لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الحادي عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحرب العراقية الإيرانية
إن مسلسل تصريحات المسؤولين العراقيين لتبرير حربهم لإيران ـ إن مسلسل تصريحاتهم بالنسبة لمعاهدة 1975م. هذه التصريحات التي لا صدقية لها، كانت أولى التحركات العراقية. ففي اليوم الثالث من شهر تشرين الثاني 1979م صرّح السفير العراقي في بيروت قائلاً: «بأن تطبيع العلاقات بين إيران والعراق مرتبط بتنفيذ ثلاثة شروط:
1 ـ إعادة النظر في معاهدة 1975م بين البلدين المطلين على شط العرب.
2 ـ انسحاب القوات العسكرية الإيرانية من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
3 ـ منح الحكم الذاتي للأقليات الكردية والبلوشية والعربية في إيران.
كما أعلن صدام حسين في حديثه الذي وزعته وكالات الأنباء في نيسان 1980م عن ثلاثة مشابهة، لوقف الحالة العدائية بين إيران والعراق هي:
1 ـ خروج إيران غير المشروط من جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
2 ـ إعادة امتداد شط العرب إلى وضع ما قبل 1975م.
3 ـ الاعتراف بعروبة خوزستان.
وفي 17 أيلول 1980م في الجلسة الطارئة
للمجلس الوطني العراقي أعلن صدام إلغاء معاهدة 1975م من طرف واحد.
وفي 21 أيلول 1980م أي قبل يوم واحد من بدء الحرب، وبعد أربعة أيام من إعلان صدام إلغاء المعاهدة قال صدام عبر التلفزيون بأن إيران قد خرقت معاهدة حسن الجوار بين البلدين التي أعدت في الجزائر وتمّ التوقيع عليها في بغداد سنة 1975م وأن يسترجع العراق حقه في سيطرته التامة على شط العرب.
وقبل ذلك في الاجتماع الطارئ للمجلس الوطني العراقي، وبعد إعلان صدام حسين عن إلغائه لمعاهدة 1975م من طرف واحد، تحدث صدام قائلاً: «إن إلغاء الاتفاقية المذكورة يعيد مصب شط العرب إلى وضعه الشرعي قبل اتفاقية 6/3/75، ولهذا فإن النهر المذكور يعود للعراق وللعرب كما كان على مدى التاريخ، وأن أي شخص يعارض هذا القرار الصحيح سوف يواجه باقتدار وقوة تامة».
وفي 8/9/1980م، صرّح طارق حنا عزيز وزير خارجية العراق في عمان قائلاً: إن إيران خرقت اتفاقية 1975م في الجزائر، وادعى بأنه في الوقت الذي حصلت به إيران بموجب الاتفاقية، على نصف شط العرب، فإن العراق لم يستفد من ذلك شيئاً، وبهذا الخصوص أيضاً قال صدام في سنة 1980م: أن اتفاقية تعيين الحدود في مياه شط العرب كانت لصالح الإيرانيين، وكذلك سعدون حمادي فقد صرّح في
أواسط سنة 1982 قائلاً: «إن قضية شط العرب لم تنته بعد، إن سيادة العراق على شط العرب بكامله ليست قابلة للنقاش».
كل ذلك مبررات لا حقيقة لها ـ مبررات لإعلان الحرب.
الحرب
نشر عن هذه الحرب دراسة للعقيد الركن العراقي حامد سالم الزيّادي الذي كان متقاعداً عند إعلان الحرب فلم يشترك بها، ولكنه راقبها فكتب عنها ما يلي:
لكي نكْسبَ الحرب يجب انتخاب أحد نوعين من أنواع التقرب نحو العدو وهما التقرب المباشر الذي يستهدف تدمير مركز قوة العدو الرئيسية، كالتوجه نحو عاصمة دولته واحتلالها وفرض الشروط التي نجد في أنفسنا الرغبة لإملائها عليه، وهذا النوع من التقرب هو أكثر الأنواع حسماً، أما الآخر فهو التقرب غير المباشر والذي يتوخى فيه احتلال منطقة أو جزء من أرضه التي لها أهمية اقتصادية واستراتيجية قصوى تفرض على العدو بعدها الإعلان عن قبوله للسلام بسبب حراجة الوضع الذي تسببه سيطرة العدو على هذا الجزء من الأرض التي بدونها لا يمكن، أو يصعب، إدامة الحرب والاستمرار فيها لأسباب يشكل العامل الاقتصادي أولها كما تشكّل الآثار المعنوية عاملاً مهماً آخر، وفي الحرب العراقية ـ الإيرانية يمكن ملاحظة ضياع الاستراتيجية العسكرية لدى الجانبين بسهولة. إذ أن كلا الجانبين لم تكن لديه استراتيجية عسكرية واضحة، فالعراق الذي نفذ العمليات العسكرية يوم 22 أيلول 1981م بما يزيد عن 13 فرقة عسكرية مدرعة وآلية ومشاة راجل وقوات خاصة إضافة إلى دعم ملائم من طيران الجيش والقوة الجوية ونيران كثيفة من المدفعية لم تكن لديه استراتيجية عسكرية واضحة على رغم أن إمكاناته وموارده كانت ملائمة لإنجاز هذا الغرض وظلت كذلك حتى وقف إطلاق النار في 20 آب 1988م.
فخطة العمليات لم تكن تتضمن أساساً أية فكرة تتعلق بالتقرب المباشر، أي التوجه نحو طهران واحتلالها، كما أن فكرة التقرب غير المباشر لإجبار إيران على الرضوخ والاستسلام لم تكن واضحة بل مشوشة، وذلك لأن الحركات الهجومية تمت على محاور لا تشكل في حد ذاتها أهدافاً خطيرة، بينما لم يتم أبداً تحقيق هدف التقرب غير المباشر باحتلال منطقة خوزستان التي تحتوي على منابع النفط ومحطات الغاز وعزلة التي تتناثر حول مدينة الأهواز مركز محافظة خوزستان، وبالتالي فقد تمكن الإيرانيون من إدامة الحرب مما أدى إلى تراجع العراق في شهر حزيران من عام 1982م عن جميع الأراضي التي دخلتها قواته اعتباراً من قصر شيرين حتى مدينة خرمشهر بعد تكبده خسائر فادحة في المعدات والأفراد.
ومما يثير الاستغراب أن القيادة العراقية ارتكبت الأخطاء نفسها حتى بعد وقف إطلاق النار إذ أنها نفذت هجومها الواسع بعد موافقة إيران على وقف إطلاق النار بتطبيقها خطط العمليات السابقة نفسها تقريباً مما أدى إلى نتائج لم تكن مرضية إطلاقاً.
فالقيادة العراقية التي ذكرت أنها ترغب بأسر أكبر عدد ممكن من الإيرانيين، وبسرعة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لكسب موقف ملائم في ما يتعلق بعدد الأسرى العراقيين في إيران، وقد أصيبت بخسائر جسيمة إضافة إلى خسائرها القديمة من الأسرى والقتلى والمعدات العسكرية والأسلحة وبحجم لا يمكن أن يغفل.
أما القيادة الإيرانية فإنها لم تنفذ في الواقع أي نوع من أنواع التقرب التي تحدثنا عنها بل أن كل ما أمكن إنجازه لا يتعدى كونه نجاحات تكتيكية وعملياتية لم تكن تترك أثراً خارج ساحة القتال إلاّ قليلاً، وفي غالب الأحيان فإن القيادة الإيرانية لم تكن تمتلك عقلاً استراتيجياً يتيح لها إمكان تحويل نجاحاتها العملياتية أو التكتيكية إلى نجاحات سوقية، وتشكل قلّة الموارد وضعف إدارة المعركة العوامل الرئيسية والأساسية في تخلف القيادة الإيرانية في المجال السوقي، وسنتحدث عن هذا بالتفصيل وعن كلا طرفي النزاع.
لا شك بأن اختيارنا نوع التقرب نحو العدو يعتمد على عوامل وعناصر هامة وهي تيسر الموارد الملائمة لتعقيب هدف استراتيجي، الإدارة الجيدة للصراع بإدراك سليم للموقف السياسي الدولي وكسب الأصدقاء، وانتقائنا الملائم للأهداف التي نستطيع أن نحققها، فالحرب ليست منفصلة عن السياسة، بل أنها تشكل إحدى وسائلها التي نضطر إلى اللجوء إليها كوسيلة لا بد منها بعد استنفاذ الوسائل الأخرى، كقطع العلاقات السياسية أو إغلاق الحدود مع الدولة التي يجري النزاع منها. والمقاطعة الاقتصادية وغيرها من الوسائل الأخرى، كما أن نوع الحدود الجغرافية المشتركة وسعة أرض العدو والموارد الاقتصادية والبشرية والحربية المتيسرة تؤثر هي الأخرى تأثيراً كبيراً على اختيار نوع التقرب المطلوب.
في هذه الداسة، سنتحدث بالتفصيل عن أسلوب تعامل كل من القيادتين العراقية والإيرانية والأخطاء التي ارتكبتاها والإجراءات التي اتبعتاها والترتيبات التي اتخذتاها والتي يمكن اعتبارها سايرة ومنسجمة مع الأهداف والاختيارات السوقية لكليهما.
الجانب العراقي: (1) خطة الحركات. (2) تفاصيل عملية الهجوم. (3) نقد خطة الهجوم العراقي. (4) سوء تقدير آخر. (5) مراحل تطور الحرب التي مرّ بها الجانب العراقي.
خطة الحركات: تلخصت خطط العمليات للجيش العراقي عند شنه هجوماً على الأراضي الإيرانية بما يأتي:
1 ـ يقوم كل من الفيلقين الثاني المدرع والثالث الآلي بشن هجوم واسع اعتباراً من قصر شيرين وحتى مدينة خومشهر (المحمرة)، ويتألف الفيلقان المذكوران من الفِرق الآتية:
الفرقة المدرعة الثالثة، الفرعة المدرعة العاشرة، الفرقة المدرعة السادسة، وهي من نظام معركة الفيلق المدرع الثاني. الفرقة الآلية الأولى، الفرقة الآلية الخامسة، الفرقة المدرعة التاسعة وهي من نظام معركة الفيلق الآلي الثالث.
2 ـ يقوم الفيلق الأول ـ مشاة ـ ومقره في كركوك في شمال العراق ناقصاً فِرق المشاة الثانية والثامنة والرابعة والحادية عشرة والمدرعة الثانية عشرة بالإمساك بمواضع دفاعية في محاور الحركات الرئيسية في منطقة شمال شرق العراق وهي:
(أ ) محور بيران شهر ـ حاج عمران ـ راوندوز ـ أربيل.
(ب ) محور سردشت ـ قلعة دزه ـ جوارقرنه ـ كركوك، وهذا المحور يؤدي أيضاً إلى مدينة السليمانية ملتفاً غرب بحيرة دوكان باتجاه مدينة السليمانية متفرعاً من قصبة جوارقرنه.
(ج ) محور مريوان ـ بنجوين ـ سيد صادق ـ سليمانية.
(د ) محور ثانوي خصصت له قطعات قليلة وهو محور باوه ـ بيارة خورمال ـ سيد صادق ـ سليمانية. وهو المحور الذي جرت عليه عمليات حلبجة في بداية العام 1988م حيث يؤدي هذا المحور إلى حلبجة أيضاً بإمكان التفاف القوات باتجاه مدينة حلبجة عند مدينة خورمال تقريباً أو قبلها ببضعة كيلو مترات. وفي الحقيقة فإن الفيلق الأول لم تبقَ لديه قطعات مهمة باستثناء فرقة المشاة السابعة وعدد من ألوية الاحتياط التي سحب قسم منها أيضاً إلى قواطع (جمع قاطع أو قطاع) العمليات الوسطى والجنوبية.
والجدير بالذكر أن قِرق مشاة الفيلق الأول كانت مشغولة بصورة شبه تامة في الحركات التي كانت تجري ضد الأكراد اعتباراً من نهاية العام 1977م عند تجدد أعمال المسلحين الأكراد في شمال العراق، إضافة إلى اللوائين الآليين الأول والسابع والعشرين من الفرقة الآلية الأولى، وقد أدى هذا الوضع إلى تدني المستويات القتالي لهذه الوحدات واستهلاك معداتها وأسلحتها وانخفاض معنوياتها.
تفاصيل خطة الهجوم:
1 ـ كلفت فِرق المشاة بين هجومها من شمال منطقة دهلران تقريباً حتى قصر شيرين تدعمها الفرقة المدرعة السادسة، وهذه الفِرق هي فِرق المشاة الثانية والرابعة والثامنة والحادية عشرة، وكانت قد سحبت من القاطع الشمالي (أو القطاع الشمالي) ووضعت بأمرة الفيلق المدرع الثاني الذي أدار العمليات في القاطع الأوسط من العمليات وقد أفرزت هذه الفِرق عدداً من الألوية لدعم هجوم الفِرق المدرعة والآلية في القاطع الجنوبي، كما عززت بعدد من الألوية المدرعة، سمي هذا القاطع من العمليات بقاطع العمليات الأوسط، ونظراً لكون الأرض تتراوح بين جبلية إلى مناطق تلال مرتفعة فإن نسبة المشاة إلى الدروع في هذا القاطع كانت مناسبة جداً لملاءمة الأرض بصورة جيدة لعمل المشاة أكثر منه لعمل الدروع.
تقدمت هذه الفِرق في القواطع المخصصة لها واحتلت أهدافها اعتباراً من شمال دهلران وحتى قصر شيرين مشتملة على كيلان غرب وسربل ذهاب وإيلام.
2 ـ كلفت كل من الفرقتين المدرعتين الثالثة والعاشرة من نظام معركة الفيلق المدرع الثاني والفِرق الآلية الأولى والخامسة والمدرعة التاسعة من نظام معركة الفيلق الثالث يدعمها عدد من ألوية المشاة منها لواء المشاة 23 من نظام معركة الفرقة الثامنة وألوية القوات الخاصة 31، 32، 33، بالهجوم على القاطع الجنوبي اعتباراً من دهلران وحتى خرمهشر (المحمرة) جنوباً، وقد سمي هذا القاطع بقاطع العمليات الجنوبي.
وكان مقر الفيلق الثالث يقود العمليات في هذا القاطع، وقد طافت خطة العمليات التي نفذت في هذا القاطع، الذي كان يشكّل في الحقيقة القاطع الأهم من بين كل قواطع العمليات الثلاثة بسبب كونه يحتوي على مناطق استخراج النفط ومحطات ضخ الغاز وعزله. وكانت العمليات كما يأتي:
(أ ) الفرقة المدرعة العاشرة: تتقدم على محور النادري على نهر الكرخة شمال مدينة الشوش وغرب مدينة ديزفول حيث تستقر هناك.
(ب ) الفرقة الآلية الأولى: تتقدم على محور الفكه ـ جنانة ـ دوسلك ـ هضبة الرادار ـ مدينة الشوش، ولا تعبر القطعات نهر الكرخة إلى مدينة الشوش، بل تنشئ لها موضعاً دفاعياً على النهر قبالة المدينة.
(ج ) الفرقة المدرعة التاسعة: محور الفكه ـ مضيق جذابة ـ بستان.
(د ) الفرقة الآلية الخامسة: تتقدم على محور البصرة ـ معسكر حميد ـ طريق الأهواز خرمهشر ـ الأهواز.
(هـ ) الفرقة المردعة الثالثة: احتياط عام للفيلق الثالث، وقد زجت في العمليات بعد 15 يوماً من الهجوم، على خرمشهر ثم محاصرة مدينة عبادان.
(و ) اللواء المدرع العاشر المستقل احتياط عام بأمرة القيادة العامة للقوات المسلحة.
نقد خطة الهجوم العراقية: لم تكن خطة العملية العراقية تستهدف تقرباً مباشراً لهدف حيوي وهام وهو منطقة الأهواز خصوصاً المناطق الكائنة جنوبها وشرقها. لأن معظم آباء النفط ومضخاته الرئيسية تقع في تلك المنطقة وتمتد منها إلى مناطق أغا جاري وكجساران ومسجد سليمان فقد كان الأجدر بالخطة أن تهدف إلى تطويق منطقة الأهواز أو تخطيها وذلك بقطع طريق الأهواز ـ أنديمشك أولاً، ثم التوجه بعد ذلك مباشرة، وبسرعة قصوى نحو أغاجاري ومسجد سليمان وأحكام السيطرة عليهما بصورة تامة باستخدام أكبر ما يمكن من القطعات من دون التبذير بها على أهداف ليست مهمة وحيوية منطقة بستان ودهلران أو محاور القتال في القاطع الأوسط، ويمكن إجمال أخطاء خطة العمليات للجيش العراقي بما يلي:
1 ـ عدم عزل منطقة الأهواز ومناطق استخراج النفط وضخه في كل من أغا جاري كجساران، مسجد سليمان. وإذا كان احتلال كجسران لا يمكن تحقيقه بسبب بعدها ووقوعها في مناطق جبلية يصعب التقدم فيها فإن الوصول إلى منطقة أغاجاري التي تبعد عن الأهواز حوالي 120 كلم إلى الجنوب منها يعني أن منطقة كجساران سوف تكون هدفاً لصواريخ أرض ـ أرض العراقية إضافة إلى هجمات القوة الجوية التي سوف تحيلها إلى منشآت عديمة الفائدة، كما أن تحقيق هذا الهدف سوف يلغي إلى حد كبير الحاجة إلى مهاجمة جزيرة خارك وبقية مصبات وموانئ تصدير النفط بعد أن يتم احتلال القسم الأكبر من آبار ومنابع النفط في الأهواز ومحطات ضخه في منطقة أغا جاري.
2 ـ عدم استخدام القطعات التي زجت في الهجوم على بستان ومعسكر حميد ودهلران والشوش والقطعات التي استخدمت في القاطع الأوسط في عملية إحكام السيطرة على الأهواز على أن يتم احتلال مواقع دفاعية في القاطع الأوسط يمكن منها صد الهجمات الإيرانية المحتملة والتي كانت بالفعل بعيدة الوقوع في الأشهر الأولى للحرب بسبب ضعف القوات الإيرانية وعدم كفاء قوات الحرس الثوري وضعف تنظيمها وتسليحها، وباختصار فإنه لم يجر تحشيد القوة في المكان المطلوب، نحو الهدف الأكثر خطورة ….!
3 ـ كان يمكن أن يجري دعم العناصر العربية الموالية للعراق في المنطقة الممتدة من الحميدية حتى شمال بستان وهي المنطقة التي تقع في الجناح الأيسر لمحور العمليات المنفذة باتجاه مدينة الأهواز، وتزويدها بما تحتاجه من السلاح والمال والخبرات التنظيمية لشن حرب عصابات على الجناح الأيسر للقوات التي ستتقدم باتجاه منطقة الأهواز ومناطق استخراج النفط الكائنة إلى الجنوب والشرق منها، ويمكن، إضافة إلى إشغال الإيرانيين بحرب العصابات، تأمين حماية القوات العراقية العاملة في هذا القاطع بواسطة رتل قوي يحمي الجانب الأيسر للقوات المتقدمة.
وبهذا يتم تأمين الاقتصاد بالقوات وعدم التبذير بها على أهداف ليست خطيرة وذات قيمة، كما وأن خط الحدود. الممتد من مدينة القرنة الكائنة شمال البصرة بمسافة لا تزيد عن 50 كلم حتى شرق مدينة العمارة. يمر في مناطق أهواز تشكّل مانعاً طبيعياً ملائماً جداً أمام القوات الإيرانية التي يمكن أن تتقدم من هذه المنطقة في عمق الأراضي العراقية، لقد فقدت الخطة الحقيقية التي تؤمن تقرباً غير مباشر للقوات العراقية ما ييزدي على ثلاث فِرق آلية ومدرعة، وهي الفِرق المدرعة الأولى والتاسعة والعاشرة والتي كان يمكن استخدامها لإكمال السيطرة على المناطق المهمة والأهداف الخطيرة والسوقية كالأهواز وعبادان وأغا جاري ومسجد سليمان.
4 ـ عند دراسة المنطقة الممتدة من الأهواز باتجاه أغا جاري ومسجد سليمان يتضح أن مناطق استخراج النفط تمتد في سهل كبير وتلال قليلة الارتفاع تتكون من صخور رملية تفصلها عن المناطق الأخرى في الشرق سلسلة من الجبال التي تمتد من الشمال إلى الجنوب، اي من منطقة ديزفول تقريباً حتى جنوب منطقة أغا جاري، ولذا فإنها تشكّل موضعاً دفاعياً ملائماً يسهل فيه الدفاع عن مناطق استخراج النفط الكائنة في الغرب من سلسلة الجبال هذه، هي قليلة الارتفاع تستطيع الآليات والدروع تسلقها بسهولة. لذا فإنه من المفترض أن تصل القوات العراقية للعقد الرئيسية في تلك المناطق الجبلية كي تؤمن عزل الأهداف بصورة كاملة.
5 ـ كانت نسبة المشاة، خصوصاً الراجل، إلى الدروع التي استخدمت في القاطع الجنوبي غير ملائمة مما أدى إلى قيام الوحدات المدرعة والآلية بالإمساك بمواضع دفاعية متباعدة، وهو خطأ فادح أدى إلى وقوع الوحدات المدرعة والآلية فريسة لهجمات المشاة الليلية، وقد انتهى الأمر إلى تدمير الفرقة المدرعة التاسعة التي كانت تعمل في قاطع بستان تمّ تدميرها بصورة شبه كاملة ثلاث مرات متتالية، بحيث تمّ إلغاؤها من نظام معركة الجيش العراقي نهائياً، واعتبر الرقم (9)، أكثر شؤماً من الرقم (13)، المعروف، كما أدى هذا الوضع إلى ضعف تدريب الوحدات المدرعة الذي استمر هكذا حتى شهر حزيران من العام 1982م، حيث أمكن تلافي هذا النقص بعد انسحاب القوات العراقية إلى الحدود الدولية للبلدين في التاريخ المشار إليه بعدما، كلف الجيش العراقي خسائر فادحة جداً، وأصبحت الدبابات وناقلات الجند المدرعة تشكّل عبئاً على المشاة المخصص لحمايتها ليلاً، كما أنه لم يكن في الإمكان استثمار قابلية الحركة والصدمة والقوة النارية التي تملكها الدروع والمشاة الآلي بصورة جيدة بعدما كلفت الوحدات المدرعة والآلية بواجبات الدفاع، كما أثر ذلك بصورة مطردة على الروح المعنوية للقطعات التي كانت تواجه هجمات مستمرة من قبل المشاة الإيرانيين الذين بدأوا يتفوقون بأدائهم للعمليات. خصوصاً الليلية منها، وابتكارهم أساليب بسيطة لم يتعود الجيش العراقي على مواجهتها، كهجوم المشاة الإيرانيين على مواضع الدروع العراقية باستخدامهم الدراجات النارية لاجتياز مناطق الكثبان الرملية التي تنتشر في كل منطقة خوزستان تقريباً، خصوصاً في القاطع التي عملت فيه القوات العراقية.
سوء تقدير آخر
وقعت القيادة العراقية بأخطاء فادحة أخرى نتيجة سوء تقدير للموقف قبل شن العمليات، وهي أخطاء أضافت أعباء أخرى إضافة إلى سوء التخطيط للعمليات وإداراتها في سني الحرب الأولى وهي:
سوء تقدير قوة الخصم: اعتقدت القيادة العراقية، لأسباب عديدة، بأن إيران تعيش مرحلة ضعف واضحة بعد سقوط حكومة الشاه الذي أدى إلى انهيار في مؤسسات الدولة الهامة، خصوصاً الجيش الذي تعرض غلى حملات تطهير واسعة أضعفته بصورة كبيرة، إضافة إلى أن الثورات الإيرانية كانت تمر بمرحلة عسيرة بعدما ورثت دولة تكاد تكون منهارة، إلاّ أنه غاب عن ذهن القيادة العراقية أن روح الثورة، التي أطاحت بالحكم الإرهابي للشاه وقواه الضخمة التي كان يعتمد عليها للمحافظة على حكمه، تشكّل دافعاً قوياً للجماهير الإيرانية للاندفاع نحو حماية الثورة الوليدة والدفاع عنها بحماسة عالية. لذا، فإنه حالما بدأت القوات العراقية باجتياز خط الحدود الدولية فجر يوم 22 أيلول عام 1980م.
بدأت قوى جديدة ضخمة بالظهور على مسرح الأحداث واندفعت بقوة نحو خطوط القتال للالتحام بالقوات العراقية، وكانت تلك القوى على رغم ضعف تسليحها وتنظيمها قادرة على الفعل بسبب روحها الاستشهادية العالية، حتى إن الجنود العراقيين كانوا ينظرون بتعجب، مشوب بالخوف والسخرية، إلى الإيرانيين وهم يقتحمون حقول الألغام بأيد خالية حيث يموتون فوق الألغام التي كانت تنفجر تحت أقدامهم محولة أجسادهم إلى قطع متناثرة، لقد كانت الابتسامة التائهة ترتسم على وجوه الجنود العراقيين الذين لم يكونوا يدركون حقيقة الدوافع التي كانت تقف خلف الإيرانيين وتدفعهم للقيام بمثل هذه الأعمال، وبالتدريج بدأت هذه الكتل البشرية تنتظم في وحدات شبه نظامية، كانت تتطور بصورة مطردة كي تأخذ شكل وحدات نظامية (أفواج وألوية وفِرق) ثم تحولت إلى فيالق، وكان مستوى تسليحها وتدريبها يتطور نحو الأفضل على رغم أنه لم يصل في نهاية المطاف إلى مستوى وحدات كاملة التسليح والتدريب تستند على أسس ثابتة من الضبط والانتظام ومستوى جيد من القيادة، إذ ظلت تشكو تخلفاً واضحاً في هذه الأمور.
أما الجيش الإيراني فإنه، بعدما كان مغضوباً عليه، بدأ يستعيد أنفاسه بالتدريج وأخذ يساهم مساهمة فعّالة في التخطيط والتنفيذ للعمليات العسكرية الجارية على طول الجبهة وكان له دور بارز في تحقيق انتصارات كبيرة خصوصاً في الفترة التي كانت القوات العراقية تحتل فيها أراضي واسعة من إيران.
وبذا تكون القيادة العراقية قد ساهمت مساهمة مباشرة في خلق قوى عسكرية جديدة وبعث الروح في قوى أخرى كانت مهملة مما أدى إلى تبدل الموقف بصورة سريعة.
لقد كان الأجدر بالقيادة العراقية أن تدرس الوضع الداخلي لإيران بصورة جيدة، وهذا المر كان جديراً بأن يجعلها تؤجل عملياتها العسكرية وتكتفي باتخاذ إجراءات أخرى لمعالجة الموقف المتردي بين العراق وإيران. فإيران كانت تعيش أزمة داخلية وصراعات حامية بين أطراف السلطة وأعمدتها، ساهمت الحرب، بحدود معقولة؛ بحسم قسم منها لصالح المجهود الحربي الذي كانت تعده إيران وأجلت القسم الآخر للغرض نفسه أيضاً.
وما أن مرت سنة على الحرب حتى أصبحت إيران قادرة على شن هجمات على مواضع دفاعية عراقية بمستوى فرقة مدرعة معززة، كما حدث في 27 أيلول 1981م عند فكّ الحصار عن عبادان حيث شنت القوات الإيرانية هجومها على الفرقة المدرعة الثالثة المعززة بوحدات إضافية من المشاة والقوات الخاصة التي كانت تحاصر عبادان، وقد أدت تلك العمليات إلى انهيار شبه تام للفرقة المدرعة الثالثة العراقية التي كانت قد عبرت إلى شرقي كارون في عملية غير مدروسة لغرض احتلال مدينة عبادان الذي لم يتم أبداً.2 ـ إيصال الصراع إلى ذروته: عمدت القيادة العراقية إلى إيصال صراعها مع إيران إلى ذروته وفي جميع المجالات، ولم تترك مجالاً من مجالاته من دون أن تدفعه إلى نقطة اللاعودة، ولم يدر في خلدها أنها سوف تحتاج في مرحلة من مراحل صراعها هذا للعودة إلى حالة سلام دائم بين البلدين وهو خطأ فادح ارتكبته متعمدة لاعتبارات ليست خافية على أحد.
فلقد أطلقت القيادة العراقية الاسم الرمزي «قادسية صدام» على خطط العمليات ولهذا الاسم معنى خاص يتعلق بمعتدقات الإيرانيين الدينية، حيث أرفقت الحملة العسكرية حملة إعلامية مركزة ترتكز على أن الإيرانيين «مجوس» وهي نسبة كبيرة كانت تصيب كل الإيرانيين من دون تمييز في وجدانهم مما حفز لديهم مشاعر طاغية من العداء، وهو ما لم تكن القيادة العراقية بحاجة إليه في أي حال من الأحوال. فعندما نشن الحرب ضد بلد ما يهمنا أن نحدث تعاطفاً معقولاً بين صفوف شعبه إضافة إلى تأمين الرأي العام داخل بلدنا وجعله يتجاوب مع الحرب وأهدافها.
لم يكن تأثير هذه الحملة الإعلامية سلبياً داخل إيران فقط بل إن تأثيره كان سيئاً داخل العراق أيضاً، إذ شعر الشيعة من العراقيين بأن جزءاً من هذا الطعن يوجه إليهم لأنهم يشعرون بأن معتقداتهم لا تختلف عن معتقدات شيعة إيران.
إن أخطر أنواع الحروب هي تلك التي تستند على الأفكار والعقائد لأنها لا تقبل الحوار بغير النار وتدفع أوساطاً واسعة من الناس للمشاركة فيها طواعية مما يجعل الجهود الرامية إلى وقفها عاجزة في أغلب الأحيان عن التوصل إلى حلول ترضي الأطراف المتنازعة فيها، ويدخل إصرار القيادة العراقية على قصف المدن الإيرانية بالطائرات والصواريخ، وإيقاعها خسائر جسيمة بين صفوف المواطنين، إضافة إلى استخدام الأسلحة الكيمائية بكثافة لم يسبق لها أن استخدمت في أي حرب من الحروب السابقة، يدخل ضمن هذا الإطار أيضاً.
من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى استمرار القتال لمدة تقارب الثمانية أعوام، هو عدم إدراك القيادة العراقية لأسلوب تفكير القيادة الإيرانية فقد اعتقدت القيادة
العراقية بأن إيران سوف تستسلم بعد الضربة الخاطفة الأولى على الطريقة الإسرائيلية وتذعن للعراق بكل ما يطلبه ويريده، لكن ما جرى في الواقع، كان العكس إذ باشرت القيادة الإيرانية فور اندلاع الحرب بحشد الجمهور والإمكانات وتنميتها بصورة مطردة للاستمرار بالحرب والقتال لغرض تحقيق ما سمّاه الإيرانيون بشروطهم لإيقاف الحرب، وهي مطالب معروفة للجميع على رغم أنها ربما كانت غير قابلة للتنفيذ، وظلت مصرة على ذلك.
وإذا كانت قيادة ما تعتقد بأن إجبار قيادة العدو على الرضوخ والتنازل وإقرار ما تطلبه منها لا يمكن تحقيقه بالقوة، فإن الواجب يقتضي أن لا تقوم الحرب لأن مجرد شروعها يعني أن كارثة ليست ذات جدوى سوف تحلّ بكلا الجانبين، وأنه يقتضي عندئذ التفكير بوسائل وأساليب أخرى غير الحرب لتهدئة الموقف وحلّ المشاكل العالقة بين البلدين المعنيين، وها هي الحرب قد توقفت ولا أحد واثق الآن بأن القيادة العراقية قادرة على تحقيق ما نادت به في الأيام الأولى للحرب أو ما تطالب به الآن.
وبعد كل ما حدث وما عانى منه البلدان من أهوال ودمار نتيجة لهذه الحرب، فإنه من غير المنطقي الآن الرجوع إلى الوسيلة التي ثبت عجزها عن تحقيق الأهداف والمطالب التي شنت من أجلها، حتى لو أنها اندلعت مرة أخرى فرضاً، فإنها بالتأكيد سوف تنتهي إلى ما انتهت إليه الآن لعدم تمكن الطرفين المتخاصمين من تحقيق نصر حاسم وأساسي ضع حداً للجمود الذي ظل مخيماً على الجبهات التي شهدت طوال مدة الحرب عمليات مهارشة واستنزاف على طرفي الحدود المشتركة للبلدين كان تأثيرها حتى ذلك الحين محدوداً على مستوى الاستراتيجية، لكن مراحل الحرب الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً باتجاه تحويل النجاحات التكتيكية إلى نجاح استراتيجي لعبت عوامل إضافية كثيرة على إخراجه إلى حيّز الوجود لصالح العراق.
مراحل تطور الحرب
التي مر بها الجانب العراقي
اجتاز الجيش العراقي أربع مراحل أساسية خلال الحرب حتى إعلان 2 آب 1988م الذي دعا إلى وقف إطلاق النار بين العراق وإيران.
خلال هذه المراحل تبادل الجيش العراقي المبادرة مع القوات الإيرانية، بل إن المبادرة قد تمّ تبادلها خلال المرحلة الواحدة أيضاً، كما حدث خلال المرحلة النهائية (الرابعة) حيث كان الجيش العراقي يمسك بزمام المبادرة بصورة تامّة قبل موافقة إيران على وقف إطلاق النار، بينما فقد ذلك في القاطع الجنوبي للعمليات بصورة شبه كاملة بعد ذلك التاريخ. لقد تميّزت كل مراحل القتال بخصائص اختلفت في كل مرحلة عن الأخرى، وهذه المراحل هي:
* المرحلة الأولى: وهي التي امتدت إلى ما يقرب من ثلاثة أشهر والتي تميّزت بسيطرة القوات العراقية بصورة شبه تامة على الموقف. فعندما اجتازت القوات العراقية الحدود الدولية في القاطعين الأوسط والجنوبي لم تلاقِ أية مقاومة تذكر، بل إنها لم تواجه أية مواضع دفاعية منظمة بصورة جيدة ولا أية معركة دفاعية معروفة إلاّ في حالات قليلة جداً، بل إنه تمّ أسر كتيبة دبابات من نوع جفتن من نظام معركة الفرقة المدرعة الإيرانية 92 بصورة كاملة من دون أن تطلق طلقة واحدة لأنها كانت في حالة مأوى في معسكرها الدائم في حميد، ولم تكن حتى في حالة إنذار لتنفيذ أي نوع من أنواع الحركات (العمليات) سواء الدفاعية أو التعرضية، لكن الفرقة الآلية الأولى العراقية واجهت مقاومة على مستوى فوج مشاة إيراني معزز على محور الفكه ـ الشوش، وكانت تلك أكبر مقاومة واجهت القوات العراقية في القاطع الرئيسي للعمليات وهو القاطع الجنوبي.
وإلى ذلك، واجهت القوات العراقية مشاكل ليست هينة بسبب عدم توافر المعلومات عن العدو والأرض فضلاً عن عدم توافر الخرائط الخاصة بمنطقة العمليات، حتى إن قائد الفرقة المدرعة العاشرة العميد الركن ـ في حينها ـ هشام صباح الفخري عندما عاد من مؤتمر الفيلق وأصدر أوامره في مقر اللواء المدرع / 17 سأل عما إذا كانت توجد في مقر اللواء خريطة بمقياس رسم ملائم لإصدار الأوامر فكان أن أجيب بأنه ليس لديهم مثل تلك الخرائط أضف إلى ذلك أن الوحدات والتشكيلات لم تمنح الفرصة الكافية للاستطلاع بصورة جيدة أو اتخاذ ترتيبات دلالة جيدة للوحدات مما أدى إلى أن تضل الوحدات سبيلها إلى أهدافها في بعض الأحيان، أو أن تنحرف باتجاه الكثبان الرملية المنتشرة في المنطقة حيث غرزت في الرمال لتواجه تأخيراً في حركتها مرات عدة إلاّ أن القيادة العامة العراقية كانت قد قبلت هذه المخاطر أو المشاكل لأنها تعلم بصورة جيدة بأن الوحدات الإيرانية لم تكن قد اتخذت أية ترتيبات دفاعية بسبب جهل الجانب الإيراني أو تجاهله لما يجري أمامه من تحشدات ضخمة في الجانب العراقي من الحدود. مع ذلك لقد أثر هذا الوضع على الروح المعنوية للوحدات بصورة ملحوظة.
تميزت تلك الفترة التي امتدت إلى 9 كانون الثاني 1981م بالهدوء النسبي وسيطرة القوات العراقية بصورة شبه كاملة على الموقف باستثناء نشوب قتال غير واسع ومنظم خاضه الإيرانيون ضد القوات العراقية في هجمات متفرقة على شكل غارات إزعاج على مواضع سرايا.
وقد تحول هذا القتال بالتدريج إلى نطاق واسع حيث أخذ المتطوعون الإيرانيون يهاجمون مواضع أفواج ثم ألوية، ولم يكن الهدف من ذلك طرد القوات العراقية من مواضعها لأن القدرة على الاحتفاظ بتلك المواضع بعد احتلالها لم تكن متوافرة.
كل ما كانت تهدف إليه تلك الهجمات هو تحطيم الروح المعنوية في القوات العراقية وإيقاع أكبر ما يمكن من الخسائر بين صفوفها. مع أن المواضع الدفاعية العراقية تميّزت بأنها كانت متباعدة وتتكون من مواضع دفاعية لألوية مدرعة وآلية أو مشاة محاطة بسواتر ترابية من جميع الجهات معززة بأسلاك شائكة وحقول ألغام مختلطة، ضد الدبابات والأشخاص فقد ساعد وجود فجوات كبيرة، في هذه المواضع الدفاعية الإيرانيين على شن هجمات كبيرة في المراحل اللاحقة، وهي ظلت على وضعها ذلك حتى انسحاب القوات العراقية إلى الحدود الدولية في حزيران عام 1981م.
وقد استطاع الإيرانيون بالفعل في تلك المرحلة تحقيق عملية إيقاف القوات العراقية في مواضعها التي وصلت إليها وأصابتها بإنهاك شديد، وباستثناء احتلال القسم الغربي من مدينة خرمشهر (المحمرة) وعبور نهر كارون من قبل القوات العراقية ومحاصرتها لمدينة عبادان لم تحدث أية عمليات كبيرة ومهمة.
* المرحلة الثانية: وهي التي ابتدأت فيها القوات الإيرانية بشن عمليات هجومية على المواضع الدفاعية لفرقة عراقية أو أكثر. وقد شهدت هذه المرحلة تحول المبادأة بصورة كاملة إلى أيدي القوات الإيرانية التي شنت أول هجوم لها ليل 9 كانون الثاني عام 1981م باتجاه مواضع الفرقة المدرعة التاسعة العراقية في قاطع بستان حيث حقق الإيرانيون نتائج جيدة في مراحل الهجوم الأولى إذ كبدوا الفرقة المدرعة التاسعة خسائر كبيرة في الأسلحة والمعدات والأفراد، وعلى سبيل المثال، لم يعد من الفوج الثاني من اللواء الآلي/ 14 من نظام معركة الفرقة المدرعة التاسعة سوى ناقلتي أشخاص مدرعة من نوع ب م ي/ 1 من مجموع أربعين ناقلة، كما تقهقرت الفرقة المذكورة إلى مسافة 20 كلم، إلا أن العملية المذكورة لم توفق بصورة تامة، إذ استطاعت القوات العراقية أن تشن هجوماً مقابلاً على القوات الإيرانية قاده اللواء المدرع المستقل / 10 بعد يومين من الهجوم المذكور وألحق بالقوات الإيرانية خسائر فادحة، كما استطاعت القوات العراقية أن تحتل مدينة الحويزة، وهو ما اعتبر في حينه خيانة ارتكبها أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية الإيرانية ـ المعزول ـ بإصداره أوامر إلى الجيش الإيراني بالانسحاب تاركاً مئات من المتطوعين الإيرانيين من دون إسناد ومن دون أن يتم إخبارهم بنية الانسحاب مما أدى إلى سقوطهم قتلى على أيدي القوات العراقية، وكان يقود تلك المجموعات أحد أبرز مسؤولي الحرس الثوري المسمى «جهان آرا» الذي قتل هو الآخر في تلك العمليات.
وعلى رغم أن تلك العملية لم تحقق نجاحاً مرجواً إلا أن القوات العراقية كانت قد بدأت تفقد زمام المبادرة بصورة تدريجية وأخذت معنوياتها تنخفض بصورة مثيرة، ولم تأخذ القيادة العراقية دلالة من تلك العملية بل ظلت تعتقد إلى فترة بأن القوات الإيرانية غير قادرة على شن هجوم واسع منسق، وكانت المفاجأة التي وقعت فيها القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية قيام القوات الإيرانية بشن أول هجوم منسق واسع حقق نجاحاً كبيراً. ففي ليل 27 أيلول 1981م شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً مسنداً بقوة نارية كبيرة وكان التنسيق جيداً بين قوات الحرس الثوري والمتطوعين من جهة وقوات الجيش من جهة أخرى.
ويعتقد بأن الجيش الإيراني هو الذي أشرف على وضع وتنفيذ الخطط لأن الحرس الثوري لم يكن حينها يملك أجهزة قادرة على تنفيذ وتخطيط وقيادة عمليات على هذا القدر من السعة، وعندما كانت القوات الإيرانية تحتشد أمام المواضع الدفاعية لقاطع الفرقة المدرعة الثالثة والقوات المتجحفلة معها، كانت المعلومات ترفع بصورة مستمرة عن تحركاتها من قبل مقر الفرقة المذكورة إلى القيادة العامة، إلا أن القيادة العراقية لم تكن تعير إذناً صاغية لهذا السيل من المعلومات عن استعدادات كبيرة تجري في قاطع الفرقة.
وكان آخر تحليل قدمته القيادة في هذا الخصوص هو أنه ليس في إمكان الإيرانيين شن هجوم كبير، وربما كانوا يفكرون بعمل كهذا إلا أن حظهم لن يكون أفضل منه في هجومهم على قاطع الفرقة المدرعة التاسعة يوم 9 كانون الثاني 1981 في قاطع بستان، ولم تصغِ القيادة العامة للقوات العراقية لنصائح اللواء الركن إسماعيل تايه النعيمي قائد الفيلق الثالث حول انسحاب الفرقة المدرعة الثالثة من شرق كارون.
وقد اعتبر القائد العام للقوات المسلحة العراقية ذلك طعناً في سمعته وكبريائه العسكري تماماً كالموقف الذي وقفه هتلر من مسألة انسحاب القوات الإلمانية من مدينة ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية، وكانت النتائج متشابهة في كلا الموقفين.
استمر تدهور وضع القوات العراقية نتيجة لاستمرار العمليات في القاطع الجنوبي حيث قامت القوات الإيرانية باستعادة مدينة بستان في 18 كانون الأول 1981م ودفعت القوات العراقية نحو منطقة الفكه شمالاً والجفير إلى الجنوب الغربي من قاطع بستان، ثم بدأت تتمسك بزمام الموقف بصورة كاملة، وفي بداية العام 1982م كانت القوات العراقية قد وصلت إلى درجدة كبيرة من الإنهاك بعدما شنت هجوماً مقابلاً لاستعادة مدينة بستان واجهت فيه فشلاً ذريعاً، حيث لم تستطع أن تتقدم باتجاه المواضع الإيرانية إلا أمتاراً معدودة تكبدت فيها خسائر فادحة مما دفعها إلى العودة إلى مواضعها الأولى.
وفي شهر آذار من العام نفسه، أكملت القوات الإيرانية استعداداتها لشن هجوم واسع في قاطع الشوش وديزفول وكانت القيادة العراقية تمتلك معلومات مؤكدة بأن الهجوم سيبدأ في نيسان فقامت في ضوء ذلك بتزويد التشكيلات بمعلومات عن حجم الهجوم واتجاهاته وأسمته «الهجوم المليوني» مما أوقع الذعر في قلوب المقاتلين.
وقد حاولت القيادة العراقية أن تربك الترتيبات الإيرانية الجارية على قدم وساق بقيامها، قبل ثلاثة أيام من الهجوم الإيراني، بشن هجوم أسمته «الهجوم الإجهاضي»، إلا أن هذا الهجوم واجه فشلاً ذريعاً وكلف الوحدات خسائر إضافية جديدة كما أن آثاره النفسية كانت سيئة للغاية.
شنت القوات الإيرانية هجومها في 22 آذار 1982م باتجاه مواضع الفيلق الدفاعي الرابع، الذي شكّل حديثاً والذي كان يضم أكثر من أربع عشرة فرقة مدرعة وآلية، وكان الموضع الدفاعي العراقي يستند على نهر الكرخة من الشرق ومنطقة الفكه من الغرب، ومن الشمال كان الطريق العام أمام زاده عباس ـ جسر النادري يشكّل الحدود الشمالية لموضع الدفاع، أما من الجنوب فقد كان الموضع الدفاعي يستند على عارضة الرقابية وجبل مشداخ الذي يعتبر الأرض التعبوية المهمة في القاطع الدفاعي كله (المنطقة المسيطرة في الموضع الدفاعي العراقي)، وكانت تشغل هذا الموضع الفِرق التالية بإمرة الفيلق الرابع بقيادة اللواء الركن في حينها ـ هشام صباح الفخري وقوة في الفكه عند الحدود المشتركة:
ـ الفرقة المدرعة العاشرة وعدد من ألوية المشاة والمدرعة في القاطع الشمالي.
ـ الفرقة الآلية الأولى ومقرها في جنانة على طريق الفكه ـ هضبة الرادار المقابلة لمنطقة الشوش، تحتل القاطع الأمامي ـ الشرقي والجنوبي.
ـ الفرقة المدرعة الثالثة بالاحتياط وتحتل مواضع انطلاق خلف عارضة الرقابية. وقد جهز الموضع الدفاعي بصورة جيدة وزود بكل ما يحتاجه من أسلحة مقاومة الطائرات وصواريخ أرض / أرض إضافة إلى إسناد ناري واسع من المدفعية، كما وضعت القوة الجوية بالإنذار لتقديم إسناد فوري عند بدء الهجوم الإيراني.
وقد أدت العمليات إلى انهيار قاطع الفيلق الرابع بصورة كاملة وتدمير عدد كبير من القطاعات وانسحاب ما تبقى منها إلى الحدود الدولية بحالة يرثى لها من الفوضى والاضطراب الشديد، وكان من نتائجها المؤثرة انهيار الروح المعنوية لقطاعات الجيش العراقي على جميع الجبهات خصوصاً القوات العاملة في القاطع الجنوبي الذي ظل يشهد عمليات متواصلة وشديدة.
استمرت القوات الإيرانية في إعداد ترتيبات الهجوم النهائي في القاطع الجنوبي وكان الهدف الرئيسي للعمليات هو طرد القوات العراقية خارج الأراضي الإيرانية من هذا القاطع بصورة كاملة، ولم يبقَ لتحقيق هذا الهدف سوى شن الهجوم في قاطع عمليات الطاهري شمال مدينة خرمشهر غرب نهر كارون ومن ثم استعادة المدينة نفسها من القوات العراقية، وكان أن شنت القوات الإيرانية هجومها الواسع على القوات العراقية التي كانت تتمركز في المنطقة الكائنة غرب نهر كارون حتى الحدود الدولية ثم التوجه جنوباً نحو مدينة خرمشهر، ففي 30 نيسان عام 1982م شنت القوات الإيرانية الهجوم وعبرت إلى غرب النهر في منطقة دار خوين حيث كانت مواضع الفِرقة المدرعة الثالثة التي يقودها العميد الركن أسعد شيتنه، فكان من نتائج الهجوم أن انهارت الفرقة المذكورة، وأخذت تتقهقر تحت وطأة الهجوم الإيراني، وبدأت القوات الإيرانية توسع رأس الجسر الذي نجحت بتأسيسه إلى الغرب من نهر كارون بعد فشل الهجمات المقابلة التي قامت بها قطاعات الفرقة المدرعة الثالثة الكائنة في العمق. وبذا تكون القوات الإيرانية قد مهدت الطريق أمامها للوصول إلى طريق الأهواز ـ خرمشهر وهو طريق من الدرجة الأولى.
استمر القتال لمدة تزيد عن 40 يوماً استطاعت القوات الإيرانية خلالها أن تستعيد مدينة خرمشهر وتطرد القوات العراقية في هذا القاطع بصورة كاملة نحو الحدود الدولية باستثناء بعض الجيوب الكائنة في منطقة جفير. وهكذا أصبحت القيادة العراقية أمام ظروف سيئة للغاية فأصدرت قرارها الشهير الذي لا بد منه وهو الانسحاب إلى الحدود الدولية والطلب إلى إيران أن توقف القتال وتلجأ إلى حل المشاكل العالقة بين البلدين بالطرق السلمية واللجوء إلى المفاوضات للتوصل إلى تفاهم حول ذلك، وقد جوبه الطلب العراقي في حينه برفض قاطع من قبل إيران وصدرت الأوامر للقوات العراقية صبيحة يوم 20 حزيران 1982م بالانسحاب إلى الحدود الدولية. وباشرت بالفعل بتنفيذ هذا الأمر وأكملت انسحابها خلال ثلاثة أيام بعدما تكبدت خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات.
خصائص هذه المرحلة من العمليات:
(أ ) انهيار شامل في الروح المعنوية للقوات العراقية.
(ب ) ضعف واضح في مستوى القيادة العراقية وتدني كفاءتها في إدارة المعركة.
(جـ ) تكبد الجيش العراقي خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات بحيث لم تسلم وحدة من وحدات الفيلق الرابع والثالث والقسم الأكبر من وحدات الفيلق الثاني من الخسائر الجسيمة بالمعدات والأرواح حتى إن قسماً من الوحدات قد تمّ إعادة تنظيمه مرات عدة نتيجة لشدة الخسائر التي تعرض لها، كما ألغيت الفِرقة المدرعة التاسعة، التي كان يقودها اللواء الركن ـ في حينها ـ طالع خليل الدوري، من نظام معركة الجيش العراقي كلياً.
(د ) تدني واضح في تدريب الوحدات المدرعة والآلية وفقدانها لأغلب كوادرها القديمة. فقد قتل عدد كبير من آمري الألوية وأسر قسم آخر منهم إضافة إلى أعداد كبيرة من المراتب بأيدي القوات الإيرانية ووصل عدد هؤلاء إلى أكثر من 40 ألف مقاتل، كما تمّ إعدام اللواء الركن صلاح القاضي قائد الفيلق الثالث والعميد الركن أسعد شتنة قائد الفرقة المدرعة الثالثة وأعداد أخرى من آمري الألوية والوحدات بتهم مختلفة تراوحت بين الإهمال في قيادة وحداتهم وتشكيلاتهم، والخيانة، مما ترك آثاراً قاتلة على عمل القادة والآمرين الآخرين الذي بدأ الخوف والقلق يدب في نفوسهم.
(هـ ) أصبح الوضع العام في الجانب العراقي مهيأ لانهيار شامل لو أن القيادة الإيرانية كانت مصممة على متابعة زخم العمليات وإدامته بسرعة من دون انقطاع.
* المرحلة الثالثة: وهي التي تبدأ من حزيران 1982م حتى عمليات حلبجة في مطلع عام 1988م ففي هذه المرحلة قامت القيادة العراقية باتخاذ ترتيبات دفاعية جديدة بحيث أصبح الوضع العام للموضع الدفاعي أكثر قوة وتماسكاً بفعل الترتيبات، ومنها إدخال المثلث الذي ارتكز على أساس احتلال جحافل أفواج وألوية مواضع دفاعية على شكل مثلثات معززة بأسلاك شائكة وألغام، تحيط بها سواتر ترابية بارتفاع ملائم يصل غلى ثلاثة وأربعة أمتار وبعرض يصل إلى ستة أمتار تحتله قوات المشاة معززة بنسبة من الدروع والرشاشات المتوسطة الرباعية السبطانة والثنائية والأحادية بحيث أن القوات المهاجمة كانت تضطر إلى أن تنتقل من مثلث إلى آخر خلال قتال شديد وخسائر فادحة مما يؤدي إلى انهاكها ثم توقفها تماماً بعد امتصاص زخم الهجوم، خصوصاً وأن الإيرانيين كانوا يشنون هجومهم دوماً بكتل من المشاة التي لا يمكنها أن تواصل القتال في عمق المواضع لفترة طويلة.
وبعدما كان يتم إيقاف المهاجمين كانت هناك قوة احتياطية مدرعة تقوم بشن هجوم مقابل تدربت عليه لمدة طويلة، وقد تمّ تعزيز هذه المثلثات في جبهتها بواسطة موانع مائية كبيرة وواسعة، حيث تم غمر مساحات واسعة من الأرض الحرام بالمياه بواسطة مضخات ضخمة كانت تجلب المياه من الأنهر المتفرعة من نهر دجلة وشط العرب وتصبها في منطقة الأرض الحرام في ضوء حسابات دقيقة لمستوى المياه وانخفاض مستوى سطح الأرض. كما أن الوحدات المدرعة والآلية كانت تنفذ تدريباتها بصورة مستمرة وجيدة بحيث كان يحتفظ بأكبر ما يمكن من القطعات المدرعة والآلية كاحتياط في الخلف لعمليات الهجوم المقابل.
وقد أجرت إحدى الفِرق المدرعة في إحدى المرات تمريناً في الهجوم وصلت فيه إلى الحافة الأمامية لمنطقة المعركة، كما أن هذه المرحلة تميّزت بتباعد الفترات بين العمليات الرئيسية فيها إذ كانت العمليات تنفذ مرة واحدة كل عام، مما أتاح للقوات العراقية فرصة ملائمة لترصين موضعها الدفاعي وإدخال تحسينات كثيرة عليه، كما أتاح لها الفرصة أيضاً لممارسة التدريب بصورة ملائمة، حتى إن أفواج المشاة التي كانت تمسك بالخط الأمامي من الجبهة كانت تُعاد إلى الخلف مدة 45 يوماً لإنجاز تدريباتها، مما أتاح لها فرصة جديدة لتزويدها بالمهارات المطلوبة إضافة إلى تحسن وضعها المعنوي مقارنة بوضعها السابق.
أهمية هذه المرحلة تكمن في أنها أثبتت إلى حد بعيد أن إحداث خرق عميق في الدفاعات العراقية ليس أمراً سهلاً، علماً بأن استحالة ذلك كانت قد تأكدت اعتباراً من العام 1983م وحتى العام 1988م، أي منذ عمليات شرق البصرة الأولى حتى عمليات حلبجة، وهذا ما أدركه الإيرانيون بصورة مؤكدة. وبذا بدأت الحيرة تنتابهم أولاً، ثم بدأ اليأس من إمكان تحقيق نصر حاسم يدب في قلوبهم. فعلى رغم أن عمليات شرق البصرة، في منطقة شلمجة التي جرت في بداية العام 1987م، والتي استمرت إلى فترة تزيد عن الشهر، كلفت القوات العراقية كثيراً من الخسائر وصلت إلى نحو 80 لواء، إلا أن الإيرانيين تكبدوا في هذه العمليات أعداداً كبيرة من القتلى دون أن تحقق لهم تقدماً يزيد على 15 كلم.
كما أن احتلال مدينة حلبجة قد تم باستخدام كل قوات الحرس الثوري. بحيث أصبحت دفاعات الجبهات الأخرى ضعيفة وواهنة إلى الدرجة التي أكسبت العراق وضعاً لم يكن يحلم به على الإطلاق. وهذا الأمر يحتاج، بالفعل إلى حديث أكثر تفصيلاً وهو ما سيأتي لاحقاً.
تميّزت هذه المرحلة بكون القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية أصبحت تمتلك تجربة واسعة وإدراكاً لطبيعة العمليات التي ينفذها الإيرانيون في هجماتهم ويمكن تلخيص ما توصلت إليه في هذا المجال بالآتي:
لا يزال الإيرانيون يعتمدون على المشاة في شن هجماتهم على المواضع الدفاعية العراقية وإن هجماتهم كانت تجري دوماً في الليل لتلافي الهجمات الجوية العراقية التي ظلت تمتلك السيادة الجوية تقريباً، وإن بإمكانهم اجتياز كافة الموانع التي يقيمها الجيش العراقي والوصول إلى الموضع الدفاعي العراقي، واحتلاله كاملاً والسيطرة على أجزاء كبيرة منه. إلا أن قوى المشاة غير قادرة بالفعل على الاستمرار في القتال لمدة تزيد على اليومين بصورة متواصلة، وهي مدة لا تتيح للمشاة أن يتقدموا شاقين طريقهم من خلال القتال العنيف وتحت القصف المدفعي والجوي الشديدين لمسافة تزيد على 15 كلم.
ولأن الإيرانيين لا يمتلكون دروعاً بالمقدار الذي يكفي لشن معركة مدرعة تؤدي إلى إحداث خرق عميق بالمواضع العراقية وبأقصى سرعة، فإن المعركة ستظل دائرة في قشرة أمامية من الموضع لا تزيد عن 15 كلم كما أشرنا أعلاه، وبذا فإن القيادة العراقية تكون بالفعل قد امتلكت الوقت الكافي لاتخاذ إجراءات الهجوم المعاكس باستخدام القوات المدرعة والآلية والقوات الخاصة والمشاة ـ بالقدر الذي تسمح به الأرض لعمل هذه الصفوف ـ التي كانت قد كلفت أصلاً بهذا الواجب وتدربت عليه.
في هذه المرحلة بدأ التعاون بين الجيش الإيراني والحرس الثوري يشهد خللاً كبيراً انتهى إلى الانعدام تقريباً باستثناء تقديم الجيش للأسناد الناري المدفعي والمضاد للطائرات للعمليات التي أخذ الحرس الثوري ينفذها منفرداً، وكانت آخر عملية تعاون بينهما قد تمت في بداية العام 1985م في ما أسماه الإيرانيون بعمليات «قادر» التي اشتركت فيها وحدات من الجيش والحرس الثوري والتي نفذت في منطقة سيد كان، من العمليات التي انتهت إلى فشل ذريع بعدما كانت تهدف إلى السيطرة على حوض سيد كان وقمة حسن بك التي تسيطر على سهل ديان إلى الغرب منها والواقعة شرق مدينة راوندوز العراقية في محافظة أربيل.
(ب ) تحولت الفيالق الثلاثة (الجيش العراقي) التي دخلت الحرب في ايامها الأولى إلى سبعة فيالق في العام 1985م. والحرس الجمهوري الذي كان لواء واحداً أصبح ثمانية عشر لواء، وازدادت ألوية الوحدات الخاصة إلى الضعفين أو أكثر بعدما كانت ثلاثة ألوية، وقد ساعد ذلك على وجود وحدات كثيرة بتصرف القيادة العامة، خصوصاً وحدات المشاة التي استطاعت أن تمسك مواضع دفاعية على طول الجبهة من أقصى الشمال حتى آخر نقطة في الجنوب عند منطقة الفاو عند مدخل الخليج، كما تهيأ أيضاً عدد فائض من الوحدات المدرعة والآلية التي كلفت بواجبات الهجوم المقابل، وباختصار فقد أصبحت الـ 13 فرقة التي دخلت الحرب 54 فرقة مدرعة وآلية ومشاة، إلاّ أن الواضح في هذا الأمر هو أن هذا التوسع كان على حساب كفاءة الوحدات ومستوى تدريبها وضعف وتقليص ملاكاتها.
(جـ ) استطاعت القوات العراقية أن تدحر وتصد كل الهجمات التي شنها الإيرانيون، خصوصاً تلك العمليات التي شنت عبر هور الحويزة عام 1984م وعام 1985م وما بعدها باستثناء عمليات الفاو عام 1986م وعمليات حلبجة في بداية العام 1988م، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معنوياتها بصورة ملحوظة، كما أن العراق استطاع أن يحصل على كميات غير محدودة من جميع الأسلحة، خصوصاً الدروع والمدفعية والطائرات الحديثة من مختلف دول العالم المصدرة للأسلحة سواء الشرقية أو الغربية منها. وبذا خرج العراق من هذه المرحلة من مراحل الحرب اكثر قوة، على عكس القوات الإيرانية التي أصبحت تعاني بعض النقص في أسلحتها المختلفة إضافة إلى تدهور وضعها النفسي واستعداداتها الحربية.
(د ) تمكنت القيادة العراقية من أن تدير المعارك بصورة أكثر ملاءمة على رغم أنها ظلت تعاني بعض النواقص التي لم يكن من الممكن التغلب عليها بسبب الخوف الذي كان يخيم على سلسلة القيادة العسكرية بمختلف مستوياتها. هذا الخوف كان ناجماً عن أي فشل محتمل في العمليات مما يجعل الضباط يعيشون قلقاً مستمراً من السيف المسلط على رقابهم.
(هـ) دخول السلاح الكيميائي إلى الاستخدام الواسع النطاق في العمليات التي جرت اعتباراً من العام 1983م، وازدياد استخدامه عنفاً وتدميراً في أثناء الفترة النهائية لهذه المرحلة، خصوصاً عمليات حلبجة والمرحلة التي تلتها، مما كان يشكّل مفاجأة تامة بسبب تأثيره المعنوي بصورة خاصة على معنويات المقاتلين الإيرانيين، كما أن قصف المدن بصواريخ جديدة وعلى نطاق واسع واستخدام القوة الجوية العراقية في هذا المجال أيضاً كان له تأثير كبير على معنويات المدنيين وذلك للتدمير الكبير الذي كان يحدثه.
(و ) انتقلت المبادأة بحدود معينة إلى أيدي القوات العراقية، لكن القوات الإيرانية ظلت تحتفظ بالجزء الأكبر منها بدليل أنها كانت هي المبادرة في الهجوم في هذه المرحلة أيضاً، كما ظلت القوات العراقية في موقف الدفاع باستمرار، وفي هذه المرحلة حاولت القيادة العراقية أن تحصل على المبادأة كاملة فعمدت إلى ابتكار نوع من الدفاع وهو ما سمي بـ «الدفاع المتحرك» الذي يتكون من مزيج مشترك بين الدفاع والهجوم في مناطق منتخبة من قواطع الجبهة، إلا أن الدفاع المتحرك فشل تماماً في هذه المرحلة، لأن القوات العراقية لم تكن قد وصلت إلى المستوى الذي يؤهلها لإنجاز مثل تلك التكتيكات. فبعدما شنت قوات الفيلق الثاني هجومها الخاطف السريع على قصبة مهران ـ التي كان يمسك بها لواء من الجيش الإيراني ـ واحتلتها كجزء من استراتيجيتها الجديدة، عادت القوات الإيرانية فاستولت على المدينة من جديد بعد تكبيد قوات الفيلق المذكور خسائر جسيمة، حيث اختفى قائد الفيلق المذكور اللواء الركن ضياء توفيق من الوجود ولم يعد أحد يسمع به. ويعود السبب الرئيسي لهذا الفشل إلى عدم تمتع القوات العراقية بمعنويات كافية لإنجاز مثل هذه الاستراتيجية بسبب كونها كانت لا تزال تعاني من نتائج المعارك السابقة التي خاضتها خلال المرحلة الثانية.
المرحلة الرابعة: وهي التي تبدأ من احتلال الإيرانيين لمدينة حلبجة في شمال شرق العراق حتى وقف إطلاق النار في 20 آب 1988م، وهي المرحلة التي تحول فيها الموقف بصورة مفاجئة لصالح العراق.
بدأت مرحلة التحول هذه بهجوم القوات العراقية على مدينة الفاو واستعادتها من القوات الإيرانية في وقت قياسي، ثم تلا ذلك الهجوم على قاطع الشلامجة واستعادة الأراضي التي احتلتها القوات الإيرانية فيه، كما استعيدت جزر مجنون أيضاً وحققت القوات العراقية إنجازات أخرى في قواطع العمليات كافة، وبدأت القوات الإيرانية تتراجع بصورة مذهلة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحرب.
فقد سلمت كافة الأراضي الأخرى كمنطقة حلبجة وحاج عمران وشاخ شميران، من دون قتال، إلى القوات العراقية التي لم تجد أمامها أية مقاومة تذكر خلال عملياتها الهجومية العديدة التي نفذتها. فقد كانت القيادة العراقية ترقب الموقف بدقة ولديها معلومات دقيقة عن حجم القوات الإيرانية وإمكاناتها التي بدأت تنخفض بصورة كبيرة، وكانت عمليات حلبجة، التي استخدم الإيرانيون فيها كل ما لديهم من قوات المتطوعين، هي الفرصة التي أتاحت للقوات العراقية الحصول على مكاسب كبيرة في قواطع العمليات الأخرى، خصوصاً في القاطع الجنوبي الذي لم يدافع فيه الإيرانيون بصورة جدية، وحسب ما يفرضه عليهم الموقف، بسبب قلّة عدد قواتهم وعدم اهتمامهم باتخاذ الترتيبات الدفاعية المطلوبة.
والمعروف أن الإيرانيين يستخفون بكل الأساليب الكلاسيكية المعروفة والتي يجب أن تتخذ من أجل تأمين دفاع جيد محمي بصورة محكمة بواسطة الموانع الطبيعية والاصطناعية، كحقول الالغام والأسلاك الشائكة وغيرها من الوسائل المعروفة أو المبتكرة الأخرى، مما سهل اندفاع القوات العراقية ونجاحها في تحقيق أهدافها. لقد بدا على الإيرانيين انهيار واضح في قواهم المعنوية والمادية بصورة تبعث على الشفقة. فقد كان المقاتلون الإيرانيون يتركون مواضعهم هاربين إلى الخلف حال شعورهم بهجوم القوات العراقية، كما كان للاستخدام الواسع للأسلحة الكيميائية، ليس فقط على خطوط الجبهة بل على بعض المدن الحدودية أيضاً، تأثير سيئ جداً على معنويات القوات الإيرانية التي لم تكن تتبع أساليب تعبوية ملائمة للتقليل من تأثير تلك الأسلحة في ساحات القتال.
وحدث تحول أو تطور جزئي هام خلال هذه المرحلة وفي نهايتها، كانت له دلالات كبيرة جداً. فعندما وافقت إيران على وقف إطلاق النار في الوقت الذي كان فيه العراق قد حقق انتصارات كبيرة جداً وأصبحت المبادأة في يديه بصورة كاملة، سقطت القيادة العراقية في خطا استراتيجي فادح جديد هو اندفاع قواتها مباشرة بعد موافقة إيران على وقف إطلاق النار وبعنف داخل العمق الإيراني، خصوصاً في منطقة خوزستان حيث أصبحت القوات العراقية على مشارف مدينة الأهواز، كما أن مدينة كيلان غرب وسربل ذهاب وقصر شيرين قد سقطت جميعها بأيدي القوات العراقية في عملية سريعة مندفعة، وهنا حدث تبدل كامل داخل الوضع الإيراني.
فبعدما كانت إيران تشكو من قلّة المتطوعين للجبهات وتعاني من انهيار كامل على الجبهات، اندفعت أعداد كبيرة من المقاتلين الإيرانيين إلى الجبهات ولم تعد عجلات النقل المدنية والعسكرية تكفي لنقلهم إليها، وازدحمت الطرق التي تؤدي إلى غرب وجنوب إيران بالآلاف منها وهي تقل المقاتلين المتوجهين إلى الجبهات بسرعة. كما أن منطقة خوزستان لوحدها قدمت أعداداً كبيرة من المقاتلين الذين تزاحموا للذهاب إلى الجبهات لأن مدنهم وقُراهم صارت عرضة للاحتلال بعدما أصبحت تحت مرمى المدافع. وهكذا شهدت إيران اندفاعة وطنية عارمة أحدثت حماساً كبيراً في أوساط الشعب الإيراني، وكان الإيرانيون يرددون «إذا هزم الإسلام فله رب يحميه، أما إيران فليس لها أحد غيرنا». في هذا المعنى، سقطت القيادة العراقية بالتصور الخاطئ نفسه الذي كانت تعيشه قبل شنها للحرب باعتقادها بأن إيران أصبحت لقمة سائغة يسهل ابتلاعها أو على الأقل، إن الوقت حان لأن ترضخ لشروط العراق بالكامل، وعندئذ وخلال أسبوع واحد أفاقت القيادة العراقية على هول ما جرى لقواتها، خصوصاً في القاطع الجنوبي من العمليات، حيث تم تدمير ما يقرب من 18 لواء مدرعاً وآلياً التي تشكّل العمود الفقري للقوات التي اندفعت داخل العمق الإيراني وبمدى أبعد من اندفاعها الأول عند بدء الحرب، وبسرعة كبيرة، بحيث أصبحت لقمة سائغة لهجمات المتطوعين الإيرانيين الذين بدأوا يقاتلون قتالاً شديداً جعل القوات العراقية تفيق على هول حجم الخسائر التي أصابتها مما اضطرها إلى التراجع نحو الحدود ماثلة أمام عينها مآسي حزيران من العام 1982م بعدما تمّ تدمير القسم الأكبر منها. لقد عانت القوات العراقية من الظروف نفسها التي عانت منها عند دخولها الأول في أيلول من العام 1980م، في الوقت الذي كانت فيه تطمح إلى إيقاف النزيف الذي كان يستنزف قواها طيلة مدة الحرب مما أصابها بخيبة أمل كبيرة.
لم تعر القيادة الإيرانية أية أهمية لما يجري على طول حدودها الغربية من تحشدات تقوم بها القوات العراقية على رغم وجود المعلومات المفصلة لديها عن طبيعة هذا التحرك وهدفه الذي لا يمكن أن يفسر إلا بأن هناك نوايا لدى القوات العراقية بشن هجوم واسع على إيران. وحتى في حالة عدم تصديق القيادة الإيرانية لهذا الاحتمال، فإنه كان يتوجب اتخاذ ما يتطلب الموقف من ردود فعل على تفاقم الموقف وتدهوره على حدود إيران مع العراق. وباستثناء انفتاح مفارز تعويق على محاور تقدم القوات العراقية يراوح حجمها من قوة فصيل إلى سرية مشاة معززة، انسحب قسم منها نتيجة الضغط عليها بشدة، فإن القيادة الإيرانية لم تتخذ أية إجراءات أخرى، وربما كان سبب ذلك يعود إلى ان إيران كانت تعيش وضعاً داخلياً معقداً جداً، فالخلافات بدأت تدب بين كبار المسؤولين في الدولة وتظهر أحياناً إلى العلن بصورة جلية، كما أن الجيش الإيراني كان قد خرج بعد نجاح الثورة محطماً منهوكاً، بل يمكن اعتباره خاسراً في المعركة التي زجه فيها شاه إيران ضد جماهير الشعب الإيراني، كما عانى كثيراً من حملات التطهير التي شملت كبار الضباط وعدداً كبيراً من الضباط من ذوي الرتب المتوسطة والصغيرة، مما أدى فقدانه عدداً كبيراً من كوارده المتمرسة، إضافة إلى كثرة المطالبة العلنية من قبل قسم كبير من المنظمات والأحزاب السياسية الإيرانية بحله نهائياً بسبب وقوفه موقفاً معادياً للثورة بحدة مما أدى إلى انخفاض روحه المعنوية وفقدان الثقة بنفسه.
كانت قوات حرس الثورة هي المنظمة الجديدة التي انبثقت بعد الثورة كمنظمة ثورية كلفت بالدفاع عن الثورة وتوجهاتها وأهدافها، وكانت تضم في أول الأمر أعداداً قليلة من أنصار الثورة ومؤيديها أو ما يسمى في إيران «السائرون في خط الإمام» وقد اكتسبت هذه المنظمة نفوذاً قوياً جداً من بين كل مؤسسات الدولة، وبالفعل، كانت المؤسسة التي تهيمن على كل شيء تقريباً، خصوصاً في ما يتعلق بشؤون الأمن وقضايا الدفاع، وبسبب كونها قد شكلت بسرعة من قبل اشخاص ذوي اتجاهات فكرية مختلفة ومتباينة ـ إلى حد ما ـ إضافة إلى كون قسم منهم كان لديه مخططات خاصة به تكاد تكون مستقلة أمثال مهدي الهاشمي الذي اعدم فيما بعد، ومحمد منتظري الذي قتل في انفجار المقر المركزي للحزب الجمهوري الإسلامي في طهران، إضافة إلى منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية وهي منظمة تشكلت بعد نجاح الثورة من منظمات صغيرة كانت تمارس أعمال العنف خلال حكم الشاه ضد السلطة ومؤسساتها ورموزها، ومن أبرز قادة هذه المنطقة محسن رضائي قائد الحرس الثوري وقائد القوات البرية علي الشمخاني ـ ومحسن رفيق دوست.
وعلى رغم أن هذه المنظمة ادعت بأنها قد حلت نفسها تنفيذاً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، الذي يحرم على المنتسبين إلى الجيش والحرس الانتماء إلى أية منظمة سياسية، فقد سيطرت بالفعل على الدولة ونشاط القوات المسلحة واتجاهات العمل العسكري فيما بعد خلال مراحل الحرب المختلفة. وهي ـ بلا شك ـ أصبحت تشكّل لها خطاً خاصاً بها يزاحم الخطوط الأخرى في الدولة، كما أن خط مهدي الهاشمي قد لعب ولا يزال يلعب دوراً خطيراً في تنظيم قوات الحرس وشكل داخله ما يمكن أن نسميه تنظيماً خاصاً به يكاد لا يكون أقل خطورة وأهمية من الخطوط الأخرى داخل الدولة والحرس.
كان من نتائج ظهور مؤسسة الحرس الثوري تقلص دور الجيش الإيراني، وكان أمل قادة الحرس أن يجري تجريد الجيش بصورة تدريجية من صلاحيته وقوته العسكرية إلى أن يصبح هيكلاً خاوياً على أن يتم بالتدريج توسيع قوات الحرس وتقويتها بتزويدها بمختلف أنواع الأسلحة كي تحل بصورة نهائية محل الجيش، حتى أن القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية أصدر قراره الشهير بعد فشل عمليات بدر التي جرت عام 1984م عبر هور الحويزة بتشكيل القوات الثلاث البرية والجوية والبحرية للحرس الثوري وهو قرار لم يكن في الإمكان تنفيذه على مستوى الواقع العملي بسبب ضعف الإمكانات وعدم وجود كوادر مؤهلة أساساً لإدارة قوة برية بحجم ملائم للمهمات التي كلف بها الحرس الثوري.
ومما لا شك فيه أن وجود قوتين مسلحتين كل منهما تعمل بنهج خاص يختلف عن نهج القوة الأخرى عمَق الازدواجية، في حين كانت مؤسسة الحرس الثوري تعاني باستمرار من ضعف التدريب والتأهيل، كما أنها لم تكن تحكمها قوانين صحيحة كمؤسسة عسكرية. فقد كانت قيادات الحرس تعتمد على الوازع الشخصي الناجم عن إحساس المنتسبين إلى الحرس بأهمية العقاب والثواب عند الله، وقد أثبت هذا الوضع أنه غير كاف لإدارة مؤسسة كانت في فترة معينة تضم آلاف المقاتلين وتصرف الدولة عليهما أموالاً طائلة لأدائها وتجهيزها وتسليحها.
وقد أحس قادة الحرس بذلك في المراحل اللاحقة من عملهم لكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً بعدما استفحل نمط معين من التعامل داخل الحرس يعتمد على أسلوب التراخي وعدم التفريط بالذين يرتكبون بعض المخالفات التي تقتضي نوعاً من الحساب أو المعاقبة، وقد عانت الدولة من هذا الضعف الذي بدأ يستفحل بصورة تدريجية حتى أصبح داء قاتلاً مدمراً كانت نتائجه وخيمة جداً على المسار الذي سلكته الحرب وأدت إليه، وكان أن تمّ تشكيل هيئة أركان مشتركة للجيش والحرس برئاسة الشيخ الرفسنجاني قبل فترة وجيزة من إعلان إيران قبولها لقرار مجلس الأمن الرقم 598، وكان الهدف من هذه الهيئة تضييق الهوة بين النظام والتنظيم الذي يسود الجيش والفوضى والارتباك اللذين يسودان الحرس؛ إلاّ أن النتائج لن تكون أفضل مما كانت عليه، لأن قوات الحرس أصبحت غير قادرة على التحول إلى قوة نظامية على نمط الجيوش الحديثة لأنها أصبحت غير قادرة على تجاوز نمط التعامل السائد داخلها مطلقاً كما أن الجيش لم يعد قادراً على تحمل أن يصبح قادة الحرس مسؤولين عن توصية العمليات المشتركة أو الإشراف بصورة أو بأخرى على نشاطه وحركته، لذا، فقد كان الحل الوحيد أن يجري حلّ قوات الحرس والاستفادة من كوادره في واجبات خاصة أمنية داخل البلاد، على أن يتم تعزيز بناء الجيش بصورة جيدة ومحكمة لإنهاء الازدواجية التي كانت سبباً في حدوث انتكاسات كبيرة على الجبهة، وفي رأيي أن قوات الحرس الثوري كانت سبباً رئيسياً في حدوث انتكاسات كبيرة على الجبهة، وفي رأيي أن قوات الحرس الثوري كانت سبباً رئيسياً في تبذير جهود الدولة الإيرانية وإمكاناتها كلها وتدميرها، وذلك بسبب اعتمادها على أساليب ساعدت على إشاعة التحلل والفوضى والإرباك، وخصوصاً طريقة التطوع للقتال في الجبهات التي يتبعها قسم تطويع المستضعفين التابع لحرس الثورة الذي يقوده الشيخ رحماني الذي كان يعتبر نفسه هو الآخر قائداً له صلاحيات وشأن لا تقل عن شأن قائد الحرس نفسه مما كان يخلق نوعاً من الانقسامات أو المشاكل بين آونة وأخرى بينه وبين قيادة الحرس نفسها التي لم تخفِ تذمرها من هذا الوضع.
فالحرس كان يستقبل المتطوعين من جماهير الشعب الإيراني، وذلك بتوجيه دعوة عامة للذين سبق أن خدموا في فِرق المشاة أو فيالقه، كما تتم أيضاً دعوة الذين لم يسبق لهم أن تدربوا أو الذين تدربوا لكنهم لم يتطوعوا للقتال في الجبهة، وغالباً ما تسبق هذه الدعوة مرحلة الإعداد لهجوم كبير، لذا فإنها كانت دوماً تقدم دلالة هامة للمراقب بأن الإيرانيين قد بدأوا استعدادهم لشن هجوم خلال مدة لا تزيد على الشهر أو الشهرين في أكثر الاحتمالات.
كانت مدة التطوع في البدء تصل إلى ثلاثة أشهر ثم بدأت تنخفض إلى 45 يوماً في العام 1988م (وبالطبع فإن التطوع اختياري محض ولا يعتمد على أية وسيلة من وسائل القوة أو غيرها من وسائل الإجبار) إلى أن وصلت إلى أدنى درجة في منتصف ذلك العام عندما بلغ عدد الذين تطوعوا من مدينة قُم 300 شخص، أو أقل من ذلك، وهو أمر لم يسبق أن حدث على الإطلاق خصوصاً بالنسبة إلى مدينة قُم المركز الديني الرئيسي في إيران والتي تعتبر أكثر المدن الإيرانية ولاء وتأييداً لخط الدولة والثورة، علماً بأن عدد سكانها يبلغ مليوناً وربع مليون شخص، والأمر الأكثر أهمية هو أن هذا التطوع كان يعتبر بمثابة التغير الذي تدعو له أية دولة هي في حالة حرب، لذا فإن الجيش هو الآخر بات يُعاني من انخفاض عدد المجندين فيه بدعوى أن الشعب كان يتطوع في فِرق الحرس، وأخذت أعداد كبيرة من المكلفين بالخدمة العسكرية تتخلف عن الالتحاق بوحدات الجيش النظامية حتى أصبح عددهم نحو مليون ومئة وخمسين ألف مكلف، كما ورد في إحصاءات رسمية حكومية.
وبذا تكون الدولة في الواقع وقفت تتفرج على حالة غريبة من التخلف عن الخدمة يرافقه إهمال واستخفاف بالجيش، مما أدى إلى انخفاض عدد المقاتلين وإلى ضعف واضح في إدارة العمليات، وتبذير كبير في الموارد والأعتدة والأسلحة.
فالجيش يمتلك أحدث الأسلحة والمعدات التي أصبحت بعيدة عن أن يستفاد منها استفادة صحيحة في القتال، كما أن الحرس كان يمتلك أسلحة وتجهيزات عسكرية ويجهد للحصول على أسلحة أخرى أكثر تطوراً، بينما بقيت أسلحة الجيش وإمكاناته في الظل، وهذا في الحقيقة يشكّل تبذيراً في الموارد والإمكانات لم يكن له ما يبرره. وبسبب عدم وجود مركز قرار يستطيع أن يحل هذا الإشكال وغيره بسرعة قبل تفاقم الأخطار، أخذت المشاكل والعقبات تزداد يوماً بعد آخر مشكلة نقطة ضعف رئيسية كانت مساحتها تتسع وأبعادها تأتي على قوة إيران ومواردها البشرية والمادية.
وقد وصل الخلاف بين الجيش الإيراني والحرس إلى الدرجة التي تم فيها عزل العميد صياد شيرازي من قيادة القوة البرية، وتعيينه ممثلاً للإمام في مجلس الدفاع الأعلى وهو منصب رمزي فخري يمنح للذين لم يبقَ لديهم عمل معين أو أصبحوا بعيداً عن إرادة فعل القرار، علماً بأنه كان أكثر العاملين المتحمسين في الجيش.
وبما أن واجبات الجيش الإيراني الأساسية، كما ورد في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي الدفاع عن حدود البلاد ضد الأخطار الخارجية، فإن الجيش لم يخفِ عدم رغبته في مواصلة الحرب والاندفاع في القتال بعد انسحاب القوات العراقية في حزيران عام 1988م، وباعتبار أن مهمته قد انتهت طبقاً للدستور، وأعتقد بأن الأصوات التي سمعت تردد هذا القول من قبل عدد من الضباط، كانت الغاية منها ترك المهمة إلى قوات الحرس التي بدأت تفشل في تحقيق الانتصارات الكبيرة، مما دفع الجيش إلى الشماتة بقيادة الحرس وقواته على حد سواء، وكانت عملية إلقاء القبض على العقيد قتيبة مدير الدائرة الثانية ـ الاستخبارات العسكرية ـ المؤشر الأكثر عمقاً ودلالة عن عمق الخلاف والتناحر بين قوات الجيش وقيادته وقوات الحرس الثوري وقيادته.
فقد اتهم العقيد قتيبة بتوزيع منشورات سرية بين صفوف الجيش يتهجّم فيها على حرس الثورة بقيادته ويتهمها فيه بالتعهد في الإساءة إلى الجيش ومكانته وقد طبعت تلك المنشورات في مكاتب الدائرة الثانية ووزعت منها بصورة مباشرة. والمعروف أن العقيد قتيبة من أكثر الضباط إخلاصاً للنظام الحالي في إيران، وقد ظل يعمل في مركزه لمدة طويلة بكل جد وتفان، إلا أن التقصير الأساسي الذي ارتكبته القيادة الإيرانية في هذا المجال هو عدم منحها الاهتمام الكافي للجيش وإعطائه العناية اللازمة ومنحه ثقتها وإعادة بنائه وتأهيله بالصورة التي تكفل فيها ولاءه المطلق لها كي يصبح القوة الرئيسية التي تأخذ على عاتقها تنفيذ المهام المطلوبة، ولم تظهر لدائرة التوجيه العقائدي في الجيش أية تأثيرات كبيرة وهامة على مجمل أوضاعه بسبب عدم كفاءة الدائرة المذكورة التي أنشئت بعد الثورة والتي تضم أعداداً كبيرة من رجال الدين.
وهكذا ظل الجيش الإيراني في واد وبقية المؤسسات في واد.
العجز عن تحويل الانتصارات العملياتية إلى نصر استراتيجي: شهدت المرحلة الأولى والثانية من الحرب العراقية ـ الإيرانية، وكذلك قسم من عمليات المرحلة الثالثة انتصارات تكتيكية وعملياتية كبيرة حققها الجانب الإيراني، وقد أدت هذه الانتصارات في الواقع إلى إحداث انهيارات كاملة لدى الجانب العراقي كان من الممكن أن تتحول إلى نصر استراتيجي يؤدي في النهاية إلى إنهاء الحرب لصالح إيران، لكن القيادة العسكرية لم تكن لديها القدرة على تحويل تلك الانتصارات إلى نصر استراتيجي، ومرد ذلك يرجع إلى عدم وجود قائد يستطيع بحسه السليم وإدراكه لتشخيص عناصر الموقف الدولي والإقليمي والمحلي أن يستثمر تلك الانتصارات التي كانت تحصل عليها القوات الإيرانية في ميادين القتال وتحويلها إلى انتصار استراتيجي، فنظرة بسيطة إلى المعارك الكبيرة التي دارت في القاطع الجنوبي والنتائج التي انتهت إليها وسير تلك المعارك تعطي للمراقب صورة عن ضعف القيادة العسكرية الإيرانية على التصور الاستراتيجي. ولنبدأ بدراسة اهم المعارك التي دارت في القاطع الجنوبي لنستخلص منها الدروس والنتائج التي انتهت إليها.
1 ـ معركة الشوش وديزفول:
الساعة 24 ليلة 22 آذار عام 1982م شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية في قاطع الشوش وديزفول الذي كانت تشغله القوات العراقية كما يأتي:
(أ ) الفِرقة المدرعة العاشرة: تشغل القاطع الشمالي اعتباراً من دشت عباس ـ أمام زاده عباس ـ حتى جسر نادري ثم تنعطف نحو الجنوب حتى تتصل بقرية صالح مشتت وبأمرتها عدد من الألوية المدرعة والمشاة تبلغ نحو فرقة أخرى وكان يقود الفرقة العميد الركن ـ في حينها ـ ثابت سلطان التكريتي.
(ب ) الفِرقة الآلية الأولى: يبدأ موضعها الدفاعي في فرقة صالح مشتت ثم يتوجه جنوباً حتى طريقه فكه ـ جنانة حيث تبدأ مسؤولية الفِرقة أيضاً جنوب هذا الطريق حتى منطقة جنانة حيث يقع مقر الفِرقة الآلية الأولى التي يقودها العميد الركن تامر الإمارة، كما وضع بإمرة الفِرقة عدد من الألوية المستقلة واحتياط([1]).
(جـ ) الفِرقة المدرعة الثالثة احتياط لهذا القاطع حيث تستقر خلف عارضة الرقابية الملحق ب:
(د ) الاحتياط أيضاً: اللواء المدرع العاشر ولواء الحرس الجمهوري.
كان الجانب العراقي يعلم جيداً تفاصيل الخطة ومحاور الهجوم وتوقيتاته وحجم القوات، وكانت القوات العراقية قد تدربت بصورة كافية على عمليات الهجوم المقابل ومحاوره المحتملة حسب أسبقية خاصة تبعاً لأهمية كل محور من هذه المحاور، كما قام رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة ـ في حينها ـ الفريق الركن عبد الجبار شنشل بزيارة خاصة قبل موعد الهجوم بأسبوع تفقد خلالها المواضع الدفاعية ليطمئن إلى متانتها شخصياً.
تقدمت القوات الإيرانية من محورين رئيسين، الأول من منطقة عين خوش وأمام زاده عباس شمالاً والثاني باتجاه فتحة الرقابية ومحور ثانوي من منطقة الشوش باتجاه اللواءين الآليين 27 والأول. بدأ الهجوم أولاً باتجاه فتحة الرقابية على مواضع الفِرقة الآلية الأولى والتي تمسك قاطعها في هذه المنطقة ألوية احتياط ومستقلة إضافة إلى كتيبة استطلاع، فلم تحقق في الساعات الأولى من الهجوم تقدماً كبيراً. وفي هذه الأثناء قامت قوات إيرانية أخرى بشن هجوم عنيف على القاطع الشمالي أدى إلى اختراقه وتدمير الألوية التي تمسكه مما اضطر القيادة العراقية إلى توجيه القوات الاحتياطية نحو القاطع، فلم ينفعها ذلك إذ تم إسقاط الوضع بصورة كلية، وتمّ تدمير اللوائين المدرعين 55 و62 وأسر آمريهما، كما انسحب اللواء الآلي الثامن انسحاباً كان أقرب إلى الفوضى منه إلى الانسحاب المنظم. وعاود الإيرانيون الهجوم في القاطع الجنوبي الذي بدأ يتهاوى بصورة مفاجئة بحيث أن القيادة العراقية بدأت تفقد السيطرة على الوحدات بصورة كاملة.
وأعيد اللواءان الآلي 24 والمدرع 17 إلى هذا القاطع بعدما كانا قد تحركا شمالاً لإنقاذ الموقف ولكنهما تلقيا الأمر الجديد من قبل أن يشتركا بأية معركة، إضافة إلى اللواء المدرع العاشر والحرس الجمهوري، لكن مواضع الفِرقة الآلية الأولى كانت قد سقطت تماماً. وبذلك تكون القوات الاحتياطية أنهكت من دون أن تنجز أي واجب. وكان المفروض أن تزج بأحد القواطع في معركة حاسمة حتى ولو كانت يائسة، لكن ذلك لم يحدث، وبدأت القوات العراقية تنهار مما حدا بالقيادة العراقية أن تصدر أمرها لوحدات الفيلق الرابع ـ الذي شكّل حديثاً بقيادة اللواء الركن هشام صباح الفخري ـ بالانسحاب. وظلت وحدات الفِرقة الأولى المقابلة لمدينة الشوش من دون عمل يذكر لمدة ثلاثة ايام لا تعلم ما الذي يجري خلفها حتى بدأت القوات الإيرانية بمهاجمتها من الجبهة حيث تم أسر اللوائين الآليين الأول و27 بصورة كاملة مع آمريهما، والغريب أن طريق أدامة اللوائين ظلت مفتوحة إلى الخلف لمدة ثلاثة أيام. وقد أصدرت القيادة العراقية أوامرها بالانسحاب. بواسطة الراديو بعد فوات الأوان حيث وصلت أوامر الانسحاب بينما كانت القوات الإيرانية تحكم الطوق خلفها في منطقة دوسلك، لقد تحول انسحاب القوات العراقية إلى فوضى كاملة، فالدبابات وناقلات الأشخاص كانت تصطدم بعضها ببعض في أثناء تنقلها، كما ضلت الطريق وحدات أخرى وكان الجنود يهربون إلى الخلف قبل أن تصدر إليهم أوامر الانسحاب وهم بحالة شديدة من الهلع والاضطراب، ولم يعد قادة الوحدات قادرين على اصدار الأوامر إلى وحداتهم.
فكل شيء تحول إلى شبه هزيمة، وكانت منطقة الفكه وبضعة كيلومترات أمامها تشهد تكدساً كبيراً في الوحدات التي لم تعد تعلم ما الذي تفعله، إضافة إلى أن منطقة الفكه قد أصبحت تضم جميع المناطق الإدارية للألوية والفِرق قبل بدء المعركة ببضعة أيام لأن القيادة العراقية كانت قد أصدرت أمراً بنقل جميع المناطق الإدارية للقطاعات إلى الخلف خوفاً من سقوطها غنائم بيد القوات الإيرانية، وهكذا أصبحت منطقة الفكه أهم الاهداف وأخطرها، إذ إن الاستيلاء عليها كان يعني في الحقيقة أن الجيش العراقي سيفقد ثلاثة أرباع قواته المدرعة والآلية وكميات كبيرة من العتاد ومواد التموين الأخرى التي كان بإمكانها أن تديم القوات الإيرانية لمدة طويلة، وهو أمر كان يجب أن تفكر به القيادة الإيرانية سلفاً، كما كان من الممكن أن يقع الرئيس العراقي صدام حسين أسيراً بأيدي القوات الإيرانية لو أنها اندفعت بسرعة نحو الفكه حيث إنه كان هناك في مقر الفيلق الرابع ينتظر أخبار المعارك المحتدمة على الجبهة في وضع يائس.
فقد كان وضع القوات العراقية في اليوم الثاني للمعركة التي استمرت ثلاثة أيام كهشيم تذروه الرياح وقد فقدت القيادة العامة سيطرتها بصورة شبه كاملة على الموقف حيث كان ممكناً أن تتقدم القوات الإيرانية إلى منطقة الفكه بسرعة بدلاً من أن تتوقف في منطقة دوسلك تاركة المجال لقسم كبير من دروع وآليت القوات العراقية أن تنسحب باتجاه الحدود.
كما أن احتلال الفكه في حينها كان يعني أن مدينة العمارة ـ الهدف الخطير ـ قد أصبحت هي الأخرى على وشك السقوط ولحدثت كارثة لا يمكن التكهن بعواقبها، ولأمكن في ذلك القوات مواصلة العمليات في القاطع الجنوبي بسهولة وبخسائر أقل لكن القوات الإيرانية وفرت الفرصة لكي تتم إعادة تجميع ما تبقى من الفيلق الرابع خصوصاً الفِرقة المدرعة الثالثة التي تم سحبها إلى الخلف، بخسائر محدودة حيث دافعت في المعارك اللاحقة عند عبور القوات الإيرانية لنهر كارون في منطقة الطاهري ومحاصرتها لمدينة خرمشهر (المحمرة) وهكذا أثبتت القيادة الإيرانية أنها قاصرة على الفهم الاستراتيجي في أكبر معركة خاضتها كونها لم تستثمر الفرصة التي أتيحت لها بسبب عدم امتلاكها الجرأة اللازمة لإصدار قرار مطاردة القوات العراقية التي كانت تنسحب وهي في حالة إرباك وفوضى.
ولقد كان من الممكن أن تتحول نتيجة العمليات النهائية إلى هزيمة ساحقة لو أن القوات الإيرانية تقدمت الكيلومترات المعدودة المبتقية من دوسلك إلى الفكه، علماً بأن القيادة الإيرانية أصدرت أوامرها بعد شهر واحد تقريباً بالهجوم لاستعادة مدينة خرمشهر (المحمرة) وفي عمليات استمرت لمدة تزيد على الشهر، أي أن القيادة الإيرانية كانت تتوافر لديها القوات الكافية لإدامة عمليات الشوش وديزفول من دون توقف، ولم يكن لديها من الأسباب ما يسوّغ توقفها بعدما أحرزت انتصارات كبيرة وهامة.
2 ـ معارك الطاهري:
في 30 نيسان عام 1982م عبرت القوات الإيرانية نهر كارون من الشرق إلى غربه في منطقة الطاهري على نهر الكارون إلى الجنوب من مدينة الأهواز بحوالي 75 كلم حيث اصطدمت بالفرقة المدرعة الثالثة التي بدأت بالتراجع إلى الخلف، وقامت القوات الإيرانية بالتوغل في المواضع الدفاعية العراقية إلى أن استطاعت أن ترغم كل القوات العراقية على التراجع والتقهقر من المنطقة باتجاه مدينة خرمشهر (المحمرة) حيث احتلت مواضع دفاعية جديدة خارج المدينة، ولم تشترك الفرقة المدرعة الثالثة بهذا الواجب لأنها كانت قد سحبت إلى الحدود الدولية في منطقة الشلامجة ـ بعد تلقيها ضربة العبور الأولى ـ تحسباً لانهيار القوات المدافعة عن المدينة وتوجه القوات الإيرانية إلى مدينة البصرة التي ستكون خالية من أية قوات تدافع عنها.
وقد استمر القتال لمدة 45 يوماً من دون انقطاع استطاعت فيها القوات الإيرانية أن تستعيد المدينة من أيدي القوات العراقية وأسر الآلاف منها، كما حصل الإيرانيون على أسلحة ومعدات عسكرية تعذر إحصاؤها قبل مضي فترة من الوقت.
في الواقع كانت القوات العراقية تمتلك كل ما تحتاجه لإدامة دفاع ملائم لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وكان الفيلق الثالث الآلي بقيادة اللواء الركن صلاح القاضي. الذي أعدم بعد انتهاء العمليات بتهمة التسبب في سقوط المحمرة، قد أعد دفاعات قوية تتألف من سواتر ترابية عدة تشغلها أسلحة من كافة الصنوف، ولم تكن القوات العراقية ـ في الحقيقة ـ تحتاج لأي شيء إلاّ المعنويات التي لم تكن تمتلك منها ما يساعدها على الاستمرار في الدفاع والقتال لآخر طلقة وآخر جندي، إلا أن حلقة الحصار عليها بدأت تضيق، خصوصاً بعدما وصلت القوات الإيرانية إلى طريق المحمرة ـ الشلامجة وقطعته ثم توجهت إلى الجانب الغربي من المدينة حيث أكملت التطويق بصورة تامة وأصبحت القوات في المدينة معزولة تماماً عن باقي القوات.
وبعدما وجد قائد الفيلق أن الموقف كان ميؤوساً منه أصدر أوامره للقوات بالانسحاب من دون أن يستشير القيادة العامة للقوات المسلحة التي كانت ترى أن ضياع خرمشهر يعني توجيه ضربة قاضية غلى سمعة القيادة العسكرية العراقية، التي اعتبرت في حينها مدينة خرمشهر وسادة تنام عليها مدينة البصرة بهدوء، وكان لأمر الانسحاب تأثير سيئ جداً، إذ أن الوحدات التي وصلتها أوامر الانسحاب كانت في حالة محاصرة كاملة من جميع الجهات، إلا أن القيادة العراقية كانت قد توصلت إلى حلّ الخروج من الموقف المتردي وهو أن تقوم الوحدات المحاصرة في المدينة بعملية هجوم تشنه عبر نهر كارون باتجاه الجانب الشرقي منه في منطقة تقع على مساحة غير بعيدة إلى الشمال من مدينة خرمشهر. لكن الوضع العام للوحدات لم يكن يساعد على قيامها بمثل هذه العملية الطموحة، حيث كان يفترض أن تنفذ بعد ذلك عملية التفاف نحو الجانب الغربي مرة أخرى بعد أن تفك الحصار عنها بالقوة، وهو أمر لم يكن تصوره ممكناً سوى على الورق.
وربما كان تصميم القيادة العراقية هذا ناجماً عن اعتقادها بأن الهجوم على المدينة سيتم بعملية عبور لنهر كارون من الجانب الشرقي للمدينة مباشرة، وهذا ما دفعها إلى محاولة مهاجمة مناطق التحشد للقوات الإيرانية التي ستعبر النهر من هذه المنطقة.
وقد بدأ الجنود بالهرب والتملص من المدينة وألقوا بأسلحتهم وهم يسبحون نحو الضفة الأخرى من شط العرب، إلاّ أنهم كانوا، وهم يصارعون الأمواج المتلاطمة في موسم ارتفاع منسوب المياه في النهر العريض، يسقطون صرعى تحت وابل الرصاص ونيران الهاون التي يوجهها الجنود الإيرانيون الذين بدأوا يصلون إلى حافة النهر، مما أدى إلى غرق ومقتل عدد كبير منهم. حتى أن جثث المئات منهم كانت تظهر في مصب النهر عند منطقة رأس البيشة في أقصى الجنوب.
كان وضع الجيش العراقي في هذه المعركة لا مثيل له أبداً. فقد تحولت الوحدات إلى كتل هامدة مسلوبة الإرادة تنتظر لحظة الاستسلام. كما أن قائد القوات المكلفة بالدفاع عن المدينة لم يكن هو الأقدم من بين الضباط. بل سلمت القيادة إلى ضابط أقل منه رتبة بعدما رفض آمر أحد الألوية وهو أقدم الضباط أن يتسلم مسؤولية القيادة بحجة أنه التحق حديثاً بهذا القاطع مما زاد في ارتباك الوحدات ووقوعها في حيرة من أمرها، وكان أن استسلمت القوات المحاصرة أفواجاً أفواجاً من دون مقاومة تذكر حتى وصل عدد الأسرى إلى 20 ألفاً في داخل المدينة فقط، وكان لذلك أثر بالغ على الوضع في مدينة البصرة التي بدأت فيها الاستعدادات والإجراءات السريعة لإخلائها من الوثائق المهمة ونقل معدات بعض الدوائر إلى أماكن بعيدة عن المدنية، مما ترك انطباعاً لدى الناس بأن المدينة سوف تسقط بين لحظة وأخرى، وكانت حالة مدينة البصرة كمن ينتظر الموت مستسلماً لأنه لم يكن حصل إعداد ما يكفي من القوات لحمايتها سوى الفرقة المدرعة الثالثة التي عانت هي الأخرى من معارك طاحنة في السابق كما أعدم قائدها بعد عملية العبور الأولى ـ أي أن وضعها المعنوي لم يكن في المستوى الذي يؤهلها للقتال بصورة جيدة، خصوصاً بعدما سقطت مدينة المحمرة بأيدي القوات الإيرانية، وكانت معركة قصيرة كفيلة بتحويل تلك الفرقة إلى أشلاء مبعثرة تصبح بعدها الطريق سالكة وآمنة.
وبذا تكون القيادة الإيرانية قد ارتكبت خطأ فادحاً بعدم انتهازها هذه الفرصة الثمينة التي لم يتوفر مثلها من بعد مطلقاً. وهكذا أثبتت القيادة الإيرانية أنها قاصرة عن استيعاب الموقف فضلاً عن ضعف قدرتها على إدارة الحرب باتجاه الحسم. فقد نامت فرحة بالانتصارات التكتيكية التي حصلت عليها، ولم تضع في تصورها تبدلات الموقف في المستقبل. وبالفعل، لقد تغيّر اتجاه الحرب منذ انتهاء عمليات تحرير خرمشهر، حيث لم تحقق القوات الإيرانية إنجازاً هاماً بالمستوى الذي حققته في تلك العمليات، وحتى عمليات الفاو لم تكن ذات نتائج هامة أو بعد استراتيجي كتلك العمليات. والحظ لا يحالف الإنسان مرتين في قضية واحدة، والحرب هي اللعبة الإنسانية الكبرى التي يلعب الحظ فيها دوراً هاماً.
3 ـ عمليات خيبر وبدر:
عمليات خيبر وبدر، كما يسميها الإيرانيون، أو عمليات شرق دجلة، كما يسميها العراقيون، وهي العمليات التي نفذها الإيرانيون في 18 شباط 1984م وآذار 1985م على التوالي، يمكن الحديث عنها من منطلق أنها نفذت بالسياق نفسه تقريباً عبر الحويزة باتجاه المنطقة المحصورة من النشوة جنوباً ـ والتي تقع على بضعة كيلومترات ـ شمال البصرة وحتى العزير التي تقع جنوب مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، وتشكّل هذه المنطقة خانقاً محصوراً بين هوري الحمّار غرباً والحويزة شرقاً ولا يزيد عرضها عن 15 كيلومتراً كما يصل في مناطق عديدة منها إلى 2 ـ 3 كلم، وكلتا الأولى والثانية انتهت إلى الفشل الكامل على رغم أن القوات الإيرانية استطاعت أن تحتل جزيرتي مجنون الشمالية والجنوبية في العمليات الأولى ومنطقة الترابة في هور الحويزة في العمليات الثانية، وهي عبارة عن بقعة أرض صغيرة في الجزء الشمالي من الهور لم تكن تستحق كل هذه الخسائر من أجل احتلالها.
أما الأسباب التي أدت إلى فشل تلك العمليات فهي:
(أ ) عدم وجود إسناد إداري كاف للقوات التي اجتازت هور الحويزة ووصلت إلى البر العراقي عند ضفتي نهر دجلة، إذ أن العتاد الذي كانت تحمله القوات معها لم يكن كافياً على الإطلاق ـ خصوصاً أسلحة مقاومة الدبابات، مما أدى إلى أن تصبح قوات المشاة معزولة بصورة كاملة عن قواعد تموينها بحيث أصبحت لقمة سائغة للوحدات العراقية المدرعة الآلية التي استطاعت أن تقضي على أعداد كبيرة منها بعدما نفد عتادها.
(ب) لم تؤمن حماية جوية للوحدات الإيرانية التي عبرت الهور، مما جعلها عرضة للغارات الجوية العراقية العنيفة التي ألحقت بها خسائر جسيمة ـ كما أن طرق تقدمها وإمدادها، على ضآلتها، ظلت عرضة للهجوم العنيف مما عزل القوات العابرة بصورة شبه تامة.
(جـ) لم تصل الأسلحة الساندة المتوسطة والثقيلة إلى الجانب الآخر مع القوات التي عبرت الهور مطلقاً. فقد قدم الإسناد الناري من أسلحة المدفعية التي كانت تحمل على منصات عائمة في الهور ابتكرها الإيرانيون لهذا الغرض، وكانت غير ملائمة لإنجاز هذا الواجب، إلاّ أن المدفعية التي كانت في جزر مجنون ـ في عمليات بدر ـ قدمت إسناداً نارياً جيداً لكنه لم يكن بالحجم المطلوب.
(د) بدت القيادة الإيرانية عاجزةعن إدارة المعركة على جبهة لا تزيد على 60 كلم، فلم يكن مقر العمليات (مقر خاتم الأنبياء) قادراً على توجيه القوات العابرة ومعالجة المواقف الطارئة بصورة حاسمة، بل إن الموقف كان بالنسبة إليها غامضاً في أغلب الأحيان.
ففي الوقت الذي وصل فيه أحد الأفواج إلى مدينة القرنة حيث استقر على مقربة من الجسر فيها، لم تكن الأوامر واضحة في حينها حول المهام التي كانت يفترض أن ينفذها، وظل كذلك حتى أمكن تبليغ الوحدات العراقية بوجوده فقامت بمعالجته بعد بضع ساعات وأبادت القوة المتسللة.
والجدير ذكره هنا أن اللواء الركن ماهر عبد الرشيد قائد الفيلق الثالث كان قد مرّ من خلال الإيرانيين قادماً من بغداد متجهاً إلى مقره مع حمايته ولم يعترضه أحد، في حين كان يفترض في مثل هذه الحالات أن تكون القيادة العسكرية متيقظة جيداً إلى التقاط المواقف التي تكون فيها وحداتها قد حققت فيها أي نجاح فتسرع إلى تعزيزه وتوجيه الاهتمام نحوه، لكن القيادة الإيرانية لم تقم برد فعل سريع، مما أدى إلى ضياع فرصة النجاح وهدر إمكانات الوحدات واندفاعها.
(هـ) لم تحمل الوحدات معها، في أثناء العبور، أسلحة متطورة وفعالة ضد الدبابات، في حين كان المفروض أن تزود بأعداد كبيرة من قواذف تاو المضادة للدبابات ذات التأثير الفعّال والمدى المؤثر الملائم الذي يوازي تأثير مدى مدفع الدبابة لتحقيق توازن ملائم بين نيران المشاة ونيران الدروع العراقية التي بدأت تهاجم المشاة في منطقة خانق ضيق وبأعداد كبيرة محطمة هجومهم بالتدريج ومن خارج مدى الأسلحة المتيسرة لدى المشاة الإيرانية وهي القاذفة الخفيفة أربي جي/ 7. وكان من نتائج هذه العمليات الأساسية على الجانبين ظهور عوامل جديدة وتغيير في وضع القوات لكلا الطرفين.
فقد أدت هذه العمليات إلى تحسس القيادة العراقية من منطقة هور الحويزة. وكان أن تم إغلاق المنطقة بصورة تامة حيث قامت القوات العراقية ببناء خطوط دفاعية متعاقبة على طول شريط اليابسة الغربي المواجه للهور وتزويده بمعدات متطورة للرصد الليلي والنهاري، مما أدى إلى حرمان قوى المعارضة العراقية في إيران من منافذ التسلل من وإلى العراق لتنظيم العمليات المناوئة للنظام القائم في العراق. كما أن القوات الإيرانية بدأت بعد هذه العمليات تتحدث عن الصعوبات والمشاكل العديدة التي يمكن أن تواجهها في العمليات المقبلة نتيجة للدروس التي حصلت عليها والتي كلفتها كثيراً من الدماء. وبذا بدأت روحها المعنوية بالتناقص بصورة تدريجية.
وبالمقابل، أحست القوات العراقية بأنها قادرة على الفعل. وأنها يمكن أن تتغلب على خصمها عندما تمتلك تصميماً متواضعاً، وقد عملت القوات البرية العراقية خصوصاً الدروع ـ بتنسيق كامل مع القوة الجوية والمدفعية التي حشدت بأعداد كبيرة كانت تصب نيرانها المركزة على شريط ضيق تستطيع أن تحيل كل شيء حي فيه إلى ركام. وقد حدث تحول هام في الروح المعنوية للقوات العراقية بعد انتهاء تلك العمليات في نيسان من عام 1985م، إلاّ أن الإيرانيين في ذلك الحين، كانوا لا يزالون مقاتلين جيدين يتمتعون بمعنويات عالية على رغم ضعف التخطيط الواضح لتلك العمليات وإدارتها، إلاّ أن المهم هنا هو أن القوات الإيرانية اكتسبت خبرة جيدة في عمليات عبور الموانع المائية واستخدام المعدات الخاصة بالعبور مما سهل عليها عملياتها اللاحقة في عبور الفاو وشرق البصرة ـ الشلامجة ـ إلاّ أن الملاحظة التي يجب أن تذكر هنا هي أن القيادة الإيرانية العسكرية لم تكن تخضع خططها لتقديرات دقيقة للموقف، كما أنها لم تكن تهتم لعناصرها بصورة جيدة، مما رتب فشلاً واضحاً في تنفيذ وإدارة العمليات ووقع خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات.
بعدما تقدم من عرض لعمليات الشوش وديزفول والطاهري وخيبر وبدر، نصل إلى:
4 ـ عمليات الفاو:
لا يمكن التأكيد من ادعاءات القيادة العراقية بأنها وقعت ضحية خدعة قامت بها المخابرات المركزية الأميركية، وذلك باستلامها من الوكالة المذكورة معلومات مضللة عن حشود القوات الإيرانية في قاطع الفاو، ذلك أن المخابرات المركزية الأميركية لم تكن تملك معلومات تفصيلية حول تلك الحشود لأن الإيرانيين قاموا للمرة الأولى في تاريخ الحرب ـ وكانت الأخيرة ـ بعملية مباغتة تعبوية ناجحة، فقد تمّ نقل الزوارق التي خصصت للعبور إلى الجانب الغربي من شط العرب بصورة تدريجية، رافقتها حركة زوارق مكشوفة باتجاه هور الحويزة ومناطق أخرى بعيدة عن منطقة العبور، كما أن الزوارق التي خصصت للعبور قد تم إخفاؤها بصورة جيدة في الترع الضيقة التي تسترها غابات كثيفة من النخيل الباسق الذي يغطي منطقة القصب في الجانب الإيراني من شط العرب والتي تمّ منها العبور بحيث يصعب التقاط صور جوية واضحة عن حجم ونوعية التحشدات، كما أن تحشد الوحدات في منطقة العبور قد تمّ بصورة جيدة ومع الضياء الأخير لليوم الذي سبق ليلة الهجوم بحيث أن القوات كانت بعد الضياء الأخير لذلك اليوم في حالة تنقل من مدينة الأهواز باتجاه مدينة عبادان التي تؤدي بدورها إلى مناطق التحشد في منطقة القصبة، إلاّ أن مقر لواء المشاة 111 العراقي الذي شن الهجوم على قاطعه الدفاعي كان قد أعلم مقره الأعلى قبل ما يزيد عن 15 يوماً بأن هناك تحركاً مريباً في الجانب الشرقي لشط العرب، لكن القيادة لم تكن تريد أن تصدق أن القوات الإيرانية سوف تعبر من قاطع هذا اللواء، وقد أرسلت لجنة من رئاسة أركان الجيش العراقية لدراسة الموقف بدقة، وكان أن قامت هذه اللجنة بتقديم تقريرها الذي يقول بأن التحركات الجارية في الجانب الآخر لا تعطي دليلاً قاطعاً ومقنعاً على أن الإيرانيين سوف يشنون هجومهم من هذا القاطع، وصورت للواء العراقي 111 أن يصرف النظر عن أفكاره ومخاوفه تلك على أن يظل متيقظاً، إلا أن القيادة العراقية كانت مشغولة في حينها في الحملة المشهورة التي سميت بـ (حملة قصّ القصب)، والتي كانت تدل على أن القيادة العراقية تعد العدة لصد الهجوم الإيراني المرتقب شمال هور الحويزة جنوب ناحية الكحلاء التابعة لمحافظة ميسان، وكان أن شهد شهر شباط من العام 1986م هجوماً واسعاً للقوات الإيرانية على هذا القاطع حيث تمّ اكتساح الموضع الدفاعي للواء المذكور وأسر آمره الذي ظل يتصل طيلة اليوم التالي للهجوم طالباً قوات تعزيز لشن هجوم مقابل سريع على القوات الإيرانية العابرة قبل أن تثبت أقدامها فتصبح إزاحتها عن مكانها صعبة أو مستحيلة في الوقت الحالي وقد تقدمت القوات الإيرانية في عمق مواضع اللواء المذكور واجتازتها حتى وصلت إلى عمق 20 كلم، كما حاولت أن تتقدم أكثر لكنها لم تستطع ذلك فاتخذت من منطقة المملحة ومناطق ضحلة أخرى حافات (جمع حافة) أمامية لمواضعها الدفاعية.
استمر القتال لمدة تزيد عن 40 يوماً حاولت القوات العراقية فيها استعادة مدينة الفاو من دون جدوى إلى أن تمّ صرف النظر بصورة نهائية عن هذا الأمر بعدما تكبدت القوات العراقية خسائر فادحة جداً بحيث أنها أصبحت غير قادرة على الاستمرار في القتال بسبب انخفاض معنوياتها وتدني موجودها من المقاتلين كما أن القوات الإيرانية لم تستطع أن تحقق إنجازاً كبيراً بأن توسع سيطرتها على منطقة العبور فتصلها بميناء أم قصر الذي يعتبر المتنفس الوحيد المتبقي للعراق على ساحل الخليج، وبذلك تخرج القوة البحرية العراقية بصورة تامة من المعركة، وبذا تكون قد حققت هدفاً خطيراً من تلك العمليات وذلك بقطع طريق البصرة ـ العبدلي ـ الذي يربط العراق بموانئ الكويت التي كان يجري منها شحن قسم هام من احتياجات العراق الحربية والتموينية والتي كانت تصل بصورة مباشرة عبر هذه الطريق إلى ساحة المعركة، كما أن مدينة البصرة ظلت بعيدة عن منطقة الخطر بمسافة تصل إلى 80 كلم تقريباً. وعلى رغم أن قائد الفيلق السابع اللواء الركن شوكت أحمد عطا الحديثي كان قد اختفى منذ اليوم الثالث للعمليات ولم يعد أحد يسمع بصوته إضافة إلى مقتل قائد الفرقة الآلية الخامسة مع عدد من ضباط ركن الفرقة عندما سقطت رشقة مدفعية على مقره في أثناء عقد مؤتمر للقائد مع ضباط ركنه، وعلى رغم أن معنويات القوات العراقية كانت قد انخفضت بصورة مرعبة، حيث هربت أعداد كبيرة من الجنود، لم تكمل القوات الإيرانية تقدمها، ومهما كانت ظروف المعركة، لأن وجودها في هذا الخانق سوف لن يضمن لها بقاءً مستمراً ومأموناً من المخاطر.
إلاّ أن القوات الإيرانية التي كانت تتألف من المتطوعين الذين يقودهم الحرس الثوري كانت قد أصيبت هي الأخرى بإنهاك شديد وخسائر جسيمة، إضافة إلى أنها لم تكن تملك من الدروع ما يكفي لشن هجمات مؤثرة وقوية في أرض مفتوحة نوعاً ما وصالحة بحدود معينة لعمل الدروع خارج المنطقة التي استقرت فيها.
وهكذا، انتهت العمليات إلى نتيجة مبتورة. فعلى رغم نجاح العمليات في المراحل المعقدة المتمثلة بعملية عبور القوات لشط العرب، وهو مانع مائي يتجاوز عرضه 400م إضافة إلى شدة جريان المياه فيه وتأثير المد والجزر على حركة السفن وعمق النهر الكبير، وهو إنجاز تكتيكي هام، لم تستطع هذه القوات أن تطور عملياتها باتجاه هدف خطير وهو ميناء أم قصر الذي لم يكن يبعد أكثر من 40 كلم عن أول موضع دفاعي إيراني في قاطع الفاو، وكان من نتائج تلك العمليات ظهور عناصر وعوامل جديدة لم تكن لصالح القيادة الإيرانية على المستوى العسكري والسياسي على حد سواء وهي:
- استهلكت عمليات الفاو من الإيرانيين ما يزيد على 30 ألف قتيل وأعداد كبيرة من الجرحى كما أن عملية الاحتفاظ بمنطقة الفاو استنفدت عدداً آخر لا يستهان به من القوات، وهو ما لم يتعود الإيرانيون عليه من قبل بحيث أنهم اضطروا، وبالتدريج إلى ترقيق قسم كبير من وحداتهم من منطقة الفاو للإستفادة منها في قواطع العمليات الأخرى مما أدى في النتيجة إلى إضعاف دفاعهم في هذا القاطع وهذا ما سهل عمليات استعادتها من قبل القوات العراقية في العمليات اللاحقة.
- خلفت عملية احتلال الفاو تخوفاً واسعاً في الأوساط الدولية وبين دول الخليج، خصوصاً الكويت والسعودية لأنها لفتت انتباهها إلى اقتراب الخطر إليها، مما دفعها إلى تقديم العون غير المحدود إلى العراق لتمكنه من الوقوف أمام الإيرنيين ومنعهم من الاقتراب أكثر، كما عمق التعاون بين الولايات المتحدة الأميركية والعراق على المستويين العسكري والاقتصادي فاتسع التعاون في تبادل المعلومات بينهما كما قامت أميركا بتوسيع مساعداتها ودعمها الاقتصادي للعراق. ففي ذلك العام والأعوام التي تلته قدمت أميركا مساعدات اقتصادية كبيرة للعراق، أهمها قرض بقيمة 500 مليون دولار لشراء القمح من الإنتاج الأميركي.
(جـ) تعزز الاعتقاد الذي تولد لدى الإيرانيين بعد عمليات خيبر وبدر عامي 1984م و1985م الذي مفاده أن إيران ليست قادرة على تحقيق اختراقات عميقة في الدفاعات العراقية بحيث يمكن إحداث انعطافة حاسمة في مسار الحرب، وهذا أدى بدوره إلى زعزعة الثقة في نفوس الإيرانيين بإمكان تحقق نصر حاسم ووشيك شأنه أن ينهي الحرب خصوصاً بعدما لمسوا أن القوات العراقية المدرعة والآلية المدعومة بقوات كبيرة من المشاة كانت تشن هجماتها على مواضعهم، باستمرار، على رغم أنها لم تحقق تقدماً ملموساً في هذا المجال. إلا أن ما كان يراود أحلام الإيرانيين هو أنهم استطاعوا أن يعبروا شط العرب ويحققوا إنجازاً تكتيكياً كبيراً، وهو ما كان لهم بمثابة تسلية تنسيهم واقع الأمر ولو إلى بعض حين.
الخلاصة، أن الإيرانيين قد حققوا إنجازاً تكتيكياً كبيراً بعبورهم أحد أكبر الموانع المائية في العالم وأكثرها تعقيداً من الناحية الجغرافية إضافة إلى احتلالهم ما يقرب من 400 كيلو متر مربع من الأرض في شبه جزيرة الفاو، إلا أنهم كانوا محاصرين بصورة شبه تامة منشئين دفاعاً يستند إلى النهر (أصبح شط العرب خلفهم) وهو من أضعف أنواع الدفاع الذي يستند على الموانع المائية.
لقد نام الإيرانيون على حلم بقائهم الدائم في الفاو ـ حتى إنهم أبدلوا اسم المدينة من الفاو إلى الفاطمية ـ في الوقت الذي كان 40 لواء مدرعاً وآلياً ومشاة، يجرون تدريبات على الهجوم في منطقة مشابهة لأرض الفاو وتضاريسها بالقرب من بحيرة الرزازة في محافظة كربلاء العراقية. والغريب أن الإيرانيين كانت لديهم معلومات تشير إلى أن العراق يستعد للهجوم على الفاو قبل ما لا يقل عن 15 يوماً من ساعة الصفر للهجوم العراقي، إلا أنهم تصرفوا وكأن الأمر لا يعنيهم بشيء.
(د) من أبرز الدروس التي ظهرت بعد عمليالت الفاو، عجز الإيرانيين عن القتال في المناطق المكشوفة الجافة شبه الصحراوية وهذا ما يجعلهم غير قادرين على التقدم إلى ميناء أم قصر بسبب عجزهم عن مقاتلة الدروع العراقية وصد هجمات الطيران العراقي وذلك لعدم تيسر الدرع الكافي لديهم للإشتراك في معارك مدرعة حاسمة فضلاً عن ضعف قوتهم الجوية، إضافة إلى عدم توافر أسلحة مقاومة مع الدروع العراقية وقد أثبت الإيرانيون أيضاً أنهم غير قادرين على الاستفادة من مواردهم بصورة جيدة مما زاد في ضعفهم ونقص استعداداتهم.
5 ـ عمليات شرق البصرة:
وهي العمليات التي يسميها الإيرانيون بكربلاء الخامسة والتي بدأت في شهر كانون الثاني عام 1978م في منطقة الشلامجة الكائنة على بعد 32 كيلم تقريباً إلى الشرق من مدينة البصرة عند الحدود المشتركة في البلدين.
تتكون منطقة العمليات هذه من أرض شبه رخوة تصلح لعمل الدبابات والآليات بحدود، وتبعاً لتيسر الطرق والممرات عبر الترع الكثيرة التي تنتشر على جانبي شط العرب وبساتين النخيل التي تشغل قسماً من أراضي المنطقة وتشكل أرضاً صالحة لعمل المشاة وتؤمن لهم ستراً جيداً ضد الرصد الجوي، إلا أن المنطقة، بصورة عامة، مفتوحة تقطعها من الأمام بحيرة اصطناعية كبيرة تُعرف باسم بحيرة الأسماك.
أنشأها العراق بنصبه مضخات ضخمة على الأنهار المتفرعة من الجانب الشرقي من شط العرب حيث يسير النهر في أرض عراقية، أي أنه يكون هنا خاضعاً للسيادة العراقية التامة، وقد دفعت تلك المضخات بكميات كبيرة من المياه في منطقة منخفضة شكلت أرضاً حراماً بين المواضع العراقية والإيرانية.
وأطلق العراق مصطلحاً جديداً لعمله هذا وهو «حرب الأغمار» اي ما يعني استخدام المياه في ضوء حسابات خاصة لغمر مساحات معينة من الأرض لمنع العدو من التقدم باتجاه قاطع الدفاع أو عرقلة ذلك إلى أبعد حد ممكن. وهكذا يكون الأغمار دخل في الحرب كوسيلة من وسائل القتال والإعاقة مع ذلك استطاع الإيرانيون، الذين أصبحوا يمتلكون خبرة جيدة في العمليات البرمائية. أن يجتازوا بحيرة الأسماك والموانع الاصطناعية التي بناها العراقيون والوصول غلى المواضع الدفاعية العراقية واجتيازها والسيطرة عليها. وفي ثلاثة أيام استطاعت القوات الإيرانية أن تندفع إلى الأمام مسافة تراوح ما بين (15 ـ 20 كلم) بحيث أصبحت مدينة البصرة. التي كانت الهدف الخطير للعمليات على بعد 15 كلم، وهو ما كان يبدو واضحاً من سير خط تقدم القوات الإيرانية. ومحاور الهجوم، إلا أن الإيرانيين أعلنوا أن هدفهم كان تدمير أكبر قدر ممكن من القوات العراقية في هذه المنطقة التي تعتبر أكثر المناطق ملاءمة لإنجاز هذه المهمة.
لكن الحقيقة هي أن الإيرانيين لم يتمكنوا من تحقيق هدفهم الأصلي فاستعاضوا عنه بهدفهم الجديد. فقد حاولت القوات الإيرانية، وبعدما بذلت جهوداً كبيرة، الوصول إلى جسر السندباد على شط العرب في مدينة البصرة كمرحلة أولى من مراحل العمليات، ومن ثم مهاجمة مدينة البصرة بإجراء عبور إلى الجانب الغربي من شط العرب، لكنها لم تستطع ذلك لأسباب عديدة، أهمها الإعياء الذي أصابها خصوصاً في المشاة الذي كان يشكل عمودها الفقري، هذا فيما استبسلت القوات العراقية في القتال على رغم الخسائر التي اصابتها، أضف إلى ذلك شدة نيران المدفعية العراقية التي جمعت بإمرة الفيلق الثالث. فقد تم وضع مدفعية الفيلق السابع بأجمعها بأمرة الفيلق الثالث الذي حدث في قاطعه الهجوم بحيث أمكن للمدفعية العراقية أن تقدم ناراً دفاعية وهجومية جيدة في مختلف مراحل العمليات.
وفي الواقع إن المدفعية الإيرانية لم تكن متخلفة في هذا الميدان، فقد أسدت ناراً منسقة وجيدة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحرب، مما أوقع خسائر جسيمة بين الجانبين وما بدا في حينه هو أن الهاجس الرئيسي للمقاتلين كان ينصب حول الإفلات من نيران المدفعية التي كانت تصب حممها بكثافة وعنف شديدين، حتى إن الجنود العراقيين كانوا يسمون المنطقة التي تقع شرق جسر السندباد بمثلث الموت مرة وباب جهنم مرة أخرى.
كانت خطة القيادة الإيرانية في تنفيذ العمليات تتلخص بأنها قد شنت على محورين، الأول باتجاه ناحية الدعيجي شمالاً والآخر بموازاة شط العرب باتجاه مدينة البصرة. وقد بنيت الخطة على قيام قوات المحور الشمالي الأول بحماية الجناح الجنوبي [الأيسر]، بينما يقوم هذا الجناح بالتقدم متخذاً من شط العرب مانعاً مائياً لحماية جناحه الأيسر.
وبما أن القوات العراقية تحتل جزراً عدة في وسط شط العرب ومنها جزر الطويلة والصالحية وبوارين التي يمكن أن تؤثر تأثيراً شديداً على عمليات الجناح الجنوبي لقربها منه، إذ لا يفصلها عن الضفة الشرقية لشط العرب سوى أمتار قليلة في بعض الأقسام، لذا فإن القيادة الإيرانية خططت لاحتلال تلك الجزر لضمان سير العمليات في المحور الجنوبي بصورة جيدة. إلا أن مشكلة أخرى نشأت عند احتلال تلك الجزر وهي كونها قريبة أيضاً من الجانب الغربي من شط العرب مما كان يؤثر تأثيراً شديداً على القوات التي احتلت تلك الجزر، إلا أن العمليات في الجناح الجنوبي تم تأمينها بصورة ملائمة.
لم تفلح القوات الإيرانية بالتقدم أكثر من 15 ـ 20 كلم وبجبهة لا تزيد عن 15 كلم ثم توقفت في أماكنها بفعل المقاومة الشديدة التي أبداها العراقيون ولشدة القصف المدفعي والجوي الذي كان يوقع فيها خسائر كبيرة، فقد استمر العراقيون بشن هجمات عديدة ومتلاحقة لإخراج الإيرانيين من المناطق التي احتلوها، لكنهم لم يفلحوا هم أيضاً في تحقيق ذلك لأن المدفعية الإيرانية بالمقابل كانت توقع بهم خسائر جسيمة فضلاً عن استماتة الإيرانيين في الدفاع. كما أن العراقيين، لم يتمكنوا من استخدام دروعهم بصورة جيدة في هذه المنطقة لوجود عدد كبير من الأنهار إضافة إلى بساتين النخيل التي كانت تعرقل حركة الدروع وعدم ملاءمة الأرض بصورة جيدة لحركتها بسبب كون الأرض كانت مشربة بالمياه، كما أن العمليات قد جرت في موسم الأمطار حيث أصبحت الدبابات غير قادرة على الحركة بحرية.
لقد تحولت المعارك بعد ثلاثة أيام إلى معارك رهيبة بالمدفعية والمشاة، وكانت كل الهجمات تنفذ جبهوياً، بحيث كان المهاجمون من كلا الطرفين يسقطون قتلى وجرحى بأعداد كبيرة كل يوم تحت تأثير نيران المدفعية الكثيفة وأسلحة الرمي المباشرة إلى أن توقفت المعارك بصورة كاملة بعد إصابة الطرفين بإنهاك شديد طيلة مدة زادت عن الشهر ونصف الشهر.
لقد خدمت الصدفة في هذه العمليات القيادة الإيرانية. فبعد فشل عمليات كربلاء الرابعة التي نفذها الإيرانيون في المنطقة الكائنة عند حدود قاطع مسؤولية الفيلق الثالث والسابع في منطقة جزيرة أم الرصاص وإصابة الإيرانيين بخسائر جسيمة مما دفعهم إلى إيقاف العمليات وإصدارهم الأمر لقواتهم بالانسحاب والتوقف عن الهجوم، اعتقد القائد العام للقوات العراقية المسلحة بأن القوات الإيرانية ليست قادرة ـ بعد فشلها السابق ـ على شن هجوم آخر قبل مضي بضعة أشهر، وهو ما كان يحدث عادة على أثر كل العمليات السابقة، إلا أن الإيرانيين وجدوا أن لديهم من القوات ما يكفيهم لشن هجوم آخر في منطقة أخرى قريبة لتلافي الحاجة إلى نقل قواتهم إلى مكان بعيد حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى كشفها.
وبذا حققت القوات الإيرانية مفاجأة في هجومها الذي أعقب الهجوم الفاشل، ذلك أن القوات العراقية، التي ظلت أعصابها متوترة مدة طويلة، كانت قد تلقت تقارير تفيد بأن هجوم الإيرانيين الرئيسي تم إحباطه بصورة كاملة، ولذا انهارت الدفاعات الأمامية بسرعة قياسية، إلا أن الإيرانيين لم يتمكنوا في هذا الهجوم من تحقيق الجزء المهم من أهدافهم التي كانت خطة العمليات قد حددتها على مراحل آخرها توصلهم إلى البصرة.
وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن تدمير قوات العدو لا يمكن أن يعتبر هدفاً بحد ذاته إذا لم يقرن بنجاحات تخدم التصور الاستراتيجي وهذا ما لم يكن ممكناً للإيرانيين أن يحققوه حتى وقت وقف النار.
مما لا شك فيه أن كلا من الجانبين العراقي والإيراني ارتكب خطأ فادحاً في إدارة العمليات. فالجانب الإيراني، الذي كان يمسك بالمبادرة بحدود معقولة. لم يكن قادراً على توجيه العمليات وجهة أخرى. وعلى الرغم من أن القوات العراقية كانت قد فقدت ما يصل إلى 85 لواءً مدرعاً وآلياً ومشاة، وهي خسائر كبيرة أدت إلى ضعضعة باقي الجبهات وإضعافها، لم تنتهز القوات الإيرانية هذه الفرصة الذهبية لتوجيه ضربة أخرى في قاطع آخر يتم اختياره.
وفي رأيي أن القاطع الأوسط يعتبر أكثر القواطع ملاءمة لشن هجوم جديد، وذلك لكونه أكثر حساسية بالنسبة إلى القيادة العراقية لأنه يؤدي إلى بغداد أو مناطق قريبة منها، وفي وضع كانت فيه القوات العراقية في بقية القواطع تعيش حالة من الترقب والذهول ساعدت على تدهور روحها المعنوية. ولو أن الإيرانيين استطاعوا في حينه أن يخففوا الضغط عن قواتهم التي كانت تقاتل في قاطع الشلامجة، ولو أنهم لم يتركوا قاطع الفاو ينعم بالهدوء بينما كانت لديهم هناك قوات ظلت تمسك موضعاً دفاعياً لمدة تزيد على السنة تقريباً، ولو أنهم عززوا قواتهم بقوات جديدة نشطة لتمكنوا من تحقيق مكاسب مهمة كانوا في أمس الحاجة للحصول عليها.
أما القيادة العراقية فقد ظلت تتابع فشلها بشن هجمات متتالية كلفتها كثيراً من دون أن يتحقق هدفها المتمثل بإخراج القوات الإيرانية من المناطق التي احتلتها، وإن كانت استطاعت أن توقف تقدمها، وهذا ما انتهت إليه العمليات فعلاً في حين كان الأجدر أن تقنع في إيقاف القوات الإيرانية في هذا القاطع، ثم تتحول إلى الهجوم في قاطع آخر من العمليات وفي منطقة تستطيع فيها الدروع والآليات والقوة الجوية أن تعمل بحرية أكثر مما كانت عليه في قاطع الشلامجة وقبل أن تستهلك هذا العدد من الألوية في عمليات مهارشة لا نتيجة منها.
ولأنها حرمت قواتها من ميزة المناورة السريعة وقابلية الحركة والقوة النارية، أثبتت هذه القيادة مرة أخرى أنها هي الأخرى عاجزة عن إدارة المعركة بعقلية وذهنية أكثر استيعاباً لمتغيرات هذه المعركة وظروفها. فالقادة العظام يملكون إلهاماً يهديهم إلى اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة التي تحقق لهم النصر بعدما تكون أحداث المعركة وتطوراتها قد رسمت في ذهن القائمين على إدارتها من المساعدين ضباباً وشكوكاً حول النتائج المتوقعة لما يجري أمامهم حيث يفاجئهم القائد بقرار حاسم جديد ربما يكون قد فكر فيه مسبقاً عند إجرائه لحساباته أو تثبيته لتوقعاته، وهو في الواقع ما لم تكن كلتا القيادتين قادرتين على تحقيقه بأصالة.
عمليات حلبجة: في بداية عام 1988م قامت القوات الإيرانية بشن هجوم واسع على قاطع حلبجة الواقعة في محافظة السليمانية في الشمال الشرقي للعراق، واستطاعت أن تحتل المدينة في اليوم الثاني للعمليات بعدما هاجمتها من ثلاثة محاور الأول عبر سيروان الذي توجه إلى مدينتي الرجيلة وسيروان عازلاً المنطقة بصورة تامة عن بحيرة دربنديخان، والمحور الآخر من منطقة دزلي الإيرانية باتجاه ناحية خورمال حيث استطاعت هذه القوات أن تحتلها وتتقدم منها إلى مسافة 10 كلم من مدينة سيد صادق التي تعتبر عقدة المواصلات الرئيسية في المنطقة، والمحور الآخر من الجنوبي الشرقي لمدينة حلبجة وعبر نهر سيروان أيضاً الذي يشكل خط الحدود في هذا القاطع تقريباً، وقد استهدف الهجوم من هذا الاتجاه احتلال المرتفعات المطلة على حلبجة، وهو الدور الذي أوكل لقوات المجاهدين العراقيين الذين نفذوه في وقت قياسي.
كما قامت القوات الإيرانية باحتلال عارضة شاخ شمسران التي كانت تشرف من الشرق على سهل شهروزر وبحيرة وسد دربنديخان من الجنوب. وبذا تم إغلاق المنطقة بصورة كاملة.
لم يكن رد فعل القيادة العراقية عنيفاً في هذه العمليات، وهو أمر مستغرب للغاية ذلك أن القيادة العراقية لم تتعود أن تقف مثل هذا الموقف خصوصاً في العمليات التي كانت فيها القوات الإيرانية تحتل بعض الأراضي العراقية، كما حدث في الفاو مثلاً أو شرق البصرة. فقد اكتفت القيادة العراقية بتنفيذ عمليات محدودة بأحد أفواج القوات الخاصة الذي تم إنزاله بالسمتيات في قرية عنب قرب مدينة حلبجة، كما قام أحد الألوية المدرعة بشن هجوم باتجاه محور الدجبلة ـ حلبجة، لكن تلك العمليات لم تحقق شيئاً سوى أسر كل مراتب فوج القوات الخاصة وتدمير اللواء المدرع، إلاّ أن القيادة العراقية استخدمت وللمرة الأولى السلاح الكيميائي ضد مدينة حلبجة، وهي عملية انتقامية نفذت ضد الأكراد من أهالي تلك المدينة والذين كانوا معادين دائماً للسلطة، مما أدى إلى وقوع خسائر كبيرة بين المدنيين، وكان الدافع الحقيقي لعدم توسيع العمليات واستمرارها في هذا القاطع هو تأمين نجاح العمليات في قواطع أخرى أكثر أهمية.
وفي حينه كانت القيادة العراقية تعد العدة لاستعادة المناطق التي تحتلها القوات الإيرانية في القاطع الجنوبي، الفاو، ومنطقة الشلامجة وجزر مجنون، لذا فإنها كانت تنتظر مثل هذه الفرصة الذهبية، وهو ما حصلت عليه بالفعل فقد دفعت القيادة الإيرانية بكل قواتها وإمكاناتها في هذا القاطع بحيث أنها لم تعد تملك أية قوة احتياطية لمعالجة ما يمكن أن يحدث في القواطع الأخرى من الجبهة، كما أنها لم تستطع أن تحقق أي هدف استراتيجي من هذه العمليات، وهو ما كان يجب أن تفعله في قاطع حلبجة بصورة شاملة.
كانت عمليات حلبجة نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الحرب، وهي التي كانت المعبر لكل أزمة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهي التي أظهرت الضعف الإيراني إلى العلن، كما كانت النقطة التي فجرت الموقف اللاحق. فالإيرانيون الذين كانوا يعانون من ضعف متراكم بسبب المشاكل الداخلية التي كان على رأسها تدهور الوضع الاقتصادي واستفحال المنازعات والصراع بين الخطوط التي تهيمن على السلطة، فالوضع الاقتصادي كان قد أصبح على درجة من التردي بحيث ارتفعت الأسعار إلى أربعة أو خمسة أضعاف واختفت كل المواد الضرورية، كالإطارات وقطع الغيار والسكر والأجهزة الكهربائية، وبدأ الطابور الخامس يعمل بكل جهوده لتدمير مؤسسات الدولة والتجسس وتنظيم الأعمال التخريبية المناهضة لها، ولم تعد الدولة قادرة على ضبط الأمور بالطريقة التي تؤمن أعمالها بصورة تساهم في دعم المجهود الحربي، فانعكس هذا الوضع على الجبهة بصورة تدريجية، وكانت مظاهره الحقيقية تبدو في تناقص التطوع إلى جبهات القتال حتى وصل إلى أدنى مستوى له بعد عمليات حلبجة مباشرة.
كما أن الوضع السياسي الدولي لم يكن ملائماً لإيران على الإطلاق. فأميركا دخلت بصورة علنية في الحرب إلى جانب العراق عندما حدثت سلسلة من المواجهات في الخليج بينها وبين إيران وصلت إلى ذروة أزمتها بإسقاط طائرة إيرباص إيرانية من قبل قطع البحرية الأميركية، ولم تكن علاقات إيران بالدول المحيطة بها اعتيادية، كما أن علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي كانت قد انهارت بصورة شبه كاملة، وقد بدا ذلك واضحاً بتزويد الاتحاد السوفياتي للعراق بأعداد كبيرة من صواريخ أرض ـ أرض بعيدة المدى التي كان لها تأثير كبير على معنويات المدنيين من سكان المدن التي كانت تطالها تلك الصواريخ بأعداد كبيرة حتى وصل مجموع ما سقط على طهران ما يزيد على 150 صاروخاً.
هذه المقدمة كانت في الحقيقة ضرورية لإلقاء الأضواء على الوضع في إيران قبل وبعد عمليات حلبجة للوقوف على الأسباب التي أدت إلى انتكاسة الإيرانيين والتي ساعدت إلى درجة كبيرة في تحقيق العراق لانتصاراته قبل موافقة إيران على وقف إطلاق النار.
ومرة أخرى يرتكب الإيرانيون أخطاء قاتلة في إدارة العمليات وذلك عندما جمدوا حركاتهم في قاطع حلبجة عند الحدود التي وصلوا إليها وتوقفوا عندها. لقد كان المفروض بهم أن يطوروا عملياتهم باتجاه منطقة مرتفعات قره داغ التي أصبحت قاعدة قوية لوجود قوات من المجاهدين العراقيين وصل عددهم إلى أكثر من 700 مقاتل كانوا ينفذون عمليات حرب عصابات مستمرة أقلقت القيادة العراقية وسببت لها المتاعب الكبيرة، حيث احتلت مدينة «كفري» وهي قضاء كبير يقع بالقرب من مدينة كركوك المركز الرئيسي والهام لاستخراج النفط في العراق، إضافة إلى مهاجمة المعسكرات والقواعد التي كان يتمركز فيها الجيش العراقي.
كما يوجد في منطقة قره داغ مجموعة كبيرة من قوات الاتحاد الوطني الكردستاني والشيوعيين وقوات معارضة للحكومة العراقية من أطراف عدة أخرى. لقد كان من المفترض أن تديم القيادة الإيرانية عملياتها باتجاه قره داغ كي يتم تأمين الاتصال المباشر مع تلك القوات الموالية لها، كما أن أجزاء كبيرة من منطقة ماوت وجوارته في شرق مدينة السليمانية كانت قد سقطت بأيدي القوات الإيرانية قبل مدة من عمليات حلبجة بحيث كان يمكن إدامة العمليات من هذا المحور والالتفاف من غرب مدينة السليمانية والوصول إلى جبل بيرة مكرون المطل على مدينة السليمانية والطريق المؤدية منها إلى مدينة كركوك، كما إن لجماعة الاتحاد الوطني الكردستاني مقرات عديدة في هذه المنطقة، إضافة إلى وجود أعداد لا بأس بها من مقاتليه ومقاتلي بقية الأحزاب الأخرى الكردية، وعندها كانت تلك المنطقة ستصبح قواعد لانطلاق القوات الإيرانية باتجاه مدينة كركوك، وتهديدها، خصوصاً أن منطقة، قره داغ تعتبر من أفضل المناطق لعمل المشاة لكونها مناطق جبلية وعرة تؤدي إلى منطقة كركوك وضواحيها بصورة مباشرة.
حيث يصبح بإمكان قوات المشاة أن تتسلل بأعداد كبيرة لمحاصرة وتهديد مدينة «كركوك» أو تدمير آبار ومنشآت استخراج النفط وعزل الغاز فيها، وهذا ما يجعل القيادة العراقية مضطرة للإنهماك في الدفاع عن هذا الهدف الحياتي الهام بكل قواتها وأسلحتها للمحافظة على مدينة كركوك وآبار النفط التي تحيط بها والقريبة من المناطق الجبلية المؤدية إلى منطقة قره داغ، لأن المحافظة على مدينة كركوك يعتبر من الناحية السوقية أهم من استعادة الفاو أو جزر مجنون، إلا أن ذلك لم يحدث على الإطلاق، بل أن الذي حدث كان عكسه بالضبط. فعندما توقفت القوات الإيرانية عند الحدود التي وصلت إليها في قاطع حلبجة وهدأ الموقف بصورة كاملة فيه، قام العراق بشن هجوم على مرتفعات قره داغ دمّر فيه قواعد قوات الاتحاد الوطني، ومن ثم اضطرت قوات المجاهدين العراقيين إلى الانسحاب بعد مدة، إذ أنها لم تعد قادرة على تأمين أي نوع من الارتباط الإداري مع قواعدها في ايران عبر وادي ظلم والمسالك المحيطة به بالقرب من مدينة خورمال.
وهنا ارتكب الإيرانيون خطأ إضافياً بعدم إصدارهم أوامر مبكرة للمجاهدين العراقيين الذين كانوا يخضعون بصورة مباشرة للقيادة الإيرانية التي كانت توجههم من داخل إيران بعيدة عن كل ما يجري فعلاً في المنطقة، وكانت عمليات انسحاب المجاهدين العراقيين مربكة للغاية وغير مدروسة بحيث أدت إلى وقوع خسائر لا مبرر لها في صفوفهم، إضافة إلى تحول قوات المجاهدين نفسها عن العمل بأساليب حرب العصابات وهي أكثر ملاءمة لها بدلا من أن تتخذ لها مقرات ثابتة وخطوط دفاعية داخل العمق العراقي مما جعلها مكشوفة الوجود أمام المخابرات العراقية.
وبذا يكون العراق قد حرم الإيرانيين من قاعدة هامة كانت تعمل على بعد 60 كلم داخل الأراضي العراقية. كما أن القوات العراقية قامت بالهجوم على جبل بيرة مكرون واحتلته مدمرة قواعد قوات الاتحاد الوطني وقواته فيه، كما تم أيضاً احتلال مقر جلال الطالباني في قاطع ماوت وتدميره بصورة كاملة لغير مصلحة الإيرانيين الذين كانوا ينظرون إلى ما يجري وهم مكتوفو الأيدي وقد أذهلتهم المفاجأة.
والحقيقة أن الإيرانيين أظهروا عدم استيعاب لمتطلبات الحرب بصورة مذهلة، فلم ترافق عمليات احتلالهم لمدينة حلبجة أية إجراءات خاصة لإدارتها وهم لم يهتموا بتأسيس إدارة مدينة تأخذ على عاتقها السيطرة على وضع المدينة وإدارتها وتسيير الأمور فيها، في وقت حدث انقطاع في المياه والكهرباء وشلت جميع الخدمات الضرورية للمواطنين، كما قطعت صلة المدينة بكل مؤسسات الدولة التي كانت تديرها وتؤمن كافة احتياجات المواطنين الضرورية. والأغرب من ذلك أن الإيرانيين دفعوا المواطنيين المدنيين الأكراد وقوات المجاهدين العراقيين (9 بدر) للخروج بتظاهرة في شوارع المدينة عند سقوطها بأيديهم تأييداً لهم كمحررين وفاتحين من دون أي اعتبار لردود الفعل المحتملة من الجانب العراقي.
وهكذا لم تكد تمضي ساعات معدودة حتى كانت الطائرات العراقية تصب فوق رؤوس المواطنين أطناناً من القنابل العنقودية والحارقة، أتبعتها بصورة مباشرة بهجوم واسع بالقنابل الكيميائية مما حول المدينة إلى أطلال وخرائب وأشلاء لآلاف المواطنين تملأ شوارع وبيوت وأزقة المدينة المنكوبة، وبدلاً من أن تسبق القيادة الإيرانية النظر وتخرج المواطنين بقوة وبسرعة، وتؤمن للمدينة حماية جيدة لحراسة بيوتها وممتلكات المواطنين الذين سيتركونها، تركتهم عرضة لأكبر مجزرة عرفها التاريخ الحديث بعد مأساة ناكازاكي وهيروشيما.
خلاصة الاستنتاجات: نورد في ما يأتي خلاصة الاستنتاجات التي استخلصناها من المعارك التي خاضها الجانب الإيراني وكان منتصراً فيها تكتيكياً، خصوصاً عمليات حلبجة، إلا أنه تكبد بعدها خسائر عسكرية وسياسية فادحة كانت الفتيل الذي أشعل الأزمة كاملة وأوصلها إلى ذروتها:
1 ـ لم تكن القيادة الإيرانية تفكر مطلقاً، أو أنها لم تكن تولي اهتماماً مناسباً، للموقف الذي يمكن أن تنتهي إليه أية عملية من العمليات، إذ أنها كانت عاجزة عن استيعابه واستثماره، فلقد كانت القوات العراقية، باستثناء معركة حلبجة تصل إلى أدنى درجة من فقدان الضبط والسيطرة، بل إن أغلب المعارك التي خاضتها القوات العراقية قبل عمليات الفاو كانت تنتهي إلى اندحار كامل مما أتاح للقوات الإيرانية مرات عديدة أن تحقق إنجازاً كبيراً كان من المحتمل أن يضع الحرب في إطار مسار ملائم جداً لإنهائها بصورة مقاربة لتصورات القيادة الإيرانية وأهدافها، وهذا عيب واضح جداً في أية قيادة عسكرية تضع في ذهنها حلاً سريعاً للحرب بتحقيق انتصار كبير يجعل الخصم عاجزاً عن الاستمرار فيها نتيجة لاستنزاف كل قواه العسكرية وموارده الاقتصادية والبشرية في معركة واحدة فاصلة.
2 ـ ضعف في تحويل الانتصارات التكتيكية التي حصلت عليها القيادة الإيرانية إلى مكاسب استراتيجية، أي تحويل الهزائم التعبوية والعملياتية التي أصابت العراق مرات متلاحقة، من الميدان الذي دارت فيه العمليات إلى المستوى الاستراتيجي لخلق وضع يجبر العراق على التسليم بشروطها، وهي فرص ضاعت منها مرات عدة، خصوصاً في عمليات الشوش وديزفول وخرمشهر.
3 ـ عدم تهيئة موارد كافية ـ وقد كانت متيسرة لديها ـ لاستثمار الفوز في أغلب العمليات التي خاضتها.
4 ـ اعتمادها على أسلوب متدن في النفير والتدريب إضافة إلى نقص في التسليح، كما أن المنظومة الإدارية في الميدان ـ التابعة لحرس الثورة ـ كانت ضعيفة جداً، ولم تكن لديها سياقات وأساليب عمل مدونة أو واضحة تساعد على أداء واجباتها بصورة جيدة، كما ينقصها التدريب أيضاً والذي يحتمل أنها لم تشاهده قط.
5 ـ أخذت عمليات الهجوم نمطاً رتيباً لا يتبدل في التنفيذ والأداء، فقد كانت قوات المشاة هي العنصر الأساسي لعمليات الهجوم مما كان يجبر القيادة الإيرانية على اختيار مناطق ملائمة لعملهم، كمناطق الأهوار، أو المناطق التي تكثر فيها الأنهار، أو التي تشكل فيها المستنقعات وبساتين النخيل مساحة واسعة، أو المناطق الجبلية الوعرة، مستهدفين الاستناد دوماً في أحد أجنحة الهجوم على مانع طبيعي … وغالباً ما كان مائياً لتأمين أحد أجنحة الهجوم، كعمليات الفاو التي استندت على الخليج في جناحها الأيسر، وعمليات الشلامجة التي استندت على شط العرب في جناحها الأيسر أيضاً، تخلصاً من هجوم الدروع العراقية التي كانت تشن هجماتها بأعداد كبيرة وكثافة تجعل المشاة يقفون عاجزين أمامها، وقد ظلت القيادة الإيرانية مصرة على هذا الأسلوب في الهجوم طيلة مدة الحرب على رغم حصول القناعة الكافية بأن ذلك لم يعد مجدياً على الإطلاق، وأن القيادة العراقية استوعبت بصورة كاملة طريقة الإيرانيين في شن الهجمات، فالمشاة الإيرانيون كانوا قادرين دوماً على اجتياز الموانع الطبيعية والاصطناعية للموضع الدفاعي العراقي والتقدم في عمقه، إلاّ أن ذلك كان يكلفهم خسائر فادحة كانت تتزايد باستمرار كلما تقدموا فيه، وبعدما كان المشاة الإيرانيون يصابون بالإنهاك والإرهاق ويضطرون للتوقف، كان الاحتياط المدرع والمشاة في الجانب العراقي يأخذ على عاتقه مواصلة الهجمات المقابلة المستمرة التي تجعل الإيرانيين يقفون مسمرين في المواقع التي وصلوا إليها، وتستمر المعرحكة بهذا الأسلوب حتى تتوقف كلياً بعد أن تستنزف قوى الجانبين كلياً.
لقد غاب الدرع الإيراني بصورة كاملة عن المشاركة بأي هجوم منذ انتهاء معارك القاطع الجنوبي في حزيران عام 1982م بعد انسحاب القوات العراقية نحو الحدود الدولية مما يجعل العمليات تشن برقابة واضحة سهلت على الجانب الآخر التخطيط لاستيعابها وتدميرها بصورة متزايدة مما أفقد الإيرانيين عنصر المفاجأة السوقية على رغم تأمينهم لها عملياتياً في بعض الأحيان. وظل الإيرانيون يعتمدون أسلوبهم هذا حتى وقف إطلاق النار ولم يدخلوا أي تعديل جوهري عليه، كما أنهم لم يستخدموا سلاحاً جديداً لم يكن العراق يتوقعه، كما فعل العراق مثلاً باستخدامه للأسلحة الكيميائية بهذه السعة. وقد كان بإمكانهم بالفعل صنع أسلحة جديدة باستمرار واستخدامها في ميدان القتال، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك بالقدر الذي يؤمن لهم المفاجأة على رغم من تيسر الإمكانية كذلك.
6 ـ عندما وجدت القيادة الإيرانية نفسها عاجزة عن العمل في المناطق الوسطى والجنوبية، لجأت إلى العمل في المناطق الشمالية، وكان أن نفذت عمليات عديدة في منطقة حلبجة وجوارتا ماوت في قاطع السليمانية وحاج عمران في قاطع أربيل في كردستان العراق، ولم تكن الأهداف التي اختارتها ذات تأثير استراتيجي، وأشغلت نفسها في عمليات بعيدة عن أن تحقق تقدماً مباشراً أو غير مباشر لحسم الحرب، وهو كان يمكن تحقيقه في القاطعين الأوسط والجنوبي من العمليات، مما أدى إلى تبذير الجهود والإمكانات في عمليات ثانوية كان القصد منها الإيحاء بأنها قادرة على ترتيب وتنفيذ هجمات حتى ولو كانت غير ذات تأثير على سير الحرب.
ولا يمكن أن ننسى أن قيادة الملا مصطفى البارزاني كانت تسيطر على نصف كردستان تقريباً حتى آذار من عام 1975م، إلا أن هذا الوضع لم يكن يؤثر في تغيير السلطة المركزية في بغداد، فكيف والقوات الإيرانية لم تستطع أن تتقدم داخل الأراضي العراقية في كردستان إلا مسافات محدودة جداً.
بعد خلاصة الاستنتاجات الستة التي وردت في الحلقة السابعة نصل إلى الاستنتاج حيث يمكن تسجيل الآتي:
7- تباعد الفترات بين العمليات الرئيسية خصوصاً بعد حزيران من عام 1982م، فعمليات شرق البصرة نفذت عام 1983م، وعمليات خيبر عام 1984م وجاءت بعد عمليات استعادة خرمشهر بحوالي السنتين وقد تخللت تلك الفترة عمليات عدة ثانوية وواحدة رئيسية فاشلة في قاطع الطيب مقابل العمارة، وعمليات بدر جاءت بعد عام واحد من عمليات خيبر، وعمليات الفاو شنت بعد عمليات بدر بحوالي العام أيضاً، وعمليات الشلامجة في قاطع البصرة نفذت بعد عمليات الفاو بحوالي العام وكذلك عمليات حلبجة وهي آخر العمليات الواسعة التي شنتها القوات الإيرانية عام 1987م وكانت تفصلها عن عمليات الشلامجة مدة عام واحد، وبذا تكون القيادة الإيرانية قد ارتكبت خطأ استراتيجياً عسكرياً آخر إذ كانت تتيح فرصة جيدة لإعادة تنظيم وتسليح وتدريب القوات العراقية التي كانت تخرج منهكة محطمة بعد كل عمليات رئيسية كانت القوات الإيرانية تقوم بتنفيذها.
وبينما كان يفترض أن تقوم القيادة الإيرانية بإدامة زخم العمليات وبسرعة لاستثمار النتائج التي تتركها العمليات على الوضع العسكري والنفسي داخل العراق، كان الإيرانيون يتجاهلون الحقائق التي أثبتتها مجريات الحرب بأن إعطاء القيادة العراقية كل هذا الوقت يجعلها قادرة على الاستعداد والتهيؤ بصورة جيدة للعمليات المقبلة التي سوف تأتي بعد عام من سابقتها، إلاّ أن الإيرانيين كانوا قد سقطوا في وهم مفاده أن هذا النمط من التوقيت للعمليات سوف يجعل القدرة العسكرية العراقية تتآكل بصورة مستمرة، ولاعتقادهم بأنهم ما داموا قادرين على شن حملة واسعة كل سنة مسببين إرباكاً شديداً للقيادة العراقية، ناموا على وهم مفاده أن اليوم الذي سينهار فيه الجيش العراقي انهياراً تاماً مقبل لا محالة، وما عليهم سوى إدامة هذا الوضع كي يصلوا إلى هذه النتيجة.
مثل هذا التقدير كان يرتكز على فكرة تستند أساساً إلى مفاهيم خاطئة لا أحد يدري من أية من تجارب الحروب السابقة تم استخلاصها، علماً بأن القيادة الإيرانية كانت ترى بأم عينها بأن العراق مستمر في الحصول على أسلحة جديدة ومتطورة لتعويض أسلحته التي كان يفقدها في المعارك، وربما وصل حجم هذه الأسلحة إلى درجة تفوق حاجته الفعلية منها، كما أن الآلاف من المقاتلين كان يتم تجنيدهم كل عام بما يؤمن سد النقص في الخسائر البشرية أيضاً هذا في حين كانت الإمكانات الإيرانية تتضاءل باستمرار حتى وصلت إلى أدنى مستوى لها في تاريخ الحرب، مما قلب تصورات القيادة الإيرانية رأساً على عقب وتحول الموقف الحربي العام بصورة مفاجئة ـ ظاهرياً ـ لصالح العراق الذي أمسك بزمام المبادرة بصورة كاملة أواسط عام 1988م وحتى اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني بعد إعلان موافقة إيران على قرار وقف إطلاق النار الذي أعاد الموقف مرة أخرى ـ بحدود معينة ـ لصالح إيران بعدما استعاد الإيرانيون رباطة جأشهم وأفاقوا على هول الكارثة التي أصابتهم، واستطاعوا أن يطردوا القوات العراقية بصورة كاملة في القاطع الجنوبي ويعيدوها إلى الحدود الدولية مرة أخرى بعدما كبدوها خسائر فادحة جداً.
8 ـ فقدان أمن الخطط والعمليات: لا يمكن أن يصدق أحد هذا الإهمال في أمن الخطط والعمليات في الجانب الإيراني. فالجانب العراقي كان يقف على الصورة الكاملة لأغلب خطط عمليات الجانب الإيراني وترتيباته المختلفة، وكانت تفاصيل العمليات والتوقيتات وحجم القوات تصل إليه بصورة مستمرة، حتى أن إحدى العمليات، التي كانت ساعة الصفر فيها تؤجل مرات عدة كانت تصل تباعاً إلى الجانب العراقي الذي كان يتخذ ترتيباته في ضوئها.
وليس هذا فحسب فقد وصلت استهانة القيادة الإيرانية بأهمية الحفاظ على أمن الخطط والعمليات إلى الدرجة التي كانت فيها تعلن عن عزمها على شن هجومها محددة موعده بصورة تقريبية ضاربة عرض الحائط بكل قواعد العمل العسكري. إلا أننا يجب ألا نغفل هنا أن القيادة الإيرانية أصابها الغرور الذي لا حدود له بسبب الانتصارات السهلة والسريعة التي حققتها قواتها في أغلب المعارك التي خاضتها خصوصاً في الفترة التي كانت فيها القوات العراقية تحتل أجزاء كبيرة من الأراضي الإيرانية قبل حزيران من عام 1982م.
ولم يكن أحد يصدق أن هؤلاء المتطوعين، الذين لم تكن لديهم أسلحة متطورة سوى البندقية والقاذفة الخفيفة المضادة للدبابات، يستطيعون أن يقهروا جيشاً مجهزاً بأحدث الأسلحة المعروفة في العالم، إضافة إلى مستوى تدريبه الراقي وضبطه الصارم، وإن يدمروه بالكامل فكل ألوية الجيش العراقي المدرعة والآلية والمشاة خصوصاً الألوية القديمة التي تشكل زبدة الجيش العراقي، كان قد تمّ إعادة تنظيمها مرة واحدة على الأقل، كما تمّ حذف عدد من الألوية وفرقة مدرعة واحدة من نظام معركة الجيش العراقي بصورة كاملة، كما حدث للفرقة المدرعة التاسعة التي أعيد تنظيمها لثلاث مرات، مما اضطر القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية لأن تلغيها من نظام معركة الجيش العراقي تخلصاً من الذكريات الأليمة التي ظلت مرتبطة بها.
في الحقيقة إن المعنويات لعبت دوراً بارزاً لفترة طويلة كعامل هام من عوامل تحقيق الانتصارات لدى القوات الإيرانية، خلافاً لحال القوات العراقية التي كانت تعاني من ضعف مزمن في معنوياتها حتى عام 1987م تقريباً عندما بدأت تستعيد معنوياتها بصورة تدريجية مصحوبة بقوانين صارمة أقلها الإعدام وحجز العائلة بحق الهاربين من الخدمة العسكرية، أو الذين يتسللون إلى الخلف في أثناء المعارك، وهي إجراءات طالت كل الضباط اعتباراً من قادة الفيالق حتى الضباط الصغار الذين اتخذت بحقهم إجراءات عنيفة استهدفت توجيه إهانات مباشرة لهم إضافة إلى إعدام قسم منهم.
وعلى سبيل المثال، لقد أصدرت القيادة العراقية قراراً يقضي بتخفيض رتبة قائد الفيلق، مهما كانت رتبته التي تصل أحياناً إلى لواء ركن ـ إلى رتبة ملازم أول على أن يكمل ما تبقى من خدمته في الوحدات الفعالة الأمامية في حالة فشله في صد الهجوم الإيراني في قاطع. إلا أن تلك الإجراءات على رغم أنها ساعدت إلى حد ما على حفظ الضبط وإدامته، كانت تجعل القادة يعيشون في حالة قلق دائم من احتمالات فشلهم الذي يؤدي إلى اتخاذ عقوبات صارمة بحقهم.
خلال الحرب الطويلة لوحظ أن القيادة العراقية كانت تعلم بالضبط بنوايا الإيرانيين ـ إلاّ في حالات نادرة ـ بدليل أن كل الترتيبات التي كانت تعدها (القيادة العراقية) كانت تعطي دليلاً واضحاً على أنها اتخذت في ضوء معلومات دقيقة لديها. كما أن أسرى العمليات من الضباط الكبار كانوا يدلون بمعلومات مذهلة عن دقة المعلومات التي كانت تزودهم بها القيادة العامة العراقية حول الهجوم الإيراني، علماً بأن مجلس الدفاع الأعلى هو أعلى سلطة في إيران تمتلك لوحدها قرار المصادقة على خطط العمليات.
9 ـ ضعف في إدارة العمليات: يعتري القيادة الإيرانية ضعف واضح في إدارة العمليات العسكرية حتى تلك التي تجري على جبهة ضيقة. فقد كانت تقف متفرجة لا مبالية، في أكثر الأحيان، تجاه سيل المعلومات الذي كان يتدفق عليها سواء قبل المعركة أو في أثناء نشوبها. وإضافة إلى عجزها الواضح في السيطرة على وحداتها التي تزج في المعركة، فإنها كانت تقف أمام التطورات التي تحدث خلال المعركة واجمة من دون أن تتخذ الإجراءات الضرورية في مثل تلك الحالات.
وغالباً ما كانت ترد إليها معلومات مهمة عن حركة القوات العراقية من قاطع إلى آخر أو من محل إلى آخر خلال المعركة، لكنها كانت تتغاضى عنها على رغم أنها تمتلك الوسائل الملائمة لمعالجتها مما يجعل المراقب في حيرة من أمره إزاء تلك اللامبالاة المفرطة في سذاجتها وعلى سبيل المثال، لقد وردت إلى القيادة الإيرانية معلومات مؤكدة عن وجود ما يقرب من 40 لواء من مختلف صنوف الجيش العراقي المدرعة والآلية والمشاة وهي تتدرب على الهجوم بالقرب من بحيرة الرزازة في محافظة كريلاء وفي منطقة رتبت لتشابه منطقة الفاو، كما وردت بعد مرور مدة معلومات أخرى غاية في الدقة عن استعدادات عراقية لمهاجمة الفاو وقبل ما يزيد عن 15 يوماً من موعد الهجوم العراقي، وكان لدى القيادة الإيرانية الوقت الكافي والإمكانات الملائمة لدحر الهجوم باتخاذ التدابير الضرورية لذلك.
كما كان من المحتمل أن تتغير نتائج الحرب بصورة جذرية لو أن الإيرانيين استطاعوا أن يدحروا الهجوم العراقي في الفاو، وهو أول هجوم ناجح للقوات العراقية فتح الطريق أمامها للنصر في العمليات اللاحقة.
لقد كان متيسراً للقيادة الإيرانية أن تقف مستعدة لمواجهة الاحتمالات، إلاّ أنها لم تكن في مستوى يؤهلها لذلك. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة ذلك بوضوح تام. فقد كانت ترد إلى مقر القيادة الإيرانية الذي تدار منه الحركات، والذي يسمى مقر خاتم الأنبياء ـ وكان يضم أفراداً من الحرس الثوري إضافة إلى عدد من ضباط الجيش ـ سيل من المعلومات في أثناء المعارك، خصوصاً من استراق الرسائل المتبادلة بين مقرات تشكيلات الجيش العراقي أو من المعلومات التي يدلي بها الأسرى، لكنها لم تعمل على الإفادة منها.
10 ـ لم تجر الاستفادة من الغنائم التي حصلت عليها القوات الإيرانية خلال الحرب، خصوصاً الدبابات وناقلات الأشخاص المدرعة. فقد استولت القوات الإيرانية على أسلحة من الدبابات وناقلات الأشخاص المدرعة ما يكفي لتشكيل ثلاث فرق مدرعة إلا أن ضياع المركزية في إدارة الحرب حول تلك الغنائم إلى أطنان من الحديد الذي لا نفع منه بعدما ظلت تحت الشمس والمطر في العراء مدة طويلة مما أدى إلى تلفها بصورة كاملة.
لقد اتبع الإيرانيون أسلوباً أقرب ما يكون إلى الفوضى في ما يتعلق بجميع الغنائم والتصرف بها. فكل فرقة من فرق الجيش والحرس الثوري كانت تعلن ملكيتها للغنائم التي تحصل عليها وتجعلها حصتها ولا تسمح لأحد بأن يمد يده عليها، كما أنها لم تكن تنفذ أي أمر يصدر إليها، مهما كان مصدره، حول جمعها في مكان واحد لغرض الاستفادة منها بصورة جيدة.
ففرقة «محمد رسول الله» مثلاً والمتشكلة من متطوعي وحرس أهالي طهران كانت تنقل غنائمها من الدبابات وناقلات الأشخاص المدرعة إلى أنديمشك الذي يعتبر معسكراً خلفياً للفرقة في القاطع الجنوبي، حيث تظل تلك الكميات من الأسلحة تحت الشمس والمطر بحيث لا يبقى منها نفع على الإطلاق بعد انقضاء مدة عليها. ولطالما كان المتطوعون يعبثون بها ويقومون باقتلاع بعض أجزائها من الداخل لغرض التسلية من دون أن يسمعوا أحدا ينبههم إلى فداحة الأخطاء التي يرتكبونها. وفرقة النجف الأشرف التابعة إلى محافظة أصفهان كانت تفعل الشيء نفسه.
وبذا تمّ هدر مبالغ طائلة من المال كان الأجدر أن تتم الاستفادة منها إما بتشكيل وحدات مدرعة، وهو ما كان ينقص الإيرانيين بشدة، أو بيعها للدول الأخرى التي تسعى إلى شراء الأسلحة من كل مكان، خصوصاً إذا أمكن شراؤها بأسعار منخفضة. وبذلك كان يمكن الحصول على كميات ضخمة من العملة الصعبة التي ظلت ايران بأمس الحاجة إليها.
ومع أن قوات الحرس شعرت، بعد فوات الأوان، بأنها بحاجة إلى تشكيل وحدات مدرعة وآلية. وقد عمدت إلى تشكيلها بالفعل وتم اختبارها في منطقة صحراوية تقع بين قم وطهران للوقوف على المستوى القتالي والتدريبي لها، إلاّ أن هذا العمل الذي كان يجب أن يتم قبل مدة طويلة من تاريخ تنفيذه (في أواخر عام 1986م) ـ لم يكن في المستوى الملائم بسبب ضعف التدريب والنقص الكبير في وسائل الإدامة والتصليح وعدم توافر الإمكانات لتشغيل أعداد كبيرة من الدبابات بسبب عدم وجود كادر متطوع ـ دائم ـ بالقدر الذي يكفي لتشكيل فرق مدرعة.
إضافة إلى ذلك، على رغم حدوث انهيارات في قسم من ألوية وفرق الجيش العراقي وخلو بعض القواطع من الوحدات حيث كانت تسحب من القواطع الأخرى إلى المنطقة التي تنشب فيها المعارك. إلا أن القيادة الإيرانية لم تكن تعير اهتماماً كبيراً لها لأنها كانت بالفعل غير قادرة على إدارة المعارك غير تلك التي تقع أمامها، أو أنها بالفعل غير قادرة على إدارة عمليات عدة في عدد من القواطع في آن واحد من قبل مقر واحد خصوصاً مقر غير متجانس ولا يسوده التنظيم والتفاهم ـ أما العمليات التي كانت تجري في قواطع أخرى في أثناء تنفيذ هجوم رئيسي في قاطع معين فإنها لم تكن إلا عمليات صغيرة تنتهي إلى نتائج بنفس الحجم في قواطع عمليات ليس لها أهمية كبيرة، إضافة إلى أنها كانت تدار من قبل مقر ثانوي بعيد، فعندما كانت تجري عمليات شرق البصرة ـ الشلامجة ـ في عام 1987م نفذت القوات الإيرانية عملية ثانوية في منطقة ماوت الجبلية في شمال شرق العراق وعلى بعد حوالي 1000 كلم من منطقة العمليات الرئيسية وبينما كان «مقر خاتم الأنبياء» يدير العملية الرئيسية وهو المقر الرئيسي لإدارة العمليات كان «مقر حمزة سيد الشهداء» وهو مقر فرعي، يدير عمليات ماوت التي لم تؤثر تأثيراً كبيراً على العمليات الجارية في الساحة الرئيسية للمعركة. وكان الأجدر لو أن القيادة الإيرانية خططت لهجوم آخر في قاطع الفيلق الثالث أو الفيلق السادس الذي كان مسؤولاً عن الدفاع عن منطقة العمارة وهور الحويزة، ولكانت بالفعل قد ساهمت في الدفاع عن القاطع الرئيسي للعمليات، وربما أدت العمليات في المحاور المشار إليها والقريبة من محور عمليات الشلامجة، إلى نجاحات جديدة.
اضف إلى ذلك كله ضعف شبكة المواصلات للقيادة الإيرانية وكثرة الانتهاكات لقواعد العمل على أجهزة اللاسلكي وإمكان التنصت عليها ببساطة، مما أتاح للقيادة العراقية فرصاً كبيرة في الحصول على معلومات ثمينة كانت تجري في ضوئها تحويراً ملائماً في خطط عملياتها. فقد تم استراق مكالمة لاسلكية من قبل أجهزة التنصت المتطورة التي تملكها وحدات معدات الحرب الالكترونية في الجيش العراقي صادرة من القيادة العامة الإيرانية بينما كانت المعارك محتدمة شرق نهر دجلة في عام 1986م. في تلك الرسالة المفتوحة كانت القيادة الإيرانية تطلب من وحداتها الانسحاب من منطقة البيضة وهي قرية تقع على الحافة الغربية لهور الحويزة، لعدم إمكانية الاستمرار في العمليات في هذا القاطع، مما دفع القيادة العراقية إلى إصدار أوامرها فوراً لطيران الجيش والوحدات المدرعة والآلية والقوات الخاصة بتشديد الهجوم في هذا القاطع وبسرعة، وبذا تمّ إيقاع خسائر جسيمة بالقوات التي كانت قد تلقت الأوامر بالإنسحاب.
11 ـ لم يعر الإيرانيون اهتماماً كبيراً للدفاع الذي يعتبر من الصفحات الهامة للمعركة، بل أن المعركة الدفاعية قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى كسب المعركة وتدمير قوة العدو، ولقد ذهب الجنرال الألماني كلاوزفتز إلى أن الدفاع هو أفضل الأنواع التي تؤدي إلى كسب النصر، وقد ضرب مثلاً في ذلك بفشل هجوم نابليون على روسيا لأن القيادة الروسية في ذلك الحين كانت قد اتبعت دفاعاً مرناً في مواضع مرتبة على التوالي، يتم في كل موضع منها تكبيد العدو خسائر جسيمة تؤدي إلى إنهاكه وتدمير قوته في نهاية المطاف بحيث يتم شن هجوم شامل يؤدي إلى القضاء عليه بصورة كاملة.
أما الإيرانيون فقد كانوا يأنفون حتى من التدريب على الدفاع أو الانسحاب بطريقة سليمة ومدروسة. بل أنهم كانوا يحتقرون أي نوع من أنواع التدريب هذه، وكانوا يرددون أنهم لن يتدربوا إلاّ على العمليات التي تدفع الوحدات إلى الأمام ….. أنهم لا يقبلون إلا بالهجوم وسيلة مفضلة في الحرب، وهذا جيد في الواقع، خصوصاً أنهم استطاعوا أن يحققوا مكاسب كبيرة خلال المراحل الأولى من الحرب، إلا أنهم لم يفكروا بأنه لا يمكنهم أن يكونوا في حالة هجوم طيلة مدة الحرب، وأن خصمهم يمكن أن ينتقل في بعض الأحيان من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، فكيف يمكن أن تكون معالجتهم للموقف عندئذ؟
لذا فإن مواضعهم الدفاعية ظلت تشكل قشرة هشة من السواتر الترابية التي لا تستند إلى أي موانع طبيعية أو اصطناعية إلا نادراً. فلا حقول ألغام. ولا أسلاك شائكة ولا قوات حجاب أو قوات ساترة، فضلاً عن أنه ليست هناك أية خطة دفاعية تحتوي على واجبات الهجوم المقابل لقوات احتياطية تخصص مسبقاً لهذا الواجب، ولا استتاراً وغشاً وتقييداً للحركة في المواضع الدفاعية، ولا خطط نارية دفاعية يتم وضعها على الأسس المعروفة للدفاع وحاجاته. فاهتمامهم كان ينصب على نيران الإزعاج، وهي النيران المفضلة لديهم لسهولة أسدائها.
وقد لوحظ بصورة واضحة أن أغلب الهجمات التي شنّتها القوات العراقية على المواضع الدفاعية الإيرانية كانت تؤدي إلى نجاحات معينة حتى في المراحل الأولى من الحرب وما تلاها زخم هجماتها تلك، وإن كانت قد استطاعت، في المراحل النهائية من الحرب أن تخرق الدفاعات الإيرانية وتتقدم بالعمق فيها من دون عناء أو تأخير بسبب ضعف الدفاع الإيراني وهزاله وعدم وضوح الخطط الموضوعة لإدارته، وهذا ما أتاح للقوات العراقية أن تحقق انتصاراتها المعروفة بسهولة وبساطة متناهية في كل من الفاو وشلامجة ومخفر زيد وجزائر مجنون في القاطع الجنوبي، وهي المناطق التي استطاعت القوات الإيرانية أن تحتل فيها أجزاء معينة من الأراضي العراقية بعدما كلفها ذلك الكثير من الضحايا بينما لم تكلف استعادتها من قبل القوات العراقية إلاّ خسائر قليلة في مقابل النجاحات التي حققتها. وما يدعو إلى الاستغراب هو أن القيادة الإيرانية لم تجر أي فحص على ترتيباتها الدفاعية وربما لم تكن تفكر بذلك مطلقاً، بدليل أنها لم تقم بذلك طيلة مدة الحرب، وهذا تقصير واضح لا يمكن أن تقع فيه أية قيادة عسكرية أخرى تأخذ على عاتقها مسؤولية المحافظة على سمعتها أو أرواح مقاتليها ومصيرهم.
12 ـ وقعت القيادة الإيرانية في خطأ استراتيجي كبير نجم عن إصرارها على شن العمليات في القاطع الجنوبي من الجبهة، اعتقاداً منها بأن الحرب يمكن أن تنتهي لو أن القوات الإيرانية تمكنت من احتلال أجزاء كبيرة من جنوب العراق، خصوصاً مدينة البصرة. وقد بنت اعتقادها هذا على أساسين، أولهما هو أن مدينة البصرة تشكل عقدة مواصلات رئيسية تؤدي إلى الكويت والسعودية وأن احتلالها سوف يعزل العراق عن قاعدة تموين أساسية وهامة كما سيمنع حلفاء العراق الخليجيين من الاستمرار في تقديم الدعم المادي والمعنوي له، وثانيهما هو حرمان العراق من قاعدة اقتصادية هامة وذلك بالسيطرة على منابع النفط المنتشرة في منطقة البصرة بكثافة، إضافة إلى سقوط مؤسسات نفطية وصناعية هامة بأيدي القوات الإيرانية مما سيعوض للإيرانيين بعض الخسائر التي أصابت منشآتهم الاقتصادية والنفطية. ولا يمكن أن ننسى الأثر المعنوي الهائل الذي سيتركه احتلال مدينة البصرة على مجمل الوضع العام في العراق، خصوصاً الوضع العسكري.
على هذا الأساس ظلت القيادة الإيرانية تنفذ عملياتها خلال مدة الحرب كلها في القاطع الجنوبي حتى نهاية الحرب. باستثناء عمليات حلبجة التي نفذت في القاطع الشمالي من الجبهة من دون أن تدرس نتائجها بدقة ومن دون متابعة الأهداف الأخرى الهامة والتي إن أمكن تحقيقها في العمليات كانت ستؤدي إلى نتائج حاسمة وهامة، إلا أن من المشكوك فيه أن احتلال مدينة البصرة كان من الممكن أن يؤدي إلى سقوط الحكم في العراق وإقامة حكومة موالية لإيران فيه.
فالهزات العنيفة التي أصابت العراق خلال مدة الحرب لم تكن لتؤثر على النظام في بغداد كما أن حلفاء العراق في الخليج اندفعوا بصورة علنية وسريعة لمساندته بعدما أخذوا يشعرون بأن وجود القوات الإيرانية على مقربة من حدودهم سوف يوجه نحوهم ضغطاً نفسياً ومادياً، خصوصاً بعدما أصبحت القوات الإيرانية في مدينة الفاو حيث كانت أصوات الانفجارات تسمع في الكويت ولم يضعف العراق بعد كل العمليات التي جرت في الجنوب إلاّ في أثناء المعارك فقط، بينما كان يحصل على كل ما يريده بعد انتهائها مباشرة، كما أنه كان يعود إلى تنظيم قواته وتوسيعها مرة أخرى وبسرعة كبيرة.
لم تدرك القيادة الإيرانية أهمية اختيار محاور قتال جديدة وتغير المنطقة التي كانت تجري فيها العمليات دوماً من دون أن تؤدي إلى نتائج هامة. فقد كان ملائماً أحداث التغيير في بداية عام 1983م أو قبله لكون القوات العراقية كانت تعيش في أسوأ وضع لها بعد استعادة مدينة المحمرة من قبل القوات الإيرانية، كما أن القيادة كانت تبذل كثيراً من الجهود والتفكير في ترصين الدفاعات في القاطع الجنوبي، علماً بأن القاطع الأوسط الذي يقابل قصبة مندلي العراقية يعتبر النقطة الملائمة للتغيير بسبب كون الحدود الدولية بين البلدين لا تبعد أكثر من 120 كلم، كما أن المنطقة الممتدة من مندلي حتى شرق بغداد تشكل ساحة عمليات شبه صحراوية خالية من الموانع الطبيعية والاصطناعية باستثناء بقايا أنهار قديمة وقنوات أنشئت منذ العهد العباسي وأصبحت مندرسة بصورة تامة ولكون أرض هذه المنطقة تساعد على تنقل جميع العجلات والدبابات في جميع المواسم تقريباً حيث لا تشكل الأمطار القليلة التي تسقط في الشتاء أي مانع يعيق الحركة، فقد كان في الإمكان أن تقوم القوات الإيرانية بتغيير محاور العمليات من الجنوب إلى الوسط مباشرة بعد استعادتها لمدينة المحمرة (استعيدت في عام 1982م) ـ وبدأ مركز ثقل العراق يتهدد، بحيث كان يمكن للقوات الإيرانية أن تحقق نجاحاً هاماً في هذا القاطع يقربها إلى مدينة بغداد، مما يجعل العالم يشعر بأن إسقاط النظام القائم في العراق ممكن.
ولم يكن ذلك يحتاج إلاّ إلى الوقت لإنجازه، فالفيلق الثاني المدرع العراقي الذي كان مسؤولاً عن الدفاع في هذا القاطع كان يعاني من مشاكل كثيرة أهمها انهيار الروح المعنوية بعد استعادة المحمرة، كما أن قائده (اللواء الركن ـ في حينها ـ ثابت سلطان التكريتي) لم يكن يتمتع بثقة القادة والآمرين العاملين معه. وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنه، على رغم أن الإيرانيين فشلوا في إحداث خرق كبير في الجنوب في كل عملياتهم التي نفذوها في هذا القاطع بسبب ضعف الاستعدادات والتحضيرات للدخول في معارك حاسمة وفاصلة كان من أبرزها عدم وجود دروع كافية لأحداث هذا الخرق، وعدم وجود غطاء جوي ملائم لقواتهم المهاجمة، فقد كان انتقالهم للعمل في القاطع الأوسط ممكناً لو أنه اعتمد أسساً جديدة في العمل تتم في ضوء دراسة احتياجات المعركة في هذا القاطع بصورة دقيقة.
ومن ذلك، مثلاً، أنه لكون المنطقة المشار إليها مفتوحة وخالية تقريباً من الأستار، فإن دراسة دقيقة يجب أن تجري لحساب الاحتياجات من أسلحة مقاومة الدبابات المتطورةومقاومة الطائرات من مختلف المعدات لقاطع العمليات الجديد الذي يجب أيضاً أن تحدد جبهته وعمقه بصورة دقيقة يتم بعدها، وفي ضوء تلك الحسابات، العمل على توفير متطلبات المعركة الحاسمة، كما يمكن أيضاً إشراك الوحدات والفرق المدرعة التابعة للجيش الإيراني بقوة وكثافة في هذه العمليات، إلا أن ضعف إدارة القيادة الإيرانية لأمور الحرب وضياع التنسيق التام بين الجيش ـ وهو الجهة الوحيدة القادرة على التخطيط بدقة ـ وبين الحرس الثوري أسقطا إمكان قيام مثل هذا العمل الدقيق المخطط له بصورة جيدة.
وقد أثبتت وقائع مجريات الحرب والأحداث التي مرت بها أن إيران قادرة على تأمين متطلبات معركة من هذا النوع لأن السوق السوداء كانت زاخرة بكافة أنواع الأسلحة المتطورة التي يمكن شراؤها عند توافر الأموال لذلك.
الأخطاء السوقية السياسية
وقعت القيادة الإيرانية في أخطاء سياسية سوقية جسيمة، وإضافة إلى الأخطاء التعبوية والسوقية العسكرية، أضافت أعباء أخرى على كاهلها، مما ساهم في مضاعفة المشاكل التي كات تواجهها في إدارتها للحرب وأضعف بالتالي موقفها الدولي والإقليمي والعسكري ….
1 ـ فصل الحرب عن الموقف السياسي الدولي: للمرة الأولى في التاريخ ـ باستثناء حالات نادرة جداً ـ سقطت الحرب التي تعتبر آخر وسيلة من وسائل السياسة لتناقض واضح بينها كأداة، من جهة، وبين الاهداف السياسية للدولة من جهة أخرى، فبدلاً من أن تكون أهداف الحرب ملائمة للجهد السياسي المبذول ومنسجمة معه، وبدلاً من أن تكون السياسة ملائمة هي الأخرى لأهداف الحرب التي تعلنها القيادة السياسية العليا للدولة، سقطت الاثنتان في وحل التخبط والتناقض الذي لم يكن له ما يسوغه سوى نقص في إدراك العوامل السياسية التي تؤثر في احداث ذات أهمية قصوى في دول العالم قاطبة سواء على المستوى الدولي أو المستوى الإقليمي، فشعار «لا شرقية، لا غربية» لم يكن شعاراً ينطلق من معنى محايد بين المحاور الدولية أو القوى الكبرى، بل أنه قد ترجم عملياً إلى عداء سافر من دون تقدير حقيقي لحجم تلك القوى وإمكاناتها وتأثيرها الواقعي على مجريات الأحداث في العالم مقارنة بما تملكه هي من إمكانات وقوى في المقابل، خصوصاً الحرب التي كانت تدور كل هذه المدة ناشرة الخوف والقلق بين كل دول العالم تقريباً، مما جعل إيران بالتالي دولة تعيش في عزلة تامة عن المجتمع الدولي، ليس لها من يقف معها موقفاً ثابتاً.
وبدلاً من أن تستفيد القيادة الإيرانية من التناقض الدولي وتستثمره لصالحها من دون أن تتخلى فعلاً عن جوهر سياستها وأهدافها، وبدلاً من أن تساهم في تعميق التناقضات بين الكتل المتنافسة في العالم، فإنها دفعتها للتقارب بل والتفاهم بصورة تكاد تكون كاملة وللمرة الأولى في تاريخ العالم الذي ظل يشهد صراعات حادة بين القوى الكبرى. علماً بأن إيران كانت قادرة على أن تلعب هذا الدور بسهولة بسبب مجاراتها لإحدى الدولتين العظميين، أي الاتحاد السوفياتي، ولأهمية موقعها الاستراتيجي الدولي بسبب أن لديها سواحل كبيرة على الخليج وبحر العرب اللذين يعتبران الرئة التي يتنفس بها العالم، ونظرة سريعة لحجم صادرات النفط التي تمر عبر هذين الممرين تعطينا صورة واضحة عن أهمية هذه المنطقة وممراتها المائية بالنسبة إلى العالم كله من دون استثناء. ومن الطبيعي أن الدول التي لها مصالح هامة في المنطقة سوف تقف، بكل تأكيد مع الطرف الذي تعتقد بأنه لن يهدد مصالحها على أقل تقدير.
لذا فإن موقف الدول الكبرى يتجه نحو تأييد العراق الذي استطاع أن يوظف شعارات العداء التي تطلقها القيادة الإيرانية وجماهيرها ضد كل دول العالم الكبرى والتي تمتلك قدرة التأثير في الأحداث الدولية. وبدلاً من أن تلتزم إيران بسياسة حكيمة تؤدي إلى تحييد مواقف دول العالم على أقل تقدير، إذا لم نقل تكسبها إلى جانبها، وهو أمر كان من الممكن حدوثه ببساطة، فإنها استعدت كل العالم وظلت مستمرة على هذا النهج اعتقاداً منهاً بأنها قادرة بالفعل على المضي في سياستها تلك من دون أن تصاب بضرر جسيم. إلا أن الأمر الأخطر هو أن تلك الدول وجدت نفسها، لسبب أو لآخر، مضطرة لأن تساعد العراق بطرق مختلفة كتزويده بالمعلومات العسكرية التي تحصل عليها وكالاتها الاستخبارية، أو أن تدعمه اقتصادياً، ولم يقتصر عند هذه الحدود بل تعداها إلى أن تدخل تلك الدول بقواها العسكرية وإمكاناتها في معارك حربية مباشرة مع إيران مما كان له أثره السيئ على قدرة إيران العسكرية.
العقيد الركن
حامد سالم الزيّادي
تلخيص للوقائع ونهاية الحرب
” بالنظر إلى رأي جميع الخبراء السياسيين والعسكريين الكبار في البلاد الذين اعتمد على التزامهم وحرصهم وصدقهم، فقد وافقت على قبول القرار (598) ووقف إطلاق النار واعتبر ذلك في الظروف الحالية في مصلحة الثورة والنظام …. إن القبول بالقرار ووقف إطلاق النار كان أكثر مرارة من العلقم ولكنني أرضى برضى الله ولقد شربت هذه الجرعة من أجل رضاه ….”
هكذا طوى الإمام الخميني أحد أطول الصراعات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وجاء كلام الإمام الخميني هذا في خطاب الى الإيرانيين في 21 تموز العام 1988م بعد ثلاثة أيام من إعلان رئيس مجلس الشورى الإيراني قبول إيران القرار الدولي الرقم 598 ووقف إطلاق النار، في الحرب العراقية ـ الإيرانية في قرار فاجأ العالم.
واستمرت الحرب العراقية ـ الإيرانية حتى 20 آب موعد وقف إطلاق النار في الحرب، التي استمرت ثماني سنوات، كما أنها تميزت بأنها حفلت بالنشاط الدبلوماسي الذي توج بقبول إيران وقف النار وببدء المفاوضات العراقية ـ الإيرانية المباشرة تحت إشراف الأمم المتحدة في 25 آب.
بدأ العام 1988م والحرب في حال من انحسار العنف، والجميع ينتظر هجوماً إيرانياً برياً شاملاً على الجبهة الجنوبية للحرب، كما جرت العادة منذ العام 1984م. وكانت إيران قد درجت على شن هجماتها البرية في الشتاء باتجاه مدينة البصرة خصوصاً وان هطول الأمطار وتراكم الوحول وزيادة مياه المستنقعات يعتبران فرصة مثالية للقوات البرية الإيرانية لتحييد سلاح المدرعات العراقي.
وكانت أعنف الهجمات البرية الإيرانية قد جرت في شتاء العام 1987م وكاد الإيرانيون في ذلك الهجوم يدخلون مدينة البصرة نفسها، إلا أن كثافة الحشد العراقي وكثافة النيران والأسلحة العراقية المتطورة حالة دون ذلك وتكبد الجانبان في معارك شرقي البصرة للعام 1987م خسائر فادحة.
وقيل أن نتيجة معارك شرقي البصرة ساعدت في إقناع إيران في التخلي عن الهجمات البرية الواسعة، إذ أن الخسائر التي دفعتها في تلك المعارك كانت أكبر من أن تعوض في سنوات.
لذلك فقد استعاضت إيران عن الهجمات البرية الواسعة، بهجمات أخرى محددة تهدف إلى استنزاف العراقيين وقضم أراضيهم تدريجياً، وهذا التكتيك هو الذي ميز سير العمليات العسكرية الإيرانية في النصف الأول من العام 1988م.
وفي منتصف كانون الثاني بدأت إيران عمليات عسكرية في شمالي العراق ونجح الإيرانيون في احتلال مواقع في محافظتي دهوك والسليمانية.
وفي 17 كانون الثاني بدأت إيران هجوماً جديداً محدوداً في شمالي العراق باسم «بيت المقدس ـ 2».
وكان هذا الهجوم أعنف هجوم إيراني منذ أن أمرت طهران بتعبئة حربية في تشرين الأول العام 1987م.
وعلى الفور تحرك الأميركيون على الجبهة الدبلوماسية حيث قال وزير الخارجية الأميركي جورج شولتس «إن السوفيات يتحركون ببطء أكثر مما ينبغي نحو اصدار مجلس الأمن الدولي قراراً يفرض حظراً على تصدير الأسلحة إلى إيران من أجل إجبارها على القبول بالقرار 598».
ورد العراق على الهجمات الإيرانية في الشمال، بشن غارات جوية «مدمرة»، حسب وصف البيانات العراقية، على مرفأ النفط الإيراني في جزيرة لافان.
وكان الهجوم الجوي العراقي، بداية تحرك عراقي مكثف لتدمير البنية الاقتصادية الإيرانية، بهدف الضغط على إيران للقبول بالقرار 598.
وترافق هذا الضغط مع بدء تحرك دبلوماسي في الأمم المتحدة إذ قال الأمين العام للأمم المتحدة خافييه بيريز دي كويار في اليوم نفسه، اي 20 كانون الثاني «أن طرفي الحرب يظهران مرونة» وأنه يريد مواصلة مساعيه للسلام ولكن الكرة الآن في ملعب مجلس الأمن.
وبعد يوم على تصريح دي كويار قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تشارلز ردمان «أن مشاورات سرية تجري بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لبحث إصدار قرار إلزامي ثان لتطبيق القرار 598».
وفي 22 كانون الثاني بعث الملك السعودي فهد برسائل إلى الدول الخمس الدائمة العضوية طالبها فيها بتحمل مسؤولياتها بشأن وقف الحرب والالتزام بالقرار 598. وكانت هذه الخطوة بداية تحرك خليجي مكثف استهدف الضغط على إيران للقبول بالقرار.
ومما شجع الدول الخليجية على بدء حملتها الدبلوماسية لوقف الحرب، قناعتها بعدول إيران عن شن هجومها الشتوي المعتاد. وكانت هذه الهجمات الشتوية قد وضعت القوات الإيرانية على مقربة من الحدود الكويتية في العام 1986م بعد احتلال الفاو وعلى مشارف البصرة في العام 1987م. لذلك فقد كان التيقن بعدول إيران عن الهجوم الشتوي بمثابة فرصة للخليجيين للضغط على إيران.
حرب الناقلات
وفي الثامن من شباط قصف الطيران العراقي ناقلة النفط الإيرانية العملاقة «خرك ـ 5» بالقرب من خرج كما هاجم سفينة الشحن الإيرانية «إيران انتخاب» جنوبي ميناء بوشهر، في تصعيد واضح لما سمي بـ «حرب الناقلات».
وتواصلت «حرب الناقلات» بعنف حتى 16 شباط، عندما امتدت إلى المنشآت النفطية على البر، حيث أعلنت إيران أن طائراتها هاجمت مجمعاً للبتروكيماويات في البصرة.
وفي مقدمة واضحة لشن «حرب المدن» أجرى العراق في اليوم نفسه تجربة على إخلاء بغداد ومدن كبيرة أخرى، بهدف مواجهة أي هجوم أو كارثة تتعرض لهما هذه المدن.
وواجهت إيران الهجمات العراقية على أهدافها الاقتصادية، ببدء هجوم بري جديد في شمالي العراق باسم «ظفر ـ 6»، وقالت طهران أن قواتها استولت على مرتفعات في منطقة كركوك. إلا أنه بدا أن هذا الهجوم الذي وقع في 25 شباط لم يحقق هدفه بتهديد حقول كركوك النفطية، فشنت الطائرات الإيرانية غارات على مصنع للبتروكيماويات وأهداف أخرى في البصرة.
وقالت إيران أن غاراتها الجوية كانت رداً على غارة في 26 شباط شنها الطيران العراقي على بلدة سقيز الكردية في غربي إيران مما أدى إلى مقتل 26 مدنياً.
… وحرب المدن
وكان تبادل الغارات هذا البداية الفعلية لما سمي «بحرب المدن» التي اعتبرت أشد جولات حرب الخليج وحشية منذ بدايتها والتي شملت تقريباً كافة المناطق المدنية العراقية والإيرانية.
وأصدر العراق إثر الغارات الإيرانية على أهدافه الاقتصادية في البصرة، بياناً قال فيه أن «كل المدن والبلدات الإيرانية ستكون أهدافاً للصواريخ والطائرات والمدفعية العراقية حتى إشعار آخر».
وبعد قليل من إصدار البيان، هاجمت الطائرات العراقية مصفاة رئيسية للنفط قرب طهران، في إطار «السياسة (العراقية) الرامية إلى تدمير المنشآت الاقتصادية الإيرانية». كما هاجم الطيران العراقي ديزفول وهمدان.
وقال بيان رسمي إيراني «إن إيران لم تبدأ الهجمات على المدن ولكنها سترد بحزم على أعمال لا قيمة لها عسكرياً يقوم بها العراق».
وفي 29 شباط أطلقت قوات «حرس الثورة» الإيرانية ثلاثة صواريخ أرض ـ أرض على بغداد. رداً على الغارات العراقية.
وأعلن العراق أن «المدن الإيرانية كافة ستكون أهدافاً للطائرات العراقية المقتدرة والقوة الصاروخية العملاقة حتى إشعار آخر». وقام الطيران العراقي بغارة انتقامية على طهران.
وفي حدث مفاجئ كان الأول من نوعه، أطلق العراقيون سبعة صواريخ أرض ـ أرض على طهران، وكانت هذه المرة الأولى التي يظهر فيها أن لدى العراق صواريخ قادرة على بلوغ طهران.
وأحدثت الهجمات العراقية إرباكاً في طهران، فتحركت إيران لوقف «حرب المدن»، حيث بعث وزير الخارجية علي أكبر ولايتي برسالة إلى دي كويار دعاه فيها إلى «اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف استمرار وتصعيد الهجمات على المدن».
وقال العراق أن الصواريخ من صنعه إلاّ أن خبراء أكدوا أن الصواريخ هي سوفياتية الصنع من طراز «سكود بي» جرى تطويرها بعون أوروبي غربي لزيادة مداها، مما مكنها من بلوغ طهران.
وكان اليوم الأول من آذار يوماً مشهوداً في تاريخ حرب الخليج، إلا أنه الأكثر عنفاً ضد أهداف مدنية منذ بدايتها، فقد تعرضت بغداد لثلاثة صواريخ إيرانية وأصيبت طهران بعشرة صواريخ.
واعتبر ذلك اليوم «انعطافاً مهماً في الحرب» وهددت بغداد على لسان وزير إعلامها لطيف ناصيف جاسم بتدمير طهران، وأوضحت أن هدفها من الهجمات على المدنيين «إجبار الإيرانيين على القبول بالقرار الدولي 598».
وقال الرئيس الإيراني السيد علي خامنئي «إن واشنطن هي التي حرضت العراق على الهجمات للضغط على طهران لتقبل وقف النار».
وقال نائب وزير الخارجية الإيرانية حسين شيخ الإسلام تعليقاً على ذلك «هذه ليست المرة الأولى التي تنفذ فيها سياسات أميركية ضدنا بأسلحة روسية».
وأمام هذا التصعيد ضد الأهداف المدنية أبلغت طهران الأمم المتحدة باستعدادها لوضع حد لحرب المدن، إذا أوقفت بغداد هجماتها، لكن إذاعة طهران قالت «إن قبول إيران القرار 598 من دون شروط يعني خضوعها نهائياً للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وهذا ما نرفضه بشدة».
وفي السادس من آذار اتسعت حرب المدن إلى أقصى مداها حيث شملت من الجانب الإيراني طهران وهمدان وكاشان وديزفول وإسلام أباد غرب وبختاران ودوختارو كرج وكوهداش ومن الجانب العراقي بغداد والبصرة ومندلي وخانقين وبانميل ونفط خان.
وفي اليوم نفسه كررت طهران على لسان موسوي رفضها «الاستسلام أو تقديم تنازلات» فيما قال بيان حكومي عراقي «إن استمرار إطلاق الصواريخ هو خدمة لقضية السلام لأن من شأنه أن يرغم إيران على قبول حل سلمي».
وأمام خشية تبادل القصف الصاروخي، تحرك الاتحاد السوفياتي في (7 آذار) لوقف حرب المدن عبر طلب في هذا الشأن قدمه المندوب السوفياتي في الأمم المتحدة الكسندر بيلونوغوف إلى دي كويار.
وفي التاسع من آذار أعلن موسوي تأييد بلاده لمبادرة السوفياتية.
وافق العراق على وقف «حرب المدن»، ونفذ هذا بالحرف منتصف ليل 11 آذار بعد أن أطلق 11 صاروخاً على طهران وقم، قبل دقائق من الموعد الذي حدده هو للهدنة في «حرب المدن».
واشنطن وموسكو
وبدت واشنطن منزعجة من التحرك السوفياتي لوقف «حرب المدن» حيث اعتبر شولتس أن موسكو هي العقبة أمام وقف الحرب وقال «إن دعوة موسكو لوقف حرب المدن تثير السخرية، إذ أن الصواريخ التي يتبادلها البلدان من صنع سوفياتي».
وترافقت مع تصيرحات شولتس تهديدات من جانب مسؤولين أميركيين ضد إيران قالوا إن إيران باشرت في بناء منصات لإطلاق صواريخ من طراز «سيلكوورم» الصينية الصنع في جزيرة أبو موسى عند مدخل الخليج. واعتبر المسؤولون أن الخطوة الإيرانية تضاعف مساحة المناطق التي يمكن أن تهددها الصواريخ.
ولم تتوقف «حرب المدن» سوى يومين إذ في 13 آذار اطلق العراق صاروخاً على طهران رداً على هجوم عسكري إيراني في الشمال.
وفي 14 آذار أطلق العراقيون سبعة صواريخ على طهران وأطلق الإيرانيون صاروخين على بغداد.
وواصل الإيرانيون هجومهم في الشمال وأعلنوا في 14 آذار أنهم استولوا على 7 قمم قرب حلبجة وأنهم باتوا على بعد 30 كيلومتراً من السليمانية.
وفي 16 آذار أعلنت إيران أنها احتلت بلدة خورمال فرد العراقيون بإشعال «حرب الناقلات» مجدداً حيث هاجم الطيران العراقي الناقلة العملاقة «فورتنيون» التي تقوم بنقل النفط الإيراني إلى خارج الخليج.
وفي اليوم نفسه أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً طالب فيه العراق وإيران بوقف حرب المدن، بناء على مبادرة سوفياتية. وتعرضت طهران لقصف بسبعة صواريخ وبغداد لقصف بخمسة صواريخ.
وفي 17 آذار سجلت القوات الإيرانية عملية اختراق مهمة في شمالي العراق حيث تمكنت من احتلال مدينة حلبجة في ما اعتبره مراقبون الانتصار العسكري الرئيسي لطهران منذ احتلال الفاو في شباط العام 1986م، وقالت طهران أنها تمكنت أيضاً من احتلال حوالي مائة قرية و800 كيلومتر مربع في محيط حلبجة.
هنا تحدثت الأنباء عن استخدام العراقيين الأسلحة الكيميائية بكثافة ضد القوات الإيرانية والمواطنين العراقيين في حلبجة، وهو ما أى إلى وقف التقدم الإيراني وإلى مقتل خمسة آلاف من مواطني حلبجة.
و… الحرب الكيميائية
وكان استخدام الغازات السامة في حلبجة الأوسع منذ أن بدأ العراق باستخدامها في العام 1982م…. وتقول نشرة جينز العسكرية في 25 شباط 1988م «أن العراق بات أكبر منتج للأسلحة الكيميائية في الشرق الأوسط. وأن استخدام هذه الأسلحة أودى بحياة ألف إيراني وأصاب الآلاف بجروح».
وبلغ التهديد العراقي قمته عندما قال مدير مكتب الأنباء العراقية في القاهرة نايف نوري في 29 آذار أن العراق يختار عدداً من المدن الإيرانية لقصفها بالأسلحة الكيميائية.
وبذلك انضمت «الحرب الكيميائية» إلى جانب «حرب الناقلات» و«حرب المدن» كعوامل ضغط على إيران للقبول بالقرار 598.
ولعب استخدام الغازات السامة في حلبجة دوراً سيكولوجياً مهماً لغير صالح الإيرانيين، فإضافة إلى تأثيره على معنويات المقاتلين، باتت طهران تخشى أن يلجأ العراق، الذي استخدم الغازات ضد مواطنيه ـ إلى استخدامها ضد المدن الإيرانية الكبرى بواسطة الصواريخ.
واستمرت «حرب المدن» و«حرب الناقلات» بشكل يومي ومن دون توقف حتى 30 آذار عندما أعلن العراق عن هدنة مؤقتة في «حرب المدن» بمناسبة زيارة أوزال إلى بغداد، أما «حرب الناقلات» فلم تتوقف.
وخلال شهر آذار تعرضت المنشآت النفطية الإيرانية في الخليج لأقسى الغارات الجوية العراقية منذ بدء الحرب وكان أعنف هذه الهجمات في الثامن من آذار ضد ميناء خرج النفطي وبلغت الأضرار حجماً أدى إلى خفض ملحوظ في حجم تصدير النفط الإيراني.
وفي الخامس من نيسان استؤنفت حرب المدن حيث أطلق العراق خمسة صواريخ على طهران وقم وأصفهان وشن غارات جوية على ماه شهر وصلاحي وعلى مصفاتي تبريز وأصفهان وقصف الإيرانيون بغداد بصاروخين.
وفي موسكو اعترف نائب رئيس مجلس السوفيات الأعلى جورجي تارافيتش بأن الصواريخ التي يستخدمها العراق سوفياتية لكنه قال أن التعديلات عليها لم يجرها الاتحاد السوفياتي.
وكرر موقف بلاده من أن فرض عقوبات ضد إيران في مجلس الأمن لن ينهي الحرب، واعتبر تصريحه مبادرة حسن نية تجاه إيران.
إلا أن رئيس الوزراء الإيراني مير حسن موسوي قال في اليوم التالي (6 نيسان) «إن شعبنا يعتبر أن القوتين العظيمتين شريكتان في هذه التهديدات والجرائم، ولن يتركها بالتأكيد تمر من دون رد».
اعتدال إيراني
وكان السابع من نيسان موعد أول مشاورات فعلية بين الأمم المتحدة وطرفي النزاع بهدف الوصول إلى نهاية للحرب. فقد التقى دي كويار في نيويورك بنائب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد لاريجاني في محاولة لمعرفة ما إذا كانت طهران قد قبلت القرار 598.
وقال لاريجاني بعد يومين من المباحثات أن إيران على ثقة كاملة في الأمين العام للأمم المتحدة وهي تتعاون مع جهوده للتسوية بالكامل.
وقال لاريجاني أنه بحث مع دي كويار في جميع المسائل الفنية الضرورية لتنفيذ خطته بشأن إنهاء الحرب، وأشار إلى أن إيران «مستعدة لتنفيذ الخطة غداً ولكن أمامها عقبتين الأولى أعمال العراق الإجرامية والثانية مصلحة واشنطن في ممارسة ضغط على إيران بدلاً من العمل على إحلال السلام».
واعتبرت تصريحات لاريجاني بمثابة اعتدال إيراني تجاه جهود الأمم المتحدة.
وفي 12 نيسان أعلن نائب وزير الخارجية العراقي وسام الزهاوي بعد لقاء مع دي كويار في نيويورك رفض بلاده المضي في بحث أية تسوية سياسية طالما لم توافق إيران على القرار 598.
ولم ينعكس الحوار السياسي في الأمم المتحدة بشكل إيجابي على ساحة المعارك، إذ واصل العراق قصف المدن الإيرانية فيما واصلت إيران عملياتها البرية في الشمال حيث قالت في 12 نيسان أنها احتلت 35 كيلومتراً في منطقة بنجوين.
وفي 14 نيسان طرأ تطور رئيسي على الحرب، إذ أعلنت واشنطن أن الفرقاطة الأميركية «صموئيل روبرتس» اصطدمت بلغم في الخليج قرب جزيرة فارسي مما أدى إلى إصابة ستة من بحارتها بجروح. واتهمت واشنطن القوات الإيرانية بوضع اللغم.
نقطة تحول
وفي السابع عشر من نسيان شن العراق هجوماً رئيسياً في جنوبي الجبهة تمكن في خلاله من استعادة شبه جزيرة الفاو من أيدي الإيرانيين. وكانت القوات الإيرانية قد استولت على الفاو في شباط 1986م.
واعتبرت معركة الفاو نقطة تحول رئيسية في حرب الخليج، إذ تبعتها سلسلة من التراجعات الإيرانية الرئيسية استمرت حتى نهاية الحرب.
وكان من أكثر الأحداث دلالة أن معركة الفاو تزامنت مع اشتباك بحري وجوي إيراني ـ أميركي هو الأعنف منذ بدء الصدمات بين الجانبين.
فقد أقدمت القوات الأميركية في 17 نيسان على تدمير منصتين بحريتين إيرانيتين في الخليج في إجراء اعتبرته رداً على حادث السفينة «صموئيل روبرتس». وتدخلت البحرية الإيرانية لمنع الأميركيين من تدمير المنصتين فحصل اشتباك واسع أدى إلى إغراق سفينة إيرانية وإلى سقوط طوافة أميركية وإصابة سفينة نقل أميركية. وقامت البحرية الإيرانية بمهاجمة منصة نفطية تابعة للشارقة تديرها شركة أميركية.
واعتبرت إيران أن «حرباً مكشوفة» تدور بينها وبين الولايات المتحدة.
وعلى أثر هذا التحول قررت بغداد في 21 نيسان وقف «حرب المدن»، بعد أن أطلقت صاروخين على قم.
إلاّ أن هذا لم يحل دون تكثيف الهجمات الجوية العراقية ضد أهداف نفطية إيرانية في الخليج، ولم تستطع إيران مجاراة العراق بسبب التواجد الأميركي المكثف في الخليج الذي بات عائقاً حقيقياً أمامها.
وفي 20 نيسان برز تهديد جدي باحتمال امتداد الحرب إلى الكويت، حيث تعرضت إلى سقوط صاروخ من طراز «سكود» لم يحدث أضراراً. واتهمت الكويت إيران وتقدمت بشكوى.
وفي خطوة لبذل مزيد من الضغط على إيران للقبول بالقرار 598، قررت السعودية في نيسان قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران ولاحظ المراقبون أن هذه الخطوة جاءت بعد معركة الفاو وبعد الاشتباك الأميركي ـ الإيراني.
وفي هذا السياق قرر الرئيس الأميركي رونالد ريغان توسيع الحماية الأميركية للسفن المدنية في الخليج لتشمل السفن المحايدة.
وفي 17 أيار شنت الطائرات العراقية إحدى أشد الهجمات على مصب النفط الإيراني في جزيرة لاراك التي تبعد 1200 كيلومتر عن العراق. وأصيبت في الهجوم 4 ناقلات رئيسية تستخدمها إيران.
وعزت إيران النجاح العراقي في الغارات إلى تشويش الولايات المتحدة على راداراتها.
ويقول الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن دون كير إن الهجمات العراقية على مراكز ضخ النفط والمصافي ومحطات الكهرباء الرئيسية في البلاد كان لها وقع مباشر على الشعب الإيراني. وأضاف «عندما تنطفئ الأنوار في طهران أو يتوقف الأرز عن الغليان وقت الغداء فإن الناس عندئذ تعرف الحرب».
ويضيف «أن معركة الفاو والحرب مع الأميركيين قلبتا استراتيجية إيران على صعيد اتباع حرب استنزاف».
تراجعات إيرانية جديدة
وتوالت التراجعات الإيرانية ففي 25 أيار استعاد العراق شلمجة وفي الوقت نفسه توالت التهديدات الأميركية ضد إيران، حيث قال رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال جورج كريست أن إيران على وشك إنجاز مواقع جديدة لصواريخ «سيلكوورم» في مضيق هرمز. وهو ما فسر آنذاك بأنه تهديد بشن غارات أميركية جوية على الصواريخ.
وبرغم كل ذلك بدت إيران مصممة على مواصلة الحرب حيث قال السيد الخامنئي في 27 أيار أنها ستستمر «حتى تحقيق النصر النهائي».
وفي الثاني من حزيران عين الإمام الخميني، الرئيس رفسنجاني قائداً عاماً للقوات الإيرانية بالوكالة، وكلفه تأمين التنسيق بين الجيش الإيراني والحرس الثوري. وبدا ذلك بمثابة جزء من محاولة إيرانية لوقف التدهور العسكري وضبط الموقف.
وبعد أسبوع من تولي القائد رفسنجاني منصبه الجديد شن الإيرانيون هجوماً لاستعادة السيطرة على شلجمة إلا أنهم فشلوا في ذلك.
واستعاد العراقيون مناطق كانت إيران قد سيطرت عليها في هجوم «بيت المقدس ـ 7» في شمالي العراق.
في 19 حزيران احتلت قوات المعارضة الإيرانية (مجاهدي خلق) مدينة مهران وفي 22 حزيران استعاد العراق أراضي جديدة في الشمال.
وفي 23 حزيران شن الطيران العراقي أعنف هجمات ضد أهداف عسكرية منذ هدنة حرب المدن وشملت الغارات الجوية عشرة أهداف نفطية في مختلف أنحاء إيران. وقالت بغداد أن هدف الهجمات «شل قدرة إيران على مواصلة الحرب بتقليل عائداتها النفطية».
وفي 26 حزيران أعلن العراق استعادة أهوار الحويزة وجزر مجنون الغنية بالنفط، وبذلك فقدت إيران إحدى أهم الأوراق التي تملكها.
وفي 30 حزيران استعاد العراق منطقة موات في الشمال وفي 10 تموز استعاد مرتفعات في بنجوين وفي 12 تموز استعاد الزبيدات وانسحبت إيران تلقائياً من حلبجة.
وفي 14 تموز أكمل العراق استعادة كل أراضيه ووصلت قواته إلى الحدود الدولية في مختلف أنحاء الجبهة، بانسحاب إيران من حاج عمران من دون قتال. ومع ذلك فقد استمر المسؤولون الإيرانيون بالإدلاء بتصريحات تؤكد عزمهم على مواصلة الحرب.
وقال رفسنجاني في اليوم نفسه أن قواته «انسحبت من أراض عراقية كانت تحتلها لإثبات أن العراق هو المعتدي في الحرب» وأضاف «أن النكسات التي منيت بها إيران في الآونة الأخيرة أظهرت أن أعداء إيران يقومون بمحاولة جادة لمنعها من كسب الحرب، وقامت إيران بناء على ذلك بتعديل استراتيجيتها».
إلا أن طبيعة التراجعات الإيرانية السريعة والمفاجئة أثارت انطباعاً بأن الحرب، أصبحت على وشك الانتهاء.
وساعد في هذا الشعور، الحادث المأساوي الذي تعرضت له طائرة ركاب إيرانية في الثالث من تموز، حيث أطلق عليها الطراد الأميركي «فنسين» صاروخ «أرض ـ جو» وأسقطها مما أدى إلى مقتل 300 راكب مدني. وبررت واشنطن ذلك بالقول أن قائد الطراد أسقط الطائرة بعد أن ظنها طائرة مقاتلة من طراز «أف ـ 14». لكن التحقيقات في ما بعد أظهرت أن الحادث كان متعمداً وكان يقصد منه إضعاف المعنويات الإيرانية إلى أقصى حد.
واعتبر خبراء إسقاط طائرة الركاب بمثابة تهديد لإيران بأن كافة أهدافها الاقتصادية والمدنية ـ إضافة إلى العسكرية عرضة للتدمير إذا واصلت إصرارها على عدم القبول بالقرار 598.
وبلغت الضغوط حد دخول القوات العراقية إلى الأراضي الإيرانية في منطقة الزبيدات واحتلال 4 آلاف كيلومتر مربع.
قبول القرار 598
وفي 14 تموز ألقى نائب الرئيس الأميركي جورج بوش كلمة بلاده أمام جلسة مجلس الأمن الدولي التي عقدت لبحث مسألة الطائرة، وكانت تلك أول مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة التي يتحدث أمامها نائب رئيس أميركي، وكانت تلك إشارة إلى الاهتمام الأميركي الكبير بضرورة إنهاء الحرب إذ قال بوش «أن إيران تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية في مأساة الطائرة… إن ضحايا الطائرة ليسوا سوى أحدث إصابات في حرب وحشية حمقاء آلاماً ومعاناة هائلة لشعبي إيران والعراق».
وبعد ذلك بأربعة أيام، في 18 تموز 1988م، أعلن القائد رفسنجاني في قرار مفاجئ قبول بلاده غير المشروط بالقرار «لقد اتخذت الجمهورية الإسلامية في النهاية قراراً مهماً وتاريخياً من شأنه ـ مع اتخاذ الإمام الخميني قرار قبول وقف إطلاق النار ـ فتح صفحة جديدة في تاريخنا».
ولم يوضح رفسنجاني أسباب القبول المفاجئ حيث قال «إن معظم العناصر التي أدت إلى القرار الإيراني أسرار عسكرية وسياسية لا يمكن الكشف عنها. إن هذا القرار اتخذ قطعاً بما يخدم الإسلام ولا تشوبه شائبة ضعف» وأضاف «إن إيران تعتبر أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي هما مصدر المتاعب لها في الحرب».
وبعد يومين أصدر الإمام الخميني بياناً أكد فيه قبول القرار 598 لكنه قال أن هذا القبول كان أهون لديه من «شرب السم». إلا أنه لمصلحة إيران «وليس تكتيكاً جديداً لاستمرار الحرب».
الحرب لم تنته
لكن الحرب لم تنته إذ رد العراق على البيان الإيراني في 18 تموز بالقول «إن البيان لا ينبع من رغبة صادقة في إقامة سلام حقيقي». وقال وزير الخارجية العراقي في اليوم التالي «من المنطقي حالياً اعتبار أن الحرب ستستمر حتى تتأكد لنا نوايا النظام الإيراني في ما يتعلق بتحقيق سلام دائم وشامل.
وفي 19 تموز شن الطيران غارات على مجمع للبتروكيماويات في بندر خميني وعلى محطة نووية لم يكتمل بناؤها في بوشهر. وأهداف أخرى في غربي إيران.
وهذا ما دقع إيران إلى الدعوة لأول مرة منذ العام 1982 إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي.
وفي 20 تموز طالبت بغداد بإجراء مفاوضات مباشرة كشرط لوقف إطلاق النار. وفي 22 تموز قبل خامنئي مبدأ المفاوضات المباشرة، شريطة أن تعقب وقف النار.
وفي الفترة ما بين 22 و26 تموز شن العراق هجوماً واسعاً في داخل الأراضي الإيرانية.
ووصل العراقيون في بعض المناطق إلى مسافة 170 كيلومتراً داخل الأراضي الإيرانية. واحتلوا مدن قصر شيرين وسربول ذهاب وسومر وجيلان غرب وإسلام أباد غرب وبلغت دهلران، أي أنها وصلت إلى مناطق لم تصلها في أي وقت منذ بدء الحرب.
وأدى هذا إلى خلق حالة من التعبئة في إيران، مكنت الإيرانيين من شن هجمات واسعة استعادوا فيها الغالبية العظمى من الأراضي التي سيطر عليها العراقيون. وبحدود 30 تموز كانت إيران قد أكملت هجومها، ولم يبق بيد العراق سوى بعض الجيوب في داخل الأراضي الإيرانية. كما نجحت القوات الإيرانية في تدمير البنية التحتية لقوات «مجاهدي خلق»، عبر تكبيدهم أكثر من أربعة آلاف إصابة.
وخشية عودة الموقف إلى وضع يصعب استيعابه تحركت موسكو.
وفي السادس من آب أعلن صدام حسين الموافقة على وقف النار وتخلى عن مطلبه عقد مفاوضات مباشرة قبل وقف إطلاق النار.
واستمرت المعارك على شكل مناوشات بسيطة حتى 20 آب الموعد الذي حدده الأمين العام للأمم المتحدة خافييه بيريز دي كويار لوقف الحرب.
انتهت الحرب في 20 آب، ولكن الصراع العراقي ـ الإيراني لم ينته إذ انتقل إلى طاولة المفاوضات ابتداء من 25 آب عندما بدأ الجانبان مفاوضات مباشرة تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة في جنيف.
ومنذ البداية صادفت هذه المفاوضات صعوبات كبيرة أبرزها هذا الاتفاق على الحدود الدولية، خصوصاً وأن العراق أصر على رفض اتفاقية الجزائر في حين أكدت إيران تمسكها بها، مما يعرقل تنفيذ البند الأول في القرار 598 الذي ينص على انسحاب قوات الجانبين إلى الحدود الدولية.
إلا أن هذا لم يمنع استمرار المفاوضات حتى 13 أيلول، واستئنافها في الثاني من تشرين الأول ثم وقفها في السابع منه لاستئنافها في الثاني من تشرين الثاني لتتوقف في الثامن منه بعد الاتفاق بين الجانبين على تبادل الأسرى والجرحى والمرضى.
إلا أن تبادل الأسرى والجرحى والمرضى (1569 أسيراً) الذي بدأ في 24 تشرين الثاني توقف في 27 تشرين الثاني بمبادرة من طهران التي اتهمت بغداد بعدم إطلاق 167 أسيراً كان يفترض إطلاقهم وبالرغم من أن البلدين لم ينجحا في حل أي من مشاكلهما العالقة، فإن وقف إطلاق النار استمر صامداً ـ مع بعض الخروقات التي لا تكاد تذكر.
نتيجة الحرب
كان توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية إعلاناً بهزيمة سياسية كبيرة للنظام العراقي ومغامراته الحربية الفاشلة. فالحرب، رغم تكاليفها الباهظة البشرية والمادية لكلا البلدين، لم تحقق شيئاً من أحلامه سوى العودة إلى حيث بدأ، وهي مسألة النزاع على شط العرب، وإصرار إيران على التمسك باتفاقية عام 1975م التي زعم النظام العراقي أنه يريد تعديلها عن طريق الحرب. هذه الحقيقية وغيرها، لم تمنع نظام صدام من ادعاء النصر ومطالبة العرب والعالم الاعتراف به كقوة إقليمية كبرى.
وعطلت الحرب قرابة المليون إنسان من قوى المجتمع العراقي المنتجة، أي ما يشكل نسبة الخمس، بينهم ربع مليون قتيل والبقية بين جرحى وأسرى ومعوقين. أما الدمار الاقتصادي، فقد كان شاملاً… إذ بلغ حجم الانفاق الحربي زهاء 130 بليون دولار، في حين تقدر تكاليف إعادة إعمار ما هدمته الحرب بأكثر من 60 بليون دولار. وبلغت ديون العراق عام 1988م 60 بليون دولار وربما أكثر. وفقد العراق جميع احتياطه النقدي والبالغ 30 بليون دولار عند بدء الحرب عام 1980م.
وفي مواجهة تلك المشاكل والآثار الناجمة عن الحرب، اتبع النظام العراقي نهجاً سياسياً شاذاً يتناقض ومصلحة البلاد وحاجتها للإستقرار ورغبة السكان تحسين أحوالهم المعاشية التي بدأت تتدهور مع نهاية الحرب بسبب توقف المساعدات الخارجية وإصرار النظام على الاحتفاظ بجيشه العملاق وصناعته العسكرية الضخمة. وكان النظام أمام خيارات صعبة، وبدلاً من إيجاد حلول عملية لمشاكله، اتجه صوب التأجيل وشن حروب أخرى، وإن بنطاق أضيق.
بعد شهور قليلة على وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية، بدأ حملته العسكرية لإنهاء الحركة الكردية والمعارضة العراقية المسلحة في كردستان العراق. اتبعها بسياسة تعسفية ضد الأكراد رافقها خطة تدمير القرى الكردية وعرفت بـ «سياسة الأرض المحروقة». أما حربه الثانية فاختار لبنان مسرحاً لها، ذلك من خلال دعمه الجنرال ميشال عون.
وكانت الأزمة الاقتصادية الأكبر للنظام العراقي بعد توقف الحرب وتخبطه في سياسة اقتصادية فاشلة زادت في تعقيد الأمور. وأضافت التصورات الدولية التي شهدها العالم عام 1989م إلى هموم النظام ومشاكله، هماً آخر ومشكلة مفزعة بكل ما تعنيه الكلمة. فقد أدى انهيار نظام الحزب الواحد في أوروبا الشرقية وتحولها إلى التعددية والعودة بها إلى اقتصاد السوق، ليوجه صفعة قوية للنظام السياسي في العراق الذي اعتمدها نموذجاً له. فبادر النظام، كعادته دائماً حملة دعائية هدفت إلى الحد من تأثيرات ما يجري، وأخذ بتقديم الوعود بإقامة نظام التعددية السياسية، وإطلاق حرية الصحافة، والتحضير لدستور جديد.
إن قصف النظام لمدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي في الفترة الأخيرة من الحرب العراقية ـ الإيرانية واستمراره في السعي للحصول على الأسلحة والتكنولوجية المتطورة من دون الانتباه إلى إشارات التحذير الكثير للتوقف عن مثل هذه المحاولات، أثار موجة استنكار عالمية واسعة. وأصبح النظام العراقي عرضة لانتقادات دولية جديدة لم يتعود عليها في السابق، خصوصاً وأن مصدرها بعض حلفاء الأمس، بسبب سجله السيئ في ما يتعلق بحقوق الإنسان واستمرار الإجراءات والقوانين الاستثنائية التي تقيد حريات الأفراد وتصادر حقوقهم الطبيعية والمدنية. وأثارت الصحافة وأجهزة الإعلام الغربية الأخرى حملة عشواء ضد العراق وبالغت كثيراً في تصوير قوته العسكرية، شجعها في ذلك سلوك النظام وتصرفاته واستخفافه بالرأي العام العالمي.
ومع تصاعد الحملة العالمية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، بدأ النظام يتراجع عن سياسة الاعتدال التي اتبعها خلال سنوات الحرب وتنامت أوهام زعامة العالم العربي. وشكلت هذه التراجعات خطوة جديدة في سياسة النظام وعوده إلى الديماغوجية القديمة والتطرف التي ميزت سياسته الأولى عندما جاء إلى الحكم عام 1968.
إن أوهام صدام وتفسيراته العشوائية للتاريخ تعكس إلى مدى بعيد، رد فعل حانق على هزيمة عسكرية وسياسية ساحقة فحربه ضد إيران لم توصله إلى أي من تطلعاته الكثيرة وحكمها هاجس الخوف غير المبرر من الثورة الإيرانية. وخلال الأعوام 1988م و1989م وحتى الثاني من آب (أغسطس) 1990م أظهر النظام العراقي مدى عجزه عن حل المشاكل المعقدة التي كان يعاني منها وفقدانه الديناميكية والمرونة في تقدير قوة نظامه ومواهبه في المناورة والتوريط يفسران تعنته وإصراره على معالجة المشاكل بعقلية اللامبالاة والتعالي اللتين سجنتاه في تناقضات هي من صنع يده.
قاسم محمد غا لي
الخلفية الاقتصادية
كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي دام أتونها عبثاً ثماني سنوات، الحدث الأعظم الذي هز المنطقة وأدخلها في دوامة اقتصادية أدت إلى غزو الكويت، إذ تمخضت تلك الحرب عن أوضاع جديدة في منطقة الخليج ذات تأثيرات اقتصادية وجيوبولتيكية كانت سبباً رئيسياً ومباشراً من الأسباب التي دفعت نظام الحكم في العراق لارتكاب مغامراته الغبية، كما أن الحرب خلقت أوضاعاً عسكرية خطيرة في المنطقة وعموم الشرق الأوسط، وأدت إلى جانب تأثيراتها الجيوبولتيكية، إلى اختلال توازن القوى الإقليمية وخلّفت وراءها آثاراً يفوق طاقاتها الاقتصادية، وأدت إلى استنزاف كبير للموارد امتد إلى المنطقة عموماً.
في أيلول (سبتمبر) 1980، حين أضرم صدام حسين نار الحرب على إيران، كانت للعراق فوائض مالية تزيد على 35 بليون دولار، تراكمت بما لا تستطيع الحكومة صرفه إثر هطول الأمطار البترودولارية الغزيرة بسبب إحداث «أوبك» في السبعينات، وكان دخل للعراق في سنة الحرب تلك أكثر من 26 بليون دولار أو ما يعادل 37 ضعفاً لدخله قبل عشر سنوات خلت (دخل العراق عام 1970 كان 700 مليون دولار).
بعد ثماني سنوات من الحرب خرج العراق مثقلاً بديون خارجية واجبة الخدمة قدرتها الحكومة العراقية نفسها بأكثر من 42 بليون دولار في نهاية عام 1990 عدا الفوائد، وذلك استناداً إلى مذكرة رسمية قدمتها الحكومة العراقية إلى الأمم المتحدة، هذا من دون الأخذ في الاعتبار الديون المستحقة للخليج والمساعدات العسكرية بما يقارب 35 بليون دولار أخرى، لا يعتبرها العراق ديوناً مستحقة عليه.
وإذا أخذنا في الاعتبار ما ورد إلى العراق خلال الفترة 1981 ـ 1988 من عوائد نفطية تقارب 80 بليون دولار، يكون العراق أنفق خلال حربه مع إيران أكثر من 190 بليون دولار، أو أربعة أضعاف معدل دخله القومي السنوي خلال سني الحرب، لم يشكل دخل النفط منها سوى 40 في المئة والمتبقي كان على شكل قروض من البنوك والشركات الأجنبية إلى جانب الهبات وقروض الخليج، إضافة إلى إنفاق فائض العراق المالي المتراكم قبل الحرب.
إن الجزء الأعظم من هذا النزيف الهائل لاقتصاد العراق كان لصالح مجهزي السلاح والعتاد والتكنولوجيا العسكرية. و حسب تقديرات الحكومة العراقية، زادت قيمة السلاح الذي تم استيراده واستعماله أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية على 102 بليون دولار. ومن ملاحظة هيكل الاستيرادات العراقية خلال سني الحرب، نجد أن معدل الاستيراد العسكري كان يتجاوز الثلثين بل بلغ 83 في المئة من مجموع الاستيراد لعام 1984، وإن نسبته إلى الدخل القومي كمعدل سنوي تجاوزت 50 في المئة، بل إنها وصلت إلى 66 في المئة عام 1981. إن هذا الانفاق العسكري شل الاقتصاد العراقي، وأدى إلى عسكرته إلى درجة زعزعت أسسه وأحدثت إفقاراً حقيقياً للبلد إلى جانب خلق اختلالات مزمنة في ميزان مدفوعاته الخارجية.
ولا عجب بعد ذلك أن يخرج العراق مثقلاً بهذه الديون الواجبة الخدمة بما يبتلع حوالي نصف دخل الحكومة النفطي لعام 1989 (تسديد 5 في المئة من أصل الدين مضافاً إليه الفوائد بنسبة 8 في المئة سنوياً). كما أن الدين نفسه يمثل 74 في المئة من الدخل القومي للعراق في السنة التي انتهت فيها الحرب.
إن هذه الأرقام المذهلة تعطي مؤشراً للعبء الكبير على الاقتصاد العراقي على رغم أنها لا تأخذ بنظر الاعتبار القروض والمساعدات التي قدمتها دول الخليج للعراق، والتي لو أضيفت إلى مديونية العراق الخارجية لبلغت نسبة ديون العراق الكلية 140 في المئة من دخله القومي في تلك السنة (1988).
إضافة إلى الإنفاق العسكري الباهظ بما يتعدى طاقة البلد الاقتصادية وحجم دخله القومي، اتبع النظام العراقي خلال السنوات الأولى للحرب سياسة اقتصادية حمقاء تحت شعار الحرب مع التنمية، مما لا وجود له في قواميس الاقتصاد السياسي، حيث أن دخول بلد صغير كالعراق في حرب طاحنة بهذا المعيار مع بلد يبلغ سكانه أربعة أضعاف سكان العراق وذي بعد جغرافي عميق، يتطلب تخطيطاً لاقتصاد حربي قائم على التقشف وتعطيل أولويات الصرف الحكومي لصالح تعزيز الماكنة العسكرية وكفاية الحاجات الأساسية للسكان. وخلال السنوات الثلاث الأولى للحرب (1980 ـ 1982) كان مجمل استيرادات العراق غير العسكرية 42 بليون دولار، أي بمعدل 14 بليون دولار سنوياً، مما يعادل أربعة أضعاف استيرادات البلد غير العسكرية لعام 1975، استهلكت 75 في المئة من واردات البلد النفطية خلال تلك السنوات. وكان ذلك يعني اللجوء إلى التجهيزات الأجنبية عن طريق الاقتراض من أجل إنفاق استهلاكي باهظ أو مشاريع لا ضرورة منها من الناحية الحربية أو الإنتاجية، بكلف عالية أضافت أعباء أخرى على ثقل الدين الخارجي للبلد من دون مبرر([2]).
وأدت الحرب مع إيران إلى إفقار العراق حين هبط دخله القومي الإجمالي بالقيمة الحقيقية (أسعار 1980) من حوالي 54 بليون دولار عام 1980 إلى 27 بليون دولار عام 1988، ولو أن دخله بالأسعار الجارية زاد قليلاً. وبذا خرج العراق من أتون الحرب باقتصاد يسير حثيثاً نحو انهيار محتم لا يوقفه إلا تدبير سليم وسياسة اقتصادية رشيدة وتبني سياسات خارجية دولية وإقليمية تساعده على لأم جروحه العميقة ولملمة الأنقاض التي خلفتها الحرب العابثة مع إيران.
غير أن مثل هذا التوجه العقلاني يخالف طبيعة النظام السياسي الذي وجد في ابتزاز الخليج الطريق الأسهل للخروج من أزمته الخانقة، حين تخيل بأن خروجه من الحرب منتصراً سياسياً تجعله يستحق «جائزة» من أهل الخليج ليجزوه أجر ما فعله لهم ـ على زعمه ـ «بحمايتهم من الخطر الفارسي» والدفاع عن «البوابة الشرقية» للعروبة، وغير ذلك من المقولات التي كانت تروج لها ماكنة الإعلام البعثية، والتي كانت تجد لها صدى تشجيعياً كبيراً لدى أهل الخليج أنفسهم، خاصة في الكويت، ممن توهم بأن الاقتتال الطاحن بين أكبر قوتين عسكريتين واقتصاديتين في المنطقة، إيران والعراق، من شأنه إضعافهما بالشكل الذي يهدئ من هاجسهم «الأمني». ومن المأساة أن الكويت كانت من بين من دفعوا الثمن الباهظ لترويج هذا الوهم من خلال الإعلام.
وثمة عامل آخر مهم يشكل جزءاً من الخلفية الاقتصادية لغزو الكويت هو الوضع المالي لمنطقة الخليج الذي نجم عن سياسات «أوبك» غير الاقتصادية التي دفعت بأسعار النفط إلى مستويات عالية غير مسموح بها قبلاً درت على المنطقة أموالاً خيالية كانت لعبت دوراً في المناخ الاقتصادي السائد قبل الحرب العراقية ـ الإيرانية مما له صلة بالموضوع وذلك عندما وصل دخل الأقطار الخليجية العربية الأعضاء في «أوبك» (عدا العراق) في عام 1980 إلى 145 بليون دولار الأمر الذي ساعدها على تقديم دعم مالي كبير جداً للماكنة الحربية العراقية ضد إيران، مما كان عاملاً مهماً في تأجيج نار الحرب وتطويل أمدها.
غير أنه ما أن وضعت الحرب أوزارها عام 1988 حتى بدأت أقطار الخليج تدفع ثمن السياسات الخاطئة التي انتهجتها «أوبك» بالنظر إلى سياسة الأسعار العالية جداً للنفط انتهت بهبوط الطلب على نفط الخليج بصورة خاصة، وانخفض إنتاج أقطار الخليج العربية (عدا العراق) عام 1985 إلى أقل من 5,5 مليون برميل عام 1980.
وكان هبوط الطلب على نفط «أوبك» حتمياً لأن الأسعار العالية جداً أدت إلى انخفاض استهلاك النفط عموماً في الأقطار المستهلكة بسبب ارتفاع كلفة النفط المستورد مما أدى إلى إجراءات ما يسمى بالحفاظ على الطاقة في الاقطار المستهلكة وتحولها جزئيا الى مصادر الطاقة البديلة كالغاز الطبيعي والفحم الحجري. والأهم من ذلك أن أسعار النفط العالية أدت إلى تشجيع الاستثمارات النفطية من خارج «أوبك»، لأنها حسنت اقتصاديات إنتاج النفط في المناطق العالية الكلفة، كبحر الشمال، بحيث وصل إنتاج النفط من خارج «أوبك» (وخارج الكتلة الاشتراكية) عام 1985 إلى 28,6 مليون برميل يومياً بعد أن كان 21,6 مليون برميل يومياً عام 1978 .
وجاءت هذه الزيادات على حساب حصة «أوبك» في السوق الدولية بسبب السياسات السعرية الخاطئة التي اتبعتها «أوبك» بتبني نظام السعر الثابت للنفط الخام ما كان يحتم على «أوبك» عدم بيع نفوطها بأقل منه في الوقت الذي كانت الأقطار المنتجة الأخرى تتبع سياسات سعرية تنافسية جعلت نفوطها أقل كلفة على المستهلك من نفوط «أوبك» الأمر الذي أعطى أفضلية تسويقه لنفوط خارج «أوبك» إلا لسد حاجاتهم المتبقية من النفط بعد استنفاد النفوط الأخرى.
وهكذا هبط إنتاج «أوبك» في عام 1985 إلى نصف ما كان عليه عام 1979، وهبط إنتاج الخليج إلى أقل من 40 في المئة من مستواه عام 1979. ومما ساعد على زيادة إنتاج النفط في أثر تأميم الشركات من خلال التشريع، أو من خلال الاتفاق معها. مما وفر للشركات الي كانت تعمل في الخليج الحافز لاستثمار أموالها وقدراتها التقنية خارج الخليج بعد أن لم يعد لديها أية مصلحة في تطوير إنتاج هذه المنطقة وتوسيع أسواقها.
وبوضع كهذا لم تعد «أوبك» قادرة على الحفاظ على السعر العالمي، الأمر الذي انتهى بانهيار الأسعار عام 1986، وبذلك تكون أقطار الخليج خسرت جزءاً مهماً من دخلها بسبب انهيار الأسعار وانخفاض الطلب على نفوطها، الأمر الذي أدى إلى هبوط كبير في مدخولاتها النفطية إلى 32,7 بليون دولار عام 1986 (أقطار الخليج العربية عدا العراق) في مقابل 145 بليون دولار عام 1980.
إن هذا الوضع المالي الجديد جعل دول الخليج أقل قدرة على تمويل العراق ومساعدته في تسديد ديونه كما كان يريد، وبالتالي أصبح أقل انصياعاً مما لعب دوراً مهماً في قرار الغزو.
وكانت قضية النفط لعبت دوراً في صنع ذلك القرار أو اتخذت غطاء له من قبل حكومة صدام حسين التي أرجعت انخفاض أسعار النفط في السوق، وبالتالي انخفاض دخل الحكومة بحوالي 20 في المئة تحت ظل الظروف العصيبة بعد الحرب مع إيران، إلى سياسة الكويت والإمارات في زيادة الإنتاج بأكثر من حصتها «أوبك». وكانت المقولة العراقية بالاتهام تعكس جانباً واحداً من الحقيقة ليس كلها، لأن الكويت كانت تنتج فعلاً أكثر من حصتها بحوالي 30 في المئة. غير أن الجانب الآخر من الحقيقة في تفسير انخفاض الأسعار في صيف 1990 انخفض بمقدار مليون برميل على السقف الإنتاجي لـ «أوبك» لأسباب موسمية وأخرى تتعلق بمستويات الخزين النفطي في الأقطار المستهلكة، وكانت أسعار النفط ستهبط ولو بدرجة أقل، حتى لو التزمت الكويت حصتها الإنتاجية.
وبعبارة أخرى لم تكن الكويت وحدها السبب في انخفاض الأسعار إنما كانت تتحمل جزءاً من المسؤولية، لأن إنتاج «أوبك» العام في تلك الفترة كان يزيد على الطلب على نفط «أوبك» بحوالي مليونين ونصف المليون البرميل، وكانت حصة الكويت من الزيادة نصف مليون وحصة الإمارات مليون برميل. وحدث ذلك في وقت كان العراق بلغ طاقاته الإنتاجية القصوى ولم يكن قادراً على زيادة إنتاجه لتعويضه من خسارة الدخل التي سببها انخفاض الأسعار. وكانت هذه القضية من القضايا المحورية التي لعبت دوراً كبيراً في عملية الغزو، والتي لخصها صدام بقوله «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق».
الدمار الاقتصادي
استهدفت حرب الخليج منذ بدئها في الشهر الأول من 1991 تحطيم البنية التحتية للاقتصاد العراقي من خلال القصف الجوي المكثف عندما بلغ عدد الطلعات الجوية على بغداد والمدن الرئيسية في العراق ما ينوف على مئة ألف طلعة ألقيت فيها من الذخيرة ما يعادل 88 ألف طن.
وكان الهدف من هذه الاستراتيجية شل القدرة العراقية على الحرب بتحطيم القطاعات الأساسية التي لا يمكن مواصلة أي حرب من دونها، كتدمير نظام توليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط والوحدات الصناعية الرئيسية ونظام معالجة المياه وتحطيم الطرق والجسور ووسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية وغيرها، إضافة إلى المنشآت العسكرية والسلاح الجوي… الخ. وكان حجم التدمير يفوق من بعيد جميع التصورات، الأمر الذي حدا بفريق الأمم المتحدة، الذي زار العراق في أثر انتهاء الحرب مباشرة، إلى الاستنتاج أن شدة القصف أرجعت العراق إلى فترة ما قبل التصنيع لبلد كان قطع مراحل مهمة في التصنيع.
وتختلف تقديرات قيمة الضرر الاقتصادي والقيمة الاستبدالية للمنشآت التحتية العراقية المدمرة. وكان التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1992([3]) أعطى تقديراً لتلك القيمة بما يقارب 232 بليون دولار، أو ما يعادل 260 في المئة من الدخل القومي العراقي لعام 1989 البالغ 64 بليون دولار.
وكان أول رئيس وزراء في العراق لفترة ما بعد الحرب صرح بأن قيمة التدمير تصل إلى 200 بليون دولار وهو غير بعيد عن تقديرات صندوق النقد العربي في تقديره الموحد. غير أن تقديرات الحكومة لقيمة الضرر بدأت تتراجع بسرعة بحيث أن التقديرات الرسمية الحكومية المقدمة إلى الأمم المتحدة تحدثت عن قيمة الاستثمارات اللازمة للسنوات الخمس اللاحقة للحرب من أجل إعادة تأهيل المنشآت المهدمة بما لا يتجاوز 6,5 بليون دولار. وبديهي أن ذلك لا يعني تقديراً لقيمة المنشآت المدمرة، إنما المبالغ الضرورية اللازمة للصرف خلال تلك السنوات من أجل إعادة تأهيل البنية التحتية للاقتصاد العراقي فقط. وهذا المبلغ يمثل 80 في المئة من القيمة الكلية بما يجب دفعه بالعملة الأجنبية لقاء استيراد المواد اللازمة لإعادة التأهيل. والتقرير نفسه يؤكد بأن المبلغ لا يشمل الدمار العسكري والصناعات العسكرية والنووية والصناعات العائدة للقطاع الخاص أو المنشآت الواقعة في مناطق معينة في العراق([4]).
ويبدو أن التقليل من خطورة الدمار الذي حل بالبنية التحتية العراقية يعكس حرص الحكومة على التخفيف من هول الصدمة وجسامة التدمير للبنية التحتية العراقية خدمة لأغراض سياسية داخلية وللإيحاء بأن الكلفة التي دفعها العراق بإصراره على عدم الانسحاب من الكويت لم تكن بتلك الضخامة. غير أن جزءاً من هذا التراجع يعكس جانباً حقيقياً لمدى الجهد الكبير الذي قام به المهندسون والفنيون العراقيون في إصلاح التدمير ما فاق جميع التصورات. وتم على رغم الافتقار إلى الأدوات الاحتياطية والعمل في ظروف قاسية.
ومن الأمثلة العديدة لذلك التقديرات الخارجية لكلفة إرجاع نظام توليد القوة الكهربائية إلى سابق عهده التي وصلت لدى البعض إلى 20 بليون دولار مع مدة لا تقل عن خمس سنوات (تقدير الأمم المتحدة المنشور في MEES 1992)، بينما لم يستغرق إرجاع الجزء الأساس من قوة توليد القوة الكهربائية سوى أقل من سنة من دون استيراد الأجهزة الاستبدالية، والشيء نفسه حدث بالنسبة لمعامل تكرير النفط في البصرة وبغداد وإصلاح نظام دورة المياه والجسور والطرق… الخ.
وصحيح أن ذلك تم على حساب استعمال أجهزة ومعدات وأدوات لمراكز صناعية وتشغيلية أصبحت بحكم المعطلة لاعتبارات تتعلق بالأسبقية التي أعطتها الحكومة لمشاريع الإصلاح، خاصة في العاصمة، إلا أن إنجاز الفنيين العراقيين كان مهماً. غير أن ذلك لا يعني إعطاء مصداقية للتقديرات المنخفضة للحكومة التي كانت تخدم أغراضاً سياسية، إذ أن حجم الضرر كان جسيماً. ففي قطاع إنتاج النفط الخام وحده، قدرت الاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل المنشآت الإنتاجية ومحطات عزل الغاز وخطوط أنابيب النقل وخزانات التصدير ومنشآته التي حطمها القصف الجوي، بما لا يقل عن خمسة بلايين دولار لا بد من صرفها لمجرد إعادة تأهيل القدرة الإنتاجية والتصديرية العراقية.
لذلك فإن هذه الاستثمارات وإن لم تكن بالحجم الذي قدره تقرير الصندوق العربي إلا أنها باهظة وتتجاوز كثيراً الأرقام المضللة التي أعطتها الحكومة العراقية للتقليل من الثمن الذي دفعه الاقتصاد العراقي من جراء القصف الجوي والتدمير الذي طال منشآت كبيرة لا علاقة لها بالمجهود الحربي، ما يوحي بأن الاعتبارات العسكرية لتحرير الكويت وإخراج الجيش العراقي منها لم تكن الوحيدة التي دفعت إلى هذا التدمير الذي سيعاني منه العراق سنوات طويلة.
ومهما كانت التقديرات للقيمة الاستبدالية للبنية التحتية العراقية التي حطمتها الحرب، فما يهمنا في ناحية النتائج الاقتصادية ومستقبل العراق الاقتصادي ليس تلك القيمة نفسها، إنما الاستثمارات اللازمة لإرجاع القدرة التشغيلية للمنشآت التي حطمتها الحرب والتي ستكون فقرة مهمة في تقرير مستقبل العراق السياسي.
وعند النظر في آفاق الاقتصاد العراقي للسنوات العشر التي ستلي رفع الحظر الاقتصادي، فإن مثل هذه الكلفة ستكون ثقيلة في السنوات الأولى (عكس ما صورته الحكومة في تقريرها المذكور) لتتجاوز خمسة بلايين دولار سنوياً، حسب الأسبقيات التي تعطيها الحكومة لهذا المال. لذلك فهذا البحث أعطى تقديرات تتجاوز تلك التي أعطتها الحكومة، لكنها تقل عن تقديرات صندوق النقد العربي، وبالتأكيد تقل على معدل الإنفاق الضروري لتأهيل واستمرار القدرة التشغيلية للمنشآت والاستثمارات الأساسية لإعادة بناء البنية التحتية المهدمة.
الدكتور فاضل الجلبي
حرب لبنان
صيف 1982
دراسة عسكرية صهيونية
هذه مقاطع من دراسة عسكرية ـ سياسية صهيونية حول حرب لبنان تتضمن معلومات دقيقة حول تشكيل مختلف القوى العسكرية في المعركة وحول سير العمليات.. وهي معلومات «لم يسبق تداولها خارج إطار الحلقات المغلقة والضيقة لقيادات الأركان» (على حد ما ورد في مقدمة الدراسة).
وقد نشرت الدراسة في كتاب خاص صدر في باريس مزيناً بصور ملونة كبيرة لأحدث أنواع الأسلحة التي استعملت في الحرب وخصوصاً طائرات ف ـ 16 ودبابات ميركافا والطائرات المروحية الهجومية، كوبرا وصواريخ دراغون وغيرها..
والدراسة في الأصل عبارة عن كتاب كبير الحجم، قمنا هنا بترجمة أبرز ما فيه مع لفت الانتباه إلى أن هذه الدراسة صهيونية بالأساس ولذا فإن وجهات نظرها وتقويماتها حول أطراف النزاع هي صهيونية حتماً.. كما نلفت الانتباه إلى أننا تركنا النص كما هو دون أية تعليقات أو إشارات توضيحية لإدراكنا بأن القارئ العربي المثقف سيميز الغث من السمين والنافع من الضار:
1 ـ الجغرافيا والتاريخ العسكري
(أ ) الجغرافيا :
يمكن تقسيم مسرح العلميات في لبنان إلى ثلاث مناطق مختلفة، المنطقة الأولى هي المسماة جنوب لبنان وهي المحاذية لـ «إسرائيل» وفيها تنتشر قوات الأمم المتحدة وميليشيات «حداد»، وهي امتداد للتلال المنخفضة الصحراوية والكثيرة الحصى للجليل «الإسرائيلي». إن السمات المميزة للمنطقة وهي القمم ومجاري الأنهار، تنتشر من الشرق إلى الغرب، أما الطرقات المعبدة التي تقود نحو الشمال فهي نادرة وأغلبية محاور الطرقات الفرعية تسير من الشرق إلى الغرب لتلتقي مع الطريق الساحلي الذي يذهب من الناقورة جنوباً باتجاه بيروت.
هذه المنطقة يقطعها في الوسط نهر الليطاني، وهو ينبع من سهل البقاع شرقاً، ويسير أولاً باتجاه الجنوب قبل أن يتحول قبل بضع كيلومترات شرق المطلة (الحدود الإسرائيلية) بزاوية قائمة باتجاه البحر المتوسط وذلك عبر خانق.. ومن المطلة وحتى مصبه في صور يشكل الليطاني حاجزاً يصعب اجتيازه على امتداد طوله.
وبمحاذاة البحر هناك منطقة ثانية ذات خصوصية هي منطقة السهل الساحلي. وعرضها يتراوح باستمرار، فيصل أحياناً إلى مجرد شاطئ بسيط حين تلتقي التلال الصخرية الهابطة نحو الساحل بالشاطئ مثلما هو الأمر شرقي الناقورة… ويتسع أحياناً أخرى بصورة كبيرة عند كل مصب لمجرى مائي كما في صور، ثم يضيق مجدداً. وفي الأماكن العريضة الاتساع والمنبسطة من السهل الساحلي فإن أشجار البرتقال والموز تعيق التحركات خارج الطرقات، مما يعطي لرجال العصابات أغطية وسواتر رائعة لنصب الكمائن.
وإلى الشرق من السهل الساحلي تمتد المنطقة الثالثة. التلال المغطاة بأشجار الزيتون توصل إلى هضبة جبلية قاسية جداً يصل ارتفاعها أحياناً إلى 2000 متر هذه الجبال وهي جزء من سلسلة جبال لبنان، تهبط بعنف لتطل على سهل واسع هو سهل البقاع الذي يشكل امتداداً لسهل وادي الأردن.. هذا السهل يحدّه شرقاً جبال حرمون والسلسلة الشرقية لجبال لبنان وهي تصل إلى حوالي 3000 متر. ودمشق عاصمة سوريا توجد على الجبهة الأخرى من هذه الجبال. وهناك طريق وسكة حديد غير مستعملة، هي طرق المواصلات الوحيدة التي تصل بيروت بدمشق. وفي المناطق الجبلية فإن الطرقات الضيقة تتبع قاع الوديان أو تتعرج كالأفعى عبر منحدرات حادة كالسكين، وهي دائماً مجللة بالقمم الصخرية، مما جعل من الاستخدام الحربي لهذه الطرقات أمراً في غاية المجازفة والخطورة.
وبصورة عامة فإن جغرافية لبنان تعقّد العمليات الهجومية. فالقمم والقرى المعلقة بالجبال، تشكل مواقع دفاعية رائعة مع مدى نظر منبسط وفسيح. أما السهل الساحلي، وقراه بطرقاتها الضيقة، وتجمعاته السكنية بأبنيتها العالية، فهي تجعل قتال الشوارع في غاية الصعوبة.
(ب ) التاريخ العسكري:
منذ مطلع هذا القرن عرف لبنان ثلاث حروب. في أكتوبر 1918م قامت الفرقة البريطانية السابعة، وهي تدفع بالأتراك نحو الشمال، باحتلال بيروت بعد تقدم على طول السهل الساحلي، في حين كانت قوة من الخيالة تهبط من دمشق، التي جرى احتلالها قبل ذلك بقليل، باتجاه سهل البقاع لكي تتصل بالفرقة السابعة على طريق بيروت ـ دمشق.
غير أن الغزو البريطاني للبنان له أهمية أكثر راهنية ومباشرة بسبب تشابهه إلى حد ما مع معارك صيف 1982م، وهذا الغزو تم لانتزاع لبنان من أيدي قوات «الجيش الفرنسي للشرق» وبدأ في 7 حزيران 1941. (المقصود قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية للنازيين في الحرب العالمية الثانية ـ المترجم).
قامت الفرقة الاسترالية السابعة بالهجوم على امتداد السهل الساحلي، وكذلك على المحور الأوسط عبر الجبال وفي سهل البقاع، تدعمها وحدة آلية تتشكل من الـ «سكوت غرايز» والـ «سترافوردشاير» والـ «شيشايرياوماندي».
وفي نفس الوقت كان الأسطول البريطاني يدعم بالنيران تقدم القوات على خط الساحل في حين كانت الفرقة الاسكتلندية الحادية عشرة تقوم بإنزال عند مصب الليطاني للإلتفاف على المواقع الدفاعية الفرنسية على امتداد نهر الليطاني واحتلال جسر القاسمية سليماً. دامت حملة سوريا ولبنان عام 1941م خمسة أسابيع وشهدت معارك عنيفة في الجبال.
بعد 35 سنة على هذه الحرب، تدخل الجيش السوري في لبنان عام 1976م ضد منظمة التحرير الفلسطينية عند نهاية الحرب الأهلية. جاءت القوات السورية من الشمال والشرق وتدفقت باتجاه بيروت. وأدت المعارك على امتداد الطرقات الضيقة والمتعرجة في الجبال، ومعارك الشوارع في المدن والقرى، إلى وقوع خسائر فادحة في الرجال والعتاد.
كل هذه التفاصيل التاريخية كانت حاضرة في أذهان المسؤولين المكلفين بإعداد عملية «سلامة الجليل». فالتقدم في مواجهة قوات عصابات فلسطينية متحصنة قد يكون بطيئاً ومكلفاً. وكانت قد جرت محاولة سابقة في آذار ـ مارس 1978م وشهدت قيام الطوابير المصفحة الإسرائيلية بدفع المقاتلين الفلسطينيين نحو الشمال وراء نهر الليطاني.
في الحقيقة قام الفلسطينيون بالانكفاء دون خسائر تذكر أمام المحدلة الإسرائيلية وتجمعوا في المدن والقرى الساحلية. وبما أن الإسرائيليين لم يتجاوزوا خط الليطاني فقد انتهت هذه العملية بضربة سيف في الماء. لم تجد المحدلة أمامها شيئاً للسحق. والأسوأ من ذلك، أن المقاومة الفلسطينية وقد شجعها هذا الفشل الإسرائيلي، ورغم وجود أكثر من سبعة آلاف جندي من القبعات الزرق، أعادت التمركز في جنوب لبنان بشكل أكثر صلابة من قبل، مع عتاد عسكري ثقيل قدمته لها سوريا. ولكنها كانت تصطدم باستمرار مع ميليشيات سعد حداد الموجودة في منطقة الحزام الأمني على الحدود مع إسرائيل. وفي مطلع عام 1981م ضاعفت المدفعية الثقيلة الفلسطينية من ضغطها على منطقة الشمال الإسرائيلي. وكانت مدافعها السوفياتية وبالأخص الـ 130 ملم م ـ 46 تستطيع أن تصيب كل القرى الإسرائيلية الحدودية ومن مواقع موجودة شمال الليطاني ومنطقة القوات الدولية، وذلك بفضل مداها الذي يصل إلى حوالي ثلاثين كيلومتراً والإسرائيليون لم يتقبلوا أبداً أن يكون بمقدور الفلسطينيين أن يقصفوا أراضيهم دون رادع أو خوف. ولذا كان من المؤكد والحتمي أن عملاً عسكرياً إسرائيلياً واسع الناطق لم يعد في تلك الظروف سوى مسألة وقت.
2 ـ عملية «سلامة الجليل»
ـ هدف عملية سلامة الجليل «إبعاد مدفعية الإرهابيين جنوب لبنان عن إصابة المستعمرات الزراعية في الجليل».
ـ منظمة التحرير استغلت اتفاقية وقف إطلاق النار في 24 تموز 1981م لتعزيز مواقعها في جنوب لبنان والقيام باعتداءات ضد منطقة الحزام الأمني وكذلك ضد الأراضي الإسرائيلية.
منذ 25 تموز 1981 قتل 25 إسرائيلياً وجُرح 270 خلال 170 عملية فلسطينية.
بعد اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن قام الطيران بضرب مؤسسات للمنظمة في بيروت. ردت المنظمة بقصف استمر 24 ساعة واستعملت أكثر من 30 حاجز مدفعية وأصابت 23 قرية ومستوطنة منها نهاريا وكريات شمونة. وانهمرت أكثر من 500 قذيفة صاروخية كاتيوشا على المنطقة الحدودية.
ميدان المعركة
لبنان يتشكل من سلسلتي جبال غربية جنوب بيروت وتصل إلى 246 متراً، وشرقية تصل إلى 2814 عند قمة حرمون. والجنوب اللبناني ينقسم إلى 4 مناطق متوازية تذهب من الشمال إلى الجنوب وهي: السهل الساحلي ـ السلسلة الغربية ـ سهل البقاع ـ السلسلة الشرقية وقممها ترسم الحدود مع سوريا.
وبالنتيجة فإن عملية عسكرية شاملة كانت أمراً صعباً لصعوبة التنسيق.
ـ فالمعارك في المنطقة الجبلية تعترضها صعوبات قد تعوق أو تحد من فعالية الجيش الإسرائيلي: أفضلية تكتيكية للمدافع وليس للمهاجم، صعوبة نشر القوات والأسلحة الثقيلة والمعدات، عوائق أمام حركة الدبابات والآليات المجنزرة.
ـ أما السهل الساحلي فهو مكان مناسب للدفاع من خلال التلال والقمم المشرفة على الشطآن وبمسافات متفاوتة القرب والبعد من بضع مئات الأمتار إلى عدة كيلو مترات، وذلك دون ذكر «نقاط الاختناق» مثل الممر الضيق عند رأس البياضة حيث تنحدر الأجراف نحو البحر. يضاف إلى ذلك أن المدن مثل صور وصيدا أو الدامور تشكل عوائق فعالة من حيث امتداد التجمعات السكانية بين البحر والتلال مما يؤدي إلى صعوبة منع الالتفاف حولها.
ـ وبالإمكان أو أنه من السهل تغطية سهل البقاع بالنار من المنحدرات الجبلية التي تحده شرقاً وغرباً وهي منحدرات تشكل مواقع دفاعية رائعة بفضل كثرة القرى المحصنة والجلول الزراعية المغطاة بالعشب مما يشكل احتياطاً ضخماً من المخابئ.
ـ ويشكل نهر الليطاني حاجزاً يعيق أي تقدم شرق ـ غرب في البقاع، وأي تقدم نحو الشمال عبر منطقة مرجعيون ـ صور. إن اجتياز النهر يتطلب احتلال الجسور القليلة دون خسائر أو استعمال معدات سلاح الهندسة بصورة فعالة وسريعة.
ـ وغير بعيد عن «كوع» الليطاني، تقف قلعة الشقيف الصليبية وهي بارتفاع 717 متر، وتسيطر على كل المداخل القادمة من إسرائيل وعلى كل جنوب سهل البقاع.
3 ـ توزيع القوات الفلسطينية جنوب لبنان
15 ألف مقاتل ـ موزعين كالتالي:
1 ـ المنحدرات الغربية لجبال حرمون (الشيخ) ـ فتح لاند: 1500 مقاتل مع 45 قطعة مدفعية عيار 57 إلى 130 و155 ملم وهاونات 160 وكاتيوشا ذات الأربعين صاروخ 122 ملم، ودبابات وأسلحة مضادة للطائرات.
2 ـ منطقة النبطية، حوالي 1000 مقاتل ونفس التسليح تقريباً. ودبابات ت 34 ومجنزرات وآليات. هذه المنطقة تشمل أرنون وطريق كفرتبنيت النبطية.
3 ـ العيشية ـ الريحان: موقع دفاعي هدفه الالتفاف المحتمل من الشمال الشرقي حول النبطية من خلال هجوم إسرائيلي في البقاع، وفي نفس الوقت حماية الجنب الغربي من البقاع، بمواجهة دفاعات منطمة «فتح لاند» المتمركزة في حاصبيا.
4 ـ منطقة صور: 1500 مقاتل لمنع أي تقدم على طريق الساحل ومنع الانزال البحري. وفيها قواعد خلفية لوجستية ومراكز قيادة ومعسكرات تدريب وانطلاق العمليات نحو إسرائيل.
5 ـ منطقة قانا: كتيبة في منطقة قانا ـ جويا ـ دير عامص لحماية مداخل قطاع صور من تقدم يأتي من الجليل الأوسط على محور بنت جبيل ـ تبنين .الانتشار في التلال.
6 ـ صيدا: لواء (ما يعادل قوة لواء) ومراكز خلفية وقيادة العمليات.
7 ـ شمال السهل الساحلي: بين الدامور وبيروت: امتداد للعاصمة ـ قيادات المنظمات ـ المراكز الإدارية ـ مراكز تعبئة وتدريب.
وهذه تشمل جنوب العاصمة أيضاً بمخيماتها ومعسكراتها.. عدد القوات يفوق 6 آلاف. ومثل صور فإن القوة المقاتلة من هذا العدد هدفها تأمين حماية القطاع بالاعتماد على المناطق السكنية المدنية.
عاملان من عوامل انتشار القوات الفلسطينية كانا يعقدان مهمة الجيش الإسرائيلي:
1 ـ وجود غالبية أو كل البنية التحتية العسكرية (مراكز قيادة) ـ (مستودعات ـ مواقع عسكرية ـ دفاعات) وسط التجمعات السكنية.
2 ـ وجود عدد كبير من القوات وسط المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري.
الحرب يوماً بيوم
وأبرز ما في هذا القسم:
القوات الإسرائيلية: نظراً للمعطيات الجغرافية قامت القيادة الإسرائيلية بتشكيل 3 وحدات تكتيكية تضم كل منها الدبابات والمشاة الآلية والمدفعية ومجموعات الاسناد.
القوة الغربية ومهمتها العمل على طول السهل الساحلي (قطاع الساحل).
القوة الوسطى ومهمتها العمل وسط سلسلة جبال لبنان (قطاع أوسط).
القوة الشرقية ومهمتها العمل في سهل البقاع وقمم حرمون (قطاع شرقي).
ـ وكان التوجيه الرئيسي لعملية سلامة الجليل تجنب الخسائر وذلك: بالتقدم الصاعق المفاجئ في العمق والالتفاف حول جيوب المقاومة لكي يتم تصفيتها فيما بعد. وذلك للسماح لرؤوس الطوابير المتقدمة بقطع القوات المقاتلة الفلسطينية عن قواعدها الخلفية اللبنانية والسورية وذلك بأسرع ما يمكن.
* اليوم الأول:
ـ على السهل الساحلي كان التقدم البري متزامناً مع إنزالات متتالية للقوات من البحر للتغطية البشرية الكثيفة على جيوب المقاومة المحتملة..
أما في القطاع الأوسط للعملية فإن نجاحها كان يعتمد إلى حد كبير على الاحتلال السريع لمرتفعات أرنون والنبطية الاستراتيجية إذ انطلاقاً من هناك يصبح بالإمكان السيطرة على محور جزين ـ عين دارا عند سفوح الباروك وهذا يعني:
ـ شطر القوات المعادية إلى شطرين معزولين من الوسط.
ـ تهديد جنب وحتى مؤخرة القوات السورية في البقاع.
ـ قطع طريق بيروت ـ شتورة ـ دمشق عند نهاية الصخور.
وعزل القوات السورية الموجودة في العاصمة عن بقية جيشها.
ومن النبطية يصبح بالإمكان مهاجمة قلعة الشقيف من الخلف ـ إن احتلال هذه القلعة الصليبية المشرفة على مرتفعات أرنون هو مفتاح كل تقدم في هذا القطاع. ومن النبطية بالإمكان إرسال طابور عبر التلال نحو الشمال الغربي والبحر يتدفق على الساحل شمال مصب الزهراني أي إلى صيدا ليلتقي بالطوابير المتقدمة على امتداد الساحل.
أما في القطاع الشرقي فالحل الوحيد هو الاختراق وسط البقاع والتقدم نحو محور راشيا.
الهجوم في القطاع الساحلي ابتدأ يوم السبت 6 حزيران بهجوم مشترك بري وبحري. طابور دبابات تقدم على الطريق الساحلي نحو صور من الجنوب وفي نفس الوقت جرت عملية إنزال برمائية عند مصب الليطاني وقامت هذه القوات بالتقدم نحو المدينة من جهة الشمال.. وعند المساء كانت مواقع قليلة ـ رأس العين ـ الرشيدية ـ البرغلية إما ساقطة وإما محاصرة وفي الليل كانت صور محاصرة. وجرى تأجيل الهجوم النهائي إلى الغد لتجنب خسائر المعركة الليلية.
وجرت إقامة رأس جسر آخر بإنزال برمائي عند مصب الزهراني ومنه كان بإمكان القوات إما النزول جنوباً إلى صور في حالة الضرورة لتدعيم الهجوم هناك وإما التقدم شمالاً نحو صيدا إذا كانت معارك صور قصيرة الأجل.
أما في القطاع الأوسط فبعد السيطرة على جسر مزرعة فرون شمال تبنين تمركزت المجموعة التكتيكية الوسطى في قطاع النبطية. قوى منها تقدمت لاحتلال الشقيف التي سقطت في منتصف الليل. وقوى أخرى تقدمت غرباً نحو الدوير والكفور. وقوة ثالثة تقدمت نحو الشمال على الطريق الجبلية وواجهت مقاومة عنيفة، واستدارت حول القوات الفلسطينية في العيشية ووصلت قرية عرب صاليم.
في القطاع الشرقي انطلقت القوة المطلة عبر فتح لاند. وإلى الشرق من مرجعيون تقدمت عبر التلال المتعرجة والمضائق.. وكانت الدبابات والآليات الصغيرة ووحدات المشاة تتناوب الدعم والاسناد للقيام بمناورات ناجحة للتقدم سريعاً حتى خط الدفاع الطبيعي: كوكبا ـ حاصبيا.
* اليوم الثاني الأحد 7 حزيران:
ـ إنزال بحري عند الأولي ـ مدخل صيدا الشمالي.
ـ تطويق صور ثم التقدم البطيء داخل المدينة.
ـ التقاء الطوابير المتقدمة من الجنوب والشمال مع الطوابير القادمة من مزرعة فرون والمتوجهة نحو صيدا عبر التلال المحيطة بالدوير.
ـ تدعيم المواقع في النبطية ثم قوة جديدة طازجة تتقدم نحو الشمال باتجاه جباع والمواقع السورية المتقدمة هناك.. القتال مع السوريين بدا عند جزين.
ـ استمرار المعارك طوال اليوم عند خط حاصبيا ـ كوكبا.
* الاثنين 8 حزيران:
ـ استمرار تقدم القوات الملتقية عند صيدا باتجاه الدامور.
ـ خلال التقدم كان الضرب بالنيران الكثيفة من البحر جد فعال إضافة إلى مساهمة البحرية في الدعم اللوجستي للقوات البرية.
ـ استمرار القتال داخل صور ومحاصرة صيدا.
ـ في القطاع الأوسط لواء مدرع سوري يشترك في القتال عند جزين تدعمه وحدات كومندوس وقوات جيش التحرير الفلسطيني ودعم مدفعي وجوي.
ـ القوة الإسرائيلية تقدمت في هذا القطاع حوالي 20 كلم وأصبحت عند مشارف بيت الدين ثم عين دارا وتهدد المواقع السورية في بيروت والبقاع خصوصاً حول بحيرة القرعون.. ولذا ترك السوريون جزين وكل منطقة النبطية.
ـ والقوة الإسرائيلية وصلت إلى المرتفعات المطلة على نهر الدامور.
* الثلاثاء 9 حزيران:
حتى اليوم كانت إسرائيل قد نجحت في منع سوريا من الدخول في حرب شاملة. الرئيس حافظ الأسد لاحظ أن قواته تُضرب وأن خطر خسارة لبنان وخصوصاً سهل البقاع جدي وواقعي، لذا أعطى قراراً بنشر 19 بطارية صواريخ سام 2 و3 و6 وذلك لردع إسرائيل من استمرارها في العملية. (المدى الأقصى للسام 6 هو 60 كلم ارتفاع عالي و30 كلم ارتفاع منخفض). ومن مواقعها قرب زحلة كان بإمكان القوات السورية إذن تغطية كل الأجواء بين كريات شمونة وبيروت. الساعة 2 بعد الظهر الطائرات الإسرائيلية أبادت 17 بطارية وأعطبت الـ 2 ـ وحصلت معركة جوية أسقط فيها 29 طائرة سورية ميغ 21 ووميغ 23 ـ وكل ذلك دون أية خسائر إسرائيلية. التفوق الجوي الإسرائيلي أصبح تاماً وفقدت القوات السورية الدعم الجوي الضروري لها.
ـ إحتلال صور وتنظيفها ـ المعارك مستمرة في صيدا والدامور.
ـ في القطاع الأوسط معارك دبابات هامة بين السوريين والإسرائيليين تلاها تمركز الإسرائيليين حول عين دارا على بعد 3 كلم من طريق بيروت دمشق.
ـ في القطاع الشرقي اخترق الإسرائيليون خط كوكبا حاصبيا وتوغلوا إلى الشرق من بحيرة القرعون.
* الأربعاء 10 حزيران:
ـ وصل الإسرائيليون إلى خلدة وبدأت الوحدات المتقدمة حركة التفاف من التلال شرقي بيروت لقطع المخيمات الفلسطينية (في الغرب والجنوب من بيروت) عن طريق دمشق ـ بيروت.
ـ من راشيا استمر التقدم نحو كفر قوق وينطا مما سمح بشطر أو عزل المواقع الفلسطينية (فتح لاند) عن قواعد تموينها السورية.
ـ في سهل البقاع أفلت لواء مدرع سوري من المحاصرة بعد معركة عنيفة بالدبابات حول بحيرة القرعون. انكفأ السوريون نحو الشمال (طريق بيروت دمشق) فيما تمركز الإسرائيلون عند خط بموازاة جب جنين.
* الخميس 11 حزيران:
عند الظهر أوقفت إسرائيل القتال مع السوريين بعد اتفاق رعاه الأميركيون وإسرائيل استثنت المنظمات الفلسطينية من هذا الاتفاق. تمركز الإسرائيليون في بيروت الشرقية وتجمع السوريون في منطقة زحلة ـ شتورة وقد انضاف إلى قواتهم لواءين يوم 10 و11 حزيران.
وبعد بضعة أيام ضرب الإسرائيليون آخر جيب مقاومة سورية على طريق بيروت ـ دمشق على بعد 2 كلم من بيروت، وأحكموا الطوق الكامل على منظمة التحرير واللواء 85 المدرع السوري في بيروت.
5ـ دروس الحرب
* دروس التاريخ:
أولى دروس الحرب هي دون أدنى شك الأهمية البالغة التي أعطاها المخططون الإسرائيليون (لعميلة سلامة الجليل) للتاريخ. لقد تم دراسة واستنطاق كل العمليات العسكرية التي جرت على أرض لبنان منذ مطلع هذا القرن بحثاً عن حلول أو مساعدة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحل المشاكل الصعبة التي يطرحها إعداد هكذا عملية ولقد جرى الاعتناء عناية خاصة بغزو قوات الكومنولث في حزيران 1941 للمشرق الفرنسي (المشرق الخاضع للحكم الفرنسي: لبنان وسوريا) وذلك نظراً للتشابه الكبير بين العمليتين رغم فارق الأربعين سنة بينهما. لقد شنَّ المهاجم البريطاني أو الإسرائيلي هجومه انطلاقاً من نفس النقطة (فلسطِين أو إسرائيل) وفي نفس الاتجاه (نحو الشمال). وكان على وحداته البرية، تدعمها أسلحة الجو والبحرية، أن تجابه عدواً يتوقع شن حرب هي في منتصف الطريق بين الدفاع الثابت ـ الجامد وحرب العصابات المتحركة، فالجيش الفرنسي للمشرق كان مثل منظمة التحرير قليل التسليح بالمعدات الثقيلة، عدا (حاملات رشاشات) آليات ودبابات خفيفة وبعض المدافع، وكان هدفه أن يقاوم أكثر وقت ممكن والتمسك بالمواقع من خلال المشاة، وإضافة إلى دروس هذه الحملة، درس الإسرائيليون أيضاً المعارك التي جرت بين السوريين والفلسطينيين عام 1976م ونتائج عمليتهم عام 1978م (عملية الليطاني).
ويبقى أن المصدر الرئيسي للدروس كان بالطبع حرب يوم الغفران عام 1973م والشكوك الجدية التي أثارتها حول فعالية أساليب الجيش الإسرائيلي مما استتبع إصلاحاً عميقاً لمفهوم أو مبدأ استخدام هذا الجيش.
* مفهوم تكتيكي جديد:
لقد جرى نقد جدي لمبدأ استقلالية عمل سلاح المدرعات وسلاح الجو وهو المبدأ المتبع منذ حرب 1967م. إذ أنه في هذه الحرب قام سلاح الجو بضرب أسلحة العدو الجوية على الأرض وقامت الدبابات باختراقات سريعة تاركة خلفها مسافات بعيدة وحدات المشاة الآلية والناقلات والمدفعية المحمولة وبعد هذه الحرب قام القادة العسكريون الإسرائيليون، وكانوا بمعظمهم قادمين من سلاح المدرعات متقنين الأساليب التي حققت النصر في قوانين أو عقيدة عسكرية الأولوية المطلقة للدبابات وللطائرات.
هذا المبدأ الواضح وجد في حرب 1973م إدانته العملية بمواجهة الصواريخ المضادة للدبابات والمضادة للطائرات للجيوش المصرية والسورية، وتم الاستنتاج السريع بأن الدبابة قد انقضى عهدها وبأن الصواريخ هي التي ستسيطر وتسود على ميدان المعركة. ولكن بعد أول أسبوع من المفاجأة والهلع، أثبتت الهجمات الإسرائيلية المضادة (في حرب أكتوبر) عكس الاستنتاج السالف، عادت الدبابات إلى الواجهة بعد نجاحاتها بفضل دعم المشاة والمدفعية. وكان أول درس استحصله الإسرائيليون هو ضرورة تحسين التدريب والتجهيز وحركية المشاة ووضع حد لنقص وسائل المدفعية. وقد أدى تزويد أميركا لإسرائيل بكميات كبيرة من آليات VTT- M 113 ومن حاملات الرشاشات والمدفعية M 109 إلى حل مشكلة المعدات. وتم تبني هياكل جديدة للوحدات لتشكيل «مجموعات تكتيكية» تجمع بين الدبابات والمشاة الآلية المرافقة لها والمحمولة على VTT مجرورة، والمدفعية المتحركة، ووحدات الهندسة الآلية. وذلك دون تفريق بين الأسلحة، ولكي تتشكل قوات مدرعة حقيقية متكاملة فعلياً موجهة نحو عمل مرن متحرك وتحت حماية الدروع. وجرت تدريبات مكثفة على «العمل المشترك المندمج»، ومناورات كبيرة مع تطبيقات عملية وخلق ظروف مشابهة واقعية لأرض المعركة، مما سمح بترويض (رودجة) التنظيم العسكري الجديد الذي وضع في اختبار النار عام 1978م (عملية الليطاني).
في حزيران 1982م كان الجيش الإسرائيلي أفضل تجهيزاً وأحسن تدريباً، ومارس تعاوناً وصل إلى أبعد الحدود: بين الجيوش (بر ـ بحر ـ جو) وبين الأسلحة (مدرعات ـ مشاة ـ مدفعية ـ هندسة). وكان يعيد تطبيق مبدأ استخدمه الجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية والمسمى بالمحدلة. هذا المفهوم يقوم على أن التعاون ـ التنسيق المنهجي بين كل الأسلحة يسمح بتأمين التفوق الكامل بالنيران في كل قطعة أرض مما يقلل من الاشتباكات ومن الخسائر. وأعاد الإسرائيليون اكتشاف الوحدات المدرعة الأميركية وتشكيلاتها العملياتية (المجموعات التكتيكية (Cambat Command المشكلة وفق الطلب من وحدات تعمل وتتحرك مع بعضها البعض. إلا أن الإسرائيليين لم يتخلوا بالمقابل عن مبدأهم الخاص بالأعمال السريعة القائمة على الالتفاف والتطويق وعزل جيوب المقاومة، والاختراقات ومعارك المواجهة ـ الجبهة الخلفية أو من المؤخرة ـ للحصول على الإنهيار الخلفي أو في المؤخرة لدى العدو، بقطعه عن قواعده وبتعجيل انهيار لوجستيته وبخلق عدم توازن في وضعه العام مما يجعل أية مناورة أو تحرك عام مشترك له أمراً مستحيلاً.
المبادىء لم تتغير إذن: إحداث «القطع» لدى العدو من خلال «الصدمة والنار»، القيام بحرب معدات، الاقتصاد في الأرواح… وحدها الوسائل والأساليب تطورت وساعدها في ذلك وبقوة هائلة التكنولوجيا.
* الاتصالات (الإرسال في الوقت المعين):
إن الاندماج ـ التدامج الكامل للأسلحة لم يكن ممكن التصور والتطبيق إلا بفضل استعمال الإلكترونيات وخصوصاً أنظمة الاتصال والإرسال في الوقت المعين وهو المعادل الإسرائيلي للنظام الفرنسي المسمى ريتا. إن سرعة وحجم مرور وتوصيل وإرسال المعلومات، وحبك شبكة الإرسال والتوصيل، قد سمح على كافة مستويات القيادة، بالتواصل فيما بينها ليس بواسطة سلسلة تراتبية وإنما طريقة أفقية بين وحدات متجاورة. وهكذا تشكلت مرونة في القيادة لا مثيل لها وتكيف سريع مع الحالات المتغيرة، وذلك رغم تشابك أو تشتت الوحدات الصغيرة، وصعوبات الإرسال من الأجهزة ذات التردد المنعدم في الجبال أو المدن وذلك بسبب الحواجز التي تخلقها القمم أو الأبنية. إن بساطة الاتصال بالشبكة قد سمحت على الدوام لقادة الوحدات بقيادة العمليات وبطلب تدخل الاسناد المدفعي أو الجوي أو البري.
* المدفعية الحديثة:
لقد أكدت حرب لبنان على تحول المدفعية بفضل الألكترونيات. إن المعادل الإسرائيلي للنظام الألكتروني الفرنسي لتسديد الرمي (أتيلا) وهو نظام رافائيل دافيد، قد سمح بزيادة وتيرة تدخل المدفعية بصورة كبيرة للغاية، وكانت عملية تحديد الأهداف بواسطة مراقبين متقدمين مزودين بمقياس البعد لايزر، ونقل المعطيات والأحداثيات، وحساب عناصر الرمي تتم بنفس اللحظة. إن دقة الرمي قد تطورت بصورة مذهلة بفضل الألكترونيات، وفي لبنان كان المطلوب عدم القيام بتدمير مساحات بالهيكتار أو غيره وإنما بناية، أو موقع محدد، دون إصابة ما حوله. وهكذا فإن الجيش الإسرائيلي ومنذ عام 1973 لا يقوم بأية عملية دون غطاء مدفعيته التي تراقب عن قرب تحركات القوات على الخطوط الأمامية. هذا السلاح أصبح أساسياً وهذا يتطابق مع الحاجيات الإسرائيلية تماماً. إنه سلاح تقني يشارك في تحقيق التفوق بالنار، وتجنب الاشتباك الجسدي (المواجهة) بين المحاربين وفي نفس الوقت تقدم لهم دعماً معنوياً هائلاً.
* الحرب الجوية:
إن الأهمية القصوى للأكترونيات في المعركة نجدها تبرز في الحرب الجوية مجدداً. إن العملية الأكثر خطورة والتي لم تكن متوقعة بدون شك هي عملية تدمير بطاريات الصواريخ السورية في البقاع يوم الأربعاء 9 حزيران 1982م.
لقد بدأ تعزيز الدفاعات الجوية في المنطقة منذ ربيع 1982م بعد قيام الطيران الإسرائيلي بتدمير طائرتي هيلكوبتر ميل مي 8 كانت تقوم بالقتال ضد الكتائب في الجبل اللبناني. وبعد التدخل الإسرائيلي قامت سوريا بتعزيز بطارياتها حتى وصلت إلى 19 بطارية صواريخ سام 6 غاينغول وسام 2 غايدلاين وسام 3 غودا، لحماية تحركات اللوائين المدرعين الكبيرين اللذين أرسلتهما سوريا إلى منطقة المعارك. وهذه البطاريات كانت جزءاً من نظام الإنذار البعيد المقام على النقاط المرتفعة وهو أيضاً جرى تدعيمه. والمجموع كان عبارة عن مركب دفاع مضاد للجو هام أثبت فعاليته في حرب 1973م. هذا المركب الدفاعي كان كثيفاً، عميقاً، قوياً، موسعاً مكرراً، وذلك بفضل تشكيلة كاملة من المدافع والصواريخ يتقاطع مداها، وهذا المركب الدفاعي كان أيضاً غير بعيد عن المطارات الرئيسية السورية الموجودة شمال ـ شرق خلف الجبال مباشرة. وينبغي هنا القول بأن الهجوم الإسرائيلي قد جرى الأعداد له مطولاً وتمت دراسة كل الهجمات (ضد بطاريات الصواريخ أرض ـ جو) التي تمت عام 1973م دراسة دقيقة للغاية بغية التوصل إلى إيجاد أفضل وسائل وطرق تدميرها.
إن عملية تفكيك أو زعزعة نظام الدفاع الجوي المصري (عام 73) قد تمت بفضل اجتياز قناة السويس، حيث أن القوات البرية قامت بتدمير عدد من مراكز البطاريات على الضفة الغربية فاتحة بذلك ممرات للطيران الإسرائيلي لكي يقوم بمهاجمة مراكز أخرى غيرها. وبالمقابل فإن الهجمات ضد البطاريات السورية لم يؤد إلى نتائج تذكر رغم الخسائر الجسيمة في الجانب الإسرائيلي. وقد ظلت حرية حركة الطيران (وبالأخص الاسناد التكتيكي) ضيقة إلى نهاية الحرب. أما النجاح الأفضل إلى الحد الأقصى من النجاح فقد تحقق دائماً عبر استخدام «الاقتراب على علو منخفض للغاية»، مع استخدام «إجراءات الكترونية مضادة» وروامج (جمع رامج ـ وهو «الهدف الخدعة» الذي يطلق لخداع وتضليل الصواريخ التي تلحق به)، وكذلك باستخدام العمل المشترك المتكامل للقوات البرية والجوية وخصوصاً بإدخال الصواريخ المضادة للرادار إلى الخدمة (وهي صواريخ مضادة لإشعاعات الرادار ومن نوع AGM- 45A Shrik شرايك).
ـ لقد قام سلاح الجو الإسرائيلي بعد حرب أكتوبر بتعزيز تدريب طياريه إلى الحد الأقصى وبتطوير نظام متكامل من الهجوم والسيطرة على العمليات وهو الذي سيسبب مفاجأة يوم 9 حزيران.
إن أولى مشاكل هذا الهجوم كانت استطلاع مراكز البطاريات وتحديد الأهداف حيث أنه كان من المستحيل إرسال طائرات الاستطلاع RF- 4E فانتوم دون خطر إسقاطها. وقد تمثل الحل باستعمال الطائرات ـ دون طيار ـ (RPV) مثل طائرات تيليداين رايان 147 وطائرات نورثروب شوكار (أميركية) والتي جرى تعديلها في إسرائيل. وذلك بالإضافة إلى طائرتين أخريين دون طيار ((RPV جرى تطويرهما في إسرائيل وهما تاديران ماستيف وآي إي آي سكاوت Teledyne Ryan – (IAI – Scout) – 148 – Northrop – Tadiran Mastiff.
كل هذه الطائرات هي من دون طيار ويتم توجيهها آلياً من الأرض وهي تحمل أجهزة تصوير تلفزيوني تنقل صورها إلى محطات رئيسية ومنها تنقل على شاشات عرض في قاعات العمليات. وفي نفس الوقت كانت طائرات أخرى بدون طيار (RPV) مزودة بأجهزة خداع الكترونية (روامج) تقوم بتمثيل دور الطائرات الحربية أمام الرادار فتكون طعماً للعدو. ولكن توجه الصواريخ باتجاه هذه «الطائرات الخدعة»، كان على الرادارات أن تنتقل إلى وضعية الفعل ـ العمل ـ مما كان يسمح لنظام الاستماع الإسرائيلي بتحديد موجات توجيه الرمي لدى العدو. وهكذا كان يتم مباشرة مهاجمة مراكز البطاريات بعد ذلك بواسطة صواريخ مضادة للرادار من نوع شرايك Shrike.
ولقد استعملت الطائرات بدون طيار (RPV) أيضاً لإضاءة الأهداف وتوجيه القنابل اللايزر التي تلقيها الطائرات المحلقة خارج مدى المضادات الجوية كما أن المراقبة التلفزيونية لمنطقة الهجوم كانت تسمح لمراكز قيادة العمليات ومراكز المراقبة الجوية بالتزود بالمعلومات في الوقت المعين.
لقد أعطيت مهمة الهجمات الأرضية لطائرات فانتوم ف 4 إي – F4E وطائرات السكاي هاوك A4، وهي كانت تتم أساساً بواسطة، «الأسلحة الذكية» (أي المواجهة ذاتياً) عالية الدقة (إلى حد كبير للغاية) وبعيدة عن مرمى بطاريات الصواريخ المطلوب تدميرهاStand Off) ).
1 ـ الصواريخ شرايك ضد رادارات توجيه الرماية.
2 ـ القنابل المحلقة الموجهة باللايزر لتدمير «عربات قذف الصواريخ» (حاملات قواذف).
3 ـ الصواريخ الجديدة أرض ـ زئيف( ذئب).
وهي تتوجه آلياً نحو «بث الرادار». وكان يتم إطلاق هذه الصواريخ من مواقع في البقاع وسط «حقل البث» لرادارات العدو.
إن المشكلة التي يطرحها قرب حقول الطيران السورية من مواقع الصواريخ قد تم حلها بالاستخدام الثلاثي التالي:
1 ـ رقابة الرادار الإسرائيلي.
2 ـ التشويش الألكتروني الكثيف.
3 ـ الغطاء الجوي المكثف للحماية.
إن الأواكس المصغر Mini Awacs E-2C هاواكي Hawkeye متزاوجاً مع بنية أرضية قوية من الالتقاط البعيد بواسطة رادارات «ثلاثية الأبعاد»، (3D) كانت تكشف المقاتلات السورية منذ لحظة إقلاعها. أما الهاوكي وطائرات البوينغ 707 والهيرقليس سي 130 – C130 المزودة بنظام «إجراءات الكترونية مضادة» (CME) المستخدم في إسرائيل، فقد كانت تشوش إرسال الراديو (اللاسلكي) والرادات السورية لمنع «الرقابة الجوية السورية» المتمركزة على الأرض (لأن سوريا لا تملك طائرات أواكس) من توجيه الطائرات المعترضة (الاعتراضية).
وأخيراً كان هناك غطاء جوي من المطاردات وفي عدة ارتفاعات (ف 15 وف 16 كفير سي 2) لحماية الطائرات المهاجمة على الأرض.
وخلال معركة واحدة أسقطت 29 طائرة ميغ 21 وميغ 23 للسوريين دون أية خسارة في الجانب الإسرائيلي. ذلك أن المقاتلات السورية كانت «عمياء» لفقدانها توجيه مراقبتها الجوية التي على الأرض، في حين كانت تواجه مقاتلات إسرائيلية مزودة بكل المعلومات بواسطة الهاوكي.. وخلال الحرب كانت الخسائر السورية جسيمة (حوالي مئة طائرة) إضافة إلى تدمير 17 بطارية صواريخ وإعطاب الاثنتين الباقيتين، وتدمير كل البنية التحتية الرادارية السورية وذلك دون خسائر للمهاجمين.
* الاسناد التكتيكي:
يجب الإشارة هنا إلى الدقة الفائقة في القصف الجوي حتى على بيروت وهذا بفضل الألكترونيات. لقد كانت «حاسبات القصف» تسمح بإجراء هجمات على الأرض على علو منخفض وبسرعة كبيرة جداً. وإن هذا هو أحد أسباب عدم فعالية أسلحة المضاد الجوي الفلسطينية العديدة (مدافع 14,5 ملم و23 ملم ـ صواريخ أرض ـ جو سام 7 ستريللا). إن اقتراب الطائرات كان صعب الالتقاط للغاية، كما أن تحليقها فوق الهدف والدفاعات والمضادات السريعة جداً لم يكن يترك الوقت للمدافعين لتصويب أسلحتهم في الاتجاه المناسب، كما أن استعمال الذخائر الجوية الجديدة قد سمح بتقليل الخسائر فالقنابل المحلقة الموجهة باللايزر تجنب الطائرة القاذفة خطر التعرض. والقنابل الانتشارية (خزان يحتوي قنابل وذخائر وألغام مضادة للأفراد وللدبابات وهذا الخزان ـ القنبلة يقوم بنشرها على منطقة واسعة) تسمح بالإلقاء من علو مرتفع وبسرعة عالية جداً لأنها تعطي الدقة من خلال «الاشباع» ـ (أي إشباع وتغطية منطقة يؤدي بالضرورة إلى الدقة بإصابة أهداف) ـ ويمكن الإشارة هنا أيضاً إلى أن القوات البرية كانت تعتمد دائماً وبصورة منظمة على الاسناد التكتيكي الجوي عند مواجهتها لأية مقاومة مهمة على الأرض.
* طائرات الهليكوبتر في المعركة:
كما في المالوين، أثبتت حرب لبنان أهلية الهليكوبتر للإندماج أو الدخول في معارك الخطوط الأولى. كما أنها أصبحت ضرورية (لا غنى عنها) لتسريع الدعم اللوجستي. لقد نجحت القوات الإسرائيلية في الإفلات في آخر لحظة من الانقطاع في لوجستيتها وذلك بفضل الهليكوبتر الثقيلة CH-53D التي استطاعت تأمين التموين الطارىء المستعجل دون أن تخضع لمتطلبات الأرض ولحالة الطرقات كما أن إخلاء الجرحى بواسطة الجو أصبحت اليوم عملية إنقاذ جوي فعلية، وكل هذه المهمات كما غيرها هي ومنذ وقت طويل إضافة إلى الاتصالات، تقليدية للهليكوبتر نظراً لأنها تجري بمعظمها في المؤخرة، وكان التقدير السابق أن الهليكوبتر شديدة التعرض أو الحساسية حتى لا يتم زجها مباشرة في المعركة، ولكن لبنان كما الفوكلاند (المالوين) قد أثبت بأن الهليكوبتر قد أصبحت بفضل التقدم والتطور الحاصل، آلة أو سلاح معركة تام ومستقل بذاته لقد دفع المعسكران بطائراتهما الهليكوبتر إلى المعركة. غازيل ـ هوت ومي 24 لدى السوريين (Gazell-Hot- Mi24) وديفندير وكوبرا لـدى الإسرائيـليـيـن (Defender, Cobra) وأصبح نقل المشاة بالهليكوبتر خلف جيوب المقاومة عادة متبعة دائماً.
لقد استعد الجيش الإسرائيلي بدقة بالغة ودرَّب نفسه على مختلف أشكال المعارك التي سيواجهها (لوعيه المسبق بأن عملية عسكرية في لبنان هي أمر حتمي لا يمكن تجنبه) أكان ذلك معارك الجبال أو معارك المدن، ولقد تم إخضاع الجنود الاحتياط المستدعين للخدمة لعملية دريل Drill مكثفة، وأكثر من الأوقات العادية للخدمة في الجيش الإسرائيلي. (والدريل Drill هو الثقب بالمثقاب ـ أو بالعامية خرّ برّ والتدريب هذا يكون عادة شديد القساوة).
(التدريب ـ المثقاب ـ هو تدريب حازم قاس ومتكرر بهدف إكساب المقاتلين سلسلة إعمال ـ رد فعل ـ تتطابق أو تتناسب مع مختلف حالات القتال حتى الأشد صعوبة). إن الكفاءات التي أظهرها الجنود الإسرائيليون نابعة أيضاً من أهمية المحيط ـ (البيئة المحيطة) الحاضن لمعنويات القوات، ذلك أن الانتماء إلى «محدلة» تتقدم يعطي انطباعاً بالأمان.
فالمقاتل ليس وحيداً بمواجهة الأحداث، أنه محمي بقوة النار المشتركة للجيش، وهو يعلم أنه لن يورط في أعمال جد مكلفة طالما أن بقية وسائل الإجهاز على مقاومة معينة لم تستنفد بعد. وهو يعرف أنه في حال إصابته ستقوم طائرات الهليكوبتر بنقله مباشرة. وهو يعي أن الخطر الفردي الذي يتهدده ضئيل للغاية بفضل العمل الجماعي لكل الأسلحة، من كل هذا يتكون شعور بالأمان وبالقوة شديد الإيحاء لشبان الـ 18 ـ 20 وهم يشكلون غالبية الجنود، وهو ما يفسر انضمام الشبان الإسرائيليين إلى نظامهم العسكري.
الدكتور عصام عيسى
حرب مرو
وقعت في زمن القاجاريين حوادث مؤلمة كثيرة لشعب إيران وأسوأ هذه الحوادث، هي حادثة مرو التي وقعت ما بين عامي 1276 و1277هـ (1859ـ 1860).
سار والي خرسان الميرزا حمزة حشمت الدولة إلى مرو في يوم 15 ذي القعدة عام 1276هـ للقضاء على اللصوص التركمان الذين عاثوا فساداً في النواحي الشمالية من خراسان، وكان هؤلاء قد أعلنوا عصيانهم وسلبوا الأمن والاستقرار في المناطق الشرقية من إيران.
وعلى الرغم من استيلاء والي خراسان على مرو دون مقاومة في المراحل الأولى، لكنه حينما اصطدم بهم ثانية مُني بهزيمة نكراء بحيث فقد جميع أسلحته ومؤنه، وغنم التركمان كل ما كان معه من مدافع وأسلحة ومن ثم قويت شوكة التركمان وزادت قدرتهم على أعمال القتل والنهب.
بلغت جرأة التركمان ذروتها بعد إحرازهم لهذا النصر المفاجىء، فطفقوا يسلبون وينهبون ويقتلون الناس الأبرياء في تلك المناطق وأسروا من النساء والأطفال عدداً كبيراً بحيث يذكر الجنرال السير برسي سايكس: «انخفضت قيمة العبيد في آسيا الوسطى، فبلغت أقل مما كانت عليه قبل جيل»([5]).
لم نبالغ حينما قلنا أن أسوأ حوادث إيران هي حادثة مرو، فإيران حينما فقدت سبع عشرة مدينة من القفقاز وهرات وأرض أفغانستان وبلوجستان كان عدو إيران دولتين قويتين مجهزتين بقوة كافية وسياسة مدروسة، هما بريطانيا وروسيا، فكان من الطبيعي أن ترغم إيران على التخلي عن جزء من أراضيها. ولكنا هنا أمام حفنة من اللصوص التركمان، وسيرى القراء خلال السطور أن السبب الرئيسي لهزيمة قوات الميزرا حمزة حشمت الدولة هو افتقاد هذه القوات للتنظيم والانضباط واختلاف القادة فيما بينهم ولا سبب آخر.
ومما يدعو للأسف أنه نادراً ما نرى بحثاً عن هذه الحادثة العظيمة التي تثير الأسى، فقد اكتفى المؤرخون الإيرانيون في العصر القاجاري بالإشارات المختصرة إليها ومن ثم تركونا بعيدين عن الإحاطة بحقيقتها فحري بهزيمة (مرو) التي كانت سبباً في فقدان مدينة (مرو) المركز التاريخي لولاية خراسان، أن تحظى بالبحث والتحقيق والمتابعة وأن تبذل في سبيلها المساعي لجمع الوثائق والمستندات المتعلقة بها.
قدم لي الصديق أحمد طاهري كتيباً خطياً صغيراً يتعلق بحادثة مرو، فاعتبرت ذلك توفيقاً كبيراً وعزمت على نشر هذا الكتيب وتخليده، وكلي أمل أن يتم العثور على مثل هذه الوثائق فتنكشف الحقيقة.
لم يتطرق الكتاب المذكور لذكر أسباب الحرب، ويبدأ الكاتب بتقريره ابتداء من حركة العسكر من مسافة ثلاثة فراسخ عن مشهد، فيشرح الأحداث بالتفصيل وخصوصاً تهيئة المؤن، وإيصال الماء والطعام وكذلك ذكر سبب حدوث الخلافات بين قادة الجيش، وعدم الاهتمام بالانضباط، وفقدان التخطيط العسكري، وأخطاء القادة وحجم الخسائر وأخيراً سبب الهزيمة وكيفيتها، ويستطيع القراء من خلال متابعتهم لهذه الأحداث أن يتعرفوا على طبيعة وأسلوب الحملات العسكرية في ذلك الوقت.
يحتوي هذا الكتاب على 118 صفحة، منها خمس صفحات كمقدمة و111 صفحة تتحدث عن الأحداث وتختص الصفحتان الأخيرتان بذكر اسم المؤلف وسبب تأليف الكتاب وتاريخ الفراغ من تأليفه.
وقد ذكر في متن الكتاب أن المؤلف هو محمد علي الحسيني، وقد كان طوال الوقت برفقة العسكر وشاهد عن كثب جميع الأحداث ودونها بأمر من أولياء الأمور.
وفيما يلي نورد ترجمة ما جاء في هذا الكتاب (وهو بالفارسية).
هو الله تعالى شأنه العزيز.
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.
قبل أن نبدأ بالموضوع لا بد من ذكر مقدمة نتعرض فيها لبعض الأمور:
الأمر الأول: من الواضح لأولياء الدولة القاهرة أن أحداً من الذين اشتركوا في هذا السفر لم يكن لديه غرض شخصي مع دولته سواء منهم الرئيس والمرؤوس والتابع والمتبوع والعبيد، بل كانوا جميعاً راغبين في أداء هذه الخدمة الكبيرة، لتشملهم بذلك رحمة الدولة وعنايتها، كل حسب منزلته وقدره.
وبغض النظر عن ذلك فإنهم جميعاً من العقلاء، ومعلوم أن العقلاء لا يعادون أنفسهم ولا يطلبون الضرر لأموالهم فضلاً عن الضرر لأرواحهم، وليس ثمة شخص لم يتضرر في هذا السفر، بدأ من عشرين ألف تومان حتى أقل من خمسين توماناً وكل حسب درجته ورتبته من الحاكم والوزير والعميد والقائد والعقيد وأصحاب المناصب في الأفواج والفرسان والمدفعية وحتى الجنود والمراتب، ويبدو واضحاً من ذلك أن شخصاً لم يقصر في الحرب، فإذا لم يكن هدفه حفظ الدولة وشرفها فإن هدفه سيكون حفظ ماله وروحه.
الأمر الثاني: لم يحدث في السابق إن سار جيش إلى تركستان بمثل هذه القوة والعظمة والجدارة والتجهيز، وكل هذه الأمور كانت سبباً في خلق نوع من الغرور في نفوس قادة الجيش، بحيث كان الاعتقاد السائد لدى أغلب القادة قبل الحركة من مشهد المقدسة أنه بمجرد وصول مقدمة الجيش إلى (آق دربند) التي تبعد عن مشهد خمسة عشر فرسخاً لن يكون أمام التركمان أكثر من خيارين: فأما أن يفروا من مرو إلى بلخ وبخارى وخيوة أو يدخلوا في طاعة الدولة ويرضوا بما تمليه عليهم.
في الحقيقة لم يكن هذا الشعور مقتصراً على الرؤساء والقادة وإنما كان الاعتقاد السائد لدى عامة أهل خراسان وهرات بل وحتى التركمان أنفسهم. ولم يكن مع هذين الخيارين خيار ثالث، لكن الخير والشر والنفع والضرر والفتح والظفر أمور ترتبط بمشيئة الله تعالى، ولم يكن ثمة أثر لعبادة الله في معسكرنا الذي كان في حقيقة أمره معسكر كفر ولا يحمل من الإسلام إلا اسمه، فتراه قد نسي تماماً أخبار الأمم السابقة وأحاديثها وتواريخها وعبر القرون الغابرة وغفل عن ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ فاعتمدوا الغرور والعجب في كل عملهم، بحيث لم تسمع في جنبات العسكر منذ انطلاقه إلى مرو حتى تشتت صفوفه كلمة «إن شاء الله» ولو لمرة واحدة، لا من كبيرهم ولا صغيرهم ولا عاقلهم ولا جاهلهم، إذ كان الغرور والعجب والكبر والغفلة هي المشاعر الوحيدة المستولية على نفوس الجميع، بينما نرى في المقابل الطائفة التركمانية وقد سُدت الأبواب بوجهها ويئست من الدخول في صلح ووئام مع الدولة، فلم تر مفزعاً لها إلا التوسل بفضل الله، وقطعت الأمل بكل شيء عداه لإحساسها بالضعف والعجز، وكنا نسمع باستمرار الإعراب عن هذا الشعور من ألسنة الأسرى الذين يقعون في أغلب الأيام في قبضة جيش الدولة، إذ يقولون، لولا إرادة الله ما كنتم تصلون إلينا.
وهكذا كان الغرور والعجب والغفلة السائدة في نفوس أهل عسكرنا، أسباباً لإلحاق الهزيمة والاضطراب بهذا العسكر، وبمقتضى «إذا جاء القدر عمي البصر» ذهبت كل الخطط والتدابير التي وضعها القادة والزعماء منذ الحركة من مشهد المقدسة حتى العودة إليها هباء إذ تبددت هذه المخططات وصارت تجري وفق رغبات زعماء التركمان حتى حدث في يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول عام 1277هـ كل ما لا مفر من حدوثه، وأصبح جمع شتات القوات المهزومة أمراً خارجاً عن قدرة أي إنسان واستمر هذا الأمر حتى دخول مدينة مشهد المقدسة.
الفصل الأول
قبل حركة الجيش من مدينة مشهد المقدسة حتى وصوله إلى (كوجه قم) والغابة الكثيفة التي لا ماء فيها، كان أهم عمل حري بالجيش أن يقوم به قبل كل شيء هو إرسال بعض الجنود وعدد من الفرسان على الأقل لبناء سد غزلقيه على نهر هرات لحرف مجرى الماء إلى شور كال و(كوجه قم)، ويقوم هؤلاء بإحكام السد بأقصى ما يمكن لكي يصل الماء إلى شور كال قبل وصول الجيش، ولئلا يكون فقدان الماء بعد وصول الجيش الكبير إلى سرخس سبباً في إطالة بقاء هذا الجيش في أرض ليس فيها إلا شجيرات القصب اليابسة. ومن ثم يكون هذا البقاء الطويل سبباً في إنهاك الجيش وإسقاطه من درجة الاعتبار، إلا أن قادة الجيش السادرين في غيهم وغفلتهم التي أسلفنا الحديث عنها، لم ينتبهوا لهذا الأمر ولم يباشروا بتنفيذه وعلى الرغم من ذلك أصر مقرب الخاقان محمد وليخان سردار وأغلب الزعماء والعمداء: الميرزا نواب جهانسوز ومحمد حسن خان ومقرب الخاقان حسينعلي خان وتقي خان ورضا قلي خان قورت بيكلو وفتحعلي خان البغدادي على السير بأفواجهم وخيالتهم لإقامة السد قبل سبعة أيام من حركة الجيش الكبير.
ولكن هؤلاء لم يستطيعوا التقدم في عملهم بصورة ملحوظة حتى وصل الجيش الكبير، إذ باشرت هذه المجموعة في اليومين أو الثلاثة أيام الأولى من وصولها ببناء جزء من السد، إلا أن الماء طغى فأتى على ما صنعوا. وبعد أربعة أو خمسة أيام من ذلك وصل الجيش الكبير، واستمر أفراده لاثني عشر يوماً يشتغلون في بناء هذا السد، حيث باشر الجيش برمته من الصباح إلى المساء في أعمال البناء وكان القادة يشتركون مع جنودهم في ذلك، وفي آخر المطاف اكتمل السد.
إلا أن مشكلة أخرى برزت هنا حيث كانت المسافة التي ينبغي أن يصل إليها الماء هي شور كال تقدر بثمانية عشر فرسخاً، وكل هذه المسافة هي من الأراضي الصحراوية الرملية، فكان مسير الماء فيها في غاية الصعوبة بحيث كان الجيش يمشي طوال اليوم بمحاذات مجرى المياه، وكان مقرب الخاقان محمد وليخان سردار يقوم شخصياً بمراقبة المياه ومعه عدد من الأفواج، فكانوا كلما حال عائق دون تقدم المياه في مجراها رفعوا هذا العائق وفتحوا المجرى.
خلاصة الأمر أن المياه لم تكن تتقدم خلال اليوم والليلة ـ برغم كل هذه المراقبة والجهود ـ أكثر من فرسخ ونصف أو فرسخين، وكان الجيش يضطر لمسايرة المياه وفي آخر الأمر لم تصل المياه إلى الغابة المنشودة، ومع ذلك فقد تأخرنا في الصحارى أكثر من خمسة وعشرين يوماً. والخلاصة أن الجيش الكبير تحرك في يوم الثلاثاء من غرة ذي القعدة الحرام 1267هـ من (كال ياقوتي) التي تبعد عن مدينة مشهد المقدسة ثلاثة فراسخ وبلغ أطراف مرو في اليوم الخامس عشر من شهر ذي الحجة الحرام فتكون الفترة التي استغرقتها رحلة الجيش خمسة وأربعين يوماً. والسبب في ذلك هو عدم إقامة سد (غزلقية).
في خلال هذه الفترة كانت خيول الجند قد أنهكت فلم تعد تقوى على الحركة إذ لم يكن في تلك الصحارى سوى شجيرات القصب اليابسة فكانت هذه الشجيرات تستعمل علفاً للخيل والإبل وفي بعض الأماكن لم يكن يتوفر حتى مثل هذه الشجيرات، فكان يحمل منها من منزل اليوم لمنزل الغد. ثم وصل الجيش (كوجه قم) فبدأ التركمان يغيرون على المعسكر كل يوم تقريباً، وعلى الرغم من وجود ما يقارب ستة آلاف فارس من الخراسانيين والعراقيين والآذربايجانيين، لم يكن باستطاعة الجيش إخراج خمسين فارساً لتعقب التركمان المغيرين وانتزاع ما سلبوه من الجيش من مال وإبل.
الفصل الثاني
كان عسكر الدولة يفتقر إلى التنظيم والانضباط منذ انطلاقته من مشهد المقدسة حتى بلوغه أطراف (مرو) بل وطوال توقفه في مرو، فعلى الرغم من صدور الأوامر التي تنظم الحركة والتوقف لليوم التالي ليلياً وعلى الرغم من توقيع المسؤولين لها إلا أن أحداً لم يكن يعنى بها أو يفكر بالعمل وفق النظام ومن ناحية أخرى لم يكن الرئيس يؤاخذ أحداً بجريرته أو يوبخه لسوء سلوكه، فمثلاً كان من الواجب على الجيش أن يأخذ الحيطة والحذر في المنازل التي يتوقف فيها فلا يلقي بسلاحه إلا بعد صدور الأوامر بذلك، حتى إذا حصل هجوم مباغت من الأعدء يكون الجيش حينئذ مهيئاً للرد وإحباط الهجوم، وعلى الرغم من صدور الأوامر مراراً بهذا الشأن إلا أن أحداً لم يكن يفكر في صدور الأوامر التي تفرض التزام الحيطة والحذر، أكثر مما كانوا يفعلون قبل صدورها، وما زال الأمر هكذا حتى بلغنا قلعة مرو، فلم يحدث أن عاقب مسؤول أو قائد فرداً من أفراده.
وفي ليالي الأيام التالية صدرت الأوامر بكل صراحة، بأنه ما دام الجيش يتحرك في ولاية الأعداء فلا بد من أن تضاعف الحيطة، لئلا يؤخذ أحد على حين غرة، فلا يتحرك شخص قبل حراس المقدمة ولا بعد حراس المؤخرة وكذا الحال بالنسبة للجناحين، وفي أغلب الأيام كانت الأوامر تصدر لبعض القادة في سبيل الحفاظ على تطبيق هذه الأمور وخصوصاً باشا خان قزاق، إلا أنه طوال الحركة من مشهد حتى مرو لم يراع أحد هذه الأصول ولم يكن المسؤولون يحاولون الدخول في شجار مع الأفراد، فكان هؤلاء يتفرقون ذات اليمين وذات الشمال ويسبقون المقدمة بفرسخ ويتأخرون عن المؤخرة بنصف فرسخ. حتى إذا اجتزنا سرخس وكان حال الجيش على ما وصفنا بدأ فرسان التركمان المنتشرون بين سرخس ومرو بالترصد وانتهاز الفرص، فكانوا يخطفون من أهل العسكر بين شخصين وثلاثة وحتى عشرة أو خمسة عشر شخصاً ويسرقون الإبل.
ولم يحدث أن عوقب أحد أو استجوب، ويكفي في هذا المجال أنني طوال الفترة التي رافقت فيها الجيش لم أر ولم أسمع أن أحداً من القادة عنف فرداً من أفراده أو ضربه حسب القاعدة بالفلقة أو ضربه خمس مرات بالعصا كما هو متعارف عند خروج شخص على النظام، وقد كان جميع أهل المعسكر من رئيس ومرؤوس وكبير وصغير من القادة حتى أبسط الناس يشكون من هذا الأمر ويقولون بأنهم لم يروا أبداً جيشاً مشتتاً فوضوياً كهذا، وقد سمعت بنفسي عدداً من نواب حشمت الدولة يشكون من هذه الفوضى وهذا التشتت. وليس معروفاً إلى الآن من يقف وراء هذه الأمور ولماذا لم يكن يحدث النظام، الذي كان افتقاده السبب الرئيسي الذي يكمن وراء كل خسارة وضرر لحق بالجيش طوال الطريق.
ولكن بغض النظر عن أعمال القائد التي أوضحناها، تبقى مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق المسؤولين الآخرين من قادة الخيالة وقادة المشاة، إذ كان بإمكان هؤلاء أن يحافظوا على النظام، كل حسب موقعه ومسؤوليته، ومن الطبيعي أن سيطرة أحدهم على أفراده أكثر من سيطرة القائد على كل العسكر، فكان من الممكن لو اهتم هؤلاء بالنظام أن يتحرك الجيش بكل هدوء وترتيب.
الفصل الثالث
كانت حركة الجيش من (كال ياقوتي) إلى مرو في يوم الثلاثاء الموافق لغرة ذي القعدة الحرام عام 1276هـ، وطوال المسيرة من الموقع المذكور إلى دخول قلعة حشمت آباد التي تبعد عن مدينة (ناصري) على ضفاف نهر هرات بثلاثة فراسخ، لم يحدث أمر جدير بالذكر، وفي اليوم التاسع من ذي القعدة الحرام عام 1276هـ تحرك العسكر من (بورت) المعروفة بـ (الشورجة) ودخل حشمت آباد، وكانت حركة الجيش طوال المسيرة من (كال ياقوتي) إلى حشمت آباد بمحاذاة النهر المعروف باسم (كشف ورد) ذي الماء المالح، إلا أن هذه الملوحة كانت تتفاوت من حين لآخر حسب الأراضي التي يمر بها النهر، فكلما كانت الأرض أكثر ملوحة ازدادت ملوحة مياه النهر.
وكان الجيش يسد حاجاته إلى الماء من هذا النهر. وإلى جانب هذا النهر كانت تترامى الأشجار الكثيفة وشجيرات القصب، ويشاهد بعض العلف الصحراوي أحياناً، وكانت شجيرات القصب تشكل العلف الرئيسي للإبل والخيل.
توقف الجيش عند (آق دربند) ليوم واحد، وفي ذلك الموقف كانت هناك عينان عذبتان صافيتان، يحتمل أن يكون بعدهما عن آق دربند بحوالي نصف الفرسخ ثم عبأ الجيش قربه من هذا الماء، وفي هذا المكان بالذات يتوفر العلف بكمية كبيرة، وتشاهد الفواكه البرية بكثرة، مثل الفستق والعنب والتين وإلى جانب هذا تشاهد جميع أنواع الوحوش والحيوانات الجائز أكلها مثل القطا والتذرج وأنواع الوحوش الجبلية مثلا الإبل والغزال، وكذلك ثمة أشياء كثيرة في تلك الغابة وهي تشبه بعذوبة مائها واعتدال هوائها وكثرة علفها ووحوشها الغابات الحدودية لكيلان ومازندران. وقد قطع الجيش في يوم حركته من هناك إلى الشورجة مسافة أربعة فراسخ في وسط هذه الغابة ومائها العذب وكان الجيش كله حينئذ مشغولاً بالصيد ثم وصلنا في عصر ذلك اليوم إلى الشورجة وأمضينا فيها ليلة واحدة ثم تحركنا في صبيحة اليوم التالي فقطعنا مسافة سبعة فراسخ في أرض جرداء قاحلة يصطلح التركمان على تسميتها بقم، ثم دخلنا حشمت أباد، فذهب نواب حشمت الدولة وحضرة قوام وأغلب الرؤوساء والقادة إلى قلعة حشمت آباد لمشاهدتها عن كثب وتفحص معالمها، وهذه القلعة قد تم بناءها حينما كانت الجيوش مشغولة ببناء قلعة ناصري([6])، حيث بعث خداداد خان عميد فوج مراغة بنوابه مع المهندس العقيد الميرزا مهدي، لبناء هذه القلعة.
وهي قائمة على ضفاف النهر في موضع غاية في الروعة والجمال، وهي قلعة محكمة ومتينة من جميع جهاتها. ويتولى حراستها مائة جندي من أفواج العرب والعجم ولديهم مدفع للدفاع عنها وعن الأراضي المجاورة لها التي تشكل معبراً للتركمان. وهكذا نزل الجيش بكل عدته وعدده حوالي القلعة إلى جانب نهر هرات الذي هو بعذوبة مائه غني عن الوصف والتعريف.
واستمر التوقف في هذا المكان في اليوم الثاني، وفي عصر هذا اليوم قدم مقرب الخاقان محمد وليخان سردار من قلعة ناصري للتشرف بخدمة نواب حشمت الدولة وقوام الدولة، مصطحباً معه بعض الخيار والخضراوات الأخرى من قلعة ناصري، التي كانت تشير إلى كثرة خيراتها.
وفي صبيحة اليوم التالي تحرك الجيش من (جشمت آباد) حتى وصل سد (غزلقيه) بعد مسيرة فرسخين. وعلم بعد الوصول إلى هذا السد بأن نواب جهانسوز ميرزا وأفواجه ومحمد حسن خان وأفواجه وعميد فوج أردبيل مقرب الخاقان حسينعلي خان وسائر قادة الخيالة مثل فتحعلي شاهسون البغدادي ورضا قليخان قورت بيكلو مع جماعة من خيالته، عُلم إن كل هؤلاء كانوا مشغولين ببناء السد، ولكن لما كانت حركة الجيش لم تستغرق أكثر من ثمانية أيام منذ انطلاقها من مشهد حتى وصولها، فإن هؤلاء لم يستطيعوا إتمام سد بهذا الحجم خلال هذه الفترة القصيرة، ومن ثم شارك الجيش برمته في أعمال البناء واستغرق عشرة أيام، وفي بعض الأحيان كان حشمت الدولة يشارك بنفسه وفي أغلب الأحيان كان مقرب الخاقان يصطحب معه بعض الأفواج برفوشهم وعدداً من القادة ويستمرون بالمراقبة من الصبح حتى المساء، وبعد ثمانية أيام من الجهود المتواصلة اكتمل بناء سد محكم منيع، وحرف مجرى الماء إلى شور كال و(كوجه قم).
كان مقرب الخاقان شهاب الملك قادماً من مشهد المقدسة برفقة الجيش لمراقبة تحركاته والقيام بأعمال أخرى، فلما توقف الجيش في الموقع المذكور، تقرر أن يتفحص الجيش، فأمر بعض الخيالة الخراسانيين بالقيام بأعمال الحراسة، وأحضرت سائر الأفواج والخيالة الآذربايجانيين والعراقيين([7]) في الميدان، وكان نواب حشمت الدولة وقوام الدولة وأغلب الرؤساء والقادة حاضرين بلباسهم العسكري، ثم قام مقرب الخاقان شهاب بالإحصاء ورافقته أنا في ذلك وقام مقرب الخاقان محمد وليخان والحاج الميرزا رضا المستوفي الخراساني بإحصاء الخيالة الآذربايجانيين والعراقيين والخراسانيين، واستغرقت عملية الاحصاء منذ ما بعد الشروق بساعة حتى ما قبل الغروب بثلاث ساعات. فاحصينا واحداً وعشرين ألفاً ونيف بين فارس وراجل.
الفصل الرابع
بعد اكتمال بناء السد وإحصاء الجند، تحرك الجيش من موقع السد باتجاه مرو، وترك عند السد عميد الفوج الترشيزي عباس خان ومعه أفراد فوجه، ليقوم بمراقبة السد، فإذا ما طغى الماء في بعض الأحيان وأحدث ثلمة فيه هب الفوج لسدها، وتقرر أن هذا الفوج لا يغادر موضعه ما دام الجيش لم يتحرك من (كوجه قم) باتجاه مرو. وعندما تحرك الجيش لم يكن الماء يتحرك إلا ببطئ شديد لأنه يسير في طريق جديد، وكانت حركته تتحكم بحركة الجيش فكلما قطع شوطاً قطع الجيش نفس الشوط. وكان مقدار ما يقطعه الماء في بادىء الأمر أربعة فراسخ في اليوم، لكن هذه المسافة أخذت تتناقص باضطراد كلما سار إلى الأمام، إذ كان يمر بأرض لم يسبق لها أن ذاقت الماء لسنين طوال، أرض قاحلة مالحة، تبتلع الماء بنهم، حتى وصل مقدار ما يقطعه الماء خلال الأربع وعشرين ساعة لا يزيد عن فرسخ ونصف أو فرسخين، وكان الماء يزداد ملوحة ومرارة كلما تقدم في هذه الأرض المالحة، وكان الجو حاراً قائظاً، ومن ثم كان الناس يرغمون على الشرب بكثرة من هذا الماء رغم ملوحته بل مرارته، فأصيب الكثير منهم بالإسهال.
كان مقرب الخاقان محمد وليخان سردار بصحبة الجيش ويشرف بكل دقة على مسيرة الماء وفي أغلب الأحيان كان يتقدم الجيش فوج أو فوجان حسب الضرورة للقيام بالمراقبة وفتح الطرق أمام الماء كلما أعاقه عائق.
وهكذا استمرت حركة الجيش ببطء شديد لسبعة عشر يوماً، فهو ينتظر عبور الماء من جهة ومن جهة أخرى لم يكن في الطريق شيء من العلف إلا الشجيرات الصحراوية وشجيرات القصب اليابسة وكان السبب الرئيسي في إنهاك الجيش هو البقاء في هذه الصحراء القاحلة فترة طويلة.
في هذه الأثناء بدأ اليأس يدب في نفوس أغلب رجال العسكر من وصول الماء إلى شور كال وكوجه قم، وخشي هؤلاء على أنفسهم من التلف والهلاك، فتضاربت أراء القادة، فكان رأي جماعة منهم مثل النواب ومقربي الخاقان العميد عبد العليخان والعميد يوسف خان والمرحوم محمد حسن خان، أن الجيش قطع الجزء الأكبر من المسافة وعليه أن يتحمل في طيه لبقية المسافة مستعيناً بقدرة الله ومشيئته، بينما كان رأي مقرب الخاقان شهاب الملك ومحمد وليخان سردار وجماعة آخرين مثل قوام الدولة ونقرة الملك وسائر القادة والعمداء بأنه في حالة وصول الماء إلى كوجه قم وقطع الجيش في حرارة الصيف اللاهبة مسافة ثمانية عشر فرسخاً، فإن ثلثي هذا الجيش سيكونون عرضة للهلاك ولن يصلوا إلى غايتهم.
ووقف أغلب القادة الخراسانيين إلى جانب الرأي الثاني وكان من رأيهم أن الجيش حيثما وصل، فالأفضل له أن يرجع إلى حشمت آباد ثم يتحرك من طريق (بل خاتون) الذي يصل إلى هرات وكلران ويكثر فيه الماء والعلف.
استمر مجلس الشورى ينعقد كل يوم، وراح الاختلاف وتضارب الآراء يتكرر كل يوم، وكان هذا أول خلاف يقع بين قادة الجيش، وفي آخر المطاف أصرت الجماعة الأولى على رأيها وتعهدت بصراحة بتسيير الجيش حتى بلوغ (كوجه قم) وإذا ما حدث نقص فإنهم مستعدون للمثول أمام الديوان الأعلى ليأخذوا جزاءهم. ثم استمر الجيش بعد ذلك في تقدمه، حتى إذا وصل على بعد فرسخين من شور كال، عاد مقرب الخاقان محمد وليخان سردار وشهاب الملك وجماعة من المحاسبين الخراسانيين وعدد من عامة الناس ممن رافق الجيش لأعمال إدارية إلى سرخس ومن هناك سافروا إلى مشهد المقدسة، وعاد برفقة هؤلاء جمع كبير من الجيش ومن الخدم والعبيد، متذرعين بمختلف الحيل والذرائع، وبلغ عدد من حصل لي العلم بهم حوالي الألف أو يزيدون، وكان أغلب هؤلاء من الخيالة وقليل منهم من الرجالة.
حتى يومنا هذا وهو الثاني من شهر ذي الحجة، لم يحدث أن تعرض التركمان لجيشنا بأي شكل من الأشكال. فلم يحدث أن سرقوا أو نهبوا أو أغاروا على العسكر. وفي صبيحة اليوم التالي حيث خرج بعض الجنود لجمع العلف، باغتهم فرسان التركمان وأسروا منهم بعض الأشخاص وغنموا خمسة وستين جملاً، ثم أخذ هؤلاء التركمان لا يتوانون في الهجوم على المعسكر في كل يوم، فينهبون ويسرقون ثم يولون مدبرين.
بعد عودة الأشخاص الذين أشرنا إليهم في اليوم الثاني من ذي الحجة لم يقطع الجيش خلال خمسة أيام برفقة الماء أكثر من ثلاثة فراسخ، حيث وصل إلى الموضع المسمى بالشورجة الذي يبعد على وجه التخمين عن قلعة شور كال الخربة بفرسخ واحد. وكان هذا الموضع محلاً لنزول الجيش، وطول اليومين الذين أمضاهما الجيش هناك لم يتحرك الماء سوى مسافة قصيرة جداً، وكان ارتفاع الماء هناك لا يتجاوز ارتفاع صخرتي طحن، بينما كان يعتقد حينما أقيم السد أن ارتفاع الماء الذي سيصل (شوركال) سيبلغ خمسين صخرة طحن، إلا أن جفاف الصحارى الرملية وهشاشتها سبّبا امتصاص أكثر الماء وحالاً دون تحقق ذلك الاعتقاد.
في هذه الحالة لم ير جميع أهل العسكر من رئيس ومرؤوس إلا اليأس من تقدم الماء، فاستقر الرأي على أن يحمل جميع أفراد الجيش كل ما يقدرون على حمله من الماء، ويحاولوا قطع مسافة الثمانية عشر فرسخاً المتبقية بأي صورة كانت حتى يبلغوا هدفهم.
الفصل الخامس
نفخ البوق مؤذناً بالرحيل قبل خمس ساعات من غروب اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام، فبذل أهل المعسكر كل ما بوسعهم لحمل الماء فملأوا القرب وكل إناء كان معهم، ورووا خيولهم وإبلهم حتى إذا بقي على غروب الشمس ثلاث ساعات، بدأ العسكر بحركته.
وكان من المقرر أن تكون الحركة في الليل لبعد المسافة وحرارة الجو وقلة الماء. وكان هدف قادة العسكر أن يجتازوا المسافة من الليل حتى الصبح لئلا يتأثر العسكر بفقدان الماء وحرارة الجو.
ركب قوام الدولة ونواب حشمت الدولة وسائر القادة قبل حركة الجند ووقفوا على بعد نصف فرسخ، وقرروا أن يضعوا حراساً في المقدمة وآخرين في المؤخرة وعلى الجناحين، وأكدوا على الحفاظ على النظام وحثوا كل رئيس وقائد على إجراء التعليمات، والقيام بضبط جانبه وعدم الغفلة مطلقاً، ثم رافقوا حراس المقدمة، وكانت هذه التنظيمات والتعليمات قد أخذت وقتاً بحيث لم يبق على الغروب إلا ساعة واحدة وكان ذلك الوقت أول الحركة.
تحرك الجيش في أرض صحراوية ملحية حارقة وهي إلى جانب ذلك مليئة بثقوب الأفاعي والجرذان بحيث تبدو للعيان وكأنها غربال فإذا ولجت رجل فرس أو بعير في أحد هذه الثقوب فمن المستبعد أن تخرج بسلام ودون عيب، وبالإضافة إلى ذلك كانت الأشجار الصحراوية العالية الكثيفة تحبس الهواء فتضيق صدور الناس، وما إن غربت الشمس ومضت من الليل ساعة أو ساعتان حتى انحل عقد الجيش وتشتت نظامه، فتفرقوا في الصحراء شيعاً، فلم يكن يعرف بأي شكل من الأشكال لا حراس المقدمة ولا سواهم، فأخذ كل شخص يحاول جاهداً قطع ما أمكنه من مسافة، وفقد في هذه الليلة من حيوانات النقل والحمل أكثر من ألفين بين بعير وبغل، حيث غفل عنها أصحابها فأضاعوها.
وكما كان مقرراً فقد استمرت الحركة طوال الليل وفي الصباح حتى ما قبل الظهر بساعتين، إذ اشتدت الحرارة صدرت الأوامر بإيقاف الحركة، وقد تخلف عن العسكر مدفع من عيار 18 باوند وترسانة الأسلحة، وتخلف مع المدفع المكسور على بعد فرسخين عميد المدفعية مقرب الخاقان عبد العلي وعميد الأفشار يوسف خان وعدد من ذوي المناصب والقادة للسعي في تصليح هذا المدفع المعطوب ولذلك رأى حشمت الدولة وقوام الدولة وسائر القادة والزعماء أن يتوقفوا في هذا الموضع، وتقرر أن يمضوا فيه بقية نهارهم ثم يتحركوا في الليل دون ماء ليقطعوا بقية الطريق.
عسكر الجيش في وسط (كوجه قم) واستقر بعض الشيء، ثم زادت الشمس من لهيبها، ونفذ ما كان مع الناس من ماء لشدة حرارة الجو ولأن أغلب الجيش لم يكن لديهم قرب، وكل قربهم صنعوها من جلود الأغنام والماعز التي ذبحوها في منزل اليوم السابق، ولذلك تعفن الماء الذي خزنوه فيها ولم يستطع أحد أن يشرب منه شيئاً بل كانت الإبل والبغال تعافه لكراهة ريحه وطعمه، وإذا كان ثمة قربة مع أحدهم كان يخفيها لساعة الضيق ولينقذ بها نفسه.
وهكذا استولى العطش على أهل العسكر ودب القلق والاضطراب في نفوسهم وبلغ الهلع في النفوس أقصاه، وأخذ الناس يتساءلون عن عاقبتهم في هذه الصحراء القاحلة، ومن ألطاف الباري تعالى أن وصلت أفواج سمنان ودامغان غايتها قبل الجميع وفي الصباح الباكر حيث كان هؤلاء في مقدمة الجيش، وفي سبيل الحفاظ على أرواحهم راحوا يحفرون الآبار بإشراف مقرب الخاقان مصطفى خان، فاستطاعوا في ذلك اليوم أن يحفروا بين الصبح والعصر ما يقارب المائتي بئر وقد بلغوا الماء في بعضها في وقت الغروب بينما بلغوه في الآبار الأخرى في منتصف الليل، ورغم أن ماءها كان مالحاً وغير مستساغ لكنها بعد إن حفرت على عمق اثني عشر إلى خمسة عشر ذراعاً خرج الماء في غاية البرودة، وهكذا قدر لهؤلاء أن يستخرجوا من هذه الصحراء القاحلة ماء بعد أن لم يكن أحد طوال القرون المتمادية يحسب أنها تحوي شيئاً منه.
كان استخراج الماء سبباً في ارتياح الناس وتهدئة خواطرهم وقد تم حفر ما يقارب الألف وخمسمائة بئر خلال ذلك اليوم وحتى عصر اليوم التالي، وخرج الماء من هذه الآبار جميعاً، فكان ذلك مدعاة لارتياح الجيش، ومن ثم أوقفت الحركة في ذلك اليوم وصدرت الأوامر بالبقاء هناك ليومين ليستريح الجند من أعباء رحلة اليوم الماضي وليرووا دوابهم.
وفي عصر يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة (1286هـ) قبل الغروب بثلاث ساعات، ملأ الجيش قربه استعداداً للفراسخ الباقية التي لا ماء فيها، ثم تحرك عبر غابة (كوجه قم) التي تتميز بصعوبتها وكثرة الثقوب في أرضها، وتقدر هذه الغابة بفرسخين ونصف عرضاً أما طولها فلم يتسن لي معرفته.
وصل الجيش صحراء (داش رباط) حين غروب الشمس، ولسوء طبيعة الأرض وكثرة ثقوب الأفاعي والجرذان فيها تقرر أن يتوقف العسكر في أطراف (خربة داش رباط) ولكن لم تنصب الخيم مطلقاً إذ كان من المقرر أن تكون الحركة في الصباح حتى يتسنى لهم قطع الفراسخ الأربعة أو الخمسة الباقية في جو معتدل.
تعتبر (داش رباط) مستقراً للقوافل، وهي خربة بنيت بإحكام من الآجر، ويذكر التركمان أن بناءها يعود إلى السلطان سنجر وتوجد بالقرب من هذه الخربة، قلعة مربعة بنيت من الآجر أيضاً وهي الآن خربة تماماً، ولكن آثارها وأطلالها لا تزال قائمة، ويمكن من خلالها معرفة مقدار طول وعرض القلعة، وكانت أطرافها معمورة بالزراعة إلا أنها في الوقت الحاضر أرض بور وكانت المزارع المتاخمة لها تروى في السابق من نهر مشهد الذي يمر عبر مرو، ولكن حتى آثار هذا النهر قد اختفت.
الفصل السادس
في هذا الموضع الذي توقف الجيش فيه لحفر الآبار، قدم شخص يدعى إمام قلي ميرزا وهو أحد شيوخ قبيلة ساروق في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة وكان مفوضاً من قبل أفراد قبيلة ساروق ومهدي قليخان زعيم قبيلة (جمشيدي)، فأظهر الطاعة والانقياد للدولة، و كان إمام قلي شخصاً في غاية العقل والرصانة وقد تعهد للجيش أن يوصله إلى (قراياب) التي كانت محلاً لزراعة طائفة تكه وتحتوي على ماء وافر وعلف كثير، ثم تحرك الجيش إلى مقصده.
حتى هذا الوقت لم يصطدم الجيش بالتركمان، وإذا كان ثمة تعرض من قبل التركمان فإنما كانوا يقومون به على شكل غارات سريعة، وسرقة، حيث يخطفون خلسة بعض الناس أو عدداً من الإبل من أطراف العسكر. لكن في اليوم الذي تحرك فيه الجيش من (داش رباط) باتجاه (قراب) بدأ سواد الفرسان التركمان ظاهراً للعان بعد ساعتين من شروق الشمس، حيث ظهر هؤلاء من أطراف الصحراء، فأخذ قادة العسكر ينظمون مقدمة الجيش ومؤخرته ثم راحوا يقاومون الفرسان التركمان الذين هاجموا أطراف العسكر بكل عناد وصلابة فكانوا يكرون ويفرون.
ولم تكن الأرض بهشاشتها وكثرة ثقوبها لتساعد على الحركة، فتوقفت خيول المدفعية وانغرست المدافع في الرمل حتى منتصفها بل أكثر من ذلك. وكانت المدافع مقسمة على الأفواج، فلكل فوج مدفع واحد أو إثنان ولكن أياً من هذه المدافع لم يتحرك حيث توقفت الخيول عن الحركة كما أسلفنا.
كان التركمان يحاولون بكل عناد القضاء على العسكر في هذا اليوم، ولكن قادة الجيش لم يروا خيراً في البقاء في هذا الموضع، ففضلوا الرحيل وراحوا يدكون التركمان بمدافعهم من بعيد، في محاولة لإقصائهم عن التقرب من الجيش، ومن ثم استغرقت المسافة بين داش رباط وقرايات التي تبلغ أربعة فراسخ غنية بالماء والعلف عشر ساعات أو أكثر، فوصل الجيش منطقة (قراياب) قبل الغروب بساعتين، وكان العطش وشدة حرارة الجو قد أثرا على الجيش تأثيراً كبيراً، فهلك الكثير منهم ومن دوابهم.
كانت منطقة قراياب محل زراعة الطائفة التركمانية، وكان هؤلاء قد بذلوا كل ما بوسعهم في زراعة هذه السنة، فكان بعض المحصول ناضجاً ولكنه لم يُحصد بعد، بينما حُصد البعض الآخر، وأكثر زراعتهم هي القمح والشعير والسمسم وبعض المحصولات الصيفية مثل البطيخ والشمام والماش واللوبياء والعدس وغيرها إلى ما شاء الله، بحيث لا يكفي جيشنا على كثرته لجني المحصول.
على الرغم من دخول الجيش (قراياب) وبقائه فيها ليومين أو ثلاثة فقد كانت العوائل التركمانية لا تزال متفرقة، حيث كان الوقت وقت جني المحصول، فتراهم موزعين في مجموعات مكونة من خمسة إلى عشرة بيوت وقد نصبوا خيمهم الصحراوية بالقرب من مزارعهم.
خلال هذه الأيام التي أمضاها الجيش في قراياب كان الفرسان التركمان يغيرون على أطراف المعسكر كل يوم تقريباً في مجموعات تضم خمسمائة فارس أو ألف أو أكثر من ذلك أو أقل، فيقع الصدام بين الطرفين، وطوال فترة التوقف هذه كان الجيش يحاول جاهداً جمع أكبر كمية ممكنة من الغلال، فبلغ مقدار ما جمعه كل شخص لنفسه عشرة أمنان، وفي هذه الأيام وردت الأخبار بأن التركمان أخلوا قلعة مرو تماماً وليس ثمة شخص فيها.
صدرت الأوامر في اليوم الثاني ببقاء الجيش في يورت قراياب وتجمع القادة والزعماء في مقر قوام الدولة، لمداولة الأمور والمشاورة ودار جدال طويل حول بقاء الجيش في يورت، وجمع محصولات التركمان والرحيل إلى قلعة مرو. وكان الرأي السائد بين أغلب قادة الجيش وعامته، أن يمكثوا حيث هم لبعض الوقت، ويخرج في كل يوم أحد كبار القادة بعدد من الأفواج وعدد من المدافع ويصطحبون معهم دواب الحمل لجمع المحصول الممتد على مسافة أربعة فراسخ، ثم تبنى قلعة في هذا المكان لخزن الغلال، ويترك فوجان أو ثلاثة مع قائد كبير وعدد من المدافع لحراسة القلعة وحفظ الغلال ثم تتم الحركة إلى قلعة مرو بعد الفراغ من هذه الأعمال، وكان هذا رأي العميد مقرب الخاقان والعميد يوسف والعميد قاسم خان ومعاون الجيش وعدد من القادة الآخرين.
بينما كان رأي نواب حشمت الدولة وقوام الدولة هو مغادرة هذا الموضع والاتجاه بالعسكر صوب مرو، وكثر الجدل في ذلك وطال، وفي نهاية المطاف أجاب قوام الدولة ونواب حشمت الدولة بقية القادة: بأنكم ملزمون بالطاعة وما نقوم به نحن هو عين مصلحة الدولة، فلا يجوز لكم أن تناقشوا في أحكام الدولة.
ثم صدرت الأوامر إلى الجيش بالحركة صوب قلعة مرو في السابع عشر من شهر ذي الحجة، ولم يستطع الجند حمل ما جنوه من محصول فخلفوه وراءهم.
ويقدر ما جمعه الجيش من محصول خلال فترة توقفه في (قراياب) بعشرة آلاف (خروار)([8]) أو اثني عشر ألف، ولم يستطع الجيش حمل كل هذه الكميات معه فأخذوا نصفها تقريباً وتركوا الباقي بين أقدامهم مبعثراً على الأرض، فلم يستفيدوا هم منه ولم يدعوه للتركمان.
كانت المسافة بين قراياب وقلعة مرو أربعة فراسخ، فرأى قادة الجيش أن يمكثوا ليلة واحدة في الطريق ثم يتابعوا سيرهم إلى القلعة في يوم الثامن عشر من ذي الحجة الذي يصادف يوم الغدير. ولكن مشيئة الله شاءت شيئاً آخر وفي ما يلي تفصيله: تحرك الجيش عند شروق الشمس من الموضع المذكور في اليوم السابع عشر من ذي الحجة وكان نواب حشمت الدولة وقوام الدولة في مقدمة الجيش بأفواج أردبيل ومشكين وفوج شقائي وقرائي السادس عشر وفرسان (هزارة). ولم يكد هؤلاء يتحركون قدر ميدان واحد حتى اصطدموا بموقع للتركمان يضم حوالي ثلاثة أو أربعة آلاف عائلة، ولما كان ذلك أول دخول الجيش لأطراف مرو، والتركمان لما يحزموا أمرهم بعد، فقد رغب نواب حشمت الدولة وقوام الدولة في إظهار قوة الجيش وصلابته، وتوجيه ضربة مؤلمة للتركمان ومن جانب آخر حسب التركمان أن حركة الجيش من قراياب إنما كانت تستهدفهم، ومن ثم أخرجوا منهم ألف فارس وخمسمائة راجل ووضعوهم في مزارع الشعير، ودفعوا بما يقارب المائة مقاتل من فرسانهم أمام هذه المزارع لإظهار الجلادة والشجاعة، وراح هؤلاء يطلقون سهامهم ونارهم.
أصدر قوام الدولة في البداية أوامره لفرسان (هزارة) بالتصدي لهؤلاء التركمان وإقصائهم عن المعسكر. فهجم هؤلاء هجمة رجل واحد وراح التركمان يستدرجون فرسان الجيش شيئاً فشيئاً للإيقاع بهم في مزارع الشعير، حتى إذا وصلوا هذه المزارع خرج إليهم الفرسان والرجالة التركمان وراحوا يطلقون النار عليهم، فلما رأى نواب حشمت الدولة ذلك وأدركوا أن التركمان آخذون بأسباب القوة أمروا جنود فوج أردبيل ومشكين الذين كانوا في مقدمة الجيش بالهجوم على مزارع الشعير وطرد التركمان منها.
فبادر أفراد هذا الفوج الهجوم ببنادقهم وحرابهم، بكل صلابة وجرأة، وتمكنوا من رد التركمان إلى الخلف بعيداً عن المزارع. ثم تبع هذا الفوج. فوج الشقائي والقرائي السادس عشر، فحمل على التركمان وراح يطلق عياراته النارية وقذائف المدفعية مستفيداً من مدفعين كانا في مقدمة الجيش، فأصيب التركمان إصابات بالغة وتقهقروا إلى مضاربهم التي تتصل بنهر (شهد).
كان التركمان قد أقاموا ثلاثة مواضع قتالية محكمة أمام مضاربهم، فحمل فوج أردبيل عليهم، وأرغمهم على الانسحاب من الموضع الأول، ثم دخل الموضع الثاني فانتزعه منهم ودخل مضاربهم وراح يقاتلهم بكل شدة وبأس ووصل الأمر أن راحت نساء التركمان يذرين التراب في أعين الجنود ويبعدنهم عن المضارب بأعمدة الخيم، وما زال الأمر على هذه الحال حتى استعاد التركمان بعض قوتهم.
وقد استغرقت هذه المعركة ست ساعات أو سبعاً، فصدرت الأوامر للجيش أن يمكث حيث هو ولا يوغل في التقدم، ليلتقط الناس بعض أنفاسهم وليتم إرسال فوج ومدفع لفوج أردبيل وفوجي المقدمة. ثم بلغ أهل العسكر خبر دخول فوج أردبيل في مواضع التركمان، فظن الناس أن هؤلاء قد استولوا على مضارب القبيلة وباشروا أعمال السلب والنهب، فلم يطب لهم أن يحرموا أنفسهم من الغنائم، فهجموا دون قيادة أو توجيه، وحشروا أنفسهم بين المقاتلين وكان عدد هؤلاء العوام أكثر من عدد الجنود المحاربين، فأعاقوهم عن القتال، بل راحوا يسحقونهم ويتقدمون إلى مضارب القبيلة.
اشتد عزم التركمان بعد مشاهدتهم لهذه الفوضى، فهجموا على هؤلاء العوام وقتلوا منهم جماعة ببنادقهم وأعملوا سيوفهم في الآخرين، فلاذت البقية بالفرار إلى المعسكر، وهكذا لم تصل المقاتلين أية مساعدة من المعسكر، فحسبوا أن التركمان دخلوا معسكرهم ولذلك كفوا عن القتال وعادوا أدراجهم، وإذ ذاك اشتدت عزيمة التركمان فقتلوا بسيوفهم سلطان فوج أردبيل وعدداً من الجنود وقتلوا بعض الجنود من الفوجين الآخرين، وأسروا كل من وقع في أيديهم من فرسان وأناس عوام.
توقفت المعركة قبل غروب الشمس بساعتين، ولم يستطع الجيش التقدم في الأربعة فراسخ الباقية أكثر من نصف فرسخ، وعلم بعد التحقيق أن عدد المقتولين والمأسورين من عسكرنا بلغ المائتين، بينما لم تفقد طائفة التركمان أكثر من أربعين أو خمسين شخصاً.
تقرر في اليوم التالي المصادف لعيد الغدير، أن يمكث الجيش في مواضعه، فخاف التركمان لذلك كثيراً، واعتقدوا أن الجيش سيحمل برمته على مواقعهم ويمزقهم شر ممزق.
وقد رأوا أن الجنود الذين دخلوا المعركة لم يتضرروا كثيراً، وقد صمدوا بكل جرأة وبطولة رغم كون مقاتلي قبيلتهم أكثر من هؤلاء الجند بمرتين أو ثلاثة.
واعتقد التركمان اعتقاداً راسخاً بأن الجيش إذا ما هاجمهم في اليوم اتالي كما فعل في اليوم السابق، فسيمنون بهزيمة منكرة، وستقع عوائلهم في أسر الجيش. ومن ثم عزموا عزماً أكيداً على حزم أمتعتهم والفرار إلى بخارى أو الدخول في طاعة الدولة إن أمكن ذلك.
كان رأي جميع القادة الخراسانيين مثل يوسف خان إيل بكي هزار وعطاء الله خان التيموري وسائر آمري الوحدات وأهالي خراسان هو أن يمكث الجيش حيث هو ثم يهجم على القبيلة التي لا تزيد على الثلاثة أو أربعة آلف عائلة فيستأصلها من طريقه، لتكون بذلك عبرة للتركمان الآخرين، فإما أن يهربوا أو يدخلوا في الطاعة.
إضافة إلى ذلك، فقد سمعت بنفسي من التركمان الذين يقعون في أسر الجيش بأن الجيش إذا ما شن حملته في اليوم التالي كما فعل في يومه هذا، فسينتهي الأمر دون ريب، ولكن برغم ذلك كله، لم يفضل زعماء الجيش البقاء في هذا الموقع ورجحوا ترك القبيلة على حالها والمغادرة في يوم 19 / ذي الحجة إلى قلعة مرو.
قطع الجيش في اليوم العشرين من ذي الحجة مسافة فرسخ واحد، ثم قرر التوقف ليلته تلك في موقع يسمى (سمندوك) ثم تحرك من هناك باتجاه قلعة مرو، وحط رحاله خارج القلعة على ضفاف نهر يتفرع من نهر (شهد) ويصل إلى قلعة مرو. واستمر التوقف هناك خمسة أيام، وفور نزول الجيش في هذا المكان، أخرج خمسون شخصاً من كل فوج وأُمروا بحراسة قلعة مرو والحفاظ عليها والدأب على مراقبة أطرافها.
كان التركمان ينتهزون وقت الليل فيباشرون بالإغارة على المعسكر، ويحاولون خلسة وعلناً جاهدين الإيقاع بعدد من الأسرى، حيث كانوا يخطفون بعض الجنود أثناء الليل بمختلف الأساليب، فمثلاً حينما يذهب أحد الجنود لجلب الماء، يكون ثمة شخص أو شخصان من التركمان مختفيين بين شجيرات القصب في الجانب الثاني للماء.
ثم يقومان بالنزول إلى الماء عراة حتى عن ستر عورتيهما وليس معهما إلا سيفاهما، ثم يقتربان من ذلك الجندي الذي يحاول ملء قربته من الماء، فيجذبانه من يده إلى الماء ثم ينسلان خارج الماء ببطء وروية، فيأخذ الجندي بالصياح والاستغاثة، وإلى أن يسمعه رفاقه وتأتيه النجدة من المعسكر، يكون التركمان قد دخلوا المعسكر ووصلوا حيث يشاؤون ثم يكرون راجعين من حيث أتوا دون أن يراهم أحد.
تستمر هذه الحوادث ويتكرر وقوعها في هذه الليالي من ولوج الليل حتى انبلاج الصبح. ولما كانت خيم أفواج سمنان ودامغان وأفواج العرب والعجم محاذية لضفة النهر، فقد كان هؤلاء يتعرضون لمثل هذه الحوادث أكثر من غيرهم.
وكانت أفواج مراغة قد أظهرت جلادة وشجاعة في هذه الليالي، حيث يعمد بعض أفرادها إلى الاختفاء بين شجيرات القصب والتربص بالتركمان، حتى إذا قدم جماعة منهم هجموا عليهم فيقتلون بعضهم ويأسرون آخرين.
العقيد يحيى شهيدي
الحَرّة (وقعة)([9]*)
كان وصول يزيد بن معاوية إلى الخلافة موضع نقمة العالم الإسلامي، وقد عبر هذا العالم عن نقمته بشتى الأساليب، ولم يكن عجيباً أن تكون مدينة الرسول في طليعة الناقمين. وقد كان معاوية طيلة مدة خلافته قد تعمد إذلال (المدينة) وإذلال أهلها لأنه لم ينسى لهم أنهم كانوا مادة القوة العسكرية في معركة بدر، وهي المعركة التي شهدها هو بنفسه مع المشركين فنجا من القتل بفراره ركضاً على قدميه.
وإذا كان معاوية قد نجا فأن أخاه حنظلة قتل، وقتل كذلك جده وخاله: عتبة والوليد، وذلت أسرته بيد مسلمي المدينة أنصار محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ظل إسم (الأنصار) الذي أطلقه عليهم النبي بحق ملازماً لهم، لأنهم أحسنوا نصره لا سيما يوم بدر.
وظل حقد معاوية على الأنصار يتلظى في قلبه حتى ولي الخلافة فانتقم منهم بشتى وسائل الانتقام منها أنه أغرى شاعره الأخطل بهجائهم فقال فيما قال:
ذهبت قريش بالمفاخر كلها
واللؤم تحت عمائم الأنصار
وكان قد حاول أن يغري بهم أكثر من شاعر، ولكن الشعراء المسلمين رفضوا التعرض لهم، فأقدم على ذلك شاعرمعاوية النصراني.
النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم يقول بعد موقعة حنين: «لولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار، اللهم إرحم الأنصار وأبناء الأنصار».
النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم يقول هذا القول في الأنصار فيرد عليه شاعر معاوية: اللؤم تحت عمائم الأنصار. لم يكن معاوية يستطيع أن يأمر شاعره بهجاء محمد باسمه الصريح فأمر شاعره أن يهجو أنصاره ملحقاً بهم محمداً دون أن يسميه… ألم يقل محمد صلى الله عليه واله وسلم أنه لولا الهجرة لكان من الأنصار؟ فهو يجعل نفسه واحداً منهم، إذن فليهج شاعر معاوية الأنصار أفظع هجاء!. وهل أفظع من أن يقول أن اللؤم تحت عمائمهم؟! ليهجهم شاعره فأنه بهذا الهجاء يروي غليله من محمد أولاً لأن محمداً أعلن أنه أنصاري، ثم يشفي غليله منهم!…
إن هجاء الأنصار كان في حقيقته هجاء لمحمد… الأنصاري العريق… وأكثر من ذلك: أنه تحد عنيف لمحمد صلى الله عليه واله وسلم الذي قاتلته قريش يوم بدر، تحد له في عداء قريش له بزعامة أبي سفيان. فتمدح محمد بالأنصار كان يعني في الواقع تعريضاً بقريش، التي ناصبته وناصبتهم العداء، لذلك بدأ الشاعر أولاً بالإشادة بقريش قائلاً:
ذهبت قريش بالمفاخر كلها
واللؤم تحت عمائم الأنصار
وأعظم مفاخرها عند معاوية وشاعره أنها كانت عدوة محمد وعدوة دعوته، وعندما يشيد شاعر معاوية بها فهو إنما يشيد بهذه العداوة.
فهذا الشعر هو أولاً مدح لقريش بزعامة أبي سفيان التي طاردت محمداً وكفرت بدعوته وعذبت أنصاره، ثم همت بقتله لولا فراره منها إلى (الأنصار) الذين حموه منها وآمنوا بدعوته، ثم هزموا قريشاً يوم بدر بعد أن قتل بعض زعمائها وفي طليعتهم حنظلة أخو معاوية وجده عتبة وخاله الوليد وأخو جده شيبة. ثم هو هجاء لمحمد المعلن إنتماءه للأنصار وتحد له ورد عليه…
ومن إنتقام معاوية من الأنصار فرسان معركة بدر أنه عندما دخل حاجبه يطلب لوفدهم الإذن بالدخول عليه، وقال له أن وفد الأنصار في الباب، هاج هائج معاوية وذكرته هذه الكلمة (الأنصار) بيوم بدر بمقتل أخيه وجده وخاله، فقال لحاجبه قل لهم: ليدخل أبناء قيلة([10]).
رفض أن يلقبهم بلقبهم الذي أطلقه عليهم النبي صلى الله عليه واله وسلم لأنه إشعار بما ناله وقومه المشركين على أيديهم يوم بدر، فلقبهم بلقبهم الجاهلي، لأنهم كانوا يدعون قبل الإسلام بأبناء قيلة.
ولما قال حاجبه ليدخل أبناء قيلة، رفض الأباة منهم هذا اللقب ورفضوا الدخول وقال قائلهم:
يا سعد لا تجب النداء فما لنا
لقب نجيب به سوى الأنصار
ويطول بنا مجال القول لو أردنا تعداد ما حاول به معاوية إذلال الأنصار من محاولات على أن من أفظع ما فعل بهم أنه أفقرهم كل الإفقار.
يقول ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة)([11])، وهو يتحدث عن معركة (الحرة) وعواملها: «ثم قدم (عثمان بن محمد بن أبي سفيان الذي عينه يزيد بن معاوية والياً على المدينة)، فأقبل ابن بسراح له
قدم ( عثمان بن محمد بن ابي سفيان الذي عينه يزيد بن معاويه واليا على المدينة) فأقبل ابن ميثاء بسراح له من الحرة يريد الأموال التي كانت لمعاوية([12]) فمنع منها وأزاحه أهل المدينة عنها.
وكانت أموالاً اكتسبها معاوية ونخيلاً يجد منها مئة ألف وسق وستين ألفاً([13])، ودخل نفر من قريش والأنصار على عثمان فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا، وأن معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهماً فما فوقه حتى مضنا الزمان ونالتنا المجاعة، فاشتراهها منا بجزء من مئة من ثمنها.
فأغلظ لهم عثمان في القول وأغلظوا له، فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم وما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة، والأحقاد التي لم تزل في صدوركم.
فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على منع ابن ميثاء القيم عليها، فكف عثمان بن محمد عنهم وكتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية اهـ.
وتلخص القضية بأن معاوية الحاقد على أهل المدينة أنصار رسول الله وأصحاب معركة بدر وحماة الإسلام قد ملك القوة للإنتقام فبيده السلطة المطلقة التي يستطيع بها قهر الشعب والثأر منه، فعمل على إفقار أهل مدينة الرسول فمنع عنهم العطاء منعاً تاماً، حتى نالتهم المجاعة على حد تعبير وفدهم، فاضطروا لعرض أملاكهم للبيع وكان هو المشتري الوحيد، لذلك تحكم بالثمن فلم يعطهم جزءاً من مئة من ثمنها.
ومات معاوية وأراد يزيد أن يستمر باستغلال أملاك المدنيين وأرضهم وجاء مندوبه ليحمل نتاجها، فتصدى له أصحابها ومنعوه من ذلك وأرادوا استرداد أموالهم، فذهبوا إلى والي يزيد على المدينة عثمان وطلبوا إليه التوسط في شأنهم، وأوضحوا له كيف اغتصب منهمم معاوية أموالهم بإفقارهم.
ولكن الوالي لم يكن في وارد إنصاف الناس والإستماع إلى شكاواهم فشتمهم مغلظاً لهم في القول، فلم يبالوا به وردوا عليه بالمثل، فهددهم بالكتابة في أمرهم إلى يزيد وفعل.
والملفت في هذا الموضوع هو قول الوالي لهم: «لأكتبن بسوء رأيكم وما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة والأحقاد التي لم تزل في صدوركم».
مع أن وفدهم إليه لم يتحدث عن الأضغان والأحقاد، وكل ما قاله هو المطالبة بحقوقهم واسترداد أموالهم. ولكن والي يزيد وهو ابن عمه الذي يحمل ذهنية يزيد نفسها، وما فيها من الضغن والحقد على أهل المدينة أصحاب معركة بدر، كان أول ما ثار في نفسه ـ وهو يستمع إلى وفد أهل المدينة ـ هو ذلك الضغن وذلك الحقد، فكان رده لا مناقشة مطالبهم، ولا حتى الإعلان برد تلك المطالب، بل كان رده الحديث عن الأضغان والأحقاد.
لقد كتب الوالي عثمان إلى يزيد بأمر أهل المدينة. ويحدثنا عبد الله بن جعفر ـ كما يروي صاحب كتاب الإمامة والسياسة ـ إن يزيد إستدعاه إليه بين يديه، فقال: دونك هذا الكتاب، فاقرأه، فرأيت كتاباً قبيحاً فيه تعريض لأهل المدينة وتحريش. ثم قال يزيد: والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم.
ثم يقول عبد الله: إنه حاول أن يتوسط لديه، فأجابه يزيد، أقتل وإشفي نفسي. وألح عبد الله في وساطته، ويقول عن نفسه أن يزيد كان له سامعاً مطيعاً.
فكان كل ما حصل عليه من وعد من يزيد: أن قال له: إن ابن الزبير حيث علمت من مكة، وهو زعم أنه قد نصب الحرب، فأنا أبعث إليه الجيوش، وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ المدينة طريقاً.
ثم يقول يزيد كلاماً طويلاً خلاصته: إن على أهل المدينة أن يقروا بالطاعة وأن ينزعوا من غيهم وضلالهم فعند ذلك يجوزهم الجيش إلى ابن الزبير. وإن أبو قاتلهم، فإن ظفر بهم أباح المدينة ثلاثة أيام.
إن مطالبة (الأنصار) بأموالهم المغتصبة من عهد معاوية أثارت يزيد إلى هذا الحد، ولا شك أن واليه عثمان قد ذكره بالأضغان والأحقاد.
ليس (الأنصار) هم الذين تحدثوا عن الأضغان والأحقاد ـ كما رأينا ـ بل الذي تحدث عنها عثمان والي يزيد وابن عمه. والأنصار كانوا مجرد مطالبين بحقوق مغتصبة، وما علاقة المطالبة بالحقوق بالأضغان والأحقاد؟… ولكن عثمان صاحب الحقد والضغن أثارها في وجوه الأنصار، وذكر بها يزيد في كتابه إليه وهو لا يحتاج إلى تذكير لذلك كان رد يزيد عليها في مخاطبته لعبد الله بن جعفر: والله لأطأنهم وطأة آتي بها على أنفسهم!
وهل تكون مطالبة مواطنين للسلطة باسترداد أموالهم المغتصبة مدعاة لأن يهددهم رأس السلطة بأن يطأهم وطأة يأتي بها على أنفسهم.
لقد رأينا فيما تقدم أنه لم تكن للأنصار تطلعات ثورية، ولا تفكيراً تمردياً، بل كان كل ما قالوه وفعلوه هو إنهم عرضوا مظلمتهم على والي يزيد بكلام هين لين هادىء، إنهم يريدون أن ينظر الوالي بمطلبهم ويرد عليهم حقوقهم، لأنه هو المرجع الوحيد الصالح لذلك، إنهم لم يحملوا السلاح في وجه (ابن ميثاء) ولا هددوا باسترداد حقوقهم بالقوة، بل منعوه من تسلم نتاج أموالهم إلى أن يراجعوا الوالي، وبالفعل راجعوا الوالي شارحين له حالهم، فكان رد الوالي: الإغلاظ لهم وتذكيرهم بأضغان بدر وأحقادها.
ثم قدم (تقريره) ليزيد فوجد يزيد فرصته للثأر لمعركة بدر من الأنصار أهل المدينة، أبطال معركة بدر، فكان رد فعله على كتاب واليه إليه: لأطأنهم وطأة آتي بها على أنفسهم.
وعندما حاول عبد الله بن جعفر تهدئته كان صريحاً في جوابه كل الصراحة: «أقتل واشفي نفسي!…».
وهل في مطالبة الأنصار بحقوقهم المالية ما يدعو إلى القنل؟ وهل في ذلك ما يؤدي إلى علة نفسية تملكت يزيد ليعلن أنه يريد أن يشفي نفسه؟…
لا…أبداً… إن الذي يدعو إلى القتل هو أن انتصار هؤلاء المدنيين لمحمد يوم بدر وقتالهم بين يديه أدى إلى ما أدى إليه في أسرة يزيد التي كانت تقود الفريق المقابل لمحمد وأنصاره…
وإن علّة يزيد النفسية هي تذكر عمه وجده وخاله وقد قتلوا يوم بدر في محاربة محمد والإسلام، وتذكر أبيه معاوية وهو يفر هرباً مما أصاب أخاه وأسرته.
هذا ما كان يزيد يروم أن يشفي نفسه منه، وقد جاءته الفرصة المناسبة!.
وقد أدت وساطة عبد الله بن جعفر ـ كما رأينا ـ إلى لا شيء، بل إلى وعيد وتهديد يصر فيه يزيد على احتلال المدينة بالجيش الزاحف إلى ابن الزبير، ويطلب من أهل المدينة أن يقروا بالطاعة وينزعوا عن غيهم وضلالهم، فأن فعلوا كف عنهم وإلا قاتلهم.
ها هي الشروط التي وضعها يزيد للكف عن أهل المدينة: أولاً: احتلال المدينة، ثم الإقرار بالطاعة، والنزوع عن الغي والضلال…
ويهمنا هنا أن نعرف تحديد الطاعة التي يطلبها يزيد من أهل المدينة، وتحديد الغي والضلال، وماذا يعني بهما.
نحن نعرف مما تقدم أنه حتى ذلك الوقت لم يكن لأهل المدينة ما يمكن أن يوصف بعدم الطاعة، سوى مطالبتهم باسترداد حقوقهم التي اغتصبها معاوية، ومما يمكن أن يوصف بالعصيان سوى محاولتهم منع (إبن ميثاء) من استلام نتاج أملاكهم إلا بعد البت بشكواهم التي رفعوها إلى الوالي عثمان بن محمد بن أبي سفيان.
وبهذا يمكننا أن ندرك مفهوم (الطاعة) التي يطلبها يزيد من أهل المدينة، وهي أن يتنازلوا عن حقوقهم ويصرفوا النظر عن المطالبة بأملاكهم المغتصبة، وإلا فهم العصاة الذين يجب تأديبهم!..
وندرك أيضاً ما يعنيه بالغي والضلال، اللذين يطلب من أهل المدينة النزوع عنهما، وهما الإصرار على المطالبة بالحقوق!…
وكم يبدو عبد الله بن جعفر ساذجاً حين يحسب أن في هذا الذي عرضه يزيد حلاً للعقدة، لذلك يقول: فرأيت هذا لهم فرجاً. ثم كتب لهم بما عرضه يزيد وحضهم على الطاعة والتسليم.
ويقول عبد الله: فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: والله لا يدخلها عنوة أبداً.
فماذا يبقى في أيديهم بعد أن يحتل جيش يزيد المدينة فيرغمهم على تنفيذ جميع مطالبه، لذلك كان من الطبيعي أن: (لا يريدوا ذلك ولا يقبلوه).
على أن الذي أنهى الأمر وحسمه هو الكتاب الذي كتبه يزيد إلى أهل المدينة وأمر واليه عثمان بن محمد أن يقرأه عليهم. وهو:
أما بعد فأني قد نفستكم حتى أخلفتكم، ورفعتكم حتى أخرقتكم، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود، وأيم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي، فلا أفلح من ندم([14]).
بهذا الكتاب مهّد يزيد عند أهل المدينة لجيشه المقبل عليهم، فهل بقي لهم من خيار إلا الثورة؟
ونحن نتساءل هنا متى حصل هذا الذي يدعيه يزيد عند أهل المدينة؟ ومتى نفسهم؟ ومتى رفعهم؟ ومتى أعلاهم على رأسه؟
إن قوله لهم: لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي… إلى آخر ما قال هو الذي آثره ويؤثره دائماً… أنهم أبطال معركة بدر أنصار محمد فيها، فلا بدع أن يؤثر وضعهم تحت قدميه!…
إن كل كلمة في الكتاب تستفز حتى أجبن الجبناء، وتستثير حتى ألأم اللؤماء، فكيف لا تستفز الأنصار ولا تستثير أهل المدينة، لذلك كان لا بد من الثورة ولا مناص من التمرد، ومقاومة جيش يزيد الزاحف إليهم.
واختار يزيد لقيادة هذا الجيش مسلم بن عقبة. فلماذا وقع اختياره عليه مع أنه كان مريضاً مشرفاً على الهلاك، أو كما قال صاحب كتاب (الإمامة والسياسة) إنه قال له: «سر إلى المدينة بهذه الجيوش وإن شئت أعفيتك، فإني أراك مدنفاً منهوكاً».
ولكن مسلماً أصر على قبول المهمة رغم ماهو عليه…
لماذا كان ذلك؟ لماذا اختار يزيد لهذه المهمة مسلماً بن عقبة المدنف المنهوك؟ ولم أصر مسلم على قبول المهمة مع ماهو فيه؟…
إن البلاذري صاحب كتاب (أنساب الأشراف) يوضح لنا الأمر على حقيقته: لقد كان اختبار يزيد لمسلم اختياراً يراد به الامعان في الإنتقام من محمد صلى الله عليه وسلم ومن الإسلام ومن الأنصار أهل المدينة.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وجه أسامة بن زيد إلى بني غطفان، فكان مسلم هذا ممن وقع في أسر المسلمين وجيىء به إلى المدينة، فعاش فيها عبداً إلى أن أعتقته إمرأة من الأنصار.
إذن فليس أجدر منه للإنتقام من محمد ومن الإسلام ومن أهل المدينة الذين عاش بينهم عبداً، عاش عبداً أسره الأنصار مشركاً مقاتلاً للإسلام والمسلمين.
لذلك إختاره يزيد، وهو (مدنف منهوك)، وأسرع هو في القبول على مافيه من الدنف والإنهاك!
ولما خرج مسلم بالجيش متوجهاً إلى المدينة خرج يزيد يودعه ويوصيه، فمما قال له: السيف السيف، أجهز على جريحهم، وأقبل على مدبرهم، وإياك أن تبقي عليهم([15]) على أنه قال له: وإن لم يتعرضوا لك فمض إلى ابن الزبير…
ونحن نسأل هل ترك لهم الخيار في أن لا يتعرضوا له بعد أن قرأ عليهم واليه كتابه المرسل إليهم، وبعد أن أمر مسلماً باحتلال المدينة؟ ولو لم يغضبوا إلا لكرامتهم حين واجههم في كتابه بأنه سيضعهم تحت قدميه ويطأهم لكان ذلك كافياً لأن يتعرضوا لجيشه المهدد لهم بالإحتلال واستباحة الكرامة قبل الحقوق.
لقد كان كل تصرف ليزيد وكل كلام له هو استفزاز واستثارة، وهو حمل على التمرد ليستطيع قائده ابن عقبة أن ينفذ وصيته فيهم: السيف السيف… إياك أن تبقي عليهم.
ووصل مسلم بن عقبة إلى المدينة ودافع أهل المدينة عن مدينتهم وقاتلوا الغزاة المستبيحين، ثم غلبتهم القوى المتكاثرة عليهم ودخل مسلم بن عقبة مدينة الرسول عاصمة الإسلام الأولى، دخلها فاتحاً بعد أن كان الإسلام قد أدخله إليها أسيراً ذليلاً.
ولا شك أنه كان في كل خطوة يخطوها يشعر بالزهو الذي لا حد له أن استطاع أن ينتقم من محمد ومن أنصار محمد ومن عاصمة محمد.
محمد الذي جاء بدين قاومه أهل مسلم بن عقبة وقاومه هو معهم فقاتلهم محمد وانتصر عليهم فأسر مسلم في هذا الإنتصار، وها هو اليوم يقول لمحمد: قم وانظر إلى أسيرك يدخل عاصمتك فاتحاً لها.
أنصار محمد الذين كانوا جيش ذلك النصر، وها هو اليوم يقول لهم: لقد كنت أسيراً لكم في الإسلام، وها أنتم اليوم أسراي.
عاصمة محمد التي ضمت محمد وأنصاره أعزاء وضمته هو ذليلاً، وها هو اليوم يقول لها: إني أبدل اليوم عزك ذلاً، كما بدلت بالأمس عزي ذلاً.
ثم يلتفت إلى يزيد فيقول له: لم يضع دم عمك ودم جدك ودم خالك الذي أراقه عم محمد حمزة وابن عمه وصهره علي وابن عمه عبيدة بن الحارث يوم بدر ـ لم يضع ذاك الدم هدراً، لم تطل دماء قومك التي أراقها (بنو قيلة) في ذلك اليوم.
وفرار أبيك يومذاك ركضاً على قدميه… فراره… ليت عينيك تبصران الذين فر منهم، أبوك يومذاك… ليتك تبصرهم وهم يفرون اليوم جميعاً من قائد ابن أبيك. السيف، السيف… هذا ما أوصيتني به… لبيك… لبيك…
هذا هو السيف سيفك يقتل عبد الله بن زيد صاحب محمد المقرب إليه، وها هو رأسه يفصل عن جسده ليرسل إليك. وها هو معقل بن سنان حامل لواء قومه مع محمد يوم فتح مكة، ها هو بين يدي أسيراً ذليلاً… أيحمل لواء قومه فيشارك في فتح مكة… لن يتباهى بذلك بعد اليوم… السيف السيف… وها هو السيف ينتقم منه فيقتله.
يقول ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة): (قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلاً، ولم يبق بدري بعد ذلك) ([16]).
لقد قال يزيد لعبد الله بن جعفر ـ كما رأينا فيما تقدم من القول ـ : «أقتل واشف نفسي».
لقد شفى نفسه بالفعل، فها هم ثمانون من أصحاب محمد يقتلهم جيشه، ثمانون يمكن أن تقوم دماؤهم بدماء جده وعمه وخاله، والأهم من ذلك أنه أباد البدريين جميعاً.
لقد كان لقب (بدري) لقب شرف أطلقه المسلمون على من شهد منهم معركة بدر، معركة النصر الإسلامي الأول، المعركة التي قتل فيها المسلمون في ساحة الحرب جد يزيد وعمه وخاله.
السيف السيف: أبد البدريين يا مسلم بن عقبة ليعود هذا اللقب عليهم شراً ووبالاً بعد أن كان لهم شرفاً وتكريماً…
أبدهم لكي لا نعود نسمع كلمة (بدري). وأبادهم قائد يزيد، وشفى يزيد نفسه…
ونورد هنا بعض قصص ما جرى وفيه الدلالة على كل ما جرى، كما فيه عبر أي عبر:
1 ـ محمد بن مسلمة الأنصاري رفض أن يبايع علي بن أبي طالب بالخلافة عندما بويع بعد مقتل عثمان، وبأمثال محمد هذا وصلت الخلافة إلى يزيد.
ومن حسن حظه أنه كان قد مات عندما هاجم جيش يزيد المدينة وفتك فيها فتكته الفظيعة. ولكن إذا كان محمد بن مسلمة قد مات فإنه ترك بعده ولده زيد وترك داره وأسرته.
قال ابن قتيبة وهو يتحدث عن وقعة الحرة: «وأول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبد الأشهل، فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها، فدخلوا دار محمد بن مسلمة فصاح النساء فأقبل زيد بن محمد بن مسلمة إلى الصوت فوجد عشرة ينهبون فقاتلهم ومعه رجلان من أهله حتى قتل الشاميون جميعاً وخلصوا منهم ما أخذ منهم، فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيه وألقي عليه التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام فقاتلهم أيضاً حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشرة رجلاً».
ولكنه إذا كان قد سلم في المرة الماضية فإنه لم يسلم هذه المرة، فضربوه بالسيف وتعمد أربعة منهم أن يضربوه بالسيف في وجهه، وأعتقد أن الذي بعث القوة في نفس زيد بن مسلمة فجعله يستميت هذه الاستماتة لا نهب الأموال، بل الدفاع عن أخواته وبناته وقريباته، فإن تعليمات يزيد لمسلم بن عقبة كانت أن يبيح المدينة لجنوده ثلاثة أيام فكانت الإباحة إباحة عامة شاملة لم تقتصر على النهب والسلب بل وصلت إلى هتك الأعراض، فقد كان الرجل بعد وقعة الحرة إذا أراد أن يزوج إبنته لا يضمن بكارتها يقول لعله أصابها شيء يوم الحرة.
ويقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن مسلم بن عقبة: «ودخل جنده المدينة فنهبوا الأموال وسبوا الذرية واستباحوا الفروج، وحملت منهم ثمانمئة حرة وولدن وكان يقال لأولئك الأولاد: أولاد الحرة…».
إن استماتة زيد بن محمد بن مسلمة لم تكن لنهب منزله، ولكنه سمع صيحة النساء: أخواته وبناته فاستمات دفاعاً عن شرفهن، والله وحده يعلم ما إذا كن من بين الثمانمائة اللواتي تحدث عنهن ياقوت الحموي، فلم يكن ليتركهن جنود يزيد سالمات بعد أن قتل رجلهم زيد من قتل منهم.
يا محمد بن مسلمة… رفضت أن تبايع علي بن أبي طالب وخذلته مع الخاذلين… فذق نتيجة ما جنت يداك ذقها في بيتك وفي إبنك وفي بناتك وفي حفيداتك([17])…
2 ـ أبو جهم بن حذيفة العدوي ابن عم عمر بن الخطاب جيىء به إلى مسلم بن عقبة فقال له: من أنت؟ فقال: أنا أبو جهم بن حذيفة العدوي، قال مسلم: أو تتكنى علي؟ وتقول أبو جهم بن حذيفة؟! بايع الآن يزيد بن معاوية على أنك من عبيده([18])! فقال أبو جهم: يا سبحان الله كيف أكون عبداً ليزيد وأنا رجل من قريش معروف الحسب والنسب؟! فقال مسلم بن عقبة: اضربوا عنقه! فقال أبو جهم: أنا أبايع على ما تأمرني به، فقال: لا والله لا أقيلك، ثم قدم فضربت عنقه([19]).
وكان مجموع من قتل من أهل المدينة عشرة ألاف، فاشتفت نفس يزيد كل الإشتفاء… وقال محمد بن بحرة الساعدي مخاطباً جيش يزيد ويزيد نفسه:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم
فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن تركناكم ببدر أذلة
وأُبنا بأسياف لنا منكم نفل
ويقول الدكتور طه حسين في كتابه عن الأدب الجاهلي: «إن أبا سفيان عند فتح مكة نظر فإذا هو بين إثنتين: أما أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة وأما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى وألقى الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار وأصبح الناس جميعاً في ظاهر الأمر إخواناً مؤتلفين في الدين وقد طال انتظار أبي سفيان حتى قام حفيده يزيد بن معاوية فانتقم من غزوة بدر في وقعة الحرة. ويزيد صورة صادقة لجده أبي سفيان في السخط على الإسلام وما سنه للناس من سنن:
وقال الحسن البصري يتحدث عن بعض ما جرى في المدينة يوم وقعة الحرة:
«دخلها (المدينة) أهل الشام ثلاثاً لا يغلق لها باب إلا أحرق بما فيه، حتى أن الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينزعون خمرهن من رؤوسهن وخلاخلهن من أرجلهن سيوفهم على عواتقهم وكتاب الله تحت أرجلهم([20]).
الحروف أو الألفاظ والحروف
ألّف الفارابي هذا الكتاب لحل مشكلات أرسطو الإلهية، وبيّن في بدء رسالته هذه ألفاظ المصطلحات، ثم أرسل كلامه حول المقولات، ثم شرح معاني العبارات المستعملة في هذا العلم. وبخلاصة فقد تصدى للفرق بين المطالب البرهانية والجدلية والمغالطة، إلى أن جرّ ذلك إلى أصل الكلام في موجودات اللغات وارتباطها وتطابقها أو اختلافها في بناء الأعضاء الصوتية، ثم وصل إلى أوضاع المجتمع، فتحدث عن النواميس الدينية والسياسية والفلسفة البرهانية.
هذا الكتاب من الجانب العلمي مهم جداً بالنسبة لطلاب البحث والتحقيق في اللغات القديمة ولغات القرون الوسطى، من باب المثال: عندما يبحث عن الوجود، الوجدان، الموجود وتعريف ذلك وتقسيمه، يستعمل لغات سغدي الثلاث، ويذكر معادلها في اللغات العربية والفارسية وغيرهما.
توجد نسخة خطية خاصة في المكتبة المركزية لجامعة طهران رقمها 2/ 339.
و«جلال الدين السيوطي» نقل قسماً من هذا الكتاب في كتابه «المزهر في علوم اللغة وأنواعها».
و«الدكتور محسن مهدي» طبع المتن العربي المنقح لهذا الكتاب، وأرفقه بمقدمة وحواشي، أخذه عن نسخة المكتبة المركزية لجامعة طهران. وذلك عام 1969 في بيروت.
و«حسين عطائي» نقد هذه الطبعة ضمن مقاله باللغة التركية نشرت في نشرة كلية الإلهيات لجامعة أنقرة عام 1969م. المجلد 17، ص 315 ـ 327.
الحسن من شعر الحسين
إسم المجموعة الشعرية التي اختارها الشريف الرضي من شعر الحسين بن الحجاج الشهير بابن الحجاج المتوفى في سنة 391 في بلدة (النيل) بالعراق والمدفون في بغداد.
كما انتخب البديع الاسطرلابي المتوفى سنة 534 مختارات من مجونه سماها (درة التاج في شعر ابن الحجاج) وكذلك فعل جمال الدين محمد بن محمد بن نباتة المتوفى في سنة 762 فسمى مختاراته (تلطيف المزاج في شعر ابن الحجاج).
ولما بنى المستنصر بالله المستنصرية ببغداد أمر أن يخرج ديوان ابن الحجاج من خزانتها لما فيه من كثرة المجون فاتفق أن النقيب الطاهر قطب الدين ابن الأقساسي مرض المرضة التي مات فيها وكان نديم المستنصر فجاءه الخليفة عائداً وسأله عن حاله فقال: يا أمير المؤمنين قد تيقنت أنني لا أنجو من هذه المرضة فهل يمكن أن تشتريني من الموت بمهما أمكن؟ فقال الخليفة: لو أمكن ذلك ما ذخرنا عنك نفيساً فقال النقيب متمثلاً بقول ابن الحجاج:
هو الموت لا يثني الرشى عنك عزمه
ولا تشترى ساعاته بالدراهم
وهذا البيت من قصيدة يرثي بها أبا الفتح ابن العميد فاستحسنه المستنصر وأمر بإعادة شعره إلى خزانته. ومن يقرأ شعر ابن الحجاج يجده على أسلوبين مختلفين تمام الاختلاف: الأول سائر على مألوف الشعر العربي في المتانة والفخامة في اللفظ والصياغة وفي المعنى والموضوع، ويبدو ابن الحجاج فيه مثل الآخرين.
الثاني: هذا الذي سماه (السخف) ولا يهاب الشاعر فيه ولا يتحرج من ذكر أي شيء، من لفظ أو معنى مما لم يعتد التصريح باسمه سائر الناس، ويتجنب الخوض فيه أهل الوجاهة والوقار.
وقد أكثر ابن الحجاج من هذا المذهب وعدد فنونه حتى ليبدو وكأنه علم أعلامه، ومؤسس كيانه ورأس «مدرسته» وعلى هذا درج القدماء وبه حكم الدارسون.
وإن كنا نعلم أن للسخف مقدمات في العصور التي سبقت ابن الحجاج، ونعلم أن ابن الحجاج لم يكن وحيداً في عصره، فقد جاذبه أطراف هذا الضرب من الشعر معاصره ابن سكرة الهاشمي. وكان يقال ببغداد: «إن زمانا جاد بابن سكرة وابن الحجاج لسخي جداً».
لقد كان العصر يستسيغ ما يسمع، ولا يرى غضاضة في أن يرويه وينقله، ولا يجد سبباً لتحميل النص أكثر مما يحتمل، والكلمة أكثر مما تطيق، كأن المسألة ضحك وإضحاك ليس غير، وكأن هذا اللون من الشعر داخل في دائرة المفهوم الحضاري.
ولدراسة شعر ابن الحجاج ـ غير الفوائد التاريخية والاجتماعية والنفسية ـ فوائد أسلوبية ولغوية، وفيه غير قليل من العامية التي ما زالت حية في العراق، وغير قليل من آثار الأدب الشعبي والأوساط العامة([21]).
نظم ابن الحجاج في جميع مناحي الشعر فأكثر بل لعله لم يترك منحى من مناحيه لم ينظم فيه.
وقال الثعالبي إنه من سحرة الشعر وعجائب العصر واتفق أدباء عصر الثعالبي على أنه فرد زمانه في فنه الذي شهر به وهناك من يجعله في درجة امرىء القيس. وهو شاعر مطبوع متميز بين شعراء عصره وشعره سهل ممتنع وعنده في الشعر مادة غزيرة وقد بلغ ديوان شعره عشرة مجلدات.
واشتهر ديوان شعره اشتهاراً مفرطاً ورغب الناس في اقتنائه قال الثعالبي: بلغني أنه كثيراً ما بيع ديوان شعره بخمسين إلى سبعين ديناراً. وقال أيضاً: وديوان شعره أسير في الآفاق من الأمثال وأسرى من الخيال.
وقال الدكتور علي جواد الطاهر في مقدمته لتحقيق ديوانه: أخذت أستشعر خطورة ابن الحجاج وأهمية شعره في تاريخ الأدب العربي، وفي تاريخ المجتمع العباسي، إنه مصدر مجهول، ولا يحق لدارس لم يطلع عليه أن يدعي العلم ببغداد في العصر البويهي.
كانت مكانة هذا الشاعر مرموقة في عصره، وكثيراً ما بيع الديوان بخمسين ديناراً إلى سبعين، ونسخه كثيرون وعملت منه المختارات العديدة، وحسبك أن يكون منها ما عمله الشريف الرضي نقيب الطالبيين.
أما شخصية الشاعر فعجيبة ولعلها أكثر من شخصية في رجل واحد، إنها تصلح ـ فوق ما تصلح له ـ أن تكون مداراً لدراسة نفسية يستقصي صاحبها ما وراء السطور ويلمح الجد وراء الهزل ويحس بالمرارة في الحلاوة.
وقال:
هيأ له الشعر مورداً حسناً ومهد للاتصال بأكابر رجال العصر كالمهلبي وأبي الفضل وأبي الفرج، وحقق له منزلة مرموقة لدى الملوك البويهيين، عز الدولة وعضد الدولة وصمصام الدولة وبهاء الدولة، وبوزراء هؤلاء الملوك كابن سعد الله وسابور بن أردشير وعبد العزيز، وكانت له دالة أية دالة على هؤلاء الوزراء.
من شعره
يا صاحب القبة البيضا على النجف
من زار قبرك واستشفى لديك شفي
زوروا أبا الحسن الهادي لعلكم
تحظون بالأجر والاقبال والزلف
زوروا الذي تسمع النجوى لديه فمن
يزره بالقبر ملهوفاً لديه كفي
إذا وصلت إلى أبواب قبته
تأمل الباب تلقا وجهه وقف
وقل سلام من الله السلام على
أهل السلام وأهل العلم والشرف
إني أتيتك يا مولاي من بلدي
مستمسكاً من حبال الحق بالطرف
لأنك العروة الوثقى فمن علقت
بها يداه فلن يشقى ولم يخف
وإن شأنك شأن غير منتقص
وأن نورك نور غير منكسف
وإنك الآية الكبرى التي ظهرت
للعارفين بأنواع من الطرف
كان النبي إذا استكفاك معضلة
من الأمور وقد أعيت لديه كفي
وقصة الطائر المشوي عن أنس
جاءت بما نصه المختار من شرف
والخيل راكعة في النقع ساجدة
والمشرفيات قد ضجت على الحجف
بعثت أغصان بان في جموعهم
فأصبحوا كرماد غير منتسف
والموت طوعك والأرواح تملكها
وقد حكمت فلم تظلم ولم تخف
وبايعوك بخم ثم أكدها
محمد بمقال منه غير خفي
عافوك واطرحوا قول النبي ولم
يمنعهم قوله هذا أخي خلفي
هذا وليكم بعدي فمن علقت
به يداه فلن يخشى ولم يخف
سقى البقيع وطوساً والطفوف وسا
مرا وبغداد والمدفون في النجف
من مهرق مغدق صب غدا سجما
مغدودق هاطل مستهطف وكف
خذها إليك أمير المؤمنين بلا
عيب يشين قوافيها ولا سخف
من القوافي التي لو رامها خلف
صفعت بالمانع الجاري قفا خلف
فاستجلها من فتى الحجاج بنت ثنا
تشق كل فؤاد كافر دنف
بجب حيدرة الكرار مفتخري
به شرفت وهذا منتهى شرفي
الحصون المنيعة
في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة
كتيب رد فيه السيد محسن الأمين على ما كتبته مجلة المنار عن الشيعة نلخصه فيما يلي:
قرأت في مجلة المنار المنشأة بمصر سنة 1315 لصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا الطرابلسي الشامي نزيل القاهرة في الجزء الأول من المجلد الحادي عشر الصادر في أوائل صفر سنة 1326 في صحيفة 45 رسالة تحت عنوان:
كلمات عن العراق وأهله لعالم غيور على الدولة:
ومذهب أهل السنّة
تعرض فيها للتنديد بالشيعة في العراق ونسبتهم إلى ما هم منه بريئون وتحريض الحكومة عليهم. وقد ذيلها صاحب المنار بكلمات ندد فيها أيضاً بالشيعة بما لم يكن، فأحببت أن أبين ما في الأصل والذليل من مخالفة الواقع والصحة والسقم نصرة للحق سالكاً في ذلك جادة الأنصاف. فجاء ما كتبته بحمد الله تعالى وافياً بالمرام وسميته (بالحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة).
قال صاحب الرسالة بعد ما ذكر أن العراق من أفضل الأقطار تربة وطيب هواء وعذوبة ماء وأن به انهاراً عظيمة كدجلة والفرات وديالي وكارون وأن أكثره خراب لعسر المواصلات وفقد الأمن وحرمانه من نور المعارف والمدنية وأن الحكومة فيه كما هي في غيره عبارة عن شركة سلب ونهب وفساد تعمل في خراب البلاد وهلاك العباد وأنهم عن الدسائس الأجنبية عمون حتى أصبح بر العراق كله متسلحاً بالمارتين مما ترسل به انكلترا.
ومن البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق كله حتى أصبح ثلاثة أرباع أهله شيعيين وذلك بفضل جد مجتهدي الشيعة وطلبة العلوم منهم ومؤازرة الشيعة لهم بأخذها على يد أهل السنة عن مقاومة سعيهم وخفض كلمتهم.
وفي النجف مجتمع مجتهدي الشيعة، وفيه من طلبة العلوم ستة عشر ألفاً ودأبهم أنهم ينتشرون في البلاد ويجدون في إضلال العباد.
ولذلك يحسب عقلاء العراق أن القطر قد انسلخ من الدولة ولم يبق لها فيه من الرسم إلا الإسم ولقد استحكمت النفرة منها في قلوب الجميع فلا يذكرونها بلسانهم وكلما يراجعونها في شؤونهم.
«إلى أن قال»: إنه لم يجد في علماء بغداد أجمع لفنون الفضل وصفات الكمال من شكري أفندي وابن عمه علي أفندي الألوسيين وانه رأى من سعة اطلاعهما وقوة دينهما وسلامة عقيدتهما السلافية.
«إلى أن قال»: والتهابهما غيرة وحمية على الدين ومجاهدتهما في سبيله فريقاً من الجامدين من المقلدة وعباد القبور ما بهره وعشقه فيهما «إلى أن قال» وأعداؤهما من عبدة القبور والأوهام وأنصار التقليد والخرافات ينبزونهم باسم الوهابية لينفروا منهم ويحرضوا الحكومة على اضطهادهم «إلى أن قال» ولم أر أحداً يقدر مؤلفات ابن تيمية وابن القيم قدرها مثلهما ثم ذكر رد أحدهما على الشيخ يوسف النبهاني البيروتي لتأليفه رسالة في تضليل ابن تيمية وابن القيم وانتقاصهما وتنديده بالشيخ نعمان الألوسي وذمه وذم عائلته إلى غير ذلك مما لا غرض لنا بنقله فنقول وبالله التوفيق.
الرد على مراسل المنار
عجباً لهذا العالم الغيور وعجباً لصاحب المنار كيف وصفه بالغيور وكان أحق بأن يوصف بالمتعصب الساعي في تفريق كلمة المسلمين وإلقاء العداوة والبغضاء بين طائفتين عظيمتين منهم في حين هم أحوج إلى الوئام والوفاق منهم إلى الاختلاف والافتراق والمتعمد لهدم ما يؤسسه عقلاء الطائفتين في هذه الاعصار الأخيرة من إزالة الخلاف والشقاق وجمع الكلمة.
ويا عجباً لهذا العالم الغيور كيف خلط المسائل السياسية بالدينية فخبط خبط عشواء واختلط عليه الحابل([22]) بالنابل والخاثر بالزباد([23]).
وعجباً لغيرة هذا العالم كيف أدت به إلى أن جعل من البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق وجدهم في طلب العلوم ولا ذنب لهم إلا التمسك بالثقلين كما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم وحبهم وتفضيلهم لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً والتجاؤهم إلى السفينة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى ودخولهم في باب حطة الذي من دخله كان آمناً وقصدهم مدينة العلم النبوي من بابها واتباعها لقوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾.
وحقيق أن يقال من البلاء العظيم وجود مثل هذا الشخص بين المسلمين ووصفه بالعالم الغيور.
وأما قوله: وذلك بفضل جد مجتهدي الشيعة إلى قوله ودأبهم أنهم ينتشرون في البلاد ويجدون في إضلال العباد. ففيه: إن جد العلماء الشيعة وطلابهم في تشييد مذهبهم ونشره والدعاء إليه وبث علوم أهل بيت نبيهم عليه السلام وإن كان مما لا يعابون به بل هو موضع الافتخار إلا أن ادعاءه كون انتشار مذهب الشيعة في العراق بسبب ذلك مخالف للواقع فإن مذهب الشيعة منتشر في العراق من الصدر الأول كما هو ظاهر لكل من لاحظ التواريخ وما زال منتشراً إلى يومنا هذا.
ولم نر ولا نقل إلينا وقد توطنا العراق ما يزيد عن عشر سنين أن أحداً من علماء الشيعة أو طلابهم دعا أحداً من السنة إلى ترك مذهبه والدخول في مذهب الشيعة ومن دخل من السنّة في مذهب الشيعة لم يكن دخوله لهذا السبب.
وعلماء الشيعة وطلابهم المقيمون في العراق لا سيما النجف الأشرف لا شغل لهم سوى الجد والاجتهاد في طلب العلم وأكثرهم يجاورون في النجف لا يخرجون منه إلا لزيارة قبور الأئمة عليهم السلام ويجدون في طلب العلم ليلهم ونهارهم إلى الممات ومن خرج منهم خارج النجف فإنما يحل بين الشيعة ليعلمهم معالم دينهم وما سمعنا ولا رأينا أحداً منهم حل بين السنَّة ودعاهم إلى الدخول في مذهبه.
وإن كان ما يدعيه حقاً فهلا انتشر علماء السنّة وطلابهم القاطنون في بغداد وغيرها وهم عدد غير قليل في البلاد ودعوا الناس إلى مذهبهم ونهوهم عن مذهب الشيعة الذي بني على تفضيل أهل البيت والاقتباس من علومهم لينتشر بذلك مذهب السنَّة في العراق ويرتفع البلاء العظيم عن هذا العالم الغيور على الدولة ومذهب أهل السنّة.
وأما اعتذاره عن ذلك بمؤازرة الحكومة لعلماء الشيعة بأخذها على يد أهل السنّة عن مقاومة سعيهم وخفض كلمتهم فعذر غير مقبول فإن الحكومة قد اعطت الحرية لجميع الأديان حتى غير المسلمين فكيف لا تعطي الحرية لمن يشاركها في المذهب وما رأينا ولا سمعنا أنها منعت أحداً من علماء السنّة عن نشر مذهبه وبيان أنه على الحق فلا بد أن يكون المانع لهذا العالم الغيور وأعوانه من الجد في نشر مذهبه ودعوة الناس إليه أما الكسل وقلة الغيرة الذين عوفي منهما علماء الشيعة أو عدم علمه بنجاح مساعيه فجعل يتشبث بهذه الأعذار.
وإن كان مراده بمؤازرة الحكومة لعلماء الشيعة وأخذها على يد أهل السنّة عن مقاومة سعيهم أنها قد أعطت الشيعة الحرية في دينهم وحافظت على حقوقهم المدنية لكونهم بعض رعاياها وبذلهم الطاعة لها كغيرهم مع اعتقادهم وجوب المحافظة على بيضة الإسلام فشكواه من ذلك قلة إنصاف منه وتمسك بذيل العصبية.
فكأنه لا يرضيه عن الحكومة إلا أن تلقي الفساد والفتنة بين رعاياها وتجبرهم على ترك أديانهم وأظن أنها لو كانت الحكومة بيد أمثال هذا العالم الغيور لهلك الحرث والنسل، وهلا شكا من انتشار دين اليهود في حاضرة بغداد واشتهار مقالة الدهرية في جميع البلاد وبث النصارى دعاتهم في أنحاء المعمور وطلب إلى الحكومة أن تخالف نص الكتاب المبين لا إكراه في الدين فتردهم عن أديانهم ولا تأخذ على يده ويد أمثاله من العلماء الغيورين على الدولة ومذهب أهل السنّة عن مقاومة سعيهم، وهلا شكا من انتشار مذهب الوثنية في أقطار الأرض الذين يربو عددهم على سائر أهل الأديان إن كان صادق الغيرة على المذهب الحق، وهلا شكا من انتشار المنكرات بين المسلمين وتعطيل الحدود واندراس الأحكام، وهلا حركته الغيرة على الألوف من الأعراب الرحالة كعنزة وغيرها الذين هم على مذهب أهل السنّة بالإسم ولا يعرفون شيئاً من أحكام الإسلام ولايعملون عملاً دينياً قليلاً ولا كثيراً ولا يطيعون الله ولا الحكومة ودأبهم سلب العباد ونهب البلاد، وهلا عد من االبلاء العظيم انتشار مذهب الوهابية في بادية نجد وما والاها وفي غيرها الذين أبدعوا ما أبدعوا في الدين وكفروا ما سواهم من طوائف المسلمين واستحلوا الدماء والأموال والأعراض وخالفوا ضروريات دين الإسلام وحاربوا الدولة مراراً ونهبوا البلاد وأكثروا في الأرض الفساد ولم يروا للدولة عليهم طاعة فهم أحق بأن يغار على الدولة ومذهب أهل السنّة من أفعالهم.
أما حركته غيرته إلا على إخوانه المسلمين الشيعيين الشاهدين لربهم بالوحدانية ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة والمتمسكين بولاء عترة نبيهم والآخذين عنهم أحكام دينهم والمحافظين على شرائع الإسلام من الصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أحكام الدين حتى عد انتشار مذهبهم في العراق من البلاء العظيم وجعلهم من المضلين هذا مع شهادته لهم بالجد والاجتهاد في طلب العلوم التي هي فريضة على كل مسلم حتى اجتمع منهم في بلد واحد ستة عشر ألف طالب عدا عما في غيرها من مدن العراق وبلاد إيران وتركستان وأفغانستان وبخارى والشام والهند والبحرين والقطيف والإحساء وسائر الأقطار ما هذا إلا قلة إنصاف منه وقلة غيرة على الدين.
ولو كان صادق الغيرة على الإسلام لدعا علماء المسلمين وزعماء الدين إلى الائتلاف والاتحاد الذي أمرت به الشريعة الغراء ودل على حسنه العقل وحثهم على الاجتماع وبسط المسائل الخلافية على بساط البحث والإنصاف ليرتفع الخلاف، ولم يسع بينهم بالفساد.
وأما قوله ولذلك يحسب عقلاء العراق أن القطر قد انسلخ من الدولة الخ… فإن كان إشارة إلى الدسائس الأجنبية فله وجه لكن لا وجه لذكر انتشار مذهب الشيعة بين العلة والمعلل بل كان اللازم ذكر هذا بعد كلامه الأول وإن كان إشارة إلى انتشار مذهب الشيعة أو الأمرين معاً كما هو ظاهر كلامه.
ففيه: أن نفوذ الدولة في العراق يزداد يوماً فيوماً وسلطتها إلى الآن أشد منها في العصور السابقة بكثير. والشيعة في العراق ليسوا بأقل خضوعاً وإطاعة للدولة من غيرهم فيها. نعم قد كان انتشار مذهب الوهابية الذي قام هذا العالم يدعو إليهم متسترا بلباس الغيرة على الدولة ومذهب أهل السنّة موجباً لانسلاخ الأقطار التي اشتهر فيها هذا المذهب عن الدولة.
كلام صاحب المنار في
حق الشيعة في العراق
أما ما ذيلها به صاحب المنار فإنه قال: إن هذه الرسالة ذكرته بما كتبه في المجلد الثاني من المنار في رمضان سنة 1317 في صفحة 687 من نشر مذهب الشيعة في العراق وهو أنه قد قرأ في بعض الجرائد عزم الدولة العلية على إرسال بعض العلماء إلى سناجق البصرة والمنتفق وكربلاء لإرشاد القبائل الرحالة هناك وفي بعضها صدور الإرادة السنية بذلك فعلاً وحمد الله تعالى على تنبه الدولة العلية لهذا الأمر قبل أن يخرج من يدها قال: فقد سبقها الشيعة وبثوا الوعاظ والمرشدين في هذه القبائل يذهب الملا الشيعي إلى القبيلة فيمتزج بشيخها امتزاج الماء بالراح بما يسهل عليه من التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها كإباحة التمتع بالعدد الكثير من النساء الذي له الشأن الأكبر عند أولئك الشيوخ وغير ذلك حتى يكون وليجته وعيبة سره ومستشاره في أمره فيتمكن الملا بذلك من بث مذهبه في القبيلة بأقرب وقت ويكتفي من السياسة غالباً بإفهام القوم أن رئيس طائفة الشيعة المحقة شاه العجم ورئيس الطائفة الأخرى المسماة بالسنية السلطان عبد الحميد.
ولا شك أن هؤلاء يكونون عوناً لرئيس مذهبهم إذا وقع نزاع لا قدر الله بينه وبين رئيس المذهب الآخر وإن كانوا في بلاد الآخر. ثم وصف الذين تختارهم الدولة العلية للإرشاد ورغبهم بأنهم لا يحرمون من أجر الدنيا. وقال: قد استغنى دعاة الشيعة في تلك القبائل مع حصولهم على غرضهم في نشر المذهب. قال: وليبدأ دعاة الدولة العلية بمن على الفرات فإن فيهم عدداً كبيراً لم يزل على مذهب أهل السنّة.
هذا ما كتبه من نحو تسع سنين.
وأما ما كتبه بعد ذلك فهو قوله: إن أكثر من أجابوا دعوة علماء الشيعة هناك لم يكونوا على شيء من مذهب أهل السنّة فإذا كان أولئك الدعاة يبثون فيهم الوعاظ يعلمونهم الفرائض وأحكام الحلال والحرام فإن ذلك خير لهم في دينهم من الحالة التي كانوا عليها فنحن لا نعد الأمر من الجهة الدينية بلاءً نازلاً كما عده الأستاذ كاتب الرسالة ولكن الأمر مهم من الجهة السياسية فإن السياسة هي التي كانت ولا تزال مثار الخلاف بين أهل السنّة والشيعة ولولاها لما كان خلاف وما أضاع الدين والدنيا علينا إلا الخلاف وقد كان طلاب الإصلاح بالوحدة الإسلامية مغتبطين بما حصل في هذه السنين الأخيرة من التآلف والتعارف بين الفريقين حتى وقع أخيراً ما وقع من التعدي على الحدود فباتوا يخشون أن تهدم سياسة السوء في سنة واحدة ما بناه دعاة الإصلاح في عشرات من السنين.
(أنتهى ما أردنا نقله مما ذيل به صاحب المنار هذه الرسالة وقد رأيناه في كلامه الأخير أقرب إلى الإنصاف منه في كلامه الذي كتبه منذ تسع سنين فإنه قارب الإنصاف في قوله لا نعد الأمر من الجهة الدينية بلاء نازلاً كما عده كاتب الرسالة. وفي قوله: ما أضاع الدين والدنيا علينا إلا الخلاف إلى آخر كلامه. وفي كلا الكلمين مواضع للرد.
الرد على صاحب المنار:
أما قوله: إن الشيعة قد أدخلوا معظم تلك القبائل في مذهب الشيعة فمخالف للواقع لما عرفت عند الرد على كاتب الرسالة من أن ذلك لم يكن منه شيء في زماننا هذا والقبائل في العراق معروفة مشهورة بعضها على مذهب أهل السنّة وبعضها على مذهب الشيعة كان ولم يزل وما سمعنا في زماننا هذا أن قبيلة كانت على مذهب أهل السنّة فدخلت في مذهب الشيعة بدعاء علماء الشيعة لها اللهم إلا أن يكون ذلك قبل عصرنا فإن كان ما يقوله حقاً فليسم لنا قبيلة من هذه القبائل التي يدعيها.
ووعاظ الشيعة ومرشدوهم إنما يحلون بين أظهر الشيعة فقط فيعلمونهم معالم الحلال والحرام ولو كان ما زعمه حقاً فهو ليس مما يضر بالدين فإن الشيعة لا تفترق عن السنّة في أصول الإسلام التي هي الشهادتان وما يتبع ذلك وفي كثير من الفروع فإن خالفت مذهباً من الأربعة في فرع وافقت الآخر إلا نادراً وإن خالفت الأربعة وافقت بعض من تقدمهم أو عاصرهم من الفقهاء.
والحاصل أن الشيعة توافق السنّة في الأصول التي بها يستحق المسلم إطلاق إسم الإسلام عليه وجريان أحكامه التي منها حرمة ماله ودمه وعرضه وفي أكثر الفروع. فإن تخالفا في نادر من الأصول أو الفروع فهو كمخالفة بعض المذاهب الأربعة للآخر أو بعض علماء السنّة لبعض لا يوجب الجزم بهلاك إحدى الطائفتين. وأهم الخلافيات في الأصول تفضيل أهل البيت عليهم السلام وتقديمهم فدخول السني في مذهب الشيعة كانتقال الحنفي إلى مذهب الشافعي.
وأما قوله: يذهب الملا الشيعي إلى قوله: بما يسهل عليه أمر التكاليف الشرعية فهو افتراء. ولعل عذر صاحب المنار فيه أنه سمعه من أفواه بعض المفسدين والمتعصبين الذين دأبهم قذف الشيعة بما هم منه بريئون ونسبة القبائح إليهم لتنفير الناس عنهم والملا الشيعي في العراق لا يترك الاشتغال بالعلم إلا عند الضرورة ولا يذهب أصلاً إلى قبائل السنّة كما ذكرنا حتى يفعل ما قاله ولا إلى قبائل الشيعة إلا نادراً فإذا ذهب لا يسهل عليم أمر التكاليف كما قال بل يشدد عليهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن عاشر الشيعة وخبر باطن أمرهم وظاهره على أنهم شديدو التصلب في دين الإسلام محافظون على أحكام الشرع جهدهم قليلو التهاون والمسامحة بها لا يأخذون أحكام دينهم إلا عمن عرف بالعدالة والتقوى والاستقامة ومتى ظهر لهم في رجل من العلماء ورؤساء الدين أدنى تسامح في الشرعيات نفروا منه ولم يقبلوا قوله.
متعة النساء
وما قوله: كإباحة التمتع بالعدد الكثير من النساء الخ فهو كسابقه في مخالفة الواقع بجعل علة ميل الشيوخ إلى أهل العلم هو هذا فإن الشيوخ إن كانوا من السنّة فلا يذهب إليهم الملا الشيعي مرشداً ولا يستفتونه وإن كانوا من الشيعة فليس هذا علة ميلهم إلى أهل العلم فإن متعة النساء وإن كانت حلالاً في مذهب الشيعة فليس كل حلال يفعل والعرب قاطبة شيوخهم ومن دونهم لا يفعلون المتعة ويرونها عاراً وإن كانت حلالاً. بل العلة في ميل الشيوخ إلى أهل العلم ما عرفوهم به من الإستقامة.
والعجب من صاحب المنار الذي برز في هذا العصر بلباس البحث عن الحقائق وفلسفة الدين وترك تقليد الآباء والأمهات كيف خفى عليه أنه لا يحسن بمثله أن يندد بشيء ثبتت مشروعيته في دين الإسلام ولم يثبت له ناسخ إلا نهي بعض الصحابة الذي ليس لهم نسخ الأحكام الإلهية وليس معصوماً من الخطأ باتفاق المسلمين.
حضرموت *[24]
كانت تطلق على المنطقة الممتدة من ظفار شرقاً، إلى بلاد العوالق غرباً، فتدخل فيها أراضي المهرة وبلاد الواحدي. وفي هذا الجزء بمفهومه التاريخي الواسع تقلبت أحداث التاريخ وتكون منها تاريخ حضرموت. وعندما نفصل موقعها نقول: حضرموت تقع جنوبي الجزيرة العربية على خليج عدن وبحر عمان، آخذة في مشارق اليمن، سطحها جبلي يشقه واد عظيم الاتساع يطلق عليه اسم وادي الكسر).
ويحد هذه المنطقة من جهة الشرق شعب وادي النبي هود بالأحقاف، وباديتها من الأحموم وقهرة والمشقاص المتصلة بأطراف بلاد عمان.
ويحدها من الغرب عين با معبد وبلاد الواحدي والعوالق ومخلاف شبوة ورملة صيهيد، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشمال بلاد الصيعر ورملة وبار من الربع الخالي.
وأهم مدن حضرموت الداخلية: شبام، وتريم، وسيون، وتريس. وأهم المدن الساحلية: المكلا، والشحر، وسيحوت.
وفي حضرموت كثير من الأودية العظيمة كوادي حجر، وميفعة في الجنوب، ووادي دوعن، ووادي عمد في الشرق، وفي بادية حضرموت واد يقال له: برهوت من مهرة، توجد فيه بئر برهوت.
وتوجد في شمال حضرموت كندة التي هي في سراة مرتفعة تصب أوديتها في حضرموت. ومن قرى كندة هَنْنَ ودَمُّون. كما أن حصنها باسم النجير مشهور في التاريخ، وقد خرب في زمن الردّة، ويقع هذا الحصن على مسافة ثلاثة أميال من مدينة تريم.
ويوجد في حضرموت ريدة الدين، وريدة الصيعر في الجهة الشمالية، وريدة بامسدوس وريدة العباد في الجنوب. والريدة: هي صحراء جبلية ينبت فيها الكثير من أشجار السّدر وغيره.
وأهم حاصلات بلاد حضرموت اللبان والحنطة والصبر والتبغ الحموي والبلح والتمر.
وإذا كان التاريخ القديم البعيد لحضرموت لم يكتب ولم يدوّن بعد بسبب نقص الدراسات والبحوث الطبيعية والأثرية التي تعتبر المصدر الصحيح الوحيد لما يمكن أن يعتمد عليه من هذا التاريخ، فإن المجهودات الأولية من هذه الدراسات، على قلتها، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حضرموت، بما فيها مناطق عاد الشمالية، كانت عامرة بأسباب الحياة والحضارة، آهلة بالكثير من السكان، وأن ما نشاهده الآن من جفاف وارتفاع في حرارة الجو إنما كان طارئاً، فادى إلى مطاردة الحضارة وإلى الهجرة، وتحويل الأراضي إلى بقاع صحراوية غير صالحة للحياة.
ولذلك فإن المؤرخ، مهما بالغ في التزام جانب التحفظ والدقة والأمانة التاريخية، لا يجد بداً من الاعتراف بوجود حضارة في حضرموت قبل الإسلام بقرون طويلة لا تقل شأناً عن حضارة سبأ([25]) ومعين([26])، وحضارتي آشور والبابليين المعاصرة لها.
نجد الدليل على هذه الحضارة فيما تنطق به الآثار الباقية من معابد وحصون، وقصور ونقوش وتماثيل، وكتابات أثرية جاءت مطابقة للمعلومات التاريخية الواردة في كتب مؤرخي الرومان واليونان من أن أهالي حضرموت كانوا أشداء في الحروب، وأصحاب إقدام ونشاط في الأعمال، وكانت لهم زراعة راقية جداً، وتجارة ممتدة إلى سائر الأقطار، وعلاقات اقتصادية مع مصر وفينيقية، وكانت سفنهم البحرية ومعرفتهم بالملاحة وركوب البحار موضوع إعجاب المؤرخين.
لقد كانت التجارة قديماً في يد الحضارمة وجيرانهم الجنوبيين مصدر ثراء وازدهار عظيمين لبلادهم، حتى حكي عنهم من الأخذ بأسباب الترف والبذخ ما نحسبه نحن اليوم من قبيل المبالغات، فعلى يدهم كانت تنقل غلات حضرموت وظفار من البخور، وواردات الهند، وغيرها من التوابل، إلى الشام ومصر كما كانت سبباً في استفادتهم من مدنية الفرس والروم وأدبهما، وتأثرهم بحضارات معاصريهم الآخرين من شعوب الشرق الأدنى وتفاعلهم مع التيارات الفكرية والسياسية التي تنبثق من أرضه.
وتضافرت أسباب وعوامل متعددة أدت إلى انهيار حضارتهم وتضعضع قوتهم وتفكك وحدتهم فقد أخذت طرق التجارة التي كانت تمر بأراضيهم تتحول من البر إلى البحر، وتعاقبت عليهم سنون طويلة من القحط والضائقات الاقتصادية بسبب إهمال السدود والانصراف إلى المنازعات والفتن والانقسامات الداخلية، فأدى كل ذلك إلى وقوع البلاد فريسة للإحتلال الحبشي ثم الفارسي.
ورغم كل ذلك فقد بقيت في حضرموت نظم سياسية واجتماعية متحضرة أرقى من تلك النظم التي كانت سائدة في مجتمعات القبيلة والخيمة في بعض المناطق العربية التي يعيش أهلوها تحت الخيام على رعي الأنعام. وحفظ التاريخ لهذا العهد صورة من الأدب الحضرمي يعطي فكرة عن النواحي الخلقية والأدبية للمجتمع في ذلك العصر.
وجاء الإسلام فكانت له في حضرموت نفس الآثار التي تركها بين العرب في مختلف نواحي الحياة العقلية: أبطلت الكهانة وفروعها، وحل التوحيد محل الوثنية الغالبة في البلاد، وقضي على العصبية القبلية الضيقة وغيرها من عادات ومفاهيم الجاهلية، وانتشرت تدريجياً علوم الدين واللغة العربية، واتخذت آداب الجاهلية كالشعر والخطابة رونقاً جديداً.
ومهد الإسلام للحضارمة سبيل الهجرة فغادروا بلادهم في البداية جنوداً تحت راية الإسلام، واشتركوا في حروب الروم والفرس، وحضروا اليرموك والقادسية. وكان منهم عدد كبيرفي الجيش الذي فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب. كما شاركوا في الفتوحات الإسلامية أثناء حكم الخليفة الثالث. ثم توالت هجرتهم عن حضرموت بحثاً عن أسباب العيش والاستقرار.
وقد أثبت التاريخ أن هؤلاء الحضارمة سواء كانوا تجاراً أو بحارة أو جنوداً أو علماء، فإنهم ينشرون الدين الإسلامي حيثما حلوا وأينما ذهبوا، في الحبشة والصومال وشرق أفريقيا ومدغشقر وجزائر القمر وجنوب شرقي آسيا وغيرها، وكان لهم في كثير من هذه المناطق ثروة ونفوذ وسلطان.
ولما انتقل مركز الخلافة من جزيرة العرب إلى دمشق ثم بغداد، ونشبت في حضرموت واليمن وغيرهما من أنحاء الجزيرة ثورات الخوارج والشيعة، وظهر طلاب السلطة ودعاة الفرقة والفتنة، وتغلبت على الخلافة في بغداد العناصر الفارسية والتركية، أصبحت حضرموت كغيرها من أقطار جزيرة العرب في شبه عزلة.
وضعف شأنها وظلت في تأخر مادي وثقافي حتى أن الرحالة «المقدسي» لما زال جزيرة العرب، في القرن الرابع الهجري وصفها بالفقر وقلة العلم.
وساعد في عزلة حضرموت وتأخرها الغزوات والحروب التي تعرضت لها من حكام اليمن الطامعين في ضم حضرموت إلى حكمهم، أمثال آل زياد واليعافرة، والقرامطة، وآل زريع والليحيين وغيرهم.
فقد كانت البلاد طيلة حكم الأباضية من بداية القرن الثاني إلى القرن السادس الهجري في حالة حرب مستمرة دمرت البلاد، وأهلكت الحرث والنسل ونشرت فيها الفوضى والفقر والجهل والتأخر.
وضعف شأن الأباضية الخوارج ثم تقلص سلطانهم في القرن السادس الهجري وحلت في الحكم محلهم حكومات سنية شافعية، لكن الغزو الخارجي والتناحر بين القبائل وطلاب السلطة في الداخل، لم يتوقف شيء منها، إلا أنه بالرغم من الأحوال السياسية المضطربة والظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها حضرموت في ذلك العهد، فإن عدداً غير قليل من شخصيات الأسر الحضرمية البارزة وعلمائها استطاع بمجهوده الخاص أن يبث حركة تعليمية في كثير من المدن والقرى الرئيسية في داخل حضرموت وساحلها كان لها أثر كبير في إنجاب جمهرة من المتفوقين في علوم الشريعة واللغة العربية اشتهرت بغزارة العلم وسعة الاطلاع واشتغل بعضها في التأليف والإنتاج الأدبي.
وقد عرفت حضرموت في هذا العهد بمراكزها الثقافية في تريم وسيؤون وشبام والشحر وغيل باوزير وغيرها، وبمكتباتها العلمية الحافلة بالمخطوطات القيمة في شتى فروع المعرفة وأساتذتها البارزين الذين رحلوا لطلب العلم وتلقوا دراساتهم على كبار العلماء في القدس والشام ومصر والحجاز وزبيد وتعز وعدن، ثم عادوا لينشروا العلم والثقافة ببلادهم.
ركود في التعليم، وتراجع في الثقافة
ومن المعلوم أن حركة تعليمية تعتمد على مجهودات فردية لا تمولها هيئات وطنية، ولا تتبناها حكومات رسمية، تفتقد أهم مقومات ثباتها واستقرارها. ولذلك كان واضحاً منذ القرن الثاني عشر الهجري أن أصحاب المؤهلات والكفايات العلمية الذين كانوا يتحمسون لنشر التعليم والثقافة قد اختفوا من الميدان، فأصيبت الحركة التعليمية بالركود والجمود، وعمت البلاد موجة طاغية من الجهالة، وظلت تعاني من التأخر الثقافي والعزلة الفكرية.
ثم تعاونت على تحطيم أسوار هذه العزلة، قبيل الحرب العالمية الثانية، عوامل متعددة، أهمها تسرب الأفكار الحديثة التي انبثقت من الحركة التعليمية التي انتشرت بين حضارمة المهجر في جاوا وغيرها إلى حضرموت، وانتشار الصحافة وبرامج الإذاعات العربية والكتب التاريخية والاجتماعية والأدبية التي أخذ الناس في حضرموت يقبلون عليها ويتأثرون بها.
نظرة تاريخية
تشمل حضرموت أكثر ساحل الجزيرة العربية الجنوبي. وتقع على بعد خمس عشرة درجة عرض شمالي خط الاستواء وخمسين درجة طول شرقي جرينتش وتبلغ مساحة حضرموت عشرة آلاف ميل مربع (12752) كلم2.
بدأ القرن العاشر (السادس عشر) وحضرموت خاضعة لحكم الدولة الكثيرية. وكان بنو كثير قد برزوا في القرن السابع هجري (الثالث عشر) وتوصلوا إلى الملك بعد قرن ثم دالت دولتهم أواخر القرن التاسع (الخامس عشر) وأعاد جعفر بن عبد الله بن علي بن عمر الكثيري 901هـ (1496م) ـ 509هـ (1499م) تأسيس الدولة الكثيرية فخلفه ابنه عبد الله لمدة خمسة سنوات ثم تلاه محمد بن عبد الله الذي لم يستطع المحافظة على الدولة الناشئة فغدت مهددة بالزوال ولكن برز إذ ذاك في شبام بدر أخو محمد محاولاً صيانة ملك بني كثير.
فقصد إمام اليمن الزيدي أواخر 925هـ (1519م) مستنجداً فأمده الإمام بقبيلة يافع فاحتل بمساعدتها الشحر وشبام وتريم وأكثر حضرموت. وعارضه في حكمه أخوه محمد بن عبد الله وابن عمه محمد بن بدر بن محمد الكثيري الذي كان والده حاكماً على شبام حتى وفاته عام 915هـ (1509م).
وبادر بدر إلى إلقاء القبض على أخيه وابن عمه فتوفي الثاني في السجن في رمضان 949هـ (1543م) وأخلي سبيل الأول عام 951هـ (1544م) فسافر إلى الحجاز.
وتعرضت حضرموت عام 945هـ (1538م) للحملة العثمانية التي أرسلها السلطان سليمان القانوني لحرب البرتغاليين فقضت على الدولة الطاهرية في عدن وأخضعت الإمام الزيدي في اليمن. وحصن بدر سواحله وبلاده وصد الجيش العثماني الزاحف، فارتد العثمانيون إلى زبيد.
وحوصر العثمانيون في زبيد من قبل الثوار الزيديين الذين كادوا أن يفتكوا بهم، فخشي بدر الكثيري أن يؤدي ذلك إلى ازدياد الخطر البرتغالي فأرسل عام 953هـ (1546م) نجدة إلى العثمانيين مكنتهم من إلحاق هزيمة بالزيديين وإخضاع اليمن وعدن.
واعترف بدر عام 970هـ (1562م) بالسيادة العثمانية وأرسل إلى السلطان العثماني هدايا وبعض الأسرى الإفرنج.
ولم يرض عن ذلك عبد الله بن بدر فتآمر على أبيه واعتقله وخلعه في صفر 976هـ (1568م). وتقبل بدر عمل ابنه بروح طيبة وتوفي في العام التالي لخلعه.
ولم يحدث في عهد عبد الله بن بدر 976هـ (1568م) ـ 984هـ (1576م) وعهد ابنه جعفر بن عبد الله (قتل عام 990هـ) (1582م) ما يستحق الذكر.
وقام بالأمر بعدهما السلطان عمر بن بدر العادل عام 1021هـ (1612م) الذي امتاز عهده بالاستقرار والانتعاش. وتنازل السلطان عبد الله بن عمر بن بدر عن الملك عام 1024هـ (1615م) وتوفي متعبداً مجاوراً في مكة عام 1045هـ (1635م) وخلفه ابنه بدر عام 1024هـ (1615م) ـ 1069هـ (1659م).
وتآمر على بدر عمه بدر بن عمر مستعيناً بالإمام الزيدي المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم 1055هـ (1645م) ـ 1087هـ (1676م). فبادر السلطان إلى اعتقاله. ورفض السلطان طلب الإمام بإخلاء سبيل بدر بن عمر فأرسل الإمام في صفر 1065هـ (1654م) جيشاً مؤلفاً من عشرة آلاف مقاتل بقيادة ابن أخيه أحمد بن الحسن الصفي المشهور بسيل الليل الذي هزم قوات حضرموت ونصب بدر بن عمر حاكماً على ظفار وأجبر السلطان بدر بن عبد الله الخضوع للإمام.
واغتنم بدر فرصة انسحاب القوات الزيدية فهاجم عمه في ظفار عام 1068هـ (1657م) ففر بدر بن عمر لاجئاً إلى الإمام. وأرسل الإمام جيشاً جديداً استولى على حضرموت واعتقل السلطان بدر بن عبد الله وأرسله إلى صنعاء ونصب بدر عمر سلطاناً يحكمها بالنيابة عن الإمام. وخلفه في الحكم عام 1073هـ (1662م) ابنه السلطان عمر بن بدر ثم ابنه الآخر عيسى بن بدر عام 1081هـ (1670م) فحسن بن عبد الله بن عمر عام 1093هـ (1682م).
وضعف نفوذ الإمام في حضرموت وشغل الإمام عن ذلك بالفتن الكثيرة التي نشبت في اليمن. فثار أهل ظفار عام 1079هـ (1668م) وطردوا عامل الإمام وأظهروا الطاعة للسلطان عيسى بن بدر الكثيري الذي بقي موالياً للإمام. ولكن لما ازدادت الفتن في اليمن وبقان عجز الإمام أعلن السلطان حسن بن عبد الله بن عمر استقلاله أواخر 1093هـ (1682م) وتوفي في العام نفسه.
وخلفه السلطان علي بن بدر عام 1107هـ (1695م) ثم عيسى بن بدر الذي أهمل شؤون الدولة وسلمها إلى اليوافع. فثار بنو كثير بزعامة عمر بن جعفر الكثيري الذي استنجد عام 1117هـ (1705م) بإمام اليمن واستولى على الشحر ولكن يافعاً أخرجته منها ثانية فلجأ إلى اليمن. وفشلت محاولة يمانية ثانية عام 1129هـ (1717م) لاحتلال حضرموت وتوفي السلطان عمر منفياً، وسيطر اليوافع على أكثر حضرموت وحاربوا المذهب الزيدي فيها ومنعوا انتشاره.
وبرز أوائل القرن الثالث عشر/هجري أو التاسع عشر/م زعيم جديد حاول إعادة ملك بني كثير. فقد عاد جعفر بن علي بن عمر بن جعفر بن علي بن عبد الله بن عمر بن جعفر بن طويرق من جاوا والهند عام 1218هـ (1803م) وأعاد تأسيس الدولة وتوفي عام 1223هـ (1808م). وخلفه لعام واحد أخوه عمر بن علي. وجاء من حيدر آباد في الهند غالب بن محسن بن عبد الله الكثيري الذي تزعم قومه وانتزع تريم من اليوافع.
وحدث في الوقت نفسه أن ازدادت الفتن بين اليوافع في شبام فرأوا أن يبايعوا حاكماً من آل كثيرفنصبوا عام 1234هـ (1818م) عمر بن جعفر بن عيسى بن بدر الكثيري أميراً على شبام. وتوفي عمر عام 1237هـ (1821م) فخلفه ابنه منصور عام 1237هـ (1821م) ـ 1274هـ (1857م). واستطاع منصور عام 255هـ (1839م) أن يقوي نفسه في شبام ويخرج منها من بقي من اليوافع وفي الوقت نفسه استأنف غالب بن محسن هجماته على اليوافع ففشل في أخذ الشحر عام 1268هـ (1865م) ولكنه عاد ونجح في أخذها نفس العام 1268هـ (1865م) ثم خسرها وتوفي السلطان غالب في رجب 1287هـ (1870م).
ولجأ اليوافع إلى عمر بن عوض القعيطي اليافعي وأحد المقربين من حاكم حيدر آباد في الهند وكان عمر قد هاجر إلى الهند عام 1207هـ (1792م) وخدم في حيدر آباد زميلاً لغالب بن محسن الكثيري. وعاد عمر القعيطي من الهند لتزعم يافع مناوئاً زميله السابق غالب بن محسن الكثيري على الشحر عام 1282هـ (1865م) حاصره السلطان عمر ففر غالب في ثياب امرأة واحتل عمر الشحر. ولما تم للسلطان عمر إضعاف بني كثير التفت إلى المكلا فحاول انتزاعها من حليفه وقريبه عمر بن صلاح الكسادي اليافعي. وطلب السلطان عمر من السلطات البريطانية في عدن مساعدته ضد الكسادي فعرضوا على الكسادي التنازل عن إمارته مقابل مائتي ألف روبية.
ولما رفض الكسادي جاءت بارجة بريطانية إلى ميناء المكلا عام 1299هـ (1881م) فهددته وأجبرته على التخلي عن إمارته ونقلته إلى عدن ثم إلى زنجبار وسلمت المكلا للسلطان عمر الذي وقع معاهدة حماية مع بريطانية في عام 1305هـ (1888م). واحتل السلطان عمر مقاطعة حجر عام 1318هـ (1900م) وتدخلت السلطات البريطانية مؤيدة له في فتنة عائلية نشبت بعد عام. وتوفي السلطان عمر عام 1337هـ (1918م).
عاود السلطان السيد غالب القعيطي محاولاته ضد سلطان بني كثير السلطان علي بن منصور الكثيري. ثم توسط حاكم عدن البريطاني بين السلطانين اللذين جاءا إلى عدن للمفاوضة. ووقع السلطانان (معاهدة مؤبدة) في عدن في 27 شعبان 1336هـ (حزيران 1918م) في أحد عشر مادة جاء فيها ما يلي:
مادة 1 ـ يرتضي السلطان القعيطي …. وسلاطين آل عبد الله أهل كثير أن يكون إقليم حضرموت إقليماً واحداً وأن الإقليم المذكور هو من تعلقات الدولة البريطانية تابعاً لسلطان الشحر والمكلا.
مادة 2 و3 ـ إعتراف من السلطان القعيطي بسيادة بني كثير على مدن وقبائل معينة محددة.
مادة 4 ـ تعهد آل كثير بعدم التدخل بشؤون مقاطعات حضرموت غير المذكورة في 2 و3.
مادة 5 ـ يرتضي سلاطين آل عبد الله أن يقبلوا المعاهدة المنعقدة بين الدولة البريطانية ودولة القعيطي في سنة 1888م رابطة لهم وكأنهم جعلوها ويرتضون بأن يمتثلوا شروطها بأمانة ويرتضون أيضاً أن تكون جميع معاملاتهم ومراسلاتهم مع الدولة البريطانية بواسطة السلطان القعيطي مولى الشحر والمكلا.
مادة 11 ـ سوف تجتهد الدولة البريطانية أن تصلح جميع المخاصمات الناشئة في المستقبل بين المذكورين بعد تاريخ هذه المعاهدة بالتحكم وبواسطة والي عدن. أما المواد الأخرى فقد نصت على تعاون السلطانين (مادة 6، 7، 10) وطريقة تزاورهما (مادة 9) وحرية التجارة بين بلديهما (مادة 8).
واعترض بنو كثير على هذه المعاهدة. فقد رأوا أنها تجعل الدولة الكثيرية تابعة للقعيطية التابعة بدورها لبريطانيا ولكن بني كثير اضطروا آخر الأمر إلى إبرام المعاهدة. وازداد التعاون بين السلطانين بعد ذلك. وأذاع السلطانان في 26 ربيع الثاني 1346هـ (1928م) بياناً أعلنا فيه تعاونهما «على الإصلاح وإقامة الأمن والعدل والإنصاف كما تقتضيه الشريعة الإسلامية» وإقامة مندوبين لكل منهما في أراضي الآخر. وأوفد السلطانان مندوباً إلى أندونيسيا لحث الحضارمة المهاجرين على المساهمة في إصلاح وطنهم الأول.
ولبى الحضارمة في أندونيسيا والملايو النداء وعقدوا مؤتمراً في 25 شوال (1346م) 17 نيسان (1928م) واستمر انعقاد المؤتمر حتى العاشر من ذي القعدة. وقاطع اليوافع في جاوا هذا المؤتمر وحثوا السلطان القعيطي على عدم الاعتراف به. ورفض عمر بن عوض القعيطي قرارات المؤتمر.
وتوفي السلطان منصور الكثيري في 9 ذي الحجة 1347هـ (أيام 1929م) فخلفه ابنه السلطان علي بن منصور الكثيري المقيم في عاصمته سيون ثم السلطان جعفر بن منصور الكثيري فابن أخيه السلطان الحسين بن علي بن منصور. وعاش السلطان عمر القعيطي حتى ذي الحجة 1354هـ (1936م) قاضياً أكثر أوقاته في عمله في حيدر آباد كقائد للقوات الحضرمية فيها وناب عنه في حكم المكلا ابن أخيه صالح بن غالب القعيطي اليافعي الذي نودي به سلطاناً عام 1354هـ (1936م) والذي أعلن أن روابطه مع بريطانيا ستبقى ودية على الدوام مؤكداً محافظته «على الولاء للتاج البريطاني». وأعرب السلطان عن عزمه على إنشاء معهد زراعي وإدخال الآلات الزراعية الحديثة وتشجيع التجارة وصيانة الأمن وإقامة محاكم جديدة وتشكيل مجلس استشاري. وخلف صالح بعد وفاته عام 1956م ابنه عوض.
نظرة في الحاضر
ويصف سائح ما شاهد في حضرموت حين زارها في عشر الستين بما يلي([27]):
وادي حضرموت يمتد كنهر كبير بين ضفتين من الجبال العالية المتقاربة. وسيؤون (بفتح السين) تقبع في وسطه كمدينة أهملت التاريخ فتناساها. وإلى الجنوب منها تريم وإلى الشمال شبام كأنهما خرافيتان وسط لا شيء إلا واحات كبيرة من النخيل وناطحات سحاب عالية من الطين.
كل ما في غراف (بضم الغين) القرية الصغيرة التي تقع في منتصف الطريق تماماً بين سؤون وتريم، يوحي بالوهم، وتحس بعزلة محببة عن الواقع، فليس فيها ما يربطك بالعالم الذي نعرفه.
وتحملك سيارة اللاندروفر عبر الوادي الأخضر المفتوح على نهر جف منذ ما يزيد على قرن. والنخيل هو الخضرة الدائمة، والطريق بغراف، القرية ذات الكهوف الطينية والبيوت الواطئة القليلة وتدخل سيؤون عبر ممر من أشجار النخيل وكأنك في فلم سينمائي افتعلته هوليود وتلمع القباب البيضاء، وتبدو سيؤون من بعيد واحدة من الألوان: البيوت خضراء، حمراء، بيضاء، زرقاء، كلها زاهية.
الشوارع ترابية مرصوفة ونظيفة. والناس كأنها لا تعمل إلا في البناء والزراعة. كل شيء في سيؤون من الطين والألوان. لا حجر ولا إسمنت. الشوارع فسيحة ترابية ونظيفة. والنظافة تلفت النظر في كل مكان وخاصة القادم من اليمن وعدن. فالهندسة صناعة محلية تكاد تكون أهم ما يميز حضرموت عن الجزيرة العربية كلها. والزراعة هي الذرة والخضر، هي مهنة الحضارمة المقيمين الذين لم يسعدهم الحظ بركوب البحر إلى أبعد.
وتتطلع إلى أعلى لترى البيوت الطينية ترتفع إلى عشر طبقات أو أكثر، وتمتد كقصور من ألف ليلة وليلة، حولها حدائق خضراء وماء وفيها ألوان وألوان.
ثم يقول:
وانطلقت سيارة اللاندروفر في حر بعد الظهر عبر الطريق المرصوف في الوادي البني اللون الأغبر الجاف. وكانت تريم في الجانب الآخر تسبح في واحة من النخيل والألوان والماء. وكانت الكثيري في عزها.
وإذا بتريم مدينة مسورة، بابها ضيق، ومن خلف السور الطيني تطل ناطحات السحاب الطينية، ومعها مآذن على مد النظر. وأمام الباب احتشد جمع من الناس وقد علت أصواتهم واختلطت بإطلاق الرصاص في الهواء وقد مشى أمامهم فتيان يحملون حراباً على رأسها ما لم أتبينه من بعيد. وسألت رفيق الطريق الحضرمي، فقال هؤلاء الناس قد عادوا من صيد الغزلان، وقد حملوا رؤوسها على الحراب، وهم يطلقون الإهازيج بين كل وقفة ووقفة. إنه تقليد من تقاليد الصيد، وصيد الغزلان عندنا فن قديم.
ودخلنا الباب وراء الجماهير، فإذا نحن في ساحة كبيرة خلفها جبل كبير وقد التصق السور وجدرانه الثلاثة به، وكان هو الجدار الرابع. ووسط الساحة مقابر ذات شواهد قصيرة وكأنها مجموعة تحف صغيرة صفت بشكل هندسي أنيق في واجهة متحف من المتاحف.
لعل هذه المقابر وجدت قبل تريم، وبعضها منذ أيام الحميريين. أجيال وراء أجيال تدفن هنا في وسط البلدة: قالها رفيق الرحلة الحضرمي المولود في سنغفورة ومن أكبر عائلات حضرموت وأغناها.
وكانت جموع الصيادين والناس قد اختفت من الساحة وتوزعت في الأزقة الترابية الضيقة. وإذا بتريم تختلف عن سيؤون وشبام. إنها مدينة حدائق مسورة: داخل السور الكبير، أسوار صغيرة تدور حول قصورها وعماراتها المرتفعة، وإذا بالجو، جو أريستوقراطي بعيد عن التجارة والمقايضة والأسواق التي تملأ سيؤون والمكلا.
وأثارتني كثرة المآذن، فسالت رفيقي الحضرمي عن كل هذا، فقال: في تريم 365 مسجداً. كل يوم من أيام السنة له مسجد.فأغنياء حضرموت كانوا ينذرون بعد موتهم ببناء مسجد على أرواحهم، بدلاً من أن يبنوا مدارس ومستشفيات. أما اليوم وقد اتفق عدد الجوامع مع عدد أيام السنة، فنرجو أن يبدأ بناء المدارس والمستشفيات.
ووصلنا إلى منزل الدليل، فإذا قصر من قصور آل الكاف. وتعبر البوابة الخارجية فإذا قطعة من الشرق الأقصى، وتمر إلى الحديقة، وإذا بها جزء من الملايو أو سنغفورة. كل شيء أخضر، وكأنك في غابة استوائية.
واصطفت مائدة طويلة، فيها من أنواع الشراب والمرطبات والأطعمة، وكأنك عند سلطان من سلاطين ماليزيا، أضيفت إليها كل اللمسات العربية الجميلة، فاختلطت حضارتان في الطريق إلى المعدة. وأكلنا وشربنا وتحدثنا.
وسقطت الشمس وراء السور الكبير، وبدأت النساء في العباءات البرتقالية والبراقع السوداء ينسحبن إلى بيوتهن من الحقول، ولمعت أنوار المآذن الكهربائية كمنارات على شاطئ مهجور، وتحولت تريم عند المغيب إلى مهرجان من الألوان الأريستوقراطية، وبدت سيؤون في الطرق الآخر من الوادي كأنها خرافة. وكانت سيؤون وتريم.
ويكمل السائح حديثه وهو يصف بلاد حضرموت متحدثاً عن المكلا: وخرجت إلى شوارع المكلا التي تعج بالناس أسأل عن مكتبة تبيع الصحف. فدلوني على واحدة وجدت فيها كل مجلة تصدر في العالم العربي وكل كتاب لمؤلف لم اسمع به من قبل. ووجدتها أكثر الأمكنة عملاً في المكلا. صحف العالم كله فيها، من أندونيسيا وهونغ كونغ إلى بيروت.
ولما عرف صاحب المكتبة أنني من لبنان، ابتسم وقال: «نحن شعب نقرأ بنهم، ونستمع إلى الراديو بنهم أكبر، لأن هناك حضرمياً في كل بقعة، مثلكم أيها اللبنانيون، بل ربما أكثر، لأننا نحن ما زلنا على صلة بهم».
وعلى الشاطئ الرملي كانت ثلة من الجنود الحفاة تأخذ التحية لمركب شراعي كبير عليه عدد كبير من الناس يبحر إلى أرض جديدة ـ إذا بقي في العالم ثمة أرض ـ ليلقي عليها حمولته، فإما أن تثمر، وإما تعود بمراكب صغيرة إلى شاطئ الصدف والأسماك والرمال، فتلقي شباكها في فقر بيوت الطين. ويكون التاريخ قد أوقف المد ومزق الشراع.
ويستمر السائح متحدثاً عن المكلا: شباك كثيرة، ومراكب قديمة راسية، وصيادون وأشرعة ممزقة وطريق يتيمة تمر عبر منحدر جبلي ضيق، وشاطئ واسع كله حبال وسوار وناس، لعلهم تجار أو بحارة أو ربما قراصنة.
كان هذا هو المدخل إلى المكلا، نافذة حضرموت المفتوحة على العالم كل ما فيها يوحي بالحركة، وكل ما فيها كأنه ذكرى من ذكريات.
والطائرة لا تصل من عدن إلى المكلا. فلا بد أن تهبط في الريان، وهي قرية صحراوية على مشارف المكلا من الداخل وانتظرنا في شمس الريان المحرقة بعد طيران أكثر من ثلاث ساعات في طائرة الداكوتا القديمة، أن يتراجع المد ويصبح من الممكن لسيارة اللاندروفر أن تمشي بمحاذات الشاطئ في ساعات الجزر حتى تصل بعد ساعة، إذا لم تغص في الرمال أو تتلف إحدى عجلاتها، إلى طريق المكلا الضيق.
وأقلعت السيارة براكبيها اليتيمين، أنا وزميل أجنبي، على الشاطئ الإستوائي وهي تغوص تارة وتقف تارة لإصلاح ما أفسده الحر من محركها، أو حطمته الرمال في عجلاتها، مروراً فوق آلاف الأسماك الملونة القريبة التي تركها المد على الضفة قبل أن يرحل، وحولها تموج مئات السلاحف الكبيرة الجميلة لتلتهمها، وطيور البحر تضرب زجاج نافذة السيارة بالأجنحة والقوارب الغارقة ترسو بعيداً عن الشاطئ وقد سحبها المد معه، فتعلقت بالشباك التي تركها الصيادون على الرمال.
وتطل المكلا من فوق الطريق الذي سد بالصخور حتى يلوح في نهايته شارع ضيق كله بياض مفتوح على البحر، كرصيف طويل لميناء كبير وقد تكدست أكوام الأخشاب والبضائع في كل مكان حتى لم يعد من مكان للمشاة واختلطت أشكال الوجوه الغريبة بعضها مع بعض في الجو، فلا وجه واحداً يشكل طابعاً للمدينة.
ومن المكلا أبحر الحضارمة إلى العالم ليجمعوا ثروات ويبنوا أمجاد، ويعودوا بحضارات وعادات تندمج في بيئتهم وتراثهم، ومن ثم تكافح في أرض غريبة لتثبت أهليتها وفرديتها وخصائصها. فالحضارمة المهاجرون أكثر من الحضارمة المقيمين، والمسافر منهم يعيل المقيم، والثروة الوحيدة هي ثروة الهجرة.
من أندونيسيا إلى سنغافورة إلى الملايو، حيث أسسوا دولاً وممالك، حتى الهند وسيلان في آسيا. ومن زنجبار وكينيا وتنجانيقا والحبشة والصومال في أفريقيا، كان مد الحضارمة يتدفق إلى جنوب الجزيرة العربية، ومعه أموال، ليبني. وتتحول الرمال في بلاده إلى ناطحات سحاب من الطين، وينقل من الشرق الأقصى وأفريقيا التوابل والخشب والحرير والقصب.
ولا يحمل معه من الجزيرة إلا الإسلام، فيعطيه لأندونيسيا والملايو وزنجبار، «نحن فاشلون في بلادنا، وناجحون في الخارج ….»، كان تعليق رفيق حضرمي في المكلا لملاحظتي على بدائية تفريغ البضائع من السفن في المكلا، مع وجود عشرات من الحضارمة العاطلين على العمل …. ولكن يبدو أن المد الذي ركبه الحضارمة عاد بهم من الشرق الأقصى وأفريقيا الشرقية. فكانت أندونيسيا وقد توقفت ثرواتهم فيها وتعطلت أعمالهم في عهد سوكارنو.
وكانت الهند وفقرها، وقد جفت ينابيع الخير فيها. وكانت زنجبار وثروتها حين ذبح الأفارقة العرب، وكانت كينيا وقد فرضت قيوداً على غير الأفريقييين. وقد عاد الآلاف من الحضارمة وخاصة من أفريقيا إلى الوادي الأخضر دون مال ولا عمل ليعايشوا الفقر من الأول.
وبدأت هجرة ثانية: إلى السعودية، إلى الكويت. إلى الخليج. فثمة اليوم 250 ألف عائلة حضرمية في السعودية وحدها، ترسل في الشهر 100 ألف جنيه إسترليني إلى البلاد. ونصف هذا العدد في بلدان الخليج. (إنتهى حديث السائح).
الهجرة الحضرمية([28])
ومن أهم ما يميز منطقة حضرموت: الهجرة المتواصلة التي عرف بها أهلها إلى الخارج. وكان هؤلاء المهاجرون في معظمهم من الشيعة العلويي النسب، فقد حملوا الإسلام إلى تلك الأقطار النائية حيث نشروه بين أهلها، فأسلمت على أيديهم. كما أنهم أنتجوا أدباً عربياً أصيلاً شعراً ونثراً وتأليفاً مما نجمل ذكره بما يلي:
إشتهر الأدب المهجري اللبناني اشتهاراً بعيداً ودوى في تاريخنا الأدبي دوياً شديداً. ونبغ فيه متفوقون سواء في الشعر أو النثر سيظلون أبداً من أنصع الكواكب في آفاقنا الأدبية قديماً وحديثاً.
والشعر المهجري اللبناني لا يحتاج إلى تعريف ولا تنقصه الشهرة وبعد الصيت ولكن هناك أدباً مهجرياً عربياً آخر حمله فريق من مهاجري العرب غلى منائيهم البعيدة ومهاجرهم القصية لم يكتب له من الذيوع والانتشار جزء مما كتب للأدب اللبناني. بل يمكن أن نقول أنه لم يعرف أصلاً في أوساط العرب وديارهم ولم يقرأ في نواديهم ومعاهدهم إذا استثنينا قلة قليلة، بل أفراداً معينين وقعوا على هذا الأدب صدفة أو لظرف معين ومناسبة محدودة.
هذا الأدب هو أدب الهجرة الحضرمية من جنوبي الجزيرة العربية إلى الجزر الأندونيسية وغيرها من بلاد الشرق الأقصى، وإذا كانت الهجرة اللبنانية إلى الأميركيتين هجرة جارفة حملت عشرات الألوف من مدارج صباهم ومنابت أصولهم إلى بلاد العالم الجديد سعياً وراء الرزق وطلباً للثروة فكذلك كانت الهجرة الحضرمية من الأرض الجديبة والوطن الفقير إلى عالم التجارة والغنى والأخذ والعطاء.
وإذا كانت الهجرة الأولى قد أنتجت أدباً مهجرياً كثيراً، فكذلك كانت الهجرة الثانية. ولكن الفرق بين الهجرتين العربيتين أن الأولى كتبت لها الشهرة وطول الذكر وأرخت في كثير من الموارد والمصادر، بينما لم يكتب للثانية شيء من هذا. ولم تعرف أبداً ولم يشر إليها بحال من الأحوال شأنها في ذلك شأن أدبها.
أصول الهجرة
ليست الهجرة الحضرمية هجرة حديثة إنها تعود في أصولها إلى القرن الرابع الهجري على ما يرجحه المؤرخون.
وهذا الترجيح مبني على الآثار التي لا تزال باقية إلى الآن، ومن هذه الآثار شواهد القبور.
لقد اضطر الشيعة لأن يبحثوا عن أوطان يحفظون فيها حياتهم وكراماتهم وكانوا إذا لم يقتلوا عاشوا كما وصفهم الشاعر المتأخر وهو يمدح أئمة أهل البيت:
ونحن في هذه الدنيا لحبكم
نرعى على الضيم جبرياً وزنديقاً
من بين مبد عداء لا نطيق له
رداً وآخر حقداً يخزر الموقا
لذلك أوغلوا في هجرتهم بعيداً، فحيث وجدوا الأمان والطمأنينة استقروا. ومن بين الذين فروا بحريتهم وحياتهم كان بعض أحفاد علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام. وهم أبناء محمد بن علي وأبناء حسن بن علي ابن الإمام جعفر الصادق عليهم السلام.
وقد هاجر معهم الكثيرون من أهلهم وذويهم وأتباعهم، وعلى رأس هؤلاء: أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام. ولذلك عرف باسم أحمد بن عيسى المهاجر وقد استوطن أحمد هذا جنوب الجزيرة العربية عام 313هـ وهو عام هجرته من بغداد، ودام تدفق الهجرة حتى العام 317هـ.
وكان جنوب الجزيرة آنذاك مقر الأباضية الخوارج فلاقى في بدء الأمر مقاومة شديدة منهم ولكنه انتصر عليهم بعد جهاد طويل حافل.
وقد واصل أبناء أحمد بن عيسى وأحفاده الهجرة للدعوة إلى الإسلام، فكانت الهند أولى وجهاتهم، فمنهم من استقر في مدينة مليبار بالهند، ومنهم واصل الهجرة إلى الملايو وأندونيسيا والفلبين وجزائر سليمان وغيرها، حاملين معهم الإسلام ينشرونه حيث حلوا.
قال المقريزي في الخطط (جـ 1 ص 16): «في جانب هذا البحر الشرقي مما يلي الصين ست جزائر أيضاً تعرف بجزائر السبلي نزلها بعض العلويين في أول الإسلام خوفاً على أنفسهم من القتل».
وقال المؤرخ الأندونيسي محمد تمين إبراهيم أستاذ الدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي في جامعة جاكرتا من محاضرة له «أن أول مملكة إسلامية هنا يرئسها شخص يلقب بلقب شيخ كانت بأيدي العرب من الهاشميين».
وقد ذكر هجرات العلويين إلى جزء الشرق الأقصى كل من المستشرقين الهولنديين «فن دين بيرخ، وفرين ميس» في كتاب تاريخ البلدان الجاوية «سيجارة تانه جاوا» و«بيخمان» وكذلك نور الدين محمد عون. يقول فن دن بيرخ في كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الجزائر الهندية) الصادر باللغة الفرنسية: «إن نجاح الدعوة الإسلامية في جاوا كان لأن الدعاة كانوا من ذرية النبي».
ويقول نور الدين عوفي عن انتشار الإسلام في الصين: إن الأشراف العلويين هربوا إلى بلاد الصين ونشروا الإسلام فيها.
ويذكر محمد تمين في محاضرته التي ألقاها في الندوة التاريخية في ميدان سومطرا الشمالية: إن الأشراف العلويين انتشروا في كامبودجا والصين وسيام وغيرها، وإن من الواصلين إلى كامبودجا الحسين الملقب بجمال الدين الأكبر. وأنه كان للحسين هذا ولدان، أحدهما إبراهيم، وتقول الروايات الجاوية أن إبراهيم وصل مع أبيه الحسين إلى سيام وجاوا وتزوج أميرة من جامبا اسمها بانا ولاق فولدت له ولدين علياً وإسحاق كانا من أنجح العاملين على نشر الإسلام، وإن أعظم نجاح لإسحاق كان في بانيو وإنغي.
ووصل العلويون إلى الفليبين فاستوطنوها ونشروا فيها الإسلام ثم أقاموا فيها ملكاً واستمر حكم العلويين فيها حتى سنة 558هـ (1465م) وقيل إلى سنة 1521 حين هاجم الإسبان المسلمين وفشل السلطان عبد القاهر في صد هجومهم. وفي تاريخ الفليبين ذكر مجيء الشريف أولياء بسفينة طافت في تلك الجزر لنشر الإسلام. وجاء في كتاب (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم) المطبوع بمانيلا سنة 1905م أن مجيء الإسلام الفليبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر. وقد عمل هذا العلوي على نشر الإسلام أول الأمر في جزائر (يوايان) الفليبينية فأسلم ملكها على يديه وانتشر الإسلام في ميندانا ومافينيدانا وسبيو وسولو وكوتا بارو وتمبارا وليبونغان باكمبايان.
وجاء في ذلك الكتاب أن هؤلاء العلويين كانوا أول من علم الأهلين هناك الكتابة العربية.
ولا تزال المقابر الأندونيسية تضم حتى اليوم قبور أحفاد أولئك الرواد الأوائل وقبور أحفادهم، ولا تزال تلك الأحداث محجة للزائرين من كل مكان. وعلى شواهد قبورهم كتبت البسملة وآيات من القرآن الكريم في كلمات (الله محمد. علي) وعلى بعضها مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله. علي ولي الله. لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
وبعض هذه القبور عليه تاريخ سنة 822 هجرية وبعضها سنة 1552 ميلادية، وبعضها 882 هجرية على أنه يبدو من بعض النصوص أن استقرار هؤلاء العلويين في الجزر الأندونيسية وشهرة مقامهم فيها قد حملت بعض الخائفين على التوجه إليها والحلول بين تلك الجاليات التي تناسلت وتكاثرت، وأنه كان بين من نزحوا إليها أحد أحفاد الخلفاء العباسيين المسمى عبد الله والذي نجا بنفسه فراراً من مذابح المغول بعد سقوط بغداد على يدي هولاكو.
ومهما يكن من شيء فإن هذه الهجرة العربية الكبيرة قد انطوت في غمار التاريخ ولم تترك لنا من أثر سوى أنها كانت من أكبر العوامل في نشر الإسلام في تلك الأقاصي وحسبه من أثر. وقد ذابت تلك الأصول العربية في المجتمع الأندونيسي وغير الأندونيسي من المجتمعات المهجرية التي عاشت فيها وغابت ملامحها غيبة كاملة وعادت أندونيسية خالصة حتى في أسماء الأعلام. وإن ظل بعض رجالها يسلسل آباءه مبتدئاً باسمه الأندونيسي واسم أبيه وجده وهكذا حيث يعود إلى الأسماء العربية([29]).
وكذلك كان الحال في تايلاند فقد وصلها أحفاد أحمد بن عيسى المهاجر ولكنهم هذه المرة لم يكونوا وحدهم فقد كان معهم جماعة من الهنود والفرس فشهدت تايلاند من القرن الثالث عشر الى القرن الخامس عشر الميلادي مداً إسلامياً متدفقاً يقوده أولئك الحضارمة ولا يزال المسلمون في تايلاند ذوي مكانة مرموقة، وأنعم على بعضهم بأسمى المراتب وأرفع الألقاب فكان المسلمون يشرفون على إدارات متعددة خاصة فيما يتعلق بشؤون التجارة والعلاقات الخارجية وعمل كثير منهم في الجيش والأسطول، وبعد الاستقلال كان أول سفير تايلاندي في إيران مسلماً.
ومن المؤسف أن انقطاع تلك البلاد عن الإسلام وما نالها من الاستعمار الغربي، أضعف الإسلام فيها، حتى لقد تحول المسلمون في بعض البقاع مع الزمن إلى بوذيين.
ولا تزال بعض الأسر البوذية تحس بأصلها الإسلامي وتفاخر به، فمن ذلك مثلاً أن أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في القديم يسمى الشيخ أحمد، وقد تحولت بعض سلالاته إلى البوذية، وفي إحدى السنين الأخيرة ألقى مندوب ملك تايلاند في احتفال أقامه مسلمو تايلاند لمناسبة ذكرى المولد النبوي، فقال في خطابه أنه يشعر بالغبطة والسعادة والفخر والعزة لأنه شارك في ذكرى المولد النبوي الذي طالما ذكرت له والدته أن جدها الكبير الشيخ أحمد كان من المؤمنين به وبرسالته.
ومن الطريف أن المفكر التايلاندي المعاصر (كيركريت) ينتسب للشيخ أحمد من جهة إحدى جداته وهناك شقيقه الأكبر وهو رئيس الحزب الديمقراطي أكبر الأحزاب في تايلاند.
وقد روى السيد محمد علي الشهرستاني الذي زار بانكوك عاصمة تايلاند، في العشر الأوائل من المحرم سنة 1394م قائلاً: إن العزاء الحسيني يقام على أتم مظاهره في بانكوك وبعض أنحاء تايلاند وإنه شاهد بأم عينه إقامة مجالس العزاء والمآتم واجتماعات النياحات وقراءة المراثي الحسينية، وأنه اشترك بنفسه في بعضها.
وليس بين أيدينا ما يحدد لنا التاريخ الذي بدأت فيه الهجرة الحضرمية الأخيرة من الجنوب العربي إلى جنوب آسيا، تحديداً دقيقاً ولكننا نستطيع إستناداً الى بعض المصادر أن نقول أن أول فوج من المهاجرين الحضارمة خرج من موطنه، كان خروجه في أواسط القرن الثاني عشر الهجري. بل نستطيع أن نقول أن ذلك كان في حدود سنة 1150هـ وكان هذا الفوج مؤلفاً من أربعة مغامرين هم: حسين القدري الملقب بالحسني وعثمان بن حسن ومحمد أحمد القدسي ومحمد بن حامد.
وكان الدافع الأول لهم للهجرة هو السعي وراء العيش الكريم وبلغ النجاح ببعضهم أن تزوجوا بالأميرات بنات السلاطين الأندونيسيين وكان المغري الوحيد بهذا الزواج أن المهاجرين كانوا من سلالة الرسول، فرأى السلاطين في تزويج بناتهم من هؤلاء الغرباء العلويين شرفاً لهم. ثم تطور الأمر بعد ذلك فإذا بعض أبناء المهاجرين وأحفادهم يتولى الملك بنفسه لأن السلاطين رأوا في الأسباط المتصلين بالنسب النبوي ما يفضلون به الأحفاد غير المتصلين بهذا النسب. وهكذا نجد أن من بين سلاطين سياك وفونتيانك وغيرها من هم من الأشراف العلويين أبناء وأحفاد أولئك المهاجرين.
على أن هذا التزاوج قد أدى إلى ذوبان أعقاب المهاجرين في الوسط الأندونيسي فلم يعودوا يعرفون بالطابع العربي ولا باسم الأسرة العربي أما الذين لم يقدر لهم مثل هذا الزواج فقد ظلوا محتفظين حتى اليوم بأسماء عربية لأسرهم وهم من سنرى أسماء أسرهم في الآتي من القول.
وإذا كنا قد ذكرنا فيما تقدم أسماء المغامرين الأربعة طلائع الهجرة العربية فلا يفوتنا أن نذكر أسماء أخرى كانت في أوائل المواكب المهاجرة ونستطيع أن نعد من ذلك مهاجري آل كثير وآل النهدي وآل بلحمر وآل بارجاء وآل العمودي وغيرهم.
قالت مجلة الرابطة الصادرة في جاوي (سنة 1930م) وهي تنعى السيد محمد بن عبد الرحمان بن شهاب الدين:
لقد هاجر في النصف الأول من هذا القرن من حضرموت إلى الجهات الجاوية عشرات الألوف من الحضارمة، منهم من عاد إلى وطنه ومنهم من توفاه الله (انتهى).
ونرى بعد هذا الذي ذكرناه فيما تقدم أن نخصّ بالذكر بعض المهاجرين إلى أندونيسيا فنقول:
آل الجفري
وأبرز من خرج فيهم السيد عقيل بن زين العابدين الجفري الذي كان عالماً مرموقاً خرج من أندونسيا إلى تركيا ودخل جامعة أسطنبول ثم سافر إلى أوروبا وكثير من بلدان آسيا واتصل بالكثرين من عظماء العالم الإسلامي، ثم صار من أقطاب السياسية الأندونيسية فقاوم الاستعمار الهولندي مقاومة شديدة أدت إلى أن تعتقله السلطات وتسجنه سنة 1928م ثم صادرت أملاكه وأبادت مكتبته الكبيرة القيمة. ثم أطلقته فقيراً لا يملك شيئاً. عاش حتى أدرك الاستقلال فكانت فرحته فيه فرحة تتناسب مع نضاله وتضحيته. وتوفي العام 1952م عن عمر ناهز التسعين.
ويعتبر السيد عقيل من الأدباء المؤلفين باللغة العربية. وقد ترك العديد من المؤلفات التي ظلت مخطوطة لصعوبة الطباعة العربية في تلك البلاد.
آل المحضار
وأبرز من خرج فيهم السيد محمد بن أحمد المحضار المتوفي سنة 1924م في مدينة سورابايا وهو عالم وشاعر يعتبر في طليعة شعراء المهجر الأندونيسيين. وقد ترك ديواناً كبيراً وعدة مؤلفات. ولكنها ظلت كغيرها مخطوطة لم تطبع ولم تنشر وهو القائل من قصيدة:
أيا من قال جهلاً في علي
بأن النص كان به خفياً
هو الأولى به من غير نص
فكيف به وقد بدا منه جلياً
ومن آل المحضار ملوك وقضاة في جزائر القمر في أفريقيا.
آل يحيى
وأبرزهم السيد محمد بن عقيل الذي يعتبر في وقته من أكبر علماء العالم الإسلامي وأعظم رواد الإصلاح فيه، وكانت دار هجرته جزيرة سنغافورة حيث أسس فيها دعوة إسلامية إصلاحية امتدت حتى شملت أندونيسيا وغير أندونيسيا.
وكانت طريقته هي إنشاء الجمعيات وتأسيس المدارس ونشر الصحف ويمكن أن تعد جريدته التي نشرها في سنغافورة أول جريدة عربية في تلك المهاجر وكذلك جمعيته ومدرسته التي حرص على أن تكون مدرسة عربية إسلامية. وكان تأسيس الجمعية سنة 1322هـ وتولى رئاستها السيد أحمد السقاف وكانت هي نواة جمعيات الإصلاح في أندونيسيا الجاوية كلها، وصارت مركزاً عاماً يقصده المثقفون. بل كانت على حد تعبير أحد الباحثين سبباً لجمع شمل العرب الذي كان مفرقاً، ثم أضاف إلى ذلك إصدار مجلة عربية سماها (الإمام)، صدر العدد الأول منها في أول جمادى الثانية سنة 1324هـ (1906م) وصدر آخر عدد منها في شهر ذي الحجة سنة 1326هـ (1908م).
وقد سمى مدرسته مدرسة الإقبال، ولم يكن من الميسور إيجاد مدرسين لها في المهجر فاستدعى لها المدرسين من مصر. وكان تأسيسها سنة 1326هـ (1908م) ثم صدرت بمساعيه جريدة الإصلاح التي لم تعمر طويلاً شأنها في ذلك شأن مجلة (الإمام) إذ صدر العدد الأول منها في أول شوال سنة 1326هـ وصدر آخر عدد منها في 24 ذي الحجة سنة 1328هـ.
وكانت هذه النهضة العربية في سنغافورة مدعاة لأن تقوم مثلها في أندونسيا وبلدان جنوب آسيا التي كانت تصلها مجلة الإمام وجريدة الإصلاح فتأسست في جاكرتا جمعية خير سنة 1324هـ وتأسست أول مدرسة لجمعية خير في جاكرتا وفي فلمباغ بمسعى السيد علي بن عبد الرحمان المساوي والسيد محمد بن عبد الرحمان المنور سنة 1326هـ. كما تأسست مدرسة في سورابايا بنفس السنة بمسعى السيد شيخ بن زين الحبشي ومدرسة في جاكرتا بمسعى السيد عبد الله بن علوي العطاس. وكلها مدارس عربية التدريس إسلامية المناهج.
وكان ابن عقيل يزور أندونيسيا بين الحين والحين لدعم النهضة فيها وبث الإصلاح بين رجالها وكانت آخر زيارة له لجاوا سنة 1918م.
وهكذا نستطيع أن نعتبر السيد محمد بن عقيل رائد نهضة وداعي إصلاح ومربي أجيال. وإذا كان قد قدر لبعض كتبه أن تطبع خارج المهجر فإن معظم تلك الكتب ظل مخطوطاً. ومن كتبه المخطوطة كتاب (أحاديث المختار في معالي الكرار).
وقد عاد من مهجره إلى الوطن العربي فاستقر فترة في الحجاز سنة 1339هـ ثم انتقل إلى حضرموت سنة 1340هـ فسكن المكلا وعاود الدعوة إلى الإصلاح السياسي والديني والاجتماعي منتقداً الأوضاع القائمة نقداً صريحاً مما أثار الضجيج عليه شأن كل مصلح وفي سنة 1347هـ انتقل إلى عدن فكان شأنه فيها شأنه في المكلا ثم انتقل من عدن إلى الحديدة سنة 1349هـ وبقي فيها إلى أن توفي سنة 1350هـ.
وكان السيد محمد بن عقيل معروفاً في العالم الإسلامي كله ولما توفي رثاه السيد محسن الأمين بقصيدة طويلة مطلعها:
سالت دموع العين كل مسيل
حزناً لفقد محمد بن عقيل
آل الحداد
نبغ من هذا البيت العديد من العلماء والشعراء منهم العالم الشاعر السيد عبد الله بن علوي الحداد الذي ظل ديوانه كغيره مخطوطاً لم يطبع. والذي يقول فيه:
أهل بيت المصطفى الطهر
هم أمان الأرض فاذكر
آل السقاف
ومن هذا البيت أيضاً خرج العلماء كالسيد أحمد بن عبد الله السقاف والسيد ابن عبيد الله. والأول منهما كاتب بارع وشاعر مجيد ومن أعرق الثائرين على الاستعمار الهولندي وله في هذا المضمار الكفاحي الكثير من الشعر الحماسي المثير لا سيما في أول الحركات التحررية سنة 1910م. وإذا كان معظم شعر بقية الشعراء المهجريين لم ينشر حتى في الصحف بل ظل مخطوطاً في الدواوين مقرؤاً في المنتديات فإن شعر هذا الشاعر كان له من الحظ أكثر مما كان لغيره اذ نشر الكثير منه في الصحف والمجلات العربية التي كانت تصدر في المهجر، ولكنه لم يجمع في ديوان مطبوع. وهو القائل مخاطباً فاطمة الزهراء عليها السلام:
أفاطمة الزهراء غوثاً فإننا
على خطر من جهل بعض الحبائب
آل العطاس
ينتسبون إلى جدهم الأكبر السيد عمر بن عبد الرحمن العطاس، المتوفى بحريضة حضرموت سنة 1072هـ ومنهم السيد عبد الله بن علوي العطاس الذي نشر الإسلام في بورما والهند وغيرهما. والمتوفى سنة 1334هـ.
ومنهم السيد سالم بن أحمد العطاس الذي تولى الإفتاء في جهور (الملايو) مدة خمس وثلاثين عاماً والمتوفى سنة 1313هـ ومنهم السيد عبد القادر بن محسن العطاس الذي تولى كذلك الإفتاء في جهور مدة ثلاثين عاماً وتوفي سنة 1341هـ. ومنهم السيد عبد الله بن عبد الرحمن العطاس الذي تولى القضاء في سنغافورة مدة عشرة أعوام، والمتوفى سنة 1355 بأندونيسيا.
آل حبشي
ومنهم السيد محمد بن عيدروس الحبشي المتوفى في سورابايا (اندونيسيا) سنة 1344هـ.
آل الكاف
وهم الذين كانت لهم الأيادي البيض في بناء المساجد والمدارس. وقد صكت نقود تحمل اسمهم، وكان يتعامل بها في حضرموت.
آل شهاب
نبغ الكثيرون من رجال هذا البيت ويعتبر السيد علي بن أحمد بن شهاب من أبرزهم، كان من الكتاب المؤلفين ولكن مؤلفاته ظلت هي الأخرى مخطوطة. وهو من المكافحين للإستعمار الهولندي ومن أركان الحركة التحررية وأبرز زعمائها. وكان هو الداعي غلى تأسيس جمعية خير سنة 1907م كما كان عضواً في الحزب الإسلامي الأندونيسي (شركة إسلام) وفي العام 1881م هوجم اجتماع وطني كان يرئسه فساقته الشرطة الهولندية إلى السجن حيث قضى فيه فترة، وبعد خروجه من السجن ساح في البلاد الإسلامية فزار تركيا ومصر وسورية ثم أدى فريضة الحج، ثم عاد إلى أندونيسيا متابعاً الكفاح الإستقلالي وظل حياً حتى دخول الجيوش اليابانية إلى أندونيسيا، ثم توفي سنة 1945م في أواخر العهد الياباني عن عمر ناهز الخمسة والتسعين.
أبو بكر بن شهاب
من هذه الأسرة خرج العالم الشاعر المؤلف السيد أبو بكر ابن شهاب. وهو الشاعر الذي نريد أن نتخذ منه نموذجاً للشعر المهجري العربي الشرقي لأنه الوحيد الذي طبع ديوانه من بين شعراء المهجر الشرقي.
ولد أبو بكر بن شهاب سنة 1262هـ بقرية حصن آل فلوقة أحد مصايف تريم من بلاد حضرموت وتوفي سنة 1341هـ بحيدر آباد الدكن من بلاد الهند. وكانت هجرته الأولى من بلاده إلى الحجاز سنة 1286هـ وهذه الهجرة كانت لطلب العلم حيث أخذ عن علماء الحجاز لا سيما السيد أحمد بن زيني دحلان ثم عاد إلى تريم وأقام بها حتى سنة 1288هـ حيث هاجر إلى الشرق الأقصى هجرة امتدت أربع سنين كانت جل اقامته فيها بأندونيسيا في مدينة سورابايا من مدن جزيرة جاوا مشتغلاً بالتجارة ثم عاد إلى وطنه ولكن لم يستقر فيه بل عاود الهجرة سنة 1302هـ مفتتحاً هجرته بسياحة في عدن ولحج والحجاز ومصر وسورية وفلسطين ثم في الأستانة، واختتم سياحته بالحلول في مهجر جديد هو مدينة حيدر آباد الدكن في الهند، ولكنه ظل دائم التردد إلى أندونيسيا.
وفي العالم 1331هـ عاد إلى وطنه مصطحباً عائلته بعد هجرة استمرت نحو ثلاثين سنة، وترك أسرته في الوطن وعاد إلى المهجر سنة 1334هـ ليقطع ما تبقى من علائقه ثم يعود إلى الوطن ولكن لم تكتب له العودة حيث قضى نحبه في ديار الغربة.
شعره
لن نجد في الشعر المهجري الشرقي، ما نجده في شعر المهجر الغربي من تجديد وتطوير، بل إن الشعر الشرقي هو امتداد للشعر العربي القديم بكل خصائصه وكل موضوعاته ونحن حين نعرض لشعر هذا الشاعر لا نطمع أن نجد فيه أكثر مما نجد في شعر اي شاعر تقليدي من شعراء العرب.
وكذلك يمكننا أن نقول نفس القول فيما وصلنا من شعر غيره من شعراء المهجر الشرقي، فالغزل والمديح والرثاء وأحياناً الهجاء هي قوام هذا الشعر.
والتعابير والألفاظ والمعاني هي نفس ما عرفناه في كل شعر قديم. ومن العجيب أن الانفعالات العاطفية التي أثارتها الغربة في شعر شعراء المهجر الأمريكي فنظموا في الحنين إلى بلادهم شعراً يوصف بأنه عبرات وزفرات وتأوهات أحرى من أن يوصف بأنه ألفاظ وكلمات. إن هذه الانفعالات مفقودة في شعر المهجر الشرقي فيما وصل إلينا منه.
وإذا كانت الانفعالات العاطفية مفقودة ـ كما قلت ـ في الشعر الشرقي فذلك لا يعني أن أصحاب هذا الشعر لم يحنوا شعراً إلى أوطانهم، ولم يتأوهوا في غربتهم شوقاً إلى ديارهم.
بل هم فعلوا أحياناً ذلك، ولكنه كان انفعالاً عابراً مر قصيراً خلال القصائد الطويلة.
فشاعرنا أبو بكر بن شهاب مثلاً ينظم قصيدة من أطول القصائد يتحدث فيها عن علي بن أبي طالب عليه السلام فلا يكون فيها من الحنين والإشارة إلى الغربة إلا بيتان اثنان:
ألا ليت شعري والتمني محبب
إلى النفس تبريداً لحر أوامها
متى تنقضي أيام سجني وغربتي
وتنحل روحي من عقال اغتمامها
ولكن هذا الحنين لم يكن إلى حصن آل فلوقة مسقط رأس الشاعر ولا تريم مراح صباه ولا إلى حضرموت مدرج هواه. بل إلى بلد آخر غير هذه البلاد، إلى بلد يعتبره موطنه الروحي، فإذا حن غيره من الشعراء إلى مواطن أجسادهم فإن هذا الشاعر إنما يحن إلى موطن روحه إلى النجف مدفن الإمام علي عليه السلام:
وهل لي إلى ساح الغريين زورة
لاستاف ريا رندها وبشامها
وإني على نأي الديار وبينها
وصدع الليالي شعبنا واحتكامها
منوط بها ملحوظ عين ولائها
قريب إليها مرتو من مدامها
ولكن ليس هذا كل ما في شعر الشاعر من حنين، فإذا كان في القصيدة السابقة قد حن إلى وطن الروح فهو هنا يحن إلى وطن الجسد، يحن إلى حضرموت وتريم:
على سلمى وإن نأت الخيام
من المضنى التحية والسلام
تناشدني أترجع عن قريب
فقلت نعم وللدهر احتكام
ألا يا دارها من بطن واد
به نبت الخزامى والبشام
سقاك العارض الوسمي سحاً
وحيا ذلك الشعب الغمام
ترى هل تجمع الأيام شملي
بها أو هل لفرقتنا التئام
إليها قبلتي ولها صلاتي
وحجي والتنسك والصيام
ويبلغ به الحنين في الهند حداً ينطقه بأكثر قصائده عاطفة وأحرها شوقاً:
يا أيها الراكب الغادي إلى بلد
جرعاؤها خصبة المرعى وأبرقه
ناشدتك الله والود القديم إذا
ما بان من بان ذاك السفح مورقه
أن تستهل صريخاً بالتحية عن
باك من البعد كاد الدمع يغرقه
يثير أشجانه فوق الصبا سحراً
وساجع الورق بالذكرى يؤرقه
له فؤاد نزوع لا يفارقه
حر الغرام وجفن ليس يطبقه
بالهند ناء أخي وجد يحن إلى
أوطانه وسهام البين ترشقه
الفرق بين الشعرين
والفرق بين هذا الشعر وبين شعر المهجر الأمريكي أن الثاني لا يوري عن بلاده بالجرعاء والأبرق وما إليها من أسماء عربية ليست هي المقصودة بالشعر ولا هي مكان الحنين، بل هي مواطن لا يعرفها الشاعر ولا يشتاقها، وإنما هي منازل لقوم من العرب تغنوا بها في القديم، فكان من الشاعر الحديث أن حذا حذوهم بذكرها معبراً بها عن أرضه ووطنه.
وإذا كان لم يصرح باسم البلد الذي يشوقه فإنه قد صرح باسم البلد الذي يحن منه إلى بلده، وأعلمنا أنه الهند. لولا ذلك لما كان من فرق بين هذه الأبيات وأي أبيات لشاعر عربي قديم يذكر جرعاء الحمى والأبرق. على العكس من الشعر الأمريكي الذي يسمي الأماكن بأسمائها، ثم هو يعبر عن حنينه تعبيراً لا يدنو في شيء من تعابير الأقدمين ولا من أساليبهم ولا معانيهم.
تبرير الهجرة
وهذا المتشوق في الهند إلى بلده يبرر الهجرة ويعين أسبابها ويرى أنه ما دام المقام في الوطن مدعاة للخمول والاهتضام فلا بد من الرحيل عنه إلى أقصى مكان:
تلك السبيل إلى الفخار فإن ترد
إدراكه فدع الربوع وعادها
وارحل فإن العجز شر مصاحب
عجلاً وطأ في السير شوك قتادها
واخطب عذارى المجد في آفاقها
واشهد مواسمها على ميعادها
هل في القضية أن أقيم ببلدة
يخشى الكرام بها أذى أوغادها
في الأرض متسع لحر نفسه
عصماء يأمن مستحيل كسادها
فسنام أي الأرض اذهب منزلي
ولي الندامى الغر من أمجادها
ويكرر هذا المعنى فيقول:
وإذا ما الكريم آنس ذلاً
في بلاد فليعن بارتحال
ولكن هل شفت الهجرة آلامه وأبلغته مرامه حين ترك وطنه خوف الهوان أو أذى الأوغاد، وهل وجد في الأرض متسعاً لنفسه الحرة العصماء، وهل لقي الندامى الغر الذين تحدث عنهم؟ أنه هو يجيبنا عن ذلك بعد أن مضى على هجرته تسع سنين:
غربة في ديار من ليس جنسي
جنسهم والمقال غير المقال
سمت فيهم نفيس علمي فلم ينفق
وقد قرظتهم بسحر حلال
وبمحض العفاف صار كتابي
مستعاراً وصافناتي تعالي
ذهبت حكمتي ضياعاً وشمسي
في استتار وعزتي في ابتذال
فيهم قد قضيت تسعة أعوام
أذابت نفسي وعمري ومالي
ثم تزداد الآلام تفجراً فيقول:
ومن عجب أني نزيل ببلدة
شمائل أهليها الحماقة والدعوى
إلى الله أشكو غربتي بينهم فما
إلى غيره من مثلهم تنفع الشكوى
ثم تتراءى له في الذهن أوطانه بعيدة لا سبيل إلى الوصول إليها فيقول:
كيف السبيل إلى اللقاء ونحن في
رق الزمان وربما لا يعتق
أترى زمان السوء يسمح لي بما
أرجو فتسري بي إليك الأينق
لابثك الشكوى وتعلم أنني
دنف وشملي بالبعاد ممزق
وأين هو من النوق في عصر البخار؟ فليست النوق هي التي يمكن أن تسري به من أندونيسيا أو من الهند إلى حضرموت وإنما هي البواخر الجواري كالأعلام، ولكن الشاعر المتأثر بالقديم لا يستطيع التخلي عن قديمه، ولا التخلي عن الاحتذاء حذوه حتى فيما تستحيل عليه فيه رؤيته، فكيف بأن يكون وسيلته ….
وفي كل ما نظم الشاعر لم يذكر اسماً من أسماء منازله في المهجر ما عدا ما رأينا من ذكره للهند ذكراً عابراً لا دلالة فيه على شيء سوى أنه نزيلها. على أنه يخص جزيرة سنغافورا بقصيدة يحييها بها ويحيي نازليها من مهاجرة العرب:
مدينة سنغفورا حين تبدو
معالمها ترى السوح الرحيبا
فحياها الحيا الوسمي حتى
يغادر سفحها أبداً خصيبا
قصور لا يلم بها قصور
ودور بالبدور نفحن طيبا
ولم تسمع إذا ما طفت إلا
حماماً ساجعاً أو عندليبا
وبالعرب الكرام الساكنيها
من المجد اكتست برداً قشيبا
وجوه بالمكارم مسفرات
سمت عن أن ترى فيها شحوبا
إذا عض الزمان لهم نزيلاً
من الدهر استقادوا أن يتوبا
وتبدو هذه القطعة من أثمن ما في شعر الشاعر من حيث تسجيلها للهجرة العربية تسجيلاً شعرياً يحدث الأجيال القادمة عما كان للعرب من الشأن في تلك الجزيرة القصية. التي يبدو جلياً من الشعر أن العرب فيها كانوا من الكثرة ولهم من الأثر بحيث صح للشاعر أن يتحدث عنهم كجزء بارز في تكوين سنغافورا الاجتماعي.
وبالرغم من أن الحديث في هذا الشعر عن سنغافورا حديث مجمل عام ولا دلالة فيه على مكان معين وطبيعة معينة، ولا وصف فيه لتحسس نفسي مثير، فإن مجرد التاثر بسنغافورة وإبراز هذا التأثر في الشعر يكسب هذا الشعر طرافة ويجعل منه وثيقة أدبية ثمينة. وفي مثل هذه القطعة يبرز الفرق أيضاً واضحاً بين شعر المهجر الغربي وشعر المهجر الشرقي، فالشعر الغربي في مثل هذا الموضوع يعني بالتفاصيل ويحدد لك المكان تحديداً واضحاً ويحدثك عن كل جزء من أجزائه وكل بقعة من بقاعه، في حين أن الحديث هنا اقتصر على الإشارة إلى السوح الرحيبة والقصور والدور، والسفوح الخصيبة، وعلى الدعوة، بأن يحييها المطر لتظل أبداً خصيبة …. ثم انتقل فجأة إلى العرب الساكني سنغافورة والتباهي بهم والإشادة بخلالهم.
وإذا كان الأمر كذلك فلأن ما يثير الشاعر العربي الغربي هو غير ما يثير الشاعر العربي الشرقي ولأن ما شاهده مثلاً وعاشه جورج صيدح على شواطئ فنزويلا فأنطقه بالشعر الجميل.
لم يشاهد مثله ولا يمكن أن يشاهد مثله فضلاً عن أن يعيشه أبو بكر بن شهاب الفقيه الجليل، ولأن ما تعمد أن يقصده ويستمتع به شاعر المهجر الفنزويلي، ينهى عن قصده والاستمتاع به شاعر المهجر السنغافوري فجورج صيدح مثلاً وهو يشاهد المستحمات العاريات على الشواطئ الأمريكية، كان يرى أن السعي إليهن ومطالعة مشاهدهن والأنس بهن، هو ما يسوقه كل أصيل إلى الشاطئ، لذلك فهو يهتف بمثل هذا الشعر:
أفدي الحمائم باكرت حمامها
في شاطئ فرش العيون أمامها
الكاسيات العاريات تؤمه
بغلائل ما غلفت أجسامها
تركت إلى عبث النسيم شفوفها
فنضا النسيم عن النجوم غمامها
أما شاعر سنغافورا، فإن كل ما في الأمر أنه كان وهو في طريقه إلى عمله وعوده من عمله يرى أمام عينيه السوح الرحيبة والميادين الطليقة، ويبصر القصور الشاهقة والمنازل القوراء، كما يرى السفوح الخصيبة الخضراء يراها من الخارج دون أن يستطلع ما في تلك القصور وما تضمه تلك الدور، ودون أن يقصد ما وراء السوح من مقاصف ومراقص ومشارب، وما على جوانب السفوح من مباهج وملاعب.
لذلك جاء حديثه عاماً مجملاً، حديث العابر العاجل، لا حديث المتأني المقيم، في حين أنه كان في نفس الوقت يحيى حياة العرب هناك، وينغمس في مجتمعاتهم ويغوص في عيشهم لذلك كان التفصيل في شعره بالحديث عنهم وعن أخلاقهم وشمائلهم. ولم يكن التفصيل في غير ذلك.
إختلاف مواضيع الشعرين
ومن هنا إختلفت مواضيع كل من شعر المهجرين الشرقي والغربي، فأبو بكر بن شهاب مثلاً يصل إلى علمه وهو في مهجره طبع كتاب (الاستيعاب) لحافظ المغربي أبي عمر بن عبد البر فيرى في ذلك حدثاً يستحق منه النظم ويستحق أن يؤرخه شعراً فيقول:
زحزح البدر نقابه
وبكت عين السحابه
وعدا البلبل يشدو
فوق أفنان الخطابه
ودعا داعي المسرات
فأسرعنا الإجابه
والدعوة إلى المسرات والإسراع إلى إجابتها يشترك فيها شعراء المهجرين، ولكن الذين يختلفون فيه هو نوع تلك المسرات فشاعرنا هنا يعلن أن ما يمكن أن يظنه الناس أنه مسرات تغريه، لا يعنيه في شيء وأن مسراته من نوع خاص:
لا إلى الدنيا ولا للغير شوقاً وصبابه
بل لنشر العلم نرويه ونستصفي لبابه
وبعد أن يتحدث عن (الاستيعاب) بمثل قوله:
(أسد الغابة) منه
مستمد و(الإصابه)
يختم القصيدة ببيتين يؤرخ بهما طبع الكتاب:
وبيت كامل أر
خته فاضبط حسابه
رق (الاستيعاب) طبعاً
واصفاً مجد الصحابة (1314هـ)
ومن البديهي أنه عندما يدعو داعي المسرات جورج صيدح فيسرع الإجابة، يكون ذلك الإسراع لا لكتاب (الاستيعاب) ولا لأي كتاب غير الاستيعاب، وإنما إلى الدنيا وإلى الغيد شوقاً وصبابة. ويبقى بعد ذلك عنده مكان لكل الكتب ليقرأها. لا لينظم فيها الشعر ويؤرخ سنة طبعها، ولا لينبذ من أجلها الدنيا والغيد والصبابة …. على أن شاعرنا الناقم على الدنيا والغيد والصبابة هو نفسه القائل في أبيات لم تذهب الصنعة إحساسها الحي:
ست الحسان لماذا
سماك أهلك «تقوى؟»
ففيك طال اغترابي
وكادت الدار تقوى
كم صغت فيك نسيباً
ليست قوافيه تقوى
نفسي فداك صليني
فالوصل بر وتقوى
وهو حتى هنا تبرز فيه صفته الفقهية فيأتي بالبر والتقوى في سياق حديثه الغرامي الصريح. على أن أبياته الآتية توضح لنا موقفه الصحيح، فهو إنسان بكل ما في الإنسان من عاطفة وحاسة وهو شاعر بكل ما في الشاعر من شعور ورقة، لا يستطيع إلا أن يستجيب للجمال ويخشع للحب، ولكنه في نفس الوقت مقيد بسلاسل تربط عاطفته وتحبس شعوره فتتصارع في نفسه شتى الأحاسيس وتتجاذبه شتى الطرق فلا يلبث أن يكبت حقيقته ويطفئ جذوته معبراً عن ذلك بهذا الشعر:
أنا من هوى سود الذوائب ذائب
أصلت مودتهن في كبدي ضرم
ولطالما دعت المحبة والهوى
لعناق خرعبة يزول به السقم
فيصدني عنها مخافة خالقي
وعفاف نفسي والمروءة والكرم
فبقرع داهية الهوى وسماع ناهية
التقى أرد المنية لا جرم
ما الحب للعشاق إلا محنة
سبق القضاء بها عليهم في القدم
حمية وطنية
والغربة والبعد عن الوطن لم تنس الشاعر أنه ابن الجنوب العربي وسليل تلك الأرض الطيبة التي لها عليه حق الوفاء فما هو أن يبلغه أن شاعراً هجا (عدن) بشعر يقول فيه:
هي عدن لكنها من جهنم
عندها يمرض الصحيح ويسقم
حتى يهب مدافعاً عن وطنه متحمساً لأرضه قائلاً من قصيدة:
عدن وهي في الحقيقة عدن
جنة أزلفت لمن سوحها أم
بلد طيب ورب غفور
وقصر سرور سكانها عم
ومغان كأنها في جنان
وغوان كالحور أو هي أنغم
حيث يرعى الذمار والجار يحمى
ويعز القطين فيها ويكرم
كيف هم بقايا المهاجرين؟
هذه صفحة من تاريخ الهجرة العربية إلى الشرق الأقصى، تلك الهجرة التي لم تنل من عناية الدارسين ما هي خليقة به.
وإذا كان شاعرنا قد تغنى ـ كما رأينا فيما تقدم ـ بالعرب سكان سنغافورا، وإذا كان غيره ربما كان قد تغنى بالعرب سكان غيرها من المهاجر البعيدة، فكيف حال العرب اليوم في سنغافورا، وغير سنغافورا في أندونيسيا وغير أندونيسيا؟
هنا تتحد الهجرتان الغربية والشرقية وتتوافقان في أن مصير كل منهما كان مصيراً واحداً. فكما انتهى إليه أمر المهاجرين إلى أمريكا انتهى إليه أمر المهاجرين إلى جنوبي آسيا. ونستطيع أن نقسم بقايا مهاجري جنوبي آسيا إلى ثلاثة أقسام.
قسم ذاب بالكلية في مهجره فلم يعد يربطه بوطنه الأول أية رابطة ولم يعد له من الماضي أية ذكرى. وكان العامل الأول في هذا الذوبان الكامل أن أسراً بكاملها هاجرت تدريجياً حتى انتهت بمجموعها إلى المهجر فلم يعد لها في موطنها من ترتبط به أو تتطلع إليه من أهلها فانغمرت في موطنها الجديد انغماراً كلياً.
ونستطيع أن نعد من هذه الأسر أسرة ابن أحسن وأسرة بارقية وأسرة باركوان وأسرة باشيبان التي انطوت أسماؤها العربية إنطواءً كاملاً وأصبحت سلالاتها تحمل الأسماء الأندونيسية ومن آل باشيبان الدكتور على ساسترو أميجو (رئيس وزراء سابق). ومن تلك الأسر يتحدّر كل من محمد هاشم أشعري مؤسس حزب نهضة العلماء والدكتور سويونو هادي نوتو من الوزراء السابقين.
وقسم ثان لا يزال يحتفظ من الماضي باسم الأسرة العربي وببعض العادات العربية ويحس بأنه عربي النجار وإن كان لا يحسن النطق بأية عبارة عربية.
وقسم ثالث وهو أقل من القليل لا يزال مرتبطاً بالوطن العربي ويجيد التكلم باللغة العربية ويكتب بها تاريخاً وأدباً. ولا يزال محافظاً على تراثه وعاداته.
هذا عن المهاجرين الذين أقاموا إقامة نهائية في المهجر وهناك فريق كان يعود إلى بلاده ويعاود الحياة فيها.
الصحافة العربية
كما حفل المهجر الأمريكي بصحافة عربية كان لها يوماً من الأيام شأن رفيع، وكما أخذت تلك الصحافة بالتراجع والتلاشي آناً بعد آن حتى انتهت أو كادت. كذلك كان الأمر في المهجر الآسيوي فقد صدر فيه العديد من الصحف جرائد ومجلات بلغت أحياناً من المنزلة ما جعلها نظيراً لصحف الوطن العربي في حينها.
ولكن على كثرة تلك الصحف لم تصدر منها واحدة يومية على خلاف المهجر الأمريكي التي صدرت فيه أكثر من صحيفة يومية.
وإذا كانت الصحافة المهجرية الأمريكية قد عرفت وأرخت فإن من حق الصحافة المهجرية الآسيوية علينا ومن حق منشئيها أن نلم بها وبهم هنا إلمامة ولو قصيرة ففي سنغافورة صدرت الصحف العربية الآتية:
السلام: أسبوعية ورئيس تحريرها أحمد بافقيه، صوت حضرموت أسبوعية ورئيس تحريرها طه السقاف، الهدى: أسبوعية رئيس تحريرها عبد الوهاب الجيلاني.
وفي أندونيسيا صدرت الصحف الآتية: حضرموت: مؤسسها عيدروس المشهور ورئيس تحريرها محمد بن هاشم صدرت أول الأمر أسبوعية ثم صارت تصدر مرتين في الأسبوع، الرابطة: شهرية رئيس تحريرها، أحمد بن عبد الله السقاف، المدرسة: نصف شهرية، الثقافة: نصف شهرية، الإقبال: أسبوعية رئيس تحريرها عمر مكارم، الدهناء: أسبوعية، الأحقاف: أسبوعية هذا عدا الصحف التي مر ذكرها فيما تقدم.
أما اليوم فقد عفى الزمن على تلك الصحف جميعها ولم تبق منها بقية. وأنني لأذكر أننا كنا نتلقى في مطالع الشباب بعض تلك الصحف، وكانت تصل إلينا من تلك الأرض البعيدة فنرى فيها أدباً رفيعاً وشعراً رقيقاً وبياناً ناصعاً وحكمة أصيلة.
حضرموت اليوم
أصبحت حضرموت منذ تشرين الأول 1967م خامسة المحافظات الست التي تتكون منها جمهورية اليمين الديمقراطية بعد أن توحدت جميع محميات الجنوب وسلطناته مع عدن مكونة الشطر الجنوبي من اليمن وهي بعد الوحدة اليمنية محافظة من محافظات الجمهورية العربية اليمنية.
وتقع محافظة حضرموت في المنطقة الشرقية، ومساحتها الكلية 155376 كيلومتراً مربعاً. ويبلغ عدد سكانها 685,909 نسمة وفقاً للتقديرات السكانية لعام 1986م. يتوزعون إلى 240,234 حضرياً، و355,229 ريفياً، و90,446 بدوياً. وعاصمتها الإدارية هي المكلا كما تنقسم إلى ثماني مديريات، هي المكلا، والشحر، وسيؤون، والقطن، ودوعن والعبر، وثمود، وحجر.
وفيها مطاران يربطانها بعدن العاصمة وبعواصم المحافظات الأخرى وبالعالم وهما مطار الريان شرقي المكلا، ومطار الغرف القريب من سيؤون وفيها يقع أكبر أودية اليمن الصالحة للزراعة، وهو غني بالنخيل والسكان.
وتنقسم المحافظة إلى الساحل وحضرموت الداخل، والساحل طل على بحر العرب جنوباً، وتقع في نطاقه مدينة المكلا، والشحر ميناء حضرموت القديم، وغيل باوزير المشهورة بزراعة (التمباك) والحنّاء. أما حضرموت الداخل فتشمل الجزء الأكبر من الوادي ومدنه المهمة.
علماء من حضرموت
ولا بد من القول أخيراً أن من حضرموت خرج العدد الوافر من أفذاذ الشيعة علماء وفضلاء وشعراء وقد وردت أسماء بعضهم عند الحديث عن الهجرة الحضرمية إلى الشرق الأقصى فجميع من ذكرت أسماؤهم هناك هم من الشيعة، وأبرزهم السيد محمد بن عقيل المولود سنة 1279هـ ببلدة مسيلة آل الشيخ قرب تريم المتوفى سنة 1350هـ في الحديدة وقد كان في عصره من أشهر علماء العالم الإسلامي وأكثرهم عملاً في الإصلاح. ومن مؤلفاته كتاب النصائح الكافية وكتاب العتب الجميل وكتاب أحاديث المختار في معالي الكرار وغيرها.
حقائق الإيمان
منظومة في أصول العقائد للشيخ محمد علي بن محمد حسن الشهير بالمولى علي الأراني الأردكاني الكاشاني من الجامعين للمعقول والمنقول وهو أديب وشاعر تخرج في الفقه والأصول والفلسفة على الشيخ ملا محمد البرغاني المتاوفى سنة 1200هـ في قزوين والمولى أحمد النراقي الذي أجازه إجازة مؤخرة سنة 1217هـ.
فرغ من نظمها سنة 1229هـ مطلعها:
الحمد لله الذي دل على
وجوده السبع السموات العلى
والأرض ذات الصدع بالنبات
وكل ذي حياة أو ممات
والنسخة بخط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور ولم يقف عليها شيخنا وذكر الناظم في أعيان الشيعة ولم يذكر هذا الكتاب من مؤلفاته.
عبد الحسين الصالحي
الحق والحكم
والفرق بينهما في الفقه الشيعي
المقدمة
إن المفاهيم التي تحكي عنها الألفاظ على أربعة أقسام:
الأول: الحقائق الخارجية التي لا دخل لاعتبار الإنسان فيها وتصويرها في الذهن، وهي بحسب النظر البرهاني عند الفلاسفة قسمان: جوهر وعرض، ويعبرون عن أقسامها بالمقولات العشر.
الثاني: المفاهيم الذهنية: اي ما يتصوره عن تلك الأمور الخارجية والتي يعبر عنها بالوجود الذهني. إذ أنه موجود في صقع الذهن انعكاساً عما هو خارج الذهن.
الثالث: المفاهيم التي لا وجود لها عيناً إلا بانتزاعها عما يلازمها في الخارج، ويُعبِّر عنها بـ (المعقولات الثانية) وهي: موضوع البحث في علم المنطق، وفي قسم المباحث العامة في الفلسفة، وهذا القسم موجود في ظل وجود القسمين الأولين، بحيث لا يكاد ينكره من تصوره، وهو من الملازمات العقلية مثل: الزوجية للأربعة والفردية للثلاثة، بل يسري هذا إلى جميع الأعداد من الواحد إلى ما لا نهاية، فإنها ليست موجودة في الأعيان، بل ملازمة لها عقلاً، أي: كلما عقل الإنسان تلك المفاهيم الخارجية يعقل معها هذه المفاهيم المنتزعة بالضرورة، وليس له أن يعقل ويعتبر خلافها، فليس للعقل أن يتصور الأربعة فرداً والثلاثة زوجاً.
الرابع: الاعتبارات المحضة التي لا وجود لها خارجاً ولا ذهناً ولا في ظرف الملازمة، إلا في الاعتبار البشري، وليس لها وجود سوى هذا الاعتبار الذي يعتبره الإنسان لحاجة ماسة في اعتبارها في حياته الاجتماعية؛ وليست هي أوهاماً صرفة لا واقع لها ولا فائدة فيها، بل هي موجودة في اعتبار العقلاء يرتبون عليها آثاراً شتى لا تقل عن آثار الأشياء الواقعية، وذلك مثل: الملكيَّة والمالية للأشياء.
وهذا القسم من المفاهيم هو محور كبير من المسائل الشرعية التي تشمل المعاملات والأحكام، سواء التكليفية منها والوضعية: فالأحكام التكليفية الخمسة وهي: الوجوب وأخواته ليست سوى اعتبار الشارع شيئاً من العبادات والمعاملات واجبة أو محرمة أو غيرهما.
والأحكام الوضعية: مثل الصحة والفساد، والشرطية والسببية، والاقتضاء والمنع، إلى غيرها مما شاع في الفقه والأصول والحقوق في حقل الحكومة والسياسة والمعاهدات ونحوها.
ويعبِّر عن هذا القسم بالاعتبارات المحضة: فرقاً بينها وبين الثلاثة الأولى، حيث إن له نحواً من الوجود خارجاً أو ذهناً لا يتوقف على الاعتبار.
وهذا البحث يكتمل بالتنبيه على أمور:
الأول: يجب أن يكون في الاعتبارات غرض معقول للعقلاء ينتفعون بها في حياتهم الاجتماعية، فلا اعتبار بها إلا في ظرف الحاجة إليها ووجود الفائدة فيها. ففي الوقت الذي كان نوع الإنسان منحصراً في آحادٍ معدودةٍ، وكانت الدنيا بما فيها من الخيرات والثمرات تحت يده يأكل منها رغداً حيث يشاء، لا ينازعه فيها أحد ـ حين ذاك ـ لم يكن في اعتبار الإنسان أن شيئاً ملك أو مال له. فلما كثرت النفوس وضاقت عليه الأرض بما رحبت.
وظهرت المعارضات وعمت المنازعات حول الأرض والشجر والماء والكلأ والأنعام والمتاع، حينذاك تأتي للإنسان أن يحل المشكلة معتبراً اختصاص كل نفس بشيء منها؛ كما مست الحاجة إلى اعتبار الأسباب الناقلة للملك من نفس لأخرى مثل: البيع والإجارة والدين والعارية، والرهن إلى كثير من أمثالها، كما شاعت التقاليد في أسباب الملك من الحيازة أو الشراء أو الإرث ونحوها.
الثاني: أن الاعتبارات في أصلها هي تقاليد بشرية مارستها الأقوام طيلة حياتها، وبَنَتْ عليها نظام معيشتها ولا يعلم لها واضع خاص، كما أنها لا توجدها حدود متميّزة، وإنما مفاهيم مبهمة حتى عند من يعتبرها من الناس، ثم تصل النوبة الى الرؤساء والملوك والقادة ممن له سلطان على الناس، حتى انتهى الأمر إلى الحكماء المقننين والأنبياء المرسلين، حيث حملوا على عاتقهم تنظيم المجتمع البشري بسن قوانين وأحكام. وينبغي أن نلتزم فيما وضعوه بشروط وحدود أكثر مما تلتزم به التقاليد العامة ولا سيما في حقل شريعة السماء؛ حذراً من اعتقاد نقص أو لغو في ما صدر عن الأنبياء عليهم السلام.
الثالث: أن كثيراً من العناوين الشرعية في غير العبادات سواء العقود والإيقاعات والأحكام كانت في الأصل تقاليد بشرية، وجاء الدين فاعتبرها وأمضاها حسب التقاليد، أو رفضها رأساً، لما رأى فيها من الفساد، أو تصرف فيها بإضافة شرط أو قيد إليها حتى بلغت إلى هذا الحد من الكمال، ربما لم يكن يصل إليه العقل البشري لولا الشريعة.
وهذا هو المراد من قولهم: «إن المعاملات إمضائيات» فليست هي من صنع الدين؛ فقد «أحل الله البيع وحرم الربا» والبيع هو البيع عند الناس والربا كذلك، فالدين إنما حرم وأحلَّ ما شاع عند الناس ولم يخترعه، بل لا يوجد شيء من المعاملات يختص به الدين من غير أن يسبقه تقليد بشري عام أو خاص، سوى ما ندب إليه الدين مثل: القرض الحسن والهبات ونحوها؛ كما أن بعض الحقوق والأحكام وفي غير المعاملات كذلك ـ والظاهر أن كثيراً منها جاء به الإسلام ـ لم يسبقه سابق كأحكام الإرث الخاصة والقضاء الإسلامي إلى غيرها؛ وإن كنا لا ننكر وجود نحو من الإرث والقضاء قبل الإسلام.
وأما العبادات: فقد كانت موجودة في الأديان السماوية بنفس الأسماء كما يشهد به القرآن، إلا أن الدين الإسلامي مع الاحتفاظ على الأسماء تدخَّل في كيفيّة العمل، فغير وبدل منها ما شاء، وحرم منها ما شاء، وربما أضاف إليها أشياءً حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية مما لبست في وسع الإنسان الإحاطة به.
والظاهر أن التقاليد التي كانت متبعة في جزيرة العرب هي التي بنى عليها الإسلام نظام المعاملات، فاعتبرها إطلاقاً، أو رفضها إطلاقاً، أو قيّدها بقيود وشروط، أو اعتبر ما يشبهها حتى كملت ووافقت المصلحة تماماً بما يخرج تشريعها عن طاقة البشر، والتقاليد الجارية في غير الجزيرة لا بد أن تطبق على ما أمضاه الشارع فيرفض ما عداها. وهذا ما قام به علماء المذاهب الفقهية في الإسلام.
وكذلك التقاليد الحادثة في عصرنا في حقل الحقوق والمعاملات مثل: التأمين واليانصيب وأحكام البنوك وغيرها ـ وهو كثير ـ لا ينبغي رفضها رأساً بحجة عدم وجودها في الفقه الإسلامي، بل يجب على الفقيه أن يزنها بميزان الفقه، وفي مثلها تظهر ثمرة فتح باب الاجتهاد، وأنه ضرورة لا بد منها في الإجابة على الحوادث على نطاق جميع المذاهب الإسلامية، وكما تعلمون، فإنّ باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة إلى الآن في جميع الأحكام، سوى الضروريات وما اتفق عليه المسلمون، من غير أن يمنعهم تقليد سابق للمجتهد من العلماء السابقين عن إبراز رأي جديد.
الرابع: لما كانت المفاهيم الشرعية في المعاملات مأخوذة غالباً عن التقاليد العامة للناس ولم تكن واضحة ومحددة عندهم، ولا يعلم كيف اعتبرها الناس أو الشارع، فلذلك اختلفت آراء الفقهاء في تعريفها، وطال الشجار بينهم في تحديدها، فالبيع مثلاً عرف تارةً بـ (مبادلة مال بمال) وأخرى بـ (تبديل مال بمال) وثالثة بـ (نقل المال بعوض) ورابعة بـ (تمليك العين بعوض) ـ وهو الأشهر بين المتأخرين من فقهائنا ـ وخامسة بـ (انتقال المال بعوض) وسادسة بـ (إنشاء التمليك بعوض) وسابعة بـ (أنه عقد يقتضي بعض ما ذكر) إلى غيرها من الأقوال.
وربما يتعجب الباحث من سعة شقة الخلاف وتضارب الآراء في مثل هذا الأمر العام البين لكل رجل عامي كيف تطرق الخلاف فيه إلى هذا الحد بما عندهم من النقض والإبرام في كل واحد منها، فيتبادر إلى خلده بأنها تعريفات لفظية من قبيل شرح الإسم وينكر أن يكون هناك خلاف جوهري.
وليس كذلك؛ ولو كان الأمر كما زعم فما وجه هذه الإطالة فيها بالرد والإبرام بين الأئمة الأعلام؟
بلغني أن أحد المدرّسين الكبار بعد أن صرف أياماً في تحديد البيع أنشد في ختام البحث شعر الحكيم السبزواري في تعريف الوجود:
مفهومُهُ مِنْ أظهرِ الأشياء
وكُنْهُهُ في غايةِ الخَفاء
والواقع أنّ اختلافهم في الأغلب إنما نشأ عن جهلهم بما اعتبره العرف العام، ثم بما اعتبرته الشريعة الغرّاء، وليس الخلاف دائماً في (شرح الإسم) ولا هو من البحث اللفظي في شيء إلاّ القليل منها.
وبعد هذه المقدّمة([30]) ندخل في صميم الموضوع:
الفرق بين الحق والحكم
طرح الفقهاء عندنا هذا البحث للفرق بين ما يقع من الحقوق الشرعية عوضاً أو معوضاً في البيع ونحوه، وبين ما لا يقع؛ لاتفاقهم على أن ما كان حكماً شرعيًّا لا يقبل المعاوضة عليه، وما كان حقًّا فهو قابل لها إلا ما منع منه الشرع.
وحاصل ما حقّقوه: أن الفرق بينهما مفهوماً واضح ومصداقاً صعب. بيان ذلك، أنك تجد في أبواب الفقه حقوقاً كثيرة: ففي البيع: حق القبض والإقباض، وحق الشفعة، وحق الخيار؛ وفي الأراضي: حق التحجير، وحق الشرب، وحق المرور؛ وفي الرهن: حق الرهانة؛ وفي المكان: حق السبق، فمن سبق إلى مكان من الأماكن العامة فهو أحق به؛ وفي الدَّين، حق الغرماء في تركة الميت، وفي النفس، حق القصاص، وفي الطفل، حق الحضانة، وفي الزوجة: حق القسم، وحق المضاجعة، وحق النفقة؛ وفي الوالدين والأولاد: حقوقهما؛ وفي الوالي والرعية حقهما؛ وفي أقارب الميت: حق الإرث إلى كثير من أمثالها.
فهذه الحقوق وأمثالها أي منها قابل للنقل والانتقال بعوض أو بغير عوض أو للإسقاط، وأي منها لا يقبل ذلك؟ وما هو الفارق بين القسمين في واقع الأمر؟.
الفارق بينهما في اعتبار بعض الفقهاء([31]) أن ما يقبل النقل وغيره هو حق، وما لا يقبله هو حكم شرعي، وهذا يتوقف على تعريف كل من الحق والحكم.
فالحق نوع من السلطنة للشخص على شيء يتعلق بعين أو بعقد. فالأول، كحق التحجير وحق الرهانة وحق الغرماء في تركة الميت، والثاني، أي: المتعلق بعقد مثل: حق الخيار وحق الشفعة، حيث إن ذا الخيار وصاحب الشفعة لهما الحق في فسخ العقد، لاستيفاء حقوقهما المتعلقة بالمبيع والثمن.
ومن الحقوق ما هو سلطة على شخص، كحق القصاص، وحق الحضانة، وحق القسم ونحوها، ويمكن أن يقال: إن الحق مرتبة ضعيفة من مراتب الملك أو نوع منه، وإن صاحب الحق مالك لشيء ويكون أمره إليه، كما أن مالك الشيء عيناً أو منفعة مسلَّط عليه ويكون أمره بيده.
فنلاحظ حق الخيار في العقود اللازمة، حيث جعل الشرع لصاحب الخيار حقاً أنّه جعل للمتعاقدين أو لأحدهما سلطة على العقد أو على تعلقه وحكم بأنّه مالك لأمره، فله الإمضاء والفسخ، وله الرد والاسترداد.
وأما الحكم: فإنه مجرد رخصة أو إلزام في فعل شيء أو تركه، أو الحكم بترتب أثرٍ على فعل أو ترك، وذلك مثل: الحكم بالجواز في العقود الجائزة، فإنه مجرد ترخيص من الشارع للمتعاقدين بفسخ العقد أو إبقائه، ولا تعتبر هناك سلطة جعلها الشارع لأحد الطرفين أو كليهما. والحكم بالجواز فيها نظير الحكم بإباحة شرب الماء وأكل اللحم، بل ليس إلا حكماً شرعياً محضاً، فلا يقال: إن الإنسان المكلّف له حق في الماء واللحم بمجرد حكم الشرع بجوازالانتفاع بهما, والماء واللحم في محل البحث ليسا إلا أنهما وقعا مورداً ومتعلقاً للحكم.
وبالموازنة بين الجواز في العقود اللازمة التي فيها خيار للطرفين أو لأحدهما وبين الجواز في العقود الجائزة رأساً نستطيع أن نفهم ونعقل الفرق بين الحق والحكم، وأن الشارع اعتبر في العقود اللازمة سلطة لذي الخيار على العقد أولاً وبالذات، وعلى العوضين ثانياً وبالعرض لتعلق العقد بهما. وأما في العقود الجائزة، فلم يعتبر الشارع سلطة لأحد الطرفين، سوى أنه أجاز لهما فسخ العقد، فالفارق بينهما هو كيفية اعتبار الشارع لهما، والمرجع في ذلك الأدلة الشرعية، وفي كثير من الحقوق اللازمة حكمه بالجواز، وفي العقود الجائزة له أن يجعل سلطة للطرفين على فسخه، ولا مانع عقلي من ذلك أصلاً، إلا أن المفهوم في سياق الأدلة أو من نظر العرف هو الفرض الأول.
وحاصل الفرق: أن الشارع جعل سلطة لذي الحق في الحقوق، وحكم بحكم تكليفي في الأحكام من دون جعل سلطة فيها لأحد.
ولا ينبغي الغفلة عن نكتة وهي: أن نفس الخيار هو حق لذي الخيار، أما تشريعه من قبل الشارع فهو حكم، فإنّ الأحكام على قسمين: تكليفي (وهو: الأحكام الخمسة) ووضعي وهو كثير، والحكم بالخيار حكم وضعي ينتزع منه حكم تكليفي، وأما الحكم بالجواز فهو: حكم تكليفي قد ينتزع منه حكم وضعي وهذا هو الفارق بين الأمرين.
ثمرة البحث
وأما الثمرة في هذا البحث: إن الحكم لا يقبل الانتقال قطعاً، وهذا من القضايا التي قياساتها معها؛ لأن أمر الحكم بيد الحاكم، وليس للمحكوم عليه إسقاطه ولا نقله؛ لأن المفروض أنه لم يجعل له السلطة على شيء، ولم يملكه حقاً حتى يكون أمره بيده، وإسقاط الحكم أو نقله تدخل من العبد في سلطان الرب، فكما لا يجوز أن يقول أحد: إن شرب الماء جائز لي فأجوزه لفلان، كذلك ليس لأحد أن يقول في عقد جائز كالهبة غير المعوضة: إنه يجوز لي الرجوع في هبتين فأجوزه لغيري، أو يقول: الرجوع جائز لي وأنا أسقطه وأحرمه على نفسي، فإن ذلك تشريع للحكم، وهو محرم كالبدعة في الدين تماماً.
نعم، ولو كان الحكم معلقاً على موضوع وكان المكلف داخلاً في ذلك الموضوع فله الخروج عنه ليرتفع الحكم، كما لو وقف الرباط على المسافرين وكان هو مسافراً ثم توطن في المحل فيسقط عنه الحكم، لكنه ليس من باب الإسقاط، بل من قبيل تبديل الموضوع بينهما بوطن بعيد.
هذا شأن الحكم، وأما الحق ـ لما كانت حقيقته عبارةً عن سلطة للإنسان على شيء أو على شخص فمقتضى طبيعته جواز نقله وإسقاطه، لأن المفروض: أن صاحب الحق جعل مالكاً للأمر ومسلطاً عليه، ومعنى ذلك: أن الأمر بيده يتصرف فيه بما يشاء ما لم يشمله منع من الدين الذي فرض له هذا الحق.
فهذا يشبه تماماً ما يملكه الإنسان من الأرض والمتاع، حيث إن معنى: ملكه له أن أمره بيده، فله أن يعمل فيه بما يشاء إلا ما ورد النهي عنه:
مثلاً: للإنسان أن يبيع متاعه ممن يشاء، وليس له أن يفسده أو يهدمه عبثاً، لأنه إسراف محرم، ولا أن يبيع مثلاً سيفه وسلاحه إلى المحارب للدين، للنهي عنه، ولأنه خسارة وضرر على الإسلام والمسلمين، أو يبيع المصحف ـ مثلاً ـ إلى الكافر، للنهي عنه، ولأنه إهانة للمصحف، وله أمثلة شتى.
وبالجملة: فالحق بحسب طبيعته يقبل النقل كما يقبل الإسقاط مثل: الملك تماماً، فإذا شمله منع فهو لأحد أمرين:
الأول: أن الشارع الحكيم لاحظ مفسدة في النقل أو الإسقاط فحرّمه كما عرفت.
الثاني: أن يكون هناك قصور في الحق بحسب جعل الشارع، مثل: أن يكون الحق متقوماً بشخص خاص: كحق التولية في الوقف وحق الوصاية وحق الحضانة، فإن الواقف أو الموصي إذا كلّف شخصاً معيناً للقيام بأمر الوقف أو العمل بالوصية ـ لما رأى فيه من الصلاح والكفاء ـ فليس لهذا الشخص أن يحوله إلى غيره، إلا إذا نصّ الواقف أو الموصي على شخص آخر فيجوز له أن يحوله إليه لا إلى غيره.
ومثله: حق الوكالة، فليس للوكيل نقله الى غيره إلاّ بتجويز من الموكل، إما بشرط في نفس العقد أو بإذن له في أثناء العمل.
ومقتضى القاعدة في جميع المناصب أن نجريها مجرى الولاية على الوقف والوصاية والوكالة: كولاية الحاكم المنصوب من قبل إمام المسلمين، فليس له أن يحولها إلى غيره إلا بإذن ممن نصبه.
وينبغي أن يستثنى منه ما كان من المناصب العامة لمن توفرت فيه شروط: كالإمامة على المسلمين، أو القضاء بينهم في زمان لا يتمكن الناس من الاتصال بالإمام، فعند ذلك يجوز لمن تصدى لمنصب القضاء أو ولاية الناس من عند نفسه من دون نصب أحد إياه حيث رأى أنه أهل لذلك، فيجوز له أن يتركها لغيره ممن توفرت فيه صفات القاضي والوالي، إلاّ أن هذا لا يعتبر نقلاً لمنصبه إلى غيره، بل يعد تركاً للعمل والتخلي عنه ليقوم به آخر مكانه بحجة أنه أيضاً أهل لذلك مثله، وأنه من مصاديق من أذن له الإمام إذناً عاماً بالقضاء والإمامة.
ومثل ذلك: ما إذا نصب النبي أو إمام المسلمين رجلاً لإمارة الجيش وقال: إذا مات أو قتل فيقوم مقامه رجل من المسلمين، أو من له سابقة في قيادة الجيش، أو من اجتمع الجيش على إمارته وله نظائر لا تحصى.
ومن الحقوق التي لا تقبل النقل: حق المضاجعة بالنسبة إلى غير الزوج والزوجة، بل جميع حقوق الزوجين فيما بينهما من هذا القبيل، وهذا لا يحتاج إلى دليل، لأنه مقتضى طبيعة الزواج.
ومنه: حق الشفعة، فيجوز إسقاطه، ولا يجوز نقله إلى غير الشريك، لأنه جعل إرفاقاً بالشريكين، فليس لهما نقله لآخر.
أقسام الحقوق من حيث قبولها للنقل والإسقاط
ثم إن الحقوق بحسب صحة النقل أو الإسقاط أو الانتقال القهري بإرث ونحوه أقسام:
فمنها: ما لا ينتقل بالموت ولا يصح إسقاطه مثل: حق الأبوة، وحق الولاية للحاكم، وحق الاستمتاع بالزوجة، وحق السبق في الرماية قبل تمام النضال، وحق الوصاية ونحوها، ولا يبعد أن يكون جملة منها من الأحكام دون الحقوق.
ومنها: ما يجوز إسقاطه ولا يصح نقله ولا ينقل بالموت كحق الغيبة، أو الشتم، أو الإيذاء بإهانة أو ضرب ونحوها، بناءً على وجوب إرضاء صاحبه وعدم كفاية التوبة في سقوطها.
منها: ما ينتقل بالموت ويجوز إسقاطه ولا يصح نقله كحق الشفعة.
ومنها: ما يصح نقله وإسقاطه بالموت إلى الوارث، كحق الخيار، وحق القصاص، وحق الرهانة، وحق التحجير، وحق الشرط ونحوها.
ومنها: ما يجوز إسقاطه ونقله لا بعوض: كحق القسم على بعض الأقوال، والمراد به، أن ينتقل حق الزوجة إلى ضرتها بأن تعوضها بمالٍ، فقد جوزه بعضهم بلا عوض وبعضهم بعوض أيضاً. وكذلك لو عوضها الزوج بمال لتخلى عن حقها.
ومنها: ما هو محل الشك، وعد منه حق الرجوع في العدَّة الرجعية، وحق النفقة في الأقارب: كالأبوين والأولاد، وحق فسخ النكاح بالعيوب، وحق السبق في إمامة الجماعة وحق المطالبة في القرض والوديعة أو العارية، وحق العزل في الوكالة، وحق الرجوع في الهبة، وحق الفسخ في العقود الجائزة، كالشركة والعارية ونحوهما، والحق أن كثيراً منها من قبيل الأحكام دون الحقوق.
طريق العلاج في موضع الشك
قد سبق أن الفرق بين الحق والحكم بحسب المصاديق والصغريات صعب جداً، لأن ما فرَّقنا به بين الأمرين يرجع إلى كيفية اعتبارها حقاً أو حكماً، وكلاهما محتمل في مورد الاشتباه، وان المرجع فيها العرف العام، ثم نصوص الكتاب والسنّة، وكثراً ما لا يتبين الأمر بذلك، فما هو العلاج؟
فنقول: إذا علمنا من الشرع أنه جوز النقل أو الانتقال في مورد فنحكم بأن حق يترتب عليه آثاره، إلا ما ثبت خلافه: إما بمنع شرعي، أو بما اقتضته طبيعة الحق: كالولايات والوصايا وتولية الأوقاف، وحقوق الزوجين والآباء والأمهات مما تقدم الكلام فيها.
وإذا لم يثبت ذلك فمقتضى القاعدة الرجوع إلى الأصل، وهو مختلف بحسب الآثار، فلو شكّ في جواز النقل أو الإسقاط فالأصل عدمهما، لأنهما مسبوقان بالعدم والشك في وجودهما، فالأصل العدم، ولو كان للحكم أثر وجودي فالأصل العدم أيضاً.
وبالجملة: لو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله، لاحتمال كونه حكماً، وإن علم كونه حقاً وعلم المنع من نقله أو كونه قائماً بشخص أو عنوان خاص فكذلك لا يجوز نقله، وإن شك في المنع فمقتضى العمومات صحة التصرف فيه: وكذا لو شك في قيامه بالشخص أو عنوان خاص شرعاً بعد إحراز القابلية للنقل عرفاً فمقتضى عموم قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾([32]) ﴿وأحل الله البيع﴾([33]) وقوله عليه السلام: «الصلح جائز بين المسلمين» و«المؤمنون عند شروطهم» و«الناس مسلطون على أموالهم» ونحوها صحة التصرف فيه بعد فرض أن عناوينها صادقة عليها. نعم، لو شك في إحراز القابلية عرفاً فلا يجوز التمسك بالعمومات، والكلام في هذا طويل وعميق فلنضرب عنه صفحاً.
والحق أنه يجب الرجوع في كل مورد إلى بابه من الفقه قبل أن ندرجه تحت القاعدة التي أسست للفرق بين الحق والحكم.
في الختام بمناسبة البحث عن الاعتباريات في الفقه ننقل كلاماً بنصه للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مقدمة كتابه (تحرير المجلة) ([34]).
«إن مدار العقود والمعاملات على الموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو: حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم، وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية، فمثلاً: الحبوب والأطعمة مال؛ لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته، وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها وصفيًّا عرضيًّا يعبّر عنه بـ (المال) وهو: من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم([35]).
ولما كانت مدنيّة الإنسان لا تتم إلا بالحياة المشتركة وهي تحتاج إلى المقايضة والتبادل في الأعيان والمنافع وكان التقايض بتلك الأعيان ـ وهي العروض ـ مما لا ينضبط أرادوا جعل معيار يرجع إليه في المعاملات، ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسيّة، فاختاروا الذهب والفضة، وضربت سكة السلطان عليها لمزيد الاعتبار في أن يكون عليهما المدار، فماليتهما أمر اعتباري محض، لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرها من حيث الذات والحقيقة؛ ولذا في هذه العصور حاول بعض الدول قلب الاعتبار إلى الورق، ولكن مع الاعتماد عليهما.
ومهما يكن الأمر: فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً فكذلك اعتبروا ذمَّة الرجل العاقل الرشيد مالاً، ولكن مع الالتزام والتعهد، فإذا التزم الثقة الأمين بمال في ذمَّته وثقت به وجعلته كمال في يدك أو صندوقك، وكذا العقلاء: يعتبرون أن لك مالاً عنده، أما من لا عهدة له ولا ذمَّة: كالسفيه والمجنون والصغير، بل والسفلة من الناس الذي لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه فهؤلاء لا ذمَّة لهم ولا شرف، والتزامهم عند العقلاء هباء، ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال.
فالمال إذاً نوعان: خارجي عيني (وهو، النقود والعروض) ـ وقد علمنا أن ماليتها اعتبارية ـ واعتباري فرضي (وهو: ما في الذمة والعهدة)، والالتزام تأثيره لا ينحصر بالمال، بل يتمطى ويتسع حتى يحتضن جميع العقود بل وكافة الإيقاعات، ألا ترى أن البيع إذا صهره التمحيص لم تجد خلاصته إلا تعهداً والتزاماً بأن يكون مالك للمشتري عوض ماله الذي التزم أنّه لك، فيترتب على هذا الالتزام مبادلة في المالين بانتقال مال كل واحد إلى الاخر، ويتحقق النقل والانتقال كأثر لذلك الالتزام. وهكذا الإجارة والجعالة، بل والإيقال: كالعتق والإبراء، بل والنكاح والطلاق كلها تعهدات والتزامات وإبرام ونقض وحل وعقد تبانى عقلاء البشر من جميع الأمم والعناصر على اتباعها، والعمل بها كقوانين لازمة ودساتير حاسمة يسقط عن درجة الإنسانية من لا يلتزم بها في كل عرف ولغة.
ثم لما انبثق نور الإسلام بشريعته الغراء أكدت وأيدت تلك الوضعية الحكيمة والقاعدة القويمة، وأقرت العرف على معاملاتهم والتزاماتهم بتعهداتهم والتزاماتهم بعمومات «أوفوا بالعقود» و«تجارة عن تراض» ونظائرها، إلا ما ورد عنه النهي بالخصوص: كبيع الربا وبيع الضرر وأمثاله …. إلى آخر كلامه.
محمد واعظ زاده الخراساني
حلب([36]*)
ـ 1 ـ
تقع حلب في شمال سورية في منتصف الطريق بين ساحل البحر المتوسط ونهر الفرات على خط عرض 36 وطول 63. وتعلو عن سطح البحر 390 متراً تقريباً. وهي تنبسط اليوم على ضفتي نهر صغير ينبع من منحدرات جبال طوروس في الأناضول اسمه نهر «قويق» وكان يطلق عليه سابقاً اسم نهر «خاليس»، KHALYS أما أهمية النهر الكبرى في العصور الغابرة فكانت لقدسيته ونسبته للآلهة السورية الشهيرة آتارغاتيس، ATARGATIS وموقع حلب جعلها تسيطر على الممرات الطبيعية المجاورة لها، وأهمها:
(أ) طرق وادي نهر الأسود، بين جبال الأمانوس وجبال الأكراد، وهي تؤدي إلى ثغرات جبال طوروس ومنها إلى الأناضول.
(ب) ممرات بيلان (الأبواب السورية)، ووادي العاصي، والنهر الكبير، المؤدية إلى البحر المتوسط.
(جـ ) ممرات برجيك وجرابلس وقلعة نجم وتل أحمر، المسيطرة على نهر الفرات العظيم.
(د) السهول المتصلة بوادي الفرات والمؤدية إلى ما بين النهرين والخليج الفارسي.
(هـ) السهول المؤدية إلى أواسط سورية وفلسطين ومصر عبر وديان العاصي والشريعة والبحر الميت.
تكوينها الجيولوجي
تقوم حلب على طبقة الصخر الحواري المسمى بالسينوني (SINON – NIENNE) تغطيه في بعض المواقع، قشرة من الصخور القوية التي تعود إلى العهد الميوسيني (MYOCENE) في واد قليل العمق، تحيط به هضبات قليلة الارتفاع، كما أن فيها مرتفعات هامة ساعدتها على النمو والدفاع، ففي الشمال، يقع جبل العظام الذي يبلغ ارتفاعه 430م والجبل الاحمر ويبلغ ارتفاعه 425م وجبل الغزالات وارتفاعه 420م. وفي الوسط، مرتفع الجبيلة وعلوه (405م)، والبياضة وعلوه (399م) وأخيراً قلعتها الشامخة المشرفة على المدينة وتعلو (440م) أما في الجنوب فهناك مرتفع قلعة الشريف (400م) وباب المقام والمغاور والكلاسة.
مناخها
يتميز مناخ حلب، بأنه قاري وجاف بصورة عامة، وقد تبلغ درجة حرارة فصل الشتاء 15م نهاراً و5م ليلاً، أما في فصل الصيف، فتزيد عن ذلك كثيراً إذ تصل إلى 35م نهاراً وإلى 20م ليلاً. ومع هذا كله، فهواؤها جاف ولطيف يضفي على مناخها انتعاشاً خاصاً أما خريفها وربيعها فهما قصيران.
حلب في التاريخ
1 ـ أهمية مدينة حلب: أن الحضارات المتعاقبة على مدينة حلب، خلفت لها آثاراً تاريخية مهمة، وعلى الأخص الإسلامية منها. والتي تجعلها في مصاف أعظم المدن الإسلامية من حيث العمران وفن الريازة العربية. وقل أن نجد مدينة في الشرق الأوسط تضاهي حلب بما تحتويه من الآثار الإسلامية التي تعتبر مثالاً واضحاً لدراسة فن الريازة. وهي تأتي من حيث الأهمية بعد القاهرة إن لم تكن تضارعها. فالقدس وإستانبول وقونية ودمشق مدن ازدهرت لفترة زمنية محددة لا تتجاوز الثلاثة قرون، لكنها لم تحافظ على مميزاتها العمرانية لأنها كانت في أكثر أيامها عرضة للتأثير الأجنبي، أما حلب فتعطينا سلسلة متواصلة الحلقات من الآثار المدنية والدينية والعسكرية منذ نهاية القرن الخامس الهجري ـ الحادي عشر الميلادي حتى يومنا هذا.
لم تبرز مدينة حلب في فترة ما قبل الإسلام، كما برزت في عهد الحمدانيين والمرداسيين، حيث نالت شهرة واسعة وأهمية كبيرة، كما غدت في عهد السلاجقة لوقوعها على تخوم بلاد ما بين النهرين مركز سياستهم في الشرق.
وفي نهاية القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) ابتدأت نهضة المدينة على الرغم من الغزو التتري الكاسح في 658/ 1260هـ، ذلك الغزو الذي خلفها خراباً مدة ربع قرن ولعبت في عهد الملك الظاهر بيبرس دوراً تجارياً كبيراً لتجارات إيران والهند، كما كانت الثغر الإسلامي الثاني بعد القسطنطينية وأزمير، واشتهرت أسواقها وخاناتها بعظمتها وتعددها.
وهكذا صارت حلب تحتوي على عدد كبير من الأبنية الدينية والعمائر المدنية والثكنات العسكرية التي تتكون منها مجموعة لا تقدر لدراسة تاريخ الحياة الاجتماعية في الشرق الإسلامي – الرحالة العربي ابن بطوطة ( 407 ـ 778/ 1303 ـ 1377). في كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» يقول أن حلب تصلح ان تكون مركزاً للخلافة ولا عجب في ذلك، لأنها كانت ولم تزل تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي مهم جعلها تتمتع بأقصر طريق تجاري يصل بين الغرب والشرق الأقصى.
هذا فضلاً عن أهميتها الصناعية، يكفي أن نذكر صناعاتها الحريرية الثمينة، ومهندسيها البارعين الذين أسهموا في صنع المنبر الجميل المنتصب في المسجد الأقصى والمصنوع من أرز لبنان والمرصع بالعاج والصدف النادر، فقد تعاون في صنعه ابن ظافر الحلبي وحميد بن ظافر وسليمان بن معالي وفضايل وأبو الحسن ولدا يحيى الحلبي.
كما نعمت حلب بعصر أدبي وعلمي رائع في عهد بني حمدان (بلاط سيف الدولة الحمداني)([37]) وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي أنشئت في حلب أول مطبعة عربية.
عرف الحلبيون بأنهم نشيطون هادئون، فعلاقاتهم التجارية والثقافية والحضارية هي أبعد من منطقتهم أو إقليمهم إذ أن حلب مدينة التقاء حضارات مختلفة، تلاقت فيها الحضارة السامية بالحثية والحضارة العربية الإسلامية بالحضارة البيزنطية والشرق بالغرب على الصعيد التجاري أيضاً. فحلب تقع على محور تجارة البحر المتوسط ومنفذها على البحر ميزة حيوية خاصة بالنسبة إلى تجارتها مع الحوض الغربي لهذا البحر.
تاريخها عبر العصور
(أ ) حلب في العصور الحجرية: إن جميع الدراسات الأثرية العلمية التي جرت، تدل على أن منطقة حلب سكنها الإنسان القديم الذي ربى الماشية وعرف الزراعة وبنى البيوت البدائية (حفريات تل المريبظ) كما سكن حلب نفسها في مغاور كبيرة تمتد على مسافات واسعة تحت المرتفع الصخري في جنوبي حلب.
منظر لمدينة حلب من كتاب «رحلات إلى المشرق» لكورنيليس دو براون (1698)
(ب ) حلب في العصور التاريخية: إن أقدم ذكر لمدينة حلب ورد في رقم أوروماري وأخيراً «بلا» التي اكتشفت في عام 1975م. وإن المعاهدة التي وقعت بين حلب وملك الحثيين مورسيل الثاني، كانت تشير إلى حلب كمملكة في شمال سوريا هي مملكة يمحاض التي كانت لها صلات وثيقة مع ممالك ما بين النهرين الآمورية التي حاربها مورسيل ملك الحثيين وبعد انحطاط الحثيين ظهر الميتانيون واحتلوا منطقة حلب حوالي 1650ق.م. كما أن المصريين حين تخلصوا من حكم الهكسوس تابعوا تقدمهم بزعامة تحوتمس الثالث فاحتلوا سورية الشمالية. وفي سنة 1370ق.م. استعاد الحثيون السيطرة على حلب في عهد شوبيلولوما واشترك ملك حلب مع حلفائه في معركة قادش عام 1289ق.م. ضد المصريين بقيادة رعمسيس الثاني.
وفي العهد الآشوري زحف شلمناصر في عام 854ق.م. على سوريا وعبر الفرات إلى منطقة حلب حيث لاقى استقبالاً حسناً من سكانها.
وبعد الحكم الآرامي دخلت سوريا الشمالية بما فيها حلب عام 539ق.م. تحت الحكم الفارسي، وأصبحت مقاطعة فارسية الى أن جاء الاسكندر المقدوني في عام 333 ق.م. واهتم بمنطقة حلب التي تدفق عليها اليونانيون وبدّلوا اسمها فأصبح بيريه نسبة إلى مدينتهم الأصلية فقد انتشرت اللغة اليونانية في هذه الفترة، وكذلك العادات والتقاليد في المدن الشرقية التي استوطنها القادمون الجدد، ونشأت بذلك حضارة جديدة، بامتزاج الحضارتين الشرقية واليونانية سميت بالحضارة الهلنستية والتي سرعان ما أصابها الشلل نتيجة الحروب المتواصلة التي قامت بين البطالة في مصر والسلوقيين في سوريا. هذه الحروب مهدت الطريق إلى الفتح الروماني عام 64 ق.م. حيث دخلت سوريا تحت الحكم الروماني وأصبحت المنطقة الشمالية مقاطعة رومانية باسم سوريا العليا وحافظت حلب على اسمها اليوناني بتحريف بسيط حيث أصبح بيرويا.
ولدى انقسام الأمبراطورية الرومانية، آلت حلب إلى القسم الشرقي البيزنطي وحين انتشرت الديانة المسيحية في سوريا، لعبت حلب دوراً بارزاً في دعم هذه الديانة الجديدة غير أن الصراع بين الفرس والبيزنطيين كان له تأثيره المباشر على حلب التي كانت من المراكز المتقدمة والمهمة ففي عام 450 ق.م. هاجم الفرس مدينة حلب وأحرقوها، ثم أعقب ذلك سلم، إلا أنه لم يدم طويلاً حيث تهدد الأمبراطوريتين معاً قادم جديد آت من الصحراء فقضى على الأمبراطورية الفارسية قضاء مبرماً، كما أنهى حكم البيزنطيين في سوريا.
(جـ) حلب في العهد العربي الإسلامي: لم يكن فتح حلب بالأمر السهل، فبعد حصار لقلعتها دام أشهراً فتحت في عام 15هـ (637م) وازدادت أهمية حلب، بعد هدم مدينة قنسرين 17هـ (639م) ونقل سكانها إلى حلب.
وفي العصر العباسي ازدهرت مدينة حلب، ففي عام 254هـ (868م) سيطر على الحكم في سورية أحمد بن طولون ثم ظهر الحمدانيون العرب التغلبيون واقتطعوا من جسم الأمبراطورية العباسية مملكة امتدت من الموصل على نهر دجلة حتى الرقة على الفرات وضمت كل سوريا الشمالية حتى جبال طوروس وقد عرفت حلب في تلك الحقبة الصغيرة 324 ـ 394هـ (944 ـ 1003م)، أزهى أيامها وبخاصة في عهد سيف الدولة حيث أصبحت عاصمة الحمدانيين ومركزاً عسكرياً لمناوأة البيزنطيين إذ كانت الحرب سجالاً بين الطرفين لم يعرفها العرب قبل ذلك وكانت تتميز بغزوات سريعة متبادلة تنتهي بانسحاب الطرفين.
وبعد موت سيف الدولة 356هـ (965م). ضعف الحمدانيون واضطربت الأمور وبخاصة أمام هجمات البيزنطيين والبدو المجاورين، وأخيراً الفاطميين الذين استقروا في القاهرة واتخذوا من حلب ممراً للسيطرة على الخلافة في العراق. وكما قال المؤرخ ابن القلانسي عن طريق حلب كانوا يطمحون إلى بلوغ بغداد.
وبذلك تقدم الفاطميون عام 353هـ (962م) حتى أبواب حلب، واضطر سعد الدولة للإعتراف بخليفة القاهرة وخطب باسمه على المنابر وعمد إلى إعادة بناء الجامع الأموي الكبير وترميم الأسوار التي كانت بحالة يرثى لها.
وبعد ضعف الفاطميين، استطاع المرداسيون وهم من بعض عرب الصحراء السيطرة على منطقة حلب، إذ تمكن صالح بن مرداس من أن ينفرد بالحكم، وأن يجمع في بلاطه بعض الشعراء، وبازدياد النفوذ التركي في بغداد اضطر المرداسيون إلى الاعتراف بسلطة السلطان السلجوقي ملك شاه الذي عين فيما بعد حاكماً لمدينة حلب غير أنه كان في غاية الضعف فلم يقو على الوقوف بوجه الغزو الجديد الآتي من أوروبا ونعني به الغزو الصليبي الذي طوّق مدينة حلب بإحتلاله أنطاكية وأورفه وإعزاز وأخيراً إفامية في عام 493هـ (1100م) ولم يكن من مناص أن يتم الاشتباك مع رضوان بن تتش السلجوقي حاكم حلب في سنة 493هـ (1100م)، والذي انكسر أمام بوهيمند ودفع له الجزية السنوية.
وقد تتالت المعارك بين أمراء المسلمين والصليبيين إلى أن ظهر أتابك الموصل زنكي في عام 522هـ (1128م) الذي احتل حلب ودفع عنها حلفاً صليبياً كبيراً وفي عهده جرى زلزال عام 522هـ (1128م) المروّع وقد أتى من بعده ابنه نور الدين زنكي في سنة 541هـ (1146م)، فاستأنف القتال مع الفرنجة وهزمهم وسجن الكثير من أمرائهم في قلعة حلب، ولما داهم مدينة حلب زلزال آخر عام 565هـ (1170م) قام بترميم أسوار المدينة ومداخلها وأعاد بناء القلعة كما نراها في وضعها الحالي تقريباً.
وأشهر أمراء حلب في هذه الفترة التاريخية الملك الصالح وابنه الملك الظاهر ثم أخيراً الملك العادل عم الملك الظاهر الذي فرض سيطرته على سوريا ومصر.
آخر عهود الحكم العباسي في حلب كان عصر المماليك بين عامي 655هـ (1260م) و921هـ (1516م) الذين تميز عهدهم في حلب بمحاربة أخطر الهجمات عليها، هجمات المغول، ففي عام 1260م هاجم هولاكو مدينة حلب فنالها ما نال غيرها. وعندما جاء تيمورلنك عانت منه حلب ما عانت، واضطر قايتباي المملوكي إلى أن يجدد بناء حلب فترك لنا آثاراً عديدة ثم جاء بعده قانصوه الغوري الذي لم يستطع الاحتفاظ بهذه البلاد أمام الغزو العثماني الجديد الذي بدأ مع حكم السلطان سليم الأول واستمر حتى عام 1918م.
لقد عانت حلب الكثير من الحكم العثماني وتغيير الولاة وسيطر الانكشاريين ومع ذلك فقد ظلت تحتل مكان الصدارة بين مدن شمالي سوريا حتى إنها كانت تفوق دمشق في الأهمية التجارية والصناعية، ويذكر الرحالة بلون BELON وقد زار المدينة عام 1537م «إن قوافل الفرس والهند والعراق كانت تحمل إليها محاصيلها، وإن كل المسافرين نحو هذه الأقطار المذكورة كانوا يجدون بحلب تجاراً مستعدين لمرافقتهم وكان الإنسان يجد في هذه المدينة كل حاصلات الشرق وكان أهل البندقية يرسلون أولادهم إليها ليتعلموا لغة أهل سوريا وعاداتهم».
هذا الازدهار لم يدم، فمنذ أن أصبح البحارة البرتغاليون يشترون التوابل من الهند مباشرة فقدت أسواق حلب احتكار هذا النوع من (الترانزيت) فضلاً عن أن التجارة نفسها تعرضت لمضايقة الحكام بسبب الضرائب الباهظة وبسبب الخدمة العسكرية الطويلة الأمد والجائرة وأخيراً بسبب انعدام الأمن على الطرق التي تمر من البادية السورية.
وابتداء من افتتاح قناة السويس أمام التجارة العالمية، أخذت تجارة العراق تهجر حلب وعندها بدأ ضياع معظم ما تبقى من ازدهارها التجاري والصناعي وأصبح من اليسر التنبؤ عن اقتراب زوال أهميتها.
لقد اختتم هذا التاريخ الحافل لمدينة حلب نهاية الحرب العالمية الأولى إذ وجدت حلب نفسها أمام دولة أجنبية جردتها من منطقتها الواسعة وقد حاول الجنرال غورو قائد الجيوش الفرنسية المنتدبة على سوريا جعلها دولة كاريكاتورية اسمها دولة حلب إمعاناً في تمزيق سوريا.
واليوم تحتل حلب المرتبة الثانية بين مدن القطر العربي السوري وتحتل المرتبة الممتازة في تجارة الشرق الأوسط خاصة وأن سكانها زادوا على المليون نسمة وأصبحت تتمتع بشهرة اقتصادية مرموقة.
حلب
ـ 2 ـ
أكبر مدينة في سوريا بعد دمشق، وقد كانت وما زالت سوقاً تجارية ضخمة بحكم موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب، فهي لا تبعد عن الحدود التركية بأكثر من خمسين كيلومتراً …. وهناك طريقان بريان رئيسيان يربطان بين حلب وتركيا، فهي محطة على الطريق إذن، يقف فيها المسافر بالسيارة ليستريح، ويقف فيها قطار الشرق السريع الذي يبدأ رحلته من بغداد إلى سوريا ومنها إلى تركيا وأوروبا. ومن قبل كانت الدواب تحمل المسافرين، وهم قد يمرون بها مروراً، وقد يستطيبون الإقامة فيها فيقضون بين ربوعها بعض الوقت.
وقد فتحها المسلمون سنة 16 هجرية ودخلت فيما دخل فيه غيرها من البلاد الإسلامية إلى أن كانت سنة 333 فوصلها سيف الدولة الحمداني وأنشأ الدولة الحمدانية وجعل عاصمتها حلب، وبذلك دخلت مدينة حلب في عهد جديد هو عهد أمجادها التي لم تشهد لها مثيلاً، وأصبحت مركزاً ثقافياً وشعرياً وعسكرياً من أعظم المراكز التي عرفها الإسلام، فمنها انطلقت الجيوش بقيادة سيف الدولة لحماية البلاد من هجوم البيزنطيين وله معهم معارك هائلة كان سيف الدولة فيها بطلاً من الأبطال، تلك المعارك التي خلدها الشاعران العربيان المتنبي وأبو فراس الحمداني.
وكذلك أصبحت حلب ملتقى كبار الشعراء الذين وفدوا على بلاد سيف الدولة، كما أصبحت ملتقى رجال العلم والفكر الذين وجدوا في سيف الدولة حامياً لهم ومشجعاً.
وسيف الدولة شيعي والدولة الحمدانية شيعية لذلك انتشر التشيع في جميع الأنحاء التي سيطرت عليها هذه الدولة.
ولكن التشيع كان قد دخل قبل الحمدانيين وإنما قوي وانتشر على عهدهم، وقد أشار ابن كثير الشامي إلى أن التشيع أيام سيف الدولة كان رائجاً رواجاً تاماً.
وقال ابن بطلان الطبيب في رسالة له كتبها إلى هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي إلى بغداد يذكر فيها ما رآه في سفره وأوردها ابن القفطي في تاريخ الحكماء وأورد بعضها ياقوت في معجم البلدان قال ابن بطلان عند ذكر وصوله إلى حلب ما لفظه: والفقهاء فيها يفتون على مذهب الإمامية اهـ، قال ياقوت وذلك نحو سنة 440هـ في دولة بني مرداس اهـ.
وذكر ابن كثير الشامي في تاريخه في حوادث (507) أنه لما فرغ بال صلاح الدين الأيوبي من مهمات ولاية مصر توجه نحو بلاد الشام ثم جاء إلى حلب ونزل في ظاهرها فاضطرب والي حلب وطلب أهلها إلى ميدان باب العراق وأظهر لهم المحبة واللين وبكى كثيراً ورغبهم في قتال صلاح الدين وتعهد لهم بكل ما يلزم وشرط الروافض عليه شروطاً وهي إعادة الأذان بحي على خير العمل وأن يقولوها في مساجدهم وأسواقهم وأن يكون لهم جامع الجانب الشرقي الذي هو الجامع الأعظم وأن ينادوا بأسماء الأئمة الاثني عشر أمام الجنائز ويكبروا على الجنازة خمسة تكبيرات وأن يكون أمر عقودهم وأنكحتهم مفوضاً إلى الشريفين أبي الطاهر وأبي المكارم حمزة بن زُهرة الحسيني الذين هما مقتدى شيعة حلب فقبل الوالي جميع ذلك وأذنوا في تمام البلد بحي على خير العمل اهـ.
وجاء في كتاب أعيان الشيعة قال المعاصر في نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلبهم وأبطل أعمالهم نور الدين (543م) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير أنهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها ثم ذكر أن مصطفى بن يحيى بن قاسم الحلبي الشهير بطه زاده فتك بهم في حدود الألف فأخفوا أمرهم وذكر بعض ما كان يفعله الحلبيون مع الشيعة من الأعمال إلى أن يقول في الأعيان: وقد كان في الحجة والبرهان لو كان ما يغني عن الأذى والإضرار والأعمال والوحشية ثم يقول:
وبالجملة سبب انقراض الشيعة من حلب هو ظلم الملوك وجورهم وتعصب العامة وابتداؤه أوائل القرن السادس وشدته في القرن السابع وتناهيه في أوائل القرن العاشر وقد بقيت فيها حتى اليوم جماعات قليلة من الشيعة، وفي نهر الذهب: أنه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع ويتحاشون الزواج معهم مع أن ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنَّة (اهـ).
وينسب إلى حلب من رواة الشيعة الأقدمين آل أبي شعبة في أواسط المائة الثانية وهم عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي وإخوته محمد وعمران وعبد الأعلى وأبوه علي بن أبي شعبة وهم بيت مذكور في الشيعة وكان عبيد الله كبيرهم ووجههم صنف كتاباً فيما رواه عن أئمة أهل البيت مشهور وهو أول ما صنفه الشيعة وكانوا من أهل الكوفة يتجرون إلى حلب فنسبوا إليها وخرج من حلب عدة من علماء الشيعة وفقهائهم ومنهم الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الفقيه الثقة الصالح كان يقول بوجوب الاجتهاد عيناً وعدم جواز التقليد قرأ على الشيخ الطوسي وبينهما مكاتبات وسؤالات وجوابات.
وكا في حلب سادات بني زُهرة كانوا نقباء وخرج منهم جملة من العلماء منهم السيد أبو المكارم حمزة صاحب الغنية وقبره بسفح جبل الجوشن إلى اليوم وذرية بني زهرة الآن يوجدون في قرية الفوعة من قرى حلب وعندهم كتاب نسب قديم عليه خطوط نقباء حلب وعلمائهم وكانت لهم أوقاف جليلة في حلب مغتصبة ومر في حرف الباء حديث مفصل عن بني زهرة. وقد ظلوا يعرفون في حلب إلى ما قبل مئتي سنة ثم ذابوا في المحيط.
فلا يعرف اليوم منهم أحد. وفي حلب اليوم زقاق يسمى زقاق الزهراوي، منسوب إليهم لأن دورهم كانت فيه. كذلك يوجد في حلب بستان كبير كان يعرف ببستان الزهراوي، ويعرف عند العامة ببستان الزهراء. وقد تحول قسم كبير منه إلى بنايات سكنية ويوجد في جهات حلب عدة قرى أهلها شيعة من قديم الزمان إلى اليوم.
أما في حلب نفسها فالشيعة ظاهرون فيها ولكن بقلة. وفيهم من العلماء العاملين اليوم الشيخ إبراهيم نصر الله.
والحلبي هو عند رواة الشيعة عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي وعند العلماء يراد به أبو الصلاح بن نجم الحلبي.
والحلبيان يراد بهما في كلام الشهيد وغيره من الفقهاء الشيخ أبو الصلاح تقي بن نجم بن عبيد الله بن محمد الحلبي، والسيد أبو المكارم حمزة بن زهرة صاحب الغنية.
والحلبيون يراد بهم أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، والسيد أبو المكارم حمزة بن زهرة صاحب الغنية، وأبو الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي صاحب إشارة السبق.
والحلبيون أيضاً جماعة من فقهاء الشيعة وعلمائها من أهل حلب كانوا فيها ايام كان أهلها شيعة نسب إليهم القول بوجوب الاجتهاد عيناً والثلاثة السابقون من جملتهم وهذه أسماء جملة ممن اتصلت بنا أسماؤهم:
(1) تقي بن نجم أبو الصلاح الحلبي.
(2) حفيده علي بن منصور بن أبي الصلاح تقي الحلبي.
(3) يحيى بن حميدة بن أبي طي الحلبي.
(4) علاء الدين بن الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي.
(5) كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الحلبي.
(6) أبو علي حسن بن حسين بن الحاجب الحلبي.
(7) حسن بن حمزة الحلبي.
(8) أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي.
(9) أبو صالح الحلبي صاحب كتاب المعراج في الأحاديث المجموعة نسب إليه الشهيد في شرح الإرشاد القول بوجوب التسليم وهو غير أبي الصلاح لأن الشهيد ذكره مع أبي الصلاح حيث قال: والحلبيون كأبي الصلاح وابن زهرة وأبي صالح لكن يحتمل أن لا يكون حلبياً كما مر فيما بدئ بـ (أب) لأن الشهيد قال: وأبي سعيد والمصنف لكن صاحب الرياض وصفه بالحبي.
(10) السيد أبو المكارم حمزة بن زهرة صاحب الغنية وفي آل زهرة من العلماء عدد كثير.
قلعة حلب
ـ 1 ـ
لا نعرف بالضبط على وجه التحديد متى استقر الإنسان لأول مرة في المكان الذي تجثم فيه اليوم القلعة ولكن إذا تذكرنا القاعدة التاريخية التي تقول بدوام المراكز الاستراتيجية، أمكننا الاستنتاج أنها مرت بمعظم الفترات التاريخية التي مرت بسوريا الشمالية كغيرها من المواقع الأثرية المنتشرة بكثرة بالشمال.
يرجح أن السكان الأقدمين اختاروا مكان القلعة الحالي للتوطن فيه لنقاء هوائه ولعلوه عن الأماكن المجاورة، فأقاموا معابدهم لتكريم الرب السامي «حدد» والرب الحثي «تيشوب» وغيرها من الأرباب القديمة وقد لعبت القلعة دوراً بارزاً في حياة مدينة حلب وصانتها من الخراب في كثير من الأحوال فعندما فتح الفرس حلب ترك السكان مدينتهم واعتصموا بالقلعة وفعلوا الشيء نفسه في العهد البيزنطي.
ثم جاء العهد الإسلامي، فكانت القلعة مركز طموح كل الملوك والأمراء فتباروا في عمارتها وإصلاحها وإضافة الأبراج والقاعات والتحصينات إليها. وقد بلغ من أهمية القلعة أن السلاطين في العهد المملوكي نصبوا عليها نائباً منفصلاً عن نائب السلطنة في حلب واستمر الأمر كذلك في بداية العهد العثماني.
الدكتور حسن سبيتي
قلعة حلب
ـ 2 ـ
يذكر قاضي القضاة ابن الشحنة في كتابه «الدر المنتخب في تاريخ حلب»: «قيل أن عجائب الدنيا ثلاث: نهر الذهب، وجب الكلب، وقلعة حلب وكلها موجودة في حلب».
وللخوض في أعماق تاريخ حلب لا بد أن نمر عبر تاريخ قلعتها.
يقول مدير القلعة فوزي شعبوق: «إنها إحدى أهم القلاع في العالم، تقع فوق تلة مبسطة من قمتها وواسطة من قاعدتها، ودلت الحفريات على وجود معابد تعود إلى الآراميين، وبنى اليونانيون في عام 333 ق.م. فوق هذه التلة مدينة صغيرة أو «أكروبول»، وجعل الزحف الروماني من هذا الأكروبول مركزاً للحاكم ومدينة آهلة بالسكان ومجمعاً عسكرياً».
وأضاف شعبوق: «أن أبا عبيدة بن الجراح فتح حلب 656م».
وقال شعبوق: «إن القلعة بلغت أوج ازدهارها في عهد الحمدانيين 944م حين انتزع علي بن عبد الله الحمداني المدينة من العامل الأخشيدي وحصل من الخليفة المتقي على لقب سيف الدولة، وارتفعت رايات الأدب والعلم …. كالمتنبي وأبي فراس، والفارابي ….
واستطاع هولاكو بمساعدة ملك أرمينيا هاتوم احتلال حلب بعد صمودها لعدة أيام دون أن يحتل
القلعة، لكن تيمورلنك احتلها للمرة الأولى في عام 1400م».
قلعة مدينة حلب محاطة بالأبنية الحديثة
قلعة حلب تقع في الطرف الشمالي من حلب لكنها أصبحت الآن تتوسط المدينة نتيجة التوسع العمراني، وتجثم القلعة على تلة مرتفعة في وسط المدينة وأصبحت علامة مميزة لها.
ويصعب على الباحث تحديد الزمان الذي بنيت فيه القلعة، فقد مرت عليها حضارات وسلاطين من كل أصقاع العالم. لكن قاضي القضاة ابن شحنة يذكر عن ابن شداد قوله: إن أول من بنى القلعة هو ميخائيل. وقيل: سلوقس أحد قادة الاسكندر «وتتنوع أزمان وعهود وماهية المعالم الأثرية في القلعة بتنوع الشعوب والحضارات التي سكنتها».
صورة نارة لقلعة حلب قبل مائة عام
أول ما يرى الزائر، الخندق الذي يحيط بالتلة الشامخة، من جميع الجهات لحمايتها من الهجمات، ويبلغ عرضه 26م، وعمقه 9 أمتار، كانت تجر الماء إليه من بلدة حيلان شمال حلب، ويذكر المؤرخون أنه في عام 1218م وأثناء تمهيد أرض الخندق وجدت فيه 19 سبيكة من الذهب بلغت زنتها 67 رطلاً. وتذكر المصادر التاريخية أن تيمورلنك لم يستطع دخول القلعة إلا بعد أن ملأت جثث جنده هذا الخندق.
وحصنت القلعة بالإنحدار المائل الطبيعي من سور القلعة إلى الخندق ليزيد من عرقلة المهاجمين برمي الحجارة الكبيرة عليهم من فوق.
ويحيط بالقلعة سور يبلغ طوله 900 م تتخلله الأبراج المتقاربة وعددها 44 برجاً، يرتفع بعضها إلى 12 متراً، وزودت الأبراج بفتحات لرمي السهام وسقاطات لقذف الزيوت المغلية.
وهناك برجان متقدمان شمالي وجنوبي. يقع البرج الجنوبي في الطرف الأيمن من المدخل الأول، وبناه الأمير جكم المملوكي يرتفع إلى 28م، زود بـ 28 فتحة لرمي السهام، وسقاطات دفاعية. ويصل ما بين هذا البرج والقلعة درج تحت الأرض يؤدي إلى ما وراء سور القلعة.
وفي خلفية القلعة بني البرج المتقدم الشمالي، وهو يشبه الجنوبي، أقامه المملوكي نفسه، ويتألف من أربعة طوابق، وثلاث سقاطات، وفتحات للرياح ويتصل بالقلعة بنفق سري، يستخدم في الأحوال الطارئة.
بعد التجول حول القلعة، وعند الدخول إليها لا بد من المرور عبر المدخل الأول. وقد كتب عليه «أمر بتجديد عمارته السلطان الأعظم الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عز نصره … بتاريخ شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وتسعمائة» أي عام 1507م.
ويبلغ ارتفاع المدخل 20 متراً، يأخذ شكل المستطيل وزينت واجهته بأشكال دائرية ونقوش جميلة، وحصن بسقاطات وفتحات للسهام وببابين أولهما حديدي وثانيهما خشبي، وتحيط بسطح البرج عناصر دفاعية أيضاً.
ويفصل ما بين المدخل الأول والبرج الرئيسي جسر ثابت من الحجر يقوم على سبعة أقواس جاثمة فوق الخندق. ويذكر المؤرخون بأن هذا الجسر كان أصلاً من الخشب لكنه استبدل بالحجر للتغلب على الظروف المناخية.
الحصن
بعد عبور الجسر تظهر عظمة البرج الرئيسي أو «الحصن» غاية في الفخامة، عليه عبارات كتبت بالخط النسخي المملوكي يعود تاريخها إلى 691هـ/ 1286م، تتضمن آية قرآنية ونصوصاً أخرى ورد في أحدها: «أمر بعمارتها بعد دثورها السلطان الأعظم الملك الأشرف العالم العادل الغازي المجاهد المرابط المؤيد المظفر المنصور صلاح الدنيا والدين أوجد المملوك ناصر الإسلام والمسلمين ….».
يتكون الحصن من برجين، وتتربع فوقهما قاعة العرش، ويعتبر من أهم العناصر الدفاعية في القلعة، لما يحتويه من سقاطات ومرامي سهام تتوزع على واجهات البرج.
أحد البرجين الذي يتألف منهما الحصن لا يقود إلا لفتحات الدفاع والحماية وهو البرج الأيسر، في حين يؤدي البرج الأيمن إلى مدينة «القلعة» عبر باب الثعابين. وقد كتب فوق رسوم الثعابين بخط نسخي «أمر بعمارتها بعد دثورها السلطان الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين خليل محيي الدولة الشريفة العباسية ناصر المملكة المحمدية عز نصره» ويدل نص آخر أن «الملك الظاهر أبي سعيد برقوق» جددها في 1784م.
قاعة العرش
يصل الطريق المنحني والمنكّر لأسباب دفاعية، إلى قاعة العرش وزين مدخلها ببيتين هما:
لصاحب هذا القصر عز ودولة
وكل الورى في حسنه يتعجب
بنى في زمان العدل بالجود والتقى
محاسنه فاقت جميع الغرائب
كما كتب فوق نافذة كرسي العرش: «…. أمر بإنشاء هذا القصر المبارك … الملك الأشرف قايتباي …. بتاريخ ربيع الآخر سنة 880هـ عام 1475م».
بدأ بإقامة القاعة فوق الحصن الأمير جكم المملوكي نائب القلعة من قبل السلطان برقوق عام 809هـ/ 1484م، فوق الحصن ثم رممها السلطان قاتيباي، ثم السلطان قانصوه الغوري إلا أنها دمرت وأعادت ترميمها مديرية الآثار والمتاحف بين عامي 1965 و1974م حيث كست أرضيتها بالرخام لتعطيها الشكل الحقيقي، وتتوسط الأرضية بحيرة ماء أيوبية، ويعلوها 11 سقفاً مزخرفاً نقلت من البيوت الدمشقية القديمة لتعيد للقاعة طرازها الحقيقي، ويتوسط سقفها عشر ثريات خشبية تعكس الألوان السارة على بهو القاعة.
القصر الملكي
يتصل بقاعة العرش، القصر الملكي والحمام، ويعود هذا القصر إلى عهد صلاح الدين الناصر الثاني ويعتقد البعض أنه يرجع إلى عهد سابق ولكن يوسف الثاني رمم القصر.
تعلو باب القصر مقرنصات بديعة وتؤدي إلى باحة تتوسطها بحيرة ماء رصفت أرضيتها بالمرمر المتعدد الألوان، يتصل البهو بحمام عبر ممر مرصوف بأحجار ذات أشكال هندسية متعددة وبلونين أسود وأبيض. وكتب نص على واجهة القصر يقول: «…. إنساق الماء إلى هذه القاعة …. في أيام مولانا الملك …. ناصر الدنيا والدين ….. بولاية العبد الفقير إلى الله محمد بن السلار في 769هـ». أي 1367م.
الممر الرئيسي
ويتوسط مدينة القلعة الفسيحة، ممر رئيسي يؤدي من البرج الرئيسي «الحصن» إلى قلب القلعة وساحاتها.
وفي وسط الممر وعلى الطرف الأيمن حمام نور الدين زنكي، ويعتقد أنه سبق عصر نور الدين واستعمل لصناعة المعادن وقد أظهرته التنقيبات في عام 1973م.
يقابل الحمام على الطرف الأيمن من الممر المستودعات وهي عبارة عن أبنية بنيت في العهد البيزنطي من الآجر الأحمر، ينزل إليها بدرج، وكانت استعملت للحبوب وأصبحت خزاناً للماء، ويجاورها «حبس الدم» الذي استعمل كسجن أو منفى للمشاغبين يتم الصعود إلى فتحته العلوية بدرج من داخل المستودعات.
يجاور حمام نور الدين من الطرف الشمالي مسجد نقش عليه نص يقول: «…. أمر بإنشاء هذا المسجد المقام الملك العادل نور الدين الفقير إلى رحمة الله أبو القاسم محمود الزنكي بن أقسنقر غفر الله له ولوالديه وأحسن خاتمته في سنة ثلاث وستين وخمسمائة» أي 563هـ/ 1167م.
يتألف المسجد من باحة خارجية وغرف تطل على القاعة التي يتوسطها بئر ماء. وكان أحد الضباط الفرنسيين سرق محراب الجامع الخشبي في عام 1943م.
وعثرت بلدية حلب في جوار الجامع على نصب من الحجر البازلتي يعود إلى القرن الثامن الميلادي، نقش عليه شخصان مجنحان ويرفعان الشمس والهلال.
المسجد الكبير
ينتهي الممر الرئيسي بالجامع الكبير بجوار السور الشمالي للقلعة وتقول إحدى الكتابات التي نقشت على مدخل المسجد «أمر بعمله مولانا السلطان الملك الظاهر العالم المجاهد المؤيد المظفر غياث الدنيا والدين أبو المظفر الغازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب خلد الله ملكه سنة عشرة وستمائة» 610هـ/ 1715م.
المسرح
يتألف المسجد من قبلية وفسحة داخلية تتوسطها بحيرة ماء وتحيط بها غرف عدة، تتخللها مرامي للسهام، أعيد ترميم المسجد طبقاً لمخططه الأصلي.
ويجاور الجامع الكبير، ثكنة عسكرية بناها إبراهيم باشا عام 1834م، لتكون ملجأ لجنوده، وبناها من حجارة الإنحدار المائل الذي يحيط بالقلعة.
يتوسط مدينة القلعة المسرح الذي أقامته بلدية حلب لإحياء الحفلات الفنية واللقاءات الثقافية التي تجمع الزوار والسائحين، وبني المسرح على النمط الروماني إلى حد بعيد بحجر يشبه الحجر الذي شيدت به معالم القلعة.
ويذكر أن مديرية الآثار والمتاحف ما زالت تقوم بعمليات التنقيب لكشف خفايا وأسرار هذه القلعة التي دفن في باطنها تاريخ حضارات وأمم وطئت أرض حلب وكما تخبئ في جوفها أخبار أسلافنا ومآثرهم([38]).
حلب
ـ 3 ـ
ليس عبثاً أن يلقبها «سلايد» بـ «ملكة الشرق»، وليس صدفة أن يتفق الرحالة فوكنه مع تافرينسيه على أنها من ألطف وأجمل المدن التي لا يمل الإنسان الإقامة فيها، ولذلك اختارها الفيلسوف أرسطو محط إقامته عندما أصابه مرض اضطره أن يترك تلميذه الفاتح «الاسكندر المقدوني» يواصل زحفه في اتجاه الشرق من دون معلمه. وقال فيها المتنبي.
كلما رحبت بنا الروض قلنا
حلب قصدنا وأنت السبيل
إنها مدينة حلب، مزيج خمسة آلاف عام من الحضارة والمعاصرة، والذاكرة فيها استوعبت فكر وإبداع حضارات الشرق القديمة عبر محطات خلاقة لا تزال، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، مأهولة كمركز إشعاع متجدد ما بخل عليها الزمان وقلما يسهى.
تبعد عن دمشق 350 كلم شمالاً وعن شرق البحر المتوسط 110 كلم، فهي بذلك عاصمة للشمال السوري وهمزة الوصل بين الأناضول واليونان وبين سورية الجنوبية والجزيرة العربية تتوسط طريق بلاد الرافدين إلى البحر المتوسط، وتعد أهم محطة على ممر سورية التجارية.
ورد اسمها «أرمان» في نص مدينة «أور» زمن «نرام سن» الأكادي عام 2300ق.م.، وبعد ذلك «أرمانوم» عام 2250ق.م. في إيبلا، وسماها أرشيف الفرعون المصري تحوتمس الثالث «خلبا»، وعرفت باسمها الحالي في نصوص ماري عندما كانت عاصمة مملكة يمحاض.
ولا تزال حلب تحمل حتى اليوم الإسم اليوناني الروماني «بيرويا»، إذ يعرف أسقف طائفة الروم فيها بأسقف بيرويا، ودعيت بالشهباء وتعني البيضاء لبياض حجارة أبنيتها، ويعتقد أن المعنى ذاته هو أصل كلمة حلب (حلبا السريانية)، وتقول المراجع التي تتحدث عن تاريخ حلب أن إبراهيم عليه السلام مر بتلتها العالية وهي القلعة اليوم وحلب بقرته الشهباء فلقبت المدينة بهذا الإسم، ولا يعتقد المؤرخون بصحة هذه الرواية.
أكسبها موقعها الجغرافي إضافة إلى أهميتها الجغرافية دوراً مميزاً عبر العصور، ولو أراد المرء استعراض الممالك والشعوب التي حكمت حلب فسيجد أنه ما من حضارة إلا وكانت حلب إحدى مناراتها وممالكها.
حكمها الأموريون منذ عهد «يارليم الأول» وخلفه ابنه بين 1792 و1750ق.م. يدل على ذلك أرشيف الالاخ (تل عطشانة) التي دمرها الحثيون فانقطعت أخبار مملكة يمحاض المملكة الأمورية وفقد بذلك أهم المصادر التي تحدثت عن حلب في تلك الفترة وبقي الحثيون حتى زمن ملكهم «توضاليا» حيث استطاع الميتانيون احتلال سورية الشمالية إلى أن جاء الفرعون المصري تحوتمس الثالث عام 1417ق.م. وحل محلهم لفترة لم تتجاوز الثلاثين عاماً استطاع الحثيون بعدها فرض سيطرتهم على مناطق نفوذهم بعد ثورة 1450ق.م. التي شهدتها حلب ضد المصريين.
ضرورة امبراطورية
كان لزاماً على كل أمبراطورية ناشئة تريد تقوية نفوذها أن تضم حلب إلى تاجها فاحتلها البابليون والفرس في عهد قورش 535ق.م. والسلوقيون والبيزنطيون والساسانيون حتى مجيء الفتح العربي الإسلامي سنة 631م الذي أعاد إليها عروبتها وسيادتها ثم ما لبث أن انتقص الأمويون بعضاً من دورها التاريخي عندما نقلوا قرارها السياسي والإداري إلى قنسرين وحمص، لكن المحطة الأهم كانت خلال حكم سيف الدولة الحمداني عام 944م الذي جعل من حلب عاصمة للدولة الحمدانية في الشمال السوري والتي بلغت أوج مجدها الحضاري زمن المتنبي وأبي فراس والفارابي وابن خالويه.
ثم احتلها البيزنطيون سنة 962م فدمروا المدينة وانتقل الحكم بعد ذلك للفاطميين فبعض القبائل العربية (بنو مرداس وبنو عقيل) وتلاهم الأيوبيون ثم المغول عام 1260م فالمماليك حتى الاحتلال العثماني عام 1516م الذي دام قرابة أربعة قرون تلاه الاحتلال الفرنسي سنة 1920م بقيادة الجنرال دولاموت قبل نيل الاستقلال.
وعلى رغم الدمار التي تعرضت له عبر التاريخ إلا أن حلب سرعان ما كانت تستعيد عافيتها ونشاطها. وأضاف كل من حكمها معلماً مميزاً إليها جعلها تغدو لوحة تشكيلية رائعة تتنوع فيها فنون العمارة من كل عصر بقدر ما يتنوع غناها الحضاري والثقافي والأثني والديني. وأعاد سيف الدولة الحمداني بناء القلعة لتأخذ شكلها الحالي المميز لطراز العمارة العسكرية الإسلامية كما جدد بناء سور المدينة القديمة على شكل مربع طول ضلعه 1500م وله أبواب عدة، وجدده الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين من جهة الشرق والجنوب وأضاف أحياء جديدة خارجه وبنى أسواقاً جديدة بعدما وضع عماد الدين الزنكي المخطط الحالي للمنطقة داخل الأسوار وأضاف الزنكيون الحمامات والمدارس الحلوية والجوامع (الشعبية) والبيمارستان (النوري) ومن بعدهم الأيوبيون (المدرسة الظاهرية البرانية والكاملية ومسجد القلعة الصغير).
وتبعهم المماليك من خلال بناء الكثير من الخانات: الصابون والقصابية وحمام اللبابيدي (يلبغا) وجوامع باب الأحمر والأطروش والصروي، ولا يمكن غبن العثمانيين حقهم إذ إنهم شيدوا كثيراً من الأوابد الهامة منها جامع سنان والعادلية والعثمانية وغيرها، وحمامات وصل تعدادها إلى 177 حماماً، والأسواق والخانات التي وصل تعدادها إلى 67 خاناً، مما يدل على الدور التجاري الذي اختصت به.
وشهدت المدينة افتتاح قنصلية فلورنسا (البندقية) سنة 1548م والفرنسية سنة 1562م والكثير من السفارات الأوروبية التي اعتبرت نموذجاً فريداً للتبادل التجاري في القرون الوسطى إذ بلغ عدد أسواقها 37 سوقاً منها سوق الجوخ والحرير والصاغة وغيرها.
تسير حلب اليوم بخطى وثيقة نحو المعاصرة والتحديث لامتلاكها كل إمكانات التعبير عن هويتها مع احتفاظها بطابعها القديم بحيث أصبحت وجهة السياح يقصدونها من كل حدب وصوب لما تتمتع به من مزايا مهمة. وأصبح وجود السياح مألوفاً جداً في أي من الحارات القديمة والأزقة الضيقة، حيث يتاح لهم العبور عبر حقب مختلفة في التاريخ بيسر. وجميعهم يبدي إعجابه بالقلعة والأحياء القديمة وحسن وفادة السكان والمناخ العذب.
والزائر إلى حلب لا بد سيعرج على ريفها الجميل ليأخذ قسطاً من الراحة في أحضان الطبيعة الفاتنة وليطلع على معالم أثرية هامة منها قلعة سمعان العمودي وتل ومعبد عين دارا وقلعة نجم في منبج وموقع النبي هوري سيرهوس.
خالد زنكو
أهم معالم البلدة القديمة في حلب
1 ـ القلعة: وهي أضخم قلعة في العالم حسب كتاب «غينيس» للأرقام القياسية طبعة عام 1977، طولها 69م وعرضها 23م محاط بسور دائري علوه 12م ولها أبراج وخندق عميق عرضه 26م وقطره 500م.
ولا يعرف تاريخ بناء القلعة ويعتقد أن آثارها يعود للعرب القدماء، أما أقدم أثر فيعود إلى الحثيين وهو عبارة عن معبد عثر فيه على بعض اللقى التي نقلت إلى متحف حلب.
2 ـ أبواب المدينة: اندثر بعضها كباب النيرب والجنان. والبعض الآخر محافظ على بعض رونقه لكنه بحاجة إلى ترميم وهذه الأبواب هي باب أنطاكية: وهو من أضخم الأبواب وهو الرئيسي الذي يتصل مع الشارع الكبير، وباب النصر: وأبراجه دفاعية في الجزء الشمالي من السور، وباب قنسرين: ويعتبر مدخلاً لقسنرين في الجزء الجنوبي من السور، وباب الحديد: يعرف بباب القنايا و«تمر منه قناة حيلان»، وباب الفرج: وبقي منه برج واحد، وباب المقام وبوابة القصب.
3 ـ المساجد: وهي كثيرة ومتنوعة منها:
ـ المسجد الأموي الكبير: بني سنة 715م في أرض مقبرة الكاتدرائية العظمى، ذو نمط رائع في فن العمارة الإسلامية، صحنه واسع مرصوف بالبلاط الذي يأخذ شكل الفسيفساء بتوزيعه وتآلفه وأروقته متناظرة. شيد السلاجقة مئذنته المربعة سنة 1077م في الجهة الشمالية. أما من الداخل فيحتوي على منبر خشبي أبنوسي مطعم بالعاج يعود إلى القرن الرابع عشر.
ـ مسجد التوتة «العمري، الأتراس»: «حول من قوس نصر إلى جامع، بني في عهد عمر بن الخطاب وهو بذلك أول مسجد شيد في حلب، ويحتوي على كتابات كوفية تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي».
ـ جامع القيقان: بني في تلة حي العقبة، وما يميزه وجود حجر بازلتي في أحد جدرانه نقش عليه اسم الملك «تالمي شاروما» الحثي سنة 1350ق.م.
ـ جامع العادلية: بني عام 1557 وهو آية في الجمال بأعمدته الرائعة وزخارفه الجميلة يصل بين سوق الصوف وسوق المحمص في المدينة القديمة حيث يمر الناس داخل حرم الجامع ليصلوا إلى إحدى هاتين السوقين.
ـ جامع الطواشي: بناه جوهر الطواشي المملوكي سنة 1898.
ـ مشهد الحسين: يعود زمن بنائه إلى القرن الثاني عشر الميلادي ويقال أنه بني في عهد سيف الدولة الحمداني.
ـ جامع الرحمن: وهو من المساجد الحديثة، يمتاز بشكل قببه المميزة ومآذنه العالية ورسوماته الداخلية.
وتحوي حلب إضافة إلى الجوامع الكثير من الكنائس الفريدة من نوعها ذات الطراز المعماري المميز مثل كنيسة «الأربعين شهيد» للأرمن الأرثوذكس التي تضم أجنحة تعود إلى أزمنة متفاوتة من القرن الخامس عشر حتى العشرين بالإضافة إلى أيقونات قديمة غاية في الجمال، منها «لوحة الأربعون شهيداً»، ونقوش بديعة.
وهناك أيضاً كاتدرائية مار إلياس للموارنة وكنيسة للسيدة مريم العذراء مع العلم أن حلب عرفت المسيحية منذ عهودها الأولى.
متاحف مفتوحة
4 ـ الأسواق: وترجع إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وهي متاحف طبيعية شعبية مفتوحة أمام الزوار والمتسوقين بطابعها الشرقي العريق، الداخل إليها كالداخل عبر نفق التاريخ ينتابه إحساس غريب، فللمكان نكهة خاصة تضفي طابع عصره، وأول ما تطالعك روائح الصعتر وصابون الغار الحلبي واليانسون والقرفة.
سقفت الأسواق بالحجارة وتركت نوافذ للتهوية والإنارة تعلو بعضها قبب تمنح انطباعاً بالاتساع وتحافظ على اعتدال درجات الحرارة، وهي تتلاقى عند مركز تجاري هام يدعى «المدينة».
وزينت الأسواق بالنقوش والزخارف البديعة ومن أهمها: سوق الحرير والعطارين والنحاسين والصاغة والحبال.
5 ـ الخانات: تلحق بالأسواق لتخديمها وهي بمثابة فنادق وغرف لسكن التجار والقناصل في «الطابق العلوي»، ويحتوي «الأرضي» على محال تجارية واسطبلات أشهرها خان الشونة الذي بني منذ نحو خمسة قرون في عهد خسرو باشا. وقد حول إلى سوق للمهن اليدوية التي تشتهر بها حلب. وهناك خان الوزير والجمرك والصابون والبنادقة وقرتباي.
6 ـ المتاحف: وعددها أربعة: المتحف الوطني: وهو من المتاحف الدولية الهامة، ويضم نماذج من آثار المنطقة الشمالية ويستطيع المرء أن يستعرض خلال جولة في أجنحته معظم حقب التاريخ والحضارات القديمة للمنطقة …. بدءاً بجناح ما قبل التاريخ وانتهاء بجناح الفن الحديث الذي يضم لوحات زيتية يعود معظمها لفناني حلب.
وهناك أيضاً متحف التقاليد الشعبية والصناعات التقليدية: وهو متحف متخصص بالصناعات القديمة التقليدية كالسجاد والصوف وأدوات النسيج والزينة والأسلحة القديمة والأزياء الشعبية، ومتحف تاريخ العلوم عند العرب الذي يتبع جامعة حلب، ويحتوي على مخطوطات هامة وأدوات صناعة النسيج والزجاج، ومتحف القلعة: ويضم اللقى الأثرية الخاصة بالقلعة.
7 ـ المدارس والتكايا: تحتوي التكية على جامع وغرف يسكنها طلاب العلم و«الخوجات» أو مدرسو القرآن ومنها التكية الخضروية، أما المدارس فألحقت بالجوامع من القرن الحادي عشر وأهمها: العثمانية «الرضائية»: بنيت عام 1728م داخل المدينة القديمة في حي الفرافرة ولها مئذنة مضلعة أسطوانية والحلوية: وأبوابها ضخمة تقابل المدخل الغربي للجامع الأموي، وهناك المدرسة الظاهرية والفردوس والناصري.
8 ـ الحمامات: تعتبر من المرافق الهامة التي لا تزال تحتفظ بقيمتها الزخرفية، وبقي منها 18 حماماً، أهمها: حمام يلبغا الناصري الذي يتبع وزارة السياحة وحمام النحاسين وحمام الباب الأحمر.
9 ـ البيمارستانات: وتعتبر بمثابة مشافي «دار المرضى»، أول عهد حلب بها زمن الوليد بن عبد الملك وبقي منها الآن «النوري والآرغوني».
10 ـ الدور الحلبية: تميزت حلب القديمة ببيوتها القديمة التي تعتبر مثالاً للدور العربية باتساعها وجمال رسوماتها وزخارفها، حول بعضها إلى مطاعم يرتادها عشاق هذا النوع من العمارة القديمة، منها «دار جنبلاط» التي تعود إلى القرن السابع عشر و«دار القباش» و«معهد للفنون الشعبية» وتضم أقساماً عدة، وهناك أيضاً دار غزالة وباسيل.
11 ـ الزوايا والمقامات: تحوي حلب الكثير من المقامات منها مقام «إبراهيم الخليل وزكريا عليهما السلام والسهروردي والنسيمي» وزوايا كثيرة بينها زوايا المولوية والرفاعية والهلالية.
خانات حلب
عرفت مدينة حلب بالشهباء بعد الفتح الإسلامي ويبدو أن المشهد البراق باللون الأبيض المشوب بالرمادي للمدينة، من مسافة بعيدة، يسوغ استخدام هذه الصفة. وقد لاحظ العلامة ريسك أن كلمة الشهباء تدل على لون أشهب مبرقش بالأبيض، لا بد أن يكون مستمداً من لون التربة والأبنية، وهذا ما ذكره مؤرخ حلب ابن الشحنة، إذ يقول: «إن البيوت ومعظم الأبنية العامة مبنية من حجر السلس». ويفصل ابن الشحنة في «مخطوطة التاريخ» بدقة أحياء حلب وجوامعها وقصورها وخاناتها وما إلى ذلك.
وتتميز المدينة القديمة ببنائها القوي المتماسك وبيوتها الكبيرة والنظيفة وأزقتها الأنيقة المرصوفة جيداً، وتوجد على جانبيها أرصفة واسعة للمشاة ترتفع نصف قدم عن أرض الزقاق. ويخصص القسم الأوسط للأشخاص الذين يمتطون الحيوانات بالإضافة إلى الجمال وحيوانات الحمل الأخرى.
وقد لاحظ بيري Perry أن بعض الأزقة عريضة ونظيفة ومرصوفة جيداً بالحجر اللوحي، وتظهر أمامك فجأة في بعض الأزقة أقواس عدة متعاقبة فتمنحك مشهداً خلاباً.
خان العدلية من الخانات التي جددتها مديرية الآثار والسياحة
و«الخان» كلمة عربية مولدة من الفارسية (وسمي هذا «النزل» بالخان لأن بانيه هو الخان أي: الملك)، ويكون منزلاً للمسافرين ومحطة للقوافل، يستريح فيه التجار، يودعون بضائعهم في مستودعاته وتأوي إليه دوابهم. وفي خان المدينة يعرضون أمتعتهم وللخان دور كبير لمدينة تجارية كحلب. لذا اشتهرت حلب بخاناتها عندما كانت قلب الامبراطورية العثمانية ومحطة مهمة على الطريق الحريري واستراحة للحجيج في الطريق إلى مكة المكرمة ومركز جيوش السلطنة لإخضاع الثورات وملاحقة المتمردين.
وهي سوق داخلية تأتيها البضائع عبر ميناء الاسكندرونة وتوزع إلى أواسط الأناضول وحمص ودمشق ومنها إلى بغداد وفارس. وتعود القوافل محملة ببضائع الشرق لتنقل إلى الغرب. وتأتي الخانات في المرتبة الثانية في الأهمية بالنسبة للبنية العامة في مدينة حلب قبل أن تدخل القصور الحديثة.
وهي عبارة عن أبنية فسيحة مشيدة من الحجر الصلب وتكون عادة مربعة الشكل، تتألف من طابق واحد فوق الطابق الأرضي، ويقسم الطابق الأرضي من كلا الجانبين إلى حجرات مقوسة من الأعلى (أقبية ولا تضيئها سوى نافذة من الأمام عند الباب، وتوجد في الطابق العلوي شرفة داخلية مفتوحة أو رواق مسقوف بدلاً من النوافذ وهناك توجد سلسلة من الغرف الخلفية في الداخل ويوجد درج يؤدي إلى الطابق الأول على جانبي البوابة.
أما السطح فشأنه شأن معظم المباني الأخرى، مستوٍ وذو مصاطب. ويستعمل الطابق الأرضي كمستودع وغرف للحسابات وغرف للإقامة. وفي بعض الأحيان يستخدم كزرائب أما الطابق الأول، فهو مخصص بصورة رئيسية لاستقبال المسافرين، حيث يجدون مكاناً للإقامة بأسعار معتدلة جداً والإضاءة في هذه الحجرات أسوأ مما هي عليه في الغرف الموجودة في الطابق الأرضي، حيث يندر وجود نوافذ من الجهة الخليفة ولا يوفر الخان سوى الحصر، أما بقية الأثاث فيوفرها المسافر بنفسه، ويترك نماذج من بضاعته في غرفته يعرضها للمشترين.
والخانات في المدينة ليست مخصصة لإقامة الغرباء فقط بل يقوم التجار الحلبيون باستئجار الكثير منها لعرض بضائعهم فيها، وعقد الصفقات التجارية، وتوجد لديهم غرفة صغيرة بسيطة الأثاث ملاصقة للمستودع، يمكثون فيها من الصباح، حتى صلاة العصر، ثم يعودون إلى بيوتهم.
ويوجد لكل خان باب واحد كبير، يغلق عند المغيب، ثغروا فيه «خوخة» تسع شخصاً للدخول إليه والخروج منه بعد إقفال الباب الكبير، وتوجد حجرة للآغا أو المشرف الذي يقوم بتعيينه صاحب الخان لتحصيل الرسوم على البضائع التي تدخل الخان وتنظيم الأمور الأخرى التي تتعلق به ويعمل تحت أمرته أوضه باشي (حارس الخان) أو حمال يقيم في الخان في شكل دائم ويكون محل ثقة، وعادة ما يكون الأوضه باشي أرمنياً.
وتوجد بركة ماء في وسط الساحة لتوفير المياه للناس والدواب، وفي جميع الأحوال توجد محلات للطهي وقهوة بالقرب من الخان لاستقبال التجار. وهم يرغبون فيه لأنه حصين ببنائه وببابه ذي المتاريس والأقفال. زد عليه أنه أمين بعيد عن خطر اللصوص والنهب والغارات وإلى جانبه، غالباً، مراحيض عامة، أما وجهة الخانات ففيها تزاويق يعلوها الزنك. واعتبر «راسل» أن مما يقرب من عشرين من خاناتها تعد على درجة من الأهمية وتنتشر في المدينة خانات أقل أهمية من تلك الخانات الهامة، وأحصى الغزي أربعين منها، بينما أحصى راغب الطباخ ثمانية وستين في داخل مدينة حلب.
وقال: «جاك سواري دي تروسلون» في الجزء الأول (ص 1018) في قاموسه التجاري العام: «لا تضاهي حلب مدينة أخرى في تجارتها. وخاناتها لا تقل عن الأربعين خاناً، تغص دوماً بالهنود والفرس والترك والأفرنج وغيرهم».
وتوجد في الخان حجرات مخصصة لكبار المسؤولين وهي رحبة وأنيقة، إلا أنها ليست مؤثثة بشكل فخم. ونظراً لأن الحجرات المخصصة لصغار المسؤولين في السراي صغيرة الحجم فهي مملوءة بالأثاث وعند وضع «فرشة» وأغطية إضافية يمكن تحويل الإيوان في الليل إلى سرير مريح. وبالنسبة للوصفاء والخدم، فإن إقامتهم تكون في معظم الأحيان سيئة، إذ يضطر الكثير منهم للنوم في غرفة واحدة، تكون مكتظة بالأمتعة، مما يسهل انتشار الأوساخ.
لعبت الخانات دوراً تجارياً كبيراً في العلاقة بين الشرق والغرب وذلك لأن السفر يتطلب محطات آمنة وطرقاً سالكة، مما استوجب بناء بعض الأمكنة لراحة المسافرين والتجار وبخاصة على الطرق الرومانية المعبدة. وقد حفظت البادية لنا المئات منها. وقد نشطت التجارة بعد الفتح الإسلامي بسبب إلغاء الرسوم الجمركية. وقد كان لهذا الأثر الكبير في توحيد العالم الإسلامي وتحرير تجارته وضمان أمن المسافرين وتجارتهم. وكانت العقوبة شديدة على قطاع الطرق الذين يتعرضون للمسافرين والتجار، حتى إن الولاة كانوا يتعقبونهم وينكلون بهم.
ولم يكن النزلاء من التجار فقط بل كان ينزل فيه الشعراء والأدباء وطالبوا العلم وعابرو السبيل. وقد جاء ابن البيطار عالم النبات من الأندلس إلى بغداد وصنف ثلاثة آلاف نوع من النباتات وخلال رحلته هذه كان ينزل في الخانات، لأن الإيواء فيها مجاني، إنها مؤسسات اجتماعية حكومية والضيافة يقدمها السلطان ويدفع النازل بحسب وضعه الاجتماعي.
ويراعي في خانات الطرق للقوافل أنها تبتعد عن بعضها مسيرة مرحلة (8 ساعات) وتكون حصينة وحراستها شديدة. ومن ذلك ما نجده في أبنية «خان طومان» أول محطة للمسافرين إلى حلب و«خان العسل» في الطريق إلى جبل سمعان.
…. سكن معظم الأوروبيين في الخانات في الفترة العثمانية، وكانوا يقيمون في الخانات الرئيسية، حيث تكون البيوت فسيحة مريحة. ويحتل البيت الواحد نصف المساحة وفي بعض الأحيان على مساحة المربع.
وفي الرواق يوجد حائط طويل فيه نوافذ كبيرة على الطراز الأوروبي تطل على الساحة والأرضية مرصوفة في شكل جميل بالحجارة والمرمر والحجرات نظيفة وواسعة ومؤثثة بشكل أنيق، كما توجد المستودعات في الطابق الأرضي. ومن أجملها كان «خان القصابية» المخصص لصناعة القصب وقد نسج بناؤه من خرافة تقول:
«إنه كان لأحد ملوك حلب ابنة رائعة الجمال، أحبها ملك من ملوك الجان وكانت ترفضه باستمرار. وفي إحدى المرات بنى لها هذا المكان ثم ارعدت السماء وبرق الرعد فأمسك ملك الجان البرق بيده وقصقصه وزين المكان به، فكان على شكل تحفة نادرة».
وفي خان الوزير الذي يمتاز بضخامته وزخرفة واجهته البديعة من الداخل والخارج كان الأوروبيون ينامون في الطبقة العليا وقد جعلوا من الرواق الطويل الموصل إلى غرف نومهم ميداناً لرياضتهم نهاراً وجعلوا السطح ميداناً لرياضتهم مساء. ومنذ شهر حزيران حتى سقوط أولى أمطار الخريف ينام معظمهم على السطح فوق أسرة جعلوها ستائر أو كللاً (ناموسية) خلافاً لأبناء المدينة الذين ينامون فوق فرش مكشوفة.
يعتبر الأجانب في أراضي السلطنة العثمانية من المستأمنين، أي أن ممتلكاتهم وتجارتهم وأعراضهم في حماية السلطان ولهم حق التجارة وحق التقاضي ويدفعون ضريبة العشر كبقية التجار المسلمين. وفي فترة متأخرة حصلت بعض الجاليات على تخفيض وصلت نسبته إلى 3 بالمئة وحق الإشراف على الاماكن المقدسة وحماية الطوائف وغيرها من المكاسب.
وقد أقامت في حلب جاليات من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين والتوسكانيين والبنادقة وبعض رعايا الأمبراطورية الآخرين. ومما يدل على عظمة التجارة التي كان يمارسها الأوروبيون في حلب، استئجار عدد كبير من الجمال لجلب البضائع من الاسكندرونة وإليها، فقد كانت لا تقل عن 90 ألفاً من الدوكات الذهبية (عملة أوروبية).
وكانت الجالية التجارية البريطانية تتألف من قنصل وعشرة تجار وقس ومستشار وطبيب وضابط، وهو يسمى «جاويش» يسير أمام القنصل ويحمل عصاً ذات قبضة من الفضة. وقدر مبلغ التجارة السنوية للانكليز بـ 30 ألفاً من الدوكات. وكانت تستخدم سفينتان أو ثلاث سنوياً في التجارة.
ويوجد مترجمان اثنان من اليونانيين المحليين يحصلان على رواتبهما من شركة الهند الشرقية. وتدفع رواتب اثنين من الانكشارية يعملان في دار القنصلية ويسيران أمام القنصل عندما يخرج من القنصلية وهما يحملان عصاً طويلة يضربان بها الأرض وهما يسيران، لكي يفسح الناس الطريق له في الشوارع.
أما الجالية الفرنسية فكان عددها أكثر من الجالية الإنكليزية وكانت تستخدم حوالي عشرين سفينة في التجارة. ووصل حجم تجارتها إلى 800 ألف دوكة. وكان القنصل الهولندي يمارس التجارة بنفسه.
و«خان الجمرك» كان يعرف بالخان الكبير وقد بنى في 1574 ويضم الشركات التجارية «الفرنسية والهولندية والانكليزية» ويشتمل على 50 مخزناً سفلياً و77 علوياً وعلى بابه قاعة فسيحة فيها 4 مخازن وفيه إسطبل، فوقه قيسارية تشتمل على 23 مخزناً. وكان مخصصاً لإقامة القنصل الانكليزي وفرع شركة الهند الشرقية. وتميز بزخرفة مدخله الرائعة بنقوشها من خارج الخان وبضفائر أعمدة الشبابيك المطلة على داخل الخان.
وكان البنادقة من أوائل الذين أقاموا في حلب ففي 1695 كان يقطن في حلب ما لا يقل عن 14 عائلة من البندقية، إضافة إلى عائلة القنصل. ويستخدمون 5 أو 6 سفن سنوياً. ويتفاوت حجم تجارتهم بين مليون ومليون ونصف من الذهب ترسل من البندقية في خمسة أو ستة آلاف قطعة من قماش الصوف والكمية نفسها تقريباً من الحرير والبروكار وكمية كبيرة من القرمز وما تبقى من أدوات المائدة الفضية أو الذهبية وكان العائد يتمثل في الحرير والنيلة والبهارات والفستق الحلبي وما إلى هنالك. وفي ما بعد صار لهم خان خاص بهم، يعرف بخان البنادقة ويعتبر أقدم بيت لا يزال مسكوناً إلى اليوم منذ عام 1539، ويضم متحفاً غنياً باللقى الأثرية التي جمعتها عائلة «بوخه».
كانت أهمية الخانات عظيمة في حياة مدينة حلب الاقتصادية وفي طريق المواصلات القادمة إليها والذاهبة منها، مما جعل الملوك والولاة يحفلون بها ويهتمون لأمرها ويشيدون أبنيتها.
وإذا كان للبضاعة سوق وخان، فالسوق لبيع المفرق والخان لبيع الجملة. وتخصص بعض الخانات ببضائع معينة مثل «خان الحبال» و«خان الفرائيين» و«خان الصابون» و«خان العلبية» و«خان القصابية»، و«خان النحاسين» ولكل منهما سوق خاص ببضائع يجاورها.
ومن الخانات ذات الأهمية الكبيرة «خان خاير» الذي بناه والي حلب (خاير بك عام 1515. وهو الذي خان ملكه قانصوه الغوري، عندما انحاز إلى معسكر السلطان العثماني سليم الأول في معركة مرج دابق وسمي «خائن بك» وهو عبارة عن ثلاثة خانات متصلة بعضها ببعض وبابه قديم تحيطه زخرفة هندسية بديعة ورنوك جميلة.
وهو أقدم خان خارج أسوار المدينة القديمة وجدد أيام السلطان قانصوه الغوري وكتب على مدخله: «جدد هذا الخان المبارك المقر الأشرف العالي المولوي السيفي خاير بك الأشرف كافل المملكة الحلبية المحروسة أعز الله أنصاره».
كذلك يعتبر «خان القاضي» من أقدم خانات حلب، أنشأه قاضي حلب كمال الدين المعري سنة 1450. وهناك كتابة من أربعة أسطر على جدار الخان تنص على إبطال دفع ضريبة على مبيعات نصارى بلدة قارا من القماش والتمور في مدينة حلب أيام القاضي محب الدين بن الشحنة.
لعبت الخانات دوراً مهماً في نقل التجارة من الشرق إلى الغرب وبالعكس، عندما كانت حلب تتمتع بحصة ضخمة جداً من التجارة مع الهند وفارس والغرب. في الوقت الذي كانت شركة المشرق تصدر كميات كبيرة من المصنوعات الصوفية والسلع الانكليزية الأخرى التي بلغت قيمتها في بعض السنوات (500 ألف جنيه)، كانت تستورد في المقابل الحرير والتوابل وغيرها وكان جزء كبير منها يمر عبر حلب.
أما الآن فمعظم هذه الخانات مهملة ومخربة، وتسعى مديرية الآثار إلى ترميم بعضها وتحويلها إلى مواقع أثرية وسياحية. كما فعلت في «خان الشونة» الذي يعود بناؤه إلى عام 1546 و«خان العادلية» الذي كان من أوقاف الجامع المسمى باسمه والذي بناه ابن أخت السلطان سليم لامه ودفنها فيه أثناء عودتها من الحج وموتها في مدينة حلب.
«أحياء لا يرون الشمس» ربما تكون هذه العبارة المأخوذة من عنوان قصة لأحد الكتّاب الحلبيين الأكثر ملاءمة لوضع أولئك الذين يعملون في أسواق حلب القديمة، والتي تسمى سوق «المدينة». أنهم ينهضون إلى عملهم مع الصباح ويعودون منه بعد صلاة العشاء، حين تبدا الحوانيت بإغلاق أبوابها في انتظار يوم جديد.
…. تعتبر مدينة حلب من أعرق (وأقدم) المدن في العالم التي لا تزال قائمة إلى الآن. وقد ساعد على بقائها بناؤها من الحجارة القاسية القادرة على مقاومة عوامل الطبيعة والزمن. وهي تحتفظ بطابعها الشرقي الأصيل منذ القرن الثالث عشر وحتى الآن، وتعود بداياتها إلى الألف الثالث قبل الميلاد.
الأسواق الأثرية، هي أطول أسواق مسقوفة في العالم، يقدر طولها بـ (7) كلم، وهي أفضل أنموذج للأسواق المشابهة والمتميزة بالبنية العمرانية نفسها، والتي تنفرد في كونها مركزاً للمدن القديمة في العالم الإسلامي؛ وأسواق المدينة بالنسبة للحلبيين، تشكل المركز القديم في مدينة حلب ضمن الأسوار. وتضم في أسواقها وخاناتها الفعاليات الاقتصادية الأساسية. وهي تمتد بين باب أنطاكية غرباً ومدخل سوق الزرب شرقاً بطول 750 متراً، وفي عرض 350 متراً، بين الشمال والجنوب، وهي على شكل شوارع وأسواق متوازية ومتعامدة، ضمت 39 سوقاً، كل منها يبيع نوعاً معيناً من البضائع، كانت تغطي جميع احتياجات السكان والقادمين إليها من الحواضر المجاورة والغرباء والأجانب والسياح.
وقامت بينها المساجد والمدارس والقساطل والقيساريات، في شكل فسيفسائي بديع، وهي تعتبر إلى اليوم المركز الموجه لاقتصاد حلب عامة. وتميزت هذه الأسواق خلال العهد العثماني بكونها مركزاً لإقامة الجاليات الأجنبية. وقد قامت أقدم جاليات التجار الأجانب في حلب في تلك الخانات، من أمثال تجار البندقية والإنكليز والفرنسيين والهولنديين، يشرفون على أعمالهم التجارية وتصريف بضائعهم.
وتتألف الجالية التجارية الأجنبية من قنصل وعشرة تجار وقس ومستشار وطبيب وضابط يسمى «جاويش» يسير أمام القنصل، وهو يحمل عصا ذات قبضة من الفضة، وتعمل تحت أمرته مجموعة من الجنود الانكشارية. وكان القنصل هو الآخر يعمل في التجارة. ومما يدل على عظمة التجارة التي كان الأوروبيون يمارسونها في حلب، استئجار عدد كبير من الجمال لجلب البضائع من الاسكندرونة وإليها، مما يعادل 90 ألفاً من الدوكات (عملة ذهبية أوروبية) في كل سنة.
ومن المعروف أن حلب كانت منفتحة للتجار الأجانب. وكانت القوافل تأتيها بألفي جمل مع كل قافلة، مرتين أو ثلاثاً في السنة، منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر، أما دمشق فكانت تعتبر مدينة مقدسة (شام شريف)، يجتمع فيها الحجاج المتوجهون لزيارة الأماكن المقدسة في الحجاز، ويحظر على أي أوروبي أن يدخلها بلباسه الخاص. وظل هذا المنع ساري المفعول حتى العام 1822، في عهد السلطان محمود الثاني، بينما كانت حلب وأسواقها مفتوحة للتجار كافة.
وكان البنادقة أول من أقام في حلب. ففي عام 1605 كان يقطن في حلب، ما لا يقل عن 14 عائلة من البندقية، إضافة إلى عائلة القنصل. وكانوا يستخدمون خمس أو ست سفن سنوياً ويتراوح حجم تجارتهم بين مليون ومليون ونصف من الذهب ولهم خان خاص بهم، يسمى خان البنادقة. وكان خان الجمرك الذي بني في العام 1574، يضم الشركات التجارية الفرنسية والهولندية والانكليزية.
أن الأسواق أو «البازارات» كما كانت تسمى، هي عبارة عن أبنية حجرية مرتفعة على شكل رواق طويل، معظمها ضيق جداً، وتكون مقوسة من الأعلى، أو مسقوفة بالخشب. وتصطف الحوانيت على الجانبين، وهي أما أن تكون مبنية داخل الجدار أو ناتئة عنه. وتغطى بمظلة خشبية فوق مصطبة يبلغ ارتفعها قدمين أو ثلاثة على طول الرواق. وتغلق ليلاً، بإقفال ومفاتيح خشبية. وكانت معظم الأزقة مزودة بأبواب يقوم عليها حراس، يستجوبون كل شخص لا يحمل فانوساً.
وفي معظم البازارات القديمة تكون الحوانيت صغيرة جداً حتى يتعذر على صاحب الحانوت أن يعرض بضاعته، أو أن يجلس هو وأحد ضيوفه في شكل مريح في الداخل. ويتعين على الشاري أن يقف خارج الحانوت، وعندما تزدحم المحال المتقابلة، يتعذر على المار أن يشق طريقه عبر الزحام. ولا بد أن يصطدم بأحد الحمير لأنها لا تزال الوسيلة الوحيدة لنقل البضائع بين الأسواق، أو منها إلى الخارج. وجميع الأسواق مظلم، ويتم اتقاء الشمس قدر الإمكان للمحافظة على الرطوبة، لذلك تغسل بالماء مرتين أو ثلاثاً في اليوم خلال الصيف. وعندما يكون الطقس بارداً، يلتف أصحاب المحلات بالفراء ويستمدون الدفء من وعاء يشعل فيه الفحم.
وفي مطلع هذا القرن وصف الغزي أسواق حلب بقوله:
«ومن محاسنها أيضاً كثرة أسواقها واتقان عمارتها وحسن ترتيبها، فترى سوقها الكبير المشتمل على زهاء خمسة عشر ألف دكان. قد سقف معظمه بالأقبية الحجرية، التي لكل مسافة بضعة أذرع منها نافذة للنور والهواء، فهو بارد في الصيف دافئ في الشتاء، ليس للشمس والمطر والعواصف إليه من سبيل، قد اشتمل هذا السوق العظيم على ثنايا ومنعطفات كل ثنية ومنعطف منها تباع فيها بضاعة معلومة، فترى لباعة الجوخ مثلاً سوقاً، ولباعة الحرير سوقاً، ولباعة مال القبان سوقاً، ولباعة مال الشام سوقاً، ولباعة مال اسطنبول سوقاً، وهكذا بقية البضائع المأكولة كاللحم والخضر والبقول، لكل نوع منها سوق أو خان يخصه» (ج 1، ص 83).
…. إن أسواق «المدينة» حفظت في شكل خاص مميزات القرن السابع عشر الميلادي وتغطي مساحتها 16 هكتاراً، وجميع مبانيها مخصصة للفعاليات التجارية والصناعات والخدمات وقد نظم مخططها في شكل شبكة من الطرق المتعامدة، وحدد محورها الرئيس المستقيم بـ «الشارع القديم» الذي يبدأ من باب أنطاكية وينتهي في القلعة. ويتفرع هذا المحور إلى أسواق متوازية مغطاة بالحجر، تشكل مجموعة متماسكة نشأت قرب المحور وتطورت وبني في وسطها خانات وقيسريات متعددة.
وتنطلق مداخل أسواق المدينة من أبواب الأسوار: باب الجنائن، باب الفرج، باب النصر، وباب قنسرين وتتوجه كلها إلى الجامع الكبير حيث تتجمع الفعاليات التجارية الفنية في جنوبه منذ العصور الإسلامية الأولى.
أما في العصور الزنكية والأيوبية، فقد تم التوسع في الموقع ذاته حيث تركزت الصناعات التقليدية في أحياء السكن القريبة من المدينة مثل: سوق الحدادين، سوق الزجاجين، سوق النحاسين، سويقة قسطل الحجارين. وفي العهد المملوكي قامت مبان أخرى، وظهر توسع ملحوظ في منطقة الفعاليات التجارية، عبر بناء الخانات الكبيرة، وألحقت بهذه الخانات أسواق بنيت في جوارها، أو أمام مداخلها، وكانت مغطاة بالأخشاب المحمولة على أقواس ترتكز على دعامات من حجر، ثم بنيت بعض أبنية الخدمات العامة كالحمامات والمساجد وغيرها. وتوسعت الأسواق في العهد العثماني توسعاً كبيراً، ووصلت إلى أقصى اتساعها الذي ما زالت تحافظ عليه إلى الآن.
مع بداية القرن التاسع عشر أصبحت أسواق المدينة جميعها مختصة بتجارة الأقمشة والبضائع المستوردة من أوروبا ذات العلاقة بالتجارة الدولية كالتوابل والصرافة وتجارة الحبال وصناعة الألبسة واستيراد البضائع الترفيهية، وبيع السجاد والبسط وكانت بضائع الزينة المستوردة، تباع في سوق أسطنبول، الذي يسمى أيضاً بـ «سوق النسوان»، لأن زبائنه من النسوة فقط أما الطرابيش الحمراء فكانت تستورد من النمسا وتباع في سوق الطرابيشية.
وهناك سوقان كبيران يحملان اسم نوع الأحذية التقليدية التي تباع فيها، كما تباع فيهما جميع المواد الأولية التي هي من إنتاج محلي: الجلود والخيطان والمواد اللاصقة (سيريس).
وفي سوق الصاغة يتم صنع (وبيع وشراء) الذهب والفضة والمجوهرات والأحجار الثمينة. فالمرأة الحلبية تهتم كثيراً بشراء الذهب، حتى أن المهر، والحلي جزء منه لدى المرأة المتزوجة ويعتبر ادخاراً وضمانة لها في حال الطلاق. ويقدم الخطيب إلى خطيبته الحلي قبل الزواج كهدية تسمى عندهم بـ «المليك».
أما في سوق العطارين، فتجد المرأة حاجاتها من أنواع العطور المستوردة والمركبة، والصابون المطيب، والنباتات الطيبة الرائحة التي تؤخذ في الطب الشعبي وأنواع التوابل.
وهكذا الأسواق كل يوم، تضج بالحياة والحركة اليومية، طيلة ساعات النهار، إلى ما بعد العشاء، يزورها الناس للشراء أو للفرجة، وباعتها يستقبلون الزبائن بوجوه باشة، يبيعونهم كل شيء يحتاجونه، من قطعة الصابون إلى تجهيز العروس. وفي غمرة حركة البيع والشراء ينسون أنفسهم، لأنهم أحياء لا يرون الشمس.
فيصل خرتش
قلعة سمعان
تعتبر قلعة سمعان أنموذجاً لتطور ورقي فن العمارة في سورية الشمالية في القرنين الخامس والسادس، وقد وصل المعمار السوري إلى غاية نضجه في هذه المرحلة مستنداً إلى قاعدة فنية راسخة، ساعده في ذلك ثراء مادي وثراء فني، توارثهما عبر حضارة عريقة أنجزت في هذه المنطقة.
لقد تمكن المعماريون والفنيون السوريون من صنعتهم فطوعوا الأشكال وفق رغباتهم، فتجلى ذلك في تزيينات التيجان والواجهات والأقواس والعقود والمداخل والنوافذ والأعمدة التزيينية والأحواض والمدافن والتوابيت، وتبدى الرقي الفني في الأشكال الهندسية والأزهار والكتابات والأشكال الآدمية وأشكال الطيور والحيوانات، مما يجعلنا نقف في حضرة مدرسة فنية معمارية راقية، تمثل عصرها أروع تمثيل.
…. تقوم قلعة سمعان فوق نتوء صخري محاط بالأودية ويبلغ ارتفاعه 564 متراً عن سطح البحر، إلى الشمال الغربي من مدينة حلب، وتشرف القلعة على عدد كبير من القرى القديمة والحديثة، وقد شيّدت فيها كنيسة تكريماً للقديس سمعان العمودي الذي أعطى اسمه لهذه القلعة، على مساحة تقدر بـ 5000 متر مربع.
في إحدى قرى كيليكيا «سيسان»، ولد سمعان العمودي، لأبوين من رعاة الأغنام، وكان ذلك في عام 392م، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، مال إلى الترهب، ولازم أحد الديرة ثم التحق برهبانية هيليودوروس، وبعد عشرة أعوام، انفصل عنها والتحق بدير في بلدة تيلانيسوس (دير سمعان). وقد روض نفسه خلال هذه الفترة على الحياة القاسية والصوم، فلفت انتباه الناس إليه، مما سبب طرده من الدير، فعاش في كهف صغير قريب، وانتشرت أخبار حياته القاسية، فأقبل الناس عليه يتبركون به، وكان يقف على قمة عمود بارتفاع عشرين متراً، خاشعاً بين يدي الله، يدعو النالس للصلاة، ومن هنا جاءت تسميته بالعمودي.
قلعة سمعان
عاش القديس سمعان العمودي فوق الأعمدة التي أقامها زهاء تسع وثلاثين سنة، حتى أدركته الوفاة، عام 459م، ونقل جثمانه إلى مدينة أنطاكية ودفن في كنيسة قسطنطين الكبير، وقد عبد الطريق أمام أسلوب العبادة فوق الأعمدة، وقلده فيها كثير من الرهبان الذين أتوا بعده كالقديس دانيال العمودي، وظلت هذه الطريقة من التعبد تمارس حتى القرن الخامس عشر الميلادي، كما صار القديس سمعان من بين شخصيات العصر البيزنطي الدينية الهامة التي تتمتع بنفوذ عالمي، ساعد على ترسيخ ذلك النفوذ اتباعه من بعد، وزار قلعة سمعان الحجاج من كافة أنحاء العالم، يدفعهم إلى ذلك الإعجاب بشخصية هذا القديس وحياته القاسية، كما سميت باسمه كثير من الأماكن في العالم تخليداً لذكراه، وهو يحظى بإعجاب وتقدير العرب والفرس والمسلمين والمسيحيين.
….. بعد انتشار طريقة القديس سمعان في التعبد، طالب أتباعه ببناء كنيسة تخليداً له، وكان ذلك في عهد الأمبراطور ليو، لكنه توفي قبل أن يتحقق البناء، ثم تولى الإمبراطور زينون تحقيقه، وبدأ العمل به عام 476م، وأنجز في عام 490م.
بنيت الكنيسة عتى شكل صليب, يتوسطه العمود الذي كان القديس يعيش فوقه، وفي نهاية القرن الخامس أقيمت بعض الأبنية، لخدمة الكنيسة، وبعض المنازل لسكن الرهبان وطلاب العلم، ثم تطورت المنشآت ونمت، وفي عام 528م، ضرب سورية الشمالية زلزال ألحق أضراراً بالغة بكنيسة سمعان.
عندما دخل العرب المسلمون سورية أبقوا الكنيسة الكبرى والدير بيد المسيحيين، وعندما ضعفت الدولة العربية الإسلامية، استطاع البيزنطيون أن يستولوا على كنيسة سمعان وحصنوها وبذلك تحولت إلى قلعة منيعة، وأصبحت تعرف بقلعة سمعان.
شكلت القلعة حصناً منيعاً، من الحصون الدفاعية، أمام إمارة حلب الحمدانية، وفي هذه الفترة رصفت الكنيسة بالفسيفساء وأجريت لها بعض الترميمات.
وفي عام 986م، تمكن الأمير الحمداني سعد الدولة، ابن سيف الدولة، من استعادة القلعة بعد حصارها، وفي عام 1017م نجح الفاطميون الذين سيطروا على سورية الشمالية من السيطرة على قلعة سمعان، بعد أن بذلوا جهداً كبيراً في سبيل ذلك، وبعد هذا التاريخ لم يعد للقلعة أهمية عسكرية، ثم هجرت تدريجياً.
الواجهة الرئيسية لكنيسة سمعان
بعد أن تحولت الكنيسة الكبيرة والدير إلى قلعة، في القرن العاشر، أضيفت إليها الأسوار والأبراج، وبلغ عدد الأبراج المقامة سبعة وعشرين برجاً على السور، إضافة إلى عدد من الأبراج البارزة الأخرى، مما جعلها قلعة حصينة، منيعة، يصعب النيل منها بسهولة، وقد حفرت خزانات عدة بالقلعة لجمع مياه الأمطار، لأن مياه الأمطار كانت المصدر الوحيد لتزويد القلعة بالمياه ومد قاطنيها بما يحتاجونه.
تتجلى في قلعة سمعان التقاليد المعمارية التي كانت سائدة في العصر البيزنطي، وقد تمثل البناؤون السوريون سمات العمارة الهيلينية وأضافوا إليها ذوقهم الخاص ولمستهم الفنية، لذلك جاءت أكثر تمثلاً للأنماط المعمارية المحلية، رغم تبعيتها لقرارات بيزنطية.
إنها مثال على تقدم فن العمارة السورية، بعد أن أصبحت التقاليد المعمارية الهيلينية جزءاً من إرث السوريين الثقافي، بعد أن أعادوا صياغتها، فصار لها طابع سوري متميز يتجلى في قلعة سمعان، حيث التماسك والبساطة والفن.
يمكن القول أن القلعة هي الوارث المعماري والثقافي لمعبد «بعل» الهيليني في تدمر، ولا تختلف عن التحفة الفنية الكثر حداثة «جامع بني أمية» في دمشق …. تجمعها الهوية السورية والإرث المعماري للفنان السوري الذي جسد هذه الروائع الفنية واستطاع أن يكون عبرها رائداً من رواد الحضارة العالمية.
فيصل خرتش
شاعر حلب
وقد أخرجت حلب شاعراً مبدعاً هو عبد الله بن سنان الخفاجي وهو من نتحدث عنه فيما يلي:
توفي سنة 466هـ في أعزاز وحمل إلى حلب ودفن فيها وله ديوان شعر مطبوع.
وله كتاب سر الفصاحة.
ويقول صاحب النجوم الزاهرة إنه أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري.
هو شاعر مجيد متفنن في ضروب الشعر عذب الألفاظ طويل النفس يعد شعره من السهل الممتنع ويعد هو في طليعة الشعراء وقد مدح الأمراء من بني مرداس وبني منقذ وبني ملهم وبني حمدان المتأخرين وغيرهم.
ويقول في كثير من شعره إنه لا يمدح للاستجداء وطلب الجائزة فهل يا ترى هو كذلك؟ أو إن هذا مذهب شعري تبع فيه الشعراء في أنهم يقولون ما لا يفعلون؟
فهو يقول:
يظن العدا أني مدحتك للغنى
وما الشعر عندي من كريم المكاسب
ويقول:
فمن كان يبغي في المديح مواهبا
فإن مديحي فيك من المواهب
ولكنه يقول قبل هذا في نفس هذه القصيدة:
طويت إليك الباخلين كأنما
سريت إلى شمس الضحى في الغياهب
وما شأن ذكر الباخلين من شاعر لا يطلب بمدحه نوالاً حتى يقول إنه طواهم إلى الممدوح ويقول:
أعرضت عن ذل الطلاب وربما
وجد المريح وأخفق المكدود
وسكنت في ظل النزاهة فليصن
مال البخيل رتاجه الموصود
يدل على تشيعه قوله من قصيدة كتب بها من القسطنطينية إلى بعض إخوانه على سبيل المداعبة كما في ديوانه:
أبلغ أبا الحسن السلام وقل له
هذا الجفاء عداوة للشيعة
ولأجلسنك للقضية بيننا
في يوم عاشوراء بالشرقية
حتى أثير عليك منها فتنة
تنسيك يوم خزانة الصوفية
وقوله في ديوانه:
وقالوا قد تغيرت الليالي
وضيعت المنازل والحقوق
وأقسم ما استجد الدهر خلفاً
ولا عدوانه إلا عتيق
أليس يرد عن فدك علي
ويملك أكثر الدنيا عتيق
وقوله في ناصر الدولة ابن حمدان الصغير:
كنتم بصفين أنصار الوصي وقد
دعا سواكم فما لبوا وما نصروا
فهي الخلافة ما زالت منابرها
إلى سيوفكم في الروع تفتقر
وذلك لأنهم من ربيعة وقد بالغت ربيعة في نصره عليه السلام بصفين.
وقوله من قصيدة يمدح بها أبا سلامة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس:
لعمري لقد قاد ابن خان غليله
إلى منهل يلقى الردى في شروعه
جزى الله خيراً عصبة أنزلت به
على حكم مصقول الغرار صنيعه
أجابت ضريح المرتضى في غربه
وسرت ضريح المصطفى في بقيعه
وحسبك في تشيعه قوله في علي عليه السلام:
مالي أراك على علاك تناكرت
أحقادها وتسالمت أضدادها
أعلى المنابر تعلنون بسببه
وبسيفه نصبت لكم أعوادها
تلك الضغائن بينكم بدرية
قتل الحسين وما اشتفت أحقادها
وقوله فيه أيضاً:
هيمت أفكار ذي الأفكار حين رأوا
آيات شأنك في الأيام والعصر
لك العبارة في النطق البليغ حكما
لك الإشارة في الآيات والسور
تصالح الناس إلا فيك واختلفوا
إلا عليك وهذا موضع الخطر
أنت الدليل لمن حارت بصيرته
عليه في مشكلات القول والعبر
أنت الغني عن الدنيا وزخرفها
إذ أنت سام على ما في قوى البشر
وولدك الغر كالأبراج في فلك
المعنى وأنت مثال الشمس والقمر
أجل قدرك عن وصف ومتصف
أأنت في العين مثل العين في الصور
قال يرثي أبا الحسن علي بن محمد بن عيسى الكاتب وقد قتل وصلب من قصيدة:
عجلت عليه يد الحمام وعوده
ريان من خمر الشباب ومائه
عجباً لحد السيف كيف اصابه
ومضاؤه في الروع دون مضائه
أن يرفعوه فقد غنوا بعلائه
أو يشهروه فقد كفوا بثنائه
أو يبدع الأعداء فيه سنة
للدهر جارية على نظرائه
ذكر الغمام على ثراك علاقة
تجري بها العبرات من إنوائه
فلقد جفوتك رهبة ولربما
هجر الصديق وأنت في أحشائه
وقال يرثي جماعة من أهله وأصدقائه من قصيدة:
وإذا قتر البخيل فللأيام
في طي عمره تبذير
سل بغمدان أين قاطنه سيف
وقل للنعمان كيف السدير
عدل الدهر فيهم قسمة الجو
رفلا عامر ولا معمور
إن في جانب المقطم مهجوراً
من أجله تزار القبور
ومقيماً على المعرة تطويه
الليالي وذكره منشور
وضريحين بالعواصم مبذولين
والصبر عنهما محظور
وغريباً بالدير بان له العيش
وغاض الندى ومات السرور
صارم فلت النوائب حديه
وغصن تحت الثرى مهصور
أيها الظاعنون لا زال للغيث
رواح عليكم وبكور
قد رأينا دياركم وعليها
أثر من عفاتكم مهجور
وسألنا أطلالها فأجابت
ومن الصمت واعظ ونذير
عرصات كأنهن ليال
فارقتها عند الكمال البدور
تفهم الغافلين كيف يحول الدهر
عن عهده وكيف يجور
يا ديار الأحباب غيرك الدهر
فكانت بعد الأمور أمور
أين أيامنا بظلك والشمل
جميع والعيش غض نضير
وسقاكم من السحاب صناع الكف
يسدي في روضكم وينير
كل غناء ينقضي الغيث عنها
ولها أعين من النور حور
أشرقت فيه للشقيق خدود
وأضاءت من الأقاحي ثغور
عم معروفه ففي كل واد
من أياديه روضة وغدير
ما أرى الشعر كافياً في مراثيكم
ولكن قد ينفث المصدور
وإذا ما أطلت فيه ولم يشف
غليلاً فكله تقصير
وقال يرثي والدته وتوفيت عقيب قدومها من الحج سنة 446هـ من قصيدة:
ومسندون تعاقروا كأس الردى
ودعا بشربهم الحمام فأسرعوا
خرس إذا ناديت إلا أنهم
وعظووا بما يزع اللبيب فأسمعوا
نبذوا الإباء فما أضاء بنفعهم
عضب يشام ولا سنان يلمع
البيض تلمع والدروع مفاضة
والخيل ترمح والقنا يتزعزع
عجباً لمن يبقي دخائر ماله
ويظل يحفظهن وهو مضيع
ولغافل ويرى بكل ثنية
ملقى له بطن الصفائح مضجع
لو كان يمنعك القراع ملأته
جرداً يغص بها الفضاء البلقع
لكنها الأقدار ليس أمامها
ما يستجن به ولا ما يدفع
يا قبر فيك الصالحات دفينة
أفما تضيق بهن أو تتصدع
حياك فجرى النسيم كأنه
أبداً بطيب ثنائها يتضوع
إن لم يكن عقر عليك فإنها
كبد مقرحة وقلب موجع
وقال يرثي أبا العلاء صاعد بن سليمان الكاتب وقد توفي بانطاكية سنة 456هـ من قصيدة:
فأي حسام حالت الأرض دونه
وكان متى يضرب به الخطب يقطع
ومقتسم النعمى أناخت عفاته
على المحل في روض من الجود ممرع
وأثنى عليه الحاسدون ضرورة
بأحسن ما يعلو الصديق ويدعي
وأي جفون ما أفاضت دموعها
عليك وقلب فيك لم يتصدع
والتمس منه الوزير علم الدين ظهير الدولة أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد الرحيم إنفاذ قصائد من شعره فكتب إليه شيئاً جعل منه هذه القصيدة وأنفذها إليه بالجزيرة سنة 449.
يا حادي الأظعان أين تميل
هي وجرة وسؤالها تعليل
ما هذه في الربع أول وقفة
وقفت لينشد قاتلا مقتول
ومرنح في الكور تحسبه الصبا
غصنا يميد بمرها ويميل
حملت إليه تحية ونسيمها
ابدا على دين الغرام دليل
ما كنت تخبر قبلها عن هاجر
إلا وطيبك شاهد مقبول
وتبث ما كتم الأقاح ولو درى
ما كان منك لثغره تقبيل
وفوارس ألفوا القنا فكأنه
قبل الطعان ببوعهم موصول
ذعروا الظلام فما يمر عليهم
إلا وعقد نجومه محلول
ومطوع ركب الخداع مطية
ما ظهرها فوق اللقاء ذلول
كيف اهتديت لامر ورعاؤها
سدف وستر عجالها مسدول
وبدت مخائلها لديك مضيئة
لو كان عندك للصباح دليل
طلبوا النجاة فكان في اعمارهم
قصر وفي سمر الذوابل طول
وحذار من كلأ الجزيرة إنه
مرعى بأطراف الرماح وبيل
صحت فليس سوى الجفون مريضة
فيها ولا غير النسيم عليل
وثنى زعيم الدين فضل جماحها
فالليل فجر والرياح قبول
نشوان يخطر للندى في هزة
علموا بها أن السماح شمول
يغتال بادرة الخطوب بريثه
وينال أقصى الحزم وهو عجول
ما كان يعلم قبل فيض نواله
أن الغمام إذا استهل بخيل
شرف بنو عبد الرحيم عماده
ولربما تضع الفروع أصول
قوم إذا نضب الكلام وأظلمت
للناطقين خواطر وعقول
شاموا مضارب ألسن عربية
تفري وماضي المرهفات كليل
نسب هدى زهر النجوم منارة
وسواء قفر قرارة مجهول
يا جامع الآمال وهي بدائد
ومروض الأيام وهي محول
ما صدهم عنك الجفاء وإنما
مالوا مع الأيام حيث تميل
وغريبة زارت وما نبغي بها
إلا الوداد فهل إليه سبيل
وقال:
ومبدد في الفخر طارف ماله
حتى تلوت عليه مجدا تالدا
مهلا فإنك ما تعد مباركا
خالا ولا تدعو سناناً والدا
إن حاربوا ملأوا البلاد مصارعا
أو سالموا عمروا الديار مساجدا
بيت له النسب الجلي وغيره
دعوى تريد أدلة وشواهدا
وقال في صباه:
سلوا أعادي إذا كنتم
لم تقبلوا أقوال أشياعي
هل رفعت في كرم راية
قصر عن إدراكها باعي
وقال:
لست من عدنان إن لم ترها
كذئاب القاع يرعين اللجم
كل نشوان يمادي عطفه
غصن البانة والرمح الأصم
قد أغاروا فحووا ما بالقنا
من تمام وقوام وهضم
يا بني قيلة لا تخدعكم
هجمة الليث إذا الليل هجم
رب خل طمح الغي به
فوهبنا اللؤم فيه للكرم
وابن عم قد بلونا سره
فلبسناه على ما قد كتم
إن تريني بمضلات الغنى
أحمل الجود على حكم العدم
فأبي النفس عن ذل المنى
وخفيف الظهر من حمل النعم
وقال:
إذا سررت فما ثغري بمبتسم
وإن جزعت فما دمعي بمنسجم
يا ناشد العز مطويا على صمد
ما يدرك المجد بين الشاء والنعم
وقال وكتب بها من القسطنطينية إلى الوزير فخر الدولة أبي نصر محمد ابن جهير من قصيدة:
يا برق طالع من ثنيه جوشن
حلبا وحي كريمة من أهلها
وأسأله هل حمل السلام تحية
منها فإن هبوبه من رسلها
ولقد رأيت فهل رأيت كوقفة
للبين يشفع هجرها في وصلها
في كل يوم غربة وصبابة
عجبا لجد النائبات وهزلها
طلعت بميافارقين سحابة
أعدت على جدب البلاد ومحلها
ماض على عنت الزمان وإنما
يبدو فرند المرهفات بصقلها
شهدت مكارمه بطيب نجاره
وجنى الفروع مخبر عن أصلها
إن الفضائل لم تزل مبثوثة
حتى خلقت فكنت جامع شملها
وقال:
قل للنسيم إذا حملت تحية
فاهد السلام لجوشن وهضابه
فلقد حننت وعادني من نحوه
شجن بخلت به على خطابه
وصبابة علقت بقلب متيم
وصل الغرام إليه قبل حجابه
وقال:
يا أخوتي وإذا صدقت فأنتم
من أخوة الأيام لا من أخوتي
بعدآ لآمالي التي علقتها
بكم فخارت في السبيل وضلت
وقال:
يا حبيبا وده للناس
تمثال النفاق
قد بلوناك على حال
التنائي والتلاقي
فإذا إنك لا تصلح
إلا للفراق
وقال:
بقيت وقد شطت بكم غربة النوى
وما كنت أخشى إنني بعدكم أبقى
وعلمتموني كيف أصبر عنكم
وأطلب من رق الغرام بكم عتقا
فما قلت يوماً للبكاء عليكم
رويداً ولا للشوق نحوكم رفقا
فما الحب إلا أن أعد قبيحكم
إليّ جميلا والقلى منكم عشقا
وكتب إلى الشريف أبي علي محمد بن محمد الهاشمي وقد اعتقل سنة 440 قصيدة:
سل العيس ما بين اللوى فأبان
خماصا تبيد البيد بالوخدان
عن الركب في أكوارهن تساندت
أنامله إلا على خفقان
تلفت من سفح الجبال ودونها
حجازية أنا لمختلفان
فلم تجهل العينان لائح رسمها
على البعد لولا كثرة الهملان
وما ذات أفراخ تميس مع الصبا
وأفراخها في غفلة وأمان
أتيح لها والدهر جم صروفه
عجول بحمراوين يشتعلان
يظل قذى الظلماء ينزو بعزمه
إذا غيره أعيا على الطيران
فلم يبق إلا شلو كل ممزق
كأن به آثار حد يماني
بأجزع مني إذ تقول عديبة
تراك على رغم الزمان تراني
أما وأبيها لو رأتني لأكبرت
مقالي إني في غرامك عاني
إذا شئت تبلو مرهفات عزائمي
ويعلم صدق البرق بالهطلان
فذرني وإياها فإن لم أفز بها
سريعاً وإلا لست نجل سنان
سبقت وما بلغت عشرا كواملا
فكيف وقد جاوزتها بثمان
ولي في قراع النائبات عزائم
تريك بلوغ النجم بالذملان
وركب تعاطوا بينهم نشوة الكرى
فلا لمة إلا لقى بلبان
سألناهم والعيس حسرى من الوجى
وجنح الدجى والصبح يصطرعان
من الركب قالوا من لؤي بن غالب
مصابيح يومي نائل وطعان
فقلنا بنو عم الشريف محمد
سمام العدى ضراب كل جران
فاطربهم بذكاره وترنموا
بأخلاق مقلاق الركاب هجان
من القوم طلق لا يزال بنانه
لبذل نوال أو لصون عنان
وأبهى بيانا فوق أعواد منبر
وأمضى جنانا فوق ظهر حصان
آخا هاشم كم قدتها هاشمية
يغص بها من نقعها الملوان
فإن طرقت فيك الليالي بفادح
فلا عجب أن يكسف القمران
وليس يبين الود في اليسر إنما
وفاء الفتى في لزبة الحدثان
فيا ليتني شاطرتك السوء سامحا
ببسط بنان للأذى وجنان
إذا باعدت منا المناصب قربت
مودة لأناس ولا متواني
وإن سنان الرمح ينجد كعبة
على بعده لازجه المتداني
قال يمدح الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس سنة 461 ويذكر مسيره إلى حصن أسفونا:
أما ظباك فقد وفت بضمانها
فمتى تجود به على أجفانها
لك كل يوم غضبة مضرية
تدني بها الآجال قبل أوانها
ما ينكر الإسلام أن ثغوره
عزت وسمر قناك من أركانها
وقال:
وهاتفه في البان تملي غرامها
عليك وتتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالة
وقد جاوبت من كل ناحية إلفا
ويشجو قلوب العاشقين حنينها
وما فهموا مما تغنت به حرفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسى
لما بسطت طوقا ولا خصبت كفا
أجارتنا أذكرت من كان ناسيا
وأضرمت ناراً للصبابة ما تطفى
وفي جانب الماء الذي تردينه
مواعيد ما ينكرن ليا ولا خلفا
ومهزوزة للبان فيها شمائل
جعلنا لها في كل قافية وصفا
لبثنا عليها بالثنية ليلة
من السود لم يطو الصباح لها سجفا
لعمري لئن طالت علينا فإننا
بحكم الثريا قد قطفنا لها كفا
رمينا بها في الغرب وهي ذميمة
ولم نبق للجوزاء عقداً ولا شنفا
وقال:
وعلى الغضا إن كنت من جيرانه
نار تقاسم حرها العشاق
ومشتت العزمات ينفق عمره
حيران لا ظفر ولا إخفاق
أمل يلوح اليأس في أثنائه
وغنى يشف وراءه الأملاق
وقال:
ولي في فخاركم شعبة
في الأفق بدر الدجى والسهى
وإني على شغفي بالقريض
لأذخره عن جميع الورى
ولكن حبك نادى به
ولم يزل المرء طوع الهوى
وقد جل قدرك عن نظمه
ولكنها سنة تقتفى
وقال وكتب بها من القسطنطينية إلى الأمير نصر الملك أبي علي الحسين بن علي بن ملهم: من قصيدة:
لاح وعقد الليل مسلوب
برق بنار الشوق مشبوب
طوى الفلا يسأل عن حاجر
وهو إلى رامة مجلوب
ولائم يظهر إشفاقه
عندي وبعض النصح تثريب
يا صاحبي رحلي أعيدا أماني
ففي الغيب أعاجيب
وخبراني أين شمس الضحى
فإن لون الصبح غربيب
واأسفي من غرفة طوحت
فيها إلى الروم الأعاريب
قادني الدهر إليها ومن
يجاذب الأقدار مغلوب
فهل تشيمان على راهط
ناراً لها في الجو ألهوب
دون سناها كل مجهولة
تعرفها الجرد السراحيب
لعلها نار بني ملهم
تعقر في أرجائها النيب
قوم ذكرناهم ومن دونهم
للريح أسآد وتأويب
فرنحتنا لهم نشوة
يطرب منها الراح والكوب
ذوائب من عامر ضمها
بيت على الجوزاء مضروب
لهم إذا أمهم سائل
فن من الجود وأسلوب
طلاقة تشرق قبل الندى
والبشر مثل الحسن محبوب
تعجب من أسعار أيديهم
نار الوغى وهي شآبيب
ومنها:
أبلج تبدي الغيب أفكاره
وكل رأي الناس تجريب
يا ابن علي كيف صار الندى
عليك فرضا وهو مندوب
ما ضر أهل الشام أن يخلف
الغيث وإحسانك مسكوب
أبعدني منك زمان له
في طلبي وخد وتقريب
وألف دار برقها لامع
الآل وراعي سرحها الذيب
وقال في قصيدة:
أناخ علي الهم من كل جانب
بياض عذاري في سواد المطالب
بكى الناس إطلال الديار وليتني
وجدت دياراً للدموع السواكب
أأحبابنا هل تسمعون على النوى
تحية عان أو شكاية عاتب
وما أنا بالمشتاق إن قلت بيننا
طوال العوالي أو طوال السباسب
فما لقلوب العاشقين مزية
إذا نظرت أفكارها في العواقب
ولا الشوق إلا في قلوب تعودت
لقاء الأعادي في لقاء الحبائب
جزى الله عنى العيس خيرا فطالما
فرقت بها بيني وبين النوائب
وقال في بني حمدان:
السيف منتقم والجد معتذر
وما عليك إذا لم يسعد القدر
وإن دجت ليلة في الدهر واحدة
فطالما أشرقت أيامه الأخر
ولا ينال كسوف الشمس طلعتها
وإنما هو فيما يزعم البصر
ومن السيوف التي لولا مضاربها
ما كان للدين لا عين ولا أثر
هندية وبنو حمدان رفقتها
لقد تخيرت الأحساب والزبر
أخفوا بكيدهم غدرا فما عبثت
سمر الرماح بما همت به الأبر
حدث ببأس بني حمدان في أمم
تأتي فقد ظهرت في هذه النذر
وأذكر لهم سيراً في المجد معجزة
لولا الشريعة قلنا إنها سور
السابقون إلى الدنيا بملكهم
ما أورد الناس إلا بعدما صدروا
تسمو البلاد إذا عدت وقائعهم
فيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا
أنتم صوارمها والبيض نابية
وشهبها وظلام الخطب معتكر
وحاملوا الراية البيضاء ما برحت
على رماحكم تعلو وتنتشر
كنتم بصفين أنصار الوصي وقد
دعا سواكم فما لبوا وما نصروا
وقال ناصر الدولة الحمداني من قصيدة سنة 459 ويذكر إطلاقه حميد بن محمود وحازم بن علي بن الجراح الطائيين من الاعتقال:
إذا بلغت من ناصر الدولة المنى
فما عذرها إلا توفى نذورها
تناخ عتاق العيس حول قبابه
وقد أمنت شد الرحال ظهورها
من القوم سنوا للأنام شريعة
من المجد كنت أغفلتها دهورها
فإن تمنح الألقاب قوم سواهم
فأولها من عندهم وأخيرها
كأنكم والأرض أبناء ليلة
فما عرفت إلا ومنكم أميرها
إذا أظلمت فيها الليالي جلونها
عليها وجوها يخجل الشمس نورها
وما عدمت منكم يدا ربعية
إذا أمحلت عاذت بها تستجيرها
سبقتم إلى الأيام قبل صروفها
فما ثبتت إلا عليكم أمورها
وأعديتم الدنيا بفضل نوالكم
فمن عندكم أمطارها وبحورها
ولما شكت فقد الكرام إليكم
وكان عليكم بعثها ونشورها
أعدتم على طي حميداً وحازما
فأمرع واديها وفاض غديرها
صنائع إن قادت إليكم صعابها
فإن طليق العارفات أسيرها
وقال يمدح محمود بن نصر بن صالح بن مرداس:
من قصيدة:
لا تحفلن إذا بقيت بناطق
غيري فليس مع الفرات تيمم
لا يدعي الفصحاء فيك غريبة
والبيض تنثر والأسنة تنظم
إن أحسنوا عنك الثناء فإنها
نطقت بمدحك قبل أن يتكلموا
تجري جيادك في البلاد ومالها
شأو يرام ولا مدى يتوهم
ومعرضين نحورهم لذوابل
ما زال يجري من أسنتها الدم
ما يصنع الحسب الكريم بعاجز
يبنى له الشرف الرفيع ويهدم
لا يذكروا حلبا وبيضك دونها
مشهورة فهي الظبا وهم وهم
كتابه سر الفصاحة
قال أحمد أحمد البدوي:
لقد أعد ابن سنان للأمر عدته عندما أراد أن يؤلف هذا الكتاب، فقرأ ما استطاع أن يقرأ من الكتب التي ألفت قبله في النقد الأدبي، ككتاب البديع لابن عسكر، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، والموازنة بين الطائيين للأمدي، وغير ذلك مما أشير إليه في كتابه.
وأغلب الظن أنه لم يقرأ ما كتبه عبد القاهر الجرجاني لأننا لم نلمح أثراً في سر الفصاحة يوحي بهذا التأثر.
وكان هدف ابن سنان من تأليف كتابه أن يوضح حقيقة الفصاحة، ويكشف عن سرها، لأنه يؤمن بأن لكل جمال في الكلام سبباً يمكن الاهتداء إليه، فأراد أن يضع كتاباً يستطيع به دراسة أن يعلل ويستدل، ويعرف الوجوه والأسباب.
وكانت نظرته صائبة عندما قرر أن البلاغة إنما تدرك بمخالطة الشعر وتأمله، مع طول الوقت، وتراخي الزمن.
وعندما أراد أن يؤلف كتابه كان عظيم الطموح في أن يؤلف في أسرار الفصاحة كتاباً مفردا بغير نظير من الكتب في معناه، وأن يجمع من مسائلها ما أهمله من قبله الدارسون لها.
وقد حقق المؤلف كثيراً من أهدافه، حتى قال ابن الأثير في فاتحة كتابه، «وبعد، فإن علم البيان قد ألف الناس فيه كتباً، وجلبوا ذهباً وحطباً، وما من تأليف إلا وقد تصفحت شينه وسينه وعلمت غثه وسمينه، فلم أجد ما ينتفع به ذلك إلا كتاب سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وهو يبدو في كتابه مجتهداً، يريد أن يصل إلى القواعد بنفسه، وأن يطمئن إلى ما يصل إليه منها.
لا يقلد في ذلك سابقاً، مهما كانت مكانته إلا عن عقيدة وإيمان. يقول: وقد ذكرت فيه مما يقنع طالب العلم، على أنني لم أرجع فيه إلى كتاب مؤلف ولا قول يروى، ولا وجدت مجموعاً في كل مكان، وإنما عرفته بالدربة، وتأمل أشعار الناس، وما نبه أهل العلم في إثباتها».
ولا يقلل من قيمة هذا المجهود ما يقد يكون هناك من اعتراضات على ما وصل إليه من النتائج، بل إنه يؤمن بأنه عرضة للزلل، والوقوع في الخطأ.
وهو يجمع في كتابه بين منهج الأدباء والمناطقة، فنراه يحشد كثيراً من الأمثلة، ويجنح إلى الدليل والبرهان، وكان لثقافته الأدبية، ودراسته الكلامية أثر بارز في هذا الاتجاه.
الحلة
ـ 1 ـ
تسمى الحلة الفيحاء، وقديماً عرفت باسم الحلة السيفية، نسبة إلى سيف الدولة صدقة بن دبيس المزيدي الذي بناها سنة 495([39])، كما عرفت باسم الحلة المزيدية، نسبة إلى بني مزيد قبيلة سيف الدولة وكان سيف الدولة هذا هو وقبيلته من الشيعة.
وكانت في وقت من الأوقات دار العلم للشيعة وذلك في القرن الخامس وما بعده، وكانت إليها الهجرة، وخرج منها جماعة من أجلاء علماء الشيعة وفقهائهم وأدبائهم ثم انتقل التدريس منها إلى كربلاء والنجف في الأعصار الأخيرة، ثم انحصر في النجف، وكانت النجف دار العلم قبل الحلة، وبغداد قبل النجف.
والحلة مركز محافظة يتبعها الإقليم المسمى باسم (محافظة بابل) وهي من محافظات العراق الوسطى، تقع جنوب محافظة بغداد وغرب محافظة الكوت وشمال محافظة الديوانية وشرق محافظتي كربلاء والرمادي.
وتبلغ مساحة المحافظة 5451 كيلومتراً مربعاً، وترتبط المحافظة بباقي أنحاء العراق بطريق برية هي طريق الحلة ـ النجف. والحلة ـ الهندية ـ كربلاء. والحلة ـ الديوانية. والحلة ـ بغداد ـ والحلة ـ الصويرة. كما يمر بها خط سكة حديد بغداد ـ البصرة.
وأنهار المحافظة هي: نهر الهندية المتفرع من نهر الحلة وينظمه سد الهندية الذي أنشئ بين سنة 1911 ـ 1913 ويشتمل على سد أقيم على الفرات جنوبي المسيب، ويتفرع من أمامه ستة جداول تخترق منطقة المحافظة أهمها: نهر الحلة ونهر المسيب الكبير ونهر الكفل ونهر بني حسن ونهر الناصرية.
وفي المحافظة مواقع أثرية أهمها:
بابل: وتقع على خمسة كيلومترات من شمال الحلة، وترجع شهرتها إلى عهد حمورابي وبلغت ذروة عظمتها في عهد (نبوخذ نصر) الثاني «القرن السابع قبل الميلاد».
كيش: وتعرف أطلالها بتل الأحمر، وتقع على مسافة 15 كيلومتراً من شرقي بابل، وفيها اليوم بقايا مدينة كيش التي يرجع قدمها إلى ما يسبق تاريخ السومريين.
بورسيا: تقع على بعد 25 كلم من جنوبي الحلة وتعرف باسم (برس نمرود) وهي بقايا زورة الهيكل المكرس لعبادة الإله نابو إله العلوم والأدب.
كوثى: وتسمى تل إبراهيم تقع على بعد 35 كيلومتراً من المسيب شرقاً كانت مركزاً للتلقين الديني.
تل العقير: الواقع جنوبي غربي الصويرة الذي يرتقي في قدمه إلى 6000 سنة تقريباً وقد كشف فيه عن آثار وبقايا معبد مصبوغ بالألوان.
الحلة مركز نهضة علمية أدبية
وقد كان ما تحلى به الأمراء المزيديون من ثقافة وأدب وكرم أكبر عامل على تركيز النهضة في مدينة الحلة. وكمثل على ذلك نذكر أن سيف الدولة صدقة لم يغفل لحظة عن أن ينشئ أول ما ينشئ في مدينته الجديدة مكتبة ضخمة يقول المؤرخون إنه كان فيها ألوف الكتب.
كما كان هو ومن جاء بعده يرعون العلماء والشعراء والمفكرين ويغدقون عليهم الأموال ويحمونهم من الفقر فكانوا يتدفقون على الحلة من كل مكان، حتى قال العماد الأصفهاني عن المزيديين في كتابه الخريدة: «ملوك العرب وأمراؤها بنو مزيد الأسديون النازلون بالحلة السيفية على الفرات، كانوا ملجأ اللاجئين وثمال الراجين وموئل المعتفين وكنف المستضعفين، تشد إليهم رحال الآمال وتنفق عندهم فضائل الرجال وأثرهم في الخيرات أثير والحديث عن كرمهم كثير».
ونبغ من الأسرة المزيدية نفسها الشعراء والعلماء من أمثال سيف الدولة نفسه وابنه بدران والأمير مزيد وجمال الدين المزيدي ورضي الدين علي المزيدي وعلي بن منصور المزيدي.
كما نبغت في الحلة أسر أخرى علمية كآل البطريق وآل نما وآل سعيد الذين منهم المحقق الحلي وآل طاووس وآل المطهر الذين منهم العلامة الحلي وآل معية والأعرجيين وغيرهم كما نبغ فيها أمثال محمد بن إدريس والشيخ ورام وابن الطقطقي وصفي الدين الحلي وابن العتائقي وعلي الشفهيني، إلى مئات غيرهم من العلماء والشعراء والمفكرين.
وظلت الحلة طيلة أربعة قرون من القرن الخامس إلى أواخر القرن التاسع مصدر النهضة العلمية والشعرية والفكرية. وفي القرن السابع بالذات كانت الحلة هي البديل عن النجف وأصبحت مقر كبار علماء الشيعة ومقر تدريسهم وإليها الرحلة العلمية من كل مكان. ولكن سيطرة التركمان من رجال دولة (قراقوينلو) ومن تلاهم واشتداد الفتن أدى إلى تقهقر الحلة واضمحلال مدارسها وتشتت مكتباتها.
على أن الحلة لم تعدم ـ مع ذلك ـ ظهور فريق من النوابغ بين الحين والحين كانوا يردون عليها بقايا من مجدها العلمي.
الحلة
ـ 2 ـ
تقع مدينة الحلة في جنوب مدينة بغداد وتبعد عنها بمسافة 100 كلم تبلغ مساحتها (167) كلم2 وعدد سكانها حسب تعداد عام 1987م (268834) نسمة منهم (217902) نسمة يعيشون في المنطقة الحضرية و(50932) نسمة يعيشون في المنطقة الريفية.
قصد الأمير (سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي) الحلة واتخذها عاصمة للإمارة المزيدية لأسباب سياسية وهي أن الأمير سيف الدولة كان يتحين الفرص للانفصال عن السلطة السلجوقية تحقيقاً لأمنية جده دبيس فلما قوي أمره واشتد أزره. وكثرت أمواله، وانشغل السلاجقة بالانشقاقات التي وقعت بينهم مصر الحلة واتخذها عاصمة له سنة 490هـ فأسميت بالحلة، لأن بني مزيد حلوا فيها فصارت حلتهم أي مجلسهم ومحلهم وفي تمصير الحلة يقول رضي الدين علي بن مطهر الحلي في سنة 493هـ عَمَّر سيف الدولة أرض الحلة ووضع أساس الدور والأبواب، ونزلها سنة 495هـ وحفر الخندق حولها سنة 498هـ وقد بني سور الحلة سنة 500هـ وكان الموقع قبل تأسيسها مدينة زاهرة تسمى (الجامعين) على الضفة اليسرى للنهر. فبني صدقة مدينة الحلة على الجانب الأيمن للنهر، ويصل بين الجهتين جسر القوارب.
وقد خضعت له معظم القبائل الفراتية، واتخذ جيشاً منظماً وشملت إمارته البصرة وواسط والكوفة وهيت وعنه وحديثه وقد اهتم الأمير سيف الدولة بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية فتقاطر إلى الحلة العلماء والأدباء والشعراء من كل حدب وصوب فنمت فيها الروح العلمية والأدبية، استمر حكم الإمارة المزيدية من 405هـ ـ 545هـ ـ 1014م ـ 1154م وكان آخرهم الأمير علي بن دبيس وهو رجل باسل عالي الهمة بصير بالأمور طموح إلى المجد فقد خاض معارك ضد مهلهل بن أبي العسكر الجاواني من بغداد ومعه أمير الحج فهزمهم شر هزيمة.
وفي سنة 545هـ توفي الأمير علي بن دبيس وبوفاته انتهت الإمارة المزيدية في الحلة، وأصبحت الحلة تابعة للعباسيين مباشرة وقد استولى الخليفة المقتفي أثناء صراعه مع السلاجقة على الحلة أكثر من مرة. طارداً منها أعوان السلاجقة وجنودهم وبعد موته ومجيء ابنه المستنجد بالله إلى الخلافة، تولى الأمير قيصر وهو من مماليك الخليفة شؤون الحلة، حتى قتلته قبائل خفاجة واستولت عليها وحاربهم الخليفة فطلبوا العفو منه، مؤكدين بغي وظلم الأمير قيصر فعفا عنهم.
حتى جاء المغول وعلى رأسهم هولاكو فهرب الكثير من أهل الحلة إلى البطائح إلا أنها سرعان ما استعادت حيويتها بعد سقوط بغداد ونمت ثروتها كما أنها صارت مركزاً لطلب العلم والعرفان لبلاد المشرق فكان طلاب العلم ينهلون من معاهدها العلمية ضروب المعرفة من عقلية ونقلية فنبغ فيها علماء أعلام. وكانوا يلقون رعاية وتشجيعاً من أبنائها وقد وصف المؤرخ (ابن الفوطي) في كتابه (مجمع الألقاب) بعض مجالسها العلمية حين هاجر إليها لطلب العلم والأدب، وقد أشاد بذكر من اجتمع بهم في تلك المجالس.
وقد أصبحت الحلة تحت سلطة العثمانيين سنة 941هـ شأنها شأن باقي مدن العراق الأخرى حتى سنة 1333هـ ـ 1917م. ينتشر في مدينة الحلة حالياً (19) موقعاً وتلاً أثرياً يتراوح تاريخها مما بين عصر فجر السلالات والعصر البابلي وعصر قبل الإسلام والعصر الإسلامي ومن أهمها (تل جمدة نصر) (تل الشمري) (تل الشيخ ناصر) وغيرها من التلول، وكذلك آثار بابل الشهيرة.
ومن المواقع الأثرية المهمة مدينة كيش التي يرتقي تاريخها إلى سنة (3000 ق.م.) ومن الآثار الإسلامية (مشهد الشمس) الذي يقع في الشمال الشرقي للمدينة وفيه مئذنة بديعة. وهناك عدد كبير من البساتين الخاصة بالحمضيات والفواكه والتمور بالإضافة إلى زراعة الحنطة والشعير والذرة الصفراء. والمنشآت الصناعية كصناعة النسيج والبلاستيك والمواد الغذائية والصناعات التحويلية.
عباس السلطاني
الحلة
ـ 3 ـ
تقع مدينة الحلة في وسط العراق على «شط الحلة». وهو الفرع الشرقي من نهر الفرات وعلى خط عرض 30 ـ 32 درجة في أرض سهلة منبسطة تكثر فيها المياه الجارية والبساتين الخضراء وهي من المحافظات الغنية بزراعة الحبوب والفواكه بحكم منظومة الري العظيمة التي تسيطر عليها سدة الهندية وقد أنعم الله عليها بجمال الطبيعة الساحرة حتى غدت بحق عروسة الفرات الأوسط.
تبعد الحلة جنوباً عن بغداد 104 كلم وعن أطلال بابل الأثرية بضعة كيلومترات يحدها من الشمال العاصمة بغداد ومن الشرق الكوت ومن الجنوب الديوانية ومن الغرب كربلاء وتبلغ مساحة المحافظة وملحقاتها حوالي 6000 كلم2 أما نفوسها فتقدر بحدود المليون وربع المليون نسمة وفقاً لأقرب التقديرات.
تتكون محافظة الحلة إدارياً من أقضية: الحلة والهندية والمسيب والهاشمية، إضافة إلى قضاء المحمودية الذي ألحق بها مؤخراً. أما النواحي التابعة لها فهي: المحاويل ـ الكفل ـ أبو غرق ـ الجدول الغربي ـ الإسكندرية ـ جرف الصخر ـ السدة ـ القاسم ـ المدحتية ـ الشوملي.
الهندية
سميت «الهندية» بهذا الإسم لوقوع أراضيها على ضفتي «نهر الهندية» الذي أنفق على حفره المهراجا الهندي «آصف الدولة» جد النواب غقبال الدولة في عام 1893م لإيصال الماء إلى مدينة النجف فنسب إليه.
ومركز القضاء هو قصبة «طويريج» التي تبعد عن الحلة شرقاً 24 كلم وتمتاز بجمال منظرها وموقعها الرائع الذي يمتد على ضفة النهر اليمنى وتحيط بها الحقول والبساتين التي تسقيها الجداول والنهيرات العديدة وهو من أجمل ما تقع عين الزائر عليه.
وقد اشتهرت هذه القصبة بزرع التنباك بكميات كبيرة على غرار المدن الكردية في شمال العراق.
في أصل التسمية قال المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني: سميت «طويريج» بهذا الإسم محرفة عن لفظة طوريق ـ بالتصغير ـ أي طاروق يتطرق على لغة من يلفظ القاف جيماً، وهي حديثة فالطاعنون بالسن يقولون أن العمارة فيها بدأت عام 1760م وأول من قام بها رجل من زحاف، وزحاف قبيلة كبيرة كانت تعيش في ظل كنف الأسرة القزوينية في الحلة.
المسيب
يعتبر من أقدم الأقضية التابعة لمحافظة الحلة تاريخياً وجغرافياً. وبحكم موقعها على ضفاف النهر غدت من أولى مدن الفرات الأوسط التي تصلها السفن التجارية وغيرها مما جعلها تتبوأ مركزاً مهماً لمختلف العهود وآثارها القديمة الشاخصة للعيان حالياً تؤكد ذلك إضافة إلى التلول المرتفعة المحيطة بها التي تدل على وجود عمران قديم.
ـ والمسيب اليوم قضاء جميل في موضع يبعد عن شمال الحلة بـ 42 كلم تكتنفه الحدائق والبساتين وانسياب الماء وتدفق شريان الحياة.
نواحيها
المحاويل: ومركزها قرية «المحاويل» التي تقع على الطريق الرئيسية بين بغداد والحلة، وهي ناحية زراعية فيها مقاطعات شاسعة وقبائل كثيرة متنوعة تبعد 21 كلم شمال الحلة وتستقي مياهها من نهر يسمى باسمها، يخرج من صدر شط الحلة الذي يبعد عنها بـ 8 كلم كما يوجد فيها نهيرات صغيرة أخرى هي: الفندية ـ حصن جعفر ـ العمية ـ العاصي ـ المرجانية.
ومن قراها القديمة التي ذكرتها كتب التاريخ: الصباغية ـ خان المحاويل ـ الخاتونية ـ برمون ـ كوبرش.
الكفل: ناحية جميلة المنظر على مسافة 30 كلم جنوب شرق الحلة وذكرها ياقوت الحموي في معجمه باسم «بر ملاحة» وينقسم عمود الفرات في جنوبها إلى قسمين كبيرين هما:
فرع الشامية ويقال له «أبو كفوف» والآخر: فرع الكوفة. فيها يوجد قبر النبي حزقيل المعروف بذي الكفل يقصده اليهود من مختلف البلاد للزيارة.
أبو غرق: فيها مقاطعات زراعية جسيمة تشتهر بالحبوب، كما أنها موطن قبائل عراقية معروفة كآل فتلة واليسار والمراشدة وزغيب وغيرهم.
الجدول الغربي: مركزها قرية الرجيبة الواقعة في محل يبعد عن مركز قضاء الهندية بحوالي أربعة كيلومترات غرباً، وتأخذ القرية مياهها من جدول صغير يقال له «أم طراريد» يتشعب من جدول «بني حسن» وينتهي إلى أراضي «أم نعجة» في الكوفة.
ناحية الاسكندرية: ذكرها ياقوت الحموي في معجمه تقع على بعد 15 كيلومتر عن مدينة المسيب ويمر بها جدول صغير يسمى باسمها وهي في الأصل منسوبة إلى الإسكندر المقدوني.
السدة: وهي من النواحي التابعة لقضاء المسيب وتبعد عن مركز القضاء حوالي تسعة كيلومترات غرباً، عذبة الهواء، جميلة المنظر، كثيرة السمك، تقع على ضفاف الفرات من جهة العمود المندفع إلى طويريج ـ الكوفة وما بعدها من المدن الفراتية.
القاسم والمدحتية: ناحية القاسم مركزها قرية القاسم التي تبعد عن الهاشمية غرباً 9 كلم فيها قبر القاسم بن موسى بن جعفر عليه السلام الذي يقصده الزائرون من مختلف الأنحاء وقد سميت تيمناً باسمه.
أما ناحية المدحتية فمركزها قرية الحمزة التي تبعد عن الهاشمية جنوباً 4 كلم وفيها قبر الحمزة بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويقصده الزائرون.
عشائرها
تسكن في محافظة الحلة وتوابعها العشائر التالية:
1 ـ البو سلطان، وأهم أفخاذها: آل حمد، آل محمد.
2 ـ الجحيش، وأهم أفخاذها: آل عبد الواحد وتوابعهم في دجلة، البو موسى، وتوابعهم في الفرات.
3 ـ اليسار، وأهم أفخاذها: آل هديب أسبطة، الدولة.
4 ـ شمر، ولها ثلاث أفخاذ رئيسية: الجراونة، الجدي، الكيضة «وزان البيضة».
5 ـ الجبور، وأهم أفخاذها: آل واوي، بني منصور، الدراجة، العويديون، المحامدة.
أما القبائل الأخرى:
الخزاعل: خفاجة ـ عقيل ـ طفيل ـ المراشدة ـ جشعم ـ آل فتلة ـ بنو حسن ـ المعامرة ـ الجنابيون ـ بنو سالة ـ البو عامر ـ آل سعيد وبضمنهم بنو سعيد.
فلهذه القبائل أفخاذ وفروع عديدة لا يسع المقام ذكرها لأنها تأخذ صفحات عديدة.
سد الهندية
قال محمود شكري الألوسي المولود سنة 1857م والمتوفى سنة 1924 في مخطوطة له:
الحلة إلى اليوم مدينة عامرة ذات أسواق ومساجد كثيرة وبساتين زاهية ونخيل وأشجار متنوعة وأرضها أخصب أرض وخيراتها طافحة وأهلها أهل فطنة وذكاء وشرف نفس وسخاء، كم نشأ فيها علماء أعلام وأدباء كرام وشعراء مفلقون وبلغاء متفانون وهي على ضفة الفرات من الجانبين يصل بينهما جسر على سفن يعبر عليه الناس وغالب سكنتها من الشيعة الإمامية([40]) ومن الفرات تخرج أنهر كثيرة يزرع عليها أهل تلك النواحي الرز وكثير من الحبوب، والرز يحتاج مياهاً غزيرة ربما لا تقوم به تلك الأنهر فتمس حاجة الزراع إلى سد الفرات ليفيض ماؤها على زرعهم فلم يزالوا يفعلون ذلك حتى جزر الماء عن مجرى الفرات من أعلى الحلة وأسفلها وتوسعت صدور الأنهار التي في أعلى الحلة لا سيما صدر الهندية الذي سنذكره.
فانقطع الماء عن الحلة([41]) وما سفل عنها في فصل الصيف فكانوا يحفرون الآبار في مجرى الفرات لشربهم فقط وأما البساتين فلا ري لها أيام الحاجة إلى الماء حتى آل الأمر إلى أن يبست النخيل والأشجار واستولى الخراب على الكورة بأجمعها واضطربت أحوال السكنة والأهالي. وتفرق أهل الريف إلى مواضع ليسدوا أفواه حوائجهم واستولى الفقر وعمت الحاجة غالبهم وفزع من سوء العاقبة عقلاؤهم وعرفاؤهم، وضج شعراؤهم بالشكوى من هذا الحادث، ولا يسع هذا المقام لذكر ما قالوه من الشعر والنثر الذي قدموه إلى أولياء أمورهم، من ذلك رسالة كتبها بعضهم إلى ولي الأمر يومئذ يذكر ما دهمهم من البلاء وهذا نصها:
أيد الله أمير المؤمنين، وخلد دولته بالعز والتمكين، وبعد فإني أبث إليه الشكوى عن لسان كافة أهل وطني الحلة الفيحاء، فأقول من المعلوم لدى أهل البصيرة والبصر، ما كان عليه أهل هذه النواحي من الثروة والخصب والرخاء ما يغبطهم عليه كثير من أهل البلاد وأقلهم مالاً من كان يضيف كل ليلة من الضيوف، ما يعجز عن قراهم أثرى الناس في بلاد أخرى مع انشراح صدر وسرور قلب، ولما جرى على أموالهم وعقارهم وحقولهم ونخيلهم ما جرى بسبب اختلال مجرى الفرات أصبح أغناهم وأثراهم يتكفف أيدي الناس ويقتات بالحشف البالي من التمر، وترملت نساؤهم وتيتمت أولادهم وتفرق رجالهم في نواحي الأرض أيادي سبأ، وأفرغت ساحتهم وكلما شكونا لا نجد لشكوانا من سامع ولا شك أن وليّ الأمر هو المسؤول بين يدي الله عن أحوال رعاياه، وبناء على ذلك تجاسرنا على بيان الحال حيث ألحت علينا السنون راجين دفع ضرورتنا وإصلاح بلادنا وتلافي ما فات منا، وما ذلك على وليّ الأمر بعزيز ونسأله تعالى أن يمده بالعون والتوفيق.
ثم لما تواترت الشكايات ورد المهندسون([42]) من الإفرنج وتظافرت آراؤهم على سد صدر الهندية وإحكامه على ما سنفصله أكمل تفصيل.
سد الهندية وما قيل فيه من الشعر
أعلم أولاً أن نهر الفرات يتكون من نهرين أحدهما يسميه الأتراك قره صو أي الماء الأسود، يجري من جبل يقال له غدير دوملي من نواحي أرزن الروم والثاني يجتمع من مياه ترد من جبل في جوار ديارين من نواحي بلدة بايزيد في إيالة([43]) أرضروم، ومن مياه تجري من جبل يقال له بيك كول أي ألف غدير، ثم يختلط النهران في محل مجاور معدن كبان من نواحي معمورة العزيز، ومن ملتقى النهرين يسمى النهر حينئذ نهر الفرات فيجري إلى محل قريب من ملاطية ثم يجري إلى الشرق إلى أن يقرب من منبع دجلة ثم يجري إلى الجهة اليمنى من ديار بكر ثم ينعطف إلى جهة الغرب ايضاً ثم يعود إلى الشرق فيمر على بيرة والمسكنة والرقة([44]) ثم يجري وسط بلد الدير ثم إلى القائم ثم إلى عانات وجبة وآلوس والحديثة وهيت والدليم والفلوجة ثم إلى المسيب([45])، فإذا وصل إلى صدر نهر الهندية انقسم إلى قسمين، قسم يجري إلى الحلة فالديوانية وقسم إلى الهندية فالشامية ثم يتلاقى القسمان قرب السماوة، وكان هذا النهر سنة اثنتين بعد الثلاثمائة والألف جرى كله إلى نهر الهندية وتحول مجراه وانقطع عن الجري إلى الحلة ونواحيها وكادت هذه البلاد تفنى وتخرب بسبب انقطاع المياه عنها فعرضوا الحال إلى السلطان فأرسل المهندسين فاستقر الرأي على حفر مجرى آخر عن المسيب نحو فرسخ صدره نحو ألف ذراع إفرنجي طولاً ومائة ذراع عرضاً وإنشاء سد عظيم على فم نهر الهندية([46])، فبوشر بالعمل وكان الختام سنة ثمان بعد الثلاثمائة والألف.
فجرى نهر الفرات إلى الحلة والديوانية (كما كان) ([47]) في السابق وصرف على ذلك مبالغ كبيرة تزيد على مائة ألف ليرة عثمانية فعند ذلك عادت هذه البلاد إلى ما كانت عليه من الري والخصب وكان يوم جريان الماء يوماً مذكوراً حضر هناك والي بغداد وأكابر بغداد والحلة وسفراء الدولة وقام يومئذ مفتي الحلة([48]) خطيباً وداعياً بهذا الدعاء وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على ما أنعم وصلى الله على النبي وآله وصحبه وسلم، أما بعد فإن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً، إلا إن لكل شيء حداً (ولكل أمر غاية) وأمدا([49]) وإن مع العسر يسراً والساعات مرهونة بأوقاتها إلا أن أمير المؤمنين وإمام المسلمين ونائب سيد المرسلين، خلد الله سلطنته وأعلى كلمته، لما عرضتم (يا أهل الحلة)([50]) على أعتابه الملوكية وأبوابه الخاقانية ما حل بكم من هذه الداهية الموجعة والبلية المفجعة، وهي انحسار ماء الفرات عن بلادكم وانصبابه نحو نهر الهندية فأصبح ماؤكم غوراً وغدا حلو عيشكم مراً (وأضحت أراضيكم)([51]) بعد الخصب قفراً وتعطلت أنهاركم (وأظلم نيلكم)([52]) ويبست أشجاركم وذوت ثماركم (وعاد غناكم فقراً)([53]) وتبدد شملكم (وغاض نيلكم)([54]) وتفرقت أيادي سبأ عشائركم وآيستم من وجه الخلاص ولات حين مناص، وزاغت الأبصار وتحيرت البصائر (وشطت بكم الدار)([55]) وبلغت القلوب الحناجر وظننتم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وطارت الألباب وتقطعت بكم الأسباب، فتداركتكم الألطاف الإلهية وأدركتكم العواطف (الحميدية)([56]) وأجاب (الملك)([57]) الأقوم و(الإمام)([58]) الأعظم، بالنص القاطع المحكم نداكم وسمع لطفا منه شكواكم، فشملتكم مراحمه وعمتكم مكارمه، فاصطفى أيده الله تعالى بنصره لهذه المهمة وكشف هذه الغمة المدلهمة وزيره الصادق في خدمته، الأمين على أسرار دولته، ذا الهمة الإسكندرية والعزمات الآصفيه والمساعي المشكورة والأعمال المبرورة والمآثر المشهورة والأقوال المقرونة بصحيح الأفعال والي العراق (صاحب الدولة) ([59]) سري باشا([60]) يسر الله له من الخير ما يشاء فقام شكر الله (تعالى) ([61]) سعيه على قدم الاجتهاد بحزمه وشمر عن ساعد الجد بقوة عزمه، ووثب وثبة الليث الهصور بحكمته وسديد حكمه وانتصب لإحكام السد ونصب نفسه لإعادة مجرى الفرات بالرسم والحد وأجرى العمليات على قانون الفنون الهندسية بمقتضى القواعد الصناعية واهتم لحفر الخليج الجديد أتم اهتمام وأحكم أمر السد أي إحكام وفي هذا اليوم المبارك السعيد قد جرى ماء الحياة ولله الحمد والمنة في نهركم.
وسارت سفن النجاة في فراتكم (الذي هو سبب حياتكم) ([62]) وعما قليل إن شاء الله تعالى يتم (العمل وينال الأمل بإكمال السد ولله الأمر من قبل ومن بعد)([63]) فترون الحلة الفيحاء روضة عاد قشيب شبابها وتاهت في حلل البهاء عجباً على أترابها، تسلسلت أنهارها وأضاء نهارها والتفت أشجارها وأينعت ثمارها وأزدهت أنوارها (وازدهرت أزهارها)([64]) وغنت طرباً أطيارها (وشمخت رفعة قصورها)([65]) واغتنى فقيرها (وأطلق أسيرها)([66]) وامتلأت حياضها وتدفقت (وآنفت رياضها)([67]) وفاح شقيقها وعذب رحيقها (وارتوت آصالها وأغدقت نخيلها)([68]) وحيي ميت رسومها بعد أن عفتها عواصف الحدثان ورمتها أيدي النوائب بالحرمان، فاشكروا الله (تعالى)([69]) يا أهل الحلة على هذه النعمة يزدكم واحمدوه على هذه المنحة ينلكم واتقوه وراقبوه واخشوه ولا تكفروا، قيدوا هذه النعم بسلاسل الشكر في السر و(العلن)([70]).
ولا تتعرضوا لزوالها بالبغي والعدوان، وإياكم والكفران فإنه والعياذ بالله (تعالى)([71]) موجب للخذلان، بادروا بالعمران، فإنه قريب من الهمة بعيد من الإهمال وأصلحوا منكم الأعمال فطهروا أنهاركم واحفروا جداولكم وابتهلوا إليه سبحانه بالدعاء (ببقاء دولة حضرة)([72]) السلطان (نصره الرحمن)([73]) فقد قال نبيكم صلى الله (تعالى)([74]) عليه وسلم: (لم يشكر الله من لم يشكر الناس) ([75]) وقال عليه الصلاة والسلام: من أسدى إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تستطيعوا فادعوا له، فها نحن نبسط راحاتنا بالتضرع والدعاء إلى باسط الأرض ورافع السماء فنقول:
نحمدك اللهم حمداً لا يقدر له حداً ونشكرك يا إلهي شكراً لا نحصيه عدا، أنت مبدع الخلق ومنشيه وخالق الماء ومجريه خلقت بقدرتك المَلك والمُلك، وسيرت بحكمتك الفَلك والفُلك، فيا واهب العطية ويا ذا الألطاف الخفية، يا من لا يخيب من سأله ولا يرد رجاء من أمله نسألك بجلال وجهك وعظيم سلطانك ومجدك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أن تصلي وتسلم على سيدنا محمد علة الوجود والسبب الباحث لكل موجود، صفيك الذي نبأته وآدم بين الماء والطين وحبيك الذي أرسلته للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين([76]).
وأن تؤيد بالنصر والفتوح دولة خليفة الله في خليقته وظله الظليل على بريته بدر سماء الخلافة الكبرى وشمس فلك الإمامة العظمى القائم على ذروة منبر السلطنة السنية والجالس على السجادة النبوية في محراب النيابة المصطفوية، الملك المظفر المطاع والإمام الواجب الاتباع، من ألزم الله تعالى الرقاب بيعته وأوجب سبحانه متابعته بالنص القاطع والإجماع، الأمير الأقوم (والشاهنشاه الأعظم)([77]) والخاقان([78]) الأفخم، مالك رقاب الأمم وسلطان العرب والترك والعجم، كاسر الأكاسرة (وقاصم القياصرة)([79]) وأمير المؤمنين (وإمام المسلمين)([80]) وسلطان الموحدين، صاحب الفتوحات والمغازي، السلطان الغازي عبد الحميد خان بن السلطان (المبرور)([81]) الغازي عبد المجيد خان([82]) لا زالت (قباب سلطنته مرفوعة العماد)([83]) وسرادقات دولته ركينة الأوتاد، وأعانه في كل الأمور رب العباد.
اللهم كن له ناصراً وظهيراص ومعيناً، وأن تجعله على عرض الخلافة وكرسي الإمامة أبد الدهر ميكناً، ومظهراً لقولك الكريم (في كتابه القديم)([84]) ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾([85]) اللهم (بارك)([86]) في أمد عمره ودولته وأخلافه الكرام، وصادقيه من رجال دولته ووزرائه الأجلة العظام لا سيما الوالي العالم المكرم، والوزير (الأفخم) ([87]) مروج سوق العلم والعرفان، ومحيي آثار الفضل والإحسان، ومشيد أركان الأمن والأمان، المعمر ما اندرس من الآثار، والقامع بعدله من بغي وجار، المحفوف بصنوف عواطف الملك العلي الأعلى صاحب الدولة (حضرة)([88]) سري باشا زاد الله (تعالى)([89]) قلبه نوراً وجسمه انتعاشاً وجعل سعيه مشكوراً وعمله مبروراً، وحظه في الدارين موفوراً، وجزاه عن المسلمين مولاه خيراً([90])، ووقاه ضراً وشراً وضيراً، ولقاه نضرة وسروراً اللم لا ترد دعاءنا، ولا تخيب رجاءنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأصلح ولاة أمورنا ووفقهم لفعل الخيرات وعمل المبرات (بحرمة النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجميعن والحمد لله رب العالمين) ([91]).
ثم توالت التهاني نظماً ونثراً للوالي الذي تولى ذلك السد، منها ما قلته عن لساني وعن بعض الأقارب وهو:
بسديد الرأي قد أحكمت سداً
وبه أنجزت للآمال عدا
وبعون الله قد شيدته
وبه خلدت للسلطان مجدا
وفرات الماء قد عاد كما
كان في السابق يجري مستبدا
وسقى البطحاء عذبا سائغا
حبى الفيحاء بعد الجزر مدا
ذاك أسنى نعم الله التي
نحن لا نحصي لها شكراً وحمداً
دمت للدولة عيناً ويدا
يا شبيه البحر أفضالاً ورفداً
ومنها ما قاله الفاضل والعالم الكامل الشيخ عبد الوهاب أفندي([92]) نائب قضاء بغداد أناله الله تعالى من الخير كل مراد، وذلك قوله: لما رأيت عرائس التهاني ترفل في أثواب المسرة مبشرة بنيل الأماني بجريان نهر الفرات ولا جريان نهر المجرة وقد صرفت الهمم العالية بتلك الربوع التي لاقت الأماني بعد اليأس وصادفت خضرة بعد اليبس وخشيت أن تطوى الصحائف وليس لي في ذلك نصيب مع أن لي ولله الحمد سهماً من تحرير هذه الصحيفة كان يكون مصيباً فانشدت قائلاً ولجلب عيون الرضا سائلاً مخاطباً الوزير الأعظم صاحب الدولة سري باشا المفخم فقلت ناظماً ومخاطباً:
أيا مانحا قطر العراق الأمانيا
وملبسهم برد العدالة ضافيا
بقيت وزيراً في العراق وواليا
لتشرب من عذب امتنانك صافيا
بهمتك العليا جرى البحر طافحا
فأروى فؤاداً كان بالأمس صاديا
ملم لقد أعيى الولاة دواؤه
وليس سواك اليوم طباً مداوياً
سقيت ربوعاً قد ذوت خير مترع
وقد ساءها داء الظما متوالياً
وكم قد دعت قوماً سواك فلم تجب
وحامت على ورد فلم تلق ساقيا
فساءت ظنون خامرتها غوافل
وأصبحت الأحشاء منهم دواميا
عطفت عليهم لا عدمتك راحما
بفضل فأحييت القلوب الصواديا
فآنست الفيحا برؤياك رشدها
ونال بك المحزون ما كان راجيا
لك العزم تستجلي به كل حالك
ويلغي إذا تنبو القواضب ماضيا
تدارك أمراً كان قدماً على شفا
فأصبحت من داء الحوادث شافيا
إذا استبقت أهل الكمال لغاية
أبيت وأهل المجد إلا التناهيا
رآك أمام العصر دام بقاؤه
ودام به نور الخلافة باقيا
لدفع عضال قد أضر دوامه
باتباعه يلقى الأمور الدواهيا
فصلت كما رام الإمام مجاهداً
بعزم يدك الشامخات الرواسيا
وأسرعت في تنفيذ واجب أمره
على الفور لا وانٍ ولا متراخيا
همام يرى الأشياء قبل وقوعها
بعين ترى مستقبل الأمر ماضيا
شكرناك في سعي تكامل نجمه
وهل تنكر الأيام تلك المساعيا
وقفت على الإسلام نفساً كريمة
فكان لك الرحمن عوناً وكافياً
بقيت بقاء الدهر يا خير حاكم
فلسنا نرى نعماك إلا تواليا
يحق لنا أهل العراق بأسرنا
نبث بإخلاص القلوب التهانيا
صنيع تولى الله تشييد أمره
وهل يهدم المخلوق ما الله بانيا
ولو لم يعقني عن مديحكم شاغل
نظمت لعلياك النجوم السواريا
فلا زلت يا خير الوزارة كاملاً
ولا زلت يا تاج الشريعة باقيا
ولا برحت أقمار عزك في سما
المفاخر تبدو مشرقات زواهيا
ومنها ما نظمه الأديب الفاضل الشيخ محمد باقر الطباطبائي([93]) وهو قوله:
بشرى لوالٍ عدم المثيلا
دام علينا ظله ظليلا
أبر والٍ كم نبيل لطفه
طوق أعناق الورى جميلاً
قد عم آفاق العراق عدله
فلا ترى كسرى له عديلا
وخص أهل بابل بمنة
بها سقى الفيحاء سلسبيلا
أحيى بها الأرض الموات ولكم
روى لأهليها بها غليلا
بها زها الروض الأنيق بعدما
كاد يكون ربعها محيلا
طاول اسكندرا في سد به
أضحى على الولاة مستطيلا
سد رصين عادت الفيحا به
مصراً كما عاد الفرات نيلا
سعى وقد ساعده حكم القضا
وهلى ترى لحكمه تبديلا
ففاز في نيل المنى وغيره
كم جد لكن لم ينل مأمولا
فعاد هذا فائزاص مظفراً
وعاد ذاك خائباً مخذولاً
تكفل الله له بسنده
وقد كفى بربه كفيلا
فأحكمت يد القضاء إتقانه
فلن ترى لنقضه سبيلا
كم قيل ما قيل ولكن قوله
علا ومن أصدق منه قيلا
فعز نصراً وانثنى شأنه
من بعد عز خاسئاً ذليلاً
فعمه لطف الإله بكرة
وخصه بلطفه أصيلا
وانقادت الأمور طوع أمره
حيث أطاع الملك الجليلا
فحق لو نودي سرى وانجلى
من سيره ما حير العقولا
سر به استحال أمراً ممكناً
ما كان في الأوهام مستحيلا
إن نكثر الشكر له فإننا
نرى كثير شكرنا قليلا
لكنه فرض علينا وكفى
بالعقل والنقل لنا دليلا
به زها قطر العراق جنة
قد حسنت لأهله مقيلا
«دانية عليهم ظلالها
وذللت قطوفها تذليلا»([94])
فاستطمع الطف ومن طاف به
وأملوا من لطفه تأميلا
يا ساقي العراق سقيا فلقد
قمت بمن حل به معيلا
وحق أن تروى الطفوف من ظمأ
لما شكت عراصها محولا
أن لم يغثها اللطف منك أوشكت
أن تغتدي ربوعها طلولا
لا زال ظل الدولة العليا على
سامي علاك ضافياً مسدولا
ولم تزل تشملنا لطفا ولا
زلت بلطف ربنا مشمولا
ودام في مطالع السعد لكم
طالع سعد لا يرى أفولا
ومنها ما قاله الشيخ محسن العذاري([95]) شاكراً للوالي على ما بذله من الهمة في السد وذلك عند مجيئه إلى الحلة وهو:
من مبلغن دعاء غير منسجم
لساحة الدولة المنصورة العلم
سلطاننا وأمير المؤمنين ومن
فاق السلاطين من عرب ومن عجم
عبد الحميد الذي دانت لهيبته
اسد العرين وفاق السحب بالكرم
ظل الإله على الدنيا الذي رقدت
بأمنه عين من قد كان لم ينم
من قال للدهر طعني قال ها أنا ذا
عبد فخذ بمقاليدي وخذ بفمي
مولى إذا لاح منه في الثرى قدم
له الثريا تمنت موطئ القدم
من عدله عم في الأقطار قاطبة
فالذئب من عدله يرعى مع الغنم
وكفه تستمد الزاخرات ندى
منها وأنملها بالجود كالديم
فللملوك جميعاً أصبحت يده
بالفضل فوق يد منهم وتحت فم
في السلم منهلة للمعتفين ندى
وللعدى في الوغى منهلة بدم
ما مد من ملك كفا لنيل علا
إلا رأى قدما منه على القمم
خصب العفاة عظيم الشأن ذو كرم
بالصفح ليس بمنان ولا سئم
له العدالة قدما شأنه وبه
قامت وفيما عدا علياه لم تقم
أصغ فديتك واسمع لطف رأفته
على البرية بالأفضال والنعم
لما عن الحلة الفيحاء انقطع الـ (م)
ماء الفرات وأمست في يد العدم
وأهلها تحفر الآبار من ظمأ
بوسط شط عظيم كان في القدم
وكان منها إلى أقصاه منتظماً
حدائقاً وقرى من سائر الأمم
ولست أحصي كثيراً من جداوله
من حيث لاحظ لي في الأرض في قسم
وكم وزير أتاها فاشتكت ومضى
عنها وأذناه في وقرٍ وفي صمم
وحين قد أيقنت إتلافها وبها
أناخ ركب البلا بالضر والألم
عجت إلى الدولة الغراء شاكية
إلى الركاب الهمايوني ذي الشيم([96])
أجابها رأفة منه ومرحمة
مجليا فيك عنها ظلمة الغمم
فكنت سراً لدى علياه مدخراً
لمشكل في ضمير اللوح والقلم
أنت الوزير الذي في نصح دولته
ما دنسته يد الأطماع في وخم
ولاك بغداد لطفا في رعيته
لما رأى فيك من حزم ومن همم
فجئت تسعى لبغداد على قدر
لما يراك إليه بارئ النسم
ما قمت في بلد أو جزت من جبل
أو رحت في سبل أو دست من أكم
إلا وقام لك الترحيب لو نطقت
سمعت أحسن ترحيب لمحترم
وما رغبت بها إلا لتحكم ما
قد جئت فيه من الأحكام والحكم
وقد عطفت بالطاف ومكرمة
إلى الفرات لتحيي كل منعدم
فسرت والدهر يمشي طائعاً أبداً
تحت الركاب كمشي العبد والخدم
حتى استقمت على نهر الفرات وما
حللت للحزم والأقدام من حزم
لم يثن عزمك عنه لائم أبدا
لبذل مال ولا وهن من العدم
حتى سددت لنا نهر الفرات وقد
أجريته بمجاري اللوح والقلم
وضل من ناضلت أفكاره حسداً
علاك يقرع سن الخاسر الندم
إذ كنت اسكندرا وافى بهيبته
لمنع يأجوج في سد من الثلم
لو أن سابور كسرى فيك معتصم
في سد كارون ألفى خير معتصم
فلا السويس ولا حفر الخليج ولا
سكور كسرى ولا الزباء في القدم
كمثل حزمك في سد الفرات وقد
أبهرت فيه ذوي الألباب والحلم
أجريته عسجداً للمعتفين فذا
يجري بلطفك من حزم ومن كرم
لو كنت تدرك ذا القرنين ما سلكت
فيه العزائم في وادٍ من الظلم
وكنت أوردته ماء الحياة كما
أوردتنا العذب بعد الآجن الوخم
وحار في الحيرة النعمان ثم دنا
إليك ملتثماً للنعل والقدم
وقال: قل للسلاطين الذين مضوا
في سالف الدهر من عاد ومن إرم
هذا المليك الذي عمت مكارمه
قطر العراق بوالي المجد والشيم
تجري إلى آخر الدنيا مناقبه
مجرى الفرات بناد الفخر والكرم
وقلت لما عاد الوالي إلى بغداد من الفيحاء مخاطباً له بالهناء:
أهلاً بمن أحيا العراق الذي
أفناه بالحادث دهر مبير
أهلاً بمن أروى قلوب الورى
يوم جرى الماء بعذب نمير
أهلاً بمن قد نفس الكرب في
حسن مساعيه وهان العسير
أهلاً بمن قد لهجت السن الـ (م)
مدح عليه بثناء كثير
والحلة الفيحاء في ريها
روت مديحاً لك يحكي العبير
وخلدت جميل ذكر بماء
قد انطوى منك عليه الضمير
كم فرح من بعد حزن أتى
فيك ووافاها بخير بشير
قد ضحكت بعد عبوس بها
ويضحك الروض سحاب مطير
قرت من الناس عيون بها
كما بها قرت عيون الأمير
لولا تلافيك لصارت إلى
أسوء حالات وبئس المصير
فالله يبقيك لسلطاننا
فأنت للسلطان نعم الوزير
بحكمة أجريت أحكامه
يرجع عنها كل طرف حسير
وغر آرائك فاقت كما
فقت بفضل وبعلم غزير
فدم لنا ركناً منيعاً وإن
خطب دها جئنا نستجير
لا زالت الدولة منصورة
والله للدولة نعم النصير
ومنها ما أنشده الشاعر المفلق الشيخ عباس العذاري الحلي([97]) مهنياً أيضاً بوصول الماء إلى الفيحاء وما كان من أحكام السد السديد البناء وذلك قوله:
سد بعزمك كان سداً محكما
فافخر فقد طاولت في الفخر السما
سد لقد أعيى الولاة ومن مضى
منهم وكل عنه عجزاً أحجما
سد به سر العراق وأهله
فغدا لهم مذ تم عيداً أعظما
جردت صارم عزمة ماضي الشبا
في الجزم لم يقلل ولن يتثلما
لك صولة لو أنها بيلملم
مرت لدكت يذبلا ويلملما
لا بدع أن ترقى المراتب ساميا
فقد اتخذت من الكواكب سلما
والحلة الفيحاء شكرا أهلها
نظمت بمدحك والثناء الأنجما
أفعمت شط فراتها ماء طما
ولطالما من قبل قد شكت الظما
كم قطبت من قبل مما نالها
واليوم أصبح ثغرها متبسماً
ولكم شكت ألم القذى في عينها
فشفيتها وكفيتها داء العما
حليت عاطل جيدها بمسرة
وكسوتها برد التفضل معلما
وسقيت أهلها النمير مسلسلا
عذبا وجرعت العادي علقما
لله من عمل لقد أحكمته
بجميل رأيك والسداد تقوما
فلأنت كعبة كل فضل مثلما
قد صرت للعلم المشرف عيلما
تالله أنت إلى العراق لنعمة
فلنشكرن على نداك المنعما
سلطاننا المنصور دام بقاؤه
ولملكه الله المهيمن قوماً
وحمى الثغور من العدو بسيفه
وأعز دين المسلمين وأعظما
وعلى الرعية لم تزل منشورة
منه العدالة كافراً أو مسلما
ولكم أفاض عليهم من سيبه
جوداً وكم أغنى الفقير المعدما
وأعز أهل العلم منه تكرما
إن عالماً منهم وإن متعلماً
وإذا حمى قطراً حماه بمرهف
لا تستبيح يد الأعادي ما حمى
فلنشكرنك يا ولي أمورنا
ما طاف أو لبى الحجيج وأحرما
أرسلت للزورا وزيراً عادلاً
كان النهي بجبينه متوسما
ولأمرك السامي أجاب مبادراً
وأطاع لما أن رآه محتما
وإلى نفاد الأمر بادر مسرعا
ويرى أوامرك العلية أنعما
ندب يكون من الوقار سكونه
فإذا تكلم لم نجد متكلما
يا أيها المولى الوزير ومن له
شرف الوزارة والفخار قد انتمى
دست الوزارة في علائك قد زها
وأنار كالشمس المنيرة في السما
فإذا ذوو الرتب استوت أقدامهم
قد كنت أحرى القوم أن تتقدما
لا زلت يا فخر الولاية ترتقي
من ذروة العز السنام الأعظما
دم في الزمان معظما ومنعما
واسلم مغيظ الحاسدين ومرغماً
ومنها ما قاله الأديب علي بن حمزة الحلي([98]) مهنياً أيضاً وهو هذا:
زهرت بنور جمالك الزوراء
واستبشرت بقدومك الفيحاء
وتفاخرت بك مذ حللت بأرضها
حتى دعيتك بأنك (………)([99])
يا من له فوق السماء منازل
دانت لعظم جلالها الجوزاء
لولاك ما ارتوت العطاش ولا جرى
وسط الفرات وراحتيك الماء
أجريته لكن بعزمة قادر
عجزت قبيلك عندها الأمراء
أنت الذي لك في الزمان مواهب
تسمو لها فوق السماء سماء
بالرأي قد سدت الزمان وأهله
فلذا حبتك الدولة الغراء
نصبتك لكن في الرعية حاكما
فغدوت وفقاً ما تشاء تشاء
يا من له العلياء طأطأ هامها
أنى تقول بمدحك الشعراء
خذ من نظامي باكراً عربية
ألفاظها درر وهن ثناء
قد أشرقت في مدح مجدك مثلما
قد أشرقت فوق السماء ذكاء
ومنها ما قاله الأديب محمد سعيد بن الشيخ محمود النجفي([100]) وهو:
شكرت مساعي خير وال قسور
من يصنع المعروف فينا يشكر
والٍ زها قطر العراق بلطفه
والروض يزهو بالسحاب الممطر
أن يدع سري في الولاة فقد بدا
للطف فيه أي سر مضمر
سر به سد الفرات وقد جرى
من سده ما مد سبعة أبحر
طال الولاة بسده ولطالما
عن ذاك أعيت في قديم الأعصر
كم أرهفت عزما ولم تظفر بما
ظفرت به عزمات خير مظفر
قد جازها أمدا بغير عزائم
عن عزم ذي القرنين لمما يقصر
سارت بآفاق العراق منيرة
كالنيرات عدادها لم تحصر
فطوى بساط الجور فيه ناشرا
للعدل أي لواء عدل أزهر
وعلى أهالي الحلة الفيحا له
أسنى يد آلاؤها لم تكفر
فغداة أصبح ماؤها غوراً وقد
أضحى هشيماً كل روض مزهر
وروت ظما أكبادها حتى لقد
كادت تعط من الظما المتعسر
وتشتت أيدي سبا قطانها
كيف الإقامة في اليباب الأقفر؟
أجرى لها ماء الفرات بعزمة
تنبو لديها عزمة الإسكندر
فأعاد بهجتها تروق نضارة
تحيي العفاة بمنظر وبمخبر
ولكم به أحيى العباد وأمرعت
فيه مرابع كل ربع مقفر
نزهت بمجراه الربوع وأنبتت
من كل زوج من بهيج المنظر
كم جد في إنقاذ عز أوامر
لولي أمر الله خير مؤمر
لخليفة تاج الخلافة مذ زها
منه بدرة ذاك المفخر
فبه احتمى البيت الحرام وإنما
يحمى بوارث حجره والمشعر
فعلى الرعايا والبرايا شكره
فرض وتارك فرضه لم يعذر
فحمى إليه العرش شوكة ملكه
لحماية الدين الحنيف الأنور
ولواؤها لا زال يزهو قائماً
طول المدى لقيام يوم المحشر
إلى غير ذلك من الشعر الذي لا يسعه المقام بل لو جمع لكان أعظم ديوان، والذي ذكرناه أنموذج حسن منه شعر بما لأهل العصر من اليد الطولى في النظم والنثر. وقد بني عند انقسام الفرات إلى قسمين القسم الذي يجري إلى الحلة وما دونها والقسم الذي يجري إلى الهندية، بناء مربع الشكل ارتفاعه نحو باعين ووضع في أعلاه صخرة فيها تاريخ إكمال هذا السد، وقد كتبته بالتماس الوالي وأرسل إلى إسلامبول فكتب بالخط الحسن هناك وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
لما تحول ماء الفرات عن مجراه وانقطع عن الحلة وما يليها من البلاد، جري المياه، أمر بحفر هذا الخليج الأعظم وإنشاء هذا السد المحكم، والبنيان الأقوم، فجرى الماء في مجراه الأول حسبما اقتضاه الحال بإتقان العمل، فارتوت منه البلاد وعادت من ريه حياة الأراضي والوهاد، أمير المؤمنين وسلطان المسلمين، السلطان ابن السلطان، السلطان الغازي عبد الحميد خان، لا زالت أيامه غرة في جبهة الأعصر والأزمان ودولته المنصورة مشيدة الأركان، وذلك من جملة مبراته المشكورة وأعماله المبرورة ومساعيه المأثورة، وكان ذلك سنة ثمان بعد الثلاثمائة والألف وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله».
وبعد ما كتبنا من الشعر الذي قيل في السد عثرنا على قصيدة أخرى نظمها الشيخ حسن العذاري([101]) ذكر فيها الثناء على السلطان ووزيره ووصف السد وما ترتب عليه من الفوائد منها قوله:
ومن قال إني مدرك كُنْهَ وصفه
عجزت وعلياه عن الحصر والعد
له المنن اللائي يكل لذكرها
لسان بليغ في المقال بلا ند
وأيسرها عود الفرات ورده
لجدوله رد الحسام إلى الغمد
فمن أجله حلت بفيحاء بابل
رزايا أرتنا الشيب في أرؤس الولد
إلى أن شكوا بالتلغرافات ضيمهم
إلى الملك المنصور ذي العدل والرفد
فأنجدهم لطفا وفضلاً بأمره
وحث الولاة السالفين على الجهد
فما رزقوا جدا وعنها تماهلوا
فجرت يدا عمرو وأعرض عن زيد
فسير للزورا وزيراً ووالياً
به الطالع المنحوس آل إلى السعد
إلى أن قال:
فسار إلى رد الفرات بهمة
بها لو رمى الأطواد لم تلق من طود
ينفذ فيه للمليك أوامرا
برأي سديد فاستقام على السد
فنال بعون الله للملك الرضي
وقد حاز من تكميله غاية القصد
فيا لك من والٍ أعاد نفوسنا
بعود الفرات العذب للسقي والورد
ولا زلت ملحوظاً بعين عناية
ونصرك ما دام المدى خافق البند
وبقي الأمر على ما ذكر عدة سنين وأوصى المهندسون أن لا يهمل السد المذكور من الإصلاح في كل سنة وألا يعود الحال إلى ما كانت عليه، فلم تزل الحكومة تلاحظه وتقذف بالصخر المجلوب من هيت والآجر المجلوب من خرائب بابل، في صدر الهندية وكل ذلك يرسل في الأرض وينخسف ثم أهمل بالكلية فغار ما كان من الصخر والأحجار في الصدر تحت الأرض وتحول الماء إلى نهر الهندية([102]).
كما كان وانقطع جري ماء الفرات عن الحلة والقرى التي أسفلها وعاد من سكنة تلك البلاد وما كانوا عليه من البلاء والفقر والشكوى من العطش وخراب البلاد وعادوا يشربون من الآبار ويبست نخيلهم وأشجارهم وزروعهم وصادفهم برد في سنتين لم يروا مثله في غابر الأزمان، هلك منه الزرع والضرع وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وشرع أولياء الأمور يعللونهم بالأماني الكاذبة والمواعيد حتى انقلب الأمر وصارت الدولة مشروطة بالقوانين ولم يبق بيد ولي الأمر أمر ولا نهي وذلك في أواخر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف في عاشر تموز([103]).
فبادر حينئذ بعض أهل الأملاك في نواحي الحلة إلى الشكوى لأهل الحل والعقد من أرباب الدولة وبيان ما عرى تلك البلاد من الضرر والخسائر وما كان من الأعراض عن سماع شكواهم قبل الانقلاب وبين ما يلحق ذلك من العواقب الوخيمة للدولة والملة وهلاك الرعايا والخسائر العظيمة ثم تكررت الشكوى مراراً إلى أن ورد الجواب بسماع شكواهم وإرسال المهندسين من الإفرنج لإصلاح السد وغير ذلك مما يتعلق بإصلاح نهري دجلة والفرات وما تشعب منهما من الأنهار وإحياء الموات، والمهندسون الآن باشروا بالأعمال والله المسؤول أن يصلح أمورنا دنيا وأخرى ويحسن عواقبنا في الأمور كلها إنه على كل شيء قدير.
مدرسة الحلة
ونترك الكلام هنا للأستاذ جودت القزويني:
أصيبت حركة الاجتهاد بتوقف بعد رحيل أبي جعفر الطوسي، مما عزز الاعتقاد أن باب الاجتهاد أوشك أن يغلق. ربما يعود السبب إلى اشتراك عوامل عديدة يمكن إجمالها بما يلي:
1 ـ المنحى التقديسي الذي حظي به الشيخ الطوسي من قبل تلامذته، وعدم التجرؤ في الخروج على آرائه، حتى أصبحت آراؤه، وفتاواه تعد في سلك الأدلة على الأحكام([104]).
2 ـ المؤلفات الضخمة التي خلفها الطوسي في مجال الفقه، والعلوم الأخرى ـ التي اعتبرت تأسيساً للعلوم النظرية الشيعية ـ مما جعل نظرياته بعيدة عن الاعتراض.
3 ـ فرض الوضع السياسي العام (في عهد السلاجقة) تشجيع التيارات السلفية، وحسر التيارات العقلية الاجتهادية.
4 ـ يعتبر الموقع الجغرافي للنجف ـ بحد ذاته ـ عنصراً آخر من عناصر عزل الفقهاء، وانكفائهم على الدراسة والتدريس، وانقطاعهم عن التجديد الذي كان سائداً في عصر التلاقح الفكري في أجواء (مدرسة بغداد).
5 ـ تفرق تلامذة الطوسي (البالغ عددهم الثلاثمائة) في بغداد عن اللحوق به عند هجرته إلى النجف، الأمر الذي جعل من مركز النجف مركزاً فتياً لم يكن بمستوى التفاعل مع التطور الذي أنجز في الفكر العلمي([105]).
وقد أطلق على الفقهاء الذين جاؤوا بعد الطوسي اسم «المقلدة». وقد حافظ هؤلاء المقلدة على نقل آراء الطوسي وشرحها قرابة القرن من الزمن، حتى روي عن أحد ناقدي تلك المرحلة أن قال «لم يبق للإمامية مفتٍ، بل كلهم حاكٍ»([106]).
بقي مركز النجف يضم عدداً من الفقهاء أمثال الشيخ أبي علي الحسن ابن الشيخ الطوسي توفي حدود سنة 515هـ/ 1121م وولده أبو نصر محمد بن الحسن([107]) الطوسي (ت: 540هـ/ 1145م) اللذين بقيا محافظين على الوجود العلمي لهذه المدينة، ولم ترد إشارات تاريخية عن طبيعة الحياة الفكرية والاجتماعية التي كان يمارسها هذا المركز، إلا إن الدراسة بقيت مستمرة فيه حتى بعد منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وإن لم تتوفر نهضة تميز مرحلة «فترة التقليد» الذي بقي تيار «المقلدة» مستحوذاً عليها.
وقد زامن مركز النجف العلمي في هذه المرحلة مركزان شيعيان مهمان خارج العراق.
المركز الأول: مركز طبرستان([108]) العلمي
وقد أنتج علماء كباراً أمثال:
ـ عماد الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي الطبري الآملي المعروف بالعماد الطبري، وهو من أكابر المحدثين([109]) الذي روى عنه كثير، من علماء الشيعة في إجازاتهم، كما اشتهر بكتابه، «بشارة المصطفى لشيعة علي المرتضى».
ـ ضياء الدين فضل الله بن علي الحسيني الراوندي المتوفى بعد سنة 548هـ/ 1153م.
ـ قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي([110]) (ت: 573هـ/ 1178م)، وهو أول من شرح كتاب «نهج البلاغة» المتضمن لخطب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأول من كتب في آيات الأحكام.
وقد ظهر في منطقة خراسان أيضاً أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهدي (ت: 548هـ/ 1153م) الذي كتب تفسيراً للقرآن بعنوان «مجمع البيان»([111]) عد واحداً من أهم التفاسير الشيعية للقرآن.
المركز الثاني: مركز حلب
ازدادت أهمية مركز حلب العلمي بعد وفاة حفيد الشيخ الطوسي في النجف عام 540هـ/ 1145م، وقد تزعم الحركة الدينية فقهاء كبار أصبحوا من علامات المذهب الشيعي في العصور التي جاءت بعده، منهم:
ـ أبو المكارم حمزة بن علي الحلبي المعروف بابن زُهرة (ت: 585هـ/ 1189م).
ـ رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني المعروف بابن شهر آشوب([112]) (ت: 588هـ/ 1192م).
وقد استمر المركز التعليمي في حلب بنشاطه العلمي أكثر من نصف قرن حتى اضمحلاله سنة 590هـ/ 1193م.
المركز الثالث: مركز الحلة([113])
بدأ مركز الحلة بالظهور أواخر القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، إلا أن الشهرة العلمية سرعان ما تفجرت بعد سنوات من نمو الدراسة في هذا المركز العلمي الفتي الجديد لتجعله مدرسة من مدارس الفكر الشيعي المتميزة التي تجاوزت شهرتها مركز حلب، وطبرستان، وقد بقيت الزعامتان الدينية والسياسية للعالم الشيعي متصدرة فيه قرابة ثلاثة قرون متوالية.
إن نشوء مركز الحلة كان له علاقة بالأسر العربية التي عاشت في تلك المنطقة، والتي يمتد بعضها بجذوره إلى عصر التتلمذ على يد فقهاء النجف الذي بدأ مركزهم في النجف بالاضمحلال بداية القرن السادس الهجري، والتلاشي في منتصفه.
ليس من المستبعد أن يكون قسم من فقهاء النجف قد انتقلوا إلى الحلة، ونقلوا فكرهم معهم إلا أن مثل هذه الإشارات لم تكن واضحة في المصادر التي تعرضت لتاريخ هذه الحقبة الزمنية، بيد أن النمو المتزايد لنفوذ الأسر التي سكنت الحلة أنتج فقهاء كانوا حلقة الوصل بين هاتين المدرستين.
ومن أهم هذه الأسر:
أولاً: أسرة آل نما. يصادف عصر أبيهم الأكبر الشيخ نما بن علي الربعي عصر أبي علي الحسن بن الشيخ الطوسي([114]). ومن أشهر فقهاءهم.
1 ـ الشيخ الرئيس أبو البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الربعي الحلي الذي كان حياً سنة 573هـ/ 177م وهو يروي بالإجازة عن الحسين بن أحمد ابن طحال المقدادي (أحد علماء النجف)، بتاريخ 520هـ/ 1126م([115]).
2 ـ نجيب الدين أبي إبراهيم محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله الذي كان رئيس الطائفة في زمانه، وكان محققاً مدققاً([116])، وهو من مشايخ المحقق الحلي([117])، ومن مشايخ الشيخ سديد الدين (والد العلاّمة)، والسيد أحمد بن طاووس، وأخيه رضي الدين. توفي سنة 645هـ/ 1247م.
3 ـ نجم الملة والدين جعفر بن محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما. كان من كبار العلماء في الحلة، وهو من مشايخ العلاّمة. له مؤلفات منها: «منهج الشيعة في فضائل وصي خاتم الشريعة»، و«أخذ الثار في أحوار المختار» و«مثير الأحزان»([118]).
ثانياً أسرة آل البطريق. ومن فقهائها:
1 ـ شمس الدين بن يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد، بن البطريق الأسدي المعروف بابن البطريق. قرأ على يد سديد الدين الحمصي الرازي الفقه، وعلم الكلام في الحلة ثم سكن بغداد وواسط، وهو يروي عن عماد الدين محمد بن القاسم الطبري، وعن محمد بن علي ابن شهر آشوب المازندراني، وصارت إليه الفتوى على مذهب الشيعة. توفي سنة 600هـ/ 1204م، عن (77) عاماً([119]).
2 ـ نجم الدين علي بن يحيى البطريق: كان فقيهاً، شاعراً. توفي سنة 642هـ/ 1244م، وله أخ هو محمد بن يحيى بن البطريق.
ثالثاً: أسرة أسامة العلوي النقيب:
من أعاظم بيوت العلويين، ولي أسامة النقابة في الحلة سنة 452هـ/ 1060م، وتوفي سنة 472هـ/ 1079م. وكانت لهم بقية بالحلة حتى عام 760هـ/ 1460م.
ومنهم: زيد بن علي النقيب بن أسامة بن عدنان بن أسامة بن عدنان بن أسامة النقيب كان شاعراً فاضلاً، فارق العراق، ومضى إلى الهند (هو وأخوه ضياء الدين أبو القاسم علي)، وولي هناك (زعامة الطالبيين). ولهما عقب في الهند([120]).
رابعاً: آل طاووس:
وهم سادة نقباء فقهاء اشتغل جماعة منهم بالعلوم الدينية كما شغل آخرون بعض المناصب الإدارية كنقابة الإشراف، والصدارة، وإمارة الحج. وأول من تولى النقابة منهم جدهم أبو عبد الله محمد الملقب بالطاووس في منطقة (سورا)، وهي من المناطق التابعة لمدينة الحلة.
ومن زعماء الأسرة المحدثين السيد سعد الدين موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الطاووس الذي كان محدثاً، وراوية للأخبار. وكان له أربعة أولاد، شرف الدين محمد، عز الدين الحسن، جمال الدين أبو الفضائل أحمد، ورضي الدين أبو القاسم علي. وأمهم بنت الأمير الشيخ ورام ابن أبي فراس المالكي. وأم أبيهم بنت الشيخ الطوسي. وكان رضي الدين يعبر عن كل منهما بلفظ (جدي).
وأشهر فقهائهم:
1 ـ رضي الدين علي بن طاووس. تولى نقابة بغداد في العصر الإيلخاني، فجلس في مرتبة خضراء، وكان الناس عقيب سقوط بغداد قد أبدلوا بالسواد (الشعار العباسي) اللون الأخضر. ولد سنة 589هـ/ 1193م، وتوفي سنة 664هـ/ 1266م.
انتقل إلى بغداد، وبقي فيها خمس عشر سنة، وفيها اتصل بالمستنصر بالله العباسي، وكان عنده من المقربين، كما توثقت صلته بالوزير ابن العلقمي. ولد سنة 589هـ/ 1193م، وتوفي سنة 664هـ/ 1266م([121]).
2 ـ أبو الفضائل أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس: كان مجتهداً، إماماً في الفقه والأصول، وهو أول من قسم الأخبار من الشيعة إلى أقسامها الأربعة المشهورة (الصحيح، الموثق، الحسن، والضعيف) واقتفى أثره تلميذه العلاّمة الحلي، وسائر من تأخر عنه من المجتهدين. له مؤلفات عديدة. توفي سنة 673هـ/ 1274م([122]).
3 ـ شرف الدين محمد بن موسى بن جعفر بن طاووس: قتل ببغداد على يد الجيش المغولي سنة 656هـ/ 1274م.
خامساً: آل المطهر:
وهم أسرة العلاّمة الحلي، وكان أبوه الشيخ سديد الدين يوسف بن الشيخ علي بن المطهر الحلي فقيهاً متكلماً، وهو الذي وفد على هولاكو لتأمين سلامة الحلة من هجوم الجيش المغولي. يروي عن نجيب الدين محمد بن نما. وقد أدرج ولده العلاّمة الكثير من فتاوى أبيه في تصانيفه. كان حيًّا عام 665هـ/ 1267م([123]).
وأشهر من نال شهرةً من هذه الأسرة هو العلاّمة وولده فخر المحققين.
سادساً: بنو الأعرج:
وهم سلالة مجد الدين بن الأعرج صهر الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهر على بنته، وله منها خمسة بنين أشهرهم: عميد الدين عبد المطلب بن محمد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الأعرج الحسيني العميدي الذي يروي عن العلاّمة الحلي. ولد سنة 681هـ/ 1281م، وتوفي سنة 754هـ/ 1353م([124]).
بدأ مركز الحلة بالظهور على يد محمد بن إدريس الحلي (ت: 598هـ/ 1202م)، والتبلور أوائل القرن السابع الهجري/ الثاني عشر الميلادي على يد نجيب الدين محمد بن جعفر بن نما الحلي (ت: 645هـ/ 1248م) ـ الذي أنشأ بيوت الدراسة في الحلة سنة 636هـ/ 1239م ـ والازدهار الفقهي على يد نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلي (ت: 676هـ/ 1277م)، والتكامل المعرفي والسياسي على يد الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلي (ت: 726هـ/ 1326م).
وكانت بداية ظهور مركز الحلة الديني متزامنة مع عهد بناء مدينة الحلة سنة 495هـ/ 1002م على يد سيف الدولة صدقة بن بهاء الدولة المزيدي (479 ـ 501هـ/ 1086 ـ 1108م).
والمزيديون قبيلة شيعية حكمت المنطقة خلال سنة 387هـ/ 997م، حتى سنة 558هـ/ 1162م، وقد امتازت إمارتهم بثقافة حكامها، حيث كان أغلبهم من الأدباء، وإنّ اختيارهم لمدينة الحلة كان عائداً لموقعها الجغرافي المتميز، وطبيعة مناخها المعتدل الأخاذ، مضافاً إلى توفير المياه فيها.
وأول من اعترف بوجود الأمراء المزيدين في هذه المنطقة هم البويهيون سنة 403هـ/ 1012م لاعتقادهم الراسخ أن المزيديين هم وحدهم يستطيعون، بما أوتوا من قوة، أن ينشروا الأمن في المنطقة الواقعة تحت سيطرتهم من هجمات القبائل المخلة بالأمن.
لكن الإمارة المزيدية بلغت استقلالها شبه الكامل كإمبراطورية لأمراء الشيعة في أوج قوة العهد السلجوقي، عندما كان السلاجقة مسيطرين على معظم المناطق الإيرانية، وكانت بغداد العاصمة نفسها واقعة تحت نفوذهم، متخذين من مدينة الحلة عاصمة لإمارتهم.
وكان الأمير سيف الدولة صدقة الذي يعد أكبر حكام هذه الإمارة قد أخضع المناطق الجنوبية العراقية لسيطرته، وبلغ تأثير نفوذه على عاصمة الخلافة بغداد نفسها.
ونظراً لقوة هذه الإمارة المزيدية، ونفوذها فقد أحس الفقهاء بالأمن تحت ظل حكامها.
أما الوضع السياسي العام، فبعد مقتل الوزير السلجوقي نظام الملك سنة 485هـ/ 1092م بدأ الضغط يتلاشى عن الشيعة، كما بدأت الدولة السلجوقية تنحل شيئاً فشيئاً بسبب الصراعات التي ظهرت بين أبناء الأسرة الحاكمة، حتى سقطت عام 575هـ/ 1179م، مما أرجع نفوذ الخليفة العباسي الذي فقده بين سطوة البويهيين، وشوكة السلاجقة.
امتاز النصف الأول من القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي بفترة حكم الخلفاء العباسيين الأربعة؛ وهم: الناصر لدين الله (576 ـ 722هـ/ 1180 ـ 1225م)، الظاهر بأمر الله (622 ـ 623هـ/ 1225 ـ 1226م)، المستنصر بالله (623 ـ 640هـ/ 1226 ـ 1242م)، والمستعصم بالله (640 ـ 656هـ/ 1242 ـ 1258م) وكانت سياسة هؤلاء الخلفاء قائمة على التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتأييدها دون التعصب لمذهب على آخر خلافاً لأسلافهم.
وقد اتهم بعضهم بسبب الحرية التي تمتع بها أصحاب المذاهب الدينية بممالئة التشيع. وكانت السياسة قائمة على استخدام الشخصيات الشيعية في المناصب الرسمية العالية حتى استوزر عدد منهم، ونصب شيعي آخر لإمارة الحج سنين طويلة([125]).
أما فقهاء الشيعة فإنهم لم ينفتحوا على مراكز الدولة أو يورطوا أنفسهم بالدخول في مسالكها، وقد رفض بعضهم تقلد المناصب التي تقلدها فقهاؤهم في زمن الدولة البويهية كمنصب «نقابة الطالبيين» الذي رفضه رضي الدين علي بن موسى آل طاووس (ت: 664هـ/ 1266م).
وقد تغير موقف الفقهاء في النصف الثاني من القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي بعد الغزو المغولي للعراق عام 656هـ/ 1258م، وسقوط الخلافة العباسية. ووجد الفقهاء أنفسهم أمام تجربة جديدة لم تتح لهم من قبل، وذلك بفضل الظروف الجديدة التي عصفت بعد سقوط الدولة العباسية حتى قبل رضي الدين علي بن موسى بن طاووس تولي منصب نقابة الطالبيين سنة 661هـ/ 1363م، وكان قد رفضه مرات عديدة نهاية العصر العباسي.
ابن إدريس الحلي
إقتران اسم ابن إدريس الحلي بالنهضة العقلية التجديدية التي عبر عنها في كتابه الفقهي المعروف بـ (السرائر ـ الحاوي لتحرير الفتاوي) الذي أودع فيه نظراته الاجتهادية، وطرق استنباطة الشرعي للأحكام، ومارس نقداً لتيار «المقلدة» الذين جمدوا على تراث الشيخ الطوسي، ولم يستطيعوا الإفلات منه؛ الأمر الذي أشاع أنّ جهود ابن إدريس الاجتهادية أعادت فتح باب الاجتهاد الذي أوشك أن يغلق بعد وفاة الشيخ الطوسي.
والأمر وإن لم يكن بهذه الدرجة من التشاؤم إلا أنّ تغير الزمان، وتبدل المكان، واتساع المسافة بين العصرين، كل هذه العوامل أدت إلى التجديد، وعدم التسليم للتراث الذي خلفته مدرسة بغداد للفقهاء والمتكلمين.
وفي هذه الفترة بالذات كانت مدينة (حلب) قد شهدت نشاطاً علمياً تجديدياً على يد أبي المكارم حمزة بن علي الحسيني المعروف بالسيد ابن زُهرة الحلبي (511 ـ 484هـ/ 1117 ـ 1189م) تميز بعدم التسليم لآراء الشيخ الطوسي.
ويعتبر كتابه “غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع”. من الكتب التي حوت على بعض النظرات التجديدية في بعض مسائل علمي الأصول والفقه.
إن استقلالية ابن زُهرة جعلته يتحرر من ربقة الوقوع في أسار الحركة التقليدية المتوارثة، فكان يعبر عن وجهات نظر متعارضة. وبالرغم من استقلالية ابن زُهرة في إظهار آرائه المخالفة في المسائل المنقولة في كتب الأصول فإنّه كان يثير بعض المسائل الأصولية الجديدة التي لم تكن متعارفة في أدبيات الشيخ الطوسي، خصوصاً في كتابه (العدة). وقد استدل على مسألة. دلالة الأمر على الفور. التي يقول بها الطوسي إلى أنّ ابن زُهرة يخالف رأي الطوسي في اعتباره صيغة الأمر «حيادية لا تدل على فور، ولا تراخٍ»([126]).
إنّ منحى التشابه بين ابن زهرة، وابن إدريس في هذه المرحلة ميّز هذه الفترة الزمنية ببداية اتساع الفكر الإستدلالي الشيعي بعد مرحلة الركود نقلته إلى عصر جديد من عصور مدرسة الاجتهاد.
ونتيجة للفتح العلمي، والحرية التي تمتع بها هذان الفقيهان؛ فقيه حلب، وفقيه الحلة، فقد دأب الإثنان على المراسلة والمناقشة بينهما في جملة من مسائل الفقه، وقد سجل ابن إدريس بعض مخالفاته عليه([127]).
لكن ابن زهرة لم يتعرض لما تعرض له ابن إدريس من إنتقاد من بعض علماء الشيعة سواء المعاصرين له، أو الذين جاؤوا بعده؛ فقد انتُقد لأسباب متعددة لمخالفته قدماء الأصحاب، وإكثاره الطعن على الشيخ الطوسي، وقوله بحجية الخبر الواحد، وعن بعض الفتاوى النادرة، والأقوال الشاذة المنسوبة إليه([128]).
كما اتهم أيضاً بأعراضه عن أخبار أهل البيت بالكلية([129]).
إلا أن هذه الانتقادات كلها لم تقلل من أهمية جهوده العلمية التي أحلته مكانته في تأريخ الفكر الشيعي رئيساً للمذهب، وشيخاً لعلماء عصره، فسرعان ما عاد فقهاء الطائفة إلى الاعتماد على مروياته، والتعبير عنه بما يليق ومكانته بالزعامة العلمية والروحية التي تبوأها في عصره([130]).
إن النهج الذي خلفه ابن إدريس في مؤلفاته أغنى الدراسات التخصصية بالاتساع في جانبيها الأصولي والفقهي. وظهر ذلك واضحاً من خلال المقارنة بين كتابه (السرائر) الذي اشتهر به، وكتاب (المبسوط) للشيخ الطوسي، حيث ابرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي بشكل أوسع مما استخدمه الطوسي في استدلالاته، كما توسع في بيان الاستدلال الفقهي في المسائل التي اختلف بها مع الطوسي، وتوسع في بحثها بشكل يختلف عما تناوله الطوسي في المسألة نفسها.
وكان في احتجاجاته هذه يناقش آراء الطوسي، ويفندها، كما كان يضع الاحتمالات المفترضة لكي يبطلها بالمناقشة، ويفندها؛ الأمر الذي يعزز أن مناقشات ابن إدريس لآراء الطوسي كان بعضها صدى لأفكار الفقهاء المخالفين له الذين لم يوافقوا منهجه في نقد شيخ الطائفة والخروج على مبانيه الفقهية([131]).
إن الحركة التي خلفها ابن إدريس في إثارة الجدل بين المتخصصين ميزت مرحلته كمرحلة جديدة من مراحل الانتقال السريع، والتطور في المؤسسة الفقهية التي نضج فيها الفقه بما فيه من مأثورات ومسائل سواءً أكانت مجمعاً عليها، أم غير مجمع.
ويمكن أن تكون الانتقادات التي تلقاها من بعض معاصريه، وغيرهم تتشابه في بعض وجوهها بما حصل من انتقاد حاد لسلفه المجتهد ابن الجنيد الذي أوقعه اجتهاده في أسار رفض فقهاء عصره لبعض طرائقه المعتمدة في استنباط الأحكام الشرعية.
كما أن متطلبات اجتهاده تعيد إلى الأذهان نهضة الاجتهاد التجديدية التي ولدها الشريف المرتضى قبله. وربما كان مبدأ (الرفض) في أدبياتهما هو المبدأ الذي يميز اجتهادهما من خلال المرحلتين الزمنيتين اللتين أفرزتا هذا (المبدأ) الحاد في رفض الموروثات المسلمة.
وقد تهيأ لهذا المنهج العقلي الاجتهادي من يخفف من حدته غير المتعارفة، فيمتص الشيخ الطوسي الصدمة التي ولدها المرتضى في منحى التفكير العقلي، ويتصدى فقيه آخر هو نجم الدين جعفر بن الحسن الملقب بالمحقق الحلي ـ في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي ـ للموازنة بين آراء ابن إدريس النقدية من جهة، والدفاع عن شيخ الطائفة الطوسي بإقرار شركته التأسيسية الضخمة من جهة أخرى.
المحقق الحلي
تبدأ مرحلة جديدة من مراحل تطور مدرسة الحلة الفقهية على يد المحقق الحلي وهي مرحلة التوازن العلمي التي كان الشيخ الطوسي قد تميز بها في غضون نشاطه ضمن إطار مؤسسة الفقهاء في مرحلة مدرسة بغداد.
ونتيجة لهذا الجهد المتوازن فقد لقب الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي بلقب «المحقق»([132])، كما لقب الطوسي بلقب «شيخ الطائفة» من قبل للإسهامات ذاتها.
سيطر المحقق على مقاليد الدراسة والتدريس في مركز الحلة، وتخرج على يديه جيل من المجتهدين، كان أظهرهم ابن أخته الحسن بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلي (648 ـ 726هـ/ 1250 ـ 1325م).
إن أهم مساهمات المحقق العلمية كانت في مجال تنقيح مناهج الفقه، وإعادة ترتيب أبوابه، وإعطاء مفهوم نظري جديد للاستدلال الشرعي من خلال فهمه للاجتهاد، ونقل مفهومه من اللفظة السائدة الدالة على رأي المجتهد إلى مصطلح متكامل يعتمد على عملية استنباط الأحكام من مصادرها التفصيلية.
أما إسهاماته في مجال تنقيح، وإعادة ترتيب الأبواب، الفقهية فقد هذب المحقق آراء الشيخ الطوسي، ودوَّن أصولها مستفيداً من الاعتراضات التي واجهت منهج الطوسي في محاولة للتوفيق بين المنهجين.
كما ألف كتابه الشهير «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» الذي اهتم به الدارسون منذ عهد تأليفه اهتماماً متزايداً، وأصبح من الكتب الرسمية في المعاهد الدراسية، ووضع له جملة من الفقهاء شروحاً عليه متفاوتة بالاستدلال والتفريع، حتى ألفت الموسوعات الفقهية الضخمة حوله([133])، ولا يزال يحظى بعناية الدارسين إلى يومنا هذا.
وقد أزاح كتاب «الشرائع» منذ تأليفه كتاب «النهاية» للشيخ الطوسي الذي كان مقرراً في الدراسات السابقة عليه، وأصبح الكتاب الدراسي الأول لطلاب الفقه.
قسم المحقق المباحث الفقهية إلى أربعة أقسام:
العبادات: يبدأ بكتاب (الطهارة)، وينتهي بكتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
العقود: يبدأ بكتاب (التجارة)، وينتهي بكتاب (النكاح).
الإيقاعات: يبدأ بكتاب (الطلاق)، وينتهي بكتاب (النذر).
الأحكام: يبدأ بكتاب (الصيد والذباحة)، وينتهي بكتاب (الديات).
وهذا التقسيم مغاير لما كان سائداً في الكتب التي سبقت (الشرائع) بزمن التأليف. فالشيخ الطوسي ـ مثلاً ـ عدّ العبادات الشرعية خمسة (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد)([134])، ولم يفرد لـ (الاعتكاف)، و(العمرة) مبحثاً مستقلاً، فقد بحث (الاعتكاف) ضمن كتاب (الصوم)، و(العمرة) ضمن كتاب (الحج)، أمّا مبحث (الخمس) فجعله مندرجاً ضمن كتاب (الزكاة).
أما المحقق فقد أورد جميع هذه المباحثات بشكل مستقل، وأضاف إليها كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي لم يشر إليه الطوسي ضمن كتاب (الجهاد).
وقد تسالم فقهاء الشيعة على ترتيب المنهج الفقهي الذي جاء به المحقق، ولم يظهر تقسيم آخر إلاّ على يد الفقيه المعاصر الشهيد السيد محمد باقر الصدر (1353 ـ 1400هـ/ 1933 ـ 1980م)، فلم يبحث «العبادة المشوبة بالمالية» ضمن مباحث (العبادات) مثل (الخمس)، و(الزكاة)، بل جعلها تحت عنوان «الأموال العامة»، كما أضاف للعبادات المحضة مبحث «الكفَّارات»، وجعل مبحث «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ضمن تقسيم يندرج تحت عنوان (السلوك الخاص)([135]).
تحديد مفوم كلمة الاجتهاد
كلمة الاجتهاد تعني في اللغة بذل الوسع والمجهود، وقد استعملت بمعناها اللغوي حتى عصر الإمام الشافعي الذي جعلها مساوية للقياس في بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي في واقعة لا نص عليها([136]).
وقد ساد استعمال لفظة الاجتهاد بمعنى (الرأي) أيضاً فيما لا نص فيه بعد مرحلة الشافعي بالذات، إلا أن فقهاء الشيعة لم يجيزوا استعمال (الرأي)، و(القياس)، و(الاجتهاد) باعتبار أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ بالظن وإنما بالنصوص القطعية ووقفوا موقفاً سلبياً من استعمال هذه (المصطلحات) التي اقترنت بالمدارس السنية في الاستنباط، والتي تعبر عن التفكير الشخصي مقابل (النص).
وقد بقيت لفظة (الاجتهاد) تحمل معنى الرأي الشخصي والقياس منذ عصر الأئمة حتى القرن السابع الهجري؛ ووردت بعض الأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت تذم (الاجتهاد) في معناه هذا([137])، وقد صنفت في عصرهم مؤلفات منها: الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس، لعبد الله بن عبد الرحمن الزبيدي([138])، و«الرد على من رد آثار الرسول، واعتمد نتائج العقول» طلال بن إبراهيم بن أبي الفتح كما صنف إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتاباً في النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد»([139]).
وقد ورد ذم (الاجتهاد) بالمعنى السائد عندما كتب الشيخ المفيد ناقداً أستاذه في «النقض علي بن الجنيد في اجتهاد الرأي»([140]).
وأول من كتب في موضوع (الاجتهاد)، وأفرد له بحثاً مستقلاً هو المرتضى في كتابه «الذريعة إلى أصول الشريعة». ولم يضف المرتضى بعداً جديداً لكلمة (الاجتهاد)، وإنما استعملها بمعناها اللغوي الدال على بذل الوسع والطاقة فيما يتوصل به إلى الأحكام من الأدلة.
لكنه ميز بين كلمة (الاجتهاد)، وكلمة (القياس) حيث أدخل القياس في الاجتهاد، وجعل (الاجتهاد) أعم منه.
فالقياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه. فإذا ورد حكم منصوص في موضوع، وقسنا حكماً آخر عليه فإن الحكم الثاني يأخذ نفس الحكم الأول، ولا يمكن الاختلاف في نتائج هذا الحكم.
أما الاجتهاد فإن لم يتعين منه الأصل الذي يقاس عليه، وكل شخص يبذل وسعه في الوصول إلى (الحكم) هو مصيب. ومثال ذلك الاجتهاد في تعيين إتجاه الصلاة إلى (الكعبة)، فإذا ظهرت (إمارة) أن (القبلة) في جهة من الجهات لزمت الصلاة إلى تلك الجهة، وإذا أدى الاجتهاد إلى أن تحديد (القبلة) في جهة أخرى لمكلف آخر لزمته الصلاة إلى ما غلب في ظنه أنه جهة (القبلة). وكل منهما مصيب، وإن اختلف التكليف([141]).
وقد لاحظ الدكتور Norman Calder في دراسته المهمة أن مصطلح (الاجتهاد) استعمل بشكل غير تقني Non-technical عند فقهاء الشيعة، ولم يتطور إلا بعد مرحلة ابن إدريس الحلي([142]).
ويظهر ذلك بعد محاولة المحقق الحلي في تطوير لفظة (الاجتهاد) تطويراً يتفق مع مناهج الإستنباط في الفقه الشيعي؛ حيث أشار إلى حقيقة الاجتهاد بقوله: «هو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية.
وبهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلة الشرع اجتهاداً لأنها تبنى على اعتبارات نظرية ليست متسفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، وسواءً كان ذلك الدليل قياساً أو غيره، فيكون القياس على هذا التقدير أحد أقسام الاجتهاد([143]).
وذكر السيد محمد باقر الصدر أن المحقق الحلي لم يتحرج من إطلاق اسم (الاجتهاد) بعد أن أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره، فلم يعد (مصدراً) من مصادر الاستنباط، بل هو (عملية) استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه.
والفرق بين المعنيين جوهري للغاية إذ كان للفقيه على أساس المصطلح الأول للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصي، وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص.
وأما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الحكام بالاجتهاد، لأن الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدراً للحكم بل هو عملية استنباط الحكام من مصادرها([144]).
وبالرغم من تطوير المحقق لكلمة (الاجتهاد)، وإعطائها معنى جديداً فإن المرحلة الحاسمة لتطور نظرية الاجتهاد الشيعية حصلت في زمن العلاّمة الحلي حيث أدخل كلمة (الظن) ـ لأول مرة ـ بقوله في تعريف الاجتهاد: «هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعية على وجه لا زيادة فيه»([145]).
إن الإنجازات التي قدمها العلاّمة الحلي ـ كما يقررها بعض المتخصصين ـ يمكن أن تختصر في نقطتين؛ الأولى: أنَه اقترح مصطلحات جديدة في تقسيم علم الحديث، والثانية، في تبنيه المصطلحات التقنية لعلم الأصول في محاولة لتقديم مبادئ أساسية للاجتهاد([146]).
وتجدر الإشارة إلى أن ما أورده المرتضى في (الذريعة) بقي الأساس الذي اعتمد عليه الفقهاء الذين جاؤوا بعده؛ كما يلاحظ ذلك في المباحث التي أوردها المحقق والتي وردت في الذريعة قبله ومن ذلك (التقليد في أصول العقائد)([147])، و(الكلام في صفة المفتي)([148])، وغيرهما.
وبالرغم من التبويب المستقل، وتنظيم أبواب علم الأصول عند العلاّمة فإن أغلب هذه المباحث كان المرتضى قد تكلم فيها، ومن تلك (شرائط المجتهد)([149])، (تصويب المجتهد)([150])، (في جواز التقليد)([151])، وغيرها.
نصير الدين الطوسي
من الشخصيات الكبيرة التي لعبت دوراً سياسياً وعلمياً مهماً هو الخواجة نصير الدين الطوسي (597 ـ 652هـ/ 1201 ـ 1274م)، وخصوصاً دوره غير المباشر في التأثير على المؤسسة الدينية الشيعية بجرها للميدان السياسي من خلال العلاّمة الحلي، وبناء مناهجها الفكرية على أسس جديدة من خلال مزج العقائد الكلامية بالفكر الفلسفي الذي كان سائداً يومذاك.
كتب نصير الدين مؤلفات غزيرة في الفلسفة والرياضيات، والعقائد، والتصوف، والعلوم الطبيعية، والفلك، والطب، وعلم المعادن، وعلم التنجيم. وقد أحصى بروكلمان (57) مؤلفاً له([152])، كما أضيفت إلى قائمة مؤلفاته رسالته النادرة في تنظيم الموارد المالية للدولة المغولية، التي نقلها عن الفارسية إلى الإنكليزية. M. Minovy بالاشتراك مع V. Winorsky، ونشرت سنة 1940م([153]).
أما صلة نصير الدين بالمؤسسة الدينية، فيأتي ذلك من خلال زيارته لمدينة الحلة عندما كان يقوم بتنظيم شؤون الأوقاف في البلدان الإسلامية ولقائه لأول مرة لزعيم الفقهاء المحقق الحلي عام 662هـ/ 1264م. ولم تكن هناك أي إشارة تاريخية سابقة قبل هذه الزيارة تدل على لقاء بين نصير الدين، ومجتهدي عصره من الشيعة في مدينة الحلة.
ولد نصير الدين عام 597هـ/ 1201م في مدينة جهرود القريبة من (طوس) الإيرانية، ودرس على يد أبيه محمد بن الحسن الطوسي، كما درس على يد خاله الفيلسوف الحكيم المولى أفضل الدين محمد الكاشاني (الذي قيل إنه توفي عام 707هـ/ 1308م).
ثم هاجر إلى مدينة نيسابور (المدينة المزدهرة بالدراسات العقلية يومذاك) ـ وهو ابن الخامسة عشرة، ودرس العلوم العقلية والفقهية، والحكمة والرياضيات والمنطق على يد الأساتذة العقلانيين أمثال: معين الدين سالم بن بدران، وأبي حامد محمد بن أبي بكر إبراهيم النيسابوري (ت: 627هـ/ 1230م) وغيرهما([154]).
وبعد المذبحة التي أحدثها الجيش المغولي بنيسابور عام 619هـ/ 1222م هرب نصير الدين ضمن الناجين من الأهالي إلى مدينة طوس، فذاعت شهرته الفلسفية في أنحاء هذه البلدة بعد استقراره فيها، وممارسة نشاطه الفلسفي، فوجه إليه الداعي الإسماعيلي ناصر الدين عبد الرحيم بن أبي منصور (حاكم قوهستان) ـ من قبل الإمام الإسماعيلي النزاري علاء الدين محمد بن جلال الدين حسن ـ الدعوة لزيارة قوهستان ـ وهي قصبة من خراسان ـ، فنزل عليه سنة 625هـ/ 1228م، وأقام عنده، فانبهر ناصر الدين به، وأرسله إلى قلاع (ألموت) لزيارة الإمام النزاري علاء الدين محمد (صاحب ألموت) ـ بدعوة منه ـ فانبهر هذا الإمام أيضاً بنبوغه الفلسفي، وقربه، وعهد إليه وظيفة استشارية لا تقل عن رتبة (الوزارة) ([155]).
وبعد مقتل الإمام علاء الدين غدراً سنة 653هـ/ 1255م اتخذه ولده الإمام محمود ركن الدين خورشاه وزيراً.
بقي الطوسي أكثر من ربع قرن في ألموت حتى القضاء على الدولة النزارية الإسماعيلية حيث أجبره هولاكو على صحبته ليبني له مرصداً كبيراً (راجع: ألموت).
أما دور نصير الدين في المؤسسة الدينية الشيعية فقد ظهر واضحاً من خلال إعداده للعلاّمة الحلي، تلميذه الشاب، للدور الذي لعبه فيما بعد في إعلان تشيع الدولة المغولية.
نصير الدين في الحلة:
زار نصير الدين مدينة الحلة سنة 662هـ/ 1264م، ففوجئ بوجود نهضة دينية متقدمة فيها. ويبدو أن هذه هي الزيارة الأولى التي يلتقي فيها نصير الدين بالفقهاء الشيعة.
ونقلت مناظرة جرت بينه وبين المحقق الحلي حول تحديد اتجاه القبلة نحو الكعبة في الصلوات([156])، كما عبّر عن إعجابه بالنهضة العلمية القائمة في الحلة، وأشاد بما شاهده فيها، ونقل عنه أنه قال «رأيت خرّيتا ماهراً، وعالماً إذا جاهد فاق»([157])، ويعني بهما المحقق الحلي، والعلاّمة الحلي الذي كان في الرابعة عشرة من عمره يومذاك.
ويبدو أن نبوغ العلاّمة لفت نظر الطوسي، فاهتم به، وصحبه معه. وقد نقلت المصادر الشيعية أن نصير الدين سأل العلاّمة الشاب أثناء مرافقته من الحلة إلى بغداد عن اثنتي عشرة مسألة من مشكلات العلوم([158])، مما يدلل على تمكنه في العلوم العقلية، وهو بتلك السن. وتصمت هذه المصادر عن تفصيل مجريات حياة العلاّمة بعد مغادرته مدينة الحلة، وصحبته لنصير الدين.
لم يشر أي مصدر تاريخي إلى أن نصير الدين كان قد استقر في مدينة الحلة، أو عاد إليها مرة أخرى، وهذا يعني أن صحبة العلامة مع نصير الدين امتدت عقداً كاملاً، أو سنوات متقطعة حتى وفاته سنة 672هــ /1273م([159]).
وحاولت النصوص الشيعية أن تعظم منزلة العلاّمة أمام أستاذه عندما ذكرت أن الطوسي قرأ على تلميذه الفقه في فترة تتلمذه عليه في الفلسفة، وعلم الكلام([160]).
وهذا النص، وإن لم يثبت تحققه، فإنه يدل على إقرار هوية العلاّمة الفقهية وتركيز سلطة (الفقه)، مقابل سلطة (الفلسفة).
العلامّة الحلي
ولد العلاّمة الحلي (الحسن بن يوسف بن المطهر) في مدينة الحلة سنة 648هـم 1250م.
درس العلاّمة في بداية نشأته الأولى على يد والده، وخاله المحقق الحلي([161])، كما حضر على يد جمال الدين أحمد بن طاووس (ت: 673هـ/ 1274م)، وأخيه رضي الدين علي بن طاووس (ت: 664هـ/ 1266م) في الحديث، والكلام، والتفسير، والفقه، والأصول. وعلى نجيب الدين يحيى بن يحيى بن سعيد الهذلي (ت: 689، أو 690هـ/ 1290، أو 1291م) في الفقه.
وعندما زار نصير الدين مدينة الحلة عام 662هـ / 1263م اصطحب العلاّمة الحلي معه إلى مراغة، واختصه بالتدريس هناك([162])، كما حضر فيها على جملة من العلماء منهم:
1 ـ نجم الدين علي بن عمر الكاتبي الشافعي الملقب بـ (دبيران) القزويني([163]) (ت: 675هـ/ 1277م) في الفلسفة، وكتب فيما بعد شرحين على كتابيه (الرسالة الشمسية) من المنطق، و(حكمة العين) في الميتافيزيق، والعلوم الطبيعية، وقرأ عليه كشف الأسرار عن غوامض الأفكار، للقاضي أفضل الدين الخونجي.
2 ـ أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري (ت: 663هـ/ 1264م)، كان فيلسوفاً رياضياً فلكيا، ومؤلفاً لكتاب (هداية الحكمة)، وكتاب (الإيساغوجي) أو (الكليات الخمسة).
درس الأبهري العلاّمة الحلي مؤلفات فخر الدين الرازي (ت: 606هـم 1209م)، كما قرأ عليه كتابات القاضي أفضل الدين الخونجي (ت: 649هـ/1250=م) في الفلك، والمنطق([164]).
3 ـ ميثم البحراني (ت: 679هـ/ أو 699هـ/ 1280م أو 1300م) أحد تلامذة نصير الدين الطوسي في/ مراغة)([165]).
وبعد مرحلة (مراغة)، ورجوع العلاّمة إلى بلاده استحصل بعض إجازات الرواية عن مشايخ عديدين:
منهم: شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الكشي (ت: 694هـم 1296م) الذي كان مدرساً في المدرسة النظامية ببغداد سنة 665هـ/ 1266م، وبقي فيها حتى دعاه وزير هولاكو علاء الدين عطا ملك الجويني (ت: 682هـ/ 1283م) إلى مدينة أصفهان([166]).
ومنهم: برهان بن محمد النسفي (ت: 687هـ/ 1288م) الذي جاء بغداد سنة 675هـ/ 1276م للتدريس في المدرسة المستنصرية، وقد درس عليه العلاّمة في الجدل([167]).
كان العلاّمة خلال عقد كامل من الدراسة تحت إشراف أستاذه نصير الدين قد تسلح بالعلوم العقلية والفلسفية، ولم يكن نصير الدين قد شكل العقل الفلسفي لتلميذه فحسب، بل استطاع أن يشكل منهجاً سياسياً من خلال صلته بالسياسيين المغول، وبالشخصيات الحاكمة يومذاك أيضاً.
والمصادر الشيعية بالخصوص، وإن كانت تحاول أن تنزه العلاّمة عن الدخول في حقول السياسة إلا أن الأحداث التاريخية، والمؤشرات تؤكدان على تأثير العلاّمة المباشر على سير المجريات العقائدية ـ فيما بعد ـ في عهدي السلطانيين محمود غازان خان (694 ـ 703هـ/ 1294 ـ 1303م)، وأولجايتو خان المعروف بـ محمد خدابنده (703 ـ 716هـ/ 1303 ـ 1316م)، وظهور تأثيره الفاعل في إعلان تشيع الدولة المغولية رسمياً على يد خدابنده.
ففي الفترة التي تلي رحيل نصير الدين كان العلاّمة لا يزال مستظلاً في كنف خاله المحقق الحلي إلا أن المدة الزمنية التي قضاها هذه المرة مع خاله لم تدم طويلاً فقد رحل المحقق بعد أربع سنوات فقط من الملازمة ليترك العلاّمة يشق طريقه للوصول إلى الزعامة العامة ـ في العقدين القادمين ـ في المؤسسة الدينية المزدهرة في هذه المرحلة بفقهاء مدينة الحلة الكبار.
لم يسحل للعلاّمة أي نشاط في الفترة الزمنية التي تولى فيها الحكم أباقا خان بن هولاكو (663 ـ 680هـ/ 1234 ـ 1281م)، وأخوه أحمد تكودار (681 ـ 683هـ/ 1282 ـ 1284م) ـ الذي كان أول من اعتنق الإسلام إلا ما عرف من نشاطه في مجال التدريس والتأليف وتخريج الفقهاء على يديه.
تفرغ العلاّمة للتدريس، وتخريج الفقهاء، وللكتابة والتأليف. ومن خلال ما أورده الطهراني في الحقائق الراهنة. من تراجم أسماء فقهاء القرن الثامن الهجري يظهر بشكل واضح تأكيد ما اشتهر أن عدد التلامذة الذين تخرجوا عليه قاربوا الأربعمائة مجتهد([168]).
أما في مجال التأليف فقد قدم مؤلفات غزيرة في شتى حقول المعرفة، كما جدد بناء الفكر الشيعي، وأحكم أصوله. ويعود إليه الفضل في تطور أساس المعتقدات الشيعية الملائمة لعصره دون أن يخرج عن الخط الذي وضعه أسلافه الكبار من فقهاء مدرسة بغداد، ومتكلميهم، وهم: المفيد والمرتضى، والشيخ الطوسي.
وبفضل اضطلاعه بالفلسفة، وعلم الكلام قدم مؤلفات استندت على التحليل والجدل المنطقي، وساهمت إلى حد كبير في وضع بناء أصول المذهب الشيعي على أسس عقلية ومنطقية.
فقد كتب ما يقرب من عشرين مؤلفاً في علم الكلام، وخمسة وعشرين كتاباً في الفلسفة والمنطق، وقدم موسوعات في الفقه، ومؤلفات في علم الأصول. وقد أحصي له ما يقرب من عشرة مؤلفات في كل من هذين الاختصاصين([169]).
وفي الفقه كتب مؤلفات أصبحت مداراً لموسوعات فقهية تامة في الاستدلال؛ كان من بينها كتاب «منتهى المطلب في تحقيق المذهب»([170]). الذي ذكر فيه مذاهب المسلمين في الفقه، والمسائل التي وقع فيها الاتفاق بين الفقهاء الشيعة، و«تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية»، اقتصر فيه على مجرد الفتوى([171])، و«مختلف الشيعة في أحكام الشريعة»([172]) الذي كرسه للدراسة المقارنة لمسائل الفقه التي وقع فيها الاختلاف بين الفقهاء الذين سبقوا عصره. وقد أعاد هذا الكتاب تحرير آراء الفقهاء المهملين الذين تقدموا على مرحلة مدرسة بغداد، أمثال الفقيهين الشيعيين ابن عقيل، وابن الجنيد، ونقل آراءهما في مسائل متعددة.
ومن مؤلفاته المتميزة كتاب «قواعد الأحكام في مسائل الحلال والحرام»([173]) الذي لخص فيه فتاواه وبين قواعد الأحكام الشرعية. وقد أصبح هذا الكتاب بعد ظهور الدولة الصفوية دستوراً للبلاد، وألفت حوله الموسوعات الفقهية([174]).
كما نالت رسالته المختصرة «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» عناية كبار الفقهاء فاتخذوها مداراً للدراسة الفقهية الاستدلالية. و«متناً» لشروحهم المطولة([175]).
ويمكن تصنيف مؤلفاته على مرحلتين:
المرحلة الأولى: المؤلفات التي كتبها قبل عام 700هـ/ 1301م([176]).
المرحلة الثانية: المؤلفات التي كتبها بعد عام 700هـ/ 1301م.
والسبب في ذلك أن عدداً من مؤلفاته التي كتبها في مطلع القرن الثامن اكتسبت شهرة واسعة لارتباطها بحدث تشيع الدولة المغولية على يد السلطان أولجايتو (محمد خدابنده)، والتي وضعت بحد ذاتها طلباً لرغبة السلطان، وإرادته، ومن تلك المؤلفات:
1 ـ نهج الحق، وكشف الصدق.
2 ـ منهاج الكرامة في الإمامة.
3 ـ استقصاء النظر في مسالة القضاء والقدر.
4 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين.
وستأتي الإشارة إلى هذه الكتب، والردود التي كتبت عليها.
إن أهم الأحداث التي ارتبط بها اسم العلاّمة مضافاً لجهوده الثقافية، وتخريج طبقة عالية من الفقهاء ـ تتلخص أولاً ـ في تركة أستاذه نصير الدين الفلسفية التي سار بها إلى فكر مدرسة الحلة من خلال شرحه لكتابه «تجريد الاعتقاد»، وثانياً: دوره في إعلان التشيع رسمياً في الدولة المغولية.
تجريد الاعتقاد
ألّف نصير الدين كتاباً اشتهر بعنوان «تجريد الكلام في تحرير عقائد الإسلام»، وكان يعبّر عنه بـ «تحرير العقائد» إلا أن الكتاب اشتهر فيما بعد باسم «تجريد الاعتقاد».
وكان نصير الدين قد صممه ـ على ما يبدو من سنة تأليفه عام 600هـ/ 1262م ككتاب مقرر لدراسة علم الكلام على أساس فلسفي في الجامعة التي أسسها في (مراغة).
إن كتاب، «التجريد» مرآة تؤكد مقولة أن علم الكلام بجانبيه الشيعي والسنّي تأثر بالنزعات الفلسفية عن طريق نصير الدين الطوسي في القرنين السابع والثامن الهجريين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين. فقد مزج الطوسي الفلسفة لأول مرة في الإسلام بعلم الكلام مزجاً تاماً بحيث صارا شيئاً واحداً([177]).
وقد أحرز الكتاب شهرته من خلال الشروح الكثيرة([178]) التي وضعت عليه من قبل المتكلمين المسلمين، وأولها شرح تلميذه العلاّمة الحلي الذي سماه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد»([179])، و«شرح تجريد العقائد»([180])، للمتكلم السنّي علاء الدين بن محمد القوشجي (ت: 879هـ/ 1474م). وله ثلاثة عشر شرحاً أحصاها الطهراني على الكتاب([181]).
وقد اعتبر شرح العلاّمة للكتاب أهم شرح شيعي حتى ليحار الباحث ـ على حد تعبير الدكتور مقلد عند دراسته لهذا الكتاب ـ في الجزم أيهما أهم في خدمة نظرية النبوة والإمامة التجريد للطوسي، أم شرحه للعلاّمة؟!([182]).
ويعتبر شرح العلاّمة الحلي لكتاب «التجريد» شرحاً مستنداً لمصدر موثوق، فقد كان يرجع لاستيضاح بعض المطالب المستعصية لمؤلفه مباشرة، مما يعزز القول أن استيعاب العلاّمة لمطالب الكتاب هو صدى لسنيّ تتلمذه الأولى، إلا أنه لم يضع شرحه عليه إلا بعد أكثر من عقدين من الزمن بعد رحيل أستاذه، لا كما ذهب إليه بعض الدارسين من الاعتقاد أن العلاّمة بدأ في حياة أستاذه([183]).
وما زال الكتاب إلى اليوم كتاباً دراسياً في المراكز الدينية كالنجف، وقم لطلاب الفلسفة، وعلم الكلام.
إعلان التشيع رسمياً في الدولة المغولية:
لم ترد أي إشارة تكشف عن صلة حكام المغول ـ الذين حكموا بعد أباقا خان ـ بفقهاء الحلة. فقد تولى الحكم اثنان من أولاد أباقا خان هما أرغون خان (683 ـ 690هـ/ 1284 ـ 1291م)، وأخوه كيخاتون (690 ـ 694هـ/ 1201 ـ 1294م). إلا أن الحكم الذي تلا هذه المرحلة تميز بتبني من حكام المغول الفتيان للمذهب الشيعي؛ الأول: هو السلطان محمود غازان (694 ـ 703هـ/ 1294 ـ 1303م) ابن اسلطان أرغون خان، والثاني: أخوه السلطان أولجايتو المعروف بمحمد خدابنده (703هـ/ 1304 ـ 1316م).
فعندما اعتلى غازان عرش الإيلخانية أصدر عند توليه الحكم عام 694هـم 1295م مرسوماً ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي لدولة المغول في إيران حيث ارتبطت أسلمة الدولة باسمه.
كان غازان عندما تولى الحكم ابن الرابعة والعشرين، وتوفي عام 703هـ/ 1304م، وهو ابن الثانية والثلاثين. وتميزت سني حكمه بتقربه إلى التشيع سواءً في إيران أو العراق. ومن أجلى مظاهر هذه الصلة جولاته في زيارة مراقد الأئمة في النجف وكربلاء، وإنشاء دور للسادة في مدينة تبريز، وصرف المرتبات، وحصص الأوقاف عليهم.
وقد زار هذا السلطان الفتى عام 698هـ/ 1299م مدينة الحلة، وأمر للعلويين بمال كثير، وأشار إلى حفر نهر بأعلى المدينة سمي بـ (نهر الغازاني) يصل إلى مشهد الحسين في مدينة كربلاء؛ مما سهل حركة تنقل السفن القادمة من بغداد، وأحيى الأراضي الزراعية، وجعلها مليئة بالبساتين.
وعلى الرغم من أن المصادر التاريخية لم تشر إلى أي صلة بين غازان خان، وفقهاء الشيعة إلا أن من المظنون قوياً أن هذا السلطان في زيارته لمدينة الحلة كان لا بد وأن التقى بشيخ فقهائها العلاّمة الحلي، وبقية الفقهاء الذين تزدهر بهم هذه المدينة، وإن لم ترد مثل هذه الإشارات في المصادر التي بين أيدينا.
نص بعض الكتّاب على «شيعية» غازان من خلال اهتمامه بزيارة مراقد آل البيت، وتبرعه بالأموال إلا أنه بقي غير مجاهر بها. وكان يضمر إعلان التشيع رسمياً في البلاد المغولية لما بعد سقوط الحكم المملوكي بمصر والشام، لكن هزيمته أمام المماليك بالشام، ووفاته المفاجئة حالتا دون تحقيق ذلك.
في حين أكد آخرون على سنيَّته، المنفتحة التي تبعده عن التعصب([184]).
وقد فسر ميله إلى التشيع إلى أنه أشبه بالمناورة السياسية التي تهدف إلى قطع الطريق على ثورة العلويين، وقيادتهم المتطلعة للحكم الشعبي المستقل([185])، وفي محاولة لخلق رأي شيعي يدعم موقفه في صراعه مع المماليك الذين أسقطوا حكم الأيوبيين في سوريا سنة 648هـم 1250م ـ بعد فشله في كسب تأييد أهل السنّة، ولإعطاء زحفه صفة الشرعية([186]).
ومما يقوي هذا الرأي الأخير أن جولته في العراق تلتها عام 699هـ/ 1300م تعبئة عسكرية لفتح الشام إلا أن ذلك لم يتحقق له، لكنه أعاد الكرة مرة أخرى عام 700هـ/ 1301م وبقي الجيش المغولي يحاول السيطرة على بلاد الشام حتى توفي غازان عام 703هـ/ 1304م([187]).
إن الروح التي سرت في جسم هذا الحاكم المغولي كشفت بعد تقلد أخيه أولجايتو خان الحكم أنها روح شيعية. والفرق بين الحاكمين أن الأول لم يعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد لطموحه في الفتوحات، وطمعه في الاستيلاء على مصر، وبلاد الشام، في حين أن أخاه تمكن من إعلان التشيع رسمياً في أرجاء الدولة المغولية بعد حوارات طويلة جرت بين علماء المذاهب الإسلامية الذين اختارهم من شتى بقاع الدولة.
بعد أن تسلم السلطان خدابنده الحكم (703 ـ 716هـ/ 1303 ـ 1316م) شرع في بناء مدينة قريبة من مدينة زنجان سميت «السلطانية» نسبة إليه. وقد اتخذها عاصمة لملكه، وبقيت العمارة قائمة فيها حتى بلغت أوج توسعها عام 713هـ/ 1313 ـ وكان يومذاك في الثالثة والعشرين من عمره.
وقد شهدت هذه العاصمة نشاطاً مذهبياً متميزاً ربما لم تشهده أي مدينة من قبل، وذلك بإعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة المغولية. كان المخطط لهذا الإعلان هو العلاّمة الحلي، والمنفذ له هو السلطان نفسه.
لم تكن العلاقة بين هذا السلطان الشاب، وزعيم الشيعة قد أشير إليها في المصادر التاريخية بشكل واضح، فالمصادر الشيعية التي وصلتنا لم تقف على جوهر العلاقة بين الفقيه والسلطان، وإنما تناقل أصحابها بعض القصص التي يمكن فهم طبيعة هذه العلاقة من خلالها.
أما المؤرخون السُنّة فبعدما التزموا التفسير الآحادي للأحداث، من وجهة نظر مذهبية بحتة، حاولوا أن يثبتوا ارتداد السلطان المغولي عن المذهب الشيعي أواخر أيامه بعدما أثبتوا أن تشيعه كان بتأثير الفقيه ابن المطهر الحلي المعروف بالعلاّمة([188]).
أما العلاقة الواقعية بين العلاّمة الحلي والسلطان المغولي فقد كانت أعمق من ذلك، وبالرغم من عدم وجود نصوص تكشف مدى ارتباط العلامة بالسلطان إلا أن طبيعة الأحداث تؤكد على وجود صلة بين العلاّمة وخدابنده منذ أوائل تسلمه السلطة بما امتدت إلى فترة ما قبل تسلمه مقاليد الحكم أيضاً([189]).
وقد ظهر واضحاً ـ من خلال النصوص ـ ما للعلاّمة من تأثير ثقافي كبير على السلطان خدابنده في مرحلة ما بعد تسلمه الحكم، فقد أشرف على إعداده علمياً، وألف الكتب والرسائل في العقائد، والأصول، والفقه، وعلم الكلام، كما دأب على تدريسه بنفسه.
وكان للحماس المذهبي الذي يتميز به هذا السلطان، والخطوات التي اتخذها مباشرة بعد تسلمه زمام الحكم في عقد الحوارات بين علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم دليل، على أن هذا السلطان كان قد نشأ، وهو متشبع بعقائد التشيع، ومبادر بالدعوة إليها.
تشيع خدابنده
لم تفرق المصادر على اختلافها بين تشيع خدابنده، أو إعلانه التشيع كمذهب رسمي للدولة المغولية، فقد أوردت المنقولات التاريخية حوادث مختلفة كان لها الأمر في انتقال خدابنده إلى التشيع.
إن اعتناق السلطان للتشيع لم يكن في حد ذاته أمراً مثيراً لولا ما تلاه من إعلان التشيع رسمياً في البلاد المغولية. ومن المفيد إيراد هذه الحوادث التي قد تكون جميعها قد وقعت فعلاً كمظاهر دالة على تشيعه، وتنحصر بما يلي:
1 ـ إن تشيع خدابنده كان ردة فعل من جراء خلاف مذهبي وقع بين الحنفية، والشافعية، فأراد السلطان أن يحسم النزاع بين المذهبين بالدعوة للمناظرة في بلاطه، فلما حضر علماء الطرفين شنع بعضهم على الآخر، فغضب السلطان، وأراد الردة عن الإسلام، وكان ـ كما تقول الرواية ـ مسلماً على المذهب الحنفي. لكن أحد أمراء المغول الشيعة وهو طرماز بن بايجو بخشي (ومعه تاج الدين الأوجي) شرحا له مذهبهما وبينا زيف ما يقوله أصحاب الفرق الأخرى([190]).
وقيل: إن المناقشة جرت بين نظام الدين عبد الملك المراغي الشافعي قاضي قضاء إيران، وأئمة المذهب الحنفي.
2 ـ إن السلطان خدابنده دعا العلماء من شتى المذاهب، ومن المناطق الإسلامية المختلفة إلى بلاطه لمناقشة المواضيع الجدلية المختلف عليها. وكانت إحدى هذه المناظرات جرت بين نظام الدين عبد الملك المراغي الشافعي والعلاّمة الحلي.
وبعد انتهاء المناظرة، وبيان (أحقية) مذهب الشيعة خطب العلاّمة خطبة بليغة يبدو أنها كانت مقدمة لإعلان السلطان المغولي عن تشيع المملكة رسميًّا([191]).
3 ـ إن تشيع السلطان حدث بشكل عفوي عندما طلق زوجته، ثم ندم، ولم يجد الفقهاء مبرراً لإلغاء هذا الطلاق تبعاً لآراء مدارسهم الفقهية، ولم يكن لهذه المعضلة حل إلا بالفقه الشيعي حيث دعي العلاّمة إلى بلاط الشاه، وناقش العلماء السنيين حول مسالة (الطلاق)، ونجح بالتغلب عليهم في الجدل مما أثر على خدابنده وجعله يتبنى المذهب الشيعي([192]).
ومما يدعم صحة رواية (الطلاق):
1 ـ إن مسألة الطلاق من المسائل الشخصية البحتة المتعلقة بالسلطان أولجايتو، ولا تستدعي عقد مجالس المناظرات بين الأطراف المختلفة لإقرارها طبقاً لمصلحة السلطان إلا إذا كانت من المسائل الفقهية التي تخفي وراءها هدفاً سياسياً محدداً.
2 ـ جرت المناظرات بين فقهاء المذاهب رسمياً في بلاط السلطان خدابنده. ومن المؤكد أن نتيجة المناظرات ستكون متوافقة مع رغبة السلطان، وإرادته باعتبار أن المسألة المختلف عليها تتعلق بإيجاد حل للمشكلة التي وقع بها السلطان نفسه.
وقد أثارت فتوى (الطلاق) الفقهية التي أصبحت ذريعة لإعلان التشيع في البلاد المغولية جدلاً بين الفقهاء، وانبرى الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحراني (661 ـ 728هـ/ 1263 ـ 1327م) الذي كان يستظل بمماليك الشام الذين كانوا في خصومة بالغة مع الدولة المغولية ـ في محاولة لإفشال هذا المخطط السياسي المتخذ من الفقه ستاراً له، فأفتى بما يوافق الفقه الشيعي في هذه المسألة.
وقد تضاربت الآراء في تحديد سنة إعلان التشيع رسمياً في البلاد، فقد ذكر المستشرق الألماني Halm أن العلاّمة توجه حدود سنة 705هـ/ 1305م إلى مدينة تبريز لبلاط الإيلخان أولجايتو الذي أعلن شرعية المذهب الشيعي تحت نفوذه، وضرب أسماء الأئمة الاثني عشر على نقوده([193]).
إلا أنه لم يذكر المصدر الذي استند إليه، واضطرب لديه تحديد سنة تحول السلطان إلى التشيع عندما ذكر في موضع آخر أن تحوله إلى التشيع كان عام 710هـ/ 1310م([194]).
وقد انحصرت النصوص الأخرى بتحديد سنة 707هـ/ 1307م، أو سنة 709هـ/ 1309م([195])، والذي يرجح من بين هذه السنين هو سنة 707هـ/ 1307م، لأن السلطان أولجايتو أمر أن تضرب العملة المعدنية من الدراهم باسمه سنة 708هـ/ 1308م محاطة بأسماء الأئمة الاثني عشر([196]).
كما أمر في السنة نفسها بإدخال أسماء الأئمة الاثني عشر في (الخطبة) ([197])، وأمر الخطباء ألا يذكروا في خطبهم إلا علي بن أبي طالب، وأولاده، وأهل البيت([198])، مما يؤكد على أن إعلانه للتشيع كان قبل سنة 709هـم 1309م.
ما بعد إعلان التشيع:
1 ـ تأسيس المدارس السيارة
بعد إعلان التشيع رسمياً انبرى خدابنده بالدعوة إلى نشر التشيع في أرجاء البلاد، فأوكل للعلاّمة إنشاء (مدرسة سيارة) مجهزة بكل المعدات السكنية (من الخيام التي كانت تحمل إلى مختلف المناطق التي تجوبها في آذربيجان صيفاً، وفي بغداد شتاء) ([199])، والثقافية (من الكتب، وما يستعمل من أدوات الكتابة من محابر وأقلام وقراطيس).
وقد عين فيها من الأساتذة المقربين إلى أولجايتو نفسه، منهم:
1 ـ نظام الدين عبد الملك المراغي (ت: 716هـ/ 1316م).
2 ـ نور الدين عبد الرحمن الحكيم التستري.
3 ـ برهان الدين العبري (ت: 743هـ/ 1343م).
4 ـ عضد الدين الأيجي (ت: 756هـ/ 1355م).
5 ـ فخر المحققين ابن العلاّمة الحلي.
كما أنشئت مدارس عديدة في مدينة السلطانية العاصمة أشبه ما تكون بالفروع لهذه المدرسة الأم. وكان الإيلخان خدابنده يرافق العلاّمة في هذه المدرسة([200]).
2 ـ مؤلفات العلاّمة للسلطان خدابنده
ألف العلاّمة عدة مؤلفات نزولاً عند رغبة الإيلخان خدابنده. فبعض هذه الكتب كتبها كمؤلفات تدريسية، وبعضها رسائل صغيرة كتبها بطلب من خدابنده نفسه.
وأهم هذه المؤلفات:
1 ـ نهج الحق وكشف الصدق([201]).
2 ـ منهاج الكرامة في الإمامة.
3 ـ استقصاء …… البحث والنظر في مسائل القضاء والقدر([202]).
4 ـ جواب السائل عن حكمة النسخ في الأحكام الإلهية (مفقود).
5 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (صنفه بالسلطانية سنة 710هـم 1310م).
6 ـ كتاب الألفين الفارق بين الصدق والمين([203]).
ونظراً لشهرة هذه المؤلفات، وما تميزت به من أبعاد سياسية لاقترانها باسم السلطان خدابنده، فقد عمد على ردّها جملة من العلماء السنيين.
وقد ذهب معظم المؤرخين إلى أن هذه المؤلفات كتبت بعد إعلان خدابنده التشيع مذهباً رسمياً في البلاد. والذي يظهر أن كتاب «نهج الحق وكشف الصدق» كان قد ألفه العلاّمة بطلب الإيلخان خدابنده في الأشهر الأولى من توليه مقاليد السلطة اعتماداً على نسخة مخطوطة من الكتاب كتبت سنة 704هـ/ 1304م([204])، مما يعز القول أيضاً أن العلاّمة كان ملازماً للسلطان خدابنده منذ الأيام الأولى لتوليه السلطة، وإن تأليفه لهذا الكتاب لم يكن قد صدر بعد إعلان المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد.
اشتمل كتاب «نهج الحق» على مباحث في علم الكلام (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة المعاد)، ومختصر في علم أصول الفقه، ومباحث في الفقه أيضاً.
وقد رد عليه أحد كبار علماء الشافعية، وهو فضل بن روزبهان الأصفهاني(ت:927هج) بكتاب «إبطال الباطل، وإهمال كشف العاطل»([205]).
كما قام القاضي نور الله الحسيني المرعشي التستري فيما بعد بردّ كتاب «إبطال الباطل» بكتاب كبير سماه «إحقاق الحق، وإزهاق الباطل»([206]).
وإذا أردنا أن نؤرخ للكتب التي قتلت أصحابها فإن كتاب «إحقاق الحق» سيكون على رأس القائمة. فقد قتل هذا الكتاب مؤلفه عندما دفع ثمن حياته عام 1019هـ/ 1610م. قتلاً على يد خصومه المتعصبين بمدينة (أكبر آباد)([207]).
أما كتاب «منهاج الكرامة في الإمامة» فقد رد عليه معاصره تقي الدين ابن تيمية بكتاب مستقل سماه «منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال»، وقد طبع بعنوان «منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية»([208]).
وردّ عليه أيضاً زين الدين سريجا بن محمد الملطي المارديني (ت: 788هـ/ 1386م) بكتابه «سد الفتيق المظهر، وصد الفسيق ابن المطهر»([209]).
كما ردّ على منهاج السنّة النبوية، عالمان من الشيعة، الأول: سراج الدين الحسن بن عيسى اليماني الهندي(ت:1278ه-1861م) باسم «إكمال المنّة» والثاني مهدي الموسوي القزويني الكاظمي (ت: 1358هـ/ 1939م) باسم «منهاج الشريعة» في أربع مجلدات([210]).
بقي العلاّمة ملازماً السلطان خدابنده طوال فترة حكمه، وقد انشغل بالإشراف على المدرسة السيارة فترة من الزمن، وجمعته مع السلطان أسفار كثيرة، ففي شهر رجب 709هـ/ ديسمبر 1309م قصد السلطان العراق وزار مدينة النجف، ومرقد سلمان الفارسي في المدائن.
وقد ألف العلاّمة في سفرته هذه جزءً من كتاب (الألفين) كما أشار هو إلى ذلك.
ويبدو أن العلاّمة كان قد قصد مدينة الحلة في هذه الرحلة بالذات اعتماداً على الإشارة التي تدل على وجوده فيها في شهر ذي الحجة من العام نفسه، حيث كتب إجازة للسيد مهنا بن سنان المدني مؤرخة في شهر ذي الحجة سنة 709هـ([211]).
أما في السنوات الأخيرة من حكم خدابنده فإن العلامة كان لا يزال مقيماً معه في العاصمة بعيداً عن مدينته (الحلة) ([212])، وكان في الوقت نفسه قد قام برحلة إلى الحلة وبقي فيها ما يقرب من ستة شهور، رجع بعدها إلى العاصمة (السلطانية) ليشهد بعد أربعة شهور وفاة السلطان خدابنده في 27 رمضان سنة 716هـ/ 13 ديسمبر 1316م.
وبعد وفاة السلطان خدابنده لم ترد أي إشارة عن صلة العلاّمة بولده أبي سعيد بهادر خان (716 ـ 736هـ/ 1317 ـ 1335م) الذي تولى منصب أبيه في شهر صفر سنة 717هـ، وهو ابن الثانية عشرة من العمر، وذلك بسبب انتقال النفوذ الحقيقي للسلطة للأمير جوبان بن الملك تناون، وأولاده الذين استولوا على إدارة الحكم بشكل فعلي([213]).
ويبدو أن إقامة العلاّمة في مدينة السلطانية بعد وفاة السلطان خدابنده لم تطل به، فقد غادر إلى الحلة([214])، وتفرغ للتأليف والتدريس طيلة العقد الأخير من حياته حتى وفاته في العشرين من شهر محرم سنة 726هـ/ 28 ديسمبر سنة 1325م بالحلة، ودفن في النجف حيث قبره الآن.
العلاّمة الحلي بين المتقدمين والمتأخرين
كان عصر العلاّمة الحلي عصراً حافلاً بالإثارة، والمكاسب المذهبية، ولأهمية دوره العلمي في المؤسسة الدينية، ونشاطه في نشر التشيع، فقد اشتهر بألقاب لم يعهد إطلاقها على غيره من قبل، مثل: آية الله على الإطلاق، العلاّمة، والإمام([215]).
ونظراً لتفرد دور العلاّمة وسعة نتاجه فقد أصبح عصره في اصطلاح العلماء الذين جاؤوا بعده ـ فاصلاً بين مرحلتين زمنيتين في تاريخ الشيعة فأطلق على الفقهاء الذين سبقوا عصره بالمتقدمين، وعلى الذين جاؤوا بعده بالمتأخرين([216]).
أما شخصيته العلمية فبالرغم من كتاباته الفلسفية، ومحاكماته لآراء كبار الفلاسفة فإنه بقي أقرب إلى ساحة المتكلمين منه إلى ساحة الفلاسفة، ولم يخرجه هذا التخصص عن كونه فقيهاً متفرداً، وزعيماً على علماء عصره.
تميز عصر العلاّمة بميزة التسامح، وعدم الدعوة المذهبية بإلزام الناس عليها. لذلك بدأ التوتر في العلاقات المذهبية السنّية ـ الشيعية، في هذه المرحلة، بالتضاؤل شيئاً فشيئاً في العالم الإسلامي الشرقي، ولم تظهر سجالات جدلية في كتابات علماء الطرفين.
إن التسامح في تبني المعتقدات ـ الذي كان سمة مشتركة بين العلاّمة وتلميذه السلطان خدابنده ـ أنتج ازدهاراً لم تشهده عصور الإسلام من تلاقح فكري بين العلماء، والتعاون في نشر الثقافة العقلية المتحررة. وقد ظهر ذلك واضحاً في إقبال علماء مختلف الاتجاهات المذهبية بالتدريس في المدارس السيارة التي أنشأها السلطان خدابنده. وكذلك حضورهم في حلقات دروس بعضهم الآخر. وربما كان أحد واجهات هذه الألفة ـ كما يذهب إليه أكثر من باحث ـ قد ساعد في تسرب مناهج البحث في مؤلفات الطرفين، كما فعل العلاّمة الحلي بتطبيق مناهج البحث السنّية في علم الحديث على النصوص الشيعية، ومحاولة إدخال التصوف في التشيع كما فعل الشيخ ابن ميثم البحراني (ت: 679هـ/ 1280م) في شرحه لمجموعة خطب الإمام علي بن أبي طالب المعروفة باسم «نهج البلاغة»، في محاولة منه لربط التصوف بكبار أئمة الشيعة الأوائل.
إلا أن هذا التسامح لا يمنع من القول بتصدي العالم السنّي الكبير تقي الدين ابن تيمية في الرد على كتابات العلاّمة فيما كتبه من نقوض شاملة على متبنياته.
إن التوتر الشديد في العلاقات بين الدولتين الإيلخانية والمملوكية أولاً، وخصومة ابن تيمية العقائدية مع العلاّمة ثانياً ـ كانا سببين رئيسيين في كتابة هذه الانتقادات. وقد ألزم ابن تيمية نفسه بإطلاق ألقاب تغاير مسمياتها في الحديث عن خصمه العلاّمة (ابن المطهر الحلي) الذي كان يلقبه بابن المنجس …. ولم يصدر مقابل ذلك أي رد فعل من جانب العلاّمة على كتابه الذي عرف بـ «منهاج السنّة النبوية» سوى نسبة مؤلفه إلى التعصب([217]).
استهدف العلاّمة في كتب المؤرخين بالهجوم مثلما استهدف السلطان خدابنده، فقد وصفته المنقولات بأنه أحد علماء (الرافضة)، ونسبوا، إليه نفي بعض المسلمات التي تعاهد على حتمها علماء السُنّة.
ولم تختلف الحال مع السلطان خدابنده فقد تعدى إلى الطعن بسلوكه الشخصي بشكل عام، ونسبة اتهامات أخلاقية شنيعة له([218])، كما أطلقوا عليه إسم خربنده تنكيلاً به([219]).
وقد شككت بعض المصادر التاريخية بأصل حكاية تشيع السلطان على يد العلاّمة وأوعزت ذلك إلى شخص آخر هو تاج الدين محمد بن مجد الدين الحسيني([220]) الآوي (ويقال له الأوجي) ـ (قتل سنة 711هـم 1311م).
كما ذكرت بعض الروايات أن السلطان خدابنده رجع عن تشيعه إلى مذهب السُنّة قبل وفاته، وأقرّ الناس عليه.
من ناحية ثانية أخفقت معظم المصادر الشيعية من الإشارة إلى الصلة الحقيقية بين العلاّمة والإيلخان خدابنده وقد اعتبرت هذه النصوص أن دور العلاّمة كان مقتصراً على الصلة الدينية البحتة في دعوة الإيلخان إلى المذهب في محاولة لسلخ الجانب السياسي عن هذه الصلة تنزيهاً للعلاّمة من الدخول فيها.
وتظهر صحة هذا الافتراض في الحملة التي شنّها زعماء الحركة الإخبارية الشيعية التي ظهرت أواخر العصر الصفوي، مستهدفين العلاّمة بالصميم في محاولة منهم للتبرء من الوضع السياسي الذي كان عليه العلاّمة ، ومحاولتهم فصل الفقيه عن السياسة بعد سقوط الدولة الصفوية.
وقد اتخذ هؤلاء المتحمسون ذريعة نسبة وضع قواعد نقد الحديث إليه هدفاً لنقده، والتي هي في نظرهم محاولة للقضاء على أحاديث أهل البيت المروية في الصحاح الشيعية التي لا يجوز تعريضها للنقد لأنها من المرويات المؤكدة في وثاقتها.
وعلى الرغم من أن بعض المصادر الشيعية، وأغلب الدراسات الغربية إدعت أنّ العلاّمة هو أول من وضع قواعد الحديث فإن العلامة نفسه ذكر أن أستاذه أحمد بن طاووس كان قد سبقه إلى هذا التقسيم. والصحيح ما ذكره العلامة إلا أنه نفسه كان أول من طبق قواعد الحديث في المسائل الشرعية وإن كانت قواعد تقسيم الحديث قد وضعت قبله([221]).
فخر المحققين
استقل بزعامة الشيعة بعد وفاة العلامة الحلي ولده محمد بن الحسن فخر المحققين (682 ـ 771هـ/ 1283 ـ 1369م) الذي كان فقيهاً نابهاً، بولغ في ذكائه، ومقدرته العلمية منذ صباه حتى قيل إنه نال درجة الاجتهاد في سن مبكرة من حياته، قبل بلوغه الحلم([222]).
ولم تظهر لفخر المحققين صلة بعد صلة أبيه بالإيلخانيين بسبب عدم استقرار الوضع السياسي، وتشتت مراكز القوى الحاكمة في البلاد، وعدم مقدرة السلطان أبي سعيد في إدارة دفة الحكم لصغر سنه.
وكل ما عرف عن نشاطه السياسي منذ بداية حياته أنه كان شريك والده في رحلاته إلى السلطانية، وكان أحد أساتذة المدرسة السيارة التي أسسها خدابنده بإشراف والده العلاّمة.
كما كان أحد الأطراف المشتركة في المناقشات الجدلية التي كانت تدور في بلاط السلطان خدابنده مع علماء المذاهب الإسلامية في بعض الأوقات.
إلا أنه بعد وفاة أبيه وردت إشارة، منه أنه غادر مدينة الحلة وسكن آذربيجان دون أن يكشف السبب في هذه المغادرة([223]) وتصمت النصوص عن دوره في هذه الهجرة، وفي المدن التي تنقل بها.
ويبدو أن رحلة فخر المحققين هذه كانت محاولة لإعادة دور أبيه مرة ثانية على أرض إيران.
لم تكن هناك إشارات واضحة تعين في تأكيد مثل هذه الافتراضات المهمة، كما لم تكن هناك نصوص تفصح عن مدى صلة فخر المحققين بالسلطان أبي سعيد، إلا أن رحلة فخر المحققين هذه كانت على أحسن الفروض رحلة تحريضية تستهدف القضاء على إدارة المير جوبان التي تحكمت بشؤون السلطان أبي سعيد قرابة عقد من الزمن، والتي سببت ثورة السلطان أبي سعيد على الأمير جوبان بعد فترة قصيرة من وصول فخر المحققين إلى إيران([224]).
ولم يظهر لفخر المحققين أي نشاط تاريخي يمكن أن يسجل له خلال المدة التي قضاها في إيران بسبب ضعف الدولة الإيلخانية، وتدهورها بعد موت السلطان خدابنده.
كما إنّ عودته إلى الحلة لم يكن زمنها معلوماً؛ بيد أن الأمبراطورية الإيلخانية بدأت بالتفتت بعد وفاة الإيلخان الشاب أبي سعيد عام 736هـ/ 1335م مباشرة بسبب الصراعات الداخلية، وحروب الأطراف المتنازعة على السلطة.
فخلال هذه المرحلة استقلت مجموعة من المناطق مشكلة دولاً شيعية متعددة، بعدما كانت جميعها تابعة للإدارة الإيلخانية سابقاً، ففي سبزوار (خراسان) ساعد حسن الجوري (رئيس إحدى الطرق الصوفية المسماة بالشيخية الجورية) ـ السربداريين بتشكيل دولة شيعية صغيرة ظهرت سنة 738هـ/ 1337م، وبقيت حتى عام 788هـ/ 1386م([225]).
كما أوجد الأمير قوام الدين المرعشي (ت: 781هـ/ 1379م) المعروف باسم ميرزا بزرك (الميرزا الكبير)، دولة شيعية أخرى تركزت في مدينة آمل في مازندران سنة 760هـ/ 1417م، على يد تيمور سنة 794هـ/ 1391م، لكنه بقيت في سلطته، وبقي الحكم مستمراً في سلسلته حكاماً شبه مستقلين حتى فترة العصر الصفوي([226]).
إن هاتين الدولتين الشيعيتين الصغيرتين كانتا قائمتين على مبادئ الطرق الصوفية الجامعة بين الالتزام بالتشيع من جهة، والدفاع عنه بالقوة من جهة أخرى، ويشبهه إلى حد ما الارتباط الذي تكرر بعد قرنين من الزمن على يد الصفويين بعد اكتساحهم السلطة في إيران.
إن عدداً من الحكومات المحلية الصغيرة التي حلت محل الإيلخانيين كانت شيعية، أو متعاطفة مع التشيع إلا أنها من المحتمل جداً أنها كانت مشابهة في نزعتها مع التجربة التي تكررت على يد الصفويين أول أيام حكمهم في الجمع بين عقائد الشيعة والأفكار الصوفية.
كما كانت الأمبراطوريتان الجلائرية (في آذربيجان والعراق)، والجوبانية (في آذربيجان) من بين هذه الأمبراطوريات ذات النزعة الشيعية أيضاً.
إن مدة استقرار فخر المحققين في إيران لم تحدد ضمن المصادر التاريخية المتوفرة إلا أن عودته إلى الحلة ربما كانت بعد موت أبي سعيد عام 736هـ/ 1335م، أو ربما قبل هذا التاريخ أيضاً.
ولم تظهر لهذا الفقيه أية صلة تذكر مع الدويلات الشيعية التي تناثرت في أرجاء الدولة الإيلخانية.
أما الحلة فبعد وفاة السلطان أبي سعيد سنة 736هـ/ 1335م، استولى عليها الأمير الشريف أحمد بن رميثة بن أبي نمي([227])، وحكمها أعواماً طوالاً، وكان حسن السيرة، يحمده أهل العراق. وبقي فيها حتى قضى على حكمه الشيخ حسن الجلائري([228]) سنة 740هـ/ 1339م، واستولى على المدينة([229]).
ولم يظهر لفخر الدين أية صلة بالجلائريين بسبب ما آل إليه الوضع السياسي من صراعات للسيطرة على مقاليه الحكم، كما لم يظهر له إلا نشاط علمي، وتفرغ لتخريج الفقهاء، وإصلاح مؤلفات والده، وشرح بعضها إلتزاماً بالوصية التي كتبها له والده.
وقد استمر مركز الحلة محافظاً على حيويته، كما بقي الفقهاء أمناء أوفياء لتركه العلاّمة الضخمة في حياته، وبعد مماته([230]).
وفي الفترة التي أعقبت سيطرة حسن الجلايري على الحلة استقرت الأوضاع فيها. ويبدو أنها تمتعت بالهدوء حيث أخذ طلاب العلوم الدينية ينزحون إليها للدراسة. وكان من أهم هؤلاء الطلبة فتى (جزين) محمد بن جمال الدين مكي العاملي الذي وصل إليها سنة 750هـ، ودرس على يد علمائها، وأصبح فيما بعد الرائد الأول لعلماء جبل عامل الشيعة، ورئيساً للطائفة الشيعية في بلاد الشام فيما بعد.
إن أجلى مظاهر أهمية فخر المحققين أنه استطاع أن ينقل فكر مدرسة الحلة الاجتهادي إلى بلاد الشام على يد تلميذه محمد بن مكي الذي عاد من الحلة بعد خمس سنوات من تلمذته على يد هذا الأستاذ ليحول جبل عامل إلى مركز دراسي شيعي أصبحت له أهميتة السياسية، والفكرية المتميزة في العالمين الإسلامي بشكل عام، والشيعي بشكل خاص.
تشرب محمد بن مكي بالتجربة الاجتماعية الضخمة التي خاضها فخر المحققين مع والده العلاّمة في أروقة البلاط الإيلخاني، وقد حاكى هذه التجربة وسعى إلى تطبيقها، ولكن على أرض المماليك في بلاد الشام في محاولة لاسترجاع الوجود الشيعي الذي ضاع بين التيارات الفكرية الغريبة التي عصفت به، والاضطهاد الذي طاله نتيجة الحروب بين المغول والمماليك.
إلا أن تجربته هذه لم يكتب لها النجاح بالرغم مما أحرزه من نتائج فقد دفع حياته ثمناً لها ليكون أول من لقب بالشهيد في تاريخ فقهاء الشيعة بعد مقتله عام 786هـ/ 1384م، والتعبير عنه بالشهيد الأول في كلمات الفقهاء تمييزاً له عن فقيه عاملي آخر ـ قتل بعد ما يقرب القرنين ـ، حتى غلب هذا اللقب على إسمه الحقيقي، وعرف به.
جودت القزويني
برج بابل([231]*)
تعارف الأقدمون على أن عجائب الدنيا سبع، وبرج بابل أحد هذه العجائب.
وأول ذكر ورد لبرج بابل ما جاء في سفر التكوين: «وكانت الأرض كلها لساناً واحداً، ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة، في أرضي «شيفار» وسكنوا هناك.
وقال بعضهم لبعض: «هلم نضع لبنا، ونشويه شيا» فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين.
وقالوا: «هلم نبن لأنفسنا مدينة و«برجا» رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا أسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة، والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما» وقال الرب:
«هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض».
فبددهم الرب، من هناك، على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعى اسمها «بابل» لأن الرب، هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك، بددهم الرب على وجه كل الأرض.
وأما المغزى الذي يرمي إليه هذا القول، فهو أن الإنسان ينبغي له أن يقف عند حده: وألا يذهب الغرور إلى تحديد القدرة الإلهية.
ولكن، على مر العصور، نجد أن هذه القصة ـ قصة هذا الإنسان الباني الذي تحدى الإله الخالق ـ لم تلبث أن أعيدت، وتكررت إعادتها، بحسب نزعة كل عصر من العصور.
ففي العصور الوسطى، كان المغزى الخلقي السائد هو أن الكبرياء تسبق السقوط، وفي عصر النهضة الملأى بالحركة، الواثقة بنفسها، كانت هذه القصة رمزاً لتمجيد البطولة، والطموح الإنساني، وفي عصر غزو الفضاء وانشطار الذرة، كان بإمكان هذه القصة أن تعبر عن شك جديد في النتائج العلمية التي توصل إليها الإنسان.
كما أن هذه القصة ـ دون سواها من القصص، قد أوحت إلى الفنانين بالكثير، منها ما يمثل برج بابل في اعتلائه، ومنها ما يمثل البرج، وقد صار صعيداً جرزاً.
وهكذا ظلت هذه القصة موضوعاً خصباً يوحي بالإبداع والاختراع، فهل يا ترى، ترمز إلى الطموح الإنساني الدافق بدون انقطاع، الذي يهدف إلى خلق عمارات عالية، ما شاء لها العلو، خالدة ما شاء لها الخلود؟
أم، يا ترى، تعطينا الصورة الخفية لألوف العمال الذين وجدوا أنفسهم، فجأة، غير متفاهمين، ينطقون بلغات متعددة، وألسن غير موحدة؟
ومهما كان الأمر، فإن قصة برج بابل تعبر عن الخيال الفني، وتخلق صوراً شتى لذلك البرج، يتبارى الفنانون في تصويرها، كل بحسب موهبته!
وبعضهم يرى فيه نضداً مرصوعاً بحجارة مصفوفة.
وبعضهم يرى فيه شبه قطعة حلوى تهدى في الأعراس.
وبعضهم ـ وهم قلة ـ يحاولون أن يعرفوا ـ من خلال وصفه ـ حقيقة هذا البرج كما كان.
من هذه الرؤى قصة الاسكندر الكبير الذي اكتشف خرائب هذا البرج، فأراد استعادة بنائه، وسخر لذلك عشرة آلاف عامل. ولكن العمل توقف بعد موت الاسكندر.
وفي سنة 332ق.م. ورد علينا وصف آخر للبرج، اشتهر بقدمه، لصاحبه المؤرخ اليوناني الشهير «هيرودوت». وهو وصف يعود تاريخه إلى سنة 460ق.م.، حين زار هذا المؤرخ مدينة بابل.
ومما ورد فيه:
«وفي وسط الهيكل، برج مرصوف بالحجارة، قام عليه: طوله يبلغ 190 متراً، وعرضه أكبر من طوله. وعلى هذا البرج يمتد برج آخر، وفوق هذا البرج برج سواه، حتى يصل العدد إلى ثمانية أبراج. برجاً على برج. وبالإمكان الصعود إلى هذه الأبراج بواسطة درج حلزوني، يلتف بعضه على بعض.
وفي الأعالي مقاعد يمكن الجلوس عليها طلباً للراحة، وداخل البرج الرئيسي هيكل كبير، فيه سرير مزخرف، ومنضدة من ذهب.
لا أحد يدخل هذا المكان إلا امرأة مواطئة ينتقيها الإله نفسه، وقد قص عليّ الكهنة أن الإله ينزل أحياناً إلى هذا الهيكل، لكي يلقى هذه المرأة.
ولكنني … لم أستطع أبداً أن أصدق هذه المزاعم».
على أن مثل هذا الوصف الحي يمكنه أن يجعلنا نؤمن بأن برج برابل، لم يكن أسطورة، بل كان حقيقة لا يتطرق إليها الشك.
ولكن، بما أن «بابل» لم تكن، منذ أكثر من عشرين قرناً إلا سراً غامضاً، وأسطورة مبهمة فاتنة، وبعض أكمات منثورة في بلاد ما بين النهرين، لذلك كله لم يشاهد فيها بعض المؤرخين إلا قصة جميلة!
ومنذ عام 1854م أشار وزير خارجية بريطانيا على قنصله المستر «تايلور» في البصرة، بأن المتحف البريطاني راح يبحث عن خرائب قديمة في جنوبي العراق، فأخذ «تايلور» يبحث أيضاً، وينقب هنا وهناك، وإذا به يكتشف يوماً قمة بناء عريض من الآجر الذي صنعته يد الإنسان، وبعض الأساطين من صلصال، نقش عليها تاريخ ذلك البناء.
ومن هذا المنطلق، تسنى للبعثة التي اشترك فيها المتحف البريطاني، وجامعة «بانسلفانيا» الأميركية، أن تكتشف مدينة «أور» في أرض الكلدان، مسقط رأس إبراهيم الخليل.
إن ذلك كان تاريخاً رائعاً، ظل طيلة وجوده، يمد الحضارة العالمية، شأن حضارة مصر القديمة.
لقد بدأت هذه الحضارة، قبل أربعة آلاف عام، عندما هبط شعب غير سامي، هو الشعب السومري. من جبال فارس المجدبة، إلى السهول الخصيبة بين دجلة والفرات.
بنى هؤلاء السومريون مدناً، واخترعوا الكتابة المسمارية، وابتدعوا العجلة التي يجرها الثيران، وأجروا ماء الفرات في أقنية منتظمة للري، وأتقنوا فن صياغة الحلي، وأنشأوا أبراجاً عالية، من حجارة من صلصال.
ومن حضارتهم هذه، انبثقت الحضارة البابلية وتطورت، فكان منها مدينة «بابل» فخر الممالك.
لقد كانت بابل، بدون ريب، مدينة فخمة، انساح مداها على ضفاف الفرات، ورصعت جوانبها بشجر النخيل، فبدت عاصمة ذلك القطر، بشوارعها الفسيحة، وعماراتها الشاهقة، وهياكلها العديدة، وجدرانها الضخمة.
ألوف من التجار، والجنود، والكهان، والزراع كانوا يدخلونها من الباب الكبير «باب الإلاهة عشتار» وهو باب من الآجر الأصفر، نقش عليه صور أسود، وثيران بالخزف الأزرق.
وكانت شكة الأسلحة تسطع في الشمس متوهجة، والعجلات تغدو وتروح، ولها صخب ودوي في مختلف الدروب.
وخلال حقول الحنطة الضاحكة، ومدارج الأشجار المثمرة، والجنائن الصغيرة، كانت المدينة تمتد على مدى ما يصل إليه البصر.
ويشرف عليها، من الأعلى، بجلال وروعة، على ارتفاع مائة متر، البرج الكبير الذي لبث فيه اليهود الذين اقتادهم «نبوخذ نصر» أسرى وسبايا إلى بابل، زهاء سبعين عاماً، وهم الذين وصفوا كيف كان برج بابل.
وينفض التراب عن بقايا بابل، اكتشف علماء الحفريات بأن، في كل مدينة قديمة، هامة، في سهول ما بين النهين، تنهض دائماً آثار أبنية على شكل برج، يسمى «زقرة» ذات أطباق عدة كما اكتشتفوا صوراً لأبراج يرقى إليها بدرجات متقورة، ونصوصاً بالخط المسماري، تسجل أسماء هذه البروج، وأهميتها، وسعتها.
وأخيراً بالقرب من قرية «هيلك» في العراق كشفوا عن أساس برج ضخم، لا كالأبراج السابقة، وكانت حجارة هذا الأساس من الآجر المشوي، يبلغ طول أحد جوانبه تسعين متراً.
والنصوص المحفورة على خرائبه تسمي هذا البرج: «بيت السماء والأرض» وتزعم هذه النصوص أن هذا البرج شيد سنة 625ق.م. في عهد الملك «نابو لاصر».
كل شيء يروي أن هذا البرج لم يكن إلا برج بابل، بحيث أنه كان ـ على ضخامته وعظمته ـ لا يضارعه اي برج من الأبراج الأخرى!
وهكذا أكد علماء الحفريات، أكثر من مرة، بيقين لا لبس فيه، حقيقة برج بابل، وصدقوا بها كما وردت في سفر التكوين، وذهبوا يفسرونها على ضوء النص الوارد.
إذاً، هنالك برج كان قائماً، وهنالك اختلال في سنة بناء هذا البرج.
ويبدو ـ خلال ألوف السنين ـ أن الأبراج الصغيرة كانت منتشرة في مدن ما بين النهرين. وكل برج يختلف عن الآخر، شأن الكنائس الأوروبية، ولكنها ـ بمجموعها ـ متشابهة ببنائها. ولها درجات تقود إلى الطوابق العليا، حيث يرتفع في الأعلى معبد، أو محراب مقدس.
وهي تشبه بفنها الهندسي ما شيده المهندسون القدماء في إهرامات مصر، على أن الأهرامات كانت قبوراً بناها الفراعنة لأنفسهم، لتكون ملجأ تصان فيه جثثهم، يحمل إليها نشوة الانتعاش، وبرد الراحة بعد الموت.
كذلك، كانت هذه الأبراج الصغيرة أماكن عبادة، شيدت، وزيدت، وزخرفت جيلاً بعد جيل، وذرية بعد ذرية.
لماذا بنى السومريون الأبراج؟!
ولكن …. ظل علماء الحفريات يتساءلون:
ـ ما هي حاجتهم إلى هذا العمل، حتى أعطوه هذا الشكل؟
وبدون شك، هذا هو الجواب الحق.
أن السومريين قدموا من بلاد جبلية، وقد مثلوا آلهتهم، في البداية، على قمم الجبال، وعكسوا في آثارهم صور حيواناتهم الجبلية.
وعندما استقروا في السهول، لم يبدلوا ديانتهم، وعوضاً عن الصخور التي افتقدوها في السهول، راحوا يبتدعون الآجر المشوي.
وأنهم بعيدون عن أن يتحدوا قدرة الإله ـ كما توهم العبرانيون ـ نرى السومريين ومن تلاهم، كانوا يعبدون آلهتهم من أعالي تلك الأبراج، ويبنون فيها شبه سلالم بين السماء والأرض، بغية أن تنزل الآلهة إليهم من عليائها، وترافقهم في مستقرهم الجديد.
أما من الناحية الثانية التاريخية التي تروي لعنة الله عليهم، وبلبلة لغاتهم، فهنالك نطرية تقول أن الأسرى اقتبسوا اسم بابل الذي يعني «باب الإله» من الكلمة العبرية «بالآل» التي تعني التشويش والاختلاف والبلبلة.
كما أن هناك مذهباً آخر يعود إلى أن عديداً من الأمم قد هبطت سهول ما بين النهرين، ومما لا ريب فيه أن «بابل» قد ألجأت إليها شعوباً وثنية، مختلفة، من الأوائل الذين سكنوا المنطقة، من عبيد ومن منفيين من أوطانهم، وليس ببعيد أن يكون فيهم تجار، وزعماء قبائل مجاورة كانوا ينطقون بلغات مختلفة ولهجات متعددة.
واختلاف اللغات واللهجات فيها كان باعثاً على القلق والخوف والفوضى. ولما كان اليهود قد تعودوا أن يبحثوا عن تفسير إلهي لكل حادث إنساني، راحوا يفسرون اختلاف لغات هذه الشعوب بأنه كان نتيجة حلول اللعنة الإلهية على هؤلاء البابليين الذين وضعوا ديانات غريبة. وبنوا أبراجاً تناطح السماء بعامل التحدي.
وفي كل حال، بما استنتجوه، وبهذا السبب القائم منذ القديم، فإن بابل تظل للإنسان إنذاراً له يدعوه إلى أن يحطم كبرياءه، ويلجم طموحه وغروره.
ولكن … لماذا يكون الطموح البشري جناية تستحق لعنة الإله عليه؟
أليس الإله نفسه هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم؟ حقاً، إن في طموح الإنسان تحقيقاً لما يريد الإله منه.
ولئن بدأت قصة برج بابل اسطورة تمثل تمزق الإنسانية على نفسها، فإنها الآن حقيقة واقعية تمثل إصرار الإنسانية على العودة إلى وحدتها، بعدما حفرت الأرض، تحت أقدامها، على رحبها. لأن حياتها في وحدتها، وفناءها في بقائها أشياعاً متفرقة، وأقساماً متمزقة.
فهل، يا ترى، يعيد الدهر قصة بناء برج بابل من جديد، على أساس محبة الشعوب وتفاهمها وتقاربها؟
إنها أمنية الماضي والحاضر والمستقبل.
خليل الهنداوي
شعر في الحلة
قال إبراهيم بن عثمان الغزي وكان قدمها فلم يحمدها:
أنا في الحلة الغداة كأني
علوي في قبضة الحجاج
بين عرب لا يعرفون كلاماً
طبعهم خارج عن المنهاج
وصدور لا يشرحون صدوراً
شغلتهم عنها صدور الدجاج
والمليك الذي يخاطبه الناس
بسيف ماض وفخر وتاج
ما له ناصح ولا يعلم الغيب
وقد طال في مقامي لجاجي
قصة ما وجدت غير ابن فخر الدين
طبا لها لطيف العلاج
وإذا سلطت صروف الليالي
كسرت صخر تدمر بالزجاج
يقول حسن الأمين:
وقدمتها وأقمت فيها شهوراً وحمدتها فقلت:
ظل على شط الفرات ظليل
ومرابع فتانة وحقول
ليست تمل العين رائع حسنها
إذ كل حسن غيرها مملول
وزها الفرات لرائديه وأمرعت
في ضفتيه تنائف وسهول
تحلو على الأجراف ثمة بكرة
ويطيب في ظل النخيل اصيل
يا صاحبي قفا فثمة موقف
في الجسر فواح الأريج ظليل
تترقرق الأمواه فيه دوافقاً
فيروق مجرى دافق ومسيل
ويلذ للوراد عذب نسيمه
وتشوقهم فيه صبا وقبول
أمناظر الشط الجميلة كم حلا
في جانبيك لرائديك مقيل
كم وقفة في الجسر عاطرة الشذا
والماء رهو و النسيم عليل
طال الوقوف بنا عليك عشية
إن الوقوف على الجمال يطول
* * *
يا نازلين على الشآم وإنكم
بين الجوانح في الفؤاد نزول
ما لذ ورد للمشوق ولا ارتوى
من بعدكم للمستهام غليل
يهتاجه الزهر النضير إليكم
ويهزه في الرافدين نخيل
كيف الميادين الرحاب ألم يزل
يعلو على جنباتهن صهيل
أو ما تزال على كروم (خريبة)
ترد الحسان عشية وتقيل
وهل العيون الدافقات كعهدنا
تجري على خضر الربى وتسيل
إني ليصبيني الخزام على النوى
ويشوقني الصفصاف والملول
وجد على شحط المزار مبرح
وشجى بطيات الضلوع دخيل
الحليات
قصائد في رثاء الحسين عليه السلام للسيد حيدر الحلي. وهو شاعر مبدع ولد في الحلة سنة 1240هـ وتوفي فيها سنة 1304هـ ودفن في النجف. وقد فاق شعراء عصره في رثاء الحسين ومدائح ومراثي أهل ابيت عليهم السلام وفيما يلي نماذج من ذلك الشعر:
قال:
إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحم
فلا مشت بي في طرق العلى قدم
لا بد أن أتداوى بالقنا فلقد
صبرت حتى فؤادي كله ألم
عندي من العزم سر لا أبوح به
حتى تبوح به الهندية الخذم
لا أرضعت لي العلى ابنا صفو درتها
إن هكذا ظل رمحي وهو منفطم
ألية بظبى قومي التي حمدت
قدماً مواقعها الهيجاء لا القمم
لأحلبن ثدي الحرب وهي قنا
لبانها من صدور الشوس وهو دم
إلى أن يقول في رثاء الحسين عليه السلام:
هذا المحرم قد وافتك صارخة
مما استحلوا به أيامه الحرم
يملأن سمعك من أصوات ناعية
في مسمع الدهر من أعوالها صمم
تنعى إليك دماء غاب ناصرها
حتى أريقت ولم يرفع لكم علم
مسفوحة لم تجب عند استغاثتها
إلا بأدمع ثكلى شفها الألم
حنت وبين يديها فتية شربت
من نحرهم نصب عينيها الظبى الخذم
موسدون على الرمضاء تنظرهم
حرى القلوب على ورد الردى ازدحموا
سقيا لثاوين لم تبلل مضاجعهم
إلا الدماء وإلا الأدمع السجم
أفناهم صبرهم تحت الظبى كرما
حتى قضوا ورداهم ملؤه كرم
وخائضين غمار الموت طافحة
أمواجها البيض بالهامات تلتطم
مشوا إلى الحرب مشي الضاريات لها
فصارعوا الموت فيها والقنا أجم
ولا غضاضة يوم الطف إن قتلوا
صبراً بهيجاء لم تثبت لها قدم
فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقد
ماتت بها منهم الأسياف لا الهمم
أبكيهم لعوادي الخيل إن ركبت
رؤوسها لم تكفكف عزمها اللجم
وللسيوف إذا الموت الزؤام غدا
في حدها هو والرواح يختصم
وحائرات إطار القوم أعينها
رعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانت بحيث عليها قومها ضربت
سرادقاً أرضه من عزمهم حرم
يكاد من هيبة أن لا يطوف به
حتى الملائك لولا أنهم خدم
فغودرت بين أيدي القوم حاسرة
تسبي وليس لها من فيه تعتصم
نعم لوت جيدها بالعتب هاتفة
بقومها وحشاها ملؤه ضرم
عجبت بهم مذ على أبرادها اختلفت
أيدي العدو ولكن من لهابهم
نادت ويا بعدهم عنها معاتبة
لهم ويا ليتهم من عتبها أمم
قومي الأولى عقدت قدماً مآزرهم
على الحمية ماضيموا ولا اهتضموا
عهدي بهم قصر الأعمار شأنهم
لا يهرمون وللهيابة الهرم
ما بالهم لا عفت منهم رسومهم
قروا وقد حملتنا الأينق الرسم
يا غادياً بمطايا العزم حملها
هما تضيق به الأضلاع والحزم
عرج على الحي من عمروا العلى فأرح
منهم بحيث اطمأن البأس والكرم
وحي منهم حماة ليس بابنهم
من لا يرف عليه في الوغى العلم
المشبعين قرى طير السما ولهم
بمنعة الجار فيهم يشهد الحرم
والهاشمين وكل الناس قد علموا
بأن للضيف أو للسيف ما هشموا
كماة حرب ترى في كل بادية
قتلى بأسيافهم لم تحوها الرجم
قف منهم موقفاً تغلي القلوب به
من فورة العتب وأسأل ما الذي بهم
جفت عزائم فهر أم ترى بردت
منها الحمية أم قد ماتت الشيم
أم لم تجد لذع عتبي في حشاشتها
فقد تساقطت جمراً من فمي الكلم
أين الشهامة أم أين الحفاظ أما
يأبى لها شرف الأحساب والكرم
تسبى حرائرها في الطف حاسرة
ولم تكن بغبار الموت تلتثم
لمن أعدت عتاق الخيل إن قعدت
عن موقف هتكت منها به الحرم
فما اعتذارك يا فهر ولم تثبي
بالبيض تثلم أو بالسمر تنحطم
أجل نساؤك قد هزتك عاتبة
وأنت من رقدة تحت الثرى رمم
فلتلفت الجيد عنك اليوم خائبة
فما غناؤك حالت دونك الرجم
وقال في رثاء الحسين عليه السلام:
أبا حسن أبناؤك اليوم حلقت
بقادمة الأسياف عن خطة الخسف
ثنت عطفها نحو المنية إذ أبت
بأن تغتدي للذل مثنية العطف
لقد حشدت حشد العطاش على الردى
عطاشى وما بلت حشى بسوى اللهف
قضت حيث لم تذمم لها الحرب موقفا
ولا قبضت بالرغم منها على كف
سل الطف عنهم أين بالأمس طنبوا
وأين استقلوا اليوم عن عرصة الطف
وهل زحف هذا اليوم أبقى لحيهم
عميد وغي يستنهض الحي للزحف
فلا وأبيك الخير لم يبق منهم
قريع وغي يقري القنا مهج الصف
مشوا تحت ظل المرهفات جميعهم
بأفئدة حرى إلى مورد الحتف
فتلك على الرمضاء صرعى رجالهم
ونسوتهم هاتيك أسرى على العجف
فإن التي لم تبرح الخدر أبرزت
عشية لا كهف فتأوي إلى كهف
لقد رفعت عنها يد القوم سجفها
وكان صفيح الهند حاشية السجف
وقد كان من فرط الخفارة صوتها
يغض فغض اليوم من شدة الضعف
وهاتفة ناحت على فقد إلفها
كما هتفت بالدوح فاقدة الألف
لقد فزعت من هجمة الخيل ولّها
إلى ابن أبيها وهو فوق الثرى مغف
ونادت عليه حين ألفته عاريا
على جسمه تسفي صبا الريح ما تسفي
حملت الرزايا قبل يومك كلها
فما انقضت ظهري ولا أوهنت كتفي
ولاويت من دهري جميع صروفه
فلم يلو صبري قبل يومك في صرف
ثكلتك حين استعضل الخطب واحدا
أرى كل عضو منك يغني عن الألف
بودي لو أن الردى كان مرقدي
ولا ابن أبي نبهت من رقدة الحتف
ويا لوعة لو ضمني اللحد قبيلها
ولم أبد بين القوم خاشعة الطرف
وله في رثائه:
وسامته يركب إحدى اثنتين
وقد صرت الحرب أسنانها
فأما يرى مذعناً أو تموت
نفس أبى العز إذعانها
فقال لها اعتصمي بالإباء
فنفس الأبي وما زانها
إذا لم تجد غير لبس الهوان
فبالموت تنزع جثمانها
ترى القتل صبراً شعار الكرام
وفخراً يزين لها شأنها
فشمر للحرب في معرك
به عرك الموت فرسانها
وأضرمها لعنان السماء
حمراء تلفح أعنانها
ركين وللأرض تحت الكماة
رجيف يزلزل ثهلانها
أقر على الأرض من ظهرها
إذا ململ الرعب أقرانها
تزيد الطلاقة في وجهه
إذا غير الخوف ألوانها
ولما قضى للعلى حقها
وشيد بالسيف بنيانها
ترجل للموت عن سابق
له أخلت الخيل ميدانها
ثوى زائد البشر في صرعة
له العز حبب لقيانها
كأن المنية كانت لديه
فتاة تواصل خلصانها
جلتها له البيض في موقف
به أثكل السمر خرصانها
فبات بها تحت ليل الكفاح
طروب النقيبة جذلانها
وأصبح مشتجراً للرماح
تحلي الدما منه مرانها
عفيراً متى عاينته الكماة
يختطف الرعب ألوانها
فما أجلت الحرب عن مثله
صريعاً يجبن شجعانها
تريب المحيا تظن السماء
بأن على الأرض كيوانها
غريباً أرى يا غريب الطفوف
توسد خدك كثبانها
وقتلك صبراً بأيد أبوك
ثناها وكسر أوثانها
وله يرثيه عليه السلام:
أناعي قتلي الطف لا زلت ناعيا
تهيج على طول الليالي البواكيا
أعد ذكرهم في كربلا إن ذكرهم
طوى جزعاً طي السجل فؤاديا
ودع مقلتي تحمر بعد ابيضاضها
بعد رزايا تترك الدمع داميا
ستنسى الكرى عيني كأن جفونها
حلفن بمن تنعاه أن لا تلاقيا
وتعطي الدموع المستهلات حقها
محاجر تبكي بالغوادي غواديا
وأعضاء مجد ما توزعت الظبى
بتوزيعها إلا الندى والمعاليا
لئن فرقتها آل حرب فلم تكن
لتجمع حتى الحشر إلا المخازيا
ومما يزل القلب عن مستقره
ويترك زند الغيظ للحشر واريا
وقوف بنات الوحي عند طليقها
بحال بها يشجين حتى الأعاديا
لقد ألزمت كف البتول فؤادها
خطوب يشيح القلب منهن واهيا
وغودر منها ذلك الضلع لوعة
على الجمر من هذي الرزية حانيا
أبا حسن حرب تقاضيك دينها
إلى أن أساءت في بنيك التقاضيا
مضوا عطري الأبراد يأرج ذكرهم
عبيراً تهاداه الليالي غواليا
غداة ابن أم الموت أجرى فرنده
بعزمهم ثم انتضاهم مواضيا
وأسرى بهم نحو العراق مباهيا
بأوجههم تحت الظلام الدراريا
تناذرت الأعداء منه ابن غابة
على نشزات الغيل أصحر طاويا
تساوره أفعى من الهم لم تجد
لسورتها شيئاً سوى السيف شافيا
فصمم لا مستعدياً غير همتة
تقل له العضب الجراز اليمانيا
وأقدم لا مستسقياً غير عزمة
تعيد غرار السيف بالدم راويا
بيوم صبغن البيض وجه نهاره
على لابسي هيجاه قانيا
ترقت به عن خطة الضيم هاشم
وقد بلغت نفس الجبان التراقيا
لقد وقفوا في ذلك اليوم موقفاً
إلى الآن لا يزداد إلا معاليا
هم الراضعون الحرب أول درها
ولا حلم يرضعن إلا العواليا
يكل ابن هيجاء تربى بحجرها
عليه أبوه السيف لا زال حانيا
طويل نجاد السيف فالدرع لم يكن
ليلبسه إلا من الصبر ضافيا
يرى السمر يحملن المنايا شوارعا
إلى صدره أن قد حملن الأمانيا
من القوم أقمار الندى ووجوههم
يضئن من الآفاق ما كان داجيا
مناجيد طلاعون كل ثنية
يبيت عليها ملبد الحتف جاثيا
ولم تدر إن شدوا الحبا أحباهم
ضممن رجالاً أم جبالاً رواسيا
وله يرثيه:
لعمري لئن لم يقض فوق وسادة
فموت أخي الهيجاء غير موسد
وإن أكلت هندية البيض شلوه
فلحم كريم القوم طعم المهند
وإن لم يشاهد قتله غير سيفه
فذاك أخوه الصدق في كل مشهد
لقد مات لكن ميتة هاشمية
لهم عرفت تحت القنا المقتصد
كريم أبى شم الدنية أنفه
فأشممه شوك الوشيج المسدد
وقال قفي يا نفس وقفة وارد
حياض الردى لا وقفة المتردد
رأى أن ظهر الذل أخشن مركبا
من الموت حيث الموت عنه بمرصد
فآثر أن يسعى على جمرة الوغى
برجل ولا يعطي المقادة عن يد
وله يرثيه أيضاً:
يلقى الكتيبة مفردا
فتفر دامية الجراح
وبهامها اعتصمت مخافة
بأسه بيض الصفاح
وتسترت منه حياء
في الحشا سمر الرماح
فترى الجسوم على الصعيد
كأنها بدر الأضاحي
ما زال يورد رمحه
في القلب منها والجناح
وحسامه في الله يسفح
من دماء بني السفاح
حتى دعا إليه أن
يغدو فلبى بالرواح
ورقى إلى أعلى الجنان
معارج الشرف الصراح
وبنات فاطمة غدت
حسرى تجاوب بالنياح
أضحت بأجرد صفصف
متوقد الرمضاء ضاح
من بعد ما أن كن في
حرم أجل من الضراح
عجباً لها تغدو سبايا
وهي من حي لقاح
الله أكبر يا جبال
تدكدكي فوق البطاح
فبنات أحمد قد غدت
تهدى لمذموم الرواح
منهلة العبرات بح
الندب من عظم المناخ
يندبن أول منجد
يوم الوغى لهف الصياح
وينحن من جزع على
أندى البرية بطن راح
وله في رثائه:
ماذا يهجيك إن صبرت
لوقعة الطف الفظيعة
أترى تجيء فجيعة
بأمض من تلك الفجيعه
حيث الحسين على الثرى
خيل العدى طحنت ضلوعه
قتلته آل أمية
ظام إلى جنب الشريعة
ورضيعه بدم الوريد
مخضب فاطلب رضيعه
يا غيرة الله اهتفي
بحمية الدين المنيعه
ما ذنب أهل البيت حتى
منهم أخلوا ربوعه
تركوهم شتى مصا
ئبهم وأجمعها فظيعه
فمغيب كالبدر ترتقب
الورى شوقاً طلوعه
ومكابد للسم قد
سقيت حشاشته نقيعه
ومضرج بالسيف آثر
عزة وأبى خضوعه
فقضى كما اشتهت الحمية
تشكر الهيجا صنيعه
ومصفد لله سلم
أمر ما قاس جميعه
وسبية باتت بأفعى
الهم مهجتها لسيعه
سلبت ومما سلبت محامد
عزها الغر البديعه
تدعو ومن تدعو وتلك
كفات دعوتها صريعه
واها عرانين العلى
عادت أنوفكم جديعه
حملت ودائعكم إلى
من ليس يعرف ما الوديعة
آل الرسالة لم تزل
كبدي لرزئكم صديعه
ولكم أروض من ألقوا
في كل فاركة شموعه
فتقبلوها إنني
لغد أقدمها ذريعة
أرجو بها في الحشر راحة
هذه النفس الهلوعه
وعليكم الصلوات ما حنت
مطوقة سجوعه
وقال يرثيه:
هذي أمية لا سرى في قطرها
غض النسيم ولا استهل قطار
لبست بما صنعت ثياب خزاية
سوداً تولى صبغهن العار
أضحت برغم أنوفكم ما بينها
بنسائكم تتقاذف الأمصار
من كل باكية تجاوب مثلها
نوحاً بقلب الدين منه أوار
شهدت قفار البيد أن دموعها
منها القفار غدون وهي غمار
حملت على الأكوار بعد خدورها
الله ماذا تحمل الأكوار
ومروعة تدعو وحافل دمعها
ما بين أجواز الفلا تيار
أمجشما أنضاء أغباب السرى
بهماء تمنع قطعها الأخطار
مرهوبة الجنبات قاتمة الضحى
ما للأسود بقعها أصحار
أبداً يموج مع السراب شجاعها
من حر ما يقد النقى المنهار
تهوي سباع الطير حين تجوزها
موتى وما للسيد فيها غار
يطوي مخارم بيدها بمصاعب
للريح دون ذميلها إحصار
من كل جانحة تقاذفها الربى
ويشوقها الأنجاد والأغوار
حتى تريح بعقر دار لم تزل
حرماً تجانب ساحها الأقدار
منعت طروق الضيم فيها غلمة
يسري لواء العز أنّى ساروا
سمة العبيد من الخشوع عليهم
لله إن ضمتهم الأسحار
وإذا ترجلت الضحى شهدت لهم
بيض القواضب أنهم أحرار
وله يرثيه:
عثر الدهر ويرجو أن يقالا
تربت كفاك من راج محالا
أي عذر لك في عاصفة
نسفت من لك قد كانوا الجبالا
انزعوا بعد ما جئت بها
تنزع الأكباد بالوجد اشتعالا
قتلت عذرك إذ أنزلتها
بالذرى من هائم تدعو نزالا
نلت ما نلت فدع كل الورى
عنك أو فاذهب بمن شئت اغتيالا
وتجملت ولكن هذه
سلبت وجهك لو تدري الجمالا
لا أقالتني المقادير إذا
كنت ممن لك يا دهر أقالا
المطاعين إذا شبت وغى
والمطاعيم إذا هبت شمالا
والمحامين على أحسابهم
جهد في ما تحمي المغاوير الحجالا
أسرة الهيجاء أتراب الظبى
حلفاء السمر سحبا واعتقالا
فهم الأطواد حلما وحجى
والظبا والأسد غرباً وصيالا
ولهم كل طموح لا يرى
خد جبار الوغى إلا نعالا
إن دعوا هبوا إلى داعي الوغى
وإذا النادي احتبى كانوا ثقالا
أهزل الأعمار منهم قولهم
كلما جد الوغى زيدي هزالا
كل وطاء على شوك القنا
أثر مشاء على الجمر اختيالا
وقفوا والموت في قارعة
لو بها أرسي ثهلان لزالا
فأبوا إلا اتصالا بالظبي
وعن الضيم من الروح انفصالا
نسيت نفسي جسمي أو فلا
ذكرت إلا عن الدنيا ارتحالا
حين تنسى أوجها من هاشم
ضمها الشرب هلالا فهلالا
أفتديهم وبمن ذا أفتدي
من لهلاك الورى كانوا الثمالا
عترة الوحي غدت في قتلها
حرمات الله في الطف حلالا
قتلت صبراً على مشرعة
وجدت فيها الردى أصفى سجالاً
يوم آلت آل حرب لا شفت
حقدها إن تركت لله آلا
يا حشى الدين ويا قلب الهدى
كابداً ما عشتما داء عضالاً
تلك أبناء علي غودرت
بدماها القوم تستشفي ضلالا
حلية الإنسان وحلية اللسان (كتاب)
جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن أجل مشايخ ابن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه «تلخيص مجمع الآداب» وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه «العلامة» وابن مهنا هذا من الأعلام الذين عنيت كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم والتنقيب عن مصنفاتهم وجمع أخبارهم وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجود عني بتاريخ بلاده في عصر عصيب وهو عصر الدولة المغولية. وقد سمى له ابن الفوطي في كتابه تلخيص مجمع الآداب الكتب الآتية:
«وزراء الزوراء»، «لطائف المعاني في شعراء زماني»، «المشجر في الأنساب» وهذه الكتب الثلاثة من مصادر ابن الفوطي في معجماته التاريخية. ولابن مهنا هذا كتاب لغوي طريف سماه: «حلية الإنسان وحلية اللسان».
ضاعت جل مؤلفات ابن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا استثنينا هذا الكتاب، ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية، واتصلوا بمختلف طبقاتها، وتمكن من درس تلك اللغات الأعجمية التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتاب «الحلية» المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها، نحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية، وهذه اللغات من النواحي المذكورة
ويبدو لنا من تضاعيف هذا الكتاب أن ابن مهنا عني قبل استيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وتضلع في الدراسات المذكورة حتى أرى أنه فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ولا نبالغ إذا قلنا إنه أول عالم عربي عني بهذه الدراسات.
ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالتا حظاً من عناية بعض العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة، وسبق ذلك كما لا يخفى عصر الانتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في أقاليم خراسان وبلاد فارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.
لم توجد في هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف، وإنما وجدت بعض نسخه في بعض مكتبات الآستانة ودور التحف في الغرب، وعني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903 وعني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلة بعضها ببعض، ونشر الكتاب بإشراف وزارة المعارف التركية، وليس في هذه النسخ المخطوطة جميعها ما يدل على اسم الناسخ وتاريخ النسخة وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء الباحثون بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عني بنسخته وعلم على مواضع منها بالحمرة كما أشار بنفسه إلى ذلك (ص 74 من المطبوع) هذا وقد خلط المستشرقون في محاولة الاهتداء إلى اسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الاشتراك في التسمية، ولم ينتبه إلى معرفته إجمالاً إلا بعض علماء الأتراك وظلت تفاصيل احواله مجهولة إلى أن تهيأ لنا بفضل الله تعالى وضع بحث خاص في تعريف هذا العالم الجليل.
محتويات الكتاب
والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية والثاني في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف اعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيه الأرجح أنها هي المقصودة بكلمة وردت في المقدمة، وهذه أسماء الكتب المذكورة.
1 ـ نادر الدهر على لغة ملك العصر.
2 ـ الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خوارزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين.
3 ـ كتاب حلى الملك.
4 ـ كتاب «تحفة الملك».
5 ـ كتاب طبايع الحيوان الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المروزي وذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418، ويلاحظ أن أربعة من هذه الكتب ذكرت في قسم اللغة التركية.
هذه هي الكتب التي سماها المؤلف وورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته، ويقول ابن مهنا في ديباجة كتابه ما يأتي: «وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودرسه أو خفضه وأنسه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره، أما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه، فانضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد. فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد، ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم: الناس على دين ملوكهم، فعطفت حينئذ على وضع من اللغات قريب الالتماس محتو على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها استعمالاً وأشهرها مقالاً أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.
هذا بعض ما قاله جمال الدين بن مهنا في مقدمة كتابه، وقد كسر المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى وآخرها الأمثال وبينها فصول في قواعد هذه اللغة وشواذ الألفاظ، وتجد في الكتاب بحوثاً في الأبواب الآتية:
الجمع والتصغير النسب. النفي والسلب. المفاضلة. التنكير والتعريف. الإضافات. وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة، وفي هذا الفصل يقول: «إعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو ثقل مخففها. وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب، فإن أخل يضبطها بعد المعنى بل فسد، وتلك الحروف خمسة: الجيم والزاء والفاء والباء والكاف» هذا ما قاله ابن مهنا «ورسم المؤلف تحت كل هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاث منفردة وهي العين والثاء والقاف».
قسم اللغة التركية في الكتاب
وهو يتلو قسم اللغة الفارسية، وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وتجد فيه بحوثاً في الموضوعات الآتية: هجاء اللغة التركية. نواقص حروفها عن حروف هجاء العربية. انفراد التركية عن اللغة العربية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي «ﭖ ﭺ ﭪ گ ﮊ» وعلامة هذه الحروف نقط ثلاث: مثغاة رسمت تحت الحرف بشكل نقط الثاء في العربية، ثم أشار المؤلف إلى صور النطق بهذه الحروف فقال: «والنطق بحرف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد الكاف»، وفي آخر هذا الفصل قال ابن مهنا «إعلم أن اللغة التركية منشأها بالأصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها ـ سرعة التكلم وانطلاق النطق واختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز، واعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك، ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات» قال ابن مهنا ذلك وانتقل بعده «إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحر في فنون اللغة المذكورة».
قسم اللغة المغولية
وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول، هو أبسط الأقسام، ويلاحظ أن البحوث في القواعد العامة من هذا القسم قليلة إذا استثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية، ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة.
قال ابن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب «اعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخله في ألفاظها، أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود. ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية. وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الرومية وجميع ذلك أو ما يناسبه إنما لقرب المجاورة وكثرة المحاورة واجتذاب الأقل من الأكثر طبقاً للتمام والكمال».
محمد رضا الشبيبي
الحماسة (كتاب)
كتاب الحماسة أو ديوان الحماسة جمعه أبو تمام لأبي الوفاء بن سلمة لما كان عنده في همذان آيباً من خراسان من عند عبد الله بن طاهر فمنعه الثلج فألف له هذا الكتاب من خزانة كتبه وهو مرتب على عشرة أبواب: (1) الحماسة (2) المراثي (3) الأدب (4) النسيب (5) الهجاء (6) الأضياف والمديح (7) الصفات (8) السير والنعاس (9) الملح (10) مذمة النساء. واشتهر ببابه الأول من تسمية الكل باسم الجزء. والحماسة بابه الأول من تسمية الكل باسم الجزء. والحماسة الشجاعة والعرب تسمي قريشاً حمساً لشدتهم في القتال وهو من أشهر الكتب ورزق حظاً كبيراً واشتهر اشتهاراً عظيماً وكفى في اشتهاره واعتناء العلماء به أن يكون له أربعة وثلاثون شرحاً لأكابر العلماء والأدباء كما ستعرف وأن يؤلف ثمانية من مشاهير العلماء والأدباء كتب الحماسة اقتداءً بأبي تمام أو معارضة له ولا يشتهر واحد منها اشتهار حماسة أبي تمام أو دونها كما ستعرف وأن يؤلف شيخ العربية أبو الفتح عثمان بن جني كتاب المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة وقد طبع بدمشق وأن العلماء إذا استشهدوا ببيت مما ذكر فيه يقولون قال الحماسي أي الشاعر المذكور شعره في كتاب الحماسة ولا ينسبونه إلى صاحبه وأن يضرب به المثل أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد البيهقي في كتابه تتمة صوان الحكمة المعروف بتاريخ حكماء الإسلام.
فيقول في ترجمة أبي الصقر عبد العزيز بن عثمان القبيصي الهاشمي: «إن كتابه المدخل هو في كتب النجوم مثل كتاب الحماسة بين الأشعار ودل جمعه له على فضل عظيم ومعرفة تامة بالشعر والأدب» قال ابن خلكان: «له كتاب الحماسة دلت على غزارة علمه وإتقان معرفته وحسن اختياره».
في خزانة الأدب: «له كتاب الحماسة الذي دل على غزارة علمه وكمال فضله وإتقان معرفته وحسن اختياره وهو في جمعه للحماسة أشعر منه في شعره». وقال الخطيب التبريزي في مقدمة شرح الحماسة: وأشعارهم أي العرب ـ كثيرة والمختار منها ما اختاره أمراء الكلام وعلماء النظام ومن أجود ما اختاروه من القصائد المفضليات ومن المقطعات الحماسة وقال إن أبا تمام باختياره الحماسة أشعر منه في شعره.
وقال الزمخشري في الأساس: لم يجمع في المقطعات مثل ما جمع أبو تمام ولا في المقصدات في ما جمع المفضل اهـ.
وعن كتاب المنتخب في تاريخ آداب العرب تأليف محمد عطايا الدمشقي المطبوع بمصر «1913» ص 72: الحماسة وتسمى أيضاً الحماسة الكبرى وهي تحتوي على نحو 570 قطعة من الشعر قسمت إلى عشرة أبواب ـ وعدها ـ ترجمها إلى اللاتينية العلامة فريتانح سنة 1828م وسنة 1851م ثم ترجمها إلى اللغة النمساوية العلامة فريدريك روكيرت وطبع الترحمة سنة 1846م.
ولم تشتهر حماسة أبي تمام هذا الاشتهار عن عبث ولا صدفة بل اشتهرت بالاستحقاق وذلك لما فيها من حسن الاختيار مع أنها جمعت من كتب مكتبة واحدة.
ولأجل ما فيها من حسن الاختيار الذي دل على قوة معرفة أبي تمام بجيد الشعر من رديه قيل أن أبا تمام في اختياره أشعر منه في شعره.
قال المسعودي: «قد كان ابو تماما ألف كتاباً وسماه الحماسة وفي الناس من يسميه كتاب الخيبة انتخب فيه شعر الناس ظهر بعد وفاته اهـ قوله كتاب الخيبة هكذا في نسخة مطبوعة فإن لم تكن كلمة الخيبة محرفة فلا شك أنها صدرت عن حسد وشحناء.
وقال الآمدي في الموازنة: لأبي تمام كتب اختيار في الشعر مشهوره (إلى أن قال) ومنها اختيار تلقط فيه أشياء من الشعراء المقلين والشعراء المغمورين غير المشهورين وبوبه أبواباً وصدره بما قيل في الشجاعة وهو أشهر اختياراته وأكثرها في أيدي الناس ويلقب بالحماسة …
سبب تأليف الحمالسة
ما ذكره الخطيب التبريزي يحيى بن علي في مقدمة شرح الحماسة قال: «كان سبب جمع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه وعاد من خراسان يريد العراق فلما دخل همذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة فأنزله وأكرمه فأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطرق ومنه السابلة (والبرد بتلك النواحي شديد خارج عن حد الوصف والثلج في الشتاء يساوي سطوح البيوت) فغم أبا تمام ذلك وسر أبا الوفاء فقال له: وطن نفسك على المقام فإن هذا الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان وأحضره خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها وصنف خمسة كتب في الشعر منها كتاب الحماسة والوحشيات وهي قصائد طوال فبقي كتاب الحماسة في خزائن آل سلمة يضنون به ولا يكادون يبرزونه لأحد حتى تغيرت أحوالهم وورد همذان رجل من أهل دينور يعرف بأبي العواذل فظفر به وحمله إلى أصبهان فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه من الكتب المصنفة في معناه فشهر فيهم ثم فيمن يليهم».
وآل سلمة هؤلاء لم أطلع على من فصل أحوالهم وينبغي أن يكونوا من قبيلة عربية أو مستعربة كانت لها رياسة هناك وهذه منة للثلج على الأدب العربي والشعر.
وكم من محسن يعظم إحسانه ويعم فضله بلا قصد منه وهو لا يعلم بذلك ولا يحس به وهو من الجمادات فالثلج بهذه المنة كانت له يد بيضاء ناصعة البياض أشد من بياضه الطبيعي الذي رزقه الله إياه.
وهذا يدل على انتشار اللغة العربية والأدب العربي في تلك الأعصار في بلاد العجم انتشاراً عظيماً ولكن أين آل سلمة وأين من يخلفهم اليوم بهمذان ولا يوجد فيها اليوم من ينطق العربية فضلاً عمن يعنى بشعر العرب وأين أدباء أصفهان الذين أقبلوا على ديوان الحماسة ورفضوا ما سواه وليس فيها اليوم منهم عين ولا اثر واتفق في سفري إلى إيران سنة 1353هـأ أن ذهبنا من همذان في العربات إلى قرية من قراها تسمى بهار بدعوة عن بعض أهل العلم فقلت لصاحب معي: إقرأ لنا شيئاً من الشعر فجعل يقرأ فقال مضيفنا من أهل همذان بالفارسية: ماذا يقرأ هل دعاء؟ قلت: لا، بل ينشد شعراً.
وطبع كتاب الحماسة في مصر وفي بيروت ودمشق.
شروح كتاب الحماسة
شرح كتاب الحماسة شروحاً كثيرة قيل: إن أحسنها شرح أبي علي أحمد بن محمد المرزوقي والمعروف منها شرح أبي زكريا يحيى بن علي الشهير بالخطيب التبريزي مطبوع بمصر في أربع مجلدات.
قال في مقدمة الشرح: «مواضيع منهم دون إيراد المعاني. ومنهم من أورد الأخبار التي تتعلق به وأعرض عن ذكر المعاني ومنهم من ذكر المعاني دون الإعراب والأخبار» وقد شرح أربعة وثلاثين شرحاً فيما اطلعنا عليه من كلام العلماء ذكر صاحب كشف الظنون منها أحداً وعشرين شرحاً وذكر غيره الباقي ونوردها جميعاً فيما يلي ونبدأ بما ذكره صاحب كشف الظنون ثم نتبعه الباقي.
(1) شرح أبي المظفر محمد بن آدم الهروي النحوي المتوفى سنة 214هـ وفي بغية الوعاة 354 (2) شرح حسن بن بشر الآمدي المتوفى 335هـ (3) شرح أبي الفتح عثمان بن جني المتوفى 392هـ إكتفى فيه بشرح مغلقاته واسمه التنبيه (4) المبهج في شرح أسماء رجال الحماسة لابن جني أيضاً وهذا لم يذكره صاحب كشف الظنون (5) شرح أبي نصر منصور بن مسلم الحلبي المعروف بابن الدميك جعله تتمة ما قصر فيه ابن جني (6) شرح أبي هلال العسكري الحسن بن عبد الله المتوفى 395هـ وفي فهرست الكتب المصرية رسالة في ضبط وتحرير مواضع من الحماسة لأبي هلال العسكري ولا أعلم أنها في هذا الشرح أم غيره (7) شرح أبي علي أحمد بن محمد بن حسن الأصفهاني المعروف بالإمام المرزوقي المتوفى 421هـ الذي قيل عن شرحه أنه أحسن الشروح وفي كشف الظنون شرحه معتبر مشهور (8) شرح أبي عبد الله الخطيب الأسكافي المتوفى 421هـ (9) شرح ابي القاسم زيد بن علي الفسوي المتوفى 427هـ وفي معجم الأدباء 467 (10) شرح أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده اللغوي المتوفى 458هـ وهو شرح كبير في ستة مجلدات سماه الأنيق (11) شرح أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي المتوفى 475هـ (12) شرح عبد الله بن أحمد الساماني المتوفى سنة 475 (13) شرح أبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى 476هـ (14) شرح الأعلم أبي الحجاج يوسف بين سليمان الشنتمري([232]) المتوفى 476هـ في خمسة مجلدات. قال ياقوت: رتب على حروف المعجم (15) شرح أبي زكريا يحيى بن علي الشهير بالخطيب التبريزي المتوفى 502هـ (16) شرحه المختصر ويظهر من شرحه المطول أن له عليه شرحين فقط مختصر ومطول والمطول هو المطبوع ومن كشف الظنون أن له عليه ثلاثة شروح مختصر ومتوسط ومطول (17) شرح أبي المحاسن مسعود بن علي بن أحمد بن عباس الصواني البيهقي المتوفى 544هـ (18) شرح عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الخبري المتوفى 584هـ وفي معجم الأدباء 476 (19) شرح إبراهيم بن محمد بن ملكوت الأشبيلي المتوفى 584هـ (20) شرح أبي البقاء عبد الله بن حسين العكبري المتوفى 616هـ (21) شرح أبي علي الحسن بن علي الاسترآبادي النحوي المتوفى بمصر هكذا في كشف الظنون ولكن في معجم الأدباء وبغية الوعاة الحسن بن أحمد الأسترابادي أبو علي النحوي الأديب أوحد زمانه وكلاهما نسب إليه شرح الحماسة والظاهر أنه هو المذكور في كشف الظنون وأنه حرف أبي علي بابن علي والصواب الحسن بن أحمد (22) شرح أبي نصر قاسم بن محمد الواسطي النحوي المتوفى بمصر. فهذا ما ذكره صاحب كشف الظنون من شروح عدى المبهج لابن جنى المتقدم (23) شرح ابي جعفر احمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المعروف بابن النحاس ذكره صاحب كتاب الفلاكة والمفلوكين (24) شرح أمين الدين الطبرسي (وهو صاحب مجمع البيان) ذكره عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ج 1 ص 273. الطبعة الجديدة (25) شرح أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن عمران الجنابي البرقي الملقب ما جيلويه عند النجاشي من جملة مؤلفاته كتاب تفسير حماسة ابي تمام وذكر سنده إليه (26) شرح علي بن ابي الحسن زيد البيهقي المعروف بفريد خراسان المتوفى 565هـ ذكره ياقوت في معجم الأدباء (27) شرح علي بن الحسن الملقب شميم الحلي اسمه الماسة في شرح الحماسة نسبه إليه ياقوت في معجم الأدباء (28) شرح أبي الحسن علي بن محمد العدوي الشمشاطي في المئة الرابعة قال النجاشي: له في شرح حماسة أبي تمام الأولى عملها لعبد الله بن طاهر (29) شرح المولوي فيض حسن المدرس بلاهور المسمى بالفيضي شرح فيه أنساب وأسماء وأخبار شعراء الحماسة نقلها من شرح التبريزي وكتب التواريخ طبع سنة 1293م بالهند منه نسخة بالمكتبة الرضوية كما في فهرستها (30) شرح الشيخ سيد بن علي المرصفي المصري المسمى بأسرار الحماسة كما في فهرست دار الكتب المصرية من أهل العصر مطبوع (31) شرح أبي عبد الله الحسين بن علي النمري البصري ذكره ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة الحسن بن أحمد الأعرابي منسوباً الى النمري في شرح مشكل أبيات الحماسة وعلى الشرح تعليق للحسن بن أحمد بن محمد الغندجاني ذكر الأصل والتعليق في فهرست دار الكتب المصرية بعنوان إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله الحسين بن علي النمري البصري مما فسره من أبيات الحماسة لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي أولاً وثانياً تأليف الإمام اللغوي النسابة أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد الغندجاني المعروف بالأعرابي الأسود كان موجوداً سنة 430هـ بين فيه مواضع الزلل تحت كل بيت وأثبت الصواب (اهـ) فعلم من ذلك وجود الشرح والتعليق وقوله أولاً وثانياً لعله يدل على وجود شرحين والله أعلم (32) شرح أبي العلاء المعري (33) شرح محمد عبد القادر الرافعي المعاصر اختصره من شرح التبريزي مطبوع معه (34) شرح الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن الحارث البياري صاحب أبي سعيد السيرافي من علماء القرن الرابع الهجري. فهذا ما عثرنا على أسمائه من شروح ديوان الحماسة. وقال صاحب كشف الظنون: ونثرها اي الحماسة بأن حول النظم إلى نثر أبو سعيد علي بن محمد الكاتب المتوفى 414هـ وسماه المنثور البهائي لأنه نثرها لبهاء الدولة بن بويه (اهـ) وهذا من التأليف البارد.
مؤلفو الحماسة بعد أبي تمام
ألف جماعة من مشاهير العلماء والأدباء كتب الحماسة اقتداء بأبي تمام أو معارضة له ولكن لم يشتهر واحد منها اشتهار حماسة أبي تمام ولا دونها وقد ذكر صاحب كشف الظنون منها: (1) حماسة البحتري جمعها للفتح بن خاقان وزير المتوكل ورتبها على 174 باباً وجدت نسختها في مكتبة ليدن وطبعها اليسوعيون في بيروت عن نسخة نقلت عن تلك النسخة ولكنها لم ترزق من الحظ ما رزقت حماسة أبي تمام وهما في عصر واحد وللبحتري من الشهرة في الشعر ما لا ينقص عن شهرة أبي تمام إن لم يزد (2) حماسة أبي الحسن علي بن الحسن المعروف بشميم الحلي المتوفى سنة 601هـ مرتبة على 14 باباً (3) حماسة أبي الحجاج يوسف بن محمد البياسي الأندلسي المتوفى سنة 653هـ في مجلدين (4) حماسة أبي السعادات هبة الله بن علي بن الشجري المتوفى سنة 542هـ (5) الحماسة البصرية لأبي الحسن علي بن ابي الفرج بن الحسن البصري المقتول سنة 659هـ ألفها سنة 647هـ([233]) (6) الحماسة العسكرية محكية عن كشف الظنون (7) حماسة الأعلم الشنتمري المتوفى سنة 476هـ ذكرها صاحب خزانة الأدب (8) حماسة الخالديين منها نسخة في المكتبة الخالدية.
ومن مؤلفات أبي تمام الحماسة الصغرى اختارها من شعر العرب بعد اختيار الحماسة الكبرى المتقدمة ورتبها على عشرة أبواب هي نفس أبواب الحماسة الكبرى وتسمى الوحشيات أيضاً وهي قصائد طوال كما مر عن شرح الحماسة.
أبو تمام حبيب بن أوس الطائي
مؤلف كتاب الحماسة
ابو تمّام، حبيب بن أوس الطائي، شاعر من شعراء العربية الكبار اتخذ موقعاً متميزاً في تاريخ الشعر العربي، لسببين:
أولهما إنتاجه الشعري المختلف الذي خرج فيه على عمود الشعر، على مستويي الإبداع الشعري والرؤية إليه، خروجاً مثل مذهباً في الشعر.
وقد كوّن هذا حركة نقدية تناولت مختلف قضايا الشعر ومسائله، ما أثر في تطور الشعر العربي على امتداد تاريخه.
وثانيهما جمعه مختارات من الشعر العربي القديم، ما كوّن حركة تأليف تتبع في منحى أول منهجه في الجمع، وتشرح، في منحى ثانٍ، ما تم جمعه، وتقدمه للقراء، وقد كان لهذا الجهد دوره في تطور الشعر العربي وحركة النقد الأدبي الذي يرمي إليه.
وفي ما يأتي نحاول أن نقدم معرفة بالشاعر وشعره، فنبحث، في هذا القسم، في قضيتين أساسيتين هما:
أولاً ـ سيرة تكوّن الشاعر.
ثانياً ـ شخصيته وأهم العوامل المكوّنة.
أولاً ـ سيرة تكون الشاعر:
1 ـ ولد أبو تمام، عام 188 أو 190هـ، (وقيل: 172 و192هـ) في قرية «جاسم»، وهي كما يرى معظم المؤرخين، قرية من قرى «الجيدور»، تقع في حوران، ببلاد الشام. ويذكر أبو الفرج الأصفهاني: أن «مولده ومنشأه بناحية منبج بقرية يقال لها جاسم».
ويعلق السيد محسن الأمين على هذا الراي الذي يتفرد به الأصفهاني، فيرى أن أحداً غير أبي الفرج «لم يذكر أن بناحية الجيدور ما يقال له منبج، وإنّما منبج بناحية حلب، ولعله كان بناحية الجيدور ما اسمه منبج».
2 ـ ينتمي أبو تمام إلى قبيلة طيء، يقول أبو الفرج في هذا الصدد: إنه «من نفس طيء صليبة». غير أن بعضهم ذكر أن أباه «كان نصرانياً من أهل جاسم يقال له ندوس العطار»، فجعلوه أوساً، وقد لفقت له نسبة إلى طيء.
ويقول مرجليوت، في دائرة المعارف الإسلامية، إن أبا تمام هو الذي يدل اسم أبيه الذي كان نصرانياً، ويظن أن هذا الإسم محرف عن «تيودوس».
ورأى طه حسين استناداً إلى هذا الظن أنه يوناني الأصل. وذهب بروكلمان إلى أن اسم «تدوس» يشيع بين نصارى السريان.
ويخلص د. شوقي ضيف، بعد أن يعرض هذه الآراء، إلى القول: «ونصرانية أبيه ـ إن صحت ـ لا تنفيه من العرب ولا من طيء…. وجمهور من ترجموا له من الثقات يذهبون إلى أنه طائي صليبة، ويشهد لذلك فخره المضطرم بطيء وأنه اختار منها أكثر ممدوحيه … مما يدل على أنه طائي عريق وعربي أصيل.
ويناقش السيد محسن الأمين هذا الرأي، ويتتبع الروايات وينتهي إلى رأي مفاده: «والظاهر أن من قال ذلك قاله عداوةً، واشتهار كونه طائياً قد تجاوز الحد ….
ولو كانت نسبته إلى طيء باطلة لما سكت عنه أخصامه وحسّاده، فكانوا يظهرون للملأ بطلان نسبه …، وأنساب العرب كانت في ذلك العصر محفوظة معلومة لا يمكن لأحد أن يدعي نسباً كاذباً».
وهو دائماً يفتخر بقبيلة طيء وبالانتساب إليها في مواضع كثيرة من شعره، كقوله:
أبى قدرنا في الجود إلاّ نباهة
فليس لمال عندنا أبداً قدر
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى
بها القطر، قال الناس: أيهما القطر؟
* * *
أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم
وسما فيهم، وهو كهل ويافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم
لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
* * *
سافر بطرفك في أقصى مكارمنا
إذ لم يكن لك في تأثيلها سفر
هل أورق المجد إلاّ في بني أدد
أو اجتني قط لولا طيء ثمر
لولا أحاديث أبقتها أوائلنا
من السدى والندى لم يعرف السمر
تتلى وصايا المعالي بين أظهرهم
حتى لقد ظن قوم أنها سور
3 ـ ويبدو أنّ أوساً كان على شيء من الطموح فغادر القرية إلى دمشق مصطحباً ابنه …. أو لعله أنس من ابنه مواهب، فقدم به إلى المدينة؛ حيث عمل «خمَّاراً» أو «عطَّاراً»، وعمل ابنه حبيب في دكان حائك، ثم في محل «قزاز». ويذكر ابن عساكر، بسنده عن يحيى بن صالح: «رأيت أبا تمام بدمشق غلاماً يعمل مع قزاز، وكان أبوه خمَّاراً بها».
وكان في دمشق، يختلف إلى مجالس العلماء والشعراء، فيفيد منها. وتفيد الروايات أنه كان يقصد الشعراء في المدن القريبة من دمشق، ولعله التقى الشاعر عبد السلام بن رغبان، ديك الجن، (161 ـ 235هـ)، وتأثر بطريقته في نظم الشعر التي كان من أبرز خصائصها توليد المعاني الدقيقة اللطيفة وصوغها بلغة تغلب عليها محسنات البديع.
جاء في أعيان الشيعة: «قال عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي: كنت جالساً عند ديك الجن، فدخل عليه حدث، فأنشده شعراً عمله، فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجاً كبيراً فيه كثير من شعره فسلمه إليه، وقال: يا فتى تكسب بهذا، واستعن به على قولك، فلما خرج سألته عنه، فقال: هذا فتى من أهل جاسم يذكر أنّه من طيء، يكنّى أبا تمام، واسمه حبيب بن أوس، وفيه أدب وذكاء، وله قريحة وطبع.
4 ـ ويبدو أنّ الفتى الطموح، وقد تفتحت مواهبه، راح يبحث عن فرصة تحقق آماله في الغنى والمكانة، فغادر إلى مصر. وتفيد القرائن الآتية أنه أقام في مصر بين عامي 208هـ و214هـ.
كان عام 214هـ موجوداً في مصر، بدليل ذكره مقتل عمير بن الوليد، وقد رثاه أبو تمام بقصيدة مطلعها:
أعيدي النوح معولة أعيدي
وزيدي من بكائك ثم زيدي
وقومي في نساء حاسرات
خوامش للنحور وللخدود
هو الخطب الذي ابتدع الرزايا
وقال لأعين الثقلين: جودي
ألا رزئت خراسان فتاها
غداة ثوى عمير بن الوليد
ويذكر في إحدى قصائده التي يشكو فيها سوء حاله في مصر، أنه أقام فيها خمسة أعوام وشهرين، ولعلّه بقي بعد نظم هذه القصيدة مدة، يقول:
أخمسة أحوالٍ مضت لمغيبه
وشهران بل يومان ثكلّ من الثكل
ويرجّح أنه غادر مصر في أواخر عام 214هـ، بدليل رثائه لمحمد بن حميد الطوسي الطائي الذي قتل في حرب بابك الخرمي في هذا العام، بقصيدة منها قوله:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
توفيت الآمال بعد محمد
وأصبح في شغل عن السفر السفر
تردى ثياب الموت حمراً فما دجى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
كأن بني نبهان يوم وفاته
نجوم سماءٍ خرّ من بينها البدر
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ
غداة ثوى إلاّ اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى
ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
عليك سلام الله وقفاً فإنني
رأيت الكريم الحر ليس له عمر
ويظهر أبو تمام في مصر، وإن كان لا يزال فتى، شاعراً مكتمل الأدوات، فيمدح عياش بن لهيعة، وينال جائزته. يقول الصولي، استناداً إلى رواية البحتري، إنه سمع أبا تمام يقول: «أول شعر قلته: جمحاتي لست طوع مؤنبي، ومدحت به عياش بن لهيعة، فأعطاني خمسة آلاف درهم.
وإن يكن عياش هذا غاية الشاعر بمصر وقرابته فيها، كما يقول مخاطباً إياه في قصيدته هذه:
وأنت بمصر غايتي وقرابتي
بها، وبنو أبيك فيها بنو أبي
فقد ماطله وأهمله، فقال يذكره، ويحثُّه:
لا تنس تسعة أشهر أنْضَيْتُها
دأباً، وأنضتني إليك، ونيفا
* * *
الفطر والأضحى قد انسلخا، ولي
أمل ببابك صائمٌ لم يفطر
عام ولم ينتج نداك، وإنّما
تتوقّع الحبلى لتسعة أشهر
وتساءل عن عذر له فلم يجده:
ما عذر من كان النوَّال مطيعه
والطبع منه أن يجود تكلفا
وإذا لم يجد التذكير والحث، ووإذ لم يجد له عذراً، عاتبه عتاباً مراً، يظهر فيه الشاعر شرقاً بذل السؤال، حريصاً على عدم إراقة ماء وجهه، مشيراً إلى أقوام يكرهونه يدبرون له المكائد، وينتهي إلى تهديدهم بهجاء يجعلهم «حيضاً» ….يقول أبو تمام مصوراً مراراته في مصر:
ذلُ السؤال شجي في الحلق معترضُ
من دونه شرق، من تحته جرضُ
ما ماءُ كفك، إن جادت وإن بخلت،
من ماء وجهي إذا أفنيته عوضُ
أظن عندك أقواماً وأحسبهم
لم يأتلوا في ما أعدوا وما ركضوا
يرمونني بعيونٍ حشوها شزَرٌ
نواطق عن قلوب حشوها مرض
لولا صيانة عرضي وانتظار غدٍ
والكظم حتمٌ علي الدهر مفترض
لما فَكَكْتُ رقاب الشعر عن فكري
ولا رقابهم إلاّ وهم حيضُ
ثم نفذ تهديده وهجاه هجاءً مراً.
ويبدو أن الشاعر اضطر إلى أن يعمل سقاء في جامع الفسطاط؛ حيث كان يشهد مجالس العلماء والأدباء، فأفاد علماً وخبرة بالحياة، وتعرف إلى ولاة الأمر، ومنهم عبد الله بن طاهر الذي قدم مصر عام 211هـ للقضاء على ثورة عبيد الله بن السري. وخالط الأدباء والشعراء وتهاجى مع الشاعر يوسف السراج، بعد أن اتهمه بتحريض عياش عليه، ولعله استفاد من طريقته في نظم الشعر، فقد كان هذا الشاعر يتميز بالتعمق في المعاني والإكثار من الغريب.
عاش أبو تمام تجربة شديدة المرارة في مصر، وفي ديوانه غير قصيدة يصور فيها خيبته، ويحن إلى بلاد الشام.
ومن هذه القصائد قصيدةٌ يقول فيها:
سقى الرائحُ الغادي المهجرُ بلدةً
سقتني أنفاس الصَّبابةِ والخبلِ
سحابٌ إذا ألقت على خلفه الصّبا
يداً قالت الدنيا: أتى قاتلُ المحلِ
إذا ما ارتدى بالبرق لم يزل النَّدى
له تبعاً أو يرتدي الرَّوضُ بالبقلِ
إذا انتشرت أعلامُهُ حولهُ انطوت
بطونُ الثّرى منه وشيكاً على حمل
ترى الأرضَ تهترُّ ارتياحاً لوقعهِ
كما ارتاحت البكرُ الهديُّ إلى البعلِ
فجاد دمشقاً كلَّها جودَ أهلِها
بأنفِسهم عندَ الكريهةِ والبذلِ
سقاهم كما أسقاهم في لظى الوغى
ببيض صفيح الهندِ والسُّمُرِ الذُّبلِ
فلم يُبقِ في أرضِ البقاعينِ بقعةً
وجاد قرى الجولانِ بالمسبَلِ الهطلِ
بنفسيَ أرض الشام لا أيمنُ الحِمَى
ولا أيسرُ الدّهنا ولا أوسَطُ الرَّملِ
ولم أرَ مثليَ مستهاماً بمثلكم
ولا مثلَ قلبي فيهِ ما فيهِ لا يغلي
عدتني عنكم مُكرَهاً غربةُ النوى
لها وطرٌ في أن تُمِرَّ ولا تُحْلِي
إذا لحظت حبلاً من الحي مُحصَداً
رمتهُ فلم تسلم بناقضةِ الفتلِ
أتت بعد هجرٍ من حبيبٍ فحرّكت
صبابةً ما أبقى الصُّدودُ من الوصلِ
اخمسةُ أحوالٍ مضت لمغيبهِ
وشهرانِ بل يومانِ ثُكْلٌ من الثُكلِ
توانى وشيكُ النَّجح عنهُ ووُكّلت
بهِ عزماتٌ أوقفتهُ على رجلِ
ومن هذه القصائد قصيدة يذكر فيها أن خديناه الكآبة والنحيب، وأن الحبيبة التي تتمنّى أن يعود لها حبيب، تتمنّى «منى شططاً، وأين لها حبيب!؟»:
أصبح حيث لا نقعٌ لصادٍ
ولا نشبٌ يلوذ به حريبُ
بمصر وأي مأربةٍ بمصرٍ
وقد شعبت أكابرها شعوب
وفي البيت الأخير إشارة إلى الأحداث التي كانت تمرُّ بها مصر في أثناء إقامته فيها، إذ لم تستقر الأمور لوالٍ، وقتل غير كبير من أكابرها. وكان الشك يساور ولاة الأمر في بغداد بمن يتولاّها. ثم يتحدّث عن أشجانه فيشكو الدهر والناس:
ودهرٌ اساء الصُّنع حتّى كأنّما
يُقَضِّي نذوراً في مساءتي الدَّهر
لهُ شجراتٌ خيَّم المجدُ بينها
فلا ثمرٌ جانٍ ولا ورقٌ نضرُ
وما زلتُ ألقى ذاك بالصَّبرِ لابساً
رداءَيهِ حتى خفتُ أن يجزع الصَّبرُ
وإنّ نكيراً أن يضيقَ لمن لهُ
عشيرةُ مثلي أو وسيلتهُ مصرُ
وما لامرءٍ من قائلٌ يوم عشرةٍ
لعاً وخديناهُ الحداثةُ والفقرُ
وإن كانت الأيَّامُ آحنت وما بها
لذي غلَّةِ وردٌ ولا سائلٍ خبرُ
هم الناس سار الذمُّ والحربُ بينهم
وحمَّر أن يغشاهم الحمدُ والأجرُ
صفيُّكِ منهم مُضمرٌ عُنْجُهيَّةً
فقائدهُ تيهٌ وسائقهُ كبرُ
إذا شامَ برقَ اليسرِ فالقربُ شأنُهُ
وأنأى من العيوق إن نالهُ عسرُ
أريني فتىً لم يقلهِ الناسُ أو فتىً
يصحُّ له عزمٌ وليس لهُ وفرُ
تري كل ذي فضلٍ يطولُ بفضلهِ
على معتفيهِ والذي عنده نزرُ
وإنَّ الذي أحذاني الشيب للذي
رأيتِ ولم تكمل ليَ السَّبع والعشرُ
وأخرى إذا استودعتُها السرَّ بيّنت
بهِ كرَهاً ينهاضُ من دونها الصَّدرُ
طغى من عليها واستبدَّ برأيهم
وقولهم إلا أقلهم الكفرُ
وقاسوا دجى أمرَيْهم وكلاهما
دليلٌ لهم أولى به الشمس والبدرُ
سيحدوكم استقاؤكم حلب الردى
إلى هوّةٍ لا الماءُ فيها ولا الخمرُ
سئمتم عبورَ الضَّحلِ خوضاً فأيَّةً
تعدّونها لو قد طغى بكم البحرُ
وكنتم جماء تحت قدرٍ مفارقةٍ
على جهل ما أمست تفورُ به القدر
يقول الشاعر:
وإن الذي أحذاني الشيب للّذي
رأيت، ولم تكمُل له السَّبعُ والعشرُ
ما يثير سؤالاً عمّا إذا كان في هذا السنّ آنذاك، أي عام دخوله مصر، ثم يصرح بالأمر الذي لن تشغله عنه حوادث الدهر، فإذا هو الدّعوة إلى أهل البيت، فيقول:
فعلتم بأبناء النبي ورهطه
أفاعيل أدناها الخيانة والغَدْرُ
ومن قبله أخلفتم لوصيه
بداهيةٍ دهياء ليس لها قدر
5 ـ ويفسر موقف أبي تمام هذا ريبة الممدوحين منه، حتى بعد عودته من مصر، وكان هو يتساءل عن ذلك، فيخاطب ابن أبي سعيد، ولعلَّه ابن محمد بن يوسف الثغري الطائي، فيقول:
نطقت مقلةُ الفتى الملهوف
فتشكَّت بفيض دمع ذروف
وبعد هذا النطق من مقلة الفتى الملهوف يذكر بُعْدَ الدّار وتبدُّل الأيام، ويقول:
فعزائي بأن عرضي مصونٌ
سائغ الورد والسماح حليفي
ثم علمي على حداثة سنّي
بصروف الدُّهور والتَّصريف
ثم يتساءل:
ليت شعري، ماذا يريبك منّي
ولقد فقت فطنة الفيلسوف!؟
وأبو تمام، هنا، يشكو، ويتساءل عما يريب ابن أبي سعيد منه، وهو قريبه من نحو أوّل، وفطنٌ يدرك جمال الشعر من نحو ثان، لكن الشاعر يجد عزاءً، فهو كما كان في مصر، مصون الكرامة، يعلم، على الرغم من حداثة سنّه بصروف الدهر.
وتغدو الظاهرة واضحة المعالم عندما نقرأ قول أبي تمام لأبي القاسم بن الحسن بن سهل، فهو يفخر بشعره وعلمه، ويستغرب جزع الممدوح من مدحه في حين يرضى من شاعر آخر قصيدة أخرجت ألفاظها مخرج الشَّتم:
طلعتُ طلوع الشمس في كل تلعةٍ
وأشرقت إشراق السُّماك على الخصم
وما أنا بالغيران من دون جاره
إذا أنا لم أصبح غيوراً على العلم
لصيق فؤادي مذ ثلاثين حجّةً
وصيقل ذهني والمروحُ عن همّي
وتجزع من مدحي وترضى قصيدةً
وقد أخرجت ألفاظها مُخرجَ الشّتم
6 ـ عاد أبو تمام من مصر إلى الشام، كما يذكر الرُّواة، في عام 214هـ، بعد مقتل محمد بن حميد الطوسي الطَّائي ….، إذ إنه رثاه رثاءً حارًّا كما مرّ بنا. وأخذ يبحث عن فرصةٍ، وهو يدرك أن الناس لا يقيلون عثرة الفقير الفتي، وأن العلم ضائع إن لم يرع ضيعته «وفرّ»، ولكنّ «ذلّ السؤال» مرٌ، و«العرض» ـ الكرامة ينبغي أن يظلَّ غير مؤتشب ـ (المؤتشب: المختلط بأمور تنال منه). وفي فضاء هذا الإدراك كان يسعى أبو تمام شارباً كأس الصبر ليجد من يجيره من سطوة الدهر، غير أنه لا يكاد يحقق بغيته حتى تدركه «حرفة الأدب»، وهي حرفة كانت ولا تزال تنبت الخيبة.
يقول أبو تمام مصوِّراً هذا الفضاء:
وحادثاتٌ أعاجيبٌ خساً وزكاً
ما الدَّهرُ في فعله إلاَّ أبو العجب
ما يحسم العقل، والدنيا تساس به
ما يحسم الصَّبرُ في الأحداث والنُّوب
الصبر كأس، وبطن الكفّ عاريةٌ
والعقل عارٍ إذا لم يكس بالنَّشب
ما اضيع العقل إن لم يرع ضيعته
وفرٌ، وأي رحى دارت بلا قُطب
نشبت في لجج الدنيا فأثكلني
مالي، وأبتُ بعرض غير مؤتشب
بأي وخدِ قلاصٍ واجتياب فلا
إدراك رزق إذا ما كان في الهرب
في كل يوم أظافيري مفلَّلةٌ
تستنبط الصَّبر لي عن معدن الذهب
إذا عُنِيتُ لشأوٍ قلت إني قد
أدركته أدركتني حرفة الأدب
وهكذا يبدو أبو تمام إنساناً عاقلاً يسعى في طلب الرزق، مواجهاً دهراً يفعل الأعاجيب، بسلاح هو العقل والصبر وعزم على ألاّ تمس كرامته، غير أنه يدرك أن حرفة الأدب، بما تعنيه وتقتضيه، تحول دون وصوله إلى ما يريد.
7 ـ في هذا الفضاء أخذ يتنقل بين الرقة والموصل والجزيرة، ويمدح الولاة والأمراء، ومنهم محمد بن حسان الضبي، وقد قال في إحدى مدائحه له جاعلاً نفسه «خليفة الخضر»، ذلك الجواب الذي لا يستقر في مكان:
خليفة الخضر من يربع على وطنٍ
في بلدةٍ فظهور العيس أوطاني
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا
بالرَّقَّتين وبالفسطاط إخواني
وما أظن النَّوى ترضى بما صنعت
حتى تشافه بي أقصى خراسان
خلَّفتُ بالأُفق الغربي لي سكناً
قد كان عيشي حلواً بحلوان
وهذا يفيد أنه لم يستقر به مقام، لم «يَرْبع» ـ يصبح له ربع بعد، وأنه حديث العودة من الفسطاط، ويفكر في السفر إلى خراسان ليمدح واليها عبد الله بن طاهر الذي تعرف إليه في مصر، عندما كان واليها من عام 211هـ إلى عام 213هـ، أما هواه ففي بغداد، ولعله يلمح برغبته إلى الأمير، فلبّى هذا رغبة الشاعر واصطحبه إلى بغداد، غير أن هذه الزيارة لم تطل ولم تثمر موقعاً في مدينة السلطان.
وتفيد قصيدته في مدح الحسن بن سهل، أنه كان في السادسة والعشرين من عمره:
أبدت أسى أن رأتني مخلَّس القصب
وآل ما كان من عُجبٍ إلى عَجَبِ
ستٌّ وعشرون تدعوني فأتبعها
إلى المشيب ولم تظلم، ولم تجب
فلا يؤرقك إيماضُ القتير به
فإنَّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
ستصبح العيس بي، والليل عند فتىً
كثير ذكر الرضى في ساعة الغضب
كالغيث إن جئته وافاك ريْقُه
وإن ترحلت عنه لجَّ في الطلب
وهذا يعني أنه قدم بغداد بعد عودته من مصر بسنتين. ولعل هذه هي زيارته الأولى لها. ويلفت في هذه القصيدة مطلعها الذي مزج فيه الغزل ومعاناة الهموم التي شيّبته بسعيه إلى تبديد هذه الهموم على ناقةٍ توصله للمدوح. ويلفت أيضاً تصويره للشيب والكرم، فالأول هو ابتسامة «الرأي والأدب»، والثاني مطر يعم خيره المقيم والراحل، والصورة الأولى جديدة، والثانية مولدة من معاني المديح المتداولة، ويخرجها الصنيع الشعري متجددة.
8 ـ وفي سعيه الحثيث التقى المأمون ومدحه بعدَّة قصائد لعلَّ أولاها تلك التي يذكر فيها أن الخليفة «أنتاش مصر من اللتيا والتي»، والمعروف أن المأمون خرج لغزو الروم في سنة 215هـ، و«سلك طريق الموصل حتى صار إلى منبج …»، وقدم مصر في أول سنة 217هـ، ثم غادرها إلى دمشق، فأذنة، فلؤلؤة التي حصّنها … وقاد جيوشه التي أنزلت بالروم هزائم كبيرة.
في قصيدته الأولى، يبدأ الغزل ومعاناة النَّوى، ثم يرحِّب بالإمام:
أهلاً وسهلاً بالإمام ومرحباً
سهلت حزونةُ كل أمرٍ قَرْدَدِ
وهذا الترحيب يفيد أنه التقى الخليفة بعد عودته من مصر، ولعل ذلك حدث في مكان ما من الأمكنة التي كان المأمون يمر بها، ولعله التقاه في منبج ….، وخصوصاً أنه يذكر صنيعه المخلص لمصر مما أصابها من: «اللتيا والتي».
فانتاش مصر من اللتيا والتي
بتجاوزٍ وتعطُّفٍ وتغمُّد
ثم يذكر «هدي» المأمون باختيار الإمام علي الرضا عليه السلام لولاية العهد:
الله يشهد أنَّ هديك للرِّضا
فينا، ويلعن كلَّ من لم يشهد
أوليَّ أمَّة أحمدٍ ما أحمدُ
بمضيعٍ ما أوليت أمَّة احمد
ثم ينصرف إلى المديح، ويطيل في ذلك ….، ثم يتقرَّب إليه، بوسيلة طريفة فيقول:
ووسيلتي فيها إليك طريفةٌ
شام يدين بحبّ آل محمَّد
نيطت قلائد ظرفه بمحيِّرٍ
متدمشقٍ متكوِّفِ متبغددِ
يلفت، في هذه القصيدة، أولاً: مطلعها الغزلي ـ وفيه وصف لمعاناة الشوق، وإذ يرحب بالخليفة يبدو الشوق كأنه شوق إلى لقاء المرحَّب به الذي سهَّلت قدراته كل أمر صعب، وهذا يكسب المطلع صفة الارتباط الموضوعي بالقصيدة، وثانياً: أن الأمور في مصر كانت لا تزال غير مستقرة، ما استدعى قدوم الخليفة إليها، وثالثاً: أن الشاعر لا يزال يعلن ولاءه لآل البيت، فيذكر صنيع الخليفة بتولية الإمام الرضا عليه السلام ولاية العهد، ويسميه هدياً لأمة أحمد لن ينساه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتقرَّب إلى الخليفة بهذا الولاء، ثم مدحه بقصائد أخرى، يتغنَّى فيها بانتصاراته على الروم، فيصف الجيش وقادته والحرب …
دمنٌ ألمَّ بها فقال سلام
كم حلَّ عقدة صبره الإلمام
وقفوا علي اللوم حتى خيلوا
أنّ الوقوف على الديار حرام
لا مرَّ يوم واحدٌ إلا وفي
أحشائه لمحلتيك غمامُ
حتى تعمَّم صلعُ هامات الرَّبى
من نوره وتأزَّر الأهضام
ما زال حكمُ الله يُشرقُ وجههُ
في الأرض مذ نيطت بك الأحكامُ
لما رأيتَ الدينَ يخفق قلبُهُ
والكفر فيهِ تغطرسٌ وعُرامُ
أوريتَ زندَ عزائمٍ تحت الدّجى
أسرجنَ فكرك والبلادُ ظلامُ
فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيشٍ ساقَهُ
حسنُ اليقين وقادهُ الإقدامُ
مثعنجرٌ لجبٌ يُرى سُلاَّفُهُ
ولهُ بمنخرقِ الفضاءِ زحامُ
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يُرى
لا خلف فيهِ ولا لهُ قدَّامُ
بسواهمِ لُحُقِ الأياطلِ شُزَّبٍ
تعليقها الإسراج والإلجامُ
ومقابلين إذا انتموا لم تخزهم
في نصرك الأخوال والأعمامُ
سفع الدؤوب وجوههم فكأنَّهم
وأبوهمُ سام أبوهم حامُ
تخذوا الحديدَ من الحديدِ معاقلاً
سكّانُها الأرواحُ والأجسامُ
مسترسلينَ إلى الحتوفِ كأنَّما
بين الحتوفِ وبينهم أرحامُ
آسادُ موتٍ مخدراتٌ مالها
إلا الصوارمُ والقنا آجامُ
حتى نقضتَ الروم منك بوقعةٍ
شنعاء ليس لنقضها إبرامُ
9 ـ وتفيد قراءة ديوان أبي تمام أنه مدح المعتصم سنة 219هـ بقصيدة مطلعها:
رفَّت حواشي الدهر فهي تمرمرُ
وغدا الثّرى في حليه يتكسَّرُ
نزلت مقدّمة المصيف حميدة
ويد الشتاء جديدة لا تكفرُ
وجاء فيها:
أربيعنا في تسع عشرة حجَّة
حقاً لهنّك للرَّبيع الأزهرُ
وهذا يعني أنه كان في هذه السنة أو قبلها في بغداد، وهذا ما يؤيده مدحه إسحاق بن إبراهيم المصعبي، والي الشرطة في بغداد، وإشادته بانتصار هذا القائد على المحمَّرة الذين ثاروا بالجبل شمالي إيران خلال العامين 218هـ و219هـ.
ويقول الشاعر في قصيدته هذه التي مدح بها المعتصم:
مطرٌ يذوبُ الصَّحوُ منهُ، وبعدَهُ
صحوٌ يكاد من الغضارةِ يقطرُ
غيثانِ فالأنواءُ غيثٌ ظاهرٌ
لكَ وجههُ والصَّحوُ غيثٌ مضمَرُ
وندىً إذا ادَّهنت به لِممُ الثرى
خلت السحابَ أتاهُ وهو معذَّرُ
أربيعنا في تسعَ عشرة حجَّةٌ
حقا لهنَّك للربيعُ الأزهرُ
ما كانت الأيامُ تُسلب بهجةً
لو أن حسن الروض كان يعمَّرُ
أو لا ترى الأشياءَ إن هي غيَّرت
سمُجتْ وحسنَ الأرض حين تغيَّرُ
يا صاحبيَّ تقصَّيا نظريكما
تريا وجوهَ الأرض كيف تصوّرُ
تريا نهاراً مشمساً قد شابَهُ
زهوُ الرُّبى فكأنما هو مقمرُ
دنيا معاشٌ للورى حتّى إذا
حلَّ الربيعُ فإنما هي منظرُ
أضحت تصوغُ بطونُها لظهورها
نوراً تكاد لهُ القلوبُ تنورُ
من كلّ زاهرةٍ ترقرقُ بالندى
فكأنَّها عينٌ إليك تحدّرُ
تبدو ويحجبها الجميم كأنها
عذراءُ تبدو تارةً وتخفُرُ
حتّى غدت وهداتُها ونجادُها
فئتين في حلل الربيع تبخترُ
مصفرَّةً محمرَّةً فكأنَّها
عِصَبٌ تيمّنُ في الوغى وتمضّرُ
من فاقعٍ غضَّ النبات كأنَّهُ
دورٌ تُشققُ قبلُ ثمَّ تُزعفَرُ
أو ساطعٍ في حمرةِ فكأنّها
يدنو إليهِ من الهواء معصفرُ
صبغ الذي لولا بدائعُ لطفهِ
ما عاد أصفرَ بعدُ إذ هو أخضرُ
خَلقٌ أطلَّ من الربيعِ كأنهُ
خُلُقُ الإمام وهديُهُ المتنشّرُ…
10 ـ رحل أبو تمام إلى خراسان، ومدح واليها عبد الله بن طاهر، وكان قد عرفه من قبل في مصر كما مرّ بنا. وقد ذكر، في إحدى مدائحه، أنه يفكر في السفر إلى خراسان. غير أن الروايات لا تحدَّد زمن هذه الرحلة بدقة، والمرجّح أنها حدثت قبل أن يتّخذ الشاعر موقعاً متقدماً في بلاط الخليفة المعتصم، عنده وعند وزرائه وكتابه:
محمد بن عبد الملك الزيَّات وأحمد بن أبي دؤاد والحسن بن وهب …. ولعلَّها حدثت في تنقل الشاعر في الثغور يمدح القادة، ويعني هذا أنها تمَّت قبل عام 220هـ، وهو العام الذي انتصر فيه الأفشين على بابك، وأنشد أبو تمام قصيدته الشهيرة «فتح عمورية»، وقرّبه المعتصم منه، وبدأ الشاعر يحقق هدفه في الاستقرار في مكان يأمن فيه جور الأيام.
مضى أبو تمام إلى نيسابور، حيث كان يقيم والي خراسان عبد الله بن طاهر، وهو يمني النفس بالغنى، ولما بلغ قومس سئل عن مقصده، فقال:
يقول، في قومس، صحبي، وقد أخذت
منّا السّرى وخطا المهريّة القُودِ
أمطلع الشمس تنوي أن تؤمّ بنا
فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
وفي «مطلع الشمس تورية، فخراسان معناها بالفارسية مطلع الشمس، وهو يشير إلى معاناته السَّفر الطويل، ويقابل مطلع الشمس بـ «مطلع الجود»، أي عبد الله بن طاهر.
وهو يفيد في هذين البيتين من قول مسلم بن الوليد:
يقول صحبي، وقد جدُّوا على عجلٍ
والخيلُ تفتنُّ بالركبان في اللُّجم
أمطلع الشمس تنوي أن تؤمَّ بنا
فقلت: كلاّ، ولكن مطلع الكرم
فلما وصل إلى دار الإمارة حجبه الأمير، ويذكر الصُّولي عن علي بن محمد الجرجاني أنه قال: «اجتمعنا بباب عبد الله بن طاهر من بين شاعر وزائر، ومعنا أبو تمام، فحجبنا أيَّاماً فكتب إليه أبو تمام:
أيُّهذا العزيز قد مسَّنا الضَّرُ
جميعاً، وأهلنا أشتات
ولنا في الرَّحل شيخ كبيرٌ
ولدينا بضاعةٌ مُزجاةُ
قلَّ طلاَّبها فأضحت خساراً
فتجاراتنا بها ترَّهاتُ
فاحتسب أجرنا وأوف لنا الكيل
وصدّق فإنّنا أموات
فضحك عبد الله بن طاهر لما قرأ الشعر، وقال قولوا لأبي تمام: «لا تعاود مثل هذا الشعر فإن القرآن أجلّ من أن يستعار من ألفاظه للشعر». قال: «ووجد عليه». ويذكر التبريزي أسباب حجب أبي تمام، وتوتر العلاقة بين الشاعر والأمير فيقول: «إن أبا سعيد الضرير وابا العميثل كانا على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان.
وكان الشاعر إذا قصده عرض علينما شعره فإن كان جيّداً عرضاه، أو دعا به فأنشده، وإن كان رديئاً نبذاه ودفع إلى صاحبه …..
فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما، ودفع القصيدة إليهما، فضمّاها إلى أشعار الناس. فلما تصفّحا الأشعار مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على هذا الابتداء طرحاها على الشعر المنبوذ، فأبطأ خبرها على أبي تمام فكتب إلى أبي العميثل أبياتاً يعاتبه فيها.
ويقول:
وأرى الصحيفة قد عَلْتها قَترةٌ
فَتَرتْ لها الأرواحُ في الأجسام
«ثم لقيهما فقالا له: لِمَ لا تقول ما يُفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟». وعندما دخل أبو تمام على ابن طاهر وأنشده القصيدة، وبلغ إلى قوله:
وَقَلْقَلَ نَأي من خُراسَان جَأْشَها
فَقُلْتُ: اطمئِنَّي أَنْضَرُ الرَّوضِ عازِبُهُ
والأبيات التي بعدها صاح الشعراء، ما يستحق مثل هذا الشعر إلا الأمير، فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار، فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئاً، فوجد عليها الأمير، فقال: يترفع عن بري ويتهاون بما أكرمته به؟ فما بلغ بعد ذلك ما أراد منه.
وأهمل الأمير الشاعر فكان يبعث إليه بالشيء بعد الشيء كالقوت، فقال:
لم يبق للصّيف لا رسمٌ ولا طلل
ولا قشيبٌ فيُستكْسَى ولا سَمَلُ
عدلٌ من الدَّمع أن يُبكي المَصيفُ كما
يُبلَى الشبابُ، ويُبكي اللَّهو والغزلُ
يُمنى الزّمان انقضى معروفها وغدت
يسراه، وهي لنا من بعدها بدلُ
فتوسَّط أبو العميثل له، فأجازه الأمير، وأذن له بالرحيل، فرحل عائداً إلى بغداد في عزَّ موسم الشتاء.
تكثرت المرارة في نفس الشاعر بعد هذه الخيبة، فعبَّر عنها في غير قصيدة، فعندما مدح أبا حفص بن عمر الأزدي، وهو في بلاد فارس، قال:
فلم أغش باباً أنكرتني كلابُه
ولم أتشبَّث بالوسيلة من بعدِ
فأصبحتُ لا ذلّ السؤال أصابني
ولا قدحت في خاطري روعةُ الرّد
فأُبتُ، وقد مجّت خراسان داءها
وقد نغلت أطرافها نغَل الجلدِ
وأوباشها خُزُرٌ إلى العرب الألى
لكيما يكون الحر من خول العبدِ
ليالي بات العرُّ في غير بيته
وعُظَّم وغدُ القوم في زمنٍ وغدِ
وصور عيشه في هذا الزمن فقال:
صَريعُ هوى تُغَاديه الهُمومُ
بنيسابورَ ليسَ له حَمِيمُ
غَريب ليسَ يُؤنِسُه قريبٌ
ولا يأوِي لِغُرْبَتِه رَحِيمُ
مُقيمٌ في ديارِ نَوىَ شَطُونَ
يُشافِهُه بها كَمَدٌ مُقِيْمُ
يمدُّ زمامه طمع مقيم
تدرع ثوبه رجل عديم
رَجاءٌ ما يُقابِلُهُ رَجاءٌ
هو اليأْسَ الذي عُقْبَاه شُومُ
فلا عجبٌ وإن كانت ركابي
بأرضٍ طار طائرها المشوم
فَقَدْ فارَقْتُ بالغَرَبيّ داراً
بأرضِ الشام خَفَّ بها النعيمُ
هِيَ الوطنُ الذي فارقتُ فيهِ
وفارَقنِي المُسَاعَدُ والنَّدِيْمُ
فإنْ أَكُ قد حَلَلتُ بدارِ هُون
صَبَوْتُ بها فَقَد يَصْبو الحليْمُ
ألومُكَ لا ألومُ سِوَاكَ دَهْراً
قَضَى إلي بالذي يَقْضِي سَدُوْمُ
وفي الدُّنيا غنى لم أنب عنه
ولكن ليس في الدُّنيا كريمُ
11 ـ ويذكر التبريزي أن أبا تماماً، عندما عاد من عند عبد الله بن طاهر من خراسان، وبلغ مذان، «اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة فأنزله وأكرمه، فأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق، ومنع السابلة، فغم أبا تمام ذلك، وسرّ أبا الوفاء، فقال له: وطن نفسك على المقام، فإن هذا الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان، وأحضره خزانة كتبه، فطالعها، واشتغل بها، وصنّف خمسة كتب في الشعر، منها: كتاب الحماسة والوحشيات، وهي قصائد طوال».
ويبدو أن أبا تمام كان مشغولاً بأمر المختارات، وكان لديه استعداد لصنعها، ولما حانت الفرصة اغتنمها، وألَّف كتاب الحماسة. هذا إن استبعدنا تأليفه خمسة كتب.
وأبو تمام، في مختاراته، لا يتعصَّب لمذهبه في الشعر، وإنما يختار الجيّد من الشعر، أياً تكن خصائصه، وقد لاحظ القدماء اختلاف ما اختاره عن شعره، فقالوا:
«إن أبا تمام في اختياره أشعر منه في شعره»، وفسَّروا ذلك بقوله: «كان يختار ما يختار لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته، والفرق بين ما يشتهي ويستجاد ظاهر». ويقول المرزوقي: «وتراه ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه فيجبر نقيصته من عنده».
12 ـ وبعد عودة أبي تمام من خراسان إلى بغداد وسامراء توطّدت علاقته برجالات الدولة، ابتداءً من الخليفة المعتصم، فقد سجل انتصاراته بقصائد خالدة، وأشهر هذه القصائد قصيدته في فتح عمورية سنة 200هـ، ومروراً بالوزراء والقادة، وكان هؤلاء يجلونه، ومن نماذج هذا الإجلال أن الحسن بن رجاء قال لما سمع جزءاً من مديحه: «والله لا أتممتها إلاّ وأنا قائم …. ما أحسن ما جلوت هذه العروس ….».
ومن الوقائع الدالة على الموقع الذي اتخذه أبو تمام لدى السلطان إنشاده ثلاث قصائد تسجل الانتصار على بابك الخرمي، الذي تجلى بأسره والقدوم به إلى بغداد عام 223هـ، ومطالعها: «آلت أمور الشرك شر مآل»، غدا الملك معمور الحمى والمنازل، «بذّ الجلادُ البذّ فهو دفين».
وتوثقت صلات أبي تمام بأحمد بن أبي دؤاد وأحمد بن المعتصم، ويروح الشاعر ويواكب الأحداث، ويصوغها شعراً بديعاً، فعندما يقبض على الأفشين بتهمة الغدر والزندقة، ثم يصلب بجانب بابك، ويحرق يقول أبو تمام قصيدته:
الحق أبلج والسيوف عواري
فحذار من أسد العرين حذار
وتتوثق صلته بمحمد بن عبد الملك الزيات منذ وزارته للمعتصم سنة 225هـ، وبكاتبه الحسن بن وهب …. وقد قال في مديح محمد بن عبد الملك الزيات، من دون أن يبدأ بمقدمه:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا
أيا جعفر أجريت في كل تلعة
لنا جعفراً من سيب كفيك سلسلا
فوالله ما آتيك إلا فريضة
وآتي جميع الناس إلاّ تنقلا
وقال يمدحه مبتدئاً المديح بمقدمة غزلية ـ طللية:
متى أنت من ذهلية الحي ذاهل
وقلبك منها مدّة الدهر آهل
تطل الطلول الجمع في كل موقفٍ
وتمثل بالصبر الديار المواثلُ
دوارس لم يجف الربيع ربوعها
ولا مرَّ في إغفالها وهو غافلُ
فقد سحبت فيها السحائب ذيلها
وقد أخملت بالنور منها الخمائل
وعندما يتوفى المعتصم ويخلفه الواثق يهنئ الخليفة الجديد ويعزيه بقصيدته الجميلة: «ما للدموع تروم كل مرام».
13 ـ ويرغب الشاعر في الاستقرار، وفي التخلص من «حرفة» طالما شكا من ذل السؤال الذي تقتضيه، فحقَّق له صديقه الحسن بن وهب رغبته، وعيَّنه على بريد الموصل. وبقي هناك يقول الشعر كما تمليه عليه تجربته، إلى أن توفي في الموصل عام 231هـ، على الأرجح، ودفن هناك.
وبنى على قبره ابن حميد الطوسي قبَّة، ورثاه الحسن بن وهب بقوله:
فجع القريض بخاتم الشعراء
وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معاً فتجاورا في حفرةٍ
وكذاك كانا قبل في الأحياء
ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات، بقوله:
نبأ أتى من أعظم الأنباء
لما ألمَّ مقلقل الأحشاء
قالوا: حبيب قد ثوى، فأجبتهم:
ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
وسئل شرف الدين أبو المحاسن، محمد بن عنين، عن معنى قوله:
سقى الله روح الغوطتين، ولا ارتوت
من الموصل الحدباء إلاّ قبورها
لم حرمها وخص قبورها بالارتواء؟ فقال: لأجل أبي تمام.
ثانياً ـ شخصيَّته، وأهم العوامل المكوَّنة
1 ـ كان أبو تمام أسمر طويلاً، حلو الحديث، ظريفاً، أنيقاً، لطيف المعاشرة، كريماً، مترفعاً، عالي الهمّة، لفظه لفظ الأعراب، في صوته الأجش تمتمة يسيرة، ما جعله يصطحب غلاماً لينشد شعره.
وفي ذلك يقول عبد الصمد بن المعذل، أو أبو العميثل:
يا نبي الله في الشعر
ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الله
ما لم تتكلم
وتفيد قراءة شعره أنه كان يجد في الأدب نسباً أقوى من النسب القِبلي، فنراه يخاطب علي بن الجهم بقوله:
إن يُكْدِ مطَّرَفُ الإخاء فإنَّنا
نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ
أو يختلف ماءُ الوصال فماؤُنا
عذبٌ تحدّر من غمام واحد
أو يفترق نسبٌ، يؤلف بيننا
أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ
وينسب للبحتري قوله: لو رأيت أبا تمام لرأيت أكمل الناس عقلاً وأدباً، وعلمت أن أقل شيء فيه شعره.
كان أبو تمام حاد الذكاء، متوقِّد الفطنة، نافذ البصيرة، سريع الحفظ منذ حداثته.
وأثمرت رغبته في المعرفة وقوَّة ذاكرته ثروة شعرية حفظها، ومن الإشارات الدَّالة على عظم هذه الثروة أنه «كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطع».
وكان حاضر البديهة: «إذا كلَّمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه كأنه كان علم ما يقول فأعدَّ له جوابه …».
ولعل قصَّته في مجلس أحمد بن المعتصم تعدُّ مثلاً شديد الدلالة على حدَّة ذكائه وحضور بديهته. كان أبو تمام ينشد الأمير سينيَّته، ولما وصل إلى قوله:
إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ
في حلم أحنف في ذكاء إياس
قاطعه أبو يوسف يعقوب الكندي، الفيلسوف، قائلاً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق أبو تمام قليلاً، ثم مضى قائلاً:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلاً شروداً في النَّدى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلاً من المشكاة والنِّبراس
فتعجَّب الحاضرون، وبخاصة لما أخذت القصيدة منه، ولم يوجد فيها هذان البيتان.
2 ـ يعدّ أبو تمام شاعراً مثقفاً ثقافةً واسعةً عميقة، وقد مرَّ بنا تأكيده على أنه ما انفكّ يطلب العلم منذ أن قدم جمشق، من قريته …. وقد مرَّ بنا أن البحتري قال: إن أقلّ شيء فيه شعره، فإن كان شعره على هذا المستوى الرفيع، فكيف تكون مكونات شخصيته الأخرى؟!
وهو أي البحتري، يرى نفسه تلميذاً له ويعدُّه الرئيس والأستاذ.
ويروي المبرد عن الحسن بن رجاء أنه قال: «ما رأيت أحداً قط أعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام». ومن الأخبار الدَّالة على علمه بالشعر ونقده، وعدم تعصبه لمذهبه ما يرويه الصولي عن ابن الدقاق الذي قال: «حضرنا مع أبي تمام، وهو ينتخب أشعار المحدثين فمرَّ به شعر محمد بن أبي عيينة المطبوع …. الذي يهجو به خالداً، فنظر فيه، ورمى به، وقال: هذا كله مختار، وهذا أول دليل على علم أبي تمام بالشعر».
وتدل اختياراته على عنايته بالشعر من ناحية أولى، وعلى ثقافته الشعرية من ناحية ثانية، يقول الآمدي: «…. إنه اشتغل بالشعر وجعله وكده وغرضه وإنه ما فاته كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا وقرأه وطالع فيه».
ويذكر ابن النديم كتب أبي تمام وهي:
1 ـ الحماسة.
2 ـ الاختيارات من شعر الشعراء.
3 ـ كتاب اختيار أشعار القبائل.
4 ـ كتاب الفحول.
وبلغ من إحسانه الشعر أن إبرهيم بن العباس قال له: «أنت تحسن قائلاً وراوياً ومتمثلاً».
وكان أبو تمام قارئاً يواظب على القراءة أينما حل، ويصطحب معه كتباً، ومنها ديوان مسلم بن الوليد وأبي نواس، وقد سئل عنهما، وكانا في شكل حزمتين من الأوراق: واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله، فأجاب: أما التي عن يميني فاللاًت، وأما التي عن يساري فالعزَّى، وأنا أعبدهما منذ عشرين سنة.
ولم تقتصر ثقافته على الشعر وإنما شملت مختلف صنوف الثقافة في عصره، من عربية قديمة تتمثل بالشعر والأخبار والحكم والأمثال والأنساب، وعربية إسلامية جديدة تتمثل في علوم العربية من تفسير وحديث وفقه وعلم كلام ….
ووافدة من هندية وفارسية ويونانية، هذا علاوة على إفادته من خبرته في الحياة، وقد مر بنا قوله إنه، على الرغم من حداثته، خبر الدنيا وعرف أمورها، وكان يفيد من خبرته هذه، ومن أخبار الناس التي تروي له أو يلتقطها، ومن نماذج ذلك ما يذكر عن حفظه أخباراً تتضمن عناصر شعرية مثل الخبر التالي: «سمعت أعرابياً يصف قوماً لبسوا النعمة، ثم عروا منها» فقال: «ما كانت نعمة آل فلان إلا طيفاً ولَّى مع انتباههم».
ومثل نظمه ما يلتقطه من أقوال الناس. يروى أنه سمع رجلاً يقول لآخر: «جئتك أمس فاحتجبت عني»، فأجابه: «السماء إذا احتجبت بالغيم رجي خيرها». فنظم هذا القول، وضمَّنه إحدى قصائده، فقال:
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً
إن السَّماء تُرجَّى حين تحتجب
وهذا يفيد أن أبا تمام كان يبحث عن المعرفة، ويحصلها ويتمثلها، ويتحول بها إلى شعر متميز بخصائصه.
3 ـ وتتَّخذ ثقافة أبي تمام مظاهر كثيرة في شعره، أوضحها المظهر المباشر المتمثل في حضور معانٍ ووقائع ومصطلحات ولغة …. مستقاة من مصادر ثقافية متنوعة، كما في النماذج الآتية:
معاني القرآن الكريم، وألفاظه، عندما خاطب، على سبيل المثال، عبد الله بن طاهر بعدما تباطأ في إعطاء الإذن له:
أيهذا العزيز قد مسَّنا الضُّرُّ
جميعاً وأهلنا أشتات
وقد مرّ بنا ذكر هذه المقطوعة.
أحداث التاريخ: يقول في قصيدة يمدح بها مالك بن طوق:
لا تجعلوا البغي ظهراً إنه جملٌ
من القطيعة يرعى وادي النقم
نظرت في السير اللاتي خلت فإذا
أيَّامه أكلت باكورة الأمم
أفنى جديساً وطمساً كلها وسطا
بالأنجم الزهر من عادٍ ومن أرم
أردى كليباً وهمّاماً وهاج به
يوم الذنائب والتّحلاق للمم
سقى شرحبيلاً السمَّ الزعاف على
أيديكم غير رعديد ولا برم
بزَّ التحيَّة من لخمٍ فلا ملكٌ
متوَّجٌ في نماراتٍ ولا عمم
لا توقظوا الشرَّ من نومٍ فقد غنيت
دياركم، وهي تدعى زهرة النعم
يبدو الشاعر، في هذه الأبيات، قارئ تاريخ يتأمل الأحداث ويخلص إلى سنن، تتيح للناس أن يبقوا في «زهرة النعم» ما داموا متجنبين البغي والشر. ويصوغ هذه السنن لغة شعرية فريدة ترسم صوراً محسوسة ناطقة، كذلك «البغي» الذي يتمثل جملاً يرعى وادي النقم:
صاغهم ذو الجلال من جوهر المجد،
وصاغ الأنام من عرضه
* * *
لن ينال العلا خصوصاً من الفتيان
من لم يكن نَداه عموماً
* * *
عمري عظم الدين جهمي الندى
ينفي القوى ويثبت التكليفا
(عمري نسبة إلى عمرو بن عبيد المعتزلي، جهمي: نسبة إلى دهم بن صفوان، وكان متناقضاً، فهو من ناحية ينفي قدرة الإنسان على التصرف، ومن ناحية ثانية يثبت له التكليف. أي أن ممدوح الشاعر، كما يقول التبريزي متديّن عفيف مثل عمرو بن عبيد، وسخي على مذهب جهم بن صفوان، أي «مجبر على البذل فلا يمكنه تركه».
أحكام النحو ولغته:
خرقاء يلعب بالعقوب حَبَابها
كتلاعب الأفعالِ بالأسماء
معطيات علم الفلك:
له كبرياء المشتري وسُعُوده
وسورةُ بهرام وظزفُ عطاردِ
4 ـ ذكر أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372 ـ 450هـ) أبا تمام في كتابه المعروف باسم «رجال النجاشي»، فقال: «كان إمامياً، وله شعر في أهل البيت كثير».
وذكره محمد بن الحسن، الحر العاملي، في كتابه «أمل الآمل في علماء جبل عامل»، فقال: «كان شيعياً فاضلا|ً ….». ووصفه بالعاملي، كما يقول السيد محسن الأمين، فيه توسع.
ويرى السيد الأمين أن أبا تمام أظهر تشيعه لآل البيت بمدحه لهم، ومن ذلك قصيدته الدَّالية التي مدح بها المأمون، وقد مرَّ بنا ذكرها. ويرد السيد الأمين على من يتخذ قوله الآتي:
فلو صح قول الجعفرية في الذي
تنص من الإلهام خلناك ملهماً
دليلاً على عدم تشيُّعه بالقول: «إن ذلك لا ينافي تشيُّعه لأنه ليس من لوازم التشيُّع القول بأن الإمام ملهم».
ويرى د. شوقي ضيف «أنه لم يكن متشيّعاً»، ويظن أنه نظم رائيته التي يمدح بها أهل البيت عليهم السلام «حين كتب المأمون إلى الآفاق في سنة 212 للهجرة بتفضيل علي بن أبي طالب ….»، ويرى أن شغفه بحب آل محمد الذي أظهره في داليته التي مدح بها المأمون إنما كان «تقرباً إليه وزلفى حتى يزعم أنه من شيعة الكوفة ….»، ويخلص د. ضيف، بعد أن يستشهد بالأبيات الثلاثة التي تبدأ بقوله:
ووسيلتي فيها إليك طريفةٌ
شام يدين بحب آل محمد
إلى القول: «ومعنى ذلك أن تشيعه في القصيدتين جميعاً إنما كان في سبيل المأمون، يحاول أن يمتَّ إليه بما يعطفه عليه».
يستند د. ضيف، في تقريره «معنى» القصيدتين جميعاً، إلى الظن، والمفروض أن يستند الباحث، في تقريره مثل هذا الأمر، إلى ما يفيده الشعر فلم ترك النص الموجود بين أيدينا واللجوء إلى الظن!؟ ففي القصيدة الدالية، يقول الشاعر إنه «شامي يدين بحب آل محمد».
وهو، في هذا، يفارق السائد في بلاده، ولعله بسبب ذلك كان يعاني سوء صنيع الدَّهر والناس، وفي الرائية يعلن أنه يعتقد ليس تفضيل الإمام علي عليه السلام فحسب، وإنما معتقدات الشيعة، فالإمام ـ علي عليه السلام هو الوصي، وأخو النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي شد أزره به كما شد أزر موسى بهارون، …. ثم يتحدَّث عن دور الإمام علي عليه السلام في نصرة الإسلام في بدر وأحد وخيبر والنضير الخ ….
ثم يقرر حقّه بالولاية الذي بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس في «يوم الغدير»، ويبين أهمية ذلك، ويعلن بعد حديث عن دم السبطين الذي أريق أنه جعل هواه الفاطميين ما دام له عمر.
يقول أبو تمام:
أظبيةُ حيثُ استنَّت الكتُبُ العُفْرُ
رويدَكِ لا يغتالَكِ اللومُ والزجرُ([234])
أَسِرّي حذاراً أن تفيدكِ ردَّةٌ
ويحسرُ ماءٌ من محاسنكِ الهذرُ([235])
أَراكِ خلال الأمرِ والنهي بوَّةً
عداكِ الردى ما أنت والنهيُ والأمرُ([236])
أتشغلني عمًّا هرعتُ لمثلهِ
حوادثُ أشجانٍ لصاحبها نكرُ([237])
ودهرٌ أساءَ الصنعَ حتى كأَنَّما
يقضِّيَ نذوراً في مساءَتيَ الدهرُ
لهُ شجراتٌ خيَّم المجدُ بينها
فلا ثمرٌ جانٍ ولا ورقٌ نضرُ
وما زلتُ أَلقى ذاك بالصبرِ لابساً
رداءَيه حتى خفتُ أن يجزع الصبرُ
وإنَّ نكيراً أن يضيقَ بمن لهُ
عشيرةُ مثلي أَو وسيلتهُ مصرُ
وما لامرءٍ من قائلٍ يوم عثرةٍ
لعاً وخديناهُ الحداثةُ والفقرُ([238])
وإن كانت الأيامُ آضت وما بها
لذي غلَّةٍ وردٌ ولا سائلٍ خبرُ([239])
هم الناسُ سار الذمُّ والحربُ بينهم
وحمَّر أن يغشاهم الحمدُ والآجرُ
صفيُّكِ منهم مُضمرٌ عُنْجُهيَّةً
فقائده تيهٌ وسائقهُ كبرُ([240])
إذا شامَ برقَ اليسرِ فالقربُ شأْنُه
وأنأَى من العيوق إن نالهُ عسرُ([241])
أَريني فتىً لم يقله الناسُ أو فتىً
يصحُّ لهُ عزمٌ وليس لهُ وفرُ([242])
تري كلّ ذي فضلٍ يطولُ بفضلهِ
على مُعتفيهِ والذي عنده نزرُ([243])
وإن الذي أحذانيَ الشيب للذي
رأيت ولم تكمل ليَ السبع والعشر([244])
وأخرى إذا استودعتُها السرَّ بيَّنت
بهِ كرَهاً ينهاضُ من دونها الصدر([245])
طغى من عليها واستبدَّ برأيهم
وقولهم إلا أقلَّهم الكفرُ
وقاسوا دُجى أمرَيْهم وكلاهما
دليلٌ لهم أولى به الشمس والبدرُ
سيحدوكم استسقاؤكم حلب الردى
إلى هوَّة لا الماءُ فيها ولا الخمرُ([246])
سئمتم عبورَ الضحلِ خوضاً فأيَّةً
تعدونها لو قد طغى بكم البحرُ([247])
وكنتم جماءً تحت قدرٍ مفارةٍ
على جهل ما أمست تفورُ به القدر([248])
فهلاَّ زجرتم طائرَ الجهل قبل أن
تجيءَ بما لا تبسأونَ بهِ الزجرُ([249])
طويتم ثنايا تخبأون عوارَها
فأينَ لكم خبءٌ وقد ظهر النشر([250])
فعلتم بأبناء النبيِّ ورهطهِ
أفاعيلَ أدناها الخيانةُ والغدرُ
ومن قبلهِ أخلفتمُ لوصيّهِ
بداهية دهياءَ ليس لها قدرُ
فجئتم بها بكراً عواناً ولم يكن
لها قبلها مثلاً عوانٌ ولا بكرُ([251])
أخوهُ إذا عُدَّ الفخارُ وصهرُهُ
فلا مثلُهُ أخٌ ولا مثلُهُ صهرُ
وشُدَّ بهِ أزرُ النبيِّ محمَّدٍ
كما شُدَّ من موسى بهارونهِ الأزرُ([252])
وما زال صبَّاراً دياجيرَ غمرةٍ
يمزّقها عن وجهه الفتحُ والنصرُ([253])
هو السيفُ سيف الله في كلِّ مشهدٍ
وسيفُ للرسولِ لا ددانٌ ولا دَثرُ([254])
فأيُّ يدٍ للذمِّ لم يبرِ زندَها
ووجه ضلا لِ ليس فيه له أثرُ
ثوى ولأهل الدين أَمنٌ بحدّهِ
وللواصمين الدينَ في حدّهِ ذعرُ([255])
يسدُّ بِه الثُغرَ المخوفَ من الردى
ويعتاضُ من أرض العدوِّ بِه الثغرُ
بأُحدٍ وبدرٍ حين ماجَ برجلهِ
وفرسانُهُ أحدٌ وماجَ بهم بدرُ([256])
ويومَ حنين والنضيرِ وخيبرٍ
وبالخندق الثاوي بعقوتهِ عمرُو([257])
سما للمنايا الحمر حتى تكشفت
وأسيافُهُ حمر وأرماحُهُ حمرُ
مشاهدُ كان الله كاشفَ كربها
وفارجَهُ والأمرُ ملتبسٌ إمرُ([258])
ويوم الغديرِ استوضحَ الحقَّ أهلُهُ
بفيحاء لا فيها حجابٌ ولا سرٌّ
أقام رسولُ الله يدعوهمُ بها
ليقربهم عرفٌ وينآهم نكرُ
يمدُّ بضبعيه ويعلمُ أنَّهُ
وليٌ ومولاكم فهل لكم خبرُ([259])
يروحُ ويغدو بالبيان لمعشرٍ
يروح بهم غمرٌ ويغدو بهم غمرُ([260])
فكان لهم جهرٌ بإثبات حقِّهِ
وكان لهم في بزهِم حقَّهُ جهرُ([261])
أَثَمَّ جعلتم حظَّهُ حدَّ مرهف
من البيض يوماً حظُّ صاحبهِ القبرُ
بكفّي شقّي وجَّهتهُ ذنوبُهُ
إلى مرتع يرعى به الغيُّ والوزرُ
إلى منزلٍ يلقى به العصبة الأولى
حداها إلى طغيانها الأفنُ والخسرُ([262])
هراقوا دَميْ سِبطيْهم وتمسَّكوا
بحبل عمىً لا المحضُ فتلاً ولا الشزرُ
بني أَصفياءِ الله سهَّل حينهم
لهم فيهم دهياءُ مسلكُها وعرُ([263])
فهلاَّ انتَهوا عن كفر ما سلفت بهِ
صنائعُهُم إذ لم يكن عندهم شكرُ
وهلاَّ اتَّقوا فصلَ احتجاج نبيّهم
إذا ضمَّهُم بعثٌ من الله أو حشرُ
أَحجَّةُ ربِّ العالمين ووارثُ الـ
ـنبيَّ أَلاَ عهدٌ وفيٌ ولا أصرُ([264])
ولو لم يخلّف وارثاً لعرتَكمُ
أمورٌ تبينُ الشكَّ ساحةَ من تعرو
كأمَّ الحُوارِ استودعته خميلةً
ترأد فيها النبتُ وازدوجَ الزهرُ([265])
فغيَّبه عنها قريٌ بوهدةٍ
أحلّ بهِ أعباءَ أحمالهِ القطرُ
فجنّتْ جنوباً واستعاضت منن الربى
فنوناً وما تغني المزلَّةُ والذكرُ
كلا وكلا ثمَّ استحالتهُ فاصلاً
من الروض تزهاهُ حقوف نقاً عفرُ([266])
رغا إذ رآها فاستجابت مشيحةً
عليه ومنها الركلُ والزبنُ والطحرُ([267])
فخَّ صريعاً واستمرَّت بقسوةٍ
ترود وتقرو الأمكانات التي تقرو([268])
كما سأَل القومُ الأولى ملكاً لهم
تُسدُّ به الجُلَّى ويُطَلبُ الوتر([269])
فلما رأوا طالوتَ عدّوا سناءَهم
عليهِ وما يغني السناءُ ولا الفخرُ
وما ذاك ألاّ أنهم كرهوا القنا
ومَجْرَ وغيّ يتلوهُ من بعده مَجْرُ([270])
عمى وارتياباً أونضحت مشكلاته
وقيعةُ يوم النهر إذ ورد النهرُ
لكم ذخركم إنَّ النبيَّ ورهطه
وجيلهم ذخري إذا التُمِسَ الذخرُ
جعلتُ هوايَ الفاطميينَ زُلفةً
إلى خالقي ما دمت أو دام لي عمرُ([271])
وكوَّفني ديني على أنَّ منصبي
شآمٌ ونجري أيَّة ذكر النجرُ([272])
لقد اسمع الداعيكُم لو سمعتم
صراخاً ولكن في مسامعكم وقرُ([273])
فكيفَ وأَنتم نائمون وقد حدا
لطيَّاتهِ أجمالهُ ومضى السَفْرُ
فكم ليلةٍ قضَّيتها متململاً
إلى أن زقتْ أطيارُ سحرته الزُقرُ([274])
كأنَّ نجومَ الليل في أخرياتهِ
عيونٌ لهُ نادى بتغميضها الفجرُ
كأنَّ سوادَ الليلِ ثم اخضرارَه
طيالسةٌ سودٌ لها كُففٌ خضرُ([275])
أفكرُ في أحلامكم أين عُزّبت
فيصرعني طوراً وأسرعُهُ الفكرُ([276])
واعلم أن لا تتركوا مخزياتكم
ولم يترك المكروه من شوكُهُ السدرُ([277])
إذا الوحيُ فيكم لم يضركم فإنَّني
زعيمٌ لكم أن لا يضوركمُ الشعرُ([278])
5 ـ ويمكن تركيز أبرز العوامل التي أسهمت في تكوين شخصية الشاعر بما يأتي:
قدرات شخصية، مواهب، مثلت استعداداً للنبوغ، وبخاصة القدرات العقلية: ذكاء حاد، ذاكرة قوية وبديهة حاضرة …
ـ طموح إلى تحقيق الذات والتميز وسعي إلى تلبية نداء هذا الطموح على الرغم من الصعوبات.
ـ الحرص على الكرامة والعمل على صون ماء الوجه على الرغم من صعوبة ذلك على من تدركه «حرفة الأدب».
ـ العيش في الحواضر، واكتساب اللغة تعلماً، وليس سليقة، ولعل هذا أسهم في بلورة اختلافه وخروجه على مذهب الأوائل.
ـ المثاقفة، فأبو تمام شاعر مثقف ثقافة واسعة وعميقة، وقد أفاد من ثقافته كما ينبغي.
ـ الاتصال بالتراث والواقع والثقافة الوافدة، وجعل معطى هذا الاتصال مكوَّن التجربة التي يصدر عنها الشعر وليس مكوِّن الشعر نفسه.
ـ وعي قدرات الذات والاتكاء عليها، وعدم الاستكانة لذوي السلطان.
ـ البحث عن موقع، ما أفضى إلى سفر دائم، تمثل سفراً دائماً في اللغة الشعرية، فالخيبة تحفز الكشف الشعري في غالب الأحوال.
ـ وجود المكان ـ الحضن الذي ينبت فيه الشعر، المتمثل بالشخصيات والأحداث التاريخية.
ـ السعي الحثيث إلى التفرد بمذهب شعري يتكئ فيه الشاعر على نفسه.
الدكتور عبد المجيد زراقط
ديوان أبي تمام
قال ابن النديم في الفهرست: لم يزل شعره غير مؤلف، يكون مائتي ورقة إلى أيام الصولي ـ أبي بكر محمد بن يحيى ـ فإنه عمله على الحروف نحو ثلثمائة ورقة، وعمله علي بن حمزة الأصفهاني أيضاً فجرده على غير الحروف، بل على الأنواع. ويبدو أن هذه النسخة هي المتداولة في الطبع، إذ هي مرتبة على الفنون، وكل فن فيها مرتب على الحروف. وقد كانت العناية بشعر أبي تمام كثيرة فقد شرحه نفر من المشاهير.
أما أقدم الشروح التي وصلت إلينا كاملة فهو شرح أبي بكر الصولي 335هـ وكان من المعجبين بشعر أبي تمام، وشرح الإمام الخارزنجي 348هـ، والآمدي 370هـ الذي نصب الحرب لأبي تمام في كتابه الموازنة.
ثم المرزوقي 421هـ وهو من المعجبين بأبي تمام، المتعصبين له، والمعري 449هـ وهو من أشد المعجبين بأبي تمام وبشعره، والخطيب التبريزي 512هـ تلميذ المعري وسواهم.
وقد اعتمدنا في دراستنا هذه على طبعتين هما الأكثر توفراً في أيامنا هذه وهما الطبعة التي راجعها بولس الموصلي. وشرح ديوان أبي تمام لإيليا الحاوي.
الخصائص العامة في شعر أبي تمام:
شاعر مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غواص على ما يستصعب منها ويعسر متناوله على غيره، وله مذهب في المطابق، هو كالسابق إليه جميع الشعراء وإن كانوا قد فتحوه قبله، وقالوا القليل منه، فإن له فضل الإكثار فيه، والسلوك في جميع طرقه، والسليم من شعره النادر شيء لا يتعلق به أحد، وله أشياء متوسطة ورديئة رذلة جداً، وفي عصرنا هذا من يتعصب له فيفرط حتى يفضله على كل سالف وخالف، وأقوام يعتمدون الرديء من شعره، فينشرونه، ويطوون محاسنه، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك، ليقول الجاهل بهم إنهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلا بأدب فاضل وعلم ثاقب، وهذا مما يتكسب به كثير من أهل هذا الدهر، ويجعلونه وما جرى مجراه من ثلب الناس، وطلب معايبهم سبباً للترفع، وطلباً للرياسة، وليست إساءة من أساء في القليل، وأحسن في الكثير مسقطة إحسانه([279]).
وقال السيد الأمين: إن أبا تمام يشبه في نظم شعره بناء ماهراً بارعاً، وفي صياغته يشبه صائغاً حاذقاً …. وقد نظم أبو تمام في جميع مناحي الشعر، فجاء سابقاً، وتصرف في المعاني أبدع تصرف، وأتى من المعاني المبتكرة التي لم يسبق إليها بشيء كثير، أبدع فيه غاية الإبداع، وأبان عن قدرة وقوة في صناعة الشعر لا تلحق، وجاء بما يسحر الألباب، فهو كما وصف نفسه حيث يقول:
من شاعر وقف الكلام ببابه
واكتن في كنفي ذراه المنطق
قد ثقفت منه الشآم وسهلت
منه الحجاز ورققته المشرق([280])
وقال ابن رشيق القيرواني: لا بد لكل شاعر من طريقة تغلب عليه كأبي نواس في الخمر، وأبي تمام في التصنيع، والبحتري في الطيف. وقال الجرجاني في الوساطة: كانت الشعراء تجري على نهج من الاستعارة قريب من الاقتصاد حتى استرسل فيه أبو تمام، ومال إلى الرخصة، فأخرجه إلى التعدي وتبعه أكثر المحدثين.
ووصفه الآمدي بقوله: وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات والمعاني المولدة ….
ثم يضيف: فإن كنت تميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على غير ذلك فأبو تمام أشعر([281]).
والواقع أن من يطالع يمكنه ملاحظة تميز شعره بالخصائص التالية:
اختراع المعاني
لم تبرز هذه الظاهرة في شاعر عربي بروزها في أبي تمام، حتى قال النقاد عن شعره أنه معقد، وعن معانيه أنها مقتسرة مأخوذة بعنف. قال الجرجاني: ولو كان التعقيد وغموض المعنى يسقطان شاعراً لوجب ألا يروى لأبي تمام بيت واحد، فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيت أو بيتين قد وفر من التعقيد حظهما، وأفسد به لفظهما، ولذلك كثر الاختلاف في معانيه، وصار استخراجها باباً منفرداً ينتسب إليه طائفة من أهل الأدب، وصارت تتطارح في المجالس مطارحة أبيات المعاني وألغاز المعمى …. والذي يؤخذ على أبي تمام أن ديوانه مشحون بالغموض والتعقيد.
يشبهه المبرد بغائص البحر «يخرج الدرة والمخشلبة فيجعلهما في نظام واحد. وإنما يؤتى هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة جيدة ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه.
ثم يضيف: فدعاني هذا القول إلى أن قرأت شعر ابي تمام، وأسقطت خواطئه، وكل ما ذم من شعره، وأفردت جيده، فوجدت فيه ما يتمثل به ويجري على ألسنة الخاصة وكثير من العامة مائة وخمسين بيتاً. ولا أعرف شاعراً جاهلياً، ولا إسلامياً يتمثل له بهذا المقدار من الشعر([282]).
والواقع أن في شعر أبي تمام الكثير من الصور البليغة التي تشهد له بجودة الخيال وبعد مرامي النظر. والذي يراجع ديوانه بروية، ويعبر على تحليل معانيه، يجد من بدائعه الشعرية ما يشغفه.
ويراد بالبدائع الشعرية ما لطف من وصف أو مجاز أو حكمة من مثل قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة
طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف طيب عرف العود
أو قوله يصف عدم اجتماع المال والكرم في شخصه:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى
فالسيل حرب للمكان العالي
ومن حسن اختراعه قوله يصف شيبه المبكر:
ست وعشرون تدعوني فاتبعها
إلى المشيب فلم تظلم ولم تخب
فأصغري أن شيباً لاح بي حدثاً
وأكبري إنني في المهد لم أشب
يعذر المشيب ويقول ليس الغريب أنني شبت في السادسة والعشرين، ولكن الغريب أنني لم أشب وأنا طفل. يشير بذلك إلى مافي نفسه من عزم وهمة، وإلى ما أصابه منذ طفولته من مقارعة الأهوال والخطوب.
وقد شهد البلغاء لأبي تمام بالتقدم في ذلك. قال ابن الأثير: «قد قيل أن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعاً للمعاني. وقد عددت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد عن عشرين معنى. وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير».
ولا شك أن في شعره روعة خاصة فهو يجمع بين الفخامة اللفظية وجزالة المعنى جمعاً يهز النفس، ولولا كثرة تصنعه وميله إلى التعقيد والإغراب لأحلته هذه الروعة الفنية أعلى محل في الشعر العربي([283]).
الإغراب: قال الجرجاني بعد أن ذكر الإغراب اللفظي لدى شاعرنا وتطلبه للبديع: «ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفية، فاحتمل فيها كل غث ثقيل، وأرصد لها الأفكار بكل سبيل، فصار هذا الجنس من شعره إذا قرع السمع لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكد الخاطر، والحمل على القريحة، فإن ظفر به، فذلك من بعد العناء والمشقة، وحين حسره الأعياء، وأوهن قوته الكلال. وتلك حال لا تهش فيها النفس للاستماع بحسن، أو الالتذاذ بمستظرف، وهذه جريرة التكلف!
ولست أقول هذا غضاً من أبي تمام، ولا تهجيناً لشعره ولا عصبية عليه لغيره. فكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه، وانتحل موالاته وتعظيمه، وأراه قبلة أصحاب المعاني، وقدوة أهل البديع([284])!
والواقع أن أبا تمام يغطي مقاصده بشيء من الإبهام. ومن هنا هذه الصعوبة التي يعانيها من يطالع ديوانه إذ يقف حائراً أمام طلاسمه وغموض معانيه، لكن إذا راضت له بالدرس والتفكر، رأى فيها ما يلذه من صور جميلة ومعان رشيقة. من مثل قوله يصف أماني الروم واعتمادهم على مناعة حصونهم:
وقال ذو أمرهم: لا مرتع صدد
للسارحين وليس الورد من كثب
إن الحمامين من بيض ومن سمر
دلوا الحياتين من ماء ومن عشب
أي قال قادتهم لأنفسهم: لا مرتع قريب للأعداء (إذا راموا الحصار) ولا ماء، فلا يمكنهم البقاء طويلاً، على أن أمانيهم هذه فشلت لأن السيوف والرماح هي سبيلنا إلى الماء والعشب.
ومن أسباب إغرابه وغموضه شغفه الزائد بالطباق والجناس، وإغراقه في استعمال الغريب من الألفاظ إلى حد زعم معه أبو هلال العسكري أن أبا تمام كان يتبع وحشي الكلام ويدخله في شعره. ولا ريب أن ذلك يعود إلى وفرة ما حفظه أبو تمام من شعر الأقدمين، وإلى ما لاحظه الجرجاني بحق من أنه إذا أراد شاعرنا أن يجري على سجيته جاءت ألفاظ شعره فصيحة مألوفة، فإذا قصد التكلف، كثرت في شعره تلك الألفاظ الغريبة الحوشية النافرة.
أجل لقد فعل أبو تمام ذلك بين الحين والحين، وأظهر التعجرف، وتشبه بالبدو، ونسي أنه حضري متأدب، وقروي متكلف بما جاءك بمثل قوله:
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت
عشواء تالية غبساً دهاريسا
فعنيقها يعضيدها ووشيجها
سعدانها وزحيلها تنموسا
وقوله:
إن الأشاء إذا أصاب فشذب
منه أتمهلَّ ذرى وأثَّ أسافلا([285])
لكن لحسن الحظ أن هذا لم يكن عادة لأبي تمام ألزمها نفسه. وقد حفظ شعره ما فيه من الجزالة والفخامة بحيث قال ابن الأثير يصف ألفاظه «كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد»([286]).
البديع:
لم يخل الشعر العربي في عصر من العصور من الأخذ بأسباب البديع أو الصناعة اللفظية والمعنوية. ومع ذلك فقد أجمع النقاد القدامى عن أن مسلم بن الوليد هو أول من توسع في البديع، وتبعه فيه جماعة منهم أبو تمام. وروى ذلك الأصفهاني في سيرة مسلم بن الوليد وأضاف أن أبا تمام جعل شعره كله مذهباً واحداً فيه.
وإليك ما يقول الآمدي في هذا الموضوع: «أراد أبو تمام البديع فخرج إلى المحال» و«أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد وأن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه، فتحير فيه، كأنهم يريدون إسرافه في طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب، وتوشيح شعره بها، حتى صار كثير مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا يعلم عرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة ويقتسرها مكارهة، وتناول ما يسمح به خاطره، وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ما قرب في حسن، ولم يفحش.
واقتصر من القول على ما كان محذواً حذو الشعراء المحسنين، ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر وتذهب ماءه ورونقه، ولعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه ـ لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين.
وكان قليله حينئذٍ يقوم مقام كثير غيره، لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكنه شره إلى إيراد كل ما جاش به خاطره، ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالرديء، والعين النادر بالرذل الساقط، والصواب بالخطأ.
وأفرط المتعصبون له في تفضيله، وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له عن أخطائه، وتأولوا له التأول البعيد فيه، وقابل المنحرفون عنه إفراطاً بإفراط، فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه.
وتجاوز ذلك بعضهم إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه فيه، واحتج بما لا تقوم حجة به([287]).
وواقع الحال أن أنواع البديع منشورة متفرقة في أشعار المتقدمين، ولكن مسلماً أكثر منها، وكان يحتذي حذو العتابي، وكان هذا يحتذي حذو بشار. ثم قام أبو تمام فزاد على مسلم. وكان العصر الذي ينشأ فيه شاعرنا عصر انتقال في الأدب من الطريقة البدوية القديمة التي عرف بها صدر الإسلام إلى الطريقة الحضرية المولدة، طريقة التبسط والتأنق.
وقد اتخذ أبو تمام من البديع وسيلته الأولى في الشعر، وطريقته المثلى في التعبير، فكان يحشد في كل جزء من شعره ما شاء من ألوانه المختلفة، حتى كاد بعض شعره يستحيل إلى شبيه ما يعرف في عصرنا بالمذهب الرمزي، لشيوع المجاز والاستعارة والكناية فيه شيوعاً طغى حتى بلغ مبلغ التعقيد.
وفي ذلك ما فيه من إجهاد لذهن القارئ وخياله، إجهاداً يعلل به إلى العناء الشديد في تذوق الشعر، وفي إدراك مواطن الجمال فيه.
لقد كان أبو تمام في شعره مرحلة جديدة من مراحل الفن الذي عرف بالبديع، فقد انتقل به من القصد والتوسط إلى الإيغال والتعقد، فأصبح من بعض الوجوه شيئاً غريباً على أذواق النقاد، ووجدوا فيه خروجاً على طريقة الشعر المألوفة في التعبير وانحرافاً عن عمود الشعر كما يقولون.
والحقيقة أن ليس في طريقة أبي تمام شيء من ذلك لو تعمقنا طريقته وتفهمناها على حقيقتها، وإنما هو اندفاع عبقري وقدرة فائقة عجيبة على استخراج الصور التعبيرية، واستنباط المعاني الجديدة، متتابعة متراكبة، لا يسهل إدراكها أو متابعتها إلا على متذوق ماهر، له من صناعة الشعر نصيب، وله فيها ممارسة.
ودليل ذلك أن أبا تمام حين يخفف من غلوائه، ويقصد في تركيب صوره وتعقيدها، يصبح قريباً جداً من أذواق النقاد، وبخاصىة من يولع منهم بالقديم([288]).
ومن آثار الغلو في طلب الاستعارة في شعر أبي تمام ذلك الزلل فيما يستنكره أحياناً، وهذه عاقبة الكلفة.
ففي العديد من استعاراته وتشبيهاته، صور لا تهش لها النفس، وتكاد تذهب مثلاً في شناعتها كقوله في ممدوحه:
ما زال يهذي بالمكارم والعلا
حتى ظننا أنه محموم
وكقوله أيضاً:
إناء مجد ملآن بورك في
صريحه للعلا وفي زبده
وكقوله:
فلويت بالمعروف أعناق الورى
وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
وكقوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صورت
لها وشحاً جالت عليه الخلاخل
يقول الآمدي:
هذا الذي وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب، وهو أقبح ما وصف به النساء، لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد، وتضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحاً تجول عليها فقد أخطأ الوصف، لأنه لا يجوز أن يكون الخلخال ـ الذي من شأنه أن يعض بالساق ـ وشاحاً جائلاً على جسدها، لأن الوشاح هو ما تتقلده المرأة متشحة به، فتطرحه على عاتقها، فيستبطن الصدر والبطن، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى العجز، ويلتقي طرفاه على الكشح الأيسر فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل.
وإذا كانت هذه صورة الوشاح، فغير جائز أن يوصف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة وطولها …
ويرى الآمدي أن هذه المرأة مسخت إلى غاية القماءة والصغر وصارت في هيئة الجعل([289]).
لكن ولحسن الحظ لم تكن هذه حاله دائماً، مما جعل طريقته في النظم تحفر عميقاً في المجرى التاريخي للشعر العربي، وتنزل صاحبها منزلة لا يمكن لأحد إلا أن يتوقف عندها أحب أم كره.
العمل العقلي:
نسب إلى أبي العلاء المعري أنه قال: «أبو تمام والمتنبي حكيمان وإنما الشاعر البحتري».
ومنهم من يضيف هذا القول إلى المتنبي نفسه فيزعم أنه قال: «أنا وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري»([290]).
والواقع أن حكمة أبي تمام ليست إلا تصرفات عقلية في بعض المعاني التي طرقها وأتته عن طريق تجاربه في الحياة، ونظراته إليها، وتأملاته في تصاريفها، يأخذها فيصوغها شعراً ويكسوها من فنه ما يجعلها قريبة التناول رضية المأخذ.
ولا يقف العمل العقلي في شعر أبي تمام عند الناحية الحكمية فحسب. فأبو تمام شاعر يرى الأشياء والأحداث بأرق الحواس وأعرقها في الشاعرية، فإذا فرغ عنده عمل الحاسة بدأ عمل العقل، فيأخذ في تحليل مشاعره، والضرب في أنحائها، حتى إذا وجد المعاني التي يبغيها، فنظمها، ورتبها، انقلب إلى إبرازها في ألفاظ يرصها في تؤدة، وينمقها في اطمئنان، فيلائم بين أجراسها وألوانها، ويقابل بين الفكرتين، ويراعي اللفظ وقسيمه، وهو يسير فيها بفكرة واضحة، يكمل البيت ما سبق إليه أخوه، فما يكاد يفرغ من القصيدة حتى يكون قد أخرج للناس موضوعاً وأحداً متماسكاً تجري فيه فكرة واحدة.
نشر يسير به شعر يهذبه
فكر يجول مجال الروح في الجسد
فالقصيدة بفضل الفكرة الجارية فيها ذات وحدة وتماسك، يدفعان به إلى أن يشبهها بالصخرة في تماسكها وتلازم معانيها، فيقول في غير غفلة من الإشارة إلى ناحية الجمال في فنه:
وكأنما نظم القوافي لؤلؤ
أثبته في جندل منضود
تسمعه يذكر الحب، فيقسم أيامه تقسيم الفيلسوف، ويسرد وجوهه سرد المتأمل، في أسلوب شعري أخاذ:
ولقد أراك فهل أراك بغبطة
والعيش غض والزمان غلام
أعوام وصل كان ينسى طولها
ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت
نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام
وتحدرت عبرات عينك إن دعت
ورقاء حين تضعضع الأظلام
لا تشجين لها فإن بكاءها
ضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافة
من حائهن فإنهن حمام([291])
ومظاهر التقسيم، والتبويب والتعليل والتصوير واضحة في هذه الأبيات. باختصار: الطابع العام لشعر أبي تمام هو حسن دقيق رقيق، ومعنى عميق متغلغل إلى ما وراء الظواهر.
وشاعرية أبي تمام وليدة العقل والقلب معاً، وهي بنت الرياضة والتحكم اللذين يظهران للإنسان صناعة الشعر، وهي قريبة إلى القلب، حتى إنها لتلتبس بالطبع.
ليست بالتي تتفجر تفجراً، ويسيل بها اللسان سيلاً، ولكنها لا تعدم أن تنال من القلب ما يناله وليد الطبع، ومن العقل ما يرضى به هوى الفكر. كما أن ذلك التلاحق في الأبيات، والتماسك بين المعاني، مظهر من مظاهر تطور الشعر عند أبي تمام حتى أن الإنسان ليجد فيها شيئاً يشبه القصة([292]).
هذا التسلسل الفكري في القصيدة لم يكن أثره عند هذا الحد المعنوي في ربط أجواء القصيدة بعضها ببعض، بل تعداه إلى أثر لفظي خرج بوحدة الشعر العربي التقليدية، وهي البيت إلى وحدة أوسع، هي القصيدة.
النزعة القصصية:
غالباً ما يزاوج أبو تمام بين المديح والقصص. وبالطبع لا نزعم أن أبا تمام هو أول من لجأ إلى القصص في شعره، ولكن نقول إنه انتفع به في المدح انتفاعاً واسع النطاق، بعيد المدى، حتى أن صورة ممدوحه تستحيل في يده إلى صورة بطل من أبطال تلك الملاحم القديمة التي خلا منها الأدب العربي.
وبذلك يخرج المديح من حيزه الخاص الذي تضيق به النفس، إلى حيز أوسع وأهم. كذلك هو في مراثيه وهجائه، وهو في سبيل ذلك يعمد إلى التاريخ فيأخذ منه حاجته، متمثلاً بالماضي، أو مقتبساً لشعر من الحاضر الملابس لحياة ممدوحه. فإذا هو أراد مدح المعتصم بعد أخذ بابك قال قصيدته:
آلت أمور الشرك شر مآل
وأقر بعد تخمط ووصال([293])
فتسمع فيها قصة بابك من مبدئها إلى منتهاها في غير جور على التاريخ. والقارئ لا يزاال يتبعه فيها حتى ينتهي منها في غير كلال ولا سآم مع طولها، لحلاوة القصة.
وكذلك إذا مدح أبا سعيد محمد بن يوسف، لم يقف عند وسيلة غيره في مدح ممدوحيهم، وإنما يصف الجيوش وحربها مع الروم، ومع بابك.
وإذا رثى محمد بن حميد الطائي، وجدته يرثي بطلاً من أولئك الأبطال الذي تقبل النفس على قراءة تاريخهم، لتسمو ببطولتهم إلى لون من ألوان الحس الرفيق يخلد به الشعر، ولا تحس فيه مذلة المدح وخصوصيته.
وهذا النوع من القصص قد غلب على شعر أبي تمام في آخر أطوار شعره. وهو لا ينعدم في شعره قبل ذلك، ولكنه أقل وضوحاً، وقد أفاد قصائده خصباً وطولاً، وجعل قراءتها لذيذة ممتعة.
كما أن انتحاء أبي تمام هذا المنحى، قد أفاد القصة الشعرية في الأدب العربي فائدة عظيمة، فوهب لها أوزاناً مكتملة ناضجة، وأسلوباً رصيناً، لا يشبهان في شيء أوزان الأقاصيص العربية التي نظمت بعد أبي تمام، ولا أسلوبها، كالصادع والباغم. كما أهدى إليها وحدة القافية، ولمحات عميقة إلى صور النفس وأحاسيسها، التي تختلف باختلاف ما يطرأ على الشاعر من انفعالات.
ففن القصص الشعري العربي قد طفر على يدي أبي تمام طفرة لم تقصد لذاتها، ولكنها مع ذلك شيء واقع لا نستطيع إنكاره([294]).
النزعة العربية الإسلامية:
عرف الشعر العربي قبل أبي تمام العديد من الشعراء الذين نشروا في شعرهم أقوالاً تدل على تعلقهم بالإسلام وشادوا بالعروبة من حيث اتصالها بالإسلام نفسه، ولكني لا أعرف شاعراً قبل أبي تمام جعل ذلك وكده في ديوانه، ثم أخرجه تلك المخارج المتعددة المنازع والصور([295]). وربما كان السبب في ذلك كثرة الثورات التي أخذت تهدد الخلافة، إضافة إلى اشتعال الحروب بين العرب الروم.
وقد سبقت الإشارة إلى مدى تأثر أبي تمام بالقرآن الكريم في شعره إشارة أو اقتباساً أو تضميناً. وكذلك لن أتتبع في شعره تفاصيل العبادات، ولا فنون علمه بالأديان، لكن لا بد من تسليط الضوء على الناحية السياسية القومية لدى هذا الشاعر.
والواقع أنه من الصعب أن نفرق في ديوان أبي تمام، وفي دواوين غيره من الشعراء إلى عهد قريب بين العرب والمسلمين، أو بين مدرك العروبة ومدرك الإسلام.
وليس غريباً بالتالي أن نرى أبا تمام في مجمل شعره، يجعل العجم في الإسلام مثل العرب. فإن العصور الوسطى لم تعرف جامعاً سوى الدين. وهكذا قال أبو تمام يمدح إسحاق بن إبراهيم المصعبي ويذكر شجاعته وهمته:
أطعت ربك فيهم والخليفة قد
أرضيته وشفيت العرب والعجما
وكل صلة عند أبي تمام تتقطع سوى صلة المسلمين برسول الله:
نرمي بأشباحنا إلى ملك
نأخذ من ماله ومن أدبه
نجم بني صالح وهم أنجم
العالم من عجمه ومن عربه
رهط النبي الذي تقطع
أسباب البرايا سوى سببه
مهذب قدت النبوة والإسلام
قد الشراك من نسبه
من أجل ذلك كله كانت القدوة العظمى برسول الله وحده، وكان فضل المسلم خليفة أو أميراً أو قائداً أو فرداً من عامة الناس، أن يكون في نصرة الإسلام، والمحامي عن الإسلام، وأن يوطد أعلام الهدى، ويقر عمود الدين. فاذا استغاث الإسلام وجب على المسلمين أن ينجدوه بما عرف عنهم من الشجاعة. لأن الإسلام لا يعز إلا بمقارعة أعدائه إذا هم به أعداؤه.
والإسلام سيشكر ما يوليه إياه أهله من نجدة وظفر. ولا يفرق أبو تمام في ذلك الشكر لأهل تلك النجدة بين الإسلام والدولة والعرب. قال يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري، ويصف شيئاً من بطولته في هزم بابك الخرمي، ثم يحار في الإعراب عن الشكر له:
تالله أدري، أألإسلام يشكرها
من وقعة أم بنو العباس أم أدد؟
يوم به أخذ الإسلام زينته
بأسرها واكتسى فخراً به الأبد
يوم يجيء إذا قام الحساب ولم
يذممه بجر ولم يفضح به أُحُد
لم تبق مشركة إلا وقد علمت
إن لم تتب أنه للسيف ما تلد
وكان الإسلام لا يزال مهدداً من المشرق ومن المغرب! كان المشركون يهددون الإسلام والمسلمين من الشرق، وكان الروم اليونانيون يهددون الإسلام والمسلمين من الغرب.
ولم يستطع الإسلام أن يعيش في ذلك الحين في سلام مع أهل الشرك فاضطر اضطراراً إلى حربهم([296]).
قال أبو تمام في مديح أبي سعيد الثغري لمناسبة قتاله لبابك أيضاً:
لما أبوا حجج القرآن واضحة
كانت سيوفك في هاماتهم حججاً
لله أيامك اللاتي أغرت بها
ضفر الهدى وقديماً كان قد مرجا([297])
ولم يستطع أبو تمام أن يرى الحرب في المشرق إلا في لباسها الديني. يقول في مدح المعتصم في القصيدة التي يشير فيها إلى إحراق الأفشين:
يا رب فتنة أمة قد بزها
جبارها في طاعة الجبار
موتورة طلب الإله بثأرها
وكفى برب النار مدرك ثار
أما أبرز مواقف أبي تمام في هذا المجال فموقفه في قصيدة «فتح عمورية» ولنا إلى ذلك عودة.
وخلاصة القول في شعر أبي تمام أنه قد غلب عليه التنميق والزخرف فكل بيت من أبياته وحدة من وحدات التنميق والزخرف. لكن هذا التنميق والزخرف لا يحجبان عنا مشاعره وأحاسيسه، بل هما جزء لا يتجزأ من هذه المشاعر والأحاسيس. ونحن لا نقرأ شعره إلا ونحس أثر عنائه، وأنه كان يجهد نفسه في صنع شعره إجهاداً شديداً.
وقد تميز أبو تمام بالقدرة على المزج بين الجناس والطباق. كما أفاد من التشخيص إلى أقصى حد. وأبو تمام لا يقف بفنه عند هذه الألوان القديمة من التصنيع التي يبتهج بها الحس، بل نراه ينفذ إلى ألوان جديدة يبتهج بها العقل، وهي «ألوان قاتمة» كانت تتسرب إليه من الفلسفة والثقافة العميقة. وفي هذه الألوان القاتمة الجديدة تستقر مهارة أبي تمام إذا قسناه بغيره من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. فقد استطاع أن يستوعب الفلسفة والثقافة وأن يحولهما إلى فن وشعر.
مما دفع الكثيرين إلى الكلام على «غموض شعره». ولكنه «الغموض الفني» الذي يشبه تنفس الفجر، فالأفكار والصور وكل ما يعتمد عليه أبو تمام من ألوان يلتف في ثياب من هذا الغموض، بل في ألوان قاتمة من هذه الظلال التي لا تحجب النور ولكن ترسله بقدر فيضفي على كل ما يمسه حسناً وجمالاً.
وهكذا فإن أبا تمام ـ يستخرج من الفلسفة والثقافة زخرفاً جديداً يضيفه إلى الزخرف القديم، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما رسخت الثقافة والفلسفة في ذهنه، وتحولتا هناك إلى ما يشبه صندوق الألوان عند الرسامين.
وقد أخذ يحكم استخدام تلك الألوان في شعره، كما أخذ يحكم استخدامه لألوان التصنيع القديمة، تارة بما يستخرجه من أصباغها، وطوراً بإضافته اللون إلى لون آخر كما يفعل في المزج الرائع بين الطباق والجناس والتصوير.
وأخيراً هو يبتكر ألوانا جديدة يستنبطها من الثقافة والفلسفة، ثم يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة، فتتغير هيأتها.
والواقع أن أبا تمام كان أستاذاً ماهراً في فن مزج الألوان ومعرفة خباياها وأسرارها. إذ نراه يمس البيت في لون كالجناس، ثم يعود فيغمسه في لون آخر كالتصوير، ثم يعود مرة ثالثة فيغمسه في لون قاتم، بل في لون زاه من الفلسفة والثقافة فإذا البيت يختال في ألوان وأصباغ ثرية منوعة اختيال الطاووس في ألوانه وأصباغه.
باختصار عرف أبو تمام كيف يزاوج بنجاح ما بين الحس والعقل، وكان يعبر تعبيراً زخرفياً، لكنه تعبير يفضي بالإنسان إلى فكر عميق، يظهر في شكل زخرف أنيق([298]).
أغراض شعره
لم يترك أبو تمام ديواناً كبير الحجم بالمقارنة مع دواوين أمثاله من الشعراء كأبي نواس والبحتري وابن الرومي، وغيرهم ممن لمعوا في سماء الأدب العربي، وحازوا إمارته على الدهر، واتصلوا برجالات العرب والإسلام في السياسة والاجتماع. ومع ذلك فهو لم يترك باباً من الشعر إلا ولجه، وكان له حظ فيه.
ولكن شهرته قامت على مدحه ورثائه، ومع أن شعره في الرثاء أقل حجماً من شعره في المديح، فإنه لا يقل عنه قيمة، بل ربما فاقه.
ومن الطبيعي إذن أن نولي هذين الفنين التفاتة خاصة، على أن نلم بعد ذلك بسائر الأبواب فنحيط بشعره من جميع أطرافه مبتدئين بالمديح.
المديح:
وقف أبو تمام معظم شعره على المدح، فلم يدع خليفة ولا أميراً عاصره إلا رحل إليه، ومدحه، وتكسب منه، واتصل به، وعرف كيف يصرف مدحه حتى ما كان أحد من الشعراء يقدر على أن يأخذ درهماً بالشعر في حياة أبي تمام([299]).
ومع حرص أبي تمام على إرضاء الممدوح، إلا أنه قلما تذلل في استجدائه بل تغلب عليه الأنفة والرصانة، وأكثر مدائحه فخمة جليلة.
ومدائح أبي تمام على ثلاثة أنواع من حيث الإستهلال، فمنها ما يتحدى به الأقدمين، فيبتديء بوصف الديار الخالية، وذكر الأحبة، والنياق والقفار، ثم ينتقل إلى المدح وربما كان انتقاله اقتضاباً فعل الشاعر الجاهلي. ومنها ما يبتدئ فيه بالحكم، أو بوصف الطبيعة، أو بوصف الخمر، وفيه يكثر حسن تخلصه لأنه يبتعد به عن الأسلوب القديم. ومنها ما يتناول به الغرض ابتداء دون توطئة واستطراد.
ومن أبرز مميزات مديح أبي تمام الإشادة بالإسلام، فهو يستمد تاريخاً وعظمة وشهامة ينثرها في مدائحه، وقد استطاع من أجل ذلك أن يفوز بإعجاب بني العباس مع احتفاظه بحب آل البيت عليهم السلام.
قال يمدح المأمون:
يا أيها الملك الهمام وعدله
ملك عليه في القضاء همام
ما زال حكم الله يشرق وجهه
في الأرض منذ نيطت به الأحكام
لما رأيت الدين يخفق قلبه
والكفر فيه تغطرس وعرام
أوريت زند عزائم تحت الدجى
أسرجن فكرك والبلاد ظلام
فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه
حسن اليقين وقاده الإقدام
حتى نقضت الروم منه بوقعة
شنعاء ليس لنقضها إبرام
ففصمت عروة جمعهم فيها وقد
جعلت تفصم من عراها الهام
ما كان للإشراك فورة مشهد
والله فيه وأنت والإسلام([300])
ويقول في الواثق:
جعل الخلافة فيه رب قوله
سبحانه للشيء كن فيكون
ولقد علمنا ما ترعرع أنه
لأمين رب العالمين أمين
يا ابن الخلائف أن بردك ملؤه
كرم يذوب المزن منه ولين
نور من الماضي عليك كأنه
نور عليه من النبي مبين
يسمو بك السفاح والمنصور
والمهدي والمعصوم والمأمون
فرسان مملكة، أسود خلافة
ظل الهدى غاب لهم وعرين
قوم غدا الميراث مضروباً لهم
سور عليه من القرآن حصين
قد أصبح الإسلام في سلطانها
والهند بعض ثغورها والصين([301])
ويقول في مدح أبي سعيد الثغري:
يا فارس الإسلام أنت حميته
وكفيته كلب العدو المعتدي …
أصبحت مفتاح الثغور وقفلها
وسداد ثلمتها التي لم تسدد
أدركت فيه دم الشهيد وثاره
وفلجت فيه بشكر كل موحد
ضحكت له أجبال مكة ضحكها
في يوم بدر والعتاة الشهيد
أحييت للإسلام نجدة خالد
وفسحت فيه لمتهم ولمنجد([302])
وتتكرر مثل هذه المعاني في قصيدته التي مدح بها أبا سعيد والتي مطلعها:
يا بعد غاية دمع العين أن يعدوا
هي الصبابة طول الدهر والشهد([303])
لكن قصيدته الأبرز في هذا المجال تبقى القصيدة التي قالها إثر فتح عمورية.
ويمتاز مدح أبي تمام بوفرة فوائده التاريخية، فإنه يحمل إلينا فيه أخبار الحروب التي جرت بين المسلمين وأعدائهم، وعلى الأخص بينهم وبين الروم، أو بينهم وبين الخرمية. ويصف انتصارات العرب وهزائم العداة، وخراب ديارهم.
ويذكر أسماء القواعد والفرسان، وأسماء الأماكن التي جرت فيها الحروب، كما أنه يتقن استخدام الحوادث القديمة والحديثة إذا كان لها علاقة بالممدوح أو بآله أو بقبيلته، أو بقومه، ليرفع بها من شأنه، ويشهر مناقبه، ويظهر مناسبه، ويبين معالمه وشرف مقامه، وهو في سبيل ذلك لا يغفل عن حادثة كبيرة يذكرها، أو صغيرة يجلو وجهها.
ومن ميزاته الغلو، وهو ميزة عصره. ولكنه قليل الإفراط فيه، وإذا أفرط جعل الشرط مانعاً:
لو أن طول قناته يوم الوغى
ميل إذاً نظم الفوارس ميلا
ويمتاز مدحه أيضاً بما يشتمل عليه من منطق واتساق أفكار، وحكم وأمثال سائرة، مبثوثة في تضاعيف أبياته.
وكان أصدق لهجة في مدح انسبائه منه في غيرهم. ولعل مدحه للخلفاء أضعف عاطفة من غيره.
إلا ما كان منه في ذكر حروب الروم والخارجين على الخلافة، وبطش المسلمين بهم. وأغلب الظن أن السبب في ذلك يعود إلى تشيع الشاعر([304]).
ومهما يكن من أمر فإن قصائده في مديح ملوك بني العباس تفتقر إلى الصدق الذي يبدو واضحاً في مديحه لأمير المؤمنين علي عليه السلام وآل البيت في القصيدة التي ملطعها:
أظبية حيث استنت الكتب العفر
رويدك لا يغتالك اللوم والزجر([305])
ويحب أبو تمام من الألفاظ ما ملأ الأسماع، ومن التراكيب ما شغل الفكر، وهو شديد الإعجاب بشعره، فإذا تم له ما أراد من إطراء ممدوحه، وذكر مآثره، ووصف غاراته وانتصاراته، استطرد على الغالب، فختم قصيدته بإهدائها إلى ممدوحه كما تهدى العروس إلى خاطبها، فيصف فضائلها، وما فيها من جدة وحسن لا تبليهما الأيام، ويغلب استطراده بقوله: خذها أو ما أشبه ذلك:
يا خاطبا مدحي إليه بجوده
ولقد خطبت قليلة الخطاب
خذها ابنة الفكر المذهب في الدجى
والليل أسود رقعة الجلباب
بكراً تورث في الحياة وتنثني
في السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدة
وتقادم الأيام حسن شباب([306])
أما طول القصيدة وقصرها، ونوع لغتها، والتشابيه فيها والاستعارات حتى القافية، فكانت كثيراً ما تختلف باختلاف الممدوح، فقد مدح أدباء وشعراء من أمثال ابن الزيات، وأبي دلف العجلي وعلي بن الجهم وغيرهم، فهو أحرى أن يجود في مدحهم.
كما أن مدح أبا المغيثي موسى بن إبراهيم الرافقي بخمس قصائد قوافي ثلاث منها ثاء وسين وضاد وحشر فيها ألفاظاً من نوع نبيث، دثوث، ميث، قدموس، كردوس، نحيض، قبيض، أنيض …. فالممدوح أمير في الشام، بدوي.
ومثل هذه الألفاظ وردت في مدحه لآل طوق من أمراء عرب الشام في القصيدة التي مطلعها:
قف بالطلول الدارسات علاثا
أضحت حبال قطينهن رثاثا([307])
أما إذا قلبت ديون أبي تمام فوصلت إلى مدائح الوزير الشاعر محمد بن عبد الملك الزيات فسترى أمثال «وصف القلم» أو ديمة سمحة القياد سكوب مما يسمح لنا بالقول أن أبا تمام كان في الغالب يصرف المديح حسب حاجته، ويجيد الملاءمة بين اللفظ والمعنى من جهة، دون أن يتخلى عن عنفوانه وكبريائه في جميع الأحوال.
ينشد شعره جالساً، فإذا اتفق أن طرب الممدوح فوقف، وقف هو أيضاً. يرفع نفسه إلى مركز الممدوح أو فوقه أحياناً، ويرفع شعره فوق النوال الذي يأخذه. ولهذه الأسباب مجتمعة ـ ولسواها أيضاً ـ اعتبره الكثيرون أستاذاً للمتنبي!
الرثاء:
يقول ابن رشيق أبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء. وقد مر بنا كيف أن أبا دلف تمنى لو أنه الميت ليقول فيه الشاعر القصيدة التي قالها في رثاء محمد بن حميد والتي مطلعها:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
ورثاء أبي تمام أقل تكلفاً من مدحه وأرق عاطفة. متلهف، كثير التفجع، لا سيما في رثائه لأنسبائه. يحرص على أن يصور في رثائه الشعور القوي بالخسارة، وأن يباهي بالميت، ويغالي في ذكر صفاته. هو رثاء مدح وفخر، وتعظيم وإكبار للخطب الشامل، لا رثاء ضعف عاطفي، وبكاء أليم.
وليس له رثاء تظهر فيه نفسه متألمة حزينة ضعيفة إلا ما قاله في أخيه وابنه. وعلى الجملة فإن أحسن مراثيه ما جاء في أهله وأقربائه، فجعل له منزلة تعادل منزلته في مدحه على قلة مراثيه ووفرة مدائحه.
ومع اتصاله بالعباسيين لم يحسن رثاء واحد منهم، فقد مدح المأمون، ولم يرثه. وبالغ في مدح المعتصم يوم كان متصلاً به، فلما مات المعتصم لم يخصه بمرثية، بل جعل رثاءه في قصيدة هنأ فيها الواثق بالخلافة، فغلبت عليها صفة المدح لأن الشاعر لم يقصد إلى الرثاء إلا على سبيل تعزية الابن بأبيه، أو ليأخذ بنوع طريف في البديع هو الافتنان، أي أن يؤتى بفنين متضادين في قصيدة واحدة، كالتهنئة والتعزية، أو كالمدح والهجاء.
ومن ذلك نفهم أن الشاعر لم يكن شديد الإخلاص لبني العباس، وإنما توسل إليهم بمدائحه ليفيد منهم، ولا ينبغي أن ننسى تشيعه، وإن كان في تشيعه معتدلاً حكيماً.
وقد أجاد أبو تمام في ثاء بني حميد الطوسي، ومما يلفت النظر أن عدد مراثيه فيهم يفوق عدد مدائحه. ويظهر أن علاقة أبي تمام بآل حميد، كانت صداقة أكثر منها منفعة، وكانت إعجاباً بأعمالهم وبطولاتهم. وما قصيدته (كذا فليجل الخطب ….) سوى صورة لنفس محمد بن حميد. روى ابن الأثير:
«كمن رجال بابك بين الصخور، فلما صار رجال محمد (بن حميد الطوسي) يصعدون في الجبل، وصاروا على مقدار ثلاثة فراسخ، انحدر بابك إليهم فيمن معه فانهزم الناس، فأمرهم أبو سعيد (الثغري) ومحمد بن حميد بالصبر فلم يفعلوا، ومروا على وجوههم، والقتل يأخذهم.
وصبر محمد بن حميد مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد. وسارا يطلبان الخلاص، فرأى (محمد) جماعة وقتالاً، فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتالون طائفة من أصحابه، فلما رآه الخرمية قصدوه لما رأوا عليه من حسن هيئته، فقاتلهم وضربوا سيفه، ثم أكبوا عليه فقتلوه».
هذه هي الحادثة التي استحقت الخلود في قصيدة أبي تمام فإذا هي:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
وأكثر ما يستهل مراثيه بنعي الميت إلى أحياء العرب، أو بشكوى الدهر، أو بدعوة الناس إلى العويل. وإذا جاشت عاطفته، واندفعت في حماستها تضاءل عندها العقل، فما تجد منه واعظاً أو حكيماً، بل ملتاعاً متفجعاً، وقد يرسل المثل السائر، ولكنه مثل عاطفي أكثر مما هو عقلي كقوله في نسيبه محمد بن حميد الطوسي الطائي:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله
إن الزمان بمثله لبخيل
لكنه مع ذلك قد يذهب إلى ضرب الأمثال واستجماع الحكمة لقوله في رثاء ابنين لعبد الله بن طاهر ماتا في يوم واحد:
إن الفجيعة بالرياض نواضراً
لأجل منها بالرياض ذوابلا
لهفي على تلك الشواهد منهما
لو أمهلت حتى تكون شمائلا
وإذا رايت من الهلال نموه
أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً
وخلاصة القول أن عمل العقل في رثاء أبي تمام وسط، وما العمل الأكبر إلا للاندفاع العاطفي. وأفضل مراثيه في محمد بن حميد ثم في خالد بن يزيد الشيباني.
الفخر:
كان أبو تمام عربياً ينتمي إلى طيء، فافتخر بعروبته، وافتخر بقومه. وذكر أجوادهم، وفرسانهم، وفيهم أمثال حاتم وزيد الخيل، وضمن فخره في قصائد المديح، خاصة إذا كان الممدوحون طائيين كآل عبد الكريم وآل حميد الطوسي، أو من عرب الجنوب الذين منهم بنو طيء كالقاضي احمد بن أبي دؤاد الأيادي، وعياش بن لهيعة الحضرمي. وكان شديد الإعجاب بشعره فافتخر به وفاخر الشعراء.
ونزل المشيب برأسه وهو في السابعة عشرة من عمره، فجعل منه موضوعاً لفخره، كيف لا والشيب عنده عنوان الكمال! ومن أبرز قصائده في هذا المجال القصيدة التي مطلعها:
ألا صنع الدين الذي هو صانع
فإن تك مجزاعاً فما الدين جازع([308])
والتي يقول فيها:
أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم
وسمي فيهم وهو كهل ويافع
سما بي أوس في السماء وحاتم
وزيد القنا والأثر مان ورافع
وكان إياس ما إياس وعارق
وحارثة أوفى الورى والأصامع
نجوم طواليع جبال فوارع
غيوث هوامع سيول دوافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم
لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكن
لها راحة من جودهم وأصابع؟
إذا طيئ لم تطو منشور بأسها
فأنف الذي يهدي لها السخط جادع([309])
ومن فخره أيضاً:
وهل خاب من جذماء في ضنء طيئ
عدي العديين أو عمرو!؟
لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت
وبطنانها منه وظهرانها تبر
مقاماتنا وقف على الحلم والحجى
فأمردنا كهل واشيبنا حبر
كأن عطايانا يناسبن من أتى
ولا نسب يدنيه منا ولا صهر
إذا زينة الدنيا من المال أعرضت
فأزين منها عندنا الحمد والشكر
لينجح بجود من أراد فإنه
عوان لهذا الناس وهو لنا بكر
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى
بها القطر شأواً قيل ايهما القطر!
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى
فليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلا بالجود بعد افتراقها
إلينا كما الأيام بجمعها الشهر([310])
الغزل والنسيب:
لا ريب في أن هذا الباب في ديوان أبي تمام أدنى فنونه مرتبة عن مستوى مديحه إذ لم يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له التافه اليسير خلال القصائد على حد تعبير ابن رشيق.
وقد يطول تعبنا، ويعز طلبنا، إذا حاولنا التماس عاطفة صادقة في الغزل الذي كان أبو تمام يوطئ به مدائحه وتهانيه. فهذا الغزل لم يأتِ به الشاعر تلبية لهمسات فؤاده، وإنما جاء به إرضاء لنزعات نفسه إلى التقليد، فإذا هو يقف على الطلول، ويسلم على الديار، ويبكي على الرسوم، ويستنطق الآثار، ويذكر عرائس الشعر اللائي شبب بهن المتقدمون.
وهذا الغزل جاف في أكثره، جاف في معانيه. وإذا عثرت فيه على تشبيب حسن يرضيك، فما تعثر على شعور رقيق يؤثر فيك. وإذا كانت الصنعة قد أكسبت مديحه فخامة وإصابة مرمى، فإنها قد أفسدت وصفه وغزله في ثنايا المديح، فإنما الذي يروعك منه، تلك التشابيه والاستعارات التي قنص بها معانيه الغريبة، أما العاطفة فلا.
وأحسن الغزل ما أثار العاطفة لا ما أجهد العقل. وقد نلفي في غزله الصنعة على غرابة اللفظ وبداوة المعنى دون أن تتبين نفسية صاحبه، فهو غزل لا يصور عاطفة العاشق المحب، بل يمثل كلف الشاعر بتقليد الأقدمين، وإعجابه بمذاهب أهل الخيام وعرائس الشعر عندهم.
ولأبي تمام غزلان: مؤنث يكاد يقصره على مطالع قصائده في المديح. ومذكر لا تكاد ترى سواه في باب الغزل عنده، فهو إذن إن تكلف الغزل أتى به مؤنثاً لقبح الغزل بالمذكر في المدائح، وإن جرى على هواه أكثر من الغزل بالمذكر حتى تنكر أن يكون سبيله غير ذلك، وكيفما قلبت في غزله الخالص، فلا ترى فيه سوى شهوة تحرقه يود أن لو يطفئها عند كل حبيب.
هذا ولم يعرف أبو تمام بحبيبة لها اسم معين، ولا عرفت له من لها اسم معين. وكذلك نجد في غزله المذكر، بضعة أسماء له نحو أصحابها عاطفة عارضة لا تلبث أن تستقر حتى تنتقل ثائرة تبحث عن لهو جديد.
على أن لأبي تمام غزلاً غير هذا يصور عاطفته أصدق تصوير، وهو الذي تجده في ديوانه مقطعات صغيرة منها بيتان، ومنها أربعة، وقلما زادت كبراها على ستة. فهذه المقطعات إن هي إلا زفرات مشتعلة، تتقد بها نفس الشاعر المستهام، فترى منه محباً شديد الغيرة على محبوبه يتلظى غيظاً إذا زاحمه فيه مزاحم.
وفي هذا النوع من الشعر ترق ألفاظه، وتلطف معانيه، ويقل تكلفه لاقتصاده في طلب الصنعة يقول:
أغار عليك من قبلي
وإن أعطيتني أملي
واشفق أن أرى خديك
نصب مواقع القبل([311])
ويقول:
بؤس قلبي كيف ذلا
صار للقسم محلا
لم أكن أخشى الذي كان
وقد كنت مخلا
ذبت حتى ما أرى لي
في مرآة الشمس ظلا
صفح الله لمن ظلمني
يظلمني فيما استحلا([312])
بل أن بعض أبياته الغزلية جرت على كل شفة ولسان من مثل البيتين الأخيرين في المقطوعة التالية:
البين جرعني نقيع الحنظل
والبين أثكلني وإن لم أثكل
ما حسرتي إن كدت أقضي إنما
حسرات قلبي أنني لم أفعل
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه دوماً لأول منزل([313])
ولم يتعهر في هذا الغزل إلا قليلاً. ذلك بأن أخلاق الطائي تأبى المجاهرة بالخلاعة، وتؤثر الترصن والوقار. غير أنه لم يشذ عن خطة معاصريه في التذلل للمحبوب وإظهار العبودية له:
ملك جار إذ ملك
ليس يرثي لمن هلك
هتكت ستر خلوتي
كف حبيبك فأنهتك
يا مليكاً إذا بكى
عبده في الورى ضحك
لي من الحزن مثل ما
من بديع الجمال لك([314])
العتاب والهجاء:
كان أبو تمام يضن بشعره أن يذهب ضياعاً فما ينال به جائزة، فكان إذا أبطأ عليه ممدوحه، عاتبه متلطفاً، وذكره القصائد التي مدحه بها. ولكنه في الأعم الأغلب لا يلحف في عتابه، ولا يهدد، بل يؤنب ممدوحه تأنيباً لطيفاً، ويظهر له منزلة شعره في شيء من الترفع والأباء، ويطعن في شعر غيره فيجعله خسيساً مرذولاً.
يعاتب أبا دلف فيقول:
أبا دلف لم يبق طالب حاجة
من الناس غيري والمحل جديب
يسرك أني أبت عنك مخيباً
ولم ير خلق من جداك يخيب
وإني صيرت الثناء مذمة
وقام بها في العالمين خطيب
فكيف وأنت السيد العالم الذي
لكل أناس من نداه نصيب([315])
ومن أبيات له يعاتب فيها أبا سعيد:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها
جعلت المنع منك لها عقالاً
فأين قصائد لي فيك تأتي
وتأنف أن أهان وأن أذالا
من السحر الحلال لمجتنيه
ولم أر قبلها سحراً حلالا
فلا تكدر قليبك لي فإني
أمد إليك أمالاً طوالا
وفر جاهي علي فإن جاهاً
إذا ما غب يوماً صار مالاً([316])
لكن إذا ما قنط من نوال ممدوح يعاتبه، انقلب إليه بهجوه. وقد تناول الشاعر بهجائه نحو عشرين شخصاً كان قد مدحهم، منهم عياش بن لهيعىة، وقد اختصه باثنتي عشرة قطعة، قال واحدة منها بعد موته.
ومنهم أبو المغيث الرافقي هجاه بخمس مقطعات، وله قطعة في مالك بن طوق، وأخرى في صالح بن عبد الله الهاشمي، وثالثة في إسحاق بن إبراهيم المصعبي. وقيل إنه عرض بهجاء أحد بني حميد، ولم يصرح بهجائه لمدحه إياه ولأنه طائي([317]).
ومهما يكن من أمر فإن أبا تمام لم يعن بالهجو السياسي، لأنه كان علوي النزعة، مقرباً من العباسيين. فامتنع عن الهجاء لدوافع سياسية. وكان عظيم الحظوة عند الأمراء، وأكثرهم من الموالي فأقصر عن هجاء الشعوبية، والرد على شعرائها الذين أفحشوا في تعبير العرب.
واقتصر على هجاء الشعراء الذين تعرضوا له حسداً، فعابوا شعره ورموه بالسرقة والانتحال. واقتصر أيضاً على هجاء طائفة من الفتيان الذين صحبوه ثم ملوا صحبته، فندد بهم، ونشر مخازيهم، وجاء هجوه لهم مفعماً بالغيرة الخانقة وحب الاستئثار.
وهجاؤه في جملته غير بريء من التعهر وانتهاك الحرمات([318]). وهو إلى ذلك سهل الألفاظ، قليل التكلف، عاطفي، يجري مع الطبع.
ولا نظن أن أبا تمام قد نال بهجائه منالاً قريباً أو بعيداً، فبعض شعره في هذه الناحية عادي، وسائره أدنى مرتبة.
فهو لم يتبع في سبيل ذلك طريقاً معروفاً يصل به إلى غايته كما فعل ابن الرومي، ولم يعمد إلى ما يترك هجاءه أعلق بالقلب، وألصق بالنفس، واسرع إلى الحفظ، ولا بلغ به من الحقيقة والمرارة ما يوجع حقاً لكنه قد يوفق في القليل النادر إلى هجاء يطويه على تهكم صريح، ومعان قريبة، وصور بارعة من مثل قوله في هجاء عياش:
صدق أَلِيَّتَه إن قالا مجتهداً
«لا والرغيف» فذاك البر من قسمه!
فإن هممت به فافتك بخبزته
فإن موقعها من لحمه ودمه!
قد كان يعجبني لو أن غيرته
على جَرَادِقِه كانت على حُرْمِه([319])!
الوصف
يأتي الوصف في شعر أبي تمام بإحدى طريقتين، بعضه مستقل بقصائد وأراجيز ومقطعات، وبعضه الآخر مبثوث في المدائح وسائر الأغراض الشعرية.
أما موضوعات وصفه فهي عديدة متنوعة. فقد وصف شاعرنا الحرب، والخيل، والإبل، والنساء، والغلمان، والشيب واحتضار الميت، والطبيعة، والشراب، وأفاض من ذكرها جميعاً.
لكن وصفه يبدو عليه أحياناً شيء من الجمود والانقباض، فما تدفعك صوره إلى الانجذاب معها في الخيال الفسيح.
قال يصف غمامة ممطرة:
لما بدت للأرض من قريب
تشوفت لو بلها السكوب
تشوف المريض للطبيب
وطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب
وخيمت صادقة الشؤبوب
فقام فيها الرعد كالخطيب
وحنت الريح حنين النيب
لذيذة الريف مع الصبيب
كأنما تهمي على القلوب([320])
فوصفه هنا حقيقة، ولكن بلا ألوان جذابة، ولا صدق في النقل عن الطبيعة، ويعود ذلك إلى أن الشاعر يغوص في عباب معقوله، أكثر مما يحلق في سماء مخيلته، ويسرف على الغالب في استعمال الغريب وأوجه البديع، حتى تجف صوره وتجفو، وتفقد كل حركة وحياة، أما الأوصاف التي يجيدها شاعرنا، فأوصاف المعارك والحروب.
هناك تشعر أن شعور أبي تمام يغمرك، ويستولي عليك، فتتصل نفسك بنفسه، ولا بدع بالتالي إن وصف أبو تمام معركة عمورية، وأجاد، فلقد شاهدها بنفسه، وكانت شاعريته فيها لا تقل عن بطولة المعتصم في خوض غمارها. وهذا هو شأنه في كل معنى من معاني البطولة.
يقول في مدح أبي سعيد:
كل حال تلقاه فيها ولكن
ليس يلقى في حالة مذموماً
وإذا كان عارض الموت سحا
خضلاً بالردى أجش هزيما
في ضرام من الوغى واشتعال
تحسب الجو منهما مهموماً
واكتست ضمر الجياد المذاكي
من لباس الهيجا دماً وحميماً
في مكر تلوكها الحرب فيه
وهي مقورة تلوك الشكيما([321])
فإذا تأملت هذه الأبيات أيقنت أنك ترى تلك الجياد تخوض الغمار أمام عينيك، وقد ضاقت حومة الوغى بالفرسان، وصبر الفريقان، والموت يتناول الأبطال، وإن أبا سعيد ليس يلقى في حالة مذموماً، وهذه المعاني جميعها سيعيدها أبو الطيب في مدحه لسيف الدولة عندما يخاطبه بقوله:
وحالات الزمان عليك شتى
وحالك واحد في كل حال
أو بقوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
وخلاصة القول إن الوصف الوحيد الذي أبدع فيه شاعرنا هو وصفه للمعارك، والجيوش، وما يخلفه القتال من خراب ودمار، أو بتعبير أدق وصفه لكل ما يدور في فلك شعر الحماسة. وكان في هذا المجال أيضاً خير ممهد لأبي الطيب.
الوعظ والزهد:
لم يتنسك أبو تمام كما تنسك غيره من الشعراء، ولا عرف الزهد إلى نفسه سبيلاً. وإذا رأينا في نتاجه شعراً في الزهد فذلك لأن الشاعر القديم كان ينظم في كل الأغراض الشعرية المعروفة من جهة، ولأن شاعرنا كان ككل خاطئ ابتلي بالمعاصي، تمر به ساعات خوف وندم، فتتمثل له الآخرة وعذابها، فتطير نفسه شعاعاً، فيفزع إلى ربه مستغفراً متندماً، ويقف من نفسه موقف الواعظ الحكيم، فيؤنبها على استهتارها وغفلتها، ويذكر الموت والفناء والعذاب.
رغم أنه لم يبلغ السن التي تلجئ الإنسان إلى أن يحاسب نفسه على أعماله السالفة، فقد مات في أوائل كهولته، أو في أواسطها على أكبر تقدير. ولم نعلم عارضاً اتفق لأبي تمام يدفعه إلى الزهد كما كان شأن أبي نواس.
ومهما يكن من أمر فليس له شعر كثير في الزهد، لأن هذا النوع لم يكن من طلباته، وإنما كان يعرض له على كره منه، فينظمه خاضعاً لتأثير نفساني طارئ لا يلبث أن يزول.
ويبدو هذا التأثير عظيماً عندما تسمعه يتمنى أن يصبح بعد موته رفاتاً محضاً، لا نفس له خالدة في نعيم أو جحيم:
ألم يأن تركي لا علي ولا ليا
وعزمي على ما فيه إصلاح حالياً؟
أقول لنفسي حين مالت بصغوها
إلى خطرات قد نتجن أمانيا
هبيني من الدنيا ظفرت بكل ما
تمنيت أو أعطيت فوق أمانيا
أليس الليالي غاصباتي بمهجتي
كما غصبت قبلي القرون الخواليا؟
ومسكنتي لحداً لدى حفرة بها
يطول إلى أخرى الليالي ثوائياً؟
كما أسكنت ساماً وحاماً ويافثاً
ونوحاً ومن أضحى بمكة ثاوياً!
فقد أنست بالموت نفسي لأنني
رأيت المنايا يخترمن حياتيا
فيا ليتني من بعد موتي ومبعثي
اكون رفاتاً لا علي ولا ليا
ولكنه حسن الإيمان بالله. شديد الأشكال عليه، فإذا الخوف والرجاء يعتلجان في قلبه:
أخاف الهي ثم أرجو نواله
ولكن خوفي قاهر لرجائيا
ولولا رجائي واتكالي على الذي
توحد لي بالصنع كهلاً وناشيا
لما ساغ لي عذب من الماء بارد
ولا طاب لي عيش ولا زلت باكيا
على أثر مما قد كان مني صبابة
ليالي فيها كنت لله عاصيا
فإني جدير أن أخاف وأتقي
وإن كنت لم أشرك بذي العرش ثانيا
وأدخر التقوى بمجهود طاقتي
وأركب في رشدي خلاف هوائيا([322])
وفي البيتين الأخيرين يبدو لنا الشاعر كبير الذنب، ولكنه صادق في عقيدته، مخلص لإسلامه.
الحكمة:
ليس لأبي تمام شعر خاص بالحكمة، وإنما كان يبث حكمه في قصائده على اختلاف أغراضها، وكانت كتب الفلسفة والمنطق قد نقلت عن اليونانية، واطلع عليها الناس فشغفوا بها، فسبق أبو تمام الشعراء إلى الاستفادة منها، فغاص على معانيها الدقيقة، واستخرجها من أبعد أغوارها، وجعل المنطق له إماماً، فأكثر من الأخذ بالادلة العقلية، وأرسلها حكماً وأمثالاً، حتى روى له ما يربي على مائتي بيت.
يستمد أبو تمام حكمته من مصادر ثلاثة: علمه وسعة اطلاعه، كثرة تجواله ورحلاته، وثقافة عصره.
أما علمه وسعة اطلاعه فقد مكناه من أن يجيل فكره في تراث الأولين وآراء الشعراء فيستخرج أحسنها، أو يصقل بعضها، أو يشتق منها نواحي جديدة، من أجل ذلك كتب الآمدي فصلاً كبيراً في الموازنة خصه لما اسماه سرقات أبي تمام([323]).
وبعض حكم أبي تمام تجري مجرى الأمثال، ولعل الأبيات التي تضرب أمثالاً من شعر أبي تمام لا تقل في عددها عن الأبيات التي تضرب أمثالاً من حكم المتنبي.
وأما حكمه المستمدة من ثقافة عصره فكثيرة الصنعة، كثيرة التكلف، لا يفهمها إلا النحاة، أو الفقهاء، أو العلماء، أو الفلاسفة، ومن أجلها، ومن أجل أمثالها، كان يتهم بقول ما لا يفهم كقوله في الخمر مضمناً إشارة نحوية:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها
كتلاعب الأفعال بالأسماء
وقوله في العطاء، وفيه إشارة إلى آي من القرآن الكريم:
الود للقربى ولكن عرفه
للأبعد الأوطان دون الأقرب
وعندي أن هذه لا تدعى حكمة ولكنها محاولة شاعر شهد الثقافات المختلفة من عربية إسلامية أو فارسية ويونانية وهندية، فأراد أن يقيد معرفته لها بأبيات شعره، فكان يضربها أمثالاً، فيوفق حيناً، ويجانبه التوفيق حيناً آخر([324]).
غير أن أحسن أقواله في الحكم واختراعه في المعنى قوله الذي اكتسبه من اختباره الخاص، لا من الثقافات الشائعة، والذي ساقه في ألفاظ فصيحة وتراكيب سهلة جداً، بالإضافة إلى أسلوبه العام، فأكسبه بذلك سيرورة على الألسن:
ـ وإذا أراد الله نـــشر فــضيـــلـــــة
طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف طيب عرف العود
ـ وطول مقام المرء في الحي مخلق
لديباجتيه، فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة
إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
ـ لا تنكري عطل الكريم من الغنى
فالسيل حرب للمكان العالي
وتنظري خبب الركاب ينصها
محيي القريض إلى مميت المال
ـ ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي
ـ وإذا رأيت من الهلال نموه
أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً
ـ ينال الفتى من عيشه وهو جاهل
ويكدي الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تأتي على الحجى
هلكن إذن من جهلهن البهائم
ـ أولى البرية حقاً أن تؤاسية
وقت السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
من كان يألفهم في الموطن الخشن
وحكم أبي تمام في جملتها قائمة على المواعظ الأدبية، والنظر في أخلاق الناس، وتعظيم العقل، وذم الزمان لانه يشقى به العاقل وينعم الجاهل.
وإذا شئنا أن نستخلص رأياً خاصاً بالحياة، فبوسعنا أن نحصره في دائرة صغيرة ألا وهي الصبر، ومصانعة الأيام ومداورتها، والاغتراب طلباً للرزق ومحاربة الفقر.
فمن ذلك قوله:
ما يحسم العقل والدنيا تساس به
ما يحسم الصبر في الأحداث والنوب
الصبر كاس وبطن الكف عارية
والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
وهذان البيتان يظهران اعتماد الشاعر على الصبر في مصانعة الأيام، ويظهران حبه للمال وتعظيمه له. فإنه على شدة إجلاله للعقل يراه ضائعاً ما لم يكسه المال ويحفظه من الضياع. وحب المال جعل الشاعر يؤثر الاغتراب في طلبه. فتنقل بين الولايات، وتكسب من مدح الأمراء.
ومهما يكن من أمر فقد بلغت النزعة الحكمية في شعر أبي تمام حداً دفع بعضهم إلى القول: المتنبي وأبو تمام حكيمان وأما الشاعر فهو البحتري!!!
نموذج من شعره
السيف أصدق أنباء من الكتب!
في حده الحدّ بين الجدّ واللعبِ
بيض الصفائح، لا سود الصحائف، في
متونهنَّ جلاء الشك والريب
والعلم في شُهُب الأرماح، لامعة،
بين الخميسين، لا في السبعة الشهب([325])
أين الرواية؟ بل اين النجوم، وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟
تخرُّصاً، وأحاديثاً ملفَّقة؛
ليست بنبع، إذا عُدت، ولا غرب([326])
عجائباً، زعموا الأيام مجفلة
عنهنَّ، في صفر الأصفار، أو رجب([327])
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة،
إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذنب
وصيروا الأبراج العليا مرتبة،
ما كان منقلباً، أو غير منقلب([328])
يقضون بالأمر عنها، وهي غافلة؛
ما دار في فلك، منها، وفي قُطُب
لو بينت قط أمراً، قبل موقعه،
لم تُخفِ ما حل بالأوثان والصُّلُب
فتحُ الفتوح، تعالى أن يحيط به
نظم من الشعر، أو نثر من الخطب
فتحٌ، تفتَّحُ أبواب السماء له؛
وتبرز الأرض في أثوابها القُشب
يا يوم وقعة عمورية انصرفت
مِنكِ المنى حُفَّلاً مَعْسُولَةَ الحَلَبِ([329])
أبقيتَ جَدَّ بني الإسلام في صُعُدِ
والمشركين ودار الشرك في صَبب([330])
أُم لهم، لو رجوا أن تُفتدى، جعلوا
فداءها كلَّ أُم بَرّة وأَب
وبرزة الوجه، قد أعيت رياضتُها
كسرى، وصدّت صُدوداً عن أبي كرب([331])
من عهد اسكندر، أو قبل ذلك، قد
شابت نواصي الليالي، وهي لم تشِب
بكر، فما افترعتها كفُّ حادثة
ولا ترقت إليها هِمَّة النُّوب
حتى إذا مخض الله السنين لها
مخض البخيلة، كانت زبدة الحقب([332])
أتتهم الكربة السوداء سادرة
منها، وكان اسمها فراجة الكُرب([333])
حرى لها الفأل نحساً، يوم أنقرة،
إذ غودرت وحشة الساحات والرُّحب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت،
كان الخراب لها أعدى من الجرب
كم بين حيطانها من فارس بطل،
قاني الذوائب من آني دم سرب([334])
بسُنة السيف والخطي، من دمه،
لا سنّة الدين والإسلام، مختضب
لقد تركت، أمير المؤمنين، بها
للنار يوماً ذليل الصخر والخشب
غادرت فيها بهيم الليل، وهو ضحى،
يشلّه وسطها صبحٌ من اللهب([335])
حتى كأن جلابيب الدجى رغبت
عن لونها، أو كأن الشمس لم تغب
ضوءٌ من النار والظلماء عاكفةٌ؛
وظلمة من دُخان في ضحى شحب([336])
فالشمس طالعة من ذا، وقد أفلت؛
والشمس واجبةٌ من ذا ولم تجب([337])
ما ربَع مَيَّة، معموراً، يُطيف به
غيلانُ، أبهى ربى من ربعها الخرب([338])
ولا الخدود، وقد أُدمين من خجل،
أشهى إلى ناظري من خدّها الترب([339])
سماجة غنيت منا العيونُ بها
عن كل حسن بدا، أو منظر عجب
وحسن مُنقلب تبدو عواقبه،
جاءت بشاشته عن سوء منقلب
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت
له المنية، بين السُّمر والقُضب!
تدبير معتصم، بالله منتقم،
لله مرتقب، في الله مرتغب
ومُطعم النصل لم تكهم أسنته
يوماً، ولا حُجبت عن روح مُحتجب([340])
لم يغزُ قوماً، ولم ينهض إلى بلد،
إلا تقدّمه جيش من الرُّعب
لو لم يقد جحفلاً يوم الوغى، لغزا،
من نفسه، وحدها، في جحفل لجب
رمى بك الله برجيها فهدمها؛
ولو رمى بك غير الله، لم يُصب
من بعد ما أشَّبوها، واثقين بها
والله مفتاح باب المعقل الأشب([341])
وقال ذو أمرهم : لا مرتع صدد
للسارحين، وليس الورد من كثب([342])
أمانياً، سلبتهم نجح هاجسها
ظُبى السيوف، وأطراف أقنا السُّلُب([343])
إن الحمامين: من بيض ومن سُمُر،
دلوا الحياتين: من ماء، ومن عشب
لبيت صوتاً زبطرياً، هرقت له
كأس الكرى، ورضاب الخرد العُرُب([344])
عداك حر الثغور المستضامة عن
برد الثغور، وعن سَلسالها الحصب([345])
أَجبتَه مُعلناً بالسيف، منصلتاً؛
ولو أجبت بغير السيف، لم تُجب
حتى تركت عمود الشرك منقعراً
ولم تعرج على الاوتاد والطُّنّب([346])
لما رأى الحرب رأي العين تَوفِلسٌ،
والحرب مشتقة المعنى من الحرَب([347])
غدا يصرف بالأموال خزيتها؛
فعزّه البحر ذو التيار والعَبَب([348])
هيهات، زُعزعت الأرض الوقور به
عن غزو محتسب، لا غزو مكتسب([349])
لم يُنفق الذهب المربي بكثرته
على الحصى، وبه فقر إلى الذهب([350])
إن الأسود، أُسود الغاب، همتها،
يوم الكهرية، في المسلوب، لا السلب
ولّى، وقد ألجم الخطي منطقه،
بسكته تحتها الأحشاء في صَخَب([351])
أحسى قرابينه صرف الردى، ومضى
يحث أنجى مطاياه من الهرب([352])
موكّلاً بيفاع الأرض، يُشرفه
من خفة الخوف، لا من خفة الطرب([353])
أن يعدُ من حرّها عدو الظليم، فقد
أوسعت جاحمها من كثرة الحطب([354])
تسعون ألفاً، كآساد الشرى، نضجت
جلودهم قبل نضج التين والعنب([355])
يا رب حوباء، لما اجتثَّ دابرهم
طابت؛ ولو ضُمخت بالمسك، لم تطب([356])
ومُغضب، رجعت بيض السيوف به،
حيَّ الرضى، عن رداهم، ميّت الغضب
والحرب قائمةٌ في مأزق لجب،
تجثو الرجال به، صُعراً، على الرُّكب([357])
كم نيل، تحت سناها، من سنى قمر!
وتحت عارضها، من عارض شنب([358])
كم كان في قطع أسباب الرقاب، بها،
إلى المخدّرة العذراء من سبب([359])
كم أحرزت قضب الهندي، مصلتة،
تهتز من قُضُب، تهتز في كثب([360])
بيضٌ إذا انتضيت من حُجبها، رجعت
أحق بالبيض، أبداناً، من الحجُب([361])
خليفة الله، جازى الله سعيك عن
جرثومة الدين، والإسلام، والحسب
بُصرت بالراحة الكبرى، فلم ترها
تنال إلا على جسر من التعب
إن كان بين صروف الدهر من رحم
موصولة، أو ذمام غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها،
وبين أيام بدر، أقربُ النَّسب
تعتبر هذه القصيدة من أشهر قصائد أبي تمام، إن لم تكن أشهر قصائده على الإطلاق. ولا تقل شهرة المناسبة التي قيلت فيها هذه القصيدة عن شهرة القصيدة بحد ذاتها. وقد سبق لنا أن ذكرنا شيئاً عن تلك المناسبة.
نعود فنذكر بأن ملك الروم خرج بمائة ألف فبلغ زبطرة فقتل من الرجال، وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، وقتل بمن صار في يده من المسلمين، وسمل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم فخرج إليه أهل الثغور من الشام والجزيرة، إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح.
يصف المسعودي تأثير ذلك على الناس فيقول: فضج الناس في الأمصار، واستغاثوا في المساجد والديار. فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم فأنشده قائماً قصيدة طويلة يصف فيها ما نزل (بزبطرة) ويحضه على الانتصار، ويحثه على الجهاد، منها:
يا غيرة الله قد عاينت فانتقمي
تلك النساء وما منهن يرتكب
هب الرجال على أجرامها قتلت
ما بال أطفالها بالذبح تنتهب([362])
ويقول ابن الأثير: وبلغه (المعتصم) أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك، لبيك. ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير، النفير، ثم ركب دابته، وسمط خلفه شكالاً، وسكة حديد، وحقيبة فيها زاده.
وبلغ من ثورة نفسه وعزيمته على التضحية أنه استحضر القضاة والشهود، فأشهدهم أنه قد وقف أملاكه وأمواله أثلاثاً: ثلثاً لله تعالى، وثلثاً لولده وأقاربه، وثلثاً لمواليه.
ويذكر بعضهم أنه سأل قواده: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل عمورية، لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عين الروم وأشرف عندهم من القسطنطينية.
وإن ملك الروم لما عرف مقصد المعتصم عمورية «أوفد من قبله وفداً إلى المعتصم يقول: إن الذين فعلوا بزبطرة ما فعلوا تعدوا أمري. وأنا أبنيها بمالي ورجالي، وأورد من أخذ من أهلها، وأخلي جملة من في البلد للروم من الأساري، وأبعث إليك بالقوم الذين فعلوا بزبطرة على رقاب البطارقة».
كما يقال أنه لما اعتزم فتحها قال له المنجمون: إنا نجد في كتبنا أنها لا تفتح هذه الأيام، فلم يعبأ بهم، سار إلى فتاحها ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاون البطريق منها، وسلمها إليه، وأسر فيها البطريق الكبير وهو ياطس وقتل فيها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ويحرق([363]) ….
وقد سار أبو تمام في صحبته كما يقول صاحب الفخري فجاءت قصيدته لا تقل روعة عن روعة المعركة. خاصة وأنها لم تخرج على قاعدة طالما اتبعها في شعره وهي وصف ما رأى بعينه وما سمع بأذنه وجعل فنه خادماً للواقع من غير خروج عليه أو تزييف فيه.
فأنت لا تكاد تبحث عن حادثة تاريخية ذكرها المؤرخون حول هذا الموضوع إلا وجدتها في القصيدة محكية في أجمل أسلوب وأروع عبارة.
إن قصيدة فتح عمورية ترينا كيف تطورت قصيدة المديح في العصر العباسي، وكيف أخذت تستوعب عناصر الثقافات المختلفة من عربية وإسلامية وفارسية ويونانية وتحولها إلى زخرف عقلي جديد.
كما أنها اشتملت على أبرز ما يميز شعر أبي تمام بوجه الإجمال كتمازج الثقافات، والغوص على المعاني المبتكرة، والمعالجة العقلية للموضوعات، والإسراف في المزينات البديعية من لفظية ومعنوية، والجنوح إلى الإغراب في الألفاظ والصور، والمزاوجة الموفقة بين الحس والعقل، والبقاء ضمن نطاق الطبع على الرغم من الإغراق في التزيين.
الدكتور محمد حمود
الحمدانيون([364]*)
جد الحمدانيين الذين ينتسبون إليه هو حمدان بن حمدون التغلبي. وكان له ثمانية أبناء هم: أبو الهيجاء عبد الله والد سيف الدولة، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو العلا سعيد والد أبي فراس، وأبو الوليد سليمان، وأبو السرايا نصر، وعلي، وأبو علي الحسين، وأبو سليمان المزرفن.
وفي قلعة منيعة ببلدة ماردين من أعمال الموصل، وفي باكورة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، كانت السيادة لحمدان بن حمدون، وكان حمدان يخرج بين الحين والحين للجهاد ومحاربة الروم، وكثيراً ما توغل في أرضهم لمسافات طويلة، يحرر الثغور ويجدد بناء أسوار حصونها ويحميها، حتى إنه بنى سوراً على «ملطية» كلفه سبعين ألف دينار.
وكان صاحب أماني وأطماع يعمل جاهداً للوصول إليها غير أن اسمه لم يظهر على مسرح الحياة السياسية للدولة العباسية إلا سنة 254هـ حينما قام رجل من الخوارج اسمه مساور بن عبد الحميد الشاري فاستولى على الموصل فيتصدى له الحسن بن أيوب التغلبي يشد من أزره حمدان بن حمدون، ويلتحما معه في معركة لم ينتصرا فيها.
ومنذ ذلك الوقت يبدأ اسم حمدان في الظهور، فلا تكاد معركة حربية تجري في منطقة الموصل إلا ويكون شريكاً فيها، منتصراً تارة ومنهزماً أخرى.
ولكن حمدان يتحين الفرصة للزعامة، ولا يكاد يتركها تفلت منه، فيتحالف مع أعداء الأمس من الخوارج، ويدخل مدينة الموصل فاتحاً مع حليفه الجديد هارون الشاري الخارجي، ويصلي بهم الشاري إماماً في مسجدها الكبير، وتطول فترة الحلف مع الخارجي فيخوض في صفه أكثر من معركة ويربح له أكثر من نصر، كان أهمها جميعاً هزيمة بني شيبان حينما حاولوا دخول الموصل ومطاردتهم وتملك ديارهم.
غير أن حالة الموصل تقض مضجع الخليفة في بغداد. وخرج حمدان على حظيرة الخلافة تزيد الأمور خطراً، فيخرج الخليفة المعتضد بنفسه عامداً لحمدان بن حمدون في الموصل سنة 281هـ فيستردها، ويحتل قلعة ماردين مقر ابن حمدون، وينقل ما بها من خيرات ويهدمها، ولا يزال حمدان يفر من بلد إلى بلد حتى تضيق به السبل بعد أن عجزت قلاعه عن حمايته، فلا يجد بداً من أن يذهب إلى خيام المعتضد مسلماً نفسه، فيوضع في السجن حتى ينتصر ولده الحسين على هارون الشاري فيطلق الخليفة سراح أبيه مكافأة له.
وبدأ نجم ولده الحسين يلمع كسيف من سيوف الخلافة، يخوض المعارك فلا يكاد ينهزم في واحدة إلا لكي ينتصر في عشر بعدها.
وفي ذلك الوقت تفزع الخلافة بغارات القرامطة، فيقذف الخليفة هؤلاء بالحسين بن حمدان، فطاردهم في الشام وقتل زعيمهم صاحب الشامة الذي كان قد جبى الخراج من دمشق ولقب نفسه بأمير المؤمنين.
ويحتل القرامطة الأردن فيتجه الحسين إليهم ولا يكادون يشعرون به حتى يفروا إلى السماوة، ويحاصر بنو تميم حلب فيردهم عنها.
ويخرج الطولونيون على الخلافة فيسير الخليفة إليهم الحسين وإخوته، فيضرب الحسين قائد الطولونيين بعنف ويقتله ويطارد فلول جيشهم حتى الأراضي المصرية ويدخل مصر ويلي أمرها فلا يعجبه المقام فينصرف غانماً.
ويتجه الحسين إلى فارس فاتحاً فيعجب أهلوها بشجاعته، ويبذلون له مئات الآلاف من الدنانير لكي يقيم بينهم، ولكنه لأمر ما رفض الإقامة في مكان واحد حتى يكون قريب الصلة ببغداد، ويلي أمر حلب فترة من الوقت ثم يتركها راضياً أو كارهاً ويحكم ديار ربيعة فترة من الزمن، ويعيش في كل تلك الأماكن كما يعيش الملوك، له فرسانه وسلاحه وقصوره، يقصده الشعراء ممتدحين فيفيض عليهم.
يتابع الحسين بن حمدان مجريات الأمور في عاصمة الخلافة، إنه لم يكن قائد جيش وحسب، ولكنه كان بالإضافة إلى ذلك صاحب رأي في السياسة ومشاركة فيها، ولذلك لا نلبث أن نفاجأ به يشترك مع بعض القواعد في خلع الخليفة المقتدر سنة 296هـ وتنصيب ابن المعتز خليفة على المسلمين، غير أن الأمر لا يستقيم للخليفة الجديد فيعزل ويقتل في فترة قصيرة، ويعود المقتدر إلى دست الخلافة.
ويطلب ابن حمدان ومن قام بعزله، فيفر الحسين من وجه الخليفة الذي يحاول أن يستعين عليه بأخيه أبي الهيجاء، وأخيراً يتشفع له الوزير ابن الفرات فيعفو الخليفة عنه ويعود الفارس إلى بغداد ليقضي فيها بعض الوقت ثم يعين بعد ذلك والياً على قم وقاشان في إيران.
ولم يكن الحسين بن حمدان الوحيد بين إخوته في الشجاعة والفتوة، فقد كان لكل واحد منهم طابعه الخاص في الجرأة وخوض الغمار والاستئثار بالنصر، فكانت وقائع داوود كثيرة أهمها معركته مع بني عامر بن صعصعة وطيء حينما أوقع بهم هو وأخوه أبو الهيجاء وهزماهم شر هزيمة في طريق الحج.
وأما سليمان بن حمدان بن حمدون، فكان يعتبر ـ بعد أبيه ـ شيخ بني حمدان، وكان جريء القلب صبوراً على الحرب عالي الشأن في المعامع ولذلك سمي «بالحرون».
ومن أبناء حمدان، أبو العلاء سعيد، والد الشاعر الأمير الفارس أبي فراس، وكان ملازماً مجلس الخليفة المقتدر مكيناً عنده، وكان شأنه في الشجاعة والحرب شأن إخوته، فحينما هوجم المقتدر في قصره من الجنود الشاغبة، كان أبو العلاء على غير أهبة للقتال، إلا أن الخليفة استنجد به ودفعه إليهم وأمره بقتالهم، فأخذ يضرب فيهم وقد أثخنوه بالجراح، كما كانت له وقعة أخرى مع الجند والقواد في دار الوزير ابن مقلة.
وكما حارب سعيد في دار الخلافة وناضل في دار الوزير ابن مقلة، فإنه حارب أيضاً في الصحراء والنجود، وحارب بني سليم وقد تعرضت للحجاج، وكان سعيد يحج في تلك السنة فأوقع بالمعتدين.
ومن مواقعه المشهورة معركته مع بني عقيل في موضع من نجد يقال له «سرح» فأنزل بهم هزيمة منكرة، وكان طبيعياً أن يفخر به ولده الشاعر النابه أبو فراس في معرض فخره بأعمامه وأجداده قائلاً:
أولئك أعمامي ووالدي الذي
حمى جنبات الملك والملك شاغر
له بسليم وقعة جاهلية
تقر بها «قيد» وتشهد «حاجر»
وأذكت مذاكيه «بسرح» وأرضها
من الضرب ناراً جمرها متطاير
شفت من «عقيل» أنفسناً شفها السرى
فهوم عجلان ونوم ساهر
وقد ولي أبو سعيد إمرة الموصل وديار ربيعة غير أن ناصر الدولة ابن أخيه قتله ليستأثر بالولاية دونه.
وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان: هو أحد السيوف البواتر التي أنجبها حمدان بن حمدون، عاش حياته كلها محارباً ثائراً شأنه شأن أخيه الحسين وكان لجرأته على الحرب يسمى أبا الهيجاء، ولي أمر الموصل أكثر من مرة وعزل أكثر من مرة، وحدث أن أغارت الأكراد على حلب وكان حديث عهد بها فطاردهم حتى أرمينية ولم يزل بهم حتى استأمنوا له.
وحج بالناس ذات مرة فهاجمت الحجيج بنو كلاب فلاحقهم أبو الهيجاء وأوقع بهم وكان معه أخوه داود.
وكما ولي حلب وديار ربيعة فقد ولي خراسان والدينور، وكانت إقامته غالباً في بغداد ومنها يحكم الإقاليم التي يلي أمرها عن طريق أبنائه أو أنصاره، ولقد ثار على الخليفة غير مرة ودخل السجن غير مرة، واشترك في خلع المقتدر سنة 317هـ غير أن الخطة فشلت فأرسل الخليفة إليه من قتله.
ولعل أبا الهيجاء يعتبر أسعد إخوته حظاً لأنه أنجب أشهر حمدانيين عرفهما التاريخ وهما سيف الدولة «علي» وناصر الدولة «الحسن».
وهناك من أبناء حمدان بن حمدون من نبه ذكرهم وإن كان التاريخ لم يفسح لهم من صدره مكاناً رحباً مثل أبي إسحاق إبراهيم بن حمدان الذي ولي ديار ربيعة سنة 307هـ وأبي السرايا نصر بن حمدان الذي اشترك مع أخيه أبي الهيجاء في خلع المقتدر ومع ابن أخيه ابي عبد الله الحسين بن سعيد في منازلة الشاري وقهره، ومنهم علي بن حمدان الذي كان عوناً لإخوته في كل ملمة.
نستطيع أن نقول إن كلاًّ من هؤلاء الأمراء الذين ذكرنا كان يريد أن ينشئ لنفسه ملكاً، وأنه كان ينتهز الفرصة لاقتناصها وتثبيت قدميه في الإمارة التي يرتجيها لنفسه ويعد العدة لتسلم عرشها.
ومن عجب أن يكون كل هؤلاء الأمراء الذين ذكرنا قد ولي أمر ديار ربيعة والموصل لفترة من حياته، بل أن بعض أفراد الأسرة قد قتلوا من أجل هذا الملك المرموق، فأبو الهيجاء حارب أخاه الحسين، وناصر الدولة قتل عمه سعيداً، وليس لذلك من تفسير أو تعليل إلا الأمل في الإمارة.
ولم يكن أمراً غريباً أن يركز كل أمير حمداني أطماعه في الموصل دون غيرها، لقد عرضت عليهم ولايات كثيرة مثل نهاوند وقم وقاشان وأرمينية وأذربيجان وخراسان ومصر فلم يرضوا بديار ربيعة والموصل بديلاً.
والواقع أنهم اختاروا الموصل لأكثر من سبب، فهي جماع عصبتهم وهي غنية بخيراتها حتى أن ميرة بغداد كانت منها([365])، هذا فضلاً عن أن المنطقة كلها من العرب المتعصبين للحمدانيين من أمثال ديار ربيعة وديار بكر وديار مضر.
على أن أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان هو الأمير الوحيد من بين إخوته الذي استقامت له ولاية الموصل أطول مدة من الزمن رغم أنه عزل عنها ثلاث مرات لكن يعود إلى إمرتها من جديد، وقتل عنها سنة 317هـ لكي يكمل بناء الملك فيها من بعده ابنه الآخر علي الذي لقّب بسيف الدولاة ملكاً مجاوراً في حلب.
إمارة الموصل
وقد تمكن أن يقنع الخليفة المكتفي بأن يوليه إمرة الموصل وأعمالها لأول مرة سنة 293هـ وهو التاريخ الذي يذهب كثير من المؤرخين إلى أنه البداية الحقيقية لدولة بني حمدان.
وإذا ما تتبعنا تاريخ إمرة أبي الهيجاء للموصل. وجدناه قد وليها ثلاث مرات منذ سنة 293هـ حتى سنة 317هـ عزل خلالها مرتين، إحداهما سنة 301 والأخرى حينما قبض عليه مع إخوته في بغداد سنة 303هـ، ويلاحظ أن فترة بعده عن الموصل بعد عزله في المرة الثالثة قد طالت بعض الوقت.
على أنه اضطر في آخر أيامه إلى أن ينيب ولده الحسن (ناصر الدولة) على الموصل، وأن يظل هو ماثلاً في بغداد.
وبرغم أن الحسن قد ولي أمر الموصل بعد أبيه، إلا أنه لم يعش يوماً واحداً مستقراً على كرسي الإمارة إلا بعد ذلك بسنوات عديدة ذلك أن الخارجين في منطقته قد كثروا بعد موت أبيه، فاضطر إلى قتالهم وملاحقتهم، وكان هؤلاء الخارجون على جانب من القوة والبطش، الأمر الذي كلف الحسن الكثير من الوقت والجهد، ولا يكاد الحسن ينتهي من القضاء على الخارجين حتى يظهر له منافس من أهله يريد إزاحته عن مكانه ليستأثر به، وبالفعل سعى عمه سعيد بن حمدان للإستيلاء على الموصل، فاستعمل الحسن معه الحيلة حتى قتله سنة 323هـ وبذلك خلا الجو للحسن الذي عرف بعد ذلك بسنين باسم ناصر الدولة، ونستطيع أن نعتبر تلك السنة هي البداية الفعلية لقيام الدولة الحمدانية في الموصل.
وكان سلطان الخليفة معطلاً أو شبه معطل منذ أن قوي النفوذ التركي في دار الخلافة، ونتيجة لذلك نشأت وظيفة جديدة لم يعرفها الخلفاء العباسيون قبل أوائل القرن الرابع هي وظيفة أمير الأمراء الذي كان يجمع في يديه كل أنواع السلطات من سياسية وعسكرية، وأحياناً يتمادى في الأمر فيصدر السكة باسمه ويخطب له على المنابر.
وكانت هذه الوظيفة قاصرة على الأتراك منذ أن وجدت، وأخذنا نسمع عن أسماء مؤنس الخادم وطريق السبكري ومحمد بن رائق وبجكم وكورتكين الديلمي، غير أن ظروف اقتناص الفرص التي تمثلت في الأمير الحمداني الذي كان يبني ملكاً في الموصل قد ساقت إليه هذه الإمارة، فأصبح ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء أول عربي يتولى إمرة الأمراء في بغداد.
دخل البريديون بغداد سنة 330هـ فاضطر الخليفة المتقي أن يلتمس لنفسه مكاناً للنجاة فلم يجد خيراً من الموصل حيث الأمير الحمداني القوي القادر على حمايته وإعادة عرشه إليه، فيمم وجهه شطرها وبرفقته أمير الأمراء أبو بكر محمد بن رائق، ولما كان الأمير الحمداني طموحاً، نزاعاً إلى توطيد ملكه، نهازاً للفرص فقد أرسل إلى ابن رائق من قتله.
ولم يشأ الأمير الحمداني أن يضيع وقتاً فاصطحب الخليفة وسار على رأس جيش كبير معقود لواؤه على أخيه الأصغر علي، وما كاد الركب يصل بغداد حتى نجا البريديون بأنفسم، وفروا أمام الجيش الحمداني، وعاد الخليفة إلى قصره آمناً مطمئناً، فأنعم على الحسن بن حمدان بلقب ناصر الدولة، وعلى أخيه علي بلقب سيف الدولة.
وفي بغداد تولى ناصر الدولة إمرة الأمراء وسكن القصور وضرب دنانير جديدة وبدأ نجمه يصعد نتيجة لانتصاره مع أخيه سيف الدولة على البريديين في عدة مواقع، ولعل من نتيجة ذلك أن زوج الخليفة المتقي ابنه أبا منصور من ابنة ناصر الدولة، وبذلك ارتفع مقام الأسرة الحمدانية إلى مقام سام سمح لهم بمصاهرة الخلفاء.
على أن أمرة الأمراء لم تطل مع ناصر الدولة الذي اضطر بعد ثلاثة عشر شهراً، ونتيجة لشغب الجنود عليه وحنينه إلى الموصل أن يترك بغداد وأن يعتزل وظيفة أمرة الأمراء متجهاً إلى مقر ولايته العتيدة.
ولكن لا يكاد ناصر الدولة وأخوه سيف الدولة يغادران بغداد حتى تسوء الحال من جديد ويشغب الأتراك على الخليفة ويمتهنون مكانته فيسارع الخليفة إلى الاستنجاد بالأميرين الحمدانيين، ولكن أمر المملكة الناشئة يشغلهما عن الخليفة وعن إجابته إلى ما أراد، ويسجل الأمير الحمداني الشاعر أبو فراس هذه الأمجاد في ملحمته الرائية قائلاً:
ففينا لدين الله عز ومنعة
وفينا لدين الله «سيف» و«ناصر»
هما وأمير المؤمنين مشرد
أجاراه لما لم يجد من يجاور
ورداه حتى ملكاه سريره
بعشرين ألفاً بينها الموت سافر
وساسا أمور المسلمين سياسة
لها الله والإسلام والدين شاكر
ويظل الأمر شبه مستتب لناصر الدولة، وتعقد بينه وبين توزون التركي معاهدة يقتسمان بمقتضاها أرض الخلافة، على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى أعالي الشام لناصر الدولة، وأعمال السن إلى البصرة لتوزون وما يفتحه من وراء ذلك، وإلا يعرض أحد منهما للآخر.
ويظن كل من ناصر الدولة وتوزون أن حالة الاستقرار هذه ستستمر طويلاً، إلا أنهما يفاجآن بأحداث تعكر هذا الصفو، حينما تتقدم جيوش الديلم الزاحفة من الشرق بقيادة معز الدولة بن بويه فتسقط بغداد في يديه سنة 334هـ ويقع الخليفة فريسة للغازي الجديد.
ينظر معز الدولة البويهي إلى مشرق الدولة الإسلامية فيجده تحت إمرته وإمرة إخوته، وينظر إلى المغرب قليلاً فيجده إمارة عربية رابضة قد تشكل خطراً عليها، وفي نشوة النصر يواصل الزحف إلى الموصل للقضاء على ناصر الدولة، ولكن ناصر الدولة يخرج بدوره لملاقاة عدوه فلا يلتقيان فيواصل كل منهما سيره، معز الدولة إلى الموصل، وناصر الدولة إلى بغداد فيدخلها ويحكمها ويقطع الخطبة عن الخليفة المطيع، وهكذا تبدو المسألة على جانب من الطرافة لأنها أقرب ما تكون إلى المبادلة بين الولايات، ثم لا يلبث الأميران العربي والديلمي أن يتصالحا ويعود كل منهما إلى عاصمته هذا إلى الموصل وذاك إلى بغداد.
على أن الاصطدام يظل قائماً بين ناصر الدولة ومعز الدولة ثم لا يلبث أن ينتهي بالتراضي بدفع الأموال أو تدخل سيف الدولة الذي كان قد بنى ملكاً خطيراً في حلب.
كان لناصر الدولة أكثر من ولد اشتهروا بما اشتهر به ذووهم من جرأة ومغامرة، وكان واحد من هؤلاء ويدعى أبا تغلب قد عرض على أبيه أن ينتهز فرصة موت معز الدولة البويهي، فينطلق إلى بغداد للثأر من ابنه عز الدولة الذي كثيراً ما قام أبوه بشن الحرب على ناصر الدولة، ولكن ناصر الدولة صاحب التجربة ومنشئ المملكة لا يقر ابنه على هذا الرأي، فيقبض الولد على أبيه ويبدأ هو بنفسه مزاولة الحكم، وفي تلك الأثناء يطير الخبر إلى حمدان بن ناصر الدولة وأخي أبي تغلب حيث كانت ولايته في الرحبة، فيهب لإنقاذ أبيه من أخيه العاق، وتجري بين الأخوين معارك عديدة تضعف بسببها منعة الدولة التي دعمها الشيخ السجين.
يموت الأمير الشيخ السجين في تلك الأثناء في سنة 358هـ ويظل الخلاف على أشده بين الأخوين، ثم لا يلبث أن يشمل جميع الإخوة مما يشجع الروم على الاعتداء على أعمال الموصل أكثر من مرة فينتصروا مرة وينهزموا أخرى.
ويعيد التاريخ نفسه مرة أخرى فيزحف عز الدولة بختيار إلى الموصل ومعه حمدان وإبراهيم أخوا أبي تغلب إلى بغداد ويدخل كل منهما بلد الآخر تماماً كما حدث بين أبويهما قبل ذلك بتسع وعشرين سنة، ويدوم الخلاف بينهما مدة لا يلبثان بعدها أن يتصالحا لما بينهما من علاقة النسب فلقد كان أبو تغلب متزوجاً من ابنة بختيار.
وتلعب يد الأقدار دورها فيغير عضد الدولة البويهي على بغداد ويقتل بختيار ويواصل زحفه إلى الموصل فيهرب منها أبو تغلب ولا يزال عضد الدولة يطارده من بلد إلى بلد، ويظل شريداً يضرب في آفاق الأرض حتى يأسره بعض رجال الفاطميين في الرملة بفلسطين، وضربت رأسه وأرسلت إلى مصر.
وبذلك انتهت دولة الحمدانيين في الموصل مبكرة على غير توقع وكان ذلك سنة 367هـ.
سيف الدولة قبل توليته حلب
ولد الأمير علي بن حمدان في ديار ربيعة سنة 351هـ وكان أبوه عبد الله بن حمدان الذي لقب لفرط شجاعته بأبي الهيجاء يلي أمر الولايات حيناً في فارس وأحياناً في الموصل على ما أسلفنا.
ثم يقتل أبوه ولم يزل الأمير لين العود فيرعاه أخوه الحسن الذي عرف فيما بعد باسم ناصر الدولة.
ويعيش الأمير الصغير بين الموصل ونصيبين وميافارقين مسقط رأسه ثم يوليه أخوه ناصر الدولة إمرة نصيبين.
وينشأ الأمير الصغير أديباً محباً للأدباء والشعراء، فيلتف حوله منهم عدد صغير في مستهل حياته لا يلبث أن يزداد مع الزمن حتى يصل إلى ما يقارب عدد شعراء الرشيد عندما تتحقق أمنياته في ملك كبير بعد ذلك بعدد عديد من السنين.
وكما نشأ الأمير أديباً، فإنه نشأ فارساً أيضاً.
ولا يكاد يبلغ سيف الدولة الخامسة والعشرين من عمره حتى ينطلق على رأس جيش كبير مقتحماً بلاد الروم (البيزنطيين).
فيخرج إليه ملك الروم في مائتي ألف مقاتل، وهو عدد لا قبل للأمير المغامر الصغير بملاقاته، فيعمل فكره ويلجأ إلى المراوغة، والتقهقر المنتظم حتى يطمع فيه الجيش المدافع، حتى إذا سحب جيش الأعداء إلى الأرض التي يريدها بين حصني زياد وسلام انقض الأمير الفارس عليهم فأعمل فيهم الضرب والقتل، وأنزل بهم شر الهزائم وأسر منهم سبعين بطريقاً، كما أخذ سرير الدمستق وكرسيه، وكان ذلك موافقاً لعيد الأضحى لسنة 326هـ.
وينشغل الأمير الحمداني في محاربة أعداء مملكة أخيه ويقيم تارة في الموصل وتارة أخرى في نصيبين ولا يكاد يمضي عامان على غزوته الظافرة لبلاد الروم حتى يقدم على غزوة جديدة فيتجه من نصيبين نحو بلاد الروم حتى يصل إلى قاليقلا وكان بالقرب منها مدينة جديدة يجد الروم في إنشائها وأطلقوا عليها اسم «هفجيج»، ولا يكاد الروم يحسون بمسير الأمير العربي إلى مدينتهم التي لم ينتهوا من إنشائها بعد، حتى يخربوها ويولوا الأدبار.
ويتوغل سيف الدولة في أرض البيزنطيين، وتطأ أقدامه مواطئ لم يصل إليها أحد من المسلمين قبله، وفي تلك الأثناء يصل إلى الأمير كتاب من ملك الروم يحوي بعض التهديد فيرسل سيف الدولة إليه بالجواب السريع العزيز العنيف، ولا يكاد يقرأه ملك الروم حتى يستبد به الغيظ، ويستنكر أن يخاطب بمثل ذلك الذي خاطبه به الأمير الشاب ويردف قائلاً: يكاتبني هذه المكاتبة كأنه قد نزل على قلونيه؟!!
استفظاعاً للأمر، ويبلغ القول مسامع سيف الدولة القائد الجريء فلا يضيع من وقته يوماً واحداً، بل يمضي متوغلاً إلى قلونيه البعيدة الحصينة المتأبية، ويسعظم بعض قواد سيف الدولة الأمر، ويكادون يثنونه عن هذه المخاطرة، ولكن الأمير الجريء العنيد يجيبهم قائلاً: لست أقلع عن قصد هذه المدينة فأما الظفر وأما الشهادة وينطلق الأمير إلى هناك يفتحها ويحرق رساتيقها ويكتب إلى ملك الروم من هناك مستهزأ به وبمنعة بلاده، وبعد أن يشبع سيف الدولة في نفس هواية الفتح والظفر والانتصار يعود بجيشه إلى بلاده فيحاول الدمستق أن يتحرش به على رأس جيش كثيف، فيوقع به سيف الدولة، ويقتل من الجنود البيزنطيين مقتلة عظيمة، ويصل بجيشه سليماً إلى أرض العرب بعد أن أوقع بالروم الفزع والرهبة، وبعد أن توغل في بلادهم مسافات لم يدخلها أحد من قبله، وبعد أن أسقط من مدنهم أكثرها حصانة وأشدها منعة.
ويصل إلى سمع الشعراء ما فعله الأمير الشاب، وكان الشعر العربي في تلك الأيام يسير في ركب البطولات فيعرض الشاعر النامي لهذه الحادثة مخاطباً سيف الدولة.
ونادى الهدى مستصرخاً فأجبته
«بقاليقلا» إذ أنت بالخيل سهما
ولم تتئد «هفجيج» أيدي بناتها
أبدتهم تحت السنابك رغماً
لئن حسبت عذراء والبحر خدرها
لقد وجدت فيه ثكولاً وأيما
ومن الطريف أن سيف الدولة كان يمدح قبل أن يلي أمر حلب، وكثيراً ما أجاز الشعراء وأجزل لهم العطاء وهو بعد قائد صغير، فلقد مدحه الصنوبري كما مدحه النامي.
ويشتد ساعد سيف الدولة في وقت تكون الخلافة مهددة ببعض الخارجين عليها من ذوي الجرأة والشكيمة حين ينطلق البريديون من البصرة متجهين إلى بغداد سنة 330هـ فيستولون عليها ويخربون عمائرها ويسلبون قصر الخليفة الذي يرسل إلى الحسن بن حمدان مستنجداً به، ويعز الأمر على الحسن فيكتب إلى أخيه القائد الشاب علي (سيف الدولة) المقيم في نصيبين أن يهب لإنقاذ الخليفة المتقي، فينطلق الأمير إلى بغداد، ولكن البريدي يكون قد تم له الظفر على الخليفة الذي هرب في طريقه إلى الموصل ويلتقي بسيف الدولة في الطريق فيمهد وسائل الراحة له ولحاشيته وأتباعه.
ويصطحب الأمير الحمداني الخليفة على رأس جيش متجهين إلى بغداد لاستردادها من البريدين ـ كما مر ـ ويلحق بهم الحسن بن حمدان ولا يكاد البريديون يحسون بمقدم الأمير الشاب حتى يتركوا بغداد ويولوا الأدبار نحو الجنوب، فيدخل الخليفة إلى عاصمته وقصوره ويخلع على الحسن بن حمدان لقب ناصر الدولة ويخلع على الشاب علي بن حمدان لقب سيف الدولة ويأمر أن تكتب أسماؤهم على الدنانير والدراهم.
أما وقد أصبح سيف الدولة من الخطورة بمكان، فلا بد له من أن يتابع انتصاراته وأن يمضي قدماً في مطاردة البريدين أعداء الخليفة، ويلتقي بهم وجهاً لوجه قرب «المدائن» العاصمة القديمة للفرس، ويلقي البريديون بكل ما لديهم من قوى ـ وكان فيهم شجاعة وعناد ـ لأن المعركة بالنسبة إليهم تعتبر معركة حياة أو موت، وترجح كفتهم أول الأمر، غير أن ناصر الدولة يشعر باتجاهات المعركة فيسارع إلى إرسال المدد إلى أخيه، وهناك تجري معركة دامية ينزل فيها سيف الدولة بالبريديين هزيمة نكراء، ويأسر عدداً كبيراً من قوادهم وجنودهم، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذه المعركة وما وليها من نصر كانت السبب الرئيسي للإنعام على القائد الشجاع بلقب «سيف الدولة»([366]) وإن كان أكثر المؤرخين يذهبون إلى أنه منح اللقب قبل ذلك بل قبل دخوله بغداد.
وتدفع نشوة الظفر سيف الدولة إلى متابعة مطاردة البريديين فيزيحهم عن «واسط» التي كانوا عسكروا بها، ويعد العدة للزحف إلى عاصمتهم «البصرة» للقضاء عليهم نهائياً، وهنا يتنبه حساده من القواد الأتراك إلى خطر هذا القائد العربي الحمداني ويختلفون معه وهو في واسط متأهباً للمعركة الكبرى، ويحاول القائد الحمداني ملاينتهم واستصلاح أمرهم، ولكنهم يحاولون أن يوقعوا بالأمير الشاب فيستعمل الحيلة حتى يستتر بجنح الليل ويعود إلى بغداد.
وتشتد شوكة الجنود والقواد الأتراك وعلى رأسهم توزون، فيضطر الأميران الحمدانيان إلى مغادرة بغداد نهائياً والعودة إلى الموصل.
على أننا ونحن ننشر هذه الصفحات لسيف الدولة في بغداد ولأخيه ناصر الدولة لا ينبغي أن نهمل شأن بطل من أبطال الأسرة الحمدانية هو الحسين بن سعيد بن حمدان الأخ الأكبر للشاعر أبي فراس وابن عم الأميرين.
لقد كان الحسين بن سعيد هذا، هو الذي تولى قتل ابن رائق فأخلى الجو لعميه في دار الخلافة، فلما انحدرا إلى بغداد، كانت الإمارة الموصلية وأعمالها في حاجة إلى من يحرسها ويرعى شؤونها ويدبر أمرها، فقام الحسين بلذلك خير قيام فقد حاول أحد الطامعين واسمه «العدل بن مهدي» أن يغير على نصيبين حيث أملاك سيف الدولة وأمواله، ونجح في أول الأمر في انتهاب الخزائن، إلا أن الحسين سارع إليه والتحم معه فهزم جيشه وأسره إلى عمه في بغداد حيث سملت عيناه وأودع السجن.
وإذن لا غرابة إذا ما اعتبرنا تلك الفترة التي عاشها أمراء الحمدانيين سادة لبغداد على قصرها فترة نهوض وتألق، وهي بالنسبة لسيف الدولة خاصة فترة تجربة حاسمة تضاف إلى تجاريبه السابقة لكي تدفع به إلى أمر جليل الخطورة في تاريخ العرب والمسلمين.
ويقيم سيف الدولة في نصيبين، ولكنه يحس الوحشة ويشعر بأنه مبعد، ويتحقق ذلك سنة 332هـ حينما يتجاهله أخوه ناصر الدولة ويقلد الحسين بن سعيد بن حمدان حلب وأعمالها وديار مضر والعواصم وكل ما يفتحه من الشام، ويمد ناصر الدولة يد المساعدة والعون للحسين الذي يحرز بعض الانتصارات أول الأمر ثم لا يلبث أن يفر أمام الأخشيد الذي كانت له الولاية على تلك البلاد.
وفي الوقت الذي يغدق فيه ناصر الدولة على الحسين بن سعيد بن حمدان من العطف والمدد وتقليد الولايات، نراه لا يبالي بأخيه سيف الدولة، ونتلمس مكانه فلا نجده لا في الموصل ولا في نصيبين بل نجده لاجئاً غلى الرقة، ومن الطريف أن ناصر الدولة نفسه قد خرج مطروداً من عاصمته بعد ذلك بسنوات فلجأ إلى أخيه سيف الدولة، وكانت حلب قد أصبحت مملكته، فإذا بسيف الدولة يستقبل أخاه الأكبر ويبالغ في تكريمه حتى إنه كان يخلع له نعليه.
ومجمل القول أن سيف الدولة يقف موقف المتحفز ثم يفكر ملياً ولا يلبث أن يقتطع لنفسه ملكاً يخلد به على الزمان.
وفي سنة 332هـ تقرر بين توزون أحد قواد الخليفة وبين ناصر الدولة الحمداني أن يكون للأول أعمال البصرة وما إليها وللثاني الموصل وأعمال الشام.
وفي سنة 333هـ سار الأخشيد إلى مصر وولّى حلب أبا الفتح عثمان بن سعيد الكلالي فحسده إخوته الكلاليون واستدعوا سيف الدولة بالاتفاق مع أخيه ناصر الدولة، ثم سار منها إلى حمص فلقيه بها عسكر الأخشيد محمد بن طغج صاحب الشام ومصر مع مولاه كافور واقتتلوا فانهزم عسكر الأخشيد وكافور وملك سيف الدولة مدينة حمص وسار إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له فرجع وكان الأخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة فالتقيا بقنسرين فلم يظفر أحد العسكريين بالآخر ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ، فلما عاد الأخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب. ولما ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها فخرج إليهم فقاتلهم بالقرب منها فظفر بهم وقتل منهم.
ولم يكد سيف الدولة يستقر في حلب، حتى بلغه عزم الأخشيد السير إلى حلب، فالتقيا في قنسرين فانهزم سيف الدولة واستولى الأخشيد على حلب فبالغ في إيذاء الحلبيين لميلهم إلى سيف الدولة.
وفي ربيع الأول من سنة 334هـ تقرر الصلح بين الأميرين على أن تكون حلب وحمص وأنطاكية لسيف الدولة ودمشق للأخشيد على أن يدفع عنها إلى سيف الدولة أتاوة سنوية.
وفي هذه السنة([367]) مات الأخشيد في دمشق وولي بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، فاستولى على الأمر كافور وغلب أبا القاسم واستضعفه وتفرد بالولاية، فسار كافور إلى مصر فقصد سيف الدولة دمشق فملكها وأقام بها. فاستدعى الدمشقيون كافوراً فجاءهم فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة 336هـ واستطاع كافور هزيمة سيف الدولة ودخول حلب.
ولكن سيف الدولة عاد في السنة نفسها فاستولى على حلب وكان ذلك دخوله الثالث إليها. ثم تجدد الصلح بين سيف الدولة وابن الأخشيد على الصفة التي كانت بينه وبين الأخشيد دون الأتاوة السنوية واستقر سيف الدولة في حلب.
يقول الدكتور فيصل السامر([368]): لعل أهمية الدولة الحمدانية (في حلب) لا يكمن في كونها مجرد دولة مستقلة من تلك الدويلات الكثيرة التي ظهرت أبان ضعف السلطة المركزية وضياع هيبة الخلفاء العباسيين فحسب، ولا مجرد كونها مركزاً هاماً من مراكز الإشعاع الثقافي والجذب الفكري في تلك الحقبة الزاهرة حضارياً من تاريخ الدولة العربية الإسلامية، بل لكونها إحدى الدويلات العربية القلائل التي قامت على حساب الخلافة العباسية.
ولأنها وقفت سداً منيعاً في وجه الغزو البيزنطي الذي كان يستهدف بيت المقدس «انتهى».
ويقول الدكتور فاروق عمر([369]):
في الجزيرة الفراتية ظهر الحمدانيون ويمثل ظهورهم قوة نفوذ القبائل العربية في هذه المنطقة بحيث استطاعت أن تكون كيانات سياسية واضحة، حيث استطاعت قبيلة تغلب أن تكون الدولة الحمدانية في الموصل وحلب «انتهى».
كانت الشجاعة والفروسية وروح المغامرة بالإضافة إلى الكرم والفصاحة والشعر والسماحة هي الصفات التي اتصف بها أفراد الأسرة الحمدانية.
لقد كانوا محاربين، يخوضون المعارك بقلوب من حديد، وهم بعد ذلك فصحاء يقولون الشعر عذباً، فمنهم أبو فراس الشاعر الأمير، ومنهم أبو زهير المهلهل الذي يشهد له المتنبي على بخله في إطراء الشعر قائلاً: «قد تحوزت في قولي وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان.
وفيهم من يقول:
وقد علمت بما لاقته منا
قبائل يعرب وبني نزار
لقيناهم بأرماح طوال
تبشرهم بأعمار قصار
ولم يكن أبو الطيب يقصد بهذه الإشارة إلا أبا زهير مهلهلاً.
ومنهم أبو العشائر ابن عم سيف الدولة وهو صاحب شعر جميل، ومنهم أبو وائل تغلب بن داوود بن حمدان الشاعر الرقيق وغير أولئك كثيرون.
ثم هم بعد ذلك أصحاب كرم وسماحة ونجدة وغيرهم.
وبطل الحمدانيين هو علي بن عبد الله بن حمدان الملقب بسيف الدولة المولود سنة 303هـ (915م) والمتوفى سنة 356هـ في عاصمته (حلب). وكانت مملكة تشمل جند حمص وجند قنسرين والثغور الشامية والجزيرة وديار مضر وديار بكر وكان ابتداء وصوله إلى حلب سنة 333هـ وانقرضت دولة بني حمدان سنة 406هـ وآخرهم في حلب المنصور.
وقد دامت دولتهم زهاء سبعين سنة، قال سامي الكيالي متحدثاً عن سيف الدولة الحمداني: من البطولات الفذة التي كان لها شأنها الخطير في دفع الغزو البيزنطي عن الأرض العربية، بطولة سيف الدولة الحمداني هذا القائد العربي المغوار الذي وقف وحده في الميدان يحارب جيوش الأمبراطورية البيزنطية الكبرى في فترة كانت الدولة العباسية قد تمزقت شذر مذر، وتهددتها الأطماع من كل طرف.
في هذه الفترة العصيبة قام سيف الدولة وأسس الدولة الحمدانية في حلب، واتخذ من قلعتها الحصينة معقلاً ليرد الغزاة ويصون أرض الوطن من الغزوات البيزنطية.
كان موقفه من الصعوبة بمكان. أسس جيشاً جعله عدته في الكفاح وكان همه قبل كل شيء أن يصد البيزنطيين عن التوغل في الأرض العربية، فاستلم زمام المبادرة ونقل الحرب إلى الأرض البيزنطية لرد هجمات البيزنطيين الذين كانوا يحلمون باستعادة سيطرتهم على الشرق العربي بعد أن لمسوا هذا التفكك المريع الذي عصف بالدولة العباسية وانتهى بقيام إمارات هزيلة أخذت تتقاتل على عروش واهية.
نعم كانت مهمة سيف الدولة في غاية الخطورة. ولكنه كان من أولئك الأفذاذ الذين تتضاءل الأحداث أمامهم مهما عصفت ومهما عظم شأنها.
خاض سيف الدولة مع البيزنطيين أكثر من أربعين معركة ووصلت طلائع جيشه إلى قلب الأناضول حتى كادت تصل إلى القسطنطينية نفسها.
وكانت معاركه وغزواته أناشيد في فم الشعراء، ومن يرجع إلى قصائدهم التي تغنوا فيها ببطولاته يرى العجب فما كان شعر أكثرهم مدحاً بقدر ما كان وصفاً للمعارك. وكان يروق لسيف الدولة أن يصطحب معه الشعراء ليروا بأعينهم المعارك، فإذا وصفوا وصفوا معاركه وحقيقة غزواته وبطولاته ولم يهيموا في أودية الخيال.
يقول Schlumberger في كتابه عن نقفور فوكاس مشيراً إلى سيف الدولة: «والمتصفح لمقتطفات التاريخ البيزنطي في منتصف القرن العاشر ولأكثر من عشرين عاماً من 945 ـ 967م (334 ـ 356هـ) يجد اسماً وحيداً ـ وأكرر ذلك ـ يطفو على كل صفحة من صفحات ذلك التاريخ كإنسان شجاع لا يمل ولا يكل ولا يتعب، وكان عدواً لدوداً للأمبراطورية البيزنطية، ذلك هو أمير حلب سيف الدولة بن حمدان الذي كان قاسياً طموحاً لا يعبأ بأي الوسائل في سبيل الحصول على المال للإنفاق على جيوشه، وكان يتمتع بشجاعة فائقة لا يعرف الخور إليها سبيلاً».
لقد استطاع هذا البطل بالرغم من الحروب الداخلية التي شنها عليه الأخشيديون وبالرغم من الفتن التي أثارها رجال القبائل، استطاع هذا البطل المغوار أن يرد البيزنطيين على أعقابهم وأن يصون سوريا من غزوهم.
وقد كان في صيانة سورية صيانة بلاد الإسلام كلها لا سيما مصر والعراق، فلو استطاع البيزنطيون احتلال سورية لنفذوا منها إلى كل مكان.
هذا القائد المجاهد لم تصرفه المعارك عن أن يجعل من حلب بيئة خصبة للآداب والفنون والعلوم. فقد فتح قصره أيضاً لكل فنان موهوب وأديب فوفدوا عليه من جميع الأطراف.
وكان يستمع إلى الشعراء ويتحبب إلى الكتاب والمصورين ويمنح المؤرخين الشيء الكثير من عطاياه فيعود هؤلاء إلى بلادهم حاملين إلى شعوبهم صورة رائعة من خلق الرجل العالي وشخصيته العجيبة.
ويذكر الثعالبي: أنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر ونجوم الدهر كما يذكر الغزولي: أنه قد اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الملوك، فكان خطيبه ابن نباتة الفارقي ومعلمه ابن خالويه ومطربه الفارابي وطباخه كشاجم وخزان كتبه الخالديان والصنوبري ومداحه المتنبي والسلامي والوأواء الدمشقي والببغاء والنامي وابن نباته السعدي والصنوبري وغيرهم.
ولقد تخرج في ندوة سيف الدولة كثير من علماء العصر، كما كانت هذه الندوة سبباً في صقل كثير من المواهب الشعرية، وفي مقدمة الذين تخرجوا في ندوة الأمير من الأدباء الكاتب الشاعر أبو بكر الخوارزمي شيخ أدباء نيسابور الذي كان يقول: ما فتق قلبي وشحذ فهمي وصقل ذهني وأرهف لساني وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي.
وممن ضمتهم هذه الندوة وتخرجوا فيها من غير الشعراء المشهورين أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الناقد صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وأبو الفتح بن جني اللغوي النابه وأبو الطيب اللغوي وأبو علي الفارسي الذي كان مؤدباً لعضد الدولة البويهي.
ولم تكن ندوة الأمير مدرسة يتخرج فيها من يسعده الحظ بالتردد عليها وحسب، بل لقد تتلمذ عليها بعد الشقة كثير من الأدباء الذين كانوا يلتقطون ما يصدر عنها من بدائع وذخائر حتى إن أديباً كبيراً كالصاحب بن عباد وكان صاحب ندوة لا تقل كثيراً عن ندوة سيف الدولة، هذا الأديب الكبير كان يحرص ـ فيما يقول الثعالبي ـ على تحصيل الجديد من الشعر الذي يصدر عن شعراء الندوة ويستملي الطارئين عليه من حلب ما يحفظونه من البدائع واللطائف حتى كتب دفتراً ضخم الحجم كان لا يفارق مجلسه، ولا يملأ أحد منه عينيه غيره، وصار ما جمعه منه على طرف لسانه يحاضر منه ويستشهد به.
وكان من نجوم هذه الندوة اللامعين أبو نصر الفارابي الذي لقب في الفلسفة بالمعلم الثاني.
وكان سيف الدولة أديباً بفطرته، وقد نمى هذه الهواية بتلمذه على ابن خالويه الذي كان يعتبر مؤدب أمراء بني حمدان، وكان قصره يضم مكتبة كبيرة زاخرة بأسباب المعرفة وأدوات الاطلاع، وكان أمين مكتبته الشاعر البارع ابا بكر الصنوبري ومن بعده تولاها الشاعران الأدبيان أبو بكر وأبو عثمان الخالديان اللذان قدما للمكتبة العربية بفضل وظيفتهما في مكتبة سيف الدولة عدة كتب أهمها الديارات، وحماسة الخالديين، والمختار من شعر بشار وغيرها.
وكثيراً ما كان الأمير يستفسر من علماء اللغة المحيطين به عن مسائل بعينها فينتشر الجميع في أرجاء المكتبة باحثين منقبين حتى يمدوه بما طلب من معلومات.
تشيع الحمدانيين
كان مجتمع حلب أكثره على مذهب أبي حنيفة النعمان، وبعضه الآخر كان شافعي المذهب.
ولكن ما يلبث الحمدانيون أن يمتلكوا حلب وكانوا شيعة، فحافظ المجتمع في أول الأمر على عقيدته السنية ثم غلب التشيع على حلب وغيرها، مع بقاء الكثير من السنيين، ومما هو جدير بالذكر أننا لم نسمع عن مشاحنات جرت بين السنة والشيعة في حلب مثل التي جرت في أمصار أخرى، مما يدل على أن هذا المجتمع من الناحية العقيدية كان مجتمعاً خالياً من التعصب المذهبي حتى إن أحمد بن إسحاق الملقب بأبي الجود الذي ولي قضاء حلب بعد أبي الحصين كان حنفي المذهب.
لعل من الخير وقد تحدثنا عن السماحة التي كانت تسود العلاقات بين فرقتي الإسلام من سنة وشيعة في مملكة سيف الدولة أن نشير أيضاً إلى وضع غير المسلمين من النصارى واليهود.
لقد عاشوا حياة آمنة مطمئنة في ظل سيف الدولة، وبالرغم من الاتجاه العدواني الصليبي الذي تمثل في هجمات البيزنطيين على الإمارة العربية، وما كان يحمل في ثناياه من روح التعصب الشديد على كل مسلم فقد شملت سماحة الحمدانيين كل غير مسلم أقام بين ظهرانيهم فعاشوا في مزارعهم ومنازلهم الريفية، وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم الأصلية وهي الآرامية والسريانية.
ولم يكن نشاط غير المسلمين محصوراً في المجتمع الشعبي وحده، بل كانوا يلقون التسامح في قصر الأمير الذي لم يتردد في تقريب كثير منهم إليه حتى إن ابن دنحا أكثر خدامه صلة به وإخلاصاً إليه كان نصرانياً، وكان كبير أطبائه عيسى الرقي نصرانياً وكان الأمير يجزل له العطاء ويعطيه أربعة أرزاق أو أربعة مرتبات، كما لمع منهم تحت رعاية سيف الدولة مهندسون ورياضيون فلكيون وأشهرهم ديونيسيوس بطريك اليعاقبة والمجتبى الإنطاكي وقيس الماروني.
المشروع الصليبي المبكر
لاسترداد بلاد الشام والقدس
عن ذلك يتحدث قصي الحسين قائلاً:
في كتاب عن الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم، يذكر الدكتور إبراهيم العدوي أن يوحنا تزمسكيس كان أول من فكر في مشروع الحرب الصليبية منذ زمن مبكر يعود إلى أواسط القرن الرابع للهجرة ـ العاشر للميلاد، وذلك حين فكر في استرجاع بيت المقدس أثناء زحفه إلى بلاد الشام العام 364هـ ـ 974م، وهو بذلك يكون سبق إلى فكرة الحرب الصليبية بوقت قليل.
وإذا كان نصيب هذا الاستنتاج من الصحة يحوز على درجة كبيرة من التقدير، غير أنه من الضروري التنبه إلى ما كان يسبق تلك المرحلة التاريخية، إذ كانت بلاد الشام تتعرض للعديد من الهجمات التي كان يقوم بها البيزنطيون بقيادة قائدهم المعروف نقفور فوكاس وذلك قبل تزمسكيس ببضعة عشر عاماً، وهي شكّلت فيما نعتقد البدايات القديمة للحروب الصليبية على المشرق العربي.
يبدو نقفور فوكاس الذي كان الندّ الحقيقي للأمير سيف الدولة وكأنه أول من تبنّى الحرب الصليبية ونفّذها، بحيث سيطرت كما نرى على كل غزوة شنّها على العرب الحمدانيين، وعلى الأمير سيف الدولة منشئ الدولة العربية الفتية على مقربة من حدود الروم.
وتظهر لنا المراجع التاريخية أن هذا القائد البيزنطي كان يمهد لفكرته الصليبية هذه في القسطنطينية نفسها، حين كان يظهر في أعياد الفصح، مرتدياً ملابس غريبة مذهبة، منتعلاً نعلاً مذهّباً. تشبّهاً بالسيد المسيح كما يقول شبنغلر.
وكان هذا القائد، إذا خرج لحرب الحمدانيين حشد في مقدمة جيشه البطاركة والقساوسة وحمل الجنود الصلبان الكبيرة حتى يعطي الحرب صبغة مقدّسة.
كان نقفور فوكاس ذاته يفصح في كثير من الأحيان عن الهدف الأساسي لتلك الحروب التي كان يشنها على بلاد الشام مستهدفاً أولاً بأول تلك المملكة العربية التي كان على رأسها سيف الدولة في حلب، وذلك للنيل منها وتحطيمها، لأنه كان يرى فيها عقبة كأداء تحول بينه وبين الوصول إلى الديار المقدسة.
وأشار كتاب الدكتور مصطفى الشكعة «سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف ودولة القلم» أيضاً إلى فكرة الحروب الصليبية في جميع الأعمال العسكرية التي كان يشنها على وجه الخصوص نقفور فوكاس على الدولة العربية في زمن سيف الدولة. فهو يرى مثلاً أن فكرة الحروب الصليبية كانت الرائد الجوهري لحملات نقفور، وأن ظروف تجميع جيوشه واحتاوائها على تلك الأجناس المختلفة وإفصاحه عن غايته من تلك الحروب باسترداد بيت المقدس، كل ذلك كان دافعاً للمسلمين أن ينتبهوا إلى هذا الخطر الذي يهدد ديارهم.
كانت الرؤية واضحة تماماً من جانبهم فنحن نلاحظ كيف بدأت النجدات والإمدادات من مال ورجال تتواكب على حلب من الأمصار العربية والإسلامية، وبخاصة من خراسان التي كانت هي وغيرها في حكم البويهيين، إذ سمعوا حتماً بما كانت توقعه جيوش الصليبية التي كانت تعدّ في بيزنطية بإخوانهم في طرطوس والمصيصة، وما كانت تعمله فيهم من قتل وتعذيب، حتى إنها لم تتورع عن إخراجهم من دينهم وتحويلهم إلى النصرانية، والمباشرة بنهب المساجد وحرق منابرها وامتهانها بجعلها حظائر للخيل كما ذكر مسكويه في كتاب «تجارب الأمم».
كان من جراء ذلك أن تنبه المسلمين من شرق الدولة الإسلامية مجهزين بسلاحهم، وانضموا إلى جانب جيش سيف الدولة دفاعاً عن أرضهم الإسلامية ودفعاً للأطماع البيزنطية الصليبية البيّنة المعالم والحدود.
ويقول الدكتور مصطفى الشكعة في تعليقه على أعمال سيف الدولة العسكرية وشدة بأسه في حروبه مع الروم: «ليس من شك أنه ما من قائد أتعب الأمبراطورية البيزنطية وسقاها كؤوس المر مترعة، كما فعل سيف الدولة خلال سنوات طويلة من النصف الأول من القرن الرابع للهجرة».
ويشير إلى أنه بدأ حروبه معهم قبل توليه مملكة حلب، وذلك منذ العام 326هـ، ويضيف بعد ذلك قائلاً: «على أننا إذا ما حاولنا تتبع سيف الدولة في كل غزوة من غزواته أراضي الروم، فقد يكون ذلك من الامور المملّة التي ليس مكانها هذه الصفحات، وإنما يمكن الرجوع إليها في تاريخ ابن الأثير أو زبدة الحلب أو تجارب الأمم لمسكويه، أو غيرها من كتب التاريخ التي تهتم بالجزئيات، ذلك أن سيف الدولة قد قام بحوالي أربعين غزوة للبيزنطيين.
ونحن إذ نضيف إلى هذه الصورة التي قدمها لنا الشكعة عن القائد العربي سيف الدولة ما كتبه شبنغلر عن ذلك الأمير العربي الذي لم يتهاون في حروبه مع الصليبية البيزنطية عصر ذاك، فلكي نكون محايدين ومنصفين في وقت واحد في الوقوف على الحقيقة من دون زيادة أو نقصان.
يقول هذا المؤرخ الغربي مثلاً في كتابه عن نقفور فوكاس مشيراً إلى سيف الدولة: «والمتصفح لمقتطفات التاريخ البيزنطي في منتصف القرن العاشر ولأكثر من عشرين عاماً من 945 إلى 967م (334 ـ 356هـ)، يجد اسماً وحيداً ـ وأكرر ذلك ـ يطفو على كل صفحة من صفحات ذلك التاريخ كإنسان شجاع لا يملّ ولا يكلّ ولا يتعب، وكان عدواً لدوداً للأمبراطورية البيزنطية، ذلك هو أمير حلب سيف الدولة بن حمدان الذي كان قاسياً طموحاً لا يعبأ بأي الوسائل في سبيل الحصول على المال للإنفاق على جيوشه، وكان يتمتع بشجاعة لا يعرف الخور إليها سبيلاً.
ويحدثنا بعض المؤرخين أنه حين كان سيف الدولة مشغولاً بحرب الأخشيديين لاستخلاص حلب مملكةً يلي أمرها، حام البيزنطيون (333هـ ـ 944م) وانتهزوها سانحة، وأغاروا على الثغور ظناً منهم بأن الأمير العربي، كان غير قادر ـ كما يظنون ـ على الحرب في جهتين في وقت واحد معاً.
ومن المفاجئ للبيزنطيين أن سيف الدولة استطاع أن يقدّر عواقب الأمور بسرعة وأن يحزم أمره، ويقرر وقف معاركه مع الأخشيديين ليسارع إلى ملاقاة البيزنطيين العدوّ الرئيسي، خصوصاً أنه كان يرى مهمته تنحصر في حماية الثغور وتأمينها قبل إنشاء الملك.
ولهذا تراه يسارع فيجهز وينزل إلى أرض المعركة في بفراس ومرعش ويكمن لجيش العدوّ في بعض المضايق والشعاب وينزل بهم هزيمة منكرة، ثم يعود ليثبت ركائز ملكه في حلب.
وبعد ثلاثة أعوام نرى الروم يقومون من جديد بغارة على حصن برزويه ويتمكنون منه ويملكونه. وكان هذا الحصن واحداً من الحصون المهمة في الثغور، ولهذا ينهض سيف الدولة إلى الحصن ويستمر في حصاره مضيّقاً على الصليبيين فيه، حتى يتمكن من استرداده ويثبت قوة للجيش العربي داخل موقعه.
ومما يذكر في هذا المجال أنه انصرف من هذا الحصن إلى ميافارقين، ومن هناك عاد إلى حلب ماراً بأنطاكية حيث التقى الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي في حضور ابي العشائر الحمداني للمرة الأولى، وكان ذلك العام 337هـ، عندما أنشده قصيدته المشهورة التي تعتبر من عين شعره ومطلعها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمُهْ
بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجِمه
ولم يتأخر الزمن كثيراً بالأمير سيف الدولة حتى كانت معاركه الشهيرة مع الروم في العام 339هـ ـ 950.
ويذكر المؤرخون أن الأمير العربي عزم على تلقين الصليبيين البيزنطيين دروساً لن ينسوها بسهولة، إذ نجده يستعد للتقدم منذ ذلك العام في الأراضي البيزنطية فاتحاً مكتسحاً، سيما وأنه أخذته نشوة النصر، فظل يضرب في أكناف الأرض، والحصون تتساقط أمامه وتحت سنابك خيله حصناً بعد آخر.
وتمكّن من أسر عدد كثير من جنود الروم وفتح سمندو وخرشنة وظلّ يتقدم حتى وصل إلى صارخة التي تقع على مقربة من القسطنطينية، ففزع البيزنطيون من ذلك النصر الكاسح الذي سجله الجيش العربي في أراضيهم وسيطر الهلع على نفوسهم.
وسجّل لنا شعر المتنبي ذلك في قصيدة يمدح بها سيف الدولة ويذكره بانتصاره بصارخة فيقول:
مُخلىً له المرجُ منصوباً بصارخة
له المنابر مشهوداً بها الجُمَعُ
ويذكر أحد الباحثين أن المحاربين العرب انتشوا بخمر النصر في ظل قيادة سيف الدولة ، واستهانوا بالجيش البيزنطي وكان يرأسه الدمستق نفسه، وصور لنا المتنبي كل ذلك، خصوصاً وأنه كان حاضراً تلك المعارك.
حيث يقول:
رضينا والدمستق غير راض
بما حكم القواضب والوشيج
فإن يُقدم فقد زرنا سمندو
وأن يحجم فموعدنا الخليج
ولعل في هذه الأبيات من الإشارات والدلالات ما يسمح لنا بالاستنتاج بأن جيش سيف الدولة كان عازماً على الوصول إلى الخليج أي البوسفور وذلك من أجل الإطباق على القسطنطينية.
وللأسف فإن مثل هذا التقدم الجريء داخل الحدود البيزنطية كان محفوفاً بالمكاره والمخاطر، إذ أن الأمير سيف الدولة، وقد أخذته نشوة النصر، نسي مخاطر العودة التي سيقطع فيها مسافات طويلة في أرض الأعداء، من دون أن يحسب حساباً لمكائد الأعداء الذين سرعان ما حاولوا التربص به وبجيشه في الطريق وسدوا عليه المنافذ ـ وهم الأعلم بطبيعة بلادهم ـ فاتصلت المعارك بين الجيشين، واضطر سيف الدولة أن يتخفف من أحماله التي كانت قد أتعبت خيله وإبله، كما أحس بخطر الأسرى الكثيرين من قوّاد أعدائه، وخشي انقلابهم عليه.
كل ذلك جعل جيشه يفقد توازنه، فتختلط عليه الأمور فلا يعرف إذا كان يجب أن يواجه الأعداء ويصمد أمامهم وهم قد تكاثروا عليهم، أم عليه أن يفرّ من حوزتهم ناجياً بنفسه معرضاً جيشه للهلاك.
ويقال إن سيف الدولة خاطر بنفسه في تلك الأزمة مخاطرة جسيمة، حتى إن من رآه يتجشم الأهوال ظن أنه يحاول الانتحار. غير أن الصبح انجلى عن نجاته مع فريق كبير من جيشه، على رغم الخسائر الكبيرة التي خسرها، مما دعا المؤرخين إلى وصف تلك المعركة بأنها معركة عجيبة الشأن، لأنها جمعت بين طرفي النقيضين: النصر المؤزر، والهزيمة التي كادت تذهب بالأمير.
ووصف لنا المتنبي هذه المعارك بوجهيها، فقال مصوراً انتصار الأمير في معاركه الأولى:
حتى أقام على أرض «خرشنة»
تشقى بها الروم والصلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا
والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
يطمّع الطير فيهم طول أكلهم
حتى تكاد على أحيائهم تقع
خروج القبائل على سيف الدولة
لا نستطيع حتى اليوم أن نجزم في أن تحرّك بعض القبائل التي اجتمعت في سلمية وتقدمت إلى قنسرين لتقتل والي سيف الدولة عليها العام 343هـ ـ 954م، كان بواعز خارجي حرضها بعض القوى العدوة عليه، تلك القوى التي كانت تحسب ألف حساب لقيام دولة عربية قوية في حلب الشهباء، وحكم عربي قوي قادر على الإمساك بزمام الدولة وإعادة القرار العربي إلى ما كان عليه من القوة والمهابة.
فالجزم في مثل هذه الأمور لا يخلو من الاستهتار في كثير من الأحيان. ولكننا مع ذلك نرجّح حصول هذا الأمر وإن لم نتوصل إلى إثباتات علمية قاطعة، معتمدين فقط على حسّنا السياسي الذي جعلنا نرى في خروج القبائل على امتداد العصور جميعاً أمراً لافتاً، له انعكاساته الخطيرة على سلطة الدولة وبنيتها بزعزعة كيانها وقرارها معاً.
وفي مطلق الأحوال، إذا كانت القبائل التي خرجت عن طاعة سيف الدولة وعصت أمره وحرّضت على تقويض حكمه، لم تصل إلى مبتغاها، غير أنها أطمعت الطامعين في الدولة العربية الفتية، كما أنها أعاقت تلك الدولة في تقدمها السياسي والعسكري معاً.
إنها خدمة مقصودة أو غير مقصودة قدمتها القبائل العربية العاصية للأعداء الألداء ممثلين بالصليبية البيزنطية.
في روايات المؤرخين عن حرب القبائل مع سيف الدولة أن قبائل عامر بن صعصعة عقيل وقيشر والعجلان وأولاد كعب بن أبي ربيعة بن عامر وكلاب بن ربيعة، كانت اتفقت على أن تخرج على سيف الدولة حينما آنست في نفسها شيئاً من القوة، وبدأت تعيث الفساد في أرض المملكة.
وحين اجتمعت في سلمية وتقدمت إلى قنسرين وقتلت والي سيف الدولة عام 343هـ، خرج إليهم هذا الأخير مع ابن عمه أبي فراس الحمداني، وظل يطاردهم ويوقع بهم في القوبر ثم في تدمر وبادية السماوة حتى استأصل شأفتهم، وتضيف المصادر التاريخية أن سيف الدولة بوحي من شمائله الطيبة وشيمته الكريمة، عفّ عن حريمهم وأكرم كثيراً من الأسرى الذين وقعوا في حوزته. وخلّد أبو فراس انتصارات سيف الدولة على هذه القبائل في شعره حيث أنشد:
أم ترنا أعز الناس جاراً
وأمنعهم وأمرعهم جناباً
لنا الجبل المطلّ على نزار
حللنا النجد منه والهضابا
وقد علمت ربيعة بل نزار
بأنا الرأس والناس الذّنابي
كما أن أبا الطيب المتنبي سارع أيضاً إلى تخليدها في قصيدته الجميلة الذائعة:
طلبتهم على الامواه حتى
تخوّف أن تفتشه السحاب
يهز الجيش حولك جانبيه
كما نفضت جناحيها العقاب
ومن حروبه مع القبائل إلى الحروب التي خاضها لمواجهة بعض عمّاله الخارجين عليه، سيما ونحن نعلم ما كان يحيط بالسياسة العربية عصر ذاك من حملات تشكيك، ودعوات للإنشقاق والتفسخ. فقد طمع مروان العقيلي مثلاً في ملك سيف الدولة وخرج إلى حلب يريد احتلالها، فكان أن تصدى له سيف الدولة وأحبط محاولته وأعاد إلى العرب ثقتهم بأميرهم العربي وقائدهم المظفر. كذلك فعل كل من رشيق النسيمي ودزبر الديلمي، وغيرهما.
نظام الفدائيين
ومما يذكره المؤرخون عن جيش سيف الدولة ويتندرون به أنه كان نظم فيالق من خيرة جنوده، ودربهم تدريباً خاصاً فيه جرأة ومغامرة وفداء، وإقبال على الأعداء ومباغتتهم من حيث لا يتوقعون. وعرفت هذا الفرق باسم حملات القفز وذلك لأنها، كما وصفها أحدهم، كانت تعمد في سبيل الوصول إلى الأعداء، إلى القفز من قمة إلى قمة بكل سهولة ويسر، يقفزون بين هاويتين سحيقتين …
وأضاف قائلاً: «ثم ينزلون على العدو فيوقعون به شر الوقائع وينزلون الرعب في صفوفه، وينشرون الفزع في معسكراته ويتركون الكثير من القتلى». وكان الجنود البيزنطيون حين يروون قصص الفدائيين العرب يروونها في كثير من الفزع والرعب.
وجيش الأمير العربي الذي يحمي الثغور ويقف سداً منيعاً في وجه الأعداء كان له قواده المدربون الذين تتلمذوا على يد الأمير وخاضوا المعارك معه، ورسموا خطط الحرب وكابدوها. بالإضافة إلى ذلك فقد كانت تجمعهم مع الأمير أيضاً أواصر الدم والقربى، فهذا هو أبو فراس الحمداني ابن عمه الشاعر والفارس يخوض كثيراً من المعارك في صحبته، كما كان ينوب عنه في قيادة الجيش أثناء بعض المغازي التي يقوم بها في الثغور، أو أثناء بعض المعارك التي ينهض لها لترويض القبائل الثائرة.
أما ابن عمه أبو تغلب وائل بن داود بن حمدان، فكان يلي أمر حمص ويساند الأمير في حروبه مع الروم. وهناك أيضاً أبو زهير مهلهل بن نصر بن حمدان الذي خاض معارك عدة إلى جانب سيف الدولة ومنها معركته في حصن صفصاف الذي فتحه وأوغل بعد ذلك في بلاد الأعداء، إلى أن لقي مصرعه.
ولا ننسى أيضاً أبا العشائر الحمداني الذي كان والياً للأمير على أنطاكية، وقد أسر في موقعة عرندس سنة 345هـ ـ 996م حيث حمل إلى القسطنطينية ومات فيها قبل أن يتم افتداؤه كما علينا ألا ننسى هبة الله ومحمد ابنا أخيه ناصر الدولة، وقد ولاّهما أكثر من مرة على رأس بعض الجيوش لخوض بعض المعارك.
إن الحمدانيين الذين قال عنهم الثعالبي إنهم أسرة من ملوك العرب «وجوههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة»، لعبوا دوراً بارزاً على صعيد السياسة القومية، إذ كانوا يشكلون بحق نواة الدولة العربية في حلب الشهباء، تلك الدولة التي أسست على قاعدتين أساسيتين: قاعدة توحيد العرب والثانية العمل على الوقوف سداً منيعاً في وجه جميع الحملات الصليبية البيزنطية التي كانت تستهدف استرداد البلاد التي خرجوا منها عقب الفتح العربي الإسلامي.
وحقاً، كان بإمكان هذه الدولة التي استقطبت أنظار العالم عصر ذاك، وشدّت قلوب الناطقين بالضاد إليها، أن تعمل على التوحيد والتحرير، غير أن مؤامرة الأعداء نالت منها وهي في تطور تكوينها وتأسيسها، فانتهى الحلم بموت الحالم فزالت بزوال الحاكم.
قصي الحسين
وعن الحمدانيين قال الدكتور محمد حمادة: تحرك التغالبة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، خاصة في الجزيرة بزعامة بني حمدان، في وقت كانت فيه الجزيرة الفراتية عباسية وبقية سورية طولونية، ودخلوا مسرح السياسة السورية بتولية أحدهم (حسن بن حمدان) من قبل الخليفة العباسي على الجزيرة (324هـ/ 935م) فامتدت سلطته من دجلة إلى الفرات ومن الموصل إلى الرقة مظهراً وجماعته حنكة واعتدالاً في منطقة حساسة غنية بالتناقضات.
وإذا كان المؤرخون قد اعتبروا الحمدانيين شيعة([370])، فمما لا شك فيه أنهم كانوا من الشيعة الاثني عشرية التي لم يعد لديها التشيع ذاك التيار السطحي القبلي الجامد، فاعتمدوا سياسة قبلية تقوم على الاستفادة من القبلية في دعم السلطة الحمدانية، فاعتمدوا على القيسية في الجزيرة ككلاب وعقيل وعلى اليمنية في سورية الشمالية ككلب وتنوخ([371]).
ولكن عمق التجربة القبلية في تعاملها مع السلطة، ومحدودية التجربة جعل سوريا بعد خمس وسبعين سنة إرثاً لثلاث قبائل كبرى: عقيل (الجزيرة)، كلاب (سورية الشمالية) وطيء (فلسطين).
كان الحمدانيون في خطهم الديني الشيعي على كثير من الاعتدال، قبل وبعد تأسيس إماراتهم، ويبدو أنهم قرروا وضع خطهم الديني في خدمة خطهم السياسي وهذا ما جعلهم في تعاطف مع البويهيين([372]) عموماً وذلك إلى أن تضاربت لدى الفرقاء الشيعة المصالح السلطوية([373]) فكان على المحدانيين العمل بحذق للحفاظ على سلطتهم السياسية. يعتبر سعد الدولة أبو المعالي (356 ـ 381هـ/ 967 ـ 991م) أول من تصدى للعلاقات مع بغداد، فأنهى الاعتراف النظري ليعود بعد حين إلى التعامل مع البويهيين([374]) ثم مع البيزنطيين لأنه أضحى على نفس المسافة من كل هؤلاء، ثم من جديد مع الفاطميين([375]) (376هـ/ 986م).
على هذا النحو كانت التجربة الحمدانية صعبة ومُرّة، وذلك رغم المناخ الملائم الذي تجلى في الورطة الإخشيدية إذ كان الإخشيديون محصورين بين القرامطة شرقاً والفاطميين غرباً والحمدانيين شمالاً، وفي التأثير الحمداني على بغداد بعد مقتل ابن رائق الذي ضاع بدخول البويهيين إليها (334هـ/ 945م) وقد بدت الصعوبة في موقف أبي المعالي ودورانه على ذاته متطلعاً إلى كل جهات إمارته دون أن يغرب عن بالنا أن هذا التطلع كان مصحوباً بتحرك من كل المحيطين به لأنه كان صاحب الموقع الفريد لكل من بغداد والقسطنطينية في سعيهما لامتلاك سورية، في حين أنه لم يكن يمثل العقبة ذاتها بالنسبة للفاطميين إلا عندما غدت بغداد هدفهم وذلك لعوامل عدة منها تحريض بكجور لهم على ذلك وهو أحد ولاة سعيد الدولة ابن سعد الدولة([376]).
بعد وفاة سعد الدولة خلفه ابنه سعيد الدولة فتقدم منجوتكين حاكم دمشق الفاطمي بأمر من الخليفة العزيز نحو حلب (382هـ) فاحتل حمص وحاصر حلب، ورغم محاولة الأمير الحمداني استرضاء الفاطميين بالمال وبالخطبة فإن الفاطميين أصروا على احتلال حلب وهو أمر يؤكد رغبتهم في وضع المنطقة كلها تحت سلطتهم وحسم أمر إعادة توحيد الإرث الإسلامي([377]). لكن التدخل البيزنطي أخّر سقوط حلب وتوقف الحلم الفاطمي التوحيدي عند هذا الحد.
حاول الحمدانيون الذين سيطروا على سورية الشمالية من 333هـ/ 944م إلى 406هـ/ 1015م توسيع أفق محاولتهم التوحيدية فلم يوفقوا في سورية الوسطى، لكن قيام الدولة الحمدانية رغم تغليبها لمصالحها السياسية التي كان يمليها عليها موقعها الجغرافي والقوى المحيطة بها، أدى إلى شيوع مناخ من الاعتدال والحرية الدينيين خيّم على القرن الرابع الهجري وجعل تيارات دينية كثيرة تجهر بهويتها الدينية، خاصة الشيعية منها فانتشرت الاثنا عشرية في حلب([378]) .
وكان من أشهر بيوتاتهم فيها بنو زُهرة، وفي بنقوسا، قنسرين، سروج، حرّان، حمص، وشيزر.
يقول حسن الأمين: إن مناخ الاعتدال والحرية الدينيين الذي خيّم على القرن الرابع الهجري، كان لأن الشيعة كانوا حكّام هذا القرن: الفاطميون والحمدانيون والبويهيون.
ويقول الدكتور حمادة:
إلى جانب الأوضاع القبلية التي حاول الحمدانيون تجاوزها، ثم الأوضاع الدينية التي لم تكن لتعيق سلطتهم، رأينا أن وجودهم حيث كانوا، وفي آن معاً مع البويهيين ومع الفاطميين وهم جميعاً أصحاب مشاريع سياسية عريضة وشاملة، يضاف إلى ذلك التدخل البيزنطي في سورية، كل هذا أجهض محاولتهم المتواضعة (محدودة المدى والإمكانية) التي أدت خدمة للتجربة الفاطمية إذ كانت الكيان السياسي الشيعي الأول الذي مهّد للكيان الكبير الذي تمثل بالخلافة الفاطمية.
انتهت الإمارة الحمدانية بعد سعيد الدولة (ت 392هـ/ 1001م) وبدأ حكم غلمان الحمدانيين الذي استمر من 392هـ/ 1001م إلى 406هـ/ 1015م).
أنهى لؤلؤ وابنه منصور بعده سياسة الحمدانيين الدينية والقبلية وأقاموا علاقات طيبة مع الفاطميين في مصر وطرابلس فأضروا حكمهم ولم يخدموا الدولة الفاطمية؛ فقام الكلابيون بقيادة صالح بن مرداس وأنهوا حكم منصور بن لؤلؤ واضطروه إلى اللجوء إلى أنطاكية.
بنو حمدان
أ ـ بالموصل
1 ـ ناصر الدولة أبو محمد الحسن 317هـ
2 ـ عدة الدولة أبو تغلب فضل الله الغضنفر 358هـ
3 ـ أبو طاهر إبراهيم ـ أبو عبد الله الحسن وليا معاً 371م حتى 380هـ
السيادة البويهية 371 ـ 373 ـ 379هـ
1 ـ سيف الدولة أبو الحسن علي (توفي بحلب في صفر 356) قرعويه (مولى سيف الدولة) 333هـ
2 ـ سعد الدولة أبو المعالي شريف الأول صفر 356هـ
3 ـ سعيد الدولة أبو الفضائل سعيد، (عامل الفاطميين وكان لؤلؤ وصياً عليه) صفر 381هـ
4 ـ أبو الحسن علي صفر 392هـ
5 ـ أبو المعالي شريف (الثاني) 394هـ
لؤلؤ (مولى الحمدانيين الأواخر وحمو سعيد الدولة) 394هـ
مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ
399هـ
(خضع للفاطميين 406هـ)
حمص
من كبريات المدن السورية
قال ياقوت: بلد مشهور كبير بين دمشق وحلب في نصف الطريق، قال أهل السير بناها اليونانيون وزيتون فلسطين من غرسهم. وبها قبر خالد بن الوليد وبعضهم يقول إنه مات بالمدينة ودفن بها وهو الأصح، ويقال إن هذا الذي يزار بحمص إنما هو قبر خالد بن يزيد بن معاوية وهو الذي بنى القصر بحمص وآثار هذا القصر في غربي الطريق باقية، وبها قبر قنبر مولى علي بن أبي طالب ويقال: إن قنبراً قتله الحجاج وقتل ابنه بالكوفة، وبها قبر لأولاد جعفر بن أبي طالب (قال):
ومن عجيب ما تأملته من أمر حمص أن أشد الناس على علي بصفين مع معاوية كان أهل حمص فلما انقضت تلك الحروب ومضى ذلك الزمان صاروا من غلاة الشيعة فقد التزموا الضلال أولاً وأخيراً فليس لهم زمان كانوا فيه على الصواب (اهـ) ومن شيعتها ديك الجن الحمصي الشاعر المشهور.
ثم إنه لم يبق في حمص شيعي من زمان قديم إلا النادر أو المتستر، نعم يوجد حوالي حمص عدة قرى أهلها شيعة منها (الغور) بضم الغين و(الدلبوز) و(تل الأغر) وغيرها وكان أهل البيوضة من قرى حمص شيعة وبسبب الجور لم يبق بها شيعي وأهلها القدماء الذين هم في أعلى الجبل يعيرون إلى اليوم بالتشيع. وهي على جبل أبيض ولذلك سميت البويضة. وبعض القرى أخرج أهلها الشيعة منها في دولة العثمانيين قهراً وأسكن فيها بدلهم مهاجرة الجركس كما يوجد كذلك في قرى حماه منها قرية كبيرة تسمى (الشيخ علي كيسون) اغتصبها بعض وجهاء حماه فأجلى أهلها عنها وتشتتوا في البلاد([379]).
كتاب مخطوط في تاريخ حمص
قال عمر نجيب العمر:
تراثنا العربي زاخر بالكنوز الثمينة التي تستدعي الأيدي العاملة الأمينة لتظهرها للبيان واضحة جلية على حقيقتها، ومن هذه الكنوز تلك المخطوطات التي لا يزال أكثرها بحاجة إلى من يمسح عنها غبار الزمن، ويفكها من طيات النسيان. ووضع هذه المخطوطات بين أيدي الباحثين بعد تحقيقها، سيضيف حلقة جديدة إلى سلسلة تاريخنا العربي، ويساعد على استكمال الصورة الحقيقية له. ثم يقول: تم اختيار مخطوط تاريخ حمص ليكون موضوعاً لرسالة ماجستير في قسم التاريخ في جامعة دمشق.
وهذا المخطوط لم يتعرض له أحد بالدراسة والتحقيق، لذا قمت بوضع مقدمة أشرت فيها إلى جوانب من حياة مدينة حمص، في الفترة الزمنية التي يبحثها المخطوط (1100ـ 1135هج/ 1688 ـ 1722م).
ثم يقول: ويعتبر مخطوط تاريخ حمص هاماً لثلاثة عوامل: أولها أن مؤلف المخطوط كان يكتب عن أحداث عاصرها. وثانيها: قربه من الجهاز الحاكم، مما أتاح له الاطلاع على كثير من الأمور، وثالثها أن المخطوط هو المصدر الوحيد المعروف حتى الآن عن تاريخ حمص في تلك الفترة.
ثم يتحدث عن المؤلف والمخطوط:
المؤلف هو محمد المكي بن السيد بن الحاج مكي. ولد في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري / النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي، ولم نتمكّن من معرفة سنة ميلاده بدقة.
أما وفاته فكانت بعد عام 1135/ 1722، لأن مؤلفه انتهى في هذا التاريخ. وآخر تاريخ يذكره فيه هو يوم الاثنين أول ربيع الأول 1335.
واستناداً إلى المخطوط يقول الكاتب:
مدينة حمص
في بداية القرن الثاني عشر الهجري
1 ـ حمص وأبنيتها الأثرية:
حُكمت حمص كغيرها من بلاد الشام من قبل الدولة العثمانية في عام 922/ 1516م، وكانت أحد الألوية التابعة لولاية طرابلس. وامتدت حدود حمص، في فترة دراستنا، من حسية جنوباً إلى الرستن شمالاً، لأن العسكر الحمصي المسؤول عن حماية قافلة الحج في منطقة حمص كان يستقبل القافلة في حسية.
ويؤكد الشيخ عبد الغني النابلسي في عام 1693 امتداد حدودها حتى الرستن، إذ يقول: «ثم إن الجماعة الذين كان أرسلهم معنا حاكم حمص رجعوا من الرستن وقالوا هذا حدنا فلا نتجاوز أرضنا»([380]).
وكانت حمص محاطة بسور قديم، وقد فقد أهميته، مما جعل بعض الأهالي يستخدمون حجارته للبناء في مطلع القرن الثامن عشر. وكان للسور ثمانية أبواب ذكرها مخطوط تاريخ حمص، وهي: باب تدمر، باب هود، باب السباع، باب الدريب، باب التكية، باب المدينة، باب البوابة، باب خان العشر.
بينما ذكرت المصادر الحديثة سبعة أبواب، تتفق أربعة منها في التسمية مع الأبواب التي ذكرها المخطوط، وهي (باب تدمر، باب هود، باب السباع، باب الدريب)، وتختلف أسماء الأبواب الثلاثة الأخرى.
وربما كان الباب الآخر الذي ذكره المخطوط قد زال من الوجود. وتتوزع هذه الأبواب، حسب الجهات، على النحو التالي: باب المسدود يقع شمالي القلعة، وباب التركمان وباب السباع في الزاوية الجنوبية الشرقية من حمص، وباب السوق في الناحية الشمالية الغربية، ويقع باب هود في الناحية الغربية من حمص أيضاً. وتفيد أبواب المدينة في إغلاقها مساءً، كما أن رؤوس القتلى من قطاع الطرق كانت تعلق على الأبواب أحياناً للإرهاب.
وتعتبر القلعة من الأبنية الأثرية الهامة، وتحتل المرتبة الثانية بعد السور. وتقع في الزاوية الجنوبية الغربية. أما المساجد فقد كان في حمص آنذاك عدد منها، ذكر صاحب مخطوط تاريخ حمص ما ينوف عن خمسة عشر مسجداً، بمناسبة تصليحها أو بنائها أو أثناء عرض حادثة ما.
سيباط حمصي ومن دراسة أسمائها نجد أن بعض المساجد قد سميت باسم العائلات التي بنتها، مثل جامع (بيت دراق)،أو سميت باسم بانيها (جامع ملاعمر).
ومن المؤكد أن المساجد الموجودة آنذاك ليست كلها حديثة العهد بل هناك مساجد قديمة.
والمساجد المذكورة في المخطوط هي: جامع الكبير، جامع عبد الله بن مسعود، جامع علي أتاسي، مسجد محمد البقاعي، جامع بيت أبو العلا، مسجد النخلة، مسجد حسن البصري، جامع ملا عمر، جامع السراج، جامع الفضائل، جامع السلطان أو القلعة، مسجد قواس النبي، مسجد وحشي وثوبان، وأخيراً مسجد خالد بن الوليد. وقد ذكر النابلسي أثناء رحلته وجود مسجد آخر هو جامع الشرفا، الذي قال إنه كان يسمى جامع الأكراد.
وليست كل هذه المساجد على الدرجة نفسها من الأهمية، فمن أشهرها جامع الفضايل، الذي كانت تقام فيه حلقات الذكر، أثناء أعياد المولد النبوي، وجامع الكبير وجامع عبد الله بن مسعود، والجامعان الأخيران مشهوران بقدمهما وأوقافهما العديدة.
أما جامع السلطان أو القلعة فقد كانت له أهمية خاصة، ذلك أنه كان يحوي بين جنباته مصحف عثمان، الذي كان الحمصيون يأتون به أثناء الاستسقاء. وقد أخبرنا عبد الغني النابلسي([381]) عند زيارته لحمص عام 1105/ 1693م عن المصحف بقوله: «ثم طلبنا زيارة المصحف العثماني فقام رجل من أهل البلد وفتح لنا خزانة في قبلي الجامع المذكور بالقرب من المحراب وأخرج لنا صندوقاً ففتحه وإذا فيه مصحف الإمام عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وعليه أثر الدم في بعض الآيات …. وهو بالخط الكوفي الغليظ وأوراقه عتيقة مهترية ….
ويمكن أن يكون هو مصحفه الذي كتبه بنفسه وقتل وهو في حجره بدليل أثر الدم الذي فيه وقد نقل إلى هذه القلعة ووضع فيها تحصيناً له وعندنا في الشام في الجامع الأموي مصحف يقال له مصحف الإمام عثمان بن عفان ….. إلا أن أوراقه وخطه بالنسبة إلى المصحف الذي في قلعة حمص جديد وليس في أوراقه شيء متقطع»([382]). وهناك قولان حول مصير هذا المصحف: الأول بأنه نقل إلى برلين من قبل بعض القادة الألمان([383])، والثاني بأن جمال باشا نقله إلى استانبول([384]).
جامع خالد بن الوليد
أما مسجد خالد بن الوليد فقد كان تابعاً لضاحية المدينة، التي كانت تسمى قرية سيف الله خالد بن الوليد، وتبعد عن حمص نحو ميل([385]). وقد جدد بناءه ناظم باشا أحد ولاة الشام فجاء على نسق جامع استانبول. ويوجد ضريح خالد بن الوليد في الركن الشمالي الغربي من المسجد، لذا اكتسب المسجد أهمية خاصة.
وكانت هناك زاويتان هما: الزاوية الحسنوية، وزاوية عبد الله الحراكي وذكر المخطوط، بالإضافة إلى هاتين الزاويتين، عدة ترب، هي: تربة باب الدريب، وتربة بابا عمرو بن أمية، وتربة خالد بن الوليد.
وورد أيضاً ذكر الصومعة والتكية، وثلاثة خانات (السبيل، والجديد، والأعشر)، والمارستان وبعض المقاهي والساحات العامة، وذكرت كذلك خمسة حمامات هي: حمام الجديد والصغير والذهب والأمير علي والمسدي.
ووجد فرنان هما: فرن ابن سله السيد، وفرن إبراهيم آغا. ومن الممكن وجود عدد من الأفران أكثر مما ذكر، لأن المخطوط لم يذكر تلك الأفران قاصداً تعدادها، كما أنه لم يذكر لنا شيئاً عن توزعها، أو عن أمكنتها ومدى إنتاجها.
2 ـ علاقة حمص بالمراكز العثمانية
أ ـ العلاقة مع حماه:
حماه مدينة هامة بالنسبة لحمص، وكانت على علاقة وثيقة بها، إذ تقع هذه المدينة في الحيز الجغرافي نفسه. فقرب المدينتين من بعضهما، وتمتعهما بالصفات الطبيعية نفسها، وتبعيتهما معاً لولاية واحدة هي طرابلس، ثم جعلهما معاً (مالكانة) لآل العظم، مما اقتضى تبعية المدينتين إلى دمشق، أدى ذلك إلى جعل المدينتين في علاقات مستمرة ووثيقة.
وكثيراً ما كانت ولاية طرابلس تعتبرهما لواءين ملتحمين، فتعين متسلماً واحداً لحمص وحماه. لذا فالعلاقات بين المدينتين كانت متنوعة أملتها ظروف متعددة.
وكانت الدولة العثمانية قد رأت بعد ثورة الغزالي في بلاد الشام والقضاء عليها في 26 صفر 927هـ/ 5 شباط 1521م، أن تقلص نفوذ ولاة الشام، وذلك بتقليل المساحة التي يشرفون عليها. وهكذا أعيد تقسيم بلاد الشام إدارياً.
فأصبحت حمص وحماه وسلمية وجبلة واللاذقية والحصن تابعة لولاية طرابلس، وفي الربيع الأول من القرن الثامن عشر ألحقت حمص وحماه بولاية الشام، وذلك إثر تعيين إسماعيل العظم والياً على الشام في 1137هـ/ 1725م. وكانت المعرة وحماه وحمص (مالكانات) لآل العظم([386]).
ومما يؤكد تبعية حمص وحماه لولاية الشام آنذاك كتاب ورد من والي الشام إسماعيل باشا إلى متسلمه في حماه وحمص ـ ابنه أسعد باشا إلى متسلمه في حماه وحمص ـ ابنه أسعد باشا العظم ـ يأمره فيه بأن يمنع الناس من بيع غلالهم، حتى تباع كل الغلال الميرية، وكان ذلك في عام 1140هـ/ 1727 ـ 1728م([387]).
وبقيت حمص تابعة لولاية الشام حتى 1282/ 1865 ـ 1866 حين صدر قانون الولايات الجديد عن السلطان عبد العزيز فأصبحت حماه تابعة لحمص التي عدت مركز حكومة اللواء. وفي 1284/ 1867م نقل مركز حكومة اللواء إلى حماه. ومن يومها أصبحت حمص قائمقامية تابعة لحماه. وبقي هذا الحال قائماً حتى خروج العثمانيين، وانتهاء حكمهم في بلاد الشام.
وهكذا كانت حمص وحماه تشتركان في حياة إدارية متشابهة. وكان يعين متسلم واحد للمدينتين أحياناً، ويقيم هذا المتسلم في حماه، ويعين نائباً عنه لحكم حمص. وكان سليمان باشا متسلماً على حمص وحماه في عام 1081/ 1670 ـ 1671، وقد تمركز في حماه وعين نائباً عنه لحكم حمص. وكانت وفود كثيرة تسافر إلى حماه معربة لحاكمها عن مشاكل حمص.
وكان نقباء الأشراف في حمص يلجؤون إلى آل الكيلاني، أشراف حماه، وأصحاب الطريقة القادرية، الذين لعبوا دوراً هاماً في تاريخ حماه ونقابة أشرافها.
ونتج عن وقوع المدينتين في منطقة واحدة، تعرضهما لمشاكل متشابهة، فقبائل البدو (تركمان، موالي) كانت تهاجم حمص وحماه مما اقتضى تعاون المدينتين على هذه الاعتداءات، كما حدث في 1129/ 1717، وكذلك في 1130/ 1718.
وهناك علاقات من نوع آخر، مثل هجرة بعض أبناء حماه وسكناهم حمص، وقيام علاقات زراعية وصناعية وتجارية بين أبناء المدينتين. وحين تحدث بعض المشاكل في إحدى المدينتين يقوم الأهالي بالهرب إلى المدينة الثانية، كما حدث عندما هرب أهل حماه إلى حمص في العام 1107/ 1695، وكذلك في العام 1124/ 1712.
مما سبق نلاحظ أن علاقة المدينتين كانت علاقة وثيقة وقوية، ولم تكن تقتصر على مستوى معين بل كانت تشمل مستويات عدة.
ب ـ العلاقة مع طرابلس:
تأتي علاقة حمص مع طرابلس في الدرجة الثانية من الأهمية بعد مدينة حماه. ويمكن أن نجمل هذه العلاقة في عدة نقاط، أهمها أن تعيين وعزل المتسلمين في حمص كان يتم من قبل والي طرابلس.
كما أن تحديد الضرائب كان يتم من مركز الولاية طرابلس، وكان الوالي هو الذي يحاسب المتسلم بعد جمع الأموال والضرائب. كذلك كان الوالي يتلقى شكاوي الهالي ضد المتسلمين والجهاز الحاكم وضد المؤسسة الدينية، وكذلك شكاوي أفراد هذه الأجهزة ضد بعضهم، ويمكن القول إن علاقة حمص مع طرابلس كانت علاقة تبعية وكثيراً ما أرسل الوالي من يراقب سلوك القاضي أو المتسلم في حمص.
وكان والي طرابلس يطلب من متسلم حمص ـ بناءً على طلب الدولة: توطيد الأمن ونشره، وقطع دابر الفوضى والبلبلة؛ وبخاصة بالنسبة إلى قافلة الحج التي كانت تمر سنوياً بحمص في ذهابها وإيابها.
وكان والي طرابلس يعرض شؤون حمص على العاصمة استانبول.
ج ـ العلاقة مع دمشق:
إن علاقة حمص مع دمشق قوية سواء بعد أن أصبحت حمص تابعة لدمشق، أو قبل أن تصبح تابعة لها. ومما لا شك فيه أن العلاقة ازدادت قوة إثر تبعية حمص لدمشق، أي بعد 1137/ 1725. فقد كان على حكام حمص أن يوطدوا علاقتهم مع والي دمشق نظراً لأهمية دمشق وواليها بالنسبة لاستانبول.
ويتجلى ذلك في استقبال متسلم حمص لوالي الشام القادم من دمشق في قرية حسية، وتقديم كل المساعدات الممكنة له. ولم تكن العلاقة الحسنة مقتصرة على الحكام، بل شملت أعضاء المؤسسة الدينية. فتعيين قاضي حمص كان يتم أحياناً من قبل مفتي دمشق، كما حصل في 1100/ 1688. وازدادت العلاقات قوة بين ولاة دمشق وحكّام حمص عندما عين هؤلاء الولاة أمراء لقافلة الحج بصورة مستمرة بدءاً من عام 1708، وغدت حمص مصدر تمويل هام لهم.
د ـ العلاقة مع استانبول:
كانت علاقة حمص مع استانبول ضعيفة في فترة المخطوط، بين (1100 ـ 1135/ 1688 ـ م1722). وتم اتصالها عن طريق الوالي الذي أدار شؤون الولاية والألوية التابعة لها. وتنحصر هذه العلاقة في عدة نقاط، فتعيين نقيب الأشراف في حمص تم من استانبول.
أما تعيين المتسلم والقاضي والمفتي فنادراً ما تم من استانبول. وكانت بعض وفود الحمصيين تقصد العاصمة لتأمين مصالحها الشخصية، أو للحصول على بعض المناصب، ولتأمين بعض المصالح الهامة للمدينة كإيصال الماء لأحد المساجد.
وترد في مخطوط تاريخ حمص معلومات حول وصول أوامر من استانبول بتحصيل ضريبة جديدة، أو برفعها، أو إرسال عدد من الجنود لحرب طارئة، أو مطاردة أحد الولاة الهاربين، كما يمكن أن تطلب الدولة من رعاياها الدعاء للسلطان في حروبه، أو تلاوة بعض السور لدفع الوباء، وتطلب كذلك حماية ركب الحج الذي يمر بحمص، أو تأديب البدو وقطاع الطرق.
وهناك علاقة من نوع آخر ناتجة عن موقع حمص، إذ كانت تمر بحمص سنوياً خزنة المال إلى استانبول وخزنة المال هذه تكون من مصر ومن ولايات بلاد الشام الجنوبية. ولا تمر الخزنة في شهر معين، وليس لها مقدار معين.
وهناك خزنتان أخريان تمران بحمص إلى استانبول، هما خزنة الفواكه وخزنة السكر، وكانتا تأتيان من دمشق، وتمران بحمص في وقت معين واحد، هو شهر رجب.
3 ـ الجهاز الإداري والعسكري:
من أبرز موظفي الجهاز الإداري في حمص المتسلم. ويعتبر المتسلم أعلى سلطة إدارية في المدينة، ويعين بمرسوم صادر عن الوالي الذي تتبعه المدينة. ويشمل مرسوم التعيين عدة أمور أهمها:
الطلب من الأهالي إطاعة المتسلم، لأنه سيكون عند حسن ظنهم، كما يطلب من المتسلم جمع الأموال والضرائب، ونشر العدل وتأمين الأمن والقضاء على قطاع الطرق.
وقد أضيف أمر آخر، وهو إعمار الضياع المتهدمة، عند تعيين إسماعيل العظم متسلماً لحماه وحمص في 1131/ 1719. وقد يتضمن المرسوم أسباب عزل المتسلم السابق.
وكثيراً ما نشب الصراع حول منصب المتسلم، لذا لجأ المتسلم إلى كسب دعم السكان ودعم الوالي الذي عينه، وكذلك سلطات استانبول، والذي يتمكن من تأمين هذه الشروط الثلاثة، يعين أو يعاد تعيينه أكثر من مرة، وقد استطاع إبراهيم آغا، أحد أغوات حسية، أن يحكم حمص بين (1100 ـ 1121/ 1688 ـ 1709) خمس مرات، لأنه تمكن من تأمين الشروط.
واستطاع خصمه عبد الفياض بيك أن يحكم حمص أربع مرات أيضاً لتمتعه بالصفات نفسها.
وقد استفادت حمص من المتسلم إبراهيم آغا الدمشقي الذي لا يُعلم تاريخ بدء متسلميته، وقد انتهى حكمه في أواخر جمادى الثاني1130/ 30 آذار 1718، والذي كبح جماح البدو والتركمان، وأرسل مساعدات عسكرية إلى حماه لحمايتها من هجوم البدو والتركمان. وعُيِّن في 1131/ 1719 إسماعيل العظم متسلماً لحماه وحمص، وكان يمهد للوصول إلى حكم المنطقة منذ فترة، بإرساله معونات غذائية إلى حمص أثناء الأزمات.
ولو استعرضنا أسماء وفترات الذين تولوا منصب متسلم حمص لوجدنا أن أغلبهم من حمص والمنطقة التي من حولها، وأن فتراتهم قصيرة، وذلك لكثرة تبدل الولاة مما يجر معه تبدل المتسلمين، وأيضاً لكثرة الصراع حول هذا المنصب.
د ـ قافلة الحج وعلاقتها بحمص:
كان يعتبر موسم الحج بالنسبة لحمص موسماً اجتماعياً ودينياً واقتصادياً. فقد كانت قافلة الحج الشامي تتجمع في دمشق، ويمر الحجاج بحمص على دفعات خلال شهري رمضان وشوال. ويستكمل الحجاج فيها حاجياتهم التي لا يجدونها في غيرها. وكان الحجاج الحمصيون ـ وبعضهم من التجار ـ ، يذهبون مع قافلة الحج الشامي، إلى الحجاز، ومن هناك يذهب بعضهم إلى مصر.
ويقوم متسلم حمص والقوى العسكرية باستقبال الحجاج العائدين عند حسية، وذلك لحمايتهم وإيصالهم إلى خارج حمص. حيث يتسلمهم متسلم حماه في قرية خالد بن الوليد. والغاية من مرافقة القوى العسكرية للقافلة هي حمايتها من البدو، فقد كانت الأوامر تأتي تباعاً للمتسلمين في حمص وحماه تحضهم على حماية القافلة من البدو وقطّاع الطرق، ويحذر الأمر المتهاونين بالعقوبة الشديدة.
وأوكل إلى القوة العسكرية حماية القافلة في الذهاب وفي الإياب. وبالرغم من كل الأوامر والاحتياطات لم تكن قافلة الحج لتنجو دائماً من هجوم بدوي في منطقة حمص. كما حدث في العام 1113/ 1701، حين أغار البدو على القافلة، ونهبوا أموال أمير الحاج.
وتعتبر حمص ممراً لحجاج المناطق التي تقع إلى الشمال منها. ولم يكن من الضروري أن يمر هؤلاء الحجاج دفعة واحدة، فقد يمر الحاج الحموي، ثم الحلبي، ثم العجمي، كما يشير إليهم مخطوط تاريخ حمص.
والحجاج الحمصيون أيضاً لا يسافرون دفعة واحدة من حمص، بل يرافق بعضهم الحاج الحموي، وبعضهم الحاج الحلبي. ويتجمع الجميع في دمشق لينطلقوا باسم قافلة الحاج الشامي لأداء فريضة الحج. وللقافلة كتّاب مهمته إرسال أنباء القافلة في سفرها. ولكن الرسائل التي كان الحجاج الحمصيون يرسلونها إلى ذويهم تتأخر في الوصول، ولم تكن تصل إلا قبل وصول الحجاج بوقت قصير.
وكان لقافلة الحج أثر كبير بالنسبة للحياة الاقتصادية، إذ كانت الحركة التجارية تنشط في حمص حين وصول الحجاج إليها، أي في شهري رمضان وشوال. ثم بعد رجوع الحجاج في صفر. وتمتد هذه الحركة حوالي ستة أشهر. فلا بد للحجاج من شراء بعض حاجياتهم من حمص، وخاصة المناديل المطرزة التي اشتهرت بها.
كذلك لا بد للتجار الحمصيين الذين ينطلقون مع قافلة الحج، من تهيئة ما يرونه مناسباً، لبيعه في البلاد المقدسة.
5 ـ الحياة الاجتماعية في حمص:
أ ـ السكان:
كانت حمص تضم فئتين من السكان: الأولى تشمل:
الجهاز الحاكم والموظفين الدينيين، وشيوخ الحارات، وشيوخ الطرق الصوفية، ورؤساء الطوائف المهنية. ولكل منها مهامها وأعمالها. والفئة الثانية ـ وتشمل بقية أبناء الشعب ـ ، وهي مرتبطة بالفئة السابقة بروابط شتى. فالعامل يرتبط بشيخ حرفته بشكل حرفي، وهناك ارتباط قوي بين مشايخ الطرق الصوفية ومريديهم. والجميع يعيشون حسب النظم التي تعودوها خلال الفترة التي عاشتها الأمة العربية في كنف الدولة العثمانية.
منظر عام لمدينة حمص
وتضم حمص السكان العرب المسلمين، إضافة إلى العرب المسيحيين، ويلاحظ اشتراك هؤلاء مع بقية إخوانهم من أهل حمص في الذهاب إلى الوالي للشكوى ضد الظلامات التي تقع على أهل حمص. وكان في حمص بعض السكان من أصل تركماني، كما ضمت بعض الأسر الدمشقية والحموية والحلبية.
وتقطن الأسرة الحمصية في منزل لا يختلف هندسياً عن المنازل الموجودة في أغلب مدن الشام. فهو عبارة عن مسكن مكون من عدة غرف متقابلة تحيط بباحة الدار الواسعة. وتتسع الدار وتكثر غرفها نتيجة ازدياد عدد الأولاد. وتتم إنارة البيت بواسطة السراج الزيتي، ويدفأ بواسطة «الكانون» أو المنقل، الذي يشعل فيه الفحم.
وقد ذكر صاحب مخطوط تاريخ حمص فقدان الفحم في بعض أيام الشتاء الباردة، وغلاءه في بعض السنوات. أما بالنسبة للماء المستعمل داخل المنزل الحمصي، فقد كانت له مصادر ثلاثة: الآبار الموجودة ضمن البيوت، وكانت مياهها تستخدم للاستعمالات المنزلية. ثم مياه الساقية التي كالنت تأتي من بحيرة قطينة لتسقي بساتين حمص ومزروعاتها، ولتوزع على بعض حمامات ومساجد المدينة، وكانت الساقية تنظف سنوياً من الأتربة والحشائش التي تنمو فيها مما يعيق جريان الماء فيها.
وتزداد العناية بالساقية عند جفاف مياه الآبار. وتستعمل مياه الساقية أيضاً للاستعمالات المنزلية المتعددة. أما المصدر الثالث فهو مياه نهر العاصي، التي كانت تنقل بواسطة السقائين وتباع للأهلين.
وكان الأهالي يفضلون استعمال مياه العاصي للشرب، نظراً لإمكانية اتساخ مياه المصدرين السابقين. ولا بد لنا من التنويه بأن السقائين في حمص انتظموا في مهنة كان لها رئيسها «السقاباشي».
والأسرة هي النواة الاجتماعية الأولى التي تتشكل إثر الزواج، الذي يتم بعقد شرعي معترف به عند القاضي. ويذكر في العقد المهر الذي حدد عند الخطوبة وكان المهر في حمص آنذاك (1100 ـ 1135/ 1688 ـ 1722) يتراوح بين (60 ـ 120) قرشاً، ويعادل المؤخر نصف المقدم، ومما لوحظ أن مهر الفتاة البدوية كان أكثر من الحمصية.
وسميت الاحتفالات التي تجري يوم الزفاف «العراضة» التي قد تطول عدة أيام، ويتعلق هذا بمستوى العروسين الاجتماعي. وأطلقت كلمة «بيت» للدلالة على أسرة معينة، كأن يقال «بيت دراق» «بيت السباعي».
وهناك احتفالات خاصة بالأسرة: كولادة الذكر والختان، لأن الأنثى لا يؤبه لها غالباً. فالختان تقام له «العراضات» والولائم الكبيرة، وتقدم فيه الضيافات للمدعوين. وكلما كانت «العراضة» أضخم حجماً، دل ذلك على ارتفاع المستوى الاجتماعي لأهل الطفل المحتفى به.
أما الاحتفالات العامة فقد كانت متنوعة، كالاحتفال بالمناسبات الدينية (عيد الفطر والأضحى، عيد المولد النبوي، الإسراء، وليلة نصف شعبان).
وأكثر هذه المناسبات احتفاءً به هو عيد المولد النبوي، حيث تتجه العراضات من الأحياء باتجاه مسجد خالد بن الوليد لأداء صلاة الظهر، ثم تتلى قصة المولد.
وتعقد بمناسبته حلقات الذكر في جامع الفضايل. وهناك احتفالات من نوع آخر، كالأمر بالزينة نتيجة نصر، أو ولادة ولد للسلطان، والدعاء له بالنصر.
وتتم اجتماعات في المساجد لطلب السقيا في سنوات القحط، ويكون ذلك بأخذ مصحف عثمان من مسجد القلعة إلى الجامع النوري للتبرك به وطلب السقيا.
وفي المقاهي لون آخر من ألوان الحياة الاجتماعية، إذ يأتي الرجال للاستماع إلى الحكواتي، الذي يتلو القصص الشعبية بأسلوب يجذب سامعيه. وهناك الكركوزاتي الذي يحرك الصور أمامه، والتي تشكل في النهاية رواية محددة هادفة.
وكثيراً ما كان البهلوان يزور حمص، وينزل قلعتها ليخلب أنظار مشاهديه بحركاته الرياضية الخفيفة. ويوجد كذلك المزعبر، أو ما يسمى حالياً بالساحر على المستوى الشعبي، الذي يجمع الأموال من مشاهديه.
ب ـ الطرق الصوفية في حمص واحتفالاتها:
ضمت حمص عدة طرق صوفية، وكانت أكثر الطرق انتشاراً الطريقة السعدية الجباوية أو الجندلية كما سماها المخطوط وهي مشتقة من الطريقة الرفاعية، وتنسب إلى مؤسسها سعد الدين الجباوي، الذي يرجع نسبة إلى الرسول الكريم. وكانت الطرق القادرية، والرفاعية، والشاذلية موجودة بنسبة أقل في حمص.
والاحتفال الهام عند رجال الطرق الصوفية هو خميس المشايخ. وتهتم الطريقة السعدية أكثر من غيرها بهذا الاحتفال. وكان رجال الطريقة يهيئون أنفسهم في صباح الخميس، ويتجهون في مواكب منظمة نحو قرية بابا عمرو حيث يؤدون صلاة الظهر، ثم تتجه المواكب نحو المدينة مارة بمسجد خالد بن الوليد، حيث تتم صلاة العصر، ثم تتجه إلى المدينة لتقوم بالدوسة.
وكان الشيخ يأمر أحد رجال الطريقة بركوب الحصان، ليدوس به على ظهور الرجال وهم منبطحون أرضاً. ثم ينتهي الموكب بعد ذلك.
6 ـ الحياة الاقتصادية في حمص:
تأثرت الحياة الاقتصادية في حمص خلال فترة المخطوط (1100 ـ 1135/ 1688 ـ 1722) بعدد من العوامل، فقد أثرت الهجمات البدوية تأثيراً كبيراً، سواء على المدينة أو الريف. وكان الفلاح لا يشعر بالاطمئنان على مواسمه الزراعية، وحتى حياته كانت مهددة دوماً بخطر كبير، وأدى ذلك إلى هجرة واسعة من الريف إلى المدينة. وحاولت الدولة إسكان التركمان الرحل في القرى، وإرجاع الفلاحين إلى قراهم، ولكن نجاح العملية كان ضئيلاً.
أما العوامل الطبيعية، مثل الأوبئة فقد حصدت أعدادا هائلة من السكان، مما أضعف اليد المنتجة. والتهم الجراد المحاصيل بنهم كبير، وكانت طرق مكافحته بدائية جداً. وقد ألمح مخطوط تاريخ حمص إلى كل ذلك بوضوح. وأدت سنوات القحط إلى ارتفاع أسعار المواد.
أ ـ الزراعة:
تأثرت حياة الفلاح في حمص بعوامل متعددة، كالقحط والجراد، والحشرات المحلية كالفئران، والأوبئة ونظراً لأهمية الأمطار، فقد ذكرها صاحب مخطوط تاريخ حمص باستمرار. وأشار إلى الساقية التي تأتي من قطينة، وإلى النواعير المقامة على نهر العاصي.
وسمى الساقية «المجاهدية». وكانت تنظف سنوياً من الأتربة، وقد تساهم الدولة في تنظيفها. وقد أقامت الدولة بعض النواعير لإيصال الماء إلى المساجد، كما استغلها الأهالي للسقاية.
وأنتجت حمص محاصيل بعلية ومروية. فكانت تنتج القمح والشعير والفول والعدس والجلبان، إضافة إلى الخضروات، كما زرعت مزروعات تجارية كالقطن والسمسم، بالإضافة إلى الأشجار المثمرة، كالعنب والتين والزيتون وأشجار التوت لإنتاج الحرير.
ب ـ الصناعة:
أثر موقع حمص الجغرافي في صناعتها، فقربها من القبائل البدوية جعلها تنتج المصنوعات والأدوات اللازمة لهم، من ملابس وأثاث لبيوتهم، كما أنتجت أدوات حرث وحصاد للفلاحين. ومما نشط صناعة حمص مرور قافلة الحج بها.
وقد ذكر أوليا جلبي أن حمص تنسج من الحرير المستخرج من دودة القز مناشف ومناديل، يقبل على شرائها الحجاج.
ج ـ التجارة:
كان في حمص نوعان من التجارة: داخلي، بين ساكن المدينة وساكن الريف، وخارجي مع مدن العالم الإسلامي. فكان الفلاح يأتي إلى حمص بمنتجاته لبيعها. ويأتي البدوي بحيواناته ومنتجاتها كذلك لبيعها في حمص وليشتري كل منهما ما يحتاجه من أسواق حمص.
وكانت تجارة حمص الخارجية تتم مع معظم المدن التي حولها، وحتى مع مصر ومكة، إذ كان الحمصيون يستغلون قافلة الحج للذهاب بتجارتهم إلى مكة، كما يتجه عدد من التجار إلى مصر بعد أداء فريضة الحج. حتى إن بعض الحمصيين أقاموا في مصر فترة طويلة بقصد التجارة.
وتتاجر حمص بالأقمشة الحريرية، والمناديل والمحارم والمناشف التي اشتهرت بها. كذلك فإن الحرير الطبيعي في حمص، كان مادة هامة للتجارة، إلا أنه كان من نوع سيئ وخشن الملمس في فترة المخطوط.
مدينة حمص
7 ـ علاقة حمص مع الريف:
امتد ريف حمص في الفترة بين 1100 ـ 1135/ 1688 ـ 1722 وفق حدودها الإدارية، أي من حسية جنوباً إلى الرستن شمالاً، ومن تدمر والقرى التابعة لها شرقاً، حتى قلعة الحصن، وتل كلخ غرباً. ويقسم سكان ريف حمص إلى قسمين، القسم الأول يتكون من الفلاحين الذين يقطنون الريف، ويعيشون على الزراعة وتربية بعض الحيوانات. والقسم الثاني يتكون من القبائل الرحل، التي تعيش على تربية الماشية ونهب منطقة حمص، وضمت القبائل البدوية الأعراب، وجماعة التركمان التي عاشت في ضواحي حمص وريفها.
لا يختلف ريف حمص في هذه الفترة كثيراً عن بقية أجزاء الريف في كافة الأنحاء الشامية، فقد كانت بعض القرى مقفرة من سكانها، نتيجة لهجمات القبائل وإحراقهم أو سلبهم للمحاصيل الزراعية، وسرقتهم حيوانات الفلاحين، إضافة، إلى جمع بعض جباة الضرائب، أكثر من المبالغ المطلوبة، وحدوث القحط.
وحاولت الدولة إسكان بعض الطوائف الرحل التركمانية في الريف، وأعفتهم من بعض الضرائب. كما حاولت إرجاع الفلاحين إلى قراهم، وذلك بموجب أوامر سلطانية. وكانت غاية الدولة، تخفيف أذى القبائل، وإعمار القرى.
والقبائل التي كانت تعطل جو الطمأنينة بالنسبة لحمص خلال الفترة 1100 ـ 1135/ 1688 ـ 1722 كثيرة برزت بينها القبائل التركمانية، التي كانت تقطن سهول حمص وحماه. والتركمان قبائل من أصل تركي أو مغولي([388]).
خميس المشايخ في حمص
مرّ الحديث عنه عرضاً ونتحدث عنه بشيء من التفصيل:
حتى مطلع الخمسينات كانت مدينة حمص السورية مسرحاً لاحتفالات أعياد الربيع التي كانت تبلغ ذروتها عند طواف أصحاب الطرق الصوفية بمواكبهم في شوارع المدينة وضواحيها. ولا يزال البعض ممن تقدمت بهم السن من أهالي حمص يحتفظون بذكرى حية عن هذه الأعياد التي كانت تشهدها مدينتهم.
كانت هذه الأعياد تمتد إلى سبعة أخمسة متتالية موزعة على شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، ويستخدم تاريخ الفصح المسيحي الأرثوذكسي نقطة مرجعية لتحديد هذه الأعياد التي هي في جوهرها أعياد إسلامية. وأطلق على أخمسة الأعياد السبعة تسميات:
خميس الضايغ، خميس الشعنونة، خميس المجنونة، خميس القطط، خميس البنات، خميس الأموات، خميس المشايخ.
وإذا كان كل واحد من هذه الأخمسة يحمل ذكرى ما في حمص، فإن الجزء الأساسي من هذه الذكرى يتركز على خميس المشايخ لأنه ما زال الوحيد الذي يُذكر في شكل عفوي من بين المجموعة كلها.
فهذا الموسم الحمصي الكبير بقي بالنسبة للبعض، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من اختفائه، الصورة الأكثر تعبيراً عن الازدحام والمرح الصاخب وعن حمية الأيام العظيمة. حتى الشباب الذين لم يعرفوا العيد، سمعوا عنه ما يكفي لجعل اسم خميس المشايخ على الأقل معروفاً لديهم، وأن يكونوا فكرة تقريبية عن طبيعته.
ويصف الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي جان إيف جيليون في كتابه «أعياد الربيع القديمة في حمص» جانباً من أسطورة خميس المشايخ كما يسميها قائلاً: تبدأ فاعليات الإحتفال بهذا العيد بالظهور منذ يوم الأربعاء فتخرج من الزوايا وتنتشر في الشوارع مضيفة على المدينة جواً من الحماسة الخفيفة يبشر بالاحتفالات الجماعية الكبرى، حتى في وقت أبكر من ذلك، أي خلال الأسابيع السابقة، يبدأ نقل السناجق في مختلف أحياء المدينة من دون أن يبتعد أي منها كثيراً عن الزاوية المحفوظة فيها، ويشهد يوم الخميس استكمال الطقس الرئيس بطواف كبير للفرق الصوفية، انطلاقاً من المدينة إلى مسجد باب عمرو القروي الذي يقع على بعد خمسة كيلومترات إلى الجنوب من حي الميدان ـ نقطة انطلاق الموكب.
كان موكب خميس المشايخ ينطلق من مسجد خالد بن الوليد يتقدمه سنجق سيدي خالد وهو راية عريضة مستطيلة الشكل تنصب بواسطة سارية موجودة في الوسط بينما جناحاها يُشدان بواسطة حبال ليصبح شكل السنجق المنشور والمرفوع عبارة عن مستطيل يعلوه مثلث، وليس مجرد مستطيل، وقد غُطي قماش السنجق بعبارات قرآنية أو حكم تمجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزال هذا السنجف ذاته محفوظاً في تحف الآثار الإسلامية في حمص، وخلف السنجف تمشي أفواج الموكب من نوبات المزاهر والششتري والمريدين الذين يحمل بعضهم سيفاً أو شيشاً أو بلطة أو (لتاً) كما يحمل بعضهم الآخر كشاكيل (آنية من النحاس المطروقة).
وخلف نوبات المزاهر والششتري يأتي الدراويش أو الفقراء (والمقصود بهم المريدين النشطين) على عكس الأنصار العاديين في الطريقة وعددهم من عشرين إلى ثلاثين يلبسون لباساً أبيض ويضعون الكسوة ويتلون الأسماء الحسنى على طل الطريق تحت أدارة نقباء الشيوخ.
كان المسير يجري بطيئاً يومي الخميس والجمعة على حد سواء وذلك بسبب عدم انتظامه، إذ تتوقف النوبات كلما شوهدت بين الجمع إحدى الشخصيات المرموقة وفي شكل خاص ممن عرفوا بتقواهم فتعزف لها، وتقدم الامهات أولادهن إلى المشايخ ليباركوهم.
أما النساء اللواتي يسعين إلى البركة لغاية شخصية (من أجل الخصوبة مثلاً) فيباركهن الشيوخ بواسطة العصي لتحاشي التماس الجسدي مباشرة.
ويرجع الباحث جيلون ظاهرة خميس المشايخ إلى مفهوم «عيد الزمن»، «عيد زمن التجديد» وهو يتطابق في الدورة السنوية ولكنه أيضاً بحسب المناخات والتقاويم الطقسية يمكن أن يتطابق مع أي فترة أخرى كالخريف مثلاً بعد جفاف الصيف أو مع خواء الشتاء حالما تعاود الشمس صعودها.
الأماكن الأثرية داخل حمص
1 ـ الأبواب:
باب البوابة: لا تذكر المصادر الحديثة باباً لسور حمص بهذا الإسم. ومن المحتمل أنه زال منذ فترة أو بدل اسمه.
باب تدمر: لا يزال يذكر في المصادر الحديثة، وهو يقع في الزاوية الشمالية الشرقية لحمص ولا يوجد الآن سوى أحجار قديمة تدل عليه.
باب الدريب: يقع في الناحية الشمالية الشرقية من حمص. ويسمى الحي الذي يضمه باسم حي باب الدريب.
باب السباع: يوجد في الزاوية الجنوبية الشرقية لحمص ويسمى الحي الذي يضمه باسمه.
باب المسدود: يقع في شمالي قلعة حمص ولا يزال قائماً حتى الآن.
باب المدينة: أو باب السوق، كان يقع في الناحية الشمالية الغربية من حمص وقد زال منذ فترة.
باب هود: يقع في الناحية الغربية لحمص، ويسمى الحي باسم باب هود.
2 ـ الترب:
تربة باب الدريب: لا تزال التربة موجودة حتى الآن وتحمل نفس الاسم.
تربة خالد بن الوليد: لا تزال التربة موجودة حتى الآن وتحمل نفس الاسم.
تربة بابا عمرو بن أمية: هي إحدى ترب حمص. وهو عمرو بن أمية الضمري توفي في المدينة أيام حكم معاوية في (55هـ/ 675م) أسلم بعد معركة أحد له مقام في حمص في مسجد الروضة.
3 ـ التكايا:
التكية: لا يوجد في حمص سوى التكية المولوية، من العهد المملوكي، كانت تقع إلى الغرب من جامع النوري. هدمتها البلدية عام 1957 وشقت في مكانها طريقاً (شارع معن بن زائدة) وكان على بابها كتابة تؤرخ بناءها عام 841هـ.
4 ـ تل الصمد:
لا يزال التل موجوداً حتى الآن في حي بستان الديوان في حمص.
5 ـ الحسبة:
ساحة من ساحت حمص لا تزال تحمل تسميتها، وتقع بالقرب من سوق التجار.
6 ـ الحمامات:
حمام الأمير علي: لا يوجد في حمص الآن حمام بهذا الاسم.
جامع الحسيني والمئذنة المربعة والقلعة خلف الجامع
7 ـ المارستان:
كان مارستان حمص موجوداً في حي الزاوية، إلا أنه هدم وأقيم مكانه الآن بيوت للسكن.
8 ـ المقامات:
مقام الخضر: لا يزال موجوداً قرب زاوية سعدالدين الجباوي.
مقام دامس أبي الهول: احد موالي بني طريف من كندة. كنيته أبو الهول وكان شديد السواد عظيم الشجاعة. أسلم مع وفد من قومه، وطلبوا من الخليفة عمر بن الخطاب أن يرسلهم للجهاد، فأرسلهم نجدة للمسلمين الذين كانوا يحاصرون قلعة حلب، لمع اسمه إذ كان له دور كبير في فتح القلعة.
مقام أبناء جعفر الطيّار: هو جعفر بن ابي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومقامه ما زال في منطقة باب الدريب.
مقام عمر بن عبد العزيز: ثمة مقام ينسب إلى عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الشهير شرقي تربة باب الدريب.
مقام عبد الرحمن بن عوف: 34 ق.هـ. 32هـ/ 580 ـ 662م.
مقام الملك المجاهد: هو نور الدين زنكي. يقع مقامه الآن في محلة السباعية شرقي جامع أبو لبادة وهو عبارة عن غرفة مربعة. يتوسطها تابوت خشبي مغطى بالقماش تعلوه قبة كبيرة.
9 ـ المساجد والجوامع:
مسجد خالد بن الوليد: لا يزال المسجد موجوداً حتى الآن وسط المدينة.
جامع السراج: لا يزال المسجد موجوداً حتى الآن في حي باب الدريب جانب حمام اسراج.
جامع السلطان أو جامع القلعة: كانت أهميته كبيرة إذ كان يضم بين جنباته مصحف عثمان بن عفان.
جامع الصحن: لا يزال المسجد موجوداً في حي باب تدمر.
جامع عبد الله بن مسعود: لا يزال هذا المسجد موجوداً في حي باب هود. وعبد الله بن مسعود هو الصحابي الشهير.
جامع الأربعين في حمص والمئذنة المبنية فوق البرج
جامع علي الجماس: يسمى جامع التركمان حالياً، ويجاور منطقة بيت السباعي.
جامع الفضايل: لا يزال هذا المسجد موجوداً في حي الدريب.
مسجد النخلة: لا يزال هذا المسجد موجوداً حتى الآن في منطقة باب السباع.
مسجد وحشي وثوبان: لا يزال هذا المسجد موجوداً حتى الآن في منطقة باب الدريب.
وحشي: توفي (25هـ/ 645م) هو وحشي بن حرب الحبشي، مولى بني نوفل من سودان مكة. قتل حمزة عم النبي يوم أحد. ثم أسلم مع أهل الطائف. سكن حمص ومات فيها.
ثوبان: توفي في (45هـ/ 675م) هو ثوبان بن يجود، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعد وفاة الرسول إلى الشام، فحمص وابتنى فيها داراً وتوفي بها.
معلومات عامة
وفيما يلي تلخيص لما كتبه لنا الأستاذ محمد فيصل شيخاني:
ـ 1 ـ
محافظة حمص الأولى بالمساحة بين محافظات القطر السوري إذ تقارب 42000 كلم2 ومدينة حمص الثالثة بعدد السكان بعد دمشق وحلب وتتصل بمحافظات حماه وطرطوس ودمشق ودير الزور والرقة.
وقد وجدت في أنحائها مدافن عديدة تعود إلى عصور قديمة بعض حجارتها تشبه مثيلاتها من النواميس الفينيقية كما وجد مختلف الأشكال ويعود بعضها لعصر السلوقيين.
ـ 2 ـ
في فترة الفتوح الإسلامية العربية، قسمت الشام إلى خمسة أجناد، منها جند الأردن وجند فلسطين وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرين وتعني كلمة جند في تعابير هذا الزمان: المنطقة الإدارية والعسكرية، وكان أكبر هذه الأجناد، جند حمص، وكان يضم فيما يضم حلب وحماه واللاذقية وأنطاكية وبلاد الجزيرة والفرات.
وكانت الأهمية الاستراتيجية لحمص كبيرة، وأكثر الثغور كانت تقع على حدودها الشمالية، ومن مهمة والي حمص قيادة حروب الصوائف والشواتي على البيزنطيين، الذين كانوا يغيرون على حدود الدولة الإسلامية.
ـ 3 ـ
تأخذ حمص أهميتها من وقوعها في وسط القطر العربي السوري كعقدة اتصال في القديم والحديث وهي تقع على هضبة ترتفع (450) متراً عن سطح البحر، ولها قلعتها الحصينة وتمتاز تربتها بالخصب والنماء وتصلح لمختلف أنواع الزراعات، ويزيد من أهميتها وجود نهر العاصي وبحيرته (قدس) قربها.
كما أنها تتصل من الشرق ببادية الشام ومنطقة تدمر وتتصل من الشمال مع مدينة حماه وحلب. وفي الجنوب تتصل بالعاصمة دمشق ولا تبعد عن الساحل السوري إلا بما يقارب (|70) كم.
وتتصل بطرق معبدة من جهاتها الأربع.
وقد ازدادت أهميتها عند اتصالها بالسكك الحديدية منذ عام 1908م، لقد تتالت عهود مختلفة على حمص وضعفت أهميتها فترة فضُمت إلى ولاية طرابلس الشام أحياناً ثم إلى مدينة حماة فترة ثانية. وتُعد حمص اليوم المحافظة الثالثة في القطر العربي السوري أهميةً ومساحةً إذ تبلغ مساحتها إثنين وأربعين ألف كيلو متر مربع.
ـ 4 ـ
تستمد حمص مياهها من نهر العاصي (الأرنت) الذي كان يبعد عنها بضعة كيلومترات، أما الآن فصار يحتل قسمها الغربي بعد إنشاء ضاحية الوعر (حمص الجديدة).
وتتجمع مياهها للسقاية ببحيرة (قطينة) عند سدها الصناعي الذي جدد مراراً، أما حجارة مبانيها فكانت تحملها من منطقة الوعر حجارة وعرية سوداء وزرقاء أعطت مبانيها وسورها وقلاعها المهابة والصلابة والقوة منذ القديم.
وعند اتباع النمطية الحديثة في البناء أنشئ معمل الإسمنت قرب بلدة الرستن التابعة إليها.
ـ 5 ـ
أراضي حمص خصبة متنوعة التربة تصلح لنمو أنواع الحبوب والبقول والأشجار المثمرة مثل الزيتون والمشمش وغيرها التي تزرع على جنبات نهر العاصي وبحيرة قَدَس، كما تقوم الزراعات البعلية من الجنوب في المناطق الداخلية.
وإذا ألقينا نظرة متفحصة إلى جهة الشرق من حوض العاصي نجد منطقة جبال التوائية صندوقية أو سنانية أغلبها متوسط الارتفاع متقطعة منبسطة الذرى.
وفي تلك المنطقة توجد بعض المعادن كالحديد ومركبات الجص والكبريت والفوسفات والرمل والغضار …. وتعتبر تلك البقاع من مناطق الرعي إذ تظهر فيها الوديان السيلية وبعض الينابيع كما في منطقة (الأرك) و(السخنة) و(تدمر).
ويستخرج الفوسفات من مركزي (الصوانة وخنيفيس).
وتقع في شرقها وجنوبها بلدات (القريتين وصدد والمخرم).
والمستعرض لبنية حمص الظاهرية يلاحظ عدم وجود جبال معيقة ولذلك كانت حمص وما زالت عقدة مواصلات سهلة ميسرة ومهمة كما ساهم ثراء وتنوع الأراضي الخصبة بجعل حمص منطقة مسكونة بالإنسان والحيوان منذ عصور ما قبل التاريخ بدليل ما أثبتته الحفريات من وجود البقايا التي تعود لحقب قديمة.
وعلى العموم فإن منطقة حمص تعتبر مكان تمازج اقتصادي وحضاري ريفي وبدوي ومدني على السواء.
ـ 6 ـ
تدل أكثر الدراسات على أن الأصول السكانية لمنطقة حمص قبل الفتح الإسلامي هل على الغالب من الأصول السامية العربية ومنهم العموريون في الشمال والوسط ثم الكنعانيون ومنهم الفينيقيون في الساحل والأراميون في وسط بلاد الشام وبعض القبائل العربية في أنحاء متفرقة من بلاد الشام ومما لا شك فيه أن هذه الأصول المتقاربة انساحت إلى حمص فشكل الأموريون حلفاء المصريين دولة كتنا ضد الحثيين القادمين من الشمال في موقعة بحيرة قدس/ 286ق.م.
كما أن المواصلات السهلة سهلت لبعض الكنعانيين أن يتسللوا ولو جزئياً إلى المنطقة بدليل بعض النقود التي وجدت في أرضية نهر العاصي أما الأراميون ومنهم السريان فشكلوا دويلات عديدة في المنطقة الشامية ومنها حمص وأما العرب فوجودهم مؤكد في المنطقة وبخاصة للتجارة والرعي كما أن بعضهم اعتنق الديانة المسيحية، ورغم وجود هذه الأعراق المتقاربة فإن مما لا شك فيه أن الثقافة الهلنستية سادت في سورية ومنها حمص بدليل تلك الأحجار العديدة المنقوشة باللغة اليونانية القديمة.
وإذا كان اسمها عند العرب حمص، فهو واميسا باليونانية واللاتينية، والريف في حمص رغم الكتابة على حجارة الطريق باليونانية فقد بقي على ثقافته المحلية المتمثلة باللغة السريانية التي استوعبت اللغتين المورية والكنعانية، والتي بقيت موجودة حتى وقتنا الحاضر في قرى معلولا وجبعدين قرب دمشق.
أما المراكز الأخرى الحضارية الموجودة قرب حمص فهي:
1 ـ الرستن (أريتوزا) على نهر العاصي وهناك تل النبي منذ (قادس) على ضفاف بحيرة قطينة وهناك المشرفة (كتنا) على بعد 16 كيلو متراً من حمص وهناك بلدة ربلة القديمة في الغرب التي يقول الخوري عيسى أن قواد الإسكندر اجتمعوا فيها ليقتسموا مملكته بعد وفاته وهناك مراكز أخرى مثل سلمية (سلامية) والقريتين والفرقلس وتدمر وغيرها.
ـ 7 ـ
يعود تاريخ ذكر حمص إلى الفترة التي احتلت فيها قمة الأحداث زمن المكدونيين من خلفاء الاسكندر المكدوني حيث سادت الثقافة الهلنستية.
وفي فترة ضعف خلفاء سلوكس نيكاتور المكدوني في القرن الأول قبل الميلاد، نهضت مملكة أو إمارة شمس غرام ضمت حمص وسلامية وأريتوزا تحت حكم هذه الأسرة التي يرجح أغلب المؤرخين أنها عربية بدليل تسميات بعض ملوكها مثل: عزيز وسحيم وكان لهذه الأسرة نفوذ واسع في المنطقة وكانت لها سلطتان دينية ومدنية.
وعندما دخلت حمص في حوزة الأمبراطورية الرومانية قضي على حكم هذه الأسرة الزمني ولكن أبقيت لها سلطتها الدينية بدليل الاحترام الكبير لديانة إله الجبل من قبل الرومانيين.
وضؤل تأثير حمص السياسي لكن نفوذها الديني بقى معززاً وزاد في ذلك عندما اقترن الضابط الروماني سبتموس سيفريوس من إبنة كاهن معبد الجبل باسيانوس /192/ ميلادية فارتفعت منزلة حمص في بلاط روما بتأثير الأميرة الحمصية جوليا دومنا، وتتحدث بعض الوثائق أن الأمبراطور كراكلا بن جوليا ولد بحمص ولذلك بقي لهذه المدينة تأثيرها فقد أعطاها كركلا الحقوق الرومانية عندما تسلم عرش الأمبراطورية.
وفيما بعد تولى عرش الأمبراطورية الرومانية حفيدا جوليا ميزا أخت جوليا دوما وهما إيلوكبال بن جوليا ماسي والاسكندر سيبريوس بن جوليا ماميا حتى عام /235/ ميلادية، وهكذا قيض لهاتيك الأميرات الحمصيات الجميلات الأربع أن ينال أبناؤهن أو أحفادهن ذرا الأمبراطورية الرومانية وكل هؤلاء جدهم لأمهاتهم هو بسيانوس كاهن معبد الجبل الحمصي.
ولما كان لديانة معبد الشمس جذورها العميقة بحمص وارتباطها بمصالح المتنفذين والكهنة الناشطين فقد سبب هذا التعاون بين هذه الفئات تأخيراً لظهور المسيحية في حمص ومن ذلك أنه أعدم عام /238/ القديس إليان على يد رجال السلطة الرومانية وكهنة المعبد وبموافقةٍ من والده.
وبقي لحمص أهميتها عندما قامت الأمبراطورية الرومانية زمن ملكتها زنوبيا التي مدت سلطتها إلى شرق الفرات وشمال الأناضول وإلى شبه جزيرة سينا وشرق حمص وكانت أعظم مدن هذه الأمبراطورية هي تدمر، حمص، أنطاكية.
وقد أصيب مجلس شيوخ روما (السيناتو) بصدمة بسبب نشوء هذه الأمبراطورية الشرقية الوليدة، ولذلك أقبل أمبراطور روما أورليان بجيش روماني مرتزق جرار استطاع أن ينتصر على جيش الأمبراطورة زنوبيا في معركة قرب أنقرة ثم في معركة في أنحاء أنطاكية وقد نال النصر الحاسم في تدمر بعدما جعل أبناء حمص يميلون للحياد بين جيشه وجيش زنوبيا بوعده ببناء معبد جديد للجبل في حمص.
ـ 8 ـ
لقد تعاورت القوتان العظيمتان الأمبراطورية البيزنطية والفارسية بلاد الشام فخرج من هذه الحرب هيرقل منتصراً على الفرس ولكن سكان البلاد المحليين ساءتهم تصرفات البيزنطيين ونالهم ظلمهم لاختلافات عقائدية وجنسيتهم فبقوا في قلق دائم.
وعندما ظهرت القوة الفتية المتمثلة بالجيوش العربية الإسلامية اتجهت إلى منطقة النزاع لتحرر البلاد من البيزنطيين والفرس على السواء.
واعتبرت حمص ـ كما تقدم ـ أهم أجناد بلاد الشام.
ثم خمل شأن المدينة بعدما قسمت إلى ولايات قنسرين والجزيرة وبخاصة بعد ظهور الخلافة العباسية ودخول حمص في خضم الخلافات بين حكام الولايات والممالك الانتقالية الناشئة مثل السلاجقة والحمدانيين والمرداسيين وغيرهم كما لقيت من الخراب من الطبيعة من الزلازل المدمرة التي حدثت فيها.
ثم برزت أهمية حمص زمن الحروب الصليبية فاهتم بها نور الدين وحصنها ورمم قلعتها وبنى فيها مدرسة وبيمارستاناً وأعاد تشييد الجامع الكبير.
وعندما تولى صلاح الدين الأيوبي أمر البلاد الشامية أعطى حمص لابن عمه ناصر بن شيركوه /570 ـ 581/هـ لأنها كانت لعمه شيركوه ما بين /549 ـ 564/هـ ثم تولى أمر حمص شيركوه الثاني من /581 ـ 537?/هـ الذي مد سلطته إلى السلمية وشميس وقلعة الرحبة وقلعة تدمر وبنى أبراج قلعة حمص وفتح الساقية المجاهدية وبنى مدرسة وبمرستاناً.
وحكم من بعده ولده المنصور وإبراهيم حتى 544هـ/ 1246م ثم الأشرف موسى حتى 661هـ/ 1262م آخر ملوك الأسرة ثم دخلت تحت حكم الظاهر بيبرس 25 ـ 676هـ/ 1228 ـ 1277م وتولى حكام مماليك آخرون حمص مع غيرها من مدن الشام حتى دخول العثمانيين.
وفي فترة الحكم العثماني ضعف شأن حمص بعدما ألمت بها نوائب الدهر من زلازل مدمرة وهجومات غاشمة من البيزنطيين والصليبيين والمغول يعيثون فيها فساداً ولكنها نجت من التدمير على يد تيمورلنك وفي مستقبل الأيام تقلصت مساحتها فصارت تتبع ولاية طرابلس احياناً أو مدينة حماه أحياناً أخرى وهكذا عادت تابعة بعدما كانت متبوعة، وقد دخلت فيما بعد في حوزة المصريين عام 1832 ـ 1842م فعمر فيها إبراهيم باشا الثكنة مكان دار الحكومة الآن ثم استعادها العثمانيون إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى فتبعت ما بين 1918 ـ 1920م حكومة الملك فيصل العربية ثم جاء الانتداب فقضى على أحلام العرب الوليدة إلى أن دخلت سورية عهد الاستقلال عام 1946م فانتعشت حمص وعاد إليها بهاؤها وغناها وتأثيرها الثقافي والاقتصادي والسياحي الهام بعدما عادت دمشق عاصمة للجمهورية العربية السورية.
ـ 9 ـ
هناك الأسواق القديمة التي يعود بعضها إلى القرن السابع عشر وهناك الخانات أو ما تبقى منها والساحات.
ويعتقد على ضوء التسميات بأن مكان الأسواق القديمة منذ الفتح العربي الإسلامي وما قبل كان بنفس المنطقة لورود تسميات الباب الصغير أو باب السوق ـ باب المدينة لدى المؤرخين خلال العصور.
والأسواق المتفق على تسميتها بالقديمة أغلبها مسقوف بسقوف عقد برميلي يعود للعصر العثماني وفي نقوش بسيطة تعود إلى العصر المملوكي على أغلب الظن.
تتميز تلك الأسواق باتصال بعضها ببعض وبتخصصها بسلعة فنية أو بسلع مختلفة كما أن هناك أسواقاً موسمية أو أسبوعية مثل سوق الحنطة أو سوق النسوان ويحمل بعضها أسماء بعض المهن مثل سوق النجارين ـ الحدادين ـ المبيضين …. وبعضها يحمنل اسم أصحابها وهي بعامتها قرب المساجد وأماكن الازدحام والمرور وهناك الأسواق المكشوفة الحديثة والقديمة وقد امتدت في وقتنا الحاضر لتشمل كل أنحاء المدينة.
وكانت الخانات في حمص ملتقى أبناء المدينة والريف يتبادلون فيها السلع والمصنوعات المختلفة وكانت معظم الخانات على الطريق المؤدية إلى القرى يلجأ إليها القروي بدوابه ومنتجاته وفيها مكان لنومه ولطعام دابته ولم يبق من الخانات في وقتنا الحاضر إلا قسم من خان السباعي على طريق حماه، وخان الدروبي الذي حول لصناعة الكراسي كما بقي في منطقة الأسواق المسقوفة خان متطور بناه أسعد باشا العظم كان يخصص لاستقبال التجار.
وبعض الخانات تسمى باسم المادة التي تباع فيها مثل خان الدبس وخان الحطب وخان الحَب ….
محمد فيصل شيخاني
شاعر حمص الشيعي
ديك الجن عبد السلام بن رغبان الكلبي الحمصي
ولد سنة 161هـ وتوفي سنة 235 أو 236 وعمره أربع وسبعون سنة أو خمس وسبعون. افتتن بشعره الناس في العراق وهو في الشام حتى إنه أعطى أبا تمام قطعة من شعره وقال له: يا فتى اكتسب بهذا واستعن به على قولك فنفعه في العلم والمعاش([389]).
قال عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي: كنت جالساً عند ديك الجن فدخل عليه حدث فأنشده شعراً عمله فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجاً كبيراً فيه كثير من شعره فسلمه إليه وقال: يا فتى تكسب بهذا واستعن به على قولك فلما خرج سألته عنه فقال: هذا فتى من أهل جاسم يذكر أنه من طيء يكنى أبا تمام واسمه حبيب بن أوس وفيه أدب وذكاء وله قريحة وطبع.
قال ابن خلكان: «لم يفارق الشام مع أن خلفاء بني العباس في عصره ببغداد ولا رحل إلى العراق ولا إلى غيره منتجعاً بشعره ولا متصدياً لأحد وكان يتشيع تشيعاً حسناً وله مراث في الحسين رضي الله عنه».
وفي الأغاني: كان يتشيع وله مراث في الحسين عليه السلام ولم ينتجع بشعره خليفة ولا غيره ولا دخل العراق مع نفاق سوق الأدب فيه «اهـ» ومن شعره في الحسين عليه السلام قوله:
جاؤوا براسك يا ابن بنت محمد
متزملاً بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد
قتلوا جهاراً عامدين رسولا
قتلوك عطشاناً ولما يرقبوا
في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما
قتلوا بك التكبير والتهليلا
ويقال إنه كان له غلام وجارية كان يحبهما حباً شديداً فرآهما على حال مكروهة فقتلهما وقال في الجارية:
يا طلعة طلع الحمام عليها
فجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها الثرى ولطاما
روى الهوى شفتي من شفتيها
وقال في الغلام:
لقتلته وبه علي كرامة
فله الحشا ولها الفؤاد بأسره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم
والحزن يسفح أدمعي في حجره
وما يذكره بعض الناس من أنه أحرقهما وأخذ رماديهما وخلط بهما شيئاً من التراب وصنع منهما كوزين أو برنيتين يشرب بهما الخمر وينشد لكل منهما ما تقدم، الظاهر أنه مكذوب عليه فمثله فيما تقدم من عقله الوافر وسيرته الحسنة وتعففه عن قصد الملوك مع انتفاع الناس بشعره لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا السخف([390]).
وقال محمد الدش:
تبدأ القصة حينما أحب جارية نصرانية من أهل حمص، اسمها ورد، فهويها واشتهر بحبها، وذاع هواه إياها بين الناس، وتمادى به الأمر حتى غلب عليه وذهب به. فلما اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوج بها، فأجابته لعلمها بحقيقة رغبته فيها، وأسلمت على يده، فتزوجها وهو يقول فيها قبل زواجه بها:
أنظر إلى شمس القصور وبدرها
وإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبك عينك أبيضاً في أسود
جمع الجمال كوجهها في شعرها
وردية الوجنات يختبر اسمها
من ريقها من لا يحيط بخبرها
وتمايلت فضحكت من أردافها
عجباً، ولكني بكيت لخصرها
وكان لعبد السلام ابن عم يدعى أبا الطيب، وكان بينهما ضغن قديم، حتى إن عبد السلام كان يهجوه في شعره، في بعض الأحيان وفي غياب عبد السلام في سلمية مدة في كنف أحمد بن علي الهاشمي وأخيه جعفر، استهدف أبو الطيب ورداً وجعلها هدفاً لشائعات خبيثة تنال من عرضها وشرفها، ولم يهمه أنه بذلك إنما ينال من عرض ابن عمه وشرفه أيضاً.
روى أبو الفرج أن أبا الطيب أذاع على تلك المرأة التي تزوجها عبد السلام أنها تهوى غلاماً له، وقرر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه، وشاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام فكتب إلى أحمد بن علي شعراً يستأذنه في الرجوع إلى حمص ويعلمه ما بلغه من خبر المرأة من قصيدة أولها:
إن ريب الزمان طال انتكائه
كم رمتني بحادث أحداثه
يقول فيها:
ظبي أنس قلبي مقيل ضحاه
وفؤادي بريره وكباثه
خيفة أن يخون عهدي وأن
يضحى لغيري حجوله، ورعاثه
ومدح أحمد بعد هذا، وهي قصيدة طويلة فأذن له.
فعاد إلى حمص. وفر ابن عمه وقت قدومه. فأرصد له قوماً يعلمونه بموافاته باب حمص، فلما وافاه خرج إليه مستقبلاً ومعنفاً على تمسكه بهذه المرأة بعدما شاع ذكرها بالفساد، وأشار عليه بطلاقها، وأعلمه أنها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به المقام عليها.
ودس الرجل الذي رماها به، وقال له: إذا قدم عبد السلام ودخل منزله، فقف على بابه كأنك لم تعلم بقدومه، وناد باسم ورد، فإذا قال من أنت؟ فقل أنا فلان.
فلما نزل عبد السلام منزله وألقى ثيابه سألها عن الخبر، وأغلظ عليها فأجابته جواب من لا يعرف من القصة شيئاً.
فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب، فقالت من هذا؟ قال أنا فلان، فقال لها عبد السلام: يا زانية، زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئاً.
ثم اخترط سيف فضربها به حتى قتلها، وقال في ذلك:
لك نفس مؤاتيه
والمنايا معاديه
ايها القلب لا تعد
لهوى البيض ثانيه
ليس برق يكون أخلـ
ـب من برق غانيه
خنت سري ولم أخنـ
ـك فموتي علانيه
وبلغ الأمير الخبر، فطلبه، فخرج إلى دمشق، فأقام بها أياماً وكتب أحمد بن علي إلى أمير دمشق أن يؤمنه ويتحمل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا حياته. فقدم حمص، وبلغه الخبر على حقيقته وصحته، واستيقنه، فندم.
ومكث شهراً لا يستفيق من البكاء، ولا يطعم إلا ما يقيم رمقه.
وقال في ندمه على قتلها:
يا طلعة طلع الحمام عليها
وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها الثرى ولطالما
روى الهوى شفتي من شفتيها
قد بات سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خديها
ما كان قتليها لأني لم أكن
أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن ضننت على العيون بحسنها
وأنفت من نظر الحسود إليها
وعلى هذا النحو ظل عبد السلام يعزف ألحان الحزن والأسى، باكياً زوجته، ومحبوبته ورداً بعد أن تأكد من أنها ضحية وشاية رخيصة. وجعل يردد أشعار الرثاء والبكاء والندم، بما يفيض من ذوب نفسه حرقة ولوعة وألماً:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره
أو أبتلي بعد الوصال بهجره
قمر أنا استخرجته من دجنه
لبليتي وجلوته من خدره
فقتلته وبه علي كرامة
ملء الحشى، وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم
والحزن يسفح عبرتي في نحره
وله:
دع البدر فليغرب فأنت لنا بدر
إذا ما تجلى عن محاسنك الفجر
إذا ما نقضى سحر الذين ببابل
فطرفك لي سحر وريقك لي خمر
وله في أمير المؤمنين عليه السلام:
قرابة ونصرة وسابقه
هذي المعالي والصفات الفائقه
وله:
بها غير معذور فداو خمارها
وصل بعشيات الغبوق ابتكارها
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغر
ولا تسق إلا خمرها وعقارها
فقام تكاد الكأس تحرق كفه
من الشمس أو من وجنتيه استعارها
مشعشعة من كف ظبي كأنما
تناولها من خده فأدارها
ظللنا بأيدينا نتعتع روحها
وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
ويروى البيتان هكذا:
وساق يكاد الكأس يخضب كفه
فتحسبه من وجنتيه استعارها
موردة من كف ظبي كأنما
تناولها من خده فأدارها
وله في أمير المؤمنين عليه السلام:
سطا يوم بدر بقرضابه
وفي أحد لم يزل يحمل
ومن بأسه فتحت خيبر
ولم ينجها بابها المقفل
دحا أربعين ذراعاً به
هزبر له دانت الأشبل
وله:
ومزر بالقضيب إذا تثنى
وتياه على القمر التمام
سقاني ثم قبلني وأومى
بطرف سقمه يبري سقامي
فبت به خلا الندماء أسقي
مداماً في مدام في مدام
وأورد له البيهقي في المحاسن والمساوي هذه القصيدة:
لا تقف للزمان في منزل الضيـ
ـم ولا تستكن لرقة حال
وأهن نفسك الكريمة للمو
ت وقحم بها على الأهوال
فلعمري للموت أزين للحـ
ـر من الذل ضارعاً للرجال
أي ماء يدور في وجهك الحـ
ـر إذا ما امتهنته بالسؤال
ثم لا سيما إذا عصف الدهر
بأهل الندى وأهل النوال
غاضت المكرمات وانقرض النا
س وبادت سحائب الأفضال
فقليل من الورى من تراه
يرتجي أو يصون عرضاً بمال
وكذلك الهلال أول ما يبـ
ـدو نحيلاً في دقة الخلخال
ثم يزاد ضوءه فتراه
قمراً في السماء غير هلال
عاد تدميثك المضاجع للجنـ
ـب فعال الخريدة المكسال
* * *
عاملي النتاج تطوى له الأ
رض إذا ما استعد للأنفال
جرشع لاحق الأياطل كالأعـ
ـفر ضافي السبيب غير مذال
واتخذ ظهره من الذل حصناً
نعم حصن الكريم في الزلزال
لا أحب الفتى أراه إذا ما
عضه الدهر جاثماً في الظلال
مستكيناً لذي الغنى خاشع الطر
ف ذليل الأدبار والأقبال
أين جوب البلاد شرقاً وغرباً
واعتساف السهول والأجبال
واعتراض الرقاق يوضع فيها
بظباء النجاد والعمال
ذهب الناس فاطلب الرزق بالسـ
ـيف وإلا فمت شديد الهزال
وله في رثاء الحسين عليه السلام:
ما أنت مني ولا ربعاك لي وطر
الهم أملك بي والشوق والفكر
وراعها أن دمعي فاض منتثرا
لا أولا ترى كبدي للحزن تنتثر
أين الحسين وقتلى من بني حسن
وجعفر وعقيل غالهم عمر([391])
قتلى يحن إليها البيت والحجر
شوقاً وتبكيهم الآيات والسور
مات الحسين بأيد في مغائظها
طول عليه وفي إشفاقها قصر
لا در در الأعادي عندما وتروا
ودردرك ما تحوين يا حفر
لما رأوا طرقات الصبر معرضة
إلى لقاء ولقيا رحمة صبروا
قالوا لأنفسهم يا حبذا نهل
محمد وعلي بعده صدر
ردوا هنيئاً مريئاً آل فاطمة
حوض الردى فارتضوا بالقتل واصطبروا
الحوض حوضكم والجد جدكم
وعند ربكم في خلقه غير
أبكيكم يا بني التقوى وأعولكم
وأشرب الصبر وهو الصاب والصبر
أبكيكم يا بني آل الرسول ولا
عفت محكم الأنواء والمطر
في كل يوم لقلبي من تذكركم
تغريبة ولدمعي فيكم سفر
موتاً وقتلاً بهامات مفلقة
من هاشم غاب عنها النصر والظفر
كفى بأن أناة الله واقعة
يوماً ولله في هذا الورى نظر
أنسى علياً وتفنيد الغواة له
وفي غد يعرف الأفاك والأشر
حتى إذا أبصر الأحياء من يمن
برهانه آمنوا من بعد ما كفروا
أم من حوى قصبات السبق دونهم
يوم القليب وفي أعناقهم زور
الحق أبلج والأعلام واضحة
لو آمنت أنفس الشانين أو نظروا
وقال في أهل البيت عليهم السلام:
يا عين لا للغضا ولا الكثب
بكا الرزايا سوى بكا الطرب
جودي وجدي بملء جفنك ثم
احتفـلي بالدموع وانسكبي
يا عين في كربلا مقابر قد
تركن قلبي مقابر الكرب
مقابر تحتها منابر من
علم وحلم ومنظر عجب
من البهاليل آل فاطمة
أهل المعالي والسادة والنجب
كم شرقت منهم السيوف وكم
رويت الأرض من دم سرب
نفسي فداء لكم ومن لكم
نفسي ومن أسرتي لكم وأبي
لا تبعدوا يا بني النبي على
أن قد بعدتم والدهر ذو نوب
صوني شعاع الضمير واستشعري
الصـبر وحسن العزاء واحتسبي
فالخلق في الأرض يعجلون ومو
لاك على تواد ومرتقب
لا بد أن يحشر القتيل وإن
يسأل ذو قتله عن السبب
فالويل والنار والثبور لمن
أسلمتموه للجمر واللهب
يا صفوة الله في خلائقه
وأكرم الأعجمين والعرب
أنتم بدور الهدى وأنجمه
ودوحة المكرمات والحسب
وساسة الحوض يوم لا نهل
لمورديكم موارد العطب
فكرت فيكم وفي المصاب فما أنفـ
ـك فؤآدي يعوم في عجب
ما زلتم في الحياة بينهم
بين قتيل وبين مستلب
إنا إلى الله راجعون على
سهو الليالي وغفلة النوب
غدا علي ورب منقلب
اشأم قد قد عاد غير منقلب
فاغتره السيف وهو خادمه
متى يهب في الوغى به يجب
أودى ولو مد عينه أسد الغا
ب لباخ السرحان من هرب
يا طول حزني ولوعتي وتبا
ريحي ويا حسرتي ويا كربي
لهول يوم تقلص العلم والد
ين فغراهما عن السلب
وغادر المعولات من هاشم الخـ
ـير حيارى مهتوكة الحجب
تمري عيوناً على أبي حسن
مخفوقة بالكلوم والندب
تعمر ربع الهموم أعينها
بالدمع حزناً لربعها الخرب
لهفي لذاك الرواء أم ذلك المر
اي وتلك الأبناء والخطب
يا سيد الأوصياء والعالي الحجة
والمرتضى وذا الرتب
إن يسر جيش الهموم منك إلى
شمس منى والمقام والحجب
فربما تقعص الكماة بأقدا
مك قعصاً يجشي على الركب
ورب مقورة ما ململمة
في عارض للحمام منسكب
فللت أرجاءها وجحفلها
بذي صقال كوامض الشهب
أو أسمر الصدر أصفر أزرق الرأ
س وإن كان أحمر الحلب
أودى علي صلى على روجه
الله صلاة طويلة الدأب
وكل نفس لحينها سبب
يسري إليها كهيئة اللعب
والناس بالغيب يرجمون وما
خلتهم يرجمون عن كثب
وفي غد فاعلمن لقاؤهم
فإنهم يرقبون فارتقب
ولما توجه أبو نواس إلى مصر لمدح الخصيب مر بحمص وقصد دار ديك الجن فلم يحب لقاءه فقالت الجارية ليس هنا، فقال لها أبو نواس: قولي له فليخرج فقد فتن أهل العراق بهذا البيت:
موردة من كف ظبي كأنما
تناولها من خده فأدارها
وقال وقد ندم على قتل جاريته:
جاءت تزور فراشي بعدما قبرت
فظلت ألثم نحراً زانه العود
وقلت قرة عين قد بعثت لنا
فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه مودعة
تعيث فيه بنات الأرض والدود
وهذه الروح قد جاءتك زائرة
هذي زيارة من في الأرض ملحود
وله:
ما الذنب إلا لجدي حين ورثني
علماً وورثه من قبل ذاك أبي
فالحمد لله حمداً لا نفاد له
ما المرء إلا بما يحويه من النسب
وله:
ولا تنظرن الدهر يوماً إلى غد
ومن لغد من حادث بأمان
وله:
أو ما ترى طمري بينهما
رجل ألح بهزله الجد
فالسيف يقطع وهو ذو صدإ
والنصل يفري الهام لا الغمد
هل تنفعن السيف حليته
يوم الجلاد إذا نبا الحد
وله:
ومجزولة أما ملاث أزارها
فدعس وأما قدها فقضيب
لها القمر الساري شقيق وأنها
لتطلع أحياناً له فيغيب
أقول لها والليل مرخ سدوله
وغصن الهوى غض الشباب رطيب
ونحن به فردان في ثني مئزر
بك العيش يا زين النساء يطيب
لأنت المنى يا زين كل مليحة
وأنت الهوى أدعى له فأجيب
وله:
أيا قمراً تبسّم عن إقاح
ويا غصناً يميل مع الرياح
جبينك والمقلد والثنايا
صباح في صباح في صباح
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل
ولديك الجن في عكس ذلك:
نقل فؤادك حيث شئت فلن ترى
كهوى جديد أو كوصل مقبل
مالي أحن إلى خراب مقفر
درست معالمه كأن لم يؤهل
وقال محمد الدش:
وليس من شك في أن إقامة عبد السلام الدائمة في الشام حرمته من الشهرة كما حرمت شعره من الذيوع والشيوع بين الناس، أي أن انحصار هذه الإقامة وحبسه نفسه في هذا الإقليم كان سبباً مهماً في ضيق المجال الذي ذهب فيه ذكره وشعره، وفي قلة الفنون والأغراض التي تناولها هذا الشاعر، كما كان سبباً في توفير خصائص معينة وسمات خاصة له في المعنى والمبنى يمكن أن توصف عامة بالشامية.
وعلى الرغم من أن القليل من شعره الذي بين أيدينا يدلنا على شعر جيد، كما أن الرواة، والنقاد يرون فيما كتبوه عنه أنه شاعر مجيد، فإن شعره لم يحظ بالبقاء، ولم يصل إلينا منه إلا النزر القليل، فكأنه هو وشعره، كانا غريبين في ذلك العصر، وظلا غريبين في هذا العصر، وفي كتب الأدب والتاريخ التي أرخت للشعراء وجمعت شعرهم، وأغلب الظن أنه سيظل غريباً على قراء العربية غير المتخصصين ….
ومن وجوه الغرابة في حياته وشعره أن هذا الشعر، كما ذكرته لم تتعدد له الأغراض ولم تتنوع به طرائق الإنشاء، لأننا نعرف أن معظم شعره اقتصر ـ سوى بعض المدائح ـ على فنين من فنون الشعر هما الغزل والرثاء، والكثرة للرثاء.
وهذا الرثاء يصور الفاجعة أو المأساة في حياة ديك الجن.
ديوانه
صدر ديوانه سنة 1386هـ (1966م) وقد حقَّقه وأعدَّ تكملته كلّ من أحمد مطلوب وعبد الله الجبوري، وكان قد سبق أن صدر له ديوان من قبل، جمعه وشرحه كلّ من عبد المعين الملوحي ومحيي الدين الدرويش الذين جمعاه من بطون الكتب لعدم العثور على ديوان له.
والدّيوان الذي جمعه مطلوب والجبوري حاولا فيه تكملة الدّيوان الأول وزادا عليه ما يتعلق بشعر الشاعر في آل البيت (عليهم السلام)، وهي ثماني قصائد في 156 بيتاً، وقصائد أُخرى عثرا عليها في المجموعة التي جمعها الشيخ محمد السماوي وأضافا إليها ما لم يذكره.
كما جاءا بقصائد وأبيات لم تذكر في ديوانيه المطبوع والمخطوط.
وعن ديوانه كتب هلال ناجي ما يلي:
نشر الأستاذان عبد المعين الملوحي ومحيي الدين الدرويش، مجموعة من شعر ديك الجن الحمصي في حمص بسوريا سنة 1960 وقد ضم المجموع في دفَّتيه (417) بيتاً جمعاها من شتيت المظان.
وقد استطاع الأديبان العراقيّان الدكتور أحمد مطلوب وعبد الله الجبوري أن يعيدا نشر المجموع بعد أن أضافا إليه إضافات مهمّة أبرزها زيادة (22) ـ قصيدة.
وقطعة تقع في (224) بيتاً، أضافاها إلى مطبوعة الملوحي والدرويش. وعملهما العلميّ هذا جدير بكلّ تقدير، ويمثل في رأينا إضافة قيمة للتراث العربي المنشور.
وقد أحببنا أن ندلي بدلونا بين الدّلاء فنستدرك على الجبوري ومطلوب بعض ما فاتهما من شعر ديك الجن آملين أن ينتفع بها المحقّقان الفاضلان في طبعة قابلة.
وأجمل هذه المستدركات في الآتي:
1 ـ قال ديك الجن:
لا متُّ قبلك بل ألأحيا وأنت معاً
ولا بقيت إلى يوم تموتينا
لكن نعيش كما نهوى ونأمله
ويرغم الله فينا أنف واشينا
حتى إذا ما انقضت أيام مدّتنا
وحان من يومنا ما كان يعدونا
متنا كلانا كغصني بانه ذبلا
من بعد ما استورقا واستنضرا حيناً
أنظر «الحماسة البصرية» 1 ـ 265.
2 ـ وقال ديك الجن:
ليس يخشى جيش الحوادث من جنـ
ـداه وفدا صبابة ودموع
قمر حين رام أن يتجلّى
سار فيه المحاق قبل الطلوع
فلذة من صميم قلبي وجزؤ
من فؤادي وقطعة من ضلوعي
لصغير أعار رزء كبير
وفريد أذاق فقد جميع
إن تكن في التراب خير ضجيع
كنت لي في المعاد خير شفيع
أنظر «الحماسة البصرية» 1 ـ 272.
3 ـ وقال ديك الجن:
وليس المرء ذو العزمات إلاَّ
فتىً تلقاه كلّ غُد بلادُ
فتى ينصبّ في صدر الفيافي
كما ينصبّ في المقل الرقادُ
أنظر «الحماسة البصرية» ج 1 هامش الصفحة 115 و«حماسة ابن الشجري» ص 269 وفيها: (فتى ينصب في ثغر الليالي) وقد ورد البيت الثاني منهما فقط في الديوان وروايته:
فتى ينصبُّ في ثغر الليالي
كما ينصبُّ في المقل السواد
4 ـ وقال ديك الجن:
وكم قربت من دار عبلة عبلة
كجندلة السور المقابل تشرفه
فيرعى الفلا ما قد رعته من الفلا
وينحفها المرت القفار وتنحفه
أنظر «الحماسة البصرية» 2 ـ 360 و«الأشباه والنظائر» للخالديين 2 ـ 281.
6 ـ وقال ديك الجن:
وهو من ألطف أنواع التخيير، (وهو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ أن يقفي بقوافٍ متعدَّدة فيختار منها قافية مرجَّحة على سائرها، تدل على حسن اختياره).
قولي لطيفك ينثني
عن مضجعي عند المنام
عند الرّقاد ـ عند الهجوع ـ عند الهجود ـ عند الوسْن:
جسد تقلَّبه الأكفّ
على فراش من سقامِ
من القتاد ـ من الدموع ـ من الوقود ـ من الحزنُ.
أمّا أنا فكما علمـ
ـت فهل لوصلك من دوامِ
من معاد ـ من رجوع ـ من وجود ـ من ثمنْ.
أنظر «أنوار الربيع» 2 ـ 150، و«خزانة الأدب وغاية الأرب» لابن حجة الحموي ص 78.
7 ـ وكتب ديك الجن إلى بعض إخوانه:
لك عندي من طيِّب الورد أطـ
ـباق ملاح تدني بعيد سرورك
وشراب كطيب نشرك يلقي
فوق أيدي السقاة نوراً كنورك
فبحقي، أهد السرور إلى من
لا يلذُّ الدنيا بغير حضورك
أنظر «قطب السرور» ص 351.
8 ـ وقال ديك الجن:
وليلة بات ظلُّ الغيث ينسجها
حتى إذا كمُلت أضحى يدبِّجها
يبكي عليها بكاء الصبّ فارقه
إلفٌ ويضحكها طوراً ويبهجها
إذا يُضاحك فيها الورد نرجسَها
باهى زكيَّ خزاماها بنفسجُها
فقلت فيها لساقينا وفي يده
كأس كشعلة نارٍ بات يوهجها
لا تمزجنها بغير الماء منك فإن
تبخل يداك فدمعي سوف يمزجها
أقلُّ ما بي من حبَّيك أن يدي
إذا سمت نحو قلبي كاد ينضجها
أنظر «قطب السرور» 548.
9 ـ وقال ديك الجن:
خليليَّ هُبَّا علَّلاني مدامةً
معتقةٌ ممّا تخيَّر نوحُ
فما العيش إلاّ أن أفوز بسكرة
وما الغبن إلاّ أن يقال صحيح
سأجمع في حبِّ البطالة والصّبا
وإن لام فيه عاذل ونصيح
أنظر «قطب السرور» ص 560.
10 ـ وقال ديك الجن:
وقنانٍ زواهرٍ هن بالشمـ
ـس من الشمس بالقلائد أحكى
يتبسّمنَ قائمات صوافاً
فإذا ما ركعنَ قهقهن ضحكا
قلت: خذها وعاطنيها سلافاً
ذهباً في الزجاج يسبك سبكا
أنظر «قطب السرور» ص 658.
11 ـ وممّا يستدرك على الفائية المنشورة في الصفحات 177 ـ 179 البيتان التاليان:
كأنما التفّ من هُدَّاب راهبة
يستوحش الأنس إلاَّ بيعة أنفا
فكان في ضوئها إذ قام مصطبحاً
وضوء وجنته ما عمّنا وكفى
أنظر «قطب السرور» 647 ـ 648.
12 ـ وفي الديوان ورد البيت الثالث ص 189 بالرواية التالية.
صفراء أو قل ما اصفرَّت فأنت ترى
ذوباً من التّبر رصّوا فوقه الشرفا
وصواب الرواية:
صفراء أو قل ما اصفرت فأنت ترى
ذوباً من الدّر رصّوا فوقه صدفا
أنظر «قطب السرور» ص 648.
13 ـ وممّا يستدرك على البيتين المنشورين في الصفحة 181 من الديوان قوله:
ومن عرف الأيام لم يغترر بها
وبادر باللذات قبل العوائق
أنظر «قطب السرور» ص 651.
14 ـ وفي مواضع غير قليلة لاحظت عدم دقَّة في التحقيق. فالغرض الأول من ذكر مراجع القصيدة ومصادرها هو إثبات الاختلاف في الروايات أو في النسبة ـ إن وجدت ـ ، لكن المحقّقين الفاضلين أغفلا ذلك في مواضع عديدة. من ذلك مثلاً القطعة المنشورة في ص 107 ـ 108، فالبيت الثاني منها روايته في الديوان:
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغر
ولا تسق إلاّ خمرها وعقارها
وذكر المحقِّقان في الهامش رقم (3) ص 107 ما نصّه: «شرح المقامات ـ فقم» فهذا هامش مبتور وغير علميٍّ، مبتور لأن النّص الوارد في «شرح المقامات» ج 4 ص 236 يختلف عجزه اختلافاً كلّياً عن النص الوارد في الدِّيوان، فرواية العجز في شرح المقامات كالآتي: ولا تسق مطبوخاً واسق عقارها.
فالهامش مبتور إذن، وهو غير علميٌّ إذ لم يذكرا رقم الجزء والصفحة من شرح المقامات. وهناك أيضاً نقص في تخريج القطعة فالأبيات 2 و3 و4 و5 منها وردت أيضاً في «التشبيهات» لابن أبي عون ص 181، ثم إنَّ القطعة كاملة مع اختلاف جوهري في الرواية مثبتة في «قطب السرور» ص 623 ـ 624 وهي أيضاً في «أنوار الربيع» 4/63 والأول والرابع منها في «خزانة الأدب» لابن حجة الحموي ص 210 وكلّها مراجع لم يقف عليها المحقِّقان الفاضلان.
مثال آخر على عدم الدِّقة يتجلّى في القطعة رقم 23 المنشورة في الصفحتين 116 ـ 117 فمن مطالعة الهامش رقم (1) ص 116 نجد أنَّ هذه القطعة قد وردت في المصادر التالية ـ الأصل: «نهاية الأرب» 4/ 159 والدِّيوان المطبوع 109، و«المصون» 159، ويتبادر إلى الذهن أن المحقِّقين سيشيران إلى اختلاف الروايات بين هذه المصادر في الهامش حتما|ً.
ومن الأمانة أن نقول إنهما أثبتا بعضها فعلاً، ومن الأمانة أن نقول أيضاً: أنهما أهملا أبرزها.
من ذلك أنك تقرأ البيت الثاني وروايته:
قامت مذكرة وقام مؤنثاً
فتناهبا الألحاظ بالنظرين
وذكر في الهامش رقم (2) ما نصه: (في الأصل و«نهاية الأرب»: قامت مؤنثة، والتصحيح من الدِّيوان والمصون). ولكن هل هذه رواية «المصون» حقاً؟؟
دعنا نرجع إلى المصون للعسكري ص 159 فماذا نجد؟ نجد العجز برواية أُخرى تماماً هي: فتنازعا المهجات باللحظين.
بل ونجد بيتاً آخر يليه لا وجود له عند المحقِّقين ونصه:
لا زال من بغض الصيام مبغضاً
يوم الخميس إليّ والاثنين
أكثر من ذلك أنَّ الأبيات الأول والثاني والسابع من هذه القطعة موجودة في «قطب السرور» ص 703 برواية أُخرى لم يقف عليها المحقِّقان الفاضلان. ومن ذلك ما أثبته في الهامش رقم (1) ص 175 ونصه: (البيتان في «سحر البيان» 164 ونهاية الأرب 3/98 والديوان 67. والأول في «خاص الخاص» 102).
والصواب والبيتان في خاص الخاص ص 128.
ثم إنَّ القطعة (7) المنشورة في ص 90 ـ 91 موجودة في مراجع أُخرى غير التي ذكرها المحقِّقان الفاضلان هي: «أنوار الربيع» 4/ 62 ـ 63 و«أمالي الزجاجي» 102 ـ 103 منسوبة لديك الجن و«ذم الهوى» لابن الجوزي 469 ـ 471 مع اختلاف في الرواية ولعلَّ في الرجوع إليها فائدة، ثم إن الكلام حول هذه النقطة كثير لا تتسع له مثل هذه الكلمة المقتضبة.
15 ـ في المقدمة التي عقدها المحقِّقان الفاضلان للحديث عن «ديك الجن. حياته وديوانه» ذكرا في الصفحة التاسعة ما قاله النواجي في «حلبة الكميت» من أمر لقاء أبي تمام مع ديك الجن في حمص، وقالا: (وهذه رواية انفرد بها الشيخ النواجي، وقد لا تكون صحيحة، لأنَّ أبا تمام كان يختلف إلى ديك الجن في حمص إبّان نشأته الشعريّة ويستفيد منه، فكيف يتخفى عنه؟).
ويبدو لي من هذا الكلام أنه قد فاتهما الاطّلاع على نصٍّ بالغ الأهمية ذكره ابن ظافر الأزدي في «بدائع البادئه» ص 68 ونصّه: (أنَّ أبا تمام لقي ديك الجن وهو طفل يلعب، ويدّعي قول الشعر، فقال: إن كنت شاعراً كما تقول، فأجز: فرقوا بين من أحب وبيني.
فقال: أبعّد أم قرَّب؟ فقال أبو تمام: بعَّد، فقال:
مثل بعد السماك والفرقدين.
فقال له: قرّب، فقال:
مثل ما بين حاجبيَّ وعينيَّ.
وعلى أيّة حال فبين هذا النص ونصوص أُخرى ذكرت أستاذية ديك الجن لأبي تمام تعارض ظاهر. وهو تعارض كان يستوجب التدقيق والتحقيق.
الحميريات
قصائد للسيد الحميري في أهل البيت عليهم السلام
السيد الحميري هو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ، أبو هاشم أو أبو عامر الحميري نسبة إلى حمير. وأمه امرأة من الأزد من بني الحدان من أهل البصرة.
أما لقبه «السيد» فلا يعني أنه فاطمي فقد روي أن أبا عبد الله عليه السلام لقي السيد بن محمد الحميري، فقال له فيما قال: أنت سيد الشعراء.
ويقول السيد في ذلك:
ولقد عجبت لقائل لي مرة
علامة فهم من الفقهاء
سماك قومك سيداً صدقوا به
أنت الموفق سيد الشعراء
ما أنت حين تخص آل محمد
بالمدح منك وشاعر بسواء
مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم
والمدح منك لهم بغير عطاء
فالسيد إذن تعني سيد اللغة والشعر والأدب لا «سيد» النسب.
يؤكد الباحثون أن نشأته كانت بالبصرة ويختلفون في تحديد مكان ولادته ووفاته. فبروكلمان ودائرة المعارف الإسلامية يجعلان ولادته في البصرة ويذكر السيد محسن الأمين: أنه ولد بعُمان فيما يذكر الزركلي: أنه ولد في نعمان وهو واد قريب من الفرات على أرض الشام قريب من الرحبة.
ومن المفارقات أن أباه وأمه كانا من الخوارج الأباضية. يقول طه حسين: «كان أبو السيد وأمه من الخوارج الأباضية، فكانا يكرهان الأموميين كما كانا يكرهان بني هاشم. وكانا يشتمان معاوية، كما كانا يشتمان علياً، ومع ذلك فقد كان السيد الحميري شيعة لعلي وأبنائه، ولعل شيعة العلويين لم يظفروا بشاعر مثله في حياتهم السياسية كلها، وقف عليهم عمره وجهده، وكاد يقف عليهم مدحه وثناءه، مخلصاً في ذلك إخلاصاً لا يشبهه إخلاص.
ولم يكن السيد الحميري نفسه، يعرف كيف وصل التشيع إليه، بل كان إذا سئل عن ذلك قال:
«غاصت رحمة الله عليّ غوصاً، وكان يسمع أبويه يشتمان علياً، ويبالغان في شتمه، فكان يكره ذلك، ثم صح له مذهبه في التشيع، وظهر منه أبواه على هذا الرأي، فيقال إنهما همّا بقتله، فاستجار منهما بعقبة بن سَلْم، فأجاره حتى ماتا، وتم له ميراثهما».
وذهب المؤرخون إلى أنه توفي في بغداد في خلافة الرشيد، وذهب آخرون إلى أن وفاته كانت بواسط.
وكان السيد يكره الاستجداء بالشعر خلافاً لنهج شعراء عصره وهو القائل:
أيها المادح العباد ليعطى
إن لله ما بأيدي العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم
وارج نفع المقسم العوّاد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه
وتسمي البخيل باسم الجواد
وفي موقف لافت لبشار عندما سمع هذه الأبيات ما يؤكد تمايز السيد بهذه الناحية وأنفته. قال بشار: «لولا أن هذا الرجل شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا ولو شاركنا في مذهبنا لذهبنا».
وتميز شعره بالسهولة والانسياب ويبدو أنه كان يقصد إلى ذلك قصداً ليؤمن لشعره انتشاراً بين الناس في مختلف طبقاتهم. فقد قيل له: ألا تستعمل في شعرك ما يستعمله الشعراء في الغريب؟
قال: ذاك عي وتكليف مني لو فعلته، وقد رزقني الله طبعاً واتساعاً في الكلام، فأنا أقول ما يفهمه الصغير والكبير ولا يحتاج إلى تفسير.
يقول أبو الفرج: كان شاعراً متقدماً مطبوعاً …. وإن أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار وأبو العتاهية والسيد، فإنه لا يعلم أحد قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.
ويقول عنه في (أعيان الشيعة): من خصائص شعره السهولة والعذوبة والانسجام وطول النفس، وذكر الأخبار والمناقب بما يسمونه الشعر القصصي، ولم يترك فضيلة لأمير المؤمنين علي عليه السلام إلا نظم فيها، وكان معظماً عند ملوك عصره من بني العباس في قوة سلطانهم، وتشددهم على اتباع العلويين، ومعاقبتهم بالحبس والنفي والقتل من هو أهون حالاً، وأشد تستراً من السيد، مثل المنصور والمهدي والرشيد، الذي هم أشد بني العباس في ذلك، ومع هذا كانوا يتغاضون عنه خوفاً من لسانه ورعاية لمكانه.
أشعاره في أهل البيت عليهم السلام
جمع له بعضهم في بني هاشم الفين وثلاثمائة قصيدة، ولم يستوف شعره فيهم، وكان له فيهم عليهم عليهم السلام ألف ومئتا قصيدة، كانت تحفظ ثلاث بنات له كل واحدة أربعمائة بيت منها وقال بعضهم: إنها على حرف الميم فقط عدا ما كان على غيره من الحروف ولم يترك فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام إلا نظم فيها شعراً وقد ذهبت الأيام بهذه القصائد وبديوانه الذي كان معروفاً محفوظاً، ولم يبق من ذلك إلا ما كان في تضاعيف الكتب والمؤلفات.
شعره
بيت الرسالة والنبوة والذيـ
ـن نعدهم لذنوبنا شفعاء
الطاهرين الصادقين العالمين
العارفين السادة النجباء
إني علقت بحبلهم متمسكاً
أرجو بذاك من الإله رضاء
أسواهم أبغي لنفسي قدوة
لا والذي فطر السماء سماء
من كان أول من أباد بسيفه
كفار بدر واستباح دماء
من أنزل الرحمن فيهم هل أتى
لما تحدوا للنذور وفاء
من خمسة جبريل سادسهم وقد
مد النبي على الجميع عباء
من ذا بخاتمه تصدق راكعاً
فأثابه ذو العرش عنه ولاء
يا راية جبريل سار أمامها
قدماً واتّبعها النبي دعاء
الله فضله بها ورسوله
والله ظاهر عنده الآلاء
من ذا تشاغل بالنبي وغسله
ورأى عن الدنيا بذاك عزاء
من كان أعلمهم وأقضاهم ومن
جعل الرعية والرعاء سواء
من كان باب مدينة العلم الذي
ذكر النزول وفسر الأنباء
من كان أخطبهم وأنطقهم من
قد كان يشفي قوله البرحاء
من كان أنزعهم من الإشراك أو
للعلم كان البطن منه خفاء
من ذا الذي أمروا إذا اختلفوا بأن
يرضوا به في أمرهم قضاء
من قيل لولاه ولولا علمه
هلكوا وعانوا فتنة صماء
من كان أرسله النبي بسورة
في الحج كانت فيصلاً وقضاء
من ذا الذي أوصى إليه محمد
يقضي العدات فأنفذ الإيصاء
من ذا الذي حمل النبي برأفة
ابنيه حتى جاوز الغمصاء
من قال نعم الراكبان هما ولم
يكن الذي قد كان منه خفاء
من ذا مشى في لمع برق ساطع
إذ راح من عند النبي عشاء
وله:
ولقد عجبت لقائل لي مرة
علامة فهم من الفهماء
أهجرت قومك طاعناً في دينهم
وسلكت غير مسالك الفقهاء
ألا مزجت بحب آل محمد
حب الجميع فكنت أهل وفاء
فأجبته بجواب غير مباعد
للحق ملبوس عليه غطائي
أهل الكساء أحبتي فهم اللذي
فرض الإله لهم علي ولائي
ولمن أحبهم ووالى دينهم
فلهم علي مودة بصفاء
والعاندون لهم عليهم لعنتي
وأخصهم مني بقصد هجاء
وله:
يا آل ياسين يا ثقاتي
أنتم موالي في حياتي
وعادتي إذ دنت وفاتي
بكم لدى محشري نجاتي
إذ يفصل الحاكم القضاء
أَبرا إليكم من الأعادي
من آل حرب ومن زياد
وآل مروان ذي العتاد
وأول الناس في العناد
مجاهر أظهـر البراء
وله:
سماه جبار السماء
صراط حق فسما
وله:
فقال في الذكر وما
كان حديثاً يفترى
هذا صراطي فاتّبعوا
وعنهم لا تخدعوا
فخالفوا ما سمعوا
والخلف ممن شرعا
واجتمعوا واتفقوا
وعاهدوا ثم التقوا
إذ مات عنهم وبقوا
أن يهدموا ما قد بنى
له البساط إذ سرى
وفتية الكهف دعا
فما أجابوا في الندا
سوى الوصي المرتضى
وله:
وكان له أخاً وأمين غيب
على الوحي المنزل حين يوحى
وكان لأحمد الهادي وزيراً
كما هارون كان وزير موسى
وصي محمد وأبو بنيه
وأول ساجد لله صلى
بمكة والبرية أهل شرك
وأوثان لها البدنان تهدى
وله:
والحوض حوض محمد ووصيه
يسقي محبيه ويمنعه العدى
وله:
نادى علي فوافى فوق منبره
فاسمع الناس إني سيد الشيب
وإن في وخير القول أصدقه
لسنة من نبي الله أيوب
والله لي جامع شملي كما جمعت
كفاه بعد شتات شمل يعقوب
والله لي واهب من فضل رحمته
ما ليس إلا لذي وحي بموهوب
والله مبتعث من عترتي رجلاً
يفني أمية وعدا غير مكذوب
هذا حديث عجيب عن أبي حسن
يروي وقد كان يأتي بالأعاجيب
وله:
إلا أيها اللاحي علياً دع الخنا
فما أنت في تأنيبه بمصوب
أتلحى أمير الله بعد أمينه
وصاحب حوض ربه خير مشرب
وحافاته در ومسك ترابه
وقد حاز ماء من لجين ومذهب
متى ما يرد مولاه يشرب وإن يرد
عدو له يرجع بخزي ويضرب
وله في خبر الطائر:
نبئت إن أبانا كان عن أنس
يروي حديثاً معجباً عجباً
في طائر جاء مشوياً به بشر
يوماً وكان رسول الله محتجباً
أدناه منه فلما أن رآه دعا
رباً قريباً لأهل الخير متجباً
أدخل إلي أحب الخلق كلهم
طراً إليك فأعطاه الذي طلبا
فاغتر بالباب مغتراً فقال لهم
من ذا وكان وراء الباب مرتقبا
من ذا فقال علي قال إن له
شاناً له اهتم منه اليوم فاحتجبا
فقال لا تحجبن مني أبا حسن
يوماً وابصر في أسراره الغضبا
من رده المرة الأولى وقال له
لج وأحمد الله وأقبل كل ما وهبا
أهلاً وسهلاً بخلصائي وذي ثقتي
ومن له الحب من رب السما وجبا
وقال ثم رسول الله يا أنس
ماذا أصاب بك التخليط مكتسبا
ماذا دعاك إلى أن صار خالصتي
وخير قومي لديك اليوم محتجبا
فقال يا خير خلق الله كلهم
أردت حين دعوت الله مطلبا
بأن يكون من الأنصار ذاك لكي
يكون ذاك لنا في قومنا حسبا
فقد دعا ربه المحجوب في أنس
بأن يحل به سقم حوى كربا
فناله السوء حتى كان يرفعه
في وجهه الدهر حتى مات منتقبا
إنّا وجدنا له فيما نخبره
بعروة العرش موصولاً بها سببا
حبلاً متيناً بكفيه له طرف
سد العراج إليه العقد والكربا
من يعتصم بالقوى من حبله فله
ان لا يكون غداً في حال من عطبا
قوم غلوا في علي لا أبا لهم
وجشموا أنفساً في حبه تعبا
قالوا هو الله جل الله خالقنا
من أن يكون ابن أم أو يكون أبا
فمن أدار أمور الخلق بينهم إذ
كان في المهد أو في البطن محتجبا
وله:
أبو حسن غلام من قريش
أبرّهم وأكرمهم نصابا
دعاهم أحمد لمَّا أتته
من الله النبوة فاستجابا
فأدبه وعلمه وأملى
عليه الوحي يكتبه كتابا
فأحصى كلما أملى عليه
وبيّنه له باباً فبابا
وقال في الحسين عليه السلام:
لست أنساه حين أيقن بالموت
دعاهم وقام فيهم خطيبا
ثم قال ارجعوا إلى أهلكم
ليس سوائي أرى له مطلوبا
فأجابوه والعيون سكوب
وحشاهم قد شب منها لهيبا (كذا)
أي عذر لنا حين نلقى
جدك المصطفى ونحن حروبا (كذا)
وله:
محمد خير بني غالب
وبعده ابن أبي طالب
هذا نبي ووصي له
ويعزل العالم في جانب
حدثه في مجلس واحد
ألف حديث معجب عاجب
كل حديث من أحاديثه
يفتح ألفاً عدة الحاسب
فتلك وفت ألف ألف له
فيها جماع المحكم الصائب
وله في الحارث بن عمرو الفهري الذي قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية:
هو مولاك فاستطار ونادى
ربه باستكانة وانتصاب
رب إن كان ذا هو الحق من
عندك تجزى به عظيم الثواب
رب أمطر من السماء بأحجا
ر علينا أو ائتنا بعذاب
ثم ولى وقال دونكموه
إن ربي مصيبه بشهاب
فاطلبوه إذا تغيب عنكم
فسعوا يطلبونه في الشعاب
فإذا شلوه طريح عليه
لعنة الله بين تلك الروابي
وله:
وإن علياً قال في الصيد قبل أن
ينزل في التنزيل ما كان أوجبا
قضى فيه قبل الوحي خير قضية
فأنزلها الرحمن حقاً مرتبا
على قاتل الصيد الحرام كمثله
من النعم المفروض كان معقبا
إلى البيت بيت الله معتمداً إذا
تعمده كيلا يعود فيعطبا
وسلم جبريل وميكال ليلة
عليه وإسرافيل حياه معربا
أحاطوا به في ردئه جاء يستقي
وكان على ألف بها قد تحزبا
ثلاثة آلاف ملائك سلموا
عليه فأدناهم وحيا ورحبا
وأعتق ألفاً ثم من صلب ماله
أراد بهم وجه الآله وسيبا
وليلة قاما يمشيان بظلمة
يجوبان جلباباً من الليل غيهبا
إلى صنم كانت خزاعة كلها
توقره كي يكسراه ويهربا
فقال: أعل ظهري يا علي وحطه
فقام به خير الأنام مركبا
يغادرها قضا جذاذاً وقال وثب
جزاك به ربي جزاء مؤربا
وله:
هاشمي مهذب أحمدي
من قريش القرى وأهل الكتاب
خازن الوحي الذي أوتي الحكم
صبياً طفلاً وفصل الخطاب
كان لله ثاني اثنين سراً
وقريش تدين للأنصاب
وله:
علي أمير المؤمنين وعزهم
إذا الناس خافوا مهلكات العواقب
علي هو الحامي المرجا بفعله
لدى كل يوم باسل الشر عاصب
علي هو المرهوب والذائد الذي
يذود عن الإسلام كل مناصب
علي هو الغيث الربيع مع الحيا
إذا نزلت بالناس إحدى المصائب
علي هو العدل الموفق والرضا
وفارج لبس المبهمات الغرائب
علي هو المأوى لكل مطرّد
شريد ومنحوب من الشر هارب
علي هو المهدي والمقتدى به
إذا الناس حاروا في فنون المذاهب
علي هو القاضي الخطيب بقوله
يجيء بما يعيا به كل خاطب
علي هو الخصم القؤول بحجة
يرد بها قول العدو المشاغب
علي هو البدر المنير ضياؤه
يضيء سناه في ظلام الغياهب
علي أعز الناس جاراً وحامياً
وأقتلهم للقرن يوم الكتائب
علي أتم الناس حلماً ونائلاً
وأجودهم بالمال حقاً لطالب
علي أكفّ الناس عن كل محرم
وأتقاهم لله في كل جانب
وله:
جعلت آل الرسول لي سبباً
أرجو نجاتي به من العطب
لو لم أكن قائلاً بحبهم
أشفقت من بغضهم على نسبي
وله القصيدة التي اشتهرت لما فيها من إخلاص وسرد قصص وعفوية شعرية:
ولقد حلفت وقلت قولاً صادقاً
بالله لم آثم ولم أتريب
لمعاشر غلب الشقاء عليهم
وهوى أمالهم لأمر متعب
من حمير أهل السماحة والندى
وقريش الغر الكرام وتغلب
أين التطرب بالولاء وبالهوى
أإلى الكواذب من بروق الخلب
أإلى أمية أم إلى شيع التي جاءت
على الجمل الخدب الشوقب([392])
تهوي من البلد الحرام فنبهت
بعد الهدوء كلاب أهل الحوأب
يحدو الزبير بها وطلحة «عسكراً»
يا للرجال لرأي أم مشجب([393])
يا للرجال لرأي أم قادها
ذئبان يكتنفانها في أذؤب
ذئبان قادهما الشقاء وقادها
للحين فاقتحما بها في منشب([394])
في ورطة لحجا بها فتحملت
منها على قتب بإثم محقب([395])
أم تدب إلى ابنيها ووليها
بالمؤذيات له دبيب العقرب
أما الزبير فحاص حين بدت له
جأواء تبرق في الحديد الأشهب([396])
حتى إذا أمن الحتوف وتحته
عاري النواهق ذو نجاء ملهب([397])
أثوى ابن جرموز عمير شلوه
في القاع منعفراً كشلو التولب([398])
واغتر طلحة عند مختلف القنا
عبل الذراع شديد أصل المنكب([399])
فاختل حبة قلبه بمذلق
ريان من دم جوفه المتصبب([400])
في مارقين من الجماعة فارقوا
باب الهدى وحيا الربيع المخصب
خير البرية بعد أحمد من له
مني الهوى وإلى بنيه تطربي
أمسي وأصبح معصماً مني له
بهوى وحبل ولاية لم يقصب([401])
ونصيحة خلص الصفاء له بها
مني وشاهد نصرة لم يعزب
ولقد سرى فيما يسير بليلة
بعد العشاء بكربلا في موكب
حتى أتى متبتلاً في قائم
ألقى قواعد بقاع مجدب([402])
بانيه ليس بحيث يلقى عامراً
غير الوحوش وغير أصلع أشيب([403])
في مدمج زلق أشم ـ كأنه
حلقوم أبيض ـ ضيق مستصعب([404])
فدنا فصاح به فأشرف ماثلاً
كالنسر فوق شظية من مرقب([405])
هل قرب قائمك الذي بؤته
ماء يصاب فقال ما من مشرب([406])
إلا بغاية فرسخين ومن لنا
بالماء بين نقا وقيّ سبسب([407])
فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى
ملساء تبرق كاللجين المذهب([408])
قال أقبلوها إنكم إن تقلبوا
ترووا ولا ترون إن لم تقلب
فاعصوصبوا في قلعها فتمنعت
منهم تمنع صعبة لم تركب([409])
حتى إذا أعيتهم أهوى لها
كفاً متى ترد المغالب تغلب([410])
فكأنها كرة بكف حزور
عبل الذراع دحا بها في ملعب([411])
فسقاهم من تحتها متسلسلاً
عذباً يزيد على الألذ الأعذب([412])
حتى إذا شربوا جميعاً ردها
ومضى فخلت مكانها لم يقرب
أعني ابن فاطمة الوصي ومن يقل
في فضله وفعاله لم يكذب
ليست ببالغة عشير عشير ما
قد كان أعطيه مقالة مطنب
صهر النبي وجاره في مسجد
طهر بطيبة للرسول مطيب([413])
سيان فيه عليه غير مذمم
ممشاه إن جنباً وإن لم يجنب([414])
وسرى بمكة حين بات مبيته
ومضى بروعة خائف مترقب([415])
خير البرية هارباً من شرها
بالليل مكتتماً ولم يستصحب([416])
باتوا وبات على الفراش ملفعا
فيرون إن محمداً لم يذهب([417])
حتى إذا طلع الشميط كأنه
في الليل صفحة خدّ أدهم مغرب([418])
ثاروا لأخذ اخي الفراش فصادفت
غير الذي طلبت أكف الخيب
فوقاه بادرة الحتوف بنفسه
حذراً عليه من العدو المجلب
حتى تغيب عنهم في مدخل
صلى الإله عليه من متغيب
وجزاه خير جزاء مرسل أمة
أدى رسالته ولم يتهيب
فتراجعوا لما رأوه وعاينوا
أسد الإله وعصبوا في منهب([419])
قالوا أطلبوه فوجهوا من راكب
في مبتغاه وطالب لم يركب
حتى إذا قصدوا لباب مغاره
ألفوا عليه نسيج غزل العنكب
صنع الإله له فقال فريقهم
ما في المغار لطالب من مطلب
ميلوا وصدهم المليك ومن يرد
عنه الدفاع مليكه لا يعطب
حتى إذا أمن العيون رمت به
خوص الركاب إلى مدينة يثرب([420])
فاحتل دار كرامة في معشر
آووه في سعة المحل الأرحب
وله بخيبر إذ دعاه لراية
ردت عليه هناك أكرم منقب
إذ جاء حاملها فأقبل متعباً
يهوي بها العدوي أو كالمتعب
يهوي بها وفتى اليهود يشله
كالثور ولى من لواحق أكلب
غضب النبي لها فأنبه بها
ودعا أخا ثقة لكهل منجب([421])
رجلاً كلا طرفيه من سام وما
حام له باب ولا بأبي أب([422])
من لا يفر ولا يرى في نجدة
إلا وصارمه خضيب المضرب([423])
فمشى بها قبل اليهود مصمماً
يرجو الشهادة لا كمشي الأنكب([424])
تهتز في يمنى يدي متعرض
للموت أروع في الكريهة محرب([425])
في فيلق فيه السوابغ والقنا
والبيض تلمع كالحريق الملهب
والمشرفية في الأكف كأنها
لمع البروق بعارض متحلب
وذوو البصائر فوق كل مقلص
نهد المراكل ذي سبيب سلهب([426])
حتى إذا دنت الأسنة منهم
ورموا فنالهم سهام المقنب([427])
شدوا عليه ليرجلوه فردهم
عنه بأسمر مستقيم الثعلب([428])
ومضى فأقبل مرحب متذمراً
بالسيف يخطر كالهزبر المغضب([429])
فتخالسا مهج النفوس فأقلعا
عن جري أحمر سائل من مرحب
فهوى بمختلف القنا متجدلاً
ودم الجبين بخده المتترب([430])
أجلى فوارسه وأجلى رجله
عن مقعص بدمائه متخضب([431])
فكأن زوره العواكف حوله
من بين خامعة ونسر أهدب([432])
شعث لعامظة دعوا لوليمة
أو يأسرون تخالسوا في منهب([433])
فاسأل فإنك سوف تخبر عنهم
وعن ابن فاطمة الأغر الأغلب([434])
وعن ابن عبد الله عمرو قبله
وعن الوليد وعن أبيه الصقعب([435])
وبني قريضة يوم فرق جمعهم
من هاربين وما لهم من مهرب
وموائلين إلى أزل ممنع
راسي القواعد مشمخر حوشب([436])
رد الخيول عليهم فتحصنوا
من بعد أرعن جحفل متحزب([437])
إن الضباع متى تحس بنبأة
من صوت أشوس تقشعر وتهرب([438])
فدعوا ليمضي حكم أحمد فيهم
حكم العزيز على الذيل المذنب([439])
فرضوا بآخر كان أقرب منهم
داراً فمتوا بالجوار الأقرب([440])
قالوا الجوار من الكريم بمنزل
يجري كنسبة المتنسب
فقضى بما رضي الإله لهم به
بالحرب والقتل الملح المخرب([441])
قتل الكهول وكل أمرد منهم
وسبى عقائل بدنا كالربرب([442])
وقضى عقارهم لكل مهاجر
دون الألى نصروا ولم يتهيب
وبخم إذ قال الإله بعزمة
قم يا محمد بالولاية فاخطب
وانصب أبا حسن لقومك إنه
هاد وما بلغت إن لم تنصب
فدعاه ثم دعاهم فأقامه
لهم فبين مصدق ومكذب
جعل الولاية بعده لمهذب
ما كان يجعلها لغير مهذب
وله مناقب لا ترام متى يرد
ساع تناولها بعضها يتذبذب([443])
إنّا ندين بحب آل محمد
ديناً ومن يحببهم يستوجب
منا المودة والولاء ومن يرد
بدلاً بآل محمد لا يحبب
وكأن قلبي حين يذكر احمدا
ووصي أحمد نيط من ذي مخلب
بذرى القوادم من جناح مصعد
في الجو أو بذرى جناح مصوب([444])
حتى يكاد من النزاع إليهما يفري
الحجاب عن الضلوع الصلب([445])
هبة وما يهب الإله لعبده
يزدد ومهما لا يهب لا يوهب
يمحو ويثبت ما يشاء وعنده
علم الكتاب وعلم ما لم يكتب
وله:
فإنك كنت تعبده غلاماً
بعيداً من أساف ومن مناة
لا وثناً عبدت ولا صليباً
ولا عزى ولم تسجِد للات
وله:
سبطان أمهما الزهراء منجبة
سادت نساء جميع العالميات
ابنا الرسول الذي جلت فضائله
إن عدد الفضل عن وصف المقالات
وابنا الوصي الذي كانت ولايته
حتماً من الله في تنزيل آيات
أولاك من آدم في بيت معلوة
تواضعت عنده كل البيوتات
وله:
إن امرءاً خصمه أبو حسن
لعازب الرأي داحض الحجج
لا يقبل الله منه معذرة
ولا تلاقيه حجة الفلج
وله:
قسيم النار ذاك لها وذا لي
ذريه أنه لي ذو وداد
يقاسمها فنصفها فترضى
مقاسمه المعادل غير عادي
كما انتقد الدراهم صيرفي
ينقي الزائفات من الجياد
وله:
واسأل بني الحسحاس تخبر أنه
كاد الوصي برشق سهم مقصد
فدعا عليه المصطفى في قومه
بدعاء محمود الدعاء مؤيد
فتعطلت يمنى يديه عقوبة
وأتى عشيرته بوجه أسود
غرست نخيل من سلالة آدم
شرفاً فطاب بفخر طيب المولد
زيتونة طلعت فلا شرقية
تلفى ولا غريبة في المحتد
ما زال يشرق نورها من زيتها
فوق السهول وفوق صمم الجلمد
وسراجها الوهّاج أحمد والذي
يهدي إلى نهج الطريق الأزهد
وإذا وصلت بحبل آل محمد
حبل المودة منك فابلغ وازدد
بمطهر لمطهرين أبوة
نالوا العلى ومكارماً لم تنفد
أهل التقى وذوي النهي وأولي
العلى والناطقين عن الحديث المسند
الصائمين القائمين القانتين
الفائقين بني الحجى والسؤدد
الراكعين الساجدين الحامدين
السابقين إلى صلاة المسجد
الفاتقين الراتقين السائحين
العابدين إلههم بتودد
الواهبين المانعين القادرين
القاهرين لحاسد متحسد
نصب الجليل لجبرئيل منبراً
في ظل طوبى من متون زبرجد
شهد الملائكة الكرام وربهم
وكفى بهم وبربهم من شهد
وتناثرت طوبى عليهم لؤلؤاً
زمرداً متتابعاً لم يعقد
وملاك فاطمة الذي ما مثله
في متهم شرفاً وفي منجد
وبكرن علقمة النصارى إذ عتت
في عزها والباذخ المتقعد
فأتى النبي بفاطم ووليها
وحسين والحسن الكريم المصعد
جبريل سادسهم فأكرم سادس
وأخير منتجب لأفضل مشهد
وله:
بعث النبي فما تلبث بعده
حتى تحنف غير يوم واحد
صلى وزكّى واستسر بدينه
من كل عم مشفق أو والد
حججاً يكاتم دينه فإذا خلا
صلى ومجد ربه بمحامد
صلى ابن تسع وارتدى في برجد
ولداته يسعون بين براجد([446])
وسرى النبي وخاف أن يسطى به
عند انقطاع مواثق ومعاهد
وأتى النبي فبات فوق فراشه
متدثراً بدثاره كالراقد
وذكت عيون المشركين ونطقوا
أبيات آل محمد بمراصد
حتى إذا ما الصبح لاح كأنه
سيف تخرق عنه غمد الغامد
ثاروا وظنوا أنهم ظفروا به
فتعاوروه وخاب كيد الكائد
فوقاه بادرة الحتوف بنفسه
ولقد تنول رأسه بجلامد
في المناقب: عن كتاب أبي موسى الحامض النحوي أنه عرض عباسي للسيد الحميري أن أشعر الناس من قال:
محمد خير من يمشي على قدم
وصاحباه وعثمان بن عفانا
فقال السيد أنا أشعر من هذا حيث أقول:
سائل قريشاً إذا ما كنت ذا عمه
من كان أثبتهم في الدين أوتادا
من كان أولها سلماً وأكثرها
علماً وأطيبها أهلاً وأولاداً
من كان أعدلهم حكماً وأقسطهم
فتياً وأصدقهم وعداً وإيعادا
من صدق الله إذ كانت مكذبة
تدعو مع الله أوثاناً وأنداداً
أن يصدقوك فلن يعدو أبا حسن
إن أنت لم تلق للأبرار حسادا
وله:
ولدته في حرم الإله وأمنه
والبيت حيث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة
طابت وطاب وليدها والمولد
في ليلة غابت نحوس نجومها
وبدت مع القمر المنير الأسعد
ما لف في خرق القوابل مثله
إلا ابن آمنة النبي محمد
وله:
لأقدم أمته الأولين
هدى ولأحدثهم مولداً
دعاه ابن آمنة المصطفى
وكان رشيد الهدى مرشدا
إلى أن يوحد رب السماء
تعالى وجل وأن يعبدا
فلباه لما دعاه إليه
ووحده مثل ما وحدا
وأخبره أنه مرسل
فقال صدقت وما فندا
فصلى الصلاة وصام الصيام
غلاماً ووافى الوغى أمردا
فلم ير يوماً كأيامه
ولا مثل مشهده مشهدا
وله:
توفي النبي عليه السلام
فلما تغيب في الملحد
أزالوا الوصية عن أقربيه
إلى الأبعد الأبعد الأبعد
وكادوا مواليه من بعده
فيا عين جودي ولا تجمدي
وأولاد بنت رسول الإله
يضامون فيها ولم تكمد
فهم بين قتلى ومستضعف
ومنعفر في الثرى مقصد
فذكر النبي وذكر الوصي
وذكر المطهر ذي المسجد
عظام الحلوم حسان الوجوه
شم العرانين والمنجد
ومن دنس الرجس قد طهروا
فيا فضل من بهم يهتدي
هم حجج الله في خلقه
عليهم هدى كل مسترشد
بهم أحييت سنن المرسلين
على الرغم من أنف الحسد
فمن لم يصل عليهم يخب
إذا لقي الله بالمرصد
وله:
وارث السيف والعمامة والراية
مطوية وذات القيود
منه والبغلة التي كان والحرب
عليها يلقاه يوم الوفود
وكفاه بأنه سبق الناس
بفضل الصلاة والتوحيد
حججاً قبلهم كوامل سبعاً
بركوع لديه أو بسجود
وكفاه بألف ألف حديث
قد وعاهن من وحي مجيد
قد وعاها في مجلس بمعانيها
وأسبابها ووقت الحدود
كان من قوله ألا لا تعودوا
بعد موتي في ردة وعنود
تلقحوا الحرب بينكم فتصيروا
في فريقين قائد ومقود
ولئن أنتم فتنتم وخلتم
في عمى حائل وفي ترديد
لتروني وفي يدي السيف صلتا
وعلياً في فيلق كالأسود
تحته بلغتي ودرعي عليه
وحسامي في كفه وعمودي
فوقه رايتي تطير بها الريح
عليكم في يوم نحس مبيد
وله:
أليس علي كان أول مؤمن
وأول من صلى غلاماً ووحدا
فما زال في سر يروح ويغتدي
فيرقى بثور أو حراء مصعدا
يصلي ويدعو ربه فهماً به
مع المصطفى مثنى وإن كان أوحدا
سنين ثلاثاً بعد خمس وأشهراً
كوامل صلى قبل أن يتمردا
ومن ذا الذي قد بات فوق فراشه
وأدنى وساد المصطفى فتوسدا
وخمر منه وجهه بلحافه
ليدفع عنه كيد من كان أكيدا
فلما بدا صبح يلوح تكشفت
له قطع من حالك اللون أسودا
ودارت به أحراسهم يطلبونه
وبالأمس ما سب النبي وأوعدا
أتوا طاهراً والطيب الطهر قد مضى
إلى الغار يخشى فيه أن يتوردا
فهموا به أن يتقلواه وقد سطوا
بأيديهم ضرباً مقيماً ومقعدا
فصدهم عن غاره عنكب له
على بابه سدى ووشى فجودا
فقال زعيم القوم ما فيه مطلب
ولم يظفر الرحمن منهم به يدا
وخص رجالاً من قريش بأن بنى
لهم حجراً فيه وكان مسددا
فقيل له أسدد كل باب فتحته
سوى باب ذي التقوى علي فسددا
وله:
وأهوج لاحى في علي وعابه
بسفك دماء من رجال تهودوا
وتلك دماء المارقين وسفكها
من الله ميثاق عليه مؤكد
هم نكثوا إيمانهم بنفاقهم
كما أبرقوا من قبل ذاك وأرعدوا
أتلحى امرءاً ما زال مذ هو يافع
يصلي ويرضي ربه ويوحد
وقد كانت الأوثان قبل صلاته
يطاف بها في كل يوم وتعبد
وله:
علي هادينا الذي نحن من
بعد عمانا فيه نستبصر
لما دجا الدين ورق الهدى
وحار أهل الأرض واستكبروا
وله:
ففاروق بين الهدى والضلال
وصديق أمتنا الأكبر
وله:
وأول مؤمن صلى وزكى
بخاتمه على رغم الكفور
وقد وجب الولاء له علينا
بذلك في الجهار وفي الضمير
وأخبرنا الإله بما وقاهم
ولقاهم هناك من السرور
وأكرمهم لما صبروا جميعاً
بجنات وألوان الحرير
فلا شمساً يرون ولا حميماً
ولا غساق بين الزمهرير
وله:
من كان أول من تصدق راكعاً
يوماً بخاتمه وكان مشيرا
من ذاك قول الله أن وليكم
بعد الرسول ليعلم الجمهورا
ولدى الصراط ترى علياً واقفاً
يدعو إليه وليه المنصورا
الله أعطى ذا علياً كله
وعطاء ربي لم يكن محظوراً
والله زوجه الزكية فاطما
في ظل طوبى مشهداً محضوراً
كان الملائك ثم في عدد الحصا
جبريل يخطبهم بها مسرورا
يدعو له ولها وكان دعاؤه
لهما بخير دائماً مذكورا
حتى إذا فرغ الخطيب تتابعت
طوبى تساقط لؤلؤا منثورا
وتهيل ياقوتاً عليهم مرة
وتهيل درا تارة وشذورا
فتى نساء الحور ينتهبونه
حوراً بذلك يحتذين الحورا
فأتى القيامة بينهن هدية
داك النثار عشية وبكورا
وله:
فقال له قد كان عيسى بن مريم
بزعمك يحيى كل ميت ومقبر
فماذا الذي أعطيت قال محمد
لمثل الذي أعطيه إن شئت فانظر
إلى مثل ما أعطى فقالوا لكفرهم
إلا أرنا ما قلت غير معذر
فقال رسول الله قم لوصيه
فقام وقدما كان غير مقصر
ورداه بالمنجاب والله خصه
وقال اتّبعوه بالدعاء المبرر
فلما أتى ظهر البقيع دعا به
فرجت قبور الورى لم تغير
فقالوا له يا وارث العلم اعفنا
ومن علينا بالرضى منك واغفر
وله:
وفاطم قد أوصت بأن لا يصليا
عليها وإن لا يدنوا من رجا القبر
علياً ومقداداً وإن يخرجوا بها
رويداً بليل في سكون وفي ستر
وله:
ذاك قسيم النار من قبله
خذي عدوي وذري ناصري
ذاك علي بن أبي طالب
صهر النبي المصطفى الطاهر
حدثنا وهب وكان امرءاً
يصدق بالمنطق عن جابر
إن علياً عاين المصطفى
ذا الوحي من مقتدر قادر
عاينه من جوعه مطرقاً
صلى عليه الله من صابر
وظل كالواله مما رأى
بصهره ذي النسب الفاخر
يجول إذ مر بذي حائط
يسقي بدلو غير مستأجر
قال له ما أنت لي جاعل
بكل دلو مترع ظاهر
فقال ما عندي سوى تمرة
بكل دلو غير ما غادر
فاترع الدلو أمام الهدى
يسقي به الماء من الخاسر
حتى استقى عشرين دلواً على
عشر بقول العالم الخابر
ثم أتى بالتمر يسعى به
إلى أخيه غير مستأثر
فقال ما هذا الذي جئتنا
به هداك الله من زائر
فاقتص ما قد كان من أمره
في عاجل الأمر وفي الآخر
فضمه ثم دعا ربه
له بخير دائم ماطر
وله:
شهيدي الله يا صديق
هذي الأمة الأكبر
بأني لك صافي الود
في فضلك لا أستسر
ويا فاروق بين الحق
والباطل في المصدر
ويا من اسمه في الكتب
معروف به حيدر
وسمته به أم
له صادقة المخبر
قسيم النار هذا لي
فكفي عنه لا يضرر
وهذا لك يا نار
فحوزي الفاجر الأكبر
فيا أول من صلى
ومن زكى ومن كبّر
ويا حب رسول الله
في مسجده الأكبر
حلال في أن تجنب
لا تلحى ولا تؤزر
وقد بايع جبريل
فنعم البايع المشتر
بدينار من الحب
فلم يندم ولم يخسر
وله:
من كنت مولاه فهذا له
مولى فلا تأبوا بتكفار
جاروا على أحمد في جاره
والله قد أوصاه بالجار
هو جاره في مسجد طاهر
ولم يكن من عرصة الدار
أربى بما كان وأربى بما
في كل إعلان وأسرار
وأخرج الباقين منه معاً
بالوحي من إنزال جبار
وله:
علي إمام وصي النبي
بمحضره وقد دعاه أميرا
وكان الخصيص له في الحياة
فصاهره واجتباه عشيرا
وله:
وليلة كاد المشركون محمدا
شرى نفسه لله إذ بت لا تشري
فبات مبيتاً لم يكن ليبيته
ضعيف عمود القلب منتفخ السحر
وله:
فتى أخواه المصطفى خير مرسل
وخير شهيد ذو الجناحين جعفر
وله:
من فضله أنه قد كان أول من
صلى وآمن بالرحمن إذ كفروا
سنين سبعاً وأياماً محرمة
مع النبي على خوف وما شعروا
ويوم قال له جبريل قد علموا
أنذر عشيرتك الأدنين إن بصروا
فقام يدعوهم من دون أمته
فما تخلف عنه منهم بشر
فمنهم آكل في مجلس جذعا
وشارب مثل عس وهو محتضر
فصدهم عن نواحي قصعة شبعا
فيها من الحب صاع فوقه الوذر
فقال يا قوم إن الله أرسلني
إليكم فأجيبوا الله واذكروا
فأيكم يجتبي قولي ويؤمن بي
إني نبي رسول فانبرى غدر
فقال تباً أتدعونا لتفتننا
عن ديننا ثم قام القوم فاشتمروا
من الذي قال منهم وهو أحدثهم
سناً وخيرهم في الذكر إذ سطروا
آمنت بالله قد أعطيت نافلة
لم يعطها أحد جن ولا بشر
وإن ما قلته حق وأنهم إن
لم يجيبوا فقد خانوا وقد خسروا
ففاز قدماً بها والله أكرمه
وكان سبّاق غايات إذا ابتدروا
وله:
من عنده علم الكتاب وحكمه
من شاهد يتلوه منه نذارا
علم البلايا والمنايا عنده
فصل الخطاب نمى إليه وصارا
وله بلاء يوم أحد صالح
والمشرفية تأخذ الأدبارا
إذ جاء جبريل فنادى معلناً
في المسلمين وأسمع الأبرارا
لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى
إلا علي إن عددت فخارا
من خاصف نعل النبي محمد
أرضى الإله بفعله الغفارا
هذا وصيي فيكم وخليفتي
لا تجهلوه فترجعوا كفارا
وله صراط الله دون عباده
من يهده يرزق تقى ووقارا
في الكتب مسطور محلى باسمه
وبنعته فاسأل به الأخبارا
من كان ذا جار له في مسجد
من نال منه قرابة وجوارا
والله أدخله وأخرج قومه
واختاره دون البرية جارا
من كان جبريل يقوم يمينه
فيها وميكال يقوم يسارا
من كان ينصره ملائكة السما
يأتونه مدداً له أنصارا
من كان وحد قبل كل موحد
يدعو الإله الواحد القهارا
من كان صلى القبلتين وقومه
مثل النواهق تحمل الأسفارا
من كان في القرآن سمي مؤمناً
في عشر آيات جعلن خيارا
من قال للماء افجري فتفجرت
ما كلفت كفاً له محفارا
حتى تروى جنده من مائها
لما جرى فوق الحضيض وفارا
وبكربلاء آثار أخرى قبلها
أحيا بها الأنعام والأشجارا
وأتاه راهبها فأسلم طائعاً
معه وأثنى الفارس المغوارا
أم من عليه الشمس كرت بعدما
غربت وألبسها الظلام شعارا
حتى تلافى العصر في أوقاتها
والله آثره بها إيثارا
ثمت توارت بالحجاب حثيثة
جعل الإله لسيرها مقدارا
من كان إذن منهم ببراءة
في المشركين فانذر الكفارا
منكم برئنا أجمعين فاشهرا
في الأرض سيروا كلكم فرارا
ابتاع من جبريل حباً قد زكى
في جنة لم تحرم الأنهارا
جبريل بايعه وأحمد ضيفه
خير الأنام مركباً ونجارا
وله:
ويوم سلع إذا أتى عادياً
عمرو بن عبد مصلتاً يخطر
يخطر بالسيف مدلاً كما
يخطر فحل الصرمة الدوسر
إذ جلل السيف على رأسه
أبيض عضباً حده مبتر
فخر كالجذع وأوداجه
يثعب منها حلب أحمر
ينفث من فيه دماً معجلا
كأنما ناظره العصفر
وله:
وفي ذات السلاسل من سليم
غداة أتاهم الموت المبير
وقد هزموا أبا حفص عميراً
وصاحبه مراراً فاستطيروا
وقد قتلوا من الأنصار رهطاً
فحل النذر أو وجبت نذور
إزار الموت مشيخة ضخاما
جحاجحة تسد بها الثغور
وعمرو قد سقي كأساً بسلع
أقب كأنه أسد مغير
فنادى هل بذي حسب براز
وهل عند امرئ حر نكير
وصي محمد وأمين غيب
ونعم أخو الإمامة والوزير
هما أخوان ذا هاد إلى ذا
وذا فينا لأمته نذير
فأحمد منذر وأخوه هاد
دليل لا يضل ولا يحير
كسابق حلبة وله مظل
أمام الخيل حيث يرى البصير
وله:
وعلي أول الناس اهتدى
بهدي الله وصلى وادكر
وحد الله ولم يشرك به
وقريش أهل عود وحجر
وعلي خازن الوحي الذي
كان مستودع آيات السور
مجبر قال لدينا عدد
وجميع من جماهير البشر
قلت ذم الله ربي جمعكم
وبه تنطق آيات الزبر
من زها سبعين ألف برة
وسواها في عذاب وسعر
وله:
ألم يصل علي قبلهم حججا
ووحد الله رب الشمس والقمر
وهؤلاء ومن في حزبهم دينهم
قوم صلاتهم للعود والحجر
وله:
فطوبى لمن أمسى لآل محمد
ولياً إماماه شبير وشبر
وقبلهما الهادي وصي محمد
علي أمير المؤمنين المطهر
ومن نسله زهر فروع أطائب
أئمة حق أمرهم يتنظر
وله:
لا فرض إلا فرض عقد الولا
في أول الدهر وفي الآخره
لأهل بيت المصطفى أنهم
صفوة حزب الله ذي المغفره
أعطاهم الفضل على غيرهم
بسؤدد البرهان والمقدره
فهم ولاة الأمر في خلقه
حكامه الماضون في أدهره
وله:
واحتل من طلحة المزهو حبته
سهم بكف قديم الكفر غدار
في كف مروان مروان …. أرى
رهط الملوك ملوكاً غير أخيار
وله:
قال بينا النبي وابناه والبرة
والروح ثالث في قرار
إذ دعا شبراً شبيراً فقام
الطهر للطاهرات والأطهار
لصراع فقال أحمد هي يا
حسن شدشدة المغوار
قالت البرة البتولة لما
سمعت قوله بلا إنكار
أتجري الكبير والناس طرا
يقصدون الصغار دون الكبار
قال إذ كنت فاعلاً أن من يكنف
هذا عن الورى متواري
إن جبريل قائل مثل قولي
لفتى النجد والندى والوقار
وله:
ألم يك لما دعاه الرسول
أجاب النبي ولم يدهش
فصلى هنيئاً له القبلتين
على أنه غير مستوحش
وله:
وصي رسول الله والأول الذي
أناب إلى دار الهدى حين أيفعا
غلاماً فصلى مستسراً بدينه
مخافة أن يبغى عليه فيمنعا
بمكة إذ كانت قريش وغيرها
تظل لأوثان سجوداً وركعا
شريك رسول الله في البدن التي
حداها هدايا عام حج فودعا
فلم يعد إن وافى الهدي محله
دعا بالهدايا مشعرات فصرعا
بكفيه ستاً بعد ستين بكرة
هدايا له قد ساقها مائة معا
وفاز علي الخير منه بأينق
ثلاثين بل زادت على ذاك أربعا
فنحرها ثم اجتذى من جميعها
جذى ثم ألى ما اجتذى منه أجمعا
بقدر فاغلاها فلما أتت أتى
بها قد تهرى لحمها وتميعا
فقال له كل واحس منها ومثلما
تراني بإذن الله أصنع فاصنعا
ولم يطعما خلقاً من الناس بضعة
ولا حسوة من ذاك حتى تضلعا
وله:
وفي يوم جاء المشركون بجمعهم
وعمرو بن عبد في الحديد مقنع
فجدله شلوا صريعاً لوجهه
رهيناً بقاع حوله الضبع يخمع
وأهلكهم ربي وردوا بغيظهم
كما أهلكت عاد الطغاة وتبع
وفي خاصف النعل البيان وعبرة
لمعتبر إذ قال والنعل يرقع
لأصحابه في مجمع إن منكم
وأنفسكم شوقاً إليه تطلع
إماماً على تأويله غير جائر
يقاتل بعدي لا يضل ويهلع
فقال أبو بكر أنا هو قال لا
فقال أبو حفص أنا هو فاسفع
فقال لهم لا لا ولكنه أخي
وخاصف نعلي ـ فاعرفوه ـ الموقع
وفي طائر جاءت به أم أيمن
بيان لمن بالحق يرضى ويقنع
فقال إلهي آت عبدك بالذي
تحب وحب الله أعلى وأرفع
ليأكل من هذا معي ويناله
فجاء علي من يصد ويمنع
فقال له إن النبي ـ ورده ـ
على حاجة فارجع وكل ليرجع
فعاد ثلاثاً كل ذاك يرده
فأهوى بتأييد إلى الباب يقرع
فأسمعه القرع الوصي لبابه
فقال له أدخل بعدما كان يرجع
وقال له يشكو وقد جئت مرة
وأخرى وأخرى كل ذلك ادفع
فسر رسول الله أكل وصيه
وأنف الذي لا يشتهي ذاك يجدع
وقال له ما إن يحبك صادق
من الناس إلا مؤمن متورع
ويقلاك إلا كافر ومنافق
يفارق في الحق الأنام ويخلع
فلما قضى وحي النبي دعا له
ولم يك صلى العصر والشمس تنزع
فردت عليه الشمس بعد غروبها
فصار لها في أول الليل مطلع
وأسكنه في مسجد الطهر وحده
وزوجه والله من شاء يرفع
مجاوره فيه الوصي وغيره
وأبوابهم في مسجد الطهر شرع
فقال لهم سدوا عن الله صادقاً
فضنوا بها عن سدها وتمنعوا
فقام رجال يذكرون قرابة
وما ثم فيما يبتغي القوم مطمع
فعاتبه في ذاك منهم معاتب
وكان له عماً وللعم موضع
فقال له أخرجت عمك كارهاً
وأسكنت هذا إن عمك يجزع
فقال له يا عم ما أنا بالذي
فعلت بكم هذا بل الله فاقنعوا
وقد كان في يوم الحدايق عبرة
وقول رسول الله والعين تدمع
فقال علي مم تبكي فقال من
ضغائن قوم شرهم أتوقع
عليك وقد يبدونها بعد ميتتي
فماذا هديت الله في ذاك يصنع
وفي يوم ناجاه النبي محمد
يسر إليه ما يريد ويطلع
فقالوا أطال اليوم نجوى ابن عمه
مناجاته بغي وللبغي مصرع
فقال لهم لست الغداة أنتجيته
بل الله ناجاه فلم يتورعوا
فأبصر ديناراً طريحاً فلم يزل
مشيراً به كفاً ينادي ويسمع
فمال به والليل يغشى سواده
وقد هم أهل السوق أن يتصدعوا
إلى بيع سمح اليدين مبارك
توسم فيه الخير والخير يتبع
فقال له بعني طعاماً فباعه
فقال لك الدينار والحب أجمع
فلا ذلك الدينار أحمي تبره
ولا الحب مما كان في الأرض يزرع
فبايعه جبريل والضيف أحمد
فثم تناهى والخير والبر أجمع
وفي أهل نجران عشية أقبلوا
إليه وحجوا بالمسيح فأبدعوا
وردوا عليه القول كفراً وكذبوا
وقد سمعوا ما قال فيه وأورعوا
فال تعالوا ندع أبناءنا معاً
ليجمعنا فيه من الأصل مجمع
فقالوا نعم فاجمع نباهلك بكرة
وللقوم فيه شرة وتسرع
فجاؤوا وجاء المصطفى وابن عمه
وفاطم والسبطان كي يتضرعوا
إلى الله في الوقت الذي كان بينهم
فلما رأوهم أحجموا وتضعضعوا
فقال له مه يا بريدة لا تقل
فإن برغمي في علي تتبع (كذا)
فمني علي يا بريدة لم يزل
وإني كذا منه على الحق نطبع
وليكم بعدي علي فأيقنوا
وقائعه بعد الوقيعة تسرع
بتوبته مستعجلاً خاب إنه
بسب علي في لظى يتدرع
وله:
إن جبريل أتى ليلاً إلى
طاهر من بعد ما كان هجع
بحنوط طيب من جنة
في صرار حل منه فسطع
فدعا أحمد من كان به
واثقاً عند معضات الجزع
أوثق الناس معاً في نفسه
عند مكروه إذا الخطب وقع
قسم الصرة أثلاثاً فلم
يسأل عن تسوية القسم الشرع
قال جزؤ لي وجزؤ لابنتي
ولك الثالث فاقبضها جمع
فإذا مت فحنطني بها
ثم حنطها بهذا لا تدع
إنها أسرع أهلي ميتة
ولحاقاً بي فلا تكثر جزع
فمضى وأتبعته والهاً
بعد غيظ جرعته ووجع
وله:
إن كنت من شيعة الهادي أبي حسن
حقاً فاعدد لريب الدهر تجفافا
إن البلاء مصيب كل شيعته
فاصبر ولا تك عند الهم مقصافا
وله:
وقد رويتم له الأملاك ناصرة
تكر إن كر منها ما يحففه
وكان ذا في إمارات الإمام وما
يزال يجمعها فيه مشرفه
وله:
كانت ملائكة الرحمن دائبة
يهبطن نحوك بالألطاف والتحف
والقطف والحب والدينار أهبطه
لطف من الله ذي الإحسان واللطف
وله:
أشهد بالله وآلائه
والمرء مأجور على صدقه
إن علي بن أبي طالب
كان أمين الله في خلقه
ما استبق الناس إلى غاية
إلا حوى السبق على سبقه
وله:
وصاحب الحوض يسقي من ألم به
من الخلائق لا أجنى ولا رتقا
قسيم نار به ترى يقول لها
ذا لي وذا لك قسم لم يكن علقا
وله:
وكنت الخليفة دون الأنام
على أهله يوم يغزو تبوكا
غداة انتجاك وظل المطي
باكوارهم إذ هم قد رأوكا
يراك نجيا له المسلمون
وكان الإله الذي ينتجيكا
على فم أحمد يوحي إليك
وأهل الضغائن مستشرفوكا
وله:
وأديت عنه كل عهد وذمة
وقد كان فيها واثقاً بوفائكا
فقلت له اقضي ديونك كلها
واقضي بإنجاز جميع عداتكا
ثمانين ألفاً أو تزيد قضيتها
فأبرأته منها بحسن قضائكا
وله:
هم الأئمة بعد المصطفى وهم
من اهتدى بالهدى والناس ضلال
وإنهم خير من يمشي على قدم
وهم لأحمد أهل البيت والآل
وله:
كمن في خلف الوصي حية
سبسبها الراقي فيه بالحيل (كذا)
فأرسل الله إليه ملكا
في صورة الطير الغداف المنحجل
فحلق الخف وأحداق الورى
تراه في حجر الغداف معتقل
حتى هوى من جوفه نضناضة
تنضح سماً باللعاب المنسدل
وله:
وصي النبي المصطفى وابن عمه
وأول من صلى لذي العزة العالي
وناصره في كل يوم كريهة
إذا كان يوم ذو هرير وزلزال
وعمرو بن عبد قدمته شواته
بأبيض مصقول الغرارين فصال
كأن على أثوابه من نجيعه
عصير البرايا أو نضيحة جريال
غداة مشى الإكفاء من آل هاشم
إلى عبد شمس في سرابيل أهوال
كأنهم والسابغات عليهم
مصاعب إجمال مشت تحت أحمال
وله:
في قصة الطائر المشوي حين دعا
|
محمد ربه دعوات مبتهل
أدخل إلي أحب الخلق كلهم
طراً إليك فمنه واجعلنه ولي
فجاء من بعده خير الورى رجل
عليه يقرع باب البيت في مهل
فقال مختبراً من ذا له أنس
فقال جاء علي جد بفتحك لي
فقال ترجع ولا تصغر أبا الحسن
فإن عنك رسول الله في شغل
فانحاز غير بعيد ثم اعطفه
دعا النبي فدق الباب في رسل
فقال أحمد من هذا تحاوره
بالباب أدخله لا بوركت من رجل
فقام مبتدراً للباب يفتحه
وحيدر قائم بالباب لم يزل
حتى إذا ما رأته عين أحمده
حياً وقربه تقريب محتفل
فقال ما بك قل لي يا أبا حسن
اجلس فداك أبي يا مؤنسي فكل
وله:
صديقنا الأكبر فاروقنا
فاروق بين الحق والباطل
وله في الصادق عليه السلام:
امدح أبا عبد الإلاه
البرية في احتماله
سبط النبي محمد
حبل تفرع من حباله
تغشى العيون الناظرات
إذا سمون إلى جلاله
عذب الموارد بحره
يروى الخلائق من سجاله
بحر أطل على البحور
يمدهن ندى نواله (بلاله)
سقت العباد يمينه
وسقى البلاد ندى شماله
يحكي السحاب يمينه
والودق يخرج من خلاله
الأرض ميراث له
والناس طراً في عياله
يا حجة الله الجليل
وعينه وزعيم آله
وابن الوصي المصطفى
وشبيه أحمد في كماله
أنت ابن بنت محمد
حذواً خلقت على مثاله
فضياء نورك نوره
وظلال روحك من ظلاله
فيك الخلاص عن الردى
وبك الهداية من ضلاله
اثني ولست ببالغ
عشر الفريدة من خصاله
وله:
أين الجهاد وأين فضل قرابة
والعلم بالشبهات والتفصيل
أين التقدم بالصلاة وكلهم
للاّت يعبد جهرة ويحول
أين الوصية والقيام بوعده
وبدينه إن غرّك المحصول
أين الجواز بمسجدٍ لا غيره
حيناً يمر به فأين تحول
هل كان فيهم إن نظرت مناصحاً
لأبي الحسين مقاسط وعديل
وله:
أشهد بالله وآلائه
والمرء عما قاله يسأل
إن علي بن أبي طالب
خليفة الله الذي يعدل
وأنه قد كان من أحمد
كمثل هارون ولا مرسل
لكن وصياً خازناً عنده
علم من الله به يعمل
قد قام يوم الدوح خير الورى
بوجهه للناس يستقبل
لكن تواصوا بعلي الهدى
أن لا يوالوه وأن يخذلوا
وله:
أشهد بالله وآلائه
والله عما قلته سائلي
إن علي بن أبي طالب
لخير ما حاف وما ناعل
وله:
فمن لم يكن يعرف إمام زمانه
ومات فقد لاقى المنية بالجهل
وله:
أوليس قد فرضت علينا طاعة
لأولي الأمور فهل لها تأويل
ما كان خبرنا بذاك محمد
خبراً له في المسندات أصول
إن الخليفة بعده هذا الذي
فيها عليه من الخطاب يحيل
وله:
أما أتى في خبر الأنبل
في طائر أهدي إلى المرسل
سفينة مكن في رشده
وأنس خان ولم يحفل
في رده سيد كل الورى
مولاهم في المحكم المنزل
فصده ذو العرش عن رشده
ثم غري بالبرص الأنكل
وله:
وصلى ولم يشرك سنين وأشهراً
ثمانية من بعد سبع كوامل
وله في قصة صالح:
بعث الإله إلى ثمود صالحاً
منه بنور سلامة لا يشكل
قالوا له اخرج لنا من صخرة
عشراء نحلبها إذا ما ننزل
فتصدعت عن ناقة فتنوا بها
وقضاء ربك ليس عنه مزحل
في حفل درتها لقاح خلفها
سقب وبقدمها هناك وينزل
لما رأوها حافلاً حفوا بها
ودعوا بأوعية وقالوا احملوا
حتى عتوا وتمردوا وسطوا بها
بطراً فأسرع في شواها المنصل
خصبوا فراسنها بقان معجل
فرغا هنالك بكرها فاستأصلوا
قبل الصباح بصيحة أخذتهم
بعد الرقاد سرى إليهم منهل
وله:
خوارج فارقوه بنهروان
على تحكيمه الحسن الجميل
على تحكيمه فعموا وصموا
كتاب الله في فم جبرئيل
فمالوا جانباً وبغوا عليه
فما مالوا هناك إلى مميل
فتاه القوم في ظلم حيارى
عماة يعمهون بلا دليل
فضلوا كالسوائم يوم عيد
تنحر بالغداة وبالأصيل
كأن الطير حولهم نصارى
عكوفاً حول صلبان الأبيل
وله:
قول علي لحارث عجب
كم ثم أعجوبة له جملا
يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه وأعرفه
بعينه واسمه وما فعلا
وأنت عند الصراط تعرفني
فلا تخف عثرة ولا زللاً
أسقيك من بارد على ظمأ
تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنار حين توقف للعرض
على جسرها ذري الرجلا
ذريه لا تقربيه إن له
حبلاً بحبل الوصي متصلا
هذا لنا شيعة وشيعتنا
أعطاني الله فيهم الأملا
وله:
ما أم يوم الوغى زحفاً برايته
إلا تضعضع ثم انصاع منهزما
أو بل مفرق من لم ينجه هرب
بأبيض منه من دم الفلاة دما (كذا)
أو نال مهجته طعناً بنافذة
نجلاء تفرغ من تحت الحجاب فما
أدى ثمانين ألفاً عنه كاملة
لا بل تزيد ولم يغرم وقد غنما
يدعو إليها ولا يدعو ببينة
لا بل يصدق فيها زعم من زعما
حتى يخلصه منها بذمته
إن الوصي الذي لا يخفر الذمما
وليلة خرجا فيها على وجل
وهم يجوبان دون الكعبة الظلما
حتى إذا انتهيا قال النبي له
إنا نحاول أن نستنزل الصنما
من فوقها فاعل ظهري ثم قام به
خير البرية ما استحيا وما احتشما
حتى إذا ما استوت رجلا أبي حسن
أهوى به لقرار الأرض فانحطما
ناداه أحمد أن اثبت يا علي لقد
أحسنت بارك ربي فيك فاقتحما
لم يتخذ وثناً رباً كما اتخذوا
ولا أجال لهم في مشهد زلما
صلى ووحد إذ كانت صلاتهم
للاّت تجعل والعزى وما احتلما
يدعى النبي فيكسوه ويكرمه
رب العباد إذا ما أحضر الأمما
ثم الوصي فيكسى مثل حلته
خضراء يرغم منها أنف من رغما
وله:
وهو الذي يسم الوجوه بميسم
حتى يلاقي عدوه موسوماً (كذا)
ما زال مذ سلك السبيل محمد
ومضى لغير مذلة مظلوما
ضامته أمته وضيمهم له
قد كان أصغر ما يكون عظيما
وله:
رجل حوى إرث النبي محمد
قسماً له من منزل الأقسام
بوصية قضيت له مخصوصة
دون الأقارب من ذوي الأرحام
ولقد دعا العباس عند وفاته
بقبولها فأضج بالإعدام
فحبا الوصي بها فقام بحقها
لما حباه بها على الأعمام
وله:
على آل الرسول وأقربيه
سلام كلما سجع الحمام
أليسوا في السماء هم نجوم
وهم أعلام عز لا يرام
فيا من قد تحير في ضلال
أمير المؤمنين هو الإمام
رسول الله يوم غدير خم
أناف به وقد حضر الأنام
وثاني أمره الحسن المرجى
له بيت المشاعر والمقام
وثالثه الحسين فليس يخفى
سنا بدر إذا اختلط الظلام
ورابعهم علي ذو المساعي
به للدين والدنيا قوام
وخامسهم محمد ارتضاه
له في المأثرات إذا مقام
وجعفر سادس النجباء بدر
ببهجته زها البدر التمام
إلى قوله:
أولئك في الجنان بهم مساغي
وجيرتي الخوامس والسلام
وله:
قضيت ديونه عنه فكانت
ديون محمد ليست بغرم
وله:
وقال محمد بغدير خم
عن الرحمن ينطق باعتزام
يصيح وقد أشار إليه فيكم
إشارة غير مصغ للكلام
ألا من كنت مولاه فهذا
أخي مولاه فاستمعوا كلامي
فقام الشيخ يقدمهم إليه
وقد حصت يداه من الزحام
ينادي أنت مولاي ومولى الأنام
فلم عصي مولى الأنام
وقد ورث النبي رداه يوماً
وبردته ولائكة اللجام
وله:
في حرام من الشهور أحلت
حرمة الله والحرام حرام
وله:
ونعمتي الكبرى على الخلق من غدا
لها شاكراً دامت وأعطي تمامها
وسل فتية الكهف الذين أتاهم
فأيقظ في رد السلام منامها
وله:
فقام يسعى حتى استقى فملا
كفيه يسعى به أبو حسن
أدناه منه فقال حين مضى
صلاته أدن لي تخبرني
وله:
لئن كان بالسبق للسابقين
مزية فضل على السابقينا
لقد فضل الله آل الرسول
كفضل الرسول على العالمينا
وله:
بأبي أنت وأمي
يا أمير المؤمنينا
بأبي أنت وأمي
وبرهطي أجمعينا
وبأهلي وبمالي
وبناتي والبنينا
وفدتك النفس مني
يا إمام المتقينا
وأمين الله والوارث
علم الأولينا
ووصي المصطفى
أحمد خير المرسلينا
وولي الحوض والذائد
عنه المحدثينا
أنت أولى الناس بالناس
وخير الناس دينا
كنت في الدنيا أخاه
يوم يدعو الأقربينا
ليجيبوه إلى الله
فكانوا أربعينا
بين عم وابن عم
حوله كانوا عريناً
فورثت العلم منه
والكتاب المستبينا
طبت كهلاً وغلاماً
ورضيعاً وجنيناً
ولدى الميثاق طيناً
يوم كان الخلق طيناً
كنت مأموناً وجيهاً
عند ذي العرش مكيناً
في حجاب النور حياً
طيباً للطاهرينا
وله:
وأنك آية للناس بعدي
تخبر إنهم لا يوقنونا
وأنت صراطه الهادي إليه
وغيرك ما ينجي الماسكينا
وأنزل فيه رب الناس آياً
أقرت من مواليه العيونا
بأني والنبي لكم ولي
ومؤتون الزكاة وراكعونا
ومن يتول رب الناس يوماً
فإنهم لعمري فائزونا
وقال الله في القرآن قولاً
يرد عليكم ما تدعونا
أطيعوا الله رب الناس رباً
وأحمد والأولى المتأمرينا
فذلكم أبو حسن علي
وسبطاه الولاة الفاضلونا
فقلت أخذت عهدكم على ذا
فكونوا للوصي مساعدينا
لقد أصبحت مولانا جميعاً
ولسنا عن ولائك راغبينا
ويسمع حس جبريل إذا ما
أتى بالوحي خير الواطنينا
وبات على فراش أخيه فرداً
يقيه من العتاة الظالمينا
وقد كمنت رجال من قريش
بأسياف يلحن إذا انتضينا
فلما إن أضاء الصبح جاءت
عداتهم جميعاً مخلفينا
فلما أبصروه تجنبوه
وما زالوا له متجنبينا
وأنفق ماله ليلاً وصبحاً
وأسراراً وجهر الجاهرينا
وصدق ماله لما أتاه
الفقير بخاتم المتختمينا
وآثر ضيفه لما أتاه
فظل وأهله يتلمظونا
فسماه الإله بما أتاه
من الإيثار باسم المفلحينا
ومن ذا كان للفقراء كنزاً
إذا نزل الشتاء بهم كنينا
أليس المؤثر المقداد لما
أتاه مقوياً في المقويينا
بدينار وما يحوي سواه
وما كل الأفاضل مؤثرينا
وكان طعامه خبزاً وزيتاً
ويؤثر باللحوم الطارقينا
وإنك قد ذكرت لدى مليك
يذل لعزه المتجبرونا
فخر لوجهه صعقاً وأبدى
لرب الناس رهبة راهبينا
وقال لقد ذكرت لدى إلهي
فأبدي ذلة المتواضعينا
وأعتق من يديه ألف نفس
فأضحوا بعد رق معتقينا
براءة حين رد بها زريقاً
وكان بأن يبلغها ضنينا
وقال له رسول الله أنى
يؤدي الوحي إلا الأقربونا
وأنك آمن من كل خوف
إذا كان الخلائق خائفينا
وأنك حزبك الأدنون حزبي
وحزبي حزب رب العالمينا
وحزب الله لا خوف عليهم
ولا نصب ولا هم يحزنونا
وأنك في جنان الخلد جاري
منازلنا بها متواجهونا
وأنك في جوار الله كأس
وجيران المهيمن آمنونا
وأنك خير أهل الأرض طراً
وأفضلهم معاً حسباً ودينا
وأنك من يصافحني بكف
إذا برز الخلائق ناشرينا
وقد قال النبي لكم وأنتم
حضور للمقالة شاهدونا
عباد الله إنا أهل بيت
برانا الله كلا طاهرينا
وسالت نفس أحمد في يديه
فألزمها المحيا والجبينا
تعالوا ندع أنفسنا فندعو
جميعاً والأهالي والبنونا
وأنفسكم فنبتهل ابتهالا
إليه ليلعن المتكذبينا
فقد قال النبي وكان طبا
بما يأتي وأزكى القائلينا
إذا جحدوا الولاء فباهلوهم
إلى الرحمن تأتوا غالبينا
وله:
وقوله الميزان بالقسط وما
غير علي في غد ميزانه
ويل لمن خف لديه وزنه
وفوز من أسعده رجحانه
وله:
فقال ألا من كنت مولاه منكم
فمولاه من بعدي علي فأذعنوا
فقال شقي منهم لقرينه
وكم من شقي يستزل ويفتن
يمد بضبعيه علياً وإنه
لما بالذي لم يؤته لمزين
كأن لم يكن في قلبه ثقة به
فيا عجباً أنى ومن أين يوقن
وله:
لأنت من أحمد الهادي بمنزلة
قد كان أثبتها موسى لهارونا
آتاك من عنده علماً حباك به
فكنت فيه أميناً فيه مأمونا
هل مثل فعلك عند النعل تخصفها
لو لم يكن جاحدو التفضيل لاهينا
إني أدين بما دان الوصي به
يوم الخريبة من قتل المحلينا
وما به دان يوم النهر دنت به
وبايعت كفه كفي بصفينا
في سفك ما سفتك فيها إذا حضروا
وأبرز الله للقسط الموازينا
تلك الدماء معاً يا رب في عنقي
ثم اسقني مثلها آمين آمينا
وطبتم في قديم الدهر إذ سطرت
فيه البرية مرحوماً وملعونا
ولن تزالوا بعين الله ينسخكم
في مستكنات أصلاب الأبرينا
يختار من كل قرن خيرهم لكم
لا النذل يلزمكم منهم ولا الدونا
حتى تناهت بكم في أمة جعلت
من أجل فضلكم خير المصلينا
فأنتم نعمة لله سابغة
منه علينا وكان الخير مخزونا
لا يقبل الله من عبد له عملاً
ولا عدوكم العمي المضلينا
وله:
الفجر فجر الصبح والشعر
عشر الفجر والشفع النجيبان
محمد وابن أبي طالب
والوتر رب العزة الثاني
مقاتل فسر هذا كذا
تفسير ذي صدق وإيمان
أعني ابن عباس وكان امرأ
صاحب تفسير وتبيان
وله:
قد قال أحمد إن شتم وصيه
أو شتمه أبداً هما سيان
وكذاك قد شتم الإله لشتمه
والذل يغشاهم بكل مكان
وله:
رضيت بالرحمن رباً
وبالإسلام ديناً أتوخاه
وبالنبي المصطفى هادياً
وكل ما قال قبلناه
ثم الإمام ابن أبي طالب
الطاهر الطهر وابناه
والعالم الصامت والناطق
الباقر علماً كان أخفاه
وجعفر المخبر عن جده
بأول العلم وأخراه
ثم ابنه موسى ومن بعده
وارثه علم ووصاياه
ولينا بعد نبي الهدى
علي القائم وابناه
وله:
جاءت مع الأشقين في هودج
تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة
تريد أن تأكل أولادها
وله:
قام النبي يوم خم خاطباً
بجانب الدوحات أو حيالها
فقال من كنت له مولى فذا
مولاه رب اشهد مراراً قالها
إن رجالاً بايعته إنما
بايعت الله فما بدا لها
وجاءه مشيخة يقدمهم
شيخ يهني حبذا منالها
قال له بخ بخ من مثلكا
أصبحت مولى المؤمنين يا لها
وله:
وبيعة ظاهرة بايعتموه
على الإسلام ثم نقضتموها
وقد قال الإله لهن قرنا
فما قرت ولا أقررتموها
يسرق لها البعير أبو خبيب
لحين أبيه إذ سيرتموها
وله:
وحدثنا عن حارث الأعور الذي
نصدقه في القول منه وما يروي
بأن رسول الله نفسي فداؤه
وأهلي ومالي بات طاوي الحشا يطوي
لجوع اصاب المصطفى فاغتدى إلى
كريمته والناس لاهون في سهو
فصادفها وابني علي وبعلها
وقد أطرقوا من شدة الجوع كالنضو
فقال لها يا فطم قومي تناولي
ولم يك فيما قال ينطق بالهزو
هدية ربي إنه مترحم
فقامت إلى ما قال تسرع في الخطو
فجاءت عليها الله صلى بجفنة
مكومة باللحم جزواً على جزو
فسموا وظلوا يطعمون جميعهم
فبخ بخ لهم نفسي الفدا وما أحوي
فقال لها ذاك الطعام هدية
من الله جبريل أتاني به يهوي
ولم يك منه طاعماً غير مرسل
وغير وصي خصه الله بالصفو
وله:
شهدت وما شهدت بغير حق
بأن الله ليس بذي شبيه
نحب محمداً ونحب فيه
بني أبنائه وبني أبيه
فأبشر بالشفاعة غير شك
من الموصى إليه ومن بنيه
فإن الله يقبل كل قول
يدان به الوصي ويرتضيه
وله:
من كان في الدين نوراً يستضاء به
وكان من جهلها بالعلم شافيها
كان النبي بوحي الله منذرها
وكان ذا بعده لا شك هاديها
وله في رثاء الحسين عليه السلام:
أمرر على جدث الحسين
وقل لأعظمه الزكيه
يا أعظماً لا زلت من
وطفاء ساكبة رويه
ما لذ عيش بعد
رضك بالجياد الأعوجيه
قبر تضمن طيباً
آباؤه خير البريه
آباؤه أهل الريا
سة والخلافة والوصيه
والخير والشيم المهذ
بة المطيبة الرضيه
فإذا مررت بقبره
فأطل به وقف المطيه
وابك المطهر للمطهر
والمطهر الزكيه
كبكاء معولة غدت
يوماً بواحدها المنيه
والعن صدى عمر بن
سعد والملمع بالنقيه
شمر بن جوشن الذي
طاحت به نفس شقيه
جعلوا ابن بنت نبيهم
غرضاً كما ترمى الدريه
لم يدعهم لقتاله
إلا الجعالة والعطيه
لما دعوه لكي
تحكم فيه أولاد البغيه
أولاد أخبث من مشى
مرحاً وأخبثهم سجيه
فعصاهم وأبت له
نفس معززة أبيه
فغدوا له بالسابغات
عليهم والمشرفيه
والبيض اليلب اليما
ني والطوال السمهريه
وهم ألوف وهو في
سبعين نفس هاشميه
فلقوه في خلف
لأحمد مقبلين من الثنيه
مستيقنين بأنهم
سيقوا لأسباب المنيه
يا عين فابكي ما حييت
على ذوي الذمم الوفيه
لا عذر في ترك البكاء
دماً وأنت به حريه
وله:
علي أمير المؤمنين أخو الهدى
وأفضل ذي نعل ومن كان حافيا
أسر إليه أحمد العلم جملة
وكان له دون البرية واعيا
ودونه في مجلس منه واحد
بألف حديث كلها كان هاديا
وكل حديث من أولئك فاتح
له ألف باب فاحتواها كما هيا
فبينا رسول الله يملي أصابه
نعاس فأغفي ساعة متجافيا
فأملى عليه جبرئيل مكانه
من الوحي آيات به كان آتيا
فلما انجلى عنه النعاس كأنه
هلال سرت عنه الغيوم سواريا
تلا بعض ما خطت من الخبر كفه
وكان لما أوعى من العلم تالياً
وله:
أؤمل في حبه شربة
من الحوض تجمع أمناً وريا
إذا ما وردنا غداً حوضه
فأدنى السعيد وذاد الشقيا
متى يدن مولاه منه يقل
رد الحوض واشرب هنيئاً مريا
وإن يدن منه عدو له
يذده علي مكاناً قصيا
ويوم الثنية يوم الوداع
وأزمع نحو تبوك المضيا
تنحى يودعه خالياً
وقد أوقف المسلمون المطيا
فظن أولو الشك أهل النفاق
ظنوناً وقالوا مقالاً فريا
وقالوا يناجيه دون الأنام
بل الله أدناه منه نجيا
على فم أحمد يوحى إليه
كلاماً بليغاً ووحياً خفيا
فكان به دون أصحابه
بما حث فيه عليه حفيا
وله:
أدخل إلي أحب الخلق كلهم
حبا إليك وكان ذاك عليا
لما بدت لأخيه سحنة وجهه
ودنا فسلم راضياً مرضيا
حيا ورحب مرحباً بأحبهم
حباً إلى ملك العلى واليا
وله:
وصي محمد وأمين غيب
ونعم أخو الإمامة والسجيه
وله:
هذا الإمام الذي إليه
أسند خير الورى الوصيه
حكمت حكم النبي عدلاً
ولم تجر قط في قضيه
أنت شبيه النبي حقاً
في الحكم والخلق والسجيه
وله:
وقام محمد بغدير خم
فنادى معلناً صوتاً بديا
إلا من كنت مولاه فهذا
له مولى وكان به حفيا
إلهي عاد من عادى علياً
وكن لوليه مولى وليا
فقال مخالف منهم عتل
لأولاهم به قولاً خفيا
لعمر أبيك لو يستطيع هذا
لصير بعده هذا نبيا
فنحن بسوء رأيهما نعادي
بني فعل ولا نهوى عدياً
وصي محمد وأبا بنيه
ووارثه وفارسه الوفيا
وقد أوتي الهدى والحكم طفلاً
كيحيى يوم أوتيه صبيا
ألم يؤت الهدى والناس حيرى
فوحد ربه الأحد العليا
وصلى ثانياً في حال خوف
سنين تحرمت سبعاً أسيا
له شهد الكتاب فلا تخروا
على آياته صماً عميا
بتطهير أميط الرجس عنه
وسمي مؤمناً فيه زكيا
وله:
أو لم يقل للمشركين وكذبوا
بالوحي واتخذوا الهدى سخريا
قوموا بأنفسنا وأنفسكم معاً
ونسائنا وبنيكم وبنيا
ندعو فنجعل لعنة الله التي
تغشى الظلوم العاند المشنيا
نصب الكساء فكان فيه خمسة
خير البرية كلها أنسيا
الحموديون (بنو حمود)
يرجعون إلى القاسم وعلي ابني حمود بن أحمد بن علي بن عبد الله بن أبي حفص عمر بن إدريس. ذهبا إلى الأندلس بعد انقراض ملكهم في المغرب، وانضما إلى جانب الخليفة سليمان المستعين، فولى علياً على سبتة وطنجة، وولى قاسماً الجزيرة الخضراء، ولما اختل أمر الخلافة بقرطبة، انتهز بنو حمود هذه الفرصة وتزعموا حزب المغاربة في الأندلس، وعبر علي بن حمود من سبتة إلى الأندلس، واستولى على مالقة ثم تقدم إلى قرطبة وقتل الخليفة المستعين، ودعا بالخلافة لنفسه وتلقب بالمتوكل سنة 407هـ ولكنه لم يلبث أن قتل في العام التالي وخلفه أخوه القاسم وتسمى بالمأمون. ثم دب الخلاف بينه وبين أولاد أخيه إلى أن أخرجهم من قرطبة محمد بن عباد.
واقتصر نفوذ الحموديين بعد ذلك على منطقة مالقة والجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس. واستمرت دولتهم ما يقرب من خمسين عاماً ثم انتزع منهم بنو زيري حكام غرناطة مدينة مالقة، كما انتزع منهم بنو عباد الجزيرة الخضراء، فانقرضت بذلك دولتهم، ونزحت فلولهم إلى سبتة موطنهم الأصلي.
ولتفاصيل أوسع راجع: بحث الأدارسة وبحث الأندلس.
الحوادث الجامعة (كتاب)
قبل الحديث عن الكتاب لا بد لنا من الحديث عن مؤلفه فنقول:
ابن الفوطي
مؤرخ العصر المغولي
بين الأسرى الذين وقعوا في أيدي المغول بعد النكبة الكبرى، أسير لم ير فيه آسره إلا غلاماً حدثاً قد يصلح أكثر ما يصلح للخدمة في الدور أو الدواوين، ولم يثر في نفس الآسر أبعد مما يمكن أن تثير فيها أية دابة من دواب الأرض التي تسعى في مصالح الناس وتقاد إلى العمل طوعاً أو كرهاً وأي شأن لصبي لم يتجاوز الأربع عشرة سنة من سنه يقبض عليه بين عشرات الألوف التي قبض عليها في بغداد وغير بغداد ممن هوت دولتهم وهانت عزتهم وتلاشت قوتهم.
هذا الصبي الأسير الذليل هو عبد الرزاق بن أحمد الذي اشتهر بعد ذلك بابن الفوطي والذي ولد في المحرم سنة 642هـ ببغداد ثم وقع في أيدي المغول بعد افتتاحهم عاصمة الخلافة العباسية. فمضى مقوداً إلى آذربايجان ثم منها من مكان إلى آخر حتى عثر عليه فيمن عثر عليهم الفيلسوف نصير الدين الطوسي، والذي كان له فضل إفساد المخطط المغولي في القضاء على الإسلام في معاقل الإسلام.
عثر عليه الطوسي بعد سنة من أسره فلم تفته ملامح الذكاء في وجهه ودلائل النبوغ في تصرفه، والطوسي يومذاك يفتش عن الأكفياء ويسعى إلى الأذكياء ليلم بهم الشمل فيجدد مسيرة الإسلام قدماً إلى أبعد الغايات. فعمل الطوسي على فكاك الغلام ثم ضمه إلى حاشيته وما عسى أن تكون حاشية الطوسي؟
كانت علماء حكماء وبناة أشداء رصهم الطوسي رصاً في صفوف حاشدة وجمعهم من كل مكان جيشاً يقاتل بالقلم ويحارب بالفكر ويكر بالكتاب. فكان لفتانا الأسير الطليق مكان واضح في تلك الجموع العالمة العاملة، بدأه أولاً تلميذاً للطوسي تلمذة استمرت ثلاث عشرة سنة في مدينة مراغة التي اختارها الطوسي ميداناً لكفاحه المرير الطويل.
ووجه الطوسي تلميذه فيما وجهه إلى دراسة العلوم الرياضية والنظريات الفلسفية، كما أتقن التلميذ اللغة الفارسية وأحاط بآدابها ونظم الشعر فيها، وألم بلغة الفاتحين المغول. وكان من أعظم إنجازات الطوسي حرصه على إنقاذ الكتب وجمعها في مكتبة كبرى وصونها من أيدي المخربين والعابثين، وبعد أن تم له ذلك وقامت المكتبة عهد بالإشراف عليها إلى تلميذه ابن الفوطي. وهكذا اجتمع لعبد الرزاق الفكر النير والذهن المتفتح والأستاذ الموجه والمناخ المؤاتي، فكان أن انتهى إلى أن يصبح مؤرخ العصر المغولي العالم الكاتب الشاعر.
في مراغة
قلنا: أن عبد الرزاق ولد ببغداد، ونقول: إن اللقب الذي التصق به (ابن الفوطي) إنما جاءه من قبل جده لأمه، وهو منسوب إلى الفوط جمع فوطة وهي نوع من الثياب ويبدو أن الجد كان يعمل في صنع هذه الثياب أو بيعها، ويقال: أنه انتسب إلى معن بن زائدة لذلك يلحق باسمه أحياناً لقب الشيباني.
وكانت ولادته بعد مضي سنتين من خلافة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين. ولا يدري شيء عن حداثته سوى ما يستنتج مما كتبه هو من أنه ولد في محلة الخاتونية القريبة من دار الخلافة وأنه سمع قبل سقوط بغداد من الصاحب محيي الدين ابن الجوزي أحد قتلى وقعة بغداد، وأنه ولد في أسرة متوسطة الحال ثم أسر وأطلق من الأسر وأصبح قيماً للمكتبة الكبرى في مراغة طيلة ثلاثة عشر عاماً.
وفي خلال ذلك كانت مراغة قد أصبحت مقراً لدولة تتبعها خراسان وإيران بأسرها والعراق والأناضول أي أنها كانت عاصمة المشرق الذي استولى عليه المغول، وكانت الحال في هذه الدولة تتطور عاماً بعد عام، فمن عداء صريح للإسلام والمسلمين ومذابح وفواجع ونهب وسلب وإحراق إلى هدوء ثم تحول لتأسيس دار الرصد وخزانة الكتب وتأمين العلماء واستقدامهم من الآفاق البعيدة. كل ذلك تم بعد عام واحد من استباحة بغداد، وكان الفضل في تمامه للعقل المدبر نصير الدين الطوسي.
المكتبة ودار الرصد
يفهم مما سجله ابن الفوطي نفسه أنه وضع للمكتبة نظاماً دقيقاً يسير عليه المطالعون والدارسون والمشرفون ثم عكف على طلب العلم فكان إن استهواه التاريخ فانصرف إليه. وبدأ أول ما بدأ بتسجيل تاريخ الدار التي آوته وحمته وثقفته فسجل كيف أنشئت دار الرصد وأشار إلى استقدام العلماء المدرسين إليها وذكر عمل كل منهم واختصاصه ومؤلفاته مترجماً له ترجمة ممتعة، وألف كتاباً خاصاً سماه «تذكرة الرصد» خصصه بالذين وفدوا إلى الدار أو مكتبتها، كما وصف بعض ما حوته المكتبة من نفائس الكتب وصفاً ممتعاً ذكر فيه تراجم المؤلفين وزياراتهم للمكتبة وبعض آثارهم.
وقد حفظ في كل ذلك صوراً للحياة السياسية والعلمية والاجتماعية والأدبية ما كان لها أن تحفظ لولا أن سجلها بقلمه المبدع. مما كان حقيقاً بما وصف به من (أنه مؤرخ النهضة العلمية الكبيرة في مراغة).
العودة إلى بغداد
وتزداد الحياة تطوراً وتحولاً فمن بين السنين الثلاث عشرة التي قضاها في مراغة كانت ست منها في حياة الطاغية هولاكو والباقية في عهد ابنه أباقا، انغمر فيها ابن الفوطي في المجتمع انغماراً كاملاً واستطاع بكياسته أن يتغلغل في أرفع المقامات المغولية وأن يزور الأميرات المغوليات وأن يستزيد من الصداقات ويكثر من الإخوان. وأن يسجل من وحي ذلك كل طريف معجب.
على أنه وهو في قمة نجاحه وعنفوان تألقه لم ينس وهو البغدادي العريق والعراقي الأصيل ضفاف دجلة ومسارح الطفولة ومدارج الصبا وذكريات الأهل والأحباب، وثار به الحنين إلى بغداد التي فارقها غلاماً غض الأهاب، فلم ينسه إياها نضوج الشباب وشيوع الذكر ونجاح الأمر حتى كان العام 678هـ (1279م) حين حكم العراق الصاحب علاء الدين الجويني صديقه في مراغة.
وكانت الرغبة الكبرى لابن الفوطي هي أن يحمله الصاحب إلى بغداد فحقق الصاحب له الرغبة فكان مما قال عنه: «هو الذي أعادني إلى مدينة السلام سنة تسع وسبعين وستمائة وفوض إليَّ كتابة التاريخ والحوادث وكتب لي الإجازة لجميع مصنفاته وأملى علي شعره في قلعة تبريز سنة سبع وسبعين وستمائة.
في بغداد
العمل الذي أتقنه ابن الفوطي في مراغة هو نفسه الذي عهد إليه به علاء الدين الجويني في بغداد وهو الإشراف على مكتبة المستنصرية وكانت آنذاك أعظم مكتبة عامة في العالم وكانت ملتقى لرجال العلم والفكر، فعكف ابن الفوطي على علمه فيها بنفس الدقة والإتقان والتنظيم الذي عرف به في مكتبة مراغة.
وكانت سنه يومئذ دون الثلاثين فرأى أن يستزيد من العلم فأقبل على دراسة الفقه والحديث بتعمق وإتقان حتى استحق بين المحدثين لقب (الحافظ).
وأنشأ لنفسه مكتبة خاصة كانت محجة للعالمين والمتعلمين البغداديين ومقصداً للطارئين الوافدين، وكان يشير في تدويناته إلى زواره وزوار مكتبته من كل الأصناف.
كما وضع معجماً خاصاً بمن تتلمذ عليهم وأخذ عنهم فبلغ عددهم إلى الخمسمائة.
من حال إلى حال
وظل ابن الفوطي على عمله في المستنصرية خمساً وعشرين سنة بدأت سنة 679هـ وانتهت سنة 704 كان التحول خلالها قد ازداد سرعة والدنيا تبدلت غير الدنيا. وكانت غراس نصير الدين الطوسي قد نمت وأثمرت فأسلمت الدولة المغولية وتحولت إلى مجتمع إسلامي يساهم في نهضة الإسلام وتقدم المسلمين.
كما أن السياسة تطورت من حال إلى حال فإن أرغون حفيد هولاكو صب نقمته على آل الجويني لأنهم نصروا عمه أحمد تكودار فبطش بهم واستأصلهم وقرب خصومهم، كما عامل العراقيين بعامة معاملة انتقام وقمع لميلهم إلى آل الجويني.
وقد كان كل ذلك بمرأى من ابن الفوطي فشهد الصراع الحزبي المغولي الدامي وشهد مصرع آل الجويني الذين حكموا العراق أكثر من عشرين سنة حكماً حببهم إلى العراقيين وأمالهم إليهم، كما كان قد شهد من قبل وفاة الصاحب علاء الدين ووفاة أستاذه ومربيه نصير الدين الطوسي ووفاة الأجيال التي عاصرت الطوسي أو تخرجت عليه.
شهد كل ذلك في العصر المغولي الأول من فتح بغداد إلى أواخر القرن السابع، وهذه الفترة تعتبر من أشرس الفترات المغولية وأعنفها، ولكن المغول أخذوا يتكيفون تكيفاً تدريجياً فلطف الإسلام من شراستهم وخفف من شدتهم، ولم يكد القرن السابع ينتهي ويقبل ما نستطيع أن نسميه العهد المغولي الثاني حتى كان التكيف قد ازداد بالتصاق المغول بالإسلام وتحسسهم بمظاهر الحضارة الإسلامية فرأينا الحواضر المغولية تصطبغ بصبغة جديدة من المدنية، ورواسب الوثنية تذوب في النفوس والإدارة تتحضر والنظم الاجتماعية تتبدل.
وقد شهد ابن الفوطي هذه العهود كما شهد التي قبلها مشاهدة المؤرخ المرهف الحس واتصل برجالها حكاماً وعلماء ونافذين، فكتب عن كل ما شاهد وترجم للرجال ووصف الحياة، بعقل نير وفكر ثاقب وقلم رشيق.
في تبريز
بعدما تخلى ابن الفوطي عن عمله في المستنصرية سنة 704هـ رحل إلى تبريز حيث أقام هناك ست سنوات ثم عاوده الحنين إلى بغداد فرجع إليها وكثر تردده إلى تبريز. ويبدو أن الذي جذبه إلى تبريز هو وجود صديقه القديم وزميله في الدرس على نصير الدين الطوسي الطبيب رشيد الدين الهمذاني العالم المفكر السياسي الذي عرفت تبريز في عصره أزهى عهودها العلمية والعمرانية والسياسية فلازمه ابن الفوطي وعاود سيرته في الأخذ عن العلماء والدرس على الشيوخ ولقي في تبريز الإمام قطب الدين الرازي الفقيه الرياضي الفيلسوف فتلمذ عليه ثم استجازه كما أخذ عن غيره من مشاهير العلماء الذين كانت تعج بهم تبريز، ولكن أثر الرازي كان فيه بارزاً.
وبعد أن وزر رشيد الدين لثلاثة من ملوك المغول الإيلخانيين هم غازان وخدابنده وأبي سعيد تغير عليه الأخير لدسائس حيكت حوله فأقصي عن الحكم ثم أعيد إليه ولكن المؤامرات ظلت تلاحقه حتى قتله السلطان أبو سعيد في أحداث ليس هذا مكان ذكرها ….
على أن أفجع ما أعقب هذه الأحداث هو إحراق مكتبة رشيد الدين وكانت تضم ما لا يقل عن خمسين ألف مجلد. ويبدو أن معظم مؤلفات ابن الفوطي كانت ضمن تلك المكتبة فذهبت طعمة للنيران فيما ذهب من كتب، وهكذا لم يبق من تلك المؤلفات إلا اسماؤها فضاع بذلك تاريخ فترة من أدق فترات تاريخنا ولم يبق في ايدينا إلا أجزاء محدودة مما كتب ابن الفوطي.
ولقد هزت هذه الفاجعة كيان ابن الفوطي إذ قتل صديقه واحترقت كتبه فترك تبريز وعاد إلى بغداد ومات بعد انقضاء خمس سنوات على حادثة تبريز عن إحدى وثمانين سنة.
كتاب مجمع الآداب
ضاعت مؤلفات ابن الفوطي النفيسة حرقاً في أحداث تبريز على الأرجح، وإن كان يمكن أن يكون بعضها قد ذهب للأسباب نفسها التي ذهبت بها مؤلفات غيره من العلماء.
ومن كتبه كتاب (مجمع الآداب) الذي لم يوجد منه إلا جزءان الرابع والخامس وقد وجد الأول منهما في دار الكتب الظاهرية بدمشق وهو نسخة الأصل ومسودة المؤلف بخط يده. ووجد الثاني في مكتبة جامعة لاهور بالباكستان وهو نسخة المؤلف أيضاً.
وهذان الجزآن هما اثنان من أصل خمسين مجلداً يتألف منها الكتاب وقد ضاعت كلها ما عدا هذين الجزءين.
وطريقة المؤلف في هذا الكتاب هي أن يؤرخ للعصر عن طريق التاريخ لرجاله. وقد ظل يعمل في الكتاب ويجدد فيه حتى قبيل وفاته، إذ وردت دراسات عن جماعة وجدوا سنة 721هـ أي قبل وفاته بسنتين وسنة 722هـ أي قبل وفاته بسنة واحدة ولا ننسى أنه كان عند ذاك في الواحدة والثمانين من عمره.
وقد كان لهذا الكتاب أثره الكبير في إمداد المؤرخين الذين تلوا عصر المؤلف بأدق المعلومات التاريخية عن ذاك العصر. وممن استفاد منه وأخذ عنه كل من الصفدي في (الوافي بالوفيات) والذهبي في (تاريخ الإسلام) والسيوطي في (بغية الوعاة) وابن عنبة في (عمدة الطالب) وشمس الدين الجزري في (غاية النهاية) وابن كثير في (البداية والنهاية) وغيرهم.
ابن الفوطي في المصادر القديمة
في طليعة من تحدث عن ابن الفوطي كان الذهبي في كتابه تذكرة الحفاظ إذ جعله منهم كما سماه مؤرخ الآفاق، ويبدو من حديث الذهبي أن كتابه (مجمع الآداب) ذا الخمسين مجلداً هو مختصر لكتاب أكبر، فالذهبي يقول: (وعمل تاريخاً كبيراً) لم يبيضه ثم عمل آخر دونه في خمسين مجلداً أسماه (مجمع الآداب).
فهل مجمع الآداب هو مختصر من مطول أم هو كتاب آخر؟….
وذكره كذلك صاحب الدرر الكامنة وقد جاءت عبارته صريحة في أن المجمع هو اختصار للكتاب الكبير، إذ قال: كتب كتاباً بل تاريخاً حافلاً جداً ثم اختصره في آخر سماه مجمع الآداب في خمسين مجلداً….
وذكر صاحب الدرر فيما ذكر من مؤلفاته: كتاب الدرر الناصعة في شعراء المائة السابعة، وموضوع الكتاب يعرف من اسمه، وهكذا فإننا نرى أن ابن الفوطي لم يكن مؤرخ سياسة وأحداث فحسب، بل هو أيضاً مؤرخ أدب. ولا شك أن فقدان هذا الكتاب خسارة تضاف إلى غيرها من الخسارات ولو بقي لعرفنا فيه حياة شعراء تلك الفترة وقرأنا آثارهم بقلم معاصر سامع لهم بأذنيه شاهد لهم بعينيه.
ويبدو إبداع ابن الفوطي بكتابة التراجم في وصف الذهبي له حين قال عنه: (… له الباع الطويل في ترصيع تراجم الناس). ووصفه الذهبي أيضاً بقوله: (كان روضة معارف وبحر أخبار).
في المصادر الحديثة
لم يلق ابن الفوطي حتى اليوم ما يستحقه من الدارسين في العصر الحاضر باستثناء الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي اكتشف مخطوطة الجزء الرابع في دمشق فاستهواه ابن الفوطي استهواء عجيباً جعله يخصه بعدة بحوث ثم ختم ذلك بكتاب من جزئين سماه (مؤرخ العراق ابن الفوطي).
المثقف الفريد
لا شك أن ابن الفوطي كان في عصره مثال المثقف العالي الثقافة الموغل فيها والآخذ من كل فنونها بطرف، ومثل العالم الجاد المواصل للمطالعة والكتابة والتفكير، وحسبك في ذلك أن يظل القلم والورق في يده وهو في الواحدة والثمانين من عمره كما كان وهو في مطلع الشباب وغضارة العمر.
وأن يذكره المؤرخون في أول صفوفهم كما يذكره المحدثون في رأس حفاظهم، فقيهاً بين الفقهاء وفيلسوفاً بين الفلاسفة ورياضياً بين الرياضيين وشاعراً بين الشعراء وصوفياً بين الصوفيين، وإدارياً بين الإداريين ومعلماً بين المعلمين متذوقاً للجمال والموسيقى والشعر.
مؤرخ الشعب
وإذا كنا قد ذكرنا فيما تقدم أنه ترجم للعلماء والشعراء والسياسيين فإن هذا الفقيه المحدث الحافظ قد ترجم فيمن ترجم لهم لأعلام الموسيقى الآلية والصوتية، بل يبدو أنه كان ذا بصر في الموسيقى وتجارب عملية.
كما أرخ للوراقين والناسخين والمعلمين والمؤدبين وذوي الفنون والصنائع الجميلة، وبذلك خرج على طرائق المؤرخين قبله الذين أهملوا تاريخ الشعب وعنوا بتاريخ المتسلطين وحدهم فهو في الواقع مؤرخ الشعب بكل طبقات هذا الشعب.
الحوادث الجامعة
ونترك الكلام بعد هذا للشيخ محمد رضا الشبيبي يتحدث عن كتاب الحوادث الجامعة:
نشر كتاب الحوادث الجامعة في بغداد سنة 1351هـ/ 1932م عن نسخة قديمة مغفلة تضاربت بشأنها آراء المعنيين بفن المخطوطات وتواريخها وأنسابها، وللمخطوطات ـ كما لا يخفى ـ تواريخ وأنساب لا يعرفها إلا المعنيون بها من الأدباء والباحثين.
فمنهم من ينسب هذا الكتاب إلى ابن الفوطي، ومنهم من يتردد في هذه النسبة، وحجة المتوقفين في نسبة الكتاب إلى ابن الفوطي أن نسخة الأصل التي وقعت إلينا مخرومة مغفلة ليس فيها بينة أو إشارة إلى اسم المؤلف ولا إلى تاريخ نسخها، وقد عرض المؤلف كتابه إلى طبقة من أعلام العصر الذي عاش فيه ابن الفوطي ومنهم طائفة من أصدقائه وأخصائه ومشايخه، فلو كان مؤلف هذا الكتاب صاحبنا ابن الفوطي لأشار إلى صلته ببعض هؤلاء ولو مرة واحدة كما فعل كثيراً في تلخيص مجمع الآداب.
إلى هذه الحجج يستند المترددون في نسبة كتاب «الحوادث الجامعة» إلى هذا المؤرخ، وهي حجج يسهل دحضها، فإن المؤلف في كتاب«الحوادث الجامعة» جامع أخبار ومدون حوادث فوض إليه جمعها وتدوينها بأمر علاء الدين الجويني صاحب ديوان الممالك، فهو مؤرخ الدولة المغولية([447])، وأسلوب الكتاب يشهد بذلك، ولم يؤلف كتاب الحوادث الجامعة ليكون معجماً للأساتذة أو مشايخ الإجازات أو كتاباً من كتب التراجم والطبقات. وإن استطرد مؤلف الحوادث الجامعة إلى كثير من التراجم والوفيات.
أصل النسخة
كان أصل المخطوطة لأديب بيروتي، ثم ملكه الباحث المصري المؤرخ أحمد تيمور وصوره وأهدى منه نسخة إلى مصلحة الأوقاف في بغداد لاتصال الكتاب بتاريخ العراق وتسجيل حوادثه، ونشرت بعض المجلات العربية في العراق ومصر وبيروت فصولاً منقولة عن هذه النسخة ومقتطفات تاريخية منها، نشرت قبيل الحرب العالمية الأولى وبعد ذلك.
ونقل أحمد تيمور عن الكتاب فصولاً في بعض مؤلفاته، من ذلك فصل نقله في بحثه عن اليزيدية([448]) وهو يتعلق بالحادثة التي حدثت بين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وأصحاب الشيخ عدي بن مسافر، وذلك سنة 652هـ، وصرح المؤرخ المصري المذكور في هذا الفصل بما يلي: «وقفنا في جزء قديم من تاريخ عندنا لم نعلم اسمه ولا اسم مؤلفه على حادثة وقعت سنة 652هـ»([449]).
يلاحظ أن الطريقة المتبعة في تسويد نسخة الأصل من الكتاب وتعليق الحواشي عليها وإصلاحها بالحذف والزيادة، هي طريقة ابن الفوطي نفسها في نسخة معجمه المسمى «تلخيص مجمع الآداب» وأن خطها شبيه جداً بخطه بل هو خطه بعينه في رأي بعض الباحثين، ويعتمد مؤلف كتاب الحوادث الجامعة كما يعتمد ابن الفوطي في معجمه على تاريخ علي بن أنجب المعروف بابن الساعي مؤرخ العراق الشهير، وقد ذيل ابن الفوطي ـ كما هو معروف ـ على تاريخ شيخه ابن الساعي، وذكر المؤرخون ذلك في قائمة مؤلفات ابن الفوطي التاريخية([450]).
مميزات الحوادث الجامعة
برع مؤلف كتاب الحوادث الجامعة ـ أياً كان المؤلف المذكور ـ في معالجة تاريخ المائة السابعة من الناحية السياسية على الإجمال، فهو من التاريخ السياسي في العراق على الأكثر، لأنه يعني بالإشارة إلى نظم الحكم وسياسة الدولة والنظم الإقطاعية في المائة المذكورة، ويعني بتاريخ الخلفاء العباسيين والملوك والوزراء والصدور وكبار المتصرفين والأعيان في الدولتين العباسية والمغولية([451]).
وممن عنى بالترجمة لهم من سلاطين المغول الإيلخانيين، هولاكو، وأباقا، وأرغون، وكيخاتو، وغازان ونلاحظ أن له طريقة جميلة في ترجمة السياسة والحكام وكبار المماليك في عصور الدولتين العباسية والمغولية كما فعل في ترجمة شرف الدين إقبال الشرابي، ومجاهد الدين الدوادار الصغير، وأبيه علاء الدين الدوادار الكبير، وابن العلقمي، وابن مهدي من وزراء العباسيين، وابن الناقد أستاذ دار المستنصر ووزير المستعصم، وبعض إخوانه وأهل بيته من رؤساء وحكام ونواب.
وفي تراجم النقباء والأشراف من العلويين والهاشميين كآل المختار وآل طاووس وآل الأقساسي نقباء الكوفة، وقد حذا هذا الحذو في ترجمة أمراء المغول وحكامهم كآل الجويني، آل الخالدي، ابن الطراح، الدستجرداني، عماد الدين القزويني، مجد الملك اليزدي، سعد الدولة ابن الصفي اليهودي، وسرد سيرتهم وتاريخم السياسي وما إلى ذلك، كما حفل معجم ابن الفوطي أيضاً بذكر أكثر هؤلاء السلاطين والحكام والأمراء على وجه يكاد أن يشعرنا بأن الكتابين من تأليف مؤلف واحد في العصر المذكور.
هذا ويتبسط صاحب الحوادث الجامعة في وصف الرسوم والقواعد والعادات المتبعة في الدولتين وصور البراءات، ويدخل في ذلك البراءات والمراسيم الصادرة بتعيين رؤساء أهل الذمة من يهود ونصارى، وإيراد البراءات والمراسيم الصادرة في شؤون النصب والعزل، ووصف حفلات التوديع والاستقبال لمختلف رجال الدولة وغيرهم من مدنيين وعسكريين، والإشارة إلى أزيائهم وشاراتهم وملابسهم في تلك الحفلات، ونحن نحيل الباحثين في هذا الشأن على مراجعة بعض الفصول التي عقدها المؤلف لترجمة بعض الخلفاء والوزراء والصدور.
هذا ويعني صاحب الحوادث مضافاً إلى ذلك بوصف أزياء ذوي المناصب على اختلاف أنواعها ونظام الألبسة المتبع في الحفلات الرسمية، ومن ذلك أزياء المدرسين فالمؤلف ـ كما قلنا ـ بارع في معالجة التاريخ من هذه النواحي ومن الموضوعات التي عني بها تسجيل وفيات المشاهير على اختلاف طبقاتهم، خص منهم القضاة والأدباء ومن المؤرخين الذين عني المؤلف بالترجمة لهم في الحوادث الجامعة ابن النجار المتوفى سنة 643هـ قائلاً: «له تاريخ بغداد، ذيل به على تاريخ الخطيب».
ترجم له ترجمة حسنة يستفاد منها أن هذا المؤرخ، أو ابن النجار كان رحالة أمضى في أسفاره ثمانية وعشرين سنة، وعرض عليه السكنى في رباط شيخ الشيوخ فامتنع من ذلك، أما رباط شيخ الشيوخ فهو من أقدم الربط البغدادية، وكان موقعه في المشرعة من نهر المعلى، وينسب إلى شيخ الشيوخ ابي سعد، هذا والرواية غير قليلة عن ابن النجار في كتاب الحوادث الجامعة، وفي المعجم، والمؤلف يدعوه فيه (شيخنا).
وورد ذكر مؤلف الجامع المختصر تاج الدين ابن الساعي مراراً في كتاب الحوادث الجامعة، وقال مؤلفه بعد تاريخ وفاته «كان أديباً فاضلاً له مصنفات كثيرة آخرها كتاب الزهاد»، ومنهم ظهير الدين الكازروني يروى عن تاريخه الكبير إذ أن كتابه مختصر التاريخ ينتهي بخلافة المستعصم، ومن مراجع مؤلف الحوادث الجامعة ومؤلف المعجم ـ أعني ابن الفوطي ـ عدا تصانيف الشيخين المؤرخين ابن النجار وابن الساعي تواريخ الدبيثي الواسطي وابن القطيعي والكازروني وكلهم من المؤرخين العراقيين.
ونحن بهذا الصدد نثبت آراء بعض هؤلاء المؤرخين العراقيين في زملائهم المعاصرين لهم المعنيين بكتابة التاريخ مدحاً وذماً، خذ مثلاً على ذلك رأي أبي عبد الله بن النجار المؤرخ المشهور في شيخه المعروف بالقطيعي، وتاريخه الذي ذيل به على أنساب السمعاني كما أورده ابن رجب في ترجمة القطيعي من طبقاته وهذا نصه:
«محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف البغدادي القطيعي الأزجي المؤرخ جمع تاريخاً في نحو خمسة اسفار ذيل به على تاريخ أبي سعد بن السمعاني سماه (درة الأكاليل في تتمة التذييل) رأيت أكثره بخطه، وقد نقلت عنه كثيراً في هذا الكتاب، وفيه فوائد جمة مع أوهام وأغلاط، وقد بالغ ابن النجار في الحط على تاريخه هذا مع أنه أخذ عنه، واستفاد منه، ونقل عنه في تاريخه أشياء كثيرة بل نقله كله».
وقال أيضاً: «لم يكن ـ أي القطيعي ـ محققاً فيما ينقله، ويقوله وكان لُحنَة لا يعرف أسماء الرجال»، هذا قول المؤرخ ابن النجار في القطيعي وتاريخه المعروف كما نقله ابن رجب في طبقاته.
بيد أن ابن رجب فضح بعد ذلك السر في تحامل ابن النجار على تاريخ القطيعي فقال: «ولما عمر المستنصر مدرسته المعروفة بـ ـ المستنصرية ـ جعل القطيعي شيخ «دار الحديث» وكان ابن النجار معيداً بها للطلبة، وهذا من جملة الأسباب التي أوجبت تحامله عليه، وقد وصفه غير واحد من الحفاظ وغيرهم بالحافظ».
وجاء في موضع آخر من طبقات ابن رجب ما نصه: «قال ابن الساعي وغيره لما بنى المستنصر بالله مدرسته المعروفة بدار الحديث رتب بها شيخين يشتغلان بعلم الحديث أحدهما أبو منصور بن الوليد والآخر أبو عبد الله بن النجار صاحب التاريخ»([452]).
هذا والكتاب ـ أي الحوادث الجامعة ـ من أوفى المراجع في تاريخ المدارس والمدرسين ودور الكتب وخزائنها في العراق وجوامع بغداد وخطبائها والمحدثين والفقهاء المدرسين فيها، والخلاصة: امتاز الكتاب بحفظه لتاريخ المائة السابعة، وبفطنة مؤلفه إلى تخليد أوضاع زمانه حباً بفائدة الأجيال الآتية.
تاريخ العراق
إذا كان تأسيس الدولة العباسية من أهم حوادث المائة الثانية في تاريخ العراق أو تاريخ العالم الإسلامي بأسره، فإن حوادث المائتين السابعة والثامنة لا تقل خطراً عن تلك الحوادث، إذ أنها شهدت انحلال الدولة العباسية في أواسط المائة السابعة، وقيام الدولة الإيلخانية في الشرق، وقد انفرد مؤلف الحوادث الجامعة بوصف واقعة بغداد، وانحلال الدولة العباسية.
وما جرى في العراق بعد استيلاء المغول وصفاً شاملاً لا يجاري فيه وأحاط بهذا الموضوع من أكثر نواحيه، حتى إنه عنى بترجمة من قتل في الواقعة من أعيان البغداديين وعلمائهم وحكامهم، وتسمية من أسره المغول من هذه الطبقات، كما سمى ابن الفوطي في معجمه من كان يتولى إخراج أولئك العلماء والأعيان إلى ظاهر بغداد ليقتلوا في مخيم هولاكو، ولا بدع فقد كان المؤلف من شهود العيان في تلك الواقعة.
ليس مصنف الحوادث الجامعة فيما نرى مؤرخ واقعة بغداد فقط، بل مؤرخ وقائع المغول قبل ذلك، وأخبارهم بعد ذلك في هذه البلاد إلى آخر المائة السابعة، وهو مدون غزواتهم المعروفة في حدود بلادنا شرقاً وشمالاً مثل غزوات «أربل» وقد غزاها المغول أكثر من مرة قبل الاستيلاء على بغداد وهكذا غزوتهم لبلدة «خانقين» وما إليها سنة 635هـ، وهي غزوة خطيرة استؤصل بها الجيش العباسي وذلك في خلافة المستعصم، وتعتبر أعظم واقعة وقعت بين الفريقين قبل واقعة بغداد، ومن المؤرخين الذين عنوا بذكر هذه الوقائع والغزوات ابن العبري في مختصر تاريخ الدول([453]).
ويمتاز كتاب الحوادث الجامعة أيضاً بإيراده تاريخ أواخر عصور الدولة العباسية وأوائل عصور الدولة المغولية في العراق إلى نهاية المائة السابعة، وقد أبدع في تاريخ خلافة المستنصر وخلافة المستعصم آخر خلفاء بغداد كما عني بتسجيل سير الثقافة العراقية في ذلك العصر، ولا يوجد في كتاب آخر على ما نظن ما يوجد في هذا الكتاب من وصف معاهد العلم والثقافة في بغداد والعراق، فهو من أوفى المراجع في تاريخ المدارس والمدرسين ودور الكتب في العراق ومن الأمثلة على ذلك وصف الاحتفال بفتح المستنصرية وهو احتفال رائع شهده رجال الدولة والوزراء ومؤيد الدين ابن العلقمي أستاذ دار الخلافة الذي تولى عمارة المستنصرية.
وشهد الاحتفال كذلك سائر الولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء ومشايخ الربط الصوفية والوعاظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار، ويقول مؤلف الكتاب «نفل في هذا اليوم ـ أي يوم الاحتفال ـ إلى المدرسة من الربعات الشريفة والكتب النفيسة ما حمله مائة وستون حمالاً، وجعلت في خزانة الكتب، وكان الخليفة يحضر في بعض الأيام هذه الاحتفالات»([454]) وهكذا جوّد وصف المستنصرية عند الاحتفال بفتحها في خلافة منشئها ولكن المدرسة المذكورة احتاجت إلى الترميم، وإحداث بعض المرافق في عصر المغول، فلم يفت مؤلف كتاب الحوادث الجامعة وصف مَرمّة المدرسة، وإصلاحها، وإسالة المياه من دجلة إليها في عصر الجويني صاحب الديوان.
ومن ذلك وصف الاحتفال نفسه وهو من أنفس ما تاضمنه كتاب الحوادث الجامعة من الفصول التاريخية وأمتعها، والكتاب من ناحية أخرى بمثابة تاريخ لسير الإدارة والسياسة في العراق على عهد المغول فإن المؤلف تعرض لرجال المال والأعمال والإدارة والتنّاء وأصحاب الفنون وما إلى ذلك.
نقد الأخلاق والآداب
وقد يعنى مؤلف الحوادث الجامعة بتسجيل بعض الأحداث التي لها علاقة بالنقد الأخلاقي أو الأدبي أو السياسي، ومن ذلك ما نظمه الشعراء في قصة أحد عدول مدينة السلام، وأعلام أهل الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة.
إذ قبل أن يتقلد نقابة العباسيين، وخلع عليه خلع سنية مع سيف محلى بالذهب في حفلة عظيمة أثارت خواطر النقاد والشعراء.
قال المؤلف: «وكان الموفق عبد القاهر بن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتاً طويلة لما انتهى حالها إلى الديوان أنكر ذلك عليه، ووكل به أياماً، ولم يخرج إلا بشفاعة».
وقد أورد المؤلف بعد ذلك تلك القصيدة وأولها:
ناديت شيخي من شدة الحرب
وشيخنا في الحريري والذهب
وفحوى القصيدة توبيخ لاذع لقوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويتظاهرون بالزهد ولكنهم يتقلدون مناصب الدولة، وتقريع على التباين بين القول والعمل، وهو في الوقت نفسه نقد لرجال السياسة ورجال الديوان، ولذلك أثارت هذه الحادثة حركة فكرية قوية في بغداد انشطر فيها الناس إلى شطرين، شطر يدافع عن الصوفي النقيب الذي تقلد المنصب، وآخر يستنكر نهجه في ذلك، وقد أدخل رجال القضاء والفتيا أنوفهم في هذه الحادثة كما تجدها في الكتاب المذكور.
سجل عادات وأخلاق
عادات في الأفراح، عادات في المآتم، أوهام وخرافات وأساطير، نثر الذهب، رمي التراب، نقل الأموات، خوارق العادات، الاحتفال بالختمة.
كتاب الحوادث الجامعة سجل عادات وأخلاق اعتادها العراقيون من قديم الزمان ويستفيد منه من يعنى بتاريخ هذه الأوضاع والعادات الاجتماعية المألوفة عندنا اليوم وعند أسلافنا قبل ذلك.
يتوهم الكثيرون أن هذه العادات المألوفة لدى السواد الأعظم من العراقيين وأن هذه الأوضاع التي يتعلق بها الجمهور في حياتهم الاجتماعية أي في أفراحهم وأتراحهم، وفي مآتمهم وأعيادهم، وفي غير ذلك من شؤون حياتهم لم تكن معروفة، ويظن بعضهم أن هذه الأساطير والخرافات أو الأوهام المستحوذة على عقول الطبقة الساذجة البسيطة من أهل هذه البلاد أمور محدثة غير قديمة، بيد أن نظرة فاحصة إلى أسفار التاريخ كفيلة بتزييف رأي من رأى ذلك.
يعني المؤلف بالإشارة إلى جملة من عادات العراقيين وأخلاقهم وأوهامهم وخرافاتهم في عصره، عادات وأخلاق وخرافات لم تزل شائعة إلى يومنا هذا في العراق، ولا شك أنها انتقلت في الغالب إلى السواد الأعظم من العراقيين بعد اختلاطهم بمختلف شعوب الشرق التي جاءت مع المغول، فلم يسعهم إلا التقليد والمحاكاة ومجاراة الضعيف للقوي والمغلوب للغالب في هذه الشؤون والناس على دين ملوكهم.
والخلاصة: يستفيد من هذا الكتاب من يعنى بتاريخ تلك العادات والأخلاق والأوضاع الاجتماعية عند الشعوب ويستفيد أيضاً من يعنى بتاريخ الكلمات الدخيلة واللهجات اللغوية فإن لهجتنا اللغوية الشائعة الآن شبيهة بلهجة أسلافنا العراقيين فمنذ أكثر من ستمائة سنة والألفاظ الدخيلة أو المولدة الشائعة في تلك العصور ما تزال شائعة في لهجة السواد الأعظم من العراقيين كما ستجيء الإشارة إلى ذلك.
ومجمل القول: يتضح لمن يعنى بالبحث في تاريخ الشعب العراقي وخصوصاً في بعض عصور الدولة العباسية الوسطى الأخيرة أن كثيراً من تلك الأوضاع التي يصطنعها أبناء العراق اليوم قديمة موروثة، وفي هذا الفصل إلمامة بتاريخ تلك العادات على الطريقة الآتية:
أولاً ـ عادات في المآتم والأفراح
من عادات العراقيين إذا منيت الأسرة بفقد شخص منها أن تتقبل العزاء في مجلس خاص مدة لا تقل عن ثلاثة أيام غالباً، ومن مظاهر الحزن إطلاق شعر الوجه والرأس ولباس السواد، ومن عادات كثير منهم أن لا يحلقوا شعرهم إلا بعد مرور أربعين يوماً على أن يتولى ذلك شخص تجله الأسرة.
وليست هذه العادات حديثة كما يظن بعضهم وإنما هي قديمة موروثة، ولها ذكر في كتب التاريخ، وخصوصاً تاريخ الدولة العباسية في فترته الأخيرة، من ذلك ما جاء في أخبار سنة 635هـ من كتاب الحوادث الجامعة في صدد الإشارة إلى وفاة ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وزوجة الأمير علاء الدين الطبرسي الدوادار وهذا نصه:
«عمل العزاء في دار الأمير علاء الدين، وحضر النقيب الأقساسي وموكب الديوان وأقامه ـ يعني الدوادار المعزّي ـ من العزاء ونفذ المحتسب أبو الفجر عبد الرحمن بن الجوزي إلى بدر الدين لؤلؤ ليقيمه من العزاء».
ويلاحظ أن مؤلف هذا الكتاب عقد أكثر من فصل واحد عنوانه «تغيير ثياب العزاء»، والمقصود في أحدها تغيير ثياب الخليفة المستعصم بعد انتهاء مدة الحزن على أبيه، وهذا من شعائر الحزن على الأموات وتشعيث الشعر وكشف الرأس.
جاء في أخبار سنة 637هـ من الحوادث الجامعة عن وفاة الأمير جمال الدين قشتمر ما يأتي (جلس ولده الأمير مظفر الدين محمد في داره للعزاء، فحضر في اليوم الرابع موكب الديوان وجميع الحجاب، وعارض الجيش حسن ابن المختار العلوي، فأقامه من العزاء وضفر شعره وغطى رأسه ومضى إلى الديوان».
هذا ما جاء في الكتاب عن بعض مظاهر الحزن على الأموات، مثل كشف الرأس شعثاً في مجلس العزاء إلى أن يتقدم شخص ذو مكانة فيضع حداً للعزاء بإصلاح الشعر وضفره وتغطية الرأس، وإزالة غير ذلك من علل الحزن على الميت، ولا حاجة إلى القول إنها جميعاً ما عدا كشف الرأس عادات باقية إلى هذا اليوم في العراق فإن شارات الحزن تبقى مدة طويلة حتى يتقدم بإزالتها شخص كبير أو زعيم مسموع الكلمة عند تلك الأسرة.
الجلوس للعزاء
ولا بد لنا من القولا إن هذه العادة ـ عادة الجلوس للعزاء ـ في بيت أو مدرسة أو مسجد لم تكن معروفة في صدر الإسلام، ولا في أولى عصور الدولة العباسية، وإنما ظهرت هذه العادة بعد ذلك، وكان هدى الإسلام في خير عصوره الصبر والسكون والاسترجاع أي أن تقول (أنا لله وإنا إليه راجعون) والتسليم، والحث على هذه السنن والآداب، والتحذير من الجزع والحزن الشديد، وما أكثر الأخبار المأثورة التي وردت في النهي عن ضرب الصدور، وخمش الخدود أو في ذم الصراخ وشق الجيوب، وجز الشعور، وما إلى ذلك.
قال الشيخ أبو جعفر في «المبسوط» الجلوس لتعزية يومين أو ثلاثة أيام مكروه إجماعاً، ولكن ابن إدريس أنكر هذا القول، وقال بعد نقل كلام صاحب المبسوط «لم يذهب أحد من أصحابنا المصنفين إلى ذلك، ولا وجد في كتاب، وإنما هو من فروع المخالفين، وأي كراهية في جلوس الرجل بداره للقاء إخوانه، والدعاء لهم والتسليم عليهم، واستجلاب الثواب في لقائه وعزائه».
هذا ما قاله الشيخ محمد بن إدريس الحلي في تعقيبه على أقوال الشيخ أبي جعفر بيد أن العلامة الحلي في المعتبر ايد الشيخ أبا جعفر قائلاً لم ينقل عن أحد من الصحابة أو الأئمة الجلوس للتعزية، فهو مخالف لسنة السلف، هذا ما قاله صاحب المعتبر، مع أن ابن إدريس أنكر القول بكراهية الجلوس للعزاء ودعوى الإجماع على ذلك، والحق أن هناك أخباراً متعارضة وآراء مختلفة في هذا الموضوع ورأي ابن إدريس في المسألة أقرب إلى الصواب.
ثياب العزاء
كانوا يتخذون للعزاء ثياباً ورد ذكرها كثيراً في تاريخ هذه الحقبة، ولكنها لم توصف وصفاً واضحاً ولم يعين لون تلك الثياب، ونرجح أنه السواد لأن العادة المتبعة عند العراقيين اليوم في حالة الحزن لبس الثياب السود، هذا وقد عقد صاحب الحوادث فصلاً عنوانه «تغيير ثياب العزاء والهناء» ضمنه وصول ركن الدين إسماعيل بن بدر الدين لولو صاحب الموصل ـ وركن الدين يومئذ صاحب «سنجار» ـ لتعزية المستعصم بوفاة المستنصر، فخرج للقائه الأمراء، وعارض الجيش، ودخل وعليه ثياب الحزن وقبل «العتبة» باب «النوبي» ودخل دار الوزارة فخدم وعزى وهنى.
هذا ما ورد في الكتاب، فكانت للحزن والعزاء إذن ثياب مخصوصة، ولكن المؤرخين سكتوا عن وصفها وتعيين ألوانها، والمرجح كما قلنا إنه السواد، وقد جرت العادة أن يظهر رجال الدولة بهذه الثياب، ولا يستثنى من ذلك الوزراء في العصر المذكور، فقد ظهر الوزراء والأعيان ومشايخ الربط، والمدرسون بهذه الثياب بعد وفاة المستنصر سنة 640هـ، ودخلوا إلى دار الوزارة بهذه الأزياء.
هذا ومن عاداتهم الشائعة في تلك العصور إعداد الأكفان من نسيج مخصوص قبل الموت، وهي عادة معروفة إلى اليوم في هذه البلاد، وفي المأثور يستحب اتخاذ الكفن من «الحبرة» اليمانية، والحبرة نسيج جيد معروف. وغالى بعض أهل المائة السادسة من العراقيين فأعدوا مضافاً إلى الأكفان «ثياب العزاء» لذويهم وزوجاتهم قبل أن يموتوا، قال ابن الساعي في أخبار سنة 599هـ بعد ذكر وفاة الحاجب محمود المخزني ـ ولعله المخرمي ـ «كان حازماً في جميع أموره، أعد جميع ما يحتاج إليه بعد موته من الأكفان وثياب العزاء لأولاده وجاريته»، ولا ندري ما الحكمة في إعداد ثياب الحزن قبل الموت وكيف يعد ذلك من عزم الأمور.
عاداتهم في تشييع الأموات
ومما يلحق بهذا الباب عاداتهم في تشييع الجنائز بالإنشاد، وترتيل الألحان، وكانت هذه العادات معروفة في بعض حواضر العراق والشرق العربي إلى عهد قريب، وبعض العلماء ينكر ذلك، ويوصي بالاقتصار على التلاوة والتسبيح والتمجيد، وفي كتب التاريخ شواهد تدل على أن عادة الترتيل كانت شائعة عند العراقيين في أواخر عصور العباسيين، ومن ذلك ما جاء في أخبار سنة 646هـ من كتاب الحوادث عن وفاة «جمال الدين المخرمي» وهذا نصه «أوصى أن يدفن في تل قريب من مشهد الحسين عليه السلام، وأن يكون تابوته مكشوفاً ليس عليه غطاء ولا ثوب، ولا يقرأ بين يديه قراء الألحان، بل جماعة فقراء يقرؤون تلاوة، وجماعة يسبحون الله تعالى، ويهللونه ويحمدونه ففعل ذلك كله».
من ذلك يستفاد أنهم اعتادوا منذ المائة السابعة أو قبل ذلك على ترتيل الألحان والإنشاد بين يدي الجنائز، وأن لذلك قراء مخصوصين وأن هناك منشدين، وأصحاب أذكار يقومون بالتهاليل، كما يستفاد من وصية «المخرمي» وأنه ممن ينكر ذلك والأصح أنها أمور محظورة، لما في ذلك من صرف المشيعين عن عبرة الموت وجلاله والخروج على الخشوع والوقار في هذا الباب، وقد ادعى بعضهم انتفاع الميت بالإنشاد والترتيل والتلحين بين يدي الجنازة، ولا أصل لهذه الدعوى، وإنما ينفع الميت الصدقة، والدعاء له، والترحم عليه، وأما الذكر بالصورة المعهودة، وإنشاد الأناشيد فهو من قبيل الاجتماع للغناء وتزجية الوقت في سماع ألحان رقيقة وأنغام لطيفة.
الإنشاد في التهاني والتعازي
ومن تلك العادات الإنشاد، وإيراد التهاني والتعازي في مجالس خاصة تعقد لذلك، فإنها من جملة ما اعتاده العراقيون إلى هذا اليوم.
كانت عادة الإنشاد هذه، وإيراد التهاني والتعازي على ما هي عليه الآن شائعة في أواخر العصور العباسية، وفي عصور الدولة المغولية بعد ذلك، حتى عينوا لإيرادها شعراء مخصوصين سموهم «شعراء الديوان» وذلك لافتقار الديوان ورجاله إلى هذا الضرب من نشر الدعوة، على صورة لم تكن معروفة في أولى العصور العباسية، والعادة الشائعة في أولى عصور العباسيين، أن تفد الوفود على الخليفة، وتنتظر على باب داره، ثم يحيطون الخليفة علماً بذلك فيأذن لمن يشاء أن يدخل من الوافدين.
وكانت وفود الشعراء على أبوابهم غير قليلة. فإذا أذن للشاعر، وكانت عنده قصيدة، أنشدها في مجلس الخليفة أو مجلس الوزير، فإذا جوّد الشاعر، وإذا وقع شعره موقع الاستحسان من الخليفة أو الأمير أو الوزير خصصت له الجوائز من ورق وعين وما إلى ذلك، وحدث ولا حرج عن تلك الجوائز الطائلة.
انتقلت هذه العادة إلى طور آخر بعد ذلك أي في عصور العباسيين الأخيرة فأصبح لديوان الخلافة شعراء لا شغل لهم إلا نظم الشعر في العزاء والهناء، وقد عرفوا بأنهم «شعراء الديوان» فهم في الواقع من جملة موظفي الدولة الرسميين، لذلك جاء شعرهم متكلفاً غير مطبوع في كثير من الأحيان، ويلاحظ أن عدد «شعراء الديوان» كان كبيراً في عصور العباسيين الأخيرة، ينظمون أشعارهم وينشدونها في المواسم والأعياد. في الأفراح والأتراح، وفي شتى الوقائع والأحداث، ينشدونها في مجالس خاصة لا يشهدها الخليفة في أغلب الأحايين، لأن حجاب الخلفاء في العصور المذكورة كانوا على جانب عظيم من الشدة، وقلما ظهر خلفاء بني العباس المتأخرون للناس، هذا وقد عقدنا فصلاً خاصاً عنوانه «شعراء الديوان» وهو من جملة فصول رسالتنا التي عالجنا فيها «قصة فتح بغداد وأسرارها السياسية والعسكرية».
وقد ذكر ابن النجار وابن الساعي وابن الفوطي، وصاحب الحوادث الجامعة جماعة من شعراء الديوان. وأما الأمثلة على الإنشاد في التهاني والتعازي فإنها غير قليلة في كتب التاريخ المذكورة، من أظهرها ما ورد في أخبار سنة 643هـ من هذا الكتاب عن وفاة ابنة المستعصم، واسمها عائشة، عقد العزاء لها في الرصافة، وأنشدت المراثي، وتجد في الفصل المذكور من الكتاب المشار إليه رسالة تعزية بعث بها ابن العلقمي الوزير إلى الخليفة.
ويلاحظ أنه أفرط في الحذلقة والتكلف وبالغ في الثناء الممقوت، وما هكذا كان الظن بابن العلقمي الأديب، وتجد في الفصل عينه رسالة أخرى بعث بها في هذا المعنى بعض أصحاب المناصب الكبيرة، وهناك أمثلة عدة من التصنع والملق الذميم رسالة شكر أخرى كتبها ابن العلقمي إلى المستعصم لأنه أهدى له حزمة أقلام على أثر استيزاره، وتشتمل الرسالة على نثر ونظم، وفي سنة 648هـ أهدى الخليفة المستعصم لابن العلقمي بغلة فقام وقبل حافرها.
وثم رسائل تبودلت بين الخليفة ووزيره المذكور بمناسبة استيزاره له لاحظنا أن ابن العلقمي كان فيها أكثر اتزاناً، وأحسن ترسلاً مع أن الخليفة كان دون هذا المستوى في الجواب، وعلى كل حال لا نرى هذه الهفوات قادحة في سيرة هذا الوزير الحصيف، فإن حسناته أربت على سيئاته بكثير.
ورد في أخبار سنة 629 هـ من الكتاب عن فتح الأمير شرف الدين إقبال الشرابي لأربل ومناجزة المغول، وابتهاج البغداديين بذلك ما يأتي: «ضربت الطبول على باب النوبي، وأفرج عن جميع المعتقلين في الحبوس وحضر الشعراء في الديوان، وأوردوا قصائد تتضمن الهناء»، وفي أخبار سنة 631هـ مثل ذلك بمناسبة فتح المستنصرية، وجاء في أخبار سنة 632هـ عن عقد ملاك ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل «في هذا الملاك أنشد جماعة من الشعراء منهم عبد الحميد ابن أبي الحديد».
قراءة المقتل
جرت العادة من قديم الزمان أن تقرأ قصة المقتل، مقتل الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين يوم عاشوراء في جملة من محافل بغداد وغير بغداد من حواضر العراق، وذلك في أواخر عصور بني العباس أو قبل ذلك قليلاً، وعرفت وشاعت قراءة هذه القصة في دمشق إذ كان خطباء الدماشقة يقرؤونها في جمعة المحرّم وينعون الإمام الشهيد على منابر الشام، والدليل على ذلك أن ابن تيمية أنكره على خطباء جوامع الشام في كتابه:
«منهاج السنة»، وعرفت قراءة المقتل في القاهرة منذ عصور الفاطميين، وفي العراق بعد غلبة البويهيين، كانوا يقرؤونه في المحافل والمشاهد وفي المنازل على ما هو عليه الآن.
لم تخل العصور المذكورة من طبقة «المنشدين» و«القراء» و«الذاكرين» وهم قوم انقطعوا لهذا العمل أي للقراءة والإنشاد في مواسم معينة من السنة وخصوصاً المحرم، والأمثلة غير قليلة في تاريخ المائتين السادسة والسابعة ذلك، وقد ورد ذكر بعض هؤلاء القراء والمنشدين في تاريخ ابن الساعي، ومنهم أبو منصور محمد بن المبارك الكرخي «المنشد» ذكره في وفيات سنة 598هـ ووصفه بما يأتي: «حافظ للقرآن المجيد قرأه بالقراءات، جيد الأداء طيب الصوت شجيه كان يتشيع وينشد في المواسم والمشاهد المقدسة ويعظ في الأعزية.
فهذا مثال حسن لهذه الطبقة من القراء المنشدين في المواسم والمشاهد أو الواعظين في الأعزية، كما نراه في عصرنا هذا، وحبذا لو كان هذا الشيخ المنشد في عمله وفضله ومعرفته بالقراءات وترتيل القرآن قدوة لغيره من أهل زماننا، فإن التصدي للإرشاد والوعظ والخطابة والدعوة إلى الإصلاح من جملة الوظائف الجليلة، ولا ينهض بأعبائها الجهلة المقصرون.
أكثر شعراء هذه العصور من النظم في مراثي الشهداء ومنهم شعراء فحول كانت قصائدهم قوام ذلك الإنشاد، والواقع أن هناك طبقة قديمة من كبار الشعراء قبل العصور العباسية الأخيرة، ومن بعدها المغولية كانت هي البادئة في هذا الفن، ومن يتصفح مجاميع شعرها، أو دواوينها يطلع على قصائد ومراث غير قليلة كانت قوام تلك النشائد والأقوال كما قلنا.
من ذلك ما نجده في شعر دعبل الخزاعي، وابن الرومي، والشريفين الرضي والمرتضى، ومهيار الديلمي، وكشاجم شاعر سيف الدولة الحمداني، وعبد المحسن الصوري إلى كثير غيرهم من الشعراء الذين نهجوا هذا النهج، ثم تتابعت العصور وقلما خلا عصر منها عن شاعر أو أكثر حتى هذه الآونة يمتحن شاعريته بمراثي أولئك الشهداء.
لم تكن ممارسة القراءة والإنشاد طليقة دائمة فقد حددت مرة ومنعت منعاً باتاً تارة خصوصاً في بغداد، وذلك في أواخر عصور بني العباس، والأمثلة على ذلك غير قليلة في كتب التاريخ.
قال صاحب الحوادث الجامعة في أخبار سنة 641هـ ما نصه: «وفيها تقدم الخليفة إلى جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي المحتسب يمنع الناس من قراءة المقتل في سائر المحال بجانبي بغداد ومشهد موسى بن جعفر عليه السلام»، والخليفة المقصود بهذه الكلمة هو المستعصم، ولم تمض عليه أكثر من سنة واحدة في الخلافة، وهذا المستعصم معروف بضعفه وضيق صدره وأنه كان ألعوبة بيد جماعة من الحاشية والبطانة في دار الخلافة، وقد تكررت هذه الإجراءات في أيامه، فإن صاحب الحوادث عاد فقال في أخبار سنة 648هـ ما هذا نصه:
«وفي المحرم تقدم بمنع أهل الكرخ والمختارة من النياحة والإنشاد وقراءة مقتل الحسين عليه السلام خوفاً من تجاوز ذلك إلى ما يؤدي إلى وقوع الفتنة»، ولا ندري لماذا يخافون من الفتنة إذا كان العمل مشروعاً، وكانت السلطات الحاكمة منصفة غير متحيزة وعلى الإجمال: يستفاد مما تقدم أن لتلك المواسم التي كانوا يقيمونها قديماً حسنات وفوائد لا يستهان بها بخلاف ما آلت إليه الحالة بعد ذلك، وخصوصاً في عصورنا هذه إذ قد انضافت إليها شوائب من أعمال وعادات غير مشروعة من قبيل الضرب بالسلاسل والآلات الجارحة حتى إراقة الدماء وما إلى ذلك من مظاهر العادات الممقوتة.
أضف إلى ذلك صرف الأموال الطائلة في غير جدوى إذا لم نقل في وجوه غير مشروعة لا يسمع فيها رأي هؤلاء المنتسبين إلى العلم والدين بل تجرأت طبقة من الدهماء لا تميز بين اللباب والقشور، ولا تفرق بين المصلحة والمفسدة فتبوأت مركز القيادة والزعامة في إدارة هذه الشؤون، وأكثر هؤلاء المنتسبين إلى العلم والدين سكوت مع أنهم يعيشون في عصر هو عصر الوعي والبحث والتمحيص، فلا غرو إذا قوبلت هذه الأعمال والأقوال بالإنكار، ولا عجب إذا وجهت إليها المطاعن الجارحة فإنها بأمس الحاجة إلى التهذيب والتنظيم والإصلاح، هذا من جهة، ونقول من جهة ثانية:
لقد تجرأ غير واحد من المتشدقين بالإصلاح وانتحال الدعوة إلى طريقة السلف على الطعن والإنكار والتنديد قائلين: يحرم الاجتماع والاحتفال بذلك وأنه بدعة محدثة، ولهؤلاء نقول: لقد حرمتم الإرشاد والموعظة والدعوة إلى الإصلاح إلى غير ذلك مما يذكره هؤلاء الذاكرون على المنابر، أما المغالاة في الحزن والحداد، وأما إثارة المطاعن والخلاف وفتح باب الفتنة والفرقة فنحن نقف عند أحكام الشرع والآداب في ذلك ثم لماذا لا ينكر هؤلاء المتشدقون أعمال قوم يعلنون الغبطة والفرح في شهر محرم الحرام حتى رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام.
سقم النسخة
بدأت نسخة الأصل من هذا الكتاب ببقية حوادث 626هـ، وذلك في خلافة المستنصر، ومعنى هذا أن المفقود من أصل النسخة تاريخ (25) سنة، فالمؤلف معني بتاريخ المائة السابعة من بدايتها إلى نهايتها، اي أن المفقودلا يقل عن ربع مجموع الكتاب.
مما يهون الخطب على الباحث فلا يزعجه تلف الربع المذكور إن أكثر حوادثه معروفة مدونة في غير كتاب من كتب التاريخ، مثل الكامل لابن الأثير، بخلاف الأحداث المدونة بعد ذلك، فأنها أحداث غير معروفة لكثير من المعنيين بالتاريخ خصوصاً تاريخ العراق في عصر الدولة المغولية بعد انقراض الدولة العباسية.
تعود حوادث القسم المفقود إلى شطر من خلافة المستنصر العباسي، وفي أيامه تم تعزيز الصلات بين دار الخلافة و«مظفر الدين كوكبري» صاحب إربل، يدلنا على ذلك الحفاوة البالغة التي قوبل بها صاحب إربل لما زار بغداد سنة 628هـ، والغالب أن لهذه الحفاوة البالغة علاقة بالحلف المبرم بين دار الخلافة وبين صاحب إربل وذلك من أجل تنظيم الدفاع المشترك عن البلاد أزاء خطر المغول الداهم وتسللهم إلى حدود العراق والأقاليم الشمالية والشرقية في تلك الآونة، فإنهم هاجموا إربل بعد زيارة صاحبها لدار الخلافة بسنة واحدة أي سنة 629هـ، وجهز الخليفة إلى إربل جيشاً عراقياً يقوده جمال الدين قشتمر الأمير المشهور.
هذا ومن شواهد سقم هذه النسخة أن الأخبار المتعلقة باستيزار مؤيد الدين بن العلقمي نقلت من محلها وهي حوادث سنة 643هـ ووضعت غلطاً في حوادث سنة 653 مؤخرة عشر سنوات وهو تلفيق غريب يدل على تشويش النسخة من قبل مجلدها أو غيره وفي هذا الصدد نقول: أثنى مؤلف الحوادث الجامعة ثناء بالغاً على مؤيد الدين بن العلقمي ونوّه بذكره حياً وميتاً وعقد له فصلاً في أخبار سنة 656 عنوانه «ذكر من توفي من الأعيان بعد الواقعة».
قال فيه: «توفي الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادى الآخرة ببغداد وعمره ثلاث وستون سنة كان عالماً فاضلاً أديباً يحب العلماء ويسدي إليهم المعروف».
هذا ما ورد عن ابن العلقمي الوزير في متن النسخة وقد علقت على الهامش في هذا المكان العبارة الآتية: «إلا أن خيانته لمخدومه تدل على سوء أصله» وهذه الحاشية مدسوسة في الكتاب بلا شك خصوصاً وهي بخط مغاير لخط النسخة أي أنها تدل على سوء أصل كاتبها المتطفل أكثر من دلالتها على سوء أصل ذلك الوزير الفاضل الذي سجل المنصفون من المؤرخين كصاحب الحوادث الجامعة محاسنه، وعددوا مآثره، ولا يخفى أن ابن العلقمي يمت إلى بني أسد، ذو نسب أصيل في هذه القبيلة التي كانت من أشد القبائل العراقية مراساً وأعظمها شوكة وأكثرها عدداً في الأقاليم الحلية والواسطية، وإضافة هذه العبارة المدسوسة في هامش النسخة مثل من أمثلة العبث بالأصول المخطوطة.
هذا وقد وقع مثل ذلك التشويش في أخبار أخرى، وفي حوادث سنة 630هـ وردت الإشارة إلى الأمير حسام الدين بن أبي فراس أمير الحاج في الأيام الناصرية، وعودته من مصر إلى العراق، وفي هذه الإشارة ورد ما نصه «تقدم ذكر مفارقته للحاج ومصيره إلى الشام ومصر» هذا نص ما قاله المؤلف.
ولم يسبق ذكر الخبر المشار إليه فهو من جملة الأخبار الواردة في القسم المفقود من النسخة وتدل النسخة بنفسها على نقصها دلالة لا شك فيها فإن المؤلف يحيلنا على حوادث لا وجود لها إلا فيما سقط من أول الكتاب، ومن ذلك أن المؤلف أرّخ وفاة الأمير أبي المظفر باتكين وترجم له.
ثم قال ما نصه «وله نظم حسن منه ما قاله حين قتل بنو معروف بتل المقير في بطائح واسط، وقد تقدم ذكرها» هذا ما قاله المؤلف، وليس في نسختنا ذكر لهذه الواقعة من حوادث سنة 617هـ وقد ذهبت فيما ذهب من الكتاب بيد أننا إذا رجعنا إلى كتاب الكامل لابن الأثير أطلعنا على هذه الحادثة.
وقد سقط من الكتاب الفصل الذي عقده المؤلف لترجمة ابن العلقمي الوزير ولم يبق منه إلا العنوان غير أننا نجد وصف الاحتفال باستيزار ابن العلقمي الوزير، ويجب أن يلحق بحوادث سنة «343هـ»، وقد فاتنا بسقوط هذا الفصل فوائد ثمينة فلا شك أنه اشتمل على رأي المؤلف في هذا الوزير الذي تضاربت آراء المؤرخين والباحثين في سيرته، والغالب أن مؤلف كتاب الحوادث من أحسن المؤرخين رأياً بابن العلقمي الوزير، ومما يدل على العبث بنسخة الأصل من الكتاب ما قاله المؤلف في وقائع سنة «645هـ».
وهذا نصه «فيها أنفذ الخليفة إلى الوزير ابن العلقمي دواة فضة مذهبة في جونة، فخلع عليه، ونظم الشعراء في ذلك.
هذا نص ما جاء في الكتاب ونجد بعد ذلك أبياتاً في الرثاء لا علاقة لها بهذه الواقعة، والأرجح أن الأبيات المثبتة من جملة قصيدة لابن أبي الحديد في رثاء أستاذ له توفي سنة «646هـ»، وقد أورد المؤلف مستهل القصيدة في مكانها وذكر أيضاً المناسبة التي نظمت فيها إلى غير ذلك مما يدل على فساد أو عبث طرأ على هذه النسخة.
دلالة البحث المقارن
عوّلنا على كتاب «الحوادث الجامعة» في جملة ما عولنا عليه من أصول هذه الدراسة، وإلى هذه العلة مرد عنايتنا كثيراً بدرس الكتاب وتمحيصه، ومحاولة الكشف عن اسم مؤلفه، فإن أحداً من الباحثين لم ينته إلى رأي قاطع في هذا الشأن وهناك اعتراضات على رأي من يرى أنه ابن الفوطي بعينه وهذا يعني أن حقيقة المؤلف بقيت مجهولة إلى هذه الآونة.
عمدنا بدافع من الرغبة في كشف هذا المعمى إلى إعداد دراسة شافية قرأنا فيها نصوصاً جمة من كتاب الحوادث، بل قرأنا الكتاب بحذافيره أكثر من مرة، كما طالعنا نصوصاً مثلها وردت فيما ظفرنا به من أجزاء معجم ابن الفوطي، بل طالعنا خلال مدة أربت على الأربعين سنة جل مواد هذا المعجم أكثر من مرة أيضاً فلما انتهينا من ذلك شرعنا بمقابلة النصوص التي درسناها في الأصول المذكورة، وهذه المقابلة تشمل المواد والتراجم الواردة فيها، وتتناول أيضاً أساليب التعبير والديباجة اللغوية، وها نحن نضع هذه الدراسة المقارنة أمام الباحثين ليستأنسوا بها في الاستدلال على مؤلف هذا الكتاب، ومحاولة الكشف عن اسمه على قدر الإمكان.
عرضت علي نسخة الأصل من كتاب الحوادث الجامعة، وكانت ـ كما قلنا ـ نسخة مخرومة مغفلة، وسألني بعض المعنيين بالتاريخ، والبحث عن المخطوطات من البغداديين، ومنهم ناشر الكتاب ـ كما ترى ذلك في مقدمته ـ عن رأي مؤلفه، فكان من رأيي بعد المقارنة بين هذا الجزء التاريخي المغفل ونسخة دار الكتب الظاهرية من كتاب تلخيص مجمع الآداب أن الكتابين لمؤلف واحد، وأن هذا المؤلف لا يعدو مؤرخ العراق ابن الفوطي، ولما كانت قائمة مصنفات ابن الفوطي تشتمل على كتاب عنوانه «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة» جاز أن يكون هذا الأصل نسخة من كتاب الحوادث الجامعة لابن الفوطي المذكور.
وهكذا عنينا بضرب من الدراسة المقارنة بعد أن ظفرنا بما ظفرنا به من أجزاء معجم ابن الفوطي وبعد أن نشر كتاب الحوادث الجامعة، وقد استدعت هذه الدراسة بذل الجهد وتوخينا فيها جمع الأدلة من الكتابين على وحدة الأسلوب والطريقة والمادة أيضاً مما عزز رأي من يرى أن كلاًّ من المعجم والحوادث الجامعة صدرا عن مؤلف واحد.
محمد رضا الشبيبي
حُولا
حُولا، بلدة في جبل عامل، تقع على الحدود الفلسطينية، يحدها من الشمال بلدة مركبا والشمال الغربي بلدة طلوسة ووادي السلوقي الذي يفصلها عن بلدة شقرا ومجدل سلم وقبريخا، ومن الجنوب بلدة ميس الجبل، ومن الجنوب الشرقي والشرق، الحولة في فلسطين وأرض المنارة العاملية الأصل، التي ابتاعها اليهود.
عدد سكان حولا الآن يقارب العشرة الآلاف نسمة، يعملون بالزراعة ولكن أكثرهم، هجر البلدة بسبب الاعتداءات اليهودية المتكررة عليهم وعلى أملاكهم ومزروعاتهم.
وقد بدأ اليهود جرائمهم بارتكابهم سنة 1948 سنة إعلان تقسيم فلسطين، مجزرة رهيبة قتل اليهود فيها ثمانين نفساً بريئة بتفاصيل نذكرها فيما يلي:
ولا بد لنا قبل سرد وقائع ما حدث من التعريف بما سمي يومذاك (جيش الإنقاذ) لأن الأمر يتعلق به: عندما بدا للعرب أن اللجان التي شكلتها الأمم المتحدة تميل إلى تقسيم فلسطين بعد أن أحال الإنكليز في 2 آذار سنة 1947 قضية فلسطين على الأمم المتحدة للبت فيها.
وذلك أن الإنكليز بعد أن مكنوا اليهود في فلسطين طيلة مدة انتدابهم عليها، وبعد أن وثقوا بأن الصهيونية أصبحت قادرة على شق طريقها بنفسها، أرادوا أن لا يتحملوا هم مسؤولية قيام دولة الصهاينة فأحالوا الأمر على الأمم المتحدة.
وقد دعي مجلس جامعة الدول العربية إلى اجتماع في عاليه (لبنان) ما بين 7 و9 من تشرين الأول سنة 1947م وكان من أهم ما تقرر في هذا الاجتماع تأليف لجنة عسكرية لدراسة الموقف من الناحية العسكرية.
وقد كان من بين توصيات اللجنة فتح باب التطوع أمام من يريد من العرب المشاركة في النضال المسلح في فلسطين. فأقبل الكثيرون على التطوع مما تشكل منهم ما أطلق عليه اسم (جيش الإنقاذ) وكانوا ما بين سوريين وعراقيين ولبنانيين وأردنيين ومصريين ويمانيين، وعدد قليل من غير العرب: أتراك ومسلمون يوغسلافيين، وأفراد ألمان وإنكليز حتى لقد بلغ مجموعهم عشرة آلاف شخص، إلا أن الذين توجهوا بعد ذلك للقتال لم يتجاوزوا (4630) شخصاً.
وقد عهد بقيادة هذا الجيش إلى فوزي القاوقجي ووزع إلى ثمانية أفواج دخل الواحد بعد الآخر منها إلى فلسطين بعد أن تم تدريب أفرادها لفترة وجيزة في معسكر قطنا قرب دمشق بإشراف عسكريين سوريين.
وكان بدء دخول هذا الجيش إلى فلسطين في 9 كانون الأول سنة 1947م إذ اتجه فوج منه من معسكر قطنا باتجاه بلدة بنت جبيل في جبل عامل.
ومن المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ معركة (المنارة) غير البعيدة عن بلدة (حولا) مما أوقع إصابات في اليهود.
ثم تمركز جماعة من جيش الإنقاذ في حولا نفسها، فانتظر اليهود انسحابهم من البلدة لكي يهاجموها منتقمين من أهلها عما أصابهم في معركة المنارة. وصدف أن كان موجوداً في حولا في ذلك الوقت الحاج عبد الحسن فحص وابن عمه دخل الله فحص بحكم عملهما في نقل الحبوب من حولا إلى قريتهما (قبريخا) ومن قبريخا إلى حولا، فروى الحاج عبد الحسن ما جرى على هذا الشكل:
بعد عملية المنارة بقي أفراد جيش الإنقاذ في بلدة حولا، وفي هذا الوقت، لم يجرؤ أحد من اليهود على مهاجمة البلدة. وبعد مغادرتهم لها بوقت قصير، شاهدنا مجموعة من الجنود، قادمة من الطرف الشمالي للبلدة، ولم يخطر ببال أحدنا أن يكون أفرادها من اليهود، لأن اليهود يأتوننا، من الجهة الشرقية، عادةً، وهي النقطة المتاخمة للمنارة ولأراضيها.
لذلك لم نحرّك ساكناً، لاعتقادنا بعودةِ رجال الإنقاذ إلى البلدة …. ولم يطل الأمر، حتى دخلت القوات الإسرائيلية، ومنعوا على الأهالي، الدخول أو الخروج منها، وأخذوا يجمعون الرجال والشبان والأطفال ضمن بيوت ترابيّة. وكنت أنا مع عشرين رجلاً وطفلاً. ولم يمضِ وقت طويل، حتى رحنا نسمع أصوات عيارات نارية، يتبعها انفجار كبير، وصراخ النسوة وهن يولولن ويرددن، أنهم يقتلون الرجال والأطفال، وينسفون البيوت عليهم.
وبينما كنا في البيت الترابي، كما ذكرت، دخل علينا الجنود، وأمرونا بالوقوف على محاذاة الحائط، وجوهنا إليه، وأيدينا فوق رؤوسنا. وسمعت قرقعة سلاح، فتشهدت، وتشهد الرجال الذين كانوا معي. ولم تمض ثوان معدودات، حتى سمعت صوت الرصاص واصبت فسقطت على الأرض، وسقط بقربي طفل عمره حوالي ثماني سنوات، يتضرج بدمه.
وبعد ذلك، تركونا نتخبط داخل الغرفة، وأقفلوا الباب وذهبوا، فعندما لملمت نفسي، وأسرعت فاختبأت داخل تبانة، في ذلك البيت، وأنا أحسب أنهم سيعودون لينسفوا البيت علي، وعلى الضحايا، كما كانوا يفعلون، ولكنهم لم يأتوا، ولا أعرف السبب، وبقيت فترة طويلة داخل التبانة، إلى أن خرجت منها بعد أيام.
وبعدما خرجت، توجهت إلى بلدتي قبريخا، فوجدت أهل بلدتي يستعدون للاحتفال بذكرى مرور أسبوع على موتنا، أنا وابن عمي دخل الله فحص، فكان وصولي مفاجأة كبرى لهم.
وفي مجرزة حولا يقول السيد حسين نور الدين:
قرى الحدود وأهلوها قد اندثرت
تداس في سوحها الأشلاء، والرمم
جاس اليهود خلال الدور واندلعت
من المدافع نيران بها اعتصموا
لما أناخوا على (حولا) بكلكلهم
واستعملوا الفتك ما رقوا وما رحموا
فالطفل من فرق قد شاب مفرقه
والأم أذهلها عن طفلها الألم
أين الصناديد يوم الروع من شهدت
لبأسها في الوغى الهندية الخذم
أين البواسل من قحطان تنجدنا
أين الحماة أباة الضيم اين هم
أين المذاويد هل خارت عزائمهم
بل اين أين الحفاظ المر والشمم
ما مجلس الأمن من خوف يؤمننا
فلينصف السيف إن لم ينصف الحكم
ما بالكم بح صوت المستجير بكم
أين الحمية والإقدام والهمم
عهدي بكم لا يضيع الدهر وتركم
ولا يطل لكم بين الطلول دم
هبوا سراعاً وفي أحشائنا رمق
فنوم مثلكم عن مثلنا يصم
ألا ترانا وقد ضاق الفضاء بنا
وما لنا منهم منجى ومعتصم
قد أمطرونا رصاصاً من بنادقهم
فأرغمونا على استسلامنا لهم
ويقول شاعر عاملي آخر:
شهداء حولا كالنجوم بعامل
والشمس مشرقة على الآفاق
ضحوا لتحرير البلاد نفوسهم
من كل فذ للعلى سباق
الثورة الحمراء ملء صدورهم
والدمعة الخرساء في الآماق
لبسوا القلوب على الدروع وحاربوا
كيد العدو بوحدة ووفاق
وقال شاعر من شعراء اللهجة المحكية شعراً زجلياً جاء فيه:
يا حادي الركب أنشد عني هالخبار
خبّر ملوك العرب وأهل الدواوين
أقصد يا ساعي، على حولا وصيح يا أهل العار
أين العرب منكم يا ربي والمسلمين
حط بشوارعها وشوف المحترق بالنار
وشوف الضحايا عالشمال وعاليمين
عشرين شب عليهن ناسفين الدار
زهرة شباب الجنوب راحت غبين
عشرين شيخ القتلوا بحارة المختار
من عمر ستين للخمسة وثمانين
رجال مثل الأسود كلهم أقمار
حطّوا عقب خندقهم بالثلاثين
واجه على الجنوب ما تشوف غير النار
مثل الغيوم فوق منا الدخاخين
شوف الصبايا الحاملين جرار
مثل المطر صارت رصاص الصهايين
ومن حولا خرج الشاعر العربي المجيد الشيخ محمد سليمان الذي تلقى دراسته في علوم اللغة العربية في مدرسة شقرا، وجُهل تاريخ ولادته وتاريخ وفاته.
وما وجد من شعره فهو مؤرخ في كل من السنين: 1311، 1312، 1313، 1314، 1320 هجرية. كما أنه نص في موسوعة أعيان الشيعة أنه توفي في ريعان شبابه.
وهذا الشاعر يعد في الطليعة من شعراء العرب في عصره، ولو عاش في غير المحيط الضيق الذي عاش فيه وامتدت به الحياة لكان له في تاريخ الأدب العربي الحديث شأن أي شأن.
وللشيخ محمد هذا ولد اسمه عبد الحسين كان شاعراً أيضاً، وقد استشهد على أيدي اليهود في مجزرة حُولا المتقدم ذكرها.
وفي هذا الشهر الذي أكتب فيه هذه الكلمات (ذو الحجة 1408هـ ـ تموز 1988م) توفي شاعر من أبناء حولا كان من أبرز الوجوه العاملية نضالاً وكرماً وخلقاً وأدباً هو محمد مزرعاني ابن الشيخ أحمد مزرعاني فقيه حولا وتقيها البار في عصره.
ومن شعره قوله:
حولا منارة وعي طالما حملت
من المكاره والويلات والنوب
مشت مسيرتها في كل آونة
تجتاز وعر طريق شائك خرب
فكم تصدت لأفاك أراد لها
سوء المصير فردته على عقب
والناس من حولها كم ألّهوا صنماً
وكم جثوا ركعاً في موكب كذب
وبلدتي تتخطى كل شائبة
وتستحث خطاها للمدى الرحب
نفضت عنك غبار الجهل وارتسمت
أمامك الطرق المثلى لكل أبي
عيشي على قمة الأيام ناشرة
أعلامك الخضر في زهوٍ وفي طرب
وقوله:
جوعي فحقك أن تجوعي
يا خير جمهرة الجموع
ودعي المآكل والشراب
لسارق دنس وضيع
يهتز من طرب ومن لؤم
إذا نضبت ضروعي
المتخم الجشع الضليع
بنهب خيرات الجموع
لا تقربوه فإنه ركن
تحصن بالدروع
بالأمس قد سقط الشهيد
يمج قانية النجيع
برصاص من جعلوا الخنوع
شجاعة بفمي المذيع
ليبث مهزلة الصمود
وجسمه رهن الركوع
لا لن نكون كعنزة
عرجاء من خلفِ القطيع
نحن السواد المرتجى
نحن الركيزة للربوع
تحي الموات بأرضنا
بالجهد والعمل الرفيع
لولا الزنود السمر
ما عمرت بمنظرها البديع
نحن الذين تسارعوا
للموت في زمن الخنوع
للذود عن درب شققناه
بوعي للجميع
الحولة
يقع سهل الحُولة في الزاوية الشمالية الشرقية من فلسطين، وهو مستطيل من الأرض أشبه ما يكون بواد طويل عريض، إذ أنه محاط بجبال تحصره بينها من الشرق والغرب والشمال، فمن الشرق تقوم مرتفعات الجولان، ومن الغرب يقوم طرف جبل عامل، من الشمال طرف جبل الشيخ.
وتبلغ مساحة الحولة حوالي 180 كيلومتر مربعاً ويقدر طولها من الشمال إلى الجنوب بنحو 24 كيلومتر، ومتوسط عرضها 8 كيلومترات. وقد ورد ذكرها في معجم البلدان بهذا النص: «كورة بين بانياس وصور من أعمال دمشق ذات قرى كثيرة».
ويبدو التعريف دقيقاً إذا كان المقصود بكلمة صور منطقة صور الممتدة من شاطئ البحر حتى أطراف الحولة. وأما إذا كان المقصود بالكلمة مدينة صور فقط فالتعريف يكون غير دقيق إذ أن القسم الجنوبي من جبل عامل المعروف ببلاد بشارة يفصل بين مدينة صور وبين الحولة.
والقسم الشمالي من الحولة تنحدر أرضه من الشمال إلى الجنوب مما أدى إلى أن تتكاثف فيه المياه المتدفقة من ينابيع أنهار بانياس والدان والحاصباني ومرجعيون وغيرها من الينابيع الصغيرة.
والقسم الأول هو قليل الانحدار بل يكاد يكون منبسطاً مما يقل معه تكاثف المياه فيه.
والقسم الجنوبي الذي يشتمل على ما يقرب من نصف مساحة الحولة، وفيه تقع (بحيرة الحولة) التي تقدر مساحتا بـ 14 كيلومتر مربع. هذا القسم تغمره المستنقعات التي تبلغ مساحة الأرض التي تغمرها من 25 ـ 30 كيلو متر مربع. ويبلغ ارتفاع سطح البحيرة عن سطح البحر 70 متراً وهو أخفض مستوى للحولة باستثناء مجرى نهر الأردن الخارج من البحيرة.
وبذلك يكون القسم الجنوبي من الحولة هو حوض التقاء المياه كلها سواء منها مياه البحيرة ومياه المستنقعات أو مياه الينابيع والجداول التي تنتهي بالمستنقعات كمياه وادي العروس ونهر البارد ووادي الحنادج ووادي وقّاص القادمة من الغرب، أو مياه وادي الدبوس ووادي الحنظل ووادي الفاجر ووادي حليبينة القادمة من الشرق.
وهكذا فإن الحولة هي منطقة تجميع مياه منابع نهر الأردن العليا التي ينطلق منها النهر بمجرى واحد.
ودرجات الحرارة في الحولة تتراوح بين 20 ـ 21 درجة ويبلغ متوسطها في تموز من 25 ـ 27 درجة، وينخفض في كانون الثاني إلى 12 ـ 14 درجة.
وعلى ما ذكر المقدسي فإن الحولة كانت تخرج القطن الجيد وتصنع الحصر.
أما القطن فلم ندركه في عصرنا، وأما الحصر فإن منطقة جبل عامل كانت تستوردها من الحولة على نطاق واسع، وتعرف في جبل عامل باسم (حصر البابير) وهي حصر بسيطة الصنع رخيصة الثمن لا يخلو منها بيت من بيوت جبل عامل، فهي أولاً مفارش بيوت الفقراء ومن يرتفعون قليلاً عن الفقر، والفريقان في جبل عامل هم سكان البلاد، وأما القلة القليلة من غيرهم فكانت تستعملها مفارش لغرف من يتصل بها بالعمل والخدمة. و(البابير)، الذي تنسب إليه هو (البردى) الذي تجمع أغصانه غصناً إلى جنب غصن ثم تربط الأغصان بخيوط مصنوعة من البردى نفسه، وبذلك قلّت كلفتها ورخص ثمنها([455]).
وأكثر من كان يستوردها من الحولة هم أهل بلدة (ميس) المتصلة أرضهم بأرض الحولة، فقد كانوا تجارها العريقيين الذين ينقلونها إلى مختلف قرى جبل عامل.
وفي بعض السنين عندما نكون في (شقراء) كانت تحمل الرياح الشرقية إلينا دخاناً ورماد نبات محروق، فيقول الناس: احترقت الغابة، ويعنون بالغابة: غابة البابير الكثيفة القائمة بالحولة.
وعدا عن حصر البابير، فقد كانت أغصان البابير ـ وهي أغصان طويلة دائماً ـ تستورد من الحولة إلى جبل عامل ليتخذ منها خيطان تربط بها (بنادك) القمح وغير القمح بعد تجميعها في الحقول لتنقل على ظهور الجمال إلى (البيادر).
وكيفية جعلها خيطاناً هي أن تنقع في بركة القرية حتى تلين، ثم تفسخ خيوطاً دقيقة يربط بعضها في بعض فتصبح خيطاناً طويلة، تنقع هي الأخرى في الماء إلى قرب ساعات استعمالها في شد (البنادك) وربطها في الصباح الباكر على قطرات الندى التي تلين البنادك نفسها فلا يتساقط منها الحب.
وقد تستعمل خيوط (البابير) لغير شد (البنادك) وربطها، بسبب رخص ثمن تلك الخيوط، ويكون ذلك في الأشياء التي لا تحتاج إلى شد وثيق.
وبهذا دخلت الشعر العاملي، فالشيخ محمد دبوق الذي كان مشهوراً بزهده، حتى إن وسادته (المخدة) كان حشوها من النخالة، ولكي تتماسك تحت رأسه كان يشدها بخيوط (البابير) إن الشيخ محمد دبوق يقول في ذلك:
ورب مخدة زرقاء أضحى
لها حشو يفوق الشوك لينا
جعلت رباطها (البابير) كيما
تزيد ملاحة وتقل شينا
وعرفنا الحولة منطقة زراعية خصبة تنبت الحبوب والذرة الصفراء والخضر والفواكه والأعلاف، وتربى فيها الأغنام والأبقار والجواميس، ويستخرج من مياهها السمك. كما تنبت الرز الذي كان يعتبر في نظر الناس رزاً ثانوياً غير جيد.
وقد كان أهل جبل عامل يطلقون على سكان الحولة اسم (الغوارنة)، نسبة إلى غور الحولة.
والحقيقة أن الغوارنة هم جزء من سكان الحولة لا كل سكانها، وكانوا يسكنون القسم الأوسط منها الذي يمتد من جنوبي خط عرض قرية الناعمة حتى أطراف خط عرض قرية خيام الوليد عند أطراف مستنقعات البحيرة.
والغوارنة كغيرهم يقرن اسمهم بكلمة (عرب)، فيقال عرب الغوارنة وعرب الحمدون وعرب زبيد. وكلمة (عرب) هنا تعني ما تعنيه كلمة (الأعراب) الفصيحة، أي: البدو، وهذه القبائل الثلاث هي (أعراب) حقيقة. في حين أن هناك من ليسوا بدواً رحلاً، بل يستقرون في القرى المنتشرة في الحولة وكان البدو يعتمدون في حياتهم على تربية الحيوانات، ويسكنون في بيوت من الشعر ينقلونها معهم من مكان إلى مكان، وهذه البيوت كثيرة في الحولة وبعض بدو الحولة الرحل، كانوا ينتقلون في بعض المواسم إلى جبل عامل، فيضربون خيامهم في الأرض الفضاء، وهم (عرب الحمدون). وكان ينسب إليهم في جبل عامل السطو ليلاً على ما يجاورهم من قرى حيث ينقبون جدران حضائر الغنم والمعزى ويسرقون ما فيها. وكلمة (الحمدون) كانت هناك ترتبط دائماً. بهذه النسبة.
وعندما وقعت حادثة (عين إبل) المفجعة سنة 1920م كان عرب الحمدون فيمن ساهم في الهجوم على القرية بقصد النهب، فشاركوا الآخرين فيما نهبوه من القرية المذكورة.
ومن الأماكن المتصلة بالحولة: مقام (يوشع)، وهو في الأصل من جبل عامل ثم الحق بفلسطين عندما ألحقت بها الحولة وهونين وغيرها. ويزعم العامليون أنه مقام يوشع بن نون، وهو عبارة عن قرية صغيرة لم يتجاوز عدد سكانها سنة 1945م السبعين نسمة، فيها مسجد يضم المقام وترتفع عن سطح البحر 380 متراً.
وفي العام 1948م هاجمها الصهاينة فقاوم من فيها مقاومة باسلة بالرغم من قلة عددهم. وفي 15 أيار انسحب المدافعون بعد أن تكاثرت قوة اليهود المهاجمة. فشرد اليهود سكان القرية وأنشؤوا فيها ما سموه (متسودت يشع).
ويتصل مقام يوشع بالذكريات العاملية اتصالاً وثيقاً، فقد عرفنا العامليين يقصدونه من كل قراهم، حيث تذهب كل قرية مجتمعة برجالها ونسائها ليقضوا فيه ليلة النصف من شعبان لا بالزيارة والتعبد، بل بإحياء حلقات (الدبكة) على نغمات (المجوز) أو (الشبابة)، فيمضون الليل والنهار دابكين، هازجين، طربين.
على أن بعض الأتقياء يقصدونه ليقضوا تلك الليلة بقراءة الأدعية والزيارات المأثورة.
ومهرجان يوشع هذا كان أعظم المهرجانات الشعبية في جبل عامل وأكثرها احتشاداً وصخباً وبهجة، وكان الناس يتهيؤون له قبل أيام، ثم يخرجون إليه جماعات جماعات، حيث تختص كل قرية بناحية تنزلها، ثم يتعالى الغناء والعزف وتتشابك أيدي الشبان في خط منحن يطول أو يقصر بحسب عدد شبان القرية، وعدا عن الشبان فإن الشابات ينتظمن في خط مماثل يرتبط بخط الشبان، فتتألف حلقة الدبكة عند ذلك من خط واحد ذي طرفين، طرف الشبان وطرف الشابات.
وبهذا تكون شابة واحدة هي التي تتشابك يدها بيد واحد من الشبان، ولا بد لهذه الشابة من أن تلف على يدها طرف منديلها الطويل، لأنه لا يجوز شرعاً لا للرجل ولا للمرأة أن يمس أحدهما جزءاً من جسد الآخر مساً مباشراً.
والدبكة على الصورة التي ذكرناها، ليست مقصورة في هذا الشكل على دبكات يوشع، بل هي تقام كذلك في أعراس القرية وأعيادها.
وقد دخل الشعر العاملي في زيارة يوشع فإن أحد الشعراء الورعين ذهب لزيارة يوشع ليلة النصف من شعبان زيارة تعبدية، فالتقى هناك صدفة بفريق من شبان إحدى الأسر الدينية التي يعتمر شبانها بالعمامات الخضراء على الطربوش الأحمر دلالة على نسبهم النبوي وانتمائهم إلى أسرة علمية دينية، فرآهم في يوشع وقد نزلوا عماماتهم واستبدلوا بها الكوفية والعقال.
كما أنهم كانوا ينتعلون لا الحذاء الشعبي الذي يحتذيه أمثالهم، بل الحذاء ذي الساق الطويل المعروف باسم (الجزمة) فقال يذمهم من قصيده:
بئس الزيارة أيها السفهاء
رقص وفعل فواحش وغناء
لا دين يمنعكم ولا شرف ولا
لكم إذا ذكر الحياء حياء
أصبحتم بين الطوائف سبة
فعليكم وعلاى العقول عفاء
جئتم لحضرة (يوشع) زواره
إن الزيارة خشية وبكاء
لو كان يوشع حاضراً ما بينكم
لاستأصلتكم غارة شعواء
لا دينكم يرضى بفعلكم ولا
ترضى به العلماء والعقلاء
يا جند إبليس الخبيث رويدكم
سيصيبكم من ربكم أسواء
قل للذين (تمجوزوا) و(تداففوا)
منكم جميع الأنبياء براء
أبدلتم الشرف الرفيع (بجزمة)
أفهكذا أوصتكم الآباء
معركة الحولة
يروي محمد جابر قصة معركة الحولة كما يلي:
اشتد أزر طاهر العمر بمخالفته لزعماء الشيعة، واعتز جانب الشيعيين وطمحت نفوس الفريقين للاستقلال الناجز، فخلعوا نير السلطة التركية، وأبوا دفع الضرائب.
وأوجس رجال الدولة خيفة من هذه المحالفة التي تلت محالفة ظاهر العمل وعلي بك الكبير حاكم مصر، فانتدبت عثمان باشا الصادق والي الشام، يعاونه والي صيدا، على رأس جيش كبير لإخضاع جبل عامل وبلاد فلسطين، وهدم سلطة الشيعة وظاهر العمر.
قام عثمان باشا بجيشه في 30 آب سنة 1185هـ (1771م) من دمشق قاصداً مهاجمة بلاد الشيعة في جبل عامل من الجهة الجنوبية الشرقية. وصل إلى بحيرة الحولة فضرب خيامه على ضفافها بعد أن اجتاز نهر الأردن على جسر بنات يعقوب.
وقيل إن جيش الظاهر والشيعة داهموا جيش عثمان باشا زحفاً على بطونهم من أربع جهات. وكان جيشه مؤلفاً من عشرة آلاف رجل واثني عشر مدفعاً وأربعة مدافع لدك الحصون. وأن ناصيف النصار قطع بسيفه رأس قائد مارديني ظناً من أنه عثمان باشا. وأن هذا الباشا فر ناجياً بنفسه وفقد خيمته وسلاحه وخيوله وأركيلته (كذا).
وأما الجيش فقد فني عن آخره، ومن سلم من القتل رمى نفسه في البحيرة فمات غرقاً. هذا ما أورده المؤرخ والوزير الفرنسي «إدوار لكروا» في كتابه المسمّى تاريخ أحمد باشا الجزار أو سوريا ومصر في أواخر القرن الثامن عشر الذي استقاه من تقارير قناصل فرنسا في صيدا ومن سجلات وزارة الخارجية الفرنسية.
أقول إن هذه المعركة تعرف بمعركة (بحيرة الحولة) وقعت في 5 المحرم سنة 1185هـ ـ و30 آب 1771م.
ويقول المؤرخون العامليون إن حملة عثمان باشا كانت على الشيعيين لما نبذوا طاعة ولده درويش باشا والي صيدا، ورفضوا دفع مال الميري المقطوع فجهز عثمان باشا لحربهم، وعسكر الشيخ ناصيف النصار بجنوده في جوار مقام النبي يوشع الواقع في الشرق الجنوبي من جبل عامل.
وعقد مشايخ الشيعة ديوان مشورة ورتبوا خطة بالهجوم وتضرعوا إلى الله أن ينصرهم على العدو الباغي. وكان مقام النبي يوشع بناية حقيرة فقطع الشيخ ناصيف عهداً على نفسه أن يبني المقام بناء فخماً إذا ظفر بالعدو.
ثم كنس المقام بعمامته تواضعاً وتبركاً. ولما أحرز النصر بناه على الشكل الحاضر، ورفع فوق الضريح قبة شامخة.
وانتدب ناصيف فرقة من أبسل جنوده وأوفرها شجاعة لا تزيد عن خمسمائة فارس فبيتت العدو وزحفت إليه ليلاً فأحاطت به من جهات ثلاث وأعملت فيه السيف.
ولم ينج من القتل إلا من ألقى نفسه في البحيرة، ولم يقتل من المهاجمين جندي واحد. وفرّ الوالي عثمان باشا منهزماً لا يلوي على شيء. وكان الناس لعهدٍ قريب يعثرون على أسلحة الغرقة في البحيرة.
وسمعت أستاذنا السيد محمد علي إبراهيم الحسيني يذكر نادرةً لطيفة حدثت خلال هذه المعركة تدل على ما لسلامة الاعتقاد من التأثير قال: «لما بدأ ناصيف بالزحف برجاله ليلاً بعد الصلاة والدعاء شاهدوا ظبياً يقفز أمامهم بين تلك الروابي وخلفه رجل معمم ينشد أبياتاً أولها:
أيحل لساكنة العلم
تفتي في الحب بسفك دمي
وسرى الخبر بين المهاجمين ونشطهم رؤساؤهم أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءهم ببركة النبي يوشع وأن روحه الشريفة تجسد هذا الغزال اللطيف وأن الفوز بجانبهم وكان ما أملوا».
وتكلم عن هذه المعركة المير حيدر الشهابي في تاريخه (صحيفة 89) مجلد أول بما لا يخرج عما ذكرناه وزاد عليه بقوله:
«إن أبطال المتاولة (الشيعة) بعد تلك الكسرة الهائلة شاهدوا درويش باشا والي صيدا وهو ابن عثمان باشا والي الشام فخاف على نفسه وكان جباناً ففرّ منهم».
وفي معركة البحيرة نظم شعراء جبل عامل قصائد وزجليات نكتفي منها بأبيات من قصيدة الشيخ إبراهيم الحاريصي حيث يقول:
أكرم بالخيل إذا وفدت
إذ ذاك بناصيف البطل
بحر يحبوك بلجته
والبحر ضنين بالوشل
سل يوم البحرة ما فعلت
كفاه بفرسان الدول
أيام أتونا يقدمهم
جبار يسجد للهبل
فهناك هناك أبو حمد
وافى بالخيل على عجل
ولديه رجال تحسبهم
أسداً تنقضّ على حمل
وهنالك فرّ أميرهم
بالويل ينادي والشكل
وهناك الباز يطاردهم
والقوم كأفراخ الحجل
وهنالك شتت شملهم
ذو الطول فعادوا كالنمل
ما أبطل حكم الجور سوى
صمصام أبي حمد البطل
وأبو حمد هو محمود بن نصار الأحمد أخو ناصيف ووالد حمد البك الشهير.
وفي هذا العصر يقول الشيخ سليمان ظاهر من قصيدة يتحدث بها عن جبل عامل والعامليين:
ويوم (الحولة) الشعراء غطت
بحيرتها لهم قضب وقصب
كأن مياهها للموت ورد
وضدهم لذاك الورد شرب
يكفنهم بها ماء وآتي الدم
المهراق لا وشي وعصب
صفقة الحولة
استيلاء اليهود على الحولة وما جاورها من أراضي جبل عامل ومنها (هونين)، وطرد سكانها العرب منها، هو من الفجائع التي أصابت العرب بيد العرب أنفسهم، ولعظم هذه الفاجعة بالغ بعض من كتبوا عن ذلك فقال: إن عوامل قيام ما سمي دولة إسرائيل، هي ثلاثة: وعد بلفور، وقرار مجلس الأمن بتقسيم فلسطين، وشراء اليهود للحولة.
ومهما اعتبرنا المبالغة بهذا القول، فإننا لا نستطيع إلا أن نقر بأن شراء اليهود للحولة إذا لم يقرن بالعاملين الأولين، فهو من أكبر العوامل وذلك لكبر مساحة الحولة وما تحويه من مياه دافقة وينابيع ثرة وسهول واسعة.
وتبدأ القصة من انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس الذي كان من أعضائه الوجيه البيروتي سليم علي سلام المعروف باسم (أبو علي سلام)، والوجيه البيروتي الآخر أحمد مختار بينهم مندوبين عن حزب الإصلاح.
وعندما تقرر عقد المؤتمر، ثم بدأ أعضاؤه يتوافدون على باريس أثار حكام الدولة العثمانية من رجال حزب الاتحاد والترقي حملة شعواء على رجال المؤتمر زاعمين أنهم لا يمثلون إلاّ أنفسهم، وسخروا لذلك رجالاً من العرب أنفسهم من مثل محمد فوزي العظم وعبد الرحمان اليوسف وشكيب أرسلان وأسعد الشقيري وغيرهم، وراحوا يدلون بتصريحات تشتم جماعة المؤتمر وتندد بهم.
ولكن المؤتمرين نجحوا في عقد المؤتمر وحددوا مطالب الأمة العربية يومذاك التي تلخص بأن يشترك العرب بالإدارة المركزية اشتراكاً فعلياً، وأن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لا مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها، وأن تكون اللغة العربية معتبرة في مجلس النواب العثماني، وأن تكون لغة رسمية في الولايات العربية، وأن تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والأحيان التي تدعو للاستثناء الأقصى.
فاضطرت الحكومة أن ترسل وفداً إلى باريس يفاوض المؤتمرين ويعدهم بتحقيق مطالبهم، ثم طلبت إليهم أن يرسلوا من يمثلهم إلى استانبول لمتابعة المفاوضات فاختار رئيس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي، كلاًّ من سليم علي سلام ومختار بيهم والشيخ أحمد طبارة وخليل زينية لهذه المهمة، فاعتذر خليل زينية، وذهب الثلاثة إلى استانبول ووصلوها في 16 آب سنة 1913م فاحتفت بهم الحكومة وقابلوا أركانها كما استقبلهم السلطان محمد رشاد.
ولكن الاتحاديين الحاكمين الذين كانوا يعلنون بالترحيب والوعد بتنفيذ المطالب العربية، كانوا في الوقت نفسه يعملون لتمييع تلك المطالب وإضعاف مواقف المطالبين بها وكان عملهم يجري على خطين:
الخط الأول: هو أنهم شكلوا وفداً عربياً مؤلفاً من كل من: عبد الرحمن باشا اليوسف ومحمد فوزي باشا العظم والشيخ أشعد الشقيري وشكيب أرسلان وغيرهم وأرسلوه إلى استانبول ليقف في وجه وفد المؤتمر ويندد به وينكر تمثيله للعرب، وجعلوه يصل إلى استانبول في نفس الوقت الذي كانوا فيه يتظاهرون بالترحيب بالوفد الأول.
وكانوا قبل ذلك قد سلطوا قلم شكيب أرسلان على رجال المؤتمر فراح يهاجمهم ويقلل من شأنهم ويحمل عليهم حملات.
وكان تسخير شكيب أرسلان نفسه للأتراك الحاكمين ووقفه قلمه على مهاجمة طلاب الحقوق العربية، موضع نقمة عربية عامة عليه، ولم يكن الكتّاب العرب مستطيعين مهاجمته في الصحف العربية الصادرة في البلاد العربية لخضوعها للرقابة التركية، لذلك اتجهوا إلى الصحف العربية الصادرة في المهاجر الأمريكية، فتناولته أقلام الكتّاب العرب مهاجمة له أعنف هجوم.
فمن ذلك ما نشرته جريدة (أمنية العرب) الصادرة في أمريكا اللاتينية، فقالت فيما قالت، وهو ما نأخذه نموذجاً لموقف الأقلام العربية من شكيب أرسلان يومذاك:
«هل أنت ذلك الكاتب الطائر الصيت الذي طالما أعجبنا منذ الصغر بنفثات يراعه وبمنثوراته وأشعاره التي بها يعرف إلينا سارة برنارد وجان جاك روسو وهوغو وسواهم من علية البشر؟ لقد ركبت متن الخطل وسقطت ويحك من علٍ. ولقد بات الناس وكلهم يمتعض من سماع ذكرك ورؤية اسمك ويأنف من أن يفتح عينيه على مقالة ممضاة باسمك».
ويروي سليمان فيضي الذي كان نائباً عن البصرة في مجلس النواب العثماني وزميلاً لشكيب أرسلان في ذلك المجلس، والذي فرضه الحكام الأتراك نائباً عن حوران، مع أن لا صلة له بحوران إلا صلة السلطة الحكومية.
يروي سليمان فيضي في مذكراته (صفحة 154) الحادثة التالية:
…. أما إذا لمس الاتحاديون (المقصود بالاتحاديين: جماعة حزب الإتحاد والترقي المستولي على الدولة والمجاهر بكره العرب والمطالب بتتريكهم) من أحد النواب عناداً في الرأي وأصراراً على المعارضة، أرسلوا من يحمل إليه التهديد في ثوب النصيحة. وقد حدث عندما ورد إلى المجلس قانون يقضي يتخصيص راتب شهري مدى الحياة قدره خمسون ليرة لعاطف بك لقاء خدماته الوطنية، تلك الخدمات الوطنية، تلك الخدمات التي لم تكن في الحقيقة سوى تطوعه لقتال شمسي باشا أبان الثورة الإتحادية في سلانيك، صارحت بعض النواب بعزمي على توجيه استيضاح إلى الحكومة عن خدمات الرجل بقصد إحراجها.
رفعت الجلسة لكي يتناول النواب الغداء، فأخذت مكاني على إحدى الموائد في مطعم البرلمان، وإذا بشكيب أرسلان نائب حوران الإتحادي يقبل عليّ ويشاركني المائدة.
فلما استقر به المقام همس لي بأنه سمع عن عزمي على طرح الاستيضاح وما سيؤول إليه ذلك من إحراج لموقف الحكومة، لأن عاطف بك قاتل بنظر الجميع، وتخصيص راتب له معناه تشجيع الحكومة للقتلة، ولذلك فإنه ـ أي شكيب ـ ينصحني بصرف النظر عن الاستيضاح المذكور. ولما كنت أعلم أنه مرسل من قبل الوزراء الإتحاديين أبديت له إصراري على الاستيضاح، وشكرت له نصحه. فترك المائدة وخرج من المطعم.
وهكذا فإن شكيب أرسلان لم يكن صنيعة من صنائع الحكام الأتراك فقط بل مدافعاً وحامياً لقاتل مجرم.
وقد كان في ذلك على النقيض من أخيه عادل الذي كان في طليعة الشباب العرب المطالبين بالحقوق العربية، ولم يبع نفسه للأتراك، كما فعل شكيب.
أما الخط الثاني فكان في النفاذ إلى وفد المؤتمر بالذات، والتلويح له بالمغانم والمكاسب ونجحوا في هذا الخط كما نجحوا في الخط الأول، فنامت المطالب العربية، وكان ثمن هذا النوم جعل سليم علي سلام نائباً عن بيروت وتعيين محمد بيهم عضواً في مجلس العيان.
كانت حكومة الاتحاديين قد منحت كلاًّ من محمد بيهم وميشال سرسق أبرز وجهاء بيروت المسلمين والمسيحيين، امتياز استثمار أراضي الحولة لتجفيف المستنقعات واستغلال الأراضي المجففة، وأذن لهما بتأسيس شركة مساهمة فأسساها.
وكان تأسيس هذه الشركة هو الفرصة المناسبة لإرضاء من ينبغي إرضاؤه فأصبح كل من سليم علي سلام وأحمد مختار بيهم من كبار مساهمي هذه الشركة، ثم انتهى الأمر بأن صارت جميع أسهم الشركة لسليم علي سلام.
يقول حسان حلاق مقدّم ومحقق مذكرات سليم علي سلام والمعلق عليها، والذي قصد بذلك تبرير مواقف صاحب المذكرات، ولكن قلمه ندّ بحقيقة عجز عن تبريرها وغفل عما فيها من أحداث.
يقول حسان حلاق ما نصه في الصفحة 41 من المذكرات:
«بعد النجاح الذي حققه سليم علي سلام على الصعيد العربي والعثماني رأت الدولة العثمانية ضرورة مكافأته، وذلك بمساعدته لأن يصبح نائباً في مجلس المبعوثان (النواب) في استانبول لعام 1914م».
ويقول مختار قباني فيما كتبه في مجلة (أوراق لبنانية ج 7 ص 295، تموز 1957م إن والي بيروت طلب من صديقه ميشال سرسق أن يجمع الوجوه في منزله وأن يقترح في نهاية الاجتماع وجوب ترشيح سليم سلام.
وبالفعل صار نائباً في المجلس، كما عين محمد بيهم قريب أحمد مختار بيهم وكبير العائلة عضواً في مجلس الأعيان.
ويقول يوسف الحكيم في كتابه: (بيروت ولبنان في عهد آل عثمان من 120). عن تلك الانتخابات ما يلي: «لقد وفق الوالي إلى إتمام الانتخابات قاضياً على المعارضة وخادماً سياسة حكومته وفاز المرشحان: سلام وسرسق بالنيابة».
ويقول يوسف الحكيم في كتابه أيضاً: «إن مشروع استثمار أراضي الحولة من قبل شركة بيهم وسلام وسرسق قد لقي معارضة ومقاومة في العاصمة لأسباب اقتصادية وسياسية، فاغتنم والي بيروت الظرف الراهن للقضاء على معارضة حزب الإصلاح الإداري قضاء مبرماً، فكان له ما أراد، ونفذ بذلك الخطة السياسية التي اتفق عليها مع الوزارة، فشل حركة الحزب بعد أن استفحل أمره في باريس ولقي وفده كل اهتمام من صحافتها ودوائرها السياسية، وضمن الوالي لأصحاب الشركة الآنفة المراكز الحكومية الهامة التي تساعد على نجاح المشروع الاستثماري المنشود».
ويقول سامي الصلح في مذكراته ج 1، ص 23 «إن إعطاء امتياز أراضي الحولة لتلك الشركة إنما كان ثمنه العدول عن الإصلاح الذي طالب به الشعب، ثمناً لموالاة السلطة».
ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى وجاء السفاح جمال باشا إلى بلاد الشام وبدأ بالقضاء على زعماء العرب جماعة بعد جماعة، كان ممن تسلط عليهم جماعة المؤتمر العربي ابتداء من رئيسه عبد الحميد الزهراوي إلى كل عضو فيه، انتقاماً منهم لتجرئهم على عقد ذلك المؤتمر ومطالبة الاتحاديين حكام الدولة العثمانية ببعض الحقوق العربية، فلم ينج منهم أحد إلا اثنان هما سليم علي سلام وأحمد مختار بيهم …
وما زعمه محمد جميل بيهم من أن عدم إعدام سليم علي سلام ومختار بيهم هو معارضتهما في مؤتمر باريس طلب بعض أعضائه حماية فرنسا لبلاد الشام وإلى إصرارهما على بقاء سوريا ضمن نطاق السلطنة العثمانية على أساس اللامركزية، ونظراً لموقفهما الجريء أمام المسؤولين في الكه دورسة([456]) ـ إن ما زعمه محمد جميل بيهم هو غير صحيح، لأن أحداً من أعضاء المؤتمر لم يطلب حماية فرنسا، بل كانت كلمات جميع المتكلمين في جلسات المؤتمر تصر على أن المؤتمرين لا يتخلون عن عثمانيتهم.
وعبد الغني العريسي كان من أشد المعارضين لفرنسا، ولم يطالب إلا باللامركزية ومع ذلك أعدم. ولأن ما يسميه موقفاً جريئاً أمام المسؤولين في الكه دورسه([457]) كان شريكاً فيه الشيخ أحمد طبارة ومع ذلك أعدم. أعدم عبد الغني العرسي وأعدم الشيخ أحمد طبارة لأنهما لم يدخلا في صفقة امتياز الحولة وصفقة مجلس النواب ومجلس الأعيان.
وكما قلنا لم ينج من الإعدام أحد ممن حضر (المؤتمر العربي) ووقع بيد الأتراك بل كلهم أعدموا ما عدا سليم سلام ومختار بيهم. ولما كان توفيق السويدي في من حضر المؤتمر ممثلاً للعراق، ولكنه لم يقع في يد الأتراك لأنه عندما أعلنت الحرب كان لا يزال خارج البلاد العثمانية.
فقد انتقم الأتراك منه بقتل أخيه ثابت([458]) أعدم الجميع ونجت صفقة الحولة وصفقة مجلس النواب ومجلس الأعيان سليم سلام ومختار بيهم….
ومن أخطر ما اعترف به سليم علي سلام في مذكراته دون أن يدرك خطورة هذا الاعتراف ـ على قاعدة كاد المريب أن يقول خذوني ـ هو ما أورده عن أخبار كامل الأسعد له حين وصل كامل إلى بيروت في طريقه إلى القدس لرؤية جمال باشا والوشاية عنده بكل من عبد الكريم الخليل ورضا الصلح، متخذاً من زيارة الخليل لصيدا والنبطية للتذاكر مع بعض المخلصين في الشؤون العربية الراهنة ذريعة لاتهامهما بأنهما يعدان لثورة عربية.
مما أدّى في النهاية إلى إعدام عبد الكريم وغيره من شبان العرب ومفكريهم. إن سليم علي سلام يقول ما نصه:
«وفي ذات ليلة وأنا نائم في بيتي في بيروت جاءني كامل بك الأسعد ومعه فضل بك الفضل، وقال: أما دريت بالذي جرى بصيدا؟
قلت له: كلا.
قال: إن رضا بك الصلح وعبد الكريم الخليل عملوا اجتماعاً بصيدا وقرروا به القيام بثورة على الدولة، وهذا شيء ذاع وشاع وأتعجب كيف لم يبلغكم، وأنا ذاهب الآن إلى القدس حيث استدعاني جمال باشا ليأخذ معلوماتي بهذا الخصوص، فماذا يجب أن أصنع؟
قلت له: قل له مثلما أنا قلت لك أنه ليس لي علم بذلك وأنا محلي بالطيبة وهي تبعد كثيراً عن صيدا.
قال: كيف يمكن ذلك والمسألة علم بها عموم الناس.
قلت: عجيب أن تقول إن هذا شيء علم به عموم الناس، أنا واحد من هؤلاء الناس ولم يبلغني شيء من ذلك، وما يضرك لو قلت لجمال باشا أنه ليس لك علم بما جرى.
فأخذ يحاول ويراوغ مما جعلني أعتقد أنه هو الذي أرسل الخبر لجمال باشا.
إن ائتمان كامل الأسعد لسليم علي سلام على هذا السر الخطير: سر ذهابه للوشاية بالقادة العرب عند جمال باشا ـ إن هذا الائتمان لذو دلالة كبرى.
ويبدو أن ما حمل سليماً على تدوين هذا الاعتراف الخطير هو أن اتصال كامل الأسعد به قد اشتهر وعرف في ذلك الوقت فأراد سليم أن يبرره بأنه نصح كاملاً بأن يقول بأن لا علم له بالأمر.
ولكن الحقيقة أن ائتمان كامل الأسعد لسليم علي سلام على هذا السر هو ذو دلالة كبرى ـ كما قلنا ـ فقد كان الرجلان يسيران في طريق واحد، وكانت تجمع بينهما في هذا الطريق جوامع كثيرة منها عداؤهما الشديد لرضا الصلح، فأراد كامل أن يبشر سليماً بما سيقوله عن رضا، وصادف ذلك هوى في نفس سليم، ورضا كل الرضا بما سيفعله كامل لأن فيه الخلاص من رضا الصلح.
ونحن نأخذ برواية سليم علي سلام ولن نذهب إلى أبعد من ذلك فنرى ـ كما رأى بعضهم ـ أنه ربما كان الأمر مدبراً بين الاثنين على ذلك، لهذا فإننا سنتابع ما يقوله سليم في مذكراته فقط، يقول سليم علي سلام:
«والحاصل فارقني كامل الأسعد على بناء أن يخفف المسألة بقدر جهده، لكنني لم أكن أعتقد ذلك، وحيث كنت بالصباح مجبوراً أن أترك البلدة لأتوجه إلى رياق من طرف الولاية لاستقبال ضباط وبحارة الباخرة أمدن الألمانية وليس عندي وقت لمواجهة أحد فأرسلت واستدعيت أخي كامل وسليم بك الطبارة وأفهمتهما أن يتوجها باكراً لعند عبد الكريم في الشياح ويحذروه.
وحيث أعلم تسيب المرحوم عبد الكريم فأفهمتهما أن يتطلعا على كل أوراقه ويعدماها بحضورهما وحتى زدت وقلت: يلزم أن تفتشوا بجيوبه خوفاً من أن يكون تاركاً شيئاً يؤاخذ عليه.
وبالفعل أنا بالطبع توجهت لرياق وهما توجها لعند عبد الكريم فأجريا اللازم» (اهـ).
هذا ما أكمل به سليم علي سلام قصة إطلاع كامل الأسعد له على سر عزمه على الوشاية بعبد الكريم الخليل ورضا الصلح. ولكن الأحداث كلها تنفي هذا الكلام.
أولاً: أن سليماً بتر كلامه بتراً فلم يبين لنا ما هو هذا (اللازم) الذي أجراه رسولاه، ولا بيّن ردة فعل عبد الكريم الخليل، وقد كان من المفروض أن يتوارى في الحال، مع أن الأكيد أن عبد الكريم لم يفعل ذلك وهو ما تؤكده رواية حسن الخليل قريب عبد الكريم ومرافقه الدائم الذي كان معه ساعة اعتقاله، فقد روى لي منذ أكثر من عشرين سنة سابقة على طبع مذكرات سليم علي سلام، عندما كنت أجمع المعلومات عن سيرة عبد الكريم لأكتب ترجمته فيما كنت أستدركه على موسوعة (أعيان الشيعة) ـ روى لي كيفية القبض على عبد الكريم وهو بحال لا علم له معها بأية وشاية تقدم بها واش به عند السفاح جمال باشا.
قال حسن الخليل:
«كنت أنا وعبد الكريم في مقهى خريستو (مقهى الحمراء اليوم) فجاء مفوض شركة تركي وقال له إن مدير البوليس يرغب قي مقابلتك الآن، ثم تركنا وذهب، فأخذني معه إلى دائرة البوليس حيث دخلنا على المدير محيي الدين بك الذي استقبلنا بلباقته المعروفة، ثم قدّم لنا القهوة والسكاير، ثم بأسلوب ناعم قال لعبد الكريم إنك مطلوب للمثول أمام ديوان الحرب العرفي في عاليه بأمر من جمال باشا، فيجب أن تذهب فوراً بحراسة رجال البوليس.
فلم ينبس عبد الكريم ببنت شفة، لكنه أخرج ورقة من جيبه وأحرقها بعد أن أشعل سيجارة وغمزني بطرف عينه ففهمت أن مراده حرق أوراقه الموجودة في البيت فذهبت فوراً وأحرقت جميع أوراقه الخاصة».
إذن فإن عبد الكريم كان خالي البال من أمر الوشاية، وإن أحداً لم يبلغه أمرها، وأن أي (لازم) لم يتخذ بشأنها وشأنها ….
وما نقلناه هو رواية شاهد عيان قال هذا القول قبل ظهور مذكرات سليم علي سلام بأكثر من عشرين سنة.
وهو صريح بأن عبد الكريم الخليل كان لا يعلم شيئاً من أمر الوشاية، وصريح بأن أوراقه كانت في بيته وأن أحداً لم يطلب إليه إخفاءها.
إذن فما زعمه سليم علي سلام في هذا الموضوع غير صحيح وأوراق عبد الكريم الخليل كانت كما هي في بيته.
على أن سليماً كان صريحاً كل الصراحة في أنه لم يبلغ خصمه رضا الصلح عما عزم عليه كامل الأسعد من الوشاية به عند جمال باشا، مع أنه هو نفسه يصرح بأن كامل الأسعد أخبره بأنه سيشي بالاثنين معاً: عبد الكريم ورضا. وإذا كان رضا قد نجا من المشنقة.
فذلك لأن شقيقه كامل كان على صداقة وطيدة مع أحد أعضاء (الديوان العرفي) الذي حاكم المدعى عليهم، وكان أساس هذه الصداقة أنهما التقيا من قبل معاً في طرابلس الغرب حين كان كامل رئيساً لمحكمتها الاستئنافية، والآخر من كبار العسكريين فيها، فاستطاع هذا أن ينقذ رضا شقيق صديقه الحميم من الإعدام وأن يكتفي بنفيه ونفي ولده رياض إلى الأناضول.
بعد الحرب العالمية الأولى
انتهت الحرب العالمية الأولى واحتل الإنكليز فلسطين واحتل الفرنسيون لبنان وخططت الحدود بين فلسطين ولبنان خطاً مستقيماً لأن ذلك أمر طبيعي فدخلت بذلك الحولة، كما دخلت بلدة هونين وغيرها من قرى جبل عامل ضمن لبنان استقامة مع الخط المستقيم، وكانت عين اليهود على الحولة لمنابعها الثّرّة وسهولها الرحبة ومواردها الخصبة.
كما كانت عيونهم على القمم العاملية المطلة على الحولة، وذلك لأنهم كانوا يخططون إلى البعيد ولا ينظرون ليومهم، بل إلى ما هو أبعد منه، إلى قيام دولتهم التي ظلوا يحلمون بها منذ ألفي سنة.
وإذا قنعوا بالحولة وقامت الدولة فإن الحولة تكون تحت رحمة القمم العاملية، وأن الدولة كلها تكون مهددة بتلك القمم الشاهقة.
لذلك فإنهم عملوا منذ انتهاء الحرب لا على فصل الحولة وحدها عن لبنان وإلحاقها بفلسطين، بل على فصل قمم جبل عامل بما فيها بلدة هونين وإلحاقها أيضاً بفلسطين، ليستطيعوا امتلاك ذلك كله وظلت الحولة، وظلت هونين تتبع لبنان منذ سنة 1918م سنة الاحتلال حتى سنة 1923م حيث نجح اليهود بالتفاهم مع الفرنسيين والإنكليز بإلحاق الحولة وهونين وقمم جبل عامل الشرقية بما فيها من قرى ومزارع بفلسطين.
وإذا كان اليهود قد نجحوا بذلك، فقد كان هذا هو بعض ما كانوا يطمحون إليه لأكله. وننشر هنا بحثاً عن المطامع الصهيونية البعيدة التي تحقق منها ما تحقق، وهو بقلم محمد ظروف:
عودة إلى الوثائق والوقائع التاريخية، تكشف النقاب بوضوح عما يمكن تسميته بـ «الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه لبنان» ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين: الأولى ما قبل قيام إسرائيل، والثانية ما بعد قيامها.
المرحلة الأولى
عكفت الحركة الصهيونية منذ ولادتها الأولى على تحقيق أحلام تيودور هرتزل مؤسس هذه الحركة، التي تحدث عنها في كتابه «الأرض الجديدة ـ الأرض القديمة»، التي تطالب بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض المقترحة لتكون الوطن اليهودي، وتأمين المجال الحيوي للنشاطات الاستعمارية ويلخص ـ فريشغاسر رعنان في كتابه «حدود أمة» المخططات التوسعية الصهيونية على صعيد الموارد المائية المتوافرة في المناطق المتاخمة لفلسطين بقوله:
«لما كانت المنطقة الصهيونية تهدف إلى جمع أكبر عدد من الناس في أرض محدودة المساحة أصبح من الواجب وضع مخططات للري واسعة النطاق.
ولما كانت الموارد المائية محدودة في فلسطين فقد جرى توسيع تلك المخططات حتى تشمل الأراضي الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من فلسطين كي تصل إلى منابع الأردن ونهر الليطاني وثلوج حرمون واليرموك.
ويكتب اليهودي الأميركي هوراسر بيير كالين في كتابه «الصهيونية والسياسة العالمية» ما نصه: «إن اقتصاد فلسطين وعدد الناس الذين يمكن إعالتهم ومكانة البلاد الثقافية وتنظيمها الاجتماعي يجب أن يعتمد إلى حد بعيد على درجات التصنيع التي يمكن تحقيقها، والتصنيع يعتمد على الطاقة، وفي فلسطين وخلال المرحلة الحاضرة من سيطرة التقنية على الطاقة لا يمكن أن تنحصر هذه الطاقة بالطاقة المائية التي هي مسألة حدود والحدود الشمالية بنوع خاص.
إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بيدي الدولة التي تسيطر سيطرة تامة على الليطاني واليرموك ومنابع الأردن».
وخلال فترة وجيزة من الزمن، تم الانتقال من «الأحلام النظرية» للحركة الصهيونية إلى خطوات عملية، وتمثل ذلك بمجموعة من الوقائع والمواقف التاريخية المحدودة. ففي الثالث من شباط (فبراير) عام 1919م تقدمت المنظمة الصهيونية العالمية بمذكرة إلى المجلس الأعلى لمؤتمر السلام في باريس أوضحت فيها معالم الحدود التي تريدها لفلسطين، والأراضي التي يراد تحويلها إلى إسرائيل.
وطالبت المذكرة الدول المجتمعة في مؤتمر الصلح في باريس أن تقدم اعترافاً بما اسمته «الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين وحق اليهود في أن يعيدوا إنشاء وطن قومي لهم فيها».
وترسم المذكرة الحدود المطلوبة لفلسطين «إن حدود فلسطين يجب أن تتبع الخطوط العامة المبينة كالآتي:
في الشمال تبتدئ الحدود بنقطة على ساحل البحر الأبيض المتوسط بجوار صيدا وتتبع مجاري مياه الجبال اللبنانية حتى جسر القرعون ومنها إلى البيرة متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم ثم تسير في اتجاه جنوبي متبعة الخط الفاصل بين السفوح الشرقية والسفوح الغربية لجبل الشيخ حتى تصل إلى جوار بيت جن ثم تتجه شرقاً متبعة الضفة الشمالية لنهر مغنية حتى تحاذي خط الحديد الحجازي غرباً.
وفي الشرق خط محاذ للخط الحديدي الحجازي وغرباً منه ينتهي في خليج العقبة. وإلى الجنوب خط يتم الاتفاق عليه مع الحكومة المصرية، وإلى الغرب البحر الأبيض المتوسط». وكما هو واضح، فقد تم رسم هذه الحدود على أساس مراعاة الحاجات الاقتصادية العامة لإسرائيل، وهي حاجات لا بد أن تفرض نفسها بالنهاية على اللجنة الخاصة بوضع الحدود، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يشمل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني معظم هذه المناطق، وعليه يمكن التأكيد أن الأطماع الإسرائيلية في لبنان تقسم إلى:
1 ـ الأرض: أي احتلال الأراضي الواقعة جنوب خط صيدا ـ القرعون ـ البيرة ـ بيت جن.
2 ـ المياه: أي الاستيلاء على أكبر نسبة ممكنة من مياه الليطاني.
ولم يتوقف نشاط الحركة الصهيونية خلال هذه المرحلة عند هذا الحد، بل أن ذلك النشاط امتد ليشمل بريطانيا والولايات المتحدة من أجل تعديل الحدود التي رسمها اتفاق سايكس ـ بيكو لتشمل المناطق المطلوبة من جنوب لبنان.
ففي تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1918م رسمت اللجنة الاستشارية الصهيونية لفلسطين حدود البلد الشمالية حين جعلت الحد الشمالي لفلسطين يمتد من الليطاني إلى بانياس، وفي 16 شباط عام 1920م بعث ممثل الصهيونية في الولايات المتحدة لويس برانديس ببرقية إلى حاييم وايزمان يطلب فيها تدخل الحكومة البريطانية للحيلولة دون خسارة جزء كبير من فلسطين الشمالية يقول فيها: «نرجوكم نقل الرسالة الآتية عني وعن جميع العاملين في المنظمة الصهيونية الأميركية إلى رئيس الوزراء لويد جورج، لقد أبرق لي زملائي في المنظمة الصهيونية الأميركية في باريس بأن فرنسا تصر الآن في المؤتمر حول المعاهدة التركية على بنود اتفاقية سايكس ـ بيكو.
ولو انتصر هذا الادعاء الفرنسي لكان معنى ذلك القضاء على التحقيق التام للوطن اليهودي والوعد بتأسيسه، لأن اتفاقية سايكس ـ بيكو تقسم البلاد بتجاهل كلي للحدود التاريخية. والضرورات، فالحدود الوطنية الشمالية والشرقية لا غنى عنها لقيام مجتمع يعيل نفسه بنفسه، ولتطور البلاد الاقتصادي في الشمال ينبغي أن تضم فلسطين مفارق مياه الليطاني عند جبل الشيخ وإلى الشرق سهول الجولان وحوران».
وفي السياق نفسه، اقترح هربرت صموئيل أحد زعماء الحركة الصهيونية وأول مندوب سام لبريطانيا بعد إعلان انتدابها على فلسطين حدوداً أكثر إيغالاً داخل لبنان، إذ جعل حدود فلسطين تمتد من الضفة الشمالية لليطاني وتصل حتى أقصى ينابيع الأردن قرب راشيا. وأفضل ما يكشف عن الأطماع الصهيونية في لبنان ما ذكره آرثر روبين أحد دعاة الحركة الصهيونية البارزين في مطلع القرن الحالي في كتابه «بناء أرض إسرائيل أو أهداف الناشط اليهودي بفلسطين ووسائله» الصادر عام 1919م.
يؤكد مؤلف الكتاب أن المهمة الأولى للصهيونية هي توحيد فلسطين ضمن حدودها التاريخية والاقتصادية والطبيعية لتؤلف منطقة إدارية واحدة، ويرسم روبين في هذا الكتاب خط الحدود الشمالية فيقول:
«وفيما يتعلق بالحدود الشمالية التاريخية، فقد شملت هذه دون جدال أحد المنبعين الرئيسيين لنهر الأردن، غير أن الأسباب الاقتصادية تتطلب بالضرورة أن تمتد فلسطين صوب الشرق لتشمل المنبع الآخر عند حاصبيا ـ الحاصباني».
كما تجلّى الاهتمام الإسرائيلي بالمصادر المائية الموجودة في لبنان بالدراسة التي أجرتها إدارة مياه فلسطين عام 1943م والتي دعت إلى استثمار 6/ 7 من مياه الليطاني في فلسطين.
وكانت الوكالة اليهودية قد انتدبت عام 1938م أحد أكبر خبراء التربة الأميركيين وهو داود رميلك إلى فلسطين لتقديم تقرير مفصل عن أوضاعها المائية وتتلخص التوصيات التي وضعها هذا الخبير عام 1944م، التي ما تزال أساساً لجميع المشاريع المائية في إسرائيل حتى الآن، بتحويل مياه نهر الأردن من حوضه الطبيعي إلى المنطقة الساحلية ومنها إلى النقب عن طريق الاستيلاء على مياه الحاصباني وبانياس.
أما في المرحلة الثانية التي أعقبت قيام إسرائيل فإن مسألة أطماع «الدولة اليهودية» في أرض لبنان ومياهه قد ازدادت وضوحاً وتبلوراً في كل المستويات.
يقول المؤرخ العسكري الإسرائيلي ميخائيل نوريتس: «واتجه اهتمام القادة الصهيونيين من جديد بعد عام 1948م إلى إقامة المستعمرات اليهودية على حدود لبنان الشمالية.
وأثناء الحرب العربية ـ الإسرائيلية عام 1948م قامت القوات الإسرائيلية بمحاولة احتلال موقع المالكية الذي يقع على مفترق الطرق التي تصل فلسطين بلبنان في القطاع الأوسط من الجبهة اللبنانية وذلك في 19 أيار (مايو) من عام 1948م.
وفي 23 آذار (مارس) عام 1949م وقع لبنان اتفاقية للهدنة في رأس الناقورة، ونص الاتفاق على اعتبار خط الحدود الدولية المرسوم عام 1923م حداً فاصلاً بين الجيشين». وعلى رغم تمسك الجانب اللبناني بالاتفاق، إلا أن وزير خارجية إسرائيل أعلن في شهر آب (أغسطس) من عام 1967م أن اتفاقية الهدنة مع لبنان هي بحكم الملغاة.
وسبق هذا الموقف سلسلة من التهديدات الإسرائيلية ضد لبنان التي جاء في أعقاب قرار مجلس النواب اللبنالني الصادر في 21 كانون (يناير) عام 1965م بالموافقة على دخول قوات عربية إلى الأراضي اللبنانية لحماية عملية تحويل مجرى نهر الحاصباني كي لا تستفيد منه إسرائيل.
وقام وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بتوجيه التهديد للبنان حين قال: «إن اللبنانيين بموافقتهم على المشاريع العربية يضعون أنفسهم في موقف خطير جداً». ولا حاجة لاستعراض أعمال التفجير والتخريب التي قامت بها إسرائيل ضد لبنان منذ العام 1965 مروراً بالعدوان على مطار بيروت عام 1968م ومن ثم غارات الطيران الإسرائيلي على منطقة العرقوب في الجنوب عام 1970م وانتهاءً بآخر الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب في العام الماضي. فالهدف واضح، وهو إرهاب لبنان وشعبه، وفرض سياسة الأمر الواقع عليهم، وتمرير مخططات إسرائيل وأطماعها التوسعية، سواء كان ذلك على صعيد الأرض أو المياه.
الأطماع المائية
يبدو أن محاولات إسرائيل المتواصلة للسيطرة على أجزاء من الأرض اللبنانية، ترتبط بمشاريعها وأطماعها المائية في الوطن اللبناني. ففي عام 1948م وصل الخبيران الدوليان هايتر وسافيج إلى إسرائيل لوضع توصيات لجنة داود رميلك موضع التنفيذ، ووضع الخبيران مشروعاً لتحويل نهر الأردن يتضمن تحويل الليطاني ودمجه بالمشروع العام دون أية مراعاة لاتفاقيات الهدنة العربية ـ الإسرائيلية وفي عام1949 آثار المندوب الإسرائيلي في لجنة التوفيق الدولية مسألة مياه الليطاني مما حدا باللجنة أن توصي في تقريرها الصادر عام 1949م بتأجير سبعة أثمان مياه الليطاني لإسرائيل وذلك بتحويل مياهه إلى وادي الأردن للاستفادة منها في الري وتوليد الطاقة الكهربائية.
وفي عام 1954م وضعت السلطات الإسرائيلية مشروعاً عرف باسم مشروع كولون تضمن خططاً مفلصلة بالنسبة لنهر الليطاني. ففي هذا المشروع أدخلت إسرائيل ما أسمته فائض الليطاني /400 مليون / م3 إلى مشروع الري لإسرائيل الكبرى إذ تروي مصادر المياه المتوفرة لها قرابة مليوني دونم. ولم يبق المشروع الإسرائيلي من مياه الليطاني للبنان إلا ما يكفي لإرواء 350 ألف دونم من الأراضي.
ولم تكتف إسرائيل بذلك، لكنها تدخلت لدى الدول الكبرى لطرح مجموعة من المشاريع الخاصة باقتسام المياه بينها وبين دول المنطقة، وكان في المقدمة لبنان ففي عام 1953م أوفد الرئيس الأميركي داويت أيزنهاور مبعوثاً خاصاً إلى الشرق الأوسط هو إريك جونستون ليعرض على كل من الأردن وسورية ولبنان وإسرائيل مشروعاً مشتركاً لاستثمار المصادر المائية القريبة من مناطق الحدود االمشتركة، ويتلخص المشروع في إنشاء سد على نهر الحاصباني لتخزين الفائض السنوي للنهر وتحويله إلى ترعة لري أراضي حول الحولة وتلال الجليل.
وكذلك إنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه هذا النهر تقام داخل إسرائيل. وكانت حصة لبنان من مياه الحاصباني هي 35/ مليون م3/ مما حدا به إلى رفض المشروع على لسان رئيس مجلس النواب اللبناني ـ آنذاك ـ الذي قال: «إن المشروع يهدف إلى حل مشكلة اللاجئين على أسس لا يقبلها الشعب العربي ولا اللاجئون؟».
أما مشروع فايتس الذي تقدم به رعنان فايتس رئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، في بداية السبعينات، فيدعو إلى الاستفادة من مياه نهر الليطاني لإقامة مشاريع في المناطق المحتلة بهدف استيعاب اللاجئين وتشغيلهم.
وينص المشروع أيضاً على أن يتم نقل «فائض» مياه الليطاني عن طريق الأنابيب ودمجها بمشروع المياه ـ الإسرائيلي الإقليمي من أجل تطوير الأقاليم العربية المحتلة وإنشاء مشاريع زراعية ـ وصناعية فيها.
ورأى فايتاس أنه يمكن استيعاب مليون لاجئ منهم 400 ألف من خارج المنطقة المحتلة إذا ما تم تحويل ونقل 400 مليون م3 من مياه الليطاني لخدمة المشروع المقترح.
وكان موشي شاريت أحد رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقين قد اكد أن «استغلال الليطاني في لبنان سيخلق لإسرائيل مشاكل اقتصادية». واعتبر شاريت عدم إدراج الليطاني في مشاريع إسرائيل المائية بمثابة خطيئة اساسية ارتكبتها خكومته!
أما ليفي اشكول، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، فقد كشف عن أطماع إسرائيل في مياه الليطاني بقوله: «إن نصف مليار متر مكعب من مياه الليطاني تذهب هدراً إلى البحر كل عام بدلاً من استغلالها لمنفعة سكان المنطقة».
وكشف أشكول عن هذه النوايا في حديث أجراه مع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عام 1968 حين قال: «إن إسرائيل قسمت ثلاث مرات وكانت المرة الأولى عندما وضع نهر الحاصباني وبانياس خارجها».
ونترك الكلام هنا لعزت دروزة فننقل ما ورد في الجزء الثالث من مذكراته عن موضوع بيع الحولة لليهود قال عزت دروزة:
«…. وإتماماً للقضية نقول: إن اليهود أخذوا يبذلوا مساعيهم في حمل سليم علي سلام على التنازل لهم عن الامتياز، وفي جعل الحكومة تضع عراقيل في طريق استثماره لكي يلجأ إلى التنازل لهم عنه، وظل الأمر بين ردّ وجذب نحو أربع سنين.
وفي تشرين الأول 1934م، تم الاتفاق بينه وبين شركة تحسين الأراضي اليهودية في فلسطين، وهي مؤسسة الأراضي اليهودية القومية على الصفقة حيث تنازل لها عن الامتياز، وباعها سهام الشركة بمبلغ جسيم قيل إنه مائتا ألف جنيه فلسطيني.
والأراضي التي يشملها الامتياز هي نحو خمسة وخمسين ألف دونم، وهي من أخصب الأراضي وأجودها».
ثم يقول عزت دروزة: «ولقد كان للتنازل والبيع ردّ فعل مرير في نفوس الوطنيين».
ويتابع عزت دروزة: «وقد حملت جريدة فلسطين حملة شهيرة عليه، كان فيها في الحق ترديد لمرارة النفوس» إلى آخر ما قال ….
وكان من نتائج استيلاء اليهود على الحولة ما صرح به الجنرال اليهودي متتيا هوبيلد بأن تجفيف الحولة جعل سوريا بلا حدود آمنة.
كما كان من نتائجه مصادرة أراضي المزارعين العرب وطردهم من ديارهم.
وداع الحولة
وقد كان لبيع الحولة لليهود وقع أليم في نفوسنا نحن في جبل عامل، وأدرك بعيدو النظر أن اليهود لن يقفوا عند الحولة، بل سيقفزون منها إلى أطراف جبل عامل المتصلة بها ومنها هونين، وأنهم يتطلعون إلى القمم العالية، ولا بد لهم أن يصلوا إليها بعد أن اكتسحوا الحولة.
وفضلاً عن ذلك فقد كانت لنا رابطة عاطفية تشدنا إلى الحولة وهي المتصلة أرضها بجبل عامل، فقد طالما كنا نركب الخيل إلى بلدة (حولا) ومنها إلى قمة (المنارة) فنطل من هناك على بحيرة الحولة وسهولها، وكثيراً ما كنا نعبر الطريق من عديسة إلى جديدة مرجعيون مارين في مشارف الحولة، وهي تحت أبصارنا بنضرتها وزرقة مائها وانتشار قراها.
وكم وكم جلسنا على حصر (البابير) المحمولة من الحولة، وتمددنا (على البُسْط) المنشورة فوقها.
و(بنادك) القمح والعدس المربوطة بخيوط (البابير) التي كنا نبصر الجمال تتهادى تحتها، ثم نراها متراصة على (البيادر).
الفاجعة الوطنية والفاجعة العاطفية أوحت إليّ يومذاك بمقطوعة شعرية قدمت لها عند نشرها بما يلي: «اشترى اليهود (الحولة) فأخذت الأرض تبدو غير الأرض والوجوه غير الوجوه؛ وللحولة في القلب أعذب الذكريات وأحلاها فهي تتصل بجبل عامل وتشرف عليها قممه وهضابه، والذين قضوا الأمسيات في زيارة (يوشع) والغدوات على ذروة (المنارة) وظلال شجرات (العبابيد) وما إلى هاتيك الأصواح والسفوح من مسالك وملاعب يعرفون أي أسى يملك النفوس ويطغى على القلوب بعد أن استعجم السهل وتنكر الجبل»:
ودعي فوق روابيك الخياما
والعراب الجرد والعرب الكراما
قد أضعناك ولم نرع الذماما
فاغفري للعرب آثاماً جساما
* * *
يا ربى «الحولة» والدنيا تحول
ودّعي الأهل فقد حان الرحيل
لا ظبى البيض ولا تلك الخيول
بعدنا فيك تلالا وتجول
فإذا ما أقفرت منا السهول
وإلى الأعلاج ألقيت الزماما
أذرفي الدمع
لذكرانا سجاما
* * *
«أتعودين كأيام الوصال»
والصبا تحمل أعراف الدوالي
والصبايا الهيف أمثال اللآلي
يتهادين نشاوى بالجمال
والمذاكي القب تنزو في المجال
عاديات تملأ الجو قتاما
فوقها الأبطال
كالشهب ترامى
* * *
ودّعي فوق روابيك الخياما
والعراب الجراد والعرب الكراما
قد أضعناك ولم نرع الذماما
فاغفري للعرب آثاماً جساما
الحويزة
قال الحموي (في معجم البلدان): الحويزة تصغير الحوزة وأصله من حازه يحوزه حوزاً إذا حصله والمرّة الواحدة حوزة وهو موضع حازه دُبيس بن عفيف الأسدي في أيام الطائع لله ونزل فيه بحلته وبنى فيه أبنيةً وليس بدبيس بن مزيد الذي بنى الحلّة بالجامعين ولكنّه من بني أسد أيضاً. وهذا الموضع بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح.
قال وهذه رسالة كتبها أبوالوفاء زاد بن خودكام إلى أبي سعيد شهريار بن خسرو يصف في أوّلها الحويزة وأتبعها بوصف بقرة له أكلها السبع ذكرت منها وصف الحويزة وأولّها:
لو شاب طرفي شاب أسودُ ناظري
من طول ما أنا بالحوادث ناظر
فهذا كتابي أيها الأخ متّعك الله بالإخوان وجنّبك حبائل الشيطان وغوائل السلطان وكفاك شرّ حوادث الزمان وطوارق الحدثان من الحويزة وما أدراك ما الحويزة، أرضها رُغام وسماؤها قتام وسحابها جهام وسمومها سهام وطعامُها حرام وأهلها لئام وخواصها عوام وعوامها طغام لا يؤوى ربعها ولا يُرجى نفعها ولا يُمرى ضرعها ولا يرأبُ صدعها وقد صدق الله تبارك وتعالى قوله فيها وأنفذ حكمه في أهاليها، ﴿ولنبولنكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾، وأنا منهم بين هواءٍ رديء، وماءٍ وبيء ومن أهلها بين شيخ غوني وشباب غبي يؤذونك إن حضرت شغباً ويشنّعونك إن غبت كذباً، يتخذون الغمز أدباً، والزور إلى أزراقهم سبباً، يأكلون سلباً ويعدون الدين لهواً ولعباً لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمُلِئتَ منهم رُعباً.
إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍ
فلا سقاها سوى النيران تضطرم
وقال القزويني في كتابه (نزهة القلوب)([459]): الحويزة في الإقليم الثالث مدينة وسط، وهي من البلاد الحارّة إلا أنها ألطف هواءً من سائر بلاد خوزستان محاصيلها الغلاّت والقطن وقصب السُكَّر وفيها جماعات كثيرة من الصابئة.
وفي [تاج العروس]: الحويزة بناها ملك العرب ابو الأغَرّ دُبيس بن عفيف الأسدي ملك الجزيرة والأهواز وواسط ويجتمع مع المزيدين في ناشرة توفي سنة 386 هجرية.
وجاء في [مجلة لغة العرب]([460]) للكرملي ما يلي:
لم يكن للحويزة شان كبير من أوّل نهوضها إلى القرن الثامن للهجرة ولكن في غضون القرن التاسع برزت وظهر شأنها وذلك بواسطة المشعشع المتمهدي الذي اختار الحويزة عاصمة لإماراته على البطائح لما رأى فيها من المناعة والمناسبة للموقع وقد كانت تابعةً لحكومة شيراز فواقع المتمهدي الأمير الشيرازي عدّة مواقعات على أبواب الحويزة فشل في بعضها ونجح في الأخيرة منها فاحتلَّ الحويزة وجعلها قاعدة إمارته فعمرت وتوسعت وهكذا بقيت زاهية في كل زمان إمارة الموالي وسقط شأنها بسقوطهم وذلك في القرن الرابع عشر للهجرة فقد انحازت البطائح إلى حكومة العراق وأصبحت خوزستان في بيت الشيخ جابر أمير المُحمَّرة، فنهضت المحمّرة وسقطت الحويزة وهي اليوم قرية واهية تريد أن تنقض وفيها بقيّة للموالي وبقيلة لنفوذهم الأدبي.
قال الحموي في [معجم البلدان]: وقد نُسِب إلى الحويزة قَوم منهم عبد الله بن حسن بن إدريس الحويزي حدث عن أحمد بن الجبنير بن نصر الحلبي حدّث عنه محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي وغيره وأحمد بن محمد بن سليمان العباسي أبو العباس الحويزي كان ذا فضلٍ وتمييز ولّي أيام المقتفي (من سنة 530هـ إلى سنة 555هـ) عدّة ولايات منها النظر بديوان واسط وآخر ما تولاّه النظر بنهر الملك وكان الجور والظلم والعسف غالباً على طبائعه مع إظهار الزهد والتقشف والتسبيح الدائم والصلاة الكثيرة وكان إذا عزل لزم بيته واشتغل بالنظر إلى الدفاتر فهجاه أبو الحكم عبد الله بن مظفّر الباهلي فقال:
رأيت الحويزيَّ يهوى الخمول
ويلزم زاوية المنزل
لعمري لقد صار حلساً له
كما كان في الزَّمن الأول
يدافع بالشر أوقاته
وإن جاء طالع في المجمل
وكان الحويزي ناظراً بنهر الملك في شعبان سنة 550هـ وكان نائماً في السطح فصعد إليه قوم فوجؤه بالسّكاكين وتركوه وبه رمق فحمل إلى بغداد فمات بعد أيام.
وقال السمعاني في كتابه [الأنساب] ([461]): الحوزي بفتح الحاء المهملة وسكون الواو، وفي آخرها الزاي هذه النّسبة إلى حويزة بنواحي البصرة قرية معروفة وهي بين سوق الأهواز والبصرة والنسبة إليها حويزي خرج منها جماعة من المحدّثين والشعراء وأبو الكرم خميس بن علي بن أحمد الحويزي من فضلاء واسط ومحدّثيها المتأخرين أدركت جماعةً من أصحابه بها وظنّي أنه منسوب إلى هذ القرية والله أعلم.
وقال السمعاني أيضاً في مادة الحويزي: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون الياء المنقوطة باثنين من تحتها وفي آخرها الزاي هذه النسبة إلى حويزة وهي قرية كبيرة بنواحي البصرة في وسط طريق الأهواز والمشهور بالنسبة إليها عبد الله بن الحسن بن إدريس الحويزي حدّث بالأهواز عن أحمد بن الحسن المُضري البصري وعمر بن الحسن بن نصر الحلبي روى عنه أبو الحسن محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي.
وأبو طالب الحويزي أخبرنا أبو الحسن الصائغ إجازةً شفاهاً، أنبأنا أبو بكر الخطيب أنشدني عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي أنشدني أبو طالب الحويزي لأبي الحسن بن لنكك الكاتب:
أشياء لما قصروا عن نيلها
ذمّوا وقالوا ما تقول مناقِضُ
كالثعلب المحتال لما لم ينل
عنقود كرم قال هذا حامِضُ
وأحمد بن العباس الحويزي شيخ كان ببغداد يروي عن أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الحويزي سمع منه أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطّيبي.
قدم الحويزة وتاريخ تأسيسها
ذهب القزويني في كتابه [نزهة القلوب] إلى أن الحويزة من المدن القديمة ونسب بناءها إلى سابور ذي الأكتاف، وهذا ما تفرّد به وحده ولم يذكره غيره من علماء الجغرافيا الذين سبقوه في هذا الفن.
ولو أنه قال إنها بنيت أيام الطائع لله العباسي على أنقاض أو بالقرب من مدينة دارسة في تلك المنطقة لكان أقرب للصواب، وذكر السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمة كتاب [فرق الشيعة]، أن المنصور الدوانيقي أقطع نوبخت المنجّم ألفي جريب من أراضي الحويزة لصحة تنجيمه في ثبوت الملك للمنصور والغلبة على مُناوئيه، فإن صحّ هذا وسلم من التصحيف والتحريف فإن خلافة المنصور كانت من سنة 136هـ إلى سنة 158هـ هجرية بين ما تولى الطائع لله الخلافة من سنة 363هـ إلى سنة 373هـ أي بعد وفاة المنصور بأكثر من مائتي سنة ومن هنا يمكن أن يقال إن الحويزة التي لم تخطط ولم تبن فيها أبنية للسكن إلا في القرن الرابع الهجري كانت قبل ذلك أرضاً زراعية موسومة بهذا الإسم، أمّا بانيها دبيس بن عفيف الأسدي فقد توفّي بخوزستان سنة 386هـ ـ قاله ابن الأثير.
الحويزة في التاريخ
في سنة 820هـ استولت دوندي بنت السلطان حسين الجلايري على الحويزة والبصرة وواسط وضُربت السكة باسمها ودُعي لها على المنابر في كل الصلوات إلى أن ماتت سنة 822 وأقيم مكانها ولدها أويس وهي من أصل مغولي([462]).
وكانت الحويزة كباقي مدن الإقليم خاضعة لحكم المغول وكان الحاكم فيها حين ظهور المشعشعيين الشيخ جلال الدين بن الشيخ أبي الخير بن محمد الجزري كان يحكمها بالنيابة عن أبيه الحاكم العام في الإقليم المنصوب من قبل عبد الله سلطان بن إبراهيم بن أمير شاهرخ بن تيمورلنك فنازله المشعشع وجرت بينهم معارك كانت نتيجتها استيلاء المشعشع على الحويزة وخروجها من سلطة المغول سنة 845هـ.
وقال السيد علي بن السيد عبد الله الحويزي المشعشعي في كتابه [الرحلة المكّية]([463]):
وأما الحويزة فلم تكن قبل المشعشعيين لحاكم مفرد وكانت أجام قصب تسكنها معدنة نيس وآل غزي وأقرب ما يكون إليها من ناحية الشرق القيصرية من أعمال الأهواز وهي وإن خربت بخراب (شلوا) بكسر السدّ لكن أخرجوا لها نهراً من شاطئ كرخة واعتمرت عليه واستمرت عامرةً وإلى الآن توجد فيها آثار قصور حتى إنه في الفترة بعد وفاة المرحوم السيد حيدر([464]) (سنة 1092هـ)، حفر علي بن نعمة نهرها الموجود الآن فأخرج منه أسباباً وسُفناً راكسة.
سبب اختيار المشعشع
الحويزة مقراً لإمارته
قال في الرحلة المكية: لما وصلت أخبار السيد محمد المشعشع إلى الشيخ ابن فهد كتب الشيخ إلى الأمير منصور بن قبان بن إدريس العبادي كتابا في استحلال دم السيد المذكور ووجوب قتله وهو في الجواذر، فأحضره الأمير (لكنه تخلّص منه بالحيلة) ثم انتقل إلى الحويزة بعد عدة حوادث جرت بينه وبين أهل الجزائر.
وقال السيد ضامن بن شدقم المدني في كتابه [تحفة الأزهار]، كانت الحويزة (حين ظهور المشعشع) بيوتها من القصب من غير طين ولا حجر وسُكَّانها رعية للعبادي له عليهم مقرر يأخذه منهم كل عام فجاء عامله لاستيفاء مقرره فمنعهم المشعشع فوقع بينهم حرب فانكسر العبادي وانهزم مولّياً، ثم إن الأمير ناصر بن فرج العبادي عاود الكرّة على الحويزة في أواخر سنة 861هـ عندما قُتل المولى علي بن المشعشع، وفي هذه الكرّة ايضاً انتصر عليه المشعشع واباد جيشه وشتّت شمله.
أقول ولهذه الانتصارات التي حققها المشعشع على أعدائه في الحويزة أسباب منها جغرافيتها الخاصة التي جعلت للمشعشع حصناً منيعاً يحفظه إن دهمه العدو من الناحية الغربيّة حيث يقع هور الحويزة الممتد من القرنة إلى العمارة. والحويزة في بقعة تبلغ 58 كيلومتراً طولاً في 45، إلى 20 كيلومتراً عرضاً.
ويقول بعض الرحالة الرومان في رحلته: بيوت الحويزة كُلها من القصب إلا قلعتها فإنها محكمة حصينة وتقع على جرف هور، وكان أهلها يفتحون الماء على أطرافها في الحروب فيعجز المهاجمون من الوصول إليها.
سدة الحويزة ومساحتها
كانت الحويزة يوم كانت عاصمة لإمارة المشعشعيين بلداً واسعاً مترامي الأطراف قدّروا مساحتها آنذاك (15 × 15) فرسخاً([465]). وقدّرت بعض المصادر التاريخية طولها بـ 33 كيلومتراً وعرضها 18 كيلومتراً، كما أن طولها الجغرافي يقدّر حسب الاصطلاح القديم بـ (48 درجة) وأربع دقائق، وعرضها ثلاث درجات و(37 دقيقة) ([466]). وتنحرف قبلتها عن نقطة الجنوب إلى الغرب 38 درجة و13 دقيقة وثانية واحدة.
وكان نهر الكرخة يجري وسط الحويزة يسقي مزارعها وبساتينها ثم يَشُقُّ أرضها متجهاً إلى الجنوب نحو شط العرب ولهذا كانت تلك الأنحاء خصبة عامرة، فاتفق في سنة 1200، أن شقَّ رجل اسمه هاشم يقال إنه من الموالي أمراء الحويزة نهراً من الكرخة في أعالي الحويزة وسيّره إلى أرضه ومزارعه عُرف بنهر هاشم، فأخذ ذلك النهر يعرض ويتّسع لرخاوة الأرض وتدفَّق فيه الماء فانخفض في مجراه إلى الحويزة فجفّت الفروع وأجدبت الأرض وظهر البوار والخراب، فعمل الحويزيون سداً لنهر هاشم، وأعادوا الكرخة إلى مجراها الأول، ولكن بعد مدة هُدم ذلك السد، ففقدت الحويزة مكانتها الاقتصادية، وأخذت تنقص من أطرافها وتذوب تدريجاً فتفرّقت جماعتها، وقد ساعد على ذلك المعارك المتتالية فيها. حتى أصبحت على ما هي عليه قبل الحرب العراقية الإيرانية.
ويقول المستشرق (لُورد كُرزن): كانت الحويزة مدينة مهمة مزدحمة بالسكان، لكنها تحولت إلى ناحية صغيرة بسبب سد الكرخة الذي هُدم سنة 1837م وتسرّب الماء إلى الأهوار.
طريق المواصلة بين الحويزة والبصرة
كان أهل البصرة يشدون الأحمال في مسيرهم إلى الحويزة، من سحاب وهي قصبة تابعة للقرنة ونقطة استراتيجية مهمة وربما لجأوا في ساعة العسرة إلى الحويزة كما حدث سنة 1078م عندما هجم الجيش العثماني عليهم في البصرة والجزائر، كما كان أهل الحويزة يتردّدون على القرنة للتموين وتبادل البضائع.
إحداث الأبنية والقلاع في الحويزة
قال المولى علي خان المشعشعي في كتابه [الرحلة المكية]: أول من أحدث البنايات والقلاع والضياع في الحويزة السيد محسن المعروف بالملك المحسن([467]).
فبدأ بقلعة الحويزة المعروفة بالمدينة إلى الآن وأنزل فيها ضباطاً وموضع له فيها أيضاً وأنزل سباهية من أمّارنيس حولها وقبائلها وطرشهم نواحيها ثم بنى قلعة المشكوك وجعل فيها ضباطاً وموضعاً له فيها أيضاً وأسكن جانبيها قبلة وشرقاً أربعين ألف سباهي([468]) معروف والكل منهم أهل مضايق ومقرريات وخدم وتبعات وهم من نيس وكربلا وغيرهم وأدار على الجميع مدينة حصينة ثم أضاف عليها قلعة على شاطئ الكرخة مقابل صدر كمال آباد وأسكنها ولديه علي وأيوب وهما أكبر أولاده، ثم أحدث قلعة الداير المعروفة بـ (ابو عمر) وجعل فيها حراساً وضباطاً وأنزل حولها من عساكر ميامر كربلا([469]).
وكان ينتقل بفصول السنة إليهن جميعاً لكل فصل مكان لايق به، ثم بعد بناء الجميع وتتميم ما يحتاج إليه اختطَّ مدينة متسعة تجمع جميع عساكره وذخائره وأمواله وأسبابه وخزائنه وهي المدينة الواقعة بين الشطين المسماة بالحسينية باسم بانيها وهي الآن البلدة المحروسة المسكونة المحيطة بـ (بستان بودليف) من طرف القبلة على شاطئ كمال آباد ثم مستديرة إلى الشاطئ الكبير وهو الكرخة إلى (بُستان مثب) المعروف بـ [بستان ابن عكرش] و[قمير بن وادي] من طرف الشعبانيّة فعلّق عليها الدراويز والمحكمات وعيّن فيها اثني عشر ألف من عسكره ومسكنهم أبراجها ودراويزها ووسطها خالي التي هي الآن بين الشطَّين، وكان منبتها آنذاك طرفاء وغرباً وصريماً.
أقول سمّيت المحسنيّة نسبة لبانيها الملك المحسن وتمييزاً عن الحويزة القديمة المعروفة بالدبيسيّة أيضاً.
بناء قلعة في الحويزة
على عهد المولى السيد منصور
قال السيد علي خان في كتابه [الرحلة المكّية]: وفي أيام السيد منصور بن السيد مطلب (حدود سنة 1048م) تقدم المولى السيد منصور إلى الشاه بأن يُعمر قلعة في بيت حاكم الحويزة في المحسنية لوقوعه بين الشطَّين ويكون فيه عسكر من قبل الشاه وتعهّد بمعاش العسكر فوافق الشاه وأعطيت الحويزة للمولى منصور بعد إتمام بناء القلعة ووصول مستحفظها، وأخذ المولى يعطي المستحفظين كل سنة سبعمائة تومان وهو أول حاكم توطّن المحسينة وبنى فيها البنايات، منها المنزل الذي تتداوله الحكّام إلى هذا التاريخ وبنى الجامع المعروف فيها والحمّام والقهوة خانة والأسواق على جانب النهر واتصالها من الجامع إلى المكان يقال له النقب من المدينة، وتسير السُّفن في ذلك النهر من ابتداء السوق إلى نهايته وهو من القهوة خانة إلى خارج البلد، وكان خطّ المدينة بغاية الاستحكام، وانتقل السيد منصور من قلعة العبّاسية إلى المحسنية، فانتقل الناس معه من الحويزة ومن العباسية إلى المُحسنية أقول: يظهر مما ذكره صاحب الرحلة أن الحويزة الموجودة الآن في هذا الزمان المعروفة بحويزة طينة هي غير الحويزة القديمة التي كانت مسكونة في العصر العباسي وما بعده إلى أيام المغول وأن الموجودة الآن تبعد عن الأولى بمسافة قال [صاحب الرحلة] وكان السيد راشد([470])
قد عزم على نقل الناس من الحويزة إلى المحسنية فشق عليهم وعزموا على الفتنة فانصرف عن ذلك وانتقل هو إلى مكان بنى فيه قلعة سمّيت العباسية (باسم الشاه عباس الصفوي) فسكنها السيد راشد وتفرّق المشعشعيُّون في زمانه بعضهم سكن المحسنية وبعضهم بقي في الحويزة وأكثرهم انتقل معه إلى العباسية حتى حكم المولى السيد منصور فانتقل الجميع إلى المحسنية([471]).
قبائل الحويزة
إبان ظهور المشعشعيين
كان سكّان الحويزة عند ظهور المشعشعيين معدنة من قبائل متبقية هناك لترعى الإبل والجاموس بالقرب من مستنقعات الحويزة وأهوارها. ولما استفحل أمر المشعشعيين واتخذوها قاعدة لهم توجّهت نحوهم قبائل كثيرة فأصبحت الحويزة غاصّة بالسكان من قبائل شتّى بعضها نزح من نجد وبعضها من العراق وبعضها من شمال الإقليم وسائر مُدنه، ومن أهم القبائل التي وردت الحويزة مع المشعشعيين في وقت واحد. بنو سالة وبنو أمطيط وكربلاء والسّلامات.
قال في الرحلة المكّية: وعرب الحويزة ولواحقها مثل شريفي، ومراغي، وغزّاوي وعنقودي وإسحاقي وخميسي وخالدي …. إلخ.
أقول: كانت بعض القبائل تسكن الحويزة فترةً ثم تتركها بسبب النزاع الذي كان يحدث بينها وبين قبيلة أخرى كما كان آل غزي ممنوعين من دخول الحويزة على عهد حاكمها المولى مبارك المشعشعي (998هـ ـ 1026م).
ثم ظهرت في الحويزة قبائل أخرى وصار لها شأن بعد القرن الحادي عشر الهجري. مثل السواري، والدلامات، والفضول ومزرعة والباويّة وبني لام وعبادة وآل سلطان والعروس وآل جمودي([472]).
المذهب في الحويزة
ذكر القاضي نور الله المرعشي التستري في كتابه [مجالس المؤمنين]، أن جماعة من الديلم سكنوا الحويزة واتخذوها قلعة لهم أيام آل بويه الديالمة (في النصف الأخير للقرن الرابع الهجري) وخرجوا عن طاعة السلطان وبقيت تلك الأنحاء في قبضتهم حتى في العصر السلجوقي وفي أيام شوكة العبّاسيين وقوتهم.
وكانت قبل ذلك في حيازة بني أسد وأميرهم دبيس بن عفيف وهو الذي اختطّها لهم وكلتا الطائفتين من الشيعة. وأن مساكن المعتزلة في الأصل كانت في الحويزة ومنها خرجوا إلى البصرة ونواحيها([473]).
أقول: وقد مرت على هذه المدينة فترة قبل المشعشعيين كانت شبه متروكةٍ لانحراف نهرها عن مجراه السابق وانهدام سدّها فتفرّق عنها الناس ولم يبق فيها سوى جماعة من رُعاة الجاموس ومعدنة لا رأي لهم ولا يعيرون اهتماماً للدين يقيمون غالباً بالقرب من الأهوار والمستنقعات وفي المدينة أيضاً جماعات من اليهود والصابئة المتبقين فيها من قديم، فلما ظهر السيد محمد المشعشع أجلى اليهود عنها([474])، واستعادت الحويزة حالتها المدنية وأخذت تترقّى في مدارج العلم والأدب بعد ذلك حتى ظهر منها جمع لا يستهان به من أهل العلم والفضيلة والشعراء.
الثقافة في الحويزة
أيام المشعشعيين
كتب السيد علي بن عبد الله المشسعشعي في كتابه [الرحلة المكية] شرحاً، مسهباً عن صفات أهل الحويزة وأخلاقهم وأدابهم في القرنين الثاني عشر والحادي عشر وهو حصيلة معنويات وسير استورثها الخلف عن السلف فارتسمت في معاملاتهم وتصرّفاتهم ومظاهر حياتهم، يقول صاحب الرحلة:
علم الله أنه كانت لهم خصال حميدة، وأفعال مرضية وذوات زكية، وشِيم عربية لو عددتها، لم تحصرها الأوراق، فساداتهم ساداتهم، وأمراؤهم، ونجباؤهم وعامّتهم أخيار أبراء أتقياء، بلا إغراق([475])، ويعلم الله أنه يكفيها (الحويزة) شرفاً أنها دار العلماء، ومجمع الفضلاء والأتقياء ومعدن الأبرار والصلحاء.
دار بها الهمُّ مزاح ومن
حلّ بها، حلّ بدار أمان
وما ذكرت من محامدهم إلا القليل فكفاها مدح أن سفلتها أخيار وسُكانها أطهار وجهالهم لهم جمعيات وجماعات يُلقبُّون بالأحداث أدركتهم أنا أيام جدي السيد علي خان، لهم سجايا وخصال وكرامات وشيم حيَّاهم الله من شيب وشبّان وبحقّهم يليق قول القائل:
تحيى بهم كل أرض ينزلون بها
كأنها لبقاع الأرض أمطار
فوالله قسماً باراً، إنهم كانوا مناة الوافد، وملاذ الجاني وعزّ الجار لم تخط أقدامهم لريبة ولم تنطق ألسنتهم بغيبة، ولم ترمق أعينهم لدنس ومعيبة لم أدر لأي فضائلهم أذكر، لتلك المضائف المعهودة، أم لتلك المباني المشيودة! أم لتلك الموائد المورودة([476])!
مدارس الحويزة ومكتباتها
توجّهت أنظار علماء الشيعة وأدباؤها إلى الحويزة من بداية القرن الحادي عشر، نتيجةً لترحيب حكام المشعشعيين وإجلالهم للعلماء والأدباء فتوافد عليها العلماء والشعراء فحظوا بالهبات والصلات السنية، وأنشأت المدارس وقصدها طلاب العلم من جميع الأطراف في المنطقة ومن أبرز تلك المدارس مدرسة الشيخ عبد اللطيف الجامعي التي تخرّج منها جمع كثير من رجال المنطقة، ولزوماً لحضور العلماء وسكناهم في الحويزة نُقلت إليها مخطوطات وكتب قيمة من شتى أنحاء البلاد كما استنسخت نُسخ جليلة ونادرة فيها فتأسَّست مكتبات كبيرة تضمُّ كتباً في أنواع العلوم المتداولة آنذاك ومن أهم تلك المكتبات، مكتبة السادة الموالي أمراء الحويزة، التي لا زالت مخطوطاتها موجودة في مكتبات إيران والعراق، إلى عصرنا هذا.
جغرافية الحويزة في
العصر الحاضر وخصائصها
تقع الحويزة على بعد 72 كيلومتراً من غربي الأهواز وعلى مسافة 15 كيلومتراً من جنوب غربي الخفاجيّة، وإلى جهة الشمال الغربي لمدينة المحمرة على الضفة اليُسرى للنهر المنتهى إلى هور العظيم الفاصل بين إيران والعراق أما حدودها من الشمال فتحد بناحية بني طرف ومن الجنوب بالصحراء المنتهية بحدود البصرة والمحمّرة ومن الغرب بهور العظيم ومن الشرق بحوض نهر كارون. أما نهرها المعروف بنهر الشوش أو نهر الكرخة فإنّه ينبع من سفاح جبال بشتكوه الغربية وله ثلاثة منابع رئيسية، وبعد أن يقطع المناطق الجبلية يمرّ بالشوش، ثم الحويزة وكلها أراضي سهلة ثم يصب في هور العظيم، تزرع أراضي الحويزة الحنطة والشعير وتشير التحقيقات الزراعية في المنطقة أنه كان في الحويزة ثلاثمائة ألف نخلة في سنة 1352م.
ويكثر فيها الجاموس والسمك المعروف بالقِطّان (يُتلفّظ بالكاف الفارسية)، والطيور التي تصطاد من الأهوار فتعرض للبيع في السوق. وفي الحويزة مقامات كثيرة، منها مقام إبراهيم الخليل.
الحويزة بقلم الكرمي:
كتب الشيخ محمد الكرمي مقالاً تحت عنوان [الفضل والفضيلة] أو حياة والده [الشيخ محمد طه الكرمي] ضمَّنه بحثاً موجزاً عن الحويزة رأيت أن ألحقه بهذا التاريخ لأن كاتبه من أهل العلم والتحقيق وهو من أهل الحويزة أيضاً وصاحب الدّار أدرى بما في الدّار.
قال الشيخ الكرمي:
الحويزة بإطلاقها العمومي تتناول قطعة واسعة من الأرض يُعمّرها ما يناهز ـ / 200,000 مائتا ألف نسمة حدّ الأقل، وكلّهم عرب فتدخل في حوزتها الخفاجيّة والبسيتين والحويزة بمعناها الأخصّ وما حول هذه النقاط الثلاث من قرى وأرباض والحويزة اليوم بإطلاقها العمومي تسمَّى [دشت ميشان] ([477]) .
وهو قضاء له مندوب في مجلس النواب وقائمقام يدير سياسته ومركز إدارته الخفاجيّة وله نواحٍ ثلاثة:
1 ـ البسيتين.
2 ـ الحويزة.
3 ـ موسيان.
وبما أن هذه الناحية الثالثة منقطعة ببعد مسافتها عن مجتمع هذه المنطقة لم يك يتناولها لفظ الحويزة عند إطلاقه وإنما يتناولها دشت ميشان بتشكيلاته الرسمية.
(انتهى).
الخفاجية والبسيتين([478])
هاتان المنطقتان تقعان على عمود شط الكرخة ويزرع فيها الأرز بكثرة والحنطة والشعير بقلة وهما في السابق يُعدان ملكاً طلقاً لبني طرف ولكن في أدوار السياسة تدخَّلت فيها الأجانب فتوزّعت تلك الأراضي بين أهلها السابقين وهؤلاء الطفيليين وفسدت فيهما الأخلاق.
الحويزة
وهي منطقة بعيدة العهد في التاريخ بالنسبة إلى تينك المنطقتين فربما مرَّ ـ عليها ما ينوف على التسعمائة سنة وقد كان عمود الكرخة جارياً في صميم أراضيها لكنَّه في الأخير انحرف عن مجراه الأول إلى مجراه الفعلي، وقد برز من الحويزة هذه علماء وأدباء كثيرون جداً، أحصى التاريخ عدداً لا يُستهان به منهم، وأبقى من تراثهم الأدبي والعلمي شيئاً موفوراً، إلا أن المارّ بالحويزة في هذا التاريخ يرى أشباحاً واهية من البناء العتيق وأناساً أعراباً بجهلهم وتقليدهم لسكان البوادي في كثير من العادات الباطلة والحركات الجاهلة.
ولهذا تأخرت بأهلها سياسياً واجتماعياً وعمرانياً والأدب الصحيح مفقود فيها بالمرّة.
الحويزة في الحرب العراقية الإيرانية
كل الذي مرَّ ذكره عن الحويزة وتاريخها يعود إلى ما قبل الحرب العراقية الإيرانية أما في فترة الحرب فقد مرت الحويزة بمرحلة جديدة لم تشهد مثيلاً منذ تأسيسها حيث أمطرت بوابل من القذائف من قبل الجيش العراقي الزاحف نحوها وقد راح ضحية هذا القصف جمع من أبناء الحويزة، بين رجال ونساء وأطفال ودُمرت المباني وهدّمت الدور وخرج الأهالي فارّين على وجوههم إلى أماكن بعيدة عن متناول القصف فلم يجد ذلك فتفرقوا في البلاد طولاً وعرضاً ابتعاداً عن هذه الحرب التي اتّسع نطاقها فشمل جميع مدن الإقليم وقراه ولم يأخذهم القرار في البلاد القريبة حتى صعدوا إلى خراسان وكرمان ومازندران وغيرها من بلاد إيران، وأصبحوا غرباء مهجّرين كأبناء المحمرة وعبادان.
وكان الجيش العراقي قد تحشد في قرية اسمها الجراية على بعد ثلاثة فراسخ من الحويزة وأخذ يركز قصفه بالمدفعية والطائرات على الحويزة فجعلها قاعاً صفصفاً وقد أسر في طريقه إليها جماعة من قبيلة بني سالة فنقلهم هم وعيالهم وماشيتهم إلى أرض العراق ثم دخل الحويزة بعد ذلك القصف الشديد فلم يجد فيها سوى أشلاء القتلى وأنقاض المباني، وأخذت الجرارات والشاحنات والآلة الهندسية للجيش تنقل أنقاض الدور والمباني تراباً تصنع منه تلالاً ومتاريس لاستتار الجيش وآلته الحربية.
وبعد بضعة أيام وقعت معارك عنيفة بين الجيش الإيراني والعراقي فخرج العراقيون من الحويزة بعد أن أصبحت خبراً بعد الأثر.
وبعد أن استعاد الإيرانيون سيطرتهم على الحويزة أدارت على أنقاض المدينة وتلالها أسلاكاً شائكة واختارت مكاناً في الجهة الغربية من الحويزة المدمرة قريباً من الأنقاض والتلال وخططت فيه لإعادة بنائها وبناء ما تحتاجه من المرافق والمدارس والمساجد والدوائر الحكومية بأسلوب حديث.
وقد جاء التخطيط لبناء المدينة مقسّمة على ستّ حارات متشابهات في الكيفية متساويات في كمية الوحدات السكنية والمراكز الإدارية والأماكن العامة والحوانيت. وكل حارة تضم خمسمائة دار ومدرسة ابتدائية واحدة ومسجداً، وخصّصت بقعة على ضفة نهر نيسان لبناء مركز صحي واسع وبنيت في المدينة أيضاً مدرسة علمية كبيرة لطلاب العلوم الدينية وهي مدرسة فريدة في نوع بنائها في خوزستان كله، وذلك نظراً لما تختصُّ به الحويزة من سابقةٍ علمية ساطعة في سماء العلم والأدب.
من تاريخها
وفي مجموع الشيخ محمد شرع الإسلام المخطوط ج 2 أنه في سنة 1294م حاصر الشاه زاده ميرزا حمزة الملقب بأمير جنك الرئيس (مهاوي) في (البسيتين) بالعساكر أربعة أشهر حتى ضاق الخناق بمهاوي وأخذه قهراً وأزاحهم عن محلهم قسراً.
وكان الشيخ محمد شرع الإسلام وارداً عليهم ومدحه بأبيات منها:
أرض الحويزة لما حلها الضاري
بجحفل مثل موج البحر موار
والطوب يصرخ غضبانا وتتبعه
عساكر نصرت من جانب الباري
والرأس فيهم أمير الجنك من شهدت
بفتحه الروم في سر وإجهار
ولى (مهاوي) ولكن بعدما قتلت
رجاله وغدت صرعى بذي الدار
هادي باليل الموسوي
الحيرة
نهضت مدينة الحيرة أولاً في عهد الكلدان ثم هجرت وعادت في عهد الفرثيين وهم الطبقة الفارسية التي سبقت الساسانيين ويطلق عليهم النبط ويعرف عهدهم بعهد ملوك الطوائف، وفي ذلك العهد كانت الحيرة داخلة في مملكة التنوخيين من الأزد وكانت عربية مستقلة ومن التنوخيين انتقلت إلى اللخميين، وقد توسعت ونمت ولكنها كانت خاضعة للنفوذ الفارسي.
ويطلق على اللخميين اسم المناذرة لكثرة من سمي منهم بالمنذر وكان انتقالها من التنوخيين إلى اللخميين بواسطة عمر بن عدي الذي ورث الملك عن خاله جذيمة الوضاح خاتمة اللخميين، وليس للفرس يد في تأسيس الحيرة هذه إنما هي عربية بحتة، ولكن بعد أن قويت سلطة الأكاسرة كان لهم على الحيرة النفوذ القوي وكانوا يتدخلون في شؤون تلك الإمارة وكان في الحيرة مندوب فارسي ولهم هناك قطعة جيش وهي إحدى الكتائب الخمس التي كانت للنعمان (الرهائن)، (الصنايع)، (الأشاهب)، (دوسر)، (الوضائع).
وهذه هي القطعة الفارسية وكانت تقيم سنة ثم تستبدل بغيرها، وقد يستقل أحد ملوك الحيرة استقلالاً تاماً فيسرح الممثل الفارسي والقطعة العسكرية، وفي قضية بهرام بن يزدجرد فرض المناذرة إرادتهم على العرش الفارسي وذلك أن الفرس بعد يزدجرد أبوا ملوكية ابنه بهرام، لأنه نشأ في الحيرة نشأة عربية في بلاط المناذرة وعندما التجأ بهرام إلى ملوك الحيرة أمدوه بالكتائب العربية وثبتوا عرشه.
وعدد ملوك الحيرة 17 ملكاً أولهم عمر بن عدي وآخرهم النعمان الرابع. وكانت الحيرة بادية وريفاً من أجمل المواقع تسمع فيها الباغم والمترنم وتربتها جيدة الخصوبة، تراها وأنت على نشز من الأرض جنة وارفة حولها البساتين والسواقي وفي شرقيها نهر الفرات وضفافه الخضر.
وكانت الحيرة قائمة على جانبي نهر يتفرع من الفرات اسمه «الكافر» وعليه جسر يربط الجانبين وقد سمي بنهر الحيرة، وللأدب والمعرفة في الحيرة المحل الأرفع كما يدل على ذلك مفاخرة وفد النعمان، والشعر الجاهلي الذي تجمع في الحيرة وفي مقدمته شعر النابغة، وكانت الديارات حول الحيرة مدارس علم وأدب ومن ذلك تجمع الكنز الشهير فقد قيل أن النعمان تخير الشعر العربي وكنزه في بيته الأبيض، والأديب الحيري كان يحذق الفارسية والسريانية واليونانية فقد كان عبود الحيري ترجماناً للقائد الفارسي رستم في القادسية.
أما الخط الحيري الشهير فهو أهم تطور في الخط العربي بعد الخط الأنباري وقبل الخط الكوفي. والحيرة بلاد زهو وبذخ وما كان فيها من البركات والعمران كان السبب المهم للأبهة والترف فقد كثر فيها المترفون من فتيان وفتيات وكثر فيها الطرب وآلات الطرب حتى شاع في الآفاق الغناء الحيري، وكانت فيها أماكن للشرب محفوفة بحدائق غناء ومنتزهات حسبما ذكره الأصبهاني في أغانيه عن أخبارها
وتنتشر في الحيرة وما جاورها القصور والديارات التي يكثر فيها التفنن بالريازة والنقش والتزويق والقرمد والدمى، لقد حفظ التاريخ لهذه الديارات صوراً رائعة كلها وحي يلهم الإحساس ويرهف الشعور فقد كانت على جانب عظيم من النفاسة وجليل العمارة تعلوها قباب وقورة تلوح بالأبهة والهيبة والجلال من بعيد ومن قريب ويزينها البهاء والرواء من الداخل، فهي مزوقة بأنواع الفصوص وأشكال النقوش والإبداع في الدهان والأصباغ يفرش أرضها الرخام المجزع وكل بلاطاتها مرمر مسنون تراه كأنه ممرد تزلق عليه الأقدام وفي شقوق عماراتها الفسيفساء واللازورد وعلقت فيها القناديل من الذهب والفضة وإلى جانب تلك القناديل الصلبان من ذهب وقد رسم على جدرانها وحيطانها صور الحور الملونة بأزهى الألوان تتقدم تلك الصور صورة المسيح وعلى رأسه إكليل الشوك وصورة مريم في نفاسة صنع وإبداع في الوضع بحيث ترى تلك الصورة حيثما اتجهت.
وقد ذكر الشابشتي أن في دير هند قناديل من ذهب معلقة وعتبات من فضة، وفي الحيرة النساج والقيون، وقد كان فيها معرض للأزياء خصوصاً أزياء الأميرات والأمراء وحاشيتهم وفيها أول ما ظهر الخف المكعب فقد جاء في العقد الفريد إن حنيناً الحيري كان يلبس الخف المكعب، وكان ملوك الحيرة يلبسون التيجان والحيريون يلبسون العمائم.
وفي الحيرة ظهرت البزة الرسمية وهي التي كانوا يسمونها أثواب «الرضا» جباب مقصبة بالذهب المزركش بالزمرد كانت ملوك الحيرة تهبها لمن أحسن الخدمة وكانت هذه الكسوة بمثابة الألبسة الرسمية التي نتعاطاها اليوم، وفي الحيرة وجد العمل الصيرفي المتقن لأنها كانت محطة تجارية كبرى بين بلاد الفرس والهند وسوريا وبلاد الروم.
لقد عظمت الحركة الاقتصادية فيها وفاض المال حتى إن الأهالي لسعة ذات اليد عندهم كانوا يتعاملون أولاً بالذهب وزناً فقد ابتاع «أوس بن غلام» أرضاً بثلاثمائة أوقية ذهباً وأنفق على عمارتها مائتي أوقية، وكانت الحيرة لطيب هوائها تعتبر مصحاً فقد قيل يوم وليلة في الحيرة خير من دواء سنة، وقد تداولتها الأيام عمراناً وخراباً.
مرّ بها الشريف الرضي فوصف خرابها قائلاً من قصيدة:
ما زلت أطرق المنازل بالنوى
حتى أتيت منازل النعمان
باق بها حظ العيون وإنما
لاحظ فيها اليوم للآذان
وعرفت بين بيوت آل محرق
مأوى القرى ومواقد النيران
أمقاصر الغزلان غيرك البلى
حتى غدوت مرابض الغزلان
وكان من أمرها في العصر الحاضر أن قامت في مكانها بلدة باسم (الجعارة). وبعد الحرب العالمية الأولى وقيام الحكم الوطني في العراق، أبدل اسم الجعارة باسم الحيرة.
وقد زرتها العام 1940م فكتبت فيما كتبت عن هذه الزيارة منذ خروجنا من الكوفة ما يلي:
…. ثم اخذت تظهر لنا أطلال قصر الخورنق ورحنا ندنو منه فعبرنا على بقايا نهر جاف لم يبق الدهر منه إلا شكله، فبرزت حافتاه مرتفعتين عن الأرض فقال رفيق الرحلة الشيخ محمد علي اليعقوبي الخبير بهذه المواقع أنه نهر (السدير) الذي كان يجري تحت (الخورنق)، ثم كنا أمام الخورنق نفسه فإذا مجموعة أكمات ترابية فيها بقايا عمران متلاش قد ذهبت به الأحداث، وما بقي منه هدمه الأتراك فبنو به سراي (أبو صخير) غير البعيدة عنه.
وهكذا بفعل الجهل والحمق:
كم وقفة لك بالخور
نق ما توازى بالمواقف
بين الغدير إلى السد
ير إلى ديارات الأساقف
دمن كأن رسومها
يكسين أعلام المطارف
بحرية شتواتها
برية فيها المصايف
ها نحن على الخورنق والسدير نمد أبصارنا فترانا نشرف على بساتين النخيل وعلى حقول خضراء وغدران واسعة، وتمتد السهول والصحارى حوالينا إلى مدى بعيد.
تركنا الخورنق وراءنا وانحدرنا في السهول، ثم رحنا ندنو من النخيل، حتى كنا في بلدة (أبو صخير)، وهي بلدة جميلة حديثة العهد تقع على ضفة نهر يتفرع من الفرات، ثم خرجنا منها بين النخيل فقطعنا دولاً وسرنا بين ظلال النخيل الوارفة والبساتين الجميلة على الجانبين، فكنا نعبر الكثير من الجدوال المتفرعة من الفرات.
ومررنا بقرية (الكويت)، ثم اجتزنا جسراً إلى بلدة (الجعارة) التي أطلق عليها اليوم اسم (الحيرة)، وهي تقوم على أنقاض الحيرة القديمة، وتضم بقايا أطلالها الفخمة. وقد صعدنا إلى تل في وسط البلدة فيه خرائب قصر قال لنا الأستاذ اليعقوبي إنه (القصر الأبيض)، وهو المعروف بأبيض النعمان.
ليس في الحيرة الحاضرة من الآثار إلاّ التافه القليل فقد غيرها االزمان ولم تحتفظ من ماضيها الفخم إلا بالاسم، وهي اليوم جميلة الموقع محاطة بالأشجار ويخترقها جدول (البديرية) فيروي أرضها.
حيفا
يذكر التاريخ مدينة حيفا الساحلية بأسماء متعددة، فهي: الشاف وكيفيا وكلامون في الكتاب المقدس. أما الفرنجة فدعوها بورميريا الجديدة نظراً إلى كثرة الأصداف على سواحلها وكونها مصدراً رئيسياً للأصباغ البورفيرية. ومن أسمائها الأخرى: إيفا وسكيمينوس (أرض الجميز).
ومع ذلك فإن التسمية الدارجة والمتعارف عليها الآن، وفي اللغات كلها، هي التسمية العربية: حيفا. ويختلف اللغويون في المصدر الأصلي لهذا الاسم، فيعيده بعضهم إلى حفّ بمعنى شاطئ، ويرى ياقوت الحموي في «معجم البلدان» أن الأصل مأخوذ من حيفاء وهي من الحيف بمعنى الجور، ويذهب آخرون إلى أن المصدر هو الحيفة بمعنى الناحية، أما جميل البحري صاحب «تاريخ حيفا» فيرجح أن الأصل هو الحيفة بمعنى المظلة والمحمية، ويعلل ذلك بكون جبال الكرمل تحيط بها وتحميها وتظللها.
تقع حيفا في الطرف الشمالي من السهل الساحلي الفلسطيني، وفي الجزء الجنوبي من خليج عكا. وهي بذلك تحتل موقعاً جغرافياً مميزاً أكسبها أهمية كبرى طوال فترات تاريخها.
إذ ساهم هذا الموقع في تطورها وازدهارها، ولا سيما لكونها النافذة البحرية لظهير واسع غني بثرواته الطبيعية، وفقير بمنافذه البحرية.
فحيفا، من خلال مينائها الشهير، هي المنفذ البحري لقرى المثلث الفلسطيني، الذي يمثله سهل مرج ابن عامر، المعبر الوحيد في جبال فلسطين الغربية، والذي يرتبط بغور الأردن ولبنان وجنوب سورية، وعبره بشمال العراق.
وساعد الموقع ـ أيضاً ـ على ازدياد الأهمية التجارية للمدينة، نظراً إلى حركة البضائع الهائلة التي يتم استيرادها وتصديرها عبر ميناء حيفا، الذي أصبح أحد أكبر موانئ سواحل البحر المتوسط بعد أن جرى تطويره وافتتاحه رسمياً العام 1933.
وترتب على هذه الأهمية التجارية تطور شبكة المواصلات البرية التي تربط حيفا بأجزاء ظهيرها الجغرافي في فلسطين ومناطق الهلال الخصيب.
ففي العام 1905 ارتبطت مع دمشق بخط سكة حديد الحجاز، وفي العام 1918 اتصلت بمصر بخط سكة حديد آخر، وفي العام 1933 أصبح ميناؤها يستقبل البترول العراقي عبر خط أنابيب نفطي يبدأ من حقول كركوك في شمال العراق، وفي العام 1940 ارتبطت بخط سكة حديد مع كل من بيروت ودمشق، كما ارتبطت بشبكة طرق برية جيدة مع أمهات المدن الفلسطينية بشكل خاص، ومدن بلاد الشام بشكل عام.
وتمتاز منطقة حيفا بكونها غنية بمصادر المياه الجوفية والسطحية، وبالتربة الزراعية الخصبة عند أقدام جبال الكرمل.
يضاف إلى ذلك غنى سواحلها بالثروة السمكية، وتوافر بعض الخامات المعدنية مثل الرمل المنتشر عند مصب وادي الغامين، والذي شكل خامة جيدة لصنع الزجاج.
إن التعرف الدقيق على أهمية موضع حيفا، يوجب التمييز بين مرحلتين من حياة المدينة، يطلق على الأولى منهما: حيفا القديمة، وعلى الثانية: حيفا الجديدة. ففي المرحلة القديمة كانت حيفا تجثم في الطرف الجنوبي لخليج عكا، وتعيش حال ركود اقتصادي تام، إذ لم تكن لها أية أهمية تذكر.
وكان ميناء يافا هو الميناء الرئيسي لفلسطين في تلك الحقبة الممتدة منذ ما قبل التاريخ وحتى العام 1750م. وكانت حيفا، طيلة هذه الفترة، هدفاً متاحاً لقراصنة البحر وجيوش الأعداء فتعرضت للدمار مرات عدة، بسبب امتدادها فوق منطقة ساحلية مكشوفة مما جعل الدفاع عنها أمراً صعباً، ولا سيما في حال تعرضها لهجوم بحري. وإلى ذلك، كانت المستنقعات، آنذاك، منتشرة على طول سواحلها بسبب ضحالة المياه في المنطقة، مما أدى، مراراً، إلى انتشار الأوبئة والأمراض التي كانت تفتك بسكان المدينة.
وبدأت المرحلة الثانية عندما انفصل حاكم صفد ظاهر العمر عن والي دمشق، وضم إلى سلطته منطقتي الجليل وحيفا، فدمّر المدينة القديمة وبنى حيفا الجديدة داخل الخليج وجنوب شرق المدينة القديمة، وقام بتحصينها بمجموعة من الأسوار والأبراج.
وأتاح الموقع الجديد للمدنية واجهة بحرية عميقة هي بمثابة مرفأ طبيعي محمي يسهل الدفاع عنه، ويصلح ـ في الوقت نفسه ـ لرسو السفن الكبيرة، ويخلو من العوائق الطبيعية. إلى جانب أنه يمثل مفترق طرق رئيسياً بين شمال فلسطين وجنوبها وشرقها.
المزايا التي وفرها الموضع الجديد لحيفا هي:
* أصبحت المدينة تمثل عقدة مواصلات برية، ومحطة نقل رئيسية، نظراً إلى كونها نقطة انقطاع أرضي يرتبط من خلالها البر بالبحر، والسهل بالجبل، والشمال بالجنوب، والشرق بالغرب.
* كان لعمق البيئة البحرية الساحلية المحاذية واتساعها، إلى جانب وقوعها في منطقة محمية عند السفوح الشمالية لرأس الكرمل، دور كبير في تطور ميناء المدينة فأصبح منافساً للموانئ الفلسطينية بشكل خاص، ولموانئ الساحل الشرقي للبحر المتوسط بشكل عام، حتى تفوق عليها جميعاً، بسبب تمتعه بخصائص تسهل عمليات رسو السفن المختلفة الأحجام، مما يسهل عمليات تحميل وتنزيل البضائع.
* كان لوجود المدينة في منطقة سهلية ذات تربة خصبة وغنية بمصادر المياه الجوفية والسطحية دور أساسي في تطور النشاط الزراعي في المنطقة.
تطورت الوظيفة السياحية للمدينة نتيجة توافر مقومات السياحة المتمثلة بتعدد أشكال سطح الأرض، فالبيئات الجبلية بمناخها المعتدل، والسهول بمزارعها وحقولها وأوديتها، والبحر بزرقته وبهدوئه، كلها معاً أضفت على حيفا منظراً خلاّباً جعلها مقصداً للسواح من كافة بقاع الأرض.
وعلى رغم الأهمية المركزية لحيفا فإن الكثير من الغموض ما يزال محيطاً بتاريخها، إذ لم يستطع المؤرخون أن يحددوا ـ بدقة ـ الفترة الزمنية التي نشأت فيها المدينة، وإن كانت الاكتشافات الأثرية تؤكد أنها من المدن التي استوطنها الإنسان، في أقدم العصور.
ويركز المؤرخون على الاكتشافين التاليين:
1 ـ مغارة «الواد» بنقوشها ومنحوتاتها ورسوماتها التي تعود بتاريخها إلى حوالي 15 ألف سنة قبل الميلاد.
2 ـ الأدوات الحجرية والرسومات التي تم اكتشافها في منطقة المدينة، وتعود إلى الفترة الواقعة بين 12600 و6000 قبل الميلاد.
وتؤكد دراسة الاكتشافات الأثرية في منطقة حيفا وقضائها من حيث خصائصها ومميزاتها ومواصفاتها والمادة الخام المستخدمة فيها وطبيعة الرسومات، أن الكنعانيين هم أول من استوطن المنطقة، وأقاموا فيها الكثير من مدنهم وقراهم مثل الطنطورة وعتليت وقيسارية.
وعند شواطئ حيفا نشبت معركة بين الفلسطينيين والمصريين في عهد رمسيس (1191ق.م.)، امتلك الفلسطينيون بعدها الساحل من غزة إلى الجبل. ولما استولى اليهود بقيادة يوشع بن نون على فلسطين جعلت حيفا من حصة سبط منس، وتبعت حكم أشير أحد أسباط بني إسرائيل بعد سقوط الحكم الكنعاني.
وارتبطت حيفا بأحداث ومناسبات دينية عدة جعلت لها مكانة خاصة. إذ يشير بعض المصادر إلى أن النبيين الياس واليشع علّما تلاميذها الديانة في المكان الذي أصبح يطلق عليه اسم «الخضر» أو «مدرسة الأنبياء» ويقع قرب الفنار بين تل السمك ورأس الكروم. وفي الموقع، الآن، بناء إسلامي قديم تحيط به حديقة، وكان يضم مسجداً فيه مغارة عثر فيها على كتابة يونانية.
واشتهر جبل الكرمل أيام النبي الياس الذي انتصر فوق قمته على أعدائه الوثنيين، حتى إن بعض الناس يدعوه ـ أحياناً ـ باسم جبل مار الياس، وهو موضع وجدت فيه قطع معمارية وبقايا كنيسة منقوشة في الصخر.
ويذكر الإنجيل أن السيد المسيح وطئ أرض حيفا وباركها حيث مر بها مع مريم العذراء في طريقه من مصر إلى الناصرة. كما مر بها بولس الرسول آتياً من عكا (58م). وحفل جبل الكرمل، منذ ظهور المسيحية، بالنساك ومنهم القديس يعقوب المعروف باسم «ناسك الكرمل».
ويضم موقع تل السمك، حيث كانت تقوم حيفا الرومانية، أسس أبنية وأرضيات، مرصوفة بالفسيفساء، وصخوراً منحوتة، وقبوراً منقورة في الصخر، ومرسى، وإلى الشرق منها قليلاً أسس كنيسة رصفت أرضيتها بالفسيفساء.
وتم فتح حيفا للمسلمين في 633م. فقصدت القبائل العربية فلسطين واستقرت فيها، خصوصاً في منطقة الساحل الفلسطيني. ومن أهم هذه القبائل بني عامر بن لام في مرج ابن عامر، وبني لام في منطقة كفر لام.
انتقلت حيفا إلى العثمانيين في عهد السلطان سليم الأول (1516م). وذكرها البعض في هذه الفترة على أنها قرية في ناحية ساحل عتليت الغربي التابع لسنجق اللجون إحدى نواحي ولاية دمشق.
وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر تبعت المدينة إقطاع آل طرباي الذين لم يشجعوا التجارة مع الأوروبيين كما فعل فخر الدين المعني الذي أخضع حيفا لسيطرته العام 1624م، إلى أن تم الصلح بين المعنيين والحوارث (آل طرباي) فعادت المدينة إلى الأمير أحمد الحارثي الذي بدأ يهتم بمينائها، ومنح الرهبان الكرمليين إذناً ببناء مساكن في منطقة الميناء وضمانات بالحماية.
وتغيّر الوضع الإداري للمدينة مرات عدة إلى أن خرّبها ظاهر العمر، وبنى حيفا الجديدة، فأقام فيها برجاً، واحاطها بسور له بوابتين، وشيد قلعة على نتوء صخري مشرف على الناحية الجنوبية للمدينة، وبنى أبناؤه، في ما بعد، الجامع الكبير فيها، كما أقام الكرمليون ديرهم على قمة الجبل.
وآلت حيفا، بعد سلالة الشيخ ظاهر، إلى أحمد باشا الجزار، حتى احتلها القائد الفرنسي كليبر (1799م)، وأقام نابليون قيادته على جبل الكرمل، واتخذ من الدير مشفى لجرحاه ولمرضى الطاعون أثناء حصار عكا، ثم أحرقه قبيل انسحابه إلى مصر.
وخضعت حيفا، كما فلسطين كلها، بعد هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى، لسلطة الانتداب البريطاني، التي شهدت بدايات الاستيطان الصهيوني. واهتم الصهاينة بمدينة حيفا وقضائها، فوصل عدد مستوطناتهم في المنطقة إلى 62 مستوطنة أبّان العهد البريطاني. إلى أن استولوا عليها كلها، بعد معارك عدة خاضها الفلسطينيون دفاعاً عنها.
وكان ذلك في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) 1948. وعمد الصهيونيون، فور سيطرتهم على المدينة، إلى قلب مساجدها اسطبلات، ونزعوا شواهد القبور الرخامية ليستخدموها في عمليات البناء.
يقول حسن الأمين: وفي سقوط حيفا بأيدي الصهاينة أقول:
أحيفا الأبية طال النزوح
فكيف الشطوط وكيف السفوح
أهانت على الخطب ملتاعة
أدانت لفاتحها المستبيح
* * *
إذا هبّ في الليل منك الهواء
ذرفنا عليك دموع الإباء
ولذنا باسيافنا ثائرين
وسرنا فلا ننثني للوراء
* * *
يلبيك منا الكمي العنيد
ويهتف باسمك صوت الشهيد
ونصرخ في الهول مستقتلين
سنحفظ أوطاننا أو نبيد
* * *
لئن عثرت ببنيك الجدود
وكانوا الأباة وكانوا الأسود
فصبراً توافيك أسيافنا
لوامع تفري هوادي اليهود
* * *
سنرجع بعد الغياب الطويل
فتشرق حيفا ويزهو الجليل
فصبراً تصبحك أعلامنا
خوافق فوق الربى والسهول
* * *
يهوذا خسئت فلست لنا
نظيراً نخضب منه القنا
سياط الأسار وذل السبا
على عارضيك وعار الخنا
* * *
لئن حكمت الدهر أن تغتدي
خصيماً يمد يد المعتدي
فزلة هذا الزمان اللئيم
ستغسلها كفنا في غد
وخلال الحرب العالمية الثانية أضحت حيفا مرفأً عامراً تفد إليه البواخر التجارية لتنزل فيه شتى البضائع التي تعود فتصدر إلى شتى البلاد المجاورة، كما صارت ثغراً عسكرياً حافلاً، مما حرك فيها الحياة الواسعة، فأقبل إليها طالبو العمل فحفلت بجمهور كبير من أبناء جبل عامل ونجح الكثير منهم في تجاراتهم وتوزع آخرون على شتى مصادر الإنتاج. وهكذا تكونت فيها جالية شيعية عاملية كبيرة أنشأت جمعيات ومؤسسات.
وبانتهاء الحرب أخذ اليهود يتدفقون إليها من كل مكان وساعدهم الإنكليز على مضايقة العرب وتهجيرهم فلم يلبث العامليون أن عادوا إلى بلادهم.
الحيل الروحانية والأسرار الطبيعية
في دقايق الأشكال الهندسية للفارابي
توجد نسخة شخصية من هذه الرسالة في مكتبة جامعة تورنبرغ أويسالا (السويد) رقمها 324. وحتى العام 1969م كانت تعتبر هذه الرسالة ورسالته الأخرى في الهندسة «بغية العمل في صناعة الرمل وتقويم الأشكال» رسالة واحدة، ثم قام كلّ من «روز نفيلد» و«كوبسوف» بمقارنة صور النسخ الخطيّة لهاتين الرسالتين، وأثبتا أن هاتين الرسالتين مختلفتان تماماً، وأن الرسالة الأولى تشبه تماماً كتاب فيما يحتاج إلى صانع من الأعمال الهندسية تأليف أبو الوفاء البوزجاني.
رسالة الفارابي التي تمّت عام 321هـ شملت مقدمة وعشر مقالات، المقالات العشر من رسالتها تشمل كلها نفس المباحث المدرجة في كتاب أبو الوفاء بهذا الترتيب:
المقالة الأولى من رسالة الفارابي تتطابق مع النصف الثاني من الفصل الثاني من كتاب أبو الوفاء من التقرير9 حتى النهاية.
المقالة الثانية وحتى التاسعة متطابقة مع الفصول الثالث حتى العاشر لكتاب أبو الوفاء.
المقالة العاشرة متطابقة مع النصف الأول من الفصل الحادي عشر من كتاب أبو الوفاء. التفاوت بين رسالة الفارابي وكتاب أبو الوفاء جزئي.
الحيل الهندسية
كتاب للفارابي
في «عيون الأنباء» ذكر هذا الكتاب ضمن آثار الفارابي، كتب حسب الظاهر في مجال الميكانيك، وخاصة طاقة الآلات المائية، ويحتمل أن المطالب المذكورة فيه هي عين المذكورة في كتاب «في معرفة الحيل الهندسية» لبديع الزمان الجزرمي (المتوفى عام 602هـ).
لا توجد أي نسخة متداولة من هذه الرسالة.
الخازر
الخازر يروى بفتح الزاي ويروى بكسرها. يقول عنه ياقوت في معجم البلدان: نهر بين أربل والموصل، ثم بين الزاب الأعلى والموصل ….. مبدؤه من قرية يقال لها (أربون)، ويخرج من بين جبل خلبتا والعمرانية وينحدر إلى كورة المرج من أعمال قلعة شوش والعقْر إلى أن يصب في دجلة.
ثم يقول ياقوت: وهو موضع كانت عنده وقعة بين عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في أيام المختار، ويومئذ قتل ابن زياد الفاسق، وذلك في سنة 66 للهجرة. (انتهى كلام ياقوت).
نكتفي بتعريف ياقوت لنهر الخازر، وإذا كان هذا التعريف تعريفاً قديماً، فإنه يؤسفنا أن ليس لدينا مصدر حيث يُعرّف به وإذا كان تغير شيء بعد تعريف ياقوت حتى هذا العصر، فربما يكون هذا التغيير قد حدث لبعض الأسماء.
أما الواقعة التي أشار إليها ياقوت فإننا نذكرها فيما يلي معتمدين في هذا الذكر على ابن الأثير:
لثمان بقين من ذي الحجة سنة 66 سار إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، وكان مسيره بعد يومين من سيطرة المختار على الكوفة سيطرة كاملة بعد وقعة جبانة السبيع([479])، وأخرج المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم، وأهل البصائر منهم ممن له تجربة، وخرج معه المختار يشيّعه.
ثم ودّعه المختار وقال له: خذ عني ثلاثاً: خف الله، عزّ وجلّ، في سر أمرك وعلانيتك، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم.
ورجع المختار وسار إبراهيم مسرعاً السير ليلقوا ابن زياد قبل أن يدخل في أرض العراق، وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم من الشام، فبلغ الموصل وملكها، فسار إبراهيم وخلَّف أرض العراق وأوغل في أرض الموصل وجعل على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي، وكان شجاعاً.
فلما دنا ابن زياد عبأ أصحابه، ولم يسر إلاّ على تعبية واجتماع، إلاّ أنه بعث الطفيل على الطلائع حتى يبلغ نهر الخازر من بلد الموصل فنزل بقرية بارشيا. وأقبل ابن زياد إليه حتى نزل قريباً منهم على شاطئ الخازر.
وأرسل عمير بن الحباب السلمي، وهو من أصحاب ابن زياد، إلى ابن الأشتر أن القني، وكانت قيس كلها مضطغنة على عبد الملك بن مروان وقعة مرج راهط، وجند عبد الملك يومئذ كلب.
فاجتمع عمير وابن الأشتر، فأخبره عمير أنه على ميسرة ابن زياد وواعده أن ينهزم بالناس، فقال له ابن الأشتر: ما رايك؟ أخندق عليّ وأتوقف يومين أو ثلاثة؟
فقال عمير: لا تفعل، وهل يريدون إلاّ هذا؟ فإن المطاولة خير لهم، هم كثير أضعافكم وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم بإنهم قد ملئوا منكم رعباً، وإن هم شاموا أصحابك وقاتلوهم يوماً بعد يوم ومرة بعد مرة أنسوا بهم واجترأوا عليهم. وقال إبراهيم: الآن علمت أنك لي مناصح وبهذا أوصاني صاحبي.
قال عمير: أطعه فإن الشيخ قد ضرسته الحرب وقاسى منها ما لم يقاسه أحد، وإذا أصبحت فناهضهم.
وعاد عمير إلى أصحابه وأذكى ابن الأشتر حرسه ولم يدخل عينه غمض حتى إذا كان السحر الأول عبأ أصحابه وكتب كتائبه وأمر أمراءه، فجعل سفيان بن يزيد الأزدي على ميمنته، وعليّ بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو الأحوص، وجعل عبد الرحمن بن عبد الله، وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه، على الخيل، وكانت خيله قليلة، وجعل الطفيل بن لقيط على الرجالة، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك.
فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس ثم خرج فصف أصحابه وألحق كل أمير بمكانه، ونزل إبراهيم يمشي ويحرض الناس ويمنيهم الظفر، وسار بهم رويداً، فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم، وإذا أولئك القوم لم يتحرك منهم أحد، فأرسل عبد الله بن زهير السلاولي ليأتيه بخبر القوم، فعاد إليه وقال له: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني رجل منهم وليس له كلام إلاّ: يا شيعة أبي تراب، يا شيعة المختار الكذّاب! قال فقلت له: الذي بيننا أجل من الشتم.
وركب إبراهيم وسار على الرايات يحثهم ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من السبي والقتل ومنع الماء، وحرّضهم على قتاله.
وتقدم القوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وعلى الخيل شرحبيل ابن ذي الكلاع الحميري، فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم، فثبت له علي بن مالك الجشمي فقتل، ثم أخذ رايته قرة بن علي فقتل في رجال من أهل الباس وانهزمت الميسرة، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل المنهزمين، فقال: إليّ يا شرطة الله.
فأقبل إليه أكثرهم. فقال: هذا أميركم يقاتل ابن زياد، ارجعوا بنا إليه. فرجعوا، وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي: إليّ شرطة الله، أنا ابن الأشتر، إن خير فراركم كراركم، ليس مسيئاً من أعتب. فرجع إليه أصحابه، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم ينتظرون أن ينهزم عمير بن الحباب، كما زعم، فقاتلهم عمير قتالاً شديداً وأنف من الفرار. فلما رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه: اقصدوا هذا السواد الأعظم، فوالله لو هزمناه لانجفل من ترون يمنةً ويسرةً انجفال طير ذعرتها.
فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ثم صاروا إلى السيوف والعمد فاضطربوا بها ملياً، وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين، وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم.
فيقول: ليس لي متقدم. فيقول: بلى، فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلاً إلاّ صرعه، وكرد إبراهيم الرجالة بين يديه كأنهم الحملان، وحمل أصحابه حملة رجل واحد. واشتد القتال فانهزم أصحاب ابن زياد وقتل من الفريقين قتلى كثيرة.
وقيل: إن عمير بن الحباب أول من انهزم، وإنما كان قتاله أولاً تعذيراً.
فلما انهزموا قال إبراهيم: إني قد قتلت رجلاً تحت راية منفردة على شاطئ نهر الخازر فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك، شرَّقت يداه وغرَّبت رجلاه.
فالتمسوه فإذا هو ابن زياد قتيلاً بضربة إبراهيم فقد قدّته نصفين وسقط، كما ذكر إبراهيم، فأخذ رأسه وأحرقت جثته.
وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يظنه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، فنادى التغلبي: اقتلوني وابن الزانية! فقتلوا الحصين.
وقيل: إن الذي قتل ابن زياد شريك بن جدير، وكان شريك هذا شهد صفين مع علي وأصيبت عينه، فلما انقضت أيام علي لحق شريك ببيت المقدس فأقام به، فلما قتل الحسين عاهد الله تعالى إن ظهر من يطلب بدمه ليقتلن ابن زياد أو ليموتن دونه.
فلما ظهر المختار للطلب بثأر الحسين أقبل إليه وسار مع إبراهيم بن الأشتر، فلما التقوا حمل على خيل الشام يهتكها صفًّا صفًّا مع أصحابه من ربيعة حتى وصلوا إلى ابن زياد وثار الرهج فلا يسمع إلاّ وقع الحديد، فانفرج عن الناس وهما قتيلان شريك وابن زياد. والأول أصح. وشريك هو القائل:
كل عيشٍ قد أراه باطِلاً
غيرَ رَكْزِ الرّمحِ في ظلّ الفرَسْ
وقتل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وكان عيينة بن أسماء مع ابن زياد، فلما انهزم أصحابه حمل أخته هند بنت أسماء، وكانت زوجة عبيد الله بن زياد، فذهب بها وهو يرتجز:
إنْ تصرمي حِبالَنا فرُبّما
أرديتُ في الهيجا الكميَّ المُعلِمَا
ولما انهزم أصحاب ابن زياد تبعهم أصحاب إبراهيم، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم وفيه من كل شيء.
و أرسل إبراهيم البشارة إلى المختار وهو بالمدائن، وأنفذ إبراهيم عماله إلى البلاد، فبعث أخاه عبد الرحمن إلى نصيبين وغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة، فولى زفر بن الحارث قرقيسيا، وحاتم ابن النعمان الباهلي حران والرهاء وسميساط وناحيتها، وولى عمير بن الحباب السلمي كفرتوثا وطور عبدين.
وأقام إبراهيم بالموصل، وأنفذ رأس عبيد الله بن زياد إلى المختار ومعه رؤوس قوّاده، فألقيت في القصر.
وقال ابن مفرغ حين قتل ابن زياد:
إنّ المنايا إذا ما زُرْنَ طاغيّةً
هتَّكنَ أستارَ حُجّابٍ وأبوابِ
أقولُ بعداً وسحقاً عندَ مَضرَعه
لابنِ الخَبيثةِ وابن الكوْدَنِ الكابي
لا أنتَ زُوحِمْتَ عَن مُلْكٍ فتمنَعهُ
ولا متَتَّ إلى قومٍ بأسْبابِ
لا من نِزارٍ ولا من جَذْمِ ذي يمنٍ
جلمود ذا ألقيت مِن بينِ ألْهابِ
لا تَقبلُ الأرضُ موْتاهم إذا قُبرُوا
وكيفَ تَقبلُ رِجساً بَينَ أثْوابَ؟
وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر:
أتاكم غُلامٌ مِنْ عرانينِ مِذْحِج
جَرِيٌ على الأعداء غير نَكُولِ
فيا بن زيادٍ بُؤْ بأعظمِ مالِكٍ
وذُقْ حدّ ماضي الشّفرتَينِ صَقيلٍ
جزَى اللهُ خَيراً شُرْطة اللهِ إنّهمْ
شفَوْا منْ عبيد الله أمسِ غليلي
وقال عمير بن الحباب السلميُّ يذم جيش ابن زياد:
وما كان جيشٌ يجمعُ الخمرَ والزّنا
مُحِلاًّ إذا لاقَى العدوَّ ليُنْصَرَا
الخبر المتواتر
لم يدرس علماؤنا الخبر المتواتر إلاّ دراسة موجزة، بينما بحثوا بتوسّع عن الخبر الواحد، وهم على حق في ذلك، وذلك لأهمية الخبر الواحد ودوره في الاستنباط، ولكن سوف نرى بأن للتواتر أيضاً تأثيره في بعض البحوث العلمية، وهم وإن لم يتعرّضوا للخبر المتواتر في دراسة مستقلّة في بعض الكتب الأُصولية ـ وخاصة الحديثة ـ لكنهم تعرّضوا له في أبواب مختلفة من علم الأصول، بل خصّصوا له دراسة مستقلّة موجزة في كتب الدراية وقد حاولتُ ذكر بعض التقسيمات والآراء التي ذكرها علماؤنا حول الخبر المتواتر في دراسة مستقلّة اعتمدت فيها على كتب الأُصول والدراية.
تعريف الخبر المتواتر
ذكرت للخبر المتواتر تعاريف عديدة نذكر بعضها:
1 ـ ذكر في معالم الأُصول أنه: «خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه».
2 ـ وقد ذكر في الفصول أنّه: «خبر جماعة يمنع تواطؤهم على الكذب».
3 ـ وقد ذكر في الفصول أيضاً أنّه: «خبر جماعة يفيد العلم بصدقه لكثرتهم».
4 ـ وتعريف الشهيد الثاني في كتابه شرح البداية أنّه: «ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدّد».
ومن هذه التعاريف نستنتج أن تعريف الخبر المتواتر: «هو الخبر الذي يفيد العلم بمضمونه، وقد حصل هذا العلم نتيجة لإخبار جماعة كثيرة يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب واجتماعهم على الخطأ، ويلزم أن تحتفظ كلّ طبقات السند ـ إذا كان للسند طبقات ـ بمثل هذا العدد المفيد للعلم، وأن هذا العلم ناشئ من نفس الكثرة العددية، لا من قرائن تَنْضمَّ لهذا الخبر».
وقد تعرضت هذه التعاريف للمناقشة، إذ الملاحظ في بعضها أنها لم تشتمل على عناصر الخبر المتواتر جميعها، أو أنَّها بنتيجة التواتر، وهو العلم، دون ملاحظة السبب في حصول هذه النتيجة، إذ ربما يحصل العلم من الخبر الواحد مع اقترانه بالقرائن، أو أنها لاحظت امتناع التواطؤ على الكذب فحسب، بينما يلزم ملاحظة امتناع الخطأ والاشتباه أيضاً، فإن انتفاء الكذب وحده لا يحقَّق العلم من التواتر، فيما لو بقي احتمال الخطأ.
وغير ذلك.
ولعل التعريف الذي يجمع عناصر الخبر المتواتر ما ذكر في كتاب الأصول العامة: «ويراد به إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، وصدورهم جميعاً عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواسّ، على أن يجري هذا المستوى في الأخبار في جميع طبقات الرواة حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة».
ولكن ربما يلاحظ عليه أنّه لم يذكر ما ذكره العلماء في التعريف، من شرط العادة إذ يلزم إضافة (يمتنع عادة)، وسيأتي ضرورة إضافة هذا القيد.
ولعلّ عدم ذكر العلماء لعناصر الخبر المتواتر كلها في التعريف أنه ليس من شأن التعريف أن تذكر فيه كل أحكام المعرّف وعناصره وشروطه، وإنما تعطي فكرة عنه في التعريف، ويبحث عن أحكامه وشروطه في مسائله.
حصول العلم من التواتر
يشترط في الخبر المتواتر ـ كما رأينا في التعريف ـ أن يفيد العلم بصدقه، فإذا أدّى إلى العلم يكون حُجَّة، لأن حجّية العلم لا تحتاج للمواضعة والاعتبار.
والتواتر بمعنى كثرة الناقلين للخبر، يفيد العلم بطبيعته، ولا تختصّ هذه الظاهرة بالأخبار الشرعية، بل إنها تشمل الأخبار العرفية أيضاً، فيما لو كثر الناقلون الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، لحادثة واحدة، فإنها تحقق العلم، ويُمثّل لها عادة بما لو أخبرت مثل هذه الجماعة عن وجود بلدٍ ما، فإنه يحصل للسامع اليقين بوجود مثل هذا البلد.
ويدور بحثنا حول السبب في حصول العلم من التواتر، فلماذا يحصل العلم واليقين من الخبر المتواتر، بينما لا يحصل إلاّ الظن من الخبر الواحد؟
وقد درس علماؤنا ـ منذ زمن طويل ـ ظاهرة حصول العلم من التواتر دراسة معمّقة، ونستعرض هنا بعض أحاديثهم في هذا المجال، ونترك التوسع لمن أراد التوسع.
وبإيجاز فإنهم يعتمدون على (تراكم الظنون)، في تفسير حصول العلم من التواتر، وهناك الكثير من العلماء تعرّضوا لهذه الفكرة، وما نذكره عنهم هنا قليل من كثير، فهناك الكثير من الأقوال حولها. يضيق المجال لو تتبّعناها كلها، والملاحظ أن بعض علمائنا يذكرون هذه الفكرة في البحث عن حجّية الإجماع أيضاً، حيث أن الإجماع والخبر المتواتر يشتركان في الاعتماد على فكرة تراكم الظنون، في إفادة العلم، وإن ناقشوا في صحّة الاستدلال بها في الإجماع، لأن الإجماع من الإخبار عن أمر حدسي، بينما يشترط في التواتر أن يكون الإخبار عن أمر محسوس، ولكن المهم أنهم يذكرون هذه الفكرة أيضاً في بحث الإجماع.
ونستعرض الآن هذه الأقوال بحسب التسلسل الزمني:
يقول المحقّق الحلي في المعارج: «وتحقيقه: أنّا إذا سمعنا بخبر عن واحد، فقد أفادنا ظنًّا، ثم كلما تكرر بذلك قوي الظن حتى يصير الاعتقاد علماً».
ويقول الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي: «فسبيله ـ أي سبيل العلم من التواتر ـ أن نراقب أنفسنا، فإذا أخبرنا بوجود شيء خبراً متوالياً، فإن قول الأول يحرك الظّن، وقول الثاني والثالث يؤكده، وهلم جراً، إلى أن يصير ضرورياً».
والوحيد البهبهاني في كتابه الفوائد يقول في وجه حجية الإجماع: «وأيضاً إذا رأينا فتوى من فقيه ماهر متشرّع بشرع النبي صلى الله عليه وسلم، يحصل في نظرنا رجحانٌ بأن فتواه هذه حقّ، وإن كنا نجوز الخطأ عليه، لكن ليس وجود هذه الفتوى بعينها كعدمها من دون التفات أصلاً، ولذا يحصل المقلّد المجتهد ظنّ بحقّية فتواه بالبديهة، بل ظن قوي بحيث يطمئنّ له ويعمل به ويجعله حكم الله تعالى في عباداته ومعاملاته، وليس فتوى المجتهد مثل عدم الفتوى على السواء بالبديهة، ومن يدّعي ذلك فلا شك في أنّه مكابر، وإذا كان الراجح طرف الحقية، فمع موافقته فتوى فقيه آخر وانضمامه، يتقوّى الظن والرجحان، لأن بنفس الفتوى يحصل رجحان، وبالانضمام والموافقة رجحان آخر، وهكذا إذا انضم معه فتوى آخر يحصل رجحانات، وهكذا إلى أن يصل إلى حدّ العلم، كما هو الشأن في الخبر المتواتر».
فهو يقرّ بأن حصول العلم من الخبر المتواتر إنما يتم وفق هذه الطريقة، ويدرس بعمق كيفية حصول الظن، ثم العلم، من الفتاوى والأخبار الكثيرة.
ويقول الشيخ النراقي حول حجية الإجماع: «وقد يستتمّ هذه الطريقة بنظير ما يقال في الخبر المتواتر من حصول الظن من كل واحد واحدٍ إلى أن ينتهي إلى القطع من تراكم الظنون واجتماعها».
وينقل الآشتياني عن المحقّق التستري، في وجه حجّية الإجماع، أنه يفيد العلم بسبب «توارد الظنون الموجب لذلك كما في التواتر».
فهو يعبّر عن هذه الفكرة بـ (توارد الظنون) بينما يعبر عنها الشيخ النراقي بـ (تراكم الظنون).
ويذكر الآشتياني أيضاً: «ثم إنّي قد وقفت بعد تحرير المقام على النسق الذي عرفت، على كلام لبعض أفاضل المتأخرين في وجه كشف الإجماع عن قول الإمام عليه السلام بحكم العادة القطعية يرجع حاصله: إلى أن من إفتاء كل واحد من العلماء يحصل الظنّ إما بالحكم الواقعي المستلزم للظن بحكم الإمام عليه السلام بعد العلم الإجمالي بصدور حكم الواقعة عنه عليه السلام، أو بالحكم الصادر عنه ابتداءاً، من حيث أن همّتهم مصروفة في إدراك الحكم الصادر عنه عليه السلام، ومن جودة أنظارهم وقوّة أفكارهم، وشدّة ملكاتهم، يحصل الظنّ من إفتاء كل واحد لا محالة، ومن تراكم الظنّ وكثرته يحصل القطع بقول الإمام عليه السلام.
وهذا الوجه وإن ذكره في تقريبات إثبات الطريقة المعروفة بين المتأخرين، إلا أنه كما ترى منظور فيه من حيث أنّ خطأ الأنظار في المسائل العلمية النظرية ـ وإن توافقت وتراكمت ـ لا تحيله عادة أصلاً، غاية ما هناك حصول الظن أو القوي منه».
فهو يناقش في تطبيق هذه الطريقة في خصوص الإجماع، وفي نقل المسائل العلمية النظرية، التي لا يزول منها احتمال الخطأ في الاستدلال.
وقد تعرض الشيخ هادي الطهراني في الجزء الأول من كتابه «محجّة العلماء» لهذه الفكرة بصورة أكثر تفصيلاً في عدّة مواضع، فإنه يذكر في كيفية حصول الاطمئنان والعلم «والحاصل أن الاحتمال وإن كان موجوداً في الظنّ، وإن بلغ من القوة أقصاها، لكن كلما يزداد الرجحان قوةً يزداد الاحتمال المخالف ضعفاً، ومن المعلوم اختلاف الآثار باختلاف الدرجات لاختلاف المعلول باختلاف العلة».
والملاحظ أنه يفرق بين الاطمئنان، وبين القطع، في درجة الرجحان وفي الآثار المترتبة على كل منهما ـ وسيأتي توضيح هذا الفرق ـ ، وتراكم الظنون يؤدي أولاً إلى حصول الاطمئنان، وبعد أن تكثر الظنون يؤدي للقطع.
والملاحظ أيضاً أنه يذكر المعادلة في القوة والضعف، فكلّما يقوّي الاحتمال الموافق، يضعف ـ بتلك النسبة ـ الاحتمال المخالف.
ويقول الشيخ هادي الطهراني أيضاً حول ظاهرة تراكم الظنون في تفسير موسّع لها:
«… فإن إدراك المنافر والملائم، باعث للشخص على الأفعال، بل للطبائع، وإن لم تبلغ مرتبة العقول، كما يشاهد في الحيوانات بل الحشار بل الأعضاء كالمعدة والكبد في أفعالها الطبيعية، غالباً تدور مدار الملائمة والمنافرة، وأما الإصابة والخطأ فهو مقام آخر، فالعقل يدرك الوظائف الجليلة، والطبع ربما يحكم بأحكام خسيسة دنيئة من جهة الملائمة والمنافرة أيضاً، والعالم يعمل على مقتضى ما ينفذ فيه حكمه من العقل والطبع، والمقصود أن الوظيفة المحركة على الفعل إنما هي بحسب الملائمة والمنافرة في نظر العامل، فلا فرق في ذلك بين العلم والجهل المركّب والظن البالغ درجة الاطمئنان، والذي فوقه ودون العلم، فإن الفاعل إنما يحرّكه السكون الحاصل من رأيه إلى ما رآه، بمعنى أنّه لا يتزلزل من احتمال الخلاف، فإن تساوى الاحتمالين عجلة لتساوي النظر إلى الطرفين، وعدم ترجيح أحدهما في مرحلة العمل، والوظيفة للمتحيّر لها مكان آخر، وكلما ازداد أحد الاحتمالين قوّة اختص بقوة الإقبال إلى متعلّقه ورجحانه في مرحلة الفعل والاختيار وترتيب الآثار، إلى أن يزول، أو يبلغ من الضعف بمثابة يجعله كالعدم، فلا يبقى للفعالة بالنسبة إليه همّ واعتداد، ويخرج من التزلزل والحيرة، ويستقرّ أمره في مرحلة العمل، ويسكن إلى ما يرجح في نظره إلى هذه الدرجة».
وما يذكره هنا، لا يريد به تفسير التواتر، بل يستهدف تفسير أعمال الإنسان، ومنطلقات سلوكه، ولكن يفهم منه تفسير حصول العلم أو الاطمئنان من التواتر، الذي يعتمد على قوة الرجحان، الدافعة إلى العمل والسلوك وفْقه.
وفي موضع آخر يبحث حول التواتر، ويشير فيه إلى هذه الفكرة، فبعد أن يذكر الأسباب المؤدّية لحصول العلم من الخبر يقول:
«وحيث ظهر لك حقيقة الخبر، تبيّن لك أنّ كشفه عن الواقع لا بُد أن يكون مستنداً إلى أمر آخر، من عصمة المخبر، وما بمنزلته كالعلم بأنه لا يكذب مطلقاً، أو في خصوص ما أخبره به، مع العلم بأنه لم يخطئ، نعم قد يبلغ من الكثرة مرتبة يستحيل معها التخلّف عن الواقع، بعد إحراز عدم تواطؤ المخبرين على الكذب، وعدم وجود جامع لهم في إخفاء الواقع، وعدم إبراز ما في أنفسهم، فحينئذ التوافق إمّا قضية اتفاقية وإما عن واقع جامع لهم في الأخبار، والاتفاقية بعيدة في الاثنين، وأبعد في الثلاثة مثلاً، إلى أن يبلغ درجة الاستحالة، وهذا هو التواتر».
فتوافق هؤلاء المخبرين على الكذب، أو الخطأ، بعيد ويزداد هذا البعد كلما ازداد عدد المخبرين، حتى يصل إلى درجة الاستحالة.
وفي «فوائد الأصول» للشيخ النائيني: «وقيل: إن حجّيته ـ أي الإجماع ـ لمكان تراكم الظنون من الفتاوى، إلى حدّ يوجب القطع بالحكم، كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر».
ثمّ يناقش هذا الدليل في الإجماع، وإن وافق عليه في الخبر.
ومن كل ما ذكرناه من أقوال العلماء في هذا المجال، نستطيع أن نلخّص هذه الطريقة بما يلي:
إن كلّ خبر من هذه الأخبار التي تنقلها هذه الجماعة يفيد درجة من الظن بصحة مدلول الخبر ووقوعه خارجاً، وحين ينضمّ إليه خبر آخر فإن هذه الدرجة من الظن سوف تشتدّ وتقوى ـ مع ضعف الاحتمال المخالف له.
وهكذا بازدياد عدد الأخبار والمخبرين سوف تبلغ الدرجة إلى الحدّ الذي ينعدم معه احتمال الخلاف تماماً، وبذلك سوف يتحقّق القطع والجزم بوقوع مضمون الخبر في الخارج، فإن الظن متوقف على وجود احتمال الخلاف، وأما القطع واليقين فهو الذي يزول معه احتمال الخلاف.
إذاً فالكثرة في نقل الحادثة الواحدة لها هذه الخصوصية، وهي التأثير في إزالة احتمال الخلاف بالتدريج إلى أن ينعدم، فكل خبر لوحده يفيد الظن، لكن بتجمّع هذه الظنون وتراكمها سوف ينتهي هذا الظن إلى القطع.
وأخيراً … بحث السيد الصدر ـ في كتبه الأصولية وغيرها ـ هذه الفكرة بصورة موسعة ومتطوّرة في كتابه «الأسس المنطقية للاستقراء».
وقد بحث المنطق القديم هذا الموضوع في بحث الاستقراء والمتواترات، وبحثته أيضاً الفلسفة الحديثة والفلاسفة المعاصرون بتوسّع وتطوّر عند دراستهم لحساب الاحتمالات والاستقراء وان كان يعني «الانتقال في الأحوال الجزئية إلى القانون العام الذي يحكمها».
ولكن يمكن الاستفادة منه في بحث التواتر ومدى حصول اليقين منه، ولسنا في مجال الحديث عن آراء المنطق والفلسفة وتقويمها، وإنما نحاول هنا إلقاء بعض الضوء على آراء علمائنا في هذا المجال.
نوع العلم الحاصل من التواتر
بعد أن عرفنا أن التواتر يؤدّي إلى العلم، فما هي طبيعة هذا العلم الذي يفيده التواتر، فهل المراد به القطع واليقين، أو الاطمئنان والوثوق؟
وقد ذكرنا أن الشيخ الطهراني يفرّق بين القطع والاطمئنان، كما ذكر هذا الفرق بعض العلماء، حيث يفرّق بينهما، في درجة الرجحان، وفي الآثار المترتّبة على كل منهما، يقول: «وأمّا الاطمئنان فلأن وجود الاحتمال المخالف فيه هو الفارق ـ بينه وبين القطع ـ فلا يستحيل التعبّد بخلافه، فهو ـ اي الاطمئنان ـ وإن كان ظناً لوجود احتمال النقيض فيه، إلا أنه من الضعف بمثابة صار وجوده كالعدم، فإن هذا هو معنى الاطمئنان، إذاً فهذا الأثر ـ وهو الحجّية ـ للعلم بالذات بحيث يستحيل انفكاكه عنه، وللظن الاطمئناني أيضاً بالذات مع إمكان سلبه عنه».
وفي موضع آخر يفرّق بينهماك «إن العلم في اللغة هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وإنما الظن الاطمئناني علم حكماً ـ لا حقيقة ـ لوجود مناط الاعتبار فيه اقتضاءاً، والفرق بينه وبين العلم إمكان نفي الاعتبار عنه دون العلم، وأنّ الاطمئنان له مراتب بخلاف العلم».
ومن هذا وغيره نعرف أن درجة الرجحان في القطع أقوى منها في الاطمئنان، وأنه يملك قوّة الدفع أكثر من الاطمئنان، وينعدم فيه احتمال الخلاف تماماً، بينما في الاطمئنان يبقى احتمال للخلاف، وإن كان احتمالاً ضعيفاً جداً بحيث يُلحقه العقلاء بالعدم، ولا يعتنون به عملياً، وأن حجية القطع عقلية، يحكم بها العقل، ولا يمكن للمعتبر سلبها عن القطع، ما دامت تملك ملازمة ذاتية للقطع، ولا تنفكّ عنه؛ بينما الاطمئنان …
فإن حجّيته عقلائية، فالعقلاء هم الذين يحكمون بحجّيته، والعمل وفقه، ولأجل توفّر احتمال الخلاف في الاطمئنان، أمكن سلب الحجية عنه؛ بينما القطع لا يملك أي احتمال للخلاف في ذهن القاطع، لذلك لا يمكن سلب الحجية عنه، وهذا ما يصرّحون به في بحث القطع.
وهناك خلاف بين العلماء القائلين بحصول العلم من الخبر المتواتر، هل أن العمل الحاصل منه ضروري أو نظريّ كسبي؟ ذهب بعضهم أمثال أبي الحسن البصري والغزالي والكعبي وغيرهم، إلى النظري، مستدلّين بتوقّف حصول العلم منه على مقدّمات نظرية كانتفاء المواطأة ودواعي الكذب وكون المخبر به محسوساً، بينما ذهب الأكثر إلى أنه ضروري، مستدلين بحصوله لمن لم يكن من أهل النظر والاستدلال كالصبيان والبله ولو افتقر إلى الدليل فلا يحصل للعوام، وهو حاصل.
وفصّل آخرون كالسيد المرتضى وحكي عن الشيخ في العدّة ففي بعض الموارد العلم ضروري، وفي أُخرى نظري، وعلى كل حال فالمهم أنهم يقولون بحصول اليقين والعلم من الخبر المتواتر.
وأقوال العلماء في تعريف التواتر، وفي كيفية حصول العلم من التواتر، وفي شروطه، تفيد أنهم يستهدفون من العلم الحاصل من التواتر، هو القطع، لا مجرّد الوثوق والاطمئنان، وأنهم كثيراً ما يذكرون التواتر من أسباب القطع.
ولعلّ تعبيرهم بالاستحالة والامتناع يدلّ على ذلك أيضاً، بالإضافة إلى أن الكثير من العلماء يذهبون إلى أن الملاك في حجّية الخبر الواحد هو الوثوق، فلو كان الخبر المتواتر يفيد الوثوق أيضاً، لما كان هناك فرق بين الخبر الواحد، والخبر المتواتر.
بالإضافة إلى صراحة أقوال بعض العلماء بذلك، يقول العلاّمة الحلي في مبادئ الوصول: «الحقّ أنّ الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري، لأن جزمنا بوقوع الحوادث العظام كوجود محمد صلى الله عليه وسلم وكحصول البلدان الكبار، لا يقصر عن العلم بأن الكل أعظم ن الجزء، وغيره من الأوّليات، وهو حاصل للعوامّ ومن لم يمارس الاستدلال، ولا يقبل التشكيك».
ويقول السيد الداماد في كتابه الرواشح: «وهو ـ أي الخبر المتواتر ـ لا محالة يعطي العلم البتّي بمفاده».
وأشار لذلك صاحب الجواهر حيث قال: «كما أنك عرفت في الأُصول استفادة العلم الضروري من المتواتر الذي هو كعلم المشاهدة».
وقد ذكر الشهيد الثاني في البداية بأن العلم الحاصل من التواتر لا يقبل التشكيك، بينما الاطمئنان يقبل التشكيك والتفاوت في مراتبه، كما رأينا في عبارتي الشيخ الطهراني والعلامة الحلّي.
وهناك أقوال كثيرة تدل على أن مرادهم من العلم القطع واليقين، يلاحظها القارئ من بعض ما نقلناه في هذه المقالة.
ومع صراحة عباراتهم في ذلك، لا مجال لما يذكر بأن مرادهم من العلم الحاصل من التواتر هو الوثوق والاطمئنان، كما يذكر ذلك الشيخ النراقي في كتابه «عوائد الأيام».
يقول الشيخ النراقي في العوائد ـ بعد أن يبحث عن مفهوم العلم في الشرعيات ـ ص 153 ـ : «والحاصل أن العلم والظنّ في الأحكام الشرعية هو العلم والظنّ المتعارف إطلاق اللفظ عليهما عند العُرْف، فإذا كان طرفا الحكم متساويين يسمّونه ترديداً أو شكًّا، وإن كان أحد الطرفين أقوى، ولكن لا بحيث يستهجن تجويز خلافه، ولا يُعتنى عندهم إلى خلافه ولا يتلفتون إليه في مقاصدهم، كان ذلك ظناً، وطرف خلافه وهماً؛ وإن كان أحدهما بحيث يستقبح تجويز خلافه، ولا يُعتنى إليه عند متعارفهم، وإن كان محتملاً عقلاً، يسمّونه علماً، وعليه بناؤهم في الامتثالات والمخالفات، ومن هذا القبيل العلم الحاصل من المتواتر غالباً، ومن الأخبار المحفوفة بالقرائن».
ولكن هذا المعنى للعلم هو المراد من الوثوق والاطمئنان الذي يستقبح ويستهجن العُرف احتمال خلافه، وليس هو القطع والعلم الحاصل من المتواتر، ومثل هذا الوثوق هو ملاك حجّية الخبر الواحد واعتباره ـ كما يذكر ذلك الشيخ الأنصاري في الرسائل ـ فلا يبقى فرق بينه وبين الخبر المتواتر، وقد ذكرنا تصريح وتأكيد العلماء على أنّ التواتر من قبيل الضروريات.
ولكن يحتمل أن يريد النراقي من العلم، ليس الجزم العقلي، بل الجزم العبادي، وبذلك يتوافق مع سائر آراء العلماء في هذا المجال، وأن بقاء احتمال الخلاف في التواتر بالنظر العقلي، لا في النظر العرفي وفي حدود العادة.
ولكن نرى العلماء يضيفون لتعريف التواتر «يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب» أو «أنه يفيد العلم بصدقه عادة»، يقول في الفصول: «بل المدار على إفادته للعلم عادة»، فما مقصودهم من «العادة» هنا؟
لعلّ مرادهم من هذا التعبير يظهر من خلال فكرتين نذكرهما هنا:
1 ـ إن المعتبر في تحقّق التواتر وصدقه على الخبر هو علم الفرد العادي لا الفرد غير العادي، فإن هذا العدد من الرواة بهذه الخصائص لو حصل لكل إنسان عادي لحصل له القطع بوقوع المخبّر به من نفس الكثرة العددية، بحيث يكون لأخبار هذا العدد ملازمة عادة ونوعاً مع وقوع المخبّر به وحصول القطع به، وهذا يعبّر عنه بـ «الملازمة العادية».
وقد بحث عن هذه القكرة في بحث الإجماع ونقل التواتر في مختلف الكتب الأصولية فلتراجع، وتقابلها «الملازمة الاتفاقية» بأن يحصل لشخص ما القطع بوقوع المخبر من أقوال جماعة من دون أن يكون بين أقوالهم والمخبر به ملازمة عقلية أو عادية موجبة لحصول القطع لغير هذا الشخص، فتكون هناك ملازمة اتفاقية وشخصية مع وقوع المخبر به وحصول القطع به، ولكنّ هذا لا يحصل لكل أحد بل للبعض اتفاقاً، فلا يملك حالة نوعية عادية بل شخصية اتفاقية.
ونحن نعلم أن المنقول إليه، لم يحسّ بنفسه بالمخبّر به وإنّما الذي أحس بالمخبر به ـ بإحدى الحواس ـ هو الناقل والمخبر لذلك لا يحصل القطع للمنقول إليه بمجرّد إخبار ناقل واحد، لا بُدّ أن يكثر عدد الناقلين إلى عدد يكون المنقول إليه وكأنّه أحسّ بالمخبّر به بنفسه ليحصل له القطع به، فالمخبّر به وإن كان أمراً حدسياً بالنسبة للمنقول إليه، لأنه لم يحسّ به، ولكن بتحقّق التواتر والقطع به، يصبح المخبر به أمراً حدسياً قريباً من الحسّ وكأنه قد أحسّ به.
يقول الشيخ الأنصاري في الرسائل في موضوع الإجماع: «إن خبر مائة عدل أو ألف مخبر بشيء مع شدّة احتياطهم في مقام الإخبار يستلزم عادة لثبوت المخبّر به» فإنّ كثرة الناقلين لأمر حسيّ كموت زيد مثلاً، له ملازمة عادية مع ثبوت المخبّر به وتحقق القطع بحصوله خارجاً للمنقول إليه، فعبّر بالملازمة العادية.
ففي صدق التواتر على الخبر وتحقّقه يكفي حصول العلم للنوع وللأفراد العاديين التي تخلو أذهانهم عن الشبهات والعوامل التي توجب عدم حصول اليقين من الخبر المتواتر، ومما يؤكد هذا المعنى ما ذكر في البداية والمعالم عن السيد المرتضى أنّه قد لا يحصل العلم من التواتر للبعض، ممّن يعتقد ببعض الشبهات، كما قد ينكر بعض الأفراد بعض الضروريات لشبهات في أذهانهم، كإنكارهم لاستحالة اجتماع النقيضين، كما ذكروا ذلك في مناقشة السمنية، وهي طائفة دهرية تنكر حصول العلم من التواتر.
فالمقصود من العلم العادي الذي يلزم توفّره في تحقّق التواتر وصدقه، هو العلم الحاصل للذهن العادي ـ لا الذهن غير العادي كالقطّاع ـ أو كالشخص المتلبّس بالشبهات.
يقول صاحب الجواهر: «نعم، قد يشتبه على بعض المتشرعين فيتخيّل الظن الغالب علماً، كما أنه قد يقطع مما لا يفيد القطع، خصوصاً إذا انضم إليه بعض الأغراض النفسانية، بخلاف العلم الحاصل بالأمور المفيدة له عرفاً عند المستقيمين الخالين من الأغراض الذين لهم قابلية النقد والتمييز بين المراتب، فإنّه لا يتخلّف غالباً، واتفاق تخلّفه غير قادح، كما أنه قد يتخلّف العلم بالحسّ لاشتباه ونحوه».
ويجب أن يعلم أن كلامنا هو في تحقق التواتر وصدقه على الخبر، لا في حصول العلم من الخبر أو عدمه، أو في حجّية هذا العلم.
2 ـ إنهم يفرّقون بين الاستحالة العادية والاستحالة العقلية الذاتية، ويمثّل للاستحالة العقلية باجتماع النقيضين، حيث يكون ممتنعاً في ذاته، وأن العقل ـ بما هو عقل ـ يحكم باستحالته، وأما الاستحالة العادية فيمثل لها بالطيران في الهواء بدون واسطة، أو الصعود إلى السطح بدون سلم، فإنه وإن أمكن عقلاً وفي ذاته، إلا أنه غير ممكن عقلاً في نطاق العادة وحدودها، ولعلّه على هذا الأساس أرجع صاحب الكفاية المقدمة العادية للمقدمة العقلية في بحث المقدمة.
والخبر المتواتر مفيد لليقين عادة، أي في حدود العادة لا يخطر احتمال الخلاف، وفي حدود العادة يُقطع بصدق الخبر المتواتر، وأن هناك ملازمة عادية قطعية يحكم بها العقل، بين الخبر والمخبر عنه، ولكن هذا لا ينفي احتمال الخلاف في العقل بما هو عقل مجرّداً عن ملاحظة العادة وفي ذاته وواقعه، ولكن بملاحظة العادة ينتفي احتمال الخلاف تماماً وبالمرّة، كما في تعبيراتهم، فليس احتمال الخلاف مستحيلاً في ذاته وواقعه كاجتماع النقيضين، وإنما استحالته في الخبر المتواتر في حدود العادة.
يذكر الملأ صالح المازندراني في تعليقه على هذا الشرط المذكور في المعالم: ـ أن يبلغوا في الكثرة حداً يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب ـ يقول: «إشارة إلى أن الامتناع مستند إلى العادة لا إلى العقل، إذ التجويز العقلي بالتوافق على الكذب بمعنى إمكانه بحسب الذات واقع، إلا أن هذا لا ينافي في امتناعه عادة كما في سائر الممتنعات العاديّة».
وقد أشار لهذه الفكرة الوحيد البهبهاني في كتابه الفوائد: «إنّ العلم العادي مساوٍ للعقلي في المنع عن النقيض، إلا أنه بواسطة ملاحظة العادة، وتجويزه للنقيض من حيث نفسه مع قطع النظر عن العادة، واي عقل يجوّز أن تصير أرواث الحمير دفعة كل واحد منها آدمياً عالماً بجميع العلوم، ماهراً في جميع الفنون، ومزيناً بأنواع الجواهر واليواقيت إلى غير ذلك؟!
نعم، مع قطع النظر عن العادة، يحكم بجوازه، وليس عنده مثل اجتماع النقيضين». فالامتناع العادي ـ في حدود العادة ـ يمتلك ميزة الامتناع الذاتي في نفي احتمال الخلاف وهذا هو مستوى العلم العادي الحاصل من التواتر، والعادة موجبة لحصول العلم عقلاً بمؤدّاها كما هو الملاحظ وجداناً وخارجاً في حصول اليقين من الخبر المتواتر، وكما ذكروه في أن شارب السمّ يعلم يقيناً عادة أن شربه يقتله.
فهذا العلم العادي يملك صفات العلم العقلي في الحجّية والكاشفية وقوّة الدفع على وفقه، ونفي احتمال الخلاف.
وفي مقابل هذا العلم القطعي ـ بحسب العادة ـ الاطمئنان والوثوق الذي يمتلك احتمال الخلاف ـ بحسب العادة أيضاً ـ وإن كان احتمالاً ضعيفاً لا يعتني به العقلاء.
والوحيد البهبهاني حول الخبر المتواتر يقول: «لأن الخبر المتواتر هو خبر جماعة يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، ولا يمكن عند العقل بملاحظة العادة، فالمناط هو استحالة العقل على تواطؤ هذا القدر من الكثرة من جهة كثرة العدد لا من جهة القرائن الخارجية».
ولعله لهذا المعنى يشير السيد المرتضى بقوله: «لأنه إذا ألقى من جملتهم من خبّره بالنص على أمير المؤمنين عليه السلام وقد بلغوا من الكثرة إلى حدّ تقضي العادات بأن الكذب لا يجوز معه عليهم صدّقهم وإن لم يُخبره كل إماميّ في الأرض».
ويقول أيضاً: «لأن العادات تقضي بوجوب العلم بما ذكرناه».
عدد الرواة
وهل يشترط في تحقّق التواتر عدد معيّن، أم لا يشترط ذلك؟ فهل أنّ العدد إنما يعتبر في الخبر المتواتر لأنه طريق لإفادة العلم، فلا يشترط عدد معين، بل المقياس كل عدد يفيد اليقين، أو أن هناك عدداً معيناً في الخبر المتواتر يشترط توفّره، دون أن يقلّ الرواة عن هذا العدد؟
ذهب البعض إلى تعيين عدد خاص في تحقّق التواتر، فلو قلّ الرواة عن ذلك العدد لم يصدق التواتر، ثم اختلف هؤلاء في تحديد هذا العدد، على أقوال كثيرة، ننقل هنا بعضها:
1 ـ أن يكون عددهم اثني عشر، عدد نقباء بني إسرائيل، واستشهد له بالآية الشريفة: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾.
2 ـ أن يكون عددهم عشرين، بدليل الآية الشريفة: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾.
3 ـ أن يكون عددهم سبعين، عدد ما اختار موسى عليه السلام من قومه، بدليل الآية الشريفة: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾.
4 ـ أن يكون عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، عدد أهل بدر.
5 ـ أن يكون عددهم (1700) بعدد أصحاب بيعة الرضوان.
إلى غير ذلك من الأقوال:
ويعلّق عليها الشهيد الثاني بقوله:
«ولا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الجزافات، وأي ارتباط لهذا العدد بالمراد؟! وما الذي أخرجه من نظائره مما ذكر من ضروب الأعداد؟!» فإن الأدلة لا تدلّ على خصوص الموضوع وهو الخبر المتواتر، كما أنه أي فرق بين هذه الأعداد وسائر الأعداد المذكورة في القرآن الكريم أو غيرها.
وقد ذكرت في بعض الكتب مناقشات لهذه الأدلة لا حاجة لذكرها، لذلك نلاحظ أن أكثر العلماء أعرضوا عن مناقشتها، بل ذكروا بعضها واكتفوا في مناقشتها برميها بالضعف والوهن.
يقول في الفصول: «وفساد هذه الأقوال غنيّ عن البيان فلا نطيل الكلام فيه».
ويقول في القوانين: «وحججهم ركيكة واهية لا تليق بالذكر، فلا نطيل بذكرها وذكر ما فيها، والحقّ أنه لا يشترط فيه عدد، وهو مختار الأكثرين، فالمعيار هو ما حصل العلم بسبب كثرتهم، وهو يختلف باختلاف الموارد، فرُبّ عدد يوجب القطع في موضع دون الآخر».
إذاً، فلو كانت قيمة التواتر معتمدة على إفادة العلم واليقين، فالمقياس هو العلم من أي عدد حصل، ومن هنا ذكروا أن لخصوصيات الرواة وصفاتهم أثرها في سرعة حصول العلم وبطئه، فهناك فرق بين أفرادٍ ثقات وغير ثقات ينقلون الخبر، فإنه ربما حصل العلم بإخبار عدد أقل من الثقات، بينما لا يحصل العلم بإخبار عدد أقل من غيرهم، بل يلزم أن يكون عددهم أكثر، فلو كان يشترط عدد معيّن، لوجب الالتزام به، ولا تأثير لخصوصيات الأفراد وصفاتهم في ذلك، بينما الوجدان حاكم بالفرق بين الحالتين من حيث حصول العلم
أقسام التواتر
ذكرت تقسيمات عديدة للتواتر ولكن نذكر هنا ثلاثة أقسام منها ولعلّ التقسيمات الأُخرى داخلة فيها.
1 ـ التواتر اللفظي: وهو أن يتفق جميع الرواة الذين يمتنع تواطؤهم على الكذب في سلسلة السند على نقل رواية بألفاظ معيّنة أو مرادفة لها ـ كما ذكره البعض ـ دون اختلاف بينهم في النقل، وبذلك يحصل العلم بذلك المتن الواحد، ومُثّل له ببعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي» حيث حصل التواتر بين المسلمين في صدور هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يقطع بصدور الكلام ولكن يختلف في مضمونه كالحديث النبوي الشريف: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فهذا المتن متواتر بين المسلمين، وأنّه نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن اختلف البعض في مضمونه، وفي معنى «المولى».
وقد أنكر البعض وجود المتواتر اللفظي في الروايات.
2 ـ التواتر المعنوي: أن يتّفق الجميع على نقل المدلول والمضمون الواحد، وإن اختلفت الألفاظ الدالّة على ذلك المدلول الواحد، سواء كانت دلالتها على ذلك المدلول الواحد المشترك بالدلالة المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية، ومثّل له بالأخبار التي تخبر عن شجاعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث تنقل حروبه وحكايات بطولته بمختلف أساليب التعبير والقضايا عن ذلك اللازم الواحد وهو الشجاعة، بحيث تفيد بمجموعها الجزم بتحقّق ذلك.
فلا يشترط في التواتر المعنوي اتّفاق الأخبار على المعنى الواحد، فإنّ كل خبر يختلف بلفظه ومعناه المباشر عن الآخر، ولكن كل الاخبار تدل على مدلول، تستهدفه وتقصده، وكلّها تدور حول محور واحد، كما في أخبار الشجاعة، فربّما كان خبر منها ينقل حكاية تختلف عن الحكاية التي ينقلها الخبر الآخر فتختلف الأخبار بألفاظها ومعانيها، ولكنها كلها تدور حول محور واحد وهو الشجاعة، وتستهدفه وتدل عليه.
إذاً فكل خبر يحكي عن واقع، وكل خبر وواقع ليس متواتراً ومقطوعاً في نفسه لأنه خبر واحد، ولكن كل الأخبار والوقائع تدل على أمرٍ ولازم واحد نقطع بثبوته خارجاً وقد ذكرت للتواتر المعنوي أقسام عديدة ذكرها المحقق القمّي، وتعرض لها الشيخ المامقاني في «مقباس الهداية».
3 ـ التواتر الإجمالي: بأن تنقل جماعة كبيرة أخباراً كثيرة متعدّدة مختلفة في اللفظ والمعنى والمدلول، ولكن نتيقّن بصدق بعضها، فلا تخبر عن ألفاظ معينة أو مضمون واحد، ولكن نتيقن بأن هذه الأخبار الكثيرة المختلفة لا يمكن أن تكون جميعها كاذبة، بل لا بد أن يكون بعضها صادقاً وصادراً، ولكن هذا البعض المعلوم الصدق والصدور غير واضح ومتميز بشخصه، بل إنه معلوم بالإجمال، فنعلم إجمالاً بصدق بعضها وإن لم يتحدّد بعينه.
وهذه الظاهرة لا تختصّ بالروايات الشرعية المنقولة عن المعصومين عليه السلام بل إنها تشمل الأخبار التاريخية والعُرفية أيضاً، فلو نقل ألف شخص أخباراً متعدّدة، مختلفة في مدلولاتها، وكل واحد منها لا يفيد الجزم بصدقه لوحده، ولكن نعلم إجمالاً بأن البعض منها صادق، إذ لا يمكن أن تكون كل الأخبار المنقولة من الصباح والمساء كاذبة، ولا يمكن أن يتفق الجميع مع كثرتهم واختلافهم على الكذب أو الخطأ عادة، إذاً فيكون بعضها صادقاً وإن لم نحدّده.
ويمثل له بالروايات المذكورة في كتب الحديث، فإنها وإن اختلفت لفظاً ومعنى ومدلولاً، ولكن نعلم بصدور بعضها إجمالاً، إذ يقطع الإنسان بعدم اتفاق الجميع على وضع هذه الأحاديث والكذب أو الخطأ في نقلها مع اختلافهم، إذ يستحيل تواطؤهم على ذلك، فهذه الحالة توجب الجزم بصدور البعض منها إجمالاً.
وفي التواتر الإجمالي قالوا بالأخذ بالقدر الجامع بين الأخبار، الذي هو الخبر المشتمل على أخصّ المضامين كلها فيما لو وجد مثل هذا الجامع بينها، وإنما يؤخذ بالقدر المتيقّن الجامع لأنه أخص الجميع.
فكل الأخبار تقول بذلك الجامع، ويحصل العلم به لو بلغ عدد الأخبار حداً يقطع بعدم تواطئهم على الكذب، فثبت به الجامع بين الكل، وهو العنوان الذي تنطبق عليه جميع العناوين، ومقتضى تواترها الإجمالي هو حجّية خبر من أخبار الحجّية هو أخص من الكل مضموناً وأضيقها دائرة، فإنه القدر الجامع بين الكلن وهو الذي توافقت عليه الأخبار وأطبقت على صحّة مؤداه».
إذن فمقتضى التواتر الإجمالي هو الأخذ بالخبر الواحد لجميع الخصوصيات باعتبار كونه القدر المتيقن منها.
ويمثل له في علم الأصول بالأخبار الدالة على حجية الخبر الواحد، فإنها لا تتفق على ألفاظ معينة أو تستهدف معنى واحداً، ولكن هناك قدر جامع بين الجميع، وهذه الأخبار بالغة حد التواتر الإجمالي «ومقتضاه الالتزام بحجية الأخص منها المشتمل على جميع الخصوصيات المذكورة في هذه الأخبار، فيحكم بحجية الخبر الواحد لجميع تلك الخصوصيات باعتبار كونه القدر المتيقّن من هذه الأخبار الدالة على الحجّية».
ولعل هذا المصطلح «التواتر الإجمالي» ـ إنما وضع للاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالروايات بمعنى القطع بصدور بعضها وإن لم يتميّز بعينه.
وفكرة التواتر الإجمالي لعلها كانت موجودة ـ كفكرة ـ في أذهان علمائنا، لضرورة انتهاء الحجية إلى دليل قطعي عليها وعدم إمكان الاستدلال على حجية الخبر الواحد بالخبر الواحد بينما نرى بعض العلماء السابقين ـ كالشهيد الثاني ـ يقسّمون الخبر المتواتر إلى قسمين: اللفظي والمعنوي.
وأما التواتر الإجمالي ـ كالمصطلح ـ فقد رأيته في كتاب «بحر الفوائد» للشيخ الآشتياني ـ تلميذ الشيخ الأنصاري ـ ولعلّ هناك من سبقه في هذا الاصطلاح، إلا أن الملاحظ أن الشيخ الآشتياني قد ألحق التواتر الإجمالي بالتواتر المعنوي.
ويحتمل أن يكون كلام الشيخ الأنصاري مشيراً إلى فكرة التواتر الإجمالي ـ وإن لم يذكر هذا المصطلح ـ حيث ذكر التواتر، وذكر القدر المتيقّن من هذه الأخبار المتواترة، يقول في الرسائل حول الاستدلال بالسُنّة على حجّية الخبر الواحد:
«… إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد من مجموعها رضى الأئمّة بالعمل بالخبر وإن لم يفد القطع، وادّعى في الوسائل تواتر الأخبار بالعمل بخبر الثقة، إلا أن القدر المتيقن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء».
والملاحظ أن الشهيد الثاني وصاحب القوانين وحواشيه عبّروا عن التواتر المعنوي ما يحصل منه العلم بالقدر المشترك ويمكن حمل كلام الشيخ عليه، وكما يشير لذلك الشيخ الآشتياني.
ويعلّق على عبارة الرسائل الشيخ رحمة الله الكرماني ـ تلميذ الشيخ الآشتياني ـ فيقول: «إنّ هذه الطوائف من الأخبار، وإن لم تكن متواترة لفظية ولا معنوية، ولكن تراكمها وتضافرها يوجب العلم القطعي بحجّية عنوان هو أخص من الكل» وهذه هي فكرة التواتر الإجمالي.
ويقول الشيخ الآشتياني في كتابه «بحر الفوائد» حول دليل السُنّة على حجّية الخبر الواحد: «ثم إن قطعية كل واحد من الطوائف ـ كما هو الحق ـ ليست من جهة الاحتفاف بالقرينة، ولا من جهة التواتر اللفظي، ضرورة انتفائه، بل من جهة التواتر الإجمالي الراجع إلى التواتر المعنوي، وتواتر القدر المشترك باعتبارٍ، فيؤخذ من كل واحد منها بما هو القدر المتيقّن الثابت من جميع أخبار كل طائفة، فيثبت المُدّعى وهو حجية خبر الواحد المجرّد إجمالاً في قبال النفي الكلي والمنع المطلق».
فالملاحظ أنه أرجع التواتر الإجمالي للتواتر المعنوي، وإن ذكر بصراحة هذا المصطلح.
والشيخ الآخوند ذكر أيضاً التواتر الإجمالي، ولكنه لم يرجعه للتواتر المعنوي، وقد ذكر بعض خصائصه، وبعد الشيخ الآخوند بحث العلماء هذا المصطلح وخصائصه، وفرّقوه عن أنواع التواتر الأخرى وذكر في منتهى الدراية في شرح الكفاية: «التواتر الإجمالي وهو اصطلاح جديد من المصنّف ـ صاحب الكفاية ـ ولم نعثر عليه في كتب الدراية».
يقول الشيخ الآخوند في حاشيته على الرسائل، حول الاستدلال بالسنّة على حجية الخبر الواحد «لا يقال: وجه الاستدلال بالأخبار مع عدم تواترها لفظاً ومعنى، لوضوح اختلافها بألفاظها ومضامينها، وإن كان بينها قدر مشترك كما لا يخفى، ضرورة أن وجود القدر المشترك بينها لا يوجب تواتر الأخبار بالنسبة إليه، ما لم يحرز أن المخبرين بصدد الإخبار عن معنى واحد، وأن اختلافهم إنما هو يكون في خصوصياته، كيف والأخبار الكثيرة المتفرّقة يكون بين مضامينها قدر مشترك لا محالة، ولا يفيد كثرتها القطع به أصلاً.
لأنّا نقول: «وجه الاستدلال إنّما هو تواترها على نحو الإجمال بمعنى أن كثرتها توجب القطع بصدور واحد منها، وهو كاف حجّة على حجية الخبر الواحد في الجملة في قبال نفي حجيته مطلقاً، وقضيته الاقتصار على اعتبار خصوص ما دل على اعتباره من أنحاء خبر الواحد مثل خبر العدل أو مطلق الثقة أخصّ الطائفة التي علم بصدور واحد بينها مضموناً».
بينما يفسّر التواتر المعنوي «ما أُحرز فيه أنّ المخبرين بصدد الإخبار عن معنى واحد» بحيث يستهدف ويقصد المخبرون الإخبار عن معنى واحد، وبذلك يحصل القطع بذلك المعنوي الواحد المقصود لتحقّق التواتر فيه، وأما في التواتر الإجمالي فلا يشترط توفّر ذلك فيه، بل إن كثرة الأخبار نفسها توجب القطع بصدور خبر واحد منها، ومقتضاه اعتبار الخبر الأخصّ مضموناً من الجميع، فلا يشترط فيه كون المخبرين بصدد الإخبار عن معنى واحد.
وفي كتابه «الكفاية» يذكر هذه الفكرة أيضاً بصورة أكثر إيجازاً، فيقول حول الموضوع نفسه: «إلاّ أنّه يشكل الاستدلال بها على حجّية إخبار الآحاد، بأنها أخبار آحاد غير متفقة على لفظ ولا على معنى، فتكون متوافرة لفظاً أو معنى، ولكنّه مندفع: بأنها وإن كانت كذلك، إلاّ أنها متواترة إجمالاً، ضرورة أنه يعلم إجمالاً بصدور بعضها منهم عليهم السلام، وقضيّته وإن كان حجية خبر دل على حجية أخصها مضموناً، إلا أنه يتعدّى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية وقد دل على حجية ما كان أعمّ».
وهكذا نرى الشيخ الآخوند يذكر هذا المصطلح ويفسره بما ذكره وأنّ التواتر الإجمالي يفيد القطع بالخبر الذي يشتمل على مضمون أخص من مضامين الأخبار الأخرى، حيث يتحقّق التواتر في خبر واحد من الأخبار الكثيرة. حيث أن الكثرة العددية توجب القطع بصدور بعضها إجمالاً.
ومما سبق ظهر الفرق بين التواتر المعنوي والتواتر الإجمالي ـ كما ذكر هذا الفرق بعض العلماء ويفهم من كلام الشيخ الآخوند ـ فإن الأخبار في التواتر المعنوي وإن اختلفت في ألفاظها ومعانيها لكنها تدل على لازم ومعنى واحد وتستهدفه ـ كما في مثال الشجاعة ـ فإن كل خبر يستهدف التعبير عن تلك الشجاعة ويقصده ويدل عليه، وإن اختلفت أساليب التعبير.
إذن فالتواتر المعنوي يوجب القطع باللازم والمعنى الواحد ابتداءاً وأما في التواتر الإجمالي فلا يوجد عنصر الاستهداف والقصد، فإن هذه الأخبار لا تقصد معنى واحداً تعبّر عنه، ولكن يمكن انتزاع مفهوم واحد منها، وهو القدر المتيقّن من الجميع، فالأخبار ليست ناظرة إلى ذلك القدر المتيقّن، ففي مثال الأخبار الدالة على حجية الخبر الواحد فإن الطائفة التي تخبر عن حجية الخبر الموافق لا نظر لها لخبر الثقة، ومن يخبر عن حجية خبر الثقة لا نظر له للخبر الموافق، ولكن لا يمكن لنا أن نقول إن الجميع كذب، إذن فالتواتر الإجمالي يوجب القطع بصدور واحد منها إجمالاً ابتداءاً، ولكن مقتضى ذلك القطع بصدور الخبر الذي يشتمل على مضمون أخصّ وجامع فيما لو وجد مثل هذا الخبر الأخص مضموناً من الجميع لأن هذا هو مقتضى التواتر الإجمالي والقطع بصدور واحد منها إجمالاً.
وبهذا الفرق يناقش رأي البعض الذي أرجع التواتر الإجمالي في واقعه إلى التواتر المعنوي.
وهناك فروق بين هذه الأقسام من التواتر، نذكر بعضاً منها:
فمنها: أن احتمال الخطأ أو الكذب في التواتر اللفظي أضعف منه في القسمين الآخرين، وذلك لأنّ هذا الاحتمال في نقل ألفاظ معيّنة بعيد جداً من جماعة مختلفة وكبيرة، ولذلك يحصل التواتر اللفظي بعدد أقلّ من العدد الذي يلزم توفّره في القسمين الآخرين، وأنّ اليقين الذي يحصل منه أسرع من حصوله في القسمين الآخرين.
وكذلك التواتر المعنوي الذي يستهدف فيه الرواة معنى واحداً يعبّرون عنه بتعبيرات مختلفة، فإن احتمال الكذب أو الخطأ في نقلها أكثر ضعفاً من التواتر الإجمالي.
وأما في التواتر الإجمالي حيث لا يهدف فيه الرواة نقل ألفاظ معيّنة ولا معنى واحداً، وإنما تعتمد قيمة التواتر الإجمالي على الكثرة العددية فحسب، وبوصول العدد إلى الحدّ الذي يستحيل معه تواطؤهم على الكذب أو الخطأ دون أي تأثير للفظ أو المضمون الواحد في ذلك، فإنه يحتاج في حصول العلم واليقين به إلى عدد أكبر لقوّة احتمال الخطأ فيه ولاعتماده ـ تماماً ـ على العدد، فكلذما ازداد العدد ضعف احتمال الكذب أو الخطأ فيه.
ومنها: ما ذكره بعض بأن استكشاف المضمون وإثبات صدقه ومطابقته للواقع في المتواتر اللفظي خاضع لأصالة الظهور وجهة الصدور، لأن التواتر يثبت القطع بصدور الكلام، وأما فهم مضمونه فهو خاضع لما ذكرناه، وكذلك في التواتر الإجمالي، فإنّ التواتر يثبت القطع بصدور الاخبر المشتمل على المضمون الأخصّ، وأما فهم المضمون وصدقه فهو خاضع لأصالة الظهور وجهة الصدور، وأما في التواتر المعنوي فإن القطع باللازم الواحد الذي تدلّ عليه الأخبار كلها فلا يخضع لأصالة الظهور وجهة الصدور.
ومنها: أن هذه الأقسام تختلف في وقوعها خارجاً، فإن التواتر اللفظي أقل وقوعاً ووجوداً في كتب الحديث، والروايات المنقولة عن المعصومين عليهم السلام من التواتر المعنوي، والتواتر المعنوي أقل وجوداً من التواتر الإجمالي، ولذلك ربما أنكر البعض وجود التواتر اللفظي في الروايات، بينما أثبته البعض الآخر في روايات قليلة جداً.
وهذا الاختلاف في قوة الاحتمال وضعفه، وفي حجم العدد، وفي الوقوع، لا يختصّ بالروايات الشرعية، بل يشمل الأمثلة والأخبار العرفية والتاريخية أيضاً.
شروط الخبر المتواتر
وقد ذكر لتحقّق التواتر وصدقه، وفي حصول العلم منه واعتباره، شروطاً نذكرها: والملاحظ أن العلماء فرّقوا بين نوعين من الشروط، شروط لتحقق التواتر، وشروط لحصول العلم من الخبر المتواتر، وسنشير لذلك خلال ذكرنا لهذه الشروط.
1 ـ العدد: فإنه يشترط في تحقق التواتر وصول العدد إلى الحد الذي يستحيل معه التواطؤ على الكذب أو الخطأ، بحيث يفيد العلم عادة، وقد ذكرنا بأنه لا يشترط عدد معيّن فيه، ولا يشترط في هؤلاء المخبرين أن يكونوا ثقاتاً عدولاً كما يشترط في حجية الخبر الواحد، بل أن الكثرة العددية تكفي لحصول العلم منه، ولكن للوثاقة والخبرة والعدالة وغيرها من صفات الراوي تأثيرها في سرعة حصول العلم وبطئه، فإن حصول اليقين من الثقات أسرع من حصوله من غيرهم.
2 ـ «أن يكون المخبّر عنه محسوساً بالبصر، أو غيره من الحواس الخمس»، فينحصر التواتر في الإخبار عن المحسوسات التي تعرّف عليها المخبر بإحدى حواسه، وبذلك يكون إخباره صادراً عن علم ضروري مستند إلى محسوس، كما لو نقل كلام شخص سمعه أو حادثة شاهدها بعينيه.
ويضاف للأمور المحسوسة، الأمور القريبة من الحسّ، التي لها آثار محسوسة، كالشجاعة والكرم، فإنها كانت صفات نفسية، إلا أن آثارها حسية، فهذه الصفة قريبة للحسّ، ولذلك يتحقّق التواتر في شجاعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
يقول في الفصول: «ومنها ـ أي شروط التواتر ـ أن يكون إخبارهم عن محسوس، ولو بحسب آثاره ولوازمه البيّنة كما في تضافر الأخبار بشجاعة الإمام علي عليه السلام وسخاوته، فإن الشجاعة والسخاوة وإن لم تكونا من الأمور المحسوسة، إلا أن آثارهما ولوازمهما البينة محسوسة».
فيكون لذلك الأمر الحدسي آثار ولوازم حسّية، بحيث يكون الإحساس بتلك الآثار واللوازم إحساساً بذلك الأمر الحدسي بنظر العرف والعقلاء، فيكون ملحقاً بالإخبار عن الأمر الحسّي في إفادة التواتر للعلم به وزوال احتمال الكذب والخطأ منه.
وأما الأخبار المستندة للحدس أو الاعتقاد أو الظنّ أو بتعبير الفصول: «الأحكام العقلية ضرورية كانت كالكل أعظم من الجزء، أو نظرية كحدوث العالم أو قدمه، وتركّب الجسم من الهيولى والصورة، أو الجوهر الفرد».
فإنها لا تفيد قطعاً للسامع من الأخبار نفسه، فلو نقل ما يعتقده أو يستنبطه أو يظنّه فإن هذا النقل لوحده ـ مهما كثر عدد الناقلين له ـ لا يفيد علماً للسامع، فلا يتحقق التواتر في نقل المسائل الاعتقادية والحدسية.
وذلك لأن احتمال الخطأ والاشتباه في الاجتهاد والاستدلال لا يزول من السامع وجداناً، فلا يحصل له اليقين بذلك الأمر الحدسي المنقول، إذ يبقى احتمال أنه قد أخطأ في اعتقاده واستدلاله، إلا إذا توصل السامع بالبرهان والدليل إلى العلم والاقتناع بذلك الأمر الاعتقادي والحدسي، ومع توصّله إليه فلا يكون التواتر هو السبب للعلم، بل ذلك البرهان والدليل، فلا يزيدنا التواتر علماً في هذا المجال، فحتى لو اتفق الفلاسفة مثلاً على فكرة فلسفية برهانية، فلا يكون ذلك سبباً لحصول اليقين بها، مع وجود احتمال الخطأ في الجميع.
كما يشير لذلك الشيخ الآشتياني في العبارة التي نقلناها عنه سابقاً «من حيث أن خطأ الأنظار في المسائل العلمية النظرية ـ وإن توافقت وتراكمت ـ لا تحيله عادة أصلاً غاية ما هناك حصول الظنّ أو القوي منه».
يقول السبزواري في شرح المنظومة: «ولا بُد في المتواترات أن تكون عن أمر محسوس لا عن معقول، فالحاصل بالتواتر علم جزئي من شأنه أن يحصل بالإحساس، فلو أخبرنا بالتواتر بل أطبق أهل العالم أن اجتماع النقيضين محال أو جائز مثلاً ما أفادنا يقيناً بمجرّده لأنه أمر عقلي فلا تستعمل في العلوم العقلية المحضة بالذات».
مما يدل على أن الأمر المنقول بوساطة التواتر يجب أن يكون في ذاته أمراً حسياً وقد أدركه الناقلون بالحسّ أيضاً بحيث يمكن للمنقول إليه أن يحسّ به بإحدى حواسه، ويلحق به الأمر الحدسي القريب من الحسّ كالملكات النفسية التي لها مظاهر وآثار حسية بحيث يمكن للإنسان الإحساس بهذه المظاهر وكأنه قد أحس بها نفسها، أما المور العقلية المحضة التي ليست هي حسية في ذاتها وليس لها مظاهر وآثار حسية، فمهما كثر الناقلون لها فلا يتحقق العلم للمنقول إليه إذ يشترط فيه أن يمكن للمنقول إليه الإحساس بذلك الأمر المخبّر به ولكن لم يحسّ به بل نقل إليه بالتواتر.
ويلحق بالأمر الحدسي ما لو كان الأمر المنقول في ذاته أمراً حسّياً، كموت زيد مثلاً، ولكن توصّل إليه الناقل بالحدس كالمنام مثلاً ولم يتعرّف عليه بالحسّ والمشاهدة، فهنا لو لم يتعرّف الناقلون على الأمر الحسّي بالحسّ بل بوساطة مقدّمات حدسية فهو أيضاً لا يوجب ـ هذا النقل ـ القطع للمنقول إليه مهما كثر عدد الناقلين.
والسبب في كل ذلك ما ذكرناه، أنه لا يزول احتمال الخطأ والاشتباه في نقل الأمور الحدسية مهما كثر عدد الناقلين، بينما احتمال الخطأ والاشتباه يزول في نقل الأُمور الحسية التي أحسّ بها الناقل بكثرة الناقلين لها حتى ينعدم تماماً، فإنّه وإن وجد احتمال الخطأ في خبر الواحد ولكن بكثرة الناقلين للأمر الحسّي الواحد يزول بالتدريج إلى أن ينعدم تماماً بحيث يحصل القطع بتحقّق مضمون الخبر الحسّي، فإن احتمال الخطأ والاشتباه في الحواس ينعدم بكثرة الناقلين، بينما احتمال الخطأ في الحدس والاجتهاد لا يزول مهما كثر عدد الناقلين.
وقد ذكرنا أن المنقول إليه وإن لم يحسّ بالخبر به نفسه، وإنما نقل إليه بوساطة الناقلين، ولكن بكثرة الناقلين يحصل له القطع بالمخبر به وكأنه أحس به، ولكن هذه الحالة لا تتحقق للمنقول إليه إلا إذا كان المخبر به حسّياً أو قريباً من الحس بحيث أحس به الناقل ونقله للمنقول إليه، وأما لو كان المخبر به حدسياً محضاً، ونُقل إلى المنقول إليه فهنا ـ حتى لو كثر عدد الناقلين ـ فلا يحصل القطع للمنقول إليه.
ومن هنا أنكروا تأثير التواتر في اعتبار الإجماع، فإن الإجماع وإن توفّر على معيار التواتر ـ من كثرة الناقلين للحكم والمجمعين عليه ـ إلا أن هؤلاء العلماء المجمعين لم ينقلوا الحكم مباشرة عن الإمام عليه السلام، فلم يستند المجمعون ـ بالرغم من كثرتهم ـ إلى الحسّ، كما هو الأمر في نقل الروايات التي تنقل الخبر عن المعصوم عليه السلام نفسه، بل إنّ كل فقيه من هؤلاء المجمعين قد توصّل لحكم من خلال اجتهاده ونظره، واجتهاد شخص وقناعته ورؤيته، لا تفيد العلم إلا لنفسه لا لغيره، فإن هذا السامع لا بد أن يجتهد ويفكر في الرأي المنقول إليه ليؤمن بنفس الدليل الذي يؤمن به الناقل لتحصل له القناعة والعلم به، فحتى لو كثر الناقلون والمجمعون للرأي الواحد فلا تحصل القناعة اليقينية للسامع.
فإن احتمال الخطأ لا يزول في مثل هذا الإجماع، لأن كل فقيه من هؤلاء المجمعين قد استند في رأيه إلى اجتهاده وحدسه اعتماداً على وجود أصل أو رواية وربما كان مخطئاً في اجتهاده أو فهم دلالة الرواية، وكثيراً ما وقع الاشتباه والخطأ في الأمور الحدسية والبرهانية والاجتهادية.
لذلك لا يحصل للإنسان اليقين في نقل المعتقدات والآراء الشخصية، واحتمال الخطأ والاشتباه هذا إذا كان متحقّقاً في واحد منهم فهو متحقق في الجميع أيضاً، ولا يزول بالكثرة العددية كما يقول الشيخ النائيني:
«إلا أنه ليس كذلك في الإخبار عن الأمور الحدسية التي لا بُد فيها من إعمال نظر وفكر، فإن احتمال الخطأ إذا كان متمشياً في خبر الواحد منهم فيكون متمشياً في خبر الجميع أيضاً».
ومن هنا ذكروا في أُصول العقائد أنه يشترط فيها اليقين عن نظر واستدلال وإن كان بسيطاً، لا عن سماع وتقليد، ولعله لأجل أن الإخبار عنها بمجرّده لا يوجب اليقين والعلم عادة.
والملاحظ على هذا الشرط أنه من شروط المخبر، لا السامع وحصول العلم لأنه قد يحصل العلم من أخبار جماعة عن الأُمور النظرية لبعض الأفراد، ومن هنا وقع بحث في أُصول العقائد أنه لو حصل اليقين من السماع هل يكفي هذا في الاعتقاد بها، أم لا يكفي؟
بل لا بُد من نشوء اليقين من نظر واستدلال، ولسنا في مجال البحث عن ذلك، ولكن هذا البحث يدلّ على حصول اليقين أحياناً من السماع في المسائل النظرية.
وقد ذكرنا عدم الفرق في تحقيق التواتر في الأمور الحسّية والحدسية القريبة من الحسّ، ولكن وإن أمكن تحقق التواتر وحصول العلم منه في القضية الحدسية القريبة من الحسّ إلاّ أنها ربما تختلف عن نقل القضية الحسّية في سرعة حصول القطع وبطئه.
ويشير لذلك السيد الصدر بقوله: «ومنها درجة وضوح المدرك المدّعى للشهود، ففرق بين الشهادة بقضية حسّية مباشرة كنزول المطر، وقضية ليست حسّية وإنما لها مظاهر حسيّية كالعدالة، وذلك لأن نسبة الخطأ في المجال الأول أقل منها في المجال الثاني، وبهذا كان حصول اليقين في المجال الأول أسرع».
3 ـ «استواء الطرفين والواسطة في العدد وأوصاف الرواة»، فيلزم أن تبلغ كل طبقة من طبقات سلسلة السند ـ إذا كانت للخبر طبقات ولم ينقل للسامع بالمباشرة ـ العدد الذي يفيد العلم، وأن يكون المستند لكل طبقة هو الحسّ في النقل، إذاً فلا بُدّ أن تكون طبقات السند مشتركة بكل ما يعتبر في المخبرين من شروط.
4 ـ أن لايكون للسامعين علم مسبق بما أُخبروا به، وذلك لأن الخبر المتواتر هو طريق لحصول العلم، فإذا كان السامع عالماً بمضمون الخبر مسبقاً فلا يزيده الخبر المتواتر علماً.
وقد ذكر الشهيد الثاني هذا الشرط في البداية فقال: «انتفاء العلم المستفاد منه اضطراراً عن السامع، لاستحالة تحصيل الحاصل، وتحصيل التقوية أيضاً محال، لأن العلم يستحيل أن يكون أقوى مما كان» فإن هذا الخبر المتواتر لو استهدف إفادة العلم فهو تحصيل حاصل وهو مستحيل لوجود العلم مسبقاً لدى السامع.
وأما لو استهدف تقوية ذلك العلم المسبق فإن اليقين ليس من الأمور المشكّكة التي تتفاوت في الشدة والضعف، ويفهم منه أن مراده من العلم الذي ينتجه التواتر ليس مجرّد الوثوق والاطمئنان، فإن الاطمئنان من الأُمور المشكّكة التي تختلف بالشدّة والضعف، والذي لا يقبل التشكيك هو العلم بمعنى اليقين.
الذي ينتفي معه احتمال الخلاف تماماً، كما أشرنا لهذه الفكرة سابقاً، والملاحظ أن هذا الشرط شرط لحصول العلم لا لتحقّق التواتر.
5 ـ «أن لا تسبق شبهة إلى السامع وتقليد ينافي موجب خبره بأن يكون معتقداً نفيه» فيلزم أن لا يكون لدى السامع اقتناع واعتقاد بالمعتقدات المخالفة لمضمون الخبر المتواتر، وقد حصلت هذه المعتقدات نتيجة شبهات أو تقاليد تحكّمت في نفسه وسيطرت على مشاعره بحيث يرى خطأ كل ما يخالفها، ومن هنا لا يحصل له العلم من الخبر المتواتر، بينما يحصل العلم من هذا الخبر المتواتر نفسه لأولئك الذين لم يبتلوا بمثل هذه الشبهات والتقاليد والمعتقدات.
يقول الشهيد الثاني: «وبهذا الشرط، يحصل الجواب لمن خالف الإسلام من الفِرَق، إذا ادّعى عدم بلوغه التواتر بدعوى نبيّنا صلى الله عليه وسلم النبوّة وظهور المعجزات على يده موافقة لدعواه، فإن المانع لحصول العلم لهم بذلك دون المسلمين سبق الشبهة إلى نفيه وبهذا أجاب السيد عن نفي من خالفه تواتر النصّ على إمامة علي عليه السلام، حيث أنهم اعتقدوا نفي النص لشبهة» فإنّما لم يحصل لهؤلاء المخالفين العلم بالرغم من كون الخبر متواتراً ـ ومن طبيعته إفادة العلم ـ وذلك للشبهات والمعتقدات المنحرفة والضالّة المتحكّمة في نفوسهم والمسيطرة على مشاعرهم والمخالفة لمضمون الخبر، وهي التي منعت من حصول العلم لهم بالأخبار المتواترة عن المعجزات.
إذاً فيلزم على الإنسان أن يطهّر نفسه من تأثير الشبهات والمعتقدات والتقاليد المتحّكمة ليحصل له القطع من الأخبار المتواترة، وبذلك تكون رؤيته موضوعية للأخبار.
يقول المحقّق القمّي في القوانين: «وكذلك كل من أشرب قلبه حبّ خلاف ما اقتضاه التواتر لا يمكن حصول العلم له إلا مع تخليته عما شغله ذلك إلا نادراً».
وليست هذه الظاهرة مختصّة بالمتواترات، بل إنها شاملة لسائر البديهيات والضروريات، فقد لا يحصل اليقين لأحد بأمر ضروري فيما لو تحكّمت شبهة ما في نفسه منافية لذلك الأمر الضروري.
وقد اعترض في الفصول على هذا الشرط بأنه ليس شرطاً في تحقّق التواتر، بل إنه شرط في إفادة التواتر للعلم، فإنّ التواتر يتحقق بمثل هذا الخبر، ولكنه لا يفيد العلم لأمثال هؤلاء الذين تحكمت في نفوسهم هذه الشبهات والتقاليد وقد علّق الملاّ صالح المازندراني في تعليقته على المعالم على هذين الشرطين ـ الرابع والخامس ـ : «واعلم أن بعض الأصوليّين لم يذكروا هذا الشرط والشرط الآتي، بل اقتصروا على ذكر الثلاثة المذكورة لأن غرضهم ذكر ما هو شرط لانعقاد التواتر وتحقّقه وهما شرطان لإفادة العلم».
وقد أكد على ذلك سلطان العلماء أيضاً وأُشير لذلك في حاشية على القوانين حيث قال:
«ولا يذهب عليك أن هذا الشرط مع سابقه، أعني عدم سبق علم السامع بالحكم على استماع الخبر معتبران في تأثير المتواتر في العلم فعلاً لا في تحقّق ماهيّته، بخلاف الشروط الراجعة إلى المخبرين، فإنّها معتبرة في تحقّق الماهية».
6 ـ يلزم أن يستند حصول العلم بالخبر المتواتر للكثرة العددية للمخبرين فحسب، واما لو استند حصول العلم لقرائن خارجية أو داخلية فلا يكون من الخبر المتواتر، فإن الخبر الواحد ـ أيضاً ـ ربما أفاد العلم والقطع فيما لو اقترن ببعض القرائن.
7 ـ أن يزول احتمال الخطأ أيضاً بالإضافة لزوال احتمال الكذب بسبب الكثرة العددية، فلو زال احتمال الكذب فحسب وبقي احتمال الخطأ فلا يحصل العلم من الخبر المتواتر، ومن هنا يلاحظ على التعريف الذي يذكر للخبر المتواتر حيث يذكر احتمال الكذب وحده دون الخطأ، وكان يلزم ذكره أيضاً، كما لاحظ ذلك بحقّ الشيخ محمد رضا المظفّر في كتابه «المنطق» حيث ذكر في تعريف المتواترات:
«يمتنع تواطؤهم على الكذب، ويمتنع اتفاق خطئهم في فهم الحادثة»، ثم يعقب على الشرط الثاني: «هذا القيد الأخير لم يذكره المؤلّفون من المنطقيين والأُصوليّين وذكره ـ فيما أرى ـ لازم، نظراً إلى أن الناس المجتمعين كثيراً ما يخطأون في فهم الحادثة على وجهها، حينما تقتضي الحادثة دقّة الملاحظة».
فالعلم لا يحصل وجداناً من الخبر المتواتر ما لم ينتف احتمال الكذب واحتمال الخطأ وخداع الحواسّ والاشتباه، وقد التفت صاحب الفصول لذلك حيث يذكر في الشروط:
«ومنها أن يبلغ المخبرون في الكثرة حدًّا يمنع كذبهم أجمع عادة ولو على سبيل السهو والخطأ»، كما أنهم ـ في الإجماع ـ يذكرون أن السبب في عدم تأثير التواتر في الإجماع هو وجود احتمال الخطأ كما ذكرناه، وقد ذكرنا الفرق بين نقل الأمر الحسي والحدسي وتأثيره في زوال احتمال الخطأ والاشتباه.
ولعل السيد المرتضى كان ملتفتاً لهذا الشرط فذكر في الذريعة من شروط حصول العلم من التواتر: «أن يعلم أن اللبس والشبهة فيما أخبروا عنه زائلان» كما أنه التفت إلى شرط آخر وهو العلم بعدم تواطؤ المخبرين على الكذب، فلو علم أو احتمل تواطؤهم على الكذب، فلا يحصل العلم للسامع، ولكن الملاحظ أن الكثرة العددية بنفسها تزيل احتمال الاشتباه أو التواطؤ على الكذب، إلا أن توجد قرائن تدلّ عليهما، فلا يحصل العلم وجداناً.
وتذكر للتواتر شروط أخرى ناقشها العلماء:
يقول في الفصول: «وقد يشترط في التواتر أن يكون المخبرون من أهل بلدان مختلفة، واعتبر بعض اليهود أن لا يكونوا من أهل دين واحد، وهما بمكان من الضعف والسقوط»، سواء كانوا من دين واحد أو أديان متعدّدة، أو من بلد واحد أو بلدان متعدّدة.
والملاحظ أن هذين الشرطين وإن لم يلزم توفّرهما في تحقّق التواتر وحصول العلم منه، ولكنّهما لو توفّرا فسيكون لهما تأثيرهما في سرعة حصول العلم وبطئه.
وقد نسب البعض للشيعة أنهم يقولون باشتراط دخول المعصوم في المخبرين، والنسبة كما هو واضح غير صحيحة، وهذه كتبهم لم يُذكر فيها هذا الشرط، ولعلّه اختلط الأمر عليهم فلم يفرّقوا بين الإجماع والخبر المتواتر، فإنهم اشترطوا دخول المعصوم في الإجماع ضمن المجمعين، لأسباب تذكر في بحث الإجماع، لا في المخبرين في الخبر المتواتر.
وفي نهاية البحث يجدر بنا أن نفرّق بين نوعين من الشروط:
فقد فرّق العلماء بين نوعين من القرائن والخصائص المنضمّة للخبر، بين الخصائص التي ليس لها التأثير في أصل حصول العلم والتي تلازم الخبر أو المخبر أو السامع عادة، وبين الخصائص الزائدة على مثل هذه الصفات، فإن مثل هذه الخصائص للأخبار ـ عادة ـ لها تأثيرها في سرعة حصول العلم من الكثرة العددية وبطئه وليس لها تاثير في أصل حصول العلم، إذ ربما تكون القرينة المنضمّة للخبر هي الموجبة لحصول العلم من الخبر حتى لو كان الخبر واحداً، بحيث لولاها لما حصل العلم من الخبر، وربما لا تكون تلك الخصائص المنضمّة للخبر هي الموجبة لحصول القطع من ذلك الخبر، بل الموجب لحصول العلم هو الكثرة العددية للمخبرين، وإنما تأثيرها في سرعة حصول العلم وبطئه لا غير، وفي مقدار العدد من المخبرين، ومن هنا يرون عدم تأثير مثل هذه الخصائص المنضمة في تحقق التواتر.
وهذه الخصائص التي لا يضرّ توفّرها في صدق التواتر وتحقّقه قد تكون في المخبر من حيث كونه موصوفاً بالوثاقة والضبط والصدق وعدمها، فإن مجرّد كون الراوي ثقة لا يوجب القطع بخبره، إذ يحتمل الخطأ في أخباره، بل يحتمل الكذب إذا رأى مصلحة مهمّة في نظره على الكذب، فلا بُدّ من كثرة المخبرين حتى لو كانوا ثقاتاً إلى حد التواتر وامتناع التواطؤ على الكذب والخطأ، ليحصل العلم من خبرهم.
أو كانت هذه الصفات في السامع، من كونه خالي الذهن أو له معرفة مسبقة بمضمون الخبر، أو الاختلاف في طباع الناس ومشاعرهم.
وقد تكون في المخبر عنه، ككونه قريب الوقوع وعدمه، وكما ذكرناه في الفرق بين الإخبار عن الأمور الحسّية والأُمور الحدسية القريبة من الحسّ، فإن لها تأثيراً في سرعة حصول القطع وبطئه، ولكن يبقى القطع مستنداً للكثرة العددية وإن كان العدد المطلوب في الأمور الحدسية أكثر من العدد في الأمور الحسّية.
وقد تكون خصائص في نفس الخبر، كالهيئات المقارنة للخبر الدالّة على الوقوع وعدمه، وللتعبيرات اللفظية في متن الخبر تأثيرها في هذا المجال.
ويذكر الملاّ صالح المازندراني في تعليقته على المعالم في ما لو أفاد الخبر العلم:
«لكن لا بنفسه، بل إما بملاحظة القرائن الزائدة على ما لا ينفكّ الخبر عنه كما إذا أخبر مَلِكٌ بموت ولد مشرف عليه مع صراخ وحضور جنازته ونحوه، وإما بغيرها كما في خبر علم صدق مضمونه ضرورة، مثل: الكل أعظم من الجزء أو حساً، مثل: النار حارّة» فهنا لم يفد الخبر العلم بنفسه، وهناك قرائن تنضمّ للخبر لا تمنع من إفادة الخبر للعلم بنفسه.
«وأما القرائن الغير الزائدة فداخلة في خصوصية الخبر، فالخبر المفيد للعلم بها، يفيد بنفسه، وتلك القرائن إمّا راجعة إلى المخبر أي المتكلم مثل أن يكون ثقة صدوقاً، أو أن يكون إخباره على الجزم أو الظنّ، وإما راجعة إلى المخبر عنه أعني الواقعة ـ مثل أن يكون جليًّا أو خفيًّا غريباً أو مبتذلاً، وإما راجعة إلى المخبر ـ أعني السامع ـ مثل أن يكون له فطانة قوية أو ضعيفة أو يكون مما يغلب على طبعه الإنكار أو الانقياد».
ويقول في الفصول في تعريف الخبر المتواتر الذي اشترط فيه أن (يفيد العلم بنفسه):
«واحترز بقولهم بنفسه عن خبر جماعة علم صدقهم بالقرائن الزائدة عن الأحوال التي تكون في الخبر والمخبر والمخبر عنه، فإنه لا يسمى متواتراً، ولهذا يختلف عدد التواتر باختلاف الأحوال ضعفاً وقوّة».
فهو يفرّق بين نوعين من القرائن والأحوال التي يقترن بها الخبر، التي توجب العلم من الخبر ولولاها لما حصل العلم منه، فهذه يشترط عدم توفرها لتحقق التواتر، وبين القرائن والأحوال التي لا تفيد القطع في نفسها، وإنما الموجب للعلم الكثرة العددية، ولكن لهذه الأحوال تأثيرها في العدد المؤدي لحصول هذا العلم، ثم يفسر الأحوال التي لا يضرّ اقترانها بصدق التواتر.
«بأن المراد بالأحوال الداخلة الأحوال التي تكون في أغلب الأخبار ويمنع حصول العلم بها إلاّ بضميمة الكثرة».
وفي موضع آخر يفسر الأحوال التي يتّصف بها المخبر «فالمراد بها الأحوال الحاصلة فيه الموجبة لسرعة قطعه به أو بطئه».
وفي حاشية على القوانين يقول صاحب هذه الحاشية حول هذه القرائن التي لا تضرّ بصدق التواتر وتحقّقه: «وبالجملة هذه الأمور ليست مما يمتنع تواطؤ المخبرين معها على الكذب، وإن فرض وجودها مجتمعة فلا تكون من أسباب العلم بصدق الخبر عادة، وأقصاها التأثير في الرجحان والظنّ، وإن فرض بلوغه الاطمئنان فيبقى حصول العلم منوطاً بالكثرة التي اشترطوها في التواتر».
فإذا هذه الخصائص والصفات لو اجتمعت كلها في الخبر الواحد، لما أفادت العلم واليقين، بل كل ما تفيده هو الظنّ والرجحان فحسب، فيعلم من ذلك أنه لا أثر لمثل هذه الصفات في حصول العلم.
وإذا حصل العلم واليقين، من الخبر المتواتر المتّصف بمثل هذه الصفات، فيعلم منه أنّ اليقين قد حصل من الكثرة العددية، إذ أنّ هذه الصفات لا تأثير لها في حصول العلم، وإلاّ لو كان العلم يحصل منها لحصل في الخبر الواحد المشتمل على هذه الصفات.
إذاً، فليس لهذه الصفات إلا التأثير في سرعة حصول العلم وبطئه من الخبر المتواتر، لا أنها هي السبب ـ فحسب ـ في حصول العلم واليقين.
هاشم الهاشمي
خجند وخوقند
كثيراً ما يلتبس الأمر على الباحثين فيخلطون بين هاتين المدينتين لمجاورتهما لبعضهما البعض والشبه في لفظيهما، ومن السهولة بمكان أن يحدث هذا الخلط إذا لم تراع الدقة في ذلك.
والجدير بالذكر أن هاتين المدينتين لا تزالان تحتفظان بوجودهما بنفس إسميهما في تركستان الغربية، وإن المدينتين تعدان من المدن التاريخية القديمة وهما تختلفان فيما بينهما اختلافاً كبيراً وقد كانت (خجند) في السابق تحظى بأهمية ودور وعمران أكثر بكثير من (خوقند) ولكن الأمر انعكس تماماً في أيامنا هذه.
تبلغ المسافة بين المدينتين اللتين تقعان على جانب خطوط السكك الحديد التي تربط بين بخارى وأنديجان حوالي تسعين ميلاً إنجليزياً أو 147 كيلومتراً، وتقع هاتان المدينتان على ضفة (سير دريا) أو سيحون ولكن خجند تقع في الغرب وخوقند في الشرق.
وأما من الناحية الطبيعية فخجند تعد جزء من ناحية سيحون بينما تعد خوقند جزء من فرغانة ولكنهما من الناحية السياسية يعدان جزء من جمهورية أوزبكستان.
تعتبر خجند مركزاً لمعامل نسيج القطن والحرير في فرغانة، وسكانها في أغلبهم من الطاجيك والفرس، أما خوقند فقد كانت إلى ما قبل احتلال الروس لتركستان عاصمة لفرغانة وتشتهر هذه المدينة بتجارة الحرير والقطن أيضاً.
ورد وصف هاتين المدينتين في ص 107 من مذكرات رضا قليخان هدايت التي كتبها في عام 1268هـ حينما أرسله الميرزا تقي خان أمير كبير إلى خوارزم، فهو يقول:
«خجند مدينة من الإقليم الخامس في فرغانة وتقع على ضفة نهر سيحون ومنها كمال الخجندي، وأما خوقند فهي أشهر بلاد فرغانة وعاصمتها ومقر الملك منها.
وعندما فتحها أمير بخارى قتل عامله عليها لسوء سلوكه وانضم أهلها إلى أبناء ملوكهم فيها، ثم أصبح شير علي خان الخوقندي أميراً على فرغانة وفي هذا الوقت أميرها هو أحد أفراد هذه السلالة ويدعى خدايار خان ولكنه ليس له من الأمرة إلا الاسم بسبب استيلاء وزيره عليه وفي الواقع فهو محبوس وفي قبضة وزيره القفجاقي».
يتحدث الميرزا سراج الدين البخاري بالتفصيل عن خوقند وخجند في صفحات (4 ـ 6) من كتابه (تحف أهل بخارى) الذي صنفه عام 1328هـ، حيث يقول:
«كانت خوقند عاصمة لمملكة فرغانة، وكانت فيها قبل قرن حكومة إسلامية ولكن آخر أمرائها المدعو خدايار خان فرّ منها بعد دخول الروس إليها ثم وقع في أيدي الروس فحبس لفترة من الزمن في أورنبورغ ثم أفلت منها وهرب إلى بيت الله ويبدو أنه قضى نحبه في آخر المطاف في الهند بمرض الماليخوليا([480]) ….
وتبلغ المسافة من بخارى إلى خوقند سبعين فرسخاً، وتستغرق الرحلة بالسيارة ليلة ويوم، وتقع سمرقند وخجند على قارعة الطريق، وخجند هي إحدى المدن المهمة في فرغانة».
أشرنا آنفاً إلى تمييز القدماء بين هاتين المدينتين وذكرهم لكل منهما باسمها الخاص، فمثلاً هذا صاحب كتاب حدود العالم المصنف عام 372هـ يقول في معرض حديثه عن خجند من بلاد ما وراء النهر: «خجند مدينة مشهورة بكثرة الزراعة فيها ومروءة أهلها ووفرة الرمان فيها».
ويقول حول خوقند التي يسميها (خواكند): «خواكند ورشتان وزندرامش مدن كبيرة معروفة بكثرة الزراعة فيها»([481]).
يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان([482]) في باب خوقند التي يذكر اسمها (خواقند) قائلاً: «خواقند بضم أولها ثم ألف وقاف مفتوحة ونون ساكنة ودال في آخرها، هي مدينة من بلاد فرغانة وينسب إليها أبو الطيب الطاهري محمد بن جعفر بن الخير المخزومي الخوقندي، الأديب والمقرئ».
وفي كتاب الأنساب يقول السمعاني في نسبة «الخجندي» ما يلي: «الخجندي هو الشخص المنسوب إلى خجند وهي مدينة كبيرة موفورة النعم، تقع على ضفة سيحون من بلاد الشرق، وفي بعض الأحيان تضاف إلى نهايتها هاء فتصبح خجنده».
ويقول نفس هذا المؤلف في «الخواقندي»: «الخواقندي هو المنسوب إلى خواقند وهي مدينة من بلاد فرغانة» ومثل هذا الكلام مع بعض الزيادة والنقصان ذكره ابن الأثير في لباب الألباب وأبو الفداء في تقويم البلدان ويقول ابن الأثير في باب خواقند: إن قاف هذه الكلمة يمكن إبدالها بكاف.
والصورة الثانية هي نفسها التي وردت في حدود العالم وليس ثمة شك في كون خواقند أو خواكند هي عين خوقند أو خوكند المعروفة في الوقت الحاضر.
يذكر فرهاد ميرزا ما يلي: «فرغانة: عاصمتها الآن خوقند، وتقع هذه الولاية ما بين شمال وشرق سمرقند، والمدينة الثانية فيها هي خجند التي تقع في غرب خوقند على ضفة نهر سيحون، وكل نهر يجري من سمرقند إلى خوقند يجري في البداية في خجند، والمسافة بين خجند وخوقند حوالي تسعين ميلاً».
أما طول خجند من كرنيج فهو 68 درجة و45 دقيقة وعرضها 41 درجة و22 دقيقة شمالاً، بينما طول خوقند 70 درجة و30 دقيقة وعرضها 41 درجة و20 دقيقة.
محمد القزويني
خراسان
ـ 1 ـ
يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان، في ما يقول، عن اسم خراسان: إن «خُر»: اسم للشَّمس بالفارسية الدرية، وأسان: كأنه أصل الشَّيء ومكانه.
ويقول المسعودي ما مضمونه: إن الإيرانيين أطلقوا اسم خراسان على المناطق الشرقيَّة من بلادهم والمناطق المجاورة لها، وكلمة «خُر»: معناها الشمس، ويقولون عن هذه المنطقة: إنها مطلع الشمس، أما المنطقة الغربيَّة فكانوا يسمونها: خُر تبران.
إذا كان هذا رأي مؤرَّخَين عربيَّين في سبب تسمية خراسان بهذا الاسم، فهو لا يخرج عن آراء المؤرِّخين الإيرانيين.
يقول محمد رضا قصابيان: خراسان، أو بلاد الشمس، أو أرض الشمس، اسم بلاد عريقة يتلألأ كالشمس منذ القدم في مشرق إيران الكبيرة. ولموقعها الجغرافي الخاص الذي يعدّ في إيران مطلع الشمس، فإن الكثيرين من العلماء الماضين والحاضرين يرون أن كلمة خراسان اقتبست من هذا المعنى. وعلى ذلك، فإنها تنسب إلى مكان شروق الشمس.
على أنَّ في الإيرانيين من يرى، في تعليل هذه التسمية، آراء أخرى، فموسوعة «دهخدا» تقول: إن كلمة خراسان كلمة بهلوية استعملت في النصوص القديمة بمعنى الشرق أو المشرق مقابل كلمة الغرب أو المغرب. وهناك من يقول: إن معناها الأرض السَّاطعة أو المنيرة.
وحافظ أبرو يقول: إن معنى خوراسان هو: أنه يشبه الشمس. ومن المؤرخين من يقول: إن كلمة خراسان مركَّبة من كلمتين هما: خور بمعنى الشّمس، وآسان بمعنى الشروق. أي أن خراسان هي مكان شروق الشمس.
وإلى ذلك يشير الشاعر العربي القديم الذي كان سائراً إلى خراسان:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا؟
فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
ويقول لسترنغ: إن خراسان، في اللُّغة الفارسية القديمة، معناها أرض الشرق. وهذه الكلمة كانت في أوائل القرون الوسطى تطلق على جميع البلاد الإسلامية التي كانت إلى الشرق من صحراء لوط امتداداً حتى جبال الهند.
أما عن حدودها فليس ما يدلُّ على أنَّها، في العصور التاريخية القديمة، قد عرفت حدوداً ثابتة، بل إن حدودها كانت تمتد وتتقلَّص حسب عوادي الزمن، على أن الأكيد أن خراسان القديمة كانت أكثر اتّساعاً من خراسان العصور المتأخرة، وقد تعاورتها أحداث قبل الإسلام وبعد ظهوره أدَّت إلى تبدُّلات في حدودها بين الحين والحين حتى آلت إلى ما هي عليه اليوم.
ويمكننا القول: إن خراسان كانت ممتدَّة من القرب من السَّواحل الجنوبية الشرقية لبحر الخزر إلى مرتفعات بامير وهندوكش. وكانت أحياناً تشتمل على الأرض الخصبة في جنوب بحر أُرال (خوارزم) والجانب الآخر من نهر جيحون (ما وراء النهر)، على أننا يمكن أن نقول: إن هذه الحدود كانت تتجاوز بلخ والمنطقة المعروفة بـ «طخارستان». ومن الغرب تصل إلى حدود زاغرس، وأحياناً تشمل قومس وجرجان والرَّي ومناطق من طبرستان.
وبالرغم من شمول خراسان لما وراء النهر، فإنَّ «آمودريا» كان يعرف بأنه الحد الشمالي لها.
لقد استنتج العلماء، استناداً إلى الاكتشافات الأثرية، أن عمران خراسان يعود إلى العصر الحجري، وأنها كانت موطن الإنسان الأول، وأن ناس العصر الحجري الذين نزحوا من الجبال إلى السهول استوطنوا أطراف صحراء الملح في مسيرة هلالية الشَّكل.
وخلال الألف الثاني قبل الميلاد، وبعد ظهور العناصر الهنديّة الأوروبية بين الإيرانيين ورحلتهم إلى داخل إيران القديمة، كان القسم الأكبر من القبائل الهندية الأوروبية قد زحف نحو الشرق، ومع اجتياحه نهر جيحون توطَّن في حوض نهر كابل.
ويقول «غريشمن» عن هجرة الفرع الشرقي للمهاجرين الآريين الذين يسمّيهم الهنود الإيرانيين:
«إن القسم الأكبر من القبائل التي كانت تشكّل الفرع الشرقي من الحركة الهندية الأوروبية، قد رحل تدريجياً نحو الشرق، واجتاح ما وراء النهر وجيحون (آمودريا). وبعد توقُّف قصير في سهل بلخ صعد معابر هندوكوش وسار في الطريق التاريخي الذي كان قد سار فيه المهاجمون نحو الهند وتوطّن في بنديشير ونهر كابل. وقد يكون قد طرد بعض القبائل إلى الغرب خلال عبوره من باكتريا (بلخ)».
إن اختلاف الرَّأي حول تاريخ انتهاء آخر استيطان في هذا المكان قد يحمل العلماء على الاستمرار في دراساتهم وتحقيقاتهم حول هذا الموضوع؛ إذ ـ كما تشير التّنقيبات ـ إن هذه المنطقة كانت قد دمِّرت تماماً في هجمات عنيفة، وإذا كان تاريخ هذا الهجوم يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، فإن سبب هذا التَّدمير قد يعود إلى الهجرة الهندية الأوروبية المذكورة.
وإذا كان التاريخ يعود إلى العهود الأخيرة من هذا الألف، فإن السبب قد يرجع إلى تيار جديد من الهنود الأوروبيين الذين جاؤوا بالإيرانيين إلى نجد إيران. وإن الفرع الشرقي من الإيرانيين الذي كان قد جاء من «ما وراء النهر» لم يكن باستطاعته أن ينتشر باتجاه هندوكوش لأن منطقة رُخج والبنجاب كانت قد وقعت في أيدي فرع من العنصر الآري ـ الهندي، وإن هؤلاء كانوا قد استوطنوا هناك في عصر هجوم الهنود الإيرانيين. وبذلك يكون الزاحفون الجدد مضطرين إلى التوجُّه نحو الغرب، إلى نجد إيران على طول الطريق الطبيعي الذي كان يسير من بلخ إلى قلب إيران.
وبالرغم من أن المستشرق الروسي «بارتولد» لا يعترف بهجرة الأقوام الهندية الأوروبية وكيفيّة توزعها، إلا أنه يعدّ باختر (باكتريا)، أو بلخ، الذي تقع جنوب آموداريا (جيحون) أقدم مركز للحضارة الإيرانية وأعرفه، ويقول:
«أما عن الآريين، أجداد الهنود والإيرانيين، والفرع الرئيسي الأول من الغصن الكبير للشعوب الهندية الأوروبية، فإننا نتساءل: متى ومن أين جاؤوا إلى باختر (باكتيرا) ـ التي سميت في ما بعد بلخ ـ وأسسوا مدينة باختر؟ إننا لا نعلم ذلك».
إن «غريشمن» يعتقد أن خصوبة أطراف نهر باكتروس (بلخ آب) هي السبب في هجرة الآريِّين إليها، حيث كانت تمتاز بذلك عن غيرها من مناطق هذه البلاد.
ثم يستمر في شرح الأمر بصورة كاملة، ويقول: «… مدينة باختر، بوصفها المدينة الرئيسية في تلك البلاد، كانت قاعدة التجارة مع الهند، رغم أن بعض المناطق العامرة كانت تتصل بحوض نهر الهند بطرق مناسبة سهلة، كما كانت تتصل بالهند عن طريق سهل خلم، وإن مياه الكثير من أنهار السفوح الشمالية لهندوكش كانت تصب في آمودريا.
وإذا أمكن الاعتماد على أقوال المؤرخين القدماء فإن مياه نهر بلخ آب (باكتروس) كانت تصب في آمودريا أيضاً، وكانت تستخدم لنقل البضائع التجارية إلى الهند».
ولكن هذه المقولة غير موثوقة. وحسب قول آميان مارسلين: إن السفن كانت تسير من هرات إلى بحر الخزر.
ومن المستبعد كل الاستبعاد أن تكون أوضاع المياه في إيران قد تغيَّرت إلى هذا الحد خلال ألف سنة.
وعن مسيرة هجرة الأقوام الآرية وكيفية استيطانهم في إيران يقول «أرتولد»: «ليس معلوماً كون هجرة الآريِّين قد تمَّت على الطريق نفسه الذي كان قد سار عليه الميديون، وهو طريق الشمال، أو عن طريق الجنوب عبر سيستان وكرمان، ومنهما إلى فارس».
ويضيف قائلاً: «يبدو أن الهدروس والكرمانيين يُعدّون من الإيرانيين الذين استوطنوا فارس. أي أن فرعاً من الإيرانيين الذي كانوا يسمون (البارسي) كانوا قد احتلوا جميع المناطق الجنوبية من إيران الحالية؛ حيث أن الميديين كانوا قد سبقوا الإيرانيين في خوضهم الساحة التاريخية. إذاً من المحتمل جداً أن تكون الهجرة قد تمت في وقت مبكر عن طريق الشمال.
إن مسيرة الآريِّين من المنطقة الشمالية في إيران كانت على الطريق القديم نفسه الذي كان الطريق الرئيسي من آسيا الغربية إلى آسيا الشرقية. أي كان على طول السفح الجنوبي للجبال التي كانت تشكل الحدود الشمالية لهضبة إيران».
إذاً، فإننا نستنتج من مجموع هذه النظريات أن الطوائف الآرية المختلفة قد دخلت إيران عبر طريق خراسان، وزحفت نحو جنوب خراسان إلى سيستان. ولما كانت قد وصلت إلى مناطق وأراضٍ جافة يابسة زحفت نحو الغرب واحتلت هضبة إيران.
ويقول غريشمن عن هذه الهجرة بصورة أدق:
«إن نفوذ الإيرانيين، في بداية الألف الأول قبل الميلاد، يعدّ جانباً من الهجمة الأولى قبل ألف سنة، وإن المهاجمين كانوا يدخلون عنفاً على شكل تيارات متتابعة، وكانوا حسب ما يبدو، قد ساروا في الطريق نفسه الذي كانوا ساروا فيه في هجمتهم الأولى، أي القوقاز وما وراء النهر».
ثم يقول: «في بداية الألف الأوَّل قبل الميلاد، وقع حادثان مهمَّان، لا يرتبطان معاً، كان لهما الأثر في تاريخ شعوب آسيا الغربية، وهما: هجوم الهنود الأوروبيين واستخدام الحديد.
إذاً، فحسب القصص والحكايات الأسطورية فإن خراسان الكبيرة العريقة كانت في عصور ما قبل التاريخ بؤرة مستقلة لأحداث حياة العنصر الآري ووقائعها.
وفي مستهل دخول إيران في العصور التاريخية، فإنه، في بداية الأمر، بعد تشكيل حكومة ما دسته سنة 800 قبل الميلاد في الغرب، ثم الحكومة الأخمينية سنة 600 قبل الميلاد، انتقلت بؤرة الوقائع والأحداث هذه في البداية إلى الغرب ثم إلى الجنوب.
وحسب اعتقاد «إدوارد مي لير» كانت الحكومة الإيرانية تمتاز بالأهمية في العالم القديم وكانت تعدّ أول أمبراطورية عالمية سيطرت على عدة شعوب ودول انطوت تحت رايتها. وإن إيران، في هذا العصر (عصر الإخمينيين)، كانت تقسم إلى دويلات، يحكم كل دويلة حاكم يسمى باللغة الفارسية القديمة (خَشَتر باون) أو (شَتَر باون) باللغة البهلوية، وكان الحكّام ينصّبون من العاصمة.
أما اليونانيون فسموه «ساتراب»، وكانت بترشوه الولاية السادسة عشرة، وتضم البارتيين والخوارزميين والسُغديين والهراتيين، وكانت تطابق خراسان الشمالية الحالية.
ومن الناحية الجغرافية، كانت جارة لساتراب ماد من الجهة الغربية، وكانت «خوار» أوَّل منطقة من بارت من الجانب الغربي، وكان اليونانيُّون قد أطلقوا عليها اسم بارتيا أو بارتوا، وكانت مدينة «طوس» قاعدة «ساتراب برتو».
إلا أن بارتولد يقول: إن ساتراب بارت لم يكن مهماً في عهد الأخمينيين. وحسب قول هيرودوت: إن البارتيين والخوارزميين والسغديين كانوا في حكومة واحدة.
وعند الإشارة إلى أسماء مقاطعات الدولة في النقوش والكتابات المسمارية، فإن بارت كانت قد ذكرت بصورة مستقلة، وإن الإيرانيين خلال رحلاتهم في بلادهم كانوا يحاولون أن يمروا سراعاً من بارت لفقرها وعدم قدرتها على تأمين زاد موكب الملوك.
ولكن بعد سقوط الدولة الأخمينية كان البارتيون هم العناصر السليمة التي تمكّنت من إعادة تأسيس دولة إيرانية قوية نجحت في صد هجمات الروم الشرقيين.
وفي موسوعة «مصاحب»: بارت = برتوه: الأرض الجبلية القديمة في جنوب شرق بحر الخزر تمتد من جبال ألبرز نحو الشرق حتى هرات، ومن الشمال تتصل بسهل «استرآباد» الخصيب وصحراء تركستان، ومن الجنوب بصحراء الملح. وبلاد بارت هي بلاد خراسان القديمة، وكانت في عهد الإخمينيين من ولايات الإمبراطورية الأخمينية، ثم خضعت للسلوقيين الذين أسسوا فيها مدناً.
ويعتقد المستشرق الأثري الروسي «مون غيت» أن خراسان هي نفسها بلاد بارت، وأن اسم خراسان أطلق على بارت بعد انتصار أردشير بابكان على الملك الأشكاني.
وفي نحوت بيستون جاء اسم خراسان تحت عنوان «برتو». واليونانيون يطلقون على هذه البلاد اسم بارتيا، ويسمونها اليوم بارت.
ويقول بهار في كتابه «سبك شناسي»: برتوه اسم قبيلة كبيرة، أو أرض واسعة، كانت موطن قبيلة برتوه، وهي أرض خراسان اليوم التي كانت تتصل من الشرق بصحراء أتك (سهل خاوران القديم)، ومن الشمال بخوارزم وجرجان، ومن الغرب بقومس (دامغان)، ومن الجنوب بالسند وزابل.
كانت قاعدة «بارت» ـ التي سمِّيت خراسان ـ مدينة نيساية. وكان اليونانيون يسمونها نيسا (مدينة نَسا).
يقول مون غيت عن دولة بارت ومدينة نيسايه: «في الجنوب من جمهورية تركمانستان، وبالقرب من أرض (متره قورم)، على سفح جبل (كويت داغ)، على مسافة 18 كلم من الشمال الغربي لعشق آباد، توجد أنقاض مدينتين قديمتين هنا: «نيسايه القديمة ونيساية الجديدة».
ومنذ سنة 1930م. يقوم فريقان بالتّنقيب في هذه المنطقة.
ويقول دياكونوفو: «إن علماء الآثار الروس ما زالوا يقومون بالتنقيب في نَسا، وكانت هذه المدينة تقع على مرتفع، وتشغل مساحة مقدارها 18 هكتاراً».
وكانت الدوائر الحكومية والمعسكرات وقصر الحاكم والمعبد في القلعة التي هي أقدم ما في نسا.
وفي الجنوب من مدينة نسا مباشرة، كانت قطعة عظيمة منفصلة هي «مهر داوكرت»، وفيها قصور الملوك الفرثيين والمقابر العائلية.
وفي إحدى التنقيبات عثر على قص كبير وعلى معبد، وممّا عثر عليه تمثال للإله اليوناني آمنا وتمثال «أبو الهول» المصري.
يقول لسترنغ في «جغرافية بلاد الخلافة الشرقية»: «إن ولاية نسا واد عريض اسمه اليوم دره كز».
ويقول ابن حوقل: «إن نسا مساوية لسرخس». ويقول القزويني: «إن نسا يسمونها فيروز لأن الملك فيروز هو الذي أسَّسها».
وحسب لسترنغ: إن نسا هي مدينة دركز الإيرانية نفسها. ولكن تحقيقات العلماء الروس وآخرون أدت بهم إلى القول: إن مدينة نسا تقع ضمن ما كان يدعى الاتحاد السوفييتي.
وتزامناً مع مجيء «داريوش الثالث»، آخر ملوك الاخمينيين، إلى السلطة، تولّى الإسكندر المقدوني السلطة في اليونان، وبعد اجتياحه آسيا الصغرى استولى على الجانب الغربي من الأمبراطورية الأخمينية. وبعد فتح برسبوليس، توجه إلى الشرق وأخذ بالاستيلاء على مدن خراسان الكبيرة.
وحسب قول غريشمن فإنه أسس مدناً جديدة في كل مكان سمَّى كل واحدة منها باسم الإسكندرية. وقد قاتل حوالي السنتين في هرات وزنك ورخج في الجنوب من هندوكش للقضاء على تمرُّد السغديين.
وبعد موت الإسكندر، تابع ديورتس الحاكم اليوناني على بلخ طريق الاستقلال، فاستقلّت كل من بارت وجرجان.
وعلى ما يقول بارتولد، فإن الحكومة التي أسَّسها البارتيون، وكانت أوّل دولة إيرانية في المناطق الشرقية في القرن الثالث قبل الميلاد، تختلف عن حكومة الأخمينيين من عدة نواحٍ. وكان نفوذ العناصر الإيرانيَّة من الشمال والشرق قوياً، وكانت تتصف بصفات الحكومة الوطنية التي كانت قبل الأخمينيين.
وعلى هذا، فإن البارتيين الذين كانت الجماعة البارزة فيهم تسمى آبارن، استوطنوا الأراضي الجبلية، في جنوب شرق بحر الخزر، التي يحدّها شمالاً سهل استرآباد الخصب وصحراء تركستان، وجنوباً صحراء الملح، وكانت تمتد من الجنوب من جبال ألبرز نحو الشرق إلى هرات.
ويشير إيزيد روخاراكسي، خلال ذكره أحد طرق المواصلات القديمة، إلى مدينة إستا، أو أراسكا، القديمة الواقعة في مكان خبوشان، أو قوجان المعروفة اليوم، وكانت خلال مدَّةٍ من الزمن بؤرة أحداث العصر البارتي.
وفي عصر الساسانيين صارت خراسان القديمة أو (بارت)، بشكل ما، إحدى مقاطعات إيرانشهر المهمة. وكان يدير كل مقاطعة كبيرة حاكم يسمى سبهبد، وكانت مدن مقاطعة خراسان هي: نيسابور وهرات ومرو ومرو الروذ وفارياب وطالقان وبلخ وبخارا وبادغيس وباورد (أبيورد) وغرجستان وطوس وسرخس وجرجان، يحكمها إسبهبد خراسان الذي يتبعه أربعة حكام يتقاسمون حكم مقاطعاتها الأربع.
ويقول ألتون ل. بيل: إنها مرو ونيسابور وهرات وبلخ التي ربما كانت تشمل ما وراء النهر وباختر.
أما حدود خراسان الجغرافية، في عهد الساسانيين، فيقول كريستن سن، اعتماداً على تنقيبات هرتسلد، إنها بوابات كاسبين بالقرب من الري، وجبال ألبرز والزاوية الجنوبية الشرقية لبحر الخزر ووادي أترك، الخط الذي يعبر من صحراء تجن ويصل إلى جيحون عبر قوقي.
وحسب المسكوكات الساسانية التي عثر عليها فإن هذا الخط الحدودي يعبر من قمم جبال حصار، ويصل الى بامير، ويميل نحو الجنوب، ويمتد نحو جيحون وبدخشان، ويصل إلى منطقة هندوكش.
ومن تلك المنطقة الحدودية، يرجع نحو الغرب، ويصل إلى جنوب هرات على امتداد جبال هندوكش. وفي المنطقة الجنوبية يجتاز ترشيزوخاف وقهستان ويتصل ثانية ببوابات كاسبين.
إن الجبال المتكاثفة التي تشكل سلسلة طويلة تعدّ العمود الفقري لهذه المقاطعة، وهذه الجبال بأوديتها وأنهارها تفصلها عن المقاطعات الأخرى وتميّزها منها.
وقد جعلتها مجاورتها للسهول الخصبة في آسيا الوسطى مع هضبة إيران، عرضةً لهجمات كثيرة، وجعلت من الخراسانيين مقاتلين أشداء، وجعلت السلاح منتشراً فيهم.
كانت خراسان أكثر أهمية من غيرها في إيران، فأمراء الأسرة المالكة الذين كانوا ينصّبون حكّاماً على خراسان كانوا يحوزون على لقب «كوشان شاه»، وهناك أسباب كثيرة جعلت خراسان بهذه الأهمية:
أولاً: مساحتها الكبيرة التي كانت تضم خراسان الحالية وجمهورية تركمانستان وطاجاكستان وقسماً كبيراً من أفغانستان وقسماً من باكستان.
ثانياً: قربها من الهند والصين. والطريق التجاري لهذين البلدين إلى داخل إيران، أو إلى الدول الجنوبية والغربية ـ كان يمر عبر خراسان.
ثالثاً: أهميتها الاستراتيجية؛ حيث كانت الدرع الواقي من هجمات الأقوام الشمالية.
ومن بين الملوك الساسانيين كان شاهبور الأول وهرمز الأول وبهرام الأول وبهرام الثاني، ممّن تولّى حكم خراسان قبل وصوله إلى العرش.
خراسان في العهد الساساني
يقول هرتسفلد: إن الدولة الساسانية كانت في شرق إيران الحالية وكانت تشتمل على البلاد التالية: جرجان وجميع خراسان حيث كانت خراسان آنذاك متسعة الأرجاء ربما كانت تشتمل على: خوارزم والسند وسجستان (سيستان) وولاية مكوران (مكران = كرمان) وتوران.
ثم نقلاً عن نحوت (بايكرلي) والمسكوكات السكائية. يحدد خراسان في العهد الساساني بالحدود التي ذكرناها فيما تقدم من القول.
ويقول لسترنغ: إن كلمة خراسان في أوائل القرون الوسطى كانت تطلق على جميع البلاد الإسلامية في الجانب الشرقي من صحراء لوط حتى جبال الهند. وبهذا تضم جميع بلاد ما وراء النهر في الشمال الشرقي عدا سيستان وقهستان في الجنوب.
كانت حدود خراسان في آسيا الوسطى صحراء الصين وبامير، ومن جانب الهند جبال هندوكش. ولكن هذه الحدود تغيرت وأصبحت أكثر دقة وأصغر، إلى درجة يمكن معها أن نقول: إن خراسان في القرون الوسطى لم تكن تشتمل من الشمال الشرقي على نهر جيحون وما وراء ذلك، ولكنها كانت تضم جميع مرتفعات ما وراء هرات التي هي اليوم القسم الشمالي الغربي من أفغانستان، على أن البلاد التي كانت تقع في المنطقة العليا من نهر جيحون، أي مقاطعة بامير كانت تعتبر قسماً من خراسان في القرون الوسطى في نظر العرب.
يقول كريستن: يبدو أن مناطق الساتراب([483]) في العصر الساساني كما في العهد الأخميني لم تكن لها حدود ثابتة، فقد كان الملك يرسل حراس الحدود إلى الأقاليم والولايات فيزيد أو ينقص حدود سلطتهم، حسب ما تقتضيه الحاجة.
إن الساسانيين أبقوا التقسيمات الإدارية السابقة التي كانت تقسم البلاد إلى أربعة أقسام حسب الجهات الأربع. ونرى أنهم منذ بداية القرن الخامس أطلقوا على حكام هذه المقاطعات اسم حراس الحدود (مرزبان).
وكان منصب هؤلاء الحكام يعادل مناصب أعضاء الأسرة المالكة وكانوا يحملون عنوان الملك. وكانت العادة المتبعة منذ القديم أن يعين أولاد الملوك لا سيما الأمراء الذين كان من المتوقع أن يتولوا الملك في المستقبل ـ أن يعينوا حكاماً. وقد حكم خراسان من بين الملوك الساسانيين قبل توليهم الملك كل من: شاهبور الأول وهرمز الأول وبهرام الأول وبهرام الثاني([484]).
وكانت حكومة خراسان أكثر أهمية من غيرها من المقاطعات الأخرى، فكان الأمراء الذين يعينون حكاماً على خراسان يلقبون بـ (كوشان شاه) كما مر.
وبعد سنة 252م عيّن شاهبور الأول ابنه هرمز حاكماً لخراسان ولقبه بلقب (الملك الكبير كوشان). وهذا اللقب أرفع من الألقاب السابقة. وبهرام الأول وبهرام الثاني قبل توليهما الملك كانا يلقبان بنفس اللقب. وفي عهد وهرام الثاني كان شقيقه هرمز حاكماً لخراسان.
التقسيمات الإدارية لخراسان في عهد الساسانيين
في عهد أنو شيروان تم تعيين أربعة ممن عرف الواحد منهم بلقب: اسبهبد تم تعيينهم في الجيش على أن يحكم كل واحد منهم قسماً من الأقسام الأربعة: اسبهبد الشرق، يدخل في سلطته أفواج خراسان وسجستان وكرمان، وكان لكل سبهبد معاون يلقب بلقب مرزبان (حارس الحدود).
يقول ابن خرداذبه: كانت خراسان بأمرة إسبهبد يقال له: (باروسبان) وكان بإمرته أربعة مرازبة يحكمون أربعة أركان من خراسان، هي: مرو الشاهجان وبلخ وطخارستان وهرات وبوشنج وبادغيس وسجستان وما وراء النهر.
ويذكر اليعقوبي في تاريخه أهم مدن خراسان في عهد الساسانيين وهي: نيسابور، وهرات، ومرو، ومرو الروذ، وفارياب، وطالقان، وبلخ، وبخارا، وبادغيس، وباورد([485]) وكرجستان، وطوس، وسرخس، وجرجان. ويقول: كان لهذه المقاطعة حاكم يسمونه سبهبد خراسان.
وفي أوائل القرن الخامس الميلادي كان يشرف على كل ناحية صغيرة من يسمونه (شهريك). وكانوا يختارون الشهريك من بين الفلاحين والدهاقين.
وسبب اختلاف المؤرخين في حاكم خراسان هو أن التنظيمات العسكرية في القرون الثلاثة الأولى من حكومة الساسانيين كانت في أيدي كبار قادة الجيش وكانت وظيفة وراثية خاصة بأفراد الأسرة المالكة.
ولقد أجرى خسرو الأول تعديلات على هذه التنظيمات فألغى منصب القيادة العامة وجعل قيادة الجيش لأربعة قواد كانوا يشرفون على المناطق الأربع: الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية وجعل لكل واحد منهم معاوناً.
خراسان في العهد الإسلامي
يقول الاصطخري ما مؤداه: إن خراسان تشتمل على ولايات كثيرة، وهي اسم إقليم يمتد من الشرق إلى سجستان والهند. ومن الغرب إلى صحراء الغز ونواحي جرجان. ومن الشمال إلى ما وراء النهر وبلاد الترك. ومن الجنوب إلى صحراء فارس وقومس (دامغان).
ويقول: ألحقنا قومس بنواحي الديلم الجبلية وجرجان، كما جعلنا ختل وخوارزم من ما وراء النهر، حيث أن مدن خوارزم هي في الضفة الأخرى من نهر جيحون.
ثم يذكر أهم مدن خراسان: نيسابور، ومرو، وهرات، وبلخ. ثم يقول إن في خراسان مدناً وولايات أخرى هي أصغر من الأربع المذكورة، وهي: قوهستان، وطوس، ونسا، وأبيورد، وسرخس، وسافزار، وبوشنج، وبارغيس، وكنج رستاق، ومرو الروذ، والجوزجان، وغرج الشار، وباميان، وطخارستان، وزم، وآمل.
وأما خوارزم فبما أن مدنها المهمة تقع في الضفة الأخرى من جيحون فقد اعتبرناها من ما وراء النهر. وبما أن لنيسابور نواحي مختلفة تتبعها في الأعمال الديوانية لذلك فصلناها عن هذه المجموعة.
وينقل ابن حوقل هذه المعلومات نفسها في كتابه (صورة الأرض)، ولكنه يعطينا معلومات أخرى عن حدود خراسان ومدنها وإدارة الولايات فيها هذا مضمونها:
لولايات خراسان ولات لكل واحد منهم موظف لجباية الضرائب والأمور الأخرى، وجميع هذه الولايات ومناطق ما وراء النهر تتبع حاكم خراسان الذي يُولّى من السامانيين. ولكل ناحية قاض وجاب وصاحب معونة.
ويقول صاحب كتاب (حدود العالم) ما مضمونه: يحد خراسان من الشرق بلاد الهند ومن الجنوب بعض صحارى كركس كوه (جبل كركس) ومن الغرب جرجان وحدود غور ومن الشمال نهر جيحون.
وخراسان هذه أرض واسعة فيها الكثير من الخيرات، وربما تكون أغنى معمورة في العالم، وفيها معادن الذهب والفضة والفيروز والأدوية، والعقاقير، وفيها منسوجات كثيرة، وفيها خيول كثيرة، وسكانها مقاتلون. وهي تشرف على تركستان وتعتبر بابها.
مناخها معتدل وسكانها أقوياء وكان لخراسان قاعدة ولما وراء النهر قاعدة وكل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، ثم أصبحت قاعدتهما واحدة هي مدينة بخارا المحكومة من السامانيين الذين ينتشر ولاتهم في جميع نواحي خراسان وفي المناطق الحدودية، ويسمون ملوكاً.
ويذكر المقدسي في كتابه فصلاً كاملاً مشبعاً عن فضائل خراسان وأهلها دون أن يذكر حدودها. ويقول ما مضمونه: لقد قسمنا خراسان إلى تسع ولايات (كُوَر) وثماني نواحي. ونذكر كل ناحية بحسب مقدار عائداتها: الكورة الأولى هي في ناحية جيحون وهي بلخ وعائداتها تساوي عائدات نيسابور.
وأقوى وأهم ناحية هي بوشنج ثم بادغيس وبعدها غرجستان، ثم مرو الروذ وبعدها طخارستان ثم باميان وكنج رستاق واسفزار. ويسمون طوس وإخواتها الاثنتين (وربما يقصدون بذلك نسا وأبيورد) ـ يسمونها خزينة نيسابور. ونذكر سرخس لوحدها لأن أمرها صعب.
اعتماداً على الأسماء التي ذكرها المقدسي ومقارنتها بما ذكره الإصطخري وصاحب حدود العالم، يمكننا أن نعرف إلى حد ما حدود إقليم خراسان الإسلامية. فالمقدسي يذكر في كتابه أن بلخ وبوشنج وغرجستان هي ضمن حدود خراسان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى طخارستان التي تقع شرقي بلخ وغربي نهر جيحون، إذاً فالحد الشرقي لخراسان بات معلوماً، وأما الحد الشمالي فلأنه يعتبر آخر نقطة حدودية في منطقة جيحون هو جيحون نفسه وليس الضفة الثانية لنهر جيحون، فهو يفصل ما وراء النهر عن خراسان، وكان قد أشار لذلك خلال ذكره إقليم الشرق وقال ما مضمونه: إن أبا زيد قسّم الشرق إلى ثلاثة أقاليم: وهي خراسان وسجستان وما وراء النهر، ولكننا جعلناها إقليماً واحداً، يفصلها جيحون. ونسبنا كل جانب إلى من أسسه ووصفنا كل إقليم بمفرده. وهذا الإقليم كبير جداً وولاياته كثيرة.
ثم يقول ما مضمونه: إذا اعترضوا علينا بأننا لم نقسم خراسان وما وراء النهر إلى إقليمين، نقول: إن المعروف إنهم يسمون قومس (دامغان) إلى طراز: خراسان.
ألا ترى أنهم كانوا يطلقون على آل سامان: ملوك خراسان بينما كانت قاعدتهم في جانب آخر. ثم يقول ما مضمونه: إذا اعترضوا وقالوا لماذا جعلت سجستان ضمن إقليم خراسان وخالفت القدماء؟ أقول إن الناس يعرفون سجستان ضمن إقليم خراسان، فإذا اعتبرنا سجستان إقليماً منفصلاً يجب أن نعتبر خوارزم كذلك إقليماً منفصلاً لأن فيها الكثير من العمائر والمدن وتختلف عن الآخرين في اللغة والآداب.
وكتب ابن رستة في كتابه (الإعلاق النفسية) مفصلاً عن مدن خراسان ثم ختم بحثه بأسماء حكام خراسان، ومع أنه لم يحدد حدود خراسان فإننا نلاحظ أنه في كتابه ذكر أسماء سجستان، وحتى كرمان، كما نلاحظ أسماء بعض المدن التي هي في الضفة الأخرى من نهر جيحون وهي بخارا وسمرقند وفرغانه والشاش.
ومهما يكن من أمر فإن الجغرافيين لا يتفقون على تحديد خراسان الإسلامية، وذلك ناجم عن تطورات ما بعد الفتح الإسلامي أولاً، ثم عن الاستقلالات الإقليمية التي قامت بعد ضعف مركز الخلافة.
فإن ما وراء النهر كانت غالباً جزءاً من خراسان وكذلك سجستان بما فيها كرمان التي كانت منفصلة عن خراسان بعد الإسلام، ثم كانت على الأكثر بإشراف حكّام خراسان، وكذلك خوارزم والمدن الواقعة على الضفة الثانية لنهر جيحون.
ونلاحظ أن المؤرخين أمثال اليعقوبي والبلاذري تحدثوا بشكل منفصل عن سجستان وكرمان وأشاروا إلى حكّامها المسلمين، وهنا يدلنا على أن كل واحدة منهما كانت منفصلة عن الأخرى.
وفي العهد الأموي كانت خراسان وجميع أقاليم شمال إيران وشرقها وغربها التي كانت تشمل الأهواز وفارس وكرمان وسجستان والمناطق المفتوحة من الهند وما وراء النهر تتبع والي البصرة.
وأحياناً تكون هذه الأقاليم الأخرى من إيران تتبع والي الكوفة والبصرة الذي هو وال للمدينتين معاً.
ويقول صاحب (حدود العالم): إن قاعدة حكومة خراسان في قديم الزمان كانت قاعدة قائمة بذاتها وكذلك قاعدة حكومة ما وراء النهر، ولكن قاعدة الحكومتين اليوم قاعدة واحدة، ومقر حاكم خراسان الساماني هو بخارا، وعماله منتشرون في جميع مدن خراسان.
وياقوت الحموي الذي أمضى فترة من حياته في خراسان يقول في كتابه (معجم البلدان):
خُرَاسَانُ: بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق أزَاذْوار قصبة جويق وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان، وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، وتشتمل على أُمَّهات من البلاد منها نيسابور وهرات ومَرْو، وهي كانت قصبتها، وبلخ وطالقان ونسا وأبيرود وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون، ومن الناس من يدخل أعمال خوارزم فيها ويعدُّ ما وراء النهر منها وليس الأمر كذلك.
ثم يقول:
وقال البلاذري: خراسان أربعة أرباع، فالربع الأول إيران شهر وهي نيسابور وقهستان والطَّبَسان وهرات وبُوشَنْج وباذغيس وطوس واسمها طابران، والربع الثاني مرو الشاهجان وسرخس ونسا وأبيورد ومرو الروذ والطالقان وخوارزم وآمل وهما على نهر جيحون، والربع الثالث، وهو غربي النهر وبينه وبين النهر ثمانية فراسخ، فارياب والجوزجان وطخارستان العُلْيا وخَسْت واندرابة وباميان وبغلان ووالج، وهي مدينة مُزاحم بن بسطام، ورستاق بيل وبَذَخْشان، وهو مدخل الناس إلى تُبَّت، ومن أندرابة مدخل الناس إلى كابُل، وترمذ، وهو في شرقي بلخ، والصغانيان وطخارستان السُّفْلى وخُلْم وسِمِنْجان، والربع الرابع ما وراء النهر بُخارى والشاش والطُّراربَنْد والصُّغْد، وهوكس ونسف والروبستان وأُشروسنة وسنام، قلعة المقنع وفرغانة وسمرقند.
قال المؤلف: فالصحيح في تحديد خراسان ما ذهبنا إليه أوّلاً وإنما ذكر البلاذري هذا لأن جميع ما ذكره من البلاد كان مضموماً إلى والي خراسان وكان اسم خراسان يجمعها، فأما ما وراء النهر فهي بلاد الهياطلة ولاية برأْسها وكذلك سجستان ولاية برأْسها ذات نخيل، ولا عمل بينها وبين خراسان؛ يقول أبو الفداء المتوفى سنة 732هـ ما مضمونه: في خراسان مدن كثيرة وإن أهل العراق يقولون إنها تمتد من الري حتى مطلع الشمس. ويقول بعضهم إنها تبدأ من جبل حلوان حتى مطلع الشمس.
ثم يذكر حدود خراسان: من جانب الغرب صحراء تقع بين خراسان وجرجان، ومن جانب الجنوب صحراء بين خراسان وفارس ودامغان، ومن جانب الشرق سجستان وبلاد الهند، ومن جانب الشمال بلاد ما وراء النهر.
وفي هذا التحديد لا تحسب سجستان ضمن خراسان، وتعتبر قهستان ضمن ولايات خراسان.
خراسان اليوم
بعد حرب هرات سنة 1249هـ انقسمت خراسان إلى قسمين: القسم الأول يقع غربي نهر هريرود يتبع إيران والقسم الآخر يتبع أفغانستان. وفي العهد القاجاري سنة 1881 استولت روسيا على القسم الشمالي من خراسان حتى نهر جيحون، وبهذا انفصلت تركمانستان (بين بحر الخزر ونهر جيحون) بمساحة 48700 كلم مربع عن خراسان وفي الوقت نفسه انفصلت ناحيتان إذا لم تكونا من خراسان، فقد كانتا تابعتين لسلطة والي خراسان، وتأسست منهما جمهوريتا أوزبكستان وطاجيكستان.
وهكذا فما بقي من خراسان في أواخر العصر القاجاري كان لا يحتوي إلا أقل من نصف خراسان القديمة، والباقي صار تابعاً لأفغانستان وروسيا في تركمانستان اليوم.
إن خراسان التي تقع غرب نهر هريدرود يحدها من الشمال ما وراء النهر والأقسام التي انفصلت عنها، ومن الشرق إلى الغرب 480 كيلومتر. أي أنها أكبر حجماً من إنكلترا. وفي غرب خراسان تقع صحراء الملح وفي الجنوب صحراء لوط.
لم تكن في إيران قبل النظام الدستوري تنظيمات إدارية مستقرة، وبعد قيام هذا النظام، أقر المجلس النيابي قانوناً قسمت فيه إيران إلى أربع محافظات وعدة ولايات، ثم قسمت إلى عشر محافظات و49 قضاء.
وبعد سنة 1941 زيد عدد المحالفظات إلى ثلاث عشرة محافظة وقضائين عامين و30 قضاء. وكانت كل محافظة وكل قضاء عام يشتمل على عدة أقضية وكل قضاء يشتمل على عدة نواحي وكل ناحية تشتمل على عدة قرى.
وفي هذه التقسيمات كانت خراسان هي المحافظة التاسعة، وتقع شرق إيران ويحدها شمالاً تركمانستان، وشرقاً أفغانستان، وجنوباً سيستان (سجستان) وكرمان المحافظتان العاشرة والحادية عشرة، وغرباً صحراء الملح.
وتتألف من الأقضية والنواحي الآتية:
| القضاء | الناحية |
| 1 ـ مشهد | فريمان ـ أحمد آباد ـ جناران ـ أردكان ـ سرخس |
| 2 ـ كناباد | بجستان |
| 3 ـ بيرجند | درميان ـ قائنات ـ خوسف ـ نهبندان |
| 4 ـ كاشمر | كوه سرخ ـ خليل آباد ـ برداسكن |
| 5 ـ توجان | شيروان ـ باجكيران |
| 6 ـ سبزوار | جغتاي داورزن ـ شش نمد ـ بام ـ صفي آباد |
| 7 ـ تربت حيدرية | جاجرم ـ إسفراين ـ مانه |
| 8 ـ نيشابور | |
| 9 ـ دره كز | محمد آباد ـ لطف آباد ـ نوخندان ـ كلات ـ جابشلو |
| 10 ـ فردوس | طبس ـ بشرويه ـ سرايان |
| 11 ـ بجنورد | أسفراين ـ مانه ـ جاجرم |
| 12 ـ تربت جام | باخرز ـ زور آباد ـ جنت آباد |
وأراضي خراسان الإيرانية من أخصب الأراضي الإيرانية وأغزرها ماء ذات جو بارد في الشمال ومعتدل جاف في الجنوب. وتحيط النواحي الشمالية والمركزية منها الجبال الشاهقة والأودية السحيقة. أما النواحي الجنوبية فصحارى منبسطة تشاهد في بعض أنحائها التلال المرتفعة.
وحاضرة خراسان اليوم هي مدينة مشهد التي أقيمت على أنقاض مدينة طوس بعد دفن الإمام الثامن علي الرضا عليه السلام في ضواحيها وانتقال العمران من طوس إلى جوار قبر الإمام. وتقع أنقاض طوس الآن على بعد 24 كيلومتراً شمال غربي مشهد.
وأهم ما يزرع في خراسان الحبوب والقطن والبقول، وعرفت بكثرة فواكهها، كما عرفت بتربية المواشي وحياكة السجاد.
حدود خراسان الشمالية القديمة
لا بد لنا وقد وصلنا في البحث إلى هنا من أن نعود إلى خراسان القديمة وما ذكرناه من حدها الشمالي وهو نهر جيحون.
إن هذا النهر الذي يسمى أيضاً (آموداريا) وكان يسمى (أكسوس)، ذو طول يبلغ 2540 كيلومتراً، وهو ينبع من جبال هنودش ويصب في بحيرة أورال، ويضيق في أوائل مجراه جداً ثم يأخذ شيئاً فشيئاً بالاتساع حتى ليبلغ عرضه في بعض الأماكن كيلومتراً واحداً. ويبلغ عمقه ما بين أربعة إلى خمسة أمتار، وخلال مروره في المناطق الجبلية ينحدر في كثير من الشلالات.
وترفد هذا النهر الروافد النابعة من هندوكش ومن هضبة بامير، وهي هذه الأنهار: نهر بدخشان ونهر بامير ونهر آق سراي ونهر خلم وهو أهم هذه الروافد.
ومن أنهاره الرئيسية نهر مرغاب ونهر وخشاب. ونهر جيحون هو اليوم هو الحد الفاصل بين طاجيكستان وشمال شرق أفغانستان، ثم يمر من شمال تركمانستان وغرب أوزبكستان ثم يصب في بحيرة أورال (بحيرة خوارزم).
مدن خراسان
عني الأستاذ المحقق كاظم مدير شانه جي الذي كانت دراساته من أهم مصادرنا واعتمدنا عليها كل الاعتماد ـ اهتم بتعداد مدن خراسان مستنداً إلى ثلاث كتب جغرافية قديمة، فخرج بالنتائج الآتية:
يقول الأستاذ كاظم ما تعريبه:
أحد هذه الكتب هو كتاب (حدود العالم) وهو يكتفي بذكر أسماء المدن دون أن يتطرق إلى موضعها الجغرافي. والكتابان الآخران هما: (المسالك والممالك للإصطخري)، وكتاب (صورة الأرض لابن حوقل). ولما كان كتاب (صورة الأرض) ينسخ عن كتاب (المسالك والممالك)، فإننا نستنتج أن مدن خراسان منذ أوائل القرن الرابع الهجري هي نفسها التي وردت في (حدود العالم) و(المسالك والممالك) معاً.
ولكن هذه المدن بسبب تعاقب الحكومات المختلفة عليها، أو بسبب الكوارث كالزلازل التي ضربت مدينة نيسابور عدة مرات ودمرتها، أو بسبب زحف الأتراك الغزاة على خراسان في عهد السلطان سنجر الذي تسبب بتدمير عدة مدن منها مدينة بلخ. بهذه الأسباب تغير مكان مدن أو توسعت أو ضاقت.
على أنه يبدو أن هذه المدن كانت باقية كما هي حتى أوائل القرن السابع الهجري (1616هـ) حيث بدأ الزحف المغولي على هذه البلاد. وإننا لنجد أسماء هذه المدن في الكتب الجغرافية التي تم تأليفها قبل هذا الزحف مثل كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي ـ نجدها مفصلة.
ولكن كثيراً من مدن خراسان زال من خريطة العالم بعد هذا الزحف وانطوى اسمها من الوجود مثل: فارياب وأنبار وقوشنج التي كانت بقرب هرات، ومثل فيروزكوه عاصمة الغوريين ونسا عاصمة الفرثيين التي ولد فيها (النسائي) صاحب كتاب السنن. وغير ذلك من المدن.
كما أن بعض المدن تبدلت أسماؤها مثل (آمل) المعروفة اليوم باسم (جهار جوي). ومدن خراسان التي جاء ذكرها في كتاب (حدود العالم) هي:
1 ـ نيشابور. 2 ـ سبزوار. 3 ـ خسرو جرد. 4 ـ بهمن آباد ومزينان. 5 ـ آزادوار. 6 ـ جاجرم. 7 ـ سبراين (أسفراين). 8 ـ جرمكان وسيبينكان وخوجان وراويني (من حد نيشابور). 9 ـ نسا. 10 ـ باورد. 11 ـ طوس (وفيها مستوطنات مثل طوران ونوقان). 12 ـ ميهنة. 13 ـ ترشيز وكندر. 14 ـ بنابدو تون وكرى (على حدود قهستان ونيشابور) وقاين. 15 ـ طبسين. 16 ـ كرى. 17 ـ طبس مسينان. 18 ـ خورخسب. 19 ـ بورزكان وخايمند وسنكان وسلومد وزوزن (من حدود نيشابور). 20 ـ هرى (هرات). 21 ـ بوشنكن. 22 ـ نوجكان. 23 ـ فرجرد. 24 ـ بادغيس (فيها حوالي ثلثمائة قرية). 25 ـ كانون. 26 ـ خجستان. 27 ـ كوه سيم. 28 ـ مالن. 29 ـ إسبراز. 30 ـ سرخس. 31 ـ بون (وهي قاعدة كنج روستا). 32 ـ كيف. 33 ـ بغشور. 34 ـ كروخ. 35 ـ شورمين (في هرات). 36 ـ غرجستان. 37 ـ دزه. 38 ـ مرو (ربما مرو رود). 39 ـ حصن الأحنف. 40 ـ بركدر. 41 ـ كيرنك. 42 ـ مرو. 43 ـ شنك عبادي. 44 ـ دندانقان. 45 ـ كشميهن (في مرو). 46 ـ كوزكانان (حوالي بلخ). 47 ـ ربوشاران (في غرجستان). 48 ـ درمشان. 49 ـ تمران وتمازان. 50 ـ ساروان. 51 ـ مانشان. 52 ـ طالقان. 53 ـ جهوندان. 54 ـ بارياب (فاريبا = باريبا). 55 ـ نريان. 56 ـ كزروان. 57 ـ كندرم. 58 ـ أنبير. 59 ـ كلار. 60 ـ أشبورقان. 61 ـ انتخذ. 62 ـ سان. 63 ـ رباط كروان. 64 ـ سنك بن. 65 ـ أزيو. 66 ـ حوش. 67 ـ بلخ. 68 ـ خلم. 69 ـ تخارستان. 70 ـ سمنكان. 71 ـ سكاكند. 72 ـ بغلان. 73 ـ ولوالج. 74 ـ سكيمشت. 75 ـ طايقان. 76 ـ اندراب. 77 ـ باميان. 78 ـ بنجهير وجاريانه. 79 ـ مديوتي. أما الاصطخري فيذكر مدن خراسان كما يلي:
نيسابور ـ مرو ـ هرات ـ بلخ ـ قوهستان ـ طوس ـ نسا ـ أبيورد ـ سرخس ـ إسفزار ـ بوشنج ـ بادغيس ـ كنج رستاق ـ مرو رود ـ جوزجان ـ غرج الشار ـ باميان ـ طخارستان ـ زم ـ آمل.
ثم يذكر أسماء المدن التابعة لها:
نيسابور: بوزجان. مالن (معروفة بكواخرز). جايمند (في صورة الأرض: خايمند). سلومك سنكان. زوزن. كندر. خان زوان. آزادوار. خسرو جرد. بهمناباد. مزينان. سابزوار (سبزوار). ديواره. مهرجان. إسفرائن. خوجان (قوجان). رزيله (في صورة الأرض: ريوند).
طوس: راذ كان. طابران (في صورة الأرض: طبران). بزديغره (في صورة الأرض: ترغوذ) وهي الآن طرقبه. نوقان.
مرو: كشميهن. هرمزفره. سنج. جيرنج. دندانقان. قرينين. باشان. خرق. سولقان.
هرات: مالن. خيسار. استربيان. أوفه. ماراباذ. باشان. كروخ. خشت.
أسفزار: أدرسكر (في صورة الأرضك أدرسكن). كواران. كوشك. كوانشان.
بوشنج: خركرد. فركرد. كوسوى. كره.
بادغيس: جبل الفضة. كوفا (في صورة الأرض: كوه) كوغناباد. بُشت. جاذوى. كابرون. كالودن. دهستان.
كنج رستاق: بين. كيف. بغشور.
مرو الرود: قصر الأحنف. ذره.
طالقان: فارياب.
جورجان: يهودية. شبورقان. ( = شابوركان).
انخذ: (في صورة الأرض: اندخود||) اشترج. كند درم (في صورة الأرض: كندرم) أنبار سان.
غور: (= غرج الشار): بشين. شورمين.
سرخس: نسا. فراوه.
قوهستان: (= قهستان): قاين. نيابذ (= كناباد). طبسين (في صورة الأرض: خور. خشت). طبس مسينان.
بلخ: طخيرستان (= طخارستان). ختل. بنجهير. بدخشان. باميان.
مدن طخيرستان: خلم، سمنجان (= سمنكان). بغلان. سكل كند. ورداليز. آرهن. راون. طابقان. سكيمشت. روب (في صورة الأرض: روا). سراي عاصم. خست (في صورة الأرض: خسب). اندرآب. ندر. كاه (في صورة الأرض: كه).
مدن ختل: وهي في ما وراء النهر: هلاورد. لاوكند. كارنبك (في صورة الأرض: كاومك) تمتليات. هلبك. سكندره. منك. أنديجاراغ. فارغر. رستاق نبك.
مدن باميان: بغور (في صورة الأرض: بغشور) فند (في صورة الأرض: قند). سكاوند. كابل. لجرا (في صورة الأرض: بخرا). فروان. غزنة. بنجهير.
بدخشان: زم ـ سرخس.
قاعدة خراسان
يقول لُسترنغ إن إقليم خراسان في عهد العرب كان مقسوماً إلى أربعة أقسام، أو أربعة أرباع، وكان كل ربع يسمى باسم إحدى المدن الأربع الكبرى التي كانت في أزمنة مختلفة قاعدة ذاك الربع أو قاعدة البلاد كلها. وهذه المدن هي: نيسابور، ومرو، وهرات، وبلخ.
ثم يقول: وبعد الفتوحات الإسلامية الأولى كانت قاعدة خراسان مدينتي مرو وبلخ، ولكن الطاهريين نقلوا قاعدة حكومتهم إلى المنطقة الغربية وجعلوا مدينة نيسابور في أقصى الأقسام الأربعة قاعدة حكومتهم.
يذكر كل من البلاذري في (فتوح البلدان) وابن الفقيه في البلدان والكرديزي في (زين الأخبار) أرباع خراسان. وينقل علماء الجغرافيا أرباع خراسان كما ذكره لُسترنغ.
ويبدو أن تقسيم خراسان إلى أربعة أرباع كان قبل سيطرة المسلمين عليها، فالكرديزي يقول:
أما سلاطين خراسان: فقد كانت العادة مختلفة منذ القدم، فمن عهد أفريدون إلى عصر أردشير بابكيان كان للبلاد كلها قائد عام واحد ولما جلس أردشير على العرش اختار أربعة قادة للجيش واحد لخراسان وثان للغرب وثالث لنيمروز ورابع لأذربيجان. وجعل لخراسان أربع حراس للحدود: حارس حدود (مرو الشاهكان)، وحارس حدود بلخ وطخارستان، وحارس حدود (ما وراء النهر)، وحارس حدود هرات وبوشنج وبادغيس. ولما تم الفتح الإسلامي ألغى المسلمون ذلك.
وإذا عرفنا أن الكرديزي البحاثة المحقق يقول: إن أرباع خراسان تعود إلى العصر الساساني وأن المسلمين ألغوا ذلك، نقول: إن ما زعمه لُسترنغ من أن المسلمين هم الذين قسموا خراسان إلى أربعة أرباع هو خطأ، مضافاً إلى هذا أن مدينة بلخ لم تكن يوماً في مختلف عصور خراسان سواء منها الذي كانت فيها مستقلة أو كانت تابعة للخلفاء ـ لم تكن قاعدة خراسان. وإن كانت بعد الفتح الإسلامي من المدن المهمة، ولقد قيل فيها إنها «أم البلاد» و«قبة الإسلام».
ويبدو أن ازدهارها من ذكريات عصور ما قبل الإسلام، لأنها كانت عاصمة أول حكومة آرية هي حكومة الباكريين ومكان معبد نوبهار ومهد العقيدة الزرداشتية.
أما الأرباع الثلاثة الأخرى في خراسان وهي: مرو، ونيسابور، وهرات فقد تقاسمت المركزية الخراسانية وتداولتها بينها. فالولات الذين كانوا يوفدون من الخلفاء أيام قوة الخلافة الأولى كانوا يتخذون من مدينة مرو قاعدة لحكم خراسان.
هكذا فعل أبو مسلم الخراساني حين أطاح بالحكم الأموي، فكانت مرو قاعدة خراسان في سلطته.
ولما قسم الرشيد في حياته المملكة بين ولديه الأمين والمأمون، كان المأمون والياً قاعدته مرو، واستمر كذلك بعد انتصاره على الأمين وتوليه الخلافة.
وبعد انتقال المأمون إلى بغداد وتوالي الخلفاء بعده كانت مرو مقر ولاتهم على خراسان. ويقول اليعقوبي ما مضمونه: إن مرو أهم ولاية في خراسان، وسكانها من النقباء والدهاقين العجم، ويعيش فيها أقوام من العرب من قبائل الأزد وتميم وغيرهم، وولات خراسان كانوا يقيمون في هذه المدينة، وأول من نزلها المأمون ثم بقية من تولوا خراسان إلى أن نقل عبد الله الطاهري القاعدة منها إلى نيسابور.
ويقول ابن حوقل: كانت قاعدة خراسان ودار الإمارة في الأيام القديمة وحتى عصر الطاهريين في مرو وبلخ، ولكن الطاهريين نقلوها إلى نيسابور، وكانت هذه المدينة في عصرهم عامرة كبيرة غنية ونهض منها الكثير من الكتّاب والمؤلفين والأدباء والعلماء والفقهاء كما قصدها العديد من أمثال هؤلاء.
وبعد تولي يعقوب بن ليث مؤسس السلالة الصفارية، السلطة واستيلائه على خراسان بقيت نيسابور قاعدة الحكم، وقد زاد عمرو في إعمارها وازدهارها.
وكانت نيسابور أهم مدن خراسان بل أهم مدن إيران في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وقد وصفها ناصر خسرو بأنها تساوي القاهرة عاصمة الفاطميين في مصر.
وبعد استيلاء السامانيين على السلطة جعلوا عاصمتهم بخارا. ولكن قاعدة ولاية خراسان التي كانت في قبضة آل سيجور وحسام الدولة تاش وفائق، كانت مدينة نيسابور. على أنه في بعض الأوقات كان هؤلاء يتداولون المكان في مرو وهرات، فقد كان تاش يحكم من نيسابور في حين كان فائق في بلخ وكان أبو علي سيمجور في هرات، وكان هذا في وقت كان فيه تاش قائداً وأميراً على خراسان، ولذلك كانت نيسابور وتوابعها في قبضته، ولما عزل أصبحت في قبضة أبي علي سيمجور([486]).
وعندما حكم الغوريون هرات كانت هذه المدينة قاعدة خراسان منافسة لمدينة نيسابور([487]) وفي العهد السلجوقي أصبحت مرو قاعدة الحكم مع احتفاظ نيسابور بأهميتها. وأول من اتخذ منهم مرو قاعدة كان السلطان جفري بيك، ثم أنشأ حفيده السلطان ملك شاه حصناً حول المدينة طوله إثنا عشر ألف وثلاثمئة قدم.
ولقد ازدهرت هذه المدينة في عهد السلاجقة بعد أن أخذت بالخراب. على أن السلطان طغرل بعد أن استولى على نيسابور نقل إليها قاعدة حكمه، وبعد الاستيلاء على أصفهان سنة 442 جعلها القاعدة وبعث بولاته إلى مدن خراسان وغيرها.
وبعد الزحف المغولي وما رافقه من دمار فقدت مدن خراسان أهميتها وعمها الخراب.
وفي عهد تيمورلنك الذي جعل سمرقند عاصمته وتوالى أحفاده على الحكم بعده كانت مدن خراسان على الأغلب في أيدي هؤلاء الأحفاد.
وقبل تيمورلنك واستيلائه على إيران كان السربداريون قد نهضوا في مدينة سبزوار وحكموا خراسان زهاء نصف قرن إلى أن قضى عليهم تيمور سنة 783هـ. (راجع: السربداريون).
وفي عصر هؤلاء الحكام السربداريين ازدهرت مدينتا سبزوار ونيسابور مرة أخرى. وفي أواخر حكم تيمور كانت خراسان بحكم ابنه شاهرخ (807هـ)، وبعد توليه الملك جعل مدينة هرات عاصمة بلاده الواسعة فازدهرت هرات أي ازدهار، واستمرت كذلك بعد وفاة شاهرخ سنة 850 ولكن العاصمة انتقلت من هرات إلى سمرقند، ثم كان أن بدأت مناطق تقع في أيدي الأتراك العثمانيين وآل جلاير والتركمان وأخيراً الصفويين، ولكن إقليم خراسان ظل يدار من بقية الأسرة التيمورية بصورة مستقلة إلى أن وقعت هذه المنطقة في قبضة السلطان حسين بايقرا سنة 878هـ وفي عهد هذا السلطان بلغت مدينة هرات قمة عظمتها وازدهارها وفضلاً عن ذلك فقد غدت خراسان مركزاً للأدب والفن.
وبعد قيام الدولة الصفوية واستيلائها على خراسان أصبحت مدينة مشهد التي كانت قد ازدهرت في عصر تيمور والتي كانت قد أخذت بالتدريج مكانة نيسابور وطوس ـ أصبحت قاعدة خراسان بدلاً من هرات وما زالت محتفظة بمكانتها إلى يومنا هذا بصفتها قاعدة محافظة خراسان.
خراسان في عهود الاستقلال
الطاهريون
العصر الطاهري الذي بدأ من سنة 205 ـ 259هـ هو عصر أول حكومة مستقلة في خراسان بل في إيران بعد الإسلام. وكانت عاصمة الطاهريين في أقصى منطقة بغرب خراسان: مدينة نيسابور.
ففي عهد المأمون بدأ آل طاهر حكمهم. وكانت حدود البلاد التي تشملها سلطتهم تمتد من قومس حتى حدود جبال الهند ونهر السند ومكران إضافة إلى خراسان اليوم. فكانت أفغانستان وما وراء النهر وسيستان (سجستان) ضمن سلطتهم.
وقد شرح أحمد بن واضح اليعقوبي وهو من المؤرخين والجغرافيين البارزين، وقد عاش في عصر الطاهريين وتوفي في أواخر القرن الثالث وألّف كتاب البلدان في الجغرافيا في ذلك العصر ـ شرح في هذا الكتاب بدقة حدود خراسان. وكلامه عن هذه الحدود يشير إلى ما قبل دخول الإسلام إليها. ولكن ما دام الكتاب قد ألّف في عهد الطاهريين فهو من هذه الناحية مفيد.
يقول اليعقوبي ما مضمونه:
«مدينة بلخ أكبر مدن خراسان وملك خراسان الشاه طرخان يقيم هناك، وهي مدينة عظيمة تقسم إلى قسمين، وكانت في الماضي تقسم إلى ثلاثة أقسام وفيها اثنتا عشرة بوابة ويقال إنها تقع في وسط خراسان لأنها تبعد عن فرغانة ثلاثين محطة نحو المشرق.
ومن هناك إلى الري ثلاثين محطة نحو المغرب. ومن هناك إلى سيستان في جهة القبلة ومنها إلى كابل وقندهار ثلاثون محطة. ومنها إلى كرمان ثلاثون محطة. ومنها إلى كشمير ثلاثون محطة. ومنها إلى خوارزم ثلاثون محطة. ومنها إلى ملتان ثلاثون محطة».
والجدير بالذكر هنا هو ما وراء النهر وسيستان حيث نرى كلمة خراسان تأتي دائماً مقرونة بهاتين المنطقتين لا سيما ما وراء النهر. وعلى سبيل المثال نقول إن يعقوب بن ليث الصفار بعد أن فتح كابل وبلخ وهرات ثم نيسابور وبسط سلطته على سيستان وجميع تلك النواحي عرف باسم أمير خراسان ويقول عنه ابن الأثير بعد أن سيطر على نيسابور وأسقط آخر حاكم طاهري: «واستولى على خراسان».
السامانيون
في عصر السامانيين حيث انتقلت العاصمة من خراسان إلى ما وراء النهر ألّف الجغرافيون المسلمون كتباً كثيرة. إن هؤلاء الجغرافيين دونوا جغرافية خراسان حسب وجهات أنظارهم أو حسب الأوضاع السياسية والإدارية الموجودة وإن كتب الجغرافيا آنذاك التي كتبت باللغتين العربية والفارسية تقسم إلى قسمين: قسم اعتبر ما وراء النهر جزءاً من خراسان، وقسم اعتبر ما وراء النهر خارج حدود خراسان، ورأى فيها جارة شمالية لها.
وإلى جانب هذه الآثار الجغرافية فإن الآثار الأدبية والتاريخية لم تكن بعيدة عن هذا الاتجاه. فمن الكتب الجغرافية الثمينة باللغة الفارسية كتاب (حدود العالم) الذي كتبه عالم خراساني من أبناء (الجوزجان) كان يعيش في بلاد (آن فريغون) في الجوزجان، وهو يقول فيه:
«ناحيتها الشرقية هي الهند وجنوبها قسم من حدود خراسان والقسم الآخر صحراء كركس كوه (جبل كركس) وغربها نواحي جرجان وحدود غور وشمالها نهر جيحون، وهي ناحية كبيرة فيها نعم كثيرة. وكان ملك خراسان في قديم الزمان منفصلاً عن ملوك ما وراء النهر، واليوم الاثنان واحد. وإن أمير خراسان يجلس في بخارا وهو من آل سامان».
أما العالم الجغرافي الآخر أبو إسحاق إبراهيم الإصطخري فقد ذكر حدود خراسان هكذا:
«تشتمل خراسان على كورة وهذا اسم الإقليم. وما يحيط بخراسان وشرقي خراسان هو: سيستان وديار الهند. وغرب خراسان تقع صحراء غزني (غور) ونواحي جرجان. وشمال خراسان هو ما وراء النهر وبعض بلاد تركستان والختل. وجنوب خراسان صحراء بارس وقومس».
وفي الأسطر الأخرى عندما يتكلم عن مدن خراسان وكورها يتحدث عن قسم من بلاد تركستان والختل ويقول إن المقصود من ذلك هو: زم وآمل.
ويقول إن خوارزم وراء ما وراء النهر.
يبدو مما ذكرناه أن إطلاق كلمة خراسان لم تتكيف دائماً بالحالة السياسية كما قال بعضهم. ورغم أن خراسان في ذلك الزمان كانت تدار من أمراء بخارى إلا أن المؤلفين المذكورين فصلوا خراسان عن ما وراء النهر واعتبروها جارة لها وصرحوا بأن أوضاعها السياسية والإدارية كانت في الماضي منفصلاً بعضها عن بعض.
ونستنتج من كلام العالم الجغرافي الأخير أن أولئك الجغرافيين والشعراء الذين وصفوا خراسان بأنها تتألف من أربع مدن هي: نيسابور ومرو وهرات وبلخ لم يكن هدفهم حصرها في هذه المدن الأربع كما يعتقد بعضهم، بل إن الهدف من تعريف خراسان بهذه المدن الأربع هو ذكر أهم مدن خراسان. والإصطخري عندما يتحدث بتفصيل أكثر عن خراسان يذكر هذه المدن الأربع ويضيف إليها: الكُوَر (النواحي) مثل قهستان وطوس ونسا وباورد وسرخس وإسفراين وبوشنك وبادغيس وكنج رستاق ومرو الروذ وكوزكان (جوزجان) وغرجستان وباميان وطخارستان وآمُل.
وفي مؤلف جغرافي آخر يشير إلى حدود خراسان قائلاً: طول خراسان: من حد دامغان إلى ساحل نهر بلخ، وعرضها: من زرنج إلى حد جرجان. ومدنها الكبيرة أربع: نيسابور، ومرو، وهرات، وبلخ، ثم بعد بلخ مثل طخارستان والختل وشفنان وبدخشان حتى حدود الهند مثل باميان. وإلى حدود التبت مثل وخان هي جزء من خراسان.
تقول هذه المصادر إن ما وراء النهر حتى عندما كانت مركز حكومة خراسان لا تسمى خراسان، وكلمة خراسان كلمة قديمة لأرض قديمة ذات حضارة عريقة لا تتغير بالتغيرات السياسية.
على أن هناك بعض المصادر التي ألفت في ذلك العصر وفي العصور التالية ذكرت أن ما وراء النهر جزء من خراسان.
ونحن نقرأ في أحد المصادر:
«وكُوَر خراسان تتألف من طبسين وقهستان ونيسابور وهرات وبوشنك وبادغيس وطوس ونسا وسرخس وأبيورد ومرو الروذ وطالقان وفارياب والجوزجان وبلخ وطخارستان وترند وبخارا وسمرقند وكش ونخشب وفرغانة وأسروشنة».
والرودكي ـ وهو من أبناء ما وراء النهر ومن الشعراء المعروفين في بلاط السامانيين يعتبر نفسه خراسانياً.
الغزنويون والغوريون
لا بد من القول ـ قبل الدخول في الحديث عن كلام رجال هذا العصر عن بلاد خراسان وحدودها وثغورها ـ لا بد من القول إنه بعد مجيء الغزنويين في عهد الغوريين أصبحت مدينتا غزنة في الشرق، وغور في مركز خراسان ـ أصبحتا العاصمتين الاداريتين لحكام خراسان، وان هاتين العاصمتين هما الان ضمن أفغانستان، الأولى في شرق البلاد والثانية في وسطها.
وسيستان أيضاً التي هي الآن ضمن أفغانستان وتشكل القسم الجنوبي والجنوبي الغربي من البلاد كانت في عهد الغزنويين والغوريين جزءاً من خراسان، وإن اسم خراسان كان يشتمل على جميع سيستان.
إن المصادر الموجودة متفقة على هذا الأمر. وهذه المصادر نفسها تتحدث بالعكس عن ما وراء النهر حيث هي متفقة في القول إن ما وراء النهر منفصل عن خراسان، ولم يطلقوا أبداً كلمة خراسان على ما وراء النهر.
وناصر خسرو الشاعر والمفكر والكاتب الذي كان يعيش في آخر نقطة من أفغانستان الحالية في يمكان بولاية بدخشان ـ يقول بأنه من أبناء خراسان وأن يمكان تقع في خراسان.
أما فخر الدين الكركاني فيقول في أشعاره بالسلطان الغزنوي إن خراسان وما وراء النهر هي للسلطان الغزنوي.
وعنصري البلخي وهو أمير الشعراء في بلاط الغزنويين يصف في بعض أشعاره السلطان محمود الغزنوي بأنه «خدايكان خراسان» يعني ملك خراسان.
وفي أشعار أخرى يصفه بأنه «خسرو مشرق» أي ملك الشرق.
ونظامي الكنجوي يصف محمود الغزنوي ـ الذي كان يسيطر على أفغانستان كلها وعلى شرق إيران (خراسان) ويديرها من غزنة بأنه «خراسانكير» أي المسيطر على خراسان.
وفضلاً عن الشعر والآثار الأدبية فإن المصادر التاريخية التي اهتمت بأحداث عصر الغزنويين أطلقت اسم خراسان على جميع أفغانستان. وعلى سبيل المثال نقرأ في تاريخ (مجمع الأنساب) ما يلي: محمود الغزنوي في السنة الثانية من وفاة والده أخذ جيوشه إلى بلخ …. ومن بخارى أرسلوا ميثاق ولاية خراسان من حدود جيحون إلى الهند وسيستان كلها إلى محمود عدا مدينة نيسابور. ولم يذكر شيئاً عن نيسابور.
أما السلاطين الغوريون الذين هم من أبناء غور وغرجستان (هزاره جات اليوم) وكانت عاصمتهم في هذا الجزء من خراسان واستمرت حكومتهم فترة طويلة في غور وغرجستان، وباميان وبلخ، ثم بعد انقراض الغزنويين وفتح غزنة توسعت سلطتهم على جميع أفغانستان الحالية والهند إلى دلهي، وكان حكامهم لسنوات متتالية في خراسان، فكانت بلادهم تسمى خراسان.
والجدير بالذكر أن أسرة الغوريين كانت تحكم بلاد غور وغرجستان قبل الإسلام وقد أسلموا أيام خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان لهم في عهود السامانيين والغزنويين والسلاجقة وأوائل حكم الخوارزمشاهيين نوع مما نسميه في عصرنا الحاضر بالحكم الذاتي.
إن أبا القاسم الجيهاني ـ وهو من أبناء سيستان وكان يعيش في القرن الرابع ـ يصف أفغانستان كلها بأنهى تسمى خراسان.
السلاجقة والخوارزم شاهية
جاء في بعض المصادر الفارسية عن جغرافية خراسان هذا القول:
«كان يطلق اسم خراسان في أوائل القرون الوسطى بصورة عامة على جميع البلاد الإسلامية التي تقع شرق صحراء لوط حتى جبال الهند. ولكن هذه الحدود تغيرت وأصبحت أصغر وأدق بحيث يمكن القول إن خراسان التي كانت واحدة من ولايات إيران في القرون الوسطى لم تكن تشتمل على ما وراء نهر جيحون من الناحية الشمالية الشرقية، ولكن ما زالت جميع مرتفعات ما وراء هرات التي هي اليوم الشمال الغربي من أفغانستان مشمولة بها. أما البلاد الواقعة في المنطقة العليا من نهر جيحون، أي في ناحية بامير فقد كانت عند العرب في القرون الوسطى جزءاً من خراسان».
ويبدو أن قصد الكاتب من قوله: «ولكن هذه الحدود تغيرت ….» لم يكن عهد الطاهريين والغزنويين بل من المحتمل أن يكون قصد عهد السلاجقة والخوارزمشاهية.
وعن السلاجقة ذُكر في التاريخ:
«في ذي الحجة سنة 455 عزل ألب أرسلان محمد بن أبي سليمان، ابن طغرل بك سليمان وكان طفلاً، واستولى هو على الحكم وأصبح ملك العراق وخراسان». وفي جانب آخر من هذا الكتاب جاء:
وكان السلطان ألب أرسلان رجلاً قوياً شجاعاً ولما تسلم السلطة سيطر على خراسان والعراق وأطرافهما.
أما ياقوت الحموي في (معجم البلدان) فينظر إلى حدود خراسان كما كان في القرون الوسطى ويعتبر ما وراء النهر قسماً من خراسان.
وهناك أحد المحققين الذي كان يعيش في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن، ناقش كتابه ولخصه ورفض نظرية ياقوت هذه فهو لا يعتبر ما وراء النهر قسماً من خراسان، وقد رسم خريطة خراسان بحيث تشمل جميع بلاد أفغانستان عدا ولاية سيستان.
وبصورة عامة وبعد دراسة المصادر المختلفة الكثيرة التي تتحدث عن جغرافية خراسان وحدودها في العصر العباسي يمكن القول إن خراسان كانت تطلق على أفغانستان كلها عدا سيستان وأن سيستان في بعض المصادر لا سيما في بعض العهود التاريخية كانت قسماً من خراسان وتعتبر الجارة الجنوبية أو الجنوبية الشرقية لها. والمهم هنا أن نقول إن كلمة خراسان كانت تطلق على القسم الأعظم من أفغانستان.
الجنكيزيون
يبدو أن إطلاق اسم خراسان على ما وراء النهر في عصر المغول الذي يبدأ بهجوم جنكيز سنة 614هـ على الخوارزمشاهيين لم يحظ بموافقة الكثيرين. وحسب ما نقل عن الجغرافيين المسلمين أنهم يعتبرون بداية هجوم جنكيز على البلدان الإسلامية نقطة انتهاء القرون الوسطى كما يذكر ذلك أحد المستشرقين بقوله: «في أواخر القرون الوسطى أي تزامناً مع عصر هجوم المغول انتهى استعمال اسمي: جيحون وسيحون، فسمي نهر جيحون (آموية) أو (آمودريا) كما سمي نهر سيحون (سيردريا).
وزكريا القزويني الذي كان قاضياً في واسط والحلة في عصر المعتصم آخر الخلفاء العباسيين والذي كان حياً عندما فتح المغول مدينة بغداد يقول في مؤلفه الجغرافي دون الإشارة إلى مساحة خراسان وحدودها ـ يقول عن مدينة بلخ: «بلخ مدينة عظيمة من أمهات بلاد خراسان».
وكذلك عن مدينة يمكان التي تقع في الولاية الشمالية الشرقية لأفغانستان اليوم على حدود الصين. وعندما يتحدث عن حمام يمكان الذي بناه ناصر خسرو يقول: «إن هذا الحمام مشهور في خراسان أكثر من أي شيء آخر وهو باق حتى عصرنا، وسبب اشتهاره في خراسان هو أنه عام مباح للناس لا يمنع أحد من الدخول إليه والاستحمام فيه».
وهو وإن لم يصرح بأن يمكان هي جزء من خراسان إلا أن هذا واضح من عبارته المتقدمة. ويشير إلى بعض المدن التي هي من مدن خراسان مثل: بوشنك وسرخس ونيسابور ومرو وهرات وبلخ وغيرها.
ويقول إنها تقع داخل بلاد خراسان، وفي المقابل لم يذكر عدداً من مدن خراسان، كما يسكت عن ذكر مدن أخرى مثل قندهار وتكناباد وغيرها، ولم يقل أنها من مدن خراسان أو الهند، بينما يعتبر مدينة باميان قسماً من بلاد غزنة حين يقول عن غزنة:
«وغزنة بلاد واسعة تقع في أطراف خراسان وهي الحد الفاصل بينها وبين الهند. إن هذه البلاد معروفة بمناخها الطيب ومائها العذب وأرضها الخصبة. إن أراضيها جبلية، والبركة والعمار فيها منتشران ولكن بردها قارس شديد».
وفي كتاب (آثار البلاد) تقع كابل ضمن بلاد الهند ويقول إن سكانها من الكفار والمسلمين. وهذه الأمور والأحوال الأخرى التي يحتوي عليها هذا الكتاب تشير إلى أن معلومات القزويني عن بلاد خراسان الواسعة في ذلك الزمان لم تكن دقيقة كاملة وهو يصرح تكراراً بأنه لم يشاهد تلك البلاد.
إن الأساطير التي ينقلها عن الآثار والذخائر والبنايات والمحاصيل، وحتى عن سكان بعض المدن ويصفها ويشرحها بالتفصيل ـ إن ذلك يؤيد بأنه لم يشاهد عن قريب بعض مناطق خراسان ولم يسافر إليها، كما أنه لم يبد اهتماماً بالمصادر الجغرافية الثمينة القديمة.
المصادر الأخرى التي تشرح هجوم جنكيز على أفغانستان تذكر أن جميع مدنها هي جزء من بلاد خراسان. وعلى سبيل المثال فإن ابن الأثير في كتابه (الكامل) عندما يذكر هجوم جنكيز على خراسان ويصف صمود بعض المدن يذكر أسماء بعض تلك المدن ومنها بلخ وذروان وميمنة واندخوى وفارياب وطالقان وهرات وغزنة وغور ونيسابور وطوس ومرو، وبعضها يقع اليوم في أفغانستان. ويشير إلى أن نهر جيحون هو الحد الشمالي لخراسان.
وفي فترة ما بين الجنكيزيين والتيموريين انقسمت خراسان، فالجانب الشرقي (أفغانستان) كان يحكمه آل كرت، والجانب الغربي (خراسان الإيرانية اليوم) كان يحكمه السربداريون. والمصدر الذي ذكر ذلك يؤكد أن الحكام هم أمراء خراسان. وهذا دليل على أن كلمة خراسان كانت في القرن الثامن تطلق على أفغانستان.
التيموريون
في العصر التيموري ـ باستثناء فترة حكم تيمورلنك ـ حيث كانت هرات العاصمة أصبحت خراسان في ذروة ازدهارها وحضارتها وعظمتها.
وعلى هذا الأساس كانت خراسان رغم ما كان قد عرض لها من التدمير في بداية هذا العصر نتيجة هجمات تيمور المتتالية ـ قد بدأت تسير على طريق الازدهار بفضل الإدارة الصحيحة والنوايا البناءة التي كان يتحلى بها أخلاف تيمور. لذلك فإن العصر التيموري يعتبر من العصور الذهبية في تاريخ خراسان وإيران.
في هذا العصر يعتبر نهر جيحون (آموداريا) الحد الفاصل بين خراسان وما وراء النهر، وكانت أفغانستان وحتى سيستان كتلة واحدة منسجمة باسم خراسان في حكم الأسرة التيمورية.
إن أهم كتاب تم تأليفه في الجغرافيا في هذا العصر هو جغرافية حافظ أبرو. في هذا الكتاب يتحدث المؤلف الخراساني حافظ أبرو الهروي بدقة عن حدود خراسان وجغرافيتها وأرباعها، ولكن الكتاب لم يطبع بصورة كاملة.
يقول عن جغرافية خراسان:
«لا يخفى أن خراسان اسم بلاد وأن هذه البلاد واسعة، حدها الشرقي مصدر مياه آموية وجبال بدخان وجبال طخارستان وباميان وأعمال غربي غزنة وكابل وما وراء جبال الغور التي فيها منابع نهر هيرمند.
والحد الغربي صحراء، هي الحد الفاصل بين خوارزم وخراسان وحدود غيستان وجرجان إلى بحر الخزر وبعض من حدود قومس والري.
والحد الشمالي ينتهي إلى جيحون الذي يقع آموي إلى جانبه. وبما أن ممر السامانيين إلى عاصمتهم بخارا كان عبر هذا الماء سمي آمويه، وفي الجانب الآخر من الماء يسمى ما وراء النهر. وجنوب خراسان هو حدود السند».
وفي السطور الأخرى يتكلم عن مناخ خراسان وطولها وعرضها ويقول:
«أرض خراسان طولاً من بسطام إلى غزنة حوالي مئتين فرسخ. والعرض من سجستان إلى مياه آموية حوالي مئتي فرسخ. ومناخها من أحسن مناخات الأقاليم. وكان الوباء (الكوليرا) والطاعون قليلين في بلاد خراسان. وفيها مناطق حارة ومناطق باردة. وفيها الجبال والسهول إلا أن الجبال فيها أكثر».
وفي عصر التيموريين كان يطلق على أفغانستان وغربها إلى نيسابور وبيهق اسم خراسان، وكون خراسان كانت تطلق على جميع أفغانستان اليوم لا شك فيه، حيث توجد شواهد وقرائن كثيرة على هذا الأمر. وكما أشرنا سابقاً فإن إطلاق كلمة خراسان على بلاد أفغانستان اليوم لا يقتصر على العصر التيموري، بل ظل مستعملاً بعد سقوط هذه الأسرة واقتسام المملكتين: الصفوية والبابرية في الهند لأفغانستان([488]).
وهكذا فإن أفغانستان اليوم كانت منذ عهد الساسانيين حتى سقوط التيموريين تسمى خراسان. أما إطلاق خراسان على ما وراء النهر فغير موثوق به بعد القرن الثالث الهجري، والمصادر الموجودة متهافتة مضطربة.
أما كتب الجغرافيا باللغة الفارسية لمؤلفين محليين فإن لها قيمة علمية وأفضلية نسبية، مثل كتاب (أشكال العالم) للجيهاني و(حدود العالم) للجوزجاني وغيرهما، وهي لا تعتبر ما وراء النهر قسماً من خراسان.
كما أن حافظ أبرو في القرنين الثامن والتاسع يؤكد على هذا الأمر. ولا توجد وجهة نظر واحدة في أقوال الجغرافيين غير المحليين الذين كتبوا بالعربية في هذا الموضوع. والذين كتبوا أن ما وراء النهر قسم من خراسان لاحظوا الأوضاع السياسية والإدارية في المنطقة، وهذا ما نلاحظه في مؤلفاتهم وعند النظر في أوضاع كل عصر.
وعلى هذا يمكن اعتبار ما وراء النهر من ضواحي خراسان، ولم يثبت اعتباره جزءاً من خراسان، أو إطلاق اسم خراسان على هذه البلاد التي لا تُعلم حدودها.
وسيستان وزابلستان اللتان تقعان اليوم في القسم الجنوبي والجنوبي الغربي من أفغانستان، لو لم تكن أقوال علماء الجغرافية المحليين تنبئ بأن هذه النواحي كانت قسماً من خراسان، لقلنا عنها نفس ما قلناه عن ما وراء النهر، ولكننا اعتماداً على أقوالهم وأقوال غيرهم من العلماء، فإن الحد الشرقي لخراسان يتصل بالهند أو ببامير أو التبت. وحدها الجنوبي بالسند، وإن هذه النواحي قسم من خراسان.
من تاريخ خراسان
أفغانستان
هل هناك بلاد في خراسان وما وراءها كانت تسمى في الماضي أفغانستان؟ وإذا كان الجواب إيجابياً فأين تقع تلك البلاد؟
عندما نسأل التاريخ عن عنوان بلاد أفغانستان نرى أن السيف الهروي يشير لأول مرة في كتاب (تاريخ نامه) إلى كلمة أفغانستان بصفتها اسم بلاد، وقد سجل هذه الكلمة تارة (أوغانستان)، وتارة (أفغانستان). وقد فعل ذلك خلال الحديث عن فتوحات أمراء آل كرت وحروبهم مع الأفغان، وهو يرسم لنا خريطة أفغانستان على هذه الصورة:
«ساحة أفغانستان بدأت آنذاك من حوالي قندهار وانتهت إلى نهر السند. أما مناطق (مستنك) و(تيري). فالأولى في ولاية بلوجستان الباكستانية، والثانية في ولاية قندهار الأفغانية، وهما معروفتان بهذين الاسمين وكانتا من خطط أفغانستان مع أنه لم يكن للأفغانيين آنذاك حكومة وإدارة مركزيتان في وطنهم».
من الطبيعي أن يكون لكلمة (أفغانستان) بصفتها منسوبة لقوم من الأقوام من عنصر معين ـ أن يكون لها تاريخ أوسع من هذا، وقد كان هذا القوم موزعاً في مناطق أخرى من خراسان بين الأقوام الخراسانية المختلفة كالأتراك والطاجيك والهزارة والنكودر والتركمان والمغول والعرب والأكراد. وكانوا يؤلفون سكاناً ملحوظين حوالي كابل.
ولا مجال هنا للتوسع في الحديث عن هذا الموضوع، ولا عن موضوع مبدأ العنصر الأفغاني وعنصر البشتون، وهل أن العنصر الأفغاني وعنصر البشتون هم عنصر واحد وقومية واحدة أم أنهما قومان منفصلان يتميز كل منهما عن الآخر؟ …
آريانا، إيرانشهر، إيران
يقول بعض العلماء المعاصرين الإيرانيين والأفغان عن تاريخ هذه الكلمات الثلاث: آريانا وإيرانشهر وإيران أنها بالرغم من ظاهرها المختلف إنها تؤدي إلى مفهوم واحد يطلق على القسم الشرقي من هضبة إيران، أي أفغانستان وخراسان، وأن شرق إيران (خراسان القديمة) عرف لفترة طويلة باسم إيران، وأن إيران الغربية كانت تسمى (بارس).
وننقل هنا أقوال كاتبين عالمين معروفين أحدهما أفغاني والآخر إيراني: يقول السيد مير غلام محمد غبار المؤرخ الأفغاني.
«إن أقدم اسم لأفغانستان اليوم الذين كان من عهد الأغيستا منذ ألف سنة قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي أي طوال ألف وخمسمئة سنة هو اسم أريانا، ومعناه: مسكن ومنزل آريا. وجاء هذا الاسم في الأفيستا على شكل (إيريانا) وكان يقابلها اسم (توريانا) ومعناه الآريون التريانيون فيما وراء جيحون الذين كانوا يعيشون على البداوة.
وعلى أي حال فإن اسم آريانا، أو إيريانا هو اسم أفغانستان حيث تبدل فيما بعد في مملكة فارس (برسه) بتعديل قليل إلى إيران.
والعالم الإيراني المعاصر السيد محمد كاظم الإمام منقح كتاب (روضات الجنات في أوصاف مدينة هرات) يقول في مقدمة هذا الكتاب:
«في رسالة الأفيستا العريقة التاريخية: إن خراسان في إيران الشرقية كانت تسمى إيران ويج، أو وئجه. وكلمة ويج أو وئجه بغض النظر عن أي تعديل طرأ عليها تستعمل إلى يومنا هذا في الألفاظ المحلية في كثير من نواحي إيران القديمة مثل خوزستان ولرستان وبعض مناطق فارس على شكل (أوج) ومعناه: الأصل والطبيعي.
إذاً فإنهم كانوا يعتبرون أن خراسان أو شرق إيران ـ يعتبرونها إيران الأصلية والطبيعية. في بداية تاريخ إيران الإسلامية كانت كلمة (إيران شهر) تطلق على خراسان (شرق إيران) أكثر من أي اسم آخر.
التشيع في غور
بعد أن فشل جيش الإسلام في عهد الخليفتين الثاني والثالث في محاولة فتح (غور) لمناعتها الجبلية وطرقها الوعرة وأهلها المقاتلين الشجعان، عاد سلطان غور في عهد خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام فأسلم رغبة ورضا.
يقول الجرجاني المؤرخ في بلاط الغوريين: «وغالب الظن أن سلطان الغور آمن في عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام، وعلى يديه وتسلم منه عهداً ولواء. وظل سلاطين الغور يتداولون هذا العهد وهذا اللواء واحداً بعد واحد. وظل حب الأئمة وأهل بيت المصطفى راسخاً في عقيدتهم».
ويفصل مؤلف آخر هذا الأمر:
«إن عاصمة شيعة الغور كانت أول مركز للشيعة في بلاد الغور حيث أنهم أسلموا في فترة 35 ـ 40هـ وقد ولّى علي عليه السلام ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي على خراسان فعامل أهل الغور كما عامل غيرهم معاملة حسنة جعلت أهالي الغور يتفانون في حب علي.
ونزولاً عند رغبتهم التي أبدوها لجعدة ورفعها جعدة إلى أمير المؤمنين سلّم حكم الغور إلى أمرائه (آل شنسب) بعهد ولواء ظلاّ محفوظين عندهم مفاخرين بهما قروناً متوالية.
وقد تسلم سلطان الغور العهد واللواء بنفسه من يد علي. وقد أوردت ذلك عدة مصادر ولكن هذه المصادر لا تعين حدود الغور في ذلك الزمان.
وبهذا تكون الغور أول منطقة شيعية في هضبة إيران، عدا ما يقال من أن مدينة (قم) هي أول مركز شيعي فيها.
وبعد استشهاد علي عليه السلام سنة 40هـ أصبح معاوية الحاكم الوحيد المطلق للعالم الإسلامي فانطلق في الاضطهاد والتذبيح والترويع والتشريد، وسنّ لعن علي على المنابر وأعلن أن لا صلاة إلا بلعن أبي تراب.
إن سلاطين الغور وشعب الغور رفضوا أن يلعن علي على منابرهم، فكانوا المسلمين الوحيدين في العالم الإسلامي الذين وقفوا هذا الموقف ولم يتبعوا الأوامر الأموية.
وقد نظم فخر الدين مبارك شاه شاعر البلاد الغوري قصيدة مستمدة من هذا التصميم على التمرد على أوامر الأمويين بلعن علي على المنابر.
وتشيع سلاطين الغور وشعب الغور جاوز حدود تلك البلاد فإن عشيرة أفغانية تسمى (أفغاني توري) تقيم الآن في شمال الباكستان تابعت الغوريين في التشيع.
والمقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) ينسب هذا الموقف إلى سكان سيستان، ورأيه هذا لا يخالف الرأي الآخر لأن المقدسي يعتبر الغور جزءاً من سيستان ولا يعدها ولاية مستقلة ولذلك ينسب هذا الأمر إلى أهل سيستان.
إن صمود أهل الغور على التشيع واستمرار مخالفتهم للأمويين وعمالهم دفعت الحكام إلى الثأر منهم. ففي سنة 47هـ بزعم ارتداد أهل الغور وجهوا لغزوهم جيشاً كبيراً.
«وفي هذه السنة 47 سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من بها وكانوا ارتدوا فأخذهم بالسيف عنوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا. ولما رجع الحكم من هذه الغزوة مات بمرو».
هذا ما سجله قلم عبيد السلطة. والحقيقة أن الغوريين نكبوا لأنهم رفضوا أن يلعن علي على منابرهم ويذكر الطبري في أحداث سنة 367 أن ماهويه المزربان حاكم مرو ذهب إلى الإمام علي عليه السلام وأن الإمام أعطاه رسالة إلى أهالي مرو يقول فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. سلام على من اتّبع الهدى. أما بعد فإن ماهويه إبراز مرزبان مرو جاءني وإني رضيت».
يعتقد بعضهم أن ماهويه المزربان كان من أسرة سلطان غور. ويحتمل أن يكون الاثنان ذهبا معاً إلى الإمام علي عليه السلام وأن الإمام رضي عنه.
أبو تمام في خراسان
قلنا فيما تقدم من القول إن الطاهريين هم أول من استقل بخراسان. ولكن استقلالهم هذا لم يمح الصبغة العربية عن خراسان، على عكس السامانيين الذين جاؤوا بعدهم فلم يخفوا أن استقلالهم كان استقلالاً إيرانياً وعملوا على تحويل كل شيء إلى الإيرانية، حتى أنهم أمروا بترجمة الطبري إلى الفارسية.
كأن بلاط الطاهريين يعج بالشعراء العرب، كما كان العرب يشغلون فيه أرفع المناصب، فكاتبا عبد الله بن طاهر ـ مثلاً ـ كانا عربيين طائيين هما: الفضل بن محمد بن منصور وإبراهيم بن وهب.
ومنصب الكاتب ليس بسيطاً كما قد يفهم من هذه الكلمة اليوم، فالكاتب هو الفاعل الأول في بلاط الأمير يومذاك. وقصة وصول أبي تمام الطائي إلى نيسابور عاصمة خراسان أيام عبد الله بن طاهر([489]) تدل على وجود جمهرة من الشعراء العرب حول عبد الله بن طاهر. فقد حدث أحد هؤلاء الشعراء قائلاً:
اجتمعنا بباب عبد الله بن طاهر من بين شاعر وزائر ومعنا أبو تمام فحجبنا أياماً فكتب إليه أبو تمام:
أيهذا العزيز قد مسنا الضر
جميعاً وأهلنا أشتات
ولنا في الرحال شيخ كبير
ولدينا بضاعة مزجاة
قل طلابها فأضحت خساراً
فتجاراتنا بها ترهات
فاحتسب أجرنا وأوف لنا
الكيل وصدق فإننا أموات
فضحك عبد الله لما قرأ الشعر وقال قولوا لأبي تمام لا تعاود مثل هذا الشعر فإن القرآن أجل من أن يستعار شيء من ألفاظه للشعر. قال: ووجد عليه.
وهناك ما رواه الخطيب التبريزي في مقدمة شرح كتاب (الحماسة):
كان عبد الله بن طاهر لا يجيز شاعراً إلا إذا رضيه أبو العميثل ـ عبد الله بن خليد ـ وأبو سعيد الضرير، حتى إن أبا تمام نفسه اضطر لعرض قصيدته الأولى عليهما.
وهذا يدل على كثرة الشعراء في عاصمة الطاهريين بنيسابور. ويدل على شيء آخر. يدل على تخصيص نقاد للشعر.
فليس الشعر وحده هو الرائج، بل إن للنقد رواجاً واعتباراً أيضاً.
إن أبا تمام بعد أن عرف أن البلاط الطاهري بالرغم من فارسيته هو عربي اللسان، وهو نادٍ للشعراء العرب المقيم منهم والطارئ، وأن فيه نقاداً حاذقين يميزون بين الحسن والأحسن، عزم على شد الرحال إلى تلك البلاد واحتمال مشقات السفر البعيد وما فيه من كد في قطع السهوب جبالاً وأوعاراً.
وفي طريقه إلى نيسابور نزل ضيفاً على ابن عبد الله الدامغاني، فحدث بعد ذلك ابنه قائلاً: نزل أبو تمام عند والدي حين اجتاز بقومس إلى نيسابور ممتدحاً عبد الله بن طاهر فسألناه عن مقصده فأجابنا بهذين البيتين:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت
منا السرى وخطى المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا
فقلت كلا ولكن مطلع الجود
عجب عبد الله الدامغاني وابنه من هذه الرحلة البعيدة الشاقة التي يتكبدها أبو تمام فاستفسراه عن مقصده فأجابهما أنه يقصد مطلع الجود!.
وأن مطلع الشمس الذي اشتهرت به خراسان لا يعنيه، وما له ومطلع الشمس إذا كان لا يصيبه من الشمس إلا شعاعها!. أما الذي يعنيه فمطلع الجود الذي تنهل عليه دنانيره! ….
ويبدو أن الآمال العريضة التي كان يعلقها أبو تمام على (مطلع الجود) كانت تملأ نفسه مرحاً فيصغي للنغم المنبعث من الشفاه الأعجمية فيطرب ويعجب ويأتي بهذا الشعر الجميل:
أيا سهري ببلدة أبرشهر
ذممتَ إلي نوماً في سواها([490])
شكرتك ليلة حسنت وطابت
أقام سرورها ومضى كراها
إذا وهدات أرض كان فيها
هواك فلا نحن إلى رباها
سمعت بها غناء كانه أولى
بأن يقتاد نفسي من غناها
ومسمعة تفوت السمع حسناً
ولم تصممه لا يصمم صداها
مرت أوتارها فشجت وشاقت
فلو يستطيع سامعها فداها
ولم أفهم معانيها ولكن
ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فبت كأنني أعمى معنى
بحب الغانيات وما يراها
ثم لا يلبث أن يرى نفسه محجوباً على باب عبد الله بن طاهر فيقول:
صريع هوىً تغاديه الهموم
بنيسابور ليس له حميم
غريبٌ ليس يؤنسه قريب
ولا يأوي لغربته رحيم
مقيم في الديار نوى شطون
يشافهه بها كمد قديم
يمد زمامه طمع مقيم
تدرّع ثوبه رجل عديم
رجاء ما يقابله رخاء
هو اليأس الذي عقباه شوم
فقد فارقت بالغربي داراً
بأرض الشام حفَّ بها النعيم
وكنتُ بها الممنع غير وغد
ولا نكد إذا حل العظيم
فإن أكُ قد حللت بدارهون
صبوت بها فقد يصبو الحليم
إذا أنا لم ألم عثرات دهر
أصبت بها الغداة فمن ألوم
وفي الدنيا غنّى لم أنب عنه
ولكن ليس في الدنيا كريم
وفي قوله هذا ما يغني عن كل تعليق وشرح.
خراسان
ـ 2 ـ
يعتبر إقليم خراسان في الوقت الحاضر المقاطعة التاسعة من مقاطعات البلاد الإيرانية حسب التشكيلات الحديثة. وهو من أكبر مقاطعات إيران ويقع في الشمال الشرقي منها يحده شمالاً ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي أي بلاد ما وراء النهر التي كانت تعرف قبل الثورة الروسية باسم تركستان وشرقاً البلاد الأفغانية التي يفصلها عن خراسان نهر (نهر يرود) و(دشت نا أميد) وجنوباً مقاطعتا كرمان وسيستان من المقاطعات الإيرانية وغرباً مقاطعات أستر آباد وطهران وأصفهان. وتبلغ مساحة أقليم خراسان الإيراني الآن (320) ألف كيلومتراً مربعاً كما يبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب 800 كيلومتر ومن الشرق إلى الغرب (480) كيلومتر. وأراضي إقليم خراسان من أخصب الأراضي الإيرانية وأغزرها ماء ذات الطقس البارد في الشمال والمعتدل الجاف في الجنوب وتحيط النواحي الشمالية والمركزية منه الجبال الشاهقة والوديان السحيقة. أما النواحي الجنوبية فصحاري منبسطة تشاهد في بعض أنحائها التلال المرتفعة.
وكان إقليم خراسان قبل الإسلام وفي القرون الأولى منه يشمل قسماً كبيراً من بلاد الأفغان وتركستان الروسية. وكانت حدوده عهدئذ تمتد من الجنوب والشرق إلى جبال هندوكوش وإقليم السند في الهند ومن الشمال والشرق تتصل بنهري (جيحون) و(سيحون) ومن الجنوب تمتد إلى مناطق فارس بجنوب إيران ومن الغرب تصاقب سواحل بحر الخزر وأراضي جرجان وكان هذا الإقليم يشمل بلاد الصغد وما وراء النهر وسجستان أيضاً. ومن أهم مدنه ومراكز الحضارة فيه في تلك العصور مدن (هراة) و(بلخ) و(مرو) و(بخارى) و(سرخس) و(نيسابور) و(طوس) و(سمرقند) و(خوارزم) و(غزنة) و(كاشغر). وكان إقليم خراسان على عهد الأسرة الساسانية (قبيل ظهور الإسلام مؤلفاً من أربع ولايات يحكمها كلها حاكم عام باسم (سبهبذ) الذي كان يعين لكل ولاية مندوباً عنه يمثله في إدارة تلك الولاية. وهذه الولايات هي: (1) مروشاه (2) بلخ وبخارستان (3) هرات وبوشنج وباد غيز وسجستان (4) ما وراء النهر.
وأول بدء استيلاء المسلمين على هذا الإقليم كان سنة 29 هجرية واتخذ المسلمون مدينة نيسابور مقراً يحكم منه ذلك الإقليم. وفي عام 53 مضى جيش المسلمين متجهاً نحو الشمال ثم واصل الهجوم حتى وصل إلى (بخارى) و(سمرقند) وأخذ الجزية من سكانهما واستطاع المسلمون اجتياز نهر جيحون. ومنذ سنة 87 أطلق المسلمون على هذه الأراضي بلاد ما وراء النهر (أي ما وراء نهر جيحون) ثم غزا المسلمون من خراسان كلاًّ من إقليمي (جرجان) و(طبرستان) على ساحل بحر الخزر وفتحوا مدينة (ساري) ولكن يزيد بن المهلب حوصر مع جيشه في واد سحيق مما اضطره إلى بذل (300 ألف دينار لينجو بنفسه.
وفي عام 132هـ استطاع أبو مسلم الخراساني أن يقيم دعائم الخلافة العباسية فأصبح لخراسان بعد هذه الواقعة مكانة عظيمة لدى العباسيين وبعد قتل أبي مسلم الخراساني دبت في نفوس سكان إقليم خراسان حركة مضادة للعباسيين ومنذ عام 190هـ برزت هذه الحركات إلى عالم الظهور وبدأ رجال الفكر فيه يظهرون بمظهر المعارضين للعباسيين. وكان يقود هذه الحركة قائدان معروفان بالشجاعة وبعد النظر هما (رافع بن الليث) الذي قاد الحركة في النواحي الشمالية من إقليم خراسان و(حمزة بن آذرك شاري) المعروف (بحمزة بن عبد الله الخارجي) الذي تزعم الحركة في الجنوب على حدود سيستان. الأمر الذي اضطر هارون الرشيد أن يقود عام 192هـ جيشاً عرمرماً بنفسه يرافقه ابنه المأمون ويشخص به إلى خراسان للقضاء على هذه الحركات المناهضة للعباسيين. وحينما وصل إلى طوس أرسل ابنه على رأس جحفل من الجيش إلى (مرو) في الشمال. وبقي هو في (طوس) حيث وافته المنية سنة 193هـ في قرية نوغان ودفن هناك. وبقي المأمون حتى سنة 204هـ انتخب المأمون بعد أن عاد إلى بغداد طاهر بن الحسين حاكماً لخراسان. وبدأت معارضة طاهر هذا لسلطة الخلافة فور تسلمه الحكم. وفي عام 207هـ ألغى طاهر اسم الخليفة من خطبة الجمعة. وبعد طاهر نقل خلفاؤه العاصمة من (مرو) إلى (نيسابور).
وكانت هذه الحركة نواة الاستقلال الذي تم بعد ذلك في الأسر التي خلفت آل طاهر. وقد استمرت الأسرة الطاهرية من سنة 205هـ إلى 259هـ.
وفي الشمال من ذلك أي فيما وراء النهر قامت حكومة أعلنت استقلالها ورفعت راية العصيان للخلافة العباسية هي الحكومة (السامانية) واتخذت مدينة (بخارى) عاصمة لها ودام حكم هذه الأسرة من سنة 395هـ إلى أن قضى عليها محمود الغزنوي. وقد استولت هذه الحكومة على مخلفات حكومة آل طاهر في نيسابور سنة 287 على عهد إسماعيل الساماني وأصبحت نيسابور مقراً للحاكم العام المعين من لدن بخارى. وكان يطلق على هذا الحاكم العام اسم (سبه سالار) وهناك حكومة ثالثة أعلنت استقلالها في خراسان هي أسرة (خوارزمشاه) التي تم استيلاؤها على (مرو) و(بلخ) و(هرات) واتخذت مدينة (كركانج) عاصمة لها. وأصبحت مدينة (مرو) ردحاً من الزمن عاصمة للأسرة السلجوقية ثم نقل السلجوقيون عاصمتهم من (مرو) إلى (نيسابور) عام 429 وتعاقب على هذا الإقليم المغول سنة (616هـ) في طريقهم نحو الغرب وبغداد ثم الأسرة التيمورية.
وفي عام 1249 هجرية أي بعد حرب هراة التي هزم فيها الإيرانيون شطر هذا الإقليم إلى شطرين ألحق الشطر الأول منهما بإيران وهو الغربي (خراسان حالياً) وانضم الشطر الشرقي إلى المملكة الأفغانية كما كانت أجزاء أخرى قد اقتطعت وألحقت بتركستان الروسية.
إن سكان خراسان رغم الأقوام المختلفة التي غزت بلادهم في مختلف العصور سواء قبل الإسلام وبعده حافظوا على لغتهم الفارسية الأصلية (دري) اللغة الفارسية القديمة مع استعمال بعض الكلمات الأجنبية التي تسربت إلى هذه اللغة بطبيعة الأحوال وبمرور الزمن. والخراساني عندما يتكلم يشعر السامع بأنه ذو لهجة خاصة به يتميز عن غيره من الإيرانيين في اللهجة وفي استعمال بعض الكلمات الفارسية الأصلية وتسود اللغة التركية في بعض القبائل الساكنة في أكناف هذا الإقليم كقبيلة (شادلو) و(زعفرانلو) و(التراكمة) وكذا سكان (دركز) و(كلات).
وحاضرة إقليم خراسان اليوم هي مدينة (مشهد) التي أقيمت على أنقاض مدينة (طوس) بعد دفن الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام في ضواحيها وانتقال العمران من طوس إلى جوار قبر الإمام. وتقع أنقاض طوس الآن على بعد (24) كيلومتراً شمال غرب (مشهد) التي تعتبر اليوم من أمهات المدن الإيرانية ذات القدسية.
ولهذا الإقليم منذ القديم وحتى الآن وفي أدواره التاريخية المختلفة أهمية عسكرية وسياسية وتجارية حيث أنه يؤلف سداً قوياً أمام غزوات القبائل كالتركمان والأزبك والمغول والغز ولأنه الطريق الوحيد الذي يصل الهند بشمال خراسان وغربها عن طريق وادي هراة ومضيق خيبر.
وتتألف لفظة (خراسان) من كلمتين باللغة الفارسية القديمة (أوستا) هما (خور) أي (هور) بمعنى الشمس و(آسان) بمعنى الطلوع ومعناها (طلوع الشمس).
وقد ذكر الآذري أنه أطلق على إقليم خراسان اسم (إيرانشهر) ردحاً من الزمن في صدر الإسلام كما ذكر في بعض الكتب الإيرانية أن اسم (كوشان) أطلق أحياناً على خراسان يدار في القديم إدارياً حسب أصول الإقطاعيات.
أما أرض خراسان فخصبة على وجه العموم ورغم سلاسل الجبال التي تكتنفها فإن معظم المزروعات تزرع فيها ويستغل منها الإنتاج الطيب. وأهم ما يزرع فيه الحبوب والقطن والبقول وعرف هذا الإقليم بوفرة فواكهه المتنوعة كالتفاح والكمثري والبطيخ وغيرها. وإقليم خراسان معروف بتربية الحيوانات الأهلية الداجنة التي يستفاد من جلودها ولحومها وأصوافها ووبرها. كل هذا مضافاً إلى صناعاته المحلية وأهمها صناعة السجاد على اختلاف أنواعه. وثبت أيضاً وجود معادن كثيرة في بطن أرض هذا الإقليم كالحديد والفحم الحجري والنفط وحجر الفيروز. وقد ازدادت أهمية هذا الإقليم التجارية بعد امتداد سكة الحديد في أرجائه وبعد أن أقيمت فيه عدة معامل للسكر.
وكان إقليم خراسان وما زال مركزاً تشع منه أنوار العلم والفن والأدب ومهداً للحضارات لا سيما في العصور الإسلامية وبقي هذا الإقليم مدة تربو على الستة قرون بعد ظهور الإسلام أي حتى عزول المغول مبعثاً للنهضات السياسية والحركات التي طالما هزت العالم الإسلامي ودكت عروشاً وأقامت على أنقاضها حكومات جديدة. وزودت تربة هذا الإقليم العالم برجال عظماء كثيرين في مختلف المجالات من عسكرية وسياسية وعلمية وفنية وأدبية وغيرها كالغزالي ونصير الدين الطوسي وأبو القاسم الفردوسي وأبو جعفر الطوسي والخواجة نظام الملك والحكيم عمر الخيام وغيرهم.
هذا وتتألف التقسيمات الإدارية لإقليم خراسان في الوقت الحاضر من أحد عشر قضاء هي: (1) مشهد (طوس) (2) نيسابور (3) سبزوار (4) بجنورد (5) قوجان (6) دركز (7) تربت حيدرية (8) كاشمر (9) كنا باد (10) فردوس (11) قاينات.
وأكثر من تسعين في المائة من سكان إقليم خراسان هم من الشيعة وهناك أقلية سنية في تربت وجم وطيبات وخاف. ويوجد بعض المسيحيين من الأرمن كما توجد جالية يهودية صغيرة حول مشهد. فضلاً عن التركمان والأكراد السنيين.
صالح الشهرستاني
الخراسانية
أجمع المؤرخون على أن جل شيعة بني العباس من أهل خراسان، وتلك هي الحقيقة، ولكن هذا الإجماع يوهم في ظاهره أن هؤلاء الخراسانيين برمتهم أعاجم، وقد بالغ بذلك رهط من المستشرقين المتأخرين وقوم قلدوهم من الشرقيين، ولا غرض لهم إلا التعريض ببني العباس وأن دولتهم صنيعة الموالي والأعاجم، وفي هذه الأقوال ما فيها من الغلو والإغراق.
إن التأمل الجيد في نصوص التاريخ كفيل بإزالة هذا الوهم، فإن قدماء المؤرخين وثقاتهم إذا قالوا: «أهل خراسان» لم يقصدوا الأعاجم وحدهم، وإنما كانوا يقصدون بهذه العبارة في كثير من المواضع القبائل العربية المقيمة في خراسان، ولا تنكر مساهمة هذه القبائل في خدمة الدعوة العباسية، فأهل خراسان معناه أصحاب خراسان من العرب غالباً، وأنك لتجد مدلول هذه العبارات على هذا الوجه واضحاً في خطب الولاة والأمراء وفي أقوال المؤرخين. تجدها كذلك، في خطب نصر بن سيار عامل الأمويين([491]) وفي خطب قتيبة بن مسلم وغيرها من الأمراء، وكانوا ينسبون إلى المدن الخراسانية والفارسية فيقولون: رازي وأصفهاني ومروزي وكرماني لأنهم ولدوا أو أقاموا فيها لا غير، وهم عرب صرحاء، والأمثلة على ذلك كثيرة. وهذا (الكرماني) وهو من أشهر رؤساء خراسان في أواخر عصر بني أمية، وأخباره كثيرة في هذه الفترة من التاريخ قد نسب إلى كرمان لأنه ولد فيها، وما هو إلا عربي قح وكان يقال له: (شيخ خراسان وفارسها) في العصر المذكور.
وقد ألف العرب هذا النوع من الانتساب إلى حيث يولدون أو يقيمون من بعض البلاد الفارسية أو التركية ألفوا ذلك حتى أواسط عصور الدولة العباسية أو بعد ذلك فهذا أبو الفرج الأصفهاني قد اشتهر بنسبه إلى أصفهان وهو كما لا يخفى من أرومة أموية بل كان نزيل بغداد.
وفي كتب الفتوح ذكر لخطط العرب ومنازلهم في البلاد المذكورة كما في فتوح البلدان للبلاذري. ورأينا بعض المؤرخين يقولون فلان «عربي خراساني» أو عربي من أهل خراسان ولنلاحظ في ذلك العبارات التي يستعملها الجاحظ من هذا القبيل في رسالته المسماة مناقب الأتراك.
عروبة نقباء الدعوة
كان عدد مقاتلة العرب من أهل الكوفة والبصرة كبيراً في خراسان من عهد الفتوح الأولى، وهم من مختلف القبائل النزارية واليمانية بل كان جل نقباء الدعوة الهاشمية من زعماء العرب المنتمين إلى أشهر قبائلهم فمنهم خمسة من خزاعة ثلاثة من تميم وبعضهم من طي وربيعة ومزينة وغيرها من القبائل المشهورة([492]).
وقد كتب الجاحظ فصلاً ممتعاً في هذا الموضوع لم يسبقه إليه أحد في رسالته المسماة (مناقب الأتراك) ([493]). ومن هذا الفصل تعرف أن جل هؤلاء النقباء من العرب وإن كان فيهم عدد من الموالي. وله في هذا الباب فصل آخر أشار فيه إلى وقائع حاسمة في خراسان والعراق تفانى فيها أنصار الفريقين. وقد جاء فيه ما نصه: «وهل أكثر الدعاة إلا من صميم العرب ومن صليب هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة([494]) بن شبيب الطائي وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي وأبي داود خالد بن إبراهيم الذهلي وكأبي عمرو لاهز بن طريز المزني([495]). وأبي عيينة موسى بن كعب المراني وأبي سهيل القاسم بن مجاشع المزني، ومن كان يجري مجرى النقباء لم يدخل فيهم مثل مالك بن الطوف المزني وبعد فمن الذي باشر قتل مروان ومن هزم ابن هبيرة وقتل ابن ضبارة([496]) ومن قتل نباتة بن حنظلة([497]) إلا عرب الدعوة والصميم من أهل الدولة؟».
يحتجون بكلام الجاحظ
هذا وللجاحظ كلمة كثيراً ما رأينا شداة التاريخ الإسلامي من عرب ومستعربين يحتجون بها في هذا الباب، وهي قوله: «دولة ولد العباس أعجمية خراسانية ودولة بني مروان عربية أعرابية»([498]).
ومن رأينا أنها كلمة لا تصلح للاحتجاج فيما نحن فيه، لأن صاحبها قالها في معرض المقارنة بين الدولتين من حيث استخدام الشعر والكلام العربي البليغ لحفظ الوقائع، وتقييد المآثر وتخليد المحاسن. ومن رأي الجاحظ أن العصر الأموي امتاز بهذا الضرب من الأدب البدوي العربي، والعرب وهم أميون أحفظ وأوعى لما يسمعون وأكثر عناية بالإنشاء وضرب الأمثال ومن رأيه كذلك أن أنصار بن العباس قصروا عن الأمويين في حفظ وقائعهم وتدابير ملوكهم وسياسات كبرائهم في أهل الشام وما جرى لهم في هذا السبيل من حر الكلام وشريد المعاني في الدولة العباسية، إلى أن قال: «كان فيما قال المنصور وما فعل في أيامه وما أسس لمن بعده ما يفي بجماعة بني مروان»([499]).
أولع الجاحظ بتكرار هذا المعنى في كتبه على وجه يؤكد لنا أنه لم يقصد بالكلمة المذكورة إلا الناحية الأدبية العربية دون السياسة، وقد عقد في رسالته التي سماها (مناقب الأتراك) فصلاً قارن فيه بين العرب والعجم من حيث استخدام صناعة الكلام لحفظ الوقائع وتسجيل المثالب والمناقب، فالشعر ديوان العرب، وهم أميون لا يتكلمون على الكتب المدونة والخطوط المطرسة، ولبعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر».
وخلاصة القول: يريد الجاحظ أن بني العباس اقتبسوا ما اقتبسوه من قواعد الدواوين، ورسوم الدول الأعجمية البائدة، فنقلوه إلى دار خلافتهم، فأصبحت رسوم دواوينهم والقواعد المتّبعة فيها شبيهة بتلك العادات والرسوم من بعض الوجوه.
هذا ما عناه فريق من قدماء المؤرخين والكتّاب بقولهم عن الدولة العباسية: أنها دولة فارسية وعن الدولة الأموية أنها دولة عربية أو أعرابية. وقد أسيء فهم هذه الأقوال من قبل بعض المعنيين بالتاريخ شرقاً وغرباً، وعلى هذا الوجه الذي بيناه آنفاً فهمت أقوال الجاحظ في عصره، وعلى هذا الوجه ينبغي أن تفهم في كل العصور. ومن الخطأ الشنيع، بل من الظلم الفاحش أن تفسر هذه الأقوال بأن الدولة العباسية دولة فارسية في روحها ونزعتها وأن دعوة أنصارها كانتت موجهة إلى الكيد من الأمة العربية. أو إلى بعث المجد الساساني البائد، وأن النزاع بين الدولتين إنما هو نزاع بين الفرس والعرب إلى أمثال ذلك من أقوال واهية ومزاعم مردودة.
كان إقبال الفرس وأبناء خراسان على الدين الإسلامي منقطع النظير حتى استأصل تلك النعرات القديمة من نفوس الشعوب الإيرانية والطورانية وإن لم ينزع كل ما تأصل في الطباع أو جرى في القدماء، أو امتزج بالأرواح المرة، فلا يصح أن يقال إطلاقاً: إن الفرس حاولوا انتهاز الفرصة في العصر العباسي المذكور للرجوع إلى عوائدهم وأوابدهم القديمة.
إننا لا ننكر أن تبقى في العصر العباصسي المذكور بقية من نحل فارسية وعادات وثنية خصوصاً في الأصقاع النائية من الشرق، بيد أن ذلك لم يكن له أثر يعتد به في حياة الشعوب المذكورة.
محمد رضا الشبيبي
عروبة الدعوة العباسية في خراسان
1 ـ إن المستأثرين من العرب المستقرين التابعين لقبائل متباينة الذين حرموا من العطاء نظروا بعين الحسد إلى إخوانهم العرب المقاتلة من أصحاب الامتيازات. وتذمروا كذلك من تسلط الدهاقين عليهم في واحة مرو.
كان هؤلاء يأملون تغيراً في الطبقة الحاكمة. وهذا يفسر حقيقة كسب الثورة العباسية للعرب من اليمانية والربعية والمضرية الذين كانوا يشعرون بخيبة الأمل.
2 ـ وكان للعرب المقاتلة من أصحاب الامتيازات المسجلين في ديوان العطاء مشاكلهم كذلك مع السلطة الأموية تتعلق بسياسة التجمير وحصتهم من الفيء والغنيمة وكذلك بضرورة بقاء وارد خراسان في خراسان لكي يصرف على تحسين حالتها. ولا تأخذ منه الخزينة المركزية إلا بمقدار حصتها. ولقد رأى هؤلاء في الدعوة أملاً جديداً لحياة أحسن.
3 ـ لقد سكن العرب في القرى الواقعة في واحة مرو وكان لهم حاميات عسكرية في عدد من المدن الخراسانية ولذلك كانت الدعاية العباسية مركزة على هذه المناطق فلقد أدرك الدعاة بأن العرب وحدهم مصدر القوة الضاربة الوحيدة.
ومن أجل الوصول إلى السلطة يجب أولاً كسبهم إلى الدعوة، ولم يفضل الدعاة في البداية قبيلة عربية على أخرى رغم أنهم حصلوا على عضد من اليمانية أكثر من المضرية إلا أنهم كانوا دائماً يرحبون بالمضريين والربعيين الذين يرغبون بالانضمام للدعوة.
ولا ينكر انضمام غير العرب إلى الدعوة إلا أنهم كانوا أيضاً إلى جانب الأمويين ولا يمكن مقارنتهم من حيث الدور والفعالية بالعرب.
4 ـ يظهر أن عرب خراسان سئموا النزاع فيما بينهم وليس أدل على ذلك من تسمية تلك الأيام بأيام الفتنة وأيام الفورة وأيام العصبية (أنظر الطبري ج 3 ص 3 فيما بعد) ابن الكلبي، جمهرة 140ب، 44، ابن حزم ص 359. الدينوري ص 350، أخبار الدول المنقطعة، ص 100أ. يقول المؤلف أخبار العباس (ص 119أ).
«فطالت الفتنة بين نصر بن سيار وعلي بن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيراً من أصحابها وجعلت نفوسهم تتطلع إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم فتحركت الدعوة يدعو اليماني من الشيعة: اليماني، والربعي: الربعي والمضري: المضري حتى كثر من استجاب لهم وكفوا بذلك عن القتال في العصبية».
5 ـ يورد الجاحظ افتخار العرب بدورهم في الدعوة العباسية فيقول:
«إن العربي يقول … وهل أكثر النقباء إلا من صميم العرب ومن صليب هذا النسب … وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان ومن هزم ابن هبيرة ومن قتل ابن ضبارة ومن قتل ابن حنظلة إلا عرب الدعوة والصميم من أهل الدولة».
ويقول الخراساني: «نحن النقباء وأبناء النقباء ونحن النجباء وأبناء النجباء ومنا الدعاة قبل كشف القناع وزوال التقية». (مناقب الترك ص 8).
ويشير ابن المقفع إلى أن أصل أهل خراسان يعود إلى أمصار العراق والبصرة والكوفة حيث هاجروا من هناك إلى مرو فيقول للمنصور: «أهل خراسان أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته وحقيبته مع اختلاطهم بأهل خراسان» أنظر رسالة في الصحابة ص 124.
6 ـ من شعارات الثورة العباسية «يا محمد يا منصور» ولعل هذا الشعار دليل واضح على تركيز الدعوة على القبائل اليمانية خاصة في خراسان ذلك لأن المنصور هو المنقذ قبائل اليمن الذي يسمونه (منصور اليمن) أو (منصور حمير). وقد اتخذ الخليفة الثاني أبو جعفر لقب المنصور لأسباب سياسية كذلك.
7 ـ يتمثل دعاة التفسير العنصري للثورة العباسية بأبيات شعر بشار بن برد حيث يذكر نصرة (الموالي) للعباسيين ويفتخر بنسبه وبمنزلته كمولى. على أننا نستطيع أن نستند على أبيات عديدة من الشعر تذكر نصرة العرب للعباسيين.
فهذا دعبل الخزاعي يفخر بأن القبائل اليمانية من أنصار العباسيين هم الذين قتلوا مروان (أغاني 4 ـ 95 ـ 96).
ويقول شاعر آخر من شيعة العباسيين:
إنا وإخواننا الأنصار شيعتكم
إذا تفرقت الأهواء والشيع
8 ـ لقد أظهرت حوادث الثورة العباسية بأن الإيرانيين في مناطق مختلفة لم يشتركوا في الثورة ولم ينحازوا إليها بل أن قسماً منهم في جرجان ومنها وفد نيشابور وبلخ انحاز إلى نصر بن سيار والأمويين. ولم تشترك في بلاد ما وراء النهر أية مدينة في الثورة.
ثم لماذا لم يساند الإيرانيون الدولة العباسية بعد نشوئها إذا كانت قد قامت على أكتافهم وحققت رغباتهم؟ إن إيران كانت في العصر العباسي من أكثر المناطق اضطراباً وعدم استقرار.
9 ـ قال أبو مسلم الخراساني مخاطباً شيعة العباسيين في خراسان:
«أمرني الإمام (إبراهيم) أن أنزل في أهل اليمن وأتألف ربيعة ولا أدع نصيبي من صالحي مضر وأحذر أكثرهم من أتباع بني أمية وأجمع إلي العجم». (أخبار العباس ص 138).
وكان الإمام محمد العباسي قد أوصى أبا عكرمة السراج بما يشابه هذه الوصية حيث قال:
«فلتكن دعوتك إلى الرضا من آل محمد … وليكن اسمي مستوراً من أكل أحد إلا عن رجل توثقت منه وأخذت بيعته. فإذا قدمت مرو فاحلل في اليمن وتألف ربيعة وتوق مضر وخذ نصيبك من ثقاتهم» ص 195ب.
10 ـ ولعل سبب اختيار خراسان مكاناً للثورة يرجع إلى أن العرب لم يصابوا فيها بانتكاسة أو ضربة قوية لعدم قيام ثورات علوية أو غيرها فيها. وهذا ربما كان مغزى قول محمد العباسي حين أرسل دعاته إلى خراسان.
كما وأنه «في خراسان جمجمة العرب وفرسانها» هؤلاء الفرسان المتمرسون بالقتال السنوي مع الكفار عبر بلاد ما وراء النهر.
11 ـ لقد كان النقباء في غالبيتهم من العرب من خزاعة وتميم وطي وشيبان وبجيلة. وكذلك نظراء النقباء والدعاة.
12 ـ لقد كان العمل مشتركاً في مجلس النقباء من شيعة العباسيين على أن أبا مسلم كان يحاول دوماً أن يبرز دور سليمان بن كثير الخزاعي رئيس النقباء.
والواقع أن سليمان الخزاعي لعب دوراً رئيسياً في الدعوة والاتصال بابن الكرماني والمفاوضات مع نصر، وتحركات الجيش الخراساني. ولعل إبراز الدعوة لسليمان الخزاعي كان حركة بارعة لإظهار الواجهة العربية المتمثلة بالخزاعي من أجل كسب العرب.
13ـ حاول نصر بن سيار أن يفرق بين العرب من أنصار العباسيين حيث أشار إليه أحد قواده قائلاً: «ما أهون شوكة هؤلاء إن كفت عنهم اليمن وربيعة» مما يدل على مساندة هذه القبائل للثورة. (ص 113/ أ، أخبار العباس).
14 ـ تشير بعض الروايات إلى أن أنصار العباسيين كانوا علوج القرى وسقاط العرب على أن رواية الجاحظ تؤكد بأنهم عرب إلا أن استيطانهم في القرى وامتزاجهم بالسكان المحليين أدى إلى صعوبة تمييزهم:
«وقد نرى الناس من أبناء الأعراب والأعرابيات الذين وقعوا إلى خراسان فلا نشك أنهم علوج القرى» ولذلك فليس من المستغرب أن يحتفظ المقدسي بالمثل القائل: (رجال مرو من قراها).
15 ـ تحفل المصادر التاريخية بذكر أسماء القواد والوجوه الذين ميزوا أنفسهم بما قاموا من أعمال في سبيل الدعوة.
16 ـ وفي (الصحيفة الصفراء) وهي الوصية التي سلمت إلى محمد بن علي العباسي من قبل أبي هاشم يأتي ذكر العرب كأنصار للدعوة: «… وأي أحياء العرب أنصارهم».
17 ـ وفي حديث للمنصور بعد قيام الدولة العباسية يذكر فيه أن الدعوة قامت على أكتاف اليمانية وأن النقباء كلهم يمانية. ثم يقول عن اليمانية: «فيحق لنا أن نعرف لهم حق نصرهم لنا وقيامهم بدعوتنا ونهوضهم بدولتنا».
18 ـ وقد خاطب المنصور أثناء حصار واسط اليمانية قائلاً: «السلطان سلطانكم والدولة دولتكم».
19 ـ وحين يتكلم صاحب كتاب (الإمامة والسياسة) عن الجيش العباسي يفرق بين أهل خراسان من العرب وبين الفرس فيقول بأن تعداد الجيش كان 12 ألفاً من أهل خراسان سوى الأعاجم (الإمامة والسياسة، 2 ـ 253).
20 ـ وقد طلب عبد الله بن علي العباسي العون من اليمانية حيث حاصر دمشق قائلاً:
«إنكم وإخوانكم من ربيعة كنتم بخراسان شيعتنا وأنصارنا. فانصرفوا وخلوا بيننا وبين مضر». (الأزدي، تاريخ الموصل ص 124).
وهكذا نلاحظ أن العناصر التي قامت بالثورة العباسية كانت عربية في غالبيتها، أي أن العرب شكّلوا القوة الضاربة في الثورة، كما اشترك غير العرب فيها ولكن دورهم لم يكن كدور العرب. وقد انحاز غير العرب إلى الجانبين الأموي والعباسي.
وعن الوصية التي قيل إن إبراهيم الإمام وصَّى بها أبا مسلم الخراساني والتي يقول فيها: أنظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم واتهم ربيعة في أمرهم. وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار. واقتل من شككت فيه. وإن استطعت ألا تبقي بخراسان من يتكلم العربية فافعل. إن هذه الوصية غير متفق عليها من قبل المؤرخين لذلك لا يمكن قبولها من دون تمحيص.
والمهم هنا أن يذكر بأن رواية الدينوري وكتاب العيون والحدائق لا تذكر النص الذي يأمر فيه إبراهيم أبا مسلم بقتل العرب دون تمييز ولكن الوارد أن الأمر كان بقتل العرب الذين يرفضون الدخول في الدعوة العباسية أو المشكوك في ولائهم لها «واقتل من شككت في أمره» أو كما يقول العوفي: «لقتل كل المدعين أو المطالبين بالإمامة».
ويؤيد ذلك ما ذكره صاحب «أخبار العباس» على لسان أبي مسلم: «أمرني أن أنزل في أهل اليمن وأتألف ربيعة ولا أدع نصيب من صالحي مضر وأحذر أكثرهم من أتباع بني أمية وأجمع إلي العجم».
ويمكن تلخيص النقد الداخلي للوصية بالنقاط التالية:
1 ـ الرواية مجزأة في الطبري إلى قسمين تذكر بينهما حوادث ذات علاقة بتطور الدعوة ولا علاقة لها بالوصية.
2 ـ تأتي الوصية تحت عنوان «سبب قتل مروان بن محمد لإبراهيم الإمام» مما يدل على أنها أو بعضها على الأقل دعاية ضد العباسيين وضعت من جانب أعدائهم».
3 ـ يظهر من نص الرواية تناقضات كثيرة فكيف يصح أن يأمر إبراهيم الإمام بقتل كل العرب وهو يدرك أهميتهم ويوصيه في بداية الرواية بتعهد اليمانيين وإلى درجة الربعيين.
4 ـ وأخيراً لا آخراً فإن سياسة أبي مسلم وسليمان الخزاعي في خراسان لم تسر أبداً حسب الوصية المزعومة، فإن الدعاة العباسيين تقربوا لليمانية والربعية حتى أن أبا مسلم قبل الكثير من المضريين في صفوف الثورة.
«راجع: طوس. وراجع: مشهد».
الدكتور فاروق عمر
خراسان
ـ 3 ـ
إنَّ إقليم خراسان، إقليم واسع الرقعة كثير المدن والقرى والضياع، كثيف السكان، كان في أيام العرب، أي في (القرون الوسطى) الإسلامية، ينقسم إلى أربعة أرباع. نسب كل ربع إلى إحدى المدن الأربع الكبرى التي كانت في أوقات مختلفة، عواصم للإقليم بصورة منفردة أو مجتمعة وهذه المدن هي نيسابقور، ومرو، وهرات وبلخ، ثم تغيرت، وكان التغيّر تبعاً للظروف السياسية والعلاقات العربية مع إقليم ما وراء النهر، الذي ضُمّ إدارياً إلى خراسان، والذي قسمه الجغرافيون العرب إلى خمسة أقاليم لتباين أجزائه الطبيعية:
1 ـ الصغد: وهو سغديانا القديمة مع قصبتيه بخارى وسمرقند.
2 ـ خوارزم: (في غرب الصغد) ـ خيوه ـ ويشتمل على دلتا نهر جيحون.
3 ـ الصغانيان ومعه (الخُتَّل وغيرهما) إضافة إلى إقليمي نهر سيحون.
4 ـ فرغانة.
5 ـ الشاش (طشقند).
وتعني خراسان بلاد المشرق أو بلاد الشمس هذا وقد أطلق هذا الاصطلاح في العصر الساساني على منطقة واسعة في القسم الشرقي من الامبراطورية جنوب نهر جيحون الذي يكون الحدود الطبيعية بين الشعوب الإيرانية والشعوب التورانية.
وقد أطلق العرب هذا الاصطلاح على كل الأقاليم الشرقية حتى نهر الأندس بما في ذلك بلاد التركستان وترنسكسونيان Tranosoxonian وكان يحدها نهر جيحون من الشمال وصحراء (دشت كافر) وخوزستان وسجستان في الجنوب، والصحراء الكبرى وطبرستان وبحر قزوين من الغرب وجبال هندوكوش ونهر الأندلس من الشرق.
خراسان في الشعر العربي
ورد ذكر خراسان ومناطقها كثيراً في الشعر العربي مما يصعب استقصاؤه ونأخذ منه ما يلي:
قال الكلثومي:
سقى الله طيفاً بالعراق فإنه
إلي وإن فارقته لحبيب
أحن إليه من خراسان نازعاً
وهيهات لو أن المزار قريب
وإن حنيناً من خوارزم ضلة
إلى منتهى أرض العراق عجيب
وقال يحيى بن طالب اليمامي الحنفي متشوقاً وهو في مدينة (قومس) من خراسان وهي المعروفة اليوم باسم شاهرود:
أقول لأصحابي ونحن بقومس
ونحن على أثباج ساهمة جرد
بعدنا وبيت الله عن أرض (قرقرى)
وعن قاع موحوش وزدنا على البعد
وقال البحتري يرثي طاهر بن عبد الله بن طاهر والحسين بن طاهر بن الحسين:
فلله قبر في خراسان أدركت
نواحيه أقطار العلى والمآثر
مقيم بأدنى (أبرشهر) وطوله
على قصو آفاق البلاد الظواهر
عميدا خراسان انبرى لهما الردى
بعامدتين من صنوف الدوائر
وأبرشهر من مدن خراسان وفيها يقول أبو تمام:
أيا سهري بليلة أبرشهر
ذممت إلي نوماً في سواها
شكرتك ليلة حسنت وطابت
أقام سرورها ومضى كراهاً
سمعت بها غناء كان أولى
بأن يقتاد نفسي من غناها
ومسمعة يحار السمع فيها
ولم تصممه لا يصمم صداها
ولم أفهم معانيها ولكن
ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فبت كأنني أعمى معنَّى
يحب الغانيات وما يراها
وقال ربعي بن عامر في غزو خراسان سنة 18 ويذكر عدة مدن خراسانية:
ونحن وردنا من (هرات) مناهلاً
رواء من (المروين) إن كنت جاهلا
و(بلخ) و(نيسابور) قد شقيت بنا
و(طوس) و(مرو) قد أزرنا القنابلا
أنخنا عليها كورة بعد كورة
نقضهم حتى احتوينا المناهلا
فلله عينا من رأى مثلنا معاً
غداة أزرنا الخيل تركاً وكابلا
وقال العباس بن الأحنف:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا
ثم القفول وقد جئنا خراسانا
متى كان الذي أرجو وآمله
أما الذي كنت أخشاه فقد كانا
ما أقدر الله أن يدني على شحط
سكان دجلة من سكان جيحانا
وقال مالم بن الريب من قصيدته التي رثى بها نفسه:
لعمري لئن غالت خراسان هامتي
لقد كنت عن بابي خراسان نائيا
وقال الحافظ ابن الفرات:
لقد أصبحت منبوذاً
بأطراف خراسان
ومجفواً نبت عن لذة
التغميض أجفاني
إلى أرضي إلى أرضي
وترضيني وترضاني
إلى أرض جناها من
جنة رضوان
وبعد هذا نترك الكلام لجعفر الخليلي.
خراسان قديماً
خراسان من أهم ولايات إيران قديماً ولم تزل حتى الآن من أهم ولايات إيران، وكانت خراسان في القديم تشمل مساحة جد واسعة بحيث كانت تتجاوز حدود ما وراء النهر (جيحون) من بلاد الترك شمالاً، وحتى أواسط بلاد الأفغان وأكثر من ذلك نحو الشرق وإلى جانب من حدود الصين الغربية، ومن الجنوب حتى حدود كرمان وإلى ما يجاور بلاد السند، وقد أطلق بعضهم اسم خراسان على بحر الخزر وسماه بالبحر الخراساني الخزري لقربه من خراسان.
وقد اختلف المؤرخون في تحديدها فتوسع البعض وحدّد البعض هذا التوسع وقلَّصه، ورأى ياقوت الحموي أن هذا الشمول الواسع لاسم خراسان عند بعض المؤرخين هو شمول للحكم أكثر مما هو للإقليم والمنطقة، كأن يصل حكم الذين يحكمون خراسان إلى أبعد من منطقتها فيسمى ذلك باسمها، أما البلاذري فيقول: إن خراسان أربعة أرباع.
فالربع الأول (إيرانشهر) وهي: نيسابور، وقهستان، والطبسان، وهراة، وبوشنج، وبادغيس، وطوس، واسمها (طابران).
والربع الثاني: مرو الشاهجان، وسرخس، ونسا، وأبيورد، ومرو الروذ، والطالقان، وخوارزم، وآمل، والأخيرتان على نهر جيحون.
والربع الثالث: وهو غربي (النهر) وبينه وبين النهر ثمانية فراسخ: الفارياب، والجوزجان، وطخارستان العليا، وخست، واندرابه، والباميان، وبغلان، ووالج ـ وهي مدينة (مُزاحم بن بسطام) ورستاق بيل، وبذخشان ـ وهو مدخل الناس إلى تبّت، ومن أندرابة مدخل الناس إلى كابل والترمذ ـ وهو في شرقي بلخ ـ والصغانيان، وطخارستان السفلى، وخلم، وسمنجان.
والربع الرابع: ما وراء النهر، وهو بخارى، والشاش، والطراربند، والصغد، وهوكس، ونسف، والربستان، وأشروسنة، وسنام، قلعة المقنع، وفرغانة، وسمرقند.
وعلى هذا الراي كان ابن رسته، إذ عد جالياً كبيراً من بلاد ما وراء النهر كبخارى وسمرقند من جملة بلدان خراسان وفي مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لعبد المؤمن صفي الدين بن الحق: أن حدود خراسان تبدأ مما يلي العراق، وآخرها حدود ما يلي الهند.
وجاء في (اللباب) أن خراسان بلاد كثيرة، وأهل العراق يقولون إنها من (الريّ) إلى مطلع الشمس، وبعضهم يقول من (حلوان) إلى مطلع الشمس.
ويعتبر الجزء الشمالي من خراسان جزءاً من موطن الشعب الهندي الأوروبي في العصر الحجري وقبل أن يتفرق هذا الشعب في البلدان الأخرى، والمرجح أن تاريخ ذلك الزمن يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد بناء على الآثار الخطية الميدية التي عثر عليها والتي سنشير إليها فيما بعد وقد قدر الخبراء عمرها بما يقرب من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد وأكثر.
وقول الدكتور جيمس برستد: إن تاريخ ذلك الزمن الذي كان القسم الشمالي من خراسان ضمن وطن الشعب الهندي الأوروبي ليس بعد 2500 ق.م.، وقد كان الشعب الهندي الأوروبي حينذاك قبائل منقسمين يتنقلون بقطعان غنمهم ومواشيهم من بقعة إلى أخرى، وكان لديهم الكثير من الحيوانات الأهلية، أخصّها الخيل التي لم تعرف بين الأمم المتمدنة الشرقية إلا بعد عصر حمورابي ولم يقتصروا في استعمال الخيل على الركوب فقط وإنما كانوا يستخدمونها في جرّ العجلات أيضاً، وكان عندهم بقر لحمل النير وجرّ السكة، لأن بعض تلك القبائل كان قد ألف عيشة الحضارة، وشرع في زراعة الحبوب ولا سيما الشعير.
ومن هذا الشعب، ومن آسيا المركزية التي تشمل الجزء الشمالي من خراسان انبعث الآريّون وبدأت هجرتهم إلى إيران وإلى الهند، وتدل الشواهد على أن سكان إيران القدماء أي قبل الهجرة الآرية من آسيا المركزية كانوا أقزاماً سود الوجوه وقد طردهم الآريون وحلّوا محلهم على مرور الزمن.
وتدل القرائن التاريخية على أن الآريين قد جرت هجرتهم إلى آسيا الغربية في موجات تدريجية وأنهم لم ينتقلوا من طريق واحد وإنما قد جرت هجرتهم من طرق مختلفة وفي أزمنة متفاوتة، فإن (هومل) و(أدورد ماير) يعتقدان أن أسماء بعض أمراء القسم الجنوبي من فلسطين كما عثر عليها في (تل العمارنة) كانت آرية، ويرى البعض أن ظهور الآرية في غرب آسيا فيما يقارب 14 ـ 20- قرناً ق.م.
وتاريخ إيران القديم أي قبل قيام الهاخمنشيين يعتمد على القصص والأساطير والأخبار المغرقة في الغرابة باستثناء ما يعثر عليه من الآثار التي تعين المؤرخين على كشف بعض الغموض وتكوين الرأي الصحيح، وقد ضاع معظم الكتب والمجاميع التي تحتوي على قصص السكان القدماء، وأخبار ملوكهم ـ وتراجم أبطالهم والملاحم الواردة في أساطيرهم وحكاية الأسر التي حكمت إيران قديماً، أو التي وجدت في خراسان وعلى الأخص أخبار (البيشداديان) و(الكيانيان) التي تشير إلى كل أولئك أو بعضهم ممن كانوا يسكنون خراسان دائماً أو مؤقتاً، ولم يبق من تلك القصص والأخبار إلا عدد قليل من مجاميع تتضمن سلسلة من المعلومات الطريفة ذات الألوان المتنوعة من الأحوال السياسية والاجتماعية، والعقائد والأديان ككتاب (خداي نامة) وكتاب (آيين نامة) وكتاب (رستم واسفنديار) وكتاب (شهرزاد وأبرويز) وكتاب (التاج) وكتاب (دارا والصنم الذهب) وكتاب (كشتاسب وأرجاسب).
مصادر التاريخ الإيراني وخراسان
وإن مصادر التاريخ الإيراني القديم قائمة على القصص والأساطير، وعلى الآثار التي تم اكتشافها والتي لم تزل تحت التنقيب، وعلى التاريخ اليوناني وما كتبه هيرودوت (أبو التاريخ) الذي قام برحلات واسعة في البلدان فيما يقارب سنة 480ق.م.
وعلى غيره من مؤرخي اليونان وعلى التاريخ العربي الذي استقى الحوادث من مختلف المصادر الفهلوية واليونانية والتتبعات الشخصية التي قام بها المؤرخون العرب وغير العرب الذين سجلوا تاريخ الفرس بالعربية الذي نستخلص منه تاريخ خراسان القديم قبل الإسلام وتاريخ خراسان بعد الإسلام حتى أوائل القرن الثامن.
إيران وخراسان
وقد عثرت مؤسسة (كارنه جي) الأميركية في الحفريات التي أجرتها (بمرو) و(عشق آباد) على آثار وجدت بينها وبين الآثار السومرية في جنوب العراق شبهاً عظيماً الأمر الذي جعل أكثر العلماء يحدسون بأن هناك صلة مدنية وحضارة بين سومر وما وراء بحر الخزر وهو جانب خراسان الشمالي.
ونشرت مجلة (الجمعية الآسيوية الملكية) الإنكليزية في عددها الصادر سنة 1945م (تقاويم) للسنة الشمسية القمرية يرجع تاريخها إلى 8 ـ 11 قرن قبل الميلاد، وهي بعض ما عثر عليه بين الآثار التي اكتشفت في غربي الصين من الآثار الإيرانية المشار إليها وهي تعني حضارة خراسان لاتصالها بها ووجودها في حدودها الشرقية إن لم تكن ضمن حدود خراسان القديمة.
صحيح أنه لم يستطع التاريخ أن يعين بالضبط الوطن الأصلي الأول للشعب الهندي الأوروبي لانعدام المصادر الثابتة والمؤكدة غير أن هناك بعض الأدلة والشواهد الدالة على أن وطنهم الأول كان السهول الفسيحة الأرجاء الواقعة إلى الشرق والشمال الشرقي من بحر قزوين وهي التي تشمل الجانب الشمالي من خراسان.
ولما كانوا لا يزالون شعباً واحداً كانوا يتكلمون بلغة واحدة ثم تفرعت من لغتهم جميع اللغات التي تتكلم بها الأمم المتمدنة في أوروبا الحديثة، وعلى هذا فإن خراسان أو خراسان الشمالية كانت موطن الآريين القديم الأول، ومنها مما جاورها من الأصقاع في الشمال انطلق الآريّون إلى إيران وإلى غيرها من مواطن الآريين في العالم.
أما أصل كلمة (إيران) فإنها على الظاهر مأخوذة أو محرفة، من كلمة (إيريان) وكانت تطلق على تلك القبائل من الشعب الهندي الأوروبي الذي كان يسكن كما قلنا في بطاح آسيا الشمالية، وقد نزحت منه القبائل بمواشيها وأغنامها طلباً للرعي والكلأ إلى الجهات الجنوبية الغربية فبلغت تلك الأراضي وطاب لها العيش فيها وألقت هناك عصاها لملاءمة الطبيعة لها.
ومن أقوال زرادشت تأييد هذا الرأي، وهو أول من سمى سكان هذه الهضبة ـ هضبة إيران ـ بالإيرانيين، وهي تعني (النجباء) وذلك قبل المسيح بعدة قرون وأطلق اقبن رستة اسم إيران شهر على كل إيران.
وجاء في (الأفستا) كتاب زردشت المقدس عند الزردشتيين المكتوب باللغة الفهلوية القديمة الذي يرجع تاريخه إلى 1080ق.م.، على بعض الروايات ما يستدل على قدم خراسان وخصبها، ونضرتها، وجودة حاصلاتها، إذ يقول في الفقرة 4 ـ ، 13 ـ 145 ـ 17 ـ 18، 21، 25 ـ 26 على لسان الإله (آهورمزدا):
«خلقتُ المكان الأول (إيرانفيج)، والمكان الثاني النضر من الأرض لأجل سكن فاضل هو أرض (الصغد) والمكان الثالث النضر من بقاع الأرض من أجل سكن فاضل هو (مورو) أي (مرو) البلد الحصين المقدس، وخلقتُ المكان الرابع النضر لسكن الفاضل (يخذي) أو (بلخ) المتلألئة ذات الرايات العالية، وخلقتُ المكان الخامس النضر من بقاع الأرض من أجل سكن فاضل هو (نيسا) المدينة الواقعة بين (مرو) و(يخذي) …. إلخ».
وهذا وغيره يؤيد أن خراسان، وخراسان الشمالية بالذات هي وليس غيرها كانت موطناً لإيران القديمة ومن مواطن الآريين الذين تألفت فيما بعد منهم الشعوب والأمم والدول الآرية في آسيا وفي أوروبا، وأنها كانت من أخصب البلدان.
وهناك من يرى أن اسم خراسان قد أطلق على هذا الإقليم في عهد الهاخمنشيين أما قبل ذلك التاريخ فقد كان يطلق عليها اسم (بارت) وقد ورد ذكرها بهذا الاسم في جميع التواريخ.
ودلّت الآثار التاريخية على أن تاريخ خراسان بل وتاريخ حضارتها يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير وأن موطن الشعب الهندي الأوروبي الأول وإن لم يتعين تاريخه تعييناً كاملاً كما ذكرنا ولكنه كان معروفاً قبل أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، لأن هنالك من الشواهد ما يستدل منها على وجود (الميديين) في وسط إيران الحالية ووجود حضارة ملحوظة لهم قبل أكثر من 4000 سنة ق.م.
فكيف لا تكون خراسان الشمالية أقدم من ذلك بكثير وهي موطن الشعب الهندي الأوروبي الذي انبعث منه (الميديون) وحلّوا في أواسط إيران الحالية مثلما انبعث الفرس وحلوا في فارس من جنوب إيران وكلاهما آريان من أصل واحد.
لقد كان بين الآثار التي عثر عليها في هضبة (سيلك) التي كانت موطن الميديين سبعة شواهد من الخطوط المحفورة والمنقوشة التي يرجع العالم المستشرق م. دياكوف تاريخها إلى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، أما هرتسفلد فيرى أن تاريخ هذه الألواح يرجع إلى أبعد من ذلك ويرى أنه في نحو الألف الخامس قبل الميلاد، ولعل قدم الخط الهيروغريفي الإيراني يؤيد مثل هذا القول.
اسم خراسان
وفي اسم خراسان وسبب تسمية البلاد بهذا الاسم اختلاف ككل اختلاف في سبب تسمية الكثير من البلدان التاريخية، وقد قيل: إن خراسان مؤلفة من كلمتين إحداهما (خُر) وهي اسم الشمس بالفارسية الدرّية و(آسان) وتعني الموقع والبلاد، أي أنها بلاد الشمس أو مطلع الشمس.
وقد يكون لهذه التسمية بعض الوجه لوقوع خراسان شرقي البلاد الإيرانية وكون الشمس تشرق على خراسان قبل شروقها على الجهات الإيرانية الأخرى، وقيل بل أن كلمة (خور) تعني الأكل و(آسان) تعني الشَّيء الهيّن السهل في اللغة الفارسية ومعنى ذلك: (كُل سهلاً) على ما ذكر ياقوت الحموي، وربما انبعثت هذه التسمية من طبيعة خراسان لكثرة فواكهها وحاصلاتها الزراعية ووفرة خيراتها، وقيل غير ذلك.
ويقال في الانتساب إليها: (خراساني)، قال سيبويه عن هذا الانتساب: وهو أجود (أي قولك خراساني)، وقيل: وخُراسيّ، وخُرْسَيّ، ويقال: هم خُراسان كما يقال: هم سودان، وبيضان ومنه قول بشار:
«وفي البيت من خُراسان لا تعاب»
يعني (بناته) ويجمع على (الخُرسَين) بتخفيف ياء النسبة كقولك (الأشعرين) وأنشد:
«لا تكريَنَّ بَعدَها خُرَسيّا»
جعفر الخليلي
خراسان ـ أفغانستان
يحاول بعض الباحثين من الأفغان إطلاق كلمة خراسان على بلاد الأفغان، فهذه التسمية برغم أنها قد تصح جزئياً ولكنها غير صحيحة، لأن خراسان القديمة كانت ولاية كبيرة تشمل خراسان الحالية في إيران وأفغانستان وخوارزم وتركستان.
فأفغانستان كانت الجزء الصغير من خراسان الكبيرة في سالف الزمان وأما بلاد الأفغان أو أفغانستان فإنها تسمية لم تكن موجودة قبل أن يقوم أحمد شاه دراني بـتاسيسها وتسميتها (أفغانستان).
وقد أيّد صحة ما ذكرناه المستشرق (لسترنج) في كتابه «بلدان الخلافة الشرقية» اعتماداً على ما ذكره الأصطخري والمقدسي وابن حوقل وحمد الله المستوفي، فاسم خراسان كان يطلق أساساً وأولاً على ما يسمى اليوم (إيران) وكانت تشمل إيران الحالية وخراسان الكبيرة التي كانت أفغانستان جزءاً منها، وفي القرون الوسطى حينما كانت تطلق كلمة خراسان كان يقصد بها شرق خراسان التي تشتمل أفغانستان وبلاد ما وراء النهر، وفي الحقيقة يوجد تلازم بين اسم (إيران) و(خراسان)، كما أن أعظم الدول الإيرانية التي أسست بعد زوال سيطرة العرب عن إيران وهي: الطاهرية والصفارية والسامانية والغزنوية تأسست في شرق إيران ومنطقة خراسان.
والطريف أنه حين كانت تقسم بلاد فارس الكبيرة إلى قسمين: شرقي وغربي فإن اسم إيران كان يطلق على الجانب الشرقي أي أفغانستان الحالية واسم (بارس) على القسم الغربي.
وبعد سيطرة الصفويين على الحكم في إيران قسمت أفغانستان الحالية بين الصفويين وسلسلة المغول في الهند، ثم استولى الأفغان لفترة قصيرة على بلاد فارس لكن أزال سيطرتهم نادر شاه وأعاد الحكم الإيراني واستولى على كامل تراب أفغانستان ووحد البلاد الفارسية وجعل حدود القسم الشرقي نهر السند في الهند، وبعد زوال حكم الأفشاريين قُسمت البلاد مرةً أخرى فاستولى أحمد شاه على القسم الشرقي منها وبما أن هذه الناحية كانت تسكنها أغلبية تسمى بـ (أفغان) أو (أوغات) فقد سميت المنطقة باسمها (أفغانستان).
ومما يؤيد هذا الذي ذكرناه أن شعراء الفرس القدامى أمثال العنصري والبلخي وسعدي الشيرازي حينما يصفون ملوك الفرس وانتصاراتهم يسمون الملك الغزنوي محمود بأنه (شاه إيران) و(شاه العجم) و(خسرو خراسان) مع العلم أن محمود الغزنوي كان ملكاً على منطقة شرق خراسان حتى الصغد. كما أن ما وراء النهر برغم أنها تقع في شمال منطقة خراسان الكبيرة التاريخية، فإنا نرى أن شعراء الفرس القدامى مثل رودكي يصفون السامانيين الذين كانوا حكّام ما وراء النهر بأنهم حكّام إيران.
فاصطلاح (دولة إيران) عنوان سيال تاريخياً وجغرافياً وغير ثابت فتارة كان يشمل أفغانستان وإيران الحالية وما وراء النهر والقوقاز (مثل أيام نادر شاه) وتارة كان يشمل أفغانستان الحالية وبعض أجزاء إيران الحالية (مثل أيام محمود الغزنوي) أو يشمل جميع مناطق إيران الحالية وأفغانستان مثل أيام الصفويين.
وأنا على يقين أن اسم إيران لو لم يكن قد سميت به إيران الحالية قبل أن يختار الملك الأفغاني اسم أفغانستان لا يمثل إلا عشيرة من العشائر الساكنة في بلد الأفغان، ولولا ابتعاد عاصمة الغوريين عن شرق إيران إلى وسط بلاد الأفغان ثم إلى جنوب وشرق بلاد الأفغان نتيجة للمعارك والحروب لكانت بقيت مدينة (غزنة) عاصمة للأمبراطورية ولكان يبقى اسم خراسان وإيران حكراً على المنطقة التي سميت الآن (أفغانستان).
وبعد أن استولى الصفويين على الحكم في إيران سميت كل هذه المنطقة التي تشمل خراسان الكبيرة والقوقاز وبلاد فارس باسم (إيران)، أما قبل الصفويين فلم يكن يستعمل اسم (إيران) للدلالة على بلاد فارس الحالية لأن البلاد كانت مجزأة وتحكمها ملوك الطوائف كل ملك في ولاية من ولاياتها ولقد فحصت ديوان الشاعرين سعدي وحافظ الشيرازيين فلم أعثر فيهما على كلمة (إيران ) للدلالة على اسم هذه المنطقة التي سميت إيران لاحقاً بعد الصفوية، والسبب في ذلك أنه في أيام الشاعرين كانت البلاد تحكمها ملوك الطوائف وهما كانا ساكنين في شيراز ولذا نجد ورود اسم (فارس) للدلالة على ولاية فارس التي عاصمتها مدينة شيراز لا على إيران.
والطريف أنهم يصفون ملوك آل مظفر (حكّام شيراز) بأنهم ملوك فارس لا ملوك إيران في حين نرى أن الشعراء كانوا يصفون محمود الغزنوي الذي كان يحكم منطقة أفغانستان الحالية وخراسان القديمة بأنه ملك الفرس وشاه العجم.
محمود أفشار
في الطريق إلى خراسان
في أول زيارة لي إلى خراسان صيف سنة 1958م كان أمامي في الوصول إليها طريقان: طريق الجو في الطائرة وهو الطريق القريب المريح. وطريق البر في القطار، وهو الطريق البعيد المتعب، ولم أتردد في اختيار الطريق الثاني، لأن الأول لن يمر بي على دروب خراسان، ولن تبصر عيناي فيها الأرض التي امتلأت بالذكريات، الأرض التي تتفجر فيها ينابيع التاريخ الإسلامي فروسية وعلماً وشعراً وأحداثاً وإيماناً.
ولأن الطريق الثاني سصيجعلني أجتاز المعابر التي طالما اجتازها الأجداد في مطاوي التاريخ، وطالما أصغيت إليهم علماء يتداولون علومهم، أو شعراء يتناشدون أشعارهم أو فرساناً تدوي أهازيجهم في أجواء الفضاء ….
وهكذا تركت الطائرة وأخذت القطار وكتبت من وحي طريق خراسان فيما كتبت واصفاً الطريق من طهران إلى عاصمة خراسان الإيرانية مدينة مشهد:
ها أنذا في الطريق إلى خراسان، وها هو الحلم الذي شد ما عصف بخيالي يصبح أمراً نافذاً وحقيقة راهنة.
على هذه الدروب سارت قوافل المؤمنين يحدوها الشوق إلى قباب (المشهد) ومنائر (الرضا) وعليها مضت مواكب الفرسان برايات الظفر وأعلام الكفاح، وفيها أنشد الشعراء قصائد الحنين ومقاطع الحماسة وأبيات النسيب ….
تخرج من طهران فتمر (بالشاه عبد العظيم) وقبته الذهبية المتوهجة ثم بالمزارع والقرى، ثم تفاجأ بالصحراء تطالعك من حيث ما تلفت برمالها وحصاها وجفافها، ولكنها لا تطول، فكما تفاجؤك طالعة كذلك تفاجؤك غائبة، فلا تلبث مشاهدة الخضرة أن تلوح، ويبدو فلاح يذرو القمح وقروي يسوق البقرة وساقية تجري وشجرة تعلو…
ثم تعود الأرض كما بدأت بعيد طهران مزارع وبيوتاً وحقولاً تتأرج فيها الريح بليلة النسمات.
كل هذا التحول العجيب من المدينة إلى الريف، ومن القحولة إلى الأمراع، تم في ساعتين اثنتين من سير القطار، فها نحن في (كرمسار) في منتصف الساعة السابعة عشرة تبدو لنا القرية القديمة غير بعيدة مظللة بالشجر الغضيض، ثم تتابع القرى والحقول، وتتابع القنوات والسواقي متشعبة تروي الأرض بمائها الروي …
لقد كان جميلاً هذا التعاقب للدساكر والمزارع، وهذا التقارب للقرى والحقول، فقد ظلت أمامنا متلاحقة يحدو بعضها بعضاً حتى لا تكاد تنفصل، ثم عادت تتباعد وتفترق …. بل إننا بعد محطة (ده نمك) لم نعد نبصر لها أثراً، وصرنا وكأننا عدنا إلى الصحراء من جديد، فنحن الآن في سهول مديدة لا حياة فيها إلا نبات بري غريب يتراكم أحياناً ويتفرد أحياناً، بل لقد عدنا إلى الصحراء حقيقة لا مجازاً، ها نحن فيها، في صميمها … في رمالها وحصبائها ونضوبها. وها نحن نمر فيها على محطة (سرخ دشت)، نمر دون أن نقف …
ولو كنا علمنا الفارسية لعلمنا أن المحطة الأولى (ده نمك) إنما تشير باسمها إلى حقيقة الأرض التي تقوم عليها، فإن معنى (ده نمك): قرية الملح. وإن معنى (سرخ دشت): الصحراء الحمراء.
لقد فاجأتنا محطة (سرخ دشت) وأدهشنا أن نرى في هذا البر الأقفر محطة للقطار … فلمن هذه المحطة، وأين هم الناس الذين يمكن أن يؤموها؟ …. وعدنا نتساءل لعل لهذا اليباب عُمّاراً لا نبصرهم، ولعل لهذه الصحراء رواداً لا نحس بهم؟!.
لم يكن ما مررنا به من قبل إلا واحة … فها هي الصحراء الحمراء تتطاول تتطاول، وتمتد ثم تمتد بأخاديدها ورضراضها ورمالها حتى محطة (لاهورد) …
ومررنا بعد ذلك بسمنان، فإذا ما وراءها هو الآخر صحراء ولكن من نوع آخر … إن الصحراء هنا تتميز بكثبانها وتلالها، بعد أن كانت قبل سمنان سهولاً مستوية، ولهذه الكثبان، ولتلك التلال جمال في العين ورونق في النفس …
ودنا الليل وغابت الدنيا في السجف السود، وغبنا نحن في الرقاد الطويل. وفي الصباح كانت الصحاري قد انطوت مع الليل، فلم يبق على النهار إلا زروع تتصل حقولها، وتتشابك محارثها، وإن تباعدت دساكرها وتناءت قراها.
ومع متوع الضحى وامتداد النهار، عرفنا أن ما جزناه مِن بواد وما قطعناه من مراحل قد أحالنا من جو إلى جو، فلقد تركنا الناس وراءنا على بيادرهم وفوق نوارجهم.
ثم رأيناهم هنا يهمون بالحصاد وعاد الهواء ليناً معتدلاً، بعد ما كان قائظاً لفاح الأوار. ولا بدع فنحن نوغل في المسير شمالاً دانين من المناطق الباردة.
ولم يطل الأمر حتى كانت (المشهد) مشهد الرضا عليه السلام تلوح لنا، وحتى كانت قبة الإمام تتلألأ في الشمس بذهبها البراق.
وعند زيارتي حرم الرضا عليه السلام ورؤيتي الجموع الحاشدة فيه لم أجد خيراً من أن أتمثل بأبيات من قصيدة لأخي هاشم نظمها إثر زيارته للحرم:
هذا أبو الحسن الرضا
وجلاله ملء الربوع
والمهرجان ومجده
دفق الجموع على الجموع
السابحات على العطور
الساطعات على الشموع
من مهجة حرى ومن
دمع ومن خد ضروع
أو مشرق متهلل
نضر التشوق والنزوع
أو هانئ قسماته
صفو الوداعة في الوديع
وضجيج أفراح وأحـ
ـزان وتحنان وروع
والصوت ترجيع الملا
ئك بالصفار وبالنصوع
والذكريات تموج بالدا
مي وتجأر بالوجيع
ضربت رواق محامد
كالشمس قدسي السطوع
تزهو بآل محمد
لا بالذليل ولا الخنوع
أيام ثاروا للكرامة
واستطالوا من خضوع
ومضوا على سنن الكرامة من شريد أو صريع:
أمحمد ولك العزا
بالبيت والشمل الجميع
ما كان عهدك في (خراسان) كعهدك في(البقيع) ترعاكم (ساسان) لا نسب سوى الشرف الطبيع وتعقكم (عدنان) بين الوحي والرحم الضليع
يخلو حماك لغاصب
هو منه في الرحب الوسيع
وعلى بنيك مضيق
ما بين عان أو مروع
لم يقصروا عن عاجزين
ولم يعفوا عن رضيع
بالسيف بالتشريد
بالترويع بالسم النقيع
خزاعة
هي فرع من قبيلة الأزد من عرب الجنوب على أنه اختلف المؤرخون في أصلها فقال بعضهم: إن أصلها من اليمن كالجرهميين، وقد هاجرت بسبب ما كان ينتظر من الدمار الذي يخلفه سيل العرم وأقامت في مكة، وقال بعضهم بل إن خزاعة من بني إسماعيل، وكيفما كان فقد أطمع رخاء مكة وشأنها العظيم ووفرة النعمة خزاعة بإمارة مكة وكان ذلك في أيام حكم مضاض بن عمرو بن الحارث، فقامت خزاعة في وجه جرهم ووقع القتال بينهما، واعتزل بنو إسماعيل الفريقين، فتغلبت خزاعة على جرهم وانتزعت منهم الإمارة، وأجلتهم عن مكة فقصدوا اليمن موطن أصولهم إذ لم يبق لهم مأمل في مكة.
ومن قصيدة منسوبة لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي الذي غلب على أمره وأجلي عن مكة هو ومن تبعه يستخلص الباحث بعض الرخاء والنعمة وراحة النفس التي كانت تتمتع بها مكة، يقول مضاض عن مكة وهو في طريقه إلى اليمن جالياً:
وقائلة والدمعُ سكبٌ مبادرٌ
وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ
كأنْ لم يكن بين الحجون إلى الصّفا
أنيسٌ ولم يسمر بمكَّة سامرُ([500])
بلى نحنُ كنّا أهلها فأزالنا
صروفُ الليالي والجدود العوائرُ([501])
وكنّا ولاةَ البيت من بعد (نابت)
نطوف بذاك البيت والخيرُ ظاهرُ
إلى أن يقول:
وصرنا أحاديثاً وكنّا بغبطة
بذلك عضّتنا السنونُ الغوابرُ
فسحّت دموعُ العين تبكي لبلدةٍ
بها حرمٌ أمنٌ وفيها المشاعرُ
وتبكي لبيتٍ ليس يؤذى حمامُه
يظل به أمناً وفيه العصافرُ
وفيه وحوش لا ترامُ أنيسة
إذا خرجت منه فليس تغادرُ
على أن بعض المصادر قالت إن الواقعة قد حدثت في أيام عمرو بن الحارث وليس في أيام ابنه مضاض وإن هذا الشعر إنَّما هو لعمرو وأنه هو الذي أجلي عن مكة وليس ابنه مضاضاً كما ذكرنا، وتزعم بعض المصادر أن هذه القصيدة وغيرها من أبيات عمرو بن الحارث كانت أول شعر عربي قيل ولم يقل قبله أحد شعراً!!.
ويقول الأزرقي في أخبار مكة: «واحتازت خزاعة حجابة الكعبة وولاية أمر مكة وفيهم بنو إسماعيل بن إبراهيم بمكة وما حولها لا ينازعهم أحد منهم في شيء من ذلك ولا يطلبونه فتزوج (لحي) ـ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر (الخزاعي) ـ (فهيرة) بنت عامر بن عمروة بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرمي ملك جرم فولدت له (عمرواً) وهو عمرو بن لحي، وبلغ بمكة في العرب في حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة، وكان قد أعور عشرين فحلاً، وكان الرجل في الجاهلية إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحل إبله! فكان قد فقأ عين عشرين فحلاً!!
وكان اول من أطعم الحاج بمكة سدايف الإبل([502]) ولحمانها على الثريد، وعمّ في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برود اليمن».
ولقد دافعت خزاعة عن مكة والحرم غير مرة، وكان بعض التبابعة من اليمن قد سار إلى البيت غازياً وأراد هدمه وتخريبه فقامت دونه خزاعة وقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع ثم غزاها غزوة أخرى وهكذا وكانت لخزاعة نفوس أبية منعتها من أن تمد يداً إلى الأموال والهدايا التي تُهدى إلى الكعبة، ولا بد أن يكون هذا الإباء قد انعكس في إدارة حكمها فزاد من قيمة الأنظمة وإعزاز البيت وتقديسه.
ويبدو أن خزاعة وجدت الفرصة سانحة للسيطرة على ما تسيطر عليه قبيلة جرهم، وردت بعض الأخبار التأريخية التي تشير إلى أن قبيلة جرهم بغوا بمكة واستحلوا خلالاً من الحُرمة، فظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهدى لها، فرقّ أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغُبشان بن خزاعة ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة. فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا، فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة.
وكان لتلك الوقعة على ما تشير الأخبار التاريخية أثرها الكبير في انحسار نفوذ جرهم، ويذكر ابن هشام؛ قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مُضاض الجرهمي بغزلي الكعبة وبحجر الركن، فدفنها في زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزناً شديداً، فقال عمرو بن الحارث الجرهمي قولته المشهورة المتقدمة من الشعر:
وقائلةٍ والدمعُ سكب مبادر
وقد شَرِقَتُ بالدمع منها المحاجر
إلى آخر القصيدة التي مر ذكبرها.
وتولت خزاعة أمر البيت الحرام، ومعظم النسابة ينسبون هذه القبيلة إلى عمرو بن لُحيّ بن حارثة بن عمرو بن مزيقياء، ويذكر المسعودي أن سبب تسميتهم (خزاعة): أنه لما خرج عمرو بن عامر من مأرب، انخزع بنو ربيعة، فنزلوا تهامة، فسموا خزاعة لانخزاعهم.
ويعتقد أن ورود خزاعة كان في القرن الخامس الميلادي على وجه التقريب. وتلقب رجال خزاعة الذين سيطروا على مكة بألقاب الملوك وصاروا يتوارثون النفوذ كابراً عن كابر.
وعبدت خزاعة أصناماً كثيرة من أهمها، العزى وهبل وإساف ونائلة، وعظمت هذه القبيلة الصنم مناة.
ويعتقد الإخباريون أن أول من نصب الأوثان هو عمرو بن ربيعة، وهو لَحَي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، أبو خزاعة، ويعتبر أول من غير دين إسماعيل «فنصب الأوثان وسبب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة وحمى الحامي».
وكان آخر حكام قبيلة خزاعة حُليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، وخطب قصي بن كلاب ابنته حُبّى فرغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبداً.
ويبدو أن حليل بن حبشية، كبرت به السن فكان إذا اعتلّ أعطى مفتاح البيت إلى ابنته حُبّى ففتحته فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصياً أو بعض ولدها ففتحه.
ولما شعر حليل بن حبشية بدنو أجله نظر إلى قصي وإلى ما انتشر له من الولد من ابنته فرأى أن يجعلها في ولد ابنته، فدعا قصياً فجعل له ولاية البيت، وأسلم إليه المفتاح وكان يكون عند حبّى، فلما هلك حُليل أبت خزاعة أن تدعه ذاك، وأخذوا المفتاح من حُبّى فمشى قصي إلى رجال من قومه من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك وأن ينصروه ويعضدوه فأجابوه إلى نصره وأرسل قصيّ إلى أخيه لأمه (رزاح بن ربيعة) وهو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره ويعلمه ما حالت خزاعة بينه وبين ولاية البيت ويسأله الخروج إليه بمن أجاب من قومه، فقام رزاح بن ربيعة في قوم فأجابوه إلى ذلك، فخرج رزاح ومعه إخوته من أبيه، حُنّ، ومحمودة، وجَلْهمَة بنو ربيعة بن حرام فيمن تبعهم من قضاعة في حاجّ العرب مجتمعين لنصرة قصي والقيام معه، فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحجّ فوقفوا بعرفة وبجَمْع ونزلوا منى.
وقصي مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم، بمن معه من قريش، وبني كنانة، ومن قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة، فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصي ما جعل له حليل، وعظموا عليهم القتال في الحرم، وحذروهم الظلم والبغي بمكة وذكروهم بما كانت فيه جرهم وما وصلت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم والبغي، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك فاقتتلوا بمفضى مأزمى منى.
وسمي ذلك المكان (المفجر) لما فجر فيه وسفك فيه من الدماء، وانتهك من حرمته، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعاً وفشت فيهم الجراحات وحاج العرب جميعاً من مضر واليمن مستكفون ينظرون إلى قتالهم ثم تداعوا إلى الصلح.
ودخلت قبائل العرب بينهم، وعظموا على الفريقين سفك الدماء والفجور في الحرم، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلاً من العرب فيما اختلفوا فيه فحكموا (يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة) وكان رجلاً شريفاً، فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غداً.
فاجتمع إليه الناس، وعدوا القتلى فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش وقضاعة وكنانة. فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام (يعمر بن عوف) فقال: ألا أني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين فلا تباعة لأحد على أحد في دم وأني قد حكمت لقصي بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة دون خزاعة.
لما جعل له حليل وأن يخلى بينه وبين ذلك وأن لا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة، فسلمت ذلك خزاعة لقصي وعظموا سفك الدماء في الحرم وافترق الناس فولي قصي بن كلاب حجابة الكعبة وأمر مكة وجمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعزيهم وتملك على قومه فملكوه.
في الإسلام
ومن خزاعة: عبد الله بن بديل بن ورقاء الذي قتل مع علي عليه السلام في صفّين. ومنها الشاعر الشيعي الأشهر دعبل الخزاعي.
وهو القائل في تهديد المأمون:
إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
وفي العهود المتأخرة كان لخزاعة شأن بين القبائل الشيعية، وكان لها زعماؤها الأقوياء ولهم شعراؤهم المجيدون سواء باللغة الفصحى أو باللغة المحكية.
ومن الشعراء الذين اتصلوا بهم الشيخ عبد الحسين محيي الدين المتوفى سنة 1271هـ وكان هذا الشاعر متصلاً بالأمير وادي شيخ قبيلة زبيد، وكان الشاعر ملا حسين الحلي متصلاً بالأمير ذرب بن شلال آل مغامس شيخ خزاعة وبينهما مراسلات بالزجل العراقي المعروف هناك بأبوذية وميمر.
فمنه قول الشاعر محيي الدين:
يا حسين ذكر الخزاعل كالشمال اليمر
وحرابهم في الوغى تلهب شرار وجمر
على أن هذا الشاعر كان قد قصد ذرب آل مغامس شيخ خزاعة فلم يكرمه فعدل إلى وادي شيخ زبيد، وهجا ذرباً بأشعار كثيرة منها:
لقد لبست خزاعة ثوب خزي
غداة غدا ابن شلال أميرا
طويل ما به طول ولكن
غدا عن كل مكرمة قصيرا
ولما التقى به ذرب قال له أنت القائل (لقد لبست خزاعة ثوب خزي ـ الأبيات)؟ فقال: لم أقل هكذا إنّما قلت:
لقد لبست خزاعة ثوب عز
غداة غدا ابن شلال أميرا
طويل ما به قصر ولكن
غدا عن كل منقصة قصيرا
الخَزيمية
هو منزل من منازل الحاج بعد الثعلبية من الكوفة وقال قوم: بينه وبين الثعلبية اثنان وثلاثون ميلاً وقيل: إنه الحزيمية بالحاء المهملة([503]) نزل به الإمام الحسين عليه السلام يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 60 هجرية وأقام بها يوماً وليلة.
قال ابن شهر آشوب المازندراني المتوفى سنة 588هـ في المناقب ج 4 ص 95 المجلسي في البحار ج 44 ص 372 فلما أصبح الصبح أقبلت زينب عليها السلام فقالت: يا أخي ألا أخبرك بشيء سمعته البارحة، فقال الإمام الحسين عليه السلام: وما ذاك، قالت: خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفاً يهتف ويقول:
ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدِ
ومن يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا
بمقدار إلى إنجاز وعدِ
فقال الحسين عليه السلام يا أختاه كل الذي قضي فهو كائن.
الخشبية
دعا عبد الله بن الزبير أيام تصديه للخلافة في مكة، محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة، منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة، له صحبة، ليبايعوه، فامتنعوا وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة؛ فأكثر الوقيعة في ابن الحنفية وذمه، فأغلظ له عبد الله بن هانئ الكندي.
وقال: لئن لم يضرك إلاّ تركنا بيعتك لا يضرك شيء، وإنّ صاحبنا يقول:
لو بايعتني الأمة كلها غير سعد مولى معاوية ما قبلته. وإنما عرض بذكر سعد لأنّ ابن الزبير أرسل إليه فقتله، فسبه عبد الله وسب أصحابه وأخرجهم من عنده، فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلح عليهم ابن الزبير.
فلما استولى المختار على الكوفة وصار بعض الشيعة يدعو لابن الحنفية، خاف ابن الزبير، أن يتداعى الناس إلى الرضا به فألح عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والإحراق وإعطاء الله عهداً إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.
فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار يعلمه حالهم، فكتب إلى المختار بذلك وطلب منه النجدة. فقرأ المختار الكتاب على الناس وقال: إن هذا مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم، وقد تركوا محظوراً عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق في الليل والنهار، لست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصراً مؤزراً، وإن لم أسرب الخيل في أثر الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل!
يعني ابن الزبير، وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو من بني كاهل بن أسد بن خزيمة.
فبكى الناس وقالوا: سرحنا إليه وعجل. فوجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكباً من أهل القوة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة، وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، وسير أبا المعمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين.
فوصل أبو عبد الله الجدلي إلى ذات عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين راكباً، فبلغوا مائة وخمسين رجلاً، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الرايات، وهم ينادون: يا لثارات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم.
وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير! فقال لهم: إني لا أستحل القتال في الحرم.
فقال ابن الزبير: واعجباً لهذه الخشبية! ينعون الحسين كأني أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم.
وإنما قيل لهم خشبية لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة شهر السيوف في الحرم، وقيل: لأنهم أخذوا الحطب الذي أعده ابن الزبير.
وقال ابن الزبير: أتحسبون أني أخلي سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا؟ فقال الجدلي: أي ورب الركن والمقام لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون! فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة.
ثم قدم باقي الجند ومعهم المال حتى دخلوا المسجد الحرام فكبروا وقالوا: يا لثارات الحسين! فخافهم ابن الزبير، وخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب علي وهم يسبون ابن الزبير ويستأذنون محمداً فيه، فأبى عليهم. فاجتمع مع محمد في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم المال وعزّوا وامتنعوا.
فلما قتل المختار تضعضعوا واحتاجوا. ثم إن البلاد استوثقت لابن الزبير بعد المختار، فأرسل إلى ابن الحنفية: أدخل في بيعتي وإلاّ نابذتك. وكان رسوله عروة بن الزبير.
فقال ابن الحنفية: بؤساً لأخيك ما ألجه فيما أسخط الله وأغفله عن ذات الله!
وقال لأصحابه: إن ابن الزبير يريد أن يثور بنا وقد أذنت لمن أحب الانصراف عنا فإنه لا ذمام عليه منا ولا لوم، فإني مقيم حتى يفتح الله بيني وبين ابن الزبير، وهو خير الفاتحين.
فقام إليه أبو عبد الله الجدلي وغيره فأعلموه أنهم غير مفارقيه. وبلغ خبر عبد الملك بن مروان، فكتب إليه يعلمه أنه إن قدم عليه أحسن إليه وأنه ينزل إلى الشام إن أراد حتى يستقيم أمر الناس، فخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشام، وخرج معه كثير عزة، وهو يقول:
هُديتَ يا مهديّنا ابنَ المُهتَدي
أنتَ الذي نَرْضَى بهِ ونَرْتَجي
أنتَ ابنُ خَيرِ النّاسِ بعدَ النّبي
انتَ إمامُ الحَقّ لسَنا نَمْتَري
يابنَ عليّ سر
ومَنْ مثلُ عَلي
فلما وصل مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه وخافه، فنزل أيْلة، وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة عبادته وزهده وحسن هديه.
فلما بلغ ذلك عبد الملك ندم على إذنه له في قدومه بلده، فكتب إليه: إنه لا يكون في سلطاني من لم يبايعني.
فارتحل إلى مكة ونزل شعب أبي طالب، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، وكتب إلى أخيه مصعب بن الزبير يأمره أن يسير نساء من مع ابن الحنفية، فسير نساء، منهن امرأة أبي الطفيل عامر بن واثلة، فجاءت حتى قدمت عليه، فقال الطفيل:
إنْ يَكُ سيّرها مُصعَبُ
فإنّي إلى مصعب مُتْعَبُ
أقودُ الكتيبَةَ مُستَلئماً
كأنّي أخو عزّةٍ أحرَبُ
وهي عدّة أبيات.
وألح ابن الزبير على ابن الحنفية بالانتقال إلى مكة، فاستأذنه أصحابه في قتال ابن الزبير، فلم يأذن لهم وقال: اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذل والخوف وسلط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذي يسوم الناس.
ثم سار إلى الطائف، فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له، فجرى بينهما كلام. وخرج ابن عباس أيضاً فلحق بالطائف، ثم توفي، فصلى عليه ابن الحنفية وكبر عليه أربعاً، وبقي ابن الحنفية حتى حصر الحجاج ابن الزبير فأقبل من الطائف فنزل الشعب، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس.
فلما قتل ابن الزبير كتب ابن الحنفية إلى عبد الملك يطلب منه الأمان له ولمن معه، وبعث إليه الحجاج يأمره بالبيعة، فأبى وقال: قد كتبت إلى عبد الملك فإذا جاءني جوابه بايعت.
وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج يوصيه بابن الحنفية، فتركه، فلما قدم رسول ابن الحنفية، وهو أبو عبد الله الجدلي، ومعه كتاب عبد الملك بأمانه وبسط حقه وتعظيم أهله، حضر عند الحجاج وبايع لعبد الملك بن مروان، وقدم عليه الشام وطلب منه أنه لا يجعل للحجاج عليه سبيلاً، فأزال حكم الحجاج عنه.
وقيل: إن ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس وابن الحنفية أن يبايعا، فقالا: حتى يجتمع الناس على إمام ثم نبايع، فإنك في فتنة. فعظم الأمر بينهما وغضب من ذلك.
وحبس ابن الحنفية في زمزم وضيق على ابن عباس في منزله وأراد إحراقهما، فأرسل المختار جيشاً، كما تقدم، فأزال عنها ضرر ابن الزبير.
فلما قتل المختار قوي عليهما ابن الزبير وقال: لا تجاوراني. فخرجا إلى الطائف، وأرسل ابن عباس ابنه عليًّا إلى عبد الملك بالشام، وقال: لئن يربني بنو عمي أحب إليّ من أن يربني رجل من بني أسد؛ يعني ببني عمه بني أمية لأنهم جميعهم من ولد عبد مناف، ويعني برجل من بني أسد ابن الزبير، فإنه من بني أسد بن عبد العزى بن قصي.
ولما وصل عليّ بن عبد الله بن عباس إلى عبد الملك، سأله عن اسمه وكنيته، فقال: اسمي عليّ، والكنية أبو الحسن. فقال: لا يجتمع هذا الإسم وهذه الكنية في عسكري، أنت أبو محمد.
ولما وصل ابن عباس إلى الطائف توفي، وصلى عليه ابن الحنفية. (ابن الأثير).
الخصائص
صاحب سفر «الخصائص» أو «خصائص العربية» هو أبو الفتح عثمان بن جني، كان أبوه جني رومياً يونانياً وكان مملوكاً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي، فابن جني رومي بالأصل أزدي بالولاء (راجع ترجمته في أعيان الشيعة).
ولد في الموصل، وقد اختلف الدارسون في سنة ولادته فتراوحت عندهم ما بين 330هـ و322هـ، والأخيرة في رأيي أقرب إلى الصواب أما وفاته فكانت في بغداد عام 392هـ، وقد صلى عليه الشريف الرضى ورثاه.
عصره وشيوخه
عاش ابن جني في القرن الرابع الهجري أزهر عصور الابتكار، في تأليف النحو واللغة، فقد استبحر العمران ببغداد قاعدة الدولة الإسلامية الكبرى، واتسعت فيها آفاق الحياة العلمية، وامتزجت الثقافات الإسلامية بغيرها من ثقافات الأمم القديمة كالهنود والفرس واليونان وغيرهم فنشطت الدراسات اللغوية المبتكرة نشاطاً كبيراً، أسفر عن ثلاثة أشياء، هي إتمام الجمع وإدخال ما جمع في المعجمات الكبرى، واختراع علم أصول النحو على يد ابن السراج وإتمام ذلك على يد أبي علي الفارسي وتلميذه صاحب الخصائص، ثم استكمال الدراسات الصوتية على يد ابن جني. كل ذلك بالإضافة إلى شموخ العلوم وتطاول العمران وعموم التقدم.
وكان الشيخ ابن جني وأستاذه الأول هو أبو علي الفارسي، ويذكر الرواة أن مرد صحبته بشيخه هذا عائد إلى قصة مفادها أن أبا التفح، وهو شاب، كان يدرس العربية في جامع الموصل، فمر به أبو علي، فوجده يتكلم في مسألة قلب الواو ألفاً في نحو قال وقام، فاعترض عليه أبو علي فوجده مقصراً، ونبهه على الصواب، وقال له: تزببت وأنت حصرم!!
فقام من توّه وتبع أبا علي حتى نبغ في الصرف، وبلغ من أمره ما بلغ، بسبب صحبته له التي دامت أربعين عاماً، توثقت الصلة بينهما خلال هذه الصحبة الطويلة.
وكما هو واجب كل تلميذ إزاء أستاذه لم ينس ابن جني فضل شيخه، بل ظل يذكره دائماً في كتبه ويشيد بأياديه عليه.
هذا وقد أدى رعاية شيخه له والمسألة الصرفية التي كانت منبعث صحبتهما إلى تكوينه تكويناً صرفياً جعله يولع بالصرف والاشتقاق ويعتبر ذلك رياضة له. ومن شيوخه أيضاً الأخفش أحمد بن محمد الموصلي.
لمن أهدى كتابه، متى ألفه؟
ويرشدنا البحث إلى أن ابن جني قدم هذا السفر (الخصائص) إلى بهاء الدولة البويهي الذي تولى الملك في بغداد من سنة 379هـ وحتى سنة 403هـ ويذكر ابن جني في الجزء الأول من الخصائص (ص 369) أحد كتبه وهو «شرح تصريف المازني» مما يدل على أن هذا الكتاب من كتبه قد ألّفه قبل الخصائص، كما يذكر «سر صناعة الإعراب» في (باب في الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه) ولكنه يذكر «الخصائص» في مقدمة «سر صناعة الإعراب» كذلك عند الكلام على مرتبة الحركة من الحرف، مما يوحي بأنه ألفهما في وقت واحد، وهذا هو التفسير الوحيد لذكره كلاًّ منهما في الآخر، ولا غرو في ذلك فقد كان من عادة أمثال ابن جني العمل في أكثر من بحث في وقت واحد.
ومهما يكن من أمر فإن إهداء هذا الكتاب لبهاء الدولة الذي تولى ملك بغداد سنة 379هـ وموت ابن جني سنة 392هـ وما أعرب عنه ابن جني في مقدمة الخصائص من عنت لقيه وجهد طويل بذله في تأليفه، وكذلك إشارته لشيخه أبي علي (يرحمه الله) وقد توفي أبو علي سنة 387هـ أي قبل وفاة ابن جني بقرابة الخمس سنوات، كل ذلك يدل على أن كتاب الخصائص قد تم تأليفه في أواخر سني حياة ابن جني، ولعل ذلك كان حوالي سنة 390هـ.
وأما العنت الذي لقيه والجهد الذي بذله في تأليف هذا الكتاب فيبدو من قوله: «هذا … كتاب لم أزل على فارط الحال، وتقادم الوقت، ملاحظاً له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي والروية إليه، واداً أن أجد مهملاً أصل به، أو خللاً أرتقه بعمله، والوقت يزداد بنواديه ضيقاً، ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقاً، هذا مع إعظامي له، وإعصامي بالأسباب المناطة به».
وخلاصة القول في ابن جني أنه من الشهرة ووفرة المادة اللغوية ودقتها، ومع ما فيها من ابتكار وطرافة واتساع أفق وبراعة أسلوب، بحيث لا يحتاج إلى بيان، وقد عاصر ابن فارس بيد أنه (على ما بين الرجلين من فرق في المرتبة العلمية) لا شك أن أبا الفتح أوفر مادة وأعمق نظرة وأكثر إنتاجاً، وأشد تأثيراً في الخالفين من اللغويين في القديم وفي الحديث.
وكان ابن جني متوسعاً في القياس إلى أقصى الحدود، واسع الأفق في الاستدلال على نحو ما سنراه فيما بعد عند التكلم على منهجه، وهو مع أستاذه أبي علي الفارسي (من أعلام مدرسة القياس التي أسسها الخليل بن أحمد وتلميذه سيبويه).
وهو وإن انتسب إلى المذهب البصري كان من المجتهدين أصحاب الرأي المستقل، وبه ختم الأئمة المبتكرون في النحو العربي، ولم يأت بعده إلا مقلدون مرددون لأقوال السابقين، كذلك لم تذب شخصيته في شيخه فكان أحيانا يخالف رأيه ولا يرضاه على نحو ما سيمر معنا عند التعرض لمنهجه.
ويقع كتاب الخصائص حسب طبعته الأخيرة الكاملة التي قامت بها دار الكتب المصرية عام 1952م في ثلاثة أجزاء بتحقيق الأستاذ محمد علي النجار، الذي وضع للكتاب مقدمة في 73 صفحة تحدث عن الكتاب ومؤلفه ولكنه غفل عن إظهار المزايا القيمة لهذا السفر العظيم بشكل علمي، الأمر الذي أحاوله في موضعه من هذا البحث.
مادة الكتاب
لا يكفي القول بأن كتاب الخصائص كتاب جامع في علم اللغة، وافر المادة، بل لا بد من الإقرار بأنه دراسة كاملة شاملة تشير إلى القوانين العامة التي تنظم اللغة دون أن يكون المقصود دراسة الجزئيات تفصيلياً على ما نعرف في أبواب الصرف والنحو، ولعل هذا هو ما تدل عليه كلمة «الخصائص» ذاتها، وهو أمر يثير الدارس ويبعث فيه الرغبة في العمل.
ولقد بسط ابن جني في الخصائص لجوانب كثيرة أستطيع أن أرتبها كما يلي:
1 ـ جوانب تشمل مستويات الدراسة اللغوية من صوتية وصرفية ونحوية ودلالية، وإذا كان ابن جني لا يقدم ربطاً واضحاً بين هذه المستويات، فإن معظم ما وصل إليه من مقررات تتسع بصورة ما مع ما استقر عليه علم اللغة في العصر الحديث.
2 ـ جوانب تخرج من الدرس اللغوي الحديث وتتضمن قضايا عامة في حياة اللغة وتطورها من نحو تعريف اللغة ونشأتها وتفرعها إلى لهجات وما إلى ذلك.
3 ـ جوانب تتضمن منهج البحث في اللغة من مثل حجية اللغة وطريقة جمعها وتصنيفها ووضع التعاريف لها وتعليل ظواهرها … إلخ.
4 ـ جوانب تبحث في البلاغة ومواضيع أخرى.
فكرتان غالبتان
لكن فكرتين اثنتين شغلتا ابن جني بشكل رئيسي ملحوظ، واستحوذتا على خصائصه، أولاهما فكرة ربط المعاني بالأصوات وما تأتّى عنها من نظريات في التقليب والاشتقاق، والثانية فكرة القياس والعلل.
وسوف أعرض هنا لهاتين الفكرتين بشيء من التفصيل ثم أدلف بعد ذلك إلى الكلام على الجوانب الأخرى في الكتاب، وأتبع ذلك بالحديث عن منهج الخصائص وقيمته العلمية وأثره في الدارسين من خالفي ابن جني.
الأولى
أما فكرة ربط المعاني ببعض الأصوات الخاصة مهما حدث فيها من تقليب فهذه فكرة أولع بها ابن جني أيّما ولع، وتحدث عنها كثيراً في الخصائص، ففي الباب الأول هو (باب القول على الفصل بين الكلام والقول).
يقول ابن جني: ولنقدم، أمام القول على فرق بينهما، طرفاً من ذكر أحوال تصاريفهما واشتقاقهما مع تقلب حروفهما، فإن هذا موضع يتجاوز قدر الاشتقاق، ويعلوه إلى ما فوقه، وستراه فتجد طريقاً غريباً، ومسلكاً من هذه اللغة الشريفة عجيباً، فأقول: إن معنى (ق و ل) أين وجدت، وكيف وقعت، من تقدم بعض حروفها على بعض، وتأخره عنه إنما هو للخفوق والحركة، وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها، لم يهمل شيء منها، وهي: (ق و ل، ق ل و، و ق ل، ل ق و، ل و ق) ثم يورد بعد ذلك تقاليب (ك ل م) ومعناها الشدة والقوة، وجهات تراكيبها مستعمل منها خمس، والسادسة مهملة.
وهذا التقليب هو الاشتقاق الأكبر، وهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليده الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وأن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل إليه.
ولنأخذ (ك ل م) وتقاليبها، وما عقد عليها من معنى الشدة والقوة، ثم نرى ما عسانا أن نلاحظ:
1 ـ فالأصل الأول ( ك ل م) منه الكلم للجرح وذلك للشدة التي فيه، وقد قالوا: رجل كليم أي جريح (عليها الشيخ كالأسد الكليم)، ومنه الكلام ذلك لأنه سبب لكل شر وشدة في أكثر الأمر، فقد قيل جرح اللسان كجرح السنان.
2 ـ (ك م ل) ومنها كَمل وكِمل وكُمل (بفتح وضم وكسر الميم) فهو كامل وكميل، وذلك أن الشئ إذا تم وكمل كان أقوى وأشد.
3 ـ (ك م ل) ومنها اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه ولا شك في ذلك شدة.
4 ـ (م ك ل) ومنها بئر مكول إذا قل ماؤها فكره موردها وجفا جانبها في ذلك شدة.
5 ـ (م ك ل) ومنها الملك لما يعطي لصاحبه من قوة وسلطة وبأس وشدة.
6 ـ (ل م ك) مهملة غير مستعملة.
ويلاحظ الدارس أن ابن جني في هذا كثيراً ما يتصنع ويتكلف إيراد المعاني ليدلل على نظريته، ويدل على هذا أيضاً وبشكل أوضح قوله ـ ج 2 ص 135 ـ عن تقليب (ج ب ر): فهي أين وقعت تفيد القوة والشدة …
ومنها رجل مجرب إذا جرسته الأمور ونجذته فقويت منته، واشتدت شكيمته، ومنها الجراب لأنه يحفظ ما فيه، وإذا حفظ الشيء وروعي اشتد وقوي، ومنه البرج لقوّته … إلخ، فالتصنع باد هنا، ومن ذلك أيضاً مادة (س م ل) فالمعنى الجامع لها ولتقاليبها الإصحاب والملاينة، ومنها الثوب السمل أي الخلق لأنه ليس عليه من الوبر ما على الجديد، والسمل أيضاً الماء القليل كأنه شيء قد أخلق وضعف عن قوة المضطرب وجمة المرتكض، فالتكلف باد هنا أيضاً، وكأن ابن جني وجد أن أصل المعنى لا يتغير في الاشتقاق الأصغر، فحاول تطبيق ذلك مع الاشتقاق الأكبر وإن تكلف ذلك وتصنع.
أما الاشتقاق الأصغر أو الصغير فهو ما في أيدي الناس وكتبهم، كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتتعراه فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه وذلك كتركيب (س ل م) فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو سلم ويسلم وسالم وسليمان وسلمى والسلامة.
والسليم للديغ أطلق عليه تفاؤلاً بالسلامة، وعلى ذلك بقية الباب إذا تأملته، وبقية الأصول غيره ـ ج 2 ص 133ـ كما تحدث عن الاشتقاق أيضاً في ج 3 ص 75 ويفرق بين الاشتقاق الأكبر والأصغر، بأن الأصغر موجود في جميع اللغة، بخلاف الأكبر الذي ربما لا يوجد إلا في خمس الأصغر أو سدسه، وإن كان كثيراً ما يجاريه إلى المدى الأبعد، ويعزو ابن جني الفائدة من الاشتقاق الأكبر إلى إكثار اللغة وإيجاد صيغ جديدة حيث يقول:
«وقد رسمت لك منه رسماً فاحتذه، وتقبله تحظ به، وتكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله، وتسترفده في بعض الحاجة إليك فيعينك ويأخذ بيديك».
وفكرة التقليبات هذه يمكن أن تؤخذ مدخلاً قيّماً لتحديد نسبة ورود الألفاظ المستعملة في اللغة، لأن هذه الفكرة تأتي بنتائج يفهم منها أن بعض التراكيب الصوتية مستعملة وبعض التراكيب الصوتية مهملة.
وجدير بالذكر أن ابن جني قد أخذ فكرة الاشتقاق الأكبر عن أستاذه أبي علي الفارسي (وأصلها عند الخليل بن أحمد)، وإنما له فضل تقعيدها وبيان مناسبة بعض المعاني لبعض الآصوات مهما قلبت أصولها، وهذه ميزة تميز بها أبن جني، وأعني بهذه الميزة جمعه جزئيات اللغويين قبله واستنباطه المبادئ والأصول من هذه الجزئيات. وهذا لا يتعارض مع قولنا بأن تواليفه يميزها الابتكار.
وقد جاء في مقدمة «سر صناعة الإعراب» ص7 ـ أن ابن جني ينتزع الإشارات العابرة من كلآم الخليل وسيبويه ومن حذا حذوهما من نحاة البصرة ويبني عليها فصولآً شارحة وأبواباً مطولة يتألف منها مع ما شابهها تيارات متدفقة في أصول النحو واللغة كالتي نجدها في كتاب الخصائص في باب «مقاييس العربية». ويشبهون ابن جني في نقله في كتبه علم أبي علي بسيبويه في نقله عن الخليل.
الثانية:
والفكرة الثانية، وهي الرئيسية في الواقع، والتي تدورحولها الموضوعات والأبواب هي «فكرة القياس والعلل»، فبيان العلل نجده في كل باب من أبواب «الخصائص» تقريباً، ويعترف بذلك ابن جني نفسه.
حيث يقول: «على أن أبا الحسن ـ الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المتوفى سنة 210هـ ـ وقد كان صنف في شيء من المقاييس كتيباً، إذا أنت قارنته بكتابنا هذا علمت بذلك أنّا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا حتى دعا ذلك أقواماً نزرت مع معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقوامهم إلى الطعن عليه، والقدح في احتجاجاته وعلله.
ولا عجب من ولع ابن جني بالقياس، فإنه كنحوي بصري كان يميل كأستاذه إلى القياس، يروى عن أبي علي الفارسي أنه قال: «لأن أخطئ في خمسين مسألة مما أصله الرواية أحب إليّ من أن أخطئ في واحدة قياسية».
كما نجد أن ابن جني يرجع علم أستاذه وفضله إلى نبوغه في القياس، وذلك إذ يقول: (والله هو وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه، فكأنما كان مخلوقاً له، وكيف لا يكون كذلك، وقد أقام على هذه الطريقة مع جلّة أصحابها، وأعيان شيوخها سبعين سنة).
لذا كان ابن جني مولعاً بالقياس والعلل مثل أستاذه، وقد ظهر ذلك جلياً في كل كتبه، وفي كل المسائل التي تكلم فيها في جميع مستويات الدرس اللغوي في «الخصائص».
أبواب أخرى
وفي الجوانب التي تشمل مستويات اللغة المختلفة خصص ابن جني أبواباً كثيرة «للنحو وعلله ومقاييسه»، فهو يعرف النحو ويضع حده في الباب الثالث: «هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتصغير والتكسير … إلخ».
ويتبع ذلك بكلام على الإعراب وهو عنده (الإبانة عن المعاني بالألفاظ)، وابن جني هنا يعبر عن آراء اللغويين العرب المتأخرين حيث يعتقدون أن النحو ما هو إلا إعراب فقط، فهو الذي يوضح المعنى ويظهره (ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه، وشكر سعيداً أبوه، علمت برفع أحدهما من صاحبه، فإن قلت: فقد تقول ضرب يحيى بشرى، فلا تجد هناك إعراباً فاصلاً وكذلك نحوه.
قيل: إذا اتفق ما هذه سبيله، مما يخفى في اللفظ بيان الإعراب … إلخ)، لكن ابن جني رغم تأكيده بأن الإعراب هو الذي يبين عن المعاني بالألفاظ، يشير إلى أن التقديم والتأخير يساعد الإعراب، وذلك إذا كان الإعراب لا يبين، وهذا قريب جداً مما يقول به علم اللغة الحديث، فليست كل اللغات معربة، ففي اللغة الإنجليزية يعرف الفاعل من المفعول بالموقع حيث يتقدم الفاعل دائماً.
ولا تسوغ الإنجليزية تقدم المفعولJohn loves Mary على الفاعل إلا في حالات نادرة يقصد من ورائها التوكيد: John Loves Mary، ومعرفة الفاعل من الفعل من المفعول هو ما يسمى في علم اللغة الحديث بالموقعية.
وتحدث ابن جني كذلك عن النحو في أبواب كثيرة منها باب الحذف، والتقديم والتأخير، والفروق والفصول، وفصل في الحمل على المعنى كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر … إلخ.
هذا بجانب الأبواب التي تبحث في علل النحويين وقياساتهم وهي تملأ أجزاء الكتاب. وبجانب النحو نجد أبواباً كثيرة تبحث في الصرف أو التصريف، ويبدأ الحديث عنه أيضاً ضمن الحديث عن التعليل والقياس ففي (باب في الدورالوقوف منه على أول مرتبة) يذكر جموع هراوة وعلاوة وإتاوة … إلخ، وفي (باب في حمل الشيء من غير الوجه الذي أعطى الأول ذلك الحكم) يتكلم عن النسب إلى الممدود، وكذلك نجد كلاماً للصرفيين في أن أصل قال قول في (باب في مراتب الأشياء وتنزيلها تقديراً وحكماً لا زماناً ووقتاً).
ويجدر بنا أن نلاحظ هنا شيئاً مهماً وهو أن ابن جني رغم محاولته تخصيص أبواب خاصة للنحو وأخرى خاصة للصرف، إلا إنه لم ينجح كثيراً في ذلك لسبب بسيط، هو أن النحو لم يكن في ذلك الوقت قد فصل فصلاً تاماً عن الصرف، فكثيراً ما تعالج مسائل صرفية داخل أبواب نحوية أو بالعكس، بل إن مسائل صوتية تعالج في داخل أبواب نحوية وهكذا.
وهذا في الواقع هو ما انتهى إليه علم اللغة الحديث من اعتبار النحو والصرف علماً واحداً أو فرعين من علم اللغة ضمن فروع أخرى لا غنى لأحدها عن الأخر. وقد تكلم ابن جني على النحو قبل الصرف وكان حقه أن يعكس الأمر، إذ الصرف مقدمة للنحو لا العكس، على أنه كان على علم بهذه الحقيقة ولكنه سوغ لنفسه تقديم النحو على الصرف لأنه أسهل منه على حد تعليله.
وبالرغم من أن ابن جني أفرد للأصوات عملاً كاملاً من أعماله هو «سر صناعة الإعراب» وتدلنا الدلائل كما أسلفنا إلى احتمال تأليفه والخصائص في ذات الوقت من أخريات سنين حياته، فلم يمنعه ذلك من الحديث في خصائصه كثيراً عن الأصوات، بل لقد عقد لها فصولاً خاصة في الجزء الثالث وهي: (باب في كمية الحركات) و(باب في مطل الحركات) و(باب في مطل الحروف) و(باب في هجوم الحركات على الحركات) و(باب في حرف اللين المجهول).
وأبو الفتح هو أستاذ علم الأصوات دون منازع، وليس ذلك غريباً على رجل عرف اللغة بأنها (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) وهو أول من عرض لجهاز النطق فشبهه بالناي وبوتر العود ليقدم صورة عن العملية الطبيعية لإنتاج الكلام.
ويؤكد الدكتور كمال بشر أن توصل ابن جني وأمثاله من علماء العرب القدامى إلى ما توصلوا إليه في غيبة الأجهزة التي في متناول أيدينا الأن ليدل على براعتهم ونبوغهم في هذا العمل.
ويعالج ابن جني الأصوات في الأبواب التي أفردها لها في كتاب الخصائص بنفس الطريق التي يعالج بها في «سر صناعة الإعراب» فيقول مثلاً: «إن الحركة حرف صغير، ويؤكد ذلك عندك أنك متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفاً من جنسها، وذلك قول في إشباع حركات ضرب ونحوه: ضوريباً، ومن ذلك قول الشاعر الذي مطل الحركة لإقامة الوزن: نفي الدراهيم تنقاد الصيارف. فنفس هذه الفكرة موجودة في «سر صناعة الإعراب» (ص 77) حيث نراه يقول:
«وإن الألف فتحة مشبعة، والياء كسرة مشبعة، والواو ضمة مشبعة، يؤكد ذلك عندك أيضاً أن العرب ربما احتاجت في إقامة الوزن إلى صرف مجتلب ليس من لفظ البيت، فتشبع الحركة فيتولد من بعدها الألف مثل قول الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفى الدراهيم تنقاد الصياريف
بيد أنه لما كان كتاب سر الصناعة معقوداً كله على دراسة الأصوات وحسب، فإننا نرى الفكرة فيه أوضح وأنصع، والأمثلة أكثر.
وأما الجوانب الأخرى التي تضمنها كتاب الخصائص والتي أصبحت الأن خارج حظيرة علم اللغة الحديث بعد أن لفظها المحدثون من اللغويين وألقوا بها من دائرة بحثهم، منها (باب الكلام على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح) فالبحث في هذه يكاد يكون كالبحث في علوم ما وراء الطبيعة، إذ يكاد الكلام فيه يكون ضرباً من التخمين في غياب أي دليل علمي.
ومن ذلك أيضاً أبواب لا تدل عناوينها على ما ينضوي تحتها من موضوعات، ولعل أوضح مثال على ذلك (باب في شجاعة العربية) حيث يفاجأ القارئ أن هذا البحث إنما يتحدث عن الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف، وأنا أشك في أن يكون ابن جني قد عنون مثل هذا الباب بمثل هذا العنوان، ولا بد أنه من صنع النساخين والخطّاطين.
وفي الكتاب أيضاً بابان في البلاغة.
منهج الكتاب ـ أسلوبه
وعبارته وطريقة عرضه
إن من تتاح له فرصة الاطلاع على كتب ابن جني، وخاصة الخصائص لا يجد كبيرعناء في اكتشاف وضوح أسلوبه، وإبانته عن المعاني بأجود ما تكون الإبانة، فقد اشتهر ابن جني ببلاغة العبارة، وحسن تصريف الكلام والإبانة عن المعاني بأحسن وجوه الأداء، وهو يسمو بعبارته ويبلغ بها ذروة الفصاحة، كما يمتاز ببراعة الأسلوب وسهولته وأعلى مبالغة في البسط والشرح والإطناب والتكرار والتوسل إلى الإقناع بكل ما في وسعه، شأنه في ذلك شأن من لا يغادر الفكرة قبل التثبت من وضوحها وإقناع القارئ بها، كل ذلك مع حسن في التعليل، وهو يكثر من ضرب الأمثلة ولم الأجزاء بعضها إلى بعض لكي يستقيم له بعد ذلك استنتاج يصل إليه أو حكم يطلقه، وقد سبق لنا القول بأنه كان ينتزع الإشارة العابرة من كلام أسلافه ويبني عليها فصولاً شارحة وأبواباً مطولة وقوانين وأحكام.
أما وضوح المنهج ونصاعة الفكرة واتساع الأفق، وكذلك الابتكار والطرافة فأمور تعرب عن نفسها في كتاب الخصائص، وهي بمجموعها تشكل قدراً كافياً يعين على تصور المنهج العربي في درس اللغة.
هذا ويصرح ابن جني في مقدمة كتاب «الخصائص» أنه يتحرى في تأليفه منهجي علم الكلام وأصول الفقه، أي أنه يقصد منه إلى وضع منهج عام لدرس اللغة يشبه منهج الأصول الذي يحدد طرائق الاستنباط الفقهي، ومن الجدير بالذكر هنا أن ابن جني كان معتزلياً، وقد ظهر اعتزاله في أكثر من موضع من كتابه الخصائص، والمذهب المعتزلي بمنهجه العقلي قد أثر على نظرة ابن جني إلى الظواهر اللغوية، ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى قوله في مقدمة الخصائص: (الحمدلله الواحد العدل القديم …).
والعدل من مبادئ المعتزلة والتي سموا من أجلها بالعدلية، كما أن وصفه الله (بالقديم) من الصفات التي تمسك بها المعتزلة([504]).
تشدده في الرواية
وكان ابن جني واسع الرواية والدراية في اللغة، فهو مرجع لقدر كبير صالح من اللغة، وهو معروف في كتاباته بالأمانة في النقل وبالوفاء لمن ينقل عنهم وبالتحري في البحث، فهو يعزو الأقوال إلى قائليها ويثني على من يذكر من العلماء حتى لو خالفهم في الرأي.
وهو إلى جانب ذلك مشهود له في التشدد في قبول الرواية، لا يأخذ إلا عمن سلمت فطرته وصحت لغته، ويرى في هذا المجال (ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر) وذلك لما يعرض للغات الحضر وأهل المدر من الاختلال والخطل.
وحتى أهل الوبر لو فشى فيهم ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة، وقلة الفصاحة لوجب رفض لغتهم وترك تلقي ما يرد عنهم، ولذلك كان لا يأخذ عن بدوي إلا بعد أن يمتحنه ويتثبّت من أمره، ويتجلّى هذا في الباب الأول من الجزء الثاني وهو (باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر) والذي فيه يربط الفصاحة بأهل الوبر ويعلل ذلك ببعدهم عن الاختلاط بغيرهم، وينادي علم اللغة الحديث، بما نادى به ابن جني، فيشترط في الراوي اللغوي بألا يكون قد غادر موطنه وحتى يأمن علم اللغة الحديث يطلب من الباحث اللغوي أن يختبر روايته ليتأكد من لغته ومن روايته، ومن تمثيله الصحيح للهجة، تماماً كالذي كان يفعله ابن جني.
قيمة «الخصائص»
ومزايا صاحبه
والذي نخلص به من دراستنا لكتاب الخصائص يمكن أن نجمله في مجموعة ميزات هي:
1 ـ كان ابن جني كنحوي بصري يميل، كما كان يميل أستاذه أبو علي الفارسي، إلى القياس، ويظهر فيه العلل ولعه وشغفه.
2 ـ وامتاز باستنباطه المبادئ والأصول من الجزئيات، فقد أخذ فكرة الاشتقاق الأكبر من شيخه وحاول أن يقعدها ويبين مناسبة بعض المعاني لبعض الأصوات مهما قلبت الأصول.
3 ـ وامتاز بوضوح العبارة والإبانة عن المعاني بأسلوب جيد.
4 ـ كما امتاز بطابع الاستقصاء والغوص في التفاصيل، والتعمق في التحليل، والإسهاب والإطناب بغية الإفهام.
5 ـ وكان متشدداً في قبول الرواية فلم يأخذ إلا من الأعراب الذين لم تفسد لغتهم، وكان يمتحن البدوي قبل أن يأخذ منه، وهذه من مبادئ علم اللغة الحديث طبقها ابن جني قبل أكثر من ألف عام وعام.
6 ـ لم يتخصص ابن جني، أو لم يخصص كتابه الخصائص، لضرب واحد من علوم اللغة (كما فعل في سر صناعة الإعراب إذ خصصه للأصوات) وإنما بحث كما ذكرنا في النحو والصرف والأصوات، ومواضيع أخرى نبذها علم اللغة الحديث وأخرجها من كنفه، ويجدر هنا أن نشير إلى أن ابن جني له تواليف في الأدب، كما أنه قرض الشعر، ففي الأدب شرح ديوان المتنبي وجاء شرحه هذا «تحليلاً على أساس لغوي وصفي».
وكان ابن جني يحب المتنبي ويستشهد بشعره في كتبه، ويعبر عنه (بشاعرنا) وقد رثاه بقصيدة طويلة بعد وفاته. كما أن لابن جني مؤلفات أخرى في مواضيع أخرى كالقراءات الشاذة.
7 ـ وامتاز ابن جني كذلك باستقلال شخصيته سواء عن البصريين وهو بصري، أو عن أستاذه وقد لازمه أربعين عاماً، وكمثال لمخالفته رأي أستاذه رغم صحبتة الطويلة له ما جاء في الخصائص، ويسأله عن (تجفاف) أتاؤه للإلحاق بباب قرطاس، فيقول أبو علي: نعم، ويحتج لذلك، ويقول ابن جني معقباً عليه: «ويبعد هذا عندي، ويأخذ في الاحتجاج لإنكار ذلك على أستاذه».
أثره في خالفيه
ولقد فتح ابن جني بدراساته وتواليفه في دنيا اللغة العربية أبواباً لم يتسن فتحها لسواه، واستعصت مغالقها على غيره، ووضع أصولاً في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني وإهمال ما أهمل من الألفاظ وغير ذلك، فكان إنتاجه بحراً زاخراً سبح فيه خالفوه وغرف منه تابعوه، وفيما يلي تنويه موجز ببعض من أثّر فيهم ابن جني:
1 ـ ابن سيده المتوفي سنة 458هـ وهو لغوي كبير أغار على بحوث ابن جني وأغفل العزو إليه، وذلك في كتابيه «المحكم» و«المخصص» وكمثال على ذلك ما جاء في المحكم (2 ـ 362 مخطوط دار الكتب ـ لغة 51) وهو فصل كامل في النحو، ورد في الجزء الأول من الخصائص ص 34 (باب القول على النحو) ولم يعزه ابن سيده إلى واضعه، ويقول الأستاذ محمد علي النجار في مقدمة الخصائص ص 29 إن صاحب اللسان قد نقل هذا الفصل عن ابن سيده وعزاه إليه.
2 ـ ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة (466هـ) وهو صاحب «سر الفصاحة» وقد نقل عن ابن جني ونقده.
3 ـ ابن الأثير المتوفي سنة 633هـ وصاحب «المثل السائر» وقد نقل فصلاً كاملاً من الجزء الأول ص 217 من الخصائص وذلك في معرض رده على من زعموا أن العرب اعتنت بالألفاظ دون المعاني وهذا الفصل موجود في مقدمة المقالة الثانية في الصناعة المعنوية دون إشارة إلى نقله عن ابن جني.
4 ـ أولاد ابن جني علي وعال وعلاء، وأشهرهم عال الذي كان نحوياً أديباً، كما كان يروى عن أبيه.
وجاء في مقدمة «المحقق» المومى إليه في هذا البحث: «وجاء في (البغية) ص 156 أن ابن الحاج الأندلسي اختصر الخصائص».
كما جاء في شرح الاقتراح لابن الطيب (35 من النسخة التيمورية) أن لابن الحاج هذا حاشية على الخصائص، ويذكر صاحب «كشف الظنون» أيضاً أن لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي حاشية على الخصائص.
هذا ولا يزال «الخصائص» ذخيرة وثروة لغوية عظيمة يرجع إليها الدارسون في النحو والصرف والأصوات وغيرها من علوم اللغة، وتنقل عنه المعجمات اللغوية وتذكر ما ينفرد به من ألفاظ واستعمالات، ولا أدل على حاجة الدارسين إليه اليوم من الإشارات الكثيرة إليه والتي نجدها في أذيال صفحات الكتب هنا وهناك.
سميح أبو مغلي
وعن (الخصائص) قال الدكتور حازم سليمان الحلي:
استطاع أبو الفتح عثمان جني(ت 392هـ) أن يكتب لنا في كتابه «الخصائص» أبحاثاً مهمة في أصل اللغة (أإلهام هي أم اصطلاح)، وفي مقاييس العربية، والاطراد والشذوذ، والاشتقاق الأكبر، وتركب اللغات وتداخلها، ومساوقة الألفاظ للمعاني، وهو ما اصطلح عليه بتعاقب الألفاظ لتعاقب المعاني، وانتفع بما نبه عليه الخليل وأشار إليه إشارة سريعة.
فمعجم العين للخليل قائم على التقاليب، مثل: قطر، قرط، طرق، رقط. فلما جاء ابن جنّي حاول أن يجد صلة بين هذه التقاليب، وإن ابتعد منها شيء ردَّه بلطف التأويل. فهو يحاول إيجاد علاقة بين الألفاظ ذات الأصل الواحد.
وصنيع ابن جني هذا نبَّه غيرَ أبناء الضاد إلى الإشارة في معجماتهم المطولة الباحثة عن الأصول والإشارة إلى أصل المادة بقولهم: وهذا الأصل يفيد كذا.
وكان الغربيون على اطلاع بصنيع ابن جنّي هذا.
قال آدم متز: ظهرت في القرن الرابع دراسة جديدة للاشتقاق اللغوي، وبقيت عصراً طويلاً وكان أستاذ هذه الدراسة ابن جنّي الموصلي وهو الذي ينسب إليه ابتداع مبحث جديد في علم اللغة، وهذا المسمى بالاشتقاق الأكبر، وهو البحث الذي لا يزال يؤتي ثماره إلى اليوم والذي يختص بمادة الكلمة دون هيئتها، ولم يكن لعلماء اللغة من العرب نتاج أعظم من هذا.
إنَّ الغربيين لا يجهلون مكانة ابن جنّي بل وقفوا على آثاره ودرسوها، وأفادوا منها.
فقد جمع المجمع العلمي البافاري في ميونخ المصادر الخاصة بالقرآن الكريم وعلومه وضبط قراءاته لنشرها، وتولى المستشرق براجشتراسر المهمة وعاونه في بعضها أُوتو برتزل لاستكمالها وقد انجلت تلك المهمة عن نشر كتاب «التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني (ت 444هـ)، وكتاب المقنع للداني أيضاً، وكتاب مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه (ت 370هـ)، وكتاب المحتسب لابن جنّي الذي طبع بحروف لاتينيّة من منشورات المجمع العلمي البافاري في ميونيخ عام 1933م».
لقد انتفع الغربيون بمصنفات ابن جنّي بعد اطلاعهم عليها، ونحوا منحاه في الدرس اللغوي.
فمن المسائل التي أثارها ابن جنّي مسألة العلاقة بين الألفاظ ومعانيها أو ما يعرف في الدراسات اللغوية بمحاكاة الأصوات، فقد كان يرى كما يرى غيره من علماء اللغة أنَّ كلمات اللغة الإنسانية الأولى ابتكرت بتقليد أصوات الطبيعة ومحاكاتها فقال: «وذهب بعضهم إلى أنَّ أصل اللغات كلها إنّما هو الأصوات المسموعات كدويّ الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيح الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبَّل.
ولو رجعنا إلى ما كتبه الغربيون في علم اللغة لوجدنا أثر هذا واضحاً في مؤلفاتهم ولوجدنا بصمَات ابن جنّي بارزة فيما كتبوا وصنَّفوا.
يقول البروفيسور ستيفن أولمان Stephen Ulman (أستاذ علم اللغة، فرع الدراسات الرومانية، بجامعة ليدز Leeds بإنكلترا، المعروف بثقافته الواسعة في اللغة وقضاياها، والأدب والنقد الأدبي وعلم النفس):
«وفي أماكن أخرى كثيرة قد نستعمل الأصوات الموحية بمعانيها أو الحاكية للأحداث المعبرة عنها استغلالاً يقصد به إلى إحداث التأثير الدرامي كما جاء في بيت من رواية أندروماك Andromaque لراسين Racean حيث يسمع أورست Orestes فحيح الأفاعي في الهواء وقد أصابته لوثة من الجنون فيصيح بعبارة يتكرر فيها صوت الـ S الذي يشبه فحيح الأفاعي».
وهو يذكر أنَّ هذه المسألة كانت موضع عناية عدد من الكتّاب الغربيين مشيراً إلى قول بوب Pope : «إنَّ المعنى يجب أن يكون صدى للصوت».
وأثر أبن جنّي هنا واضح فهذا رأيه، ذكره في الخصائص حيث قال: «إنَّهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها وتقديم ما يضاهي أوّل الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي وسطه سوقاً للحرف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب وذلك قولهم: (بحث)، فالباء لفظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث والبث».
ويلفت ستيفن أولمان Stephen Ulman الانتباه إلى بيتين للشاعر كيتس Keats من قصيدته «أغنية إلى بلبل» وذلك قوله:
Ferbor the very word is like a bell to call me back from thee to my sole self.
مشيراً إلى أن كلمة «Ferbaur» ومعناها: أيُّها النفس الضائع أتشبه أو تحاكي صوت الأجراس فهي ترن في أذنه وترده عن الطائر المخاطب نفسه.
وهو يرى أنَّ هذه التأثرات بالباعث الصوتي على توليد الكلمات تؤدي إلى الاعتقاد بوجود مطابقة بين الصوت والمعنى.
وهذا هو رأي ابن جنّي، وإن كان قد اهتم بالكلمة المفردة لا بالجملة والعبارة فحاول إيجاد علاقة بين اللفظ والمعنى.
قال أبو الفتح: «فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج عند عارفيه مأموم. وذلك أنّهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره.
ويورد على ذلك أمثله كثيرة منها خضم وقضم، فالخضم لأكل الرَّطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس فاختاروا الخاء لرخوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.
ومن ذلك القَسم والقصْم، فالقَصمُ أقوى فعلاً من القَسم لأنَّ القَصم يكون معه الدق وقد يقسم بين الشيئين فلا يُنكأُ أحدهما، فلذلك خصت بالأقوى الصاد وبالأضعف السين.
من هذه الإشارات ومن تلك النصوص الصريحة نستطيع أن نقول مطمئنين: أن علماء اللغة الغربيين تأثروا بمنهج ابن جنّي وبآرائه اللغوية وانتفعوا بها.
يقول أولمان Ulman: يقول أصحاب النظرية المعروفة بنظريت bow wow: إنَّ الكلمات كانت في الأصل تقليد أصوات الطبيعة كما هي حالها الآن في لغة الأطفال.
وهذا هو بعينه أثر ابن جنّي في البحث اللغوي الغربي وإن لم ينسبه الغربيون إليه بل حاول بعضهم عبثاً نسبته إلى قدماء الإغريق، من غير دليل مع أنّهم آخذون عن ابن جنّي، لأنّهم بين مطّلع على مصنفاته اطّلاعاً مباشراً عن طريق قراءتها ونشرها ومُطَّلع على آرائه اطّلاعاً غير مباشر بأخذها ممن اطّلعوا عليها ثم نقلوها نصّاً أو بالمعنى.
خصائص الأعلام
في شرح شرائع الإسلام
تأليف عبد الوهاب الملقب برضوان الدين ابن الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري القزويني المتوفى سنة 1294 هجرية.
موسوعة فقهيه في الشرح على الشرائع من الطهارة إلى الديات في خمسة عشر مجلداً ضخماً جاء في أول الجزء الأول بعد البسملة (الأنوار سبيلك اللهم والأشواق دليلك أنت ربنا ورب مبادينا …) وموقفه استدلالي رَوائي بأسلوب سلسل يظهر منه تبحر المؤلف لم يقف عليه شيخنا الطهراني ولم يرد اسمه في الذريعة كما لم أجد له ذكراً في الفهارس المطبوعة في مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي.
الخطابة العربية
أهمية الخطابة:
كانت الخطابة ـ ولا تزال ـ من أهم وسائل الإعلام، فقد عنيت الأمم المتمدنة قديماً وحديثاً بتعلمها وتعليمها، واعتمادها كوسيلة إعلام مهمة في نقل الأفكار ونشر الآراء وإثارة العواطف والتأثير على العقول.
وجاءتها هذه الأهمية لأن الخطيب يقابل الجماهير وجهاً لوجه، ويعتمد الصوت والحركة في الإثارة، والتعبير المتموج في التأثير.
وقد يقتدر الخطيب إذا كان ماهـراً أو موفقاً على خلق عقل جمعي ينفعل مستجيباً لدعوته، ويفعل محققاً لأهدافه، وهذا قمة ما يتوخاه الإعلام من الخطابة كوسيلة مهمة من وسائله.
تاريخ الخطابة:
نشأت الخطابة ـ مثل أية ظاهرة اجتماعية أخرى ـ نتيجة الحاجة إليها للتأثير على الجمهور، فاتسمت في البدء بالتلقائية والعفوية.
ثم صقلتها التجارب، وهذبت منها المعاناة المستمرة شكلاً ومضموناً، حتى أهلتها لتكون فناً من الفنون له أصوله وقواعده ومناهجه الخاصة به.
ومن أقدم من عني بالخطابة من الأمم المتحضرة هم الإغريق ببلاد اليونان.
وقد تمثل نضج ونتائج في الخطابة عندهم بكتاب (الخطابة) الذي ألفه المعلم الأول أرسطو.
ولأهمية هذا الكتاب في تعليم فن الخطابة وتربية النشء عليها ترجم إلى مختلف اللغات، ومنها الترجمة العربية التي نقلت عن السريانية، وكان ذلك في العصر العباسي.
«وذاعت خلاصته (التي أعدها الفيلسوف العربي ابن رشد) في كثير من كتب البلاغة والأدب والمنطق (عند العرب)، وحول (هذه) الترجمة العربية وأصولها قامت دراسات حديثة بيّنت أثر الكتاب في البلاغة العربية»([505]).
«وجمع الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) أخبار أشهر الخطباء منذ نشأة الخطابة العربية، وبعضاً من خطبهم.
وكانت الخطابة عند العرب كما كانت عند اليونان فناً يتعلم، إما للسياسة أو للمناسبات، وحديثاً عرف العرب الخطابة في الدفاع أمام المحاكم»([506]).
مصادر الخطابة:
تدرس الخطابة عند العرب كفن تستعرض أصوله وضوابطه ونماذج من أمثلته وأشكاله في حقول المعرفة التالية:
1ـ البلاغة:
ويدور البحث البلاغي في تعرف الخطابة كأسلوب أدبي على النقط التالية:
ـ تعريف الخطابة.
ـ ذكر أنواع الخطابة.
ـ بيان عناصر الخطابة.
ـ توضيح أسلوب الخطابة.
ـ تعداد وتبيين شروط ومواصفات الخطيب([507]).
2 ـ المنطق:
يدرس المنطق الخطابة كصناعة علمية أو مهارة من المهارات الفنية ضمن ما يعرف بـ (الصناعات الخمس)، وهي: البرهان والجدل ـ أو آداب المناظرة ـ والخطابة والشعر والمغالطة.
وتتم دراسته ضمن النقط التالية:
ـ عوامل الحاجة إلى الخطابة.
ـ وظائف الخطابة وفوائدها.
ـ تعريف وبيان معنى الخطابة.
ـ عناصر الخطابة.
ـ أنواع الخطابة.
ـ صور تأليف الخطابة.
ـ أسلوب الخطابة([508]).
3 ـ الأدب:
يتناول البحث الأدبي فن الخطابة كنوع من أنواع النثر الفني عند العرب، ويدرسه من خلال العصور الأدبية المعروفة، فيستعرض:
ـ الأغراض والدواعي للخطابة.
ـ أسلوب الخطابة.
ـ عادات العرب في الخطابة.
ـ أشهر الخطباء العرب ونماذج من خطبهم في كل عصر من عصور الأدب العربي.
ـ مع التركيز على خصائص الخطابة في كل عصر وما انتهت إليه من تطور ازدهاراً أو انحطاطاً([509]).
تعريف الخطابة:
سأحاول ـ هنا ـ الجمع والتوفيق بين ما ذكره البلاغيون والمنطقيون ومؤرخو الأدب العربي لتعريف الخطابة، منتهياً إلى تعريف شامل لها:
ـ عرّف المظفر الخطابة بـ «أنها صناعة علمية بسببها يمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان»([510]).
وعرّفها الشايب بـ «الكلام الذي يلقى في جمهور الناس للإقناع والتأثير»([511]).
ـ وفي (المعجم الأدبي)([512]) عُرّفت بـ «فن التعبير عن الأشياء بحيث أن السامعين يصغون إلى ما يقوله المتكلم في موقف رسمي مختلف عن المجالس المألوفة في الحياة اليومية».
ـ وفي (معجم مصطلحات الأدب)([513]) و(معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب)([514]) عرّفت بـ «مجموعة القواعد التي يلتزم بها الخطيب أثناء إلقائه الخطبة أمام الجمهور، وذلك كرفع الصوت وخفته أحياناَ، ومراعاة الصور البلاغية، وتقسيم الخطبة إلى فقرات والضغط على المواطن الهامة فيها، إلى غير ذلك».
وعرّفها البعلبكي في (موسوعة المورد)([515]) بقوله: «الخطابة Oratory : فن الكلام من على منبر عادة، وفي حفل من الناس، شرحاً لقضية، أو تحريضاً على عمل ، أو نهياً عن آخر».
ـ وعرّفت في (الموسوعة العربية الميسرة) ([516]) بـ «فن مخاطبة الجمهور القائم على الإقناع والاستمالة».
ومتى حاولنا أن نقارن بين هذه التعريفات المذكورة سنراها جميعها ـ ماعدا تعريف الشايب ـ تلتقي عند نقطة مهمة في تعريف الخطابة، هي:
ـ أن الخطابة فن أو علم أو مجموعة قواعد.
ـ بينما عبّرعنها الشايب بأنها الكلام.
ـ والفارق بينهما هو الفارق بين النظرية والتطبيق.
فالقائلون بأنها علم أو فن أو مجموعة قواعد لحظوها من الجانب النظري، والقائل بأنها كلام أي أسلوب تعبير، نظرها من الجانب التطبيقي.
ويأتي هذا اللون من التفرقة في جميع المهارات أو العلوم التطبيقية، فالخطابة لأنها مهارة تقوم على قواعد وضوابط فقد يراعى في تعريفها الجانب النظري فيقال عنها: إنها فن، وقد يراعى في تعريفها الجانب التطبيقي فيقال عنها: إنها أسلوب.
ومن هنا ليس أمامنا ونحن نحاول أن نعرّف الخطابة إلا أن نفرق التفرقة المذكورة مع التأكيد على بيان المقصود من المعرّف فنقول: الخطابة ـ كفنٍ ـ هي دراسة القواعد والضوابط لإتقان مهارة أو صناعة الخطابة.
والخطابة ـ كأسلوب ـ هي الكلام الذي يلقى على الجمهور للإقناع والتأثير مراعى فيه الالتزام بالقواعد والضوابط الفنية لهذه المهارة.
عناصر الخطابة:
عني علم المنطق وكذلك علم البلاغة بذكر وتحديد عناصر الخطابة التي تتألف منها وتتقوم بها.
ونعني بالخطابة ـ هنا كما هو واضح ـ الخطبة التي يلقيها الخطيب. وسنبدأ بالإلماح إلى ما ذكره المناطقة متوخين الاختصار جداً، ومن بعده نستعرض ما ذكره البلاغيون، وبشيء من التوسع.
1 ـ في المنطق:
قالوا: إن للخطابة عنصرين أساسيين تتألف منهما، وهما:
أ ـ العمود:
ويريدون به الموضوع الأساسي للخطابة، والتي من أجله تلقى الخطبة، وعليه تدور رحاها، ويؤلف نقطة المركز لمحورها.
ب ـ الأعوان:
ويريدون بذلك النصوص والآراء والأقوال التي يستشهد بها الخطيب أو يستعين بها تدعيماً لموضوعه أو توسلاً بها لغلغلته في أذهان مستمعيه.
2 ـ في البلاغة:
أما في البلاغة فالعناصر الأساسية للخطبة عندهم ثلاثة هي:
أ ـ المقدمة.
ب ـ العرض.
ج ـ الختام.
ـ «فالمقدمة للاتصال بالسامعين، وإعداد نفوسهم للموضوع وبخاصة إذا كان جديداً أو كانوا متأثرين بشعور مضاد.
وقد يتركها الخطيب إذا لم يجد داعياً من هذه الدواعي.
ولا بد أن تكون موجزة جذابة متصلة بالموضوع كهذه المقدمة من خطبة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لما بلغه أن خيلاً لمعاوية وردت الأنبار وقتلوا عاملاً له:
(أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجُنته الواقية).
والعرض هو العنصر الأساسي في الخطابة … يذكر فيه الخطيب آراءه مقسمة منسقة مؤيدة بالبراهين، ويرد على خصمه مفنّداً آراءه معتمداً دائماً على حجج منطقية حاسمة أو خطابية مشهورة، مع مراعاة اللياقة والتجافي عن السباب ذاهباً إلى الإقناع والتأثير، كما قال علي عليه السلام في هذه الخطبة:
(ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلوا، فتواكلّتم وتخاذلتم حتى شُنّت عليكم الغارات ومُلكت عليكم الأوطان).
والختام أو النتيجة هام لأنه تلخيص للموضوع، وتسجيل على السامعين واجتذاب لعواطفهم، ويجب أن يكون موجزاً واضحاً، قوياً داعياً إلى مذهب الخطيب، جامعاً لأهم عناصر الموضوع، كما ختم زياد خطبته البتراء بقوله:
(وإذا رأيتموني أُنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إدلاله، وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ أن يكون من صرعاي) ([517]).
يتقوم أسلوب الخطابة بالتالي:
1 ـ الألفاظ المالوفة فـ «كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً وساقطاً سوقياً، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشياً» كما يقول الجاحظ([518]).
2 ـ المعاني القريبة إلى أذهان المستمعين، فيراعى فيها المستوى الثقافي للحضور وطبقاته المختلفة.
3 ـ ترتيب المعاني وسلسلتها سلسلة منطقية ليستطيع المستمع متابعة الفكرة، ومن ثم هضمها وتمثيلها.
4 ـ وحدة الموضوع.
ليخرج المستمع بحصيلة فكرية مفيدة.
5 ـ قصر الجمل.
6 ـ متانة المعنى وقوته.
7 ـ رقة اللفظ وجاذبيته.
8 ـ كثرة الأمثلة والشواهد والأمثال والحكم المؤثرة.
9 ـ ولأن غاية الخطابة الإقناع والتأثير، لا بد لها من مخاطبة العقل والقلب (أو العاطفة) معاً، ويتم هذا باستخدام البراهين العقلية التي تقرر الحقائق ليتحقق الإقناع، وبإظهار الانفعالات الوجدانية التي تثير العواطف ليتحقق التأثير.
مؤهلات الخطيب:
من أهم الشروط أو المواصفات التي ينبغي أن تتوفر في الخطيب هي:
1 ـ أن يكون ذا ثقافة عامة تقوم على ركائز وأسس علمية، يعي معلوماته ويقيمها على ضوء تلكم الركائز والأسس … وبعبارة موجزة أن يكون عالماً عاماً.
2 ـ أن يكون ذا نظرة اجتماعية بعيدة تفهم مقتضيات المناسبة ومتطلبات الموقف.
3 ـ أن يكون ذا أفق فكري يستوعب في مداركه مختلف ذهنيات مستمعيه.
4 ـ أن يكون واعياً لغة الجماهير أو المستمعة الذين يخاطبهم ومتخذاً منها وسيلة لفرض الفكرة.
5 ـ أن ينوع ويلوّن في معروضاته وداخل الإطار العام لفكرة موضوعه.
6 ـ أن يكون متوفراً على وسائل العرض والتأثير أمثال: حسن الصوت وطلاقة اللسان وعذوبة المنطق وفنية الإشارة ومناسبة الهيئة وما شاكلها.
7 ـ أن يعيش فكرته ويحب أهدافها ليتفاعل وإياها حينما يعرضها بغية نجاح التأثير والتأثر.
8 ـ أن يكون ذا جرأة أدبية([519]).
ويقول بشر بن المعتمر: «ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً، ولكل حالة من ذلك مقاماً، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات»([520]).
وقد يكون من المفيد أن ألخص ـ هنا ـ ما نشرته مجـلة (المختـار) العـربية Reader’s Digest ـ أبريل (نيسان) 1991ـ تحت عنوان (كيف تصبح خطيباً)، جون ماي:
ـ الخطابة الجماهيرية المؤثرة فن يمكن تعلمه، وفي وسع كل إنسان أن يملك التقنيات الأساسية التي تجعل الجمهور يستوي في جلسته ويستمع.
ـ والتعليمات المهمة لذلك هي:
1ـ استرخ:
خذ نفساً عميقاً عدة مرات، واحتفظ بالهواء في رئتيك أطول مدة ممكنة، ثم ازفره ببطء.
2 ـ أمسك الزمام:
انكشف أمام جمهورك الذي يريد أن يحوشك ملك أنظاره، فتشعر آنذاك بأنك تأتمنه على آرائك.
3 ـ خطط مقولتك:
فالخطبة القوية لا ترتجل دون تفكير سابق.
4 ـ توخ البساطة:
قاوم رغبتك في حشو خطبتك بأكبر عدد ممكن من النقاط، فلن يكون في وسع المستمعين إليك أن يتذكروها كلها، ولربما لم يذكروا منها شيئاً، تقوم الخطبة المثمرة على إيراد أربع نقاط على الأكثر تؤدي إلى استنتاج رئيسي واحد.
5 ـ ابْدُ عفوياً:
فذاك يضيف تألقاً جذاباً إلى الخطبة، ولا شيء يقبض قلوب الجمهور مثل خطيب يعتلي المنبر ملوحاً بكدسة أوراق.
6 ـ اجهر صوتك:
ليكن نطقك واضحاً باستعمال شفتيك ولسانك وأسنانك، لكي يسمع الجمهور كل كلمة.
7ـ دع كل واحد يشعر بأنه معنيّ:
المتحدث الذي يتجنب النظر إلى جمهوره يخسره بالتأكيد.
8 ـ راقب الوقت:
لا يغفر الجمهور أبداً للخطباء الذين يتخطون الوقت المحدد ويحرمونه تناول الغذاء.
9ـ ثابر على التمرن:
لا تتخذ المهارات الكلامية إلا بالدربة.
هدف الخطابة:
الغاية المنشودة من الخطابة أو الهدف المتوخى منها، هو:
1ـ الأقناع:
إقناع الجمهور بالفكرة (موضوع الخطابة)، ومن هنا كان على الخطيب أن يستخدم لذلك البراهين العقلية والحجج المنطقية.
2 ـ التأثير:
التأثيرعلى عواطف الجمهور بما يبديه الخطيب من انفعالات وجدانية، وذلك ليؤثر على الجمهور فيندفع بتأثير من العقل الجمعي الذي أوجدته الخطبة إلى القيام بعملٍ ما لتحقيق تجسيد الفكرة موضوع الخطابة في الواقع الخارجي.
أنواع الخطابة:
نوّع أكثر من مؤلف الخطابة إلى دينية وقضائية وسياسية، ويعنون بالدينية تلك الخطب التي تتناول موضوعاً دينياً كالصلاة والصوم، أو تقال في مناسبة دينية كالجمعة والعيدين.
ويريدون من القضائية ما يلقيها الوكيل أو المحامي في المحكمة أمام القاضي للدفاع عن موكله أثناء المرافعة.
ويقصدون بالسياسية تلك التي يلقيها المسؤل السياسي في موقف سياسي.
ولي حول هذا التنويع ملاحظة، هي:
إن التنويع إلى دينية وسياسية جاء نتيجة التأثر بالتقسيم الغربي للخطابة، والغربيون ـ كما نعلم ـ يفصلون بين الدين والسياسة.
أما نحن المسلمين الذي نعتقد بأن الإسلام كما فيه نظام عبادي ونظام أخلاقي ونظام اجتماعي ونظام اقتصادي، فيه نظام سياسي، لا نفرق هذه التفرقة.
فمن الصائب أن تنوع الخطب وفق موضوعاتها، فيقال خطبة اقتصادية وخطبة اجتماعية وخطبة سياسية وخطبة أخلاقية وخطبة عبادية وإلخ.
الخطابة في العصر الجاهلي:
كانت الخطابة في العصر الجاهلي رصيفة الشعر، وتأتي بعده مباشرة من حيث الأهمية، والاعتماد عليها في المناسبات بين القبائل كلإيفاد والصلح والدعوة إلى سلم أو حرب.
وكان أسلوبها يقوم على أساس من استخدام اللفظة الملائمة للموقف والمؤثرة في المستمعين، مع تقصير الجمل، وسجعها سجعاً ملحوظاً، وتضمين الشواهد المألوفة من أمثال وكلمات قصار مأثورة.
ومن عادات العرب في هذا العصر أن يقف الخطيب على نشز من الأرض، أو القيام على ظهر دابة، والاعتماد على عصا أو سيف أو رمح، واستعمال الحركة بالإشارة باليد أو قسمات الوجه.
ومن أشهر خطباء العرب في هذا العصر:
1ـ قس بن ساعدة الإيادي المتوفي سنة 600م أسقف نجران، وهو «أول من خطب على شرف واتكأ على سيف وقال في خطبته: أما بعد».
2 ـ عمرو بن معدي كرب الزبيدي المتوفى سنة 643م فارس اليمن وبطل القادسية.
«يقال: إن النعمان بن المنذر أرسله فيمن أرسل من سَراة العرب إلى أنو شروان بالمدائن ليكون كلامهم بين يديه مصدقاً لدعواه في العرب وافتخاره بهم وتفضيله إياهم، فألقى هذه الخطبة:
إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فبلاغ المنطق السداد، وملاك النجعة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخبرة خيرمن اعتساف الحيرة، فاجتبذ طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يلن لك قيادنا، فإنا أناس لم يوقّص صَفاتَنا قراع مناقير من أراد لنا قضماً، ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضماً»([521]).
الخطابة في عصري صدر الإسلام والأموي:
كان للدعوة الإسلامية أثر بليغ في رفع مستوى الخطابة العربية متأثرة بالقرآن الكريم وبالإيمان الحافز للمسلمين على حمل الإسلام ودعوة الناس إليه، فكانت من أهم الوسائل لذلك.
«وأهم ما يميزها في هذا العصر عذوبة ألفاظها ومتانة أسلوبها وقوة تأثيرها، واقتباسها من القرآن، وانتهاجها منهجه في الإرشاد والإقناع، وابتداؤها بحمد الله والصلاة على رسوله»([522]).
ومن أشهر خطباء العرب في هذا العصر:
1ـ النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
وصف الجاحظ خطابته صلى الله عليه وسلم فقال: «كان كلامه الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَّ عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حفَّ بالعصمة، وشدَّ بالتأييد، ويسّر بالتوفيق، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعاً، ولا أصدق ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح من معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه صلى الله عليه وسلم»([523]).
2 ـ الإمام علي عليه السلام:
يقول أحمد حسن الزيات: «ولا نعلم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن سلف وخلف أفصح من علي في المنطق، ولا أَبلَّ ريقاً في الخطابة، كان حكيماً تتفجر الحكمة من بيانه، وخطيباً تتدفق البلاغة على لسانه، وواعظاً ملء السمع والقلب، ومترسلاً بعيد غور الحجة.
هو بالإجماع أخطب المسلمين وإمام المنشئين، وخطبه في الحث على الجهاد، ورسائله إلى معاوية، ووصفه الطاووس والخفاش والدنيا، وعهده للأشتر النخعي تعد من معجزات اللسان العربي، وبدائع العقل البشري.
وما نظن ذلك قد تهيأ له إلاّ لشدة خلاطه للرسول، ومرانته منذ الحداثة على الخطابة له والخطابة في سبيله»([524]).
وقد جمع الشريف الرضى المتوفى سنة 404هـ خطبه ورسائله وحكمه في كتاب أطلق عليه اسم (نهج البلاغة)، فكان بحق اسماً على مسمى.
سئل عبد الحميد الكاتب: من أين تعلمت البلاغة؟ فأجاب: من خطب الأصلع، يعني علياً عليه السلام.
الخطابة في العصر العباسي:
كان لانشغال العرب في العصر العباسي باستقبال العلوم المترجمة من اليونانية والسريانية والفارسية وإقبالهم عليها أثر بعيد في ضمور الخطابة فنياً وقصورها على خطب الجمع والأعياد والمناسبات الرسمية، فلم يقدر لها أن توفق لتطور يذكر.
الخطابة في العصر المملوكي:
كانت الخطابة في العصر المملوكي امتداداً للخطابة في العصر العباسي مع زيادة تكلف السجع وإدخال الوجوه والمحسنات البديعية على أسلوبها.
وفي هذا العصر نشأت الخطابة الحسينية في الأهواز والعراق وبلدان الخليج وبخاصة الاحساء والقطيف والبحرين ودبي ومسقط.
الخطابة في العصر الحديث:
كان للنهضة الأدبية في العصر الحديث والانتفاضات السياسية والنشاطات الحزبية الأثر الكبير في تطور الخطابة في هذا العصر والارتفاع بها عما منيت به من انحطاط في العصر المملوكي، وللسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري دور مهم في النهوض بالمستوى الثقافي للأمة العربية بما نال الخطابة نصيبها منه.
الخطابة الحسينية
لكي نتعرف مركز الخطابة الحسينية عند المسلمين ودورها في نشر الفكر الإسلامي لا بد لنا من أن نمهد لذلك بالإلماح إلى مركز الشيعة في الأمة الإسلامية ودورهم في خدمة الفكر الإسلامي، ذلك أن الخطابة الحسينية تمثل جانباً مهماً من الحضارة الشيعية، تلك الحضارة العريقة التي تمثل ـ هي الأخرى ـ أحد خطي حركة الفكر الإسلامي، الحركة التي نشأت في أحضان البيئة الإسلامية الأولى، وبإشراف الرسول القائد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنها ولدت مع اعتناق الإمام علي عليه السلام للإسلام.
وانطلقت بانطلاقته يوم تحرك يعضد النبي صلى الله عليه وسلم ويحمل الدعوة بلسانه خطابةً وتعليماً، وبقلمه كتابةً وتأليفاً، وبسيفه يدكّ حصون الشرك ويهدّ قلاع الوثنية.
وكلما امتد الزمان يستقبل دعوة الإسلام، وامتد المكان يحتضن انتشار الدعوة، توسعت مجالاً ونماء وعطاء.
وقد كان من أهم وسائل الإعلام والدعاية للدعوة آنذاك وسيلتا الخطابة والشعر.
وكان للدعوة الإسلامية أثر بليغ في رفع مستوى الخطابة العربية متأثرة بالقرآن الكريم وبالإيمان الحافز للمسلمين على حمل الإسلام ودعوة الناس إليه فكانت من أهم الوسائل لذلك.
وأشهر من اشتهر من خطباء هذا العصر: النبي محمد صلى الله عليه وسلم والإمام علي عليه السلام.
ومن بعد علي عليه السلام استمرت الخطابة في دعوة أهل البيت عليهم السلام وسيلة مهمة من وسائل الاحتجاج والإقناع، وفي خطب السيدة زينب بنت علي بعد وقعة كربلاء نموذج حي لهذا.
وفي مجال الشعر نقرأ في تاريخ الدعوة العلوية هاشميات الكميت بن زيد الأسدي وقصائد العديين وقلائد السيد الحميري وتائية دعبل بن علي الخزاعي وروائع الشريفين المرتضى والرضي، وكثيراً غيرها.
وحتى نصل القرن الرابع عشر الهجري يتنامى شعر الدعوة عند اتّباع أهل البيت، ويتكاثر من حيث الكم، ويتوسع في انتشاره من حيث الرقعة الجغرافية فيعم جميع حواضر الشيعة في سواحل الخليج الأخضر، فإلى جانب السيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي والسيد إبراهيم بحر العلوم والشيخ صالح الكواز والشيخ صالح التميمي والشيخ كاظم الأزري وأضرابهم من شعراء النجف والحلة وبغداد.
كان في سواحل الخليج أمثال: الشيخ أحمد بن مهدي أبو السعود القطيفي والشيخ محمد الزهيري السيهاتي والحاج عبد الله العبيدي التاروتي والسيد ناصر آل السيد عبد الصمد البحراني والسيد عدنان الغريفي والشيخ عبد الله الذهبة البحراني والملا علي بن رمضان الأحسائي والشيخ عبد الله بن علي الأحسائي والشيخ أحمد بن علي الصحاف، وآخرين كثيرين.
وفي النجف الأشرف، وبعد عودة المرجعية إليها إثر وفاة السيد محمد حسن الشيرازي سنة 1312هـ تحركت الحوزة العلمية في أكثر من خطٍ تجدد وتبدع.
ففي الخط السياسي كانت الدعوة إلى الحكم الدستوري، المعروفة بـ (المشروطة) بقيادة المرجع الديني الشيخ محمد كاظم الخراساني.
وفي الخط العلمي الحوزوي نتج أهم كتابين في الفقه وأصوله، طورا فيهما، فجددا وأضافا، وهما:
ـ كتاب (العروة الوثقى) للسيد محمد كاظم الطبطبائي اليزدي، الذي احتوى من الفروع الفقهية الشيء الكثير بما يعد إضافة مهمة على ما تَقَدَمَه من متون فقهية ورسائل عملية.
ـ وكتاب (كفاية الأصول) للشيخ محمد كاظم الخراساني، الذي يعد ـ وبحق ـ نقله علمية موفقة في تطوير أصول الفقه الشيعي.
وفي خط الشعر كان السيد جعفر الحلي وآل الشبيبي الشيخ جواد وابناه الشيخ محمد رضا والشيخ باقر، والشيخ علي الشرقي، الذين مثلوا ريادة النهضة الأدبية في النجف الأشرف خاصة، وفي العراق عامة.
وفي خط إحياء التراث والدراسات اللغوية كان الشيخ محمد رضا الشبيبي عضو المجامع اللغوية والعلمية العربية، والدكتور مهدي المخزومي مجدد النحو العربي في هذا القرن، وغيرهما.
وفي خط الفهارس والتراجم كان الشيخ علي آل كاشف الغطاء صاحب (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة)، والسيد محسن الأمين مؤلف الموسوعة الكبيرة (أعيان الشيعة)، والشيخ عبد الله المامقافي مؤلف الموسوعة الرجالية (تنقيع المقال في أحوال الرجال)، والشيخ آغا بزرك الطهراني مؤلف الموسوعتين الشهيرتين (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) و(طبقات أعلام الشيعة).
وفي خط الفقه كان الشيخ آغا رضا الهمداني مؤلف موسوعة (مصباح الفقيه)، والسيد محسن الحكيم مؤلف الموسوعة المعروفة (مستمسك العروة الوثقى).
وفي خط العلوم الطبيعية كان الشيخ كاظم الملكي مؤلف (المعجم الزيولوجي).
وكانت هذه المعطيات وأضعافها مما سبقها مما شارك فيه الشيعة بخدمة الإسلام وقضاياه في العقيدة والتشريع والفكر عامة.
وقد يعد بالإضافة إلى نسبتهم العددية لعموم المسلمين أكثر بكثير مما هو متوقع منهم.
ويرجع هذا لاستمرار باب الاجتهاد مفتوحاً عندهم، ولتبنيهم العقل منطلقاً آخر من منطلقات التفكير، ولإيمانهم بضرورة تغطية كل متطلبات التطور، وبحرية كاملة تتمحور حول أصالة الإسلام في خط التجديد المفيد.
في هذه الحقبة الزمنية الخصبة وفي بيئتها المكانية المعطاء، وفي هذا الجو العلمي المليء بالنشاط الثقافي، والمفعم بالعمل الإبداعي، نبغ في فن الخطابة الحسينية المشايخ آل السبتي، وعلى رأسهم كبير الأسرة الخطيب الشيخ كاظم السبتي، المتوفى سنة 1342هـ، الذي طور في فن الخطابة الحسينية من طريقتها المألوفة قبله، والتي تمثلت في تلاوة تاريخ سيرة الإمام الحسين عليه السلام من الكتب المعدّة لذلك، أمثال:
ـ كتاب المنتخب من المرائي والخطب، المعروف بالفخري، للشيخ فخر الدين الطريحي النجفي المتوفى سنة 1085هـ.
ـ كتاب المجالس في أيام عاشوراء، للشيخ محمد حسن آل ياسين الكاظمي المتوفى سنة 1308هـ([525]).
ـ كتاب مثير الأحزان، للشيخ شريف الجواهري المتوفى سنة 1314هـ.
إلى طريقته المبتكرة، والتي تتمثل بقراءة قصيد من الرثاء الحسيني قريضاً ثم شعبياً، فقراءة مجلس قد يكون موحّد الموضوع وقد يكون منوّع الموضوعات عن ظهر قلب، أي خارج الكتاب، ثم التخلص إلى ذكرى وقعة كربلاء، فالختام بالنعي.
وقد ساعد هذا التطوير السبتي أن يتحول واقع عطاء المنبر الحسيني من تلاوة إلى محاضرة تعد إعداداً علمياً، ويعد لها الأسلوب الأمثل في الإلقاء والإعطاء ليحقق المنبر هدفه في مجالي التربية والتعليم.
وقد يكون أهم أثر لمسناه من هذا هو تجذير روح الانتماء إلى المذهب عند الشيعة، ووقوف عاطفة الحب عندهم سياجَ مناعة قوياً يحصّن الفكر والولاء.
ولارتباط الحواضر الشيعية في سواحل الخليج، ومنها حاضرة الأحساء بالنجف الأشرف مذهبياً وفكرياً تأثر شكل ومضمون الخطابة الحسينية فيها بما تطور إليه في النجف الأشرف.
وبرز على ساحتها العشرات من الخطباء الحسينيين، واشتهر كثيرون منهم، فتنقلوا في مختلف مدن الساحل من البصرة إلى مسقط، يرقون المنبر الحسيني ويقومون بدور نشر فكر أهل البيت عليهم السلام والتذكير بمأساة الطف.
ولتبريز أساتذة منهم في فن الخطابة الحسينية ساهموا في التطوير والتجديد، وبخاصة في جانب الشكل، وتمثل هذا في نظم الشعر الشعبي الذي عرف في أوساطهم بالفايزي نسبة لمبتكره الملا علي الفايز الأحسائي، وكذلك بإدخال فن التخميس في القريض وبتلحينه الخاص بخطباء الخليج، ومنهم انتشر في الربوع الشيعية الأخرى.
ولأن الأحساء ـ وكما يؤكد تاريخها ـ من أهم الحواضر العلمية والبيئات الأدبية في هذا الساحل الغني بما وهبه الله تعالى من طبيعة ولود حيث الواحات الزراعية الخضراء المنتشرة على طول الساحل، وحيث النفط المتدفق من باطنها يغذي شرايين الجسم الاقتصادي العالمي انفتحت في أكثر من مجال لتساير التطور المسرع في تغيراته وتغييراته.
وكان من هذا أن تحركت تواكب حركة التأليف في العالم الإسلامي، وبخاصة فيما يرتبط بالعقيدة والتاريخ من قضايا وشؤون، فتوسلت بالوسائل الإعلامية والتربوية الحديثة، فأقامت (مهرجان الغدير) لعام 1413هـ، وأعلنت قبله عن المسابقة في التأليف بما أشرت إليه، ورصدت لذلك الجوائز الثمينة.
وكانت الاستجابة لذلك فوق المتوقع من الطليعة الأحسائية المؤمنة بقضيتها، المتمسكة بانتمائها، والمتطلعة لمستقبل أفضل وعياً وثقافة.
وكان من بين الذين شاركوا في هذه المسابقة الكريمة المؤلف الفاضل الأستاذ محمد الخرس.
وبوحي من انتمائه لتربة هذه البلدة الطيبة اختار أن يكتب في جانب مهم من تاريخها المسهم في خدمة قضايا الفكرة والعقيدة، وهو جانب الخطابة الحسينية.
والقارئ المعايش والمعاصر للنهضة التطويرية لهذا الفن المثمر، يلمس وبوضوح أهمية دور خطباء المنبر الحسيني الإحسائيين في الدعوة لفكر أهل البيت، والتطوير المساير لما يستجد على الساحة الخطابية في العالم الإسلامي من الجيل المثقف عودة الحركة الثقافية في هذه الحاضرة الكريمة إلى زخمها في النماء والعطاء، والله تعالى ولي التوفيق، وهو الغاية.
د. عبد الهادي الفضلي
خطط جبل عامل
كتاب للسيد محسن الأمين
قبل الحديث عن هذا الكتاب ننشر بحثاً للدكتور قاسم عبده قاسم عن نشوء دراسات الخطط وأشهر من كتبوا فيها، ثم نتبعه بتعريف بالكتاب:
كانت الخطط التي ابتدعها المؤرخون المصريون، بداية من ابن عبد الحكيم، نمطاً من الكتابة التاريخية يخلط بين التاريخ والجغرافيا والطبواغرافيا، كما يتضمن قدراً كبيراً من المعلومات السكانية والاجتماعية الخاصة بالتركيبة السكانية وتوزيع سكان المدينة والأقليات الموجودة فيها، إلى جانب تطور المدينة وأحيائها ومرافقها عبر العصور.
فالخطط تتحدث عن نشأة الأحياء المختلفة والتطورات التي مرت بها وبسكانها ومرافقها العامة، وتورد في ثنايا ذلك الكثير من المعلومات الخاصة بمجتمع المدينة: الأعياد والاحتفالات، والعادات والتقاليد، والهجرات من المدينة أو إليها، والعوامل المتسببة في زيادة السكان أو تناقص أعدادهم مثل الرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والأمني، والهجرات الداخلية والخارجية من جهة والمجاعات والأوبئة من جهة أخرى، فضلاً عما تحمله كتب الخطط من المعلومات عن المساجد والمدارس، والكنائس والأديرة المسيحية والمعابد اليهودية.
هكذا، إذا، كانت كتب الخطط بمثابة التجسيد العملي للفكر السكاني ـ الاجتماعي في تاريخ الثقافة العربية عبر العصور. ومثلما هي الحال في كل ممارسة ثقافية اجتماعية كانت الخطط استجابة لحاجة ثقافية اجتماعية متجددة عبر العصور.
لقد نمت من البذرة التي غرسها عبد الرحمن بن عبد الحكيم في القرن الثالث الهجري شجرة وارفة من الكتابات ذات الاتجاه السكاني ـ الاجتماعي ضمت سلسلة من أعلام الثقافة العربية الإسلامية كان خاتمها علي مبارك الذي ألف كتابه من عشرين جزءاً طبعت في أواخر القرن التاسع عشر تحت عنوان «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة».
ويحسن بنا أن نستعرض مؤلفات مؤرخي الخطط بداية من عبد الرحمن بن عبد الحكم حتى علي باشا مبارك، ونحاول في الوقت نفسه أن نرصد تطور الفكر السكاني الاجتماعي في هذه الكتابات للوقوف على اتجاهات هذا الفكر ومدى تأثيره في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
في حين أننا نجد أن الدراسات السكانية والاجتماعية الحديثة، التي واكبت إنشاء الجامعة المصرية، كانت بمثابة رجع الصدى للمدارس الأوروبية التي فرضت مفاهيمها ومصطلحاتها وأساليبها البحثية على العلماء والباحثين في العالم العربي حتى اليوم.
كان عبد الرحمن بن عبد الحكم، أول من كتب في الخطط، من أسرة علم وفقه، فقد كان أبوه عبد الله المتوفى سنة 214هـ (830م) من علماء الفقه والحديث وانتهت إليه رياسة الطائفة المالكية في مصر بعد موت أشهب.
وكان أبناؤه الأربعة من مشاهير الرجال في العلم والفقه والتاريخ، وكان ابنه عبد الرحمن من أهل الحديث والتواريخ. ويهمنا في هذا البحث أن نفحص الجزء الخاص بالخطط من كتابه. وإذا كان عبد الرحمن اهتم بالعنعنة والإسناد في رواياته التاريخية، شأن كل علماء الحديث، فإنه لم يذكر مثل هذه الأسانيد في الفصل المتعلق بالخطط، ذلك لأن المعلومات التي جمعها في هذا الفصل كانت من الروايات الشائعة على ألسنة أهل الفسطاط.
كما أن معظم ما أورده كان بناء على مشاهداته الخاصة لخطط الفسطاط ومعالمها في القرن الثالث الهجري.
وفي القسم الثالث من الكتاب، حسب التقسيم الذي وضعه ابن عبد الحكم نفسه، نجد عنواناً نصه «ذكر الخطط» فيه يحدثنا عن نشأة الفسطاط وسبب التسمية، ثم بناء المسجد بعد ذلك يحدثنا عن الحمام الصغير الذي بناه وعرف باسم «حمام الفار».
وقد أفرد عبد الرحمن بن عبد الحكم جزءاً لخطط الجيزة وكيف أن همدان ومن والاها من العرب استحبت الجيزة فسكنت فيها، ورفضوا أن يرحلوا عنها فبنى لهم عمرو الحصن الذي في الجيزة سنة 22 هجرية. وتحت عنوان «أخائذ الاسكندرية» (من فعل أخذ بمعنى المأخوذ) يقول إنه لم تكن بالاسكندرية خطط «وإنما كانت أخائذ، من أخذ منزلاً نزل فيه هو وبنو أبيه».
وإذا كنا أطلنا الحديث عن الخطط في كتاب ابن عبد الحكم، فإن الهدف كان محاولة بيان أن بداية الفكر السكاني الاجتماعي في هذه الكتابات الباكرة كان يحمل عيوب البداية نفسها في كل من فروع الفكر الإنساني.
كان ابن عبد الحكم يرصد لنا بداية توزيع العرب على الخطط أو الأحياء السكنية في كل من الفسطاط والجيزة والاسكندرية. وعلى رغم أنه أعطانا صورة متكاملة تقريباً عن خطط الفسطاط ومرافقها الأولى، وأوضح لنا كيف أن كبار الصحابة وقادة الجند اختطوا لأنفسهم الدور والمنازل حول المسجد الجامع ودار الإمارة، كما أوضح التطورات التي جرت على المسجد نفسه بصفته أهم مرافق العاصمة، فإنه لم يذكر لنا الكثير من تفاصيل خطط الجيزة.
ومن ناحية أخرى، فإن حقيقة أن الاسكندرية كانت قائمة قبل الفتح الإسلامي بوصفها عاصمة البلاد تحت الحكم البيزنطي جعلته يحدثنا عن «أخائذ» الاسكندرية وليس عن خططها.
وفي القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي جاء المؤرخ الشهير محيي الدين بن عبد الظاهر ليضيف لبنة جديدة إلى بناء الفكر السكاني ـ الاجتماعي في كتابه الذي يحمل عنوان «الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة».
وقد أفاد منه المقريزي كثيراً فيما يتعلق بأسوار القاهرة وشوارعها ودروبها ومساجدها وقصورها، كما نوّه بكتابات ابن عبد الظاهر التي يبدو أنها بلغت مرحلة متقدمة في هذا المجال بقوله «إنه فتح باباً كانت الحاجة تدعو إليه»، كذلك اعتمد عليه القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى في صناعة الإنشا».
ولا شك في أن إدراك المقريزي لأهمية كتابات ابن عبد الظاهر في مجال الخطط هو الذي جعله يصرح بأهمية مساهماته في هذا المجال.
وشهد القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي واحداً من كتاب الخطط تعتبر مؤلفاته من العلامات المميزة في تاريخ الفكر السكاني ـ الاجتماعي العربي، هو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي الشهير بابن دقماق (750ـ 809هـ/ 1349 ـ 1406م) الذي تركزت جهوده في كتابه الخطط فألّف كتابه الشهير «الانتصار لواسطة عقد الأمصار» في عدد من المجلدات معظمها مفقود.
بيد أن القسم الذي وصلنا يتضمن خطط مصر والفسطاط منذ نشأتها، وذكر أحيائها وأسواقها ورحابها ومعاهدها ومساجدها ومبانيها وأديرتها وكنائسها ومعابد اليهود بها. كما تحدث عن الوجه القبلي، فذكر أخميم وأسنا وغيرهما من مدن الوجه القبلي، وكذلك عن أسواق مدن الوجه البحري مبيناً أنه كانت لكل مدينة أسواق عدة قد تزيد أو تقل حسب مساحة المدينة.
وتضمن كتاب ابن دقماق معلومات مهمة عن بعض الأسواق التي حملت أسماء بعض الجماعات العرقية والدينية التي عاشت في القاهرة والفسطاط، مثل «سويقة العراقيين» و«سويقة المغاربة» و«سويقة اليهود» التي ذكر ابن دقماق أنها خرجت في زمانه.
كذلك حدثنا عن طوائف الحرفيين في القاهرة والفسطاط، مثل طائفة الشرائحيين (الذين كانت لهم حوانيت يطهون فيها الأطعمة التي يرسلها الناس لهم بعد إضافة التوابل التي تكسبها طعماً خاصاً)، والطبّاخين الذين ذكر أنه كان لهم مكان خاص يجتمعون به في غير أوقات العمل، وهي «مصطبة الطباخين».
وحدثنا عن صناعة السكر فأحصى لنا حوالي ثمانية وخمسين مطبخاً للسكر في الفسطاط وحدها في بداية القرن التاسع الهجري الخامس عشر للميلاد.
وهكذا نجد التطور واضحاً تماماً في ما كتبه ابن دقماق، إذ لم يكتف بذكر الخطط فقط بل تعدى ذلك إلى رسم صورة متحركة للمدينة ومرافقها، والحرف والصناعات ومدى ازدهارها أو تدهورها حسب حركة المجتمع نفسه.
وعلى رغم أن القسم الذي وصلنا من كتاب «الانتصار لواسطة عقد الأمصار»، وهو الجزءان الرابع والخامس فقط، لا يعطينا صورة متكاملة عن الكتاب فإن المحتوى يكشف عن مستوى متقدم من الفكر الاجتماعي ـ السكاني الذي وصل إليه المؤرخون العرب الذين اهتموا بالخطط في مطلع القرن التاسع الهجري.
ويقودنا هذا بالضرورة وبالتسلسل التاريخي إلى عميد مؤرخي الخطط الذي تبلورت في كتاباته السمات والملامح النهائية للفكر السكاني ـ الاجتماعي في تاريخ الثقافة العربية، وهو المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (766 ـ 845هـ/ 1364 ـ 1441 م) مؤلف كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» الذي يعتبر بلورة وتجسيداً للفكر السكاني عند المؤرخين العرب.
وإذا كانت كتابات عبد الرحمن بن عبد الحكم في القرن الثالث الهجري تعتبر البذرة الأولى في هذا المجال، فإن كتابات المقريزي في القرن التاسع الهجري تعد الشجرة الباسقة التي نمت من هذه البذرة.
ولأن المقزيزي أدرك أنه يكتب في فرع مهم من الدراسات التاريخية يميل إلى الاهتمام بالجوانب السكانية والاجتماعية، فإنه أفرد فصلاً في كتابه عن «أول من رتب خطط مصر وأثرها وذكر أسبابها»، عرض فيه لتاريخ هذا النمط من الكتابات وألمح إلى التطورات التي جرت في هذا الفرع حتى زمانه.
فقد ذكر الكندي والقضاعي صاحب كتاب «المختار في ذكر الخطط والآثار» موضحاً أن أكثر ما ذكره قد خرب وضاعت معالمه بسبب الشدة المستنصرية (457 ـ 464هـ) التي جاءت بالمجاعة والوباء اللذين تركا أثراً وبيلاً على المدن والقرى وأعاد السكان».
ثم يذكر لنا تلميذ القضاعي، وهو أبو عبيد الله محمد بن بركات النحوي الذي كتب مؤلفاً «نبه فيه الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على مواضع قد اغتصبت وتملكت بعدما كانت أحباساً».
ثم الشريف محمد بن أسعد الجواني صاحب كتاب «النقط بعجم ما أشكل من الخطط» نبه فيه على معالم القاهرة وخططها التي اندثر معظمها في وباء سنة 749هـ، ثم في وباء 761هـ والازمة الاقتصادية التي حدثت سنة 776هـ.
والحقيقة أن خطط المقريزي عبارة عن موسوعة كبرى عالج فيها الجوانب العمرانية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية. كما أن منهجه في الكتاب ينبي بأن الفكر الاجتماعي ـ السكاني عند المؤلفين العرب في تلك الفترة كان قد وصل إلى ذروته. وربما يؤكد ذلك أن كتاب الخطط ظل بعد وفاة المقريزي سنة 845هـ مصدراً لكل من جاء بعده حتى علي باشا مبارك الذي كان آخر من كتب في الخطط في القرن التاسع عشر الميلادي.
ومن الواضح أن التدهور الذي عانت منه الحضارة العربية الإسلامية منذ القرن السادس عشر الميلادي ترك آثاره السلبية على حركة الفكر والثقافة العربية، ولم يكن الفكر السكاني ـ الاجتماعي العربي، كما تجسده كتابات مؤلفي الخطط وتواريخ المدن العربية، استثناء في ذلك المجال، فقد ولت روح التجديد والابتكار التي تصاعدت عبر القرون، من الثالث إلى التاسع الهجري (9 ـ 15م)، لتظهر الملخصات والذيول والمؤلفات الاجترارية في كل ميادين الكتابة العربية، ومن بينها كتابة الخطط بطبيعة الحال.
ثم أعقبت ذلك فترة انقطاع طويلة في مجال الكتابات السكانية الاجتماعية، ولم يكن ما كتبه عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار» مما يدخل في هذا المجال. كما أن ما كتبه علماء الحملة الفرنسية في كتاب «وصف مصر» لا يمكن أن يحسب ضمن الناتج الفكري العربي في مجال الدراسات السكانية بأي حال من الأحوال.
كان آخر المحاولات في مجال الفكر السكاني ـ الاجتماعي لعربي التقليدي ما كتبه علي باشا مبارك (1239 ـ 1311هـــ/ 1823ـ 1893م) في موسوعته الموسومة «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة». بيد أن ما يلفت النظر حقاً في هذه الموسوعة اعتمادها الكلي على ما كتبه تقي الدين المقريزي في خططه الشهيرة، إذ يقول علي مبارك في كتابه: «فلما كانت مدينة القاهرة المعزية، التي هي دار الحكومة الخديوية، قد كثر ذكرها في الخطط والتواريخ والسير … وهي الآن غيرها في تلك الأزمان …
وقد خطها المقريزي لوقته، وأطال القول فيما فيها من المباني والمزارع، وتكلم على الحوادث والرجال، ولكن بعده كم من أمور مرت فدمرت، وغير جرت فغيرت حتى ذهب أكثر ما أسهب في شرحه كلياً، وزال حتى صار نسياً منسياً، دعتني نفسي لتأليف كتاب واف لمصر من قديمة وحديثة.
ورأيت أن العلامة المقريزي لم يقتصر في خططه على مدينة القاهرة المعزية، بل تكلم على كثير من بلدان الديار المصرية، بعضها اندثر ولم يبق له أثر، وبعضها صار إلى حال فائقة لا مناسبة بينها وبين الأساس الذي قام عليه كتاب خطط المقريزي».
كانت محاولة مبارك آخر محاولة في تاريخ الفكر السكاني ـ الاجتماعي العربي وفق تقاليد البحث والكتابة العربية الإسلامية. ومع بداية إنشاء الجامعات الحديثة في مصر والعالم العربي دخلت الدراسات السكانية منحى جديدا، ولم تعد دراسة المدن الإسلامية والعربية وقفاً على المؤرخين، وإنما ظهرت دراسات أجريت على عدد من المدن قام بها علماء الجغرافيا والاجتماع الحضري والأنثروبولوجيا الحضرية.
كما أن دراسة علم السكان وجغرافية المدن صارت فروعاً مستقلة من الدراسات الأكاديمية منذ منتصف القرن الحالي.
بيد أن ما يلفت النظر هو أن الدراسات السكانية ـ الاجتماعية والدراسات الخاصة بالمدن في الجامعات ومراكز البحوث لا تزال واقعة تحت تأثير نشأتها الأوروبية وتكاد الصلة أن تكون مقطوعة تماماً بين مساهمات العرب في هذا المجال والدراسات التي جرت على المدن العربية والإسلامية أسهمت كثيراً في فهم بنية وتاريخ هذه المدن، فإنها كانت دراسات تطبيقية لم تحاول أن توجد رابطة من أي نوع من الفكر السكاني العربي الذي تطور وازدهر بين القرنين الثالث والتاسع الهجريين (9 ـ 15م).
لقد حاولنا في هذا البحث القصير أن نرسم صورة للإطار العام لتطور الفكر السكاني ـ الاجتماعي عند المؤلفين العرب منذ العصور الوسطى. ومن أهم ما يلفت النظر أن التخصصات لم تكن واضحة في تاريخ الثقافة العربية التي كانت تؤمن بوحدة المعرفة.
وإذا كانت ملامح الفكر السكاني العربي جاءت في كتابات المؤرخين، فإن السبب في ذلك أنهم كانوا يتمتعون بثقافة موسوعية شاملة، ومن ناحية أخرى فإننا ركزنا على المدرسة المصرية لاعتبارات كثيرة، أهمها عدم الرغبة في تشعب البحث على النحو الذي لا تسمح به المساحة المحدودة، فضلاً عن أن مصر منذ القرن السابع الهجري كانت قد صارت بمثابة الحصن الأخير للثقافة العربية الإسلامية بسبب التطورات التاريخية التي جرت على مشرق العالم الإسلامي ومغربه.
خطط جبل عامل
كان في نية والدي أن يؤلف كتاباً مفصلاً عن جبل عامل ينحو فيه نحو من كتبوا قبله في (الخطط) من المزج بين التاريخ والجغرافيا والأدب والاجتماع والعادات والتقاليد. وبدأ بكتابته وأنجز قسماً مهماً منه ورتبه على أجزاء ثلاثة.
وكان في الوقت نفسه يعد لكتابة موسوعته الكبرى (أعيان الشيعة)، وقام في سبيل ذلك برحلة إلى العراق وإيران بحثاً عن المصادر، استمرت سنة كاملة، عاد بعدها منصرفاً إلى التدوين، فإذا بتدوين (أعيان الشيعة) يستغرق وقته كله، بحيث لم يبق فيه متسع لأي تدوين آخر، وإذا بالعمل في (أعيان الشيعة) يستمر في حياته كلها، وإذا به ينتقل إلى جوار ربه، وعمله في (الأعيان) لم يكمل تأليفاً وطباعة.
ولما انشغلت بعد وفاته بالعمل في إنجاز (أعيان الشيعة)، وجدت أمامي مسودات (تاريخ جبل عامل)، فلم يكن من مجال للعمل فيها.
وحين وفق الله لإنجاز (الأعيان) عدت إلى مسودات (جبل عامل) وراجعتها كلها فتبين لي أن ما دون منها ـ على كثرته ـ لا يقوم بكتاب متكامل، بل كانت أمامي مواضيع متفرقة، قليل منها تام والكثير منها غير تام يحتاج إلى عمل دؤوب متواصل، ما يعني تأليف الكتاب من جديد، وهو خلاف المقصود من نشر آثار المؤلف.
وبعد تفكير في هذا الموضوع رأيت أن آخذ منه ما كان كاملاً فأجمعه في كتاب سميته (خطط جبل عامل)، وتم طبعه طبعة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة.
والكتاب يحوي المواضيع الآتية:
1ـ دراسة تاريخية عن أسرة المؤلف وعن بلدته (شقراء).
2ـ التعريف بجبل عامل وبعض مشهوري رجاله التاريخيين.
3ـ عراقة جبل عامل في العروبة.
4ـ هجرة العلماء إلى جبل عامل.
5ـ تقدم أهل جبل عامل في التشيع.
6ـ ما قيل من الشعر في جبل عامل وأهله.
7ـ ألوان محلية من الشعر العاملي.
8ـ بعض الأزجال العاملية.
9ـ انقسام جبل عامل إلى عدة نواح.
10ـ العادات المألوفة عند أهل جبل عامل.
11ـ العادات الدينية في جبل عامل.
12ـ الحيوانات في جبل عامل.
13ـ محصولات جبل عامل.
14ـ قلاع جبل عامل.
15ـ أودية جبل عامل.
16ـ أسواق جبل عامل.
17ـ المساجد والجوامع المتميزة في جبل عامل.
18ـ مزارات جبل عامل ومشاهده.
19ـ مدارس جبل عامل.
20ـ مكتبات جبل عامل.
21ـ الأمثال الدائرة على ألسنة أهل جبل عامل.
22ـ أسماء قرى جبل عامل وبلدانه مرتبة على حروف المعجم.
23ـ الفصاح في اللهجة العاملية.
خلاصة الحساب
في علم الحساب والجبر والمقابلة
تأليف: الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي، المعروف بـ «الشيخ البهائي»، المتوفى سنة 1031هـ.
يبيّن الشيخ البهائي في الكتاب طرائق الحساب الأساسية من جمع وتفريق وضرب واستخراج للجذور، سواء بالنسبة للأعداد الصحيحة أو للكسور، كذلك كيفية التحقق من سلامة أدائها بتطبيق قاعدة «ميزات العدد» تلك القاعدة التي أطلق عليها الغرب تسمية «القاعدة الذهبية»، ويخوض الشيخ البهائي في شرح مسائل حسابية عديدة منها: استخراج المجهولات بطريق الأربعة المناسبة، وخواصّ الأعداد وجمع المتواليات الرياضية، وغيرها.
ومن الجدير بالذكر ما قاله محقّق الكتاب الدكتور جلال شوقي في تعريفه له: ويفرد العاملي خاتمة كتابه لسبع مسائل يسميها «المستصعبات السبع» وهي مسائل بعضها صعب وبعضها الآخر مستحيل الحلّ، فمنها مستصعبات تشتمل على معادلات جبرية من الدرجتين الثالثة والرابعة، ومنها مسألتان مستحيلتا الحلّ، كمسألتي تقسيم ضعف المربع إلى مربعين وتقسيم المكعّب إلى مكعّبين، بشرط كون المقادير كلّها أعداد صحيحة، وقد عرفت هاتان المستعصيتان فيما بعد بنظرية «فيرما» نسبه إلى العالم الفرنسي بيردي فيرما الذي عاش في القرن السابع عشر وذلك يثبت سبق وقوف العرب على هذه النظرية الشهيرة.
طبع الكتاب ثلاث مرّات، كما صدرت له ثلاث ترجمات إلى اللغات الفارسية والألمانية والفرنسية، كما تحتفظ خزانات الكتب في العالم بالعديد من مخطوطات هذا الكتاب القيّم، حيث يوجد أكثر من أربعين مخطوطاً منه ذكرها المحقّق في مقدمته، فضلاً عن شروحه التي تعدّت العشرين مخطوطاً، كل هذا يدلّنا على سعة انتشار الكتاب وعظم الاهتمام به، من جهة، وما يمثله الشيخ البهائي من مقام سامي ومرتبة عالية على صعيد المعارف الرياضية.
الخلاف
كتاب للسيد المرتضى
وهو في الفقه المقارن لدى الشيعة. ولقد حذا حذوه المتأخرون عنه أمثال «الطوسي» و«العلامة الحلي»، على أن الكتاب لا يعدم أن يعد مظهراً من مظاهر ثقافة المرتضى الأدبية.
وفي الكتاب جملة من مؤلفات الشريف، ذكرها ضمن هذا المؤلف، «كمسائل أبي عبد الله التباني» و«مسائل الخلاف» و«المسائل الموصلبة»، و«المسائل الطرابلسية»، و«في أصول الفقه»، وقد ألَّف الانتصار بعد سنة 420.
الخلاف
كتاب لأبي جعفر الطوسي
إن تاريخ تدوين كتب (اختلاف الفقهاء) يشير إلى أن هذا النوع من الكتب ـ رغم المفهوم الظاهري لعناوينها ـ فإن الهدف من وضعها كان دوماً هو التقريب بين المذاهب الإسلامية. فعندما نطالع نماذج من تلك الكتب نجد أن مؤلفيها كانوا يقايسون دوماً المذاهب مع مذهبهم، وأنهم ينظرون إلى تلك المذاهب نظرة احترام.
كتاب (الخلاف) تم تأليفه في النصف الأول من القرن الهجري الخامس وفي محيط بغداد، ذلك المحيط الذي تعددت فيه المذاهب الإسلامية. وكان أصحاب الحديث يتناقشون فيما بينهم في جو مناسب، ويتباحثون علمياً.
وكان الشيخ أبو الجعفر الطوسي يعرف في فقه الشيعة بشيخ الطائفة، وقد تصدى في كتابه (الخلاف) إلى المقايسة بين جميع تلك المذاهب، وكان كتابه ذاك أول تأليف مبسوط وكامل في اختلاف المذاهب الإسلامية يضعه عالم شيعي.
وقد فتح المجال لتبادل الآراء والأفكار الفقهية، بين الشيعة وغيرهم. ومع أن أستاذه السيد المرتضى كان قد تطرق في كتابه (الانتصار) إلى مباحث في باب الاختلاف بين المذاهب، لكنه لم يبلغ ما بلغه كتاب (الخلاف) للطوسي من تفصيل وتنوع في الآراء.
وإذا نظرنا نظرة عابرة إلى كتب اختلاف الفقهاء مثل: اختلاف العلماء لمحمد بن نصر المروزي، واختلاف الفقهاء لمحمد بن جرير الطبري، واختلاف الفقهاء الذين تلوهم قي سائر المذاهب.
في الواقع إن أغلب الكتب التي وضعت في باب اختلاف الفقهاء قد استعرضت من الفقه الحنفي الاراء الفقهية للإمام أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن حسن الشيباني، ونادراً ما ذكرت لزفر بن هذيل.
ومن الفقه الشافعي الآراء القديمة والجديدة للإمام الشافعي. ومن الفقه المالكي الآراء الشخصية للإمام مالك، وأحياناً ذكرت اختلاف روايات تلامذته مثل: ابن قاسم العتقي. ومن الفقه الحنبلي الروايات المختلفة لاتّباع الإمام أحمد المنقولة عنه.
لكن بعض الكتب مثل: اختلاف الفقهاء للطحاوي لم يكتف باستعراض الآراء الفقهية الأساسية، بل تناول الآراء الفرعية لفقهاء الحنفية في العصور اللاحقة بشكل موسع، وهو أمر طبيعي ومتوقع منه لأنه كان من أتباع المذهب الحنفي.
لكن يمكننا القول بكل اطمئنان أن كتاب الخلاف للشيخ الطوسي يحتل مكانة خاصة ومميزة بين الكتب المذكورة، ذلك لأن الشيخ الطوسي استعرض في هذا الكتاب الآراء المشتركة لعلماء الشيعة، وعند وجود اختلاف ما، أورد جميع آرائهم، وهو أمر طبيعي كما فعل الطحاوي. لكن الذي ميّز كتاب الخلاف عن أقرانه هو أسلوب تعامل المؤلف مع آراء فقهاء المذهب الشافعي، مما سنتناوله في هذا البحث.
الشيخ الطوسي اتبع في كتابه (الخلاف) الأسلوب المتعارف لباقي كتب اختلاف الفقهاء في بحثه حول المذاهب الحنفية والمالكية والحنبلية، لا سيما حول المذهبين الأخيرين، فتناول آراء مؤسسي تلك المذاهب فقط، إلا ما ندر منه بذكر آراء الفقهاء التالين لهم، ولم يذكر الآثار الفقهية لتلك المذاهب، حتى بالنسبة لمؤسسي المذاهب الذين يكثر اختلاف روايات اتّباع الواحد منهم حوله مثل الإمام أحمد بن حنبل، فإنه لم يذكر جميع الروايات الواردة.
لكنه عندما يصل إلى المذهب الشافعي نجده يذكر اختلاف الآراء القديمة والجديدة، والاختلافات الجزئية الموجودة بين الأقوال المنقولة عن الشافعي في الكتب المختلفة للمذهب. ومع قلة ما يذكره من كتب باقي المذاهب نجده يذكر سائر آثار الإمام الشافعي أو الروايات المنقولة عنه مثل: كتاب الأم، كتاب البويطي، كتاب حرملة، الإملاء، اختلاف العراقيين ومصادر أخرى كثيرة، بحيت لا تخلو صفحة من ذكر كتب الشافعية.
وأورد أقوال وآراء (أصحاب الشافعي) أي أتباع هذا المذهب حتى في الطبقات اللاحقة في عدة أماكن من (الخلاف) وقد فصل أحياناً الكلام في طرح الآراء المشتركة لأصحاب الشافعي أو اختلاف آرائهم، نذكر نماذج من مئات الموارد الموجودة في الأبواب الفقهية المختلفة لكتاب الخلاف:
مثلاً: جاء في كتاب مواقيت الصلاة المسألة 11، إذا أتى المكلف بركعة من صلاة الفجر ثم طلعت الشمس، أو إذا أتى المكلف بركعة من صلاة العصر ثم غربت الشمس.
يذكر الشيخ الطوسي أن رأي الشيعة هو أن صلاته تلك صحيحة، وأن رأي الإمام الشافغي وابن خيران ـ من أتباعه ـ على الصحة، ثم ينقل رأي جماعة من أصحاب الشافعي أيضاً أنهم يقولون بصحة الركعة الأولى فقط لوقوعها في وقتها.
أو مثلاً: في كتاب الجمعة المسألة 1، حول انعقاد صلاة الجمعة بحضور المسافر، فإنه يقوم بمقايسة رأى الشيعة والشافعية فقط، ويصرّح بأن الشافعية في هذه المسألة على قولين، الأول: الفقهاء الذين يتفقون مع الشيعة مثل (أبو علي بن أبي هريرة) ويقولون إن نصاب صلاة الجمعة يحصل بحضور المسافر، وتنعقد الجمعة. ثم يورد رأي من يقول بعدم انعقادها بالمسافر، مثل (أبو إسحاق المروزي).
كما نجد في كتاب الخلاف آراء مفصلة لفقهاء الطبقة الثانية وما يليها من تلامذة الإمام الشافعي مثل: المزني، ابن خيران، ابن سريح، حسين الكرابيسي، أبو إسحاق المروزي، أبو القاسم الأنماطي، أبو سعيد الاصطخري، أبو الطيب الطبري، أبو حامد المروزي، أبو حامد الاسفراييني، أبو بكر الصيرفي، ابن مرزبان، ابن قاص الطبري، ابن الحداد وباقي علماء الشافعية وفقهائها مما يشعر باهتمام المؤلف الخاص بذكر آرائهم.
ويبلغ اهتمامه حداً جعله ينقل آراء علماء الشافعية ممن لهم أحياناً رأي خاص يعارض فيه نظر الإمام الشافعي مثل ابن خيران أو ابن سريج.
مثلاً: في كتاب البيوع المسألة 4، ذكر أنه إذا اشترى أحد بضاعة، ولم يرها حين العقد، لكنه كان قد رآها من قبل؛ فإن الشيعة والإمام الشافعي يقولان بصحة البيع، في حين أن الفقيه الشافعي أبو القاسم الأنماطي يقول بعدم صحة البيع، ويشترط رؤية البضاعة حين العقد.
وذكر أحياناً وجود قولين مختلفين لفقيه شافعي واحد مثل ابن سريج.
مثلاً:في كتاب البيوع المسألة 256، حول بيع سنبل الشعير، فإنه يذكر بأن الشيعة تقول بصحة هذا البيع، ثم ينقل عن الفقيه الشافعي المعروف أبو إسحاق المروزي قولين، الأول: قول كقول الشيعة. والثاني: يحكم ببطلان هذا البيع.
كما إنه (الشيخ الطوسي) تناول حتى تغير آراء الفقهاء الشوافع مثل أبو إسحاق المروزي في مسألة خاصة، كما هو الحال في المسألة 87 من كتاب الحيض.
هذه النماذج تدل على مستوى اطّلاع صاحب (الخلاف) على طرائق ودقائق الفقه الشافعي، ومدى اهتمامه بذلك.
ولزيادة توضيح أسلوب الشيخ الطوسي في (الخلاف) واهتمامه الخاص بآراء وآثار الفقهاء الشافعيين من المناسب ذكر أن شيخ الطائفة ولد في طوس بخراسان، وقد أتم دراساته الأولى هناك، في المدينة التي قال عنها المقدسي في (أحسن التقاسيم) أنها كانت آنذاك قاعدة علمية وثقافية للمذهب الشافعي، والتي قدمت لعالم فقه الشافعية عالماً بارزاً مثل الإمام محمد الغزالي في القرن الهجري الخامس.
ولعل هذا الأمر هو سبب وجود تلك الرابطة العلمية للشيخ الطوسي مع الفقه الشافعي واهتمامه الخاص به، ولعله درس الفقه على شيوخ المذهب الشافعي، مما دفع بعض مؤلفي كتب الطبقات مثل السبكي على اعتبار الطوسي واحداً من رجال مذهب الشافعية. حيث أورد السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) اسم محمد بن حسن أبو جعفر الطوسي من بين علماء الشافعية. وكذلك فإن بعض آثار المتأخرين مثل (طبقات المفسرين) للسيوطي أوردته شافعياً أيضاً.
إن ذكر عالم مثل الشيخ الطوسي ـ الذي يعد مؤسسا للفقه المبسوط والتفريعي للشيعة ـ في عداد أتباع المذهب الشافعي أمر لم يلق تأييداً، بل لقي رفضاً من وجهة النظر العلمية والتاريخية. ذلك لأنه أدى دوراً مؤثراً لا يمكن إنكاره في تشكل فقه الشيعة، ولا مجال للتشكيك بمذهبه الفقهي. كما أن سعة طرحه لمسائل الفقه الشافعي في كتاب الخلاف، ومقايسة باقي مؤلفاته الفقهية مثل (المبسوط) مع الكتب القديمة للفقه الشافعي يدل بوضوح أن المؤلف الشيعي لكتاب (الخلاف) وشيخ الطائفة الشيعية كان مهتماً بشكل خاص بآثار الشافعية وآرائهم.
ولعله كان يرى أن مذهبي الشيعة والشافعية هما الأقرب إلى بعضهما بين المذاهب الأخرى، لذلك يمكن اعتبار (الخلاف) للشيخ الطوسي نقطة انعطاف في التقريب بين مذهبي الشيعة والشافعية، وتقريب بين مذهبين طالما جرى الحديث عن قربهما طوال التاريخ.
د . محمد حسن تبرائيان
الخليج
ـ1ـ
يمتد خليج فارس من مصب (شط العرب) ونهر كارون أي من موانئ البصرة وخرمشهر (المحمرة) إلى مضيق هرمز وبعبارة أخرى إلى مياه شرق جزر هرمز و(ولارك) و(رأس مسندم) (نهاية الجزء الشمالي لشبه جزيرة عمان) ويعتبر هذا الخليج من البحار الداخلية التي كانت في السابق أوسع مما هي عليه الآن، وتبلغ مساحته الحالية 251226 كلم3 ويبلغ طوله من ساحل عمان إلى رأس الخليج حوالي 804,5كلم ومن المحيط الهندي إلى أبعد نقاطه حوالي 1290 كلم.
ويبلغ عرضه في مضيق هرمز، الذي هو أضيق نقاطه حوالي 75,11 كلم بينما تبلغ أعرض نقاطه 465,304 كلم.
ولكون بعض سكان الخليج الفارسي هم من أهالي أرض عيلام (خوزستان الحالية) وكلدة القديمة (بعض أجزاء جنوب العراق).
أقول لكون هؤلاء هم من أقدم شعوب الأرض حضارةً وربما أقدم الحضارات على الإطلاق فإنه يعتقد أن الخليج هو أول البحار وأقدمها من حيث الإبحار بالسفن، ولربما هو في هذا لا يُضاهى مع أي من البحار الأخرى.
إنّا نقتصر ببحثنا هذا على توضيح بعض الحوادث التي جرت في هذا الخليج، والتي ترجع إلى مرحلة مائة العام من احتلال البرتغاليين لهذا البحر، حيث تبدأ هذه المرحلة من 1506 إلى 1621 أي على وجه الدقة 119 عاماً والتي تعتبر من أقسى المراحل التي مرت بإيران وأكثرها مأساوية، إذ ظلت الحكومة في إيران وملكها الشاه إسماعيل ثم الشاه طهماسب منهمكة في دفع هجمات الأتراك العثمانيين والأوزبك عن بلدها مما جعل سكان السواحل والجزر معرضين لأشد المستعمرين الأوروبيين قساوة وأكثرهم وحشية. ولكن ظل هؤلاء الأبطال مدافعين بكل قوتهم عن أرضهم وترابهم ومائهم ودينهم، يقاومون الأعداء بكل صلابة.
الملاحون البرتغاليون في الخليج
بعد اكتشاف الطريق البحري للهند: في عام 891 هجري الموافق 1486 ميلادي أي بعد فتح القسطنطينة على يد السلطان محمد العثماني بـ 53 سنة وقبل قيام الدولة الصفوية في إيران بخمس عشرة سنة.
استطاع أحد الملاحين البرتغاليين([526]) اجتياز الرأس الجنوبي لأفريقيا والدخول إلى المحيط الهندي ولكنه لم يوفق في الوصول إلى سواحل الهند وآسيا التي كانت الهدف الرئيسي لرحلته.
واستطاع ملاح برتغالي آخر([527]) أن يحقق حلمه فوصل سواحل الهند الغربية عن طريق جنوب أفريقيا والمحيط الهندي في عام 904هـ (1498م) وفتح بذلك الطريق لوصول البرتغاليين إلى مياه جنوب آسيا.
ابتدأ فاسكو دوكَاما برحلته من ميناء لشبونة في البرتغال عام 1497م ووصل رأس جنوب أفريقيا، وكان يهدف من ذلك التوجه إلى الشمال والوصول إلى شرق أفريقيا.
وكانت سواحل أفريقيا الشرقية وخصوصاً زنجبار خاضعة منذ القدم لنفوذ المسلمين الاقتصادي والمعنوي، ومن ضمن إمارات عُمان ويسكنها آنذاك الكثير من البحارة العرب والإيرانيين وكان الإيرانيون يديرون أمور التجارة هناك، وأكثر المهاجرين الإيرانيين هم من أهالي كرمان وفارس وجزر الخليج الذين أقاموا هناك منذ زمن بعيد.
وصل فاسكو دوكَاما إلى ميناء كاليكوت إحدى الموانئ الغربية للهند في تاريخ 1498م، وبذلك انفتح الطريق البحري أمام البحارة الأوروبيين، ووقع مفتاح الثروات العظيمة التي كانت تزخر بها الهند بأيدي الأوروبيين.
وقد أحدث خبر وصول فاسكو دوكَاما إلى الهند ضجة عنيفة في جميع أوروبا وخصوصاً لدى تجار البندقية الذين كانوا لسنوات طويلة سادة التجارة مع الشرق. ومن ثم فإنهم راحوا يتوسلون بالسلاطين العثمانيين وأمراء مصر لمنع الملاحين البرتغاليين من الوصول إلى المحيط الهندي، علهم بذلك يستعيدون مكانتهم أو على الأقل يوجهون ضربة إلى البرتغاليين في المشرق.
وانتهى الأمر بالمسلمين وتجار البندقية إلى تجهيز جيش لمقابلة البرتغاليين في المحيط الهندي، لكن البرتغاليين استطاعوا القضاء على السفن المذكورة عام 1508م الموافق لـ 914هـ وأنهوا بذلك كل أمل لتجارة البندقية.
وكان اكتشاف الطريق البحري بين الهند وأوروبا صدمة كبيرة وجهت إلى تجار الخليج الفارسي وجزره وسواحله، إذ لم يستطع التجار والملاحون المسلمون في هذه المناطق من الإتّجار بحرية بسبب استقرار البرتغاليين في طرفي الطرق البحرية القديمة للمحيط الهندي أي الهند وجزر وسواحل شرق أفريقيا.
ولم يتجرأ أحد على المخاطرة بنفسه بوجه البرتغاليين لكونهم أناساً قساوة ومصلحيين، ولا يتورعون عن مصادرة السفن العائدة لغير البرتغاليين شأنهم في ذلك شأن القراصنة.
ولما كان البرتغاليّون يطمحون بالوصول إلى الهند وجزر جنوب شرق آسيا أي الوصول إلى ما كانوا يسمونه بـ (مملكة الأدوية)، قبل سفر فاسكو دوكاما بسنين طوال، فإنهم عمدوا إلى إرسال شخصين ما كافيلهايو وبايفا (Paiva) لغرض الوصول إلى هذه الأرض.
فتحرك هذان من ميناء برشلونة عام 1486 إلى القاهرة ومنها إلى ميناء كاليكوت في الهند. وفي طريق العودة دخلا الخليج الفارسي وطالعا أوضاع جزره وخصوصاً (هرمز) بدقة ثم عادا إلى القاهرة وأرسلا منها إلى ملكهما بمذكرة سفرهما.
ورجع كافيلهايو ـ الذي كان مهتماً كثيراً بسواحل بحر عمان والخليج الفارسي ـ إلى هرمز ثانية ثم انتقل إلى عدن ومنها إلى الحبشة حيث وافته المنية هناك.
وبعد وصول فاسكو دوكاما إلى الهند، باشر البرتغاليون بتوسيع نفوذهم في أطراف ميناء كاليكوت في الهند، ولم تمض سنون طوال حتى أنشئت المستعمرات البرتغالية هناك. ووصل بهم الأمر إلى أن أرسل مانوئيل الأول (الملك البرتغالي في عام 911هـ ـ 1505م والذي حكم البرتغال بعد خمس سنوات من وصول الشاه إسماعيل إلى سدة الحكم في إيران) ـ ممثلاً عنه بعنوان نائب الملك لإدارة شؤون الهند البرتغالية.
فتح جزر وسواحل الخليج الفارسي: ـ في سنة 915هـ/ 1509م جعل مقام نائب الملك في الهند البرتغالية إلى ملاح طموح هوآلبو كرك الذي قدم إلى آسيا عام 1503م. وبعد اطلاع آلبو كرك هذا على أوضاع سواحل بحر عمان والخليج الفارسي اقترح على ملك البرتغال احتلال جزر وسواحل هذين البحرين، وبسط نفوذ مستعمراته في هذه النواحي.
ورغم أن أغلب رجال الدولة في البرتغال لم يوافقوا على رأيه إلا أن الملك مانوئيل أقر اقتراحه وبدأ آلبو كرك مهمته في آسيا.
وكان هذا الرجل قبل وصوله إلى الهند وإشغاله لمنصب نائب الملك فيها قام برفقة ملاح آخر في قيادة خمس عشرة سفينة يجوبون خلال ثلاث سنوات غرب المحيط الهندي والبحر الأحمر وبحار عمان والخليج الفارسي، واصطدم خلالها عدة مرات مع الملاحين المسلمين، واحتل جزيرة سوقطرة وأغار على مرافئ جدة وعدن، ووضع قدمه في الخليج الفارسي وباشر بإحكام السيطرة على سواحه وجزره.
كانت في تلك السنين سواحل هرمز أي ناحية وجزيرة هرمز وساحل (موغستان) خاضعة لملوك هرمز، وكان الملك في هذه الفترة على التحديد طفلاً صغير السن.
أسوأ السنوات في تاريخ الخليج: ــ قدم آلبو كرك بسفنه عام 912هـ إلى الساحل الشرقي لعمان وأرسى سفنه مقابل ميناء قلهات (بفتح القاف وسكون اللام)، الذي كان يعتبر آنذاك مركز الحكم في عمان الخاضعة لملوك هرمز.
وكان عام 1506م هو أول عام يفتح فيه فاتح أوروبي سواحل الخليج بعد الاسكندر المقدوني، ويمكن القول إن هذا العام هو أكثر تاريخ الخليج شؤماً وأكبر أيامه نحساً، فحين نزل آلبو كرك البرتغالي على سواحل هذا البحر، فتح بذلك ميدان الصراع والنزاع والمنافسات الأوروبية على مصراعيه، وأصبح الخليج غاية لهؤلاء الأوروبيين.
ورفض حاكم قلهات الإيراني الرضوخ والإذعان لآلبو كرك، وقال له بأن عمان تتبع ملك هرمز، فإن شاء فليدخل في المحادثات مع الملك المذكور، وعلى أي حال فإن ملك هرمز لن يخضع للبرتغال وسيفضل الموت على هذا العار.
ولما كان آلبو كرك في أمس الحاجة إلى التموين، وإلى توفير مستلزمات رفاقه ولعدم استعداده للحرب فإنه قبل جواب حاكم قلهات، وعقد معه وثيقة ضمان باسم ملك البرتغال، تعهد فيها بعدم مهاجمة السفن البرتغالية لهذه المنطقة.
وأبحر آلبو كرك من قلهات في 12 ربيع الثاني عام 923 (1517م) وولى وجهه شطر مسقط، فهاجم مرسى قريات في شرق المدينة، واستطاع الاستيلاء على المرسى بالرغم من المقاومة العنيفة للأهالي التي قتلوا خلالها ثلاثين ملاحاً برتغالياً، ونهبها ثم قصد مسقط وكان حاكمها تابعاً لملك هرمز، وحينما رأى ما فعله البرتغاليون في مدينة قريات خاف على أهل مسقط فاستسلم لآلبو كرك، واقترح عليه هذا أن يؤدي الخراج الذي كان يؤديه إلى ملك هرمز منذ هذا التاريخ إلى ملك البرتغال، فرفض حاكم مسقط هذا الاقتراح.
وعندما غضب آلبو كرك وأمر بإلقاء القذائف على مسقط، فراح الأهالي يقاومون ببسالة ولكن دون جدوى حتى غلبوا على أمرهم واستسلموا وتم الاتفاق على أن يدفعوا للبرتغاليين مقداراً من المال والذهب حتى تصان مدينتهم من النهب والسلب والحرق.
ولكن الأهالي لم يستطيعوا أن يؤدوا ما اتفقوا على أدائه في حينه، فاقتحم البرتغاليون المدينة وأعملوا فيها السيف وأحرقوا مرساها ومسجدها، ثم أسروا العديد من نسائها ورجالها، ولكنهم حينما رأوا أن لا جدوى من الاحتفاظ بهؤلاء أطلقو سراحهم بعد أن قطعوا آذانهم وجدعوا أنوفهم وتركوهم في حال فظيعة.
وبعد السلب والنهب والقتل الذي عم مسقط، أبحر آلبو كرك إلى ميناء صحار (بضم الصاد) في شمال غربي مسقط ولأن حاكم هذا الميناء استسلم لآلبو كرك، ورضي بدفع الخراج السنوي لملك البرتغال فإن آلبو كرك اجتاز المدينة واتجه إلى خور فكان وهو ميناء في شمال صحار، وأسر العديد من الأهالي هناك بعد مقاومتهم ثم أطلقهم بعد أن جدع أنوفهم وقطع آذانهم، وبالرغم من أن هدفه كان جزيرة هرمز، إلا أنه اضطر إلى العودة إلى جزيرة سوقطرة في الساحل الشرقي لأفريقيا تحت ضغط الخلافات التي برزت بين أتباعه.
ومن أجل القضاء على الأعمال المضادة للقوة البرتغالية هناك من جهة ومن جهة أخرى لانتظار المساعدات التي ترسلها البرتغال، ومن ثم التهيؤ والاستعداد من أجل الهجوم على هرمز.
فتح قلهات وهرمز: ـ أبحر آلبو كرك في جمادى الأولى عام 914هـ (1508م) إلى هرمز بعد أن نظم الأمور في جزيرة سوقطرة، وبعد أن وصلت السفن التي كان ينتظرها. ولكنه عزم قبل الذهاب إلى جزيرة هرمز على احتلال ميناء قلهات في بادئ الأمر، ومعاقبة حاكمها الرئيس شرف الدين، الذي كان جوابه لآلبو كرك صارماً في المرة الأولى.
وهكذا أخذ يتذرع أمير البحر البرتغالي الناكث للعهود بمختلف الذرائع، ورغم كونه عقد مع أهالي قلهات ضماناً بعدم التعرض لمنطقتهم ثانية إلا أنه عاد واتهمهم بإطاعة أوامر ملك هرمز ثم أرسل ابن أخيه إلى الرئيس شرف الدين، ودعاه إلى داخل السفن البرتغالية، ولكن شرف الدين كان حذراً، فامتنع عن تلبية الدعوة، فغضب آلبو كرك وآمر بالهجوم على قلهات.
وقام الرئيس شرف الدين ومعه أهالي قلهات ببطولة واستطاعو قتل بعض المهاجمين البرتغاليين، لكن الأمر انتهى بهزيمتهم، فأمر آلبو كرك السفاك بإحراق المدينة ومعها جامعها الذي كان من أفضل النماذج في إيران.
وبعد احتلال قلهات، بدأ آلبو كرك بجمع المعلومات التي يحتاجها حول جزيرة هرمز وسكانها وقوتها وأسلحتها، حتى إذا تهيأت له الأمور أمر بالحركة باتجاه الجزيرة عن طريق رأس مسندم.
وكانت هذه الجزيرة، مطمحاً للبرتغاليين الغزاة، منذ سفر كافيلهايو وبايفا لأنها رغم صغرها كانت تعتبر مركزاً للحكم وتخضع لها البحرين وكيش ولارك وقشم وعمان ومسقط وغيرها، بالإضافة إلى كونها أكبر مركز للتجارة في الخليج الفارسي بين العراق وإيران والحجاز وأفريقيا.
كان آلبو كرك في بادئ الأمر عازماً على تدمير جزيرة هرمز تدميراً تاماً ثم نَقل تجارة الخليج إلى جزيرة سوقطرة التي خضعت للسلطة البرتغالية قبل مدة. ولكنه حينما رأى أن جزيرة سوقطرة ليس بإمكانها النهوض بعبء التجارة التي تقوم بها جزيرة هرمز، اقتنع بضرورة احتلال هذه الجزيرة مهما كلف الأمر.
وحينما اطلع الملك سيف الدين أمير هرمز ووزيره المدبر على مخططات آلبو كرك المشؤومة، أخذا يعدان العدة للمواجهة، فهيَّأ جيشاً من الرماة الإيرانيين والفرسان العرب.
وفور وصوله، طلب آلبو كرك إلى الملك سيف الدين الخضوع له وإداء الخراج لملك البرتغال، وأنذره أنه في حال رفضه ستتعرض هرمز للدمار الشامل. ومن ثم يتم احتلالها.
ولما رفض سيف الدين طلب آلبو كرك اندلعت الحرب، ولكن ملك هرمز انهزم أمام البرتغاليين رغم أن جيشه أكثر منهم، لكن الفوضى كانت تسوده وعدم الترتيب والتنظيم وقدم أسلحته كانت الغالبة على صفوفه، وهكذا تغلب آلبو كرك واستطاع أن يضطر سيف الدين للخضوع إلى وصاية الملك مانوئيل ملك البرتغال.
وقد أبقاه آلبوكرك على رأس السلطة في هرمز بعد أن أخذ منه غرامة مالية قدرها 5,000 أشرفي وعقد معه معاهدة يؤدي بموجبها سيف الدين مبلغ 15,000 أشرفي سنوياً إلى ملك البرتغال، ويعفي تجاره البرتغال من الجمارك، ويبيع تجار هرمز والموانئ والجزر التابعة لها سلعهم إلى تجار البرتغال بنفس القيمة المتداولة عندهم. واشترط في المعاهدة أيضاً أن يقطع سيف الدين آلبو كرك أرضاً ليقيم عليها قاعدة عسكرية في جزيرة هرمز.
وعمد آلبو كرك بعد فتحه هذا إلى إخضاع جميع السفن وإدارت الناس له، وألزمهم بعدم السفر أو المتاجرة بحراً دون إذن مسبق منه، حتى أضحت هرمز التي هي أكبر مركز تجاري في الخليج الفارسي آنذاك خاضعة لآلبو كرك خضوعاً تاماً، وأصبحت هي وجزر وسواحل الخليج الأخرى تدار وفق أوامر مانوئيل ملك البرتغال وأمير بحره بعد أن كانت طوال أزمنة عديدة خاضعة للإيرانيين وإدارتهم منذ عهد الديالمة (آل بويه).
وفي شهر جمادى الثانية عام 913هـ (1507م) أقام آلبو كرك قلعة عسكرية في جزيرة هرمز، لتكون له قاعدة ينطلق منها لتدمير أي تمرد يقوم به الأهالي.
وحينما كان عمال آلبو كرك مشغولين بإقامة قلعتهم، قدم رسول الشاه إسماعيل الصفوي إلى جزيرة هرمز وطلب إلى سيف الدين تأدية ما كان يؤديه سنوياً إلى الشاه إسماعيل ملك إيران.
فطلب سيف الدين من آلبو كرك أن يوضح له ما يجب عليه عمله، فرد عليه آلبو كرك (بأن هرمز تابعة لمانوئيل ملك البرتغال الذي أخضعها له بقوته وجيشه، فإذا ما سمعت أن ملك هرمز أدى مبلغاً من المال لأي ملك غير الملك مانوئيل فإني سأعمد إلى خلعك وتنصيب من يخلفك ممن لا يخشو الشاه إسماعيل)، وهدد خلال ذلك رسول الشاه إسماعيل الصفوي، بأنه سيحتل جميع الموانئ والمراسي في الخليج في الوقت المناسب.
وبعد سنة من احتلال آلبو كرك لهرمز، وحين كان مشغولاً بإقامة قلعته، نشب اختلاف بين قادته، حيث كان بعضهم يختلف مع آلبو كرك في تفكيره، إذ يرى هذا البعض أن احتلال السواحل الشرقية لأفريقيا ومراقبة السفن المحملة بالأدوية والسلع الأخرى القادمة من الهند أجدى بكثير من احتلال هرمز والإقامة فيها وإتلاف الوقت في أقامة قلعة فيها، وأنفع بكثير للملك وللبرتغال.
ثم انتهى الاختلاف إلى التمرد على أوامر آلبو كرك، فاضطر هذا إلى العودة إلى الهند في 914هـ وإرجاء الانتهاء من احتلال هرمز إلى وقت آخر.
وكما ذكرنا فإن نائب الملك البرتغالي استدعى في شعبان عام 915هـ وعين مكانه آلبو كرك، الذي انشغل بالقضاء على التمردات التي حصلت في الهند وتثبيت مقامه حتى عام 1512م. وقام خلال الفترة الممتدة إلى عام 1513م بتسيير جيشين إلى عدن للحفاظ على بقاء الارتباط بين الهند والبرتغال، ولكنه لم يوفق في هذين الهجومين واضطر بعدهما إلى العودة إلى الهند.
وفي هذه الأثناء بلغه أن سف الدين أمير هرمز ـ الذي كان دائماً مخالفاً لخطة البرتغاليين في إقامة قلعة في هرمزـ قد تسمم وخلفه أخوه تورانشاه (1512 ـ 1513م) وأظهر هذا كامل الطاعة للشاه إسماعيل وتعهد بإرسال الخراج السنوي له.
فأرسل آلبو كرك ابن أخيه (بيرو) (Pero) مع عدد من السفن في صيف عام 919هـ إلى الخليج. فقام هذا برحلة إلى البحر الأحمر وجزيرة سوقطرة ثم أرسل سفنه إزاء جزيرة هرمز في ربيع الأول من نفس العام، وطالب بتأدية الخراج، فخاف تورانشاه من إحراق البرتغاليين للجزيرة فسلمه 20,000 أشرفي على أن يسدد الباقي فيما بعد لعجز التجار عن التسديد السريع، واعتذر إلى بيرو في ذلك، وقبل هذا الاعتذار ثم أبحر في ربيع الثاني إلى جزر البحرين.
كانت البحرين خاضعة لملوك هرمز على الدوام، ولم يسبق أن اهتم بها البرتغاليون إلى ذلك الحين.
وصل بيرو إلى ميناء المنامة بعد حركته من هرمز، ولكنه لم يقدم على شيء لكون شيخ البحرين خاضعاً لأمير هرمز، فعمد إلى الإبحار صوب الهند، فتأخر بهذا احتلال البحرين إلى سبع سنوات أخرى.
وكان آلبو كرك طوال هذه الفترات يفكر في الرجوع إلى الخليج وإنهاء أمر هرمز، حتى كان عام 1515م، حيث أبحر من الهند ووصل إلى رأس الحد، وهو أهم رأس في ساحل هجر من بحر عمان إلى الجنوب الشرقي لمسقط، وأرسى بسفنه إزاءه ثم قدم إلى هرمز مصطحباً قواته إلى مسقط.
معاهدة آلبو كرك والشاه إسماعيل: كان عامل إيران على مسقط آنذاك شخص يدعى الرئيس أحمد وهو ابن أخ الرئيس نور الدين كان يدير إمارة عمان بكل قوة واستبداد.
كان أحمد هذا قد اعتقل مليكه تورانشاه في هرمز قبل أن يصلها آلبو كرك في سفره الأخير. وحينما سمع آلبو كرك بأن الرئيس أحمد قد رحل إلى هرمز وادّعى الحكم فيها، أسرع من مسقط إلى هرمز، وأمطرها بوابل من قذائفه، حتى أرغم الرئيس أحمد على إطلاق سراح تورانشاه وتسليم قلعة هرمز وإبداء الطاعة التامة.
ومن خلال هذه الحوادث قدم سفير من الشاه إسماعيل الصفوي إلى هرمز، وحضر لدى آلبو كرك واستطاع أن يعقد معه اتفاقاً يؤدي إلى نوع من التهادن لأن القوى التركية العثمانية كانت لا تزال تهدد الإيرانيين الصفويين في عقر ديارهم، ولأن ثورة كانت قد نشبت على الشاه في مكران.
وأوكل آلبو كرك ـ الذي كان مريضاً في هذه الأثناء ـ قيادة هرمز والاضطلاع بأمر بناء القلعة وإتمامها لابن أخيه بيرو، ثم عاد أدراجه إلى الهند، التي مات فيها بعد أيام، أي فور وصوله إلى ميناء (كوا) في الهند، بتاريخ 22 ذي القعدة عام 1515م.
انتفاضة الأهالي في جزر
وسواحل الخليج على البرتغاليين
الرئيس شهاب الدين: سخط تورانشاه ـ الذي نصب في إمارة جزيرة هرمز بقوة البرتغاليين ـ على الرئيس شهاب الدين عام 1518م وأمر بعزله، ولكن الأخير كان يتميز بقوته واقتداره فلم يرضخ للأمر. لذلك طلب تورانشاه المعونة من القائد البرتغالي (كَارسيا دا كوتين هو ـ (Garcia da Countnho.
فأمر كارسيا قائد التجهيزات البرتغالية بالحركة نحو قلهات واعتقال الرئيس شهاب الدين، ولكن قائد التجهيزات هذا علم بعد بعض الاستعداد البسيط أن احتلال قلهات واعتقال حاكم مقتدر وقوي مثل الرئيس شهاب الدين لا يمكن بالسهولة التي تصورها، لذلك عمد إلى إرجاء حركته حتى قدوم السفن البرتغالية العشر التي كانت في طريقها إليهم.
وبعد وصول السفن البرتغالية خطط للهجوم المباغت ليلاً وبدأ التنفيذ، ولكن هذه الخطة لم تجد نفعاً بل عادت عليهم بالهزيمة النكراء، إذ استطاع الأبطال الإيرانيون الذين كانوا برفقة شهاب الدين أن يطردوا البرتغاليين من كل صوب ويرجعوهم على أعقابهم إلى البحر، ولجأ بعض البرتغاليين إلى أحد المنازل فأحرق المنزل عليهم، واحترق بعضهم وأسر البعض الآخر.
وبعد وصول هذه الخبر إلى نائب الملك البرتغالي في الهند، ديكهولب دا سكوئيرا (Diego hopes da saqueira) جهز 23 سفينة حديثة وأبحر نحو الخليج، وعمد فور وصوله إلى عمان إلى إلقاء القبض على قائد التجهيزات البرتغالية هناك وتقييده بالسلاسل ثم اتجه إلى هرمز.
كانت هزيمة البحارة البرتغاليين في قلهات حافزاً لجميع الأهالي في جزر وسواحل الخليج التي ذاقت الويلات من ضيم هؤلاء القساة الذين لا يعرفون الرحمة، ودافعاً قوياً للانتفاضة بوجه البرتغاليين، ففي عام 927هـ انتفض الأهالي من هرمز إلى قلهات والبحرين وجميع سواحل الحجاز، حيث راحوا يقتلون كل برتغالي يرونه، ولكنهم كانوا يتعرضون للقتل العام إذا لم يفروا في الوقت المناسب أو لم يحسن التدبير بعض قادتهم.
تمرُّد تورانشاه: ـ وكان من بين الذين تمردّوا على البرتغاليين تورانشاه ملك هرمز، حيث خدع القائد البرتغالي من أجل إخلاء سواحل هرمز من السفن البرتغالية، فأخبرالقائد البرتغالي بأن ثمة قراصنة عرب في سواحل عمان يسببون الأذى ويخلقون المتاعب ولا بد من القضاء عليهم.
وأبلغ تورانشاه ورجاله سراً جميع الولاة والعمال التابعين له في سواحل الخليج الفارسي من البحرين إلى مسقط بمخططه، وطلب إليهم أن يثوروا في يوم معين على التحصينات البرتغالية بحيث لا يدعون أحداً من البرتغاليين يتمكن من الهرب بواسطة السفن.
ولم ينتبه القائد البرتغالي إلى الخطة، فأبقى نصف سفنه عنده وأرسل النصف الآخر إلى عمان. وحينما رأى تورانشاه أن الوقت أصبح مناسباً أعلن تمرده في آخر ذي الحجة من عام 927هـ وأرسل جيشه إلى التحصينات والتجهيزات البرتغالية في هرمز والسفن الراسية إزاءها.
واستولى الذين أرسلهم تورانشاه على سفينتين وأضرموا النار في إحداهما فأشعروا الناس بالبدء بقتل البرتغاليين قتلاً عاماً.
استطاع المتمردون الإيرانيون قتل وأسر 60 برتغالياً، في حين انتبه الآخرون في الوقت المناسب إلى الخطة المحاكة عليهم فلاذوا بالفرار نحو القلعة وتحصنوا فيها، وظلوا يقاومون عدة أشهر حتى وصلت الإمدادات البرتغالية من الهند.
ثورات وخيانات: ـ نفذت خطة تورانشاه كما أريد لها، حيث انتفض عموم الأهالي في البحرين وصحار ومسقط وقلهات بوجه البرتغاليين، إذ قام البحرانيون بقتل عامة البرتغاليين وشنق رئيس المركز التجارى البرتغالي([528])، ومثل هذا العمل جرى في صحار. لكن شيخ مسقط (رشيد) كان الوحيد الذي خان الخطة وأعلن تأييده وحمايته للبرتغاليين، بينما كان الحاكم الإيراني في قلهات ومعه الأهالي فيها مشغولين بقتل البرتغاليين.
وحينما كان تورانشاه مشغولاً بمحاصرة قلعة البرتغاليين في هرمز، كان فاس دوفيكا (Vas De Veiga) مسؤول المراكز التجارية البرتغالية في قلهات وسواحل عمان في طريقه إلى القوة التي أرسلها الشيخ رشيد الخائن.
وحينما التقاها أقنع قائدها بالرجوع إلى هرمز لإنقاذ القوة البرتغالية الموجودة فيها بعد استخلاص الأسرى الموجودين في عمان.
وحينما وصل القائد البرتغالي مسقط، علم أن الشيخ رشيد قد لاذ بالفرار خوفاً من حاكم قلهات دلاورشاه، ولكن هذا الشيخ عاد أدراجه فور سماعه نبأ وصول البرتغاليين، وأبدى لهم طاعته وخضوعه.
ذهب القائد البرتغالي إلى قلهات وطلب إطلاق سراح الأسرى من وزير دلاورشاه الخواجة زين الدين. ولكن الأخير رفض الطلب متذرعاً بأن لديه رسالة من تورانشاه إلى أخي نائب الملك البرتغالي في الهند، وما لم يصل هذا ويتسلَّم الرسالة فإنه لا يمكن إطلاق سراح الأسرى.
أبحر أخو نائب الملك البرتغالي في الهند في ربيع الثاني عام 928هـ مع كامل الاستعداد، متجهاً نحو الخليج، ووصل في البداية قلهات، فطلب إلى الخواجة زين الدين إطلاق سراح الأسرى البرتغاليين الذين يبلغ عددهم الأربعين شخصاً.
فسلم الخواجة زين الدين رسالة تورانشاه التي لم تكن تحتوي إلا على الشكوى من القادة البرتغاليين في هرمز، وليس فيها أي تعرض لمسألة الأسرى. فأعاد أخو نائب الملك لوئيز دومنزس (Luizde Menezes) طلبه بأطلاق سراح الأسرى. فأجابه الخواجة زين الدين بأن هذا الأمر يرتبط بحكام قلهات ولا بد من انتظار عودته.
كان الشيخ رشيد الخائن في هذه الأثناء يعيش متستراً خوفاً من بطش دلاورشاه، وحين قدم (لوئيز دومنزس) طلب منه المساعدة فأمده بأسلحة نارية، هاجم بها على حين غرة القوات الإيرانية لدلاورشاه واستطاع التغلب عليه وقتله.
وبعد مقتل دلاورشاه قدم لوئيز إلى مسقط وهنأ الشيخ الخائن على هذه الخدمات التي قدمها لملك البرتغال، وهكذا عادت مسقط ثانية إلى طاعة البرتغال.
ومن ميناء (صحار) ثمة شخصان من الشيوخ هما سلطان بن مسعود وحسين بن سعيد كانا قد ثارا على الحاكم الإيراني هناك الريس شهاب الدين، فاغتنم لوئيز الفرصة وعقد اتفاقية معهما على الرئيس شهاب الدين ووعدهما بأنه سيمنحهما حكم ميناء صحار في حال تغلبهم على شهاب الدين.
وحينما رأى شهاب الدين أن لا طاقة له بهما هرب إلى هرمز وكذلك اضطرت القوة الإيرانية القليلة لإخلاء المدينة.
عندها هجم البرتغاليون على المدينة، وقتلوا عدداً من سكانها، ونصبوا الشيخ حسين بن سعيد حاكماً لصحار من قبل لوئيز وتحلل بأمر لوئيز من قيد ملك هرمز. ولكن لوئيز عين ممثلاً برتغالياً عنه لمراقبة دخل ونفقات صحار.
وحينما عرف تورانشاه بتحركات لوئيز دومنزس واتجاهه صوب هرمز أصيب بالذعر الشديد. وحينما علم أن خطته قد أحبطت، ومن أجل الحيلولة دون وقوع عرشه بيد البرتغاليين عمد إلى إضرام النار في جزيرة هرمز وهرب إلى جزيرة قشم، وظلت هرمز تشتعل بنيرانها طيلة أربعة أيام وأربعة ليال متتالية.
وأخيراً فإن تورانشاه المجاهد والوطني قد دس له وزيره السم عام 928هـ في جزيرة قشم، وعُين ابن أخيه محمد شاه خلفاً له وهو لما يجاوز الثالثة عشرة من عمره.
واضطر محمد شاه إلى عقد معاهدة مع نائب الملك البرتغالي في الهند في ميناء ميناب عام 1522م. وجدد بموجب هذه المعاهدة ما كان قد عقده أبوه مع آلبو كرك من معاهدة أخضعت بموجبها هرمز لملك البرتغال. وبعد هذه الاتفاقية رجع محمد شاه إلى هرمز واستمر بالحكم فيها تحت حماية البرتغاليين.
وفي عام 1525م ضاق محمد شاه ووزيره الرئيس شرف الدين ذرعاً بجور ديكور دو ملو (Diego de Mollo) القائد البرتغالي في هرمز، فانتفضا بوجهه ودعوا الأمراء الإيرانيين في مسقط وقلهات للإنتفاض معهما على البرتغاليين.
فتحرك نائب الملك البرتغالي في الهند في شعبان عام 1526م برفقه خمس سفن متجهاَ نحو عمان، وحينما توقف إزاء قلهات بادر إلى التعامل السلمي مع أهلها على خلاف الماضين، ووعدهم بأن القائد البرتغالي في هرمز سيعاقب، ومارس نفس الأسلوب في مسقط، ثم إلى هرمز وسعى في حل الخلافات الحادثه بين الملك والرئيس شرف الدين والقائد البرتغالي ديكو دو ملو.
بعض حوادث الخليج الفارسي
القسم الثاني
صراع البرتغاليين والعثمانيين في مياه الخليج: – ضم السلطان سليم خان الأول السلطان العثماني مصر واليمن إلى مملكته في عام 923هـ وبذلك ظهر متحد جديد في أطراف البحر الأحمر والسواحل الشمالية الشرقية للمحيط الهندي، ومن ثم شكل هذا الظهور خطراَ كبيراَ يهدد الطرق التجاريه للملاحين البرتغاليين بين الهند والخليج الفارسي من جهه وعدن وجزيره سوقطره والبرتغال من جهه أخرى.
وعزم خليفه السلطان سليم السلطان سليمان عزماً قاطعاً على استئصال النفوذ البرتغالي في الشرق، وكان الحافز الرئيسي في ذلك هو استغاثه المسلمين في الهند والحجاز، وتظلمهم من جور العمال البرتغاليين.
وأمر السلطان المذكور أحد قادة البحر في جيشه الذي يدعى مصطفى باشا باصطحاب عدة سفن والمكث بها في بوابه البحر الأحمر وسواحل عدن واليمن والحفاظ على هذه المناطق. وحينما رأى البرتغاليون تحركات العثمانيين، باشروا باستعراض قواتهم من أجل تحذير العثمانيين من مغبه التدخل، ومن ثم أرسلوا أحد قادة البحر برفقة عشرين سفينه في عام 1527م، وأبحروا من ميناء (كوا) متجهين صوب سواحل الحجاز، وقدم القائد البحري البرتغالي الذي يدعى دون أنطونيو (Don Antonio) إلى عدن ولكنه لم يتجرأ على مهاجمة السفن العثمانية ومن ثم رجع إلى مسقط ومنها إلى هرمز.
انتهى منصب نيابة الملك البرتغالية في الهند في عام 1528م إلى شخص باسم نونو دا كونها Nuno Da Cunha)) وهو ابن المستكشف البرتغالي المعروف تريستان دا كونها (Tristan Da Cunha)، حيث وصل ميناء قلهات في الثامن من رمضان عام 953 وأمر من بداية الأمر بتشييد قلعة في ذلك الميناء للدفاع عنه بوجه القراصنة.
ثم تابع شكاوى الناس وعزل بعض القادة البرتغاليين الذين شكا الناس منهم واصطحبهم معه إلى هرمز، ولكنه مر بمسقط في طريقة، والتقى هناك الشيخ رشيد، الرئيس العربي الخائن ـ وشكا هذا لنائب الملك أمر وزير محمد شاه ملك هرمز، مدّعياً أنه طلب منه 2000. أشرفي كخراج إلى الملك في حين ليس ذلك من حقه.
واقترح على نائب الملك أن يذهب بنفسه ـ الشيخ ـ إلى هرمز فيما إذا توفرت له الحماية البرتغالية ويبطل دعوى الوزير المذكور، ويظهر أن قصده كان التغلغل إلى القصر الملكي وعزل الوزير الرئيس شرف الدين واحتلال منصبه.
واستجاب نائب الملك لطلب الشيخ رشيد، وأرسله برفقة أخيه إلى جزيرة هرمز، معززاً بحماية البرتغاليين، بعد أن أخذ تعهداً من ملك هرمز باحترامه ومن المسؤولين البرتغاليين والإيرانيين في الحفاظ عليه.
ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصدر نائب الملك أمراً بتعيين الشيخ رشيد في منصب الوزارة باسم ملك البرتغال تقديراً للخدمات الكبيرة التي أسداها للتاج البرتغالي وعزل الوزير الرئيس شرف الدين ونفاه إلى البرتغال في ميناء ليشبونة.
وفي الوقت الذي كان فيه نائب الملك في جزيرة هرمز حدثت انتفاضة عارمة في البحرين بوجه البرتغاليين. فأرسل نائب الملك أخاه للقضاء عليها. ولكن البحرانيين الأبطال هزموا البرتغاليين هزيمة نكراء، وقُتِلَ أخو نائب الملك في الواقعة([529]).
وبعد وصول خبر هذه الحادثة، غادر نائب الملك هرمز في العاشر من محرم عام 1529م متجهاً صوب الهند عن طريق مسقط.
استولى العثمانيون على ساحلي البحر الأحمر والسواحل الجنوبية للحجاز من عام 1527م إلى عام 1546م، ولكنهم لم يصلوا إلى سواحل الخليج الفارسي. ورغم أن البرتغاليين فقدوا بعض اعتبارهم بفقدانهم السواحل التي سيطر عليها العثمانيون ورغم أن تجارتهم المهمة الكبيرة بدأت بالاضمحلال إلا أنهم ظلو يسيطيرون على سواحل الخليج الفارسي.
وفي سنة 1546م تحركت أربع سفن حربية عثمانية في طريق السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية وتوقفت إزاء مسقط، وألقت بحمم نيرانها على المدينة، ولما كانت المدفعية العثمانية ذات عيار كبير ومن النوع القوي فإنها أحدثت دماراً كبيراً في المدينة، ولكن َّ القوات العثمانية لم تتجرأ على الترجل على الساحل وعادت أدراجها يائسة.
وأبحرت عدة سفن عثمانية عام 1552م بقيادة بيري باشا أمير البحر العثماني في مصر متجهة صوب الخليج الفارسي، وكان المبرر الذي أعلنه بيري باشا هو مساعدة العرب في البصرة والقطيف الذين ثاروا بوجه البرتغاليين عام 957هـ وعزلوا أمراءهم الذين نصبهم الاستعمار البرتغالي.
وهكذا أبحر بيري باشا الذي انتخبه داود باشا والي مصر لهذه المهمة، برفقة ثلاثين سفينة و16000 مقاتل من ميناء السويس في مصر متجهاً صوب الخليج الفارسي وكان ذلك في رمضان عام 960.
وحين وصول القوات العثمانية إلى مسقط، تحصن العامل البرتغالي في مسقط في القلعة العسكرية مع 60 شخصاً ممن كانوا معه وأرسل النساء البرتغاليات إلى هرمز، وعزم على الاستمرار في المقاومة حتى وصول الإمدادات العسكرية ولكنه لم يستطيع الصمود أكثر من 18 يوماً لنفاذ الماء والغذاء، فاستسلم بمن معه إلى قوات بيري باشا الذين قتلوا بعضهم وأسروا البعض الآخر. وبعد أن جمعوا غنائم كثيرة تحركوا صوب هرمز.
قاومت قلعة هرمز حملات الأتراك مقاومة شديدة، وبعد عشرين يوماً من القصف المدفعي الشديد عليها، غير بيري باشا رأيه وترك حصارها إلا أنه أغار على المدينة ونهبها، ومثل هذا الفعل كان مع جزيرة قشم، وحينما سمع بقدوم القوات البرتغالية من ميناء (كوا) إلى مياه الخليج الفارسي لاذ بالهرب خشية أن يفقد الغنائم الثمينة التي انتزعها من تلك الجزر، فجلا في البداية إلى البصرة ثم عاد مصر، ولم يترك بجيشه أي أثر في المنطقة سوى السلب والنهب للمراكز التجارية في مسقط وهرمز وقشم.
والعجيب أن بيري باشا هذا لم يجنِ من هذه الثروات إلا الموت، إذ قتله والي مصر فور وصوله إليها بأمر من الباب العالي وصادر جميع الثروات التي أتى بها.
وبعد عام أرسل السلطان سليمان قائداً بحرياً آخر هو مراد باشا، وأمره باستخدام التجهيزات التي تركها بيري باشا في البصرة والاستعانة بالمساعدات والإمدادات الأخرى ومن ثم الحركة باتجاه هرمز.
وفاجأ البرتغاليون سفن مراد باشا بين جزيرتي (هنكام) (ورأس مسندم) وهاجموا على حين غرة، فدمروا أكثرها وقتلوا الرئيس سليمان والرئيس رجب وهما من قواد جيش مراد باشا ومعهما الكثير من أفراد الجيش ولاذ القليل الذين نجوا بالفرار إلى البصرة.
ثم إن السلطان سليمان عمد إلى إرسال أحد قادة البحر في الجيش العثماني ممن عملوا مع خير الدين باشا لسنين طوال وكان من أبرزهم ويدعى سيدي علي. وكان هذا القائد قد اشتغل في السابق في البحرية المصرية، وترأس مخزن إسطانبول وأسدى خدمات كبيرة فيه، وهو شاعر وكاتب وأديب.
وهكذا تحرك من طريق حلب والموصل وبغداد حتى وصل البصرة في محرم عام 1553م.
بدأ سيدي علي بعد تحضير مختصر وشيء من الاستعداد في الهجوم على البحرين في العاشر من رمضان عام 1552. وهناك أسرع لمقابلة الرئيس مراد حاكم البحرين.
أكبر فتح بحري للبرتغالية: ـ وكان قائد القوات البحرية البرتغالية في هرمز على إطّلاع تام بتحركات واستعدادات القائد البحري العثماني، ومن ثم حشد عدداً كبيراً من السفن في الخليج إلا أنه أرسل الجزء المهم منها إلى مسقط للحيولة دون إغلاق مضيق هرمز بوجهه من قبل العثمانيين وبواسطة الجواسيس الذي أرسلهم بهيئة الصيادين إلى التحشدات العثمانية علم بموعد حركة سيدي علي باتجاه رأس مسندم.
وبالقرب من مسقط علم القائد البرتغالي فرناندز دومنزس (Fernande – de Meneses) بأن السفن التركية تتجه صوب مسقط بخط واحد بعد اجتياز لرأس مسندم. وبعد استشارة قادته سحب فرناندز سفنه إلى مرسى مسقط، وترك بعض السفن الخفيفة لمراقبة تحركات العدو في البحر.
وفي بدء المعركة هُزم البرتغاليون وانسحبوا إلى داخل مرسى مسقط، ولكن ما أن حاول العثمانيون الاستيلاء على المرسى حتى هزموا شر هزيمة، ودمرت أغلب تجهيزاتهم واضطر سيدي علي إلى الفرار صوب الهند.
وقعت هذه المعركة في يوم 26 رمضان سنة 961هـ (1953م)، وكانت نصراً كبيراً للبرتغاليين، وإحدى أهم المعارك في تاريخ الخليج الفارسي، وأهم معركة بحرية في تاريخ البرتغال. وعاد ثانية نفوذ عمال البرتغال في جميع جزر سواحل الخليج الفارسي وبحر عمان. وعظمت هيبة البرتغال في نفوس الناس بأكثر مما كانت عليه بكثير.
ومنذ ذلك الحين أصبح البرتغاليون سادة الجزر والسواحل الخليجية، لا ينازعهم في ذلك منازع واستمرت هذه الحال حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري. ولم يستثن من السيطرة البرتغالية إلا البحرين التي كانت تعيش ما يشبه الاستقلال عن البرتغاليين لبعدها عن جزيرة هرمز، وقد عمد وزيرها جلال الدين مراد شاه عام 1561م إلى تخريب قلعة البرتغاليين ونقل بعضها لبناء قلعة آخرى.
وفي عام 988هـ كان الوالي العثماني في اليمن هو مرآة الزمان باشا وهو من الإيطاليين الحديثي العهد بالإسلام. وقد سير هذا الوالي القائد البحري مير علي بيك مع قوة بحرية إلى مسقط، فوصلها في شهر شعبان من ذلك العام، وباغت العامل البرتغالي فيها بقصف المدينة بمدفعيته.
وأبدى العرب استعدادهم للقتال إلى جانب مير علي بيك، ولكن هذا لم يكن يقصد إلا الغارة والسلب والنهب، وبعد ان عرض المدينة لأعماله المشؤومة عادة أدراجه إلى عدن خشية أن تصل الإمدادات البرتغالية من هرمز، ومن هناك أبحر صوب السواحل الإفريقية الشرقية الخاضعة للبرتغال، وعمد إلى السلب والنهب هناك، ولكنه وقع في أسر البرتغاليين بعد تسع سنين أي عام 1588م بالقرب من ميناء منبسة (ممباز) وأرسل إلى ليشبونة، وتعرض هناك لأنواع التعذيب، وأرغم على اعتناق الدين المسيحي إلا أنه لم يلبث أن مات تحت وطأة التعذيب الذي ذاقه بادئ الأمر.
وفي أواخر السنة التي أغار فيها مير علي بيك على مسقط، استطاع فيليب الثاني ملك إسبانيا احتلال البرتغال وضمها إلى مملكته، وبالرغم من أن البرتغال فقدت استقلالها، إلا أن مستعمراتها ظلت كما كانت عليه ولكن تحت الإدارة الإسبانية.
وفي غضون الستين سنة التي ألحقت فيها البرتغال بإسبانيا، كانت الأخيرة غير مهتمة بالمستعمرات الشرقية للبرتغال الاهتمام الكافي، وكذلك واجه ملوكها مصاعب جمة في أوروبا ومن ثم فإن شوكة الدولة التي أقامها فاسكوا دوكاما وآلبو كرك في الشرق، بدأت تضعف ثم تحررت هرمز وسائر جزر وسواحل الخليج الفارسي من السلطة البرتغالية، وساعدت هذه الظروف على قدوم السفن البريطانبة والهولندية إلى مياه الخليج وبدأت منافستهما مع البرتغال حتى قضي على النفوذ البرتغالي في هذه المناطق.
الإنجليز والهولنديون في مياه الخليج: ــ وبالرغم من أن البرتغاليين قد واجهوا خلال قرن من سيطرتهم على هذه المناطق انتفاضات شعبية في هرمز ومقاومة متكررة من الرؤساء والأمراء الإيرانيين والشيوخ العرب، واصطدموا في أواخر سيطرتهم بالقوات البحرية العثمانية وكانت الأوضاع في بعض الأحيان تشتد عليهم كثيراً، إلا أن كل ذلك لم يبلغ ما واجهوه في أوائل القرن السابع عشر الميلادي النصف الأول للقرن الحادي عشر الهجري حيت اقترنت هذه الفترة بحكم الشاه عباس الصفوي وبلوغ الدولة الصفوية في إيران أوج عظمتها، مما كوَّن بالنسبة إلى البرتغال أخطر الأعداء في سواحل ومياه الخليج لكونها تفوق جميع من سبقها بالقوة والعُدَّة، وخصوصاً في أثناء الستين سنة التي خضعت فيها البرتغال لإسبانيا.
ومن هنا فقد بدأت شوكتهم تهتز وتضعف ونفذ معها صبر الناس الذين تحملوا أنواع المظالم والاستبداد من قبل عمال البرتغال.
وهكذا ظهر عدوان مهمان للبرتغال فمن ناحية: الدولة الصفوية القوية في إيران ومن ناحية أخرى الإنجليز والهولنديون الذين يبذلون كل ما بوسعهم من أجل احتلال المستعمرات البرتغالية التي تدار بواسطة إسبانيا لعلهم بذلك يضعفون فيليب الثاني ملك إسبانيا وخلفاءه الذين يعيشون الصراع المستمر في أوروبا مع هاتين الدولتين أي بريطانيا وهولندا، ولعلهم أيضاً يتمكنون من الاستفادة من هذه المستعمرات الثمينة ويخلفون بذلك البرتغال وإسبانيا في السيطرة عليها.
وقد بدأت بريطانيا في أواسط القرن السادس عشر الميلادي المباشرة في التجارة بين الشرق والغرب وتوظيف رؤوس الأموال التابعة للتجار ولأصحاب السفن التجارية في الشركات الكبرى في البلاد، لتنشيط هذه التجارة.
ومن حيت الترتيب التاريخي، فإن أول الشركات البريطانية هذه، هي (شركة التجار الرحالة البريطانيين) أو (English merchant adventureres) التي أسست عام 1553 ميلادي (960هـ) ثم سميت هذه الشركة باسم شركة موسكو أو الشركة الروسية.
وقد تفاوض ممثلو هذه الشركة خلال عدة جولات مع المسؤولين في موسكو في روسيا القديمة، وحصلوا على إجازة بالعبور من نهر الفولكا وبحر الخزر والوصول إلى إيران. ولهذا السبب أرسلت الشركة ثلاث سفارات خلال الفترة التي فصلت بين عامي 1560 (السنة الثامنة والثلاثين لحكم الملك طهماسب الأول) وعام 1579م (السنة الثانية لحكم الملك محمد خدابنده) وانتهت بعقد معاهدات تجارية مع إيران، وحصلت على امتيازات تجارية داخل البلاد الصفوية.
وبعد الفتح الكبير في عام 996، (سنة تولي عباس الأول لعرش إيران) وتغلب الإنجليز على الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا، آلت السيطرة البحرية في المحيطات إلى بريطانيا بعد أن خضعت فترات متمادية للسفن الإسبانية والبرتغالية.
وحينها صرف التجار وأصحاب السفن التجارية النظر عن سلوك طريق روسيا الخطرة في تجارتهم، واقتنعوا بضرورة الاقتداء بالبرتغاليين في سلوكهم البحر للوصول إلى التجارة مع إيران والهند، وخصوصاً فقد قدم عدد من المسافرين الإنجليز إلى الهند وجزر وسواحل الخليج الفارسي عدة مرات، وجمعوا المعلومات الوافية حول التجارة في هذه المناطق.
ولهذا السبب عمد بعض التجار إلى تأسيس شركة في لندن عام 1600 ميلادي (1009 هجري) للتجارة مع الهند والشرق باسم (شركة الهند الشرقية) ولكن الإنجليز استعملوا قبل تأسيس الشركة نفس الأساليب التي استعملها البرتغاليون، حيث استعان بعض الرحالة وأرباب المصالح الإنجليز بالمعدات الحربية في الاستيلاء على قسم من التجارة في مياه السواحل الشرقية والغربية للمحيط التي كانت خاضعة للبرتغال.
وهكذا كان الهولنديون في تلك الأيام، إذ كانوا في صراع مستمر مع الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا، ولفت المشرق انتباههم عام 1588م. ولكن ولكونهم خاضعين للسيطرة الإسبانية ولما يتحرروا بصورة كاملة من ربقة الاحتلال الإسباني فإن أغلب أسفارهم إلى المشرق كانت ضمن مأموريات تابعة لإسبانيا.
وعلى أي حال فإن الهولنديين استطاعوا بالتدرج أن يحذوا حذو البريطانيين في تأسيس شركة تجارية خاصة بهم تحت اسم (شركة الهند الشرقية الهولندية) عام 1602م الموافق لـ 1010 هجري. وكان الهدف من تأسيس هذه الشركة هو المتاجرة مع الهند الشرقية وسواحل وجزر الخليج الفارسي وبحر عمان.
ولما كان هؤلاء الهولنديون يتفقون مع الإنجليز اتفاقاً تاماً في عدائهم لإسبانيا ويطمحون للإستيلاء على المستعمرات البرتغالية السابقة في الشرق، فإنهم اتفقوا على مناصرة بعضهم البعض من أجل القضاء على تجارة إسبانيا والبرتغال في الشرق وانتزاع مستعمراتهما منهما، ولم يمض وقت طويل حتى تمكن الاثنان من انتزاع المراكز التجارية والجزر البرتغالية في المحيط الهندي، والهادي مثل جزر الملوك والسلب وسومطره وبعض أجزاء جزيرة سرنديب واليابان، وأقاموا ميناء بطاويه المهم في جاوا لمنافسة ميناء (كوا).
واهتم الهولنديون كثيراً بالهند وجزرها الشرقية، وحاولوا كثيراً انتزاعها من البرتغاليين، ورغم أنهم هاجموا مسقط عام 1601م إلا أنهم لم يهتموا كثيراً بالتجارة في الخليج الفارسي حتى حين اندلاع الحرب بين إيران والبرتغال عام 1621م.
بينما كان البريطانيون على خلاف ذلك، إذ أن شركة الهند الشرقية البريطانية وبعد استقرارها التام في الهند، وأخذ الإذن من جهانكير الابن الأكبر للملك الكوركاني في بناء مركز تجاري في ميناء سورات، فإنهم عمدوا إلى التفكير في بسط نفوذهم التجاري في سواحل وجزر الخليج الفارسي، ومن ثم أرسلو مندوباً عنهم إلى البلاط الملكي للشاه عباس الأول في أصفهان عام 1614م للحصول على امتيازات تجارية.
سيطرة الصفويين على جزر
وسواحل الخليج وطرد البرتغاليين
تشكلت السلسلة الصفوية عام 906هـ (الموافق لـ 1501م) أي قبل احتلال البرتغاليين لجزيرة هرمز بسبع سنين، وكان الملك الأول منها هو الملك إسماعيل الأول.
وما زالت هذه السلالة متعرضة للمشاكل من قبل ملوك الطوائف في إيران، ومهددة بالخطر ممن جاهروها بالعداء في الغرب والشمال الشرقي للبلاد أي الحملات التركية العثمانية والأوزبكية التي طالت حوالي مئة عام أي حتى تملك الشاه عباس الكبير ـ جاهروها بالعداء لمجرد العداء حتى شغلت عن كل الأخطار الأخرى([530]).
وحينما انتفض أهالي السواحل والجزر عام 1521م بوجه البرتغاليين، كان الملك الصفوي منشغلاً بحماية إيران بحيث لم يستطع مد يد العون إلى المسلمين في تلك المناطق، وإنهاء الأعمال التعسفية للبرتغاليين.
ساهمت معاهدة ميناب لعام 1522م (929هـ) وفتح البرتغاليين في مسقط عام 961هـ مقابل القوات البحرية العثمانية، وبالإضافة إلى ذلك انشغال السلاطين الصفويين عن أمور الخليج بالمتاعب المثارة في وجوههم، كل هذه العوامل مجتمعة ساهمت إلى حد بعيد في جعل البرتغاليين ذوي نفوذ مطلق في مياه الشرق وخصوصاً مياه الخليج، واستمرت هذه الحال حتى تاريخ تأسيس شركات الهند الشرقية للإنجليزي والهولنديين، وظهور الملك عباس الأول الصفوي.
وإذا حدث في هذه الغضون بعض الانتفاضات الشعبية في سواحل وجزر الخليج على أثر المظالم والاستبداد الذي يتعامل به العمال البرتغاليون مع الأهالي في تلك المناطق فإن القوات البرتغالية كانت تبادر للقضاء على هذه الانتفاضات بسهولة، وإذا ما حاول ملك هرمز أو عماله في البحرين وعمان ومسقط الامتناع عن أداء الخراج إلى الحكومة البرتغالية فإن نائب الملك البرتغالي في الهند كان يبادر إلى المجيء إلى مياه الخليج برفقة بعض السفن وانتزاع الخراج بالقوة ثم يعود أدراجه إلى ميناء كوا.
وفي عام 1574م (582هـ) أرسل ملك البرتغال دون سباستيان Don Sebastian)) وفداً مكوناً مما يقارب الخمسين شخصاً بكامل أبهتهم وجلالهم إلى الملك طهماسب الأول، وقد كان هذا الملك البرتغالي في عام 958هـ قد أرسل إلى نفس الملك الإيراني تحفاً وهدايا، ولكنه أراد بإرساله لوفده هذا أن يثبت حسن نيته تجاه الملك الصفوي.
وكان طهماسب الأول منزعجاً أشد الانزعاج من التصرفات السيئة للبرتغاليين المقيمين في جزيرة هرمز تجاه المسلمين هناك، ومن منعهم لبناء المساجد في هذه الجزيرة وغيرها، ومن ثم لم يعبأ بالوفد البرتغالي، ولم يسمح له بالرجوع ما دام حياً. وظل الوفد محتجزاً في إيران حتى وصل السلطان محمد إلى سدة الحكم عام 985هـ فسمح له بالعودة إلى البرتغال.
احتلال الملك عباس الأول للبحرين عام 1010هـ: ـ حدثت في البحرين انتفاضة عارمة بعد سنتين من احتلال البرتغاليين لها عام 926هـ. وتزامنت هذه الانتفاضة مع انتفاضة سائر سواحل وجزر الخليج الفارسي، وكما مر ذكره فإن أهالي هذه الجزيرة قتلوا البرتغاليين هناك قتلاً عاماً وشنقوا رئيس المركز التجاري البرتغالي في البحرين.
وبعد القضاء غلى الانتفاضة فيها خضعت إسمياً للقائد البحري البرتغالي في هرمز، ولكنها في الحقيقة اكتفي منها بأداء الخراج لكونها لا تقع على الطريق التجارية وظلت تابعة لممثل ملك هرمز رسمياً.
وحينما سيطر الأتراك العثمانيون على بعض أجزاء مياه الخليج الفارسي، كان أهالي البحرين آنذاك يسعون لنيل الاستقلال ليتخلصوا من اعتداءات العمال البرتغاليين، ولكن بالرغم من ذلك فإنهم لم يستقبلوا العثمانيين بالترحيب لأن مذابح هؤلاء في الشيعة كانت معروفة مشهورة لذلك كانوا يسعون إلى الاستقلال، وإن لم يمكن ذلك فلا يعارضون في الانضواء تحت لواء الدولة الصفوية.
توفي فرخ شاه ملك هرمز عام 1601م فخلفه في الحكم ابنه فيروز شاه. وعمد وزير هرمز الرئيس شرف الدين إلى تنصيب أخيه لطف الله الملقب بركن الدين مسعود والياً على البحرين.
باشر ركن الدين مسعود فور وصوله البحرين في السعي للاستقبال بهذه الإمارة عن مملكة هرمز، ولما كان يخشى الأساطيل البرتغالية فإنه ركن إلى الاستعانة بأحد أقاربه المدعو معين الدين فالي وهومن وجهاء فارس، الذي بادر بدوره إلى طرح القضية على والي فارس الله وردي خان.
ولما كان الله وردي خان يرى على الدوام أن البحرين كانت جزءاً من توابع فارس، وإن إخراجها من قبضة البرتغاليين هي من وظيفته، فإنه انتهز هذه الفرصة وأرسل معين الدين فالي مع عدد من المسلحين بالبنادق إلى البحرين متظاهراً بتلبية طلب ركن الدين مسعود في حين أنه كان يضمر أمراً آخر، وهو قطع يد هذا الأخير عن إدارة شؤون البحرين ومن ثم إلحاقها بفارس وقطع الطريق على البرتغاليين.
وعندما وصل معين الدين فالي برفقة جنوده البحرين تظاهر بالقدوم لأجل إعانة ركن الدين مسعود، ولكنهم أخذوه على حين غرة في الليل واقتحموا عليه داره وقتلوه، وبعد قتال مع جيش ركن الدين آلت الغلبة لمعين الدين وأتباعه وسيطروا على الجزيرة وساهم في ذلك الأمير يوسف شاه أحد أمراء فارس الذي أرسل بأمر من الله وردي خان للالتحاق بمعين الدين.
وحالما بلغ هرمز خبر قتل ركن الدين مسعود وفتح البحرين بيد معين الدين فالي، عمد فيـروز شاه والقائد الـبرتغالي بـدرو كوتـينهـو (Pedro Coutinho) لإرسال الرئيس شرف الدين لطف الله من جهة للقتال من اليابسة.
ومن جهة أخرى أرسلوا فرانسيسكو دو ستومايور (Francisco de Sotomayor) مزوداً بالتجهيزات الحربية للقتال البحري في سواحل البحرين. واندلعت الحرب في البر والبحر بين أتباع معين الدين فالي والأمير يوسف شاه من جهة أخرى.
ومن أجل التخفيف من وطأة الهجوم على البحرين، ولأجل خلق المتاعب لفيروز شاه والبرتغاليين، باشر الله وردي خان والي فارس بإرسال قوة لاحتلال ميناء (جرون) الذي حرف البرتغاليون اسمه إلى (كمبرو) أو كمبرون الذي يعتبر مركزاً تجارياً مهماً في لارستان قرب باب هرمز ومن ملحقات مملكة فيروز شاه أي من توابع النفوذ البرتغالي وهكذا حُوصر الميناء المذكور.
وبالرغم من أن المعارك البحرية والبرية أسفرت عن خسائر جسيمة في صفوف معين الدين فالي والأمير يوسف شاه حتى أن هذين الرجلين قد قُتلا في المعارك، ولكن البحرين ظلت تابعة لفارس، وتابعة لسيطرة قواتها، وهكذا أصبحت البحرين منذ عام 1601م مستقلة عن النفوذ البرتغالي وهي بهذا أول جزيرة من جزر الخليج تستقل عن البرتغاليين وتتحرر من ربقة استعمارهم بعد قرن من الاحتلال وأصبحت بانضمامها إلى فارس تابعة للمملكة الصفوية.
وبعد عام شاع خبر مفاده بأن نائب الملك البرتغالي في الهند عازم على التحرك بسفنه صوب البحرين لاستخلاصها من الله وردي خان، وحينما بلغ هذا الخبر سمع الله وردي خان عمد إلى إعادة الحصار حول ميناء جرون الذي كان قد رفعه لانشغاله بفتح لارستان، وأخد يتعرض لسائر النقاط التابعة لملك هرمز.
فيليب الثالث والشاه عباس: ـ في هذه الأثناء التي كانت فيها قوات فارس مشغوله في ضرب الحصار حول ميناء جرون والتعرض للمناطق الخاضعة لسيطرة ملك هرمز، أرسل الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا الذي كانت البرتغال خاضعة له آنذاك وفداً لمقابلة الشاه عباس الصفوي، وضم هذا الوفد مبشرين مسيحيين ومندوبين من قبل نائب الملك في الهند في حين ترأسه شخص يدعى أنطونيو دو كوفه (Antonio de Gouvea).
وقابل هذا الوفد الشاه عباس الصفوي في مشهد.
وبعد أن قدم الوفد المذكور هداياه التي اصطحبها معه للإعراب عن حسن النية وبعد أن سلم رسالة ملك إسبانيا، أستقبل من الشاه عباس استقبالاً حاراً.
وفيما بين هذا التاريخ وحتى عام 1621م حيث كانت البحرين خاضعة لقوات الشاه عباس، وحيث انتهت سيطرة البرتغاليين تماماً على الجزر والسواحل الخليجية، فإن فيليب الثالث حاول تكراراً ومراراً السيطرة مرة ثانية على البحرين، وكان يذكر غالباً في رسائله الموجهة إلى نائب الملك في الهند بهذا الأمر.
وفي عام 1017هـ أرسل ثانية أنطونيو دو كوفه إلى إيران وزوده برسالة لتوجيه التبريك والتهاني لملك إيران العظيم بمناسبة انتصاراته على أعدائه، وعرض على الشاه عباس من باب الملاطفة وحتى التملق مسألة إخضاع مستعمراته في آسيا لحكم الشاه عباس نفسه.
وفي أثناء المحادثات طرحت الشكاوى من سلوك الله وردي خان واعتداءات جيشه على ميناء جرون وسائر المناطق الخاضعة لملك هرمز، وطرحت أيضاً مسألة استعادة السيطرة على البحرين.
ولما كان الشاه عباس الصفوي لما يفرغ بعد من الأتراك العثمانيين، فإنه كان يحاول إرضاء ملك إسبانيا بأي نحو كان ولذلك فإنه استقبل الوفد بحرارة كما فعل أول مرة، وأجاب على رسالة الملك فيليب الثالث برسالة غاية في الود ولكنه لم يتطرق لموضوع البحرين مطلقاً.
مقدمات احتلال جزيرة هرمز: ـ لما كان الله وردي خان بعد احتلاله لجزيرة البحرين يرى دائماً أنَّ البرتغاليين في هرمز يطمحون دائماً لاسترجاع الجزيرة المذكورة، فإنه ظل على الدوام يهدد المناطق الخاضعة لسيطرة هؤلاء مثل بعض القلاع والموانئ الواقعة في أطراف مضيق هرمز وأهم هذه الموانئ هو ميناء جرون في سواحل (لار) على بعد فرسخين من جزيرة هرمز، وكان يهدف بذلك إلى إرباكهم وعدم تفرغهم التام لاحتلال البحرين.
وكان البرتغاليون فيما مضى قد احتلوا ميناء جرون وأقاموا فيه التحصينات العسكرية، ووضعوا قباله قسماً من تجهيزاتهم الحربية لكونه حلقة وصل بين تجارة هرمز واليابسة ومحلاً لنزول القوافل التجارية في لار.
وفي الحقيقة فإن ميناء جرون هو من المناطق التابعة لسيطرة الخوانين (جمع خان) الذين كانوا يتمتعون باستقلال شبه كامل في منطقتهم لار، ولذلك نشبت عدة حروب بين هؤلاء، وملوك هرمز الذين يتمتعون بحماية البرتغاليين البرية والبحرية التي كانت تساعدهم في كل مرة في الانتصار على أعدائهم والإبقاء على سيطرتهم في ميناء جرون المذكور بصورة ظاهرية، ولكنه يبقى خاضعاً رسمياً لسيطرة البرتغاليين.
وانصرف الله وردي خان عن الاستمرار في محاولاته لضرب الحصار حول جرون بعد أن هاجمه مرتين في الأعوام 1010 و1011هجري ومن أجل تحصين قواته والإبقاء على الميناء المذكور وجزيرة هرمز تحت تهديداته، فإنه عمد بأمر الشاه عباس لبناء قلعة محكمة بالجوار من الميناء وأسماها بالقلعة العباسية.
أرسل الله وردي خان ابنه إمام قليخان عام 1613م لمحاصرة قلعة جرون، ولكنه لم يوفق في هذه السنة في تأدية مهمته، ولم يتيسر له أمر الاستمرار في محاولة احتلال الميناء لوفاة والده في نفس العام المذكور. ولكنه وبعد تعيينه خليفة لأبيه من قبل الشاه عباس عام 1614م في ولاية فارس، أعاد محاولاته لاحتلال قلعة رون وطرد البرتغاليين منها، ونجح هذه المرة نجاحاً تاماً في الاستيلاء على الميناء وتخريب قلعته العسكرية.
وأمر بإقامة مرسى جديد لإيواء السفن بالقرب من القلعة العباسية، وحاز هذا الميناء أهمية ميناء جرون السابق، وهذا الميناء هو ميناء (بندر عباس) الحالي.
سفارة الأخوين شرلي: ـ بينما كان الملك عباس في طريقه إلى احتلال بلاد خراسان والحرب مع الأوزبكيين عام 1597م إذ قدم أحد النبلاء الإنجليز ممن حنكهم الدهر ومن ذوي الخبرة والاطلاع الواسع في شؤون العالم والحرب برفقة ثلاثين شخصاً بتشجيع من أحد الرحالين الإنجليز المعروفين.
وكان الدافع لقدومه إلى إيران ولقائه الشاه عباس الحصول على الامتيازات التجارية. التقى هذا الشخص المدعو أنطونيو شرلي وأخوه روبرت(Anthony and Robert Sherley) بالملك عباس الصفوي في مدينة قزوين، ورحب بهما وبرفاقهما أشد الترحيب ثم اصطحبهم معه إلى أصفهان.
وباشر شرلي في أصفهان ومعه الله وردي خان وسائر أعضاء الوفد المرافق له (الوفد الإنجليزي)، والذي كان بعضهم ماهراً في صناعة المدافع والبعض الآخر من ذوي الخبرة في الأمور العسكرية، أقول باشر هؤلاء جميعاً في إصلاح جيوش الملك عباس، واستطاعو أن يجعلوا من هذه الجيوش جيوشاً حديثة تضاهي ما هو موجود في أوروبا من تجهيزها بالمدافع والبنادق، وتجهيزها أيضاً بالقوات البرية المدربة.
ثم أرسل عام 1598م أنطونيو شرلي نفسه ومعه حسين علي بيك بيات أحد قادة جيوشه للسفارة في البلاطات الأوروبية، لعقد معاهدات تجارية لبيع الحرير الإيراني الذي كان آنذاك من نفائس البضائع التجارية من جهة ومن جهة أخرى لأجل القيام بعقد اتفاقيات أخرى مع هذه الدول.
تحرك وفد إيران عن طريق روسيا للوصول إلى الممالك البوهمية والألمانية والإيطالية، ولكن حدث خلاف أثناء الطريق بين حسين علي بيك وأنطونيو شرلي، وانتهى بفرار شرلي إلى إسبانيا ولم يعد بعدها إلى إيران، وتابع حسين علي بيك طريقة فوصل إسبانيا، واستقبل بكل ترحيب من قبل فيليب الثالث ملك إسبانيا.
ولكنه صرف النظر عن متابعة رحلته إلى بريطانيا وفرنسا وبولندا وإيصال رسائل الملك عباس إلى ملوك هذه الدول بسبب بعد المسافة واستغراق الرحلة أمداً طويلاً، ومن ثم فقد عاد أدراجه إلى إيران في سفينة وضعها الملك فيليب الثالث في تصرفه مجاناً، وسلك بها طريق جنوب أفريقيا.
وفي هذه الفترة … وعلى وجه التحديد قبل وصول حسين علي بيك إلى أسبانيا، كان الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا قد أرسل رسوله المدعو أنطونيو دو كوفه آ سفيراً إلى الشاه عباس الصفوي، وكما ذكرنا آنفاً فإن أنطونيو هذا هو نفس المبعوث الذي أرسله ثانية ملك إسبانيا عام 1608م أي بعد احتلال الإيرانيين للبحرين بسبع سنين والذي طلب ـ خلال شكايته ضد الله وردي خان ـ من الملك عباس إرجاع جزيرة البحرين إلى ملك هرمز صنيعة ملك إسبانيا.
وفي نفس هذه السنة ـ أي سنة 1608ـ أذن الملك عباس لأنطونيو في الرجوع إلى إسبانيا بعد أن وعده خيراً في إنجاز رغبات الملك فيليب الثالث ومساعدة وحماية المسيحيين المقيمين في إيران، ثم أرسل معه دنكير بيك روملو مندوباً عنه للسفارة إلى الملك فيليب الثالث وتسليمه رسالته الخاصة.
وفي أواخر عام 1612 عاد سفير فيليب ودنكير بيك إلى إيران وكان الشاه عباس غاضباً لخيانة دنكيز بيك في مهمته هذه في بعض التصرفات كاطلاع نائب الملك في الهند على محتوى الرسالة، وبيع رسالة الشاه عباس الأخرى الموجهة إلى البابا إلى تاجر ليدعي أنه سفير إيران، وارتداء السواد حداداً على ملكة إسبانيا وخلع لباسه الرسمي، فأمر بقتله، وعامل أنطونيو كوفه آ بخشونة، حيث كان الشاه عباس في هذه الأثناء يفكر تفكيراً جدياً في احتلال ميناء جرون وجزيرة هرمز.
وبعد أن يئس الشاه عباس من عودة أنطونيو شرلي إلى إيران وعدم اقتناعه بما أنجزه حسين علي بيك في سفره، فإنه أرسل روبرت شرلي ـ الذي كان قد بقي في إيران ـ أرسله عام 1016هـ للسفارة في البلدان الأروبية لما رآه فيه من صدق وإخلاص لإيران.
أخذ شارلي يتنقل في بلاطات الدول الأوروبية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفي الهند أيضاً، واستغرق ذلك ما بين 1607 و1614م والتقى خلال جولاته بالملوك الأوروبيين وأجرى معهم محادثات باسم الملك عباس الصفوي، ومن ضمنهم كان الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا حيث التقاه عام 1610م، ولكنه ابتلي في إسبانيا بدسائس أخيه أنطونيو الذي كان يتهمه برغبته في تحريض ملك بريطانيا على العثمانيين وخلق حرب بينهما. ووفق روبرت عام 1611 في الوصول إلى لندن والتقى هناك بملك بريطانيا.
وفي بريطانيا اقترح روبرت شرلي على الملك ما أوصاه الشاه عباس به من إعطاء الحرية الكاملة للتجار الإنجليز في مينائين من موانئ إيران واحتفاظهم بحق تمثيلهم السياسي في هذين المينائين، فوافق الملك على ذلك، إلا أنه جوبه بمعارضة التجار الذين احتجوا بخشيتهم من تعرض مصالحهم في سواحل الشام والأراضي العثمانية للخطر لأن التقرب من الإيرانييين سيغضب الأتراك العثمانيين، والمصالح التجارية بينهم وبين العثمانيين أكبر بكثير منها مع الإيرانيين، ولذلك فهم لا يقرون التعلق بآمال آجلة وتضييع منافع عاجلة.
ومع وجود هذه المعارضة، سمح ملك بريطانيا لروبرت شرلي في تمثيل بريطانيا لدى الشاه عباس الصفوي وعقد اتفاقية تجارية معه، وهكذا رجع من بريطانيا واتجه مباشرة صوب ميناء (كوآ) ليتمكن من هناك من الوصول إلى أصفهان بأسرع وقت، ولكنه فهم في هذه الأثناء أن عدداً من قطاع الطرق البلوج يأتمرون به ليقتلوه ورفاقه، لذلك رجع بسفينته إلى الهند واتجه من هناك إلى أصفهان عام 1614م.
وقد ذكرنا سابقاً أن شركة الهند الشرقية البريطانية بدأت بإقامة علاقات تجارية مع إيران عام 1614م. وكان السبب وراء ذلك هو رغبة هذه الشركة في تصريف بضائعها التي تجلبها من بريطانيا إلى الهند في إيران، لكون الأسواق في الهند غير نشطة في مثل هذه البضائع، ولما علموا من خلال أحد المسافرين البريطانيين أن لهذه البضائع رواجاً كبيراً في إيران، سارعوا إلى إرسال وفد إلى أصفهان في نفس ذلك العام.
واقترن وصول سفير الشركة إلى البلاط الملكي مع رجوع روبرت شرلي من سفره الطويل إلى البلاد الأوروبية ووصوله إلى إيران. ولكن شرلي لم يكن متحمساً لقبول طلب سفير الشركة الهندية الشرقية وغير موافق لإقامة تجارة بين إيران وبريطانيا في مثل هذا الوقت.
وبالرغم من ذلك فإن ممثل الشركة استطاع أخيراً الحصول على أمر من الشاه عباس عام 1615م يقضي بعاملة الشعب الإيراني للتجار الإنجليز معاملة حسنة، والسماح لمندوب الشركة باختيار أي ميناء يراه صالحاً لتجارته، واختار المندوب بدوره ميناء (جاسك) بعد التحقيق في هذا الموضوع.
وكان لصدور هذا الأمر وانفتاح شركة الهند الشرقية على مياه بحر عمان والخليج الفارسي الدور الكبير في جر المنافسات بين بريطانيا والبرتغاليين إلى سواحل إيران، وشكل خطراً كبيراً للبرتغاليين الذين لم تكن تربطهم بالشاه عباس وولاة فارس ولار روابط حسنة.
وفي تلك الأيام التي كان فيها مندوبو شركة الهند الشرقية يسعون بكل جهودهم للحصول على الأمر المذكور، أرسل الشاه عباس روبرت شارلي ثانية للسفارة إلى أوروبا عام 1614م، وقبل حركة روبرت كان فيليب الثالث قد أرسل سفيراً جديداً إلى إيران يدعى كارسيا دوسيلفا فيكوئر (Don Garcia da Silva, Figuerra) إذ لم ييأس من استرجاع جزيرة البحرين.
وصل روبرت البرتغال عام 1616م إلى إسبانيا، ووصل سفير فيليب إلى إيران عام 1617م.
ولم تؤت السفارتان النتائج المطلوبة منهما، إذ لم يكن الشاه عباس مستعداً للتخلي عن جزيرة البحرين ولا عن ميناء جرون الذي فتحه إمام قليخان أثناء رحلة سفير فيليب، وقال بأن جزيرة البحرين قد انتزعتها قواته من ملك هرمز، وأما ميناء جرون فهو جزء من الأراضي الإيرانية وإضافة إلى ذلك فقد وجه إلى كارسيا دوسيلفا تحذيراً شديد اللهجة حول الاعتداءات السافرة للعمال البرتغاليين على مسلمي هرمز والتبشير الديني بينهم، ولهذا فقد غادر كارسيا دوسيلفا أصفهان في شعبان عام 1618م متجهاً إلى هرمز، وكذلك فقد ترك روبرت شرلي إسبانيا في أواخر عام 1621م بعد اطلاعه على نتائج محادثات مندوب فيليب الثالث.
قطع العلاقات بين إيران
وإسبانيا واندلاع الحرب
بين الإنجليز والبرتغاليين
كانت مغادرة سفير فيليب الثالث لأصفهان بمثابة قطع العلاقات بين إسبانيا وإيران، حيث كان الشاه عباس حينئذٍ قد انتهى من الحرب مع العثمانيين وعقد معهم معاهدة صلح، وكذلك كانت علاقاته بشركة الهند الشرقية البريطانية علاقات حسنة، وقد ازدهرت في هذه الغضون تجارة الحرير، وإضافة إلى ذلك كله فإنه كان يرى أنه لم يعد في حاجة إلى مساعدات ملك إسبانيا، ولهذا فقد كان غاضباً لإلحاح إسبانيا في المطالبة باسترجاع جزيرة البحرين وميناء جرون، بل وكان عازماً أيضاً على تأمين الحدود الشرقية والغربية لإيران وانتزاع جزيرة هرمز ليقطع أيدي البرتغاليين عن مياه المنطقة في الخليج الفارسي وبحر عمان.
ولكن لما كان هذا العمل يتطلب قوات بحرية قبل كل شيء، وكانت إيران آنذاك تفتقر لمثل هذه القوات الكفيلة بمواجهة القوات البحرية لإسبانيا والبرتغال، فإنها عمدت إلى الاهتمام بالشركتين الهندية الشرقية الإنجليزية والهولندية، وتلقت هاتان الشركتان هذا الاهتمام بترحيب حار.
وقبل أن يصل كارسيا دوسيلفيا إلى هرمز، وصلت رسالة من الملك فيليب الثالث إلى القائد البرتغالي في هرمز، فبادر هذا إلى إرسالها إلى كارسيا الذي أرسلها بدوره مع رسالة منه إلى أحد القساوسة في أصفهان ليترجمهما في حضرة الشاه.
وقد ضمن فيليب الثالث رسالته المطالبة المتكررة بالبحرين وميناء جرون وعدم تعرض الشاه عباس لقشم وهرمز، وألمح إلى أنه في حالة معاملة الإيرانيين للبرتغاليين في هرمز معاملة غير جيدة، فإن الحكومة الإسبانية لن تكون حينئذ مسؤولة عن النشاطات العدائية التي من الممكن أن تصدر عن البرتغاليين.
وحينما اطّلع الشاه عباس على مضمون رسالتي الملك فيليب الثالث وكارسيا، غضب غضباً شديداً ومزق رسالة كارسيا وأقسم في المجلس بأنه سينتزع هرمز من البرتغاليين بالسيف.
وفي عام 1620 حدثت معركة بالقرب من ميناء جاسك، بين السفن الإنجليزية والسفن البرتغالية وانتهت بانتصار الإنجليز في هذه المعركة التي تعد الأولى من نوعها بين هذين البلدين في المياه الجنوبية لإيران، وكانت هذه الضربة موجعة للبرتغاليين إلى حد أنها أنهت عظمة البرتغاليين في سواحل وجزر الخليج الفارسي وبحر عمان.
وقبل سنة من هذا التاريخ دخل الشاه عباس في محادثات مع شركة الهند الشرقية للإستعانة بقوتها البحرية، وعقد اتفاقية مع الشركة المذكورة استطاع بموجبها استخدام بعض السفن الحربية لاستعمالها في احتلال هرمز.
وقد استغرقت هذه المحادثات ما يقارب السنة الكاملة، حيث كان المتصدون لإدارة الشركة برغم الأضرار التي سببها لهم البرتغاليون ورغبتهم في القضاء على هؤلاء، بالرغم من ذلك كانوا يخشون الإقدام على الحرب لأمرين: فهم يخشون أن يفشلوا في احتلال قلعة هرمز من جهة وللعلاقات الودية التي تربط بلدهم بإسبانية من جهة أخرى فهم لا يحبذون الدخول في حرب دون إذن مسبق من ملكهم.
وانتهى أمر المفاوضات بين الطرفين بتهديد إمام قليخان والي فارس للإنجليز بأن الشاه سيلغي جميع الامتيازات السابقة التي منحها لهم ويصادر كل البضائع والسلع العائدة لشركتهم في حال عدم مساعدتهم لإيران في حربها مع البرتغال، بينما سيوفر لهم جميع ما يحتاجون إليه ويعوضهم بعد الفتح عن جميع خسائرهم إذا ما وقفوا إلى جانبه في حربه.
وعقدت في ميناء (ميناب) اتفاقية بين مندوبي الشركة وإمام قليخان وكانت بنودها كالآتي:
تقتسم الغنائم بالتساوي، وتخضع قلعة هرمز بعد احتلالها لقوات الطرفين، وتقسم واردات جمارك هرمز بالتساوي أيضاً، وتعفى البضائع البريطانية التي تجلب للشاه ولوالي فارس من الجمارك، ويسلم الأسرى المسيحيون إلى الإنجليز والأسرى المسلمون إلى الإيرانيين عدا القائد البرتغالي لهرمز وحاكمها المسيحي فإنما يجب أن يسلما إلى إيران. وتؤدَّى نفقات السفن وعمالها وذخيرتها الحربية بالتساوي.
وبعد عقدة هذه الاتفاقية قرر إمام قليخان احتلال جزيرة (قشم) أولاً لكونها المصدر الرئيسي لمياه الشرب في هرمز ثم يقطع الطريق على البرتغاليين وسفنهم ويحول دون وصولهم إلى مياه الشرب، ويأتي بعدها دور عمان حيث يحرض الأهالي هناك على الثورة بوجه البرتغاليين وقطع التموين عنهم. وثالثاً يتحرك هو عن طريق البر والإنجليز عن طريق البحر لمحاصرة قلعة هرمز واحتلالها.
حرب إيران والبرتغال
وفتح هرمز عام 1031هـ
باشر إمام قليخان بتنفيذ خطته التي وضعها، فإمر بقطع مياه الشرب في جزيرة قشم عن البرتغاليين، ودعا عامل أمير هرمز في جلفار (رأس الخيمة) للثورة ضد القوات البرتغالية وبالفعل فقد تحرر العامل المذكور من قبضة البرتغاليين مستعيناً بعرب جلفار، وهكذا نجح إمام قليخان في قطع مياه الشرب والمؤن عن القوات البرتغالية، ثم انتقل إلى المرحلة الثانية فطالب ملك هرمز بتأدية الخراج إلى خان لار كما كان حال هرمز قبل الاحتلال البرتغالي.
ولكن البرتغاليين رفضوا هذا الطلب رفضاً قاطعاً لأنه يتنافى مع حاكميتهم على الجزيرة، وهكذا تهيأت الأسباب لإمام قليخان لشن حربه على هرمز التي أعد مقدماتها من قبل.
وقبل أن تستعد القوات الإيرانية لشن حملتها على هرمز، عمد القائد البرتغالي في هرمز إلى التعرض لجزيرة قشم من أجل فك الحصار عن مياه الشرب واستطاع في رجب عام 1030هـ احتلال بعض أجزائها، وشيد على عجل قلعة من أجل الحفاظ على التجهيزات البرتغالية في الجزيرة.
تحرك إمام قليخان في ربيع الأول عام 1031م مع 5000 مقاتل متجهاً صوب ميناء جرون وأرسل على الفور قسماً من المقاتلين لاحتلال القلعة البرتغالية في قشم.
وهكذا تحرك الإيرانيون من البر والتجهيزات الإنجليزية من البحر وأخذت مدفعية الطرفين بدك القلعة التي كان يدافع عنها حينئذ ما يقارب 200 برتغالي و250 عربياً من أهالي جلفار وكان بين صفوفهم القائد البحري لهرمز، وأدركت القوات البرتغالية ومعها الجنود العرب بأن لا طاقة لهم بحملات القوات الإيرانية ولا بمدفعية الإنجليز، ومن ثم فقد كفوا عن الدفاع وأرغموا قائدهم على الاستسلام وقاموا بتسليم أنفسهم.
وأخذ البرتغاليون ومعهم القائد البحري لهرمز إلى السفن الإنجليزية، بينما نقل العرب والإيرانيون الذين التحقوا بالأعداء إلى القوات التابعة لإمام قليخان، وقام هو بدوره بقتل أغلبهم لتعاملهم مع الأعداء.
وبعد فتح جزيرة قشم، ترك إمام قليخان بعض قواته في هذه الجزيرة باعتبارهم قوة ضارية للدفاع عنها، بينما غادر هو ومعه أكثر قواته الجزيرة برفقة السفن البريطانية واتجه إلى ميناء عباسي (بندر عباس حالياً) من أجل تكميل النواقص في القوات والاستعداد للهجوم على هرمز.
وفي ربيع الثاني عام 1621م رست السفن البريطانية إزاء جزيرة هرمز، وانتظروا هناك حتى قدوم القوات الإيرانية من اليابسة، وعندما قدمت هذه القوات باشر الطرفان بضرب الحصار حول القلعة العسكرية في هرمز، في 27 ربيع الثاني واستمر الحصار حتى انتهى باحتلالها في العاشر من جمادى الثانية من نفس تلك السنة، وبلغ عدد الأسرى البرتغاليين حولي 3000 رجل، حيث سلموا إلى الإنجليز وفقاً اللإتفاقية.
وقام هؤلاء بنقلهم إلى الهند، وأما الأسرى العرب فقد قتل أغلبهم بجريمة الخيانة، وأرسلت رؤوسهم إلى ميناء عباسي، ووقعت الغنائم والخزائن والأسلحة والمدافع البرتغالية الموجودة في هرمز بأيدي الإيرانيين والملاحين الإنجليز، ولكن أغلبها كان من نصيب الإيرانيين، ثم باع الإنجليز حصتهم منها إلى الإيرانيين.
كان الملك في هرمز هو محمود شاه أخو فيروز شاه الذي مر ذكره آنفاً، وقد خلف أخاه هذا في ذي القعدة عام 1608 وظل خاضعاً لسيطرة البرتغاليين طوال فترة حكمه بكل ذلة وخنوع حتى سقط أسيراً بأيد القوات الإيرانية في العاشر من جمادى الثانية عام 1621م وبذلك انتهت سلسلة ملوك هرمز التي استمرت عدة قرون مستقلة حيناً وآخر خاضعة لسلطة البرتغاليين والإسبان.
وكان خروج هرمز من قبضة البرتغاليين أكبر ضربة توجه إليهم في الخليج إذ كانت هي الملجأ الأخير للقوات البحرية البرتغالية بعد أن احتلت البحرين عام 1601 وميناء جرون في عام 1613م وجزيرة قشم في عام 1620.
ولكونها المعقل الوحيد في الخليج الفارسي فإن ملك إسبانيا ونائب الملك في الهند حاولا جاهدين الاحتفاظ بها وسعيا من خلال الإبقاء عليها في قبضتهم في الاستمرار بالاحتفاظ بالتجارة في سواحل وجزر الخليج تحت إشرافهم، وعدم السماح للسفن الإيرانية والإنجليزية بمنافستهم ومن ثم القضاء على التجارة البرتغالية.
ولكن أملهم هذا في الاحتفاظ بالجزيرة تحول إلى يأس حينما انتزعت من قبضتهم واستعادت حريتها بعد 117 عاماً من الاحتلال الأجنبي (من عام 1504 ـ 1621م).
وكان فتح جزيرة هرمز بيد القوات الإيرانية والإنجليزية بمثابة الحكم عليها بإنهاء اعتبارها وأهميتها، حيث عمد الإيرانييون ـ وحسب الظاهر من أجل إنهاء طمع البرتغاليين فيها إلى الأبد ـ إلى تخريب كل عمران وبناء في الجزيرة ولم يستثنوا منها إلا قلعتها الحديثة البناء التي سلمت للقوات الإيرانية من أجل الاحتفاظ بها والاستقرار فيها.
وبدلاً عنها فإنهم اهتموا بميناء جرون الذي أسموه المسناء العباسي (بندر عباس الحالي) وأضفوا عليه رونقاً وقوة ونقلوا إليه التجارة السابقة في هرمز.
ومن أجل أن ينافس البرتغاليون الإيرانيين فإنهم سعوا للحصول على مركز تجاري يضاهي بأهميته موانئ جاسك وعباسي واختاروا مسقط، ولكن هذا الميناء لم تكن له أهمية جزيرة هرمز، إذ لم يكن يتصف بالموقع الجغرافي المناسب، ولا كان في مأمن من القراصنة وهجمات عرب عمان.
وبعد احتلال هرمز، أخذ إمام قليخان يفكر بانتزاع عمان ومسقط من سلطة البرتغاليين، حيث كانت هاتان المنطقتان تؤديان الخراج فيما سبق إلى ولاة كرمان وفارس، وسعى من خلال ذلك لتخليص أهالي المنطقة من شر البرتغاليين فقام بمحادثات مع الإنجليز وطلب إليهما المساعدة في تحقيق هذا الهدف، لكن هؤلاء لم يكونوا راضيين عما جنوه من حربهم الأولى مع البرتغاليين، فعمدوا إلى اشتراط شروط ثقيلة على إمام قليخان من قبل تسلّمهم جزيرة هرمز لهم وأخذهم لنصف عائداتها الجمركية والاحتفاظ بأربع قطع حربية في المنطقة من أجل حماية تجارتها في الخليج ولما كان إمام قليخان غير راغب في استقدام دولة استعمارية إلى المنطقة بعد تخلصه من البرتغاليين، وتسليم جزيرة هرمز لهذه الدولة وبالتالي تجديد نفس الأوضاع التي تم التخلص منها بصعوبة، فإنه رفض هذه الشروط.
وأغلق باب المفاوضات واكتفى بشراء سفينتين من قائد القوات الإنجليزية، إحداهما تقترب من نهاية خدمتها والأخرى لم يكن هذا القائد لينتفع بها.
هاجمت القوات الإيرانية عمان في نفس عام 1031هـ واحتلت قلاع صحار وخورفكان، ولكن (روي فريره) القائد البرتغالي السابق في هرمز الذي أسر في جزيرة قشم، كان قد أخذ من قبل الإنجليز إلى الهند، ومن هناك اتجه إلى ميناء كوآ برفقة ست سفن لمساعدة البرتغاليين في مسقط، وحينئذ ضاقت الأمور على القائد الإيراني لا سيما أن عدداً آخر من السفن كان في طريقه من الهند إليه.
واستطاع القائد البرتغالي بعد جهود مضنية انتزاع قلعتي صحار وخورفكان من الإيرانيين، ثم عزم على الانتقام لهزائم قشم وهرمز وتسيير قواته نحو الأخيرة واحتلالها.
فضرب الحصار حول هرمز لسته أشهر بقواته العديدة، لعله يستطيع بذلك إرغام القوات العسكرية والأهالي الموجودين فيها على الاستسلام ولكنه عندما رأى أن لا طائل وراء حصاره وأن قواته لا تكفي للهجوم على الجزيرة انسحب منها.
وفي شهر رجب عام 1622م أرسل نائب الملك في الهند قوات جديدة من ميناء كو آ لإمداد «روي فريره» وبادر هذا إلى ضرب الحصار ثانية حول هرمز حالما وصلته الإمدادات. ولكن الأهالي كانوا حينئذٍ قد أكملو التحصينات وبناء قلعتهم المحكمة، وإضافة إلى ذلك فإن الإنجليز والهولنديين كانوا غير راضين من تجديد سيطرة البرتغاليين على هرمز فساهموا في الدفاع عنها.
وفي شهر جمادى الأول عام 1034هـ اندلعت حرب كبيرة بين القطعات البحرية البرتغالية من جهة والهولنديين والإنجليز من جهة أخرى، ورغم أن كفة البرتغاليين كانت أرجح من كفة الهولنديين والإنجليز إلا أنهم لم يستطيعوا الحصول على انتصار كامل، فعاد روي فريره إلى مسقط وحينما رأى أيضاً أنه غير قادر على الاستيلاء على جزيرة هرمز اتجه أولاً إلى جزيرة (لارك) ثم اتجه إلى ميناء (كوآ) عن طريق ساحل عمان وبالرغم من أن البرتغاليين عاودوا محاولتهم للاستيلاء على هذه الجزيرة في عام 1630م إلا أنهم يئسوا من استرجاعها إلى الأبد.
وبعد أن أدرك البرتغاليون أنهم عاجزون عن استعادة السيطرة على هرمز وتجديد نفوذهم وقدرتهم السابقين في الخليج الفارسي وعن الوقوف بوجه قوة الشاه عباس الكبير، لجأوا إلى عقد صلح مع إيران في سنة 1624، وتخلوا بموجب هذا العقد عن جميع المناطق الخاضعة لسيطرتهم لإيران، بشرط أن يسمح لهم الملك الصفوي بإقامة مركز تجاري وقلعة في ميناء كنك من موانئ شمال شرقي (لنكة) من سالح لارستان، وكذلك اقتطاع نصف العوائد الجمركية لهذا الميناء ونصف حاصل صيد اللؤلؤ في البحرين.
ولم يكن الملك عباس راغباً في إنهاء علاقته الودية مع ملك إسبانيا، وهو يحاول إبقاء بعض هذه العلاقات من أجل الاستعانة بإسبانيا إذا ما تأزمت علاقته مع الهولنديين والإنجليز، وعلى هذا السبيل من التخطيط وافق على شروط البرتغاليين.
الله وردي خان
وابنه إمام قليُ خان
مر خلال البحث ما كان لكل من الله وردي خان وابنه إمام قلي خان من أثر في أحداث الخليج، فإن فاتح (لار) و(البحرين) و(قشم) هو الأول. وفاتح (ميناب) و(جرون) و(هرمز) هو الثاني.
لذلك رأينا أن نكمل البحث بالتعريف بهما لارتباط أحداثهما ارتباطاً وثيقاً بأحداث الخليج، وليرى القارئ المصير الذي صارا إليه بعدما كان لهما من الأثر في مجرى تاريخ الخليج.
فتح (الله وردي خان) لار للبحرين عام 1601م وولى ابنه (أمام قليخان) على إمارة (لار) وأحضر إلى الملك عباس آخر الولاة المستقلين للارستان وهو إبراهيم خان الذي يدعي رجوع نسبه إلى «كركين ميلاد بهلوان» المعروف الذي ورد ذكره في الشاهنامة، وفي نفس هذا العام استطاع إمام قليخان احتلال ميناء ميناب وشميل.
كان الله وردي خان الذي أرسله الملك عباس الكبير لولاية شيراز وتوابعها عام 1594م، كان في بادئ الأمر غلاماً أرمنياً اعتنق الإسلام واشتغل ضمن سلك الخدم وأخذ يترقى بالتدريج فأصبح في منصب «قوللر آقاسي» أي الخدم الخاصون بالملك من ذوي اللحى البيضاء، وإضافة إلى ذلك فقد عمل بمقام (زركرياشي) أي المشرف على المجوهرات والذهب الذي كان يصدر إلى خارج إيران أو يستورد إليها.
حكم الله وردي خان ما بين 1594 و1612م أي مدة 17 عاماً في فارس وتوابعها، وكان يحكم أيضاً لار والبحرين منذ عام 1010هج، وقد تميز بعدله وحبه للإعمار، وهو الذي أقام جسر (الثلاث وثلاثين عيناً) في (كهار باغ) من أصفهان، وهو الجسر المعروف باسم جسر جلفا والذي شيده بأمر الملك عباس.
وكذلك بنى مدرسة الخان في شيراز التي أكملها ابنه إمام قليخان عام 1613م.
في عام 1612م، عندما كان الملك عباس في طريقه من مازندران إلى أصفهان، سارع الله وردي خان في السفر من شيراز إلى أصفهان لتقبيل يد الملك، وبعد أيام قلائل من نفس السنة توفي في أصفهان واشترك الملك عباس شخصياً في تشييع جثمانه وأمر بنقله إلى مشهد ودفنه تحت القبة التي كان الله وردي خان قد أمر ببنائها.
وعين الملك عباس إمام قليخان ابن الله وردي خان خلفاً لأبيه، في ولاية فارس وتوابعها، وحضر بشخصه في منزل إمام قليخان لتعزيته وذويه وأبدى العناية والشفقة تجاههم وفوض إمام قليخان في اختيار ولاة المناطق التابعة لحكمه.
وخلال الفترة السابعة عشر عاماً من الفترة الأخيرة لحكم الملك عباس كان إمام قليخان منشغلاً بحكومة فارس، وعدا عن فتح هرمز الذي أشرنا إليه آنفاً فإنه أمضى جل وقته في خدمة الملك خلال حملاته المهمة، فمثلاً اشترك في محاصرة (فان) عام 1614م وفي فتح بغداد والبصرة عام 1625م، وأمره الملك عباس عام 1619م باقتلاع جبل رنك ووصل كارون بنهر زاينده رود، ولكن هذا العمل لم يثمر بسبب العقبات التي واجهتهم.
كان إمام قليخان محباً للرعية والعمران، ومن جملة عمرانه، الجسر الذي شيده على ملتقى نهر كحر وفلوار في بداية طريق (اصطخر ـ شيراز) وكان أيضاً محباً للأدب ولأهل الفضل معمر أهل الأدب والشعر مجلسه.
ومن ضمن العلماء المشهورين الذين ارتبطوا بعلاقات مع إمام قليخان المير أبو الحسن الفراهاني شارح ديوان الأنوري الذي كان أديباً فاضلاً وعاش مدة طويلة برفقة إمام قليخان ولكن هذا قتله عام 1039هـ بسبب وشاية الواشين وسعاية الحاقدين([531]).
أمر الملك عباس إمام قليخان والي فارس عام 1037هج باحتلال البصرة، فتحرك إمام قليخان مع الأمراء البختياريين إلى بغداد ثم اتجه بمحاذاة دجلة إلى البصرة فحاصرها.
ولكنه عندما بلغه وفاة الملك عباس في أشرف من مازندران في ليلة الخميس في الثالث عشر من جمادى الأولى سنة 1038هـ (1628م) ترك الحصار وأسرع إلى أصفهان ووصل إلى خدمة الملك الجديد (شاه صفي) الذي قام بالترحيب به وتكريمه وأعاده إلى شيراز.
تفصيل قتل إمام قليخان وأولاده : ـ كان لإمام قليخان أخ يدعى داود خان، يشغل منصب الحاكم على قراباغ وإيروان ويترأس قبيلة القاجارية المقيمة في قرا باغ، وهو مستقل في حكمه لهذه البلاد على غرار ما هو عليه حال أخيه إمام قليخان في فارس وسواحل وموانئ جنوب غرب إيران إلى حدود ملاير وتويسر كان وكذلك ابن أخيه صفي قليخان الابن الأكبر لإمام قليخان في لار.
خدمت عائلة إمام قليخان السلالة الصفوية ما يقارب الأربعين عاماً فأكسبها ذلك شهرة وأكسبها قدرة، وكان الشاه عباس الكبير مدركاً لمدى خدماتهم لملكه ومن ثم لم يألُ جهداً في تغطيتهم وعدم مضايقتهم في مناطق حكمهم.
وبعد وفاة هذا الملك، لم تتلقَ عائلة إمام قليخان تولي الملك صفي الحكم واعتلاءه العرش خلفاً لأبيه بترحيب واطمئنان.
وكان الملك صفي شاباً سفاكاً، ليس له مثيل بين سائر ملوك الصفويين في سفكه للدماء وقسوته، بل فاق في هذه الجوانب جميع ملوك إيران، حيث باشر منذ بداية حكمه بقتل كبار الأمراء والمقربين للعائلة المالكة وسمل عيون آخرين، لذلك كان عدم الترحيب هو شعور عائلة إمام قليخان تجاه اعتلائه للعرش.
وربما كانت هذه العائلة تتمنى في باطنها وتسعى للتخلص من هذا الملك الشاب السفاك، وإبداله بشخص آخر.
وسواء كان هذا هو شعور عائلة إمام قليخان تجاه ملكهم أو كان فرية افتراها عليهم الحاقدون، فإن اتهامهم بهذا الأمر وصل إلى الملك.
وبادر هذا الشاب القاسي القلب دونما تحقيق أو تروي إلى استئصال حياة هذه العائلة دونما تحقيق أو تروي إلى استئصال حياة هذه العائلة وقتل جميع أفرادها في عام 1042هـ وهكذا قُتل فاتح لار وهرمز مع أولاده شر قتلة.
وننقل فيما يلي تفصيل هذه الحادثة عن كتاب رحلة تافرنيه المسافر الفرنسي المعروف:
«كان إمام قليخان في غاية الإثراء والغنى، محبوباً لدى الجميع ومحترماً لديهم، ويعيش في كنفه أفضل المقاتلين الأشداء. وبالإضافة إلى ذلك فإنه كان يحكم بكل جلال وعظمة وكانت نفقاته اليومية تساوي تقريباً النفقات اليومية للملك، ولهذا قال له الملك عباس في يوم من الأيام على سبيل المداعبة، «كم أتمنى أن يصرف الخان أقل مني ولو بمحمودي([532]) واحد ليكون ثمة فارق ولو جزئي بينه وبين الخان».
«وكان تحلي إمام قليخان بالصفات الحميدة مدعاة لإلتفاف الناس حوله، فهو كان مثلاً محباً للحرية، وكريماً في عطائه لجنوده الأبطال، محترماً أهل الأدب، رحيماً مع الأجانب.
وقد أقام مدرسة في شيازل يدرس فيها الشباب العلم، وشيد فنادق في المدينة وعلى مشارف الطرق من أجل راحة المسافرين ومن أجل اختصار المسافات عمد إلى شق الطرق في بعض الجبال ووصل طرقاً أخرى ببعضها بإقامة جسور برع في الاعتناء بها والإنفاق عليها، حتى إن المرء ليتحير حينما يرى كل آيات الفن تلك من أبنية تربط بين جبلين أو جسور أقيمت على الأنهار.
وعندما أوغل إمام قليخان في العمر وأصبح مسناً فضل البقاء في مقر حكمه الذي يتمتع به باحترام العامة وتقديرهم وحبهم على القدوم على البلاط الملكي.
وكان الملك حينئذ شاباً صغيراً لذلك كانت أمور الدولة تدار بواسطة أمه ووزيره الأعظم اعتماد الدولة اللذين كانا يكنان الحسد والحقد لإمام قليخان لما بلغ من جاه ومقام.
وكان هذان الشخصان متحدين، تجمعهما منافع مشتركة ويرغبان في توسيع نفوذهما فترة بعد أخرى بل ويوماً بعد آخر، وكانا يريان أيضاً مقام إمام قليخان واعتباره الذي يفوق ما يتمتع به الملك في مقر عرشه، وإضافة إلى ذلك فإن خزانة الدولة لم تكن تجني ديناراً واحداً من عوائد فارس ولا هرمز وجميع السواحل والموانئ الخاضعة لنفوذ الخان وأولاده، بل إن خزانة الدولة هذه تنفق سنوياً مبالغ من المال من أجل تسديد نفقات قوات الخان في شيراز.
ومما دعا الملك إلى التخوف أكثر هو الادعاء بأن الابن الأكبر لإمام قليخان (صفي قليخان والي لار) يطمح إلى الوصول إلى السلطة العليا.
وكان هذا الولد يدّعي بأنه ابن الملك عباس الكبير، وهو لذلك أحق من الملك صفي باعتلاء العرش. وكان يؤيد ادعاءه بما كان معروفاً من اعتياد الملوك على إعطاء الخان أو الأمير الذي يريدون إشعاره باهتمامهم به وحبهم له، جارية من أفضل جواريهم، وكان الملك عباس الكبير قد وهب إمام قليخان جاريته المحبوبة.
ويقال إن هذه الجارية كانت حاملاً في الشهر الثالث حينما خرجت من البلاط الملكي، وبعد أن أمضت ستة أشهر في منزل إمام قليخان وضعت ولداً هو صفي قليخان، فهو ابن الشاه عباس الكبير وليس ابن إمام قليخان. ولما كان هذا الابن أكبر من الملك صفي فإنه أولى منه باعتلاء العرش.
وكان ابنا إمام قلي خان الآخران: فتح علي بك وعلي قلي بيك يوافقان أخاهما على مطالبته بالعرش على عكس والدهم الذي كان ينكر عليهم ذلك ويعلن وفاءه للشاه عباس ولابنه الشاه صفي إلا أنه أثار سوء ظن الملك وحاشيته به لقدرته ونفوذه وثرواته الطائلة وشعبيته بين الجنود.
واستشارت أم الملك الوزير اعتماد الدولة حول ما بلغها من عزم هؤلاء النفر على قتل ابنها، ووصلا إلى قرار بقتل إمام قليخان وأبنائه الثلاثة لإنقاذ حياة الملك.
ووافق الملك على تنفيذ هذا الأمر ولكن الصعوبة التي واجهتهم هي كيفية إحضار هؤلاء الأربعة إلى البلاط الملكي.
وصادف هذا الأمر خبر هجوم السلطان مراد خان السلطان العثماني على إيران، وقدومه إلى تبريز بعد احتلاله لإيروان. ولكونه لم يستطع الاحتفاظ بالمدينة فإنه انسحب منها بعدما خربها.
وبمجرد أن بلغ الملك خبر تقدم العثمانيين في أرمينيا، أصدر أوامره إلى جميع عماله في الولايات بالقدوم شخصياً برفقة جميع جيوشهم والتحرك صوب قزوين حتى يلتقيهم الملك هناك.
وعندما بلغ أمر الملك لإمام قليخان في شيراز، وكان هذا يعتبر أهم خان في الدولة والقائد العام للقوات المسلحة، بادر إلى إصدار أوامره بإحضار جيشه وتهيأ للتحرك بأسرع وقت.
وكان جيشه هذا من أفضل الجيوش الإيرانية، وكان أفضل القوات وأشجع المقاتلين منضوين في صفوفه، بحيث لا يمكن تصور جيش أفضل من هذا الجيش يمكن إرساله إلى الملك آنذاك.
وتحرك إمام قليخان مع أبنائه الثلاثة نحو قزوين، وفي أثناء الطريق كان ابنه الأكبر أكثر ذكاء وفطنة فدنا من أبيه وهمس في أذنه قائلاً: إننا نغذ السير ليقطع الملك رؤوسنا ويلقيها بين أرجلنا.
فأجاب الأب: ربما تكون على حق ولكني إلى اليوم لم أعص الملك، بل أطعت أوامره في كل وقت، وسوف أظل مطيعاً له مهما كانت الظروف([533]).
وعندما وصل إمام قليخان وأولاده الثلاثة استقبلهم الملك في قزوين بالترحيب التام، وبعد بضعة أيام وصلت جميع الجيوش التي كان ينتظر قدومها، ثم استعرض هذه القوات، وأعلن احتفالاً عاماً لثلاثة أيام وثلاثة ليال متوالية واشترك في هذا الاحتفال جميع الخوانين والأعيان والأمراء.
وكان أولاد إمام قليخان الثلاثة من ضمن المدعويين في الاحتفال ولكن الخان نفسه لم يحضر ربما لكبر سنِّه، أو بحجة أنه يريد الاشتغال بالصلاة والطاعة والدعاء واعتذر بهذه الأسباب لدى الملك ولكنه أبلغه بأنه سيحضر إذا كان الملك مصراً على مجيئه.
وعندما اطّلع الملك على رسالة إمام قليخان واعتذاره، أجابه بأن الخان حرٌّ في كيفية تمضية وقته. وفي اليوم الثالث من الاحتفال نهض الملك صفي في القاعة دون أن ينبس ببنت شفة أو يطلع أحداً على عزمه، ثم تخطَّى الحاضرين ودخل غرفة مجاورة.
وبعد نصف ساعة دخل القاعة ثلاثة رجال أشداء يحملون السيوف بأيديهم ومعهم جماعة آخرون وقد أمسك كل واحد من هؤلاء الثلاثة بواحد من الأبناء الثلاثة لإمام قليخان الذين كانوا عاجزين حينها عن إبداء أي مقاومة، ثم قطعت رؤوس هؤلاء الثلاثة ووضعت في طست من الذهب وأرسلت إلى الملك صفي. وحالما وصلته أمر بإرسالها إلى إمام قليخان وقطع رأسه ليكون رابعهم حالما تقع عيناه على رؤوس أبنائه.
وعندما دخلت الرؤوس على الخان كان هو منشغلاً بالصلاة فقطعوا عليه صلاته ليرى أبنائه، فطلب الخان أن يتم صلاته فسمحوا له بذلك وأتم صلاته دون أن يتغير، وعندما فرغ اكتفى بقول هذه الجملة التي ذهبت مثلاً دارجاً لدى الإيرانيين (الأمر المبارك للملك مطاع)، ثم فصلوا رأسه عن جسده ووضعوه مع رؤوس أبنائه وأرسلوها إلى الملك، فقام هذا بإرسالها إلى الحريم لإطلاع أمه عليها.
وربما كانت أسرة إمام قليخان من أفضل الأسر الإيرانية وأكثرها عدداً، حيث كان لإمام قليخان وحده إثنان وخمسون ولداً وبمجرد أن قتل الشاه صفي الخان وأولاده الثلاثة، أرسل رجاله على عجل إلى شيراز لقتل جميع أولاده.
وبالفعل فقد نفذت الأوامر ولم ينج من القتل إلا رضيعان أخفتهما مرضعتاهما، ولم يستطع أحد أن يعثر عليهما ولا على هاتين المرضعتين.
والجدير بالذكر أن ثمة مقدمة لقتل إمام قليخان وأولاده وسقوط ملكه لم يعرض لها (تافرنييه)، ومن أجل إتمام الموضوع نذكرها فيما يلي:
كما ذكرنا سابقاً، أن ثمة أخاً لإمام قليخان هو داود خان الذي عينه الملك عباس محل محمد قليخان زياد الأوغلي القاجاري أمير الأمراء ووالي قراباغ وإيروان.
وقد أصيب داود خان بالذعر الشديد لما رآه من مذابح ومجازر شبه يومية يقوم بها الملك صفي لتصفية كبار الأمراء وأعضاء العائلة المالكة، ومما زاد في ذعره وتخوفه هو سعاية بعض الخانات القاجاريين لدى البلاط الملكي المعادية لداود خان وتحركاتهم عليه.
واضطره تخوفه هذا للاتحاد مع طهمورث خان الأول (1585 ـ 1663م) ملك ولايتي كاختي وكارتيلي من ولايات كرجستان وساهم معه في القضاء على عدد من الخانات القاجاريين والتعرض لكنجه وقراباغ.
فعزل الملك صفي داود خان وطهمورث خان من منصبيهما، وأوكل الحكم في قراباغ ـ كما كان في السابق ـ إلى محمد قليخان زياد الأوغلي القاجاري، ونصب خسرو ميرزا الكرجي حاكما على ولايتي كاختي وكاتيلي، وتحرك بنفسه صوب كرجستان.
وفي هذه الغضون بلغه قصة سعي داود خان لإيصال صفي قليخان ابن إمام قليخان إلى العرش الملكي، مما أثار ضغينة الملك صفي تجاه عائلة إمام قليخان.
وعندما وصل الملك صفي إلى قراباغ وكرجستان، هرب داود خان ولم يعلم أحد بمصيره.
أحداث في الخليج
مروراً بالعصور الحجرية والنحاسية والبرونزية، والسلالات الأولى لحضارات، وادي الرافدين، وحتى عهد مملكة آل مسمار من قبيلة عبد القيس، ثم القرامطة، كان هذا الخليج (المعروف ببلاد البحرين) ـ كما يسمى في عهد الإسلام ـ قد كسب بعداً حضارياً من تلكم الأمم والأقوام والجاليات، في عصور وحقب متباعدة أحياناً ومتواصلة أحياناً أخرى.
كما كان أرضاً خصباً لمختلف الديانات من وثنية ومجوسية، وأسبذية (عبادة الخيل) ونصرانية ويهودية، حتى انبثق فجر الإسلام، فدخل سكانه في الإسلام، أفواجاً تلوها أفواج، وتتكون هذه الأفواج من غالبية السكان، فأضحى كالفسيفساء يتوهج داخلها مختلف الحضارات الإنسانية، بحكم موقعها الجغرافي حيث توصل الغرب بالشرق، ناهيك عن الثروات المتنوعة الهائلة التي حباها الله بها منذ أقدم العصور.
ومن بين أولئك الأمم والأقوام الكنعانيون، الذين هاجروا من بلاد البحرين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وإلى الهلال الخصيب عبر الألف الثالث قبل الميلاد والذين عرفوا فيما بعد بالفينيقيين، واشتهروا في التاريخ بأنهم أول أمة اخترعت الحروف الهجائية.
وكذا البابليون، وكان أشهر ملوكهم الملك السادس ـ حمورابي ـ الذي وصلت فتوحاته حتى الخليج، والآشوريون، والعمالقة المنحدرين من الكنعانيين.
وهؤلاء هم الذين اشتهروا أيضاً بإنجاز أعظم صرح علمي عملاق آنذاك. وهو هندسة وحفر هذه العيون المنتشرة في أنحاء بلدان الخليج ومدنه وقراه، وكذلك الفرس واليونانيون والهند والسند.
وهكذا كانت بلاد البحرين في مسلسل حضاري منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. وإن كانت تشوبه أحياناً في بعض الحقب التاريخية فصول درامية، نظراً لما تعرضت له من غزو واحتلال وتدمير، هنا وهناك، إلا أنه في أغلب الأحوال بقي في صيرورة متواترة من التواصل الحضاري مع تلك الأمم والأقوام والجاليات.
وقبل فجر الإسلام كان شرق الجزيرة العربية يعج بمختلف الأديان، منها الوثنية (ويبدو أن هذه لم تخل من الأصنام حينذاك، لذلك سميت المحرق على اسم صنم، وكذا أوال على صنم)، والمجوسية والأسبذية، والنصرانية واليهودية، وكان وجود اليهودية في الخليج ضئيلاً جداً، أما النصرانية، فكان أساقفتها منتشرين في هذه المنطقة، في هجر، والخط ودارين، وقطر، والبحرين، ثم جاء الإسلام.
فشمل بلاد البحرين وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الوفود تحمل رسائله إلى عبد القيس وبكر بن وائل، وملك البحرين المنذر بن ساوى الأسبذي، وقبل وصول هذه الوفود والرسائل، كانت ثمة عدة وفادات من البحرين إلى المدينة المنورة، وأهمها وفادتان. الأولى منها كانت في السنة الخامسة للهجرة بزعامة المنذر بن عائد.
وبعد فتح مكة المكرمة السنة الثامنة للهجرة (629م) عاد هذا الوفد إلى البحرين بصحبة العلاء بن عماد الحضرمي موفداً من النبي محمد صلى الله عليه وسلم لملك البحرين المنذر بن ساوي الأسبذي، يحثه على اعتناق الإسلام.
وفي السنة التاسعة للهجرة ذهبت نخبة من عبد القيس بزعامة الجارود بن العلاء بن حنش العبدي إلى المدينة المنورة، كوفد يمثل عبد القيس لمقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد سُرّ الرسول كثيراً ورحب بهم، وكان الجارود على نصرانيته، ثم أسلم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه.
كما دخل في الإسلام ملك البحرين المنذر بن ساوي الأسبذي على أثر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليه ودخل معه من أهل البلاد كثرة ساحقة، ما عدا اليهود وبضعة أعداد من المجوس، بقوا على ديانتهم، ففرضت عليهم الجزية، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة ارتد عن الإسلام الكثير من الناس.
وبعد أيام قلائل من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم توفي ملك البحرين المنذر بن ساوي، الذي أصبح بعد إسلامه عاملاً للرسول على البحرين، فازداد عدد المرتدين والمتمردين من شتى العناصر والفئات، حتى كادت قبيلة عبد القيس أن تنفرط ضمن ما انفرط من حبات هذه السبحة، غير أن الجارود بن العلاء العبدي أحد زعماء عبد القيس، وأحد من أسلم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم طواعية، والذي أسلفنا ذكره، قد خاطب قومه ونصحهم فأثر فيهم نصحه لهم بالتمسك بالإسلام، فأصبحوا أكثر قناعة بالإسلام مما كانوا عليه من قبل، أما قبيلة بكر بن وائل فقد أصرت على ارتدادها وأعلنت الحرب على عبد القيس، وخلالها حاولت استمالة ملك الفرس ليساعدهم ضد عبد القيس.
وقد أجابهم وأمدهم وآزرهم، الأمر الذي مكّنهم من محاصرة عبد القيس في (حصن جواثا) فأذاقوهم مرارة الحصار والجوع، فكتبوا إلى الخليفة أبي بكر (رضي الله عنه)، فلبّى استغاثتهم وأمدهم بجيش بقيادة العلاء بن عماد الحضرمي فزحف العلاء إلى القطيف، ثم اجتاز إلى تاروت، ثم إلى دارين، وهناك كانت المعارك حامية الوطيس حتى تم النصر للمسلمين، ثم زحف إلى الزارة فحاصرها.
وكان قد تحصن فيها فيروز بن جشيش الملقب (بالمكعبر) وأتباعه من مجوس القطيف، فلم يستطع جيش المسلمين اقتحام الزارة نظراً لقوة تحصينها، حتى أول خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في السنة الثالثة عشرة للهجرة (634م) فطلب المكعبر من جيش المسلمين أن يبرز له أحدهم لينازله منفرداً فكان له ما أراد، وبرز له رجل يدعى البراء بن مالك الأنصاري، فبارزه حتى قتله.
وعندئذٍ خرج من الزارة شخص فأخبر جيش المسلمين بأن هناك عيناً تمد مدينة الزارة بالماء، فقام العلاء الحضرمي قائد جيش المسلمين بردم هذه العين، فلما انقطع الماء عن المدينة استسلم من في الزارة، ثم عملوا صلحاً مع العلاء الحضرمي على أن يأخذ من غنائم الزارة ثلث ثروتها من الذهب والفضة.
وبذلك تم القضاء على الفتن والتمرد والفوضى. كما تم القضاء على العناصر التي أشعلت أوارها من مرتدين ومجوس وطامعين وغيرهم. فازدهرت البلاد في عهد عبد القيس اقتصادياً.
وكانت بلاد البحرين تمثل الثقل الأهم الداعم في تمويل الدولة الإسلامية المركزية عند الفتوحات خارج الجزيرة العربية، كبلاد فارس وغيرها، من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عهد الخلفاء الأربعة، هذا إلى جانب انخراط أهل البحرين في الجيوش الإسلامية، فاشتركوا مع الجيوش الإسلامية في الكثير من المعارك الحربية.
وحين حدثت واقعة الجمل انقسمت عبد القيس إلى فريقين، فريق عاضد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فانضم إلى معسكره أربعة آلاف مقاتل، وكان يمثل الفريق الأكثر والأقوى، بقيادة أحد أبناء أشراف عبد القيس ويدعى عمرو بن المرجوم، وفريق آخر انحاز إلى معاوية بن أبي سفيان، بقيادة رجل يدعى صحار بن عياش العبدي، أحد زعماء عبد القيس.
وبعد أن تنفس أهلها الصعداء وخلدوا إلى الراحة والأمن والاستقرار، توجهوا إلى التنمية والتعمير وتنظيم أمور الدولة. غير أن تلك النقاهة وتضميد الجراح لم تدم طويلاً، إذ جاءت الدولة الأموية فكانت حقبة سيئة متعسفة بأبناء هذا الإقليم تعسفاً مريراً، وكان هاجس هذه الدولة الأموية الابتزاز والاستنزاف للمزيد من المد المالي، وهمها الأول اتساع هذا الرافد لإشباع نهمهم وملذاتهم، وما عدا ذلك من هموم ومشاكل هذا الإقليم فهو في خانة الهوامش الثانوية.
فكان ذلك سبباً لقيام الانتفاضة تلو الأخرى، فكلما نضجت انتفاضة قمعها الأمويون بالعنف والسحق وزرع الرعب.
ومن بين الانتفاضات، الانتفاضة التي تزعمها بنو محارب بن عمرو بن وديعة، فقمعها عامل الأمويين محمد بن صعصعة بمؤازرة والي اليمامة بأمر من الخليفة.
وفي سنة تسعة وسبعين للهجرة 698م حدثت انتفاضة في الخط، بقيادة ريان النكري، فكانت أشد عنفواناً وقوة وخطورة مما قبلها، الأمر الذي عصف بعامل الأمويين في البحرين ـ محمد بن صعصعة ورجاله، وهز الأرض من تحت أقدامهم، فلجأ إلى استمالة الأهالي واستنفارهم والوقوف بجانبه لقمع الانتفاضة. فلم يصغ له أحد من عبد القيس، وكان مقر ريان النكري الزارة بصفتها عاصمة الخط.
وبعد عام من ولادة هذه الانتفاضة 699م أرسل الحجاج جيشاً لسحقها ودارت معارك داخل ميدان الزارة، انتهت بمصرع ريان النكري وعدد من رجاله، وعلقت جثثهم في الشوارع لإرهاب السكان وترويعهم، إلا أن هذه الطريقة البشعة كانت حافزاً لقيام انتفاضة أخرى، بدلاً من الاستسلام (كما كان يتوقع عامل الأمويين) بقيادة داود محرز بن عبد القيس، فاستولى على القطيف وأقام فيها وأمر بإنزال جثة النكري وصحبه المصلوبين ودفنهم.
وفي سنة ست وثمانين هجرية (705م) قامت انتفاضة أخرى بزعامة مسعود بن أبي زينب المحاربي بن عبد القيس، فطرد عامل الأمويين، ويدعى الأشعب بن عبد الله بن الجارود العبدي، وتمكن من القضاء على مقاومة الأزديين.
وتلت هذه الانتفاضة انتفاضة أخرى بزعامة سعيد المحاربي، أخ لمسعود المحاربي، الذي قتله الأمويون وهكذا تواصل مسلسل الانتفاضات ضد تعسف الأمويين وعنفهم وضراوتهم، ثم جاء عهد الخلافة العباسية، ففي سنة 151 هجرية (768م) قامت انتفاضة في بلاد البحرين أعلنت التمرد على أبي جعفر المنصور بزعامة سليمان بن حكيم العبدي فجهز المنصور جيشاً وجهه إلى البحرين لسحق التمرد بقيادة عقبة بن سلم العبدي، فالتقى الفريقان ودارت بينهما المعارك العنيفة، انتصر فيها العباسيون، وقتل سليمان العبدي، وأعقبت هذه الانتفاضة أخرى، حتى يئسوا وعجزوا عن إخماد هذه الانتفاضات المتواصلة وسحقها نهائياً.
فخرجوا من بلاد البحرين مهزومين، وعندئذٍ أفرزت تلك الانتفاضات محصلة، وهي قيام مملكة آل مسمار بن عبد القيس في القطيف، وقد قضى عليها (الحسن بن بهرام) المقلب بأبي سعيد الجنابي، من مدينة جنابة ببلاد فارس، فبعد أن قويت حركته في القطيف.
وكان حينذاك ضامناً لمكوس القطيف مما جعله ذا ثروة عظيمة مكنته من التوسع وانتشار حركته إلى جانب تجارته في الدقيق، فصار ينفق بسخاء على ترويج دعوته وتقويتها، ومن ثم بدأ يقوم بغارات خاطفة على نواحي القطيف.
ثم تحول إلى مرحلة الهجوم المركز لاجتياح القطيف، بعد أن لملم حوله بعض الأعراب ورجال البادية.
فتصدى لجيشه القوي أهالي القطيف بقيادة أميرهم علي بن مسمار، فاشتعلت الحرب الضروس بين الفريقين فاستطاع أبو سعيد الجنابي من تحقيق نصر ساحق، فسقطت مدينة القطيف في أيدي القرامطة، فعمل فيها فتكاً وقتلاً ونهباً وتمثيلاً، ونهب كل ما وجده أمامه من أموال وذهب وأسلحة ومواشي ففر من نجا بنفسه واعتصموا في الزارة (حصن القطيف وحاضرتها) فلحق بهم وضرب حصاراً على الزارة، فدافعوا عن حصنهم بشجاعة بزعامة الحسن بن عوام من قبيلة الأزد، وصمدوا لأكثر من عام، وتم لأبي سعيد الانتصار، فقتل ونكل ومثل بأهلها ونهب كل شيء، كما هي عادته.
ثم أشعل النيران في العاصمة وأحرقها حتى جعلها رماداً تذروها الرياح، ولذلك سميت الرمادة آنذاك وذلك في سنة 283 هجرية (896م).
ثم قام باجتياح (صفوى) وكان بها بنو حفص من عبد القيس، ثم الظهران، وجواثا، وكلما استولى على مدينة سحق المدافعين عنها بكل عنف وضراوة ووحشية إلا أن هجر وهي عاصمة بلاد البحرين والمركز التجاري الرئيسي صمدت في حصاره لها لنيف وعشرين شهراً.
فحاول اقتحام أسوارها بالدبابات تجرها البقر والجمال ففشل، وعندئذ قام بتحويل مجرى العين التي تغذي هجر بالمياه إلى البحر، بعد أن فشل في ردمها، ففر البعض إلى جزيرة أوال. وفتك بكل من لم يستطع الفرار.
وبعد أن فعل فعائله الوحشية دعا الفقهاء والعلماء ووجهاء البلاد إلى المشاورة والتداول في أمور المدينة، وحين اكتمل العدد المطلوب من وجهاء المدينة أضرم فيهم النار، ومن نجا من هذه المحرقة تلقته سيوف رجاله وأخيراً استولى على الأحساء.
وهكذا تم لأبي سعيد الجنابي احتلال البحرين.
وجعل منها مملكته وولّى أولاده من بعده وانطلاقاً من مملكته هذه جعلها ركيزة لامتداد حكمه خارجها. حتى لقي حتفه على يد أحد خدمه في قصر بجزيرة تاروت بخنجر في صدره داخل الحمام، ثم نادى على ضيوف أبي سعيد واحداً واحداً بأسمائهم زاعماً أن أبا سعيد يستدعيهم، وكلما دخل واحد منهم في الحمام طعنه في ظهره بخنجر فقتله حتى انتبه إليه آخرهم فقبض عليه أبناء أبي سعيد وقطعوا جسم الغلام الخادم بالمقاريض بعد محاكمة صورية سريعة.
وربما كان فعل الخادم هذا بقتل سيده وضيوفه ردة فعل لما عمله أبو سعيد في أهل هذه البلاد وكل بلد استولى عليها أو حاول الاستيلاء عليها من نهب وسلب وفتك وتقتيل ورعب ….
وحين جاء خلفه ـ ابنه أبو طاهر ـ عمل مع رجاله في الحجيج كقطاع الطرق، ثم دخل مكة بالخدعة حيث ادعى بأغلظ الإيمان بأنه جاء للحج فقط، ثم خدعهم، وبعد دخوله مكة بيوم واحد تنمر ونزع اللثام عن حقيقة أهدافهم فهاجم مكة ليلاً واحتلها واقتلع كل ما في الكعبة من ذهب وفضة والمحاريب المذهبة، ثم اقتلعوا باب الكعبة ذا الصفائح الذهبية، ثم اقتلعوا الحجر الأسود بالمناقير، ثم نهب وسبى كل شيء من الكعبة ومن أهالي مكة وأتى بغنائمه إلى البحرين منتشياً بانتصاره فرحاً بنهبه وسلبه وغدره.
ولم يكتف بهذا القدر من الأسلاب والسطو والوقاحة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث جاء بالحجر الأسود إلى القطيف ووضعه بين سيهات وقرية الجش، وقد أطلق على هذا المكان اسم (الكعبة) في سنة 928م وبقي هذا الحجر الكريم اثنين وعشرين عاماً.
وفي سنة 950م رده إلى مكة أحد أقارب أحمد الجنابي بن سعيد الجنابي وأحد قواد أحمد يقال له سنبر بن حسن بن سنبر …
باقر الشماسي
الخليج
ـ 2 ـ
التنافس البريطاني ـ التركي
على سيادة الخليج
في القرن التاسع عشر([534])
أدى إقدام بريطانيا على تأسيس أمبراطورية شاسعة الأطراف في أواسط القرن التاسع عشر إلى ظهور طائفة من المشاكل في خضم سياستها الأمبراطورية الخارجية، كان من أقلها مسألة السيطرة على طرق المواصلات إلى الهند البريطانية.
ذلك أن البريطانيين، مثل البرتغاليين الذين سبقوهم سرعان ما تحققوا من أهمية بعض المناطق ـ كالخليج الفارسي ـ في سبيل السيطرة البحرية بالإضافة إلى المطامع الإقليمية في الهند.
وقد وجدت هذه الحقيقة لها تعبيراً ملموساً في سلسلة المواثيق التي عقدت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر مع القبائل التي تسكن سواحل شبه الجزيرة العربية، تلك المواثيق ألتي أعانت حكومة الهند على بسط حماية فعلية على الإمارات العربية التي تمتد على سواحل الخليج، وبذلك تحول الخليج الفارسي إلى بحيرة بريطانية.
ولقد قوبل بسط السيادة البريطانية على الخليج الفارسي باهتمام من لدن تركيا العثمانية وإيران. غير أن أياً من هاتين الدولتين، اللتين كانتا تعتمدان على تأييد بريطانيا لهما في الحفاظ على كيانهما، وتحقيق وحدتيهما الإقليمية، لم تكن في وضع تستطيع معه أن توجه احتجاجاً مؤثراً ضد انتشار النفوذ البريطاني في الخليج.
على أنه اشتركت، في حدود سنة 1870م عدة عوامل في تهيئة انتفاضة حيوية في السياسة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وفي الخليج الفارسي.
ذلك أن حرب القرم تركت تركيا في وضع عسكري قوي. إذ تشجع السلطان عبد العزيز آنذاك على التفكير في الوسائل التي يعزز بها مركزه في الأقاليم الآسيوية التي لم تكن سيادته عليها أكثر من ظل معنوي.
وما خلا ذلك فإن إنشاء قناة السويس قد فتح طريق المواصلات مع شبه الجزيرة العربية وبذلك تم اجتناب الطريق البري عبر فيافي الصحراء وأخيراً في (نجد) نفسها أخذت الخصومة بين الأميرين سعود وعبد الله تزيد في وهن الوهابيين بعد وفاة فيصل تفتح السبيل أمام التدخل التركي في ذلك الجزء من البلاد.
وجاء تعيين مدحت باشا ذلك السياسي «ذي الحجة الطموحة التي لا تعرف الكلل»([535]) حاكماً عاماً في بغداد سنة 1868 موعزاً باتّباع سياسة عربية فعالة من لدن الباب العالي.
كان مدحت يدرك مدى العداء الذي تثيره مثل هذه السياسة في الأوساط البريطانية ومع أن تنبؤاته الحرة كانت تظهره بمظهر الرجل المتأثر بوجهة النظر الإنكليزية إلا أنه لم يكن على استعداد لأن يضحي بالمصالح الحيوية للأمبراطورية العثمانية في سبيل الحليف البريطاني([536]).
وقد هيأ التنافس بين الأميرين السعوديين عبد الله وسعود أيام مدحت فرصة العمل لتوسيع مخططاته الرامية إلى تعزيز مركز تركيا في نجد.
ففي سنة 1869 اتخذ العداء بين الأخوين شكلاً سافراً. ففي أول الأمر جابه سعود الهزيمة في «المعتلى» على يد قوات الرياض([537]) لكنه ثأر لنفسه حين دحر عبد الله في جدة سنة 1870م([538]).
ولقد أوهنته الهزيمة أمام الوهّابيين فهرب متجهاً نحو العراق مخلفاً وراءه أخاه في الإشراف على نجد. وقد التقى، وهو في طريق هربه بمبعوث مدحت فبدأت المساومات بين الطرفين حيث وعد الأتراك بإعادة نجد إلى الأمير عبد الله مقابل اعترافه بالسيادة العثمانية على الأجزاء التي يحكمها([539]).
كان خديوي مصر إسماعيل باشا هو الذي أنبأ الإنكليز بالحملة العثمانية المقترح إرسالها إلى نجد. وقد قوبلت هذه المعلومات بهلع في الهند لسببين:
فلقد كانت الدائرة الخارجية تخشى موافقة البريطانيين على فضح روسيا القيصرية لفقرات من معاهدة باريس تتعلق بحياد منطقة البحر الأسود التي حدت بالباب العالي إلى إجراء ترتيب بهذا الشأن مع بطرسبرغ.
وكما عبّر عن ذلك أحد الدبلوماسيين الكبار في الهند «لقد غدا مفهوماً بصفة عامة، منذ أن أشركنا الأتراك بشؤون البحر الأسود، أنهم كانوا على حسن تفاهم مع روسيا أكثر مما كانوا عليه قبلاً …
إنني أعتقد أن فتح قناة السويس قد جعل مصلحتنا تتطلب منا أن نكون على علاقات حسنة وودية مع تركيا عشر مرات أكثر من ذي قبل وأن المجرى الذي سارت فيه المحادثات بشأن البحر الأسود مما يؤسف له كثيراً بالنسبة لمصلحة الهند»([540]).
ومهما يكن الأمر فإن الاهتمام المباشر كان يركز في حقيقة أن تلك الحملة تهدد بتقويض أسس السيادة البريطانية في الخليج الفارسي([541]).
ذلك أن سيادة بريطانيا على البحار كانت تستند إلى حقوق افترض وجودها بصفة تعسفية وليس إلى فرضيات قانونية، فمثلاً إن الحظر على الحرب البحرية لم يطبق بدقة إلا في الإمارات المهادنة([542])، ولو أن الهند كانت ترفض في الواقع، تحمل العمليات البحرية من أية دولة تقدم عليها في الخليج.
فمثل هذه السياسة لا يمكن تأييدها إلا بشكلها الجماعي. فالاعتراف بأي استثناء لها قد يعني التخلي عن الموضع برمته.
ولذلك كان نائب الملك في الهند اللورد «مايو» يضغط على الحكومة البريطانية بأن تحصل من الباب العالي على أمر بإلغاء تلك الحملة، وإذا ما أخفقت في ذلك، فعليها أن تظفر منه بتأكيد في أن المعارك لن تستأنف في ذلك الطريق البحري([543]).
ذلك أن وزارة الخارجية البريطانية التي كانت الممثل الأولى لسياسة الحفاظ على الوحدة الإقليمية للأمبراطورية العثمانية منذ عهد «بالمرستون»، لم تكن في وضع تستطيع معه أن تمنع الحكومة التركية من تعزيز مركزها في أواسط شبه الجزيرة العربية، تلك المنطقة التي يدعي السلطان عبد العزيز بحق السيادة الروحية عليها([544]).
ومهما يكمن الأمر فإن مخاوف حكومة الهند هذه قد تم نقلها إلى الباب العالي عن طريق «السير هنري أليوت» السفير البريطاني في أسطمبول([545]).
ولقد أكد علي باشا رئيس الوزراء للسفير بأن تركيا لا تفكر في تحدّي مركز بريطانيا في الخليج، غير أن «نجد» كانت إقليماً عثمانياً عزل حاكمها الشرعي من قبل سعود ولهذا فمن المحتم على السلطان أن يسارع إلى نجدته.
على أن تركيا قد تحترم استقلال الدول العربية البحرية التي لم تكن تخضع للحكم الوهّابي. وهكذا فإن الجيش العثماني لن يستطيع مرة أخرى، استعمال الطريق البري للوصول إلى أواسط شبه الجزيرة العربية. لكن العمليات البحرية التي تخص الحملة قد تقتصر على عملية نقل القوات فحسب([546]).
كان المقيم البريطاني في «بوشهر» السير لويس بلي هو الذي لفت أنظار الدائرة الخارجية إلى بعض المشاكل المتعلقة بالحالة الراهنة في الخليج، والتي لم يهيئ تأكيداً علي باشا أي حل لها. فلقد طلب شيخ البحرين والأمير سعود إلى «السير بلي» تحديد موقف بريطانيا إزاء الغزو العثماني.
فقد كان الأمير سعود يخشى أن تتعرض أجنحته لعمليات بحرية ولذلك أوضح أن على الحكومة البريطانية أن تعزز الحظر المفروض على العمليات البحرية، أو أن تسمح له باستئناف الهجوم على البحار.
وكان عيسى بن علي شيخ البحرين يخشى أن يقدم شيخ الكويت ـ الذي كان نزاعه معه مستحكماً ـ على مطالبة تركيا بإلحاح لمهاجمة إمارة البحرين([547]).
ولم ترد حكومة الهند على سعود لأن استفهامه ذاك لم يكن مبرأً من الرغبة في إقحام إنكلترا في أواسط شبه الجزيرة العربية بمثابة ند لتركيا.
غير أن عيسى بن علي وشيوخ الساحل المهادن كانوا يؤكدون بأن الحكومة قد تلتزم بالتزاماتها التعاقدية شريطة أن يقفوا هم موقفاً حيادياً إزاء النزاع التركي الوهّابي([548]).
أبحر الجيش العثماني بقيادة «نفيس باشا» من البصرة سنة 1871م في طريقه إلى الساحل الوهابي([549]). ولقد نزل الجيش في «رأس تنورة» على الأرض المواجهة للبحرين تماماً. وبعد أن قضى على مقاومة غير مجدية في «القطيف» و«الدمام» سار إلى «الهفوف» عاصمة الأحساء([550]).
وكان عبد الله في الوقت ذاته قد التحم في معركة مع سعود غربي الرياض لكنه اندحر مرة أخرى والتحق بالأتراك في الهفوف.
وسرعان ما دب الاضطراب في صفوف سعود أيضاً. ذلك أن التمرد المحلي عليه قد أرغمه على مغادرة الرياض حيث اندحر بعد ذلك على يد نفيس باشا. وبوجود عبد الله أسيراً في المعسكر التركي أقدم نفيس باشا على تعيين «عبد الله بن تركي» أخ «فيصل» حاكماً عسكرياً على الرياض([551]).
سارت الحملة التركية قدماً من دون وقوع أي حادث معكر لما كانت تهتم به السلطات البريطانية. في حين أن إمارة قطر التي تقع بين الدول المهادنة والأحساء والتي كانت قد تعهدت بمراعاة الأحكام الخاصة بالملاحة التي فرضتها بريطانيا في الخليج، غدت طرفاً في النزاع الذي أدى إلى التغلب على الشيخ السابق للبحرين سنة 1868. وهكذا أصبحت إمارة قطر خاضعة للنفوذ البريطاني ولو أنها كانت أقل درجة من الدول المهادنة.
بعد أن استقر نفيس باشا في الهفوف مباشرة علمت السلطات الهندية أن مبعوث القائد قد أقنع شيخ قطر بتقبل السيادة العثمانية([552]).
وجدت حكومة بومباي، في حادث قطر، اتجاهاً من جانب تركيا يستهدف المساس بنطاق النفوذ البريطاني في الخليج([553]). فهي لم تعتبر التأكيدات التي قدمها علي باشا إلى «السير أليوت» كافية.
وقد أشعر السفير البريطاني أن غرض «مدحت» هو استعادة نفوذ السلطان على نجد. ولكن ما هو مدى نجد؟ وهل أن الادعاءات العثمانية بالسيطرة عليها لن تمتد إلى الدول البحرية؟.
إن الرد على ادّعاء كهذا لن يكون في غير محله. ذلك لأن مسقط والإمارات المهادنة أيضاً سبق لها أن جربت سيطرة الرياض عليها، بل إنها كانت تدفع الجزية إلى أئمة الوهّابيين وإذن فالوسيلة الوحيدة لصيانة المصالح البريطانية هي حمل تركيا على الموافقة بإيجاد تخطيط للحدود بين نجد والدول البحرية.
ومع أن الحكومة الهندية كانت متيقظة تماماً للوضع الراهن في الخليج، إلا أنها لم تشارك سلطات بومباي في الآراء المفزعة التي تعرب عنها.
ذلك أن «السير تشارلس ايتجسون» سكرتير الدائرة الخارجية الذي كان الممثل الأول لمدرسة «لورنس» في السياسة الخارجية، كان يؤكد أن الاتفاقات التي عقدها شيوخ العرب البحريون مع الهند قد تم التفاوض بشأنها من دون أية إشارة إلى تركيا أو أية دولة أخرى([554]).
وحتى إذا كان شيوخ السواحل المهادنة قد فقدوا شيئاً من ارتباطاتهم الخارجية بالسلطة العثمانية فإن وضعهم بالنسبة لحكومة الهند ظل على حاله من دون تغيير. فما دامت الحكومة البريطانية تحتفظ بسيادتها على البحار فإن الباب العالي ليس له حق المساس «بهذه العلاقات التي كونتها هذه الأقطار معنا كدول مستقلة»([555]).
وما دام مركز بريطانيا في تلك البحار مضموناً فليست هناك أدنى حاجة للانشغال بمشاكل شبه الجزيرة العربية ذاتها. لأنه ما إن تقدم الحكومة على تخطيط حدود (عُمان) فإنها ستضطر إلى التدخل كل وقت في أي نزاع إقليمي ينشأ بين تركيا والشيوخ العرب.
ولقد أعرب مايو نفسه عن معارضته لاقتراح حكومة لندن في عبارات أقوى من تلك التي رددها إيتجسون. فطبقاً لما قاله نائب الملك «كان من إحدى مآثر الدبلوماسية أن الحكومة التي ترغب في السلام ينبغي لها أن لا تبادر إلى بحث موضوعات معقدة وصعبة، وأن لا ترد على الأسئلة المتوقعة إلا بعد أن يتم طرحها.
ولذلك فلست أرى أية ضرورة ـ مهما كانت ـ في الإعراب عن أي رأي يخص حدود نجد أو مسقط أو عمان أو الخليج الفارسي([556]).
لقد كانت مسؤوليات بريطانيا في الخليج ثقيلة جداً. ولذلك لم يكن يجدر بالحكومة أن تضيف إليها مسؤوليات أخرى عن طريق إقدامها على الدفاع عن سلامة الإمارات الساحلية.
وبينما كان نائب الملك يعتقد أن النفوذ البريطاني لم يصب بأية طعنة جديدة نتيجة توطد سيطرة تركيا على شبه الجزيرة العربية، إلا أنه لم يكن مستعداً لتعزيز سيادة الباب العالي على البحار.
كانت تركيا تعتبر من الدول البحرية من سني السبعينات (1870). وطبقاً لبعض التقديرات كان أسطولها في قوته العددية يأتي في الدرجة الثانية بعد الأسطول البريطاني ونتيجة لذلك فحين ذكر «بلي» أن الحكومة العثمانية صممت على إنشاء أسطول بحري لها في الخليج، ثارت مخاوف حكومة الهند بشكل بارز وكبير.
في حين أنبأ «مايو» الحكومة الأمبراطورية بأن من الضروري الاحتفاظ بالسيادة البريطانية على البحار. وإذن فلا بد من إبلاغ اسطنبول بأن إنكلترا لن تسكت عن أية محاولة تقوم إسطنبول بها لإنشاء قوة بحرية لها في تلك المنطقة([557]).
حين نقل «السير أليوت» مخاوف نائب الملك إلى السلطات العثمانية قام «سيفر باشا» وزير الخارجية التركية بتهدئة مخاوف البريطانيين وذلك بأن كرر نفس التأكيدات التي أعطاها علي باشا من قبل إلى السفير([558]).
كما أنه تكلم أيضاً عن رغبة السلطان عبد العزيز في ضم نجد إلى مملكته. وأكد بأن حكومته قد بعثت بجزء من أسطولها إلى الخليج لغرض استعادة نفوذها بامتداد الساحل العربي، وأن الباب العالي ليست لديه أية نية في التعرض لسيادة بريطانيا على المنطقة.
بلغت الحالة العسكرية في شبه الجزيرة العربية ذروتها من التأزم في صيف سنة 1871م فما أن سمع الكولونيل «سي» هربرت الوكيل السياسي في بغداد بأنباء الحملة التركية لأول مرة حتى لفت نظر المستر آليوت إلى الصعوبات التي سيواجهها نفيس باشا حين يتقدم من «القطيف» إلى «الرياض» التي تعد هدفه النهائي([559]) ذلك لأن وجود خط مواصلات طويل جداً، ووجود العدو في المؤخرة، ووقوع نصف القوات من شدة المرض والإعياء، كل ذلك قد يضطر قائد الحملة إلى أن يستقر في الهفوف([560]).
غدا مدحت باشا متشائماً من احتمال وصول الحملة إلى الرياض أيضاً، ولذلك قرر أن يزور الأحساء ليتأكد بنفسه من المكاسب التي حققها الجيش هناك.
كان وصول طلب، مشكوك في صحته، من الرؤساء البارزين في الإقليم إلى السلطان عبد العزيز يسألونه فيه أن يضم «نجداً» إلى مملكته، من الأمور التي مهدت السبيل أمام زيارة مدحت باشا.
فهو ما إن بلغ الهفوف حتى أصدر بياناً يعفي فيه الأسرة السعودية من المهمة الموكلة إليها، ويعين وفقاً لذلك «نفيس باشا» والياً على نجد([561]).
وهكذا جاء ضم نجد خاتمة «لأهم حدث»([562]) تميزت به ولاية مدحت باشا على بغداد. ذلك أن مغادرة مدحت باشا لبغداد سنة 1872 قد وصفت بأنها النهاية للصفة الفعالة التي تميزت بها السياسة العثمانية في شبه الجزيرة العربية.
ومهما يكن فإن الباشا قد ترك وراءه حالة لم تستطع تركيا أن تقدرها حق التقدير. فلقد كانت حملة سنة 1871 تؤلف أول اعتداء ملموس تقوم به الدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية إذ أن الاستراتيجية التي طبقها مدحت كانت تستحق التقدير للحنكة السياسية التي اتصف بها بوجه عام.
فبالاستيلاء على الأحساء التي تمر بها طرق المواصلات من داخل شبه الجزيرة العربية إلى الخليج، تستطيع تركيا أن تمارس نفوذها المهيمن على كل من يتولى حكم نجد. ولقد طبق الأتراك فعلاً في الأربعين سنة التي أعقبت ذلك.
ومن المهم ذكره هنا هو أن أول عمل حاسم لإحياء الوهّابية تحت زعامة عبد العزيز السعود كان إخراج الدولة العثمانية من الأحساء التي كانت السيطرة الأجنبية عليها قد حولت الاستقلال العربي إلى شيء وهمي.
في الوقت الذي حقق فيه «مايو» لحكومة الهند نصيباً ملموساً من النفوذ في الخليج الفارسي فإن من الخطأ الاعتقاد بأن وضع بريطانيا لم يتأثر كلياً ببسط النفوذ التركي على الأحساء.
فقيل سنة 1870 وبانعدام المعارضة المؤثرة نال البريطانيون حقوقاً لم يكن لها اي أساس في الإجراءات التعاقدية([563]).
وقد أثار ظهور تركيا في الخليج مصاعب في وجه ممارسة الحقوق من قبل السلطات البريطانية. وأكثر من هذا أهمية أن ظهور تركيا كان يعرض للخطر سلامة الدول الساحلية التي حققت حكومة الهند التجانس فيما بينها.
على أن الشيء المميز للمشاكل التي ظهرت في أفق التوازن الجديد في الخليج، هو قضية الحقوق التي كانت البحرين تطالب بها في الأراضي العربية الرئيسة. فقد كان حاكم البحرين يطالب بفرض سيادته على شبه جزيرة «قطر» التي كانت الحكومة الهندية قد أدركت أهميتها لأول مرة منذ سنة 1868.
وكان عيسى بن علي قد أنبأ دائرة المقيم البريطاني في بوشهر سنة 1873 بالاعتداءات التركية على أراضيه، وطلب إلى السلطات البريطانية كبح جماح أسطنبول([564]).
كان هذا الطلب قد وضع حكومة الهند في وضع صعب لأنها كانت قد تعهدت بالدفاع عن سلامة البحرين طبقاً لمعاهدة سنة 1861. ولذلك وقعت الأمر إلى المقيم البريطاني.
وقد اعترف «بلي» بأن المشكلة صعبة([565]). صحيح أنه كان للبحرين بعض الحقوق في ساحل قطر غير أن تلك الحقوق كانت غامضة إلى درجة يستحيل معها الدخول في محادثات مع السلطات التركية بشأنها. وما خلا ذلك فإن المشكلة لا يمكن تسويتها إلا حين يتقرر مدى الإدارة التركية على امتداد الساحل العربي.
ولن يكون بحث القضية الأخيرة مفيداً إلا إذا تقررت أهمية الحملة العثمانية. فليس من المهم المساحة التي يسيطر عليها الباب العالي من الساحل، إذا لم تكن حملة 1871 موحى بها من مصدر أجنبي.
أما إذا كان فتح شبه الجزيرة العربية قد اتفق عليه بين تركيا وروسيا «فإن الأمر سيكون خطيراً لأنه في مثل هذه الحالة يعني وجود نفوذ مهيمن … في خليج عمان والخليج الفارسي»([566]).
كانت مخاوف «بلي» من اشتراك روسيا في هذه الحركة لا أساس لها. فلقد خلفت القضية وضعاً هادئاً بعد مغادرة مدحت باشا مدينة بغداد مباشرة.
وهكذا اشترك عاملان في بسط سيادة تركيا على الأحساء وهما: بعد شبه الجزيرة العربية عن مركز ثقل الأمبراطورية والصفة التعسفية التي اتّصفت بها الإدارة العثمانية. فحتى المصادر العثمانية كانت تعلم أن القبائل العربية قد أخذت تظهر تذمرها من العبء المالي الثقيل الذي فرض عليها نتيجة السيطرة الجديدة. وكانت عاقبة ذلك أن ثارت الأحساء سنة 1874 على حاكمها التركي واستدعت أحد الأمراء السعوديين ـ هو عبد الرحمن بن فيصل ـ ليحكم البلاد.
ولقد استولى هذا الأمير الوهّابي على الهفوف لكنه أخفق في الحفاظ على مركزه حين عهد السلطان التركي بمهمة الصلح إلى «ناصر باشا» زعيم «المنتفق» الجسور([567]).
وحين كانت السيطرة العثمانية على الأحساء حذرة جداً كانت الحرب التركية الروسية 1877 ـ 1878 قد أوجدت فوضى كاملة في تلك الولاية.
وفي الوقت ذاته انتعشت القرصنة في الخليج([568]). ولما كانت حكومة الهند تعمل بمثابة قوة بوليسية في المنطقة، فقد كان من الطبيعي أن تهتم بهذا الأمر وأن تشعر ممثلها في البصرة باتخاذ الإجراءات اللازمة لبسط السلام في البحار بالتعاون مع عبد الله باشا والي الولاية.
ولما كانت المقترحات التي تقدمت بها الدائرة الخارجية إلى البصرة تتضمن خرقاً جزئياً لسيادة تركيا على المياه الإقليمية للأحساء فقد رفضت هذه المقترحات من قبل الباشا الذي أكّد أن لدى حكومته من القوة ما تستطيع به تطبيق سيطرتها على شبه الجزيرة العربية([569]).
كذلك لفتت الأوضاع المضطربة في الخليج أنظار «السير هنري لايارد» السفير البريطاني في اسطنبول([570]) فقد كان لايارد ينظر إلى المشكلة في زحمة العلاقات بالأحاسيس العثمانية. فهو يرى أن الاعمال اللاقانونية التي حدثت في الخليج إنما نشأت عن المنازعات المهلكة بين القبائل العربية التي لم تستطع الحكومة العثمانية أن تكبح جماحها بالنظر لحالة الضعف التي كانت تعانيها.
فالوسيلة الوحيدة لمعالجة الحالة هناك هي مقاومة العدوان على الحقوق البريطانية في البحار، و«تجنب أي تدخل مباشرة في منازعات القبائل العربية على البر العربي، واعتبار الحكومة التركية مسؤول عن أي عمل قد ترتكبه ضد حياة الرعايا البريطانيين وممتلكاتهم ضمن الأقاليم التي اعترف بحق الباب العالي فيها»([571]).
لم ينل إقدام لايارد على كشف هذا الموضوع، استحسان الحكومة الهندية التي كانت تعزى الاضطرابات التي وقعت في الإحساء إلى إهمال السلطات التركية أمر معالجة العابثين بحرية الملاحة معالجة جيدة([572]).
ومع ذلك فقد أثار السفير البريطاني نقاطاً ذات أهمية أساسية في مذكرته التي قدمها إلى وزارة الخارجية البريطانية، كما حض السلطات الهندية على طرح تحليل لوضع الحكومة العثمانية في الخليج أمام الحكومة الأمبراطورية([573]).
فقد ذكر في رسالة قدمت إلى الدائرة الهندية أن توصيات «السير لايراد» يمكن إجمالها في فقرتين رئيسيتين هما:
(أ) ينبغي للحكومة أن تتجنب التدخل في الأقاليم العربية التي تخضع لسيادة تركيا.
(ب) وأن يكون الباب العالي مسؤولاً عن الأعمال اللا قانونية في البحار التي تقوم بها القبائل العربية والمعترف بسلطة الباب العالي عليها([574]).
ومهما يكن الأمر، وقبل أن توضع هذه التوصيات موضع التنفيذ كان من الضروري أن تتقرر حدود السيطرة العثمانية على امتداد الساحل العربي، وحينذاك لم يكن مستطاعاً سوى تقرير درجة التدخل التي تراها إنكلترا ضرورية للمحافظة على مركزها في الساحل الخاضع للحكم التركي.
وعندما فحصت حدود السيطرة العثمانية بينت الحكومة البريطانية أن سلطة اسطنبول على المناطق الممتدة من «البصرة» إلى «العقير» أمر لا يقبل الجدل إطلاقاً. أما الاعتراف بالحكم العثماني شرقي العقير فلا يمكن المطالبة به.
فليس للباب العالي من سلطان على قطر عدا «بديع» الذي كان رئيسه تابعاً لحاكم الهفوف سنة 1871 فما وراء بديع تمتد الدول المهادنة ولذلك «فإن من المستحيل المحافظة على الحقوق البريطانية وأداء واجباتنا إذا ما سمح بتوسع آخر للحكم التركي ونفوذه هناك»([575]).
كان التساؤل عمن هو أحق بالسيطرة على الخليج الفارسي سؤالاً معقداً. فإذا ما استرشد بالتجربة فإن تركيا لم تكن قادرة على إحلال السلام في مياهها الإقليمية.
فقد كانت للهند مصالح حيوية في المنطقة، وهي قد لا تستطيع الانتظار وقتاً غير محدد كيما يعود الباب العالي فيؤكد سيطرته هناك.
وما خلا ذلك فحتى لو كانت تركيا قادرة على صيانة مياهها فإن دخول الأسطول العثماني إلى الخليج قد يخلق حالة مستحيلة.
وفي الختام قدمت حكومة الهند بعض التوصيات بشأن الإمارات الساحلية، واقترحت أن على تركيا ـ مقابل الاعتراف البريطاني بالحقوق التركية على الساحل الممتد حتى العقير ـ أن تعترف باستقلال البحرين، ومسقط، والإمارات المهادنة.
ولكي تعبر بقوة عن العلاقة بين الهند والدول العربية فإن هذه التوصيات ينبغي أن تصاغ بشكل يؤكد احترام السلطات البريطانية.
كانت رسالة حكومة الهند تتطلع إلى تسوية من النوع الذي يستحيل التوصل إليه. فهي تهدف إلى تقسيم السواحل العربية الواقعة على الخليج إلى منطقتي نفوذ بين إنكلترا وتركيا حيث يعترف بالحكم التركي على نجد والأحساء مقابل الاعتراف بالسيادة الإنكليزية على البحر العربي فيما يخص الإمارات البحرية.
والشيء المؤكد هو أن توقيت تلك الرسالة قد قررته الأحداث التي وقعت في الشرق، وأن السلطات الهندية كانت تفترض أن تركيا ـ التي هزمت في حرب سنة 1878 ـ سوف توافق على كل ما يقدم إليها في الخليج الفارسي.
ومع ذلك فلم يظفر ذلك العرض حتى بمصادقة وزارة الخارجية البريطانية. فقد اعترف اللورد سالسبوري وزير الخارجية أن المشروع كان فاخراً جداً من وجهة النظر الهندية فحسب([576]).
ولكن لماذا كان يجب على تركيا أن تقبل به؟
لقد كان يتوقع من الباب العالي أن يلغي بعض حقوقه في مياهه الإقليمية، وأن يتخلى عن ادعاءاته في السيادة على البحرين وعمان، كل ذلك مقابل الاعتراف بسيطرته على الساحل الممتد ما بين البصرة والعقير.
وعلى هذا فلم تكن هنالك أية فائدة من تقديم مثل هذه الشروط إلى اسطنبول وأن من الأفضل لحكومة الهند أن تنشئ حداً لا يسمح وراءه بتوسع النفوذ العثماني نحو الشرق.
أما غربي هذا الحد فمن المتوقع أن يمارس الباب العالي سيطرته عليه ولو أنه لا يمكن التعرض، في الحالات غير الاعتيادية، لتدخل البحرية البريطانية في أي مكان في الخليج.
ومع أن (اللورد كرانيوك) وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند قد اعترف بتثمين اللورد سالسبوري لرسالة الحكومة الهندية تلك، إلا أنه كان متشائماً فيما يخص كفاية الإجراءات المقترحة من لدن وزير الخارجية([577]).
فقد بين أن التدخل في الخليج كان من نتائج ضعف إدارة الأقاليم التي استولت عليها حكومة اسطنبول سنة 1871 وهكذا وضعت عقبات أمام ممارسة بريطانيا لحقوقها التأديبية في الخليج الفارسي على يد البحرية البريطانية.
فالاعتراف بالحكم العثماني على جزء من الساحل سيكون مقدمة لأعمال تحضيرية يراد منها تحويل القواعد التركية إلى هذه المنطقة.
وعلى هذا فإن الحل العملي الوحيد هو إعادة مسألة السيطرة الإقليمية إلى أصلها. فالبحرية البريطانية لها أن تستأنف حريتها الكاملة في العمل بامتداد الساحل العربي على الخليج كله.
كان عرض (كرانبوك) يستهدف إحياء الدور الذي كانت تقوم به البحرية البريطانية في الخليج قبل سنة 1871.
لكن اللورد سالسبوري لم يرد أن يتخذ مثل هذا الموقف الصارم([578]) فقد كان يعترف بالرغبة في التوصل إلى تسوية مع تركيا في الخليج. لكنه كان حذراً بأن لا تغدو مثل هذه التسوية غير وافية بالغرض من اتخاذه «سبيل في ذلك الأمر الذي قد يعتبره الباب العالي عملاً عدوانياً غير قانوني.
أو أن يفسر من قبل دولة أخرى على أنه دليل يؤكد تقويض حكم السلطان أو إضعافه في جزء من ممتلكاته الآسيوية»([579]).
وقد كشفت المراسلات بين حكومة الهند ووزارة الخارجية البريطانية بأن الإدارة البريطانية كانت قد جوبهت بمشكلة التوفيق بين هدفين متناقضين. فالحل الذي حاوله اللورد سالسبوري للمشكلة نجد التعبير عنه في الرسالتين اللتين بعث بهما إلى (السير هنري لايارد).
فعند اتصاله لأول مرة بالسير لايارد طلب إليه وزير الخارجية أن يلفت نظر الباب العالي إلى القلق الذي يسود المياه خارج الأراضي العربية التي تخضع للسيطرة العثمانية في الخليج، والذي لم يستطع الموظفون الأتراك الهيمنة عليه([580]).
فالحكومة البريطانية لم يكن يتوقع منها أن تتحمل وجود مثل هذه الأوضاع على وجه التحديد. ولذلك ينبغي إيجاد صيغة لنظام بوليسي فعال يطبق في الخليج.
ولهذا الغرض أقترح بأن تقوم السفن البريطانية العاملة في الخليج بممارسة عملياتها خارج المياه الإقليمية للأراضي العربية شمالي (عديد) جهد المستطاع([581]).
على أنه كان لهذه السفن حق تعقب سفن القراصنة والاستيلاء عليها حتى داخل المياه التي سبق ذكرها حينما يكون مثل هذا الإجراء ضرورياً.
وفي الرسالة الختامية أنبأ اللورد سالسبوري السير هنري لايارد بأنه قد كف عن إثارة المسألة التي تخص نطاق السيادة التركية في الخليج وذلك بسبب المطالب المبالغ بها التي عرضها الباب العالي عندما بحثت مثل هذه القضايا، وبسبب العناد الذي رافقها فيما بعد([582]).
ومع هذا كان الموقف البريطاني واضحاً. فالحكومة الامبراطورية قد تعترف بالسلطة العثمانية حيثما وجدت مثل هذه السلطة في حالة مناسبة، لكنها لا تعلق أية أهمية على مجرد الادعاءات.
وأكثر من هذا فإنه بالنسبة إلى «مسقط» والبحرين، ورأس الخيمة، ترى حكومة صاحبة الجلالة البريطانية أنه وإن لم يكن من الضروري استحصال تصريح شكلي من الباب العالي يلغي به كل ادعاءاته بالسيادة على مثل هذه الأقاليم.
إلا أن حكومة جلالتها لا تجد أمامها أية طريقة تتراجع بها عن رفضها المتكرر لهذه الادعاءات، وأنها تعتبر نفسها ملزمة بمعاهداتها مع بعض الرؤساء في مقاومة أية محاولة يراد منها إضفاء الصفة العملية لتلك الادعاءات»([583]).
كانت شكوك وزير الخارجية البريطانية بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية مع تركيا تعكس بصورة مؤكدة التوتر الذي أصاب العلاقات بين البلدين عقب الحرب التركية الروسية([584]).
فلقد قفز دور إنكلترا في مؤتمر برلين إلى حد التخلي عن سياستها التقليدية في مساندة وحدة الأمبراطورية العثمانية، واستبدالها بسياسة أخرى تنطوي على (تقسيم تركيا) بالشكل الذي دللت عليه عبارة «بيكنسفيلد» عن «إعادة توزيع الأقاليم»([585]).
فقد كانت تلك السياسة تتضمن محاولة بريطانيا فرض الإصلاحات على تركيا الآسيوية وتحويلها إلى عائق في طريق التوسع الروسي نحو السلطان عبد الحميد ضد ذلك التوسع. وما إن زالت المخاوف من روسيا مباشرة حتى غدت إنكلترا «تحتل في ذهن السلطان ذات المنزلة التي كانت روسيا تحتلها قبلاً»([586]).
ورغم أن عروض اللورد سالسبوري كانت تهيئ الفرصة أمام ظهور رد إيجابي إلا أن الوضع ظل مستقراً أثناء سقوط حكومة المحافظين سنة 1880 والتي كان سالسبوري عضواً فيها.
كان الحكم في بريطانيا قد انتقل إلى (الأحرار) الذين تألفت الوزارة منهم بزعامة (غلادستون) ذلك الذي أكثر الحديث في خطبه الانتخابية عن (تحرير الترك).
وحين نقل المستر جورج (الفيكونت فيما بعد) غوشن، السفير البريطاني الجديد في اسطنبول رسالة اللورد سالسبوري إلى الباب العالي، أنبئ بلطف أن الحالة في الخليج الفارسي اعتيادية ولو أن إحدى الكتائب البحرية كانت قد أرسلت إلى هناك لمعالجة بعض الحوادث الطارئة([587]).
كان الموقف الذي اتخذته اسطنبول قد أقنع وزارة الخارجية البريطانية بأن المحاولات الرامية إلى إيجاد اتفاق مع تركيا ستكون عديمة الجدوى. ولذلك أنبئت الحكومة العثمانية بأن إنكلترا قد تستغل كامل حريتها في العمل داخل الخليج لحماية تجارتها «دون الإشارة إلى ادعاءات السلطان بالسلطة الإقليمية في هذا المضمار»([588]).
جاء بلاغ وزارة الخارجية البريطانية الجاف إلى حكومة اسطنبول نهاية للمحاولة التي حاولتها بريطانيا لتخطيط مناطق النفوذ في الخليج الفارسي طبقاً لاتفاق يجري عقده مع الحكومة العثمانية.
ولم يكن الموقف السلبي الذي وقفته تركيا إزاء العرض البريطاني مثيراً للدهشة وذلك بالنظر لعدم ثقتها بالمسلك الذي سلكته الدول الأوروبية في مؤتمر (فينّا) الذي ألحق كثيراً من الأضرار بحكومة اسطنبول.
ومما تجدر الإشارة إليه أن السلطان عبد الحميد كان يعتبر الحالة المائعة في الخليج وسيلة لممارسة الضغط على الحكومة البريطانية في سبيل الحصول منها على تنازلات في أي مكان.
ومع ذلك فلا بد أن يكون السلطان عبد الحميد قد أسف لأن قراره جاء في المرحلة الأخيرة.
فبينما كان اللورد سالسبوري يرغب في الموافقة على امتداد السيطرة التركية حتى (عديد) التي تقع داخل شبه جزيرة قطر، أخذت الحكومات البريطانيا المتعاقبة فيما بعد تعامل شبه جزيرة قطر وكأنها بلد مستقل.
وأكثر من هذا أهمية أن الحقوق التي ادّعتها الحكومة البريطانية في الكويت في أواخر القرن الماضي ـ عندما أصبحت سكة حديد بغداد من المشاكل الحية ـ كان من الصعب الادعاء والتمسك بها لو أن العرض الذي تقدم به اللورد سالسبوري سنة 1880 كان قد أدّى إلى عقد اتفاق بين بريطانيا وتركيا.
الخليج في الشعر العربي
كان للشعر العربي نصيب وافر في الخليج فمنذ طرفة بن العبد وأخته إلى علي بن المقرب الأحسائي، إلى من ظلوا طوال العصور حتى هذا العصر، شعراء من أحب الشعراء إلى قلوبنا وأقربهم إلى نفوسنا.
ومن خير ما اختصهم الله به في شعرهم هو هذا الوفاء لأرضهم والحنين لبلدهم والتشوق لمولدهم، ولعل إرادة الله شاءت أن تمتحنهم بالنزوح عن الأوطان والهجرة إلى شتى البلدان، لا لشر أريد بهم، بل لخير أريد بشعرهم، فكان لنا منه ذخيرة من اللوعة والوجد واللهفة، تدفقت شعراً رقيقاً وقصائد صافية تلذ للسامع وتطيب للقارئ.
فمنذ أنشد طرفة بن العبد:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجلد
وأنشد:
وبنو بكر إذا ما اجتمعوا
دوحة الحرب وجرثوم الكرم
وشباب وكهول بيننا
كليوث ضاريات في الأجم
نردع الجاهل في مجلسنا
فترى المجلس منا كالحرم
ومنذ أنشد قبلة عمرو بن قميثة:
إلى دار قوم حسان الوجوه
عظام القباب طوال العوالي
فوجهتهن إلى مهمه
قليل الوغى غير صوت الرئال
سراعاً ذرائب ما ينثنين
حتى احتللن بحي حلال
بسعد بن ثعلبة الأكرمين
أهل الفضائل أهل النوال
وأنشد أبو زياد الكلبي:
أراك إلى كثبان «يبرين» صبة
وهذا لعمري لو قنعت كثيب
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى
إلي وإن لم آته لحبيب
وأنشدت الشاعرة الخليجية المجهولة:
أيا جبلي وادي «عريعرة» التي
نأت عن ثوى قومي وحم قدومها
ألا خليا مجرى الجنوب لعلها
يداوي فؤادي من جواه نسيمها
منذ أولئك توالى الإنشاد تغنياً بالخليج وتمدحاً بظلاله وحنيناً إلى نخيله وتشوقاً إلى شطوطه، فأنشد علي بن المقرب الأحسائي:
يا حبذا وادي «الحساء» وإنه
لو ساءني واد إلي محبب
بل حبذا «درب الثليم» وحبذا
ذاك القطين به وذاك الملعب
ثم أنشد ماجد الصادقي:
يا ساكني «جد حفص» لا تخطفكم
ريب المنون ولا نالتكم المحن
ولا عدت زهرات الخصب واديكم
ولا أغب ثراه العارض الهتن
الدهر شاطر ما بيني وبينكم
ظلماً فكان لكم روح، ولي بدن
ثم أنشد علي شبانه:
وإلى «أوال» تروع قلبي كلما
سرت الصبا من تلكم الساحات
وإلى نواحي أرضها وربوعها
ولما بها قد مر من أوقات
وعراصها الفيح التي قد طرزت
أطرافها ببواسق النخلات
ثم أنشد علي البحراني:
يا نسيم الريح إن جئت «المقاما»
فابلغن عني أحباي السلاما
سفر قد صار من أهواله
فيه كل المستحبات حراما
طال حتى ملت الروح به
الجسم والقلب به حل «المقاما»
ثم أنشد عبد العزيز المبارك:
طال ليلي في «أبي ظبي» ولا
ظبي لي فيه يضاهي البدر حسنا
وأصيحاب أناجيب لهم
أصبح المجد كما شاؤوه قنا
أوطنوا «الأحساء» فارتاحت بهم
واكتسى الجهر بهم زيناً وحسنا
«بالقبيليات» لا زالت بهم
جنة منها ثمار الخير تجنى
يا نداماي بذياك الحمى
بلغ الله بكم ما نتمنى
ثم أنشد عبد الله عبد القادر:
لقد غادرت في «هجر» فؤادي
وإن أمسيت في أرض سواها
بها أهلي وجيراني وصحبي
سقاها الله من بلد سقاها
ثم أنشد علي التاروتي:
سمعا مهفهفة «الهفوف» من «هجر»
أنغمة الصوت ذا أم رنة الوتر
وذا الذي عطر الآفاق فاتحه
ترديد نفسك ذا أم نفحة العطر
ثم قال الشيخ عبد الحميد الخطي:
قالوا القطيف فقلت غاية قصدنا
الق المراسي أيها الربانه
السفن أسراب تروح وتغتدي
نوعان ذا وانِ وذا عجلان
والشرع خافقة الشعاع كأنما
نفضت جناحاً في الفضا العقبان
يا حسنه من منظر خلب النهى
يعيا برسم جماله الفنان
ما عادني ذكر الشطوط وطيفها
إلا وعاد فؤادي الخفقان
ثم قال عبد الرسول الجشي:
ما زلت لؤلؤة «الخليج» ولم يزل
للآليء «البحرين» ذكر سائر
وهب الحياة ثراك فهي جنائن
وكسا الجمال رباك فهي مناظر
وتأشبت فإذا السباخ خمائل
وتفتحت فإذا الرمال أزاهر
وتفجرت فإذا الصخور جداول
وتضاحكت فإذا الخرير مزاهر
وتطاولت فإذا النخيل عرائس
وتخطرت فإذا الغصون غدائر
دنيا أقام الفن فيها عرسه
وأزيح عن صور الجمال ستائر
ثم قال فاضل خلف يخاطب البحرين:
بلاد اللآلي المشرقات تقبلي
شعوري وشعري والهوى يتدفق
يجوب بنوك البحر هذا مغرب
يسطر أمجاداً وهذا مشرق
فهل ترى أرضاً عربية ذكرها أهلها وغنى بها شعراؤها بمثل ما فعل أهل الخليج بخليجهم حين أنشدوا في حنينهم شعراً تفجره وطنيتهم، ويبعثه وفاؤهم، معبرين عما في الخليج من ألمعيات وأريحيات، وممثلين طيب أرضه وصفاء سمائه وسؤدد أبنائه.
هكذا نرى الخليج على أفواه الشعراء في كل العصور نغماً عذباً وشدواً رقيقاً، خالداً ذكره خلود الأدب دائراً اسمه ما دار الشعر وجال النثر.
الشيخ جعفر الخطي
وهذا واحد من شعراء الخليج. بل هذا شاعر الخليج في عصره، ولد في مغانيه وتنقل بين أقطاره ثم ترحل عنه فهفا إليه وتلهف عليه.
ذاك هو الشيخ جعفر الخطي المتوفى سنة 1028 هجرية (1618م). لقد عاش بين القطيف والبحرين ثم سافر إلى أصفهان حيث كان فيها الشيخ البهائي الذي جمع إلى الحكمة والعلم، الشعر والأدب، وقد كان لقاء العلمين في أصفهان مجالاً لتساجلهما بالشعر، فعارض الخطي قصيدة العاملي التي مطلعها:
سرى البرق من نجد فهيج تذكاري
عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
فقال الخطي:
هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري
فسقيا، فأجدى الدمع ما كان للدار
وفيها يحن إلى الخليج:
أموسم لذاتي وسوق مآربي
ومجنى لباناتي ومنهب أوطاري
سقتك برغم المحل أخلاف مزنة
تلف إذا جاشت سهولاً بأوعار
وتشاء الأقدار أن تنتهي حياة الشاعر في إيران فيموت بعيداً عن الخليج وأرضه. تلك الأرض التي طالما تغنى بها واشتاقها.
وأجمل شعر الخطي وأخلده هو ما كان صدى لعواطفه ومظهراً لحنينه، ففيما عدا الشعر التقليدي الذي عرفه كل الشعراء في تلك الفترات، فإن الخطي نظم في الحنين إلى القطيف حين هجرها إلى البحرين، ثم في الحنين إلى كليهما حين رحل إلى إيران.
وهو في كل ذلك يذكر الأماكن ويتشوق إلى المنازل:
هلا سألت الربع من «سيهات»
عن تلكم الفتيان والفتيات
ومجر أرسان الجياد كأنها
فوق الصعيد مسارب الحيات
ومجدفات السفن أدنى برها
من بحرها ومبارك الهجمات
حيث المسامع لا تكاد تفيق من
ترجيع نوتي وصوت حداة
إن «القطيف» وإن كلفت بحبها
وعلت على استيطانها زفراتي
إذ حيث جزت رأيت فيها مدرجي
طفلاً وأترابي بها ولداتي
لأجل ملتمسي وغاية منيتي
أني أقيم بتلكم الساحات
فسقى الغمام إذا تحلب ركبه
تلك الرحاب الفيح والعرصات
واجتازت المزن العشار فطبقت
بالسقي من «عتك» إلى «نبكات»
وهكذا فإن «سيهات وعتك ونبكات» هي مطمح أنظاره ومثار هواه، ومرابع الخليج وما فيها من حياة بحرية برية تلتقي فيها أصوات الحداة بأصداء النوتية، وتمتزج مجاديف السفن بأرسان الخيل، إن حياة الخليج هذه يشغف بها شاعر الخليج فيصورها لنا ويحدثنا عنها فنرى في شعره صورة وطنه.
ولا عجب ففي الخليج درج طفلاً، وجال يافعاً وشاباً بين الأتراب واللدات كما يحدثنا هو في هذا الشعر الذي نحس أنه شعر «خليجي» بكل ما في الخليج من طبيعة وأحياء وحياة.
وإذا كان وهو في البحرين يحن إلى بلده الأول القطيف، فكيف به وقد نأى عن كليهما ونزح عن الخليج وبعد عن «مجدفات سفنه» و«مجر أرسان خيله» وحل بشيراز سنة 1012 هجرية.
إن جواه في هذا ليطول ووجده ليثور فيقول:
يا هل ترون لنازح قذفت به
أيدي البعاد «لجد حفص» إيابا
لا تحسب «البحرين» أني بعدها
متبوئ داراً ولا أصحابا
ما أصبحت «شيراز» وهي حبيبة
عندي بأبهج من «أوال» جنايا
ولكن البحرين ليست وحدها الآن هي التي تشوقه فهو موزع الفؤاد في الخليج كله، فإذا ذكر البحرين تداعى الحنين عليه من كل جانب، فالقطيف قبل البحرين كانت مدارج صباه وملاعب هواه، إنه لم ينسها وهو في البحرين غير بعيد عنها، أينساها وقد شطت دارها وبعد مزارها:
يا ساكني «الخط» في قلبي لكم خطط
معمورة بمعانيكم مغانيها
يا هل ترون لمحني الضلوع على
ذكر الديار وقوفاً في محانيها
ماذا على الطير إذا أبلى الضنا جسدي
فخف لو حملتني في خوافيها
إن يقعد الطير عن حملي لكم وسرت
ريح الصبا فاطلبوني في مساريها
وهكذا يتداوله الشوق من القطيف إلى البحرين إلى أفياء الخليج من حيث امتدت تلك الأفياء:
عج بالمطي على معالم (بوري)
لمحل لذاتي وربع سروري
لم تجعل العبرات خدي معبرا
إلا على مري بها وعبوري
هل لي إلى تلك المنازل عودة
يخبو بها وجدي وفرط زفيري
يا من أسيّر كل يوم نحوهم
كتبي إذا أعيا على مسيري
آه وقل على (أوال) تأوهي
فإذا جننت بها فغير كثير
هيهات ما (شيراز) وافية بما
في تلك لي من نعمة وحبور
ويظل يتشوق ويتأوه:
حمامات شيراز رفقاً بنا
لهجتن بالنوح ما عندنا
إلا قل لساكن (وادي المحل)
هل ورودا في الهوى وردنا
فيا هل علمتم وأنتم هناك
ما عندنا فيكم ها هنا
فيا صاحبي والفتى ربما
أحال على خله ما عنا
لسكان (ظهر منى) من (أوال)
أول مطلبنا والمنى
ألا رب قوم أباحوا لنا
من الوصل أطيب ما يجتني
وفيهم من الحسن ما فيهم
فلم نر ذلك مستحسنا
يريدون سلواننا عنكم
وإن كان ذلك لم يسلنا
فلا تنكرن علينا الرحيل
غداة نأى الركب عنكم بنا
فبالرغم أن يستقل المحب
عمّن يحب وإن يظعنا
هذه ملامح من شعر شاعر الخليج الشيخ جعفر الخطي كان فيها وفياً للخليج براً به.
وهذا الشاعر لا تقوم بالتعريف به هذه الصفحات القليلة ولكنها إذا استطاعت أن تدل عليه وتشير إليه فحسبها ذلك.
الخمس
﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير﴾.
تسمى هذه الآية بآية الخمس. في سورة الأنفال.
بعد أن بيّن الله سبحانه، حكم الغنائم في مطلع هذه السورة المباركة بصورة إجمالية، وإنها لله والرسول.
جاءت الآية المباركة لتبين بالتفصيل، مصارف هذه الاغنائم، فقسمتها إلى خمسة أقسام. جعلت أربعة منها للمسلمين، فكان ذلك موجباً لتأثرهم، وندمهم على ما استشعروه من غمط للحقوق، عندما انتزعت الغنائم منهم بادئ ذي بدء.
وأدركوا الحكمة السامية من وراء ذلك. وأنها إنما كانت ترمي إلى ما ذكرنا من تصفية نفوسهم من شوائب المادة، ليكون جهادهم لعدوهم، وخروجهم من ديارهم، ذا غرض يسمو على كل القيم المادية الحقيرة، ويخلص لله وإعلاء كلمته في الأرض.
وعندما نراجع كلمات اللغويين في معنى الغنيمة، نجد أنهم ينقسمون في تعريفها إلى فريقين.
فريق يأخذ في مفهومها، عدم بذل جهد أو مشقة، كما في القاموس، حيث يقول في تعريفها «الغنم بالضم، والمغنم والغنيمة، ما يظفر به الإنسان ويناله ويصيبه من غير مشقة»([589]).
وفريق آخر، يذهب إلى إطلاق الغنيمة والمغنم، على كل ما يحصل عليه الإنسان من مكاسب وأرباح، من دون تقييده بشيء. وذلك كما في الراغب الأصبهاني حيث يقول:
«والغنم بالضم فالسكون، إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم»([590]).
ومن ذلك يظهر، أن المقصود بالغنيمة في اللغة، هو كل ما يكسبه الإنسان ويربحه من أي طريق كان. بمشقة أو غير مشقة، في حرب أو في سلم، من دون تقييد.
وقد أجمع المفسرون([591])، على أن المراد بالغنيمة في الآية الكريمة بحكم سياقها هو ذلك الذي يظفر به المسلمون بعد قتال الكفار من أموال وسلاح وأسرى. وأنه يجب فيه الخمس لمن ذكرته الآية، ويملك المسلمون الأخماس الأربعة الباقية.
وقد اختلفت كلمات فقهاء الإسلام حول خصوص الحكم الوارد في الآية ـ وهو وجوب الخمس ـ فيما ظفر به المسلمون مجتمعين أو منفردين من الكافرين بواسطة القتال والحرب أو أن وجوبه عام في كل ما يربحه المسلم من المشرك أو غيره، في حالتي السلم والحرب؟
ذهب جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، إلى تخصيص الحكم، وهو وجوب إخراج الخمس، بخصوص الغنائم التي يظفر بها المسلمون من الكفار بعد قتال، مع خلاف بينهم في الأرض المفتوحة عنوة([592]).
وذلك بعد أن بنوا على أن الغنيمة مأخوذ في مفهومها أن تكون بعد حرب وقتال.
جاء في الدر المختار ورد المحتار عليه للأحناف «الغنيمة ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة فتخمس وباقيها للغانمين»([593]).
وجاء في المغني والشرح الكبير للحنابلة «والغنيمة ما أخذ بالقهر والقتال من الكفار»([594]).
وأكثر فقهاء الزيدية([595])، وإن ذهبوا إلى نفس ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ممن ذكرنا من أن الغنيمة، هي كل ما ظفر به المسلمون بقتال من المشركين أو بقهر.
ولكنهم في نفس الوقت لم يخصصوا هذا الحكم ـ وهو وجوب إخراج الخمس بغنائم الحرب، بل جعلوه فيها وفي نوعين آخرين([596]):
الأول: ما أخذ من ظاهر البر والبحر أو استخرج من باطنهما.
الثاني: الخراج والمعاملة وما يؤخذ من أهل الذمة.
وأما فقهاء الشيعة (الإمامية) وبعض فقهاء الزيدية([597])، فقد ذهبوا، إلى أن الخمس واجب في كل فائدة مكتسبة. سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات، أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب أو ما يحصل من حيازة المباحات([598]).
هذا إضافة إلى عدة أمور أخرى هي([599]):
1 ـ المعادن.
2 ـ الكنوز.
3 ـ ما يستخرج من البحر بالغوص.
4 ـ ما يفضل من مؤونة السنة على الاقتصاد له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات.
5 ـ الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم.
6 ـ الحلال الذي اختلط بالحرام ولا يعرف مقداره ولا صاحبه.
ونحن نختار ما ذهب إليه فقهاء الشيعة (الإمامية) وبعض فقهاء الزيدية من أن الخمس يجب في كل فائدة يستفيدها الإنسان في حياته، لا فرق في ذلك بين أن تأتي عن طريق الحرب والقتال مع الكافرين، أو لا عن طريق قتال أصلاً، من كافر أو غيره.
وذلك لعدة أمور:
أولاً: لأن لفظ الغنيمة في اللغة، هو مطلق الفائدة والكسب من دون تقييد.
ثانياً: إنَّ هنالك نصوصاً كثيرة وردت بطرق متعددة، مبينة بوضوح، موارد وجوب الخمس وموضوعه.
وأنه إضافة إلى مكتسبات الحرب مع الكافرين وكل مكتسب، ما ذكرناه آنفاً من الأمور الستة.
وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الخمس فقال: «في الركاز الخمس» والركاز، هو الكنز الدفين والمعادن.
وكذلك ما ورد في الأحاديث الشريفة، من وجوب تخميس كل ما استخرج من البحر كاللؤلؤ والعنبر وغيرهما، إلى آخر تلك الروايات([600]).
ثالثاً: إن الحكم بوجوب إخراج الخمس في الآية، وإن كان وارداً في مورد خاص وهو غنائم بدر، إلا أن المعلوم والمتفق عليه بين العلماء في علم أصول الفقه، أن المورد لا يخصص الوارد بحال.
رابعاً: إن الذهاب إلى قصر وجوب إخراج الخمس، على خصوص غنائم دار الحرب، لا ينسجم مع خلود الإسلام وبقائه من ناحية عملية، واستمرار الدولة الإسلامية زمن قيامها، في تحمل الأعباء الضخمة، التي تترتب عليها تجاه الأمة في الداخل والخارج.
وذلك من وجوه عدة أهمها:
1 ـ إن الحروب قد أغلقت أكثر أبوابها وانحصرت، وانحسر ظلها، فانحسر بذلك ما قد يترتب عليها في حال انتصار المسلمين من غنائم.
2 ـ إن نتائج هذه الحروب، ليست مضمونة إلى جانب المسلمين في كثير من الأحيان. بل بالعكس فقد تكون نتائجها في غير صالحهم، فتكون الغنائم من نصيب أعداء الإسلام.
وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة ـ على القول بالتخصيص ـ نضوب موارد الدولة الإسلامية، أو تقصيرها عن تغطية أعباء الأمة ومصارفها كما سبق وقلت.
ولذا كان الحكم بعموم وجوب الخمس في كل فائدة يحصل عليها مسلم، كما تقدم عرضه، مع أدلته أنسب للاقتصاد الإسلامي، وأليق بوضع الأمة المسلمة.
الأصناف المستحقة للخمس:
وقد اختلفت كلمات الفقهاء هنا، في كيفية قسمة الخمس، تبعاً لاختلاف أنظارهم واجتهاداتهم بالنسبة للأصناف التي تستحقه
ويمكن حصر هذه الأقوال في قولين رئيسيين:
القول الأول: إنه يقسم على خمسة أسهم.
وقد اختار هذا القول : جمهور الأحناف([601]). والشافعي([602]). والحنابلة([603]).
وقد جعل أصحاب هذا القول، سهم الله وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم سهماً واحداً.
حجة هذا القول:
واحتج من ذهب إلى ذلك بأمرين:
الأول: أنه لما كان من غير المعقول، أن يكون لله نصيب في الخمس، حيث أن الأشياء، كلها ملك له سبحانه، فلا بد وأن يحمل قوله تعالى: «لله خمسه» على بعض الوجوه([604]).
منها: احتمال أن يكون المقصود منه، افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾.
ومنها: أن إضافة الخمس إلى الله، (تحتمل) أن تكون، باعتبار كونه مصروفاً إلى وجوه القرب التي هي لله تبارك وتعالى.
ومنها: احتمال أن يكون لخلوصه لله، بخروجه عن تصرف الغانمين كقوله تعالى: ﴿الملك يومئذ لله﴾.
الثاني: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في غنائم خيبر: ما لي مما أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود فيكم([605]).
ولا بد من التنبيه هنا، على أن بعض من يذهب إلى هذا القول الأول، إنما يقول بتقسيم الخمس خمسة أجزاء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فقد ذهب أبو حنيفة ومن تابعه من فقهاء الأحناف([606])، إلى وجوب تقسيمه إلى ثلاثة أقسام فقط.
قسم لليتامى، وقسم للمساكين، وقسم لأبناء السبيل.
وأسقوطوا سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب موته، وسهم ذوي القربى.
القول الثاني([607]) : وهو ما ذهب إليه فقهاء الشيعة الإمامية بالإجماع، وفقهاء الزيدية. وطاووس. وأبو العالية.
والخمس على رأي هؤلاء، يقسم ستة أقسام لا خمسة ولا أقل ولا أكثر، سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذوي القربى، والثلاثة الباقية للأصناف الثلاثة اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل.
ونحن نختار في هذه المسألة هذا القول الثاني، وهو وجوب تقسيم الخمس إلى ستة أقسام وذلك لعدة أمور:
الأول: إنَّ الآية الكريمة ظاهرة في أن الخمس يقسم على ستة لا خمسة ولا أقل. وظاهر القرآن ـ كما هو مقرر في محله من علم أصول الفقه([608]) حجة، لا يصار إلى غيرها إلا بدليل يصرف ذلك الظاهر عما هو ظاهر فيه.
ومن الغريب حقاً، أن ابن قدامة المقدسي([609])، يشن حرباً شعواء على أبي حنيفة، الذي قسم الخمس إلى ثلاثة أقسام فقط، متهماً إياه بأنه يخالف ظاهر الآية الكريمة، في حين نراه يقع في نفس الخطأ، عندما يقسم الخمس إلى خمسة أقسام مخالفاً بذلك هذا الظاهر أيضاً.
الثاني: إن ما ذكروه في توجيه الآية الكريمة، ونصوا عليه، كما بدا ذلك واضحاً من كلماتهم التي أوردناها، كتعبيراتهم بلفظ يحتمل في وجه من الوجوه الموردة، ولفظ (احتمال).
أن هذه الوجوه، ما هي إلا احتمالات وتخمينات وتكهنات. ومثل هذا محرم في تناول كلمات الله من غير دليل، وقول بغير علم.
الثالث: إن كون هذه الوجوه احتمالات، يسقطها عن الدليلية، انسجاماً مع القاعدة الأصولية «عند الاحتمال يبطل الاستدلال».
الرابع: إن الأصل الذي بنوا عليه ما ذهبوا إليه، وهو عدم تعليقهم ملكية الله لجزء من الخمس، باعتبار أن له ملك السموات والأرض، غريب حقاً.
إذ كيف يمكننا أن نتصور أن يملك الله السموات والأرض ومن فيهنَّ، وما بينهن، ولا نتصور قابليته لملكية قبضة من المال!!؟
ومن الواضح، أن الذي يقول من الفقهاء، بملكية الله سبحانه لجزء من الخمس، لا يدّعي أن الله بحاجة إليه لشراء خبز وحطب وماء وكسوة لأنه تعالى منزه عن هذا كله.
وإنما يرى أنه سبحانه، المالك الجوهري والحقيقي، تركه لولي الأمر، الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، ليصرفوه في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، ولينفقوا فيما يؤدي إلى هذا السبيل.
وعلى هذا يحمل ما ورد في السنة الشريفة، من فعله صلى الله عليه وسلم عن أبي العالية، حيث «كان يجاء بالغنيمة، فيعزل منها الخمس، ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فيما قبض عليه من شيء، جعله للكعبة، والذي سمي لله».
وليس ذلك، إلا لما قلناه. إذ إنَّ الكعبة من شعائر الله، كالصفا والمروة وغيرهما.
وعندئذ يمكننا أن نلغي خصوصية الملكية في هذا الفعل، لنتعدى منها إلى كل ما صح أن يكون شعيرة من شعائر الله، أو إعلاء لشعيرة من شعائره. أو خدمة لمصلحة من مصالح عقيدته.
الخامس: إن ما ذكروه من الأمور الآنفة، كوجوه وتوجيهات لقوله تعالى: ﴿لله خمسه﴾ ما هي إلا استحسانات لا يمكن الركون أو المصير إليها، لأن الاستحسان، بناء على تعريفه([610]) بأنه إعمال نظر، استناداً إلى انقداحات نفسية لا يمكن التعبير عنها، يجيز لأي شخص أن يفتي بما يراه حسناً في نظره.
وعندئذ، يؤول الأمر إلى وجود أحكام متعارضة من دون قيود أو ضوابط. وهذا مما لا يمكن قبوله أو القول به. ولعله لذلك قال الإمام الشافعي «من استحسن فقد شرع»([611]).
السادس: إن ما استدلوا به من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، يوم فتح خيبر، في حديث عن سعيد، من أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ وبرة من بعير.
ثم قال: لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم. فلا يمكن الاطمئنان إليه، ولا الاستدلال به لعدة وجوه، أهمها:
أولاً: عدم ثبوت صحة سند الحديث، بل غموض هذا السند. إذ إنَّهم يروونه عن شخص مهمل، فيقولون: رواه سعيد([612]).
فمن هو سعيد هذا يا ترى؟ هل هو سعيد بن المسيب؟ أو سعيد بن جبير؟ أو سعيد آخر غيرهما؟.
ومع غموض حال الراوي وعدم وضوح حال سند الرواية، حيث تروى في بعض المصادر([613]) مرسلة، فكيف يعمل بها ويركن إليها؟
ثانياً: إن الرواية ـ مع التنزل عما تقدم ـ هي مظنونة الصدور، والآية الكريم مقطوعة الصدور، وهي نص في أن الخمس يقسم على ستة أسهم فلا يجوز أن نرفع اليد عما هو قطعي بما هو ظني.
ثالثاً: على تقدير صحة فعله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، كما تقول الرواية، يرد احتمال أنه إنما فعل ذلك، في هذه الواقعة بالذات لمصلحة اطلع عليها، وظروف استثنائية أحاطت بها بالخصوص.
أو أنه «إنما فعل ذلك، لا باعتباره مبلغاً للأحكام الشرعية العامة، وإنما بوصفه ولي الأمر، المسؤول عن تنظيم الحياة للمجتمع، وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدرها». ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
وعلى ضوء كل ما تقدم، يتضح أن الخمس بمقتضى صريح الآية الكريمة، والسنة الشريفة، إنما يقسم ستة أقسام، لا أقل ولا أكثر.
المستحقون للخمس
وكما وقع الخلاف بين العلماء حول خصوص حكم وجوب الخمس في الغنائم، أو عمومه لكل مكسب كما تقدم، فقد اختلفوا أيضاً، في المستحقين لهذا الخمس من الأصناف.
والآية الكريمة، ظاهرة ـ كما اتّضح في المسألة السابقة ـ في أن الخمس يقسم على ستة أقسام.
سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
ومن الواضح، أن سهم الله سبحانه ـ بعد أن ناقشنا فيما تقدم الرأي القائل بعدم تعقله ـ هو تلقائياً للنبي صلى الله عليه وسلم بالوراثة، باعتباره ولي الأمر الذي لا ينازعه منازع ولا يعارضه معارض.
وبهذا يجتمع للرسول صلى الله عليه وسلم سهمان: سهم الله سبحانه، وسهمه هو بنص الآية.
ويؤيد هذا ويشير إليه، ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: «إن الله لم يسأل خلقه مما في أيديهم قرضاً من حاجة به إلى ذلك. وما كان لله من حق فهو لوليه»([614]).
والمراد بذي القربى في الآية الكريمة، الإمام المعصوم، باعتباره ولي الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا، فالإمام المعصوم من نسل علي وفاطمة عليهما السلام، بلحاظ انحصار قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فيه منهما عليهما السلام يستحق ثلاثة أسهم من الستة، سهمين بالوراثة، وهما سهم الله وسهم الرسول. وسهماً بالأصالة.
وقد وردت في ذلك روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام([615]).
والذي يؤيد ما ذهبنا إليه، من أن المراد من لفظ «ذي القربى» الوارد في الآية الكريمة هو الإمام المعصوم باعتباره ولي الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وروده بلفظ المفرد.
ومع قطع النظر عن الصيغة التي ورد بها اللفظ في الآية الكريمة، فقد وقع الخلاف بين علماء المسلمين وفقهائهم، حول المراد بذوي القربى بعد إجماعهم على ِأن المراد بهم بشكل عام، قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك على ثلاثة أقوال([616]):
والقول الأول، يعتبر أن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، هي قريش كلها. وقد استدلوا له بفعله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت عليه الآية الكريمة ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾([617]).
وهذا الرأي مردود من وجهة نظرنا لأمرين:
الأول: أن العشيرة شيء، والقرابة شيء آخر.
وبمعنى أوضح مفهوم العشيرة أوسع، إذ قد يكون إنسان من العشيرة ولا يكون قرابة.
الثاني: ما أخرجه الطبراني وابن مردويه، عن أبي أمامة، قال:
لما نزلت، ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. جمع رسول الله بني هاشم، فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله، فأجلسهم في البيت. إلخ الرواية([618]).
والذي يبدو لي، أنه منسجم مع منطوق الآية الكريمة، أن المراد بالأقربين الفئة القريبة من حيث سهولة المخاطبة والتلاقي، في مقابل الأبعدين من حيث المكان، والذين لا يتيسر اللقاء معهم، ولا يمكن مخاطبتهم.
القول الثاني ودليله: وهذا القول، هو عبارة عن تفسير قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ببني هاشم وبني المطلب. حيث اختاره الشافعي، وأحمد، وقتادة، وأبو ثور، وغيرهم.
واستدلوا له، بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أنه قسم سهم ذوي القربى بين هذين الصنفين، بني هاشم وبني المطلب.
وقال عندما طالبه البعض من بني عبد شمس وبني نوفل في ذلك، ولم حرمهم، مع أنهم وهم بمنزلة واحدة: «لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه»([619]).
والاستدلال بهذه الرواية لهذا القول مردود، إذ إنَّ إعطاءه صلى الله عليه وسلم نصيباً لبني المطلب من خمس خيبر ـ على تقدير صحة الحادثة ـ لم يكن إلا تفضلاً منه صلى الله عليه وسلم، لا بسبب القرابة التي هي موضوع البحث.
وإلا لأعطى بني نوفل وبني عبد شمس.
ويدل على ذلك، أن جبيراً وعثمان، جاءا إليه صلى الله عليه وسلم وبيدهما حجة واحدة احتجا بها بين يديه صلى الله عليه وسلم وهي القرابة، وإنهما وبني المطلب بمنزلة واحدة منه صلى الله عليه وسلم فيها.
حيث قالا: «فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة».
والاعتراض على ذلك، بأن في بني نوفل وبني عبد شمس مانعاً، وهو النصرة المعروفة له ولبني هاشم في الشعب، حيث وجدت في بني المطلب، يؤكد معنى التفضل في إعطائه صلى الله عليه وسلم، إذ تكون النصرة سبب مثل هذا التفضل على بني المطلب في مثل ذلك الإعطاء، ومانعاً من حصوله بالنسبة للآخرين.
ولا أقل من احتمال أن يكون إعطاؤه لبني المطلب تفضلاً لا استحقاقاً وعند الاحتمال يبطل الاستدلال.
القول الثالث: وهو أن قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم المستحقين للخمس، هم بنو هاشم خاصة.
واختار هذا القول، الشيعة الإمامية بالإجماع([620])، والزيدية([621]).
ومجاهد، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم([622]).
ونحن ـ بعد وضوح فساد القولين السابقين ـ كما بيّنا، نختار هذا القول الأخير وذلك لعدة وجوه:
أولاً: الروايات الواردة صريحة في ذلك:
ومنها: ما رواه في الوسائل، بسند متصل بالإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام حيث قال عندما سئل عن آية الخمس:
«وخمس يقسم فيه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول هو لنا، والناس يقولون: ليس لكم». الحديث([623]).
ومن الواضح، أن الإمام الصادق عليه السلام هو ابن الإمام الباقر ابن الإمام علي بن الحسين السجاد، ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
وعندما نراه يقول في الرواية المتقدمة هو لنا، إنما يقصد الهاشميين دون غيرهم.
ومنها: ما أخرجه أبو داود، ورواه أحمد في مسنده، عن الإمام علي عليه السلام قال: «اجتمعت أنا والعباس وفاطمة، وزيد بن حارثة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس في كتاب الله تعالى، فأقسمه في حياتك، كيلا ينازعني أحد بعدك فافعل.
قال: ففعل ذلك، فقسمته حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم([624]).
والمتأمل لهذا الحديث، يجد التركيز من الإمام عليه السلام أمام النبي صلى الله عليه وسلم على كلمة «حقنا»، الدالة صراحة على أن الخمس، إنما هو لعلي وأهل بيته من الهاشميين خاصة.
وعبارة «كيلا ينازعني أحد بعدك» أصرح في الدلالة على ما ذكرت. ولعله عليه السلام كان يشعر بأنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، كان في الناس من غير الهاشميين، من يطمح بشره، إلى الاستيلاء على هذا الحق، وهكذا كان.
ثانياً: أنه من الثابت عند فقهاء الإسلام، أن الله سبحانه، حرم على رسوله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام الصدقات، وهي أموال الزكاة.
ومن الواضح، أن المقصود بأهل بيته: علي وفاطمة وأولادهما بنص حديث الكساء([625]) وغيره من الأحاديث الصحيحة.
ومن الثابت عندهم أيضاً، أنه سبحانه، إنما عوّضهم عن ذلك بالخمس، فيكون الخمس لهم، ومن انتسب إليه خاصة.
ثالثاً: أن هنا قدراً متيقناً من ذوي القربى، هو الهاشميون. وزائداً مشكوكاً وهو من عداهم من المطلبيين بمعنى أنه لم يختلف اثنان من علماء الإسلام، على كون الهاشميين هم موضوع استحقاق الخمس.
في حين اختلفوا فيمن عداهم. والقاعدة المجمع عليها هنا بينهم، هو الأخذ بالقدر المتيقن دون المشكوك.
وقد ذهب أبو بكر وعمر، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى حرمان قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سهمهم الذي جعله الله لهم بنص الكتاب الحكيم.
وتابعهما على ذلك كثير من فقهاء السنة. مع إجماع المسلمين، على أن النبي صلى الله عليه وسلم، توفي وهو على ما شرعه الله سبحانه، من إيصاله السهم إلى قرابته. «ولم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد»([626]).
ونحن لن نورد هنا، إلا ما أورده بعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم، تعليقاً على هذا الموقف من الخليفتين ومن تابعهما من فقهاء أهل السنة، كأبي حنيفة وغيره.
يقول في المغني والشرح الكبير([627]): «وما قاله أبو حنيفة، فمخالف لظاهر الآية. فإن الله تعالى، سمى لرسوله وقرابته شيئاً، وجعل لهما في الخمس حقاً.
كما سمى للثلاثة أصناف الباقية. فمن خالف ذلك، فقد خالف نص الكتاب.
وأما حمل أبي بكر وعمر (رضي الله عنه) على سهم ذي القربى في سبيل الله، فقد ذكر لأحمد فسكت وحرك رأسه، ولم يذهب إليه، ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه، أولى، لموافقته لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن ابن عباس لما سئل عن سهم ذي القربى فقال: إنّا كنا نزعم أنه لنا، فأبى ذلك علينا قومه. ولعله أراد بقوله: فأبى ذلك علينا قومنا.
فعل أبي بكر وعمر (رضي الله عنه)، في حملهما عليه في سبيل الله، ومن تبعهما على ذلك. ومتى اختلف الصحابة، وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة، كان أولى. وقول ابن عباس موافق للكتاب والسنة».
واليتيم لغة، هو كل طفل فقد أباه خاصة.
ولا يقال، لمن فقد أمه من بني الإنسان أو غيرهم يتيم، بل يقال له: عجي. حيث يربى بتغذيته بلبن غيرها.
كما يقال لفاقد أبويه معاً: لطيم.
ولم يرد اصطلاح خاص للمتشرعة في اليتيم، ولذا فالمراد به عندهم، معناه اللغوي ليس إلا.
وعلى هذا، فالمراد باليتامى في الآية الكريمة ـ وبلحاظ ما تقدم في بحوث ـ خصوص أطفال بني هاشم، ممن فقدوا آباءهم، الذين انتسبوا من طرفهم إلى هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم.
والمسكين لغة، هو «المحتاج الذي من شأنه أن تسكنه الحاجة عما ينهض به الغنى»([628]).
وقد يفرق بين الفقير والمسكين بأن الفقير في اصطلاح الفقهاء، هو «من لا يملك قوت سنته لنفسه وعائلته، بالفعل أو بالقوة»([629]).
في حين أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، كمن لا يملك قوته اليومي([630]). ولا بد من التنبيه([631])، على أن هذا الفرق إنما جعل الفقير والمسكين صنفين في باب الزكاة. أما في الخمس فهما صنف واحد.
وبناء عليه، فالمراد بالمساكين ـ جمع مسكين ـ في الآية الكريمة ـ وبلحاظ ما تقدم من بحوث أيضاً ـ خصوص ذوي الحاجة والمسكنة من بني هاشم.
وابن السبيل([632])، هو المسافر الذي نفذت نفقته، أو تلفت راحلته، ولا يتمكن معه من الرجوع إلى بلده، وإن كان غنياً فيه.
وإنما قيل له ابن سبيل، لأن السبيل أخرجه إلى هذا المستقر، كما أخرجه أبوه إلى مستقره([633]).
وعليه، فالمراد بأبناء السبيل، الوارد بصيغة المفرد في الآية الكريمة خصوص المسافرين، الذين لا يملكون في بلد السفر، ما يمكنهم من رجوعهم إلى بلدهم الأصلي، من زاد وراحلة ونفقة، وكانوا ينتسبون إلى هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم بنسب صحيح.
ولا بد من التنبيه هنا أخيراً، أن هذه الأصناف الأخيرة من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، إنما يعطون من الخمس بمقدار ما يرفع فقرهم وما زاد يرد إلى ولي الأمر يتصرف فيه فيما يعود على الأمة الإسلامية بالخير والنفع بحسب ما يراه مناسباً.
حكم الأخماس الأربعة الباقية.
كان هذا الكلام كله في حكم خمس الغنائم مطلقاً، فما هو حكم الأربعة أخماس الباقية من غنائم دار الحرب؟
الظاهر أن حكم الأربعة أخماس الباقية، مجمع عليه بين فقهاء المسلمين وهو أنها ملك للغانمين([634]) وإن وجد بينهم اختلاف طفيف في كيفية تقسيمها عليهم.
فبينما نراهم اتفقوا([635]) على أن الراجل في المعركة من المسلمين، يأخذ سهماً واحداً من الغنيمة.
نجدهم قد اختلفوا في حصة الفارس من المقاتلين في الغنيمة.
فذهب الحنابلة([636]). والشافعي وأبو يوسف ومحمد من الأحناف([637]) والناصر ويحيى وغيرهما من الزيدية([638])، والمالكية([639])، إلى أن الفارس يسهم له ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه.
في حين ذهب الشيعة الإمامية([640])، وأبو حنيفة([641])، إلى أنه يسهم له سهمان فقط.
وقد أجمعوا على أنه لا يسهم لغير الخيل من الدواب، وإن حكي قول عن أحمد([642]) في أن البعير يسهم له سهم.
جاء في المغني والشرح الكبير([643]). واختار أبو الخطاب أنه ـ أي البعير ـ لا يسهم له، وهو قول أكثر الفقهاء.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل.
كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي».
وجاء في البحر الزخّار للزيدية «ولا يسهم لغير الخيل إجماعاً»([644]).
وجاء في شرائع الإسلام للإمامية «ولا يسهم للإبل والبغال والحمير»([645]).
وجاء في كفاية الطالب للمالكية «واحترز بالفرس عن البعير والبغل والحمار فإنه لا يسهم لها([646]).
كما ذهب الققهاء([647]) في القول الأقوى، إلى أنه لا يسهم للخيل، إذا كانت هرمة أو ضعيفة لا تقوى بصاحبها على القتال. ولا للصغير الذي لا يصلح للركوب.
وأكثر الفقهاء([648])، على أنه لا يسهم للمقاتل على أكثر من فرسين، وإن كان عنده عشرة أفراس. وذلك لأن حاجته ـ على الأكثر ـ إنما تسد بالفرس الثاني دون ما زاد.
وهناك اختلافات طفيفة أخرى بين الفقهاء في هذا الموضوع، تراجع في مطولات الفقه.
تفريعات:
الأول: ذهب الفقهاء([649])، إلى أنه لا يجوز لأحد من الغانمين التصرف في شيء من الغنائم قبل القسمة والاختصاص.
إلا ما يضطرون إلى تناوله كالطعام وعلف الدابة.
الثاني: ذهب بعض الفقهاء([650])، إلى أن ما لا يصح تملكه للمسلم كالخمر والخنزير، لا يدخل في الغنيمة بل ينبغي إتلافه.
الثالث: ذهب كثير من الفقهاء([651])، إلى أنه لا يسهم للنساء والعبيد، والكفار الذين قاتلوا بإذن الإمام إلى جانب المسلمين، بل يرضخ لهم.
والرضخ هو العطاء الذي لا يبلغ سهم من يعطاه لو كان مستحقاً للسهم.
الرابع: ذهب فقهاء الإمامية([652])، إلى أن الطفل حتى ولو لم يحتمل قتالاً يسهم له، بل ذهبوا إلى وجوب الإسهام له لو ولد بعد الحيازة للغنائم وقبل قسمتها.
الخامس: ذهب بعض الفقهاء([653]) إلى عدم جواز تقسيم الإمام الغنائم في دار الحرب بل لا بد من تأخيرها إلى دار الإسلام.
وأما من قال بالجواز، فبعضهم([654]) جوزه على كراهية.
بينما البعض الآخر([655]) رأى الكراهية في عدم قسمتها في دار الحرب إلا لعذر. وهذا الأخير في نظري هو الرأي الصحيح لاعتضاده بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر حروبه وغزواته كما وردت به الأخبار([656]).
السادس: كان الكلام المتقدم بالنسبة لوجوب إخراج خمس الغنائم مقتصراً على ما ينقل من ذهب وفضة وأمتعة.
فما هو الحكم بالنسبة لشيئين آخرين:
1 ـ النساء والأطفال وما تابعهم من عبيد. والرجال.
2 ـ ما لا ينقل كالأرض والدور والعقارات.
أما بالنسبة للنساء والذراري وعبيدهم، فقد ذهب الفقهاء، إلى أنهم يُسْتَرَقُّون، وهم ملك للغانمين خاصة بعد إخراج الخمس([657]).
أما بالنسبة للرجال ففصلوا بين ما إذا كانت الحرب قائمة وبين انتهائها فلو أخذ الرجال أسرى والحرب قائمة يتعين عليهم القتل ما لم يسلموا([658]).
والإمام مخير فيه بين اثنتين:
ضرب أعناقهم. أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
وأما إذا أخذوا بعد ان تقضي الحرب لم يقتلوا، وكان الإمام مخيراً فيهم بين المن والفداء والاسترقاق، وهذا الحكم لا يسقط في حقهم حتى ولو أسلموا([659]).
وإن زاد بعض الفقهاء أيضاً([660]) خيار قتل الإمام لهم في هذه الحال إذا رأى ذلك. وأما بالنسبة للعقارات والأرضين، فقد وقع الخلاف فيها بين الفقهاء.
فالإمامية يرون أنها للمسلمين قاطبة، ولا تختص بالغانمين وذلك بعد إخراج خمسها في قول الكثير منهم([661]).
وقد تمسّك هؤلاء على ما ذهبوا إليه، من كون هذه الأرض للمسلمين قاطبة، بالروايات الدالة على وجوب إخراج خمس الغنيمة وتقسيم الباقي على الغانمين، حيث استفادوا من قرينة وجوب تقسيم الباقي على الغانمين، إن مورد هذه الروايات هو الغنائم المنقولة فقط.
كما تمسكوا على ما ذهبوا إليه من وجوب إخراج خمس هذه الأرض المفتوحة، بأدلة خمس الغنيمة الشاملة بإطلاقاتها لغير المنقول من الغنائم أيضاً.
وإن كان بعض فقهاء الإمامية، ذهبوا إلى عدم وجوب الخمس في الأراضي المفتوحة، مع قولهم بملكية المسلمين قاطبة لها.
ولعل هؤلاء قد استدلوا على ما ذهبوا إليه، بتقديم إطلاقات أدلة ملكية المسلمين للأرض المفتوحة، المقتضية لنفي الخمس فيها، على إطلاقات أدلة خمس الغنيمة.
باعتبار أن أدلة الملكية، أخص من أدلة خمس الغنيمة، فتقدم عليها بالتخصيص.
أو باعتبار وقوع التعارض بين إطلاقي الدليلين وتساقطهما عند ذلك فيرجع بعد تساقطهما إلى الدليل الفوقاني المقتضي لنفي وجوب الخمس.
وفي كلا الشقين مناقشات وتأمل([662]).
وإلى ما ذهب إليه الإمامية، ذهب فقهاء الزديدية أيضاً([663]).
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فقد ذهبوا إلى القول بأن الإمام مخير بين أن يقسمها بين الغانميين بعد إخراج خمسها، وبين أن يتركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة إن كانوا بمحل الذمة بأن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي العجم ووضع الجزية على رؤوسهم والخراج على أراضيهم([664]).
وقد نقل صاحب البحر الزخار([665]) عن أبي حنيفة وأصحابه رأياً آخر وهو أن الإمام بين أن يقسمها، أو يوقفها على المسلمين، أو يجعلها خراجية، أو يزعج أهلها ويسكنها آخرين على خراج.
مع نقله عنهم عدم وجوب إخراج الخمس منها.؟
بينما ذهب عمر، ومعاذ، وابن المبارك، والليث، إلى أن النظر فيها للإمام، إن شاء قسمها، أو وقفها على المسلمين فقط([666]).
وأما مالك، فقد جعل لها وجهاً واحداً ليس إلا، وهو أنها بمجرد الفتح، تصير وقفاً على المسلمين من غير واقف([667]).
محمد جعفر شمس الدين
- () لواء الاحتياط: تشكيل عراقي لألوية خفيفة تضم عدداً من الأفواج يصل إلى ستة ينقص هذه الألوية الإسناد المدفعي والنقل وقد شكلت قبل بدء حركات 1975م ضد الأكراد. ↑
- () للمزيد من التفاصيل عن الاتفاق العسكري والمدني خلال الحرب مع إيران، راجع كتاب د. عباس النصراوي، «الاقتصاد العراقي 1950 ـ 2010»، لندن 1994، ص 88 ـ 96. ↑
- () التقرير الاقتصادي العربي الموحد المعد من قبل صندوق النقد العربي، أيلول (سبتمبر) 1992، ص 18. ↑
- () تقرير الحكومة العراقية المقدم إلى الأمم المتحدة في 29 نيسان (أبريل) 1991 عن الوضع الاقتصادي العراقي ما بعد الحرب، المنشور في نشرة «ميس» بتاريخ 13 أيار (مايو) 1990. ↑
- () تاريخ إيران، تأليف السير برسي سايكس ج 2، ص 515. ↑
- () قلعة الناصري في سرخس. ↑
- () المنسوبين إلى عراق العجم. ↑
- () خروار أو خربار: هو مقياس للوزن يعادل ثلاثمائة كيلو. ↑
- (*1) الحرة (بفتح الحاء وتشديد الراء): أرض ذات حجارة سود وكأنها أحرقت، والحرات في بلاد العرب كثيرة، أكثرها حوالي المدينة إلى الشام. وفي المدينة حَرّتان، إحداهما اسمها حرة واقم وهي التي جرت فيها الواقعة التي نتحدث عنها سنة 63هـ. ↑
- () قيلة التي نسبت إليها الأوس والخزرج (الأنصار) هي أم للأخوين: الأوس والخزرج، وقيل: أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد، وقيل: هي بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء (عرف بذلك لأنه كان يخرق كل يوم حلة حتى لا يلبسها أحد بعده). ↑
- () عاش عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري في القرن الثالث للهجرة وكان من أشهر علماء عصره. ولد في الكوفة سنة 213 ونشأ في البصرة وانتقل إلى نيسابور وعمل في القضاء في دينور واستقر أخيراً ببغداد حيث أخذ يدرس كتبه التي ألفها ومات في بغداد سنة 276.وقد ساعده اتصاله بعلماء هذه المدن المختلفة وأخذه عنهم على أن يتسع أفق ثقافته فجمع ووعى كثيراً من علم عصره وألم بآراء كثير من المدارس الفقهية والنحوية المختلفة ولاءم بين بعضها والبعض الآخر واستطاع بفضل رزانته وتدينه وعلمه أن يصبح عالماً يسند إليه القضاء في دينور ثم أستاذاً كبيراً في بغداد يضع عشرات الكتب في مختلف الفنون ويدرسها طلبته. فقد كتب في القرآن وتفسيره وفي الحديث وتأويله وفي الشعر ونقده. ولعله أول كاتب عند العرب وضع كتباً من نوع الموسوعات.
وأهم كتبه الموسوعية اثنان أولهما كتاب المعارف ويدور على شتى المواضيع، من قصة الخليقة والتكوين إلى أصحاب الكهف، فسيرة النبي، فأخبار الصحابة والخلفاء، فالمشهورين من الأشراف، فالعلماء، فأيام العرب وأخبار الفتوح والفرق الإسلامية، إلى ذوي العاهات، فملوك اليمن والشام والحيرة والعجم الخ. والثاني كتاب عيون الأخبار وهو في عشرة أبواب رئيسية في السلطان والحروب والسؤدد والطبائع والأخلاق والزهد والنساء الخ.
وقد ذاع صيت ابن قتيبة في الشرق وقصده العلماء وانتشر إلى المغرب فطلبت كتبه هناك ورغب فيها وصار أهل المغرب يعظمونه ويتهمون من لم يكن في بيته من كتبه شيء.
واختلف المؤرخون في عدد كتبه فذكر ابن النديم أسماء أربعة وثلاثين كتاباً وعقبه النووي فأوصلها إلى الستين وهناك من زعم أنها بلغت ثلاثمئة. ومهما يكن من أمر عددها فقد بلغ ما طبع منها حتى الآن خمسة عشر أشهرها سبعة هي كتاب الشعر والشعراء وكتاب عيون الأخبار وكتاب أدب الكاتب وكتاب المعارف وكتاب المعاني الكبير وكتب تأويل مختلف الحديث وكتاب الأشربة.
وهناك عدا هذه الكتب كتاب شهير آخر طبع هو كتاب الإمامة والسياسة وكان يمكن أن يسمى كتاب تاريخ الخلفاء فهو يدور على تاريخ الخلفاء من زمن أبي بكر حتى أول خلافة المأمون وتفرده بالملك. ↑
- () ظل معاوية يعمل على إفقار أهل المدينة (الأنصار) حتى اضطروا لبيع أراضيهم ونخلهم باثمان بخسة تحت وطأة العوز والحاجة فاشتراها هو نفسه. ↑
- () الوسق: يعادل ستين صاعاً تقريباً، وكل صاع يساوي 3 كلغ تقريباً. ↑
- () ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1 ص 207. ↑
- () ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج 1 ص 209. ↑
- () البدري: هو من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر. ↑
- () عبد الرحمن بن عوف الذي رفض أن يبايع علي بن أبي طالب وصرف الخلافة عنه إلى غيره، عبد الرحمان بن عوف هذا: ذبحت سيوف الأمويين ابنه زيد يوم الحرة وذبحت ابنه الآخر مع ابن الزبير في مكة. وأم المؤمنين السيدة عائشة (رض) التي رفضت خلافة علي بن أبي طالب وقادت الجيوش ثائرة عليه، السيدة عائشة: أذل الأمويون أختها أسماء شر الإذلال، وقتلوا ابن أختها سبط أبي بكر (رض) عبد الله وصلبوا جسده تشفياً، عبد الله بن الزبير وابن أسماء بنت أبي بكر، عبد الله هذا الذي تبنته عائشة (رض) لحرمانها من الأولاد، فكانت تكنى بأم عبد الله، هذا ابن السيدة عائشة بالتبني ذبحته سيوف الإمويين. وليت أباه الزبير الذي جيش الجيوش لقتال علي بن أبي طالب ليته يرى ما أثمر خذلانه وخذلان أمثاله لعلي، ويكفيه ما لقيت زوجته وما لقي ابنه. ↑
- () كانت هذه البيعة على جميع أهل المدينة: أن يبايع كل واحد منهم على أنه عبد ليزيد، ومن لم يبايع هذه البيعة قتل. ↑
- () كتاب الفتوح لأحمد بن أكثم (ص 796). ↑
- () وفيات الأعيان، الجزء الخامس ص 347. ↑
- () وفي القاهرة واسطنبول ولندن والنجف أجزاء متفرقة من مخطوط ديوانه. وفي المكتبة الوطنية بباريس نسخة خطية، حققها الدكتور علي جواد الطاهر وقدم لها بدراسة عن ابن الحجاج وشعره. ومنه نسخة خطية في استكهولم وقد استعان بها الطاهر في تحقيقه لمختارات الاسطرلابي. ↑
- () الحابل السدا والنابل اللحمة وقيل المراد بالحابل صاحب الحبالة وبالنابل صاحب النبل أي اختلط الصائدون (منه). ↑
- () الخاثر: ما خثر من اللبن والزباد بالضم والتشديد الزبد قاله الميداني عن الأصمعي وفي اللسان زباد اللبن بالضم والتشديد ما لا خير فيه والزباد الزبد واختلط الخاثر بالزباد أي الخير بالشر والجيد بالرديء والصالح بالطالح (انتهى) وفسره في الجمهرة بما لا يكاد يصح. ↑
- *1 حضرموت: تقع إلى الشرق والشمال الشرقي من مدينة عدن، وتمتد من عين با معبد غرباً إلى سيحوت من بلاد المهرة شرقاً ومن الربع الخالي شمالاً إلى بحر العرب جنوباً. ↑
- () بلاد في الجنوب الغربي من جزيرة العرب، كانت لها حضارة عظيمة، مذكورة في كتب اليونان والرومان والعرب، واشتهر سكانها بتجارة الذهب والفضة والجواهر. ↑
- () أو المملكة المعينية، ازدهرت في جنوب جزيرة العرب، ما بين عام 900 إلى عام 400 قبل الميلاد. ↑
- () هو رياض نجيب الريس. ↑
- () أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر الصادق. نشأ في البصرة وكانت له صلات وثيقة مع علماء عصره ومفكريه، ومما يرويه السيد ضياء شهاب عن تاريخ بغداد للخطيب أنه نقل في ترجمة محمد بن جرير الطبري قول الطبري: كتب أحمد بن عيسى العلوي في البلد (البصرة):إلا أن إخوان الثقات قليل
هل لي إلى ذاك القليل سبيل؟
سل الناس تعرف غثهم من سمينهم
فكل عليه شاهد ودليل
وقال أبو جعفر فأجبته:
يسيء أميري الظن في جهد جاهد
فهل لي بحسن الظن منك سبيل؟
تأمل أميري ما ظننت وقلته
فإن جميل الظن منك جميل
وجده محمد بن علي هو الذي انتقل من المدينة إلى البصرة. وكان أحمد في البصرة حين دخلها القرامطة سنة 310 وفي سنة 317 (929) في عهد المقتدر بالله العباسي ترك البصرة متوجهاً إلى الحجاز مع أسرته وفيها ابنه عبد الله وحفيده إسماعيل بن عبد الله واثنان من بني أعمامه، تاركاً في البصرة ولده محمداً. فنزل المدينة وفي خلال ذلك هاجم القرامطة مكة وانتزعوا الحجر الأسود من الكعبة ثم قصد إلى مكة ولكنه لم يمكث فيها بل واصل السير إلى اليمن واستقر في حضرموت، في قرية الجبيل ثم في الهجرين ثم في قارة بني جشير وأخيراً في الحسيسة التي سكنها حتى وفاته سنة 345 (956).
وكان الخوارج الإباضية منتشرين في تلك النواحي فرأوا تجمع الناس عليه فساءهم ذلك وبلغه أنهم يجمعون جموعهم لقتاله فسار إليهم في 300 من رجاله والتقى بهم في صحراء بحران فانتصر عليهم.
وبسبب هذه الهجرة من العراق إلى اليمن اكتسب لقب (المهاجر) وظل أحفاده يتتابعون وينتشرون ويعمرون تلك المناطق مثل بيت جبير ويبحر وقسم وخباية والحوطة والحاوي وغيرها.
وأعظم ما تركته هجرة هذا الشيعي العظيم أحمد بن عيسى إلى حضرموت من أثر أنها انتجت هجرات بعيدة المدى قام بها أحفاده إلى الشرق الأقصى حاملين معهم الإسلام ينشرونه حيث حلوا. وقد ذكر هجرانهم كل من المستشرقين الهولنديين «فن دن بيرخ، وفرين ميس» في كتاب تاريخ البلدان الجاوية «سيجارة تانه جاوا» و«بيخمن» وكذلك نور الدين محمود عوفي.
يقول فن دين برخ في كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الجزائر الهندية، الصادر باللغة الفرنسية: «إن نجاح الدعوة الإسلامية في جاوا كان لأن الدعاة كانوا من ذرية النبي». ويذكر محمد تمين في محاضرته التي ألقاها في الندوة التاريخية في ميدان سومطرا الشمالية: «أن الأشراف العلويين انتشروا في كامبودجا والصين وسيام وغيرها» وبعد أن يفصل بعض التفصيلات يقول: «إن علياً واسحق ابني إبراهيم بن الحسين كانا من أنجح العاملين على نشر الإسلام وإن أعظم نجاح لإسحاق كان في بانيو وانغي».
ووصلوا كذلك إلى الفلبين فاستوطنوها ونشروا فيها الإسلام ثم أقاموا فيها ملكاً، واستمر حكمهم حتى سنة 885 (1465م).
وجاء في كتاب (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم) المطبوع بمانيلا سنة 1905 أن مجيء الإسلام للفيلبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر. وقد عمل هذا العلوي على نشر الإسلام أول الأمر في جزائر (يوايان) الفليبينية ثم انتشر الإسلام في: ميندانا ومافنيدا وسبيو وسولو وكوتا بارو وتمبادا وليبونغان باكمبايان.
والمقابر الأندونسية حافلة بقبور أحفاد أولئك الرواد وأحفادهم، وأسماؤهم مسطرة عليها. ↑
- () يمكن أن نعد من المهاجرين حسين بن أحمد بن عبد الله بن عبد الملك بن علوي بن محمد صاحب مرياط بن علي بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر الذي وصل مع أولاده العام 750هـ. وحسين بن أحمد هذا هو المعروف من سلالة آل عظمة خان.وكذلك جاء بعده محمد بن عيد آل عديد المتوفى سنة 919هـ الذي وصل أولاده إليه في أندونيسيا. وأما محمد بن عبد القادر آل عديد المتوفى عام 1050هـ فإن عقبه الذين وصلوا إلى أندونسيا موجودون إلى الآن في مدينة (كوبان) بجاوا الشرقية. ↑
- () تلخيص من رسالة لي بإسم «المعيار في الحدود الفقهية» ألفته حين حضوري درس الأستاذ الاكبر فقيد الإسلام السيد محمد الحجة الكوهكمري في قم. ↑
- () هو السيد الطباطبائي اليزدي صاحب العروة الوثقى في حاشيته على كتاب البيع للشيخ الأنصاري: ص 55. ↑
- () سورة المائدة: آية 1. ↑
- () سورة البقرة: آية 275. ↑
- () طهران عام 1359هـ ص 8. ↑
- () قد ظهر في أول المقال أنَّ هذا القسم اعتباري صرف، وليس انتزاعياً، ولا من المعقولات الثانية، وأنَّ المعقولات الثانية هي الملازمات العقلية للحقائق الخارجية المنتزعة عنها عقلاً، وليست باعتبارية. ↑
- (*) تعتبر مدينة حلب الشهباء إحدى أعرق المدن في العالم، فهي تعود تاريخياً إلى الألف الثالث قبل الميلاد، واشتهرت على مر العصور بدورها التجاري العريق، وبموقعها الاستراتيجي المهم، وبآثارها العظيمة التي تدل، ليس على عراقة هذه المدينة فحسب، بل على عظمة الحضارة العربية والإسلامية، ودورها في إغناء الحضارة البشرية في مجال البناء والفن والهندسة المعمارية.ولعل أهم هذه الآثار هي: قلعة حلب والأسواق القديمة والجامع الأموي الكبير.
وحلب تقتعد سهلاً واسعاً خصباً، تتنوع الزروع والثمار فيه. ويجد الضرع فيه حاجته …. ففيه الزيتون وأشجار الفواكه الأخرى والقمح والشعير. والكميات جيدة ووفيرة.
وحلب تقع على ملتقى طرق تجارية فهي تتصل بالشرق بالموصل عبر الرقة على الفرات وبشرق آسيا الصغرى من طريق الثغور الجزرية، وتوصلها الثغور الشامية بغرب شبه الجزيرة نفسها. وإلى الجنوب يمتد الطريق منها إلى دمشق (عبر حماه وحمص) وإلى الجنوب الداخلي عبر سهل الغاب ووادي البقاع إلى فلسطين. ويربطها طريق غربي بأنطاكية ومينائها (سلوقية) السويدية اللذين بناهما أنطيوخوس السلوقي في القرن الثالث قبل الميلاد.
وتتصل باللاذقية في اتجاه جنوبي غربي. فكانت السلع تحمل إليها من أقصى المشرق وما يتجمع من البضائع والمصنوعات التي تصل مراكز التجارة من الشمال والجنوب، وتحمل إليها طرقها الغربية ما تفرغه السفن في موانئ البحر المتوسط وما قد يأتي من الجنوب أو الشمال. ↑
- () بطولات سيف الدولة كانت موحية للكثير من الأدب الحماسي (يسميه البعض الرومانسي؟) البطولي. وقد كان في بلاط سيف الدولة من غنى هذه البطولات من الشعراء والأدباء. ↑
- () وصف الشيخ كامل الغزي، صاحب كتاب «نهر الذهب» القلعة، بقوله: «وقام في وسط المدينة، قلعتها المشهورة، كملك عظيم، حفت به الجواري الحسان التي في منارات المدينة البديعة المنظر، خصوصاً في ليالي المواسم الدينية، وربما تتراءى القلعة المذكورة، من بعد ثلاث ساعات، وقد تشاهد منارة القلعة وقت الغروب، من جبل الزاوية، الواقع على سفح قصبة أريحا».رمّم المرداسيون القلعة وأصبحت في عهدهم مسكناً للأمراء، يضم قصور الإقامة والحكم والمساجد والأبنية الاخرى، ومنها دار عرفت باسم «دار الذهب»، رصفت أرضيتها بالمرمر وطليت جدرانها بماء الذهب، ودار أخرى زينت بصورة الشمس وهي تشرق، وقد بنى محمود بن نصر المرداسي داراً زين حجرها وقاعاتها بالذهب والفسيفساء والزجاج الملوّن، وصوّرت هذه المواد منظر معركة ومناظر مختلف أنواع الطيور وزرافتين وفيل مع قائده وجمال وبحر فيه اسماك وسفن وأشجار نخيل ومنظر صور قصة مجنون ليلى، وعلى السقف من الداخل صور حديقة رائعة الجمال.
ثم لم تعد حلب مدينة حدود في العهد العثماني، لأنها توسطت الإمبراطورية العثمانية، فقل شأنها وشأن قلعتها، وصارت مركزاً عسكرياً، تقيم فيه الانكشارية، وعندما جاءت جيوش إبراهيم باشا، استقرت الحامية المصرية في القلعة، وأقيم لها بناء لا يزال يعرف بالثكنة المصرية. وفي أيام الانتداب الفرنسي استمر استخدامها مقراً للحامية الفرنسية، ثم هجرت، وفي العهد الوطني جرى الاهتمام بترميم القلعة، فرممت قاعة العرش وبعض الأسوار والأبراج والقصر الملكي والحماام التابع له والجامعان: الصغير والكبير. ↑
- () بدأ بعمارتها سنة 493هـ وسكنها سنة 495هـ. ↑
- () يقول ابن بطوطة في رحلته تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار، في أثناء حديثه عن مدينة الحلة «وأهل هذه المدينة كلها أمامية اثنا عشرية». أنظر: Voyages dibn battuta, Par C. Defremery ETIE B.R. San Guinetti, editions anthropos, Paris 1969, Tome I, P. 97. ↑
- () لم يتخذ نهر الفرات له مجرى واحداً خلال حقب التاريخ المختلفة، ففي عهد السومريين والأكديين (حوالي الألف الثالث ق.م. كان يتخذ له مجرى في نهر كوثى القديم ثم تحول على عهد البابليين (بين الألف الثاني ق.م. وحوالي القرن السادس الميلادي) إلى مجرى بابل القديم الذي يمثله شط الحلة الحالي، بينما تحول في العهد العربي (القرن التاسع الميلادي ـ القرن الثالث عشر الميلادي) إلى مجرى بالاكوباس القديم الذي يمثله شط الهندية، واتخذ له في عهد الأتراك (القرن الرابع عشر الميلادي ـ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) نهر تحول في أواخر القرن التاسع عشر إلى المجرى الحالي (مجرى بالاكوباس القديم أو شط الهندية الحالي). وكان لهذه التغيرات في مجرى الفرات الأثر الكبير في ازدهار أو انحطاط مراكز العمران والحضارة فيه.أنظر: د. أحمد سوسة: وادي الفرات ومشروع سدة الهندية. الجزء الثاني. بغداد 1945 ص 160 ـ 284. ود. إبراهيم شريف: الموقع الجغرافي للعراق وأثره في تاريخه العام حتى الفتح الإسلامي. الجزء الأول. مطبعة شفيق. بغداد.
إن هذا التحول الذي يتحدث عنه الألوسي قد ظهرت بوادره منذ فترة ليست بالقصيرة وقد اتخذت الإجراءات لإيقافه والتي انتهت بإنشاء سدة الهندية. ويذكر الكتاب والمؤرخون بأن من العوامل التي لعبت دوراً في هذا التحول، مشروع آصف الدولة وزير محمد شاه الهندي في أواخر القرن الثامن عشر لإيصال المياه إلى مدينة النجف وذلك بشق جدول عرف بجدول الهندية، وكذلك حادثة سد جدول الصقلاوية في زمن مدحت باشا، بحيث أن نهر الفرات (مجرى الحلة) لم يستطع استيعاب المياه التي أضيفت إليه بعد سد جدول الصقلاوية مما أدى إلى تحوله إلى جهة شط الهندية.
أنظر: وادي الفرات ومشروع سدة الهندية، مصدر سبق ذكره ص 261 ـ 267، ومصطفى نور الدين الواعظ: الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر. الموصل 1948 ص 199. ↑
- () استقدمت الدولة العثمانية عن طريق سفارتها في باريس المهندس M.S. Sechoenderfer ومعاونه إلى بغداد، وأجريا الكشف اللازم لمجرى نهر الفرات ومروره نحو الهندية والحلة، ونظما خارطة وتقريراً بذلك. أنظر: عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين. الجزء الثامن ص 100 وج.ج. لوريمر: دليل الخليج. القسم التاريخي، ج 4، قطر 1967 ص 2291. والقسم الجغرافي. ج 2. بيروت 1970 ص 1092. ↑
- () أياة أو أيالت بالتركية: كل مقاطعة تكون تحت حكم والٍ عثماني، وهي تمثل إحدى ولايات الدولة. وفي الفترات الأخيرة من الحكم العثماني اقتصر استعمالها على المقاطعات الأجنبية التابعة للدولة العثمانية. أنظر: شمس الدين سامي، قاموس تركي (باللغة التركية)، الناشر أحمد جودت. أقدام مطبعة سي 1317، ص 233. وكانت البلاد العثمانية تقسم من الناحية الإدارية والعسكرية إلى أيالات والآيالات إلى ألوية أي سناجق وكل لواء من الألوية يضم مقداراً من التيمارات (مقاطعات صغيرة) والزعامات (المقاطعات المتوسطة). ويتولى شؤون الإيالة باشا يسمى بكلر بكي أي بك البكوات ويعتبر بمرتبة مير ميران أي أمير الأمراء. ويتولى شؤون اللواء بك يسمى سنجق بكي أي بك اللواء ويعتبر بمرتبة مير لوا أي أمير اللواء. أنظر: ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية. بيروت 1965 ص 30. ↑
- () قرى ومدن سورية تقع على نهر الفرات في مجراه في سوريا. ↑
- () قرى ومدن عراقية تقع على نهر الفرات في مجراه في العراق. ↑
- () سد الهندية: هو السد الغاطس الذي أنشئ في صدر فرع الهندية قبل إنشاء سد الهندية لغرض رفع مستوى المياه في مقدم السد لتأمين تجهيز المياه إلى شط الحلة الذي أخذت مياهه تتجه غلى شط الهندية، وقد جرى افتتاحه في 11 ربيع الأول عام 1208هـ (1980م). ↑
- () في الأصل: كمان. ↑
- () هو السيد مصطفى نور الدين الواعظ، ولد في باب الشيخ عاشر ربيع الأول عام 1263هـ (1844م) أخذ العلوم عن والده وأفاضل علماء عصره كالسيد عبد الرزاق أفندي والسيد عبد الرحمن أفندي وغيرهم. وعظ وخطب في جوامع بغداد وعين مدرساً في المدرسة الخاتونية وفي جوامع البصرة، كما شغل في البصرة عضوية محكمة التمييز ورئيساً لمحكمة الجزاء، كما عين مفتياً للحلة والديوانية، وأسندت إليه وكالة المتصرفية في الديوانية بعد عزل سليمان فائق، وانتخب عنها نائباً وحضر افتتاح البرلمان في الآستانة. أصيب في عام 1231هـ بداء الاستسقاء وتوفي 23 جمادى الثاني من نفس العام.أنظر ترجمته بقلمه كتابه: الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر. الموصل 1948 ص 158 وما بعدها.
وانظر: عباس العزاوي: تاريخ العراق، مصدر سبق ذكره، ج 8، ص 104. له تأليف وتصانيف قيمة منها، الإرشاد لمن أنكر النبوة والمعاد، والروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر، الذي عني بتدقيقه ونشره السيد إبراهيم الواعظ، وخلاصة المقال في شد الرحال، وزهر الربى في حرمة الربا، والمطالب المنيفة في الذب عن الإمام أبي حنيفة. أنظر كوركيس عواد: معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين. بغداد 1969، المجلد الثالث ص 311. وقد ذكر في الروض الأزهر الذي سبق ذكره، تآليفه وتصانيفه تفصيلاً. وقد نقلنا نص الخطبة هذه من كتاب الروض الأزهر، وأشرنا إلى زيادات وإسقاطات الآلوسي منها. ↑
- () زاد الآلوسي (ولكل شيء غاية). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي (وأصبحت أرضكم). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () أسقطها الآلوسي وذكر محلها (وتشتت جمعكم). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي (السلطانية). ↑
- () عند الآلوسي (ملكنا). ↑
- () عند الآلوسي (أمامنا). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () تولى سري باشا ولاية بغداد للفترة 1889 ـ 1890م بعد الوالي مصطفى عاصم باشا. أصله من مدينة قندية في جزيرة كريت، وهو ابن حلواجي زاده صالح أفندي. ولد سنة 1260هـ. وتقلد مناصب عديدة منها رئاسة الكتاب (المكتوبية) ثم صار متصرفاً فوالياً لعدة ولايات حتى ولي بغداد. وقد شجع العلماء والأدباء لأنه كان أديباً عالماً فاضلاً «عالي الهمة، كامل الفصاحة، سديد الرأي صائب التدبير».وقد ألف الكثير من التصانيف والتآليف في الفقه والشريعة والتفسير منها: نقد الكلام في عقائد الإسلام، وسر قرآن، وأحسن القصص، وغيرها، وفي عام 1308هـ نقل إلى ديار بكر وتوفي في 24 جمادي الآخرة عام 1313هـ. أنظر: عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين. ج 8 بغداد 1956 ص 99 وص 111 ـ 113. ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي (يتم عمل السد الذي ليس له نظير قبل ولا بعد). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي (وعادت قصورها). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي: (وأزهرت رياضها). ↑
- () عند الآلوسي: (وشمخ نخيلها وارتوى أصالها). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي: (الإعلان). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي: (بدوام دولة السلطان). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). ↑
- () وزاد الآلوسي: (وأصحابه الغر الميامين). ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () الخاقان: كلمة تركية، وهي علم واسع لكل ملك من ملوك الترك والصين. أنظر أدي شير: الألفاظ الفارسية المعربة. المطبعة الكاثوليكية. بيروت 1908 ص 56. ويقال بأنها كانت تطلق على ملوك تركستان فقط ثم انتشرت إلى المناطق الأخرى أنظر: محمد باشا متخلص به: فرهنك آنندراج (باللغة الفارسية) طهران 1336. ج 2 ص 1581. ويذكر بارتولد بأن هذا اللقب كان يطلق على حكام الشعوب القديمة التي تعرف بـ (تركا)، وقد أخذوه عن أسلافهم الصينيين. أنظر: الشنثناوي وجماعته، دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الثامن، مادة خاقان، ص 192. ↑
- () ساقطة عند الآلوسي. ↑
- () ساقطة عند الآلوسي. ↑
- () أسقطها الآلوسي. ↑
- () هو السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بن السلطان عبد المجيد الأول، ولد في استانبول في 21 أيلول عام 1842، تولى السلطنة بعد أخيه مراد الرابع في 21 آب 1876. وقد خابت آمال مدحت باشا وجماعته من الأحرار الذين جاؤوا بعبد الحميد إلى السلطنة، حيث ضاق هذا السلطان ذرعاً بالحياة النيابية فقام بتعطيل مجلس المبعوثان وتعليق أحكام الدستور، وفرض حكماً استبدادياً ظالماً. وبسبب هذه الظروف الداخلية ومشاكل الدولة العثمانية الخارجية، قامت جماعة الاتحاد والترقي بالثورة في عاشر تموز 1908، فأعلن السلطان رضوخه لمطاليبها في إعادة الدستور والحياة النيابية، وقد تطورت الأحداث الداخلية في الدولة العثمانية، فحدثت حركة مضادة في نيسان عام 1909 ضد الاتحاديين فقام جيش سلانيك بالقضاء على الحركة ودخل العاصمة وخلع السلطان عبد الحميد، ونصب محله أخاه محمد رشاد باسم السلطان محمد الخامس. وأقام عبد الحميد الثاني في سالونيكا، ثم عاد إلى استانبول عام 1913: وتوفي في Bosporus في عاشر شباط 1918. أنظر: Encyclopedia Britannica, Vol, 1, 1966, PP. 23 – 24. آرنست. 2. رامزور: تركيا الفتاة وثورة 1908. ترجمة صالح أحمد العلي. بيروت 1960. د. الماوتلن: عبد الحميد ظل الله في الأرض، ترجمة راسم رشدي. القاهرة 1950. ↑
- () عند الآلوسي: (لا زالت سرادقات دولته ركينة الأوتاد وقباب سلطنته مرفوعة إلى يوم التناد). ↑
- () ساقطة عند الآلوسي. ↑
- () القرآن الكريم. سورة الفتح آية رقم (1). ↑
- () عند الآلوسي: (وبارك له). ↑
- () عند الآلوسي: (المفخم). ↑
- () ساقطة عند الآلوسي. ↑
- () ساقطة عند الآلوسي. ↑
- () عند الآلوسي: (وجزاء عن المسلمين مولاه في أولاه وأجزاءه خيراً). ↑
- () عند الآلوسي: (والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين). ↑
- () هو عبد الوهاب أفندي النائب بن الشيخ عبد القادر أفندي ابن الشيخ عبد الغني العبيدي. ولد في محرم عام 1269هـ في محلة الفضل ببغداد. قرأ القرآن على المقرئين والمؤدبين، وأجاد الترتيل والتجويد، ودرس النحو والصرف والمنطق وغير ذلك من العلوم العربية والدينية على يد عبد الوهاب افندي الحجازي مدرس مدرسة جامع منورة خاتون.وأخذ يعقد مجالس الدرس والتدريس، كما كان له مجلس شعر وادب. وقام بالتدريس في مدرسة منورة خاتون، وأسس مدرسة التفيض، وأنيطت به مناصب عديدة منها، أمانة الفتوى والنيابة الشرعية وعضوية مجلس الولاية ومجلس المعارف وغيرها. أصيب بداء السكر وتوفي في 27 ذي الحجة عام 1345هـ ودفن رحمه الله بجامع الفضل.
له مؤلفات ومصنفات عديدة منها: المعارف في كشف ما غمض من المواقف، والقول الأكمل في شرح المطول، ورسالة في شرح ملحة الأعراب في النحو، ومنظومة في علم المنطق وغير ذلك. أنظر: محمد صالح آل السهروردي: لب الألباب. الجزء الأول. مطبعة المعارف. بغداد. 1933 وكله في ترجمته. ↑
- () هو السيد محمد باقر بن الحجة الميرزا أبي القاسم ابن السيد حسن ابن السيد محمد المجاهد ابن السيد علي الطباطبائي الحائري صاحب كتاب رياض المسائل، العالم الفاضل الأديب.ولد 8 شعبان عام 1273هـ في النجف الأشرف وتوفي في كربلاء في 11 رجب عام 1331هـ. حضر في كربلاء علي الفاضل الأردكاني والحاج ميرزا حبيب الله في النجف فقهاً وأصولاً، وحضر في الكاظمية علي الشيخ محمد حسن آل ياسين في الفقه.
وكان مرجعاً في الأحكام الشرعية، نافذ الحكم مسموع الكلمة في كربلاء. له منظومة في علم الكلام، ومنظومة في الحج والزكاة والنكاح والطلاق، ومنظومة في تكملة منظومة «الدرة» في الفقه للسيد محمد المهدي بحر العلوم، ومنظومة الشهاب الثاقب في رد ما لفقه الناصب …. وغير ذلك …. توفي في كربلاء ورثاه الشعراء بمراثي عديدة. ↑
- () القرآن الكريم. سورة الإنسان. الآية ـ 14. ↑
- () هو الشيخ محسن بن الشيخ علي بن حسين بن عبد الله ابن الكاظم بن علي تريبان. ولد في الحلة عام 1246هـ بمحلة التعيس. قرأ على والده القرآن ومبادئ العلوم. هاجر إلى النجف فحضر على أعلامها، واختلف على بغداد فاتصل بأشهر أدبائها وأعلامها، شاعر وأديب ينظم الفصيح والعامي. توفي في جمادى الآخرة عام 1314هـ ودفن في النجف. أنظر: علي الخاقاني: شعراء الحلة. النجف 1952. ج 4 ص 200 ـ 215، يوسف كركوش: تاريخ الحلة. النجف 1965، ج 2 ص 155. والعذار اسم يطلق على مجموعة من القرى والأرياف التي تقع على جانبي شط الحلة الممتدة بين بابل وقضاء الهاشمية. ومن الراجح أن التسمية آتية من كونه يشبه العذار الأسود الذي يظهر على الخدين لوقوع نخيله على النهر، شماله وجنوبه. أنظر: شعراء الحلة، مصدر سبق ذكره. ج 2 ص 49. ومحمد علي اليعقوبي: البابليات. الجزء الثاني. مطبعة الزهراء 1951 ص 191 ـ 194. ↑
- () همايون: لغة، القوة والسعادة وذو الطالع. وكان يوجد في الباب العالي ديوان يسمى ديوان همايون، تصدر عنه الأوامر السلطانية والفرمانات الخاصة، ومن ثم أطلقت على الفرمان الذي صدر من الباب العالي .وقرأ في حديقة كلخانة وعرف بخط همايون كلخانة. أنظر: سامي شمس الدين، قاموس تركي (باللغة التركية)، أقدام مطبعة سي 1317، ص 1510. ↑
- () هو الشيخ عباس بن الشيخ علي بن عبد الله الشهير بالعذاري من عشيرة الدغيرات من شمر. ولد في الحلة عام 1257هـ بمحلة التعيس. نشأ بها على أبيه فأقرأه مبادئ العلوم، رحل إلى النجف فحضر على أعلامها وسكن بغداد أكثر من عامين متصلاً بأدبائها من آل كبة وآل جميل وآل الآلوسي وغيرهم. وأجاد الشعر والخط. توفي في الحلة في شعبان عام 1318هـ ودفن في النجف.أنظر: علي الخاقاني: شعراء الحلة. الجزء الثالث. النجف 1952 ص 252 ـ 261. يوسف كركوش: تاريخ الحلة. الجزء الثاني. النجف 1965. ص 156 ـ 159. اليعقوبي، مصدر سبق ذكره، الجزء الثالث القسم الأول. المطبعة العلمية، النجف ص 43 ـ 48. ↑
- () يظن، أن المقصود به الملا علي بن الملا حمزة الملقب بالخيري البغدادي الأصل، الحلي النشأة والتربية. وقد وردت ترجمة له بهذا الاسم في بابليات اليعقوبي، وهو من محلة الشواكة من كرخ بغداد من أسرة متوسطة الحال تعرف بآل عفون. كان مولده عام 1270هـ، أقام في الحلة مرتزقاً من كتابة الصكوك والوثائق، وأقام بالكفل في خدمة الحاج ذرب بن عباس، وهاجر إلى النجف ثم آب إلى الكفل وتوفي فيها فقيراً، رجب عام 1340هـ ودفن في النجف. أنظر تفصيل ترجمته ومختارات من شعره في: محمد علي اليعقوبي: البابليات، الجزء الثالث، القسم الثاني، النجف 1955 ص 60 ـ 66. ↑
- () بياض في الأصل. ↑
- () هو الشيخ محمد سعيد بن الشيخ محمود بن سعيد النجفي الشهير بالإسكافي. ولد في النجف عام 1250هـ شاعر مطبوع وأديب معروف في عصره. أتقن الفارسية إلى جانب العربية ونظم بهما. هاجر إلى كربلاء واتصل بأفاضل علمائها. توفي عام 1319هـ. وانتقلت مجاميعه الشعرية إلى ابن خاله محمد أمين. ↑
- () هو الشيخ حسن بن الشيخ عباس بن الشيخ علي بن الشيخ حسن بن عبد الله بن الكاظم بن علي بن تريبان، ينحدر نسبه من قبيلة شمر الدغيرات التي تسكن الحجاز ولد في الحلة عام 1266هـ، ونشأ فيها على أبيه وعمه، ورحل إلى النجف فبقي فيها أكثر من عشر سنوات ينهل العلم على أكابر علمائها وأدبائها، ثم آب إلى الحلة، متردداً على بغداد فانعقدت بينه وبين فضلائها أواصر صداقة قوية ثم رحل إلى سوق الشيوخ وفيها توفي عام 1331هـ. أجاد نظم الشعر والزجل والبنود. وكانت له مراسلات مع الأستاذ محمود شكري الآلوسي.أنظر: علي الخاقاني، شعراء الحلة، مصدر سبق ذكره، الجزء الثاني ص 49 ـ 78، يوسف كركوش: تاريخ الحلة، مصدر سبق ذكره، الجزء الثاني ص 159، مع اختلاف في الترجمة. واليعقوبي، مصدر سبق ذكره، جـ 3، القسم الأول، ص 179 ـ 184. ↑
- () وهو الأمر الذي فرض ضرورة إنشاء سدة الهندية التي بوشر العمل فيها في شباط 1911 وتم إنجازها في سنتين وتسعة أشهر وافتتحت رسمياً في 12 كانون الأول عام 1913. إن تصميم سدة الهندية الأصلي يرجع إلى السير ويلم ويلكوكس الذي استقدمته الدولة العثمانية لدراسة شؤون الري في العراق. وقد قامت بإنشائها شركة السير جون جاكسون في المكان الذي يتشعب فيه الفرات إلى الهندية وشط الحلة لتحل محل السد القديم. وقد أجريت عليها عدة إصلاحات خلال فترات مختلفة. أنظر: د. أحمد سوسة، في ري العراق (نهر الفرات). الجزء الأول، بغداد 1945، ص 118 ـ 137 ويذكر العزاوي بأن اسم الهندية، يرجع إلى ترعة معروفة بهذا الإسم حفرتها أميرة هندية عند زيارتها إلى النجف، فأخذت تتوسع وتحول إليها ماء الفرات فيما بعد.أنظر: عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، مصدر سبق ذكره، ص 99. بينما يذكر د. أحمد سوسة بأن هذه الترعة التي يشير إليها العزاوي قام بها آصف الدولة وزير محمد شاه الهندي في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهو الراجح. أنظر: أحمد سوسة، وادي الفرات ومشروع سدة الهندية، مصدر سبق ذكره، ج 2، ص 262. ↑
- () وهي الحركة التي قامت بها جماعة الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد الثاني في 10 تموز عام 1908. أنظر الهامش رقم (23). ↑
- () الخوئي، معجم رجال الحديث، ص 15، ص 247. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص 65. ↑
- () قال الشهيد الثاني في كتابه الدراية: إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ (الطوسي) كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به. وممن اطلع من غير تقليد الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين ابن طاووس، وجماعة.قال السيد ابن طاووس في كتابه «البهجة لثمرة المهجة»، أخبرني جدي الصالح ورام ابن أبي فراس أن الحمصي حدّثه أنّه: «لم يبق للإمامية مفتٍ على التحقيق، بل كلهم حاكٍ» ينظر: الخونساري، روضات الجنات، ج 7، ص 161، والحمصي هو محمود بن علي ابن الحسن الرازي الذي كان حياً عام 600هـ/ 1204م ـ كما ذكر اليعقوبي ذلك في البابليات، ج 1، ص 35، وله كتاب اشتهر به هو «التعليق العراقي». ↑
- () ذكره ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089/ 1678م في شذرات الذهب في حوادث سنة 540هـ بقوله: شيخ الشيعة وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم. رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق، وحملوا إليه وكان ورعاً عالماً كثير الزهد. الطهراني ج 2، ص 256. ↑
- () تسمى اليوم (مازندران). وقد أحصى موجان مومن (27) عالماً عاشوا في منطقة (طبرستان) في القرن السادس الهجري. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص 303. ↑
- () من مشايخ ابن شهر آشوب. ومن مشايخه الطبرسي (صاحب مجمع البيان)، والشيخ محمد الطوسي (والد الخواجة نصير الدين الطوسي)، والعماد الطبري، وغيرهم. وقد كتب الراوندي كتاباً في الاختلاف الذي وقع بين الشيخ المفيد وتلميذه السيد المرتضى في (95) مسألة من مسائل علم الكلام. وله مؤلفات عديدة، ذكرها الخونساري، ج 4، ص 5. ↑
- () فرغ من تأليفه منتصف شهر ذي القعدة سنة 534/ 1140م. ↑
- () كان والد رشيد الدين وجده من العلماء المحدثين المهاجرين من بلاد فارس إلى حلب أيام حكم الدولة الحمدانية، حتى استقروا بها. كتب ابن شهر آشوب مؤلفات عديدة اشتهرت كمصادر ثانوية للحديث، وطبع منها «مناقب آل أبي طالب»، و«معالم العلماء». وتراجع ترجمته عند الخونساري، ج 6، ص 290. ↑
- () تقع مدينة الحلة على ضفة فرع من نهر الفرات بين كربلاء والنجف. ↑
- () الخونساري ج 2، ص 180. ↑
- () الطهراني، الثقات العيون في سادس القرون، ص 334. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص 272. ↑
- () أمل الآمل، ج 2، ص 253. ↑
- () وقيل إن الكتابين الأخيرين من تأليف حفيده جعفر شمس الدين محمد. الخونساري ج 2، ص 179. ↑
- () ابن حجر، لسان الميزان، ج 6، ص 247. ↑
- () اليعقوبي، محمد علي، البابليات، (النجف، 1370هـ/ 1951م). ج 1، ص 62. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص 235. ↑
- () أيضاً، ص 235 ـ 245. ↑
- () إن الطهراني، الطبقات، ج 8، ص 209. ↑
- () البحراني، لؤلؤة، ص 185. ↑
- () منهم مجد الملك القمي أصبح وزيراً للسلطان السلجوقي بيرك يا روك، ومؤيد الدين الطغرائي الأصفهاني الشاعر المشهور الذي أصبح وزيراً للسلطان مسعود السلجوقي، وقد أعدم الطغرائي عندما اندحر السلطان مسعود على يد أخيه السلطان محمود عام 514هـ/ 1120م.ومنهم: أنو شروان بن خالد الكاشاني (وزير السلطان محمود) نصت بعض المصادر على شيعيته. ومنهم السيد ناصر الدين بن السيد مهدي العلوي (من كبار شيعة الري) أصبح وزيراً للخليفة الناصر لدين الله، ينظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 3، ص 175. ↑
- () الصدر المعالم الجديدة، ص 74. ↑
- () نقل بعضها الخونساري في روضات الجنّات، ج 2، ص 376. ↑
- () الخونساري، ج 6، ص 277 ـ 289. ↑
- () أيضاً، ص 274. ↑
- () عبر الشهيد الأول عنه بالإمام العلاّمة، شيخ العلماء، رئيس المذهب، وقال «إنّ فضله ونبله في هذه الطائفة أشهر من ان ينكره المنصف، وإن تفرد ببعض الأقوال». روضات الجنّات، ج 6، ص 276. ↑
- () الصدر، ص 73. ↑
- () ذكر السيد حسن الصدر إنّ المحقق الحلي هو أول من نبع منه التحقيق في الفقه، وعنه أخذ، وليس في الطائفة أجل منه من بعد الشيخ الطوسي. هامش لؤلؤة البحرين، ص 228. ↑
- () ذكر الطهراني أنّ كتاب (الشرائع) من أحسن المتون الفقهية ترتيباً، وأجمعها للفروع، وقد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلفه إلى الآن، ولا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة، فجعلوا أبحاثهم وتدريساتهم فيه، وشروحهم وحواشيهم عليه. وللعلماء عليه حواشي كثيرة، وله شروح متعددة، بل أنّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة التي ألفت بعد عصر المحقق هي شروح له. وقد عد الطهراني أكثر من عشرين شرحاً كبيراً للكتاب. الذريعة، ج 6، ص 106 ـ 109، وكذلك ج 13، ص 48، طبع في طهران ضمن مجلدين سنة 1343هـ/ 1944م، وفي بيروت سنة 1383هـ/ 1963م بتحقيق عبد الحسين محمد علي البقّال. ترجمه إلى الفرنسية A. Querry ونشر سنة 1288هـ/ 1871م. كما ترجم إلى الإنكليزية من قبل Kazemibeg, st. Petersburg عام 1279هـ/ 1862م. اختصره مؤلفه بكتاب سماه «النافع في مختصر الشرائع»، وقد طبع هذا المختصر بتحقيق الشيخ محمد تقي القمي في القاهرة سنة 1376هـ/ 1957م. ↑
- () الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، (بيروت 1406هـ/ 1986م)، ص 374. ↑
- () الصدر، الفتاوى الواضحة، ج 1، (بيروت، 1403هـ/ 1983م)، ص 132. ↑
- () الشافعي، رسالة الإمام الشافعي، (القاهرة، 1358هـ/ 1939م)، ص 477. ↑
- () الكليني، محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي، ج 1 (طهران، 1966)، ص 54، والمجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ح 2 (بيروت 1403هـ/ 1983م)، ص 175. ↑
- () النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، تحقيق محمد جواد النائيني، ج 2، 19. ↑
- () النجاشي، ج 1، ص 121. ↑
- () الطهراني، ج 24، ص 287. ↑
- () الذريعة إلى أصول الشريعة، ج 2، ص 308. ↑
- () Calder, Norman, The Structure of Authority In Imami Shiet Jurisprudence, Phd thesis, Sches, of Oriental African, Studies, 1980, P. 236. ↑
- () الحلي، المحقق، معارك الأصول، (رقم، 1403هـ/ 1983م)، ص 179. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص 26. ↑
- () الحلي، العلاّمة، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، (بيروت 1406هـ/ 1986م)، ص 240. ↑
- () Calder, P. 230. ↑
- () الذريعة، ج 2، ص 312، والمعارج، ص 199. ↑
- () الذريعة، ج 2، ص 316، والمعارج، ص 200. ↑
- () الذريعة، ج 2، ص 316، ومبادئ الوصول، ص 241. ↑
- () الذريعة، ج 2، ص 313، ومبادئ الوصول، ص 244. ↑
- () الذريعة، ج 2، ص 314، ومبادئ الوصول، ص 246. ↑
- () بروكلمان، ص 1، ص 508. ↑
- () Nasir Al-Din Tusi on Finance, Bulletin of the Soas, Vol. X, 1940-42m p. 7. ↑
- () كان من كبار الفلاسفة، له رسائل فلسفية عرفانية كثيرة، وهو من أعلام القرن السابع الهجري، قيل إن وفاته كانت سنة 707هـ، ودفن في (مرق) إحدى قرى كاشان. الطهراني، الأنوار الساطعة، ص 20. ↑
- () تامر، عارف تامر، تاريخ الإسماعيلية ج 4 (بيروت، 1411هـ/ 1991م)، ص 168. ↑
- () العاملي، أمل الآمل، ج 2، ص 49. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج 24، ص 281. والخريت: هو الدليل الحاذق. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج 281. ↑
- () وصف العلامة أستاذه ـ نصير الدين بقوله: «أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وكان أشرف من شاهدناه في «الأخلاق». الإجازة الكبيرة (إجازة العلامة لبني زهرة)، المجلسي، بحار الأنوار، ح 107، ص 62. ↑
- () أمل الآمل، ج 2، ص 81. ذكر الحر العاملي أن العلامة قرأ على المحقق الطوسي في الكلام، وغيره من العقليات، وقرأ عليه في الفقه المحقق الطوسي. أمل الآمل، ج 2، ص 81. ويظهر أن الاعتقاد بهذه المقولة ناشئ عن سؤال نصير الدين للعلاّمة الشاب عن بعض المسائل الفقهية والعقلية. وقد تنبه لردها الأفندي المعاصر للحر العاملي بقوله: ما حكاه الشيخ المعاصر أنّ العلاّمة قرأ عن الخواجة نصير الطوسي في العقليات، وقرأ هو في النقليات غير واضح من وجوه:منها: أنه لم ينقل في واحدة من الإجازات سوى أن العلاّمة يروي عنه، وأما العكس فلم يوجد في موضع واحد.
ويبدو أن الأفندي ذكر أسباباً أخرى لرد هذه المقولة إلا أن النسخة المطبوعة من «رياض العلماء» قد سقط منها بقية الكلام. (رياض العلماء، ج 1، ص 381).
ومن المفارقات في هذا القول نسبة نصير الدين إلى الفلسفة والعلوم العقلية دون الاعتقاد بفقاهته ومشاركته في العلوم الشرعية. فقد درس الفقه والأصول على يد معين الدين سالم بن بدران الذي أجازه عام 619هـ بإجازة جاء فيها ما يلي: قرأ علي جميع الجزء الثالث من كتاب غنية النزول إلى علمي الأصول والفروع من أوله إلى آخره قراءة تفهم، وتبين، وتأمل، مستبحث عن غوامضه، عالم بفنون جوامعه، وأكثر الجزء الثاني من هذا الكتاب، وهو الكلام في أصول الفقه ـ الإمام الأجل العالم الأفضل الأكمل البارع المتقن المحقق، نصير الملة والدين، وجيه الإسلام والمسلمين، سند الأئمة والأفاضل، مفخر العلماء والأكابر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي.
وأذنت له رواية جميعه عني.
المجلسي، بحار الأنوار، ج 107، ص 31.
كما أن مناقشة نصير الدين لشيخ الشيعة المحقق الحلي في مسألة تتعلق بفقه الصلاة دليل على سعة معرفته بالفقه أولاً، وتطبيق المسائل الرياضية على قواعد استنباط الاحكام الشرعية ثانياً.
وما نقله تلميذه العلاّمة نفسه عنه في إجازته لبني زُهرة يبطل مقولة دراسة نصير الدين على يد تلميذه الشاب. حيث ذكر فيها أن نصير الدين كان أفضل أهل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنّفات كثيرة في العلوم الحكمية، والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، بحار الأنوار، ج 107، ص 62. وقد نقل عنه العلاّمة في بعض كتاباته آراءً فقهية متميزة خصوصاً في موضوع الإرث، وبعض الاحتمالات الواردة حوله. مختلف الشيعة، ص 734. ↑
- () تنحدر أم العلاّمة من أسرة بني سعيد (أسرة المحقق الحلي). ↑
- () بالرغم من أن المصادر التاريخية خصوصاً المصادر الشيعية لم تشر إلى وجود العلاّمة في مراغة إلا أن العلاّمة نفسه أشار إلى تتلمذه على يد نصير الدين الطوسي، ونجم الدين علي بن عمر الشافعي، والكاتبي دون أن يذكر المكان الذي تتلمذ فيه عليهما.ومن المعروف أن نصير الدين قد أقدم على إنشاء مرصد في مدينة مراغة عام 657هـ/ 1258م، وألحقه بمشروع ثقافي متكامل ضم جامعة كبرى متخصصة، ومكتبة كبيرة قيل إنها تضمنت أربعمائة ألف مجلد، جمعت من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي، وبقي يمارس عمله الثقافي منذ ذلك الحين.
وكان الكاتبي واحداً من أربعة مؤسسين لمرصد مراغة دعوا من قبل هولاكو (بطلب من نصير الدين نفسه)، وقد بقي الكاتبي في مراغة حتى عام 670هـ/ 1271م أي قبل وفاته بخمس سنوات. ↑
- () وصفه العلاّمة في (الإجازة الكبيرة) بأنه من فضلاء العصر، وأعلمهم بالمنطق له تصانيف كثيرة، قرأت عليه شرح الكشف إلا ما شذ، وكان من فضلاء علماء الشافعية، عارفاً بالحكمة. (إجازة العلاّمة لبني زهرة كتبها سنة 723هـ/ 1323م). الذريعة، ج 1، ص 235، وبحار الأنوار، ج 107، ص 63. ↑
- () الإجازة الكبيرة، ص 68. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص 255. ↑
- () الغزاوي، ج 1، ص 263. ↑
- () الإجازة الكبيرة، بحار الأنوار، ج 107، ص 67. ↑
- () الطهراني، الحقائق الراهنة في المائة الثامنة، ص 53. ↑
- () الأفندي، رياض العلماء، ج 1، ص 378، والعاملي، أمل الآمل، ج 2، ص 82. وحول إحصاء مؤلفات العلاّمة المخطوطة والمطبوعة ينظر: Schmidtke, P. 41-98. ↑
- () فرغ من تأليف الجزء السادس سنة 688هـ، والسابع سنة 693هـ. ↑
- () طبع بإيران سنة 1314هـ/ 1896م، وذكره في الذريعة، ج 3، ص 378. ↑
- () فرغ من الجزء الأول سنة 699، والخامس سنة 707هـ، وقد طبع في مجلدين سنة 1323هـ/ 1905م، ذكره الطهراني في الذريعة، ج 2، ص 218. ↑
- () طبع على الحجر سنة 1272هـ/ 1856م، وأخرى سنة 1329هـ/ 1911م، وأعيد طبعه في بيروت في مجلدين سنة 1984م. ذكره الطهراني في الذريعة، ج 17، ص 176. ↑
- () أهم الشروح التي وضعت على كتاب «قواعد الأحكام»:1 ـ إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد: لولده فخر المحققين أبي طالب محمد بن الحسن المتوفى سنة 771هـ/ 1370م. أثنى عليه الشيخ البهائي بقوله: «لم يصنف في الكتب الاستدلالية الفقهية مثله». وقد كتبه فخر المحققين بأمر والده العلاّمة، وأتم القسم الثاني سنة 760هـ/ 1359م.
2 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد: للشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي المتوفى سنة 940هـ/ 1534م. خرج من الكتاب ست مجلدات بتقسيم المؤلف ـ ولم يتم، وكان الانتهاء من تأليفه في جمادى الأولى 935هـ/ 1529م، وطبع محققاً في بيروت، 1988م في (13) مجلداً، بتقديم السيد جواد الشهرستاني.
3 ـ جامع الفوائد في شرح القواعد، وتتميم جامع المقاصد: للشيخ عز الدين المولى عبد الله بان الحسين التستري المتوفى سنة 1021هـم 1612م، فرغ منه سنة 1004هـ/ 1596م، وقد فصل الكلام في الأبواب التي لم يشرحها المحقق الكركي.
4 ـ كشف اللثام والإبهام عن كتاب قواعد الحكام: للمولى بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الأصفهاني المعروف بالفاضل الهندي المتوفى سنة 1135هـ أو 1137هـ/ 1723، أو 1725م، فرغ منه سنة1015هـ/ 1606م، وطبع في مجلدين سنة 1271هـ/ 1855م طباعة حجرية.
5 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة: للسيد محمد الجواد العاملي المتوفى سنة 1226هـم 1811م، وهو شرح ضخم طبع ضمن ثمان مجلدات كبيرة في مصر سنة 1324هـ/ 1906م.
ينظر: الطهراني الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 2، ص 496، ج 5، ص 72، ص 65، ج 18، ص 56، ج 21، ص 341. ↑
- () عد الطهراني في الذريعة ج 1، ص 321 (27) شرحاً للتبصرة. وللسيد مهدي القزويني الحلي المتوفى سنة 1300هـم 1883م ثلاثة شروح عليها (لا تزال مخطوطة) الشرح المختصر، والمتوسط «حلية المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين» يقع في أربعة مجلدات ضخام، و«بصائر السالكين في شرح تبصرة المتعلمين» وهو بحجم كتاب (جواهر الكلام) للنجفي المطبوع في 42 مجلداً.وتجدر الإشارة إلى أن آخر كتاب صنفه العلاّمة في الفقه هو كتاب «تذكرة الفقهاء» وقد استظهر الطهراني أن تاريخ تأليفه كان سنة 710هـ/ 1310م، وانتهى من بعض أجزائه سنة 720هـم 1320م. ويلاحظ أن كتاب (الرهن) من تذكرة الفقهاء كان قد تم تأليفه سنة 714هـ/ 1314م. في مدينة السلطانية. ↑
- () أن بعض مؤلفات العلاّمة التي ذكرها في فهرست ترجمة حياته سنة 693هـ/ 1294م كان من ضمنها مؤلفات كتبها للشاه أولجايتو خان (خدابنده) بعد هذا التاريخ (من سنة 704هـ إلى سنة 712هـ). وقد تسرب ذلك إلى المؤلفين الذين كتبوا عن بعد هذه الفترة أمثال الأفندي في رياض العلماء، والعاملي في أمل الآمل، والخونساري في روضات الجنات. كما ذكرت أسماء مؤلفات لم تكن في تلك المرحلة قد أنجز تأليفها. ومن المحتمل جداً أن هذه الإضافات هي من عمل النساخ. كما نسيت له مؤلفات أخرى من قبل بعض مترجميه. ينظر: الخونساري ج 2، ص 273. ↑
- () الشيبي، كامل مصطفى، الصلة بين التصوف والتشيع، ج 2، ص 85. ↑
- () طبع ببيروت، 1399هـ/ 1979م. ↑
- () طبع على الحجر سنة 1301هـم 1884م. ↑
- () الذريعة، ج 3، ص 352. ↑
- () مقلد، ص 357. ↑
- () مقلد، ص 491. ↑
- () مقلد، ص 491. ↑
- () ذكر بعض كتّاب المستشرقين أن غازان كان سنّياً، لكنه لم يكن متعصباً، وذكر باحث آخر أنه أظهر ميلاً غلى الشيعة لكنه كان يرعى الطوائف الأخرى، في حين أن باحثاً آخر حاول أن يعلل ميله إلى التشيع بأن محبة أهل البيت غير مقتصرة على الشيعة، وإنما يشترك السنّة فيها والشيعة على السواء. الصياد، فؤاد عبد المعطي، الشرق الإسلامي في عهد الإيلخانيين، (الدوحة 1407هـ/ 1987م)، ص 268، وطه بدر، مصطفى، مغول إيران بين المسيحية، والإسلام، (القاهرة 1380هـ/ 1961م)، ص 16. ↑
- () الشيبي، ج 2، ص 74. ↑
- () القزار، الحياة السياسية، ص 297. ↑
- () ابن الأثير، البداية والنهاية، ج 14، ص 15. ↑
- () ذكر ابن بطوطة في رحلته: أن ملك العراق السلطان محمد خدابنده صحبه فقيه من الروافض يسمى جمال الدين بن المطهر، فلما أسلم السلطان، وأسلمت التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه، فزين له مذهب الروافض وفضله على غيره، وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن علياً ابن عمه، وصهره، فهو وارث الخلافة. فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب إلى العراقين، وفارس، وآذربيجان، وأصفهان، وكرمان، وخراسان، وبعث الرسل إلى البلاد.رحلة ابن بطوطة، (بيروت 1384هـ/ 1964م)، ص 204، أما موضوع ارتداد السلطان عن التشيع، واستبعاد العلاّمة في التأثير على السلطان فستأتي الإشارة إليهما لاحقاً. ↑
- () المرجع السابق نفسه. ↑
- () الصياد، ص 18. ↑
- () الخونساري، ج 2، ص 279. ↑
- () طلق خدابنده زوجته ثلاثاً بتطليقة واحدة، وأراد الرجوع إليها، فاحتار أرباب المذاهب السنّية في الفتيا التي لم تجوز رجوع المطلقة ثلاثاً إلا بزواج آخر، خلاف ما يذهب إليه الفقه الشيعي من تضييق دائرة الطلاق، فلا يقع الطلاق بالثلاث إلا واحدة. ↑
- () Halm, Heinz, Shi’ism, London, 1990, P. 68. ↑
- () Halm, P. 66. ↑
- () العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، ج 1، ص 407، ص 409. ↑
- () الأفندي، رياض العلماء، ج 1، ص 361 وصورة هذه الدراهم المحاطة بأسماء الأئمة الاثني عشر وأشكالها، وردت في كتاب: Smith, John Masson, The History of the Sarbadar Dynasty 1336-1381 A.D., and its Sources, Paris, 1970, P. 1930. ↑
- () الأفندي، ج 1، ص 368. ↑
- () العزاوي، ج 1، ص 409، وكذلك ينظر Howorth, Henry H. History of the Mongols, Vol. III, London, 1888, P. 559. ↑
- () الخونساري، ج 2، ص 282. ↑
- () أيضاً، ص 282. ↑
- () طبع «نهج الحق» سنة 1343هـ/ 1925م في جزأين، وأعيدت طباعته في بيروت سنة 1402هـ/ 1982م بتقديم السيد رضا الصدر، وتعليق فرج الله الحسيني. وقد ذكر العلاّمة في مقدمة قوله: «امتثلت فيه مرسوم سلطان وجه الأرض، الباقية دولته إلى يوم النشر والعرض، سلطان السلاطين، وخاقان الخواقين، مالك رقاب العباد وحاكمهم، وحافظ أهل البلاد وراحمهم، المظفر على جميع الأعداء، المنصور من إله السماء، المؤيد بالنفس القدسية، والرياسة الملكية، الواصل بفكره العالي إلى أسنى مراتب العلى، البالغ بحدسه الصائب الى معرفة الشهب الثواقب. غياث الملة والحق والدين، أولجايتو خدابنده محمد، خلّد الله ملكه إلى يوم الدين، وقرن دولته بالبقاء والنصر والتمكين «نهج الحق» ص 38. ↑
- () طبع بالنجف سنة 1346هـ/ 1927م. وكان العلاّمة قد ألّفه للسلطان لما سأله بيان الأدلة الدالة على أن للعبد اختياراً في أفعاله، وإنه غير مجبور عليها. وذكر الطهراني أن أحد علماء الهند السنّة كتب كتاباً في رده (الذريعة، ج 2، ص 32)، كما كتب القاضي التستري المقتول سنة 1019هـ/ 1610م شرحاً عليه سمّاه «النور الأنور، والنور الأزهر في تنوير خفايا رسالة القضاء والقدر» ذكرها الأفندي في رياض العلماء، ج 5، ص 270، والطهراني في الذريعة، ج 24، ص 362. وقد طبع الكتاب بإيران سنة 1289هـ/ 1881م، وأعيد طبعه بالنجف بدون تاريخ. (الذريعة، ج 18، ص 70). ↑
- () أورد العلاّمة في كتاب (الألفين) ألف دليل على إمامة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، وألف دليل على إبطال شبه المخالفين. فرغ من القسم الأول من الكتاب في بلده (دينور سنة 709هـ/ 1309م) (ربما في الرحلة التي رافق بها السلطان إلى العراق)، أما القسم الثاني فقد فرغ من تأليفه سنة 712هـ/ 1312م؛ ورتب نسخته ولده فخر المحققين محمد بن الحسن سنة 754هـ 1353م، وليس الموجود في النسخ المتداولة من الألف الثاني إلا ما يقرب من نيف وعشرين دليلاً، ويعتقد الطهراني أن فخر المحققين لم يظفر على بقية الكتاب عند ترتيبه، وأن تلفت كراريس منه طول تلك المدة بعد وفاة والده. (الذريعة، ج 2، ص 1298) طبع الكتاب في إيران سنة 1296هـ/ 1879م، وأعيد طبعه في النجف عام 1372هـ/ 1953م كما طبع بعنوان «الألفين في إمامة أمير المؤمنين» في بيروت 1402هـ/ 1982م بتقديم حسين الأعلمي. ↑
- () اعتماداً على نسخة مخطوطة من الكتاب ذكرها الدكتور حسين علي محفوظ. ↑
- () ووردت في تسميته أيضاً «نهج التعطيل»، أو «إبطال نهج الباطل»، فرغ منه سنة 909هـ/ 1503م. ↑
- () طبع كتاب «إحقاق الحق» في طهران سنة 1273هـ/ 18م طباعة حجرية في أربع مجلدات، ثم أعيد طبعه في مصر سنة 1326هـم 1908م بتحقيق الشيخ حسن دخيل الحجامي. وأعيدت طباعته محققاً باعتناء السيد شهاب الدين المرعشي في (19) مجلداً، وقد أضاف السيد شهاب الدين تكملة له بعنوان «ملحقات الإحقاق» في ستة مجلدات طبعت في قم (1957م ـ 1985م).ترجم «إحقاق الحق» إلى اللغة الفارسية، ترجمه السيد مير نصير الدين حسين بن عبد الوهاب الطباطبائي البهبهاني نزولاً عند رغبة الشاه سليمان الصفوي، وأطلق عليه إسم «إيضاح إحقاق الحق»، الطهراني ج 2، ص 492. ↑
- () ولد القاضي التستري في شوشتر سنة 956هـ/ 1588م، ورحل إلى الهند سنة 993هـ/ 1585م واتصل بالسلطان أكبر جلال الدين أبي الفتح محمد التيموري، فقربه إليه، وولاه القضاء على المذاهب الخمسة. وبعد وفاة السلطان أكبر بادشاه سنة 1014هـ/ 1605م تولى ابنه نور الدين محمد جهانكير بادشاه المغولي الحكم في فترة شديدة التعقيد، وكان التيار المتخذ من التسنن واجهة سياسية قد بدأ يعلن ثورته ضد القاضي التستري متخذاً الاختلاف المذهبي مبرراً للثورة. ولما كان حكم السلطان لا يتحمل قمع مثل هذه المواجهات نزل عند رغبتهم في معاقبة القاضي بالقتل، فضرب بالسياط الشائكة حتى انتثر لحمه …(مقدمة إحقاق، ج 1، ص 159). ونقل أنه دس إليه رجل من طلبة العلم كان يتظاهر بالتشيع، فلازم القاضي، وصار مختصاً به، حيث اطمأن إليه، وتمكن أن يسرق نسخة خط المؤلف، وجاء بها إلى نور الدين جهانكير المغولي المتوفى سنة 1037هـم 1628م، وكان سلطاناً على مدينة أكرا الهندية، فاجتمع لديه علماء السُنَّة، وأشعلوا نار غضبه، وأثاروه عليه. فأمر السلطان بتجريده من اللباس، وضربه بالسياط الشائكة إلى أن انتثر لحم بدنه، بعدها وضعوا النار على رأسه فساح مخه، وقبره مزار معروف في محلة ديال باغ بأكرا. ↑
- () طبع ببولاق عام 1321هـم 1903م، وله مختصر للذهبي بإسم «المنتقى من منهاج الاعتدال» طبع بالقاهرة سنة 1373هـم 1945م بتحقيق محب الدين الخطيب. كما طبع الكتابان «منهاج الكرامة»، و«منهاج السُنّة النبوية» بالقاهرة عام 1382هـ/ 1992م بتحقيق الدكتور محمد رشاد.ولا يزال كتاب «منهاج السنة النبوية» إلى اليوم مستمراً في تربية أفراد الحركات السلفية في العالم الإسلامي، وقد طبع مختصر، له بعنوان «مختصر منهاج السنة» في المدينة 1416هـ/ 1995م، اختصره الشيخ عبد الله الغنيمان ضمن مجلدين. كما ترجم الأصل إلى اللغة الإنكليزية.
وقد ورد في مقدمة ابن تيمية وصف لكتاب «منهاج الكرامة» وبعض الإشارات إلى ظروف تلك الفترة السياسية المعقدة، يقول ابن تيمية:
«أحضر إليّ طائفة من أهل السُنّة والجماعة كتاباً صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقاً لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية من أمكنة دعوته من ولاة الأمور، وغيرهم أهل الجاهلية، ممن قلتمعرفتهم بالعالم والدين، ولم يعرفوا أصل دين المسلمين.
وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقريب مذاهبهم، عند من مال إليهم من الملوك، وغيرهم. وقد صنفه للملك المعروف الذي سمّاه خدابنده.
ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين، وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا على بلاد الإسلام وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين.
وهذا المصنف سمى كتابه «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة»، وهو خليق بأن يسمى «منهاج الندامة».
منهاج السُنَّة النبوية ج 1، ص 3. ↑
- () الذريعة ج 23، ص 162. ↑
- () فرغ من تأليفه سنة 1318هـ/ 1900م. الذريعة، ج 23، ص 162. ↑
- () بحار الأنوار، ج 107، ص 142. ↑
- () يشير إلى ذلك تاريخ فراغه من تأليف مبحث الرهن من «تذكرة الفقهاء»، في 6 جمادى الأولى سنة 714هـ بالسلطانية.كما يلاحظ من خلال الكتاب الذي كتبه ولده فخر المحققين «منهاج اليقين في شرح نهج المسترشدين» أنه انتهى من تأليفه في شهر ربيع الأول سنة 715هـ/ 1315م. وفي مدينة السلطانية أيضاً انتهى من كتابة بعض مباحث «تذكرة الفقهاء» في اليوم الثالث من شهر جمادى الأولى عام 715هـ.
وكان العلاّمة قد أكمل مبحث الزكاة من كتاب «تذكرة الفقهاء» بالحلة في 14 محرم سنة 716هـ. وفي السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 716هـ أكمل قسماً آخر من «التذكرة» بالسلطانية، (قبل وفاة خدابنده بأربعة شهور). Schmidtke, P. 32. ↑
- () بعد عقد من الزمن ثار السلطان أبو سعيد على الأمير جوبان، وقتله سنة 727هـ/ 1327م. وقد عهد بالوزارة إلى غياث الدين محمد بن الخواجة رشيد الدين (العزاوي، ج 1، ص 498). ↑
- () كتب العلاّمة الحلي «جوابات المسائل المهنائية الأولى الواردة من السيد مهنا بن سنان ابن عبد الوهاب المدني التي قرأها على العلاّمة بداره بالحلة سنة 1717هـ/ 1317م. ↑
- () أول من لقب «آية الله» هو الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي ولم يعرف أحد سواه بهذا اللقب طوال قرون عديدة.وقد بدأ إطلاق هذا اللقب مرة أخرى على فقهاء آخرين في القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي في خضم الصراع بين الفقهاء الأصوليين ونظرائهم من الفقهاء الإخباريين.
واستمر إطلاق لقب «آية الله» على الفقهاء المتصدين للتيارات الفكرية والسياسية المناوئة لنشاطهم الديني. ويتجلى ذلك في صراع الفقهاء مع الحركة البهائية في ايران، ومقاومتهم السلطة القاجارية في حادثة (التنباك) بقيادة السيد محمد حسن الشيرازي (ت: 1312هـ/ 1894م)، ومطالبتهم بالحركة الدستورية في صراع المشروطة والمستبدة بقيادة الشيخ محمد كاظم الخراساني (ت: 1329هـ/ 1911م)، ثم مقاومتهم للجيوش البريطانية في العراق، وإفتاء الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت: 1338هـم 1920م)، والشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني (ت: 1339هـ/ 1921م) بالمواجهة المسلحة ضدهم. وقد لقب كل من هؤلاء الفقهاء بلقب «آية الله».
ثم استخدم اللقب على الفقهاء غير المتصدين للعمل السياسي أو المعلنين معارضتهم للأنظمة التي يختلفون معها.
كما أطلق اللقب على الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ت: 1340هـ/ 1922م) الذي جدد النشاط العلمي في مركز مدينة (قم) حتى اقترن تأسيسه به.
وفي بداية القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي كان لقب «حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين» يطلق على المرجع الأعلى بشكل خاص.
وبعد استقلال السيد حسين البروجردي (ت: 1380هـ/ 1961م) بالزعامة الدينية في مدينة (قم) أطلق عليه لقب «آية الله العظمى» تمييزاً له عمن يحمل لقب آية الله. وقد أصبح لقب «آية الله العظمى» مختصاً بالمجتهدين المتصدرين للمرجعية الدينية العليا بعده.
وفي إبان إندلاع أحداث الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1398هـ/ 1978م اختص لقب «آية الله» بقائد الثورة السيد روح الله الخميني بسبب مواجهته السياسية مع النظام الملكي الإيراني. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1399هـ/ 1979م أطلق على قائد الثورة رسمياً ـ ومن قبل أجهزة الدولة ـ لقب «الإمام» دون غيره من المراجع الدينيين.
أما الألقاب المستخدمة حسب تدرجها فهي:
1 ـ ثقة الإسلام: يستخدم لطلاب المرحلة الأولى من الدراسات (مرحلة المقدمات).
2 ـ حجة الإسلام: يستخدم لمدرس المرحلة الأولى.
3 ـ حجة الإسلام والمسلمين: يستخدم للطلاب الذين أنهوا شطراً كبيراً من دراسة (مرحلة الخارج).
4 ـ آية الله يستخدم لأساتذة البحث الخارج، المجتهدين الذين هم في طريقهم إلى المرجعية.
5 ـ آية الله العظمى: يستخدم لمراجع التقليد ممن لهم اتباع يرجعون إليهم، ولهم رسالة عملية متداولة تعبر عن آرائهم الفقهية.
أما ما يتعلق بلقب (العلاّمة)، ففي عرف الفقهاء أنه اختص به الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلي أيضاً، وأصبح يعرف به دون سواه.
أما في العصر الحاضر ففي إيران بقي هذا اللقب محتفظاً بخصوصيته، ولم يحظ به إلا أشخاص قلائل. وابتذل في لبنان كل الابتذال.
وفي التراث الشيعي اختص لقب ثقة الإسلام، بالمحدث الشيخ محمد بن يعقوب الكليني. أما لقب «حجة الإسلام» فقد عرف به ـ أول من عرف من الفقهاء ـ الشيخ علي بن عبد العالي الكركي المتوفى سنة 940هـ/ 1543م بعدما لقبه به الشاه طهماسب الصفوي. ↑
- () مقدمة الشيخ محسن الأراكي على كتاب. مجمع الفائدة والبرهان في إرشاد الأذهان، للشيخ أحمد الأردبيلي، قم، 1403هـ/ 1982م، ص 15. ↑
- () قيل أن العلاّمة عندما بلغه نقد ابن تيمية له تمثل ببيتين من الشعر لأبي المؤيد العنتري الطبيب (من رجال القرن السادس)، يقول فيها (مخاطباً ابن تيمية):لو كنت تعلم كل ما علم الورى
طراً لصرت صديق كل العالم
لكن جهلت، فقلت إن جميع من
يهوى خلاف هواك ليس بعالم
الشيبي، ج 2، ص 100.
وقد عرض حافظ آبرو مجالس العلاّمة، ومناقشاته مع علماء السُنّة، فأشار إلى أن ابن المطهر لم يبحث مسألة من المسائل على سبيل التعصب مطلقاً، كما ذكر أنه كان يدعو خدابنده الشيعي إلى حب الصحابة كلهم (ذيل جامع التواريخ، ص 52).
وأورد ابن حجر أن تاج الدين التبريزي الصوفي (ت: بعد 722هـم 1322م) جالس ابن المطهر الحلي وقال: ما أخذت عنه شيئاً (لتعصبه على بعض الصحابة). وذكر تقي الدين السبكي (ت: 756هـم 1355م) رد ابن تيمية على ابن المطهر، ونظم أبياتاً انتقد فيها العلاّمة لاعتراضه على بعض الصحابة كما انتقد ابن تيمية أيضاً لتعديه على مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، في محاولة لطمس فضائله المتسالم عليها عند علماء السُنّة، قال في أولها:
وابن المطهر لم تطهر خلائقه
داعٍ إلى (الرفض)، غالٍ في تعصبه
ينظر: الشيبي، ص 100. ↑
- () العزاوي، ج 1، ص 445. ↑
- () ابن حجر، الدر الكامنة، ج 3، ص 378. و(خدابنده) كلمة فارسية مؤلفة من كلمتين (خدا) بمعنى الله، (وبنده) بمعنى: العبد. فيكون معنى الكلمة (عبد الله)، أما كلمة (خر) فمعناها الحمار. ↑
- () تاج الدين أبو الفضل محمد بن مجد الدين الآوي (أو الآوجي)، كان يقيم في قرية بمنطقة (الكفل) بالعراق. وكان واعظاً في قريته. ولاه السلطان خدابنده نقابة نقباء الممالك في العراق، الري، خراسان، وأصبح له نفوذ واسع.كان لتاج الدين الآوي علاقة وثيقة مع الوزير الشيعي الخواجة سعد الدين محمد الساوجي، وقيل: إنّ تاج الدين كان قد دخل في نزاع مع الوزير رشيد الدين الهمداني الطبيب.
واسفرت نتائج هذا النزاع عن مقتل الخواجة سعد الدين في 10 شوال 711هـم 1311م، ومقتل حليفه بعد أقل من شهرين من مقتله، وذلك في 3 ذي الحجة من العام نفسه.
كان سعد الدين الساوجي من فضلاء الوزراء مدحه العلاّمة الحلي في مقدمة الرسالة السعدية في أصول الدين التي ألفها باسمه (طبعت سنة 1315هـ/ 1897م طباعة حجرية ـ الذريعة ج 11 ص 198).
أما رشيد الدين الهمداني فكان من كبار العلماء المؤرخين، كتب كتاباً في التفسير، وآخر في الفلسفة، واشتهر من كتبه «جامع التواريخ» المطبوع بالفارسية عام 1329هـ/ 1911م، بعنوان تاريخ غازاني. قتل على يد السلطة الإيلخانية سنة 716هـ/ بعد إخفاقه في علاج السلطان خدابنده، متهمين إياه بالتواطؤ على قتله.
ونقل عن بعض المؤرخين إتهامه بالإلحاد وأنه من اليهود الذين تستروا بالإسلام بعد إتصاله بالسلطان غازان، وحكي أنه نودي على رأسه المحمول إلى تبريز بعد مقتله أنه رأس اليهودي الملحد. (البداية والنهاية، ج 14، ص 87؛ شذرات الذهب، ج 6، ص 44) (حوادث سنة 1717هـ) وابن حجر، الدرر الكامنة، ج 6، ص 44، (حوادث سنة 717هـ) وابن ججر، الدرر الكامنة، ج 3، ص 232.
وقد رد الطهراني هذه التهمة وقال: «إن التاريخ أبدى الحقائق فلا قيمة لمثل هذه الحكايات إلا الكشف عن تعصب الناقلين. ثم ذكر أن رشيد الدين وإن اشتهر بنسبته إلى المذهب الشافعي إلا أنه من المظنون أنه من الشيعة الإمامية، وكان قد تستر بالصبغة الشافعية لأمورلا سياسية بحتة، كما تستر جملة من الشيعة بالاعتزال. (الطهراني، الذريعة، ج 3، ص 271). ↑
- () الخونساري، ج 3، ص 251. وكذلك Madelung, Akhbariyya, P. 56, Arjonand, The shadow of God and the hidden Inam, London, 1984, P. 55. ↑
- () أمل الآمل ج 2، ص 26. ↑
- () نقل فخر المحققين حكاية في 11 جمادى الثانية سنة 726هـ بحدود آذربيجان قال: رأيت والدي في المنام، وشكوت إليه من قلة المساعد، وكثرة المعاند، وهجر الأخوان وكثرة العدوان، وتواتر الكذب والبهتان، حتى أوجب ذلك لي جلاء عن الأوطان والهرب إلى أراضي آذربيجان. الألفين، ص 136. ↑
- () كان جوبان قد عين ولده (دمشق خواجة) وزيراً في الدولة، ودام في الوزارة حتى مقتله في 5 شوال سنة 727هـ/ 1327م، ثم قتل أبوه أول محرم سنة 728هـ/ 1328م، مع ابنه جلوخان.وفي شوال سنة 728هـ/ 1328م قتل ابنه الآخر تمرتاش بمصر، وقتل الأمير حسن في مملكة أوزبك، والشيخ محمود في كرجستان بيد الجيش. (العزاوي، ج 1، ص 528). ↑
- () راجع: السربداريون. ↑
- () Momen, P. 93. ↑
- () كان الشريف أحمد بن رميثة مكرماً عند السلطان أبي سعيد، وكثر أتباعه بالحلة. ولما استولى الشيخ حسن الجلايري على بغداد وجه إليه الجيوش مرة بعد أخرى، فلم يقدر على إخضاعه مما حمله على تجهيز جيش كبير، وتوجه إليه بنفسه، وحاصر مدينة الحلة التي تفرقت القبائل المساندة للشريف أحمد. ولما عجز الشريف عن المواجهة التجأ إلى دار النقيب قوام الدين بن طاووس (وكان نقيب نقباء الأشراف)، فأعطي الامان، إلا أن النتيجة لم تكن مطابقة للعهود، فضرب عنق الشريف أحمد بعدما عذب تعذيباً وحشياً. (ابن عنبه، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، ص 133). ↑
- () استولى حسن الجلايري المعروف بالشيخ حسن الكبير على بغداد عام 738هـ/ 1337هـ، وقضى على حكومة المغول في العراق، وأسس حكومة جديدة فيه هي الحكومة الجلايرية. توفي سنة 757هـ/ 1356. ↑
- () العزاوي، ج 2، ص 35. ↑
- () ظهرت عدة شروح لمؤلفات العلاّمة من كبار فقهاء هذه المرحلة منها مؤلفات ابن أخيه عميد الدين عبد المطلب العميدي الأعرجي (ت: 754هـ/ 1353م)، كنز الفوائد في شرح القواعد، شرح أنوار الملكوت في شرح كتاب الياقوت شرح تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين، شرح كتاب التهذيب. كما شرح المقداد بن عبد الله السيوري (ت: 826هـ/ 1423م) جملة من مؤلفات العلاّمة الكلامية؛ منهاج السداد في شرح واجب الاعتقاد، وشرح الباب الحادي عشر (الذي نال شهرة واسعة)، وشرح مبادئ الأصول (في علم الأصول). ↑
- (*) بابل: على مقربة من الحلة وهي اليوم منها. ↑
- () منسوب إلى شنتمرية بفتح الشين وسكون النون وفتح التاء والميم وكسر الراء وتشديد الياء المفتوحة بعدها هاء آخر الحروف قال ياقوت شنت لفظة يعني بها البلدة أو الناحية لأنها تضاف إلى عدة أسماء ومريه أظنه يراد به مريم بلغة الإفرنج. هو حصن بالأندلس. ↑
- () قام بتحقيق الكتاب وشرحه عادل سليمان جمال. في المقدمة تحدث المحقق عن البصري، ثم تحدث عن أبواب الحماسة، ومنهج البصري فيها، مشيراً إلى قربه من منهج أبي تمام، فقسم كتابه إلى جزء أول يشمل الحماسة وباب المديح وباب الرثاء و47 قصيدة من باب الأدب، وجزء ثانٍ يحتوي على بقية باب الأدب.وأشار المحقق إلى أن البصري اطلع على الحماسة الصغرى وأفاد من كتب المختارات. ورجع إلى دواوين الشعراء القدامى والمحدثين، وغيرها من كتب الأدب عموماً، وأسس الاختيار في الحماسة البصرية ورد الصلة أو التشابه في المعنى أو في الأسلوب أو تشابه الأماكن وتداخل الشعر، أو الصلة بين الشعراء أنفسهم.
ويذكر أن «الحماسة البصرية» تعد أضخم الحماسات جميعاً. حفظ لنا البصري أشعاراً لولا حماسته لما عرفناها. كما حفظ لنا روايات مختلفة لأشعار معروفة، وأبياتاً زائدة عما في قصائد الدواوين.
والحماسة البصرية كغيرها لا تخلو من أوهام شتى في نسبة الشعر إلى غير قائلة، وفي أسماء الشعراء وأنسابهم، وزمنهم الذي عاشوا فيه.
وعلى رغم وجود 13 نسخة خطية «للحماسة» فإن المحقق اتخذ نسخة راغب باشا اصلاً وأثبت الفروق بينها وبين نسختي مكتبة «عاشر أفندي» ومكتبة «نور عثمانية» في استانبول. ↑
- () استنت عدت إقبالاً وإدباراً من نشاط وزعل. والكتب الجماعات. والعفر الظباء التي يعلو بياضها. ↑
- () حسر الماء وأذهبه وماء المحاسن رونقها ونضارتها. ↑
- () البوَّة الحمقاء. ↑
- () هرع مشي بسرعة واضطرب. ↑
- () لعاً كلمة تقال للعاثر وهي دعاء له ومعناه سلمت ونجوت والخدين الصاحب. ↑
- () آضت تغيرت. ↑
- () العنجهية بضم العين والجيم الكبر. ↑
- () شام البرق نظره. وأنأى أبعدَ. والعيوق نجم. ↑
- () يقليه يبغضه. والوفر الغنى. ↑
- () المعتفي الطالب صدقة. والنزر القليل. ↑
- () أحذاني أعطاني. ↑
- () ينهاض ينكسر بعد الجبور. ↑
- () الحلب الشراب. ↑
- () الضحل الماء القليل. ↑
- () الجماء الشخص. ↑
- () بسأ به أنس. ↑
- () الخبء الستر. ↑
- () البكر الحرب الأولى والعون أشدَّ الحروب. ↑
- () الأزر الظهر. ↑
- () الصبار الشديد الصبر والدياجير جمع ديجور وهو الظلام والغمرة الشدَّة. ↑
- () الددان السيف. الكليل والدثر البطيء الخامل. ↑
- () الواصمون العائبون. ↑
- () أحد وبدر وحنين وخيبر والخندق مواضع في الحجاز وقع فيها قتال مشهور في أول الإسلام والنضير حي من يهود خيبر. ↑
- () العقوة الساحة. ↑
- () الأمر المنكر. ↑
- () الضبعان مثنى وهو العضد ما بين المرفق إلى الكنف. ↑
- () الغمر الكريم الواسع الخلق. ↑
- () الجهر الكشف والوضوح. ↑
- () الأفن الحمق ونقصان العقل. ↑
- () الدهياء الداهية الشديدة. ↑
- () الأصر العبء الثقيل. ↑
- () الحوار ولد الناقة إلى أن يفصل. والخميلة أرض كثيرة النبات. ↑
- () الحقوف جمع حقف وهو ما اعوجّ من الرمل. وانقا قطعة الرمل. والعفر جمع أعفر وهو الرمل الأحمر. ↑
- () المشيحة المقبلة. والركل الضرب برجل واحدة. والزبن ضرب الناقة بثفنات رجلها عند الحلب والطحر من طحرت العين القذى إذا رمت به. ↑
- () ترود تطلب. وتقرو تقصد. ↑
- () الوتر الثأر. ↑
- () المجر الجيش العظيم. ↑
- () الزلفة القربة. ↑
- () النجر علم أرض مكة والمدينة والحسب. ↑
- () الوقر الصمم. ↑
- () زقت صاحت. والزقر جمع زقر وهو لغة في الصقر الطائر المعروف. ↑
- () الطيالسة جمع طيلسان وهو كساء. وكفف دارات تكون في حاشية الثوب. ↑
- () عزيت غابت وخفيت. ↑
- () السدر نوع من الشجر. ↑
- () يضور يضر. ↑
- () الأغاني 15: 100. ↑
- () أعيان: …. 4: 396. ↑
- () أمراء الشعر العربي ……. : 149. ↑
- () مروج الذهب 4: 368. ↑
- () أمراء الشعر العربي: 155 ـ 160. ↑
- () الوساطة: ….. : 19 ـ 20. ↑
- () م. ن: 72. ↑
- () أمراء الشعر العربي …… : 166. ↑
- () الموازنة: …..: 125 ـ 126. ↑
- () الشعر في بغداد حتى نهاية القرن الثالث الهجري. أحمد عبد الستار الجواري. 1375/ 1956: 226 ـ 227. ↑
- () الموازنة .. 131 و132. وقد رد البطليوسي في شرح سقط الزند على الآمدي وذكر نظائر لكلام أبي تنمام، وبين أن الوشاح ربما أطلق على النطاق الذي يشد على الخصر. ↑
- () أدباء العرب ….. : 233. ↑
- () الديوان: 247. ↑
- () أبو تمام. حياته ….: 217 ـ 218. ↑
- () الديوان: 229. ↑
- () أبو تمام حياته …. : 226 ـ 227. ↑
- () أبو تمام. شاعر الخليفة ….. : 73 ـ 74. ↑
- () م.ن: 76. ↑
- () الديوان: 64. ↑
- () الفن ومذاهبه في الشعر العربي. الدكتور شوقي ضيف. دار المعارف بمصر. 1960 ـ 256. ↑
- () الأغاني 15: 102. ↑
- () الديوان: 248. ↑
- () الديوان: 291 ـ 292 ـ 293. ↑
- () الديوان: 122 ـ 123. ↑
- () الديوان: 87. ↑
- () أدباء العرب: 98. ↑
- () الديوان: 142. ↑
- () الديوان: 25. ↑
- () الديوان: 59. ↑
- () الديوان: 328. ↑
- () الديوان ـ جادي: 956. ↑
- () م.ن: 951 ـ 952. ↑
- () الديوان: 408. ↑
- () م. ن: 409. ↑
- () م. ن: 407. ↑
- () م. ن: 407. ↑
- () م. ن: 352. ↑
- () م. ن: 362. ↑
- () الديوان ـ حاوي: 784. ↑
- () راجع هجاءه في عتبة بن عاصم الديوان: 785 ـ وهجاء أبا المغيب الرافقي الديوان: 797 أو هجاء مقران المبارتي: 803. ↑
- () الديوان: 860. ↑
- () الديوان: 914. ↑
- () الديوان: 539. ↑
- () الديوان ـ حاوي: 967 ـ 968. ↑
- () الموازنة: 51 ـ 122. ↑
- () أبو تمام شاعر الخليفة …..: 140. ↑
- () الشهب: جـ. الشهاب: السنان لما فيه من البريق. الشهب، الثانية: الكواكب. ↑
- () التخرص: الكذب. النبع: شجر صلب ينبت في رؤوس الجبال تعمل منه القسي. الغرب: شجر هشّ، ينبت على الأنهار. ↑
- () الإصفار: مصدر أصفر البيت والمكان: أخلاهما. الأصفار: جـ. الصفر: الخالي. وقد أضاف صفر إلى الأصفار لخلوّ البلاد من أهلها في هذا الشهر الذي جعله المنجّمون ميقاتاً لحلول المصائب. ↑
- () يزعم المنجمون أن بروج السماء على ثلاثة أقسام: المنقلب، وهي أربع: الحمل والسرطان والميزان والجدي؛ والثابت، وهي أربعة: الثور والأسد والعقرب والدلو؛ وذوات الجسدين، وهي أربعة: الجوزاء والسنبلة والقوس والحوت. ↑
- () الحفل: جـ. الحافل: الناقة التي امتلأ ضرعها باللبن، الحلب: الحلبة الواحدة من اللبن. ↑
- () الصبب: ما انحدر من الأرض أو الطريق. ↑
- () برزة الوجه: المرأة البارزة المحاسن، الفائقة في جمالها، والتي لم تستتر عن أعين الرجال. أبو كرب: كنية ملك من ملوك التبابعة، واسمه أسعد بن مالك الحميري (200 ـ 236؟). ↑
- () مخض اللبن: أداره كي يستخرج زبدته. ↑
- () السادر: السائر على وجهه لا يبالي بشيء. ↑
- () القاني: مخفف القانئ: الأحمر. الآني: الحار. السرب: السائل. ↑
- () يشلّه: يطرده. ↑
- () الشحب: المتغير: المتغير اللون. ↑
- () وجبت الشمس: غابت. ↑
- () غيلان: ذو الرمة، الشاعر المشهور في عهد بني أميَّة، ميّة: حبيبته. ↑
- () تربت الخدود: تمرغت بالتراب. ↑
- () كهم: كلّ. ↑
- () التأشيب: شدة التفاف الشجر حتى لا يمكن الاجتياز فيه. الأشب: المنيع، المحصن، حتى لا يمكن العدو أخذه. ↑
- () ذو أمرهم: قائدهم، صاحب أمرهم. صدد: قريب. ↑
- () السُّلب: الطويلة. ↑
- () زبطريا: منسوب إلى زبطرة: من بلاد المعتصم فتحها الروم قبل وقعة عمورية، فصاحت إحدى نسائها، كما يقول الرواة، مستغيثة بالمعتصم؛ وزحف على الروم. العرب: جـ. العروب: المرأةالمتحببة لزوجها. ↑
- () عداك عن: صرفك عن. ↑
- () منقعراً: مقطوعاً من أصله. ↑
- () توفلس: نيوفيل ملك الروم. الحرب: سلب أمتعة الناس ومالهم، وتركهم بلا شيء. ↑
- () يصرف: يدفع. خزية الحرب: ذلَّها وبلاياها. عزّه: غلبه. ↑
- () عن غزو: بسبب غزو. احتسب عند الله خيراً: قدمه. ↑
- () الضمير في ينفق راجع إلى المعتصم. المربي: الزائد. ↑
- () الصخب: شدة الصوت واختلاطه، الجلبة، كنى به عن اضطراب القلب والأفكار. ↑
- () القرابين: جـ. القربان: جليس الملك الخاص. ↑
- () اليفاع: ما ارتفع من الأرض. يشرفه: يعلوه. ↑
- () الجاحم: الشديد الاشتعال. ↑
- () قبل نضج التين والعنب: إشارة إلى زعيم المنجمين. ↑
- () الحوباء: النفس الآثمة. الدابر: آخر كل شيء. اجتثه: اقتلعه من أصله. ↑
- () المأزق: المضيق الذي يقتتلون فيه. الصعر: جـ الأصعر: المعرض بوجهه كبراً. ↑
- () أراد بسنى الأولى ضياء نار الحرب، وبسنى الثانية بياض الوجه. العارض في قوله عارضها: السحاب المعترض في الأفق؛ شبه به الحرب التي تمطر عارضاً من النار. العارض الثانية: أول ما تعرض لك رؤيته عند نظرك إلى الثغر باسماً. ↑
- () بها: بهذه الحرب. ↑
- () القُضب: الأولى: جـ القضيب: السيف القليل العرض. مصلتة: مشهورة. القضب الثانية جـ القضيب: الغصن المقطوع، شبّه بها القدود. ↑
- () البيض: السيوف. انتضيت من حجبها: سلَّت من إغمادها. ↑
- () مروج الذهب 4: 357 ـ 358. ↑
- () م. ن: 358 ـ 359. ↑
- (*) هم بطن من بني تغلب بن وائل من العدنانية. من «ميافارقين» تطلع الحمدانيون نحو أعلى الموصل، وسعوا للسيطرة عليها، لتكون قاعدة للانطلاق نحو بغداد وسواها، وتحقق هذا للحمدانيين سنة 293هـ/ 906م. عندما عيَّن الخليفة المكتفي الأمير أبا الهيجاء الحمداني والياً على الموصل.لم يول أبو الهيجاء الموصل عنايته الكلية، بل اهتم ببغداد وبمشاكل الصراع عليها وفيها، وانجرف مع تيارات السياسة في بغداد صعوداً وهبوطاً، وهكذا قضى معظم وقته في بغداد، واضطر، بسبب ذلك، إلى أن ينيب ابنه الأكبر الحسن عنه في إمرة الموصل، والحسن هذا هو الذي سيعرف باسم ناصر الدولة.
قامت مدينة الموصل في وسط تاريخي عريق. وكانت، بحكم موقعها الجغرافي، مدينة هامة جداً، ذات موارد اقتصادية كبيرة، تأتيها من الزراعة والتجارة. فهي مدينة تقع وسط سهل خصب، يمدها دجلة بالماء، وهي قريبة من البادية وقبائلها العربية، ثم إنها لم تكن بعيدة عن الأراضي البيزنطية. وكانت منذ قيام الدولة العباسية وثيقة الصلة ببغداد وبمشاكل العراق السياسية، أي كانت قطعة من العراق.
وقد بقيت هكذا حتى نهاية النصف الأول من القرن الخامس هـ/ الحادي عشر م، فعنمد ذاك تحولت لتصبح قطعة من بلاد الشام تشارك في مشاكلها وقضاياها، وقد يرى بعضهم أن مقدمات هذا التحول قامت مع حكم الحمدانيين لها، حيث شاركت جزئياً، وبشكل فعال ومؤثر أحياناً في الحياة السياسية لبلاد الشام، لكن ذلك وقع ضمن إطار الصراع من أجل السيادة والسلطة في عالم الخلافة العباسية.
أصبح الحسن بن أبي الهيجاء أميراً على الموصل بعد أبيه، ويمكن عدّه الباني الفعلي للدولة الحمدانية بالموصل، لكنه كان مثل أبيه، فانغمس في مشاكل الصراع على السلطة في بغداد. وكان يساعده، وقتذاك، أخوه الحسين.
نجح ناصر الدولة، لحقبة قصيرة، في السيطرة على بغداد وتسلم منصب أمير الأمراء، ونال لقب ناصر الدولة، كما نال أخوه عليّ لقب سيف الدولة، لكنه أكره على ترك بغداد والعودة إلى الموصل. ↑
- () أحسن التقاسيم ص 137. ↑
- () مسكويه: 2/29. ↑
- () ويقال سنة 335هـ. ↑
- () الدولة الحمدانية ج1، ص 3. ↑
- () الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية ص 228. ↑
- () ابن الأثير الكامل، ج 6، ص 122؛ متز، الحضارة، ج 1 ص 136، 289؛ كرد علي، ج 1 ص 218؛ طباخ، أعلام، ج 1، ص 279 ـ 280؛ حتي، تاريخ سورية، ج 2 ص 194. ↑
- () راجع للتعرف على أوضاع الجزيرة وسورية الشمالية القبلية في الحقبة الحمدانية:M. Hamade. Op. Cit.. P. 108-110.
مع الخرائط القبلية لسورية الشمالية والجزيرة P. 108, bis. 108 bis. ↑
- () ابن الأثير، الكامل (ب)، ج 8 ص: 594، 617، 634؛ أيضاً.Ganard, Op. Cit. p.418.446. 517.520.534.54, 554 ↑
- () راجع: Hamade, Op. Cit., P. 118, 122 إن تطلع سيف الدولة الحمداني (337 ـ 356هـ/ 944 ـ 967م) إلى الفاطميين يفسر الصراع السلطوي مع البويهيين. ↑
- () ابن العديم، ج 1، ص 172 ـ 173. ↑
- () المصدر السابق، ص 178. ↑
- () ابن الأثير، الكامل (ب)، ج 9، ص 85؛ ابن القلانسي، الذيل، ص 33 ـ 34. ↑
- () يذكر هذا الأمر بجهود الأمبراطور البيزنطي بوستنيانوس في إعادة توحيد إرث الأمبراطورية الرومانية الممزقة وبما كان يمكن أن يضفي هذا النجاح على حكمه من شرعية سلفية. ↑
- () خاصة بعد الاحتلال البيزنطي لهذه المدينة 351هـ/ 962م ومقتل أكثر سكانها فأعاد سيف الدولة إسكانها بنقل سكان إليها من قنسرين وحران (ياقوت، معجم البلدان)، ج 4، ص 404، الطباخ، ج 1 ص 279 ـ 280. في حين يشير ابن شداد إلى وجود علويين وهاشميين وديالمة فيها عندما حاصرها البيزنطيون (ابن شداد، الأعلاق / حلب، ص 23 ـ 24 أيضاً ابن العديم، ج 1 ص 137 ـ 138). ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () أنظر: عبد الغني النابلسي، الحقيقة والمجاز في رحلة مصر والشام والحجاز، مخطوط في الظاهرية بدمشق، رقم 464، رقم الفيلم، 1065، ورقة 85. ↑
- () أنظر: النابلسي، ورقة 67. ↑
- () أنظر: النابلسي، الأوراق 59، 60. ↑
- () أنظر: صلاح الدين السباعي، مجلة المجمع العلمي المجمع العربي بدمشق، مجلد 39، العدد الأول، دمشق 964، ص 171.سيشار إلى هذا المصدر باسم: مجلة المجمع (39). ↑
- () أنظر: وصفي زكريا، جولة أ(4) المطبعةالحديثة،دمشق 1934، ص 24.
سيشار إلى هذا المصدر باسم: وصفي زكريا، جولة أثرية. ↑
- () أنظر: النابلسي، ورقة 70. ↑
- () أنظر: سجلات المحكمة الشرعية بحماه، السجل رقم 40، القضية المؤرخة: 23 رجب 1140. ↑
- () المالكانة: إلتزام لمدى الحياة، وقد حدد نظامها في النصف الأخير من القرن السابع عشر. ↑
- () للتوسع حول أصل التركمان راجع:L’Encyclopedie de L’Islam. 1er Edition, Vol. IV. PP. 943-944. ↑
- () أعيان الشيعة. ↑
- () المصدر المتقدم. ↑
- () عمر بن سعد. ↑
- () الخدب بكسر الخاء وفتح الدال وتشديد الباء الضخم (والشوقب) الطويل. ↑
- () مشجب مهلك. ↑
- () الحين بفتح الحاء الهلاك (والمنشب) من نشب في الشيء إذا دخل فيه وعلق به كما ينشب الصيد في الحبالة. ↑
- () الورطة الهلكة (ولحجا بها) كعلما أي نشبا بها (ومحقب) بوزن اسم المفعول من قولهم احتقب الذنب وأصل الاحتقاب وضع الشيء في الحقيبة وهي وعاء من جلد. ↑
- () حاص بالحاء والصاد المهملتين عدل وحاد أو حام ويروى جاض بالجيم والضاد المعجمة أي حاد وعدل (والجأواء) الكتيبة التي يضرب لونها إلى السواد من صدأ الحديد (والأشهب) الأبيض يتخلله سواد. ↑
- () النواهق العظمان الشاخصان من ذي الحافر في مجرى الدمع أي عاري النواهق من اللحم ويحمد في الفرس أن يكون قليل لحم الخدين (والنجاء) الإسراع (وملهب) بصيغة اسم الفاعل سريع العدو. ↑
- () الشلو العضو من اللحم (والتولب) الجحش. ↑
- () اغتره طلب غرته. ↑
- () اختل بالخاء المعجمة أي دخل في خلل قلبه. ↑
- () معصماً متمسكاً (ويقصب) بالصاد المهملة أي لم يقطع وفي نسخة لم يقضب بالضاد المعجمة وهو بمعناه. ↑
- () أراد بالمتبتل الراهب وسمي متبتلاً لقطعه نفسه عن الناس من البتل وهو القطع (والقائم) صومعة الراهب. وهذا البيت وما بعده إلى 13 بيتاً إشارة إلى ما روي مما حاصله أنه لما سار أمير المؤمنين عليه السلام إلى حرب صفين أخذ طريق البر وترك الفرات وأصاب أصحابه عطش شديد فلاح لهم دير فهتف به فأشرف من صومعته فقال: هل قرب قائمك من ماء قال:بيني وبين الماء أكثر من فرسخين فسار قليلاً ونزل بموضع فيه رمل وأشار إلى مكان فكشفوه فأصابوا تحته صخرة بيضاء عظيمة تلمع فأمرهم بقلعها فلم يقدروا فاقتلعها بيده ونحاها فإذا تحتها ماء فشرب الناس وارتووا وحملوا منه «الحديث». ↑
- () رواه السيد المرتضى (تأتيه ليس بحيث تلقى عامراً) وفي نسخة (يأتيه ليس بحيث يلقى عامراً) وفي نسخة عامر بالرفع فيلقى يمكن أن يقرأ بالبناء للفاعل وعامراً مفعول أو بالبناء للمفعول وعامر بالرفع نائل فاعل ويمكن أن يقرأ يلقى أو يلفى بالفاء ـ والمراد بالأصلع الأشيب الراهب. ↑
- () في مدمج بدل من قوله في قائم (والمدمج) قال اسيد في الشرح هو الشيء المستور يقال: دمج الرجل ودمج بتشديد الميم إذا دخل في شيء فاستتر به وصومعة الراهب تستر من دخل فيها لا محالة (اهـ).(أقول): الأولى أن يقرأ مدمج اسم مفعول. في الصحاح دمج الشيء دموجاً إذا دخل في الشيء واستحكم فيه والتأم.
وفي تاج العروس عن الأزهري صلح دماج تام محكم قوي وفي التاج أيضاً أدمجت الماشطة ضفائر المرأة أدرجتها وملستها وأدمج الحبل أجاد فتله وقيل: أحكم فتله في رقة ورجل مدمج ومندمج مداخل كالحبل المحكم الفتال ونسوة مدمجات الخلق كالحبل المدمج (اهـ).
فيكون وصف بناء الصومعة بأنه مدمج إما لأنه قد دخل بعضه في بعض واستحكم والتأم وقوي ولأنه كالحبل المداخل المحكم الفتل وهو راجع إلى الأول أو لأنه مدرج مملس كالضفيرة ولعل هذا هو الأنسب بقوله: زلق (والزلق) الذي لا تثبت عليه قدم (والأشم) الطويل المشرف (الأبيض) قال السيد: هو هاهنا الطائر الكبير من طيور الماء والعرب تسمي الكبير من طيور الماء أبيض وتشبيه الصومعة الطويلة بحلقوم طائر الماء من أوقع التشبيه اهـ (وضيق مستصعب) صفتان لمدمج وفي نسخة متصعب. ↑
- () المائل المنتصب. وشبه الراهب بالنسر لعلو سنه (والشظية) قطعة من الجبل منفردة (والمرقب) المكان العالي. ↑
- () بوئته: أسكنته. ↑
- () النقا: قطعة من الرمل محدودية (والقي) بكسر القاف وتشديد الياء: في القاموس قفر الأرض وفي شرح السيد المرتضي الصحراء الواسعة، ويوجد في بعض النسخ الصخرة الواسعة وهو تصحيف (والسبسب) الأرض القفر. ↑
- () الوعث: المكان اللين الذي لايسلك لأن الأخفاف تغيب فيه ومن الرمل كل لين سهل، (واجتلى) أي نظر إلى صخرة ملساء وانجلت لعينه، (واللجين) الفضة. ↑
- () اعصوصبوا: اجتمعوا وصاروا عصبة واحدة. ↑
- () في نسخة متى ترمي المغالب تغلب وفي نسخة متى يوماً تغالب تغلب. ↑
- () الحزور: الغلام القوي، (والعبل) الغليظ الممتلئ. ↑
- () المتسلسل: السلس في الحلق ويقال: إنه البارد أيضاً. ↑
- () أراد بالمسجد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهي طيبة (ومطيب) أي طاهر كقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ويحتمل أن يكون المراد أنه مضمخ بالطيب. ↑
- () إشارة إلى ما روي من أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسد جميع الأبواب النافذة إلى المسجد إلا بابه وباب علي عليه السلام ومنع أحداً أن يمر في المسجد جنباً غيرهما. ↑
- () سرى: سار ليلاً وفاعل سرى ومضى خير البرية في البيت الذي بعده وفاعل بات راجع إلى علي عليه السلام (ومبيته) أي الموضع الذي كان يبيت فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إشارة إلى مبيت علي عليه السلام على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الغار. و(الروعة) الخوف، و(الترقب) الانتظار. ↑
- () أي عند خروجه من داره لانه كان قد أمر صاحبه وهند بن أبي هالة أن يقعدا له بمكان ذكره لهما في طريقه إلى الغار. ↑
- () ملفعاً: أي مغطى. ↑
- () الشميط: الصبح لاختلاط بياضه بباقي ظلمة الليل وكانا خليطين فهما شميط، و(أدهم) أي فرس أدهم، و(مغرب) بالغين المعجمة وضم الميم وفتح الراء قال السيد في الشرح الفرس المغرب هو الذي ابيضت أشفار عينيه (اهـ).وفي الصحاح المغرب ما ابيضت أشفاره من كل شيء وفي تاج العروس المغرب من الخيل التي تتسع غرته في وجهه حتى تجاوز عينيه (اهـ).
فوجه التشبيه اختلاط سواده ببياضه وفي بعض النسخ معرب بالعين المهملة وهو تصحيف لأن المعرب من الخيل الذي ليس فيه عرق هجين ويقال: أعرب الفرس فهو معرب إذا صهل فبان عنقه وسلامته من الهجنة وذلك لا يناسب المقام. ↑
- () وعصبوا هكذا في بعض النسخ ومعناه غير ظاهر وفي نسخة (وغيضوا) ولا يظهر له أيضاً معنى يناسب وفي نسخة (مجالداً) ومعناه ظاهر (ومنهب) يمكن أن يكون من النهب ضرب من الركض نص عليه اللحياني أي تراجعوا في مركض أي راكضين. ↑
- () في القاموس الخوص محركة: غؤر العين خوص كفرح فهو أخوص (اهـ). والخوص هنا جمع خوصاء كحمر وحمراء (والركاب) الإبل وتخصيص خوص الركاب بالذكر كأنه لبيان أنها لشدة سيرها غارت عيونها. ↑
- () أراد بالكهل المنجب أبا طالب والد أمير المؤمنين عليه السلام. ↑
- () قال السيد في الشرح يروى أجلى والأجلى الذي انحسر شعر رأسه حتى بلغ النصف (وسام) والد البيضان (وحام) والد السودان. ↑
- () النجدة القتال وشدة البأس. ↑
- () الأنكب المنحرف. ↑
- () المحرب كمنبر الحسن البلاء في الحرب. ↑
- () المقلص بوزن اسم الفاعل قال السيد مأخوذ من التشمير في الثياب وغيرها ووصف الفرس بذلك لتشمر لحمه وارتفاعه عن قوائمه (ونهد المراكل) أي كثير لحم المراكل وهي مواضع ركل الفارس برجله يصف جسمه بالحسن والتمام. (والسبيب) والسبيبة خصل شعر الناصية وجمعها سبائب (والسلهب) الطويل. ↑
- () قال السيد: المقنب كمنبر جماعة الخيل إذا غارت وليست بالكثيرة. ↑
- () ليرجلوه بالراء والجيم أي ليحطوه عن فرسه ويجعلوه راجلا ويروى ليزحلوه بالزاي والحاء المهملة أي ليمنحوه (والأسمر) الرمح (والثعلب) طرف الرمح الداخل في السنان ويسمى مدخل الرمح من السنان جبة السنان. ↑
- () متذمراً قال السيد يحتمل أن يكون من الذمر وهو الشجاع المنكر كأنه قال: أقبل متشجعاً مقدماً متهجماً وأن يكون من الحث يقال: ذمرته إذا حثثته كأنه قال: أقبل حاثاً لنفسه «اهـ» ويحتمل أن يكون من قولهم ذمر الأسد أي زأر (ويخطر) من قولهم خطر البعير إذا مشى فضرب بذنبه يميناً وشمالاً (والهزبر) الأسد. ↑
- () مختلف القنا الموضع الذي تختلف فيه جهات الطعن (ومتجدلاً) ملقى على الجدالة وهي الأرض السهلة. ↑
- () أجلى: انكشف (وفوارسه ورجله) أي الفرسان والرجالة (والمقعص) المقتول والقعص القتل يقال ضربه فأقعصه ومات قعصاً إذا أصابته ضربة أو رمية فمات في مكانه. ↑
- () العواكف من العكوف وهو طول المقام (والخامعة) الضبع لأنها تتخمع في مشيها فتمشي كأن بها عرجاً والخمع والخماع العرج (والأهدب) كثير أشفار العين قال السيد: إنما وصفه بأنه أهدب لسبوغ ريشه ولحوقه بالأرض (اهـ) يعني أنه استعار كثرة الأسفار لكثرة الريش. ↑
- () شعث: جمع أشعث وهو البعيد العهد بالدهن (ولعامظة) باللام والعين المهملة والميم والظاء المعجمة جمع لعموظ كعصفور وهو النهم الشره (والياسرون) جمع ياسر وهو في الأصل الجزار الذي يلي قسمة الجزور ثم استعمل في الضارب بالقداح والمقامر على الجزور ثم استعمل في الضارب بالقداح والمقامر على الجزور وهو المراد هنا (وتخالسوا) خلس بعضهم بعضاً أي أخذه لخسة وغفلة وذلك شأن المتقامرين (والمنهب) موضع النهب والسلب. ↑
- () ابن فاطمة هو أمير المؤمنين عليه السلام لأن أمه فاطمة بنت أسد (والأغر) قال السيد هو ذو الغرة البيضاء ويوصف بذلك الكريم النجيب (والأغلب) قال السيد: الأفعل من الغلبة وهو أشبه ها هنا بالمعنى من أن يريد به القصير العنق الغليظ لأن الغلباء من الأعناق القصيرة الغليظة. ↑
- () ابن عبد الله عمرو وهو ابن عبد ود وسماه ابن عبد الله نظراً إلى الحقيقة (والوليد) هو ابن عتبة بن ربيعة قتله علي عليه السلام يوم بدر وشرك مع عمه حمزة في قتل عتبة بن ربيعة قتله علي عليه السلام يوم بدر وشرك مع عمه حمزة في قتل عتبة (والصقعب) الطويل من الرجال. ↑
- () مواثلين: لاجئين. (والأزل) الذي نزل به الأقدام لطوله ووعورة طرقه وهو حصنهم (والمشمخر) العالي (والحوشب) بالحاء المهملة والشين المعجمة العظيم الجنبين. ↑
- () في لسان العرب الرعن أنف يتقدم الجبل والجمع رعان ومنه قيل للجيش العظيم أرعن وجيش أرعن له فصول كرعان الجبال وقيل هو المضطرب لكثرته.(والجحفل) الجيش الكثير الوافر (ومتحزب) بالزاي قال السيد مشتق من الحزب وهو الجماعة من الناس وبالجمع أحزاب اهـ.
وفي نسخة متحرب بالراء أي غضبان يقال: حربته بالتشديد أي حملته على الغضب.
وقوله: من بعد أرعن متعلق بتحصنوا أي بعدما جاءهم الجيش الأرعن المتحزب دخلوا حصنهم وتحصنوا به من الجيش. ↑
- () النبأة: الصوت. (والأشوس) الرافع رأسه تكبراً وأراد به هنا الأسد (تقشعر) ترجف. ↑
- () الذليل إذا كان مذنباً كان ذلك أشد لخضوعه وخشوعه. ↑
- () ألمت في النسب أن تصل نفسك بغيرك. ولما حوصروا وضاق ذرعهم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لينزلوا على حكمه فأبوا ورضوا بحكم سعد بن معاذ لأنه كان جاراً لهم فظنوا أنه يحكم بما يوافقهم فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وقسمة أموالهم بين المهاجرين. ↑
- () الملح المستمر (والمخرب) بالخاء المعجمة فإنه إذا استمر عليهم القتل أخلى ديارهم وأخربها. ↑
- () العقائل جمع عقيلة وهي الكريمة من النساء (والبدن) جمع بادن يقال للمذكر والمؤنث وهي الوافرة لحم الجسم (والربرب) جماعة بقر الوحش ما كان دون العشرة. ↑
- () التذبذب الاضطراب والتردد والتحير. ↑
- () الذرى: جمع ذروة وذروة كل شيء أعلاه (والقوادم) جمع قادمة وهن أربع ريشات في مقدم الجناح وتليهن المناكب ثم الأباهر ثم الخوافي ثم الكلى أو الذنابي أربعة أربعة فذلك عشرون ريشة (والمصعد) الصاعد علواً (والمصوب) الهاوي سفلاً. ومعنى البيتين إن قلبي عند ذكرهما يطير مسرة بهما واشتياقاً إليهما وينزو ويعلو ويجيء ويذهب ارتياحاً ونزاعاً حتى كأنه معلق بأعلى ريش طائر ذي مخلب يرتفع به ويهبط وخص ذا المخلب لأنه أقوى الطير. ↑
- () يفري يقطع وأراد بالحجاب حجاب القلب (والصلب) بضم الصاد وتشديد اللام المفتوحة قال السيد في الشرح هي حجارة المسن، والصلب ـ يعني بضم الصاد وسكون اللام ـ الموضع الغليظ «اهـ» وهو من الصلابة ضد الرخاوة ولا يخفى أن الصلب بمعنى حجارة المسن لا تناسب المقام والصلبة ضد الرخوة لا يقال في جمعها صلب إلا أن يكون أراد بالصلب الشبيهة بحجارة المسن في الصلابة. ↑
- () البرجد: بالضم كساء غليظ وجمعه براجد ـ المؤلف ـ. ↑
- () صرح بذلك في ترجمة الجويني ج 4: مادة علاء الدين. ↑
- () «اليزيدية ومنشا نحلتهم» ط القاهرة سنة 1347 ص 17. ↑
- () أنظر أخبار السنة المذكورة من كتاب الحوادث الجامعة، هذا ومن أشهر المؤرخين الذين عنوا بالنقل عن كتاب الحوادث الجامعة حسبما أدانا إليه البحث أربعة:أولاً: هندوشاه صاحب كتاب تجارب السلف ألفه بالفارسية، نقل فصلاً يتعلق بوزارة ابن الناقد عن الكتاب.
ثانياً: ابن كثير في كتاب البداية والنهاية، نقل عن الحوادث الجامعة فصولاً عدة بنصها وفصها بدون إشارة إلى مصدرها.
ثالثاً: الدلجي في كتاب «الفلاكة والمفلوكين» نقل عن الكتاب ترجمة «الحريري» الصوفي الدمشقي الفقير بدون إشارة إلى الأصل الذي نقل عنه.
رابعاً: ابن شاكر الكتبي نقل عبارة مؤلف الحوادث الجامعة بعينها عن عدد قتلى واقعة بغداد، وذلك في جزء من كتاب «عيون التواريخ»، وتوجد نسخة الأصل منه بخط المؤلف ابن شاكر الكتبي (هي نسخة الخزانة التيمورية في القاهرة)، وليس فيما نقله ابن شاكر إشارة إلى اسم الكتاب المنقول عنه.
هذا ومما لا شك فيه وجود عدد آخر من طبقة أولئك المؤرخين عنوا بالنقل عن كتاب الحوادث الجامعة فإنه كتاب انفرد بحفظ طرائف الأخبار وغرائب الأحداث خصوصاً وما وقع منها بعد انحلال الدولة العباسية. ↑
- () قال الحاج خليفة في كشف الظنون ط. الأستانة الحديثة (1/ 279) ما يأتي «تاريخ»، ابن الفوطي متعدد، كالذيل على الجامع المختصر لشيخه ابن الساعي، والحوادث الجامعة في الوفيات.ومجمع الآداب، وهذا ما قاله الحاج خليفة في كشف الظنون، ومن ذلك يستفاد أن هذا الذيل ذيل به ابن الفوطي على تاريخ شيخه ابن السباعي هو كتاب آخر غير مجمع الآداب وغير الحوادث الجامعة، وقال الحاج خليفة أيضاً في (كشف ط) الآستانة الحديثة (1/ 572) ما يأتي:
«الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير لابن الساعي البغدادي المتوفى سنة 672هـ، وهو تاريخ كبير في نحو خمسة وعشرين مجلداً بلغ فيه إلى آخر سنة 656هـ ، والذيل عليه لتلميذه كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد المحدث الفيلسوف البغدادي الفوطي، وهو كبير في نحو ثمانين مجلداً عمله للصاحب».
هذا ما جاء في الكشف ولا شك أنه يعني بالصاحب علاء الدين الجويني، وهذل صريح في أن كتاب ابن الفوطي ألف في التذييل على تاريخ ابن الساعي يبتدئ من سنة 656هـ ، ولكن لم ترد في الكشف إشارة إلى العصر الذي ينتهي فيه الذيل وأما قول الحاج خليفة إن الحوادث الجامعة كتاب في الوفيات فلعله أراد أن ابن الفوطي عني بوفاة من ورد ذكرهم في كتابه أو ترجم لهم من الخلفاء والسلاطين والأمراء والقضاة والأدباء والمشايخ والمؤلفين إلى غير ذلك ولا نظن كتاب الحوادث مقصوراً على الوفيات وإلا لما جازت تسميته بالحوادث الجامعة. ↑
- () أنظر ما كتبه عن سيرة هولاكو (353) وعن زيارة ابنه أباقا لبغداد (375 ـ 379هـ). ↑
- () الحوادث: (365) وانظر عن عناية الجويني بالحركة العمرانية الإنشائية في بغداد والعراق (371 ـ 373) من هذا الكتاب وراجع (433) عن نبذة للمؤلف في ترجمة الجويني كتبها بمناسبة تاريخ وفاته. وقد نوه عدد من المؤرخين غير صاحب الحوادث الجامعة وغير ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب بذكر الجويني وكونه صحيح الدين متين الإيمان، من ذلك ما جاء في تاريخ أبي الفداء عن نكبة علاء الدين صاحب الديوان على يد «أباقا خان» وأن ذلك بسبب ما نسب إليه من مواطأة المسلمين، وقد ترجم له ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب. ↑
- () اللباب أو مختارات من تلخيص مجمع الآداب للمؤلف (656) وقد تولى فخر الدين عبد الله بن عبد الجليل القاضي المحدث وعز الدين الزنجاني إخراج البغادة ليقتلوا في مخيم هولاكو، وتجد في أخبار سنة 656هـ من كتاب الحوادث الجامعة أسماء من قتل أو أسر في الواقعة من العباسيين نساء ورجالاً وأسماء من قتل من الأمراء قادة الجيش والأعيان. ↑
- () تجد تفصيل ذلك في الكتاب (53 ـ 59) وانظر (444) عن رجل كان يتولى تدبير الساعات التي تجاه المستنصرية، وممن وصف حفلة افتتاح المستنصرية من المؤرخين عبد الرحمن الأربلي في كتابه خلاصة الذهب المسبوك (212)، وقال ابن عنبة في عمدة الطالب (182) كان المستنصر أودع خزانته في المستنصرية 80 ألف مجلد على ما قيل، ولمكتبة المستنصرية ذكر جميل في كتب التاريخ.ومن المؤرخين الذين أشادوا بذكر المدرسة المستنصرية سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، ورد ذلك عند الإشارة إلى وفاة المستنصر بالله، وفي الفصل يقول السبط المذكور: «كان ـ يعني المستنصر ـ جواداً عادلاً قريباً من الناس رحوم القلب متصدقاً سراً وجهراً، عمر المدرسة الشاطئية وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة ونقل إليها الخطوط المنسوبة مثل خط 3 ابن البواب، وابن مقلة، وغيرهما.
ورتب للفقهاء جميع ما يحتاجون إليه من الأطعمة والأشربة والجوامك والفواكه حتى المارستان والحمام، ولم يكن عنده تعصب على مذهب، وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ولا بني مثلها في سالف الأعوام، فهي في العراق كجامع دمشق وقبة الصخرة بفلسطين.
وبنى المساجد والمشاهد، عمر الخانات في الطرقات، وكان يزور الصالحين ويحسن إليهم، ويزور المشهدين مشهد علي عليه السلام ومشهد الحسين، ولم يكن للمال عنده قدر، ولما وردت بغداد سنة 644هـ حكى لي الثقاة عنه أن له الأحوال الجليلة».
هذا ما قاله سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ويلي ذلك فصل في مناقب المستنصر بالله راجع عنه مرآة الزمان (8/ 741). ↑
- () ويقول حسن حسني عبد الوهاب في كتابه ورقات، في حاشية الصفحة 358 عن البردى ويسمى البربير أيضاً: نبات مائي يشبه نخل الروم الصغير كان يتخذ منه الحصر الرقيقة والحبال، كما كان يصنع من أغصانه ورق الكتابة المعروف بورق البردى وبالقراطيس المصرية. ويوجد بكثرة في مناقع الماء بصقلية.وقال في الصفحة 160:
وقال ابن حوقل التاجر البغدادي الذي زار المغرب في القرن الرابع: وفي خلال أراضي صقلية بقاع قد غلب عليها البربير، وهو الذي يعمل منه الطوامير، ولم أعلم لما بمصر من هذا البربير نظيراً بوجه الأرض إلا ما بصقلية منه، وأكثره يفتل حبالاً للمراكب، وأقله يعمل للسلطان منه طوامير لا تزيد على قدر كفايته.
وقال في الصفحة 358 وهو يصف زهد القاضي ميمون بن المعلوف قاضي صقلية:
…. فدخل عليه من دخل فأمالوا وسادتين محشوتين بتبن عند رأسه وحصير بردى تحته (انتهى).
وقد اهتم قدماء المصريين بزراعة نبات البردى، واستخرجوا منه الورق، ونقشوا عليه حوادثهم التاريخية، وحرروا عقود البيع والشراء والزواج. وأذاعوا به منشوراتهم وأوامرهم الرسمية.
وكانت أوراق البردى قبل الفتح الإسلامي لمصر تحرر باللغتين اليونانية والقبطية، وبقيت الحال على ذلك حتى نقلت الدواوين إلى العربية وذلك في بلاد الشام والعراق وفارس، ثم نقلت بعد ذلك إلى مصر، وبذلك أصبحت القراطيس المصنوعة من البردى تحرر بالعربية بجانب اليونانية والقبطية.
وقد اتضح من دراسة أوراق البردى العربية التي عثر عليها أن اللغتين اليونانية والعربية كانتا مسعملتين في دواوين الحكومة في أوائل الحكم الإسلامي في مصر: الأولى على أنها اللغة الرسمية التي كانت تدون بها الأعمال في تلك الدواوين، والثانية لأنها لغة الدولة الحاكمة، كما لوحظ أن بعض أوراق البردى كان يشتمل على كتابات باللغة القبطية إلى جانب اللغتين اليونانية والعربية، وكانت اللغة القبطية تدون في ذيل بعض الوثائق مما يدل على أن هذه اللغة قد ضعف شأنها بعد أن انتشرت اللغة العربية بين المصريين.
وتحتفظ دار الكتب المصرية في القاهرة بمجموعة نفيسة من أوراق البردى العربية التي تمدنا بكثير من الحقائق التاريخية للحكم الإسلامي في مصر، لا سيما في القرون الخمسة الأولى للهجرة. (انتهى).
وهكذا عرفنا أن أصل كلمة (البابير) هو البربير، على قول حسن حسني عبد الوهاب. ↑
- () سورية ولبنان 1918 ـ 1922م ص 123، 192 ـ 193. ↑
- () وهذا الذي يسميه محمد جميل بيهم (موقفاً جريئاً) هو أن سليم سلام ومختار بيهم والشيخ أحمد طبارة قابلوا وزير الخارجية الفرنسي (بيشون) وأفهموه أن غايتهم من المؤتمر ليس الانفصال عن الدولة العثمانية إنما الحصول على حقوقهم العربية (كما تنص على ذلك مذكرات سليم علي سلام). ↑
- () يصف سليمان فيضي الذي كان نائباً في المجلس النيابي العثماني عودته ورفاقه نواب البصرة إلى العراق لانتهاء الدورة البرلمانية، وكيف أن الحرب أعلنت وهم في مرفأ بور سعيد، وكيف وصلوا إلى بيروت ثم إلى حلب، وكيف سافروا منها متجهين إلى العراق بثلاث عربات، يحرسها اثنان من خيالة (الجندرمة) وكيف التقوا في الطريق بعربة ثابت السويدي محروسة بثلاثة من خيالة (الجندرمة) وكيف أبلغه ثابت أنه منقول قائمقاماً لأجد أقضية حلب، وكيف أنه وصل بغداد وكيف رآه أصدقاؤه ما عدا يوسف السويدي والد ثابت.ثم يقول سليمان: «وقد افتقدت من بين زائري يوسف السويدي الذي كنت أعلم مقدار حبه لي، فعجبت للأمر، وذهبت إليه في داره، فلما دخلت وجدته كئيباً حزيناً، وكانت نبرات صوته تدل على تأثر شديد، فعلمت أن في الأمر سراً، فلم أشأ أن أسأله، بل طفقت أحدثه عن استانبول وعن الطريق التي سلكتها، فلما جئت على ذكر مقابلتي لابنه بكى بكاء مراً، وقال بصوت متهدج: لقد قتل ثابت …. اغتالته الحكومة الظالمة قبل أن يصل إلى مقر وظيفته ….». ↑
- () القزويني هو العالم الجغرافي حمد الله المستوفي القزويني صاحب كتاب (نزهة القلوب) في علم الجغرافيا، ألّفه سنة 735هـ باللغة الفارسية واعتنى بتصحيحه ونشره المستشرق السوفياتي كاي ليسترانج. ↑
- () الجزء الرابع من السنة السادسة صفحة 277هـ. ↑
- () السمعاني هو أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي الفقيه الشافعي المولود بمرو سنة 506هـ، اعتنى بنشر كتابه [الأنساب] المستشرق: د.س. مرجليوث. وطبع عدة مرات. ↑
- () كتاب البصرة في الفترة المظلمة صفحة 181. ↑
- () كتاب [الرحلة المكّية] مخطوط في مكتبة سبهسالاربطهران مرقم بـ (1513) بخط مؤلفه ألفه حدود سنة 1124هـ. ↑
- () السيد حيدر خان بن السيد علي خان الحويزي المشعشعي حكم في الحويزة بعد وفاة والده سنة 1088 هجرية وتوفي سنة 1092هـ.ـ دائرة المعارف مصاحب. ↑
- () الدرجة: 25 فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف ذراع. وفي اصطلاح المنجّمين أن الدرجة قدر ما تقطع الشمس في يوم وليلة من الفلك. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () هو السيد محسن بن السيد محمد المشعشع حكم الحويزة من سنة 870هـ إلى سنة 905هـ وستأتي ترجمته. ↑
- () السباهي كلمة فارسية معناها العسكري، والسباهيّة الجيش والعسكر. ↑
- () ميامر جمع مير، وهو مُخفّف الأمير، كلمة دارجة. ↑
- () السيد راشد بن السيد سالم أحد أمراء الموالي حكم الحويزة من سنة 1024 إلى سنة 1029هـ. ↑
- () أوردت نفس العبارات المذكورة في [الرحلة المكية] مراعاة لأمانة النقل وفيه بعض الكلمات والمصطلحات الفارسية والتركية لاندماج أمراء الموالي بالملوك الصفويين وتأثرهم بالثقافة الإيرانية. ↑
- () الرحلة المكية (مخطوط). ↑
- () مجالس المؤمنين ج 1 ص 143. ↑
- () كلام المهدي، للسيد محمد بن فلاح المشعشعي الحويزي جدّ الموالي أمراء الحويزة ومؤسس إمارتهم توفي سنة 870 والكتاب مجموعة من رسائل وخطب مؤلفه ضمّنها عقائد منه نسخة في مكتبة مجلس النواب في طهران. ↑
- () الإغراق المبالغة في الكلام. الرحلة المكّية مخطوط ص 221. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () دشت ميشان اسم أطلقه النظام البهلوي على منطقة الحويزة في عهد رضا شاه جرياً على نهجه في تغيير أسماء بعض البلاد كما غيّر اسم الخفاجيّة إلى (سوسنكرد) بالكاف الفارسية، واسم الفلاحية إلى شادكان. ↑
- () تقع البسيتين على بُعد مائة كيلومتر إلى الشمال الغربي من الأهواز. ↑
- () راجع: جبانة السبيع. ↑
- () الماليخوليا: كلمة مأخوذة من اليونانية وهي مرض سوداوي لعلة في الدماغ، يسبب تصورات خيالية وفي بعض الأحيان يشتد فيتشاءم المريض من كل شيء ويصبح غير مبال حتى يفكر بالانتحار. ↑
- () راجع كتاب (حدود العالم) طبع السيد جلال الدين الطهراني، ص 68 مع ملحق عام 1314 هجري شمسي والترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب بواسطة البروفسور مينورسكي صفحات 116 و355. ↑
- () معجم البلدان، ج 2، ص 487 طبع ألمانيا. ↑
- () مر فيما تقدم المقصور بـ (ساتراب). ↑
- () مرت إشارة إلى ذلك. ↑
- () هي أبيورد. ↑
- () آل سيمجور كانت لهم مناصب سامية في دولة السامانيين وكانوا فترة من الزمن أمراء الجيش في خراسان وحكاماً في قهستان ونيسابور وتوابعها. وتنسب هذه الأسرة إلى أحمد بن سيمجور الثري الذي كان في أول أمره خادماً عند إسماعيل بن أحمد الساماني. ثم وصل إبراهيم سيمجور أحد أفراد هذه الأسرة إلى حكم خراسان وكان ابنه أبو الحسن وحفيده أبو علي فيما بعد أمراء جيش. وحكموا خراسان زهاء سبعين سنة. وفي سنة 384هـ تمرد أبو علي سيمجور. فطلب نوح بن منصور الساماني إلى سبكتكين وابنه محمود (الغزنوي) التغلب على سيمجور فهزماه، وحصل محمود على حكم خراسان من السلطان الساماني وجعل نيسابور قاعدة حكمه.وظل في منصبه حتى وفاة والده سنة 387، فقام صراع بينه وبين أخيه إسماعيل الذي كان أبوه قد اختاره لخلافته فتغلب محمود على إسماعيل. ثم كان من شانه أن قضى على بقايا الصفاريين ثم قضى على السامانيين فدانت له خراسان وامتد منها إلى غيرها. ما ليس هنا مكالن تفاصيله. ومن وقائعهم في علاقتهم بالسامانيين ما ذكره ابن الأثير في احداث سنة 310 قائلاً ما نصه:
قد ذكرنا قتل ليلى بن النُعمان، وأن جرجان تخلّف بها بارس غلام قراتكين، فلما قُتل ليلى بن النُّعمان عاد قراتكين إلى جُرجان، فاستأمن إليه غلامه بارس، فقتله قراتكين، وانصرف عن جُرجان، وقدمها أبو الحسين بن الحسن بن عليّ الأُطروش العلويّ، والملقّب والده بالناصر، وأقام بها، فأنفذ إليه السعيد نصر بن أحمد سيمجور الدوائيّ في أربعة آلاف فارس، فنزل على فرسخين من جرجان، وحاصر أبا الحسين نحو شهر من هذه السنة.
وخرج إليه أبو الحسين في ثمانية آلاف رجل من الدَّيلم، والجُرجانية، وصاحب جيشه سُرخاب بن وهسوذان ابن عمّ ماكان بن كالي الديلميّ، فتحاربا حرباً عظيمة، وكان سيمجور قد جعل كميناً من أصحابه، فأبطأوا عنه، فانهزم سيمجور.
ووقع أصحاب أبي الحسين في عسكر سيمجور، واشتغلوا بالنهب والغارة، فخرج عليهم الكمين بعد الظفر، فقتلوا من الديلم والجُرجانية نحو أربعة آلاف رجل، وانهزم أبو الحسين، وركب في البحر، ثم عاد إلى أستراباذ، واجتمع إليه فلّ أصحابه.
وكان سُرخان قد تبع سيمجور في هزيمته، فلما عاد رأى أصحابه مقاتلين مشردين، فسار إلى أستراباذ، واستصحب معه عيال أصحابه ومخلّفيهم، وأقام بها مع أبي الحسين بن الناصر، ثم سمع سيمجور بظفر أصحابه، فعاد إليهم، وأقام جرجان، ثم اعتلّ سُرخاب ومات، ورجع ابن الناصر إلى سارية، واستخلف ماكان بن كالي على أستراباذ، فاجتمع إليه الديلم، وقدّموه، وأمّروه على أنفسهم.
إلى آخر ما قال متابعاً هذه الأحداث. ↑
- () في أواخر العصر الغزنوي تمكن الغوريون ـ وهم من سكان أفغانستان ـ وكانوا قد حكموا فيروز كوه وباميان، تمكنوا من استغلال ضعف الغزنويين فاستولوا على بلادهم. وفي سنة 571 ضموا هرات إلى حكمهم. واستمر حكم سلاطين الغور من أواسط القرن السادس حتى سنة 612هـ حيث تغلب عليهم خوارزمشاه، على أنه استمر حكمهم في هرات والهند. وبعد موت خوارزمشاه استمروا عدة سنوات في الحكم حتى كان الزحف المغولي الذي قضى على حكمهم. ↑
- () كانت غزنة وكابل للبابريين الهنود، وهرات وقندهار لإيران. ↑
- () كان طاهر بن الحسين والياً للمأمون على خراسان، واستمر في ولايته عليها سنتين لم يغير شيئاً ولم يتظاهر بشيء فلما كانت سنة 207هـ صمم على العصيان، فصعد يوم الجمعة المنبر فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى فيها وحشد عليها بلم الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين.فكان ذلك إعلاناً للانفصال عن بغداد، لكن الأقدار كانت قد عملت عملها، ففي اليوم الذي أعلن فيه طاهر للعصيان، مضى في ليله إلى فرشه فمات فجأة في تلك الليلة. فاختار المأمون ابنه طلحة (207 ـ 213) لولاية خراسان مكان أبيه.
ولما توفي طلحة سنة 213 تولى الحكم في خراسان علي بن طاهر ثم تولى عبد الله بن طاهر، فحكم خمسة عشر عاماً وتوفي سنة 230.
ويقول ابن النديم أنه كتب مؤلفات في الموسيقى والأعداد والفلك. ويقول عنه الدكتور عزيز الله بيان أنه كان أديباً شاعراً محباً للفضيلة.
وفي سنة 224هـ وقع زلزال في خراسان دمر عدداً من البيوت تدميراً كاملاً وتضررت القنوات كثيراً فقام خلاف بين المزارعين، ولم يكن لهذا الأمر ذكر في كتب الفقهاء، فجمع عبد الله فقهاء خراسان ودعا معهم بعض فقهاء العراق فألفوا له كتاباً في الأحكام الخاصة بالقنوات. وبعد وفاة عبد الله سنة 230 تولى ابنه محمد فكان آخر الأمراء الطاهريين. ↑
- () أبرشهر: من أسماء نيسابور. ↑
- () أنظر خطب نصر بن سيار عامل خراسان في أيام مروان بن محمد، وفي بعضها يقول: (يا أهل خراسان أنكم غمطتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة، السلطان المجهول تريدون وتنظرون؟ … إن فيه لهلاككم معشر العرب) ألا ترى أنهم لا يعنون بأهل خراسان إلا العرب في هذه الكلمة؟ ومثل ذلك كثير. وانظر وصية يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين استقل على (جرجان) فقد أوصاه بأحياء العرب فيها من اليمن وربيعة وقيس مع الإشارة إلى أسباب ذلك. (أنظر تاريخ الأمم والملوك والكامل لابن الأثير). ↑
- () أنظر عن عروبة رجال الدعوة تاريخ الطبري (9/ 76) وتاريخ اليعقوبي (3/ 72) ومروج الذهب (2/ 144) والكامل (6/ 90). وعن عروبة زعماء خراسان المصدر نفسه (5/ 191). وعن القبائل العربية المقيمة في خراسان من تميم وربيعة واليمن، كتاب الوزراء للجهشياري «269» وعن أحياء العرب في خراسان كلمة لقتيبة بن مسلم في البيان والتبيين (1/ 199) وعن بني تميم في خراسان كلمة خاطب الأحنف بن قيس قبيلته فيها البيان والتبيين (1/ 184) وعن ظعائن العرب تخرج من مرو إلى سمرقند بدون جواز خطبة لقتيبة بن مسلم العقد الفريد (2/ 385). ↑
- () مناقب الأتراك (8 ـ 12). ↑
- () كان قحطبة يقارن بأبي مسلم. ↑
- () المشهور بأن قريط لا ابن طريز. ↑
- () قتله قحطبة سنة 131، ومارئي عسكر يجمع شتى المؤن والآلات والذخائر كعسكر صبارة وكان يسمى عسكر العساكر حتى كان مدينة. ↑
- () أنظر عن مقتل نباته بن حنظلة ومن معه من أهل الشام على يد قحطبة الطبري (9/ 105 ـ 106) وهذه الموقعة من الوقائع الحاسمة في النزاع. ↑
- () البيان والتبيين المطبعة العلمية 2/ 154. ↑
- () البيان والتبيين المطبعة العلمية 2/ 154. ↑
- () الحجون: جبل بأعلى مكة، والصفا: مكان معين من أعالي جبل أبي قبيس. ↑
- () هكذا وردت في أغلب المصادر فتركناها على حالها. ↑
- () السدايف: شحوم السنام من الإبل. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان ج 3 ص 436 القاهرة 1324هـ ـ 1906م. ↑
- () القول بأن ابن جنّي معتزلي، هو من أوهام الكاتب، فابن جنّي شيعي صميم. وسبب هذا الوهم الذي وقع فيه الكاتب، كما وقع غيره في غير ابن جنيّي، هو أن الشيعة والمعتزلة متوافقون في أكثر الآراء ومنها (العدل)، حتى أن بعض الباحثين قالوا عن الشريف المرتضى أنه معتزلي، وهو من هو في التشيع (ح). ↑
- () موسوعة المورد: مادة خطابة. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () أنظر: الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، أحمد الشايب. ↑
- () أنظر: المنطق، محمد رضا المظفر. ↑
- () راجع: تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات. ↑
- () المنطق 3/ 87. ↑
- () الأسلوب 116. ↑
- () ص 103. ↑
- () ص 371. ↑
- () ص 90. ↑
- () مادة Oratory. ↑
- () مادة : خطابة. ↑
- () الأسلوب 116 ـ 177. ↑
- () البيان والتبيين 1 / 94. ↑
- () مجلة الإيمان 93 «عدد خاص بالخطيب اليعقوبي». ↑
- () البيان والتبيين 1 / 94. ↑
- () تاريخ الأدب العربي، الزيات ط 26 ص 22. ↑
- () الزيات 176. ↑
- () الزيات 180. ↑
- () الزيات 168. ↑
- () ثم جاء السيد محسن الأمين فنظم أمر الخطابة الحسينية تنظيماً حديثاً، فألف من أجل ذلك كتاب (المجالس السنية) وكتاب (لواعج الأشجان) وكتاب (الدر النضيد). وأعد للتطبيق جيلاً من الخطباء الشبّان كان أبرزهم الشيخ علي الجمال. فدخلت الخطابة الحسينية على يديه طوراً يتفق مع حضارة القرن العشرين (الدائرة). ↑
- () باركلمو دو دياز Bartholomoeu De Diaz. ↑
- () فاسكو دو كاما Vasco Do Gama. ↑
- () يقول حسن الأمين: كانت ثورة البحرانيين على البرتغاليين أعنف الثورات وأشدها، وكان البحرانيون من الشيعة، وليس فيهم من غير الشيعة إلا قلة قليلة فاشتد البرتغاليون في اضطهاد شيعة البحرين، وحاربوهم في وجودهم ورزقهم وإحلال غيرهم محلهم، فأخذ عددهم يتناقص بالتدريج، وهم وإن ظلوا أكثرية لكنها أكثرية لا تبلغ في حجمها ما كانت عليه من قبل.وخلال زيارة لي للبحرين أخبرني أحد ثقاة مؤرخيها بتفاصيل مروعة عما عاناه الشيعة من حقد البرتغاليين عليهم، وعما جرى نتيجة ذلك.
وإني لآسف كل الأسف أني اكتفيت بالحديث الشفهي ولم أدون ما حدثني به، ولم آخذ منه بعض ما دون عن تاريخ البحرين في تلك الفترة.
وقد كان رحمه الله صلى الله عليه وسلم من محققي المؤرخين المتتبعين، ولا أدري أين صارت أوراقه بعده. ↑
- () وهكذا تكررت ثورات البحرانيين الشيعة على البرتغاليين (ح). ↑
- () يقول الدكتور حسين عبيد غانم عياش في كتابه (عُمان) ص 96: «كان بإمكان الأتراك (العثمانيين) نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي كسب شاه الفرس والأمبراطور المغولي في الهند والتحالف معهما وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي».ونقول: لكن السلطان سليم لم ير التحالف على الأوروبيين المستعمرين، بل التحالف على الدولة الإسلامية الناشئة. ويراجع شيء من التفصيل في بحث (الصفويون). ↑
- () تذكرة نصر آبادي ص 276 وكتاب (شاهد صادق). ↑
- () محمودي أو محمدي هو عملة نحاسية صغيرة كانت متداولة في العهد الصفوي وتعادل نصف عباسي أو قطعة من فئة مئة دينار سابق. ↑
- ()يكتب اسكندر بيك حول هذا الموضوع ما يلي:«أصدر حاكم العالم المطاع أوامره لإمام قليخان بالقدوم إلى حضرته، فقلق هذا في بادئ الأمر، واعتذر بأن الإفرنج البرتغاليين عازمون على القدوم إلى هرمز ولكنه اضطر إلى إرساله ابنه تلبية لطلب الملك في البداية ثم تبعه في المجيء بعد أن تكررت الرسائل. ↑
- () عن مقالة للدكتور «رافندر كومار» في مجلة الثقافة الإسلامية عدد نيسان 1963 التي يصدرها المجلس الإسلامي باللغة الإنكليزية في الهند، مترجمة بقلم: س. ت. ↑
- () دكسون: المصدر ذاته ص 126. ↑
- () أحمد حلمي مدحت بك: «حياة مدحت باشا» (لندن 1903 ص 50 ـ 57). ↑
- () هـ. س. ج. فلبي «العربية السعودية» (لندن 1956 ص 219). ↑
- () من الوكيل السياسي في بغداد إلى السفير البريطاني في اسطنبول في 20 شباط 1871م الوثائق السياسية للدائرة الخارجية في حكومة الهند رقم 145 أيار 1871م. ↑
- () من الوكيل السياسي في بغداد إلى السفير البريطاني في اسطنبول في 24 و29 آذار 1871م. الوثائق السياسية للدائرة الخارجية في حكومة الهند رقم 117 ـ 118 سنة 1871م. ↑
- () مذكرة سكرتير الدائرة الخارجية في حكومة الهند مؤرخة في 5 نيسان 72 الوثائق السرية للدائرة الخارجية في حكومة الهند رقم 120، 122 تموز 1877. ↑
- () مذكرة سكرتير الدائرة الخارجية للحكومة الهندية مؤرخة في 3 أيار 1871 الوثائق السرية للدائرة الخارجية في حكومة الهند رقم 581، 655 سنة 1871م. ↑
- () المقصود بالإمارات المهادنة: الإمارات التي تؤلف اليوم: دولة الإمارات العربية المتحدة. ↑
- () برقية نائب الملك إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند مؤرخة 31 آذار 1871 الوثائق السرية للدائرة الخارجية في حكومة الهند رقم 588 لسنة 1871. ↑
- () سي. ويستر: «سياسة بالمرستون الخارجية للسنوات 1830 ـ 1841» (لندن 1951) الجزء الأول صفحة 628 هـ. ل. هوسكنز: «الطرق البريطانية إلى الهند» (فيلادلفيا 1926 ص 266 ـ 287). ↑
- () من السفير البريطاني في أسطنبول إلى سكرتير الدولة للشؤون الخارجية في 3 نيسان 1871 الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 73 لسنة 1871. ↑
- () مذكرة من السفير البريطاني في أسطنبول إلى الحكومة العثمانية مؤرخة في 25 نيسان 1871 الوثائق السرية رقم 110 لسنة 1871، مذكرة عن حديث جرى بين ئي. بسماني المترجم في السفارة البريطانية بإسطنبول وعلي باشا مؤرخة في 25 نيسان 1871 الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 120 لسنة 1871.رسالة السفير البريطاني في إسطنبول إلى سكرتير الشؤون الخارجية مؤرخة 26 نيسان 1871 الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 116 لسنة 1871. ↑
- () من المقيم البريطاني في الخليج إلى حكومة بومباي في 6 أيار 1871 الوثائق السرية رقم 198. ↑
- () من سكرتير الدائرة الخارجية لحكومة الهند إلى سكرتير بومباي في 17 أيار 1871 الوثائق السرية رقم 645 لسنة 1871. ↑
- () برقية الوكيل السياسي في بغداد إلى سكرتير الدائرة الخارجية لحكومة الهند في 12 أيار 1871 الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 639 لسنة 1871. ↑
- () مذكرة عن حملة نجد من قبل السفير البريطاني في إسطنبول مؤرخة في 27 حزيران 1871 في الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 70 آب 1871. ↑
- () أنظر مذكرة عن نجد من وضع الكولونيل ئي. سي. روس دائرة المقيم البريطاني في الخليج. تقرير عن سنة 1879 ـ 1880. ↑
- () برقية حكومة بومباي إلى حكومة الهند بتاريخ 18 تموز و7 آب 1871 الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 176، 225 آب 1871. ↑
- () من سكرتير حكومة بومباي إلى سكرتير الدائرة الخارجية لحكومة الهند في 22 تموز 1871 الوثائق السرية رقم 11 كانون أول 1871، وكذلك مذكرة ذات السكرتير المؤرخة 19 أيلول 1871 في الوثائق السرية رقم 145 لسنة 1871. ↑
- () مذكرة سكرتير الخارجية لحكومة الهند بتاريخ 28 تموز 1871 في الوثائق السرية رقم 153 كانون أول 1871. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () مذكرة نائب الملك بتاريخ 20 تموز 1871 في الوثائق السرية رقم 153/ 1 كانون أول 1871. ↑
- () الرسالة السرية رقم 59 إلى سكرتير الدولة لشؤون الهند بتاريخ 26 أيلول 1871. ↑
- () من السفير البريطاني في اسطنبول إلى سكرتير الدولة للشؤون الخارجية بتاريخ 21 كانون الأول 1871 اقتبست في مذكرة عن الحكم التركي في الخليج الفارسي. الوثائق السرية لحكومة الهند رقم 23 أيار 1880. ↑
- () من الوكيل السياسي في بغداد إلى السفير البريطاني في اسطنبول بتاريخ 11 نيسان 1871 الوثائق السياسية السرية لحكومة الهند رقم 49 آب 1871. ↑
- () برقية المقيم في الخليج إلى سكرتير حكومة بومباي بتاريخ 24 تموز 1871 الوثائق السرية رقم 144 السنة 1871. ↑
- () أنظر مذكرة الكولونيل روس عن تجدد دائرة المقيم البريطاني في الخليج في تقرير عن سنة 1879 ـ 1880. ↑
- () مدحت بك في كتابه عن حياة مدحت باشا ص 55. ↑
- () مذكرة سكرتير الدائرة الخارجية لحكومة الهند في 28 تموز 1871. ↑
- () رسالة عيسى بن علي إلى المقيم البريطاني في الخليج بتاريخ 17 آب 1873 الوثائق السياسية لحكومة الهند رقم 416 كانون أول 1873. ↑
- () رسالة السير لويس بلي إلى سكرتير الدائرة الخارجية لحكومة الهند في 27 تشرين أول 1873 الوثائق السياسية لحكومة الهند رقم 420 كانون أول 1873. ↑
- () ذات المصدر وكذلك مذكرة المقيم في الخليج إلى حكومة الهند في 4 أيلول 1873 الوثائق السياسية لحكومة الهند رقم 411 كانون أول 1873. ↑
- () جي جي. لورمر: «أخبار الخليج وعمان وأواسط الجزيرة العربية أكلكتا 1915». القسم الأول ص 972 ـ 973 وكذلك كتاب مدحت بك ص 59. ↑
- () الرسالة السياسية رقم 20 إلى سكرتير حكومة الهند في 24 أيلول 1878. الوثائق، الوثائق السياسية لحكومة الهند رقم 264 كانون ثاني 1879. ↑
- () برقية الوكيل السياسي في بغداد إلى سكرتير الشؤون الخارجية لحكومة الهند في 12 كانون الثاني 1879 الوثائق السياسية رقم 158 أيلول 1869. ↑
- () من السفير البريطاني في اسطنبول إلى سكرتير الشؤون الخارجية في 11 أيلول 1879 الوثائق السرية رقم 4 أيلول 1879. ↑
- () المصدر ذاته. ↑
- () الرسالة السياسية رقم 61 إلى سكرتير شؤون الهند في 28 تموز 1879 الوثائق السياسية رقم 350 أيلول 1879. ↑
- () مذكرة من نائب سكرتير الشؤون الخارجية لحكومة الهند في 28 آذار 1879 ومذكرة سكرتير الشؤون الخارجية لحكومة الهند في 7 نيسان 1879 الوثائق السرية رقم 25/ 47 أيلول 1879. ↑
- () رسالة سرية رقم 127 إلىسكرتير شؤون الهند في 22 أيار 1879 الوثائق السرية رقم 46 أيلول 1879. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الدائرة الخارجية لمكتب شؤون الهند في 23 آب 1879.الوثائق السرية رقم 28 أيار 1879. ↑
- () من مكتب شؤون الهند إلى وزارة الخارجية في 17 أيلول 1879.الوثائق السرية رقم 28 أيار 1879. ↑
- () من وزارة الخارجية إلى مكتب شؤون الهند في 22 أيلول 1879.الوثائق السرية رقم 47 أيار 1879. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () من سكرتير الشؤون الخارجية إلى السفير البريطاني في اسطنبول في 8 كانون الثاني 1880.الوثائق السياسية رقم 53 أيار 1880. ↑
- () عديد تشير إلى الشرقي للدول المهادنة الخاضعة للحماية البريطانية. ↑
- () سكرتير الدولة للشؤون الخارجية إلى السفير البريطاني في اسطنبول في 8 كانون الثاني 1880.الوثائق السياسية رقم 53 أيار 1880. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () طبقاً لما ذكره «فمبيري» أن رفض إنكلترا مساعدة الباب العالي في سنة 1878 جعل السلطان عبد الحميد جد متشدد ضدها.أنظر مقالة فمبيري «السلطان عبد الحميد والكارثة التركية» في مجلة «آمستيك كواترلي ريفيو» عدد تموز 1913 ص 3 ـ 4.
كذلك أنظر تاريخ كمبرج لسياسة بريطانيا الخارجية (كمبرج 1923 مجلد 3 ص 124). ↑
- () دي ئي. لي «بريطانيا العظمى واتفاقية قبرص 878». (كمبرج 1923 ص 3). ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () ف. شيرول: «المسألة الشرقية» (لندن 1903) ص 186، ج 1. ماريو «المسألة الشرقية» (أكسفورد 1917) ص 292 ـ 293. 337 ـ 348. ↑
- () من السفير البريطاني في اسطنبول إلى وزير الخارجية في 13 تشرين ثان 1880.الوثائق السرية رقم 227 كانون أول 1881. ↑
- () القاموس المحيط للفيروز آبادي مادة غنم. ↑
- () غريب القرآن مادة غنم. كما يراجع معظم ألفاظ القرآن الكريم الموضوع من قبل مجمع اللغة العربية بالقاهرة حرف الغين.ومختصر مختار الصحاح لعبد القادر الرازي باب الميم فصل الغين. وغيرها. ↑
- () راجع تفسير الميزان للطباطبائي 9/ 89 وتفسير الرازي 15/ 164 وما بعدها وتفسير المنار لرضا 10/ 6 وما بعدها. ↑
- () يراجع البداية والنهاية لابن رشد 1/ 412 وما بعدها. وكفاية الطالب للشاذلي وحاشية العدوي 2/ 7 وما بعدها.والدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 3/ 229. ↑
- () لابن عابدين 3/ 228. ↑
- () لابن قدامة 7/ 297 وما بعدها. كما يراجع للمالكية بداية المجتهد لابن رشيد 1/ 401 وما بعدها.ورسالة ابن أبي زيد القيرواني وحاشية العلامة العدوي عليه 2/ 7. ↑
- () البحر الزخار لابن المرتضى 6/ 406. ↑
- () المصدر نفسه 3/ 209 وما بعدها. ↑
- () المصدر نفسه 3/ 214. ↑
- () جواهر الكلام على شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن 21/ 147. ↑
- () المصدر نفسه 16/ 13 وما بعدها. ↑
- () راجع في كل ذلك كتاب وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة للحر العاملي، المجلد السادس / كتاب الخمس، فصل أبواب ما يجب فيه الخمس.وكتاب البحر الزخار لمحمد بن المرتضى وجواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامشه لمحمد بن يحيى الصعيدي الجزء 3/ 211 وما بعدها. ↑
- () الدر المختار ورد المحتار عليه لابن عابدين 3/ 326. ↑
- () إعانة الطالبين للسيد البكري الدمياطي 2/ 206. ↑
- () المغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي 7/ 301. ↑
- () يراجع في ذلك كله الصنائع للكاساني (7/ 124 وتفسير الرازي 15/ 166). ↑
- () الرازي في تفسيره 15/ 165. ↑
- () يراجع بدائع الصنائع للكاساني 7/ 125 والرازي في تفسيره 15/ 165. ↑
- () يراجع جواهر الكلام للشيخ محمد حسن 16/ 34 وما بعدها.والبحر الزخار لابن المرتضى 3/ 224. ↑
- () راجع كفاية الأصول للمحقق الخراساني المطبوع مع حقائق الأصول للسيد محسن الحكيم المجلد الثاني / 83 وما بعدها. ↑
- () يراجع المغني والشرح الكبير 7/ 301. ↑
- () مصادر التشريع فيما لا نص فيه لعبد الوهاب خلاف / 58. ↑
- () فلسفة التشريع في الإسلام للأستاذ صبحي المحمصاني / 174. ↑
- () راجع الشرح الكبير المطبوع مع المغني لابن قدامة المقدسي الحنبلي 7 / 302. ↑
- () راجـع تفسـير المنار للشيـخ مـحمـد رشـيـد رضـا 10 / 18. ↑
- () أصول الكافي للشيخ الكليني 1 / 537. ↑
- () راجع وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة للشيخ الحر العاملي، باب 1 من أبواب قسمة الخمس. ↑
- () يراجع تفسير القرطبي 8/ 12. ↑
- () سورة الشعراء: الآية 214. ↑
- () يراجع تفسير الميزان للطبطبائي 15/ 334. ↑
- () أنظر تفسير ابن كثير 2/ 312. ↑
- () يراجع جواهر الكلام للشيخ محمد حسن 16/ 104 وما بعدها. ↑
- () راجع البحر الزخار لابن المرتضى 3/ 224 وما بعدها. ↑
- () تفسير القرطبي 8/ 12 وما بعدها. ↑
- () وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة للشيخ الحر العاملي 6/ 362. ↑
- () راجع إضافة إلى مسندي أحمد وداود، كتاب جواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار لابن المرتضى 3/ 224 ـ ونيل الأوطار للشوكاني 8/ 74. ↑
- () يراجع الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني الباب/ 11 ـ الفصل الأول. ↑
- () يراجع النص والاجتهاد صفحة 26. ↑
- () راجع المغني والشرح الكبير عليه لابن قدامة 7/ 301 ـ 302.كما يراجع البحر الزخار لابن المرتضى 3/ 224. وما بعدها.
وجواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي 16 / 87. ↑
- () راجع تفسير مجمع البيان للشيخ الطبري 4/ 543. ↑
- () المسائل المنتخبة للإمام الخوئي ص 173. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () راجع المغني والشرح الكبير لابن قدامة 7/ 313 وجواهر الكلام للشيخ محمد حسن 15 / 396 ـ 397. ↑
- () المسائل المنتخبة للإمام الخوئي ص 175. ↑
- () راجع مجمع البيان للشيخ الطبرسي 4/ 534. ↑
- () راجع البحر الزخار لابن المرتضى 6/ 436 والمغني والشرح الكبير لابن قدامة 7/ 312 وشرائع الإسلام للمحقق الحلي 1/ 320 وبدائع الصنائع للكاساني 7/ 126. ↑
- () المغني لابن قدامة 7/ 312 وبدائع الصنائع للكاساني 7/ 126 وشرائع الإسلام للحلي 1/ 324 والبحر الزخّار لابن المرتضى 6/ 436. ↑
- () المغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي 7/ 312. ↑
- () بدائع الصنائع للكاساني 7/ 126. ↑
- () البحر الزخار لابن المرتضى 6/ 437. ↑
- () راجع رسالة ابن أبي يزيد القيرواني وحاشية كفاية الطالب عليه 2/ 9 وما بعدها. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للمحقق الحلي 1/ 324. ↑
- () راجع كشاف القناع 3/ 88 وبدائع الصنائع للكاساني 7/ 126. ↑
- () لابن قدامة الحنبلي 10/ 448. ↑
- () لابن قدامة الحنبلي 10/ 448. ↑
- () لابن المرتضى 6/ 437. ↑
- () للمحقق الحلي 1/ 423. ↑
- () لعلي أبي الحسن الشاذلي 2/ 9. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للمحقق الحلي 1/ 324 والبحر الزخار لابن المرتضى 6/ 438 والمغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي 10/ 447 وكشاف القناع 3/ 82 وحاشية العدوية على رسالة القيرواني 2/ 9. ↑
- () يراجع بدائع الصنائع للكاساني 7/ 126 وشرائع الإسلام للحلي 1/ 324 والبحر الزخار لابن المرتضى 6/ 438 والمغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي 10/ 447. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للمحقق الحلي 1/ 320. وبدائع الصنائع للكاساني 7/ 123 ـ 124 والبحر الزخار لابن المرتضى 6/ 429. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للحلي 1/ 321 والبحر الزخار لابن المرتضى 6/ 429. ↑
- () البحر الزخار 6/ 436. وشرائع الإسلام 1/ 324 وحاشية الصعيدي على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 2/ 10. ↑
- () شرائع الإسلام للحلي 1/ 423. ↑
- () بدائع الصنائع للكاساني 7/ 121 والبحر الزخار لابن المرتضى 6/ 438. ↑
- () شرائع الإسلام للمحقق الحلي 1/ 322. ↑
- () راجع جواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار لمحمد بن يحيى الصعيدي 6/ 438 ـ 439 كما يراجع سنن البيهقي 9/ 56 ـ 57. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للمحقق 1/ 322 والمغني لابن قدامة 10/ 400 وما بعدها والبحر الزخار لابن المرتضى 6 / 413. ↑
- () راجع شرائع الإسلام للمحقق 1/ 322 والمغني لابن قدامة 10/ 400 وما بعدها والبحر الزخار لابن المرتضى 6 / 413. ↑
- () شرائع الإسلام للحلي 1/ 317. ↑
- () المصدر نفسه والمغني لابن قدامة 10 / 400 وما بعدها. ↑
- () المغني والشرح الكبير لابن قدامة 10 / 400 وما بعدها. ↑
- () شرائع الإسلام للمحقق الحلي 1 / 325. ↑
- () راجع هذه المناقشات التي أوردها بعمق ودقة السيد محمد باقر الصدر في القسم الثاني من كتابه (اقتصادنا) صفحة 650 وما بعدها، مع رأيه في المسألة وهو عدم وجوب تخميس الأرض المفتوحة. ↑
- () البحر الزخّار لابن المرتضى 6 / 440. ↑
- () بدائع الصنائع للكاساني 7 / 118. ↑
- () البحر الزخّار لابن المرتضى 6 / 440. ↑
- () البحر الزخّار لابن المرتضى 6 / 440. ↑
- () البحر الزخّار لابن المرتضى 6 / 440. ↑