوانه ومعرفة مؤلفه ومواصفاته الأخرى من خط وطبع وما إليهما.
الفرق بين أسماء الرجال والتراجم
من تبيننا أن كتب أسماء الرجال تتنوع من حيث منهج التأليف إلى نوعين هما: كتب التراجم وكتب الفهارس.
ولأننا تبينا هناك الفرق بين كتب الفهارس الرجالية وكتب الفهارس العامة، يأتي دور بيان الفرق بين كتب التراجم الرجالية وكتب التراجم العامة، ويتلخص في التالي:
1 ـ إن كتب التراجم العامة تؤكد على بيان سيرة المترجم له.
2 ـ أما كتب التراجم الرجالية فإنها تؤكد على بيان حال المترجم له من حيث الوثاقة واللاوثاقة.
هذا في منهج التأليف.
وفي مادة الكتاب فالفرق هو:
1 ـ تقتصر كتب التراجم الرجالية على ترجمة الرواة فقط.
2 ـ بينما في كتب التراجم العامة لا يقتصر على تراجم الرواة، وإنما تكون عامة للرواة وغيرهم.
وذلك مثل: كتابي (الاختيار) و(الأبواب) للشيخ الطوسي من كتب التراجم الرجالية.
ومثل: كتابي (طبقات أعلام الشيعة) للشيخ آقابزرك الطهراني و(أعيان الشيعة) للسيد محسن الأمين من كتب التراجم العامة.
الأصول الرجالية
الأصول الرجالية: هي تلكم الكتب المؤلفة في أسماء الرجال، واعتمدها أصحابنا مصادر أساسية واستندوا إليها مراجع أصلية، يستمدون منها ترجمة الراوي في تعريفه وتقييمه، ويرتكزون عليها منطلق بحث ودراسة ومداراً للاجتهاد والاستنباط.
وهي:
1 ـ الاختيار:
وعنوانه الكامل (اختيار معرفة الرجال)، ويعرف في الأوساط العلمية ولغة حواراتها بعنوان (رجال الكشي).
وهو اختيار الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي من كتاب (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) للشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي، وسماه الشيخ الطوسي في كتابه (الفهرست) بـ (معرفة الرجال)، وعبّر عنه النجاشي في (الفهرس) بـ (رجال الكشي).
اقتصر الشيخ الطوسي في اختياره منه على أسماء الرواة من الشيعة مع تهذيبه مما قد يعد من الأغلاط الفنية أو العلمية.
ويبدو مما ذكره المفهرسون والرجاليون أن الكتاب لم يعرف لدى الرجاليين إلا من خلال اختياره، يقول الشيخ أبو علي الحائري في (منتهى المقال) ـ ترجمة الكشي ـ: «ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعاً لرواة العامة والخاصة، خالطاً بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة ـ طاب مضجعه ـ فلخصه، وأسقط منه الفضلات وسماه بـ (اختيار الرجال)، وهو الموجود في هذه الأزمان، بل وزمان العلامة وما قاربه، إنما هو اختيار الشيخ، لا الكشي الأصل».
ويشتمل ـ كما في ترقيم مطبوعة (اختيار معرفة الرجال) ـ على (1151) إسماً.
طبع في بمبي سنة 1317هـ، وطبع في النجف الأشرف بعنوان (رجال الكشي)، وأخيراً طبع بعنوان (اختيار معرفة الرجال) بتحقيق السيد حسن المصطفوي، وباهتمام مركز التحقيقات والمطالعات بكلية الإلهيات والمعارف الإسلامية ـ جامعة مشهد بإيران سنة 1348 هجرية شمسية، ومعه (فهرس رجال اختيار معرفة الرجال للكشي) من وضع محققه المصطفوي.
2 ـ الأبواب:
للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ويعرف في الأوساط العلمية بـ (رجال الطوسي).
وعُنون بـ (الأبواب) لأنه مرتب على طبقات الرواة من الصحابة فمن روى عن كل واحد من الأئمة ثم من لم يروِ عنهم إلا بالواسطة، وسمى مؤلفه كل طبقة باباً، فقال في الطبقة الأولى: (باب من روى عن النبي (ص) من الصحابة)، وهكذا.
«يتضمن زهاء (8900) اسم.
وغرضه من تأليفه مجرد تعداد أسمائهم، وجمع شتاتهم، وتمييز طبقاتهم ـ كما ذكر في مقدمته ـ لا تمييز الممدوح من المذموم.
وأما توثيقه لبعضهم في خلال ترجمته فهو استطرادي أو لدفع شبهة، ولذا ترى أنه لم يوثق فيه من لا خلاف فيه كزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير ليث المرادي، وهشام بن سالم، وهشام بن الحكم، كما أن جرح بعضهم قد جاء استطرادياً أو لدفع شبهة وثاقته وحسن حاله.
وقد ألفه ـ رحمه الله ـ بعد كتابه (الفهرست) لأنه كثيراً ما يحيل إليه في هذا الكتاب، ولا ينافي ذلك ذكره في عداد مؤلفاته في (الفهرست) عند ترجمة نفسه، إذ من المحتمل أنه أدرج ترجمة نفسه في (الفهرست) بعد أن فرغ من تأليفه للرجال، أو أنه بعد أن فرغ من تأليفه له أدرجه ضمن مؤلفاته في الفهرست، وذلك متعارف لدى المؤلفين.
وقد ذكر في مقدمة كتاب الرجال ما نصه: أما بعد فإني أجبت إلى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص) وعن الأئمة (عليهم السلام) من بعده إلى زمن القائم (عليه السلام)، ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يروِ عنهم (عليهم السلام)، وأرتب ذلك على حروف المعجم..» )[445](.
طبع في النجف الأشرف سنة 1381هـ بعنوان (رجال الطوسي) وبتحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم.
3 ـ الفهرست:
للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.
اشتمل على (909) اسم حسب ترقيم مطبوعة النجف الأشرف.
«حاول فيه مؤلفه ذكر المؤلفين الذين اتصل إليهم إسناده، مع الإيعاز إلى مكانتهم من الثقة والاعتماد أحياناً، والاكتفاء بذكر مؤلفاتهم اطراداً، إذ الغاية المقصودة له هو سرد المؤلفات، والإسناد إليها»)[446](.
طبع في الهند وإيران ثم في النجف الأشرف بتحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم.
4 ـ الفهرس:
للشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي.
وعنوانه الكامل: (فهرس أسماء مصنفي الشيعة)، ويعرف بين العلماء من أصحابنا بـ (رجال النجاشي).
طبع في الهند ثم في إيران بتحقيق الشيخ محمد جواد النائيني، معنوناً بـ (رجال النجاشي).
واحتوى ـ حسب ترقيم نشرة إيران ـ (1270) اسماً.
ولا خلاف بين علمائنا في صحة نسبة هذه الكتب الأربعة إلى مؤلفيها الثلاثة. ولوثاقة نسبتها إلى مؤلفيها، وثبوت عدالة مؤلفيها اعتمدوا عليها.
ولكن غير واحد من علمائنا خَمّسَ هذه الأصول الرجالية بإضافة كتاب (الضعفاء) إليها، وهو:
5 ـ الضعفاء:
اختلف في نسبته:
أ ـ فقيل: إنه من تأليف أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله الغضائري المتوفى سنة 411هـ.
ب ـ والمشهور: أنه من تأليف ابنه أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري (ق ه)، المعاصر للشيخين الرجاليين الطوسي والنجاشي، والمتوفى قبلهما لترحمهما عليه في كتابيهما الفهرسين عند ذكرهما له في غضون بعض التراجم.
ويفرق بين الأب والابن بتلقيب الأب بـ (الغضائري) والابن بـ (ابن الغضائري).
ومن اللافت للنظر أنه لم يرد أي ذكر أو أية إشارة إلى كتاب الضعفاء في فهرسي الطوسي والنجاشي، وكذلك الشأن في الكتب الرجالية المؤلفة بعدهما، حتى القرن الثامن الهجري حيث عثر السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحلي المتوفى سنة 673هـ، على نسخة من الكتاب، فأدرجها موزعة في كتابه الرجالي الموسوم بـ (حل الإشكال في معرفة الرجال)، الذي ألفه سنة 644هـ، وجمع فيه الأصول الرجالية الأربعة عن طريق روايتها عن مؤلفيها بأسانيده المعروفة إليهم، ومعها رجال البرقي ومعالم ابن شهر آشوب، وكتاب الضعفاء، ولكن مع تصريحه بعدم روايته له عن مؤلفه.
ومن بعد السيد ابن طاووس رجع كل من تلميذيه العلامة الحلي وابن داود الحلي في تأليفيهما لكتابيهما في أسماء الرجال (خلاصة الأقوال) و(رجال ابن داود) إلى كتاب (حل الإشكال) فنقلا منه تضعيفات ابن الغضائري، وتابعهما من جاء بعدهما من الرجاليين في النقل عنهما.
فكان كل من نقل تضعيفات ابن الغضائري من الرجاليين الذين تأخروا عن السيد ابن طاووس بدءاً بتلميذيه العلامة الحلي وابن داود الحلي حتى عصرنا هذا، نقلوا ما ذكره السيد ابن طاووس في كتابه (حل الإشكال).
ولأن (حل الإشكال) ـ هو الآخر ـ لم يقع في أيدي جميع الرجاليين من بعد ابن داود والعلامة اعتمد الناقلون عنه على كتابيهما، حيث بقي هكذا حتى وقف الشهيد الثاني (ت966هـ) على نسخة خط المؤلف السيد ابن طاووس، كما أشار إلى هذا في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي.
ثم انتقلت مخطوطة (حل الإشكال) بالإرث الشرعي إلى ولد الشيخ الشهيد الثاني الشيخ حسن صاحب المعالم المتوفى سنة 1011هـ، فاستخرج منها كتابه الذي وسمه بـ (التحرير الطاووسي).
وبعد هذا اختفت النسخة حتى عثر عليها الشيخ عبدالله التستري (ت1021هـ)، وكانت آيلة إلى التلف، فاستخرج منها عبائر كتاب (الضعفاء) خاصة، لعدم وجوده ـ كما ذكرنا ـ بين يدي الباحثين والعلماء، بخلاف الكتب الأربعة الأخرى، فإنها كانت موجودة ومتوفرة.
ثم قام تلميذ التستري وهو الشيخ عناية الله القهبائي فأدرج كتاب الضعفاء الذي استخرجه أستاذه التستري من كتاب حل الإشكال، أدرجه موزعاً في كتابه (مجمع الرجال) الذي جمع فيه الأصول الرجالية الخمسة.
نشأة علم رجال الحديث
إنوجد علم الرجال في مجال التطبيق قبل أن ينوجد في مجال النظرية، وذلك أن (أسماء الرجال) الذي ينطوي على تعريف الراوي وتقييم حاله، هو في واقعه تطبيق لنظريات وقواعد علم الرجال التي لم يقدر لها أن تدوّن في حينها علماً له أصوله ونظرياته.
وقد ألمحت إلى هذا عند بيان العلاقة بين مادتي علم الرجال وأسماء الرجال، فقلت ـ هناك ـ إن علم الرجال يمثل الكليات والقواعد العامة، وأسماء الرجال يمثل الجزئيات والمصاديق الخاصة التي تنطبق وتطبّق عليها كليات وقواعد علم الرجال.
فعلم الرجال هو النظرية، وأسماء الرجال هو التطبيق، وكان ينبغي أن تسبق النظرية التطبيق في عالمي الدرس والتأليف، ولكن الذي كان هو أن سبق التطبيق النظرية في عالم التأليف والتدوين، وقد أوحى هذا ـ وهو أمر طبيعي في دنيا العلوم ـ أن توضع النظرية.
وكانت البدايات لوضع النظرية قد انبثقت من خلال الدراسات الأصولية، في باب التعادل والترجيح للروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الموضوع أمثال مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة بن أعين اللتين تقدم ذكرهما، وفي باب حجية خبر الثقة استناداً إلى السيرة الاجتماعية الموروثة والممتدة من عهد رسول الله (ص) حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ففي هذا الباب حاول علماء الأصول أن يلتمسوا الطريق إلى معرفة ذلك.
ومن أقدم من قرأناه يشير إلى ذلك الشيخ الطوسي، فقد وضع النظرية لهذا، ملخصة في اعتبار خبر الواحد حجة إذا كان راويه ثقة لا ينكر حديثه ووجد في كتاب معروف أو أصل مشهور، يقول في كتابه (عدة الأصول 1/336 ـ 338): «فأما ما اخترته من المذهب: فهو أن خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) أو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديداً في نقله، ولم تكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر.
والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟، فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي (عليه السلام) ومن بعده من الأئمة (عليهم السلام)، ومن زمن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) الذي انتشر العلم عنه، وكثرت الرواية من جهته، فلولا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما أجمعوا على ذلك، ولأنكروه، لأن إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو».
فهو هنا يضع القاعدة أمام الباحثين، وفحواها: أن يعتمدوا على توثيقات الرجاليين المتقدمين مع وجود النص المروي في كتاب معروف أو أصل مشهور.
ومن بعده نقرأ المحقق الحلي في كتابه (معارج الأصول 150)، وهو يضع أمام الباحثين النظرية أو القاعدة لمعرفة عدالة الراوي بقوله: «عدالة الراوي تعلم باشتهارها بين أهل النقل، فمن اشتهرت عدالته من الرواة أو جرحه عمل بالاشتهار.
وإن خفي حاله وشهد بها محدث واحد، هل يقبل قوله بمجرده؟ الحق أنه لا يقبل إلا على ما يقبل عليه تزكية الشاهد وجرحه، وهو شهادة عدلين.
وإذا جرح بعض، وعدّل آخرون، قدم العمل بالجرح، لأنه شهادة بزيادة لم يطلع عليها المعدّل، ولأن العدالة قد يشهد بها على الظاهر، وليس كذلك الجرح».
ومن بعد هذا وأمثاله مما تناوله العلماء في الدرس الأصولي انبث الكثير من النظريات والقواعد الرجالية في غضون وثنايا تقييمات الرجاليين في المعاجم الرجالية، بما هيأ المادة الكافية لاستقلال علم الرجال وتدوين نظرياته وكلياته في كتب مستقلة.
ومن أقدم المعاجم الرجالية التي تناثرت فيها النظريات والكليات الرجالية كتاب (الخلاصة) للعلامة الحلي.
ومنه أمثال ما جاء في:
1 ـ ترجمة إبراهيم بن سليمان بن عبدالله بن حيان:
«قال الشيخ (ره): إنه كان ثقة في الحديث… وضعفه ابن الغضائري، قال: إنه يروي عن الضعفاء، وفي مذهبه ضعف، والنجاشي وثقه أيضاً كالشيخ، فحينئذٍ يقوى عندي العمل بما يرويه».
وهو ـ بهذا ـ يضع قاعدة رجالية، وخلاصتها: إذا تعارض توثيق الشيخين النجاشي والطوسي وتضعيف ابن الغضائري يقدم توثيق الشيخين.
2 ـ وكذلك نجد تطبيقاً للقاعدة المذكورة أعلاه في ترجمة إسماعيل بن مهران:
«وقال الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري (ره): إنه يكنى أبا محمد، ليس حديثه بالنقي، يضطرب تارة ويصلح أخرى، ويروي عن الضعفاء كثيراً، ويجوز أن يخرّج شاهداً.
والأقوى عندي قبول روايته، لشهادة الشيخ أبي جعفر الطوسي والنجاشي له بالثقة».
3 ـ ترجمة إسماعيل بن الخطاب:
«قال الكشي: حدثني محمد بن قولويه شيخ الفقهاء عن سعد عن أيوب بن نوح عن جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: أخبرني معمر بن خلاد، قال: رفعت إلى الرضا (عليه السلام) ما خرج من غلة إسماعيل بن الخطاب بما أوصى به إلى صفوان؛ فقال: رحم الله إسماعيل بن الخطاب ورحم صفوان فإنهما من حزب آبائي (عليه السلام). ومن كان من حزب آبائي أدخله الله الجنة.
ولم يثبت عندي صحة هذا الخبر ولا بطلانه، فالأقوى الموقف في روايته».
إن مفهوم تعليقة العلامة على رواية الكشي وهي قوله «لم يثبت عندي…» أنه يذهب إلى أن ترحم الإمام المعصوم توثيق للراوي، فيضع بهذا نظرية أخرى من نظريات علم الرجال.
4 ـ ترجمة إدريس بن زياد الكفر ثوثاني:
وقال ابن الغضائري: إنه خوزي الأم، يروي عن الضعفاء، والأقرب عندي قبول روايته لتعديل النجاشي له، وقول ابن الغضائري لا يعارضه، لأنه لم يجرحه في نفسه ولا طعن في عدالته».
وهنا تستفاد منه قاعدة أخرى مؤداها: أن نسبة الرواية للراوي عن الضعفاء، لأنها لا جرح فيها للراوي ولا طعن في عدالته، لا تعارض توثيقه إذا وثق من مثل النجاشي.
5 ـ ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة البجلي القمي:
«كان من أهل الفضل والأدب والعلم… ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل، ولم يروَ فيه جرح، فالأقوى قبول روايته، مع سلامتها من المعارض».
والقاعدة التي تستفاد من تعليقته هذه هي: أن الراوي الذي لم يعدل ولم يجرح ولم يكن هناك رواية تعارض روايته، تقبل روايته.
ومن بعد هذا صار المؤلفون من الرجاليين يدرجون النظريات الرجالية كالتي ذكرها العلامة الحلي في غضون ترجمات الرواة من كتاب (الخلاصة)، والتي هي بمثابة قواعد عامة، في أوائل ومقدمات معاجمهم الرجالية، ويعنونونها ـ في الغالب ـ بعنوان (الفوائد الرجالية)، ويغلب عليها أنها لم تنظم تنظيماً يرتفع بها إلى مستوى العلم.
وأقدم من صنع هذا هو الشيخ حسن العاملي صاحب المعالم في مقدمة كتابه (منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان).
وكانت اثنتي عشرة فائدة، وهي ـ كما جاء في (الذريعة 23/7):
1 ـ في معنى الأقسام الأربعة للحديث.
2 ـ في عدم الاكتفاء بتزكية العدل الواحد.
3 ـ في اختلاف مسلك المشايخ الثلاثة في ذكر السند.
4 ـ في ذكر مشايخه بالإجازة.
5 ـ بيان طريق الشيخ في كتابه إلى أكثر من روى عنهم معلقاً.
6 ـ بيان كلية للتمييز بين المشتركات.
7 ـ فيمن توهم الأصحاب اشتراكهم وليس مشتركاً.
8 ـ فيما أضمر عن ذكر الإمام.
9 ـ من أكثر عنه المشايخ ولم يذكر اسمه في كتب الرجال لا يعد مجهولاً لبعد اتخاذ هؤلاء الأجلاء الرجل الضعيف المجهول شيخاً يكثرون الرواية عنه.
10 ـ في عدول الشيخ في كتابه عن سند متضح إلى غيره لكونه أعلى.
11 ـ في أصحاب عدة الكليني.
12 ـ محمد بن إسماعيل المصدر به في بعض أسانيد الكافي.
وقد استخرجها من الكتاب المذكور وكتبها بشكل مستقل، كل من:
1 ـ الشيخ محمد بن جابر بن عباس النجفي.
2 ـ الشيخ محمد بن دنانة بن الحسين الكعبي.
3 ـ الشيخ محمد علي بن محمد طاهر الخراساني الخبوشاني المتوفى سنة 1236هـ، كتبها ضمن مجموعة تشتمل أيضاً على:
ـ الفوائد الرجالية لأستاذ الناسخ الشيخ يوسف البحراني.
ـ الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني.
ـ الفوائد الأصولية للوحيد البهبهاني أيضاً.
التأليف في علم الرجال
ويبدو أن أقدم من ألف كتاباً مستقلاً في الفوائد الرجالية هو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي الشهير بالبهائي المتوفى سنة 1031هـ، فقد ذكر أنه كتب رسالة مختصرة في (الفوائد الرجالية)، وذكر أيضاً أن الشيخ المامقاني أدرجها بتمامها في كتابه الرجالي (تنقيح المقال) )[447](.
ثم تتالى التأليف في الفوائد الرجالية، فألف بعد البهائي (1):
2ـ المولى إسماعيل بن محمد حسين الخاجوئي المتوفى سنة 1173هـ.
3ـ الشيخ يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني المتوفى سنة 1186هـ، وسبق أن أشرت إلى أن تلميذه الخبوشاني له مجموعة في الفوائد من ضمنها رسالة أستاذه الشيخ البحراني.
4 ـ المولى محمد باقر الشهير بالوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1206هـ، وأشرت إلى أن مجموعة الخبوشاني اشتملت على رسالتين للوحيد إحداهما في الفوائد الرجالية والأخرى في الفوائد الأصولية.
وهي ـ أعني الفوائد الرجالية ـ خمس فوائد صدر بها تعليقته الرجالية المعروفة.
وقد أفردها الشيخ حسين الخاقاني وألحقها بكتاب جده الشيخ علي الخاقاني المعروف بـ (رجال الخاقاني)، والذي هو شرح لها.
وهي كما فهرسها الوحيد البهبهاني نفسه:
1 ـ في بيان الحاجة إلى علم الرجال.
2 ـ في بيان طائفة من الاصطلاحات المتداولة في الفن وفائدتها.
3 ـ في سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة.
4 ـ في ذكر بعض مصطلحاتي في هذا الكتاب.
5 ـ في طريق ملاحظة الرجال وما ذكرته أنا أيضاً لمعرفة حال الراوي.
ثم كثر التأليف في الفوائد الرجالية في القرن الثالث عشر، فمن مؤلفيه بعد الوحيد البهبهاني.
5 ـ السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ، له (الفوائد الرجالية)، ونشر في النجف الأشرف بعنوان (رجال السيد بحر العلوم) بتحقيق وتعليق حفيديه: السيد محمد صادق بحر العلوم، وابن أخيه السيد حسين بن السيد محمد تقي بحر العلوم.
6 ـ السيد محسن الأعرجي الكاظمي المتوفى سنة 1227هـ، له (الفوائد الرجالية)، وعددها ثماني عشرة فائدة، كتبها مقدمة لكتابه الموسوم بـ (عدة الرجال) الذي ألفه لولده السيد علي المتوفى شاباً في حياة أبيه، ولم يكمله لهذا السبب)[448](.
7 ـ الميرزا محمد بن عبدالنبي الأخباري الهندي المتوفى سنة 1232هـ، له: (كليات الرجال) و(تقويم الرجال).
8 ـ السيد عبدالله بن ميرزا محمد رحيم الكبير الأصفهاني المتوفى سنة 1243هـ، له: (الكليات الرجالية).
9 ـ الشيخ محمد علي بن محمد باقر الهزار جريبي المتوفى سنة 1245هـ، له: كتاب (السراج المنير) في الفوائد الرجالية.
10 ـ السيد عبدالفتاح المراغي المتوفى سنة 1250هـ، له: (الفوائد الرجالية).
11 ـ السيد محمد رضا بن محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1253هـ، له: (الإيجاز) في القواعد الرجالية، و(اللب اللباب) في القواعد الرجالية، وهو أبسط من سابقه.
ومن المؤلفين في القواعد والفوائد الرجالية في القرن الرابع عشر الهجري:
1 ـ الشيخ أبو المعالي بن محمد إبراهيم الكلباسي المتوفى سنة 1315هـ، له: (الفوائد الرجالية).
2 ـ الشيخ علي بن محمد جعفر شريعتمدار الاسترآبادي الطهراني المتوفى سنة 1315هـ له: كتاب (مبدأ الآمال في قواعد علم الحديث والدراية والرجال).
3 ـ الشيخ محمد حسن بن محمد جعفر شريعتمدار الطهراني المتوفى سنة 1318هـ، له: كتاب (الإيجاز في قواعد الدراية والرجال).
4 ـ السيد محمد هاشم الجهار سوقي المتوفى سنة 1318هـ، له: (الفوائد الرجالية).
5 ـ الشيخ محمد تقي بن محمد باقر الطهراني المتوفى سنة 1332هـ، له: رسالة في دراية الحديث وقواعد علم الرجال.
6 ـ الشيخ محمد حسن آل كبة البغدادي المتوفى 1333هـ، له: (الفوائد الرجالية).
7 ـ السيد عطالله بن محمد باقر الخوانساري المتوفى سنة 1335هـ، له (الفوائد الرجالية).
8 ـ أيوب أبو تراب الخوانساري المتوفى سنة 1346هـ، له: (الفوائد الرجالية)، وهي خمسمائة فائدة.
9 ـ الشيخ أبو الهدى بن أبي المعالي الكلباسي المتوفى سنة 1356هـ، له: (الفوائد الرجالية) وهي ثلاثون فائدة في الرجال والحديث.
10 ـ الشيخ الميرزا أبو الحسن بن عبدالحسين المشكيني المتوفى سنة 1358هـ، له: كتاب (وجيزة في علم الرجال)، نشر في بيروت ستة 1411هـ 1991م بتحقيق السيد زهير الأعرجي.
11 ـ الشيخ محمد بن علي حرز الدين النجفي المتوفى سنة 1365هـ، له: كتاب (قواعد الرجال وفوائد المقال).
12 ـ الشيخ إبراهيم بن علي الكرباسي المتوفى سنة 1396هـ، له: كتاب (درر المقال في شرح الدراية والرجال).
ومن مؤلفي هذا القرن (الخامس عشر الهجري):
1 ـ أستاذنا السيد أبو القاسم الخوئي المتوفى سنة 1413هـ، صدّر موسوعته الرجالية القيمة (معجم رجال الحديث) بمقدمات فيها جملة من الفوائد الرجالية المهمة.
2 ـ الشيخ محمد آصف المحسني الأفغاني، له: كتاب (فوائد رجالية) طبع في إيران.
3 ـ الشيخ جعفر السبحاني له: كتاب (كليات في علم الرجال)، نشر في بيروت سنة 1410هـ 1990م.
ويتميز بدراسته للكتب الرجالية المعتمدة في الوسط العلمي كمصادر ومراجع في معرفة أحوال الرواة.
المصطلحات العامة:
1 ـ التوثيق
تستخدم كلمة (التوثيق) في هذه الدراسة بمعنيين، أحدهما عام، والآخر خاص.
ويراد بالتوثيق العام وصف الراوي بالوثاقة بمعناها الأعم من أن يكون الراوي معدَّلاً أو محسَّناً أو موثقاً بالمعنى الخاص.
ويراد بالتوثيق الخاص وصف الراوي بالوثاقة بالمعنى الخاص.
ويراد بالتوثيق الخاص وصف الراوي بالوثاقة بمعناها الخاص في مقابلة التعديل والتحسين.
وأكثر ما ستستخدم به ـ هنا ـ في التوثيق بمعناه العام، ويفهم المراد منها من قرينة السياق.
2 ـ الرجالي:
يراد به المتخصص بعلم الرجال، الخبير بأحوال الرواة وشؤونهم الأخرى التي لها ارتباط في قبول أو رفض روايتهم.
3 ـ الفقيه العادل:
يراد به العالم الواصل إلى رتبة الاجتهاد في الفقه، مع اتصافه بالعدالة في سلوكه.
4 ـ الكتب الرجالية:
ستستعمل ـ غالباً ـ في الكتب المتخصصة بعرض وبيان أحوال الرواة.
5 ـ المتقدمون:
يراد بذلك الرجاليون من الشيخ الطوسي ومعاصره الشيخ النجاشي، ومن قبلهم أمثال: الكشي وابن الغضائري والصدوق والمفيد وابن قولويه والكليني.. وإلخ.
6 ـ المتأخرون:
وهم الرجاليون بعد الشيخين النجاشي والطوسي، أمثال: ابن داود والعلامة الحليين وأستاذهما السيد ابن طاووس… وإلخ.
القواعد
تبيّنا في دراستنا لنشأة علم الرجال أنه ينطوي على نوعين من المعرفة العلمية، هما: القواعد والفوائد.
وعرفنا ـ أيضاً ـ أنه قد ألف فيهما منفردين ومجتمعين.
لهذا، ولأجل أن نكون أيضاً مع معطيات التراث العلمي نقسم دراستنا ـ هنا ـ على القسمين المذكورين بادئين بالقواعد.
والفرق بين القاعدة والفائدة، هو:
1 ـ القاعدة تعني الضابطة الكلية التي تطبق على مصاديقها وجزئياتها لتوصل الباحث إلى النتيجة العلمية المطلوبة.
2 ـ والفائدة: هي كل ما يستفيده الباحث زيادةً على معطيات القواعد.
وتنقسم القواعد الرجالية إلى قسمين:
1 ـ قواعد التقييم.
2 ـ قواعد التعارض.
وسنبدأ بدراسة قواعد التقييم، ثم نقوم بدراسة قواعد التعارض، لأن التعارض ـ في واقعه ـ تنافٍ بين تقييمين أو أكثر.
قواعد التقييم
التقييم في لغتنا هو: بيان وتقدير قيمة الشيء.
يقال: «قيّم الشيء تقييماً: قدّر قيمته»)[449](.
ولأننا نريد منه المعنى نفسه ـ هنا ـ وهو بيان قيمة واعتبار الراوي من حيث الوثاقة واللا وثاقة اخترته مصطلحاً لتقديرات الرجاليين المذكورة في كتبهم من: تعديل، وتجريح، ومدح وقدح، وتحسين وتهجين، وتقوية وتضعيف، وتجهيل وتعريف، وما إليها.
فالمراد من التقييم ـ هنا ـ: بيان قيمة الراوي من حيث الوثاقة واللاوثاقة.
واستبعدت أن أستخدم كلمة (تقويم) لأنها تعني تعديل المعوج، يقال: «قوّم الشيء تقويماً: عدّله»)[450](، ولسنا ـ هنا ـ بصدد هذا المعنى)[451](.
مشروعية تقييمات الرجاليين
وقبل التماسنا القواعد الرجالية لا بد من التأسيس لهذا بتعرفنا مشروعية تقييمات الرجاليين، ومدى جواز الرجوع إليها وصحة الاعتماد عليها.
وذلك لأن طريقنا الآن ـ كما ألمحت ـ إلى تقييم أسانيد الأحاديث ومعرفة أحوال الرواة هو كتب الرجال، فعلينا ـ إذاً ـ وقبل البدء بدرس القواعد الرجالية أن نعرف مدى حجية ما يذكره الرجاليون من تقييماتهم لأحوال الرواة ومقدار الاعتماد عليها والاستناد إليها.
فمتى ثبتت بالدليل حجية تقييمات الرجاليين ومشروعية العمل بها، انتقلنا إلى القواعد الرجالية التي تبنى وتشاد على هذا الأساس.
والمقصود من التقييمات ـ هنا ـ ما جاء منها في الكتب الرجالية الأصول، وهي: (الاختيار) و(الأبواب) و(الفهرست) للطوسي و(الفهرس) للنجاشي.
وقد يلحق بها ـ على رأي بعضهم ـ كتاب (الضعفاء) لابن الغضائري.
وذلك لأن ما بعده هذه الكتب المذكورة أمثال (الخلاصة) للعلامة الحلي و(الرجال) لابن داود الحلي، هي تطبيقات للقواعد الرجالية على تقييمات المشايخ الأربعة: الكشي والطوسي والنجاشي وابن الغضائري.
وعلى هذا، تكون تقييمات مؤلفيها كالعلامة وابن داود نتائج اجتهادية.. وسيأتي لهذا مزيد بيان.
الطريق إلى معرفة الراوي
أسلفت في أوائل البحث أن أنواع معرفة أحوال الرواة من حيث الوثاقة واللاوثاقة، ثلاثة، هي:
1 ـ المعرفة الواقعية:
وتأتي عن طريق الاطلاع المباشر على سلوك الراوي.
2 ـ المعرفة الظاهرية:
وتأتي عن طريق الاستماع لشهادة المطلع على سلوك الراوي بشكل مباشر.
3 ـ المعرفة العلمية:
وهي المكتسبة عن طريق الرجوع إلى كتب الرجال والوقوف على تقييماتهم لحال الراوي.
ونحن ـ الآن ـ لأننا لم نعاصر الرواة، ولم نعاصر المطلعين على أحوالهم الذين يحملون معهم الشهادة بواقع حالهم، ليس أمامنا إلاّ اكتساب المعرفة العلمية بحالهم، وذلك بالرجوع إلى الكتب الرجالية المعتمدة.
نوعية تقييم الراوي
وقد اختلف العلماء ـ وهم يستدلون على حجية قول الرجالي ـ في نوعية تقييم الرجالي للراوي (الذي عبروا عنه في لغتهم بتزكية الرجالي وقول الرجالي) على آراء هي:
1 ـ إن تقييم الرجالي للراوي هو من نوع الشهادة.
2 ـ إن تقييمه من نوع الرواية (خبر الثقة).
3 ـ إن تقييمه اجتهاد منه قائم على تطبيقه لمبادىء وقواعد علم الرجال.
4 ـ هو من نوع أهل الخبرة (المتخصصين).
5 ـ هو نوع من التثبت والتبين المورث للاطمئنان والوثوق الشخصي.
ونوضحه بالتالي:
2ـ الشهادة:
يقال: (شهد الشيء يشهده شهادة: حضره أو علم به).
ويقال: شهد يشهد شهادة: دل دلالة قاطعة بقول أو غيره)[452](.
هذا في المعجم اللغوي والدلالة اللغوية، وهي كذلك في عرف الناس والاستعمالات الاجتماعية، وأيضاً هي بنفس المعنى في الشريعة لأن المشرّع الأقدس أمضى وأقر سيرة الناس في هذا.
وقد اشترط القائلون بأن تقييم الرجالي للراوي هو من باب الشهادة تعدد الشاهد.
بمعنى أنه لا يكتفي بتقييم رجالي، بل لا بد من توفر تقييمين متوافقين في المدلول، ومن رجاليين اثنين أو أكثر ليتحقق بهذا معنى الشهادة.
فعلى رأي هؤلاء لا يكتفي ـ مثلاً ـ بقول الكشي وحده، بل لا بد من انضمام قول النجاشي أو الطوسي إليه.
وكذلك الشأن في قول كل من الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي.
والقول هو القول فيما ينقله هؤلاء الرجاليون من تقييمات العلماء المتقدمين أمثال: الكليني والصدوق وابن قولويه والمفيد والبرقي وغيرهم.
ونسب هذا الرأي لصاحب الفصول وجمع من العلماء.
2 ـ الرواية:
ويراد بها أن قول الرجالي هو من نوع الإخبار، أو بمعنى أصوب: الرواية ـ هنا ـ تعني نقل الرجالي خبر التقييم وشهادة من شهد بذلك.
أي أن النجاشي ـ مثلاً ـ ينقل في كتابه تقييمات المتقدمين فهو ـ على هذا ـ يروي التقييم وينقل الشهادة المشهود بها في حق الراوي.
وأصحاب هذا الرأي ـ بدورهم ـ ينفون اشتراط تعدد الرجاليين الناقلين للتقييم، لما ثبت من سيرة الناس في الاعتماد على خبر الثقة الواحد، فمتى لم يعارض قول الرجالي بما يسقطه أو يوجب التوقف، يؤخذ به ويعتمد عليه.
حكي هذا الرأي عن الشهيد الثاني صاحب المدارك وصاحب المعالم وآخرين.
3 ـ الاجتهاد:
ويقصد به أن تقييمات الرجاليين هي نتائج اجتهادية توصلوا إليها عن طريق ما اعتمدوه من قواعد علم الرجال وتطبيقاتها على ما وقفوا عليه من تقييمات المتقدمين أو من قرائن صاحبت ذلك.
ولازم هذا: أن على الفقيه الذي يروم معرفة مستوى سند الحديث الذي يدخل في إطار بحثه الفقهي، أن يجتهد هو الآخر، فيستعمل ما لديه من وسائل اجتهادية، ويطبق ما يعتمده من قواعد رجالية، ويستند إلى نتائجه في مجال البحث الفقهي، تماماً كما فعل الرجاليون المتقدمون.
4 ـ الخبرة:
ويراد بها أن التقييمات التي ينقلها الرجاليون في حق الرواة هي نتائج ممارسة واختصاص في معرفة أحوال الرواة.
وبتعبير آخر: إن الذين كانوا يتصدون لتقييم حال الراوي هم من أهل التخصص والخبرة في ذلك.
5 ـ الوثوق الشخصي:
وأعني به اعتماد الفقيه في معرفة صحة إسناد الرواية على الإمارات والقرائن التي تحيط بالرواية والتي يستفاد منها وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية.
وهو الطريق الذي سلكه المحقق الهمداني، فقد نقل عنه في (التنقيح فيشرح العروة 1/26) قوله: «ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتصافها بالصحة المطلوبة، وإلا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا إثبات عدالة رواته على سبيل التحقيق، لولا البناء على المسامحة في طريقها والعمل بظنون غير ثابتة الحجية.
بل المدار على وثاقة الراوي أو الوثوق بصدور الرواية، وإن كان بواسطة القرائن الخارجية، التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الأربعة، أو مأخوذة من الأصول المعتبرة، مع اعتناء الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها…
ولأجل ما تقدمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالهم». ونُسب هذا الرأي إلى المشهور.
وبعد أن استعرضنا الآراء في المسألة، مع الإلماح خاطفاً إلى الدليل، ينبغي أن نشير إلى أن المنهج السليم لمعرفة واقع التقييم، هو أن نتبع التالي:
1 ـ الواقع التاريخي للرواية، فإنه يُبين وبوضوح أن التقييم المذكور في كتب الرجال، هو في غالبه تسلسل في نقل التقييم من قبل المختصين بذلك، وهم من يعبر عنهم في لغة أصول الفقه بأهل الخبرة.. فمثلاً:
أ ـ عندما ينص أحد الأئمة (عليهم السلام) على أحد أصحابه بالوثاقة، ينقل هذا النص عن طريق الرواية حتى يصل إلى مدوني الكتب الرجالية فيعتمد من قبلهم في تقييمهم لحال ذلك الراوي.
وهذا النص ينقله ـ عادة ـ من هو متخصص في دراسة أحوال الرواة.
ب ـ عندما تقوم البينة على تقويم حال راوٍ من الرواة، ينقل أولئك الخبراء المختصون هذه الشهادة، ويتسلسل نقلهم لها حتى يصل إلى مؤلفي الكتب الرجالية فينقلون خبر الشهادة معتمدين عليه.
في هاتين الحالين المذكورتين لا يخرج الواقع عن أن الأمر ـ هنا ـ هو نقلُ خبرٍ، وبوساطة الثقة الذي هو الرجالي صاحب الكتاب.
ج ـ قد يلتمس مؤلف الكتاب الرجالي تقييمه من مجموعة قرائن خارجية وملابسات أخرى وقف عليها.
في مثل هذه الحال يكون تقييمه من نوع الاجتهاد.
وفي ضوء هذه التفرقة يعامل النقل معاملة خبر الثقة فيؤخذ به كرواية.
وأما فيما هو اجتهاد، فالمنهج والدليل يفرضان على الباحث أن يجتهد كما اجتهد ذلك الرجالي.
فقد ينتهي إلى نتيجته فيوافقه فيها، وقد يختلف معه فيخالفه.
ويظهر مما أفاده أستاذنا السيد الخوئي في هذا المقام أن احتمال انبثاق تقييمات الرجاليين القدامى عن اجتهاد منهم، احتمال ضعيف لا يعتد به، وذلك لما ثبت من السيرة الاجتماعية المشار إليها، ومن طريقة الرجاليين القدامى في البحث الدالة على اهتمامهم بنقل الشهادات وبكل عناية.
قال في موسوعته (معجم رجال الحديث 1/41 ـ 42): «ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام، كالبرقي وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والشيخ، وأضرابهم.
وهذا ـ أيضاً ـ لا إشكال فيه، وذلك من جهة الشهادة وحجية خبر الثقة.
وقد ذكرنا في أبحاثنا الأصولية أن حجية خبر الثقة لا تختص بالأحكام الشرعية، (بل) تعم الموضوعات الخارجية أيضاً، إلا فيما قام دليل على اعتبار التعدد كما في المرافعات، كما ذكرنا أنه لا يعتبر في حجية خبر الثقة العدالة، ولهذا نعتمد على توثيقات ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما.
فإن قيل: إن إخبارهم عن الوثاقة والحسن ـ لعله ـ نشأ من الحدس والاجتهاد وإعمال النظر، فلا تشمله أدلة حجية خبر الثقة، فإنها لا تشمل الأخبار الحدسية، فإذا احتمل أن الخبر حدسي كانت الشبهة مصداقية.
قلنا: إن هذا الاعتماد لا يعتني به بعد قيام السيرة على حجية خبر الثقة فيما لم يعلم أنه نشأ من الحدس، ولا ريب في أن احتمال الحس في أخبارهم ـ ولو من جهة نقل كابر عن كابر، وثقة عن ثقة ـ موجود وجداناً.. كيف؟ وقد كان تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح في السقيم أمراً متعارفاً عندهم، وقد وصلتنا جملة من ذلك، ولم تصلنا جملة أخرى، وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفاً ومئة كتاب على ما يظهر من النجاشي والشيخ وغيرهما، وقد جمع ذلك البحاثة الشهيرة المعاصر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه (مصفى المقال).
قال الشيخ في كتاب (العدة) ـ في آخر فصل في ذكر خبر الواحد ـ: إنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرّقت بين من يعتمد على حديثه وروايته وبين من لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم، وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلّط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها.
وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى أن واحداً منهم إذا أنكر حديثاً طعن في إسناده وضعفه بروايته.
هذه عادتهم على قديم وحديث لا تنخرم».
والنجاشي قد يسند ما يذكره إلى أصحاب الرجال، ويقول: «ذكره أصحاب الرجال».
وهذه العبارات ـ كما ترى ـ صريحة الدلالة على أن التوثيقات أو التضعيفات، والمدح أو القدح، كانت من الأمور الشائعة المتعارفة بين العلماء، وكانوا ينصون عليها في كتبهم.
وبهذا يظهر أن مناقشة الشيخ فخر الدين الطريحي في مشتركاته (بأن توثيقات النجاشي أو الشيخ يحتمل أنها مبنية على الحدس فلا يعتمد عليها) في غير محلها».
2 ـ معرفة طريقة المشايخ أصحاب الأصول الرجالية في تأليفهم من خلال خطب كتبهم التي يذكرون فيها مثل هذا عادة.
وبرجوعنا إلى مقدمة الشيخ الطوسي لـ (الفهرست) رأيناه يقول: «فإذا ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلا بد من أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعوّل على روايته أو لا».
ونصه هذا صريح في أن ما يذكره من تقييمات هي نقول عمن قبله.
ويقول الشيخ النجاشي في عنوان كتابه: «الجزء الأول من كتاب (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) وما أدركنا من مصنفاتهم، وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم، وما قيل في كل رجل منهم من مدح أو ذم».
ونصه هذا ـ هو الآخر ـ صريح في أن ما ذكره من تقييمات هي منقولات عمن قبله.
وإذا ضممنا إلى هذا نص الشيخ الطوسي في كتاب (العدة) الذي مر في شواهد أستاذنا السيد الخوئي ننتهي إلى أن طريقة المشايخ في كتبهم الرجالية، هي الرواية.
ولأنها رواية وخبر واحد تشملها أدلة حجية خبر الثقة.
وبما أن مسألة حجية الثقة قد أشبعت بحثاً وتوضيحاً في علم أصول الفقه بما فيه الكفاية، ولأنكم درستم المسألة دراسة وافية، لا أراني بحاجة إلى إطالة الكلام فيها.
أما ما أفاده المحقق الهمداني من الرأي المشهور بينهم، فإنه لا يخرج ـ في واقعه ـ عن أنه نوع من الاجتهاد وصل فيه صاحبه إلى مرحلة القطع بالنتيجة، أو مرحلة الاطمئنان والوثوق بها، التي هي مستوى آخر من القطع.
وإثبات حجية القطع ـ كما هو معلوم ـ لا يحتاج إلى إقامة حجة لأنها ذاتية تدرك بالبداهة.
وأخيراً: نخلص من كل هذا إلى أن تقييمات الرجاليين المعتمدين أمثال الكليني والكشي والصدوق وابن قولويه والمفيد والطوسي والنجاشي وابن الغضائري معتمدة.
تقييمات غير الشيعة
سبق أن تعرفنا في الحديث عن التأليف في أسماء رجال الحديث الشيعة أن في مؤلفي المادة المذكورة من هو غير شيعي المذهب، وذكرنا منهم:
1 ـ ابن فضال (الأب): الحسن بن علي الكوفي (ت224هـ) الفطحي المذهب.
2 ـ ابن فضال (الابن): علي بن الحسن بن علي الكوفي (ق3) الفطحي المذهب.
3 ـ ابن عقدة: أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني (ت333هـ) الزيدي المذهب.
وقد نهج كل من هؤلاء في كتابه الرجالي منهج علمائنا الرجاليين، فقيّم توثيقاً، وقيّم تضعيفاً، شهادة وإخباراً.
ولأنهم ليسوا بإماميي المذهب وقف علماؤنا من تقييماتهم موقفين، تمثلاً في القبول والرفض، فقال فريق بقبول تقييماتهم والاعتماد عليها، وذهب فريق آخر إلى التوقف عن قبول تقييماتهم.
ويرجع هذا الخلاف إلى الاختلاف في تحديد مفهوم الثقة أو الوثاقة المشروطة في قبول خبر الواحد.
وقد سبق أن درسنا المسألة في مادة (أصول الحديث)، ورأينا هناك أن الاختلاف في تحديد مفهوم الوثاقة يرجع إلى الاختلاف في مفاد دليل حجية خبر الثقة.
فمن استدل بآية النبأ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةِ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] ـ حدد الوثاقة بالعدالة بمعناها الفقهي (وهو الاستقامة في السلوك وفق الأحكام الشرعية، أو هي الملكة النفسانية الباعثة على الاستقامة في السلوك وفق الأحكام الشرعية)، وذلك لأن الذي يقابل معنى (الفاسق) المذكور في الآية الكريمة ـ كما يرون ـ هو معنى (العادل) بتحديده الفقهي.
ومن قال بأن دليل حجية خبر الثقة هو سيرة العقلاء حدد الوثاقة بالصدق في القول، والاكتفاء بهذا في صحة قبول خبر الثقة، وترتيب الآثار الشرعية عليه، لأن السيرة الاجتماعية قائمة على هذا.
فعلى القول الأول: لأنه لا تتحقق العدالة إلاّ بأن يكون المخبر إمامي المذهب لاعتبار الإيمان بإمامة الأئمة الإثني عشر شرطاً أساسياً في تحقق العدالة بمعناها الفقهي ـ كما هو معلوم ـ لا تقبل تقييمات الرجاليين غير الإماميين لعدم توفر الشرط المذكور فيهم.
وعلى القول الثاني: تقبل تقييماتهم لنص علمائنا على وثاقتهم وصدقهم في القول.
ومن النصوص على وثاقتهم:
ـ الطوسي في (الفهرست 76 ـ 77): «الحسن بن علي بن فضال، كان فطحياً، يقول بإمامة عبدالله بن جعفر، ثم رجع إلى إمامة أبي الحسن (عليه السلام) عند موته، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين… كان جليل القدر، عظيم المنزلة، زاهداً، ورعاً، ثقة في الحديث، وفي رواياته».
ـ النجاشي في (الرجال 2/82 ـ 83): «علي بن الحسن بن علي بن فضال… كان فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه، سمع منه شيء كثير، ولم يعثر له على زلة فيه، ولا ما يشينه، وقلَّ ما روى عن ضعيف، وكان فطحياً».
ـ الطوسي في (الفهرست 56): «أحمد بن محمد… المعروف بابن عقدة… وأمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر، وكان زيدياً جارودياً، وعلى ذلك مات، وإنما ذكرناه في جملة أصحابنا لكثرة روايته عنهم وخلطته بهم وتصنيفه لهم».
ـ النجاشي في (الرجال 1/240): «أحمد بن محمد… السبيعي الهمداني، هذا رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه، وكان كوفياً، زيدياً جارودياً، على ذلك حتى مات، وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم، ومداخلته إياهم، وعظم محله، وثقته، وأمانته».
والرأي الأول هو الذي يظهر من العلامة الحلي في (الخلاصة) حيث لم يعتمد توثيقات ابن عقدة، كما في ترجمة جميل بن عبدالله بن نافع الخثعمي الخياط الكوفي، وترجمة الحكم بن عبدالرحمن بن أبي نعيم وغيرهما.
وقال في ترجمة أحمد بن الحسن بن علي بن فضال: «كان فطحياً، غير أنه ثقة في الحديث، ومات سنة ستين ومائتين، وأنا أتوقف في روايته».
وعلى هذا الرأي أيضاً غير واحد من علمائنا.
وذهب جمع إلى القول الثاني وبخاصة من متأخري المتأخرين والمعاصرين، وعلى رأسهم أستاذنا السيد الخوئي، وقد مر في نص كلامه المتقدم ما يعرب عن هذا، حيث قال: «لا يعتبر في حجية الثقة العدالة، ولهذا نعتمد على توثيقات ابن عقدة وابن فضال وأمثالهما».
ولأننا ناقشنا الاستدلال بآية النبأ في كتاب (أصول الحديث) بما خلاصته: أن كلمة (الفاسق) لم تستقر في الاستعمال القرآني على المعنى الشرعي المقابل لمعنى العدالة الذي أستفيد من أمثال صحيح عبدالله بن أبي يعفور)[453](، فلا مجال لحملها على المعنى المذكور، وبالتالي ننتهي إلى أنه لا مفهوم لها، فلا يصح الاستدلال بها، وعليه يرجع إلى السيرة الاجتماعية وهي قاضية بكفاية تحلي المخبر بصفة الصدق في القول.
تضعيفات ابن الغضائري
سبق أن ذكرت أن من الكتب الرجالية الأصول ـ في رأي البعض ـ كتاب (الضعفاء) لابن الغضائري، وألمحت إلى الخلاف في نسبته لابن الغضائري، ووعدت بالإفاضة في مسألة نسبته في هذا الفصل لاختلاف العلماء في الموقف من تضعيفاته ومدى اعتبارها والاعتماد عليها.
ويرجع هذا إلى الخلاف في نسبته إليه، فمن نفى نسبة الكتاب لابن الغضائري ألغى اعتبار تضعيفاته لجهالة مؤلفه.
والقائلون بصحة نسبته انقسموا إلى قسمين في تقدير واقع تضعيفاته.
1 ـ فبعضهم اعتبرها من نوع الفتوى المنبثقة عن اجتهاد منه، مارسه في دراسة عقيدة الراوي ومتون مروياته.
ويُلمس هذا في مثل:
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن الحسين بن مهران الملقب بدندان، قال: «وقال القميون كان غالياً، وحديثه فيما رأيته سالم، والله أعلم».
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن رشيد العامري الهلالي، قال: «زيدي، يدخل حديثه في حديث أصحابنا، ضعيف، فاسد».
وعلى هذا، فالذي يتفق معه في خط اجتهاده قد يتفق معه في نتائجه وفتواه.
ومن يختلف معه في خط اجتهاده يلغي اعتبار تضعيفاته، لأنها حجة بالنسبة إليه فقط، وليس هي حجة لغيره.
2 ـ وبعضهم اعتبرها من نوع الرواية وخبر الثقة.
ويُلمس هذا في مثل:
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن علي الرازي، قال: «كان ضعيفاً، وحدثني أبي ـ رحمه الله ـ أنه كان في مذهبه ارتفاع».
ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن محمد بن سيار القمي، قال: «ضعيف، متهالك، غالٍ محرف، استثنى شيوخ القميين روايته من كتاب «نوادر الحكمة»)[454](، وحكى محمد بن علي بن محبوب في كتاب (نوادر المصنف): أنه قال بالتناسخ».
ولثبوت وثاقة ابن الغضائري يجوز ويصح الاعتماد على تضعيفاته.
وممن نفى نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري شيخنا الطهراني، وخلاصة ما استدل به لذلك هو:
1 ـ إن الشيخين الطوسي والنجاشي لم يذكرا كتاب الضعفاء في فهرسيهما، مع معاصرتهما لابن الغضائري وعلاقتهما الودية به، وموته في حياتهما.
قال في (الذريعة 4/290): «فتبين أن ابن الغضائري هذا، وإن كان من الأجلاء المعتمدين، ومن نظراء شيخ الطائفة والنجاشي، وكانا مصاحبين معه، ومطلعين على آرائه وأقواله، وينقلان عنه أقواله في كتابيهما، إلاّ أن نسبة كتاب (الضعفاء) هذا إليه مما لم نجد له أصلاً».
2 ـ إن السيد ابن طاووس الذي أدرج كتاب الضعفاء ضمن كتابه (حل الإشكال) تبرأ من عهدته بتصريحه بأن نقله لم يكن عن رواية له عن مؤلفه أو غيره.
3 ـ إن ابن الغضائري أسمى وأرفع من أن يستعمل ألفاظ الجرح العنيفة في حق عدد من أجلاء الرواة، أمثال محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب، الراوي للتفسير المنسوب للإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام).
قال في المصدر نفسه: «فيحق لنا أن ننزه ساحة ابن الغضائري عن الإقدام في تأليف هذا الكتاب، والاقتحام في هتك هؤلاء المشاهير بالعفاف والتقوى والصلاح المذكورين في الكتاب والمطعونين بأنواع الجراح، بل جملة من جراحاته سارية إلى المبرئين من العيوب، كما في جرح هذا المفسر الأسترآبادي بأنه ضعيف كذاب.
أفلا يلزم من كونه كذاباً ـ والحال أن الصدوق قد أكثر من الرواية عنه وبالغ في الاعتماد عليه بجعله حجة بينه وبين ربه ـ أحد أمرين:
ـ إمَّا تكذيب الشيخ الطوسي في توصيفه الصدوق بأنه كان بصيراً بالرجال نقاداً للأخبار فيما إذا كان أخذ الصدوق عنه وشدة اعتماده عليه عن جهله بحاله من أنه كذاب، إذ يظهر منه أنه ليس كما وصفه الطوسي بصيراً ونقاداً.
ـ وإما تكذيب لتوصيف الحجة (عليه السلام) إياه في التوقيع بكونه خيراً فقيهاً في الدين كما حكاه آية الله بحر العلوم (ره) في (الفوائد الرجالية) )[455]( إن كان أخذه عنه عن عمد وعلم بحاله».
هذا خلاصة وأهم ما استدل به شيخنا الطهراني على نفي نسبة كتاب الضعفاء لابن الغضائري، وعلى عدم جواز الاعتماد على التضعيفات المذكورة فيه بحال من الأحوال.
ولكن يمكن أن يناقش:
1 ـ إن عدم وجدان النجاشي والطوسي نسخة كتاب الضعفاء واستقاء أقوال ابن الغضائري منها لا يدل على عدم وجود الكتاب، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود كما يقال، إذ ربما لم يطلعهما مؤلفه عليه لسبب برّر له ذلك، أو أنهما فضّلا النقل عنه من فلق فيه ونطق لسانه لأن هذا ألزم في الشهادة، وأوثق في النقل.
2 ـ إن تصريح السيد ابن طاووس بعدم روايته للكتاب عن مؤلفه لا يعني الطعن في نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وإنما كان هذا هو الواقع لدى السيد ابن طاووس حيث استطاع الحصول على الرواية إلى غيره ولم يستطع الحصول على الرواية إليه.
والنقل من الكتاب من دون أن يرويه الناقل عن مؤلفه مع وثوقه بأنه له لا يعني وهن النسبة والطعن في الكتاب، بل الأمر بالعكس، فإن هذا الاعتماد من السيد ابن طاووس يضفي على الكتاب صفة الوثوق به.
3 ـ إن استعمال ابن الغضائري ألفاظ الجرح القاسية لا يدل على عدم تورعه إذا كان ضعف الراوي ثابتاً عنده، إذ قد يرجع هذا إلى حدة في مزاجه، أو لغرض التأكيد حتى لا يتورط في الرجوع إلى مثل هذا الراوي، أو لعله كما استنتج الوحيد البهبهاني بأن «هذا يشير إلى عدم تحققه حال الرجال كما هو حقه، أو كون أكثر ما يعتقده جرحاً ليس في الحقيقة جرحاً»)[456](.
وهذا لا يعني أن الكتاب ليس له، لأن الخطأ في المنهج، وكذلك في التطبيق من العالم على تقدير وقوعه في كتابه لا يدل على عدم صحة نسبة الكتاب إليه.
4 ـ وتضعيف ابن الغضائري لمحمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي الخطيب، مع توثيق الشيخ الصدوق له، لا يعني نفي نسبة الكتاب لابن الغضائري.
وأقصى ما يمكن أن يقال: إن تضعيف ابن الغضائري لا يعارض توثيق الصدوق لتقديم الصدوق عليه لأنه خرّيت هذه الصناعة فيقدم قوله، إن تم هذا.
على أن وثاقة الأسترآبادي وتعديل الصدوق له مجال بحث، فقد ذكر أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 17/156): «إن محمد بن القاسم هذا لم ينص على توثيقه أحد من المتقدمين حتى الصدوق الذي أكثر الرواية عنه بلا واسطة، وكذلك لم ينص على تضعيفه إلاّ مما ينسب إلى ابن الغضائري، وقد عرفت غير مرة أن نسبة هذا الكتاب إليه لم تثبت.
وأما المتأخرون فقد ضعفه العلامة، والمحقق الداماد، وغيرهما.
ووثقه جماعة آخرون على ما نسب إليهم.
والصحيح أن الرجل مجهول الحال لم تثبت وثاقته ولا ضعفه.
ورواية الصدوق عنه كثيراً لا تدل على وثاقته، لا سيما إذا كانت الكثرة في غير كتاب (الفقيه) فإنه لم يلتزم بأن لا يروي إلاّ عن ثقة.
نعم، لا يبعد دعوى أن الصدوق كان معتمداً عليه لروايته عنه في (الفقيه) المؤيد بترضيه وترحمه عليه كثيراً.
ولكن اعتماد الصدوق لا يكشف عن الوثاقة، ولعله كان من جهة أصالة العدالة».
ومسألة تعديل الصدوق لشيخه الأسترآبادي تدخل منهجياً في قاعدة توثيق الرجالي لشيوخه، التي سيأتي الحديث عنها.
وعلى أية حال هي مسألة خلافية، وتعديل الرجالي لشيوخه لا يلزم منه طرح التقييمات الأخرى.
وأيضاً ممن نفى نسبة كتاب الضعفاء لابن الغضائري، السيد الخوئي.
وخلاصة ما استدل به.
1 ـ عدم تعرض العلامة الحلي له في إجازاته.
2 ـ عدم ذكر النجاشي والطوسي له في فهرسيهما.
3 ـ اختلاف ما ذكره النجاشي منسوباً إلى ابن الغضائري مع ما هو موجود في مطبوعة الضعفاء.
4 ـ قصور المقتضي لذلك.
ويعني به أن الأدلة التي استدل بها لإثبات نسبة الكتاب لابن الغضائري غير ناهضة بالإثبات.
1 ـ وتقدم منا مناقشة شيخنا الطهراني في استدلاله بعدم ذكر الطوسي والنجاشي للكتاب.
2 ـ إن عدم ذكر العلامة له في إجازاته لا يساعد على نفي نسبة الكتاب، لأن العلامة نفسه اعتمد الكتاب كما هو واضح في كتابه (الخلاصة).
فعدم ذكره له قد يكون لسهو منه، أو أن النسخة التي وصلت إلينا قد سقط منها ذكره أو لسبب آخر.
3 ـ والاختلاف الذي أشير إليه ربما جاء من اختلاف النسخ، أو لأن النجاشي نقل التضعيف سماعاً من لسان ابن الغضائري ـ كما هو الظاهر ـ ولم ينقله من النسخة التي اعتمدت في نشرة الكتاب.
4 ـ وما ذكر من قصور المقتضي وعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى مؤلفه ناقشه الشيخ السبحاني بأنه «غير تام لأن هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة، ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والإجازة)[457](.
وفي مقابل هذا يظهر من آخرين صحة نسبة الكتاب لابن الغضائري منهم:
1 ـ السيد جمال الدين أحمد بن طاووس، قال الوحيد البهبهاني: «من تتبع كلام ابن طاووس وجده كثير الاعتماد عليه، عظيم الاعتقاد به»)[458](.
2 ـ العلامة الحلي، فقد اعتمد كتاب الضعفاء أحد مصادر كتابه (الخلاصة)، وكشاهد على ذلك ننقل من خلاصته الخلاصة:
ـ في ترجمة ظفر بن حمدون البادراني، قال: «قال النجاشي: إنه من أصحابنا، وقال ابن الغضائري: ظفر بن حمدون بن شداد البادرائي أبو منصور، روى إبراهيم الأحمري: أنه كان في مذهبه ضعف.
والأقوى عندي التوقف في روايته لطعن هذا الشيخ فيه» يعني ابن الغضائري.
ـ في ترجمة علي بن ميمون الصائغ، قال: «قال الكشي: عن محمد بن مسعود، قال: حدثني محمد بن نصر، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن بشير عن علي بن ميمون الصائغ، قال: دخلت عليه ـ يعني أبا عبدالله (عليه السلام) ـ أسأله، فقلت: إني أدين الله بولايتك وولاية آبائك وأجدادك (عليهم السلام)، فادعُ الله أن يثبتني… فقال: رحمكم الله، رحمك الله.
وقال ابن الغضائري: «حديثه يعرف وينكر، ويجوز أن يخرج شاهداً، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام).
والأقرب عندي قبول روايته لعدم طعن الشيخ ابن الغضائري فيه صريحاً، مع دعاء الصادق (عليه السلام) له».
3 ـ ابن داود الحلي، فقد اعتمد ـ هو الآخر ـ كتاب الضعفاء أحد مصادره، وكشاهد على هذا:
ـ قال في ترجمة حذيفة بن منصور الخزاعي: (جخ، ست، كش): ممدوح (جش): ثقة (غض): حديثه غير تقي، يروي الصحيح والسقيم، ولذلك ذكرته في الضعفاء».
ـ وقال في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي: أقول: وذكرته في الضعفاء لطعن (غض) فيه، ويقوى عندي ثقته».
وكذلك هو الذي يظهر من الوحيد البهبهاني إلاَّ أنه علق بأن حال ابن الغضائري في عدم تعمقه بعلم الرجال وأحوال الرواة يضعف الوثوق بتضعيفاته، قال في (التعليقة) ـ في ترجمة إبراهيم بن عمر الصنعاني ـ إن أحمد هذا (يعني ابن الغضائري) غير مصرح بتوثيقه، ومع ذلك قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه، وجرح أعاظم الثقات وأجلاء الرواة، الذي لا يناسبهم ذلك».
وهذا يشير إلى عدم تحققه حال الرجال كما هو حقه، أو كون أكثر ما يعتقده جرحاً ليس ـ في الحقيقة ـ جرحاً.
وقد قال الشهيد الثاني (ره) في (شرح البداية): (وقد اتفق لكثير من العلماء جرح بعض، فلما استفسر ذكر ما لا يصلح جارحاً، قيل لبعضهم: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون، وسئل آخر عن آخر فقال: ما أصنع بحديث من ذكر يوماً عند حماد فامتخط حماد).
وبالجملة: لا شك في أن ملاحظة حاله توهن الوثوق بمقاله»)[459](.
وهناك رأي آخر ألمح إليه الوحيد البهبهاني في فوائده الرجالية، وأشرت إليه في مطلع حديثي هذا، وخلاصته: أن تضعيفات ابن الغضائري هي اجتهاد منه، اعتمد فيه نقده لمتون مرويات تخالف اعتقاده، فتكون ـ في رأيه ـ سبباً لحمل رواتها على أنهم ممن لا يوثق بروايتهم.
قال الوحيد البهبهاني: «اعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء سيما القميين منهم، (والغضائري) كانوا يعتقدون للأئمة (عليهم السلام) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعاً وغلواً حسب معتقدهم، حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلواً، ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم ـ أو التفويض الذي اختلف فيه كما سنذكر ـ أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم، وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم، مدلسين.
وبالجملة: الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضاً، فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً، غلواً أو تفويضاً، أو جبراً أو تشبيهاً، أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك.
وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ وادعاء أرباب المذاهب كونه منهم أو روايتهم عنه.
وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك.
فعلى هذا ربما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الأمور المذكورة»)[460](.
ونخلص من هذا بعد أن تبينا أن أدلة النفاة غير ناهضة بذلك، وأن القرائن المحيطة بالكتاب من اعتماد أمثال السيد ابن طاووس والعلامة الحلي وابن داود الحلي، وظاهر الوحيد البهبهاني في ثبوت النسبة وأمثالها من القرائن هي في جانب الإثبات… نخلص إلى التالي:
1 ـ إن كتاب (الضعفاء) هو من تأليف أبي الحسين أحمد بن الحسين الشهير بابن الغضائري.
2 ـ إن بعضاً من تضعيفاته رواية، وبعضاً منها اجتهاد.
3 ـ إن الموقف هو أن تعامل رواياته واجتهاداته في التضعيف كما تعامل روايات واجتهادات الموثوقين من الرجاليين.
أصالة العدالة
أصالة العدالة، أو أصل العدالة، من الأصول التي يرجع إليها في مقام الشك بحال المسلم من حيث العدالة واللاعدالة، فيحكم بعدالته، بمعنى عدم ترتيب آثار الفسق عليه.
ولعل أقدم من أشار إلى هذا الأصل، الشيخ ابن الجنيد الإسكافي، فقد نقل عنه الشيخ الأنصاري في رسالته في (العدالة) ـ الملحقة بكتاب (المكاسب) ـ قوله: «إن كل المسلمين على العدالة إلاّ أن يظهر خلافها».
وأصل هذا الأصل الشيخ الطوسي في كتابه (الخلاف) بقوله: «إن الأصل في المسلم العدالة، والفسق طارىء عليه يحتاج إلى دليل» كما نقله عنه الشيخ الأنصاري في الرسالة المذكورة.
ومورد إجراء هذه الأصالة أو مجال تطبيقها عند الرجاليين في الراوي المشكوك الحال.
ولإيضاح هذا نقول: تقدم منا أن دراسة أسماء الرجال تنصب على عنصرين: تعريف الراوي وبيان حاله من حيث الوثاقة واللاوثاقة، ويمكننا أن نصوغ هذا بالمعادلة التالية:
هوية الرجل + تقييم حاله = الراوي
فبلحاظ تعريف هويته وعدم تعريفها ينقسم إلى: معروف ومجهول.
فمن عُرِفت هويته وعُرِّفت في الكتب الرجالية هو المعروف.
ومن لم تعرف هويته، وهو ممن لم يرد له ذكر في كتب الرجال، أو ورد له ذكر بكتابة اسمه فقط مع مجهولية هويته عند المؤلف فهو المجهول.
ومن الطبيعي أن مثل هذا لا يعتمد على روايته لجهالته، وكذلك لا تجري في حقه أصالة العدالة لعدم إحراز إسلامه.
وقد يأتي التقسيم بلحاظ تقويم حاله وعدم تقويمه، بعد معلومية هويته لدى الرجاليين، فيقسم إلى:
1 ـ معلوم الحال:
وهو الذي قيّمه الرجاليون بالوثاقة أو بعدمها.
2 ـ غير معلوم الحال:
وهذا ينقسم ـ بدوره ـ إلى قسمين هما:
أ ـ مجهول الحال:
وهو الذي نص الرجاليون على جهالة حاله. ومثل هذا ـ أيضاً ـ لا يعتمد على روايته.
ب ـ مسكوت عنه:
وهو الذي لم يذكر اسمه في كتب الرجال، أو ذكر اسمه من غير أن يمدح أو يذم.
ونستطيع أن نطلق عليه مصطلح (مشكوك الحال). وهذا هو الذي يكون مجال تطبيق أصالة العدالة.
والخلاصة:
يقول السيد علي أصغر الجابلقي في كتابه (طرائف المقال 2/272) في توضيح معنى المجهول اصطلاحاً ولغة: «مجهول، ومعناه الاصطلاحي: ما حكم (عليه) أئمة الرجال ـ كلاً أو بعضاً ـ بالجهالة.
ولا شبهة في رد قوله.
وأما بمعناه اللغوي: فهو الذي لم يعلم حاله، إما من جهة عدم ذكره في كتب الرجال رأساً، أو ذكروه من دون إشارة إلى المدح والذم، مع عدم معهودية حاله، بحيث يستغني عن التوصيف.
وهذا هو الذي يسمى بالمجهول الفقاهتي».
وأكد هذا شيخنا الطهراني في كتابه (مصفى المقال ص394) عند مناقشته لأبي علي الحائري صاحب كتاب (منتهى المقال) في عدم ذكره لجمع من الرواة بزعم أنهم مجاهيل، قال: «جمع في كتابه بين (الرجال الكبير) ونكات (التعليقة) لأستاذه الوحيد، لكنه ترك جمعاً كثيراً من الرواة بزعم أنهم مجاهيل، ولكن المنهج السديد ما أشار إليه المحقق الداماد في (الرواشح) بأن المجهول الاصطلاحي الذي يضعف من جهته الحديث: هو من حكم عليه أئمة الرجال بالجهالة، كإسماعيل بن قتيبة، وبشير المستنير، وعلي بن أحمد بن أشيم، وغيرهم.
وأما غير معلوم الحال، المسكوت عن ذكره، أو عن مدحه وذمه، فعلى المجتهد أن يتتبع مظان استعلام حاله من الطبقات والأسانيد والمشيخات والإجازات والسير والتواريخ والأنساب حتى يستبين حاله، ويتضح سبيل الاجتهاد في شأنه».
وذلك لأن تطبيق أصالة العدالة في مثل هذا المورد لا يكشف عن وثاقة الراوي، وإنما يبين وظيفتنا تجاه الراوي المشكوك بأن نحكم عليه بالعدالة ظاهراً بمعنى أن لا نرتب آثار الفسق عليه.
ولهذا اختلف ـ هنا ـ في الاعتماد عليها، وعدم الاعتماد.
والمسألة ترجع إلى مبنى المجتهد، وقد رأينا ـ فيما تقدم ـ عند حديثنا عن محمد بن القاسم المفسر الأسترآبادي حيث ألمح أستاذنا السيد الخوئي إلى أن اعتماد الشيخ الصدوق عليه ربما كان تطبيقاً لهذه الأصالة.
فمن يرى توقف قبول الحديث على ثبوت وثاقة الراوي لا يعتمد هذه الأصالة، لأنها ـ كما ذكرت ـ لا تكشف عن الوثاقة.
ومن يذهب إلى أن قبول الحديث يتوقف على الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم:
ـ يستطيع أن يرجع إليها إذا أورثته الاطمئنان والوثوق.
ـ أو يرجع إليها مطلقاً فيقول بحجية كل رواية يرويها مسلم لم يظهر منه فسق، على أساس من هذه الأصالة التي تفيده الحكم بالعدالة على كل مسلم لم يظهر فسقه.
وقد عقد ابن داود الحلي في آخر كتابه الرجالي الفصل السابع عشر لذكر من أطلق عليه بأنه مجهول، ضم في قائمته ثمانية وثلاثين اسماً، أولهم إسماعيل بن قتيبة، وآخرهم يونس بن خباب.
اعتماد تقييمات الرجاليين القدامى
مما تسالم عليه أصحابنا أن اشتهار عدالة الرجالي في الأوساط العلمية والثناء عليه من قبل العلماء كافٍ في ثبوت عدالته والوثوق به.
قال الشيخ المامقاني في كتابه (مقباس الهداية 2/63) في معرض تعداده لمثبتات العدالة؛ «ثانيها: الاستفاضة والشهرة: فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم، وشاع الثناء عليه بها، كفى في عدالته، ولا يحتاج مع ذلك إلى معدَّل ينص عليها، كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ره) وما بعده إلى زماننا هذا، فإنه لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المشهورين إلى تنصيص على تزكية ولا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة».
ويضم نتيجة تطبيق هذه القاعدة على علماء الرجال القدامى، وهم:
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني.
ـ الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي.
ـ الشيخ الحسين بن أبي عقيل العماني الحذاء.
ـ الشيخ أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي الكاتب.
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق.
ـ الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي.
ـ الشيخ أبو عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي.
ـ الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن الغضائري.
ـ الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد.
ـ الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي المرتضى.
ـ الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي الرضي.
ـ الشريف أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الأسدي.
ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة.
ثم ضم صغرياتها إلى كبرى حجية خبر الثقة ـ بناء على ما تقدم من أن تقييماتهم هي من نوع الرواية لا الاجتهاد ـ تأتي النتيجة ثبوت حجية تقييمات هؤلاء الرجاليين.
ولكن، مع ملاحظة أن لا يكون في طريق روايتهم ما يضعفها أو ما يعارضها فيبطلها.
الموقف من تقييمات الرجاليين المتأخرين:
بعد أن تبينا ثبوت حجية تقييمات الرجاليين المتقدمين، من عهد الشيخ الكليني حتى عهد الشيخ الطوسي، نحاول الآن تحديد موقفنا العلمي من تقييمات رجاليينا المتأخرين، وهم:
ـ الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله بن بابويه القمي.
ـ الشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني.
ـ السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس الحلي.
ـ الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي.
ـ الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف الحلي.
وهم ممن اتفق علماؤنا على عدالتهم والوثوق بهم.
ولأن كتاب (حل الإشكال في معرفة الرجال) للسيد ابن طاووس لم يصل إلينا يستبعد من مجال البحث لأنه لا فائدة عملية من تحديد الموقف العلمي للتعامل معه.
وعليه، يقتصر بحثنا ـ هنا ـ على التعامل مع الكتب التالية:
1 ـ الفهرست لمنتجب الدين ابن بابويه.
2 ـ معالم العلماء لابن شهرآشوب.
3 ـ الخلاصة للعلامة الحلي.
4 ـ الرجال لابن داود.
ولأستاذنا السيد الخوئي رأي في المسألة يفرق فيه بين تقييمات الشيخ منتجب الدين القمي والشيخ ابن شهرآشوب المازندراني فيذهب إلى اعتبارها والاعتماد عليها لمعاصرتهما للرواة المذكورين في كتابيهما، أو لقربهما من عصرهم، وبين الحليين السيد ابن طاووس وتلميذيه العلامة وابن داود، فيلغي اعتبارها لأنها نتائج اجتهادية لهم، كما يجزم بهذا، قال في كتابه (المعجم 1/43): «ومما تثبت به الوثاقة أو الحسن أن ينص على ذلك أحد الأعلام المتأخرين، بشرط أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر، أو قريب العصر منه، كما يتفق ذلك في توثيقات الشيخ منتجب الدين أو ابن شهرآشوب.
وأما في غير ذلك، كما في توثيقات ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم كالمجلسي، لمن كان بعيداً عن عصرهم فلا عبرة بها، فإنها مبنية على الحدس والاجتهاد جزماً، وذلك فإن السلسلة قد انقطعت بعد الشيخ، فأصبح عامة الناس إلا قليلاً منهم مقلدين يعملون بفتاوى الشيخ، ويستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به الحلي في (السرائر) وغيره في غيره.
والذي يكشف عما ذكرناه أنهم حينما يذكرون طرقهم إلى أرباب الأصول والكتب، المعاصرين للمعصومين (عليهم السلام) يذكرون طرقهم إلى الشيخ، ويحيلون ما بعد ذلك إلى طرقه، فهذا العلامة ذكر في إجازته الكبيرة لبني زهرة طريقاً له إلى الشيخ الصدوق، وإلى والده علي بن الحسين بن بابويه، وإلى الشيخ المفيد، وإلى السيد المرتضى، وإلى أخيه السيد الرضي (قدس الله أسرارهم)، ثم ذكر طرقه إلى كثير من كتب العامة وصحاحهم، وإلى جماعة من المتأخرين عن الشيخ (قدس سره) ثم قال: «ومن ذلك جميع كتب أصحابنا السابقين الذين تقدموا على الشيخ أبي جعفر الطوسي زماناً، مثل: الشيخ محمد بن يعقوب الكليني والحسين بن سعيد وأخيه الحسن وظريف بن ناصح وغيرهم مما هو مذكور في كتاب فهرست المصنف)[461]( للشيخ أبي جعفر الطوسي برجاله المثبتة في الكتاب».
وللشيخ محمد تقي التستري تفرقة أو تفصيل آخر، أفاده من شمولية وعمق تعامله مع كتب الرجال، يلتقي فيه مع أستاذنا السيد الخوئي في منقولات هؤلاء من كتب الشيخ الطوسي وكتاب الشيخ النجاشي مما هو موجود في نسخها التي وصلت إلينا، لأنه يرى أن البحث في هذه المنقولات مما لا فائدة فيه لوجود الأصول التي نقلت عنها بين أيدينا، ويفترق عنه في غير هذه من المنقولات التي اقتبسوها من الكتب الأخرى أو من النسخ التي لم تصل إلينا، قال في كتابه (قاموس الرجال 1/15): «إن ما ينقله العلامة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد.
وإنما يفيد في ما لم نقف على مستنده، كما في ما ينقل من جزء من رجال العقيقي، وجزء من رجال ابن عقدة، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا، كما يظهر منه في سليمان النخعي، كما يفيد أيضاً فيما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا، فكان عنده النسخة الكاملة من النجاشي، وأكمل من الموجود في ابن الغضائري، كما في ليث البختري، وهشام بن إبراهيم العباسي، ومحمد بن نصير، ومحمد بن أحمد بن محمد بن سنان، ومحمد بن أحمد بن قضاعة، ومحمد بن الوليد الصيرفي، والمغيرة بن سعيد، ونقيع بن الحارث، وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي، وفيما أخذه من مطاوي الكتب كمحمد بن أحمد النطزي»)[462](.
ويسلط أستاذنا السيد الخوئي الضوء على هذا بقوله: «نعم، قد يتفق أن العلامة وابن داود يحكيان عن ابن عقدة توثيقاً لأحد إلا إنهما لا يذكران مستند حكايتهما.
والعلامة لم يذكر فيما ذكره من الكتب التي له إليها طريق في إجازته الكبيرة كتاب الرجال لابن عقدة.
وقد تحصل مما ذكرناه: أن ابن طاووس والعلامة وابن داود ومن تأخر عنهم إنما يعتمدون في توثيقاتهم وترجيحاتهم على آرائهم واستنباطاتهم أو على ما استفادوه من كلام النجاشي أو الشيخ في كتبهم، وقليلاً ما يعتمدون على كلام غيرهما، وقد يخطئون في الاستفادة… كما قد يخطئون في الاستنباط، فترى العلامة يعتمد على كل إمامي لم يرد فيه قدح، يظهر ذلك مما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة، وغير ذلك.
وترى المجلسي يعدّ كل من للصدوق إليه طريق ممدوحاً ـ وهو غير صحيح ـ… وعليه فلا يعتد بتوثيقاتهم بوجه من الوجوه»)[463](.
وفي ضوء ما ذكر لا غبار على اعتماد المنقولات من غير الأصول الخمسة وإن لم يكن للناقل طريق روائي إلى صاحب الكتاب الذي نقل عنه، إذا صحت نسبة الكتاب إلى صاحبه.
والخطأ في الاستفادة أو في الاستنباط لا يلغي الوثوق في المنقول إذا نقل نصاً، لأن الخطأ واقع ـ على تقديره ـ في الاجتهاد، لا في النقل.
والخلاصة: إن تعاملنا مع كتابي الخلاصة ورجال ابن داود يكون مع منقولاتهما مما هو غير موجود في نسخ الكتب الأصول الخمسة التي بين أيدينا، واعتبارها إن كانت روايات… ولكن مع الالتزام بشرط إخضاعها لأصول التعامل مع الروايات، وذلك بأن لا يكون في طريق الرواية ما يمنع من العمل بها، وأن لا تعارض بما يبطلها.
وأما ما كان اجتهاداً فعلى المجتهد أن يجتهد كما اجتهدوا، ولكل أجره.
نص الإمام
يراد بذلك أن يروى في الكتب الرجالية نص صريح أو ظاهر عن أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في تقييم حال راوٍ من الرواة توثيقاً أو تضعيفاً.
ولا خلاف بين علمائنا في الاعتماد على مثل هذه النصوص الشريفة والأخذ بمؤدياتها.
ومن أمثلة ذلك:
1 ـ ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حق الأعلام الأربعة: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد العجلي وليث بن البختري.. فعن الكشي، قال: حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي وأبا بصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست.
2 ـ وعن الكشي أيضاً، قال: حدثني حمدويه، قال: حدثني يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ما أجد أحداً أحيى ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين، وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة.
وبهذين النصين الشريفين ـ وهما صحيحان ومعتبران ـ استدل على وثاقة هؤلاء الأعلام الأربعة رضوان الله عليهم.
3 ـ وما رواه الكشي في حق المغيرة بن سعيد، قال: حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبدالله، قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي يحيى زكريا بن يحيى الواسطي.
وحدثنا محمد بن عيسى بن عبيد عن أخيه جعفر بن عيسى وأبو يحيى الواسطي، قالا: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (عليه السلام) فأذاقه الله حر الحديد.
فقد استدل بهذا النص وأمثاله على عدم وثاقة المغيرة بن سعيد وعدم قبول رواياته.
دعاء الإمام
وينسق على القاعدة السالفة الذكر ما لو روي عن أحد الأئمة (عليهم السلام) بسند معتبر دعاء في حق راوٍ من الرواة، وكان الدعاء صريحاً أو ظاهراً في توثيق الراوي أو عدم توثيقه، كذلك يعتمد عليه ويعمل بمؤداه.
ومن أمثلة هذا ما رواه الكشي في حق محمد بن عبدالله الطيار المعروف بابن الطيار، فقد جاء في (المعجم 6/280) ـ ترجمة حمزة بن محمد بن عبدالله الطيار ـ ابن المذكور ـ «ثم أن الكشي ذكر روايتين قويتين تدلان على حسن ابن الطيار وجلالته، فقد روى عن حمدويه وإبراهيم، قالا: حدثنا محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): ما فعل ابن الطيار؟ قال: قلت: مات، قال: رحمه الله ولقاه نضرةً وسروراً، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت.
وبهذا الإسناد عن محمد بن عيسى عن يونس عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: ما فعل ابن الطيار؟ قلت: توفي، فقال: رحمه الله، أدخل الله عليه الرحمة، ونضره، فإنه كان يخاصم عنا أهل البيت.
فقد استفيد من هذا الدعاء المبارك وثاقة ابن الطيار بمستوى التحسين والمدح، قال في (المعجم 16/256) ـ في ترجمته ـ: «وتقدم في (ترجمة) ابنه حمزة روايات تدل على مدحه».
وما رواه الكشي أيضاً في حق محمد بن أبي زينب مقلاص أبي الخطاب الأسدي الكوفي: عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، قالا: حدثنا الحسين بن موسى عن إبراهيم بن عبدالحميد عن عيسى بن أبي منصور، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول ـ وذكر أبا الخطاب ـ: اللهم العن أبا الخطاب، فإنه خوفني قائماً وقاعداً، وعلى فراشي، اللهم أذقه حر الحديد.
فقد استدل بهذا الدعاء وأمثاله على عدم وثاقة محمد بن أبي زينب المعروف بأبي الخطاب، وعدم قبول روايته.
الوكالة عن الإمام
يبدو أن من أقدم من أثار هذه المسألة هو الوحيد البهبهاني في (الفوائد الرجالية)، فقد جاء في النسخة المطبوعة الملحقة برجال الخاقاني ص45: «ومنها (أي سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة): كونه (أي الراوي) وكيلاً للأئمة (عليهم السلام)، وسنذكر حاله في ترجمة إبراهيم بن سلام» لأنه ـ أعني إبراهيم بن سلام ـ كان وكيلاً عن الإمام الرضا (عليه السلام).
قال المامقاني في (التنقيح 1/17) ـ ترجمة إبراهيم المذكور ـ: «عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (عليهم السلام)، وقال: إنه وكيل الرضا (عليه السلام)، وفي الخلاصة: إنه وكيل من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، لم يقل الشيخ فيه غير ذلك، والأقوى عندي قبول روايته، انتهى»)[464](.
وعلل شيخنا البهائي قبول روايته بأنهم ـ (عليهم السلام) ـ لا يجعلون الفاسق وكيلاً.
ثم قال ـ فيما حكي عنه ـ: لا يقال: لم يصرح الشيخ (ره) بأنه وكيل أحدهم، فلعله كان وكيلاً لبني أمية… لأنا نقول: هذا اصطلاح مقرر بين علماء الرجال من أصحابنا أنهم إذا قالوا: فلان وكيل، يريدون أنه وكيل أحدهم، (عليهم السلام) وهذا مما لا يرتاب فيه من مارس كلامهم وعرف لسانهم. انتهى.
وقال (أعني المامقاني) في (المقباس 2/259): «ثم أفاد (يعني البهائي) أن الوكالة عنهم (عليهم السلام) من أقوى أسباب الوثوق، لأنهم لا يجعلون الفاسق وكيلاً.
وقرره المولى الوحيد (ره) على ذلك.
ثم اعترض على نفسه: بأن في الوكلاء عنهم (عليهم السلام) جماعة مذمومين، فكيف تجعل الوكالة إمارة الوثاقة.
ثم أجاب: بأن ظاهر توكيلهم هو حسن حال الوكلاء، والاعتماد عليهم، وجلالتهم، بل وثاقتهم، إلا أن يثبت خلافه (من) تغيير وتبديل وخيانة، والمغيرون معروفون.
وبالجملة: فالأصل في الوكالة عنهم الثقة، بل ما فوقها، فيحتج بها (يعني الوكالة) عليها (يعني الثقة) إلى أن يثبت الخلاف.
ولقد أجاد (قدس سره) فيما أفاد.
ويستفاد ما ذكره من كلمات غيره أيضاً، فلا وجه لما صدر من الشيخ عبدالنبي الجزائري (ره) من منع دلالة اللفظة (يعني لفظة الوكالة) على العدالة، ضرورة عدم تعقل تسليط الإمام (عليه السلام) غير العادل على حقوق الله، وجعله واسطة بين عباد الله في أمورهم الشرعية وبين نفسه.
ولو تنزلنا عن ذلك، فلا أقل من إفادته المدح المعتد به الملحق للسند بالحسن كما هو ظاهر».
ويبدو أن المسألة كانت معترك الأعلام فأقرت من قبل بعض، ونفيت من قبل آخرين.
ورأينا أن الشيخ البهائي والوحيد البهبهائي كانا ممن أقرها، وأن الشيخ الجزائري ممن نفاها.
وكذلك نفاها أستاذنا السيد الخوئي، قال في (المعجم 1/75): «أقول: الوكالة لا تستلزم العدالة، ويجوز توكيل الفاسق إجماعاً وبلا إشكال، غاية الأمر أن العقلاء لا يوكلون في الأمور المالية خارجاً من لا يوثق بأمانته، وأين هذا من اعتبار العدالة في الوكيل».
وأرى أن لبحث المسألة بحثاً علمياً منتجاً يقتضينا المنهج العلمي اتباع الخطوتين التاليتين:
1 ـ تحديد مفهوم الوكالة من خلال واقع من نص على وكالتهم في الكتب الرجالية.
2 ـ معرفة طريقة الإمام في اختيار الوكيل، هل كان يعتمد في ذلك على ظاهر حال الشخص ـ كما هو الواقع والمعروف ـ، أو أن له طريقة أخرى يعتمد فيها على علمه الخاص؟
وفي ضوء هذا، وعلى هدي ما ذكره المثبتون والنافون، نقول: إن الذي يفهم مما ذكره وحكاه الشيخ المامقاني أن المراد بالوكالة ـ هنا ـ الوكالة في القيام بالوظائف الشرعية نيابة عن الإمام، أي أنها ترادف النيابة عن الإمام.
والذي يفهم مما ذكره السيد الخوئي أن المراد بالوكالة مطلق الوكالة أي بما يعم الوكالة بمعنى النيابة عن الإمام والوكالة في القضايا الاجتماعية.
كما أن المستفاد من الوقائع التاريخية أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يتعاملون مع الناس حسب ما يظهر لهم من أحوالهم.
وهذا ـ كما نراه ـ يستدعينا التفرقة بين مفهومي الوكالة: المفهوم العام وهو الذي يفهم من كلام النافين، والمفهوم الخاص الذي يفهم من كلام المثبتين.
فعلى الأول لا تستلزم الوكالة العدالة إذا لم يثبت أن الوكيل نائب عن الإمام.
وعلى الثاني لا بد من القول باستلزام الوكالة العدالة، لأن الإمام ـ وهو المعصوم الذي لا يحيد عن تطبيق الحكم الرعي أبداً ـ لا ينيب عنه للقيام بالوظائف الشرعية والمهام الدينية غير المسلم العادل.
ويفهم هذا الفرق من دراسة سيرة الراوي، فإذا ثبت أنه نائب عن الإمام قلنا بعدالته استناداً إلى الوكالة، وإذا لم يثبت هذا لا تستلزم الوكالة العدالة.
توثيق شيوخ النجاشي
تعرّف غير واحد من علمائنا منهج النجاشي في الرواية الرجالية من خلال قراءاتهم ومراجعاتهم المتكررة لكتابة الرجالي، ومن تصريحاته وما يظهر من كلامه في تراجم بعض من ضمهم فهرسه الرجالي في أنه لا يروي عن الضعفاء، فاستنتجوا من هذا وثاقة جميع شيوخه في الإجازة حتى من لم يصرح بوثاقته.
ويمكننا أن نصوغ هذا بشكل قاعدة فنقول: (كل من يروي عنه النجاشي مباشرة فهو ثقة) أو (كل من شيوخ النجاشي في الرواية هو ثقة).
وشيوخه في الرواية ـ كما ذكرهم الميرزا النوري في (المستدرك 3/502 ـ 503)، وهم:
1 ـ الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان الحارثي.
2 ـ أبو الفرج الكاتب: محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرة القناني.
3 ـ أبو عبدالله محمد بن علي شاذان القزويني.
4 ـ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي القمي.
5 ـ القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي.
6 ـ محمد بن جعفر المؤدب النحوي القمي.
7 ـ أبو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي.
8 ـ أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران بن موسى المعروف بابن الجندي.
9 ـ أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن عبدون.
10 ـ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري.
11 ـ القاضي أحمد بن محمد بن عبدالله الجعفي.
12 ـ أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الأهوازي المعروف بابن الصلت.
13 ـ والده: علي بن أحمد بن علي بن العباس النجاشي.
14 ـ أبو الحسين علي بن أحمد بن أبي جيد القمي.
15 ـ أبو القاسم علي بن شبل بن أسد الوكيل.
16 ـ القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف.
17 ـ الحسن بن أحمد بن إبراهيم.
18 ـ أبو محمد الحسن بن أحمد بن الهيثم العجيلي.
19 ـ أبو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري.
20 ـ أبو عبدالله الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف بابن الخمري.
21 ـ أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن موسى بن هدية.
22 ـ القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر.
23 ـ أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني.
24 ـ أبو الخير الموصلي سلافة بن زكا.
25 ـ أبو الحسن العباس بن عمر بن العباس بن عبدالملك بن أبي مروان الكلوذاني المعروف بابن المروان.
26 ـ أبو أحمد عبدالسلام بن الحسين بن محمد بن عبدالله البصري ابن الأديب.
27 ـ أبو محمد عبدالله بن محمد بن محمد بن عبدالله الدعجلي.
28 ـ عثمان بن حاتم بن المنتاب التغلبي.
29 ـ أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري.
30 ـ أبو جعفر أو أبو الحسين محمد بن هارون التلعكبري.
31 ـ أبو الحسين أحمد بن محمد بن علي الكوفي الكاتب.
ثم قال (أعني النوري): «الثالث: في حسن حال هؤلاء المشايخ، وجلالة قدرهم، وعلو مرتبتهم، فضلاً عن دخولهم في زمرة الثقات بالقرينة العامة التي تعمهم مع قطع النظر عن ملاحظة حال آحادهم، وما ذكر في ترجمة من تعرضوا لترجمته من التوثيق الصريح أو القرائن الكاشفة عن الوثاقة أو المدح العظيم.
وهذا ظاهر لمن عرف ديدنه وطريقته في الأخذ عن المشايخ، وتركه عن بعضهم لمجرد الاتهام، فكيف لو اعتقد انحرافه.
ولنذكر بعض كلماته في هذا المقام:
ـ قال (رحمه الله) في ترجمة (جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور مولى أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري: كوفي، أبو عبدالله، كان ضعيفاً في الحديث».
قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية.
ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبو علي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزراري ـ رحمهم الله ـ، وليس هذا موضع ذكره).
ـ وقال: «أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن بن عياش الجوهري… كان سمع الحديث، فأكثر، واضطرب في آخر عمره، وكان جده وأبوه من وجوه أهل بغداد أيام آل حماد والقاضي أبي عمر…
رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم أروِ عنه وتجنبته».
ثم ختم فصله بقوله: «فتعين أن يكون مشايخه الذين يروي عنهم ثقات جميعاً».
وفي (الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم 4/146) ما نصه: «وقال (يعني النجاشي) في أبي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد الشيباني: «كان في أول أمره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه» ثم قال: «رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه».
ولعل المراد الاعتماد على رواية الواسطة عنه في حال التثبت.
ويستفاد من كلمات هذا الشيخ غاية التحرز في الرواية والتجنب عن الضعفاء والمتهمين، ويظهر من ذلك اعتماده على كل من يروي من المشايخ، وهذا أصل نافع في التعويل على مشايخ النجاشي».
وقال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/50 ـ 51): «وممن شهد بوثاقة جماعة ـ على نحو الإجمال ـ النجاشي، فإنه يظهر منه توثيق جميع مشايخه».
ـ قال (قدس سره) في ترجمة أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن الجوهري: (رأيت هذا الشيخ، وكان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم أروِ عنه شيئاً، وتجنبته…).
ـ وقال في ترجمة محمد بن عبدالله بن محمد بن عبيدالله بن البهلول: (وكان في أول أمره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جل أصحابنا يغمزونه ويضعفونه.. رأيت هذا الشيخ، وسمعت منه كثيراً، ثم توقفت عن الرواية عنه إلا بواسطة بيني وبينه).
ولا شك في ظهور ذلك في أنه لا يروي عن ضعيف بلا واسطة، فيحكم بوثاقة جميع مشايخه.
هذا، وقد يقال: إنه لا يظهر من كلامه إلا أنه لا يروي بلا واسطة عمن غمز فيه أصحابنا أو ضعفوه، ولا دلالة فيه على أنه لا يروي عمن لم يثبت ضعفه ولا وثاقته، إذاً لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه.
ولكنه، لا يتم، فإن الظاهر من قوله: (ورأيت جل أصحابنا) أن الرؤية أخذت طريقاً إلى ثبوت الضعف، ومعناه أنه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة، فكل من روى عنه فهو ليس بضعيف، فيكون ثقة، لا محالة.
وبعبارة واضحة: إنه فرع عدم روايته عن شخص برؤيته أن شيوخه يضعفونه.
ومعنى ذلك أن عدم روايته عنه مترتب على ضعفه، لا على التضعيف من الشيوخ، ولعل هذا ظاهر».
وهذه بعض أسماء شيوخه الذين لم يصرح بتوثيقهم أو لم يظهر منه توثيقهم، ووثقهم الرجاليون تطبيقاً للقاعدة المذكورة:
1 ـ أبو عبدالله محمد بن علي بن شاذان القزويني:
أورده أستاذنا السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث 16/293) فقال: «محمد بن علي أبو عبدالله بن شاذان القزويني: ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي».
ذكره النجاشي في ترجمة يونس بن عبدالرحمن».
ونص عبارة النجاشي هي (الرجال 2/423): «أخبرنا محمد بن علي ـ أبو عبدالله ـ بن شاذان القزويني، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبدالله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا يونس بجميع كتبه».
2 ـ القاضي أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي:
في (م.س 16/234): «محمد بن عثمان بن الحسن القاضي أبو الحسين: ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي.
ذكره في ترجمة محمد بن أبي عمير».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 2/208) هي: «فأما التي رواها عنه عبيد الله بن أحمد بن نهيك فإني سمعتها من القاضي أبي الحسين محمد بن عثمان بن الحسن يقرأ عليه…».
3 ـ أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي القمي:
في (م.س 15/14): «محمد بن أحمد بن علي بن الحسن: قال الوحيد في (التعليقة): محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي أبو الحسن، مضى في أبيه ما يظهر منه حسن حاله حيث جعل معرَّفاً لأبيه الجليل، وترحم عليه (جش).
أقول: تقدم في ترجمة أحمد أبيه كلام النجاشي وليس فيه تصريح باسمه، ولم يجعله معرّفاً لأبيه.
نعم، هو ثقة، لا لما ذكره، بل لأنه شيخ النجاشي، وقد عرفت أن مشايخه كلهم ثقات».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 1/222 ـ 223): «أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان أبو العباس الفامي القمي، شيخنا الفقيه، حسن المعرفة، صنف كتابين، لم يصنف غيرهما، كتاب زاد المسافر، وكتاب الأمالي.
أخبرنا بهما ابنه أبو الحسن رحمهما الله».
4 ـ محمد بن جعفر المؤدب النحوي القمي:
في (م.س 15/176(: «محمد بن جعفر المؤدب، ثقة، لأنه من مشايخ النجاشي.
ذكره في ترجمة الحسن بن محمد بن سماعة».
ونص عبارة النجاشي (الرجال 1/141) هي: «أخبرنا محمد بن جعفر المؤدب…».
توثيق الرجالي لأسانيده
من المسائل الرجالية التي تثار ـ هنا ـ عادة، والتي أفاد منها العلماء قاعدة عامة في التوثيق هي مسألة توثيق الرجالي العادل لرجال أسانيده المتصلة بالمعصومين.
ومثار هذا ما ورد في مقدمة تفسير علي بن إبراهيم القمي، ومقدمة كتاب (كامل الزيارة) لابن قولويه.
وعلي بن إبراهيم هو الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمي شيخ ثقة الإسلام الكيني.
عاصر الإمام أبا محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وبقي بعده إلى أوائل القرن الرابع الهجري.
قال فيه النجاشي: «ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب».
واشتهر بتفسيره المعروف بـ (تفسير علي بن إبراهيم).
«وتفسيره كله أحاديث إلا كلمات يسيرة وعبارات نزيرة منه»)[465]( وجل ما في تفسيره رواه عن أبيه إبراهيم بن هاشم القمي.
وصرح في خطبة تفسيره بأنه أحاديث انتهت إليه بواسطة الرواية عن المعصومين (عليهم السلام)، قال: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم»)[466](.
وابن قولويه: هو الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمي المتوفى سنة 367هـ أو 368هـ.
قال فيه النجاشي: «وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه.
وعليه قرأ شيخنا أبو عبدالله (المفيد) الفقه».
اشتهر بكتابه في الزيارة، الذي عبّر عنه النجاشي بـ (كامل الزيارات) والطوسي في (الفهرست) بـ (جامع الزيارات).
واسمه المشهور به ـ كما يذكر شيخنا الطهراني في (الذريعة) ـ هو (كامل الزيارة).
ذكر فيه زيارات النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) وفضلها وثوابها.
وأيضاً كان منهجه فيه هو التحديث والرواية، وصرح بهذا في خطبته بقوله: «وأنا مبين لك ـ أطال الله بقاك ـ ما أثاب الله به الزائر لنبيه وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ بالآثار الواردة عنهم… وسألت الله ـ تبارك وتعالى ـ العون عليه، حتى أخرجته وجمعته عن الأئمة صلوات الله عليهم.
ولم أخرج فيه حديثاً روي عن غيرهم، إذ كان فيما رويناه عنهم من حديثهم ـ صلوات الله عليهم ـ كفاية عن حديث غيرهم.
وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا غيره، ولكن ما وقع لنا من وجهة الثقات من أصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ، ولا أخرجت فيه حديثاً مما روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم».
فقد فهم علماؤنا من عبارة علي بن إبراهيم: (ورواه مشايخنا وثقاتنا)، وعبارة ابن قولويه: (ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا)، أنهما شهادتان بالتوثيق.
واختلفوا في مدى سعة هذا التوثيق، فذهب البعض إلى قصره على مشايخهما فقط، وذهب الآخرون إلى تعميمه لكل رجال سلاسل أسانيدهما، وهو المشهور، وعلل بأنه لا فرق في التنصيص بالوثاقة بين أن يكون على فرد بعينه أو أفراد بأعيانهم، أي على نحو الدلالة المطابقية، أو يكون على رجال إسناد بكامله فيكون التوثيق لكل واحد منهم ضمنياً، أي من باب الدلالة التضمنية.
قال الميرزا النوري في ترجمة ابن قولويه من خاتمة مستدركه 3/523 بعد نقله عبارته المذكورة في أعلاه: «فتراه ـ رحمه الله ـ نص على توثيق كل من روى عنه فيه، بل كونه من المشهورين بالحديث والعلم.
ولا فرق في التوثيق بين النص على أحد بخصوصه، أو توثيق جمع محصورين بعنوان خاص.
وكفى بمثل هذا الشيخ مزكياً ومعدّلاً».
وقال الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/40) ـ في ترجمة إبراهيم بن هاشم القمي وهو في معرض الاستدلال على عدالته ووثاقته: «وقال علي بن إبراهيم بن هاشم في أول تفسيره المعروف: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم) ثم أنه روى كتابه هذا عن أبيه (رض)، ورواياته كلها: (حدثني أبي) و(أخبرني أبي)، إلا النادر اليسير الذي رواه عن غيره.
ومع هذا الإكثار لا يبقى ريب في أن أباه مراد عن عموم قوله: (مشايخنا وثقاتنا)، فيكون ذلك توثيقاً صريحاً له من ولده الثقة».
وكذلك استدل السيد جعفر بحر العلوم في كتابه (تحفة العالم 1/221) بتوثيق علي بن إبراهيم لرجال إسناده على توثيق أبيه إبراهيم بن هاشم لشموله به، قال: «والأصح عندي أنه (يعني إبراهيم بن هاشم) ثقة صحيح الحديث، ويدل على ذلك وجوه: الأول: ما ذكره ولده الثقة الثبت المعتمد في خطبة تفسيره المعروف فإنه قال: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم) ثم أنه روى معظم كتابه هذا عن أبيه».
وقال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/49): «قد عرفت ـ فيما تقدم ـ أن الوثاقة تثبت بإخبار ثقة، فلا يفرق في ذلك بين أن يشهد الثقة بوثاقة شخص معين بخصوصه، وأن يشهد بوثاقته في ضمن جماعة، فإن العبرة إنما هي بالشهادة بالوثاقة، سواء أكانت الدلالة مطابقية أم تضمنية.
ولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذي روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين (عليهم السلام)، فقد قال في مقدمة تفسيره: (ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا من مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم..) فإن في هذا الكلام دلالة ظاهرة على أنه لا يروي في كتابه هذا إلا عن ثقة.
وبما ذكرناه نحكم بوثاقة جميع من وقع في إسناد (كامل الزيارات) أيضاً، فإن جعفر بن قولويه قال في أول كتابه: (وقد علمنا بأنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا في جهة الثقات من أصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالحديث والعلم).
فإنك ترى أن هذه العبارة واضحة الدلالة على أنه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله.
قال صاحب الوسائل ـ بعدما ذكر شهادة علي بن إبراهيم بأن روايات تفسيره ثابتة ومروية عن الثقات من الأئمة (عليهم السلام): (وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه، فإنه صرح بما هو أبلغ من ذلك في أول مزاره).
أقول: إن ما ذكره متين، فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته.
اللهم إلاّ أن يبتلي بمعارض».
ونخرج من هذا كله بالنتائج التالية:
1 ـ وثاقة رجال إسناد علي بن إبراهيم في تفسيره.
2 ـ وثقاة رجال إسناد ابن قولويه في مزاره.
3 ـ يعمل بكل من هذين الإسنادين في الكتاب المذكور فيه الإسناد وفي غيره.
4 ـ يعتمد توثيق كل راوٍ من رواة علي بن إبراهيم وجعفر بن قولويه إذا ورد ذكره في أسانيد أخرى.
5 ـ إن قبول شهادة الشيخين المذكورين يتوقف على عدم المعارض.
تصحيح الفقيه الرجالي للحديث
ومن المسائل التي دار الحديث فيها وحولها، وكقاعدة رجالية هي مسألة اعتبار تصحيح الفقيه الرجالي كالمحقق الأول والعلامة الحلي والشهيدين لحديثٍ توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث، أو عدمه.
قال الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/204) تحريراً للمسألة: «إن وصف فقيه عدل كالعلامة والمحقق ونحوهما من الواقفين بأحوال الرجال بصحة حديث، أو كونه موثقاً، أو حسناً، بمنزلة ما لو نص على كل واحد من رجال سنده بما وصف به السند، بحيث يدل وصفه لسندٍ بالصحة على كون كل من رجاله عدلاً إمامياً ضابطاً، حتى يترتب على المجهول الموجود في ذلك السند حكم الصحة إذا وقع في سند آخر.
وكذا وصفه لسند بالموثقية يقتضي ترتيب آثار الموثق على مجهول الحال من ذلك السند إذا وقع في سند آخر.
وكذا بالنسبة إلى الوصف بالحسن… أم لا؟».
ثم ذكر الأقوال في المسألة، وهي:
1 ـ الاعتبار مطلقاً.
بمعنى أن تصحيح الفقيه الرجالي لحديث يعتبر توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث.
وممن ذهب إلى هذا: الشيخ البهائي، والشيخ محمد الأمين الكاظمي صاحب المشتركات والميرزا محمد الأسترآبادي صاحب منهج المقال والشيخ عبد النبي الكاظمي صاحب تكملة نقد الرجال.
2 ـ عدم الاعتبار مطلقاً.
بمعنى أن تصحيح الفقيه الرجالي لحديث لا يعتد توثيقاً لرجال سند ذلك الحديث.
وممن قال بهذا: السيد مصطفى التفريشي صاحب نقد الرجال، وأستاذه الشيخ التستري.
3 ـ التفصيل بين من كان مختلفاً فيه من الرجال فلا يعتد تصحيح الحديث توثيقاً له، وبين من هو غير مذكور في كتب الرجال، أو كان مذكوراً ولكنه غير معلوم الحال فيعتد تصحيح الحديث توثيقاً له.
حكي هذا القول عن السيد الداماد.
وعلق الشيخ المامقاني على هذا القول بقوله: «واستظهر بعضهم رجوع ذلك إلى الأول، وهو كذلك، ضرورة أن مظهر الثمرة إنما هو مجهول الحال، وأما المختلف فيه فلا معنى فيه للقبول تعبداً بعد وضوح رجوع توثيقه إلى اجتهاد الموثق ـ بالكسر ـ، مضافاً إلى أنه لم يقل أحد في مقام الاختلاف في الرجل بتقديم المزكي صريحاً فكيف بمثل هذه المسألة».
4 ـ التفصيل بين من كثرت تصحيحاته من الفقهاء الرجاليين فيعتد تصحيحه توثيقاً، وعلل ببعده في ذلك عن الغفلة، وبين من قلّت تصحيحاته فلا يعتبر تصحيحه توثيقاً، وعلل باحتمال الغفلة واحتمال إطلاعه على سندٍ آخر.
هذه هي خلاصة ما ذكره الشيخ المامقاني، ولكن المسألة في واقعها ترجع إلى المبدأ المعتمد عند الفقيه الرجالي العادل في مجال التصحيح:
ـ فإن كان المبدأ هو الوثوق بصدور الحديث عن المعصوم، لا يصح الاعتماد على تصحيحاته لاحتمال اعتماده على القرائن الخارجية أو خلفياته الثقافية التي ربما استند إليها.
ـ وإن كان هو وثاقة الراوي فترجع إلى ما ذكرناه آنفاً من الموقف من (تقييمات الرجاليين المتأخرين) فينطبق عليها ما ذكر هناك.
توثيقات الشيخ المفيد
من المسائل العلمية التي حررت في بعض الكتب الرجالية، مسألة توثيقات الشيخ المفيد التي وردت في:
ـ رسالته في الرد على أصحاب العدد المعروفة بـ (الرسالة العددية).
وهي رسالة فقهية بحث فيها الخلاف بين الفقهاء في أن أشهر رمضان هل يعتمد فيه العدد وهو الثلاثون يوماً، أو تعتمد فيه الرؤية لأنه قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعاً وعشرين؟… وأثبت ـ بعد الموازنة بين روايات العدد وروايات الرؤية ـ أن الاعتماد على الرؤية، وليس على العدد.
ـ كتابه الموسوم بـ (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد)، وهو كتاب تاريخي، ضمنه سير الأئمة (عليهم السلام) والأدلة على إثبات إمامتهم.
وممن حرر هذه المسألة الشيخ المامقاني في (التنقيح 1/209)، فقد عقد لها الفائدة الثانية والعشرين، ومن المفيد أن أنقل هنا ما ذكره في هذه المسألة ثم أعقب بما يتطلبه البحث.
قال: «إن للشيخ المفيد (ره) في رسالته في الرد على أصحاب العدد، عبارة يستشهد بها المولى الوحيد (ره) في (التعليقة) كثيراً على وثاقة ما تضمنته العبارة من الرجال، فلزمنا نقل العبارة برمتها هنا حتى نحيل إليها حيثما احتجنا إلى الاستشهاد بها ولا يتكرر منا نقلها، فنقول: قال (ره) ما لفظه: (وأما رواة الحديث بأن شهر رمضان من شهور السنة يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، فهم فقهاء أصحاب أبي جعفر محمد بن علي وأبي عبدالله جعفر بن محمد بن علي وأبي الحسن علي بن محمد وأبي محمد الحسن بن علي بن محمد ـ صلوات الله عليهم ـ والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدوّنة والمصنفات المشهورة، وكلهم قد أجمعوا نقلاً وعملاً على أن شهر رمضان يكون تسعة وعشرين يوماً، نقلوا ذلك عن أئمة الهدى، وعرفوه في عقيدتهم، واعتمدوه في ديانتهم، وقد فصّلت أحاديثهم في كتابنا المعروف بـ (مصابيح النور في علامات الشهور).
ثم أن الرواة الذين ذكروا الروايات عنهم في أن شهر رمضان يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين ـ بعد أن مدحهم بما مدحهم ـ هم:
ـ محمد بن مسلم.
ـ ومحمد بن قيس الذي يروي عنه يوسف بن عقيل.
ـ وأبو الجارود.
ـ وعمار الساباطي.
ـ وأبو أحمد عمر بن الربيع.
ـ وأبو الصباح الكناني.
ـ ومنصور بن حازم.
ـ وعبدالله بن مسكان.
ـ وزيد الشحام.
ـ ويونس بن يعقوب.
ـ وإسحاق بن جرير.
ـ وجابر بن زيد.
ـ والنضر (النمر) والد الحسن.
ـ وابن أبي يعفور.
ـ وعبدالله بن بكير.
ـ ومعاوية بن بكير.
ـ ومعاوية بن وهب.
ـ وعبدالسلام بن سالم.
ـ وعبد الأعلى بن أعين.
ـ وإبراهيم بن حمزة العلوي.
ـ والفضيل بن عثمان.
ـ وسماعة بن مهران.
ـ وعبيد بن زرارة.
ـ والفضل بن عبدالملك.
ـ ويعقوب الأحمر.
(فإنه روى عن كلٍ منهم رواية على حدة متضمنة لمطلوبه، ثم قال) وروى:
ـ كرام الخثعمي.
ـ وعيسى بن أبي منصور.
ـ وقتيبة الأعشى.
ـ وشعيب الحداد.
ـ والفضيل بن يسار.
ـ وأبو أيوب الخراز.
ـ وقطر بن عبدالملك.
ـ وحبيب الجماعي.
ـ وعمر بن مرداس.
ـ ومحمد بن عبدالله بن الحسين.
ـ ومحمد بن الفضيل الصيرفي.
ـ وأبو علي بن راشد.
ـ وعبيد الله بن علي الحلبي.
ـ وعمران بن علي الحلبي.
ـ وهشام بن الحكم.
ـ وهشام بن سالم.
ـ وعبدالأعلى بن أمين.
ـ ويعقوب الأحمر.
ـ وزيد بن يونس.
ـ وعبدالله بن سنان.
ـ ومعاوية بن وهب.
ـ وعبدالله بن أبي يعفور.
ممن لا يحصى كثرة، مثل ذلك حرفاً.
(إلى أن قال:) إن حديث الرؤية قد عمل به معظم الشيعة وكافة فقهائهم وجماعة علمائهم، ولو لم يعمل به إلا فريق منهم لم يكن الخبر به بعيداً من قول العامة لقربه من مذهب الخاصة)، إلى آخر ما قال.
وله عبارتان أخريان في إرشاده تضمنتا توثيق جماعة أخرى، قال في (باب النص على الكاظم (ع) من الإرشاد) ما لفظه: (وممن روى النص)[467]( عن أبي عبدالله (عليه السلام) ابنه أبي الحسن موسى (عليه السلام) من شيوخ أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام) وخاصته، وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين ـ رحمهم الله ـ:
ـ المفضل بن عمر الجعفي.
ـ ومعاذ بن كثير.
ـ وعبدالرحمن بن الحجاج.
ـ والفيض بن المختار.
ـ ويعقوب السراج.
ـ وسليمان بن خالد.
ـ وصفوان الجمال.
ـ وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب ـ انتهى ـ).
قال (ره) في (باب النص على الرضا (عليه السلام)) ما صورته: (ممن روى النص على الرضا (عليه السلام) بالإمامة من أبيه (عليه السلام)، والإشارة إليه منه (عليه السلام) بذلك، من خاصته، وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته:
ـ داود بن كثير الرقي.
ـ ومحمد بن إسحاق بن عمار.
ـ وعلي بن يقطين.
ـ ونعيم القابوسي.
ـ والحسين بن المختار.
ـ وزياد بن مروان المخزومي.
ـ وداود بن سليمان.
ـ ونصر بن قابوس.
ـ وداود بن زربي.
ـ ويزيد بن سليط.
ـ ومحمد بن سنان ـ انتهى ـ).
وقال الفاضل الجزائري في ترجمة داود بن زربي، بعد نقل العبارة الأولى، ما صورته: (وأنت خبير بأن كلامه هذا ظاهر في التوثيق، وقد نقل العلامة (ره) في ترجمة محمد بن سنان توثيق المفيد (ره) له، والظاهر أنه فهمه من هذه العبارة، وحينئذٍ ينظر في أحوالهم، فمن وجد فيه المعارض لهذا التوثيق عمل بمقتضاه، ومن لم يوجد فالظاهر الاعتماد على هذا التوثيق، والرجل هنا لا معارض فيه، بل ما ذكرناه مؤكد له إن لم نعدّه وحده ـ انتهى ـ).
ولا يقدح عدّه لأبي الجارود الضعيف، إذ قد يكون مراده غير أبي الجارود المعروف، أو من غلط الناسخ، أو غير ذلك.
وقال الوحيد (ره): (لعل المراد من الطعن والذم المنفيين ـ يعني في العبارة الأولى ـ ما هو بالقياس إلى الاعتماد عليه، وقبول قوله، ووثاقته، كما هو الظاهر من رؤيته من عد عمار الساباطي وأمثاله منهم، لا أن عد أمثاله غفلة منه ـ انتهى ـ).
وأنت خبير بأنه حملٌ لكلام المفيد (ره) على غير ظاهره بغير قرينة، وحمل واحد أو اثنين ممن ذكر على سهو القلم من الناسخ أو منه، أقرب من حمل كلامه في الجميع على خلاف الظاهر ليسقط عن الاعتبار فتدبر».
والمستفاد من هذا:
1 ـ إن الوحيد البهبهاني اعتمد قول الشيخ المفيد في توثيق من ذكرهم في قائمة رواة أحاديث الرؤية.
2 ـ إن الفاضل الجزائري استظهر من عبارتي الإرشاد توثيق الشيخ المفيد لمن ذكرهم في قائمتي رواة أحاديث النص بالإمامة على الإمامين الكاظم (عليه السلام) والرضا (عليه السلام).
3 ـ كما استنتج الفاضل الجزائري من نقل العلامة الحلي في ترجمة محمد بن سنان توثيق المفيد له أن العلامة أفاد هذا التوثيق من عبارة المفيد في الإرشاد التي ورد فيها ذكر محمد بن سنان، وهي التي قالها الشيخ المفيد في بيان النص على إمامة الرضا (عليه السلام).
4 ـ ثم أفاد الفاضل الجزائري بأن من وجد فيه ما يعارض توثيق الشيخ المفيد له يعمل بمقتضى المعارض، ومن لم يوجد فيه ما يعارض توثيق الشيخ المفيد استظهر فيه الاعتماد على توثيق الشيخ المفيد.
5 ـ إن الشيخ المامقاني وجه عدّ الشيخ المفيد لأبي الجارود في قائمة رواة أحاديث الرؤية، وهو من الضعفاء بأنه قد يكون مراد الشيخ المفيد غير أبي الجارود المعروف، أو أنه من غلط الناسخ، أو غير ذلك.
وبعد هذا، فالذي أستظهره أن عبارة الشيخ المفيد في رواة أحاديث الرؤية ظاهرة كل الظهور في التوثيق.
وما قيل في ضعف أبي الجارود فمستنده روايات ضعيفة ذكرها أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 7/323 ـ 324) ـ ترجمة أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني ـ وأبان عن أسباب ضعفها وعدم اعتبارها، ثم قال: «أقول: هذه الروايات كلها ضعيفة، على أنها لا تدل على ضعف الرجل وعدم وثاقته إلا الرواية الثالثة منها، لكن في سندها علي بن محمد وهو ابن فيروزان ولم يوثق، ومحمد بن أحمد وهو محمد بن أحمد الوليد وهو مجهول، والحسين بن محمد بن عمران مهمل، إذن كيف يمكن الاعتماد على هذه الروايات في تضعيف الرجل، فالظاهر أنه ثقة، لا لأجل أن له أصلاً، ولا لرواية الأجلاء عنه، لما عرفت غير مرة من أن ذلك لا يكفي لإثبات الوثاقة، بل لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وقد شهد جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقة جميع رواتها.
ولشهادة الشيخ المفيد في الرسالة العددية بأنه من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم.
ولشهادة علي بن إبراهيم في تفسيره بوثاقة كل من وقع في إسناده».
وبالنسبة إلى عمار الساباطي وأمثاله وإن لم يكونوا عدولاً فهم ثقات وموضع اعتماد، فيكون مراد الشيخ المفيد من التوثيق مطلق التوثيق أي ما يعم العدالة والوثاقة.
وأما عبارتا الشيخ المفيد في (الإرشاد) فغير ظاهرتين في توثيق الجميع، وإنما أراد الشيخ ـ وهو في معرض إثبات إمامة الكاظمين (عليهم السلام) أن يذكر ما يفيد العلم واليقين بذلك، فذكر الثقات من أصحاب الأئمة، والناس الآخرين الذين هم ألصق بالأئمة وأقرب في الاطلاع على ذلك، ولذا عبّر بـ(الخاصة) و(البطانة) و(ثقات الفقهاء الصالحين) و(أهل الورع)، فهذه الأوصاف المذكورة لم تتعاطف على موصوف واحد حتى يقال إنه وصف بالوثاقة، وإنما هي تشير إلى عناوين متعددة مختلفة.
مضافاً إلى أن الكتاب (أعني الإرشاد) كتاب تاريخ لا تستخدم فيه العبارة الدقيقة، وإنما تراكم فيه المثبتات للحادثة بمجموعها وقوعها.
وعليه: لا نستطيع أن نأخذ بالظهور المدعى، فنفيد من العبارتين قاعدة توثيق.
ومن توثيقات الشيخ المفيد التي ذكرها في كتاب (الإرشاد)، توثيقه لجميع أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد من أهل آثار ونقلة الآخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبدالله (عليه السلام)، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل»)[468](.
واستدل بعضهم بهذا النص على وثاقة جميع من ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
كما «مال إلى هذا القول الشيخ الحر (قدس سره) قال في (أمل الآمل) ـ في ترجمة خليد بن أوفى أبي الربيع الشامي: (ولو قيل بتوثيقه وتوثيق جميع أصحاب الصادق (عليه السلام)، إلاّ من ثبت ضعفه، لم يكن بعيداً، لأن المفيد في (الإرشاد)، وابن شهرآشوب في (معالم العلماء) )[469](، والطبرسي في (إعلام الورى)، قد وثقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق (عليه السلام).
والموجود منهم في كتب الرجال والحديث لا يبلغون ثلاثة آلاف، وذكر العلامة وغيره أن ابن عقدة جمع أربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال»)[470](.
وعلق أستاذنا السيد الخوئي عليه بقوله: «أقول: الأصل في ذلك هو الشيخ المفيد (قدس سره) وتبعه على ذلك ابن شهرآشوب وغيره.
وأما ابن عقدة فهو وإن نسب إليه أنّه عدّد أصحاب الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف، وذكر لكل واحد منهم حديثاً إلاّ أنه لم ينسب إليه توثيقهم.
وتوهم المحدث النوري أن التوثيق إنما هو من ابن عقدة، ولكنه باطل جزماً»)[471](.
ثم ناقش المسألة فقال: «وكيف كان فهذه الدعوى غير قابلة للتصديق:
فإنه إن أريد بذلك أن أصحاب الصادق (عليه السلام) (الذين) كانوا أربعة آلاف، كلهم كانوا ثقات، فهي تشبه دعوى أن كل من صحب النبي (ص) عادل.
مع أنه ينافيها تضعيف الشيخ (الطوسي) جماعة، منهم:
ـ إبراهيم بن أبي حبة.
ـ والحارث بن عمر البصري.
ـ وعبدالرحمن بن الهلقام.
ـ وعمرو بن جميع.
ـ وجماعة أخرى غيرهم.
وقد عدّ الشيخ (الطوسي) أبا جعفر الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام)، أفهل يحكم بوثاقته بذلك؟
وكيف تصح هذه الدعوى مع أنه لا ريب في أن الجماعة المؤلفة من شتى الطبقات على اختلافهم في الآراء والاعتقادات يستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقات.
وإن أريد بالدعوى المتقدمة أن أصحاب الصادق كانوا كثيرين، إلاّ أن الثقات منهم أربعة آلاف، فهي في نفسها قابلة للتصديق إلاّ أنها مخالفة للواقع، فإن أحمد بن نوح زاد على ما جمعه ابن عقدة ممن روى عن الصادق (عليه السلام) على ما ذكره النجاشي، والزيادة كثيرة على ما ذكره الشيخ في ترجمة أحمد بن نوح، وال شيخ مع حرصه على جمع الأصحاب حتى من لم يذكره ابن عقدة على ما صرح به في أول رجاله، ولأجل ذلك ذكر موسى بن جعفر (عليه السلام) والمنصور الدوانيقي في أصحاب الصادق (عليه السلام) ومع ذلك فلم يبلغ عدد من ذكره الشيخ أربعة آلاف، فإن المذكورين في رجاله لا يزيدون على ثلاثة آلاف إلاّ بقليل.
على أنه لو سلمت هذه الدعوى لم يترتب عليها أثر أصلاً، فلنفرض أن أصحاب الصادق (عليه السلام) كانوا ثمانية آلاف، والثقات منهم أربعة آلاف، لكن ليس لنا طريق إلى معرفة الثقات منهم، ولا شيء يدلنا على أن جميع من ذكره الشيخ (الطوسي) من قسم الثقات، بل الدليل قائم على عدمه كما عرفت»)[472](.
والأمر ـ كما قلت سابقاً ـ إن كتاب الإرشاد كتاب تاريخي يختلف في منهج معالجته لأمثال هذه المسائل عن منهج الكتب الرجالية، وكتب الحديث.
ولعل الشيخ المفيد بنى قوله هنا على أساس من أصالة العدالة في المسلم حتى يثبت الفسق.
مشيخة الإجازة
عنون بعضهم هذا الموضوع بالعنوان المذكور، وعنونه آخر بـ (مشايخ الإجازة)، وثالث بـ (شيوخ الإجازة)، وكلها تعطي معنى واحداً، هم: العلماء الذين يستجازون في رواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث.
و(مشيخة) و(مشايخ) و(شيوخ) كلها في رأي أكثر المعاجم: جمع (شيخ)، وذهب بعض المعاجم إلى أن (مشايخ) جمع لمشيخة وهي ـ يعني مشيخة ـ اسم جمع.
و(الشيخ) في لغتنا العربية يطلق على كبير السن، وتوسع في استعماله فأصبح يطلق على الأستاذ والعالم لكبرهما في العلم بالنسبة إلى التلميذ والمتعلم.
ومنه (شيخ الإجازة) أي الأستاذ في الإجازة، وهو الذي يشتهر في الوسط العلمي بمنحه الإجازات برواية الكتب المشهورة وجوامع الحديث.
قالوا في علم الرجال: إن مشيخة الإجازة من إمارات التوثيق، فكل شيخ من شيوخ الإجازة هو ثقة.
فأصّلوا هذه القاعدة وطبقوها في مواردها.
وهو الرأي المشهور بينهم.
وخالف آخرون فنفوا أن تكون شيخوخة الإجازة أمارة توثيق.
وممن أثار المسألة بحثاً الفاضل الدربندي في كتابه (قواميس الرجال والدراية)، فقد جاء في الورقة 22 منه: «الأصل الأصيل في مشايخ الإجازة هو التوثيق، بل إن هذا مما يتراءى من سيرتهم وتتبع الموارد في الإسناد.
والحاصل: إنه لا يعدل عن مقتضى هذا الأصل إلا بدليل».
وقال في الورقة 62: «وقد يتراءى من جمعٍ أن كون الرجل من مشايخ الإجازة دليل توثيقه».
وقال في الورقة 66: «ومن جملة الأمور التي اعتبرناها من علائم التوثيق وإمارات التعديل كون الرجل من مشيخة الإجازة»)[473](.
وجاء في (فوائد الوحيد البهبهاني) ـ الملحقة برجال الخاقاني ص44 ـ : «الفائدة الثالثة: في سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة، (منها): كون الرجل من مشايخ الإجازة.
والمتعارف عده من أسباب الحسن، وربما يظهر من (المجلسي الأول) ـ رحمه الله ـ دلالته على الوثاقة، وكذا من المصنف (الميرزا محمد الأسترآبادي) في ترجمة الحسن بن علي بن زياد.
وقال المحقق البحراني (الشيخ سليمان الماحوزي: «مشايخ الإجازة في أعلى درجات الوثاقة والجلالة».
ثم حكى عن المحقق المذكور في كتابه (معراج الكمال) أنه قال: «إن التعديل بهذه الجهة طريقة كثير من المتأخرين».
وحكى الشيخ المامقاني في (المقباس 2/219) عن الشهيد الثاني أنه قال في كتابه (البداية): (إن مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم».
ومن تطبيقات هذه القاعدة:
1 ـ ما ذكره السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية رجال السيد بحر العلوم 2/19) في حديثه عن توثيق أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد شيخ الشيخ المفيد، قال: «وقال العلامة المجلسي في (الوجيزة): يعد حديثه صحيحاً، لكونه من مشايخ الإجازة، ووثقه الشهيد الثاني ـ رحمه الله ـ أيضاً».
2 ـ ما جاء في كتاب بلغة المحدثين للشيخ سليمان الماحوزي ص404 في ترجمة البندقي، قال: «وأما محمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان، ويروي عنه محمد بن يعقوب، فهو البندقي: مجهول، إلاَّ أن الظاهر جلالته لكونه من مشايخ الإجازة».
ونفيد مما تقدم.
1 ـ إن شيخوخة الإجازة إمارة من أمائر التوثيق.
2 ـ اختلف في نوعية التوثيق الذي تفيده شيخوخة الإجازة على قولين:
أ ـ إنها تفيد الوثاقة.
ب ـ إنها تفيد الحسن.
3 ـ إن المستند في ذلك هو منزلة شيوخ الإجازة من حيث العلم والتدين، واشتهارها في الأوساط العلمية الدينية.
قال السيد الداماد في (الرواشح السماوية 179): «ومما يجب أن يعلم ولا يجوز أن يسهى عنه أن مشيخة المشايخ الذي هم كالأساطين والأركان أمرهم أجل من الاحتياج إلى تزكية مزكٍ وتوثيق موثق»)[474](.
وقال السيد الأعرجي الكاظمي في (عدة الرجال): «وما كان العلماء وجملة الأخيار ليطلبوا الإجازة من رواياتها إلاّ من شيخ الطائفة وفقيهها ومحدثها وثقتها ومن يسكنون إليه ويعتمدون عليه.
وبالجملة: فشيخ الإجازة مقام ليس للراوين»)[475](.
ولكن أستاذنا السيد الخوئي نفي اعتماد هذا، وأجاب عنه بـ «أن مشايخ الإجازة على تقدير تسليم وثاقتهم لا يزيدون في الجلالة وعظمة الرتبة على أصحاب الإجماع وأمثالهم ممن عرفوا بصدق الحديث والوثاقة، فكيف يتعرض في كتب الرجال والفقه لوثاقتهم، ولا يتعرض لوثاقة مشايخ الإجازة لوضوحها وعدم الحاجة إلى التعرض لها.
والصحيح: أن شيخوخة الإجازة لا تكشف عن وثاقة الشيخ كما لا تكشف عن حسنه.
بيان ذلك: إن الراوي قد يروي رواية عن أحد بسماعه الرواية عنه، وقد يرويها عنه بقراءتها عليه، وقد يرويها عنه لوجودها في كتاب قد أجازه شيخه أن يروي ذلك الكتاب عنه من دون سماع ولا قراءة، فالراوي يروي تلك الرواية عن شيخه، فيقول: حدثني فلان، فيذكر الرواية، ففائدة الإجازة هي صحة الحكاية عن الشيخ وصدقها، فلو قلنا: بأن رواية الثقة عن شخص كاشفة عن وثاقته أو حسنه فهو، وإلاّ فلا تثبت وثاقة الشيخ بمجرد الاستجازة والإجازة.
وقد عرفت ـ آنفاً ـ أن رواية ثقة عن شخص لا تدل لا على وثاقته ولا على حسنه.
ويؤيد ما ذكرناه أن الحسن بن محمد بن يحيى، والحسن بن حمدان الحضينين من مشايخ الإجازة ـ على ما يأتي في ترجمتها ـ وقد ضعفهما النجاشي».
وهذا الذي ذكره من تضعيف النجاشي للحسن بن محمد والحسين بن حمدان لا يتنافى والأخذ بالقاعدة، وذلك أن القواعد الرجالية ـ كما أسلفنا ـ يؤخذ بها ما لم تعارض.
فمن لم يثبت تضعيفه يوثّق بالقاعدة المذكورة.
الإجماع على التوثيق
ومن المسائل التي ذكرت في علم الرجال كقاعدة ذات دلالة على وثاقة أو حسن الراوي: الإجماع على التوثيق.
فمتى نقل أحد الرجاليين الثقات إجماعاً على وثاقة أو حسن راوٍ من الرواة يعتمد نقله ويرتب الأثر على وثاقة ذلك الراوي.
وممن تطرق لهذه المسألة واعتمد هذه القاعدة أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/46) قال: «ومن جملة ما تثبت به الوثاقة أو الحسن هو أن يدعي أحد من الأقدمين الأخيار: الإجماع على وثاقة أحد، فإن ذلك وإن كان إجماعاً منقولاً، إلاَّ أنه لا يقصر عن توثيق مدعي الإجماع نفسه منضماً إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، بل إن دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين، كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم، فقد ادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته، فإن هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة، وهو يكفي في إثبات الوثاقة».
وقد استخدمها في ترجمة إبراهيم، بن هاشم القمي قال في (المعجم 1/317): «إن العلامة في (الخلاصة) قال: «لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدم فيه، ولا على تعديل بالتنصيص والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول روايته».
أقول: «لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدل على ذلك عدة أمور:
1 ـ إنه روى عنه ابنه علي في تفسيره كثيراً وقد التزم في أول كتابه بأن ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات…
2 ـ إن السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: «ورواة الحديث ثقات بالاتفاق» ـ فلاح السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة 158».
كثرة الرواية
ومما ذكروه في هذا العلم إمارة دالة على وثاقة الراوي أو مدحه أو قوته كونه كثير الرواية عن المعصوم.
جاء في الفائدة الثالثة من (فوائد الوحيد البهبهاني ص 44 ـ 46) التي عقدها لبيان (سائر إمارات الوثاقة والمدح والقوة) قوله: «ومنها: كونه كثير الرواية».
ثم قال: «وهو (يعني كون الراوي كثير الرواية) موجب للعمل بروايته مع عدم الطعن عند الشهيد ـ رحمه الله ـ».
ويريد بهذا: أن الشهيد الأول يقول بإمارية كثرة الرواية ودلالتها على التوثيق، ولكن بشرط أن لا تعارض هذه القاعدة أو الإمارة بطعن في حال الراوي.
ثم ذكر في أنه سيشير إلى هذا في ترجمة الحكم بن مسكين؛ وأنه سيذكر في ترجمة علي بن الحسين السعد آبادي عن جده المجلسي الأول: أن جماعة عدوا حديث السعد آبادي من الحسان مستظهراً أن السبب في ذلك هو كثرة روايته.
وأشار إلى أن خاله المجلسي الثاني ذكر في ترجمة إبراهيم بن هاشم أن كثرة روايته في شواهد وثاقته.
وحكى عن العلامة الحلي أنه ذكر في ترجمة إبراهيم بن هاشم أيضاً أن كثرة روايته من أسباب قبول رواياته.
ونص قول العلامة في (الخلاصة) هو: لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديله بالتنصيص، والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول قوله».
وكأنه أفاد أن المرجح عند العلامة لقبول إبراهيم بن هاشم هو كثرة الروايات عنه الذي هو دليل كثرة رواياته هو عن المعصوم.
ثم أشار إلى ما يظهر من عدد من التراجم من أن كثرة الرواية من أسباب المدح والقوة.
ونص عبارته هو: «ومنها: كونه كثير الرواية، وهو موجب للعمل بروايته مع عدم الطعن، عند الشهيد كما سنشير إليه في ترجمة الحكم بن مسكين.
وسنذكر في ترجمة علي بن الحسين السعد آبادي عن جدي أن الظاهر أنه لكثرة الرواية عدّ جماعة حديثه من الحسان، وقريب من ذلك في الحسن بن زياد الصيقل.
وعن خالي ـ وفي ترجمة إبراهيم بن هاشم ـ أنه من شواهد الوثاقة.
وعن العلامة فيها: أنه من أسباب قبول الرواية.
ويظهر من كثير من التراجم كونه من أسباب المدح والقوة، مثل: عباس بن عامر، وعباس بن هشام، وفارس بن سليمان، وأحمد بن محمد بن عمار، وأحمد بن إدريس، والعلاء بن رزين، وجبرئيل بن أحمد، والحسن بن خرزاد، والحسن بن متيل، والحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدالواحد، وأحمد بن محمد بن سليمان، وأحمد بن محمد بن علي بن عمر، وغيرها».
ونص عبارة المجلسي الأول في حق الحسن بن زياد الصيقل ـ كما حكاه المامقاني في (التنقيح 1/279) ـ هو: «يظهر من كثرة رواياته مع سلامة الجميع حسنه، وسيجيء عنهم (عليهم السلام): اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنا، ويمدحون بأنه كثير الرواية».
وممن ذهب إلى إفادة كثرة الرواية المدح، الشيخ الخاقاني في (رجاله ص345 ـ 346) قال معلقاً على ما تقدم من عبارة الوحيد البهبهاني: «لا إشكال ولا ريب في إفادة كونه كثير الرواية مدحاً ما، بل ومدحاً معتداً به لدلالته على علمه ومعرفته وزيادة بصيرته، بل لو كان كثير الرواية عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة، بل مشافهة وسماعاً منه، كان ذلك دالاً على أنه كثير الاتصال به، شديد الصحبة له، بل ربما يبلغ ذلك به إلى كونه من خاصته، وبطانته.
وهكذا لو كان كثير السماع من الشيخ فإنه أعلى مراتب التحمل للرواية، فإنه يفيد مدحاً تاماً، سيما لو كان من يتحمل منه من المشاهير أو من الأجلاء.
وكيف كان، وعلى كل حال، فلا يفيد التوثيق، والتعديل أصلاً حتى مع عدم الطعن فيه، فما عن الشهيد من القول بإفادته ذلك مع عدم الطعن، في محل المنع، بل لا بد من التنصيص عليه بالتوثيق، أو ما هو بحكمه، كما عن الشهيد (الثاني) راداً عليه.
نعم يكون بذلك في نظم الحسان، كما عن جماعة عد حديث علي بن الحسين السعد آبادي حسناً لكثرة روايته».
وذكر أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 1/79) مستند القائلين بالقاعدة المذكورة، وهو الروايات التالية:
1 ـ حمدويه بن نصير الكشي، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: اعرفوا منازل الرجال منا على قدر روايتهم عنا.
2 ـ محمد بن سعيد الكشي بن يزيد)[476](، وأبو جعفر محمد بن أبي عوف البخاري، قالا: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن حماد المروزي المحمودي، رفعه، قال: قال الصادق (عليه السلام): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنّا لا نعدُّ الفقيه فقيهاً حتى يكون محدِّثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثاً؟ قال: يكون مفهماً، والمفهم المحدث.
3 ـ إبراهيم بن محمد بن عباس)[477]( الختلي، قال: حدثنا أحمد بن إدريس القمي المعلم، قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن عمران، قال: حدثني سليمان الخطابي، قال: حدثني محمد بن محمد، عن بعض رجاله، عن محمد بن حمران العجلي، عن علي بن حنظلة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: اعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا.
ثم ناقش (ره) استدلالهم بهذه الروايات بقوله: «إن هذه الروايات ـ بأجمعها ـ ضعيفة، أما الأخيرتان فوجه الضعف فيهما ظاهر)[478](، وأما الأولى فلأن محمد بن سنان ضعيف على الأظهر.
على أنه لو أغمضنا عن ضعف السند، فالدلالة فيها ـ أيضاً ـ قاصرة، وذلك فإن المراد بجملة: (قدر رواياتهم عنا) ليس هو قدر ما يخبر الراوي عنهم (عليهم السلام)، وإن كان لا يعرف صدقه وكذبه، فإن ذلك لا يكون مدحاً في الراوي، فربما تكون روايات الكاذب أكثر من روايات الصادق.
بل المراد بها هو قدر ما تحمله الشخص من رواياتهم (عليهم السلام)، وهذا لا يمكن إحرازه إلاّ بعد ثبوت حجيّة قول الراوي، وإن ما يرويه قد صدر عن المعصوم (عليه السلام)».
والأقرب إلى الاعتبار ـ فيما يبدو ـ هو قول الشهيد الأول، ذلك أن كثرة الرواية مع عدم الطعن في الراوي أمر يلفت النظر فلو كان الراوي ليس ممن يعتمد على نقله لأسرع العلماء الإثبات إلى بيان ذلك لخطورة الموقف بسبب كثرة الرواية.
وعليه نقول: إن كثرة الرواية ما لم تعارض بطعن في الراوي هي إمارة من إمارات التوثيق.
الشهادة للنفس بالتوثيق
يراد بها أن يثبت الرجالي وثاقة الراوي من خلال شهادة الراوي لنفسه بالوثاقة، وذلك كأن يروي حديثاً عن المعصوم فبه تزكية له.
ولعل أقدم من أشار إليها هو العلامة الحلي في (الخلاصة) عند ترجمته لعبدالله بن ميمون الأسود القداح المكي، قال: «عبيدالله بن ميمون الأسود القداح، يبري القداح، مولى بني مخزوم، روى أبوه عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليه السلام)، وروى هو عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وكان ثقة.
روى الكشي عن حمدويه عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن أبي خالد القماط عن عبدالله بن ميمون عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (يا بن ميمون، كم أنتم بمكة؟ قلت: نحن أربعة، قال: إنكم نور الله في ظلمات الأرض).
وهذا لا يفيد العدالة لأنه شهادة منه لنفسه، لكن الاعتماد على ما قاله النجاشي.
وروى الكشي عن جبريل بن أحمد، قال: سمعت محمد بن عيسى يقول: كان عبدالله بن ميمون يقول بالتزيد.
وفي هذا الطريق ضعف.
ولعله يشير بضعف الطريق إلى مجهولية حال جبرئيل بن أحمد وهو الناريابي، لأن محمد بن عيسى ـ وهو محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين ـ ثقة، قال فيه النجاشي: «جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف».
والعبارة الأولى من قول العلامة: (عبدالله) إلى قوله (وكان ثقة) هي نص عبارة النجاشي في رجاله المطبوع بفارق تقديم عبارة (يبري القداح) في (الخلاصة) على قوله (مولى بني مخزوم).
وهذا مما أشار إليه بعضهم أن من طريقة العلامة الحلي البدء بقول النجاشي دون أن يذكر اسمه أو الإرجاع إلى كتابه، ثم يتلوه بغيره، مستفيداً هذا من استقرائه لكتاب (الخلاصة)، ولذا أشار إليه بقوله: «لكن الاعتماد على ما قاله النجاشي» أي ليس على الرواية المذكورة.
ورواية الكشي عن حمدويه مذكورة في (اختيار معرفة الرجال) برقم 452 ص245 ـ 246، وبرقم 731 ص 389 بزيادة (بن نصير) بعد (حمدويه).
والرواية الثانية التي هي عن جبريل بن أحمد مذكورة برقم 732 ص389.
ونص على وثاقة ابن ميمون في الكثير من الكتب الرجالية، أمثال: رجال النجاشي، وخلاصة العلامة، ورجال ابن داود، وبلغة الماحوزي، وجامع الأردبيلي، ووجيزة المجلسي، وتنقيح المامقاني.
وظاهر الجميع ـ من بعد النجاشي ـ أنهم استندوا في توثيقه على النجاشي، ولم يستندوا على الروايتين أو إحداهما، إلاّ ما احتمله المامقاني في (التنقيح) من أن توثيق المجلسي له كان مستنداً إلى رواية الكشي الثانية، قال في (2/220): «وفي ما عندي من نسخة (الوجيزة) أنه موثق، ولعله بالنظر إلى رواية الكشي الثانية على قراءة (بالتزيد) ـ بالتاء والدال ـ مريداً به أنه كان زيدي المذهب».
فالمسألة ـ كما هو واضح ـ تفيد عدم جواز الاعتماد على شهادة الراوي لنفسه.
ويبدو أن ذلك لاستلزامها الدور، ذلك أن صدق الرواية يتوقف على صدق الراوي، وفي الوقت نفسه يراد إثبات صدق الراوي بصدق الرواية، فتكون النتيجة: توقف صدق الراوي على نفسه.
وقد يكون لأمثال الآية الكريمة: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} حيث نهت عن تزكية الإنسان لنفسه.
على أنه «ليس من التزكية المذمومة بيان الإنسان لبعض صفاته على سبيل التعريف حيث يحتاج إلى ذلك في توليته، كما حصل لنبي الله يوسف (عليه السلام) حيث قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيطٌ عَلِيمٌ..} )[479](.
ومن الجدير أن نشير في ختام دراسة هذه المسألة إلى أن أستاذنا السيد الخوئي قد أشار إليها إشارة عابرة مع الإلماح إلى الدليل في مقدمة موسوعته (معجم رجال الحديث) ضمن بحثه لمسألة ثبوت الوثاقة أو الحسن بنص أحد المعصومين حيث قال: «وربما يستدل بعضهم على وثاقة الرجل أو حسنه برواية ضعيفة، أو برواية نفس الرجل، وهذا من الغرائب، فإن الرواية الضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها، كما أن في إثبات وثاقة الرجل وحسنه بقول نفسه دوراً ظاهراً».
ولعله يشير بـ (بعضهم) ـ بقرينة ما ذكره بعد كلامه هذا من نقده الاعتماد على الظنون الرجالية ـ إلى الشيخ المامقاني لأنه حرر المسألة هذه، وباختصار في (الفائدة الثلاثون) من مقدمة كتابه (تنقيح المقال) وبحث فيها وباختصار أيضاً حجية الظن الرجالي.
قواعد التعارض
بعد أن استعرضنا المهم من قواعد التقييم ننتقل الآن إلى دراسة قواعد التعارض كما وعدنا بهذا سالفاً.
التعارض ـ كما يعرفونه ـ هو: «التمانع بين الدليلين مطلقاً، بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضي الآخر».
والمقصود به ـ هنا ـ التمانع والتنافي بين تقييمين أو أكثر.
وهو مأخوذ من «تعارض البينات، لأن كل واحدة تعترض الأخرى، وتمنع نفوذها».
والشأن ـ هنا ـ كذلك إذ كل تقييم يعترض الآخر، ويمنع من الأخذ به، والاعتماد عليه.
وقد وضع الرجاليون قواعد لحل هذا التعارض، وسنأتي على المهم منها، كما فعلنا في قواعد التقييم.
التعارض بين التوثيق والتجريح
بحثت المسألة في كتب قواعد الحديث وقواعد الرجال، وأوسع تناول لها كان في كتاب (رجال الخاقاني، الفائدة السادسة: المقام الثالث)، وكتاب (مقباس الهداية) للشيخ المامقاني.
وتناولها بالبحث أيضاً الميرزا المشكيني في كتابه (الوجيزة) ولكن بشكل وجيز.
والمقصود بهذه المسألة: أن يأتينا توثيق لراوٍ (تعديلاً أو توثيقاً أو تحسيناً)، ويأتينا في مقابلة تجريح له، فأيهما يقدم، ويؤ خذ به ويعتمد عليه؟!
ربما وصلت الأقوال في المسألة ـ بتفصيلاتها ـ إلى تسعة أقوال، ولكن المهم هو االتالي:
1 ـ تقديم التجريح مطلقاً (في مقابل التفصيلين الآيتين). وهو القول المشهور.
وأستدل له بأن الموثق للراوي يخبر عما يعرفه من ظاهر حاله، والمجرح يخبر عما اطلع عليه من باطن خفي على الموثق.
فالتعارض يقوم بين إثبات المعصية من قبل المجرح بسبب اطلاعه عليها، ونفيها من قبل الموثق لعدم اطلاعه عليها واعتماده في شهادته على ظاهر الحال.
ولأن الإثبات ـ هنا ـ نص بالنسبة إلى المجرح، والنفي ظاهر بالنسبة إلى الموثق، يقدم النص.
2 ـ تقديم التوثيق مطلقاً (وأيضاً هو في مقابل التفصيلين الآتيين).
وأشير إلى دليله بأن «احتمال اطلاع الجارح على ما خفي على المعدل معارض باحتمال اطلاع المعدل على ما خفي على الجارح من مجدَّد التوبة والملكة، وإذا تعارضا تساقطا، ورجعنا إلى أصالة العدالة في المسلم»)[480](.
3 ـ التفصيل الأول، وله صورتان هما:
أ ـ إمكان الجمع بينهما، كما لو «قال المزكي: هو عدل، وقال الجارح: رأيته يشرب الخمر، فإن المزكي إنما شهد بالملكة، وهي لا تقتضي العصمة حتى ينافي صدور المحرم منه فيجتمعان»)[481](.
وهنا يقدم قول الجارح لأنه نص على قول المزكي لأنه ظاهر.
ب ـ عدم إمكان الجمع بينهما «كما لو عين الجارح السبب ونفاه المعدل، كما لو قال الجارح: رأيته في أول الظهر من اليوم الفلاني يشرب الخمر، وقال المعدل: إني رأيته في ذلك الوقت بعينه يصلي»)[482](.
وفي الحل قولان:
الأول: «الرجوع إلى المرجحات من الأكثرية والأعدلية والأورعية والأضبطية ونحوها… فيعمل بالراجح ويترك المرجوح، لما تقرر في محله من الرجوع إلى المرجحات عند تعارض البينتين.
فإن لم يتفق الترجيح وجب التوقف، للتعارض مع استحالة الترجيح من غير مرجح.
اختاره الشهيد الثاني في (البداية) والمحقق القمي)[483](، وغيرهما»)[484](.
الثاني: «التوقف مطلقاً، وهو المحكى عن الشيخ ـ رحمه الله ـ في (الخلاف).
وعلل بأن مقتضى القاعدة في صورة تعارض البينتين هو التساقط والتوقف، إلاّ أن يكون أصل في المورد فيرجع إليه.
والرجوع إلى الترجيح بالأكثرية والأعدلية ونحوهما في تعارض البينتين في الأملاك إنما هو لدليل خاص فيقتصر على مورده ويتوقف في غيره»)[485](.
4 ـ التفصيل الثاني، وله صورتان أيضاً، وهما:
أ ـ «أن يتعارضا في أصل ثبوت الملكة وعدمه، كأن يقول أحدهما: هو عدل ذو ملكة رادعة، وقال الآخر: هو عشّار)[486]( في جميع ما مضى من عمره، (فيحكم) بالتعارض والتساقط والرجوع إلى الأصل الموجود، وهو في المقام على عدم الملكة»)[487](، فيقدم قول المجرح.
ب ـ «أن يتعارضا في مجرد صدور المعصية وعدمه، فيقدم قول المعدل ويعمل عليه، لأن الملكة قد ثبتت بقوله، وقد تساقطا من حيث صدور المعصية وعدمه، فيرجع إلى أصالة العدم»)[488](، أي أصالة عدم صدور المعصية.
والمسألة ـ كما ترون ـ اجتهادية يعتمد فيها الفقيه مبانيه الاستنباطية ومرتكزاته الفكرية، وشاهد ذلك أن أكثر التجريحات أو الطعون منقولة عن كتاب (الضعفاء)، فمن صحت عنده نسبة الكتاب لابن الغضائري كالعلامة الحلي عدها معارضة لتوثيقات الآخرين، ومن لم تصح عنده نسبته لابن الغضائري كأستاذنا السيد الخوئي لا يعدها معارضة.
وكذلك من كان يرى صحة نسبة الكتاب إليه إلاّ أنه يرى أن جلّ تضعيفاته مستندة إلى اجتهاداته الشخصية في بعض الاعتقادات مثل سهو النبي (ص) حيث يذهب إلى أن من لا يعتقد بمضمون الرواية القائلة بحدوثه من النبي (ص) يعتبر غالياً، فإنه لا يجزم بصلاحية معارضة تضعيفاته لتوثيقات الآخرين.
والأقرب إلى طبيعة الموضوع أن يقال: إذا أمكن الجمع فهو المطلوب، وإن لم يمكن الجمع فالحكم التوقف والرجوع إلى الأصل المناسب للمقام.
هذا كله في مجال النظرية، وقد انصب البحث فيها على ما أسميناه بالمعرفة الواقعية.
ولكن الأمر يختلف عنه في مجال التطبيق باختلاف شخصية الرجالي الموثق، والرجالي المجرح، حيث تتمحور القضية في مركز المعرفة العلمية، وإليكم نماذج من تطبيقات المتأخرين، ومتأخري المتأخرين، والمعاصرين، أنقل موضع الشاهد منها من الكتب التالية:
ـ خلاصة الأقوال للعلامة الحلي.
ـ جامع الرواة للشيخ الأردبيلي.
ـ رجال السيد بحر العلوم.
ـ معجم رجال الحديث للسيد الخوئي.
1 ـ الخلاصة ص 5 ـ إبراهيم بن سليمان بن عبدالله بن حيان النهمي، قال الشيخ (ره): إنه كان ثقة في الحديث، وضعفه ابن الغضائري قال: إنه يروي عن الضعفاء، وفي مذهبه ضعف، والنجاشي وثقه أيضاً كالشيخ، فحينئذٍ يقوى عندي العمل به بما يرويه».
2 ـ الخلاصة ص14 ـ أحمد بن عمر الحلال، ثقة، قاله الشيخ الطوسي (ره)، وقال: إنه رديء الأصل، فعندي توقف في قبول روايته لقوله هذا».
3 ـ الخلاصة 60 ـ 61 حذيفة بن منصور، قال ابن الغضائري: حديثه غير نقي، يروي الصحيح والسقيم، وأمره ملتبس.
والظاهر عندي: التوقف فيه، لما قاله هذا الشيخ، ولما نقل عنه أنه كان والياً من قبل بني أمية، ويبعد انفكاكه عن القبيح.
وقال النجاشي: إنه ثقة».
4 ـ الخلاصة 141 ـ 142 محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، اختلف علماؤنا في شأنه، فقال شيخنا الطوسي (ره): إنه ضعيف، استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال (نوادر الحكمة)، وقال: لا أروي ما يختص بروايته.
قال الشيخ: وقيل إنه كان يذهب مذهب الغلاة.
وقال النجاشي: إنه جليل في أصحابنا، ثقة، عين، كثير الرواية، حسن التصانيف.
والأقوى عندي قبول روايته».
5 ـ الخلاصة 152 ـ 153 محمد بن أحمد بن خاقان النهدي، قال الكشي: قال النضر: إنه كوفي، ثقة، خيّر، وقال النجاشي: إنه مضطرب، وقال ابن الغضائري: إنه كوفي، ضعيف، يروي عن الضعفاء.
وعندي توقف في روايته لقول هذين الشيخين فيه».
6 ـ الخلاصة 205 ـ «أحمد بن علي بن علي بن كلثوم من أهل سرخس، متهم بالغلو، قال الكشي: كان من القوم، وكان مأموناً على الحديث.
والوجه عندي رد روايته».
7 ـ الخلاصة 210 ـ «جعفر بن محمد بن ملك، قال النجاشي: كان ضعيفاً في الحديث، وقال ابن الغضائري ـ رحمه الله ـ: إنه كان كذاباً، متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه، وقال الشيخ الطوسي (ره): جعفر بن محمد بن ملك)[489]( كوفي ثقة، ويضعفه قوم، روى في مولد القائم (عليه السلام) أعاجيب.
والظاهر أنه هو هذا المشار إليه، فعندي في حديثه توقف، ولا أعمل بروايته».
8 ـ الجامع 1/29 ـ إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني (ست، جش صه): شيخ من أصحابنا، ثقة، (صه): وقال ابن الغضائري: إنه ضعيف جداً.
والأرجح عندي قبول روايته، وإن حصل بعض الشك بالطعن فيه، انتهى، وفي الترجيح حسن نظر».
9 ـ رجال السيد بحر العلوم 2/45: «وقال الشهيد الثاني في نكاح (المسالك) في مسألة التوارث بالعقد المنقطع ـ بعد إيراد خبر في طريقه البرقي ـ: إنه (يعني البرقي) مشترك بين محمد بن خالد وأخيه الحسن وابنه أحمد، والكل ثقات على قول الشيخ أبي جعفر الطوسي ـ رحمه الله ـ ولكن النجاشي ضعف محمداً، وقال ابن الغضائري: حديثه يعرف وينكر، ويروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل.
وإذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم، وظاهر حال النجاشي أنه أضبط الجماعة وأعرفهم بحال الرجال».
10 ـ المعجم حـ 9 رقم 5799 ـ صالح بن الحكم النيلي، قال النجاشي: ضعيف.
روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وروى عنه محمد بن صدقة، كامل الزيارات: الباب 54 في ثواب من زار الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه، الحديث 16.
أقول: إن توثيق جعفر بن محمد بن قولويه صالحاً النيلي يعارضه تضعيف النجاشي، فهو مجهول الحال».
تقديم قول النجاشي
ومما ينبغي أن يثار البحث فيه ـ هنا ـ ما ذكر من تقديم قول النجاشي عند المعارضة بينه وبين قول غيره من الرجاليين المتقدمين أمثال الكشي والطوسي.
وقد قرأنا شيئاً من هذا في الرقمين 7 و9 من النماذج المنقولة فيما سبقه.
ويرجع هذا إلى تفرغه للتخصص في مجال هذا العلم، وما وصل إليه من الخبرة فيه، بسبب ما تهيأ له من ظروف مساعدة، ومصادر (متوفرة) واطلاع واسع، حتى عُدَّ أعلم علماء الطائفة في هذا العلم.
قال السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية 2/35) ـ وهو من أعاظم الرجال في علم الرجال ـ: «وأحمد بن علي النجاشي ـ رحمه الله ـ أحد المشايخ الثقات، والعدول الأثبات، من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل».
أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه».
وقال الميرزا النوري في (المستدرك 3/501): «وبالجملة: فجلالة قدره وعظم شأنه في الطائفة أشهر من أن يحتاج إلى نقل الكلمات».
بل الظاهر منهم تقديم قوله ولو كان ظاهراً على قول غيره من أئمة الرجال في مقام المعارضة في الجرح والتعديل ولو كان نصاً.
وقال الشهيد في (المسالك): وظاهر حال النجاشي أنه أضبط الجماعة، وأعرفهم بحال الرجال.
وقال سبطه)[490]( في (شرح الاستبصار) ـ بعد ذكر كلام النجاشي والشيخ في سماعة)[491]( ـ: والنجاشي تقدم على الشيخ في هذه المقامات كما يعلم بالممارسة.
وقال شيخه المحقق الأسترآبادي في ترجمة سليمان بن صالح من رجاله (منهج المقال): ولا يخفى تخالف ما بين طريقي الشيخ والنجاشي، ولعل النجاشي أثبت.
وقال السيد بحر العلوم في (الفوائد 2/46): «وبتقديمه صرح جماعة من الأصحاب، نظراً إلى كتابه الذي لا نظير له في هذا الباب، والظاهر أنه الصواب».
وقال السيد حسن الصدر في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص268): «ثم اعلم أن أصول كتب علم الرجال خمسة: كتاباً الشيخ الطوسي (الفهرست) وكتاب (الرجال) وكتاب الكشي وكتاب ابن الغضائري، وكتاب النجاشي، وهو أحسنها وأجلها وأوثقها وأتقنها».
وقال السيد محمد صادق بحر العلوم في تعليقته على (لؤلؤة البحرين: «ويعد كتابه في الرجال أحد الكتب الأربعة الرجالية المعتمد عليها لدى العلماء ورواة الحديث، ويرجحونه في الضبط على كتابي الشيخ الطوسي (الفهرست) و(الرجال) عند التعارض».
ثم ذكر السيد بحر العلوم في فوائده بعد كلامه السالف الذكر عوامل هذا التقديم، وسأذكرها باختصار، وهي:
1 ـ تأليفه لكتابه الرجالي بعد تأليف الشيخ الطوسي لكتابيه (الأبواب) و(الفهرست)، و«هذان الكتابان هما أجل ما صنف في هذا العلم، وأجمع ما عمل في هذا الفن، ولم يكن لمن تقدم من أصحابنا على الشيخ ما يدانيهما، جمعاً، واستيفاء، وجرحاً وتعديلاً، وقد لحظهما النجاشي ـ رحمه الله ـ في تصنيفه، وكانا له من الأسباب الممدة والعلل المعدة، وزاد عليهما شيئاً كثيراً، وخالف الشيخ في كثير من المواضع.
والظاهر في مواضع الخلاف وقوفه على ما غفل عنه الشيخ من الأسباب المقتضية للجرح في موضع التعديل، والتعديل في موضع الجرح».
2 ـ تخصص النجاشي في علم الرجال، وتفرغه له، بخلاف الشيخ الطوسي فقد كان ـ كما هو معروف ـ مشاركاً في علوم كثيرة، فلم يتفرغ لعلم الرجال.
ومن الطبيعي أن التفرغ يكسب صاحبه الخبرة الوفيرة والكبيرة في مجال التخصص.
3 ـ «استمداد هذا العلم من علم الأنساب والآثار وأخبار القبائل والأمصار، وهذا مما عرف للنجاشي ـ رحمه الله ـ ودل عليه تصنيفه فيه واطلاعه عليه، كما يظهر من استطراده بذكر الرجل ذكر أولاده وأخوته وأجداده وبيان أحوالهم ومنازلهم حتى كأنه واحد منهم».
4 ـ «إن أكثر الرواة من الأئمة (عليهم السلام) كانوا من أهل الكوفة ونواحيها القريبة، والنجاشي كوفي من وجوه أهل الكوفة، وبخلافه الشيخ الطوسي فإنه لم يقدر له الاتصال به.
6 ـ «تقدم النجاشي» واتساع طرقه، وإدراكه كثيراً من المشايخ العارفين بالرجال ممن لم يدركهم الشيخ، كالشيخ أبي العباس أحمد بن علي بن نوح السيرافي وأبي الحسن أحمد بن محمد الجندي وأبي الفرج محمد بن علي الكاتب وغيرهم».
الفوائد
بعد أن انتهينا من استعراض المهم من القواعد الرجالية تقييماً وتعارضاً، ننتقل إلى استعراض المهم من الفوائد الرجالية، وفاء بالوعد، وإتماماً لمفردات المقرر الدراسي.
وسنتناول ـ هنا ـ نوعين من الفوائد، وهما:
1 ـ ما يرتبط بأسماء الرواة من مشكلات علمية وفنية، وحلولها ببيان طرق التمييز.
2 ـ ما يرتبط بأسانيد ورواة كتب الحديث الأربعة (الكافي والفقيه والتهذيبين) من قضايا علمية وفنية وإيضاح المراد منها.
وسنطلق على النوع الأول عنوان: (مشكلات أسماء الرواة)، وعلى النوع الثاني عنوان: (إيضاحات أسانيد الكتب الأربعة).
مشكلات أسماء الرواة
من القضايا المهمة في هذا العلم هي معرفة المشكلات العلمية والفنية الواقعة في أسماء الرواة، ومعرفة حلولها، لما يتوقف على هذا من معرفة هوية الراوي، ومن ثم معرفة حاله من حيث الوثاقة، واللاوثاقة، ومن بعد هذا معرفة قيمة السند من حيث الاعتبار واللااعتبار، لما يترتب على هذا من أهمية كبرى في مجال الاستنباط.
وهذه المشكلات تندرج تحت العناوين التالية:
1 ـ الائتلاف والاختلاف.
2 ـ الاتفاق والافتراق.
3 ـ الاشتباه.
4 ـ الاشتراك.
5 ـ الاشتهار.
وسنتحدث عنها فيما يليه وفق تسلسلها المذكور.
الائتلاف والاختلاف
تعنون هذه المشكلة في كتب علم الحديث وكتب علم الرجال بالمؤتلف والمختلف.
ويُقرأ الإسمان (المؤتلف والمختلف) بصيغة اسم الفاعل وصيغة اسم المفعول، والفرق بينهما واضح، وكذلك سبب جواز القراءة بهما.
وعرّف الدكتور المظاهري هذا الموضوع في كتابه (علم رجال الحديث ص88) بقوله: «وهو أن تتفق أسماء الرواة في الخط وتختلف في النطق».
ومثّل له بقوله: نحو (سلام) و(سلام) أحدهما بتشديد اللام).
وقال الشيخ المامقاني في (المقباس 1/291) توضيحاً لمعنى الموضوع: «ومجموعهما (يعني المؤتلف والمختلف) اسم لسند اتفق فيه اسمان فما زاد خطاً، واختلفا نطقاً».
وهو يعني بقوله (اسم السند) أن المؤتلف والمختلف اسم وعنوان للسند المشتمل على الاسمين أو الأسماء ذات المشكلة المذكورة.
ثم قال: «ومعرفته من مهمات هذا الفن، حتى أن أشد التصحيف ما يقع في الأسماء لأنه شيء لا يدخله القياس (يعني ليس له قاعدة)، ولا قبله شيء ولا بعده (أي وليس معه قرينة سياقية يتوصل إلى حل المشكلة بمعرفتها) ـ».
ثم يقول: «وهذا النوع منتشر جداً لا ينضبط مفصلاً إلاّ بالحفظ».
ويقول الدكتور المظاهري: «وفائدة هذا النوع منع وقوع الوهم في اسم الراوي، أو خلطه بغيره، (و) لا يتقنه إلاّ عالم كبير حافظ، ولا يعرف الصواب فيه بالقياس ولا بالنظر، وإنما هو الضبط والتوثيق في النقل».
ومنشأ هذا يرجع إلى عاملين، هما:
1 ـ إن الكتابة في عصر صدر الإسلام، وبخاصة في القرن الأول الهجري كانت بالخط الكوفي، ومعروف أن الخط الكوفي لم يعتمد النقط ولا الشكل، وكان يرجع في معرفة نطق المكتوب إلى قرائن السياق والرواية الشفوية.
2 ـ إن الكتابة حتى بعد وضع النقط والشكل كان يقع فيها التصحيف، وأيضاً يكتشف ويصحح في ضوء قرائن السياق وعن طريق الرواية الشفوية.
هذا في النصوص والمتون.
أمّا في الأسماء، فلأنها مفردة لا طريق إلى اكتشاف المفارقة فيها وتصحيحها إلاّ بالرواية الشفوية.
والملاحظ: إن هذا اللون من التصحيف كثر كثرة كبيرة في أسماء الرجال الرواة عند أهل السنَّة.
أمّا عند الشيعة الإمامية فلم يوجد هذا إلاّ في أسماء معدودة بلغت ـ كما سيأتي ـ ثلاثة عشر ـ أو أقل. شاهداً أو مثالاً.
ومن هنا كثر التأليف في هذا الموضوع عند أهل السنَّة، ومنه ما ذكره الدكتور المظاهري وهو:
1 ـ كتاب المؤتلف والمختلف، الدارقطني.
2 ـ كتاب المؤتلف والمختلف، عبدالغني بن سعيد الأسدي.
3 ـ كتاب المشتبه في النسبة، للأسدي أيضاً.
4 ـ كتاب تقييد المهمل وتمييز المشكل، الحسين بن محمد الغساني.
5 ـ المؤتلف والمختلف من الأسماء، محمد بن ظاهر المقدسي.
6 ـ الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب، ابن ماكولا البغدادي.
7 ـ تكملة الإكمال، ابن نقطة البغدادي.
8 ـ المشتبه في أسماء الرجال، الحافظ الذهبي.
9 ـ تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، ابن حجر العسقلاني.
10 ـ تحفة ذوي الإرب في مشكل الأسماء والنسب، ابن خطيب الدهشة.
وذكر الشيخ المامقاني في (المقباس 1/291 ـ 300) من الأمثلة أو الشواهد في أسماء الرجال الإمامية اثنى عشر، وزاد حفيده الشيخ محمد رضا المامقاني في تعليقته على المقباس واحداً اكتملت به العدة ثلاثة عشر، نقله عن كتاب (نهاية الدراية) للسيد حسن الصدر… وهي:
1 ـ بُريد يَزيد.
واستشهدوا لما وقع من التمييز وعدمه بين (بريد) و(يزيد) بالروايين التاليين.
1 ـ بريد الكُناسي الكوفي من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).
2 ـ يزيد (أبو خالد) الكناسي من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
ولننقل هنا بعض النصوص الرجالية تبين عن هذا:
ـ عن كتاب (مجمع الرجال 1/253): «بريد الكناسي، وسيذكر إن شاء الله تعالى عن (قر = الباقر) و(ق = الصادق) أيضاً بعنوان يزيد أبي خالد الكناسي».
وهذا يشير إلى عدم التمييز بينهما.
ـ عن كتاب (جامع الرواة 1/116 ـ 117): «بريد الكناسي [ق = من أصحاب الصادق] (مح).
أبو أيوب الخزاز عن بريد الكناسي في نسخة، وأخرى يزيد ـ بالمثناة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) في [يب: التهذيب] في باب عقد المرأة على نفسها النكاح.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [بص = الاستبصار] في باب أن الأب إذا عقد على ابنته الصغيرة.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية يزيد الغير المكنى بأبي خالد عن أبي جعفر (عليه السلام).
عنه عن بريد الكناسي في نسخة، وأخرى يزيد ـ بالمثناة ـ قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب حكم الظهار.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [في = الكافي] في باب الظهار.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
سماعة عنه عن بريد الكناسي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب أحكام الطلاق.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [في] في طلاق الحامل، وفي [بص] في باب طلاق الحامل.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
علي بن رئاب عن بريد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) في [يب] في باب أحكام الطلاق.
وروي هذا الخبر بعينه عن يزيد ـ بالمثناة ـ في [بص] في باب طلاق الحامل.
الظاهر أنه الصواب لكون الخبر واحداً، وعدم رواية بريد عن أبي جعفر (عليه السلام).
وبالجملة: كل ما روي عن بريد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) فهو أبو خالد يزيد ـ بالمثناة والزاي ـ.
وهذه الترجيحات كلها بناء على قول الشيخ.
ويحتمل بناء على ما نقل (مح) عن (صح = الإيضاح) في ترجمة يزيد أبي خالد الكناسي أن يكون بريداً ـ بالباء الموحدة ـ…
هذا غاية التوجيه في هذا المقام، وإنما أطنبنا الكلام فيه لأنه من مزال الأقدام، والله أعلم».
ـ عن كتاب (تنقيح المقال 1/164): «بريد الكناسي… ولا يخفى عليك أن بريداً هذا غير يزيد أبي خالد الكناسي الآتي في باب الياء، فإن الشيخ ذكر بريداً هذا في باب الباء الموحدة من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وذكر يزيد أبا خالد الكناسي في باب الياء من أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) بقوله: (يزيد يكنّى أبا خالد الكناسي)، فليس في باب الموحّدة من أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) من بريد ـ بالموحّدة ـ ذكر، فيكشف ذلك عن أنهما رجلان:
ـ بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ من أصحاب الصادق (عليه السلام).
ـ ويزيد أبو خالد الكناسي ـ بالمثناة ـ من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد وقع اشتباه كثير في الأسانيد بإبدال أحدهما بالآخر، فروي في نسخة في باب عقد المرأة على نفسها من التهذيب عن بريد ـ بالموحدة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام)، وروي تلك الرواية بعينها في باب عقد الرجل على ابنته الصغيرة من الاستبصار عن يزيد ـ بالمثناه ـ عن أبي جعفر (عليه السلام). وقد عرفت أن بريداً من أصحاب الصادق (عليه السلام) دون الباقر (عليه السلام)، فيصح ما في الاستبصار ونسخة أخرى من التهذيب من الياء المثناة.
وكذا روى في نسخة من التهذيب في باب أحكام الطلاق عن بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ ورواها بعينها في باب طلاق الحائل من الكافي والاستبصار ونسخة أخرى من التهذيب عن يزيد ـ بالمثناة ـ عن أبي جعفر (عليه السلام).
إلى غير ذلك من موارد اشتباه بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ بيزيد ـ بالمثناة ـ، ولكن الذي يسهل الخطب اشتراكهما في الحسن، وعرائهما عن الضعف والجهالة على الأظهر.
وقال بعضهم إلى الباء على اتحاد بريد الكناسي ـ بالموحدة ـ ويزيد أبي خالد الكناسي ـ بالمثناة ـ وأنه يروي عن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام).
وهو كما ترى، ضرورة استلزامه تخطئة الشيخ في عدّه إياه في أبواب أصحاب الباقر (عليه السلام) في باب الياء المثناة، وفي أبواب أصحاب الصادق (عليه السلام) في باب الباء الموحدة، ولا يمكن الالتزام به من غير برهان.
بل زعم الفاضل الأردبيلي في باب الباء من (جامع الرواة) اتحاد المذكورين مع بريد بن معاوية أبي القاسم العجلي، نظراً إلى اتحاد الراوي عنهم جميعاً، وهو أبو أيوب وهشام بن سالم وعلي بن رئاب، وهو ـ كما ترى ـ من غرائب الكلام، ضرورة عدم اقتضاء اتحاد الراوي عن جماعة اتحاد المروي عنهم، سيما بعد ظهور كلام الشيخ، بل صراحته، في كون بريد بالموحدة غير يزيد بالمثناة، وأن الأول من أصحاب الصادق (عليه السلام) دون الباقر، والثاني من أصحاب الباقر (عليه السلام) دون الصادق.
وأغرب منه زعم اتحادهما مع بريد بن معاوية العجلي بعد اعترافه بكون كنية يزيد بالمثناة أبا خالد، وكنية ابن معاوية أبا القاسم، وكون والد أحدهما معاوية وعدم معروفية والد الآخرين ووصفهم لهذين بالكناسي ولبريد بالعجلي، ومجرد إمكان اجتماع كون الرجل كناسياً مع كونه عجلياً لكون الأول نسبة إلى المكان أعني كناسة الكوفة، والثاني إلى العشيرة لا يجوز الاتحاد من غير برهان عليه، وظهور كشف تعدد الوصف عن تعدد الرجل.
والعجب منه حيث قال: إن كون كنية بريد بن معاوية أبا القاسم وكنية يزيد أبا خالد، وكون الأول كوفياً والثاني كناسياً لا تنافي فيه لكثرة أمثالها.
فإن فيه أن مجرد عدم المنافاة بينهما لا يجدي ما لم يقم برهان على الاتحاد يرفع به اليد عن ظهور تعدد الوصف والكنية في تعدد الرجل، فلا تذهل».
والغاية من نقل هذه النصوص الرجالية من الكتب الثلاثة (المجمع) و(الجامع) و(التنقيح) ليطلع الطالب على مدى ما في هذه المشكلات من تعقيد، وليتعرف كيفية حلولها، بغية التمييز بين الرواة.
2 ـ بشار يسار
مثل: بشار بن يسار الضبيعي، فالأول اسم الابن والثاني اسم الأب.
3 ـ بنان بيان
قال العلامة الحلي في (الخلاصة 208) في ترجمة الأول منهما: «بنان ـ بضم الباء بعدها النون قبل الألف وبعدها ـ روى الكشي عن سعد بن عبدالله، قال: حدثني محمد بن خالد الطيالسي عن عبدالرحمن بن أبي نجران عن ابن سنان: أن الصادق (عليه السلام) لعنه».
وهو بنان البيان، ورد لعنه وذمه في أكثر من رواية.
والثاني: بيان الجري أبو أحمد الكوفي، وبيان بن حمران التفليسي.
4 ـ جرير حريز
قال المامقاني في (المقباس 1/292): «فالأول بالجيم المفتوحة في أوله، والراء المهملة في آخره… والثاني بالحاء المهملة المضمومة في أوله، والزاي في آخره.
فالأول: جرير بن عبدالله البجلي، صحابي.
والثاني: حريز بن عبدالله السجستاني، يروي عن الصادق (عليه السلام).
5 ـ الحناط الخياط
ومما ذكره الأردبيلي في (الجامع 1/551) يفهم أن التصحيف بين الحناط والخياط وقع في (علي بن أبي صالح)، قال: «واسم أبي صالح محمد، يلقب بزرج، يكنى أبا الحسن، كوفي، حناط..
جعفر بن محمد بن يوسف الأزدي قال: حدثنا علي بن بزرج الخياط في [يب] في باب الزيادات في كتاب المزار».
ولذا قال المامقاني: «الأول (يعني الحناط) يطلق على جماعة، منهم:
- أبو ولاد، الثقة الجليل.
ـ ومحمد بن مروان.
ـ والحسن بن عطية.
ـ ومحمد بن عمر بن خالد.
ومن الثاني (يعني الخياط) ـ على قول بعضهم ـ: علي بن أبي صالح بزرج، ولكن في (البداية): أن الأصح كونه حناطاً ـ أيضاً ـ بالحاء والنون».
6 ـ حنّان حيّان
مثال الأول: حنّان بن سدير الصيرفي الكوفي.
ومثال الثاني: حيّان بن عبدالرحمن الكوفي، وحيّان بن علي العنزي.
7 ـ الخراز الخزاز
الأول نسبة إلى حرفة الخرازة، والثاني نسبة إلى بيع الخز. جاء في (الخلاصة 5): «إبراهيم بن عيسى أبو أيوب الخراز ـ بالخاء المعجمة والراء بعدها والزاي بعد الألف، وقيل: قبلها ـ»، فيجتمع فيه اللقبان على الخلاف، ولكن المشهور المذكور في الكتب الرجالية أنه بالزاي، أي الخزاز.
8 ـ خيشم خُثيم
قال المامقاني: «كلاهما بالخاء المعجمة، إلاّ أن الأول بفتحها ثم الياء المثناة من تحت ثم المثلثة، والثاني بضمها (يعني الخاء)، وتقديم الثاء المثلثة المفتوحة على الياء.
فالأول: أبو سعيد بن خيثم الهلالي التابعي الضعيف.
والثاني: أبو الربيع بن خثيم، أحد الزهاد الثمانية».
9 ـ رَشيد رُشيد
الأول بالتكبير، والثاني بالتصغير.
مثال الأول: رَشيد بن زيد الجعفي.
ومثال الثاني: رُشيد الهجري.
10 ـ شريح سريج
الأول بالشين المعجمة من أوله والحاء المهملة من آخره، والثاني بالسين المهملة في أوله والجيم المعجمة في آخره.
مثال الأول: شريح بن النعمان الهمداني من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
مثال الثاني: سريح بن النعمان الجوهري البغدادي من رواة أهل السنَّة.
11 ـ عَقيل عُقيل
الأول بالتكبير والثاني بالتصغير.
مثال الأول: عقيل بن أبي طالب الهاشمي الصحابي.
ونورد مثالاً للثاني مما ذكره ابن الصلاح عند ذكره المؤتلف والمختلف ـ القسم الثاني: (ضبط ما في الصحيحين مع الموطأ) قال: «ليس فيها عُقيل ـ بضم العين. إلاَّ عُقيل بن خالد، ويحيى بن عُقيل، وبنو عُقيل للقبيلة، ومن عدا هؤلاء عَقيل بفتح العين، والله أعلم»)[492](.
12 ـ ميثم ميتم
الأول بالثاء، والثاني بالتاء المثناة من فوق.
مثال الأول: ميثم بن يحيى التمار النهرواني.
أما الثاني فلم أعثر فيما لدي من معاجم وفهارس رجالية على شاهد له.
13 ـ الهمداني الهمذاني
الأول بالدال المهملة نسبة إلى قبيلة همدان العربية، والثاني بالذال المعجمة نسبة إلى مدينة همذان من بلاد إيران، وهي في أصلها الفارسي بالدال المهملة، ولكن عربها العرب بالذال المعجمة.
مثال الأول: الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني.
ومثال الثاني: محمد بن علي الهمذاني.
وبملاحظة أن اسم (سريج) واسم (عُقيل) ـ بالتصغير ـ واسم (ميتم) ـ بالتاء المثناة ـ غير موجودة في رواتنا كما يظهر من المراجعة لمظان ذلك، يهبط الرقم إلى عشرة.
الاتفاق والافتراق
تعنون هذه المسألة في كتب علم الحديث وكتب علم الرجال بـ (المتفق والمفترق).
وأوضحها الدكتور المظاهري بقوله: «وهو أن يتفق اثنان فأكثر من الرواة في الاسم واسم الأب لفظاً وخطاً»)[493](.
ووضحها الشيخ المامقاني بقوله: «مجموعها اسم لسند اتفقت أسماء رواته وأسماء آبائهم فصاعداً، واختلفت أشخاصهم.
فالاتفاق بالنظر إلى الأسماء، والافتراق بالنظر إلى الأشخاص»)[494](.
وذلك مثل:
ـ أبان بن أرقم الأسدي الكوفي.
ـ أبان بن أرقم الطائي الكوفي.
ـ أبان بن أرقم العنزي الكوفي.
ومثل:
ـ محمد بن حيان البكري الكوفي.
ـ محمد بن حيان الكندي الكوفي.
ـ محمد بن حيان الهمداني الكوفي.
ومثل:
ـ محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري.
ـ محمد بن عبدالله بن أبي طالب.
ـ محمد بن عبدالله بن جعفر بن الحسين.
ويميز بينها بالأنساب وبالطبقات والقرائن التاريخية.
الاشتباه
عُنونت هذه المسألة في بعض الكتب بـ (المشتبه)، ويقرأ اسم فاعل واسم مفعول، والفرق بينهما واضح، والسبب أوضح منه، وفي البعض الآخر بـ (المتشابه)، وكذلك يقرأ اسم فاعل واسم مفعول، وللسبب المشار إليه نفسه.
قال الشيخ المامقاني في تبيانه: «وهو اسم للسند الذي يقع الاشتباه فيه في الذهن لا في الخط، ويتفق ذلك في الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير، بأن يكون أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطاً ولفظاً، واسم الآخر كاسم أبي الأول كذلك، فينقلب على بعض أهل الحديث، كما انقلب كثيراً (أحمد بن محمد بن يحيى) بـ (محمد بن أحمد بن يحيى)…» )[495](.
ومثّل له في (التقييد والإيضاح 423) بالتالي:
ـ يزيد بن الأسود.
ـ والأسود بن يزيد.
فالأول: يزيد بن الأسود الصحابي الخزاعي، ويزيد بن الأسود الجرشي.
والثاني: الأسود بن يزيد النخعي التابعي.
ثم قال مؤلفه: «ومن ذلك:
ـ الوليد بن مسلم.
ـ ومسلم بن الوليد.
فمن الأول: الوليد بن مسلم البصري التابعي الراوي عن جندب بن عبدالله البجلي… والوليد بن مسلم الدمشقي المشهور، صاحب الأوزاعي، روى عنه أحمد بن حنبل والناس.
والثاني: مسلم بن الوليد بن رباح المدني، حدث عن أبيه وغيره، روى عنه عبدالعزيز الداروردي وغيره، وذكره البخاري في تاريخه فقلب اسمه ونسبه، فقال: (الوليد بن مسلم) وأخذ عليه ذلك».
ويتأتى التمييز ـ هنا ـ عن طريق معرفة الراوي والمروي عنه، وبالرجوع إلى مدونات علماء الرجال المعروفين بالحفظ والضبط والتثبت.
الاشتراك
تعنون علماء أصول الحديث وعلماء أصول الرجال هذا الموضوع بـ (المشترك)، ويريدون به: الاسم المشترك بين الراوي الثقة والراوي غير الثقة.
ولأن المشكلة ـ هنا ـ تدور بين الثقة وغير الثقة، اعتبرت من مهمات المسائل في هذا العلم، فأُلّف فيها، ومن أهم وأشهر ما أُلف فيها كتاب (هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين) للشيخ محمد أمين الكاظمي، المعروف في وسط علماء هذا العلم بـ (مشتركات الكاظمي).
وممن اهتم بأمر هذا المشتركات ووضع الحلول لها في كتابه الرجالي الشيخ الأردبيلي في (جامع الرواة) والشيخ المامقاني في (تنقيح المقال) وأستاذنا السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث).
ولهذا قالوا: لا بد من التمييز بين المشتركات لتوقف معرفة قيمة السند عليه.
والسبب في وقوع المشكلة ـ كما يذكره الشيخ السبحاني)[496]( ـ هو «إن مصنفي كتب أخبارنا القديمة كانوا يوردون فيها الأخبار المتعددة في المعاني المختلفة من طريق واحد، فيذكرون السند في أول حديث مفصلاً ثم يجملون في الباقي اعتماداً على التفصيل أولاً، ولما طرأ على تلك الأخبار اعتماداً على التفصيل أولاً، ولما طرأ على تلك الأخبار التحويل إلى كتاب آخر يخالف في الترتيب الكتاب الأول تقطعت تلك الأخبار بحسب اختلاف مضامينها، وإذا بعد العهد وقع الالتباس والإشكال».
وأظهر ضوابط التمييز التي اتبعها العلماء للتفرقة بين راو وآخر من أولئكم الرواة المشتركة أسماؤهم المتفرقة أبدانهم والمختلفة أحوالهم من حيث الوثاقة واللاوثاقة، هي معرفة طريقه في الرواية، أي معرفة من يروي هو عنهم، ومن يروون هم عنه.
فقد نهجوا في ذلك ذكر الرجال الذين يروون عن الراوي ذي الاسم المشترك، والرجال الذي يروي هو عنهم، وذكروا مصادر الروايات المتضمنة أسانيدها لرواية ذلك الشخص.
ونلمس هذا واضحاً في كتابي (جامع الرواة) و(معجم رجال الحديث) وأمثالهما.
ومن أهم الأسماء المشتركة التي تناولها الرجاليون بالبحث، هي:
1 ـ ابن سنان
وهو مشترك بين:
ـ عبدالله بن سنان بن طريف، المتفق على وثاقته وجلالته وكبير منزلته في الطائفة.
ـ محمد بن الحسن بن سنان الزاهري، المنسوب إلى جده (سنان) حيث يقال له (محمد بن سنان) لأن أباه توفى وهو طفل فكفله جده سنان فنسب إليه.
والمشهور شهرة كبيرة أنه غير ثقة.
والمشكلة ـ هنا ـ تتمركز في ورود عبارة (ابن سنان) في السند من غير ذكر الاسم الأول، فيحتمل إرادة عبدالله بن سنان الموثق، ويحتمل إرادة محمد بن سنان المضعف.
وأهم ما ميزوا به أحدهما من الآخر هو أن عبدالله سن سنان يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) مباشرة، ومحمد بن سنان يروي عنه بالواسطة.
فإذا كان المروي عنه مباشرة هو الإمام الصادق فالمراد بابن سنان عبدالله بن سنان.
وهذا نحو ما رواه ثقة الإسلام الكليني في (أصول الكافي: باب إدخال السرور على المؤمن): «عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن أُرومة عن علي بن يحيى عن الوليد بن العلاء عن ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله (ص)، ومن أدخله على رسول الله (ص) فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك من أدخل عليه كرباً».
وإن كان المروي عنه الإمام الصادق أيضاً، ولكن بالواسطة، فالراوي هو محمد بن سنان.
وهذا مثل ما رواه الشيخ الطوسي في (التهذيب: باب تفصيل أحكام النكاح): «عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبدالله البرقي عن ابن سنان عن منصور الصيقل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية».
وممن نص على هذا الميرزا أبو الحسن المشكيني في (الوجيزة 46) قال: «إن وردت رواية عن ابن سنان، فإن كان المروي (عنه) هو الصادق (عليه السلام) فهو عبدالله بن سنان، لأن التتبع شاهد على أن محمد بن سنان يروي عنه (عليه السلام) بالواسطة».
2 ـ محمد بن قيس
وهو مشترك بين أربعة، هم:
ـ أبو نصر محمد بن قيس الأسدي، «ثقة».
ـ أبو نصر محمد بن قيس البجلي، «ثقة».
ـ محمد بن قيس الأسدي مولى بني نصر، «ممدوح».
ـ أبو أحمد بن قيس، «ضعيف».
والمسألة إشكالاً وحلاً كما جاءت بأقلام الأعلام، هي:
حكي عن الشهيد الثاني أنه قال في (شرح الدراية: فيما إذا اتفقت أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعداً واختلفت أشخاصهم وأنّ تميزهم بالطبقة أو بقرائن الزمان عند الإطلاق): «وكإطلاقهم الرواية عن محمد بن قيس، فإنه مشترك بين أربعة: اثنان ثقتان، وهما: محمد بن قيس الأسدي أبو نصر، ومحمد بن قيس البجلي أبو عبدالله، وكلاهما رويا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ـ، وواحد ممدوح، من غير توثيق، وهو محمد بن قيس الأسدي مولى بني نصر، ولم يذكروا عمن روى، وواحد ضعيف، وهو محمد بن قيس أبو أحمد، روى عن الباقر (عليه السلام) خاصة.
وأمر الحجية بما يطلق فيه هذا الإسلام مشكل.
والمشهور بين أصحابنا رد روايته حيث يطلق مطلقاً، نظراً إلى احتمال كونه الضعيف.
ولكن الشيخ أبا جعفر الطوسي كثيراً ما يعمل بالرواية من غير التفات إلى ذلك، وهو سهل على ما علم من حاله.
وقد يوافقه على بعض الروايات بعض الأصحاب برغم الشهرة.
والتحقيق في ذلك، أن الرواية:
ـ إن كانت عن الباقر (عليه السلام) فهي مردودة لاشتراكه حينئذٍ بين الثلاثة الذين أحدهم الضعيف، واحتمال كونه الرابع حيث لم يذكروا طبقته.
ـ وإن كانت الرواية عن الصادق (عليه السلام) فالضعيف منتف عنها، لأن الضعيف لم يرو عن الصادق (عليه السلام) ـ كما عرفت ـ. ولكنها محتملة لأن تكون من الصحيح أن كان هو أحد الثقتين، وهو الظاهر، لأنهما وجهان من وجوه الرواة، ولكل منهما أصل في الحديث، بخلاف الممدوح خاصة.
ويحتمل ـ على بُعد ـ أن يكون هو الممدوح، فتكون الرواية من الحَسَن، فتبنى على قبول الحسن في ذلك المقام وعدمه.
فتنبه لذلك فإنه غفل عنه الجميع، ورووا بسبب الغفلة عنه روايات، وجعلوها ضعيفة، والأمر فيها ليس كذلك»)[497](.
«وقال الشيخ عبد النبي الجزائري (تعليقاً على ما حكي عن الشهيد الثاني) ما حاصله: أن ما ذكره حسن، إلاّ أن رد الرواية إذا كانت عن الباقر (عليه السلام) مطلقاً في غير محله، لأنه الظاهر كونه هو الثقة إذا كان الراوي عن محمد المذكور عاصم بن حميد أو يوسف بن عقيل أو عبيد ابنه، لأن النجاشي ذكر أن هؤلاء يروون عنه كتاباً.
بل لا يبعد كونه الثقة إذا روى عن الباقر (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) لأن كلاً من البجلي والأسدي صنف كتاب القضايا لأمير المؤمنين كما ذكره النجاشي»)[498](.
وقال السيد بحر العلوم في (الفوائد الرجالية 4/138 ـ 139): «محمد بن قيس مشترك بين الثقة وغيره، لكن صرح علماء الرجال بتعيين إرادة البجلي منه برواية يوسف بن عقيل عنه.
وقد ذكر المحقق الشيخ حسن ـ في (المنتقى): «أن محمد بن قيس متى كان راوياً عن أبي جعفر (عليه السلام) فالظاهر أنه الثقة إن كان الناقل عنه عاصم بن حميد أو يوسف بن عقيل أو عبيد ابنه، أو كان راوياً عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ.
وأما الراوي عن أبي عبدالله (عليه السلام) فيحتمل أن يكون حديثه من الصحيح أو من الحسن)…».
3 ـ أبو بصير
قال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 21/44): «يكنى به جماعة:
ـ يحيى بن القاسم.
ـ وليث بن البختري.
ـ وعبدالله بن محمد الأسدي.
ـ ويوسف بن الحارث.
ـ وحماد بن عبدالله أسيد الهروي».
ثم قال (في ص 45): «وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين ومائتين وخمس وسبعين مورداً».
وبعد أن ذكر ـ قدس سره ـ موارد هذه الروايات أشار إلى ما ذكره بعضهم من قيام المشكلة (مشكلة الاشتراك في هذه الكنية بين الثقة وغيره فتدخل في إطار بحثنا هذا، أشار أيضاً إلى انصراف هذه الكنية عند إطلاقها إلى يحيى بن أبي القاسم وحده، أو أنها تتردد بينه وبين ليث بن البختري، وكلاهما ثقة، فتخرج بهذا عن إطار المشكلة.
قال: «قد ذكر بعضهم أن أبا بصير مشترك بين الثقة وغيره، ولأجل ذلك تسقط هذه الروايات الكثيرة عن الحجيّة.
ولكنا ذكرنا في ترجمة يحيى بن القاسم: أن أبا بصير عندما يطلق فالمراد به هو يحيى بن أبي القاسم.
وعلى تقدير الإغماض فالأمر يتردد بينه وبين ليث بن البختري المرادي الثقة، فلا أثر للتردد.
وأما غيرهما فليس بمعروف بهذه الكنية، بل لم يوجد مورد يطلق فيه أبو بصير، ويراد به غير هذين».
والذي ذكره ـ قدس سره ـ في ترجمة يحيى بن أبي القاسم، وأشار إليه هنا هو قوله: «إن المذكور في الروايات الكثيرة (أبو بصير) من دون ذكر اسمه.
و(أبو بصير) كنية لعدة أشخاص، منهم: عبدالله بن محمد الأسدي، وليث بن البختري المرادي، ويحيى بن أبي القاسم الأسدي.
ولكن المعروف بأبي بصير هو الأخير، فمتى لم تكن قرينة على إرادة غيره فهو المراد.
ويدلنا على هذا الأمور:
الأول: قول الشيخ فيه إنه يعرف بأبي بصير الأسدي، فإنه يظهر من ذلك أن أبا بصير الأسدي متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم دون عبدالله بن محمد وإن كان هو ـ أيضاً ـ أسدياً.
الثاني: قول ابن فضال حينما سئل عن اسم أبي بصير أنه يحيى بن أبي القاسم، فإنه ظاهر في أن أبا بصير متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم.
الثالث: إن الصدوق ذكر طريقه إلى أبي بصير مطلقاً، وقد بدأ به السند في (الفقيه) ما يقرب من ثمانين مورداً، ولم يذكر اسمه، والمراد به يحيى بن أبي القاسم جزماً، فإن الراوي عنه علي بن أبي حمزة وهو قائد أبي بصير يحيى بن أبي القاسم، وروايته عن أبي بصير كثيرة في الكتب الأربعة.
وهذا يدلنا بوضوح أن أبا بصير متى ما أطلق فالمراد به يحيى بن أبي القاسم.
هذا مع أنه لم يوجد ولا مورد واحد يطلق أبو بصير ويراد به عبدالله بن محمد الأسدي، أو غيره من غير المعروفين.
فغاية الأمر أن يتردد أمر أبي بصير متى أطلق بين يحيى بن أبي القاسم الأسدي وبين ليث بن البختري المرادي، ولا أثر لهذا التردد بعد كون كل منهما ثقة».
وبعد ما تبيناه من نتائج تحقيقات أستاذنا السيد الخوئي ـ وهو خريت هذه الصناعة وأبو عذرها ـ أن كنية (أبي بصير) ليست من المشترك المصطلح عليه هنا، أي أن هذا الاسم غير مردد بين الثقة وغير الثقة تخرج هذه المسألة من حريم النزاع ـ كما يقولون.
الاشتهار
يقف المستقرىء لكيفية ورود أسماء الرواة في واقع أسانيد الروايات، على ظاهرة ترتبط بالواقع الاجتماعي أكثر منها بالجانب الفني العلمي.
تلك الظاهرة هي أن الرواة قد يذكرون الرجال في الأسانيد بكناهم فقط، أو بألقابهم فقط، معتمدين على أن الراوي معروف في وسطه الاجتماعي بكنيته أو لقبه.
وعندما جاء المؤلفون في أسماء الرجال، والعهد بينهم وبين الرواة الأوائل بعيد، لم يستطيعوا أن يعرفوا أسماء هؤلاء الرواة الذين اشتهروا بألقابهم أو كنياتهم، وربما أدّى هذا إلى شيء من الاشتباه والالتباس بين راوٍ وآخر.
لهذا كانت هذه مشكلة من المشكلات القائمة في هذا العلم.
ومن هنا أيضاً كان لا بد لها من حل.
وممن أشار إلى هذه العلامة الحلي في كتابه (خلاصة الأقوال) في (الفائدة الأولى) من خاتمة الكتاب، ووضع حلاً تطبيقياً لها، وذلك بذكر الأسماء قرين الكنى المشهورة في حدود ما وقف عليه منها.
قال: «قد ذكر أصحابنا في كتب الأخبار روايات برجال يذكرون كناهم دون أسمائهم، ويعسر تحصيل أسمائهم ومعرفة حالهم إلاّ بعد تعب شديد، وقد ذكرت أكثر ذلك في هذه الفائدة».
وكذلك عقد الشيخ ابن داود الحلي الفصل الخامس من القسم الأول من رجاله لـ«ذكر جماعة اشتهرت كناهم وخفيت أسماؤهم».
وبغية أن يطلع الطلبة الأعزاء على شيء من هذا الذي هو تطبيق لحل المشكلة جمعت بين قائمتي العلامة وابن داود، بعد التنسيق بينهما، والتنظيم أبجدياً، وفرز الألقاب عن الكنى التي أدرجت معها من غير أن يشار إليها، وهي:
1 ـ ابن حمدون الكاتب: أحمد بن إبراهيم.
2 ـ أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد.
3 ـ أبو أيوب الخراز: إبراهيم بن عثمان، وقيل: إبراهيم بن عيسى.
4 ـ أبو بكر الحضرمي: عبدالله بن محمد.
5 ـ أبو جرير: زكريا بن إدريس.
6 ـ أبو جميلة: المفضل بن صالح.
7 ـ أبو الجوزا: منبه بن عبدالله.
8 ـ أبو الجيش: مظفر.
9 ـ أبو حمزة (علي بن أبي حمزة): سالم.
10 ـ أبو حنيفة (سابق الحاج): سعيد بن بنان.
11 ـ أبو خالد (القماط): يزيد.
12 ـ أبو خديجة: سالم بن مكرم.
13 ـ أبو الخطاب: (محمد بن الحسين أبي الخطاب): زيد.
14 ـ أبو الخطاب: محمد بن أبي زينب = محمد بن مقلاص.
15 ـ أبو داود (المسترق): سليمان بن سفيان.
16 ـ أبو الربيع (الشامي): خليل بن أوفى.
17 ـ أبو زياد (إسماعيل بن أبي زياد): مسلم.
18 ـ أبو سعيد (القماط): خالد بن سعيد.
19 ـ أبو سمينة: محمد بن علي بن إبراهيم القرشي.
20 ـ أبو الصباح (الكناني): إبراهيم بن نعيم.
21 ـ أبو الصهبان (محمد بن أبي الصهبان): عبدالجبار.
22 ـ أبو عبدالله (عبدالرحمن بن أبي عبدالله): ميمون.
23 ـ أبو عبدالله (العمركي): علي البرمكي.
24 ـ أبو عبيدة (الحذاء) زياد بن عيسى.
25 ـ أبو علي (الأشعري): أحمد بن إدريس.
26 ـ أبو علي (الأشعري): محمد بن عيسى بن عبدالله بن سعد بن مالك شيخ القميين.
27 ـ أبو عمير (محمد بن أبي عمير): زياد.
28 ـ أبو فاختة (ثوير بن أبي فاختة): سعيد بن جهمان.
29 ـ أبو الفضل(الحناط): سالم.
30 ـ أبو مالك (الحضرمي): الضحاك.
31 ـ أبو مريم: عبدالغفار.
32 ـ أبو المغرا: حميد.
33 ـ أبو المقدام (عمرو بن أبي المقدام): ثابت.
34 ـ أبو نجران (عبدالرحمن بن أبي نجران): عمرو بن مسلم.
35 ـ أبو نصر (أحمد بن نصر): زيد.
36 ـ أبو همام: إسماعيل بن همام.
37 ـ أبو ولاد (الحناط): حفص بن سالم.
38 ـ أبو يعفور (عبدالله بن أبي يعفور): قيس بن منصور، وقيل: واقد، وقيل: وقدان.
الألقاب:
1 ـ البزوفري: الحسين بن سفيان.
2 ـ البقباق: الفضل بن عبدالملك.
3 ـ الحجال: عبدالله بن محمد.
4 ـ حمدان (النهدي القلانسي): محمد بن أحمد.
5 ـ الساباطي: عمرو بن سعيد.
6 ـ سعدان: عبدالرحمن بن سالم.
7 ـ السكوني: إسماعيل بن أبي زياد.
8 ـ الشاذاني: محمد بن أحمد بن نعيم.
9 ـ الصفواني: محمد بن أحمد بن أبي عبدالله بن قضاعة.
10 ـ الطاطري: علي بن الحسين.
11 ـ الطاطري: يوسف بن إبراهيم.
12 ـ القلانسي: الحسين بن المختار.
13 ـ الكاهلي: عبدالله بن يحيى.
14 ـ المسعودي: علي بن الحسين.
15 ـ النخعي: أيوب بن نوح.
16 ـ النوفلي: الحسين بن يزيد.
17 ـ الوشاء: الحسن بن علي.
أسانيد الكتب الأربعة
أسانيد الكافي
العدة:
جاء في كثير من أسانيد الكافي التعبير بـ (عدة من أصحابنا)، وبناء على عدم قطعية صدور جميع أحاديث الكافي، كما أوضحناه وأثبتناه في درس أصول علم الحديث، لا بد من معرفة المقصود من هؤلاء العدة، لمعرفة أحوالهم فمستواهم من حيث التقييم توثيقاً أو غيره، لتوقف اعتبار السند وعدم اعتباره على هذا.
ولعل أقدم من تناول المسألة فأبان عن المقصود من العدة ـ ولو جزئياً ـ هو الشيخ النجاشي، ناقلاً ذلك عن مؤلف الكتاب الشيخ الكليني قال ـ في ترجمة الكليني في الفهرس 2/292 ـ: «وقال أبو جعفر الكليني: كل ما كان في كتابي: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى)، فهم:
ـ محمد بن يحيى.
ـ وعلي بن موسى الكمداني.
ـ وداود بن كوره.
ـ وأحمد بن إدريس.
ـ وعلي بن إبراهيم بن هاشم».
وتناول المسألة من بعد النجاشي العلامة الحلي، ولكن بأوسع مما ذكره النجاشي، وأيضاً ناقلاً بياناته عن مؤلف الكتاب الشيخ الكليني، قال في (الخلاصة: الفائدة الثالثة): «قال الشيخ الصدوق محمد بن يعقوب الكليني في كتابه (الكافي) في أخبار كثيرة: (عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى).
قال: (والمراد بقولي: عدة من أصحابنا:
ـ محمد بن يحيى.
ـ وعلي بن موسى الكمداني.
ـ وداود بن كوره.
ـ وأحمد بن إدريس.
وعلي بن إبراهيم بن هاشم).
وقال: (كل ما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي فهم:
ـ علي بن إبراهيم.
ـ وعلي بن محمد بن عبدالله بن أذينه.
ـ وأحمد بن عبدالله بن أمية.
ـ وعلي بن الحسن.
(و) قال: (وكل ما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد فهم:
ـ علي بن محمد بن علان.
ـ ومحمد بن أبي عبدالله.
ـ ومحمد بن الحسن.
ـ ومحمد بن عقيل الكليني).
وكما ترون إن النجاشي نقل عن الشيخ الكليني بيان عدة واحدة، ونقل عنه العلامة الحلي بيان العدة التي نقلها النجاشي مع بيان عدتين أخريين.
ومع هذا، هناك عُدد أُخر قليلة لم ينقل عن الكليني بيان مراده منها، نحو ما جاء في آخر (كتاب العقل والجهل من أصول الكافي): «عدة من أصحابنا عن عبدالله البزاز عن محمد بن عبدالرحمن بن حماد عن الحسن بن عمار…».
وقد بحثها الكثيرون من محدثين ورجاليين لمعرفة المقصود منها.
وكان الطريق إلى ذلك هو دراسة طرق أسانيد الكليني بتتبع سلسلة الرواة في الرواية انطلاقاً من الراوي المطلوب معرفته إلى من قبله وإلى من بعده، ويتتبع ذكر الراوي نفسه في الروايات الأخرى لاكتشاف من يروي عنهم ومن يروون عنه.
وينبغي الإشارة ـ هنا ـ إلى أن للشيخ الخاقاني في رجاله ص16 تعليقة لتصحيح اسم علي بن الحسن المذكور في العدة الثانية، قال: «الظاهر أن علي بن الحسن المذكور فيها (يعني العدة الثانية) ـ على ما في الوسائل، ومثله الشيخ أبو علي في رجاله، ومثلهما عبارة أصل الخلاصة (يعني مخطوطة الخلاصة) الموجودة عندي ـ من الغلط، بل هو علي بن الحسين، إذ هو اسعد آباذي ـ بالذال المعجمة على ضبط العلامة ـ، الذي هو أحد مشايخ الكليني الذي يروي عنهم، وهو أحد الرواة عن البرقي كما ذكروه، وهو المعدود حديثه من الحسان لكونه من مشايخ الإجازة، بل لا يبعد عَدُّ حديثه صحيحاً كما قيل».
واستظهر الشيخ التستري في قاموسه ـ على ما حكي عنه)[499]( ـ أن (أذينة) المذكور في نهاية الاسم الثاني من قائمة العدة الثانية هو تحريف لكلمة (ابنته)، والصواب هو (علي بن محمد بن عبدالله بن ابنته) والضمير يعود إلى البرقي، أي (ابن بنت البرقي)، ذلك أن أبا القاسم عبدالله (أبو عبيدالله) الملقب بـ(بندار) كان صهر أحمد بن محمد البرقي على ابنته فيكون ابنه محمد ـ الملقب ماجيلويه ـ ابن بنت البرقي.
وهناك تعليقات وتحقيقات أخرى حول أسماء أخرى من الأسماء المذكورة في العُدد، ومن غيرها سوف نتحدث عن بعضها بعد الذي يليه.
كما ينبغي أن نشير ـ هنا أيضاً ـ إلى أن الشيخ الكليني قد يعبر في موضع (عدة) بـ (جماعة) فيقول (جماعة من أصحابنا)، ومنه قوله (جماعة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى).
وهو واضح أنهما (أعني العدة والجماعة) بمعنى واحد.
التعليق في الإسناد:
درسنا في أصول علم الحديث في فصل (المسند) أن الخبر المعلق هو ـ في واقعه ـ من المسند، لأنه من الأصل هو مسند لكن حذف من أول إسناده راوٍ واحد، وربما أكثر من واحد.
ولأن ذلك المحذوف معروف، والمحذوف المعروف في قوة المذكور يبقى الخبر على إسناده.
وقد وقع مثل هذا في (الكافي) بسبب توخي الاختصار، اعتماداً على ما قبله، فقد كان مؤلفه ـ رحمه الله ـ يذكر الإسناد كاملاً في حديث، ثم بعد هذا يروي بنفس الإسناد حديثاً آخر، ويختصر السند بحذف أوله اعتماداً على المتقدم.
وقد توهم البعض بسبب هذا التعليق الذي لم يلتفت إليه بأن الخبر مرسل، كما حدث هذا من الشيخ الطوسي، قال صاحب المعالم في (المنتقى): «إعلم أنه اتفق لبعض الأصحاب توهم الانقطاع في جملة من أسانيد الكافي، لغفلتهم عن ملاحظة بنائه لكثير منها على طرق سابقة، وهي طريقة معروفة بين القدماء.
والعجب أن الشيخ ـ رحمه الله ـ ربما غفل عن مراعاتها فأورد الإسناد من الكافي بصورته ووصله بطرقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة، فيصير الإسناد في رواية الشيخ له منقطعاً، ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله.
ومنشأ التوهم الذي أشرنا إليه فقدُ الممارسة المطلعة على التزام تلك الطريقة»)[500](.
وعلق عليه الشيخ السبحاني بقوله: «وقد تعجب صاحب (سماء المقال) من الشيخ في تهذيبه، حيث نقل رواية عن الكليني، وادّعى أنها مرسلة مع أنه من باب التعليق.
والرواية موجودة في باب الزيادات في الزكاة من (التهذيب) بهذا السند:
«محمد بن يعقوب مرسلاً عن يونس بن عبدالرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)».
والرواية موجودة في (الكافي): كتاب الزكاة: باب منع الزكاة: الحديث 3، ولكنها مبنية على الرواية التي نقلها قبلها بهذا السند:
«علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكانَ، يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام)».
فما رواه الشيخ عن الكليني عن يونس ليس مرسلاً، كما أن المحدث الحر العاملي التفت إلى التعليق، وأتى بتمام السند، هكذا:
«محمد بن يعقوب عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)…» )[501](.
ولا يعرف هذا ـ وكما أوضح الشيخ صاحب المعالم ـ إلاَّ بالممارسة التي تفيد معرفة طريقة وكيفية الإسناد عند الشيخ الكليني في كتاب (الكافي).
تعيين بعض الرواة:
جاءنا في بعض أسانيد الكافي أسماء لرواة لم يستوفِ الشيخ الكليني بياناتها فاكتفى بالاسم الأول للراوي، أو بالاسم الأول والثاني، أو بالكنية فقط.
ومنهجياً هذا مما يحتاج معه إلى التعيين، إمّا لرفع الجهالة، وإما لرفع الاشتراك، ليعرف بعد هذا قيمة الراوي.
ومن هذه الأسماء:
1 ـ الحسين
2 ـ حماد
قال السيد بحر العلوم في الفائدة الرابعة عشرة (4/129 ـ 130): «في الكافي: (محمد عن أحمد عن شاذان بن الخليل النيسابوري عن يونس عن حماد عن الحسين) )[502](.
الظاهر أن الحسين ـ هذا ـ هو الحسين بن مختار القلانسي، وأن حماداً هو حماد بن عيسى الجهني، لما فيه (النجاشي) في ترجمة الحسين بن مختار: (له كتاب يروي عنه حماد بن عيسى وغيره).
ولم يذكر رواية حماد عن الحسين إلاّ هاهنا، وهو دليل على تعيينها معاً».
وقال الشيخ ابن داود الحلي في رجاله: التنبية الرابع: «إذا ورد عليك الإسناد من إبراهيم بن هاشم إلى حماد فلا تتوهم أنه حماد بن عثمان، فإن إبراهيم بن هاشم لم يلق حماد بن عثمان بل حماد بن عيسى».
وقال العلامة الحلي في (الخلاصة): الفائدة التاسعة: «قد يغلط جماعة في الإسناد من إبراهيم بن هاشم إلى حماد بن عيسى فيتوهمونه حماد بن عثمان، وهو غلط فإن إبراهيم بن هاشم لم يلق حماد بن عثمان بل حماد بن عيسى».
3 ـ علي بن محمد
جاء هذا الاسم في مبتدأ جملة من أسانيد الكليني في الكافي، وقد اختلف العلماء ـ حديثيين ورجاليين ـ في تعيينه وتحديد المقصود منه.
والمشهور أنه يتردد بين شخصين، هما:
ـ علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بـ (علان)، خال الشيخ أبي جعفر الكليني وأستاذه.
قال في (التنقيح 2/302): «هو الذي يروي عنه الكليني بغير واسطة كثيراً، وهو داخل في العدة التي يروي بتوسطهم عن سهل بن زياد».
ـ علي بن محمد بن أبي القاسم عبدالله بن عمران البرقي، المعروف أبوه ماجيلويه.
وفي ضوء التعليق والتحقيق الذي أفاده القاموس من أن (أذينة) من الاسم الثاني في العدة الثانية هو محرّف كلمة (ابنته)، وأن الضمير يعود على البرقي، أي ابن بنت البرقي، يكون علي بن محمد في العدة الثانية الذين يروي الكليني عنهم بتوسط البرقي هو المذكور هنا (علي بن محمد بن عبدالله بن عمران البرقي).
وذهب الشيخ المازندراني في شرحه على الكافي إلى أن المراد به هو الأول علي بن محمد الكليني المعروف بعلان)[503](.
«واختار العلامة المجلسي في مواضع من (مرآة العقول) كون المراد منه علي بن محمد بن عبدالله بن أذينة الذي ذكره العلامة في العدة التي تروي عن البرقي»)[504](، أي أنه علي بن محمد ماجيلويه ـ على الترجيح المذكور.
والذي يسهل الأمر في الوصول إلى الغاية من معرفة قيمة الراوي ـ هنا ـ من حيث الوثاقة وعدمها، أن كلاً من الشخصين ثقة، فلا ثمرة مهمة في البين، إذ لا يختلف الأمر من حيث تقييم السند بين أن يكون الراوي هو محمد بن علي الكليني أو محمد بن علي ماجيلويه.
4ـ محمد بن إسماعيل:
جاء هذا الاسم في مبتدأ جملة من أسانيد الكليني في الكافي يروي عنه عن الفضل بن شاذان، قال أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 15/84): «رواية محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل وروايته عن الفضل بن شاذان كثيرة جداً، وقد بلغت سبعمائة وواحداً وستين مورداً.
وهو ـ كما يقول المشكيني في (الوجيز 48) ـ: «مشترك بين ثلاثة عشر رجلاً:
ـ ثلاثة من الثقات: البرمكي والزعفراني ومحمد بن إسماعيل بن بزيع.
ـ وواحد محل الخلاف وهو النيسابوري.
ـ والباقي من المجاهيل».
ولتردده بين هذه المجموعة من الأشخاص ترددت الأقوال في تعيينه، وأهمها الأربعة التالية:
1 ـ عدم تعينه، فيبقى مشتركاً بين الثقة وغير الثقة.
وذهب أصحاب هذا القول إلى تضعيف ما يرويه الكليني عن طريقه للاشتراك المذكور، وعدم التمييز.
2 ـ إنه محمد بن إسماعيل البرمكي، وهو ثقة.
قال بهذا الشيخ البهائي في (مشرق الشمسين))[505](.
3 ـ محمد بن إسماعيل النيشابوري.
وهو ظاهر صاحب المعالم، وقواه الكلباسي في (سماء المقال)، والتستري في (قاموس الرجال) )[506](.
وإليه أيضاً ذهب الدربندي في (القواميس) )[507](،
وبه صرح أستاذنا السيد الخوئي في (المعجم 15/89 ـ 90).
4 ـ إنه مردد بين البرمكي والنيشابوري.
ذهب إلى هذا الميرزا المشكيني في (الوجيزة 52).
وتقدم أن محمد بن إسماعيل النيشابوري موضع خلاف من حيث توثيقه. وممن وثقه:
ـ الميرزا المشكيني، لأنه من شيوخ الإجازة.
ـ وأستاذنا السيد الخوئي، لوقوعه في إسناد كامل الزيارات.
ـ وآخرون، لكثرة رواية الكليني عنه.
والمسألة ـ فيما يبدو من أدلتهم وتقريباتهم ـ تعتمد على معرفته من خلال معرفة طبقته وعلاقته بالفضل بن شاذان التي قد تكشف عن هويته.
ومن هذا ما أفاده أستاذنا السيد الخوئي قال في (المعجم 15/90): «أقول: محمد بن إسماعيل، هذا روى عنه الكشي بلا واسطة، وهو يروي عن الفضل بن شاذان، في ترجمة سلمان الفارسي: 1، مرتين، وفي ترجمة أبي حمزة الشمالي: 81، والمذكور في هذه الموارد: هو محمد بن إسماعيل مطلقاً، إلاَّ أنه صرح في ترجمة أبي يحيى الجرجاني: 409، بأن محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه: هو النيسابوري.
وأوضح من ذلك: ما ذكره في ترجمة الفضل بن شاذان: 416، قال: ذكر أبو الحسن محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري أن الفضلبن شاذان بن خليل نفاه عبدالله بن طاهر النيسابوري، فيظهر من ذلك أن محمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل، ويروي عنه الكشي بلا واسطة هو محمد بن إسماعيل النيسابوري.
وبما أن الكشي قريب الطبقة من الكليني ـ قدس سره. بمحمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل، ويروي عنه الكليني كثيراً ينطبق على هذا، ويحكم بوثاقته، لا لإكثار الكليني الرواية عنه، بل لوقوعه في إسناد كامل الزيارات».
5 ـ محمد بن الحسن:
اختلف فيه بين محمد بن الحسن الصفار، وآخرين، هم:
ـ محمد بن الحسن بن علي المحاربي.
ـ محمد بن الحسن القمي.
ـ محمد بن الحسن بن بندار.
ـ محمد بن الحسن البرناني.
وقد أشبع الميرزا النوري في (المستدرك 3/543) المسألة بحثاً، فذكر القائلين بأنه الصفار وما أفادوه في ذلك، ثم ذكر رأيه، وهو أنه مردد بين المذكورين في أعلاه جميعاً.
فممن ذهب إلى أنه الصفار:
ـ السيد الأسترآبادي في (منهج المقال)، قال في ذكر عدة سهل بن زياد: «والظاهر أن محمد بن أبي عبدالله هو محمد بن جعفر الأسدي الثقة، وأن محمد بن الحسن هو الصفار».
ـ السيد الأعرجي الكاظمي في (عدة الرجال) قال: «ومحمد بن الحسن، الظاهر أنه الصفار الثقة الجليل، فإن الكليني يروي عنه».
ـ السيد حجة الإسلام الأصفهاني، قال في رسالته في العدة في شرح كلام الأسترآبادي: «وأما كون المراد بمحمد بن الحسن هو الصفار فلكونه في طبقة ثقة الإسلام (الكليني)، وعمّر بعد موته بتسع أو ثمان وثلاثين سنة لأن النجاشي والعلامة قالا: إن محمد بن الحسن هذا مات في سنة تسعين ومائتين، وقد تقدم أن موت ثقة الإسلام في سنة تسع أو ثمان وعشرين وثلاثمائة.
وأيضاً إن رواية ثقة الإسلام عن محمد بن الحسن في أول سند الكافي أكثر من أن يحصى، ولم يقيده في شيء من المواضع، ويظهر من عدم تقييده في موضع بقيدٍ أنه واحد، وهو إما الصفار أو غيره، والغير الذي يحتمل ذلك هو الذي يروي عنه الكشي، وهو محمد بن الحسن البرناني ونحوه ممن كان في طبقته، ويبعد في الغاية أن يقتصر ثقة الإسلام في الرواية عن محمد بن الحسن البرناني مع مجهولية حاله، ولم يروِ عن الصفار الذي هو من أعاظم رجال الحديث والعلماء وكتبه معروفة مثل بصائر الدرجات ونحوه.
وأيضاً قد أكثر ثقة الإسلام في الرواية عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، منه في باب قلة عدد المؤمنين من الأصول (يعني أصول الكافي) حيث قال: (محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار عن إبراهيم بن إسحاق)، ومنه ما في الخضاب من كتاب الزي والتجمل من الفروع (يعني فروع الكافي) قال: (علي بن محمد بن بندار ومحمد بن الحسن عن إبراهيم بن إسحاق)، ومنه ما في باب النبيذ من كتاب الأشربة، قال: (محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار جميعاً، عن إبراهيم بن إسحاق).
وإبراهيم بن إسحاق هذا، هو إبراهيم بن إسحاق الأحمر، للتصريح به في كثير من المواضع.
وقد ذكر شيخ الطائفة (الطوسي) في (ست = الفهرست) في ترجمة إبراهيم هذا أن محمد بن الحسن الصفار يروي عنه، حيث قال ـ بعد أن أورد جملة من كتبه ـ ما هذا لفظه: «أخبرنا بها أبو الحسن بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر».
وأيضاً أن محمد بن الحسن بن الوليد الذي تكون وفاته بعد وفاة ثقة الإسلام بأربع عشرة سنة لما في (جش = النجاشي) من أن محمد بن الحسن بن الوليد مات في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وقد مر عن (جش) أن وفاة ثقة الإسلام في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة يروي عن الصفار كما صرح به شيخ الطائفة في رجاله، فرواية ثقة الإسلام عنه أولى».
أما أدلة النوري على نفي أن يكون المراد به هو الصّفار وحده، فهي، وعلى نحو الاختصار والتصرف:
1 ـ عدم وجود رواية للصفار عن سهل بن زياد في كتاب (بصائر الدرجات)، فكيف يكون الصفار من رجال سهل بن زياد ولا يروي عنه في كتابه هذا.
2 ـ إن الرجاليين الذين ترجموا للصفار وذكروا كتبه والطرق إليها لم يوردوا فيها ذكر الشيخ الكليني، فلو كان الكليني ممن يروي عن الصفار بلا واسطة لقدموه في الذكر على غيره.
3 ـ الظاهر من النجاشي في (الرجال) والطوسي في (الفهرست) و(المشيخة) أن محمد بن يحيى العطار يروي عن الصفار، وقد روى الكليني في (الكافي) عن محمد بن يحيى هذا أخباراً بدءُ سندها بهذا اللفظ: (عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن)، وهذه الأخبار موجودة في كتاب (بصائر الدرجات) أيضاً، وهو يعني أن الكليني يروي عن الصفار بالواسطة لا مباشرة.
4 ـ وهو أهمها، ولذا رأيت نقله كاملاً وبلفظه، قال: «الرابع: إن الشيخ محمد بن الحسن الصفار يروي عن جماعة كثيرة من المشايخ والثقات وغيرهم، ومذكور في طرق جماعة من أرباب الأصول والمصنفات، مثل: أحمد بن محمد بن عيسى، وأحمد بن محمد بن خالد، وإبراهيم بن هاشم، ويعقوب بن يزيد، وعلي بن حسان، والحسن بن علي بن النعمان، ومحمد بن الحسين، وعمران بن موسى، وعبدالله بن جعفر، وعلي بن محمد القاساني، وعبدالله بن محمد، والحسن بن موسى الخشاب، وإبراهيم بن إسحاق، والعباس بن معروف، وعباد بن سليمان، والسندي بن محمد، ومحمد بن الجعفي، وعبدالله بن عامر، وسلمة بن الخطاب، وأحمد بن موسى، وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال، ومحمد بن أحمد، وأحمد بن جعفر، ومحمد بن عيسى، وعلي بن الحسين، ومحمد بن عبدالجبار، وعلي بن إسماعيل، وسلام بن أبي عمرة، ومحمد بن يعلى، وموسى بن جعفر، وعلي بن محمد بن سعيد، وعلي بن خالد، وأحمد بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق، والحسن بن أحمد، وأيوب بن نوح، ومحمد بن عبدالحميد، ومعاوية بن حكيم، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن خالد الطيالسي، وغير هؤلاء مما لا يحصى.
فلما راجعنا أسانيد الكافي رأينا محمد بن الحسن الذي يروي عنه ثقة الإسلام بالواسطة يروي عن تلك الجماعة متفرقة، ولم يروِ عن سهل بن زياد قط في موضع.
ومحمد بن الحسن الذي في أول السند منفرداً، أو مع علي بن محمد لم نرَ روايته عن غير سهل بن زياد الذي مر عدم وجوده في أسانيد البصائر، وعدم وجود الصفار في طرق المشايخ إليه إلاّ في مواضع نادرة منها باب أدنى المعرفة، وباب جوامع التوحيد، وباب آخر من معاني الأسماء من كتاب التوحيد، فروى فيها عن عبدالله بن الحسن العلوي.
وعن إبراهيم بن إسحاق في مواضع قليلة، وإن نسب إلى الكثرة في كلام السيد المعظم، فلو كان من الصفار لما كان لاقتصار روايته عن الرجلين الغير المذكورين في مشايخه، وعن إبراهيم، وعدم روايته عن مشايخه المعروفين وجهٌ.
وهذه قرينة تورث سكون النفس ووثوقها بعدم كونه هو».
ولأن الوجوه الثلاثة الباقية لا ترقى من حيث الأهمية إلى ما قبلها أعرضتُ عن نقلها أو الإشارة إليها، وللطالب أن يرجع إليها لاستزادة الفائدة.
وقد نقول ـ موازنةً بين تقريبات وترجيحات القائلين بأنه الصفار وحده، والقائلين بنفي ذلك وتعميمه إلى الآخرين ـ: إن الشيخ النوري بإشارته إلى وجود محمد بن الحسن يروي عن عبدالله بن الحسن العلوي الذي عده من طرق محمد بن الحسن الصفار كما في الرواية المذكورة في باب أدنى المعرفة رقم 1 من الكافي، والنص الشاهد منها هو قوله: «محمد بن الحسن عن عبدالله بن الحسن العلوي»، وكذلك روايته عن إبراهيم بن إسحاق الذي هو الآخر من طرق الصفار يجعل الباحث يميل إلى أنه الصفار لأن القلة في موضع لا تعني عدم الكثرة في موضع آخر.
أسانيد الفقيه
أَلَّف الشيخ أبو جعفر الصدوق كتابه الموسوم بـ (من لايحضره الفقيه) إجابة لطلب الشريف محمد بن الحسن بن إسحاق العلوي، ليكون رسالة فتيا يرجع إليها في مقام العمل.
ولأن الشيخ الصدوق من رؤوس مدرسة الفقهاء المحدثين التي تحدثنا عنها في دروس (تاريخ التشريع الإسلامي) للسنة الدراسية الثانية، وعرفنا هناك أن من أهم معالم منهج هذه المدرسة الإفتاء بنص الحديث ولفظه، سار المنهج هذا في تأليفه الكتاب المشار إليه، وذلك بحذف الأسانيد والاقتصار على المتون.
وقد صرح بهذا في خطبة الكتاب بقوله: «وصنفت له (يعني الشريف) هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه».
وأَلَّف لذكر الأسانيد المحذوفة كتابه المعروف بـ (مشيخة الفقيه)، وألحقه به.
فللباحث الذي يريد الوقوف على سند حديث من أحاديث الفقيه لم يذكر في الكتاب يرجع إلى المشيخة لمعرفته.
أسانيد التهذيبين
تعيين بعض الرواة:
قال العلاَّمة الحلي في (الخلاصة: الفائدة الثانية): «ذكر الشيخ وغيره، في كثير من الأخبار (سعد بن عبدالله عن أبي جعفر)، والمراد بـ (أبي جعفر) ـ هنا ـ هو: (أحمد بن محمد بن عيسى).
ويرد أيضاً في بعض الآخبار: (الحسن بن محبوب عن أبي القاسم)، والمراد به: (معاوية بن عمار).
تعيين الوسائط المحذوفة:
وقال العلاَّمة الحلي أيضاً في (الخلاصة: الفائدة الثامنة): «إعلم أن الشيخ الطوسي (ره) ذكر أحاديث كثيرة في كتابي (التهذيب) و(الاستبصار) عن رجال لم يلق زمانهم، وإنما روى عنهم بوسائط حذفها في الكتابين، ثُم ذكر في آخرهما طريقه إلى كلٍ رجل، رجل، مما ذكره في الكتابين».
وهو بهذا يشير إلى رسالتيه:
1 ـ مشيخة التهيب.
2 ـ مشيخة الاستبصار.
اللتين ذكر فيهما طوقه في الكتابين (التهذيبين)، وألحقهما في آخر الكتابين، فلمريد معرفة ذلك الرجوع إليهما.
أسانيد الفهرسين
فهرست الطوسي
العدة:
قال السيد بحر العلوم في الفائدة السابعة من فوائده الرجالية: «قد تكرر من الشيخ في (الفهرست) قوله: (أخبرنا عدة من أصحابنا). أو: (جماعة من أصحابنا).
وربما توهم بعضهم جهالة الطريق بذلك، لعدم تسمية (العدة)، وعدم ظهور اصطلاح من الشيخ فيها، فيحتمل عدم اشتمالها على الثقة.
ويدفع هذا التوهم ما أشرنا إليه)[508]( من أن روايات الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذا الكتاب وغيره إنما هي عن مشايخه الأربعة المعروفين ـ غالباً ـ، وهم:
1 ـ المفيد، المعلوم ثقته.
2 ـ والحسين بن عبيدالله، والمعروف من أصحابنا أنه ثقة.
3 ـ وكذا ابن عبدون.
4 ـ وابن أبي جيد ـ على الأظهر ـ.
ودخول أحد الأولين، بل أحد الأربعة كاف في الصحة.
على أن الباقين ـ كالأخيرين من الأربعة ـ من مشايخ الإجازة، وليس لهم كتاب يحتمل الأخذ منه، فلا يخرج الحديث بهم عن الصحة خصوصاً مع اجتماع عدة منهم، فإنه لا يقصر عن أخبار ثقة واحد.
مع أن الممارسة والتتبع لكتاب الشيخ يقضيان بوقوع الاصطلاح من الشيخ ـ رحمه الله ـ على ذلك، وأنه متى أطلق «العدة» أو «الجماعة» فإنه يريدد : المفيد مع غيره ممن تكمل به العدة».
ثم ذكر شواهد لذلك منها:
ـ «في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال الشيخ: له كتاب الجامع أخبرنا به عدة من أصحابنا منهم: الشيخ أبو عبدالله».
ـ وفي ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي ـ بعد ذكر كتبه ـ: «أخبرنا بهذه الكتب وبجميع رواياته عدة من أصحابنا، منهم: الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المفيد، وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله، وأحمد بن عبدون، وغيرهم، عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري.. وأخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الحسن بن حمزة العلوي… وأخبرنا هؤلاء إلاّ الشيخ أبا عبدالله، وغيرهم، عن أبي المفضل الشيباني.. وأخبرنا بها ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد».
ثم بعد شواهد أخرى قال: «وإنما يدخل المفيد ـ رحمه الله ـ في «العدة» مع إمكان دخوله.
فلو كانت الرواية عمن لم يلقه المفيد، كأحمد بن محمد بن يحيى العطار ونحوه، كان خارجاً بدلالة القرينة عليه، ولذا قال في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى: «… عدة من أصحابنا، منهم: الحسين بن عبيدالله وابن أبي جيد عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، وعدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد» فأخرج المفيد عن (العدة) الأولى دون الثانية.
والحاصل من تَتَبّعَ (الفهرست) عرف دخول المفيد ـ رحمه الله ـ في «العدة» حيث يمكن دخول المشايخ الثلاثة فيها ـ غالباً ـ وإنما ينفرد ابن أبي جيد عنهم لعلو سنده، وروايته عن محمد بن الحسن بن الوليد، دون غيره من المشايخ الثلاثة.
ويمكن التعيين في كلامه بالمروي عنه، مثلاً: إذا روى عن العدة عن ابن بابويه، فالمراد الأربعة الذين ذكروا في ترجمته)[509](، ولو قال: «العدة عن الزراري، أو العلوي، أو البزطي أو البيرقي، فالمراد الثلاثة وغيرهم ـ كما علم مما ذكرناه ـ.
وبالجملة، فلا ينبغي التأمل في صحة الرواية عن «العدة» و«الجماعة» في (الفهرست) إلاّ إذا حصل الضعف من جهة أخرى».
تعيين أبي عبدالله:
وقال السيد بحر العلوم ـ أيضاً ـ في الفائدة الثامنة، «أبو عبدالله، الذي يروي عنه الشيخ ـ رحمه الله ـ في (الفهرست) مشترك بين:
ـ محمد بن محمد بن النعمان المفيد.
ـ والحسين بن عبيدالله الغضائري.
ـ وأحمد بن عبدون.
فإن كلهم يكنى (أبا عبدالله).
وقد وقع إطلاق ذلك في كثير من المواضع، لكن الذي يقضي به تصفح كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ إرادة (المفيد) من ذلك حيث يطلق، فإنه وإن ذكر غيره، إلاّ أنه على سبيل الندرة، فينصرف الإطلاق إلى الشايع المعروف المعلوم من تتبع استعمالاته.
مع أن هذا الاشتراك لا يضر، لاشتراك الجميع في التوثيق عند التحقيق».
فهرس النجاشي
العدة:
بحث الشيخ النائيني محقق (رجال النجاشي) في تقديمه له موضوع (العدة) في أسانيد النجاشي الواردة في رجاله الموسوم (فهرس أسماء مصنفي الشيعة) بحثاً موفقاً ووافياً، استقصى فيه كل رجالات عُدد الشيخ النجاشي.
ونظراً لأهمية فائدته للباحثين بعامة ولطلبتنا الأعزاء بخاصة رأيت نقله هنا.
قال ـ سلمه الله تعالى ـ:
تكرر من النجاشي رحمه الله في الكتاب قوله: أخبرنا عدّة من أصحابنا، أو جماعة من أصحابنا، أو جميع شيوخنا، أو غير واحد، أو محمد وغيره، أو أحمد وغيره، وهكذا. ويمكن استظهار المراد منها بقرينة الموارد المتفرقة التي روى عن هؤلاء المشايخ، وقدف استقصينا تلك الموارد ونبّهنا عليه في الكتاب أو في تراجمهم، إلاّ أن جمعهم هنا لا يخلو من فائدة. فنقول وبالله الاستعانة.
أمّا العدّة عن أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع الأنصاري، فهم عدّة من مشايخه، منهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي. كما ذكره في ترجمة بريد بن معاوية برقم (285) وعلي بن عبدالله برقم (690) وغيرهما.
2 ـ أحمد بن عبدالواحد البزّار المعروف بابن عبدون، كما ذكره في ترجمة الحسن بن محمد بن سهل برقم (74).
3 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري. كما ذكره في ترجمة أحمد بن إبراهيم الأنصاري برقم (201) وأحمد بن الحسن الضرير برقم (229) وغير ذلك.
والعدّة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، فهم:
1 ـ أحمد بن محمد بن عمران بن الجندي. كما في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي برقم (178) وغير ذلك.
2 ـ أحمد بن محمد بن هارون بن الصلت الأهوازي. كما في ترجمة إبراهيم بن مهزم برقم (30) وإسماعيل بن زيد برقم (53).
3 ـ أحمد بن نوح السيرافي عن محمد بن أحمد بن داوود عنه، كما في ترجمة أبي هارون السنجي برقم (1235).
4 ـ أحمد بن نوح السيرافي عن محمد بن بكران النقاش عنه، كما في ترجمة زكريا بن عبدالله الفياض برقم (452).
5 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري عن محمد بن أحمد بن داوود عنه، كما في ترجمة ربيع بن زكريا برقم (432) حيث قال: أخبرنا عدّة من أصحابنا عن محمد بن أحمد بن داوود، فيشمله أيضاً الغضائري كما سيأتي.
6 ـ محمد بن جعفر النحوي الأديب، كما في تراجم أبي رافع برقم (1) ومنذر بن محمد برقم (1119) وغيرهما.
7 ـ محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي المعدّل، كما في ترجمة عباس بن هلال الشامي برقم (747).
8 ـ محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد عن أبي الحسن بن داوود عنه، كما في ترجمة يزيد بن خليفة الحارثي برقم (1225).
9 ـ أبو عبدالله الجعفي القاضي. كما في ترجمة أبان بن محمد برقم (10) وعبدالله الكاهلي برقم (578) وغيرهما.
والعدّة عن أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري، فهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة بشر بن سلام برقم (284) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري. كما في ترجمة أحمد بن أبي نصر البزنطي برقم (178) وغيره.
3 ـ محمد بن محمد بن النعمان الشيخ المفيد رحمه الله. كما في ترجمة إسماعيل بن مهران برقم (48).
4 ـ ابن ابنه: محمد بن عبيدالله بن أحمد الزراري أبو طالب، حيث قال في ترجمته برقم (65:1): شيخنا. وقد أجازه أبو غالب رواية جميع كتبه ورسائله، إلاّ أن النجاشي لم يرو عنه في الكتاب شيئاً.
والعدة عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، فهم:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة الحسين بن سعيد برقم (135) وعبدالله بن المغيرة برقم (559) وغيرهما.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة أحمد بن محمد السياري برقم (190) وغيره.
3 ـ والده علي بن أحمد بن العباس النجاشي، كما في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل برقم (198).
4 ؛ محمد بن علي بن شاذان القزويني، كما في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى برقم (196).
والعدة عن أحمد بن جعفر بن سفيان البزوفري، فهما:
1 ـ أحمد بن علي بن نوح السيرافي، كما في ترجمة إبراهيم بن صالح برقم (12) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة إبراهيم بن مسلم برقم (43) وغيره.
والعدّة عن جعفر بن محمد بن قولويه، فهم:
1 ـ الشيخ المفيد.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري.
3 ـ الحسين بن أحمد بن موسى بن هدية. كما ذكرهم في ترجمة علي بن مهزيار برقم (662) وسعد بن عبدالله الأشعري برقم (465).
4 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة الكشي برقم (1019) والكليني برقم (1027) ومحمد بن علي الهمذاني برقم (929) وغيرهم.
والعدّة عن الحسن بن حمزة الطبري المرعشي، فقد روى عن جميع مشايخه عنه كما قاله في ترجمته برقم (148)، فحينئذٍ يشمله جميع مشايخه في الإجازة الذين ذكرناهم هنا. أما الذين نص عليهم وروى عنهم عنه في هذا الفهرس، فهم:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة إسماعيل بن أبي زياد برقم (46) وغيره.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة الحسين بن موسى برقم (89) والحسن بن رباط برقم (93) وغيرهما.
3 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، كما في ترجمة إبراهيم بن رجاء برقم (15) وإبراهيم بن هاشم برقم (17) وغيرهما.
4 ـ محمد بن جعفر النحوي التميمي، كما احتمله المولى القهبائي في مجمع الرجال، أو محمد بن عثمان النصيبي المعدّل، حيث قال في ترجمة الحسن بن أبي قتادة برقم (73): أخبرنا به الحسين بن عبيدالله ومحمد محمد عن الحسن بن حمزة. فكلاهما محتملان.
والعدّة عن الحسن بن محمد بن يحيى بن أخي طاهر، فهما:
1 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة إسماعيل بن محمد المخزومي برقم (66) ومتوكل بن عمير برقم (1145).
2 ـ أحمد بن عبدون، كما في جامع الرواة للأردبيلي ج1 ص227.
والعدة عن سهل بن أحمد الديباجي، فهما:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمته برقم (491).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة محمد بن محمد بن الأشعث برقم (1032).
تذييل: قال السيد بحر العلوم الطباطبائي في فوائده الرجالية ج2 ص(104): وقد روى الشيخ رحمه الله في الفهرس عن عدّة من أصحابنا عن جعفر بن محمد بن قولويه وأحمد بن محمد الزراري، والحسن بن حمزة ومحمد بن أحمد بن داوود وأحمد بن إبراهيم بن أبي رافع والقاضي أبي بكر الجعابي، وأراد بالعدّة: المفيد والحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون وغيرهم، كما يستفاد من كلامه في عدّة مواضع من كتابه المذكور، ولا يبعد دخول ابن عبدون في عُدد النجاشي أيضاً، لثبوت روايته عن الجميع إلا أنه قال في سهل بن أحمد الديباجي بعد ذكر كتابه: أخبرني به عدّة من أصحابنا وأحمد بن عبدالواحد، وأخرج ابن عبدون عن العدّة فكأنه اصطلحها لغيره ولذا تركنا ذكره في عدده. انتهى.
وروى عن غير واحد عن علي بن حبش بن قوني الكاتب، كما في ترجمة عبيدالله الحلبي برقم (610)، وهما:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمة الحسين بن أحمد المنقري برقم (117)، والقاسم بن عروة برقم (858) وغيرهما.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة القاسم بن عروة برقم (858).
والعدّة عن محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي، وصفهم بكونهم ثقات كما في ترجمته من الكتاب برقم (1048)، والذين روى عنهم عنه في الكتاب فهما:
1 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة حارث بن عمران الجعفري برقم (360).
2 ـ الشيخ المفيد، كما في ترجمة زكريا الفياض برقم (452) وزكريا التميمي برقم (453)، وقد روى الشيخ رحمه الله في الفهرس عن المفيد وابن عبدون عن ابن الجنيد كما صرح بهما في ترجمته ص(134)، وحينئذٍ يشمل التوثيق لابن عبدون أيضاً.
والعدّة عن محمد بن أحمد بن داوود القمي، فهم:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي.
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري.
3 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان. رحمهم الله، كما صرح بهم في ترجمته برقم (1046) وفي ترجمة سلامة بن محمد برقم (512).
والعدّة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، فهما:
1 ـ أحمد بن نوح السيرافي، كما في ترجمة جهيم بن أبي جهم برقم (336) وحكم بن حكيم برقم (351).
2 ـ والده علي بن أحمد النجاشي رحمه الله، كما في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع برقم (894) ومحمد بن أبي القاسم البرقي برقم (948) وترجمة الصدوق نفسه برقم (1050).
والعدّة عن محمد بن عمر بن مسلم الجعابي التميمي، فهما:
1 ـ محمد بن عثمان النصيبي المعدّل، كما في ترجمة عبدالله بن علي برقم (597) وعبدالله بن محمد الرازي برقم (601).
2 ـ الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، كما في ترجمته برقم (1056) وجعفر بن محمد أبو قيراط برقم (312).
والعدّة عن أبي الحسين محمد بن علي بن تمام الدهقان، فهما:
1 ـ أحمد بن علي السيرافي، كما في ترجمة الحسن بن سعيد برقم (135) والحسن بن الحسين العرني برقم (110).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة عقبة بن خالد برقم (812).
والعدّة عن محمد بن همام الأسكافي، فهم:
1 ـ أحمد بن محمد بن الجندي، كما في ترجمة الحسن بن محمد الحضرمي برقم (104) وأحمد بن هلال برقم (197).
2 ـ أحمد بن محمد المستنشق، كما في ترجمة عبدالله بن مسكان برقم (557).
3 ـ محمد بن محمد بن النعمان عن عمر بن محمد الزيّات عنه، كما في ترجمة نوح بن الحكم أبو اليقظان برقم (1153).
والعدّة عن محمد بن وهبان الدبيلي، فهم:
1 ـ أحمد بن عبدالواحد، كما في ترجمة حبيش بن مبشر برقم (377).
2 ـ الحسين بن عبيدالله الغضائري، كما في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن المعلّى برقم (237).
3 ـ محمد بن علي الكاتب القناني، كما في ترجمة إسحاق بن بشر برقم (169) وأحمد بن عبدالله الأشعري برقم (250).
الاختصارات والرموز
كنى وألقاب الأئمة (عليهم السلام)
يراد بها الكنى والألقاب لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) المستعملة في كتب الحديث وكتب الرجال، وهي:
الكنى
1 ـ أبو جعفر (محمد بن علي الباقر).
2 ـ أبو عبدالله (جعفر بن محمد الصادق).
3 ـ أبو الحسن (موسى بن جعفر الكاظم).
4 ـ أبو الحسن الأول (موسى بن جعفر الكاظم).
5 ـ أبو الحسن الماضي (موسى بن جعفر الكاظم).
6 ـ أبو إبراهيم (موسى بن جعفر الكاظم).
7 ـ أبو الحسن الثاني (علي بن موسى الرضا).
8 ـ أبو جعفر الثاني (محمد بن علي الجواد).
9 ـ أبو محمد (الحسن بن علي العسكري).
الألقاب
1 ـ أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب).
2 ـ الحسن المجتبى (الحسن بن علي بن أبي طالب).
3 ـ الحسين الشهيد (الحسين بن علي بن أبي طالب).
4 ـ زين العابدين (علي بن الحسين).
5 ـ السجاد (علي بن الحسين).
6 ـ الباقر (محمد بن علي بن الحسين).
7 ـ الصادق (جعفر بن محمد).
8 ـ الكاظم (موسى بن جعفر).
9 ـ العالم (موسى بن جعفر).
10 ـ الفقيه (موسى بن جعفر).
11 ـ الشيخ (موسى بن جعفر).
12 ـ الرجل (موسى بن جعفر).
13 ـ العبد الصالح (موسى بن جعفر).
14 ـ الرضا (علي بن موسى).
15 ـ الجواد (محمد بن علي بن موسى).
16 ـ الهادي (علي بن محمد).
17 ـ العسكري (علي بن محمد).
18 ـ العسكري (الحسن بن علي).
19 ـ المهدي (محمد بن الحسن).
20 ـ الحجة (محمد بن الحسن).
21 ـ القائم (محمد بن الحسن).
22 ـ قائم آل محمد (محمد بن الحسن).
23 ـ الناحية المقدسة (محمد بن الحسن).
24 ـ الغائب (محمد بن الحسن).
25 ـ المنتظر (محمد بن الحسن).
رموز الصحابة وأصحاب الأئمة
1 ـ ل (صحابة رسول الله).
2 ـ ي (أصحاب علي أمير المؤمنين).
3 ـ ن (أصحاب الحسن).
4 ـ سين (أصحاب الحسين).
5 ـ ين (أصحاب علي بن الحسين).
6 ـ قر (أصحاب محمد الباقر).
7 ـ ق (أصحاب جعفر الصادق).
8 ـ ظم (أصحاب موسى الكاظم).
9 ـ م (أصحاب موسى الكاظم) عند ابن داوود خاصة.
10 ـ ضا (أصحاب علي الرضا).
11 ـ ج (أصحاب محمد الجواد).
12 ـ د (أصحاب محمد الجواد) عند ابن داوود خاصة.
13 ـ دي (أصحاب علي الهادي).
14 ـ كر (أصحاب الحسن العسكري) في بعض الكتب.
15 ـ دي (أصحاب الحسن العسكري).
ملحوظة
رمز الشيخ الطوسي في رجاله لمن لم يروِ عن أحد الأئمة (عليهم السلام) أي أنه لم يدرك صحبة أحدهم بـ (لم).
اختصارات كتب الحديث الثمانية
1 ـ كا (الكافي) في أكثر الكتب.
2 ـ في (الكافي) في بعض الكتب.
3 ـ في (الوافي).
4 ـ يه (الفقيه = من لا يحضره الفقيه).
5 ـ يب (التهذيب).
6 ـ صا (الاستبصار) في بعض الكتب.
7 ـ بص (الاستبصار) في البعض الآخر.
8 ـ بح (بحار الأنوار).
9 ـ ئل (وسائل الشيعة).
10 ـ مست (مستدرك الوسائل).
اختصارات كتب الرجال
1 ـ كش (رجال الكشي = الاختيار).
2 ـ جش (رجال النجاشي).
3 ـ جخ (رجال الشيخ الطوسي).
4 ـ ست (فهرست الشيخ الطوسي).
5 ـ قي (رجال البرقي).
6 ـ عق (رجال العقيقي).
7 ـ قد (رجال ابن فضال).
8 ـ فض (رجال ابن فضال).
9 ـ عب (رجال ابن عبدون).
10 ـ غض (رجال الغضائري).
11 ـ يه (رجال ابن بابويه الصدوق).
12 ـ فش (رجال الفضل بن شاذان).
13 ـ صه (رجال العلامة الحلي = الخلاصة).
14 ـ د (رجال ابن داود الحلي).
15 ـ ب (رجال ابن شهرآشوب = معالم العلماء).
16 ـ م (رجال ابن شهرآشوب = معالم العلماء).
17 ـ ضح (رجال العلامة الحلي الكبير = إيضاح الاشتباه).
18 ـ حاوي (حاوي الأقوال).
19 ـ بلغة (بلغة المحدثين).
20 ـ تنقيح (تنقيح المقال).
21 ـ مح (رجال ميرزا محمد الأسترآبادي = منهج المقال).
22 ـ ج (معراج أهل الكمال).
23 ـ عه (فهرست منتجب الدين ابن بابويه).
24 ـ جع (جامع الرواة).
25 ـ عدة (عدة الرجال).
26 ـ قد (نقد الرجال).
27 ـ تكملة (تكملة الرجال).
28 ـ منتهى (منتهى المقال).
29 ـ مجمع (مجمع الرجال).
30 ـ مشكا (مشتركات الكاظمي = هداية المحدثين).
31 ـ ن (نخبة المقال).
ولمعرفة بقية الرموز لبقية الكتب يرجع إلى كتاب (معجم الرموز والإشارات للشيخ محمد رضا المامقاني.
د. عبدالهادي الفضلي
الرجال (علم)
ـ 3 ـ
الرجال: علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث اتصافهم بشرائط قبول أخبارهم وعدمه. وإن شئت قلت: هو علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث التي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه.
وربما يعرّف: بأنه علم وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، ومدحاً وقدحاً. والمراد من تشخيص الراوي ذاتاً، هو معرفة ذات الشخص وكونه فلان بن فلان. كما أنَّ المراد من التشخيص الوصفي، هو معرفة أوصافه من الوثاقة ونحوها. وقوله: «مدحاً وقدحاً» بيان لوجوه الوصف، إلى غير ذلك من التعاريف.
والمطلوب المهم في هذا العلم حسبما يكشف عنه التعريف، هو التعرّف على أحوال الرواة من حيث كونهم عدولاً أو غير عدول، موثقين أو غير موثقين، ممدوحين أو مذمومين، أو مهملين، أو مجهولين والاطلاع على مشايخهم وتلاميذهم وحياتهم وأعصارهم وطبقاتهم في الرواية حتى يعرف المرسل عن المسند ويميز المشترك، إلى غير ذلك مما يتوقف عليه قبول الخبر.
موضوع علم الرجال هو رواة الحديث الواقعين في طريقه، فيما أنّ كل علم يبحث فيه عن عوارض موضوع معين وحالاته الطارئة عليه، ففي المقام يبحث عن أحوال الرواة من حيث دخالتها في اعتبار قولهم وعدمه، أما حالاتهم الأخرى التي ليست لها دخالة في قبول قولهم فهو خارج عن هذا العلم، فالبحث في هذا العلم إنَّما هو عن اتصاف الراوي بكونه ثقة وضابطاً أو عدلاً أو غير ذلك من الأحوال العارضة للموضوع، أمّا الأحوال الأخرى ككونه تاجراً أو شاعراً أو غير ذلك من الأحوال التي لا دخالة لها في قبول حديثهم فهي خارجة عن هذا العلم.
ومسائل علم الرجال هي العلم بأحوال الأشخاص من حيث الوثاقة وغيرها، وعند ذلك يستشكل على تسمية ذلك علماً، فإنّ مسائل العلم تجب أن تكون كليّة لا جزئيّة، وأجيب عن هذا الإشكال بوجهين:
الأول: إن التعرف على أحوال الراوي كزرارة ومحمد بن مسلم يعطي ضابطة كلية للمستنبط بأنّ كل ما رواه هذا أو ذاك هو حجة، والشخص مقبول الرواية، كما أنّ التعرف على أحوال وهب بن وهب يعطي عكس ذلك، وعلى ذلك فيمكن انتزاع قاعدة كلية من التعرّف على أحوال الأشخاص، فكانت المسألة في هذا العلم تدور حول: «هل كل ما يرويه زرارة أو محمد بن مسلم حجة أو لا؟» والبحث عن كونه ثقة أو ضابطاً يعدّ مقدمة لانتزاع هذه المسألة الكلية.
وهذا الجواب لا يخلو من تكلف كما هو واضح، لأنّ المسألة الأصلية في هذا العلم هي وثاقة الراوي المعين وعدمها، لا القاعدة المنتزعة منها.
الثاني: وهو الموافق للتَّحقيق أن الالتزام بكون مسائل العلوم مسائل كلية، التزام بلا جهة، لأنّا نرى أنّ مسائل بعض العلوم ليست إلا مسائل جزئية، ومع ذلك تعدّ من العلوم، كالبحث عن أحوال الموضوعات الواردة في علمي الهيئة والجغرافية، فإنَّ البحث عن أحوال القمر والشمس وسائر الكواكب بحوث عن الأعيان الشخصية، كما أنّ البحث عن الأرض وأحوالها الطبيعية والاقتصادية والأوضاع السياسية الحاكمة على المناطق منها، أبحاث عن الأحوال العارضة للوجود الشخصي، ومع ذلك لا يوجب ذلك خروجهما عن نطاق العلوم، ويقرب من ذلك «العرفان»؛ فإنّ موضوع البحث فيه هو «الله» سبحانه ومع ذلك فهو من أهم المعارف والعلوم؛ وبذلك يظهر أنّه لا حاجة إلى ما التزموا به من لزوم كون مسائل العلوم كلية خصوصاً العلوم الاعتبارية كالعلوم الأدبية والرجال التي يكفي فيها كون المسألة (جزئية كانت أو كلية) واقعة في طريق الهدف الذي لأجله أسس العلم الاعتباري.
وفي جانب هذا العلم، علم التراجم الذي يعد أخاً لعلم الرجال وليس نفسه، فإن علم الرجال يبحث فيه عن أحوال رجال وليس نفسه، فإن علم الرجال يبحث فيه عن أحوال رجال وقعوا في سند الأحاديث من حيث الوثاقة وغيرها، وأما التراجم فهو بحث عن أحوال الشخصيات من العلماء، وغيرهم، سواء كانوا رواة أم لا وبذلك يظهر أن بين العلمين بوناً شاسعاً.
نعم، وبما يجتمعان في مورد، كما إذا كان الراوي عالماً مثلاً، كالكليني والصدوق، ولكن حيثية البحث فيهما مختلفة، فالبحث عن أحوالهما من حيث وقوعهما في رجال الحديث واتصافهما بما يشترط في قبول الرواية، غير البحث عن أحوالهما وبلوغهما شأواً عظيماً من العلم وأنَّهما مثلاً قد ألفا كتباً كثيرة في مختلف العلوم.
وقد أدخل القدماء من الرجاليين تراجم خصوص العلماء من علم التراجم في علم الرجال، من دون أن يفرقوا بين العلمين حتى إنَّ الشيخ منتجب الدين ابن بابوية (الذي ولد سنة 504 وكان حيّاً إلى سنة 585هـ) ألَّف فهرساً في تراجم الرواة والعلماء المتأخرين عن الشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460هـ)، وتبع في ذلك طريقة من سبقه من علماء الرجال أعني الشيخ الكشي والنجاشي والشيخ الطوسي الذين هم أصحاب الأصول لعلم الرجال والتراجم في الشيعة، وكذلك فعل الشيخ رشيد الدين بن شهرآشوب (المتوفى عام 588هـ) فألَّف كتاب «معالم العلماء» وألحق بآخره أسماء عدّة من أعلام شعراء الشيعة المخلصين لأهل البيت. وبعده أدرج العلاّمة الحلي (المتوفى عام 726هـ) في كتاب «الخلاصة» بعض علماء القرن السابع، كما أدرج الشيخ تقي الدين الحسن بن داود (المولود عام 647هـ) أحوال العلماء المتأخرين في رجاله المعروف بـ «رجال ابن داود» واستمر الحال على ذلك إلى أن استقل «التراجم» عن «علم الرجال» فصار كل، علماً مستقلاً في ـ التأليف.
ولعلَّ الشيخ المحدِّث الحر العاملي من الشيعة أول من قام بالتفكيك بين العلمين فألَّف كتابه القيّم «أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل» في جزئين: الجزء الأول بهذا الاسم والجزء الثاني باسم «تذكرة المتبحرين في ترجمة سائر علماء المتأخرين» وقد توفي الشيخ عام «1104هـ» وشرع في تأليف ذلك الكتاب عام «1096 هـ»، وبعده توالى التأليف في التراجم فألف الشيخ عبداللَّه الأفندي التبريزي (المتوفى قبل عام 1134)، «رياض العلماء» في عشر مجلدات إلى غير ذلك من التآليف القيمة في التراجم كـ«روضات الجنّات» للسيد الأصفهاني و«أعيان الشيعة» للسيد الأمين و«الكنى والألقاب» للمحدّث القمي و«ريحانة الأدب» للمدرس التبريزي.
والغرض من هذا البحث إيقاف القارىء على التمييز بين العلمين لاختلاف الأغراض الباعثة إلى تدوينها بصورة علمين متمايزين، والحيثيّات الراجعة إلى الموضوع، المبينة لاختلاف الأهداف، فنقول:
إن الفرق بين العلمين يمكن بأحد وجوه على سبيل مانعة الخلو:
1 ـ العلمان يتحدان موضوعاً ولكن الموضوع في كل واحد يختلف بالحيثية، فالشخص بما هو راوٍ وواقع في سند الحديث، موضوع لعلم الرجال، وبما أنَّ له دوراً في حقل العلم والاجتماع والأدب والسياسة والفن والصناعة، موضوع لعلم التراجم. نظير الكلمة العربية التي من حيث الصحة والاعتلال موضوع لعلم الصرف، ومن حيث الإعراب والبناء موضوع لعلم النحو. ولأجل ذلك يكون الموضوع في علم الرجال هو شخص الراوي وإن لم تكن له شخصية اجتماعية، بخلاف التراجم فإنَّ الموضوع فيه، الشخصيات البارزة في الاجتماع لجهة من الجهات.
2 ـ العلمان يتحدان موضوعاً ويختلفان محمولاً، فالمحمول في علم الرجال وثاقة الشخص وضعفه، وأما التعرف على طبقته وعلى مشايخه وتلاميذه ومقدار رواياته كثرة وقلة، فمطلوب بالعرض والبحث عنها لأجل الوقوف على المطلوب بالذات وهو تمييز الثقة الضابط عن غيره، إذ الوقوف على طبقة الشخص والوقوف على مشايخه والراوين عنه خير وسيلة لتمييز المشتركين في الاسم، ولا يتحقق التعرف على الثقة إلا به. كما أنَّ الوقوف على مقدار رواياته ومقايسة ما يرويه مع ما يرويه غيره من حيث اللفظ والمعنى، سبب للتعرف على مكانة الراوي من حيث الضبط.
أما المطلوب في علم التراجم فهو التعرف على أحوال الأشخاص لا من حيث الوثاقة والضعف، بل من حيث دورهم في حقل العلم والأدب والفن والصناعة من مجال السياسة والاجتماع وتأثيره في الأحداث والوقائع إلى غير ذلك مما يطلب من علم التراجم.
3 ـ إنَّ علم الرجال من العلوم التي أسسها المسلمون للتعرف على رواة آثار الرسول (ص) والأئمة من بعده حتى يصح الركون إليها في مجال العمل والعقيدة، ولولا لزوم التعرف عليها في ذاك المجال لم يؤسس ولم يدوَّن.
وأمّا علم التراجم فهو بما أنّه كان نوعاً من علم التاريخ وكان الهدف التعرف على الأحداث والوقائع الجارية في المجتمع، كان علماً عريقاً متقدماً على الإسلام، موجوداً في الحضارات السابقة على الإسلام. وبهذه الوجوه الثلاثة نقتدر على تمييز أحد العلمين عن الآخر.
الفرق بين علم الرجال والدراية
علم الرجال والدراية كوكبان في سماء الحديث، وقمران يدوران على فلك واحد، يتحدان في الهدف والغاية وهو الخدمة للحديث سنداً ومتناً، غير أنَّ الرجال يبحث عن سند الحديث والدراية عن متنها، وبذلك يفترق كل عن الآخر، افتراق كل علم عن العلم الآخر بموضوعاته.
وإن شئت قلت: إنَّ موضوع الأول هو المحدث، والغاية، التعرف على وثاقته وضعفه ومدى ضبطه، وموضوع الثاني، هو الحديث والغاية، التعرف على أقسامها والطوارىء العارضة عليها.
نعم، ربما يبحث في علم الدراية عن مسائل بما لا يمت إلى الحديث بصلة مثل البحث عن مشايخ الثقات، وأنَّهم ثقات أو لا؟ أو أنَّ مشايخ الإجازة تحتاج إلى التوثيق أو لا؟
ولكنَّ الحق عد نظائرهما من مسائل علم الرجال، لأنَّ مآل البحث فيهما تمييز الثقة من غيرها عن طريق القاعدتين وأمثالهما. فإنَّ البحث عن وثاقة الشخص يتصور على ثلاثة أوجه:
1 ـ البحث عن وثاقة شخص معين كـ «زرارة» و«محمد بن مسلم» و…
2 ـ البحث عن وثاقة أشخاص معينة كـ «كون مشايخ الأقطاب الثلاثة: محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى والبزنطي» ثقات.
3 ـ البحث عن وثاقة عدة ينطبق عليهم أحد العنوانين المذكورين كـ «كونهم من مشايخ الإجازة أو من مشايخ الثقة أو الثقات».
ولما كان علم الرجال يركز البحث على تمييز الثقة عن غيره، يكون أكثر أبحاثه بحثاً صغروياً وأنَّه هل الراوي الفلاني ثقة أو لا؟ ضابط أو لا؟ وهذا المنهج من البحث، لا يليق بالدراسة وإلقاء المحاضرة لكثرتها أولاً وغنى القارىء عنها بالمراجعة إلى الكتب المعدّة لبيان أحوال تلك الصغريات ثانياً.
نعم هناك نمط آخر من البحث وهو المحرك لنا إلى إلقاء المحاضرة، وهو البحث عن ضوابط كلية وقواعد عامة ينتفع منها المستنبط في استنباطه وعند مراجعته إلى الكتب الرجالية، وتوجب بصيرة وافرة للعالم الرجالي وهي لا تتجاوز عن عدة أمور نأتي بها واحداً بعد آخر، وقد طرحها الرجاليون في مقدمات كتبهم أو مؤخراتها. شكر الله مساعيهم.
الحاجة إلى علم الرجال
لقد طال الحوار حول الحاجة إلى علم الرجال وعدمها، فمن قائل بتوقف الاستنباط عليه وأنّ رحاه يدور على أمور، منها العلم بأحوال الرواة، ولولاه لما تمكن المستنبط من استخراج كثير من الأحكام عن أدلتها، إلى قائل بنفي الحاجة إليه، محتجاً بوجوه منها: قطعية أخبار الكتب الأربعة صدوراً، إلى ثالث قال بلزوم الحاجة إليه في غير ما عمل به المشهور من الروايات، إلى غير ذلك من الأنظار، وتظهر حقيقة الحال مما سيوافيك من أدلة الأقوال، والهدف إثبات الحاجة إلى ذاك العلم بنحو الإيجاب الجزئي، وأنه مما لا بد منه في استنباط الأحكام في الجملة، في مقابل السلب الكلي الذي يدعي قائله بأنه لا حاجة إليه أبداً، فنقول:
استدل العلماء على الحاجة إلى علم الرجال بوجوه نذكر أهمها:
الأول: حجية قول الثقة
لا شك أنَّ الأدلة الأربعة دلت على حرمة العمل بغير العلم، قال سبحانه وتعالى: {قُلْ أَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ})[510]( وقال ـ عزَّ من قائل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ})[511]( وقال أيضاً: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً})[512](.
وأما الروايات الناهية عن العمل بغير العلم فكثيرة لا تحصى، يقف عليها كل من راجع الوسائل، كتاب القضاء الباب «10 ـ 11 ـ 12» من أبواب صفات القاضي فيرى فيها أحاديث كثيرة تمنع من العمل بغير العلم غير أنَّه قد دلَّت الأدلة الشرعية على حجية بعض الظنون، كالظواهر وخبر الواحد إلى غير ذلك من الظنون المفيدة للاطمئنان في الموضوعات والأحكام، والسر في ذلك هو أنَّ الكتاب العزيز غير متكفل ببيان جميع الأحكام الفقهية، هذا من جانب. ومن جانب آخر إنَّ الإجماع الكاشف عن قول المعصوم قليل جداً. ومن جهة ثالثة إنَّ العقل قاصر في أن يستكشف به أحكام الله، لعدم إحاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الأحكام الشرعية.
نعم هو حجة في ما إذا كانت هناك ملازمة بين حكم العقل والشرع، كما في إدراكه الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، ووجوب الشيء وحرمة ضده، والملازمة بين حرمة الشيء وفساده، إلى غير ذلك من الأمور التي بحث عنها الأصوليون في باب الملازمات العقلية.
فهذه الجهات الثلاث أوجبت كون خبر الواحد بشرائطه الخاصة حجة قطعية، وعند ذلك صارت الحجج الشرعية وافية باستنباط الأحكام الشرعية.
ومن المعلوم أنَّه ليس مطلق الخبر حجة، بل الحجة هو خصوص خبر العدل، كما مال إليه بعض، أو خبر الثقة أعني من يثق العقلاء بقوله، ومن المعلوم أنَّ إحراز الصغرى ـ أعني يكون الراوي عدلاً أو ثقة ـ يحتاج إلى الرجوع إلى علم الرجال المتكفل ببيان أحوال الرواة من العدالة والوثاقة، وعند ذلك يقدر المستنبط على تشخيص الثقة عن غيره، والصالح للاستدلال عن غير الصالح، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يستغني عنها المستنبط إلا بالرجوع إلى الكتب المعدَّة لبيانها.
وهناك رأي ثالث يبدو أنه أقوى الآراء في باب حجية الخبر، وهو أن الخارج عن تحت الظنون المنهية، هو الخبر الموثوق بصدوره وإن لم تحرز وثاقة الراوي، ومن المعلوم أنَّ إحراز هذا الوصف للخبر، يتوقف على جمع أمارات وقرائن تثبت كون الخبر مما يوثق بصدوره. ومن القرائن الدالة على كون الخبر موثوق الصدور، هو العلم بأحوال الرواة الواقعة في إسناد الأخبار.
وهناك قول رابع، وهو كون الخارج عن تحت الظنون التي نهي عن العمل بها عبارة عن قول الثقة المفيد للاطمئنان الذي يعتمد على مثله العقلاء في أمورهم ومعاشهم، ولا شبهة أنَّ إحراز هذين الوصفين ـ أعني كون الراوي ثقة والخبر مفيداً للاطمئنان ـ لا يحصل إلى بملاحظة أمور. منها الوقوف على أحوال الرواة الواقعة في طريق الخبر، ولأجل ذلك يمكن أن يقال: إنَّه لا منتدح لأي فقيه بصير من الرجوع إلى «علم الرجال» والوقوف على أحوال الرواة وخصوصياتهم، إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في ذلك العلم.
وإنما ذهب هذا القائل إلى الجمع بين الوصفين في الراوي والمروي (أي وثاقة الراوي وكون المروي مفيداً للاطمئنان)، لأنَّ كون الراوي ثقة لا يكفي في الحجية، بل يحتاج مع ذلك إلى إحراز كون الخبر مفيداً للاطمئنان، ولا يتحقق إلا إذا كان الراوي ضابطاً للحديث ناقلاً إياه حسب ما ألقاه الإمام (عليه السلام)، وهذا لا يعرف إلا بالمراجعة إلى أحوال الراوي، ومن المعلوم أنَّ عدم ضابطية بعض الرواة مع كونهم ثقات أوجد إضراباً في الأحاديث وتعارضاً في الروايات، حيث حذفوا بعض الكلم والجمل الدخيلة في فهم الحديث، أو نقلوه بالمعنى من غير أن يكون اللفظ كافياً في إفادة مراد الإمام (عليه السلام).
وبذلك يعلم بطلان دليل نافي الحاجة إلى الرجال، حيث قال «إنَّ مصير الأكثر إلى اعتبار الموثق، بل الحسن، بل الضعيف المنجبر، ينفي الحاجة إلى علم الرجال، لأنَّ عملهم يكشف عن عدم الحاجة إلى التعديل». وفيه: أنَّ ما ذكره إنَّما يرد على القول بانحصار الحجية في خبر العدل، وأنَّ الرجوع إلى كتب الرجال لأجل إحراز الوثاقة بمعنى العدالة. وأما على القول بحجية الأعم من خبر العدل، وقول الثقة، أو الخبر الموثوق بصدوره أو المجتمع منهما فالرجوع إلى الرجال لأجل تحصيل الوثوق بالصدق أو وثاقة الراوي.
ثم إنَّ المحقق التستري استظهر أنَّ مسلك ابن داود في رجاله ومسلك القدماء هو العمل بالممدوحين والمهملين الذين لم يرد فيهم تضعيف من الأصحاب، ولأجل ذلك خص القسم الأول من كتابه بالممدوحين، ثم قال: وهو الحق الحقيق بالاتباع وعليه عمل الأصحاب فترى القدماء كما يعملون بالخبر الذي رواته ممدوحون، يعملون بالخبر الذي رواته غير مجروحين، وإنما يردون المطعونين، فاستثنى ابن الوليد وابن بابويه من كتاب «نوادر الحكمة» عدة أشخاص، واستثنى المفيد من شرائع علي بن إبراهيم حديثاً واحداً في تحريم لحم البعير، وهذا يدل على أن الكتب التي لم يطعنوا في طرقها ولم يستثنوا منها شيئاً كان معتبراً عندهم، ورواتها مقبولو الرواية، إن لم يكونوا مطعونين من أئمة الرجال ولا قرينة، وإلا فتقبل)[513]( مع الطعن ثم ذكر عدة شواهد على ذلك فمن أراد فليلاحظ)[514](.
وعلى فرض صحة ما استنتج، فالحاجة إلى علم الرجال في معرفة الممدوحين والمهملين والمطعونين قائمة بحالها.
هذا هو الوجه الأول للزوم المراجعة إلى علم الرجال. وإليك الوجوه الباقية.
الثاني: الرجوع إلى صفات الراوي في الأخبار العلاجية:
إنَّ الأخبار العلاجية تأمر بالرجوع إلى صفات الراوي من الأعدلية والأفقهية، حتى يرتفع التعارض بين الخبرين بترجيح أحدهما على الآخر في ضوء هذه الصفات. ومن المعلوم أن إحراز هذه الصفات في الرواة لا يحصل إلا بالمراجعة إلى «علم الرجال»، قال الصادق (عليه السلام) في الجواب عن سؤال عمر بن حنظلة عن اختلاف القضاة في الحكم مع استناد اختلافهما إلى الاختلاف في الحديث: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»)[515](.
فإنَّ الحديث وإن كان وارداً في صفات القاضي، غير أنَّ القضاة في ذلك الوقت كانوا رواة أيضاً وبما أنَّ الاجتهاد كان في ذلك الزمن قليل المؤنة، بسيط الحقيقة، لم يكن هناك فرق بين الاستنباط ونقل الحديث إلاَّ قليلاً، ولأجل ذلك تعدى الفقهاء من صفات «القاضي» إلى صفات «الراوي».
أضف إلى ذلك أنَّ الروايات العلاجية غير منحصرة بمقبولة عمر بن حنظلة، بل هناك روايات أخر تأمر بترجيح أحد الخبرين على الآخر بصفات الراوي أيضاً، يقف عليها من راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج18، كتاب القضاء).
الثالث: وجود الوضاعين والمدلسين في الرواة:
إنَّ من راجع أحوال الرواة يقف على وجود الوضاعين والمدلسين والمتعمدين للكذب على الله ورسوله فيهم، ومع هذا كيف يصح للمجتهد الإفتاء بمجرد الوقوف على الخبر من دون التعرف قبل ذلك على الراوي وصفاته.
قال الصادق (عليه السلام): «إنَّ المغيرة بن سعيد، دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنَّة نبينا محمد»)[516](.
وقال أيضاً: «إنَّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذَّاب يكذب علينا فليسقط صدقنا بكذبة علينا عن الناس»)[517](.
وقال يونس بن عبد الرحمن: وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهم السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فأنكر منها أحاديث كثرة أن تكون من أصحاب أبي عبدالله قال: «إنَّ أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسُون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»)[518](.
إنَّ الاستدلال بهذه الروايات على فرض تواترها أو استفاضتها سهل، ولعل المراجع المتتبع يقف على مدى استفاضتها وتواترها.
ولكن الاستدلال بها يتم وإن لم تثبت بإحدى الصورتين أيضاً، بل يكفي كونها أخبار آحاد مرددة بين كونها صحيحة أو مكذوبة، فلو كانت صحيحة، لصارت حجة على المقصود وهو وجود روايات مفتعلة على لسان النبي الأعظم وآله الأكرمين، وإن كانت مكذوبة وباطلة، فيثبت المدعي أيضاً بنفس وجود تلك الروايات المصنوعة في الكتب الروائية.
وهذا القسم من الروايات مما تثبت بها المدعي على كل تقدير سواء أصحت أم لا تصح، وهذا من لطائف الاستدلال.
ولأجل هذا التخليط من المدلسين، أمر الأئمة (عليهم السلام) بعرض الأحاديث على الكتاب والسنَّة، وأنَّ كل حديث لا يوافق كتاب الله ولا سنَّة نبيه يضرب به عرض الجدار. وقد تواترت الروايات على الترجيح بموافقة الكتاب والسنَّة، يقف عليها القارىء إذا راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج18، كتاب القضاء).
ويوقفك على حقيقة الحال ما ذكره الشيخ الطوسي في كتاب «العدَّة» قال: «إنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، فوثقت الثقات منهم وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذموا المذموم وقالوا: فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم»)[519](.
وهذه العبارة تنص على وجود المدلسين والوضاعين والمخلطين بين رواة الشيعة، فكيف يمكن القول بحجية كل ما في الكتب الأربعة أو غيرها من دون تمييز بين الثقة وغيره.
وما ربما يقال من أنَّ أئمة الحديث، قد استخرجوا أحاديث الكتب الأربعة من الأصول والجوامع الأولية بعد تهذيبها عن هؤلاء الأشخاص، وإن كان صحيحاً في الجملة، ولكن قصارى جهدهم أنَّه حصلت للمشايخ الثلاث وحضرت عندهم قرائن تفيد الاطمئنان على صدور ما رووه في كتبهم الأربعة أو الثلاثة)[520]( عن الأئمة، ولكن من أين نعلم أنَّه لو حصلت عندنا تلك القرائن الحاصلة عندهم، لحصل لنا الاطمئنان أيضاً مثل ما حصل لهم.
أضف إلى ذلك أن ادعاء حصول الاطمئنان للمشايخ في مجموع ما رووه بعيد جداً، لأنهم رووا ما نقطع ببطلانه.
هذا مضافاً إلى أن ادعاء حصول الوثوق والاطمئنان للمشايخ بصدور عامة الروايات حتى المتعارضين أمر لا يقبله الذوق السليم.
الرابع: وجود العامي في أسانيد الروايات:
إنَّ من سبر روايات الكتب الأربعة وغيرها، يقف على وجود غير الشيعي في أسانيد الروايات، وكثير منهم قد وقعوا في ذيل السند، وكان الأئمة يفتون لهم بما هو معروف بين أئمتهم، وقد روى أئمة الحديث تلك الأسئلة والأجوبة، من دون أن يشيروا إلى كون الراوي غير شيعي يقتفي أثر أئمته وعندئذٍ فالرجوع إلى أحوال الرواة يوجب تمييز الخبر الصادق عن غيره.
الخامس: إجماع العلماء:
أجمع علماء الشيعة، بل فرق المسلمين جميعاً في الأعصار السابقة، على العناية بتأليف هذا العلم وتدوينه من عصر الأئمة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، ولولا دخالته في استنباط الحكم الإلهي، لما كان لهذه العناية وجه.
والحاصل أنَّ التزام الفقهاء والمجتهدين، بل المحدثين في عامة العصور، بنقل أسانيد الروايات، والبحث عن أوصاف الرواة من حيث العدالة والوثاقة، والدقة والضبط، يدل على أنَّ معرفة رجال الروايات من دعائم الاجتهاد.
حجة النافين للحاجة إلى علم الرجال
قد عرفت أدلة القائلين بوجود الحاجة إلى علم الرجال في استنباط الأحكام عن أدلتها. بقيت أدلة النافين، وإليك بيان المهم منها:
الأول: قطعية روايات الكتب الأربعة:
ذهبت الأخبارية إلى القول بقطعية روايات الكتب الأربعة وأنَّ أحاديثها مقطوعة الصدور عن المعصومين (عليهم السلام) وعلى ذلك فالبحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة وعدمها، لأجل طلب الاطمئنان بالصدور، والمفروض أنَّها مقطوعة الصدور.
ولكن هذا دعوى بلا دليل، إذ كيف يمكن ادعاء القطعية لأخبارها، مع أنَّ مؤلفيها لم يدعوا ذلك، وأقصى ما يمكن أن ينسب إليهم أنَّهم ادعوا صحة الأخبار المودعة فيها، وهي غير كونها متواترة أو قطعية، والمراد من الصحة اقترانها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الأئمة (عليهم السلام). وهل يكفي الحكم بالصحة في جواز العمل بأخبارها بلا تفحص أولاً، سنعقد فصلاً خاصاً للبحث في ذلك المجال، فتربص حتى حين.
أضف إلى ذلك أنَّ أدلة الأحكام الشرعية لا تختص بالكتب الأربعة، ولأجل ذلك لا مناص عن الاستفسار عن أحوال الرواة. وقد نقل في الوسائل عن سبعين كتاباً، أحاديث غير موجودة في الكتب الأربعة وقد وقف المتأخرون على أصول وكتب لم تصل إليه يد صاحب الوسائل أيضاً، فلأجل ذلك قام المحدث النوري بتأليف كتاب أسماه «مستدرك الوسائل» وفيه من الأحاديث ما لا غنى عنها للمستنبط.
الثاني: عمل المشهور جابر لضعف السند:
ذهب بعضهم إلى أنَّ كل خبر عمل به المشهور فهو حجة سواء كان الراوي ثقة أو لا، وكل خبر لم يعمل به المشهور ليس بحجة وإن كانت رواتها ثقات.
وفيه: أنَّ معرفة المشهور في كل المسائل أمر مشكل، لأنَّ بعض المسائل غير معنونة في كتبهم، وجملة أخرى منها لا شهرة فيها، وقسم منها يعد من الأشهر والمشهور، ولأجل ذلك لا مناص من القول بحجية قول الثقات وحده وإن لم يكن مشهوراً. نعم يجب أن يكون معرضاً عنه كما حقق في محله.
الثالث: لا طريق إلى إثبات العدالة:
إنَّ عدالة الراوي لا طريق إليها إلا بالرجوع إلى كتب أهل الرجال الذين أخذوا عدالة الراوي من كتب غيرهم، وغيرهم من غيرهم، ولا يثبت بذلك، التعديل المعتبر، لعدم العبرة بالقرطاس.
وفيه: أنَّ الاعتماد على الكتب الرجالية، لأجل ثبوت نسبتها إلى مؤلفيها، لقراءتهم على تلاميذهم وقراءة هؤلاء على غيرهم وهكذا، أو بقراءة التلاميذ عليهم أو بإجازة من المؤلف على نقل ما في الكتاب، وعلى ذلك يكون الكتاب مسموعاً على المستنبط أو ثابتة نسبته إلى المؤلف.
والحاصل؛ أنَّ الكتابة إذا ثبتت نسبتها إلى كاتبها عن طريق التواتر والاستفاضة، أو الاطمئنان العقلائي الذي يعدّ علماً عرفياً أو الحجّة الشرعية يصح الاعتماد عليها. ولأجل ذلك تقبل الأقارير المكتوبة والوصايا المرقومة بخطوط المقر والموصي أو بخط غيرهم، إذا دلت القرائن على صحتها، كما إذا ختمت بخاتم المقر والموصي أو غير ذلك من القرائن. ومن يرفض الكتابة فإنَّما يرفضها في المشكوك لا في المعلوم والمطمئن منها.
أضف إلى ذلك أن تشريع اعتبار العدالة في الراوي، يجب أن يكون على وجه يسهل تحصيلها، ولو كان متعسراً أو متعذراً، يكون الاعتبار لغواً والتشريع بلا فائدة.
وعلى هذا فلو كانت العدالة المعتبرة في رواة الأحاديث، ممكنة التحصيل بالطريق الميسور وهو قول الرجاليين فهو، وإلا فلو لم يكن قولهم حجة، يكون اعتبارها فيهم أمراً لغواً لتعسر تحصيلها بغير هذا الطريق.
وللعلاَّمة المامقاني جواب آخر وهو: أنَّ التزكية شهادة حتى يعتبر فيها ما يعتبر في ذلك، من الأصالة والشفاه وغيرها، وإلا لما جاز أخذ الأخبار من الأصول مع أنَّها مأخوذة من الأصول الأربعمائة، بل المقصود من الرجوع إلى علم الرجال هو التثبت وتحصيل الظن الاطمئناني الانتظامي الذي انتظم أمور معاشاً ومعاداً ويختلف في كل منهما باعتبار زيادة الاهتمام ونقصانه)[521](.
وهذا الجواب إنما يتم على مذهب من يجعل الرجوع إلى الكتب الرجالية من باب جمع القرائن والشواهد لتحصيل الاطمئنان على وثاقة الراوي أو صدور الحديث. وأما على مذهب من يعتبر قولهم حجة من باب الشهادة فلا.
فالحق في الجواب هو التفصيل بين المذهبين. فلو اعتبرنا الرجوع إليهم من باب الشهادة، فالجواب ما ذكرناه. ولو اعتبرناه من باب تحصيل القرائن والشواهد على صدق الراوي وصدور الرواية، فالجواب ما ذكره قدس سره ـ.
ثم إنَّ محل البحث في حجية قولهم، إنَّما هو إذا لم يحصل العلم من قولهم أو لم يتحقق الاطمئنان وإلا انحصر الوجه، في قبول قولهم من باب التعبد، وأما الصورتان الأوليان، فخارجتان عن محل البحث، لأنَّ الأول علم قطعي، والثاني علم عرفي وحجة قطعية وإن لم تكن حجيته ذاتية مثل العلم.
الرابع: الخلاف في معنى العدالة والفسق:
إنَّ الخلاف العظيم في معنى العدالة والفسق، يمنع من الأخذ بتعديل علماء الرجال بعد عدم معلومية مختار المعدل في معنى العدالة ومخالفته معنى في المبنى، فإنَّ مختار الشيخ في العدالة، أنَّها ظهور الإسلام، بل ظاهره دعوى كونه مشهوراً، فكيف يعتمد على تعديله، من يقول بكون العدالة هي الملكة.
وأجاب عنه العلاَّمة المامقاني (مضافاً إلى أنَّ مراجعة علماء الرجال إنَّما هو من باب التبين الحاصل على كل حال)، بقوله: إنَّ عدالة مثل الشيخ والتفاته إلى الخلاف في معنى العدالة، تقتضيان إرادته بالعدالة فيمن أثبت عدالته من الرواة، العدالة المتفق عليها، فإنَّ التأليف والتصنيف إذا كان لغيره خصوصاً للعمل به مدى الدهر… فلا يبنى على مذهب خاص إلا بالتنبيه عليه)[522](.
توضيحه؛ أنَّ المؤلف لو صرح بمذهبه في مجال الجرح والتعديل يؤخذ به، وإن ترك التصريح به، فالظاهر أنَّه يقتفي أثر المشهور في ذاك المجال وطرق ثبوتهما وغير ذلك مما يتعلق بهما، إذ لو كان له مذهب خاص وراء مذهب المشهور لوجب عليه أن ينبه به، حتى لا يكون غاراً، لأنَّ المفروض أنَّ ما قام به من العبء في هذا المضمار، أنَّه ألفه لاستفادة العموم ومراجعتهم عند الاستنباط، فلا بدَّ أن يكون متفق الاصطلاح مع المشهور، وإلاَّ لوجب التصريح بالخلاف.
يقول المحقق القمي في هذا الصدد: «والظاهر أنَّ المصنَّف لمثل هذه الكتب لا يريد اختصاص مجتهدي زمانه به، حتى يقال إنَّه صنَّفه للعارفين بطريقته، سيَّما وطريقة أهل العصر من العلماء عدم الرجوع إلى كتب معاصريهم من جهة الاستناد غالباً، وإنَّما تنفع المصنَّفات بعد موت مصنفيها غالباً إذا تباعد الزمان. فعمدة مقاصدهم في تأليف هذه الكتب بقاؤها أبد الدهر وانتفاع من سيجيء بعدهم منهم، فإذا لوحظ هذا المعنى منضماً إلى عدالة المصنفين وورعهم (وتقويهم) وفطانتهم وحذاقتهم، يظهر أنَّهم أرادوا بما ذكروا من العدالة المعنى الذي هو مسلَّم الكل حتى ينتفع الكل. واحتمال الغفلة للمؤلف عن هذا المعنى حين التأليف سيما مع تمادي زمان التأليف والانتفاع به في حياته في غاية البعد»)[523](.
وهناك قرينة أخرى على أنَّهم لا يريدون من الثقة، مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق، وإلاَّ يلزم توثيق أكثر المسلمين، ولا مجرد حسن الظاهر، لعدم حصول الوثوق به ما لم يحرز الملكة الرادعة.
قال العلاَّمة المامقاني: «إنَّ هناك قرائن على أنَّهم أرادوا بالعدالة معنى الملكة وهو أنَّا وجدنا علماء الرجال قد ذكروا في جملة من الرواة ما يزيد على ظهور الإسلام وعدم ظهور الفسق، بل على حسن الظاهر بمراتب ومع ذلك لم يصرحوا فيهم بالتعديل والتوثيق، ألا ترى أنَّهم ذكروا في إبراهيم بن هاشم، أنَّه أول من نشر أحاديث الكوفيين بقم، وهذا يدل على ما هو أقوى من حسن الظاهر بمراتب، لأنَّ أهل قم كان من شأنهم عدم الوثوق بمن يروي عن الضعفاء، بل كانوا يخرجونه من بلدهم، فكيف بمن كان هو في نفسه فاسقاً أو على غير الطريقة الحقة. فتحقق نشر الأخبار بينهم يدل على كمال جلالته ومع ذلك لم يصرح فيه أحد بالتوثيق والتعديل»)[524](.
الخامس: تفضيح الناس في هذا العلم:
إنَّ علم الرجال علم منكر يجب التحرز عنه، لأنَّ فيه تفضيحاً للناس، وقد نهينا عن التجسس عن معايبهم وأمرنا بالغض والتستر.
وفيه أولاً: النقض بباب المرافعات. حيث إنَّ للمنكر جرح شاهد المدعي وتكذيبه، وبالأمر بذكر المعايب في مورد الاستشارة، إلى غير ذلك مما يجوز فيه الاغتياب.
وثانياً: إنَّ الأحكام الإلهية أولى بالتحفظ من الحقوق التي أشير إليها.
أضف إلى ذلك أنَّه لو كان التفحص عن الرواة أمراً مرغوباً عنه، فلماذا أمر الله سبحانه بالتثبت والتبين عند سماع الخبر، إذ قال سبحانه: {إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} [الحجرات: 6].
والأمر به وإن جاء في مورد الفاسق، لكنه يعم المجهول للتعليل الوارد في ذيل الآية {أَن تُصِيبُواْ قَوْمَاً بَجَهَالَةِ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُم نَادِمِينَ} فإنَّ احتمال إصابة القوم بجهالة لا يختص بمن علم فسقه، بل يعم محتمله كما لا يخفى.
السادس: قول الرجالي وشرائط الشهادة:
لو قلنا باعتبار قول الرجالي من باب الشهادة، يجب أن يجتمع فيه شرائطها التي منها الاعتماد على الحس دون الحدس. وهو شرط اتفق عليه العلماء، ومن المعلوم عدم تحقق هذا الشرط، لعدم تعاصر المعدل (بالكسر) والمعدل (بالفتح) غالباً.
والجواب أنَّه يشترط في الشهادة، أن يكون المشهود به أمراً حسيّاً أو يكون مبادئه قريبة من الحس وإن لم يكن بنفسه حسيّاً، وذلك مثل العدالة والشجاعة فإنَّهما من الأمر وغير الحسيّة، لكن مبادئها حسيّة من قبيل الالتزام بالفرائض والنوافل، والاجتناب عن اقتراف الكبائر في العدالة، وقرع الأبطال في ميادين الحرب، والإقدام بالأمور الخطيرة بلا تريث واكتراث في الشجاعة.
وعلى ذلك فكما يمكن إحراز عدالة المعاصر بالمعاشرة، أو بقيام القرائن والشواهد على عدالته، أو شهرته وشياعه بين الناس، على نحو يفيد الاطمئنان، فكذلك يمكن إحراز عدالة الراوي غير المعاصر من الاشتهار والشياع والأمارات والقرائن المنقولة متواترة عصراً بعد عصر المفيدة للقطع واليقين أو الاطمئنان.
ولا شك أنَّ الكشي والنجاشي والشيخ، بما أنَّهم كانوا يمارسون المحدثين والعلماء ـ بطبع الحال ـ كانوا واقفين على أحوال الرواة وخصوصياتهم ومكانتهم من حيث الوثاقة والضبط، فلأجل تلك القرائن الواصلة إليهم من مشايخهم وأكابر عصرهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، شهدوا بوثاقة هؤلاء.
وهناك جواب آخر؛ وهو أنَّ من المحتمل قوياً أن تكون شهاداتهم في حق الرواة، مستندة إلى السماع من شيوخهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، وكانت الطبقة النهائية معاشرة معهم ومخالطة إياهم.
وعلى ذلك، لم يكن التعديل أو الجرح أمراً ارتجالياً، بل كان مستنداً، إما إلى القرائن المتواترة والشواهد القطعية المفيدة للعلم بعدالة الراوي أو ضعفه، أو إلى السماع من شيخ إلى شيخ آخر.
وهناك وجه ثالث؛ وهو رجوعهم إلى الكتب المؤلفة في العصور المتقدمة عليهم، التي كان أصحابها معاصرين مع الرواة ومعاشرين معهم، فإنَّ قسماً مهماً، من مضامين الأصول الخمسة الرجالية، وليدة تلك الكتب المؤلفة في العصور المتقدمة.
فتبين أنَّ الأعلام المتقدمين كانوا يعتمدون في تصريحاتهم على وثاقة الرجل، على الحس دون الحدس وذلك بوجوه ثلاثة:
1 ـ الرجوع إلى الكتب التي كانت بأيديهم من علم الرجال التي ثبتت نسبتها إلى مؤلفيها بالطرق الصحيحة.
2 ـ السماع من كابر عن كابر ومن ثقة عن ثقة.
3 ـ الاعتماد على الاستفاضة والاشتهار بين الأصحاب وهذا من أحسن الطرق وأمتنها، نظير علمنا بعدالة صاحب الحدائق وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وغيرهم من المشايخ عن طريق الاستفاضة والاشتهار في كل جيل وعصر، إلى أن يصل إلى زمان حياتهم وحينئذٍ نذعن بوثاقتهم وإن لم تصل إلينا بسند خاص.
ويدل على ذلك (أي استنادهم إلى الحس في التوثيق) ما نقلناه سالفاً عن الشيخ، من أنّا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة، فوثقت الثقات وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره ـ إلى آخر ما ذكره)[525](.
ولأجل أن يقف القارىء على أنَّ أكثر ما في الأصول الخمسة الرجالية ـ جميعها ـ مستندة إلى شهادة من قبلهم من الإثبات في كتبهم في حق الرواة، نذكر في المقام أسامي ثلة من القدماء، قد ألفوا في هذا المضمار، ليقف القارىء على نماذج من الكتب الرجالية المؤلفة قبل الأصول الخمسة أو معها ولنكتف بالقليل عن الكثير.
1 ـ الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (المتوفى 381) ترجمة النجاشي (الرقم 1048) وعدّ من تصانيفه كتاب «المصابيح» في من روى عن النبي والأئمة (عليهم السلام) وله أيضاً كتاب «المشيخة» ذكر فيه مشايخه في الرجال وهم يزيدون عن مائتي شيخ، طبع في آخر «من لا يحضره الفقيه»)[526](.
2 ـ الشيخ أبو عبدالله أحمد بن عبدالواحد البزاز المعروف بـ «ابن عبدون» (بضم العين المهملة وسكون الباء الموحدة)، كما في رجال النجاشي (الرقم 211) وبـ («ابن الحاشر» كما في رجال الشيخ)[527](، والمتوفى سنة 423 وهو من مشايخ الشيخ الطوسي والنجاشي وله كتاب «الفهرس». أشار إليه الشيخ الطوسي في الفهرس في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي)[528](.
3 ـ الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بـ «ابن عقدة» (ـ بضم العين المهملة وسكون القاف ـ المولود سنة 249 والمتوفي سنة 333) له كتاب «الرجال» وهو كتاب جمع فيه أسامي من روى عن جعفر بن محمد (عليه السلام) وله كتاب آخر في هذا المضمار وجمع فيه أسماء الرواة عمن تقدم على الإمام الصادق من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) )[529](.
4 ـ أحمد بن علي العلوي العقيقي (المتوفى عام 280) له كتاب «تاريخ الرجال» وهو يروي عن أبيه، عن إبراهيم بن هاشم القمي)[530](.
5 ـ أحمد بن محمد الجوهري البغدادي، ترجمه النجاشي (الرقم 207) والشيخ الطوسي)[531]( وتوفي سنة 401، ومن تصانيفه «الاشتمال في معرفة الرجال».
6 ـ الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن نوح، ساكن البصرة له كتاب «الرجال الذين رووا عن أبي عبدالله (عليه السلام)» )[532](.
7 ـ أحمد بن محمد القمي (المتوفي سنة 350) ترجمه النجاشي (الرقم 223). له كتاب «الطبقات».
8 ـ أحمد بن محمد الكوفي، ترجمه النجاشي (الرقم 236) وعدّ من كتبه كتاب الممدوحين والمذمومين»)[533](.
9 ـ الحسن بن محبوب السراد (بفتح السين المهملة وتشديد الراء) أو الزراد (المولود عام 149، والمتوفي عام 224) روى عن ستين رجلاً من أصحاب الصادق (عليه السلام) وله كتاب «المشيخة» وكتاب «معرفة رواة الأخبار»)[534](.
10 ـ الفضل بن شاذان، الذي يعدُّ من أئمة علم الرجال وقد توفي بعد سنة 254، وقيل 260، وكان من أصحاب الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وتوفي في أيام العسكري (عليه السلام) )[535]( ينقل عنه العلاَّمة في الخلاصة في القسم الثاني في ترجمة «محمد بن سنان» ـ بعد قوله: والوجه عندي التوقف فيما يرويه ـ «فإنَّ الفضل بن شاذان ـ رحمهما الله ـ قال في بعض كتبه: إنَّ من الكذابين المشهورين ابن سنان»)[536](.
إلى غير ذلك من التآليف للقدماء في علم الرجال وقد جمع أسماءها وما يرجع إليها من الخصوصيات، المتتبع الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب أسماه «مصفى المقال في مصنفي علم الرجال»)[537](.
والحاصل، أنَّ التتبع في أحوال العلماء المتقدمين، يشرف الإنسان على الإذعان واليقين بأنَّ التوثيقات والتضعيفات الواردة في كتب الأعلام الخمسة وغيرها، يستند إما إلى الوجدان في الكتاب الثابت نسبته إلى مؤلفه أو إلى النقل والسماع، أو إلى الاستفاضة والاشتهار، أو إلى طريق يقرب منها.
السابع: التوثيق الإجمالي:
إنَّ الغاية المتوخاة من علم الرجال، هو تمييز الثقة عن غيره، فلو كان هذا هو الغاية منه، فقد قام مؤلفوا الكتب الأربعة بهذا العمل، فوثقوا رجال أحاديثهم وإسناد رواياتهم على وجه الإجمال دون التفصيل، فلو كان التوثيق التفصيلي من نظراء النجاشي والشيخ وأضرابهما حجة، فالتوثيق الإجمالي من الكليني والصدوق والشيخ أيضاً حجة، فهؤلاء الأقطاب الثلاثة، صححوا رجال أحاديث كتبهم وصرحوا في ديباجتها بصحة رواياتها.
قول المحقق الكاشاني في المقدمة الثانية من مقدمات كتابه الوافي في هذا الصدد، ما هذا خلاصته)[538](: «إنَّ أرباب الكتب الأربعة قد شهدوا على صحة الروايات الواردة فيها. قال الكليني في أول كتابه في جواب من التمس منه التصنيف: «وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين، والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدي فرض الله وسنَّة نبيه… إلى أن قال ـ قدس الله روحه ـ: وقد يسر الله له الحمد تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت». وقال الصدوق في ديباجة «الفقيه»: إني لم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنَّه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره ـ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع». وذكر الشيخ في «العدّة» أنَّ جميع ما أورده في كتابيه (التهذيب والاستبصار)، إنَّما أخذه من الأصول المعتمد عليها.
والجواب: أنَّ هذه التصريحات أجنبية عما نحن بصدده، أعني وثاقة رواة الكتب الأربعة.
أمَّا أولاً: فلأن المشايخ شهدوا بصحة روايات كتبهم، لا بوثاقة رجال رواياتهم، وبين الأمرين بون بعيد، وتصحيح الروايات كما يمكن أن يكون مستنداً إلى إحراز وثاقة رواتها، يمكن أن يكون مستنداً إلى القرائن المنفصلة التي صرح بها المحقق البهائي في «مشرق الشمسين» والفيض الكاشاني في «الوافي» ومع هذا كيف يمكن القول بأنَّ المشايخ شهدوا بوثاقة رواة أحاديث كتبهم؟ والظاهر كما هو صريح كلام العلمين، أنَّهم استندوا في التصحيح على القرائن لا على وثاقة الرواة، ويدل على ذلك ما ذكره الفيض حول هذه الكلمات، قال ـ قدس سره ـ بعد بيان اصطلاح المتأخرين في تنويع الحديث المعتبر: «وسلك هذا المسلك العلاَّمة الحلي ـ رحمه الله ـ وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ـ قدس الله أرواحهم ـ كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه، واقترن بما يوجب الوثوق به، والركون إليه (1) كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة ـ سلام الله عليهم ـ. (2) وكتكرره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة ـ وأسانيد عديدة معتبرة ـ. (3) وكوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم، كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار. (4) أو على تصحيح ما يصح عنهم، كصفوان بن يحيى، ويونس بن عبدالرحمن، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي. (5) أو العمل بروايتهم، كعمار الساباطي ونظرائه. (6) وكاندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فأثنوا على مؤلفيها، ككتاب عبيدالله الحلبي الذي عرض على الصادق (عليه السلام) وكتابي يونس بن عبدالرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري (عليه السلام). (7) وكأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء كان مؤلفوها من الإمامية، ككتاب الصلاة الحريز بن عبدالله السجستاني وكتب ابني سعيد، وعلي بن مهزيار أو من غير الشيعة، ككتاب حفص بن غياث القاضي، والحسين بن عبيدالله السعدي، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري… إلى أن قال: فحكموا بصحة حديث بعض الرواة من غير الإمامية كعلي بن محمد بن رباح وغيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم… إلى أن قال: فإن كانوا لا يعتمدون على شهادتهم بصحة كتبهم فلا يعتمدوا على شهادتهم وشهادة أمثالهم من الجرح والتعديل إلى أن قال: نعم، إذا تعارض الخبران المعتمد عليهما على طريقة القدماء فاحتجنا إلى الترجيح بينهما، فعلينا أن نرجع إلى حال رواتهما في الجرح والتعديل المنقولين عن المشايخ فيهم ونبني الحكم على ذلك كما أشير إليه في الأخبار الواردة في التراجيح بقولهم (عليهم السلام): «فالحكم ما حكم به أعدلهما وأورعهما وأصدقهما في الحديث» وهو أحد وجوه التراجيح المنصوص عليها، وهذا هو عمدة الأسباب الباعثة لنا على ذكر الأسانيد في هذا الكتاب»)[539](.
وثانياً: سلَّمنا أنَّ منشأ حكمهم بصحتها هو الحكم بوثاقة رواتها، لكن من أين نعلم أنَّهم استندوا في توثيقهم إلى الحس، إذ من البعيد أن يستندوا في توثيق هذا العدد الهائل من الرواة الواردة في هذه الكتب إلى الحس، بل من المحتمل قوياً، أنَّهم استندوا إلى القرائن التي يستنبط وثاقتهم منها، ومثله يكون حجة للمستنبط ولمن يكون مثله في حصول القرائن.
وثالثاً: نفترض كونهم مستندين في توثيق الرواة إلى الحس، ولكن الأخذ بقولهم إنَّما يصح لو لم تظهر كثرة أخطائهم، فإنَّ كثرتها تسقط قول المخبر عن الحجية في الإخبار عن حس أيضاً، فكيف في الإخبار عن حدس. مثلاً إنَّ كثيراً من رواة الكافي ضعفهم النجاشي والشيخ، فمع هذه المعارضة الكثيرة تسقط قوله عن الحجية. نعم، إن كانت قليلة لكان لاعتبار قوله وجه. وإنَّ الشيخ قد ضعف كثيراً من رجال «التهذيب والاستبصار» في رجاله وفهرسه، فكيف يمكن أن يعتمد على ذلك التصحيح.
فظهر أنَّه لا مناص عن القول بالحاجة إلى علم الرجال وملاحظة إسناد الروايات، وأنَّ مثل هذه الشهادات لا تقوم مكان توثيق رواة تلك الكتب.
الثامن: شهادة المشايخ الثلاثة:
إذا شهد المشايخ الثلاثة على صحة روايات كتبهم، وأنَّها صادرة عن الأئمة بالقرائن التي أشار إليها المحقق الفيض، فهل يمكن الاعتماد في هذا المورد على خبر العدل أو لا؟
الجواب: أنَّ خبر العدل وشهادته إنَّما يكون حجة إذا أخبر عن الشيء عن حس لا عن حدس، والإخبار عنه بالحدس لا يكون حجة إلا على نفس المخبر، ولا يعدو غيره إلاَّ في موارد نادرة، كالمفتى بالنسبة إلى المستفتى. وأخبار هؤلاء عن الصدور إخبار عن حدس لا عن حس.
توضيح ذلك أنَّ احتمال الخلاف والوهم في كلام العادل ينشأ من أحد أمرين:
الأول: التعمد في الكذب وهو مرتفع بعدالته.
الثاني: احتمال الخطأ والاشتباه وهو مرتفع بالأصل العقلاني المسلَّم بينهم من أصالة عدم الخطأ والاشتباه، لكن ذاك الأصل عند العقلاء مختص بما إذا أخبر بالشيء عن حس، كما إذا أبصر وسمع، لا ما إذا أخبر عنه عن حدس، واحتمال الخطأ في الإبصار والسمع مرتفع بالأصل المسلَّم بين العقلاء، وأما احتمال الخطأ في الحدس والانتقال من المقدمة إلى النتيجة، فليس هنا أصل يرفعه، ولأجل ذلك لا يكون قول المحدس حجة إلا لنفسه.
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ المشايخ لم يروا بأعينهم ولم يسمعوا بآذانهم صدور روايات كتبهم، وتنطق أئمتهم بها، وإنَّما انتقلوا إليه عن قرائن وشواهد جرتهم إلى الاطمئنان بالصدور، وهو إخبار عن الشيء بالحدس، ولا يجري في مثله أصالة عدم الخطأ ولا يكون حجة في حق الغير.
وإن شئت قلت: ليس الانتقال من تلك القرائن إلى صحة الروايات وصدورها أمراً يشترك فيه الجميع أو الأغلب من الناس، بل هو أمر تختلف فيه الأنظار بكثير، فرب إنسان تورثه تلك القرائن اطمئناناً في مقابل إنسان آخر، لا تفيده إلا الظن الضعيف بالصحة والصدور، فإذن كيف يمكن حصول الاطمئنان لأغلب الناس بصدور جميع روايات الكتب الأربعة التي يناهز عددها ثلاثين ألف حديث؟ وليس الإخبار عن صحتها كالإخبار عن عدالة إنسان أو شجاعته، فإنَّ لهما مبادىء خاصة معلومة، يشترك في الانتقال عنها إلى ذينك الوصفين أغلب الناس أو جميعهم، فيكون قول المخبر عنهما حجة وإن كان الإخبار عن حدس، لأنه ينتهي إلى مبادىء محسوسة، وهي ملموسة لكل من أراد أن يتفحص عن أحوال الإنسان. ولا يلحق به الإخبار عن صحة تلك الروايات، مستنداً إلى تلك القرائن التي يختلف الناس في الانتقال عنها إلى الصحة إلى حد ربما لا تفيد لبعض الناس إلا الظن الضعيف. وليس كل القرائن من قبيل وجود الحديث في كتاب عرض على الإمام ونظيره، حتى يقال إنَّها من القرائن الحسية، بل أكثرها قرائن حدسية.
فإن قلت: فلو كان إخبارهم عن صحة كتبهم حجة لأنفسهم دون غيرهم، فما هو الوجه في ذكر هذه الشهادات في ديباجتها؟
قلت: إنَّ الفائدة لا تنحصر في العمل بها، بل يكفي فيها كون الإخبار باعثاً وحافزاً إلى تحريك الغير لتحصيل القرائن والشواهد، لعله يقف أيضاً على مثل ما وقف عليه المؤلف وهو جزء علَّة لتحصيل الركون لاتمامها.
ويشهد بذلك أنَّهم مع ذاك التصديق، نقلوا الروايات بإسنادها حتى يتدبر الآخرون في ما ينقلونه ويعملوا بما صح لديهم، ولو كانت شهادتهم على الصحة حجة على الكل، لما كان وجه لتحمل ذاك العبء الثقيل؛ أعني نقل الروايات بإسنادها. كل ذلك يعرب عن أنَّ المرمى الوحيد في نقل تلك التصحيحات، هو إقناع أنفسهم وإلفات الغير إليها حتى يقوم بنفس ما قام به المؤلفون ولعله يحصل ما حصلوه.
المصادر الأولية لعلم الرجال
اهتم علماء الشيعة من عصر التابعين إلى يومنا هذا بعلم الرجال، فألَّفوا معاجم تتكفل لبيان أحوال الرواة وبيان وثاقتهم أو ضعفهم، وأول تأليف ظهر لهم في أوائل النصف الثاني من القرن الأول هو كتاب «عبيدالله بن أبي رافع» كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث دوَّن أسماء الصحابة الذين شايعوا عليّاً وحضروا حروبه وقاتلوا معه في البصرة وصفين والنهروان، وهو مع ذلك كتاب تاريخ ووقائع.
وألَّف عبدالله بن جبلة الكناني (المتوفى عام 219) وابن فضال وابن محبوب وغيرهم في القرن الثاني إلى أوائل القرن الثالث، كتباً في هذا المضمار، واستمر تدوين الرجال إلى أواخر القرن الرابع.
ومن المأسوف عليه، أنَّه لم تصل هذه الكتب إلينا، وإنَّما الموجود عندنا ـ وهو الذي يعد اليوم أصول الكتب الرجالية)[540]( ـ ما دوّن في القرنين الرابع والخامس، وإليك بيان تلك الكتب والأصول التي عليها مدار علم الرجال، وإليك أسماؤها وأسماء مؤلفيها وبيان خصوصيات مؤلفاتهم.
1 ـ رجال الكشي
هو تأليف محمد بن عمر بن عبدالعزيز المعروف بالكشي، والكش ـ بالفتح والتشديد ـ بلد معروف على مراحل من سمرقند، خرج منه كثير من مشايخنا وعلمائنا، غير أنَّ النجاشي ضبطه بضم الكاف، ولكن الفاضل المهندس البرجندي ضبطه في كتابه المعروف «مساحة الأرض والبلدان والأقاليم» بفتح الكاف وتشديد الشين، وقال: «بلد من بلاد ما وراء النهر وهو ثلاث فراسخ في ثلاثة فراسخ».
وعلى كل تقدير؛ فالكشي من عيون الثقات والعلماء والأثبات. قال النجاشي: «محمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي أبو عمرو، كان ثقة عيناً وروى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره الذي كان مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب الرجال، كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»)[541](.
وقال الشيخ في الفهرس: «ثقة بصير بالأخبار والرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال»)[542](.
وقال في رجاله: «ثقة بصير بالرجال والأخبار، مستقيم المذهب»)[543](.
وأما أستاذه العياشي أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي فهو ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة… قال لنا أبو جعفر الزاهد: أنفق أبو النضر على العلم والحديث تركة أبيه وسائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارىء أو معلق، مملوءة من الناس)[544]( وله كتب تتجاوز على مائتين.
وقد أسمى الكشي كتابه بـ «معرفة الرجال» كما يظهر من الشيخ في ترجمة أحمد بن داود بن سعيد الفزاري)[545](.
وربما يقال بأنَّه أسماه بـ «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» أو «معرفة الناقلين» فقط، وقد كان هذا الكتاب موجوداً عند السيد ابن طاووس، لأنَّه تصدى بترتيب هذا الكتاب وتبويبه وضمه إلى كتب أخرى من الكتب الرجالية وأسماه بـ«حل الإشكال في معرفة الرجال» وكان موجوداً عند الشهيد الثاني، ولكن الموجود من كتاب الكشي في هذه الأعصار، هو الذي اختصره الشيخ مسقطاً منه الزوائد، وأسماه بـ«اختيار الرجال»، وقد عدَّه الشيخ من جملة كتبه، وعلى كل تقدير فهذا الكتاب طبع في الهند وغيره، وطبع في النجف الأشرف وقد فهرس الناشر أسماء الرواة على ترتيب حروف المعجم، وقام أخيراً المتتبع المحقق الشيخ حسن المصطفوي بتحقيقه تحقيقاً رائعاً وفهرس له فهارس قيمة.
كيفية تهذيب رجال الكشي
قال القهبائي: «إنَّ الأصل كان في رجال العامة والخاصة فاختار منه الشيخ، الخاصة»)[546](.
والظاهر عدم تماميته، لأنه ذكر فيه جمعاً من العامة رووا عن أئمتنا كمحمد بن إسحاق، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن خالد، وعمرو بن جميع، وعمرو بن قيس، وحفص بن غياث، والحسين بن علوان، وعبدالملك بن جريج، وقيس بن الربيع، ومسعدة بن صدقة، وعباد بن صهيب، وأبي المقدام، وكثير النوا، ويوسف بن الحرث، وعبدالله البرقي)[547](.
والظاهر أنَّ تنقيحه كان بصورة تجريده عن الهفوات والاشتباهات التي يظهر من النجاشي وجودها فيه.
إن الخصوصية التي تميز هذا الكتاب عن سائر ما ألف في هذا المضمار عبارة عن التركيز على نقل الروايات المربوطة بالرواة التي يقدر القارىء بالإمعان فيها على تمييز الثقة عن الضعيف وقد ألَّفه على نهج الطبقات مبتدءاً بأصحاب الرسول والوصي إلى أن يصل إلى أصحاب الهادي العسكري (عليه السلام) ثم إلى الذين يلونهم وهو بين الشيعة كطبقات ابن سعد بن السنَّة.
2 ـ فهرس النجاشي
هو تأليف الثبت البصير الشيخ أبي العباس)[548]( أحمد بن علي بن أحمد بن العباس، الشهير بالنجاشي، وقد ترجم نفسه في نفس الكتاب وقال: «أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن النجاشي، الذي ولي الأهواز وكتب إلى أبي عبدالله (عليه السلام) يسأله وكتب إليه رسالة عبدالله بن النجاشي المعروفة)[549]( ولم ير لأبي عبدالله (عليه السلام) مصنَّف غيره.
مصنف هذا الكتاب له كتاب «الجمعة وما ورد فيه من الأعمال»، وكتاب «الكوفة وما فيها من الآثار والفضائل»، وكتاب «أنساب بني نصر بن قعين وأيامهم وأشعارهم»، وكتاب «مختصر الأنوار» و«مواضع النجوم التي سمتها العرب»)[550](.
وقد ذكر في ديباجة الكتاب، الحوافز التي دعته إلى تأليف فهرسه وقال: «فإني وقفت على ما ذكره السيد الشريف ـ أطال الله بقاه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا أنَّه لا سلف لكم ولا مصنف، وهذا قول من لا علم له بالناس. ولا وقف على أخبارهم، ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار العلم، ولا لقي أحداً فيعرف منه ولا حجة علينا لم لا يعلم ولا عرف، وقد جمعت من ذلك ما استطعته ولم أبلغ غايته، لعدم أكثر الكتب، وإنما ذكرت ذلك عذراً إلى من وقع إليه كتاب لم أذكره… إلى أن قال: على أنَّ لأصحابنا ـ رحمهم الله ـ في بعض هذا الفن كتباً ليست مستغرقة لجميع ما رسم، وأرجو أن يأتي في ذلك على ما رسم وحد إن شاء الله، وذكرت لكل رجل طريقاً واحداً حتى لا يكثر الطرق فيخرج عن الغرض»)[551](.
أقول: الرجل نقاد هذا الفن ومن أجلائه وأعيانه، وحاز قصب السبق في ميدانه، قال العلاَّمة في الخلاصة: «ثقة معتمد عليه، له كتاب الرجال نقلنا منه في كتابنا هذا وغيره أشياء كثيرة، وتوفي بمطير آباد في جمادي الأولى سنة خمسين وأربعمائة وكان مولده في صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة»)[552](.
وقد اعتمد عليه المحقق في كتاب المعتبر. فقد قال في غسالة ماء الحمام: «وابن جمهور ضعيف جداً، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال»)[553](.
وأطراه كل من تعرض له، فهو أبو عذر هذا الأمر وسابق حلبته كما لا يخفى، ولكتابه هذا امتيازات نشير إليها:
الأول: اختصاصه برجال الشيعة كما ذكره في مقدمته، ولا يذكر من غير الشيعي إلا إذا كان عامياً روى عنّا، أو صنَّف لنا فيذكره مع التنبيه عليه، كالمدائني، والطبري، وكذا في شيعي غير إمامي فيصرح كثيراً وقد يسكت.
الثاني: تعرضه لجرح الرواة وتعديلهم غالباً استقلالاً أو استطراداً، ورب رجل وثقة في ضمن ترجمة الغير، وربما أعرض عن التعرض بشيء من الوثاقة والضعف في حق بعض من ترجمهم.
نعم، ربَّما يقال: كل من أهمل فيه القول فذلك آية أنَّ الرجل عنده سالم عن كل مغمز ومطعن، ولكنه غير ثابت، حيث إنَّ كتابه ليس إلا مجرد فهرس لمن صنف من الشيعة أو صنف لهم دون الممدوحين والمذمومين، وليس يجب على مؤلف حول الرجال، أن يتعرض للمدح والذم، فسكوته ليس دليلاً على المدح ولا على كونه شيعياً إمامياً، وإن كان الكتاب موضوعاً لبيان الشيعي أو من صنف لهم، لكن الأخير (عدم دلالته على كونه شيعياً إمامياً) موضع تأمل، لتصريحه بأنَّ الكتاب لبيان تآليف الأصحاب ومصنَّفاتهم، فما دام لم يصرح بالخلاف يكون الأصل كونه إمامياً.
الثالث: تثبته في مقالاته وتأمله في إفاداته، والمعروف أنَّه أثبت علماء الرجال وأضبطهم وأضبط من الشيخ والعلاَّمة، لأنَّ البناء على كثرة التأليف يقتضي قلَّة التأمل. وهذا الكلام وإن كان غير خال عن التأمل لكنه جار على الغالب.
الرابع: سعة معرفته بهذا الفن، وكثرة اطلاعه بالأشخاص، وما يتعلق بهم من الأوصاف والأنساب وما يجري مجراهما، ومن تتبَّع كلامه عند ذكر الأشخاص يقف على نهاية معرفته بأحوال الرجال وشدَّة إحاطته بما يتعلق بهذا المجال من جهة معاصرته ومعاشرته لغير واحد منهم، كما يشهد استطرافه ذكر أمور لا يطلع عليها إلاَّ المصاحب ولا يعرفها عدا المراقب الواجد)[554](.
وقد حصل له ذاك الاطلاع الواسع بصحبته كثيراً من العارفين بالرجال كالشيخ أحمد بن الحسين الغضائري، والشيخ أحمد بن علي بن عباس بن نوح السيرافي)[555](، وأحمد بن محمد «ابن الجندي»)[556](، وأبي الفرج محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرَّة الكاتب)[557]( وغيره من نقَّاد هذا الفن وأجلائه)[558](.
الخامس: أنَّه ألَّف فهرسه بعد فهرس الشيخ الطوسي بشهادة أنَّه ترجمه وذكر فيه فهرس الشيخ)[559]( والسابر في فهرس النجاشي يقف على أنه كان ناظراً لفهرس معاصره ولعل بعض ما جاء فيه مخالفاً لما في فهرس الشيخ كان لغاية التصحيح وكان المحقق البروجردي يعتقد بأنَّ فهرس النجاشي كالذيل لفهرس الشيخ.
وأخيراً يقول: إنَّ المعروف في وفاته هو أنَّه توفي عام 450، ونص عليه العلاَّمة في خلاصته، لكن القارىء يجد في طيَّات الكتاب أنَّه أرخ فيه وفاة محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري عام 463)[560](. ولازم ذلك أن يكون حيّاً إلى هذه السنة، ومن المحتمل أن يكون الزيادة من النساخ أو القراء، وكانت الزيادة في الحاشية، ثم أدخلها المتأخرون من النساخ في المتن زاعمين أنه منه كما اتقف ذلك في غير مورد.
ثم إنَّ الشيخ النجاشي قد ترجم عدَّة من الرواة ووثقهم في غير تراجمهم، كما أنَّه لم يترجم عدَّة من الرواة مستقلاً، ولكن وثقهم نفي تراجم غيرهم، ولأجل إكمال البحث عقدنا العنوانين التاليين لئلاّ يفوت القارىء فهرس الموثوقين في تراجم غيرهم.
الأول: من لهم تراجم ولكن وثقوا في تراجم غيرهم.
1 ـ أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك (الرقم 313).
2 ـ سلمة بن محمد بن عبدالله الخزاعي، وثقه في ترجمة أخيه منصور بن محمد (الرقم 1099).
3 ـ شهاب بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبدالخالق (الرقم 50).
4 ـ صالح بن خالد المحاملي الكناسي، وثقه في باب الكنى في ترجمة أبي شعيب المحاملي (الرقم 1240).
5 ـ عمرو بن منهال بن مقلاص القيسي، وثقه في ترجمة ابنه حسن بن عمرو بن منهال (الرقم 133).
6 ـ محمد بن عطية الحناط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن بن عطية الحنّاط (الرقم 93).
7 ـ محمد بن همام بن سهيل الإسكافي، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك الفزاري (الرقم 313).
الثاني: من ليس لهم ترجمة ولكن وثقوا في تراجم الغير.
1 ـ أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابنه الحسن (الرقم 151).
2 ـ أسد بن أعفر المصري، وثقه في ترجمة ابنه داود (الرقم 414).
3 ـ إسماعيل بن أبي السمال الأسدي، وثقه في ترجمة أخيه إبراهيم (الرقم 30).
4 ـ إسماعيل بن الفضل بن يعقوب النوفلي، وثقه في ترجمة ابن أخيه الحسين بن محمد بن الفضل (الرقم (13)).
5 ـ جعفر بن إبراهيم الطالبي الجعفري، وثقه في ترجمة ابنه سليمان (الرقم 883).
6 ـ حسن بن أبي سارة الرواسي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 882).
7 ـ حسن بن شجرة بن ميمون الكندي، وثقه في ترجمة أخيه علي (الرقم 720).
8 ـ حسن بن علوان الكلبي، وثقه في ترجمة أخيه الحسين (الرقم 116).
9 ـ حسن بن محمد بن خالد الطيالسي، وثقه في ترجمة أخيه عبدالله (الرقم 572).
10 ـ حفص بن سابور الزيات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
11 ـ حفص بن سالم، وثقه في ترجمة أخيه عمر (الرقم 758).
12 ـ حيّان بن علي العنزي، وثقه في ترجمة أخيه مندل (الرقم 1131).
13 ـ زكريا بن سابور الزيات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
14 ـ زياد بن سابور الزيّات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).
15 ـ زياد بن أبي الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابن ابنه رافع بن سلمة (الرقم 447).
16 ـ زياد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخيه حفص (الرقم 447).
17 ـ سلمة بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابنه رافع (الرقم 447).
18 ـ شجرة بن ميمون بن أبي أراكة الكندي، وثقه في ترجمة ابنه علي (الرقم 720).
19 ـ صباح بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة أخيه عمّار (الرقم 779).
20 ـ عبدالأعلى بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيدالله (612) ومحمد (الرقم 885).
21 ـ عبدالخالق بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 50).
22 ـ عبدالرحمن ابن أبي عبدالله البصري، وثقه في ترجمة ابن ابنه إسماعيل بن همام (الرقم 62).
23 ـ عبدالرحمن بن عبد ربه الأسدي، وثقه في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبدالخالق (الرقم 50).
24 ـ عبدالله بن رباط البجلي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 955).
25 ـ عبدالله بن عثمان بن عمرو الفزاري، وثقه في ترجمة أخيه حماد (الرقم 371).
26 ـ عبدالملك بن سعيد الكناني، وثقه في ترجمة أخيه عبدالله (الرقم 565).
27 ـ عبدالملك بن عتبة النخعي، وثقه في ترجمة عبدالملك بن عتبة الهاشمي (الرقم 635).
28 ـ علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابنه عبيدالله (الرقم 612).
29 ـ علي بن بشير، وثقه في ترجمة أخيه محمد (الرقم 927).
30 ـ علي بن عطية الحنّاط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن (الرقم 93).
31 ـ عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيدالله (الرقم 612) ومحمد (الرقم 885).
32 ـ عمر بن أبي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابن أخيه عبيدالله بن علي (الرقم 612).
33 ـ عمرو بن مروان اليشكري، وثقه في ترجمة أخيه عمار (الرقم 780).
34 ـ قيس بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة إخيه عمار (الرقم 779).
35 ـ أبو خالد، محمد بن مهاجر بن عبيد الأزدي، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 46).
36 ـ محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابن ابنه الحسن بن أحمد (الرقم 151).
37 ـ محمد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخي حفص (الرقم 348).
38 ـ معاذ بن مسلم بن أبي سارة، وثقه في ترجمة ابن عمه محمد بن الحسن (الرقم 883).
39 ـ همام بن عبدالرحمن بن ميمون البصري، وثقه في ترجمة ابنه إسماعيل (الرقم 62).
40 ـ يعقوب بن إلياس بن عمرو البجلي، وثقه في ترجمة أخيه عمرو (الرقم 772).
41 ـ أبو الجعد الأشجعي، وثقه في ترجمة ابن حفيده رافع بن سلمة بن زياد (الرقم 447).
42 ـ أبو شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابن ابنه عبيدالله بن علي (الرقم 612).
43 ـ أبو عامر بن جناح الأزدي، وثقه في ترجمة أخيه سعيد (الرقم 512).
3 ـ رجال الشيخ
تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المولود عام 385، والمتوفى عام 460) فقد جمع في كتابه «أصحاب النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) حسب ترتيب عصورهم.
يقول المحقق التستري: «إنَّ مسلك الشيخ في رجاله يغاير مسلكه في الفهرس ومسلك النجاشي في فهرسه، حيث إنَّه أراد في رجاله استقصاء أصحابهم ومن روى عنهم مؤمناً كان أو منافقاً، إمامياً كان أو عامياً، فعدَّ الخلفاء ومعاوية وعمرو بن العاص ونظراءهم من أصحاب النبي، وعدَّ زياد بن أبيه وابنه عبيدالله بن زياد من أصحاب أمير المؤمنين، وعدَّ منصوراً الدوانيقي من أصحاب الصادق (عليه السلام) بدون ذكر شيء فيهم، فالاستناد إليه ما لم يحرز إماميّة رجل غير جائز حتى في أصحاب غير النبي وأمير المؤمنين، فكيف في أصحابهما؟»)[561](.
ومع ذلك فلم يأت بكل الصحابة، ولا بكل أصحاب الأئمة، ويمكن أن يقال: إن الكتاب حسب ما جاء في مقدمته ألف لبيان الرواة من الأئمة، فالظاهر كون الراوي إمامياً ما لم يصرح بالخلاف أو لا أقل شيعياً فتدبر.
وكان السيد البروجردي يقول: «إنَّ كتاب الرجال للشيخ كانت مذكرات له ولم يتوفق لإكماله، ولأجل ذلك نرى أنَّه يذكر عدة أسماء ولا يذكر في حقهم شيئاً من الوثاقة والضعف ولا الكتاب والرواية، بل يعدهم من أصحاب الرسول والأئمة فقط».
4 ـ فهرست الشيخ
وهو له ـ قدس سره ـ فقد أتى بأسماء الذين لهم أصل أو تصنيف)[562](.
إنَّ الشيخ الطوسي مؤلف الرجال والفهرس أظهر من أن يعرف، إذ هو الحبر الذي يقتطف منه أزهار العلوم، ويقتبس منه أنواع الفضل، فهو رئيس المذهب والملة، وشيخ المشايخ الأجلَّة، فقد أطراه كل من ذكره، ووصفه بشيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوي إليه الأعناق، صنَّف في جميع علوم الإسلام، فهو مضافاً إلى اختيار الكشي، صنَّف الفهرس والرجال.
أما الفهرس فهو موضوع لذكر الأصول والمصنفات، وذكر الطرق إليها غالباً وهو يفيد من جهتين:
الأولى: في بيان الطرق إلى نفس هذه الأصول، والمصنَّفات.
الثانية: إنَّ الشيخ نقل في التهذيب روايات من هذه الأصول والمصنفات، ولم يذكر طريقه إلى تلك الأصول والمصنَّفات، لا في نفس الكتاب ولا في خاتمة الكتاب، ولكن ذكر طريقه إليها في الفهرس، بل ربما يكون مفيداً من وجه ثالث وهو أنَّه ربما يكون طريق الشيخ إلى هذه الأصول والمصنَّفات ضعيفاً في التهذيب، ولكنه صحيح في الفهرس، فيصح توصيف الخبر بالصحة لأجل الطريق الموجود في الفهرس، لكن بشرط أن يعلم أنَّ الحديث مأخوذ من نفس الكتاب. وعلى كل تقدير فالفهرس موضوع لبيان مؤلفي الشيعة على الإطلاق سواء كان إمامياً أو غيره.
قال في مقدمته: «فإذا ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول فلا بدَّ أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعول على روايته أو لا، وأبين اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لأنَّ كثيراً من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة، فإذا سهل الله إتمام هذا الكتاب فإنَّه يطلع على أكثر ما عمل من التصانيف والأصول ويعرف به قدر صالح من الرجال وطرائقهم»)[563](.
ولكنَّه ـ قدس سره ـ لم يف بوعده في كثير من ذوي المذاهب الفاسدة، فلم يقل في إبراهيم بن أبي بكير بن أبي السمال شيئاً، مع أنَّه كان واقفياً كما صرح به الكشي والنجاشي، ولم يذكر شيئاً في كثير من الضعفاء حتى في مثل الحسن بن علي السجاد الذي كان يفضل أبا الخطاب على النبي (ص) والنجاشي مع أنَّه لم يعد ذلك في أول كتابه، وأكثر ذكراً منه بفساد مذهب الفاسدين وضعف الضعفاء)[564](.
5 ـ رجال البرقي
(كتاب الرجال للبرقي كرجال الشيخ، أتى فيه أسماء أصحاب النبي (ص) والأمة إلى الحجة صاحب الزمان (عليه السلام) ولا يوجد فيه أي تعديل وتجريح، وذكر النجاشي في عداد مصنفات البرقي كتاب الطبقات، ثم ذكر ثلاثة كتب أخرى ثم قال: «كتاب الرجال» (الرقم 182).
والموجود هو الطبقات المعروف برجال البرقي، المطبوع مع رجال أبي داود في طهران، واختلفت كلماتهم في أن رجال البرقي هل هو تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن (المتوفى عام 274 أو عام 280) أو تأليف أبيه، والقرائن تشهد على خلاف كلتا النظريتين وإليك بيانها:
1 ـ إنَّه كثيراً ما يستند في رجاله إلى كتاب سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفى 301 أو 299) وسعد بن عبدالله ممن يروي عن أحمد بن محمد بن خالد فهو شيخه، ولا معنى لاستناد البرقي إلى كتاب تلميذه)[565](.
2 ـ وقد عنون فيه عبدالله بن جعفر الحميري وصرح بسماعه منه وهو مؤلف قرب الإسناد وشيخ القميين، وهو يروي عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، فيكون البرقي شيخه، فكيف يصرح بسماعة منه؟)[566](
3 ـ وقد عنون فيه أحمد بن أبي عبدالله، وهو نفس أحمد بن محمد بن خالد البرقي المعروف، ولم يذكر أنَّه مصنف الكتاب كما هي القاعدة فيمن يذكر نفسه في كتابه، كما فعل الشيخ والنجاشي في فهرسيهما والعلامة وابن داود في كتابيهما)[567](.
4 ـ وقد عنون محمد بن خالد ولم يشر إلى أنَّه أبوه)[568](.
وهذه القرائن تشهد أنَّه ليس تأليف البرقي ولا والده وهو إما من تأليف ابنه ـ أعني عبدالله بن أحمد البرقي ـ الذي يروي عنه الكليني، أو تأليف نجله ـ أعني أحمد بن عبدالله بن أحمد البرقي ـ الذي يروي عنه الصدوق، والثاني أقرب لعنوان سعداً والحميري اللذين يعدان معاصرين للابن وفي طبقة المشيخة للنجل)[569](.
6 ـ رسالة أبي غالب الزراري
وهي رسالة للشيخ أبي غالب، أحمد بن محمد الذي ينتهي نسبه إلى بكير بن أعين. وهذه الرسالة في نسب آل أعين، وتراجم المحدثين منهم، كتبها أبو غالب إلى ابن ابنه «محمد بن عبدالله بن أبي غالب» وهي إجازة منه سنة 356هـ، ثم جددها في سنة 367 هـ. وتوفي بعد ذلك بسنة (أي سنة 368هـ) وكانت ولادته سنة 285هـ. ذكر في تلك الرسالة بضعة وعشرين من مشايخه، منهم: جده أبو طاهر الذي مات سنة 300)[570]( ومنهم: عبدالله بن جعفر الحميري الذي ورد الكوفة سنة 297)[571](.
وفي أواخر الرسالة ذكر فهرس الكتب الموجودة عنده. التي يرويها هو عن مؤلفيها، وتبلغ مائة واثنين وعشرين كتاباً، وجزء، وأجاز لابن ابنه المذكور روايتها عنه وقال: «ثبت الكتب التي أجزت لك روايتها على الحال التي قدمت ذكرها»)[572](.
قال العلاَّمة الطهراني: «وفي هذا الكتاب تراجم كثيرة من آل أعين الذين كان منهم في عصر واحد أربعون محدثاً قال فيه: ولم يبق في وقتي من آل أعين أحد يروي الحديث، ولا يطلب العلم، وشححت على أهل هذا البيت الذي لم يخل من محدث أن يضمحل ذكرهم، ويدرس رسمهم، ويبطل حديثهم من أولادهم»)[573](.
وبالجملة، هذه الرسالة مع صغر حجمها تعد من الأصول الرجالية وهي بعينها مندرجة في «كشكول» المحدث البحراني.
وطبعت أخيراً مع شرح السيد محمد علي الأبطحي وفيه فوائد مهمة.
7 ـ مشيخة الصدوق
وهي تأليف الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المولود بدعاء الحجة صاحب الزمان ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ عام 306، والمتوفى عام 381، وهو أوسط المحمدين الثلاثة المصنفي للكتب الأربعة، وهو قد سلك في كتابه هذا مسلكاً غير ما سلكه الشيخ الكليني، فإنَّ ثقة الإسلام يذكر جميع السند غالباً إلا قليلاً، اعتماداً على ما ذكره في الأخبار السابقة، وأما الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه، فهو بنى من أول الأمر على اختصار الأسانيد، وحذف أوائل الإسناد، ثم وضع في آخره مشيخة يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال سنده في أخبار هذا الكتاب، وهذه المشيخة إحدى الرسائل الرجالية التي لا تخلو من فوائد، وقد أدرجها الصدوق ـ رحمه الله ـ في آخر كتابه «من لا يحضره الفقيه».
8 ـ مشيخة الشيخ الطوسي في كتابي: التهذيب والاستبصار
وهي كمشيخة الصدوق، فقد صدر الشيخ أحاديث الكتابين بأسماء أصحاب الأصول والمصنفات، وذكر سنده إليهم في مشيخة الكتابين التي جعلها في آخر كل من الكتابين. وسيوافيك البحث حول المشيختين.
توالي التأليف في علم الرجال
وقد توالى التأليف في علم الرجال بعد هذه الأصول الثمانية، ولكن لا يقاس في الوزن والقيمة بها، ولأجل ذلك يجب الوقوف عليها واستخراج ما فيها من النصوص في حق الرواة، وسيوافيك وجه الفرق بين هذه الكتب وما ألف بعدها وقيمة توثيق المتأخرين.
الفرق بين كتب الرجال والفهرست
قد أومأنا إلى أنَّ الصحيح هو تسمية كتاب النجاشي بالفهرست لا بالرجال، ولإكمال البحث نقول:
الفرق بين كتاب الرجال وفهرست الأصول والمصنفات، أنَّ الرجال ما كان مبنياً على بيان طبقات أصحابهم (عليهم السلام) )[574]( كما عليه رجال الشيخ، حيث شرع بتدوين أصحاب النبي (ص) ثم الإمام علي (عليه السلام)، وهكذا.
وأما الفهارس، فيكتفي فيها بمجرد الأصول والمصنفات ومؤلفيها وذكر الطرق إليها، ولأجل ذلك ترى النجاشي يقول في حق بعضهم «ذكره أصحاب الفهرس»، وفي بعضهم: «ذكره أصحاب الرجال»، ويؤيد ذلك ما ذكره نفس النجاشي ومقدمة الجزء الأول من الكتاب)[575]( وفي أول الجزء الثاني منه حيث يصفه بقوله: «الجزء الثاني من كتاب فهرس أسماء مصنفي الشيعة وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم وما قيل في كل رجل منهم من مدح أو ذم»)[576](.
قال المحقق التستري: «إن كتب فن الرجال العام على أنحاء: منها بعنوان الرجال المجرد ومنها بعنوان معرفة الرجال، ومنها بعنوان تاريخ الرجال، ومنها بعنوان الفهرس، ومنها بعنوان الممدوحين والمذمومين، ومنها بعنوان المشيخة، ولكل واحد موضوع خاص»)[577](.
رجال ابن الغضائري
من الكتب الرجالية المؤلفة في العصور المتقدمة التي تعدُّ عند البعض من أمهات الكتب الرجالية، الكتاب الموسوم بـ«رجال الغضائري» تارة و«رجال ابن الغضائري» أخرى، وليس هو إلا كتاب «الضعفاء» الذي أدرجه العلاَّمة في خلاصته، والقهبائي في مجمعه. ولرفع الستر على وجه الحقيقة يجب الوقوف على أمور.
وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر.
أ ـ ترجمة الغضائري:
الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري من رجال الشيعة وهو معني في كتب الرجال بإكبار.
قال النجاشي: «شيخنا رحمه الله له كتب» ثم ذكر أسماء تآليفه البالغة إلى أربعة عشر كتاباً ولم يسم له أي كتاب في الرجال، ثم قال: «أجازنا جميعها وجميع رواياته عن شيوخه ومات ـ رحمه الله ـ في منتصف شهر صفر سنة إحدى عشر وأربعمائة)[578](.
وقال الشيخ في رجاله: «الحسين بن عبيدالله الغضائري يكنى أبا عبدالله، كثير السماع. عارف بالرجال وله تصانيف ذكرناها في الفهرس، سمعنا منه وأجاز لنا بجميع رواياته. مات سنة إحدى عشر وأربعمائة»)[579]( ولكن النسخ الموجودة من الفهرس خالية من ترجمته ولعل ذلك صدر منه ـ رحمه الله ـ سهواً، أو سقط من النسخ المطبوعة، ولا يخفى أنَّ هذه التعابير دالة على وثاقة الرجل. بل يكفي كونه من مشايخ النجاشي والشيخ، وقد ثبت في محله ـ وسيوافيك ـ أن مشايخ النجاشي كلهم ثقات.
ب ـ ترجمة ابن الغضائري:
هو أحمد بن الحسين بن عبيدالله، ذكره الشيخ في مقدمة الفهرس وقال: «إني لما رأيت جماعة بن شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب أصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الأصول، ولم أجد أحداً استوفى ذلك… إلا ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله ـ رحمه الله ـ فإنَّه عمل كتابين، أحدهما ذكر فيه المصنفات والآخر ذكر فيه الأصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنَّ هذين الكتابين لم يسنخهما أحد من أصحابنا واخترم هو وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[580](.
وهذه العبارة تفيد أنَّه قد تلف الكتابان قبل استنساخهما، غير أنَّ النجاشي كما سيوافيك ينقل عنه (بكثير). والمنقول عنه غير هذين الكتابين كما سيوافيك بيانه.
ويظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل أنَّه اشترك مع ابن الغضائري في الأخذ عن والده وغيره حيث قال: «له كتب لا يعرف منها إلا النوادر، قرأته أنا وأحمد بن الحسين ـ رحمه الله ـ على أبيه»)[581]( كما يظهر ذلك أيضاً في ترجمة علي بن الحسن بن فضال حيث قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق و… على أحمد بن عبدالله بن أبي عبدالواحد في مدَّة سمعتها معه»)[582](. ويظهر ذلك في ترجمة عبدالله بن أبي عبدالله محمد بن خالد بن عمر الطيالسي قال: «ولعبدالله كتاب نوادر ـ إلى أن قال: ونسخة أخرى نوادر صغيرة رواه أبو الحسين النصيبي، أخبرناها بقراءة أحمد بن الحسين»)[583](.
نعم يظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران أنَّه من أساتذة النجاشي حيث قال: «كنا نجتمع معه عند أحمد بن الحسين»)[584]( والاجتماع عند العالم لا يكون إلا للاستفادة منه.
والعجب أنَّ النجاشي مع كمال صلته به ومخالطته معه لم يعنونه في فهرسه مستقلاً، ولم يذكر ما قاله الشيخ في حقه من أنَّه كان له كتابان… إلخ، نعم نقل عنه في موارد وأشار في تاريخه ويحتمل أنَّه غير رجاله، كما يحتمل أن يكون نفسه، لشيوع إطلاق لفظ التاريخ على كتاب الرجال كتاريخ البخاري وهو كتاب رجاله المعروف، وتاريخ بغداد وهو نوع رجال، ويكفي في وثاقة الرجال اعتماد مثل النجاشي عليه والتعبير عنه بما يشعر بالتكريم، وقد نقل المحقق الكلباسي كلمات العلماء في حقه فلاحظ)[585](.
ج ـ كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء:
إنَّ أول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلي (المتوفى سنة 673) فأدرجه ـ موزعاً له ـ في كتابه «حل الإشكال في معرفة الرجال» الذي ألفه عام 644، وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي رجال الطوس وفهرسه واختيار الكشي وفهرس النجاشي وكتاب الضعفاء المنسوب إلى ابن الغضائري. قال السيد في أول كتابه بعد ذكر الكتب بهذا الترتيب: «ولي بالجميع روايات متصلة سوى كتاب ابن الغضائري» فيظهر منه أنَّه لم يروه عن أحد وإنَّما وجده منسوباً إليه، ولم يجد السيد كتاباً آخر للممدوحين منسوباً إلى ابن الغضائري وإلا أدرجه أيضاً ولم يقتصر بالضعفاء.
ثم تبع السيد تلميذاه العلاَّمة الحلي (المتوفى عام 726) في الخلاصة وابن داود في رجاله (المؤلف في 707) فأدرجا في كتابيهما عين ما أدرجه أستاذهما السيد ابن طاووس في «حل الإشكال» وصرح ابن داود عند ترجمة أستاذه المذكور بأنَّ أكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من إشارات هذا الأستاذ وتحقيقاته.
ثم إنَّ المتأخرين عن العلاَّمة وابن داود كلهم ينقلون عنهما، لأن نسخة الضعفاء التي وجدها السيد بن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري إلا ما وضعه السيد بن طاووس في كتابه «حل الإشكال» ولولاه لما بقي منه أثر ولم يكن أدراجه فيه من السيد لأجل اعتباره عنده، بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حق الرجل حقاً أو باطلاً، ليصير ملزماً بالتتبع عن حقيقة الأمر.
وأما كتاب «حل الإشكال» فقد كان موجوداً بخط مؤلفه عند الشهيد الثاني، كما ذكره في إجازته للشيخ حسين بن عبدالصمد، وبعده انتقل إلى ولده صاحب المعالم، فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ «التحرير الطاووسي» ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله بن الحسين التستري (المتوفى سنة 1021) شيخ الرجاليين في عصره، وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب الضعفاء، المنسوب إلى ابن الغضائري، مرتباً على الحروف وذكر في أوله سبب استخراجه فقط. ثم أدخل تلميذه المولى عناية الله القهبائي، تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور، في كتابه مجمع الرجال المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى إنَّ خطبها ذكرت في أول هذا المجمع)[586](.
وإليك نص ما ذكره المولى عبدالله التستري حسب ما نقله عنه تلميذه القهبائي في مقدمة كتابه «مجمع الرجال»: «اعلم ـ أيدك الله وإيانا ـ أني لما وقفت على كتاب السيد المعظم السيد جمال الدين أحمد بن طاووس في الرجال، فرأيته مشتملاً على نقل ما في كتب السلف، وقد كنت رزقت بحمد الله النافع من تلك الكتب، إلا كتاب ابن الغضائري، فإني كنت ما سمعت له وجوداً في زماننا وكان كتاب السيد هذا بخطه الشريف مشتملاً عليه فحداني التبرك به مع ظن الانتفاع بكتاب ابن الغضائري أن أجعله منفرداً عنه راجياً من الله الجواد، الوصول إلى سبيل الرشاد»)[587]( وعلى ذلك فالطريق إلى ما ذكره ابن الغضائري عبارة عما أدرجه العلاَّمة وابن داود في رجاليهما وأخيراً ما أدرجه القهبائي مما جرده أستاذه التستري كتاب «حل الإشكال» وجعله كتاباً مستقلاً، وأما طريق السيد إلى الكتاب فغير معلوم أو غير موجود.
هذا هو حال كتاب ابن الغضائري وكيفية الوقوف عليه ووصوله إلينا.
د ـ الكتاب تأليف نفس الغضائري أو تأليف ابنه:
ها هنا قولان: أما الأول: فقد ذهب الشهيد الثاني إلى أنه تأليف نفس الغضائري «الحسين بن عبيدالله» لا تأليف ابنه، أي «أحمد بن الحسين»، مستدلاً بما جاء في الخلاصة في ترجمة سهل بن زياد الآدمي حيث قال: «وقد كاتب أبا محمد العسكري (عليه السلام) على يد محمد بن عبدالحميد العطار في المنتصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين. ذكر أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين ـ رحمهما الله ـ. وقال ابن الغضائري: أنه كان ضعيفاً)[588]( قال الشهيد الثاني: «إن عطف ابن الغضائري على أحمد بن الحسين يدل على أنه غيره»)[589](.
ولا يخفى عدم دلالته على ما ذكره، لأن ما ذكره العلامة (… ذكر أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين) من تتمة كلام النجاشي الذي نقله العلاَّمة عنه في كتابه، فإن النجاشي يعرف «السهل» بقوله: «كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري، وكان يسكنها وقد كاتب أبا محمد ـ إلى قوله: رحمهما الله»)[590](.
وبالاسترحام (رحمهما الله) تم كلام النجاشي، ثم إنَّ العلاَّمة بعدما نقل عن النجاشي كلام ابن نوح وأحمد بن الحسين في حق الرجل، أراد أن يأتي بنص كلام ابن الغضائري أيضاً في كتاب الضعفاء، ولأجل ذلك عاد وقال: «قال ابن الغضائري: إنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل»)[591](.
وعلى هذا فعطف جملة «وقال ابن الغضائري» على «أحمد بن الحسين» لا يدل على المغايرة بعد الوقوف على ما ذكرناه)[592](.
ويظهر هذا القول من غيره، فقد نقل المحقق الكلباسي، أنَّه يظهر من نظام الدين محمد بن الحسين الساوجي في كتابه المسمى بـ «نظام الأقوال» أنَّه من تأليف الأب حيث قال فيه: «ولقد صنف أسلافنا ومشايخنا ـ قدس الله تعالى أرواحهم ـ فيه كتباً كثيرة ككتاب الكشي، وفهرس الشيخ الطوسي، والرجال له أيضاً، وكتاب الحسين بن عبيدالله الغضائري. إلى أن قال: وأكتفي في هذا الكتاب عن أحمد بن علي النجاشي بقولي «النجاشي» ـ إلى أن قال: وعن الحسين بن عبيدالله الغضائري بـ «ابن الغضائري»)[593](. وعلى ما ذكره كلما أطلق ابن الغضائري فالمراد هو الوالد، وأما الولد فيكون نجل الغضائري لا ابنه.
ويظهر التردد من مؤلف معجم الرجال حيث استدل على عدم ثبوت نسبة الكتاب بقوله: «فإنَّ النجاشي لم يتعرض له مع أنَّه ـ قدس سره ـ بصدد بيان الكتب وإنَّما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيدالله أو ابنه أحمد؟ وقد تعرض ـ قدس سره ـ لترجمة الحسين بن عبيدالله وذكر كتبه ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما أنّه حكى عن أحمد بن الحسين في عدة موارد ولم يذكر أنَّ له كتاب الرجال»)[594](.
ولكن النجاشي نقل عن ابن الغضائري كثيراً وكلما قال: «وقال أحمد بن الحسين» أو «ذكره أحمد بن الحسين» فهو المراد، وصرح في ترجمة البرقي بأنَّ له كتاب التاريخ ومن القريب أنَّ مراده منه هو كتاب رجاله، لشيوع تسمية «الرجال» بالتاريخ كما سيوافيك.
وأما الثاني، فهو أنَّ الكتاب على فرض ثبوت النسبة، من تأليف ابن الغضائري (أحمد) لا نفسه ـ أعني الحسين ـ ويدل عليه وجوه:
الأول: إنَّ الشيخ كما عرفت ذكر لأحمد بن الحسين كتابين: أحدهما: في الأصول والآخر في المصنفات، ولم يذكر للوالد أي كتاب في الرجال، وإن وصفه الشيخ والنجاشي بكونه كثير السماع، عارفاً بالرجال، غير أنَّ المعرفة بالرجال لا تستلزم التأليف فيه، ومن المحتمل أنَّ هذا الكتاب هو أحد هذين أو هو كتاب ثالث وضع لذكر خصوص الضعفاء والمذمومين، كما احتمله صاحب مجمع الرجال، ويحتمل أن يكون له كتاب آخر في الثقات والممدوحين وإن لم يصل إلينا منه خبر ولا أثر، كما ذكره الفاضل الخاجوئي، محتملاً أن يكون كتاب الممدوحين، أحد الكتابين اللذين صرح بهما الشيخ في أول الفهرس على ما نقله صاحب سماء المقال)[595]( ولكن الظاهر خلافه، وسيوافيك حق القول في ذلك فانتظر.
الثاني: إنَّ أول من وقف على هذا الكتاب هو السيد الجليل ابن طاووس الحلي، فقد نسبه إلى الابن في مقدمة كتابه على ما نقله عنه في التحرير الطاووسي، حيث قال: «إني قد عزمت على أن أجمع في كتابي هذا أسماء الرجال المصنفين وغيرهم من كتب خمسة إلى أن قال: وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة»)[596](.
الثالث: إنَّ المتتبع لكتاب «الخلاصة» للعلاَّمة الحلي، يرى أنَّه يعتقد بأنَّه من تأليف ابن الغضائري، فلاحظ ترجمة عمر بن ثابت، وسليمان النخعي، يقول في الأول: «إنَّه ضعيف، قاله ابن الغضائري» وقال في الثاني: «قال ابن الغضائري: يقال إنه كذاب النخع ضعيف جداً».
وبما أنَّه يحتمل أن يكون ابن الغضائري كنية للوالد، ويكون الجد منسوباً إلى «الغضائر» الذي هو بمعنى الطين اللازب الحر، قال العلامة في إسماعيل بن مهران: «قال الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري ـ رحمه الله ـ: إنَّه يكنى أبا محمد، ليس حديثه بالنقي» وعلى ذلك فكلما أطلق ابن الغضائري يريد به أحمد بن الحسين، لا غيره.
ومما يؤيد أن الكتاب من تأليف ابن الغضائري، أنَّ بعض ما ينقله النجاشي في فهرسه عن أحمد بن الحسين موجود في هذا الكتاب، وأما الاختلاف من حيث العبارة فسيوافيك وجهه.
وهناك قرائن أخر جمعها المتتبع الخبير الكلباسي في كتابه سماء المقال فلاحظ)[597](.
هـ كتاب الضعفاء رابع كتبه:
الظاهر أن ابن الغضائري ألَّف كتباً أربعة وأنَّ كتاب الضعفاء رابع كتبه. الأول والثاني ما أشار إليهما الشيخ في مقدمة الفهرس «فإنَّه (أبا الحسين» عمل كتابين: أحدهما ذكر فيه المصنَّفات والآخر ذكر فيه الأصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أنَّ هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم هو ـ رحمه الله ـ وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[598](.
والثالث هو كتاب الممدوحين ولم يصل إلينا أبداً، لكن ينقل عنه العلاَّمة في الخلاصة، والرابع هو كتاب الضعفاء الذي وصل إلينا على النحو الذي وقفت عليه، والظاهر أنَّ النجاشي لأجل مخالطته ومعاشرته معه قد وقف على مسوداته ومذكراته فنقل ما نقل عنها.
ومن البعيد جداً أن يكون كتاب الضعفاء نفس الكتابين اللذين ذكرهما الشيخ في مقدمة الفهرس، وما عمل من كتابين كان مقصوراً في بيان المصنفات والأصول، كفهرس الشيخ من دون تعرض لوثاقة شخص أو ضعفه، فعلى ذلك يجب أن يكون للرجل وراءهما كتاب رجال لبيان الضعفاء والممدوحين، كما أنَّ من البعيد أن يؤلف كتاباً في الضعفاء فقط، دون أن يؤلف كتاباً في الثقات أو الممدوحين، والدليل على تأليفه كتاباً في الممدوحين وجود التوثيقات منه في حق عدة من الرواة، ونقلها النجاشي عنه. أضف إلى ذلك أنَّ العلاَّمة يصرح بتعدد كتابه ويقول في ترجمة سليمان النخعي: «قال ابن الغضائري سليمان بن هارون النخعي أبو داود يقال له: كذاب النخع، روى عن أبي عبدالله ضعيف جداً» وقال في كتابه الآخر: «سليمان بن عمر أبو داود النخعي… إلخ»)[599]( وقال في ترجمة عمر بن ثابت: «ضعيف جداً قاله ابن الغضائري وقال في كتابه الآخر عمر بن أبي المقدام…» )[600]( وقال في ترجمة محمد بن مصادف: «اختلف قول ابن الغضائري فيه ففي أحد الكتابين إنَّه ضعيف وفي الآخر إنَّه ثقة»)[601](. وهذه النصوص تعطي أنَّ للرجل كتابين، أحدهما للضعفاء والمذمومين، والآخر للممدوحين والموثقين، وقد عرفت أنَّ ما ذكره الشيخ في أول الفهرس لا صلة لهما بهذين الكتابين. فقد مات الرجل وترك ثروة علمية مفيدة.
و ـ كتاب الضعفاء وقيمته العلمية عند العلماء:
لقد اختلفت نظرية العلماء حول الكتاب اختلافاً عميقاً، فمن ذاهب إلى أنَّه مختلق لبعض معاندي الشيعة أراد به الوقيعة فيهم، إلى قائل بثبوت الكتاب ثبوتاً قطعياً وأنَّه حجة ما لم يعارض توثيق الشيخ والنجاشي، إلى ثالث بأنَّ الكتاب له وأنَّه نقاد هذا العلم ولا يقدم توثيق الشيخ والنجاشي عليه، إلى رابع بأنَّ الكتاب له، غير أنَّ جرحه وتضعيفه غير معتبر، لأنَّه لم يكن في الجرح والتضعيف مستنداً إلى الشهادة ولا إلى القرائن المفيدة للاطمئنان بل إلى اجتهاده في متن الحديث، فلو كان الحديث مشتملاً على الغلو والارتفاع في حق الأئمة حسب نظره، وصف الراوي بالوضع وضعفه وإليك هذه الأقوال.
النظرية الأولى:
إنَّ شيخنا المتتبع الطهراني بعدما سرد وضع الكتاب وأوضح كيفية الاطلاع عليه، حكم بعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري، وأن المؤلف له كان من المعاندين لأكابر الشيعة، وكان يريد الوقيعة فيهم بكل حيلة، ولأجل ذلك ألف هذا الكتاب وأدرج فيه بعض مقالات ابن الغضائري تمويهاً ليقبل عنه جميع ما أراد إثباته من الوقائع والقبائح)[602]( ويمكن تأييده في بادىء النظر بوجوه:
1 ـ إنَّه كانت بين النجاشي وابن الغضائري خلطة وصداقة في أيام الدراسة والتحصيل، وكانا يدرسان عند والد ابن الغضائري، كما كانا يدرسان عند غيره، على ما مر في ترجمتهما فلو كان الكتاب من تأليف ابن الغضائري، اقتضى طبع الحال وقوف النجاشي عليه وقوف الصديق على أسرار صديقه، وإكثار النقل منه، مع أنَّه لا ينقل عنه إلا في موارد لا تتجاوز بضعة وعشرين مورداً، وهو يقول في كثير من هذه الموارد «قال أحمد بن الحسين» أو «قاله أحمد بن الحسين» مشعراً بأخذه منه مشافهة لا نقلاً عن كتابه.
نعم، يقول في بعض الموارد: «وذكر أحمد بن الحسين» الظاهر في أنَّه أخذه من كتابه.
2 ـ إنَّ الظاهر من الشيخ الطوسي أنَّ ما ألَّفه ابن الغضائري أهلك قبل أن يستنسخ حيث يقول: «واخترم هو (ابن الغضائري) وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»)[603](.
3 ـ إنَّ لفظ «اخترم» الذي أطلقه الشيخ عليه، يكشف عن أنَّ الرجل مات بالموت الاخترامي، وهو موت من لم يتجاوز الأربعين بما أنَّ النجاشي الذي هو زميله تولد عام 372، يمكن أن يقال إنَّه أيضاً من مواليد ذلك العام أو ما قبله بقليل، وبما أنَّ موته كان موتاً اخترامياً، يمكن التنبؤ بأنَّه مات بعد أبيه بقليل، فيكون وفاته حوالي 412، وعلى ذلك فمن البعيد أن يصل الكتاب إلى يد النجاشي ولا يصل إلى يد الشيخ، مع أنَّ بيئة بغداد كانت تجمع بين العلمين (النجاشي والشيخ) كل يوم وليلة، وقد توفي الشيخ سنة 460، وتوفي النجاشي على المشهور عام 450، فهل يمكن بعد هذا وقوف النجاشي على الكتاب وعدم وقوف الشيخ عليه؟
وأقصى ما يمكن أن يقال: «إنَّ ابن الغضائري ترك أوراقاً مسودة في علم الرجال، ووقف عليها النجاشي، ونقل عنه ما نقل، ثم زاد عليه بعض المعاندين ما تقشعر منه الجلود وترتعد منه الفرائص من جرح المشايخ ورميهم بالدس والوضع، وهو كما قال السيد الداماد في رواشحه «قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه».
تحليل هذه النظرية:
هذه النظرية في غاية التفريط، في مقابل النظرية الثالثة التي هي في غاية الإفراط ولا يخفى وهن هذه الأمور:
أما الأول: فيكفي في صحة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري تطابق ما نقله النجاشي في موارد كثيرة مع الموجود منه، وعدم استيعابه بنقل كل ما فيه، لأجل عدم ثبوته عنده، ولذلك ضرب عنه صفحاً إلا في موارد خاصة لاختلاف مشربهما في نقد الرجال وتمييز الثقات عن غيرها.
وأما الثاني: فلما عرفت من أنَّ كتاب الضعفاء، غير ما ألَّفه حول الأصول والمصنفات، وهو غير كتاب الممدوحين، الذي ربما ينقل عنه العلاَّمة كما عرفت، وتعمد الورثة على إهلاك الأولين لا يكون دليلاً على إهلاك الآخرين)[604](.
وأما الثالث: فيكفي في الاعتذار عن عدم اطلاع الشيخ علي بقية كتب ابن الغضائري، أنَّ الشيخ كان رجلاً عالمياً مشاركاً في أكثر العلوم الإسلامية ومتخصصاً في بعض النواحي منها، زعيماً للشيعة في العراق. والغفلة عن مثل هذا الشخص المتبحر في العلوم، والمتحمل للمسؤوليات الدينية والاجتماعية، أمر غير بعيد.
وهذا غير النجاشي الذي كان زميلاً ومشاركاً له في دروس أبيه وغيره، متخصصاً في علم الرجال والأنساب، والغفلة عن مثله أمر على خلاف العادة.
وما ذكره صاحب معجم رجال الحديث من قصور المقتضى وعدم ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه)[605]( غير تام، لأنَّ هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة، ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والإجازة.
وعلى الجملة لا يصح رد الكتاب بهذه الوجوه الموهونة.
النظرية الثانية:
الظاهر من العلامة في الخلاصة ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري ثبوتاً قطعياً، ولأجل ذلك توقّف في كثير من الرواة لأجل تضعيف ابن الغضائري، وإنَّما خالف في موارد، لتوثيق النجاشي والشيخ وترجيح توثيقهما على جرحه.
النظرية الثالثة:
إنَّ هذا الكتاب وإن اشتهر من عصر المجلسي بأنه لا عبرة به، لأنَّه يتسرع إلى جرح الأجلة، إلا أنَّه كلام قشري وأنَّه لم ير مثله في دقة النظر، ويكفيه اعتماد مثل النجاشي الذي هو أضبط أهل الرجال عليه، وقد عرفت من شيخ أنَّه أول من ألف فهرساً كاملاً في مصنفات الشيعة وأصولهم، والرجال نقاد هذا العلم، ولم يكن متسرعاً في الجرح بل كان متأملاً متثبتاً في التضعيف، قد قوي من ضعفه القميون جميعاً كأحمد بن الحسين بن سعيد، والحسين بن اذويه وزيد الزراد وزيد النرسي ومحمد بن أورمة بأنَّه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.
نعم إنَّ المتأخرين شهروا ابن الغضائري بأنَّه يتسرع إلى الجرح فلا عبرة بطعونه، مع أنَّ الذي وجدناه بالسبر في الذين وقفنا على كتبهم ممن طعن فيهم، ككتاب الاستغاثة لعلي بن أحمد الكوفي، وكتاب تفسير محمد بن القاسم الأسترآبادي، وكتاب الحسين بن عباس بن الجريش أنَّ الأمر كما ذكر)[606](.
ولا يخفى أن تلك النظرية في جانب الإفراط، ولو كان الكتاب بتلك المنزلة لماذا لم يستند إليه النجاشي في عامة الموارد، بل لم يستند إليه إلا في بضعة وعشرين مورداً؟ مع أنَّه ضعف كثيراً من المشايخ التي وثاقتهم عندنا كالشمس في رائعة النهار.
إنَّ عدم العبرة بطعونه ليس لأجل تسرعه إلى الجرح وأنَّه كان جراحاً للرواة خارجاً عن الحد المتعارف، بل لأجل أنَّه لم يستند في جرحه بل وتعديله إلى الطرق الحسية، بل استند إلى استنباطات واجتهادات شخصية كما سيوافيك بيانه في النظرية الرابعة.
النظرية الرابعة:
إنَّ كتاب الضعفاء هو لابن الغضائري، غير أنَّ تضعيفه وجرحه للرواة والمشايخ لم يكن مستنداً إلى الشهادة والسماع، بل كان اجتهاداً منه عند النظر إلى روايات الأفراد، فإن رآها مشتملة على الغلو والارتفاع حسب نظره، وصفه بالضعف ووضع الحديث، وقد عرفت أنَّه صحح روايات عدَّة من القميين بأنَّه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة (أي بملاحظة مطابقتها لمعتقده).
ويرشد إلى ذلك ما ذكره المحقق الوحيد البهبهاني في بعض المقامات حيث قال: «اعلم أنَّ الظاهر أنَّ كثيراً من القدماء سيما القميين منهم والغضائري كانوا يعتقدون للأئمة (عليهم السلام) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعاً وغلواً حسب معتقدهم، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلواً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم أو التفويض الذي اختلف فيه ـ كما سنذكر ـ أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجهة أنَّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين.
وبالجملة، الظاهر أنَّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضاً فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً أو كفراً أو غلواً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده أو لا هذا ولا ذاك. وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ أو ادعاء أرباب المذاهب كونه منهم أو روايتهم عنه وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الأمور المذكورة إلى أن قال:
ثم اعلم (أحمد بن محمد بن عيسى) والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلو وكأنه لروايته ما يدل عليه»)[607](.
إجابة المحقق التستري عن هذه النظرية:
إنَّ المحقق التستري أجاب عن هذه النظرية بقوله: «كثيراً ما يرد المتأخرون طعن القدماء في رجل بالغلو، بأنهم رموه به لنقله معجزاتهم وهو غير صحيح، فإنَّ كونهم (عليهم السلام) ذوي معجزات من ضروريات مذهب الإمامية، وهل معجزاتهم وصلت إلينا إلا بنقلهم؟ وإنما مرادهم بالغلو ترك العبادة اعتماداً على ولايتهم (عليهم السلام). فروى أحمد بن الحسين الغضائري، عن الحسن بن محمد بن بندار القمي، قال: سمعت مشايخي يقولون: «إنَّ محمد بن أورمة لما طعن عليه بالغلو بعث إليه الأشاعرة ليقتلوه، فوجدوه يصلي الليل من أوله إلى آخره، ليالي عدَّة فتوقفوا عن اعتقادهم.
وعن فلاح السائل)[608]( لعلي بن طاووس عن الحسين بن أحمد المالكي قال: قلت لأحمد بن مليك الكرخي)[609]( عما يقال في محمد بن سنان من أمر الغلو، فقال: معاذ الله، وهو والله علمني الطهور.
وعنون الكشي)[610]( جمعاً، منهم علي بن عبدالله بن مروان وقال إنَّه سأل العياشي عنهم فقال: وأما علي بن عبدالله بن مروان فإنَّ القوم (يعني الغلاة) تمتحن في أوقات الصلوات ولم أحضره وقت صلاة. وعنون الكشي)[611]( أيضاً الغلاة في وقت الإمام الهادي (عليه السلام) وروى عن أحمد بن محمد بن عيسى أنَّه كتب إليه (عليه السلام) في قوم يتكلمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها إليك وإلى آبائك ـ إلى أن قال: ومن أقاويلهم أنَّهم يقولون: إنَّ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأولوها وصيروها على هذا الحد الذي ذكرت»)[612](.
أقول: ما ذكره من أنَّ الغلاة كانوا يمتحنون في أوقات الصلاة صحيح في الجملة، ويدل عليه مضافاً إلى ما ذكره، بعض الروايات. قال الصادق (عليه السلام): احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فإنَّ الغلاة شر خلق الله ـ إلى أن قال: إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصر فنقبله، فقيل له: كيف ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجلّ أبداً وإنَّ المقصر إذا عرف عمل وأطاع)[613](.
وكتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام): أنَّ علي بن حسكة يدعي أنَّه من أوليائك وأنك أنت الأول القديم وأنَّه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك ويزعم أنَّ الصلاة والزكاة والحج والصوم كل ذلك معرفتك ـ إلى آخره)[614](.
ونقل الكشي عن يحيى بن عبدالحميد الحماني، في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الغلاة: أنَّ معرفة الإمام تكفي من الصوم والصلاة)[615](.
ومع هذا الاعتراف إنَّ هذه الروايات لا تثبت ما رامه وهو أنَّ الغلو كان له معنى واحد في جميع الأزمنة، ولازمه ترك الفرائض، وأنَّ ذلك المعنى كان مقبولاً عند الكل من عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إلى عصر الغضائري إذ فيه:
أما أولاً: فإنَّه يظهر عما نقله الكشي عن عثمان بن عيسى الكلابي أن محمد بن بشير أحد رؤساء الغلاة في عصره، وأتباعه كانوا يأخذون بعض الفرائض، وينكرون البعض الآخر، حيث زعموا أنَّ الفرائض عليهم من الله تعالى إقامة الصلاة والخمس وصوم شهر رمضان، وفي الوقت نفسه، أنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض)[616](. وعلى ذلك فما ذكره من امتحان الغلاة في أوقات الصلاة راجع إلى صنف خاص من الغلاة دون كلهم.
وثانياً: إنَّ الظاهر من كلمات القدماء أنَّهم لم يتفقوا في معنى الغلو بشكل خاص على ما حكى شيخنا المفيد عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنَّه قال: أول درجة في الغلو، نفي السهو عن النبي (ص) والإمام، ثم قال الشيخ: فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع أنَّه من علماء القميين ومشيختهم، وقد وجدنا جماعة وردت إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، ينزلون الأئمة (عليهم السلام) عن مراتبهم، ويزعمون أنَّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية، حتى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنَّهم كانوا يلجأون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ويدعون مع ذلك أنَّهم من العلماء)[617](.
فإذا كانت المشايخ من القميين وغيرهم يعتقدون في حق الأئمة ما نقله الشيخ المفيد، فإذا وجدوا رواية على خلاف معتقدهم وصفوها بحسب الطبع بالضعف وراويها بالجعل والدس.
قال المجلسي ـ رحمه الله ـ بعد ما فسر الغلو في النبي والأئمة (عليهم السلام): «ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة (عليهم السلام)، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات بعض غرائب المعجزات»)[618](.
وعلى ذلك، فليس من البعيد أنَّ الغضائري ونظراءه الذين ينسبون كثيراً من الرواة إلى الضعف والجعل، كانوا يعتقدون في حق النبي والأئمة (عليهم السلام) عقيدة هذه المشايخ، فإذا وجدوا أنَّ الرواية لا توافق معتقدهم اتهموه بالكذب ووضع الحديث.
والآفة كل الآفة هو أن يكون ملاك تصحيح الرواية عقيدة الشخص وسليقته الخاصة فإنَّ ذلك يوجب طرح كثير من الروايات الصحيحة واتهام كثير من المشايخ.
والظاهر أنَّ الغضائري كان له مذاق خاص في تصحيح الروايات وتوثيق الرواة، فقد جعل إتقان الروايات في المضمون، حسب مذاقه، دليلاً على وثاقة الراوي، ولأجل ذلك صحح روايات عدة من القميين، ممن ضعفهم غيره، لأجل أنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.
كما أنَّه جعل ضعف الرواية في المضمون، ومخالفته مع معتقده في ما يرجع إلى الأئمة، دليلاً على ضعف الرواية، وكون الراوي جاعلاً للحديث، أو راوياً ممن يضع الحديث، والتوثيق والجرح المبنيان على إتقان المتن، وموافقته مع العقيدة، من أخطر الطرق إلى تشخيص صفات الراوي من الوثاقة والضعف.
ويشهد على ما ذكرنا أنَّ الشيخ والنجاشي ضعفا محمد بن أورمة، لأنَّه مطعون عليه بالغلو وما تفرد به لم يجز العلم به)[619]( ولكن ابن الغضائري أبرأه عنه، فنظر في كتبه ورواياته كلها متأملاً فيها، فوجدها نقية لا فساد فيها، إلا في أوراق ألصقت على الكتاب، فحمله على أنَّها موضوعة عليه.
وهذا يشهد أنَّ مصدر قضائه هو التتبع في كتب الراوي، وتشخيص أفكاره وعقائده وأعماله من نفس الكتاب.
ثم إنَّ للمحقق الشيخ أبي الهدى الكلباسي كلاماً حول هذا الكتاب يقرب مما ذكره المحقق البهبهاني، ونحن نأتي بملخصه وهو لا يخلو من فائدة.
قال في سماء المقال: «إنَّ دعوى التسارع غير بعيدة نظراً إلى أمور)[620](:
الأول: إنَّ الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره، أنَّه كان يرى نقل بعض غرائب الأمور من الأئمة (عليهم السلام) من الغلو على حسب مذاق القميين، فكان إذا رأى من أحدهم ذكر شيء غير موافق لاعتقاده، يجزم بأنَّه من الغلو، فيعتقد بكذبه وافترائه، فيحكم بضعفه وغلوه، ولذا يكثر حكمه بهما (بالضعف والكذب) في غير محلهما.
ويظهر ذلك مما ذكره من أنَّه كان غالياً كذاباً كما في سليمان الديلمي، وفي آخر من أنَّه ضعيف جداً لا يلتفت إليه، أو في مذهبه غلو كما في عبدالرحمن بن أبي حمّاد، فإنَّ الظاهر أن منشأ تضعيفه ما ذكره من غلوه، ومثله ما في خلف بن محمد من أنَّه كان غالياً، في مذهبه ضعف لا يلتفت إليه، وما في سهل بن زياد من أنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أخرجه من قم. والظاهر أنَّ منشأ جميعه ما حكاه النجاشي عن أحمد المذكور من أنَّه كان يشهد عليه بالغلو والكذب، فأخرجه منه)[621]( وما في حسن بن ميّاح من أنَّه ضعيف غال، وفي صالح بن سهل: غال كذاب وضاع للحديث، لا خير فيه ولا في سائر ما رواه»، وفي صالح بن عقبة «قال كذاب لا يلتفت إليه»، وفي عبدالله بن بكر «مرتفع القول ضعيف»، وفي عبدالله بن حكم «ضعيف مرتفع القول»، ونحوه في عبدالله بن سالم وعبدالله بن بحر وعبدالله بن عبدالرحمن.
الثاني: إنَّ الظاهر أنَّه كان غيوراً في دينه، حامياً عنه، فكان إذا رأى مكروهاً اشتدت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، مكثراً على مقترفه من الطعن والتشنيع واللعن والتفظيع، يشهد عليه سياق عبارته، فأنت ترى أنَّ غيره في مقام التضعيف يقتصر بما فيه بيان الضعف، بخلافه فإنَّه يرخي عنان القلم في الميدان باتهامه بالخبث والتهالك واللعان، فيضعف مؤكداً وإليك نماذج:
قال في المسمعي: «إنَّه ضعيف مرتفع القول، له كتاب في الزيارات يدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة».
وقال حول كتاب علي بن العباس: «تصنيف يدل على خبثه وتهالك مذهبه لا يلتفت إليه ولا يعبأ بما رواه».
وقال في جعفر بن مالك: «كذاب متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه».
والحاصل أنَّه كان يكبر كثيراً من الأمور الصغيرة وكانت له روحية خاصة تحمله على ذلك.
ويشهد على ذلك أنَّ الشيخ والنجاشي ربما ضعفا رجلاً، والغضائري أيضاً ضعفه، لكن بين التعبيرين اختلافاً واضحاً.
مثلاً ذكر الشيخ في عبدالله بن محمد أنَّه كان واعظاً فقيهاً، وضعفه النجاشي بقوله: «إنَّه ضعيف» وضعفه الغضائري بقوله: «إنَّه كذاب، وضاع للحديث لا يلتفت إلى حديثه ولا يعبأ به».
ومثله علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه أهل الرجال، فعرفه الشيخ بأنَّه واقفي، والعلاَّمة بأنَّه أحد عمد الواقفة. وقال الغضائري: «علي بن أبي حمزة لعنه الله، أصل الوقف وأشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم».
ومثله إسحاق بن أحمد المكني بـ «أبي يعقوب أخي الأشتر» قال النجاشي: «معدن التخليط وله كتب في التخليط» وقال الغضائري: «فاسد المذهب، كذاب في الرواية، وضاع للحديث، لا يلتفت إلى ما رواه»)[622](.
وبذلك يعلم ضعف ما استدل به على عدم صحة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري من أنَّ النجاشي ذكر في ترجمة الخيبري عن ابن الغضائري، أنَّه ضعيف في مذهبه، ولكن في الكتاب المنسوب إليه: «إنَّه ضعيف الحديث، غالي المذهب» فلو صح هذا الكتاب، لذكر النجاشي ما هو الموجود أيضاً»)[623](.
وذلك لما عرفت من أنَّ الرجل كان ذا روحية خاصة، وكان إذا رأى مكروهاً، اشتدت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، فيأتي بألفاظ لا يصح التعبير بها إلا عند صاحب هذه الروحية، ولما كان النجاشي على جهة الاعتدال نقل مرامه من دون غلو وإغراق.
وبالجملة الآفة كل الآفة في رجاله هو تضعيف الأجلة والموثقين مثل «أحمد بن مهران» قال: «أحمد بن مهران روى عنه الكليني ضعيف» ولكن ثقة الإسلام يروي عنه بلا واسطة، ويترحم عليه كما في باب مولد الزهراء سلام الله عليها)[624]( قال: «أحمد بن مهران ـ رحمه الله ـ رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار الشيباني» إلى غير ذلك من الموارد.
ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على تضعيفاته، فضلاً عن معارضته بتوثيق النجاشي خبير الفن والشيخ عماد العلم. نعم ربما يقال توثيقاته في أعلى مراتب الاعتبار ولكنه قليل وقد عرفت من المحقق الداماد من أنَّه قل أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو ثقة من قدحه)[625](. وقد عرفت آنفاً وسيأتي أنَّ الاعتماد على توثيقه كالاعتماد على جرحه.
النظرية الخامسة:
وفي الختام تشير إلى نظرية خامسة وإن لم نوعز إليها في صدر الكلام وهي أنَّه ربما قال بعدم اعتبار تضعيفات ابن الغضائري لأنَّه كان جرّاحاً كثير الرد على الرواة، وقليل التعديل والتصديق بهم ومثل هذا يعد خرقاً للعادة وتجاوزاً عنها، وإنَّما يعتبر قول الشاهد إذا كان إنساناً متعارفاً غير خارق للعادة. ولأجل ذلك لو ادعى رجلان رؤية الهلال مع الغيم الكثيف في السماء وكثرة الناظرين، لا يقبل قولهما، لأنَّ مثل تلك الشهادة تعدّ على خلاف العادة، وعلى ذلك فلا يقبل تضعيفه، ولكن يقبل تعديله.
وفيه: أنَّ ذلك إنَّما يتم لو وصل إلينا كتاب الممدوحين منه، فعندئذٍ لو كان المضعفون أكثر من الممدوحين والموثقين لكان لهذا الرأي مجال. ولكن يا للأسف! لم يصل إلينا ذلك الكتاب، حتى تقف على مقدار تعديله وتصديقه، فمن الممكن أن يكون الممدوحون عنده أكثر من الضعفاء، ومعه كيف يرمي بالخروج عن المتعارف؟
ولأجل ذلك نجد أنَّ النسبة بين ما ضعفه الشيخ والنجاشي أو وثقاه، وما ضعفه ابن الغضائري أو وثقه، عموم من وجه. فرب ضعيف عندهما ثقة عنده وبالعكس، وعلى ذلك فلا يصح رد تضعيفاته بحجة أنَّه كان خارجاً عن الحد المتعارف في مجال الجرح.
بل الحق في عدم قبوله هو ما أوعزنا إليه من أنَّ توثيقاته وتضعيفاته لم تكن مستندة إلى الحس والشهود والسماع عن المشايخ والثقات، بل كانت مستندة إلى الحدس والاستنباط وقراءة المتون والروايات، ثم القضاء في حق الراوي بما نقل من الرواية، ومثل هذه الشهادة لا تكون حجة لا في التضعيف ولا في التوثيق. نعم، كلامه حجة في غير هذا المجال، كما إذا وصف الراوي بأنه كوفي أو بصري أو واقفي أو فطحي أو له كتب، والله العالم بالحقائق.
المصادر الثانوية لعلم الرجال
الأصول الرجالية الأربعة
قد وقفت بفضل الأبحاث السابقة، على الأصول الأولية لعلم الرجال، التي تعد أمهات الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة، ومؤلفو هذه الأصول يعدون في الرعيل الأول من علماء الرجال، لا يدرك لهم شأو، ولا يشق لهم غبار، لأنهم ـ قدس الله أسرارهم ـ قد عاصروا أساتذة الحديث وأساطينه، وكانوا قريبي العهد من رواة الأخبار ونقلة الآثار، ولأجل ذلك تمكنوا تمكناً تاماً مورثاً للاطمئنان، من الوقوف على أحوالهم وخصوصيات حياتهم، إما عن طريق الحس والسماع ـ كما هو التحقيق ـ أو من طريق جمع القرائن والشواهد المورثة للاطمئنان الذي هو علم عرفي، كما سيوافيك تحقيقه في الأبحاث الآتية.
وقد تلت الطبقة الأولى، طبقة أخرى تعد من أشهر علماء الرجال بعدهم، كما تعد كتبهم مصادر له بعد الأصول الأولية، نأتي بأسمائهم وأسماء كتبهم، وكلهم كانوا عائشين في القرن السادس.
إنَّ أقدم فهرس عام لكتب الشيعة، هو فهرس الشيخ أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري، الذي قد تعرفت عليه وما حوله من الأقوال والآراء.
نعم، إنَّ فهرس أبي الفرج محمد بن إسحاق المعروف بابن النديم (المتوفى عام 385) وإن كان أقدم من فهرس ابن الغضائري، لكنه غير مختص بكتب الشيعة، وإنما يضم بين دفتيه الكتب الإسلامية وغيرها، وقد أشار إلى تصانيف قليلة من كتب الشيعة.
وقد قام الشيخ الطوسي بعد ابن الغضائري، فألف فهرسه المعروف حول كتب الشيعة ومؤلفاتهم، وهو من أحسن الفهارس المؤلفة، وقد نقل عنه النجاشي في فهرسه واعتمد عليه، وإن كان النجاشي أقدم منه عصراً وأرسخ منه قدماً في هذا المجال.
وقد قام بعدهم في القرن السادس، العلامتان الجليلان، الشيخ الحافظ أبو الحسن منتجب الدين الرازي، والشيخ الحافظ محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني، فأكملا عمل الشيخ الطوسي وجهوده إلى عصرهما، وإليك الكلام فيهما إجمالاً:
1 ـ فهرس الشيخ منتجب الدين
وهو تأليف الحافظ علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين (أخي الشيخ الصدوق ـ قده ـ) بن علي (والد الصدوق). عرفه صاحب الرياض بقوله: «كان بحراً لا ينزف، شيخ الأصحاب، صاحب كتاب الفهرس. يروي عن الشيخ الطبرسي (المتوفى عام 548) وأبي الفتوح الرازي وعن جمع كثير من علماء العامة والخاصة. ويروي عن الشيخ الطوسي بواسطة عمه الشيخ بابويه بن سعد، عن الشيخ الطوسي (المتوفى عام 460).
وهذا الإمام الرافعي و(هو الشيخ أبو القاسم عبدالكريم بن محمد الرافعي الشافعي، المتوفى عام 623) يعرفه في تاريخه (التدوين): الشيخ علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه شيخ ريان من علم الحديث سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، قل من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع، قرأت عليه بالري سنة 584، وتولد سنة 504، ومات بعد سنة 585، ثم قال: ولئن أطلت عند ذكره بعض الإطالة فقد كثر انتفاعي بمكتوباته وتعاليقه فقضيت بعض حقه بإشاعة ذكره وأحواله»)[626](.
وقال الشيخ الحر العاملي في ترجمته: «الشيخ الجليل علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، كان فاضلاً عالماً ثقة صدوقاً محدثاً حافظاً راوية علامة، له كتاب الفهرس في ذكر المشايخ المعاصرين للشيخ الطوسي والمتأخرين إلى زمانه»)[627](.
وقد ألَّفه للسيد الجليل أبي القاسم يحيى بن الصدر)[628]( السعيد المرتضى باستدعاء منه حيث قال السيد له: «إنَّ شيخنا الموفق السعيد أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ رفع الله منزلته ـ قد صنف كتاباً في أسامي مشايخ الشيعة ومصنفيهم، ولم يصنف بعده شيء من ذلك» فأجابه الشيخ منتجب الدين بقوله: «لو أخر الله أجلي وحقق أملي، لأضفت إليه ما عندي من أسماء مشايخ الشيعة ومصنفيهم، الذين تأخر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر ـ رحمه الله ـ وليكون أسهل مأخذاً ومن الله التوفيق»)[629](.
وكلامه هذا ينبىء عن أنَّه لم يصل إليه تأليف معاصره الشيخ محمد بن علي بن شهرآشوب، الذي كتب كتابه الموسوم بـ«معالم العلماء» تكملة لفهرس الشيخ، ولأجل ذلك قام بهذا العمل من غير ذكر لذلك الكتاب.
وقد ألَّف الشيخ الطوسي الفهرس بأمر أستاذه المفيد الذي توفي سنة 413، وفي حياته، كما صرح به في أوله.
وقد أورد الشيخ منتجب الدين في فهرسه هذا، من كان في عصر المفيد إلى عصره المتجاوز عن مائة وخمسين سنة. وفي الختام، نقول: «إنَّ الحافظ بن حجر العسقلاني (المتوفى عام 852) قد أكثر النقل عن هذا الفهرس في كتابه المعروف بـ«لسان الميزان»، معبراً عنه بـ «رجال الشيعة» أو «رجال الإمامية» ولا يريد منهما إلا هذا الفهرس، ويعلم ذلك بملاحظة ما نقله في لسان الميزان، مع ما جاء في هذا الفهرس، كما أنَّ لصاحب هذا الفهرس تأليفاً آخر أسماه تاريخ الري، وينقل منه أيضاً ابن حجر في كتابه المزبور، والأسف كل الأسف أن هذا الكتاب وغيره مثل «تاريخ ابن أبي طي»)[630]( و«رجال علي بن الحكم»، و«رجال الصدوق» التي وقف على الجميع، ابن حجر في عصره ونقل عنها في كتابه «لسان الميزان» لم تصل إلينا، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
ثم إنَّ الغاية من اقتراح السيد عز الدين يحيى، نقيب السادات، هو كتابه ذيل لفهرس الشيخ على غراره، بأن يشتمل على أسامي المؤلفين، ومؤلفاتهم واحداً بعد واحد، وقد قبل الشيخ منتجب الدين اقتراح السيد، وقام بهذا العمل لكنه ـ قدس سره ـ عدل عند الاشتغال بتأليف الفهرس عن هذا النمط، فجاء بترجمة كثير من شخصيات الشيعة، يناهز عددهم إلى 540 شخصية علمية وحديثية من دون أن يذكر لهم أصلاً وتصنيفاً، ومن ذكر لهم كتاباً لا يتجاوز عن حدود مائة شخص.
نعم ما يوافيك من الفهرس الآخر لمعاصره ـ أعني معالم العلماء ـ فهو على غرار فهرس الشيخ حذو القذة بالقذة.
2 ـ معالم العلماء
في فهرس كتب الشيعة وأسماء المصنفين:
وهو تأليف الحافظ الشهير محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني، المولود عام 488، والمتوفى سنة 588، وهو أشهر من أن يعرف، فقد أطراه أرباب المعاجم من العامة والخاصة.
قال صلاح الدين الصفدي: «محمد بن علي بن شهرآشوب أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين الشيعي، أحد شيوخ الشيعة. حفظ القرآن وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أصول الشيعة، كان يرحل إليه من البلاد، ثم تقدم في علم القرآن والغريب والنحو، ذكره ابن أبي طي في تاريخه، وأثنى عليه ثناء بليغاً، وكذلك الفيروزآبادي في كتاب البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، وزاد أنَّه كان واسع العلم، كثير العبادة دائم الوضوء، وعاش مائة سنة إلا ثمانية أشهر، ومات سنة 588»)[631](.
وذكره الشيخ الحر العاملي في «أمل الآمل» في باب المحمدين، وذكر كتبه الكثيرة، التي أعرفها «مناقب آل أبي طالب» وقد طبع في أربع مجلدات، و«متشابه القرآن» وهو من محاسن الكتب وقد طبع في مجلد واحد، و«معالم العلماء» الذي نحن بصدد تعريفه، وهذا الكتاب يتضمن 1021 ترجمة وفي آخرها «فصل فيما جهل مصنفه» و«باب في بعض شعراء أهل البيت» وهذا الفهرس، كفهرس الشيخ منتجب الدين تكملة لفهرس الشيخ الطوسي، والمؤلفان متعاصران، والكتابان متقاربا التأليف، وقد أصبح معالم العلماء من المدارك المهمة لعلماء الرجال، كالعلاَّمة الحلي في «الخلاصة»، ومن بعده.
3 ـ رجال ابن داود
وهو تأليف تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المولود سنة 647، أي قبل تولد العلاَّمة بسنة، والمتوفى بعد سنة 707، تتلمذ على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس (المتوفى سنة 673) قرأ عليه أكثر كتاب «البشرى» و«الملاذ» حتى قال: «وأكثر فوائد هذا الكتاب من إشاراته وتحقيقاته، رباني وعلمني وأحسن إليّ»)[632](.
كما قرأ على الإمام نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق، وقال في حقه: «قرأت عليه ورباني صغيراً، وكان له عليّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنفه وقرأه ورواه»)[633](.
ومن مزايا ذلك الكتاب، أنَّه سلك فيه مسلكاً لم يسبقه أحد من الأصحاب، لأنَّه رتبه على الحروف، الأول فالأول، من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد، وجمع ما وصل إليه من كتب الرجال مع حسن الترتيب وزيادة التهذيب، فنقل ما في فهرس الشيخ والنجاشي، ورجال الكشي، والشيخ وابن الغضائري والبرقي والعقيقي وابن عقدة والفضل بن شاذان وابن عبدون، وجعل لكل كتاب علامة، ولم يذكر المتأخرين عن الشيخ إلا أسماء يسيرة، وجعل كتابه في جزئين، الأول يختص بذكر الموثقين والمهملين، والثاني بالمجروحين والمجهولين.
وذكر في آخر القسم الأول، تحت عنوان خاص، جماعة وصفهم النجاشي بقوله: «ثقة ثقة» مرتين، عدتهم أربعة وثلاثون رجلاً مرتبين على حروف الهجاء، ثم أضاف بأن الغضائري جاء في كتابه خمسة رجال زيادة على ما ذكره النجاشي، ووصف كلاً منهم بأنَّه «ثقة ثقة» مرتين، ثم ذكر خمسة فصول لا غنى للباحث عنها، كل فصل معنون بعنوان خاص.
ثم ذكر في آخر القسم الثاني، سبعة عشر فصلاً لا يستغني عنها الباحثون، كل فصل معنون بعنوان خاص ثم أورد تنبيهات تسعة مفيدة.
وبما أنَّه وقع في هذا الكتاب اشتباهات عند النقل عن كتب الرجال، مثلاً نقل عن النجاشي مطلباً وهو للكشي أو بالعكس، قام المحقق الكبير السيد محمد صادق آل بحر العلوم في تعليقاته على الكتاب، بإصلاح تلك الهفوات، ولعل أكثر تلك الهفوات نشأت من استنساخ النساخ، وعلى كل تقدير، فلهذا الكتب مزية خاصة لا توجد في قرينه الآتي أعني خلاصة العلاَّمة.
قال الأفندي في «رياض العلماء»: و«ليعلم أنَّ نقل ابن داود في رجاله عن كتب رجال الأصحاب، ما ليس فيها، مما ليس فيه طعن عليه، إذ أكثر هذا نشأ من اختلاف النسخ، والازدياد والنقصان الحاصلين من جانب المؤلفين أنفسهم بعد اشتهار بعض نسخها وبقي في أيدي الناس على حاله الأولى من غير تغيير، كما يشاهد في مصنفات معاصرينا أيضاً ولا سيما في كتب الرجال التي يزيد فيها مؤلفوها، الأسامي والأحوال يوماً فيوماً، وقد رأيت نظير ذلك في كتاب فهرس الشيخ منتجب الدين، وفهرس الشيخ الطوسي، وكتاب رجال النجاشي وغيرها، حتى إني رأيت في بلدة الساري نسخة من خلاصة العلاَّمة قد كتبها تلميذه في عصره وكان عليها خطه وفيه اختلاف شديد مع النسخ المشهورة بل لم يكن فيها كثير من الأسامي والأحوال المذكورة في النسخ المتداولة منه»)[634](.
أقول: ويشهد ذلك أنَّ المؤلفات المطبوعة في عصرنا هذا تزيد وتنقص حسب طبعاتها المختلفة، فيقوم المؤلف في الطبعة اللاحقة بتنقيح ما كتب بإسقاط بعض ما كتبه وإضافة ما لم يقف عليه في الطبعة الأولى، ولأجل ذلك تختلف الكتب للمعاصرين حسب اختلاف الطبعات.
وفي الختام نذكر نص إجازة السيد أحمد بن طاووس، لتلميذه ابن داود مؤلف الرجال، وهي تعرب عن وجود صلة وثيقة بين الأستاذ والمؤلف فإنَّه بعدما قرأ ابن داود كتاباً «نقض عثمانية جاحظ»)[635]( على مؤلفه «أحمد بن طاووس» كتب الأستاذ إجازة له وهذه صورته:
«قرأ عليّ هذا «البناء» من تصنيفي، الولد العالم الأديب التقي، حسن بن علي بن داود ـ أحسن الله عاقبته وشرف خاتمته ـ وأذنت له في روايته عني.
وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن طاووس حامداً لله ومصلياً على رسوله، والطاهرين من عترته، والمهديين من ذريته».
وفي آخر الرسالة ما هذه صورته:
«أنجزت الرسالة، والحمد لله على نعمه، وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.
كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى، حسن بن علي بن داود ربيب صدقات مولانا المصنف ـ ضاعف الله مجده وأمتعه الله بطول حياته ـ وصلاته على سيدنا محمد النبي وآله وسلامه».
وكان نسخ الكتاب في شوال من سنة خمسة وستين وستمائة.
وقال الأفندي: ويروي ابن داود عن جماعة من الفضلاء.
منهم: السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس.
ومنهم: الشيخ مفيد الدين محمد بن جهيم الأسدي على ما يظهر من ديباجة رجاله)[636](.
أقول: وهو يروي عن جماعة أخرى أيضاً.
منهم: المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (المتوفى عام 676).
ومنهم الشيخ نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن سعيد الحلي ابن عم المحقق المذكور (المتوفى عام 689).
ومنهم الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي والد العلامة الحلي.
ونقل الأفندي في الرياض أنه كان شريك الدرس مع السيد عبدالكريم بن جمال الدين)[637]( أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى عام 693) عند المحقق، ولكن العلاَّمة الأميني عدّه من مشايخه)[638]( والظاهر اتقان الأول.
ويروي عنه جماعة كثيرة:
منهم: الشيخ رضي الدين علي بن أحمد المزيدي الحلي)[639](، أستاذ الشهيد الأول، المتوفى عام 757.
ومنهم: الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن طراد المطارآبادي، المتوفى بالحلة 754.
وللمترجم له تآليف قيّمة تبلغ ثلاثين كتاباً ذكر أسماءها في رجاله.
ومن شعره الرائق قوله في حق الوصي:
وإذا نظرت إلى خطاب محمد
يوم الغدير إذا استقر المنزل
من كنت مولاه فهذا حيدر
مولاه لا يرتاب فيه محصل
لعرفت نص المصطفى بخلافة
من بعده غراء لا يتأول
وله أرجوزة في الإمامة، طويلة، مستهلها:
وقد جرت لي قصة غريبة
قد نتجت قضية عجيبة)[640](
وقد عرفت أنَّه قد فرغ من رجاله عام 707، ولم يعلم تاريخ وفاته على وجه اليقين، غير أنَّ العلاَّمة الأميني ينقل عن «رياض العلماء» أنَّه رأى في مشهد الرضا نسخة من «الفصيح» بخط المترجم له، في آخرها: «كتبه مملوكه حقاً حسن بن علي بن داود غفر له في ثالث عشر شهر رمضان المبارك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة حامداً مصلياً مستغفراً».
فيكون له من العمر حينذاك 94 عاماً، فيكون من المعمرين، ولم يذكر منهم)[641](.
4 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال
وهي للعلامَّة)[642]( على الإطلاق الحسن بن يوسف بن المطهر، المولود عام 648. والمتوفى عام 726، الذي طار صيته في الآفاق، برع في المعقول والمنقول، وتقدم على الفحول وهو في عصر الصبا. ألَّف في فقه الشريعة مطولات ومتوسطات ومختصرات، وكتابه هذا في قسمين: القسم الأول؛ فيمن اعتمد عليه وفيه سبعة عشر فصلاً، والقسم الثاني؛ مختص بذكر الضعفاء ومن ردَّ قوله أو وقف فيه، وفيه أيضاً سبعة عشر فصلاً، وفي آخر القسم الثاني خاتمة تشتمل على عشر فوائد مهمة، وكتابه هذا خلاصة ما في فهرس الشيخ والنجاشي وقد يزيد عليهما.
قال المحقق التستري: «إنَّ ما ينقله العلاَّمة من رجال الكشي والشيخ وفهرس النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد، وإنَّما يفيد في ما لم نقف على مستنده، كما في ما ينقل من جزء من رجال العقيقي، وجزء من رجال ابن عقدة، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل إلينا، كما يظهر منه في سليمان النخعي، كما يفيد أيضاً فيما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا، فكان عنده النسخة الكاملة في ليث البختري، وهشام بن إبراهيم العباسي، ومحمد بن نصير، ومحمد بن أحمد بن محمد بن سنان، ومحمد بن أحمد بن قضاعة، ومحمد بن الوليد الصيرفي، والمغيرة بن سعيد، ونقيع بن الحارث، وكما ينقل في بعضهم أخباراً لم نقف على مأخذها، كما في إسماعيل بن الفضل الهاشمي، وفيما أخذه من مطاوي الكتب كمحمد بن أحمد النطنزي»)[643](.
وبما أنَّ هذا الكتاب ورجال ابن داود متماثلان في التنسيق وكيفية التأليف، يمكن أن يقال: أنَّ واحداً منهما اقتبس المنهج عن الآخر، كما يمكن أن يقال: إنَّ كليهما قد استقلا في التنسيق والمنهج بلا استلهام من آخر، غير أنَّ المظنون هو أنَّ المؤلفين، بما أنَّهما تتلمذا على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس المتوفى سنة 673، وقد كان هو رجالي عصره ومحقق زمانه في ذلك الفن، قد اقتفيا في تنسيق الكتاب ما خطه أستاذهما في ذلك الموقف، والله العالم.
الفروق بين رجالي العلاَّمة وابن داود
ثم إنَّ هنا فروقاً بين رجالي العلاَّمة وابن داود يجب الوقوف عليها، وإليك بيانها:
1 ـ إنَّ القسم الأول من الخلاصة مختص بمن يعمل بروايته، والثاني بمن لا يعمل بروايته، حيث قال: «الأول: في من اعتمد على روايته أو ترجح عندي قبول قوله. الثاني: فيمن تركت روايته أو توقفت فيه».
ولأجل ذلك يذكر في الأول الممدوح، لعمله بروايته، كما يذكر فيه فاسد المذهب إذا عمل بروايته كابن بكير وعلي بن فضال. وأما الموثقون الذين ليسوا كذلك، فيعنونهم في الجزء الثاني لعدم عمله بخبرهم، هذا.
والجزء الأول من كتاب ابن داود فيمن ورد فيه أدنى مدح ولو مع ورود ذموم كثيرة أيضاً فيه ولم يعمل بخبره، والجزء الثاني من كتابه، فيمن ورد فيه أدنى ذم ولو كان أوثق الثقات وعمل بخبره، ولأجل ذلك ذكر بريداً العجلي مع جلالته في الثاني، كما ذكر هشام بن الحكم فيه أيضاً لأجل ورود ذم ما فيه، أعني كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق.
2 ـ إنَّ العلاَّمة لا يعنون المختلف فيه في القسمين، بل إن رجح المدح يذكره في الأول، وإن رجح الذم أو توقف يذكره في الثاني.
وأما ابن داود فيذكر المختلف فيه في الأول باعتبار مدحه، وفي الثاني باعتبار جرحه.
3 ـ إنَّ العلاَّمة إذا أخذ من الكشي أو النجاشي أو فهرس الشيخ أو رجاله أو الغضائري لا يذكر المستند، بل يعبر بعين عبائرهم. نعم فيما إذا نقل عن غيبة الشيخ أو عن رجال ابن عقدة أو رجال العقيقي فيما وجد من كتابيهما، يصرح بالمستند.
كما أنَّه إذا كان أصحاب الرجال الخمسة مختلفين في رجل، يصرح بأسمائهم، وحينئذٍ فإن قال في عنوان شيئاً وسكت عن مستنده، يستكشف أنَّه مذكور في الكتب الخمسة ولو لم نقف عليه في نسختنا.
وأما ابن داود فيلتزم بذكر جميع من أخذ عنه، فلو لم يذكر المستند، علم أنَّه سقط من نسختنا رمزه، إلا ما كان مشتبهاً عنده فلا يرمزه.
4 ـ إنَّ العلاَّمة يقتصر على الممدوحين في الأول، بخلاف ابن داود، فإنَّه يذكر فيه المهملين أيضاً، والمراد من المهمل من عنونه الأصحاب ولم يضعفوه.
قال ابن داود: «والجزء الأول من الكتاب في ذكر الممدوحين ومن لم يضعفهم الأصحاب، والمفهوم منه أنَّه يعمل بخبر رواته مهملون، لم يذكروا بمدح ولا قدح، كما يعمل بخبر رواته ممدوحون. نعم هو وإن استقصى الممدوحين، لكنه لم يستقص المهملين.
هذه هي الفروق الجوهرية بين الرجالين.
المجهول في مصطلح العلاَّمة وابن داود
إن هناك فرقاً بين مصطلح العلاَّمة وابن داود، ومصطلح المتأخرين في لفظ المجهول. فالمجهول في كلامهما غير المهمل الذي عنونه الرجاليون ولم يضعفوه، بل المراد منه من صرح أئمة الرجال فيه بالمجهولية، وهو أحد ألفاظ الجرح، ولذا لم يعنوناه إلا في الجزء الثاني من كتابيهما، المعد للمجروحين، وقد عقد ابن داود لهم فصلاً في آخر الجزء الثاني من كتابه، كما عقد فصلاً لكل من المجروحين من العامة والزيدية والواقفية وغيرهم.
لكن المجهول في كلام المتأخرين من الشهيد الثاني والمجلسي والمامقاني، أعم منه ومن المهمل الذي لم يذكر فيه مدح ولا قدح.
وقد عرفت أنَّ العلاَّمة لا يعنون المهمل أصلاً، وابن داود يعنون في الجزء الأول كالممدوح، وكان القدماء يعملون بالمهمل كالممدوح، ويردّون المجهول وقد تفطن بذلك ابن داود)[644](.
فهذه الكتب الأربعة، هي الأصول الثانوية لعلم الرجال. ألف الأول والثاني منهما في القرن السادس، كما ألف الثالث والرابع في القرن السابع، والعجب أنَّ المؤلفين متعاصرون ومتماثلو التنسيق والمنهج كما عرفت.
وقد ترجم ابن داود العلاَّمة في رجاله، ولم يترجمه العلاَّمة في الخلاصة، وإنَّ ذا مما يقضي منه العجب.
هذه هي أصول الكتب الرجالية أوليّها وثانويّها، وهناك كتب أخرى لم تطبع ولم تنشر ولم تتداولها الأيدي، ولأجل ذلك لم نذكر عنها شيئاً ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب «مصفى المقال في مؤلفي الرجال» للعلاَّمة المتتبع الطهراني ـ رحمه الله ـ.
وهذه هي الأصول الأولية الثمانية والثانوية الأربعة لعلم الرجال، وأما الجوامع الرجالية فسيوافيك ذكرها عن قريب.
الجوامع الرجالية في العصور المتأخرة
قد وقفت على الأصول الرجالية، وهناك جوامع رجالية مطبوعة ومنتشرة يجب على القارىء الكريم التعرف بها، وهذه الجوامع ألفت في أواخر القرن العاشر إلى أواخر القرن الثاني عشر، تلقاها العلماء بالقبول وركنوا إليها ولا بد من التعرف عليها.
1 ـ مجمع الرجال
تأليف زكي الدين عناية الله القهبائي، من تلاميذ المقدس الأردبيلي (المتوفى سنة 993). والمولى عبدالله التستري (المتوفى عام 1021) والشيخ البهائي (المتوى سنة 1031). جمع في ذلك الكتاب تمام ما في الأصول الرجالية الأولية، حتى أدخل فيه كتاب الضعفاء للغضائري وقد طبع الكتاب في عدة أجزاء.
2 ـ منهج المقال
تأليف السيد الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي (المتوفى سنة 1028) وهو أستاذ المولى محمد أمين الأسترآبادي صاحب «الفوائد المدنية». له كتب ثلاثة في الرجال: الكبير وأسماه «منهج المقال». والوسيط، الذي ربما يسمى بـ «تلخيص المقال» أو «تلخيص الأقوال»، والصغير الموسوم بـ «الوجيز». والأول مطبوع، والثاني مخطوط ولكن نسخه شائعة، والثالث توجد نسخة منه في الخزانة الرضوية كما جاء في فهرسها.
3 ـ جامع الرواة
تأليف الشيخ محمد بن علي الأردبيلي. صرف من عمره في جمعه ما يقرب من عشرين سنة، وابتكر قواعد رجالية صار ببركتها كثير من الأخبار التي كانت مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة، معلومة الحال، صحيحة مسندة، وطبع الكتاب في مجلدين، وقدم له الإمام المغفور له الأستاذ الحاج آقا حسين البروجردي ـ قدس الله سره ـ مقدمة وله أيضاً «تصحيح الأسانيد» الذي أدرجه شيخنا النوري بجميعه أو ملخصه في الفائدة الخامسة من فوائد خاتمة المستدرك.
ومن مزايا هذا الكتاب أنَّه جمع رواة الكتب الأربعة، وذكر في كل راو ترجمة من رووا عنه ومن روي عنهم، وعين مقدار رواياتهم ورفع بذلك، النقص الموجود في كتب الرجال.
قال في مقدمته: «سنح بخاطره (يعني نفسه) الفاتر ـ بتفضله غير المتناهي ـ أنَّه يمكن استعلام أحوال الرواة المطلقة الذكر، من الراوي والمروي عنه بحيث لا يبقى اشتباه وغموض، وعلماء الرجال ـ رضوان الله عليهم ـ لم يذكروا ولم يضبطوا جميع الرواة، بل ذكروا في بعض المواضع تحت بعض الأسماء بعنوان أنه روى عنه جماعة، منهم فلان وفلان، ولم يكن هذا كافياً في حصول المطلوب ـ إلى أن قال: صار متوكلاً على رب الأرباب، منتظماً على التدريج راوي كل واحد من الرواة في سلك التحرير، حتى إنَّه رأى الكتب الأربعة المشهورة، والفهرس للشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ والفهرس للشيخ منتجب الدين… ومشيخة الفقيه والتهذيب والاستبصار، وكتب جميع الرواة الذين كانوا فيها، ورأى أيضاً كثيراً من الرواة رووا عن المعصوم، ولم يذكر علماء الرجال روايتهم عنه (عليه السلام)، والبعض الذين عدّوه من رجال الصادق، رأى روايته عن الكاظم (عليه السلام) مثلاً، والذين ذكروا ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام) رأى أنَّه روي عنهم (عليهم السلام) إلى أن قال: إنَّ بعض الرواة الذين وثقوه ولم ينقلوا أنَّه روي عن المعصوم (عليه السلام) ورأى أنَّه روي عنه (عليه السلام) ضبطه أيضاً، حتى تظهر فائدته في حال نقل الحديث مضمراً ـ إلى أن قال ـ: (ومن فوائد هذا الكتاب) أنَّه بعد التعرف على الراوي والمروي عنه، لو وقع في بعض الكتب اشتباه في عدم ثبت الراوي في موقعه يعلم أنَّه غلط وواقع غير موقعه.
(ومن فوائده أيضاً) أنَّ رواية جمع كثير من الثقات وغيرهم عن شخص واحد تفيد أنَّه كان حسن الحال أو كان من مشايخ الإجازة»)[645](.
والحق أنَّ الرجل مبتكر في فنه، مبدع في عمله، كشف بعمله هذا الستر عن كثير من المبهمات، ومع أنَّه تحمل في تأليف هذا الكتاب طيلة عشرين سنة، جهوداً جبارة، بحيث ميز التلميذ عن الشيخ، والراوي عن المروي عنه، ولكن لم يجعل كتابه على أساس الطبقات حتى يقسم الرواة إلى طبقة وطبقة، ويعين طبقة الراوي ومن روى هو عنه، أو رووا عنه، مع أنَّه كان يمكنه القيام بهذا العمل في ثنايا عمله بسبر جميع الكتب والمسانيد بإمعان ودقة.
4 ـ نقد الرجال
تأليف السيد مصطفى التفريشي ألَّفه عام 1015، وهو من تلاميذ المولى عبدالله التستري وقد طبع في مجلد.
قال في مقدمته: «أردت أن أكتب كتاباً يشتمل على جميع أسماء الرجال من الممدوحين والمذمومين والمهملين، يخلو من تكرار وغلط، ينطوي على حسن الترتيب، يحتوي على جميع أقوال القوم ـ قدس الله أرواحهم ـ من المدح والذم إلا شاذاً شديد الشذوذ».
5 ـ منتهى المقال في أحوال الرجال
المعروف برجال أبي علي الحائري: تأليف الشيخ أبي علي محمد بن إسماعيل الحائري (المولود عام 1159هـ، والمتوفى عام 1215 أو 1216 في النجف الأشرف).
ابتدأ في كل ترجمة بكلام الميرزا في الرجال الكبير، ثم بما ذكره الوحيد في التعليقة عليه، ثم بكلمات أخرى، وقد شرح نمط بحثه في أول الكتاب، وترك ذكر جماعة بزعم أنَّهم من المجاهيل وعدم الفائدة في ذكرهم، ولكنهم ليسوا بمجاهيل، بل أكثرهم مهملون في الرجال، وقد عرفت الفرق بين المجهول والمهمل.
وهذه الكتب الخمسة كلها ألفت بين أواخر القرن العاشر إلى أواخر القرن الثاني عشر، وقد اجتهد مؤلفوها في جمع القرائن على وثاقة الراوي أو ضعفها، واعتمدوا على حدسيّات وتقريبات.
هذه هي الجوامع الرجالية المؤلفة في القرون الماضية، وهناك مؤلفات أخرى بين مطولات ومختصرات ألفت في القرون الأخيرة ونحن نشير إلى ما هو الدارج بين العلماء في عصرنا هذا.
علم الرجال والأحاديث غير الفقهية
إنَّ الرجوع إلى علم الرجال لا يختص بمورد الروايات الفقهية فكما أنَّ الفقيه لا منتدح له عن الرجوع إلى ذلك العلم ليميز الصحيح عن الساقط، فهكذا المحدث والمؤرخ الإسلاميان يجب عليهما الرجوع إلى علم الرجال في القضايا التاريخية والحوادث المؤلمة أو المسرة. فإن يد الجعل والوضع قد لعبت تحت الستار في مجال التاريخ والمناقب أكثر منها في مجال الروايات الفقهية. ومن حسن الحظ أنَّ قسماً كبيراً من التواريخ المؤلفة في العصور الأولى مسندة لا مرسلة، كتاريخ الطبري لابن جرير وتفسيره، فقد ذكر إسناد ما يرويه في كلا المجالين. وبذلك يقدر الإنسان على تمييز الصحيح عن الزائف، ومثله طبقات ابن سعد (المتوفى عام 209) وغير ذلك من الكتب المؤلفة في تلك العصور مسندة.
ولأجل إيقاف القارىء على عدَّة من الكتب الرجالية لأهل السنَّة نأتي بأسماء المهم منها ولا غنى للباحث عن الرجوع إلى تلك الكتب الثمينة:
1 ـ «الجرح والتعديل»: «تأليف الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي (المولود عام 240 والمتوفى عام 327) وطبع الكتاب في تسعة أجزاء يحتوي على ترجمة ما يقرب من عشرين ألف شخص.
2 ـ «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»: تأليف أبي عبدالله محمد بن أحمد الذهبي (المتوفى عام 748هـ).
قال السيوطي: «والذي أقوله: المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر»)[646](.
3 ـ «تهذيب التهذيب»: تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المولود عام 773، والمتوفى عام 852) صاحب التآليف الكثيرة منها «الإصابة» و«الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وغيرهما.
والأصل في هذا الكتاب هو «الكمال في أسماء الرجال»)[647]( تأليف الحافظ أبي محمد عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي الحنبلي (المتوفى سنة 600).
وهذبه الحافظ جمال الدين يوسف بن الزكي المزي (المتوفى سنة 724) وأسماه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال».
وقام ابن حجر بتلخيص التهذيب وأسماه «تهذيب التهذيب» واقتصر فيه على الجرح والتعديل وحذف ما طال به الكتاب من الأحاديث. طبع في 12 جزءاً في حيدرآباد دكن من بلاد الهند عام 1325.
4 ـ «لسان الميزان»: تأليف الحافظ بن حجر العسقلاني وهو اختصار لكتاب «ميزان الاعتدال» للذهبي وقد ذكر في مقدمة الكتاب كيفية العمل الذي قام به في طريق اختصاره. طبع الكتاب في سبعة أجزاء في حيدر آباد دكن من بلاد الهند وأعيد طبعه كسابقه في بيروت بالافست.
وهذه الكتب الأربعة هي مصادر علم الرجال عند أهل السنَّة، فيجب على كل عالم إسلامي «الإلمام بها والاستعانة بها في تمييز الأحاديث والمرويات المزورة والمختلفة في طول الأجيال الماضية، عن الصحاح الثابتة.
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
الكتب المؤلفة في حياة الصحابة
قد قام عدَّة من المتضلعين في التاريخ والحديث بتأليف كتب حافلة بترجمة صحابة النبي الأكرم (ص) والمهم منها ما يلي:
1 ـ «الاستيعاب في أسماء الأصحاب»: تأليف الحافظ أبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر (المولود سنة 363 والمتوفى عام 463).
2 ـ «أسد الغابة»: للعلاَّمة أبي الحسن علي بن محمد بن عبدالكريم الجزري المعروف بابن الأثير (المتوفى عام 630) وقد جاء فيه سبعة آلاف وخمسمائة ترجمة.
3 ـ «الإصابة في تمييز الصحابة»: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني السابق ذكره.
وقد قمنا بتأليف كتاب حول صحابة النبي الذين شايعوا عليّاً في حياة النبي وبعد رحلته إلى أن لفظوا آخر نفس من حياتهم فبلغ عددهم 250 شخصاً طبع منه جزءان.
جعفر السبحاني
الرجال (كتاب)
كتاب «الرجال» للشيخ الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460هـ) واحد من الأصول الرجالية الخمسة.
ويمتاز مؤلفه الشيخ الطوسي ـ بين مؤلفي تلك الكتب ـ بأنَّه مؤلف لثلاثة من تلك الأصول الخمسة، وهي كتاب «الفهرست» وكتاب «اختيار معرفة الرجال» وكتاب «الرجال» هذا الذي نتحدث عنه.
كما يمتاز الشيخ الطوسي ـ بين المؤلفين القدماء في علم الرجال ـ بأنه الوحيد الذي له مزاولات فقهية وأصولية، بالمستوى الرفيع في ذلك العصر، حيث أصبح مرجعاً وشيخاً للطائفة وزعيماً في الفتوى والعلم، وفي خصوص علم الرجال استحق ـ بجدارة ـ أن يكون: «إمام هذا الشأن»)[648](.
وبما أنَّ علم الرجال يبدو تأثيره الإيجابي المباشر في علم الفقه، في طريق استنباط الأحكام الشرعية من دليل الحديث الشريف، فإنَّ انعكاس ذلك على الشيخ الطوسي في أعماله الفقهية واضح، وينعكس مثل ذلك على محاولاته الرجالية، حيث لم تكن مجرد نظريات علمية صرفة، بل إنَّها ـ بفرض المزاولة الفقهية ـ أصبحت واردة في المجال العملي بتطبيقاتها في الحديث والفقه، فكانت عملية ملموسة، مما جعل الشيخ «أشد مراساً في ذلك»)[649](.
وتختلف كتب الشيخ الرجالية، من حيث المنهج والعرض، وكذلك من حيث الفائدة والنتائج المتوخاة.
ويمتاز كتاب «الرجال» من بينها بأنَّه:
1 ـ أوسعها من حيث تعداد الأسماء.
2 ـ ترتيبه على الطبقات.
3 ـ تأخره في التأليف عن الفهرست، لإرجاع الشيخ في كتاب «الرجال» إلى الفهرست كثيراً، وخاصة في الباب الأخير.
وتأخره عن رجال الكشي، لأن الشيخ كان واقفاً على كتاب الكشي، لأنه ذكره في الفهرست. وفي الباب الأخير من الرجال.
وبذلك يكون كتاب «الرجال» من أهم الكتب الرجالية للشيخ، حيث أخذ فيه ـ بنظر الاعتبار جميع ما في الكتابين الآخرين.
وهذا الكتاب ـ بَعْدَ ذلك ـ يحتوي على أمور كانت سبباً للتحامل عليه من قبل بعض الممارسين لهذا العلم، لعدم وقوفهم على ما تميز به هذا الكتاب الجليل من خصوصيات، ولعدم اطلاعهم على منهج تأليفه، ولا على الهدف من تأليفه، ولعدم وقوفهم على كثير من المصطلحات التي استخدمها الشيخ فيه.
لكن المتمرسين في العلم يربأون بالشيخ وبكتابه الجليل عن أن تتجه إليه حملة طائشة أو انتقاد باهت.
ونعتقد أن الشيخ في جلالته وقدمه الراسخة في العلم، قد وضع كل كلمة من كلمات هذا الكتاب، في موقعها المناسب، حسب منهجية علمية مدروسة، وطبق قواعد متينة رصينة.
توضيح هذه المشكلة
ومن أمثلة ذلك: ما صنعه الشيخ في الباب الأخير من كتاب «الرجال» الذي عنونه بباب «من لم يرو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)».
حيث أورد فيه أسماء مجموعة من الرواة الذين أورد هو أسماءهم في الأبواب السابقة المعقودة لذكر «من روى عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)»، فبرز أمام الباحثين تناقض في عد الشيخ هؤلاء الرواة في بابين «باب من روى» و«باب من لم يروِ» وطرح هذا السؤال نفسه:
كيف يكون الشخص راوياً، ويعد في «من لم يروِ»؟، أو كيف يكون غير راوٍ، وقد عد في «من روى»؟
ولنسمع المشكلة من حديث بعض الأعلام:
قال السيد بحر العلوم: من الإشكال المشهور أن الشيخ رحمه الله في كتاب «الرجال» قد يذكر الرجل في باب «من لم يرو عنهم (عليهم السلام)» وفي غيره من الأبواب.
وقال الشيخ المامقاني ـ بعد أن نقل كلام الشيخ في مقدمة الرجال ـ: عقد باباً… ثم باباً، لكل من روى عن إمام إمام، على الترتيب ثم باباً لمن لم يرو عن أحد من الأئمة (عليهم السلام)، وقد اتفق له في هذا الكتاب ذكر الرجل في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، مع ذكره له بعينه في بعض أبواب من روى عنهم (عليهم السلام)، وهذا من التناقض البين، وقد أشكل على أساتيذ الفن حل ذلك.
وقال السيد الخوئي: وقد اتفق في غير مورد أن الشيخ ذكر اسماً في أصحاب المعصومين (عليهم السلام)، وذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً، وفي هذا جمع بين المتناقضين، إذ كيف يمكن أن يكون شخص واحد أدرك أحد المعصومين (عليهم السلام) وروى عنه، ومع ذلك يدرج في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وقد ذكر في توجيه ذلك وجوه لا يرجع شيء منها إلى محصل.
المشكلة من كلام الشيخ
والأفضل تقديم كلام الشيخ الطوسي رحمه الله في مقدمة كتابه، لعرض المشكلة من خلاله، ومعرفة مدى دلالته عليها.
وقال: … كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص)، وعن الأئمة (عليهم السلام) من بعده، إلى زمن القائم.
ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم.
والذي يدل عليه هذا الكلام بوضوح، هو:
أولاً: أنَّ الشيخ يهدف إلى ضبط أسماء خصوص الرواة عن المعصومين (عليهم السلام)، وسردها على ترتيب الطبقات، من دون أن يقصد ذكر مطلق أصحابهم، أو الذين شاهدوهم، أو كان لهم مجرد لقاء بهم (عليهم السلام)، بل الكتاب خاص بتعديد رواة الحديث عنهم (عليهم السلام).
ثانياً: أنَّ الباب الأخير، يحتوي على صنفين من الرجال:
1 ـ الذين تأخر زمانهم عن زمان حضور الأئمة (عليهم السلام)، ممن ولد في زمان الغيبة، أو قبلها بقليل، أو بدأ نشاطه العلمي بعد دخول الغيبة، وهم أكثر علماء النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
2 ـ من عاصر الأئمة (عليهم السلام)، وكان له نشاط علمي في زمانهم، لكنه لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وظاهر أن هؤلاء ـ الذين لم يعاصروا، والذين عاصروا ولم يرووا ـ لا بد أن لا تكون لهم رواية عن الأئمة (عليهم السلام) حتى يصح أن يقال في حقهم أنهم «لم يرووا عنهم» (عليهم السلام).
فظاهر كلامه يقتضي ـ بوضوح ـ أنَّ رواية الراوي عن أحد الأئمة (عليهم السلام) يخرجه عن هذا العنوان، فالتناقض بين، بين من لم يرو، ومن روى.
لكن الشيخ عنون الباب الأخير، الذي عقده لاحتواء هؤلاء، بقوله: «باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحد من الأئمة (عليهم السلام)».
وقد يتصور أنَّ مراده: من لم يرو عن واحد، وإن روى عن غيره من الأئمة (عليهم السلام)، فيكون باعتبار عدم روايته عن ذلك الواحد، مذكوراً في باب من لم يرو وباعتبار روايته عن غيره مذكوراً في باب الرواة.
لكن من الواضح أن عنوان هذا الباب أيضاً يدل على نفس ما ذكره الشيخ في المقدمة صراحة، لأنَّ المقصود هنا أيضاً عدم رواية الراوي عن أي واحد من الأئمة (عليهم السلام)، بحيث تنافيه روايته حتى عن واحد منهم، ويدل على ذلك:
1 ـ القاعدة التي تنص على أنَّ النكرة بعد النفي تفيد العموم.
2 ـ مطابقة مدلول العنوان بهذا الشكل لما صرح به في المقدمة، كما أوضحنا.
3 ـ مناسبة هذا المعنى في من عاصرهم، للصنف الأول المشمولين في هذا الباب وهم من تأخر عنهم، فإن المقصود فيهما واحد، وهو أن لا يعد المذكورون في الباب من الرواة عن الأئمة (عليهم السلام).
4 ـ أنَّ الهدف من عقد باب مستقل هو احتواؤه على من يتميز عن المذكورين سابقاً بشكل من الأشكال، والمائز بين الأبواب السابقة هو اختلاف الإمام المروي عنه في كل باب باب، ولم تبق ميزة لهذا الباب الأخير سوى عدم الرواية عن السابقين، وإلا كان عقد باب منفصل أمر لغواً لفرض عدم الميزة الموجبة لاستقلاله.
وإذا كانت ميزة هذا الباب هي عدم الرواية عن المعصومين (عليهم السلام) فمن الواضح تنافيه مع الرواية عن واحد منهم.
فقد اتضح أنَّ التصور البدوي، للعنوانين هو التنافي في ما لو ذكر الرجل فيهما معاً.
واعلم أنَّ بعض الرجاليين نقل عبارة مقدمة الشيخ بلفظ: «أو من عاصرهم ولم يرهم».
ولا يخفى فساده:
أولاً: لمخالفته لأكثر النسخ المصححة الموجودة، منها المطبوعة المعتمدة على نسخة الشيخ ابن إدريس الحلي ومنها المخطوطة المسموعة من ابن الشيخ.
وكذلك مخالفته لنسخ أكثر أعلام الفن الذين نقلوا عنها مثل القهبائي والتفريشي وغيرهما.
ثانياً: إنَّ كلمة «لم يرهم» لا معنى لها في المقام، لأن الرؤية وعدمها لا دخل لهما في ترتيب كتاب الرجال، ولا أنَّ الشيخ رتب في كتابه أثراً عليهما بل الدخيل هو الرواية.
ثالثاً: إنَّ الرواية قد جعلت في كلام الشيخ محوراً للأبواب السابقة، ومن الواضح أنَّ عدمها هو المحور للباب الأخير، وهذا واضح بأدنى تأمل على أساس دلالة الإيماء والتنبيه.
ومن الغريب أنَّ بعض الأعلام جعل هذه النسخة: «لم يرهم» مداراً لبعض ما أورده من النقض والإبرام، مع وضوح التصحيف فيها.
تاريخ المشكلة
لم أجد من تعرض لذكر هذه المشكلة قبل الشيخ الرجالي ابن داود الحلي صاحب الرجال، المتوفى بعد (707)، فهو أول من تعرض لها بصراحة في رجاله في ترجمة «القاسم بن محمد الجوهري».
وتعرض لها بعد ذلك علماء الفن، ومن المؤلفين فيه السيد التفريشي في كتابه «نقد الرجال» الذي ألفه سنة (1015).
وأما المتأخرون عنهم فقد فصلوا الحديث عنها مثل السيد بحر العلوم الكبير ـ المتوفى (1212) ـ في رجاله.
وأخيراً تعرض لها المؤلفون في علم الرجال من أعلام العصر، في كتبهم في المقدمات، وحيثما ذكرت موارد المشكلة، واحداً واحداً، وآخرهم السيد الخوئي في معجمه.
التوجيهات المطروحة لحل مشكلة التناقض
التوجيه الأول: التعدد.
بأن يتحفظ في كل من الموردين على ظاهر كلامه، فليلتزم بالتعدد، وأنَّ من ذكر في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام) مغاير لمن ذكر في من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
التزم بهذا التوجيه الشيخ ابن داود الحلي وقال الكاظمي: استظهر المصنف [أي السيد التفريشي صاحب نقد الرجال]. والميرزا [أي الأسترآبادي في منهج المقال] التعدد.
وأضاف: وكأنَّ استظهارهما من حيث أنَّه لو بني على الاتحاد لزم التناقض فلا بد من التعدد.
وقال: ولا يبعد أن يقال: إنَّ ذلك دليل ظهور التعدد فتأمل.
أقول: قال الأسترآبادي في بعض الموارد مثل بكر بن صالح الرازي: إنَّ إيراده في «لم»)[650]( «يقتضي التعدد».
ونقل الكاظمي عن الشيخ محمد حفيد الشهيد الثاني في شرحه على الاستبصار للشيخ الطوسي، في ترجمة عبدالغفار [المورد 31] )[651](، قوله: وأنت خبير بأن ذكر الشيخ الرجل، في من لم يرو لا يخلو من غرابة، فربما يتخيل التعدد، إلا أنَّ الاعتماد على ذلك من كلام الشيخ مشكل.
وعلق عليه الكاظمي بقوله: والغرابة في محلها، لوقوع روايته عن أبي عبدالله (عليهم السلام) في الاستبصار.
واختاره بعض المعاصرين فقال: إنَّ الشيخ الطوسي وضع كتاب رجاله على قسمين… ولازم هذا ثبوت التغاير بين الرواة المذكورين في القسم الأول والمذكورين في القسم الثاني، وإنْ اشتركوا في الأسماء.
وأضاف: إنَّ استبعاد اشتراك شخص مع آخر في اسمه واسم أبيه ولقبه حاصل، إلا أنه لا يوجب الوثوق بالاتحاد بعد وجود ما يقتضي التعدد مثل ذكرهما في ذينك القسمين من رجال الشيخ، ويضعف ذلك الاستبعاد عند اختلافهما في اللقب.
أقول: إنَّ العمدة في دليل هذا التوجيه في تعدد الباب واختلاف العنوان في البابين، وقد اعتبر بعضهم هذا (دالاً) على تعدد الراويين، وجعله بعضهم (مقتضياً) للتعدد، وبعضهم (ظاهراً) فيه، وبعضهم (متخيلاً) منه، وجعله الآخر (ملزوماً) له.
والجواب عنه:
أما نقضاً فبالقطع بالاتحاد في بعض هذه الموارد، وظهوره في بعض آخر. قال الكلباسي: مع ظهور الاتحاد، بل القطع به، في غير مورد، فما جرى عليه ابن داود ـ من استظهار التعدد ـ غير سديد.
ونقل عن الأسترآبادي والتفريشي القطع بالاتحاد.
وقال المامقاني: واعترضه الميرزا [الأسترآبادي] في منهج المقال: بأنَّ الاتحاد واضح عند التأمل.
أقول: قال الميرزا الأسترآبادي في بكر بن صالح: إنَّ إيراده في «لم» يقتضي التعدد، ولعل الاتحاد أظهر.
وقال التفريشي في القاسم بن محمد الجوهري: إنَّ مثل هذا كثير مع قطعنا بالاتحاد.
وقال السيد الخوئي: إنَّ هذا وإن أمكن الالتزام به في الجملة إلا أنه لم يمكن الالتزام به في جملة منها، فإنه لا شك في عدم تعدد بعض المذكورين في كلا الموردين، كفضالة بن أيوب.
وأما حلاً: فلأن البابين، غير مرتبطين حتى يدل أحدهما على المقصود في الآخر. إلا بنحو دلالة الإيماء والتنبيه، فإن الشيخ إنما عقد كتابه لذكر الرواة من الشيعة، دون مطلق الرجال، انظر إلى كلامه في المقدمة حيث يقول: كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص) وعن الأئمة (عليهم السلام) من رواة الحديث.
فجميع المذكورين في الأبواب السابقة أو باب من لم يرو، لا بد أن يكونوا من رواة الحديث، لكن المذكور في الأبواب السابقة روى عن الأئمة، والمذكور في هذا الباب لم يروِ عنهم.
وليس مجرد ذكر شخص في باب منافياً لذكره في باب آخر، إلاَّ أنَّ الباب الأخير لما قيد بقيد «لم يَروِ عن الأئمة (عليهم السلام)» كان منافياً للأبواب السابقة بالنفي والإثبات، وهذا المقدار من التنافي يدل بدلالة الإيماء على أن من ذكر أولاً لا يذكر أخيراً وبالعكس، وهذا التنافي كما يرتفع مع الالتزام بالتعدد في بعض الموارد، يمكن أن يرتفع مع الالتزام بكون الأسانيد مرسلة أو مقطوعة، مع اتحاد هؤلاء المذكورين هنا مع المذكورين في الأبواب السابقة.
وبعبارة أخرى: إنَّ اقتضاء الذكر في بابين للتعدد غير صحيح، لكثرة من تكرر في أكثر من باب من الأبواب السابقة.
وأما الجهة المنافية فهي فقط التنافي بين «رَوى» و«لم يَرْوِ» فإذا كان الشخص في الباب السابق راوياً ولم يقصد في الباب الأخير نفي روايته بل قصد التعبير بذلك من بعد طبقته في سند خاص، كفى في رفع التنافي مع اتحاد الشخص في البابين.
وسيأتي عند توضيح الرأي المختار الاستدلال على هذا مفصلاً ونوضح أنَّ المذكورين في باب «لم» من الذين جاء اسمهم سابقاً أيضاً، كيف أدرجوا في باب «لم» مع أنهم من الرواة؟
التوجيه الثاني: الرواية بلا وساطة ومعها.
إنء الراوي إنما يذكر في البابين باعتبار الأمرين، أي أنه قد يروي عن الأئمة (عليهم السلام) بلا واسطة، فيذكره الشيخ في أبواب من روى عنهم (عليهم السلام) وقد يروي بواسطة فيذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ»، فيذكره في البابين.
وقال الشيخ المامقاني: والذي ظهر لي بلطف الله سبحانه بعد فضل الغوص في التراجم والالتفات إلى نكات كلمات الأعاظم من دون تصريح أحد منهم بذلك: أنَّ الرجال أقسام:
فقسم منهم يروي عن الإمام دائماً بغير واسطة.
وقسم منهم لم يَرْو عن إمامٍ أصلاً إلا بالواسطة، لعدم دركه أزمنة الأئمة (عليهم السلام)، أو عدم روايته عنهم (عليهم السلام).
وقسم منهم له روايات عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة، وروايات عنه (عليه السلام) بواسطة غيره.
فالذي يذكره الشيخ في باب «مَنْ روى عن أحدهم (عليهم السلام)» تارة، وفي باب «مَنْ لم يروِ عنهم (عليهم السلام)» أخرى، يشير بذلك إلى حالتيه، فباعتبار روايته عنه (عليه السلام) بغير واسطة أدرجه فيمن روى عنه (عليه السلام)، وباعتبار روايته عنه (عليه السلام) بواسطة آخر أدرجه في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)».
أقول: ما ذكره من عدم تصريح أحد بذلك، غريب إذ قد سبقه غيره كما نقلناه عن الكاظمي، والأغرب أنَّ الشيخ المامقاني قد نقل أيضاً ذلك عنه، قبل سطرين من ادعائه هذا.
وما ذكره الشيخ المامقاني سادس الوجوه وحكاه عن الميرزا في «الوسيط» ـ في ترجمة بكر بن محمد الأزدي من قوله: «ما في «لم» إما سهو، أو بناء على أنَّ العباس لم يَرْوِ عن بكر إلا ما رواه عن غيرهم (عليهم السلام) ـ قريب من هذا التوجيه.
ويشترك معه في أنَّ المذكور في باب «لم» إنما يروي عن غير الأئمة (عليهم السلام)، فالرواية بالواسطة تعني الرواية عن غير الأئمة (عليهم السلام)، فلاحظ. وقد اختار هذا التوجيه بعض الفضلاء المحققين.
وقد أجيب عن هذا التوجيه:
أولاً: إنَّ وجود رواية شخص عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة لا يصحح ذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) بعد ما كانت له رواية عنهم(عليهم السلام) فإنَّ المصحح لذكر أحد في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) هو عدم روايته عنهم بلا واسطة، مع كونه من رواة الحديث، لا روايته عن المعصوم (عليه السلام) مع الواسطة، ولو كان راوياً عنه بلا واسطة أيضاً.
وثانياً: إنَّ أكبر الرواة عن الأئمة (عليهم السلام) قد رووا عن غير الأئمة (عليهم السلام) من أصحابهم ومن غيرهم، فلو صح ما ذكر «لزم ذكر جميع أصحاب الأئمة في (من لم يرو عنهم (عليهم السلام)) إلاَّ من شذَّ ونَدَرَ فإنه قلَّ في أصحابهم (عليهم السلام) من لم يرو عن غير المعصومين».
التوجيه الثالث: المعاصرة وعدمها.
قال السيد بحر العلوم: قد يحتمل أن يكون المراد في القسم الثاني من عاصرهم ولم يرو عنهم، أو روى عنهم وبقي بعدهم، بأن يكون المراد من تأخر زمانه أعمَّ ممن وجد بعدهم، أو بقي بعدهم وإن روى عنهم.
وقال السيد حسن الصدر ـ وهو يتحدث عن الترجيح بين النجاشي والشيخ في أمر الجرح والتعديل ـ ما نصه: الشيخ أشد مراساً في ذلك من النجاشي، وربما صحب الرجل الواحد إمامين أو ثلاثة، فيذكره في رجال الكل وربما صحب ولم يرو، فيذكره في الأصحاب وفيمن لم يرو.
قال: وهذا وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنَّه تأويل يصار إليه عند الضرورة. وقال السيد الخوئي: أن يراد بذكره في أصحاب أحد المعصومين (عليهم السلام) مجرد المعاصرة وإن لم يره ولم يرو عنه، فيصح حينئذٍ ذكره في «من لم يرو عنهم (عليهم السلام) أيضاً.
ويظهر منه اختياره هذا الوجه في بعض الموارد.
فقد قال في بكر بن صالح: لا مناقضة بين عد الشيخ الرجل من أصحاب الرضا (عليه السلام) وعده في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) إذ لا تنافي بين أن يكون الرجل من أصحاب أحد الأئمة (عليهم السلام) ولا يروي عنهم (عليهم السلام).
وفي الفضل بن أبي قرّة ـ بناءًا على عدم صحة روايته عن الصادق (عليه السلام) لضعف طريقها ـ قال: وعلى ما ذكرناه صح عدُّه من أصحاب الصادق(عليه السلام) باعتبار مصاحبته (عليه السلام)، وعدُّه في «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» باعتبار عدم ثبوت روايته عن الصادق (عليه السلام)، وأما قول النجاشي: «روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)» فلعله ينظر إلى مطلق الرواية عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) وإن لم تكن الرواية صحيحة، فإنَّه قد ورد في الكتب الأربعة في (25) مورداً.
وذكر نحوه في محمد بن عبدالجبار.
والظاهر من مقدمة الكتاب أنَّ السيد عدل عن هذا، واختار التوجيه العاشر التالي.
وقد اختار هذا التوجيه الثالث جمع من المتأخرين.
والجواب عنه بوجوه:
الأول: أن الظاهر من قوله «من تأخر زمانه عن الأئمة (عليهم السلام)» عدم إدراكه لزمانهم، إما لعدم وجوده في ذلك الزمان، أو لصغره وعدم قابليته للرواية عنهم.
أقول: في تمامية هذا الجواب نظر:
أما أولاً: فلأنَّ موارد النقض لا تدخل في هذا النوع وهو من تأخر زمانه عنهم، بل هو داخل في النوع الآخر وهو من عاصرهم ولم يرو عنهم كما صرح به الشيخ في «الرجال» في المقدمة، وقد فصلناه.
وثانياً: أنَّ الأمر لا ينحصر فيما ذكره من الصغر وعدم القابلية، بل الملاك عدم الرواية بأي وجه كان ولو كان قابلاً للرواية، كما إذا كان بعيداً عن مكان وجود الإمام (عليه السلام) أو كان عامياً غير معتقد بالإمام ثم اعتقد بعد زمان الإمام، أو لم يكن من أهل الحديث والفقه، ثم صار منهم بعد فوات عصر الإمام، فإنه يصدق على جميع هؤلاء أنَّه عاصرهم ولم يروِ عنهم، فلاحظ.
الثاني: أنَّه خلاف صريح عبارته من أنَّه يذكر أولاً من روى عن النبي (ص) أو أحد المعصومين (عليهم السلام)، ثم يذكر من تأخر عنهم أو عاصرهم ولم يرهم.
هكذا أجاب السيد الخوئي عن هذا التوجيه.
أقول: قوله: «ولم يرهم» غير صحيح، فإنَّ «الرؤية» وعدمها لا دخل لهما في عد الرجل من باب من روى أو لم يرو، بل الدخيل في ذلك هي «الرواية» وعدمها، وقد أشرنا إلى ذلك في ما سبق، وقد ذكرنا أنَّ المراد من الأصحاب في الكتاب هم أصحاب الرواية لا الرؤية أو اللقاء.
فالصحيح: أنَّ الشيخ إنما التزم بذكر الرواة في الأبواب الأولى، وخصص الباب الأخير بمن لم يرو عن أي واحد منهم مطلقاً، فمجرد روايته عن أي إمام يدرجه في الرواة، ولا يصح حينئذٍ فيمن لم يرو عنهم، للتنافي بين النفي والإثبات.
الثالث: أنَّ الشيخ في بعض الموارد ذكر المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) في أبواب رواتهم وصرح بعدم روايتهم عنهم، ليكون كالمعتذر لذكرهم في تلك الأبواب، فيقول: رآه أو لقيه أو لحقه ولم يروِ عنه.
فلو كان جميع المذكورين في «لم» ممن سبق ذكره من هذا القبيل، لصرح معهم بمثل ذلك، ولم يقتصر على تلك الموارد القليلة.
الرابع: أنّه لا يتم في كثير من الموارد، فإنّ مَن ذكره في مَن لم يروِ عنهم (ع) أيضاً قد روى عنهم، ولم يقتصر على مجرد المعاصرة.
الخامس: أنه منقوض بمجموعة من الرواة عن إمام (ع) ممن ذكرهم الشيخ في بابه، وقد امتدت أعمارهم وبقوا الى أعصر الأئمة المتأخرين ولم يرووا عنهم، ومع ذلك لم يدرجهم الشيخ في باب « مَنْ لم يروِ»، مثل:
حماد بن راشد الأزدي البزاز أبو العلاء الكوفي، ذكره في اصحاب الباقر(ع) وقال: أسند عنه، توفي سنة (156) ومثله في أصحاب الصادق (ع)، وأضاف: وهو ابن (77) سنة.
فقد عاصر الكاظم (ع) ولم يروِ عنه، ولم يذكره في أصحابه (ع) ولا في «من لم يروِ».
داود بن أبي هند القشري السرخسي يكنى أبا بكر، واسم أبي هند دينار، ذكره في أصحاب الباقر(ع)، وقال: مات في طريق مكة سنة (139)، ومع أنه عاصر الإمام الصادق(ع) فلم يذكره في أصحابه، ولا في باب «من لم يروِ».
عبدالعزيز بن أبي خازن سلمة بن دينار المدني، ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) وقال: أسند عنه، مات سنة (185) ولم يذكره في أصحاب الكاظم ولا الرضا (عليهم السلام)، ولا في باب مَنْ لم يَرْوِ عنهم. وغيرهم كثير.
التوجيه الرابع: التحمل في الصغر والأداء في الكبر.
قال السيد بحر العلوم: أن يكون قد تحمل الرواية عنهم (عليهم السلام) صغيراً وأداها بعدهم كبيراً، فهو من أصحابهم، وممن تأخر زمان روايته عنهم.
وأجاب عنه المامقاني:
أولاً: أنَّ من المقرر في علم الدراية عدم شرطية الكبر في تحمل الرواية. فهذا الذي تحمل صغيراً وأدى كبيراً ممن روى عنهم (عليهم السلام)، فإثباته في عداد من لم يرو عنهم (عليهم السلام) لا وجه له.
توضيحه: أنَّ المراد بمن روى عنهم، هو من تحمل عنهم الحديث، فإنْ كان تحمل الصغير صحيحاً، كان راوياً، فلم يندرج في باب «مَنْ لم يَرْوِ» وإنْ لم يكن تحمله صحيحاً، لم يكن راوياً فلم يصح درجه في أبواب الرواة.
وأجاب ثانياً: بعدم ظهور اطراد هذا الوجه في مواضع الإشكال.
أقول: وهذا جواب عن أكثر هذه التوجيهات، حيث أنها غير جارية في جميع الموارد التي ورد فيها هذا الإشكال.
فإن فيهم من لقي إمامين أو أكثر، وقد ذكر في باب «لم»، فلا يمكن أن يقال إنه لقي الإمام الثاني وهو صغير أيضاً.
مثل بكر بن محمد الأزدي، فقد ذكر في أصحاب الصادق وأصحاب الرضا (عليهما السلام) وفي «لم» وسيأتي في المورد [8].
وحفص بن غياث من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [15].
والريان بن الصلت من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [17].
وزرعه بن محمد من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام) وسيأتي في المورد [18] وهكذا غيرهم.
التوجيه الخامس: الرواية شفهاً وغيرها.
قال السيد بحر العلوم: أن يكون مراده بالرواية عنهم (عليهم السلام) ما يعم الرواية بالمشافهة والكتابة، وبعدم الرواية عنهم (عليهم السلام) عدم الرواية بخصوص المشافهة.
وأجاب عنه ـ بعد عدم وضوحه، وكونه مجرد ادعاء لا دليل عليه ـ :
أولاً: بأن المقابلة قاضية بإرادة المعنى الواحد في النفي والإثبات.
ثانياً: بعدم اطراد هذا الوجه في مواضع الإشكال.
التوجيه السادس: عدول الشيخ عن رأيه.
قال المامقاني: إن مجمل ما صدر من الشيخ هو العدول مما ذكره أولاً.
والجواب: أنَّ هذا غير ممكن الالتزام به.
فإذا كان الراوي قد روى عن الإمام (عليه السلام) وتثبت الشيخ من روايته في مصادر الحديث، وذكره في أبواب من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، فلا معنى للعدول عن هذا الأمر الواقع، وهل هو أمر قابل للعدول؟
وإذا كان وقف الشيخ على عدم صحة ما أثبته أولاً، فاللازم عليه حذف اسمه من الأبواب الأولى، وإدراج اسمه في باب «مَنْ لم يَرْوِ». فأمَّا الجمع بذكر اسمه في البابين، فلا يناسب الاحتمالين.
مع أنَّ هذا الاحتمال لو صح في بعض الموارد، فإنه لا يصح في كثير منهم قطعاً، حيث أن روايتهم عن الأئمة (عليهم السلام) ثابتة قطعاً.
التوجيه السابع: الشك والتردد من الشيخ.
ما ذكره الكاظمي بقوله: لقد أحسن بعض مشايخنا في توجيه ذلك حيث قال: قد يقطع الشيخ على رواية الراوي عنهم (عليهم السلام) بلا واسطة، فيذكره في باب من روى عنه (عليه السلام)، وقد يقطع بعدم الرواية عنهم (عليهم السلام)، فيذكره في باب مَنْ لَمْ يَرْوِ، وقد يحصل له الشك في ذلك فلا يمكنه التطلع والتفحص عن حقيقة الحال، فيذكره في البابين تنبيهاً على الاحتمالين.
أقول: ظاهر كلام الشيخ في جميع الأبواب القطع بما أورد فيها، ولو كان متردداً في ما أثبته لذكر ذلك وأشار إليه كما فعل في مواضع عديدة، وسيأتي بيان أن الشيخ استعمل أكثر الألفاظ التي تدل على تمييز الراوي، وهذا لا يصدر عن من يتردد في أمر الرواة، كما هو واضح.
قال المامقاني ـ مجيباً على الاحتمال الخامس بما ذكره ـ: إنَّ عادة الشيخ رحمه الله في الكتاب على بيان معتقده في حق الرجال، وذكره لهم في المقامين ـ على سبيل الجزم ـ ينافي تردده في ذلك.
(ولاحظ التوجيه التاسع).
التوجيه الثامن: اختلاف الآراء.
قال الكاظمي: وله وجه آخر وجيه ـ يشهد به بعض كلام الشيخ. وهو أنه يذكره في البابين، إشارة للخلاف، وجمعاً بين الأقوال.
وقال المامقاني: أن يكون اختلاف كلام الشيخ رحمه الله لاختلاف العلماء في شأن أمثال هؤلاء الذين ذكرهم في الموضعين.
وقد أورده السيد بحر العلوم احتمالاً ممكناً، ولم يرده.
وأجاب عنه المامقاني بقوله:
إنَّ عدَّه لهم في من روى عنهم (عليهم السلام) يكشف عن عثوره على روايتهم عنهم (عليهم السلام)، فلا يمكن إنكاره لروايتهم عنهم (عليهم السلام).
أقول: يمكن توضيح هذا الجواب بأنَّ الاختلاف في مثل المقام لا معنى له، فإنَّ رواية الشخص عند الشيخ إن ثبتت، أثبت الشيخ اسم الراوي في باب «مَنْ روى عنهم» وإلا أثبته في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم» ولا معنى لأن يذكره في البابين من دون تنبيه.
ونجيب: «أنَّ الشيخ قد تعرض للاختلافات حيثما وجدت عند ذكر الرواة، وهذا يدل على تنبهه إلى الخلاف، وتنبيهه عليه كما هو اللازم، ومع ذلك لم يذكرهم في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم»، مثل:
1 ـ في أصحاب السجاد (عليه السلام): محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).
قال: وقيل ليس له منه رواية.
ومع ذلك لم يذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
2 ـ وفي أصحاب الرضا (عليه السلام): إبراهيم بن عبدالحميد، قال: من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، ولم يسمع منه على قول سعد بن عبدالله ومع ذلك لم يذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
3 ـ وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): ثابت بن دينار، قال: توفي سنة (150) وقال في أصحاب الكاظم (عليه السلام): اختلف في بقائه إلى وقت أبي الحسن (عليه السلام).
ومع ذلك لم يذكره في باب «من لم يَرْوِ عنهم».
لكنه في أصحاب العسكري (عليه السلام) قال: الحسين بن الحسن بن أبان، أدركه ولم أعلم أنه روى عنه:
وذكره في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم».
فلا بد أن يكون لمن يعاد ذكره في «لم» خصوصية أخرى غير جهة الاختلاف.
التوجيه التاسع: التوقف.
قال السيد بحر العلوم: بعد ما ذكر عدة محتملات وأجاب عنها ـ: والحق ضعف هذه الوجوه كلها، وأنَّ عبارة الشيخ رحمه الله قاصرة في هذا الباب عن تأدية المراد.
وأضاف السيد بحر العلوم: ولصاحب النقد رحمه الله في ترجمة القاسم بن محمد الجوهري كلام جيد كأنه أصاب المنحر، فليلحظ ذلك، والله أعلم.
أقول: راجعت نقد الرجال في تلك الترجمة فلم أجد فيه شيئاً يذكر كتوجيه للتناقض المتوهم، إلا رده على ابن داود الذي اختار التعدد (وهو التوجيه الأول) فإنه قال: إنَّ مثل هذا كثير في كتاب الشيخ مع قطعنا بالاتحاد… وإن كان منافياً لقوله قدس سره عنوان الكتاب.
فإن كان نظر السيد بحر العلوم إلى كلام صاحب النقد هذا، فهو ليس إلا تأكيداً للإشكال، ولا يبعد أن يكون غرض السيد ذلك؛ وأنه إنما تأدب في مجابهة الشيخ الطوسي، فأحال على هذا الكلام.
واحتمل الشيخ المامقاني أن يكون نظر السيد بحر العلوم إلى ما ذكره صاحب التعليقة على النقد وهو الشيخ عبدالنبي الكاظمي، حيث ذكر فيها احتمالات ثلاثة واختار منها ما ذكرناه في التوجيه السابع، فلاحظ.
التوجيه العاشر: الاشتباه والغفلة.
وذهب جمع إلى أنَّ ذلك وقع في الكتاب على أثر غفلة الشيخ، فذكر شخصاً في الرواة، وسها عن ذلك فأورده في «مَنْ لم يَرْوِ» وعللوا ذلك بأنَّ الشيخ كان مرجعاً للعام والخاص من الناس، ومع كثرة مراجعة الناس إليه لأخذ الفتوى وكثرة أماليه ودروسه التي أخذها منه تلامذته، نجده مكثراً في التأليف جداً، ومن أكثر فقد عرض للأخطاء لا محالة.
قال السيد محسن الأعرجبي في عدة الرجال: وربما رجح حكاية النجاشي على حكاية الشيخ، لتسرعه وكثرة تأليفه في العلوم الكثيرة، ولذلك عظم الخلل في كلامه، فتراه يذكر الرجل تارة في رجال الصادق (عليه السلام) وأخرى في رجال الكاظم (عليه السلام)، وتارة في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، مع القطع بالاتحاد… مع أنه أخذ على نفسه في أول كتابه أن يذكر أصحاب النبي (ص) والأئمة إلى القائم (عليه السلام) الذين رووا عنهم (عليهم السلام) كلاً في بابه، ثم يذكر من تأخر عنهم من رواة الحديث أو من عاصرهم ولم يرو عنهم (عليهم السلام).
وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلا أنَّه تأويل يصار إليه عند الضرورة، والسهو والنسيان طبيعة ثانية للإنسان لا يكاد ينجو منهما أحد.
ومع ذلك فالطعن على الشيخ خارج عن قانون الأدب، وهو إمام في هذا الشأن، وإنما جاء الاشتباه في بعض الأحيان لشدة إقبال الناس في تناولهم ما يخرج عنه قبل إعادة النظر فيه)[652](.
والقهبائي يرى أن ذكر الشيخ لشخص في أصحاب إمام أو أكثر وفي باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» أيضاً، إنما هو على الاشتباه.
وعلق على جميع الموارد المفروض فيها ذلك بقوله «كيف يكون ممن لم يرو» مستنكراً ذلك، وأضاف في (حفص بن غياث): ولكن مثله من مثله قدس سره غير عزيز، حيث لزمته العجلة الدينية.
وقال الخاقاني: بعد أن ذكر أنه لا بد من حصول الغفلة لأمثال الشيخ ممن كان مستوعب الأوقات ما بين درس وتأليف وإفتاء وقضاء وغيرها ـ: ومن ذلك ذكره الرجل في بابين متناقضين كباب من يروي وباب من لم يرو، فيما علم اتحاده، فتوهم من لا تدبر له التعدد.
وقال المامقاني ـ بعد أن أورد وجوهاً وردها ـ: وبالجملة، فلم نقف على ما يزيح الإشكال تحقيقاً، فلا محمل لما صدر من الشيخ رحمه الله إلا العدول عما ذكره أولاً أو سهو القلم الذي يقع فيه من لم يكن معصوماً.
وقال السيد الخوئي: والتوجيه الصحيح أنَّ ذلك قد صدر عن الشيخ لأجل الغفلة والنسيان فعندما ذكر شخصاً في «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» غفل عن ذكره في أصحاب المعصومين (عليهم السلام) وأنَّه روى عنهم بلا واسطة، فإنَّ الشيخ لكثرة اشتغاله بالتأليف والتدريس كان يكثر عليه الخطأ فقد يذكر شخصاً واحداً في باب واحد مرتين أو يترجم شخصاً واحداً في فهرسته مرتين.
والغريب أن سيدنا الأستاذ، يصحح في مقدمة كتابه هذا التوجيه، لكنه في متن الكتاب يحاول رفع التناقض بالتوجيه الثالث، وقد ذكرنا موارد لجوئه إلى ذلك التوجيه عند ذكره، فلاحظ.
والجواب عن ذلك بوجوه:
الأول: أنَّ تعرض الشيخ في كتاب الرجال لآراء الآخرين وذكر الاختلافات وإظهار نظره الخاص أحياناً بقوله: «لا أعلم له رواية» ونحو ذلك، وتصديه ـ في خصوص باب «مَنْ لم يَرْوِ» وبالأخص في موارد البحث ـ لذكر الراوي عن الرجل والمروي عنه، كشف ـ بلا شك ـ عن دقة الشيخ في هذا الكتاب والتفاته الكامل لما وضع فيه.
وسنبحث عن هذه الجهة فيما يلي بشكل أوسع.
الثاني: أنَّ هذه الغفلة المدعاة، قد صدرت في خصوص [62] مورداً فقط، مع أنَّ كتاب الرجال يحتوي على الآلاف العديدة من الأسماء، أفلا يطرح هذا السؤال: لماذا أغفل الشيخ في هذه الأسماء فقط فأعادها في باب «مَنْ لَمْ يَرْوِ» دون غيرها؟
مع أن الأسماء المعادة، لم يعدها الشيخ بعين ما ذكرها أولاً، بل أعاد كثيراً منها باختلاف في أسماء الأجداد أو الألقاب وما أشبه، وأما أكثرها فأعادها مع قيد الراوي أو المروي عنه، مما يكشف عن أن الشيخ كان يهدف من هذه الإعادة غرضاً علمياً خاصاً.
وسيأتي توضيح ذلك عند كل مورد.
وقد تنبه الشيخ عبد النبي الكاظمي إلى بعض ذلك، في إبراهيم بن صالح، وهو المورد (3) ـ بعد أن حكم بالتعدد ـ فقال: ومما يدل على عدم غفلة الشيخ في الفهرست أنه قال: «إبراهيم بن صالح، له كتاب، رويناه بالإسناد الأول».
قال الكاظمي: فلو كان غافلاً عن ذكره أولاً لذكر الإسناد ثانياً، ولم يحله على الأول.
الثالث: أنَّ بعض الأسماء من المذكورين، روايتهم عن الإمام، من الوضوح بحيث لا يمكن أن يدعي في حق الشيخ أنه يغفل عنه، كفضالة بن أيوب، فكيف يمكن ادعاء غفلة الشيخ عن روايته عن الصادق (عليه السلام) ليعيده في باب «لم» سهواً، مع كثرة روايات فضالة وسعتها، ومع سعة أعمال الشيخ الحديثية وتعمقه في كتب الحديث والفهارس، إنَّ هذا بعيد عن مقام الشيخ جداً.
الرابع: أنَّ وجود الحل الموجه لعمل الشيخ ـ ولو احتمالاً ـ كاف في منع هؤلاء القائلين من توجيه هذه الحملات على الشيخ، ولا أقل من اعتبار ذلك شبهة يدرأ بها حد تلك المواجهات الصعبة، فكان الأولى بهم التأمل والتدقيق في فهم مراده.
وأخيراً ـ ونحن لا ندعي العصمة للشيخ ـ: فإنَّ طرح مثل هذا الاحتمال في عمل الشيخ، مع أنه إمام هذا الشأن، وأشد مراساً له، لما ذكرناه في التمهيد من أنه الرجالي الوحيد الذي كانت له جهود فقهية وحديثية، فكان له مراس قوي في تطبيق نظرياته الرجالية في الفقه والحديث. إنَّ طرح هذا الاحتمال في حقه يؤدي إلى طرح الأقوى منه في حق غيره من الرجاليين، وهذا ما نأباه بكل مشاعرنا، ونجل علم الرجال وأعلامه منه.
ولو أنَّ هؤلاء القائلين حاولوا الوقوف على منهج الشيخ في تأليف رجاله وهدفه من صنيعه في هذا الباب، لم يوجهوا هذه الكلمات إلى ساحته المقدسة.
التوجيه الحادي عشر: كثرة الطرق.
قال الخاقاني: إنَّ غرضه من باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» أنَّه عقده لمن لم يرو عنهم: إمَّا لتأخر زمانه عنهم، أو لعدم رؤياه لهم وإن كان في زمانهم، ولا يمتنع أن يذكر فيه بعض من صحبهم وروى عنهم لوجود الطريق له هناك أيضاً. فيكون هذا الباب مشتملاً على أقسام ثلاثة:
1 ـ من تأخر زمانه عنهم.
2 ـ مَنْ لم يَروِ عنهم وإن عاصرهم.
3 ـ مَنْ صحبهم وروى عنهم أيضاً.
فلا يكون باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» منحصراً في القسمين الأولين، كما عساه يظهر من كلامه أعلى الله مقامه، وإن كان أصل الغرض من عقد هذا الباب مختصاً بهما، لكنه لا بأس به، بل هو أنفع لإفادته كثرة الطرق وزيادتها، ولا إشكال في رجحانه، إذ ربما تكون الرواية بواسطة ذلك من قسم المستفيض أو المحفوف بالقرائن المتاخمة للعلم، بل قد يبلغ العلم، والله أعلم.
أقول: إنَّ كل راوِ من الرواة لا بد وأن يكون للشيخ إليه طريق واحد أو أكثر، ومحل بيان الطرق وتعدادها إما أسانيد الروايات أو الفهارس. والمشيخات، وكتاب الرجال لم يعد لذكر الطرق وتعدادها، حتى يتصدى فيه لذلك.
مضافاً إلى أنَّ تعدد الطرق لا ينحصر بهذا العدد الضئيل من الرواة، فلماذا حصر الشيخ المعادين فيهم؟
مع أنَّه لا حاجة لبيان كثرة الطرق وتعدادها إلى أن يعيد ذكرهم في باب من لم يرو، إذ لا ينافي كثرة الطرق كونهم رواة فلا حاجة إلى عدهم في ذلك الباب من أجل بيان هذا الأمر؟
وليست كثرة الطرق وتعدادها موجبة لشبهة مخرجة لهم عن باب الرواة!
الرأي المختار
إنَّ الاهتمام بأمر طبقات الرواة وتعيينها مما لا خفاء في لزومه، لوضوح فائدته بل أهميته، لتأثيره المباشر في تحديد عصر كل راوٍ وتمييزه بشكل دقيق عمن يشاركه في خصوصياته وملابساته من الرواة، وبمعرفة ذلك يقف طالب السند على ما في ذلك السند من زيادة ان نقص من الوسائط، ويحكم على أساس ذلك بالاتصال أو الإرسال، فإنَّ الأسانيد قد يقع فيها حذف اسم راوٍ أو أكثر، فتكون الرواية مرسلة، يسقط الحديث بإرسالها عن الاعتبار.
ولأجل تلافي ذلك وضع علماء الرجال كتباً تتكفل أمر طبقات الرواة مرتبين فيها أسماء الرواة، لتحديد عصورهم، ومعرفة من يروي عنهم ومن يروون عنه، ومن تمكن روايته عنه أولاً تمكن، من حيث العصر والطبقة.
قال المحقق الدربندي: إنَّ فائدة معرفة الطبقات هي الأمن من تداخل المتشابهين، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة، من السماع أو اللقاء أو الإجازة أو نحوها، فإنَّ العنعنة تحتملها.
وقد انتهجوا في رسم كتب الطبقات مناهج عديدة.
فمنهم من رتبها على القرون.
ومنهم من رتبها على المشايخ.
ومنهم من رتبها على الوفيات.
ومنهم من رتبها على أعصر الأئمة (عليهم السلام)، وغير ذلك.
وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي ـ والد البهائي ـ: ينبغي للحاذق التنبه للزيادة في السند والنقص… ومما يعين على ذلك معرفة أصحاب الأئمة واحداً واحداً، ومن لحق من الرواة الأئمة ومن لم يلحق، وقد صنف أصحابنا في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كتباً ذكروا فيها أصحاب كل إمام ومن لحق منهم إمامين أو أكثر.
رجال الشيخ أكبر كتاب على الطبقات.
ونعتقد أن أكبر كتاب مؤلف على الطبقات هو كتاب رجال الشيخ رحمه الله فلا بد أن يكون غرضه منه هو الغرض من الطبقات أعني تمييز طبقة كل راوٍ، عن طبقة الرواة الآخرين، كي لا يلتبس أحدهما بالآخر عند مشاركتهما في الأسماء أو أسماء الآباء أو الألقاب.
والديل على أنَّ كتاب الرجال هو على الطبقات ما يلي:
أولاً: ترتيب الكتاب على الأبواب المعنونة بأسماء المعصومين (عليهم السلام) بحيث جعل لكم معصوم باباً خاصاً أدرج فيه أسماء الرواة عنه، وهذا هو ترتيب كتب الطبقات، وقد عرفنا أن قسماً من كتب أصحابنا قد وضع على طبقات أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ولم يبق بأيدينا منها سوى طبقات الرواة للبرقي أحمد بن محمد بن خالد، فقد صرح الشيخ الطوسي بأن اسمه «طبقات الرجال»، وهو مرتب على أبواب بأسماء المعصومين (عليهم السلام)، ورجال الشيخ على نسقه وترتيبه، مع إضفاء صبغة فنية عليه وهو ترتيب أسماء كل باب على حروف المعجم.
فرجال الشيخ هو أكبر كتاب ـ من القدماء ـ في طبقات أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
ثانياً: أنَّ كتاب الرجال يحتوي على مجرد سرد أسماء الرواة، من دون ذكر ما يرتبط بهم من اهتمامات رجالية تتعلق بأحوال الراوي، من الوثاقة والمدح أو الضعف والقدح، وسائر التفاصيل التي يهتم بها علماء الرجال.
وإما التركيز فيه على تعيين الطبقة بذكره في الباب المعين رغم تشخص الراوي باسمه واسم أبيه وما يحتاج إلى تعيينه من الألقاب والمضافات.
وهذا هو ديدن أصحاب الطبقات.
وأعتقد أن المقدار الذي ذكره الشيخ من التوثيق والتضعيف في كتاب الرجال أحياناً إنما هو في الموارد التي يؤثر ذلك فيها لتعيين الراوي، ولتفصيل ذلك محل آخر.
ثالثاً: أنَّ الشيخ الطوسي في هذا الكتاب يؤكد على أمور لا ثمرة لها إلا تعيين الطبقة، ويستعمل أساليب وألفاظاً خاصة بكتب الطبقات، وإليك نماذج منها:
1 ـ تعيين الإمام المروي عنه، ولو أكثر من واحد.
مع أنَّ كتاب الشيخ موضوع على الأبواب، ومبين في مقدمته أنه يذكر في كل باب من روى عن ذلك الإمام، فمع ذلك نراه يصرح في ترجمة الشخص في الباب أنه روى عن الإمام الآخر، مع ذكره في بابه أيضاً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنَّ غرض الشيخ هو التأكيد على طبقة الراوي.
فكثيراً ما يقول في باب أصحاب الباقر (عليه السلام): روى عنه وعن أبي عبدالله (عليه السلام).
انظر (ص108 و110 و111 و113 و117 و119 و120 و121 و123 و139).
أو يقول: «روى عنهما» والمقصود الباقر والصادق (عليهما السلام)، انظر: (ص109 و158 و190 و216 و218 و224 و232 و233 و242 و266) )[653](.
2 ـ وفي مواضع كثيرة يلجأ إلى ذكر من روى عن الراوي، انظر مثلاً (ص23) رقم (127) و(ص228) رقم (118) و(ص306) رقم (411).
وعامة من في باب «مَنْ لم يَرْوَ عنهم (عليهم السلام)» مصحوب بهذا الأمر.
3 ـ تحديد وفيات كثير من الرواة، وتحديد سني أعمارهم، أو من لقوا ومن لم يلقوا من الأئمة (عليهم السلام)، انظر مثلاً: (ص249) رقم (420 و427) و(ص254) رقم (508) و(ص256) رقم (538) و(ص260) رقم (614).
وصرح في بعض الموارد ببقاء الراوي إلى أزمنة متأخرة، انظر مثلاً: (ص174) رقم (152).
4 ـ ويركز على ذكر الاختلاف أو نفي الرواية مع اسم الراوي، انظر مثلاً:
(ص101) رقم (6) و(ص430) رقم (8) و(ص431) رقم (3) من حرف السين.
5 ـ ويذكر عدد حديث الشخص: مثل (ص367) رقم (9).
6 ـ ويعدد أسماءه ـ تأكيداً على تمييزه ـ مثل (ص 289) رقم (146) ولو ظناً، مثل (ص390) رقم (40).
7 ـ ويستعمل ألفاظاً خاصة بأصحاب الطبقات مثل «الحق» انظر (ص406) رقم (13) و(14).
ومثل «أدْرَك» و«عاصَرَ» و«لَقِيَ» وغيرها.
8 ـ وإليك النص التالي الدال بوضوح على أنَّ الشيخ إنَّما يهتم في كتابه بأمر تحديد الطبقة، يقول في ترجمة: (الحُسَيْن بن الحَسَن بن أبان):
ذكر ابن قولويه: «أنَّه قُرابَةُ الصَفَّارِ وسَعْدِ) وهو أقدم منهما، لأنَّه روى عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه.
وكلمة (القرابة) تعني القرب في العصر والطبقة، ومعنى الكلام أنَّ ابن قولويه ذكر أنَّ ابن أبان يقرب من الصفار وسعد من حيث الطبقة فهما من طبقة واحدة، لكن الشيخ الطوسي، لا يقبل ذلك ويقول: إنَّ ابن أبان أقدم منهما طبقة، لروايته عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه، فهما متأخران طبقة عن ابن أبان.
وهذا أوضح دليل على أنَّ الشيخ يتصدى في كتابه هذا إلى موضوع تعيين الطبقات، خاصة إذا لاحظنا خلوه من أي اهتمام رجالي آخر، كالجرح والتعديل أو ذكر الطرق، أو أيَّة خصوصية رجالية أخرى.
وقد أدى الشيخ هذا الدور في الكتاب بشكل علمي دقيق، وبشكل فني ظريف بما لا مزيد عليه.
9 ـ وأخيراً نجد التصريح بلفظ «الطبقة» في مورد من كتابه، قال في ترجمة محمد بن أحمد بن الوليد: يروي عن حماد بن عثمان ومن في طبقته)[654](.
10 ـ وأما في خصوص باب «مَنْ لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام)» فد أبدى اهتماماً أكثر بما يفيد تعيين الطبقة، حيث أن الأبواب السابقة محددة بعصر كل إمام إمام، فيكون عصر الراوي محدداً بزمن السماع من الإمام المعقود له الباب، فلم يكن بحاجة إلى تمييز الراوي إلا من جهة معرفة شخصه، بمشخصاته الخاصة من اسم الأب أو الكنية أو البلد أو الصنعة أو الولاء، أو الإضافة إلى الأقارب، ونحو ذلك، وفي بعض الحالات المعدودة باللجوء إلى الرواة عنه ومعرفته بهم.
أما في هذا الباب، فإنَّ المعنون فيه لا بد وأن يتحدد بكلا طرفيه، بمن يروي الشخص عنهم، وبمن يروون عن الشخص، وبعبارة أخرى: لا بد أن تحدد طبقته بذكر الراوي والمروي عنه.
وقد استعمل هذا في أكثر تراجم هذا الباب، في غير من تأخر زمانه عن عصر الأئمة (عليهم السلام)، وأما في هؤلاء فيكتفي غالباً بتحديد زمن الولادة والوفاة بالسنين لأنها معلومة غالباً.
وأما الإشكال في موارد خاصة
فقد يوجد في الأسانيد رواية بعض المتأخرين عن عصر الأئمة (عليهم السلام) في الطبقة، عن بعض المتقدمين في الطبقات السابقة. مثلاً، رواية سعد بن عبدالله الأشعري المتوفى سنة (300) عن الهيثم بن أبي مسروق الذي هو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) المتوفى (114) أو الجواد (عليه السلام) المتوفى سنة (220) فإنَّ هذا غير ممكن إذا لاحظنا طبقتهما.
فنلاحظ أن الهيثم شخص معروف من جهة روايته، وهو في طبقة من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، لكن رواية سعد عنه مباشرة تفيد أنَّ سعداً قد أدرك الهيثم، ولازم ذلك:
إما أن يكون الهيثم قد بقي إلى عصر لقيه سعد، وهذا شيء لم يذكروه.
أو أن يكون الهيثم الذي روى عنه سعد شخصاً آخر غير الهيثم الراوي عن الأئمة (عليهم السلام)، فهذا من طبقة من لم يرو.
وبما أنَّ الهيثم واحد قطعاً، وليس هناك شخص آخر بهذا الاسم في الأسانيد، لعدم ذكرهم له، وبما أنَّ سعداً لا يمكن أن يروي مباشرة عن الراوي عن الأئمة (عليهم السلام)، فللازم هو الالتزام بأنَّ هذا السند: «سعد عن الهيثم» قد سقطت فيه واسطة ـ واحدة أو أكثر ـ ومعنى ذلك أنَّ الرواية مرسلة.
وهكذا، كلما وجد الشيخ أن في سند الحديث خللاً من حيث طبقة رواته، أو علة في اسم الراوي أو معرفة شخصه أو من جهة الكلام في اتصاله عند أعلام الطائفة إذا حكموا بإرساله أو انقطاعه، أو حكموا بعدم لقاء الراويين أو شكوا في سماع الراوي عن المروي عنه، فإنَّ الشيخ يورد المروي عنه في «باب مَنْ لم يَرْوه عنهم» للدلالة على هذا الانقطاع والإرسال، وهذا البعد في الطبقة بين رواة الإسناد، وهذه العلة في رجاله.
وعمل الشيخ هذا هو بمثابة استنتاج من كتاب الرجال المبني على طبقات الرواة، واستثمار وتطبيق لما أورده في الأبواب السابقة من جهد علمي.
ويبقى السؤال الأساسي: بماذا يرفع التنافي بين عد الراوي في الأبواب السابقة. وبين عده في هذا الباب؟
وبعبارة أخرى: إذا كان هؤلاء قد رووا بالفرض عن الأئمة (عليهم السلام)، كيف يقول عنهم في هذا الباب: «إنَّهم لم يرووا»؟
أقول: إذا لوحظ الغرض المزبور من عقد الأبواب علمنا أن الشيخ إنما يعقدها لطبقة من روى وطبقة من لم يرو، والمذكورون إذا وردوا في سند مرسل، كما في الهيثم، يكون الشخص في ظاهر هذا السند في طبقة من لم يرو، وإلا لم يمكن رواية سعد عنه، ولا أقل من وجود شبهة فيهم أن يكونوا ممن لم يرو، وهذا كاف في تجويز ذكرهم هنا، وغرض الشيخ هو التنبيه على هذه الجهة، كي يعرف أمر المذكورين فحيثما قطع بالاتحاد بين المذكورين سابقاً ولاحقاً، فالحكم يكون على الرواية بالإرسال والانقطاع ويجزم بذلك، ويخرج المذكورون عن شبهة دخولهم في طبقة من لم يرو.
وهذه ملاحظة دقيقة دل عليها الشيخ بتصرفه البديع ذلك، فعنوان الباب هو «طبقة مَنْ لم يَرْو» وهؤلاء في هذه الطبقة على ظاهر الأسانيد المرسلة، وإن كانوا في طبقة الرواة على أساس رواياتهم عن الأئمة (عليهم السلام).
وبهذا أيضاً يعرف وجه ذكر الشيخ لجمع من الرواة في أبواب من روى عن الإمام، مع تصريحه في ترجمة كل بأنه «لم يَرْو عنه» وإنما لحقه أو أدركه.
وذلك، لأنَّ إدراك الراوي للإمام ولحوقه بعصره، يوجب دخوله في طبقة من روى، فهذا هو الموجب لذكره، ولكن بما أنَّ الشيخ يعلم عدم روايته، لزمه أن يذكر ذلك ليتداركه، ويتلافى احتمال روايته، أو دفعاً لتوهم أنه روى.
وإذا تمكنا من إثبات هذا الرأي ـ كما سيأتي مفصلاً ـ ظهر لنا أنَّ التنافي بين عد الرجل في أبواب من روى وفي باب من لم يرو ليس إلا مجرد صورة التنافي، فلا مناقضة واقعاً بينهما، لأنَّ الشيخ لا يريد أن يقول «روى» و«لم يرو» ـ والشيخ يجل مقامه من أن يتصور ذلك في حقه ـ.
بل أراد الكشف عن أنَّ روايات هؤلاء ـ تلك التي وردت بطرق خاصة ـ إنما هي من نوع الحديث «المُعَلَّل» وهو ما فيه علة غامضة خفية، وظاهره السلامة.
قال العاملي: أما وقوعها في السند، فكاشتراك الراوي بين الثقة وغيره، ورواية الراوي عمن لم يلقه قطعاً، أو مخالفة غيره له في السند، مع قرائن أخرى تنبه الحاذق على وهم، بإرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو إدخال سند في سند، أو نحو ذلك، بحيث يغلب على ظنه الخلل بعدم الصحة أو يتوقف فيه.
وقال الشهيد: وإنما يتمكن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطرق الحديث ومتونه، ومراتب الرواة، الضابط لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك، ويستعان على إدراكها ـ أي العلل المذكورة ـ بتفرف الراوي بذلك الطريق، أو المتن وبمخالفة غيره له، مع انضمام قرائن تنبه العارف على تلك العلة، من إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بحيث يغلب على الظن ذلك ولا يبلغ اليقين، وإلا لحقه حكم ما تيقن من إرسال وغيره، أو يترد في ذلك فيتوقف.
ولا ريب أنَّ شرط الخبر الصحيح الذي يعمل به سلامته من العلة فيه وأما ما يتراءى من عدم التفات الأصحاب إلى هذه الجهة في الأسانيد المبحوث عنها، فليس إلا من جهة عدم التأمل الدقيق في عبارة الشيخ في الرجال وفي طرقه في الفهرست، ولعدم التفاتهم إلى مدى اعتبار انتفاء العلة في حجية الحديث.
وقد نقل عن الشهيد قوله: إنَّ رواية الراوي عن المعصوم تارةً بالواسطة، وأخرى بدونها اضطراب في السند، يمنع من صحته.
وقد ذكر الشيخ في مثل ذلك قوله: «وهذا مما يضعف الاحتجاج بالخبر».
وللتفصيل عنه مجال آخر.
ومع قطع النظر عن ذلك فإنَّ في ذكر ذلك والتدقيق فيه مزية يختص بها أمثال الشيخ من المهرة في فن الرجال من بيان واقع حال السند، وإن لم يكن له أثر في الحكم عليه من حيث الاعتبار.
تطبيق الحل المختار على الموارد:
ونبدأ الآن بتطبيق هذا الرأي على الموارد المفروض وقوع الإشكال فيها، ولا بد من التذكير ـ أولاً ـ بأمور:
1 ـ أنَّ أي حل يفرض لهذه المشكلة لا بد أن يكون مطرداً في جميع الموارد قابلاً للتطبيق عليها كلها.
وقد أشار السيد بحر العلوم إلى ذلك في جوابه عن بعض التوجيهات، بقوله: مع عدم ظهور اطراده في مواقع الإشكال.
2 ـ إنَّ منهج الشيخ في تأليف كتاب الرجال عامة يعتمد على كتب الحديث، فحيثما وجد رواية لأحد عن واحد من الأئمة (عليهم السلام) أثبت اسم ذلك الراوي في باب أصحاب ذلك الإمام، باعتبار روايته عنه، وحاول أن يشخصه بما يعرفه من مشخصات ومميزات، وإذا تكررت روايته عن ذلك الإمام بعنوان آخر كرره في نفس الباب أيضاً بالعنوان الثاني، وإن روى عن إمام آخر أدرجه في بابه كذلك، ويشير أحياناً إلى سبق روايته عن إمام آخر أو لحوقها كذلك.
وقد أحرزنا هذا المنهج بالتتبع في كتب الحديث المختلفة للخاصة والعامة، فوجدنا فيها أسماء من ذكرهم الشيخ في الرجال، بينما لا ذكر لهم في أي كتاب رجالي آخر، ولتفصيل الاستدلال عليه مجال آخر.
والغرض من هذا أنه لا بد لإحراز ما صنعه الشيخ فيما يرتبط بالمشكلة من مراجعة كتب الحديث التي كانت متوفرة لدى الشيخ للعثور على الروايات التي ترتبط بالمذكورين في موارد المشكلة بأسانيدها التي أشار الشيخ إليها هنا في باب «لم». ونحاول في ما يلي الكشف عن وجه الخلل الممكن فيها، من حيث الإرسال وغيره، بما يلائم رأينا في الحل.
ولا بد أن نذكر أن أكثر تلك الأسانيد المعللة، مذكورة في كتاب «الفهرست» للشيخ الطوسي، بما يقرب الاعتقاد بأنَّ ما عمله في هذا الباب ناظر إلى تصحيح أسانيد الفهرست.
3 ـ أنَّ ما أثبته الشيخ في هذا المجال لا يكون منفصلاً عن سائر ما يلتزم به الشيخ من القواعد والنظريات الرجالية والأصولية، فلا بدأ أن تؤخذ بنظر الاعتبار، كما سيجيء شرحه عند المورد (32).
4 ـ أنَّ الموارد المذكورة ليس حكمها على حد سواء في أنها تحل بهذا الرأي.
بل إنَّ بعضها خارج عن مورد الإشكال للقطع فيها بالتعدد، ويؤيده أنَّ الشيخ أعاد الأسماء باختلاف في الألقاب والنسب وغير ذلك، مما يوهم التعدد أو يكون المورد قابلاً له.
وفي بعضها الآخر، ليس للإشكال مورد أصلاً، كما إذا كان الشيخ قد ذكر اسمه في أبواب من روى على أساس إدراكه ولحوقه لا على أساس روايته.
تبقى الموارد الأخرى داخلة، وسنحاول تطبيق هذا الحل المختار عليها، حسبما يساعدنا عليه التوفيق إن شاء الله.
الموارد
المورد (1)
إبراهيم بن رجاء المعروف بابن هراسة
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) بقوله: إبراهيم بن رجاء، أبو إسحاق المعروف بابن هراسة الشيباني الكوفي.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: إبراهيم بن هراسة.
أقول: إشكال الطبقة فيه يظهر من سند الشيخ إليه في الفهرست، فإنه يروي عنه محمد بن أبي القاسم وهو المعروف بـ«ما جيْلوَيْه» الذي ترجمه النجاشي ووثقه وقال فيه: صهر أحمد بن أبي عبدالله البرقي، أخذ عنه العلم والأدب.
والبرقي أحمد توفي سنة (274) أو (280) فتلميذه متأخر عنه طبقة، فكيف يروي ما جيلويه عن إبراهيم الذي هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) مباشرة وبلا واسطة؟
وبما أنَّ «إبراهيم بن هراسة» ليس متعدداً قطعاً، وليس في الرجال في طبقة «مَنْ لم يَرْوِ» من ترجم بهذا الاسم، فلا بد أن يكون السند مرسلاً.
المورد (2)
إبراهيم بن إسحاق أو العجمي
قال الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام): إبراهيم بن إسحاق، ثقة. ونقله القهپائي، وأضاف: سيذكر عند «لم» بعنوان إبراهيم العجمي.
وقد ذكر الشيخ في باب «مَنْ لم يَرْوِ» ما نصُّه إبراهيم العجمي، من أهل نهاوند، روى عنه البرقي أحمد بن أبي عبدالله.
وأورد رواية البرقي عن الفهرست.
أقول: الظاهر أنَّ الأول غير الثاني، فإنَّ المسمى بإبراهيم بن إسحاق في رجالنا عدة، والمحتمل هنا، اثنان:
1 ـ الذي عده الشيخ من أصحاب الهادي (عليه السلام) ووثقه، وقد عده البرقي أيضاً من أصحابه وقال: إبراهيم بن إسحاق بن أزور شيخ لا بأس به وهذا لم ينسب إلى نهاوند، ولم يرو عنه البرقي.
2 ـ والذي في «لم» وهو إبراهيم بن إسحاق النهاوندي المعروف بالأحمري الذي صرحوا بضعفه.
وهذا لم يعد في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ولم يرو عنه البرقي حسب تتبعنا.
وهذان متعددان قطعاً.
وأما المذكور بعنوان إبراهيم العجمي، فإن كان هو الثاني كما احتمله السيد الخوئي فهو غير الأول، لما عرفت من تعددهما.
وإن كان غيره، فهو شخص ثالث غيرهما، فلاحظ.
فهذا المورد ليس من موارد النقض، بل هو من المتعدد.
المورد (3)
إبراهيم بن صالح
قال الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) وقال في أصحاب الرضا (عليه السلام): إبراهيم بن صالح.
وقال في باب «مَنْ لم يِرْوِ» إبراهيم بن صالح الأنماطي روى عنه أحمد بن نهيك، ذكرناه في الفهرست)[655](.
وأورد ترجمته في الفهرست لكن فيه رواية عبدالله بن أحمد بن نهيك.
أقول: ذكر البرقي في أصحاب الباقر (عليه السلام): إبراهيم بن صالح الأنماطي. وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام): إبراهيم بن صالح.
وقد ترجم النجاشي لاثنين باسم (إبراهيم بن صالح الأنماطي) قال في أحدهما: الأسدي ثقة، روى عن أبي الحسن (عليه السلام) ووقف.
والظاهر من قوله (وقف) أنه يروي عن الكاظم (عليه السلام)، لأن الواقفة إنما يروون عنه دون الرضا(عليه السلام).
وقال في الآخر: يكنى بأبي إسحاق. كوفي، ثقة لا بأس به.(وكذلك ترجم الشيخ في الفهرست لاثنين باسم (إبراهيم بن صالح).
وكذلك الشيخ ابن شهر آشوب في معالم العلماء.
وقد استظهر الشيخ الكاظمي من تعدد الترجمة في هذه الكتب أنَّ المترجمين متعددان، وقال: الأظهر التعدد لبعد التكرار من هؤلاء.
أقول: ما يرتبط بمورد بحثنا من رجال الشيخ، فقد عرفنا أنه ذكره ثلاث مرات: مرة في رجال الباقر (عليه السلام)، ومرة في رجال الرضا (عليه السلام)، ومرة في من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، فالاحتمالات في ذلك:
1 ـ فإن جعلنا الأولين شخصاً واحداً، والثالث شخصاً آخر، فلا إشكال من حيث الطبقة إلاَّ أنَّه يرد عليه أنَّ الراوي عن الثاني وعن الثالث في رجال النجاشي واحد، وهو عبيد الله بن أحمد، وهذا يدعو إلى اتحادهما.
أقول وسيجيء جوابه في الاحتمال الثالث، وهذا من مؤيداته، وانظر ما ذكره السيد الخوئي بهذا الصدد.
2 ـ وان جعلناهم ثلاثة كما يظهر من السيد الأستاذ فلا إشكال أيضاً.
3 ـ ومن المحتمل أن يكون الأول منفرداً، وأن يكون الثاني والثالث شخصاً واحداً، وحينئذٍ فالإشكال يطرح، بأنه: كيف يعد من أصحاب الرضا(عليه السلام) ويذكر في باب «لم»؟
فنقول: إنَّ رواية عبيدالله بن أحمد بن نهيك عمن هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) بل الكاظم (عليه السلام)، مباشرة لا تتحملها الطبقة، فيكون حديثه مرسلاً.
وإن جعلنا الراوي عن إبراهيم هو أحمد بن نهيك لا ابنه، كما هو صريح عبارة الشيخ في باب «مَنْ لم يَرْوِ».
فالخلل في السند من جهة اختلاف الراوي عن إبراهيم، هل هو أحمد أو ابنه عبيدالله؟
ومما يؤيد هذا الخلل أنَّ سند النجاشي إلى عبيد الله هو بوسائط ثلاث، بينما سند الطوسي إليه بأربع وسائط، مع اتحاد طبقة الطوسي والنجاشي.
وعلى هذا فإشكال الطبقة وارد.
المورد (4)
أحمد بن إدريس القمي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): أحمد بن إدريس القمي المعلم، لحقه (عليه السلام)، ولم يرو عنه.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: أحمد بن إدريس القمي، الأشعري، يكنى أبا علي وكان من القواد، روى عنه التلعكبري، قال: سمعت منه أحاديث يسيرة في دار ابن همام، وليس لي منه إجازة.
أقول: وليس هذا من موارد الإشكال لأن الشيخ يصرح في الأول بأنه لم يرو عن الإمام (عليه السلام)، وإنما الإشكال فيه وفي أمثاله: لماذا ذكره الشيخ في أصحاب الإمام مع أنه عقد الباب لذكر الرواة عنه (عليه السلام) وهذا ليس منهم؟
وقد أجبنا عن ذلك فيما مضى، وحاصل الجواب: أنَّ الشيخ إنما عقد الأبواب لطبقة الرواة، والذي لحق الإمام وأدركه، يكون في هذه الطبقة، ولكن بما أنَّ هذا الراوي لم يرو عنه، ذكره الشيخ في أصحابه وصرح بعدم روايته دفعاً لشبهة أنه روى، أو رداً على من زعم أو توهم ذلك.
المورد (5)
أحمد بن الحسن بن إسحاق
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) بقوله: أحمد بن الحسن بن إسحاق بن سعد.
وذكره في «باب مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام)» بقوله: أحمد بن الحسن بن إسحاق، روى عنه ابن نوح.
أقول: الظاهر أن ابن نوح هو أبو العباس أحمد بن علي السيرافي البصري وهو شيخ النجاشي، قال الشيخ عنه: مات من قرب.
ومن الواضح أنه لا يروى عن أصحاب الهادي (عليه السلام) مباشرة، لبعد الطبقة، فروايته عنه مرسلة.
وإن كان المراد بابن نوح (أيوب بن نوح) فالإشكال أقوى، حيث أنه أقدم من أحمد هذا، فكيف يروي عنه؟
المورد (6)
أحمد بن عمر الحلال أو الخلال
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): أحمد بن عمر الحلال، كان يبيع الحل، كوفي، إنماطي، ثقة، ردي الأصل.
أقول: في النسخة المخطوطة: «الخلال» بالمعجمة.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم»: أحمد بن عمر الحلال، روى عنه محمد بن عيسى اليقطيني.
أقول: إنَّ رواية اليقطيني عنه أوردها في الفهرست في ترجمة (عبدالله بن محمد الحصيني) وهذا من أصحاب الرضا(عليه السلام). والإشكال فيه من جهتين:
1 ـ أنَّ سند النجاشي إلى (أحمد الحلال) هو: محمد بن عيسى بن عبيد (وهو اليقطيني) عن عبدالله بن محمد عن أحمد.
فلا يروي اليقطيني عن أحمد مباشرة.
2 ـ أن رواية اليقطيني عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرة فيها كلام، وقد ذكروا أنه أصغر في السن عن أن يروي عن ابن محبوب، المتوفى سنة (224).
وعلى هذا فإشكال الطبقة واضح.
وللشيخ ابن داود الحلي ـ في هذا المورد ـ رأي آخر، قال: الظاهر أنهما رجلان، فابن الخلال، بالمعجمة، من أصحاب الرضا (عليه السلام)، والذي بالمهملة ممن لم يرو عنهم (عليهم السلام).
والنسخة المخطوطة توافقه، وكذلك نسخة صاحب المنهج.
وعلى هذا الاحتمال، فليس هذا من موارد النقض.
ولعل نظر الشيخ إلى انقطاع الطريق لما ذكره الأعلام في (محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني)، فاستثنوا روايته من كتاب (نوادر الحكمة) وسيأتي تفصيله في المورد (32).
وأشار الأسترآبادي إلى شيء من هذا بقوله: ومحمد بن عيسى يكون قد روى عنه [أي عن أحمد] الكتاب بواسطة، وغيره بلا واسطة.
ولكن عبارته غير واضحة الدلالة، وانظر المورد [52].
المورد (7)
بكر بن صالح الرازي
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): بكر بن صالح الضبي، الرازي مولى وقال في باب «من لم يرو» بكر بن صالح الرازي، روى عنه إبراهيم بن هاشم.
وأورد في الفهرست رواية إبراهيم عنه ونقل عن تفسير القمي روايته عنه، وكذلك وقعت في طريق الصدوق إلى (بكر) في المشيخة.
أقول: لعل الوجه فيه أنَّ (بكراً) من قدماء أصحاب الرضا (عليه السلام) بدليل رواية كثير من أصحابه (عليه السلام) عنه، كالحسين بن سعيد.
وإبراهيم بن هاشم، وإن لقي أصحاب الرضا (عليه السلام)، لكنه لم يرو عن كبارهم، ولذا شكك في لقائه للإمام الرضا (عليه السلام)، وتلمذته ليونس بن عبدالرحمن، وقد تنظر النجاشي في ذلك، على الرغم من قول الكشي به وقد صوب السيد الأستاذ نظر النجاشي باعتبار: أنَّ إبراهيم ليست له رواية مباشرة عن يونس.
المورد (8)
بكر بن محمد الأزدي
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): بكر بن محمد أبو محمد الأزدي، الكوفي، عربي.
وذكره البرقي في رجاله (عليه السلام): وقال عربي كوفي.
وعده الشيخ في رجال الكاظم (عليه السلام) وقال: له كتاب. وذكره البرقي في رجاله (عليه السلام).
وذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: له كتاب من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
وقال في باب «من لم يَرْوِ» روى عنه العباس بن معروف.
أقول: أورد روايته عنه في الفهرست.
والظاهر أن الإشكال فيه كما في المورد السابق حيث أنَّ بكراً من كبار أصحاب الرضا (عليه السلام)، والعباس من صغارهم، فلاحظ.
المورد (9)
ثابت بن شريح
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): ثابت بن شريح الكوفي الصائغ.
وفي باب «من لم يَرْوِ» قال: ثابت بن شريح، روى عنه عبيس بن هشام.
وقد أورد روايته عنه في طريقه النجاشي والفهرست.
وأورد في الفهرست بعده رواية ابن نهيك عنه.
والإشكال: أن عبيساً هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، فكيف يروي عن من هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة؟
وقد يكون الإشكال في رواية ابن نهيك عنه أيضاً، لأنه بعيد عنه طبقة، فلاحظ.
المورد (10)
جعفر بن أحمد
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) وكذلك البرقي باسم: جعفر بن أحمد.
وذكره الشيخ في باب «من لم يرو» بقوله: جعفر بن أحمد بن أيوب، يعرف بابن التاجر، من أهل سمرقند، متكلم، له كتب)[656](.
أقول: «لم يظهر كونهما واحداً، بل الظاهر هو التعدد، فإنَّ الثاني يروي عنه العياشي والكشي مباشرةً، كما في ترجمته عند النجاشي. وهما متأخران طبقة عمن يروي عن أصحاب الهادي (عليه السلام)، فلاحظ.
فالمورد ليس من موارد النقض.
المورد (11)
الحسن بن خرزاد
ذكره الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام) وقال: قمي.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: من أهل كش.
أقول: استظهر الاتحاد بعضهم، وقال القهپائي: الظاهر أنَّه واحد، فكيف يكون ممن لم يرو، وكأنَّ أصله من كش، وهو مجاور بقم.
وقال السيد الخوئي ـ بعد أن ذكرهما متعاقبين ـ. يحتمل اتحاده مع سابقه والله العالم.
وقد دمجهما ابن داود في ترجمة واحدة.
وقد أغرب ابن داود في صنيعه، حيث أنَّ مبناه في أمثاله هو التعدد، كما عرفنا في التوجيه الأول مفصلاً.
مع أنه لم يظهر من كلام الشيخ أية قرينة على الاتحاد، بل العكس هو الظاهر، فإنه استعمل النسبة إلى البلد قرينة على التعدد ومميزاً، فالأول قمي، والثاني كشي، وما أبعد ما بينهما!
وعلى فرض الاتحاد، فالظاهر أنَّ الإشكال إنما هو في رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن خرزاد، لأنهم ذكروا في ترجمة (أحمد بن محمد بن عيسى) أنه لا يروي عن الحسن هذا)[657](.
وعليه: فاللازم إضافة قولنا (روى عنه أحمد محمد بن عيسى) في ترجمة (الحسن بن خرزاد) في «لم» ليعلم وجه الإشكال فيه.
المورد (12)
الحسن بن موسى الخشاب
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام).
وذكره في باب «من لم يرو» بقوله: روى عن الصفار. ورواية الصفار عن الخشاب في الفهرست.
لعل الإشكال في أنَّ الصفار متأخر طبقة عن الرواية عن الخشاب، لأن سعد بن عبدالله وهو في طبقة الصفار قد روى عن الخشاب بواسطة وهو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، فكيف يروي الصفار عنه بلا واسطة.
ولكن قد وردت روايته عنه بلا واسطة أيضاً فلاحظ.
المورد (13)
الحسين بن أشكيب
قال الشيخ في رجال الهادي (عليه السلام): الحسين بن أشكيب القمي، خادم القبر.
وقال في أصحاب العسكري (عليه السلام): الحسين بن أشكيب المروزي، المقيم بسمرقند وكش، عالم، متكلم، مصنف للكتب.
وقال في باب «من لم يرو»: الحسين بن أشكيب المروزي، فاضل، جليل، متكلم فقيه مناظر، صاحب تصانيف لطيف الكلام، جيد النظر.
أقول: ترجم النجاشي للحسين بن أشكيب، وأورد في ترجمته قول الكشي يكون الرجل من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وقال هو القمي خادم القبر، وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): المروزي المقيم بسمرقند، وكش، عالم متكلم، مؤلف للكتب.
ويظهر من اتفاق عبارة الكشي مع عبارة الشيخ الطوسي، أنَّ الشيخ اعتمد على نقل الكشي في عد الرجل من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) ويظهر من عده في باب «لم» أنه لم يقف له على روايته عن الإمامين (عليهم السلام)، فكأنه استدرك بذلك على الكشي.
وقد يؤيد ذلك بأنَّ الشيخ حذف ترجمة الرجل من ما اختاره من رجال الكشي فلم يوجد في اختياره المطبوع.
المورد (14)
الحسين بن الحسن بن أبان
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): الحسين بن الحسن بن أبان، أدركه (عليه السلام) ولم أعلم أنه روى عنه، وذكر ابن قولويه أنه قرابة الصفار وسعد بن عبدالله، وهو أقدم منهما، لأنّه روى عن الحسين بن سعيد، وهما لم يرويا عنه.
وقال في باب «من لم يرو»: الحسين بن الحسن بن أبان، روى عن الحسين بن سعيد كتبه كلها، روى عنه ابن الوليد.
أقول: ليس هذا من موارد النقض، لتصريح الشيخ في الباب الأول بعدم وقوفه على روايته عن الإمام، وأما عده مع ذلك في باب أصحابه (عليه السلام) فقد ذكرنا أنَّ وجهه هو تلافي توهم كونه من الرواة، ولعلَّ في الرجاليين من اعتقد أو التزم بذلك.
ويظهر من نقل الشيخ كلام بن قولويه، والرد عليه، تصدي الشيخ لتعيين طبقة الرجل بدقة وافرة.
وأما قول الشيخ: «روى عنه ابن الوليد» فدليل آخر على أنَّ الشيخ إذا ذكر الراوي عن الرجل، فإنما يريد تعيين طبقته بذلك، فابن الوليد ـ والمراد هنا هو محمد بن الحسن ـ إنما يروي عن أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) بواسطة دائماً هي الصفار ومن في طبقته، مع أنّه قد روى عن الحسين بن الحسن بن أبان هذا بواسطة محمد بن يحيى العطار في بعض الروايات.
ولاحظ منتقى الجمان (ج1 ص38 الطبعة الأولى) ورجال الخاقاني (ص195 ـ 197).
(المورد (15)
حفص بن غياث
ذكره الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) وقال: حفص بن غياث، عامي.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر، النخعي القاضي الكوفي، أسند عنه.
وقال في أصحاب الكاظم (عليه السلام): حفص بن غياث النخعي، الكوفي، صاحب أبي عبدالله (عليه السلام) )[658](.
وقال في باب «من لم يرو»: حفص بن غياث القاضي، روى عنه ابن الوليد عن محمد بن حفص، عن أبيه.
أقول: أورد رواية ابن الوليد عن ابنه محمد عنه في الفهرست.
والنجاشي رواه بعين السند لكن فيه: ابن الوليد عن عمر بن حفص عن أبيه.
وحفص هو من كبار العامة وقضاتهم توفي سنة (194) والمشهور أنَّ الراوي عنه هو ابنه عمر المتوفى سنة (222) وقد ترجم له علماء العامة.
وأما ابنه (محمد) فلم أجد له ذكراً في المعاجم الرجالية، إلا ما ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب «من لم يرو عنهم (عليهم السلام)» والظاهر أنه استند في ذلك إلى نفس هذا السند الذي كان بيده، وأورده في الفهرست، ويظهر أنَّ الشيخ علل هذا السند بوجود (محمد) فيه، حيث لم يذكر لحفص ابن بإسم (محمد) ولا ترجم في المعاجم، وكأنَّه يشير إلى احتمال تصحيف (عمر) إلى (محمد) في سند كتابه.
المورد (16)
حمدان بن سليمان النيسابوري
قال الشيخ في أصحاب الهادي (عليه السلام): حمدان بن سليمان بن عميرة، نيسابوري، المعروف بالتاجر.
وقال في أصحاب العسكري (عليه السلام): حمدان بن سليمان النيسابوري.
وقال في باب «من لم يرو»: حمدان بن سليمان النيسابوري، روى عنه محمد بن يحيى العطار.
أورد رواية العطار عنه النجاشي والفهرست بل قيل في ترجمته: إن العطار كان من أخص أصحاب حمدان.
ولم يتبين لي وجه إعادة الشيخ له هنا.
إلاَّ أنَّ لي ملاحظة على رواية نقلت عن الكافي، الجزء (6) كتاب الأشربة باب المياه المنهي عنها (10) الحديث (3) وفي سنده:
(حمدان بن سليمان عن محمد بن يحيى).
ويلاحظ فيها أن (محمد بن يحيى) هذا من هو؟ وما هو شأنه؟ وانظر المورد (35).
المورد (17)
الريان بن الصلت
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): الريان بن الصلت، بغدادي، ثقة خراساني الأصل.
وقال في أصحاب الهادي (عليه السلام): الريان بن الصلت البغدادي ثقة.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: الريان بن الصلت، روى عنه إبراهيم بن هاشم.
أقول: هما اثنان.
1 ـ الريان بن الصلت، الأشعري القمي، ترجم له النجاشي وقال: روى عن الرضا (عليه السلام) وكان ثقة صدوقاً.
2 ـ البغدادي الثقة، ذكره الشيخ في أصحاب الرضا والهادي (عليه السلام) وقال؛ خراساني الأصل، كما مرَّ.
وأما من ذكره الشيخ في «لم» فقد عنونه في الفهرست أيضاً بالريان بن الصلت من دون وصف، وقال: له كتاب، رواه بسنده عن إبراهيم بن هاشم عنه.
فكأن الشيخ يريد أن يعبر عن تردد الرجل بين الأشعري القمي، أو البغدادي الخراساني، ولا شك أن هذا يدخل الحديث في المعلل، من حيث عدم تعين شخص المروي عنه، فلاحظ.
المورد (18)
زرعة بن محمد
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): زرعة بن محمد الحضرمي.
وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام) أضاف: واقفي.
وقال في باب «لم»: زرعة بن محمد، عن سماعة.
أقول: قوله: «عن سماعة» يعني سماعة بن مهران، والمراد: أنَّ زرعة يروي عن سماعة بن مهران، والكلام ـ بهذا المقدار ـ غير مفيد أثراً جديداً، لأنَّ روايات زرعة عن سماعة كثيرة جداً، بل هو من أخص أصحابه، ويشتركان في اعتقاد الوقف.
وأتصور أنَّ في عبارة الشيخ هنا نقصاً.
ولعله نظر إلى رواية خاصة لزرعة ابن محمد، رواها شخص معين، لم يرد اسمه في الكتاب.
وأظن أنَّ المنظور إليه هو رواية الحسين بن سعيد الأهوازي عن زرعة.
لما ذكر في ترجمة الحسين من أنَّ روايته عن زرعة مرسلة، لتوسط أخيه الحسن بينهما.
قال الشيخ في ترجمة الحسن: روى جميع ما صنفه أخوه عن جميع شيوخه وزاد عليه بروايته عن زرعة عن سماعة، فإنه يختص به الحسن، والحسين إنما يرويه عن أخيه عن زرعة.
ومن المحتمل ـ بعيداً ـ أن يكون نظر الشيخ إلى رواية خاصة لزرعة عن سماعة أوردها الكشي، وفيها تكذيب الإمام الرضا (عليه السلام) له، فلاحظ.
المورد (19)
سعد بن عبدالله القمي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): سعد بن عبدالله القمي، عاصره (عليه السلام)، ولم أعلم أنَّه روي عنه.
وقال في باب «من لم يرو» سعد بن عبدالله بن أبي خلف القمي، جليل القدر، صاحب تصانيف، ذكرناها في الفهرست، روى عنه ابن الوليد وغيره، وروى عنه ابن قولويه عن أبيه عنه.
أقول: في لقاء سعد للإمام العسكري (عليه السلام) كلام، قال النجاشي: في مولانا أبا محمد (عليه السلام)، ورأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد، ويقولون: هذه حكاية موضوعة عليه.
أقوله: والإشارة إلى حديث اللقاء الذي رواه الصدوق)[659]( وقد تحدث الشيخ التستري عن الحديث متناً وسنداً بتفصيل بعد إيراده له.
وعلى فرض صحة الحديث وثبوت اللقاء فليس فيه رواية سعد عن الإمام العسكري (عليه السلام) شيئاً، كما هو واضح فيه، فلا يكون ـ على كل حال ـ ممن روى عنه (عليه السلام).
وهذا المورد ليس من موارد النقض بعد تصريح الشيخ بعدم علمه بروايته عن الإمام.
المورد (20)
سليمان بن صالح الجصاص
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): سليمان بن صالح الجصاص الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: سليمان بن صالح الجصاص روى عنه الحسن بن محمد بن سماعة.
أقول: الحسن بن محمد بن سماعة توفي سنة (263) فهو لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة.
وقد أورد الشيخ رواية ابن سماعة عنه في الفهرست.
لكن النجاشي أورد بعين السند وفيه: ابن سماعة قال: حدثنا الحسين بن هاشم عن سليمان.
فظهر أن ما أورده الشيخ في الفهرست من السند مرسل، ولذا أورد ذكر (سليمان) في طبقة من لم يرو.
المورد (21)
سندي بن الربيع
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: كوفي.
وذكره في أصحاب العسكري (عليه السلام) بقوله: سندي بن الربيع، ثقة كوفي.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: السندي بن الربيع بن محمد، روى عنه الصفار.
أقول: ذكر في الفهرست رواية الصفار عمن سماه بسندي بن الربيع البغدادي، وأسند إلى الصفار عنه.
وعنون النجاشي للبغدادي وقال: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): وأسند إلى صفوان عنه.
ومن الواضح أنَّ البغدادي الذي روى عن الكاظم (عليه السلام) هو غير الكوفي الذي عده الشيخ من أصحاب الرضا والعسكري (عليهما السلام).
وأما المذكور في «لم» فلم يصفه بأحد الوصفين (البغدادي) أو (الكوفي)، ورواية الصفار عن (البغدادي) بعيد طبقة كما هو واضح، ولم يتشخص كون المروي عنه أيهما، وهذه هي العلة في السند.
وأما احتمال أن يكون السندي بن الربيع رجلاً واحداً، قد أدرك الكاظم والرضا والعسكري (عليهم السلام)، وأن يكون بغدادياً وكوفياً معاً، «من الممكن أن يكون أحدهما مولده والآخر مسكنه».
ففيه: أولاً أنَّ مجرد إمكان ذلك، لا يكون دليلاً على كونه فعلاً كذلك، ما لم يقم دليل واضح عليه، فإنَّ مجرد الإمكان لا يثبت به الوقوع.
وثانياً: أنَّ الشيخ لو كان ملتزماً بالاتحاد لذكر البغدادي في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ولجمع بين الوصفين عند ذكره في أحد المواضع، كما فعل ذلك مع عدة من المذكورين في رجاله فذكرهم مصرحاً بنسبتهم إلى أكثر من مدينة واحدة، كما قال: محمد بن علي الحلبي، كوفي، وحاتم بن إسماعيل المدني أصله كوفي وحازم بن إبراهيم البجلي الكوفي سكن البصرة وغيرهم.
والواقع أنَّ هذه غفلة عن طريقة أهل الطبقات حيث أنهم يعتمدون في كتبهم لتمييز الرواة وتحديدهم ـ بعد الطبقة وبعد ذكر الاسم واسم الأب ـ على الكنى ثم الأوصاف الخلقية، ثم الأنساب، ثم القبائل، أصلاً وولاء، ثم المهن والحرف، ثم المدن، ثم أماكن السكن، وهكذا.
ولهم في هذا أساليب ومصطلحات تدل على عنايتهم الفائقة بها، وأنَّ إفرادهم لنسبة أحد إلى مدينة عمل مقصود لهم، يميزون به الرواة بعضهم عن بعض وقد أدى الشيخ الطوسي هذه المهمة بجودة ودقة فائقة في رجاله.
وللتفصيل عن هذا مجال آخر.
المورد (22)
السندي بن محمد
ذكره في أصحاب الهادي (عليه السلام) وقال: السندي بن محمد أخو علي.
وذكره في باب «من لم يرو»: روى عنه الصفار، ولم يرد في المطبوعة، وإنما ورد في المخطوطة، وفي نسخة القهپائي، ونقله الأسترآبادي: عن نسخة لا تخلو من صحة.
وأما رواية الصفار عنه، فكثيرة.
لكن رواية الصفار عنه مباشرة فيها:
أولاً: أنَّ طريق الفهرست إلى (سندي بن محمد) ينتهي إلى الصفار عن أحمد بن أبي عبدالله عن سندي.
وهذا يعني أنَّ الصفار متأخر عنه بطبقة واحدة.
وثانياً: أنَّ رواية السندي هذا هو محمد بن علي بن محبوب، وهو في طبقة مشايخ الصفار، فكيف يروي الصفار عن سندي مباشرة.
المورد (23)
شعيب بن أعين الحدَّاد
قال الشيخ في رجال الصادق (عليه السلام): شعب بن أعين الحداد الكوفي.
أقول: أورد الشيخ في الفهرست رواية الحسن بن محمد بن سماعة عن شعيب.
وقد عرفت في المورد (20) أنَّ الحسن بن سماعة قد توفي سنة (236)، فلا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة فروايته مرسلة.
المورد (24)
صالح بن مسلمة أبي حماد
قال الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام): صالح بن أبي حماد، يكنى أبا الخير.
وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): صالح بن أبي حماد.
وفي باب «من لم يرو» من نسخة القهپائي: صالح بن أبي حماد، روى عنه أحمد البرقي.
أقول: لم يرد في المطبوعة ولا المخطوطة.
ورواية أحمد البرقي عنه أثبتها الشيخ في الفهرست.
لكن البرقي قيل في حقه: إنَّه اعتمد المراسيل. ولعل ذلك هو السبب في تعليل حديثه.
المورد (25)
صالح بن عقبة
ذكر الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام): صالح بن عقبة.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان مولى رسول الله (ص).
وفي أصحاب الكاظم (عليه السلام): صالح بن عقبة من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
وفي باب «لم» من نسخة القهپائي: صالح بن عقبة، روى عنه محمد بن إسماعيل بن بزيع.
أقول: ولم يرد في المطبوعة ولا المخطوطة.
وأما رواية ابن بزيع عنه، فقد ذكرها الشيخ في الفهرست وكذلك النجاشي في الرجال.
وعلى هذا لا إشكال في رواية محمد بن بزيع عنه إنْ كان هو صالح بن عقبة بن قيس الذي عدَّ في أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، لأنَّ ابن بزيع هو من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، إلا أنَّ النجاشي نسب روايته عن الصادق (عليه السلام) إلى «قيل» وقال: «والله أعلم» فيظهر أنه لم يتأكد من ذلك، ومع ذلك فإنَّ في الرواة شخصاً باسم (صالح بن عقبة بن خالد الأسدي) ترجم له النجاشي وأسند إلى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن محمد بن أيوب عنه.
وهذا لم يذكر في أصحاب أحد من الأئمة (عليهم السلام).
فإنْ كان المذكور في باب «لم» هو هذا الأسدي، فرواية محمد بن بزيع عنه مرسلة، لأنه مقدمٌ عليه بطبقة ويروي عنه بواسطة (محمد بن أيوب).
ويكفي هذا في تعليل مثل ذلك السند.
المورد (26)
طاهر بن حاتم بن ماهوية
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) وقال: غالي كذاب، أخو فارس.
وذكره في باب «من لم يرو» وقال: روى عنه محمد بن عيسى بن يقطين، غالي.
أقول: أورد النجاشي والفهرست رواية محمد بن عيسى عنه.
وخصصها الشيخ بقوله: «أخبرنا برواياته في حال الاستقامة».
وقال ابن الغضائري: كانت له حال استقامة، لكنها لا تثمر.
وقال السيد الخوئي: إنَّ رواياته بعد الانحراف لا تقبل، لشهادة الشيخ بأنَّه غال كذاب، وكذا ما تردد بين حال الاستقامة وحال الانحراف.
وأقول: فلعل الشيخ علل روايات محمد بن عيسى المطلقة عنه لذلك، ولعله استبعد الطبقة، لأن محمد بن عيسى اليقطيني يروي عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بواسطة، وقد مر بعض الكلام في ذلك في المورد (6) ويأتي مفصلاً في المورد (32) و(52).
المورد (27)
عامر بن عبدالله بن جذاعة
ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) وأضاف: الأزدي، عربيٌّ، كوفيٌّ.
وقال في باب «من لم يرو عنهم»: عامر بن جذاعة، روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما.
أقول: كذا في المخطوطة، وفي نسخة القهپائي: عامر بن جذاعة، روى عن حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنه.
وفي المطبوعة: عامر بن جذاعة، روى عن حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما (عليهما السلام).
وعلق محققه على قوله (عنهما) بما نصه: يريد بقوله (عنهما) الباقر والصادق (عليهم السلام)، وهو اصطلاح عند الرجاليين.
أقول: هذا الاصطلاح وإن كان معمولاً به في موارد القابلة إلاَّ أنَّ هذا ليس منها، لأن الراوي عنهما (عليهما السلام) إن كان إبراهيم الخزاز فمن الواضح أنه بعيد طبقة، فلا يروي عنهما (عليهما السلام) ، وإن كان (عامر) المعنون، فهو ـ بالفرض ـ ممن لم يرو.
والظاهر أن الذي أوقعه في الاشتباه خطأ النسخة، فالصحيح ما في المخطوطة من أن حميداً روى عن إبراهيم عن عامر وعن الرجل المذكور قبله في الرجال برقم (71) وهو (عبدالغفار الجازي) )[660](.
وقد ذكرهما الشيخ في الفهرست أيضاً متعاقبين وسنده إليهما واحد ينتهي بحميد عن القاسم بن إسماعيل عنهما، فلاحظ.
هذا، وأما الإشكال في المورد: فإنَّ رواية إبراهيم الخزاز عمن هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ومباشرة، بعيدة من حيث الطبقة، فحديثه مرسل.
وإن كان الرجل المذكور في «باب لم» شخصاً آخر كما يظهر من النسخ حيث لم يذكر فيها كلمة (عبدالله) بين عامر وجذاعة، فعامر بن جذاعة لم يذكر في أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فيكون من طبقة من لم يروِ، ولا إشكال.
المورد (28)
العباس بن عامر
قال الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام): العباس بن عامر.
وقال في باب «من لم يرو»: العباس بن عامر القصباني، روى عنه أيوب بن نوح.
وأورد في الفهرست رواية أيوب عنه.
أقول: أيوب بن نوح من أصحاب الرضا والهادي والعسكري (عليهم السلام) وكان وكيلاً لأبي الحسن وأبي محمد (عليهما السلام)، وروى عن جماعة من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام).
فروايته عن العباس بن عامر، ليست بعيدة طبقة ولم أعرف الإشكال فيها.
إلاَّ أنَّ النجاشي في ترجمة العباس بن عامر من رجاله أسند إلى سعد بن عبدالله عن العباس.
وهذا السند منقطع بلا ريب، فلاحظ.
المورد (29)
عبدالجبار النهاوندي
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): عبدالجبار بن مبارك النهاوندي.
ومثله في أصحاب الجواد (عليه السلام).
وقال في «لم»: عبدالجبار من أهل نهاوند، روى عنه البرقي.
وذكر الشيخ في الفهرست ما نصه: عبدالجبار بن علي من أهل نهاوند، له كتاب، رويناه بالإسناد الأول، عن أحمد بن أبي عبدالله عنه.
أقول: إن لم نشكل في رواية البرقي أحمد (المتوفى 274 ـ أو ـ 280) عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرة، فإنَّ من الظاهر تعدد المذكور في «لم» ومن قبله لاختلاف أسماء الآباء فهذا ابن علي، وذلك ابن مبارك.
المورد (30)
عبدالعزيز بن المهتدي
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) بقوله: عبدالعزيز بن المهتدي أشعري قمي.
وقال في باب «من لم يرو»: عبدالعزيز بن المهتدي، جدّ محمد بن الحسين، روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى، والبرقي.
أقول: أما البرقي، فقد أورد روايته عن عبدالعزيز في رجال النجاشي والفهرست.
والمراد به أحمد بن محمد بن خالد المتوفى (274 ـ أو ـ 280).
وقد مر مراراً أنَّ روايته عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة، مضافاً إلى ما قيل في ترجمته من أنه يعتمد المراسيل.
وأما رواية أحمد بن محمد بن عيسى ـ وهو الأشعري ـ عن عبدالعزيز فلم أعرف وجه الإشكال فيها، إلاَّ على ما ذكره الكشي في ترجمة الأشعري من أنَّه كان يروي عمن كان أصغر سناً منه، فلاحظ.
المورد (31)
عبدالغفار الجازي
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) وقال: عبدالغفار بن حبيب الجازي.
وقال في باب «لم»: عبدالغفار الجازي)[661](.
وذكر بعده (عامر بن جذاعة) وقال: روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنهما)[662](.
وقد فصل القهپائي الضمير في الموردين وقال هنا: روى حميد عن إبراهيم بن سليمان الخزاز عنه)[663](.
أقول: والإشكال فيه بين، فإن رواية الخزاز عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، بعيدة جداً.
المورد (32)
عبدالله بن محمد الشامي الدمشقي
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام) بقوله: عبدالله بن محمد يكنى أبا محمد، الشامي الدمشقي، يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وغيره.
وفي باب «لم»: عبدالله بن محمد الشامي، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: العلة في هذا المورد هو ما تسالم عليه علماء الفن من القاعدة الرجالية التي تلقوها بالقبول، وهي «مستثنيات ابن الوليد من نوادر الحكمة».
إنَّ محمد بن الحسن بن الوليد قد استثنى من كتاب «نوادر الحكمة» تأليف محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري ـ وهو كتاب كبير يشمل عدة من كتب الفقه والأحكام تبلغ (22) كتاباً وكان مؤلفه ثقة في الحديث، إلاَّ نَّ أصحابنا قالوا:
إنه كان يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء ـ فاستثنى ابن الوليد من هذا الكتاب مجموعة من الروايات، فتركت لأجل ذلك.
ولا بأس بأن نصرف جهداً في معرفة:
1 ـ عدة ما استثني، والنصوص المرتبطة بذلك.
2 ـ السبب الذي استثنيت تلك الأخبار من أجله.
3 ـ النتائج المترتبة على ذلك.
فنقول:
1 ـ موارد الاستثناء:
أورد النجاشي موارد الاستثناء نقلاً عن ابن الوليد ونقلها الشيخ عن ابن بابويه وبين النقلين اختلاف سنشير إليه، ونجمع هنا بين النصين.
قال النجاشي: وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه:
1 ـ محمد بن موسى الهمداني.
2 ـ أو ما رواه عن رجل.
3 ـ أو يقول: عن بعض أصحابنا.
4 ـ أو يقول: وروي)[664](.
5 ـ أو يرويه عن محمد بن يحيى المعاذي.
6 ـ أو عن أبي عبدالله الرازي الجاموراني.
7 ـ أو عن أبي عبدالله السياري.
8 ـ أو يرويه عن يوسف بن السخت.
9 ـ أو عن وهب بن المنبه.
10 ـ أو عن أبي علي النيسابوري.
11 ـ أو عن أبي يحيى الواسطي.
12 ـ أو عن محمد بن علي أبي سمينة الصيرفي.
13 ـ أو قول: وجدت في كتاب ولم أروه)[665](.
14 ـ أو عن سهل بن زياد الآدمي.
15 ـ أو عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناد منقطع (ينفرد به) )[666](.
16 ـ أو عن الهيثم بن عدي)[667](.
17 ـ أو عن أحمد بن هلال.
18 ـ أو عن محمد بن علي الهمداني.
19 ـ أو عن عبدالله بن محمد الشامي.
20 ـ أو عن عبدالله بن أحمد الرازي.
21 ـ أو عن أحمد بن الحسين بن سعيد.
22 ـ أو عن أحمد بن بشير الرقي.
32 ـ أو عن محمد بن هارون.
24 ـ أو عن مويه بن معروف.
25 ـ أو عن محمد بن عبدالله بن مهران.
26 ـ أو ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي.
27 ـ أو جعفر بن محمد الكوفي)[668](.
28 ـ وما يرويه عن جعفر بن محمد بن مالك.
29 ـ أو يوسف بن الحارث.
30 ـ أو عبدالله بن محمد الدمشقي.
وقد نقلها الشيخ في الفهرست بقوله: قال أبو جعفر بن بابويه: «إلاَّ ما كان فيها من غلو أو تخليط، وهو الذي يكون طريقه…» وذكر الموارد، وقد أشرنا إلى الخلاف بين عبارته وعبارة النجاشي.
وقال أبو العباس بن نوح: وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله، وتبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه الله على ذلك، إلاَّ في مورد سيأتي ذكره.
أقوله: وأورد هذه المستثنيات العلامة في الخلاصة ونقله القهپائي في المجمع من دون تعقيب، والطريحي في جامع المقال (ص8 ـ 179) الفائدة السابعة.
وظاهر نقلهم لذلك وسكوتهم عنه موافقتهم له كما لا يخفى.
2 ـ وأما وجه الاستثناء:
فلم يبين في كلام ابن الوليد ـ الذي هو أصل هذا الاستثناء ـ ما يدل على وجهه، لكن الصدوق ـ تلميذه ـ قد ذكر في كلامه المنقول سابقاً أنَّ الاستثناء تعلق بما «كان فيه غلو أو تخليط» كما مرَّ.
وظاهره أنَّ وجه الاستثناء هو احتواء هذه الموارد على الغلو والتخليط ويراد بالتخليط ـ بقرينة العطف على الغلو ـ فساد الاعتقاد والمغالاة وما لا يوافق الحق من العقائد.
ولكن أرى أنَّ السبب في الاستثناء ليس ذلك، لوجوه:
1 ـ الغلو كلام ابن الوليد ـ الذي هو الأصل فيه ـ من ذلك.
2 ـ لعدم جريان ذلك في جميع موارد الاستثناء، لأنَّ المذكورة بالأرقام (2 و3 و4 و13 و15 و26) التي يصرح فيها بالإرسال أو الجهالة لم يعرف رواتها حتى يكون الاستثناء على أساس من عقائدهم، ولم نقف على متون الروايات حتى نعرف احتواءها على المعاني الباطلة والعقائد الفاسدة مع التصريح في الموردين (13) و(15) بأنَّ سبب الاستثناء هو الخلل في الإسناد من حيث عدم الرواية الصحيحة والاعتماد على مجرد الوجادة، أو انقطاع السند، وهذا هو صريح كلام ابن الوليد في ذينك الموردين فلو جعلنا وجه الاستثناء هو الغلو والتخليط بذلك المعنى، لانتقض في هذه الموارد.
وأعتقد أنَّ السبب في الاستثناء، كما يظهر من هذه الموارد، هو كون هذه الأحاديث المستثناة «معللة» سنداً أو متناً من حيث الإرسال أو الانقطاع، أو عدم تمييز رواته، أو الخلل في اسمه، أو كونه يعتمد المراسيل أو كونه مدلساً، فتدخل في ذلك الروايات المرفوعة، والمرسلة والمعللة، والمدلسة، والمنقطعة، والمجهولة الراوي، وحتى الغريبة، وهذا يسمى «تخليطاً» في مصطلح علماء الحديث وهو أعم مما ذكره الصدوق)[669](.
قال الشيخ العاملي: من «خلط» لذهاب بصر أو لخرف، أو فسق، أو بدعة، أو كفر يغلو ونحوه، قبل ما حدث به قبل ذلك)[670](.
فالظاهر أنَّ «التخليط» مسبب عن الأمور المذكورة، والتي منها الكفر ومن أنواعه الغلو، فالغلو سبب قد يؤدي بمعتقده إلى التخليط، لا أنه عينه، بل هو في عرض أسابه، ومن المعلوم: أنَّ التخليط الحاصل من ذهاب البصر أو الخرف إنما يكون فساداً حسياً في الرواية سنداً أو متناً، بنقص أو زيادة أو تصحيف وما أشبه، ولا مساس له مباشرة بالمعنى وفساد الاعتقاد.
ويؤيد ذلك أنَّ بعض الثقات والأجلاء نسب إلى التخليط.
قال بعضهم: الظاهر أنَّ المراد بقولهم «مِخلّطٌ» من لا يبالي عمن يروي وممن يأخذ بين الغث والسمين، وليس هذا طعناً في الرجل، وإلا، كيف يقول الحمصي، في ابن إدريس: «مُخَلّطٌ».
أقول: روى الكشي قال: محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن بن فضَّال عن أبي بصيرٍ؟
فقال: اسمه يحيى بن أبي القاسم، أبو بصير، كان يكنى أبا محمد، وكان مكفوفاً.
فسألته: هل يُتَّهمُ بالغُلُوّ؟
فقال: أمَّا الغلو فلا، ولكن كان مخلطاً.
فانظر، كيف نفى ابن فضال الغلو مع إثباته التخليط، وهو دليل واضح على عدم ارتباط التخليط بالعقائد.
وقال ابن الوليد في محمد بن جعفر بن بطة: كان ضعيفاً مخلطاً فيما يسنده فقد قيد التخليط بالإسناد، ويوضحه قول النجاشي الذي أورد هذا الكلام، فإنه قال: كثير الأدب والفضل والعلم، يتساهل في الحديث، ويعلق الأسانيد بالإجازات وفي فهرست ما رواه غلط كثير.
ومما يدل على أن التخليط غير الغلو قولهم في ترجمة محمد بن علي الصيرفي: إلاَّ ما كان فيها من تخليط أو غلوٍ أو تدليس أو يتفرد به ولا يعرف من غير طريقه.
فإنَّ العطف ـ وخاصة بأوْ ـ يقتضي التغاير بين المعطوفات ـ كما لا يخفى والظاهر أنَّ «التخليط» هو السبب في جعل الرواية «معللة» ساقطة عن الاعتبار.
والغرض منها في كتاب «الرجال» هو التنبيه على الخلل الحاصل بذلك في الإسناد، دون المتن، وبهذا يتبين ارتباط البحث بالفهارس والإجازات، وهو محط بحث أصحاب الطبقات.
ومن هنا نعرف ما في كلام ابن نوح بعد ما نقل عن ابن بابويه أنه تبع ابن الوليد على استثنائه لتلك الموارد فقال: إلاَّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رأيه فيه، لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة.
أقول: كأنَّ الشيخ ابن نوح لم يدقق في وجه استثناء ابن الوليد، وتوهم أن الوجه فيه هو ضعف الرواة المذكورين، كما يحتمله ظاهر العبارة المنقولة عن الصدوق، وتبين بما قلنا أنَّ المراد ليس ذلك قطعاً، بل الأمر يرتبط بالخلل في أسانيد تلك الروايات من جهة كونها معللة بما ذكرنا، فلا نعيد.
والغريب أنَّ ابن عبيد قد صرح في استثنائه بأنَّه من أجل (انقطاع السند) بلا تعرض لجهة ضعفه، وسيأتي مزيد كلام عنه في المورد (52).
3 ـ نتيجة هذا الاستثناء:
فقد ظهر أنَّ نتيجة هذا الاستثناء كون هذه الموارد المستثناة معللة من جهة دراية الحديث، فلا يمكن الاعتماد عليها، ولذلك قد أعاد الشيخ في الرجال أسماء من كان من أصحاب الأئمة من المذكورين في الاستثناء، في باب «من لم يرو عنهم» أيضاً للتنبيه على هذه الجهة.
ومنهم المورد (32): عبدالله بن محمد الشامي الدمشقي، فقد ذكر فيهم مرتين برقم (19 و30).
وقد استظهر السيد الخوئي من هذا التكرار أنه متعدد.
لكن الظاهر أنَّه واحدٌ، بدليل جمع الشيخ الطوسي الوصفين في محل واحد في ذكر الرجل في أصحاب العسكري (عليه السلام) فقال: (الشامي الدمشقي).
مع أنَّ الشام ودمشق، يطلقان على موضع واحد، لكن أحدهما أعم من الآخر، فذكر الثاني بعد الأول، من ذكر الخاص بعد العام.
وأما تعدد ذكره في المستثنيات، فليس لأجل تعدده، بل لأن ابن الوليد إنما استثنى من كتاب «نوادر الحكمة» ما وجد فيه من الأحاديث المعللة فذكرها بأسماء رواتها كما وجدها فيه فقد وصف محمد بن عبدالله في بعض الموارد بالشامي وفي بعضها الآخر بالدمشقي، فأورده مرتين، حسب تعدد ذكره مختلفاً.
وعلى كل، فذكر الشيخ للرجل موصوفاً بالوصفين في محل واحد، قاطع على الاتحاد.
ويؤيده أنَّ الشيخ لم يذكر في «لم» عبدالله بن محمد الدمشقي، مع أنه كالشامي في أن محمد بن أحمد بن يحيى روى عنه، مع أنه ذكر بقية الموارد، فلاحظ.
والحاصل: أنَّ الشيخ إنَّما ذكر الرجل في باب «من لم يرو» لأنَّ الأصحاب اعتبروا روايته المثبتة في «نوادر الحكمة» التي رواها محمد بن أحمد بن يحيى ساقطة لما فيها من الخلل.
ثم إنَّ السيد الخوئي نقل عن الكشي قوله: «حدثني أبو محمد الدمشقي عن أحمد بن محمد بن عيسى» وقال: ظاهر هذا أنه يروي عنه بلا واسطة وهو بعيد جداً، ولا يبعد سقوط الواسطة في البين.
أقول: إنَّ أحمد بن محمد بن عيسى هو الأشعري وهو معدود في أصحاب الهادي (عليه السلام)، فأي بُعد في أن يروي عنه الدمشقي الذي هو من أصحاب العسكري (عليه السلام)؟ وقد صرح الشيخ بأنه يروي عن الأشعري.
المورد (33)
عبيس بن هشام
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) فقال: عبيس بن هشام الناشري.
وقال في باب «من لم يرو»: عبيس بن هشام الناشري، يروي عنه محمد بن الحسين، والحسن بن علي الكوفي.
أقول: أورد روايتهما عنه الشيخ في الفهرست وقال النجاشي: مات سنة عشرين ومائتين أو قبلها بسنة.
ومحمد بن الحسين الراوي عنه هو: محمد بن الحسين بن عبدالعزيز بن المهتدي.
وقد ذكره الشيخ في «لم» وهو بعيد طبقة عن الرواية عن أصحاب الرضا (عليه السلام) مباشرةً، كما لا يخفى.
والحسن بن علي الكوفي، هو الحسن بن علي بن عبدالله بن المغيرة، الذي ترجمه النجاشي وهو في طبقة أصحاب العسكري (عليه السلام) فلاحظ.
المورد (34)
غالب بن عثمان
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام) وقال: واقفي.
وقال لي في باب «من لم يرو»: غالب بن عثمان روى عنه الحسن بن علي بن فضَّال عنه.
وابن فضَّال توفي سنة 224 وروايته عن غالب كثيرة، ولم أقف على علة فيها.
وأقول: في رجال الصادق (عليه السلام): غالب بن عثمان الهمداني مات سنة (166) وهذا ليس مراداً، لأن قوله واقفي يعني وجوده بعد وفاة الكاظم (عليه السلام).
وآخر: غالب بن عثمان المنقري مولاهم السماك الكوفي ولم يعلم وجوده إلى زمان الكاظم (عليه السلام) إنْ لم يكن هو الواقفي.
والظاهر ـ بقرينة تورط ابن فضال بالانحراف ـ روايته عن الواقفي الذي ذكر في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، فلاحظ.
المورد (35)
غياث بن إبراهيم
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): غياث بن إبراهيم، أبو محمد التميمي الأسيدي، أسند عنه، وروى عن أبي الحسن (عليه السلام).
وعنه في أصحاب الكاظم (عليه السلام): غياث بن إبراهيم.
وقال في باب «لم»: غياث بن إبراهيم، روى محمد بن يحيى الخزاز عنه.
ذكر روايته عن الكاظم (عليه السلام) النجاشي في ترجمته وقد عرفت أن الشيخ أيضاً ذكرها، ونقل القهپائي عن نسخته من الرجال ورود اسمه في أصحاب الكاظم (عليه السلام)، لكنها لم ترد في المطبوعة ولا المخطوطة.
وذكر الشيخ في الفهرست رواية الخزاز عنه.
أقول: العلة في الرواية أنَّ (محمد بن يحيى) الراوي عنه غير معين؟ فإنَّ المذكور بهذا الاسم ـ مطلقاً ومقيداً بالخزاز ـ أربعة:
1 ـ ففي الفهرست: محمد بن يحيى، له كتاب يرويه عن غياث بن إبراهيم، رويناه بالإسناد عن أحمد بن أبي عبدالله عنه.
وهذا فيه موردان للنظر:
الأول: ـ أنه في طبقة أصحاب الرضا (عليه السلام) ـ ورواية البرقي عنه مباشرةً بعيدةً.
الثاني: ؛ أنَّ المفروض في الفهارس والذي عليه وضع كتاب الفهرست للشيخ هو أن يذكر مؤلف الكتاب ثم يذكر سنده إلى المؤلف، وفي هذه الترجمة لم يذكر (لمحمد بن يحيى) كتاب، وإنما هو مجرد راوٍ لكتاب غياث بن إبراهيم، فاللازم ذكر ذلك في ترجمة غياث، وقد عرفت أنَّ الشيخ ذكر رواية (محمد بن يحيى الخزاز) في ترجمة غياث وأنه روى عنه كتابه. مع أنَّه هناك موصوف بالخزاز وهنا غير موصوف.
2 ـ محمد بن يحيى من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ذكره الشيخ في رجاله.
وهذا لم يوصف بالخزاز، وذكره البرقي في أصحابه (عليه السلام) أيضاً.
3 ـ وترجم النجاشي لمن سما: (محمد بن يحيى الخزاز) وقال: كوفي روى عن أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)، له كتاب نوادر وأسند إلى يحيى بن زكريا اللؤلؤي عنه.
4 ـ في باب «لم»: محمد بن يحيى الخزاز، تقدم في غياث بن إبراهيم، كذا نقله القهپائي ولم يرد في الرجال.
ونقول: لا شك في اتحاد الثاني والثالث لكن الأول إن كان متحداً معهما أيضاً، لم تمكن رواية البرقي عنه بلا واسطة، والظاهر من تصريحهم بأنه راوٍ لكتاب غياث، أنه متحد معهما، فهم رجل واحد، لكن رواية البرقي عنه في المورد الأول مرسلة، فلاحظ.
وانظر المورد (16).
المورد (36)
فضالة بن أيوب
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام) فقال: فضالة بن أيوب، عربي أزدي.
وذكره في باب «لم» بقوله: وفضالة بن أيوب، روى عنه الحسين بن سعيد.
كذا في نسخة القهپائي، والمخطوطة، وقد سقط اسم (فضالة بن أيوب) من المطبوعة.
أقول: الإشكال فيه أنَّ الحسين بن سعيد، لا يروي عن عن فضالة مباشرة، وقد صرحوا بذلك، قال النجاشي، قال لي أبو الحسن (هارون بن يحيى) البغدادي البزاز، قال لنا: الحسين بن يزيد السورائي: كل شيء رواه الحسين بن سعيد عن فضالة فهو غلط، إنما هو الحسين عن أخيه الحسن بن محمد الحضرمي.
وعلى هذا، فتكون رواية الحسين عن فضالة بواسطة محمد بن أبي عمير.
وقد علق الشيخ حسن ابن الشهيد على هذا السند بقوله: هكذا صورة إسناد الحديث في التهذيب، وإثبات كلمة «عن» بين ابن أبي عمير وفضالة سهو، والصواب عطفه عليه بالواو، لأنه المعهود، وسيأتي إسناد مثله.
أقول: الطبقة لا تأبى ذلك، بل تقتضيه، مضافاً إلى ما نقلنا عن النجاشي.
وأورد السيد الخوئي على محل البحث بقوله: روايات الحسين عن فضالة في الكتب الأربعة تبلغ حدود (922) مورداً.
أقول: يرد عليه.
أولاً: إنَّ ما ذكروه وتناقلوه ظاهرهم قبوله، ويؤيده عدم معارضتهم له صريحاً)[671](.
وأما ما في النجاشي: «ورأيت الجماعة تروي…» فلم يظهر كونه من كلام النجاشي، بل ظاهره أنه من تتمة كلام السورائي.
ولو كان من كلام النجاشي فلم يظهر في كونه اعتراضاً على كلام السورائي.
بل لعله تعجب من عمل الطائفة، فيكون تأييداً للسورائي، وحاصله أنه كيف يروون عن الحسين عن فضالة مع وجود هذا النص بعدم روايته عنه؟
ولو كان النجاشي لم يرتض ذلك الكلام عن السورائي ـ على ما فهمه السيد الأستاذ ـ، لما كان وجه لاكتفائه بهذا القدر من الرد غير الصريح!
وثانياً: أنَّ أمر أسانيد الكتب مبتن على هذه المسألة المفروضة، فهو كالتعليق الذي علم من عمل المحدثين في أوائل الأسانيد، وإنما لم يشرحوها في كل موردٍ موردٍ، لاعتمادهم على وضوحها.
فليس بمجرد وجود ذلك في الكتب الأربعة ـ مهما بلغت من الكثرة ـ دليلاً على عدم الواسطة، كمسألة التعليق.
ثم إنَّ سند الشيخ في الفهرست إلى فضالة ينتهي بأحمد بن أبي عبدالله ـ وهو البرقي ـ ومن الواضح أنَّ الطبقة لا تساعد على روايته عن فضالة مباشرة.
ولذلك (استظهر بعضهم سقوط الواسطة، فإنَّ أحمد البرقي يروي عن أبيه عن فضالة في (20) مورداً كما يظهر من الطبقات).
واعتمد السيد الخوئي على ذلك، فقال: رواية أحمد عن أبيه عن فضالة لا تنافي روايته عنه بكتابه بلا واسطة، فقد روى أحمد عنه بلا واسطة:
أقول: قوله: «لا تنافي» غير تام، لأن الطبقة لها مدخلية تامة في إحراز رواية شخص عن شخص، وإلاَّ كانت الرواية معللة، كما بين في محله.
وإذا كان أحمد البرقي متأخراً عن طبقة (فضالة)، فلا بد من وجود الواسطة.
ثم إذا عرفنا من سيرة (أحمد) في ترجمته أنه «اعتمد المراسيل» لزم الفحص عن ذلك، حتى يحصل التأكد من سلامة روايته عن الإرسال.
والبرقي ـ كما يبدو من ملاحظة مشايخه ـ متأخر عن (فضالة) بطبقة واحدة بل أكثر، إذا صح ما قيل في (الحسين بن سعيد) من أنه لا يروي عن فضالة مباشرة، فإن البرقي يروي عن الحسين، فلاحظ.
وما ذكره بقوله: «وروايته عنه بكتابه بلا واسطة».
إن كان المراد روايته [أحمد] عن كتاب فضالة، فلا بدَّ أن يكون الكتاب قد وصل إليه برواية من أوصله إليه. بإحدى طرق التحمل، فعدم ذكر الواسطة في رواية الكتاب هو الإرسال.
وإن كان المراد روايته عنه وجادة. فهذا غير مراد ـ قطعاً ـ في الأسانيد المعنعنة، مع أنَّ عدم التصريح بذلك علة في الحديث، وقد ذكروه في علل الحديث أيضاً، فلاحظ المورد (32).
المورد (37)
الفضل بن أبي قرة
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) بقوله: الفضل بن أبي قرة التفليسي.
وقال في باب «من لم يرو»: الفضل بن أبي قرة، روى حميد عن إبراهيم بن سليمان عن الفضل.
أقول: أورد رواية إبراهيم عنه في الفهرست.
وقد مرَّ مراراً أن إبراهيم لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة.
المورد (38)
القاسم بن عروة
ذكره في أصحاب الصادق (عليه السلام) فقال: القاسم بن عروة: مولى أبي أيوب المكي، وكان أبو أيوب من موالي المنصور، له كتاب.
وفي باب «من لم يرو»: القاسم بن عروة: روى عنه البرقي أحمد بن أبي عبدالله.
أقول: أحمد البرقي لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) إلاَّ بوسائط، وقد تنبه إليه القهپائي، فعلق عليه بقوله: عن أبيه ظاهراً».
ولكنه مع ذلك أضاف «كيف يكون ممن لم يرو» وهذا يدل على عدم تنبه إلى حل الإشكال باختلاف الطبقة.
وقال السيد الخوئي: إن أحمد بن أبي عبدالله، لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، لبعد طبقته، وإن كان القاسم المذكور في «من لم يرو» غير المذكور في أصحاب الصادق (عليه السلام)، فلا بد وأن يكون شخصاً معروفاً روى عنه أحمد البرقي، مع أنه لم يوجد في رواياتنا شاهد على ذلك.
ولقد أجاد السيد الخوئي في هذا المورد، وهو ما نقوله فيه وفي جميع موارد النقض الأخرى.
والغريب أنه لم يتنبه إلى أن هذا هو الحل الأساسي لمشكلة التناقض المتوهم في هذا الباب، فلم يذكره إلا في هذا المورد وبعض الموارد التالية.
والأغرب أنه التزم في الحل ببعض التوجيهات السابقة، التي مضى بطلانها.
ونحن نعتبر كلام السيد الخوئي في هذه الموارد موافقة ضمنية لنا على ما التزمناه من الحل لهذه المشكلة ـ وإن لم يذكرها هو بعنوان الحل لها ـ والحمد لله على توفيقه.
المورد (39)
القاسم بن محمد الجوهري
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام): القاسم بن محمد الجوهري، له كتاب. واقفي.
وذكره في باب «من لم يرو» بقوله: القاسم بن محمد الجوهري، روى عنه الحسين بن سعيد.
وأورد رواية الحسين عنه في الفهرست والنجاشي.
والحسين يروي عن أصحاب الكاظم (عليه السلام)، ولم أقف على الإشكال فيه، إلا أن يكون من قبيل ما مرَّ في الموردين (18) و(36) ولم يذكروه.
وقد يكون الإشكال في القاسم هو رواية أحمد البرقي عنه مباشرة، والتي أوردها الشيخ في الفهرست أيضاً.
قال السيد الخوئي: الجوهري من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والظاهر أنه لم يدرك الرضا (عليه السلام) فكيف يروي عنه كتابه أحمد وقد توفي حدود سنة (280).
أقول: وأيضاً، فإن البرقي يروي عن الحسين بن سعيد، فكيف يروي عن شيخه الجوهري مباشرة؟
وعلى هذا فيكون اسم أحمد البرقي ساقطاً من باب «لم» من الرجال هنا.
المورد (40)
القاسم بن يحيى
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام) بقوله: القاسم بن يحيى بن الحسن.
وذكره في «لم» بقوله: القاسم بن يحيى روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى.
وأورد روايته عنه في الفهرست لكنه فيه باسم (القاسم بن يحيى الراشدي) والسند فيه هكذا… الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن القاسم.
لكن النجاشي ذكر سنده إليه… عن أحمد بن إدريس ـ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى بن عبيد الله عن القاسم.
ومع أنَّ أحمد بن إدريس والصفار، في طبقة واحدة، فمع هذا نجد أن سند الشيخ يصل بواسطة واحدة من الصفار إلى القاسم، وسند النجاشي بواسطتين من ابن إدريس إلى القاسم.
ثم إنَّ سند الشيخ في الفهرست إلى قاسم يصل بطريق آخر إلى أحمد البرقي عنه وهو بعيد طبقة عن أصحاب الرضا (عليه السلام)، فالرواية مرسلة.
ولعل اسم أحمد قد سقط هنا، كما في المورد السابق.
المورد (41)
قتيبة بن محمد الأعشى
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): قتيبة بن محمد الأعشى، أبو محمد الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو» قتيبة بن محمد الأعشى، روى حميد عن القاسم بن إسماعيل عنه.
وأورد رواية القاسم عنه في الفهرست.
أقول: لكن حميداً لا يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بواسطة واحدة.
المورد (42)
كُلَيْب بن معاوية
قال الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام): كليب بن معاوية الأسدي.
وأيضاً: كليب بن معاوية الصيداوي.
وفي أصحاب الصادق (عليه السلام): كليب بن معاوية بن جبلة، أبو محمد الصيداوي، عربي كوفي.
وفي باب «من لم يرو»: كليب بن معاوية الأسدي روى عنه صفوان.
وفي نسخة القهپائي: الصفواني.
ولا شك في اتحاد (كليب) في الموارد كلها، وتكراره في أصحاب الباقر (عليه السلام) من رجال الشيخ لا يدل إلا على تعدد عنوانه في كتب الحديث.
أقول: ويروي عن كليب: صفوان بن يحيى.
وقد روى الشيخ بسنده إلى (صفوان) عنه في الفهرست.
فهل هو صفوان بن يحيى؟ ومن المحتمل أن يكون المراد منه (صفوان بن مهران) لأنَّ الطبقة تساعد على روايته عن كليب، بل هو أقرب لأن كليباً من كبار أصحاب الصادق (عليه السلام)، وصفوان بن يحيى من صغار أصحاب الكاظم (عليه السلام) فليلاحظ.
وأما على ما في نسخة القهپائي من أن الراوي عنه (الصفواني) فالإشكال واضح، لأنَّ الصفواني هو: محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة، بن صفوان بن مهران الجمال، ترجم له الشيخ في الرجال والفهرست وكذلك النجاشي.
فإن صحت النسخة، فرواية الصفواني عن كليب مرسلة قطعاً وقد روى أبوه عن أبيه عن جده عن صفوان بن مهران.
المورد (43)
محمد بن أحمد بن عبيدالله
قال في أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن أحمد بن عبيدالله بن المنصور، أو الحسن أسند عنه.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن أحمد بن عبيدالله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، عباسي، هاشمي، روى عنه التلعكبري يكنى أبا الحسن، يروي عن عمه أبي موسى، عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور عن أبي محمد صاحب العسكري (عليه السلام) معجزات ودلائل.
أقول: من الواضح أنَّ (محمد بن أحمد) هذا ليس في طبقة من يروي عن الهادي (عليه السلام) لتصريح الشيخ بأنَّ التلعكبري روى عنه وهو متأخر طبقة عن أن يروي عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، ولأنَّ روايته عن العسكري (عليه السلام) إنما هي برواية عمه عيسى بن أحمد، فكيف يكون هو من أصحاب الهادي (عليه السلام)؟
مع أنَّ عمه مذكور في أصحاب الهادي (عليه السلام) فلا بد أن يكون هو متأخراً طبقة.
فالإشكال في هذا المورد في إيراد الرجل في أصحاب الهادي (عليه السلام) مع أنه لم يرو عنه (عليه السلام).
ولذلك لم يرد اسمه في ذلك الباب في المخطوطة ولا في نسخة القهپائي.
ولعل الشيخ تنبه لهذا فحذفه بعد تسجيله أولاً.
المورد (44)
محمد بن إسحاق القمي
ذكره في أصحاب الجواد (عليه السلام) على ما في المخطوطة ونسخة القهپائي ولم يرد في المطبوعة.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن إسحاق القمي، روى عنه أحمد بن أبي عبدالله.
أقول: رواية البرقي عن أصحاب الجواد (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة من حيث الطبقة.
المورد (45)
محمد بن أسلم الجبلي
ذكره في أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقال في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن أسلم الجبلي، الطبري، أصله كوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن أسلم الجبلي، روى عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
وأورد في الفهرست رواية ابن أبي الخطاب عنه.
فإن كان في الموارد كلها رجلاً واحداً، فذلك بعيد، إذ لو كان من أصحاب الباقر (عليه السلام) فهو في حين وفاته (عليه السلام) سنة 114 في سن من يروي، فبقاؤه إلى عصر الرضا (عليه السلام) ورواية ابن أبي الخطاب المتوفى (262) عنه يعني تجاوزه المائة سنة أو بلوغها، وهذا بعيد جداً.
قال السيد الخوئي: فإن صح ما ذكره الشيخ أنه من أصحاب الباقر (عليه السلام)، فهو رجل آخر غير من يأتي [في «لم»]، فإنَّ من يأتي يروي عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ومن هو في طبقته، ولا يمكن أن يروي عمن هو من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد نقل عن الميرزا ما حاصله نسبة الاشتباه إلى الشيخ حيث رأى رواية (محمد بن أسلم) عن أبي جعفر (عليه السلام)، فتخيله أنه الباقر (عليه السلام)، مع أنَّ المراد به هو الجواد (عليه السلام).
أقول: إنَّ هذا الاحتمال بعيد في حق الشيخ حيث أنه كان متصدياً لضبط طبقات الرواة، وكان يسجل ما يجده في الأسانيد، فبعيد جداً أن يتشبه عليه أبو جعفر الجواد بأبي جعفر الباقر (عليه السلام).
مضافاً إلى ما ذكره السيد الخوئي من أنه لم توجد بأيدينا رواية لمحمد بن أسلم عن الجواد (عليه السلام).
فإما أن يكون الرجل متعدداً، أو أن بين محمد بن أسلم وابن أبي الخطاب واسطة.
المورد (46)
محمد بن أورمة
قال في أصحاب الرضا (عليه السلام): القمي.
وقال في باب «لم»: ضعيف، روى عنه الحسين بن الحسن بن أبان، ثقة)[672](.
أقول: أورد الشيخ رواية الحسين عنه في الفهرست قال: في رواياته تخليط.
وقد مر في المورد (32) أنَّ المراد بالتخليط هو الخلل في الإسناد، فلاحظ.
المورد (47)
محمد بن حسان الرازي
ذكر في أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن حسان الرازي الزينبي)[673](.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن حسان الرازي، روى عنه الصفار وغيره.
وأورد الشيخ في الفهرست رواية الصفار وسعد ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس عنه.
وقد روى أحمد بن إدريس عنه بواسطة عمران بن موسى في ترجمة موسى بن زنجويه.
ولم يتبين لي وجه إعادة ذكره، إلا أنَّ النجاشي قال فيه: يعرف وينكر، يروي عن الضعفاء كثيراً.
واعلم أنَّ سند الفهرست بعد ما ذكرنا يحتوي على زيادة نصها: «عن محمد بن علي الصيرفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني عنه».
وقد علق عليها السيد الخوئي بقوله: ليس من تتمة الطريق، فإنَّ ابن أبي حمزة لا يمكن أن يروي عمن هو من أصحاب الهادي (عليه السلام)، ولعله طريق لترجمة شخص آخر قد سقط من البين، والشاهد على ذلك طريق النجاشي.
واحتمل أن يكون تتمة للسند السابق، والمقصود أنَّ (محمد بن حسان) يروي عن محمد بن علي الصيرفي إلى آخره، وأنَّ هذا مثال واحد من أسانيده، وكأنَّ الشيخ يريد أن يؤكد ما ذكره النجاشي من روايته عن الضعفاء، ويؤيده أن نسخة القهپائي لا تحتوي على كلمة (عنه) في آخر هذه الزيادة.
وأقول: أتصور أن الأسماء الواردة في الزيادة متعاطفة هكذا: «محمد بن حسان، عن محمد بن علي الصيرفي وإسماعيل بن مهران والحسن بن علي بن أبي حمزة» وأن المقصود أن هؤلاء الثلاثة هم ممن يروي عنهم محمد بن حسان وهم ـ كما يبدو من تراجمهم كلهم ـ ضعفاء، فيكون المذكور أمثلة لما ذكره النجاشي، فلاحظ.
المورد (48)
محمد بن الحسن بن جمهور العمي
قال في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن جمهور العمي، عربي، بصري، غالٍ.
وقال في باب «لم»: محمد بن الحسن بن جمهور العمي، روى سعد عن أحمد بن الحسين بن سعيد عنه.
وأورد هذه الرواية عنه في الفهرست وكذلك النجاشي.
والظاهر أنَّ الإشكال في رواية أحمد عنه، لما قالوا في حقه من أنه «يروي عن سائر مشايخ أبيه» مع أنَّ طبقته متأخرة عن ذلك، فلذلك نقلها علماء الفن بلفظ مشعر بالتشكيك فيه فقالوا: «فيما زعم أصحابنا القميون».
ويؤيده أنهم استثنوا رواياته من كتاب «نوادر الحكمة»، وقد مرَّ برقم (21) في المورد (32).
ويلاحظ هنا أنَّ ابن بابويه روى كتاب العمي بهذا السند بثلاث وسائط، بينما رواه بسندٍ آخر بأربع وسائط، فلاحظ.
وسيأتي في المورد (62) أنَّ من رواته (يوسف بن السخت) وهو من مستثنيات ابن الوليد.
فلاحظ المورد (32) أيضاً.
المورد (49)
محمد بن خالد الطيالسي
ذكره الشيخ في أصحاب الكاظم (عليه السلام).
وقال في «لم»: محمد بن خالد الطيالسي، روى عنه علي بن الحسن بن فضال وسعد بن عبدالله)[674](.
وذكر أيضاً في «لم» محمد بن خالد (بن عمر) الطيالسي، يكنى أبا عبدالله، روى عنه حميد أصولاً كثيرة، ومات سنة (تسع وخمسين ومائتين) وله (سبع وتسعون) سنة.
وما بين القوسين ورد في نسخة القهپائي.
أما رواية سعد عن أصحاب الكاظم (عليه السلام) مباشرة، فهي بعيدة طبقة كما لا يخفى.
وأما الثالث: فإن كان هو الأول، فإعادة ذكره للتنبيه على أنه بلغ طبقة من لم يرو لطول عمره.
وأما تكراره في باب «من لم يرو» فلعله لأجل تغير عنوانه في الأسانيد، كما هو دأب الشيخ في الرجال، حيث أنَّ الثاني أضيف على عنوان اسم جده «… بن عمر…» كما في نسخة القهپائي.
مع أنه لم يذكر في ترجمته أنه من أصحابهم (عليهم السلام) فيلاحظ.
المورد (50)
محمد بن عبدالحميد العطار
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام)، وقال: محمد بن عبدالحميد وأبوه عبدالحميد بن سالم العطار مولى لبجيلة وذكره البرقي أيضاً في أصحابه (عليه السلام) وعده ممن نشأ في عصره.
وقال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن عبدالحميد العطار، كوفي، مولى لبجيلة.
وذكره الشيخ في باب «من لم يرو»: محمد بن عبدالحميد، روى عنه ابن الوليد.
أقول: ابن الوليد هو محمد بن الحسن المتوفى (343) وروايته عن من نشأ في عصر الرضا (عليه السلام) بلا واسطة بعيدة جداً.
وقال السيد الخوئي: بناءً على صحة النسخة المعروفة التي فيها: «روى عنه ابن الوليد» فهو رجل آخر [أي غير العطار البجلي] مجهول فإن ابن الوليد توفي سنة «343»، ولا يمكن روايته عمن نشأ في عصر الرضا (عليه السلام) على ما صرح به البرقي.
أقول: إلا أن يكون السند معللاً بالإرسال والانقطاع، وهو الموجب لإعادة ذكره، حيث لم يعنونوا في كتب الرجال لشخص آخر بهذا الاسم في طبقة مشايخ ابن الوليد، فلاحظ.
المورد (51)
محمد بن عبدالله بن مهران
ذكره في أصحاب الجواد (عليه السلام)، وقال: محمد بن عبدالله بن مهران، ضعيف.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام) بقوله: محمد بن عبدالله بن مهران الكرخي، يرمى بالغلو، ضعيف.
وفي باب «لم»: محمد بن عبدالله بن مهران، ضعيف، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: العلة فيه أنه من مستثنيات ابن الوليد من كتاب «نوادر الحكمة» وقد مر في المورد (32) برقم «25».
المورد (52)
محمد بن عيسى بن عبيد
قال الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد، بغدادي.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، يونسي، ضعيف.
أقول: وفي المخطوطة: «عن يونس، ضعيف على قول القميين».
وفي أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، بغدادي، يونسي.
وفي باب «لم» محمد بن عيسى اليقطيني، ضعيف.
وذكره الشيخ في الفهرست وقال: استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه عن رجال «نوادر الحكمة» وقال: لا أروي ما يختص برواياته، وقيل إنه كان يذهب مذهب الغلاة.
أقول: الإشكال فيه أن محمد بن عيسى ورد في مستثنيات ابن الوليد ـ الذي هو أصل الاستثناء ـ كما مر في المورد (32) رقم «15».
والظاهر من بعض الموارد أن الإشكال في خصوص (محمد بن عيسى عن يونس)، وقد صرح الشيخ الطوسي بذلك في الاستبصار، حيث تكلم على مثل السند وقال: طريقه (محمد بن عيسى عن يونس)، وهو ضعيف، وقد استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله من جملة الرجال الذين روى عنهم صاحب «نوادر الحكمة» وقال: ما يختص بروايته، لا أرويه.
والذي في عبارة الاستثناء المنقولة عن ابن الوليد: «أو عن محمد بن عيسى بن عبيد، بإسناد منقطع» وأضاف عليه ابن بابويه قوله: «ينفرد به».
وقد نقل أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه.
ويحصل من ضم هذه القيود بعضها إلى بعض: أنَّ رواية محمد بن عيسى عن يونس إذا انفرد بها، وكان الطريق مقطوعاً، فهو من المستثنيات.
والعلة فيها ـ بعد الانقطاع ـ هو الانفراد، ولعل كون انفراده علة سببها أنه كان من أتباع يونس في المذهب الفقهي، فإن ليونس مذاهب كثيرة اختارها مما علم بطلانه.
وأتصور أنَّ هذا معنى قولهم «يونسي» في حقه.
وقد تكون العلة في ذلك أنه كان متساهلاً في الحديث ويروي عمن لم يلقه.
كما ورد في حقه أنه أصغر في السن من أن يروي عن ابن محبوب.
ولعله كان أصغر طبقة من لقاء يونس أيضاً. فلاحظ. وانظر الموارد (6) و(32).
المورد (53)
محمد بن نافع
قال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام): محمد بن نافع الحميري، كوفي.
وقال: محمد بن نافع الأنصاري المدني، أسند عنه.
وقال في «لم»: محمد بن نافع، روى عنه حميد.
وفي الفهرست: محمد بن نافع، له نوادر، عن حميد عنه.
أقول: من الواضح أنَّ حميداً لا يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، فلا بد إما من أن يكون السند منقطعاً، أو يكون محمد بن نافع شخصاً آخر لم يذكروه.
مع أنَّ (محمد بن نافع) الذي روى عنه حميد غير مميز هل هو الحميري الكوفي، أو الأنصاري المدني؟ ولا إشكال في تعددهما.
فالسند معلل، لأمرين.
المورد (54)
محمد بن يحيى المعاذي
قال الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن يحيى المعاذي. وقال في باب «لم»: محمد بن يحيى المعاذي، ضعيف، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: هو من مستثنيات ابن الوليد من رجال «نوادر الحكمة» وقد عرفنا في المورد (32) أنَّ تلك المستثنيات إنما كان فيها تخليط، فلاحظ.
المورد (55)
محمد بن يزداد
قال في أصحاب العسكري (عليه السلام): محمد بن يزداد الرازي.
وقال في باب «من لم يرو»: محمد بن يزداد، روى عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
أقول: ابن أبي الخطاب توفي سنة «262» وقد روى عنه الصفار ومن في طبقته، ومحمد بن يزداد أرفع عنهم طبقة.
ولكن الإشكال غير واضح.
المورد (56)
معاوية بن حكيم
ذكره الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام) وقال: الكوفي.
وقال في أصحاب الهادي (عليه السلام): معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمار الكوفي.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ»: معاوية بن حكيم روى عنه الصفار.
أقول: الصفار متأخر طبقة عن أن يروي عن معاوية بن حكيم، لأنه أقدم منه بطبقة.
وقد قال النجاشي فيه: جليل من أصحاب الرضا (عليه السلام)، فهو من قدماء أصحاب الهادي (عليه السلام).
المورد (57)
منصور بن العباس
ذكره الشيخ في أصحاب الجواد (عليه السلام): منصور بن العباس، كوفي أو بغدادي كان داره بباب الكوفة ببغداد.
وفي أصحاب الهادي (عليه السلام): منصور بن العباس.
وفي باب «من لم يرو»: منصور بن العباس، روى عنه البرقي.
أقول: البرقي هو أحمد بن أبي عبدالله المتوفى (274 أو 280) وقد أورد روايته عنه في الفهرست.
ومن الواضح أن البرقي لا يروي عمن هو من أصحاب الجواد (عليه السلام) بلا واسطة فليلاحظ.
المورد (58)
موسى بن زنجويه
ذكره الشيخ في أصحاب الرضا (عليه السلام).
وفي باب «لم»: موسى بن زنجويه الأرمني، يكنى أبا عمران، روى عن عبدالله بن الحكم، روى أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان عن أبي عمران.
أقول: (محمد بن حسان) من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وقد مر في هذا البحث في المورد (47) وروايته عن موسى كثيرة.
لكن رواية أحمد بن إدريس (المتوفى 306) عن أصحاب الرضا (عليه السلام) بواسطة واحدة بعيدة، ويؤيد ذلك أنَّ سند النجاشي إلى موسى هكذا: أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمران بن موسى، عن محمد بن حسان، عن موسى بن زنجويه.
ومحمد بن يحيى (أبو أحمد) هو في طبقة أحمد بن إدريس، وإذا روى عن موسى بواسطتين، دلَّ على نقص في رواية أحمد بن إدريس عن محمد بن حسان مباشرة وقد أشرنا إلى ذلك في المورد (47).
المورد (59)
موسى بن سابق
ذكره الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام) فقال: موسى بن سابق الكوفي.
وقال في باب «من لم يرو»: موسى بن سابق.
أقول: ذكره في الفهرست وروى بإسناده عن حميد عن أبي محمد الحسن بن علي الشعيري اللؤلؤي عنه وكذلك النجاشي.
ولا يمكن رواية حميد عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بواسطة واحدة.
المورد (60)
الهيثم بن أبي مسروق
ذكره الشيخ في أصحاب الباقر (عليه السلام) بقوله: هيثم النهدي، هو ابن أبي مسروق.
وذكر هفي باب «من لم يرو» وقال: الهيثم بن أبي مسروق النهدي، روى عنه سعد بن عبدالله.
وقد أورد الشيخ رواية سعد عنه في الاستبصار.
أقول: سعد المتوفى (300) لا يروي عن أصحاب الباقر (عليه السلام) مباشرة. وقد نبه السيد الخوئي إلى تفاوت الطبقة فقال: قد عرفت رواية سعد عن الهيثم على ما ذكره الشيخ وفي كامل الزيارات. وسعد توفي حدود سنة (300) وروى عنه الصفار على ما ذكره الشيخ وقد توفي سنة (290) ولا يمكن روايتهما عادة عمن هو من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وقد حاول توجيه ذلك بقوله: ولا يبعد أنَّ الشيخ رأى رواية الهيثم عن أبي جعفر (عليه السلام)، فتخيل أن المراد بأبي جعفر هو الباقر (عليه السلام)، مع أنَّ المراد به هو الجواد (عليه السلام).
أقول: قد نقل السيد الخوئي مثل هذا الاحتمال عن الميرزا في المورد (45) في رواية (محمد بن أسلم عن أبي جعفر)، لكنه ردَّه بأنه لم يوجد فيما بأيدينا رواية لذلك الراوي عن الجواد (عليه السلام).
أقول: ونحن إذ نعيد عليه ذلك الرد، نضيف: إنَّ هذا غاية التعدي على ساحة الشيخ الذي رتب كتابه على الطبقات وبذل غاية وسعه في تنظيمه على الأبواب ثم على حروف المعجم، ولو عبَّر الميرزا بما عبَّر به صاحب النقد من أنه: كان ينبغي أن يذكره الشيخ قدس سره في رجال أبي جعفر الثاني (عليه السلام) لا أبي جعفر الأول (عليه السلام)، لأنه يبعد أن يروي الصفار وسعد عن الباقر بواسطة واحدة. كان أولى وأنسب.
لكن نقول: أليس الأجدر أن يلتزم بكون الرواية مرسلة حتى يرتفع إشكال الطبقة من البين؟ ولا نواجه الشيخ بهذا الشكل؟!
المورد (61)
يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد
ذكره في أصحاب الرضا (عليه السلام) وذكره البرقي فيهم أيضاً.
وقال في باب «من لم يرو» يحيى بن إبراهيم، روى عنه البرقي.
وأورد الشيخ في الفهرست رواية البرقي أحمد بن أبي عبدالله بن أبيه عنه.
أقول: كلمة «البرقي» منصرفة عند الإطلاق إلى أحمد، ولعل الشيخ قد اطلع على روايته عن المترجم بلا توسط أبيه، وإلا فإنَّ توسط أبيه محمد بن خالد وروايته عن يحيى لا مانع منها من حيث الطبقة، فلاحظ.
المورد (62)
يوسف بن السخت
ذكره الشيخ في أصحاب العسكري (عليه السلام) وقال: يوسف بن السخت أبو يعقوب، بصري.
وقال في باب «مَنْ لم يَرْوِ عنهم (عليهم السلام): يوسف بن السخت، روى عن محمد بن جمهور العمي، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى.
أقول: هو من موارد استثناء ابن الوليد من رجال «نوادر الحكمة» وقد مر في المورد (32) برقم «8».
تعقيب على الموارد:
إنَّ مجموع الموارد التي يتصور فيها التناقض هي (62) مورداً، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما جاء في النسخ المختلفة.
وقد تبين من خلال عرضنا المفصل لها ما يلي.
1 ـ أنَّ (خمسة) موارد منها ليس للتناقض فيها محل أصلاً، وهي الموارد (4 و12 و19 و43 و49).
2 ـ أنَّ (ثلاثة) من الموارد هي من تعدد الأشخاص والأسماء، وهي الموارد (2 و10 و11).
3 ـ أنَّ (أربعة) موارد محتملة للتعدد، وهي (6 و13 و7و45) مورداً فهذه (12) مورداً خارجة عن محل البحث، لأنها ليست موارد للنقض واقعاً، كما أثبتنا مفصلاً في كل مورد موردٍ منها، فبقي (خمسون) مورداً فقط، وهي كما يلي:
1 ـ (تسعة وثلاثون) مورداً منها مبتنية على اختلاف الطبقة أو العلة في السند، وهو الحل المختار لتوجيه التكرار، وهي (1 و3 و5 و7 و8 و9 و18 و20 و21 و22 و23 و26 و27 و29 و30 و31 و32 و33 و35 و36 و37 و38 و39 و41 و42 و44 و48 و50 و51 و52 و53 و54 و56 و57و58 و59 و60 و61 و62).
(وخمسة) موارد منها على احتمال الطبقة أو العلة وهي (15 و24 و25 و40 و46).
فهذه (أربعة وأربعون) مورداً مبتنٍ أمرها على الحل المختار، فتبقى (ستة) موارد فقط، لم أتمكن ـ فعلاً ـ من العثور على وجه تكرارها، ولم تتبين لي علة ظاهرة فيها وهي (12 و16 و28 و47 و55).
ومن المعلوم أنَّ نسبة الموارد التي يصح حمل كلام الشيخ فيها على الحل المختار ويزول بذلك التناقض المتصور عنها، تبلغ نسبة (88) إلى المائة وهي نسبة كبيرة توجب إلحاق الموارد الستة المتبقية بالأعم الأغلب.
القيمة العلمية لهذا العمل
نستنتج من تطبيقنا الرأي المختار على الموارد أنَّ الذي حدا بالشيخ إلى هذا التصرف إنما هو التعبير عن ما في هذه الأسانيد الخاصة من عللٍ، من حيث اتصال رواتها وانقطاعهم، وهذه هي أهم فوائد فن طبقات الرواة فإنه لما وضع الرواة في «الرجال» على طبقات الأئمة (عليهم السلام) ورتبهم في أبواب من رووا عنه من الأئمة (عليهم السلام)، وجد هذه المجموعة من الموارد في خلال الأسانيد، وحيث أن المعنونين فيها قد ذكروا في أبواب من روى عن الأئمة (عليهم السلام)، ولا يمكن من حيث الطبقة أن يقعوا في هذه المواضع من الأسانيد لأنها مواضع لطبقة من لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) لجأ إلى إعادة ذكرهم في باب طبقة من لم يرو، لا من أجل أن يعبر عن تأخرهم فعلاً، بل ليعبر عن جهة الخلل في تلك الأسانيد، وقد لاحظنا في كل مورد مورد وجه الخلل في السند الذي وقعوا فيه.
فعرض الشيخ يتعلق بالأسانيد، وطبقة رواتها، وما يترتب على فن الطبقات من آثار علمية من الحكم بالاتصال أو الانقطاع.
وليس نظر الشيخ إلى أي من شخص الراوي، أو المروي عنه المعاد اسمه في هذا الباب، بل ينظر إلى نفس الطريق، من دون غرض في جرح الطرفين أو قدحهما، كما ربما يتوهم، وذلك:
أولاً: لأنَّ هذا الكتاب «رجال الطوسي» لم يلتزم فيه بإيراد الجرح والقدح، ولا التعديل والمدح، كما هو ديدان علماء الرجال، فهناك الكثير ممن يستحق ذلك، ولم يتعرض له، إلا إذا كان ذلك مؤثراً في تحديد طبقته.
وثانياً: أنَّ من بين المذكورين في هذه الموارد كثير من الثقات الإجلاء، مثل: أحمد بن إدريسي القمي الأشعري، وسعد بن عبدالله الأشعري وفضالة بن أيوب، ويحيى بن عبدالحميد العطار، ومعاوية بن حكيم، والهيثم بن مسروق، والريان بن الصلت.
كما أنَّ فيهم من الضعاف من صرح بضعفهم وسقوطهم، مثل: حفص بن غياث، وطاهر بن حاتم بن ماهويه، ومحمد بن أورمة، ومحمد بن عبدالله بن مهران، ومحمد بن يحيى المعاذي.
فأية فائدة في إعادة ذكرهم للإشارة إلى ضعفهم، بعد التصريح بذلك؟!
ثم لو كان الضعف هو الموجب لإعادة ذكرهم، لوجب إعادة جميع الضعفاء والهالكين المذكورين في الأبواب السابقة، وما أكثرهم؟!
فتخصيص الإعادة لبعضهم دون دليل على أنَّ الإعادة ليست لما ذكر، بل لها سبب آخر.
فائدة
إنَّ الرجاليين اصطلحوا بوضع رمز «لم» علامة لباب «مَنْ لم يَرْوِ» عن الأئمة (عليهم السلام)» من كتاب «الرجال للطوسي»، فمتى ما وجدوا هذا الرمز علموا أنَّ صاحبه مذكور في هذا الباب.
وأول من وضع هذا الرمز، كسائر الرموز الرجالية، هو الشيخ الفاضل الشيخ ابن داود الحلي الرجالي، في كتاب «الرجال» فقط قال: وضمنته رموزاً تغني عن التطويل، وتنوب عن الكثير بالقليل، وبينت فيها التي أخذت منها واستخرجت عنها».
ثم ذكر الرموز، وفي آخرها: «ومَنْ لَمْ يَرْوِ عن واحد من الأئمة (عليهم السلام):» «لم»، وهذه لجة لم يسبقني أحد من أصحابنا رضي الله عنهم إلى خوض غمرها، وقاعدة أنا أبو عذرها.
لكن ابن داود لم يستعمل هذا الرمز منفرداً، وإنما أعقبه بالمصدر الذي أخذه منه، كما قال هو، فإن كان أخذه من رجال الشيخ قال: (لم، جخ)، أي إن الرجل ممن لم يَرْو عنهم (عليهم السلام) جاء ذلك في كتاب الرجال للشيخ.
وإن كان أخذه من كتاب النجاشي قال: (لم، جش) وإن أخذه من الفهرست للطوسي، قال (لم، ست) وإن أخذه من الكشي، قال: «لم، كش).
لكن المتأخرين عنه اصطلحوا برمز (لم) في خصوص باب مَنْ لم يَرْو عن الأئمة (عليهم السلام) من كتاب «رجال الطوسي» فقط، دون غيره.
ولذلك قال القهپائي: رأيت في الإشارة إلى كتاب الرجال الاكتفاء برمز «لم» عن ذكر «جخ».
وجرى في كتاب (مجمع الرجال) كله على ذلك، فمهما وجد فيه رمز (لم) فهو من باب «مَنْ لم يَرْوِ عن الأئمة (عليهم السلام)» من كتاب الرجال للشيخ.
وعلى هذا الاصطلاح الأخير جرى جميع متأخري المتأخرين ولم ينتبهوا إلى مصطلح ابن داود، وظنوا أنَّ «لم» عنده أيضاً إشارة إلى رجال الشيخ دائماً، فإذا وجدوا في كتابه رمز (لم، جش) ظنوا أنَّه يرمز إلى باب «مَنْ لم يَرْو» من رجال الشيخ، وإلى النجاشي، فلما لم يجدوا الرجل في باب «من لم يرو» من رجال الشيخ اعترضوا على ابن داود.
منهم صاحب نقد الرجال، قال في «أبان بن عمر»: ففي قول ابن داود إنه «لم» نظر.
وقال في (أبان بن عثمان): وفي قول ابن داود حيث قال «لم» نظر.
وعلق عليه الكاظمي بقوله: وجه النظر أنه ليس في باب «من لم يرو عنهم» ذكر لأبان بالكلية.
بينما الموجود في رجال ابن داود هكذا: (لم، جش).
ومعناه أن أبان بن عمر عده النجاشي ممن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام) وكذلك في رجال ابن داود هكذا (لم، كش)، ومعناه: أنَّ أبان بن عثمان عده الكشي ممن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام).
ولكن صاحب النقد والتكملة ظناً أنَّ ابن داود رمز إلى باب من لم يرو من كتاب رجال الشيخ، ولما لم يجدوا لأبان فيه ذكراً اعترضوا على ابن داود.
وهذه غفلة عن مصطلح ابن داود، جرى عليه كثير من أعلام العصر أيضاً فتابعوا الاعتراض على ابن داود بمثل ذلك.
ثم أن لابن داود اصطلاح آخر استعمله في كتاب رجاله وهو أنه كلما رأى ترجمة رجل في كتاب النجاشي خالية عن نسبته إلى الأئمة (عليهم السلام) بالرواية عن أحد منهم (عليهم السلام) أورده في الرجال وقال: «لم، جش» حيث علم من ديدن النجاشي أنه إذا كان لم يذكره من الرجال رواية عن أحدهم، فإنه يورد، ذلك في ترجمته أو ترجمة رجل آخر غيره، فمهما أهمل القول بذلك فهو علامة أن الرجل عنده من طبقة من لم يرو عنهم (عليهم السلام).
وحيث أنَّ هذا الاصطلاح من ابن داود خفي على «القاصرين عن تعرف الأساليب والاصطلاحات، كلما رأوا ذلك في كتابه اعترضوا عليه بأن النجاشي لم يقل «لم».
وقد تنبه شيخنا في الرواية السيد محمد صادق بحر العلوم، (1315 ـ 1399) إلى هذه الاصطلاحات في كتاب (الرجال) لابن داود الحلي، فحقق الكتاب ووفق إلى تصحيح كثير من التصحيفات التي منيت بها طبعة دانشكاه طهران سنة (1383)، ورفع بذلك جملة من الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الكتاب الجليل في فنه.
الخاتمة: خلاصة الرأي المختار.
1 ـ إنَّ الشيخ الطوسي إنما رتب كتاب «الرجال» على الطبقات لتمييزهم بذلك، فذكر كل راوٍ، في باب من روى عنه من الأئمة (عليهم السلام)، وخصص الباب الثالث عشر لمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، لكن أورد فيه أسماء جمع في أسانيد روى فيها الرواة، وإنما فعل ذلك لورود أسمائهم في أسانيد روى فيها عنهم من تأخرت طبقته عن الرواية عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) مباشرة وبلا واسطة، أو أنَّ الرواة عنهم قد تكلم أصحاب علم الرجال فيهم بالتخليط بحيث تكون رواياتهم «معلَّلة» أو أن أسماء الرواة فيها مشتبهة ومتماثلة بحيث لم يتمكن من تعيين أشخاصهم، وغير ذلك مما يؤثر في اتصال السند ويعرف من تعيين طبقات الرواة المؤلف له الكتاب.
إنَّ تصرف الشيخ ذلك يعد استنتاجاً من كتاب الرجال نفسه، لأنَّ ثمرة الطبقات هو: معرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها على أثر تمييز رواتها.
2 ـ لقد طبَّقنا هذا الرأي على موارد توهم التناقض فكان الحاصل أنَّ (88) بالمائة من الموارد يحل فيها التناقض على أساس من هذا الرأي، وهي نسبة كبيرة تدعو إلى الوثوق والاطمئنان به.
ونحمد الله الذي وفقنا وهدانا لحل هذه العقدة التي ظلت طيلة (سبعة قرون) تتجاذب الآراء، وتتجاوب معها الأفكار، والأقلام، وتتابعت حولها جهود الأعلام.
محمد رضا الحسيني الجلالي
رحلة أبي طالب خان
ميرزا أبو طالب خان (1752 ـ 1806) واحد من الرحالة المسلمين الذين نشأوا في الهند، زار أوروبا بين 1799 و1803، وسجل وقائع رحلته باللغة الفارسية تحت عنوان: «مسير طالب في بلاد الإفرنج». وقد ترجمت الرحلة سريعاً إلى الإنكليزية عام 1814 وإلى الفرنسية عام 1819. والمعلومات المعروفة عن أبي طالب خان وحياته مأخوذة بغالبيتها عن السيرة التي كتبها عن نفسه وقدم بها رحلته.
أبو طالب هو ابن حاجي محمد بيك الذي عاش في أصفهان. وهو من أصل تركي، وتعبير تركي هنا ليس له دلالة محددة لأن القبائل التركية كانت تنتشر في أرجاء آسيا. ولكن في عهد نادر شاه الذي حكم إيران بين 1736 و1747 اضطر للفرار من بلاده إيران إلى الهند حيث عمل في خدمة أبي منصور خان، لكنه اضطر إلى الانسحاب طلباً للسلامة بعد وفاة هذا الأخير حيث استقر في البنغال حتى توفي عام 1768م.
ولد أبو طالب خان عام 1752م في مدينة «ليكناو» بالهند، وكان لا يزال فتى عند وفاة والده فاضطر للعمل وتقلب في مناصب متعددة في خدمة حكام وأمراء الهند، مما أجبره على الفرار مرات عديدة هرباً من اضطهاد هذا وظلم ذاك. وقد عمل أيضاً في خدمة الإنكليز وأقام علاقات مع بعض ضباطهم… مما أفسح له المجال للقيام برحلته. وحسب وصفه فقد كانت حياته سلسلة من المآسي المتواصلة، وكان يأمل من وراء الرحلة التخلص من جميع مشاكله، لعل السفينة المسافرة تغرق ويرتاح من الحياة!!
غادر أبو طالب خان كالكوتا في شباط عام 1799 وعاد إليها في آب من عام 1803. حيث كتب وقائع رحلته، وسجلها في كتاب «مسير طالب في بلاد الإفرنج». وقد أعد أبو طالب كتباً أخرى: «لب السير وجهنم». و«خلاصة الأفكار» و«تهذيب الغافلين». والكتاب الأخير هو تاريخ لإقليم أوود Aoudh في الهند في عهد آصف الدولة وقد ترجمت إلى الإنكليزية عام 1888.
وقائع الرحلة
يذكر أبو طالب خان في مطلع كتابه: لقد فكرت بأن وقائع رحلة في أوروبا قد تهم مواطني، خصوصاً أن عادات مختلف الشعوب التي زرتها لا تزال شبه مجهولة عند الآسيويين. وأن المسلمين سيأخذون عبرة وفائدة من الاطلاع على العدد الهائل من المكتشفات التي تشرف تلك البلاد.
لهذا فإن أبا طالب قد دون مشاهداته منذ أن أقلعت سفينته، ودون ملاحظات دقيقة لكل الأحداث التي كان لها شاهداً، والتي أعطاها عند عودته شكل كتاب. ويضيف «إن القارىء المتنور لا بد أن يأخذ بالاعتبار الصعوبات التي عشتها؛ وإذا لم تضجره الكلمات والعبارات الغريبة التي يحتوي عليها الكتاب فإنني أعده ما يزيد معلوماته أيضاً». إذاً، أبو طالب كان عارفاً بفائدة كتابه وكان مدركاً للتقدم والتطور الأوروبي. ورحلته الطويلة تشتمل بدون شك على وصف مدقق لبلدين أوربيين زارهما، وهما إنكلترة وفرنسا.
ويبدأ المؤلف بذكر إقلاعه حتى وصوله إلى الساحل الإفريقي ورأس الرجاء الصالح، ومن هناك حتى يصل إلى دبلن التي يصفها ويصف عادات الإيرلنديين. ثم يزور لندن والقصر الملكي وضواحي المدينة. ويتحدث عن حالة الفنون والعلوم في إنكلترة واصفاً المانيفكتورات والمصانع وخصائص التجارة الإنكليزية، كما يصف طرق عيش الإنكليز وشكل الحكومة ويتحدث عن شركة الهند الشرقية. وبخصوص إنكلترة فإنه يتحدث عن نظامها القضائي ومساوئه، وعن ماليتها، وينهي حديثه بنقد الإنكليز وذكر فضائلهم أيضاً.
وقبل أن يصل إلى فرنسا يتحدث عن جغرافية أوروبا وعن الثورة الفرنسية، التي يفرد فصلاً خاصاً لذكر حوادثها وتفصيل مبادئها. ويتحدث عن احتلال نابليون لمصر. وحين يصل إلى باريس يصفها ويذكر طبائع الفرنسيين والمرأة الفرنسية ثم يزور ليون وأفينيون ومارسيليا، ومنها يبحر إلى جانوس Genes في إيطاليا ومنها إلى ليفورن Livourne حتى يصل إلى مالطة التي احتلها الأتراك، ومن هناك إلى أزمير ومنها إلى الدردنيل حتى يصل إلى استامبول.
ويصف هذه المدينة الكبرى وعادت الترك كما يتحدث عن حكومة الأتراك. ومن هناك يغادر إلى بغداد عبر كردستان فيصفها، ويصل إلى كربلاء ويتحدث عن الوهابيين، ثم يزور النجف ويغادر إلى البصرة. ويركب البحر في الخليج حتى يصل إلى بومباي ومنها إلى كالكوتا.
تتميز هذه الرحلة بطول مدتها، (أربع سنوات) وبشمولها فقد زار صاحبها بلداناً متعددة إذ سلك في الذهاب طريقاً مختلفاً لطريق العودة. وقد مكنه ذلك من زيارة بلدين أوروبيين هما أكبر بلاد العالم آنذاك، إنكلترة وفرنسا. ولهذا أهمية خاصة بأدب الرحلات في تلك الحقبة، إذ قلما تمكن رحالة من زيارة هذين البلدين دفعة واحدة، مما ساعده على عقد مقارنة بين شعبين أوروبيين مختلفين، ولكن متشابيهن في التقدم والحضارة.
نضيف إلى ذلك مرور المؤلف باستامبول، وهي حاضرة العالم الإسلامي آنذاك ومركز السلطنة والخلافة، أكثر من ذلك، ففي تلك الفترة كانت الدولة الإسلامية تحت ظل سليم الثالث (1879 ـ 1807) الذي يعتبر أول السلاطين المصلحين والذي حاول فعلاً أن يحدث الدولة العثمانية بإقامة فرق عسكرية حديثة على الطراز الأوروبي، كما بنى المدارس والمصحات والترسانات وأدخل تحسينات على صنع الأسلحة وعلى سلاح البحرية في بلاده.
والحقيقة أن رحلة أبي طالب قد تمت في ظرف تاريخي خاص لم يكن هو بعيداً عن إدراكه. فعدا عن زيارته ووصفه للتقدم في كل من إنكلترة وفرنسا وعدا عن مروره باستامبول ووصفه للتجربة التحديثية فيها، فقد تحدث في رحلته عن احتلال نابليون لمصر وعن ظهور الوهابيين. ويكون بذلك قد أحاط بحوادث عصره الكبرى خصوصاً ما يتعلق منها بالعالم الإسلامي. إلا أن وصفه للثورة الفرنسية وحديثه عن مبادئها، التي كانت هاجس معاصريه والذين أتوا بعده مباشرة من الرحالة المسلمين الذين زاروا أوروبا، يكتسب هذا أهمية خاصة كونه الكلام الأول الذي يكتبه مسلم باللغة الفارسية عن هذه الثورة الكبرى، بل الكلام الأول الذي يكتسب هذه اللغة عن أوروبا ويصفها ويصف تقدمها ومدنيتها وفنونها وعلومها.
وبالرغم من صعوبة الدخول في تحديد ما إذا كان أبو طالب خان هندياً أو فارسياً أو تركياً لجهة العنصر، فمن الواضح بأن رحلته تعود بالنفع الأول على قراء اللغة التي كتبت بها وقائع الرحلة أي الفارسية.
وبهذا المعنى فإن أبا طالب خان يستبق أول فارسي كتب عن المؤسسات الدستورية البريطانية بعد زيارته لإنكلترة. فقد أرسل ميرزا صالح إلى أوروبا عام 1815 ضمن إطار مشروع لإدخال إصلاحات عسكرية في إيران، وعاد إلى بلاده ليتحدث عن الثورة الفرنسية.
إن رحلة أبي طالب خان المسماة: «مسير طالب في بلاد الإفرنج»، مرجع هام لدراسة تطور اتصال الإيرانيين، واللغة الفارسية خصوصاً، بأوروبا وتقدمها. ومرجع هام لدراسة عنصر الانتقال من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، خصوصاً أنه في هذا الانتقال جرت حوادث كبرى في عالم المسلمين لم تدرس بما فيه الكفاية.
خالد زيادة
رحلة الجبيلي
يعتبر الشيخ علي الجبيلي، الملقب بنجيب الدين مثال المهاجر المغامر الذي لا يستطيب له المقام إذا حدث مطامحه أو أوقفت مطامعه.
وجميع الذين كتبوا عنه من القدامى وصفوه بالعلم والفقه والشعر والأدب والتأليف ولا شك أنه في ذلك كله مبرز فائق ولكن ميزته الكبرى ـ عندي ـ هو أنه رحالة من الطراز الأول بحيث يكا يضاهي ابن بطوطة.
من هو الجبيلي؟
والشيخ علي الجبيلي لم يعرف تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته ولكن الذي عرف عنه أنه كان حياً سنة 1041 هـ ولولا أرجوزة شعرية نظمها يصف فيها رحلته وختمها ببيت يؤرخ فيه ختام الرحلة لجهلنا حتى هذا التاريخ ولكنه قال في ختام الأرجوزة مؤرخاً نهاية الرحلة:
حتى وصلنا لدمشق الشام
والحمد لله على التمام
وقد مضت لهجرة أعوام
وجمعها تاريخه ختام
وهذا بحساب الجمل يعادل 1041.
تتنازعه بلدتا جبيل الساحلية وبنت جبيل الجبلية، فقد اشتهر بنسبته الجبيلي وحار بعض المؤرخين فيه. أهو منسوب إلى جبيل أم بنت جبيل؟ ولكن إضافة كلمة (العاملي) إلى اسمه في جميع ما كتب عنه في القديم ربما رجحت نسبته إلى الثانية، مع العلم بأن الأقدمين اعتادوا أن يصفوا بـ (العاملي) كل من انتسب إلى بلد من بلاد الشام..
ومن أشهر رحلاته تلك الرحلة الضخمة التي قام بها في ذاك العصر مع عسر الوسائل ومشقة السفر، ولو أنه اتبع طريقة غيره من الرحالين فدون رحلته نثراً وأخرج عنها كتاباً لأفادنا أعظم الفائدة. ولكنه لم يفعل ذلك بل وصف رحلته وصفاً شعرياً وأخرج عنها أرجوزة فلم يتيسر له التدقيق في الوصف والإحاطة بالتصوير، ولم يتسن له أن يترك لنا إلا نبذاً صغيرة عن وصف الأحداث التي شاهدها وللمنازل التي نزلها والناس الذين لقيهم، وأين الشعر من النثر في مثل هذه المواقف؟…
تلقى الجبيلي دراسته في جبل عامل وفي بلدة جباع بالذات، والذي يجهله الناس إن هذا الجبل ـ جبل عامل ـ كان طوال قرون حمى للغة العربية وآدابها وعلومها، ففي أشد العصور ظلاماً، وأكثرها إيغالاً في الجهل، وفي أسوأ عهود الانحطاط، كان جبل عامل منارة تشع بأروع صور الشعر وأنقى ألوانه وأصفى أخيلته وأجزل ألفاظه.
من هذه المشاريع ارتوى الشيخ علي الجبيلي وفي هذه الحلقات العاملية تربى وتعلم، هناك في جباع في مدرسة الشيخ حسن صاحب المعالم والسيد محمد صاحب المدارك وبين مئات أمثاله من الطلاب قضى الفترة الدراسية الأولى، ثم التقى بعد ذلك في إيران بعاملي آخر كان قد أصبح عالمياً هو الفيلسوف الرياضي الفقيه بهاء الدين العاملي فأكمل دراسته عليه واستحق أن يقول فيه بعد ذلك صاحب أمل الآمل: «كان عالماً فقيهاً محدثاً متكلماً شاعراً منشئاً جليل القدر».
وأن يقول فيه صاحب رياض العلماء: كان من أكابر علماء عصره. لا أريد الآن أن أسترسل في الحديث عنه عالماً فقيهاً، ولا أن يُتصدى لبيان مكانه في هذا الميدان، فقد شهد هذا الجبل العاملي على مر العصور الألوف من أمثاله، وليس علمه هو الذي استهواني فكتبت عنه، ولكن الذي شاقني فيه هو هذه الرحلة الأرجوزة التي نظمها في رحلته وهو إن كان شاعراً دونه عالماً وإن كان شعره ليس من الطراز الرفيع فإننا لا نستطيع أن ننكر أنه كان في أرجوزته موفقاً. وقد وصف صاحب السلافة رحالتنا فقال: كان قد ساح في الأرض وطوى منها الطول والعرض فدخل الحجاز واليمن والهند وإيران والعراق ونظم في ذلك رحلة أودعها من بديع نظمه ما رق وراق.
ضياع بعض الرحلة
والأرجوزة التي نظمها تبلغ فيما يروى المؤرخون ألفين وخمسمائة بيت ولكن الذي عثر عليه منها لا يتجاوز ألفاً وخمسمائة ليست كلها في وصف الرحلة.
بل تضمنت مواعظ وحكماً وآداباً وصفت الرحلة والمؤسف أن بين ما هو مفقود الكثير من حوادث الرحلة فضاع علينا تسلسلها ولم نشعر إلا وهو في مدينة المخا باليمن التي أقام فيها عاماً ثم رحل عنها:
ولم تكن الأرض يومذاك في نظر الناس أوسع كثيراً من هذا المدى الذي يراه صاحب السلافة، ولا كانت وسائل النقل متيحة لهم مجالاً أفسح من هذا الذي يحدده، لذلك لا نعجب حين نراه يقول: أنه قد ساح في الأرض وطوى منها الطول والعرض.
وبعد عام في المخا ركبنا
ثامن عشر صفر ورحنا
ومما يدل على فقدان القسم الكبير من وصف الرحلة أنه يقول قبل هذا البيت:
عدنا إلى إتمام شرح الرحلة
وما جرى فيها لنا في الجملة
معتمدين الاختصار فيها
كيلا يمل الطول ناظريها
ومن هنا نعلم أنه كان قد بدأ يصف رحلته ثم أخذ يستطرد كعادته إلى ذكر ما يريد ذكره من آراء وحكم ثم عاد إلى إتمام شرح الرحلة.
من أين بدأ الرحلة؟
ولفقدان هذا القسم من الأرجوزة لم نعلم من أين بدأ رحلته، هل بدأها من بنت جبيل مثلاً وهل وصف فيها هذا البلد وهل وصف الطريق… نحن لا نعلم إلا أنه في المخا وأنه ينوي الرحيل عنها بعد عام من الإقامة فيها، ثم هو يحدثنا عن الحجاج الصينيين المسلمين القادمين بحراً لزيارة الديار المقدسة فنعرف طريقة انتقالهم وأن وسيلتهم في السفر كانت البحر…
جاء وقد كنا هناك مركب
وفيه شخص عالم مهذب
من جهة الصين يريد يمضي
لمكة والحج عنه يقضي
وبعد أن يروي قصة هذا العالم الصيني يخبرنا بأنه هو نفسه أبحر مع المبحرين في هذا المركب قاصداً بلاد «الشحر»… وطال الإبحار شهراً ونصف الشهر لاقوا فيها عناء وقلقاً.
ثم لنعد لوصف بعض الحال
وما لقيناه من الأهوال
فلم نزل في البحر نسري شهرا
ونصف شهر ودخلنا (الشحرا)
بعد بلاء وعناء وقلق
وحالة أشكل من حال الغرق
ثم مضى إلى حضرموت ولم يقصد المدينة نفسها بل استدعاه فيمن استدعى الأمير عمر بن بدر إلى قلعة «هينن».
بقلعة من هينن المذكورة
من حضرموت البلدة المشهورة
ثم مضى إلى مدينة حضرموت نفسها:
وبعد أيام لنحو البلد
عدنا برفد زائد ومدد
كاتب رسائل الأمراء
وبعد حديث غير قصير عما جرى له هناك من الحوادث الشخصية وأهمها انتحال أحد الناس شخصية الأمير إبراهيم بن لاوي وانخداعه هو نفسه بهذا الانتحال وتكليفه تحرير رسائل الأمير المزيف ثم اكتشافه التزييف بعد وصوله إلى إيران. والذي يلفت النظر في سرد الرحلة إن كل أمير يلقاه في تجواله كان يكلفه تحبير الرسائل أو الإجابة عن الكتب فهو عند الأمير عمر بن بدر في قلعة هينن يقول بعد أن يصف استدعاءه إياه مع جماعة آخرين:
وكان قد جاء كتاب لليمن
إليه من بعض سلاطين الدكن
كلامه وخطه عجيب
يعجز عن وصفه اللبيب
في ذلك اليوم الذي أشرنا
إليه إن عنده حضرنا
وبعد يوم احضر الكتابا
وقال لي نبغي لذا جوابا
إلى آخر ما أورده…
ومن هنا نعلم أن صلات وثيقة كانت تربط سلاطين الدكن في الهند بملوك اليمن وأمراء حضرموت، وإن الرسائل بينهم كانت متبادلة وإن لغة التخاطب كانت العربية، وليته أوضح لنا مضمون الرسالة وهل كانت تتجاوز حدود المجاملات أم كانت ضمن هذه الحدود. وكذلك فإن الأمير المزيف المنتحل شخصية الأمير إبراهيم بن لاوي قد استدعاه إليه وكلفه إنشاء رسائله:
قال لنا اكتب لبعض الأمرا
والعم والشيخ وبعض الوزرا
إلى أن يقول:
ثم جلسنا وكتبنا الكتبا
في جلسة كادت تفوت المغربا
وللطرافة نشير إلى حادث اكتشافه تزييف الأمير بعد وصوله إلى أصفهان، فهو بعد أن يسرد كيف كلفه كتابة الرسائل وما جرى له معه يستطرد إلى ذكر سفره إلى الهند ثم نيته في العودة إلى الوطن ماراً بإيران، وفي أصفهان مرت به خيل وفرسان يتقدمهم أمير جميل فسأل عن الخيل وصاحبها فقيل هو الأمير إبراهيم بن لاوي فسره أن يلقاه هنا من جديد:
فقلت من هذا السيد العظيم
فقيل هذا هو إبراهيم
هذا ابن لاوي أبي أخي مطلب
فقلت هذا أربي ومطلبي
هذا الذي كان لنا في الشحر
مصاحبا في سره والجهر
وبعد أن يصف تعجب جلاسه من هذا الكلام وردهم عليه بأن الأمير إبراهيم لم يبرح وطنه إلا إلى إيران.
وكاد لولا الاعتقاد فينا
في كل ما قلناه يكذبونا
إلى أن يقول:
فانظر إلى احتيال ذي الوقاحة
والجرأة العظيمة الفضاحة
الأخطار
وانتهى مقامه في هذه الأرض ونوى الرجل إلى غيرها. فقال:
ثم قمنا هرباً من العطب
لسابع العشرين من شهر رجب
وفيه سافرنا إلى «ظفار»
وصاحبتنا نوب الأخطار
وبديهي أن الأخطار المقصودة هي أخطار البحر وأهواله، وإذا كان في ركوب البحار اليوم من الشدائد ما يهد العزم فما قولك بركوب البحر في تلك العصور.
على أن في حديثه عن تلك الأخطار شيئاً يلفت النظر ويصعب تحليله وتفسيره ويضيق عن فهمه، ولكنه على كل حال يدلنا على شيء من طراز حياة البحار، وإن ظل هذا الشيء غامضاً مغلقاً. فهو أولاً يتحدث عن الشدة التي لاقاها المركب:
في غبة للقمر انغمسنا
وكلنا من البقا، أنسنا
قال لنا الربان هذي الغبب
قد قل أن ينجو منها المركب
وطال فيها مكثنا أياما
لكنها تعادل الأعواما
فقال لي شخص من الأعيان
من ولد عمر السلطان
لو أمكن الراحة من ذا المركب
نأمن كنا من حلول العطب
وإلى هنا والموضوع صريح واضح، أما طريقة الراحة من (المركب) فهي الغريبة، فنحن نعرف أن البواخر الحديثة تحتفظ فيها بما يسمى قوارب النجاة، وإن هذه القوارب تعد لتكون الملجأ الأخير حين تتصدع الباخرة ويبتلعها اليم، وأن هذا الملجأ إنما يلجأ إليه حين لا عاصم من الماء وأنه ملجأ اضطراري قد ينجو لاجئه وقد لا ينجو، أما أن يكون في المركب الكبير قوارب صغيرة هي أسلم منه وأضمن، وأن تكون هي الحمى من المركب والمفر من أخطاره وهو بعد لا يزال سليماً صحيحاً فهذا هو الغريب الغامض:
وكان للمركب قاربان
وحاكم المركب ذو إيمان
فقلت للحاكم هذا المركب
زادت به همومنا والكرب
وإن توجهنا إلى ظفار
نكن قضينا سائر الأوطار
فارفع إلينا القارب الصغيرا
نركبه ثم ادخروا الكبيرا
فقال سمعا لكم وطاعه
قوموا اركبوا المركب هذي الساعة
والعجيب أن القارب الذي لجؤوا إليه من المركب لم يكن يتسع إلا لستة:
ثم ركبنا ستة في القارب
ونحن في مضايق المتاعب
ولم يكن الأمر سهلاً هينا عليهم:
ولم نزل نعتقد الهلاكا
أيامنا أجمعها هناكا
وبعد شهر وليال عشر
جزنا ظفار من ركوب الشحر
والشهر والليالي العشر هي مدة رحلتهم من الشحر إلى ظفار، أما مدتها من ركوب القارب فلم يحددها لنا، وقد أوجز وصف ما لاقوه في بيت واحد:
من بعد ما صارت لنا أمور
يضيق من تعدادها التسطير
ثم انتهى الإبحار بالسلامة والوصول إلى البر، ولكن القارب كان على آخر رمق فلم يكادوا يغادرونه حتى غرق.
ومذ طلعنا منه في البحر رسب
كأنما كان طلوعنا السبب
ومن العجيب أن يصل القارب الصغير، والمركب لما يصل بعد، وأن يطول انتظارهم لوصوله:
ثم جلسنا في انتظار الفرج
وهل يجي المركب أم ليس يجي
فبعد أيام أتى رسول
من قبل السلطان لي يقول
قم وامض للسلطان من غير مهل
ورح إليه مسرعاً على عجل
أما لماذا طلبه السلطان فذلك لكي يخبره عن وصول المركب، وقد عرف السلطان بقرب وصوله بتطلعه من (ناظور) مكبر:
فقدمت أسعى نحوه كاللمح
وجدته قد قام فوق السطح
فقال لي يهنيك جاء المركب
(ناظورنا) قال ولا يكذب
وليس في البحر سواه أبداً
في مثل هذا الوقت فيما عهدا
ومن البيت الأخير نفهم أنه كانت للمراكب مواعيد معروفة للوصول والقفول.
ومن الطريف أن (حاكم) المركب قد آثر هو الآخر ترك المركب والفرار منه فامتطى مع جماعة من أعوانه القارب الثاني وتركوا الناس في المركب للأقدار، ولكن القارب الكبير تحطم بهم، ويظهر أنه تحطم قريباً من الساحل فلجأوا إلى بر قاطعين القفار. لينتهوا إلى ظفار فوصل المركب بدون حاكم…
وإذا كانت تقاليد هذا العصر تقضي بأن يكون قائد المركب أو حاكمه كما يسميه الجبيلي ـ هو آخر من يغادر المركب، هذا إذا غادره ولم يغرق معه، فإن تقاليد ذلك العصر كما يبدو هي أن يفر الحاكم من المركب وينجو بنفسه قبل الجميع.
على أن كلمة «الحاكم» وإصرار الجبيلي على استعمالها لا يدل على أنه استعملها مصادفة، بل يدل على أنه تعمد استعمالها وأن استعمالها كان مألوفاً، وبذلك فهي تشبه في مدلولها كلمة قبطان (كابتن) التي تقال اليوم:
وأخبروا عن شرح حال الحاكم
وبعض ما لاقى من العظائم
مذ ركب القارب مع جماعة
من بعض من دان له بالطاعة
ثم مضوا للماء في الشراع
وملأوا ما كان في أواعي
وركبوا جميعهم فانكسرا
ودمعهم لما جرى دما جرى
وامتنع العود لنحو المركب
وأصبحوا في محن وعطب
هم حفاة والطريق وعر
ويدهم من الفلوس صفر
فيسر الله لهم بعرب
هناك بعد تعب ونصب
فاستأجروا منهم دليلاً وجمل
وجعلوا ظفار للقبض الأجل
ثم اشتروا زوادة رأس بقر
وسلقوه واستعدوا للسفر
وكلمة رأس بقر تحتمل أمرين: إما أن يكون رأس بقر بمعناه الحقيقي أي رأساً بدون جثة أو أن يكون رأس بقر بمعناه المجازي أي بقرة أو ثوراً كاملاً، ولو صرح بعددهم لعرفنا حقيقة ما يقصد:
وبعد أيام إلينا وصلوا
وأخبرونا بالذي قد فعلوا
بحالة أوصافها عجيبة
وهيئة مضحكة غريبة
وهكذا تكون هذه الرحلة من أظرف الرحلات. مركب يخرج ركابه في البحر مجتمعين، ثم إذا بعضهم يصل على قارب وبعض على جمل وبعض على المركب.
إلى الهند
ثم رحل عن ظفار ووجهته الهند فوصل أولاً إلى (ذابول) بعد شهر ونصف الشهر:
ثم ركبنا قاصدين السفرا
لمما قضينا من ظفار الوطرا
من بعد شهر ونصف شهر
جزنا إلى ذابول وقت العصر
إلى أن يقول:
ثم مضيت مسرعاً للجامع
لدرك الوقت بمن جاء معي
حتى دخلت مسجداً معظماً
في صحن تجاه بركة ما
والناس للوضوء جالسونا
وهم عن اليدين حاسرونا
أما ما اعتبره مفاجأة كبرى فهو انعدام التعصب الطائفي بين المسلمين في ذلك البلد انعداماً كاملاً فقد كانوا يتوضؤون ويصلون جنباً إلى جنب في مسجد واحد وكل يجهر بما يراه صحيحاً في وضوئه وصلاته، على ما في فعلهم من اختلاف جزئي يبدو للناظر فيدل على أتباع كل من المذهبين:
البعض منهم يغسل الرجلين
وبعضهم يمسح باليدين
ما بينهم من منكر على أحد
وكلهم يفعل ما قد اعتمد
ثم دخلنا لصلاة المغرب
فزاد من فعلهم تعجبي
إذ ذاك في صلاته يؤمن
وذاك بالقنوت فيها يعلن
ثم يقول:
فقلت في نفسي هذا أعجب
من كل ما شاهدته وأغرب
وأقام في ذابول شهراً ويوماً، ولم يحفظ لنا منها إلا تلك الصور الجميلة للتسامح المذهبي والألفة الدينية وحسبه بها صورة رائعة عذبة تدل على ما وصل إليه أولئك الناس من التسامي بالعقيدة والتعالي بالدين…
ثم يعاود الرحلة متجهاً إلى حيدر آباد:
ثاني القعدة أنشأنا السفر
لحيدرآباد مطايانا البقر
ويا لها من رحلة على البقر، فمن المركب إلى القارب وأخيراً إلى البقر:
ومرت القافلة في طريقها على بلدة (بنجافورة) ثم تجاوزتها واصلة إلى حيدر آباد وقد ذكر وصوله إلى حيدرآباد بهذا البيت:
عند الضحى المشهور بالغدير
وكان فيه منتهى المسير
والذي يبدو أنه يقصد بكلمة الغدير ـ (يوم الغدير) الذي يقع في الثامن عشر من شهر ذي الحجة وإذا كان هذا قصده فمعنى ذلك أنهم أمضوا في سفرهم ـ البقري ـ هذا ستة وأربعين يوماً أي من الثاني من ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة، وهكذا ترى أي عناء كان السفر يومذاك.
فأما أن يركبوا البحر على تلك الألواح الخشبية، أو يأخذوا البر على هذه الدواب البقرية. وهو لا يشكو ولا يتذمر من سفر البر إذ حسبه منه أنه بعيد عن الموت غرقاً، أما الجهد والتعب فإنه يحتملهما غير شاك ولا متذمر.
الهروب
ويظن أنه كانت له مطامح بعيدة في حيدرآباد، وأنه كان يأمل منها خيراً كثيراً ولكن سارت الأمور على غير ما يرجو فخابت الآمال وضاعت المطامح وصار أقصى همه أن ينجو بنفسه ويفوز بالسلامة والعافية:
لكننا لما دخلنا البلدا
بها وجدنا عدداً وعددا
لما أتى عن أحمد آباد الخبر
بفتحها وشاع ذاك واشتهر
وكان قد جاء إلى الديوان
شخص من الهنود بانياني
وقال جيش المغل في ذا البهر
قد دخل القلعة عند العصر
إلى أن يقول:
والناس قيل وقال وفكر
والغربا من ذاك في أبي ضجر
كلهم في شاغل وشغل
للخوف من هجوم جيش المغل
ليس لهم شغل عن الطريق
سوى خلو السرب والرفيق
ويتمثل في هذه الأبيات هلع الناس وذعرهم من الفتح المغولي ومحاولة الغرباء الفرار بأرواحهم قبل أن تدهمهم النازلة المريعة أما صاحبنا فكان كما يبدو من أول الهاربين:
فمذ أتاح الله للناس الهرب
لم أتأخر عنهم خوف العطب
الخيبة
ثم صور خيبته وما آل إليه أمر الآمال والأطماع من الانهيار والضياع، وكيف أصبحت أمنيته الكبرى هي الفرار والرحيل:
غدوت أرجو بعد إطماعي الأول
سلامتي مما أخاف والقفل
قلت قنوع المرء بالسلامة
أولى من الخسران والندامة
ثم إلى البحر!
ثم عاد للبحر وأهواله حتى «بندر الهرموز» وعاد يتحدث عن الرعب وخوف الغرق إلى أن قال:
ولم تزل تصحبنا الدواهي
حتى دخلناها بحمد الله
ومن بندر الهرموز قصد إلى (اللار) ومنها توجه إلى أصفهان فوصلها في شهر ذي القعدة:
ثم مضينا بعد تلك المدة
لأصفهان ودخلنا القعدة
سنة في سفر متواصل
وهكذا يكون أمضى في سفره من ذابول إلى أصفهان سنة كاملة، فقد ترك ذابول متجهاً إلى حيدرآباد في ذي القعدة ووصل أصفهان في ذي القعدة من العام الثاني.
ولم يبد منشرحاً كما يبدو هو في أصفهان، ولم تتهلل أساريره كما تهللت وهو يتحدث عن مقامه في هذا البلد الطيب، فقد كانت أصفهان في ذاك العهد مدينة العلم والعلماء فهو يقول:
كانت لنا أوقات صفو وصفا
لولا أمور لم يكن فيها خفا
وراحة تزري بفعل الراح
في اللطف والسرور والأفراح
ونشأة بجملة العلوم
ورائق المنشور والمنظومو
ويدلك على العناية باللغة العربية وآدابها في ذاك العصر بأصفهان وعلى مكانة الشعر العربي فيها حتى لقد كان موضع مذاكرة الأدباء وأداة سمرهم وحديتهم، يدلك على ذلك قوله:
فوقعت ما بيننا مسامره
يوماً إلى أن أدت المذاكرة
لذكر أبيات لبعض الفضلا
فواحد من الحضور سألا
مني أبياتاً بذاك الوزن
ولم يكن يقبل عذراً مني
في طريق الإياب
وكما كان كاتب الأمراء والملوك في البلاد السالفة، فقد كان كذلك هنا في أصفهان فقد استدعاه أمير ليكتب له إلى أمير آخر، ثم ترك أصفهان بعد حوالي خمسة أشهر ومضى إلى (مشهد الرضا) في خراسان:
ثم مضينا نحو مولانا الرضا
عليه من ربي السلام والرضا
وترك المشهد عائداً إلى أصفهان في طريق العودة إلى وطنه فوصل أصفهان بعد سنتين من تركه ذابول ثم مضى باتجاه العراق فزار العتبات المقدسة وبغداد ثم استقر في النجف وتركه في شهر ذي القعدة بعد ثلاث سنين من تركه (ذابول) ومن العراق قصد إلى الحج فزار مكة المكرمة ثم وصل إلى دمشق خاتماً الرحلة بهذين البيتين:
حتى وصلنا لدمشق الشام
والحمد لله على التمام
وقد مضت لهجرة أعوام
وجمعها تاريخه ختام (1041)
ولعلك تريد أن تعرف رأيه في التغرب وأثره في نفسه وعاطفته… إنه نفس رأي كل مغترب تضيق به بلاده فينشد في غيرها عيشاً أكرم وكرامة أوفر ولكنه لا يلبث أن يرى أن ضياع ما ضاع من حياته في الاغتراب هو خسارة لا تعدلها خسارة.
إنه نفس رأي الأدباء المهجريين في هذا العصر، ينطق به هذا المهاجر القديم في أبيات من قصيدة أخرى غير أرجوزة الرحلة قال فيها:
ضاعت الأوقات في أرض العجم
فتدارك بعضها قبل الندم
ما كفى ما ضاع في أرض اليمن
ثم في الشحر وفي أرض الدكن
أن يوما مر في أرض الشام
بعضه في غيرها يعدل عام
مع أني كنت فيها تابعاً
خاصفاً نعلي وثوبي راقعا
ليس لي فيها من الأحوال ما
يترجى عنده جرعة ما
هذا هو شعور المغتربين، مغتربي الأمس ومغتربي اليوم.
الرد على جالينوس
في الرد على أرسطوطاليس للفارابي
يجيب الفارابي في رسالته هذه على الإشكالات التي وضعها جالينوس على آراء أرسطو حول العلة الأولية، ويحتمل أن يكون الفارابي قد كتب أثره هذا تبعاً لرد «إسكندر فردويسي» على جالينوس.
توجد نسخة خطية من هذه الرسالة في طشقند. ونسخة أخرى في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة طهران رقمها 71 من المجموعة 242ب.
الرس
ورد ذكر الرس في القرآن الكريم:
{وَعَادَا وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونَاْ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} ـ سورة الفرقان، الآية: 38.
2 ـ {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} ـ سورة ق الآية: 13 ـ.
وقد سار المفسرون والمؤرخون في سبيل إيضاح مدلول كلمة (الرس) في بيداء خفية الصوى، مجهولة المعالم، يصدق عليها قول الطيب المتنبي:
يتلون الخريتُ من خوف التوى
فيها كما تتلون الجرباء
وسبب ذلك: 1 ـ أن الرس كلمة يقصد بها معاني كثيرة، منها: 1 ـ البئر. 2 ـ والبئر القليلة الماء 3 ـ والبئر التي لم تطو بالحجارة أو غيرها. 4 ـ والمعدن 5 ـ وإصلاح ما بين القوم. 6 ـ والرس: الدس: رسوه في بئر أي دسّوه فيها، وعلى هذا نشأ كثير من اختلافهم، الأمر الثاني: أن الرس لم يوضح مدلول الكلمة منه في القرآن الكريم، ذلك أن القرآن يعني من الخبر بموقع العبرة: وبما تؤخذ منه الحكمة والتجربة، والاقتداء بالعمل الصالح، فالقرآن ليس كتاب تاريخ أو تحديد مواضع، ولكنه كتاب هداية هام، ولم يرد نص صحيح عن الرسول (ص) في تحديد موقع الرس، ولذلك وقع من المفسرين والمؤرخين قديمهم وحديثهم اضطراب كبير، واختلاف واسع حول مدلول هذه الكلمة، ولا يعني في هذه الكلمة سوى أمرين: أحدهما: عرض المشهور من أقوالهم، وثانيهما: ذكر المواضع التي تسمى باسم الرس وهذا مما قد يفيد الباحث.
يختلف المتقدمون في كلمة الرس هل يقصد بها قرية بعينها أو موضع بعينه أو يقصد بها بئر، وعلى هذا فقد نشأ رأيان أحدهما يرى أن الكلمة تطلق على موضع بعينه.
1 ـ فمنهم من يرى أن المقصود قرية من قرى اليمامة تسمى الرس وتسمى الفلج ـ بفتح اللام ـ وأقدم من عرف عنه هذا الرأي قتادة التابعي الجليل، وفي بعض الكتب ينسب إلى ابن عباس الصحابي الجليل، مع أن لـ “قتادة” قولاً آخر ستأتي الإشارة إليه.
2 ـ ويرى آخرون بأن المقصود من كلمة الرس المعدن وممن ذهب إلى هذا القول أبو عبيدة معمر بن المثنى، العالم اللغوي المعروف، وابن قتيبة، صاحب التآليف المشهورة.
وذهب آخرون إلى أن المقصود بكلمة الرس البئر، وينسب هذا القول إلى ابن عباس ويرى آخرون أن المقصود بئر دون اليمامة، وهو رأي ابن الكلبي، ويرى فريق ثالث أن المقصود بئر بأذربيجان، وينسب هذا القول لابن عباس أيضاً، وفريق ثالث يرى أن البئر المقصود تقع في مدينة أنطاكية، التي لا تزال معروفة تابعة للبلاد التركية في إقليم الإسكندرونة، وينسب هذا الرأي لكعب الأحبار، ومقاتل بن حيَّان، وهما تابعيان، كما ينسب للسُّدَّي الذي عرف بنقل كثير من الأخبار الغريبة والخرافية.
ويأتي أناس آخرون من المفسرين فيرون أن كلمة الرس يقصد بها الأخدود، ويطبقون ذلك على موقع الأخدود في نجران في جنوب الجزيرة، ويؤيد هذا الرأي العلامة ابن جرير في تفسيره، ويقول آخرون بأن المقصود أرض واسعة في جنوب الجزيرة بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت، ويذهب فريق ثالث إلى أن الرأس موضع في جنوب الجزيرة بدون تحديد، وفريق رابع يراه في شمالها في بلاد بني أسد.
ثم يختلف المتقدمون في النبي الذي أرسل إلى أهل الرس، فيراه بعضهم حنظلة بن صفوان، ومن أقدم من ذكر ذلك سعيد بن جبير التابعي الجليل، ويرى وهب بن منبه الذي نقل لنا كثيراً من أخبار أهل الكتاب أن النبي هو شعيب، وأن أهل الرس قوم أصيبوا بالخسف، فانهارت بئرهم وخسف بهم، وفريق رابع يرى أن ذلك النبي هو حبيب النجار من أهل أنطاكية المتقدم ذكرها، وأن قومه قتلوه في بئر، وينسب هذا القول لكعب الأحبار ومقاتل بن حيان والسدي)[675](.
هذا ملخص ما ورد عن المتقدمين في تحديد موقع الرس وفي ذكر من أرسل إليهم، وهذان أمران لا يستطاع البت فيهما بدون الرجوع إلى نصوص واضحة صريحة، ويعتبر هذا الأمر مما يصعب على الباحثين الوصول إليه.
ويحسن الرجوع إلى ما ورد في الشعر القديم وهو من أهم المصادر التاريخية في تحديد المواضع، مع أن كلمة الرس تعتبر شاملة وواسعة، بحيث أن بعض الشعراء أطلقها وقصد من إطلاقه المعنى اللغوي، إلا أن ذلك لا يمنع من الاستئناس بأقوال أولئك الشعراء.
فما ورد من أقوالهم قول الشنفري)[676](:
أمشي بأطراف الحماط وتارة
تنفض رجلي مسبطياً معصفرا
وأبغي بني صعب بحر ديارهم
وسوف ألاقيهم إن الله يسرا
ويوم بذات الرس، أو بطن منجل
هنالك تبغي العاصر المتنورا
وقول عامر بن عمرو الحصيني ثم المكاري:
وأقفرت العبلاء والرس منهم
وأوحش منهم يثقب فقراقر)[677](
لمن طلل كالموحي عاف منازله؟
عفا الرس منه، فالرسيس فعاقله
وقوله:
بكرن بكوراً، واستحرن بسحرة
فهن ووادي الرس كاليد للفم
وهناك شعراء كثيرون ذكروا الرس ذكراً لا يخرج عن المواضع التي ذكرها الشعراء الثلاثة، وهي فيما يظهر من أقوالهم في جنوب الجزيرة كما في قول الشنفرى، وفي وسطها كما في قول زهير، وفي شمالها كما في قول عامر بن عمرو، الذي قرنه بقراقر.
بقي ذكر المواضع التي يطلق عليها اسم الرس في الجزيرة وفي غيرها:
1 ـ يطلق اسم الرس على البلاد المعروفة الآن باسم الأفلاج، الواقعة في جنوب الجزيرة وهي إقليم واسع يحوي عدداً من القرى والأودية وكان في الماضي مشهوراً بخصبه وعمرانه، وقد أورد الهمداني في كتاب وصفة جزيرة العرب، فصلاً وافياً عن تحديد مواضعه، وعن الآثار العمرانية القديمة فيه وكان مما قال: (سوق… الذي تسوقه نزار واليمن وهو لبني سمرة من جعدة ثم على أثرها من سيحي جعدة حصن يقال له مرغم، أي يرغم العدو بامتناعه دونه، وهو لبني أبي سمرة، والقصر العادي بالأثل من عهد طسم وجديس، وصفته أن بانيه بنى حصناً من طين ثلاثين ذراعاً دكة، ثم بنى عليه الحصن، وحوله منزل الحاشية للرئيس الذي يكون فيه، والأثل والنخل، وساكنه اليوم بنو أبي شمسة، وسوق الفلج عليها أبواب الحديد، وسمك سورها ثلاثون ذراعاً، ومحيط به الخندق وهو منطق بالفضاض والحجارة والشاروق، قامة وبسطة، فرقاً أن يحصر أو يرسل العدو السيوح عليه، وفي جوف السوق مائتان وستون بئراً ماؤها عذب فرات، يشاكل ماء السماء ولا يفيض، وأربعمائة حانوت، ولبني جعدة سيحان يقال لأحدهما الرقادي وللآخر الأطلس، وأما سيح قشير فاسمه سيح إسحاق، فأما الرقادي فإن مخرجه من عين ابن اصمع، ومن عين يقال لها الزباء مختلطتين، وأما الأطلس فإن مخرجها من عين الناقة ويقول أهل الفلج في اشتقاق هذا الاسم: إن امرأة مرت بها على ناقة لها فتقحمت بها الناقة في جوف العين فخرج بَعْدُ سوارها بنهر مُحَلّمٍ بهجر البحرين) )[678](.
وينسب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير وهشام بن محمد الكلبي القول بأن أهل الرس من أهل فلج الأفلاج وكان هذا الرأي معروفاً إلى منتصف القرن الخامس الهجري، كما أشار إلى ذلك ناصر خسرو في «سفر نامه».
2 ـ الرس قرية ذات نخيل وعيون في العهد القديم، وقد غارت مياهها ومحلت أرضها، وأصبحت ذات سباخ، وهذه القرية لا تزال آثار موجودة في مداين صالح، حسبما ذكر الأستاذ عبدالحميد مرداد)[679](. وتحسن الإشارة إلى أن بعض المفسرين ذكر أن أصحاب الرس هم بقية ممن آمن بصالح ولكنهم كفروا وعوقبوا بعد ذلك)[680](.
3 ـ هناك من يرى بأن أصحاب الرس كانوا من أهل بلاد مدين، وأول من رأيته قال هذا القول هو عبدالله فلبي، فقد ذكر في كتابه «أرض مدين» موضعاً دعاه الرس ـ بالسين بخلاف ما ينطقه أهل تلك الجهة فهم يقولون الرص، بالصاد ـ وقال: (ولم يستطع أحد التعرف على الرس والأيكة، وإن كان يبدو أنهما يجب أن يكونا في المناطق المجاورة لمدين. ولعله يبدو من التسرع القول بأنني قد وصلت إلى خرائب الأولى، ولكنني لم أعرف مكاناً آخر يدعى الرس في شبه الجزيرة العربية غير هذا الموقع، ومكان آخر في القصيم، والثاني يشك في أنه المذكور في القرآن الكريم. والأيكة وادٍ يتفرع من وادي عفال، الذي ينحدر من جبل اللوز الكبير. وقد قيل إن الرس تقع على مرتفع يطل على الضفة اليمنى لوادي الأبيض، من نقطة يلتقي فيها هذا الوادي برافد ينحدر من الجهة الشمالية الغربية، يدعى شيب الوسيطى، ومن الممكن أن هذا الموقع كان مزاراً يؤمه الناس قبل الإسلام، وأشار موسيل إلى هذا المكان في خريطته غير أنه لم يزره، وأكاد أجزم بأن هذا المكان لم يزره أوروبي قبلي)[681](. انتهى كلامه باختصار.
4 ـ وهناك موضع في غرب القصيم يطلق عليه اسم الرس، وهو الذي ورد في شعر زهير المتقدم. وأول من رأيته نسب أهل الرس إليه ما نقله أبو حيان التوحيدي عن من تقدمه، في تفسيره «البحر)[682](» والقرطبي في تفسيره)[683]( ومن بعده من المتأخرين الأستاذ فؤاد حمزة في كتابه «قلب جزيرة العرب»)[684]( ثم الأستاذ محمد حسين زيدان)[685]( وإن لم يصرح بذلك، غير أن القول بأن أهل الرس من هذا الموقع الذي لا يزال معروفاً في القصيم قائم على أساس مجرد التسمية وليس هناك ما يدل على صحة القول به، لأن عمران هذا المكان كان حديثاً بخلاف الأفلاج وغيره من الأمكنة.
5 ـ وموضع خامس يطلق عليه الرس، ولكن لم يرد عن المتقدمين ما يدل على أنه هو المقصود بأصحاب الرس، ذلك الرس من أودية القبلية، والقبلية على ما نقل الزمخشري عن شيخه الشريف عُلَيّ بن وهاس الحسني المكي: سراة فيما بين المدينة وينبع، فما سال منها إلى ينبع يسمى الغور، وما سال من أودية المدينة يسمَّى بالقبليَّة، وحدُّها من الشام ما بين الحت من جبال بني عرك من جهينة، وما بين شرف السيالة ـ والسيالة أرض يطؤها طريق الحاج ـ فأودية القبلية: الثاجة، وحزرة، ومثعر، والرس وحورة، وحراضان، وظلم، وملحتان، وبواط، ومنكثة، ورسوس، والعشيرة، والبلياء (البلدة؟) وتَيْتَد ـ وهو المعروف بأذينة ـ وفيه عرض النخل من صدقة رسول الله (ص) نحلها فاطمة (عليها السلام) وشميسى، والناصفة)[686]( ثم ذكر جبال القبلية.
وإلى هذا الموضع ينسب الإمام الهادي مؤسس الإمامة الزيدية في اليمن وناشر المذهب الزيدي فيه فقد جاءه وفد من اليمن إلى حرس يدعونه للذهاب معهم ليلي الأمر هناك وذلك سنة 280.
ولم يلبث بعد أن أجاب الدعوة وذهب إلى اليمن وبويع هناك على النصرة والتأييد ـ لم يلبث بعد أن بلغ (الشرفة) من بلد (نهم) أن عاد إلى الحجاز لأنه لم يجد النصرة الكافية والتأييد المطلوب، ويظهر أن الوفد كان قد بالغ في وصف القوى المؤيدة والعناصر المناصرة ولما وصل الهادي وتحقق الأمر لم يشأ أن يدخل في مغامرة غير مضمونة العواقب فآثر العودة إلى موطنه في الحجاز.
وانقضت على ذلك أربع سنوات وأتت السنة 284 فعاود اليمانيون الرحالة إليه وأخذوه معهم من جديد ومضوا به إلى صعدة فاستتب له الأمر وتقدم إلى نجران وبرط فملكهما وملك أعمالهما ثم استدعاه أبو العتاهية ابن الروية إلى صنعاء في المحرم سنة 288 ثم عاد إلى صعدة ويقول بعض المؤرخين اليمنيين إن الفوضى المنتشرة في اليمن يومذاك، والفتن السائدة كانت من العوامل الفعالة في نجاح دعوة الهادي.
يقول حمد الجاسر كاتب هذا المقال، أذكر أنني ضمني مجلس من بين من فيه عبدالله بن الوزير أثناء عقد المعاهدة اليمنية السعودية في الطائف تحدث قائلاً: نحن منكم يا أهل نجد من بلاد الرس. فقلت: أنتم من الرس القريبة من المدينة ولستم من رس القصيم، فطلب مني إيضاحاً لتحديد هذا الموقع فأوضحته له.
6 ـ وذهب كثير من المتقدمين إلى أن الرس المذكور في القرآن الكريم من بلاد اليمن، وها هي الأقوال الواردة في ذلك نسوقها بالتتابع حسبما ورد من أقوال المتقدمين.
أ ـ قال محمد بن هشام بن السائب الكليبي: وأما الحارث ـ بن قحطان ـ فولد (قينا) يقال لهم الأقيون، وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس، والرس فيما بين نجران واليمن من حضرموت إلى اليمامة، وكانوا يسكنون الرس)[687](.
بـ ـ وقال ابن هشام صاحب «السيرة» قال أبو محمد: لما بلغ سليمان إلى عجز الأحقاف أمر الريح فأمسكت، ثم قال ـ وأشار بيده ـ هناك ولي الله حنظلة بن صفوان صدق وكذبوه، فنجا وهلكوا، وإلى الله المصير.
ـ ثم أورد قصة طويلة جاء فيها ـ فدخلنا وهدة من الأرض فأصبنا على بابها حجراً مطبقاً فاعتورنا قلعه، فقلعناه، فإذا رجل عليه جبة صوف، في يده خاتم عليه مكتوب: أنا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس، رسول الله ـ وعند رأسه صحيفة نحاس مكتوب فيها: بعثني الله إلى عريب وهمدان والعرب من اليمن بشيراً ونذيراً، فكذبوني وقتلوني. فأعادوا عليه الحجر كما كان، والصخرة في مكانها كما كانت)[688](.
وقال أبو محمد الهمداني مؤلف «صفة جزيرة العرب»: وأما الحارث ـ بن قحطان ـ فولد قيناً، بطن يقال لهم الأقيون، دخلوا في حمير، وهم رهط حنظلة بن صفوان، ووجد في قبره لوح مكتوب فيه: أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله بعثني إلى حمير وهمدان، والعريب من أهل اليمن فكذبوني وقتلوني). فمن يقول بهذا الخبر يرى أنه إلى سبأ بمأرب، فلما كذبوه أرسل الله عليهم سيل العرم. قال ابن هشام هو حنظلة بن صفوان من الأقيون نبي الرس، والرس بناحية صيهد، وهي بلدة منحرفة ما بين بيحان، فمأرب، فالجوف، فنجران، فالعتيق، فالدهناء، فراجعاً إلى عبر حضرموت.
وذهب في صيهد بعهدنا ـ 340 تقريباً ـ قطار فيه سبعون محملاً من حاج الحضارم، صادرين من نجران. لحق هذا القطار في أعقاب الناس، ولم يكن فيهم دليل فساروا ليلة وأصبحوا قد تياسروا عن الطريق، وتمادى بهم الجور، حتى انقطعوا في الدهناء فلم يدر ما خبرهم، لأن أحداً لا يدخل ذلك المكان، ولو دخله لم يظفر بموضعهم لسعة ذلك المكان الخرق، وهي فلاة صداد (؟) فيها بقايا قصور هذه الأمة، فيما يصل العمران من جانبها الغربي، يعدنها الناس في زماننا هذا، فيجدون فيها الذهب وما قد أسرع إليه أكل التراب من الفضة)[689](.
جـ – وقال الهمداني: ويقال بل كان أهل الرس قبائل من نسل من سمينا من قحطان، وهم أسلم، ويامن، وأبو زرع ورعويل، وقدمان، فبعث الله اليهم حنظلة بن صفوان بن الأقيون ـ كذا رواه النساب مثل الأملوك والأصنوع والأخضوض وإنما هذا اسم كأنه جماع قبيلة ـ فكذبوه فقتلوه، وطرحوه في بئر رس ماؤها فأهلكهم الله كما قال (وأصحاب الرس، وقروناً بين ذلك كثيراً) فقال رجل من قحطان يرثيهم:
بكت عيني لأهل الرس
رعويل وقدمان
واسلم وأبي زرع
نضار الحي قحطان)[690](
هـ ـ وقال ابن حزم في كتابه: «جمهرة النسب»: فولد الحارث ـ بن قحطان ـ فهم، يقال لهم الأقيون وهم رهط حنظلة ابن صفوان، نبي الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة)[691](.
و ـ وقال نشوان بن سعيد الحميري اليمني: الرس في قوله تعالى: (وأصحاب الرس) بئر بمأرب. قال مجاهد: رسوا نبيهم فيها. وقال كعب الأحبار: هم أصحاب الأخدود، والرس الأخدود. والرس اسم ماء)[692](.
وقال ابن كثير: وبعث إلى العرب شعيب صاحب مدين، وحنظلة بن صفوان، فكذبوهما فسلط الله على العرب بخت نصر، فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بني إسرائيل، وذلك في زمن معد بن عدنان)[693](.
وقال ابن خلدون في «تاريخه»:
1 ـ وإما حضورا فكانت ديارهم بالرس، وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع، فكذبوه فهلكوا)[694](.
2 ـ وقال: فولد فيما يقال له لاسور (؟) وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة.
8 ـ وذهب آخرون إلى أصحاب الرس من بني إسرائيل، فقد ذكر ابن جرير في تاريخه ما نصه: وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه يذكر أن معد بن عدنان لما ولد ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم، فكان آخر من قتل يحيى بن زكريا، وعدا أهل الرس على نبيهم فقتلوه، فلما اجترأوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معذ بن عدنان من أنبيائهم، فبعث الله بخت نصر على بني إسرائيل، فلما فرغ من إخراب المسجد ـ سار إلى بلاد العرب ـ فالتقى عدنان وبخت نصر بذات عرق، وسار في بلاد العرب حتى قدم حضور… )[695]( وبقيت بلاد العرب خرابا.
9 ـ ويرى غير من تقدم ذكرهم أن أصحاب الرس من بلاد العجم، فقد ذكر ياقوت في كتابه ما نصه: وقال آخرون في قول الله عز وجل: {وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيراً} الرس: وادي أذربيجان وحد أذربيجان ما وراء الرس، ويقال بأنه كان بأران على الرس ألف مدينة، فبعث الله إليهم نبياً يقال له موسى، وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى الله، والإيمان به فكذبوه وجحدوه، وعصوا أمره فدعا عليهم، فحول الله الحارث والحويرث من الطائف، فأرسلهما عليهم، فقال أهل الرس تحت هذين الجبلين ومخرج الرس من قاليقلاء، ويمر بأران، ثم يمر بورثان، ثم يمر بالمجمع، فيجتمع هو والكر وبينهما مدينة البيلقان، ويمر الكر والرس جميعاً فيصبان في بحر جرجان، والرس هذا وادٍ عجيب فيه من السمك أصناف كثيرة)[696](.
وروى ابن الفقيه أنه كان على نهر الرس بأرمينية ألف مدينة، فبعث الله إليهم نبياً يقال له موسى وليس بموسى بن عمران، فدعاهم إلى الله والإيمان به فكذبوه وجحدوه، وعصو أمره، فدعا عليهم، فحول الحارث والحويرث ـ وهما جبلان ـ من الطائف، فأرسلهما عليهم، فيقال أن أهل الرس تحت هذين الجبلين)[697]( وقال أبو دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي الينبعي: وإلى جانبه ـ البذ ـ نهر الرس، وعليه رمان عجيب، لم أر في بلد من البلدان مثله، وبها تين عجيب… ونهر الرس يخرج إلى صحراء البلاسجان، وهي إلى شاطىء البحر، وفي الطول من برزند إلى بردعة، وفي هذه الصحراء خمسة آلاف قرية أو أكثر خراب، إلا أن حيطانها وأبنيتها قائمة، لم تتغير لجودة التربة، ويقال أن تلك القرى كانت لأصحاب الرس، الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن)[698](.
وقال ابن الأثير عن الملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد ـ عندما ذكر فتوحاته ـ فوطىء بلاد الران، وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان)[699](.
وقال المسعودي المؤرخ المعروف: 1 ـ نهر الكُرَ: يجتمع بنهر الرس الذي هو نهر ورَثْان، فيصبان جميعاً فيه)[700](.
ويتلخص من الأقوال المتقدمة:
1 ـ أن أكثر المؤرخين والمفسرين يرون أن الرس في بلاد العرب، ولكنهم يختلفون في تحديد موقعه، فاليمنيون من الباحثين يرونه في بلاد اليمن، ومن أقدم من يرى هذا الرأي ابن الكلبي، ثم هم يختلفون في أي موقع هل هو في بلاد الأقيون أو في الأخدود أو في مأرب.
2 ـ بينما يذهب آخرون إلى أنه في بلاد الأفلاج في جنوب نجد، وهي بلاد عريقة الحضارة، مجهولة التاريخ، والآثار الباقية فيها تدل على قدمها.
3 ـ وهناك من يرى أن الرس في شمال الحجاز، في المعلا أو في أرض مدين، كما تقدم النقل عن الأستاذ محمد عبدالحميد مرداد، ويؤيده ما نقل القرطبي: الرس اسم بئر لبقية ثمود)[701](، مع أن هذا الأخير يوجد ما يؤيد قوله من آراء المتقدمين من أن نبي أهل الرس هو شعيب، ومدين هي بلاد شعيب، وهناك نص أصرح من هذا وهو ما أورده القرطبي في تفسيره عن قتادة قال: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيباً فكذبوه، فعذبهما الله بعذابين. اهـ. والرس ـ على ما يرى “فلبي” ـ مجاور للأيكة، قريب أحدهما من الآخر.
4 ـ أما القول بأنه الرس المعروف الآن في القصيم، فهو قول بعيد عن الصواب، ذلك أن هذا الرس لم يعمر إلا حديثاً، وإن كان معروفاً لدى الشعراء المتقدمين، ولم يبرز فيه من الآثار ما يدل على سكناه في القديم.
5 ـ والقول بأنه في بلاد العجم، فلعله ناشىء من وجود موضع هناك باسم الرس، غير أن المعروف أن الأسماء العربية في تلك البلاد الأعجمية ما نشأت إلا بعد انتقال العرب إليها بعد ظهور الإسلام، وقد يكون للعصبية من الأثر في ذلك ما حمل بعض المتقدمين إلى القول بأن الرس هناك.
6 ـ ويماثل هذا القول في الضعف ما روي من أن نبي أهل الرس هو حبيب النجار من أهل أنطاكية، وقد كفانا مؤونة إبطال هذا الرأي الحافظ ابن كثير في تاريخه.
وبعد فكل ما تقدم لا يعدو عرضاً موجزاً لأقوال القدماء، ومن خطل الرأي الحكم بأن الموضع الفلاني هو المعين بالنص القرآني الكريم، ما لم يرد نص صريح صحيح عن المصطفى (ص) ولو ورد ذلك لكان القول الفصل. ومن يدري؟ فقد تكشف لنا الآثار في المستقبل ما نجهله الآن)[702](.
حمد الجاسر
رسالة أبي غالب الزراري
تأليف: أبي غالب الزراري أحمد بن محمد بن أعين الكوفي البغدادي (285 ـ 368هـ).
اشتمل الكتاب على رسالة كتبها أبو غالب الزراري إلى ابن ابنه في التعريف بآل أعين، وتعد هي ترجمة ذاتية باعتبار أن كاتبها واحد من أعلام آل أعين، وقد كتب عن أفراد عائلته بدقة فائقة، كما ترجم لنفسه في الكتاب ترجمة وافية.
وتعتبر هذه الرسالة أقدم إجازة مكتوبة تحدد معالم طرق تحمل الحديث وأدائه وصلت إلينا من القدماء.
وتعد أيضاً أقدم ما كتب في «الرجال» فهي تحتوي على معلومات رجالية قيمة.
كما تعد هذه الرسالة أقدم ما ألف في الفهرسة إذ احتوت في آخرها على «ثبت الكتب» التي رواها المؤلف، وأجاز لحفيده روايتها.
كما اشتمل الكتاب على تكملة الرسالة المذكورة أعلاه كان قد كتبها أبو عبدالله العضائري الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الواسطي البغدادي، المتوفى سنة 411هـ، إذ كان هو راوي الرسالة وأحد تلامذة مؤلفها، وقد جمعت هذه التكملة أحاديث نادرة جعلت منها كأصل الرسالة من حيث الأهمية العلمية والتراثية، كما أنها تدل على عمق معارف مؤلفها.
كما ألحق محقق الرسالتين مؤلفاً بآخر الكتاب بعنوان «معجم الأعلام من آل أعين الكرام» استوعب فيه كل من ذكر في الكتاب وكل من انتمى إلى أعين ـ بنسب أو سبب ـ وإن لم يذكر فيه، يضم بين دفتيه جميع ما يرتبط بهم من تاريخ وتراجم.
ثم ألحق بكل ما تقدم مجموعة من الفهارس الفنية العلمية.
وكان قد طبع قسم من الكتاب في بغداد بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين سنة 1373هـ.
وطبع أيضاً في أصفهان مع شرح السيد محمد علي الأبطحي الموحد الأصفهاني سنة 1399هـ.
تم تحقيق الكتاب على عدة نسخ مخطوطة نفيسة، مذكورة تفاصيلها في مقدمة الكتاب.
رسائل الشريف المرتضى
وهي 52 رسالة من رسائل الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ)، تعالج فنونناً شتى، في ثلاثة أجزاء كانت نادرة الوجود وقد طبعت سنة 1407هـ في قم لأول مرة وتتضمن:
1 ـ إبطال العمل بأخبار الآحاد 3 :308.
2 ـ أجوبة مسائل متفرقة 3: 121.
3 ـ أجوبة المسائل القرآنية 3: 83.
4 ـ أحكام أهل الآخرة: 133.
5 ـ الاعتراض على من يثبت حدود الأجسام 3: 329.
6 ـ أقاويل العرب في الجاهلة 3: 221.
7 ـ إنقاذ البشر من الجبر والقدر 3: 178.
8 ـ تفسير الآيات المشابهات3: 285.
9 ـ تفضيل الأنبياء على الملائكة 2: 155.
10 ـ جمل العلم والعمل 3: 9.
11 ـ الجواب عن الشبهات في خبر الغدير3: 249.
12 ـ جواب المسائل الرازية1: 99.
13 ـ جواب المسائل التبانيات1: 5.
14 ـ جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة 1: 359.
15 ـ جوابات المسائل الطرابلسيات الثانية 1: 309.
16 ـ جوابات المسائل الميافارقينيات 1: 271.
17 ـ جوابات المسائل الموصليات الثانية 1: 201.
18 ـ جوابات المسائل الموصليات الثانية 1: 169.
19 ـ جوابات المسائل الطبرية 1: 135.
20 ـ جوابات المسائل الرسية الثانية3 : 383.
21 ـ جوابات المسائل الرسية الأولى 2: 316.
22 ـ الحدود والحقائق 2: 261.
23 ـ حكم الباء في آية: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} 67:2.
24 ـ الرد على أصحاب العدد 2: 18.
25 ـ الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة 2: 251.
26 ـ شرح الخطبة الشقشقية 2: 107.
27 ـ عدم تخطئة العامل بخبر الواحد3 : 267.
28 ـ علّة امتناع علي عن محاربة الغاصبين 3: 315.
29 ـ علّة خذلان أهل البيت 3: 207.
30 ـ علّة مبايعة علي (عليه السلام) 3: 241.
31 ـ عدم وجوب غسل الرجلين في الطهارة 3: 159.
32 ـ غَيْبة الحُجَّة (رسالة في…)2 : 293.
33 ـ قول النبي: نيّة المؤمن خير من عمله 3: 233.
34 ـ مسألة في الإجماع 3: 199 ج.
35 ـ مسألة في إرث الأولاد 3: 255.
36 ـ مسألة في الاستثناء 2: 79.
37 ـ مسألة في استلام الحجر 3: 273.
38 ـ مسألة في توارد الأدلّة 2: 147.
39 ـ مسألة في الحسن والقبح العقليين 3: 175.
40 ـ مسألة في خلق الأعمال 3: 187.
41 ـ مسألة في الرد على المنجمين 2: 302.
42 ـ مسألة في العصمة 3: 323.
43 ـ مسألة في العمل مع السلطان 2: 89.
44 ـ مسألة في المسح على الخُفين 3: 181.
45 ـ مسألة في المنامات 2: 9.
46 ـ مسألة من يتولى غسل الإمام 3: 153.
47 ـ مسألة في نفي الرؤية 3: 279.
48 ـ مناظرة الخصوم وكيفية الاستدلال عليهم 2: 117.
49 ـ المنع من تفضيل الملائكة على الأنبياء 2: 169.
50 ـ نفي الحكم لعدم الدليل عليه 2: 101.
51 ـ وجه العلم بتناول الوعيد كافة الكفار 2: 85.
52 ـ وجه التكرار في الآيتين 2: 75.
الشريف المرتضى
صاحب الرسائل
في عام خمس وخمسين وثلاثمائة للهجرة ولد للشريف «أبي أحمد الموسوي» نقيب الطالبيين ببغداد، من زوجته فاطمة بنت أبي محمد الحسن «الناصر الصغير» ولد أسماه «عليّاً» ولعله تيمن باسم جده علي بن أبي طالب. إذ قد عرف بعد أن كبر «بالمرتضى»، وهو لقب للإمام علي من بين أئمة أهل البيت.
ومن أجل أن نلم بالمهيئات التي أعدّت المولود الجديد لمقامه الذي تبوأه بعد حين، لا بد لنا في جملة ما نلم به أن نشير إلى مكانة أبويه.
أما أبوه فقد حلاه المؤرخون بألقاب كثيرة، فهو الأجل الطاهر الأوحد ذو المناقب الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم سابع أئمة الإمامية، وأما أمه فهي فاطمة)[703]( بنت الحسن نقيب العلويين ببغداد ابن أحمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين رابع أئمة الشيعة.
فالمولود ينتسب لأبوين يصلان به في نسب قصير إلى غاية ما يمكن أن يطمح له طامح في التأتي لمعالي الأمور دينية ودنيوية ومن هنا ما كان يستشعر الشيعة له من سمو المقام والمنزلة بين سائر العلويين والطالبيين، وما كان يستشعره هو نفسه من تكاليف وضرورات ألقاها على عاتقه هذا النسب المتوثب الذي ظل دائماً باعث الحماسة في الطالبيين، إلى نهضات طالما ألقت بهم إلى الصدور أو القبور.
ولتصوير ما كان يهيأ له هذا المولود من مقام في مستقبل حياته يحسن إيراد ما قصه «ابن أبي الحديد» وغيره: أن الشيخ المفيد رأى في حلمه أن «فاطمة الزهراء» بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين صغيرين، فأسلمتهما إليه وقالت علمهما الفقه، فانتبه الشيخ عجباً، فلما تعالى النهار صبيحة تلك الليلة، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها «علي المرتضى» و«محمد الرضي» صغيرين، فقام إليها، وسلم عليها، فقالت له: «أيها الشيخ، هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه، فبكى الشيخ وقص عليها الرؤيا وتولى تعليمهما)[704](.
هذا الحلم الذي قصه «المفيد» ككثير من أحلام الناس، ولكنه في الدلالة على ما كان يستشعره من منزلة هذا البيت، أو ما يحاول أن يظهر استشعاره من منزلتهم أو منزلته أبلغ أثراً ـ في أدنى صور الدلالات ـ مما لو كان حقيقة من الحقائق من حيث فعله في نفس الطفل الذي جيء به ليتعلم الفقه.
وهكذا ظل الشعور واللاشعور يعملان على تكوين صاحبنا في نفسه وفي نفوس معاصريه، بل هكذا ظلت اليقظة والأحلام تتعاونان على تكوين الرجل طول حياته.
فإنه لما مرض الوزير «أبو سعيد محمد بن عبدالرحيم» سنة 420هـ رأى الإمام عليّاً في المنام يقول له: قل «لعلم الهدى» يقرأ عليك الفاتحة حتى تبرأ، فقال: يا أمير المؤمنين، ومن عَلَم الهدى؟ قال: علي بن الحسين الموسوي، فكتب إليه الوزير، فقال المرتضى: الله الله في أمري، فإنَّ قبولي لهذا اللقب شناعة عليّ، فقال الوزير: والله ما أكتب إليك إلا ما أمرني به أمير المؤمنين. فسمع «القادر بالله» بالقصة، فكتب إلى المرتضى: تقبل ما لقبك به جدك، فقبل)[705](.
بهذا الإحساس واجه الصبي كونه الجديد، فكان فخوراً معتداً بنفسه، ولهذا كثر فخره بنفسه وبآبائه في شعره، وهي ظاهرة شاركه فيها أخوه «الرضي» حتى لقد كان يغلب على طلائع شعرهما الحماسة والفخر، ولهذا الشعور أيضاً أحس بعظم ما ألقى على عاتقه من واجبات، فانصرف إلى تكميل نفسه وتثقيفها موفياً به على أبعد الغايات العلمية والأدبية.
لم أعرف تحديداً مضبوطاً للعام الذي بدأ به دراسته، ولا أول الفروع التي درسها، وإن كنت أرجح أنه الأدب، إذ قرأه ـ وهو صبي)[706]( بين الثانية عشرة والخامسة عشرة ـ على «ابن نباتة» وهذا يجعلني أفترض أنه حين وجه إلى «الشيخ المفيد» لدراسة الفقه ـ كانت سنه لا تقل عن خمسة عشر عاماً، إذ كان معه أخوه «الرضي» والرضي ولد بعده بأربعة أو خمسة أعوام. ومن البعيد أو يذهب بالفتى إلى دراسة فقهية قبل أن يشدوا طرفاً من اللغة والأدب، ومن تلك العلوم التي تعتبر أدوات لدراسة الفقه.
إن نتاجه العلمي والأدبي يدل على أنه سعى للدراسة صغيراً، وأنه قطع شوط صباه في دراسة جدّية مضنية، حتى إذا بلغ السابعة والعشرين من مرة عُدَّ مرجعاً فقهياً وكلامياً، وبدأ الشيعة وغيرهم يتوجهون إليه بالكتب والرسائل في علمي الفقه والكلام من مختلف البلاد المسلمة.
وقد وصفه المؤرخون بأنه كان نحيف الجسم، أشرب بياض بشرته حمرة. ولا بد لي أن أقرر أن نحافة جسمه ليست من هزال أو ضعف، ألا أن يكون ذلك الوصف له في أيام شيخوخته، فإني لم أعهد الرجل كان شاكياً مرضاً أو علة طوال أيام حياته، وأن أسفاره المتعددة إلى مكة أميراً لتتطلب قوة جسمية عظيمة وخصوصاً أن السفر في تلك الأيام كان فيه من المشاق والمخاطر، ما لا يقوى عليه إلا رجل قوي البنية، وأن قيامه بأعمال نقابة النقباء، وقضاء القضاة ـ وقد ضاق بها أبوه وأخوه الرضي وطلبا الإعفاء منها ـ مدة ثلاثين عاماً لتستدعي من القوى الجسمية والعقلية ما لا بد من توفر الرجل على قوى خارقة بالغة.
كما يبدو لي أنه كان رقيق المشاعر، يتأثر بما ينزل بإخوانه، ويأسى لأساهم، فلا تصيب أحدهم مصيبة إلا بادر إلى المؤاساة، معزياً في قصيدة، أو مهنئاً بأبيات، مع العلم أن بين أخوانه من لا شأن له في الدولة، ولا نصيب له من جاه المال والقبيل.
ولقد توفي أخوه «الرضي» وشهد الناس جنازته كافة ولكنه أمتنع من شهودها، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى أخيه في النزع، ولا إلى جثمانه محمولاً على الأعناق، ولاذ «بالمشهد»)[707]( إلى أن أعاده الوزير «فخر الملك» إلى داره، فقعد لمجلس العزاء، ورثاه بقصيدة تفيض لوعة وأسى)[708](.
قُدْني إليك فقد أمنت شماسي
وكُفيتَ مني اليوم صدْق مِراسي
أسري بلا هاد بكل مُضِلة
وأجوب مظلمة بلا مِقْياس
في أسْر قاصمة أخادعُ جيرتي
عنها وأكتم داءَها جلاسي
يا للرجال لفجعة جَذَمت يدي
ووددتها ذهبت على براسي
ما زلتُ آبى ورْدَها حتى أتت
فحسوتُها في بعض ما أنا حاسي
رادَيْتُها فَلَقِيتُ منها صخرةً
صمّاءَ من جَبلَ أشم راسي
وهي قصيدة طويلة)[709](.
كما أنه كان كظوماً للغيظ، يلقي من أبناء عمومته من الكيد والحسد الشيء البالغ ولكنني لم أعلمه قابل أحداً منهم بالسوء. وكل ما علمته أنني رأيته يلجأ إلى قول الشعر ينفس به عن نفسه، ويلطف من حدته، ويشير إلى ما يلقاه من أذى، وما يلقاهم به من لطف.
كان مرتضى كإسمه، ولقد يحدث أن يكدر الجو بينه وبين أخيه، فتسوء العلائق أو تكاد، فلا يجد بأساً ـ وهو الأكبر سناً ـ أن يمد لأخيه الصغير يداً تسترضيه وتحييه ثم يخطب ودَّه في قصيدة شاعرة، يرد عليها، «الرضي» بمثلها أو بأحسن منها، فلا يلبث الجو الأخوي أن يعود نقي الجوانب، مشرق الأنحاء:
تَكَشَّف ظلُّ العَتب عن غرة العهدِ
وأعدى اقتراب الوصل مِنّا على البعدِ
تجنبني من لستُ عن بعض هجره
صفوحاً، ولا في قسوة منه بالجلد
وكنتُ على ما جره الهجر ممسكاً
بحبل وفاء غير منفصم العَقْد
أمني نواحي السر لم تسْر غدرةً
ببالي، ولم أحْفِل بداعية الصدّ
إذا تركتْ يمْنى يديك تعلقي
فيا ليت شعري من تَمَسِّكُ من بعدي؟
هلمَّ نُعِدْ صفو الوداد كما بدا
أعادةَ من لم يُلْفِ عن ذاك من بدّ
فأجابه الشريف الرضي:
عجبتُ من الأيام انجازها وعدي
وتقريبها ما كان مني على بعدِ
ورثاؤه المتعدّد لزوجته أم فتاه «أبي محمد» صورة واضحة لتلك المشاعر الرقيقة المرهفة:
ألا هَلْ أتاها كيفَ حزني بعدَها
وإنّ دموعي لستُ أملِك ردَّها
ومما شجاني أنني لم أجد لها
على خُبْرتي شيئاً يهوّن فقدها
وأنّي لمّا قضى الله هُلْكَها
على قلبي المحزون بقيتُ بَعْدَها
حرام ـ وقد عُيِّبت عني ـ أن أرى
من الخلق إلاّ نظرة لن أردُها
وسِيّان عندي أنْ حبتني خريدة
بوصل يُرجّى أو حبتني صدّها
ومن أينَ لي في غيرها عوض بها
وقد أحرزت سُبْلَ الفضائل وحدها؟
أُسامُ التسليِّ وهو عني بمعزِل
وكيف تسام النفس ما ليس عندها؟
ووُدِّي بأنّ الله يوم اخْترامها
تخرَّم من جنبيَّ ما حاز وُدَّها
وأني لَما نالها الموت غالني
فبُعْداً لنفسي أن قضى الله بُعْدَّها
ولله منها حفرة جئت طائعاً
فأودعتُ ديني ثم دنياي لَحْدها
وولَّيتُ عنها أنفض الترب عن يد
نفضت تراب القبر عنها وزندها
كما يبدو حسن التصرفات، منسجماً مع عقيدته ومركزه أشد انسجام. يتغزل غزلاً لا يبعد به عن مقام رجل الدين، ويلجأ إلى الأحلام ـ شعره في الطيف ـ لينفس عن عواطفه المكبوتة، في خواطر لم يحاسب عليها مخلوق في دينه أو في دنياه، ولم يكن كذلك شأن أخيه ـ «الرضي»، فقد تغزل ـ على عفة في نفسه ينص عليها التاريخ ـ غزلاً حاراً صريحاً شأن المدلهين المغرمين، وهذا ما لاحظه السيد نعمة الله الجزائري في مقاماته)[710](.
وينبغي أن أشير إلى أن للرجل مسلكاً علمياً وآخر اجتماعياً، فهو في مسلكه العلمي صلب راسخ لا يتزحزح عن رأيه ومدرسته قيد أنملة: يحارب الأشاعرة والظاهرية، إمامي أصولي يناهض المحدثين الأخباريين من الشيعة.
ولكنه في مسلكه الاجتماعي صحب إخواناً وأساتذة وطلاباً من كل الأجناس والمذاهب، وعاشرهم معاشرة المشاركين له في الرأي وفي العقيدة، ثم هو لا يمتنع أن يغضي ويصفح حين تقضى ضرورات الخلافة بالحد من نشاط الشيعة، أو بمنع إقامة شعائر المذهب، ولقد أخرج أستاذه «المفيد» وزعيم مذهبه في «بغداد» فلم تثر ثائرته، كما منع الشيعة من إقامة شعائرهم على عهد بعض الخلفاء فما شهدته أعلن نقمة وهياجاً، ولكنه سعى باللطف، فأعاد شعائر مذهبه إلى ما كانت عليه.
وفاة المرتضى
وبعد عمر حافل بجلائل الأعمال لم ينقطع فيه عن عمل في السياسة أو عمل في التأليف، وبعد أن تجاوز الثمانين، ولخمس بقين من ربيع الأول سنة 436 مشى به المشيعون في حشد من تلاميذ مدرسته. فتولى غسله تلميذه «أحمد بن الحسين النجاشي»، يعاونه الشريف أبو يعلى «محمد بن الحسن الجعفري»، و«سلار بن عبدالعزيز»، وكلاهما من أعلام تلاميذه، وصلّى عليه ابنه في داره بالكرخ، ثم دفن في مساء اليوم الذي توفي فيه، فانطوى بموته علم من أعلام القرن الرابع ببغداد.
هذا وللمرتضى كما لأخيه «الرضي» ضريحان قائمان حتى اليوم في الكظمية، قرب مرقد الإمام «موسى الكاظم(عليه السلام)»، تسرج فيهما المصابيح ليلاً، ويقصدهما العامة للتبرك وقراءة الفاتحة، وقد تعاقبت الأيدي على هذا منذ زمن يجهل مداه على التحقيق، ولكنه ليس بالقريب على كل حال. يقابل ذلك حديث المؤرخين ورجال البحث الذاهب إلى أنهما ليسا مرقدي الشريفين، وأنهما دفنا في كربلاء عند ضريح الحسين (عليه السلام).
ولقد حاولت جهد الطاقة دراسة ما تقوم عليه هذه اليد، وما يتحدث به الخاصة، فانتهيت إلى:
1 ـ أن التاريخ القديم شيعياً وغير شيعي يجمع على أن كلاً من الشريفين دفن في داره)[711]( وداراهما ـ بحسب ما يراه المعاصرون العارفون بخطط بغداد ـ ليستا حيث مرقدهما الآن.
2 ـ أن التاريخ الشيعي قديماً وحديثاً ينص على أنهما نقلا بعد الدفن في دارهما إلى كربلاء)[712](، ودفنا في مقبرة جدهما الأعلى إبراهيم المجاب)[713](، وتقع مقبرته جوار ضريح الإمام الحسين (عليه السلام).
3 ـ إن تقليداً شيعياً شائعاً منذ القرن الرابع حتى اليوم ينقل تمسكاً به جثمان الملوك والوزراء والشخصيات العلمية إلى حيث يرقد الإمام الحسين، أو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقد دفن في النجف على العهد البويهي «عضد الدولة» وابنه «شرف الدولة» و«بهاء الدولة» وكثير من الملوك والوزراء البويهيين)[714](، وإن تكن «مقبرة قريش» في بغداد حظيت تربتها بكثير من أعلام الشيعة)[715](.
4 ـ إن تقليداً أسرياً لآل «أبي أحمد» يقضي في الغالب بدفن أفراد الأسرة في «كربلاء»، فقد دفن والد الشريفين النقيب «أبو أحمد»)[716]( في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين «بكربلاء» وإن أختاً للشريفين نقل جثمانها إلى «كربلاء»)[717]( وأن زوجة الشرف المرتضى)[718]( ماتت ببغداد ونقل جثمانها إلى كربلاء، فالملاحظ أن من تقاليد هذه الأسرة أن تتخذ من مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) مدفناً لها.
عقب المرتضى
أنجب المرتضى ولداً كنّاه «أبا محمد» وكان حريصاً على تربيته تربية عالية، ولكنه ـ فيما ظهر لي ـ لم يكن على شيء من العلم، لأنه لم يذكر في تراجم أعلام الشيعة، وقد ذكره «ابن خلكان» بين المتوفين في حوادث 443. وأسماه «أبا عبدالله الحسين». تزوج «أبو محمد» هذا في حياة أبيه فأعقب ولداً، وظل عقب «المرتضى» يطرد من ابنه هذا حتى وصل إلى «أبي القاسم» النسابة صاحب كتاب «ديوان النسب».
قال صاحب «عمدة الطالب»: والعقب «للمرتضى» من ابنه «أبي محمد» ـ وهو الذي من ولده أبو القاسم النسابة صاحب كتاب «ديوان النسب» وغيره ـ علي بن الحسن بن محمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن أبي عبدالله الحسين بن المرتضى. وكان للنسابة ابن اسمه «أحمد» درج ومات وانقرض به بيت الشريف المرتضى علم الهدى.
وأنجب من الإناث زينب وخديجة.
وفيما قرأت أن أخاه «الرضي» يهنيه بولادة ثلاثة بنات في ثلاث قصائد:
1 – لبستُ الوغى قبل ثوب الغبار
وقارعتُ بالنصل قبل الغرار
2 ـ وقد أعدها لتهنئة أخيه بمولود ذكر فلم يتفق له ذلك:
ليهنيك مولود يولّد فخره
أب بشره للسائلين ذرائعُ
وليدٌ لو أنَّ الليلَ رُدِّي بوجههِ
لما جاوزته بالجنوب المضاجعْ
ومبتسم يرتجُّ في ماء حسنه
له من عيون الناظرين فواقعُ
3 ـ يهني أخاه بميلاد ذكر فجاءته بنت فصرفها (القصيدة) إلى غيره، كما شاهدته يعزي أخاه بابنتين توفِّيتا:
1 – لا لومَ للدهر ولا عتابا
تابَ إنَّ الجَلْدَ من تغابى
2 – فلا تحسبَنْ رزءَ الصائر هيِّناً
فإنَّ وَجَى الأخفاف يُنضي الغواريا
والذي يهمني من تعداد بنات «السيد المرتضى» وتحقيق أنَّ له أكثر من بنتين، أن انتهى إلى أنه من الجائز أن تكون الثالثة هي التي بقيت حيّة، وروت عن عمها «الرضي» كتاب «نهج البلاغة»، ورواه عنها الشيخ «عبدالرحيم» المعروف بـ«ابن الأخوة».
قال صاحب «رياض العلماء»: كانت فاضلة جليلة، تروي عن عمها «الرضي» كتاب نهج البلاغة، ويروي عنها الشيخ «عبدالرحيم» البغدادي، المعروف بـ«ابن الأخوة» على ما أورده «القطب الراوندي» في آخر شرحه على النهج.
هذا ولم يعقب «الرضي» بعد ولده «أحمد» أبي عدنان ـ الذي تولى النقابة بعد عمه ـ أحداً فانقرض بيت «الرضي» بانقراضه.
وفي حدود ما ظهر لي من كتب الأنساب والتاريخ أن عقب «الرضي» انقرض بانقراض ولده «عدنان» وأن عقب المرتضى انقرض بانقراض «أحمد» ابن النسابة صاحب «ديوان النسب» المتقدم ذكره. فلا شاهد لأحد من المعاصرين إذ يرتفع بنسبه إلى الشريف المرتضى.
بينه وبين معاصريه
في تاريخ «السيد» من المفارقات الطريفة ما لو حاولنا الجمع بينها لاستعصى إلاّ على ضرب من التخريج. والملاحظ في هذه المفارقات أنها لم تكتب في تاريخه مباشرة، وإنما كُتبت في تاريخ يتصل به اتصالاً ما، فأنت إذ تقرأ ترجمته في كتب السير ترى ما يشبه الإجماع على علو همة الرجل، وسمو منزلته، وترفعه عن الصغائر والدنايا، بل أنك واجد ما هو أبعد من هذا: واجد نبلاً ومروءة، وإنفاقاً على العلم وأهله، ولكنك إذ تقرأ سيرة أخيه «الرضي» في شرح النهج وغيره واجد ـ من أجل تصوير ما عليه الرضي من فتاء وأباء ـ أن «المرتضى» كان ضعيف الهمة، متضائل النفس، قد يقابل من جانب الوزراء بالإزدراء، أو بما يشبه الازدراء، على حين يقابل أخوه «الرضي» بكثير من التعظيم والإجلال.
وسأسوق لك طرفاً من المفارقات العجيبة، ثم أضع بين يديك ما انتهيت إليه، من إمكان صحة ما ورد فيها وبطلانه، لَعَلي وإياك نقف على الأصل الذي اصطنع هذه المفارقات.
1 ـ حكى الخطيب «أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي»: إن أبا الحسن «علي بن أحمد بن علي الفالي الأديب». كانت له نسخة من كتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى» بستين ديناراً، وتصفحها، فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها:
أنستُ بها عشرين حَوْلاً وبعتُها
لقد طالَ وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها
ولو خلَّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تسهلُّ شؤوني
فقلت ـ ولم أملكْ سوابقَ عَبْرَة ـ
مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حزينِ:
وقد تخرج الحاجاتُ يا «أم مالك»
كرائمَ من ربِّ بهنّ ضنينِ
فأرجع النسخة إليه وترك الدنانير)[719](.
2 ـ قرأت بخط «محمد بن إدريس الحلى الفقيه الشيعي» قال:
حكى «أبو حامد» أحمد بن محمد الإسفراييني الفقيه الشافعي قال:
كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب «محمد بن خلف» وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة، فدخل عليه «الرضي» أبو الحسن، فأعظمه وأجلَّه، ورفع من منزلته، وخلَّى ما كان بيده من القصص والرقاع، وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف. ثم دخل بعده المرتضى أبو القاسم ـ رضي الله عنه ـ، فلم يعظمه ذلك التعظيم، ولا أكرمه ذلك الإكرام، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها، وتوقيعات يوقع بها، فجلس قليلاً، وسأله أمراً فقضاه، ثم انصرف.
قال «أبو حامد» فتقدمت إليه وقلت له: أصلح الله الوزير، هذا «المرتضى» هو الفقيه المتكلم، صاحب الفنون، وهو الأفضل والأمثل منهما، وإنما «أبو الحسن» شاعر، قال: فقال: إذا انصرف الناس، وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة، قال: وكنت مجمعاً على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحداً فواحداً، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه، ولم يبق عنده غيري، قال الخادم له: هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني، فأحضرهما، فقال: هذا كتاب «الرضي»، اتصل بي أنه قد ولد له، فأنفذت إليه ألف دينار، وقلت: هذا للقابلة، فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم، وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردّها، وكتب إليَّ هذا الكتاب فاقرأه، فقرأته ـ وهو اعتذار على الرد ـ وفي جملته: «أننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنما عجائزها يتولين هذا الأمر من نسائنا، ولسن ممن يأخذن أجرة، ولا يقبلن صلة». قال فهذا هذا.
وأما «المرتضى» فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك بـ«بادرويا» تقسيطاً نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف «بنهر عيسى». فأصاب ملكاً «للشريف المرتضى» بالناحية المعروفة «بالداهرية» من التقسيط عشرون درهماً، ثمنها دينار واحد، قد كتب إليَّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فاقرأه، فقرأته، وهو أكثر من مائة سطر، يتضمن من الخضوع والخشوع، والاستمالة والهز، والطلب والسؤال، في إسقاط هذه الدراهم عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه. قال «فخر الملك»: فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل.: هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يشتهر إلا بالشعر ونفسه تلك النفس؟ فقلت: وافق الله سيدنا الوزير)[720](.
هاتان قصتان تتفارقان مفارقة كلية، تدل أولاهما على نبل «السيد» وسمو روحه، وتدل الثانية على نفسه متخاذلة متهالكة، لا تحسن في سبيل التوفر على دينار واحد أن تحفظ مقامها الاجتماعي.
أما الأولى فلا تكاد تبعد كثيراً عما عرف عن «السيد» من مقام اجتماعي، وخلق نفسي، وأما الثانية ـ وهي التي تبدو ناشزة على سيرة الشريف ـ فهي التي وعدت أن أضع بين يديك أمر النظر فيها.
القصة يرويها «ابن أبي الحديد» في سبيل التنويه بمقام «الرضي» ونحن لا نحيل التنويه بمقامه ـ فقد كان مجمعاً على فضله ـ ولكن التنويه بمقام إنسان لا ينبغي أن يتم على حساب إنسان آخر، ليتخذ منه سبيل مقارنة ومفارقة. وسننقد القصة من حيث سندها ورواتها وما اختلفت عليه الروايات: (أ) يقول ابن أبي الحديد: قرأت بخط «محمد بن إدريس الحلي الفقيه الإمامي». وأنا أستبعد جداً أن يسجل «محمد بن إدريس الحلي الإمامي» على «المرتضى» هذه المنقصة. وقد عُرِفَ «ابن إدريس» بأنه من رأي «المرتضى» في كثير من مسائل الفقه، ومن مشايعيه في رأيه الأصولي، ومن تلاميذ مدرسته، بحيث متى ذكر «ابن إدريس» قُرَن «بالسيد المرتضى» في كثير مما تدفع به عن «ابن إدريس» المآخذ الفقهية.
ب ـ حكى «أبو حامد أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي».
والشافعي أبو حامد الإسفراييني ـ على عظم مقامه، وسمو منزلته في نظر الشافعية خاصة ـ كان معاصراً «للمرتضى» وقرنا له في الزعامة المذهبية ومن أجل الإسفراييني أخرج الشيخ المفيد ـ أستاذ المرتضى ـ من بغداد وكانت العداوة يومئذ بين الشيعة والشافعية في ذات أئمتها بالغة ذروتها.
ج ـ كنت يوماً عند فخر الملك… إلخ. أن علاقة المرتضى بـ«فخر الملك» كانت وثيقة جداً، وكانت العواطف المتبادلة بينهما لا نظير لها في كل من عرفت «للسيد» لة به، وكانا يتزاوران ويصطحبان)[721]( وللسيد في مدحه قصائد جياد تنيف على عشرين قصيدة)[722](، وإذ قتل «فخر الملك» جزع السيد جزعاً شديداً، ورثاه بقصائد أربع، لم يرث بمثلها خليفة أو ملكاً أو صديقاً، وأقسم بعد قتله ألا يقول الشعر، وظل منقطعاً عنه سنين ثمانية، حتى إذا قدم «سلطان الدولة» ابن الملك «بهاء الدولة إلى بغداد طلب منه أن يقول الشعر ملحاً معاوداً، فاعتذر بما سبق أن عزم عليه: من ترك الشعر بعد «فخر الملك»، ولكنه حمله على قوله بمعاودة الإصرار)[723](. فهل تكون هذه العواطف من جانب «المرتضى» لرجل كان يزدري مقامه، ويستهين بكرامته، ويلقاه بالفتور والبرود؟
والطريف في الأمر أنك تجد القصة نفسها تروى بلسان آخرين، ومع وزير آخر غير فخر الملك، فمرة تروى عن أبي إسحاق محمد بن إبراهيم العباسي الكاتب)[724](، ومرة عن لسان «أبي إسحاق»)[725](، وكلاهما ـ كما كان الحال مع «أبي حامد الإسفراييني» ـ يدَّعي مشاهدة المجلس وحده، ومع ادعاء التفرد بمجلس الوزير لا يصح أن يشاهدها آخرون، وهذا صريح في اختراع القصة، أو في اختراع راويها.
وأطرف من هذا أنها في إحدى الروايات تجري مع «أبي محمد الوزير المهلبي» لا مع «فخر الملك»، ولكن الوزير «المهلبي» مات قبل أن يخلق المرتضى بثلاث سنوات أو أربع)[726](.
3 ـ ويدخل في باب المفارقات ما يورد للسيد وعنه بحسن نية، ويقصد التنويه بذكره، ولكنه يخرج به عن خلقه المعروف به، وعن الخلق الإنساني السوي العام. فمن الشائع في الأوساط الخاصة لرجال المذهب الشيعي، والوارد في بعض المصادر)[727]( أن السيد الرضي حين أسمع أخاه المرتضى قصيدته في رثاء أبي إسحاق الصابي»:
أعلمتَ من حَمَلوا على الأعوادِ
أرأيت كيف خبا ضياء النادي
وفيها قوله:
إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي
فلأنت أعلقهم يداً بودادي
الفضل ناسبَ بيننا أن لم يكنْ
شرفي مناسبه ولا ميلادي
غضب المرتضى ـ لمكانة أخيه من النسب والدين وقال له مستخفاً «بالصابي»: حملوا كلباً.
يريدون بما أرادوا أن ينزهوا مقام رجل الدين المسلم عن رثاء رجل ذمي، ناسين أن جواب «المرتضى» إن صح يتنافى مع الخلق الرفيع، الذي يجب أن يتحلى به رجل كالمرتضى.
ولكني وجدت الشريف «المرتضى» نفسه يرثي «أبا إسحاق الصابي» رثاء لا يقل تقديراً وأسى عن رثاء «الرضي» له، ووجدت بن «المرتضى» وأبي «إسحاق» من تبادل العواطف والآخاء ما دل على أن الأخّوات والصداقات لا يحول دونها اختلاف في منسب أو مذهب، وإن الرجل ما كان يحول مقامه الديني من أن يتغنى بإخاء رجل «كأبي إسحاق» وأن يرثيه:
ما كانَ يومُك يا أبا إسحاق
إلاَّ وَدَاعِي للمُنى وفِرَاقِي
لولا حُمامُك ما اهتدى همُ إلى
قلبي ولا نار إلى إحراقي
وسُلِبْتُ منك أجلَّ شَطْرَيْ عيشتي
وفُجِعْتُ منك بأنفسِ الأعلاق
لما رأيتُك فوقَ صَهوةِ شَرْجع
بيد المنايا أظلمت آفاقي
وكأنني من بعد ثكلك ذو يد
جذاءَ أو غصن بلا إيراق
ومودةً بين الرجال تضمُّهم
وتَلُفُّهم خير مِنَ الأعراق
من ذا نضا عنَّا شعار جمالنا
ورمى هلالَ سمائِنا بمحاق)[728](؟
بل رأيت «المرتضى» يجري إلى أكثر من هذا فيمدح «هلال بن المحسن الصابي» وهو حفيد «أبي إسحاق» بأبيات فيها:
وقول زارني فوددت أني
وقيتُ بمهجتي من كان قاله)[729](
ذكرت به الصابي والغواني
وأيام الشبية والبطالة
وكيف ألوم امَّا لمتُ دهراً
ضللتُ به فاطلع لي هلاله
غفرتُ به ذنوب الدهر لما
أتى كفى وأعلقها وصاله
وما أنا مصطف إلاَّ خليلاً
رضيتُ على تجاربه خلاله
وهي طويلة قبست منها موضع الحاجة.
4 ـ وقد رمي الشريف بالبخل في أحد المصادر القديمة وعنه نقلت المصادر المتأخرة ذلك. جاء في «عمدة الطالب»: «وكان المرتضى يبخل، ولما مات خلف مالاً كثيراً، وخزانته اشتملت على ثمانين ألف مجلد، ولم أسمع مثل ذلك)[730](.
إن صفتي البخل والكرم يختلف فيها عرف عن عرف، وليس لمدلولها حد معين وبخاصة فيما تعارف عليه العرب من تقدير الصفتين فإنْ أريد بهذه العبارة اتهام الشريف بالتخلي عن واجباته الاجتماعية وبتقتيره على نفسه أو أسرته أو إخوانه في سبيل التوفر على جمع المال واختزانه فذلك ما لم يثبت من سيرته، إذ قد عرف بالسعة فيما توجبه منزلته: من الظهور بمظهر الغنى والبسطة، ومن إعطاء الجرايات الشهرية لأفاضل مدرسته وأصدقائه، ومن حبسه قرية على كاغد الفقراء، وإهدائه الهدايا الجسام لزعماء القبائل حين يجتاز البادية إلى مكة.
وإنْ أريد بالبخل عدم الأخذ بأساليب الأجواد من كرام الأشراف والأمراء والخلفاء، وذلك بالإنفاق في إسراف على الشعراء، ويخلع الخلع للمادحين لهم وبالعطاء المتسع لكل مجتد وطالب، حتى ينتقل الثري منهم ـ ما لم يكن وهاباً نهاباً ـ بين عشية وضحاها من غنى إلى فقر، ومن ثراء إلى عدم، فذلك ما كان الشريف حقاً عليه. ولكن هذا ليس بالصفة التي يعاب بها رجل العلم والدين.
لو كان الشريف من الأجواد لتسابق شعراء العصر إلى امتداحه، ولتزاحموا على بابه، ولديهم أكثر من سبب للقول فيه، والتغني بأمجاده، ولكنهم كانوا نزري القول فيه على كثرة المناسبات.
هذا «مهيار الديلمي» لم يحفل ديوانه الكبير بغير قصيدة واحدة في مدح الشريف، والقصيدة نفسها ـ على ما احتوت من إطراء ـ لا تخلو من تثريب على التباطؤ عن إنجاز وعد كان الشريف وعده إياه، بل هي قيلت تذكيراً بوعد لم ينجز:
«أبا القاسم» استمتع بها نبويةً
تراجع عنها الناس فيما توغلوا
محاسن إن سارت فقد سار كوكب
بذكركَ، أو طارتْ فقد طارَ أجدْلَ
تحدَّث عنها الناطقون وأصبحتْ
بها العيشُ تحدى والسوابق تصهل
سما للعلى قوم سواك فلم تنل
سماؤك، حتماً أنَّ باعك أطول
ألست من القوم استخفت سيوفهم
رقابَ عدا كانت على الموت تثقل!
تؤدي فروض الشعر ـ ما قيل فيكم ـ
وفي الناس أما جازكم يتنفل
نحمس من آثاركم وعلاكم
وننسب من أحلامكم ونغزل
لكَ الخيرُ! ظني في اعتلاقكَ عاذري
فلا تتركنْ ـ يا حرّ ـ وعدك يعذل
لعَمْري! وبعضُ الريثِ خير مغبَّةً
ولكنْ حسابُ الناس لي فيك أعجل
تتشَبَّثْ بها أكرومةً فيَّ إنها
كتابٌ يوفى في يديك مسجل
فوالله ما أدري! هل الدهر عارف
بفضلك إلهاماً أم الدهرُ يغفل)[731](؟
ومن القصص الطريف الذي يراد به الدلالة على ذكاء المرتضى المفرط، أو ذكاء من يكون طرفاً ثانياً للمرتضى، ولكنه بما حاط به من تَزَيُّد أو مغالاة، يحيله إلى ما يعود على خُلق «المرتضى» بأذى وتخديش، لو قبلناهما لتناقضا كثيراً مع الخلق المعروف عن الرجل، ومع الظروف التي تلابسه. فقد روي أن «أبا العلاء» يوم ورد على «بغداد» كان ملازماً لمجلسه وأنه ـ أعني أبا العلاء ـ كان يتعصب «للمتنبي»، ويفضله على غيره من الشعراء، على حين كان الشريف ينتقصه، ويورد معايب في شعره، فقال «المعري» يوماً: لو لم يكن «للمتنبي» إلا قوله:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازل
أقفرتِ أنتِ وهُنْ منك أواهلُ
لكفاه فضلاً. فغضب المرتضى «وأمر بإخراجه من مجلسه، وتزيد بعض الروايات على ذلك فتقول: فسحب برجله وأخرج ثم قال لمن حضر: أتدرون أي شيء أراد بذكر هذه القصيدة، فإن «للمتنبي» أجود منها ولم يذكرها. إنما أراد قوله:
وإذا أتتك مذمتي مِنْ ناقص
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
إننا ننكر هذا، لأننا لم نشهد في كل ما كتب «أبو العلاء» تعريضاً بالمرتضى، ولا في جملة ما كتب «المرتضى» انتقاصاً «لأبي العلاء»، بل وجدنا غير ذلك. وجدنا أبو العلاء ـ الطريد في مجلس «الشريف» على زعم الإخباريين ـ بعد تسعة أعوام من عودته إلى المعرة لا ينسى فضل هذا البيت، ولا فضل الشريفين خاصة، فيبعث إليهما عند وفاة والدهما «أبي أحمد» مواسياً معزياً، بقصيدة من غرر ما في ديوانه ـ سقط الزند ـ ولا يفوته أن يستطرد إلى مدح «المرتضى» وولده بما يدل على كرم شيم، ونبل نفس، وأن يستجد عذراً له قدم من شعره في التعزي هو دون أهل هذا البيت مقاماً ومنزلة.
أودي فليت الحادثات كفاف
مال المسيف وعنبر المستاف
الطاهر الآباء والأبناء وإلا
راب والأثواب والألاف
* * *
ولقيت ربك فاسترد لك الهدى
ما نالت الأيام بالأتلاف
وسقاك أمواه الحياة مخلَّداً
وكساك شرخ شبابك الأفواف
أبقيت فينا كوكبين سناهما
في الصبح والظلماء ليس بخافي
قَدَرَيْنِ في الإرداء بل مطرين في
الإجداء بل قمرين في الإسداف
رزقا العلاء فأهل نجد كلّما
نطقا الفصاحة مثل أهل دياف
ساوى «الرضى» «المرتضى» وتقاسما
خطط العلى بتناص وتصافي
حلفا ندى سبقا وصل
المرضى فيا لثلاثة أحلاف)[732](
* * *
أنتم ذوو النسب القصير فطولُكم
باد على الكبراء والأشراف
والراح إن قبل ابنة العنب اكتفت
بأب عن الأسماء والأوصاف)[733](
ما زاغ بيتكم الرفيع وإنَّما
بالوجد أدركه خفى زحاف
ويخال «موسى»)[734]( جدكم لجلاله
في النفس صاحب «سورة الأعراف»
* * *
يا مالكي سرح القريض أتتكما
مني حمولة مسِنتين عجاف
لا تعرف الورق اللجين وإن تُسَلْ
تُخْبرْ عن القلام والخذراف
وأنا الذي أهدى أقل بهارة
حسناً لأحسن روضة مثناف
أوضعت في طرق التشرف سامياً
بكما ولم أسلك طريق العافي)[735](
وأدل من هذا كله على مما لأبي العلاء من إعجاب بالشريف، وذكرى حسنة لأيام إقامته في بغداد، لم تنقص بإذلال وإهانة، ما روي من أن أبا العلاء سئل عن «المرتضى» بعد عودته من العراق فقال:
يا سائلي عنه فيما جئت تسأله
ألا هو الرجل العاري من العار
لو جئته لرأيتَ الناس في رجل
والدهر في ساعة والأرض في دار)[736](
ومن الطرائف التي تساق في كتب الأدب أنَّ المرتضى أطل يوماً من روشنه، فرأى «ابن المطرز» الشاعر وقد انقطعت شراك نعله وهو يصلحه فقال: قدّت ركائبك: أشار إلى قصيدته التي أولها:
سرى مغرماً بالعيس ينتجع الرَّكبا
يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا
على عَذَابات الجزع من ماء «تغلب»
غزال يرى ماء القلوب له شربا
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي
فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فقال له «ابن المطرز» مسرعاً:
أتراها ما تشبه مجلسك وشربك وخلعك؟ يريد بذلك أبيات المرتضى:
يا خليلي من ذؤابة قيس
في التصابي مكارم الأخلاقِ
غنياني بذكرهم تطرباني
واسقياني دمعي بكأس دهاقِ
وخذا النوم من جفوني فإني
قد خلعت الكرى على العشاق)[737](
* * *
ومما استحسن الناقدون من شعره فيما أورده ابن خلكان)[738](:
بيني وبين عواذلي
في الحب أطْرافُ الرماحِ
أنا خارجي في الهوى
لا حكم إلا للملاح
وقوله:
مولاي يا بدرَ كل داجية
خُذْ بيدي قد وقعت في اللجج
حُسْنُكَ ما تنقضي عجائبُه
كالبحرِ حَدَّثْ عنه بلا حَرَجِ
يحقّ من خطَّ عارضيكَ ومَنْ
سلَّطَ سلطانَها على المهجِ
مُدَّ يديكَ الكريمتين معي
ثمَّ ادعُ لي من هواكَ بالفرج)[739](
ومما عدّه صاحب «أنوار الربيع»)[740]( مطرباً مرقصاً قوله:
أحب ثَرَى نجد ونجد بعيدة
ألا حبذا نجد وإن لم تفَدْ قُربا
يقولونَ نجدٌ لستَ مِنْ شعبِ أهلها
وقد صدقوا لكنني منهم حُباً
كأني وقد فارقتُ نجداً شقاوةٌ
فتى ضلَّ عنه قلبُه ينشد القلبا)[741](
وقوله:
ضن عني بالنزر إذ أنا يقظان
وأعطى كثيره في المنام
والتقينا كما اشتهينا ولا عيب
سوى أن ذاك في الأحلامِ
وإذا كانت الملاقاة ليلاً
فالليالي خير من الأيام
وقوله:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى
تبين ودٌّ خالصٌ وتوددُ
كأني وقد سار الخليط عشيةً
أخو جنة مما أقوم وأقعد
وقوله:
قلْ للذين على مواعدهم
لنا خلف ومطْلُ
كمْ ضامني من لا أضيمُ
وملني من لا أحلُّ
يا عاذلاً لملامه
كل على سمعي وثقل
إن كنت تأمر بالسلو
فقل لقلبي كيف يسلو؟
قلبي رهين في الهوى
إن كان قلبك منه يخلو
ولقد علمت على الهوى
أن الهوى سقم وذلٌ
وتعجبت «جملٌ» لشيب
مفارقي وتشيب «جمل»
ورأت بياضاً في سواد
ما رأته هناك قبل)[742](
كذبالة رفعت على
الهضبات للسارين ضلوا
منزلته الاجتماعية
كان المجتمع الأرستقراطي البغدادي في القرن الربع ينقسم إلى طبقات: طبقة تعتز بشرفها ونسبها ودمها، كالعلويين والعباسيين والبويهيين والمهلبين، وطبقة تعتز بمناصبها في الدولة كالوزراء والقادة ورؤساء الدواوين. فطبقة تعتز بعلمها ودينها وأدبها كرجال المذاهب من فقهاء ومتكلمين، وكرجال الأدب من ناثرين وشاعرين.
من هذه الطبقات يتألف المجتمع الأرستقراطي المتنعم بخير البلاد وبمواردها ومناصبها.
والمفروض في رجل كالشريف «المرتضى» أن يصيب مركزاً اجتماعياً مرموقاً ما دام العصر طبقياً، وما دامت الأرستقراطية تحيط به من كل جهاته: النسب العلوي القصير الصاعد به عن طريق أبيه إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) سابع أئمة الشيعة، والدم الثائر المالك الواصل به عن طريق أمه إلى الحسن الأطروش الكبير، صاحب الديلم وطبرستان، والقرشية الصريحة الدانية في قرباها من رسول الله (ص) عن طريق ابنتِه فاطمة، وهي قربى طالما اعتزوا بها على الخلفاء من بني العباس، ثم الخؤولة، «بني بويه» عن طريقة أمه، وكانوا ملوك العصر، وسادات المجتمع في ذلك الحين.
فالمنصب في الدولة، وقد كان أبواه لأمه وأبيه نقباء، وأمراء حج، وولاة مظالم، وسفراء، وملوك، فالزعامة المذهبية والعلمية، وقد كان رئيس الشيعة وفقيههم، وعالم الحاضرة العباسية، وأحد أدبائها المبرزين، وكل هذه الروافد الأرستقراطية كانت تفيض على «الشريف» بالجاه والمنعة، وتمده بوسائل الأعزاز والإكرام.
بدأ الشريف «المرتضى» يبرز للمجتمع البغدادي في حياة أبيه «أبي أحمد»، إذ عُيَّن نائباً عنه في نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وإمارة الحج وهو شاب فتي لم يتجاوز خمسة وعشرين عاماً.
جاء في المنتظم حوادث 380: فمن الحوادث فيها أنه قلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وإمارة الحج وكتب عهده على جميع ذلك واستخلف له ولداه: «المرتضى أبو القاسم» و«الرضي أبو الحسن»، وخلع عليهما من دار الخلافة.
ولندرك خطر هذه الوظائف الدينية والإدارية يحسن الرجوع إلى ما كتبه «الماوردي» المعاصر للمرتضى في كتابه «الأحكام السلطانية».
«هذه النقابة موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف، يختار لها من هو أجلهم بيتاً، وأكثرهم فضلاً، وأجزلهم رأياً، وهي عامة وخاصة».
أما الخاصة: فهو أن يقتصِر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم، وإقامة حد. ويلزمه على أهله من حقوق النظر: حفظ أنسابهم من داخل عليها أو خارج منها، وتمييز بطونهم، ومعرفة أنسابهم، وتسجيل ذلك في ثبت، وأخذهم بالأدب، وتنزيههم عن المكاسب الدنيئة، وكفهم عن ارتكاب المآثم والمحارم، ومنعهم من التسلط على العامة، وعونهم على اكتساب حقوقهم، وأخذ الحقوق منهم، والنيابة عنهم في المطالبة بحقوقهم من الفيء والغنيمة، ومنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء، ورعاية وقوفهم، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، ورعاية قسمتها بين مستحقيها.
وأما العامة. فيضاف إليها أشياء: الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه، والولاية على أيتامهم فيما ملكوه، وإقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه، وتزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أولياؤهن، أو تعينوا فهجروهن، وإيقاع الحجر على من به عته أو سفه.
يشترط في النقابة العامة أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد، ليصح حكمه وينفذ قضاءه)[743](.
وهناك تفصيلات أخرى يحسن بمن يبغي الاستزادة من خصائصها الرجوع إلى الكتاب المذكور وينبغي أن يلاحظ أن نقابة المرتضى ـ كما سيأتي ـ كانت عامة.
أما إمارة الحج فهي على ضربين ـ بحسب ما أورده «الماوردي» أيضاً ـ:
أحدهما: أن تكون على تسيير الحج، والثاني: أن تكون على إقامة الحج.
فأما تسيير الحج فهي ولاية سياسة، وزعامة تدبير، ويشترط فيها أن يكون أميرها مطاعاً، ذا رأي وشجاعة، وهيبة وهداية، وله واجبات، وعليه تبعات فصّلها «المارودي».
وأما الولاية على إقامة الحج فيكون صاحبها بمنزلة الإمام)[744](. ولها شروط وأحكام.
وأما ولاية المظالم: «فهي ولاية تشريعية وتنفيذية، ومهمتها قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة. وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع». ولها سلطات قضائية كثيرة استعرضها صاحب «الأحكام السلطانية»)[745](.
ويحسن أن يلاحظ أن السيد الشريف شغل هذه المناصب الخطيرة أصالة منذ عام 406 ـ 436هـ.
وكان ممن يدعى في أكثر المناسبات السياسية، ويعتد التاريخ بتسجيل حضوره في هذه المناسبات، فمما ذكر أنه انحدر وأخوه وجماعة من أعيان المجتمع البغدادي لاستقبال بعض الملوك القادمين على بغداد)[746](.
ويوم أن قلد نقابة الطالبيين أصالة، وكان ذلك عام 406 قُرِىءَ عهده في الدار الملكية، وحضر «فخر الملك» والأشراف والقضاة والفقهاء، وكان في العهد: هذا ما عاهد «عبدالله أبو العباس أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين» إلى «علي بن موسى العلوي» حين قربته إليه الأنساب الزكية، وقدمته إليه الأسباب القوية، واستظل معه بأغصان الدوحة الكريمة، واختص عنده بوسائل الحرمة الوكيدة، وقلد الحج والنقابة وأمره بتقوى الله)[747](.
ولقد سجل التاريخ أن الشريف كان أول المبايعين للقائم بأمر الله، وفي هذا التنصيص المجمع عليه ما يشير إلى خطر تقدمه في المبايعة.
ويجاوز مقام الرجل الاجتماعي هذا الحد، وبلغ أن أصبح بيته حرماً يلجأ إليه الملك «البويهي» ووزراؤه حين يثور الجند عليه. جاء في ابن الأثير حوادث 424:
في هذه السنة من «رمضان» شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه وأخرجوه من دار المملكة، فنقل ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي، وعبر هو في الليل إلى الكرخ، فلقيه أهل الكرخ بالدعاء، فنزل بدار «المرتضى» ـ بدرب جميل ـ، وعبر الوزير «أبو القاسم» بعبوره، فنزل في دار تجاوره، ولم يعد إلى دار الملك إلا بعد مفاوضات قام بها «المرتضى».
وجاء في «الكامل» حوادث 427:
«في هذه السنة ثار الجند ببغداد «بجلال الدولة»، وأرادوا إخراجه، فاستنظرهم ثلاث أيام، فلم ينظروه، ورموه بالآجر، واجتمع الغلمان فردوهم، فخرج من باب لطيف في «سمارية» متنكراً، وصعد راجلاً منها الى دار «المرتضى» بالكرخ، ومنها خرج إلى «تكريت» فأرسل الخليفة إليه، وقرر أمر الجند، وأعاده إلى بغداد».
ولا أريد أن أستطرد أكثر من هذا في عرض منزلته الاجتماعية وبحسبي. من ذلك أن أقول: إنه كان مرجعاً مهماً في الأحداث السياسية، يلجأ إليه الملك والخليفة والسلطة العامة)[748](.
وهكذا نجده طوال عمره الطويل من أبرز الشخصيات في المجتمع البغدادي، محافظاً بتسامٍ على مركزه، من دون ذبذبة أو انتقاص، على حين لم يسلم لأحد من رجال الجاه والسلطان ـ حتى الخلفاء ـ حال «من غير تبديل وتحويل. ولقد تعرضت داره للأذى ثلاث مرات من قبل العيارين، سجلها التاريخ في أحداث عام 416، 422، 426، وكان أهمها ما وقع في التاريخ الأول، فقد تعرضت دار «المرتضى» على «الصراة» لغارة من قبل «العيارين» شنوها على البيوت الآمنة، فاحترقت داره، وهدم هو باقيها، وانتقل منها إلى دار في «درب جميل»)[749](.
وفي أثناء الحملة انفذ الملك «شرف الدولة» ابن «بهاء الدولة» جميع غلمان داره من الأتراك لحمايتها وحفظ ما فيها)[750](. ولم يعد إليها الشريف إلا بعد إعادة عمارتها، وبعد أن خرج توقيع الخليفة بذهاب قادة الجيش والوجوه إلى بيته، فمشوا مهطعين بين يديه، وهم ينشدون الأهازيج في مدحه والثناء عليه. وكان صنيع الخليفة هذا مما سارت به الركبان، وتناقلته الرواة)[751](.
ويبدو من جملة حاله أنه كان على جانب من اليسر والثراء، قلَّ أن نعم به رجال الدين والأدب والعلم من معاصريه، فمع اليسر الذي كان يعيش فيه أيام أبيه، ومع ما يظهر من أنه وأخاه الرضي ـ أيام خلفا أباهما على إمارة الحج ـ دفعا من مالهما الخاص في سبيل سلامة الحاج تسعة آلاف دينار، للأعراب الذين يقطعون الطريق)[752](، ومع أن أباه كان ذا أملاك وقف بعضها على البر، فإن حال المرتضى تبدو أوسع ثراء من ذلك كثيراً، فقد روي عن «يحيى بن الحسين العلوي الزيدي» أنه يدخل على السيد من أملاكه كل سنة أربعة وعشرون ألف دينار)[753](، وروي عن القاضي التنوخي: أن المرتضى خلف من الأملاك ما يتجاوز الوصف، وأن قرى السيد وضياعه كانت ثمانين قرية، واقعة بين بغداد وكربلاء)[754](، وكانت معمورة للغاية. وفي وصف عمارتها قيل: إنها تقع على نهر من شعب، «الفرات» تعمل فيه السفائن المارة فيه، فإذا كان موسم الثمار كانت السفائن المارة فيه تمتلىء من سقطات تلك الأشجار، الواقعة على حافتي النهر، وكان الناس يتناولون منها من دون مانع أو محاجز)[755](، وأنه كان له طلاب ومدرسة يجري عليها وعليهم الأرزاق، فقد يبلغ راتب طالبها اثني عشر ديناراً، أو ثمانية دنانير كل شهر، وأن بعض الفقراء من غير المسلمين كان يدرس عليه علم الفلك بقصد التوفر على هذا الراتب)[756](، وأنه وقف قرية على كاغد الفقراء)[757](، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه خلف من الكتب ثمانين ألف مجلدة)[758]( من مقروءاته ومصنفاته ومحفوظاته أدركنا مدى اليسر الذي نعم به.
وتحسن الإشارة هنا إلى أنني لم أقرأ فيما قرأت أن أحداً من الناس وهب له، أو أقطعه هذه الثروة العريضة الواسعة، أو أن «المرتضى» صادرها من أحد، أو أن شخصاً شكاه في ظلامة، كما أن ثروته لم تعرض يوماً للمصادرة ـ وما أكثر المصادرات في تلك الأيام من جانب الخلفاء والملوك ـ وقد صودرت أموال أبيه على جليل قدره.
وأدل ما تدل عليه هذه الثروة الضخمة هو سلامة جمعها من مواردها المشروعة، وأنها ضرب من ضروب ثرائه الذهني، فقد سمي بالمثانيني ـ لأنه ألف ثمانين مؤلفاً، وعاش ثمانين عاماً، وملك ثمانين قرية، كما تدل على مرونة مسلكه الاجتماعي، ولولا مرونته وحسن تأتيه لمواجهة ما يحدث لأمثاله من مصادرة الأموال بالحق وبالباطل في ذلك العصر لما استطاع أن يبقي عليها سليمة طوال أيام حياته.
منزلته العلمية بين معاصريه
وبخصوص منزلته العلمية والأدبية في نظر معاصريه، تحدثنا رسائله المتنوعة أنها كانت إجابات عن أسئلة يتوجه بها السائلون من مختلف الأقطار الإسلامية، إما بقصد أخذ الرأي عن طريق الاستدلال من «المرتضى»، عليه، وإما بقصد العمل بمضمونه من غير إرادة للتدليل منه عليه، وإما بقصد الإنكار عليه في هيئة أسئلة صحبها ما يحيل الجواب عنها، وإمَّا بقصد التحرش والتحريض ببعض آراء الشيعة أو المتكلمين بوجه عام.
وقد كان بعض هذه الرسائل موجهاً له في سن مبكرة، وقبل أن يشخص بزعامة الشيعة، وهذا أوضح شاهد على ما بدأ يطالعه من مركز علمي في نظر معاصريه.
وكان بعض مؤلفاته وقصائده إجابة لرغبة بعض الخلفاء والملوك أو باقتراح من بعض الوزراء، وكانوا في تقديم رغباتهم واقتراحاتهم في منتهى ما يتوجه به سائل لمسؤول من العبارة المؤدبة، ويوم كان يحضر مجلس الشيخ «المفيد» شيخ الشيعة كان المفيد يقيمه مقامه، ويرغب أن يجلس منه مجلس التلميذ تقديراً لمكانته العلمية، وترشيحاً لأن يقوم مقام أستاذه في زعامة الشيعة.
وقد حدَّثنا التاريخ أن مجلس «المرتضى» كان مثابة رجال الفكر ومثار بحوث أدبية وفقهية وكلامية، وأن «أبا العلاء المعري» كان من روَّاده يوم حضوره إلى بغداد، وأن طرائف من الجدل والحوار الأدبي كانت بينه وبين «المرتضى»، وأن «أبا إسحاق الصابي» و«عثمان بن جني» كانا يلازمان مجلسه.
كان «المرتضى» يشرع في تأليف الكتاب، فلا يكاد ينهي جزءً منه حتى يذيع بين الناس، فلا يتمكن من إعادة النظر فيه؛ لخروجه من يده إلى أيدي القارئين. وكان من عناية الناس بمؤلفاته أن تؤلَّف من أجلها الكتب أيام حياته، إمَّا بالنقض عليها من جانب مخالفيه، أو بالشرح والتأييد لها من جانب مؤيديه.
ولقد ينقض النقض عليه وهو حي، فيشهد الخلاف والالتفاف على آثاره ومن حولها. كما حددت الآراء التي اختلفت فيها مع أساتذته.
وتسابق بعض الأعلام من معاصريه إلى رواية كتبه وشعره، وظلت هذه الإجازة تطرد ممعنة في الأعقاب والأجيال التي بعده حتى القرون المتأخرة، وظل صدى منزلته العلمية والأدبية يتردد في أجواء التاريخ، فلا يؤلف كتاب في أعلام المسلمين أو في أعلام الأدب وليس «للمرتضى» منه نصيب.
رسالة الغفران
لأبي العلاء المعري
ورسالة المعراج الأندلسية
والكوميديا الإلهية لدانتي
أبو العلاء المعري من الشعراء المتشيعين، وقد بدا تشيعه واضحاً في شعره القائل فيما قال فيه:
أرى الأيام تفعل كل نكر
فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسيناً
وكان على خلافتكم يزيد
والقائل:
وعلى الدهر من دماء الشهيدين
علي ونجله شاهدان
إلى آخر القصيدة:
والقائل:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم)[759](
إلى غير ذلك من الشعر.
وهو المؤلف كتاباً في بعض فضائل علي (عليه السلام)، كما ذكر (ياقوت) في مؤلفاته.
ومن مؤلفاته: رسالة الغفران الشهيرة. وقد كتب (دانتي) (الكوميديا الإلهية) وهي في موضوع رسالة الغفران. كما أن هناك (رسالة المعراج) الأندلسي.
فهو أخذ (دانتي) عن أبي العلاء وعن رسالة المعراج؟ ذاك ما قد يراه بعضهم، وما قد لا يراه آخرون. وفي الدراسات التالية بحث في هذا الموضوع بقلم أمينة غصن، ثم بحث بقلم عبد السميع المصري، ثم ثالث بقلم الدكتور نظير العظمة:
أوجه الشبه والاختلاف بينها وبين كوميديا دانتي
إذا كانت المقارنة مصدراً خصباً من مصادر المعرفة الإنسانية فإن الإنسان في مختلف دراساته اتخذ المقارنة سبيلاً للوصول إلى الحقائق الجوهرية المتعلقة بميادين بحثه. ففي علم الحيوان مثلاً قارن الدارسون بين الحيوانات المختلفة فصنفوها إلى أجناس وأنواع. وكان هذا التصنيف مبنياً على الملاحظة وملاحظة الخصائص الجوهرية لكل جنس من الأجناس وكل نوع من الأنواع المتباينة. ولقد خضعت اللغات وهي أدوات التعبير عن الأدب لمثل هذه الدراسة المقارنة، فكان لها أثرها العميق في التعرف إلى أصولها، والإحاطة بما تحقق لها من تطور خلال العصور. لقد طبقت الدراسة المقارنة على المفردات اللغوية، كما طبقت على المركبات، وكان من نتائج تطبيق الدراسة المقارنة على المفردات أن وجد لدينا علم اللغة المختلفة، ذات الأصل الواحد، وأن وجدت لدينا دراسات كثيرة في النحو المقارن، فأدى ذلك إلى تصنيف لغات العالم إلى أسر لغوية تضم كل أسرة منها مجموعة من اللغات يجمع بينها أصل واحد مشترك.
أما الأدب فيمثل مشكلة قائمة بذاتها، تختلف عن الحالات السابقة التي أشرنا إليها، أن الدراسة الأدبية المقارنة لا تتناول قضايا محسوسة بل هي تدور حول تأثيرات قد تتضح وقد تخفى. ولا يكون وضوحها بالضرورة مقتبساً من مميزات الأعمال الأدبية المقارنة، بقدر ما يكون مقتبساً من قرائن خارجية على هذا التأثير. أما الاقتصار على مجرد المشابهة فكثيراً ما قاد إلى أخطاء كان منشؤها الاقتناع بظواهر الأمور بدون غوص إلى بواطنها.
وفي ضوء هذا الفهم، لا بد لنا، ونحن بصدد دراسة رحلتي أبي العلاء ودانتي من دراسة بواعث الرحلتين الظاهرة والخفية، والإشارة إلى نقطة انطلاق هذين الرحالين وتحديد محطة السفر الأولى، لأنه بحيث انطلق أبو العلاء من الجنة وأبدع في تصويره لحياة الفردوس، انطلق دانتي في المقابل من الجحيم الملغز، والنيران المتأججة هذا إلى جانب انطلاق أبي العلاء في رحلته متقمصاً شخصية ابن القارح، في حين ذهب دانتي بنفسه يستطلع ويستكشف.
وتعود كتابة «رسالة الغفران» إلى أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة.
1 ـ دراسة الأسباب غير المباشرة:
2 ـ الأسباب الظاهرة:
ظاهر الأمر أن الرسالة كتبت رداً على رسالة بعث بها ابن القارح إلى أبي العلاء، فخرج بذلك إلى النور في وقت لم يسجله تقويم الزمن، من الربع الأول للقرن الخامس الهجري، نص أدبي كتب له أن يخلد مع روائع الآثار الباقيات، فكانت «رسالة الغفران».
3 ـ التراسل كنوع أدبي:
غير أن وراء السبب الظاهر دواعي أخرى أن تخف على البعيدين عن دراسة ذلك العصر، فلن تخفى على من تعرفوا حياة أهله، وعرفوا ولع أدبائه بالتراسل، لسبب ولغير سبب، سوى إظهار البراعة، وعرض البضاعة.
ورسالة ابن القارح تأخذ في شكلها وظاهرها صورة الرسائل الإخوانية، لكن كاتبها الذي لم تكن تربطه بأبي العلاء معرفة سابقة، لم يعن بالمسائل الإخوانية بقدر ما عناه سرد محفوظة من اللغة، والأخبار والأشعار، والإعلان عن براعته، والتحدث عما لقي من الأئمة والشيوخ.
وقد جرى أبو العلاء ـ مثل ابن القارح ـ على عادة عصره، واقتفى أثر الأدباء قبله، وتبع سنتهم، فمضى مثلهم يعرض بضاعته، ويترجم بحديثه عن حاجة في نفسه.
الأسباب المباشرة
لكننا مع القبول بهذه الأسباب الظاهرة، ومع فهمنا لروح العصر وتقديرنا لأثر أبي العلاء، قد نستغرب تلك الرحلة الخيالية الطويلة المثيرة التي قاد صاحبه إليها، فطاف به في أرجاء العالم الآخر، وأذاقه من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ويقربنا هذا الاستغراب إلى تعرف الأسباب المباشرة، للقيام بهذه الرحلة، وتقديمها بالشكل الذي قدمت به، ومنها:
أ ـ الخصائص الخاصة بحياة المعري:
إذا قلنا أن أبا العلاء كان يعرض بضاعته من العلم واللغة والفن، فلقد كان إلى جانب هذا يحلم، وينال من عالم الخيال ما لم ينله من عالم الواقع، خاصة إذا ما عرفنا أن حياة أبي العلاء قد انشطرت الى شطرين واضحين ومتميزين:
ـ كان في أولهما يعيش في دنيا الناس، ويأخذ فيما يأخذون فيه من لهو وجَدٍّ محاولاً أن يشارك في حياتهم، ومناضلاً بكفايته وامتيازه ليظفر بما كان له فيها.
ـ في حين كان معتكفاً في دنياه منصرفاً إلى التأمل والإملاء في شطرها الثاني.
ب ـ حالة أبي العلاء النفسية:
وبتحديدنا للزمن الذي كتبت فيه الرسالة، وهو في أخريات الربع الأول للقرن الخامس الهجري، يسهل علينا أن نتعرف إلى الحالة النفسية لأبي العلاء حين أملاها. غير أننا لا نملك أن نحدد بالضبط مبدأ كل شطر من حياته ومنتهاه، لأن العلائي انصرف بنفسه عن دنيا الناس، قبل أن ينسحب منها، ونفض يديه منها وهو لا يزال فيها، وفكر في اعتزالها طويلاً قبل أن يجمع أمره على العزلة في محبسه بمعرة النعمان. لكننا نملك أن نقول كتب «رسالة الغفران» في صميم الشطر الثاني من حياته، وكان إذ ذاك يستهل العقد السابع من عمره.
ج ـ يأس أبي العلاء ونضجه:
وكتب العلائي «رسالة الغفران» بعد أن هزم في النضال مع الدنيا ونسا به مكانه بين الناس، كتبها بعد أن يئس من بلوغ ما اشتهاه من مجد الحياة ونعيمها. وكتبها في السبعين بعد أن أنضجته الأيام بتجاربها، ومصائبها وكشفت له من أشواقه الكامنة، وجراحه التي لم تندمل قط، وطالت صحبته لنفسه حتى عرفها على حقيقتها، وأزال عنها حجب الوهم وأستار المداراة.
وأخيراً كتبها في شيخوخته، بعد أن قطع مراحل الحياة الدنيا، وأشرف على العالم الآخر، وانصرفت نفسه إلى التأمل الحزين الطويل في مصير الإنسان.
في ذلك الجو القاتم ظهرت «رسالة الغفران»، وفي تلك الحالة النفسية الأليمة، أملى «أبو العلاء»، وأنها الحالة تفسر لنا ما في «الغفران» من أشواق مستثارة إلى الرغبات المادية، وعرض متفنن لنعم الدنيا منقولة إلى العالم الآخر.
وتفسر لنا كيف جمع أبو العلاء، الأدباء والشعراء في جنته، وهو المعتزل المنفرد، وكيف حشد فيها ملذات الدنيا من نساء، وطعام وشراب، وهو الذي كفر بالخمر، وتجنب النساء، وحرم نفسه طيبات الطعام والشراب.
وتفسر لنا كيف ملأ جنته حركة وانفعالاً، من صيد ونزهة ورقص ومآدب ومجالس وطرب وخمر، وهو الذي حكم على نفسه بالحبس في منزله بمعرة النعمان نحو نصف قرن من الزمان مقيداً سجيناً. لذا أطال الحديث عن الحياة الآخرة، وتفنن في تصويرها لغير ضرورة ظاهرة، واستمر حلمه الطويل حتى شغله عن الرد على ما جاء في رسالة «ابن القارح» ولم يشرع به إلا بعد أن أتم رحلته وفرغ من رسم صورة الحياة الأخرى.
انعكاسات البواعث على رسالة المعري
جاءت رسالة الغفران آية من آيات المعري. وكان سر عظمتها دلالتها الأمينة على نفس صاحبها وعلى الحياة من حوله. فلو لم نعرف صورة صاحبها لرسمت لنا صورة بينة السمات، ولدلتنا على شخصيته، وعرفنا أنه: أديب يائس معتزل محروم.
ولو لم نعرف الزمن الذي أملي فيه «الغفران» لحددت لنا الرسالة ذلك الزمن، إذ أن فهم الحياة فهماً ناموسياً، يجعلنا نطمئن إلى أن «التفات» أبي العلاء إلى العالم الآخر لا يكون إلا مع يأسه من هذه الدنيا، لأنه ما كان ليسرح إلى الأخرى هائماً حالماً وهو في غمار الحياة والمجتمع قبل عزلته.
وربما كانت هذه البواعث كافية لأن يخترق أبو العلاء خط السير في الممالك الإلهية، فيبدأ من حيث يحلم، وتكون الجنة العالم الأول الذي يطالعنا به، وكأن أبواب المرور من الأرض السفلى مفتوحة وعلى مصراعيها على أبواب الجنة.
بواعث كوميديا دانتي
لكن دانتي لم يخترق حيث اخترق أبو العلاء، ولم يبدل وجهات السير، ولم يغير مقاييس العالم الآخر، بل بدأ كتابته للكوميديا من حيث تبدأ الأديان، وانتهى إلى حيث تنتهي، وكان تقسيم الكوميديا تقسيماً كلاسيكياً دينياً مسيحياً. كيف لا، وقد كان دانتي الإنسان المسيحي المؤمن، المشبع بقراءة التوراة والإنجيل والكتاب المقدس بخاصة. غير أن هذا التقسيم يبقى السبب الظاهر، في كتابة الكوميديا بحيث تطالعنا أسباب أعمق وأبعد في تصور الشاعر، وفي تاريخ حياته: الذاتية، والسياسية، والوطنية… ربما كانت هي الباعث الأصدق والأهم في كتابتها.
وقد نورد هذه البواعث والأسباب ولكن بإيجاز، وذلك بسبب أهميتها في خلق جو الكوميديا الإلهية العام، وفي جو من الينابيع، والمناهل التي استقى منها دانتي رائعته.
1 ـ ونبدأ أولاً بحياة الشاعر الذاتية
الكل يعلم أن دانتي شرد وجرد من كل شيء: الأسرة، والأصدقاء والمال، والوطن، فاشتد عليه المد واتعبه. وربما أفاد كثيراً من حياته الشبيهة بالبوهيمية على فارق واحد أو أكثر، وهو أن البوهيمي قرير العين مرتاح إلى حياته لأنه ليس له أهداف، وليس به طموح.
ومن فوائد منفاه أنه تنقل بين كثير من المقاطعات، فشاهد المدن، والقرى، والجبال، والأودية، والخمائل، والأرض القاحلة. وكلها مناظر خلابة ـ من الأرض الإيطالية ـ مما عزاه بعض الشيء عما كان يلاقيه من الحرمان، وقد ذكر أكثر تلك الأمكنة في الكوميديا، وأدخلها في طوبوغرافية العالم الآخر، وجعلها قسماً من جغرافيته.
2 ـ المؤثرات الوطنية وانعكاسها في نفس دانتي
كأن النفي كان ضرورياً لدانتي، لأنه ضاعف فيه حبه لأرض وطنه الذي تحده جبال الألب من الشمال، والبحار من جميع الأطراف. وحمل دانتي بين حناياه فكرة الوطن الواحد الموحد إيطالية الكبرى. وقد كانت حتى الساعة ـ أي زمنه ـ نهباً مقسماً بين عدة دويلات أجنبية ووطنية، وملكية وجمهورية، وإقطاعية وبابوية، وأشباه ذلك.
وملك هذا الإحساس على دانتي جميع مشاعره ومنافد الفكر منه، فكرة الوطن الموحد. فلم يقتصر على رسم حدود وطنه المقدسة على حد قوله، بل كانت ذاكرته تزخر بأمجاد روما وعظمتها، فحلم بمملكة عالمية تضم بتناغم مثالي الأمراء جميعهم، والممالك كلها، وتسوسهم قوانين حكيمة عادلة، وتعمل في هذه المملكة العالمية الشاملة جنباً لجنب السلطة البابوية وهي الروحية والسلطة الإمبراطورية وهي السلطة الزمنية. وأناط دانتي بهذه المملكة إنقاذ الإنسانية التائهة في أدغال الشك، والتي تنهشها الفوضى والبلبلة. وما ذلك اليوم ببعيد عن روما مركز السلطتين الروحية والزمنية، وعن إيطاليا كلها، جنة الإمبراطورية، ومهد الحصارة اللاتينية الكبرى.
وكي يعد دانتي النفوس إلى تقبل هذه النبوءة الكبرى والأمنية الغالية بين الناس طرفته المسماة «الكوميديا الإلهية» حيث اتصل الزمن بالأبدية، وانعكس وجها الفضيلة والرذيلة على صفحة مرآة.
3 ـ ثقافة دانتي وانعكاسها في الكوميديا
لقد وصف لنا دانتي في بعض صفحات من كتابه «الوليمة» الصراع الداخلي الذي كان يعتمل في نفسه عندما اجتاز مرحلة النظم في الغزل، والنسيب والتشبيب بالحسان، إلى دراسة الفلسفة. فأكب على دراسة بوزيو وشيشرون، مما أجج فيه حب المعرفة، ودفعه ذلك إلى أن يقود خطاه نحو مدارس رجال الدين وتتبع جدال أهل العلوم والفلسفة.
فتردد على إحدى الحلقات للأباء الدومينيكيين في دير القديسة ماريا نوفلله، وبات من المؤكد أنه تابع الدراسات للأباء الفرنسيسكان في سنت كروتشه، ودرس أرسطو الذي بدأت مؤلفاته تروج وتنتشر. أما توما الأكويني وبونا فنتورا فقد كانا منهله الفياض العذب. وعكف دانتي على دراسة القانون، والطب، والموسيقى، والتصوير، والنحت، والفلسفة، والطبيعة، والكيمياء، والفلك، والسياسة، والتاريخ، واللاهوت ودرس تراث اللاتين، وألم بتراث اليونان والشرق بطريق غير مباشر، وعرف ثقافة العصور الوسطى، وتعلم الفرنسية ولغة البروفنس، ودرس أدب التروبادور.
هكذا اجتمعت لدى دانتي الحكمة المشرقية كلها، وبلاغة اليونان ومحبة الله في المسيحية، وعظمة المدينة الرومانية، وكان يحترم أرسطو، ويتبع توما الأكويني، ولا يحجم عن الاطلاع على التراث العربي وفلاسفته ويستلهم مادته من التوراة والإنجيل وما أمكنه الاطلاع عليه من الفكر والتراث الإسلامي من هذا المضمار. غير أن مرد التأليف بين الأضداد في نفس دانتي يعود إلى قدرة التوحيد الطبيعي في عبقريته. وقد نفذت بشتى الثقافات.
وبفضل هذه الكونية التامة التي كانت تؤاخي بين الماضي والحاضر والمستقبل استطاع دانتي أن يجعل من نفسه في «الكوميديا» رمزاً للجنس البشري أجمع. وطرفة دانتي من ألفها إلى يائها بطابعها الخاص وأهدافها، ليست إلا تكافؤاً جميلاً غريزياً لشقاوته وضعفه.
استناداً إلى ما قدمنا من بواعث وأسباب مباشرة وغير مباشرة في أوجه المقارنة في رسالة الغفران، والكوميديا الإلهية، حق لنا اتهام النقاد بالتجني على دانتي، والقول بأخذه فكرة الرحلة إلى الممالك الإلهية عن أبي العلاء، ومحاكاته من ثم وتقليده.
كثيرون هم الجناة والمدعون، أمثال قسطاكي حمصي الذي قال «بسرقة دانتي لموضوع أبي العلاء وتخلفه عنه في السمو والبيان»)[760](، وقول الدكتور عمر فروخ «أن المعري سبق دانتي إلى بعض تخيلاته»)[761]( وتعصب مصطفى آل عيال)[762]( الذي لا يريد بدوره «أن ينقص من حق المعري الذي هو بغنى عن أن يضاف إلى مجده مجد آخر»، وذلك بتلقيبه «ملهم دانتي» أو قول زيدان «باقتباس دانتي فكرة الكوميديا من «الغفران» أو قول «كرد علي» أن شاعرنا كان معلماً لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال.
فذلك ومثله ما يمكن حمله على محمل التعصب، وهو أيضاً مما يمكن إغفاله والسكوت عنه، لأنه لم يأخذ سمة البحث العلمي.
غير أن المهم في آراء النقاد هو كتاب «سيجويل اسين بلاسيوس» وليس بلاسيوس بالعربي، أو الشرقي، أو المسلم، حتى يحمل قوله على التعصب، وليست دعواه، أحكاماً سريعة مرتجلة حتى تقابل بالإستهانة.
إنما هي شهادة من أهلها.
شهادة كاثوليكي، من الإسبان المعروفين بالتعصب.
وجاء بلاسيوس يقرر بعد دراسة واسعة متخصصة، قضى منها خمساً وعشرين سنة، باحثاً منقباً في التفكير الإسلامي في العصور الوسطى ـ جاء يقرر «أن أصولاً إسلامية ـ من بينها الغفران ـ قد كونت أسس الكوميديا الإلهية تلك القصيدة التي طبعت كل الثقافة الأوروبية المسيحية في العصور الوسطى».
ولكن بلاسيوس وقف في مظاهر التشابة عند رسائل جزئية غير ذات بال، وظواهر سطحية لا يمكن أن يحتكم إليها في مثل تلك القضية.
ومن أمثلة الحكم على دانتي بأخذه من أبي العلاء، في رأي بلاسيوس، نورد المثلين الآتيين)[763](:
1 ـ لاحظ بلاسيوس مثلاً أن أبا العلاء لكي يحقق هدفه المزدوج، الأدبي والديني، يلقى الشعراء في جهنم منفردين واحداً بعد الآخر، أما في الجنة فيلقاهم جماعات. وكذلك فعل دانتي، فهذه الحلقات الأدبية لأبي العلاء تعادل الحلقات والتيجان التي نظمها دانتي في السماوات من رجال الدين والجنود والقضاة وغيرهم.
وقد جاء بلاسيوس في دليله بما يضعفه، فأبوا العلاء لا يلقى إلا الشعراء ولا يريد سواهم ودانتي يريد أقواماً آخرين، أكثرهم لا يمتون إلى الشعر بسبب.
2 ـ كذلك رأى بلاسيوس أن الطريقة التي كان أبو العلاء يلقى بها من أراد من الشعراء تشبه الطريقة التي اتبعها دانتي: «فهو إما أن يستعلم عن روح بعينها فيرشد إلى صاحبها، وأما أن تظهر له فجأة روح يخطىء معرفتها، فيسأل عن اسم صاحبها».
وبحسبنا في التفريق ما بين الشاعرين هنا أن «ابن القارح» كان يلقى الأشخاص بأجسامهم، ولم يحدث قط أن لقى روحاً أو تحدث إلى روح على حين لم يلق دانتي سوى الأرواح.
نكتفي بهذين المثلين شهادة على تجني أسين بلاسيوس على دانتي، وليس بوسعنا الإطالة، وكشف نقاط أخرى، وقد اعتمدنا في ذلك على بنت الشاطىء، لعجز ما في قراءة نص بلاسيوس الأسباني.
وكدراسة مقارنة، أؤيد أحكام بنت الشاطىء في بحثها الرصين المتعمق والموضوعي، ويكفيني إثباتاً ما قدمته من بواعث كتابة لرسالة الغفران والكوميديا الإلهية، إلى جانب دراسة وجوه التشابه والاختلاف في كل من الرحلتين، وهي وجوه نابعة من أصالة عالمين داخليين مختلفين، ومن عمق ثقافتين متمايزتين، ومن غايتين مفارقتين ـ قصد إليهما الأديب والشاعر:
ـ أن الفكرة عند المعري كانت بسيطة في حد ذاتها، فقد أراد أن يسخر بعالم الأدباء، وقد أصاب الهدف إصابة محكمة.
وكان له أيضاً هدف ثانوي ذكره طه حسين في كتابه «مع أبي العلاء المعري في سجنه» حيث قال:
«لقد ألف أبو العلاء رسالة الغفران ليبرهن عن واسع خياله وعظيم مقدرته بالعلوم اللسانية واللغوية، وغريب الشعر والألفاظ والمفردات ومعانيها المختلفة، ولم يكن همه العالم الأخروي، ولم يعنه تركيب هذا العالم، ولا سيما التركيب المعنوي والخلقي للجنة والجحيم. ولم يصف الصراعات التي تتأكل بين البشر تكالباً منهم على حطام الدنيا في شتى المناحي والميادين. لقد ركز همه في الشعراء فقط وبغريب الأبيات من الشعر». وما كان بهتان صوره وعبثيته وسخريته إلا لتأكيد ذلك.
ـ أما كوميديا دانتي، في صورتها الأدبية، فتعد عملاً مبتكراً لم يسبق إليه الشاعر، كما أن هذا العمل استعصى نظيره على من جاء بعده فكثير من الشعراء حاول تقليده أو مجاراته في هذا الميدان الذي فتحه، لكن ذلك كان بدون جدوى، فلم تكد الأعمال التي انبثقت من هذا التقليد تولد حتى تداعت وانزوت إلى ظلال كثيفة من النسيان.
وعدّ بحق الدكتور عبدالسلام كفاني)[764]( الكوميديا «بأنها ملحمة عن الإنسان وحياته وموقفه في مواجهة العدالة الإلهية».
في حين قال حسن عثمان)[765]( «الكوميديا مرآة الحياة وقصيدة الإنسان الكبرى. وهي فن رفيع يهدف إلى تغيير الإنسان وإصلاح المجتمع. وقصد دانتي أن يجعل منها بداية لعصر جديد، وكأنه أراد بذلك أن يضع كتاباً مقدساً جديداً يهدي البشر إلى سواء السبيل، وبدأ فيها دانتي أورفيو جديد لعالم جديد».
وفي حين تناول النقاد جوهر الكوميديا ومواضيعها، فقد تناول الشاعر والناقد (T.S. ELIOT) ت.س. أليوت لغة الكوميديا فقال: ان أول درس يستفاد من دراسة دانتي أنه لا يوجد شاعر من مستواه بذل من العناية والجهد في دراسة فن الشعر ما بذله دانتي ولا يستثن من هذا فرجيل». كما أن أليوت يقول «إنه لا يعرف شاعراً إنكليزياً قدم للغته من الخدمات مثل ما قدمه دانتي لإيطاليا». ويكون أليوت قد رفع دانتي هنا إلى قمة البارناس الشعرية، وتجاوز به شكسبير وشعر شكسبير.
إذن، انطلاقاً من دراستنا، وانطلاقاً من آراء النقاد الجادين، وانطلاقاً من الاحتكام إلى نص «الرسالة» و«الكوميديا» نحكم بعدم وجود التشابه المدعى، لنؤكد التقاء الأثرين عند فكرة واحدة هي «الرحلة الخيالية إلى العالم الآخر»، وهي فكرة إنسانية مشتركة لم تنحصر في حضارة، ولا قوم، ولا دين، فمنذ سمعت البشرية أن هناك عالماً آخر، راحت تتمثل ذلك العالم، ثم جعلت تقوم برحلة خيالية إليه.
وتصوير ذلك العالم قديم العهد، تحدثت به الأساطير قبل أن يولد «أبو العلاء» بدهور، وعرضته الأديان عرضاً مفصلاً لا يدع لنا سبيلاً إلى إيثار «أبي العلاء» به.
أمينة غصن
تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية
ألف الدكتور صلاح فضل كتاباً بعنوان (تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي) علق عليه عبدالسميع المصري بعرض هو في صميم ما ذكرناه فيما تقدم من هذا المجلد في موضوع رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، ونحن نأخذ هنا هذا العرض لنرى الآراء المتباينة في هذا الموضوع:
«تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي». دراسة جادة في الأدب المقارن «تعطي لنا دفعة قوية من الثقة المدعمة بالبراهين العلمية في ثقافتنا القومية وتحفزنا إلى الاعتزاز الواعي بتراثنا وتساعدنا على التخلص من حساسية المتخلف الذي يخشى عواقب الاتصال الفكري على أصالته مع أنه شرط جوهري لتغذيتها وإنمائها.
وليس أدل على ضخامة الجهد الذي بذل في هذا الكتاب من قول مؤلفه الدكتور صلاح فضل في مقدمته «من هنا نشبت ضرورة هذا البحث الذي حاول أن يستوعب بشكل مباشر المادة العلمية المقارنة التي استخدمت في الدراسات الأوروبية ـ على سعتها ـ ويطلع على نصوصها العربية الأصيلة ـ على كثرتها ـ ثم يقدم إعادة ترجمة وعرض لوثيقة المعراج التي أصبحت البرهان الأخيرة في القضية. ويبحث عن نماذج لنظائرها في التراث متفرقة حتى يعثر عليها مجتمعة.
وقد مهد المؤلف لبحثه بفصل عن الأدب المقارن عرف فيه هذا الأدب بقوله أنه «العلم المنهجي الذي ينشد دراسة روابط التشابه والقرابة والتأثير بين الأدب ومظاهر المعرفة الإنسانية الأخرى أو بين النصوص الأدبية نفسها، مما قد يبدو للوهلة الأولى متباعداً في الزمان أو المكان، يشرط أن ينتمي إلى لغات أو ثقافات عديدة، حتى ولو كانت تدين لتراث مشترك واحد، وتنحو هذه الدراسة إلى وصف ظواهر الالتقاء الأدبي وفهمها وتذوقها بأكبر قدر من التعمق والاستبصار، مما يجعلها تتخذ منهج الوصف التحليلي والمقارنة المنظمة التي لا تلغي الفروق بين الأشياء، بل تبرزها وتؤولها كظواهر أدبية تقوم بين اللغات والثقافات المختلفة استجابة لعوامل تاريخية ونقدية وفلسفية. كل هذا بهدف النفاذ إلى فهم الأدب ووظائفه الحيوية في خدمة الروح الإنساني العام».
لكنه يسارع إلى التحذير من البحث عن المكاسب والانتصارات الفنية للعمل المؤثر نتيجة لسبقه الزمني فحسب ويطالبنا بافتراض مجرد التوافق العفوي لا سيما ونحن نعالج أثر الثقافة الإسلامية في واحدة من قمم الإبداع الأوروبي في العصور الوسطى… فلا نغرق في البحث عن عوامل الفخر القومي أو الحماس لمؤثراتنا فيه.
ثم يدعونا في هذا الفصل إلى عدم التخوف أو الإعراض عن التراث الإنساني والتأثر به الذي يختلف عن التقليد «لأن الشعوب لا تثري على أساس الفروض الشكلية وإنما اعتماداً على استصفاء المبادىء التي تجدد حياتها الفكرية وامتصاصها بروية وتمهل وعندما يحدث تماس بين حضارتين مختلفتين ويبتل ريق شعب بحلاوة الآخر فإن المزيج الذي يتكون منهما لا يدانيه شيء في قوته المخصبة الخلاقة لكن عندما يقتصر الأمر على مجرد التقليد فإنه لا ينبت من ذلك سوى الأزهار الصناعية المفتعلة».
وإذا أثبتت الدراسة التي بين أيدينا مدى تأثر دانتي بالثقافة العربية والإسلامية… ودانتي هذا هو الذي تدين له الآداب الأوروبية في العصر الوسيط بالشيء الكثير… لا تضح لنا مدى اتصال التراث الإنساني وتشابك علاقاته مما يدعونا لأن نكون أكثر حرية في الأخذ من هذا التراث اليوم دون أدنى حساسية.
ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك فصلاً لتاريخ اتصال دانتي بالثقافة الإسلامية وتأثره بها فيروي كيف أن المستشرق الأسباني أسين بالاثيوس (1871 ـ 1944) هو أول من تعرض لهذا الموضوع منذ ستين عاماً باعتباره فرضاً علمياً قضى سنوات عديدة يجمع الأدلة والبراهين لإثباته. لكنه لا يستطع أن يحسم الأمر لافتقاده الدليل المادي الذي يثبت اطلاع دانتي على التراث العربي لكن بعد وفاته بخمس سنوات ظهرت ترجمة قديمة لرواية مطولة عن معراج الرسول (ص) ليلة أسريَ به من مكة إلى بيت المقدس كتبت باللاتينية والفرنسية القديمة مما رجح اطلاع دانتي عليها. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الموضوع مسلماً به في الأدب المقارن كنموذج واضح للتأثير الإسلامي في الأدب الأوروبي وأصبحت القضية كلها مسلماً بها ومفروغاً منها في الأوساط العلمية والأدبية في العالم كله.
وفي عام 1949 قام كل من الباحث الأسباني مونيوث سندينو والباحث الإيطالي انريكو تشير ولي بنشر الترجمات اللاتينية والفرنسية لوثيقة «معراج محمد» دون اتفاق مسبق بينهما من مخطوطات مكتبات أكسفورد بانجلترا والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة الفاتيكان وغيرها من دور الكتب.
كما عرف العالم من هذه الوثيقة أن ملك أسبانيا الفونسو العاشر كان قد أمر إبراهام الحكمي الطبيب اليهودي الذي كان يعمل في بلاطه بترجمة قصة المعراج الإسلامية من العربية إلى القشتالية عام 1263 وكانت هذه الترجمة أصلاً لترجمة أخرى إلى اللاتينية والفرنسية قام بها بوينا فينتورادي سينا الموثق الإيطالي الذي كان يعمل أيضاً في بلاط الفونسو سنة 1364 أي قبل ميلاد دانتي بسنة واحدة.
وفي الفصل التالي من الكتاب المعنون «عوامل التأثير ومستوياته» يحاول الدكتور صلاح تقديم المزيد من الأدلة ليؤيد قضيته الثقافية فيمهد لذلك بقوله «إن الثقافة إنما هي كل معقد متشابك يشمل المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وجميع مظاهر الخلق التي يبدعها الإنسان ويكتسبها في مجتمع من المجتمعات ومن هنا فإن الآداب سواء كانت رسمية أو شعبية والمعتقدات سواء كانت دينية أو أسطورية… مسجلة كتابة أو متداولة شفاها… كل ذلك يدخل من باب الثقافة العريض… وفي ضوء هذا المفهوم نرى بوضوح أن المؤثرات الإسلامية في الكوميديا الإلهية ذات طابع ثقافي شامل، فهي لا تقتصر على نصوص أدبية بذاتها ولا على الأفكار الدينية المعتد بها، بل تخللتها عناصر فولكلورية شعبية، لعب خيال الناس فيها دوراً هاماً وأشبعها بقدر كبير من المبالغة والتحرر».
ويضيف أن معرفة دانتي للتراث الإسلامي وتصور المسلمين لمجالي العالم الآخر حفزته إلى اتخاذ نموذج الرحلة إلى عالم الغيب قالباً فنياً لعمله، خاصة عندما بهرته المشاهد الإسلامية بما تحفل به من تنظيم دقيق وصور فنية ولم تكن محاكاة النماذج القديمة شيئاً معيباً في عصر دانتي بل كانت قانون الكلاسيكية العام وروحها الغالب… تكتسب بها الأعمال الفذة لوناً من مشروعية الوجود وتبرير النهج».
ومن المسلم به أن قنوات الاتصال بين أوروبا والعالم الإسلامي التي سهلت التبادل الثقافي بينهما وساعدت على تأثر الأدب الأوروبي بصفة خاصة بالثقافة الإسلامية… هذه القنوات بدأت تتفتح منذ القرن الثامن الميلادي متمثلة في الحركة التجارية المتنامية ثم حركة الحجيج من أوروبا إلى بيت المقدس ثم الحروب الصليبية وما أدت إليه من إنشاء إمارات مسيحية يحكمها أوروبيون في قلب الشرق الأدنى… ثم منارات العلم الإسلامي في صقلية والأندلس على سبيل المثال والتي كانت قبلة لكل راغب في العلم من أهل أوروبا… ثم ذلك الدور المنقطع النظير الذي قامت به الأندلس الإسلامية سواء في الترجمة أو احتضان وفود الدارسين من أنحاء أوروبا ونقل التراث الإسلامي إليها مترجماً…
ولقد حفظ التاريخ كثيراً من الترجمات التي تمت في تلك الفترة الثرية لا سيما ما بين القرن الحادي عشر الميلادي والقرن الثالث عشر عندما بلغت حركة الترجمة قمة ازدهارها في عهد الفونسو العاشر ملك قشتالة. الذي كان يسمى بالعالم والتي كان من بينها مؤلفات الخوارزمي والفرغاني وابن سينا والزرقالي وغيرهم، حتى فاض العلم الإسلامي على أوروبا وملأها خصباً.
وإذا كان دانتي منذ ولد عام 1265 وكتب الجزء الأول من الكوميديا الإلهية عام 1307 في وقت كانت الترجمات اللاتينية والفرنسية لقصة المعراج لها شهرتها في الأوساط الأدبية، فلا شك أنه قد وجد الفرصة للاطلاع عليها ودراستها الدراسة التي تركت بصماتها على عمله العظيم ولا سيما إذا علمنا أن كثيراً من رواد الترجمة كانوا يكثرون من التردد على إيطاليا وخاصة فلورنسا موطن دانتي والحوار والمشافهة كانت وما زالت من عوامل انتشار الثقافة.
كما أن هناك قسيساً يدعى سان بدرو باسكوال معاصراً لدانتي وعاش في فلورنسا له مؤلف بعنوان «تفنيد مزاعم الطائفة المحمدية» أورد فيه قصة المعراج بالتفصيل، وقد اشتهر كتابه هذا في جميع الأوساط المسيحية الأوروبية وكان في متناول دانتي مما يرجح لدى بعض الباحثين أن هذا الكتاب كان الوسيلة التي تعرف دانتي من خلالها على القصة الإسلامية.
كل هذه المراجع والاتصالات الشخصية بين دانتي ومعاصريه من المهتمين بالعلوم الإسلامية والتوافق التام بين كثير من عناصر الكوميديا وقصة المعراج، جعل المفكرين الإيطاليين أنفسهم يؤكدون أنه لم يعد هناك مجال لأي شك في اطلاع دانتي على قصة المعراج التي كانت مترجمة بثلاث لغات أوروبية هي لغات العلم في عصره… وتأثره بها.
«الكوميديا» ورسالة الغفران
ولا يكتفي الدكتور صلاح فضل بهذه الأدلة فيقدم لنا مقارنات طريفة ممتعة بين الكوميديا ورسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، والتي تعتبر من أنضج نماذج الثقافة الإسلامية والعالمية.
ورسالة الغفران ـ وكذلك الكوميديا الإلهية ـ رحلة للعالم الآخر تتميز بخلوها من عناصر الخوارق والمعجزات التي تحفل بها روايات الإسراء والمعراج الأخرى.
«فباستثناء الفكرة الأساسية للرحلة ـ التي تقع في نطاق المعجزات ـ تمضي الحوادث بعد ذلك على نسق أقرب ما يكون إلى منطق الحياة المألوفة… فالمسافر عند أبي العلاء ليس نبياً ولا ولياً ولا من كبار الأبطال، ولكنه مجرد إنسان عادي يقترف الذنوب ويسعى في الأرض مثله في ذلك مثل دانتي بطل الكوميديا. كما أن الشخصيات التي تقوم بالأدوار الثانوية ليست في معظمها من الأنبياء أو القديسين وإنما هم أناس عاديون منهم المؤمن والكافر مثل الذين نجدهم أيضاً عند الشاعر الإيطالي… وعلى هذا فإن الخاصية الإنسانية الواقعية الأرضية في الكوميديا تجد سابقتها الأدبية الكبرى عند شاعر المعرة العربي».
ويتفق دانتي مع أبي العلاء في معاني التسامح وسعة الأفق في معاملة الأرواح وفي خروج بعضها إلى الجنة بعد رحلة التطهر.
بل إن التشابه في بعض أجزاء العملين يصل إلى درجة التطابق فنجد في رسالة الغفران قصة لقاء ابن القارح بحوريتين من الحور العين يبهره جمالهما، فيقبل كل واحدة منهما ويرتشف رضابها ويتمثل في حسنها بأبيات لامرىء القيس فتستغرقان في الضحك وتقول إحداهما «أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ فيقول أنت من حور الجنان اللاتي خلقهن الله جزاء للمتقين… فتقول، أنا كذلك بأنعام الله العظيم، غير أني كنت في الدار العاجلة أعرف بحمدونة وأسكن في باب العراق بحلب وأبي صاحب رحى وتزوجني رجل يبيع السقط فطلقني لرائحة كرهها من فيّ، وكنت من أقبح نساء حلب فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرارة وتوفرت على العبادة فصيرني ذلك إلى ما ترى».
وبعيداً عن أسلوب المعري الساخر في هذه القصة نرى الشبه الكبير بينها وبين بعض الوقائع عند دانتي كلقائه مع بياسينا في المطهر ومع بيكاردا الفلورنسية في سماء القمر. والأولى تنعي حظها التعس وشقاءها مع زوجها مثل حمدونة أما بيكاردا فتبدو رائعة الحسن رغم دمامتها في الدنيا وكلاهما تذكر لدانتي قصتها في الدنيا وموطنها واسمها الدنيوي.
وغير ذلك من التشابه الذي يبلغ درجة التطابق بين الكوميديا ورسالة الغفران كثير مما ذكره الدكتور صلاح ولا سيما صور العبور على الصراط يوم القيامة.
وبعد ذلك ينتقل الدكتور صلاح في رياض كتابه ليحدثنا عن العناصر الصوفية في الكوميديا الإلهية فيقول: «إن الكوميديا الإلهية ـ طبقاً لهذا الفهم ـ تعبير مجازي عن حياة دانتي الشخصية وعن خلاص البشرية. فدانتي نموذج للإنسان الذي أضله الجهل وأعمته الشهوات لكنه يستطيع أن يتحرر من عبودية الشر بهداية من عقله وفضل من الله تعالى، وذلك عن طريق التطهر والتوبة من الذنوب، هذا التطهر الذير يرمز إليه بالرحلة إلى الجحيم والمطهر. وعندما يظفر بهذا الكمال الخلقي يصعد ـ عن طريق التأمل وبنعمة من الله ـ إلى السعادة الخالدة التي تتمثل في لذة الاستمتاع برؤية الذات العلية… فدانتي إذن مثل المتصوفة المسلمين عامة وابن عربي بصفة خاصة يستخدم معراج الإنسان إلى السماوات، ليرمز به إلى الدراما الصوفية للتجدد الأخلاقي للأرواح بالإيمان والكمال والصلاح».
ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك أطول فصول الكتاب «للتحليل المقارن لأجزاء الكوميديا الإلهية» ولما كان الكتاب رحلة في العالم الآخر فإن دانتي يبدأ رحلته من «الليمبو» أي الأعراف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، ويحددها دانتي بأنها منطقة تقع فوق الجحيم مباشرة أي أنها البهو المفضي إليه وتنقسم إلى شطرين أولهما ما يلي الجحيم وتسكنه أرواح الأطفال ومن ماتوا دون أن يعملوا خيراً أو شراً.
أما الشطر الثاني فهو سهل عميق تحف به الأشجار ويحميه من حوله جدول جميل وفيه تسكن أرواح من ماتوا على الفطرة قبل الأديان وأرواح الحكماء والفلاسفة والأبطال ممن لم يعتنقوا المسيحية عند دانتي بالرغم من نبلهم وحكمتهم. ولا يعاني هؤلاء من العذاب سوى الحرمان من الجنة والشوق الذي لا يحدوه أمل.
وظهور الأعراف في الفكر المسيحي بدأ بدانتي. ومعنى ذلك أن المصدر الوحيد له في تصورها هو الثقافة الإسلامية، التي تفننت كتبها في رسم صور شائقة للأعراف ومكانها ونوع العذاب الوحيد الذي يعانيه سكانها وهو شوقهم إلى الجنة وحرمانهم منها إذ لم يدخلوها وهم يطمعون.
كما يجمع الباحثون على أن «كل أوصاف الجحيم الواردة في العهد القديم ـ التوراة ـ والأدب الكلاسيكي وفي العصور الوسطى الأولى السابقة لدانتي كانت أوصافاً بسيطة مبهمة لا لون لها. ولا تشبه بحال تلك الصورة الغنية المجسمة التشكيلية الواضحة التي رسمها دانتي للجحيم… لذلك أدركوا عند اكتشاف تأثير الثقافة الإسلامية عند دانتي أنها هي المصدر الحقيقي الذي نهل منه دانتي كثيراً من أوصافه دون أن يطعن ذلك في مدى أصالته أو يقلل من قيمته…
ولقد اتبع دانتي أيضاً النموذج الإسلامي الذي يقسم الجحيم إلى طبقات عامة تحتوي على تقسيمات فرعية تخدم الهدف الأخلاقي للقصة… وقد سمى شراح دانتي هذا التقسيم بالبناء الأخلاقي للجحيم.
(كما تتطابق أوصاف «مينوس» خازن النار عند دانتي وحواره معه مع ما جاء في قصة معراج الرسول (ص) عن لقائه مع مالك خازن النار وحديثه معه.
عن رحلة المطهر
ثم يمضي الدكتور صلاح متتبعاً فصول الرحلة فصلاً فصلاً وما فيها من وصف لأنواع العذاب التي يسامها المذنبون والعصاة مظهراً ما فيها من تطابق أو تقارب شديد مع القصة الإسلامية… حتى عذاب رجال الدين والعلماء يكاد يتطابق مع ما جاء في صحيح البخاري من حديث «يجاء بالرجل يوم القيام فيطرح في النار فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: أي فلان… ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتية وأنهى عن المنكر وآتيه».
ويختتم الدكتور صلاح هذا الفصل بقوله: «بهذا يتضح لنا أن كثيراً من المواد الأولية التي صاغ منها دانتي صوره وتصوراته عن الجحيم مستقاة من التراث الإسلامي وإذا كانت القدرة الشعرية تعتمد أولاً على عبقرية الصياغة والسياق الفلسفي والفكري الجديد، فأن هذا التأثير لا يقلل بحال من قيمة الشاعر الإيطالي بل يوضح طبيعة إبداعه ومدى أصالته».
لكن الدكتور صلاح يعود بعد ذلك ليفرد فصلاً شائقاً عن رحلة المطهر في الكوميديا وهي الرحلة التي يقطعها دانتي بعد خروجه من الجحيم عبر جبل المطهر الذي ينقسم إلى سبع درجات متصلة فيما بينها تسكنها أرواح بريئة من الكبائر وذنوبها مما تسعه رحمة الله تعالى… وفي هذا الجبل ترعاها الملائكة وتقودها في دروبه إلى الصعود التدريجي حتى تصل إلى السماء بعد أن تكون قد تطهرت بالصلاة والابتهال والدعاء وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة» ويمضي الدكتور صلاح في دراسته المقارنة لرحلة المطهر حتى يصل إلى لقاء دانتي مع بياتريس حبيبته السابقة في الدنيا التي تأخذ بيده وترافقه باقي رحلته… وهو أمر ترفضه الكنيسة لمجافاته لروحها في التهوين من شأن العلاقات العاطفية واتهامها بالمادية.
لذا فالدكتور صلاح يرى «إن هذا الحب الفردوسي المثالي الذي غذى خيال دانتي مدين بدوره للتصور العربي الإسلامي للحب العذري كما تبلور لدى الشعراء والمفكرين العرب في المشرق والمغرب وانتقل عن طريق الأندلس وصقلية والحروب الصليبية إلى أوروبا».
ثم يسهب الكدتور صلاح في وصف هذا اللقاء، وما جاء من أوصاف الحور العين في الروايات الإسلامية وما يقابلها أو يشبهها في كوميدية دانتي ليؤكد الحضور القوي لهذا العالم الذي صورته المأثورات الإسلامية في خيال دانتي عندما كتب رائعته.
وأخيراً فإني أتساءل مع الدكتور صلاح فضل:
لماذا أثمر هذا التراث الخصب من المأثورات الدينية والأدبية والشعبية واحدة من أهم الملاحم الدينية في الآداب الأوروبية وأثمر شيئاً قريباً من ذلك في الملاحم الفارسية من سنائي إلى إقبال ثم عقم الأدب العربي عن احتضان هذه الخمائر والإفادة منها؟ ثم ألا سبيل أمامنا للإفادة الرشيدة من هذا التراث العظيم بكل طاقاته الروحية وإمكاناته الشعرية وقدرته الهائلة على تجسيد الوجدان الشعبي في أعمال فنية فذة؟
بين أبي العلاء والوزير المغربي
قال الدكتور إحسان عباس:
تدور لزوميات أبي العلاء في معظمها حول المشكلات الوجودية والقضايا الميتافيزيقية: هنالك يجد المرء وقفات كثيرة عند مشكلة الجبر والقدر، والخير والشر، والنفس والجسد، والتقوى والنفاق والعقل والخمر، والمرأة والتناسل، والعدل والجور، والرعية والرعاة، والدنيا والإنسان، إلى غير ذلك من قضايا إنسانية وشؤون كونية، ولذلك فليس من الغريب أن يحس القارىء ـ مثلما أحسست ـ بمفاجأة لافتة تستوقف النظر وتستثير التعجب، إذا وَجَدَ بين ذلك العدد الغزير من القصائد والمقطعات مقطوعة في رثاء أحد الناس؛ إذ يكاد يكون عهد المعري بالاهتمام بشؤون الأفراد قد تولى مع فترة سقط الزند، وحل محله الاهتمام بالجماعة والمصير الإنساني في اللزوميات. والتوقف عند رثاء فرد في حومة ذلك الديوان الكبير لا بد أن يعني أن ذلك الفرد الذي أخرج المعري عن خطته الكبرى لا بد وأن يكون ذا مقام خاص في نفسه، ولا بد من أن يكون فقده عميق الأثر في مشاعره.
أما ذلك الفرد فهو الوزير أبو القاسم المغربي الحسين بن علي بن الحسين، وأما المقطوعة فهي قول المعري:
ليس يبقى الضربُ الطِّوالُ على الدَّهرِ
ذو العبالةِ الدِّرحاية)[766](
يا أبا القاسم الوزير ترَحَّلتَ
وغادرتني ثفال رحايه)[767](
وتركت الكتب الثمينة للناس
وما رحت عنهم بسحاية)[768](
ليتني كنت قبل أن تشرب الموتَ
أصيلاً شربْتُهُ في ضحايه
إن نَحَتْك المَنُون قبلي فإنّي
منتحاها وإنَّها منتحايه
أمُّ دَفْر تقولُ بعدكَ للذائق
لا طعم لي فأين فحايه)[769](
إن يخط الذنب اليسير حفيظاك
فكم من فضيلة محاية
هي أبيات قليلة ـ كما نرى ـ غير أنها، على تضايق في القافية يحول دون الاسترسال، مفعمة بالأسى لفقد ذلك الرجل، حتى ليحس أبو العلاء أنه أصبح بعده «ثفال رحاية» محض خرقة تدور فوقها رحى الحياة، وأنَّ الحياة قد فقدت طعمها الشهي بعد أن ترحل عنها ما كان منها بمكان الأفاويه والتوابل.
وقبل أن نغادر هذه الأبيات علينا أن نتذكر أموراً هامة، قد تفيدنا كلما تقدمنا في غمرة هذا البحث:
الأول: أنَّ أبا القاسم الوزير ترك للناس كتباً ثمينة، وتقول مخطوطات اللزوميات إنَّ ذلك يشير إلى كتب وقفها الوزير بمدينة ميافارقين، وقد تكون هذه الكتب مكتبته الخاصة، وقد تكون مجموعة ما ألَّفه من كتب.
الثاني: أنَّ الوزير توفي سنة 418هـ، وهذه اللزومية من أواخر ما جاء في الديوان، فإن كانت اللزوميات قد نظمت ولاء بحسب القوافي، فهذا التاريخ يفيدنا في تحديد الزمن الذي انتهت فيه، وإلا فهو تاريخ صالح يدل على أنَّ أبا العلاء كان معنياً بنظم جانب من اللزوميات في تلك الفترة.
الثالث: أنَّ أبا العلاء كان مشغول الذهن بالنهاية التي سينتهي إليها الوزير في الآخرة، فهو قد احتقب ذنوباً سجلها عليه الملكان الحافظان، إلاَّ أنَّها ذنوب يسيرة تمحوها فضائله الكثيرة، وأنَّ الغفران مرجوَّ له.
فمن هو الوزير المغربي؟ وما مدى صلته بأبي العلاء المعري؟ أما التعريف بالوزير المغربي فحسبي منه الإيجاز، إذ لست أزيد في هذا المقام على ما كتبه الدكتور سامي الدهان في مقدمته على رسالة في السياسة للوزير نفسه، جمع في ختامها أيضاً معظم ترجماته من المصادر المتيسرة حينئذٍ، كما لا أستطيع أن أتجاوز تلك الترجمة المسهبة التي صدر بها شيخنا حمد الجاسر كتاب الوزير المغربي «أدب الخواص»، فالإيجاز هو الطريق السوي في هذا المقام.
يقول الوزير المغربي في إحدى رسائله: «… إذ كان أصلي من البصرة، وانتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد، وكان جد أبي ـ وهو أبو الحسن علي بن محمد ـ يخلف على ديوان المغرب، فنسب به إلى المغربي، وولد له جدي الأدنى ببغداد في سوق العطش، ونشأ وتقلد أعمالاً كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على المملكة… وأقام والدي وعمي بمدينة السلام وهما حدثان». ثم يصف كيف انتقل الجد وأبناؤه إلى مصر ثم عادوا جميعاً إلى حلب، وعاشوا في ظل سيف الدولة: «واستولى جدي على أمره استيلاءً تشهد به مدائح أبي نصر ابن نباتة فيه، ثم غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده غلبة تدل عليها مدائح أبي العباس النامي فيه، ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا…» وأخيراً استقر الأب بمصر، ونقل إليها ابنه وسائر عائلته من حلب، ولقي حظوة بمصر إلى أن تغيرت الظروف.
فأبو القاسم الحسين ـ إذن ـ ليس مغربياً، وإنَّما هو عراقي الأصل، يرتفع نسبه إلى الفرس. وقد ولد بحلب حين كان أبوه وزيراً لسيف الدولة. ثم وزر لابنه من بعده. وبحلب نشأ ونال ثقافته. يقول أبوه في ذكر نشأته وثقافته: «ولد ـ سلمه الله وبلغه مبلغ الصالحين ـ أول وقت طلوع الفجر، من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، واستظهر القرآن وعدّة من الكتب المجردة في اللغة والنحو، ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم. ونظم الشعر، وتصرف في النثر. وبلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات إلى ما يستقل بدونه الكاتب. وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة. واختصر هذا الكتاب [يعني «إصلاح المنطق» لابن السكيت]. فتناهى باختصاره، وأوفى على جميع فوائده، حتى لم يفته شيء من ألفاظه، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار، وجمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره، فابتدأ به، وعمل منه عدة أوراق في ليلة. وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة. وأرغب إلى الله في بقائه وسلامته».
وعلى هذا، فإنَّ المعري كان يكبر أبا القاسم المغربي بما لا يقل عن ثماني سنوات، أي أنَّه كان في الخامسة والعشرين حين كان أبو القاسم في السابعة عشرة. ومع أن أبا القاسم انتقل بصحبة أبيه وسائر آل المغربي إلى مصر سنة 381 (أي وهو في سن الحادية عشرة)، فإنَّه كان شديد الحنين إلى عهد نشأته بحلب، فيقول في بعض شعره ـ من بعد ـ:
حن قلبي إلى معالم بابلا
حنين الموله المشغوف
مطلب اللهو والهوى وكناس
الخرد العين والظباء الهيف
حيث شطا قويق مسرح طرفي
والأسامي مؤانسي وأليفي
ليس من لم يسل حنيناً إلى الأوطان
إن شئت النوى بظريف
كما أنَّه يحن إلى معرة النعمان، مما قد يدل على أنَّه عرفها قبل الرحلة إلى مصر، وليس بمستبعد أن يكون في تلك السن قد تعرف إلى أبي العلاء، وأعجب به، وقرر أن يشأى شأوه في الدرس والاطلاع، إذ من المرجح أن يكون لوالده ـ وهو وزير سيف الدولة ـ صلة قوية بالمعرة، مما جعل أبا العلاء المعري يهتم بأخباره، بل لعله سمع منه مباشرة أخباراً لم تضيعها ذاكرته القوية، فهو يروي في «رسالة الصاهل والشاحج» أنَّ علي بن الحسين المغربي حدث أنه كان مع سيف الدولة علي بن حمدان، وهما خاليان، فسأله سيف الدولة عن التزويج، فقال له علي بن الحسين: لي بنت عم وأنا أنتظر قدومها علي، فتلفت سيف الدولة يميناً وشمالاً، هل بقربه من يسمع كلامه، ثم قال: لا تفعل، بنت العم بنت الغم. ومما يقوي القول بهذه العلاقة أن علي بن الحسين لم يكد يعود من مصر إلى ديار الشام على رأس جيش صد هجوماً رومياً عند حارم، حتى سجل أبو العلاء ذلك بقصيدة له، مطلعها:
هو الهجر حتى ما يلمُّ خيالُ
وبعضُ صُدود الزائرين وصالُ
أشاد فيها بانتصار ابن المغربي في تلك الوقعة، ومدحه بقوله:
فلا زلت بدراً كاملاً في ضيائه
على أنَّه عند النماءِ هلالُ
فما لخميسٍ لم تَقُده عرامةٌ
ولا لزمانٍ لست فيه جمالُ
وقد تمت هذه المعركة في أيام العزيز بالله صاحب مصر (الذي توفي سنة 386)، فهي قد حدثت قبل ذلك العام، ببضع سنوات، وكان القائد الأعلى هو بنجوتكين التركي، وابن المغربي قد عُيِّنَ من قبله غير أن القصيدة لا تشير إلى القائد الأعلى ولا إلى العزيز، وإنما تقتصر على مدح الجيش المقاتل وقائده، وتكاد أن تقتصر على إعجابه الشخصي بعلي بن الحسين المغربي لما حققه من نصر، وهو إعجاب عاش مع الزمن، حتى أنَّه حين تذكره بعد وفاته بسنوات عديدة قال فيه: «فقد كان ذلك الرجل سيداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيداً، ولمن قوي منهم واداً، ودونه للنوب محاداً، وكان كما قال القائل:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه
لم تدرِ أيهما ذوو الأرحام
وكان كما قال الطائي:
كلُّ شعْبٍ كنتم به آل وهبٍ
فهو شعبي وشعب كل أديب
وفي هذا البيت الأخير الذي استشهد به إشارة إلى أنَّه كان يعدُّ آل المغربي شعبه وشعب كل أديب»، مصِرّاً على موالاتهم ومحبتهم، رغم كل ما قد يقوله فيهم الشائنون المبغضون.
لا عجب إذن ـ وهذا الإعجاب متبادل ـ أن يكون أبو العلاء هو المرجع الكبير الذي يُعْرضُ عليه أول نتاج يحققه الفتى أبو القاسم المغربي ـ أعني اختصاره «إصلاح المنطق» لابن السكيت. وإذا لم يكن ذلك بدافع من نصيحة الأب نفسه، فقد تم بدافع من إيمان الفتى أبي القاسم، لأنَّه ـ فيما يبدو ـ لم يكن يقل عن أبيه إعجاباً بقدرة أبي العلاء. واختصار كتاب ـ مهما يبلغ من الجودة والإتقان ـ لا يعد عملاً إبداعياً، حتى يجرد له أبو العلاء المعري همته ويملي فيه رسالة طويلة نسبياً، تعرف بـ «الإغريضية» أو «رسالة الإغريض»، افتتحها بقوله: «السلام عليك أيتها الحكمة المغربية والألفاظ العربية، أي هواء رقاك، وأي غيث سقاك، برقه كالإحريض وودقه مثل الإغريض» (ومن هنا جاء اسم الرسالة). فإهداء مختصر إصلاح المنطق لم يكن إلاَّ سبباً واحداً جداً إلى إملاء هذه الرسالة من بين عدة أسباب؛ إذ يبدو أنها توكيد لاستمرار علاقة طيبة بآل المغربي: «إنْ كاتبت فلا ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب، حسبي ما لدي من أياديه، وما غمر من فضل السيد الأكبر أبيه، أدام الله لهما القدرة ما دام الضرب الأول من الطويل صحيحاً، والمنسرح خفيفاً سريحاً…» وإن المراسلة بين آل المغربي والمعري كانت مستمرة، فهو يذكر في «الإغريضية» أنَّه استقبل رسولين من لدن ابن المغربي: أحدهما اسمه موسى، فيما الآخر هو الزهيري. ثم إنَّ الكتاب لم يصل وحده، وإنما وصل معه ـ فيما يبدو ـ قصيدة أو قصائد من نظم أبي القاسم، ولذلك وقف أبو العلاء عند شعره يقرظه ويثني على قدرته في ممارسة مختلف الموضوعات، قبل أن يتحدث عن اختصاره «إصلاح المنطق». فلما عرض لهذا الكتاب بالغ في الثناء: «… شرفاً له تصنيفاً شفى الريب، وكفى من ابن قريب، ودل على جوامع اللغة بالإيماء، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء». حتى لقد فضله على أصل ابن السكيت. وأبرز ما في الرسالة أمرين: قدرته ـ أعني أبا العلاء ـ على التصرف بالصور النحوية واللغوية والعروضية، ومعرفته بكتاب «إصلاح المنطق» وبعيوبه معرفة حفظ ودرس، ثم ختم رسالته بالشكوى من أنه يقطن في موطن لم تَجُدْهُ عِهادُ الأدب، وأما من حيث النشب فإنَّ لديه بُلْغَتين: بلغة صبر، وبلغة وفر (أي أنه ليس في حاجة إلى عون مادي). واعتذر من مكاتبة الابن بدلاً من الاب بقوله: « وأنا في مكاتبة حضرة سيدنا الجليلة، والميل عن حضرة سيدنا الأجل والده ـ أعز الله سلطانه ـ كسباً بن يعرب، لما ابتهل في التقرب إلى خالق النور، ومصرف الأمور، نظر فلم ير أشرف من الشمس يداً، فسجد لها تعبداً…».
إن هذه الرسالة التي أقدر أنَّها صدرت في حدود سنة 338هـ، لم تكن، على وجه التأكيد، أول رسالة من المعري إلى الوزير المغربي، بل تشير الدلائل جميعها إلى أن «رسالة المنيح» كتبت قبلها. ولم تكن «رسالة المنيح» جواباً على رسالة خص بها المعري، وإنما كانت جواباً عن رسالة عامة بعث بها أبو القاسم المغربي إلى أهل المعرة جملة: «وذلك أنّا معشر أهل هذه البلدة وهب لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم، صدر عن حضرة السيد الحبر، ومالك أعنة النظم والنثر، قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون». وفي رسالة ابن المغربي سلام للمعري أدخل السرور على قلبه: «فحمل فؤادي من الطرف على روق اليعفور، بل فوق جناح العصفور، وكأنَّما رفعني الفلك، أو ناجاني الملك». وإنما أحكم بأن هذه الرسالة قبل «الإغريضية»، لأنَّها جاءت جواباً عن رسالة عامة لأهل المعرة، وفيها يشير المعري إلى العهد الذي قضاه المغربي فيها، فكأنما هو حديث عهد بالرحلة عنها، «فظعن وأرجه مقيم، وارتحل وللثناء تخييم». كما أن «ترسم» المعري فيها في خطاب أبي القاسم يبدو وكأنه غير قادر على «رفع الكلفة» بينهما، فهو حين يقرأ ثناء ابن المغربي عليه يستشعر التواضع، ويقول: «ومن أنا… هل أدبي في أدبه إلا كالقطرة في المطرة». وعندما يريد أن يسأله شيئاً من نظمه ونثره ينتحل التهيب ويقول: «لقد هممت باسترفاد حضرته البهية من بدائعه ما يفضل المال ويكون الجمال، فعداني عن ذلك إعظامي له واستحقاري نفسي، وارعوت بي الهيبة إلى إرمامي وكفى، وأبى الله إلا أن يكون التفضيل من قبله، فوعد التشريف بما سنح من المنثور والمنظوم». وفي الرسالة لفتة لا نجدها في الإغريضية»، وهي تنويه المعري برعاية المغربي للمعرة «بكتاب حكمة يوفده وعهد بصيرة يعهده»، أو برعاية مزالفها وحماية مزارعها، ويذكره ببؤس حال أهلها لإحاطة العدو بها، «فهم يتوقفون كفة الحابل، ويتوقعون رشق النابل، وسالمهم هامة اليوم أو غدٍ، وإن لم يكن ما خافوا فكأن قد»، وكأنَّما المعري يخاطب في هذه الرسالة المغربي أبو ـ أبا الحسن ـ لا ابنه أبا القاسم، وفي هذا ما قد يشير إلى ما كان يعلقه المعري من آمال على آل المغربي، منذ أن أصبحوا ذوي مكانة عالية في الدولة الفاطمية، للنظر إلى حال البلاد الحلبية، أو إن شئت الشام، وفي مقدمتها المعرة.
هذا من جانب المعري، أما من جانب أبي القاسم المغربي فلم أعثر إلا على رسالة واحدة موجهة إلى المعري وإلى شخص آخر، مبنية على التثنية: «سيدي»، وفيها تشوق كثير، ومراوحة بين النثر والنظم، وليس فيها مما ينبىء عن سبب باعث لكتابتها سوى ذلك، وفيها لمحة من شكوى الحال: «وأما حالي وما أنا عليه فجملتها أني أمسي وأصبح في غل التدبير، وأروح وأغدو في سجن المقادير، هدفاً لسهام الليالي والأيام، وعرضة لأسنة الأحوال والأعوام، أجد ما لا أريد وأريد ما لا أجد». وهي شكوى عامة لا تحدد وضعاً، وربما كانت أدل على مزيد من الطموح لا على بؤس الحال أو ترديها. ولا نجد لأبي العلاء جواباً عن هذه الرسالة، وإنَّما نجد له قطعة تدل على أنها كانت في تاريخ متأخر، ولعلها كانت بعد خروج أبي القاسم من مصر بسنوات، وهذه هي القطعة: «كلما هم خبري بالهمود، وأشرفت ناري على الخمود، نعشني الله بسلام برد من حضرته، يجعل أثري كالروضة الحزنية والبارقة المزنية، ولو كنت عن نفسي راضياً لشرفتها بزيارة حضرته، ولكني عنها غير راضٍ، وما أقربني إلى انقراض، وإنما أنا قصيص التمراد ومتخلف المراد، فقد عددت في أناس قيل فيهم {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسَأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وإن نعمت أو شقيت فدعائي يتصل بحضرته ما بقيت». فقوله: «لشرفتها بزيارته»، لا يمكن أن يعني أن أبا العلاء كان ينوي زيارته في مصر، وإنما كان ابن المغربي منه دانياً حينئذٍ، إمَّا في الرملة، وإمَّا في بغداد، وإمَّا في مكان آخر يسهل على مثله السفر إليه، وقوله: «وما أقربني إلى انقراض»، يشير إلى وهن في العزيمة واستشعار لوطأة العمر. وبين اليأس الذي تنضح به هذه الرسالة والآمال العراض في «رسالة المنيح» بون شاسع. فما السر في ذلك يا ترى؟
أعتقد أنَّ ذلك كله يعود إلى إخفاق الوزير المغربي في ثورته على الدولة الفاطمية، فقد ذهب العزيز وجاء الحاكم، فقتل والده وعمه وأخوين له، وهرب أبو القاسم إلى الشام مع بعض العربان، وحصل عند حسان بن المفرج ـ زعيم طيىء ـ واستجار به، وأشار عليه بمباينة الدولة الفاطمية، وبمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة ومبايعته، ليصبح خليفة، وترسل أبو القاسم بنفسه في إنجاز هذا الأمر، وسار إلى العرب كلها من سليم وهلال وعوف بن عامر وغيرهم ليبايعوا أبا الفتوح خليفة عليهم بدلاً من الفاطمي، ثم جاء بابن جعفر العلوي أمير مكة ودخل به الرملة؛ فتلقاه بنو الجراح، وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين. وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وخطب بذلك على المنبر. غير أنَّ هذا التدبير لم يتم، إذ كتب الحاكم الفاطمي إلى حسان وإلى المفرج والد حسان، وبذل لهما من الوعود ما جعلهما يترددان في نصرة هذه الثورة، فضعف أمر أبي الفتوح، وعاد إلى موطنه مكة، وهدأت الثورة التي تريد قلب الدولة الفاطمية، كأنَّها لم تكن. وفي الوقت نفسه كتب الحاكم إلى أبي القاسم يقول له: «إنَّك آمن بأمان الله ورسوله محمد المصطفى وأبينا علي المرتضى والأئمة من آلهما مصابيح الدجى، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين… أماناً ماضياً لا يُتَعَقّبُ بتأويل، ولا يتبع بنسخ ولا تبديل». وشفع هذا كله بالأمان المؤكد. ولكن الوزير المغربي كان قد وصل قبل بلوغ الأمان إلى العراق يؤم فخر الملك أبا غالب وزير مشرف الدولة أبي علي. ولكن الخليفة العباسي، القادر لم يكن مرتاحاً لوروده. فاتهمه بنية إفساد الدولة العباسية.
المهم أنَّ هذه الثورة أو إخفاقها، واكب عودة المعري من بغداد، وهو الذي كان يعرف معرفة اليقين تلك الحركة البدوية، ودورها في محاولة زعزعة الحكومات القائمة حينئذٍ، وهي التي يصورها بقوله، بعد العودة.
وما أذهلتني عن ودادك روعة
وكيف وفي أمثالها يجب الغبط
ولا فتنة طائية عامرية
يحرق في نيرانها الجعد والسبط
وقد طرحت حول الفرات جرانها
إلى نيل مصر فالوساع بها تقطو
ولكن هذه الآمال التي واكبت عودته من بغداد، وثورة الوزير المغربي، حينئذٍ، أوقعته في يأس عميق. ولقد كنا نقرأ من قبل أنَّ أبا العلاء بعد عودته من بغداد خاطب أهل بلده بأنه مزمع على العزلة، ولكنا حين نقرن ذلك بالأخفاق الذي مني به الوزير المغربي ندرك أنَّ العزلة لم تكن أرباً شخصياً، وإنَّما لعلَّها كانت نتيجة لأحلام كان المعري يعقدها على أبي القاسم المغربي وثورته. ولهذا، فإنَّ الوزير حين كتب له بعد إخفاق تلك الثورة رسالته التي أشرت إليها ردَّ عليها أبو العلاء بما يشرح موقفه اليائس الذي لا يرجو له انتعاشاً.
وتلف المعري عزلته، وتتقلب الأيام بالوزير المغربي تقلباً ليس هذا موطن شرحه، ولكن التباعد بين الرجلين ـ الصديقين ـ لم يوقظه إلاَّ ناقوس الموت، موت الوزير، فإذا بأبي العلاء يرثيه، وهو مشغول بالتحدث عن القضايا الإنسانية لا عن الأفراد.
ولكن سخرية القدر لا تقف عند هذا الحد. لقد مات الوزير المغربي وابنه أبو العلاء على نحو لم يفعله مع أحد آخر، وأصبحت ذكراه موضع حديث طويل، بل أخذ أبو العلاء يقيس الناس بعلاقاتهم به، وتشاء الأقدار ذات يوم أن يذكروا على مسمع منه رجلاً اسمه ابن القارح فيقول أبو العلاء: «أعرفه خبراً، وهو الذي هجا أبا القاسم بن الحسين بن علي المغربي». فيكتب ابن القارح رسالة يتحدث فيها عن نفسه، وعن علاقته ببني المغربي، وعن الخطيئات وأصحابها على مر الزمن، وكأنَّما يسائل المعري: أين يقع صاحبك الوزير المغربي بين أصحاب ذوي الخطيئات؟ ذلك أنَّه صوره في رسالته امرء شديد الطموح، حتى كان والده نفسه يخاف مغبة طموحه، وأنَّ أبا القاسم قال له يوماً: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه. فقال له: وأي خمول هنا؟ تأخذون من مولانا ـ يعني الخليفة الفاطمي ـ في كل سنة ألف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظم مكرم. فقال: أريد أن يصار إليَّ ديوان الكتاب، والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان. ويلمح ابن القارح إلى أنَّ الوزير أبا القاسم كان يسر حسواً في ارتغاء، وأنه كان يتخوف هذه العاقبة، ويقول: «ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه». وقبض على لحيته. ويمضي ابن القارح فيعدد سيئات أبي القاسم، ويصفه بأنَّه كان مجنوناً، ويقول: وكان أبو القاسم ملولاً والملول ربما مل الملال. ولكنه كان يدري أو لا يدري محبة أبي العلاء لأبي القاسم، بل لعله كان يستشيره ليعلن رأيه فيه.
ولكن خاب فأل ابن القارح، إذ رد أبو العلاء على كل ما جاء في رسالته، وعلى أشياء لم تجيء فيها، فسخر منه سخرية عريضة في «رسالة الغفران»، ووضعه في مواضع مضحكة، وتهكم به ويفهمه لمعنى الذنوب ولمعنى المغفرة تهكماً لا نظير له في الأدب العربي، وكتب في ذلك رسالة تعد من روائع الأدب العالمي ـ لا الأدب العربي وحده ـ ولكنه سكت فيها عن كل إشارة لأبي القاسم لأنه كان قبل ست سنوات (وهي المدة بين رثاء الوزير المغربي وكتابة رسالة الغفران) قد قال:
إن يخط الذنب اليسير حفيظاك فكم من فضيلةٍ محايه
كانت مشكلة الغفران لدى أبي العلاء هاجساً مثيراً قبل أن يكتب إليه ابن القارح رسالته، حتى إنَّه في «رسالة المنيح» يقول: «أفبلدتنا جنان أم وضح لأهلها الغفران»؛ فقد كانت تلك المشكلة تلح على خاطره، فلما طالعه «دَوْخَلَة» أعني ابن القارح بالسؤالات عن أصحاب ذوي الذنوب، كتب إليه «رسالة الغفران» ليسخر به، وسكت عن أي ذكر للوزير المغربي، كأنما يقول له: عليك أن تقرأ اللزوميات، لتعرف رأيي فيه، فقد كان الوزير المغربي كغيره من البشر ذا هنات يسيرة قيدها الحافظان، ولكن ما أقربها من الغفران. ولذلك يصدق في رسالة الغفران ما قلته فيها منذ زمن بعيد: «نخطىء كثيراً إذا اعتقدنا أنَّ رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء هي التي دفعت فيلسوف المعرة إلى إنشاء، «الغفران» دفعة واحدة، دون أن تكون مقدماتها حاضرة في نفسه منذ زمن بعيد. ولو أنَّ ابن القارح لم يكتب رسالته، لكان لا بد لرسالة الغفران أن تكتب على نحو ما حين بلغ التهيؤ النفسي حده الأقصى لإبداعها». هذا ما قلته بدافع الحدس القوي، وأنا اليوم أجد شواهده بالاستقراء، وخير شاهد على ذلك هذه العلاقة التي حاولت رسم خطوطها العريضة بينه وبين الوزير المغربي.
الرسالة الفارقة والملحة الفائقة
جمع وتأليف عبدالرحمن بن محمد العتائقي)[770](
اسم مؤلف هذه الرسالة النادرة، عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف المعروف بابن العتائقي، والملقب بكمال الدين. وهو يعد من فقهاء وعلماء وأطباء الشيعة في القرن الثامن ومن معاصري الشهيد الأول (المتوفى سنة 786هـ).
وابن العتائقي من أهل الحلة، وهو منسوب إلى «العتائق» القرية التي تقع إلى الشرق منها.
ويكتب صاحب روضات الجنات أن عدداً من جماعات وعلماء ذلك العصر رووا عن ابن العتائقي، منهم الشيخ نجم الدين جعفر الزهدري أو ابن الزهدري والسيد بهاء الدين علي بن عبدالحميد النجفي صاحب كتاب الدر النضيد.
وقد مدحه السيد بهاء الدين علي بن عبدالحميد النجفي أستاذ بن فهد الحلى في كتاب «السلطان المفرج عن أهل الإيمان» حين قال:
في صفر من سنة 759 في مدينة (الحلة السيفية) سمعت عن لسان المولى الأجل الأمجد: والعالم الفاضل، والقدوة الكامل.
المحقق المدقق. مجمع الفضائل، ومرجع الأفاضل، وافتخار العلماء في العالمين، وكمال الأمة والدين، عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم العتائقي قال:
إن مولاي الكبير وجمال الدين والشيخ الأجل والعقيد والقارىء الأوحد نجم الدين زهدري. أصيب بالفلج، وقد عالجته وعالجت جد ابيه.
بعد ذلك يكتب السيد بهاء الدين المذكور، أنه يعني ابن العتائقي، كتب بخطه الكريم الذي توجد صورته أمامي. ما يلي «قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى عبدالرحمن بن إبراهيم العتائقي».
ومن هذه الحكاية يبدو لنا أن ابن العتائقي كان من علماء الطب. وسنرى في آثاره كتبا في صناعة الطب أيضاً.
وليس لدينا معلومات كثيرة عن حياته. وكل ما كتبوه عنه أنه عاش طويلاً فقد كتب خير الدين الزركلي أن، ابن العتائقي ولد في حدود سنة 699هـ في مدينة الحلة في العراق، وتعلم في نفس المدينة: واتجه نحو الفلسفة والتاريخ وفي سنة 746هـ غاب عن تلك المدينة نحو عشرين عاماً قضاها متجولاً في إيران وبلاد أخرى، وقضى أكبر مدة منها في اصفهان. ثم عاد إلى العراق وأقام في النجف الأشرف. ومات في سنة 790هـ.
ولابن العتائقي تآليف كثيرة منها الكتب التالية التي ذكرت في كتب المؤلفين:
1 ـ شرح نهج البلاغة ويقع في أربعة مجلدات.
2 ـ كتاب اختيار حقائق الخلل في دقايق الحيل.
3 ـ اختصار كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري.
4 ـ كتاب الأعمال.
5 ـ كتاب الأضواء في اللغة.
6 ـ كتاب مختصر تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم القمي.
7 ـ الإيضاح والتبيين في شرح منهاج اليقين للعلامة الحلي في أصول الدين.
8 ـ كتاب الإماقي شرح كتاب الإيلاقي.
9 ـ شرح ديوان المتنبي.
10 ـ شرح صفوة المعارف في شرح منظومة سعد بن علي الحظري.
11 ـ الحدود النحوية والمآخذ على الحاجبية.
12 ـ البسط والبيان في شرح تجريد الميزان.
13 ـ تجريد النية من الفخرية.
14 ـ كتاب الشهدة في شرح الزبدة.
15 ـ كتاب التصريح في شرح التلويح.
16 ـ شرح رسالة في الدلالة.
17 ـ الإرشاد في معرفة الأبعاد.
18 ـ المنتخب.
19 ـ الدر المنتخب من لباب الأدب.
20 ـ شرح الفصول الإيلاقية في كليات الطب.
21 ـ الرسالة الفارقة والملحة الفايقة، هي موضوع بحثنا هذا.
وقد كتب الشيخ آغا بزرك طهراني في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة حول هذه الرسالة ما يلي.
هي رسالة في الفرق والملل، للشيخ كمال الدين عبدالرحمن بن محمد بن إبراهيم العتائقي الحلي. وهي عبارة عن مجموعة كتبت كلها بخطه وموجودة تحت رقم (778) في خزانة الغروية وتبدأ بما يلي الحمد لله المنقذ من الضلالات المخلص من الجهالات. إلى قوله.
فهذه رسالة تتضمن أن مخالف الحق من أهل القبلة هو كافر أم لا:
وتعدد فرق المسلمين «وآخر هذه الرسالة ناقص. ويظهر أنه لم يكتب غيرها بقلمه من قبل»… يوجد نسخة من هذه الرسالة النادرة عند كاتب هذه السطور التي تتضمن نفس الذي وصفه الشيخ آغا بزرك طهراني في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
وقد أتى على ظهر هذه الرسالة ما يلي:
الرسالة الفارقة والملحة الفائقة جمع عبدالرحمن بن محمد العتائقي وتأليفه عفى الله عنه وأيده بالطافه بمحمد وآله الطاهرين.
وجد تماماً أن هذه العبارات من المؤلف، وهو الذي كتب في تسمية وتعريف الرسالة المذكورة. بخط المؤلف في الخزانة الغروية.
وفي نسخة الكاتب وبعد ذكر العنوان جاء ما يلي:
هذه الرسالة الشريفة نسخت عن خط المؤلف قدس سره الموجودة في المكتبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف في آخريات شهر ذي الحجة الحرام سنة (1353) وباشرت تصحيحها على نسخة الأصل في الثاني والثالث من محرم الحرام سنة (1354) قرأتها مع العالم الفاضل السيد أبي القاسم الأصبهاني نزيل النجف الأشرف وقطينها سلمه الله تعالى وأنا الأقل محمد علي الغروي الأردوبادي… وفي الحاشية الطرف الأيسر من نفس الصفحة جاء بخط آخر ما يلي: «رسالة نفيسة في الفرق الإسلامية تأليف العالم الجليل عبدالرحمن بن محمد الشهير بابن العتائقي شارح نهج البلاغة.
استنسخت عن نسخة الأصل الموجودة بين كتب المؤلف المرحوم غالبها في خزانة الكتب العلوية على ساكنها آلاف التحية.
حررها الأحقر فضل الله الزنجاني عفي عنه. ويظهر أنها كتبت بخط العالم المعاصر ميرز أفضل الله الشهير بشيخ الإسلام الزنجاني المتوفى في شهر فروردين سنة 1333 شمسية.
كما جاء بخط آخر في آخر هذه الصفحة وعلى حاشية الطرف الأيمن ما يلي:
كانت هذه الرسالة في مجموعة فيها رسالة بقاء النفس لنصير الدين الطوسي الفيلسوف وكان تاريخ كتابتها سنة ثمان وسبعين وثمانمائة. وكان خط واحد في رسالة مجموعة كانت بينها رسالة في الدلالة للبندهي والنسخة الأصلية الآن موجودة في خزانة كتب الحضرة العلوية في النجف الأشرف وبذلك يظهر أن المؤلف كان من علماء ذلك العصر.
رسالة في تصدير
كتاب التوطئة في المنطق
رسالة صدر بها الفارابي كتاب التوطئة في المنطق.
دانلوب طبع المتن العربي لهذه الرسالة مرفقاً بترجمة إنكليزية عام 1957م.
ويوجد من هذا الكتاب خمس نسخ خطية في السليمانية.
والدكتورة مباهاة توركركويل طبعت المتن العربي وأرفقته بترجمة تركية.
في تعريف آثار الفارابي لموجفان جنبور تم تعريف ترجمتين المانيتين كنسخ خطية لهذا الأثر.
- () قامت لجنة لتحديد الحدود حسب هذه الاتفاقية ودامت لمدة خمسة سنين ولكنها لم تنته من تلك المهمة فتركت العمل في عام 1268هـ 1851م وقبيل الحرب العالمية أعيد البحث في تعيين الحدود فشكلت لجنة ثانية من الحكومات الروسية والبريطانية والتركية والإيرانية وجرى العمل في عام 1331 ـ 1913م فلم تسفر عن نتيجة حاسمة بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى وبقيت تلك الحدود غير مبتوت بها. ↑
- () يقول حسن الأمين: عندما كنت في أصفهان صيف سنة 1970 زرت خونسار بصحبة بعض الرفاق الأصفهانيين فرأيت بلداً من أجمل بلاد الله. وفي أحد مجالس الأنس قلت شعراً ملمعاً عربياً فارسياً لم أعد أذكر منه إلا مطلعه، أذكره هنا وهو:خونسار أجمل ما رأيت و(بهتر)
فهي (البهشت) بها يسيل الكوثر
↑ - () كان ذلك عند كتابة هذا المقال سنة 1970م. ↑
- () معجم البلدان مادة (خيبر)، وفي مجمع الأمثال للميداني ينسب البيت الأخير إلى النابغة الجعدي في المثل ويقول (كمستبضع التمر إلى هجر وإلى خيبر) إلى ص234. ↑
- () محمد رسول الله ـ محمد رضا ص382 طـ2 مطـ عيسى البابي الحلبي بمصر. ↑
- () المصدر المتقدم ص381. ↑
- () البداية والنهاية ج4، ص185. ↑
- () المصدر المتقدم. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك للطبري ج2، ص301 مط الاستقامة بالقاهرة. ↑
- () القلقشندي، نهاية الأرب ص17. ↑
- () ابن هشام، السيرة ج1، ص54. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج1، ص656. ↑
- () جواد علي، المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6، ص532، 568، 581. ↑
- () روى النجار أن العرب بنوا ثلاثة عشر أطماً، وفي مكان آخر مائة وسبعة وعشرين، مقابل تسعة وخمسين لليهود. النجار، الدرر الثمينة في تاريخ المدينة، ص325 ـ 327. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ، ج2، ص49 وهو يرى أن بني فخذ من جذام ثم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به. وات، محمد في المدينة ص292. ↑
- () الكامل، ج1، ص656. ↑
- () السمهودي، وفاء الوفا ج1، ص177. ↑
- () الأعلاق النفيسة ص61 ـ 62، انظر أيضاً الدرر الثمينة ص325. ↑
- () النجار، المصدر السابق ص327. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج1، ص655 ـ 656. جواد علي، المرجع السابق ج4، ص119. ↑
- () يرى وات أن رغبة كانت لدى بعض العرب في طرد اليهود والاستيلاء على أراضيهم. محمد في المدينة ص297. ↑
- () الواقدي، كتاب المغازي ج1، ص157. ↑
- () محمد في المدينة، ص297 ـ 298. ↑
- () الدرر الثمينة، ص326. ↑
- () الكامل، ج1، ص658. ↑
- () محمد في المدينة، ص295. ↑
- () الدرر الثمينة، ص327. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج1، ص327. ↑
- () الدرر الثمينة، ص327. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج1، ص680. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص658، وما بعدها. ↑
- () إبراهيم بيضون، الأنصار والرسول، إشكاليات الهجرة والمعارضة في الدولة الإسلامية الأولى ص71 ـ 72. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص95. ↑
- () ابن هشام، ج2، ص55 ـ 57. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص106. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص176. ↑
- () ابن هشام، ج2، ص168 ـ 169. ↑
- () المغازي، ج1، ص176. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص176. انظر أيضاً ابن هشام، ج2، ص144. ↑
- () الواقدي، ج1، ص364. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص174. ↑
- () المصدر نفسه، ج؛1، ص175. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص177. انظر ابن الأثير، ج2، ص138. ↑
- () المكان نفسه في المصدرين السابقين. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج2، ص143. ↑
- () المكان نفسه. انظر الواقدي، مغازي، ج1، ص187. ↑
- () الواقدي، ج1، ص187 ـ 190. ↑
- () ابن حبيب، المحبّر، ص282. ابن الأثير ج2، ص147. ↑
- () عبدالله بن عتيك، مسعود بن سنان، عبدالله بن أنيس، أبو قتادة وحليف لهم من خزاعة هو أبو الأسود. ابن حبيب، المحبّر، ص282، ابن الأثير، ج2، ص146. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص148 ـ 149. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص146. ↑
- () ابن الأثير، الكامل، ج2، ص17. ↑
- () الواقدي، مغازي، ج1، ص364. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، ج1، ص366. ابن الأثير، ج2، ص173. ↑
- () الواقدي، ج1، ص367. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص361. ↑
- () سلاّم بن مشكم. ↑
- () الواقدي، ج1، ص374. ↑
- () الواقدي، ج2، ص457. ↑
- () الواقدي، ج2، ص457. ↑
- () محمد في المدينة، ص326. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص141. ↑
- () المصدر نفسه، ج3، ص142. ↑
- () الواقدي، ج2، ص511. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص145. ↑
- () الواقدي، ج2، ص515. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص146. ↑
- () الواقدي، ج2، ص515. ↑
- () المصدر نفسه، ص512. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص518 ـ 519. ↑
- () المغازي، ج2، ص520. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () محمد في المدينة، ص330. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المرجع نفسه، ص331. ↑
- () قامت سنة ست للهجرة. ابن سعد، غزوات الرسول وسراياه، ص89 ↑
- () الواقدي، ج2، ص562. ابن سعد، غزوات ص89. ↑
- () الواقدي، ج2، ص562 ـ 563. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص92. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، ج2، ص566 ـ 567. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص667. ابن سعد، ص92. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المصدر نفسه، ج2، ص568. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص92. ↑
- () ابن هشام، ج3، ص203. ↑
- () ابن الأثير ج2، ص211. ↑
- () الواقدي، ج2، ص637. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () الواقدي، ج2، ص637. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () بيضون، الأنصار والرسول، ص39. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص106. ↑
- () محمد في المدينة، ص332. ↑
- () المرجع نفسه، ص333. ↑
- () المرجع نفسه، ص334. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص221 ـ 222. ↑
- () ابن الأثير، ج2، ص96. ↑
- () سورة الزخرف، الآية 3، انظر مغازي، عروة بن الزبير، تحقيق الأعظمي، ص123. ↑
- () واحة على الطريق ما بين المدينة والشام، على نحو 95 كلم شرق المدينة وهي مجموعة أودية فسيحة كثيرة المياه، تمتد فتصبح وادياً كبيراً واحداً.كانت خيبر عند قيام الدعوة موطناً لليهود. وقد أقاموا فيها عدة حصون للدفاع. وفي أوائل العام السابع للهجرة (628م) بعد صلح الحديبية بشهر أو نصف الشهر غزا المسلمون هذه الحصون. ↑
- () بعد أن يجتاز نهر دجلة صدور جداول منطقة العمارة ويصل إلى جنوب مدينة قلعة صالح يصبح نهراً صغيراً إذ تكون هذه الجداول قد سحبت مياه النهر لتصبها في الأهوار المجاورة. ويبدأ القسم من مياه هذه الأهوار بالرجوع إلى النهر بعد اجتيازه بلدة العزير، ومن هنا يأخذ النهر بالتوسع تدريجياً حتى إذا ما تجاوز گرمة علي أصبح واسعاً بحيث يصلح للملاحة البحرية. ويسمى النهر ابتداء من هذه النقطة حتى الجنوب بشط العرب، ويزداد توسعاً بعد أن يصب فيه نهر كارون من الشرق. وليس في هذا القسم من النهر مشروعات صناعية إلا أنه يعد من أخصب مناطق العالم بنخيله. وتعتمد بساتين النخيل الممتدة على ضفتيه في ريها على المد والجزر في الخليج الذي يحدث هناك فيسبب المد صعود مياه النهر إلى داخل مساقي البساتين بصورة أوتوماتيكية وذلك كلما ارتفع منسوب المياه في النهر بتأثير المد. ↑
- () ديار بكر أو آمد قديماً: مدينة في تركيا على شاطىء دجلة الأيسر. ↑
- () بلد: وهي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل (معجم البلدان). ↑
- () الحديثة، أي حديثة الموصل: وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى وهي غير حديثة الفرات وحديثة دمشق. (انظر ياقوت). ↑
- () وفي المعجم «بارما»، بتشديد الميم: جبل بين تكريت والموصل وهو الذي يعرف بجبل حمرين. ↑
- () ذكره ياقوت فقال: «ساتيدما»، هو الجبل المحيط بالأرض، منه جبل بارما وما يتصل به قرب الموصل والجزيرة وتلك النواحي، ص232 ـ 233. ↑
- () الأرماث جمع رمث (بفتح الميم) وهو خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب في البحر. ويشاهد ذلك بكثرة في دجلة والفرات حتى الآن في مواسم الفيضان لسهولة انحداره مع التيار. ↑
- () أي أن النوتي يستثقل مجذافه لأنه مصنوع من الخشب الثقيل لمقاومة الماء الطاغي وأنه ينهمك بتجديد مقبضه خوفاً عليه من الانكسار. ↑
- () في البيت إشارة إلى أن فيضان دجلة ينشأ عن ذوبان الثلوج الذي يبتدىء من فصل الصيف حتى فصل الخريف. الكسف: القطع. ↑
- () إشارة إلى مزامير النبي «داود» المعروفة وإلى ألحان «معبد» من شيوخ المغنين في العهد الأموي واضعي أُسس الغناء وقواعده. ↑
- () الهيم: العطاش. والغيد: النساء الحسان اللينات الأعطاف. ↑
- () يراد بفرائد العقد حبات الماء المتجمعة في النهر، وكذلك الشر د. وتهفو: بمعنى تتعثر. ↑
- () الأيّد: القوي. ↑
- () في مراصد الاطلاع لصفي الدين بن عبدالحق (ديلة كودان وهو أقرب إلى الصواب). ↑
- () في المراصد (من أعلى أصبهان). ↑
- () معجم البلدان لياقوت (4، 44) وشبيب هذا هو ابن يزيد الشيبابي الخارجي. ↑
- () .. تقع أطلال اصطبلات في الجانب الغربي من نهر دجلة وتبعد عن بغداد بنحو ثمانية وتسعين كيلومتراً وعن سامراء بنحو ثمانية عشر كيلومتراً.. كانت معسكراً كبيراً للجيش العباسي وفيها دور للقواد وساحات للخيم وثكنات للجند. وتقع القادسية في الجانب الشرقي من دجلة على بعد ثمانية كيلومترات من سامراء من جهة الجنوب. ↑
- () قال الحموي (الطاهرية قرية ببغداد) والصواب ما قاله ابن عبدالحق من أنها مغيض فضلات الماء من يزد جيل ومن نهر عيسى، صار نهراً عليه قناطر معقودة بالآجر بعدة أبواب ويرمي إلى دجلة. ↑
- () الدكتور أحمد سوسة في كتاب وادي الفرات. ↑
- () المصدر نفسه ص39. ↑
- () وادي الفرات (2: 40). ↑
- () مجلة عالم الغد ج2، ص2. ↑
- () يراد بالإمامي: الشيعي. ↑
- () (محيى الدين، الملقب عالمگير) 1118م ـ 1707م سادس وآخر أباطرة المغول في الهند حكم ـ 1707م/ 1118هـ). عُرفت إمبراطوريته في عهده أقصى اتساعها وأسقط الدولتين القطب شاهية والعادل شاهية، كان شديد التعصب والعداء للشيعة وغيرهم.بعد وفاته خلفه ابنه شاه عالم بهادر شاه وكان خلافاً لأبيه معلناً ومجاهراً بالتشيع. ↑
- () الوهد: الأرض المنخفضة. ↑
- () تلعات: جمع تلعة وهي ما علا وما سفل من الأرض. ↑
- () سويقة: اسم لأكثر من موضع في الحجاز والمقصود هنا بسويقة: حي كان في مكة المكرمة إلى الشمال من المسجد الحرام وفيه منزل السيد المدني ولكن دخل مؤخراً هذا الحي في التوسعة للمسجد الحرام. ↑
- () أجياد: موضع إلى الغرب من جبل الصفا بمكة المكرمة. ↑
- () المأزمين (بلفظ التثنية): موضع بين المشعر وعرفة. ↑
- () حراز (كسحال): جبل بمكة، قاله صاحب القاموس ولم يذكره الحموي. ↑
- () جارية كناز (بالكسر): كثيرة اللحم صلبة. ↑
- () محمد رسول الله لمحمد رضا 2 ص383 مط عيسى البابي الحلبي بمصر. ↑
- () راجع عن تشيع السعديين بحث البربر. ↑
- () تشير الوثائق التاريخية، والرُّقم الأثرية إلى أن مدينة دمشق هي إحدى أقدم المدن التي ما زالت قائمة تضج بالحياة، وثمة في جنبات المدينة وأروقتها وحاراتها شواهد كثيرة تتجلى في الأوابد، والقلاع، والمباني القديمة التي تشهد على تاريخها المديد، وترسخ عراقتها الموغلة في القدم.وبقليل من التمعن يكتشف المرء هذه الحقيقة، إذ تكثر في دمشق المقاهي، والقباب، والمتاحف، والأبواب، والجوامع، ونماذج من العمارة تعود إلى مختلف الحقب التاريخية التي مرت بها المدينة. وكلها تروي قصة موشاة بعبق التاريخ فجلب لها شهرة واسعة. ↑
- () عندما نزح الآراميون من الجزيرة العربية، وفق ما ترجحه غالبية المؤرخين، في إحدى هجرات الشعوب التي اعتاد الباحثون في العصور الحديثة تسميتها بـ (السامية)، والتي حدثت في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، واتجهوا إلى أعالي الرافدين وحوض الفرات الأوسط وبلاد الشام، كانت قد سبقتهم إلى المنطقة شعوب أخرى، وطدت وجودها وعززت قوتها، إلا أنهم استطاعوا تحصين مواقعهم وتشكيل دويلات عدة، منها ممالك دمشق وحماة وحلب وحران في سورية وكالدو في جنوب الرافدين.لكن هذه الدويلات اضطرت إلى الخضوع أخيراً للسلطة الآشورية القوية، بعد حروب طاحنة دامت نحو قرنين، ومع ذلك تمكن الآراميون من أن يحكموا آخر إمبراطورية في تاريخ العراق القديم في بابل التي عرفت بالكلدانية، ودام حكمها من سنة 626 ق.م إلى 539 ق.م.
وعلى رغم أن سلطان الآراميين السياسي كان محدوداً، جغرافياً، باستثناء الفترة الكلدانية، وقصيراً زمنياً بوجه عام، إلا أنهم استطاعوا أن يفرضوا لغتهم وثقافتهم وبقاءهم في رقعة الشرق القديم، خلافاً لما آل الأمر إلى غالبية الآخرين، بمن فيهم أولئك الذين دعمتهم القوة العسكرية لقرون عديدة. ↑
- () عثرت في عام 1965 في تنقيبات قمت بها في صحن الجامع الأموي على فخار يرجع إلى عهد البرونز القديم أي إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، إنه أقدم ما عثر عليه في دمشق حتى الآن.. ↑
- () Dussaud: Topographie…, p.292 ↑
- () Abel: Géographie de la Palestine, T.11, p.301. ↑
- () Syria T.III. p.234, ref.1. ↑
- () يقول النويري في (كتابه نهاية الارب في فنون الأدب): غوطة دمشق، هي شرك العقول وقيد الخواطر، وعقال النفوس نزهة النواظر، خلخلت الأنهار أسؤق أشجارها، جلست المياه خلال ديارها وصافحت أيدي النسيم أكف غدرانها، ومثلت في باطنها موائس أغصانها، يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان، ويتوهم المتأمل لثمراتها أنها أشربة قد وقفت بغير أوان في كل أوان، فيا لها من رياض من لم يطف بزهرها من قبل أن يحلق فقد قصر، ومن غياض من لم يشاهدها في إبانها فقد فاته من عمره الأكثر». ↑
- () تتميّز دمشق بكثرة أسواقها، ولعل أشهرها صيتاً هو سوق الحميدية الذي يمتد من قلعة دمشق إلى بوابة الجامع الأموي الغربية. ويجذب هذا السوق السياح الأجانب بصورة خاصة لأنه يبيع ـ من جملة ما يبيع ـ التحف الشرقية، والمشغولات اليدوية، والصناعات التقليدية التي تتميز بندرتها وخصوصيتها الشرقية، فضلاً عن أسواق أخرى كثيرة مثل: الصالحية، مدحت باشا، باب توما، الشيخ محي الدين ابن عربي، الحمراء… إلخ. ↑
- () لمزيد من التفاصيل عن تاريخ القلعة ووصف بنائها، انظر: عبدالقادر ريحاوي، مدينة دمشق تراثها ومعالمها التاريخية، دمشق، 1969، ص179 ـ 184.سيشار لهذا المرجع: ريحاوي، مدينة دمشق. ↑
- () مالية مدورة، ص87 ـ 90. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus, p.10-1. ↑
- () Ibid: p.101. ↑
- () الطوبيجية: رماة المدفعية. Bakhit, The Ottoman Province of Damascus p.101. ↑
- () مالية مدورة، ص90 ـ 91. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus, pp.101-102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () العربجية: استخدم العثمانيون المدافع المتحركة، لذا كان لا بد من وجود العربجية الذين توكل إليهم مهمة جر المدافع، وقد عرف قائدهم بالعربجي باشي.انظر: جب وبون، المجتمع الإسلامي والغرب، ج1، ص97 ـ 98. ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damascus p.102 ↑
- () Bakhit, The Ottoman Province of Damasscus, p.102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () Ibid, p.102 ↑
- () العرضي، معادن الذهب، ورقة 83أ ـ 84ب. ↑
- () الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين، ص149. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية (القسمة العسكرية)، م3، قضية 21، ص17، 17 صفر 1040هـ/ 1630م. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية (القسمة العسكرية)، م 4ق3، قضية 109، ص49، 2 ربيع الثاني 1045هـ/ 1635م. ↑
- () سجلات محاكم دمشق الشرعية، (القسمة العسكرية)، م8، قضية 104، ص53، 8 شعبان 1060هـ/ 1650م. ↑
- () Thevenot, Travels into the Levant, Book 1, Part II. ↑
- () الطاط: العناصر غير التركية كالأكراد والفرس.انظر: Heyd, Ottoman Documents, p.68. ↑
- () Ibid pp.68 – 69; Bakhit. The Ottoman Province of Damascus, p.103; Rafeq, Abdul-karim, The Province of Damascus 1723-1783, Khyats, Beirut, 1966, p.27.سيشار لهذا المرجع: Rafeq, the Province of Damascus: ↑
- () محمد كوبرلي الوزير الأعظم في عهد السلطان محمد بن السلطان إبراهيم، كان قد تولى الأمور في وقت كانت فيه الأمور مضطربة فاستطاع بدهائه وبطشه أن يرسخ دعائم الدولة ويقضي على الكثير من حركات العصيان، أما على الجبهة الأوروبية فقد أحرز انتصاراً باهراً سنة 1067هـ/ 1656م واشتهر عن هذا الوزير أعماله العمرانية، وأصبحت هذه الأسرة عوناً للدولة بما كانت تخرجه من إداريين أفذاذ خدموا الدولة العثمانية خدمة جليلة، وكان محمد كوبرلي قد ولي الشام سنة 1056هـ/ 1646م، كما ولي القدس وطرابلس، وكانت وفاته 1072هـ/ 1661م المحبي، خلاصة الأثر، ج4، ص309 ـ 311، Huart. Cl., «Koprulus» E.I’. vol II, pp.1059-1062. ↑
- () المحبي، خلاصة الأثر ج4، ص311. ↑
- () عبدالكريم رافق، «مظاهر من الحياة العسكرية العثمانية في بلاد الشام من القرن السادس عشر حتى مطلع القرن التاسع عشر».دراسات تاريخية، العدد الأول، جامعة دمشق، دمشق، 1980، ص176 ـ 189، سيشار لهذا المرجع: رافق، «مظاهر من الحياة العسكرية». ↑
- () Bakhit, «Aleppo and Ottoman Military in the Sixteencth Century», AL-Abhath, vol XXVII, A. U.B., Beirut, 1978/1979, pp.30-31سيشار لهذا المرجع: Bakhit, «Aleppo and Ottoman Military» ↑
- () انظر ص101 ـ 107 من هذه الدراسة. ↑
- () الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين، ص136. ↑
- () انظر ص104 ـ 107 من هذه الدراسة. ↑
- () يقتضينا البحث ـ ابتداءاً ـ تعريفاً لغوياً بالخان يمليه ما نشأ من خلط اصطلاحي بينه وبين الفندق أحياناً، وبينه وبين القيسارية (أو القيصرية) أحياناً أخرى، وهو خلط ربما نشأ عن وظائف متشابهة بين هذه المنشآت الثلاث ليست هي ـ على أية حال ـ وظائفها كلها، وإن صح القول ـ من قبيل المجاز ـ إن خان الأمس هو فندق اليوم.والظاهر أن مصطلح الخان لم يستقر على معنى المؤسسة التجارية الحرفية الفندقية إلا في العهدين المملوكي والعثماني، فهذا ابن منظور الذي عاش في القرنين السابع والثامن الهجريين (630 ـ 711)، يبدو متردداً في القول بوظائف الخان المعروفة، فهو عنده: «الحانوت أو صاحب الحانوت، فارسي معرب، وقيل: الخان الذي للتجار». ولكن التعريف يقطع بأن المصطلح مقترض من الفارسية، في صورة ترخيم، إذ هو في الأصل «خانه» بهاء غير ملفوظة، فيما الخان رتبة يبلغها القائد (انظر معاجم اللغة الفارسية).
إذاً، فالمصطلح تطور مع الزمن ثم استقر، بدليل أن من أسماء الخان في القرن الرابع الهجري «التيم»، وتحديداً في منطقة «ما وراء النهر» كما يذكر المقدسي (نقله عنه آدم متز في «الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري»: 2/387)، وبدليل تدرج الخان حتى في العصرين المملوكي والعثماني من «كلمة الدار التي أطلقت في البداية على منازل المسافرين في كل من سورية والعراق في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) إلى «دار الوكالة» التي ترادفت مع «سراي القوافل» في داخل المدن خلال القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) حتى حلّت كلمة الخان محل كل الكلمات السابقة على أبنية المسافرين داخل المدن (عاصم محمد مرزوق: «معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية»، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2000، ص92). ↑
- () ويبدو لنا أن الخان نفسه اختلف في المدن عنه على طرق القوافل، وأن الجامع بينهما أنه مكان لإقامة المسافرين من التجار، أضافتها إلى الحرفيين والحرف كخان الخياطين وخان الصابون في طرابلس، أو إضافتها إلى نوع السلعة التجارية كخان الرز في صيدا ـ كانت لإقامة المسافرين وتخزين بضائعهم وإيواء دوابهم، كما كانت مقراً للحرفيين ومحترفاتهم ومنتوجاتهم، فيما كانت خانات طرق القوافل مأوى للتجار المسافرين ودوابهم فحسب، ففي المصطلح الأثري المعماري كان الخان «عبارة عن نزل للاستراحة على طرق القوافل المختلفة بين المدن أو عند مداخل أسوارها» (عاصم محمد مرزوق، المصدر السابق، ص91).كذلك اختلف المصطلح بين منطقة وأخرى، فالفندق «الذي تشابه في وظيفته وتخطيطه مع الخان… اصطلاح شاع في الشمال الإفريقي للدلالة ـ في معنى الخان ذاته ـ على نزل أعد لإقامة الإنسان والحيوان، وكان يتكون من فناء أوسط تحيط به من الجهات الأربع أبنية ذات طابقين، خصص الأرضي منها لإيواء الدواب الناقلة للمسافرين وتجاراتهم، بينما خصص العلوي الذي كان يشتمل على رواق يدور حول الصحن به مجموعة من الطباق السكنية الصغيرة لإيواء التجار والمسافرين» (نفسه، ص92).
إن هذا النص يضعنا أمام الخان لا الفندق، وإن بدا أن مصطلح الفندق (ذي الأصل اليوناني أو اللاتيني) عرف أيام الأيوبيين، فقد «ظهرت كلمة الفندق لأول مرة في نص منقوش فوق باب مدخل فندق العروس الذي شيَّده الناصر صلاح الدين سنة (577هـ/ 1181م) بالقرب من بلدة القطنية على طريق القوافل بين حمص ودمشق» (نفسه، ص92)، وفندق العروس هذا ـ كما يبدو لنا ـ أقرب إلى فنادق اليوم منه إلى الخانات، إذا جاز لنا أن نستنتج من اسمه أنه استضاف العرائس، وإن كنا لا نملك حججاً قاطعة ندافع بها عن هذا الرأي.
يبقى أن نتلمس الفروق ما بين الخان والقيسارية، وهذه الأخيرة أقرب إلى أن تكون سوقاً، مع وجود شبه في بعض التفاصيل المعمارية والوظائف بينها وبين الخان. ↑
- () يمكن للدارس والسائح أن يعثرا في الأقطار العربية والإسلامية على الكثير من الخانات التي تشكل حلقة أساسية في تاريخ تطور العمارة العربية الإسلامية، وفي تاريخ تطور المنشأة التجارية الفندقية ونظم التجارة منذ ما قبل الإسلام حتى مطلع القرن العشرين، وفي إمكان المنقّب في المصادر والمراجع أن يعثر على معلومات وافرة عن خانات كانت واندثرت لشتى الأسباب والظروف.بعض هذه الخانات، ولا سيما خانات المدن، يلقى عناية من حكومات وهيئات أهلية محلية وهيئات دولية، تتعهدها بالترميم، وتتطلع إلى دور ثقافي لها، مختلف عن دورها التجاري الفندقي الذي انتهى وأخلى الساحة لدور الفنداق والمؤسسات التجارية الحديثة، فيما تُهمل الخانات الصغيرة المتداعية الباقية على طرق القوافل، لبُعدها من مراكز النشاط الثقافي، ولأنها متواضعة في أحجامها وهندستها. وثمة خانات في المدن يتهددها الزوال لأن ترميمها يحتاج إلى المال الكثير، أو لأن ورثتها يتطلعون إلى استثمار المساحات التي تشغلها في بناء عمارات حديثة. وفي المصادر والمراجع أخبار كثيرة عن خانات كانت وزالت لمصلحة شق طريق أو توسيع مرفأ، وعن خانات تغيرت وجهة استعمالها ثم هدمت لاحقاً. ↑
- () أي الفاطميين. ↑
- () ليل الأربعاء: ليلة ثقافية كان يقيمها كل ليلة أربعاء. ↑
- () معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ج2، ص566. ↑
- () المرجع السابق، ج3، ص914. ↑
- () المرجع السابق نفس الصفحة. ↑
- () هجول: جمع هيجل وهو المطمئن من الأرض يكون موطئه صلباً. ↑
- () لسان العرب ج17، ص20. ↑
- () معجم ما استعجم ج4، ص1384. ↑
- () معجم ما استعجم ج3، ص775. ↑
- () النعف: ما انحدر عن السطح وغلظ وكان فيه صعود وهبوط. ↑
- () الحومانة: القطعة الغليظة من الأرض. ↑
- () معجم ما استعجم ج4، ص1349. ↑
- () كتاب الرحلة المكيّة للسيد علي خان بن المولى عبدالله الحويزي المشعشعي مخطوط في مكتبة مدرسة ميهسا لار بطهران، وإخراجات السياس علوفة الخيل والبغال، والطوايل جمع طويلة وهي مربطة الخيل. ↑
- () كتاب (الرحلة المكيّة) للسيد علي بن عبدالله الحويزي المشعشعي وقد عبّر عنه كسروي في كتابه (تاريخ پانصد ساله خوزستان) بـ [كتاب سيد علي]. ↑
- () رياض العلماء وأعيان الشيعة. ↑
- () كتاب الرحلة المكيّة مخطوط. ↑
- () [تاريخ الإمارة الإفراسيابية] للأستاذ محمد قاضي السلمانية طبع في المجمع العلمي العراقي سنة 1380. وهو ملخّص كتاب [السيرة المرضيّة في شرح الفرضيّة] للشيخ عبد علي بن رحمة الحويزي المتوفى سنة 1075 على ما في هدية العارفين. ↑
- () ميرزا مهدي من وزراء الصفويين في القرن الحادي عشر للهجرة كانت له روابط حسنة مع الأمراء المشعشعين في الحويزة، وللسيد ابن معتوق الحويزي قصيدة في مدحه موجودة في ديوانه.مطلعها:
سلّ ضاحك البرق يوماً عن ثناياها
قد حكاها فهل يروي حكاياها
↑ - () تاريخ إمارة كعب مخطوط ↑
- () تذكرة شوشتر كلمكته صفحة 165. ↑
- () القبان: مدينة تقع على ضفة نهر بهمنشير اليُسري عند مصبّه في البحر وكانت ميناءاً مهماً من الموانىء القريبة للدورق ومدينة عامرة لها سوق مشحون بالبضائع والأرزاق وفيها مساجد ومدارس كثيرة وأهلها معروفون بالصّلاح والتقوى من أشهر رجالها الشيخ علوان بن بشارة الكعبي القباني وابنه القاضي فتح الله بن علوان وحفيده الشيخ إبراهيم بن أحمد بن علوان القباني. كان يحكمها في العقد الأول للقرن الحادي عشر الهجري حاكم تركي اسمه بكتاش آغا وكان مستقلاً بحكمه بسبب مُداهنته لمن حوله من الحكام كحاكم البصرة والدورق ولما فوضت البصرة لأفراسياب الديري غزى القبان وحاصر بكتاش فطلب الأمان وسَلم القبان إليه، وكانت كعب آنذاك من أنصار أفراسياب وأعوانه فأراد أن يكافئهم ويضمن لنفسه ولائهم فأعطاهم حكم القبان، وكانت الصقور آنذاك حُكاماً فيها فرفضوا تسليمها فدخلت كعب القبان عنوة بعد معركةٍ وقعت بينهم كانت الغلبة فيها للكعبيين، ونَسبت كعب هذه المعركة إلى قبيلة المطور وذكروا أنَّها وقعت في العقد الأخير من القرن الحادي عشر لكنّ الصحيح ما ذكرته، لأننا نجد كعباً ساكنين في القبان منذ تولّي علي باشا إمارة البصرة، وكان أميرهم آنذاك بدر بن عثمان الكعبي الذي نصر علي باشا ووقف في جانبه وقفة صمود وثبات عندما حاصره الجيش الصفوي بقيادة إمام قليخان سنة 1036. وكان علي باشا بن أفراسياب قد اغتنى بتعمير القبان وتنظيم شؤونه فبنى فيه ثلاث قلاع عُرفت كلّ قلعة منها بالكوت وهي عبارة عن كوت الشمالي وكوت الجنوبي وكوتُ ميان، وميان كلمة فارسيّة معناها الوسطى، أي كوت الوسط، وفيه حاصر محمد حسين خان القاجاري كعباً سنة 1144، وكان علي باشا يتردد على القبان بين حين وآخر وربّما أقام فيه مُدة، وفيه يقول السيّد علي المغربي المعروف بالأحضري يُخاطب علي باشا:شوقي إلى الملك الذي
حاز القبان به النهاية
ملك عظيم لم تقف
فيه الرآسة عند غاية
تتلو دواماً مدحه
لمّا غدا في المجد آية
وفي سنة 1078هـ لمّا هجم الجيش العثماني على البصرة وحاصر واليها حسين باشا كان حاكم القبان… ↑
- () تاريخ زندية، فارسي. تاريخ كعب مخطوط. ↑
- () ترجم له العلامة الطهراني في [الكواكب المنتثرة في القرن الثاني بعد العشرة] ظناً من أنه من العلماء لما رآه من بعض النسخ المكتوبة لخزانته والتي فيها تنويه باسم الشيخ بركات الكعبي. وأهم الطواعين التي ضربت البصرة والحويزة والدورق من مطلع القرن الثاني عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر هي في السنين التالية.أ ـ طاعون سنة 1102 الذي راح ضحيته كثير من علماء الحويزة والدورق وفيهم العلامة السيد علي باليل الدورقي.
ب ـ طاعون سنة 1132، هلك فيه خلق كثير من أهل البصرة وبغداد.
جـ طاعون سنة 1186.
د ـ طاعون سنة 1233، فتك بأهل الفلاحيّة فتكاً عجيباً ففَرّ الناس خارج المدينة فأصبحت شبه خالية.
هـ طاعون سنة 1247، وهو المعروف بطاعون (أبو ربيّة)، وفيه توفي العالم الجليل الشيخ أحمد المحسني الفلاحي.
و ـ طاعون سنة 1334 ضرب أهل جزيرة عبادان وقراها. ↑
- () الرحلة المكّيّة، مخطوط صفحة 221. ↑
- () كانت وصية معاوية لبسر بن أرطأة حين سيره إلى الحجاز: (سر حتى تمر بالمدينة فأطرد الناس وأخف من مررت به وأنهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا). ووصى معاوية أيضاً سفيان بن عوف الغامدي حين أرسله إلى العراق: (أقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من قرى). ولما أرسل منكوخان أخاه هولاكو لغزو البلاد الإسلامية كان من جملة وصيته له: (أما من يعصيك فأغرقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرب القلاع والحصون). فأي فرق بين الأوامر المغولية وأوامر معاوية والحجاج، مع العلم بأن جيوش معاوية كانت تغزو بلاداً إسلامية عربية، وتطبق هذه الأوامر على المسلمين والعرب. ↑
- () الطبري. ↑
- () في عهد معاوية أرسل زياد بن أبيه إلى الحكم بن عمرو بخراسان أن يغزو أهل جبل الأشل فغزاهم وغنم غنائم كبيرة. قال الطبري فأرسل إليه زياد: «إن أمير المؤمنين كتب أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئاً حتى تخرج ذلك». ولكن الحكم هذا كان من الأحرار الذين لا يبالون سخط الحكام إذا أرضى الله والشعب، فقد ساءه أن يحرم الجند أبناء الشعب من الغنائم ليحظى بها معاوية فرفض ذلك وكتب إلى زياد: «إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ولو كانت السماوات والأرض رتقاً على عبد اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجاً». ثم قال الحكم للناس: «اغدوا على غنائمكم» فغدا الناس، ثم استخرج من الغنائم ضريبة الدولة وهي الخمس وقسم الغنائم بين الناس، فكتب إليه زياد يتوعده بالشر. فقال الحكم: «اللَّهم إن كان لي عندك خير فاقبضني». فمات بخراسان بمرو قبل أن يصل إليه أذى زياد. وهكذا كان الأمر في كل غزاة وفتح: يطلب من يسمى أمير المؤمنين أن يصطفوا له كل صفراء وبيضاء والروائع، أما أبناء الشعب الذين بتضحياتهم جاءت البيضاء والصفراء والروائع فلهم الحرمان. وليس كل الولاة أحراراً مثل الحكم بن عمرو ليتمردوا على الأوامر، بل كانوا في مجموعهم شركاء في الجريمة. وهذه الغزاة التي طلب معاوية أن يصطفوا له بيضاءها وصفراءها وروائعها، هي من الغزوات التي كاد أبناء الشعب أن يفنوا فيها ولم ينجوا إلاَّ بشق النفس. فقد قال الطبري وهو يصفها: لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الأشل سلكوا في شعاب ضيقة فعارضه الترك فأخذوا عليه بالطرق»… إلى آخر ما قال. ↑
- () كان هذا رأي الشعب في حكامه فبعد ست وثلاثين سنة من هذه الأحداث وفي خلافة هشام بن عبدالملك سنة 117 قال رجل من عبدالقيس يصف حالة الشعب يومذاك وما يعرضه له حكامه من الويل في دفعه إلى لهوات المنون ليعيشوا على أشلائه:تولت قريش لذة العيش واتقت
بنا كل فج من خراسان اغبرا
وقد ظل الشعب يعبر أبداً بهذا وأمثاله عن الآلام التي يعيشها. ↑
- () ج4، ص465. ↑
- () الزاوية: موضع قرب البصرة. ↑
- () ولد عام أحد وتوفي سنة 100 وهو آخر من مات من الصحابة، وشهد مع علي صفين وكان من مخلصي أنصاره، وهو شاعر مجيد طبع بعض مستشرقي الألمان ديوانه. وكان عندما أقبل مع عبدالرحمن لقتال الحجاج قال:ألا طرقتنا بالغريين بعدما
كللنا على شحط المزار جنوب
أتوك يقودون المنايا وإنما
هدتها بأولانا إليك ذنوب
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له
من الله في دار القرار نصيب
ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله
عذاب بأيدي المؤمنين مصيب
↑ - () القادسية: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً. والعذيب: ماء بينه وبين القادسية أربعة أميال. ↑
- () وادي السباع: من نواحي الكوفة. ↑
- () دير الجماجم: بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى البصرة. ودير قرة: دير بإزاء دير الجماجم، ملاصق لطرف البر ودير الجماجم مما يلي الكوفة. قال أبو عبيدة: الجمجمة: القدح من الخشب وبذلك سمي دير الجماجم لأنه كان يعمل فيه الأقداح من الخشب، والجمجمة أيضاً: البئر تحفر في سبخه، فيجوز أن يكون الموضع سمي بذلك. ↑
- () هيت: بلدة على الفرات فوق الأنبار. ↑
- () كان لسعد بن أبي وقاص ولدان: عمر بن سعد الذي قاد الجماعة التي قتلت الحسين (عليه السلام) ثم قتله بعد ذلك المختار في الحملة التي قادها للأخذ بثأر الحسين. والابن الثاني لسعد هو محمد هذا الذي كان من زعماء الثورة على الحجاج والأمويين ثم قتله الحجاج كما سنرى.أمّا سعد نفسه فقد كان من جماعة الشورى الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة، ولما بويع علي رفض أن يبايعه ووقف على الحياد. ولما استتب الأمر لمعاوية لقي سعد منه الإهانة والتحقير.
وكان لسعد ابن أخ هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص كان من أخلص أنصار علي ومن كبار قواده في صفين واستشهد فيها. ↑
- () زحر بن قيس والد جبلة هذا: أمره محير، فقد ذكر جميع المؤرخين أنه كان في أصحاب علي (عليه السلام) المخلصين المتفانين، وكان في صفين من أبرز الفرسان حتى إن علياً كان إذا نظر إليه قال: من سره إن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا، وكان رسوله إلى جرير بن عبدالله البجلي، وواليه علي الري. وهو القائل يوم الجمل:أضربكم حتى تقروا لعلي
خير قريش كلها بعد النبي
من زانه الله وسماه الوصي
إن الولي حافظ ظهر الولي
كما الغوي تابع أمر الغوي
والقائل يوم صفين:
فصلى الإله على أحمد
رسول المليك تمام النعم
رسول المليك ومن بعده
خليفتنا القائم المدعم
عليا عنيت وصي النبي
بجالد عنه غواة الأمم
وهناك زحر بن قيس الذي كان ممن خرجوا لقتال الحسين، وهو الذي دفع إليه ابن زياد رأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية في دمشق، فلما دخل على يزيد قال له يزيد ما وراءك وما عندك؟ قال زحر: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر رجلاً من أهل بيته وستين من شيعته فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيدالله بن زياد أو القتال فأرادوا القتال على الاستسلام فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والشجر لواذاً كما لاذ الحمام من الصقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشموس وتسفي عليهم الرياح زوارهم العقبان والرخم.
فهل يمكن أن يكون زحر هذا هو زحر الآخر نفسه؟
ولم لا يكون ونحن نرى في عصرنا الذي نعيش فيه من أخلاق الرجال ما هو أحط من هذا!.. كما رأينا ذلك في الماضين وهذا شبث بن ربعي مثلاً كان من أصحاب علي وأرسله عضواً في وفد إلى معاوية فكان من أشد أعضاء الوفد احتجاجاً على معاوية ونقاشاً، ثم كان من الخارجين إلى قتال الحسين يوم كربلا. ثم كان ابنه عبدالمؤمن من أبرز رجال هذه الثورة التي نتحدث عنها.
على أننا لا نستبعد أن يكون هناك زحران، لا زحر واحد، اسم أبي كل منهما قيس.
وفي كتاب (الإصابة): كان لزحر أربعة أولاد نجباء أشراف بالكوفة: أحدهم فرات قتله المختار والثاني جبلة قتل مع ابن الأشعث والثالث جهم كان مع قتيبة بن مسلم والرابع كان بالرستاق. ↑
- () الشفترة: التفرق واشتفترّ الشيء: تفرق واشتفترّ العود: تكسر. ↑
- () الرهو والرهوة: ما ارتفع من الأرض، شبه تل صغير. ↑
- () بسطام هذا هو ابن مصقلة بن هبيرة الشيباني. ولأبيه مصقلة تاريخ سيء يتناقض مع موقف ابنه هذا. ذلك أن أسرى كان قد أسرهم معقل بن قيس أحد قواد أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة وهو عامل علي على أردشير خُرّة وكانوا خمسمائة إنسان فاستجاروا بمصقلة ليفتديهم بمبلغ من المال ففاوض في ذلك معقلاً فاتفقا على أن يدفع مصقلة عنهم مليون ودفعهم إليه وقال عجل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر ثم أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنت وأصبت. وانتظر علي مصقلة أن يبعث بالمال ـ مع العلم بأن هذا المال هو مال الدولة يدخل خزينتها ـ وبلغ علياً أن مصقلة خلى سبيل الأسرى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلاَّ قد تحمل حمالة، ألا لا أراكم سترونه عن قريب ملْبِداً، ثم إنه كتب إليه: أمَّا بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأُمة وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف فابعث بها إليّ ساعة يأتيك رسولي وإلا فأقبل حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلاَّ أن تبعث بالمال والسلام عليك.فكانت النهاية فرار مصقلة إلى معاوية، فقال علي لما بلغه ذلك: فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر. وكان نعيم بن هبيرة أخو مصقلة من أخلص الناس لعلي فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل يدعى حلوان يدعوه إلى اللحاق به ويقول له: إن معاوية وعدك الإمارة ومناك الكرامة فأقبل إليّ ساعة يلقاك رسولي. فرد نعيم على أخيه مصقلة بهذه الأبيات ورافضاً طلبه:
لا ترمين هداك الله معترضاً
بالظن منك فما بالي وحلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع
وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا
ماذا أردت إلى إرساله سفهاً
ترجو سقاط امرىء لم يلف وسنانا
عرّضته لعلي إنه أسد
يمشي العِرِضْنَة من آساد خفانا
قد كنت في منظر عن ذا ومستمع
تحمي العراق وتدعى خير شيبانا
حتى تقحمت أمراً كنت تكرهه
للراكبين له سراً وإعلانا
لو كنت أديت ما للقوم مصطبراً
للحق أحييت أحيانا وموتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمساً
فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن الغُرم من ندم
ماذا تقول وقد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة
لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا
↑ - () موقف الأشعث بن قيس جد عبدالرحمن من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) معروف. أما عبدالرحمن فهو الذي وشى بمسلم بن عقيل. وأما أبوه فهو الذي قاد الجماعة التي هاجمت مسلم بن عقيل في الدار التي أوى إليها وقبض عليه وأخذه إلى عبيد الله بن زياد فقتله وأخو قيس محمد شارك في قتل الحسين في كربلا. ↑
- () ج8، ص25. ↑
- () هذه المفازة تمتد فتقطع هضبة إيران العالية من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، ويقدر طولها بنحو 800 ميل، وعرضها يختلف باختلاف بقاعها، وحين تفصل بين سجستان وكرمان لا يتجاوز عرضها المئة ميل. وقد عرفها البلدانيون العرب في القرون الوسطى باسم (المفازة)، أما اليوم فتعرف بـ(دشت لوط) أي مفازة لوط، ويعرف ما فيها من مستنقعات ملحية وسباخ بـ (دشت كوير) ـ بوزن صغير ـ ويطلق أحياناً اسم كوير على المفازة بأجمعها أيضاً. أما اشتقاق اسم لوط وكوير فغير معروف.وما كتبه ابن حوقل والمقدسي عن المفازة إنما كان عن خبرة ومشاهدة إذ أن كليهما اجتاز قفارها غير مرة. وقال عنها ابن حوقل بأنه ليس فيها قرية ولا مدينة سوى في ثلاثة مواضع. وقال المقدسي الذي أمضى فيها سبعين يوماً مخترقاً إياها من أقصاها إلى أقصاها: إن فيها رمالاً قليلة ونخيلاً وزروعاً في أضعاف كثير من وديانها الصغيرة.
وبعد المقدسي بنحو من نصف قرن أي في سنة 444هـ (1052م) قطع ناصر خسرو الجزء الشمالي من المفازة في عودته من حجه إلى مكة، ولم يطلق عليها اسماً خاصاً بها، بل أشار إليها فقط بلفظ (بيابان)، أي: أرض لا ماء فيها. وتتوسط القسم الأعلى الواسع من المفازة عند منتصف الطريق بين أصفهان وطبس في قوهستان واحة يقال لها اليوم (جندك) أو (بيابانك) وهي التي كان يعرفها العرب في القرون الوسطى بالجرمق، وكانت تكتب بالفارسية بصورة (گرمة). ↑
- () يقول في (عمدة الطالب) أن الذي دس إليه السم هو الوليد بن عبدالملك فمات وعمره خمس وثلاثون سنة. وفي هامش عمدة الطالب: أظن الصحيح: سليمان بن عبدالملك، مكان الوليد بن عبدالملك لأنه توفي في زمنه سنة 97 وقوله: وعمره خمس وثلاثون سنة فيه تقديم وتأخير، بل ينبغي أن يكون ثلاث وخمسون سنة، فإنه مات بعد موت والده بثمان وأربعين سنة. ↑
- () لسان العرب وتاج العروس في كلمة دَلَمَ. ↑
- () رسائل الجاحظ ج1 الصفحة 76. ↑
- () تاريخ كيلان وديلمستان للسيد ظهير الدين. ↑
- () قامون معين (قسم الأعلام) كلمة ديلم. ↑
- () معجم البلدان ج2 صفحة 712. ↑
- () المقصود من المسالك والممالك هو ما نعرفه اليوم بالجغرافيا وكان كتاب مثل هذه الكتب هم من السواح عادة. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353. ↑
- () راجع كتاب الخراج لقدامة بن جعفر ومختصر البلدان لابن الفقيه الهمداني وفتوح البلدان للبلاذري. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 285. ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () أبو حيان التوحيدي في مقالب الوزيرين صفحة 82. ↑
- () دشتبي، ناحية كانت تقع بين الري وهمدان (مراصد الاطلاع) وقد قُسمت بين الري وهمدان وكانوا يسمون حصة الري بالرازي ويسمون حصة همدان بالهمداني. (فتوح البلدان صفحة 384). ↑
- () مختصر البلدان صفحة 268 و269. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 303. ↑
- () مختصر البلدان صفحة 278 ـ لقد ذكر بعض المؤلفين من العرب نقلاً عن ابن الكلبي وغيره من علماء الأنساب العرب القدامى. أنساباً عجيبة للديالمة. ويقول مؤلف تاج العروس في كلمة (دلِم) أن ديلم على وزن حيدر، هم قوم معروفون. ويعتقد ابن الكلبي أنهم من أبناء مُضر (من القبائل العربية المعروفة) وأن بعض ملوك إيران أسكنوهم في جبال الديلم. ويقول ابن عبدالبر أن الديالمة هم أبناء يافت بن نوح. ويقول ابن قتيبة أن باسل بن ضبّة (جد بني ضبة) هو جد الديالمة. ويقولون أن قوس باسل وجهاز بعيره ما زال حتى يومنا هذا (القرن الثالث الهجري) موجوداً عند أهالي الديلم. (المعارف صفحة 74). ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () رحلة ناصر خسرو صفحة 3. ↑
- () مروج الذهب ج3 صفحة 373. ↑
- () نشوار المحاضرة ج1 في صفحات متعددة وج3 صفحة 249. ↑
- () معجم الألقاب ج4 ق3 صفحة 183 و286. ↑
- () مسكويه ج6 صفحة 154. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353. ↑
- () المسالك والممالك صفحة 121. ↑
- () أحسن التقاسيم صفحة 353 لقد عاش المقدسي مرة من الزمن في الديلم. ↑
- () المحاضرة ج1 صفحة 175. ↑
- () تجارب الأمم ج6 صفحة 227. ↑
- () المرابطون: جماعة من المسلمين كانوا يعيشون في المناطق الحدودية بين البلاد الإسلامية وغيرها من البلاد لمحاربة غير المسلمين إذا ما هاجموا البلاد الإسلامية. وكان ذلك شرفاً عظيماً لهم ليستشهدوا في هذا السبيل وكلمة المرابط مأخوذة من الآية الكريمة: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [سورة الأنفال، آية: 61]. ↑
- () أخبار الطوال صفحة 101. ↑
- () مدينة في القسم الجبلي من طبرستان (معجم البلدان). ↑
- () سيد ظهير الدين صفحة 9. ↑
- () البلاذري ـ فتوح البلدان ـ صفحة 344. ↑
- () المعارف لابن قتيبة ـ صفحة 664. سنذكر عن الفرس المقيمين في اليمن في الفصل القادم. ويعتقد بعض المؤرخين أن الجيش الذي كان مع وَهَرز إلى اليمن كان من السجناء الذين حكم عليهم بالإعدام. ↑
- () فتوح البلدان صفحة 343 ـ 344. ↑
- () يقول الدينوري أنه كان يعيش في الكوفة (بعد حرب القادسية) عشرون ألف فارسي كانوا يسمونهم الحمراء (الأخبار الطوال ـ صفحة 288) ويمكن القول أن كلمة حمراء ديلم أطلقت على هؤلاء الأربعة آلاف من الديالمة لفصلهم عن غيرهم من الفرس. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 343 ـ 344. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 345. ↑
- () الأخبار الطوال صفحة 294. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 126. ↑
- () فتوح البلدان ـ صفحة 86. ↑
- () البلاذري ـ فتوح البلدان ـ صفحة 125. ↑
- () تاريخ الطبري ـ ملخص من الصفحة 1854 ـ 1863 الحلقة الأولى طبع هولندا. ويقول صاحب كتاب الإصابة (ج1 ـ صفحة 467) إن فيروز الديلمي كان من رواة الحديث. ↑
- () بلاد الجبل هي ما تسمى اليوم أراك وهي تشمل على مدن المحافظة المركزية ومحافظتي أصفهان وهمذان. ↑
- () عن ترجمة تاريخ قم ـ الصفحة 248. أصل الكتاب بالعربية ولكنه غير موجود. وأن قسماً مترجماً منه إلى الفارسية ما زال موجوداً. ↑
- () ترجمة تاريخ قم صفحة 261. ↑
- () مكان بالقرب من مكة. ↑
- () مقاتل الطالبيين صفحة 465. ↑
- () مقاتل الطالبيين صفحة 470. ↑
- () تاريخ البيهقي صفحة 414. ↑
- () فتوح البلدان صفحة 398. ↑
- () مروج الذهب ج4 ـ صفحة 280. ↑
- () عمدة الطالب ـ صفحة 86. ↑
- () أحسن التقاسيم ـ صفحة 367. ↑
- () جاء في ريحانة الأدب نسب الأطروش أنه: ناصر الحق الحسن بن علي بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) المكنى بأبو محمد الملقب بناصر الحق والناصر الكبير المعروف بالأطروش والأصم، وهو جد السيد المرتضى والسيد الرضى لوالدتهما وهو الذي نشر الدين الإسلامي في بلاد الديلم. ↑
- () المسودة هم أنصار آل العباس لأن ملابسهم وراياتهم كانت سوداء. ↑
- () مروج الذهب ـ ج3 ـ صفحة 373. ↑
- () جوامع السيرة ـ الرسالة الرابعة ـ الصفحة 250. ↑
- () السلوك لمعرفة دول الملوك ـ ج1 ـ الصفحة 24. ↑
- () ويسميها المسعودي ـ كشوين ـ ج4 ـ الصفحة 280. ↑
- () الكامل ـ ج6 ـ الصفحة 146 بتلخيص. ↑
- () الإصابة ـ ج1 الصفحة 466 و467 بتلخيص. ↑
- () الاستيعاب ـ ج1 ـ الصفحة 466. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () الأنساب ـ الصفحة 237. ↑
- () ريحانة الأدب ـ تحت كلمة ديلمي، شيرويه. ↑
- () معجم ألقاب ـ ج4 ـ ق3 ـ الصفحة 183. ↑
- () ريحانة الأدب ـ عنوان الطبري. ↑
- () مسكويه ـ ج5 ـ الصفحة 201 ـ وكان هذا المسؤول يرافق الحجاج إلى مكة المكرمة ويراقبهم ويحميهم من قطاع الطرق. ويقول إن منصور الديلمي أوصل الحجاج سالمين إلى مكة، إلاَّ أن أبا طاهر القرمطي هاجمهم وقتل الحجاج في المسجد الحرام وفي الأزقة وفي الوديان المحيطة بمكة. ↑
- () الكامل ـ ج6 ـ الصفحة 203. ↑
- () القنصلية Consulate: «حكومة فرنسا من عام 1799 إلى عام 1804، خَلَفَتْ (حكومة الإدارة Directory) التي أطاح بها نابليون بونابرت عام 1799.كانت تتألف من ثلاثة أعضاء يحمل كل منهم لقب (قنصل) وكان نابليون بونابرت واحداً منهم، ولكنه سرعان ما سيطر على زميليه فأصبح قنصلاً (أوتى) مدى الحياة عام 1802 ثم أمبراطوراً عام 1804» ـ موسوعة المورد: مادة Consulate. ↑
- () يُراد بالثورة الأمريكية American Revolution: «ثورة المستعمرات الأمريكية السابقة على بريطانيا (1775 ـ 1783) في عهد الملك جورج الثالث. انتهت بانفصال تلك المستعمرات (وكان عددها ثلاث عشرة) عن بريطانيا ونشوء الولايات المتحدة الأمريكية.سببها المباشر فرضُ السلطة البريطانية ضرائب مختلفة على أبناء تلك المستعمرات بدعوى تحميلهم قسطاً من نفقات الدفاع عنها.
تولى القيادة العسكرية فيها جورج واشنطن تدعمه العناصر المعتدلة والمتطرفة التي رجحت كفتها على كفة العناصر الموالية لبريطانيا بُعَيْدَ اندلاع الثورة عام 1775 وأثر إعلان الاستقلال عام 1776 بخاصة.
انتهت بمعاهدة باريس التي عقدت في 3 سبتمبر 1783 والتي اعترفت بريطانيا بموجبها باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية» ـ موسوعة المورد: المادة المذكورة.. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج6، ص154، القاهرة 1324هـ 1906م. ↑
- () الراوية في لسان أهل الحجاز اسم للجمل الذي يستقي عليه وفي لسان أهل العراق اسم للسقاء الذي فيه الماء فلذلك لم يفهم مراد الحسين (عليه السلام) حتى قال له أنخ الجمل. ↑
- () عبدالكريم السمعاني: الأنساب ج3، ص31، بيروت دار الجنان 1408هـ 1988م. ↑
- () أعيان الشيعة ج7، ص239 ـ 241. بيروت دار التعارف 1403هـ 1983م. ↑
- () عبدالكريم السمعاني: الأنساب ج4، ص426. بيروت دار الجنان 1408هـ 1988م. ↑
- () انظر أعيان الشيعة ج7، ص239، وج/8، ص301 ـ 408 بيروت دار التعارف 1403هـ 1983م. ↑
- () في العبارة تحريف ناشىء من النسخ أو الطبع لأنها منقولة ـ كما استنتج ـ من (معجم البلدان)، وهي فيه ـ كما مر ـ: (قريبة من ذات عرق). ↑
- () صحيح مسلم ج6، ص27 وما بعدها. ↑
- () صحيح مسلم ج16 ص27 وما بعدها، وأسد الغابة، ج5، ص87 والاستيعاب ج4، ص64 والإصابة ج1، ص88. ↑
- () الإصابة ج4، ص65. ↑
- () طبقات ابن سعد ج2، ق2، ص112. ↑
- () الإصابة ج4، ص65، وهو حديث أخرجه أبو داود. ↑
- () الاستيعاب ج4، ص64. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص64، 65. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص64. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك ج5، ص67. ↑
- () الإصابة ج4، ص65. ↑
- () الاستيعاب ج4، ص64، ح65، والإصابة ج4، ص65. ↑
- () الإصابة ج4، ص63. ↑
- () المصدر السابق ج4، ص65. ↑
- () الكامل في التاريخ، لابن الأثير ج3، ص74. ↑
- () صحيح مسلم، بشرح النووي ج11، ص43. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك ج5، ص 66 و67. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص55. ↑
- () د. طه حسين، كتاب الفتنة الكبرى ج1 (عثمان). ↑
- () طبقات ابن سعد، ج2، ق2، ص112. ↑
- () مروج الذهب ج2، ص348 ـ 349. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج3، ص55، 56، ومروج الذهب ج2، ص349. ↑
- () مروج الذهب ج2، ص349 ـ 350. ↑
- () كتبها الحاج حسين آقا نخجواني. ↑
- () كتب الأستاذ عباس إقبال آشتياني شرحاً مفصلاً عن هذه الكتب في كتابه المسمى (التأريخ المفصل لإيران من جنكيز إلى تيمور). ↑
- () توجد نسخة نفيسة جداً من كتاب لطايف الحقائق في مكتبة السيد الحاج حسين آقا ملك في طهران وقد رأيتها بعيني والذي كتب في حياة الخواجة ومؤرخ فيه بأنه تمت كتابته بتاريخ 708. ↑
- () هناك نسخة نفيسة من كتاب منشآت الخواجة في مكتبة أخي الحاج محمد نخجواني. ↑
- () المقصود بالروم: بلاد الأناضول. ↑
- () جبار ياسين، سماء معتمة النجوم، نص مترجم عن الفرنسية أهداه لنا القاص جبار ياسين 1993: انظر أيضاً: مقال رائد الناصري، سماء معتمة النجوم، جريدة المؤتمر، صفحة ثقافة، العدد 47، أيلول 1994. ↑
- () انظر: علي هادي، قراءة في انعكاسات الثورة الحسينية على الثقافة العراقية، نداء الرافدين، العدد 10، دمشق 1995. ↑
- () لم تلق في الواقع أعمال كاظم حيدر من البداية أي اهتمام ـ بدافع الجهل والحسد والتكفير أيضاً، لكونها فريدة ونادرة، ولكنها سرعان ما بيعت إلى الأجانب ولم يبق منها سوى واحدة، وهي الآن عند سيدة عراقية من أصل بولوني. وقد رفضت السيدة بيع تلك اللوحة «الأثرية» حتى بعشرة آلاف دولار. (حوار مع الدكتور محمد مكية في لندن في 18/6/1996). ↑
- () انظر: علي رؤوف، الفن التشكيلي العراقي وقضية الرأس (نداء الرافدين 1995)، وكذلك هادي المهدي، الرأس المقطوع، (المؤتمر 1997). ↑
- () عبدالرحمن الشرقاوي، الحسين ثائراً ـ الحسين شهيداً، مسرحيتان شعريتان، 1985. ↑
- () انظر: عباس الجميلي، مسرحية الحسين شهيداً وثائراً ـ عبدالرحمن الشرقاوي رائد المسرح الإسلامي، مجلة النور العدد 66، لندن 1997 ص67 ـ 70، أيضاً: حسن حسين، الحسين في الأدب العربي، مجلة النور، العدد 49، ص51.وكان من المفروض أن تعرض «مسرحية ثار الله» التي قام بإخراجها كرم مطاوع للمسرح القومي بالقاهرة، غير أن عرض المسرحية لم يتم بعد صدور قرار بمنعها قبل يوم واحد من الافتتاح تنفيذاً لتعليمات أصدرها الأزهر. انظر أيضاً: حسن حسين، المصدر السابق ص51. ↑
- () نبيلة عبدالعزيز هويجي، كربلاء في الأدب العربي المعاصر، مجلة النور، العدد 49، ص68 ـ 69. ↑
- () المصدر نفسه، ص68. ↑
- () المصدر نفسه، ص68 ـ 69. ↑
- () حسن حسين، الحسين في الأدب العربي، مصدر سابق ص51. ↑
- () انظر: جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة، ص11. ↑
- () يقال إن هذا اللقب منحوت من علوم كان يتقنها: الكاف للكتابة، والجيم للجدل، والميم للمنطق. شاعر متفنن من أهل الرملة بفلسطين فارسي الأصل، تنقل بين القدس ودمشق وحلب وبغداد وزار مصر أكثر من مرة واستقر بحلب فكان من شعراء سيف الدولة الحمداني. توفي سنة 360 (970)، له ديوان شعر وله كتاب اسمه: «الطبيخ» ومن هنا قيل إنه كان في أول أمره طباخاً لسيف الدولة. ↑
- () حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة ممن استشهدوا مع الحسين. ↑
- () «الأبلج»: الوضاء الوجه. و«الأروع»: المعجب بشجاعته أو حسنه. ↑
- () الروح هنا نسيم الريح. و«ضاع» من ضاع المسك يضوع إذا عبقت رائحته. ↑
- () الطفوف: هي الأراضي المشرقة من جوانب الشواطىء، وهي تطلق بصورة خاصة على ما أشرف من أراضي «الغاضرية» ـ وهي مدينة كربلاء الآن ـ على نهر الفرات وفيها كان مصرع الحسين الشهيد وآله وأبنائه. ↑
- () المهيع: البين الواضح. ↑
- () يذال: يهان. المبدع بفتح الدال من «البدعة». ↑
- () مبتورة الأصبع: هي يد الحسين (عليه السلام) وقد بترت إصبعُه بعد مقتله. ↑
- () ذو شرق: ذو شجا وغصة. ↑
- () مذئب ومسبع: كثير الذئاب والسباع. ↑
- () التأزم: حك الأسنان بعضها ببعض من الغيظ، أي أنك تتحرق إذ ترى الصاعقات لا تدفع ضراً ولا تجلب نفعاً. ↑
- () البطنة: النهم. الأنزع: من انحسر الشعر عن جانبي جبهته. وكان يقال للإمام عليّ «الأنزع البطين». ↑
- () لم تنون «هاشم» للضرورة فجرت بالفتحة. ↑
- () ران: غطى وأطبق. ↑
- () تأبى: أبى، امتنع. ↑
- () عدا هذه الملحمة فقد نظم (شاهين فراشري) ملحمة بعنوان (مختار نامه) نسبة إلى (المختار) الذي أخذ بثأر الحسين، مؤلفة من 12 ألف بيت. وهناك ملحمة أخرى لشاعر ألباني مجهول عن كربلاء مؤلفة من 13 ألف بيت. ↑
- () يقال أن المنظور من «تاريخ الرجال» المذكور في بعض الكتب في عداد فروع علم الرجال، واختصت به بعض مصنفات القدماء ككتاب العقيقي (الأب)، هو هذه التراجم. ↑
- () هذه الكنية في بعض المصادر (ابن ريدويه) بالراء المهملة، وضبطت في البعض الآخر (ابن رويدة)، والكنية الواردة في المتن نقلت عن الفهرست للشيخ الطوسي. وعلى كل حال فالمقصود هو علي بن محمد بن جعفر بن عنبسة الجداد العسكري. ↑
- () تم تحديد هذا التاريخ اعتماداً على قول الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة (ج1/84) إلاَّ أنه بالتوجه إلى أن عبيدالله كان حتى أواخر القرن الأول الهجري على قيد الحياة (الفهرست طبع النجف حاشية الصفحة 133 نقلاً عن «التقريب» لابن حجر) يصبح ذلك القول بلا دليل، اللهم إلاَّ أن يكون تأليفه في سنوات في حدود الأربعين. ↑
- () الذريعة (ج10/99) والإسناد المصفى/79. إن ما قيل عن مؤلف هذا الكتاب هو نظر العلامة الطهراني في كتابه القيم «الذريعة» وفي رسالته «المشيخية» أيضاً المعروفة «بالإسناد المصفى» وهو في هذا النظر سائر على أثر النجاشي وربما على أثر بعض من أئمة الرجال الآخرين. وفريق آخر يعزو هذا الكتاب إلى أبيه أبي عبدالله محمد بن خالد البرقي. ولكن المحقق الرجالي المعاصر محمد تقي الشوشتري صاحب كتاب «قاموس الرجال» يرد هذين القولين، ويعتبر أن مؤلف «طبقات الرجال» بقرينة طبقة الرواية هو عبدالله بن أحمد البرقي ـ من مشايخ رواية الكليني ـ أو أحمد بن عبدالله البرقي من مشايخ الصدوق الثاني. وهناك أيضاً بين هذين الاثنين احتمال كون الثاني أقرب إلى الصواب. لمزيد من التفصيل راجع إلى قاموس الرجال ج1/31 ـ 32. ↑
- () فهرست النجاشي، طبع الحروف طهران/160 وضبط هذا التاريخ في قاموس الرجال نقلاً عن فهرست النجاشي 229. وبالرجوع إلى نسختي النجاشي المطبوعتين وإلى بعض الكتب الأخرى التي نقلت عن النجاشي مثل الذريعة وتأسيس الشيعة حصل الاطمئنان إلى وقوع صاحب القاموس أو المامقاني صاحب الرجال في خطأ (لأن القاموس يكا يكون حاشية عليه). ↑
- () الذريعة: ج1/89. ↑
- () معالم العلماء: تأليف محمد بن علي بن شهرآشوب (المتوفى سنة 588) طبع عباس إقبال/28 أما في فهرست الشيخ الطوسي فلم يذكر إلاَّ المشيخة فقط دون هذا الكتاب. ↑
- () الذريعة: ج10/ رقم 147. ↑
- () الذريعة: ج10/رقم 154. ↑
- () تأسيس الشيعة لفنون الإسلام ـ تأليف السيد حسن الصدر (المتوفى سنة 1354)/233. وقدسها قلم العلامة المذكور فأثبت وفاة شعبة سنة 260 وظنه متأخراً عن ابن جبلة، واعتبر عبدالله بن جبلة أول مؤلف في علم الرجال. ↑
- () الإمام الصادق: طبع مصر/458. ↑
- () أثبت الشيخ وفاته في الفهرست سنة 333 وذكر في كتاب الرجال إنها سنة 332. والمحقق الشوشتري في قاموس الرجال استصوب القول الأول. القاموس، ج1/397. ↑
- () اكتشف هذا الكتاب لأول مرة جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى سنة 673) وأدرجه في كتابه «حل الإشكال» وهو مجموعة شاملة لهذا الكتاب والأصول الأربعة لعلم الرجال. ثم استخرجه المولى عبدالله التستري بعد ذلك من حل الأشكال ودونه على حدة. لمزيد من الاطلاع ارجع إلى الذريعة ج10. ↑
- () قاموس الرجال، ج8/323 نقلاً عن أنساب السمعاني. ↑
- () الذريعة، ج1/323. ↑
- () الفهرست، طبع النجف/178 والقاموس، ج8/322. ↑
- () تكلمنا عن اسم هذا الكتاب بالتفصيل في القسم الخاص بـ«اختيار الرجال». ↑
- () بناء على قول السيد محمد صادق بحر العلوم في مقدمة رجال الشيخ طبع النجف/61. ↑
- () هذا القول بخصوص وفاة الشيخ النجاشي معروف وقد ذكره المؤلفون المتأخرون أيضاً كالعلامة المامقاني. والعلامة الطهراني وغيرهما. كما وضح جماعة آخرون هذا التاريخ ذاته بعبارة «عشر سنوات قبل الشيخ». ولم يخطّىء هذا القول إلاّ المحقق الشوشتري صاحب القاموس. مستدلاً بأن النجاشي في كتابه أشار إلى محمد بن الحسن بن حمزة بن أبي يعلى وقال إنه توفي في سنة 463. وعليه وجب أن يكون النجاشي على قيد الحياة في هذا التاريخ وأنه توفي بعد ذلك (القاموس، ج1/347). ولكن السيد موسى الشبيري الزنجاني (ساكن قم) له في هذا الصدد رأي يستند إلى استدلال متين. وقد ردّ كلام مؤلف القاموس. والرأي المعزى إليه هكذا بالنص:نظراً لأن النجاشي لم يثبت وفاة الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 في كتابه ولم يذكر كتب الشيخ المعروفة كالمبسوط والتبيان، يمكننا أن نطمئن إلى أن التاريخ المذكور يعني تاريخ وفاة محمد بن الحسن بن حمزة الثابت في كتاب النجاشي. أمّا أن يكون خطأ وصحته 436، وأمّا أن يكون من الخطوط الملحقة التي يحدث نظيرها في كثير من الكتب على أثر اختلاط الحاشية بالملحق، ومن ذلك القبيل تاريخ وفاة عبدالكريم القشيري المتوفى سنة 465 الذي ضبط في بعض نسخ تاريخ بغداد تأليف الخطيب المتوفى سنة 463، والخطوط الملحقة في فهرست ابن النديم المتوفى 380 أو 385 زائدة جداً. والظن الغالب صحة الاحتمال الثاني. وذلك يعلم بالرجوع إلى «فرحة الغريّ» تأليف عبدالكريم بن طاووس. ↑
- () القاموس، ج1/34. ↑
- () فهرست الشيخ، طبع النجف (سنة 1380)/ ص24. ↑
- () الفهرست/28. ↑
- () يحتمل أن يكون «الأصل» كتاباً ذكرت فيه المطالب دون تبويب وترتيب، و«التصنيف» ما ذكرت فيه المطالب مرتبة تحت عناوين خاصة. أو أن الأصل هوما نقلت فيه الروايات بسندها، والتصنيف ما أزاد عليه الجامع من كلامه وبيانه. ↑
- () الفهرست/24. يعتقد مؤلف قاموس الرجال أن هذين الكتابين لم يتلفا وأنهما وصلا بعده إلى النجاشي. ويقيم على هذا الادعاء دلائل من أقوال النجاشي أيضاً، لا تنهض مطلقاً بتأييد هذا الرأي. ارجع إلى القاموس، ج1/291 ـ 292. ↑
- () وتمكن مشاهدة إشارة إلى هذا الدافع الفِرقي في قول ابن شهرآشوب في مقدمة كتاب «معالم العلماء» هناك عندما ينقل كلام الغزالي عن أول كتاب في الإسلام ثم يرده وينسب أول كتاب إلى علي (عليه السلام) ثم إلى سلمان وأبي ذر وأصبغ و… ↑
- () بناء على ضبط النجاشي: الأزدي. ↑
- () لو أن كتاب عبيدالله بن أبي رافع ـ الذي مر اسمه سابقاً ـ كان مشتملاً على شرح حال الأفراد أيضاً، لكان أول كتاب في قسم تاريخ الرجال بطبيعة الحال. أمّا قرينة أن الشيخ ضبط اسم الكتاب المذكور «تسمية من شهد مع أمير المؤمنين» فتوجب احتمال اقتصاره على أسماء الرجال فقط دون شرح حالهم. وفي هذه الحالة يكون خارجاً عن موضوع تاريخ الرجال. ↑
- () ينسب إلى «كَشّ» (بفتح الكاف وتشديد الشين) من قرى جرجان ويقول آخر، من بلاد ما وراء النهر. ↑
- () اختيار الرجال طبع بمباي/99. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/16. ↑
- () فرج الهموم، طبع النجف/130. ↑
- () ملحق بالنسخة الحديثة الجامعة التي جمعت وطبعت من اختيار الرجال، التي جمعها وصححها ونقحها العالم المتتبع الحاج ميرزا حسن مصطفوي، فهرست كامل مبسوط للأعلام يشتمل على جميع من ذكر من الرجال سيان من ترجم لهم ومن لم يترجم لهم، ولا شك في أنه إنتاج قيم لجهد وعناء كبير، شكر الله سعيه. كما أن السيد موسى الزنجاني هو الآخر قد أعد فهرستا للأعلام المترجم لها، إلاَّ أنه لم يطبع لا مع أي من الكتب الرجالية ولا على حدة، فلم يتوفر لاستفادة المراجعين. هذا، ويوجد مع الطبعة الجديدة الأخرى أيضاً التي انتشرت أخيراً في النجف بتصحيح وتحشية السيد أحمد الحسيني، فهرست بالأسماء والكنى والألقاب، وفهرست على حدة لأسماء النساء وكناهن وألقابهن، وفهرست للموضوعات المفترقة. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/32. ↑
- () الفهرست/190. ↑
- () لتفصيل هذه الموارد، ارجع إلى: قاموس الرجال، ج1/33. ↑
- () يقيم مولى عناية الله القهبائي أيضاً أدلة أخرى على هذا المطلب، وإن كانت غالباً قاصرة عن إفادة المدّعي. للتفصيل ارجع إلى: قاموس الرجال، ج1/34. ↑
- () على هذا النحو: إنه أولاً ينقل هذه العبارة من العلامة: «روى الكشي عن جعفر بن أحمد بن أيوب عن صفوان…» (ما يتعلق بخالد البجلي) ثم يقول: هذا الحديث علاوة على عدم دلالته على التوثيق والمدح، سنده مجهول مضطرب، لأن الشيخ في كتاب الاختيار أورد السند بهذه الصورة ولكن السند في كتاب الكشي بهذه الصورة عن جعفر بن أحمد عن جعفر بن بشير» إلخ: (قاموس الرجال، ج1/36). ↑
- () بضم الكاف، معرب «كوهبابي» نسبة إلى «كوهباية» يا «كوهبايا» من محال أصفهان. وهو من تلامذة الشيخ البهائي وله عدة تآليف في علم الرجال. ↑
- () ارجع إلى القاموس، ج1/36 ـ 37. ↑
- () فهرست النجاشي، طبع طهران (مركز نشر الكتاب)/288. ↑
- () قاموس الرجال، ج8/321. ↑
- () صفحة 32. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/43 ـ 44. ↑
- () الفهرست/167. ↑
- () رجال النجاشي/277. ↑
- () معالم العلماء/91 والعبارة هكذا: «وله معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين». ↑
- () الفهرست/59. ↑
- () نقلاً عن الكلباسي في «سماء المقال»(47. ↑
- () ج1/15. ↑
- () يستنبط من جملة «اختيار معرفة الرجال» التي انتخبت عنواناً لكتاب الشيخ في الطبعة الأخيرة المصححة الكاملة، أن مصححها كان يعرف اسم أصل كتاب الكشي. فكان طبيعياً أن يطلق على كتاب الشيخ اسم «اختيار معرفة الرجال» باعتباره انتخاباً واختياراً منه. على أن في هذه التسمية مسامحتين: إحداهما بالنسبة لأصل كتاب الكشي، وهو «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين لا «معرفة الرجال» والأخرى بالنسبة إلى اختيار الشيخ المذكور في جميع المدارك المعتبرة باسم «اختيار الرجال» لا اختيار معرفة الرجال. ↑
- () ابن شهرآشوب في كتابه الآخر «مناقب آل أبي طالب» يذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الرجال» ج4/147. ولكن الظاهر أن منظوره هو تلخيص الشيخ لا أصل الكتاب، لأنه يقول: «معرفة الرجال عن الكشي عن أبي بصير». ↑
- () منهم المحدث القمي في الكنى والألقاب، ج3/116 طبع النجف. ↑
- () التاريخ المذكور سنة فراغه من تأليف كتابه المشهور «مجمع الرجال» وليس لدينا بعد هذا التاريخ أية معلومات عن حاله، كما أننا لم نحصل على تاريخ دقيق لوفاته. ↑
- () لمزيد من التفصيل وتحقيق هذه الموارد ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/46. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 281 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 279 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () يعرف بـ «الرجال الكبير» تأليف ميرزا محمد الأسترآبادي المتوفى 1026 أو 1028. ↑
- () سماء المقال/30. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى سماء المقال/30 ـ 31. ↑
- () الذريعة، ج10/81. ↑
- () من هذا الكتاب نسختان في مكتبة استان قدس في مشهد برقمي 3625، 3603…. 13… ↑
- () مقدمة رجال الشيخ، طبع النجف/81. ↑
- () سماء المقال/26. ↑
- () سبق إيضاح معنى «الأصول» و«المصنفات» والفرق بين هذين الاصطلاحين في الهامش رقم 23. ↑
- () فهرست أبو غالب جزء من رسالته المعروفة (نامه) إلى حفيده التي ذكر فيها شرح حال آباء عائلته وأعمامها وسلسلتها. وفيها إجازة لرواية الكتب المذكورة في هذا الفهرست. وتوجد نسخة من هذا الكتاب بالخط النسخ الجميل لم توغل في القدم تقع في 29 صفحة قطع «الجاير» تحت رقم 7669 بمكتبة استان قدس الرضوية هكذا أولها:«حدثنا أبو عبدالله الحسين بن عبدالله بن إبراهيم الواسطي، قال حدثنا أبو غالب أحمد بن محمد بن سليمان بن الحسن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، منه إلى ابن ابنه محمد بن عبدالله بن أحمد، سلام عليك فإني أحمد الله إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو…». ↑
- () من جملة الفهارس المعروفة قبل الشيخ فهرست كتب السيد المرتضى. ويحتمل أن يكون لنفس السيد كما يحتمل أن يكون لتلميذه محمد بن محمد البصروي (المتوفى سنة 443) ارجع إلى الذريعة (ج16/381 و392) نقلاً عن العلامة الطهراني. وتوجد نسخة من هذا الكتاب في مكتبة سِبَهْسالار. ↑
- () على أي حال، فإن رأي المرحوم عباس إقبال الوارد في مقدمة معالم العلماء أن فهرست الشيخ أول كتاب بقي من علماء سلف الشيعة، ناشىء عن قلة الاطلاع، فبالإضافة إلى فهرستي أبي غالب والسيد المرتضى الموجوين الآن، فإن ابن النديم مؤلف فهرست ابن النديم هو أيضاً شيعي. ارجع إلى الذريعة، ج16/375. ↑
- () ينقل العلامة الطهراني في المجلد الخامس من الذريعة (ص145) عن بعض نسخ، «الجمل والعقود» القديمة أن المقصود بالشيخ الفاضل هو القاضي عبدالعزيز بن البرّاج قاضي طرابلس (المتوفى سنة 481). ↑
- () زعم عباس إقبال في مقدمة «معالم العلماء» أن الفهرست يختص بالمصنفين وأصحاب الأصول من الشيعة، ولكن بيان الشيخ ذاته في مقدمة الفهرست وذكر جماعة من المؤلفين من غير الشيعة بالفعل، يجُبُّ ذلك الزعم. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى: (الفهرست طبع النجف 1380) الصفحات 71/78/88/89 ـ وسماء المقال/ 41 ـ 42. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/18 في هذه الحالة يكون كلام العلامة الطباطبائي والسيد الداماد (نقلاً عن المامقاني في الرجال ج1/205) من أن مبنى الشيخ على التصريح بمذهب غير الإمامي مثل الفطحية والواقفية، لا وجه له. ↑
- () توفي سنة 1121 هجرية. ↑
- () سماء المقال/42. ↑
- () لعل القطع الوزيري هو ما يقال عنه باصطلاح المطابع في مصر 70×100. ↑
- () القاموس، ج1/37 ـ 39. ↑
- () كان منتجب الدين معمراً وفي سنة 600هـ حصل على الإجازة العامة لرواية الحديث والدليل على ذلك، القول الآتي: «قال ابن الفوطي في مجمع الآداب في تلخيص معجم الألقاب في كتاب الميم ص(775): منتجب الدين أبو الحسن علي بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الرازي المحدث المقري، ذكره الشيخ الحافظ صائن الدين أبو رشد محمد بن أبي القاسم بن الغزال الأصبهاني في كتاب الجمع المبارك والنفع المشارك من تصنيفه وقال: أجاز عامة سنة ستماية، وله كتاب الأربعين عن الأربعين رواه عنه مجد الدين أبو المجد محمد بن الحسين القزويني…» (حواشي وتعليقات ديوان قوامي الرازي، من جلال الدين المحدث الأرموي/229). ↑
- () معجم رجال الحديث 18/275 ـ 276. ↑
- () الوافي: باب اختلاف الحديث والحكم 1/62 ـ 63. ↑
- () تقديم (اختيار معرفة الرجال) للحسن المصطفوي ص18. ↑
- () مصفى المقال 464. ↑
- () م.س. 414. ↑
- () رجال ابن داود، تقديم السيد محمد صادق بحر العلوم ص13 ـ 14. ↑
- () الذريعة 2/493. ↑
- () مصفى المقال: 84. ↑
- () الذريعة 25/47. ↑
- () سحر بابل وسجع البلابل ص269 «الهامش» للشيخ آل كاشف الغطاء. ↑
- () مصفى المقال 86. ↑
- () مصفى المقال 364 ـ 365. ↑
- () رجال الطوسي: مقدمة محققه السيد بحر العلوم 55 ـ 56. ↑
- () الفهرست: مقدمة محققه السيد بحر العلوم 10. ↑
- () الذريعة 16/339. ↑
- () مصفى المقال 387. ↑
- () المعجم الوسيط، مادة: قيم. ↑
- () محيط المحيط، مادة: قوم. ↑
- () راجع: كتاب (في أصول اللغة) لمجمع اللغة العربية المصري جـ1 ص228 موضوع (استعمال التقييم بمعنى بيان القيمة) وقرار مجمع اللغة العربية بذلك. ↑
- () معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة (شهد). ↑
- () ونصه: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟قال (عليه السلام): أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان.
ويعرف باجتناب الكبائر التي وعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك.
والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه». ↑
- () يريد به كتاب (نوادر الحكمة) لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران القمي. وهو مجموعة كتب في الفقه والأخلاق.قال النجاشي: كان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني روايات محمد بن أحمد (صاحب نوادر الحكمة) بعضاً منها، سماها مفصلاً.
ثم نقل عن ابن نوح وابن بابويه تأييدهما كل هذا الاستثناء أو بعضه، كما هو معروف في الكتب الرجالية. (الذريعة 24/346). ↑
- () الفوائد الرجالية (رجال السيد بحر العلوم 3/293) فقد قال مؤلفه في ترجمة الصدوق: «ووصفه الإمام (عليه السلام) في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: فقيه، خير، مبارك، ينفع الله به». ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () كليات في علم الرجال 92. ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () تنقيح المقال 1/57. ↑
- () فوائد الوحيد البهبهاني ص38 «ملحق برجال الخاقاني». ↑
- () الموجود في نسخة (بحار الأنوار ج104 ص106) المطبوعة، هو: (في كتاب فهرست المصنف الشيخ أبي جعفر الطوسي) ومن المظنون قوياً أنه خطأ نسخي، وصوابه: (فهرست المصنفين للشيخ أبي جعفر الطوسي). ↑
- () نقلاً عن كتاب (كليات في علم الرجال) 119 ـ 120. ↑
- () المعجم 1/46. ↑
- () الموجود في (رجال الطوسي) نشرة النجف الأشرف سنة 1381هـ: هو: «إبراهيم بن سلامة، نيشابوري، وكيل»، وهمشه محققه السيد محمد صادق بحر العلوم بقوله: «يريد أنه وكيل للرضا (عليه السلام) ـ كما قيل ـ، وفي بعض النسخ: إبراهيم بن سلام بدون هاء في آخره، فراجع».فالذي يظهر من الشيخ المامقاني أنه إما أن يكون قد رجع إلى نسخة مخطوطة أخرى غير التي اعتمدتها المطبوعة، وإما أنه استنتج هذا من ذكر الشيخ الطوسي له في أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام).
وأما ما نقله عن (الخلاصة) من أنه من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) ونسبة ذلك إلى الشيخ الطوسي فقد يكون من الخطأ النسخي أو المطبعي، أو أن هذا كان في النسخة المخطوطة التي رجع إليها العلامة الحلي… وقد يكون أن الرجل كان من أصحاب الإمام الكاظم ثم توكل للإمام الرضا فصح عدّه من أصحاب كل منهما. ↑
- () تحفة العالم 1/221. ↑
- () م.ن. ↑
- () الموجود في نسخة الإرشاد المطبوعة ص288: فممن روى صريح النص بالإمامة من… ↑
- () الإرشاد 270 ـ 271. ↑
- () ذكر ابن شهرآشوب هذا في كتابه (المناقب) وهو غير موجود في النسخة المطبوعة من كتاب (معالم العلماء). ↑
- () المعجم 1/58. ↑
- () م.ن. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: رسالة (المنتقى النفيس من درر القواميس) للسيد محمد رضا الحسيني الجلالي المنشورة في مجلة (تراثنا) ع3 س6، 1411هـ ص232 ـ 233. ↑
- () مقباس الهداية 2/219 هامش 3. ↑
- () م.ن. ↑
- () في منشورة كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة مشهد من كتاب اختيار معرفة الرجال للكشي: محمد بن سعد الكشي بن مزيد. ↑
- () في م.س: العباس. ↑
- () لكون الثانية مرفوعة، ولمجهولية بعض رواة الأخيرة. ↑
- () الموسوعة الفقهية (الكويتية) ج11 مادة: تزكية. ↑
- () المقباس 2/113. ↑
- () المقباس 2/114. ↑
- () المقباس 2/114 ـ 115. ↑
- () في (القوانين). ↑
- () المقباس 2/115. ↑
- () المقباس 2/115 ـ 116. ↑
- () هو الذي يجبي ضريبة العشر بأمر الحاكم الظالم. ↑
- () المقباس 2/116. ↑
- () م.ن. ↑
- () في (رجال الطوسي 458): مالك. ↑
- () حفيده وهو الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، وعنوان كتابه (استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار). ↑
- () المراد به: سماعة بن مهران الحضرمي، وثقه النجاشي 1/413 قال: «ثقة، ثقة»، ونسبه الشيخ الطوسي إلى الوقف، قال في (الرجال ـ فصل أصحاب الكاظم): «وله كتاب، روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، واقفي».والذي يبدو أن صاحب شرح الاستبصار استظهر من عبارة النجاشي (ثقة، ثقة) أنه معدل بالعدالة الخاصة التي من شروطها كون المنعوت بها إمامي المذهب، وهذا يتعارض مع قول الشيخ الطوسي بأنه (واقفي)، فقدّم قول النجاشي على قول الطوسي، للسبب الذي أشار إليه، وهو ما يفهم من ظاهر حال النجاشي لمن يتعامل مع كتابه الرجالي وكتب الشيخ الطوسي الرجالية، أنه متقدم ومتفوق على الشيخ الطوسي في مجالات هذا العلم. ↑
- () التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ص400. ↑
- () ص91. ↑
- () المقباس 1/286. ↑
- () المقباس 1/285 ـ 286. ↑
- () كليات في علم الرجال 473. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 4/139 ـ 140 هامش 1. ↑
- () وجيزة المشكيني 47. ↑
- () راجع كليات في علم الرجال 454. ↑
- () كليات في علم الرجال ص451 عن المنتقى 1/24 ـ 25. ↑
- () كليات في علم الرجال 451 ـ 452. ↑
- () في هامشه: راجع كتاب الطهارة: باب مسح الرأس والقدمين: الحديث 3. ↑
- () كليات في علم الرجال 453. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: كليات في علم الرجال 457. ↑
- () م.ن. ↑
- () انظر: المنتقى من درر القواميس: الرقم 54. ↑
- () في الفائدة الخامسة. ↑
- () في هامشه: يعني في ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق، والأربعة الذين ذكروا في ترجمته هم: الشيخ المفيد، والحسين بن عبيدالله، وأبو الحسين جعفر بن الحسين بن حسكة القمي، وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، لأن هؤلاء الأربعة كلهم لقوا ابن بابويه القمي ورووا عنه، بخلاف الزراري والعلوي والبزنطي والبرقي وغيرهم ممن لم يلقهم الشيخ المفيد ولم يروِ عنهم، فلاحظ ذلك. ↑
- () سورة يونس، الآية: 59. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 36. ↑
- () سورة يونس، الآية: 36. ↑
- () كذا في المطبوع والظاهر «فلا تقبل». ↑
- () قاموس الرجال، ج1 الصفحة 25 ـ 27. ↑
- () الوسائل، ج18 كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي الحديث الأول، الصفحة 75. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 195. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 257. ↑
- () رجال الكشي، الصفحة 195، ترجمة المغيرة الرقم 103. ↑
- () عدة الأصول، ج1 للشيخ الطوسي، الصفحة 366. ↑
- () الترديد بين الأربعة والثلاثة، إنما هو لأجل الترديد في أن الاستبصار كتاب مستقل أو هو جزء من كتاب التهذيب، وقد نقل شيخنا الوالد (قدس الله سره) عن شيخه شيخ الشريعة الأصفهاني، أنه كان يذهب إلى أن الاستبصار ذيل لكتاب التهذيب وليس كتاباً مستقلاً. ولكن الظاهر من العدة ج1 الصفحة 356 أنهما كتابان مستقلان. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 175، من المقدمة. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 176، من المقدمة. ↑
- () القوانين ج1 الباب السادس في السنة الصفحة 474. ↑
- () تنقيح المقال ج1 الصفحة 176 من المقدمة. ↑
- () لاحظ عدة الأصول ج1، الصفحة 366. ↑
- () ترجمة الشيخ في الرجال، في الصفحة 495، الرقم 25 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 156، تحت الرقم 695، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 184، تحت الرقم 709. ↑
- () رجال الشيخ، الصفحة 450، ترجمة الشيخ بـ «أحمد بن حمدون». ↑
- () الفهرس، «الطبعة الأولى»، الصفحة 4 ـ 6، تحت الرقم 7 و«الطبعة الثانية» الصفحة 27 ـ 29. ↑
- () ذكره الشيخ في الرجال، الصفحة 44، الرقم 30 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 28، تحت الرقم 76، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 52، تحت الرقم 86، وذكر في رجال النجاشي تحت الرقم 233. ↑
- () ترجمة النجاشي في رجاله، تحت الرقم 196، والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 24، تحت الرقم 63، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 48، تحت الرقم 73، وفي الرجال في الصفحة 453، الرقم 90. ↑
- () رجال الشيخ، الصفحة 449، الرقم 64، والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 33، تحت الرقم 89، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 57، تحت الرقم 99. ↑
- () ترجمة الشيخ في رجاله، الصفحة 456، الرقم 108 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 37، تحت الرقم 107، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 61، تحت الرقم 117. ↑
- () ذكره الشيخ في الرجال، الصفحة 454، وقال في الفهرس «الطبعة الأولى» بعد ترجمته في الصفحة 29، تحت الرقم 78: «توفي سنة 346» ويكون في «الطبعة الثانية» من الفهرس في الصفحة 53، تحت الرقم 88. ↑
- () راجع رجال الشيخ الطوسي، الصفحة 347، الرقم 9 والصفحة 372، الرقم 11، والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 46، تحت الرقم 151، وفي «الطبعة الثانية الصفحة 72، تحت الرقم 162». ↑
- () ذكره النجاشي في رجاله تحت الرقم 840 والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 124، تحت الرقم 552، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 150، تحت الرقم 564، وفي الرجال في الصفحة 420، الرقم 1، والصفحة 434، الرقم 2. ↑
- () الخلاصة، الصفحة 251، طبع النجف. ↑
- () طبع الكتاب عام 1378. ↑
- () الوافي الجزء الأول، المقدمة الثانية، الصفحة 11. ↑
- () الوافي، الجزء الأول-الثانية، الصفحة 11 ـ 12. ↑
- () المعروف أن الأصول الرجالية أربعة أو خمسة بزيادة رجال البرقي، لكن عهدها ثمانية بلحاظ أن الجميع من تراث القدماء، وأن كان بينها تفاوت في الوزن والقيمة، فلاحظ. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 1018. ↑
- () فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 141، الرقم 604، و: «الطبعة الثانية» الصفحة 167، الرقم 615. ↑
- () رجال الشيخ: الصفحة 497. ↑
- () راجع رجال النجاشي: الرقم 944. ↑
- () ذكره في «ترتيب رجال الكشي» الذي رتب فيه «اختيار معرفة الرجال» للشيخ على حروف التهجي، والكتاب غير مطبوع بعد، والنسخة الموجودة بخط المؤلف عند المحقق التستري. ↑
- () راجع فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 34، الرقم 90، و«الطبعة الثانية» الصفحة 58، الرقم 100. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 17، ↑
- () يكنى بـ «أبي العباس» تارة وبـ «أبي الحسين» أخرى. ↑
- () هذه الرسالة مروية في كشف الريبة ونقلها في الوسائل في كتاب التجارة، لاحظ: الجزء 12، الباب 49 من أبواب ما يكتسب به. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 253. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 3. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 20 ـ 21، طبعة النجف. ↑
- () المعتبر: ج1 الصفحة 92. ↑
- () لاحظ ترجمة سليمان بن خالد، الرقم 484، وترجمة سلامة بن محمد، الرقم 514، في نفس الكتاب تجد مدى اطلاعه على أحوال الرجال. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 209. ↑
- () قال في رجاله بالرقم 206: أحمد بن محمد بن عمران بن موسى، أبو الحسن المعروف بـ «ابن الجندي» أستاذنا ـ رحمه الله ـ ألحقنا بالشيوخ في زمانه. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1066. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة: 59 ـ 66. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1068. ↑
- () لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1070. ↑
- () قاموس الرجال: ج1، الصفحة 190. ↑
- () سيوافيك الفرق بين الأصل والتصنيف في الأبحاث الآتية. ↑
- () الفهرس: «الطبعة الأولى» الصفحة 2 و: «الطبعة الثانية» الصفحة 24 ـ 25. ↑
- () لاحظ قاموس الرجال: ج1، الصفحة 18. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 23، 32، 34، 35، 46، 53. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 60، 61. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 57 ـ 59. ↑
- () رجال البرقي: الصفحة 50، 54، 55. ↑
- () لاحظ قاموس الرجال: ج1 الصفحة 31. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 38، من النسخة المطبوعة مع شرح العلامة الأبطحي. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 38. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 45. ↑
- () رسالة في آل أعين: الصفحة 42. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 33، وأضاف أن أصل رجال الكشي كان على الطبقات والظاهر أنه يكفي في هذا النوع من التأليف ذكر الأشخاص على ترتيب الطبقات وإن لم يكن على طبقات أصحابهم (عليهم السلام)، والموجود من الكشي هو النمط الأول. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 3. ↑
- () رجال النجاشي: الصفحة 211. ↑
- () قاموس الرجال: ج1، الصفحة 18. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 166. ↑
- () رجال الشيخ: الصفحة 470، الرقم 52. ↑
- () ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 23 ـ 24. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 200. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 676. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 572. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 705. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة 7 ـ 15. ↑
- () راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج1 الصفحة 9 ـ 188، وج10 الصفحة 9 ـ 88. ↑
- () مجمع الرجال: ج1 الصفحة 10. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 228 ـ 229. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 22. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 490. ↑
- () رجال العلاَّمة: الصفحة 228 ـ 229. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1 الصفحة 7، وقاموس الرجال: ج1، الصفحة 32. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 5 في الهامش. وكان نظام الدين الساوجي نزيل الري وتلميذ الشيخ البهائي، توفي بعد 1038 بقليل، وفرغ من تأليف نظام الأقوال في سنة 1022، وهو بعد مخطوط لم يطبع. ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1 الصفحة 113 ـ 114 من المقدمة طبعة النجف، والصفحة 101 ـ 103 من طبعة لبنان. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 2. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 5 ـ 6. ↑
- () سماء المقال: ج1 الصفحة 6 ـ 7. ↑
- () ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 4. ↑
- () رجال العلامة: الصفحة 235. ↑
- () المصدر: الصفحة 241. ↑
- () المصدر: الصفحة 256. ↑
- () الذريعة: ج4 الصفحة 288 ـ 289، وج10 الصفحة 89. ↑
- () مقدمة فهرس الشيخ: «الطبعة الأولى» الصفحة 2، و«الطبعة الثانية» الصفحة 24. ↑
- () نعم الظاهر من مقدمة الفهرس للشيخ تعمد الورثة لإهلاك جميع آثاره بشهادة لفظة «وغيرهما». ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1 الصفحة 114 من المقدمة (طبعة النجف) والصفحة 102 طبعة لبنان. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 41 ـ 51. ↑
- () الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني: الصفحة 38 ـ 39 المطبوعة في آخر رجال الخاقاني، والصفحة 8 من المطبوعة في مقدمة منهج المقال. ↑
- () فلاح السائل: الصفحة 13 وفي أحمد بن هليل الكرخي. ↑
- () كذا وفي رجال السيد بحر العلوم «أحمد بن هليك» وفي تنقيح المقال «أحمد بن مليك» والظاهر وقوع تصحيف فيه، والصحيح هو أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي، للشواهد التالية:الأول: كون الحسين بن أحمد المالكي في سند الخبر الذي هو راوٍ عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع روضة الكافي: الحديث 371).
الثاني: كون محمد بن سنان فيه، الذي يروي عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع أيضاً روضة الكافي: الحديث 371).
الثالث: أن أبا علي بن همام ينقل بعض القضايا المرتبطة بأحمد بن هلال الكرخي كما في غيبة الشيخ (الصفحة 245) وهو أيضاً يذكر تاريخ وفاة أحمد هذا كما نقل عنه السيد ابن طاووس. أضف إلى ذلك أنا لم نعثر على ترجمة لأحمد بن هليل، أو هليك أو مليك في كتب الرجال المعروفة. ↑
- () رجال الكشي: الصفحة 530. ↑
- () رجال الكشي: الصفحة 516 ـ 517. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 50 ـ 51. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 ص265 ـ 266 الحديث 6 نقلاً عن أمالي الطوسي طبعة النجف الصفحة 264. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 316، الحديث 82 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 518. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 302، الحديث 67 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 324. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 309، الحديث 76 نقلاً عن رجال الكشي: الصفحة 478 ـ 479. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 345 ـ 346، نقلاً عن تصحيح الاعتقاد، باب معنى الغلو والتفويض الصفحة 65 ـ 66. ↑
- () بحار الأنوار: ج25 الصفحة 347. ↑
- () رجال الشيخ الصفحة 512 رقم 112، الفهرس: «الطبعة الأولى» الصفحة 143. الرقم 610، وفي «الطبعة الثانية»: الصفحة 170 الرقم 621، ورجال النجاشي: الرقم 891. ↑
- () ذكر ـ رحمه الله ـ أموراً واخترنا منها أمرين. ↑
- () رجال النجاشي: الرقم 490. ↑
- () لاحظ سماء المقال: ج1، الصفحة 19 ـ 21 بتلخيص منا. ↑
- () معجم رجال الحديث: ج1، الصفحة 114 من المقدمات طبعة النجف، والصفحة 102 طبعة لبنان. ↑
- () الكافي: ج1، الصفحة 458، الحديث 3. ↑
- () لاحظ سماء المقال: الصفحة: 22. ↑
- () رياض العلماء، ج4، الصفحة 140 ـ 141، ولكن التحقيق إنه كان حياً إلى عام 600. لاحظ مقال المحقق السيد موسى الزنجاني المنشور في مجموعة حول ذكرى العلامة الأميني ـ قدس الله سره ـ. ↑
- () أمل الأمل: ج2، الصفحة 194. ↑
- () المدفون بـ «ري» المعروف عند الناس بإمام زادة يحيى وربما يحتمل تعدد الرجلين. ↑
- () فهرس الشيخ منتجب الدين: الصفحة 5 ـ 6. ↑
- () راجع في الوقوف على وصف هذا التاريخ وما كتبه في طبقات الإمامية أيضاً «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج3، ص219 ـ 220 هذا وتوفي ابن أبي طي سنة 630هـ. ↑
- () الوافي بالوفيات: ج4 الصفحة 164. ↑
- () لاحظ رجال ابن داود: الصفحة 45 ـ 46 طبعة النجف. ↑
- () رجال ابن داود: الصفحة 62 طبعة النجف ↑
- () رياض العلماء ج1، ص258. ↑
- () وقد أسماه المؤلف بـ«بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية للجاحظ» ويقال اختصاراً «البناء». ↑
- () نقض عثمانية جاحظ المطبوع حديثاً بـ «عمان». ↑
- () رياض العلماء، ج1، الصفحة 256. ↑
- () الغدير: ج6، الصفحة 7. ↑
- () وفي رياض العلماء مكان «المزيدي»، «المرندي»، وهو تصحيف. ↑
- () لاحظ الغدير، ج6، الصفحة 3 ـ 6، وذكر شطراً منها السيد الأمين في أعيان الشيعة ج22 الصفحة 343. ↑
- () الغدير نقلاً عن روضات الجنات الصفحة 357. ↑
- () إنَّ العلاَّمة غني عن الإطراء، وترجمته تستدعي تأليف رسالة مفردة، وقد كفانا، ما ذكره أصحاب المعاجم والتراجم في حياته وفضله وآثاره. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 15. ↑
- () قاموس الرجال: ج1 الصفحة 31. ↑
- () لاحظ المقدمة: الصفحة 4 ـ 5 بتصرف يسير. ↑
- () مقدمة «ميزان الاعتدال» الصفحة «ز». ↑
- () لاحظ حول هذا الكتاب من التلخيص والاختصار كشف الظنون ج2، الصفحة 330. ↑
- () السيد محسن الأعرجي في عُدة الرجال. ↑
- () السيد حسن الصدر في نهاية الدراية. ↑
- () رمز «لم» مصطلح يرمز به عند الرجاليين إلى باب «مَنْ لم يَرْوِ عن أحد منهم (عليهم السلام) من كتاب رجال الشيخ، وسيأتي توضيح له في نهاية هذا البحث. ↑
- () مرادنا بكلمة «المورد» هو الإرجاع إلى موارد وقوع التناقض المذكورة في هذا البحث، والرقم الذي يليه هو رقم المورد فيما يلي. ↑
- () عُدة الرجال ـ مخطوط ـ ونقلنا عنه بواسطة كتاب (دائرة المعارف المسماة بمقتبس الآثر) للشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري (ج3 ص70 ـ 71). ↑
- () أرقام الصفحات هي لكتاب رجال الطوسي. ↑
- () مجمع الرجال (ح5 ص142) ولم أجده في المطبوع من كتاب رجال الشيخ. ↑
- () هذه الترجمة لا توجد في المخطوطة لكنها موجودة في المطبوعة والمصادر الأخرى. ↑
- () رجال الطوسي (ص458) رقم (7) والملاحظ أن ما نقلناه جاء في المخطوطة، وفي نسخة مجمع الرجال (ج2 ص23)، لكن في المطبوعة (جعفر بن محمد) وهو غلط يشهد له ما في ترجمة الرجل من النجاشي. ↑
- () رجال النجاشي (ص82) رقم (198) ومجمع الرجال (1/162 و164) وبهجة الآمال ـ نقلاً عن تعليقة البهبهاني على المنهج ـ (ج2 ص96). ↑
- () رجال الطوسي (ص347) رقم (16) وهذه الترجمة ليست في المخطوطة. ↑
- () إكمال الدين (ص454 ـ وما بعده) الباب (43) ح (21) ورواه الطبري في دلائل الإمامة (ص274) بسندٍ آخر. ↑
- () كذا في المخطوطة والفهرست وهو الصحيح الموافق للموارد الأخرى، وانظر هنا المورد (31)، وفي المطبوعة هنا (الجابرزي) فلاحظ. ↑
- () كذا في المخطوطة، وفي المطبوعة الجابرزي، وهو خطأ، ولاحظ المورد [27]. ↑
- () ذكرنا في المورد (27) أنَّ الضمير راجع إلى (عبدالغفار وعامر) فلاحظ. ↑
- () مجمع الرجال (ج4 ص98) وقد زاد لفظه (عن) قبل حميد وقد أشرنا إلى ذلك في المورد (27) فلاحظ. ↑
- () هذا المورد ليس في النجاشي. ↑
- () كذا في الفهرست، وكان في النجاشي «أو يقول في حديث أو كتاب ولم أروه» وما في الفهرست هو الصحيح: لأن قوله «لم أروه» قيد لما سبقه، ولو كانا اثنين (حديث أو كتاب)، لقال: «لم أروهما» مع أن مراده أنَّه حصل على الكتاب (وجادة) لا رواية فلذلك توقفوا فيه مضافاً إلى أن قوله (أو حديث) لو كان منفصلاً عما بعده، وكان مورداً مستقلاً للاستثناء، فمعنى ذلك أنَّه استثنى ما ذكره الأشعري بقوله: في (حديث) وهذا وإن كان محتمل الصحة إلا أنه لا يناسب ما بعده، فلاحظ. ↑
- () ما بين القوسين زيادة من الفهرست. ↑
- () هذا لم يرد في النجاشي. ↑
- () هذا المورد ليس في النجاشي. ↑
- () وأظن أن الصدوق رحمه الله لم يعبر إلا بكلمة «التخليط» وأن غيره أضاف كلمة «الغلو» لتصوره المراد بالتخلبط، أو يكون الصدوق هو قد اجتهد في وجه الاستثناء وفسره بذلك. ↑
- () وصول الأخبار (ص91) وانظر علوم الحديث لابن الصلاح (ص352). ↑
- () لاحظ ما ذكره في المورد (18) سابقاً. ↑
- () أيضاً (ص512) رقم (12) وكلمة «ثقة» ليست في المطبوعة. ↑
- () رجال الطوسي (ص425) رقم (43) وفي المخطوطة «الزيتي» بدل الزينبي. ↑
- () أيضاً (493) رقم (17) ذكره مع جمع وقال: ضعفاء روى عنهم محمد. ↑
- () انظر زاد المسير لابن الجوزي ج6، ص90 والبحر المحيط لأبي حيان ج6، ص499. ↑
- () «معجم البلدان» ـ منجل. ↑
- () نفس المصدر ـ ملحوب ـ. ↑
- () صفة جزيرة العرب ص160. ↑
- () «مدائن صالح» ص171. ↑
- () تاريخ ابن خلدون. ↑
- () The Land of Midian ص285 الترجمة العربية وص206 النص الإنجليزي. ↑
- () ج6، ص(499). ↑
- () ج13، ص33. ↑
- () ص224 الطبعة الأولى. ↑
- () جريدة عكاظ، تاريخ صفر 1390هـ. ↑
- () «الجبال والأمكنة والمياه». ↑
- () «النسب الكبير» الورقة 86 نسخة دير الأرسكوريال في إسبانية. ↑
- () «التيجان» لابن هشام ص163 ـ 164. ↑
- () «من الأكليل» 1/121 والمخطوطة الورقة الـ23. ↑
- () «الأكليل»: 1/122 ـ 124. ↑
- () «جمهرة النسب» لابن حزم ـ 329 ـ الطبعة الثانية ـ. ↑
- () نشوان بن سعيد الحميري «منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم» ص41. ↑
- () «البداية والنهاية» 2/212. ↑
- () «العبر» لابن خلدون 2 ص53 ـ 87. ↑
- () تاريخ ابن جرير 1، ص672 ـ 674 (باختصار). ↑
- () «معجم البلدان» ـ الرس ـ. ↑
- () «معجم البلدان» مادة الحارث. ↑
- () «رسالة مسعر» ص6 ـ 7 و«معجم البلدان» ـ البذ ـ الرس ـ. ↑
- () «الكامل لابن الأثير» 1 ـ 414 ـ طبعة بيروت. ↑
- () «التنبيه والإشراف» ـ 62. ↑
- () «الجامع لأحكام القرآن» 13 ـ 33. ↑
- () من دلائل التشيع في الرس أن للسيد المرتضى رسالتين جوابيتين على مسائل وردت عليه من الرس:المسائل الرسية الأولى:
رسالة مخطوطة تشتمل على ثمان وعشرين مسألة. عدد صفحاتها 24 صحيفة، كل صحيفة تحتوي على 21 سطراً.
سأله عنها «أبو الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي». والسائل فيما وصفه «ابن إدريس»، وفيما تنطق به أسئلته، عالم مدقق، فقيه حاذق، وهو كذلك فيما يبدو من تقدير «الشريف المرتضى» له، وثنائه عليه. ألَّفها سنة 428.
وهي تشمل على مسائل فقهية وكلامية، أحال فيها السيد على كتابه «مسائل في أصول الفقه» وعلى كتابه «المسائل والمطلبيات».
وترجع أهميتها إلى أنها تؤرّخ آخر فتاوى الشريف في الفقه وآرائه في الكلام.
المسائل الرسية الثانية:
وردت بعد الأولى من «أبي الحسين المحسن بن محمد بن الناصر الحسيني الرسي»، فألحقها الشريف بها. وهي خمس مسائل في أربع صحائف، كل صحيفة 22 سطراً كل سطر 28 كلمة. الأول منها فقهية، والأخريات، مزيج من الفقه والكلام. ↑
- () انظر مقدمة كتابه «إنقاذ البشر». ↑
- () ابن أبي الحديد ج1، ص14 ط دار الحلبي، ورياض العلماء ص413 نقلاً عن خط الشيخ البهائي، نقلاً عن خط الشيخ الشهيد، و«روضات الجنات» ج2 ص383 طـ إيران. ↑
- () رياض العلماء ص470: وقد نقل حكاية الوزير جماعة من الخاصة والعامة. و«روضات الجنات» ج2 ص383. ومثل هذه في روضات الجنات ج2 ص564. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص383 طـ إيران نقلاً عن كتاب الدرجات الرفيعة. ورياض العلماء ص413 نقلاً عن خط الشيخ «البهائي»، نقلاً عن خط «الشهيد». ↑
- () ضريح الإمام موسى الكاظم. ↑
- () المنتظم وابن الأثير حوادث 406. ↑
- () الديوان مخطوط ج3، ص93. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص577 طـ إيران. ↑
- () الخطيب البغدادي ج1، ص403 طـ الخانجي، وابن خلكان ج4 ص48 مطبعة النهضة وفوات الوفيات ج2، ص378 طـ استانبول، والمنتظم لابن الجوزي حوادث 406. أما ابن الأثير فقد نص على نقل جثمانه إلى كربلاء. انظر الكامل حوادث 400. ↑
- () رياض العلماء ص413 نقلاً عن الفاضل التنوخي، 448 نقلاً عن رجال النجاشي، 482 نقلاً عن العلامة الحلي في الخلاصة، وروضات الجنات ج2 ص324 نقلاً عن كتاب «الدرجات الرفيعة» وحاشية الخلاصة للشهيد، و«زهر الرياض» و«بحر العلوم». ↑
- () يخالف (أعيان الشيعة) ما هو مشهور من أن الشريفين من أبناء إبراهيم المجاب، وينسبهما إلى أخيه إبراهيم المرتضى. وقد ذهب إلى ذلك من قبله صاحب «عمدة الطالب». انظر رياض العلماء ص471 وأعيان الشيعة ترجمة إبراهيم المجاب. ↑
- () انظر المنتظم وابن الأثير حوادث 373، 378. ↑
- () ممن دفن بها عميد الجيوش أستاذ هرمز بأمر من الشريف الرضي، المنتظم حوادث 401، 403 والملك معز الدولة ينقل من قبره ليدفن بمقابر قريش حوادث 357. ↑
- () المصدر السابق حوادث 440. ↑
- () ديوان الرضى ج1، ص139 طـ بيروت. ↑
- () ديوان المرتضى مخطوط ج1، ص94. ↑
- () ابن خلكان ج3، ص6 طـ النهضة المصرية سنة 1948 ومرآة الجنان ج3، ص506طـ حيدر آداب وشذرات الذهب ج3، ص258. ↑
- () ابن أبي الحديد ج1، ص13. ↑
- () الديوان ج2، ص85. ↑
- () الديوان ج2، ص68، 72، 73، 80، 85، 86، 87، وج3، ص3، 5، 7، 8، 10، 11، 12، 14، 15، 17، 19، 21، 89. ↑
- () الديوان ج3، ص99. ↑
- () انظر مقدمة ديوان الرضي طبع بيروت. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص575 طبع إيران. ↑
- () المنتظم حوادث 351 وتجارب الأمم حوادث 352. ↑
- () الشريف الرضي للدكتور محفوظ طبع بيروت سنة 1944. ↑
- () الديوان ج3، ص83. ↑
- () الديوان ج3، ص81، 82 قالها المرتضى جواباً، «لهلال ابن المحسن» عن قصيدة أرسلها للمرتضى وفيها يقول هلال بن المحسن:أسيدنا الشريف علوت عزا
تضاف إليك أوصاف الجلالة
لأنك أوحد والناس دون
ومن يسمو لمجدك لن يناله
ولي أمل سأدركه وشيكاً
بعون الله فيك بلا محاله
وليس على موالاتي مزيد
لأني لم أرثها عن كلاله
↑ - () رياض العلماء ص471 وروضات الجنات ترجمة المرتضى. ↑
- () ديوان مهيار الديلمي ج3، ص11. ↑
- () سقط الزند ج3، ص62 طـ بولاق قال الشارح: الأظهر المرضي: هو ابن للمرتضى. ↑
- () فوات الوفيات ج2، ص275طـ مصر. قال الصفدي: ما عزى كبير بذاهب سلف بمثل هذا البيت. ↑
- () يريد الإمام موسى بن جعفر الكاظم. ↑
- () سقط الزند ص1264 ـ 1320طـ دار الكتب. ↑
- () روضات الجنات ج1، ص74. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص387 نقلاً عن الوافي في الوفيات، وابن خلكان ج3، ص4 طـ النهضة المصرية، وانظر تتمة اليتيمية طـ طهران سنة 1353هـ تجد أبيات ابن المطرز، والغيث المنسجم للصفدي ج1، ص350 طـ مصر، و«أنوار الربيع» ص481. ↑
- () ابن خلكان ج3، ص4، 5 طـ مكتبة النهضة نقلاً عن كتاب «جنان الجنان» و«رياض الأذهان». ↑
- () أنوار الربيع ص481: مد يديك الكريمتين معاً. ↑
- () أنوار الربيع ص481 ـ 484. ↑
- () الديوان ج1، ص60: ضل عنه قلبه يبتغي قلباً. ↑
- () الشيب والشباب ص68:ورأت بياضاً ما رأتـ
ـه بداً هناك سواه قبل
↑ - () الأحكام السلطانية ص164طـ بون 1853. ↑
- () الأحكام السلطانية ص185طـ بون. ↑
- () نفس المصدر ص180. ↑
- () المنتظم، حوادث 403. ↑
- () ابن الأثير، المنتظم، حوادث 406. ↑
- () انظر المنتظم، حوادث 433، حوادث 427، وديوان المرتضى ج5، ص16 نسخة السماوي. ↑
- () المنتظم حوادث 416. ↑
- () اديوان ج5، ص13. ↑
- () الديوان ج5، ص16. ↑
- () المنتظم حوادث 389، وروضات الجنات ج2، ص383. ↑
- () معجم الأدباء ج5، ص177 طـ بون. ↑
- () رياض العلماء ص471. ↑
- () رياض العلماء ص446 ترجمة ابن البراج. ↑
- () رياض العلماء ترجمة الشيخ الطوسي وابن البراج. ↑
- () روضات الجنات ج2، ص383. ↑
- () روضات الجنات: قال الثعالبي أنها قومت بثلاثين ألف دينار بعد أن أهدى إلى الرؤساء والوزراء منها شطراً عظيماً، وانظر مجالس المؤمنين بالفارسية ترجمة المرتضى. ↑
- () غدير خم: هو المكان الذي خاطب فيه النبي (ص) جموع الحجاج قائلاً فيما قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فاتخذ الشيعة اليوم الذي قيل فيه هذا الكلام عيداً، وسموه (عيد الغدير). (راجع: غدير خم). ↑
- () قسطاكي حمصي: المقال الرابع من مجلة الرسالة الصادرة عن المجمع العلمي في دمشق سنة 1934. ↑
- () عمر فروخ: حكيم المعرة ـ ص97. ↑
- () مصطفى آل عيال: سلسلة اقرأ رقم 164 ـ 95. ↑
- () الغفران: لعائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) ص328. ↑
- () الدكتور عبدالسلام كفاني: «في الأدب المقارن» ص181. ↑
- () مقدمة جحيم الكوميديا ص63 ترجمة حسن عثمان. ↑
- () الضربُ: الرجل الخفيف اللحم، وذو العِبَالة: الغليظ الضخم، والدَّرْحاية: الكثير اللحم القصير السمين. ↑
- () الثفال: الجلد الذي يبسط تحت رحى اليد ليقي الطحين من التراب. ↑
- () السحاية أو السحاءة: قطعة من القِرْطاس. ↑
- () أمُّ دَفَر: الدنيا، الفِحَا (بفتح الفاء وكسرها): التوابل والأبزار. ↑
- () صححها وقدم لها الدكتور محمد جواد مشكور. ↑