لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الواحد والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
مطالع الأنوار
المقتبسة من آثار الأئمة الأطهار
تأليف: السيد محمد باقر بن محمد نقي الشفتي، المتوفى سنة 1260هـ، أحد كبار فقهاء عصره، كان له نفوذ تام وجاه عريض وشوكة وجلال، وبسط يده على تنفيذ الأحكام الشرعية وإجراء الحدود الإلهية، وكتابه هذا شرح على كتاب «شرائع الإسلام» للمحقق الحلّي، المتوفى سنة 672هـ، وهو من أطول شروحه وأكبرها، وهو في خمسة مجلدات كبار انتهى فيها إلى آخر صلاة الأموات.
المطيرفي
من قرى الأحساء تكثر فيها الينابيع الحارة والنخيل والزروع، خرج منها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي الذي تنسب إليه الفرقة الشيخية وقد تسمى (الكشفية).
ولد الشيخ أحمد سنة 1166هـ وتوفى وهو متوجه إلى الحج بمنزل هدية قريباً من المدينة المنورة ليلة الجمعة أواخر ذي القعدة سنة 1241هـ وحُمل إلى المدينة المنورة ودفن في البقيع وتاريخ وفاته منقول عن خط تمليذه السيد كاظم الرشتي ولكن حكي عمن شاهد قبره بجنب مشهد أئمة البقيع وعليه لوح عليه تاريخ وفاته سنة 1243هـ.
الكشفية أو الشيخية
قال السيد محسن الأمين:
لا بد لنا قبل الخوض في أحواله من الإشارة إلى طريقة الكشفية المعروفين أيضاً بالشيخية لأنه كان من أركان هذه الطريقة بل هو مؤسسها وإليه ينسب متبعوها فيسمون بالشيخية أي أتباع الشيخ أحمد المذكور كما يسمون بالكشفية نسبة إلى الكشف والإلهام الذي يدعيه هو ويدعيه له أتباعه وهي طريقة ظهرت في تلك الأعصار ومبناها على التعمق في ظواهر الشريعة وادعاء الكشف كما ادعاه جماعة من مشايخ الصوفية وهولوا وموهوا به وتكلموا بكلمات مبهمة وشطحوا شطحات خارجة عما يعرفه الناس ويفهمونه، وهذا التعمق في ظواهر الشريعة ما لم يستند إلى نصّ قطعي من صاحب الشرع وبرهان جلي قد يؤدي إلى محق الدين لأن كل إنسان يفسر الباطن بحسب شهوة نفسه ويجعل ذلك حجة على غيره ويقول هذا من الباطن الذي لا تفهمه.
وينسب إلى الكشفية أمور إذا صحت فهي غلو بل ربما ينسب إليهم ما يوجب الخروج عن الدين وقد كتب في عقائدهم الآقا رضا الهمذاني الواعظ المعاصر رسالة سماها هدية النملة إلى رئيس الملة أهداها للإمام الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي نزيل سامراء بيّن فيها خروج جملة من معتقداتهم عن جادة الصواب وهي مطبوعة في الهند رأيتها وقرأتها والله العالم بأسرار عباده. واتبع هذه الطريقة بعد ظهورها جماعة من أهل كربلاء وبلد المسيب وشفاثا والبصرة وناحية الحلة والقطيف والبحرين وإيران وغيرها وكثير منهم من العوام الذين لا يعرفون معنى الكشفية وغاية ما عندهم أن يقولوا نحن كشفية مع التزامهم بإقامة فروض الإسلام وسننه وترك محرماته تولانا الله وإياهم بعفوه وغفرانه ومهما يكن من الأمر فإن لصاحب الترجمة وأمثاله من الكشفية شطحات وعبارات معميات من خرافات وأمور تلحق بالسخافات تشبه شطحات بعض الصوفية منها ما رأيته صدفة في شرحه للزيارة الجامعة المطبوع وجدته في بيت من بيوت كربلاء في بعض أسفاري للزيارة وفيه في أن كل شيء يبكي على الحسين (ع) ما لا أحب نقله (ومنها) ما رأيته في رسالة له صغيرة مخطوطة ذهب عني اسمها وقد سأله سائل عن الدليل على وجود المهدي عليه السلام ليجيب به من اعترض عليه فيه فأجابه بعبارات لا تُفهم تشبه هذه العبارة: إذا التقى كاف الكينونة مع باء البينونة (مع كثير من أمثال هذا التعبير) ظهر ما سألت عنه. ثم قال له: ابعث بهذا الجواب إلى المعترض فإن فهمه فقد أخزاه الله وإن لم يفهمه فقد أخزاه الله. فقلت لما رأيت ذلك: إن كان بعث اليه بهذا الجواب فلا شك أنه لم يفهمه وقد أخزاه الله. وفي الناس من يدافع ويحامي عن أمثال هذه الشطحات والعبارات المعميات ويقول لا بد أن يكون لهم فيها مقصد صحيح ولا يجب إذا لم نفهم المراد منها أن نقدح فيها. وهو قول من لا يعقل ولا يفهم أو لا يحب أن يعقل ويفهم.
وقال السيد شفيع الموسوي في الروضة البهية في الطرق الشفيعية: الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي كان من أهل الأحساء وتوطن برهة من الزمان في يزد ثم انتقل إلى كرمنشاه بطلب من محمد علي ميرزا ابن فتح علي شاه القاجاري وسمعت أنه أعطاه ألف تومان لأداء دينه ونفقة سفره إلى كرمنشاه وجعل له وظيفة في كل سنة سبعمائة تومان ثم انتقل إلى كربلا وتوطن فيها وقام مقامه في كرمانشاه ابنه الشيخ علي. والشيخ المذكور كان ذاكراً متفكراً لا يتكلم غالباً إلا في العلم والجواب عن السؤالات العلمية أصولاً وفروعاً وحديثاً وكان مشغولاً بالتدريس ويدرس أصول الكافي والاستبصار ولم نرَ منه إلاّ الخير إلاّ أن جمعاً من العلماء المعاصرين له قدحوا فيه قدحاً عظيماً بل حكم بعضهم بكفره نظراً إلى ما يستفاد من كلامه من إنكار المعاد الجسماني والمعراج الجسماني والتفويض إلى الأئمة وغير ذلك من المذاهب الفاسدة المنسوبة إليه. وما رأيت في كلامه ذلك، إلاّ أن الذين يحكى عنهم استفادوا من كلماته وصار هذا داهية عظمى في الفرقة الناجية وذهب جمع من الطلبة بل العلماء الكاملين إلى المذاهب الفاسدة المنسوبة إليه وصار هذا سبيلاً لإضلال جمع من عوام الناس فالطائفة الشيخية في هذا الزمان معروفة ولهم مذاهب فاسدة وأكثر الفساد نشأ من أحد تلامذته السيد كاظم الرشتي والمنقول عن هذا السيد مذاهب فاسدة لا أظن أن يقول الشيخ بها بل المنقول أن السيد علي محمد الشيرازي المعروف بالباب الذي يدعي دعاوى فاسدة هو سماه الباب وكذا سمى بنت الحاج ملا صالح القزويني: قرة العين وإن لم يعلم رضاه بما ادعاه الباب. وقرة العين والباب صارا سبباً لإضلال جمع كثير من العوام والخواص وصارا سبباً لقتل نفوس كثيرة كما وقع في مازندران وزنجان وتبريز وغير ذلك من بلاد المسلمين فإن جماعة كثيرة ادعوا البابية وبرزوا وحاربوا السلطان في ترويج مذهبهم وأرادوا قتل السلطان ناصر الدين شاه بالخديعة ولم يظفروا بذلك وقتل السلطان رئيسهم وتابعيهم جميعاً. قاتلهم الله أنى يؤفكون فقطع دابر القرم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وقصصهم معروفة مشهورة لا نطيل بذكرها وذكر مذاهبهم الفاسدة. قال: وهذا الشيخ يدعي أنه إذا أراد الوصول إلى خدمة الأئمة وسؤالهم رآهم في المنام وسألهم وتنكشف عليه العلوم المشكلة. (انتهى).
وقد ترجمه تلميذه السيد كاظم الرشتي أحد أركان الكشفية في رسالة له ذكر فيها اختلاف الأصولية والشيخية من الشيعة وما جرى على شيخة المذكور على ما نقل عنها فقال ما حاصله: العلامة الفيلسوف أحد نوادر الأعصار ونوابغ الأدوار مع عظم مواهبه وعلو فطرته وسمو فكرته ومن ذوي الأنفس الكبيرة الوثابة ولد في الأحساء ونشأ فيها وفارقها بعد استفحال شأن الوهابية في تلك البلاد إلى أن ورد البصرة فترك عياله فيها وخرج إلى زيارة المشهد بطوس وعرج في طريقه إليها على يزد فأعجب به اليزديون وبمشاركته في الآداب والعلوم على اختلافها وأقام بين أظهرهم مدة انتشر فيها ذكره واشتهر أمره حتى استدعاه فتح علي شاه إلى طهران وأراده على الإقامة بها فذهب الى طهران لكنه امتنع من الاقامة فيها وعاد برضا الشاه إلى يزد واستقدم بمعونته عياله من البصرة إليه وكان يدأب في التدريس وتلقين الناس وبث الدعوة إلى طريقته الروحانية التي ترمي في النظر إلى الأشياء إلى ما لم يكن مألوفاً يومئذ من الشذوذ عن الظاهر والتمسك بالباطن ونحو ذلك مما حمل كثيراً من القوم على استغراب تلك الطريقة وكثر القيل والقال حتى اضطر إلى إلقاء خطبة حاول التوفيق فيها بين علوم الظاهر والباطن مستدلاً على ذلك ببعض الأحاديث فسكّن الخواطر الثائرة واستأنف نشر دعوته بالخطابة والتأليف والكتابة والرحلات فقد خرج إلى المشهد بطوس ثلاث مرات ورحل رحلات كثيرة من مدينة خراسان إلى المشاهد ماراً بأصفهان وغيرها ولما وصل العراق رأى أهم أمصارها وكان كلما مرّ ببلد إجتمع بأهلها على اختلاف طبقاتهم ونشر فيها كتبه وآراءه وعرضها على العلماء في كل فن من الفقهاء والعرفاء والفلاسفة ويقال إنه كان موضع إعجاب كل من رآه في رحلاته هذه وإجلاله في أخلاقه وآرائه وكتبه وقد اشتهرت هذه الكتب والرسائل عندهم خصوصاً شرح الزيارة الجامعة المعروف وشرح الحكمة العرشية وشرح رسالة الفيض لم يأخذوا عليه فيها شذوذ آرائه ومخالفتها للفلاسفة على اختلاف شعبهم من الإشراقيين والمشائين والرواقيين وإصراره على إبطال آرائهم اللهم إلا الفيلسوف الملا علي النوري فقد وجه إليه كلاماً جافياً بعدما سمع ردوده على الملا صدر الدين الشيرازي فقال له وما هذا الخلط إنك لا تفهم كلام الملا صدر الدين وتغير رأيه فيه وذلك في مجلس مناظرتهما في أصفهان وقد أجازه خمسة هم أشهر علماء عصرهم في العراق نعني السيد الطباطبائي والميرزا مهدي الشهرستاني والشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء والشيخ حسن آل عصفور والميرزا السيد علي، وكان يدرس مدة إقامته في كربلاء شرح الرسالة العلمية للملا محسن الفيض، ويحضر مجلس درسه الطلاب والمحصلون والغريب بعد هذا أنه لم يأخذ عن أستاذ قط وليس له شيخ معروف مع أنه حصل أكثر العلوم العقلية والنقلية، وله في أكثرها آراء وأنظار، ولعل ذلك شأن بعض من يتناهى في استقلال النظر ويبالغ في تجريده عن تأثير المعلم والمربي والمخرج كما هو معلوم مشهور، وقد ادعى تلميذه الرشتي ما محصله: إن تحصيله وانشراح صدره على هذه الصورة إنما هو من بعض أنواع الإلهامات والنفث في الروع أو من مثل الكشف والإشراق ونحو ذلك من العنايات الخاصة، مما هو خارج عن مألوف عادت البشر، وأورد من أخلاقه وأحواله أنه كان متوجهاً منقطعاً إلى الله معرضاً عن كل ما سواه، طالباً للحق بشوق وحب عظيمين بحيث أشغله ذلك عن الطعام والشراب إلاّ ما يسد به الرمق وعن مخالطة الناس ومعاشرة الخلق، وكان كثير الفكر دائم الذكر والتدبير في عالم الآفاق والأنفس (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) كثير النظر في عجائب حكمة الله وغرائب قدرته، قوي الملاحظة عظيم الانتباه للحكم والمصالح والأسرار المستودعة في حقائق الأشياء، وكان ما ذكرناه شغله الشاغل عن حاجات بدنه من طعام وشراب وراحة ومنام ومعاشرة ومفاكهة لا يقرّ له من كثرة الطلب قرار في ليل أو نهار حتى أورد بدنه بذلك موارد العلل والأسقام، وقد سئل عن أغلب العلوم بل كلها، فأجاب بما لم يوجد في كتاب ولم يذكر في خطاب بل بما تجده منطوياً على الفطرة تقبله الطبيعة كأنه مستمع ذلك وعالم بما هنالك، وكان يستشهد على أكثر آرائه بآية من كتاب الله أو حديث عن رسوله وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام. (انتهى).
ودعوى الكشف والإلهام والخروج عن ظواهر الشريعة إلى بواطنها بدون برهان قطعي ولا نصّ جلي لا يقبل الاحتمال ولا التأويل مفسدة ما بعدها مفسدة، وبسببها كان ضلال بعض الفرق وخروجها عن دين الإسلام. والانقطاع عن الخلق وعن مخالطة الناس ومعاشرتهم مرغوب عنه في الشريعة الإسلامية المطهرة، ومخالف لسيرة الأنبياء عليهم السلام وطريقتهم، نعم قد يرجح ذلك في مخالطة بعض الأشرار الذين لا يؤمل هدايتهم بالمخالطة ويخاف من عدواهم بأخلاقهم، وإجهاد النفس والبدن حتى يورده موارد العلل والأسقام مخالف لما جاءت به الشريعة السهلة السمحاء وقد قال النبي (ص) لبعض من سلك ما يشبه هذه الطريقة: يا عدي نفسه! إن لبدنك عليك حقاً ولزوجتك عليك حقاً! أو ما يقرب من هذا. وأما أنه كان يسأل عن أغلب العلوم أو كلها فيجيب بما لم يوجد في كتاب ولم يذكر في خطاب فهذا لم يكن لغير الأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، بل كان النبي (ص) كثيراً ما يُسأل فينتظر الوحي ليجيب، ولما سُئل عن الروح أوحى الله تعالى إليه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. نعم إذا كان الجواب مثل جوابه عن وجود المهدي عليه السلام هان عليه الجواب عن كل ما يسأل عنه.
هذا وقد أطنب صاحب روضات الجنات في وصف هذا الرجل ومدحه وبالغ في الثناء عليه والدفاع عنه، بل مدحه بما لم يمدح به أحداً من عظماء العلماء وأطال في ذلك… ثم قال:
قال: ذهب في أواسط عمره إلى بلاد العجم وأكثر إقامته كان في يزد ثم انتقل منها إلى أصفهان وبقي فيها مدة ثم أراد الرجوع إلى كربلاء فلما وصل قرميسين (كرمنشاه) طلب منه أميرها محمد علي ميرزا ابن فتح علي شاه البقاء فيها وذلك خوفاً من وقوع فتنة أو خوفاً عليه أو بطلب من علماء العراق فبقي إلى أن توفي الأمير في سفره إلى حرب بغداد، ووقعت الفتن في إيران فارتحل إلى كربلاء. ثم نقل عن تلميذه السيد كاظم الرشتي ما محصله: أنه لما بلغ الشقاق والنفاق بينه وبين من خالفه من فضلاء العراق مبلغه ولم يمكنه دفعه بوجه لم يجد بداً من عرض عقائده الحقة عليهم في مجتمعهم وطلب منهم أن يسألوه عما يريدون فلم يلتفتوا إلى قوله وكتبوا إلى رؤساء البلدان وأهل الحل والعقد من الأعيان أن الشيخ أحمد كذا وكذا اعتقاده فشوشوا أفكار الناس من قبله وأوغروا صدورهم عليه ولم يكفهم ذلك حتى أتوا ببعض كتبه إلى والي بغداد ليظهروا له أن فيها اعتقادات باطلة فخاف من ذلك ولم يمكنه الهرب ولا المقام ثم عزم على قصد بيت الله الحرام وباع كل ما عنده وخرج بأهله وعياله وأولاده مع ضعف بدنه وكبر سنه وشدة خوفه فوافاه أجله في هدية على ثلاث مراحل من المدينة المنورة. (انتهى). وجلس لعزائه صاحب الإشارات والمنهاج ثلاثة أيام بأصبهان. وفي نجوم السماء: من فضلاء الزمان وعلماء الأوان حكيم ماهر فيلسوف صاحب تصانيف كثيرة.
الشيخية
وعن الشيخية نلخص هنا ما كتبه لنا الشيخ: عبد الحسين الصالحي:
الشيخية ويقال الكشفية هم أتباع الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي واشتهرت كلمة الشيخية نسبة إلى الشيخ المذكور في مطلع القرن الثالث عشر الهجري ويعرف خصومهم بالمتشرعة أو بالأسري وقد جاهر الشيخ أحمد الأحسائي في مؤلفاته ورسائله بجملة من العبارات المعميات وتكلم بكلمات مبهمة وشطحات خارج عن العرف العلمي ما لا يستند إلى نصّ قطعي ولا يفهم من كلامه شيء واضح، أراد الأحسائي دمج الأحاديث مع الفلسفة ليكونا توأمين أحدهما يكمل الآخر في الشريعة وأمور الدين والصلح بين الشريعة والفلسفة ثم نهض من هذا المنطق بأعباء مزج اصطلاحات فلسفية قديمة متأثراً بأفكار وآثار شيخ الإشراق شهاب الدين يحيى السهروردي (549 ـ 587 هجرية) مع أخبار وأحاديث مدرسة أهل البيت عليهم السلام على أساس تصوراته ومشربه الخاص. وكونه لم يكن متضلعاً في الفلسفة وعارفاً بالقواعد الحكمية لم ينجح في مهمته ومشروعه الخطير وخلط بين الرطب واليابس. يقول الفيلسوف الشهير الأخوند ملاهادي السبزواري (1212 ـ 1290 هجرية) في هذا الصدد: (.. جاء الشيخ أحمد الأحسائي في عام 1240 هجرية إلى أصفهان وطلب الآخوند ملا علي النوري من تلامذته الحضور في مجلس درسه وكنت أنا ممن حضره في حوزته لمدة ثلاثة وخمسين يوماً وكان كثير الزهد إلاّ أنه لم يستطع الصمود أمام فضلاء أصفهان كما لم يظهر منه فضل مقابل علماء اصفهان…) )[1](.
ويقول شيخ الفلاسفة السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني (1306 ـ 1396هجرية))[2]( في تعليقه على موضوع باب الإرادة في كتاب جوامع الكلم للشيخ أحمد الأحسائي ما نصه: (يا سبحان الله من هذه المغالطة كيف وهي جارية في العلم أيضاً الذي هو عين الذات بلا ريب فيقال: إذا كان الله تعالى عين العلم فمن الذي يكون له العلم ومَنِ العالم؟ وكذا في القدرة والحياة. ثم أقول: هذا الشيخ (أعني الأحسائي) لم يكن متضلعاً في العقليات ولم يكن يعرف اصطلاحات أرباب الحكمة المتعالية وهو يدعي فهم كلماتهم. والله العالم))[3]( وتوسعت دائرة نفوذه تدريجياً حتى تمكنت من شق مدرسة أهل البيت (ع) إلى شطرين متصارعين وكانت كربلاء وجامعتها أول مركز ومنطلق للمشاحنات الفكرية بين المدرستين الشيعيتين ثم امتدت هذه المطاحنات والمشاجرات إلى الحوزات العلمية الشيعية بين معارضين ومؤيدين في أكثر البلدان الإسلامية خاصة إيران والعراق وقد أورد الأحسائي في مدرسته الفلسفية آراءه واعتراضاته على صدر المتالهين الشيرازي المتوفى سنة 1050 هجرية في شرحه على العرشية والمشاعر المطبوعين)[4](. حلّ الأحسائي في مدينة كرمنشاه وبعد وفاة ولي العهد الإيراني سنة 1237هـ هاجر الأحسائي إلى قزوين والتحق بجامعتها الفلسفية في المدرسة الصالحية التي كانت من أكبر المعاهد الفلسفية الشيعية في ذلك العصر)[5](. وتصدر للتدريس وقام بالإمامة في مسجد الشاه وكانت آراؤه الفلسفية محل نقاش حادّ في جامعة قزوين وتقاطر عليه طلاب الشيخية وفضلاؤها وأنصارهم من كل حدب وصوب والتقوا حول صاحب الدعوة وكان المجتمع القزويني منقسماً إلى فريقين كسائر المدن الشيعية بين مؤيد ومعارض فانتقلت المطاحنات والمشاجرات بين المدرستين إلى قزوين واصبحت قزوين المحطة الثانية بعد كربلاء ـ التي خلفه فيها السيد كاظم الرشتي ـ لهذه المناقشات الفكرية وعلى الرغم من قلة عدد الشيخية في بعض المدن الشيعية فقد كانت لهم صولات وجولات في المدن.
تكفير الشيخ أحمد الأحسائي
كانت الزعامة الدينية في قزوين لآل البرغاني وكان نفوذهم يمتد من العاصمة طهران إلى مازندران وما وراء ذلك فتعالت الأصوات وانهالت الشكاوى من مختلف المدن الإيرانية والعراقية وخاصة من كربلاء والنجف الأشرف على البرغانيين يستنجدون بهم لوضع حد لمظالم الشيخية فنهض الشهيد الشيخ محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث المستشهد في سنة 1263 هجرية. بالأمر ووجه الدعوة إلى الشيخ أحمد الأحسائي لمناظرته فأعلن الأحسائي عن موافقته. وفي اليوم المحدد حضر الأحسائي مع أعوانه وأنصاره من العلماء الشيخية في ديوان الشهيد. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أنه حضر الاجتماع جماعة من العلماء المتخصصين في الفلسفة والحديث والعلوم الإسلامية منهم الآخوند الشيخ ملا آغا الحكمي والآخوند الشيخ ملا يوسف الحكمي القزوينيين من أساتذة تدريس الفلسفة العالية في المدرسة الصالحية)[6]( والسيد جعفر الموسوي الدارابي البروجردي وغيرهم من فحول العلماء وبدأ النقاش وتكررت الجلسات لأكثر من ثلاثة أشهر متوالية كان آخرها في شهر ذي الحجة الحرام من سنة 1239 هجرية فأُفحم فيها الشيخ أحمد الأحسائي في مسائل عديدة وأثبتوا له إفلاسه الفلسفي وعدم فهمه لبعض القواعد الحكمية والاصطلاحات الفلسفية وجزموا أن في بعض آرائه خروجاً عن الدين وعرضوا عليه التوبة والعدول عن بعض آرائه المخالفة للشرع فلم يقبل وأصرّ على رأيه.
فأصدر الشيخ محمد تقي البرغاني فتوى بكفر الأحسائي، فكان لهذه الفتوى صدى بعيد. فأوعز فتح علي شاه القاجاري إلى ولده الأمير ركن الدولة علي نقي ميرزا الذي كان آنذاك والي قزوين بتدارك الأزمة ووضع حد لنقمة الشعب على الأحسائي والشيخية فاستنجد الأمير ركن الدولة والي قزوين بالعلماء وطلب منهم أن يساعدوه على تسوية الأزمة فوجه دعوة إلى الفريقين وأقام مأدبة عشاء أراد بها جمع الأحسائي والإمام البرغاني على مائدة واحدة ولكن الشيخ البرغاني امتنع أن يكون شريك الأحسائي على مائدة واحدة)[7]( وتردد العتاب.
وبعد كلمة قصيرة ألقاها الأمير ركن الدولة طلب فيها من الإمام البرغاني رفع الخلاف، فأجابه لا صلح بين الكفر والإسلام)[8]( وباءت تلك المحاولة بالفشل وازداد الخلاف.
واختلف مع الأحسائي نجله الأكبر الشيخ محمد المتوفى سنة 1275 هجرية وكان من الذين شاركوا في مجلس مناظرة أبيه. وفي رسالته في الاجتهاد والأخبار التي كتبها في جواب سؤال الشيخ عبدالله بن محمد علي القطيفي)[9]( أنكر فيها طريقة أبيه وصرح بمعارضته ويطلب من الله المغفرة له وحين ينقل أقوال أبيه ثم يرد عليه يقول (كذا فهم والدي عفا الله تعالى عنه) وعندنا منها نسخة ويقول الخونساري في روضات الجنات (وكان له أيضاً ولدان فاضلان مجتهدان سميا: محمداً وعلياً إلاّ أن الشيخ محمد ولده الفاضل ـ الأكبر ظاهراً ـ كان ينكر على طريقة أبيه أشد الإنكار…) )[10](.
وأنكر على الشيخ أحمد الأحسائي طريقته أيضاً شقيقه الشيخ صالح الأحسائي الذي كان من أكابر علماء عصره وغيرهم من مرافقيه ومصاحبيه وتلامذته.
ولم يتمكن الأحسائي ـ بعد تلك الفتوى ـ من البقاء في قزوين، وكان قد مكث فيها أكثر من سنتين فتوجه في سنة 1240 هجرية إلى خراسان لزيارة الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ثم انتقل إلى يزد وسكنها ثلاثة أشهر وكان خصومه يشنون عليه الحملات الشعواء.
ثم هاجر إلى أصفهان ومنها انتقل إلى كرمنشاه ثم توجه إلى كربلاء ولم يتمكن من الإقامة في أية مدينة من المدن المذكورة بسبب تلك الفتوى حيث كان الخطباء والعلماء وحتى بعض أنصاره السابقين يوجهون إليه الانتقادات ويحاربونه.
وتفرعت الشيخية إلى البابية ثم انتهت إلى الأزلية ومنها انشقت البهائية ولا تزال ذيول هذه الفتنة باقية حتى اليوم.
وينقل الميرزا محمد التنكابني (1234 ـ 1302 هجرية) المعاصر للحركة الشيخية في كتابه (قصص العلماء) جانباً من صدى فتوى التكفير في العراق ما تعريبه وتلخيصه (… عندما وصل خبر تكفير الشيخ أحمد الأحسائي إلى كربلاء مضى جماعة إلى الفقيه النحرير والعالم الزاهد السيد مهدي الطباطبائي نجل العلامة السيد علي صاحب الرياض وطلبوا منه أن يقول كلمته في الأحسائي. ولكنه من شدة زهده وتقواه لم يحكم بكفر الشيخ أحمد الأحسائي ولم يفتِ بذلك. لكن الناس قالوا له: إن الإمام البرغاني حكم بكفر الشيخ الأحسائي فما هو تكليفنا نحن التابعين للأحسائي وأصروا عليه وطلبوا منه أن يقول كلمته فعقد السيد مهدي مجلساً وحضره أمثال شريف العلماء المازندراني والشيخ ملا محمد جعفر الأسترابادي وغيرهم. ثم وجهوا الدعوة إلى السيد كاظم الرشتي خليفة الشيخ أحمد الأحسائي في كربلاء لحضور المجلس فأجاب الدعوة وحضر الجميع المجلس. ثم أحضروا بعض مؤلفات الشيخ أحمد الأحسائي وقرأوا منها بعض مواضيع فأطبقوا جميعهم على أن ظاهر هذه العبارات هو الكفر ولكن السيد الرشتي دافع عن آراء أستاذه الشيخ أحمد قائلاً: إن الشيخ الأحسائي لم يقصد ما ترون وأن المعنى هو كذا وكذا وأن لكلماته تأويلاً فلا يؤخذ معناها الظاهري فأجابه السيد مهدي طباطبائي إننا غير مجازين بالتأويل إلا في كلام الله المجيد والأحاديث النبوية الشريفة والروايات الواردة عن الأئمة الطاهرين. ومن نطق بكلمة الكفر ليس له طريق للتأويل ثم طلب السيد مهدي الطباطبائي من السيد كاظم الرشتي أن يكتب بيمينه أن معنى كلمات الشيخ أحمد الأحسائي هذه كفر فكتب السيد الرشتي أن ظاهر هذه الكلمات كفر ولكن لها تأويلاً وتفسيراً ثم ختم ذلك بختمه وتوقيعه. وبعد ذلك حكم السيد مهدي الطباطبائي بكفر الأحسائي)[11](، وكذلك أصدر الشيخ محمد جعفر الأسترابادي الحائري والشيخ ملا آغا الدربندي والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهروالشيخ محمد حسين صاحب الفصول وغيرهم فتاوى بتكفير الشيخ أحمد الأحسائي)[12]( ويقول شيخنا الأستاذ الشيخ آغا بزرك الطهراني في موسوعته طبقات أعلام الشيعة في هذا الصدد (.. اختلفت آراء العلماء والمؤلفين في المترجم (الشيخ أحمد الأحسائي) بعد أن اتفقت على فساد جملة من تلامذته وتبعته لإنكارهم بعض الضروريات…))[13]( ثم انشق من الشيخية تيار متطرف بزعامة السيد علي محمد الشيرازي المعروف بالباب (المولد 1236هـ ـ 1821م والمقتول 1266هـ ـ 1850م) مؤسس الفرقة البابية التي انتهت إلى البهائية.
وكان الأحسائي قبل وفاته قد أوصى لتلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي المتوفى (1259هـ ـ 1843م) أن يحل في القيادة الشيخية فترأس السيد الرشتي الشيخية بعد وفاة الأحسائي زعيماً للحركة بلا منازع فخضع له الشيخية في إيران والعراق وسائر البلدان، واختار السيد الرشتي كربلاء مقراً له في حياة أستاذه الأحسائي ليواصل عمله الدعائي ونشر مدرسة الشيخية وتصدر كرسي تدريس الفقه على الطريقة الإخبارية والفلسفة الشيخية في ضلع الجانب الشرقي من الروضة الحسينية وكان له مجلس درس في داره يحضره خواص الشيخية وقد بلغ عدد مؤلفاته أكثر من مائة وخمسين كتاباً ورسالة أشهرها (شرح القصيدة) وهو شرح على قصيدة عبد الباقي العمري في تهنئة الإمام موسى الكاظم (ع) لما أُهدي لضريحه قطعة من حجاب قبر رصول الله (ص) من جانب السلطان محمود خان الثاني العثماني ومطلعها:
وافتك يا موسى بن جعفر تحفة
منها يلوح لنا الطراز الأول
وشرحها مشحون بالألغاز والعبارات المعميات وخالٍ من المعاني الواضحة وقد طُبع في طهران طبعة حجرية في سنة 1270 هجرية وعندما عرض شرح القصيدة المذكورة على صاحبها عبد الباقي العمري قال: (أقسم بالله أني لم أقصد مثل هذا الكلام وأن ما يقوله السيد الرشتي لم أفهم منه شيئاً وهو خارج عن تخيلاتي الشعرية…).
توفى السيد كاظم الرشتي فجأة في 9 ذي الحجة سنة (1259هـ ـ 1843م) ولم يوص لأحد أن يخلفه في القيادة الروحية والزعامة الشيخية إلا أنه كان بينه وبين قرة العين في آخر أيام حياته مراسلات وجعل يخاطبها في جميع كتاباته بقرة العين ويقول (إنها خليقة بعالي المقامات…) ويمجد كثيراً بها من فوق منبر درسه ويلوح أنها خليفته من بعده ثم وجه إليها الدعوة إلى زيارة كربلاء لتبادل الآراء والمناقشات عن كثب وعندما دخلت قرة العين من باب مدينة كربلاء خرجت جنازة السيد كاظم الرشتي من باب داره ولم يتمّ اللقاء.
لم يتم اللقاء الموعود وقد شاركت قرة العين في تشييع الجثمان ثم جلست تستقبل المعزين كما عطلت جميع الحوزات العلمية الشيخية حداداً على السيد الرشتي وأخذت مدينة كربلاء تستقطب زعماء الشيخية من كل مكان وبعد حفلة الأربعين اجتمع أقطاب الشيخية في دار السيد الرشتي يستفسرون من نجله الأرشد السيد أحمد الرشتي المقتول عام (1295هـ ـ 1878م) عن وصية والده ومصيرهم والإذن للمدرسين بإعادة التدريس في الحوزات العلمية الشيخية وتعيين من يخلف والده في التدريس والقيادة الروحية فأجاب السيد أحمد: سمعنا جميعنا من والدي أنه صرح أكثر من مرة فوق منبر درسه أن قرة العين (… خليقة بعالي المقامات…) فاتفقت الكلمة في ذلك الاجتماع على أن تخلف قرة العين السيد كاظم الرشتي في الزعامة العامة والقيادة الروحية والتدريس من فوق منبر السيد كاظم الرشتي فتصدرت قرة العين كرسي التدريس في الضلع الشرقي من الصحن الحسيني وقد ظلت الرياسة الشيخية لقرة العين حتى وصل إلى كربلاء داعية علي محمد الباب وهو الشيخ الملا علي البسطامي وأعلن دعوة الباب في ذي الحجة عام (1261هـ ـ 1845م) وهناك من يرى أن قرة العين رفضت دعوته.
والمصادرالبابية والبهائية تقول عكس ذلك وتروي أن قرة العين قبلت الدعوة وأصبحت من (حروف الحي) الثماني عشرة. ويقول الدكتور علي الوردي في هذا الصدد: (تجمع المصادر البابية والبهائية على أن قرة العين كانت من أوائل الذين اعتنقوا الدعوة البابية حيث أصبحت من (حروف الحي) الثماني عشرة وأنها اعتنقت الدعوة يوم كان الباب لا يزال في شيراز يدعو إلى نفسه سراً وهذا أمر يصعب علينا تصوره إذ كيف استطاعت قرة العين أن تعلم بالدعوة وهي في كربلاء وتقتنع بها دون أن تتصل بالباب أو تعرف عنه شيئاً)[14](. (راجع: الأخباريون).
مظفر ﮔر
تقع هذه المنطقة في الباكستان بين نهري جناب والسند وفيها من الشيعة عشرات الألوف والمعروف أن التشيع في وصوله إلى السند تغلغل أول ما تغلغل في هذه المنطقة، وأكثر الشيعة فيها هم من عشيرة البلوج. ومن أشهر مدن هذه المنطقة: كوت، وليه، وكوت أدو، وعلي بور، وكرور لعل عيسن.. ولغة أهلها اللغة الملتانية وهي من اللغات التي كان التشيع سبب إحيائها وتطويرها وجعلها لغة تدوين وشعر وأدب. فإن أول ما دون فيها كان مدائح علي بن أبي طالب ومراثي الحسين. ومن أعلام الشعر فيها غلام حيدر فدا (صاحب ملحمة ذو الفقار والسيد إمام علي شفيق. والشاعران الأخوان فداء حسين جهندير ونذر حسين جهندير. والثاني منهما نظم باللغة الملتانية خطبة زينب بدمشق فجاءت في مائة وعشرين بيتاً. والشاعر غلام علي وغير هؤلاء شعراء كثيرون مزيتهم الأولى مدائح أهل البيت ومراثيهم. (راجع: ملتان).
معادن الذهب في تاريخ حلب
ليحيى بن أبي طي أحمد بن ظافر جمع فيه أخبار الملوك والعلماء وأخبار الشام التي لا توجد مجموعة في كتاب قديم ولا حديث في عصره، وابتدأ به من أول الفتوح إلى سنة 589 وواصل فيه الدول وأخبارها القديمة في الإسلام والحديثة.
والمؤلف ولد في حلب سنة 575هـ وتوفى فيها سنة 630 كان أبوه نجاراً وكذلك كان جده واشتغل هو بصنعة النجارة مع أبيه برهة من الزمان ثم تركها وحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة ومال إلى طلب العلم والأدب ولقي العلماء وجالس الفضلاء فقرأ فقه الإمامية على أبي جعفر محمد علي بن شهر آشوب وقرأ علم الخلاف على أبي الثناء محمود بن طارق الحلبي الفقيه الحنفي ثم انتقل إلى تعليم الصبيان وإقراء القرآن إلى سنة 597 ثم اختص بتعليم ابن لأحد الوزراء الى سنة 600 هـ. ثم ترفع عن التعليم وأنف منه ولزم داره وطلب مشايخ الأدب فقرأ عليهم ودرس ثم أقبل على نظم الشعر ومدح الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي وارتفعت منزلته عنده وولاه نقابة الفتيان في سنة 609 فكان نقيب حضرته في الفتوة ثم أحب التصنيف فصنف كتباً في التاريخ وتفسير القرآن الكريم والآداب والفقه والأصول كثيرة.
وألف كتاب «التنبيه على محاسن التشبيه» أتى فيه بجميع الفنون التشبيهية وما قال العلماء في التشبيه، وشرح نهج البلاغة في ستة مجلدات، وفضائل الأئمة، وسلك النظام في أخبار الشام، وكتاب «لمح البرهان في تفسير القرآن»، وكتاب «البيان في أسباب نزول القرآن»، و«كتاب غريب القرآن مختصر، وكتاب المجالس الأربعين في فضائل الأئمة الطاهرين، وكتاب خلاصة الخلاص في آداب الخواص، وكتاب حوادث الزمان، وكتاب تاريخ العلماء، وكتاب أسماء الشعراء، وكتاب شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل، وكتاب الحاوي ذكر فيه رجال الشيعة وعلماءهم وفقهاءهم وشعراءهم وأئمتهم المصنفين في مذاهبهم، وهو مرتب على حروف الهجاء. وله مدائح كثيرة في أهل البيت عليهم السلام منها من قصيدة في مدح الإمام عليه السلام:
خير الأنام ومن يذل مهابة
من يأسه قلب الهزير الخادر
صنو النبي وصهره ووزيره
وظهيره في كل يوم تشاجر
ومبير عتبة والوليد وشيبة
والعامري وذي الخمار الكافر
معالم الدين وملاذ المجتهدين
كتاب للشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين بن علي المعروف بـ(الشهيد الثاني).
والكتاب اشتهر باسم (معالم الأصول)، صار عليه المعمول في التدريس من عصره إلى اليوم بعد ما كان التدريس في الشرح العميدي على تهذيب العلامة والحاجبي والعضدي. فرغ منه ليلة الأحد 2 ربيع الثاني سنة 994 هـ طبع عدة مرات وعليه حواش وتعليقات كثيرة منها حاشية لولده الشيخ محمد وحاشية لسلطان العلماء وحاشية لملا صالح المازندراني وحاشية لملا ميرزا محمد المعروف بالمدقق الشيرواني وهذه الحواشي مطبوعة على هامش الأصل وحاشية للشيخ محمد تقي الأصفهاني كبيرة مطبوعة وحاشية للشيخ محمد طه نجف النجفي مطبوعة، إلى غير ذلك وعلق عليه السيد محسن الأمين حاشية أيام اشتغاله بقراءته. وجزء منه في الفقه يعرف بمعالم الفقه مطبوع وصل فيه إلى المطلب الثالث في الطهارة من الأحداث.
وله مؤلفات أخرى منها:
(1) منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان لم يخرج منه غير العبادات في مجلدين أبان فيه عن فوائد جليلة وجعل له مقدمة مفيدة واقتصر فيه على إيراد هذين الصنفين من الأخبار على طريقة كتاب الدر والمرجان للعلامة الحلي وذلك لأنه كان لا يعمل بالظاهر بغيرهما. وذكر من رأى نسخته بخطه أنه كان يعرب أحاديثه بالشكل للرواية السابقة.
(2) التحرير الطاووسي في الرجال وذلك أن السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسني ألف كتاباً في الرجال جمع فيه ما في الأصول الخمسة الرجالية: رجال النجاشي وفهرست الطوسي ورجاله والضعفاء لابن الغضائري وكتاب الاختيار من كتاب الكشي للشيخ الطوسي. وكان ابن طاوس قد حرّر كتاب الاختيار وهذب أخباره متناً وسنداً ووزعها في كتاب حلّ الأشكال على التراجم فلما ظفر صاحب المعالم بكتاب حل الإشكال ورآه مشرفاً على التلف انتزع منه ما حرره ابن طاوس ووزعه في أبوابه من كتاب الاختيار خاصة وسماه التحرير الطاووسي فالتحرير الطاووسي عبارة عن جمع ما حرره ابن طاوس وهذبه من كتاب الكشي خاصة دون ما عداه وإيداعه في كتاب واحد مسمى بهذا الاسم. وقد أضاف اليه في المتن والحواشي فوائد كثيرة. وقال: كان أكثر مواضعه قد أصابه تلف فتعبت في تحريره تعباً عظيماً جداً وتركت بعض مواضعه لعدم تيسر تحريره، فرغ منه ضحى يوم الأحد 7 جمادى الأولى سنة 991هـ.
(3) شرح ألفية الشهيد محمد بن مكي المشتملة على ألف واجب في الصلاة. في الرياض على ما وجدته بخط الفاضل الهندي على ظهر المعالم.
(4) مناسك الحجر ويظهر أنه صنفه في طريق مكة، وافتتحها بآداب السفر وثنى بأعمال المدينة المنورة عكس المتعارف من ذكر أعمال المدينة آخراً، واعتذر عن ذلك بأنه زارها قبل مكة المكرمة. وطريقته في هذه المناسك أن يذكر الحكم ودليله من الأخبار الصحيحة أو الحسنة.
(5) الإثنا عشرية في الطهارة والصلاة. وبعضهم قال إنها في الصلاة ولم يذكر الطهارة لأنه قال في أولها: هذه رسالة في فقه الصلاة، وابتدأ فيها بذكر الطهارة. فمن جعلها في الطهارة والصلاة لاحظ اشتمالها عليهما. ومن جعلها في الصلاة لاحظ عنوانها وأن المقصد الأصلي منها الصلاة، والطهارة شرط كباقي الشروط فرغ منها يوم الأربعاء 26 جمادى الأولى سنة 989 وشرحها جماعة منهم الشيخ البهائي والشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي والسيد نجم الدين بن محمد الموسوي السكيكي والشيخ محمد ابن المصنف والأمير فضل الله التفريشي والشيخ فخر الدين الطريحي والسيد شرف الدين علي بن حجة الله الشولستاني.
(6) رسالة صغيرة في عدم جواز تقليد الميت.
(7) مشكاة القول السديد في الاجتهاد والتقليد.
(8) حواشي الكافي.
(9) حواشي الفقيه.
(10) حواشي التهذيب.
(11) حواشي الاستبصار وهذه الأربعة كلها تعليقات غير مدونة.
(12) حواشي الخلاصة غير مدونة.
(13) حواشي شرح اللمعة لوالده غير مدونة أيضاً وهذه الحواشي ذكرها صاحب الرياض.
(14) حاشية على المختلف مبسوطة في مجلد.
(15) شرح اللمعة مبسوط، وهو غير حواشي شرح اللمعة.
(16) كتاب الإجازات.
(17) إجازة كبيرة معروفة أجاز بها السيد نجم الدين ابن السيد محمد الحسيني العاملي وأجاز ولديه هو نفسه فيها فوائد كثيرة وتحقيقات لا توجد في غيرها ونقل منها صاحب أمل الآمل في كتابه كثيراً وهي غير كتاب الإجازات المتقدم.
(18) شرح اعتقادات الصدوق ابن بابويه نسبه إليه الشيخ عبد النبي الكاظمي العاملي في تكملة الرجال.
(19) جواب المسائل المدنيات الأولى.
(20) جواب المسائل المدنيات الثانية.
(21) جواب المسائل المدنيات الثالثة سأله عن الثلاث السيد محمد بن جوبير المدني.
(22) ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه ابتدأ به في النجف وفرغ منه في رمضان سنة 982.
(23) ديوان شعر كبير جمعه تلميذه الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي العاملي.
والمؤلف الشيخ حسن ولد في (جبع) من جبل عامل سنة 959هـ وتوفي فيها سنة 1011 وقد قال عنه وعن كتابيه في (رجال بحر العلوم) ما يلي:
الحسن ابن شيخنا الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي الجبعي. علم التحقيق والتدقيق الجامع بين الرأي الوثيق واللفظ الرشيق أوحد زمانه علماً وعملاً وفضلاً وأدباً وأرفعهم ذكراً وشأناً وحسباً ونسباً، حقق الفقه والحديث والأصول والرجال أحسن تحقيق وبيان، وصنف فيها أيضاً التصانيف الجيدة الحسان التي تزدري بقلائد العقيان وعقود الدر والمرجان وأحسنها كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين وكتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان وقد خرج من الأول مقدمته الموضوعة في الأصول المتلقاة في الأقطار بالقبول والمعتني بشرحها وتعليقها كثير من العلماء الفحول وقليل من الفروع ينبئ عن فقه كثير وعلم غزير ومن الثاني وهو المنتقى الذي بلغ في ضبط الحديث سنداً ومتناً أعلى مرتقى تمام العبادات وهو كتاب نفيس عظيم الشأن عديم النظير في مصنفات العلماء الأعيان وهو مع ما فيه من المحاسن والفوائد الكثيرة المتعلقة بضبط الأسانيد والمتون يختص بالفرق بين ما هو صحيح عند الجميع وما هو صحيح عند المشهور القائلين بالاكتفاء في التعديل بتزكية العدل الواحد حيث وضع للأول علامة صحي أي صحيحي بناء على أن الصحيح عنده صحيح عند الكل وللثاني صحر أي الصحيح عند المشهور لا عنده ولا ريب أن الفرق بين النوعين مهم على كلا القولين فإن مرجعه إما إلى الفرق بين الصحيح وغير الصحيح والفائدة فيه ظاهرة أو الصحيح والأصح وهو أمر مطلوب في مقام الترجيح لأن الأصح مقدم على الصحيح. وقد ذكر شيخنا المذكور جماعة من معاصريه والمتأخرين عنه ونعتوه بما هو أهل له.
ومما قال عنه في (أعيان الشيعة):
هو لا يعمل إلا بالحديث الصحيح أو الحسن. ويعد من الفقهاء من أكابر المحققين ومن أهل السلائق المعتدلة في الغاية والأنظار الصائبة.
وقال عنه في أمل الآمل:
كان ثقة فقيهاً وجيهاً نبيهاً محدثاً جامعاً للفنون أديباً شاعراً زاهداً عابداً ورعاً. أعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال وكان حسن الخط جيد الضبط. وكان والد البهائي من تلاميذ والده فهو والبهائي في عصر واحد. ومن شعره عندما كان طالباً في النجف قوله متشوقاً إلى وطنه جبل عامل:
طول اغترابي بفرط الشوق أضناني
والبين في غمرات الوجد القاني
يا بارقاً من نواحي الحي عارضني
إليك عني فقد هيجت أشجاني
فما رأيتك في الآفاق معترضاً
إلا وذكرتني أهلي وأوطاني
كم ليلة من ليالي البين بت بها
أرعى النجوم بطرفي وهي ترعاني
ويا نسيماً سرى من حيهم سحراً
في طيه نشر ذاك الرند والبان
أحييت ميتاً بأرض الشام مهجته
وفي العراق له تخييل جثمان
يا لائمي كم بهذا اللوم تزعجني
دعني فلومك قد والله أغراني
لا يسكن الوجد ما دام الشتات ولا
تصفو المشارب لي إلا بلبنان
في ربع إنسي الذي حلّ الشباب به
تمائمي وبه صحبي وخلاني
كم قد عهدت بهاتيك المعاهد من
إخوان صدق لعمري أي إخوان
وكم تقضت لنا بالحي أزمنة
على المسرة في كرم وبستان
يا جيرة الحي قلبي بعد بعدكم
في حيرة بين أوصاب وأشجان
باق على العهد راع للذمام فما
يسوم عهدكم يوماً بنسيان
وإن بكت مقلتي بعد الفراق دما
فمن تذكركم يا خير جيران
فلما رجع إلى جبل عام عاد يحن إلى النجف:
يا راكباً عج بالغري وقف على
تلك الربوع مقبلاً أعتابها
وقل ابن زين الدين أصبح بعدكم
قد ألبسته يد الشجون ثيابها
عبثت به الأشواق ثمة أنشبت
فيه الصبابة بعدكم مخلابها
ودعت لواعجه الشديدة جفنه
يوم الفراق إلى البكا فأجابها
فدموعه إن رام حبس طليقها
غلبت عليه فلا يطيق غلابها
معارج نهج البلاغة
كتاب لظهير الدين أبي الحسن علي بن زيد الأنصاري الشهير بـ(فريد خراسان). والشهير كذلك بـ(أبي الحسن البيهقي).
أوله: «الحمد لله الذي حمده يفيض شعاب العرفان… ولم يشرح قبلي من الفضلاء السابقين هذا الكتاب… أنا المتقدم في شرح هذا الكتاب… وقد دعاني بعض الأفاضل من أصدقائي إلى شرح ألفاظ نهج البلاغة… ومن قبل التمس مني الإمام السعيد جمال المحققين أبو القاسم علي بن الحسن الحولعي [الجوبقي. ظ] النيسابوري رحمه الله، أن أشرح كتاب نهج البلاغة شرحاً… وبعده فاضل من أفاضل الزمان… في أثناء المحاورة حرّك بسبب إتمام هذا الكتاب حوار خاطري… وبعض الأفاضل من بيهق ظن بسبب إعراض الفضلاء عن شرح هذا الكلام [أنه] غير مقدور لواحد من الأنام… أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى بن هبة الله الحسيني…».
وجعله جزأين، فرغ من أولهما في التاسع من ربيع الآخر سنة 552هـ، ومن ثانيهما 13 جمادى الأولى سنة 552هـ.
وقد اعتمد في هذا الشرح على شرح الوبري)[15]( ونقل عنه في أكثر من سبعين مورداً، كما أن قطب الدين الكيدري اعتمد في شرحه لنهج البلاغة المسمى: «حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق» على شرحَي البيهقي وقطب الدين الراوندي الآتي، ويرمز إليهما بـ ج، ع قال: «مستمداً. بعد توفيق الله تعالى ـ من كتابي المعارج والمنهاج، غائصاً على جواهر دررهما في أعماق بحرهما المواج…».
منه مخطوطة فريدة في مكتبة الإمام الرضا (ع) في مشهد، رقم 2052، ذُكرت في فهرسها 5/171، كتبها التاج الكرماني وفرغ منها 14 صفر سنة 705هـ كما جاء في نهاية الجزء الأول.
ولكن المخطوطة فيما يبدو أجدّ من هذا، وربما كُتبت في القرن التاسع أو العاشر على نسخة التاج الكرماني، وهذا التاريخ للمنتسخ منه، وهي نسخة خالية عن الإعجام صعبة القراءة.
طبع حتى الآن طبعة واحدة سنة 1409هـ من منشورات مكتبة السيد المرعشي في قم، بتحقيق الأستاذ محمد تقي دانش ﭜزوه، الخبير الماهر في هذا الفن، والله يعلم ما قاسى في قراءته وتصحيحه حتى بلغ به إلى هذه المرحلة، ولولاه لم يُنشر الكتاب، فكم أقدموا على تحقيقه وأحجموا، وقد بقي الكتاب بحاجة إلى جهد مستأنف لتُصحح أخطاؤه، ويكمل تحقيقه، قيّض الله في العاملين من يقوم به.
والبيهقي كان مشاركاً في جملة من العلوم، متضلعاً بها، متمكناً منها، مصنفاً فيها، كاللغة العربية وآدابها وعلوم القرآن والفقه والفلسفة والكلام والتاريخ والرياضيات والفلك والتنجيم وعلم الأنساب ونحوها، وله في كل منها عدة مؤلفات.
قال في كتابه مشارب التجارب: مولدي يوم السبت سابع عشرين شعبان سنة 499)[16](.
وهذا ينافي قوله الآخر في تاريخ بيهق، ص 132، ما معرّبه: «وقتل فخر الملك [ابن نظام الملك الوزير] في يوم عاشوراء من سنة 500، أنا أتذكر ذلك، وكنت آنذاك في نيسابور صبياً اختلف إلى الكتّاب…» )[17](.
فلا أقل من أن يكون في ذلك الوقت ابن سبع سنين فتكون ولادته سنة 493هـ، فصحّفت إلى سنة 499هـ.
وهذا هو الصواب كما حققه الأستاذ السيد محمد المشكاة في رسالة أفردها عن حياة البيهقي، وتوصّل بمراجعة تقويم وستنفلد إلى أن السنة التي يصادف 27 شعبانها يوم السبت هما سنتي 488 و493 فلا تخرج ولادته من أن تكون في إحدى هاتين السنتين، ورجّح الثانية لأنها أقرب شبهاً بـ499 فتكون مصحفة عنها.
وأما مكان ولادته ففي ما حكاه ياقوت في معجم الأدباء 5/208 عنه أنه قال: «ومولدي يوم السبت… في قصبة السابزوار من ناحية بيهق…».
وقال في ص 209: «ثم عدت إلى مسقط الرأس وزيارة الوالدة ببيهق…».
وقال في تاريخ بيهق، ص 74، في كلامه على قرية ششتمذ: «وبها كان مولدي!».
وربما يوجّه بأنه وُلد في ششتمذ من قرى سبزوار من نواحي بيهق.
وأما وفاته فكانت في سنة 565هـ بالاتفاق، ذكرها ياقوت والذهبي والصفدي ومن بعدهم، ولم يذكر أحد منهم الوفاة والشهر!
نعم، ذكر بروكلمان وآهلورث أنه توفي سنة 570هـ، ولاأدري من أين لهم ذلك؟!
هل كان يلقب شرف الدين؟
كما لُقب به في خريدة القصر ومعجم الأدباء ووفيات الأعيان وسير أعلام النبلاء!
والتحقيق: أن البيهقي الملقب بشرف الدين هو رجل آخر يشترك معه في عصره وبلده ونسبته، وفي اسمه وكنيته، وهو: ظهير الملك أبو الحسن علي بن الحسن شرف الدين البيهقي، المتوفى سنة 536هـ.
ترجم له البيهقي فريد خراسان في تاريخ بيهق، ص 389، وترجم لأبيه وأسرته، وذكره في تاريخ الحكماء، ص 105، قال: «وكان شرف الدين ظهير الملك علي بن الحسن البيهقي عامل هراة مدة…».
أقول: وهو الذي تقلب في مناصب الإمارة والوزارة، وكان جواداً بذولاً، مدحه شعراء العرب والفرس، منهم الشاعر البغدادي حيص بيص، مدحه بعدة قصائد مثبتة في ديوانه في ص 201 و226 و 242 و327، ففي ص 201: «وقال يمدح شرف الدين علي بن الحسن البيهقي وهو يومئذ أمير الأمراء بخراسان»أولها:
أقول لقلبٍ هاجَهُ لاعِجُ الهَوى
بصحراء مَرْو واستشاطتْ بَلابِلُه
ووهم فيه محققاً الديوان، وحسباه علي بن زيد البيهقي فريد خراسان شارح النهج.
وأول من خلط بينهما هو العماد الكاتب، فقد ترجم له في الخريدة وقال: «شرف الدين أبو الحسن علي بن الحسن البيهقي، من أفاضل خراسان، وأماثل الزمان، وأعيان الأنام، وأعوان الكرام… حدثني والدي أنه لما مضى إلى الري… أصبح ذات يوم وشرف الدين البيهقي قد قصده في موكبه وهو حينئذ والي الري… وكان يترشح حينئذ لوزارة السلطان سنجر، وهو كبير الشأن».
ثم خلط بينه وبين صاحبنا البيهقي علي بن زيد فقال: «وكان يثني أبداً والدي على فضله ويقول: إنه لم ينظر قطّ إلى نظيره، ولا مثلت لعينه عين مثله، وقد صنف أيضاً كتاباً في شعراء عصره سماه: وشاح دمية القصر!…».
فالبيهقي الوزير لم يوصف بالعلم والفضل والتأليف، وقد مات قبل البيهقي صاحبنا بنحو ثلاثين سنة، و«شاح دمية القصر» تأليف البيهقي علي بن زيد، وقد حكى ياقوت كلام العماد في الخريدة وتنبّه للتضارب بينه وبين كلام البيهقي عن نفسه، ولم يتنبّه للحل وأنهما اثنان حصل الخلط بينهما!
كما خلط الذهبي بينهما خلطاً فاحشاً، فترجم للبيهقي صاحبنا في سير أعلام النبلاء 20/585 وقال: «البيهقي الوزير، العلامة ذو التصانيف، شرف الدين وحجة الدين أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد…».
قال أبو النضر الفامي: صدر السيف والقلم! وأخبار سؤدده كنارٍ في العلم نادرة الدهر، افتتح ولاية هراة خمس عشرة سنة وإليه الحل والعقد. قلت: مدحه الحيص بيص…
وله مؤلفات أخرى منها:
1 ـ لباب الأنساب والألقاب والأعقاب
في أنساب الذرية الطاهرة من آل رسول الله صلى الله عليه وآهله وسلم.
أوله: «الحمد لله الذي خلق الخلائق من بسائط متباينة الأقسام…».
قال المؤلف في وصفه، في ص 473: «ولما كان كتابي هذا على جبهة كتب الأنساب عصابة، وعلى قمم المشجرات تاجاً، جعلته بين مصنفاتي بحراً موّاجاً».
ألّفه في بيهق بإيعاز من نقيبها وهو السيد عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى آل زبارة الحسيني)[18](.
ألفه في ثلاثة أشهر، بدأ بتصنيفه في أواخر جمادى الآخرة سنة 558هـ وفرغ من المجلد الأول في شهر رمضان منها، وذكره المؤلف في «تاريخ بيهق» كما ذكر فيه «تاريخ بيهق».
والذي وصلنا منه هو المجلد الأول، ولا ندري هل صنّف المجلد الثاني وأتم الكتاب أم لا؟ على أنا نراه قال في ص 624: «وتحقيق هذا النسب مذكور في المجلد الثاني» فمخطوطاته الموجودة كلها للمجلد الأول وحده، وهي:
1 ـ مخطوطة في مكتبة الإمام الرضا (ع) برقم 5740، ربما كتبت في القرن التاسع، وعنها مصورة في جامعة طهران، رقم الفيلم 928.
2 ـ مخطوطة مكتبة سبهسالار العامة في طهران رقم 2695، ذكرت في فهرسها 5/469.
3 ـ مخطوطة في مكتبة الإيرواني الوقفية، المنقولة حالياً من تبريز إلى طهران، كتبت سنة 1333هـ.
4 ـ مخطوطة في مكتبة المحدّث الأرموي الخاصة في طهران.
5 ـ مخطوطة في مكتبة ملك العامة في طهران رقم 3606، كتبت سنة 1293هـ، ذكرت في فهرسها 1/613.
6 ـ نسخة في مكتبة المرعشي العامة في قم، منتسخة سنة 1376هـ عن مخطوطة مكتبة الإيرواني المتقدمة.
7 ـ مخطوطة في المتحف البريطاني رقم 1406 OR.
طبع في قم سنة 1410هـ لأول مرة من مطبوعات مكتبة المرعشي في جزأين، طبعة سقيمة مشوّهة ملؤها أخطاء، والذنب للناسخين السابقين، فقد كانوا بعيدين عن علم الأنساب، جاهلين بمصطلحاته، فحرفوا وصحفوا، قيض الله محققاً عالماً بالأنساب، خبيراً بمصطلحاته، عارفاً باللغة العربية وكناياتها ومجازاتها، أديباً بارعاً يجيد التحقيق، يحيي هذا الكتاب وينقذه مما مُني به طول هذه المدة.
2 ـ تتمة صوان الحكمة
المطبوع باسم: تاريخ حكماء الإسلام.
صوان الحكمة في تراجم الفلاسفة، لأبي سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي السجزي (السجستاني) المتوفى حدود سنة 380هـ، مطبوع.
وذيّل عليه البيهقي بهذه التتمة فترجم فيه لمائة وأحد عشر فيلسوفاً، منهم السجزي هذا، ترجم له فيه ص 82.
أوله: «الحمد لله المنعم الذي له نعم أبت أوضاحها (أوصافها) إلاّ امتداداً، وأمدادها إلاّ ازدياداً…».
مخطوطاته
1 ـ مخطوطة كتبت في خوارزم سنة 697هـ، في معهد أبي ريحان البيروني للدراسات الشرقية في طاشقند، رقم 1448، رآها الأستاذ دانش ﭜزوه في رحلته إلى روسيا، وذكرها في نشرة المكتبة المركزية لجامعة طهران 9/129.
2 ـ مخطوطة بدون تاريخ، في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام، في مشهد رقم 4096، ذكرت في فهرسها 3/8.
3 ـ نسخة في مكتبة بشير آقا في استانبول رقم 494.
4 ـ نسخة في مكتبة مراد ملاّ في استانبول رقم 1431.
5 ـ نسخة في برلين رقم 10072، ذكرها آهلورث في فهرسته 9/457.
6 ـ نسخة في مكتبة كوبرلي، في استانبول، في المجموعة رقم 902، من مخطوطات القرن السابع، بخط نسخي من 124/أ ـ 172/أ وعليها بلاغ المقابلة والتصحيح، ذكرت في فهرسها 1/445.
وله مختصر يوجد في ليدن، ذكره دوزي في فهرسته 2/294.
وله تتمة توجد في كوبرلي في استانبول، من مخطوطات القرن السابع، بآخر المجموعة المتقدمة رقم 902، من 172 ـ 204، كما في فهرسها 1/446 باسم: إتمام التتمة لصوان الحكمة.
طبعاته
1 ـ طبع في الهند سنة 1351هـ.
2 ـ وحققه الأستاذ محمد كرد علي على مخطوطة برلين، وطبعه في دمشق من مطبوعات مجمع اللغة العربية سنة 1365هـ.
3 ـ وأعاد المجمع طبعه في دمشق سنة 1396هـ.
ترجمته
وترجمه ناصر الدين بن خواجه منتجب الدين عمدة الملك المنشي، اليزدي الأصل، الكرماني، في القرن السابع إلى الفارسية وسماه: درة الأخبار ولمعة الأنوار، وطبع من منشورات جامعة بنجاب في لاهور سنة 1358هـ وطبع في طهران سنة 1358هـ أيضاً.
3 ـ تاريخ بيهق
بيهق كورة كبيرة بين قومس ونيسابور، قال في معجم البلدان: «وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء، ومع ذلك فالغالب على أهلها مذهب الرافضية…».
وكانت قصبتها سبزوار، وخسروجرد، والآن بقي منها سبزوار مدينة كبيرة وخسروجرد قرية من قراها باقية إلى الآن بهذا الاسم، ولعلي بن أبي صالح الخواري البيهقي كتاب «تاريخ بيهق» ذكره البيهقي في «تاريخ بيهق» وأفاد منه الكثير.
و«تاريخ بيهق» ألّفه البيهقي بالفارسية وفرغ منه في قرية ششتمذ في 4 شوال سنة 563هـ، فهو من آخر مؤلفاته ومن أحسنها، فيه معلومات قيمة وتراجم كثيرة.
مخطوطاته
1 ـ مخطوطة في المتحف البريطاني، كتبت سنة 835هـ رقم 3587OR، وصفها ريو في فهرست المتحف ص 60 ـ 61.
2 ـ نسخة في معهد أبي ريحان البيروني للدراسات الشرقية، في طاشقند رقم 1524، كتبت سنة 1057هـ، عن نسخة كان تاريخها سنة 888هـ.
3 ـ مخطوطة في برلين رقم 737 مخطوطات شرقية، كتبت في لكهنو سنة 1265هـ عن نسخة مكتوبة سنة 888هـ ذكرها برج في فهرسها ص 516، برقم 535.
طبعاته
1ـ حققه الدكتور السيد كليم الله الحسيني القاري الهندي الحيدرآبادي، وطبعه في حيدرآباد سنة 1388هـ.
2 ـ وحققه الأستاذ أحمد بهمنيار، وطبعه في طهران سنة 1357هـ.
3 ـ وأُعيد طبعه في طهران سنة 1385هـ بتحقيق الأستاذ بهمنيار.
4 ـ وطبع في طهران بالتصوير على الطبعة المتقدمة.
وأما ما لم يطبع من كتبه فمنها
4 ـ غرر الأمثال ودرر الأقوال
في أمثال العرب، رتبه على الحروف في مجلدين، المجلد الأول إلى حرف الطاء، كل حرف في فصل، وفي نهاية كل فصل يذكر أمثال المولدين، وربما قال: «ما جاء على أفعل».
قال في كشف الظنون: 1200: رتب الأمثال على الحروف، وذكر لكل منها السبب والضرب، ثم شرحها إعراباً، ومعاني، وذكر حلّها أيضاً، وهو مأخذ الميداني!!
صدّره باسم الصدر الأجلّ يمين الدولة مجد الدين أبي علي أحمد بن إسماعيل.
مخطوطة منه في ليدن في مكتبة معهد لوكدونو باتاويا warn 1044، بخط نسخي في 255 ورقة، ناقص الطرفين.
وعنها مصورة في المكتبة المركزية بجامعة طهران رقم الفيلم 814، والمكبر 1610 ـ 1615، ذكر في فهرس مصوراتها 1/286.
5 ـ وشاح دمية القصر ولقاح روضة العصر
مجلد ضخم، ذيل به على «دمية القصر في شعراء العصر» للباخرزي المتوفى سنة 474هـ.
بدأ به المؤلف في غرة جمادى الأولى سنة 528هـ، وكان يشتغل فيه إلى سنة 537هـ، إذ فيه تاريخ وفاة الشريف ابن أبي الضوء الحسن بن محمد العلوي، نقيب الكاظمية المتوفى سنة 537هـ، ولعله استمر يزيد فيه بعد هذا التاريخ أيضاً.
رأيت مخطوطة منه في القرن السابع، ناقصة الطرفين، في مكتبة حسين جلبي، في بورسة من بلاد تركيا، رقم 870 في 253ورقة.
وعنها مصورة في معهد المخطوطات بالقاهرة كما في فهرس المخطوطات المصورة، تاريخ 1/545 و2/175.
وعنها مصورة أيضاً في جامعة طهران، رقم الفيلم 355 و2608، ذُكرا في فهرس مصوراتها 1/396.
6 ـ أزاهير الرياض المريعة (المونقة) وتفاسير ألفاظ المحاورة والشريعة
1 ـ منه مخطوطة في المكتبة المركزية لجامعة استانبول، رقم 3331.
2 ـ ومخطوطة في دار الكتب المصرية، من كتب التيمورية.
7 ـ جوامع أحكام النجوم
وعدّ في هدية العارفين 1/699 من مؤلفاته: جوامع الأحكام وتوابع الإبهام، وأظنه هو هذا.
والبيهقي وإنْ أتقن هذا العلم ومهر فيه وصنف فيه أحكام القرانات، وأمثلة الأعمال النجومية، إلا أنه كان من معارضيه ومناهضيه، ملأ في «معارج نهج البلاغة» أربع صفحات في ذمّ هذا العلم وتهجينه من ص 150 ـ 154.
وألّف هذا الكتاب بطلب من المنجمين بعد أن نصحهم وذمّ هذا العلم، فقالوا: لا بد لنا منه، فإن السلطان يراجعنا ويطلب منا التنجيم، ونحن ملجؤون إلى تعاطيه؛ فألّف لهم هذا الكتاب بالفارسية وجمعه من 257 كتاباً في التنجيم، ورتبه على عشرة فصول، أوله: «الحمد لله رب العالمين والصلاة على من امتطى غوارب الرسالة، واعتلى مناكب الهداية من الضلالة…».
ومخطوطاته
شائعة متوفرة، له في إيران وحدها نحو الثلاثين مخطوطة، ونقتصر هنا على أهمها:
1 ـ مخطوطة القرن الثامن، في كلية الإلهيات في مشهد رقم 118، ذكرت في فهرسها 1/76.
2 ـ 4 ـ ثلاث نسخ في مكتبة ملك العامة في طهران، بالأرقام 3231 و3620 و3368، وهذه الأخيرة من القرن التاسع، ذكرت في فهرسها 2/191.
5 ـ مخطوطة سنة 890هـ في مكتبة الإمام الرضا عليه السلام، في مشهد رقم 5485.
6 ـ وأخرى فيها رقم 12264، كتبت سنة 949هـ وفيها ثلاث نسخ أخرى ذكرت في فهرسها 9/44 و45 و124.
هذه ثمانية كتب وصلت إلينا من مؤلفاته، طبع منها أربعة وبقيت أربعة، وأما ما لم يصلنا فعرفناه من ذكره له في كتابه «مشارب التجارب» وهو من آخر مؤلفاته، فقد سرد فيه بضعاً وسبعين من كتبه، وأوردها ياقوت في ترجمته من معجم الأدباء، وسردها الصفدي أيضاً في ترجمته في الوافي بالوفيات، وأظنه أخذها من ياقوت، وسردها أيضاً إسماعيل باشا في هدية العارفين، وذكر ﭼلبي بعضها في كشف الظنون، وذكرها شيخنا في الذريعة كلاً في محله أخذاً من ياقوت، ونحن نسردها هنا حسب الحروف، وهي:
9 ـ آداب السفر.
وفي هدية العارفين 1/699: آداب الشعر.
10 ـ أحكام القرانات.
11 ـ الإراحة عن شدائد المساحة.
12 ـ أزهار أشجار الأشعار.
13 ـ أسئلة القرآن مع الأجوبة.
14 ـ أسامي الأدوية وخواصها ومنافعها = تفاسير العقاقير، مجلد ضخم.
15 ـ أسرار الاعتذار.
16 ـ أسرار الحكم.
17 ـ كتاب أشعاره.
18 ـ أصول الفقه.
19 ـ أطعمة المرضى.
20 ـ إظهار الأزهار على أشجار الأسرار، نقل عن «غرر الأمثال» للمؤلف.
21 ـ الاعتبار بالإقبال والإدبار.
ذكره في «معارج نهج البلاغة» في الصفحات 103، 195، 197.
22 ـ إعجاز القرآن.
23 ـ الإفادة في إثبات الحشر والإعادة.
24 ـ الإفادة في كلمة الشهادة.
وفي معالم العلماء، ص 52: الإفادة للشهادة.
25 ـ الأمارات)[19]( في شرح الإشارات.
26 ـ أمثلة الأعمال النجومية.
27 ـ الانتصار من الأشرار)[20](.
28 ـ إيضاح البراهين في الأصول. (أصول الدين).
29 ـ بساتين الأنس ودساتير الحدس في براهين النفس.
30 ـ البلاغة الخفية.
31 ـ التحرير في التذكير، مجلدتان.
32 ـ تحفة السادة (منشآته).
تفاسير العقاقير ـ أسامي الأدوية.
33 ـ تعليقات فصول بقراط.
34 ـ تفضيل التطفيل.
على لسان طفيل العرائس، ذكره في تاريخ بيهق: 398.
35 ـ تنبيه العلماء على تمويه المتشبهين بالعلماء، مجلدين.
36- تلخيص مسائل الذريعة .
لخص فيه كتاب «الذريعة في أصول الفقه» للشريف المرتضى، ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء ص 52.
37 ـ جلاء صدأ الشك في الأصول.
38 ـ جواب يوسف اليهودي العراقي، معالم العلماء ص 52.
39 ـ الحجج في الأصول. (أصول الدين).
40 ـ كتاب في الحساب.
41 ـ حصص الأصفياء في قصص الأنبياء على طريق البلغاء، بالفارسية.
42 ـ خلاصة الزيجات (الزيجة).
43 ـ درّة الوشاح.
مجلد خفيف، هو تتمة وشاح دمية القصر، له كما ذكره المؤلف في تاريخ الحكماء ص 170.
ديوان = وقد ذكره ياقوت والصفدي باسم كتاب أشعاره، وتقدم برقم 17، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء باسم: «ديوانه» وقال عنه في السير: وشعره كثير سائر.
44 ـ درر السحاب، في الرسائل.
45 ـ ذخائر الحِكم.
ذكره المؤلف في «جوامع أحكام النجوم» وفي مقدمة «تاريخ بيهق».
46 ـ ربيع العارفين (العارف).
47 ـ رسائله المتفرقة.
كذا عند ياقوت والصفدي، وذكر له الصفدي بعده:
48 ـ الرسائل، بالفارسي، مما يبدو أن له مجموعتين عربية وفارسية، وذكر هو في كتابه جوامع أحكام النجوم: «رسائل ومختصرات كثيرة».
49 ـ الرسالة العطارة في مدح بني زبارة.
50 ـ رياحين العقول.
51 ـ كتاب السموم.
52 ـ شرح الحماسة.
53 ـ شرح رسالة الطير.
54 ـ شرح شعر البحتري وأبي تمام.
55 ـ شرح شهاب الأخبار.
56 ـ شرح «مشكل المقامات» للحريري.
57 ـ شرح الموجز المعجز.
58 ـ طرائق الوسائل إلى حدائق الرسائل أو حدائق الوسائل إلى طرق الرسائل، بالفارسية، ذكر في هدية العارفين كليهما.
مختار منه في مكتبة جستربيتي، في المجموعة 3968.
59 ـ عرائس النفائس.
ذكره المؤلف في معارج نهج البلاغة: 210 وفي تاريخ الحكماء: 171 وفي غرر الأمثال.
60 ـ كتاب العروض.
61 ـ عقود المضاحك، بالفارسية.
62 ـ غرر الأقيسة.
63 ـ الفرائض، بالجداول.
64 ـ قرائن آيات القرآن.
65 ـ قضايا التشبيهات على خفايا المختلطات، بالجداول، مجلد.
66 ـ قوام علوم الطب.
قال في معارج نهج البلاغة ص 157: وأمّا التشريح وتركيب الإنسان… فذكر في كتاب الطب.
67 ـ رسالة في الكبيسة.
ذكرها المؤلف في كتابه تاريخ حكماء الإسلام ص 172.
68 ـ كنز الحجج في الأصول، أصول الدين، ومر له: الحجج في الأصول.
69 ـ مجامع الأمثال وبدائع الأقوال، أربعة مجلدات.
قال المؤلف في معارج نهج البلاغة ص 90: «وقد ذكرت في مجامع الأمثال من تصنيفي: قول العرب…» وفي ص 106: «ذكرت مشاهير أيام العرب».
70 ـ المختصر (مختصر) في الفرائض.
71 ـ مشارب التجارب وغوارب الغرائب.
باللغة العربية، أربعة مجلدات ذيّل به على تاريخ اليميني المنتهي إلى سنة 410هـ، سجل فيه تاريخ إيران وحوادثها لفترة 150سنة، من سنة 410 إلى حدود سنة 560هـ فيه تواريخ الغزنويين والسلاجقة والخوارزمشاهية، وهو من آخر تصانيفه، ذكره في تاريخ بيهق ص 31، اعتمده كل من ابن الأثير وياقوت وابن أبي أُصيبعة والجويني في «جهانـﮔشاي» وعده حمد الله المستوفي من مصادر كتابه «ﮔزيده» مما يدل على وجوده إلى منتصف القرن الثامن.
72 ـ المشتهر في نقض المعتبر
المعتبر في الفلسفة لمعاصره أبي البركات هبة الله بن علي بن ملكا، الطبيب اليهودي، المتوفى سنة 547هـ ترجم له المؤلف في تاريخ حكماء الإسلام ص 152، والمعتبر مطبوع بالهند في 3 مجلدات.
73 ـ المعالجات الاعتبارية.
74 ـ معرفة ذات الحَلَق والكرة والأسطرلاب.
75 ـ ملح البلاغة.
76 ـ مناهج الدرجات في شرح كتاب النجاة.
في ثلاثة مجلدات، والنجاة في الفلسفة لابن سينا.
77 ـ مؤامرات الأعمال النجومية.
وفي هدية العرافين: مرموزات.
78 ـ نصائح الكبراء، فارسي.
79 ـ نهج الرشاد في الأصول.
80 ـ الوقيعة في منكر الشريعة.
81 ـ نار الحطاحب.
ذكره المؤلف في معارج نهج البلاغة ص 151 قال: «وذكرت في نار الحطاحب من إنشائي» ولا شك أن الاسم مصحف، ولم يتمكن محقق المعارج من قراءة المخطوطة، ولم أهتد إلى وجه الصواب فيه فذكرته كما هو.
أسرته
وبيته بيت عريق في العلم والفقه والقضاء والإفتاء والتقدم والوجاهة، وقد كان أجداده من الطرفين فيهم القضاء والإفتاء والمناصب الدينية، تحدث عنهم البيهقي في «تاريخ بيهق» في نحو عشرين صفحة من 174 ـ 194.
عبد العزيز الطباطبائي
معاني القرآن
كتاب لعلي بن حمزة الكسائي
هذا كتاب أعيد تكوينه بعد أن تلاشت نُسَخه المخطوطة على مدار القرن، فقد ذكرت كتب التراجم وغيرها من كتب التراث أن علياً بن حمزة الكسائي المتوفى سنة 189هـ، وكان يلقب بإمام الكوفيين في النحو، ترك مؤلفات عدة أهمها كتاب «معاني القرآن»، الذي يعده العلماء من بواكير كتب الدراسات اللغوية للقرآن الكريم وأهمها، وعلى منواله قامت كتب أخرى في هذا الموضوع أشهرها كتاب «معاني القرآن» للفرّاء المتوفى سنة 207هـ. وبذل محقق الكتاب الدكتور عيسى شحاتة عيسى جهداً كبيراً في جمع أصول الكتاب ونقوله من نحو 120 مصدراً من مصادر التراث العربي ورتبها طبقاً للعرف المأثور في كتب معاني القرآن التي تندرج في إطار علم التفسير، وتختص ببيان معاني الذكر الحكيم، وبيان مشاكلها اللغوية والنحوية والصرفية، وشرح غوامض ألفاظها وغريب مفرداتها. وهو اتجاه أخذ من اللغة بطرف ومن التفسير بطرف، مما جعلع يُعنى بتعدد أوجه القراءات تبعاً للهجات القبائل العربية، وكان من ثمرة هذا الاتجاه تلك الكتب القيمة التي عرفت في تاريخ الدراسات اللغوية باسم «كتب معاني القرآن وإعرابه ومجازه وتأويله». وهي كتب تأخذ بمبدأ الانتخاب من الآيات القرآنية فيما تريد أن تبحث فيه موضوعاً، أو تناقش مسألة، أو تشرح معنى كلمة، أو تعلل وجهاً من أوجه، القراءات المختلفة، مستعينة في ذلك بطرائق العرب في التعبير، وبأشعارهم ولهجات قبائلهم، وهي خصيصة تختلف فيها عن كتب التفسير الأخرى التي تستقصي آيات القرآن بياناً وشرحاً. وأول من وصل إلينا خبر تأليفه في هذا اللون من الدرس اللغوي للقرآن هو واصل بن عطاء المتوفى سنة 131هـ، وأبان بن تغلب المتوفى سنة 142هـ، ويونس بن حبيب المتوفى سنة 182هـ، وعلي بن حمزة الكسائي (189هـ)، والفرّاء (207هـ)، والمبرد (285هـ)، والزجاج (311هـ).
قسم المحقق الكتاب إلى قسمين، اشتمل القسم الأول على دراسة تحليلية للكتاب، بينما أورد القسم الثاني النصوص المجموعة المنسوبة إلى الكسائي مرتبة بترتيب سور القرآن الكريم وآياته، وهو النهج الذي اتبعته كتب معاني القرآن والذي سبق ذكره. وقدم المحقق المصدر الأقدم عند ذكر نصّ من نصوص الكسائي على ما هو أحدث منه، إلا إذا كان المصدر الأحدث ينسب النص صراحة إلى الكسائي، فإنه في هذه الحال يقدم على ما هو منه أقدم منه من المصادر الأخرى.
وقام المحقق بتوثيق هذه النصوص من مصادر متعددة، لاستيفاء شروط الموضوعية والأمانة العلمية المطلقة، وقدم بها شرحاً وافياً في الهامش.
في دراسته التحليلية للكتاب ناقش المحقق أربعة مواضيع، تناول الأول توثيق نسبة الكتاب ومصادر نصوصه، المنقولة، وتحدث فيه عن كيفية ذكر المصادر وكتب التراجم لكتاب معاني القرآن من ناحية الإسناد أو عدمه، أو ذكر أخبار عنه. ثم تطرق إلى ذكر مصادر النصوص المنقولة، التي تتكون من كتب للمؤلف نفسه، مثل كتاب «ما تلحن فيه العامة» و«اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة»، وكتب تلاميذ المؤلف وأهمها: «معاني القرآن للفرّاء»، وكتب للمعاصرين للمؤلف وأهمها: «مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثني التيمي»، و«معاني القرآن» للأخفش. واستعان المحقق أيضاً بالكتب الخاصة بفن الكتاب المفقود وأهمها: «كتاب تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة، و«معاني القرآن وإعرابه» لابن إسحاق الزجاج، و«إعراب ثلاثين سورة من القرآن» و«إعراب القراءات السبع وعللها» لابن خالويه، و«تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم على الإيجاز والاختصار» لابن أبي طالب القيسي، و«البيان في غريب إعراب القرآن» لأبي البركات بن الأنباري وغيرها. ومن مصادر النصوص المنقولة كذلك أورد المحقق كتباً تتصل بموضوع الكتاب المفقود مثل: تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وتفسير البحر المحيط، و«الكشاف» للزمخشري، وكتب القراءات السبع لابن مجاهد، و«حجة القراءات» للإمام أبي زرعة، و«البرهان في علوم القرآن» للزركشي، و«الأمالي النحوية» لابن الحاجب.
تناول المحقق في الموضوع الثاني من دراسته القضايا اللغوية في كتاب الكسائي، من خلال مناقشة النصوص الواردة في معاني القرآن، والتي يوضحها الكسائي ويشرح معانيها من خلال إيراد الشواهد من الشعر العربي وأقوال العرب والسماع من البوادي، ما يوضح أن في القرآن مثل ما في كلام العرب من وجوه الإعراب والغريب والمعاني.
فكان الكسائي دقيقاً في سماعه للعرب، ويبني هذا السماع على استقراء واع ودقيق، ومثال ذلك نجده في تفسيره لآية: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، إذ يفرق بين الإلحاد واللحد، فيقول في الإلحاد: إنه العدول عن القصد، وفي اللحد إنه الركون إلى الشيء. ومن المعروف لدى دارسي اللغة أن المصطلحات اللغوية التي استخدمها الكوفيون تختلف في بعض منها عن مصطلحات البصريين. ولكن الفترة التاريخية المبكرة التي عاش فيها الكسائي (القرن الثاني الهجري)، لم تكن اكتملت فيها الملامح المدرسية لكل من الكوفة والبصرة، ولذا نجد تداخلاً واضحاً بين المصطلحات في كتابه، فضلاً عن أن المصطلحات في أول العهد كانت متعددة ولم تكن محددة.
يناقش الكسائي في الكتاب أيضاً قضايا اشتقاق بعض الكلمات مما له أثر في دلالتها، ومن أمثلة ذلك قراءته لقوله تعالى: «أرسله معنا غداً يرتع ويلعب»، ولم يقرأها (يرتعي ويلعب)، وكان تفسيره لذلك أنها مشتقة من «رتعت» لا من «رعيت».
وكان تفسيره للآية: «والربانيون والأحبار» أن الأحبار مشتقة من الحبر الذي يكتب فيه.
وناقش الكسائي في هذا الموضوع أيضاً قضايا الرسم الإملائي، وقضايا الضبط الحركي، وكذلك حركة عين الفعل، وعلاقة هذه القضايا بالتغير الدلالي.
أما الموضوع الثالث فتناول القراءات في كتاب الكسائي، من خلال الحديث عن موقفه من السماع والإسناد في القراءة، وحديثه عن الأوجه المختلفة لبعض القراءات، وتعليله لقراءاته أو قراءة غيره، وموقفه من بعض القراءات الصحيحة، باعتباره إحدى القراءات السبع، وذلك بعد أن اختار من قراءة حمزة وقراءة غيره من القراء قراءة متوسطة غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، فكان إمام الناس في القراءة في عصره، وكان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم.
وجاء الموضوع الرابع ليناقش لغات القبائل في معاني القرآن، ويعرض للقضايا اللغوية المرتبطة بلغة الحجاز، وتميم، وأسد وكلاب، وعقيل، وهوازن، وهذيل، وبني الحارث بن كعب.
عاطف مظهر
المعجم الإحصائي
لألفاظ القرآن
معجم يرشد إلى كل كلمات القرآن مع ذكر مواضعها في الآيات والسور على أساس العد الكوفي، والترتيب الألفبائي لهذا الكتاب مع الضبط الدقيق للكلمات يريح المراجع من صعوبة الاستفادة من المعاجم التي رتبت كلماتها حسب أصولها وموادها إلى غير ذلك من المزايا التي تفرد بها.
وهو من تأليف الدكتور محمود روحاني.
معجم ابن الفوطي
في سنة 1337هـ «1919 ـ 1920م» كنت نزيل الشام حيث أمضيت في تلك البلاد متردداً بين الداخل والساحل سنة كاملة وكنت أمضي بعض الوقت في دار الكتب الظاهرية بدمشق معنياً بالبحث في مخطوطاتها وكانت المخطوطات أكثر من المطبوعات في المكتبة المذكورة، ومن التحف التي ظفرت بها بين تلك المخطوطات الجزء الرابع من معجم تاريخي نفيس لابن الفوطي سماه «تلخيص مجمع الآداب المرتب على معجم الأسماء في معجم الألقاب»)[21](، وقد يسمى ’’مجمع الآداب في معجم الألقاب‘‘ ومما زاد في قيمة هذه النسخة أنها نسخة الأصل ومسودة المؤلف بخط يده)[22]( والمؤلف أي ابن الفوطي من الأئمة الذين يشار إليهم بالبنان في فن الخط والكتابة، ويلوح لنا من تسمية هذا الكتاب أنه ملخص من كتاب مطول للمؤلف في التاريخ سماه «مجمع الآداب» وهذا التاريخ المطول ورد ذكره في قائمة مؤلفاته كما جاء في كتب المؤرخين والباحثين. وقالوا إنه يقع في خمسين مجلداً، ويعد هذا المطول من الكتب المفقودة كأكثر تصانيف المؤلف المذكور.
خصائص النسخة
لا توجد في هذا الجزء الرابع نسخة أخرى غير نسخة الخزانة الظاهرية مع كثرة الطلب والتنقيب في فهارس الكتب العامة والخاصة، ولا ننسى أننا سألنا قيم المكتبة الظاهرية أيام كوننا في دمشق عن مصدر هذه النسخة وتاريخ اقتنائهم لها فقال لنا: «إن بعض المهاجرين من المدينة المنورة إلى دمشق في الحرب الكونية الماضية ـ أي الحرب العالمية الأولى ـ وكانت الحرب قائمة في الحجاز وقد أُخليت المدينة من سكانها ـ حملوا فيما حملوه من متاعهم بعض المخطوطات النادرة وكان من بينها هذا الجزء من معجم ابن الفوطي فاقتنيناه بثمن بخس دراهم معدودة، ولم يكن مع أولئك المهاجرين غير هذا الجزء من أجزاء الكتاب، فلهذه النسخة خصائصها ومن ذلك أنها نسخة الأصل ومسودة هذا الجزء بخط مؤلفه وما أبدعه من خط! وأبلغ ما يقال فيه إنه خط ابن الفوطي نفسه فهو من الخطوط المنسوبة كما وصفه غير واحد من المؤرخين، وهو على الإجمال خط نسخي واضح جلي في عناوين الأسماء والألقاب دقيق في التراجم لا يخلو من أوهام طفيفة في بعض قواعد الرسم والإملاء، وتقع النسخة في مائتين وخمسين ورقة، عدد التراجم فيها يربو على ألفين وخمسمائة ترجمة أولها ترجمة عز الدين الحسن بن يوسف البغدادي الفقيه وآخرها ترجمة «القيل» وائل بن حجر الحضرمي. وعلى هذا يتراوح عدد الأجزاء التي يتألف منها الكتاب بين الستة إلى الثمانية على أقل تقدير أكثرها مفقود ولا يقل عدد الترجمات في هذا المعجم بمجموع أجزائه عن عشرين ألف ترجمة، وفي تضاعيف هذه النسخة وعلى حواشيها تعاليق وتخاريج بخط المؤلف ألحقت بمواضعها من الكتاب بعد تمامه بأعوام غير قليلة وقد جاء في ختام هذه النسخة ما هذا نصه «علقه جامعه ومصنفه وواضعه ومؤلفه عبد الرزاق بن أحمد الفوطي الشيباني حرره في أواخر شعبان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه».
هذه صورة نسب ابن الفوطي كما كتبه بخطه في آخر هذا الجزء ويلاحظ أنه لا يضيف كلمة (ابن) إلى (الفوطي) فلا يقول (ابن الفوطي) كما نقوله نحن اليوم والأمر في ذلك سهل فإنه ابن الفوطي بالإضافة إلى أبيه أوجده، وتوجد صورة أخرى لنسب ابن الفوطي على نسخة من تاريخ ابن الأثير نسخها ابن الفوطي بنفسه في بغداد سنة 691 تشتمل على حوادث سنة 349 ـ 362 وهي من أنفس مخطوطات المكتبة الأهلية بباريس)[23]( هذا وحسبنا أن نجاري قدماء المؤرخين والمصنفين مثل ابن معية الديباجي الحلي في إجازته، وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، وابن عنبة في عمدة الطالب، والحاج خليفة في كشف الظنون في رسمهم لهذه النسبة على الصورة المذكورة.
ومن خصائص هذه النسخة بعد ذلك طائفة من المستدركات والتحقيقات والتخريجات أدخلت عليها فقد فرغ المؤلف من تحريرها سنة 712 كما رأيته ولكنه عاش بعد ذلك إحدى عشرة سنة عني خلالها بتنقيح نسخته والتعليق على هوامشها وتصحيحها وإضافة كثير من التراجم عليها منها ما وضعه في الهامش ومنها ما أقحمه في المتن بين السطور، والتراجم الأصلية بخط دقيق كما يظهر جلياً من مطالعة النسخة، وبعض هذه التراجم أضافها سنة 721 يدل ذلك على ما قاله عن (عين الدين) الذي صنع الصنعة وأرسل بها إلى السلطان سنة 721، ويستفاد من ذلك أنه ثابر على العناية بمعجمه زيادة واستدراكاً إلى السنة المذكورة أي إلى ما قبل وفاته بسنتين فقط وكان عمره إذ ذاك ثمانين سنة وهو من أندر ضروب نشاط الإنسان)[24](. إلى هذا ونحوه مما يدل أبلغ دلالة على عناية تامة بتنقيح كتابه وتحقيقه وضبطه حتى نهاية شيخوخته، ومما هو جدير بالذكر أن خطه لم يتغير وبقي كما كان خطاً جميلاً نفيساً إلى النهاية كما تشهد بذلك آخر تعليقاته على الكتاب، وإذا ما قارنا بين ما وصل إلينا من المخطوطات التي ورقها ابن الفوطي في مصنفاته وغيرها ولدينا منها جزء من تاريخ الكامل لابن الأثير وكتاب الأحكام لأبي سعيد والجزءان الرابع والخامس من تلخيص مجمع الآداب ظهر لنا فرق واضح في خطه على عهد شبابه فإنه خط غير بالغ الجودة كما نراه في كتاب الأحكام فإن ابن الفوطي فرغ من نسخ هذا الكتاب سنة 668 في محلة (الخاتونية الخارجة) من محال بغداد وقد عاش بعد ذلك أكثر من خمسين سنة اكتسب فيها خطه جودة عظيمة كما نراه في نسخ الأصل الباقية من معجمه في التاريخ.
مثال من الدقة والتحقيق
تبدو لنا عناية المؤلف بالدقة والتحقيق والضبط والتصحيح على كل صفحة من صفحات هذه النسخة، ومعنى ذلك أن ابن الفوطي أفرغ وسعه في أداء واجبه العلمي كما تقتضيه طريقة المحققين من أهل العلم فإذا شك بعد الفراغ من تحرير نسخة الكتاب في صحة بعض الأسماء أو الألقاب أو ظهر له ما يدل على نقص بعض التراجم أو الأبواب أو لاحظ شيئاً من الخروج عن الصدد في البحث بادر إلى التحقيق وعلق على هامش النسخة تعاليق تدل على ذلك الشك أو النقص أو الوهم أو الخروج عن الصدد معززاً ذلك بالإشارة إلى الوجه الصحيح جرياً على طريقة المحققين من العلماء. ومن الأمثلة على ذلك:
1 ـ كتب المؤلف على هامش صفحة ترجم فيها الملقب عماد الدين هذه العبارة «يحقق الاسم وهو الحسن».
2 ـ كتب بخطه على هامش ترجمة ما هذا نصه «هو ابن عزيز الدين قدمنا ذكره قبل عماد الدين تكرر ذكره».
3 ـ كتب على هامش بعض التراجم هذه العبارة (يحقق الاسم).
4 ـ جاء بخطه على حاشيه الكتاب في باب الفاء ما هذا نصه «ويلحق بالباب فوارس الأرباع عمر بن الحصين ومالك بن الحصين وعمير بن الحصين بن يزيد بن شداد وفوارس الأعراب جفنة وقطن وسلمة ودريد أولاد ربيعة بن مالك».
5 ـ خرج بخطه تعليقه على ترجمة أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى العلوي الخراساني النقيب هذه العبارة «تذكر ترجمته في تاريخ خراسان»، ومن ذلك يستفاد أنه ألف تاريخاً للإقليم المذكور ولم نجده في قائمة كتبه المعروفة.
6 ـ خرج مقابل ترجمة عماد الدين أبي الحسن علي المعروف بالكيا الهراسي المدرس ما هذا نصه «هذا الكيا الهراسي قدم قبل الكاتب القمي وقد علمت عليه وهو يقابل النقيب الخراساني، ومن حقه أن يكتب في مراعاة الجد فإني لم أعلم أن اسم جده علي».
7 ـ علق بخطه على ترجمة عميد الدين عبد المطلب بن علي ابن المختار النقيب وهو من صدور العراق الذين اتصل بهم ما هذا نصه: «وقد ذكرته في التاريخ وتوفي وأنا يومئذ في أذربيجان سنة 707» ولم يسم ابن الفوطي كتاب التاريخ الذي ذكره فيه ونرجح أنه معجمه الكبير الذي اختصر منه هذا الكتاب.
8 ـ ورد في المتن نسب (مكلم الذئب) أبو عقبة أهبان بن الأكوع فصححه بما نصه «أهباط بن أوس الأسلمي».
9 ـ خرج على عنوان (معين الدين علي بن محمد بن علوان بن مهاجر الوزير بسنجار) ترجمة إضافية لا أثر لها في المتن، والظاهر أنه عثر على الترجمة المذكورة بعد الفراغ من الكتاب.
10 ـ جاء في باب العين لقب (عصفور الشوك) وهو محمد بن داود الأصفهاني المحدث صاحب كتاب الزهرة علق على الترجمة بخطه هذه العبارة «ليس من شرط هذا الكتاب»، هذا كل ما علق به على هذه الترجمة ولم يزد على ذلك ولا نعرف لماذا يخرج مصنف كتاب الزهرة عن شرط كتابه مع أنه من مشاهير الأدباء المصنفين في الشعر والأدب وهو مصنف كتاب الزهرة، والمرجح أن محمد بن داود الأصفهاني لم يكن معروفاً باللقب المذكور.
11 ـ أعجم المؤلف حرف السين من كلمة (أبي الأسد) بثلاث نقط فوق السين وتحتها كذلك وكتب عليها بعد ذلك بخطه هذه الكلمة (معاً) وهو يقصد أنها رويت بالإهمال والإعجام.
12 ـ زاد في هامش ترجمة محب الدين بن عبدالله بن محمد بن أبي بكر الطبري ما هذا نصه «يشك في نسبته إلى الطبري».
13 ـ وقال وهو يذكر لقباً لقب به طلحة بن عبدالله: (قد تقدم ذكره في ألقابه المتقدمة).
إلى هذا وأمثاله من التعليقات التي يستفاد منها مبلغ عناية ابن الفوطي بالتحقيق وأخذ نفسه بالضبط والدقة.
ابن الفوطي المؤرخ
لابن الفوطي في سرد الأحداث ووصف الأشخاص أسلوب شائق أخاذ تنكب فيه طريقة المقلدين من المؤرخين في التصنع والمبالغات واعراض عن منهجهم في التزيد والتهويل. ولا عجب. فإنه شهد حركة من أعظم الحركات الانقلابية في التاريخ ووصف جيلاً حديثاً اندمج اندماجاً كلياً فيه وأرخ حضارة أول دولة كان أحد العاملين في إنشائها. فما كان ابن الفوطي ناقلاً عن كتب أو مستنداً إلى روايات فحسب أعني أنه ما كان يؤرخ أقوالاً محكية بل أعمالاً واقعية وأحداثاً عيانية سياسية وحربية واجتماعية بلغت شأواً بعيداً من الخطر، ولنا أن نقول إن ابن الفوطي كان حركة دائبة في مدة طويلة تناهز السبعين سنة أو في دولة ظافرة تتجدد شؤونها وأحداثها في كل يوم فما كان يفوته وصف مشهد أو تدوين حادثة أو ترجمة شخص اجتمع به وذلك بأوضح عبارة وأبسط أسلوب، إلى هذا ونحوه مما لم يتيسر لابن خلدون أو لغيره من المؤرخين إلا نادراً، ولم يكن ابن خلدون دون ابن الفوطي ذكاء واجتهاداً ولكن عاش كل منهما في أحوال تختلف عن الأحوال التي عاش فيها صاحبه، وبين هذين المؤرخين فروق بعيدة وهي في الواقع فروق بين بلدين ومزاجين وفلسفتين إلى غير ذلك. والخلاصة: كان ابن الفوطي بمثابة لوحة حساسة من هذه الألواح الناقلة ترتسم على صفحاتها شتى صور الحوادث والأشخاص.
ابن الفوطي وابن خلدون
ومن الأقدار المشتركة بين هذين المؤرخين أن كلاً منهما نشأ في عصر عصيب انحلت فيه دول إسلامية عدة واضمحلت فيه سيادة الإسلام في جملة من الأقطار ففي الغرب تمّ للإفرنج إخراج المسلمين من الأندلس وانحلت غير دولة من دول الإسلام في تلك البلاد واجتاز عدد لا يحصى من الأندلسيين مضيق جبل طارق إلى المغرب الأقصى والأوسط وإلى أفريقيا وكانت هذه الكلمة تطلق على البلاد التونسية ومنيت الثقافة الإسلامية أو العربية بما مُنيت به في الديار الأندلسية.
نشأ ابن خلدون في أعقاب هذا العصر العصيب ونشأ ابن الفوطي في عصر عصيب مثله في الشرق وهو عصر سابق على عصر ابن خلدون بأكثر من مائة سنة فابن الفوطي نشأ في عصر الطاغية هولاكو وابن خلدون نشأ في عصر تيمورلنك والخلاصة: أدرك ابن الفوطي في حداثته انحلال الخلافة العباسية واجتياح المغول للمشرق وفي جملته العراق حتى أصبحت هذه البلاد جزءاً صغيراً من مملكة المغول وخلت غالباً من العلماء والأدباء وفقد المؤلفون والمصنفون والباحثون وجرى على حملة الفنون والعلوم ما جرى من التقتيل والتشريد، هذا ومن الأقدار المشتركة بين هذين المؤرخين بعد ذلك عناية الباحثين المحدثين أو المعاصرين بسيرة كل منهما، وما أكثر من عني من هؤلاء بالكتابة عن ابن خلدون حتى ظهرت دراسات ومؤلفات متعددة عنه في الغرب والشرق على حد سواء، وقد ظفر ابن الفوطي بعناية عدد غير قليل من الباحثين المعاصرين، ولعل أول من طرق باب البحث عنه بشيء من التبسيط والتفصيل مؤلف هذا الكتاب.
كانت الناحية التاريخية الفلسفية في تفكير ابن خلدون أول ما عني به الباحثون الغربيون، أما الناحية الاجتماعية فقد لفتت أنظار طائفة من العلماء بعد ذلك وظفرت بعناية منهم تفوق عنايتهم بنواحي تفكيره الأخرى، ويلاحظ منذ أواخر القرن التاسع عشر أن آراء ابن خلدون شغلت بال الباحثين المعاصرين واشتهر شغف الأدباء والمؤرخين بهذا الموضوع في الفترة الأخيرة.
طرائف ابن خلدون
1 ـ ملاحظاته من تفاعل الجماعات، ففي هذا الموضوع يرتفع ابن خلدون إلى ذروة الفلاسفة الاجتماعيين، وآراؤه في هذا الباب عن الأقوام الغالبة والمغلوبة أو الضعيفة والقوية على جانب من الحظ والطرافة.
2 ـ ثانياً ملاحظاته عن أثر البيئة والمحيط تدل على أنه أدرك مغزى قانون التكيف حسب البيئة ومقتضياتها وذلك قبل أن يفطن إليه “دارون” بخمسة قرون.
3 ـ ملاحظاته المقارنة بين الإنسان والحيوان في بعض سنن الكون أو القوانين الطبيعية والاجتماعية العامة مما يدل على أنه عرف مبدأ وحدة المادة قبل أن يعرفه بعض الفلاسفة المتأخرين، والخلاصة: يعتبر ابن خلدون أول باحث مسلم عني بدراسة الظواهر الاجتماعية باتزان ملحوظ وابتكر في هذا الموضوع آراء دقيقة، ومقدمته على ما يقول غير واحد من الباحثين خلاصة ما قيل عن السنن الكونية، ويحتوي على فصول شتى وبحوث طريفة في فلسفة الاجتماع والتاريخ والعمران.
4 ـ طريقته في تمحيص الروايات ومناقشة الأخبار وعرضها على الموازين الصحيحة وعلى ما جرت به العادات وأقرته العقول.
انفرد ابن خلدون بين المؤرخين القدماء كافة بنظرته الخاصة إلى التاريخ فإنها نظرة تختلف عن نظرة جمهرة أولئك المؤرخين، فالتاريخ في نظرهم عبارة عن سرد الأخبار والأحداث، ويعتبر ابن خلدون واضع فلسفة التاريخ كما اعترف بذلك كثير من علماء الاجتماع الذين عنوا بتحرير نظرياته الاجتماعية وقارنوها بنظريات أقطاب علم الاجتماع المحدثين، وكان المعتقد أن الباحثين الغربيين هم أول من فطن إلى فلسفة التاريخ ومبادئ علم الاجتماع والعمران وأصول الاقتصاد السياسي فظهر أن ابن خلدون سبقهم بعصور إلى إثارة كثير من هذه الموضوعات بحذق وبراعة، هذا ولم نجد فيما وصل إلينا من تراث ابن الفوطي مثل تلك الطرف المأثورة عن ابن خلدون في فلسفة الاجتماع والعمران وإن لم تخل من لمحات قليلة إلى ذلك، وليس معنى هذا أن مصنفات ابن الفوطي الضائعة خالية بتاتاً من الآراء الطريفة في فلسفة التاريخ.
التصوف وخيال المتصوفة
ومع كون ابن الفوطي معدوداً من الفلاسفة ومن طبقة المحدثين والحفاظ أيضاً فإنه صوفي المشرب بل كان خياله صوفياً بحتاً ولا يقل عدد مريديه ومشايخ إجازته في التصوف عن عدد أساتذته ومشايخ إجازاته في الفقه والحديث، وله طريقته الخاصة في التصوف وكان يتذوق الاشياء كما يتذوقها الفنانون ويجاهر في كتبه بأنه ممن يتذوق الجمال والموسيقى والشعر وغيرها من الفنون، وقد عني بترجمة عدد من الأعلام في فنون الموسيقى الآلية والصوتية وكانت له خبرة عملية في الموسيقى، ومن الأدلة على ذلك إشارته إلى قصيدة معاصره الأديب المراغي المدعو معين الدين الطنطراني التي مطلعها:
يا خلي البال قد أقرحت بالبلبال بال
بالنوى زلزلتني والفعل في الزلزال
زال
يا رشيق القد قد قوست قدي فاستقم
في الهوى وافرغ فقلبي شاغل الأشغال
غال
وقد سماها «القصيدة المرجعة المصنوعة» أو كما يقال في مصطلحات الموسيقى هذا اليوم: «القصيدة الملحنة» فهو خبير بالفن المذكور وقد ختم المؤلف ترجمة الأديب المذكور قائلاً: ذكرته في كتاب نظم الدرر الناصعة في شعراء المائة السابعة، وكانت وفاته في صفر سنة ثلاث عشرة وستمائة.
إلى ذلك فيما نرى مرد شيء من العبث فيما وصل إلينا من نسخ مؤلفاته المخطوطة وربما كان هذا الضرب من العناية بتاريخ الفن من أسباب تحامل بعض المؤرخين والمؤلفين عليه كما ستراه، هذا وقد يبلغ شغفه بالتصوف والمتصوفة حد التهوس فهو يلهج بذكر الصوفية الفقراء وهي نزعة من نزعاته القوية التي نشأت عن وجوده في ديار العجم على الأكثر في ذلك العصر، وتكثر في معجمه أسماء الأعلام الأعجمية للاشخاص والبلدان وأنك لتشعر أحياناً بأن المؤلف ينقلك إلى بيئة أعجمية أو تركية أو مغولية، ونلاحظ من خبرته الواسعة بتبريز وأذربيجان وأران وأهلها وحكامها أنه أنجز عدة من تصانيفه ومنها بعض أجزاء معجمه هذا في تلك البلاد، وكانت بعض أساليبه الأعجمية في الترسل تتعدى المفردات إلى العبارات والأساليب وذلك لكثرة من اجتمع بهم أو عاشرهم أو أخذ عنهم من علماء العجم والأتراك ومع ذلك لم تتأثر لغته وأساليبه الكتابية ولم تتغير تغيراً يذكر بهذا الاختلاط الطويل. والواقع أن ابن الفوطي كان صوفياً من الزهاد نقل إلينا صوراً من أوضاع الصوفية وعاداتهم وغرائبهم في عصره. ومن بحثه عن الصوفية علمنا أن من وظائفهم حفظ أقوال مشايخهم وعهودهم ووصاياهم وإعادتها على أتباعهم تكراراً في المجالس والحفلات، وكتابه حاوٍ لأذكارهم وأورادهم جامع لرقائقهم ومواعظهم وحكاياتهم وفكاهاتهم وما إلى ذلك، ومن مناقب الرجال عنده محبتهم للصوفية وتكثر في كتبه هذه العبارة «كان محباً للصوفية» وقد ترجم في معجمه لصوفي يسمى «قطب العالم الرازي أبو الفقراء» ترجم له عن شيخه البيهقي ترجمة لا تخلو من الغرائب وفيها نبذة عن فنون صوفية الأتراك الذين شاهدهم يستعملون آلات الحديد والسلاسل والعصا والدبوس.
هذا ما ذكره ابن الفوطي في ترجمة هذا المتصوف وهو من أقدم ما وصل إلينا عن تاريخ عادات بعض المنتسبين إلى الصوفية وهي عادات باقية إلى اليوم في بعض البلاد الشرقية ولكنها عادات لا تمت إلى التصوف الإسلامي في أول عصوره بصلة ويبدو لنا أن من خصائصه وخصائص عصره والعصور الأخيرة للدولة العباسية الهيام بالصور الجميلة إلى حد التهوس والإفراط ولم يحجم بعض المؤرخين المعاصرين له أو القريبين من عصره كابن الساعي وابن النجار وطبقتهما من المؤرخين عن الإشارة إلى ذلك، ولا يخلو كتاب الحوادث الجامعة من التنويه بالجمال وأهله في ذلك العصر، وفي معجم ابن الفوطي ترجمة لصوفي يموت ملقياً نفسه بالنهر تهوساً بالجمال والصور الجميلة. ولا يخلو هذا المعجم من تراجم لبعض معاصريه من العشاق، ويلاحظ ان ابن الفوطي نشأ وعاش في الأقاليم الواقعة إلى الشمال من هذه البلاد وفي مناخ بارد خالط فيه أجناساً وشعوباً وصفت بجمالها البارع الأخاذ ومن جملتها الكرج والأرمن وبعض أجناس الترك والأكراد وقد انعكس ذلك على صفحات تآليفه التاريخية، وإلى هذا فيما نرى مرد عنايته بالإشارة إلى الصور الجميلة صور المماليك والأمراء وغيرهم ممن شاهدهم ووصف جمالهم أو أشار إليه في معاجمه ومؤلفاته)[25](، وكان كثير من هؤلاء المماليك يجلبون من بلادهم بالشراء والسباء أو الاسترقاق والأسر في الحروب وهي أمور معروفة في العصور العباسية وما بعدها. ولا شك أن ابن الفوطي لم يؤخذ بجمال الشعوب المغولية التي عاش بين ظهرانيها، وهل عرف الجمال في المغول؟ فإن ملامح المغول وملامح قبائلهم الزاحفة على الشرق في عصر ابن الفوطي ملامح تغلب عليها البشاعة وهل وهب الجندي المغولي الفظ شيئاً من لطف المنظر وهو الجندي الذي يثير مرآه ما يثيره من الرعب والفزع؟ والخلاصة: من السهل تعليل ما ورد في تاريخ ابن الفوطي وتواريخ بعض المعاصرين له من المؤرخين أو القريبين من عصره أو من هم في طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه كابن النجار وابن الساعي وسبط بن الجوزي صاحب مرآة الزمان)[26]( إلى غير ذلك من إكبارهم للصور الجميلة ونعتهم لها ووصفها على هذه الصورة.
ابن الفوطي الوراق ـ أسلوبه الخاص
كان ابن الفوطي وراقاً بل كان إماماً في فن الكتابة والوراقة ولا يكون إماماً فيهما إلا من اشتهر بجودة الخط والضبط، ومما يدل على خبرته في هذا الفن ما قاله عن ابن الصاغاني اللغوي المشهور وهذا نصه: «إن خطه يشبه خط والده» فابن الفوطي متولع بفن المقارنة بين الخطوط خبير بهذا الشأن، والوراقة هي المهنة التي كان ابن الفوطي يرتزق من مزاولتها على الأكثر، والأدلة أو الأمثلة على ذلك كثيرة في معجمه. من ذلك أولاً: قال في ترجمة عماد الدولة أبي الخير ابن موفق الدولة غالي ابن أبي شجاع الهمداني الحكيم الطبيب «رأيته في مراغة عند أخيه أمين الدولة التمس مني أن أكتب له (كتاب الزبدة الطبية المجدولة) سنة 666 فكتبتها له»، ومعنى هذا أنه كان يزاول مهنة الوراقة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ثانياً: قال في ترجمة ابن الجمل النسطوري الكاتب ما نصه: «له تذكرة كتبت منها بعض وريقات». ثالثاً: ورد في بعض تراجم المعجم: «ابن أبي زيادة من سادات خراسان استوطن تبريز وجاء ابن طاووس لتصحيح نسبه وقدم بغداد سنة 707 وكتبت له نسبه» فالمؤلف يحترف كتابة الوثائق والكتب والمؤلفات في شتى الموضوعات.
أفادت ابن الفوطي مزاولته هذه المهنة وكثرة ما ورقه من الكتب ونسخه بخطه لنفسه أو توريقاً للناس فائدة كبرى جعلت تصانيفه غزيرة المادة جمة الفائدة. فإنه اعتبر عدداً ضخماً من المخطوطات قراءة ومطالعة ودرسها أحياناً دراسة جيدة مكنته غالباً من ترجمة الناسخ والمؤلف معاً وترجمة من له قراءة أو سماع، أو رواية على ظهر الكتاب في دفعة واحدة.
من ذلك نعلم أن تصفح الكتب التي تسنى له تصفحها بحكم مهنته أو بحكم أعماله في دور الكتب الكبرى كمكتبة المستنصرية في بغداد أو مكتبة دار الرصد في مراغة إلى مكتبات أخرى عامة وخاصة من أهم مصادر تصانيفه فإن تلك الكتب والمجاميع لا عدد لها، ولذلك رأينا مادة معجمه هذه غزيرة لا تنضب كما أن معين نشاطه ليس له نهاية.
مهنة التعليم
كانت حرفة الوراقة في عصر ابن الفوطي والعصور المتأخرة التي تليه تقترن أحياناً بحرفة أخرى هي حرفة التعليم والتأديب تأديب الأحداث وتعليمهم الخط والقراءة والتلاوة وما إلى ذلك، وما نشك أن ابن الفوطي اتخذ مكتباً أو مدرسة خاصة به، ومن هذه الناحية نراه يعني كثيراً في تصانيفه بسيرة المعلمين والمؤدبين من هذا القبيل. كما يعني بسيرة الوراقين والناسخين وقد ترجم لأحد فقهاء المستنصرية بأنه كاتب ناسخ قائلاً: «كتب لنفسه ولغيره جملة من الكتب الدينية والأدبية من المطولات والمتوسطات والمختصرات وجمع أشعار تقي الدين ابن المغربي» ثم أثنى على خطه وضبطه وما إلى ذلك، وكان لابن الفوطي مساعدوه في الوراقة ينسخون معه مدة مقامه في بغداد.
وقد لاحظنا أن ابن الفوطي دقيق النظر في معرفة نسخ المخطوطات وما تمتاز به بعض هذه النسخ عن بعض، وربما اقتنى نسخاً عدة من كتاب واحد مع إشارته إلى مميزات كل نسخة من النسخ المذكورة)[27](. والخلاصة: كان يعني جداً بالإشارة إلى النسخ الممتازة من الكتب التي يطلع عليها أو يقتنيها والمظان التي توجد فيها من المكتبات العامة والخاصة، فهو الناسخ الوراق الذي يعني بالنسخ المختارة من المخطوطات وبإنسابها وتواريخها ومظان وجودها وما إلى ذلك، والأمثلة في كتبه من هذا القبيل كثيرة)[28](، ومجمل القول: لابن الفوطي مصادر خاصة يستمد منها مادته في التاريخ لا نعرف أحداً شاركه فيها، ومن مصادر مؤلفاته ـ عدا الكتب والمجاميع ـ خطوط العلماء والأدباء وتعاليقهم عليها أو على بعض صفحاتها فإذا قرأ قطعة بخط أديب أو فصلاً بخط عالم عرف بهما قائلاً: «قرأت بخطه أو نقلت عنه» ثم نقل لك تلك القطعة أو الفصل ولكنه لا ينقل كل شيء بل يقتصر على النافع المفيد وعلى المنتخب المختار من الشعر أو النثر أو من جوامع الكلم والآداب.
فابن الفوطي أديب ذواقة وهب حسن الاختيار وتذوق الفصول والقطع الأدبية الجيدة نظماً ونثراً، وعلى من ترجم له أن يترجمه. على أنه أديب فضلاً عن أنه من عظماء المؤرخين ومع ذلك لا يخلو كتابه من أحماض وفكاهات تبلغ حد السخف في بعض الأحيان، ولنا أن نعتبر هذا المعجم من مؤلفاته تاريخ دولة المغول وتاريخ البقية الباقية من العباسيين بعد زوال الدولة العباسية. هذا من ناحية التاريخ ولنا أن نعتبره من ناحية أخرى معجماً من معاجم الأدباء أو أصلاً مهماً من الأصول والأسفار الأدبية لكثرة ما يتضمن من المختارات الأدبية الرائعة، ويبدو لنا من تصفح المصادر والمراجع في كتابه أنه اقتنى جل تصانيف فريق من أئمة الأدب قدمائهم ومتأخريهم، ولا يبعد حسب ما يبدو لنا من كتابه أنه اقتنى جميع تصانيف الصولي الأديب المشهور صاحب كتاب الأوراق وكافة كتب العماد، الكاتب الأصبهاني صاحب الخريدة والبرق الشامي وغير ذلك، وهكذا جميع مؤلفات الصابي صاحب التاريخ، ومثل ذلك مؤلفات ياقوت الحموي ومؤلفات كثير غير هؤلاء، وهو مؤرخ الثقافة والحضارة في العالم الإسلامي من أقدم عصورهما إلى نهاية عصره، ولنا أن نعتبر معجمه أصلاً من أجل أصول الأدب لكثرة ما تضمن من المختارات الأدبية الرائعة. هذا ويعني مضافاً إلى ذلك بتراجم أصحاب الأعمال من تجار وبناء وصناع على شكل مليء بالفوائد الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية ومن جملة ما عني به المؤلف في معجمه هذا أنه أراد تدوين سيرته خاصة والإشارة إلى الصِلات والعلاقات التي تربطه بكثير من الأعلام الذين ترجم لهم فكأنه في كثير من الأبواب يقصد الترجمة لنفسه أولاً وبالذات ثم لغيره ثانياً وبالعرض ولم يكن ذلك من قبيل الاعتداد بنفسه أو التحدث عن شخصه فإن أخلاقه أسمى من ذلك ولكنه كثير الأخذ والدرس عمن أخذ عنهم من الناس مدى عمره كما كان كثير التنقل والأسفار في ممالك المغول وخصوصاً بين العراق وأذربيجان وسائر بلاد العجم. أضف إلى ذلك انصرافه إلى الوراقة ونسخ الكتب وتنظيم دورها والعناية بخزائنها وتدوين المذكرات، وكتابه تلخيص مجمع الآداب من هذا القبيل، ومجمل القول: يعني ابن الفوطي مضافاً إلى عنايته بالتاريخ وسير الناس على الطريقة المألوفة في كتب المؤرخين وأصحاب الأخبار والسير والطبقات نقول يعني مضافاً إلى ذلك بتراجم طبقات من الناس عناية خاصة هي:
1 ـ طبقة رجال الديوان والعمال والمستخدمين.
2 ـ طبقة الصوفية.
3 ـ طبقة الوراقين والناسخين.
4 ـ طبقة المعلمين والمؤدبين.
5 ـ طبقة المحدثين والفقهاء.
يعني بذلك كله على وجه امتاز به عن بقية المؤرخين غالباً، ولسائل أن يسأل: لماذا خص ابن الفوطي هذه الطبقات بعناية فائقة على غيرها فنقول في الجواب: لأنه اندمج في كل طبقة منها وانتسب بكليته إليها وأخلص في العمل لها وذلك على هذا المنوال.
1 ـ فإلى كونه أحد العاملين في مصالح الدولة مع الرؤساء والزعماء من رجال الإدارة العامة وإلى قيامه بأعباء المهام والمناصب التي أسندت إليه في مصالح الأوقاف وتنظيم دور الكتب وغير ذلك من المصالح الحكومية مرد عنايته بأخبار رجال الديوان والأعمال والحكام والقضاة وكبار المتصرفين في الشؤون العامة من اقتصادية وإدارية وعمرانية في دولة المغول مثل رجال المال والتجارة والزراعة والصناعة.
2 ـ إلى خبرة ابن الفوطي العلمية بشؤون الوراقة واحترافه حرفة النسخ ومزاولته التجارة ببيع الكتب وشرائها وهي من أروج أنواع التجارات في عصره مرد اهتمامه بأخبار الناسخين المحترفين والوراقين في معجمه وكان له أصدقاؤه ومعارفه الكثيرون من أهل هذه الحرفة، والأمثلة في كتابه كثيرة في هذا الباب فابن الفوطي وراق بل إمام في الوراقة لا يجاري عرف بذلك واشتهر بجودة خطه وضبطه فقصده الراغبون في اقتناء الكتب النفيسة والنسخ المختارة وعشاق الآثار النادرة، وكانت له مكتبة معروفة لا تخلو من الذخائر والنفائس، وفي وسعنا أن نقول: إن له أكثر من مكتبة واحدة من ذلك مكتبة في أذربيجان وأخرى في بغداد وهو يتحدث في معجمه عن المصنفات والرسائل التي طلب إليه نسخها ويتحدث عن شتى النسخ المختارة التي ظفر بها ويسمي في معجمه أيضاً جملة من الأعيان والصدور والأدباء الذين نسخ ما نسخ لهم من المصنفات أو ورق ما ورق لهم من الرسائل والوثائق، ولا شك أن حرفة الوراقة أدرت على ابن الفوطي رزقاً استعان به على تحمل أعباء العيش والإنفاق على عياله وذويه فإنه كان كثير الأولاد والعيال.
3 ـ من المهن التي زاولها ابن الفوطي مهنة التعليم والتأديب ونرجح أنه اتخذ له مكتباً يزاول فيه المهنة المذكورة وكان ذلك على الأكثر في مراغة وبعض بلدان أذربيجان، وإلى هذه الناحية مرد عنايته بتراجم المعلمين والمؤدبين وأصحاب الكتاتيب التي يتعلم الأحداث فيها فن الكتابة ويشدون طرفاً من الأدب، ويبدو لنا من تصفح معجمه أنه اتصل بجماعة من أهل هذه الحرفة في بلاد المغول وترجم لهم ترجمات غير قليلة.
4 ـ إلى انخراطه في سلك المتصوفة حتى أصبح علماً من أعلام الصوفية في عصره ومرشداً له أتباع ومريدون وله مشايخ كبار من أقطاب الصوفية مرد عنايته بأخبار هذه الطائفة عناية خاصة، ولا نظنه عني بأخبار طائفة من هذه الطبقات مثلما عني بشؤون التصوف والصوفية ثم أخبار المحدثين، ومن أكثر الكلمات دوراناً على لسانه كلمة (الفقر، الطريقة، الحقيقة، الحال، الأحوال)، وقد أقام في جملة من الربط والتكايا التي يغشاها الصوفية وله ولع بشهود الحفلات والاجتماعات وسماع الأذكار والعهود والوصايا في الربط المذكورة، وهو يعرف من هذه الربط ما لا يعرفه غيره سواء أكان ذلك في العراق أم في الشرق في بلاد فارس وأذربيجان وما إلى ذلك من الأقطار الملحقة بدولة المغول، ولا تقل معرفته بهذه الربط عن معرفته بشيوخها وأقطابها، وكانت مشيخة الربط الكبرى من المناصب التي يسندها الديوان إلى أهلها بكثير من العناية، ويتحدث في معجمه عن ذلك كله ويتحدث عن حياته الخاصة في بعض الرباطات التي أقام بها هنا وهناك وعن الكتب والمكتبات الملحقة بالربط المذكورة، وعن ألوان من ثقافة الصوفية والكتب والأحاديث التي تقرأ أو تسمع في المعاهد المذكورة ويوجد في معجم ابن الفوطي من العجائب والغرائب الصوفية ما لا يوجد في غيره وبالخاصة فيما يتعلق بعادات المتصوفة وأخلاقهم في المائة السابعة والثامنة، والأمثلة على ذلك غير قليلة في المعجم المذكور.
تاريخ أدب وثقافة
يعني المؤلف عناية بالغة كما مر بترجمة الوراقين خصوصاً إذا كانوا من العلماء أو الأدباء، وما أكثر ترجماتهم التي صدرها بقوله: «كتب الكثير بخطه من كتب الأدب» أو «رأيت بخطه مجاميع في الفقه والأدب» ويعني كذلك بتاريخ المدارس والمعاهد العلمية والمكتبات كمكتبة المستنصرية ومكتبة دار الرصد بمراغة، وتاريخ الربط والخوانق ومشيختها في العراق وفي الأقطار المجاورة له مثل ورباط الأبري وزاوية الأرموي بأرومية ورباط الأرجوانية أو الرباط الأرجواني ـ منسوب إلى أرجوان والدة المقتدي ـ. رباط البسطامي. رباط الحريم. رباط الحلبة. الرباط الزيني. رباط الشونيزية. رباط كافي الدين. رباط الشهرزوري كمال الدين. خانقاه همدان ومدرسة همدان ودار الشفاء فيها، وكلها موقوفة على المتصوفة. رباط المستجد. رباط سعاد بسوق العميد. رباط تبريز وشيخه ومنشئ الرباط وهو حاكم الروم، ويعني كذلك بذكر الجوامع وأسماء محلات بغداد وأحيائها كمحلة الجعفرية)[29]( ودرب الجوبة وهي محلة معروفة إلى هذا اليوم. المخرم. المحول. شارع السلطان. السيل. الشماسية نهر الملك. نهر عيسى. قراح القاضي. قصر عيسى. كلواذى. البيمارستان العضدي. الحربية. الخاتونية. محلة المراوزة. المحلة. خان الخليفة. الرصافة. خان علاء الدين الجويني بباب الغربة وكيف بناه. السوق الكبير.
من ذلك أيضاً مدارس بغداد ففيه نبذة تاريخية عن المستنصرية ـ قبل الواقعة وبعدها ـ وفيه ذكر لبعض مدرسيها الذين قرأ عليهم، ومن المدارس التي عنى بها أو بتاريخها ـ عدا المستنصرية. النظامية. الثقتية الشاطئية الراكبة على كرسي الجسر العتيق المحاذي لمدرسة السهروردي. التتشية. مدرسة ابن الجوزي. البشيرية مع الإشارة إلى فهرس كتبها. مدرسة باب الأزج لمنشئها قاضي دقوقا. مدرسة شاد بخت. المدرسة المجاهدية. مدرسة كمال الدين بن بقشلان. المدرسة العلائية. مدرسة الخليفة. مدرسة الأصحاب بالجانب الغربي. المدرسة الخاتونية. والمرجح أنه اسم ثان للمدرسة الغازانية، وليست عنايته مقصورة على مدارس بغداد وما إليها فإنه يعني كذلك بمدارس الموصل وأربل والشام وبلاد المغول وأذربيجان وفارس، مثل المدرسة العزية بمراغة. ومدرسة بروجرد أسسها فخر الدين الحاجب. المدرسة السيارة بالحضرة)[30] أو بالمعسكر السلطاني لها ذكر كثير في معجمه فكان ابن الفوطي يعيش في محيط جامعي على ما رأيت.
نسخة مشوشة
طرأ على هذه النسخة ـ التي وقعت إلينا من الجزء الرابع من تلخيص مجمع الآداب ـ وهي مسودة المؤلف ـ فساد بل عيب فظيع كثيراً ما ساورنا الألم لوقوعه، ولا يبعد أنه فساد معتمد مقصود وقد ارتكب فاعله جريمة لا تغتفر، وإلى آفة الجهل المركب مرد هذه الجرائم فإننا نرى أحد أدعياء العلم ممن ضاقت صدورهم وأظلمت عقولهم إذا وقع إليه الكتاب ولمح فيه ما يخالف مألوفه أو رأيه بادر إلى تمزيقه أو فساده، وما نشك أن بعض كتب ابن الفوطي ـ وفي بعض كتبه ما يخالف مألوف الجمهور ـ قد وقع إلى بعض هؤلاء الحمقى الأدعياء فأفسدوها على هذه الصورة، وهذه هي آفة الجهل المركب وهو كما لا يخفى شر من الجهل البسيط، ومجمل القول: نشأ هذا العيب أو الفساد عن العبث ببعض العبارات وتغيير معناها بتغيير أحرفها. هذا من جهة، ولنا أن نقول من جهة أخرى: إنه عيب أو فساد نشأ عن تفكيك نسختنا تفكيكاً قلبها رأساً على عقب فجاءت نسخة ملفقة الصفحات لا تنطبق التراجم في كثير من صفحاتها على الألقاب الموضوعة إزاء التراجم المذكورة.
أوقعنا هذا العبث أو التلفيق كما أوقع غيرنا في أوهام لم نفطن إليها إلاّ بعد مضي زمن غير قليل، ومن تلك الأوهام ما وقع في «اللباب» وهي رسالة لخصناها عن هذا المعجم وسيأتي وصفها عن قريب، ومنها ما وقع في رسالة أخرى لنا عن ابن الفوطي، ومنها ما وقع في كلمة تجدها في مقدمة كتاب (الحوادث الجامعة) أو الكتاب المغفل الذي أطلق عليه الاسم المذكور.
دعاني هذا الفساد الطارئ على النسخة إلى مراجعة ما لي من تعاليق وملاحظات عليها وهي مما لاحظته أو علقته بخطي سنة 1359هـ ـ 1940م أي قبل ثمان عشرة سنة، وقد جاء فيها ما نصه نقلاً عن القسمين الأول والثاني من النسخة المصورة: «في هذه النسخة بأقسامها الثلاثة تشويش من شأنه تضليل المطالعين ولم توضح كثير من التراجم في مكانها ولا بإزاء ألقاب أصحابها ولا بد من إمعان النظر في إصلاح النسخة وإعادة ترتيبها إذا أريد الاستفادة منها». هذه ملاحظة عامة لنا عن النسخة وهاك التفصيل.
الملاحظات
نثبت فيما يلي خلاصة جهد سبق لنا بذله في إصلاح ما طرأ على هذه النسخة من تشويش أو فساد وهي ملاحظات كشفنا بها عن الخطأ ونبهنا على الصواب. وقد كلفنا ذلك عرق القرية وكابدنا فيه ما كابدنا من نصب ومشقة، والغرض من إيراد هذه الملاحظات لا يعدو الإشارة إلى التشويش والتلفيق الذي لحق الأصل المخطوط وضرورة الإصلاح، وهذه هي الملاحظات نقلاً عن ظهر النسخة المخطوطة المصورة:
1 ـ وجدنا في الصفحة (302) تراجم بدون أسماء أو ألقاب وقد كتبنا مقابل ذلك «ابحث عن أسمائهم في الصفحة (166)»، ووجدنا في الصفحة المذكورة ألقاباً بدون تراجمهم كتبنا مقابلها «مضت تراجمهم في الصفحة 202».
2 ـ يوجد عكس ذلك في الصفحة عينها أي يوجد ألقاب وأسماء بدون تراجم كتبنا مقابلها هذه العبارة «مضت تراجمهم في الصفحة 194 فراجعها».
3 ـ كتبنا مقابل الصفحة (350) ـ وقد خصصها المؤلف للملقبين (فخر الدين) ـ هذه العبارة «توجد تراجم في الصفحة 194».
4 ـ وضع قسم من ألقاب الملقبين (فخر الدين) أيضاً في الصفحة «352» ولكن تراجمهم وضعت عبثاً في الصفحة (94).
5 ـ لاحظت في الورقة (111) ملاحظة هذا نصها نقلاً عن ظهر النسخة المذكورة. «التراجم في الصفحة لمن لقبه عز الدولة وعز الشرف لا عز الدين فلاحظ هذا الخطأ والتشويش».
6 ـ لاحظنا في الصفحة (143) ما يأتي «التراجم في هذه الصفحة لمن لقبه عز الدين وقد وضعت تراجم الملقبين عز الدين في الصفحة (83) فلاحظ ذلك».
7 ـ لاحظنا في الصفحة (79) تراجم وضعت لمن لقبهم عز الدين مع أنها لجماعة لقبوا عز الدين، وقد وضعت تراجم هؤلاء الملقبين بعز الدين في الصفحة (83).
8 ـ يلاحظ أن تراجم من لقبهم غرس الدين وضعت خطا أمام من لقبهم عفيف الدين مرة وعضد الدين أخرى، ويلاحظ في بعض الصفحات أن تراجم من لقبه عز الدولة وضعت تجاه عز الدين وبالعكس.
9 ـ في عنوان هذه الصفحة (141) كتب ما يأتي بخط المؤلف «كتاب الفاء من كتاب مجمع الآداب» والمعروف أن اسم هذا الكتاب «تلخيص مجمع الآداب».
10 ـ ورد رقم الصفحة (220) من النسخة الأصلية بعد صفحة (119) فهل كان هذا سهواً فليلاحظ ذلك.
11 ـ قارن بين نصوص التراجم الواردة في صفحتي (126، 181) في النسخة الأصلية للوقوف على حقيقة المترجم لهم فيهما.
12 ـ يلاحظ سقوط عشر أوراق من النسخة وهي الأوراق الكائنة ما بين السابعة والخمسين والسادسة والستين.
13 ـ يلاحظ شيء من السهو في ترتيب أرقام النسخة من بعد الصفحة (12) إذ ينتقل منها إلى الرقم (22).
14 ـ يلاحظ أن النسخة لا تخلو من سهو وتحريف قد يكون من سهو المؤلف نفسه.
15 ـ قد ترد بعض التراجم مكررة فقد يترجم لشخص واحد بلقب ثم يكرر بلقب آخر وفي النسخة مخالفة لبعض القواعد النحوية فيما يتعلق بأحكام العدد المعروفة عند النحويين.
هذا ما لاحظته وأنا معني بدراسة هذه النسخة قبل حوالى أربعين سنة وبعضه منقول عن ظهر النسخة التي قامت بتصويرها وزارة المعارف وهي محفوظة الآن بمكتبة دار الآثار، وتقع النسخة المصورة في ثلاثة أجزاء، وهذه الملاحظات علقتها على أجزائها الثلاثة بعد أن ظهر لي هذا التلفيق.
مثال آخر من الفساد والتحريف
هناك مثالاً آخر من التشويه والتحريف وهو فيما نرى تشويه أو تحريف مقصود تناول جملاً وكلمات للمؤلف، ومن هذا القبيل ما وجدناه في ترجمة رشيد الدين بن غالي الطبيب أو الوزير الهمداني المؤلف المشهور، وهو من أشهر المؤلفين والباحثين في عصر المغول الإيلخانيين، كان ابن الفوطي خصيصاً به قيماً على دار كتبه في تبريز على النحو الذي كان فيه على عهد نصير الدين الطوسي قبل ذلك، ولا يخفى أن رشيد الدين الطبيب ـ مؤلف جامع التواريخ هذا اتهم بالإلحاد وبدس السم للسلطان خربندة والد السلطان أبي سعيد.
وكان لرشيد الدين خصوم كبار في عصره أثاروا عليه خواطر الجمهور في بلاد المغول. فأمر السلطان أبو سعيد بقتله فقتل وأحرقت كتبه ودمرت ممتلكاته، غير أن مؤلفات ابن الفوطي التاريخية حافلة بالثناء على شيخه رشيد الدين الطبيب الهمداني والإشادة بذكره وذكر أسرته وأهل بيته وأثرهم وذلك في هذا المعجم ولا شك أن بعض المناوئين لابن الفوطي ولرشيد الدين الطبيب الوزير المبغضين أو الحاقدين لهما والقائلين بمروقهما اطلعوا على هذه النسخة من معجم ابن الفوطي وما تضمنته من الثناء البالغ على آل الهمداني في تراجمهم، ولا يخفى أن أصلهم من اليهود ففي هذه التراجم كلمات وجمل جردها المؤلف في الثناء على شيخه ومخدومه المذكور ولكنها محيت في النسخة وشوهت ووضع مكانها كلمات مؤداها الطعن والتجريح.
ترتيب العجم
تميز ابن الفوطي بميل ظاهر إلى التفنن في تنسيق مؤلفاته وترتيبها وهو في طليعة المؤرخين أو المؤلفين الذين استعملوا الأشكال والجداول الهندسية في تصانيفه حتى التاريخية منها مما لم يسبق له مثيل، وإلى دراسة الفنون الرياضية أو الهندسية في دار الرصد بمراغة. وإلى الأعمال التي نيطت به في ذلك المعهد مرد ظهور هذا الميل فيه، وقد جاءت بعض مؤلفاته مجدولة منها كتابه المسمى (تنقيح الأفهام في المؤتلف والمختلف) ذكروا بأنه من مؤلفاته المجدولة. وكتاب (درر الأصداف في غرر الأوصاف) مرتب على وضع الوجود من المبدأ إلى المعاد، ومن أشهر كتبه المجدولة هذا المعجم التاريخي الذين نحن بصدده. ولا نبالغ إذا قلنا إنه لا يقل عن أحسن مؤلفات المؤلفين في العصور الحديثة سهولة في المأخذ ولطفاً في التنسيق إلى غير ذلك من الخصائص التي امتازت بها تصانيف العلماء المعاصرين.
راعى المؤلف في إيراد الألقاب حروف المعجم ووضع الألقاب والأسماء والأنساب والكنى والحرف والمهن أو ما إلى ذلك في جداول ومربعات يبدأ بوضع اللقب في مربع ثم الكنية والاسم في مربع آخر ثم يضع اسم الأب في المربع الثالث فاسم الجد في الرابع ثم يضع بالنسبة إلى البلاد أو العشيرة في الخامس فالحرفة أو الصناعة أو المهنة أو المنصب في المربع السادس. أما الترجمة فقد خصص لها عموداً مستطيلاً في الصفحة المقابلة وذلك على الصورة الآتية:
| قوام الدين | أبو نصير يونس | بن محمد بن | عبد العزيز | الأردبيلي | الفقيه | .. الترجمة.. |
| قوام الدين | أبو نصير يونس | بن منصور بن | إبراهيم | الشراتوني | المقرئ | .. الترجمة.. |
| قوام الدين | أبو محمد يونس | بن يحيى بن | إسماعيل | المقدسي | الصوفي | .. الترجمة.. |
| قوام الدين | أبو عبدالله يونس | بن أبي الوفاء محمد بن عبدالله | القاسم | السمرقندي | المحدث | .. الترجمة.. |
ولا حاجة بنا إلى القول إن هذه الطريقة الفنية من حسنات ابن الفوطي في هذا الكتاب.
فن التحري عن الألقاب
لابن الفوطي طريقة جميلة في التحري عن الألقاب واختيارها بعد تنقيب ودرس دقيق لأسفار الأدب والتاريخ من هذه الناحية وبعد التأمل في سير الأعلام الذين يترجم لهم، ولأي علة أطلقت عليهم تلك الألقاب ومتى أطلقت. فكان على قسط كبير من البراعة في الاهتداء إلى ألقاب العلماء والأمراء والملوك والخلفاء والأدباء والمتصوفة إلى طبقات أخرى، كما كان معنياً بهذا الفن متقناً له اتقاناً أشار إليه غير واحد من المؤلفين والمؤرخين فلكل أمير أو كاتب أو قائد أو محدث أو عالم يترجم في معجم ابن الفوطي لقب ولا ملاحظة لنا بشأن كثير من تلك الألقاب المعروفة في أقدم كتب الأدب والتاريخ فإنها ألقاب لها سندها القوي من الروايات والأحاديث التاريخية أي أنها لم تكن ألقاباً مصطنعة. ولكننا نلاحظ كثرة الألقاب ورخصها في عصر ابن الفوطي والعصور القريبة منه خصوصاً الألقاب المضافة إلى الدين أو الدولة فإن كثيراً منها أطلق على جماعة ليسوا أهلاً لذلك فيما نراه، وقد يكون المؤلف غير مسؤول عن هذا الإسفاف في خلع هذه الألقاب الضافية، ولكنه يسأل عن نقل كل ما هب ودب في هذا الباب وعن درجة في الكتاب وهو المؤرخ الذي كنا نحمد له قلة التزيد والفضول وندرة المبالغة فكم من ملقب (فخر الدين) أو (فخر الدولة) أو (فخر الملك) أو (عز الدين) أو (عز الدولة) أو (عز الملك) و(كمال الملك) وغير ذلك لم نجد في سيرتهم طائلاً للدين والدولة والملك ولكنه حب المظاهر والجاه الزائف، والغالب أن الألقاب كانت تباع وتشترى رخيصة في بعض تلك العصور وما أكثر الأمثلة على ذلك فيها خذ مثلاً ما قاله ابن الفوطي في ترجمة محب الدين عبد الجبار بن عبد الخالق بن أكبر البغدادي المدرس وهذا نصه: «تقدم ذكره في كتاب الجيم في ذكرمن يلقب بجلال الدين، وكان لقبه قديماً محب الدين، وسمعت أنه التزم لجماعة من الأئمة والعلماء ضيافة لينقل لقبه إلى (جلال الدين) وأن بعض الأصحاب حضر عنده وصار يخاطبه (محب الدين) فقال له لقبني (جلال الدين) فقال: لم أحظر الوظيفة التي التزمت بها للأصحاب وما أنت عندي إلا محب الدين فالتزم له بالضيافة وأعطاه ما طاب به قلبه».
هذا ما جاء في الجزء من تلخيص معجم الآداب)[31]( وهو مثل من أمثلة التهوس بحب المظاهر الفارغة في العصر المذكور. وهاك مثلاً آخر ننقله لك عن ترجمة ابن الفوطي لابن سنينة السامري الفقيه صاحب كتاب الفروض في الفقه. كان يلقب (نصير الدين) فلما ولي نصير الدين ناصر بن مهدي الوزارة أمر أن يغير لقبه ـ إذ لا ينبغي أن يشارك الوزير في قبه ـ فقال ابن سنينة أنا أغير لقبي فاختار لنفسه لقب (معظم الدين) وهكذا ترجم له ابن الفوطي في باب الملقبين بمعظم الدين، وقد لمح البيروني صاحب (الآثار الباقية) في بحث له ستطلع عليه إلى تفاهة الألقاب ورخصها والإسفاف في خلعها على عهده، وقال: إن سلطان وقته في (غزنة) رد ألقاباً خلعها عليه الخليفة وأرسلها من بغداد.
سبق ابن الفوطي عدد من المؤرخين العراقيين ـ منهم الخطيب البغدادي والدبيتي وابن النجار وابن الساعي وغيرهم من أصحاب المعاجم والمؤلفين في التاريخ والطبقات مثل ياقوت الحموي والعماد الأصفهاني ـ إلى ترجمة جمهرة الأعلام المترجمين في معجم ابن الفوطي ولكننا نلاحظ أن المؤرخين المذكورين قلما عنوا بذكر الألقاب في تراجم من ترجموا لهم، ولا ندري لماذا انفرد ابن الفوطي بذلك وكيف اشتهر القوم بألقابهم هذه في عصر ابن الفوطي على ما نراه في المعجم المذكور، ولعل مرد ذلك فيما نرى إلى تهوس بعض الخلفاء العباسيين المتأخرين وصدور دولتهم وأعيانها بحب الألقاب فلا بد لكل خليفة من لقب يختارونه بالقرعة عند بيعته، ولما مات المستنصر وتقررت بيعة المستعصم ابنه كتبت عدة ألقاب فاختير منها بإذن الخليفة لقب (المستعصم بالله) وبويع بعد ذلك، ومن عاداتهم تلقيب صاحب رتبة جديدة بلقب جديد كما لقب رجل بلقب عضد الدين لإسناد منصب أستاذيه الدار له، وكان له لقب سابق يعرف به وهو بهاء الدين، والحق أن فن تحري الألقاب على كل حال يتطلب الحصول على ذخيرة كافية من المراجع والمآخذ على اختلاف أنواعها، وقد حصل ابن الفوطي والحق يقال على تلك المآخذ والمراجع واعتمد على أمهات الكتب في تأليف معجمه كما يبدو جلياً لمن يتصفح المعجم المذكور، وقد عقدنا فصلاً خاصاً بأسماء المراجع التي وردت في هذا الكتاب، هذا من جهة، ولنا أن نقول من جهة ثانية: إن فن ابن الفوطي عبارة عن تاريخ الكتب وخزائنها ووصفها وتعريفها وبيان موضوعاتها وفوائدها والتنبيه على ما تضمنت من أوايد وشوارد وما إلى ذلك.
ابتذال الألقاب
اصطنع ديوان الخلافة في بغداد عادات الأعاجم وأوضاعهم في منح الألقاب الفخمة على القاعدة المتبعة عندهم بل أسرف الخلفاء المتأخرون في منح الألقاب للأمراء والقادة والسلاطين المتغلبين حتى أصبحت ألقاباً كاذبة مبتذلة، وقد استهجنها من استهجنها من ثقاة المؤرخين بعد هذا العصر وترفع عن قبولها بعض السلاطين، وقد عقد البيروني فصلاً عن استهجان الألقاب الصادرة عن ديوان الخلافة في عصره وندد بالإسراف في منحها ونظم جدولاً لطيفاً بهذه الألقاب وبأسماء الملقبين بها وقال: «إنها ألقاب كاذبة» وصرح بأن بعض سلاطين الدولة الغزنوية الذين منحوا هذه الألقاب من قبل ديوان الخلافة رفضوا التلقيب بها، وقد فرق البيروني أيضاً بين الخلافة العباسية قبل انتقال الملك إلى الديالمة وبين الخلافة المذكورة بعد ذلك وميز بين حالتيها تمييزاً جوهرياً لا يفطن إليه إلا من أوتي حظاً من فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، ولم يكن البيروني ضئيل الحظ من ذلك. على أن هذا المؤرخ الرياضي ربما كان مدفوعاً إلى بحثه أو نقده للخلافة العباسية من هذه الناجية بشيء من الحقد على الديالمة الذين غلبوا بني العباس على الملك فقال ما هذا نصه: «والذي بقي في أيدي العباسيين في آخر أيام المتقي وأول أيام المستكفي أمر ديني اعتقادي لا ملكي دنياوي مثل ما لرأس الجالوت عند اليهود من أمر الرياسة الدينية من غير ملك ولا دولة، فالقائم من ولد العباس الآن إنما هو (رئيس الإسلام) يريد البيروني أن يقول: إن الخليفة العباسي في عصره إنما هو رئيس الإسلام روحياً أي إنه رئيس مجرد عن معنى الوازع والسلطان سياسياً، وعلى كل حال لا تقدح ملاحظاتنا هذه بشأن الألقاب وابتذالها كثيراً بفائدة هذا المعجم ونفاسته ولا يمنعنا أن نعتبره أصلاً من أصول فن الأدب فضلاً عن كونه أصلاً من أصول التاريخ، ومجمل القول أفرغ ابن الفوطي معجمه هذا في قالب فني لطيف من ناحيتين:
الأولى: وقد أشير إليها في الفصل السابق ناحية الشكل وإخراج صفحاته مجدولة كما رأيت.
الثانية: ناحية المادة، فإن أثر الذوق الفني ظاهر في طريقة جمع المادة المذكورة واختيارها إذ عمد المؤلف إلى التنقيب في أسفار الأدب والتاريخ عن الألقاب وعن منشئها أو مصدرها، فهو يعني كما قلنا بالإشارة إلى عللها كما يعني بنقل الحكايات التاريخية والأحاديث الأدبية المتصلة بها في كثير من الأحيان، وإذا كان لبعض الأعلام أكثر من لقب واحد أعاد ذكره في مواضعه مراعياً في ذلك ترتيب الكتاب كما فعل في ترجمة كل من الإمام علي بن أبي طالب وطلحة بن عبدالله مثلاً فإنه عقد لهما فصولاً عدة بحسب ألقابهما في هذا الكتاب.
إنّ فن الاهتداء إلى ألقاب الناس على اختلاف طبقاتهم مع ذكر عللها وبواعثها أحياناً هو الفن الذي عني به ابن الفوطي عناية تامة على ما نراه مشروحاً في المعجمة، والأمثلة كثيرة على لطف ذوقه وحسن اختياره في هذا الباب.
ومن مميزات هذا الجزء والجزء الذي يليه عناية ابن الفوطي بترجمة رجال المال والأعمال والإدارة، وما إلى ذلك، مشيراً إلى خبرتهم واختصاصهم في الأعمال واستثمار الأموال وتطبيق قوانين الملك والإدارة كما سترى ذلك في بعض الفصول الآتية، وفي الكتاب تلميح إلى بعض النظم الاقتصادية والزراعية وذلك على سبيل الاستطراد فقد كانت للمؤلف خبرة واسعة ببلاد المغول ورجالها وحكامها وشتى طبقاتها وخصوصاً بلاد فارس وأذربيجان وتبريز ومراغة عاصمة الدولة الإيلخانية وأران، وهي خبرة استفادها من طول إقامته فيها وكثرة مخالطته لأهلها. ويبدو لنا أن المؤرخ المذكور ألف أو شرع في تأليف بعض أجزاء هذا المعجم ومنها الجزء الرابع والجزء الخامس ـ الذي سيأتي تعريفه ـ بين العقد الأخير من المائة السابعة والعقدين الأولين من المائة الثامنة أي بين سنة 690 ـ سنة 720، ويلوح لنا كذلك أنه كتب بعض فصول هذا الجزء من المعجم أو نقحها على أقل تقدير في مدينة تبريز من حواضر أذربيجان المشهورة.
ثانياً: الجزء الخامس من تلخيص مجمع الآداب.
يتراوح عدد أجزاء هذا المعجم بين الستة والسبعة جلها ضائع أو مفقود، ولم نظفر بعد بذل الجهد في البحث عن هذه المخطوطة إلا بجزءين هما الجزء الرابع ظفرنا به في المكتبة الظاهرية بالشام وقد مضى التعريف به. ثم اطلعنا على الجزء الخامس «قسم الكاف واللام والميم» منه، وقد نشر تباعاً في مجلة علمية باكستانية عن أصل مخطوط وجد في مكتبة جامعة الأزهر، والغالب أنه كالجزء الرابع بخط المؤلف، فإن هذه المجلة نظمت فهارس لبحوثها خلال ست عشرة سنة. ومن جملتها فهرس لنماذج مصورة من خطوط المتقدمين، في مقدمتها نموذج لخط ابن الفوطي نقلاً عن النسخة المخطوطة من الجزء الخامس من تلخيص مجمع الآداب وهي من مخطوطات مكتبة الجامعة المذكورة. ويصح اتخاذ هذا الجزء كسابقه مثالاً للدقة والتحقيق الذي يعني به ابن الفوطي في مؤلفاته فإنه بقي إلى آخر أيامه يصلح هفواته ويحقق أو يشرح ما يحتاج إلى الشرح والتحقيق فيه ويضيف إليه مستدركات من التراجم ومع ذلك بقيت في الكتاب هفوات عاقت مؤلفه بعض العوائق عن إصلاحها، مردها إلى السهو أو إلى الغلط.
ولم يخل هذا الجزء الخامس من ملاحظات تاريخية دقيقة لمحقق الكتاب وناشره، ولا شك من يتصفح هذا الجزء (يلاحظ) أن ابن الفوطي أنجز تأليف معجمه بجميع أقسامه على ترتيب الحروف فإنه أحالنا على تراجم وردت في مختلف حروف المعجم المذكور وقد خصص هذا الجزء من المعجم بباب الكاف واللام والميم.
جرى ابن الفوطي على عادة السلف بالنص على اسم المكان والزمان في الرواية فيقول مثلاً: (حدثني فلان ببغداد في المنزل الفلاني في يوم كذا من سنة كذا… إلخ)، وللمؤلف على هامش نسخة الأصل من هذا الجزء تعاليق تدل على أن هذه النسخة من الجزء الخامس شبيهة بالنسخة الظاهرية من الرابع من شتى الوجوه، أي أنها مسودة المؤلف ونسخة الأصل وعليها كثير من التخريجات بخطه كذلك، والغالب أن هذا الجزء الخامس من نسخة المؤلف كالجزء الرابع في ترتيبه وجداوله إلا أننا لم نطلع على نسخة الأصل منه، وقد طرأ على النسخة ما طرأ على نسخة الجزء الرابع من الفساد والتلفيق والنقص أحياناً على وجه يدل على أن ذلك التلفيق كان مقصوداً، ففي بعض صفحاته تراجم بلا أسماء، وفي أخرى أسماء بلا تراجم على ما رأيت في الجزء الرابع، وعلى هذا يكون الجزء الخامس من هذا المعجم مع الجزء الرابع الذي مرّ ذكره جزءين من نسخة واحدة هي نسخة المؤلف ومسودته بخط يده، وخلاصة القول: نلاحظ وحدة الأسلوب والطريقة في التأليف والتحقيق والإصلاح والاستدراك وإعادة ذكر أصحاب الألقاب بحسب ترتيب ألقابهم على الحروف فنراه إذا شك في أسماء بعض المترجمين بادر إلى إصلاحها أو اشار إلى ذلك.
طرائف الألقاب
ومن الألقاب الطريفة فيه: «المناصح» «مناصح الدولة» «مناصح الخاصة» إقبال بن عبدالله الحبشي أستاذ الدار من مماليك المستظهر العباسي «المنبسط» من الصوفية «عز الأمة».
ومن الألقاب الطريفة أيضاً «معلم الكرم» وهو عبدالله بن جعفر الطيار «المعقل» كمحدث، ربيعة بن كعب بن ربيعة الطائي الأمير. «معلم الخيل». «المعلم» لقب أبي عبدالله محمد بن أحمد العكبري المحدث. «معوذ الحكماء» معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب الكلابي الفارس الشاعر من شعراء الحماسة لقوله:
أعوذ مثلها الحكماء بعدي
إذا ما نائب الحدثان نابا
«المليح» عدة ألقاب منها لقب لطحة بن عبد الله قال: «قد تقدم ذكره في ألقابه المتقدمة». وقد اعتاد المؤلف أن يورد عدة ألقاب لشخص واحد من المترجمين في الكتاب.
«معوذ الفتيان» ناجية الجرمي، لقب بذلك لقصة أوردها في الكتاب «ممهد الدولة» ذكر في هذا الباب عدة ألقاب لجماعة من الأمراء. «المميز» لقبان لبعض الأمراء، وإلى بعضهم ينسب درب المميز في محلة ابن جردة. «ملك العرب» سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي صاحب الحلة قال: (تقدم ذكر نسبه وشيء من أحواله في كتاب السين) «شيخ الشرف».
«ملك الملوك» الديلمي. البويهي المتوفى سنة 440، ومن الفوائد في هذه الترجمة الإشارة إلى اختلاف الفقهاء سنة 436 في جواز استعمال مثل هذه الألقاب.
محمد رضا الشبيبي
(راجع: الحوادث الجامعة)
معجم رجال الحديث
تأليف السيد أبي القاسم الخوئي
كتاب حافل بتراجم الرواة ورجال الإسناد من أصحاب النبي (ص)، وأصحاب الأئمة الطاهرين من عترته (ص)، ومن روى عنهم ووقع في إسناد رواية أحاديثهم في الكتب الأربعة ـ الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار، وبعض المتون الأخرى ككتابي كامل الزيارات وتفسير القمي، فأورد في كل ترجمة نصوص الأصول الرجالية وهي فهرستا النجاشي والطوسي ورجاله ورجال الكشي، ثم عدد شيوخه ثم الراوين عنه ومواضع رواياتهم عنه في الكتب الأربعة إن كانت عشرة أو أقل، وإن كانت تزيد على العشرة ذكر دون العشرة منها وأرجأ الباقي إلى ما يأتي في نهاية كل مجلد من طبقات الرواة، فهناك فهرست كامل لكل رواياته المروية في الكتب الأربعة.
ويعين طبقة صاحب الترجمة، وإن كان فيما بين الكتب الأربعة خلاف فيما يتعلق بصاحب الترجمة، فيذكر الخلافات ويعالجها علاجاً علمياً دقيقاً مستدلاً بشواهد وأدلة تدعمه.
وإن كان ما بين نسخ كتاب واحد منها خلاف، فيذكره تحت عنوان اختلاف النسخ، فيرجّح جانباً بأدلة يوردها.
وكان الكتاب قد طبع في النجف الأشرف في 23 جزءاً واستغرق طبعه أكثر من عشر سنين، ونفدت الأجزاء الأول، وتجدّدت فيها تعديلات فبدئ بطبعه ثانية وصدر أجزاء.
ثم أعيد طبعه في بيروت.
معدن الأنوار
ومشكاة الأسرار
تأليف الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى فجأة في الحرم الحسيني المطهر عند الرأس الشريف عصر يوم الجمعة 27 جمادى الثانية سنة 1271هجرية.
كان المؤلف من علماء الشيعة الذين اهتموا بالقرآن اهتماماً كبيراً ولم يكتف بتأليف تفسير واحد حتى بلغ عدد تفاسيره خمسة في أحجام مختلفة ومواضيع شتى كغريب القرآن والناسخ والمنسوخ والظاهر والباطن وصنف في جميع أبواب علم القرآن بالعربية وأكبرها (كنز العرفان في تفسير القرآن) في سبعة وعشرين مجلداً ضخماً والثاني (بحر العرفان ومعدن الإيمان) في سبعة عشر مجلداً كبيراً والثالث مفتاح الجنان في حل رموز القرآن ويقال تفسير البرغاني والتفسير الوسيط والرابع أسرار القرآن ويقال التفسير الصغير والخامس هو هذا التفسير وهو أصغر من جميع تفاسيره في مجلد واحد ضخم، سلك المؤلف فيه طريقاً خاصاً وجعل بحثه في كليات القرآن ثم تطرق إلى غريب القرآن وجمع فيه أبواباً لا يستغني عنها المفسر والمحقق بحيث لم يعرف له نظير حتى اليوم، وجعله في اثني عشر كنزاً ومقدمة وخاتمة والكنز الأول في بيان نبذ مما يدل على أن لآيات القرآن تأويلات ومفاده غير مقصور على أهل زمان واحد والكنز الرابع في أن الواجب على الإنسان أن يؤمن بظاهر القرآن خلاف قول الباطنية والكنز العاشر في بيان النمط الأوسط الذي يجب الأخذ به والاحتراز عن الإفراط والتفريط والكنز الحادي عشر في بيان سائر التأويلات العامة التي تجري في غير موردها ثم فصل البحث في هذا الباب وتطرق إلى تفسير غريب القرآن حسب حروف الهجاء وشرع بكلمة (الأب) في سورة عبس، ثم في تفسير غيرها وشرح المعنى واللغة والبديع والتأويل والظاهر والباطن ويقع هذا الفصل في (200) صفحة الكنز الثاني عشر في بيان نبذ مما ورد من تأويلات الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور وشرع بـ(ألم) وانتهى كلامه بـ(ن) ثم تطرق إلى كيفية الحسابات الأبجدية وذكر أسامي القراء وكيفة القراءة وعدد الآيات وبيان أسامي السور وفصلاً عن كشف الآيات حسب حروف الهجاء وألحق في آخره عدد كلمات القرآن وبيان حروفه.
توجد منه نسخ عديدة ونسخة خط المؤلف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور في قزوين وكذلك عندنا نسخ مكررة وقمت بتحقيقه وهو جاهز للطبع.
عبد الحسين الصالحي
معرة النعمان
مما لا شك فيه أن «معرة النعمان» من المدن السورية المغرقة في القدم، ويرى الباحثان عبد الرحيم المصري وكامل شحادة أنه قد تعاقب عليها ما تعاقب على البلاد الشامية من أطوار وأدوار، وشهدت من الحروب الدامية، ما شهدته، من غزاة الفراعنة والآشوريين واليونانيين والفرس والرومان والبيزنطيين، وما تزال آثار بعض العهود، ولا سيما العهدين الروماني والبيزنطي، بادية للعيان أو مطوية في جوف الأرض، ولسوف تنكشف مع الأيام، ويشهد المؤرخ أحمد بن أبي يعقوب (اليعقوبي): «أن معرة النعمان مدينة قديمة بالاستناد إلى أطلالها وخرائبها»، ويذكر المؤرخ ابن الشحنة في كتابه (الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب): «أن عدة أعمدة قديمة قد تمّ اكتشافها فيها..» ومن المحتمل أن تكون معرة النعمان قد قامت في موقع (عرّا ARRA) القديمة التي تقع على طريق كالسيس (قنسرين) ـ حماه، والتي ذكرت في كتابة يونانية قبرية، وذلك لتكون محطة للقوافل العابرة من حماه إلى حلب، ومن منطقة الغاب بالبحر إلى بادية الشام وبالعكس.
وللمعرة عدة أسماء اشتهرت بها منذ القديم، وهي:
1 ـ معرة النعمان: ولكلمة المعرة عدة معان في اللغة أبرزها: المساءة والإثم، والأذى، والجناية، والعيب، والأمر القبيح، والغرم، والجرب، وكوكب دون المجرة من ناحية القطب الشمالي… ولقد اختلف الباحثون في أصل التسمية وحقيقة معناها.. وهذا أبو العلاء المعري يرد على بعضهم بقوله:
يعيّرنا لفظ المعرة أنها
من العرِّ قومٌ في العُلا غرباء
ولعل أقربها من المنطق، كما يرى محمد سليم الجندي. إن اللفظ سرياني وأصله (معَرْتا) وتعني المغارة. مدينة المعرة تحتوي عديداً من المغاور التي ما زالت ماثلة حتى يومنا هذا.. ويبدو أن العرب تصرفوا بالاسم وقالوا (معرة) وتاؤها في اللغتين للتأنيث.
وأما النعمان الذي أضيفت إليه، فقد كان اختلاف المؤرخين فيه شديداً، فبعضهم كابن خلكان والبلاذري وأبي الفداء وابن بطوطة وابن العديم وابن الأثير.. يرى أنه النعمان بن بشير الأنصاري، وقيل: إنه كان والياً في حمص، فاجتاز المعرة، فمات له ولد فيها، فدفنه وأقام أياماً حزيناً عليه، فسميت به، وقيل: إنه تديَّرَها فنُسِبَت إليه.
وبعضهم الآخر كياقوت الحموي. يرى أنه النعمان بن عدي بن غطفان التنوخي الملقب بالساطع، ورأى آخرون أنه النعمان بن المنذر، وآخرون أنه النعمان بن امرئ القيس، وقال آخر: إن النعمان جبل مطل على المعرة فأضيفت إليه، إلى آخر ما هنالك من اختلافات وتفسيرات، تجعلنا نرى أنها جميعاً ضروب من التأويل والتخمين لا تعتمد على سند علمي تاريخي.
2 ـ ذات القصور: وقد ورد هذا الاسم عند ابن العديم (في بغية الطلب في تاريخ حلب)، وعند ابن بطوطة في (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار).. وغيرهما على أنه سابق لاسم (معرة النعمان)، وهذا أحد أبنائها الأعلام وهو ابن الوردي يسميها بذلك الاسم في إحدى قصائده حيث يقول:
سلامٌ على ذات القصور، وأهلها
ومستقبلٍ من حسن حال، وما مضى
3 ـ العواصم: والعواصم حصون موانع، يعتصم بها المسلمون فتمنعهم إذا انصرفوا من غزوهم، وخرجوا من الثغر، ومعرة النعمان واحدة منها، وهذا أبو العلاء المعري يسأل عنها وعن أهلها وهو لمّا يزل في بغداد.
متى سألت بغداد عني وأهلها
فإني عن أهل العواصم أسأل
4 ـ وسميت كذلك في التاريخ بمعرة حمص.. ومعرة حلب.. بحسب تبعيتها لهذه أو لتلك.
وتقع المعرة في شمالي سورية ضمن خط العرض (34.45) شمالاً، وخط الطول (36.40) شرقاً، وهي تبعد شمالاً عن حماه (63) كم، وجنوباً عن حلب (85) كم، وشرقاً عن البحر (75) كم، وغرباً عن بادية الشام (80) كم.. وتمتد على مرتفع من الأرض يتدرج في الارتفاع بدءاً من الشرق ليصل غايته في أقاصيها الغربية، ومتوسط ارتفاعها عن سطح البحر نحو (496) متراً، وهي تقسم إلى قسمين كبيرين: الأول: المحلة أو الحارة الشمالية، والثاني: المحلة أو الحارة القبلية، والمشهور من المحلات الآن يقع في المحلة الشمالية، وفي شمالها الغربي تقع قلعتها وحولها خندق من جهاتها جميعاً.
ويحيط بالمعرة بعض التلال، ويتصل بها من الغرب جبل عطّال، ويحيط بها من أطرافها كافة مزارع الزيتون والعنب والفستق الحلبي والتين.. وما إلى ذلك، وما يزال في أرجائها جملة من معاصر الزيتون والعنب القديمة، وليس في المعرة نهر، وشربها من الآبار والعيون والركايا التي يستخرج ماؤها بواسطة الدواليب، وثمة وديان ومسايل حولها تفيض خريفاً وشتاء وربيعاً وتشح صيفاً، ومن أبرزها: مسيل الهرماس، ووديان العين والجنان والمحروق.
ومن الجدير بالذكر أن عدد سكانها كان في القرن الخامس الهجري يتعدى مائة ألف من الناس بكثير، أما اليوم فهو لا يتعدى الـ(30) ألف نسمة، وذلك بسبب الكوارث والنكبات المدمرة التي حلت بها.. وهي الآن مركز منطقة تابعة لمحافظة أدلب.
وتعتبر المعرة كجاراتها، من المدن السورية التي عرفت العهود القديمة، ومع تعاقب الأزمنة توسعت وامتدت وأضحت من أبرز محطات القوافل العابرة من جنوبي الشام إلى شماليها، ومن بحرها إلى باديتها، وأن الآثار التي تتوزع حناياها خير شاهد على قدمها وشأنها وخطرها، فقد شهدت عهود الفراعنة والآشوريين واليونانيين والفرس والرومان والبزنطيين.. ولكن المصادر التاريخية العربية والغربية لا تحفل بالكثير من أخبارها في هذه العهود.. إلى أن أشرقت على ربوعها شمس الإسلام في عام (17هـ ـ 638م) حين دخلتها جحافل الفتح الإسلامي، وفي العهد الإسلامي الأول كانت تابعة لحلب، ثم أضيفت إلى حمص بعد أن تولاها النعمان بن بشير الأنصاري، وفي زمن هارون الرشيد أضحت من العواصم.
ومن ثم تعاقبت عليها دول مختلفة منذ القرن الثالث الهجري والقرون التي تلته، وتوالت عليها خلالها كوارث ومصائب متعددة طمست معالمها وشوهت نضارتها.. من حروب طاحنة، وفتن مدمرة، وغارات مرعبة، وزلازل مفجعة، وحرائق عديدة، فقد اجتاحها القرامطة في سنة (290هـ ـ 902م)، وقتلوا بضعة عشر ألفاً من سكانها، وأقاموا يقتلون وينهبون ويحرقون خمسة عشر يوماً.. ثم دخلت في ملك سيف الدولة الحمداني في سنة (333هـ ـ 944م)، وفي عام (357هـ ـ 968م) احتلها الأمبراطور البيزنطي نقفور الثاني فوكاس، فأحرق جامعها الكبير، وأكثر دورها، وهدم معظم أسوارها، وهرب كثير من أهلها إلى الحصون والبراري والجبال.. ثم ما لبثت أن عادت إلى ملك الحمدانيين من جديد.
وفي عام (418هـ ـ 1027م) حاصرها صالح بن مرداس ونصب حولها المجانيق، وضيق الخناق عليها، واعتقل سبعين رجلاً من شيوخها وأعيانها في محبس الحصن، ولم يطلق سراحهم ويرحل عن المعرة إلا بعد أن توسط أبو العلاء المعري لديه.
وفي عام (457هـ ـ 1064م) أقطعت إلى الملك هارون بن خان ملك الترك، ثم عاث بها السلاجقة وأفسدوا فيها بشكل كثير وفظيع، ثم كان غزو الصليبيين لها بقيادة الكونت ريموند في عام (492هـ ـ 1098م) بعد فتحهم إنطاكية، فوجدوا من أهلها مقاومة غير متوقعة.. ووصلت النجدات إلى الصليبيين، وعمد كونت تولوز إلى بناء برج خشبي أعلى من أبراج البلد واسنده إلى سورها حتى لصق به فكشفه، وأسند السلالم إلى السور فصعده ورجاله على حين كانت رسل الصليبيين تتردد إلى المعرة في التماس التقرير والتسليم وإعطاء الأمان.. وكان دخولهم إلى رحابها، وما لبثوا أن نكثوا بعهدهم وقتلوا خلقاً كثيراً قدره المؤرخين بمائة ألف إنسان، ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم من أموالهم وأمتعتهم.. وطفقت المعرة تصير إلى المسلمين مرة وإلى الفرنجة مرة أخرى، حتى آلت في عام (531هـ ـ 1137م) إلى عماد الدين زنكي، فنقض أسوارها كلها، ولم تعد كما كانت، لكنه رد على أهلها أملاكهم، فعادوا إليها، وسكنوها، وعمرت المدينة عمارة حسنة.
وازدهرت المعرة في عهد نور الدين محمود زنكي (544 ـ 569 هـ ـ 1173م) فبلغ خراجها نحو سبعة آلاف دينار، ونهض في وسطها جامعها الكبير بمنارته المربعة الرائعة، وظلت محطة هامة لحماه نحو الشمال، وكانت كما يقول دوسو: مفتاح حماه.
وانتهت المعرة بعد عام (570هـ ـ 1174م) إلى الأيوبيين وكان يحكمها في سنة (587هـ ـ 1190م) الملك المنصور ناصر الدين بن محمد بن المظفر تقي الدين عمر من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي، ثم أصبحت بعد وفاة الأخير ميداناً لتنازع أحفاده وأولاده، وصارت في عام (626هـ ـ 1228م) للملك الأيوبي المظفر محمود بن المنصور صاحب حماه، الذي نزلها وبنى قلعتها وشحنها بالسلاح والرجال.
وفي عام (638هـ ـ 1240م) نهبتها الخوارزمية بعدما خربوا مدينة حلب.. وما عتم التتار أن اجتاحوها في عام (658هـ ـ 1260م) فخربوا قلعتها واسوارها، وأكثروا فيها القتل والنهب، وتكررت غاراتهم عليها أكثر من مرة.. وكانت مع الزلازل المتوالية ضِغْثاً على إبالة.
وفي عام (710هـ ـ 1310م) صارت حماه ملكاً للملك العالم المؤيد أبي الفداء، وأضيفت إليه المعرة، ثم سلخت عنه وأضيفت إلى حلب، وما لبثت أن عادت إليه ثانية.. وفي عام (748هـ ـ 1347م) أضحت مرتعاً للمغيرين من الأعراب، وكثر فيها السلب والنهب وقطع الطرق، ويذكر القلقشندي في «صبح الأعشى» أن المعرة في ذلك الزمان كانت من مراكز البريد في طريق حلب، وكانت مطاراً للحمام الرسائلي (الزاجل) وأبراجها المقررة الآخذة من دمشق وما تفرع عنها.. ثم أن التتار عادوا إليها من جديد بقيادة تيمورلنك في سنة (803هـ ـ 1401م) وشددوا الخناق عليها، وفتكوا فيها فتكاً ذريعاً، وخلفوها قاعاً صفصفاً.. وصارت بعد أن أثخنتها الجراح إلى المماليك بعد رحيل التتار عنها.
واستولى السلطان العثماني سليم الأول على سورية في عام (922هـ ـ 1516م)، وملك المعرة في جملة ما ملكه منها، وأصبحت منذ ذلك العهد خاضعة للدولة العثمانية، وانتهت في عهدها إلى المصير الذي صار إليه غيرها من البلدان والمدن من الخراب والانحطاط وتفشي الجهالة وندرة النابهين من العلماء والنابغين من الشعراء.
وفي عام (1248هـ ـ 1832م) استولى عليها ابراهيم باشا المصري ابن محمد علي، وأمر بتجنيد الصغار والكبار وتسخير الناس في الأعمال الشاقة، ثم ما لبثت أن تعرضت من بعد للاعتداء والنهب من قبل جنده في عام (1256هـ ـ 1840م) إلى أن عادت إلى العثمانيين في هذه السنة نفسها لترزح تحت نير العذاب والعسف والخسف والخراب.. حتى عام (1337هـ ـ 1918م) حيث انضوت تحت لواء الحكومة العربية، ونعمت كشقيقاتها بالحرية، ولكن ذلك العهد لم يطل، فدخلتها أرتال الجيش الفرنسي في عام (1338هـ ـ 1920م) لتقع كغيرها تحت نير الانتداب الفرنسي، وتخضع لنظمه ومظالمه.
وذكرت كتب التاريخ أن للمعرة سوراً ضخماً واسعاً وكبيراً.. وقد تهدم على يد عبدالله بن طاهر في سنة (207هـ ـ 821م) وأن صالح بن مرداس حاصر المعرة ورماها بالمناجيق من فوق السور، وخرج أبو العلاء المعري لمقابلته من أحد أبوابه، وكذلك وقف دونه الصليبيون حين مهاجمتها، ثم احتلوا وصنعوا برجاً يوازيه ودخلوا المدينة وذكروا أن له أبواباً سبعة هي:
باب حلب ـ باب حمص ـ باب شيث ـ باب حناك ـ باب نصر ـ باب الجنان ـ الباب الكبير. ولكن الأيام ـ كما يقول محمد سليم الجندي لم تدع من هذا السور وأبوابه عيناً ولا أثراً لنتعرف من ثناياها إلى حاله وسماته.
أوابدها الأثرية
سلِ المعرة عن ضافي مآثرها
تجبك عنها من التاريخ أخبار
تزلزلت، ثم قامت وهي شامخة
وأحرقت، ثم ذلت عندها النار
كم من صروح ببطن الأرض غافية
لم تنض عن كنزها الوهاج أستار
وتلك حقيقة.
فمن الثابت أن أغلب أوابد معرة النعمان مدفونة في باطن الأرض، ويدل على ذلك حوادث ومصادفات عديدة منها أن أحد العمال كان يحفر أساساً للبناء، وبينما هو كذلك انهار التراب في الموضع الذي كان يحفره، فلما سكن الغبار، وجد وأصحاب البناء هوة عميقة، وحين حاولوا تبين أمرها وجدوا أنها حدثت في سقف مخزن كبير فيه آنية من الفخار، وهي دقيقة الطرفين، منتفخة الوسط، ذات عنق طويل، ومطلية بطلاء أبيض، وفيها نقوش مختلفة.. وكذلك الأمر حين حفر رجل آخر أساساً لبناء ثانٍ فانحسر التراب والردم عن جزء كبير من حمام مفروش بالبلاط الناعم ووجد فيه مجاري الماء إلى الحمام.. ومن الطبيعي أن ذلك ليس مستغرباً في بلد قديم كمعرة النعمان شهد حروباً وغارات وزلازل لا حصر لها على مدى مئات السنين.. إن لم يكن آلافها.
ولعل من أبرز الأوابد الأثرية الباقية والظاهرة في أيامنا الحاضرة هي:
أ ـ المساجد والزوايا
تضم المعرة بين جنباتها كثيراً من المساجد والزوايا، بعضها يعود إلى القرن الأول الهجري وبعضها الآخر وليد هذه الأيام، ويبلغ عددها الآن (26) مسجداً وزاوية، ومن أبرزها: المسجد الجامع الكبير ـ مسجد يوشع بن نون ـ مسجد الشيخ عطا ـ مسجد السلطان ويس ـ مسجد الهبوبي ـ زاوية بني الكيال ـ زاوية الداودية.. وسنقصر حديثنا على المسجد الكبير فهو أقدمها وأعظمها وأشهرها، ثم نردف بلمحة موجزة عن مسجد يوشع بن نون مظهرين قيمته الأثرية:
1 ـ المسجد الجامع الكبير
يقع في وسط المدينة من الشمال والجنوب، وفي طرفها من جهة الشرق، وله بابان أحدهما من الجهة الشمالية يمكن الناس من دخوله دون المرور بسوق المدينة، والثاني من الباب العظيم من الجهة الغربية، وينزل إليه من ساحة السوق بعشر درجات، على حين كان هذا المسجد يصعد إليه بثلاث عشرة درجة، كما يذكر المؤرخ ناصر خسرو سنة (440هـ ـ 1047م) في رحلته «سفرنامة»، لأنه مبني على أكمة قائمة وسط المدينة، ولكن توالي الخراب جعل المباني ركاماً، وكان أهلوها يبنون على أنقاض القديم.. فصار المسجد الجامع منخفضاً ينزل إليه بدرجات بعد أن كان عالياً يصعد إليه بدرجات.
وفي هذا المسجد الجامع أنماط مختلفة من البناء تدل على أن بناءه لم يكن في عصر واحد، ففي الجهة الشرقية من ساحته جدار روماني وعليه رأسا ثور بارزان جداً وقرص الشمس وأحرف يونانية.. وكلها تدل على أنه كان في الأصل معبداً وثنياً، ولقد تحول في العصر البيزنطي إلى كاتدرائية كبيرة يقوم سقفها على أعمدة أسطوانية ذات تيجان كورانشية تحملها قواعد كبيرة ما يزال على بعضها أحرف يونانية.
ومع فجر الإسلام كما يذكر البلاذري: «صالح أبو عبيدة أهل المعرة على أن تكون كنيستهم العظمى جامعاً»، ولقد بقي لنا في صحن المسجد بناء قائم على ستة أعمدة حجرية أسطوانية تعلوها قبة متوسطة ويسمى هذا البناء «المزولة» وكان يعرف بها دخول الوقت لصلاتي الظهر والعصر.. وفي صحنه وإلى شرق المزولة قبة تحتها بركة من الماء للوضوء «ميضأة»، وهي قائمة على عشرة أعمدة أسطوانية ترجع إلى عهود متأخرة، ويليها من الجنوب الشرقي قبة يسيل منها الماء إلى القبة الأولى، وهي أصغر حجماً منها، وتعود إلى القرن العاشر الهجري.
وللمسجد ساحة واسعة يبلغ طولها من الشرق إلى الغرب (60) متراً وعرضها من الشمال إلى الجنوب حوالى (50) متراً، وفيها مصلى، وهو صفة كبيرة أمام الحرم الشمالي تمتد من شرقيه إلى غربيه في عرض نحو أربعة أمتار، وفيه موضعان للصلاة (حرمان)، أحدهما شمالي والآخر قبلي، فالقبلي، وهو أعظمهما، فيه المحراب ومنبر قديم من الخشب، ويتألف سقفه من ست قباب نصف كروية جميلة ومن عقد يقوم على إحدى عشرة دعامة مربعة، وله ستة أبواب قديمة فتحت منذ بنائه الأول، وباب سابع حديث.
وطول هذا الحرم من الشرق إلى الغرب (41.58) متراً، وعرضه من الشمال إلى الجنوب (11.56) متراً، وفي الجدار القبلي من هذا الحرم، مما يلي المحراب إلى الشرق، كتابة عربية قديمة ترجع إلى القرن الثامن الهجري تدل على تاريخ تجدد عمارة المسجد.
أما الحرم الشمالي فيسمى بـ(الحجازية)، وهو أصغر حجماً من أخيه، وفيه عدة أحجار منحوتة تمثل زخارف نباتية وهندسية تتوضع في الجدار الغربي مما يلي المدخل الغربي نفسه، ويظهر أن الأحجار كانت مستخدمة في بناء سابق، ويتصل هذا الحرم من جهة الغرب بباب المسجد الشمالي ومدخله إلى ساحته، وفي سقف هذا الباب والمدخل غرفة تصل بين منارة المسجد والحجازية، يصعد إليها من الدرج الذي يصعد منه إلى المنارة.
ونصل إلى المنارة، فنرى أنها أجمل أثر عمراني أبقاه الزمن في معرة النعمان، وأنفس ذخيرة حفظتها الأيام لتكون مثالاً يدل على مبلغ الفن العمراني في ذلك العهد.. فهي بديعة الرواء، محكمة البناء، وليس في منارات المساجد في الشام ومصر ـ كما يرى الجندي ـ ما يشابهها في إحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في حلب، إلا أن آثار الجدة والاتقان بادية في منارة المعرة أكثر منها في منارة حلب.
وتقع هذه المنارة الرائعة في زاوية الجامع الغربية الشمالية، وهي منقسمة إلى ثمانية أبراج متساوية في الطول والعرض، وارتفاع كل واحد منها نحو (3.85) أمتار، وأحد الأبراج الثمانية مدفون أكثره في الأرض، وفي كل برج أربع نوافذ من جهاته الأربع، متساوية في الشكل والحجم، ومخالفة لنوافذ الأبراج الأخرى، وفي أعلاها حلفق (درابزون) من حجارة كبيرة يحيط بأطرافها الأربعة، وهو بديع الشكل، دقيق الصنعة، مثقب على نمط متشابه أنيق، وفي الوسط غرفة صغيرة كانت توضع فيها المصابيح التي توقد في شهر رمضان والأيام المباركة.. وفوق الحلفق قبة قائمة على أربعة أعمدة، وفي أطراف المنارة من جهاتها الأربع حجارة بارزة على قدر متساوٍ كالخطوط العريضة من أدناها إلى أعلاها، ويقسم كل برج عن الآخر بمثل هذه الحجارة.. وفي المنارة كتابة تشير إلى تاريخ بنائها على يد قاهر بن علي بن قانت في عام (575هـ ـ 1179م).
ذاك هو مسجد المعرة الجامع الذي أحرقه الأمبراطور البيزنطي نقفور الثاني فوكاس سنة (357هـ)، ثم أحرقه الصليبيون أيضاً في سنة (492هـ)، كما تعرض للخراب في الزلازل العديدة التي ضربت المعرة كلها.. وهو ما يزال شامخاً متسامياً كصورة من أروع صور الحضارة العربية الإسلامية.
2 ـ مسجد يوشع بن نون
ويقع في الجنوب من المعرة، وله باب من جهة الغرب، تعلوه قنطرة ذات مصطبتين جانبيتين، وفوق المدخل كتابة تشير إلى المصلح والباني وهو الملك الظاهري غازي بن صلاح الدين الأيوبي، وإلى تاريخ البناء وهو عام (604هـ ـ 1207م) ولم يبق من البناء الأصلي إلا قسم من الواجهة الخارجية بني بأحجار كلسية كبيرة الحجم، وهو يختلف عن الأقسام الأخرى، وفوق برج المدخل مئذنة مثمنة الشكل أقيمت عليه وعلى الجدار.
وللمسجد ساحة صغيرة مربعة تقريباً، وفي شماليها غرفتان: غربية اتخذها بعض القراء مكتباً لتعليم القرآن الكريم والصلاة، وشرقية يقال: إن فيها قبر يوشع بن نون، فهي تضم تابوتاً خشبياً مغطى بقماش أخضر.. شكلها مربع، تعلوها قبة نصف كروية تستند إلى قناطر أربع.. ويرى الباحثان عبد الرحيم المصري وكامل شحادة أن يوشع لم يدفن في المعرة، وما يذكره الناس وبعض المؤرخين هو نوع من الوهم.
ب ـ القلعة
وتقع في شمالي المعرة، وتقوم على قاعدة كلسية طبيعية مرتفعة يحيط بها ويلتف حولها وادي الهرماس، ويحف بها خندق عرضه (13) متراً، وعمقه الحالي (7) أمتار وكان باطنه مفروشاً بالبلاط، ثم اقتلعه السكان، وزرعوا مكانه أشجار التين والرمان والعنب.. وغير ذلك، وتبلغ مساحتها (2500م)، ولها أبراج عشرة كانت تقوم على قواعدها المتروكة من أصل الصخر، على شكل مستطيل، وما يزال معظمها يحتفظ بأقسام كبيرة من الأحجار الأثرية على الرغم من استخدامها جميعاً في بيوت السكان المحليين.. وكان يدخل إليها من الجنوب، وكان يصل بين هذا المدخل ودعامة في وسط الخندق، جسرٌ متحرك.
ولقد أصاب القلعة في العهد الأيوبي تحوير كبير، وأنشئت فيها الأقبية والمستودعات، ويشغلها اليوم السكان كحجرات واصطبلات.
وفي وسط القلعة مسجد أثري على جدرانه كتابات باليونانية والعربية، وربما كان في الأصل كنيسة ثم تم تحويله إلى مسجد في العهد الأيوبي المتأخر، بنيت جدرانه من الحجر الكلسي، وقام سقفه المعقود على دعائم مشتركة من الجدران، وأبعاده (16.35 × 5.53) متراً، وله محراب وساحة.
ويذكر المؤرخون أن الملك الأيوبي المظفر صاحب حماه، قد بنى قلعة المعرة في عام (631هـ ـ 1233م) وكان هذا البناء سبباً لخراب المعرة والقلعة معاً في عامي (635 و 658) للهجرة.
جـ ـ الخانات
وفي المعرة خانان أثريان:
أولهما: خان مراد باشا، وهو أجمل بناء أثري من العهد العثماني في معرة النعمان، ويقع في شرقيها ويتوسط في شمالها وجنوبيها.. ويتميز ببنائه العظيم المربع الشكل والمحكم الصنع، حتى ليحسبه الرائي كأنه من حجر واحد وأن بانيه فرغ منه حديثاً.. على حين أن (مراد جلبي) حامي دفاتر الديوان السلطانية قد شيده منذ سنة (971هـ ـ 1563م) ليكون وقفاً على أبناء السبيل ودوابهم يؤمونه ويقيمون فيه دون أي أجر مقابل.
ولهذا الخان واجهة خارجية طولها (65) متراً يتوسطها مدخل كبير ما يزال محتفظاً ببابه الأصلي، وتعلوه قنطرة، وفي وسط هذا الخان ساحة كبيرة مستطيلة أبعادها (51.30× 42.40م)، وفي وسطها مسجد واسع مرتفع عن الأرض.
وفي الجهة الشرقية من الخان بناء جميل فيه غرف متعددة ربما كانت مقر الحاكم وأعوانه، وساحات الخان وأروقته كافة مفروشة بالبلاط، وكذلك سقفه، وإلى جانبه من الغرب حمام التكية، وهي من أحسن الحمامات في المعرة.. ومن ذلك جميعه نستطيع القول: إن خان مراد باشا من مظاهر الفن الجميلة في العهد العثماني، وما يزال على غاية من الاتقان والإحكام والاحتفاظ بكامل الأقساط على الرغم من أن المدرسة الابتدائية التي شغلته زمناً قد أحدثت فيه تحويرات وترميمات لا تتلاءم والمصلحة الأثرية في شيء.
وثانيهما: خان أسعد باشا العظم، وهو يقابل الخان السابق من الجهة الجنوبية ويقاربه في الحجم لا في الاتقان والرونق، وقد بناه أسعد باشا العظم في عام (1066هـ ـ 1748م) حينما كان والياً على دمشق.. ولهذا الخان أيضاً واجهة رئيسية طولها (65) متراً، وفي وسطها مدخل كبير تعلوه قنطرة كبيرة، وعلى جنبيه مصطبتان، والخان مربع الشكل له ساحة مرصوفة ببلاط حجري يتوسطها مصلى صيفي، ويحيط بها أربعة أروقة يقوم كل منها على عشر قناطر.. ويلي الأروقة صف من الغرف، وعلى سطح الجانب الشمالي فوق المدخل يوجد طبقة ثانية تشتمل على صف مزدوج من الغرف.. ولقد كانت حالة هذا الخان سيئة جداً ويسكنه بعض البياطرة وعائلاتهم، ولكن المديرية العامة للآثار والمتاحف أخرجتهم وأسعف الخان بالترميمات اللازمة.
د ـ المدارس ودور العلم
تنقل لنا كتب التاريخ أن معرة النعمان كانت زاخرة بدور العلم ومدارس التعليم، ولكن مرور الزمن بأحداثه لم يبق منها إلا اثنتين:
أولاهما: المدرسة الشافعية، وهي أثر رائع يستحق الذكر، وتقع في المحلة القبلية، تولى بناءها الملك المنصور صاحب حماه في عام (575هـ ـ 1179م)، ولهذه المدرسة مدخل جميل جداً من الشرق بقنطرته وزخارفه ونقوشه الهندسية وكتابته الأثرية، وفي المدخل إلى الغرب غرفة صغيرة ذات قبة جميلة نصف كروية صقلت حجارتها وأحكم بناؤها، وتلي ذلك ساحة مستطيلة واسعة في وسطها بئر ماء، وتقوم في الجهة الجنوبية غرفة اتخذها الناس مصلى.. وأما الغرفة الأخرى فقد عبثت بها يد الناس، فضمت إلى عقارات مجاورة.. ويوجد في الجهة الشمالية غرفتان بقيتا تستخدمان لتعليم الصبيان.. وأما سبب تسميتها بالمدرسة الشافعية، فهو أن الباني أوقفها على مذهب الإمام الشافعي كما هو واضح في الكتابة الأثرية على بابها الخارجي.
وثانيتهما: المدرسة الشافعية أيضاً، وقد بناها الشيخ عمر بن الوردي في النصف الأول من المائة الثامنة للهجرة، وشيد جامعها على مثال الجامع الأعظم في حلب.. ولكن الزلازل والإهمال لم يبقيا منها سوى قطعة بناء تستخدم مسجداً باسم مسجد ابن الوردي يتألف من حرم صغير، وسقفه قبة تقوم على دعائم مربعة ملصقة بالجدران، وأبعاد هذا الحرم (6.65 × 5.70م) فقط، ولقد بني إلى جواره، وحوله مسجد جديد باسم جامع عمر بن الوردي.
هـ ـ الحمامات والدور والمساكن
ما يزال في حنايا المعرة بعض الحمامات القديمة وأهمها: حمام التكية، وهي المتصلة بخان مراد باشا.. والحمام التحتانية في المحلة الشمالية.. وحمام الزهور في شرقي المدينة.. وحمام السيد يوسف، على أن أبرزها وأوسعها وأحكمها بناء هي الحمام التحتانية.
وأما الدور والمساكن القديمة، فقد اندثرت بفعل الحروب والفتن والغارات والزلازل، ولم يبق من ذلك جميعه إلاّ جدار هنا وقبة هناك، ولعل دار السيد يوسف كبير الأسرة التي تنتسب إليه هي أعظم دار قديمة، وتقع في المحلة القبلية، وتمتاز بساحاتها الفسيحة، ومرابط خيلها ومغاراتها وغرفها وحدائقها وقصورها الشاهقة وحماماتها الكبرى وجامعها.. فكأنها مجمع كامل.. ولكن من المؤسف أنه قد عمد إلى تقسيمها وإقامة الجدران بين أقسامها فضاعت سماتها ووهنت أجزاؤها.
أسواقها
وفي المعرة سوق عظيمة، مبنية في أوقات مختلفة على أشكال مختلفة، وتضم حرفاً وصناعات وتجارات مختلفة، وقد كانت لسوق المعرة في القديم سبعة أبواب تقفل بعد المغرب، وتفتح بعد الفجر، ولها حراس موظفون، وحراس في وسط الأسواق.. ثم بطل ذلك بعد تغير العمران وزوال الأبواب ويلفت النظر أروقة أمام بعض الدكاكين، وسقوف حجرية فوق بعض الأجزاء.
ولعل أشهر أسواقها حديثاً، سوق السبت، الذي يستقطب القرى المحيطة بالمعرة كافة، بالإضافة إلى جمع غفير من أبناء المدن المجاورة كحلب وأدلب وحماه.. والذي يبدأ مع فجر كل سبت ويستمر حتى عصره، ويتخذ من شارع أبي العلاء على امتداده ورحابته مقراً له، وهو على غرار الأسواق العربية القديمة حيث تعرض مختلف أنواع السلع والبضائع والأطعمة وما إلى ذلك على الأرض أو على قطع خشبية أو قطع قماش.
المعرة والأدب والفكر
لا شك أن المعرة ذات شأن في تاريخ الأدب والفكر، ولقد أطنب المؤرخون والمؤلفون بهذا الشأن الخطير كياقوت الحموي وابن العديم والقزويني والزبيدي وغيرهم.. فابن العديم يقول في تاريخه: «ويغلب على أهلها الذكاء المفرط، وخرج منها جماعة من العلماء والشعراء..» )[32](.
ومن الطبيعي أن في مقدمة هؤلاء جميعاً أبا العلاء المعري الذي ولد في المعرة عام (363هـ ـ 973م)، وأصيب بفقد نظره وهو لما يزل في الرابعة من عمره، ثم انقطع إلى العلم والفكر والمعرفة. وتوفي فيها سنة 449 (1057م).
وهناك زين الدين عمر بن المظفر المعروف بابن الوردي الذي ولد فيها عام (691هـ ـ 1291م) ونبغ في علوم مختلفة، فكان فقيهاً وعالماً وأديباً ومؤرخاً وشاعراً.. ولقد توفي عام (749هـ ـ 1349م) ودفن في المعرة نفسها، وهو صاحب القصيدة التي مطلعها:
اعتزل ذِكْرَ الأغاني والغَزلْ
وقلِ الفصْل، وجانِبْ مَن هزلْ
وخلف آثاراً كثيرة من أبرزها:
تتمة المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ـ مقدمة في النحو ـ البهجة الوردية في الفقه ـ اللباب في علم الإعراب ـ بحور الشعر ـ اختصار ألفية ابن مالك ـ خواص الأحجار والجواهر.. وديوان شعر ضخم.
وفي قائمة أدب المعرة وفكرها نجد في القديم أسماء عديدة نذكر منها في دنيا الشعر والأدب: ابن الدويدة ـ القنوع ـ أبو الفتح التنوخي ـ أبو يعلى حمزة ـ أبو يعلى عبد الباقي ـ أبو الرضا عبد الوهاب.. وجميعهم من مشاهير القرن الخامس الهجري.. وأبو سهل عبد الرحمن بن مدرك وسالم بن عبد الجبار.. من القرن السادس الهجري، وتقي الدين أو محمد التنوخي من القرن السابع الهجري.. وغيرهم كثير.
الجنة الخضراء
والمعرة كانت وما زالت جنة خضراء، فهذا ابن جبير يقول في رحلته:
«وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها، وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً».
وابن بطوطة يؤكد على تصديرها الفواكه للأمصار فيقول في رحلته :
’’أكثر شجرها التين والفستق، ومنها يحمل الى مصر والشام..‘‘
«وأما في يومنا هذا، فالزيتون الأخضر وما يزال محيطاً بالمعرة، وتقدر أعداد أشجاره بـ(400) ألف شجرة، وأما غراس العنب فتتعدى الـ(750) ألفاً، ويشير آخر إحصاء لأشجار الفستق الحلبي إلى أنها تربو على (370) ألف شجرة، والتين (297) ألف شجرة.. وقل مثل ذلك في أشجار الكرز واللوز والرمان والتفاح والمشمش.. مما يجعل المعرة وضواحيها الجنة الخضراء.
وليد قنباز
معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين
أو اختيار الرجال أو تلخيص رجال الكشّي
بقلم: مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها السيد علي الخامنئي
يعود اصل هذا الكتاب إلى الشيخ أبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي)[33]( (المتوفى في أواسط القرن الرابع). كان موسوماً بـ«معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» وكانت قد وقعت فيه أخطاء واشتباهات وإضافات، فاهتم الشيخ الطوسي بتلخيصه وتهذيبه، وأطلق عليه اسم «اختيار الرجال» وبناء على رواية السيد علي بن طاووس في كتاب «فرج المهموم» من نسخة بخط المؤلف، شرع في إملائه على تلامذته يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456.
1 ـ مشخصات الكتاب
موضوع هذا الكتاب، تاريخ الرجال وذكر طبقاتهم. ومبناه على ذكر الروايات الواردة في مدح الرجال والقدح فيهم، دونما إظهار للرأي في تلك الروايات.
ففي ذيل اسم كل رجل من الرجال. يأتي بحديث أو عدة أحاديث مسندة ذكر فيها الشخص المعني بصورة من الصور. وأحياناً ما تكون هذه الأحاديث محلاً للنظر من حيث ما تتضمنه من مدح أو قدح، أو تكون متعارضة أحدها مع الآخر. ففي هذه الحالة التي عادة ما تقتضي ترجيح أحد الحديثين، يمسك عن الكلام مكتفياً بما تقدره الروايات، اللهم إلا في بعض الموارد، حيث يبدي اعتقاداً بخصوص الشخص المعني أو السند أو مضمون أحد الأحاديث.
فمثلاً: في شرح حال زرارة بن أعين، بعد أن ذكر حديثاً في مذمته هكذا سنده «محمد بن الكرماني، عن أبي العباس المحاربي الجزري، عن يعقوب بن يزيد عن فضالة بن أيوب…» يقول: «محمد بن بحر هذا غال، وفضالة ليس من رجال يعقوب، وهذا الحديث مزاد فيه، مغير عن وجهه»)[34](.
والكتاب، لا يقتصر على رجال الشيعة فحسب ولا ينحصر في الموثقين والممدوحين قط. فكما أن فيه شرح حال زرارة وجه الشيعة المشرق، فيه أيضاً شرح حال أبي الخطاب المقلاص الغالي المعروف. إلا أنه اقتصر من غير الشيعة على ذكر من رووا للشيعة واعتبروا في عداد رجال الحديث الشيعة)[35]( فوجود اسم شخص في هذا الكتاب ليس دليلاً على كونه شيعياً ولا برهاناً على كونه ثقة. كما أن عدم وجود اسم شخص لا ينفي تشيعه أو يثبت ضعفه.
وفي مستهل الكتاب، ينقل سبع روايات في مدح الرواة وحملة الحديث، وأربع روايات تختص بأصحاب علي (ع) ومقربيه، ثم يأخذ في ذكر أسماء الرجال، فيذكر اسم صاحب الترجمة في البداية، ثم يعقب بما تقرره الروايات في حقه.
مثلاً: «زيد بن صوحان ـ جبريل بن أحمد، قال حدثني موسى بن معاوية بن وهب.. إلى آخره». فالشخص المعني في العنوان عاليه «زيد بن صوحان»، و«جبرائيل بن أحمد» هو الراوي الأول في سلسلة الحديث الذي نقل بخصوص زيد بن صوحان. وبعد هذا الحديث يشرع في الحديث الثاني على هذا النحو: «علي بن محمد القتيبي قال… إلى آخره» وبهذا الترتيب ينقل جميع الروايات التي وردت في زيد بن صوحان بالتوالي.
وأحياناً، يشخص اسم الشخص المعني بكلمة «في». مثلاً «في الحسين بن بشار ـ حدثني خلف بن حماد قال حدثنا… إلى آخره». أي أن «حسين بن بشار» هو مورد الترجمة. وأحياناً يبدأ المطلب على هذا النحو: «ما روي في». مثلاً: «ما روي في الحسن بن محبوب».
والروايات التي تنقل في ذيل كل عنوان أيضاً، تبدأ أحياناً بكلمة «حدثني» وأحياناً بجملة «وجدت بخط فلان»، وأحياناً بدونهما مقتصراً على اسم الراوي الأول.
ويبلغ مجموع من ذكر في هذا الكتاب من الرجال 515 شخصاً، مندرجة في ستة أقسام حسب التقدم والتأخر الزمني.
أما أسماء الرجال فلا أساس في ترتيبها، فلا هي على أساس تاريخ الوفاة ولا هي على أساس صحابة آل البيت (ع) ولا هي على أساس أبجدية الأسماء، الأمر الذي يجعل العثور على شرح حال شخص ما أمراً صعباً. والنسخة المطبوعة في بومباي، ترتب فهرست الأسماء بنفس الترتيب الكائن في الكتاب مع ذكر رقم الصفحة الخاصة، مما يسهل أمر المراجعة إلى حد ما. إلا أنه أحياناً، عندما تكون الروايات الخاصة بشخص ما موزعة على مواضع مختلفة من الكتاب ـ وما زال «فهرست الأعلام» لم ينضم بعد إلى النسخة المطبوعة ليجبر هذه النقيضة)[36]( ـ فإن العثور على عنوان الشخص المعني، لا يكفي للاطمئنان إلى تحقيق الاطلاع على جميع ما يرتبط به من الاطلاعات.
2 ـ نسبة الكتاب إلى الشيخ الطوسي
هناك اختلاف في نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ. وتعتقد غالبية علماء الفن أن الكتاب موضوع البحث منتخب منقح جمعه الشيخ الطوسي من كتاب رجال أبي عمرو ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي. كما أن عنوان الكتاب يؤيد هذا الرأي إلى حد ما.
والقول الآخر إن الكتاب الموجود هو أصل الكشي بعينه لا منتخب الشيخ. وهذا الرأي صادر من أحمد بن طاووس الحلي (المتوفى سنة 673) وتلميذيه العلامة الحلي (648 ـ 726) وابن داود الحلي (المتولد سنة 647))[37](. إلا أن عدة من الدلائل والشواهد تؤيد بشكل قاطع نسبة الكتاب إلى الشيخ، وكونه منتخباً. وإليك بعض هذه الدلائل:
علي بن طاووس (المتوفى 664 ـ أخو أحمد بن طاووس الذكور) في كتاب «فرج المهموم» يذكر نسخة من هذا الكتاب، كتب فيها بخط الشيخ بالذات أن: «هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز واخترت ما فيها»)[38](. وهذه العبارة تدل صراحة على أن الكتاب الموجود منتخب الشيخ الطوسي لا أصل الكشي.
والشيخ في فهرسته أثبت نسبة اختيار الرجال إلى نفسه، وعده بين آثاره العلمية)[39](. ومنذ ما بعد الشيخ حتى الآن، وهذا الاسم منطبق على هذا الكتاب موضوع البحث، ولا أثر هناك لكتاب آخر بهذا الاسم. والشيخ النجاشي صاحب الفهرست المعروف، معاصر الشيخ الطوسي كان في بعض الموارد ينقل من كتاب الكشي موضوعاً لا توجد له أي إشارة في الكتاب الموجود حالياً)[40](. وهذا دليل على أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي ـ التي كانت في متناول اليد أيام النجاشي وكانت مورد الاستفادة ـ غير كتاب «الاختيار» الحالي. وأن الكتاب الموجود منتخب وملخص من كتاب الكشي وليس أصلاً)[41](.
وأياً ما كان، فإنه لا مجال للشك في أن ما هو في اليد بعنوان «رجال الكشي» منذ عدة قرون حتى الآن، ليس شيئاً آخر غير منتخب الشيخ الطوسي هذا. وأغلب الظن أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لم تقع في يد أي من علماء الفن بعد أيام الشيخ، وأنها انقرضت بالكلية. والوحيد الذي يظن أنها كانت عنده، هو الشهيد الأول، لأنه في حاشيته على كتاب «الخلاصة» للعلامة، بعد أن نقل أحد المطالب من اختيار الرجال، نقل نفس المطلب من كتاب الكشي بصورة أخرى)[42]( وهذا يدل على أنه علاوة على وجود اختيار الرجال عنده أن أصل كتاب الكشي كان عنده أيضاً، وأنه قابل أحدهما بالآخر وطابق بينهما. ولكن المحقق الشوشتري المعاصر مؤلف قاموس الرجال (المتمتع بمقام رفيع في هذا الفن) يعتقد أن الشهيد قد اشتبه عليه أمر الكتاب الذي في يده، فتوهم نسخة من اختيار الرجال على أنها أصل كتاب الكشي، لأن نسخ اختيار الرجال تختلف الواحدة مع الأخرى في بعض الموارد. وأحسن شاهد على سهو الشهيد، أن هذه الجملة بعينها التي نسبها الشهيد إلى كتاب الكشي، نقلها المولى عناية الله القهـﭘائي)[43]( (مرتب اختيار الرجال) من اختيار الرجال.
ويستفاد من بعض كلمات العلامة في كتاب (الخلاصة) أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي كانت لديه، لأنه كان في بعض الموارد ينقل مطلباً من الكشي مع عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» على حين أنه لا توجد إشارة للمطلب المذكور في اختيار الرجال. ولكن مع التوجه إلى أن العلامة في كتاب الخلاصة ينقل عين عبارات أصحاب الأصول الرجالية لا مطالبهم فقط، يمكننا الاطمئنان إلى أنه في الموارد المذكورة عبارة «ذكره الكشي» أو «قال الكشي» أيضاً مأخوذة من الكتب المذكورة، مثل كتاب النجاشي أو فهرست الشيخ، وليست من العلامة، وفي هذه الحالة يكون نقلهم للمطلب من كتاب الكشي لا العلامة)[44](.
والنتيجة، أنه منذ أيام الشيخ الطوسي والنجاشي لم يعثر أحد من علماء الفن على أثر لأصل كتاب الكشي أو كان لديه اطلاع عنه. كما قيل إن هذا الكتاب لم يكن رائجاً قبل الشيخ. وبعد الانتخاب منه وتلخيصه سقط من التداول بالكلية، واكتسب المنتخب اعتباراً أكثر نظراً إلى مكانة منتخبه فاحتل مكانه.
ويمكننا من عبارة النجاشي بخصوص الشيخ الكشي، إذ يقول: «له كتاب الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»)[45]( ومن تناول الشيخ الطوسي له بالتنقيح، أن نستنتج أن النسخة الصحيحة المتقنة من الكتاب لم تصل حتى إلى الشيخ أو النجاشي، أو أنها في أصلها بالذات كانت كتاباً مليئاً بالخطأ. وهذا أيضاً في حد ذاته يحتسب عاملاً لإهمال الكتاب بعد اختيار الشيخ.
ويعتقد مؤلف قاموس الرجال، أن منظور النجاشي من الجملة: «وفيه أغلاط كثيرة» أن في أصل الكتاب خطأ في المطالب، لا أن الخطأ والتصحيف تطرق إليه فيما بعد عن طريق النساخ والكتاب. وإذ ذاك يبدي المحقق المذكور رأيه بأن هذا الحكم من النجاشي بلا أساس، وأن الأخطاء الموجودة في كتاب الكشي فاحشة كالكشي)[46]( وما أعجب هذا الرأي من المحقق! إذ أنه مع قبول افتراض أن النسخة الأصلية من كتاب الكشي لا وجود لها، من أين له أن يعلم أو يقدر أن أخطاء الكتاب فاحشة أو غير فاحشة، وأن يحكم ويظهر الرأي في إمكان أو عدم إمكان نسبتها إلى الكشي؟! وبعبارة أخرى: على أخطاء أي كتاب يدور الكلام؟ كتاب اختيار الرجال؟ هذا الكتاب الذي تأتى من صافي تحقيق الشيخ الطوسي وتنقيحه، وما كان النجاشي ليحكم عليه بطبيعة الحال؟ أم أصل كتاب الكشي؟ ولم يبق منه طول القرون إلا اسمه؟ وفي الحالة الثانية، من أين تأتى لمؤلف قاموس الرجال أن يعرف أنها أخطاء فاحشة وينزه الكشي عن ارتكابها؟!
وعلى أية حال، إذا قبلنا أن أخطاء أصل كتاب الكشي ناشئة عن تصحيف النساخ، وليست معلولاً لخطأ المؤلف، فلا مندوحة قد وجب البحث عن علة تحريضه في عدم اعتناء معاصريه بكتابه. لقد كان هو وأستاذه العياشي ينقلان عن الرواة ضعيفي الحال، وهذا يحتسب طعناً كبيراً في عرف القدماء، نفس الأمر الذي أدى إلى ترك كتابه وهجره حال حياته وبعدها، مما ترتب عليه تحالف التحريف والتبديل على نسخه.
والعجب أن كتاب «اختيار الرجال» أيضاً وهو المنتخب المنقح من ذلك الكتاب، ولا شك في أنه أصلاً بريء من كثير من اشتباهات كتاب الكشي وأغلاطه، هو الآن مصاب بتحريفات وتصحيفات واشتباهات كثيرة.
وعلى حد قول العلامة الكلباسي مؤلف «سماء المقال»)[47]( فإن هناك قرائن تشير إلى تعرض هذا الكتاب لتطاول يد الحدثان وأسقطت وحذفت منه مطالب بمرور الزمان. كما أن المحدث النوري في خاتمة كتاب «مستدرك الوسائل» يذكر موارد نقل فيها مؤلفو الكتب الرجالية مطلباً من «اختيار الرجال» وهذا المطلب لا يوجد في النسخة الموجودة من الكتاب.
علاوة على كل هذا ـ كما أشرنا ـ فإنه تشاهد في النسخة الموجودة أخطاء وتصحيفات أشار الرجاليون المتأخرون إلى بعضها. ويعتقد المحقق الشوشتري أن أخطاء هذا الكتاب تفوق الحصر، وأن الموارد الصحيحة المصونة منه تعد على الأصابع. ومن الأخطاء التي يشير إليها المحقق، أنه في كثير من العناوين تختلط الأحاديث المتعلقة بشرح حال شخص، بالأحاديث المتعلقة بشرح شخص آخر، أو بأحاديث سمّيه من طبقة أخرى. مثلاً الأحاديث الخاصة بـ«أبي بصير ليث المرادي» اختلطت بالروايات الخاصة بـ«أبي بصير يحيى الأسدي». كما عرّف «الحميري» وهو من أصحاب العسكري (ع) في عداد أصحاب الإمام علي بن موسى الرضا (ع). ومنها أيضاً أن أول رواية في حالات «عبدالله بن عباس» ذكرت خلال الأحاديث الخاصة بـ«خزيمة» الذي عنون قبل عبدالله. وأنه قد ذكرت في ذيل اسم «محمد بن زينب» المكنى بـ«أبي الخطاب» ثلاث وعشرون رواية لا ترتبط به من أي وجه)[48](.
وواضح جداً، أن هذا القبيل من الأخطاء ليس مما يشتبه على شخص كالكشي أو كالشيخ الطوسي أو أنها تصدر عنه. ولا يرقى الظن بنسبتها إلا إلى المستنسخين والكتاب.. كما يبعد عن التصديق أن بعضاً من الأخطاء الأخرى الموجودة في هذا الكتاب من قبيل الاشتباه في تاريخ وفاة حماد بن عيسى، وتعيين سني حياة معاوية بن عمار، وتحريف جبرائيل بن أحمد الفارابي إلى جبرائيل بن محمد الفارابي الموجود في أول الكتاب، وأمثالها مما أشار إليه العلامة الكلباسي في سماء المقال: تنسب إلى الشيخ الطوسي.
وبناء على منا قلناه، يمكن الحكم بأن رأي «مولى عناية الله القهبائي» في اعتبار هذه الأخطاء من الشيخ، واعتقاده أن أصل كتاب الكشي كان مبرأ وخالياً منها، خلاف التحقيق تماماً وادعاء بلا دليل.
3 ـ اسم أصل كتاب الكشي
لم يذكر اسم كتاب الكشي في ذيل حالاته بأغلب كتب القدامى مثل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، واقتصرت على أصل وجوده.
فالشيخ الطوسي في «الفهرست» تحت عنوان «أبو عمرو الكشي» يقول: «ثقة بصير بالأخبار وبالرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال…»)[49]( وعبارة النجاشي في هذا الصدد أيضاً لا تزيد الأمر إيضاحاً: «كان ثقة عيناً، وروى عن الضعفاء كثيراً وصحب العيّاشي وأخذ عنه وتخرج عليه في داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم، له كتاب الرجال»)[50](.
وعلى قدر اطلاعنا، فإن أول من ذكر اسماً لكتاب الكشي هو ابن شهر آشوب (المتوفى سنة 588) صاحب كتاب «معالم العلماء». ففي هذا الكتاب الذي يعتبر ذيلاً وتتمة لفهرست الشيخ، ذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين»)[51]( وبقرينة التقارب بينه وبين الكشي والشيخ، لا يبقى مجال للشك في أن قوله مستند إلى قرائن قطعية، وأن اسم كتاب الكشي هو هذا الذي ذكره.
والشيخ الطوسي في الفهرست في ذيل عنوان «أحمد بن داود بن سعيد» بعد أن نسب إليه كتباً متعددة، يقول: «ذكره الكشي في كتابه في معرفة الرجال»)[52](. واستند مؤلف سماء المقال إلى هذه العبارة، وظن أن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال» ونسب هذا الظن إلى الشيخ أيضاً، على حين أن هذه العبارة تقتصر على بيان أن كتاب الكشي كتب في معرفة الرجال، وليس فيها أي ذكر لاسمه. ويحتمل أن تكون هذه العبارة في النسخة التي لدى الكلباسي على هذا النحو: «ذكره الكشي في كتابه معرفة الرجال» (بحذف كلمة في) ومن ثم وقع صاحبنا في مثل هذا الزعم.
وفي النسخة المطبوعة من كتاب «اختيار الرجال» (طبع بمباي سنة 1317) أيضاً في آخر الجزء الخامس، ورد ذكر كتاب الكشي على هذا النحو: «قد تمّ الجزء الخامس من كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال…» والملاحظ في هذه العبارة أيضاً خلوها من أي تصريح بأن اسم الكتاب «معرفة الرجال».
والعلامة المجلسي)[53]( وكذلك من معاصرينا مؤلف قاموس الرجال)[54](، قالا: إن اسم كتاب الكشي «معرفة الرجال»)[55]( ولكن بالنظر لما قدمناه، فإن هذا القول يعوزه الدليل)[56]( ولا يجوز العدول عما ارتآه ابن شهرآشوب، لما يتمتع به رأيه من رجحان.
ويمكننا على ضوء ما قلناه، أن ندرك أن اسم «معرفة أخبار الرجال» أيضاً المسمى به كتاب الكشي في أول النسخة المطبوعة في بمباي وآخرها، لا وجه له ولا دليل. فعلاوة على أن الكتاب الموجود المطبوع، تأليف الشيخ الطوسي وموسوم بـ«اختيار الرجال» لا «معرفة أخبار الرجال»، فإنه لا يوجد في المدارك أو المآخذ محل الاطمئنان، أية إشارة أصلاً إلى مثل هذا الاسم لكتاب الكشي. وكأن الذي باشر الطباعة أو أحد المستنسخين استفاد من تركيب عبارتي «كتاب أبي عمرو الكشي في أخبار الرجال» و«كتاب أبي عمرو الكشي في معرفة الرجال» اللتين ذكرتا في بعض كتب الرجال أثناء ذكر كتاب الكشي وزعم أنها اسم الكتاب.
4 ـ طريقة انتخاب الشيخ وتلخيصه
إن الأخطاء والزوائد كما أشرنا دائماً، هي أخطاء وزوائد كتاب الكشي، الذي نهض الشيخ الطوسي بتهذيبه وتلخيصه حتى أخرج كتاب «اختيار الرجال» إلى الوجود. وبقي علينا أن نرى من أي قبيل هذه الأخطاء والزوائد، وكيف تصرّف الشيخ بالنسبة لها.
يزعم البعض)[57]( أن كتاب الكشي مشتمل أصلاً على رجال عامة وخاصة، وأن الشيخ أسقط العامة وخصص كتابه بالاختيار لتوجيه رجال الشيعة. إلا أنه بالنظر إلى أن النسخة الموجودة من الاختيار تشتمل على أسماء جمع من رجال العامة أيضاً، يتضح خطا هذا الزعم. والمحقق أن كتاب الكشي أيضاً كغيره من كتب الرجال العديدة من قبيل فهرست الشيخ وفهرست النجاشي، كتبت لترجمة الشيعة وغير الشيعة ممن رووا للشيعة وعن أئمتهم أيضاً. ومن ثم نشاهد في كتاب الاختيار أسماء أشخاص مثل محمد بن إسحاق ومحمد بن المنكدر وعمرو بن خالد و…، مع أنهم ليسوا من الشيعة، وذلك لأنهم رووا عن أئمة الشيعة.
وأغلب الظن، أن الشيخ في تلخيصه وانتخابه كان ينظر قبل الرجال المذكورين في الكتاب إلى الروايات التي ذكرت تحت أسمائهم. وإذا كنا على استعداد لقبول ما يفترض من حق الشيخ في إسقاط عدة من أصحاب التراجم في أصل الكشي بجهة من الجهات، فإنه من باب أولى أن نعترف بحقه في أن يسقط أو يصحح ما يجده ـ فيما أورده الكشي من الأحاديث بمناسبة المترجم لهم ـ مخدوشاً في نظره من حيث السند أو ارتباطه بالمترجم له. وهذا يبدو أقرب وأليق بمقام الشيخ والكشي من أي احتمال آخر بالنسبة لطريقة تلخيص الشيخ واختياره أو انتخابه.
ويمكننا أن نستنتج بناء على بعض القرائن، أن الشيخ في كتاب الاختيار، لم يذكر جميع القضاة الواردين في أصل كتاب الكشي. فمثلاً، في الفهرست، بعد أن ذكر «داود بن أبي زيد النيشابوري» وصرح بأنه ثقة وصادق، كتب: «وله كتب ذكرها الكشي وابن النديم في كتابيهما» على حين أن النسخة الحالية لاختيار الرجل خالية من اسمه. وعليه، إذا سلمنا بأن المراد من كتاب الكشي المشار إليه في العبارة عاليه، هو كتاب «معرفة الناقلين» يعني أصل كتاب اختيار الرجال، مع فرض أن نسخة الاختيار الحالية لم تتعرض في هذا القسم إلى التحريف والإسقاط، فلن يبقى هناك شك في أن تصفية الشيخ شملت قسماً من الرجال الثقاة.
5 ـ ما دار حول محور «اختيار الرجال» من تأليف
كتاب اختيار الرجال كما قلنا في البداية، أحد الكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال. وكان دائماً فيما بعد الشيخ الطوسي من الأزمان معقد نظر علماء الشيعة ومورد مراجعتهم. ونتيجة لهذه العناية والاهتمام تمت على مر الزمان عدة أعمال علمية ظهرت في صورة كتب تدور على محوره. ولما كان الكتاب المذكور غير مرتب أصلاً وغير مفصل بصورة كاملة، مما جعل الرجوع إليه والاستفادة منه أمراً شاقاً. فإن أغلب هذه الأعمال حدثت على مستوى التبويب والترتيب هادفة إلى تحقيق اليسر والسهولة للمراجعين. ونحن في حدود هذا البحث نقدم ما كتب على هذا الأساس:
أ ـ ترتيب القهبائي: رتب المولى عناية الله بن شرف الدين الألفبائي النجفي (المتوفى بعد 1016))[58]( كتاب الاختيار حسب الحروف الأولى من الأسماء، فذكر جميع من وردوا فيه سواء كانوا مستقلين أو واردين في ترجمة الآخرين على هذه الوتيرة. وأورد في كل مورد عين عبارة الكشي الخاصة بكل منهم بلا نقص ولا زيادة. وبعد أن ذكر روايات أول الكتاب أدرج أولاً الكنى المصدرة بـ(ابن) ثم الكنى المصدرة بـ(أب) وإذ اك شرع في الاسماء من (ابان) إلى “يونس” حسب ترتيب الحرف الأول. وتمّ هذا الكتاب بتاريخ سنة 1011 الهجرية.
وكما ذكرنا فإن طريقة هذا الكتاب تلتزم بعين عبارة الكشي ولا تتجاوزها، فتكرر ألفاظه بلا نقص أو زيادة تحت اسم كل واحد من الرجال. ومع هذا لم يكن هناك بد، مراعاة للترتيب الذي ارتآه، من أن يغير العناوين الموجودة في اختيار الرجال، وفي الموارد التي يعنون فيها الكشي شخصين أو بعض الأشخاص معاً وضع كل اسم في مكانه حسب ترتيب الحروف. كما أن نسخته تتفاوت في بعض الموارد مع نسخة الاختيارات المطبوعة. من جملة ذلك، عنوان حسن بن سعيد الأهوازي ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي)[59](.
ب ـ ترتيب السيد يوسف بن محمد الحسيني العاملي مؤلف جامع المقال:
رتب المؤلف اختيار الرجال حسب طبقات أصحاب المعصومين عليهم السلام ترتيباً نظير ترتيب الشيخ، بمعنى، أنه ابتدأ أولاً بأصحاب الرسول الأكرم (ص) فأصحاب أمير المؤمنين (ع) وبعده أصحاب الإمام الحسن (ع) وهكذا حتى أصحاب الإمام الحادي عشر (ع) جميعاً بالتتابع.
وبناء على ما قاله المحدث النوري في خاتمة «مستدرك الوسائل» فإن تاريخ إتمام هذا الكتاب هو سنة 981)[60](.
ج ـ ترتيب الشيخ داود بن حسن بن يوسف البحراني:
هو على وجه التقريب من معاصري الشيخ الحر العاملي صاحب «وسائل الشيعة». رتب الاختيار بالترتيب الألفبائي الكامل، يعني، مراعاة حروف الكلمة كلها، الأول والثاني والثالث و… )[61]( نظير منهج المقال)[62](.
د ـ كتاب «حل الاشكال» تأليف: السيد أحمد بن طاووس الحلي، رجالي القرن السابع المعروف:
جمع المؤلف متن كتاب اختيار الرجال إلى متن الأصول الثلاثة الأخرى (فهرست ورجال الشيخ وفهرست النجاشي) بإضافة متن كتاب «الضعفاء» لابن الغضائري في كتاب وأطلق على هذه المجموعة اسم «حل الاشكال في معرفة الرجال». وقيل إن الشهيد الثاني رحمة الله عليه، كانت عنده النسخة الأصلية لهذا الكتاب)[63](.
وعلى الرغم من أن الكلباسي مؤلف «سماء المقال» (المتوفى سنة 1356) قد أفاض في تمجيد حسن الترتيب في هذا الكتاب والثناء عليه نظراً لأن أكثر أحاديث اختيار الرجال لم ترد فيه وأن بعضها قد اكتفى بالإشارة إليه أو نقلت بالمعنى حتى لا يستغني المراجعون عن الأصل، فإنه ينتقد الكتاب المذكور في موارد طرأ فيها الخطأ على قلم المؤلف العظيم)[64](.
وبعد ابن طاووس سار بعض تلاميذه وجماعة من المتأخرين على أثره وجمعوا الأصول الأربعة الرجالية مع بعض كتب أخرى للقدامى، مثل: الضعفاء، رجال البرقي ورجال العقيقي في كتاب واحد)[65](.
هـ ـ كتاب «تحرير طاووس» تأليف الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، صاحب المعالم (959 ـ 1011).
استخرج المؤلف كتاب «اختيار الرجال» من مجموعة حل الاشكال (المذكور عاليه في الفقرة د) وسماه «تحرير الطاووسي» وعليه، فهذا الكتاب هو متن الاختيار بلا تفاوت إلا في أن عناوينه نقلت على نسق حل الاشكال لا بطريقة أصل الكشي والشيخ)[66](.
و ـ كتاب «مجمع الرجال» تأليف: المولى عناية الله شرف الدين القهبائي.
علاوة على أن المؤلف رتب كتاب اختيار الرجال (المذكور في الفقرة أ) فإنه قد وفق بين عبارات الكتاب المذكور بعينها وعبارات رجال الشيخ وفهرسته وفهرست النجاشي وضعفاء الغضايري، ورتبها، وأطلق على هذه المجموعة اسم «مجمع الرجال».
وتاريخ الفراغ من تأليف هذا الكتاب سنة 1016. وتوجد نسخة منه بخط المؤلف في مكتبة العلامة الطهراني صاحب «الذريعة»)[67](.
6 ـ هل حصل انتخاب آخر من رجال الكشي؟
عرفنا أن ما هو متداول اليوم باسم رجال الكشي، هو النخبة المنقحة التي جمعها الشيخ الطوسي رحمة الله عليه من كتاب رجال أبي عمرو الكشي، يعني، «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» والتي أسماها «اختيار الرجال» وأن أصل كتاب «معرفة الناقلين» لم يتيسر ليد أحد ما حتى في أيام العلامة الحلي (648 ـ 726).
ويستنبط من بعض العبارات أن شخصاً آخر غير الشيخ الطوسي قام بانتخاب من كتاب الكشي وهيأ منتخباً منه بصورة تأليف مستقل، وحسبنا أن نلفت النظر إلى هذه العبارة من «سماء المقال».
«ومن العجيب ما ذكره الفاضل العناية، من أنه يظهر بعد التصفح والتتبع التام في الكتاب أن الأغلاط ليس فيه (منه.ظ)، بل إنما هي من قلم المنتخبين منه مثل الشيخ قدس سره» ثم أضاف مؤلف ’سماء المقال‘: «نعم يحتمل ذلك في البعض»)[68](.
فبهذه القرينة الموجودة في العبارة المذكورة، لو كان الكلام على اختيار الرجال، لأمكن احتمال كلمة «المنتخبين» على أن عدة اشتركوا مع الشيخ الطوسي في تهيئة الكتاب المذكور ويكون المراد بها هؤلاء المنتخبين. ولكن من حيث إن انتساب هذا الكتاب للشيخ لا يشوبه أي شك، وأن التأليف الجماعي لم يكن معهوداً ولا متداولاً في تلك الأعصار فإن الزعم بأن أشخاصاً آخرين أيضاً تناولوا كتاب الكشي بالتلخيص والانتخاب بصورة مستقلة يجد ما يقويه في هذه العبارة المذكورة.
المعقل
تقع المعقل على الجانب الغربي من شط العرب ضمن مركز محافظة البصرة ويتكئ شمالها على نهر كرمة علي المتفرع من شط البصرة مما جعلها في حضن المياه وتستقر أمامها تماماً جزيرة السندباد الشهيرة سابقاً بمرافقها السياحية. والمعقل هي إحدى مدن البصرة بل تشكل الجانب الأنيق لمدينة البصرة إلا أنها تكونت من خليط ينتمي إلى الكثير من المدن العراقية انتظمت في قالب عراقي خالص بصري في خصوصيته وسلوكه الاجتماعي. تشير المعلومات المتوفرة لدينا إلى أن أول نواة لمدينة المعقل تعود إلى عام 1840م عندما بنت إحدى الشركات الإنجليزية أول مخزن للفحم لتزويد سفنها منه. وفي عام 1915 ـ 1916 م وضع كولونيل مهندس بريطاني اسمه بيوكانتي نواة ميناء البصرة الذي يعد اللبنة الحقيقة التي تأسست عليها مدينة المعقل حيث كان ميناء البصرة قبل ذلك أي في عهد العثمانيين في منطقة «التنومة» وهو ميناء بسيط، وبعد اكتمال ميناء المعقل وتعيين أول مدير للموانئ العراقية هو البريطاني جون وورد في 1/10/1919م بدأت الحكومة العراقية منذ عام 1933م تشجيع الناس على السكن في المعقل لغرض توفير الأيدي العاملة التي تحتاجها عمليات تفريغ وتحميل السفن مما أدى إلى ازدياد كبير في السكان وتوسع بالمدينة حيث تدفق إليها سكان من البصرة وكذلك بقية المحافظات خصوصاً العمارة وبغداد والناصرية لتتكون بعد ذلك مدينة جديدة في البصرة هي المعقل أو ميناء المعقل الذي أصبح رديفاً لاسم البصرة وعلامتها البارزة. سميت المدينة بالمعقل نسبة إلى نهر معقل الذي يمتد بين منطقة الرباط والهارثة وقبل ذلك كانت المعقل تسمى «الصيمرة» حتى القرن الثاني الهجري وبعد الوجود البريطاني الكثيف فيها حور البريطانيون اسم المدينة إلى «ماركيل» بسبب عدم تمكنهم من لفظ اسم المدينة بشكل صحيح حتى عام 1958م بدأت هذه التسمية تتلاشى ويعود اسمها الصحيح المعقل.
أغلب التطورات التي شهدتها مدينة البصرة بعد الحرب العالمية الثانية تركزت في المعقل حتى غدت الوجه الحضاري الحديث للبصرة فقد ضم المعقل محطة قطار البصرة ومنشآتها كما بني فيها مقر مديرية الموانئ العراقية الفخمة وطراز بنائها وقبته الشهيرة التي بناها المعماري البغدادي السيد ابراهيم محمد الكاطع عام 1930م والذي سكن البصرة بعد ذلك وتوفي فيها عام 1964م وتعدّ هذه البناية من المعالم العمرانية الجميلة في العراق، وكذلك إنشاء مطار البصرة أو مطار المعقل. وبعد عام 1985م أخذت المعقل بالتوسع العمراني حيث تم بناء مساكن لجميع منتسبي الميناء وإحداث الشوارع الواسعة والمتنزهات وأشهرها متنزه أو مجمع حدائق الأندلس. كما بني فيها ملعب الموانئ الرياضي الذي كان أول ملعب عراقي مزود بالأضواء الكاشفة. وأُدخلت للمعقل مطبعة خاصة أصدرت آنذاك مجلة باسم الموانئ ويضم المعقل أيضاً واحداً من أجمل النوادي الترفيهية في البصرة هو النادي البحري.
وفي شارع المحطة هناك بيوت كبار الموظفين البريطانيين وهي بيوت كبيرة ذات طراز إنجليزي ولسعتها وكبرها فقد قسم البيت الواحد إلى عدة شقق، وفي نهاية شارع المحطة جنوباً يمتد ما يسمى من قِبَل البصريين بـ(الجايتاكمب) أو الحي الصيني وهو حي أو مخيم بني خصيصاً للخبراء والعمال الصينيين الذين كانوا موجودين في الميناء في فترة الخمسينات.
عباس السلطاني
المغازي
لابن أبي عُمَيْر
ابن أبي عُمَير هو أبو أحمد محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي (ت217هـ/832م) من كبار محدثي الشيعة ومن أصحاب الإجماع، أدرك ثلاثة من الأئمة (ع)، أقام في بغداد، ولقي الإمام موسى الكاظم (ع) وعاصر الإمام الرضا (ع) والإمام الجواد (ع) وروى مباشرة عن الإمام الرضا(ع).
كابد محناً كثيرة في حياته وقضى مدة طويلة في سجن هارون الرشيد ورويت أقوال مختلفة عن سبب سجنه، ففي أحدها أن السبب كان الامتناع عن تولي منصب القضاء الذي اضطر إلى أن يليه فيما بعد، وفي رواية أخرى أنه سجن كي يدلّ على مواضع اختفاء الشيعة وأصحاب الإمام موسى الكاظم(ع). وقد أورد الكشي أن سبب تعذيبه يعود إلى أن معارضيه سعوا به إلى هارون الرشيد باعتباره عارفاً بأسامي عامة الشيعة في العراق، فأحضره هارون وطلب منه أن يخبره بذلك، فلما رفض أمر به هارون فجُرّد وعُلّق بين نخلتين وضرب 100 سوط، وروى عن الفضل بن شاذان أيضاً أنه ضرب 120 خشبة ثم حبس. وأجبر على دفع 121.000 درهم حتى خلّي عنه. وبعد هارون نعِم ابن أبي عمير والشيعة بالأمن في حياة الإمام الرضا (ع)، وذلك في عهد المأمون على أنه سُجن بعد ذلك وتحمّل عذاباً شديداً وأُخذ منه كل ما يملك.
بلغ ابن أبي عمير مرتبة عالية في الفضل والعلم. ويبدو من أسماء كتبه أنه كان متبحّراً في الفقه والحديث والمغازي.
وممّا يجدر ذكره أن اشتراك ابن أبي عمير في الاسم مع أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) الذي توفي في زمن الإمام الكاظم (ع) أدّى إلى تخيّل بعض علماء الرجال أنّ الروايات التي وردت في كتب الحديث ورواها ابن أبي عمير عن الإمام الصادق (ع) تتعلق بابن أبي عمير الأزدي.
يعتبر ابن أبي عمير من المكثرين في التأليف، وقد ذكر ابن بطّة أنه صنّف 94 كتاباً تلف أكثرها، وسبب ذلك أنه حينما كان في السجن دفنتها أخته فتلفت. وذكر الكشي أن كتبه نهبت أثناء سجنه بعد وفاة الإمام الرضا (ع)، فاضطر إلى جمع ما حفظه في ذهنه بمجلدات سمّاها النوادر. أمّا الكتب التي لم يبق منها سوى أسمائها فهي المغازي والكفر والإيمان والبداء والاحتجاج في الإمامة والملاحم ويوم وليلة والتوحيد وعدد من الكتب الفقهية.
المغرب
ـ 1 ـ
تعددت الآراء بين بعض الجغرافيين وبعض المؤرخين حول تحديد المفهوم الجغرافي للمغرب الإسلامي. فمن الجغرافيين من أشار إلى حدوده الشرقية فقط حيث ذكر أن منازل البربر تبدأ من منطقة الرمادة التي تقع شرق برقة ومنهم من ذكر أنه يبدأ من برقة شرقاً ويمتد ليشمل حتى الأندلس غرباً، وأعطاه البعض الآخر مفهوماً أوسع: مغرباً، شرقياً، ومغرباً غربياً ويمتد القسم الغربي من مصر إلى طنجة؛ وحصره البعض الآخر في المنطقة الممتدة من برقة شرقاً إلى طنجة غرباً. ومن البحر شمالاً إلى الصحراء جنوباً وهناك من ذهب إلى أبعد من هذا حيث نقل عن البيروني أن للمغرب معنيين: أحدهما يدل على الأقاليم الواقعة غرب مصر والتي يخترقها بحر الروم فالجنوبي منه يسمى (لوبية) والشمالي يسمى (أوفى). أما البعض الآخر فيدل على بلاد المغرب الإسلامي خاصة ولكنه لم يعتبر برقة جزءاً منه وجعل الأندلس من ضمنه، وكما اختلف بعض الجغرافيين في مفهوم المغرب اختلف بعض المؤرخين أيضاً فهناك من ذكر أن حدوده الشرقية تبدأ من ضفة النيل على الإسكندرية وتمتد رقعته إلى مدينة سلا غرباً، أو أنه يمتد من بحر القلزم، وهو البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي أما حدوده الجنوبية فتمتد إلى الحبشة. ثم ذكر صاحب هذا الرأي أن الأندلس داخله فيه، وبذلك نجد تضارباً في الرأي الواحد. ومن المؤرخين من ذكر أن حدوده الشرقية تبدأ من برقة شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. ولم يتعرض لذكر حدوده الجنوبية.
وهناك من ذكر للمغرب معنيين: لغوي، وهو لا يهمنا واصطلاحي، ونقله بعض الجغرافيين ويدل على المنطقة الممتدة من البحر الأحمر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ومن البحر شمالاً إلى الصحراء جنوباً. غير أنه لا يقر هذا التحديد لأنه يشمل ديار البربر وغيرهم. ومواطنهم إنما تبدأ من طرابلس وتستمر غرباً حتى البحر المحيط. ولكن صاحب هذا الرأي ذكر في نص آخر، أن ديار البربر تمتد شرقاً حتى الإسكندرية. وبذلك ذكر نصين متناقضين.
وإذا ما قارنا بين آراء الجغرافيين والمؤرخين السالفة الذكر فإننا نجدها متضاربة حول تحديد مفهوم المغرب الإسلامي. ولكن أصحها في نظرنا هو الرأي القائل بأنه يمتد من برقة شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ومن البحر شمالاً إلى الصحراء جنوباً لأن هذه الرقعة من الأرض تكون وحدة طبيعية وبشرية. كما أنها كونت وحدة إدارية في عهد الدولة الأموية، وجزء من عهد الدولة العباسية. وكانت أيضاً مهد قيام الخلافة الفاطمية. ومجال نشاطها في المرحلة المغربية.
الدكتور مرمول محمد الصالح
المغرب([69]*)
ـ 2 ـ
أمّا اصطلاح (المغرب) اليوم فإنه يطلق على قسم مما كان يعرف قديماً باسم المغرب، وهو ما كان يعرف بالمغرب الأقصى وأصبح اليوم دولة يطلق عليها وحدها اسم المغرب وهي كما يلي:
يقع المغرب في أقصى الشمال الغربي من القارة الإفريقية يحده شرقاً بلاد الجزائر وغرباً المحيط الأطلنطي وشمالاً مضيق جبل طارق والبحر المتوسط وجنوباً الصحراء الكبرى.
وتبلغ مساحته 750 ألف كيلومتر مربع.
ويبلغ طول سواحله على البحر المتوسط من حدود الجزائر إلى طنجة 468 كيلومتر وعلى المحيط الأطلنطي من طنجة حتى تخوم الصحراء 2700 كيلومتر.
وتشطره إلى نصفين غير متساويين من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي: جبال الأطلس المتوسط والكبيسر والصغير في مسافة تبلغ نحو 1000 كيلومتر طولاً.
وتمتد في شماله قرب البحر المتوسط سلسلة جبال الريف على شكل هلال.
ويتراوح علو الجبال بالمغرب من 750 متر إلى 4165 متر أعلاها جبل توبقال بالأطلس الكبير (4165 متر) وجبل العياشي (3737متر) وجبل بويبلان (3190 متر) وجبل إقليم بالأطلس الصغير (2530متر) وجبل صاغو (2560 متر) وجبل سيروه (3300متر).
وبين السهول والجبال تمتد الهضاب والنجود التي يتراوح ارتفاعها بين 500 وألف متر فوق سطح البحر وهي الهضاب الواقعة حول فاس ومكناس وتادلا ووجدة وحدود الجزائر.
وجميع مناطق المغرب الجبلية تتصل بما يجاورها اتصالاً وثيقاً بواسطة طرق طبيعية وفجوات بين الجبال كطريق تازا بين النواحي الشرقية والغربية وبين الأطلس والريف ثم تيزي معاشو وتيزي نطيست بين الحوز وسوس وتيزي نتيشكا بين الحوز وورزازات وتيزي نتلغمت بين ملوية وتافيلالت.
وتبلغ مساحة سهول المغرب نحو الثلثين من مجموع مساحته ولا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر أكثر من 500 متر وهي تعادل في مجموعها مساحة سهول تونس والجزائر.
وتقع هذه السهول بين جبال الريف وجبال الأطلس والمحيط الأطلنطي من الشمال إلى الجنوب: سهول الغرب والشاوية ودكالة وعبدة والشياظمة وحاحة وسوس ثم سهول الحوز والسراغنة وزمران حول مراكش وسهول طريفة حول وجدة بالناحية الشرقية.
والمغرب هو القطر الوحيد من بين أقطار الشمال الإفريقي الذي تكثر فيه الأمطار والثلوج والمياه والأنهار الكبرى.
وجل أنهار المغرب الكبرى تنبع من الأطلس المتوسط والكبير وتصب في المحيط الأطلسي.
وأهم أنهار المغرب هو نهر سبو (460كم) الذي يتصل في طريقه بوادي ايناون وورغة ويسقي ناحية الغرب ويعد من أعظم أنهار الشمال الإفريقي.
ويليه في الأهمية نهر أم الربيع (560كم) الذي يتصل في طريقه بوادي تاساوت ووادي العبيد ويسقي سهول دكالة.
ونهر ملوية هو الوحيد الذي يجري من الجنوب إلى الشمال ليصب في البحر الأبيض المتوسط ورغماً عن طوله (540كم) فهو قليل الأهمية.
وهناك أنهار ثانوية تصب في المحيط وهي من الشمال إلى الجنوب لوكوس (100) أبو رقراق (179) تانسيفت (270) سوس (200).
وتجري بالمناطق الصحراوية عدة أنهار تتبخر مياهها في الصيف كأودية زيز وغريس وغير والدورة وزوزفانة ودرعة ووادي نول بالصحراء.
السكان
سكان المغرب كبقية سكان الشمال الإفريقي ينتمون إلى العنصر البربري الذي استقر بالبلاد خلال العصور القديمة.
وبعد الفتح الإسلامي نزح العرب إلى المغرب وامتزجوا بالسكان امتزاجاً كبيراً خلال القرون المتعاقبة.
وهاجرت إلى المغرب خلال القرن الخامس قبائل عربية متعددة كبني هلال ورياح وعرب المعقل واختلطوا بالسكان في جل أنحاء المغرب.
وبعد سقوط غرناطة في القرن التاسع هاجر إلى المغرب عدد كبير من سكان الأندلس مسلمين ويهود.
واستقر بالمغرب في مختلف العصور طوائف كبيرة من اليهود، يرجع أصل بعضهم إلى ما قبل الإسلام ـ كما يزعمون ـ وقدم البعض الآخر من الأندلس ـ اسبانيا والبرتغال ـ مطرودين وفارين من محاكم التفتيش، ثم قدمت طوائف أخرى منهم في ركاب المستعمرين البرتغاليين والإسبانيين والإنجليز والفرنسيين، خلال احتلالهم للمدن المغربية بالشمال الإفريقي.
وبعد الاستقلال هاجر جل اليهود إلى خارج المغرب..
ودخل العبيد السود إلى المغرب بعد فتح المنصور السعدي لبلاد السودان ثم تكاثر عددهم في عهد المولى إسماعيل.
واستقر بالمغرب عدد كبير من الأجانب في أوائل القرن الحالي يقدر عددهم بنحو 400 ألف جلهم من الفرنسيين.
ويختلف توزيع السكان باختلاف المناطق وأكثر المناطق سكاناً هي مناطق السهول.
ولا تزال قبائل بالمغرب تعيش على التنقل والارتحال في طلب الماء والكلأ في المناطق المتاخمة للأطلس وبالصحراء.
وأربعة أخماس سكان المغرب يعيشون في البوادي والجبال.
و90 في المائة من الأجانب القاطنين بالمغرب يستقرون بالدار البيضاء وكبريات المدن.
وأكثر الأجانب عدداً هم الفرنسيون ويليهم الإيطاليون والإسبان والبرتغال وجنسيات أخرى.
المدن
توجد مدن تاريخية أسست على يد الدول المتعاقبة بالمغرب وهي فاس (الأدارسة) وجدة وسلا (أمراء زناتة) ومراكش (المرابطون) والرباط (الموحدون) وفاس الجديد (المرينيون) ومكناس والصويرة والجديدة (العلويون).
وهناك مدن أخرى أسست قبل الإسلام وتعرضت للغزو الأجنبي. وساهم ملوك المغرب في إعادة بنائها كسبتة وطنجة وأصيلاً والعرائش والقنيطرة وأزمور وآسفي وأكادير.
ونشأت مدن كثيرة لأسباب حربية أو دينية أو اقتصادية كزرهون وأبي الجعد وتادلا وبني ملال وسطات وخنيفرة وصفرو وتارودانت وتيزنيت إلخ.
وأكبر مدينة بالمغرب بكبر مساحتها وكثرة سكانها هي الدار البيضاء التي تعد أكبر مدينة إسلامية بالشمال الإفريقي. وتليها مراكش وفاس والرباط ومكناس ووجدة.
الفلاحة
المغرب قطر فلاحي إذ أربعة أخماس سكانه يشتغلون بالفلاحة والرعي.
ولا تتجاوز الأراضي المحروثة 7 ملايين هكتار أي ربع مساحة الأراضي الصالحة للفلاحة.
والقسم الأكبر من الأراضي الفلاحية ينتج الشعير والقمح والذرة أي 90 في المائة من مجموع مساحة الأراضي المحروثة.
ويعتنى بفلاحة الدالية والأعناب وبأشجار الزيتون وأشجار الفواكه وبالخضر المختلفة وبالنباتات الصناعية كالتبغ والكتان ونوارة الشمس والقنب والقطن والحلفة.
ويبلغ مجموع مساحات الغابات 3 ملايين ونصف مليون هكتار من أشجار البلوط والعرعار والصنوبر والأرز ويحتل المغرب الصف الثالث في إنتاج الفرشى بعد إسبانيا والجزائر.
وأكبر الغابات هي غابات البلوط (314 ألف هكتار) وغابات الأطلس (مليون و300 ألف هكتار) وغابات الأرز (100 ألف هكتار) وغابات العرعار (820 ألف هكتار) وغابات الأركان (720 ألف هكتار).
الرعي
ويشتغل قسط كبير من الفلاحين برعي الماشية وأكثرها عدداً الأغنام ثم المعز ثم الأبقار.
ويبلغ عدد الأغنام نحو 13 مليون والمعز 6 ملايين والأبقار مليونين ونصف والحمير مليون وربع والخيل والبغال 200 ألف.
الصناعة
وفي المغرب نوعان من الصناعات: اليدوية الفنية التي تزدهر بالمدن الكبرى والصناعات الحديثة التي تكونت بضواحي المدن.
وتعتمد الصناعات الحديثة على الفحم الحجري والكهرباء والبترول وكلها متوفرة بالمغرب.
وفي مقدمة الصناعات الناشئة معامل لإنتاج المواد الغذائية والمشروبات الغازية وتركيب المواد الكيماوية ونسيج الثياب الصوفية والقطنية ودبغ الجلود وصناعة الأدوات المنزلية.
وبلاد المغرب غنية بمختلف المعادن في مقدمتها الفوسفات (خريبكة واليوسفية) والفحم الحجري (جرادة) والبترول (الغرب) والمنغنيز (بوعرفة) والحديد (واد زم) ثم الرصاص والزنك والنحاس والكوبالت والمولبدان في أماكن مختلفة.
وتكثر الأسماك المختلفة الأنواع بالشواطئ المغربية وتعد مدينة آسفي الميناء الأول للصيد بالشمال الإفريقي كما تعد من أعظم موانئ الصيد في العالم كله وتلي آسفي في الأهمية الدار البيضاء ثم المحمدية وأكادير.
السدود
بنيت في المغرب عدة سدود لخزن المياه قصد توليد الكهرباء أو سقي الأراضي الفلاحية.
وأكبر هذه السدود هو سد ايمفوت على نهر أم الربيع وسد بين الوديان على وادي العبيد وسد القنصرة على وادي بهت وسد للاتكركوست على نهر نفيس وتقام الآن سدود جديدة في معظم الأقاليم.
المواصلات
فتحت الطرق الكبرى في جميع أنحاء المغرب لربط مدنه بقراه ويبلغ طول الطرق الكبرى المعبدة 8 آلاف كم. وطول الطرق الثانوية 32 ألف كم.
وفي المغرب 1700 كم من السكك الحديدية ويتصل المغرب بواسطتها بالقطر الجزائري.
وهناك ثلاثة خطوط حديدية رئيسية: خط الدار البيضاء ـ مراكش ويتفرع عنه خط نحو واد زم وآخر بين بن كرير وآسفي وخط بين الدار البيضاء ووجدة وخط بين فاس وطنجة.
وكان الإسبان قد أنشأوا خطوطاً حديدية ضيقة بين تطوان وسبتة وبين العرائش والقصر الكبير.
كما بنى الفرنسيون خطاً حديدياً لنقل الجنود بين وجدة وبشار بالجزائر.
المغاربة
والثقافة العربية والإسلامية
ليس الحديث عن (الكتاب المغربي) بالأمر السهل الهين، ذلك أن الكتاب المغربي له تاريخ طويل يستغرق أزيد من ألف سنة، مر فيها بمراحل مختلفة، من نشأة، ونمو، واكتمال، وضعف وانحطاط وتخلف، وانبعاث، تبعاً للعوامل المختلفة التي خضع لها.
ولكي يكون الحديث عن الكتاب المغربي حديثاً علمياً موضوعياً، يجب:
أولاً ـ وقبل كل شيء، أن يكون لدينا إحصاء دقيق شامل لجميع ما أنتجه المغاربة منذ دخولهم في الإسلام إلى اليوم، ودراسته. ثانياً ـ دراسة علمية نقدية، مع مقارنته. ثالثاً ـ بما أنتجه غير المغاربة ـ من عرب وغيرهم ـ في موضوعه. قبل عصره الذي كتب فيه وفي نفس العصر، وبعده.
مع التعرف رابعاً ـ بتدقيق على الدور الذي قام به في ميدان نشر المعرفة عموماً، والثقافة العربية والإسلامية في المغرب أولاً، ثم في مختلف المناطق الواقعة جنوب المغرب ثانياً، ومقدار مساهمته في ذلك إلى جانب الكتب العربية الأخرى في مختلف الأقطار، وخصوصاً المجاورة منها، أو التي كانت لها صلات ثقافية وثيقة بالمغرب، وذلك أمر ما نزال بعيدين عنه بعداً شاسعاً.
فأمّا الإحصاء الدقيق الشامل، فإنه يتوقف:
أولاً ـ على تسجيل جميع ما يوجد في جميع مكتبات المساجد والزوايا في مدن المغرب وقراه، وفي الجبال والصحارى، وفي القصور الملكية. ومكتبات أهل العلم وأبناء الأسر العلمية، وهو عمل إذا كنا قد شرعنا فيه منذ الاستقلال، وحققنا فيه نتائج مهمة لا يستهان بها، فإنه ما يزال أمامنا لإتمامه زمن طويل لأسباب عديدة لا مجال للحديث عنها الآن.
ويتوقف ـ ثانياً ـ على معرفة المخطوطات المغربية المتفرقة في مختلف مكتبات العالم وخصوصاً في أوروبا وأمريكا، وجميع البلاد العربية والإسلامية في إفريقيا وآسيا سواء في المكتبات المنظمة أو غير المنظمة والتي تنفرد بمخطوطات مغربية لم يبق لها أثر بالمغرب. وهو أمر ما زلنا لم نشرع فيه لحد الآن.
ويتوقف ـ ثالثاً ـ على استقصاء ما ورد في كتب التراجم ومختلف المراجع والمصادر من أسماء المؤلفات المغربية.
وسيبقى عملنا ـ بعد ذلك كله ـ ناقصاً نقصاً كبيراً، نظراً إلى أن أصحاب التراجم لا يكادون يهتمون بإحصاء مؤلفات من يترجمون لهم، وأنهم لا يترجمون لجميع المؤلفين. وأن كثيراً من المؤلفين المغاربة غادروا المغرب إلى مختلف البلاد شرقاً وغرباً. ولم يصل إلى المغرب من أخبارهم وأخبار مؤلفاتهم إلا القليل.
وإذ لاحظنا أن أهم فهرس جامع للكتب العربية، وهو كتاب (كشف الظنون) لم يذكر من مؤلفات المغاربة إلاّ النزر اليسير، علمنا مسيس حاجة المكتبة العربية عموماً والمكتبة المغربية بوجه خاص إلى فهرس جامع للمؤلفات المغربية يملأ هذا الفراغ.
أضف إلى ذلك، أن المكتبة العربية وخصوصاً في الغرب الإسلامي. على اختلاف أقطاره ومناطقه، قد تعرضت فترات طويلة، للنهب والاختلاس، بل والإحراق والإتلاف على يد الصليبيين والمستعمرين: الإسبانيين، والبرتغاليين والفرنسيين، والإيطاليين، في الأندلس، وصقلية، وتونس وليبيا، والجزائر، وإفريقيا الغربية، بل وفي المغرب الأقصى نفسه.
ويمكن تقدير فداحة الخسارة الفظيعة التي أصيبت بها المكتبة المغربية من جراء احتلال مدينة سبتة الغادر. إذا نحن استحضرنا المركز العلمي الممتاز الذي كان لهذه المدينة الشهيدة وما كانت تزخر به من مكتبات عمومية وخصوصية، قال عنها محمد بن القاسم الأنصاري السبتي في (اختصار كتاب الأخبار، عما كان بسبتة من سني الآثار):
إنها اثنتان وستون خزانة في الزمن القديم قال: وكان منها في زماننا ـ يعني أوائل القرن التاسع للهجرة أوائل الخامس عشر للميلاد ـ سبع عشرة خزانة، تسع بدور الفقهاء، والصدور… وثمان موقوفة على طلاب العلم، كخزانة أبي الحسن الشاري ذات الأصول العتيقة، والمؤلفات الغريبة. وأعظمها إحدى خزانتي الجامع العتيق قال: وهي في الكثرة بحيث لم يشذ منها فن من الفنون، ولا نوع من المعارف أصلاً. مع تعدد مصنفات ذلك الفن وكثرة دواوينه، وباقي هذه الخزائن مفترق، منها بالمدرسة الجديدة خزانتان، وبمسجد القفال خزانة واحدة، وبمسجد مقبرة زكلوا أخرى وهو أكبر مسجد بسبتة بعد المسجد الأعظم منها… وخزانة أخرى بجامع الربض الأسفل)[70](.
وكم ضاع من مؤلفاتنا في شواطئنا الشمالية والغربية التي استمرت سنين طويلة عرضة للاعتداء الصليبي وخصوصاً من قبل البرتغاليين والإسبانيين؟
وكم ضاع في الساقية الحمراء وموريتانيا والصحراء الشرقية التي كانت حدودها إلى وقت قريب تتصل بحدود ليبيا؟
وكم اختلس سفراء أوروبا وعلماؤها وأطباؤها وتجارها من نفائس الكتب ونوادرها التي لا تقدر بمال؟
ومن ذلك ما ذكره دوفيردان Gaston De Verdun في كتابه عن مراكش أن إيتيان هوبير Etienne Hubert الفرنسي الذي قضى بمراكش سنة 1598م 1006 ـ 1007هـ تعمق فيها في اللغة العربية حتى صار من كبار علمائها. واكتفى بمغادرة هذه المدينة ممتلئاً علماً، ومثقلاً جداً بالمخطوطات العربية التي فاقت ما حمله من الأموال والنفائس الثمينة (ص 436).
مخطوطات الأيسكوريال
كما لا تخفى قصة الثلاثة آلاف مجلد التي أرسلها السلطان زيدان السعدي سنة 1020هـ ـ 1612م من مرسى مدينة آسفي إلى مرسى أكادير في ثلاث سفن فرنسية، على يد القنصل الفرنسي كاستيلان Castellene فخان البحارة الفرنسيون أصحاب السفن الأمانة، وفروا بالكتب عبر البوغاز، ولكن الإسبانيين استولوا على الكتب في عرض البحر. ووضعوها في دير الأيسكوريال الشهير بالقرب من مدريد، وفي سنة 1081هـ ـ 1671م انقضّت صاعقة على دير الأيسكوريال، فأحرقت أكثر من ألفي مجلد من مخطوطاته العربية.
ومنذ استيلاء الإسبانيين على هذه الكتب وملوك المغرب متمسكون بالمطالبة بإرجاعها إلى المغرب تمسكهم بالمطالبة بإرجاع سبتة ومليلية، وكان ذلك من المهمات التي تسند إلى سفراء المغرب لدى البلاط الإسباني.
فقد ذكر السفير الإنجليزي جون هاريسون في تقريره أن السلطان زيدان حمله رسالتين: أولاهما موجهة إلى الحكومة العامة للأراضي الواطئة، يطلب زيدان فيها من هذه الحكومة أن توسط ملك فرنسا لويس الثالث عشر لدى فيليب الثالث ملك إسبانيا لإعادة الكتب التي استولى عليها القراصنة الإسبان، وهي بتاريخ 14 يناير 1615. وثانيتهما كلف السفير نفسه بتسليمها إلى الملك الفرنسي يداً بيد)[71](.
ومن ذلك مطالبة الوليد بن زيدان بكتب الأيسكوريال من جوان دوبرادو Juan de Prado سنة 1040هـ ـ 1631م كما عند دوفيردان في كتابه (مراكش) (ص 435) ومطالبة سفير المولى محمد بن عبدالله أحمد الغزال سنة 1180هـ ـ 1766م من كارلوس الثالث Carlos III (نتيجة الاجتهاد ص 58).
ومطالبة السفير ابن عثمان المكناسي سنة 1193هـ ـ 1779م من كارلوس الثالث أيضاً فأهداه كتباً عربية للمولى محمد بن عبدالله، وقال عن كتب الأيسكوريال: إنها محبسة لا يمكن التصرف فيها! حسبما ورد في (ص 144) من رحلته (الأكسير، في افتكاك الأسير) التي بقيت مدة طويلة معتبرة ضائعة إلى أن وفقت للعثور على ثلاث نسخ منها: أولاها بمكتبة تامكروت واشتريت ثانيتها للخزانة العامة بالرباط، وفي هذه تصحيحات وزيادات بخط المؤلف. وقد قام مركز البحث العلمي التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط بنشرها بتحقيق صديقنا الأستاذ محمد الفاسي عميد الجامعة ورئيس اللجنة التنفيذية لليونيسكو.
وذكر الكونت فيليب دي طرازي في كتاب (خزائن الكتب العربية في الخافقين) أن لويس الرابع عشر كلف سفيره دي مونسو De Monceaux سنة 1077 هـ ـ 1667م بمهمة خطيرة إلى المغرب الأقصى، وهي أن ينقب تنقيباً دقيقاً عن مخطوطات عربية وفارسية ويونانية وغيرها ويبتاعها له. وقال له: إن من تلك المخطوطات شيئاً كثيراً في خزائن جامع القرويين بمدينة فاس.
كما كلفه أن يشتري له ألفاً وسبعمائة قطعة من الجلود المغربية الكبيرة الحجم التي يصلح كل جلد منها لتجليد كتابين ضخمين)[72](.
وفي سنة 1092 هـ ـ 1682م كتب لويس الرابع عشر إلى سانت أمان سفيره لدى سلطان المغرب الأقصى: «إنه سمع بوجود كميات عظيمة من الكتب الخطية في فاس، ولأجل ذلك أوفد إليه بعض أهل المعرفة للاطلاع عليها، والتثبت من مضامينها، وأوعز إليه أن يسهل مهمتهم)[73](.
وفي نفس هذا القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، أنشأ بارتيلمي Barthelemy في منزله بباريس خزانة كتب نادرة الوجود بما اشتملت عليه من مخطوطات عربية وافرة اشترى له أكثرها بعض السياح الأجانب من بلاد الشام واليمن والمغرب الأقصى)[74](.
وأما بعد الاحتلال الأجنبي للمغرب
فقد تهافت المستعمرون على اختلاس المخطوطات والاعتداء عليها.
ففي الخزانة العامة بالرباط قائمة بأسماء المخطوطات التي ضاعت في فترة الاحتلال وأخبرني صديقي الإمام محمد البشير الإبراهيمي مدّ الله في عمره، عندما كنت ضيفه بتلمسان في ربيع سنة 1936م أن المستعمر بيل كان يعرض في (المدرسة) بتلمسان مجموعة من المخطوطات العربية في الرياضيات والفلك ونحو ذلك، قال: وهي مما اختلسه من مكتبة القرويين عندما كان يشرف على تسجيل كتبها فيما بين 1914 ـ 1916م!
كما تحدث زميلنا الأستاذ محمد العابد الفاسي في رسالته (الخزانة العلمية بالمغرب) عن بعض نفائس المخطوطات التي كانت بمكتبة القرويين ولم يبق لها أثر، ومنها ما بقي إلى ما بعد الحماية وسجله بيل في القائمة المطبوعة بفاس لكتب المكتبة مثل جزء نزهة المشتاق ويقال إن السلطات الفرنسية استعارته من المكتبة لتعرضه في معرض فاس، ولكنها لم ترده، ويقال إنه أرسل إلى باريس.
ونشرت جريدة العلم سنة 1956م رسالة من مراسلها في الريصاني ذكر فيها أن الجيش الفرنسي، عندما احتل الريصاني أحرق المكتبة التي كانت بضريح مولاي علي الشريف جد الأسرة المالكة.
وأخبرني الأستاذ الزيتوني محافظ مكتبة المعهد الإسلامي بتارودانت أن الجيش الفرنسي أحرق كذلك مكتبات بالإقليم السوسي عند احتلاله.
وأنه لمن المؤسف أشد الأسف أن تبقى المكتبة المغربية خالية من كتب تسجل فظائع الاحتلال الأجنبي في مختلف أطراف البلاد.
وقد كان من نتائج اعتداءات المستعمرين وعملائهم على المخطوطات وسرقتها واغتصابها أن صار المخلصون يتسترون على ما عندهم منها ويخفونها حيث لا تصل إليها الأعين، مما عرّض كثيراً منها للضياع أيضاً!
وإذا كان بعض ما نهب واختلس بطرق دنيئة قد وضع في بعض المكتبات المنظمة بحيث يسهل أحياناً على بعض الباحثين الاطلاع عليه والاستفادة منه. رغم ما يعترض ذلك من صعوبات في بعض الأحيان، فإن كثيراً مما اختلس قد انقطع خبره واكتنف مصيره الغموض والإبهام.
ونشير بهذه المناسبة إلى وجوب صدور تشريع يحمي تراثنا الثقافي فيمنع بتاتاً خروج أي مخطوط من المغرب ويعاقب المخالف بأقسى العقوبات خصوصاً ونحن نساعد على تصوير كل مخطوط يطلب منا تصويره مهما كانت أهميته وقيمته، ولا نثير في وجه طالبه أية صعوبة، وعندنا من الإمكانيات المساعدة على ذلك ما لا يوجد نظيره في أي قطر آخر من الأقطار العربية.
هذا عن الإحصاء الدقيق الشامل.
وأما الدراسة العلمية النقدية المقارنة
فيكفي لبيان بعد ما ما بيننا وبين الوصول إلى نتائج قطعية فيها، أن نشير إلى أن الكتاب المغربي قد تناول ـ بنسب مختلفة ـ جل الموضوعات التي تناولها الكتاب العربي على العموم.
فقد ألف المغاربة في علوم القرآن، من رسمه وقراءته وتجويده وتفسيره ونحو ذلك.
وفي علوم الحديث رواية ودراية. فألفوا في مصطلح الحديث، وفي السيرة النبوية وفي فقه الحديث، وفي أسانيد الكتب والفهارس وتراجم الرجال، وفي الجرح والتعديل وغير ذلك، كما وضعوا الشروح والتعاليق على كثير من كتب الحديث.
وألفوا في أصول الفقه وفروعه، من عبادات ومعاملات، ومواريث، وتوثيق، وقضاء، وفي أحكام الجهاد ومناسك الحج. وفي النوازل والأحكام. وفي الفقه المقارن وفي قواعد الأحكام والفروق والحسبة، والسياسة الشرعية، ونحو ذلك.
وألفوا في العقائد والكلام والمنطق والفلسفة والجدل والمناظرات والرد على المبتدعة.
وفي التصوف والأخلاق، والمواعيظ والمواجد والأذواق والمناقب وفي الأوراد والأذكار والدعوات والتصليات على النبي (ص)، وفي شرح أسماء الله الحسنى، وخواصها وفي سر الحرف وفي السحر وتعبير الرؤيا، ونحو ذلك.
وألفوا في التربية والتعليم وتقسيم العلوم والسياسة والنظم الإدارية وفي نصح الملوك ونقد المجتمع.
وفي الحساب والتوقيت والتعديل والجبر والهندسة والفلك والأزياج والتنجيم.
وفي الطب والصيدلة والكيمياء والفلاحة والنبات والحيوان والبيطرة والطبيعة وعلوم الحرب والبحر.
وفي الجغرافية والرحلات وتاريخ الدول والملوك والمدن والأقاليم والقبائل وعلم الأنساب.
وفي النحو والصرف واللغة وقواعد الرسم والبلاغة والعروض والقوافي والموسيقى.
وفي فنون الأدب المختلفة، من أمثال وحكم ومحاضرات ومحاكمات أدبية ومقامات وفي الحماسة والشعر بموضوعاته المختلفة على العموم فصيحاً وشعبياً، وفي النثر الفني، والألغاز، والهزل والمجون، والقصص والخرافات والأساطير وغير ذلك.
وقل أن يوجد موضوع خاضه الكتاب العربي لم يساهم فيه الكتاب المغربي كما أنه لا تكاد توجد مشكلة فكرية أو اجتماعية شغلت بال المجتمع الإسلامي لم يتناولها الكتاب المغربي بالدرس والتمحيص.
والوقت الضيق المحدد لهذا الحديث لا يسمح بإيراد أي مثال لشيء مما ذكرناه.
ولكنا نورد كلمة موجزة عن مساهمة الكتاب المغربي في حركة (التعريب) أي الترجمة عن اللغات الأجنبية إلى العربية.
من المعلوم أن هذه الحركة عرفت عصرها الذهبي على عهد المأمون العباسي في الربع الأول من القرن 3هـ الثلث الأول من ق 9 م ثم لم تستمر بعد ذلك إلا قليلاً.
ولعل آخر كتاب ترجم إلى العربية في القرون الوسطى في الشرق العربي هو كتاب (شاهنامة) الفردوسي التي عربها الفتح بن علي البنداري الأصبهاني سنة 697هـ ـ 1297م)[75](.
ثم لم تعد هذه الحركة للظهور في الشرق العربي إلا في النصف الأول من القرن 19م. على عهد محمد علي في مصر، كما هو معلوم)[76](.
أمّا في المغرب فقد استمرت هذه الحركة إلى سنة 1000هـ ـ 1592م وما بعدها.
فقد ذكر المقري التلمساني في (روضة الآس، العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس) الذي بقي ضائعاً مدة مديدة إلى أن وقع العثور عليه أخيراً بالقصر الملكي ونشرته المطبعة الملكية: (إن بعض أكابر الروم قدِمَ على أحمد المنصور الذهبي وأتحفه بكتاب في الطب مكتوب بالقلم الأعجمي، فعربه العالم الجليل الطبيب أبو القاسم الوزير الغساني من أهل فاس وجعل له خطبة، وزاد فيه زيادات وسماه (مغني الطبيب عن كتب أعداء الحبيب) )[77]( .
وسيأتي الكلام على كتاب «العز والمنافع» الذي ترجمه أحمد بن قاسم الحجري ترجمان السلطان زيدان السعدي وأولاده.
وذكر دوفيردان Gaston De Verdun في كتابه (مراكش) أن أنطوان دوسانت ماري Antoine de Sainte-Marie الدومينكاني الإرلندي، الذي كان أسيراً بمراكش اشتغل مدة ثمان سنوات بأمر من زيدان بن المنصور بترجمة الكتب اللاتينية التي كانت عند زيدان إلى اللغة القشتالية، وعنها تترجم إلى اللغة العربية)[78](.
وأهم عمل مغربي وصلنا في ميدان التعريب، هو كتاب (الجامع المقرب النافع المعرب) الذي عثرنا عليه بمكتبة القصر الملكي بالرباط، وهو تعريب لأرصاد لالاند الفرنسي الذي كان رصده الأخير سنة 1773م 1186 ـ 1187هـ.
وتقع الترجمة في 3 مجلدات ضخام في الحجم الكبير فيها تسعمائة وثمان وسبعون ورقة وفيها أربعة آلاف ومائتان وعشرون فصلاً. وتشتمل على كثير جداً من الجداول والأشكال الهندسية.
وكان الفراغ منها في 28 رمضان 1268 هـ 16 يوليوز 1852م.
وقد قام بالتعريب جماعة من المعربين بالقصر الملكي بفاس بأمر من السلطان محمد الرابع رحمه الله وتحت إشرافه وتوجيهه، وبعدما أتموا عملهم بصفة نهائية كتب السلطان بنفسه مقدمة للترجمة نلخصها فيما يلي:
«إني لما نظرت في هذه العلوم الرياضية التي منها الحساب والهيئة والهندسة… وجدت الوقوف على كنه التحقيق المحض منها لا يكون بمجرد التقليد فيها… لأن النفوس الكاملة لا تطمئن إلا باليقين الذي تسلم حججه، بعد أن تغوص في بحاره وتخوض لججه ولما كان ذلك لا بدّ فيه من الرصد للأجرام ألعوبة ومشاهدة أمكنتها من أفلاكها ومقادير حركاتها في الأزمان المختلفة.
وكان الرصد المذكور في بلادنا وزماننا متعذراً أو متعسراً، ولكن ما لا يمكن كله، لا يترك كله، بحثنا من أجل ذلك كل البحث عن أقرب الأرصاد إلى زماننا، فوجدنا كتاباً حفيلاً عجيباً، جامعاً لكل ما يحتاج إليه الناظر في هذه الصناعة، بحيث لا يتوقف على غيره من الأوضاع… مع ما اعتمده مؤلفه والتزمه من التحرير البالغ غاية الغايات، والتوقيف على كنه العويصات وكشف الخفيات، وتأييد المسائل بالحجج الواضحة اليقينية، والأشكال الهندسية والأمثلة العددية، والأقيسة الجبرية، ورد الفروع إلى أصولها التي بُنيت عليها، وأخذ الأقوال بدلائلها الخاصة بها، ومقابلة المذاهب القديمة بعضها ببعض، ثم أخذ ما وافق العيان والرصد الجديد، وإلغاء ما دون ذلك مما تكذبه المشاهدة ويقوم البرهان على بطلانه.
ـ إلاّ أنه باللسان والقلم الأعجميين، لأن مؤلفه رومي من أهل باريز.
وكان من فضل الله علينا أن حضرتنا العالية بالله قد احتوت على جماعة وافرة ممن آوتهم ظلال دولتنا الشريفة المنصورة الظاهرة، ربيناهم في ختمتنا أحسن تربية، وصفيناهم لاقترابنا أكمل تصفية، وأطلعناهم لمكان التخصيص على أسرار هذه العلوم وغذيناهم من جنى هذه الفنون بأطيب الطعوم، حتى أصبحت حضرتنا العزيزة كعبه للنجباء الحذاق، ومطافاً للعلماء من جميع الآفاق، من كل عارف بالألسنة والأقلام، متهيئ لاكتساب الكمالات بالاستعلام، فأمرناهم بتعريب الكتاب المذكور وإخراجه من الظلمات إلى النور، فصرفوا كل عناية إلى ذلك، ودأبوا عليه آناء الليل وأطراف النهار مدة مديدة، مع معاناة أكيدة، ومشقة شديدة.
وكل ذلك بمرأى منا ومسمع، ومحضر لنا ومجمع، تعرض علينا كل يوم مخرجاتهم فنبالغ لها بالتنقيح والتصحيح، ونرجح منها ما هو داع إلى الترجيح، حتى برز بحمد الله في أحسن الصور وأجملها، وأتم الوجوه وأكملها.
وهو مرتب الآن بمكتبة القصر الملكي تحت رقم 2682م.
وذكر صديقنا الأستاذ عبد العزيز بن عبدالله في كتابه (تاريخ المغرب) أن القنصل الفرنسي لوكونت دوسكواط تحدث عن إلمام الملك محمد الرابع باللغة الفرنسية وقيامه بتعريب بعض الكتب العلمية مثل كتب نيوتن، في علم الفلك، علي يد ترجمان إنجليزي من مالطة اعتنق الإسلام.
وقد أكد ذلك عام 1871م 1288هـ وزير فرنسا بطنجة طيسو.
فكم من جهود يجب أن تتوفر ـ يا ترى ـ على دراسة هذا التراث الضخم في مختلف العصور؟ ومقارنته بغيره؟ قبل أن نستطيع تقييمه تقييماً نزيهاً لا تحيز فيه ولا إجحاف؟ نعم أننا قد بدأنا السير في تحقيق هذا الهدف الوطني، وخصوصاً بعدما أنشئت شهادة الدراسات العليا بجامعة محمد الخامس.
على أننا ـ رغم هذا التاريخ الطويل الذي يزيد على ألف سنة، ورغم هذا الشمول لمختلف الموضوعات، ورغم هذا الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها شمالها وجنوبها. ورغم ضياع ما ضاع واختفاء ما اختفى ـ ما زلنا نحتفظ ـ رغم ذلك كله وكثير غيره ـ بالآلاف من المؤلفات المغربية، ولدينا قليل من القوائم والدراسات التي تسمح بالحديث عن الكتاب المغربي حديثاً يتضمن الخطوط العريضة الكبرى، مثل:
كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي للاستاذ عبدالله جنون، ومقالات الأستاذ محمد الفاسي عن تاريخ الأدب المغربي المبعثرة في الصحف والمجلات، والعلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين للاستاذ محمد المنوني، ودليل مؤرخ المغرب للاستاذ عبد السلام بن سودة، وسوس العالمة للأستاذ المرحوم محمد المختار السوسي. والطب والأطباء بالمغرب للاستاذ عبد العزيز بن عبدالله، وتاريخ الأدب الجغرافي العربي للمستشرق الروسي كراتشكوفسكي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي للعالم الإيطالي آلد ومييلي ترجمة عبد الحليم النجار ومحمد يوسف موسى، وتراث العرب العلمي لقدري حافظ طوقان، وفهرس الفهارس والإثبات لعبد الحي الكتاني.
والملاحظة البارزة الأولى التي تبده الباحث في الكتاب المغربي. هي أنه وإن كان يختلف عن الكتاب العربي في المشرق، في أن له:
1)خطاً عربياً مشتقاً من الخط الكوفي القديم، ويتميز بزيادة الحروف المعقودة على أحرف الهجاء العربي، وبنقط الفاء بواحدة من أسفل، والقاف بواحدة من فوق. (راجع مثلاً عبد الفتاح عبادة في كتاب انتشار الخط العربي) )[79](.
2) وترتيباً للحروف يختلف عن ترتيبها في المشرق.
3) وأرقاماً عربية خاصة هي غير الأرقام الهندية المستعملة عند عرب المشرق بل إن الموثقين بفاس لهم أرقام أخرى غير النوعين السابقين يؤرخون بها الوثائق والعقود. وكثيراً ما تؤرخ بها المخطوطات وتسمى بالقلم الفاسي. وقد خصت بالتأليف مثل كتاب أبي العباس ابن البنا المراكشي (في أعمال الحساب والزمام) وبآخره رجزية في ذلك. ورسالة غير منسوبة (في أشكال الزمام والعمل به) وبأولها نظم في الموضوع)[80]( ومنظومة الإمام أبي السعود الفاسي في 30 بيتاً، وقد شرحها أبو العباس سكيرج في (إرشاد المتعلم والناسي، في صفة أشكال القلم الفاسي) ذكر فيه أن هذا القلم مأخوذ من القلم الرومي. وهو مطبوع على الحجر بفاس في ثلاث ورقات كما ترجمه إلى اللغة الفرنسية فيالا Viala بعنوان (الخط كذا) الفاسي L’exposé de Signes de Fès وقد طبع في الجزائر سنة 1917.
فإن الكتاب المغربي في صميمه وعمقه ـ رغم هذه الاختلافات ـ جزء لا يتجزأ من الكتاب العربي.
ذلك أن المغرب ـ وإن كان قد انفصل سياسياً عن الخلافة الإسلامية بالمشرق في عهد مبكر. وأنشأ له خلافة خاصة، ـ فإنه ـ من الناحية الثقافية ـ قد بقي يكون مع البلاد ذات الثقافة العربية في آسيا وإفريقيا وأوروبا وحدة ثقافية متينة العرى متداخلة الأجزاء. ملتحمة الأطراف متشابكة الفروع والأغصان.
وهكذا كان الكتاب العربي، من الحجاز، أو اليمن، أو العراق، أو ما وراء النهر، أو إيران، أو الهند، أو السند، أو بخارى، أو بلاد الروم (الترك) أو الشام وفلسطين أو مصر، أو صقلية. أو المغرب الأدنى، أو المغرب الأوسط. أو الأندلس أو السودان المغربي على اختلاف أقاليمه وأقطاره، يجد مكانه ـ إلى جانب الكتاب المغربي ـ في المكتبات المغربية، في المساجد والمدارس، والربط، والزوايا وفي قصور الملوك والأمراء والوزراء، والرؤساء، وفي بيوت العلماء والأسر العلمية، ويتداول بين أيدي القراء في فاس وتازة، ومكناس، وزرهون، وسبتة، وطنجة، وتطوان، ووازان، والريف، والجبل، والشاون، والمزمة، والقصر الكبير، وسلا، والرباط، وتادلا، ودكالة، وآسفي. واغمات، ومراكش، والدلاء، ورودانة، وايت عياش، وسجلماسة، وفيكيك، والقنادسة، وكرزاز، وكلزيم بوادي الساورة، وسالي، وتيميمون، والركان، وكنتة، بتوات، وتامكروت، وشنقيط، وطنطان، والساقية الحمراء، وولاته. وغيرها من مختلف المراكز العلمية الأخرى بالمغرب ويتناول فيها بالنسخ والزخرفة، وبالطبع بعد أن دخلت المطبعة إلى المغرب، وبالدرس، والشرح والتعليق، والرواية، والنقد والتقريظ.
كما كان الكتاب المغربي من جهته، ينتقل إلى مراكز الثقافة العربية في المشرق والمغرب، فيحتل مكانته بين الكتب العربية الأخرى.
مما جعل الكتاب العربي في جملته يكون وحدة متكاملة، لا يكاد جزء منها يستغني عن بقية الأجزاء الأخرى وبذلك تحققت وحدة الثقافة العربية على أتمّ الوجوه.
ويمكن للمرء أن يتتبع هذه الحقيقة التي أشرنا إليها في كثير من المصادر والمراجع وعلى الأخص في كتب التراجم والفهارس والرحلات وما أشبهها. وفي كتب الدراسة بالمغرب، ما بين متون وشروح وحواش وفي الكتب التي يتدارسها أصحاب الطرق المختلفة فيما بينهم، وفي أورادهم وأحزابهم وفي كتب المطالعة، وفي المطبوعات المغربية وفيما نشره المغاربة من كتب خارج المغرب وكذلك في الموسيقى والأشعار التي يتغنى بها الآليون والمسمعون، ليجدها في كل ذلك بارزة للعيان بكل وضوح.
ولإبراز هذه الحقيقة أمام أعين الذين لا يعرفون الثقافة العربية، نقدم فيما يلي قائمة بأسماء كتب الدراسة التي أدركناها بالقرويين فيما بين 1337هـ ـ 1918م و1351هـ ـ 1932م قبل تنظيم التعليم بها)[81](.
وأكثر هذه الكتب قد درسناها نحن بالفعل على اشياخنا بالقرويين أو مسجد من المساجد الأخرى، إلى جانب العدد العديد من الكتب التي درسناها فيما بيننا بدون أستاذ إذ لم تكن من كتب الدراسة المعتادة.
وقد اخترنا هذه الحقبة بالخصوص لأسباب متعددة.
منها أننا درسنا بالقرويين فيها فنحن إذ نتحدث عنها نتحدث عن أشياء عشناها يومياً سنوات عديدة رفقة مئات الطلبة الذين ما زال الكثير منهم حياً يرزق.
ومنها أن ما كان الحال عليه إذ ذاك بالقرويين كان استمرار الحالة دامت بالقرويين عشرات السنين، من غير أن يدخل عليها كبير تغيير.
وما يلاحظ في القائمة التالية من ذكر حواش وشروح لمؤلفين متأخرين، بل فيهم من كان ما يزال حياً إذ ذاك، لا يقدح فيما قلناه، فإن هذه الحواشي والشروح هي لشيوخ كبار السن، وكان كثير من المدرسين من تلامذتهم، وهؤلاء الشيوخ من جهتهم كانوا حريصين على المحافظة على ما كانت عليه حالة القرويين من قبل، فكانوا هم أنفسهم استمراراً للماضي من غير كبير تغيير.
ومنها أنه بعد هذه الحقبة نظمت الدراسة بالقرويين، فتغيرت الحالة كثيراً عما كانت عليه من قبل إذ تقررت دراسة علوم وكتب لم تكن تدرس بالقرويين أو بعد العهد بدراستها فيها ومن الكتب التي قررت ما هو حديث بحيث يعتبر تدريسه بالقرويين ثورة على كثير من أوضاعها السابقة.
وليس معنى ذلك أن كتب الدراسة بالقرويين بعد تنظيم التدريس بها لا تتفق والحقيقة التي كانت من قبل حول الكتاب المغربي وكونه جزءاً لا يتجزأ من الكتاب العربي، فقد استمرت هذه الحقيقة بعد تنظيم التعليم بالقرويين كما كانت من قبل رغم تقرير كتب جديدة وإهمال كتب كانت من كتب الدراسة، ولكن ما دخل على كتب الدراسة بعد التنظيم من توجيه يجعل الحال مختلفاً عما استمر الحال عليه قبل ذلك سنين عديدة.
لقد كان النحو يدرس بآجرومية ابن أجروم الفاسي بشرح خالد الأزهري المصري. وحاشية ابن الحاج الفاسي، أو حاشية أبي النجا المصري، أو بشرح السوداني، وحاشية الوزاني الفاسي.
وتدرس الفية ابن مالك الأندلسي نزيل دمشق ودفينها بشرح المكودي الفاسي وحاشية ابن الحاج الفاسي، وقد يراجع الأستاذ حواشي الطرنباطي الفاسي على الألفية، أو شرح الأشموني وحاشية الصبار المصريين.
وأوضح المسالك لابن هشام المصري بشرحه التصريح للأزهري، وقد يراجع الأستاذ حواشي ابن كيران الفاسي على التوضيح.
ونظم الجمل للمجراد السلوى بشرح الرسموكي الجزولي وحواشي الوزاني الفاسي.
ويدرس تصريف الأفعال بلامية الأفعال لابن مالك بشرح باحراق اليمني وحاشية ابن الحاج الفاسي.
وتدرس العقائد وفقه العبادات ومبادئ التصوف بنظم المرشد المعين لابن عاشر وشرحه مختصر الدر الثمين لميارة، وحاشية ابن الحاج أو حاشية الوزاني وأربعتهم فاسيون.
ويدرس قسم العقائد من المرشد بشرح ابن كيران وحاشية القادري الفاسيين.
وتدرس العقائد أيضاً بعقيدة أم البراهين للسنوسي التلمساني بشرحه وحواشي الفاسي أو حواشي الدسوقي المصري.
وتدرس العقائد وفقه العبادات والمعاملات برسالة ابن أبي زيد القيرواني بشرح أبي الحسن وحاشية العدوي المصريين وقد يراجع الأستاذ شرح زروق الفاسي دفين ليبيا وشرح جسوس الفاسي وغيرهما من الشروح.
ويدرس مختصر خليل في الفقه بشرحي الخرشي والزرقاني ـ وثلاثتهم مصريون ـ بحواشي بناني الفاسي والرهوني الوزاني على شرح الزرقاني أو بشرح الدردير وحواشي الدسوقي المصريين.
وتدرس المواريث بباب الفرائض من مختصر خليل بشرح الخرشي وحواشي شيخنا ابن الخياط الفاسي أو بشرح بنيس وحواشي جنون الفاسيين وحواشي ابن خضراء السلوى قاضي فاس.
ويدرس فقه المعاملات بتحفة ابن عاصم الأندلسي بشرح ابن سودة وحواشي الوزاني أو بشرح ميارة وحواشي ابن رحال وأربعتهم فاسيون.
ويدرس فقه القضاء بلامية الزقاق بشرح ميارة وحواشي الشدادي وشرح ابن سودة وحواشي التسولي أو الهواري أو الوزاني وكلهم فاسيون، وقد يراجع الأستاذ شرح أبي حفص الفاسي.
وتدرس الوثائق بوثائق بناني فرعون بشرح الهواري وكلاهما فاسي.
ويدرس المنطق بنظم السلم للأخضري البسكري من الجزائر بشرح بناني وحواشي ابن سودة أو قصارة، وثلاثتهم فاسيون، أو بشرح القويسني وحواشي مصطفى البولاقي المصريين.
وتدرس أصول الفقه بورقات أمام الحرمين النيسابوري الجويني بشرح الحطاب الطرابلسي الأصل المكي المولد الذي هو في وقت واحد شرح للورقات ولشرح الجلال المحلي المصري عليها، وعلى شرح الحطاب حاشية لابن خضراء، السلوى قاضي فاس.
ويجمع الجوامع لابن السبكي بشرح الجلال المحلي، وحواشي البناني، والعطار، والعبادي وأربعتهم مصريون.
وتدرس البلاغة بتلخيص القزويني الشامي المصري مفتاح العلوم للسكاكي الخوارزمي بشرحي سعد الدين التفتازاني (من خراسان) المختصر والمطول وحواشي الدسوقي أو البناني المصريين أو ابن منصور الفاسي على الشرح المختصر. وحواشي عبد الحكيم السيالكوتي (الهندي) أو حواشي السيد الشريف الجرجاني. وقد يراجع الطالب شرح الولالي المكناسي على التلخيص كما يدرس البيان أيضاً بمنظومة ابن كيران في الاستعارات بشرح البوري وحواشي ابن الخياط والوزاني وكلهم فاسيون.
ويدرس العروض والقوافي بالمنظومة (الرامزة) للخررجي الفاسي مولداً السكندري مدفناً بشرح الزموري الفاسي.
ويدرس علم الوضع برسالة عضد الدين الإيجي الشيرازي بشرح أبي القاسم الليثي السمرقندي وحواشي ابن سودة الفاسي والدسوقي المصري.
ويدرس الحساب بكتاب كشف الأسرار للقلصادي الأندلسي دفين تونس، وبمنية ابن غازي المكناسي ثم الفاسي بشرحه وحاشيته بنيس الفارسي، والسملالية بشرح الرسموكي وكلاهما من سوس.
وتدرس مبادئ التوقيت بنظم (المقنع) للمرغيثي السوسي المراكشي بشرحه، وروضة الأزهار للجادري الفاسي بشرح البوعقيلي المكناسي ثم الفاسي، ونظم ابن عاشر في الربع المجيب بشرح الأغزاوي وكلاهما فاسي، والرسالة الفتحية لسبط المارديني المصري بشرح النشتالي الفاسي.
ويدرس رسم المصحف وضبطه بمورد الظمآن للخراز بشرحه فتح المنان لابن عاشر وهما فاسيان.
ويدرس تجويد القرآن بمنظومة ابن الجزري الشامي بشرح زكرياء الأنصاري المصري.
وتدرس القراءات بالشاطبة للشاطبي الأندلسي نزيل مصر بشرح ابن القاصح البغدادي. والدرر اللوامح لابن بري الرباطي التازي بشرح جموع الفاسي.
إلى كتب أخرى في القراءات كان يدرسها المتخصصون وكانوا إذ ذاك كثيرين في القرويين.
وفي التصوف كانت تدرس حكم ابن عطاء الله السكندري بشرح ابن عباد الرندي ثم الفاسي، وقد يراجع الأستاذ شروح زروق وابن كيران الفاسيين وابن عجيبة التطواني.
وفي المدح النبوي كانت تدرس همزية البوصيري الصنهاجي المصري بشرح بنيس الفاسي. وبردة المديح للبوصيري بشرح خالد الأزهري المصري وعليه حاشية القادري الفاسي.
ويدرس مصطلح الحديث بطرفة أبي حامد الفاسي بشرح أبي عبدالله الفاسي وعليه حواشي ابن الخياط وجنون والوزاني وخمستهم فاسيون.
ومن كتب الحديث الأربعون للنووي الشامي بشرح الفشني أو الشبرخيتي المصريين والهيتمي المصري ثم المكي.
وشمائل الترمذي الخراساني بشرح جسوس الفاسي، وقد يراجع الطالب شرح ابن سلطان المكي أو المناوي المصري.
وصحيح البخاري دفين سمرقند بشرحي القسطلاني وابن حجر المصريين وحواشي ابن سودة وابن زكري والفاسي الفاسيين.
وصحيح مسلم النيسابوري بشرحي النوري الشامي والآبي التونسي.
وموطأ مالك بن أنس المدني بشرح الزرقاني المصري وتعاليق جنون الفاسي.
وكتاب (الشفا) لعياض السبتي دفين مراكش بشرحي علي القاري ابن سلطان الهروي ثم المكي والشهاب الخفاجي المصري.
ويضاف إلى ذلك بقية الكتب الستة التي كانت تدرس بالقصر الملكي بمحضر السلطان ويحضرها كبار العلماء بالقرويين.
وكانت دروس القصر هذه منذ عهد الموحدين مثار الكثير من النقاش والجدال بين العلماء الذين يحضرونها. وكان الملوك يشجعون كل صاحب رأي على التأليف في الموضوع ـ وإذا كان السلطان نفسه من أهل العلم ساهم هو أيضاً بالتاليف في المسألة، فاجتمع بذلك على تعاقب العصور مجموعة من المؤلفات المغربية والرسائل فريدة من نوعها، وهو موضوع جدير بدراسة خاصة في رسالة جامعة.
وكان الكتابان اللذان درسا بفاس في المدة المذكورة هما سنن أبي داوود السجستاني دفين البصرة، وجامع الترمذي الخراساني.
هذه هي على العموم كتب الدراسة بجامع القرويين وبقية المساجد الأخرى في الحقبة المذكورة.
ولكن بعض المدرسين لم يلتزموا هذه الكتب بخصوصها، بل تعدوها إلى كتب أخرى درسوها مع بعض الطلبة. مثل:
تفسير الجلالين المحلى والسيوطي المصريين وأحكام القرآن لابن العربي المعافري الأندلسي دفين فاس، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه القزويني، والمجتبى للنسائي الخراساني، ومسند أحمد بن حنبل البغدادي، وبلوغ المرام لابن حجر العسقلاني المصري، وأحاديث الشهاب للقضاعي المصري ونخبة الفكر لابن حجر بشرحه عليها والنقاية للسيوطي في أربعة عشر علماً بشرحه عليها، ودلائل الخيرات في الصلاة على النبي (ص) للجزولي، والقوانين الفقهية لابن جزي الأندلسي، ومغني اللبيب لابن هشام المصري، وشرح ابن عقيل المصري على ألفية ابن مالك بحاشية الخضري المصري.
ونظم الجوهر المكنون في علوم البلاغة للأخضري البسكري بشرح الدمنهوري وحاشية مخلوف المنياوي المصري. ومقامات الحريري البصري وديوان الحماسة في أشعار العرب جمع أبي تمام الشامي المصري العراقي، والكامل في اللغة والأدب للمبرد البصري البغدادي، وقصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير بشرح ابن هشام المصري وجوهرة التوحيد لإبراهيم اللقاني بشرح ولده عبد السلام المصريين، وعقيدة التوحيد لأبي السعود الفاسي بشرحها تحفة الوارد والصادر لولد حفيده أبي القاسم بن أحمد وفقهيته بشرح جسوس الفاسي، وخريدة الدردير في العقائد بشرحه عليها. وإسعاف الراغب الشائق لابن جعفر الكتاني الفاسي دفينها ونزيل المدينة المنورة ثم دمشق الشام وتصلية ابن مشيش المغربي.
يضاف إلى ذلك كله العدد العديد من الشروح والحواشي والمصادر والمراجع المختلفة التي كان الاستاذ ونجباء الطلبة يرجعون إليها لتحضير الدروس، والتي هي أيضاً من مختلف البلاد ذات الثقافة العربية.
ومن المدرسين بالقرويين من كان يكتب شروحاً وحواشي وتعاليق على الكتب التي يدرسها.
والمكتبة المغربية مليئة بالمؤلفات العديدة من هذا النوع.
ومما يلحق بكتب الدراسة التي ذكرنا كتب الوعظ التي يتلوها (المورق) قبل بعض الصلوات أو بعدها فوق كراس خاصة بالقرويين)[82]( وغيرها من المساجد والجوامع، مثل:
كتاب الترغيب والترهيب للمنذري المصري وحلية الأولياء لأبي نعيم الاصبهاني والاكتفاء للكلاعي الأندلسي، وتنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، والروض الفائق للحريفش المصري المكي، وتنبيه الأنام في الصلاة على خير الأنام لابن عظوم القيرواني، وذخيرة المحتاج للمعطي الشرقي المغربي البجعدي.
وكان كثير من خطباء المساجد يوم الجمعة يحفظون عن ظهر قلب خطبة من خطب المناسبات ليخطبوا بها. والغالب أن تكون من مجموعة خطب الرهوني أو أبي مدين الفاسي، أو ابن نباتة.
كتب خاصة
وهناك كتب خاصة بطوائف كانت تتدارسها فيما بينها في اجتماعاتها.
مثلما كان يفعل فقراء الطريقة الدرقاوية في اجتماعهم الأسبوعي عشية الجمعة، حيث يتلو عليهم بعض أهل العلم شيئاً من رسائل مؤسس الطريقة الشيخ العربي الدرقاوي دفين بني زروال بناحية فاس، في آداب الطريق وذلك إلى جانب ما يتغنون به من أشعار ويتلونه من أذكار.
وكان فقراء زاوية الحراق دفين تطوان يتدارسون حكم الحراق. ورسائل الشيخ علي الجمل دفين فاس.
وكان التيجانيون يتدارسون منظومة (منية المريد)، في آداب طريقتهم، نظم أحمد بن سيدي بابا المغربي الشنقيطي نزيل المدينة المنورة ودفينها بشرحها (بغية المستفيد) لمحمد العربي السائح الرباطي، أو جواهر المعاني لحرازم برادة الفاسي فيما تلقاه من التيجاني الجزائري دفين فاس.
وكان تلامذة الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني يجتمعون في بيت من بيوت أحدهم فيتدارسون شيئاً من مؤلفاته ورسائله مثل خبيئة الكون وغيرها.
وكانت جماعة تجتمع في جامع دريبت تونس بالرصيف فتتدارس فيما بينها كتب الحاتمي كالفصوص والفتوحات المكية.
ومن ذلك الأحزاب والتصليات التي تلتزم مختلف الطوائف تلاوتها في أوقات معينة فرادى أو مجتمعين كأحزاب الشاذلي المغربي دفين مصر، وحزب زروق الفاسي دفين ليبيا وحزب النووي الشامي، وسبحان الدائم للجزولي وصلاة الفاتح للبكري المصري، والجوهرة للتيجاني وتصلية ابن مشيش المغربي وحزب الشيخ عبدالله الوزاني وحزب الناصري الدرعي، وأحزاب الشيخ محمد بن الكبير الكتاني وغير ذلك.
وكان للمغاربة ـ في هذه الحقبة ـ اهتمام كبير جداً بالاحتفال بالمولد النبوي، فكانت تقام الحفلات العامة ليلة المولد أو ليلة سابع المولد في مختلف الزوايا والأضرحة وبعض مساجد الأحياء، وإلى جانب الأمداح النبوية التي يتغنى بها المنشدون، والدروس التي يلقيها بعض المدرسين، كانت تتلى قصة المولد النبوي (اسعاف الراغب الشائق) لابن جعفر الكتاني.
محمد إبراهيم الكتاني
40 مليون مغربي سنة 2023
ارتفع عدد سكان المغرب إلى 28.7 مليون نسمة في نهاية عام 2000 بزيادة تُقدر بنحو 1.7 في المئة وتوقع تقرير رسمي أن يزيد سكان المغرب حوالى نصف مليون شخص نهاية السنة الجارية على أن يصل مجموع السكان إلى 30 مليون سنة 2003 وإلى 40 مليوناً سنة 2023.
وجاء في التقرير، الذي أعدته اللجنة العليا للسكان وعرضته على البرلمان لمناقشة موازنة 2002، أن الهرم السكاني المحلي يتميز بقاعدة شابة تمثل 33 في المئة من مجموع السكان وهي تراجعت عما كانت عليه قبل ثلاثين عاماً حين كانت تقدر بنسبة 46 في المئة.
ومن المتوقع أن تصل نسبة الشيخوخة في المغرب إلى معدلاتها الموجودة في أوروبا في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين عندما يتجاوز السكان عتبة 40 مليون نسمة مع ما يضعه الثقل الديموغرافي من أعباء هائلة على قدرات الاقتصاد المغربي الذي يدخله سنوياً حوالى 300 ألف شاب باحث جديد عن عمل.
وكشف التقرير أن سكان المغرب تضاعف مرتين ونصف المرة وانتقل من 12 مليون نسمة غداة الاستقلال (منتصف الخمسينيات القرن العشرين) إلى حدود 29 مليون عام 2000 وسيبلغ 39.3 مليون سنة 2022. وأظهرت الدراسة أن النسب الأكبر من الزيادة السكانية حدثت في الأرياف التي انتقلت أعداد كبيرة منها طوال العقدين الماضيين للعيش في المدن التي باتت تضم نحو 60 في المئة من السكان (16 مليون مقابل 12.5 في البوادي).
واعتبر الزواج المتأخر للبنات ودخول المرأة سوق العمل من الأسباب المباشرة لتقلص عدد أفراد الأسرة المغربية إلى متوسط خمسة أفراد، واحتلت الدار البيضاء المرتبة الأخيرة في نسب الخصوبة النسائية بمعدل ثلاثة أطفال لكل امرأة وجاءت مدينة تازة من مقدم المناطق الأكثر خصوبة للمرأة الواحدة بمعدل خمسة أطفال.
وتوقع التقرير أن يقل أفراد الأسرة المغربية في العقد الثالث من القرن إلى أربعة أشخاص وهي الفترة المتوقع فيها أن يتجاوز سكان المدن نسبة 70 في المئة من الإجمالي على أن يتجمع أكثر من نصف السكان في المنطقة الشمالية المطلة على المحيط الأطلسي.
وأفاد التقرير أن فترة الزيادة السكانية الأكبر تمت في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين وهي ارتبطت بتحسن في العلاجات الصحية وتوسع مجالات التعليم حيث انتقل سكان المغرب من 15 مليوناً عام 1971 إلى 20 مليوناً عام 1982، هي الفترة التي سبقت تطبيق برنامج التقويم الهيكلي مع صندوق النقد الدولي الذي حض على تحديد النسل لتحسين ظروف المعيشة، وهكذا تراجعت الزيادة السنوية من 2.8 في المئة إلى أقل من 2 في المئة نهاية التسعينات.
واعتبر التقرير أن المرحلة 1982 ـ 1996، التي التزم فيها المغرب تطبيق توصيات المؤسسات الدولية، تميزت بنمو صافي الدخل الفردي السنوي بنسبة 1.4 في المئة وزاد مؤشر التعليم 1.9 في المئة وتراجعت الأمية 2.1 في المئة وزاد معدل العمر 1 في المئة سنوياً. ويُقدر عدد الشيوخ فوق 60 سنة بحوالى 7.5 في المئة من مجموع السكان ومن هم دون 14 سنة بحوالى 32 في المئة.
وتقع غالبية سكان المغرب بين الشريحة 15 و59 سنة التي تمثل 60.5 في المئة وهي ما يصطلح عليها بالفئة النشيطة وعليها تقوم جهود التنمية.
ويحتاج المغرب إلى تأسيس وظائف أكثر لكبح جماح التطور المسجل في نسب البطالة إلى نحو 24 في المائة في المدن، لكن التقرير يعتقد أن هذه القاعدة المنتجة تمثل فرصاً وموارد بشرية هائلة أمام الاستثمار وهي على عكس الدول الصناعية التي شاخت على امتداد القرن الماضي.
وأضحى العنصر البشري مكلفاً للصناديق الاجتماعية، فضلاً عن النقص المسجل في اليد العاملة المحلية، وتوقع التقرير أن يواجه المغرب هذه المشكلة بعد 20 أو 25 سنة، لكن حال المغرب تختلف كون الأرياف ستمد المدن بالعمالة الضرورية على امتداد العقود القليلة المقبلة.
واعتبر التقرير معدلات النمو الاقتصادي ـ الاجتماعي متشابهة في دول المغرب العربية كافة، لكن المغرب لم يتمكن من امتصاص العجز الاجتماعي السابق في البوادي الموروث عن عهد الاستعمار اعتباراً لوضع القطاع الزراعي في الاقتصاد (17 في المائة) وتوالي سنوات الجفاف. ويقول التقرير إن 2.3 في المائة فقط من سكان القرى يشملهم التامين الصحي مقابل الربع في المدن.
وخلص التقرير إلى أن التزايد السكاني يشكّل ضغطاً على الموارد الطبيعية والاقتصادية المحلية وهو في حالة المغرب يتميّز بالانتقالية وتوسع الفضاءات العمرانية وارتفاع أعداد سكان المدن بسبب الهجرة، وتشكّل هذه العناصر استنزافاً حقيقياً للأراضي الزراعية وتحولاً سريعاً في سلوك ورسائل الاستهلاك.
الأمازيغية في المغرب
مضى بعض الحديث عن الأمازيغية (البربر) في الجزائر. ونرى هنا بعض الحديث عن ذلك في المغرب، بقلم رضا الأعرجي:
تستعد فاعليات مغربية لإطلاق تنظيم جبهوي في مواجهة ما بات يُعرف بتيار الأمازيغية السياسي، في وقت تعرف فيه الجمعيات المعبرة عن هذا التيار تزايداً ملحوظاً. فهناك 27 جمعية أمازيغية منضوية في إطار «مجلس التنسيق الوطني»، إضافة إلى 16 جمعية أخرى تعمل خارج هذا المجلس الذي تشكل في نيسان (ابريل) 1994.
ويرى أعضاء مؤسسون أن «القضية الأمازيغية» لا تعوزها الشرعية أو السند الشعبي، إلا أن الجمعيات الناطقة باسمها تجاوزت السقف الثقافي الذي ظلت تحصر نشاطها تحته، وهو ما يثير الريبة والشك تجاهها، خصوصاً بعدما ذهب نشطاء أمازيغيون بعيداً بمطالبتهم الحكومة المغربية المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الشعوب الأصلية، والتزامها الاعتراف الكامل باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية.
ويلاحظ أن الدستور المغربي لم ينص صراحة على البعد الأمازيغي كأحد مكونات المجتمع وثقافته، إلا أنه لم ينف ذلك، إذ ينص على أن «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وأقر المغرب اعتباراً من عام 1994 تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس، كما خصص نشرة إخبارية باللهجات الأمازيغية الثلاث، بمعدل خمس دقائق لكل لهجة يومياً.
ويكشف هذا التطور عن واقع أخذ في التشكل منذ 1967 مع ظهور أول جمعية ثقافية أمازيغية هي «الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي» ارتكز خطابها على الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية للعنصر الأمازيغي. هذا لا يعني أن تيار الأمازيغية السياسي هو وليد فترة الستينات، إذ يرجع إلى سنوات طويلة سابقة. فبعد استقلال المغرب بقليل حدث أول انشقاق في صفوف (حزب الاستقلال) في كانون الثاني (يناير) 1959 بإنشاء «الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال» وكان النواة الحقيقية لحزب «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» الذي أعلن عن تأسيسه في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه. وفسر الأمر على أنه «محاولة لتخلص العناصر السوسية ـ البربرية من العناصر الفاسية» نسبة إلى مدينة فاس ـ العربية.
ولم تمر أيام قليلة حتى تشكل أول حزب بربري في المغرب هو «الحركة الشعبية» وذلك في شباط (فبراير) 1959. وأسسه الضابط العسكري المحجوبي أحرضان والدكتور عبد الكريم الخطيب وتوليا لاحقاً حقائب وزارية في حكومات عدة، لـ«تمثيل سكان البوادي الأمازيغيين داخل جهاز الحكم».
وتوجد في المغرب حالياً ثلاثة أحزاب تتخذ من الأمازيغية مرجعية لها، ممثلة جميعاً داخل البرلمان، هي حزب «الحركة الشعبية»، «الحركة الوطنية الشعبية»، «الحركة الشعبية الديموقراطية»، والحركتان الأخيرتنان ولدتا من رحم «الحركة الشعبية» الأم.
وإذا كان الباحثون اختلفوا على أصول البربر، وأصول البربرية بمختلف لهجاتها، إذ يرى دعاتها أن البربر هم «آريون لاتينيون» ويؤكد خصومهم أن «البربر عرب من العاربة القحطانية وأنهم أقرب إلى الحميريين». كما أن البربرية ـ في نظرهم ـ لم تكن لغة في تاريخها، وإنما كانت دائماً لهجات متعددة، إذ لا يوجد كتاب واحد كتب بالبربرية.
ويسمي البربر أنفسهم بالأمازيغ وهي كلمة يراها البعض عربية الجذور (الأمازر: الأقوياء أشداء القلوب، وهي من جذر مزر). أما الأمازيغية فهي لسان غير مدون للقبائل البربرية المنتشرة من المغرب والجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر وتونس وليبيا حتى سيوا في غرب مصر. وهناك ثلاث لغات/ لهجات بربرية يجري بها الحديث، في جهات شاسعة من المغرب، هي «تريفيت» «تشلحيت» و«تمزيغت».
ويفسر نمو «الحركة البربرية» بعدة تبريرات أهمها، التعلق «بالهوية البربرية» ورفض الذوبان في المحيط العربي الإسلامي الذي شكل ويشكل الامتداد الثقافي والحضاري والطبيعي لغالبية سكان شمال إفريقيا، وبردة الفعل على ظاهرة التعريب التي شملت منذ الاستقلال التعليم في كل مراحله وبدأت تمتد إلى مجالات الإدارة والتسيير.
ويتنازل الحركة البربرية تياران: أولهما «تيار نخبوي» يتنافس على قيادته عدد من السياسيين والمثقفين المغاربة، يريد ربط الحركة بالمجال الثقافي الفرنكوفوني. ويعمل على رسم الحروف التي ينبغي أن تكتب بها «اللغة الأمازيغية» بالحروف اللاتينية. وثانيهما «تيار شعبي» يتبناه بعض الأحزاب والحركات الإسلامية ويريد للحركة أن ترتبط بالمجال الثقافي العربي الإسلامي ويحرص على عدم استخدام «اللغة الأمازيغية» في الكتابة، أو كتابتها بالأبجدية العربية إذا ما تمّ ذلك.
ويفرق الباحثون وبينهم من داخل الحركة الأمازيغية نفسها بين (أمازيغية) و(نزعة أمازيغية) فالأولى تعني أنها عنصر من عناصر تاريخ شمال إفريقيا من دون رفع شعار اللغة الأمازيغية عدوة للعربية أو بديلاً لها، والثانية شجعها الفرنسيون على أساس الزعم أن الأمازيغ (البربر) من أصول جرمانية ورومانية وليسوا عرباً وأن البربرية لا علاقة لها بالعربية، إلى غير ذلك من الأفكار. ويتفق الكثير من هؤلاء الباحثين على أن الفرنسيين إبان استعمارهم المنطقة عملوا على إثارة النزعة البربرية والنفخ فيها، وخصوصاً في المغرب والجزائر، بإنشائهم منذ عام 1913 مدارس تتبنى اللهجات البربرية. وأخذت سلطات الحماية الفرنسية تهتم وتركز على موضوع أساسي ومهم بالنسبة لها، هو العرف البربري، وتدعيماً لهذا التطور في أهدافها وضعت خريطة لغوية للمغرب، وقامت عام 1915 بتأسيس «معهد الدراسات البربرية» تلاه إصدار مجلة دورية خاصة بالبربرية. وفي عام 1929 أنشئت مدرسة لتعليم اللهجات البربرية في الرباط وتحولت لاحقاً إلى «معهد للدراسات العليا» وتطور الأمر بإصدار ظهير (قانون) 16 أيار (مايو) 1930 المعروف بـ«الظهير البربري» الذي أراد الفصل في النواحي القانونية، بين العرب والبربر، بإقامة سلطتين قضائيتين في البلاد، واحدة للعرب وأخرى للبربر.
ولم تتوقف المحاولات الفرنسية في هذا المجال، إذ تمّ تأسيس «الأكاديمية البربرية» عام 1967، في «جامعة 8/باريس فانسين» من أجل الإبقاء على هيمنة اللغة الفرنسية في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، كما تمّ إعداد مئات من الإداريين الشبان في المراكز الإدارية الفرنسية.
ويرى نقاد التيار الأمازيغي أنه مع تأسيس «الأكاديمية البربرية» بدأ الطابع الثقافي للحركة البربرية يتبلور شيئاً فشيئاً إلى أن برز أخيراً في شعارات مثل «نحن لسنا عرباً» و«الأمازيغية لغة وطنية ثانية».
ويشار إلى أن الأحداث التي عاشتها مدينة تيزي وزو وضواحيها في الجزائر في 20 نيسان 1980 المعروفة باسم «الربيع الأمازيغي» أصبحت تؤرخ لميلاد «الحركة البربرية السياسية» في منطقة شمال إفريقيا. ففي أعقابها انعقد «مؤتمر ياكورن» الذي وضع القاعدة الأساسية لنشاط هذه الحركة ومبادئها وأهدافها. ومن هذه الأهداف: «جعل اللغة الأمازيغية في مستوى اللغة العربية». وكانت تلك المرة الأولى التي تظهر فيها الحركة البربرية بمثل هذه الأطروحات الثقافية.
وفي ذلك العام (1980) عقدت «الجامعة الصيفية» في مدينة أكادير المغربية دورتها الأولى الحافلة بالمحاضرات عن الثقافة الأمازيغية، وأصدرت ميثاقاً اعتبر تحولاً جذرياً في الحركة الثقافية البربرية وتلت هذه التظاهرة مبادرات أخرى منها المذكرة المرسلة من الجمعيات الأمازيغية إلى المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993، والتئام مؤتمر لهذه الجمعيات على هامش المؤتمر، ثم اجتماعها من جديد في مدينة جنيف للمشاركة في «مؤتمر الشعوب الأصلية».
وفي صيف 1993 عقد مهرجان الأغنية الأمازيغية في أكادير، كما عقد مهرجان السينما الأمازيغية في مدينة دورانويه في مقاطعة بريتانيا الفرنسية. وأصدرت أكثر من ثلاثين جمعية أمازيغية حضرت مهرجان دورانويه بياناً تأسيسياً لمشروع المؤتمر العالمي الأمازيغي. وفي هذا البيان جرى التركيز على الهوية المشتركة للأمازيغيين الذين تمتد بلادهم تمازغاً ـ حسب الوثيقة ـ من جزر كناريا غرباً إلى واحدة سيوا (مصر) شرقاً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى بوركينا فاسو جنوباً. وأكد البيان على عزم التجمع الأمازيغي على صيانة حقوق (هذا الشعب الذي زور تاريخه وقمعته مختلف السلطات)، طارحاً مجموعة من الأهداف والاستراتيجيات تتعرض في بعضها للجوانب القانونية والدستورية، ويخص بعضها الآخر الاستنجاد بالحماية الدولية وتبني الكفاح الديموقراطي السلمي.
ومنذ «مؤتمر فيينا» عن حقوق الإنسان (حزيران/ يونيو 1993) بدأ الأمازيغيون المغاربة يظهرون على المستوى الدولي، حيث شارك للمرة الأولى في هذا المؤتمر وفد عن الجمعيات الثقافية الأمازيغية ووزع على نطاق واسع وثائق تلخص السمات الأساسية للوضعية التي تعيشها اللغة والثقافة الأمازيغيتان في المغرب، وتقول من وجهة نظر دعاتها: «لا مكان للغة والثقافة الأمازيغيتين في الدستور، وفي الهيئات التعليمية والتربوية، وفي المؤسسات الإدارية، وفي الهيئات القضائية، وفي وسائل الإعلام العمومية والخاصة». ثم تطور الأمر إلى نشر رسالة في صحيفة «الوطن» الجزائرية بتوقيع أحد أعضاء وفد الأمازيغيين المغاربة إلى مؤتمر فيينا يدعو فيها إلى إنشاء «مؤتمر عالمي للأمازيغيين»، ولقيت هذه الرسالة تجاوباً من الأمازيغيين خصوصاً الجزائريين ما أدى فعلاً إلى انعقاد «المؤتمر العالمي للأمازيغيين».
إلا أن الظاهرة الأكثر أهمية هي علاقة الأمازيغيين المغاربة بحركة الشعوب الأصلية بعدما خصصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 45/164 في 18 كانون الأول (ديسمبر) 1990 عام 1993 عاماً دولياً للشعوب الأصلية، ولم يمض وقت طويل حتى عقد أول تجمع عالمي للأمازيغيين حضره حوالى 200 شخصية يمثلون 40 رابطة ثقافية بربرية من المغرب والجزائر وليبيا والنيجر والولايات المتحدة وفرنسا وجزر الكناري وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا، من بينهم حوالى 30 مغربياً وعشر جمعيات مغربية، وأسسوا منظمة عالمية تحت اسم «المؤتمر العالمي الأمازيغي» الذي انتخب مكتباً فيديرالياً يتكون من 32 مندوباً من بينهم 10 مغاربة و7 جزائريين، و2 من ليبيا، و7 من المهجر (أوروبا الغربية، والولايات المتحدة)، و2 من جزر الكناري و2 من الطوارق.
وأهم ما تمخض عنه ذلك التجمع، الذي عقد في أيلول 1995 في المركز الدولي للقديس «سان روم ديدولان» في جنوب فرنسا، المصادقة على وثيقة تحمل اسم «القانون الأساسي للمؤتمر العالمي الأمازيغي» التي تتضمن أهم مبادئ الحركة البربرية (الأمازيغية) وتوجهاتها. وأبرزها، تدويل الواقع الأمازيغي (البربري) عبر الهيئات الدولية (الأمم المتحدة، اليونيسكو والمنظمات غير الحكومية)، واكتساب الوسائل المادية والمالية والتنظيمية من أجل تحقيق هذه الأهداف، وهو ما فسر باحتمال الانتقال إلى مرحلة حمل السلاح.
وعود على بدء، فإن الإطار التنظيمي المرتقب الإعلان عنه في وقت قريب يتوخى التعامل مع القضية الأمازيغية من منطلق تصور الحركة الوطنية المغربية للمسألة الثقافية الذي يقوم على السلفية الدينية والاتجاه القومي والعروبي، من دون تنكر للتنوع الثقافي والحقوق اللغوية والثقافية، وتعدّد مكونات الشعب المغربي.
والمؤكد، أن التنظيم الجديد سيصعد من حدة الجدل الذي تعرفه الأمازيغية في المغرب، ومن الاهتمام المتزايد والمنظم بها الذي لم يعد يقتصر على نشاط الجمعيات الثقافية المهتمة باللغة والثقافة الأمازيغيتين، بل تعداه إلى مجموعة من المنظمات الطلابية والشبابية والحقوقية، إلى اهتمام الصحافة والرأي العام.
المغني في علمي
النحو والتصريف
لابن الفلاح، تقي الدين أبي الخير منصور بن فلاح بن محمد بن سليمان اليمني، المتوفى سنة 680هـ.
فرغ منه في شهر محرم الحرام سنة 672هـ.
1 ـ نسخة منه في مكتبة فيض الله، في إسلامبول، رقم 1021.
2 ـ نسخة كتبت في القرن التاسع؛ في المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم 6654، في246 ورقة.
3 ـ نسخة كتبت سنة 1285هـ؛ في مكتبة السيد المرعشي العامة ـ قم، رقم 1352، مذكورة في فهرسها 4: 129.
المفازة الكبرى
تمتد المفازة الكبرى في إيران فتقطع هضبة إيران العالية، من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، فتفصل الأقاليم الخصبة في هذه البقاع إلى مجموعتين. فإن هذه المفازة تبدأ من جنوب جبال ألبرز التي يشرف شماليها على بحر قزوين، وتمتد إلى جبال مكران المجدية، الإقليم المتاخم لبحر فارس. ويقدر طول المفازة بنحو من 800 ميل، ولكن عرضها يختلف باختلاف بقاعها، لأن شكل هذه الرقعة الفسيحة من الفيافي القاحلة أشبه شيء بزجاجة الساعة الرملية الضيقة العنق، لا يتجاوز عنقها الضيق مائة ميل وهو يفصل بين كرمان وسيستان، بينما يتسع عرضها كثيراً في الشمال والجنوب حتى ليتجاوز في بعض المواضع مائتي ميل.
وقد عرف البلدانيون العرب في القرون الوسطى هذه الصحراء بالمفازة)[83](، وعنوا كثيراً بتعيين حدودها. فمن غربيها وجنوبها الغربي يحدها إقليم الجبال وكورة يزد (وكانت تعد بالأصل جزءاً من إقليم فارس) وكرمان، وفي جنوبها تتداخل في أضعاف جبال ساحل مكران. ومن شرقيها وشمالها الشرقي خراسان والأقاليم التابعة لها والمجاورة: وهي قومس في شمال المفازة، ثم زاوية من إقليم خراسان نفسه، ثم قوهستان، وفي أسفل ذلك سجستان وهي عند القسم الضيق من المفازة مقابل كرمان.
وما كتبه ابن حوقل والمقدسي عن المفازة إنما كان عن خبرة ومشاهدة، إذ أن كليهما اجتاز قفارها غير مرة. أوجز ابن حوقل وصفها فقال: «ليست في حيز إقليم بعينه، وهي من أكثر المفاوز لصوصاً وفساداً» قد جعلوا منها ملجأ يعتصمون به ويأوون إليه. وليس فيها قرية ولا مدينة سوى في ثلاثة مواضع.
أما المقدسي فقط تبسط في الكلام عليها. ونحن نلخص شيئاً مما ذكره قال: مثل المفازة كمثل البحر، كيفما شئت فسر إذا عرفت السمت وسلكت حيث تلمح الحياض والقباب المعمولة فيها فوق حياض المياه التي كان يعني بإنشائها في المائة الرابعة (العاشرة) بامتداد أهم طرقها بين مرحلة كل يوم وأخرى. وقد أمضى المقدسي في هذه المفازة سبعين يوماً، مخترقاً إياها من أقصاها إلى أقصاها. وتكلم كلام خبير على ما فيها من دروب ومعارج في جبال فيها وكلها مخيف، سباخها وسرودها وجرومها، وقال إن فيها رمالاً قليلة ونخيلاً وزروعاً في أضعاف كثير من وديانها الصغيرة.
وكانت المفازة في ذلك الزمن مخيفة، لأن عصابات من البلوص (وهم البلوج) كانوا يعتصمون في جبال القفص عند تخوم كرمان، وهم «قوم لا خلاق لهم، وجوه وحشة وقلوب قاسية، وبأس وجلادة، لا يبقون على أحد حتى يقتلوا من ظفروا به بالأحجار كما تقتل الحيات، تراهم يمسكون رأس الرجل على بلاطة ويضربونه بالحجارة حتى ينصدع» وسألهم المقدسي عن سبب ذلك، فقالوا له لئلا تفسد سيوفنا. وفي أيام المقدسي أبادهم عضد الدولة البويهي، وحمل منهم أمة رهائن إلى فارس. فسلم الطريق من شرّهم، إذ كان مع القوافل بذرقة من قبل السلطان. وكان هؤلاء البلوص، على ما ذكر المقدسي. «رجالة، وربما ركبوا الجمّازات»)[84](. وهم وإن كانوا يدّعون الإسلام، إلا أنهم «أشد على المسلمين من الروم والترك: إذا أسروا الرجل أمروه بالعدو معهم نحو عشرين فرسخاً حافي القدم جائع الكبد. زادهم شيء مثل الجوز يتخذ من النبق. وهم أصبر خلق الله على الجوع والعطش».
وبعد المقدسي بنحو من نصف قرن، أي في سنة 444 (1052)، قطع ناصرخسرو الجزء الشمالي من المفازة في عودته من حجه إلى مكة. ولم يطلق ناصر خسرو على المفازة الكبرى اسماً خاصاً بها، بل أشار إليها فقط بلفظ بيابان، أي «أرض لا ماء فيها». على أنه ذكر أهم صفتين خطرتين فيها: الرمال المتحركة (ريك روان) والسباخ (شورستان) التي قد يبلغ طولها ستة فراسخ. غادر ناصر خسرو نايين في إقليم الجبال إلى الواحات الوسطى في الجرمق، ومنها إلى طبس في قوهستان، سالكاً الطريق الذي سنصفه الآن. على أن وصفه هذا الطريق غامض لم يزد إلاّ القليل على ما نعرفه عنه. فقد تكلم على كيلكي أمير طبس وقال إنه نشر الأمن والسلام في المفازة، وهابه لصوص القفص الذين سماهم كوفج، وزال خطرهم. وذكر أن بين كل فرسخين من الطريق الذي سلكه، قباباً فوق حياض الماء، شيدت حتى لا يضل المسافرون الطريق ولكي يأووا إليها في الحر والقر. وذكر أنه لولا العناية بهذه الحياض لما استطاع أحد اجتياز المفازة وهم في خوف من اللصوص. وقد عزّز قول ناصر خسرو هذا، ما جاء في وصف كتابي المسالك لابن حوقل والمقدسي عن طرق القوافل العديدة في هذه القفار الممتدة إلى كثير من الجهات، ففي جميعها، حياض للماء بين مرحلة ومرحلة.
وعلى مدى الخط الأوسط لهذه المفازة الكبرى، ثلاث واحات تبعد إحداها عن الأخرى بعداً كبيراً. وإليها طبعاً تتوجه طرق المفازة المختلفة التي تقطعها من الغرب إلى الشرق. كانت هذه الواحات تعرف في القرون الوسطى بالجرمق ونابند (وما زالت تسمى بذلك) وسينج. ولم يكن في المفازة، على ما ذكر المقدسي، من مدن غير هذه الأخيرة.
وتتوسط القسم الأعلى من المفازة، عند منتصف الطريق بين أصفهان وطبس في قوهستان، واحة يقال لها اليوم جندك أو بيابانك وهيالتي كان يعرفها العرب في القرون الوسطى بالجرمق، وكانت تكتب بالفارسية بصور كرمه. وهي ثلاث قرى: الجرمق (أو كرمه) وبيادق (أو ﭜياده بالفارسية) وأرابه. وأطلق ابن حوقل على هذه القرى اسم سهده وتفسيرها ثلاث قرى. وذكرناصر خسرو أنه كان في هذا الموضع في المائة الخامسة (الحادية عشرة) من عشر إلى اثنتي عشرة قرية. وكان في ﭜياده أيضاً حصن صغير فيه بذرقة الأمير ﮔيلـﮔي لحماية مسالك المفازة. وكان في هذه الواحة نخيل وزورع ومواش كثيرة. وقال ابن حوقل كانت هذه القرى الثلاث في رأى العين قريبة بعضها من بعض. وكان فيها في المائة الرابعة (العاشرة) نحو ألف رجل. ولم يزد من جاء بعده من المصنفين شيئاً على ما ذكر. وكل من كتب عنها حتى زمن المستوفي في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) يطابق قول ابن حوقل، وكلهم ناقل عنه.
أمّا نابند، الواحة الثانية، فما زالت تُعرف بهذا الاسم. وهي في الطرف الشمالي من جزء المفازة الضيق بين راور في كرمان وخور في قوهستان. قال ابن حوقل في نابند إنها: «رباط فيه مقدار عشرين مسكناً وفيه ماء يجري، عليه رحى صغيرة، ولهم نخل، ولهم زرع على ماء عين. وقبل نابند بفرسخين عين ماء وعندها نخيلات وقباب، وليس بها أحد، وهي ملجأ للصوص».
أما الواحة الثالثة فإلى الجنوب أيضاً، في أضيق قسم من المفازة وهي مرحلة في نصف الطريق بين نرماسير في كرمان وزرنج قصبة سجستان. وفي هذا الموضع واد صغير فيه عيون، يسمى اليوم بنصرت آباد، ولكن ما زال البلوج يعرفونه باسم آسـﭜـي أو آسفي وهذا الاسم يطابق قراءة الاسم «اسبيذ» لهذه الواحة في المقدسي الذي سماها أيضاً سنيج أو سنيك، وعدّها من مدن سجستان. أما ابن حوقل فقد جعلها من أعمال كرمان. ولم يكن في المفازة، على ما بينا، مدينة غيرها بحسب قول البلدانيين العرب. وقال فيها المقدسي: «عامرة آهلة، بها مزارع كثيرة وقنى، غير أنها كانت في حدود المفازة».
مفتاح الكرامة
في شرح قواعد العلامة
تأليف: السيد محمد جواد العاملي المتوفى سنة 1226هـ.
متن فقهي كامل، من أهم وأنفع الشروح الكثيرة لكتاب قواعد الأحكام في معرفة مسائل الحلال والحرام للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهّرالأسدي (648 ـ 726هـ)، والذي يعدّ من الكتب المشهورة المتداولة، وهو موسوعة فقهية شاملة ومستوعبة ـ باختصار ـ لآراء أغلب فقهاء الشيعة، المتقدمين منهم والمتأخرين، وعليه ما يقرب من 30 شرحاً و15 حاشية، وهو من المتون الفقهية المهمّة الكاملة، من الطهارة إلى الديات.
المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
كتاب للدكتور جواد علي
صرف المؤلف أربعين عاماً من عمره في تأليف هذا الكتاب وهو يعتبره خلاصة ثقافته وتجربته الثرَّة في قراءة واستيعاب تاريخ العرب قبل الإسلام، وكان يأمل أن يمدّ الله في عمره ليعدّ سفراً مشابهاً لتاريخ العرب بعد الإسلام، غير أن هذا لم يتحقق وكانت أمنيته أن ينهض طلابه بهذه المهمة الشاقة في ضوء أحدث ما توصل إليه الآثاريون والعلماء في مختلف حياة وتطور الأمة العربية.
هنا لا بد من الإشارة إلى أنه ألّف «المفصّل» دون مساعدة من أية جهة رسمية أو غير رسمية، بل إنه كان ينفق من جيبه لاقتناء المصادر والمراجع وتصوير الوثائق والبحوث ذات الصلة بالكتاب.
ولقد أعانه اتقانه اللغات الإنكليزية والألمانية وغيرها على الاطلاع على ما كتبه الباحثون الأجانب والمستشرقين فأخذ منهم ما ينفع بعد غربلته ومناقشته.
وأشار في تقديمه الموجز للمفصل أنه كتاب جديد يختلف عن كتابه السابق فهو يختلف «في إنشائه وفي تبويبه وترتيبه، وفي كثير من مادته أيضاً».
وذكر أنه راجع بعض المستشرقين الباحثين في تاريخ العرب القديم. وسأل من ساح في جزيرة العرب في هذه الأيام، وبعض الشركات العاملة فيها، آخر ما توصلوا إليه من بحوث وعثروا عليه من عاديات فوجد العون من العديدين.
وصرح أنه لا يكتب لإرضاء الناس بل للحقيقة!
تبوأ «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» مكانة علمية وعالمية هو أهل لها. وترجمت عدة فصول مسهبة منه إلى العديد من اللغات الحية.
وقارئ هذه الموسوعة التاريخية المهمة يخرج بزاد وفير عن حياة العرب في العصر الجاهلي وصلات العرب بالساميين والكلدانيين والفرس والعبرانيين واليونانيين والرومان.
كما يحيط بمعلومات وافية عن الدولة المعينية وحكومة قتبان والسبئيين وهمدان والحميريين وأثرالنصرانية في الجاهلية والمجوس وأوابد العرب والطيرة وعادات الجاهليين.
وخصص الجزء السابع للاقتصاد العربي قبل الإسلام، فتناول الزرع والمزروعات والشجر والمراعي والثروة الحيوانية والأرض والتجارة البحرية وتجارة مكة وطرق الجاهليين والأسواق والمال وأصحابه والأتاوة والمعادن والأعشار والصناعة والتعدين وقياس الأبعاد والمساحات والوزن والكيل.
أما الجزء الثامن فخصص للحضارة العربية قبل الإسلام، فتناول الفن الجاهلي والقصور والخوف والزجاج والبلور والفنون الجميلة والخطّ العربي والمسند ومشتقاته والكتابة والعلماء والفلسفة والأمثال والهندسة والنوء والتقاويم والتواريخ واللغات السامية واللسان العربي.
وكرس الجزء التاسع لأدب العرب وثقافتهم قبل الإسلام، فتناول النحو والشعر والعروض وتدوين الشعر الجاهلي وأوليته وأوائل الشعراء والمعلقات السبع وأصحاب المعلقات والشعراء الصعاليك وشعراء الريف وقريش ويثرب وثقيف والشعراء اليهود والنصارى وشعر المخضرمين.
أما الجزء العاشر فتضمن فهارس وكشافات فنية تعين الباحثين والدارسين وتسهل مهمتهم في الإفادة منه.
بقي أن أقول انه طالب في مقدمة «المفصّل» الحكومات العربية في الجزيرة والخليج العناية بالآثار ودراسة لهجات العرب قبل الإسلام والأقلام العربية الجاهلية وإنشاء متاحف لآثارها وذلك بدل الاعتماد على الغربيين.
ومن حسن التوفيق ان عدة حكومات استجابت لنداء هذا العالم الجليل فتيسرت معلومات وأضواء جديدة عن المجتمع العربي قبل الإسلام وهذا يقتضي وضع دراسات جديدة متممة «للمفصل».
تعريف بالمؤلف
ولد جواد علي بمدينة الكاظمية. إحدى ضواحي بغداد سنة 1907م ودرس في مدارسها ثم انتقل إلى الأعظمية حيث درس في كلية الإمام الاعظم، ومنها انتقل إلى الثانوية المركزية وكانت يومئذ الثانوية الوحيدة ببغداد، بعدها تابع دراسته في «دار المعلمين العالية» حيث تخرج وعيّن مدرساً (1931). أوفد لدراسة التاريخ الإسلامي في ألمانيا، فنال شهادة الدكتوراه من جامعة هامبورغ (1939) وكانت أطروحته في (المهدي المنتظر) وهي مما لم يترجم ولم ينشر.
عاد إلى بغداد، وقد اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية، فعهد إليه تدريس التاريخ في «دار المعلمين العالية»، وفي آذار 1942 اعتقل في أعقاب حركة 1941 ونفي إلى الفاو ثم أطلق بعد نحو شهرين من مكثه في المعتقل!
وفي أيلول 1943 عيّن مدرساً في دار المعلمين الابتدائية ببغداد فسكرتيراً للجنة الترجمة والتأليف والنشر بوزارة المعارف (التربية) (1947) فسكرتيراً للمجمع العلمي العراقي (كانون الثاني 1948) فأستاذاً بدار المعلمين العالية (أيلول 1956).
وخلال السنة الدراسية 57 ـ 1958 اختير أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد الأميركية.
وفي السنة 1961 ـ 1962 اختير أستاذاً زائراً في جامعة لندن.
وكان الجواد قد اختير عضواً بالمجمع العلمي العراقي (1948).
وقبل ذلك اختير عضواً مراسلاً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة (1956).
وبمجمع اللغة العربية الأردني وظل يعمل حتى اختاره الله إلى جواره في 4 تشرينالأول 1987.
من آثاره المطبوعة
1 ـ التاريخ العام، بغداد، 1927.
2 ـ تاريخ العرب قبل الإسلام، ثمانية أجزاء (بغداد 1951 ـ 1960).
3 ـ تاريخ العرب في الإسلام (السيرة النبوية) بغداد 1961.
4 ـ أصنام العرب، بغداد 1967.
5 ـ تاريخ الصلاة في الإسلام، بغداد 1968.
6 ـ المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (عشرة مجلدات)، بغداد، بيروت 1968 ـ 1974.
من آثاره المخطوطة
1 ـ المفصّل في تاريخ العرب في الإسلام.
2 ـ معجم ألفاظ المسند.
3 ـ معجم ألفاظ الجاهليين، وله دراسات كثيرة لم تجمع في كتب.
المفيد (جريدة)
إن معظم الأبحاث التي تناولت «النهضة العربية»، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ركزت في بحثها على الجذور الفكرية والثقافية واللغوية أكثر من تركيزها على الحركة السياسية المتنامية، التي كانت امتداداً لهذه الجذور في السنوات المبكرة من القرن (العشرين). لا شك أن هناك العديد من الأعمال القيّمة، قد عالجت الجوانب الهامة من التاريخ السياسي للحركة القومية العربية التي انطلقت بعد ثورة 1908 في الأمبراطورية العثمانية.
ولكن بالرغم من الطبيعة المثمرة لتلك الفترة التي تمثلت في الحركات السياسية العربية الحديثة، وفي أيديولوجية القومية العربية، فإنها لم تُدرس بشكل منهجي على هدى الصحافة العربية الغنية، هذه الصحافة التي لعبت دوراً حاسماً في السياسة على مدى الفترة 1908 ـ 1914، خاصة في بيروت والقاهرة، وأيضاً في دمشق وأسطنبول وغيرها من المدن الأخرى في المنطقة.
إن اللقاء الذي عقد تحت عنوان «الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890 ـ 1939: الأبعاد الدفينة (غير المستكشفة)» تضمن محاضرات كان نصفها على علاقة بالصحافة العربية أو مبنياً أساساً عليها، إن هذا اللقاء هو إشارة كبيرة الأهمية للإدراك المتنامي، أن هناك فجوة «واسعة» في كتابة تاريخ العرب المعاصر، في جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إن حجم تلك الفجوة يمكن أن يظهر بوضوح بمقارنة خاطفة بين معظم الأعمال التي دارت حول التاريخ العربي المعاصر، من جهة، وبين الأعمال الجديدة التي تدور حول التاريخ الحديث لأي من البلدان الأوروبية، من جهة أخرى، من حيث المادة والمنهجية المتبعة والمصادر لهذه الأعمال. إن الأعمال الأولى تتجه للتركيز على رموز قليلة جداً (لا شك بأهميتها)، أُنهكت دراسة وتمحيصاً كالأفغاني وعبده. وتترك هذه الدراسات انطباعاً مؤكداً عن مجتمع يتم فيه التغيير (إذا تمّ) بوتيرة بطيئة جداً. وجميع هذه الدراسات مبني على مصادر محدودة العدد، وعلى تدقيق مراكز بحث قليلة كالقاهرة وبيروت. بينما الأعمال الأخرى تذهب إلى أبعد من العموميات والتقسيمات التقليدية الضيّقة، فتسبر غور التاريخ المحلي وتستخدم العلوم الإحصائية وعلم الاجتماع، وتدقق في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقوم عليها السياسة.
إن هذا الفارق، الذي وجدناه في مقارنتنا، هو، في جزء منه، من بقايا الاستشراق: وإلا كيف يمكننا أن نفسّر اللهجة المتعالية التي تتسم بها معظم الكتابات عن العالم العربي، والتبسيط الهائل في الكتابة، الذي قد يبدو مثيراً للسخرية في أي حقل آخر، ولكنه يمرّ في هذه الكتابات دون أدنى تعليق يذكر، على أن هذا الفارق يعود إلى فشل المثقفين العرب في استغلال كلّ المصادر المحلية التي في متناول أيديهم، والصحافة مثال بارز بينها. لا شك أن الصحافة العربية في فترة ما قبل 1870 هي إما غير متوافرة، أو ذات شأن قليل كمصدر، وتصبح عديمة الأهمية بعد 1870 وخاصة تلك الصحف الصادرة في القاهرة. ولكن تعدد المصادر الصحفية المتوافرة وغناها بارزان في الفترة التي تلت سنة 1908.
ففي سوريا)[85](: وحدها تأسست 35 صحيفة في 1909، بينما أنشئت أكثر من 60 صحيفة فقط في بيروت من سنة 1908 حتى 1914.
إن القول باستحالة الكتابة عن تلك السنوات، أو عن وجوه أخرى لتاريخ العرب المعاصر والسياسة، دون الرجوع إلى الصحافة وبعض المصادر المشابهة، قول قابل للجدل. فعلى الأقل، وكما ثبت بعد مسح جزئي لإحدى هذه الصحف «المفيد»، سيكون من الضرورة بمكان الاستعانة بهذه المصادر في المراجعات العامة والإضافات التي يمكن زيادتها على تلك الحقبة برمتها.
كما يشير العديد من الكُتاب، كانت الحركة القومية العربية في الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى قائمة في معظمها على فئات: الشباب ـ الطلاب والضباط الصغار والصحافيين والمثقفين. صحيح أن العديد من أولئك الذين حصدتهم المشانق في 1915 ـ 1917، كانوا سياسيين ناضجين كالنواب: شفيق المؤيد وعبد الحميد زهراوي وشكري العسلي ورشدي الشمعة وحافظ السعيد. إلا أن معظم الجمعيات الوطنية السرية النشيطة، والتي لا نعرف عن نشاطاتها إلاّ القليل حتى يومنا هذا، كانت قد قامت على أيدي رجال تبدأ أعمارهم بالعشرينات ولا تتجاوز أوائل الثلاثينات، كجمعية «الفتاة» مثلاً، وهي من أكثر الجمعيات فاعلية في تلك الحقبة، أسستها مجموعة من الشبان السوريين الذين يدرسون في باريس. لقد كانت لهؤلاء الشبان اليد الطولى في تنظيم المؤتمر العربي الأول في باريس في أواسط سنة 1913 متعاونين مع زعماء حزب اللامركزية الإدارية العثمانية.
فمن الأعضاء القياديين لجمعية الفتاة، وأحد ألمع الروّاد للحركة القومية وأكثرهم دينامية وحركة، كان عبد الغني العريسي)[86]( الذي رسم بالاشتراك مع فؤاد حنتس في ملكية وتحرير «المفيد» الخلفية الاجتماعية للعديد من زعماء الحركة القومية.
وُلِد العريسي سنة 1891 ابناً لبائع فاكهة بالجملة، متواضع الإمكانات. تلقى علومه في مدرسة المقاصد، ثم في الكلية العثمانية التي أسسها، في بيروت سنة 1898 الشيخ أحمد عباس الأزهري. ثم تابع علومه في مدرسة جامع عين المريسة وفي الوقت الذي بدأ وفؤاد حنتس بإصدار «المفيد»، كان العريسي لا يزال مدرّساً، ولم تفارقه روح إلقاء المواعظ طيلة حياته القصيرة. لقد احتوت افتتاحياته في «المفيد» على الروح القومية العربية وعلى مزيج من المفاهيم السياسية الإسلامية التقليدية والغربية. أما مقالاته الأقل تأججاً بالعاطفة فقد أعدها لتبث روح المواطنية الجديدة في نفوس قرّائه، كما تشعرهم بالفخر بتراثهم العربي في هذا السياق الأخير عرّب العريسي لقُراء «المفيد» عدداً من الفصول عن كتاب Gustave Lebon «حضارة العرب»، وعدداً آخر من كتاب Paul Doumer يشرح فيها للقُراء الشباب المفاهيم الأوروبية الحديثة عن المجتمع والسياسة والأخلاق. وفي سنة 1911 ترجم العريسي ونشر الكتاب الأخير بكامله تحت عنوان «كتاب البنين».
خلال هذا الوقت، وبعدما أصبحت «المفيد» من أكثر الصحف اليومية فاعلية وتأثيراً في أنحاء سوريا، أخذت تنشر مقالات لعدد من الزعماء البارزين للحركة العربية، كما انخرطت في مشادّات بصورة منظمة مع جريدة «طنين»، لسان حال جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة في اسطنبول.
ترك العريسي كل ذلك خلفه، وسافر في شباط (فبراير) 1912 إلى باريس، وهو في سن العشرين، ليدرس الصحافة والسياسة. ولقد أفاد العريسي من فترة إقامته في باريس حيث بقي حتى أواخر 1913، خاصة وأنه صحافي وضالع في السياسة ويمتلك اللغة الفرنسية ولديه إلمام بالمفاهيم السياسية والأوروبية الحديثة. إن التغيرات التي طرأت على أسلوبه ومحتوى افتتاحياته تؤيد هذه الملاحظة إلى حد بعيد.
إلى جانب دراساته، كان العريسي سياسياً نشيطاً، فلقد شغل مركز الأمين العام للجنة التحضيرية للمؤتمر العربي وافتتح دورتها الأولى المنعقدة بنصاب كامل بخطاب ألهب الحضور حماسة «واندفاعاً».
عند عودته إلى بيروت في أواخر 1913، كانت الحركة العربية في منعطف هام من تاريخها، فلقد انطلقت كواقع ثقافي قومي في السنوات التي أعقبت إحياء الدستور العثماني في 1908، ومن ثم تطورت إلى شبكة من الاتحادات والأحزاب والجمعيات السرية والنوادي العاملة من أجل الإصلاح واللامركزية الإدارية، في أنحاء الأقاليم العربية من الأمبراطورية.
ومع نهاية 1913، لم يعد هناك شك لدى العديد من الشبان العرب المسيّسين والمثقفين، في أن جمعية الاتحاد والترقي التركية الحاكمة ليس لديها أي نيّة في إجراء الإصلاحات التي ينادي بها العرب: لامركزية الأمبراطورية أو إشراك في السلطة السياسية لأي قوة أو جماعة أو حزب. أكثر من ذلك، فالاتحاديون لم يستجيبوا حتى لحق استعمال اللغة المحلية وتعيين الضباط المحليين، هذه المطالب التي كانت الشرارة الأولى لسخط العرب في 1909، واستمرت مشتعلة على مدى أربع سنوات لاحقة، حتى الوقت الذي انتشرت فيه الجمعيات الإصلاحية كالنار في الهشيم في عدد من المدن العربية، بقيادة بيروت. في مقابل هذه الخلفية، يبدو أن الجمعيات السرية العربية العاملة تحت الأرض، بدأت في أواخر 1913 بالتحضير لتصعيد النضال من أجل الحقوق العربية في أنحاء الأمبراطورية. فأخذت هذه الحملة طابع الانتشار والتمدد لتلك الجمعيات (حتى وصلت للضباط العرب في الجيش، وأصبح هؤلاء موضع اهتمام خطير بالنسبة لجمعية الاتحاد والترقي) وطابع الدعاية المنظمة في الصحافة.
وكما في السنوات السالفة، كانت «المفيد» واحدة من أكثر المدافعين صلابة عن القومية العربية، بالرغم من أن فكرة استغلال العرب الكامل لم تكن قد تجذرت بعد في أذهان العريسي ورفاقه. على كل حال، ومع مرور الزمن، أخذ هؤلاء يُدفعون دفعاً في هذا الاتجاه، من جراء السياسة الشوفينية، وكذلك، الرعناء وغير المهادنة التي انتهجها العنصر القومي التركي الذي سيطر على جمعية الاتحاد والترقي وكذلك نتيجة للاتجاه الذي اتخذه تطور أيديولوجيتهم.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، فرض على تلك الحركة الجنينية قرار لم تكن مهيئة لاتخاذه، كما لم تكن قد حضرته بالكامل، وهكذا فإن طلب الشريف حسين للعون، والتحضير للثورة العربية والخطوات الأخرى التي اتخذت بعد اندلاع الحرب كانت، على أي حال، قليلة الحجم ومتأخرة كثيراً. أكثر من ذلك، فلقد وجدت هذه الحركة في جمال باشا، عدواً لا يرحم، ورجلاً محنكاً في الخداع السياسي، عدا عن امتلاكه لهدف واضح ووسائل لتحقيق هذا الهدف. وهكذا في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) 1915 والسادس من أيار (مايو) 1916، أعدم معظم قادة الحركة القومية العربية الحديثة الولادة، على أعواد المشانق في بيروت، ودمشق بعد محاكمة في محكمة عالَيه العسكرية.. وكان من بين المجموعة الثانية في 1916 عبد الغني العريسي، الذي لم يكن قد أتمّ بعد الخامسة والعشرين من عمره.
من الصعوبة بمكان أن نقيّم بإيجاز أهمية وتأثير صحيفة «المفيد». إلاّ أن الثابت، بالرغم من النسبة القليلة من السكان السوريين الذين كان باستطاعتهم القراءة، أن الصحف خلال تلك الفترة كان لها جمهور مستمع أوسع من العدد الفعلي للنسخ المنشورة، ففي الواقع كانت كل صحيفة تُقرأ بصوت عال وتناقش في المنازل والمقاهي. وكانت «المفيد» الصوت المدوّي للشكاوى المحلية التي، كما نعلم، كانت منتشرة في أنحاء الأقاليم السورية. وكان يكتبها شبان مثقفون، بطريقة تلائم الفئة الشابة المثقفة حديثاً، والمتخرجين من المدارس المتنامية العدد، العثمانية والأجنبية والخاصة. وقد وصف أحد المصادر كيف أن كل نسخة من «المفيد» كانت تقرأ بشراهة بين جمهورها في بيروت، والعديد منهم حفظ الافتتاحيات المحرّضة للعريسي، وفؤاد حنتس ورفاقهم)[87](. ودون معرفة من معظم قُرائها، كانت «المفيد» لسان حال جمعية «الفتاة».
إن الجمهور الذي اتصل به العريسي ورفاقه عبر «المفيد» تعدى حدود بيروت. فهذه المدينة المزدهرة، التي أصبحت، مع نهاية القرن التاسع عشر، المركز التجاري الرئيسي على الساحل السوري، كانت عاصمة «لولاية» تمتد من يافا في فلسطين حتى شمال اللاذقية، مروراً بالموانئ: حيفا، صور، صيدا، طرابلس، طرطوس واللاذقية، مع المناطق الداخلية لهذه المدن، كانت «المفيد» إذن أكثر من جريدة بيروتية، فلقد غطت قضايا الولاية برمتها.
وفي نفس الوقت، كانت تهتم بأنباء كل الأقاليم العربية في الأمبراطورية، مفردة صفحاتها الأولى للقضايا الكبرى كالحرب في اليمن، والاستعمار الصهيوني في فلسطين، والانتخابات في دمشق عام 1961 وتأسيس نادي البصرة للإصلاح على منوال الجمعيات الإصلاحية التي أسست من قبل في بيروت 1913، والعلاقات السياسية القائمة بين حُكام شبه الجزيرة العربية مثل ابن مسعود، شريف مكة، وابن الرشيد. وكان للجريدة إلى جانب ذلك مراسلون دائمون، في كل من الموصل ودمشق وحيفا وحماه ونابلس عدا عن القاهرة واسطنبول، وكانت تتلقى الرسائل من كل أنحاء الأمبراطورية، وتحمل الأنباء المحلية والملاحظات والإعلانات من القدس وحماه ودمشق وطرابلس وحتى من خارج الأمبراطورية، مما يشيرإلى أنها كانت تتمتع بموقع متميّز بين القُراء في كل هذه المدن.
أخيراً، كانت «المفيد» تكتب التقارير بالتفصيل عن السياسة العثمانية، فتغطي يومياً نشاطات البرلمان خلال انعقاده في اسطنبول، وتُعيد نشر المقالات الهامة والافتتاحيات والخطب، التي تظهر في الصحف التركية أو العربية، والعديد من الافتتاحيات التي تدلي بدلوها في الأحداث السياسية القائمة في أنحاء الأمبراطورية.
إضافة إلى عمل «المفيد» في تزويد قُرائها بأنباء الأحداث المحلية والقومية والعالمية، كانت تقدم لهم مجموعة من الكُتاب السياسيين، الذين كانوا بين المفكرين العرب القياديين حينها، كما تقدم لهم بعضاً من أبرز الرموز السياسية في ذلك الوقت، عبر مقالات هؤلاء الكُتّاب كانت الفكرة الأساسية هي القومية العربية، وغيرها من المواد المهمة عن السياسة العربية الحديثة، تنساب عبر «المفيد» في دوائر تتسع باستمرار، وبإصرار متصاعد الوتيرة من 1909 حتى 1915. إن قائمة كُتاب المقالات والافتتاحيات في جريدة «المفيد» للسنوات (1911 ـ 1913)، وفي الفترة التي توفّرت أعدادها، تبدو وكأنها قائمة أسماء لقياديي وشهداء الحركة القومية العربية. بالرغم من استحالة إنجاز قائمة كاملة، خاصة وأن العديد من المقالات القومية المتشددة ذيلت بأسماء مستعارة، فقد شملت أسماء كالشيخ عبد الحميد الزهراوي وشكري العسلي ورفيق رزق سلوم وسليم الجزائري وتوفيق الناطور ورضا الصلح ومحمد المحمصاني وعارف الشهابي وسليم عبد الهادي وصالح حيدر وعمر حمد ورفيق العظم، وكلهم حكم عليهم بالإعدام خلال الحرب (خمسة منهم حوكموا غيابياً).
كما يتضح من قائمة الأسماء هذه: كانت «المفيد» واحدة من أهمّ المنابر لأفكار القومية العربية في فترة ما قبل 1914، وبعد دراسة محتوياتها ومدى تغطيتها للأنباء، تبدو «المفيد» واسعة الانتشار في أنحاء الأقاليم العربية للأمبراطورية العثمانية، أكثر من ذلك، فكما تبين من التهجمات المتكررة التي شنتها «صحيفة طنين» الناطقة باسم جمعية الاتحاد والترقي على الصحافة السورية بشكل عام وعلى «المفيد» بشكل خاص، وكما تبيّن من المشادات بين «المفيد» والجرائد المختلفة المؤيدة لجمعية الاتحاد والترقي، تميّزت الجريدة البيروتية بأنها خصم لا يلين للجمعية الحاكمة.
ولقد وصلت اتهامات «طنين» لمحرري «المفيد» بأن وصفتهم بـ«الأقلام المأجورة»، بل اتهمت الصحافة السورية بالخيانة، فكان الردّ أن فنّد العريسي وحنتس هذه الاتهامات بعناية ودقة في ثلاث افتتاحيات متتابعة، أصبحت فيما بعد موضوعاً لمقالة في جريدة «تنظيمات» الصادرة في اسطنبول، وأعيد نشر هذه المقالة في «المفيد»، فكانت دفاعاً عن الشعب في سوريا وعن صحافته، وقد كتبها شكري العسلي، نائب دمشق الذي انتخب عام 1911.
إذن، نحن لا نتحدث عن جريدة «إقليمية» مغمورة، بل عن جريدة كان يُنظر إليها في ذلك الوقت، على أنها من أهم الجرائد الناطقة باللغة العربية في تلك الفترة. وقبل أن نناقش بعض كتابات عبد الغني العريسي، لا بد لنا من إلقاء الأضواء عن كثب على بعض الموضوعات الرئيسية التي تبرز بعد قراءة متأنية «للمفيد».
لا شك بأن الموضوع الأكثر أهمية في «المفيد»، وهو إلى حد ما سبب وجود الصحيفة، هو موضوع القومية العربية وأفكاره الأساسية: السياسية والثقافية واللغوية، هذه الأفكار كانت تجد طريقها إلى أذهان القُرّاء، بخطى راسخة وأكيدة، عبر كل مقالة افتتاحية. إن هاجس القومية العربية الذي طغى على ما حوله كان بادياً في اختيار المقالات المُعاد نشرها عن الجرائد الأخرى، وفي فقرات الأنباء الآتية من أنحاء العالم العربي، وفي التقارير عن التطورات السياسية في العاصمة. إن قراءة «المفيد» كانت تترك في ذهن القارئ انطباعين بارزين بشكل عام، الأول هو الإصرار المطلق على هذه القضية (القومية العربية)، من جانب الشباب المشتعل حماسة والذين كتبوا «للمفيد» (وذلك أصبح ملحوظاً في أواخر 1913، بعد أن اتضح نهائياً أن الوفاق بين العرب وجمعية الاتحاد والترقي أصبح مستحيلاً)، والانطباع الثاني هو البروز الذي حققته الصحيفة كمنبر لأفكار هؤلاء الشباب.
ففي فترة اتخذت كعيّنة، تقلّ عن الشهرين، من أواسط تشرين الأول (أكتوبر) حتى أواسط كانون الأول (ديسمبر) 1913، تناولت الصحيفة في 35 عدداً أكثر من 25 افتتاحية كان موضوعها الرئيسي «القومية» بشكل علني أو مبطن (في معظم الحالات كان علنياً). وتحمل الافتتاحيات مثل هذه العناوين: «الشباب العربي وواجبه العام»، «القومية واللغة»، «كيف نجذّر القومية العربية» (في قسمين). «القومية العربية» (في قسمين). «كيف يستطيع العرب النهوض»، «إنقاذ الإسلام يكمن في العرب ولغتهم»، «لغة العرب»، «التتريك والأراضي العربية»، «العرب بين الماضي والمستقبل» (في قسمين)، «الوحدة والاستقلال القومي»، «يقظة العرب والاستقلال القومي».
دور الإسلام، هو الموضوع الآخر، مع أنه بشكل عام يدعم موضوع القومية العربية. فإلى جانب المقالات التي كانت تحرر في المناسبات مثل: «الحجاب في الإسلام»، عولج هذا الموضوع بعمق وحنكة كبيرين في افتتاحيات عبد الغني العريسي نفسه، وسنلخّص فيما يلي بعض النقاط العامة المعلقة بفهم «المفيد» للإسلام.
يبدو أن هذا الجيل من القوميين العرب هو من القوميين السياسيين المحدثين أولاً وقبل كل شيء، ولكنهم كانوا يبدون احتراماً كبيراً للإسلام وتفهماً لأهميته في نشر رسالتهم السياسية. تلك كانت الحال عندما أصبحت جمعية الاتحاد والترقي هدفاً لاتهامات بعدائها للإسلام بسبب سياساتها المتجنية على اللغة العربية، لغة النبي (ص) والقرآن، وبسبب وجود القياديين من غير المسلمين في الجمعية، من اليهود والدونمة Donmehs، مثل جاويد بك Javid Beyk والدكتور ناظم وإيمانويل كراسو Emanuel Karasu. والحقيقة أن سالونيك، حيث مركز الجمعية، كانت مدينة يهودية كبيرة قبل الحرب البلقانية، ورسخت ذلك الانطباع عن الجمعية كونها عرضة للتأثيرات اليهودية، وهو انطباع مبالغ فيه كثيراً ولا شك، ولكن هذا ما كان يعتقده الكثير من العرب وعدد من الدبلوماسيين الأجانب.
إن سياسات الجمعية المناهضة للغة العربية وضعتها وجهاً لوجه ضد السياسة التي دعمتها الأحزاب العثمانية المعارضة، فتحالف القوميون ومعظم النواب العرب مع هذه الأخيرة لإحياء اللغة العربية وتشجيع تعليمها وتداولها، ظاهرياً لأسباب دينية كما هي سياسية، بالإضافة إلى هذا التشديد على اللغة العربية من زاوية أهميتها الدينية، شغل موضوع عدم التعارض بين شمولية الإسلام والقومية العربية، حيّزاً هاماً في صفحات «المفيد» وهذا ما كان يحاول المحررون في «المفيد» إثباته بعناية كبيرة، والذي تبدى في كلمات واحدة من الافتتاحيات التي سبق ذكرها بعنوان: «إنقاذ الأمة الإسلامية يكمن في العرب ولغتهم»، وذلك لمواجهة المفاهيم العرقية التركية الضيقة التي كانت تؤكد الطبيعة المنعزلة للهوية التركية وتمزيها عن الإسلام.
بين المواضيع التي كانت تتكرر في الافتتاحيات والمقالات في «المفيد»، كان الحقد والتخوّف من السيطرة الأجنبية على الأقاليم العربية، والعداء المتجذّر ضد الصهيونية كحركة استيطانية تهدد نشاطاتها باغتصاب فلسطين وفصلها عن الأمبراطورية. كان كلا الموضوعين يشغل بال الصحافة القومية العربية في بلاد الشام والقاهرة واسطنبول قبل الحرب العالمية الأولى، ويختصران اهتمام الفكر السياسي العربي على مدى سبعين سنة مضت.
إن التخوف من الهيمنة الأجنبية كان هاجساً دائماً لدى المحررين والمتعاونين مع «المفيد»، خاصة وأن معظمهم كانوا يعيشون في بيروت، في ظل جبل لبنان، محط أنظار فرنسا وأطماعها الإقليمية، في بلاد الشام والأمبراطورية العثمانية.
كان معظم سكان بلاد الشام يكنّون الكراهية لفرنسا ولأطماعها الاستعمارية، ولا يُضاهي تلك الكراهية إلا انعدام حماسهم لبريطانيا، التي كانت تلعب دوراً بارزاً في السياسة السورية، وتبدي غير ما تخفيه من دوافع ونوايا مبيّتة. ولقد صعّد من وتيرة هذه المشاعر إدراك الخطر المخيم فوق الأمبراطورية، والذي ينذر بالتقسيم والتمزّق، خطرٌ بعثته في الأذهان تجربة حروب البلقان المريرة.
وصعّد هذا الإدراك الإحساس الوطني للسكان العرب، والمشاعر المعادية للأمبريالية وانعكست هذه على صفحات «المفيد».
كان تخوف القوميين العرب من الأمبريالية الغربية بمثابة عامل كابح على طريق انفصالهم البطيء، ولكن الثابت الخطى عن الحكومة المركزية العثمانية وجمعية الاتحاد والترقي التركية التي حكمت ما يقارب الفترة الدستورية بأكملها.
إن المواقف المتناقضة ـ ظاهرياً ـ التي اتخذها القوميون العرب تجاه الأتراك والأمبراطورية العثمانية نفسها على مدى الفترة الممتدة من 1909 ـ 1910 حتى الانفجار العنيف الذي سببته الحرب وإعدامات 1915 ـ 1916، لم تكن مجرد محاولة ماكرة لإخفاء مشاعرهم الحقيقية حتى يحين الوقت المناسب للعمل، مع أن هذا الأمر لم يكن غائباً بالتأكيد عن حسابات بعضهم. فإلى جانب عداوتهم العميقة لجمعية الاتحاد والترقي وما تمثل من تسلط تركي، كان لديهم تخوف حقيقي من البديل ـ السيطرة الأوروبية ـ التي اعتبرها الكثيرون، كما ظهر في كتاباتهم، أسوأ الشرين. يبدو أن معظم القوميين خرجوا بحل لهذا الموقف الصعب، ولم يكن ذلك سهلاً إلا في أواخر 1913 و1914 بعد عودة جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة، وبعد الطرق الملتوية التي اتبعتها في المفاوضات لتطويق المطالب العربية المتعلقة بالإصلاحات المحلية مما أشاع موجة من الاشمئزاز. فقد كان قرارهم العمل على إقامة الحكم الذاتي العربي، ضمن إطار الأمبراطورية إذا كان ذلك ممكناً، وخارج هذا الإطار، إذا كان لا بد من ذلك، ودون تدخل خارجي إذا أمكن ذلك، ولكن إذا لزم الأمر، فمبساعدته. أتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ليقدم عناصر جديدة، أخذت تقزّم تنظيمات القوميين وتتخطى مشاريعهم، وفي نفس الوقت وضعت الحرب حداً للسياق الطبيعي الذي سارت فيه التطورات في الأقاليم العربية داخل الأمبراطورية. فالحرب فرضت عليهم في النهاية أن يختاروا ما بين الطرفين القويين اللذين سيتقرر مصير الأراضي العربية بين أيديهما.
لم يكن هناك أي تعارض في وجهات النظر حيال الصهيونية ما بين مختلف الجماعات في الحركة القومية العربية، وفي الواقع لم يكن ذلك موجوداً حتى في معظم الجماعات الخارجة عن إطار الحركة. إن التنبؤات والتحذيرات من الصهيونية كانت أكثر تشاؤماً من تلك المتعلقة بأخطار السيطرة الأجنبية. لقد بيّن نفيل ماندل Neville Mandell في كتابه «العرب والصهيونية قبل الحرب العالمية الأولى» أن العرب في فلسطين، والرموز السياسية العربية والمثقفين والصحافيين في بيروت ودمشق والقاهرة وغيرها قاوموا المشروع الصهيوني بقوّة في وقت مبكر على غير ما أعتُقد فيما بعد.
كما شرح ماندل بشمول دور الصحافة العربية في مقاومة الصهيونية، مع أنه اعتمد ـ بشكل أساسي ـ الأرشيف الصهيوني والصحف العبرية الصادرة في فلسطين في تلك الفترة. ولم يستطع أن يستعين بأي من الصحف اليومية العربية الصادرة في بلاد الشام أو مصر، أو الصحف الفلسطينية، باستثناء صحيفة «فلسطين». على أن استنتاجات ماندل المتعلقة بالصحافة العربية (التي وصل إليها على أساس التقارير الصحفية الصهيونية، ويبدو أنها دقيقة إلى حد ما، كمجموعة محدودة من النشرات العربية). هذه الاستنتاجات تبدو محقة، بشكل عام.
إن النتيجة الأساسية التي وصل إليها، يؤيدها الانتباه غير العادي المكرّس لمسألة الصهيونية على صفحات «المفيد» وغيرها من الجرائد الصادرة في بيروت ودمشق والقاهرة.
كما ورد من قبل، كانت ولاية بيروت تضم قسماً كبيراً من شمال فلسطين، وكانت معظم سناجقها الجنوبية موقعاً لأكثر من 30 مستوطنة صهيونية من أصل 50 مستوطنة، أسست في البلاد منذ أوائل الثمانينات للقرن التاسع عشر. وكما رأينا، كانت «المفيد» تكرّس الصفحات للقضايا المتعلقة بالسناجق الواقعة في طرف الولاية والأقاليم المجاورة، بما ينسجم مع جريدة تعتبر الناطق غير الرسمي باسم جمعية سرية تدعو لاتحاد العرب، مثل جمعية «الفتاة». فليس مستغرباً بعد ذلك من جريدة يديرها شبان عرب وطنيون، أن تردّ بسخط على عمليات نزع الملكية وتهجير الفلاحين العرب، التي كانت تمارس في تلك السناجق، وشراء الأجانب للأراضي العربية، والتدفق المستمر للمهاجرين الغرباء والأطماع السياسية المبيتة التي كانت تحملها الحركة الصهيونية.
إن كل ذلك لا يمكن أن يوضح مدى القوة والإصرار على طرح المسألة الصهيونية في «المفيد» (فلقد نشرت مقالة مسلطة الأضواء على بعض وجوه الصهيونية، منها نشرت في الصفحة الأولى، في أقل من ثمانية أشهر من كانون الثاني حتى أيلول 1911 صدر فيها ما مجموعه 185 عدداً. إن ما يفسر ذلك أكثر هو الارتباط القوي بين العداء للصهيونية والقومية العربية الذي كان وسيبقى مظهراً دائماً يطبع السياسة العربية.
بالنسبة للمحررين في «المفيد» لم تكن الحركة الصهيونية مجرد مشروع إنساني لتخفيف وطأة الاضطهاد الذي يعانيه اليهود في أنحاء العالم. كالذي أعلنه نجيب نصار، المحرر المعروف بعدائه للصهيونية في صحيفة «الكرمل»، الصادرة في حيفا، ففي واحدة من «افتتاحياته» التي أعيد نشرها في «المفيد»، يقول: «إن عملاً إنسانياً حقيقياً لإنقاذ اليهود المضطهدين لن يلحق أذى «بالآخرين».
كما لم تكن معارضتهم للصهيونية مبنية على كراهية لليهود، وهذا جلي في الوصية الأخيرة التي نشرها العريسي في سنة وفاته والتي دعا فيها العرب على اختلاف معتقداتهم للوحدة في ما بينهم، وذكر بالتحديد المسيحيين والمسلمين واليهود. إن ما كان يزعج ويغضب العريسي ومعاصريه القوميين، هو شبح المستوطنين الغرباء غير الموالين للأمبراطورية العثمانية، والذين لا صلة لهم بالسكان المحليين، ويحمي وجودهم تمويل من الخارج وغطاء ديبلوماسي في الداخل، هذا الشبح الذي تنامى تدريجياً حتى أخذ يهدد بفصل فلسطين عن الأراضي العربية الأخرى.
لم يكن ذلك مجرد تخوف وهمي، بل كان يرتكز على إدراك حقيقي للتيارات داخل الحركة الصهيونية العالمية، ناتج عن النشر المنتظم لأفكار القادة المفكرين الصهاينة في «المفيد» وغيرها من الصحف العربية. لهذا لم يصدق العرب بمعظمهم ما يقوله العثمانيون واليهود الأجانب، بأن الحركة الصهيونية ليست سياسية في الأصل بل ثقافية، وليست لها مطامع استعمارية في فلسطين. إن قرّاء «المفيد» وغيرها من الصحف المعادية للصهيونية في سوريا ومصر كانوا يدركون الأهداف الرئيسية للحركة الصهيونية، وقد أطلعوا على كتابات هرتسل ونوردو كما عرفوا أن عنوان الكتاب الذي وضعه هرتسل هو «دولة اليهود» Der Judenstaat، وكانوا على معرفة بمقررات مجمع «بال» Basle للحركة الصهيونية سنة 1897 والاجتماعات التي عقدت فيما بعد. وكل ما كان يجري من حولهم في فلسطين، كان دليلاً قاطعاً على أنها حركة سياسية خطيرة تنوي تنفيذ ما يقوله زعماؤها.
إن معارضة القوميين العرب للصهيونية تعود أيضاً إلى سخطهم على جمعية الاتحاد والترقي لعدم اهتمامها، من موقعها في الحكم، بما كان يعتبره الفلسطينيون والعرب خطراً كبيراً. أما بالنسبة لحكام الأمبراطورية المنشغلين في اسطنبول بأخطار وشيكة الوقوع، فلم تبد الحركة الصهيونية مشكلة فورية، وقد صُرف النظر عن المحاولات العربية لإثارة المسألة في البرلمان. وهذا ما حدث بالنسبة للحملات القاسية المعادية للصهيونية في الصحافة العربية. وهكذا أصبحت المسألة الصهيونية بالنسبة للقوميين العرب مثال آخر عن فشل الحزب الحاكم في إنصاف شكاوى العرب أو تلبية مطالبهم، مما جعل هذا المثال عصا غليظة لضرب جمعية الاتحاد والترقي التي بات من السهل نعتها بـ«المؤيدة للصهيونية» أو «واقعة تحت التأثير الصهيوني».
بالرغم من أن القضية الصهيونية كانت تستعمل ضد الحكومة بطريقة موالية لها، إلا أن ذلك لم يكن انتهازية سياسية، كما يلمح Mandel مثلاً. فبالنسبة للذين كتبوا في «المفيد»، لم يكن هناك فقط وعي كامل للخطر الحقيقي الذي تشكله الصهيونية على العالم العربي عموماً، وعلى فلسطين بشكل خاص، كان هناك أيضاً فهم للتفاصيل الدقيقة التي ينطوي عليها هذا الخطر، إلى الحد الذي نجد فيه تقريباً كل النقاشات الفلسطينية ضد الصهيونية التي نشرت في «المفيد» خلال فترة الانتداب وبعدها.
تعتبر الصهيونية، كما تقول إحدى المناظرات، استعمارية بطبيعتها، وتلحق الأذى بالسكان المحليين بشكل فادح، لا يمكن لهذه الحركة أن تنجح إلا بالدعم الأجنبي المشروط بالوجود الأجنبي الدائم والتدخل الخارجي المستمر، وإذا نجحت فستكون بمثابة زرع جسم غريب في قلب العالم العربي، إلخ…
ومع أن القومية العربية، ودور الإسلام، والمخططات الأوروبية، والصهيونية في العالم العربي، تبرز كمواضيع رئيسية بعد دراسة لصحيفة «المفيد»، عدا عن أنها مواضيع نموذجية في الصحافة العربية بشكل عام، فهناك مواضيع أخرى جديرة بالاهتمام. تلك هي: دور المسيحيين في الحركة القومية العربية، القضية الاجتماعية، ونشر المفاهيم السياسية الغربية الحديثة. وجميع هذه المواضيع يمكن معالجتها في إطار مراجعة خاطفة لكتابات عبد الغني العريسي الصحفية، والتي سنأتي على ذكرها فيما يلي.
تعتبر بعض المقالات المحررة في «المفيد»، من أكثر الكتابات السياسية خصوصية وتميزاً بين ما أنتجته الحركة القومية العربية على مدى المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. وتبرز من بين هذه المقالات، افتتاحيات عبد الغني العريسي متميّزة بالقوة ووضوح التعبير والجدل المنطقي. ويشد هذه الافتتاحيات إحداها إلى الأخرى، التزام الكاتب المطلق بفكرة الأمة العربية، التي كرس كتاباته من أجل تحقيق أهدافها.
وبالرغم من هذه القناعات الصريحة، يبدو أن العريسي ومعظم رفاقه القوميين لم يكن في نيتهم إعلان القطيعة مع الأتراك والأمبراطورية العثمانية ـ ليس قبل أواخر 1913 على الأقل ـ ففي إحدى افتتاحياته التي كتبها 1911 يبذل العريسي جهداً كبيراً ليشدد على هذه النقطة، ويؤكد أن وشائج كثيرة تربط بين الشعب التركي والشعب العربي، وفي مقدمتها الدين وحب الوطن. ويذهب مدافعاً عن نفسه ضد التهم ببذر الشقاق بين الشعبين: «إن القول بأن هناك سوء تفاهم بين العرب الأتراك هو مجرد هراء؛ فالذي يجري هو نقاش عائلي حول بعض الوشائج القومية التي تربط بينهم».
… كما أن الجدل العنيف الذي جرى مع جمعية الاتحاد والترقي والصحيفة الناطقة باسمها «طنين»، يتابع العريسي، ليس جدلاً مع الأتراك، فالكثير من الأتراك يعارضون «طنين» أيضاً، بل كان الجدل جزءاً من حوار هدفه الإصلاح وبالنتيجة تدعيم الأمبراطورية بتلبية المطالب العربية الأساسية: مثل التعليم باللغة العربية، وتعيين الموظفين المحليين الذين يعرفون اللغة المحلية، وصرف العائدات التي تجمع محلياً على الأعمال العامة. هذه المطالب نفسها التي كانت من صميم التذمر المتعاظم في الأقاليم العربية، الذي بدأ بإجراءات إعادة تنظيم الإدارة 1909 ـ 1910، كانت المطالب عينها تتكرر باستمرار على لسان العربي وغيره من الناطقين باسم العرب.
كانت النداءات المباشرة للتفاهم التركي ـ العربي على أرضية القبول بمطالب العرب لجهة احترام لغتهم وبقية حقوقهم داخل الأمبراطورية، تسير جنباً إلى جنب مع التشديد على الإسلام كدين بُشر به بين العرب بلغتهم العربية، وفي نفس الوقت على أهميته كوشيجة تجمع بين العرب والأتراك. في مقالة قوية كتبت في آذار 1911 بمناسبة ذكرى المولد النبوي، شدد العريسي على المقولة الآنفة بطريقة أظهرت الكثير من الدهاء في استعمال الأفكار الدينية، ومقتطفات من «القرآن» و«الحديث الشريف»، لينقل رسالة «قومية» وغير دينية بالمعنى الضيق. فبدأ مقالته بأن محمداً (ص) كان رجلاً كغيره من الرجال، مدافعاً تقدمياً عن الحرية المطلقة للفكرة والأخوة، نبي كل الأمم ونبي العرب بشكل خاص، وكان انتماؤه إلى أمته فخراً لها.
يلمّح العريسي في افتتاحيته إلى أن المعادلات الهادفة لطمس اللغة العربية هي مساع لـ«إخماد نور الله». ويستمر النقد غير المباشر ـ ولكن الواضح ـ لجمعية الاتحاد والترقي، بأسف على قوم النبي، العرب، الذين انقسموا فيما بينهم، وتفرّد حزب واحد بالسلطة. وفي وجه الظلم لم يحرك العرب ساكناً، وفي هذا يعنّفهم العريسي ويوبّخهم مستخدماً كلمات محمد: «يضربونكم في عقر داركم ولا تغضبون، يشتمونكم وأنتم لا تردون، كالدواب المأجورة التي تستميت ليحيا غيرها…». ويقفل أخيراً مقالته بحديث للنبي (ص): «العرب هم أنبل الأمم، ومن يمسّهم بسوء، فقد أساء لي، لقد بعثني الله نبياً من بينهم… فويلٌ للذين يسيئون للغتي أو لشريعتي».
هذا الاستعمال الشوفيني ـ إذا جاز التعبير ـ للإسلام، كأداة في خدمة العاطفة القومية العربية، يوازيه الاستعمال البارع لمجموعة المواضيع الإسلامية والقومية واللاطائفية في افتتاحية أخرى، كتبت بعد أشهر قليلة فقط بعنوان «الله أكبر» وعناوين أخرى فرعية:
«سلطة الخلافة الإسلامية = توافق الدين والوطن = حجة جلالة السلطان». وتبدأ المقالة بتشديد على أهمية الإسلام وفكرة الخلافة لوحدة الأمبراطورية العثمانية، كجزء من مقدمة لا بد منها لدغدغة العواطف الإسلامية. يلي ذلك، على كل حال، اعتراف بارز يفسّر الفقرات السالفة: «إن قومنا لا يحسون الأشياء إلا بلغة الدين، وعلينا أن نستخدم شعارات الدين وأعظمها شعار الخلافة». ولربما كانت الجملة التالية مباشرة أشد إثارة: «على كل حال، إن الدين لا ينفي الوطن، فالإسلام دين وقومية… لا، إن الدين الإسلامي لا يلغي الوطنية، بل إنه يحترم الأخوة مع المواطنين من غير المسلمين، كضمان للمساواة وحماية لحريتهم، لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
إن ما كان العريسي يحاول التشديد عليه في هذه المقالة ثلاث نقاط:
1 ـ الروابط الدينية بين المسلمين العرب والأتراك، وأهمية الدين.
2 ـ تلاقي وانسجام الإسلام مع القومية العربية.
3 ـ اتحاد المسلمين وغير المسلمين على أرضية وطنية، بالرغم من اختلاف أديانهم.
هذه الأفكار تكررت بطريقة أكثر تبسيطاً في افتتاحية أخرى بعنوان: «لا عرب ولا أتراك» حيث يرد العريسي على انتقادات صحيفة «طنين» والجرائد المحلية لجمعية الاتحاد والترقي (يدير عدة منها مسيحيون). انتقادات وجهت للخط الذي تتبعه «المفيد» وبقية الصحف القومية العربية.
وفيما يلي، مقطع من الافتتاحية:
«إذا كانت «طنين» تمثل صاحبها فقط وليس العِرق التركي، فإن الصحف الأخرى هي بدورها تمثّل أصحابها فقط، وليس آراء الطوائف التي ينتمون إليها. وإذا ما اختلفت الصحف، وهذا ممكن وطبيعي، فليس من واجبنا أن ننسب الخلاف إلى الطوائف والملل التي نتبعها. فالمسيحيون الذين يعيشون على هذه الأرض يرتبطون بالمسلمين بوشائج العرق واللغة والوطنية، كما يرتبط المسلمون تماماً بالأتراك برباطي الدين والوطنية، ولا يخرج عن ذلك ارتباط المسيحي العربي بالتركي بأربطة الوطنية.
ومهما كانت محاولة أولئك الغارقين في أطماعهم السياسية أن يحطموا تلك الروابط، فسيكون مصيرهم المحتم الفشل والخيبة. ومهما نفثوا من سموم أجنبية، فلن تنال هذه إلا منهم. فالمسيحيون أرفع من أن تنالهم هذه السموم، مثلما المسلمون أكثر حكمة من أن يعتبروا بعض الصحف ممثلة للمسيحيين. إن المسلمين والمسيحيين يعتبرون أنفسهم إخوة، كما يفعل الأتراك والعرب ـ إذن لا عرب ولا أتراك، لا مسلمين ولا مسيحيين: لنقل إننا جميعاً وطنيون عثمانيون».
أما الذين أغرقتهم «الأطماع السياسية»، والذين يبثون «سمومهم الأجنبية» في سوريا، فهم القوى الأوروبية المتلهفة على قسم من الأمبراطورية. لقد أظهر العريسي حيالهم حذراً شديداً وعداءً لا يلين. لقد تزاوج هذا الموقف الذي وقفه العريسي حيال القوى الأجنبية، مع احترامه العميق وتقديره للمفاهيم السياسية الغربية التي لعبت دوراً كبيراً في تبلور أفكاره. ففي فترة الاحتلال الإيطالي لطرابلس في 1911، كتب العريسي مقالة هي دعوة للقتال بعنوان «شرف الموت»، لا تدين فقط الإيطاليين، بل أيضاً الأمبرياليتين البريطانية والفرنسية، ويصف فيها بقساوة منقطعة النظير، تبرير إيطاليا لغزوها ليبيا («واجب إيطاليا الإنساني») بأنه «إنسانية المضطهد» (بكسر الهاء)… يريدونهم [الطرابلسيين] أن يعيشوا، كما عاش الجزائريون، في ظل «إنسانية»! الفرنسيون، باسم «الإنسانية» يريدون قتل عشرة منا لأن واحداً منهم قُتل، كما يُقتل المصريون في ظل «الإنسانية البريطانية».
ويحذر العريسي وهو يدعو إلى مقاومة عنيفة ضد الإيطاليين، من أن «احتلال طرابلس هو مقدمة لاحتلال المناطق الأخرى». ويؤكد بأن الخطر المحدث كبير، وعلى العرب أن يتناسوا خلافاتهم مع الأتراك «إخواننا في القومية» لينخرطوا في الدفاع عن ليبيا: «إن الأمة العثمانية بكاملها. على استعداد للتضحية من أجل حفنة من ترابها، أينما كانت». في المقدمة وقبل أي شيء آخر تبرز الوطنية في وجه أي عدو خارجي، فوجود واستقلال الأمبراطورية وشعبها في خطر.
بعد سقوط ليبيا واندلاع الحروب البلقانية، أصبحت سوريا محط أنظار القوى الأجنبية وأطماعهم، وقد سلطت عليها الأضواء بعد تصريح رئيس الوزراء الفرنسي ريمون بوانكاريه Raymond Poincaré في مجلس الشيوخ الفرنسي، حيث يؤكد الضمانات من وزارة الخارجية البريطانية، بأن «ليس لبريطانيا أي نوايا أو مطامح” تجاه البلد المذكور. وفي افتتاحية طويلة من باريس في أوائل 1913، يقوم العريسي بتحليل لوضع الأمبراطورية على أثر اندلاع الحروب البلقانية، مستشهداً بتصريح بوانكاريه بكامله. إن تنصّل بريطانيا وفرنسا من الأطماع الاستعمارية كاذب تماماً، كما يقول العريسي، ولكم كان مدعاة للسرور أن تقلع بريطانيا عن أطماعها، لكن هذا مغاير تماماً «للتوقعات». الوضع، يستمر العريسي قائلاً، مسحون بالخطر، وكم كان «ضرورياً أن تكسب الحكومة ثقة الشعب وتستجيب لمطالبه في الإصلاح». إن ذلك وحده مع الاستجابة لمطالب القوميات، يمكن أن «يغلق باب التدخل في وجه أي دولة، بريطانية كانت أم فرنسية، بما أن الامتيازات الأجنبية ـ سامح الله الذين تسببوا بوجودها ـ شكلت باباً مشرعاً لا يمكن إغلاقه إلا بتلبية رغبة الشعب». ثم يخلص إلى «أن الوطنية وحب الوطن يقضيان بأن يسارع قادة الأمبراطورية إلى تنفيذ إصلاح شامل يقف حصناً أمام أطماع القوى الأجنبية».
هناك عامل لم نتحدث عنه إلاّ بشكل عرضي، ذلك هو المنحى الذي اتخذه التطور الفكري لعبد الغني العريسي كما انعكس في كتاباته. ويتبدّى ذلك التطور بشكل مذهل بعد عودته من باريس، مع أن ما نلاحظه هو تقريباً إسهاب وتوسيع ثابت للمواضيع السابقة، لكنها تبدو مواضيع مصقولة ومتكاملة البنية. والبارز في هذا التطور هو التجذّر والصلابة المتناميان لقومية العريسي في إطار المفاهيم السياسية الحديثة، واتساع دائرة اهتماماته لتشمل قضايا مثل الديموقراطية. ولقد تمثل هذا التطور من فكر العريسي، في افتتاحية كتبت في أواخر 1913، بعنوان: «تطور الأمم في القوة والحقوق». كما تحتوي الافتتاحية على مناقشة جديدة للحقوق القومية للعرب، لكنها لا تذكر الموضوع مباشرة ولو مرة واحدة.
تبدأ المقالة بسرد بارع وحيوي للتطور التاريخي للديموقراطية ـ حكم الأكثرية ـ من الأتوقراطية حتى الأرستقراطية، وطريقة التحليل المتبعة تعكس بوضوح، الإجماع القائم بين المفكرين الأوروبيين لتلك الفترة. ومن ثم يفسر الكاتب، كيف أن العرب، الذين كانوا يعتنقون الديموقراطية أساساً ويحترمون حقوق الأفراد، خضعوا للنمط اليوناني ـ الروماني للحكم، أي حكم الفرد. وتبيّن دراسة التطور التاريخي للدولة في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، أن التكاثر العددي سيغدو عاملاً حاسماً مع الزمن، وعندها سيكون لزاماً على الحكومات أن تلتفت إلى رغبة الأكثرية.
بالرغم من أن الأمبراطورية العثمانية كانت قد تخلّفت حتى إعلان الدستور، الذي يصفه العريسي بأنه أرستقراطي أساساً، فإن الوقت قد حان لتغيير العقلية القديمة: «واجبنا أن نتخلص مما هو مبنيّ على الفلسفة السياسية اليونانية القديمة، نستعيض عنه بالفلسفة السياسية المرتكزة على الديموقراطية والتعبير عن الذات». ثم تخلص الافتتاحية إلى ما يلي:
«كانت كل الإصلاحات تقوم في السابق نتيجة لجهود أوروبا، وهذه ثمرة لشعب مفكر يصنع الإصلاحات بيديه… لقد بدأ حكم الأكثرية يأخذ فاعليته، وعلى رجال الأمة العقلانيين أن يشدوا أزر هذا الحكم حتى تصبح الدولة ديموقراطية وتعمل لصالح الشعب، لا لرجل واحد، ولا لعدد قليل من الناس».
لم يكن لتفاؤل العريسي من أساس ربما، فطوال 65 عاماً مضت بعد هذه المقالة، لم يصل العالم العربي للدولة السعيدة التي يتطلع إلى قيامها العريسي. إذن كان العريسي يرمي بتلميحه الهام إلى حكم الأكثرية الذي يدافع عنه، إلى فكرة لم يقلها صراحة، فقد كان بوسع قُرائه أن يلاحظوا التأكيدات المتكررة في جريدة «المفيد»، طوال سنوات سبقت، بأن العرب يشكّلون الأغلبية داخل الأمبراطورية العثمانية.
لا بد لنا لننهي هذه المراجعة الخاطفة لبعض الأفكار الرئيسية في كتابات عبد الغني العريسي، من أن نستعيد نصين آخرين: النص الأول يتناول تحديده لمعنى أن يكون المرء عربياً، والذي يسبق الكثير من التحديدات المشابهة التي أتت فيما بعد، والنص الآخر يتناول جزءاً من وصيته الأخيرة، والتي يبدو أنها كتبت في أواخر 1915، ونشرت في القاهرة في ك1 /1916، بعد سبعة أشهر من وفاته.
يأتي النص الأول في سياق افتتاحية كتبت في ك1 / 1913 بعنوان: «الشباب العربي: واجبه العام» حيث يشدد على أن «الحياة صراع حقوق بين الشعب والحكومة» ونتيجة هذا الصراع تتوقف على جهود الشباب العربي، إذا كان له أن ينتهي «بعدل للطرفين، بأخوة كصراع شرف وكبرياء»، وإلاّ انتهى «باضطهاد وضغينة ومأساة».
تبدأ الافتتاحية بتحديد القومية العربية: «نعني بالعرب كل من يرتبط بهذه الأمة بوحدة اللغة ورابطة النسب ونزعة العرب». إن هذا التحديد الحديث، الذي يقابله مع تحديدات المنظرين الألمان والفرنسيين للقومية، لم يُستبدل بآخر، على نحو مرض، حتى يومنا هذا.
يبدو أن العريسي قد كتب وصيته الأخيرة قبل اعتقاله بالضبط، ولكن بعد الحكم عليه غيابياً في صيف 1915 في محكمة عاليه الميدانية عندما وصلته أنباء الإعدامات في عاليه، اعتبر أن الواجب يناديه للعودة إلى دمشق من الصحراء السورية حيث كان يلتجئ مع عدد من رفاقه: «إذا قدر لي بعد عودتي أن أهرب ثانية، فقد قمت بواجبي، وإلا فاعتبروا أنني خدمت أمتي وبلادي حتى آخر نقطة من دمي، ولن أكون الفدائي الأول الذي يموت من أجل قضية القومية العربية…».
يعلن العريسي وهو يشير إلى جملة الأخطاء التي أدت بالعرب لأن يتحولوا ضد الأتراك «لقد حاولوا أن يقتلوا لغتنا وأن يخنقوا شعورنا القومي، حاولوا تتريكنا ولكنهم لم ينجحوا. لقد تحمّلنا كل ذلك بصبر، ولكنهم بدأوا بتدميرنا…». إن وحشية جمال باشا، يضيف العريسي، ساعدت القوميين في دعوتهم للجهاد ضد الأتراك، حتى ولو أخّروا هذه الدعوة، فلقد زادت هذه الوحشية التذمر الشعبي ضد الأتراك صلابة وقوة، وجعلت القوميين يعيدون النظر في استراتيجيتهم، ثم يتابع: «ستصبح بلاد الشام قريباً مليئة بالمبشرين بدين الاستقلال العربي،… الخلاص قادم من الصحراء… إن ما يحدث الآن في الحجاز هو بداية لبركة ستحل على كل الأرض العربية».
أخيراً يخلص إلى نداء للوحدة باسم القومية العربية، نداء يتردد صداه في آذاننا ونُصغي إليه بمرارة عبر أحداث الستين سنة التي تفصلنا عنه: «لا تنقسموا فيما بينكم إلى أحزاب وطوائف: لن يكون بعد اليوم لا مسيحي ولا مسلم ولا يهودي ولا درزي ولا وثني، كلنا عرب، من العرب وإلى العرب. لا لبناني ولا بيروتي، لا دمشقي ولا حلبي، لا حمصي ولا حموي ـ لأن مصير بيروت هو نفسه مصير لبنان، ومصير دمشق وحلب وفلسطين والعراق والحجاز واليمن».
لقد جرى التشديد في هذا البحث على أهمية عبد الغني العريسي وصحيفة «المفيد» كنصيرين لقضية القومية العربية، على أساس دراسة انتقائية وجزئية لهذه الجريدة. إن قراءة ولو خاطفة لـ«المفيد» تكشف كم هو قليل ما نعرفه عن تلك الفترة البارزة من تاريخ العرب المعاصر، فترة شهدت صحافة حرة وقوية، وسلسلة من الحملات الانتخابية العنيفة (كانت هناك انتخابات برلمانية عامة في 1908 وفي 1912 وفي 1914)، كما شهدت تلك الفترة نشاطاً منقطع النظير في الحياة الفكرية والثقافية، وكل هذه النشاطات كانت على مستوى لا يُضاهي إلا فيما ندر.
بمعنى من المعاني، يمكننا القول إن التاريخ السياسي المعاصر للعالم العربي يبدأ في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، والمصدر الرئيسي للتاريخ السياسي وشرطه الضروري [Sine qua non]، هو الصحافة اليومية التي لم يُطرق بابها إلا منذ الآن.
الدكتور رشيد الخالدي
المفيد
بعد الحرب العالمية الأولى
بانتهاء الحرب العالمية الأولى ودخول جيش الثورة العربية بقيادة فيصل بن الحسين دمشق قام فيها حكم استقلالي عربي التقى فيه عرب الشرق من جميع أقطارهم حاسبين أن الدولة العربية المنشودة قد تحققت وأن قاعدتها قد قامت في دمشق.
وكان من مقومات تلك الدولة الصحافة، فإذا باسم (المفيد) يبرز من جديد، وإذا بمناضلين عربيين واحد منهما من بعلبك هو يوسف حيدر والآخر من دمشق هو خير الدين الزركلي يعزمان متشاركين على إصدار جريدة يومية اختارا لها اسم (المفيد).
ربما كانا قد تذكرا اسم الشهيد العربي عبد الغني العريسي، وتذكرا جريدته فأرادا إحياء اسمها إحياءً لاسم صاحبها، فصدرت المفيد يومية في دمشق وعاشت عيش الفترة الاستقلالية القصيرة وانطوت بانطوائها. وكانت كغيرها من الصحف الصادرة يومذاك تناضل مع المناضلين للحفاظ على الاستقلال العربي الوليد، ولكن هذا الوليد وئد برصاص الجنرال غورو في ميسلون. ودخل غورو دمشق فاتحاً، حاقداً على المحرضين على عداء فرنسا واستعمارها لبلاد الشام. وكان يعلم أنّ المفيد وصاحبيها كانا في الطليعة من هؤلاء، وكانا هما يعلمان أنّه يعلم ذلك، لذلك آثرا ترك دمشق والتواري عن عيني جلاد استقلال سوريا، انتظاراً لتقلبات الأيام، وقبل يوم من دخول الجيش الفرنسي دمشق كان خير الدين الزركلي بين من آثروا ركوب القطار الذاهب من دمشق إلى حيفا هرباً من الفرنسيين إلى أن استقرّ به المقام في مصر.
وكان يوسف حيدر يركب القطار الذاهب إلى بلده بعلبك، ومنها يذهب فيتوارى في إحدى قُراها بعيداً عن أنظار المتربصين به.
وهكذا تفرّق الشمل وانفرط العقد، فلم يقتصر الأمر على يوسف حيدر وخير الدين الزركلي بل شمل جميع العاملين.
ومضت الأيام وهدأ الطلب وأخذ النازحون يعودون إلى دمشق بالتدريج حتّى كانت سنة 1923 أي بعد ثلاث سنوات من يوم ميسلون فإذا بدمشق تشهد جمهرة من العائدين إليها، وفي نفوسهم ما فيها من الحسرة على الاستقلال الذاهب، والتوق إلى نضال المستعمرين.
وكان بين العائدين يوسف حيدر وشقيقه الأصغر سعيد([88]) الذي كان هو الآخر مطارداً من الفرنسيين. وكان كلّ من الأخوين محامياً، وكان كلّ منهما كاتباً، وكان كلّ منهما مناضلاً عريقاً في النضال.
وكان من الطبيعي أن يعملا معاً، فقرّرا أن يتقاسما عناوين العمل، فيكون أحدهما محامياً والآخر صحافياً، وبذلك يحتفظان بالمهنتين، دون التفريط بحق إحداهما.
فاستحصل يوسف على امتياز جريدته القديمة (المفيد) باسمه وحده، وانتمى سعيد إلى المحاماة. وإذا كان العمل في الجريدة لا يسمح ليوسف المشاركة في عمل أخيه سعيد، فإنّ العمل في المحاماة لا يمنع سعيد من المشاركة في عمل أخيه يوسف.
وبالفعل فقد صدرت المفيد ومن أبرز كُتّابها سعيد حيدر، بل يمكن اعتباره الكاتب الأوّل فيها.
ولم يكن للحيدريين الكبيرين أن ينسيا حرفاً واحداً من تاريخ الاسم الذي تحمله جريدتهما، لم يكن لهما أن ينسيا (مفيد عبد الغني العريسي). وإذا كانت (مفيد يوسف حيدر وخير الدين الزركلي) قد مشت على خط مفيد عبد الغني العريسي متممة المسيرة الاستقلالية العربية التي كان ينشدها عبد الغني في (مفيده). فإنّ (مفيد يوسف وسعيد) واصلت المسيرة في ظروف صعبة شديدة، فالاستعمار الفرنسي كان في عنفوانه يحصي على الناس أنفاسهم، ويضيق عليهم خناقهم. ويكفي مثالاً على ذلك أنّ مظاهرة وطنية هتف المتظاهرون فيها للاستقلال، اعتبر الدكتور عبد الرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم مسؤولين عنها، فحكم على الأوّل عشرين سنة سجن وعلى الثاني خمس عشرة سنة وعلى الثالث عشر سنين: وكان ذلك في عهد الجنرال غورو الذي أمر بأن يقضي السجناء مدّة سجنهم في زنزانات جزيرة إرواد([89]).
كان الوطنيون العائدون إلى دمشق متفرقين في منازلهم لا منتدى يجمعهم ولا مجلس يتذاكرون فيه شؤون بلادهم وهموم وطنهم، فإذا بمكتب المفيد يصبح المنتدى لتلك الجماعة الوطنية التي كانت بأمس الحاجة إلى مثله لتتلاقى وتجتمع ثم تخطط.
وإذا بالصوت الوطني الذي خفت طيلة ثلاث سنين، يعود فيرتفع من جديد على صفحات (المفيد) التي كانت تضم إلى قلمي الأخوين قلماً لا يزال صاحبه في مطالع شبابه هو قلم نجيب الريس الذي كان رفيق سعيد حيدر في سجون إرواد.
وكانت افتتاحيات الجريدة متروكة ليوسف ذي القلم الهدار، واختص نجيب الريس بمقال يومي بعنوان دائم هو حديث اليوم.
أمّا سعيد فقد كان يتولّى التعليقات السياسية الوطنية التي كان يوقّعها دائماً بحرف (س). ومن أشهر تعليقاته التي مضت في سلسلة مؤلفة من أكثر من أربع حلقات تعليقه على خطاب الجنرال (ويغان) ([90]) الذي ألقاه يوم إعلانه إلغاء حكومة الاتحاد السوري الذي كان قد شكّله الجنرال غورو مؤلفاً ممّا سمّاه: دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين. ثمّ أعلن خلفه الجنرال ويغان إلغاءه وجعل مكانه دولة الوحدة السورية مؤلفة من دولة دمشق ودولة حلب، مخرجاً منها دولة العلويين. وخطب يوم الإعلان في مجتمع من الناس ملمحاً إلى الحضارة العربية التاريخية.
فتناول سعيد حيدر الخطاب راداً عليه ومناقشاً له في مقالات متتابعة بعنوان: (الجنرال يتكلم). فكانت المرّة الأولى التي يجرؤ فيها قلم سوري على التعرّض لأقوال المفوض السامي الفرنسي ومناقشتها وتفنيدها. ومرّ الأمر بسلام.
وفضلاً عن التعليقات السياسية الوطنية فقد كان يتصدّى لكتابة الافتتاحيات في المناسبات الوطنية الكبيرة التي قضى عليها الفرنسيون ولم يبقَ منها سوى الذكرى وأشهر هذه الافتتاحيات وأبلغها وأبعدها أثراً في النفوس: الافتتاحية التي كتبها يوم ذكرى 8 آذار سنة 1920، وهو اليوم الذي أعلن فيه السوريون استقلال بلادهم التام بملكية فيصل بن الحسين، ثمّ قضى الفرنسيون على هذا الاستقلال يوم 24 تموز من السنة نفسها.
فعندما مرّت هذه الذكرى لأوّل مرّة بعد صدور (المفيد) تناولها سعيد حيدر بمقال رمزي رائع، ولما كان لا يستطيع التصريح في ظل الحكم الفرنسي الرابض على صدر سوريا، فقد عمد إلى الرمز، فكان في رمزه أبلغ من كلّ تصريح، وقد ضمن مقاله أبياتاً لأخيه يوسف يقول فيها فيما يقول:
خفف عناك فللأيام أحوال
طوراً بسوء وطوراً يسعد الحال
ثمّ ختم المقال بأبيات لمهيار الديلمي يقول فيها:
أذكرونا مثل ذكرانا لكم
رب ذكرى قربت من نزحا
واذكر صباً إذا غنى لكم
شرب الدمع وعاف القدحا
قد عرفت الهمم مذ فارقتكم
فكأني ما عرفت الفرحا
وكانت مقالات نجيب الريس اليومية خير تعبير عما تجيش به نفوس الشباب العرب السوريين من أمان وطنية. ومن جريدة المفيد تخرج نجيب الريس الذي أصبح بعد ذلك أشهر صحافي سوري في جريدته اليومية (القبس).
على أنّ مصيبة (المفيد) كانت في التعطيل الإداري الذي كان سيفاً مصلتاً فوق رأسها، فلا هي تستطيع السكوت، ومهما عمدت إلى لين القول، فقد كان هذا اللين شدّة عند الفرنسيين فيعمدون إلى تعطيلها مدداً تتراوح بين الشهر والثلاثة الأشهر، فكان ذلك يكبدها الكثير من الخسائر، فهي مضطرة لدفع أجور محرريها وعمال مطبعتها دون أن يكون لها موارد.
وكانت اجتماعات الوطنيين تتوالى في مكتبها للتذاكر في شؤون الوطن. ومن أكبر تلك الاجتماعات الاجتماع الحاشد الذي انعقد عند مجيء مفوض سام جديد هو الجنرال ساراي، وبدا من تصريحاته الأولى التي كان يفوه بها عند وصوله أنّ له نيات طيبة فتنادى الوطنيون إلى اللقاء في مكتب المفيد للتداول فيما يقتضي عمله. فتقرّر في ذلك الاجتماع تشكيل وفد يذهب فيقابل المفوض السامي ويشرح له مطالب البلاد. فتشكل الوفد وذهب وقابل ساراي، فلقي منه تجاوباً وطلب إلى رجاله تأليف حزب سياسي ذي مناهج واضحة يعمل ويطالب في ضوئها. فعاد الوفد إلى دمشق والتقى الرجال في مكتب المفيد وقرروا تأليف حزب باسم حزب الشعب انتخب لرئاسته الدكتور عبد الرحمن عبد الرحمن شهبندر وكان من أركانه سعيد حيدر، وصارت المفيد بطبيعة الحال لسان حاله.
وتتابعت الأحداث بعد ذلك إلى أن قامت الثورة السورية سنة 1925 التي بدأت في أوّل أمرها ثورة درزية ثمّ عمل حزب الشعب على تحويلها إلى ثورة سورية شاملة، ممّا ليس هنا مكان تفصيله، فكان من جراء ذلك أن حُلّ حزب الشعب والتحق من التحق من رجاله بالثورة وفي طليعتهم الدكتور شهبندر وسعيد حيدر، وقبض على يوسف حيدر ونجيب الريس واعتقلا فيمن اعتقل في جزيرة إرواد. وكان في ذلك نهاية المفيد.
مقاتل الطالبين
راجع: الأغاني.
مقاصد الشريعة
في مدرسة أهل البيت
من أهم الإشكاليات التي تطرح في إطار فلسفة الفقه، قضية مقاصد الشريعة وأهداف الفقه. ويتشكّل السؤال في هذا المضمار على النحو التالي: ما هي الأهداف التي يرمي إليها الفقه الإسلامي؟ وكيف يمكن تشخيصها؟ وما هو تأثير هذه الأهداف في عملية الاستنباط والاجتهاد؟
وبتعبير آخر، ُعنى علم المقاصد بإشكاليات من قبيل:
1 ـ هل يصبو الفقه الإسلامي إلى غايات وأهداف معيّنة؟
2 ـ هل يمكن تشخيص غايات ومقاصد الفقه؟
3 ـ ما هي السبل لمعرفة مقاصد الشريعة؟
4 ـ ما هي العلاقة بين الأهداف والغايات، وكيف يمكن تصنيفها؟
5 ـ ما هي المقاصد الأصلية والفرعية للشريعة؟
6 ـ ما هو تأثير علم المقاصد في الاجتهاد والاستنباط؟
هذه تساؤلات يصطنع علم المقاصد أجوبتها. ولمزيد من الإيضاح نقول بأنّنا في إطار موضوع المقاصد نواجه ثلاث مساحات لا بدّ من التمييز بينها، لنضع النقاش في صورته الصحيحة. فأحياناً يكون مرادنا مقاصد الدين، وأحياناً نحصر أنفسنا في دائرة أضيق لنبحث في مقاصد الفقه، وفي المساحة الثالثة نحدّد أنفسنا أكثر، بمعرفة الغاية من حكم فقهي واحد أو عدّة أحكام فقهية. ويمكننا التعبير عن هذه المساحات الثلاث بما يلي:
أهداف الدين، ومقاصد الشريعة، وملاكات الأحكام.
وتكشف كلّ واحدة من هذه التعابير عن مجال معين في موضوع المقاصد.
المجال الأوّل: يشمل كلّ مقاصد الدين، فهو أوسع من إطار الفقه والشريعة، ومن الطبيعي أن يدرس هذا المجال في فلسفة الدين، وليس في فلسفة الفقه. وبعبارة ثانية فإنّ أهداف الدين تبحث في التساؤلات الأساسية حول الدين. وبالطبع فإنّ الإجابات عن هذه التساؤلات سيكون لها تأثير مهم في فلسفة الفقه والدراسات الفقهية.
المجال الثاني: هو مقاصد الشريعة أو أهداف الفقه. حيث ينصب الاهتمام على غايات جزء محدد من الدين، ألا وهو الفقه. وفي هذا المجال يُدرس أحد الأسئلة التي تواجه الفقه والشريعة تحت عنوان فلسفة الفقه. وهو مجال يأتي في الترتيب بعد دائرة أهداف الدين.
المجال الثالث: هو ملاك الأحكام أو مناطها أو عللها. وفي هذا المجال تفيد مفردات الملاك والمناط والعلة معنًى واحداً يرتبط بالحكم الفقهي. وكما هو واضح من هذه المفردات فإنّها تركّز على فلسفة حكم واحد من أحكام الشريعة وغايته. وفي هذا المجال يبحث الهدف المراد من حكم معيّن بعيداً عن الأهداف الكلية للفقه والدين. والفرض المسبق لمثل هذه الدراسة هو أنّ لكل حكم غاية معيّنة يمكن الوقوف عليها في علم الفقه.
ومن الجلي أنّ موضوع مقالنا هنا يتحدّد بالمجال الثاني، رغم تسليمنا بأنّ للدين غاية أو غايات تتمظهر في كل واحد من أجزائه كالأصول والأخلاق والشريعة. كما أنّ لكلّ جزء من أجزاء الدين كالفقه أو الشريعة غايات تتحدّد في أحكام ذلك الجزء ودساتيره.
وبعبارة أخرى إذا تمّ تحليل أهداف الدين وتجزئتها فسنصل إلى أهداف الفقه والأخلاق وأصول الدين. وإذا تمّ تركيب أهداف هذه الأجزاء الثلاثة فستكون النتيجة أهداف الدين. ومثل هذه العلاقة قائمة أيضاً بين أهداف الفقه وملاكات الأحكام.
وإذا اتضح المراد من مقاصد الشريعة وأهداف الفقه، ينبغي الإشارة إلى وجود عدة أسئلة أساسية لا مجال لمناقشتها جميعاً في هذه المقالة. لذلك نكتفي بالإجابة عن السؤالين الأول والثاني من وجهة نظر مدرسة أهل البيت:
1 ـ هل للفقه الإسلامي أهداف وغايات؟
2 ـ هل يمكن معرفة هذه الأهداف والغايات؟
ويعود السبب في اختيار هذين السؤالين دون غيرهما، والإجابة عنهما وفق مدرسة أهل البيت إلى قلة ما دوّنه علماء الشيعة في هذا المجال، بل إن ما دوّنوه هو في الواقع لا شيء بالنسبة لما صدر عن علماء السنة. وهذا ما قد يوهم البعض بأن فقهاء الشيعة لا يرون للفقه من غايات، أو أنهم يرون غايات الشريعة مما لا يمكن تشخيصه والوقوف عليه، وإلا لتدارسوا هذه الغايات وبحثوا فيها.
وما نرمي إليه في هذه السطور هو دحض هذا الوهم، والتدليل على أن جواب علماء الشيعة عن السؤالين المذكورين جواب إيجابي، من دون أن ننكر تقصيرهم في إشباع البحث وإعطائه حقه من الدراسة والتدوين.
وقبل أن ندخل في حيّز الإجابة عن السؤالين، لا بدّ أن نتناول بالإجمال موضوعين آخرين:
الأول: ضرورة البحث في مقاصد الشريعة.
والثاني: التاريخ الموجز لهذا الموضوع عند الشيعة والسنة.
ضرورة البحث في مقاصد الشيعة
لا شك أن الشريعة هي فعل الله التشريعي كما أن عالم الوجود فعله التكويني. ومثلما للخلق والتكوين أغراض وغايات، فإن للشريعة والتشريع أهدافاً ومرامي معيّنة.
ومن الضروري معرفة أهداف الفقه وغاياته لتقييم مساره وتوجهاته العامة، إذ يمكن تحديد قيمة كل حركة وتيار عبر معرفة غاياتها وأهدافها. لذلك من المناسب جداً قياس فاعلية الفقه وإيجابيته من خلال طبيعة أهدافه ومقاصده.
كما أن معرفة مقاصد الفقه تفضي إلى تشخيص التخوم العامة للفقه، وفي كثير من الحالات يمكن عبرها تقييم اجتهاد المجتهدين، والحكم على بعض الأحاديث والروايات.
وفي ضوء المعرفة الدقيقة بمقاصد الشريعة وتشخيص مراتبها، يمكن رفع الكثير من التعارضات في مجال التشريع والتنفيذ الفقهي. كما يمكن اعتبار مقاصد الشريعة واحداً من معايير نقد الإسناد وتقييمها.
وعموماً يمكن إجلاء أهمية البحث في مقاصد الشريعة بالنقاط التالية:
1 ـ تقييم المسار العام للفقه وفاعليته.
2 ـ تعيين حدود الفقه وصلاحياته.
3 ـ رفع التعارض في مجال التشريع والتنفيذ الفقهيين.
4 ـ تقييم السند من خلال تقييم المتن.
5 ـ التوفر على نظم وقواعد فقهية.
6 ـ تصنيف الأحكام والمسائل الشرعية في مجاميع منتظمة متماسكة.
تاريخ المقاصد
مع أن الغاية من هذه السطور دراسة مقاصد الشريعة من وجهة نظر شيعية، مما يعني ضرورة أن نبحث تاريخ المقاصد عند الشيعة الإمامية وحسب، ولكن نظراً لكثرة البحوث التي قدّمها علماء السنّة في هذا المجال، سنلقي أولاً نظرة على تاريخ المقاصد عندهم، ثم نأتي على تاريخها عند علماء الإمامية.
طرحت قضية مقاصد الشريعة لأول مرة من قبل إمام الحرمين الجويني (المتوفى 474هـ) في كتاب (البرهان في أصول الفقه). وقد صنّف الجويني الفقه الإسلامي إلى خمسة أقسام:
1 ـ الضروريات: وهي الأحكام التي من شأنها الحفاظ على ضروريات الحياة، مثل القصاص.
2 ـ الحاجيات: وهي الأحكام التي توفر المستلزمات العامة لحياة الإنسان.
3 ـ الأحكام التي تحقق للإنسان التحلّي بالكرامة والابتعاد عن النواقص والخبائث، مثل أحكام الطهارة.
4 ـ الأحكام المستحبة غير الداخلة في المجاميع الثلاثة السابقة.
5 ـ الأحكام التي لا تكون فلسفتها ومبرراتها واضحة بالنسبة لنا، وهي أحكام نادرة؛ لأن الأرجح هو أن تكون مقاصد الأحكام الشرعية ممكنة الفهم وقابلة للإدراك)[91](.
وبعد الجويني جاء الدور للغزالي (المتوفى 505هـ) الذي تناول هذه المسألة في كتابه (المستصفى في علم الأصول)، حيث يقول: «ومقصود الشارع خمسة وهو أن يحفظ للناس دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»)[92](.
ويرتّب الغزالي مصالح الشريعة في ثلاث مراتب: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويضع المقاصد الخمسة ضمن الضروريات)[93](.
وعقب الغزالي، جاء سيف الدين الآمدي (المتوفى 631هـ) ليطرح هذه القضية في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام). ويقسّم المقاصد الضرورية إلى خمسة أصناف، حيث يقول: «والحصر في هذه الخمسة أنواع إنما كان نظراً إلى الواقع، والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة»)[94](.
ويضيف ابن السبكي (المتوفى 771هـ) حفظ ماء الوجه إلى المقاصد الخمسة، ويقول: الضروري كحفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم العقل، ثم النسب، ثم المال والعرض)[95](.
ويتوسع ابن تيمية (المتوفى 728هـ) في بحث المقاصد، فيعترض على حصر مقاصد الفقه في الأمور الدنيوية، والتغاضي عن مقاصد، نظير حب الله وخشيته والإخلاص في الدين، فيقول: «وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة، وأن ترتيب الشارع للأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية ودنيوية، وجعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن من حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر. وأعرضوا عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجاء لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمره به ونهى عنه، حفاظاً للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق، ويتبيّن أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح»)[96](.
وبعد ثلاثة قرون من الجهود العلمية، كان الشاطبي (المتوفى 790هـ) أول من تناول المقاصد بشكل تفصيلي في كتابه «الموافقات في أصول الشريعة»، وقد خصّص مجلداً كاملاً من كتابه لهذا الموضوع تحت عنوان «كتاب المقاصد»)[97](، وبعد أن أحصى آراء من سبقوه، أثار مسألتين جديدتين: الأولى تصنيف المقاصد، والثانية سبل الكشف عن المقاصد.
والبعض يذهب إلى أن الإمام الشافعي إذا كان مؤسس علم الأصول باعتباره «قانوناً كلياً يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع»، فإن للشاطبي فضل السبق في تأسيس مقاصد الشريعة. فله «الفضل الكبير.. بمراعاة ما يسمى… بروح الشريعة… وهذا باهتمامه بمقاصد الشريعة ذلك الاهتمام»)[98](.
ويمكن القول: إن كتاب الشاطبي كان بحق منعطفاً علمياً في البحوث الخاصة بمقاصد الشريعة.
ولم يشهد هذا المجال العلمي من بعده تطوراً يذكر، حتى شاهد الإمام محمد عبده النسخة المطبوعة من كتاب الشاطبي عند زيارته لتونس عام 1884م (1301هـ) فبذل جهوداً حثيثة في نشره والترويج له والإلماع إلى أهميته.
يقول الشيخ عبدالله درّاز أحد تلامذة الشيخ محمد عبده: «كثيراً ما سمعنا)[99]( وصية الشيخ محمد عبده لطلاب العلم بتناول الكتاب، وكنت إذ ذاك من الحريصين على تنفيذ هذه الوصية».
وبعد ذلك وصل الدور لابن عاشور (المتوفى 1396هـ) الذي ألف كتاب (مقاصد الشريعة الإسلامية) منادياً فيه بشكل واسع لتأسيس علم المقاصد.
وفي الفترة المعاصرة، عكف علماء السنة على شرح مذهب الشاطبي وابن عاشور مؤلفين في ذلك كتابات عديدة، منها:
1 ـ نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، لأحمد الريسوني.
2 ـ نظرية المقاصد عند الإمام محمد بن طاهر بن عاشور، لإسماعيل الحسني.
وصدرت للبعض مؤلفات مستقلة في موضوع المقاصد، نظير:
3 ـ مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، لعلال الفاسي.
4 ـ مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، لمحمد سعيد بن أحمد بن مسعود اليوبي.
5 ـ المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، ليوسف حامد العالم.
كما ظهرت كتب في الحكمة من التشريعات وفلسفتها، وهي مؤلفات يمكن أن تعد مفيدة جداً في مبحث المقاصد، ومن نماذجها:
6 ـ حكمة التشريع وفلسفته، لعلي أحمد الجرجاوي.
7 ـ فلسفة التشريع الإسلامي، لصبحي محمصاني.
8 ـ أهداف التشريع الإسلامي، لمحمد حسن أبو يحيى.
9 ـ فلسفة التشريع الإسلامي، لأحمد زكي تفاحة.
10 ـ تعليل الأحكام، لمحمد مصطفى شبلي.
كانت هذه خلاصة سريعة جداً لتاريخ المقاصد عند علماء السنة. وفي ما يلي نستعرض مختصراً لتاريخها عند علماء الشيعة كما ترسمه المراجع البيبليوغرافية. فقد ازدهرت المقاصد عند الشيعة منذ أواخر القرن الثالث، وأخذت عنوان «كتاب العلل»، وكان من نتاجات فقهاء الشيعة في هذا المجال:
1 ـ كتاب العلل، لعلي بن أبي سهل حاتم القزويني.
2 ـ كتاب العلل، لعلي بن الحسن بن علي بن فضال.
3 ـ كتاب العلل، لأبي محمد الفضل بن شاذان النيشابوري (المتوفى 260هـ).
4 ـ كتاب العلل، لأحمد بن محمد بن الحسين بن الحسن بن دؤل القمي (المتوفى 350هـ).
5 ـ كتاب العلل، لعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي.
6 ـ كتاب العلل، لأبي عبدالله محمد بن خالد البرقي.
7 ـ كتاب العلل، لأبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي (المتوفى 368هـ).
8 ـ كتاب العلل، ليونس بن عبد الرحمن.
9 ـ علل الشرائع، لأبي محمد مفضل بن عمر الجعفي الكوفي.
10 ـ علل الشريعة، للحسين بن علي بن شيبان)[100](.
ولا أثر لهذه الكتب في الوقت الحاضر، سوى أسمائها في المراجع البيبليوغرافية. وأقدم الكتب التي ما تزال موجودة بين أيدينا هو «علل الشرائع والأحكام» للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (المتوفى 381هـ) والذي وضع أواخر القرن الرابع الهجري.
ومن الجدير بالإشارة أن ثمة كتباً وضعت في ذات الفترة حول علل بعض الأحكام الشرعية، فيما يلي بعض منها:
1 ـ كتاب العلل، تراجع الذريعة 15: 313، لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه.
2 ـ علل الصوم، لأبي علي القمي وأحمد بن إسحاق الأشعري.
3 ـ علل الفرائض والنوافل، لمحمد بن الحسن عبدالله الجعفري.
4 ـ علل النكاح والمتعة، ليونس بن عبد الرحمن.
5 ـ علل الوضوء، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين)[101](.
6 ـ علل الوضوء، لحمدان بن إسحاق الخرساني.
وبعد ذلك لم تظهر أعمال ذات أهمية على هذا الصعيد، سوى إشارات مقتضبة في مداخل كتب الفقه، نذكر نماذج منها:
تحدث الشهيد الأول (المتوفى 786هـ) في كتاب «القواعد والفوائد» بشكل مجمل عن هذه المسألة، فقال: «ووجه الحصر أن الحكم الشرعي إما أن تكون غايته الآخرة، أو الغرض الأهم منه الدنيا، والأول: العبادات. والثاني: إما أن يحتاج إلى عبارة، أو لا، والثاني: الأحكام، والأول: إما أن تكون العبارة من اثنين ـ تحقيقاً أو تقديراً ـ أو لا، والأول: العقود، والثاني: الإيقاعات»)[102](.
ويستدل الفاضل المقداد (المتوفى 826هـ) في «التنقيح الرائع» على انحصار الأبواب الفقهية في العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام، ويكتب: «وقرروا دليل الحصر بوجوه:
الأول: إن المبحوث عنه فيه إما متعلق بالأمور الأخروية وهو العبادات أو الدنيوية، فإما أن لا يفتقر إلى عبارة لفظية، فهو الأحكام، أو يفتقر، فإما من اثنين غالباً، وهو العقود، أو واحدة، وهو الإيقاعات.
الثاني: طريق الحكماء، وهو أن يُقال: كمال الإنسان إما بجلب نفع أو رفع ضرر، والأول: إما عاجل أو آجل، فجلب النفع العاجل بالمعاملات والأطعمة والأشربة والنكاح، وجلب النفع الآجل بالعبادات، ودفع الضرر بالقصاص وما شابهه.
الثالث: أن الشرائع جاءت لحفظ المقاصد الخمسة، وهي الدين والنفس والمال والنسب والعقل. وهي التي يجب تقريرها في كل شريعة. فالدين يحفظ بقسم العبادات، والنفس بشرع القصاص، والنسب بالنكاح وتوابعه الحدود والتعزيزات، والمال بالعقود وتحريم الغصب والسرقة، والعقل بتحريم المسكرات وما في معناها وثبوت الحد والتعزير على ذلك، وحفظ الجميع بالقضاء والشهادات وتوابعهما»)[103](.
وكما هو واضح فقد جارى المقداد رأي الغزالي، وقسّم الفقه على أساس هذا الرأي.
وما عدا هذا لا توجد أعمال وكتابات تتطرق لأهداف الفقه ومقاصد الشريعة بمنحّى شمولي مستوعب. لكن ثمة إشارات فرعية تحت عناوين تنقيح المناط أو ملاك الحكم متوزعة في كتب الأصول والفقه. ويبدو الاهتمام بهذه الإشارات ضمن إطار الاهتمام بمقاصد الشريعة، ضرورياً من باب أن الفقيه إذا كان من القائلين بإمكانية الكشف عن مناط الحكم وتنقيحه، فلا بدّ من القبول ضمن دائرة أوسع بإمكانية استنباط مقاصد الأحكام وعللها. لذلك نشير إلى عيّنات من هذه البحوث الفرعية:
خصّص الوحيد البهبهائي (المتوفى 1206هـ) الفائدة الحادية عشرة في كتابه «الفوائد الحائرية» لهذا الموضوع، وأسبغ عليها عنوان «تنقيح المناط وحجية القياس المنصوص العلة»)[104](.
أفرد الملا مهدي النراقي (المتوفى 1209هـ) بحثاً موجزاً لتنقيح المناط في كتاب «تجريد الأصول»)[105](.
حقّق الملا نظر علي الطالقاني (1240 ـ 1306هـ) خطوة كبيرة على صعيد المقاصد وبناء النظم الفقهية، بتأليفه كتاب «مناط الأحكام”. ويتمتع الكتاب بنسق شيّق ومنطق آخّاذ، بحيث يمكن أن يكون حجر الزاوية لبحوث جديدة مهمة.
وقد خصّص مهدي بن محمد علي الأصفهاني (وُلد في 1298هـ) بحثاً قصيراً لتنقيح المناط في كتابه «الأرائك»)[106](.
وقدّم الشعراني (المتوفى 1393هـ) في كتاب «المدخل إلى عذب المنهل» بحثاً موسعاً في الخروج عن النص وتنقيح المناط ومنصوص العلة)[107](.
كما حرر السيد محمد علي المدرس في مجلة «كانون وكلا» [مركز المحامين] مقالاً مختصراً حول تنقيح المناط)[108](. ولم نعثر على مزيد من النتاجات في هذا المجال ضمن تاريخ الفقه الإمامي.
إمكانية تشخيص المقاصد عند الشيعة
إلى هنا قدّمنا طرحاً عاماً لمسألة المقاصد في الشريعة الإسلامية. وعندها نصل إلى السؤال الرئيس؛ هل للفقه الإسلامي غايات؟ وهل يمكن معرفتها؟ وما هو رأي فقهاء الشيعة في هذا المجال؟ وهل ضعف اهتمامهم بهذا الموضوع له جذوره النظرية العقيدية، أم أنه جاء نتيجة ظروف وأسباب أخرى؟
ما من شك أن الوقوف على مقاصد الشريعة يحتاج إلى قبليات ضرورية منها:
1 ـ الإيمان بوجود مصالح ومفاسد وراء تشريع الأحكام.
2 ـ إمكانية اكتشاف واستنباط ملاك الأحكام الشرعية.
فما لم تكن للأحكام مصالح ومفاسد ثبوتاً، لن يكون هنالك مبرر للكشف عن الملاك والمناط.
ولفقهاء الشيعة رأي إيجابي في كلا المسألتين. فهم من ناحية يعتبرون الأحكام مقيّدة وتابعة لمجموعة من المصالح التي يريد الشارع تكريسها، ومفاسد يبغي الحدّ منها. ومن ناحية أخرى يعتقدون بإمكانية اكتشاف الملاكات والمقاصد.
ففي المسألة الأولى يعتبر رأي الشيعة مطابقاً لرأي العدلية، إذ هم يرون للأفعال حسناً أو قبحاً ذاتيين فالحسن والقبح هما ملاك الحكم الشرعي. ولذلك بإمكان العقل إدراك الملاكات. وضمن هذا النطاق ذاته يذهب الأصوليون إلى ملازمة الحكم العقلي للحكم الشرعي)[109](.
وعليه فلا ضرورة لمزيد من البحث والبراهين في هذه القضية، فكما قال الفقيه المعروف صاحب الجواهر: «إن الأحكام الشرعية عندنا معلومة لمصالح واقعية»)[110](.
أما المهم في الأمر، فهو مناقشة النقطة الثانية التي نتساءل فيها؛ هل ملاكات الأحكام ممكنة الكشف والإدراك في المدرسة الفقهية لأهل البيت، ليمكن عبرها الوصول إلى حيّز أهداف الشريعة ومقاصدها؟
وهذا ما سوف نتدارسه فيما يلي ونحاول إقامة الأدلة عليه. وقبل سرد الأدلة، من المناسب التدقيق في عدة نقاط:
1 ـ حينما نتحدث عن إمكانية اكتشاف الملاك، فإن حديثنا هذا يقتصر على المعاملات دون العبادات.
2 ـ حتى في غير العبادات يمكن اكتشاف الملاك في أغلب الحالات لا في جميعها.
3 ـ لا يخفى على أحد إمكانية خطأ العلماء في الكشف عن المناط والملاك، كما أن أخطاءهم في استنباط الأحكام واردة وشائعة.
4 ـ لأجل اجتناب الأخطاء عند كشف المقاصد أو التقليل منها، ينبغي تقنين هذه العملية.
5 ـ القياس والاستحسان ممارستان مذمومتان في الفقه الشيعي، ولا يمكن اعتبارهما أساس استنباط الملاك.
6 ـ يكمن الفرق بين القياس وكشف الملاك في أمرين:
الأول: هو أن القياس يكتفي بالظن غير اليقيني.
الثاني: أنه حالة شخصية.
أما في اكتشاف الملاك وتنقيح المناط، فينبغي الانتهاء إلى العلم أو الاطمئنان العقلائي. إذ يجب أن تكون القرائن والشواهد بحيث تحقّق للفقهاء مثل هذا العلم أو الاطمئنان العقلائي. فلا تكون العملية شخصية مزاجية.
7 ـ لا يمكن إنكار أن بعض حالات تنقيح المناط وكشف الملاك ما هي في الواقع إلا قياس.. كما لا بدّ من الاعتراف أن بعض القياسات ليست سوى تنقيح مناطات.
وبعد الإشارة إلى هذه النقاط.. نسوق براهين كشف الملاك وإدراك المقاصد في الفقه الشيعي، ضمن أربعة جوانب:
أولاً: الأئمة وكشف الملاك
في الشريعة التي تعتبر التفكّر والتعقّل أساساً لازماً وحجر الزاوية في بنائها، وتأمر الإنسان بالتفكير في معطيات الدين، حينما نرى أئمة الدين يركزون على تبيان ما وراء الأحكام من علل وأسباب وحكمة، فإن السبب هو ترغيب الناس في فهم أهداف الشريعة والحث على كشف ملاكات أحكامها. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾)[111](. ويقول أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُماًّ وَعُمْيَاناً﴾)[112](.
وهناك آيات كثيرة أخرى تحض على التفكّر والتعقّل، بل إن بعض آيات الأحكام في الكتاب العزيز تتضمن في طياتها فوائد الأحكام وأسبابها.
وفي مثل هذه الأجواء الفكرية التي يذكر فيها الأئمة العلل والأسباب إلى جانب الأحكام والتشريعات، لن يكون لهذه الحالة من مدلول سوى إمكانية الكشف عن الملاكات والترغيب في معرفتها. وهذا ما نلاحظه في الكثير من الروايات والأحاديث التي نذكر أدناه بعضاً منها:
1 ـ عن الرضا (ع): إنما أمر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما أصابه من فضح الميت؛ لأن الميت إذا خرج منه الروح بقي أكثر آفتة)[113](.
2 ـ عن الصادق (ع): أنه سُئل ما العلة التي من أجلها لا يصلي الرجل في قميص متوشحاً؟ فقال: لعلة التكبّر في موضع الاستكانة والذل)[114](.
3 ـ عن الرضا (ع) في جواب محمد بن سنان في علة الزكاة: من أنها من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء.. مع ما فيها من الزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة، والحث لهم على المواساة وتقية الفقراء)[115](.
4 ـ عن الرضا (ع) في جواب السؤال عن علة تحريم الربا قال: لِما فيه من فساد الأموال؛ لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً)[116](.
5 ـ عن يونس عن أبي عبدالله (ع) سألته عن العلة التي من أجلها إذا طلّق الرجل امرأته وهو مريض في حال الإضرار، ورثته ولم يرثها؟ فقال: هو الإضرار، ومعنى الإضرار منعه إياها ميراثها منه، فإلزام الميراث عقوبة)[117](.
6 ـ عن الرضا (ع): وعلة ضرب الزاني على جسده بأشد الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ الجسد كله به، فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره، وهو أعظم الجنايات)[118](.
7 ـ عن الرضا (ع): وعلة التخفيف في البول والغائط لأنه أكثر وأدوم من الجنابة، فرضي فيه بالوضوء لكثرته ومشقته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة)[119](.
8 ـ عن أبي عبدالله (ع) قال: اختنوا أولادكم لسبعة أيام؛ فإنه أطهر وأسرع لنبات اللحم)[120](.
9 ـ عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن أكل الثوم فقال: إنما نهى عنه رسول الله (ص) لريحه فقال من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا، فأما من أكله ولم يأتِ المسجد فلا بأس)[121](.
10 ـ عن الرضا (ع): حرّم الله الخمر لما فيها من الفساد من تغيير عقول شاربيها)[122](.
11 ـ قال أبو عبدالله (ع): إنما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس، كيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه خاف ذلك فامتنع من القتل)[123](.
12 ـ عن علي (ع) أنه قال: لا أقيم على رجل حداً بأرض العدو حتى يخرج منها، مخافة أن تحمله الحميّة فيلحق بالعدو)[124](.
مرّ بنا أن الاستدلال العقلي في إطار نصوص القرآن والسنة يمثّل أساس الاجتهاد في الفقه الشيعي. والمراد بهذا الأسلوب، منهج الاستدلال في المنطق الصوري، الذي يتضمن حُججاً قاطعة. أما أسلوب التمثيل المنطقي فهو أسلوب ظني، ويسمى في الفقه قياساً، ويستند إلى كشف احتمالي عن علل الأحكام، وقد رفضه الشيعة من بداية ظهوره في الفقه الإسلامي في القرن الثاني الهجري. ولكن في الحالات التي يمكن فيها الكشف عن علل الأحكام بصورة قطعية تفيد الاطمئنان عُدّ هذا الكشف حجة معتبرة يمكن الاستدلال بها والاستناد إليها.
وفي القرون الأولى كان المحدثون يرفضون أساليب البرهنة العقلية، ويعتبرون هذا النمط من الكشف القطعي في عداد القياس، فيحذّرون من الانسياق إليه، بينما اعتبره بعض العلماء المتأخرين قياساً مشروعاً، على الرغم من أن هذه التحليلات العقلية لا علاقة لها بالقياس في مفهومه السنّي. وربما كان التشابه الإسمي والظاهري هو السبب في اعتبار كل الاستدلالات العقلية من قبيل القياسات الفقهية لذلك عمم أصحاب الحديث الروايات الشيعية الناهية عن القياس على جميع الاستدلالات العقلية، مع أن تلك الروايات تنهى حتى عن الاجتهاد الشخصي الحر الذي قد يعمل به الفقيه في المسائل الشرعية والذي يسمى اصطلاحاً «الرأي». وقد كان مصطلح الاجتهاد خلال الأدوار الإسلامية الأولى، يعني فقهياً الاستدلالات غير العلمية أو «الرأي» ولهذا نجد الشيعة حتى القرن الخامس أو السادس الهجري يرفضون الاجتهاد (بهذا المعنى) وهو ما نجده في كتبهم الكلامية آنذاك، ومنها كتب النوبختيين، وأبي القاسم علي بن أحمد الكوفي، في دحض الاجتهاد. وإلا فالاجتهاد بمعنى الاستدلال التحليلي العقلي شاع بين علماء الإمامية من القرن الثاني، وفي أواخر القرن الرابع غدا أسلوباً فريداً في المباحثات الفقهية عندهم.
وبلحاظ ما أسلفنا، من الطبيعي أن تتحول مناهج الاستدلال الشيعية خلال القرون الأولى، في النظرة السطحية للمحدثين المناوئين لاستخدام العقليات في الفقه الإسلامي، إلى نوع من العمل بالرأي والقياس.
ففي روايات الشيعة التي وردت أغلبها عن طريق المحدثين أنفسهم، نجد جماعة من صحابة الأئمة يعملون بالقياس حينما لا يجدون حكماً صريحاً للمسألة في الكتاب والسنة، وفي روايات أخرى نراهم يعملون بالرأي.
وقد لاحقت تهمة القياس فريقاً من أعلم صحابة الأئمة وأفقههم، ممن تروي عنهم آراء واجتهادات دقيقة جداً في المصادر الفقهية، ومن هؤلاء الفضل بن شاذان النيشابوري الفقيه والمتكلم الشيعي المعروف، وصاحب كتاب الإيضاح (توفى 260هـ)، الذي وصلتنا آراؤه وبحوثه في الطلاق والإرث وغيرها من مسائل الفقه والعقليات. ويونس بن عبد الرحمن الذي تنقل عنه آراؤه في خلل الصلاة والزكاة والنكاح والإرث. وزرارة بن أعين الكوفي، وجميل بن درّاج، أعلم أصحاب الإمام الصادق (ع)، وعبدالله بن بكير أحد أشهر فقهاء الشيعة في القرن الثاني الهجري، وغيرهم من ألمع أصحاب الأئمة، والذين عيب عليهم عملهم بالقياس، وفي حين من الثابت تقريباً أنهم استعملوا في فقههم الأساليب الاستدلالية التحليلية دون أسلوب القياس السني. ولا أدل على ذلك من فتاواهم التي جمع الكثير منها صاحب كتاب «كشف القناع».
يتضح من مجمل ما أسلفناه وجود نوعين من الفقه الشيعي في عصر الأئمة (ع). الأول الحركة الاستدلالية العقلية في المسائل الفقهية. والقائلة بالاجتهاد بالاستناد إلى الضوابط والأحكام الكلية للقرآن والسنة. والثاني حركة تقليدية نقلية تشدد على الأحاديث والنصوص، وتتجنّب ممارسة إضافية اسمها الاجتهاد، حتى لو استندت إلى القرآن والسنة. وثمة أجزاء من الرسائل الفقهية لفقهاء عهد الأئمة، مثل الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن، وردت في آثار العهود اللاحقة، تدل بوضوح أن عملية تدوين الفقه وفصله عن الحديث بدأت منذ أواخر القرن الثاني وبدايات القرن الثالث، وهذا خلافاً للنظرية المشهورة حول تاريخ هذه العملية)[125](.
وعليه فالروايات الواردة في ذم القياس)[126](، وفي أن دين الله لا يصاب بالعقول)[127](، لا تخص كشف المقاصد والملاكات، وإنما تختص بالحالات التالية:
1 ـ العبادات والشؤون التعبدية المحضة.
2 ـ كشف الملاك على اساس الظن والحدس الشخصي.
3 ـ كشف الملاك بدون ضوابط وأدلة.
ففي غير العبادات، إذا كانت هنالك ضوابط وقوانين تفضي إلى ملاكات منقّحة مستدلة، وإذا كان السائد هو التريث وعدم التسرع في كشف الملاك، وإنما الاستناد إلى شواهد وقرائن متينة، فإنها لن تكون المقصودة بتلك الروايات.
ثانياً: تنقيح المناط في استنباط الفقهاء
هنا نقدم نماذج لاستخدام المناط كدليل كاف لتعميم دائرة الأحكام أو تضييقها. والهدف هو التدليل على اهتمام فقهاء الشيعة بالمناط، ولا نزعم إحصاء جميع الأمثلة على ذلك في الفقه، كما لا ندعي أن كل الفقهاء التزموا بهذه الحالات:
1 ـ يقول الشيخ الأنصاري في وضوء الجبيرة: «وقال في الذكرى: لو عمّت الجبائر أو الدواء الأعضاء مسح على الجميع، ولا ينسحب الحكم إلى خائف البرد فيؤمر بوضع حائل بل يتيمّم لأنه عذر نادر وزواله سريع. انتهى. نعم أكثر الأخبار لا يشمل هذه الصورة لكن المناط منقح فيها»)[128](.
2 ـ يكتب الأستاذ التبريزي حول بيع القرآن للكافر، رادّاً على من قاس ذلك ببيع المسلم للكافر: «الفحوى ممنوعة، فإنه لو كان أصل الحكم ثابتاً بأن لا يصح ملك الكافر العبد المسلم، فهو باعتبار أن ملك الكافر المسلم وعدم تمكن المسلم على تصرفاته وأفعاله إلا برخصة منه، ولاية للكافر على المسلم، ولا يجري ذلك في ملك الكافر للمصحف. وبعبارة أخرى لو لم يكن هذا هو الملاك جزماً، فلا أقل من احتمال كونه الملاك، ومعه لا يمكن دعوى الفحوى»)[129](.
3 ـ قال فريق من الفقهاء في تعميم بيع الأرض إلى الأرض الزراعية والسكنية، في مبحث الخمس: «اللهم إلا أن يحكم بالمناط وأن المقصود من الحكم عدم تسلّط أهل الذمة على مستقلات المسلمين كما لا يبعد ذلك»)[130](.
4 ـ وكتبوا في تعميم الشراء على مطلق المعاوضات: «أقول: العمدة في التعميم إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط القطعي، فإن تمّ وإلاّ وجب الاقتصاد على النص»)[131](.
5 ـ في رسالة للإمام الخميني إلى أحد طلابه، يذم الجمود على الحالات المذكورة في الروايات، ويعمم الأحكام على الحالات المعاصرة المستحدثة: «لا بد أن أعبّر عن أسفي لما استنتجتموه من الأخبار والأحكام الإلهية.
فحسب ما كتبتموه، يقتصر صرف الزكاة على الفقراء وباقي الأمور المذكورة واليوم حيث وصلت مصارفها إلى مئات الحالات، لا طريق أمامنا. و[ذكرت] أن «الرهان» في السبق والرماية خاص بالسهام والأقواس وسباق الخيل وما إلى ذلك من الدواب التي كانت تستعمل في الحروب سابقاً، واليوم أيضاً يقصر الرهان على هذه الحالات. والأنفال التي أحلّت للشيعة، تعني أن يستطيع الشيعة اليوم بدون أي مانع ركوب أنواع السيارات والجرارات وتخريب الغابات وكل ما يؤثر في حفظ البيئة، وتعريض حياة ملايين الناس للخطر، ولا يحق لأحد منعهم عن هذا. و[ذكرت أيضاً] أن المنازل والمساجد اللازمة [اللازم تخريبها] في تخطيط الشوارع وحلّ مشكلات المرور وحفظ حياة آلاف الناس، لا يجوز تخريبها، وأمثال ذلك. وعموماً وفق استنباطكم من الأخبار والروايات، يجب تهديم المدينة الجديدة بالكامل، وعلى الناس العودة للسكن في الأكواخ والحياة إلى الأبد في الصحاري»)[132](.
6 ـ وعمّم الإمام الخميني أدوات تنفيذ القصاص فقال: «ولا يبعد الجواز بما هو أسهل من السيف كالبندقية على المخ وبالاتصال بالقوة الكهربائية»)[133](.
ويبدو أن هذا التعميم جاء على ضوء التعليلات الواردة في الروايات: «ولا يترك يعبث به ولكن يجهز عليه بالسيف»)[134](. «لا يترك يتلذذ به ولكن يجهز عليه بالسيف»)[135](.
7 ـ يعمم الشيخ محمد جواد مغنية السبق والرماية على الأدوات الجديدة. ويستدل على ذلك بالقول: «وبتعبير ثان إنه لا اعتبار بالحافز والخف والنصل، وإنما الاعتبار بالسلاح المعروف المتداول، والرسول الأعظم (ص) إنما ذكر هذه الثلاثة لأنها السلاح المعروف دون غيرها في عصره… وليس هذا اجتهاداً منا في قبال النص، وإنما هو اجتهاد صحيح ومركز في تفسير النص يتفق كل الاتفاق مع مقاصد الشريعة السمحة الغراء تماماً…» )[136](.
8 ـ يعمم صاحب الجواهر النفس على العرض)[137](. والمسلم على المسلم والمسلمة)[138](، ويعتبر ذكر النفس والمسلم مجرد مثال.
9 ـ في مبحث الصلاة في المكان المغصوب، يعتبر صاحب الجواهر قبال من يرون أن الصلاة يجب أن تؤدي كما هو وارد في الروايات، أن التحجر والجمود آفة الفقه، ويقول: «أعاذ الله الفقه من أمثال هذه الخرافات»)[139](.
10 ـ يعتبر السيد أبو القاسم الخوئي عبارة «العيدين» في روايات منع خروج المرأة من المنزل مجرد مثال، ويعمم الحكم على صلوات الجمعة والجماعة)[140](.
11 ـ الكثير من الفقهاء يعممون روايات سلس البول، في أساليب الحيلولة دون سراية النجاسة، على نماذج مشابهة لم ترد في الأحاديث)[141](.
12 ـ يستعين المحقق البحراني في التعدي من القميص إلى سائر أنواع الثياب بعلة الحكم، ثم يطرح قاعدة كلية: «ولا يُقال: إن الخبر إنما تضمن القميص خاصة فلا يجوز تعدي الحكم إلى غيره، فإن العلة الموجبة لإعادة الصلاة في النجاسة وهي شاملة لجميع الثياب. ثم لا يخفى أيضاً أن جلّ الأحكام عن عبادات ومعاملات ونحو ذلك إنما خرجت في الرجال، والسؤالات إنما وضعت في الرجال مع أنه لا خلاف في دخول النساء ما لم تعلم الخصوصية للرجال في ذلك الحكم ونحو ذلك مما لا يخفى على المتدبر في الأخبار الواردة في جميع الأحكام وما ذاك إلا لما ذكرناه من حمل ما ذكر في الأخبار على مجرد التمثيل وتعدية الحكم إلى ما عدا المذكور بطريق تنقيح المناط القطعي»)[142](.
13 ـ يكتب صاحب الجواهر في تعميم حكم الإتمام على محل قبور الأئمة (ع): «وكيف كان فما عن المرتضى وابن الجنيد من طرد الحكم في سائر قبور الأئمة الهداة (ع) لم نقف له على نص خاص، ولعلهما أخذاه من معلومية شرف قبورهم وأنها مساوية للمسجدين أو تزيد مع فهم كون العلة في الحكم هنا شرف المكان، كما يومئ إليه بعض النصوص السابقة»)[143](.
14 ـ وكتب أيضاً في مسألة تلقي الركبان: «وفيه أن الحكمة في النهي عن التلقي ليست بمراعاة حال الركب خاصة، الأعم من ذلك ومن حال أهل البلد باعتبار اختصاص الربح ونحوه بالمتلقي خاصة كما أومأنا إليه سابقاً فيعم حينئذ جميع ذلك»)[144](.
ثالثاً: شهادات علماء الشيعة
تحت هذا العنوان نورد تأكيدات طائفة من علماء الشيعة المعاصرين حول إمكان معرفة الملاك وضرورة الالتفات إلى مداليله:
1 ـ يرى بعض الفقهاء المعاصرين أن ملاك الكثير من الأحكام قابل للكشف والمعرفة، حيث يقول: «نحن نعرف أن بعض الأحكام الشرعية من الأحكام التوقيفية كالعبادات مثلاً، ولذلك نجد بعضها قد يخضع لقاعدة تختلف عن القاعدة التي يخضع لها حكم شرعي عبادي آخر. ولكننا لا نمانع من أن هناك كثيراً من الأحكام الشرعية لا سيما في عالم المعاملات، مما يمكن استكشاف ملاكه بشكل وبآخر من خال استظهاره من طبيعة النص نفسه، على أساس مناسبات الحكم والموضوع، أو من خلال القرائن المتنوعة التي تدل على ذلك.
ومن هنا فإننا نتصور أن القول بعدم إمكان إدراك الملاك بالمطلق هو قول غير دقيق، كالعبادات وأمثالها، فإنه بإمكاننا أن ندرك الملاكات في المعاملات، أو بعض الأحكام الأخلاقية وغير ذلك.
ولكن المشكلة هو الاستغراق في التعبدية، والتعامل مع الفقه بمنطق الأسرار والتعبد المحض، ويحضرني ما يُقال في تطهير بعض النجاسات كالمتنجس بالبول، فإنهم يتحدثون عن اشتراط غسلتين بالماء القليل، ويؤكدون عى التعددية بحيث لو غسلنا ـ كما عن بعضهم ـ الموضع المتنجس بقطرتين على التوالي فإنه يطهر، ولكننا مع ذلك لو أهرقنا إبريقاً كاملاً دفعة واحدة بلا تعدّد فإنه لا يطهر، وذلك لأن التعددية شرط في التطهير، وقد يُجاب عن الفرق بين الموردين بأنه من شؤون التعبد التي لا يمكن إدراك الملاك فيها. مع أن الإنسان عندما يقف أمام موضع يتعلق بالنجاسة والطهارة يعرف أن المسألة هي إزالة الاستقذار، وأن قضية التعدد قد تنطلق من خلال الحالة الطبيعية للتطهير بحيث تكون الغسلة الأولى لإزالة العين، والغسلة الثانية لإزالة الاستقذار الناشئ من طبيعة وقوع هذه العين على هذا الموقع، ولذلك لا يجد الإنسان خصوصية للتعدد إلاّ من خلال أنها ناظرة إلى الوضع الطبيعي في عالم الغسل، الذي تدور القذارة فيه بهذه الطريقة. وعليه فيمكن أن يستفيد الإنسان من المدار بأن الكمية الأكثر والمستمرة يمكن أن تحقق الغسل بطريقة أكيدة أكثر من سابقتها.
طبعاً هذا لا ينفي أن يكون ثمة عدد من الأحكام الشرعية غير معروفة من جهة الملاكات والعلل، كما في العادة الشهرية للمرأة، وعدم قضاء الصلاة مثلاً وقضاء الصيام، وقد يقف المرء عاجزاً عن تفسير لهذه الأحكام، ولكن ذلك لا يعني الاستغراق في الظاهرة التعبدية في الوقت الذي لا خصوصية لهذا المورد أو ذاك لو تأمل الفقيه فيه بشكل جيد، لأن القضية ليست قضية اسرار على الدوام وبشكل كامل كما يوحي البعض»)[145](.
ويفصل هذا الفقيه بين كشف الملاك وبين القياس، ويرى أن بينهما فرقاً أساسياً، فيقول: «لأن القياس هو أن تنتقل بالحكم من موضوع إلى آخر على أساس الظن في أن الملاك مشترك بينهما، والظن ليس حجة، فتكون النتيجة ليست حجة أيضاً، بينما ما نقوله هو أن نستظهر الملاك في الدليل، أو نستظهر الملاك من خلال العناصر المتنوعة هنا وهناك، مما يحقق لنا العلم بالملاك أو يحقق لنا الاطمئنان بهذا الملاك، وهذا ليس من القياس، بل هو أشبه بمنصوص العلة. ألا ترى الآن لو قال الشارع: لا تشرب الخمر لأنه مسكر، ألا نتعدى في الحرمة من الخمر إلى كل مسكر؟ وإنما صحّ التعدي لأننا فهمنا بطريقة التعليل أن العنوان هو المسكر وليس الخمر، كذلك إذا فهمنا في كل مورد الملاك بشكل قطعي، أو بما تقوم به الحجة، فأنا نستطيع أن نسري هذا الحكم من هذا الموضوع، إلى موضوع آخر، لأن جهة إلحاقه به من جهة (اكتشاف) العنوان المشترك بين الموضوعين الذي يخضع له العنوانان معاً، كما في المسكر»)[146](.
2 ـ فقيه آخر معاصر يرى إمكانية المعرفة بمقاصد الشريعة في غير العبادات، ويقول: «التعبد في العبادات المحضة أمر لا ريب فيه ومسلم به، وأما في مجالات المجتمع فيما نسميه الفقه الخاص في باب الأسرة أو المكاسب الفردية مثلاً، نحن لا نعتقد للتعبد معنى على الإطلاق ولا بد أن تنزل الأمور وفقاً للأدلة العليا في الشريعة وللقواعد العامة في الشريعة التي هي الضوابط الأساسية، لا بدّ أن تنزل على مقاصد الشريعة وعلى ما نفهمه من المناطات، يعني بعبارة أخرى ـ لا أقول المصالح والمفاسد الواقعية فقد نناقش بأننا لا نعرفها ـ ولكن ما يبدو لنا من حكمة التشريع لا بد أن تنزل على هذا.
من هنا من جملة أسباب الخلل في المنهج هو هذا، مثلاً أذكر مثالاً بسيطاً، وهناك ما هو أهم منه، يحضرني وهو متداول بين الناس: وهو أن يبدأ المؤمنون طعامهم بالملح ويختمونه بالملح بدعوى أنه مستحب أكله، سواء كان ذلك في البلاد الحارة أم في البلاد الباردة في الصيف أم في الشتاء، يوجد نص وردت فيه نصيحة البدء بتناول الملح قبل الطعام وفي ختامه. لا أعرف الآن مدى القيمة السندية لهذا النص حجة ودلالة. (التعبير المتداول في كتب الفقه أنه يستحب أي أنه حكم شرعي) أنا لا أفهم باب التعبد في هذا الأمر، أنا أفهم أن الملح مادة غذائية لها صلة بالجسد وبكيمياويات الجسد، وأن الإنسان يفتقد في البلاد الحارة كمية من ماء جسده بالتعرق فيحتاج إلى تعويضها، وأما في البلاد الباردة أو في البلاد المعتدلة إذا كانت نسبة الملح في الطعام عالية قد لايحتاج الإنسان إلى مزيد من الملح، وبالتالي قد يكون من غير الراجح أن يستعمل الملح في طعامه»)[147](.
وهكذا يستنتج: «نحتاج إلى أن نتعامل مع نظام العبادات بمنهج يختلف عن المنهج الذي نتعامل به مع تشريع الأمور الوضعية في الفقه العام أي فقه الأمة ككل، وفقه المجتمع وعلاقات المجتمع، وفقه الأفراد داخل المجتمع في علاقاتهم مع الدولة أو مع الجماعات أو مع بعضهم البعض، والمبدأ الأساسي ـ إلا أن يثبت خلاف ذلك بنص قاطع ـ أنه لا يوجد تعبد في باب المعاملات العامة، يعني في الفقه السياسي والتنظيمي والاقتصادي والأسروي والاجتماعي، لا يوجد تعبد، لا بدّ أن تلتمس مقاصد الشريعة هنا»)[148](.
3 ـ يذهب الشيخ محمد جواد مغنية إلى أن لا تعبد في المعاملات، فغايتها والمصلحة منها قابلة للإدراك: «… لأن المعاملات لا تعبد فيها. ومصلحتها ظاهرة ـ في الغالب ـ… وبالتالي فإن الجمود على حرفية النص يجب في العبادات، سواء أعرفنا المصلحة منها، أم لم نعرف، أما في المعاملات فينبغي التوفيق القريب بين النص والمصلحة المعلومة»)[149](.
وهو لا يرى هذا في العبادات، وإنما يعتبرها تعبدية محضة: «ومهما يكن فإن على من يتكلم في مسائل دينية وشرعية أن لا يعتمد على مجرد إدراكه وفهمه لأن دين الله لا يصاب بالعقول، كما قال أهل البيت (ع)، بل عليه أن يرجع إلى مصادر الدين والشريعة، ويستنطقها بمعرفة ورويّة)[150](.
ويكتب في معرض مقارنة الحائض بالجنب من حيث صيام شهر رمضان: «وهل تلحق الحائض والنفساء بالجنب في حكم النوم؟.. الجواب: كلا، لأن النص في ذلك مختص بالجنب، والقياس باطل عندنا، أما قول صاحب الجواهر بأن حدث الحيض أشد من حدث الجنابة فإنما… لو نص الشارع على ذلك صراحة، بحيث يكون من العلل المنصوصة، وليس لأحد كائناً من كان أن يستنبط علل الأحكام من عندياته»)[151](.
4 ـ الشيخ محمد هادي معرفة هو الآخر من الفقهاء الذين يؤكدون أن ملاكات الأحكام غير العبادية واضحة وممكنة المعرفة. فيكتب في مقال بعنوان «الواقعية في الرؤية الفقهية للإمام الخميني»: «من الخصائص المدهشة في فقه الدين الإسلامي الأصيل، رؤيته ونزعته الواقعية. حيث تلاحظ المصالح الواقعية في جميع أبعاد الشريعة. وقد تأسس الفقه من اليوم الأول على أساس (الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية). ولذلك قِيل الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية) أي أن ما يقوله الشرع هو ذات ما يقوله العقل بنظرته الواقعية الخالية من أكدار الأوهام. ومن هنا يتأتى التطابق بين العقل والشرع. فأحكام الشرع سواء كانت في باب العبادات أو المعاملات، تقوم جميعها على أساس الواقع، وهي في الحقيقة تحرس المصالح الواقعية للإنسان لتضمن له السعادة والرخاء، وتلبّي حاجاته الفطرية في الدارين. ولذا فإن الفقيه القدير هو من يدرس القضايا اليومية برؤية واقعية، ويتناول المصادر الفقهية في ضوء هذه الرؤية الواقعية، وهذا ما يسمى اصطلاحاً (شم الفقاهة). فالفقيه هو من يحيط بجميع جوانب الشريعة، وتكون له معرفة واسعة بملاكات الأحكام الشرعية، باستثناء أحكام العبادات.
الفقهاء الكبار، لا سيما القدماء منهم، كانوا ينظرون إلى الفقه من هذه الزاوية، ويتعاملون مع المصادر الفقهية من أجل الاستنباط الصحيح، ولذا نراهم يمنحون التفقه ألواناً متجددة دائماً، ويحفظون الفقه حياً متحركاً فاعلاً ضامناً لحاجات المجتمع، مجيباً على قضايا الإنسان العلمية في كافة أبعاد الحياة. وهكذا فإن الفقه الإسلامي، من وجهة نظر شيعية، في حالة اتساع متواصلة، وهذا باب الاجتهاد لم يغلق في أي حين من الأحيان، بل كانت مفتوحة في كل الأزمان على جميع القضايا المُعاشة»)[152](.
ويوضح رأيه في الهامش: «العبادات وحدها هي التي تكون ملاكات أحكامها غير بيّنة، ولا يستطيع أحد المعرفة الدقيقة بجميع أسرار الممارسات العبادية. أم باقي الأحكام الشرعية فقابلة للإدراك وملاكاتها ممكنة الفهم، وقد حاول كبار الفقهاء (لا سيما الماضين منهم) الوقوف على جميع أبعادها وملاكاتها، وقد كان التوفيق حليفهم في هذه المهمة»)[153](.
5 ـ يقول الأستاذ الشيهد مرتضى المطهري: «لم يتطرق الإسلام إطلاقاً إلى شكل الحياة وصورتها الظاهرية. فالتعاليم الإسلامية منصبة جميعها على الروح والمعنى والطريق التي توصل البشرية إلى تلك الأهداف والمعاني. الإسلام يطرح أهدافه ومفاهيمه ويشير إلى طريق الوصول إلى هذه المفاهيم والأهداف، ويترك البشر أحراراً في غير ذلك. وبهذه الطريقة يبتعد عن أي صدام مع التنمية الحضارية والتطور الثقافي.
في الإسلام، لا توجد وسيلة مادية أو شكل ظاهري يأخذ صفة القداسة، بحيث يرى المسلمون من واجبهم حفظ هذا الشكل الظاهري. ولعل اجتناب التضارب مع مظاهر التنمية العلمية والحضارية من السمات التي حققت للدين الإسلامي تطابقه الدائم مع مقتضيات الزمان، وأقالت العقبة الكبرى عن طريق خلوده واستمراريته»)[154](.
رابعاً: صياغة النظم
مما يجدر بالتأمل والتدقيق ما بذله بعض الفقهاء الشيعة المعاصرين من جهود في استكشاف وتدوين النُظُم الفقهية، وخصوصاً في زاوية الكشف عن مقاصد الشريعة وملاكات الأحكام. وذلك إن إعادة تشكيل أنظمة الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والقضائية و… على أساس الأحكام الفقهية المختلفة، عملية غير ممكنة من دون المعرفة بالمبادئ الرئيسة والأهداف الأصيلة للإسلام وشريعته. ومن هنا نرى أن هذه الجهود موازية للمساعي المبذولة في إطار علم المقاصد.
ويعد الفقيه المفكر الشهيد محمد باقر الصدر رائد صياغة النُظُم الفقهية. فهو يؤكد على ضرورة إيجاد تحول عميق في الفقه، وهذا منوط باكتشاف الأنظمة والنظريات الفقهية. يكتب في هذا المضمار: «من الناحية العمودية أيضاً لا بدّ من أن يتوغل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه ليصل إلى النظريات الأساسية، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية والتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذه البناءات العلوية إلى النظريات الاساسية والتطورات الرئيسية التي تمثل وجهة نظر الإسلام؛ لأننا نعلم أن كل مجموعة من التشريعات في كل باب من أبواب الحياة ترتبط بمثل تلك النظريات والتطورات. ففي مجال الحياة الاقتصادية، ترتبط تلك الأحكام بنظرية الإسلام بالمذهب الاقتصادي الإسلامي، وفي مجال النكاح والطلاق وعلاقات المرأة مع الرجل، ترتبط بنظرياته الأساسية عن المرأة والرجل ودور كل منهما. هذه النظريات الأساسية تشكّل القواعد النظرية لهذه الأبنية العلوية، لا بد من التوغل عمودياً أيضاً إليها، ومحاولة اكتشافها بقدر الإمكان»)[155](.
وعلى هذا الأساس بادر هو رحمه الله لاكتشاف النظام الاقتصادي الإسلامي. وواضح أن الوصول إلى النظام غير ممكن من دون الكشف عن الأهداف الأساسية والخطوط الكلية للشريعة. ومعرفة هذه الأهداف والخطوط العامة يعني إمكانية وضع أنظمة فقهية إسلامية.
ويعرض الفقيه الشهيد محمد باقر الصدر البناء الكلي للاقتصاد الإسلامي بالنحو التالي:
«يتألف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة يتحدد وفقاً لها محتواه المذهبي، ويتميّز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة. وهذه الأركان هي كما يلي: 1 ـ مبدأ الكلية المزدوجة. 2 ـ مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدد. 3 ـ مبدأ العدالة الاجتماعية»)[156](.
ويرى من الضروري وصولاً إلى مثل هذا النظام دراسة أحكام الشريعة والقانون المدني الإسلامي. فيكتب: «على أساس ما تقدم يصبح من الضروري أن ندرج عدداً من أحكام الإسلام وتشريعاته التي تعتبر بناءً فوقياً للمذهب في نطاق عملية اكتشاف المذهب، وإن لم تكن داخلة كلها في صميم المذهب ذاته؛ ولأجل هذا سوف يتسع البحث في هذا الكتاب لكثير من أحكام الإسلام في المعاملات والحقوق التي تنظم العلاقات المالية بين الأفراد، كما يتسع لبعض أحكام الشريعة في تنظيم العلاقات المالية بين الدولة والأمة، وتحديد موارد الدولة وسياستها العامة في إنفاق تلك الإيرادات، لأن هذا الكتاب ليس كتاب عرض للمذهب الاقتصادي فحسب، وإنما هو كتاب يحاول أن يمارس عملية اكتشاف لهذا المذهب ويحدد لهذه العملية أسلوبها وسيرها ومضمونها ونتائجها»)[157](.
وأخيراُ يُطرح السؤال؛ لماذا، رغم كل هذه التأكيدات على إمكانية اكتشاف الملاك، ظلّ علم المقاصد مهجوراً عند الشيعة، وفي الجواب ينبغي القول: أولاً إنه لم يكن شائعاً إلى درجة عالية حتى عند السنة. فإلى زمن الشاطبي (المتوفى 790هـ) لم تكن هناك سوى إشارات في مطاوي كتب الأصول والفقه. وإذا لم يكن الشيعة متقدمين في هذا المضمار، فإنهم بلا شك غير متأخرين. فبغض النظر عما دوّنوه في باب علل الأحكام والشريعة، مما أشرنا إلى نماذج منه في تاريخ المقاصد، فقد ظهر كتاب الشيخ الصدوق (المتوفى عام 381 هـ) أواخر القرن الرابع الهجري. وكتاب الموافقات الذي وضعه الشاطبي أواخر القرن الثامن، لم يحظ بالاهتمام المناسب طوال قرون من الزمان. وبهذا الصدد يقول عبدالله درّاز أحد محققي كتاب الموافقات: «بقي أن يُقال إذا كانت منزلة الكتاب كما ذكرت وفضله في الشريعة على ما وصفت، فلماذا حجب عن الأنظار طوال هذه السنين، ولم يأخذ حظه من الإذاعة، بَلْهَ العكوف على تقديره ونشره بين علماء الشرق؟ فلو لم تكن الكتب المشتهرة أكثر منه فائدة ما احتجب واشتهرت»)[158](.
وقد قيل: إن أول طبعة للكتاب كانت في عام 1332هـ)[159](.
وثاني أشهر كتاب في العلم وضعه ابن عاشور (المتوفى 1396هـ) متأثراً بالشاطبي. أما باقي كتابات السنة في المقاصد فظهرت خلال الربع الأخير من القرن العشرين.
وفي هذه الفترة صدرت مؤلفات مهمة للشيعة حول المقاصد، لم نذكرها في الصفحات السابقة)[160](. ومع ذلك من المناسب الوقوف عند بعض الظروف التاريخية والفكرية التي مرت على الفقه الشيعي وتسببت في تطويق الاهتمام بعلم المقاصد:
1 ـ استمرار عصر الأئمة لفترة طويلة من بعد السنة الحادية عشرة للهجرة وحتى سنة 329هـ (أي بداية الغيبة الكبرى). ويكمن تأثير هذا العامل في أن المصادر الروائية لدى الشيعة غدت أكثر بكثير مما لدى السنة. فكل ما صدر عن الأئمة (ع) طوال 310 سنوات ألحق بسنّة النبي (ص) وصار جديراً بالدراسة والاعتبار.
2 ـ صدور روايات عن الأئمة في ذم القياس والنهي عنه. وقد أشرنا إلى هذا الموضوع في الصفحات الماضية.
3 ـ إبعاد الفقه الشيعي عن الحكومة والدولة كان سبباً مهماً في عدم الاهتمام بالمقاصد. فما دام الفقه مكرساً لحلّ مشكلات الفرد، قلّما يواجه معضلات عويصة وطرقاً مسدودة، تدفعه إلى الإفادة من القواعد والمقاصد الفقهية. وآية ذلك أن عشرين سنة من عمر الثورة الإسلامية في إيران، ونزول فقه الشيعة إلى ساحة الحياة والحكم، كانت له آثار ملموسة مهمة على صعيد تطوير علم المقاصد. وفي هذا المجال نترك المزيد من الإيضاحات لاثنين من كبار فقهاء الشيعة.
يقول بعضهم جواباً عن السؤال حول عدم اهتمام علماء الشيعة بعلم المقاصد: «الحقيقة أن علماء الشيعة قد تحركوا في هذا المجال سواء أكان ذلك في أبحاثهم التفصيلية الفقهية أم في أبحاثهم على مستوى القاعدة، وأكثر ما تعرضوا له بعنوان (التزاحم)، وهو عنوان لا يختلف عن (علم المقاصد)، لأن الفقيه وهو في مقام البحث والتزاحم غالباً ما يطلُّ على المصالح كما في الحالات التي يتزاحم فيها، حكم وحكم آخر، ويتعلق أحدهما بالأعراض أو الأنفس أو غير ذلك، فيقولون: يتجمد هذا الحكم لصالح الحكم الآخر الذي يتعلق بالأنفس، فيقولون: إن الشارع لا يريد ضياع النفس، أو أنه يحتاط في الدماء… ولذلك فأي واجب أو محرم لا يمكن أن يصمد أمام إنقاذ النفس بحيث يسقط الواجب ويسقط المحرم أمام حالة ضرورة إنقاذ النفس التي تتوقف على ترك واجب أو فعل محرم.
كما ويلاحظ في الفقه الشيعي الحديث عن النظام العام للناس بشكل واسع النطاق، وهو عبارة أخرى عن حركة المصالح وتضاربها في حياة الناس، وهو معنى يتقاطع مع علم المقاصد.
نعم، على مستوى التقعيد الأصولي لن تأخذ المسألة بعدها الكافي، ولكنها ليست بعيدة عن الذهنية الفقهية الشيعية على كل حال، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإننا لا نسلم حصر مقاصد الشريعة في الدوائر الخمس التي توصل إليها الشاطبي وغيره، لأن المسألة تنطلق من استقراءات خاصة ذاتية، وقد تتسع المسألة لتشمل موارد أخرى لم يرد فيها الشرع على أساس النص الخاص، مما اصبح يمثل قضايا إنسانية عامة تصل إلى مستوى الضرورات الحياتية التي لا معنى لوجود الإنسان بدونها. فإذاً المسألة متحركة جداً، ولا يبعد أن تكون منفتحة على حياة الناس كلها»)[161](.
ويقول آخر في تفسير ظاهرة إهمال الشيعة لعلم المقاصد: «هذه الملاحظة صحيحة بالنسبة إلى الأبحاث الفقهية التقليدية، أما في الأبحاث الفقهية الحديثة فإن من الآثار الإيجابية التي أنتجتها محاولات تطبيق الشريعة الإسلامية في إيران وبعض البلاد الإسلامية ـ العربية وغيرها، وما واجهه العاملون على بلورة الصيغ التطبيقية للشريعة من مشكلات، أنها فتحت هذا الباب في الفكر الأصولي ومجالات الاجتهاد الفقهي عند الفقهاء الشيعة. وأعتقد أن السبب في تقصير الفكر الشيعي الفقهي والأصولي عن ولوج هذا الحقل في مجالات الاستنباط في المناهج الأخر، هو سبب تاريخي وليس فكرياً… هو لا يرجع إلى اختلال فكري وإنما إلى ظرف تاريخي؛ فالفقيه الشيعي لأسباب تتعلق بالوضع السياسي انعزل عن السلطة وعن المجتمع العام وعن قضايا علاقة المجتمع والإنسان بالسلطة من جهة، وعن العلاقات داخل المجتمع الإسلامي العام وداخل مجتمع المسلمين المتفاعل مع المجتمعات البشرية الأخرى من جهة ثانية. وهذا المنهج الذي يلحظ النص الفقهي باعتباره يعالج حالات فردية، وحتى فيما يتعلق بالنظرة العامة عالج قضايا الجماعة الشيعية ومشكلاتها، ولم يعالج مشكلات المجتمع الإسلامي وقضايا الأمة. في هذا الحقل الموسوم بالحذر والذي يحكمه منهج فقهي قاصر نمت نزعة الحذر من تجاوز النصوص البيّنة ومن تجاوز الحدود الصارمة، بل أدّى هذا إلى ظاهرة موجودة في فقه الشيعة بدرجة غير مسوّغة، وتنبئ بأحد مظاهر الخلل المنهجي أو القصور المنهجي، وهي ظاهرة الاحتياطات في مقام الفتوى. وقد أشرت إليها في كثير من أبحاثي الفقهية والأصولية، والمكلّف محكوم بالعمل بالاحتياط في نسبة عالية جداً من الفروع وهذا يقتضي اختيار أصعب المواقف لضمان عدم الخطأ، طبعاً هذا يلغي أي رؤية للمقاصد لأنه إذا أردنا أن نحتاط في كل شيء فالاحتياط لا يتناسب مع حركية الحياة وإنما يتعلق بضمان الخلاص الأخروي وضمان عدم الوقوع في الخطأ، وهذا الأمر يتلاءم مع العبادات ولا يتلاءم مع الفقه العام… أعتقد أن تفاعل الفقيه الشيعي مع مشكلات الحياة الحديثة وانفتاح المسلم الشيعي على مشاكل الحياة الحديثة سيؤدي في النهاية إلى ولوج الفقيه الشيعي إلى هذا المجال من مجالات الاستنباط والاهتمام بهذا البعد الاستنباطي»)[162](.
وعلى كل حال، يمكن التفاؤل بالخطوات التي وضعت على هذا الطريق. إذ من المهم جداً أن تأخذ المقاصد مكانتها الواقعية في الفقه الإسلامي، سواء الشيعي منه أو السنّي، وتلعب دورها الأساسي في تفعيل الشريعة وإحيائها.
مهدي مهريزي
مقالة في معاني العقل
أو رسالة في العقل والمعقول
سعى الفارابي في مقالته هذه إلى شرح وتحديد العقل وأنواعه حسب اعتبار المتكلمين وبناءً على تعريفات أرسطو. أن أحد هذه الاعتبارات يقول بأن العقل هو ما ينسب إليه الشخص العاقل، والآخر ما جاء في اصطلاح المتكلمين الذين قالوا هو الضيء الذي يؤيده أو ينكره العقل، والثالث العقل الذي تحدث عنه أرسطو في كتاب البرهان، ومقصوده منه قوة النفس، والرابع العقل الذي ذكر اسمه أرسطو في كتاب الأخلاق الذي يحمله الشخص الذي يفرق بين الخير والشر، والخامس العقل الذي أورده أرسطو في كتاب النفس وقسّمه إلى أربعة أقسام: عقل بالقوة، عقل بالفعل، عقل مستفاد، عقل فعّال.
«ديتريشي» طبع المتن العربي لهذا الكتاب ضمن الثمرة المرضية في ليدن عام 1890م.
«عبد الرحمن مكوي» طبعه ضمن رسالة الفارابي الأخرى بالقاهرة عا م1907م.
وطبع كذلك في هامش كتاب حكمة الأشرق بطهران عام 1315هـ.ش. «بويش» اهتم بنقد هذه الرسالة، وطبع نقدها في بيروت عام 1938م. «يوحنا قمير» طبع قطعات من هذه الرسالة عام 1954م.
توجد من هذه الرسالة ترجمة عبرية ولاتينية من القرون الوسطى طبعت عام 1858م.
مقالة في وجوب صناعة الكيمياء
هذه المقالة عرّفها ابن أبي اصيبعة ضمن آثار الفارابي، لكن ابن القفطي ومنابع أقدم منه لم يتحدثوا عنها في تعدادهم لآثار الفارابي. كما لم يدع أي من هذه المنابع أنه أحصى كل آثار الفارابي في فهرسته.
ومن جهة أخرى فإن المصطلحات والمفاهيم المدرجة في هذه المقالة من قبيل نزوع، محاكات، اغتباط، تصديق وتصور. هي نفس ما جاء في سائر آثار الفارابي ومن جملته: آراء أهل المدينة الفاضلة والرسائل المنطقية.
المتن العربي المنقّح لهذه المقالة نشره الدكتور آيدين صايلي، وأرفقه بترجمة تركية، ومقدمة بالتركية والإنكليزية تحت عنوان:
Farabi nim Simyanin Luzumu hkkindki risalesi belleten
وذلك في المجلد 15، الرقم 57 (شباط 1951) طبع أنقرة.
«ويدمان» ترجم هذه الرسالة إلى اللغة الألمانية.
كتاب في أصول علم الطبيعة أو المقالات الرفيعة في أصول علم الطبيعة:
يوجد من هذا الكتاب ثلاث نسخ خطية هي:
1 ـ نسخة مكتبة جامعة ليدن رقمها Or.2930.
2 ـ نسخة لاندبرغ رقمها 570.
3 ـ نسخة مانشتر رقمها 377، 375.
«الدكتور آيدين صايلي ونجاتي لوغال» طبعاً المتن العربي لهذا الكتاب مرفقاً بترجمة تركية، وذلك ضمن تاريخ الترك ج15، ص 81 ـ 122 ، 1951م.
مقام أيوب الأنصاري
تقع منطقة أفشار الواسعة في أقصى الجنوب الشرقي لآذربيجان الغربية تحدها من الشمال مراغة، ومن الشرق زنجان وخمسة، ومن الجنوب بيجار كروس، ومن الغرب كردستان وسقز. وتشكل تكاب المكتظة بالسكان، مركز القسم المهم من أرض أفشار، حيث يوجد في أطرافها الجبلية آثار متعددة من حضارات قديمة.
تحتاج هذه المنطقة إلى تحقيق أثري عميق، وتحكي تلالها الأثرية ومغاورها وأبنيتها التاريخية عن ماضٍ عريق لهذه المنطقة.
وهذه المنطقة هي إحدى مناطق الحضارات المبعثرة في الألف الأول قبل الميلاد، حيث تظهر آثارها في أعالي جبل اسمه (زندان سليمان) )[163](، على مسافة 36 كلم إلى الشمال من تكاب. لقد شهد هذا التمدن في مراحله الأولية صناعة الطوب والآجر الصلب، وبمرور الزمن اكتسب صانعوه مهارة زائدة في صنعه.
إلى الشرق من هذه الهضبة التاريخية ـ على مسافة كيلومتر ـ توجد بقايا مدينة (شيز) التاريخية، وبيت النار (آذركشنسب) الموسوم بـ«تخت سليمان»)[164](.
إن التحقيقات التي أجريت حول عرش سليمان، وخاصة في السنين الأخيرة، أثبتت النظرية القائلة بأن آخر مراحل تمدن هضبة (زندان سليمان) كانت مقارنة لأوائل مراحل طبقات التمدن في (تخت سليمان)، لأنه اكتشف في الحفريات التي جرت في تلك الناحية آثار من الطوب والمقابر الـ (هخامنشية)، ويحتمل وجود آثار لمرحلة (ماد) [165]( أيضاً في الطبقات الأرضية السفلى. والذي أضحى مسلماً اليوم لدى علماء الآثار هو أن منطقة أفشار كانت في المرحلة الأشكانية والمرحلة الساسانية مركز تمدن راقٍ، ويمكن أن نذكر من مظاهره: غار كرفتو في المنطقة الكردية غرب تكاب؛ والآثار الساسانية في جبل بلقيس إلى الشرق من تخت سليمان الفعلي؛ والمقابر الساسانية، وقرية حسن آباد.
ازداد الاهتمام بإعمار هذه المنطقة في العصر الإسلامي، وخاصة في عهد المغول، حتى أن المؤرخين والرحالة ذكروا هذه الناحية ومناجمها المعدنية. وقد نقل أخبارها جماعة من العلماء أمثال: الطبري، ومسعر بن مهلهل، وابن الفقيه، وابن خردادبه، وياقوت الحموي، وحمد المستوفي. وأكثر الأخبار تشويقاً ما ذكره المسعر بن المهلهل الرحالة العربي في القرن الرابع الهجري، فقد جال في جميع نواحي الأراضي الشمالية لهذه المنطقة، وقد ترجمت رحلته إلى الفارسية بواسطة أبو الفضل طباطبائي، ويمكن للمهتمين الرجوع إليها.
جاء في نزهة القلوب ومعجم البلدان تحرير متفرق لبعض المطالب المتعلقة بتاريخ هذه المنطقة. فتارة سميت هذه الناحية ستوريق أو شوريق، حيث يرى بورداود أن النهر الموجود حالياً المسمى بـ(ساروق) مأخوذ من ذاك الاسم. وأخرى سميت (أنجرود) ونحن نرى أن اسم القرية أنكرود في شمال تكاب هو استذكار لهذا الاسم. في العهد الصفوي كان يطلق على هذه الناحية (الكاءسار) و(فورغان) حيث توجد حالياً قرية بهذا الاسم.
ومن جملة آثار العصر الإسلامي المجهولة في منطقة أفشار، بقعة أيوب الأنصاري (المتوفى سنة 850هـ). تقع هذه البقعة في محلة تسمى أيضاً بـ(أبي أيوب الأنصاري)، وهي اليوم مزار يقصده الناس من أطراف المنطقة.
وبشكل عام، ينبغي لمشاهدة آثار الحضارات المتقدم ذكرها، سلوك الطريق المتفرعة عن الجادة (الإسفلتية) التي تربط بين سنندج وسقز، والتي تنتهي بـ(تكاب). طول هذه الطريق بحدود 50 كلم، ويمكن الانتقال من تكاب بواسطة جيب أو شاحنة إلى النواحي الجبلية.
بالإضافة إلى التقريرات الحفرية التي نشرتها الهيئة الألمانية سنة 1959م، طبعت في إيران كتب حول (تخت سليمان) وآثار منطقة أفشار، وبإمكان المهتمين أن يرجعوا إلى المصادر التالية:
1 ـ كتاب (تخت سليمان)، تأليف علي أكبر سرفراز، طبع جامعة تبريز سنة 1349.
2 ـ كتاب (معبد النار آذركشنسب) تأليف د. حسن أنوري سنة 1342.
3 ـ مقالة (آذر كشنسب) بقلم الأستاذ بورداود في نشرة (أنجمن فرهنك إيران باستان). المرحلة الأولى، العدد 2، شهر آذرماه 1342.
4 ـ مقالة (كنجينه سليمان) )[166](، بقلم مجيد موقر في مجلة مهر عدد 12، شهر إسفندماه 1345.
5 ـ مقالة (تخت سليمان بك تخت جمشيد ديكر))[167](، بقلم الأستاذ مصطفوي في مجلة إيران ترافيك، عدد شهر آبانماه سنة 1348.
6 ـ مقالة (كاوشهاي تخت سليمان) )[168](، بقلم البروفسور نومن وديتريش هوف، مجلة (باستانشناسي وهنر) عدد 9 ـ 10، سنة 1351، ترجمة نجد سميعي.
موقع البقعة
تقع بقعة أيوب الأنصاري على رأس جبل يدعى (بهمين) على مسافة 13 كلم إلى الجنوب من تكاب. والطريق إليها وعرة تمر بقرية دورباش وتنتهي إلى قمة الجبل. وهذا الجبل العظيم الذي يسمى ـ تبعاً للبقعة مورد الذكر ـ بجبل أيوب يقع بين منطقة قرى سياه منصور (أحد المناطق القروية السبع في بيجار) ومنطقة تكاب. ويرتفع إلى 2512 متراً)[169](. تشاهد من قمة الجبل المذكور سهول ومزارع القمح التي تمتد إلى كيلومترات عدة على جوانبه، ويحتل الجبل موقعاً مميزاً بحيث يمكن تمييز البقعة العظيمة على رأسه من بعد.
يشرف مبنى أيوب الأنصاري من الجهة الشمالية على منحدر سحيق ينتهي إلى قرية (دور باش)، وتتجلى القرية المذكورة ـ التي كانت يوماً من أوقاف البقعة ـ بشكل خاص ومميز. إلى جنوب البقعة توجد فسحة واسعة نسبياً، حيث تم في الماضي ـ واحتراماً لصاحب البقعة ـ إيجاد عدد من القبور لبعض أبناء المنطقة. وكما لم يسلم البناء من تصرفات الطبيعة، كذلك لم تسلم القبور من الباحثين عن الكنوز، مما أوجد وضعاً يؤسف له، حيث يمكن مشاهدة الهياكل العظمية للأموات فيها. وتوجد كتابات على أحد هذه القبور سنأتي على ذكرها لاحقاً.
مع مرور مئات السنين على إيجاد البناء المذكور، لم تبق ـ بالمجموع ـ هناك آثار ملفتة للنظر وقابلة للذكر. وبالنظر إلى عدم ملائمة المواد الأولية للبناء، لم يبذل بناؤوه جهداً ملحوظاً في إيجاد التناسق بين أجزاء البناء. وأول ما يلفت الناظر للوهلة الأولى، هو عدم وجود أي نبع ماء أو عين حول البقعة وهذا ما كان يجبر البنائين على حمل المياه من أسفل الجبل إلى محمل البناء، ويمكن اعتبار هذه المسألة دليلاً على شدة إيمان أفراد المنطقة واعتقادهم بأيوب الأنصاري.
في مقدمة مدخل البناء من الجهة الغربية تلاحظ كمية من الأحجار المكدسة التي يحتمل أنه كان يستفاد منها في المراحل التالية للبناء لأجل سدّ مدخله.
الكتابات الحجرية في البقعة
في هذه البقعة لوحتان حجريتان مكتوبتان، ملقاتان على جوانب البناء ولا يعلم بالضبط موضعهما الأصلي.
الكتابة الأولى أبعادها 38×95سنتم، كتبت بيد شخص اسمه ملاقلندر ومؤرخة في 1059ق. ولا يمكن اعتبار هذا التاريخ سنة إيجاد البقعة، ويحتمل أن يكون حدثت في هذا التاريخ عملية ترميم في مظهر البنيان بواسطة الأستاذ مرادنامي. وبحدس آخر يحتمل أن هذا تاريخ إيجاد بعض أقسامه التي ألحقت بالمقبرة فيما بعد.
متن الكتابة الأولى هذه كما يلي:
«[بيتان من الشعر يؤرخان لسنة ألف وتسع وخمسين من الهجرة النبوية] هو الباقي كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)[170]( هذه العمارات من عمل الأستاذ مراد الزنجاني وهذا خط ملاقلندر ابن الأستاذ مسيح قلي قجقاي».
الكتابة الثانية تحمل تاريخ 1283هـ وتتعلق بقبر ملا عبدالله أحد آخر متولي هذه البقعة، وسنأتي على ذكره فيما بعد. ومع أن هذه الكتابة أحدث من تلك، إلا أنها تعرضت لأضرار بالغة بسبب تعرضها للهواء الطلق. وبسبب نقل الكتابة عن مكانها الأصلي لم يعد موضع قبر الملا عبدالله معلوماً على وجه التحديد.
متن الكتابة الثانية كما يلي:
«[كلمتان من الأعلى طمستا] كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)[171]( هذا وفاة المرحوم المغفور مأواه الجنة ملا عبدالله 1283 ابن نوذر علي مامقاني الطائفة».
سبب تسمية البقعة
بقعة أيوب الأنصاري التي هي الآن مزار لأهل المنطقة هي في الواقع مدفن لأحد الفقهاء المغمورين في أواسط القرن التاسع الهجري. لم يرد ذكر لهذا الفقيه في أي من كتب التاريخ والتراجم، ولكن ذكر في الوثائق والمدارك الباقية من العهد الصوفي المتعلقة بأوقاف هذه البقعة باحترام خاص، وتكرر ذكره مرات بلقب «سلطان العارفين سلطان أيوب الأنصاري» الذي ودع الدنيا الفانية سنة 850هـ.
لقد دوّن مؤلف هذه المقالة الكتابات التي كانت على الصندوق الخشبي الذي يغطي الضريح، في زيارته الأولى إليه صيف سنة1969م. وهي كالتالي: «سلطان أيوب الأنصاري في سنة خمسين وثمانمائة». وللأسف أننا لم نجد في زيارتنا الأخيرة للبقعة ـ التي قمنا بها لأجل تخطيط المكان ـ أثراً لصندوق الضريح النفيس، فقد أنزل لصوص الأثريات آخر ضربة مهلكة على هذا البناء ونهبوا الصندوق التاريخي.
كما هو المعلوم لأهل العلم فإن (أبو أيوب) هي كنية الكثيرين من العلماء والفقهاء المسلمين، والبعض منهم الذي يلقب بالأنصاري ينتهي نسبه إلى خالد بن يزيد الأنصاري (أبو أيوب الأنصاري) الصحابي الجليل. ويمكن معرفة أحوال أكثرهم بمراجعة كتاب الأعلام للزركلي. وربما كان آخرهم وأشهرهم في أوائل الإسلام هو سليمان بن أبي داود بن بشر بن زياد الشاذكوني المقري البصري الحافظ، الذي توفى سنة 234هـ.
ولا يزال إلى الآن بعض من ذرية صاحب البقعة يقيمون في منطقة أفشار. وبناء على الروايات التي حفظتها الصدور من جيل إلى جيل فإن هذا العالم الديني الكبير رحل إلى هذه المنطقة لأجل التبليغ الديني، وبعد أن أدى وظيفته في إرشاد وهداية الناس ارتحل إلى ربه. ولم يبق لهذا العارف أي أثر من تأليف أو كتابات أخرى حتى يمكن منها معرفة توجهاته الفكرية وطريقة عمله التبليغي وتعاليمه.
ظواهر الأمور تفيد أنه كان للسلطان أيوب اتجاه خاص في زمانه واطلع أتباعه ومريدوه على مقامه الروحي الشامخ، ولذا كرموه بعد وفاته ببناء هذه المقبرة المنيفة على قمة أحد أعلى مرتفعات المنطقة. ورغم جور الزمان وطمع الناهبين لا زالت أثاره تبين قوة إيمان وإرادة مشيّديه.
متولو البقعة
الذي يظهر من الوثائق المتعلقة بهذه البقعة هو أن أولياء الأوقاف كانوا من نسل أيوب نفسه، وأن وظيفتهم كانت حفظ وحماية البقعة، وجني المحاصيل من الأراضي المتعلقة بها، وكذلك إجراء حسابات النفقات.
كان متولو البقعة ينفقون في بعض الأحيان قسماً من عوائد الأوقاف على إطعام الزائرين، ومع هذا لم يكونوا في أمان من ظلم وجور قطاع الطرق الذين كانوا أحياناً يتعرضون لهم بالضرب ونهب الأموال. وفي سنة 1106 هجرية فرّ بعض المتولين إلى نواحي أصفهان، وأسماؤهم: الشيخ علي والشيخ جمال والشيخ سعدي المتولي، هرباً من ضغط الظلم والعدوان عليهم، وتواروا هناك عن الأنظار. وفي تلك السنة أيضاً طمع بعض أقاربهم بالأراضي الموقوفة، ويدعى الملك زكريا ـ الذي كان حاكماً على ساروقوغان لفترة من الزمن ـ حتى أنه في أحد المواقف تعرض بالضرب للشيخ سعدي المتولي.
شكا المتولون ـ الذين كانوا يؤدون وظيفتهم بنية خالصة ـ شكوا عدّة مرات إلى العاصمة أمر هؤلاء المعتدين، ولكن للأسف لم يحالفهم الحظ ولو مرة واحدة في إحقاق حقهم.
لم يبق ابتداء من العام 1117هـ. أي سند يتعلق بوقفية المزار وتوليته. والسند الوحيد من تلك المرحلة يتعلق بالعام 1241هـ، وبالنظر إلى مضمونه فإن متولي البقعة في ذاك العصر كانوا يدعون بأسماء: الشيخ حسين، وعبد الغفار، والشيخ فرج، وكربلائي رضا، والشيخ عبد الحسين.
قال لي بعض أفراد هذه الأسرة أن جده الأعلى في زمان القاجارية توجه إلى العاصمة حاملاً معه جراباً كبيراً من جلد الخروف مليء بالوثائق والأحكام لأجل الشكاية وطلب الحق. ولكنه مات بالقرب من قرية (سلطانية) اليوم بسبب إصابته بالمرض، واندثرت معه كل تلك الوثائق.
حالياً، تتجلى هذه البقعة بصورة بناء مهجور على رأس جبل مرتفع يطغى عليه الصمت والسكون، بعد أن كان في يوم من الأيام مزاراً يقصده المئات من الزائرين من أطراف مدينة ساروقورغان القديمة، ويطعمون لعدة أيام. ولا يزال الآن بين الفينة والأخرى بعض قليل من المعتقدين بالسلطان أيوب يقصدونه ليبيتوا الليل في جواره.
تاريخ ساروقورغان
ساروقورغان ـ التي ضبطت أيضاً بـ(ساروغورقان) و(ساروقوقان) ـ تطلق الآن على قرية تقع على مسافة 18 كلم إلى الغرب من تكاب ويقطنها 125 نسمة. جميع أبناء هذه القرية من المذهب السني، ويشتغلون بالزراعة. مناخها معتدل وموبوء بالملاريا، ومن محاصيلها: الغلات، واللوز، والحبوب. ويتم تأمين مياهها من الينابيع الغزيرة في أطرافها.
على مسافة قريبة من هذه القرية يجلب أنظار كل ناظر قلعة عظيمة جاثمة على رأس هضبة. ويتعثر الوصول إلى هذه القلعة بسبب وجود مزلات منحدرة مخيفة على أطرافها، ويمكن الذهاب إليها من قرية ساروقورغان، مشياً على الأقدام، مع تحمل مشقات بالغة. ولهذه القلعة أهمية فائقة من وجهة النظر الأثرية، وتحتاج إلى بحث عميق. والظاهر أن هذه القلعة تعود إلى ما قبل التاريخ ومركز حضارات الألف الأول. وقد سكن المنطقة شعوب محلية من عصر ماد إلى المرحلة الساسانية. وبالنظر إلى موقعها الطبيعي الخاص، فقد كانت في العصور الإسلامية محط أنظار عدد من الطوائف المختلفة، وكان الأكراد هم أكثر من يتخذها ملاذاً له.
في الوقت الراهن، يمكن ملاحظة أقدم الأخبار المتعلقة بساروقورغان في كتاب حافظ أبرو بذيل جامع التواريخ. وطبقاً لما فيه، كان حاكم هذه الناحية وكذلك منطقة جغتو)[172]( شخص يدعى تورسن، وكانت قلعة ساروقورغان بيده. حصل تورسن على قدرة كبيرة، وكان هذا الزمان مقارناً لحرب السلطان أويس الإيلكاني والشاه شجاع المظفري في آذربيجان، فاستفاد تورسن من هذا الظرف وهزم أصفهانشاه الذي كان من أركان وأعيان مملكة الشاه شجاع، وأرسله مع أمواله إلى القلعة المذكورة. وفي زمان السلطان أحمد أخ الشاه شجاع، أتى شخص اسمه الأمير عادل ويعرف بـ(عادل آقا) وتوجه إلى هذه المنطقة قادماً من طريق مراغة، وبعد معارك طاحنة مع سكان المنطقة، سيطر على ولاية جغتو وقلعة ساروقورغان وأطراف قلعة كرفتو.
في سنة 795هـ. دمّر الأمير تيمور قرية ساروقورغان تدميراً كاملً، ثم جاء شخص اسمه (صارم كرد) من الحكام المكريين، فرأى المكان هناك أفضل ملجأ له، فأعاد بناءه واتخذه مقرّاً له)[173](. وكان هذا الزمان مقارناً لأوائل السلطنة الصفوية حيث كان للقلعة وضعها السيئ وكان لصارم معارك مع قشون شاه إسماعيل ونقرأ في تاريخ حبيب السير ما حاصله أنه تناهى إلى الأشرف الأعلى (يعني الشاه إسماعيل) أن صارم كرد قد حط رحاله في ساروقورغان مع جمع غفير من قطاع الطرق الكردستانيين، وأنه اتخذ من قطع الطرق وغصب أموال كل فريق، سبباً للارتزاق، فكان الواجب في ذمة سلطان الدول السبع دفع شر هذا الشؤم، فهب إلى ذاك المكان. وعندما علم صارم بتوجه الجيش الجرار إليه، لم يجد أمامه سوى أن ترك أمتعته وأحماله ولاذ بالفرار)[174](.
وقد رويت محاربة صارم بتغيير طفيف في كتاب (شرف نامه) للبدليسي، وخلاصتها أن «صارم بن سيف الدين» هو ثاني أمير مكري، وكانت عائلته متسلطة على قسم من كردستان وآذربيجان في عهد الشاه إسماعيل الصفوي، وبلغت قوتهم حداً دفع بالشاه إسماعيل عندما كان يمضي الشتاء في خوي سنة 912هـ إلى أن يرسل لقتاله طائفة الشاملو (عبدي بيك) و(صارو علي مهرداد)، وبلغت شهامة خيالة «صارم» مبلغاً كبيراً إلى حد أنهم هزموا طائفة الشاملو عدة مرات، ولكن في النهاية لم يكن أمامه سوى الخضوع والقدوم إلى فسطاط الملك ليظهر ندمه على أعماله، ويتأمل ألطاف صاحب الجلالة. وقد كان له ثلاثة أخوة بأسماء: قاسم وإبراهيم والحاج عمر)[175](.
بعد هذه الواقعة، وفي سنة 1002هـ جلب الموقع الطبيعي لساروقورغان انتباه الأمير «باشاه» آخر الحكام المكريين، وسعى ولده الأكبر ويدعى الشيخ حيدر سعياً حثيثاً لإعمار ذاك المكان وتجميله)[176](.
في عهد الشاه عباس الكبير، أوكلت حكومة ساروقورغان إلى عدة أشخاص، وكان لهذه المنطقة حكومتها المستقلة. يقول صاحب (عالم آراي عباسي) وفي سرده لوقائع السنة الثانية والعشرين من سلطنة الشاه عباس ما خلاصته بأمر من الشاه إلى كردستان ليوحّد بين الطوائف الكردية. وفي السنة السادسة والعشرين من سلطنة هذا الشاه ثار أكراد (بانة)، وأكثروا من القتل والنهب، فاضطر «سارو سلطان بيكدلي» حاكم ساروقورغان إلى إرسال فوج من مقاتلي الشاملو لقمعهم وإخمادهم، فسيطر ساروسلطان على قلعة إسكندر وقتل منهم ما يقرب من سبعمائة شخص)[177](.
طبقاً للفرمان رقم 2 أوكل الشاه سليمان الصفوي حكومة ساروقورغان ابتداء من سنة 1103هـ إلى الملك زكريا ولد الملك ميرزا، الذي قام في مقابل هذا العطاء الملوكي بإهداء الشاه مقدار خمس عشرة قطعة أشرفي)[178](.
بناء على الروايات التي نقلت إلى معمّري سكان المنطقة من صدر إلى صدر، أن نادرشاه أفشار قصد فتح هذه القلعة، فلما عجز عنها قال مبرراً: «إن ساروقورغان كأنها لم توجد»، وانصرف عنها، ولكن بما أن أحداً من قدماء المؤرخين ومحدثيهم لم يشر إلى الموضوع، فإن نسبة هذه الجملة إلى فاتح عالمي مثل نادر وفي مكان كان منذ القدم مركزاً للطوائف الأفشارية، لا تقترن بالصحة، والله أعلم.
وبشكل عام، يمكن مقارنة ساروقورغان بقلعة قمجي خان العظيمة الواقعة في قرية أركبين في زنجان، فإن بين هاتين القلعتين أوجه شبه كثيرة)[179](.
بقعة أيوب الأنصاري في نظر العوام
كما ذكرنا سابقاً، فإن المعتقدين بأيوب الأنصاري كانوا يقطعون الفراسخ لزيارة مزاره، وكان البعض يتوجه إلى المنطقة بنية خالصة ليزور قبر إمامها الروحي، كما لا شك أن البعض كان يقصد ذلك المكان ليستفيد من الطعام الذي كان يقدم فيه.
وعلى كل حال، فإن ما يتوقعه العوام من أمثال هذه البقاع ليس شيئاً غير الشفاء العاجل للمرضى، أو قضاء الحاجات المادية وما شابه ذلك. وللأسف أن هذا الموضوع كان يحرف المسير الفكري الصحيح للناس ويبدله، فينسبون نوعاً من المقام فوق الإنساني للشخص المتوفى، وينسبون له أيضاً كرامات حصلت في عدة موارد.
طبعاً، قد يحدث أن تقضي حاجاتهم، فينسبون ذلك إلى عنايات صاحب البقعة. ومن الواضح جداً أن الأفراد الانتهازيين والاستغلاليين المتظاهرين بلباس الدين كانوا يستفيدون من هذا الأمر أكمل استفادة، ولا يزال يحدث مثل هذا في أيامنا الحاضرة، ويضع هؤلاء الأشخاص كثيراً من الأمور الموهومة في خانة الدين والإمام، ويصغي إليهم عامة الناس وينقادون لأوامرهم.
إن المعتقدات العجيبة والكرامات التي ينسبها الناس إلى صاحب البقعة، تنتهي أحياناً على غير مصلحتهم، ولكنهم مع ذلك يصرون على معتقداتهم، ويصابون بمثل ما أصاب أحد المعتقدين بأيوب الأنصاري وهذه خلاصته:
يقال إنه قبل أربعين سنة تقريباً، سرق شخصان بقرتين سمينتين من قطيع أحد أعيان (كروس)، فلما قارب وقت الغروب اتفقا على أن يخبئا البقرتين داخل البقعة، وينامان في إحدى القرى المجاورة فإذا أصبحا أخذاهما وانطلقا بهما. وفي تلك الليلة توجه أحد أفراد المنطقة وهو عجوز يدعى حسن ويلقب بـ(خوشنامي) إلى المقام بعد إنجاز أعماله الزراعية. فلما أنهى هذا العجوز البسيط أوراده وأدعيته التفت فجأة إلى وجود البقرتين، فطار فرحاً بهما ظاناً أنهما من عطايا صاحب البقعة إليه، وأحضرهما إلى القرية فعمّ التعجب والسرور بين أهله ومواطنيه، وزاد في إيمانهم بروحانية هذه البقعة. وبعد يومين من ذلك، جاء الخبر بأن صاحب البقرتين يبحث عنهما في القرية منزلاً منزلاً، فما كان من هذا العجوز إلا أن توجه إليه ليثبت براءته، ولكن ما اعتذر به لم يقبل، وانتهى الأمر إلى الدعوى، وتدخل الناس في الموضوع وأنهوه بوساطتهم وتم الصلح بينهما ودفع صاحب البقرتين ثلاثين توماناً للرجل العجوز.
ومن اعتقادات الناس التي هي صرفا وليدة الخيال والتصورات الواهية لسكان المنطقة، ما يلي:
يقولون إن أيوب الأنصاري قد استشهد على رأس جبل بيد بعض الفساق وقطعوا رأسه ورموه في الوادي وصرخ أحدهم «دورباش»)[180](. وحيث استقر رأسه في الوادي بنيت القرية المعروفة الآن باسم (دورباش).
هذه الخرافات ما زالت تتناقلها أفواه أهالي المنطقة، ويتمسكون بها تمسكاً بالغاً. إنهم يعتقدون أن موضع دفن رأس أيوب الأنصاري هو القبر الواقع أسفل الجبل وفي قرية دورباش، ولم يوجد منهم من يتحمس ويتعب نفسه ليقرأ ما هو مكتوب على ذلك القبر ليقف الجميع على أنه عائد لاثنين ممن تولوا هذه البقعة، يخلص الناس من ضلالتهم وانقيادهم للخرافة.
كانت آخر أيام ازدهار البقعة مقارنة لغارات وتعديات الأشرار والأعداء المحليين، ويقولون إنه قبل خمسين سنة عندما كان «محمد حسن خان ميربنج» ابن حيدر خان أفشار مالكاً لقرية دورباش ونواحيها، جعل على رأس جبل أيوب حارساً ليحفظ البقعة ويراقب تحركات عشيرة (كلباغي) التي كانت تتخذ جنوب المنطقة مقراً لها.
حسن قراخاني
مقام يحيى بن زيد
اشتباه تاريخي قديم طالما يتكرر، وهو بعيد عن الواقع التاريخي، حيث يخلط بعضهم بين اسمين تاريخيين لمدينتين قديمتين هما: جرجان، وجوزجان.
جرجان، تقع في شمال إيران، وهي مدينة ذات شهرة منذ القديم، ولم تذكر في أي موضع مضبوطة بـ(جورجان)، وإنما هي معربة من (گورگان) فأصبحت (جرجان).
جوزجان، تقع في شمال أفغانستان، إلى الغرب من بلخ، وهي معربة من (گوزگان)، و(گوزگانان)، فأصبحت (جوزجان).
إن الفرق بين جرجان وجوزجان ليس خفياً على أهل العلم.
في حوالى سنة 120 هجرية، اتسع نفوذ دعاة آل العباس في خراسان ضد السلطة الأموية. وكان يحيى بن زيد الشهيد ابن الإمام علي بن زين العابدين ابن الإمام الحسين السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب (ع) قد خرج أيضاً على الأمويين، وكان والده زيد الشهيد قد قتل على يد الأمويين، فقصد خراسان، واختفى في منزل حريش بن عمرو في بلخ، وكان الخليفة الأموي آنذاك هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.
في عام 125 هجري بعث إلى عامله على خراسان نصر بن سيار أن يحيى بن زيد في منزل حريش في بلخ. فأمر نصر بن سيار عقيل بن معقل العجلي والي بلخ أن يقبض على يحيى، فأتى عقيل العجلي بحريش وجلده ستمائة جلدة، ولكنه لم يش بمكان يحيى.
إلا أن قريش بن حريش خشي على والده من الهلاك، فقام بتسليم يحيى وأصحابه إلى عقيل، فحبسه نصر بن سيار في قلعة مرو. ثم أنه طلب من الوليد أن يعفو عنه، فوصل نصر بن سيار أمر الوليد بإطلاقه، فأكرمه بألفي درهم، وبغلين، واسترضاه (وعلى قول اليعقوبي: إن يحيى فرّ من السجن).
ترك يحيى بلخ، قاصداً سرخس وبيهق، والتحم في معركة بسبعين نفراً من أصحابه مع عمرو بن زرارة الوالي الأموي على نيسابور، الذي واجهه بجيش تعداده ألف مقاتل.
لم يشترك الخراسانيون في المعركة، وانهزم جيش عمرو وقتل نفسه في المعركة، وتوجه يحيى بن زيد إلى هرات وسرخس وبارغيس. ولأن سلم بن أحوز الهلالي قائد جيش نصر بن سيار كان في ذلك الوقت يتعقبه، فإن يحيى وأصحابه قصدوا جوزجان، وهناك التحم الطرفان في معركة في قرية أرغوي (تعرف اليوم بقراغوي) في جوزجان، وقتل يحيى على يد سورة بن محمد في شهر شعبان عام 125 هجري.
أما موضع دفن الشهيد يحيى فإنه على مسافة حوالى كيلومتر واحد ونصف الكيلومتر إلى الشرق من مدينة سربل (رأس الجسر) الحالية، والتي تقع في شمال أفغانستان بين بلخ وميمنة، وهو يعرف هناك بـ(إمام خورد) ويعود بناء مرقده إلى العصر السلجوقي، كما يبدو من الخطوط الكونية التي تزينه والتي تعود إلى فن ذلك العصر.
إن اسم مدفن الشهيد يحيى ذكر في مروج الذهب للمسعودي (أرعونة) وفي عمدة الطالب لابن المهنا (أرعوي)، وفي دائرة المعارف الإسلامية (أرغو)، وكلها تصحيفات لكلمة (أرغوي)؛ القرية التي تقع في جوزجان، واستمدت شهرتها من مرقد الشهيد يحيى.
وقد ذكر دعبل بن علي الخزاعي في تائيته الشهيرة جوزجان، إذ قال:
قبور بكوفان، وأخرى بطيبة
وأخرى بفخ، نالها صلواتي
وأخرى بأرض الجوزجان محلها،
وقبر بباخمرى لدى القربات
وعلى المرقد توجد كتابة بالعربية، نصّها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا قبر السيد يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، قتل بأرغوي يوم الجمعة شهر شعبان سنة خمس وعشرون ومائة، قتله سلم بن أحوز في ولاية نصر بن سيار في أيام الوليد بن يزيد لعنهم الله.
مما جرا (كذا، والصحيح: مما جرى) على يدي أبي حمزة أحمد بن محمد غفر الله له ولوالديه… هذه القبة أبو عبدالله، بن شاذان الفارسي (القادسي) الهم (كذا)… ومحمد وعلي أغفر له ولوالديه برحمتك يا أرحم الراحمين.
مما عمل أبو نصر محمد بن أحمد البناء الترمذي غفر الله له ولوالديه».
وعلى الجهة المذهبية من الرواق كتب:
«مما أمر ببناء هذه القبة الشيخ الجليل أبو عبدالله محمد بن شاذان الفارسي حشره الله مع محمد وأهل بيته».
ولم يعرف محمد بن شاذان الفارسي هذا، ولكن على قول ابن خلكان: هناك علي بن شاذان كان في العصر السلجوقي معتمداً على مدينة بلخ، وكان كاتباً في أوائل عمل الوزير المعروف الحسن بن علي الطوسي (408 ـ 485هجري).
وعلى هذا فإن مرقد الشهيد يحيى في جوزجان شمال أفغانستان، وليس على مسافة ثلاثة كيلومترات من قبة (قابوس) أو (كاوس) في جرجان.
وقد زار أ. د.هـ. بيوار أحد المحققين الإنجليز في آب/أغسطس 1964 جوزجان والتقط عدداً من الصور للمرقد، والمزار، والكتابات التي عليه، وكتب دراسة نشرت عام 1966 في تقرير مكتب الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن.
عبد الحي حبيبي
مقباس الهداية في علم الدراية
تأليف: الشيخ عبدالله المامقاني، وقد خرج المؤلف عن المنهجية المتداولة فتوسع في بعض الأبواب، وأدخل بعض المباحث الأصولية ونقح جملة من المسائل الحديثية، وتفرد في جملة من تحقيقاته واختياراته.
ولعل المقباس هو أحسن ما كتب في الدراية عند الشيعة وأجمعها فوائد وأغزرها مادة مع سلاسة في اللفظ وجزالة في التعبير وحسن التنظيم وجودة العرض.
المقدمات
المقدمات: مصطلح عرفي يطلق في الحوزات العلمية الشيعية على الكتب العلمية التي يدرسها طالب العلم مقدمة له، لأن ما فيها من قواعد علمية يستعين بها الطالب والباحث والعالم كوسائل إلى معرفة الحكم الشرعي من دليله ومصدره.
وتشمل هذه المقدمات العلوم التالية: الصرف والنحو والبلاغة والمنطق.
المقنع
كتاب لابن الجُحام
ابن الجُحام: هو أبو عبدالله محمد بن العباس بن علي بن مروان بن الماهيار، الملقب بـ«البزاز» مفسر ومحدث وفقيه. لا تتوفر أية معلومات عن حياته، حتى أن تاريخ ولادته ووفاته وكذلك مكان إقامته مجهولة أيضاً. ولم تذكر المصادر من تلامذته سوى هارون بن موسى التلعكبري. فقد سمع الحديث منه في 328هـ/940م وله منه إجازة، ومنه يتبين أن وفاة ابن الجحام كانت بعد هذا التاريخ.
لابن الجحام مصنفات في الفقه والحديث والتفسير والقراءات منها: المقنع في الفقه، كتاب الأصول، كتاب الأوائل، التفسير الكبير، كتاب قراءة أمير المؤمنين، كتاب قراءة أهل البيت، وكتاب الناسخ والمنسوخ. وألف أيضاً كتاباً باسم تأويل ما نزل في النبي وآله.
مكارم الأخلاق (كتاب)
للحسن بن الفضل الطبرسي
كتاب مكارم الأخلاق ومعالم الأعلاق كتاب نفيس نافع مشهور حسن الترتيب كثير الجمع طبع في مصر عدة مرات وطبع في إيران لكن الطبعة المصرية وقع فيها تحريف وتوهم البعض أن مكارم الأخلاق لأبيه. في الرياض قال الأستاذ: أيده الله في أول بحار الأنوار: وكتاب مكارم الأخلاق وينسب إلى الشيخ أبي علي الطبرسي وهو غير صواب بل هو تأليف أبي نصر الحسن بن فضل ابنه كما صرح به ولده في كتاب مشكاة الأنوار والكفعمي فيما ألحق بالدروع الواقية وفي البلد الأمين. وفي الرياض أيضاً صرح الكفعمي في الفصل السادس والعشرين من مصباحه أيضاً بأنه من مؤلفات الشيخ رضي الله ابن الشيخ أبي علي الطبرسي قال: ويظهر من بعض المواضع أنه في أصل الدروع الواقية أيضاً صرح بأن كتاب مكارم الأخلاق تأليف رضي الدين أبي نصر ابن الإمام أمين الدين أبي علي الفضل. وممن صرح بأن كتاب مكارم الأخلاق له صاحب أمل الآمل.
وأول ما طبع هذا الكتاب طبع في مصر في مطبعة محمد عبد الواحد الطوبي وعمر حسين الخشاب في شعبان سنة 1303 وانتشر واشتهر وكثر الإقبال عليه. ثم عيد طبعه مراراً فطبع في مطبعة بولاق وفي مطبعة أحمد البابي الحلبي سنة 1306 لكنه حرف في جميع الطبعات تحريفاً قبيحاً وغير تغييراً شنيعاً. واتبع في ذلك سنة من قال الله تعالى فيهم: يحرفون الكلم عن مواضعه. ولما كانت نسخ هذا الكتاب المخطوطة كثيرة منتشرة في العراق وإيران وغيرهما واطلع عليه جماعة من العلماء والفضلاء عرفوا تحريفه الشنيع وتبديله الفظيع وألقوا ذلك على نظر السيد محمد حسن الشيرازي فأمر بإعادة طبعه عن نسخته الأصلية خالياً من ذلك التحريف والتغيير فطبع في طهران سنة 1314 وجمع لأجل ذلك ست نسخ خطية وقام بتصحيحه بعض الفضلاء المسمى بالشيخ محمود ابن ملا صالح البروجوي وأشار إشارة إجمالية إلى مواضع التحريف والتغيير والتبديل في الطبعة المصرية كما يلي:
أولاً ـ كلما وقع في الكتاب ذكر الصلاة على النبي (ص) لا يذكر معه وآله وإن ذكرهم أضاف إليهم صحبه.
ثانياً ـ كلما كان في الكتاب التسليم على أحد أئمة أهل البيت (ع) تركه وأهمله أو أبدله بالترضية.
ثالثاً ـ عبر عن أسماء أئمة أهل البيت (ع) في مواضع كثيرة ببعض العلماء أو بعض الحكماء أو بعض الصالحين أو نحو ذلك ولم يصرح بأسمائهم.
رابعاً ـ أبدل اسم فاطمة الزهراء في عدة مواضع بعائشة واسم علي بغيره.
خامساً ـ غير أسماء الرواة من الشيعة بقوله عن بعض أو عن رجل.
سادساً ـ حذف من الكتاب كل ما دل من الأحاديث النبوية على فضيلة لعلي بن أبي طالب (ع) وولده وشيعته أو فضل الزهراء أو فضل الحسين (ع).
سابعاً ـ ألحق في مواضع شتى جملة من الأقاويل وما هي إلا أباطيل.
ثامناً ـ زاد في مواضع عديدة روايات منقولة من صحيح البخاري ومسلم والترمذي ومن الشمائل الترمذية: كانت وفاة مؤلف الكتاب سنة 548هـ.
مكة المكرمة
ـ 1 ـ
جاء اسم (مكة) في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة الفتح من قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ مشيراً بذلك إلى صلح (الحديبية) كما أشارت إلى ذلك التفاسير.
ومن أسماء مكة الكثيرة (بكة).
قال ابن منظور عن يعقوب أن (بكة) ما بين جبلي (مكة) وقيل بل إن (بكة) موضع البيت وسائر ما حوله (مكة). وورد اسم (بكة) في القرآن الكريم في موضع واحد من قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾.
ومن أشهر أسماء مكة (أم القرى) وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في موضعين:
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾)[181](.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ )[182](.
والبلد، والبلد الأمين من أشهر أسماء مكة، التي تغلب عليها هذا الاسم والصفة في الإسلام أكثر والمقصود بالأمن هو ما عرفت به مكة من الأمن على ساكنيها واللائذين بها وحفظ أموالهم دون جميع أطرافها، وإنما سميت مكة بالبلد فهو من باب التفخيم لها كالنجم، للثريا، والعود للمندل)[183]( وقد ورد ذكر مكة باسم البلد في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الآية ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ﴾)[184]( هو القسم بالبلد الحرام وهو (مكة).
وهكذا كان المقصود من (البلد) في الآية: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾)[185]( هو مكة البلد الحرام الذي يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام)[186](.
وكذلك فإن المقصود بالبلد في الآية القرآنية ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾)[187]( هو مكة المكرمة، وإن معنى قوله (بلداً آمناً) أي يأمنون فيه، كما يقال: ليل نائم أي النوم فيه)[188](.
وورد ذكر (البلد) على لسان إبراهيم بمعنى مكة مرة أخرى في الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ )[189](.
ووردت (مكة) باسم (البلدة) مرة واحدة في القرآن الكريم في الآية: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾)[190]( وعن ابن عباس أن البلدة هي مكة، وقوله (والذي حرمها) أي جعلها حرماً آمناً يحرم فيها ما يحل في غيرها، لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يقتص فيها)[191](.
ونعتت مكة (بالحرم الآمن) في موضعين من القرآن فقد جاء في الآية: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾)[192]( وجاء في الآية: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾)[193](.
وأطلق على بيت الله اسم (البيت) و(البيت العتيق) و(الكعبة)، والمسجد الحرام، ويقال البيت الحرام، وقد أورده القرآن باسم البيت في عدة آيات.
فالآيات القرآنية التي ورد فيها اسم البيت هي:
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾)[194](.
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾)[195](.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾)[196](.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾)[197](.
﴿وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ المَعْمُورِ﴾)[198](.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾)[199](.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾)[200](.
وهناك آية جمعت بين اسم البيت والكعبة في القرآن: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً﴾)[201](.
وما عدا ذلك فقد ورد اسم الكعبة في القرآن مرة واحدة وذلك في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾)[202](.
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾)[204](.
﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾)[205](.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾)[206](.
مكة المكرمة
ـ2ـ
تقع مكة في الجانب الغربي من جزيرة العرب وتمتد من الغرب إلى الشرق على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات طولاً وما يقرب من نصف ذلك عرضاً في وادٍ مائل من الشمال إلى الجنوب منحصر بين سلسلتي جبال تكادان تتصلان ببعضهما من جهة الشرق والغرب والجنوب، وترتفع مكة عن سطح البحر بنحو (330م) وتقع على مسافة قليلة من البحر الأحمر يوصلها به ميناء جدة ولا تنفذ من واديها إلى الخارج إلا من طريق معينة محدودة.
مقام إبراهيم في المسجد الحرام
الأماكن المقدسة في الحج:
عرفات
يطلق هذا الاسم على جبل اشتهر بكونه مكاناً يحج الله إليه الحجاج بعد الطواف في مكة، الكائن على بعد ست ساعات من مشرق مكة، ويتألف هذا الجبل المعتدل في حجمه وأبعاده من حجر الغرانيت فيصل بارتفاعه إلى مائة وخمسين أو مائتي قدم وهنالك درجات حجرية متسعة من الجهة الشرقية منه تؤدي إلى قمته، وتوجد في الدرجة الستين فسحة خاصة يقوم في وسطها منبر تلقى منه الخطبة سنوياً بعد ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة أي في يوم عرفات، ويسمى الجبل في العادة جبل الرحمة.
أما سهل عرفات فيمتد إلى جنوبي الجبل إلى أن تحده سلسلة جبال الطائف الشامخة، وهو لا يمتلئ بالحياة والحركة إلا في يوم واحد من السنة (التاسع من ذي الحجة) حينما ينصب الحجاج خيامهم إحياء لفريضة أو شعيرة (الوقوف).
منى
تقع منى ما بين الجبال الكائنة في شرق مكة على الطريق المتجهة منها إلى عرفات، وتقع في وادٍ ضيق يمتد من الشرق إلى الغرب وهو محاط بأجراف جرداء من حجر الغرانيت، ويقدم في الجهة الشمالية من منى جبل يسمى (شبير) فينزل القادمون من مكة إلى هذا الوادي الذي يسمى بوادي العقبة حيث اشتهر بالمفاوضات التي كان النبي (ص) قد أجراها آنذاك. وفيما يقرب من العقبة عمود قصير منحوت نحتاً غير صقيل يطلق عليه (الحجرة الكبرى) أو (جمرة العقبة) ويرمي الحجاج جمراتهم على هذا العمود، وعلى مسافة قليلة إلى الشرق توجد في وسط الشارع (الحجرة الوسطى) كما يوجد على مسافة مماثلة من هذه مكان ثالث يسمى (الجمرة الأولى)، ويوجد إلى النهاية الشرقية من الوادي على يمين الطريق مسجد مربع الشكل محاط بسور خاص هو مسجد الخيف.
تقع المزدلفة في منتصف الطريق الموصل بين منى وعرفات تقريباً، حيث يفضي الحجاج العائدون من عرفات الليلة المنحصرة بين يومي 9 و10 ذي الحجة بعد أن يؤدوا صلاتي المغرب والعشاء وتسمى المزدلفة كذلك (المشعر الحرام) و(الجمع).
الصفا والمروة
إن الصفا والمروة نشزان غير مرتفعين من الأرض موجودان في موقعين متقابلين من مكة المكرمة ويعني معناهما الحجر. ويقوم المسلمون خلال الحج بالسعي بين هذين المرتفعين إحياء لذكرى هاجر أم إسماعيل التي ظلت تهرول بين الصفا والمروة للتفتيش عن ماء تأتي به إلى ابنها العطشان، ويؤكد المؤرخون أن هذا المكان كان من الأماكن المقدسة حتى في الجاهلية.
مكة المكرمة
ـ3ـ
كانت في الجاهلية قلب الجزيرة العربية، فيها الكعبة عز العرب، ومحط رحالهم، ومستقر آلهتهم. وفي أحد أيام عام 1871 قبل الميلاد، جاء إبراهيم (ع) يرافقه ابنه إسماعيل وزوجه هاجر أم إسماعيل إلى مكة، وكانت أرضاً جرداء لا ماء فيها ولا زرع ولا حياة، فاستقر هناك بأسرته الصغيرة، ثم أمر برفع قواعد البيت «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم».
وبنيا البيت من غير ملاط، حجراً فوق حجر، غير منتظم المساحة فكان طوله من الجانب الشمالي الغربي 32 ذراعاً ومن الجانب الشمالي الشرقي 33 ذراعاً ومن الجانب الغربي 27 ذراعاً، ومن الجانب الجنوبي الشرقي 20 ذراعاً، كما تذكر بعض المصادر الإسلامية.
سكنها العمالقة ثم خلفهم جرهم، أخوال ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، إلى أن عاثوا في الأرض فساداً واستحلوا أموال الكعبة فأقصتهم خزاعة، وهي قبيلة يمنية جاءت إلى الحجاز بعد سيل العرم الشهير الذي أتى على سد مأرب الأشهر.
أدارت خزاعة أمور البيت نحو 300 عام إلى أن تغلب عليها قصي بن كلاب بن مرة، وكان يقيم هو وأبناؤه حول مكة، فأقصاها وولي أمر مكة، وبنى دار الندوة ونظم أمورها، وأقام الحجابة والسقاية واللواء.
شهدت الفترة الخزاعية بإدخال الأصنام والأوثان البيت الحرام بعدما قام عمرو بن لحي الخزاعي بإدخال عبادة الأوثان في الطقوس الدينية. ووصل عدد الأصنام في مكة إلى 360. وشهدت المدينة في الفترة نفسها إقامة المشركين، والحمس الحنفاء وهم المتشددون في الدين وحفظ التقاليد الموروثة عن الخليل إبراهيم. وعلى رغم الاختلاف في المعتقدات إلا أن الجميع كانوا يحترمون الكعبة ويعظمونها فلا يسفكون فيها الدماء ولا يقطعون الشجر ولا يطاردون الصيد، ويحجون إليها في مواسم وأيام معدودات من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، استجابة لدعوة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
عوض المكيون قساوة مناخ منطقتهم بنبوغهم في التجارة، فكانت مكة محطة تجارية مهمة. ونشطت التجارة الخارجية فكان لتجارها رحلتان شهيرتان، إحداهما في الصيف إلى الشام والأخرى في الشتاء إلى اليمن، وبينهما تجارات أخرى إلى مصر والحبشة وسواحل أفريقيا والعراق وفارس. ومع التجارة الواسعة جاءت الفوائد المالية والاحتكاك بمعارف الأقوام الأخرى وآدابها وأنماط حياتها الاجتماعية والسياسية والحضارية.
وعند ظهور دعوة الإسلام انقسمت مكة حولها. إذ شعر أغنياؤها وسادتها بأن الدعوة الجديدة ستسلبهم نفوذهم ومكانتهم، في ما وجد فقراؤها وطبقاتها الدنيا في الدعوة الجديدة خلاصهم، ورأى عقلاؤها وبقايا الحمس الحنفاء فيها الدين الحق فناصروها. وخرج الرسول (ص) من مكة مهاجراً وهو يقول: «والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك قهراً ما خرجت». ثم عاد إليها فاتحاً وهو يقول: «يا قريش ما ترون أني فاعل بكم»، وتجيبه قريش: أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول الرسول: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ومنذ فتح مكة شهدت الكعبة محوراً جديداً، إذ أصبحت قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وحجهم.
وكان القرشيون عدلوا في بناء إبراهيم للكعبة فقصروا من طولها ورفعوا من ارتفاعها.
ومكة حاضرة الحجاز يؤمها الناس سنوياً من مختلف بقاع الأرض لأداء مناسكهم.
وتختلف جغرافية المدينة عن سواها من المدن المحيطة بها، فالمسجد الحرام يقع وسط وادٍ كبيرٍ تحيط به الجبال من كل جانب وإن تفاوتت في أحجامها وارتفاعاتها وانحداراتها، وجميعها تطل على المسجد الحرام تقريباً، وبنيت مساكنها بصورة دائرية حول المسجد الحرام الذي يعد مركزها.
واستحوذ العمل في مجال الطوافة على حيز كبير من الأهمية في حياة المجتمع المكي قديماً، لما له من تشريف لمن يقوم بخدمة ضيوف الرحمن والسهر على راحتهم وإرشادهم إلى مناسكهم. وتفرغ جماعة من أهالي مكة وسكانها للأعمال والمهن والحرف البسيطة التي لها علاقة بالحج والحجاج، وتعتبر المصدر الرئيسي لدخلهم على مدار العام.
واليوم لم تتغير أعمال المكيين عن السابق وإن تطورت بحكم التطور الذي وصل إليه العالم، فبعضهم لا يزال يعمل في مهنة الطوافة التي ورثها من الآباء والأجداد، فيما تطورت المهن الصغيرة إلى صناعات حديثة لتأمين حاجات الزوار والحجاج وتنوعت فيها التجارة بحسب أنماطها العالمية.
ولمكة موسم دائم في استقبال الزوار والمعتمرين والحجاج على مدار العام خصوصاً في الأعوام الأخيرة، بعدما توافرت لها الإمكانات الأساسية، وازدادت مساحتها نحو خمسين ضعفاً عما كانت عليه قبل نحو عشرين عاماً.
ويراوح عدد سكانها إلى 650 و700 ألف نسمة حالياً، ويتوقع أن يصل عددهم إلى مليون ونصف مليون نسمة قريباً.
وفي مكة اليوم شبكة من الطرق الرئيسية تربطها بالمدن المحيطة بها ومناطق المشاعر المقدسة، من ضمنها 54 نفقاً تخترق الجبال المحيطة بالحرم يبلغ طولها 30 كيلومتراً خصصت عشرة منها للمشاة لاستخدامها أيام الحج و44 أخرى للسيارات.
أودية مكة
إن مكة المكرمة نفسها، عبارة عن وادٍ يخترق عدة جبال، فإذا صبت الأمطار على مكة أو فوقها سال الوادي… وادي إبراهيم، وذهب من الشرق إلى الجنوب حتى يتصل بالبحر الأحمر… وقد أورد جغرافيو العرب في كتبهم أسماء أودية ثمانية تتبع مكة المشرفة، وبإضافة واديها نفسه وادي إبراهيم إلى الثمانية أودية المنوه بها تصبح أودية مكة تسعة… وهذا بيان عنها:
أولاً ـ وادي مر الظهران
ويعرف الآن باسم وادي فاطمة… ومر الظهران هو أكبر الوديان التابعة لمكة سعة، وأعظمها خصباً، وأوفرها ماء، وأكثرها قرى وسكاناً ومساكن… يصب فيه تسعون وادياً من أوديتها الكبار والصغار، فهو بهذا، مجمع أودية، وطوله نحو ثمانين كيلومتراً، ويبتدئ وادي فاطمة من المناعمة شرقاً بجنوب، وينتهي بحداء غرب مكة… وتهبط مياهه من جبل برد وهو أعلى فرع له من الجهة الجنوبية، وتهبط بعض مياهه كذلك من وادي نخلة اليمانية وهي المعروفة الآن باليمانية في طريق الطائف، قريباً من مصعد البهيتة الذي يوصل إلى السيل الكبير «أي ميقات قرن المنازل»… وكذلك يصب في وادي فاطمة، وادي نخلة الشامية. ويصب فيه وادي حورة أيضاً، ووادي علاف من ناحية الشمال، ووادي العشر ووادي سرف الذي به قبر أم المؤمنين ميمونة. ويفيض وادي فاطمة على وادي الليمون ذي المنظر الجميل.
ثانياً ـ وادي نعمان
وهذا الوادي مشهور في الأدب العربي بجماله الذي ظل برهة طويلة من الدهر مرتعاً خصباً لقرائح شعراء العرب الأقدمين… ويبتدئ هذا الوادي الجميل من جبال كرا ويسير إلى قرية الحسينية… ويميل إلى جدة، وينصب في البحر الأحمر إذا كان سيله كبيراً في جنوبي جدة… والا غاص في خبت معروف قبيل ذلك…
ثالثاً ـ وادي رهجان
يبتدئ من جبال كرا الجنوبية بناحية الشفا، ويصب في وادي نعمان، ثم يندفع إلى البحر، وفيه عسل كثير.
رابعاً ـ وادي سرف
وهو من أودية مكة المشهورة. وقد مرّ ذكره. ولوادي سرف ذكر في الشعر العربي… ويبتدئ من جعرانة ويصب في مر الظهران بقرب حداء من شرقيها… وهو على ستة أميال من مكة في شمالها.
خامساً ـ وادي العشر
يقع قرب مكة عند نخلة، ويفيض من جبال منى، وشمال الأخشبين، ومن جهة المغمس الذي هو في طريق الطائف والذي مات فيه أبو رغال الخائن ودليل أصحاب الفيل في أواخر عهد الجاهلية، وقبره يرجم هنالك… يصب وادي العشر في وادي فاطمة.
سادساً ـ وادي اليمانية
تقع في هذا الوادي الزيمة إحدى محطات الطريق من مكة إلى الطائف بعد الشرائع وتقع فيه سولة… ويبتدئ هذا الوادي من شمال جبل برد الشاهق المعروف… ويفيض في السيل الكبير قرن المنازل ميقات أهل نجد، وينزل على نخلة الشامية… ويتحول إلى الزيمة وسولة ويصب في وادي فاطمة.
سابعاً ـ وادي نخلة الشامية
تقع فيه قرية المضيق ويمشي مع وادي اليمانية، ويصب في وادي فاطمة.
ثامناً ـ وادي عرنة
وعرنة (بضم العين وفتح الراء والنون بعدها هاء التأنيث) هو وادي عرفة وأرضها… يبتدئ من جبل الثنية ومن جبل كنثيل (بكسر الكاف وسكون النون بعدها ثاء مكسورة فياء فلام). وكنثيل هو الجبل الكبير المشرف على الشرائع أولى محطات مكة ـ الطائف، ويقع وراءها من بعيد إلى ناحية الزيمة، ويفيض وادي عرنة على ذي المجاز، وعلى وادي نمرة ثم يلتئم مع رهجان ويذهبان معاً إلى الحسينية ويفيضان في البحر.
تاسعاً ـ ونعود إلى وادي ابراهيم لنعرفه فنقول
إنه الوادي الذي يخترق مكة، ويجيئها من ناحيتين: إحداهما جهة الأبطح إذ تنحدر المياه من منى ومن جبال العدل بطريق الطائف وتتجمّع في أطراف الأبطح فتنساب إلى وادي ابراهيم، فالمسفلة. وقد كان سدان عظيمان متجاوران في الأبطح شرقي مكة عند وادي الثقبة يرجع عهد أحدهما، وهو الأدنى، إلى ما قبل 450 سنة إذ بناه أمير مكة دباش خيري بك في عهد الملك قانصوه الغوري على طول 903 أمتار، وبعرض مترين… ويرجع عهد ثانيهما، وهو الأعلى إلى ما قبل ألف عام… بنته زبيدة زوجة هارون الرشيد أمير المؤمنين العباسي، لتستفيد عين ثقبة من المياه المتجمعة هنالك… وقد حدثت فيه ثغرتان أوجبتا تدفق المياه الغزيرة إلى مكة منذ أزمان، خاصة في سيل 1360هـ الذي جاء فأقيم سد حديث ضخم بالإسمنت المسلح وقد بلغ طوله تصميماً 1100 متر وعرضه في القمة متراً ونصف متر، وارتفاعه بين المترين والثلاثة.
هذا وأما الناحية الأخرى التي يفيض منها وادي إبراهيم فهي أجياد إذ تتجمع السيول من جبال خندمة في شعب السد وتنزل في وادي إبراهيم… وكذلك من الجبال المحيطة بمصافي الدجوى في بئر بليلة المعروفة الآن بالمصافي جنوب مكة… ويجري قسم منها إلى وادي إبراهيم، فالمسفلة، وقسم إلى المسفلة رأساً، وهكذا يفيض الجميع في وادي إبراهيم.
الشيعة في مكة
وفي مكة إلى القرى المحيطة بها أعداد من الشيعة. ويظهر مما عن الجامع اللطيف عند ذكر ولاة مكة كثرة الشيعة فيها في القرن السادس الهجري فإنه ذكر أن ممن ولي مكة سيف الإسلام طغتكين أخ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 581 وأنه قدم مكة هذه السنة ومنع من الأذان بحي على خير العمل. ويظهر مما ذكره ابن حجر في أول الصواعق كثرتهم بها في القرن العاشر الهجري.
وكذلك فإن السيد نور الدين علي أخو صاحب المدارك المولود سنة 970هـ في جبل عامل والمتوفى سنة 1068 هجرية في مكة، وقد كان ساكناً فيها، ولا يسكنها ـ وهو العالم الشيعي الكبير ـ إلا لوجود شيعي فيها.
وفي أمل الآمل: كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً منشئاً جليل القدر عظيم الشأن قرأ على أبيه وأخويه صاحبي المدارك والمعالم وقد رأيته في بلادنا وحضرت درسه بالشام أياماً يسيرة وكنت صغير السن ورأيته بمكة أيضاً أياماً وكان ساكناً بها أكثرمن عشرين سنة.
وفي لؤلؤتي البحرين: كان فاضلاً محققاً مدققاً مشاراً إليه في وقته توطن بمكة وله كتاب (الفوائد المكية في مداحض الخيالات المدنية) رداً على الملا محمد أمين الأسترابادي الأخباري صاحب (الفوائد المدنية والأنوار البهية).
ويقول في أعيان الشيعة، وهو يتحدث عنه:
وكانت في ذلك العصر الكلمة والغلبة بمكة المكرّمة لعلماء الإمامية وكانت الإمامة في المسجد الحرام لهم كما يدل عليه كلام ابن حجر في أول صواعقه حيث ذكر أنه التمس على أقرائها بمكة حيث أن مجمع الروافض بها، وقال: طهّر الله البيت منهم. ويدل عليه أيضاً ما في تكملة أمل الآمل من أن عنده نسخة من كتاب المحاسن للبرقي في أحاديث أهل البيت عليهم السلام بخط الإمام بمقام إبراهيم الخليل عليه السلام بالمسجد الحرام بمكة المشرفة السيد الشريف عبدالله بن محمد بن علي الحسيني الطبري فرغ من نسخها يوم الأحد المبارك من شهر جمادى الأولى من 1044 من الهجرة النبوية.
وذكره السيد ضامن بن شدقم في كتابه وأثنى عليه وقال منشؤه في الشام ثم عطف عنان عزمه إلى البيت الحرام تشرفنا برؤيته مراراً بمكة المكرمة سنة 1068.
كسوة الكعبة
ينقل القلقشندي عن كتاب أخبار مكة للأزرقي بأن أسعد الحميري (تُبع) هو أول من كسا الكعبة [في العصر الجاهلي].
وفي زمن الرسول (ص) استُعيض عن النطع الذي كان يستخدم في العصر الجاهلي بالأقمشة اليمنية. واستمر الخلفاء بإكساء الكعبة بأنواع الأقمشة بعد وفاة الرسول (ص).
كانت الألوان المستخدمة في كساء الكعبة طوال هذه السنين هي الأبيض أو الأحمر حتى كان عهد العباسيين الذين كانوا يتخذون من الملابس السوداء لباساً وشعاراً رسميين لهم، فكسوا الكعبة بكساء أسود.
وعندما استولى ملوك مصر على الحجاز احتكروا إكساء الكعبة بينهم، ولكن ظل لون الكساء أسود.
أما الحادثة التي سنعرض للحديث عنها في مقالنا هذا، فقد حدثت في أواسط القرن التاسع الهجري في زمن ملوك مصر (الملك الأشرف إلى الملك الظاهر) وحاكم خراسان أو حسب تعبير المؤرخين العرب (ملك الشرق) شاهرخ ميرزا ابن الأمير تيمور بوربان (تيمورلنك).
آلت الحكومة إلى شاهرخ بعد وفاة الأمير تيمور في 807هـ، فاتخذ من هرات عاصمة له، وكان يطمح منذ أوائل عهده إلى إكساء الكعبة، وحسب قول عبدالرزاق السمرقندي صاحب مطلع السعدين فقد «كان بهمته العالية يطمح دائماً إلى إكساء الكعبة ولم يكن ذلك ممكناً دون إذن سلطان مصر».
يذكر المؤرخون المصريون أنه في الرابع والعشرين من المحرم عام 833 دخل القاهرة رسول ملك الشرق (ملك خراسان) وهو يحمل رسالة ملك الشرق إلى الملك الأشرف، وقد ضمن شاهرخ رسالته ثلاثة مضامين:
أولاً: يطلب من ملك مصر كتابين هما:
1 ـ شرح صحيح البخاري للحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني.
2 ـ تاريخ السلوك لدول الملوك لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي.
والأمر الثاني هو إيفاء نذر شاهرخ لإكساء الكعبة (ابن تغري بردي 14/336).
والأمر الثالث اقتراح بإسالة ماء العيون إلى مكة (المقريزي 8/818، ابن أياس 2/127).
يذكر ابن تغري أن الملك الأشرف لم يعن بأي من طلبات شاهرخ، ولكن ابن أياس يقول بأن السلطان بعث إلى شاهرخ بشرح صحيح البخاري وتاريخ المقريزي ولكنه رفض تلبية طلب شاهرخ في إرسال كسوة الكعبة وإسالة ماء العيون إلى مكة بقوله: «توجد لكسوة الكعبة أوقاف خاصة وليس ثمة حاجة إلى أحد من الملوك في ذلك، وبشأن العيون قال: يوجد في مكة العديد من الآبار، والعيون ولا حاجة إلى إقامة عيون أخرى (بدايع الزهور، 2/127) ويتحدث ابن حجر قائلاً: أعد له ثلاثة مجلدات من كتاب فتح الباري في شرح البخاري (أنباء الغمر، 8/49).
وفي الرابع والعشرين من رمضان من نفس تلك السنة دخل القاهرة رسول شاهرخ ويدعى هاشم شريف وهو يحمل رسالة ملك الشرق إلى سلطان مصر التي كانت خالية من البسملة والختم وفي صدارتها: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل… إلى آخر السورة (ابن حجر 8/204).
ضمن شاهرخ رسالته تهديداً صاعقاً للملك الأشرف وطعناً به (المقريزي 4 (2)/833) وأرفقها بهدية. فرد السلطان عليها بجواب مناسب ويقول (من دق الباب سمع الجواب) (بدائع الزهور 2/134). وفي 29 من جمادى الآخرة عام 836 وصلت رسالة أخرى إلى القاهرة من شاهرخ يحملها عتابه ويخاطب الملك الأشرف بلقب الأمير، ويضمنها عبارات تهديد خشنة، وفي معرض حديثه عن هذه الرسالة يقول المقريزي بأن هذه الرسائل تكررت ولكن دون جدوى (سلوكه 4 (2)/887). ويذكر ابن تغري بردي في هذا المضمار أن صمود وثبات الملك الأشرف بوجه طلبات شاهرخ كان أهم عمل له طوال فترة حكمه بعد فتحه لقبرص. ويعتقد ابن تغري أن الملك الأشرف بصموده في الاحتفاظ بحق إكساء الكعبة ومنعه لشاهرخ من القيام بهذا العمل قد حفظ حرمة مصر وحرمة حكام مصر إلى يوم القيامة (النجوم الزاهرة، 14/368)، ولكن القرائن تشير إلى أن الملك الأشرف كان يداري ملك الشرق في نفس الوقت الذي يرفض طلباته ويمتنع عن تحقيقها، ويبدو أنه أرسل في هذه السنة (836هـ) بعض الهدايا إلى خراسان.
بعد ثلاثة عشر شهراً من السفر بين هرات وهرمز ومكة وصل رسول شاهرخ مصر برسالته المؤرخة في ذي الحجة عام 836هـ في يوم الخميس الواقع في السابع والعشرين من المحرم الحرام عام 838هـ، وفي الرسالة أخبر شاهرخ الملك الأشرف بوصول هداياه وفي مقابل ذلك بعث له بهدايا مع رسوله السيد تاج الدين علي وهو أحد أشراف شيراز، وقد أعفي هذا الرسول من تقبيل الأرض في حضرة الملك الأشرف لشرفه وسيادته.
وفي هذه الرسالة ورد تأكيد شاهرخ على نذره إكساء الكعبة وتعليق الكساء من داخلها ثم يطلب من الملك الأشرف أن يبعث برسول إلى خراسان لاستلام الكساء.
وفي السادس من صفر من نفس تلك السنة عقد الملك الأشرف مجلساً لدراسة نذر شاهرخ، اجتمع فيه قضاة المذاهب الأربعة، ثم طرح الملك مسألة نذر شاهرخ في كسوة الكعبة وطلب رأي الحاضرين، وكان جواب قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي أن هذا النذر لا ينعقد.
وفي العشرين أو الثاني والعشرين من صفر عام 838 سير الملك الشريف تاج الدين من القاهرة إلى خراسان وبعث معه سفير شاهرخ المدعو اطقوه الموسوي المؤيدي المهماندار، وحمل اقطوه هذا معه هدية السلطان ورسالته الجوابية للملك شاهرخ.
كتب الملك الأشرف في رسالته رفضه لطلب شاهرخ في إكساء الكعبة وذكر له بأن هذا الأمر يتعلق بملوك مصر وتهيأ نفقة ذلك من أوقاف خاصة بهذا الشأن، ثم يشير على شاهرخ بأنه إذا ما أراد الوفاء بنذره فليبع الكسوة التي أعدها للكعبة ويتصدق بثمنها على فقراء مكة فإن ثوابها حينئذ سيكون أكبر ويعم نفعها أناساً أكثر (المقريزي 4 (2)/927 ـ 928 ـ 932) (ابن تغري بردي 15/29 ـ 50، 52 ـ 53).
يذكر ابن حجر في حوادث عام 838هـ أن السيد الشريف تاج الدين بن عبدالله الحسيني الشيرازي وصل في المحرم الحرام إلى بلاط الملك الأشرف محملاً برسالة وهدية من الملك شاهرخ لطلب الإذن في إكساء الكعبة.
ثم يضيف ابن حجر بعد أن يعدد الهدايا أن تاريخ هذه الرسالة هو ذو الحجة عام 836 وأنه قابل السيد تاج الدين ثم يثني عليه ويصفه بالتواضع ويذكر أن زوجته هي ابنة السيد الشريف الجرجاني صاحب التصانيف ويثني على ابنه الذي كان معه وهو في الثلاثين من عمره ويقول بأنه رجل فاضل.
وفي ذكره للاستفتاء يقول ابن حجر إن السلطان أراد الاعتذار لئلا يفتح الباب في إكساء الكعبة لملوك آخرين. ثم ينتقد قضاة مصر وأجوبتهم اللامسؤولة ويقول إن بعض هؤلاء القضاة كان يجيب دون أن يسأل ورأى بعضهم أن هذا العمل غير جائز لأنه يبطل الوقف، وكتب آخرون أن هذا العمل غير جائز لأنه يتحكم بسلطان مصر.
يقول ابن حجر إنه في الواقع اعتذر بنفس جواب السلطان، وهو عدم فتح الباب للآخرين وبالتالي فتح باب العداء (أنباء الغمر 8/29/3 ـ 330).
في الرابع من شوال عام 838 وصلت القاهرة رسالة تهديد من الملك شاهرخ، ينتقد فيها منع دخول التجار إلى ميناء جدة، ثم يذكر فيها أنه قادم إلى القدس الشريف (المقريزي 4 (2)/949).
وصل الأمير اقطوه وتاج الدين الشريف إلى هرات وقدم الأول رسالته ثم عاد إلى القاهرة فدخلها في الثامن والعشرين من جمادى الثانية وفي صبيحة اليوم التالي وصل القاهرة رسول شاهرخ الشيخ صفا، فاستقبل هذا وأكرمت وفادته وخصصت له دار للإقامة فيها.
في يوم السبت الواقع في الثامن من رجب من عام 839 استقبل الملك الأشرف الشيخ صفا، فأخذ الشيخ يقرأ بصوت عال، والملك يصغي إليه. وقد ورد في الرسالة دعوة الملك الأشرف إلى إلقاء الخطب وضرب النقد في مصر باسم شاهرخ وعندما وصل الشيخ إلى هذا الموضع أخرج خلعة أتى بها من خراسان ليرتديها ملك مصر وأخرج معها تاجاً. وكانت الرسالة تحتوي على ألقاب وعبارات أفقدت السلطان الأشرف صبره فأمر بتمزيق الخلعة وتأديب الشيخ صفا بضربه ضرباً مبرحاً، ثم ألقي به في ذلك اليوم البارد في بركة الأسطبل وراحوا يغرقونه في الماء لعدة مرات حتى كاد يشرف على الهلاك. ويذكر ابن تغري أنه لم ير السلطان غاضباً كذلك اليوم. ثم استدعى السلطان الشيخ صفا وحمله جواباً خشناً شديداً ليحمله إلى مرسله. ومن جملة أجوبة السلطان قوله: إذا كان شاهرخ ينصبني والياً على مصر فأنا لا أقبل به عاملاً على أصغر قرية من بلاده، ثم أمر بإخراج الشيخ ومرافقيه من مصر عن طريق البحر. فذهب هؤلاء إلى مكة وأمضوا بقية عامهم فيها وأدوا مراسم الحج ثم عادوا إلى هرات (المقريزي 4 (2) 929، ابن تغري بردي 15/73 ـ 74).
امتدح ابن تغري بردي عمل سلطان مصر هذا، أي ضربه لرسول شاهرخ وتمزيقه لخلعته وعد ذلك أفضل وأجمل وأعظم أعمال الملك الأشرف طوال فترة حكمه، ثم يقول إن شاهرخ لم يبد أي رد فعل وظل طوال حياته خائفاً من ملوك مصر. ولكن سوف نرى أن ابن تغري بردي نفسه يذكر فيما بعد كيف كان سلطان مصر يتوجس الشر من شاهرخ في السنين التالية.
لم يمتد عمر الملك الأشرف بعد هذه الحادثة طويلاً، حيث قضى نحبه في عام 841هـ (ابن تغري بردي 15/210) ثم خلفه ابنه الملك العزيز ولكنه لم يستمر في الحكم طويلاً، حيث خلع وجلس على العرش بدلاً عنه الملك الظاهر.
استقبل الملك الظاهر رسول شاهرخ الذي قدم من هرات في يوم الخميس الواقع في الثاني عشر من جمادى الآخرة عام 843، وقد ذكر شاهرخ في رسالته أنه سمع باعتلاء الملك عرش مملكة مصر فأحب أن يعرف مدى صحة الخبر (ابن تغري بردي 15 ـ 336 ـ 337).
يذكر المؤرخون الخراسانيون قصة لطيفة بشأن وصول الملك الظاهر إلى عرش مصر وعلاقته مع بلاط خراسان، ومن ضمن الذين نقلوا القصة عبد الرزاق في مطلع السعدين وخواندمير في حبيب السير بعبارات مشابهة لعبارات الأول. ومفاد رواية الاثنين هو كما يلي:
عندما كان الملك الظاهر يشتغل حارساً في زمن الملك الأشرف رأى في المنام أن شاهرخ أقامه فأجلسه على العرش الملكي. ثم يذهب هذان المؤرخان بعيداً في تفصيل الرؤيا وطموح الملك الظاهر في الوصول إلى عرش مصر، كل ذلك بعبارات متكلفة مصطنعة، وهما يعتقدان أن هذا هو السبب في مبادرة الملك الظاهر عند تسلمه السلطة إلى إرسال أحد خاصة أمرائه المدعو جيجكتوقا سفيراً إلى شاهرخ.
وصل جيجكتوقا هرات في عام 843هـ وتشرف بعد ثلاثة أيام بتقبيل أنامل الخاقان المعظم شاهرخ ورحب به شاهرخ وسأله عن حال ملكه ثم أجلسه إلى جانبه الأيمن مع كبار رجال بلاطه، وفي ذلك اليوم أقاموا مأدبة كبيرة استخدموا فيها آنية من الذهب الأحمر، واستضاف جيجكتوقا جميع الأمراء وقدموا له هدايا ثمينة.
وفي هذه المرة طلب علماء مصر مجموعة من الكتب من الخراسانيين حيث ذكر لهم جيجكتوقا أن الملك الظاهر يطلب خمسة كتب مهمة من مكتبة هرات وهي:
1 ـ تأويلات حجة أهل السنّة والجماعة. تأليف الشيخ أبي منصور الماتريدي.
2 ـ التفسير الكبير للرازي.
3 ـ شرح التلخيص الجامع للخواجة مسعود البخاري.
4 ـ شرح الكشاف لعلاء الدين البهلوان.
5 ـ الروضة في المذهب الشافعي.
يذكر خواندمير أنه على الرغم من وجود هذه الكتب في مكتبة هرات إلا أن الأوامر صدرت بإعادة كتابة الكتب الخمسة بخط جميل ثم سلمت إلى جيجكتوقا، فعاد هذا إلى مصر محملاً بالهدايا القيمة بالإضافة إلى خمسين ألف دينار.
واستلم كل من غلمان جيجكتوقا الخمسين ألف دينار إضافة إلى فرس وخلعة. وكتب شاهرخ إلى حكام أصفهان وشيراز ويزد وكاشان أن يكرموا وفادة هؤلاء وينعموا عليهم.
رافق جيجكتوقا في عودته إلى مصر حسام الدين مبارك شاه البروانجي (خواند مير 3/427 ـ 428) عبد الرزاق، نسخة خطية)، ولكن رواية المقريزي تفيد بأن رسول شاهرخ مبارك شاه توفي في يوم الأحد الواقع في الثالث عشر من ربيع الآخر عام 844 قبل أن يصل القاهرة. ويضيف المقريزي أن مبارك شاه رجل عالم فاضل.
قدم ابنه الخواجه كلان (أو الخواجه كلال) بعد وفاته إلى الملك الظاهر محملاً بهدية ورسالة من الملك شاهرخ، حيث وصل هو ومرافقوه القاهرة في السادس والعشرين من ربيع الثاني عام 844هـ فتزينت هذه المدينة لقدومهم وخرج ابن سلطان مصر مع جماعة من الأمراء لاستقبال الرسل الخراسانيين ويصف ابن تغري بردي والمقريزي يوم دخول السفراء القاهرة باليوم المشهود ويذكرون بأن هذه الرسوم والاحتفالات لم يسبق لها مثيل في القاهرة.
قرأ الرسل رسالة شاهرخ التي تتضمن السلام لسلطان مصر وتهنئته بجلوسه على العرش، ثم قدموا هداياهم وهي: مائة قطعة من الفيروز وإحدى وثمانين قطعة حرير وعدداً من الثياب والجلود والمسك وثلاثين بعيراً خراسانياً وأشياء أخرى بقيمة خمسين ألف دينار.
ارتدى الرسول الخراساني في الثامن والعشرين من ربيع الآخر خلعة السفارة، وخلعته هذه من الحرير ذي الوجهين مع تطريز بالذهب يبلغ وزنه خمسمائة مثقال. وكانت فرسه مزينة بالذهب وحذاؤه كذلك. وتسلم مرافقوه هدايا قيمة (السلوك 4 (3) 1211؛ النجوم الزاهرة، 15/342 ـ 344)، ولكن الخواجه كلال قضى نحبه في القاهرة في التاسع من جمادى الأولى من نفس تلك السنة، فدفن خارج باب النصر ثم نقل بعد فترة هو وأبوه إلى القدس فدفنا هناك (السلوك 4 (3)/1231).
وفي عام 847 سافر السيد محمد الزمزمي من هرات إلى مصر لطلب الإذن من الملك الظاهر في إكساء الكعبة، ويبدو أن الأخير وافق، إذ تعهد بأنه سيبذل كل ما بوسعه لتحقيق ذلك حينما يبعث شاهرخ بكسوة الكعبة (خواند مير، 3/362؛ عبد الرزاق نسخة خطية).
ويذكر السخاوي بأن الملك الظاهر أذن لشاهرخ أن يفي بنذره، الذي كان قد عقده قربة إلى الله، على أي نحو يريد.
وحسب رواية صاحب مطلع السعدين فإن مهمة السفارة كسوة الكعبة إلى الحجاز ألقيت في هرات عام 848 على عاتق الشيخ نور محمد الأبهري.
بينما يذكر خواند مير أن الشيخ نور الدين محمد المرشدي وشمس الدين محمد الأبهري هما اللذان أنيطت هذه المهمة بهما ويذكر السخاوي أن (قاضي الملل)، العالم المشهور كان بين الموفدين ويبدو أن المقصود بقاضي الملل هو نفس شيخ الإسلام المرشدي.
وأما كسوة الكعبة فقد كانت مهيأة في يزد ثم حملت إلى هرات وحفظت في خزانة العاصمة. وفي هذه السنة حمل الرسل هذه الكسوة وتحركوا صوب مصر، وعندما وصل هؤلاء إلى الشام أكرم أمراء الشام وأعيانها وفادتهم، وعندما دخلوا مصر في يوم الخميس الواقع في الخامس عشر من شعبان عام 848 خرج لاستقبالهم جماعة من المقربين للملك الظاهر وخواصه.
حط السفراء الخراسانيون رحالهم في القاهرة. في دار جمال الدين الأستادار الواقعة في محل بين القصرين. ويذكر السخاوي وابن تغري أن عدد مرافقي السفراء الخراسانيين يصل إلى المائة شخص أو يزيدون، ومن بينهم عجوز من نساء تيمورلنك قادمة لأداء فريضة الحج.
التقى هذا الوفد بسلطان مصر الملك الظاهر في يوم الاثنين الواقع في الحادي عشر من رمضان عام 848. وكان السلطان قد أمر بتزيين المجلس وإجراء رسوم خاصة تكريماً لهم، ووردت هذه الرسوم بالتفصيل في كتابي السخاوي وابن تغري.
وأمر السلطان بحمل ما كان مع السفراء ومن ضمنه كسوة الكعبة إلى مكان أمين، ليكون في مأمن عن تطاول الآخرين، ثم استقبل السفراء بكل حفاوة واحترام، ثم أنشأ السفراء يقرؤون رسائلهم.
ولكن ـ حسب رواية ابن تغري ـ عندما عاد هؤلاء السفراء إلى محل إقامتهم هجم عليهم جماعة من المماليك يبلغ عددهم ثلاثمائة شخض فنهبوا كل ما كان معهم من كتب قيمة وذهب وحجر كريم وحرير ومسك وجلود، ويذكر ابن تغري أن قيمة الأشياء المنهوبة عشرون ألف دينار.
وفي مطلع السعدين يذكر عبد الرزاق، أن هؤلاء السفراء تأخروا يوماً عند الحضور إلى بلاط الملك، فتناقل الناس خبراً مفاده أن الملك أمر باعتقالهم، ويضيف عبد الرزاق في عرضه لتلك الحادثة فيقول: لم يسلم من النهب إلا صناديق كسوة الكعبة التي يذكر السخاوي بأن عددها تسعة صناديق.
وفي رواية عبد الرزاق: عندما سمع السلطان بالخبر، أصيب باضطراب عظيم وقال: لقد آذى المخربون أصحابي.
وفي آخر المطاف هب اثنان من الأمراء المصريين لمساعدة السفراء الخراسانيين: هما يل خواجه أو (يلخجا) واينال العلائي الدوادار الكبير ومعهما حاجب الحجاب الأمير تنبك فأنقذوهم من مخالب المهاجمين.
اعتذر السلطان للسفراء وأرجع إليهم ما عثر عليه من الأموال المنهوبة ثم قدم لهم أكثر مما فقدوه.
وعوقب المماليك المهاجمون وقطعت حقوق وأرزاق بعضهم، ويذكر السخاوي في كتابه «التبر المسبوك» أن المماليك الذين ارتكبوا هذه الجريمة، عوقبوا بأن يسيروا حفاة في شوارع القاهرة والمنادي ينادي من ورائهم أن هذا جزاء من يتعرض لحجاج بيت الله.
ثم بعث سلطان مصر الملك الظاهر بكسوة الكعبة والسفراء الخراسانيين مع الحجاج المصريين الذين توجهوا إلى مكة، وفي يوم عيد الأضحى كسيت الكعبة من الداخل بهذه الكسوة.
يذكر السخاوي بأن كل هذه المشقات التي تحملها الملك الظاهر لم تثن شاهرخ عن التوجه إلى الشام، حيث توجه إليها في السنة التالية، ولكن لم يمهله الأجل. ثم يضيف السخاوي قائلاً: الأعمال بالنيات.
لم يذكر خواند مير شيئاً عن حوادث القاهرة وهو يقول «عندما وصل السفراء إلى مكة، نالوا سعادة الطواف بالركن والمقام ثم كسوا بيت الملك العلام بالكسوة التي حملوها بحضور الأشراف والحكام وخدام البيت. وكان الفضل في إنجاز هذا العمل العظيم يرجع إلى اهتمام الخاقان العظيم. ثم عزم حضرة الشيخ وجناب المولوي على السير إلى خراسان بعد فراغهم من أداء المناسك وآداب حج الإسلام، فقطعوا المسافات الشاسعة حتى وصلوا دار السلطنة في هرات وفازوا بملازمة الخاقان وتشرفوا بشرح الأحداث له».
الحنين إلى مكة
ولعل الشاعر الشيعي علي خان الشيرازي المعروف بابن معصوم من أكثر الشعراء حنيناً إلى مكة. فمن ذلك قوله:
فارقت مكة والأقدار تقحمني
ولي فؤاد بها ثاو مدى الزمن
فارقتها لا رضى مني وقد شهدت
بذاك أملاك ذاك الحجر والركن
فارقتها وبودي إذ فرقت بها
لو كان قد فارقت روحي بها بدني
ويقول:
خليلي هل عهدي بمكة راجع
فقد قليت بالهند مني المضاجع
وهل شربة من ماء زمزم ترتوي
بها كبد قد أظمأتها الوقائع
وهل عامر ربع الهوى بسويقة)[207](
فعهدي بذاك الربع للشمل جامع
وهل من صفا من سالف العيش بالصفا
يعود لنا يوماً فتصفو المشارع
سقى الله ما بين الحجون إلى الصفا
مرابع فيها للظباء مراتع
وجاد بأجياد)[208]( منازل جيرة
بهن حمام الأبطحين سواجع
وحيا الحيا بالمأزمين)[209]( معاهدا
فما عهدها عندي مدى الدهر ضائع
ويخاطب أهل مكة قائلاً:
وحياتكم يا ساكني أم القرى
ما كان حبكم حديثاً يفترى
أهوى دياركم التي من حلها
حل الجنان بها وعل الكوثرا
إلى أن يقول:
اشري بكل الدهر منها ساعة
لو أنها مما تباع وتشترى
ويتذكر بحرقة إقامته بالحجاز قائلاً:
سقى الله أيامنا بالحجاز
ولا جازها الغيدق الهاطل
فما كان أرغد عيشي بها
إذ المنزل القفر بي آهل
لقد طال وجدي وذكري لها
وليس لعصر مضى طائل
فيا لهف نفسي له ماضياً
ترحل والوجد بي نازل
ترى من عزائي به خارج
وداء الأسى في الحشا داخل
درى أن وجدي به لا يزو
ل وصبري من بعده زائل
يقولون لي إنه خاذل
وخير الظبا الشادن الخاذل
أتعذلني جاهلاً حاله
لك الويل يا أيها العاذل
تجيب الصفاة وليس يجيـ
ـب ودمعي على وجنتي سائل
ويقول في أول وصوله إلى الحجاز:
أسفت على المرسى بشاطئ جدة
فجددت الأفراح لي طلعة البر
وهب نسيم القرب من نحو مكة
ولاح سنى البيت المحرم والحجر
وسارت ركابي لا تمل من السرى
إلى موطن التقوى ومنتجع البر
إلى الكعبة البيت الحرام الذي علا
على كل عالٍ من بناء ومن قصر
فطفت به سبعاً وقبلت ركنه
وأقبلت نحو الحجر آوي إلى حجر
وقد ساغ لي من ماء زمزم شربة
نقعت بها بعد الصدى غلة الصدر
هنالك ألفيت المسرة والهنا
وفزت بما أملت من سالف الدهر
وقمت بفرض الحج طوعاً لمن قضى
على الناس حج البيت مغتنم الأجر
وسرت إلى تلك المشاعر راجياً
من الله غفران المآثم والوزر
وجئت منى والقلب قد فاز بالمنى
وما راعني بالخيف خوف من النفر
وباكرت رميي للجمار وإنما
رميت بها قلب التباعد بالجمر
أقمنا ثلاثاً ليتها الدهر كله
إلى أن نفرنا من منى رابع العشر
فأبت إلى البيت العتيق مودعاً
له ناوياً عودي إليه مدى العمر
ووجهت وجهي نحو طيبة قاصداً
إلى خير مقصود من البر والبحر
فقلت لقلبي قد برئت من الجوى
وقلت لنفسي قد نجوت من العسر
أتدرين ما هذا المقام الذي سما
على قمم الأفلاك أم أنت لم تدري
مقام النبي المصطفى خير من وفى
محمد المحمود في منزل الذكر
رسول الهدى بحر الندى منبع الجدا
مبيد العدى مروي الصدى كاشف الضر
هو المجتبى المختار من آل هاشم
فيا لك من فرع زكي ومن نجر
الملاحم
كتاب لابن جمهور
ابن جمهور هو اسم مشترك لأفراد أسرة من قبيلة بني العم العربية التي كانت تقطن البصرة في القرون 2 ـ 4هـ/8 ـ 10م وبرز من بينهم محدثون وأدباء. وأشهر رجال هذه الأسرة هو أبو عبدالله محمد بن جمهور، محدث ومؤلف وأحد أصحاب الإمام الرضا (ع)، كان يعيش في القرنين 2 و3هـ. ولم تتحدث المصادر بشيء عن تفاصيل حياته، ولكن المعلومات المتوفرة من أسانيد الروايات ترشد إلى شيء من ذلك فقد كان من خاصة أصحاب الإمام الرضا (ع)، حيث لازمه في سفره من المدينة إلى خراسان على أن هناك من عده فاسد العقيدة مغالياً، ويبدو أن ذلك ناشئ عن الخلط بينه وبين رجل آخر من أسرته هو الشاعر محمد بن الحسن بن جمهور. وينسب النجاشي إليه كتب نوادر الحج وأدب العلم والملاحم الكبير.
مُلْتان
من كبريات مدن الباكستان وهي مدينة نزهة ذات بساتين وحدائق وأشجار مثمرة منوعة بينها العنب والليمون والبرتقال واليوسفي والموز والتمر وغيرها وبساتين العنب فيها أكبر البساتين في الباكستان. ويرويها نهران: نهر راوي الذي يمر شمالها الشرقي ونهر جناب الذي يمر جنوبها الغربي. ومن هذين النهرين استمدت نضارتها واخضرارها.
ومن تقاليد ملتان الشعبية التي يقبل عليها الناس والتي اشتهرت بها: المصارعة وألعاب الفروسية والصيد والصراع بين الجمال ورقص الخيول على قرع الطبول وسباق الثيران التي يركبها المتسابقون. وتكثر فيها المواشي وتقام فيها معارض للحيوانات الداجنة.
وغير بعيد من ملتان على بعد أربعين ميلاً منها مكان اسمه (تهل) أي الصحراء ينزله البدو الرحل فيسكنون خياماً من الجلد أو النسيج، ويترحلون حسب المواسم وهم ماهرون بتقصي الأثر ويعيشون من تربية المواشي وفي الصيف يعودون إلى المدن للاشتغال فيها عمالاً. وبعد الاستقلال وإنشاء السدود بدؤوا يستقرون في المزارع والبساتين وفيهم الكثير من الشيعة.
ويشكل الشيعة في مدينة ملتان أكثر من ثلاثين في المائة من مجموع السكان أما في الأقليم كله فيشكلون عشرين في المائة. ويكثر عددهم في (جلال بوربيرالا) و(سالاروهن سادات) و(جك حيدر آباد) و(قتال بور) و(خانيوال) و(دهاري) و(ميلسي) و(لودهران) و(تنكسي). ولا يخلو منهم مكان في إقليم ملتان.
وعلى بعد أربعة أميال من المدينة تقع بلدة (شيعة مياني) ويبلغ عدد نفوسها 25 ألفاً كلهم من الشيعة وفيها مدرسة (مخزن العلوم الشرعية).
ومن بين اللغات الباكستانية تبدو اللغة الملتانية إحدى كبريات لغات الباكستان ويتكلمها الملايين وقد نبغ فيها أعاظم شعراء الشيعة الذين يعتبر شعرهم فذاً في رثاء الحسين (ع) ومن أشهرهم السيد علي شاه والذي يعتبر مجدداً لشعر الرثاء في هذه اللغة والسيد فضل حسين شاه.
ومن (سركودها) إلى (دير إسماعيل خان) إلى ما قبل ملتان بعشرين ميلاً على ضفة نهر السند يسكن ما ينوف على المليون شيعي ممن يتكلمون اللغة الملتانية ومن هذه المنطقة خرج كبار شعراء المراثي الحسينية والمدائح العلوية الذين يبلغ شعرهم المدون ما يقرب من ثلثي شعر اللغة الملتانية مما عدا غير المدون الذي ينتقل على الأفواه من لسان إلى لسان. وقد كان هؤلاء الشعراء السبب في إحياء هذه اللغة وتطويرها وتدوينها وجعلها لغة أدب حي وشعرهم في علي والحسين وآل البيت عامة يجعل الأدب الملتاني في مصاف الآداب العالمية بما فيه من روعة التعبير وعمق المعنى وتدفق العاطفة وسرد القصص. وأن شاعراً واحداً منهم نظم ملحمة مؤلفة من خمسمائة وخمسين بيتاً في سيف علي (ع) (ذي الفقار) وحده.
حسن الأمين يحاضر في ملتان
وعدا عن المدرسة التي أشرنا إليها في (شيعة مياني) ففي ملتان نفسها مدرسة أخرى للشيعة هي مدرسة (باب العلوم) أسسها (حسين بخش) وأوقف لها أوقافاً دائمة، ثم جاء حفيده فزاد في الوقف. والطعام واللباس والكتب في هذه المدرسة مجانية ينفق عليها من الوقف.
ومن الأسر الحسينية النسب في ملتان (آل كرديزي) وهم من أقدم الأسر الشيعية فيها ومن حملة التشيع إليها ونشره في ربوعها ولهم فيما يبدو بقايا نظام صوفي يتسلسل حتى اليوم ورأس الأسرة (مخدوم شاه) شاب يتقدم الشيوخ ولدى الأسرة مكتبة حافلة فيها من الكتب المطبوعة خمسة آلاف كتاب وعدد من المخطوطات النفيسة أهمها حوالي مائتي كتاب يشرف عليها صاحبها السيد محمد رمضان شاه. وعدا هذه المكتبة ففي ملتان اليوم مكتبة أخرى مهمة لدى السادة الذين هاجروا من الهند إلى الباكستان بعد التقسيم وكان يقيم في بلدة (جكراما) في مقاطعة (أوديانا) في البنجاب، ولما أعلن التقسيم ووقعت الفتن الطائفية تعرضت مكتبته الكبيرة لهجوم الهندوس فاحترق منها حوالي تسعة آلاف مجلد واستطاع أن ينقذ منها حوالي الألف مجلد من مخطوط ومطبوع نقل بعضها إلى (جنك) والبعض الآخر إلى ملتان.
والتشيع في (ملتان) قديم العهد وقد ورد في كتاب عمدة الطالب عن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب (ع) ما يأتي:
أما جعفر هذا فكان قد خاف بالحجاز فهرب في ثلاثة عشر رجلاً من صلبه فما استقرت به الدار حتى (الملتان) فلما دخلها فزع إليه أهلها وكثير من أهل السواد وكان في جماعة قوي بهم على البلد حتى ملكه وخوطب بالملك وملك أولاده هناك.
إلى أن قال في عمدة الطالب:
قال لي الشيخ أبو اليقظان عمار وهو يعرف طرفاً كثيراً من أخبار الطالبيين وأسمائهم أن منهم ملوك وأمراء وعلماء ونسابون لسانهم هندي وهم يحفظون أنسابهم وقل من يعلق عليهم ممن ليس منهم.
وقال الشيخ أبو نصر البخاري: وبشيراز ولد جعفر بن محمد بن عمر بن علي، وبالسند من ولد جعفر جماعة على ما يقال.
وجاء في البحث الذي كتبه مظهر الدين صديقي في كتاب (الإسلام صراط مستقيم) عن الثقافة الإسلامية في الهند والباكستان ما يلي:
هذا ما ذكره مظهر الدين صديقي… والمقصود بالإسماعيليين في كلامه الإسماعيليون الفاطميون المعروفون اليوم باسم (البهرة). على أنه بعد أن قضى هولاكو على دولة الإسماعيليين في قلعة (ألموت) وقتل أمامهم ركن الدين خورشاه سنة 654 فرت بقاياهم إلى الهند وأسسوا لأنفسهم مجموعات اتخذت مدينة ملتان مركزاً لها.
مع مخدوم شاه أمام كرديزي قبر أحد أجداده في ملتان
ويبدو أن دعاة القرامطة كانوا قد وصلوا إلى ملتان ونجحوا في إقامة سلطة لهم فيها امتدت زمناً ثم انقرضوا. (راجع: مظفر كر).
المنازل والديار
بنو منقذ أسرة مجيدة نشأ فيها رجال كبار، جلهم فارس شجاع وشاعر أديب وكان حصن شيزر ـ وهو في شمال مدينة حماه ـ يتوارثونه من أيام صالح بن مرداس الذي ملك حلب سنة 417هـ وقتل سنة 419، ثم خرج من أيديهم، واسترده سديد الملك أبو الحسن علي بن مقلد سنة 474 وبقي في أيديهم حتى ضرب بالزلازل سنة 552 وقتل من كان فيه من بني منقذ تحت أنقاضه، ولم ينج منه سوى أسامة بن منقذ وإخوته الذين كانوا خارجه. وقد ترك هذا الحادث الفاجع في نفس أسامة أثراً بالغاً حفزه على تأليف كتاب (المنازل والديار) الذي استغرق في صنعه ست عشرة سنة وضمنه نماذج متخيرة من شعر الجاهليين فمن بعدهم حتى أيامه، فيما قيل في المنازل والديار والأوطان والمغاني والأطلال والآثار والمدن والأهل والأحباب وما إلى ذلك، وقد خلله مقاطع من نظمه لم يرد لأثرها ذكر في ديوانه المطبوع.
قال أسامة: ولقد وقفت عليها بعدما أصابها من الزلازل ما أصابها، وهي أول أرض مسّ جلدي ترابها، فما عرفت داري ولا دور والدي وإخوتي ولا دور أعمامي وبني عمي وأسرتي. فبهت متحيراً مستعيذاً بالله من عظيم بلائه وانتزاع ما خوله من نعمائه. إلى أن قال:
وقد جعلت الكتاب فصولاً، فافتتحت كل فصل بما يوافق حالي، ثم أفضت فيما يوافق ذا القلب الخالي لكي لا يأتي الكتاب وهو كله عويل ونياحة ليس فيه سوى ذي البث راحة. وقد طبع الكتاب سنة 1965 في دمشق (راجع شيزر).
منازل مكة (كتاب)
كتب الشيخ محمد حسن آل ياسين ما يلي:
عثرت في المكتبة الرّضوية بمدينة «مشهد» الإيرانية على مخطوط نفيس قيّم يُعنى بالحديث عن مكة المكرمة، والطّرق الموصلة إليها من جهة المدينة المنورة والكوفة والبصرة وسائر الحواضر الإسلامية المشهورة يومذاك مع تتبّع بالغ، ووصف دقيق لما تضمنته تلك الطرق من بوادٍ وقفار؛ وبرك وآبار؛ وأبنية وقصور؛ وأميال وآثار؛ وزروع وعلامات بريد، بحيث لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وبهذا كان الكتاب مثيراً للإعجاب جالباً للاهتمام قميناً بالبحث والدراسة والنشر.
وأهم مايبعث على الأسف عند مطالعة هذه النسخة نقصانها من أولها بمقدار لا نستطيع تحديده؛ وإن كان نزراً يسيراً على الأكثر، ولكنه ـ على قلّته المحتملة ـ أفقدنا اسم هذا العالم الجغرافي المحقق فبقي مجهولاً خلال هذه الأعوام المتمادية التي مرّت على الكتاب وهو ناقص مبتور.
ثم أشكل الأمر ثانية بواسطة المجلد الذي قدم وأخّر بعض الأوراق أثناء التجليد فتداخل فيه الحديث عن هذا المكان بالحديث عن ذاك؛ فالتبست بعض مطالبه على أكثر مطالعيه.
والنسخة التي نحن بصددها قديمة النسخ كثيرة التصحيف والتحريف قليلة النقط، تتألف من 116 ورقة بحجم 23×18سم، ورقمها العام إلى المكتبة 5751، والواقف لها الشيخ بهاء الدين العاملي المتوفى سنة 1031هـ، وفي أولها ختم باسم «حسن بن علي بن عبدالعالي» مؤرخ سنة 957هـ.
أما آخر الكتاب فتام، وجاء في ختامه ما نصه:
«تمّ الكتاب بعون الله وحسن توفيقه، والحمد لله حقّ حمده، وصلواته على خير خلقه سيدنا محمد النبيّ وعترته الطاهرين وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
ثم ورد في ذيل الصفحة الأخيرة ما لفظه:
«من عواري الزمن على يد أضعف عباد الله… في تاريخ غرة محرم الحرام سنة 899» وقد اعتدت يد جاهلة على هذا التملك فحكت اسم المالك فلم تعرفه.
وبالنظر إلى أهمية موضوع الكتاب ونفاسة معلوماته فقد بذلت جهداً كبيراً في سبيل معرفة مؤلفه وفي تنظيم أوراقه حسب تسلسلها الواقعي، فانكشف الغطاء، واتّضحت الحقيقة، والحمد لله رب العالمين.
إنّ أول حقيقة تسوقنا إليها روايات الكتاب أنّ مؤلفه من رجال القرن الثالث الهجري؛ لأنّ كل الرواة الذين يروي عنهم المؤلف هم من أعلام هذا القرن ومشاهيره، ونذكر في أدناه طائفة منهم على سبيل التمثيل:
1 ـ أحمد بن إسماعيل السهمي المدني، أبو حذافة، المتوفى ببغداد سنة 259هـ.
2 ـ أحمد بن عبد الجبّار العطاردي الكوفي، المتوفى ببغداد سنة 272هـ.
3 ـ أحمد بن منصور بن سيّار الرمادي، أبو بكر، المتوفى ببغداد سنة 265هـ.
4 ـ جعفر بن محمد بن شاكر الصايغ، المتوفى ببغداد سنة 279هـ.
5 ـ الحرث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي، أبو محمد، المتوفى ببغداد سنة 282هـ.
6 ـ الحسن بن مكرم بن حسّان، أبو علي، المتوفى ببغداد سنة 274هـ.
7 ـ عبدالله بن عمرو بن عبد الرحمن بن بشر بن هلال، أبو محمد الأنصاري الورّاق البلخي، المعروف بابن أبي سعد، المتوفى ببغداد سنة 274هـ ويعبّر عنه المؤلف تارة بـ«عبدالله بن عمرو» وتارة بـ«عبدالله بن أبي سعد» وأخرى بـ«أبي محمد الورّاق».
8 ـ عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري، أبو قلابة، المتوفى ببغداد سنة 276هـ.
9 ـ محمد بن الجهم بن هارون السمريّ الكاتب النحوي، أبو عبدالله، المتوفى ببغداد سنة 277هـ.
10 ـ محمد بن خلف بن عبد السلام الأعور المروزيّ، أبو عبدالله، المتوفى ببغداد سنة 277هـ.
11 ـ محمد بن عبدالله بن المبارك المخرميّ الحافظ، أبو جعفر، المتوفى ببغداد سنة 254هـ.
12 ـ محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي، أبو بكر، المتوفى ببغداد سنة 258هـ.
13 ـ محمد بن علي بن حمزة العلوي، المتوفى سنة 287هـ.
14 ـ محمد بن يزيد المبرد الثمالي، المتوفى ببغداد سنة 285هـ.
15 ـ يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبدالله العلوي، أبو الحسين، المتوفى سنة 277هـ.
وهكذا يتضح من معرفة حال المذكورين في أعلاه الراوي عنهم من رجال المائة الثالثة بلا شك، وأنه ممن سكن بغداد فترة غير قصيرة، استطاع خلالها أن يحضر مجالس عدد كبير من المحدّثين والرّواة فيتحدث معهم ويروي عنهم.
أما تعيين اسم المؤلف فقد بقي عندي مجهولاً إلى حين، وعلى الرغم من أنّ الدكتور حسين علي محفوظ قد افترضه ابن الكوفي (254 ـ 348هـ) ورجّح نسبة المخطوط إليه، فإني لم أقتنع بذلك بل كنت قاطعاً بأنه غيره، لأنّ مؤلف المخطوط يروي عن أشخاص لم يكن باستطاعة ابن الكوفي الرواية عنهم مشافهة كمحمد بن عبدالله المخرمي المتوفى سنة ولادة ابن الكوفي 254هـ ومحمد بن عبدالملك بن زنجويه المتوفى سنة 258هـ أي بعد ولادة ابن الكوفي بأربعة أعوام وأحمد بن إسماعيل السهمي المتوفى بعد ولادة ابن الكوفي بخمسة أعوام 259هـ.
ثم اطلعت في أثناء كتاب «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» للسمهودي المتوفى سنة 911هـ على نقول عن كتاب ـ لم يسمّه ـ يُعنى بذكر منازل مكة والطرق الموصلة إليها، والمناسك التي ينتفع بها الحاج، وذكر السمهودي أنّ هذا الكتاب تأليف أبي عبدالله محمد بن أحمد الأسدي، كما ذكر أن هذا المؤلف من المتقدمين، ويؤخذ من كلامه أنه كان في المائة الثالثة. فرجع في ظنّي أن يكون هذا الأسدي ضالتي المنشودة وأن يكون المخطوط ـ موضوع البحث ـ هو كتابه الذي ينقل عنه السمهودي.
وبعد القيام بمقارنة النصوص التي وردت في «وفاء الوفا» منقولة عن كتاب الأسدي بما تضمّنه المخطوط كانت النتيجة المؤكدة أن هذا المخطوط للأسدي، وأنه هو كتابه الذي كان يقطع كثير من الباحثين بفقدانه وضياعه.
والمستفاد من الكتب العربية الباحثة في الشؤون البلدانية ـ على كثرتها ووفرتها وفي طليعتها معجم البلدان ـ أن كتاب الأسدي كان نادر النسخة على مرّ القرون فلم يره هؤلاء المؤلفون ولم يطّلعوا عليه، ولذلك لم يذكروه ولم يشيروا إليه، بل ربّما يُخيّل لي أنّ النسخة التي وقف عليها السمهودي ونقل عنها هي بعينها هذه النسخة الفريدة الباقية إلى اليوم، من دون أن يكون لها ـ في الأمس واليوم ـ أخت ثانية في الدنيا مطلقاً.
كذلك يُستفاد من المصادر الضخمة الكثيرة التي عنيت بالتاريخ والتراجم أن أبا عبدالله الأسدي رجل مجهول الحال كامل الذكر غير معروف لأحد، ولذلك لم يذكر ولم يترجم على الرغم من علمه وفضله وسعة اطلاعه وغزارة معلوماته.
وعلى أي حال، فهذا هو الأسدي وكتابه على وجه القطع واليقين، وأرجو أن أوفق في الأعداد القادمة إلى نشر النصوص التي وردت في مخطوطنا هذا وورد مثلها في نقول المسهودي عنه لتتجلى الحقيقة أكثر وأكثر، فإلى اللقاء إن شاء الله.
تعليق الدكتور محفوظ
وقد علّق الدكتور حسين علي محفوظ على هذه الكلمة بما يلي:
اطلعت في (دار الكتب الرضوية) بمدينة مشهد مركز خراسان في إيران، أوائل خريف سنة 1957 على نسخة خطية قديمة نادرة، لعلها وحيدة؛ كان خازن المخطوطات يظنّ أنها كتاب «أخبار مكة» للأزرقي. وقد استطلع رأيي فيها؛ لأنه لم يطّلع عليه.
فأُعجبت بالكتاب؛ ونبّهت طائفة من أفاضل الباحثين إلى الاستفادة منه، وصورته وأعلنت نبأ عثوري عليه، وظللت مستمراً على تصفحه وتحقيقه.
رقم هذا المخطوط (5751/تاريخ) وعدّة أوراقه 116؛ طول كل ورقة 23 سنتيمتراً، في عرض 18 سم. وفي كل صفحة 19 سطراً، مكتوبة بخط نسخي قديم.
وهو ناقص من أوله بضع أوراق، والمظنون أنه تام الآخر.
والنسخة غير مؤرخة، ولكن يُخيّل إليّ أنها اكتُتبت في أوائل القرن السادس الهجري تقريباً؛ أي أوائل القرن الثاني عشر الميلادي. وعلى ظهرها ختم مؤرخ في 957هـ/1550م. وكانت ملك بعضهم في القرن التاسع؛ فقد ملكتها يده سنة 899هـ/1494م.
اهتممت منذ سبع سنين بهذا المخطوط القيّم، وفضلته على كثير من النوادر، التي كنت اطلعت عليها ـ حينئذ ـ في إيران، ومنها كتب ورسائل بخط حنين بن إسحاق؛ المتوفى سنة 260هـ/874م، ومنظومة في صور الكواكب (لابن الصوفي) المعروف؛ المتوفى سنة 376هـ/986م.
ثم أُتيح لي الإطلاع على أوراق بخط شيخنا (أقابزرك الطهرانيّ) نزيل النجف؛ مصنَّف كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) دوَّن فيها أسماء بعض الكتب كمسودة لكتاب الذريعة المذكور. ومنها كتاب (منازل مكة).
وكان الشيخ أقابزرك الطهرانيّ عثر على هذا الإسم، في كتاب (المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد) المعروف ب (التعليق العراقي)؛ تأليف سديد الدين أبي الثناء محمود بن علي بن الحسن الرازي الحمصي، المتوفي في حدود سنة 590هـ 1194م؛ الذي فرغ من تأليفه سنة 581هـ 1185م؛ فقد نقل الحمصيّ من كتاب (غرر الأدلة) تأليف أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي المتوفي سنة 436هـ/1044م، أنه قال: «قرأت بخط ابن الكوفي في كتاب منازل مكة وهذه الكلمة، هي التي دعت أقابزرك أن يثبت اسم كتاب منازل مكة، وينسبه إلى ابن الكوفي، في كتابه (الذريعة) ـ فقلت: ربما كان هذا المخطوط «منازل مكة» ولعلّ مؤلفه ابن الكوفي».
وقد أشرت إلى ذلك في فهرست تأليفاتي المطبوع على ظهر كتابي «تاريخ الشيعة المنشور سنة 1957» ووضعت تجاه اسم الكتاب والمؤلف حرف (ظ) علامة الظنَّ.
وقد حضَّني هذا على تتبُّع ترجمة ابن الكوفي. وألّفت رسالة مفصَّلة في سيرته ظهرت في سلسلة مطبوعات كلية الآداب، بجامعة بغداد سنة 1380هـ 1961م. كما دعوت إلى إحياء (ذكرى ابن الكوفي) الألفية، وأعلنا مهرجانه الألفي، في كلية الآداب بجامعة بغداد، في 12 كانون الثاني سنة 1960، وعرَّفت به في راديو بغداد؛ عشية 22 حزيران سنة 1960، ووصفت النسخة الخطِّيّة في مؤتمر المستشرقين الخامس والعشرين بموسكو في صيف العام المذكور، وفي (الندوة الثقافية) بتلفزيون بغداد عشية 3 تشرين الأول سنة 1964، وعرفت بابن الكوفي ـ أيضاً ـ في العدد الـ 14 و15 من مجلة بغداد.
أمّا ابن الكوفي وهو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد بن الزبير، الأسدي، القرشي؛ المعروف بابن الكوفي، وابن الزبير؛ فقد ولد بمدينة الكوفة سنة 254هـ/ 868 م، واستوطن بغداد، وتوفي بها سنة 348 هـ/960م، فأكتفي ـ الآن ـ بالإشارة إلى أني أكاد أعدُّ هذا النابغة من أوائل المحقِّقين العرب؛ الذين اتبعوا الطريقة العلمية الصحيحة في التأليف والكتابة، والنقل والجمع.
وكان خطَّه معروفاً بالصحة والجودة، والاتقان والضبط. وكانت تأليفاته غاية في الدقة. وقد رتَّب خزانته على العلوم ترتيباً خاصاً بارعاً، مع تعيين أمكنتها. كما أنه سبقنا إلى استعمال البطاقات والجزازات ـ وهي الرقاع والوريقات التي تعلق فيها الفوائد؛ التي نسمِّيها اليوم (فيش Fiche) ـ في التأليف والجمع.
وقد بيعت رقاعه ـ بعد وفاته ـ كل بطاقة بدرهم.
وقد اعتمد ابن النديم على مباحث ابن الكوفي. ولقد أحصيت مآخذ ابن النديم في كتابه (الفهرست) من خطّ ابن الكوفي؛ فوجدته نقل فصولاً طوالاً في 29 موضعاً من الكتاب، ربّما أوشكت أن تبلغ مقدار عُشر الفهرست تقريباً.
وممَّا يزيد أهمية ابن الكوفي، أنه كان واسطة نقل التراث العلميّ، الذي تمّ طوال القرون الأربعة الأولى من تاريخ الثقافة الإسلامية. وقد حسبت ما وصلت إلينا أسماؤه. مما رواه عنه واحد من تلاميذه فقط، وهو أبو عبد الله أحمد بن عبدون المعروف ب (ابن الحاشر)، المتوفى سنة 423هـ/ 1032م فوجدته 600 كتاب في اللغة، والأدب، والخطب، والتاريخ، والأنساب، والتفسير، والفقه، والشعر، وسائر العلوم الإسلامية. كما أوصل إلينا 400 أصل من كتب الحديث، كما أوصل إلينا آثار 19 عالماً من رجال الفكر الإسلامي، والثقافة الفقهية.
أمّا هذا الكتاب، الذي أتكلم عليه؛ فأكاد لا أشكّ أنَّ اسمه «منازل مكة» فإنَّ مؤلّفه صنّفه في صفة منازل مكّة. وقد صرّح بالاسم عدة مرات. ولقد وصف الطريق غاية في الدقة من الكوفة إلى مكة، ثم طريق المدينة. ثم ذكر مسجد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذي بناه حين قدم من مكة، والمسجد الذي بناه لما قدم من خيبر. وقد وصف مسجده في المدينة وذكر القبر، واختلاف الناس فيه، وأشار إلى مساحته.
وذكر ـ أيضاً ـ الكتابة التي حول المسجد، وزينته، وتوسيعه أيام الخلفاء والولاة. ثم ذكر حدّ جدار النبيَّ، ومساجده في المدينة، ومساحتها، وذكر المنبر.
ثم بيّن حدّ المدينة، وجبالها، ومياهها، وما حولها من الجبال، وأقسامها، وقبور الشهداء بأُحُد وأسماءهم.
ثم ذكر طريق بدر، والطريق بين المدينة ومكّة، ووصف المنازل إلى مكة، وذكر آداب الحج.
وذكر ـ من بعد ـ مكة، وأسماءها، وسبب تسميتها. والمسجد الحرام، والصفا، والمروة، والكعبة، وبنيانها، وزمزم، ومساحة المسجد الحرام والكعبة.
وذكر الطريق إلى منى، والمشاعر، ومسافاتها، والطريق القديمة بين خيبر والمدينة، ومسافاتها، وطريق سلمان.
وأفرد فصلاً جغرافياً لوصف الحجاز، وجزيرة العرب، ونجد، وتهامة. ثم أثبت منظومة طويلة في ذكر المنازل على طريق مكة لأحمد بن عمرو ـ الذي كان مع أم جعفر سنة حجّها، ووصف سفرها من بغداد إلى الكوفة. ثم إلى مكة، ثم الخروج في الطريق الأول إلى مدينة السلام بغداد. ومنظومة أخرى في وصف الطريق ـ أيضاً ـ ومنظومة ثالثة، أنشدها أبو جعفر، أحمد بن محمد بن الضحَّاك بن عمر، الجمانيّ الكوفيّ.
ومنظومة رابعة للمؤلف في وصف طريق العودة إلى الكوفة.
ثم ذكر طريق البصرة ومياهه، والطريق التي يسلكها الناس في عصره، وطريق البحرين.
وأثبت قصيدة وهب بن جرير بن حازم الجهضميّ في الطريق والمناسك.
وأورد أخيراً الطريق إلى مكة من اليمن، وتهامة، وحضرموت، ومصر، والساحل، والشام، والطائف، وجدة.
وهو يروي كل ما يأتي به، عن الرّواة الثقات بإسنادهم. ويصف الأمكنة والمنازل، ومن ينزلها من القبائل، وأسماءها، وأسباب تسميتها ويعين مسافاتها، وبعدها عن البقاع المحيطة بها، وما فيها من قصور ومساجد، وبرك، وأحواض، ومشارب، ومصافي، ومسايل، ومجاري، وآبار.
وكذلك الهضاب، والعقبات، والرِّمال، والرياض، والبساتين والحدائق‘ ويعيّن أنواع الأرضين، وارتفاعها، والآبار المطمومة، والمعطّلة والعذبة، والمالحة. ولم ينسَ إثبات ما قيل في ذلك كله من الشعر، وما ورد فيه من الأخبار.
فالكتاب ـ إذن ـ مجموع أدبي، تاريخي، نسبي، جغرافي، طبغرافي، فقهي. وقد روى المؤلف في كتابه هذا عن جماعة زادوا على مائة من العلماء والأخباريين، كلهم ممن كان يعيش في بغداد في أواسط القرن الثالث وأواخره، وأوائل القرن الرابع الهجري (9 و10م) وهو عصر ابن الكوفي.
أما مؤلف الكتاب؛ فأكاد أظن أنه عراقي ـ سواء كان ابن الكوفي أم لم يكنه ـ لأنه خصَّ العراق بالجزء الأكبر من الكتاب، ووصف طريق العراق مفصلاً، وقد أوجز في الكلام على الطرق الأخرى، واكتفى أحياناً بالأسماء.
كما نستطيع أن نقول: إنه عاش في القرنين الثالث والرابع (9 و10م) لأنه روى عن رجال من أهل ذينك القرنين. وربما صح أن نقول أيضاً: إنه كوفي، لأنه اهتم بالكوفة وخصّها بكثير من العناية والكلام في قصيدته التي وصف بها الطريق، وكانت آخر مراحل سَفره، وهو بغدادي المنزل (ظ) لأنه روى عن علماء كانوا جميعا ببغداد.
المنامة
المنامة هي عاصمة دولة البحرين وأكبر جزرها البالغة 33 جزيرة في قلب الخليج على خط عرض 26 تمتد على مسافة 400 ميل مربع بمحاذاة الساحل الشرقي لما يسمى بالمملكة العربية السعودية. وتعتبر المنامة من أهم موانئ الخليج الفارسي لما تتمتع به من مكانة استراتيجية هامة.
المنامة… في التاريخ
تاريخ هذه الجزيرة موغل في القدم، حيث سكنها الكنعانيون في الألف الثالث قبل الميلاد، ثم عقبهم الفينيقيون. ومن أقوال بعض المؤرخين إن السومريين جاؤوا أصلاً من هذه المنطقة.
وجاء في النصوص الأكدية والسومرية اسم موضع دلمون. وهو على رأي أغلبية العلماء، اسم أطلق على هذه الجزيرة، وتدل على ذلك أقوال سرجون وآشور بانيبال.
وكان لجزيرة دلمون مكانة خاصة تحدثت عنها الأساطير الكثيرة، واشتهرت دلمون بتمرها وبأخشابها وبمعادنها وخاصة النحاس والبرونز. وورد في أخبار سرجون الأكدي أنه غزا دلمون، وضم الأرض المتاخمة لها إلى ملكه، وذكر عن سنحاريب أنه بعد أن تمكن من بابل ودكها دكاً، صمم على غزو دلمون وضمها إلى مملكته. وبذلك أصبحت تابعة لآشور بانيبال.
وقد تم العثور على بعض المقابر القديمة، وبها عظام بشرية وعظام حيوانات ومصوغات من الذهب وخرز وأحجار للزينة، والرأي السائد بين الذين عنوا بدراسة هذه الآثار أنها مقابر فينيقية، ومن يدري… فربما كان الفينيقيون أصلاً من هذه المنطقة قبل نزوحهم إلى سواحل المتوسط لينطلقوا إلى العالم ويسيطروا عليه بذكائهم وشجاعتهم واختراعاتهم، مثل صناعة الزجاج الملون والأرجوان، واكتشاف الحروف الهجائية.
ثم توالت على هذه المنطقة موجات بشرية مصدرها شبه الجزيرة العربية، حدثت في فترات متباعدة وتذكر المصادر العربية أن أولى القبائل العربية التي قطنت المنطقة، كانت من العرب البائدة، وأنهم من عمالقة طسم وجديس. ثم كان بنو قضاعة من أقدم النازحين من بني عدنان في حوالي بدء التاريخ الميلادي أو قبله بقليل، فلما جاء بنو قضاعة وجدوا قوماً من النبط فأجلوهم وأقاموا مكانهم، ومن أشهر القبائل التي نزحت إلى المنطقة بعد ذلك من ربيعة، عبد القيس، التي نزلت البحرين وهجر وكان فيها إياد، فأجلت إياد. ومن ربيعة انتشرت بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة فيما بينها وبين البحرين إلى أطراف العراق.
وكان سكان المنطقة قبل الإسلام من عبد القيس وبكر بن وائل. وفي سنة 8 هـ، 630م، وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء الحضرمي إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام، فأسلم جميع العرب فيها.
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبروز الردة ثبت الجارود العبدي على إسلامه مع قومه بني عبد القيس، وكانوا خير عون لجيوش المسلمين التي وصلت إلى المنطقة لمحاربة المرتدين. وتم القضاء على حركة أهل الردة على يد العلاء الحضرمي الذي توفي سنة 21هـ. وظلت البحرين تتبع الدولة الإسلامية، وحكمها البرتغاليون فترة والفرس فترة، بواسطة حكام من العرب. لكن البحرين ظلت منذ فجر التاريخ عربية المنبت والواقع والطموح.
الآثار
منظر جوي لمدينة المنامة
وتختلف الآكام في طريقة البناء، فرغم أن كل أكمة تشتمل على حجرة للقبر، إلا أن شكل هذه الحجرة قد يكون في حجم النعش مبنياً من الحجارة المرجانية، وقد يكون بناية مؤلفة من طابقين، مشيدة من الكتل الصخرية، التي يتراوح وزن الكتلة منها بين 6 ـ 10 أطنان، وتضم هذه الأكمة من 6 ـ 8 حجرات. واكتشف في تلك المدافن بعض القطع العاجية والزخرفية، وقطع من قشور بعض النعام، ويقال إن أصحاب هذه المقابر من سكان المنطقة ما بين (700 ـ 600 قبل الميلاد)، وهم الذين وصفهم ملوك آشور ـ بعد هذا التاريخ ـ بأنهم كانوا يصدرون التمر واللؤلؤ إلى الأجزاء الشمالية في الخليج.
كما وجدت مقابر على هيئة آكام على جانبي طريق البديع، قيل إنها تعود إلى الغزاة الفرس في مستهل القرون الأولى للتاريخ، وقد استعملوا طريقة للدفن تختلف عن المقابر الأخرى، فكانوا يدفنون في الأكمة الواحدة أكثر من ميت واحد.
أما في قرية باربار، فيوجد ثلاثة معابد أثرية يعود تاريخها إلى ما قبل 3000 سنة، تقع حول القلعة القديمة، وعثر على عدد من الحجرات تحيط بهيكل هذه المعابد، وبعض هذه الحجرات يؤدي إلى سور المدينة القديمة المرجح وجودها في هذا المكان، وفي قرية عسكر على الساحل الشرقي يقع ضريح صعصعة بن صوحان. ويوجد قبر حيان بن عبد القيس في الرأس المسمى باسمهن أما قبر (النبي صالح) فيوجد في جزيرة مسماة باسمه.
وجنوب غربي المنامة بحوالي كيلومترين يوجد (جامع الخميس) الذي تبرز في واجهته مئذنتان عاليتان يبلغ ارتفاع كل واحدة منها حوالي 100 قدم، وهما أثران لجامع كبير يرجع إلى القرن العاشر، ويقال إنه شيد في عهد عمر بن عبد العزيز، ولا زالت أنقاض قبابه وأعمدته المتداعية باقية الأطلال، ويقوم مع المدرسة الملحقة به على أرض مساحتها حوالي 1.500 متر مربع، يحيط به سور من الأحجار الكبيرة يبلغ ارتفاعه حوالي عشرة أقدام، والمبنى الداخلي يتألف من مصلى وعدة غرف.
وسمي (جامع الخميس) لقربه من سوق الخميس، حيث يتجمع سكان القرى لبيع منتوجاتهم وشراء احتياجاتهم من المدينة في كل يوم خميس من كل أسبوع.
ومن المساجد الأثرية (مسجد الدرة) في قرية (جد حفص)، وكان هذا المسجد معهداً للعلم والأدب.
وهناك إلى جانب هذه الآثار عدد من القلاع، منها قلعة البرتغال التي بناها البرتغاليون الذين بسطوا نفوذهم على الخليج العربي (921 ـ 1515م)، وكانت هذه القلاع بمثابة قواعد بحرية في المدن الساحلية لحماية سفنهم التجارية، وتقع قلعة البرتغال جنوب غربي المنامة على الساحل البحري مباشرة. وكذلك قلعة قرير بن رحال التي شيدت سنة 1150م، في الدفاع الشرقي… وقلعة الديوان وشيدت سنة 1152م، جنوب المنامة، وقلعة عراد شيدت سنة 1215م، في قرية عراد.
الغوص
لعب الغوص دوراً هاماً في حياة البلاد الاجتماعية والاقتصادية، فكان الحاكم يترأس احتفالات بدء الموسم في شهر مايو (أيار)، كما أن الانتهاء من أعمال الغوص في نوفمبر (تشرين الثاني)، يقترن باحتفالات شعبية عظيمة. وبما أن الغوص مسألة حيوية للبحرين، فقد ظهر رد فعل عنيف هناك حينما فكرت شركة بريطانية سنة 1871م، في منافسة العرب في هذه الصناعة، وذلك بالحصول على امتياز لاستخراج اللؤلؤ، وقد عدلت الشركة عن ذلك، إذ أدركت أن مثل هذا الامتياز يتطلب استخدام القوة لصد العرب عن مقاومتها.
وقد ظلت صناعة الغوص تنمو مع سهولة المواصلات العالمية وازدهار النظام الرأسمالي في أوروبا، حتى كانت نهاية العشرينات فتعرضت الصناعة لأزمتين في نفس الوقت:
الأزمة الأولى تتمثل في الكساد الاقتصادي الذي حل بالعالم بين عام 1929م ـ 1932م.
الثانية: تمكن اليابانيون من إنتاج لؤلؤ صناعي ينافس اللؤلؤ الطبيعي لرخص ثمنه، ولكن ما كادت هذه الأزمة تحل بصناعة اللؤلؤ حتى عوضت البلاد باكتشاف النفط. واستخدمت في البحرين أنواع عديدة من السفن. وقال لوريمر عن ذلك حوالي عام 1905م:
«من الضروري هنا أن نقول كلمة عن الأغراض التي كانت تستخدم فيها هذه الأنواع المختلفة من السفن، علماً بأن البعض منها يمكن تحويله من نوع من الخدمة إلى نوع آخر. وهي ليست مقصورة على نوع بالذات. إن السفن المستخدمة للتجارة هي البغلة والبوم والشوعي والبقارة. وقوارب صيد اللؤلؤ هي أصلاً البقارة والشوعي والسمبوك والبتيل، وصنادل الشحن هي البوم ونوع ذو قاع منبسط يسمى (تشاشيل)، والمعديات هي الماشوة والشوعي، وأيضاً مراكب الصيد. ولقد أصبح من المؤكد أن في البحرين حوالي مائة سفينة تستعمل في التجارة، وتسير للقطيف والعقير وقطر وساحل عمان المتصالح والساحل الإيراني، ويذهب بعضها حتى إلى الهند وشبه جزيرة العرب الجنوبية وزنجبار، وتوجد 917 سفينة تعمل لصيد اللؤلؤ و30 سفينة شحن في ميناء المنامة نصفها من البوم، و300 معدية تتردد أساساً بين المنامة ومدينة المحرق، و600 من قوارب الصيد، ومجموع هذه الأرقام 1847، ويمكن أن نوضح أنها قابلة للتحويل من نوع لآخر».
وكان ارتباط سكان المنطقة بالسفن قديماً. ولعلنا نتذكر ما جاء في معلقة طرفة بن العبد الذي نشأ في البحرين إشارة إلى نوعين من السفن:
عدولية أو من سفين ابن يامن
يجور بها الملاح طوراً ويهتدي
فالعدولية منسوبة إلى ميناء عدول بالصومال، والأخرى سفن ابن يامن من أهل البحرين، وكان يمتلك عدداً من السفن التي تبحر في مياه الخليج.
عادات وتقاليد
في المنامة، كما هو الحال في بقية مدن الخليج، عادات وتقاليد تكون في جملتها سلسلة من الموروثات والمعتقدات ذات العلاقة بحياة الناس ووسائل معيشتهم، وتطبع علاقتهم مع الأخرىن بالود والسماحة والألفة والكرم.
ولعل ضنك العيش الذي كانت تعيشه هذه المنطقة نتيجة اتصالها بأخطار البحر وأهواله، والفاقة لدى عامة الناس، هو الذي دفعهم لتفريغ شحنات الأسى في الألحان الشجية، حتى أصبح للغناء علاقة وثيقة بالسكان منذ نعومة أظفارهم.
فالطفل في المهد ينام على هدهدة أمه وهي تغني له أغانٍ تذوب عذوبة وشجناً، وعندما يكبر يردد مع أترابه أغاني الأطفال المعروفة ومنها:
حمامة نودي نودي
سلمي على مسعودي
مسعودي راح مكة
جاب ثياب العكة
حطيتها في صندوقي
صندوقي ما له مفتاح
والمفتاح عند الحداد
والحداد يبغي فلوس
والفلوس عند العروس
والعروس تبغي عيال
والعيال يبغون حليب
والحليب عند البقر
والبقر تبغي حشيش
والحشيش يبغي مطر
والمطر عند الله
لا إله إلا الله
وهناك عادات وتقاليد عديدة تتعلق بالختان، والختمة (عندما يحفظ الطفل القرآن الكريم كاملاً)، والزواج، والأعياد، ومواسم الغوص وأثناء العمل، وكلها عادات وتقاليد يلعب فيها الغناء دوراً رئيسياً.
صناعة تقليدية
في المنامة، إلى جانب صناعة اللؤلؤ، كانت هناك بعض الصناعات المتصلة بحياة الفلاحين، مثل صناعة الألياف والسلال والمراوح اليدوية وأكياس التمر من سعف النخيل، وكذلك أعمال الحدادة والنجارة والأواني الفخارية وتطريز الملبوسات النسائية ونسج العبي.
ومع ظهور البترول، دخلت الصناعات الحديثة الخفيفة والثقيلة، وبدأت الصناعات التقليدية تتراجع ولم يبق منها إلا القليل في بعض القرى الريفية.
معالم المنامة
من المعالم المعروفة في المنامة «باب البحرين» وهو في وسط السوق التجاري، و«قصر القضيبية» القديم الذي تحول إلى مقر للمعهد العالي للمعلمين والمعلمات، وكذلك محطة «الأقمار الصناعية»، وهي أول محطة تنشأ في منطقة الخليج العربي.
وفي المنامة أوليات جديرة بالتسجيل، حيث تم بها تأسيس أول غرفة تجارية في منطقة الخليج عام 1939م، كما صدرت بها أول مجلة وهي «صوت البحرين» عام 1949م.
وفي المحرق القريبة من المنامة، تم إنشاء أول مدرسة نظامية في المنطقة هي «مدرسة الهداية» عام 1819م. وفي مضمار تعليم البنات افتتحت أول مدرسة عام 1929م.
وتعتبر «عين عذارى» من المعالم التي يزورها السياح، وهناك مثل شعبي يقول: (عين عذارى… تسقي البعيد، وتترك القريب)، ويضرب فيمن لا خير له في أهله ومعارفه بينما يشمل الأغراب بمعروفه وإحسانه. وقد ورد ذكر عين عذارى في شعر ابن المقرب العيوني.
وفي المنامة العديد من المتنزهات والفنادق الضخمة والشواطئ الجميلة، التي بدأت تحظى بعناية المسؤولين، حتى أصبحت أمكنة يؤمها سكان المناطق المجاورة.
كما توجد في المنامة العمارات الشاهقة والشوارع الواسعة والمجمعات التجارية والسكنية، التي تجعلها مدينة عصرية تكاد تسابق الزمن في التطور والازدهار.
أحياؤها القديمة
من الأحياء القديمة في المنامة «فريق الفاضل» و«فريق كانو» و«فريق بوصرة» و«فريق رأس رمان» و«فريق الزراريع» و«فريق النعيم» وهم يسمون الفريق (فريج)، ومن عاداتهم أن يقلبوا الجيم ياء فيتحول (الفريج) إلى (فري) والنجمة إلى (نيمة) والتاجر إلى (تاير) وهكذا.
خليل إبراهيم القزيع
مناهج الكتابة
في السيرة النبوية
لم يهتم المسلمون بشيء ـ بعد القرآن الكريم ـ كاهتمامهم بسيرة نبيهم صلی الله علیه وآله وسلم وحرصهم على معرفة تفاصيل حياته الخاصة والعامة، يدفعهم إلى ذلك عاملان رئيسيان:
الأول: ارتباطهم العاطفي بشخص الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وميلهم الشديد لمعرفة تفاصيل حياته. وقد كانت هذه الرغبة تتعاظم وتشتد كلما ابتعدوا عن عصره، وناى بهم الزمان أو المكان عن مشاهدته والعيش معه عن قرب.
كان كل شيء، في حياته، موضع حاجة بالنسبة لهم: تعامله مع الناس، خلقه في داخل بيته، وسلوكه خارج البيت، وضعه مع اصحابه والمقربين منه، وعمله مع أعدائه وخصومه، بل وحتى طريقة تعامله مع سائر مخلوقات اللّه.
كان القريب منه لا يود فراقه والبعيد عنه يعيش أمل اللقاء به والتشرف بخدمته. فهذا زيد بن حارثة ينفصل عن أهله ويرفض العودة مع أبيه وأعمامه ـ الذين افتدوه ليحرروه ويعودوا به إلى منازلهم ـ ويفضل الإقامة مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ويرى لذة العيش معه تفوق كل اللذات. وحين غاب رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم اتجه المسلمون إلى أصحابه ومن كان لهم شرف مرافقته ومعاشرته، وخاصة مسلمي البلاد المفتوحة الذين دخلوا الإسلام تواً، وكانوا في غاية الشوق لسماع أخبار النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومتابعة تفاصيل حياته.
وهكذا كانت تتعاظم منزلة أصحاب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في أعين المسلمين، وتشتد الحاجة إليهم كلما ابتعد بهم الزمان عن عهده صلی الله علیه وآله وسلم وقل المتحدثون والمحدثون عنه. وقد زادتهم حقبة الانقطاع في متابعة السيرة ـ
أي في ما منع التدوين ـ زادتهم حنينا إليها وتعلقاً بأحداثها وبمن يحدث عنها حديث المشاهدة والمعايشة. وهكذا صار للصحابة في المجتمع الإسلامي موقع المرجعية، المرجعية التي تستمد شرعيتها من شرف الصحبة فحسب، صحبة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا كان أتباع الديانات الأخرى لا يعطون هذه المكانة إلا لحواريي الأنبياء أو رسلهم أو نوابهم، أو ما إلى ذلك فإن المسلمين منحوها للأصحاب، ليعكسوا بذلك مدى تعلقهم بقائدهم وانشدادهم إليه. وقد شُيدت على هذا الاساس في ما بعد نظريات وعقائد. كان الغرض منها ـ أحياناً ـ استغفال المسلمين وتكريس واقع اجتماعي أو مذهبي معين وتقويض واقع آخر.
لقد بولغ في قيمة «الصحبة» حتى قيل إنها وحدها كافية لأن تعصم صاحبها عن ارتكاب الخطأ وتصده عن المعصية، واشتهر بين المسلمين «إن أصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم اهتديتم». وقد كان لهذا الاعتقاد آثاره المعروفة على التاريخ الإسلامي التي ما تزال ذيولها باقية حتى اليوم.
الثاني: كون السنَّة هي المصدر التشريعي الأول بعد الكتاب الكريم، وقد يلزمنا هذا الرجوع إلى الكتاب مرة وإلى السنّة مرتين: مرة لنتعلم منها ونهتدي بها وأخرى لنستعين بها على إدراك مقاصد القرآن ومراميه. ففي الكتاب ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وعام وخاص، ومطلق ومقيد ولا سبيل لمعرفة ذلك وغيره ـ في كثير من الأحيان ـ إلا بالرجوع إلى السنّة المطهرة.
لم تعد دراسة السنّة عند المسلمين، إذاً، مجرد تعبير عن ميل عاطفي لرسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم أو رغبة في تخليد آثاره وتسجيل مناقبه، كما يدرس الناس حياة العظماء ليتملوا من عناصر العبقرية فيها. لقد تحولت الدراسة من صلة إنسانية وثيقة بين المسلمين وقائدهم إلى فريضة دينية يقوم عليها أساس الدين، وتنبثق عنها تشريعاته وأحكامه. إنها الأسوة الحسنة التي يقتفونها ومنبع الشريعة العظيمة التي يدينون بها.
كل ذلك كان من دواعي الاهتمام الخاص الذي خصّ المسلمون السيرة النبوية به. وقد ترتب على ذلك تأسيس علوم خاصة بالسيرة كعلم الحديث، وعلم الرجال، وما إلى ذلك.
هذا فيما يخص المسلمين. أما غير المسلمين فقد كانت لهم أهدافهم الخاصة من العناية بالسيرة والاهتمام بها وقد أكثروا ـ على اختلاف أهدافهم ومذاهبهم ـ من الكتابة في هذاالموضوع. يحدثنا أحدهم وهو المستشرق «مرجليوت» بقوله: «ان الذين كتبوا في سيرة محمد لا ينتهي ذكر أسمائهم، وإنهم يرون من الشرف للكاتب أن ينال المجد بثبوته مجلساً بين الذين كتبوا عن سيرة هذا الرسول». ونقل عن بعضهم قوله: إنه أحصى ما كتب في السيرة النبوية الشريفة بلغات أوروبا قبل ثمانين عاما فبلغ الف وثلاثمئة كتاب)[210](.
1 ـ المنهج الذي جرى عليه التابعون والمصنفون الاوائل:
لقد كان من الطبيعي أن يتجه المؤرخون للسيرة، في ذلك الجو المفعم بحب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم والمشحون بالرغبة في التعرف على أحواله ـ أي الفترة التي منع فيها تدوين السيرة ـ وتمتد من حين وفاته صلی الله علیه وآله وسلم إلى أيام عمر بن عبد العزيز. كان من الطبيعي أن يتجهوا إلى الجانب الشخصي في سيرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وكأنهم يكتبون ترجمة لحياته يركزون فيها على الجوانب المثيرة والخارقة للعادة من دون ملاحظة ما يمكن أن يسيء منها إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم في موضع هم يريدون مدحه فيه وتسجيل منقبة له صلى الله عليه وآله وسلم. وقد شاعت هذه الطريقة بين المسلمين حتى كادوا يقرنون بين علو المنزلة في الدين وخرق العادة وإبطال قوانين الأسباب والمسببات.
فهذا يقول: إنه يطير من غير جناح، وذلك يقول: إنه اطلع على الغيب واتخذ عند الرحمن عمداً وآخر يقول: إنه ضرب الحجر فصار ذهباً، وما إلى ذلك من خرافات نقلها المحدثون كما هي، وأدخلوها في السيرة النبوية المطهرة. وليس كثيرا في حق محمد صلی الله علیه وآله وسلم، وهو ـ صاحب الخلق العظيم ـ أن يحدث له ذلك، لكن الرسول لم يكن رجل خيال، بل كان رجل حقائق، يبصر بعيدها وقريبها. يأخذ الأمور بمجاريها الطبيعية، فقد خاصم وسالم وانتصر وهزم وكافح على كل شبر من الأرض، من دون أن ينخرم له قانون، أو تخرق له سنة من سنن الحياة.
فهذا القرآن الكريم يحذر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ومن معه، من الغفلة، ويدعوهم، وهم في الصلاة إلى أن ياخذوا حذرهم من الأعداء وألاّ يتوقعوا ملائكة تنزل عليهم فتكفيهم الأعداء دون جهد منهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.
وليس لأحد أن ينكر اطلاع النبي صلی الله علیه وآله وسلم على الغيب، أو ما إلى ذلك من الأمور التي يهيئها اللّه لنبيه، لحكمة معينة، لكن ينبغي ألاّ يتحول ذلك إلى قانون عام وقاعدة تحكم السيرة النبوية وحياة الصالحين من عباد اللّه.
2 ـ المنهج الذي جرى عليه مؤرخو العصر الأموي وما بعده:
لقد كان للأغراض السياسية أسوأ الأثر على طريقة كتابة السيرة وإعطائها الصورة المشوَّهة.
إن تسلم الأمويين لزمام السلطة بعد الإمام علي علیه السلام، لم يدع مجالاً أمام ما تبقى من الصحابة لتدوين السيرة والتحدث عنها بموضوعية.
فمن الطبيعي ان يرفض بنو أمية تدوين تاريخ لهم فيه أسوأ الذكر ولأعدائهم أحسنه.
فما لا شك فيه أن تدوين السيرة يعني، في وجه من وجوهه، تدوين تاريخ بني أمية المعادي للإسلام والمحارب لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. وهل يمكن أن تكون نتيجة كشف مثل هذا التاريخ غير إضعاف سلطان هذه العائلة وسلب شرعيتها.
ليس هذا فحسب، بل أن الحديث عن السيرة النبوية يعني، من جانب آخر، تعزيز دور أعداء بني أمية (بنو هاشم) وعلى رأسهم علي بن ابي طالب علیه السلام. محمد صلی الله علیه وآله وسلم وعلي قرينان لا يذكر أحدهما إلاّ يذكر الآخر. فأي غزوة من غزوات النبي لم يكن لعلي دور القائد فيها؟ وأي موقف مر به رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم ولم يكن علي إلى جانبه؟!!
كل ذلك دعا بني أمية إلى الوقوف بحزم إزاء أية محاولة لتدوين السيرة، واستمروا على هذا الموقف إلى أيام عبد الملك بن مروان، فقد شعروا، آنذاك، بخلو الساحة من الشهود العدول من صحابة رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم الذين يسعهم كشف التزوير وفضح الأكاذيب التي كان يخطط لها الحكم الأموي . فعدلوا عن منع الكتابة وعمدوا إلى الكتابة بالطريقة التي تكرس سلطانهم وتدعم كيانهم؛ جاء في رواية ينقلها الزبير بن بكار في كتابه «الموفقيات»: «قدم علينا سليمان بن عبد الملك» (خلافته بين عامي 96 ـ 99 هـ) حاجاً سنة اثنتين وثمانين، وهو ولي عهد، فمر بالمدينة فدخل عليه الناس، فسلموا عليه، وركب إلى مشاهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم التي صلى فيها، وحيث أصيب أصحابه بأُحُد، ومعه أبان بن عثمان وعمر بن عثمان، وأبو بكر بن عبداللّه بن أبي أحد، فأتوا به قباء، ومسجد الفضيح، ومشربة أم إبراهيم، وأحد، وكل ذلك يسألهم، ويخبرونه عما كان، ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سيرة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومغازيه، فقال أبان: هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أثق به، فأمر بنسخها، وألقى فيها [إلى] عشرة من الكتّاب، فكتبوها في رق، فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنت ارى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإما أن يكونوا ليس هكذا. فقال أبان بن عثمان: أيها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم، من خذلانه، أن نقول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخرق. وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت، فإن يوافقه، فما أيسر نسخه، فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تقوم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تعرف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها. قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين، أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين. فصوب رأيه».
وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك، ثم أنّ سليمان جلس مع قبيصة بن ذؤيب، فأخبره خبر أبان بن عثمان، وما نسخ من تلك الكتب، وما خالف أمير المؤمنين فيها، فقال قبيصه: لولا ما كرهه أمير المؤمنين، لكان من الحظ أن تعلمها وتعلمها ولدك وأعقابهم، إن حظ أمير المؤمنين فيها لوافر، إن اهل بيت أمير المؤمنين لأكثر من شهد بدراً، فشهدها من بني عبد شمس ستة عشر رجلاً من أنفسهم وحلفائهم ومواليهم، وحليف القوم منهم، ومولى القوم منهم، وتوفي رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم وعماله من بني أمية أربعة: عتاب بن أسيد على مكة، وأبان بن سعيد على البحرين، وخالد بن سعيد على اليمن، وأبو سفيان بن حرب على نجران، عاملاً لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولكني رايت أمير المؤمنين كره من ذلك شيئاً، فما كره فلا تخالفه. ثم قال قبيصة: لقد رأيتني وأنا وهو ـ يعني عبد الملك ـ وعدة من ابناء المهاجرين، ما لنا علمٌ غير ذلك حتى أحكمناه، ثم نظرنا بعدُ في الحلال والحرام.
فقال سليمان: يا أبا إسحاق، ألا تخبرني عن هذا البغض من أمير المؤمنين وأهل بيته لهذا الحي من الأنصار وحرمانهم إياهم، لِمَ كان؟ فقال: يا ابن أخي، أول من أحدث ذلك معاوية بن أبي سفيان، ثم أحدثه أبو عبد الملك، ثم أحدثه أبوك. فقال: علام ذلك؟ قال: فواللّه ما أريد به إلاّ لأعلمه وأعرفه.
فقال: أنهم قتلوا قوماً من قومهم، وما كان من خذلانهم عثمان ـ رضي اللّه عنهم ـ فحقدوه عليهم، وحنقوه وتوارثوه، وكنت أحب لأمير المؤمنين أن يكون على غير ذلك لهم، وأن أخرج من مالي، فكلمه. فقال سليمان: أفعل واللّه. فكلمه وقبيصة حاضر، فأخبره قبيصة بما كان من محاورتهم. فقال عبد الملك: واللّه ما أقدر على غير ذلك فدعونا من ذكرهم، فأمسكت القوم)[211](.
وفي رواية أخرى ينقلها أبو الفرج الاصفهاني (284ـ 362 هـ) قال: «قال المدائني، في خبر خالد بن عبداللّه القسري: أخبرني ابن شهاب أن خالداً هذا قال له: اكتب لي النسب، فبدأت بنسب مضر وما أتممته فقال: أقطعه، قطعه اللّه مع أصولهم، واكتب لي في السيرة فقلت له: فإنه يمر بي الشيء عن سيرة «علي بن ابي طالب»، صلوات اللّه عليه، فاذكره. فقال: لا إلا أن تراه في قعر الجحيم»)[212](.
وهكذا فرض على المؤرخين أن ينهجوا في كتابتهم لتاريخ صدر الإسلام النهج الذي يرضي الحكم الأموي ويتفق مع أهدافه ومخططاته. وصارت السيرة النبوية بالذات ميداناً لهذا العمل الشنيع لأنها مصدر الشرعية وميزان الصح والخطأ، ليس للأعمال فقط، وإنما للأفكار كذلك، وهذا ما جعلها هدفاً لموجة أخرى من التحريف قام بها أصحاب المذاهب والفرق الضالة هرعوا جميعاً يلتمسون في السيرة النبوية ما يؤيد مذهبهم ويشهد على صحة عقيدتهم. فإن وجدوا فيها ذلك أخذوا ما وجدوه، وإلا عمدوا إما إلى تفسير الأحاديث أو المواقف النبوية التفسير الذي يحلو لهم أو إلى وضع المرويات الكاذبة والأخبار المختلفة. يقول الشيخ محمد الغزالي: «المسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها واضطربت اوضاعها»)[213](.
وإذا كان هم المؤرخين الأوائل (أي جيل التابعين)، هو النقل والرواية فإن هم الجيل الثاني، أمثال عاصم بن عمر بن قتادة (120 هـ) وابن شهاب الزهري (124 هـ) وابن اسحاق (152 هـ) هو الجمع والتبويب دون نقد أو تمحيص. وهذا وفر الفرصة للروايات الموضوعة أو الضعيفة أن تجد طريقاً إلى مصنفاتهم، ومن ثم تنتقل إلى الأجيال القادمة حتى جاء دور الجيل الثالث الذي يقف ابن هشام في مقدمته. فانقسم فريقان:
فريق اشتغل بشرح كتب الأولين والتعليق عليها وفريق آخر أراد أن يعطي لنفسه صفة المؤلف المبتدع، فحاول أن يخرج مما اجتمع بيده من كتب السيرة بكتاب جديد فيه حذف وإضافة لم يذكر أسبابها والمبرّرات التي حملت عليها. ولا يسع الباحث المدقق أن يطمئن لدوافع تلك التدخلات، خصوصاً مع وجود قرائن خارجية تتعلق بعصر الكاتب. وأخرى داخلية تخص طبيعة الكاتب وموقفه السياسي ومذهبه العقائدي تدعو إلى خلاف ذلك. من هؤلاء ابن هشام (152 هـ) الذي روى سيرة ابن إسحاق ومن تأخر عنه أمثال ابن فارس (395 هـ) وابن سيد الناس البصري الشافعي (المولود سنة 661 هـ) وغيرهم كثير.
مناهج المستشرقين
أما المستشرقون فقد كان لهم منهجهم الخاص، سواء في قراءتهم للسيرة أم في كتابتهم عنها. وكانوا، في أغلب الأحيان، مسيئين لها إما عن قصد أو نتيجة لمنهج خاطىء جرهم إلى الإساءة والظلم. ومن أبرز أمثلة النوع الأول المستشرق الإنكليزي أشبرنجر)[214]( الذي ألف كتاباً بعنوان «محمد وتعاليمه» ألقى فيه غثاءً لا يطاق وهذياناً بعيداً عن الذوق والنزاهة.
فزعم ان النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان مصاباً بهستيريا الأعصاب وهستيريا الرأس التي تؤدي ـ كما يقول ـ إلى السقوط على الأرض، واحمرار الوجه، وصعوبة النفس والشخير، ويمضي «شبرنجر» في هذيانه إلى أن يعقد مقارنة بين صاحب الرؤية السويدي «اسويد بنورخ» وبين محمد صلی الله علیه وآله وسلم في مسالة رؤية جبريل علیه السلام.
ومن الغريب الملفت أننا نجد هذا المستشرق، في الوقت الذي يشن فيه هجوماً مسعوراً على النبي صلی الله علیه وآله وسلم، يطري أبا بكر وعمر ويمتدحهما، بل ويحاول أن ينسب إليهما فضائل جرد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم منها:
يقول، مثلاً، عن أبي بكر أنه: «استخدم الوسائل التي كان واجباً وممكناً للنبي أن يستخدمها لإخضاع العرب فعلاً وحقاً، لا بحسب الظاهر فحسب. ولولا تصرف أبي بكر الحازم لكان الإسلام قد انحل، أو لبقي مجرد فرقة دينية لا أهمية لها»)[215](.
ويقول عن عمر: «عمر هو المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية، وفي نظري أن عمر أسمى من النبي في كل ناحية. فهو خلو من كل ألوان الضعف والتساهل التي وصمت أخلاق الأخير وكان رجلاً مملوءاً بالجد والعزم الرجوليين. وبعد وفاة النبي استطاع الظفر بثقة كل الأطرف وكل القبائل بفضل إيثاره وصراحته وسلامة نظرته. وكانت كلمته هي كلمة الجميع. وأثناء حياة النبي أدى من الخدمات لانتصار الإسلام، بل ولطهارة تعاليمه أكثر من محمد نفسه».
ويمضي قائلاً: «وقد صان معلمه من الوقوع في أخطاء فاحشة بفضل إقدامه الحازم وكان لعقله الفائق تأثير متواصل على نفسية محمد الضعيفة الهستيرية»)[216](.
ومن الجدير بالذكر أن «أشبرنجر» هذا قد عاش في العراق ومصر والشام ما يقارب 13 عاماً، إضافة إلى أنه كان يتقن العربية، لكن ذلك كله لم يكد يقضي على سورة الحقد في نفسه.
لجأ بعض المستشرقين إلى الكذب الصريح الذي يأباه الإنسان العادي، فضلاً عن الباحث المحقق، سعياً وراء تشويه صورة الإسلام ونبيه.
أحد هؤلاء الراهب البلجيكي لامنس)[217]( الذي تعلم في الكنيسة اليسوعية في بيروت، وألف في السيرة النبوية ما لا يقل عن عشرة كتب منها:
1 ـ مهد الإسلام. 2 ـ عصر محمد وتاريخ السيرة. 3 ـ هل كان محمد أميناً؟. 4 ـ القرآن والسنّة، كيف الفت حياة محمد؟. 5 ـ فاطمة وبنات محمد، تعليقات نقدية لدراسة السيرة.
ظهر لامنس، في هذه الكتب جميعها، مظهر المتحامل الذي يدرس التاريخ ليأخذ منه أدلة على صحة خلفياته، وليستعين به على تحقيق هدف كان قد وضعه مسبقاً. اعتبر لامنس أن كتب السيرة جميعها موضوعة من أجل تحقيق غايات معينة هي تمجيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وانتهى إلى سيل من الاتهامات والنتائج التي لم يقم عليها دليل من عقل أو نقل.
يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في جانب من ترجمته له.
«وأبشع ما فعله لامنس، خصوصاً في كتابه «فاطمة وبنات محمد» هو أنه كان يشير في الهوامش إلى مراجع بصفحاتها وقد راجعت معظم هذه الإشارات في الكتب التي أحال إليها، فوجدت أنه إما أن يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقاً في هذه الكتب أو يفهم النص فهماً ملتوياً خبيثاً أو يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث النية)[218](.
وفي كتابه «دراسات عن حكم الخليفة الأموي معاوية الأول» 1907، لم يدخر لامنس وسعاً في الدفاع عن معاوية وتمجيد الأمويين جميعاً بدافع لا يمكن أن يكون إلا الحقد على الإسلام، وتحول فجأة من ناقد خبيث يجد لكل حق باطلاً إلى مسوّغ غبي مسوّغ جرائم الأمويين جميعهاً وخاصة جرائم يزيد بن معاوية.
ولا نجد أننا بحاجة إلى الاستعداد في ذكر هذه النماذج والأمثلة على ذلك النهج العدواني الذي هيمن على أصحابه الحقد حتى أعماهم عن ملاحظة أوضح الدلائل، وساقهم الغضب والتهور حتى أخرجهم عن الحد الطبيعي. ولكن يبدو أن هذا النهج، في معالجة السيرة والدراسات الإسلامية بوجه عام، بدأ ينحسر في الغرب ليفسح المجال أمام دراسات أكثر علمية وموضوعية، لكنها ربما لا تقل ضرراً عن سابقتها. وقد لا تكون الأضرار هنا ناتجة عن قصد الإساءة وخبث النية وإنما هي نتيجة طبيعية لطبيعة المنهج الذي سلكوه في أبحاثهم والذي ساد الساحة الاوروبية بعد «عصر النهضة».
ومن طبيعة هذا المنهج أنه أحادي النظرة والاتجاه، ينظر بعين واحدة لجميع الظواهر التي يواجهها سواء كانت طبيعية أم إنسانية أم دينية. فكل ما حققه الفكر الغربي في الانتقال من حالة العداء في تناول الشؤون الإسلامية إلى الحالة الموضوعية هو أنه أصبح يتناول حياة محمد صلی الله علیه وآله وسلم وسائر الأنبياء كما يتناول حياة زرادشت وكنفوشيوس، وباقي العظماء في التاريخ.
لقد جرت دراسات المستشرقين في مجال التاريخ، على تتبع الحادثة تاريخياً وملاحظة القرائن التي تحفها فإن عثروا على أثر لها في مجرى التاريخ، ووجدوا من الدلائل مايؤيد وقوعها ـ طبقاً لمقاييسهم الخاصة ـ آمنوا بها وأثبتوها في تواريخهم، وإلا فإنها مفتعلة أو على الأقل غير ثابتة لدليل البرهان.
وإذا ما طبق هذا المنهج على الظواهر الدينية ومنها السيرة النبوية، فسيكون غير قادر على إعطاء الصورة الحقيقية لتلك الظاهرة، مهما كانت الدراسة موضوعية وعلمية. ذلك لأن الظواهر الدينية ليس مجرد إنتاج إنساني يمكن ملاحقة تقلبه في مجرى التاريخ وتسجيل أحواله على ضوء تحولاته في ظرف المكان والزمان فنصدق ما يسجله التاريخ، ونكذب ما لم يسجله. فللسيرة النبوية كما لسائر الظواهر الدينية بعداً غيبياً يتصل باللّه.
وهذا البعد لا يمكن حسابه، أولاً، بأدوات التاريخ، ولا سبيل لاكتشافه، بمجسّات لا تتحسس سوى المسائل المادية.
وثانياً، هو لا يخضع، في حركته، لتأثيرات الزمان والمكان، ولا ينطبق عليه قانون الحركة والسيلان الذي يحكم كل الظواهر الكونية. إذ يصعب على المستشرق تصديق مسألة الإسراء والمعراج والتسليم بعروج النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلى السماء ما لم يجد دليلاً مادياً على ذلك، بالصورة التي لا يكون فيها خرق لقوانين الطبيعة. وهناك مسائل أخرى مثيرة نجد المستشرقين قد حاروا في تفسيرها بعد أن عجزوا عن نفيها تاريخياً. فمرة ينسبونها إلى الرؤيا في المنام، وأخرى إلى الهستيريا وثالثة إلى شيء آخر دون أن يكون لهم دليل على ما ذهبوا إليه، إنما اضطروا إلى ذلك اضطراراً بعد أن أوصدوا على أنفسهم أبواب الغيب وأسقطوا من حساباتهم البعد الآخر غير التاريخي في مثل هذه القضايا.
الأجواء التي احاطت بكتابة السيرة
هذه هي الاجواء التي أحاطت بكتابة السيرة النبوية: أجواء ملبدة بالسحب حتى لتكاد الرؤيا تنعدم سواء في الجانب الإسلامي أو الجانب الآخر. فعلى الجانب الإسلامي ينقل عن البخاري قوله إنه ألغى الأحاديث المتداولة، وهي تربو على ستمئة ألف حديث لم يصح لديه منها أكثر من أربعة آلاف)[219]( وما صححه البخاري وغيره كانت محل تأمل وتمحيص من آخرين. هذا فضلاً عن منهج التدوين الذي اعتمد على سرد الحوادث طبقاً لعمود الزمان دون مراعاة للعلاقة بينها ووحدة الموضوع التي تجمعها. فكثيراً ما يسيء هذا الانتشار والتوزيع إلى الصورة النهائية التي تهدف اليها السيرة النبوية.
أما المستشرقون فهم أعجز ـ كما عرفنا قبل قليل ـ من أن يصلوا إلى الصورة الواقعية للسيرة النبوية، فضلاً عن عدم قدرتهم على عرضها عرضاً موضوعياً خالياً من الإساءة والتشويه.
لهذا، تجدنا اليوم بأمس الحاجة إلى دراسة السيرة النبوية دراسة جديدة تستهدف تفجير المعاني التربوية والاجتماعية في حياة نبينا صلی الله علیه وآله وسلم، لتكون لنا أسوة في حل ما يواجهنا من مشاكل وعوناً على تجاوز تحديات العصر واختراقاته.
ومن الطبيعي أن يتغير منهجنا في البحث، تبعاً لتغير طبيعة الأهداف المتوخاة من الدراسة. بعبارة أخرى، أنّنا نحتاج إلى قراءة السيرة المطهرة قراءة جديدة تختلف عن قراءة ابن إسحاق أو ابن هشام أو السهيلي أو غيرهم.
علي السيد هادي
منتخب التواريخ ناصري
كتاب لإبراهيم خان صديق الممالك (1841 ـ 1909) بن ميرزا أسد الله الشيباني وحفيد ميرزا أحمد أديب الكاشاني.
من مؤرخي العصر القاجاري وكبار موظفي المالية. أنهى دراسته الابتدائية في كاشان، ثم توجه إلى أصفهان، وعمل كاتباً في دار الحكومة. وبعد فترة عاد إلى كاشان، وامتهن الزراعة في قرية سلوك آباد. ثم ذهب إلى العاصمة وعين في المكتبة الملكية ومستودع الأسلحة. وغيرها من الوظائف الحكومية في طهران وأصفهان وكلبايكان ويزد. ثم ترك الوظائف الحكومية واعتزل في كاشان حتى وفاته. بدأ بكتابة تاريخه في عهد ناصر الدين شاه وضمنه الحوادث التاريخية حتى سنة 1883 وهو تاريخ عام. وفي السنة 1897 أتم الصياغة للكتاب وأضاف إليه حوادث 15 سنة بعدها ثم أعاد الصياغة للمرة الأخيرة سنة 1904 في عهد مظفر الدين شاه، وأسماه منتخب التواريخ. مظفري. وأهم ما في الكتاب ما جاء في صياغته الأخيرة 1904 فهو من أهم المصادر في تاريخ إيران.
منتخب الخلاف
لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المتوفى سنة 548، صاحب كتاب «مجمع البيان في تفسير القرآن» وغيره لخص فيه كتاب مسائل الخلاف في الفقه لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة 460، وسماه «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف» وفرغ منه سنة 528م.
منه: 1 ـ نسخة في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف الأشرف، رقم 198، كتبها علي بن محمد بن الحسن بن يوسف الكندري وفرغ منها 18 شعبان سنة 699، وعنها مصورة في مكتبة كلية الإلهيات في جامعة الفردوسي في مشهد الإمام الرضا عليه السلام.
2 ـ نسخة في مكتبة ملك العامة في طهران، رقم 1308، كتبت سنة 706، مذكورة في فهرسها 1/744.
3 ـ نسخة كتبت سنة 995، عليها حواشي الشهيد الثاني وتملك الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، عنها مصورة في جامعة طهران، رقم الفلم 2994 كما في فهرس مصوراتها 1/389.
المنتدى الأدبي
كان العرب والترك من جملة العناصر التي أخذت في تشكيل جمعيات بعد إعلان الدستور في الدولة العثمانية سنة 1908 وقد اندفعت مختلف الأقوام إلى تشكيلها، وكأنها انطلقت من عقال. وباعتبار أن قانون 7/7/1909 بخصوص الجمعيات كان يحظر قيام جمعيات وأحزاب ذات أهداف سياسية بتسمية قومية، فإن العناصر المختلفة قد لجأت إلى تشكيل هذا النوع من الجمعيات بصورة سرية، لأنه لم يكن بالامكان وضع السدود أمام العواطف القومية التي بدأت تغزو الشعور العام، خاصة بعد أن رأت عناصر الدولة المختلفة أن الاتحاديين لا يتقيدون بروح القوانين التي يصدرونها هم أنفسهم، فيوجهون دفة السياسة الداخلية في مصلحة العنصر التركي. أما العرب فكانت جمعياتهم إما علنية وإما سرية. فما كان منها بتسميات قومية كان سرياً. وأما الأخرى التي لا تحمل تسمية قومية فبعضها كان سرياً، والجمعيات السرية الشهيرة هي التالية: الجمعية القحطانية، جمعية العلم الأخضر، جمعية اليد السوداء، جمعية العهد، جمعية العربية الفتاة…
«وأما الجمعيات والأحزاب والنوادي العلنية فهي التالية:
«المنتدى الأدبي، حزب اللامركزية العثماني بمصر، الجمعية الإصلاحية في بيروت، وجمعية البصرة الإصلاحية وغيرها من الجمعيات الصغيرة وقد عقد مؤتمر من الشبيبة العربي في باريس لبحث حقوق العرب أطلق عليه إسم (المؤتمر العربي الأول).
«وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الجمعية السرية المسماة «اليد السوداء»، والتي كان طالب الطب في الآستانة (داوود يوسف الدبوتي) من الموصل من أبرز مؤسسيها، وكانت الغاية من تأسيسها اغتيال كل من يناوئ الفكرة العربية من رجال العرب خدمة منهم للاتحاديين لقاء منافع ومطامع شخصية، لم تتمكن من الحيلة فانحلت قبل أن تمضي سنة واحدة على تأسيسها واندمج أعضاؤها في الجمعيات الكبرى».
«وأما أبقى هذه الجمعيات وأخلدها ذكراً وأعظمها أثراً وفائدة للعنصر العربي فكان هو المنتدى الأدبي ذو الأهداف العلمية الأدبية الاجتماعية.
«بعد أن ألغى الاتحاديون جمعية الآخاء العربي العثماني. في أعقاب ثورة 13 إبريل المضادة، رأى فريق من شباب العرب النبهاء في الآستانة وفي مقدمتهم طالب الحقوق عبد الكريم الخليل)[220]( ضرورة تشكيل نادٍ علمي يجمع شبان العرب. إذ كان عبد الكريم، عند تأسيس جمعية الآخاء العربي ـ العثماني من الذين نشطوا في الدعاية لها، فكان يبث فكرة التآخي بين شبان العرب، ويدعوهم بين آونة وأخرى إلى بناية الجمعية فيعرف بعضهم ببعض ويشرح لهم فوائد الاتحاد والوفاق، ويذكرهم بماضي أجدادهم وتاريخهم المجيد فلما حل الاتحاديون الجمعية مع كافة فروعها وألغوا جريدتها «الآخاء العثماني» بدعوى وقوع بعض ما لا يناسب في سوريا عند حدوث ثورة 13 نيسان وظهور الأفكار الرجعية في تشكيلاتها وأعضائها شعر شبان العرب بالفراغ فألفوا المنتدى الأدبي في 16 محرم 1327، الموافق 8 شباط 1910، وكان القصد من إيجاده، أن يجمع شبان العرب وطلابهم تحت سقفه وبين جدرانه بدلاً من أن ينتشروا في المقاهي، أو يمضوا أوقاتهم بالبطالة متجولين من مكان إلى مكان آخر، فيؤمن لهم مبيتاً نظيفاً وحياة طيبة.
أما الذين اشتركوا مع عبد الكريم الخليل في تأسيسه فكانوا نخبة من طلاب العرب في الآستانة من أبرزهم يوسف مخيبر، سليمان حيدر من بعلبك، ورفيق رزق سلوم من حمص، سيف الدين الخطيب من دمشق، أحمد خليل الحسيني من القدس، وكان يضم بين جدرانه شباناً من جميع الأقطار العربية، فترى السوري والعراقي واليماني والحجازي والبرقاوي والطرابلسي والفلسطيني جنباً إلى جنب يترنمون بذكر أمجاد العرب.
ثم يتحدث بأطناب عن المنتدى الأدبي قائلاً:
«هو الجمعية التي أحيت الروح القومية وبثت المبادئ السامية بين طبقات الشبيبة العربية في الآستانة وخارجها، وكانت خطته الوحيدة نشر الدعوة للقضية القومية الوطنية». وقال الأستاذ مصطفى الشهابي الذي عاصر الحوادث وعاش في جوها «إن هذا النادي كان مباءة العروبة في عاصمة الدولة. ففيه كان الطلاب الجدد يتلقون ممن تقدمهم في الدراسة مبادئ القومية العربية ومراميها وفيه كانت تدرس وتناقش خطط الأتراك الاتحاديين الرامية إلى تسييد القومية التركية والقضاء على القوميات السائدة في الدولة. وكانت أهداف النادي القومية تبرز على الملأ فيما كان يلقى فيه من محاضرات وخطب وما كان يقام فيه من حفلات، وما كان ينشر في مجلته من بحوث وقصائد ومقالات وأناشيد وطنية، وما كان يدور فيه من أحاديث ومناقشات في الشؤون العربية سواء بين بعض أعضائه وبعض، أو بينهم وبين زوار النادي الكثيرين من نواب وساسة وموظفين وجالية عربية مقيمة في العاصمة».
لم يكن نشاط شبان العرب في تأسيسه مقتصراً عليهم فقط إنما لقوا مؤازرة كبيرة من رجالات العرب السياسين في الآستانة وفي مقدمتهم خليل حمادة باشا وزير الأوقاف، وعبد الحميد الزهراوي، وشفيق المؤيد، ورضا الصلح، ورشيد رضا، وحقي العظم، ورفيق العظم، والطبيب حسين حيدر وطالب النقيب وعزيز علي المصري، وندرة مطران، ونخلة مطران، ورشدي الشمعة الذين كانوا يلقون الخطب أحياناً في احتفالاته.
كانت الفكرة التي وجهت عبد الكريم هي أن تكون قواعد المنتدى الأدبي مبنية على التربية الأساسية ورفع المستوى العلمي والأدبي والاجتماعي لخدمة الفكرة القومية العربية، فوضع له منهاجاً مفصلاً عرضه على الشيخ رشيد رضا، وكان يومئذ في الآستانة، لإصلاح لغته، ثم على وزير الأوقاف خليل حمادة باشا بغية تنقيح بنوده لاشتغاله في مثل هذه المؤسسات ولسعة اطلاعه وخبرته الكاملة. فرحب الوزير بهذا العمل الجليل وشجع القائمين له. وبعد أن درس المنهاج ونقح ما نقح منه وضع للنادي اسمه المعروف، ووعد أن يخصص له سنوياً معونة قدرها خمسمائة ليرة عثمانية من الأوقاف على أن يكون كمعهد علمي للشباب العربي تلقى فيه المحاضرات العلمية في الليل وتؤسس فيه مكتبة قيمة، مع اتخاذ البعض من غرفه مأوى لأبناء العرب الذين لا تساعدهم حالتهم المالية على السكن في الفنادق وما أن اطلع المخلصون من رجالات العرب على تأسيس المنتدى حتى اندفعوا في مساعدته وتشجيعه فوضع شكري بك الحسيني محاسب وزارة المعارف، وأحد أعضاء هيئة إدارة جمعية الآخاء العربي – العثماني المنحلة، تحت تصرف النادي ستين ليرة عثمانية كانت باقية لديه من صندوق تلك الجمعية، ثم سلمه كل ما كان للجمعية من أثاث ورياش، وتلقى النادي عدا ذلك مساعدات مالية كبيرة من طالب النقيب، وزميله أحمد الزهير من مبعوثي البصرة هذا فضلاً عن كونه قد قام بتمثيل روايتي صلاح الدين الأيوبي، وامرئ القيس، وجمع من ريعهما مبالغ كبيرة أضيفت إلى المبالغ السابقة فتوفرت لديه القوة المالية للسير إلى الإمام.
لم يكن للمنتدى الأدبي صحيفة تخدم أغراضه في الفترة الأولى من تأسيسه، إنما كان عبد الكريم الخليل يكتب هو وبعض زملائه في الجرائد العربية التي كانت تصدر في الآستانة كجريدة (الحضارة) لعبد الحميد الزهراوي والجرائد التي تصدر في سوريا والقاهرة وأراد أن ينشئ له مجلة خاصة به غير أنه عندما رأى أنه قد صدرت مجلة باسم (لسان العرب) من قبل جمعية العلم الأخضر)[221](، بإدارة وتحرير أحمد عزت الأعظمي سعى عبد الكريم الخليل أن تكون هذه المجلة ناطقة باسم المنتدى. وأن يكون اسمها «المنتدى الأدبي»، فكاد أن ينشب خلاف شديد وخطير بين الجمعيتين لولا تدخل ذوي الرأي من الحكماء مثل الدكتور حسين حيدر، وكان وطنياً غيوراً جواداً كثير البذل ساعد المنتدى بمال وفير)[222](، وعبد الحميد الزهراوي، وحلت المسالة في مصلحة المنتدى الأدبي.
لم يمض زمن على تأسيس المنتدى الأدبي حتى بلغ عدد من انضوى تحت لوائه ما يزيد عن 280 شاباً وأديباً من أبناء العرب المقيمين في الآستانة، وما يقرب من 500 شاب من طلاب المدارس العالية فيها، من مختلف الأقطار ومختلف الأديان والمذاهب وفتحت له فروع في شتى أنحاء البلاد العربية وانتمى إليها آلاف من أبنائها. فقد كان له صدى قوي فيها، كما كان رئيسه على اتصال بالحركات الوطنية وببوادر اليقظة القومية التي تعهدها النابهون من أبناء العرب في كل مكان، وبالجمعيات الاصلاحية العربية في بيروت والبصرة وبحزب اللامركزية في مصر. وكان له أيضاً باع طويل في عقد المؤتمر العربي الأول في باريس، وبأقطاب المعارضة العربية في مجلس ’المبعوثان‘ وخاصة بممثليها من أمثال شفيق المؤيد، وشكري العسلي، وعبد الوهاب الانكليزي، وعبد الحميد الزهراوي وغيرهم. وعلى قول الأمير مصطفى الشهابي: «كان المنتدى يطوي في جنبات أعضائه نزوعاً إلى الأهداف القومية وراء الأهداف الأدبية الاجتماعية الظاهرية».
على أن الذي لمسته من كل مطالعاتي المتعلقة بهذا البحث أن المسؤولين في هذا المنتدى وخاصة منهم رئيسه عبد الكريم الخليل الذي أحرز رئاسته بالانتخاب من قبل الأعضاء المنتسبين إليه، كانوا حريصين على الرابطة العثمانية والوفاق مع العنصر التركي. وأن الفكرة التي كانت تسيطر على أبناء العرب المثقفين ثقافة عالية هي ضرورة احتفاظ كل قومية من القوميات العثمانية بطابعها المميز ولغتها وتقاليدها وإحياء أمجادها وتنمية الشعور القومي فيها ضمن رابطة جامعة هي الرابطة العثمانية التي يجب أن يرفرف علمها على الجميع، وأن تنضوي القوميات تحت جناحيها في نظام ديمقراطي حر. وفي جو من الإخاء والمساواة الذي يهيئ لجميع العناصر والأديان العيش الهنيئ الرغيد، والحياة الاقتصادية والاجتماعية الرافهة، أن أكبر دليل على ذلك أن الاجتماعات العامة وحفلات الخطابة والاحتفالات في شتى المناسبات، وخاصة منها ذكرى المولد النبوي السنوية التي كان يقيمها المنتدى، كان يدعى إليها أبناء الترك من رجالات السياسة والأدب والاجتماع)[223](. وكان يتخلل الخطب المتبادلة بين الطرفين عواطف الود والإخاء والولاء للرابطة العثمانية كما كان يتخللها استعراض لماضي العرب الزاهر ومجدهم الوضاء)[224]( وبيان السبل المؤدية إلى تسهيل أمر التعليم الصحيح والثقافة القديمة للناشئة العربية، ومن الأدلة أيضاً المقالات الصحافية التي كان ينشرها كبار كتاب هذا المنتدى وفي مقدمتهم الدكتور عزت الجندي، عضو هيئة الإدارة فيه في الجرائد العربية ومنها المؤيد، والأهرام. فالدكتور عزت الجندي، حتى في أشد حملاته على الاتحاديين وفي وقت وصلت فيه الأفكار القومية بعد حرب البلقان إلى آخر انطلاق لها في نطاق الفترة التي أبحث فيها، ليس عند العرب فقط بل عند العرب والترك على السواء لم يخرج عن الرابطة العثمانية، وكل ما وصل إليه هو وكل من لف لفه من القوميين المتطرفين أنه قدم العروبة على كل شيء، المسلم عربي، والمسيحي عربي… و… أجل إننا عرب قبل أن نكون مسلمين، والمسيحي عربي قبل أن يكون مسيحياً… و… وقد تركنا مسألة الديانات والعبادات إلى الجوامع والكنائس. فإذا كنا عرباً قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين فبأولى أن نكون عرباً قبل أن نكون عثمانيين… ولكنه لم يقل أننا عرب ولسنا عثمانيين، فإذا كان عزت الجندي قال هذا في الشهر الرابع من عام 1913 فالأحرى به أن تكون لهجته أخف وارتباطه بالعثمانية أكثر قبل هذا التاريخ.
«كان عبد الكريم الخليل لولب المنتدى الأدبي وألمع شخصية فيه، كان شعلة من النشاط والذكاء نال شهادة الحقوق من مدرسة الحقوق بالآستانة في عام 1910 بدرجة التفوق. وقد وصفه جمال باشا في مذكراته عندما جرت مفاوضات عام 1913 بين الطرفين لبحث مطالب العرب بقوله: «… فبرز لنا شخص قصير القامة يزيد براقتين تدلان على الذكاء والإقدام هذا هو عبد الكريم الخليل…». لقد أخلص عبد الكريم للقضية العربية وشب على حب العروبة وتمسك بأهدافها وعرف السبيل الصحيح لإعلاء مجدها، سبيل التعليم الصحيح والتربية القومية للناشئة العربية إذ كان يفضل سلوك البناء الاجتماعي إلى جانب البناء السياسي. تباحث عبد الكريم مع النواب العرب حول خطة مثلى تتعلق بإصلاح المدارس الإبتدائية في دوائرهم فدعاهم إلى حفلة أقامها لهم في حزيران يونيو سنة 1911 واقترح عليهم برنامجاً يرمي إلى انهاض البلاد العربية على دعامتين.
1 – توثيق عرى الإخاء بين العرب على اختلاف أجناسهم وأديانهم وعناصرهم وطوائفهم حتى لا يذكر الواحد منهم في السياسة والوطنية غير عربيته الشريفة.
2 – توحيد طرق التعليم في البلاد العربية حتى تتربى النفوس تربية واحدة ليسير جميع العرب في طريق واحدة وإلى غرض واحد.
فاستصوب النواب البرنامج الذي عرضه عليهم عبد الكريم وتعهدوا بتنفيذه بالتآزر مع المنتدى الأدبي بعد أن حفل الاجتماع بالخطب الحماسية الرنانة من الحاضرين. ولم يتوان رئيس المنتدى لحظة في العمل وسرعان ما شد رحال السفر إلى مصر وسائر الأقطار العربية يحمل المشروع الذي تضمن ما يلي بالتلخيص:
«أن يقسم كل نائب دائرة انتخابية إلى أقسام تؤلف في كل منها لجنة لتعميم التعليم الإبتدائي. وأخرى اختصاصية لترتيب برنامج لاصلاح هذه المدارس على أن تسلك خطة التوحيد، وأن يعقد النواب مؤتمراً عاماً يحددون زمانه خلال السنة ذاتها 1911 يحضره مندوبون عن هذه اللجان لدراسة جميع البرامج الموضوعة واستخلاص برنامج واحد منها يكون دستوراً للعمل في سائر البلاد العربية، وأن يبحث المؤتمر مسألة توحيد الكتب والتربية لإيجاد شعور واحد في نفوس طلاب جميع البلاد العربية وإنشاء مدرسة لتخريج المعلمين – دار للمعلمين – بطريق الإعانات وقد تعهد المنتدى بتضحيات مادية وأدبية في سبيل تهيئة المعلمين لهذه الدار وبتطوع أعضاء المنتدى المثقفين للتدريس في المدارس علاوة على وظائفهم أو أعمالهم العادية.
«ولقد قوبل هذا البرنامج بالترحيب والارتياح في البلاد العربية وخاصة في مصر التي كانت أول من رحّب به ونهض لمساعدته فتألفت لجنة فيها ضمت سبع عشرة شخصية كبرى من أبرزهم: أحمد تيمور باشا، محمد باشا الشريعي، رفيق بك العظم، الدكتور شبلي شميل، الخ، للقيام به والعمل بموجبه».
«في الواقع كان اهتمام المنتدى الأدبي منصباً إلى الناحية الاجتماعية والإصلاح الأساسي للنهوض بالأمة العربية من حيث الثقافة قبل كل شيء لتتبوأ مكانها اللائق في السلطنة العثمانية فكان بهذا الوصف عبارة عن معهد علمي ونادٍ أدبي في آن واحد، حيث كانت تعطى فيه الدروس الليلية وتعلم الطلاب اللغة التركية واللغات الأجنبية ويستفيدون من مكتبته الحافلة بالكتب العلمية في سائر فروع الثقافة إنما لم يقتصر الطلاب والمنتسبون إليه على هذا الأمر بل كانوا يتناقشون في المسائل الاجتماعية والوطنية التي تجري على مسرح السياسة في الآستانة وفي تقدير قيم الرجال وتفضيلهم بعضهم على بعض وانتقاد أقوال الجرائد والتنديد بأعمال رجال السياسة ويبحثون في الأحزاب السياسية في مجلس الأمة وحقوق العرب، ويعللون العلائق السياسية بين الدولة العثمانية ودول الغرب، وفي ميزانية الدولة وغير ذلك من المواضيع.
فالمنتدى الأدبي كان أول مؤسسة تعهدت فكرة القومية العربية بعنايتها ورعتها منذ أول نشوئها وظهرت هذه الفكرة بنوع من الوضوح في أذهان أعضائها وفي أحاديثهم ومناقشاتهم، ولكن في إطارها العثماني العام، وتلمست طريقها الصحيح طريق العلم والمعرفة والثقافة، ففي الخطاب الذي ألقاه عبد الكريم الخليل في الحفلة التي دعا إليها نواب العرب، تردّدت على لسانه كثيراً عبارة الأمة العربية وتوحيد قوى الأمن، وحدد فيه معالم وأركان القومية وروابطها مثل وحدة اللسان، وحدة التاريخ، ووحدة الوطن، ووحدة المنفعة، وبين أن هذه الروابط موجودة في الأمة العربية، لكنه قال: «إن هذه الروابط غير كافية ما لم ترتكز على أساس متين من الثقافة الموحدة والعلم الراسخ»، فكان بذلك من أوائل الذين دعوا إلى الوحدة العربية، أو الجامعة العربية وعرفوا الطريق الصحيح إليها وشرع فعلاً في العمل نحو تحقيقها عن طريق المشروع الذي تحدثت عنه.
«وقد بقي المنتدى الأدبي حتى عام 1915، وقت أن شنق جمال باشا رئيسه أثر محاكمات ديوان الحرب العرفي في عاليه مع شهداء العرب».
أحمد عزت الأعظمي
منتهى المطلب في تحقيق المذهب
كتاب للحسن بن يوسف بن المظهر المعروف بالعلاّمة الحلي. هو كتاب يتسم بطابعين: «الاستدلال» و«المقارنة» وهو نظير كتابه «التذكرة» ولكن أوسع وأشمل منه، ولذلك يصفه العلاّمة في بعض الموارد بقوله: ينتهي بانتهاء عمرنا.
ويصفه في الخلاصة، بقوله: لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، رجحنا ما نعتقده، بعد إبطال حجج من خالفنا فيه، يتم إن شاء الله تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستمائة سبعة مجلدات)[225](.
ويصفه في مقدمة الكتاب بقوله: أحببنا أن نكتب دستوراً في هذا الفن (الفقه) يحتوي على مقاصده، ويشتمل على فوائده على وجه الإيجاز والاختصار، مجتنبين الإطالة والإكثار مع ذكر الخلاف الواقع بين أصحابنا، والإشارة إلى مذاهب المخالفين المشهورين، مع ذكر ما يمكن أن يكون حجة لكل فريق على وجه التحقيق، وقد وسمناه بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» ونرجو من لطف الله تعالى أن يكون هذا الكتاب بعد التوفيق لإكماله أنفع من غيره)[226](.
وهذا النوع من الفقه المقارن من خصائص العلاّمة الحلي.
مندلي: البندنيجين
البندنيجين إسم لم يبق له ذكر وكانت أهم مدن طسوجي بادرايا وباكسايا. وهذان الطسوجان مما يلي شمال شرقي النهروان، فيهما عدد كبير من القرى الخصبة. وكانت البندنيجين مركز هذين الطسوجين، عرفت بالفارسية على ما رواه ياقوت وندنيكان. وذكر المستوفي أن الإسم في أيامه كان يلفظ بندنيكان وأنها في ناحية لحف جبال كردستان، وينحدر نهرها من أرجان.
والبندنيجين تعرف اليوم بإسم «مندلي». ومندلي على نحو 93 كيلومتراً من شرقي بعقوبا، قرب الحدود العراقية الإيرانية. وهي اليوم مركز قضاء باسمها بالعراق. واسم هذه المدينة بالآشورية «أردلبكا» أو «أردريكا»، وفي الفارسية القديمة «وردنيكا» وذكرها هيرودتس باسم «أردريكا» وقال إن فيها عيون نفط. والظاهر أن الاسم «مندلي» تبلور من وردنيكا أو أردنيكا أو أردريكا إلى وندنيكان وبندنيكان فإلى بندنيج والبندنيجين فمندليجين فمندليج فمندلي وهو الاسم الشائع اليوم.
المنصورية
إذا كان عبدالله المهدي بنى عاصمة جديدة في شبه جزيرة جمة لتكون حصناً له من الفتن التي توقع قيامها عليه في المستقبل ونسبها إليه فإن حفيده إسماعيل المنصور بنى هو الآخر مدينة جديدة جنوب غرب)[227]( مدينة القيروان على بعد نصف ميل)[228](. وسماها المنصورية نسبة إليه، كما أطلق عليها أيضاً إسم صبرة، وهو أشهر الإسمين حسب رأي ابن حماد)[229](. وهذه المدينة مستديرة الشكل تشبه من هذه الناحية مدينة بغداد التي لها أربعة أبواب)[230](.
لقد عمد المنصور إلى إنشائها في مكان الوقعة العسكرية الفاصلة بينه وبين أبي يزيد صاحب الحمار)[231]( بعدما فك الحصار عن المهدية وقد صبر جيشه في المعركة حتى انتصر ولذا أطلق عليها إسم صبرة وذلك لصبر وثبات جيشه في ساحة الوغى وعلى هذا فإن بناءها كان تخليداً لهذا الانتصار العسكري الساحق الذي شتت فيه المنصور شمل خصمه ومزق صفوفه، وأخذ بعد ذلك يلاحق فلول جيشه المنهزم غرباً. ومن هنا فإن الغرض الأساسي من بنائها يختلف عن الغرض الذي بنيت من أجله مدينة المهدية.
ويحتمل من جهة أخرى أنه رأى بأن بعد المهدية عن مدينة القيروان سهل لصاحب الحمار الاستيلاء عليها ـ أي القيروان ـ وانضم سكانها إلى ثورته الأمر الذي زاد من هيبته ونجاح حركته ولما لم يطمئن إلى الإقامة فيها فإنه فضل أن يبني صبرة بالقرب منها ليجعلها مقر دولته حتى يقف بالمرصاد، في وجه كل من يحاول التمرد عليه بمدينة القيروان أو الاستيلاء عليها في المستقبل.
لقد بدأ المنصور بإنشاء صبرة في سنة 336هـ (948م) على ما ذكره جمهور الباحثين)[232](. واستقر بها في السنة التالية وبذلك أنجز بناءها في وقت قصير ولا شك أن ذلك راجع إما إلى توفر الإمكانيات اللازمة، بالقياس إلى جده المهدي ام أن مدينة المنصورية كانت أقل عمراناً وهذا الاحتمال هو الراجح لأنه يمكن القول بأن المنصورية لا تشكل مدينة منفصلة عن مدينة القيروان بل هي جزء منها. ويقول الإدريسي بهذا الصدد: «والقيروان كانت مدينتين إحداهما القيروان والثانية صبرة، حيث كانت القيروان لعامة الناس، وصبرة مقراً للدولة»)[233](. ومن هنا فإن المنصور اقتدى بعبيدالله المهدي الذي جعل المهدية مقراً له ولمختلف المصالح الإدارية وزويلة مقراً لعامة الناس. ولكن المنصور لم يشدد الرقابة على عامة الناس ولم يفصل بينهم وبين دكاكينهم ومحلاتهم التجارية بالليل وبينهم وبين عوائلهم بالنهار، كما هو شأن عبيدالله المهدي)[234](.
إن صبرة لا تشتمل على كثير من المرافق المختلفة التي اشتملت عليها المهدية مثل المرسي ودار الصناعة ومختلف الحصون التي لا تزال معالم البعض منها قائمة إلى الوقت الحاضر والتي تدل على أن بناءها كان أكثر اتقاناً بينما لا توجد بخرائب صبرة الآن معالم بارزة ذات أهمية. كما أن المكان الذي اختاره المهدي لبناء عاصمته أكثر أهمية من المكان الذي بنيت فيه المنصورية من عدة جوانب، ولكن قدر لكل منهما أن تكون عاصمة لخليفتين. فالمهدية كانت عاصمة للمهدي وأبي القاسم. والمنصورية كانت عاصمة للمنصور وابنه المعز.
وبعد انتقال المنصور إلى صبرة سنة 337هـ (949م) أصبحت هي العاصمة السياسية والإدارية ومركز التجارة والصناعة، وتمتعت بهذه المكانة في عهد المعز الذي بنى بها عدة منشآت عمرانية، وبالتالي قل شأن المهدية التي بدأ الضعف يتطرق إليها منذ حصار صاحب الحمار)[235](. قال البكري عنها: «ومدينة صبرة متصلة بالقيروان… وهي منزل الولاة إلى حين خرابها، ونقل إليها معد بن إسماعيل الأسواق كلها وجميع الصناعات ولها خمسة أبواب الباب القبلي، والباب الشرقي وباب زويلة، وباب كتامة، وهو جوفي وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش)[236](. ولكن هناك من قال بأن لها أربعة أبواب فقط)[237](. ويمكن لنا أن نرجح هذا الرأي الثاني أي أن أبوابها أربعة فقط، وذلك بحسب الجهات الأصلية خاصة وأن هناك من ذكر بأن المنصور جعلها مدينة مستديرة مثل بغداد كما ذكرنا)[238](. زيادة على أن البكري لم يفرق بين الباب الشرقي والباب القبلي، وهما شيء واحد على ما يبدو وسواء كانت أبوابها أربعة أو خمسة فإن كثرتها دليل على قلة حصانها حيث يمكن الدخول إليها من جهات مختلفة وهذا عكس ما عليه المهدية)[239](.
ويبدو أن الحركة الاقتصادية كانت نشيطة بها وقد ذكر أن أحد أبوابها كان يدخل منه كل يوم ستة وعشرون ألف درهم من المكوس)[240](. وهذا دليل على رواج التجارة فيها.
لقد اقتدى المنصور في تحصين عاصمته وإنشاء مختلف المرافق والمصانع بها بعبيد الله المهدي حينما بنى المهدية، وذلك أنه ادخر فيها مختلف المؤن وحفر فيها آبار الماء، وقد شاهدنا بئراً من هذا النوع في خرائبها لا تزال إلى اليوم، غير أن ماءها مالح. كما أنشأ بها القصور الشامخة وليس أبوابها بالحديد وغرس فيها الأشجار. ولما جاء المعز أقام بها عدة منشآت أخرى من قصور ومصانع قال ابن حماد بهذا الصدد: «بنيت فيها القصور الشامخة والأبنية الرفيعة، وغرست فيها الغرس البديعة، وجلبت إليها المياه المنيعة، ومن قصورها الإيوان بناه المعز لابنه… ومجلس الكافور وحجرة التاج، ومجلس الريحان، وحجرة الفضة وقصر الخلافة، والخورنق)[241](. وقصور بين ذلك كثيرة ومصانع صنيعة كبيرة». كما قال عن إنجازات المعز بها أيضاً: «وهو الذي بنى الإيوان بالمنصورية وبنى المعزية بها وبنى قناطر ساقي الماء عليها»)[242](.
ومن جهة أخرى فإن صبرة كثر عمرانها حتى أن الإدريسي ذكر أنه يوجد بها ثلاثمائة حمام، بعضها للديار، وبعضها لعامة الناس كما اعتنى بها الأمراء الصنهاجيون وأقاموا فيها عدة بناءات عمرانية، جديدة وأنشؤوا بها الحدائق الغناء وبرك الماء التي تلعب فيها الحيتان، واتخذوها مسكناً لهم ومقراً لحكمهم)[243](.
وهناك من ذهب إلى القول بأن الفاطميين تأثروا في بنائها بالهندسة المعمارية لحضارة ما بين النهرين، وبالهندسة المعمارية الفارسية، بدليل وجود إسم الخورنق بين أسماء قصورها. وإذا ما صح هذا الرأي فإنه يدلنا على أن الفاطميين حاولوا الاستفادة حتى من الحضارات الشرقية القديمة وهذا دليل على مدى ما تمتعوا به من الوعي والتفتح. كما أظهرت الحفريات الأثرية، بصبرة وجود تشابه بين الهندسة المعمارية في مواد البناء والزخرفة بين قصور صبرة وقصر الزهراء بالأندلس من جهة وتبين الفن المعماري الفاطمي، والطولوني في مصر من جهة أخرى)[244](. ولكن لا غرابة في هذا فكل من الهندسة المعمارية للفاطميين في المغرب، والطولونيين في مصر، والأمويين في الأندلس تمثل هندسة معمارية واحدة هي الهندسة المعمارية الإسلامية مما يدل على أن هناك تبادلاً حضارياً في شتى المجالات بين مختلف مناطق العالم الإسلامي وإن كانت هناك خلافات سياسية ومذهبية بين الأنظمة الحاكمة وليس ببعيد أيضاً أن يكون بعض المهندسين والبنائين الذين تولوا بناء صبرة مثلاً، قدموا إليها من الأندلس كلاجئين سياسيين أو أنهم كانوا يتمذهبون بالمذهب الفاطمي، فلما قامت الخلافة الفاطمية بالمغرب، هاجروا إليها وفضلوا العيش في كنفها.
لقد أجريت عدة حفريات أثرية بصبرة ولكن أهمها تلك التي تعود إلى سنة 1950م حيث أظهرت نتائج على غاية من الأهمية حيث عثر خلالها على عدة قطع نقدية وصناعية توجد الآن بمتحف القيروان كما عثر على عدة مبانٍ مطمورة والغالب أن لبعض منها قاعات لقصور الخلفاء. كما توجد بخرائبها الآن عدة مناطق تجريبية ولكن آثارها غير بارزة. وقد شاهدنا بخرائبها عدة قطع أثرية من آجر وبلور ملون على غاية من الاتقان، والجودة وأجزاء من سوارى مزينة)[245]( ومنقوشة وقطع من أرحية سوداء قرانتية وجزء من ميزاب وقطعة من قطعة على غاية من الجودة أيضاً من طين مكوى ولكن وسطها مغلف ببلور أزرق وكل هذه القطع الأثرية المذكورة تدل دلالة واضحة على مدى تطور الفن المعماري، وتقدم الصناعة فيها. ولا شك أن خرائب المنصورية لا تزال تحتوي على كنوز أثرية قيمة.
وينبغي أن نشير إلى أن هناك ثلاثة مواضع على الأقل تحمل إسم صبرة في المغرب: واحدة في طرابلس، وهي سبرطة القديمة، والثانية في تونس بالقرب من القيروان، وهي المقصودة هنا، والثالثة في الجزائر موضع تورين الحالية.
الدكتور مومول محمد الصالح
المنطقة الشرقية
هو اصطلاح حديث أطلق على المنطقة الشيعية فيما سمي بالمملكة العربية السعودية وهو يشمل الأحساء والقطيف. ويعرّفه الشيخ حبيب آل جميع بأنه: هجر والخط، جزء من كيان تاريخي أعم أطلق عليه: البحرين[246](*).
وهو يشمل «الخط والقطيف والآرة وهجر وبينونة، وجواثا والسابور ودارين والغابة والبحرين».
وعلى هذا فإن كل مواطن من السكان الأصليين للمنطقة الشرقية هو بحراني النسب ومن شذ عن كونه بحرانياً وافداً على المنطقة ـ ولا مساس بأحد.
وحيث إن الجغرافيا والانتماء إليها أمر يصعب طمسه أو يستحيل فإن الإنسان الأصلي لهذه المنطقة بقي معلقاً نسبه على جيده… (بحراني).
وقد أجمع النسابون العرب، على وجود ثلاث قبائل عربية بارزة في البحرين الطبيعية (هجر، الخط، أوال) قبل البعثة النبوية، وهذه القبائل هي:
1 ـ عبد القيس، وهي بطن من أسد من ربيعة العدنانية، ونسبهم: عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد.
كانت ديارهم بتهامة ثم خرجوا إلى البحرين وكان بها خلق كثير من بكر بن وائل وتميم فلما نزل بها عبد القيس زاحموهم في تلك الديار وقاسموهم في الموطن.
2 ـ تميم المضربة العدنانية، وهي تميم بن مر بن أد بن طابخة بن قمعة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بعد هجرات كثيرة استقر بنو تميم في هضبة نجد ثم اتجه فريق منهم إلى البحرين واستقر بها.
3 ـ بكر بن وائل الربيعية العدنانية، وهي بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وقد وفدت البحرين واستقرت بها قبل نزول (عبد القيس) فيها.
هذه القبائل التي شكلت الشعب الأصلي للبحرين.
تاريخياً عرف شرقي الجزيرة العربية بإسم (دلمون) وكانت تشمل الأحساء والبحرين، وقد دلت بعض الدراسات الأثرية وأعمال التنقيب على أن آثار دلمون تعود إلى ما قبل 5000 سنة فيما توصل البحاثة كرومويل إلى أن المواقع الأثرية في المنطقة ولا سيما في الظهران وتاروت وجاوان وغيرها، تدل على أن عهد هذه المنطقة قد سبق حضارة «سومر» بأكثر من ألف عام. ونترك الكلام بعد هذا للأستاذ هيثم الحسين:
وإذا كان اعتقاد بعض المؤرخين والبحاثة فيما مضى بأن المنطقة الشرقية كانت محطة الاستراحة للحضارات القديمة كالفينيقية وغيرها فقد بات كثير من المؤرخين والعلماء الجيولوجيين يميل إلى الرأي القائل بأن هذه المنطقة كانت مهداً لحضارات عريقة وأبرزها حضارة دلمون التي ما زالت بعض مستوطناتها الأثرية قائمة في مناطق مختلفة من البحرين والقطيف إلى جانب احتضان هذه المنطقة للحضارة الفينيقية حيث عثر على آثار هذه الحضارة في جزيرة تاروت التي ضمت إله الفينيقيين «عشتاروت» وقد ذهب بعض الباحثين التاريخيين للقول بأن ترعرع هذه الحضارة في المنطقة أضاف للفينيقيين زخماً حضارياً ساهم في تنشيط حركة الحضارة الفينيقية وساعدها في الانتشار إلى مناطق أخرى حتى قدر لها الهجرة إلى فلسطين.
وبحكم موقع المنطقة الجغرافي الذي تلتقي فيه الطرق التجارية الموصلة بإيران والهند وبلاد الشرق الأقصى ومن الشرق وبلاد أفريقيا المطلة على البحر، اكتسبت المنطقة أهمية خاصة في وجود صلات تجارية وحضارية مع التشكيلات الحضارية الأخرى كالسومريين.
وبعد هجرة الفينيقيين من المنطقة إلى سواحل البحر المتوسط تقاطرت قوافل الجرهائيين واستقرت في المنطقة سنة 1000 ق.م. والجرهائيون هم فرع من الكلدانيين وقد أسسوا مدينة بالقرب من العقير تحمل إسمهم (الجرهاء).
وفي القرون الميلادية الأولى نزحت قبائل عدنانية من تهامة إلى المنطقة مثل بني عبد القيس وبني تميم وبني بكر بن وائل، وقد استوطنت المنطقة واستقرت فيها.
المنطقة الشرقية قبل الإسلام
إذا كان للمنطقة الشرقية من الجزيرة العربية في الماضي حضور في سجل الحضارات القديمة فذلك إنما يعود إلى طبيعة النشاطات التي كان يزاولها سكان المنطقة إلى جانب التواصل الحضاري بينها وبين العوالم الأخرى التي تعكس في بعض جوانبه مكانة المنطقة وأهميتها في استقطاب الناشطين في حضارات الشرق والتفاعل مع حركة النشاط الحضاري في المنطقة.
وإطلالة سريعة على أبرز النشاطات التي كانت رائجة في المنطقة تسعفنا في التعرف على شيء يسير من ماضي هذه المنطقة العريقة. ففي المجال الاقتصادي كانت هجر وتوصف في الماضي حسب معجم ياقوت على أنها «قصبة البحرين»، وتعد من الأسواق الهامة ومركزاً للتبادل التجاري مع المناطق البعيدة من العالم، وقد كان «يجلب إليها مختلف الأصناف ولأهلها أسباب أخر للمعاش غير التجارة كالغوص على اللؤلؤ، وورد في (المفصل) أن البحرين كانت متصلة بالجزيرة العربية حيث كانت هذه الأراضي خصبة وأن سكان المنطقة كانوا يشتغلون في الزراعة والصيد. فقد اشتهرت هجر بأنها كانت «أكثر بلاد العرب تموراً وأطيبها وأروج تجارتها التمر به عرفت وبها اشتهر حتى ضرب المثل فقالوا «كمبضع تمر إلى هجر» كما قالوا «كجالب الدر إلى البحر» قال أبو عبيد: «هذا من الأمثال المبتذلة ومن قديمها: وذلك أن هجر معدن التمر والمستبضع إليه مخطئ».
وقد وردت في تمر هجر قصص عديدة منها أن أعرابياً حضر وليمة لعبد الملك بن مروان، يعجز الفصحاء عن وصف ما حوت من الأطايب والألوان فقيل له «هل رأيت يا أعرابي أطيب وأكثر من هذا»؟ فقال «أما أكثر فلا وأما أطيب فنعم…» وذكر طعاماً منه تمر هجر. كما عرف تمر هجر عند الأدباء والنحويين فقد ذكر لابس مسألة نحوية مشهورة فما على الأرض نحوي إلا يعرف لهجر تمرها فقد أتى خلف الأحمر ويحيى اليزيدي أبا المهدي أعرابياً فصيحاً فحجه وكان به عارض فوجداه يصلي فلما التفت قال: «ما خطبكما؟ قالا له: كيف تقول: ليس الشراب إلا العسل فقال: فماذا يصنع سودان هجر مالهم شراب غير هذا التمر». وورد أيضاً عن هجر أن في دهاسها (الدهاس المكان السهل ليس برمل ولا تراب) هلك المهلهل، أول من هلهل الشعر وأدق نسجه حينما تغنى مهلهل وينوح به على كليب فسمع ذلك عمرو بن مالك وهاج تغنيه كان من الغيظ في نفسه فقال: إنه لريان والله لا يشرب ماء حتى يرد ربيب، وربيب هذا حمل كان لعمرو بن مالك وكان يتناول الدهاس من أجواف هجر فيرعى فيها غباً بعد عشر في حماره القيظ.
وإذا كان لتمر هجر حظه في أمثال وأشعار العرب القدماء، فإن لأسواقها الأدبية حظاً وفيراً بحيث جمعت فيها الفائدتين معاً، التجارة والأدب. فعند هلال ربيع الآخر من كل سنة تقصد العرب هذه السوق (سوق هجر) بعد أن يقضوا تفثهم من سوق دومة الجندل، وفور وصول العرب إلى هجر تقام سوق فيها شتى صنوف البضائع التجارية وقد ورد عنها ما نصه «تهبط العرب هذه السوق ولعلها كانت أكثر مكانة من دومة الجندل لأنها فرصة يجدون فيها أصناف التجارات التي يأتيهم بها تجار الهند وفارس ما لا يجدون في تلك ولأن بها من التمر ما طبقت شهرته الآفاق وضرب في الجودة مثلاً في البلاد وليس ذلك بقليل».
وكان كسرى ملك فارس وصاحب القدرة في هذه المنطقة في فترة من تاريخ المنطقة قبل الإسلام يرسل إلى سوق هجر لطائم فيها الطيب من المسك والعنبر فيبيعها ثم تعود قافلته محملة بالبضائع والتمر وكان منذر بن ساوي يقوم على هذه السوق وينظر في شؤونها.
وإلى جانب التجارة كانت سوق هجر تختتم أعمالها بمهرجان أدبي يحضره أساطين الأدب والشعر من العرب ولا سيما من أهل هذه المنطقة من بني عبد القيس الذي قال عنهم أبو عبيدة «وأجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب، ثم عبد القيس ثم ثقيف».
وأما السوق الأخرى فكانت في المشقر وتبدأ من أول جمادى الآخرة وتستمر إلى نهايته من كل عام ويقصدها العرب وأهل فارس على السواء. وكانت أرضها معجبة لا يراها أحد فيصبر عنها وقد علّل المرزوقي اختلاف قبائل الناس في هذه النواحي بقوله «وكانت لا تقدمها لطيمة إلا تخلف منهم بها ناس فمن هناك صار لهجر من كل حي من العرب ومن غيرهم».
ومشقر هي حصن لعبد القيس قريب من هجر، وثيق البنيان حتى ضرب به المثل في المنعة والأحكام قال المخبل:
فلئن بنيت لي المشقر في
صعب تقصر دونه العصم
كما جاء على لسان الأعشى:
فإن تمنعوا منا المشقر والصفا
فإنا وجدنا الخط جما نخيلها
وكان يحضر هذه السوق الشاعر الجاهلي أمرؤ القيس، ينافسه من بني عبد القيس شعراؤها الفطاحل أمثال طرفة بن العبد الذي يراه جريراً أشعر الناس وشعراء آخرين مثل المثقب العبدي والممزق العبدي ونفيل بن مرة العبدي وعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر عمرو بن سعد بن مالك وأبيه سعد بن مالك والشاعر العرفاني سامة بن ربيعة العبدي.
هذه لمحة سريعة على النشاط الثقافي في مجال الشعر والأدب، والمنطقة تزخر بتراث ثقافي فكري لا يقل أهمية عن التراث الأدبي.
المنطقة الشرقية والإسلام
من خلال نظرة فاحصة على تاريخ الإسلام في هذه المنطقة، نجد أن هناك قصة رائعة تكشف عن طبيعة استجابة أهالي هذه المنطقة لنداء الإسلام، يقول الأستاذ حمد الجاسر: «لما دوّى صوت الدعوة إلى الإسلام كان أهله من أول المصيخين إلى ذلك الصوت، ثم كانوا من أول المستجيبين لتلك الدعوة عن اختيار وطواعية». ففي السنة السادسة للهجرة كانت البشارة تزف إلى أهالي البحرين وهو الإسم الذي عرفت به المنطقة منذ ظهور الإسلام ـ على يد موفد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى والي البحرين العلاء بن عبدالله الحضرمي وكان يحمل رسالة خطية من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى والي البحرين المنذر بن ساوى وهذا نص الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا هو أما بعد: فإني أدعوك إلى الإسلام فاسلم تسلم، واسلم يجعل لك الله ما تحت يديك واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الحق والحافر. محمد رسول الله».
وبعد أن خلص المنذر من قراءة المكتوب، توجه العلاء إليه قائلاً:
يا منذر: إنك عظيم العقل في الدنيا فلا يصغرن بك في الآخرة أن المجوسية شر دين ينكح فيها ما يستحيا من نكاحه ويأكلون ما يتكره من أكله وتعبدون في الدنيا ناراً تأكلكم يوم القيامة ولست بعديم العقل والرأي، فانظر هل ينبغي بمن لا يكذب في الدنيا أن لا نصدقه ولمن لا يخون أن لا نأتمنه ولمن لا يخالف أن لا نثق به فإن كان هذا هكذا فهذا هو النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهى عنه أو ما نهى عنه أمر به.
فقال المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت ولقد تعجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله، فأسلم المنذر وسيبخت مرزبان (رئيس) هجر، كما أسلم العرب كلهم وبعض الفرس، ثم بعث المنذر برسالة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن المجوس واليهود الذين أبوا الدخول في الإسلام وقال «أما بعد، يا رسول الله، فأني قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أحب الإسلام، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود فأحدث يا رسول الله في ذلك أمرك» فرد رسول الله عليه في كتاب بعثه إليه «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وإنه من ينصح نفسه ومن يطع رسلي فقد أطاعني ومن نصحهم فقد نصح لي، وإن رسلي، قد أثبتوا عليك خيراً، وأني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وأنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على مجوسيته أو يهوديته فعليه الجزية» فصالح العلاء اليهود والنصارى والمجوس على جزية وهي نصف غلاتها، وقيل عن كل حالم دينار.
وكانت لأهالي المنطقة من بني عبد القيس وفادتان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الأولى برئاسة المنذر بن عائذ في جماعة من بني عبد القيس في السنة السابعة للهجرة وقد حمل الجارود العبدي الوفادة رسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيها:
شهدت بأن الله حق وسامحت
بنات فؤادي بالشهادة والنص
فأبلغ رسول الله مني رسالة
بأبي حنيف حيث كنت من الأرض
وقد وفد عبد القيس إلى المدينة، فذهبوا بسلاحهم وسلموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووضع المنذر سلاحه ولبس ثياباً كانت معه ومسح لحيته بدهن فأتى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال المنذر ـ وهو يروي ما جرى بينه وبين رسول الله ـ قال لي صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيت منك ما لم أر من أصحابك» فقلت: «أشيء جبلت عليه أو أحدثته، قال: لا بل جبلت. فلما أسلموا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسلمت عبد القيس طوعاً وأسلم الناس كرهاً».
وقد روى أحد أعضاء الوفد ما جرى لهم في المدينة المنورة قدموا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاشتد فرح الصحابة بهم وأوسعوا لهم ثم قالوا: فقعدنا فرحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نظر إلينا فقال من سيدكم وزعيمكم فأشرنا بأجمعنا إلى المنذر بن عائذ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأشج وكان أول يوم وضع عليه هذا الإسم بضربة لوجهه بحافر حمار فقلنا نعم يا رسول الله فتحلق بعض القوم فعقل رواحلهم وضم متاعهم ثم أخرج عيبة فألقى عنه ثياب السفر ولبس من صالح ثيابه ثم أقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد بسط النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجله واتكأ فلما دنا منه الأشج أوسع القوم له وقالوا ههنا يا أشج فقعد عن يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرحب به وألطفه وسأله عن بلاده وسمى له قرية الصفا والمشقر وغير ذلك من قرى هجر. فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لأنت أعلم بأسماء قرانا منا فقال: إني قد وطئت بلادكم وفسح لي فيها. ثم أقبل على الأنصار فقال يا معشر الأنصار، أكرموا إخوانكم فإنهم أشباهكم في الإسلام أشبه شيئاً بكم أشعاراً وأبشاراً أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين إذ أبى قوم أن يسلموا حتى قتلوا…
وباتوا يتعلمون القرآن على يد الصحابة وأقبل عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واحداً واحداً فعرضوا عليه ما تعلموا من علم التحيات وأم الكتاب والسورة والسورتين والسنن.
وقد امتدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأشج رئيس الوفادة فقد روى الأخير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إن فيك لخلقين يحبهما الله قلت ما هما، قال: الحلم والحياء قلت قديماً كان في أو حديثاً قال لا بل قديماً، قلت الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله».
وأما الوفادة الثانية فكانت في السنة التاسعة للهجرة برئاسة الجارود العبدي وكان نصرانياً فأسلم وحسن إسلامه وكان عزيزاً ثابتاً وذا شأن في قومه… وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنشد:
يا نبي الهدى أتتك رجال
قطعت فدفداً وآلا فآلا
وطوت نحوك الصحاصح تهوي
بكماة كأنجم تتلالا
وطوتها العتاق يجمع منها
لا تعد الكلال فيك كلالا
تتقي وقع بأس يوم عظيم
هائل أوجع القلوب وهالا
ومزاداً لمحشر الخلق طراً
وفراقاً لمن تمادى ضلالا
نحو نور من الإله وبرهان
وبر ونعمة أن تنالا
خصك الله يا بن آمنة الخير
بها إذ أتت سجالاً سجالا
حينئذٍ أدناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرب مجلسه ثم قال له: يا جارود، لقد أخر الموعود بك وبقومك فقال: فداك أبي وأمي… أما من تأخر فقد فاته حظه، وتلك أعظم عقوبة وأغلظ حوبة وإني الآن على دين قد جئتك به، وها أنا تاركه لدينك، أفذالك بما يمحص الذنوب ويرضي الرب عن المربوب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا ضامن لك ذلك وأخلص الآن لله الوحدانية فقال الجارود: فداك أبي وأمي، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال ابن كثير: فأسلم وأسلم معه رجال من قومه.
وإنما سمي الجارود لأن بلاد عبد القيس أسافت حتى بقيت للجارود شليّة، والشليّة هي البقية، فبادر بها إلى أخواله من بني هند من بني شيبان فأقام فيهم وإبله جربة فأعدت إبلهم فهلكت، فقال الناس جردهم بشر، فسمي الجارود فقال الشاعر:
جردناهم بالسيف من جانب
كما جرد الجارود بكر بن وائل
وكان الجارود قد أدرك الردة فلما رجع قومه مع المعرور بن المنذر بن النعمان قام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام وقال: أيها الناس أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأكفى من لم يشهد، وقال:
رضينا بدين الله من كل حادث
وبالله والرحمن نرضى به ربا
وكان ولده المنذر بن الجارود سيداً في قومه وقد ولاه علي بن أبي طالب إصطخر في فارس.
وقد أكرم الشعراء بني عبد القيس وذكروا فضلهم فهذا شاعر الإسلام الكميت يقول عنهم في قصة الخلافة وكان يحتج على من قال إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث.
يقولون لم يورث ولولا تراثه
لقد شركت فيه بكيل وأرحب
ولانتشلت عضوين منها يحابر
وكان لعبد القيس عضو مؤدب
يقول أحمد أمين: «ويقصد فيما يخص عبد القيس أي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يورث لأخذت عبد القيس نصيباً كاملاً وتاماً في الخلافة وكان يشير بذلك إلى ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يورث لما كان معنى القول بأن الخلافة في قريش فما تمسكتم بأن الخلافة في قريش إلا لقربى من رسول الله وإذا كانت القربى هي الحجة فالأقرب أولى فبنوا هاشم أولى من بني أمية وبنو علي أولى من بني هاشم».
وبعد أن دخلت الأحساء والقطيف في الإسلام، جعل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والياً من قبله وكان العلاء الحضرمي.
المنطقة الشرقية والردة
بعد أن عرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وغاب شخصه عن أنظار المسلمين ترك فراغاً روحياً في وسط المسلمين لا يسده أحد من بعده. وكان لوفاته وقع شديد، فقد أحدثت صدمة عنيفة لكثير من المسلمين تحولت فيما بعد إلى حالة من الردة عن الدين، وبدأت مجاميع كبيرة من المسلمين تشكك في الإسلام حتى غرقت هذه المجاميع في موجات الشك وابتلع طوفان الردة هذه المجاميع، أما سكان إقليم البحرين وبخاصة عبد القيس فكانت لهم قدم ثابتة ويقين راسخ صمد أمام الردة، يقول المؤرخون: ارتدت العرب كلها إلا اهل جواثى وجواثى، هذه كما يقول الحموي: هي حصن لعبد القيس وهي أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة، يقول عبدالله بن عباس: «أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى ولذلك يقول شاعر بني عبد القيس:
والمسجد الثالث الشرقي كان لنا
والمنبران وفصل القول في الخطب
أيام لا مسجد للناس تعرفه
إلا بطيبة والمحجوج ذو الحجب
وكان للجارود العبدي الفضل الكبير في تطويق حركة الردة والقضاء على تبرعماتها في المهد…
«فلم يرتد من عبد القيس أحد..» وقال الطبري «فثبت بنو عبد القيس على إسلامهم».
تاريخ التشيع في المنطقة
الرأي التقليدي السائد أن تاريخ التشيع في تلك المنطقة التي عرفت كلها في القديم باسم البحرين يعود إلى السنة التاسعة للهجرة حيث عزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العلاء الحضرمي عن ولاية البحرين، وتولى مكانه إبان بن سعيد بن العاص الأموي القرشي وكان من أولياء علي وشيعته. يقول المظفر: «لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارق إبان البحرين ولعله أول غارس لشجرة الولاء فيها».
وتعاقب على المنطقة ولاة آخرون في زمن الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان، أمثال العلاء الحضرمي وعثمان بن أبي العاص الثقفي وقدامة بن مظعون وربيع بن زياد الحارثي. والمعلومات التاريخية المتوفرة تشير إلى عزوف المنطقة عن التفاعل مع حركة الخلافة وربما كان السبب في ذلك يعود إلى الأوضاع السياسية المحيطة بموقع الخلافة، وانشغالها عن المناطق الأخرى البعيدة، ثم انشغال المسلمين بحركة الفتوحات التي انطلقت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض).
في عهد الإمام علي عليه السلام تولى عمر بن أبي قتادة المخزومي وهو ابن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تربى عمرو في بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان معروفاً بولائه لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولعل في ذلك انعكاس اجتماعي وفكري على ولايته للبحرين، فترعرعت غرسة التشيع التي زرعها إبان، وتحولت المنطقة تدريجياً إلى منطقة شيعية دان فيها سكانها بالولاء لأهل البيت عليهم السلام.
ولكن ما لبث أن عزل الإمام عليه السلام عمر واستعمل مكانه نعمان بن عجلان الزرقى. وقد بعث الإمام علي رسالة إلى عمر جاء فيها «أما بعد فإني قد وليت نعمان بن عجلان الزرقي على البحرين ونزعت يدك بلا ذم لك ولا تثريب عليك، فلقد أحسنت الولاية وأديت الأمانة فأقبل غير ظنين ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم فلقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام وأحببت أن تشهد معي فإنك ممن استظهر به على جهاد العدو وإقامة عمود الدين إن شاء الله.
ويمكن استجلاء حقيقة تشيع سكان الإقليم للإمام علي(ع) من خلال الإطلالة التاريخية على الحروب التي خاضها الإمام علي عليه السلام ضد مناوئيه والتي شكل فيها بنو عبد القيس العمود الفقري لجيش علي عليه السلام ففي واقعة الجمل تذكر المصادر التاريخية أنه: لما نقض أصحاب الجمل الهدنة التي عقدت مع جيش الإمام علي عليه السلام بانتظار قدومه إلى البصرة وهجوم أصحاب الجمل على ابن حنيف وهو يصلي بالناس صلاة العشاء فأخذوه ثم عدوا على بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلاً واستولوا عليه وزجوا بابن حنيف في السجن وأسرفوا في تعذيبه بعد أن نتفوا لحيته وشاربيه، فخرج حكيم بن جبلة العبدي في ثلاثمائة من بني عبد القيس والتحم مع جيش أصحاب الجمل بعد غضب حكيم لما فعله الجيش من نقض الهدنة والنكاية بحاكم البصرة وسرقة بيت المال وأن رجلاً من أصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت رجله ولكنه حكيم ظل يقاتل حتى قتل.
وكان لبطولة الحكيم بن جبلة العبدي لون خاص ومميز أشاد به المؤرخون يقول أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه (الثاج): «ولعبد القيس ست خصال فاقت بها العرب فيها: أسود العرب بيتاً وأشرفهم رهطاً الجارود هو وولده. ومنها أشجع العرب حكيم بن جبلة».
وهناك قصص كثيرة تتحدث عن مواقف عبد القيس في حرب الجمل من أروعها قصة أبناء صوحان: وصوحان هو ابن حجر بن الحارث العبدي وهم من بني عبد القيس وقد شارك أبناء صوحان الثلاثة صعصعة وزيد وسيحان في حرب الجمل وصفين وكانوا من قادة جيش الإمام علي عليه السلام وذكر ابن قتيبة صعصعة فقال عنه من المعارف في سلك المشاهير من رجال الشيعة وفي طبقات ابن سعد ورد عن صعصعة أنه كان من أصحاب الخطط بالكوفة وكان خطيباً. وقد كنّاه الإمام علي عليه السلام بالخطيب الشحشح.
أما زيد فكان من خيار الناس وأشجعه وقد امتدحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشاد به هو وجندب بن كعب العبدي وشهد زيد بن صوحان يوم جلولاء فقطعت يده. وكان أحد قادة جيش الإمام علي عليه السلام في الجمل. وكانت أم المؤمنين عائشة كتبت إلى زيد حين قدومها إلى البصرة، تستحثه على التنكب عن علي والانضمام إلى معسكرها وجاء في رسالتها «فثبط الناس عن علي بن أبي طالب» فكتب إليها قائلاً: «فإنك أمرت بأمر وأمرنا بغيره، أمرت أن تقري في بيتك، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة، فتركت ما أمرت به وكتبت تنهينا عما أمرنا به والسلام».
ولما سقط زيد في المعركة وقف عليه الإمام عليه السلام قائلاً: «رحمك الله يا زيد، فلقد كنت خفيف المؤونة كثير المعونة» فرفع زيد رأسه وفي آخر رمق من حياته فقال: «وأنت رحمك الله يا أمير المؤمنين وجزاك الله خيراً. والله يا أمير المؤمنين ما علمك إلا بالله عليماً وفي أم الكتاب علياً حكيماً، وإن الله في صدرك لعظيم، والله ما قاتلت معك على جهالة ولكني سمعت أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» فكرهت أن أخذلك فيخذلني الله تعالى». وفي حرب صفين كان لبني عبد القيس صولات وبطولات مشهودة دفاعاً عن علي(ع).
وكان من قادة جيش الإمام علي عليه السلام في حرب صفين أبرزهم صعصعة بن صوحان الذي احتفظ له التاريخ بجولات في ميدان الحرب والسياسة وكان أحد أيادي الإمام علي عليه السلام فقد أرسله علي إلى الشام بعد أن تخلف معاوية عن البيعة ليحذره من مغبة الخروج على طاعة الإمام عليه السلام فدخل صعصعة على معاوية في قصره وحاججه في قصة طويلة حتى ذهل معاوية عن إجابته، وفي الأخير التفت معاوية إلى بني أمية فقال: هكذا فلتكن الرجال.
كما بعثه الإمام علي عليه السلام إلى جيش الشام لفك الحصار عن ماء الفرات بعد أن أوشك جيش الإمام علي على الهلاك لشدة العطش فأبوا ذلك فقاتلهم الإمام عليه السلام وكان صعصعة أحد القادة العسكريين في جيش علي: ولذلك قال عمرو بن العاص لمعاوية حين قدم وفد برئاسة صعصعة عليه: هؤلاء رجال الدنيا وهم شيعة علي عليه السلام الذين قاتلوا معه يوم الجمل ويوم صفين فكن منهم على حذر…
وقد بقي بنو عبد القيس على ولاية علي عليه السلام حتى بعد شهادته رغم المحن التي تعرضوا لها، كما شارك بعض رجال عبد القيس في واقعة كربلاء عام 61هـ إلى جانب الإمام الحسين عليه السلام واستشهدوا معه.
وفي ولاية عبد الملك بن مروان خطط الأخير إلى إخضاع منطقة هجر والبحرين إلى سلطته بعد أن عجز معاوية عن عزل ولاة الإمام علي عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام في هذه المنطقة وفي عام 73هـ قاد عبد الملك بن مروان معركة على البحرين فأرسل جيشاً قوامه 12 ألف وعسكر في جواثى قرب هجر فاشتعلت الثورات على الأمويين وكان قادة هذه الثورات على الغالب من بني عبد القيس. وكانت ذريعة عبد الملك بن مروان في غزو المنطقة هي محاربة الخوارج بقيادة نجدة الحروري الذي أنفذ إبنه المطرح في سنة 67هـ في خيل إلى عبد القيس بالقطيف فأشعل المطرح الحرب على القطيف وانتصر على بني عبد القيس بعد أن ناوءوا الخوارج وحاربوهم.
ولما تمكن عبد الملك بن مروان من القضاء على الخوارج سير الجيوش إلى البحرين فقام بقتل أولئك النفر من مشاهير الشيعة وخيار أهل البلد وحمل الباقين على مفارقة التشيع فأبوا عليه وندموا على ما فرط منهم، وخاف بأسهم فصالحهم على نزع السلاح على أن يرفع الخوارج عنهم.
ثم أقدم جيش عبد الملك بن مروان على فرض حصار اقتصادي على هجر والبحرين فيما راح الجيش يعيث الدمار في العيون والحصون.
بيد أن عبد الملك لم ينجح في إخضاع سكان الإقليم لسلطته وإنما جاءت ردة فعل الشيعة إزاء الغزو الأموي للمنطقة بطريقة انتقامية فاشتعلت الثورات بالبحرين على الحكم الأموي في عهد الحجاج وتلاها ثورة ابن محرز من عبد القيس، ثم انفجرت انتفاضة عارمة في المنطقة عام 86هـ بقيادة مسعود بن أبي زينب من عبد القيس وتمكن من استعادة السيطرة للمنطقة حتى عام 105هـ مما أفشل خطط الأمويين في المنطقة، يقول الأستاذ حمد الجاسر «ولم ترسخ أقدام الأمويين في البحرين لبعدها عن مقر الخلافة ولكثرة مناوئيهم».
ولم يختلف الحال بالنسبة للعباسيين الذين حاولوا إعادة تجربة الأمويين مع سكان الإقليم إلا ان الفشل كان دائماً حليف العباسيين ففي عام 151هـ انفجرت ثورة في المنطقة بقيادة سليمان بن حكيم العبدي على المنصور ولما عجز العباسيون عن احتواء الثورة أقدموا على ارتكاب مجزرة جماعية في سكان الإقليم ثم قاموا بأسر مجموعة كبيرة من الأهالي وأرسلوهم إلى المنصور الذي قام بإعمال السيف في رقابهم. وظلت المنطقة فقيرة للاستقرار السياسي لسبب الهجمات المتواصلة عليها من الخارج وكان عليها أن تدفع ضريبتين: ضريبة ولائها الديني الذي يثير حساسية الخلفاء وضريبة الثراء.
وفي الفترة الواقعة ما بين 225 ـ 269هـ تعرضت المنطقة إلى مؤامرة خارجية قادها الزنج العبيد القادمون من أفريقيا بعد أن تكثفت نشاطات الحركة التجارية بين الخليج والقارة الأفريقية، ولما نزل قائد حركة الزنج البحرين ادعى أنه من سلالة الإمام علي عليه السلام في سبيل تضليل شيعة إقليم البحرين وكسب تأييدهم وبالتالي السيطرة على البلد إلا أن الأهالي نقبوا في ادعائه وكشفوا مؤامرته فثاروا عليه وطردوه من البحرين فجاء إلى الأحساء ولكنه فشل في مخططه بعد أن فضح شيعة الأحساء مؤامرة الزنج.
ثم نزحت فيما بعد جماعة من القرامطة واجتاحت المنطقة وذاق شيعة الأحساء والقطيف ويلات القرامطة فقد احتلوا القرى وعاثوا الفساد فيها وأسالوا الدماء على أراضيها إلى جانب ما جمعوا من أموال طائلة عن طريقة المكوس والأعشار التي فرضها القرامطة على شيعة الأحساء والقطيف.
ولما دخل أبو سعيد الحسن بن بهرام القطيف قتل من لقيه في طريقه، ثم سرق أموالها، وغار على الزارعة وكان فيها ملك البلاد وفشل الأخير في مقاومة الزحف القرمطي خارج حدود الزارة ففرض القرامطة حصاراً عليها لمدة أربعة أشهر ثم دخلوها عنوة فأشعلوا فيها النار ثم عمدوا إلى فريق من بني عبد القيس فحرقوهم وصارت الزارة خراباً يباباً.
وبعد أن سيطر القرامطة على القطيف، جهزوا جيشاً لغزو الأحساء وتقول المصادر التاريخية «إن أبا سعيد لما دخل هجر عام 300 هـ أرسل على جميع الرؤساء والأعيان والقراء للتشاور معهم في إصلاح البلاد فلما اجتمعوا أضرم عليهم النار ومن فر أخذته السيوف… ثم أخذوا جزيرة (أوال) أيضاً فصارت البحرين كلها ملكاً لهم وقد وردت أخبار القرامطة على لسان الشاعر العيوني ابن المقرب يقول فيها:
سل القرامط من شظى جماجمهم
فلقاً وغادرهم بعد العلى خدما
من بعد أن جلّ بالبحرين شأنهم
وارجفوا الشام بالغارات والحرما
وكان القرامطة قد أنشؤوا دولة لهم شملت الأحساء والقطيف والبحرين الحالية ودامت 180 عاماً وتعطلت الحركة العلمية نتيجة السياسة الهمجية التي اتبعها القرامطة في المنطقة وفي أواخر الدولة القرمطية خرجت قبائل مثل بني ثعلب وبني عقيل وبني سليم فسيطر أبو البهلول العوام بن محمد بن يوسف بن الزجاج على أوال فيما سيطر يحيى بن العياش على القطيف ودخلت المنطقة في دوامة جديدة من الصراع السياسي على المنطقة بعد أن أصاب الضعف بني عبد القيس وأدى ذلك إلى انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة.
ثم انبرى عبدالله بن علي بن محمد بن إبراهيم العيوني العبقسي جد الأمراء العيونيين لتصفية جيوب القرامطة فقام في أربعمائة رجل وأعلن الحرب على القرامطة ومن معهم من اليمن ومن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة خفرة البحرين والقطيف فحاربهم سبع سنين حتى انتزع الملك منهم.
وتمكن عبدالله العيوني من تأسيس أول دولة شيعية في الإقليم التي دامت نحو 190 عاماً في الفترة الواقعة ما بين 446 ـ 636هـ وكان للعيونيين الفضل في إعادة الهدوء والاستقرار والأمن «ففي عهد محمد بن أحمد المكنى (بأبي الحسن بن عبدالله بن علي) امتدت سيطرة العيونيين إلى نجد والبادية وقيل بأن سلطانه امتد على جميع عرب البادية من حلب إلى عمان فلا يعترض أحد لأحد فأمنت السبل في أيامه ومشت القوافل بغير خفارة».
وقد اشتهر من العيونيين الشاعر المعروف علي بن المقرب العيوني البحراني الاحسائي وعرف عنه أنه كان حسب البلادي (شيخاً أديباً فاضلاً ذكياً أبياً شاعراً مصقعاً من شعراء أهل البيت عليهم السلام). وله ديوان مطبوع تكشف بعض ما ورد فيه من قصائد إنتمائه للتشيع ومنها قوله:
يا آل طه أنتم وسيلتي
عند الهي وإليكم مفزعي
وإن منعتم من نوالي غيركم
إن يرد الحوض غداً لم أمنع
إليكم نفثة مصدور أتت
من مفحم للشعراء مصقع
مقربي عربي طبعه
ونجره ليس بالمبتدع
ينمي من البيت العيوني إلى
أجل بيت في العلا وأرفع
عليكم صلى إلهي وسقى
أجداثكم بكل غيث ممرع
ومنها أيضاً قوله:
قمنا بسنتكم وحطنا دينكم
بالسيف لا نألو ولا نتبرم
وعلى المنابر صرحت خطباؤنا
جهرا بكم وأنوف قوم ترغم
لا تسلوني يوم لا متأخر
لي عن جزا عملي ولا متقدم
وفي أعقاب تدهور الأوضاع السياسية في الدولة العيونية، كانت الفرصة سانحة لبروز قوى سياسية جديدة ذلك أن المنطقة ظلت مهيأة دائماً إلى ظهور تشكيلات سياسية في غياب قوة مقتدرة ومهيمنة فقد حكمت المنطقة قبيلة بني عصفور وينتهي نسبها إلى بني عبد القيس، وما زالت بعض أفخاذها موجودة في البحرين، ثم وقعت نزاعات بين القبائل من بني تغلب وبني عقيل وبني سليم وقامت الأخيرة بعد تحالف بني تغلب وبني عقيل ضدها بالهجرة إلى مصر ثم المغرب، ووقع نزاع بين بني تغلب وبني عقيل فكان لبني تغلب الغلبة في السيطرة على المنطقة.
وحكمت بنو جروان المنطقة ودام حكمها من 705هـ/ 821هـ، ثم جاء بعدهم بنو جبر وآل مغامس وغيرهما وأنشؤوا دويلات صغيرة ولكنها اتسمت على الدوام بالضعف.
وبعد اكتشاف فاسكو دي كاما الطريق البحرية المؤدية للهند عام 1498م، سيطر البرتغاليون على جزيرة هرمز عام 1506م ولم يواجه الاستعمار البرتغالي صعوبات كبيرة في السيطرة على منطقة الخليج كاملة فقد بدأ البرتغاليون بالتحرك نحو السيطرة الكاملة على المنطقة بحلول عام 1515م. وفي عام 922هـ/ 1517م استولى البرتغاليون على جزيرة المنامة وقطر والقطيف وقد اشتهر البرتغاليون بتدميرهم المدن والقرى التي يحتلونها وبأعمالهم الوحشية مع سكانها. فكانوا يأخذون قتلى أعدائهم ويمثلون بهم شر تمثيل، يصلمون آذانهم ويجدعون أنوفهم، ويقطعون أطرافهم ثم يلقون كل طرف في مكان. وبعد استيلاء البرتغاليين على الأحساء والقطيف أسسوا فيهما القلاع والحصون العسكرية والمراكز الدفاعية، عرفت منها قلعة تاروت وقلعة سيهات، وقلعة عنك إضافة إلى قلعة أوال في البحرين.
وفي القرن السادس عشر الميلادي تحطمت القوة البرتغالية على صخرة الواقع الدولي الجديد فقد ظهرت قوى استعمارية جديدة مثل هولندا وإنجلترا جردت البرتغاليين من أملاكهم في الشرق، فيما بقيت الأحساء والقطيف والخليج بوجه عام تحت الإدارة العثمانية التي دامت نحو 120 عاماً وفي سبعينات القرن السابع عشر دخل الشيخ براك بن غريغر أحد أفخاذ قبيلة بني خالد، في حرب ضد المفارز العثمانية في الأحساء وتغلب عليها وطردها من المنطقة وبعد أن فرض سيطرته على الأحساء والقطيف، بدأ يغزو قوافل البدو المترحلين بين نجد والأحساء وتمكن من إدخال نجد في حكم بني خالد وواصل أحفاد براك سياسة التوسع والسيطرة إلى أن تعرضت القبيلة إلى هزة عنيفة إثر وفاة زعيم بني خالد خالد بن سعدون عريعر في سنة 1723م مما أدى إلى انفراط وحدة القبيلة وتماسكها وما تلى ذلك من انشقاقات في داخلها في وقت ظهرت فيه قوة جديدة تشكلت على أرض نجد هي القوة الوهابية ـ السعودية التي نجحت في فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة.
هيثم الحسين (راجع: الأحساء، وراجع البحرين، وراجع: القطيف. وراجع الهفوف).
أضواء على تقارير الرحالة الغربيين عن المنطقة
تقارير وروايات الرحالة الذين زاروا المنطقة الشرقية تحمل في ثناياها معلومات ثمينة عن الأوضاع الاجتماعية العامة السائدة في فترات متفاوتة، سيما فيما يتصل منها بالمناشط الاقتصادية وانعكاساتها على أحوال السكان المحليين، وما تمثله تلك المناشط بوصفها ملمحاً مميزاً في هوية المجتمع المحلي للمنطقة وانفرازه عن باقي المجتمعات المجاورة. ورغم ما يلزم القارئ والمطلع على كتابات الرحالة عرباً وأجانب من حيطة في التعامل مع بعض هذه الكتابات لما فيها من هنات ومغالطات أحياناً قد يشير الرحالة نفسه إليها، ولربما وقع فيها على سبيل السهو أو الجهل فيما يرويه. فبركهاردت، على سبيل المثال، وهو يتحدث عن قبائل الجزيرة العربية لا يتردد في أكثر من موقع في نسبة بعض أفخاذ من قبائل شمر وحرب وغيرهما إلى المذهب الفارسي (إشارة إلى المذهب الشيعي). ولا يخفى ما في نسبة المذهب الشيعي إلى الفارسي من مغالطة ليست تاريخية فحسب، بل وعلمية أيضاً أخلاقية متصلة بصورة مباشرة بأمانة الناقل وشرف مهنته. هذا رغم أن بركهاردت أبلغنا بوضوح بما نصه: «إنني لا املك المعرفة الكافية التي تؤهلني لتناول موضوع الانقسام بين المسلمين إلى سنّة وشيعة كيما أقدم للقارئ تفاصيل كاملة حول الموضوع».
وتبقى، رغم ذلك، ملاحظات بركهاردت حول الجزيرة العربية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي من المصادر المهمة. بدأ بركهاردت رحلته في فبراير سنة 1812، وفي يوليو 1816 وصل إلى الحجاز التي كانت قاعدة انطلاقه للتعرف على القبائل الكبيرة في الجزيرة العربية، حيث أخذ يدوّن كل ما يعرفه عن تلك القبائل وما هي نشاطاتها وفروعها وامتداداتها وعدد أفرادها بل وحتى معتقدها الديني والمذهبي. وجاء بعده رحالة آخرون أفادوا من تجربة بركهاردت وربما نقلوا عنه بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة ولربما تأثروا بالانطباعات والملاحظات التي دوّنها في تقارير رحلته التي انتظمت فيما بعد في شكل كتاب ما زال يمثل من المصادر الرئيسية عن الجزيرة العربية في الربع الأول من القرن التاسع.
النشاط الاقتصادي
والاستقرار الاجتماعي في الواحة
جيه. جي لوريمر ترك سجلاً مثيراً للجدل حول منطقة الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية. فما زال لوريمر، رغم علامات الاستفهام التي تحاصر كل تجربته، يفرض بسجله الزاخر بالمعلومات الفريدة سلطة شديدة التأثير على الباحثين والمهتمين بالمنطقة. يقدم لنا لوريمر صورة تكاد تقلب الاعتقاد المتنامي حول أنماط العيش والاستقرار في المنطقة. ففي تقديره لإجمالي عدد سكان سنجق الأحساء متضمناً مدن الهفوف (البالغ عدد سكانها 25 ألفاً) والمبرز (والبالغ عدد سكانها ثمانية آلاف وخمسمائة نسمة) بنحو 67.000 ألفاً. فيما قدّر عدد سكان واحة القطيف، وتشمل مدينة القطيف (البالغ عدد سكانها عشرة آلاف نسمة) بحوالي 26 ألف نسمة، يضاف إلى ذلك قصر الصبيح (ألف نسمة) وجزيرة تاروت (ثلاثة آلاف وخمسمائة نسمة). ويمثل الرقم الإجمالي البالغ نحو 101 ألف نسمة السكان المستقرين في المنطقة.
أما بالنسبة للمجتمع البدوي أو غير المستقر، فيقدره لوريمر بنحو 57 ألفاً فقط، وذلك على النحو التالي: قبيلة العجمان ويقدر عددها بنحو 35 ألف نسمة، وبني هاجر (خمسة آلاف نسمة) وبني خالد بعد استثناء قبيلة بني خالد المستقرة في جزيرة المسلمية وجنه وتاروت والصبيح… ويقدر عددها بنحو 10 آلاف، وقبيلة المره ويقدرها تعدادها بنحو 7 آلاف نسمة.
ويظهر من الأرقام الواردة أن نسبة السكان المستقرين إلى غير المستقرين تعادل الضعف تقريباً.
ورغم ذلك تبقى مسألة الإحصاء السكاني للمنطقة لغزاً لم يستطع الرحالة بل والباحثون حله. لقد سبق لوريمر رحالة غربيون آخرون وهم الكابتن ساديلر (1819) وبلجريف (1836) والكولونيل بيلي (1865). الأول أعطى تقديراً لعدد سكان الهفوف بنحو 15 ألفاً وبلجريف تحدث عن 20 ألفاً إلى 30 ألفاً وفي عام 1871 حين استطاعت كتيبة عسكرية تركية من استرداد المدينة من السيطرة النجدية قدّرت بأن في الهفوف 15 ألف بيت و200 قرية. وقد علق لوريمر على كل هذه الأرقام بالقول «بأن هذا يعكس الاضطراب الكبير في معظم الإحصاءات الخاصة بالجزيرة العربية».
وأياً كان الحال، فإن مما لا شك فيه أن النشاط الاقتصادي لعب وما زال دوراً مركزياً في تقرير الأوضاع الاجتماعية في المنطقة. فالزراعة التي كانت مقتصرة على واحتي الأحساء والقطيف كانت تمثل حافزاً تشجيعياً على الاستقرار الاجتماعي. ونترك للمستشرق لوريمر يصف لنا هذه المنطقة. يبدأ بالعيون وينابيع المياه التي تتفجر بغزارة، أنها بحق ـ على حد قوله ـ أرض النوافير والعيون التي تفور على مقربة من مياه البحر المالحة. هذه المياه الغزيرة هي الكفيلة بإشباع حقول الأرز والقمح في المبرز. فالمنطقة كما وجدها لوريمر كلها صالحة للزراعة، فالإنسان ليس بحاجة لحراثة الأرض فهناك فردوس ترقد قرب القرى. وما يلبث لوريمر أن يستدرك وهو يتحدث عن الفلاحة، ليسجل قائلاً إن البدو الغزاة والأتراك يمنعون الفلاحة، ثم يشدد لوريمر قائلاً: «هذان هما لعنة الزراعة في كل المناطق العثمانية في الجزيرة العربية».
يصف لوريمر الهفوف فيقول بأنها محاطة بالبساتين، وأن هيئتها توحي بالصورة العامة لمدن الجزيرة العربية. إن المدينة بما فيها من قلعة أو دار الإمارة والحكم. والسوق والدور المحيطة بها والجدران الطينية التي تسورها لغرض الحماية تعكس فلسفة الحياة عند سكان هذه المنطقة كما تترجم ـ كل هذه المجسدات ـ النظام الاجتماعي العام. ولعل واحدة من اللفتات المثيرة التي جذبت اهتمام لوريمر أنه وجد، على سبيل المثال، أن البيوتات في منطقة الهفوف غير متلاصقة على خلاف العادة التي كانت سائدة في الحواضر السكنية الشرقية. ولكنه ما يلبث أن يكتشف بأن هذا التباعد ليس إلا نتيجة للبساتين العامرة داخل مسورات البيوت والتي تجسد الوظيفة الحيوية الطاغية للمجتمع الاحسائي والتي تجعل من الحقل والمسكن داخل مسورة واحدة. ففي داخل هذه الحقول تكثر، إلى جانب طوابير النخيل المتنوعة الأحجام والأنواع، أشجار الرمان والتين والباباي، والنبك، كما تكثر حقول الرز والسكر والخضروات سيما البطاطس والبصل والفاصوليا.
القيصرية، أو سوق الهفوف توفر إلى جانب الحاجات الضرورية والأساسية للسكان المحليين إلا أنها أيضاً تخبر عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية العامة في هذه المنطقة، بالمقارنة مع باقي المناطق الأخرى المجاورة. ففي هذه السوق يتوفر إلى جانب المتطلبات الاعتيادية والكمالية، الأسلحة، والملابس والذهب المصكوك، والتمور، والخضروات، والسمك المجفف، والخشب، والجراد المملح، والفواكه، والصندل، والتبغ، والنحاس، كما تعقد أسواق المزاد بصورة منتظمة في ميدان أو خارج الأسوار.
ويمكن التعرف على أهمية منطقة الهفوف أيضاً من خلال الاهتمام المتزايد من جانب الذين طمعوا في احتلالها أو السيطرة عليها ومن خلال أيضاً ما شيّدوه على ترابها. ففي الهفوف كان هناك مستشفى عسكري يضم جراحاً وطبيباً عاماً في الوقت الذي كانت المناطق الأخرى تفتقر إلى أبسط الإسعافات الأولية. ورغم ذلك فإن هذا المستشفى الذي شيّد خصيصاً لمعالجة الجنود لم يفد منه السكان المحليين. فقبيل وصول لوريمر إلى المنطقة كانت الكوليرا قد عصفت بالمناطق وامتدت إلى الساحل، بل أن مرض الجدري كان عدوى أصابت عدداً كبيراً من الأطفال.
الوضع الإداري في المنطقة
حكومة الأحساء يمكن تشخيصها على النحو التالي: السنجق (وهي كلمة تركية تستخدم للتقسيمات الإدارية) وهي منقسمة إلى ثلاثة مراكز نجد، وقطر والقطيف، وهناك حامية صغيرة تحافظ على كل منطقة. فهناك 600 رجل في الهفوف، و300 رجل في قطر والقطيف. والحاكم، الذي يدعى متصرفاً، يقيم في العاصمة والقائم مقام أو الحاكمان الفرعيان يقيمان في المركزين الباقيين. وهناك محاكم تركية اعتيادية ولكل قبيلة عربية ممثل أو وسيط لتسيير شؤون هذه القبائل مع الحاكم. القبائل الرئيسية والتي اعترفت بالاحتلال التركي وسلمت بالحكم التركي هي: العجمان والمرة، وبني هاجر، وبني خالد، بني حسن، المطير، الحرب، الجعافر. وقد افتتحت السلطات التركية ثلاث مدارس في المنطقة، وقد بلغ عدد الطلبة حسب تقرير تركي رسمي نحو 3,540 طالباً. في هذا التقرير قدّر عدد سكان المنطقة بـ 250 ألف نسمة. ويعلق لوريمر على ذلك بالمقارنة بين حجم السكان وعدد المتعلمين قائلاً: «إن ذلك يكشف عن تخلف التعليم في منطقة كانت دائماً مشهورة بالكتّاب». ورغم ذلك فإن المسجد الكبير يمتلئ بالشباب التواقين إلى تعلم قواعد اللغة العربية والتفسير والحديث. فقد كان التعليم الديني منتشراً في المنطقة، فكان للمذهب الشافعي مدارسه ومساجده وعلماؤه وهكذا المذهب المالكي. وكان أيضاً للمذهب الشيعي مدارسه ومساجده وعلماؤه حيث يتجمع طلاب العلوم الدينية ويتعلمون القراءة والكتابة والمسائل الدينية كما يذكر فيدال في «واحة الأحساء».
لقد كانت تلك الصورة تعكس إلى حد كبير الاستعداد الكامن للاحساء كيما تتحول إلى واحدة للتسامح الديني والتعايش المثمر بين المدارس الفكرية الإسلامية المتنوعة.
صورة أخرى وإلى حد كبير سلبية للجانب الإداري في الواحة، يتذكر لوريمر أيضاً مروره بالقطيف وهو في طريقه إلى البحرين، يتذكر ـ إلى جانب الحمى التي أصابته في الطريق نتيجة لحرارة الشمس الشديدة ـ أنه توقف في التاسعة صباحاً من يوم الأربعاء عند قرية أم الحمام التي وصفها بأنها تخلو من الحمامات العامة (ويقصد العيون) والأشجار والحشائش باستثناء مياه ضحلة ملوثة وشجيرات نخلٍ صغيرة. وفي يوم الجمعة صباحاً توجه إلى القطيف حيث استقبلته بساتين النخيل والينابيع والآثار القديمة والتحف المعمارية مع أبراج الاستطلاع. وعبر بساتين القطيف بمسافة طويلة نسبياً وصل لوريمر إلى شاطئ البحر. وفي دار الجمارك توقف لوريمر للراحة والاستجمام.
ينقل لوريمر بأن القطيف لم تكن لها سمعة طيبة بين الاحسائيين العرب، والسبب في ذلك ـ حسب رأيه ـ بأن موقعها منخفض ومستنقعي وينقل عن بعضهم قائلاً: «إن هيئات سكانهم في الغالب هزيلة، وبشرتهم شاحبة، ويعانون باستمرار من الملاريا. وأن المدينة نفسها قد بنيت بصورة سيئة وحالتها الصحية بائسة للغاية ومناخها خانق يساعد على انتشار الأمراض. ولكن رغم كل ذلك يستدرك لوريمر بأن أهلها أناس طيبون وأن منطقة القطيف تتمتع بتجارة نشطة».
الأصول الأعجمية لسكان الواحة!!
كان الاعتقاد سابقاً أن مشاهدات الرحالة للمناطق التي وطؤوها نقلت غالباً بأمانة ودونما زيادة. إلا أن تطور آليات البحث العلمي ومناهج التحقيق ساعد في إعادة تقويم تلك التقارير بل وتشريحها للفصل بين ما هو مشاهدات عينية وبين ما هو نظرة شخصية للأمور، وبين ما هو عنعنات تنتهي في نهاية المطاف إلى مصادر غير محايدة وأخيراً بين ما هو انفعالات وفرضية ساذجة. فمثلاً شكك البعض فيما نقله لوريمر عن المنطقة ونسبته إلى نفسه دون واسطة لوجود تقارير سابقة وجدت طريقها إلى سجلاته دون إشارة إلى أصحابها مما اعتبر تعدياً على حقوق الأخرىن.
ونحن هنا سنثير قضية قد تبدو فيها العاطفة الدينية دافعاً وراء إثارتها إلا أن للتاريخ أيضاً حقه في تسوية ما يراه تجاوزاً عليه.
أزعم بأنني من أنصار الفصل بين العقيدة والتاريخ، فلكل مجاله رغم التلاحم الكبير في تأثير كل منهما في الآخر، إلا أن ما وقع فيه المستشرق لوريمر وآخرون كان سبباً كافياً لتسليط الضوء على مسألة جذور التشيع في هذه المنطقة ونسبة ذلك إلى أصول السكان القومية. هذه المسألة بلا شك تتطلب بحثاً موسعاً لأن في النصوص المستفيضة في تقارير الرحالة وبعض الباحثين المتخصصين في الواحة ما يصلح أساساً لمشروع بحث واسع، ولكن سنكتفي ـ هنا ـ بإشارات سريعة لما صدفناه.
إن ما وقع فيه لوريمر، وربما زين له هذا التحليل الذي استبنته في مذكراته أنه خلط ما بين مشاهداته والروايات التي نقلت له حتى وجدته بلا مرشد من تاريخ ولا أثر من جغرافيا يقول تعضيداً لما سبق نقله عن موقف الاحسائيين العرب من سكان القطيف بأن «سكان ـ القطيف ـ هم في الأغلب شيعة من أصول فارسية». ولا ندري هل لوريمر ردد ادعاءً اصطنعه من كان قبله من الرحالة مثل بركهاردت الذي أشرنا إليه سابقاً أم ردد ما قاله ـ قبل ذلك ـ وبصورة حرفية تقريباً الرحالة نيبور في كتابه «رحلات في الجزيرة العربية» والذي وضع وبكل ثقة واطمئنان تصنيفاً مذهبياً يجعل التسنن سمة مذهبية للعرب والتشيع سمة مذهبية للعجم والفرس. الغريب أن هؤلاء جميعاً وبدلاً من أن يمارسوا دور الرحالة الذي يسجل مشاهداته كما هي مع بعض الانطباعات التي تعتمل في أذهانهم، انتحل بعضهم صفة المؤرخ والتيولوجي والعالم بالأديان. ولكن لا بركهاردت ولا نيبور ولا لوريمر ولا من كان قبلهم أو عاصرهم أو من جاء بعدهم قرر التوصل بالمصادر التاريخية لإثبات ما يفترض كونه من مهمة المؤرخين أمثال آدم متز وكوربان وفلهازون وغيرهم والذين سخروا كثيراً من مثل هذه الآراء المتسرعة والساذجة. بل قد يفاجئ هؤلاء فيما لو علموا بأن التشيع الإيراني هو من أصول عربية وأن القطيف كان لها يد طولى في غرس نبتته على الأرض الإيرانية منذ مطالع القرن العاشر الهجري ونهاية القرن الخامس عشر الميلادي.
ومما يدعو للغرابة أن يستجيب باحث مثل الدكتور عبد الفتاح حسن أبو علية لمثل تصنيف نيبور ولوريمر مضيفاً بعداً تحليلياً جديداًعلى أساس أن الأحساء كانت منطقة سكانية مفتوحة بحسب موقعها الجغرافي لينتهي لنتيجة «أن في المنطقة أصلين أساسيين للسكان هما الأصل العربي والأصل الفارسي». ثم يقرر حقيقة نهائية «وتعود هذه النسبة العالية للسكان الشيعة في الإقليم من بين الأقاليم الأخرى الخالية من الشيعة في جزيرة العرب عدا اليمن إلى اتصال السكان وقرب الإقليم من كل من البحرين والعراق وإيران، إذ يشكل الشيعة نسباً كبيرة في هذه البلاد». ويستطرد الباحث أبو علية إلى حد المصادقة على ما نقله من مجلة (The Moslem World) في عددها رقم 23 حول «الخلاف السني الشيعي في شرق الجزيرة العربية» والذي خلص فيه الكاتب إلى ان السنّة في الإقليم ـ الأحساء ـ يرجعون إلى أصل أعجمي والقليل منهم من أصل هندي» رغم ما في نقل أبو علية من انتقائية وبتر للنص الإنجليزي وإعادة تركيبه. كيف يروق للأستاذ أبو علية هذا الرأي وقد عمل أستاذاً في الهفوف واختلط بسكانها فكيف تحقق من هذه الاثنينة في الأصول القومية في الأحساء.
وليس غريباً إذن أن ينسب «محمود الفارسي» قاضي القطيف في الدولة السعودية الثانية إلى الشيعة فاسمه كما أشار جاكوب جولدبرج في «التشيع والمقاومة الاجتماعية» يوحي بتشيعه، مستعيناً بما أشار إليه ويندر في كتابه حول المحاربين من أجل الإسلام في القرن التاسع عشر. لقد أفاد كل منهما مما ذكره ابن بشر في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد» بتعيين محمود الفارسي قاضياً في القطيف إبان الدولة السعودية الثانية.
ورغم أن نسبة الفارسي إلى الشيعة، بالنظر إلى منصب القضاء وما يتطلب من إتقان القاضي ـ على وجه فرض العمل بالأحكام الفقهية لكل مذهب ـ يشجع مثل تلك الاستنتاجات السريعة إلا أن وظيفة المؤرخ هي على الضد من هذه الاستنتاجات، فنحن هنا نتعامل مع حقائق ومعطيات تاريخية وليس ملاحظات ساذجة وظاهرية.
فالمصادر التاريخية القديمة ترشدنا بجلاء إلى أن المنطقة كانت شديدة الولاء لأهل البيت النبوي وشديدة العداء لبني أمية. وقد كان للأحداث التي اندلعت في عهد الإمام(علي) عليه السلام وحمل عبد القيس ألوية الحروب ضد خصوم الإمام دلالات قوية على عمق ولاء أهل المنطقة لبيت النبي عليهم السلام، حيث اكتست المنطقة طابعاً شيعياً واضحاً، يقول ياقوت الحموي في (معجم البلدان): «وأهل البحرين… كلهم روافض… وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريباً». كما جاء في (معجم القبائل ص 728): «وأهل البحرين كلهم شيعي إمامي». وكان من عظمائهم وشيوخ القبائل مسمع بن عبد الملك الذي روى عن الإمام الصادق عليه السلام كثيراً وهو من المحدثين الإمامية، ومنهم أيضاً خيثمة بن عدي الهجري الكوفي ومحمد بن المشمعل الهجري الكوفي والوليد بن عروة الهجري.
وهكذا استمر ولاء عبد القيس لأهل البيت عليهم السلام، ومما يروى أن علباء بن دراع الأسدي تولى البحرين أيام بني أمية، ولكنه كان شيعياً وقد أفاد سبعين ألف دينار ودواب ورقيقاً، وحمل ذلك ووضعه بين يدي الإمام جعفر الصادق أبي عبدالله عليه السلام وقال: «إني وليت البحرين لبني أمية، وأفدت كذا وكذا، وقد حملته كله إليك، وعلمت أن الله عزّ وجلّ لم يجعل لهم من ذلك شيئاً…» فأخذه أبو عبدالله عليه السلام ثم وهبه إياه مرة أخرى.
وفي العهد العباسي، حيث كان للبحرين موقف صلب ضد الخلافة العباسية التي نظروا إليها بوصفها مشروع قرصنة ومصادرة لحق أهل البيت برفعهم شعار (الرضا من آل محمد)، ولذلك ناهضوا العباسيين، وتعاطفوا مع العلويين، وهذا ما كان سبباً للجوء بعضهم إلى البحرين.
من بين المؤرخين المعاصرين الذين نقبوا في الجذور التاريخية لظهور التشيع كان د.هـ. هوجارث من خلال تتبعه لتنامي الاحتجاج في مراكز الدعوة الإسلامية ضد الدولة الأموية في الشام. يصف هوجارث الواقع الديني والسياسي في الجزيرة العربية قائلاً بأن هناك عرباً أكثر مما يفترض ما زالوا يعتنقون مذاهب على خلاف مع المعتقدات السنية. فعلى سبيل المثال، فإن اليمنيين من سكنة الهضاب، سواء الزيدية أو الإسماعيلية أو الداوودية، وسكان أقاليم المنطقة الخلفية من نجران إلى الجوف، وهكذا الحال بالنسبة لجمهرة من رجال القبائل في عمان وأجزاء من الأحساء مع بعض أفخاد عدد من القبائل البدوية بما يشمل بني علي حيث تقع أراضيهم بالقرب من المدينة المنورة والتي تشمل بني حرب تعتنق التشيع. بينما باقي السكان في الوسط والشرق هم من الناحية الاسمية ينتمون إلى أحد المذاهب الأربعة السنية المعروفة.
وكان لآدم وقفة طويلة مع المراكز الرئيسية للتشيع في التاريخ الإسلامي والمواقع التي كان يتخندق فيها التشيع ومنها يحقق انتشاره في المناطق المجاورة. فقد عرفت هجر والبحرين وصعدة وعمان بوصفها مراكز شيعية قديمة في الجزيرة العربية قبل أن يتعرف الفرس وغيرهم على التشيع بصورته الحالية.
فيصل الناصر
مواقع أثرية مجهولة في المنطقة الشرقية
ثلاثة عناوين رأيتها في كتيب أسماه صاحبه باسم «كنت قد كتبت». دفعني لاقتناء هذا الكتيب حيث إن اثنين من الثلاثة لهما علاقة ببعض ملاحظات دونتها من قبل ما يقارب من خمسة عشر عاماً.
الأول يخص دويليب، ووالذي أطلق عليه صاحبنا اسم «الدالية» حيث قال: «إن من المواقع الأثرية المجهولة في المنطقة الشرقية التي لا تزال غير معروفة لدى ذوي الاختصاص بالتنقيب عن الآثار ولم يرد لها ذكر في المعاجم الجغرافية حتى الآن موقعاً يقال له «الدالية» الواقعة إلى الشرق من مدينة صفوى الحالية تحيط بها بساتين النخيل من جميع جهاتها وهي من ساحل البحر على بضعة مئات من الأمتار، فهناك آثار لمدينة قديمة لا زالت تحتفظ ببعض قطع من الأواني الفخارية الظاهرة على سطح الأرض ورسوم لجدران أبنية مندثرة مطمورة تحت الرمال. والموقع يقع على ربوة من الأرض بجوارها عين ماء قديمة لا يزال الماء يخرج من أعماقها على شكل فقاعات رغم تراكم الرمال ببطانها مما يدل على غزارة الماء بها. وهناك احتمال لوجود آثار ذات قيمة تاريخية من الممكن بواسطتها معرفة ما بها من تاريخ تلك الحقبة الزمنية السحيقة لهذه المنطقة».
إن الوصف الذي أعطاه وصف صحيح وينطبق على دويليب وأن إطلاق إسم «الدالية» خطأ، ولا يوجد في منطقة صفوى موقع أثري أو نخل يعرف باسم الدالية، بل يوجد موقع يقع على بعد أربعة كيلومترات غرب الموقع المذكور يعرف باسم «الدويلية» تصغير للفظ «الدالية» وهو جزء من مورد ماء يقع في الجنوب الشرقي من بلدة صفوى القديمة «الديرة».
ويورد الكاتب أيضاً في نفس الموضوع فيقول: «وأقول: ولست جازماً في القول بأنه قد تكون هذه آثار لمدينة الردم المذكورة في معجم البلدان لياقوت الحموي، وفي المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية لمؤلفه الشيخ حمد الجاسر، وقد ذكر بأنها قرية لبني عامر بن الحارث العبقسيين بالبحرين»، ويلاحظ عليه أن بلاد العبقسيين هي بالبحرين حقاً ولكن ليس في هذه المنطقة من أرض البحرين، والثابت أن هذه البقعة هي من منازل بني حفص بن عبد القيس.
ودويليب ليس هو الموقع الأثري الوحيد في هذه المنطقة غير المعروف لدى المؤرخين وكاتبي المعاجم الجغرافية. نورد بعضها على عجل:
في الشمال الغربي من مدينة صفوى الحالية بقعة من الأرض الصحراوية تقدر مساحتها الإجمالية بـ (255) كلم2، وتنحصر في هذه الأيام بين أربعة من الكباري وفي قسميها الغربي والشمال الغربي بعض المزارع وحظائر للأغنام وبها الكثير من أحراش النخيل وبعض الخباري ومياهها عذبة وقريبة جداً من سطح الأرض، أن أغزر بئر حفره أحد أصحاب حظائر الأغنام حديثاً لا يزيد عمقه على أربعة أمتار شربت منه ماء بارداً علماً بأن الماء كان يرفع بواسطة رافعة وقد مكثت قرابة شهر ونصف الشهر أجوب هذه البقعة ـ غالباً سيراً على الأقدام ـ بعد أن رسمت مخططاً للمنطقة التي سنتحدث عنها معتمداً على ما جاء في كتاب (معجم المنطقة الشرقية ـ البحرين قديماً) وبعض الأقوال التي سمعتها ممن يكبروننا سناً من أبناء صفوى.
ففي يوم 17/5/1998م سمعت من سلمان بن عبدالله بن سلمان آل داود يقول: «إنه رأى في هذه المنطقة قبوراً يبدو عليها الطول» ويضيف قائلاً: «وكان يقيم بها بنو هلال» وأرجع مصدره للمرحوم عبدالله حمزة آل عواد، والأخير من مشاهير البحارة في صفوى ومن مرتادي البر وله معرفة واسعة بهذه الديار خاصة صفوى وما يحيط بها من مواقع سكنية قديمة.
أما بني هلال الذين عناهم سلمان، فأظنه يعني «هلال بن تيم الله بن ثعلبة» وهو من بني تميم، وهؤلاء تمتد سلسلة نسبهم إلى العمالقة الذين يقال دائماً إنهم الذين حفروا عيون الماء، والعمالقة على رأي بعض المؤرخين فرع من الكنعانيين الذين استوطنوا القسم الشرقي من الجزيرة العربية، من بعدما هجروا مواطنهم الأصلية في أواسط الجزيرة العربية بعد أن عمها الجفاف نتيجة لتقلبات جيولوجية حدثت في القرن الثالث قبل الميلاد، وربما كانت تلك التقلبات هي ما أطلق عليه بعض المؤرخين اسم الطوفان، ومن الثابت حدوث طوفانين، الأول يعرف بالطوفان الكبير الذي حدث في عهد نوح، أما الثاني فهو الصغير والذي حدث عام 2348 قبل الميلاد.
ويقول البعض من المؤرخين: «إن من الأسباب التي دفعت الكنعانيين إلى الاستقرار في شرق الجزيرة العربية، أنهم وجدوا كثيراً من ينابيع المياه العذبة فيها». ويضيف قائلاً: «يوجد بالقرب من سواحل هذه المنطقة، وسواحل جزيرة البحرين «أوال» عدد من العيون المتفجرة في قاع البحر على بعد 25 ميلاً عن الساحل وعلى عمق 35 قدماً فأكثر، وهناك حوالي (200) عين لها أسماء معروفة يستقي منها البحارة والغاصة عدا الينابيع الصغيرة والمجهولة التي لا تحصى».
وبعد استقرار الكنعانيين بالمنطقة انقسموا لقسمين الأول عرف بالعمالقة نبغوا في استنباط الماء من باطن الأرض وزراعتها، والثاني باسم الفينيقيين وهؤلاء كانوا من محبي المغامرات لذا عمدوا إلى ركوب البحر والتجارة، ومن منطقة الخليج انتقل الفينيقيون إلى منطقة الهلال الخصيب وسواحل سوريا، حتى أن المدن التي أسسوها هناك أسموها باسم المدن التي كانت في موطنهم الأصلي مثل الجبيل وصور.
لقد أطنب المؤرخون في الحديث عن الهجرات العربية بين مؤيد ومعارض ونحن نرى أنها لم تتم بالمعنى اللفظي للكلمة، إنما هي انتقال لبعض القبائل شملت كافة الاتجاهات لأسباب ذاتية وموضوعية نوجزها بما يلي:
1 ـ عوامل سياسية واقتصادية وحربية ساحتها من بلدان الشام إلى سواحل البحر العربي في الجنوب، ومن سواحل البحر الأحمر إلى سواحل الخليج.
2 ـ شح المياه في جزيرة العرب.
3 ـ تغير طرق التجارة مثل الطرق البرية وتغير اتجاهات سير السفن البحرية.
4 ـ قلة الأراضي التي كانت تنعم بالرخاء وتنحصر في المناطق الحضرية، مما يدفع الأعراب إلى شن الغارات على أهلها، وهي من شر الأوبئة التي تفتك بالمجتمع المتحضر.
5 ـ عدم وجود سلطة مركزية تقوم بحماية الحضر من غارات الأعراب وإنصاف المظلوم من الظالم.
6 ـ الرغبة في الحصول على الأراضي الخصبة لرعي الماشية وتوفير الغذاء للإنسان.
7 ـ ضيق الأرض بساكنيها.
8 ـ الحروب التي كانت تدور بين بعض القبائل لسبب أو لآخر وترسيخ قاعدة أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
إن الكشف الذي تم من فخاريات منطقة دويليب دفعني إلى إعادة قراءة معجم المنطقة الشرقية «البحرين قديماً» للشيخ حمد الجاسر مرة ثانية على ضوء هذه القراءة رسمت مخططاً للمنطقة المراد التحدث عنها، وثبت عليه المواقع التي وردت في المعجم والأسماء التي سمعت بها وهي غير موجودة بالمعجم حسب الأبعاد المذكورة فيه من خلال الزيارات المتكررة التي دامت قرابة شهر ونصف الشهر يومياً من الساعة الخامسة وحتى الحادية عشر صباحاً، وبعد ذلك وثقتها بمساءلة بعض من يعرف المنطقة من صفوى وأم الساهك كما هي في الرسم المرفق.
الأمر الثاني الذي لا نشاطر فيه الأستاذ (الإبراهيم)، هو ما جاء تحت عنوان (من الأرشيف) وفيه خلط، وقد عدّ كل المواقع الأثرية التي اكتشفها في المنطقة التي نحن بصددها واقعة في جاوان، وهذا الخطأ لم ينفرد به بل شاركه فيه بعض علماء الآثار الأجانب ونقله عنهم بعض المؤرخين العرب، ويعود ذلك لسببين:
الأول: صعوبة التمييز بين أرض جاوان وما جاورها من الجنوب.
الثاني: عدم ورود أسماء هذه الأماكن في المعاجم الجغرافية، قديمها وحديثها.
في سنة 1373هـ ـ 1953م، نشر العالم الأثري الأميركي (ف.س. فيدال) بحثاً قال فيه: إني شاهدت آثار قرية تعود إلى القرن الثاني الميلادي، أي قبل الإسلام بما يقارب خمسمائة سنة، وفي عام 1945م عثر أحد موظفي شركة أرامكو على كتابة أثرية، نشرها (ف.س. ونت) سنة 1956م.
وللأسباب التي أوردناها سابقاً نسبوها جميعاً لجاوان، وفي حقيقة الأمر أن جاوان لم يعثر فيها على غير القبر الذي ما يزال شامخاً يتحدى الزمن، أما القرية فتقع في المسيبة التي قال عنها سلمان الداود إنه شاهد فيها قبوراً ونسبها لبني هلال. أما الكتابة الأثرية فقد تم العثور عليها حسبما أظن من منطقة حنطة كما قال المرحوم عبدالله ناصر الحايكي الذي كان يعمل هناك.
وذكر (د. تي. بوكس) إحداثية السومان في كتابه المنشور عام 1990م في أكسفورد.
وأعطاها رقم (132) وحدوده (26د، 40د، 5 شمالاً، و49د، 57د، 45 شرقاً) ومساحته مقدارها (مائة متر مربع) ويسمى لومان يقع جنوب شرقي عين جاوان وهو مغطى بالأنقاض ولم يشر إليها أحد قط غيره، علماً بأن آثار السومان كانت بادية لوقت قريب جداً.
وأرجع البراهيم أيضاً أسباب الخلاف بين سلمان عبد الهادي الحبيب وشركة أرامكو إلى بعض الأمور منها أن أرامكو لم تنفذ العقد الذي كان بينها وبين آل إبراهيم في التنقيب عن الآثار في المنطقة، وهذا القول على ما أظن غير صحيح ولا يوجد أحد يملك الجواب الشافي غير أرامكو، والعقد على ما أعتقد كان لنقل رمال وصخور من منطقة جاوان لعمل طريق صفوى رحيمة القديم ـ الذي شطر السومان لقسمين، وأصبح الآن يعرف بالسومان الغربي والسومان الشرقي ـ وليس للبحث عن الآثار. وقبر جاوان كما سبق وقلت تم العثور عليه عن طريق الصدفة، والصدفة وحدها صاحبة الفضل في ذلك.
ومن المناطق التي سجلت في زاوية النسيان على سبيل الاستدلال لا الحصر:
البريمي: وتقع في الشمال الشرقي من الأوجام مكان الجسر حالياً، ويذكر أنها من منازل العجمان ويقال إن راكان بن حثلين له أشعار فيها، ويذكر أن منطقة المزار الواقعة شمال شرق الجسر كان بها مدينة أثرية، تقيم قاعدة الدفاع الجوي عليها حالياً.
ومنطقة الدواغر: لا نملك عنها في وقتنا الحاضر أي شيء.
العصا: وهي مقر مركز شرطة صفوى القديم ونادي الصفا الرياضي والمنازل التي في الغرب منها وشمالها الغربي.
العوالي: وهي أيضاً لا نملك عنها أية معلومات، وكذلك الحال بالنسبة لمنطقة البواكير التي تحولت إلى مزارع.
المواقع الأثرية
1 ـ دويليب
سبق لنا أن حددنا موقعها، وتطرقنا إلى أنه تم التعرف من كسر فخارياتها على أن هذه الأرض سكنت من قبل ثلاث حقب، وهي حسبما نظن على التوالي: الساسانيين ومن المعلوم أن هذه الأقوام حكمت إيران منذ سنة 226م لغاية 640م، الثانية قد تكون لبني عبد القييس، الثالثة للعهد العباسي.
ومن الجدير بالذكر أن آخر من عرفنا من سكنة دويليب هي صاحبة القبر الشهير في دويليب (أطحيطح) أو (أحيحة) كما يطلق عليها بعض أحفادها المورث لنخل دوليب إلى كل من (سيد طاهر المير) و(السيد حسين بن السيد حسين)، وقد ورثتها من أحد مشايخ آل داوود وقبره في مقبرة صفوى العامة، ويقال إن له ولداً يقيم في منطقة المحمرة بـ(إيران) كان يتردد على زيارته حتى أوائل القرن العشرين.
2 ـ شعاب
وبها موقعان أحدهما في الشمال الشرقي من عين شعاب، وقد وقفت عليه بمعية مدير متحف الدمام عبد الحميد ومصور المتحف نبيل الشيخ وذلك في يوم الاثنين 12/7/1999م، ورفعنا منه بعض الكسر الفخارية، أما الثاني فيقع في الجنوب الشرقي من شعاب في وسط أحراش من النخيل تحيط بها أنابيب البترول، وقد زرت الموقع في يوم الجمعة 16/7/1999م ومن المؤسف أن الموقع قد دمر بفعل الحفريات التي تمت في المنطقة لتمديد أنابيب البترول المتجهة للجعيمة، ولم أشاهد من فخارياته سوى كسر بسيطة لا يستفاد منها، ولعل هذا الموقع هو الذي أسماه مؤرخ الجزيرة الشيخ حمد الجاسر بموقع الشباوبه عين ماء تدعى بـ(عين خيف الشباه) قرب الموقع المعروف الآن باسم الجديدة وهو أشهر من الموقع الأول حيث ورد ذكره في شعر كثير.
3 ـ موقع حنطة
ويقع في الجنوب الغربي من جاوان على بعد 2 كلم من جاوان، ولم يوجد أي ذكر له في المعاجم الجغرافية، وبه عين ماء ما زالت حية مطوية بالحجارة مختلفة الأحجام والأطوال. ويبلغ قطرها أحد عشر متراً، وقفت عليه أولاً بمفردي ومن ثم برفقة كل من نبيل الشيخ وأحد العاملين بالمتحف ويدعى (نزار) في يوم 7/8/1999م والتقطنا منه كسر فخارية تدل على عصور مختلفة، داخل في محيط الأرض التي قلنا عنها بين أربعة من الجسور.
4 ـ موقع لقميطي
ويربض شمال شرق العوامية، وبه بعض المغير لا نستطيع أن نحدد أي وظيفة لها، هل هي كانت قبوراً أم كانت تستعمل مخازن أو مواقع للحماية؟ وهذا الموقع أيضاً لم يرد له ذكر بالمعاجم الجغرافية أو التاريخية، ودخلته بمعية مدير متحف الدمام ونبيل الشيخ في يوم 12/7/1999م، وفي هذا اليوم زرنا العديد من المواقع لعيون الماء من شمال العوامية حتى شعاب شمالا،ً وجمعنا منه بعض الكسر الفخارية التي تنم عن قدمه هي شبيهة تقريباً بفخارات ثاج وأقدم كسرة يقدر عمرها بـ2000 سنة، وكذلك كسرة من قطعة نقدية قديمة من الممكن أن تعود إلى العصر الإسلامي الأول، وتمكنا من تحديد موقع عين لقميطي.
أما باقي المواقع التي ثبتت في المخطط الذي وضعناه، فقد تحدثنا عنها في عيون الماء التي ذكرناها من قبل، وجمعت منها كسر فخارية كثيرة لعصور مختلفة كلها أصبحت بحوزة متحف الدمام. والمواقع هي:
* أرهيدنه
* أبو شميله
* لمسيبه
* العرضمية
* العرضومية
* الخشكارى
* صفوى القديمة
* الشقب
* الكواكب الشرقية
5 ـ موقع الجعيمة
من المتعذر العثور عليه في وقتنا الحالي، حيث أصبح داخل منشآت شركة أرامكو النفطية، وهو من المواقع التي تسببت أرامكو في تدميرها وإخفائها مثلما حدث للمواقع التي تم العثور عليها أثناء تمديدات أنابيب البترول والممتدة من الظهران حتى الجعيمة مروراً بسبخة صفوى الجنوبية، يقول البعض ممن شاهدوا عين خويلد إنه رأى لها قناة مسقوفة تمتد مسافة طويلة من موقع العين حتى تصل منطقة اسومان، ويمضي بالقول: «لقد سرت في هذه القناة لمسافة تقدر بـ 30 متراً، وإن ارتفاعها في قامة الرجل وهو جالس متربعاً عرضها ذراع ونصف الذراع» فأين هذه العين وأين قناتها؟ لم يعد أحد في وقتنا يعرف مكانها. ويقول البعض: إن من أسباب الخلاف بين سلمان عبد الهادي الحبيب وأرامكو هو تدمير هذه العين.
6 ـ موقع لغبيبة
هذا الموقع اندثر تماماً وقد ضمه طريق الجبيل ـ الدمام القديم وبعض المزارع التي تقوم شرقه، وكذلك محطة بنزين صخر الحالية.
7 ـ البمبري
ليس مكان هذا الموقع بأحسن من موقع لغبيبة حيث إن الأعراض متطابقة فيما بينهما.
8 ـ سميرا وحميرا
وكل ما نعرفه عنهما، أنهما جزيرتان رمليتان تحيط بهما السباخ، وأن القادمين من الجبيل والذاهبين إليها سيراً على الأقدام يتحاشون الدخول إليهما، نظراً لكونهما من مواطن الحيوانات المفترسة.
9 ـ جويوين
فيما مضى كانت وحدة قائمة بذاتها، أما في وقتنا الحاضر فقد أضيفت إلى أرض جاوان، وأراضيها وكل المناطق الواقعة في الجنوب منها أصبحت من ضمن المناطق التي تخضع للدفاع الجوي.
إن القطع التي حصلنا عليها في تلك المواقع لا تقتصر على المرئيات من الكسر الفخارية فحسب، بل كان إلى جانبها بعض من القواقع والأصداف البحرية، مما يعزز القول الذي كثيراً ما يردده من يكبروننا سناً: إن جاوان (بندر) أي انه كان مرسى للسفن. وهنا رأي آخر وهو: أن مجمل هذه البقاع كانت مياه الخليج العربي تغمرها. والبعض يقول: إنه شاهد خليجاً يمتد حتى بلدة أبو معن. وأذكر قبل ما يقارب ثلاثين عاماً أني رأيت في بعض المناطق السبخية الواقعة جنوب غرب أبو معن، أصداف وقواقع بحرية متحجرة.
ومن الثابت تاريخياً أن مياه الخليج كانت فيما مضى أغزر منها الآن، فالتغيرات الطبيعية الفجائية تستطيع أن تخلق أحوالاً تفوق قدرة الإنسان على ضبطها والسيطرة عليه، أن المد الربيعي في الخليج قد يرتفع إلى ثمانية أو تسعة أقدام. كما أن العواصف الجنوبية التي تستمر مدة طويلة قد ترفع الشواطئ أكثر من ذلك. إن هذه الحقيقة تعزز وجود المناطق الشاسعة من السباخ الملحية المترامية الأطراف في كل براري هذه المنطقة.
إن المواقع ذات النجمة، هي التي جمعنا منها كسر الفخاريات، أما ذات النقط السوداء، فلم نرفع منها شيء إما لعدم قدرتنا على الدخول إليها أو لعدم عثورنا على شيءٍ فيها.
ولدي قطعة انتشلت من منطقة دويليب مفصدة الأوصال، تزيد عن ثلاثين كسرة، وجمعت بعد جهد، لا من قبل خبير في ترميم الفخاريات، بل من قِبل كاتب هذه العجالة.
أحمد مكي الغانم
ثاج الأثرية
وقد تبين من خلال المسح الأثري الذي أجري على المنطقة في عام 1396هـ/ 1976م، وعام 1397هـ/ 1977م أن هناك أكثر من 400 موقع أثري تعود إلى فترات مختلفة منذ العصور الحجرية وحتى أواخر العصر الإسلامي.
وموقع ثاج من أهم تلك المواقع الأثرية وهو أكبر موقع هلينستي)[247]( في المنطقة الشرقية معروف حتى الآن، والفترة الهلينستية من أغنى الفترات في الآثار إذا لم تكن أغناها وأهمها على الإطلاق والموقع أيضاً يعود إلى ما بعد الفترة الهلينستية. وقد كانت مواقع المنطقة الشرقية وآثارها محل اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار والرحالة الغربيين وكذلك جامعي الآثار، مما عرض لسرقة الكثير من الآثار وتهريبها للخارج وبيع بعضها على المتاحف الأجنبية، ومن ذلك فقد كان بين موظفي أرامكو (الأجانب) بالظهران ظاهرة عرفت باسم «ظاهرة جمع الفخاريات» ففي كل فجر باكر من أيام الخميس والجمع تغادر السيارات التي يمكنها السير في الصحاري بأعداد كبيرة قاصدة مواقع أثرية بعيدة وقريبة، وعادة ما تكون سرية في الصحراء وهناك تقضي عائلات بأكملها ساعات تنقب وسط الرمال تبحث عن كسر الفخار المهمة أو الجذابة أو تبحث عن أشياء أخرى!!! ولقد تخصصت مجموعة من الخبراء في أحد تلك الأشياء «الأشياء الأخرى فهناك الخرز، ورؤوس السهام الصوانية، والنقوش وقطع العملة وغيرها…، وعند قدوم جيفري بيبي للمنطقة الشرقية عام 1383هـ/ 1968م كان هذا التجمع منتشراً ولكنه طي الكتمان. وثاج إحدى تلك المواقع التي تم أخذ الكثير من آثارها. ويقول بيبي)[248]( عند زيارته لثاج: «قد أنجزوا تمشيط كل المنطقة (ثاج) بمشط دقيق الأسنان». ولكن ما زالت تحتضن في باطنها على الكثير من الآثار.
وتعد ثاج واحدة من أهم مراكز العمران في الأزمنة السابقة على ظهور الإسلام لعدة أسباب، ربما من أهمها غناء البيئة المحيطة بها بالمياه الوسمية والجوفية ووفرة المراعي لقطعان الماشية وتتمركز ثاج في قلب صحراء، عبورها أمر لا بد منه لمن يريد شرقي الجزيرة العربية من وسطها أو من يريد وسطها من شرقيها فمن المسلم به أن تجارة الخليج سواء مع الهضبة الإيرانية أو شبه القارة الهندية أو غيرها، كانت تفرغ في موانئ الخليج كالدفي)[249]( في منطقة الجبيل ثم تنقل براً في اتجاهات متعددة منها ثاج.
وتتبين ضخامة الدور الذي لعبته مستوطنة ثاج بين سكان الزمن الذي عاصرته مما وجد فيها من مادة أثرية كثيرة كقطع العملة التي يعود بعضها إلى مصادر يونانية ورومانية وسلوقية وتأثيرات من تلك العملات، وكذلك المجسمات الفخارية التي أثبتت الدراسات أنها ذات أصول مختلفة منها ما هو متأثر بما كان يوجد في بلاد الرافدين وشمال غربي الجزيرة ويضاف إلى تنوع المادة الفخارية واحتوائها على ما هو مستورد من مراكز حضارية كاليونان.
ويقول جفري بيبي عند زيارته لثاج: «… وفجأة أصبحنا فوق ثاج، لقد سبق لي أن رأيت صوراً جوية لثاج وبالتالي كنت أعرف ماذا عليّ أن أتوقع، ولكن لم أكن متوقعاً ذلك الحجم، فتحتي مدينة كبيرة، وقد بدت جدرانها الدفاعية على هيئة متوازي الأضلاع واضحة المعالم، وامتدت حولها حقول المدافن، وقد شكلت بعض الأكام على نحو دائري غريب حيث يقوم سور دائري تتوسطه حفرة…» حتى ذهب بعض من الباحثين على أن ثاج هي الجرهاء.
وربما كانت ثاج عاصمة لكيان سياسي قوي فكان دخلها الاقتصادي منبته قوتها العسكرية وسيطرتها على طرق المواصلات والحماية التي توفرها للقوافل التجارية.
ويعتقد بيبي بأن استيطانها السابق على الإسلام ربما انتهى قسراً بعد أن تعرضت على ما يبدو لهجوم عسكري، بناءً على المادة الأثرية المتوفرة على سطحها.
وتقع ثاج بالمنطقة الشرقية على بعد 95 كلم تقريباً عن مدينة الجبيل، وعلى بعد 150 كلم تقريباً إلى الشمال الغربي عن مدينة الظهران، وعلى بعد 300 كلم عن مدينة الدمام، عند خط طول 33 43 48 شرقاً، وخط عرض 38 22 26 شمالاً، ويعتبر موقع ثاج من أهم المواقع الأثرية في المنطقة الشرقية. والموقع يأخذ رقم «215 ـ 208» في سجلات إدارة الآثار والمتاحف وتقع ثاج في وادٍ ضحل ينحدر ببطئ نحو الشمال. وتقع على طريق القوافل التجارية القديم المتجهة جنوباً إلى اليمامة والأفلاج ومنها إلى وادي الدواسر ثم إلى قرية الفاو)[250]( ونجران)[251](. وقد اكتسبت أهمية بارزة في توفير الخدمات اللازمة لتجارة العبور وربما كانت إحدى أهم محطات ذلك الطريق.
وثاج تتكون من كثبان وتربة طينية تليها طبقات من الصخور الرسوبية وطبقات من الحجر الجيري التي تختزن المياه.
وتشغل ثاج مساحة من الأرض تقدر بـ 20 كلم مربعاً تقريباً إلا ان المنطقة التي تحتوي على مواقع أثرية تقدر بحوالي 4 كلم مربع. والموقع الأثري لثاج عبارة عن مدينة متكاملة يحيط بها سور خارجي، وخارج السور تتواجد مباني أثرية تعود لنفس الفترة، وربما تكون توسعة للمدينة بعد أن اكتظت بالسكان أو لها علاقة بالقوافل، أو لشيء آخر. ويحد ثاج من الشمال الحناءة)[252]( على بعد 11 كلم، ومن الشرق تلال البتيل ومن الجنوب سبخة)[253]( الخويصرة أما من الغرب فيحدها كثبان رملية. وتقع ثاج على الطرف الشرقي لوادي المياه، وتعتبر ثاج من موارد المياه القديمة حيث تتوفر فيها مياه عذبة وتم حصر خمسة عشر بئراً داخل السور الأثري وسبعة آبار تقع في محيط ثاج الأثري خارج السور الأثري في الجهة الجنوبية والشرقية منها وهي مطوية بالأحجار.
وتدل الدلائل على أن الاستيطان في ثاج قديم خلال عصور ما قبل التاريخ ويستمر الاستيطان في ثاج خلال الفترة الآشورية والبابلية المتأخرة وكذلك بالفترة الأخمينية الممتدة من سقوط الدولة البابلية الثانية وحتى ظهور الإسكندر الأكبر في الشرق عام 332 ق.م، واستمر الاستيطان خلال الفترة الهلينستية. وتعتبر هذه الفترة أغنى الفترات في المخلفات الأثرية وأهمها ويستمر الاستيطان خلال الفترة البارثية والساسانية والتي تمتد من القرن الأول الميلادي تقريباً حتى القضاء على الدولة الساسانية عام 640م، وكانت ثاج معروفة في بداية العصر الإسلامي لكنها لم تكن مشهورة بعد أن انتقلت الحجارة منها إلى هجر. وأصبحت بعيدة عن مسرح التطورات السياسية بل صارت ملجأ لمن خرجوا على الدولة الإسلامية، ويمتد الاستيطان فيها حتى القرن الرابع الهجري حيث أشارت المصادر إلى ذلك. وفي القرون المتأخرة كانت من مواطن بني خالد، وفي سنة 1917م تأسست «ثاج» كهجرة لقبيلة العوازم، وبها الآن عدد قليل من المنازل. وأن أقرب الفترات وضوحاً في ثاج هي ما بين 300 ق.م وحتى 300 ميلادياً.
ويمكن القول استناداً إلى الشواهد الأثرية كمساحة المدينة الأثرية داخل السور وخارجه والمساحة الكبيرة التي تشغلها تلال المدافن وسورها الضخم ومساكنها وطريقة بنائها وآبارها الكثيرة ولقاها المتنوعة بأن ثاج كانت مدينة تجارية كبيرة وراقية ومزدهرة وذات تجمع سكاني كبير وتبين وجود خمس مراحل استيطانية رئيسية على الأقل. وهذا ما سوف نلاحظه عن كثب من خلال استعراضي لمستوطنة ثاج وآثارها وستكون بشيء من الاختصار:
اسمها ومدلوله
ثاج: بالفتح بألف فجيم، وقد تهمز الألف، وهذا ناشئ عن اختلاف اللغويين في مصدره، فبعضهم أورده في (ثأج)، وبعضهم في (ثوج) ويظهر أن الكلمة قديمة.
وربما يكون سبب تسميتها يرجع لطبيعة أرضها السكانية أو الجغرافية وربما التاريخية، أو ربما حصل لاسمها تغيرات صوتية، ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الطبيعة الجغرافية للمكان والمعنى اللغوي لأصل الكلمة واستخدامها، وسوف أسلط الضوء على تلك التغيرات الصوتية التي ربما حصل على اسمها: ـ
1 ـ (فاج): تحولت إلى ثاج وتحويل صوت الفاء إلى صوت الثاء امر وارد في اللغة العربية وله أمثلته في الفصحى ـ فضلاً عن اللهجات ـ فمثلاً ورد لفظ «فوم» في القرآن الكريم، وورود «ثوم» في كلام العرب، وكذلك «فم».
ولم يرد لفظ «فاج» اسماً في لسان العرب بل ورد ذكره فعلاً وكأنه أصل لـ(فوج) أو (فيج) ويعني: الجماعة من الناس، فيكون في هذا الحال إسم المكان عدل من الفعل إلى الاسم وأطلق هذا الاسم على هذا المكان لأنه ملتقى الجماعات لمكانته الجغرافية، حيث تقع ثاج على طريق القوافل التجارية القديم المتجهة جنوباً إلى اليمامة والأفلاج ومنها إلى وادي الدواسر ثم إلى قرية الفاو ونجران.
2 ـ (ثاج): بالجيم المشددة لكنها خففت لإلتقاء الساكنين [الألف والجيم الأولى]، وهذا كثير لأن العرب لا تقف على متحرك ولما صعب توضيح التشديد أهمل أو مدت الألف مداً داخلياً مثل كلمة «شاب».
و(الثج): الصب الكثير، وفي معنى الصب قوله تعالى «وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا»، وعين ثجوج أي كثيرة المياه ويعلل هذا المعنى تسمية المكان أكثر من غيره لأهمية الماء للسكان الذين يقطنون الموقع أو يمرون به أثناء سفرهم، وتقع ثاج في وادي المياه، وتحتوي على عدد من الآبار القديمة حيث تتوفر فيها مياه عذبة، وقد تم حصر خمسة عشر بئراً داخل السور الأثري وسبعة آبار تقع في محيط ثاج الأثرية. ويتم تعليل كلام ابن منظور عندما قال عن (ثاج): قرية من أعراض البحرين فيها نخل زين؛ إذ لا وجود للزرع إلا في وجود الماء ويستحيل إقامة مدينة كبيرة ومزهرة مثل ثاج دون ماء.
3 ـ (ثاي): بالياء بدل من الجيم وهذا موجود في اللهجات القديمة وعرفت هذه الظاهرة بـ[العجعجة] مثل قول الراجز:
خالي عويف وأبو علج
المطعمان الضيف في العشج
والمقصود: أبو علي، العشي بدلاً من [أبو علج، العشج].
وكلمة (ثاي) هي جمع (ثاية) وهي: الخرقة التي تبل وتجعل على السقاء، ومن معانيها: أن تجمع شجرتان أو ثلاث فيلقى عليها ثوب للاستظلال، وبهذا يكون الموقع (ثاج) ـ على افتراض أن اسمه السابق (ثاي) ـ مكان يستظل فيه الناس، وكأنه مكان استراحة من سفر أو عمل أو…
ومن المحتمل أن يكون اعترى اللفظ تغييران الأول ـ كما سبق ـ: تحويل الياء إلى جيم فيكون الأصل (ثاي)، والثاني: تخفيف الهمزة فيكون الأصل (ثأي) ومعناه: الخرم والفتق، ومن معانيه: أن تجمع شجرتان…؛ أي أنها تتفق مع (ثاي) غير المهموزة في هذا المعنى ومن معانيه: الأمر العظيم يقع بين القوم، ومن معانيه أيضاً: الإفساد.
وقد يكون حدث أمر عظيم في الموقع فسمي بـ(ثأي) ثم تحولت ـ كما ذكر ـ إلى (ثاج).
4 ـ (ثاج): بالهمزة التي خففت فيما بعد، والثأج: صياح الغنم، ومن معانيها الشرب على دفعات، ولا شرب دون ماء ولا وجود لغنم دون وجود ماء. وقد تكون تسميت المنطقة نظراً لوجود الغنم الذي اعتمد عليه في المأكل والمشرب وربما الملبس، خاصة وأن الموقع يعد واحة وسط الصحراء الكبيرة، وصوت الغنم يدل وجود حياة، ووجود الماء سر وجود الحياة في المنطقة. وقد وجد في ثاج على كميات كبيرة من التماثيل ومنها تماثيل الغنم المصنوعة من الفخار.
وتحول الهمزة إلى حرف لين موجود في العربية الفصحى والعامية فسكان الحجاز لا ينبرون [لا يهمزون] وهذا موجود حتى في القرآن الكريم، مثل رأس ـ راس.
5 ـ (فاق) الذي تحول بعد ذلك إلى (ثاج) الحالية عبر عدة تغيرات اعترت الاسم الأصلي وأولها تحول الفاء إلى ثاء، أما القاف فقد تطورت إلى كـ (الفارسية) ثم إلى الجيم، ومثال ذلك تحول اسم [قاسم] ـ كاسم ـ جاسم.
والاسم (فاق) على افتراض أنه أصل (ثاج) قد يكون أطلق على الموضع للدلالة اللغوية التي يحملها اللفظ وهي: الصحراء أو الأرض الواسعة.
6 ـ (ثاج): أحد اسمي الموقع اللذين تشتهر بهم الآن، والتاج: هو التاج المعروف، وربما كان رمز الملك وقد تكون هذه دلالة على أن الموقع كان عاصمة لحكم ما. وربما ـ أيضاً ـ لأن بني تاج المنحدرين من بني عدوان هم من سكنوا الموقع فسمي باسمهم.
وتسمية الموقع بالاسمين معاً أمر محتمل فربما سمي بـ (ثاج) لوفرة المياه وسمي بـ (تاج) لأن بني تاج أقاموا فيه، فالشاعر راشد بن شهاب اليشكري يصف ـ في قصيدة له وردت في المفضليات ـ قصر له شيد على عمران قديم.
صحيح أن بعض الأسماء السابقة لا يوجد لها من يؤيدها من كتب التاريخ لكنها تبقي مجموعة من الفرضيات اللسانية التي تحاول خدمة التاريخ والآثار، ولعل أقرب هذه التسميات إلى صفات الموقع هو (ثاج) والسبب هو تفجر المياه في الموقع مما آذن ببناء حضارة بثاج. وربما تكشف لنا التنقيبات المستقبلية والآثار والنقوش ما يؤيد رأي من تلك الآراء.
السور الأثري والمنطقة السكنية
يعتبر السور الأثري في ثاج من أهم الظواهر الأثرية التي يمكن مشاهدتها من على سطح الموقع وهو مبني من الحجارة المهذبة، ويمكن ملاحظة امتداد السور الأثري بوضوح فهو يتجه نحو الشمال الغربي ليشكل شكلاً مستطيلاً تقريباً أو متوازي أضلاع غير منتظم، والشكل المشار إليه يعتبر نتيجة لاختلاف زوايا السور واختلاف أطوال أضلاعه التي يبلغ مجموع أطوالها من الداخل 2535 متر تقريباً. إذ يبلغ طول الضلع الشرقي 535م، وطول الضلع الغربي 590م، وطول الضلع الجنوبي 685م، أما الضلع الشمالي فإن نهايته غير واضحة عند الركن الشمالي الشرقي إلا أنه يمكن تتبعه وتحديد نقطة التقاءه مع الضلع الشرقي حيث يبلغ الطول 725م تقريباً.
وبالنسبة لزوايا السور فتبلغ زاويته الجنوبية الشرقية 105 درجة، وزاويته الجنوبية الغربية 80 درجة، وزاويته الشمالية الغربية 95 درجة، أما زاويته الشمالية الشرقية فإنها غير واضحة. وفيما يخص سمك السور فهو غير منتظم في جميع الأضلاع حيث يتراوح ما بين 4 أمتار في بعض أجزاء السور إلى 4.95 أمتار في أجزاء أخرى منه ويعتبر هذا السور أعرض سور لمستوطنة قديمة تم الكشف عنه في الجزيرة العربية، ولا يعرف الارتفاع الحقيقي الذي كان عليه السور قبل انهدامه، وقد تم التنقيب في جهة من السور الشرقي لمعرفة الارتفاع المتبقي من ذلك السور من الداخل حيث يبلغ 2.30م ويقوم على أساس ضخم يبرز 1.5 م إلى الداخل، ولم يتم التنقيب عنه من الخارج وقد بني من حجارة مهذبة وملئت الفراغات بين الأحجار بالمونة ذات اللون الأسمنتي، ويوجد في كل ركن من الأركان برج، ولا يوجد بوابة أو مدخل واضح يمكن تمييزه في أي ضلع من أضلاع السور الأربعة.
وفي داخل السور يوجد تلال أثرية يمكن رؤية سطوح جدران وحداتها السكنية بوضوح من على السطح، بالإضافة إلى إمكانية ملاحظة ممرات يتراوح عرضها ما بين 5 ـ 6 م تقريباً وهي عبارة عن شوارع للمدينة داخل السور.
التلال السكنية
يوجد تلال سكنية في الجهة الجنوبية والشرقية، وأيضاً في الجهة الجنوبية الغربية خارج نطاق السور الأثري. ويمكن رؤية أساسا البناء من على السطح بشكل واضح وهذه التلال السكنية تمثل منازل كبيرة مما يوحي بأنها قصور أو ما شابه ذلك. أو أنها وحدات معمارية تخدم شعائر تعبدية أو مناسبات اجتماعية أو القوافل القادمة أو غير ذلك. وأن كل وحدة مستقلة عن الأخرى. وتبلغ المساحة الإجمالية لهذه التلال مجتمعة 100.000 متر مربع تقريباً.
تلال منطقة المدافن
توجد في الجهة الجنوبية، والجنوبية الشرقية من ثاج على بعد 1 كلم عن السور تقريباً وهي تلال ركامية ذات قمم مستديرة ومقعرة. وتنتشر هذه التلال على مساحة تقدر بحوالي 300م × 200م تقريباً، ويلاحظ أساسات البناء على بعض هذه التلال.
الفخار
عرف الإنسان صناعة الفخار بعد أن تحول من مرحلة جمع الطعام إلى إنتاجه وتخزينه، ويعد الفخار من الركائز الأساسية التي يمكن بواسطتها تأريخ أي موقع أثري. وقد وجد في ثاج على كمية كبيرة جداً من أواني وكسر فخارية متعددة الأشكال والأحجام كالأكواب والأطباق والقدور… وغيرها. وأكثرها ذات طابع هلينستي، كما يوجد فخار يعود إلى قبل وبعد الفترة الهلينستية. وكانت صناعته تتم بعدة طرق منها القالب والدولاب وباليد…
وينقسم فخار ثاج إلى ثلاث مجموعات: مجموعة الفخار الغير مطلي، ومجموعة الفخار المطلي، ومجموعة الفخار المزجج، ووجد فخار مستورد مثل الفخار الأتيكي المزجج الأسود اليوناني الصنع وغيره، كما وجد كميات كبيرة جداً من الفخار المحلي، وقد وجد كميات كبيرة من الرماد وأجزاء من أواني فخارية التي تغير شكلها قبل أن تجف أو أثناء شوائها مما جعل الصانع يستغني عنها ويرميها وهذه الظاهرة تؤكد قيام صناعة الفخار في ثاج، وأن هناك أفراناً خاصة بتلك الصناعة. ولحد الآن لم يجد أي من تلك الأفران. ولقد تعددت أنواع وأشكال الأواني الفخارية من قدور وأكواب…
المباخر
عرف الإنسان القديم في الجزيرة العربية البخور والمواد العطرية كاللبان والمر والرند والقسط وتجارته واستعمله في المناسبات المختلفة، الدينية وغيرها، وكان الطلب عليهم كبير جداً في ذلك الزمان وكان البخور يشكل جزءاً هاماً من الطقوس الدينية عند العرب والعالم القديم وأعطى انتشار الدخان وصعوده إلى السماء علاقة رمزية تظهر الصلة بين العبد وآلهته، مما جعل تقديمه مرادفاً للعبادة ولهذا أصبح من السلع المقدسة وكانت الجزيرة العربية تصدره إلى المناطق الأخرى باعتبارها أحد مراكز إنتاجه.
وكان لا بد من وجود آنية خاصة يتم فيها حرق البخور تتناسب مع الغرض. فقد صنعت المباخر لتؤدي الغرض المشار إليه ويطلق عليها المجامر إلا أن الاسم الأكثر شيوعاً واستخداماً هو المباخر.
وقد وجد في ثاج مجموعة كبيرة من المباخر عثر على بعضها في الحفريات والبعض الآخر على سطح المنطقة الأثرية. وقد صنعت المباخر من عجينة صلصالية ذات لون أبيض مصفر أو أحمر أو بني غامق محمر على هيئة مكعب ولها أربعة أرجل قصيرة وتحمل بعضها زخارف هندسية بارزة وأحياناً غائرة والبعض يخلو من الزخارف وتظهر آثار حرق البخور على بعض منها.
الدمى الفخارية
تعد ثاج واحدة من أكبر المراكز المنتجة والمستخدمة للدمى الفخارية حيث وجد في ثاج على أعداد كبيرة جداً ومتنوعة من الدمى الفخارية، ولا يوجد موقع في المملكة العربية السعودية وجه فيه دمى فخارية بأعداد كبيرة مثل ما وجد في ثاج، ولقد وجد بعض الدمى الفخارية في نجران والفاو وتيماء)[254]( ومدائن صالح)[255]( وما حولها وعين جوان)[256](. ولقد بدأت صناعة الدمى الفخارية بشكل عام منذ أقدم العصور واستخدمت لفترة طويلة.
وقد يكون الغرض من استخدامها كنذور تقدم للمعبودات أو كتعاويذ لجلب الخير وطرد الشر أو تقديمها كهدايا للمعبد أو ربما كانت تؤدي عليها الطقوس الدينية في المنازل، وأحياناً قد تستخدم الدمية كتذكار أو لعبة للأطفال، ولقد لعبت دوراً هاماً في حياة الإنسان الدينية والاجتماعية. وأكثر الدمى المكتشفة غير مكتملة، ووجد بعض منها مرمم بالقار ويعود فترة الترميم إلى نفس فترة الدمى.
وتنقسم الدمى الفخارية المتكشفة في ثاج إلى مجموعتين رئيسيتين هما:
1 ـ دمى الحيوانات.
2 ـ الدمى البشرية.
1 ـ الدمى الحيوانية: وهي تلك المجسمات التي تمثل تجسيداً لأشكال حيوانية متنوعة وتشمل الدمى الفخارية الطيور «النسر، البومة» والحيوانات «الجمل، الثور، الأسد، الحصان، أفعى الكوبرا، الأبقار، الدلفين…».
والجمل واحد من أكبر الحيوانات شيوعاً بين الدمى الفخارية التي عثر عليها فقد صور هذا الحيوان في أشكال وأساليب مختلفة ومزخرفة، وفي بعض الأحيان يكون عليه علامات الوشم × على رقبته أو فخذه. والجمل أكبر الحيوانات تم تصويره على شكل دمى لما يحمله من أهمية لسكان ثاج. وكانت الجمال تقدم قرباناً تدفن بمفردها مع الشخص المتوفى كوسيلة للانتقال إلى العالم الخارجي، والزخارف تكون واضحة على أجسامها.
إن وجود الدمى الفخارية الحيوانية البحرية يدل على وجود صلة تجارية بين ثاج والمدن والمستوطنات التي تقع على البحر، أو هناك مدن تابعة لسيطرة ثاج تقع على البحر أو تخدمها، ومن المدن القريبة التي تطل على البحر والتي تعود إلى فترة ثاج موقع الدفي بالجبيل الذي يبعد عن ثاج 100 كلم تقريباً.
2 ـ الدمى البشرية: وتنقسم إلى:
أ ـ الدمى البشرية الذكرية: وتنقسم الدمى إلى أشخاص ضعفاء وإلى أشخاص أقوياء.
الأشخاص الضعفاء: وتتمثل بجدع قصير مع فم صغير وأنف ورأس قصير.
الأشخاص الأقوياء: وتصور الدمى بصدر عريض وجسم ذي عضلات وخصر ضيق وجذع طويل. وبعض منهم ذو شعر مكسور وغالباً ما يوجد انعقاد الشعر بمنحوتات العصر الهيليني.
ب ـ الدمى الأنثوية: غالبية الدمى الأنثوية مصدره في وضع الجلوس والسمات الأساسية لهذه الدمى هي الأرداف والخصور الضيقة والأفخاذ الممتلئة والسميكة، والأرجل المشدودة والأقدام ذات الأصابع المعلمة.
وأحجام هذه الدمى غير متماثلة في العادة مع أجسامها ومعظم هذه الدمى مصورة بدون ملابس ولكنها مزينة بحلي حول الرقبة والوسط والرسغ وشعر العانة ظاهر بوضوح بالدمى سواء بشكل خطوط قصيرة أو نقاط. وبعضها تحمل علامة مثلثة صغيرة مع قليل من النقاط عند البطن ويحتمل أن ترمز تلك العلامة لحالة حمل مبكرة في صورة عنقود من الخلايا والبعض الآخر يحمل علامة بشكل نصف هلال مملوء بالنقاط القصيرة والتي من المحتمل أن ترمز لمراحل متأخرة من الحمل. ومن مميزات الدمى الأنثوية إبراز الثديين وتكورهما.
وقد ظهر في الدمى نوعان من أنواع الشعر، الأول ذو تصميم مظفر من ثلاث ظفائر، والنوع الثاني وجود خصلة الشعر بأكملها مجدولة في ظفيرة واحدة مستقرة على الكتف. وهذا دليل على قيام النساء بتربية شعورهن، ويلاحظ في أغلب الدمى الأنثوية ثقل الجزء السفلي من الجسم وربما يدل على أن البدانة كانت شائعة أو ربما يدل على الخصوبة أو الإلهة الأم. وبعض الدمى يلاحظ أنها ممسكة ثديها بيديها وهناك دمى تتميز بكبر ثديها. والبعض من تلك الدمى فيها تأثيرات هلينستية تتمثل في ترتيب شعورهن، وشكل وجوههم، وأجسامهم. وعملية الحرق تتم في درجة عالية تزيد على 600 درجة مئوية.
ويحتوي متحف الدمام الإقليمي والمتحف الوطني بالرياض على بعض من تلك الدمى الحيوانية والبشرية.
العملات
يعد سك العملة أهم المبتكرات الاقتصادية والحضارية التي أنتجها الإنسان القديم بغرض تسهيل التبادل التجاري وسجل عليها كثير من المعلومات الهامة. ولا شك بأن اختراع النقود كوسيط للمبادل وأداة لاختزان القوة الشرائية وقاعدة للقيم النقدية المستقبلية قد أثر في أنماط الحياة الإنسانية من وجهة النظر الإجماعية والاقتصادية والسياسية جميعاً وسك العملة من سمات المجتمع المتحضر ولتسهيل المعاملات التجارية، وصارت النقود اليوم مصدراً مهماً من مصادر علم التاريخ منذ أول ظهور لها في القرن السابع قبل الميلاد، فكثير ما صححت ما درج عليه المؤرخون من بيانات كانوا يظنون أنها عين الصواب. يجمع علماء النميات أن الليديين بآسيات الصغرى في عهد كرويسوس أو قارون الليدي 546- 516 ق.م، ومنهم من يقول في عهد الملك إدريس في القرن السابع قبل الميلاد.
ومن أهمية العملات أنها تحتفظ بأسماء الآلهة التي كانت تعبد قديماً ورموزها المختلفة وأسماء الملوك وصورهم بالإضافة إلى موضوعات ورموز أخرى مسجلة عليها. ولقد عثر في ثاج على الكثير من العملات وقد قسمت إلى نوعين:
1 ـ العملا ت التي سكت محلياً في المنطقة أو لها الطابع المحلي للمنطقة، وتمتاز هذه العملات بخصائص فنية أساسية، وعملات ثاج محدبة نسبياً أما وجهها المقعر نسبياً فخالٍ من الرسومات والنقوش على عكس الحال في العملات السلوقية التي يكون فيها الظهر والوجه مسطحين تماماً ومنقوش على الوجه والظهر، والعملات السلوقية ترجع إلى نفس الفترة. وأبرز ما يمكن ملاحظته في عملات ثاج هو المعبود المصور على تلك العملات وهو الإله «شمس» ويظهر في هيئة المعبود اليوناني «زيوس» الذي يصور على بعض العملات السلوقية. ومن خصائص العملات المحلية الثاجية وجود حرف شين(..∑.) العمودي في الجهة اليمنى من المعبود وهو اختصار لكلمة المعبود «شمس»(…∑) ويتواجد في أغلب العملات، وأيضاً وجود المعبود يكون مجسداً بشكل تجريدي أو هندسي على شكل عصي وهو ماسك الصولجان، ووجود نسر أو صقر واقف على يد المعبود أو حصان، ووجود اسم الاسكندر كاملاً أو ناقص أو مختصر. ولقد وجد مثل هذه العملات في عدة مواقع من شرق الجزيرة العربية منها جاوان.
2 ـ وهي تنتمي إلى الدولة السلوقية في شمال الجزيرة العربية وشمالها الشرقي أو متأثرة إلى حد كبير جداً بها. ووجد منها في ثاج. وتكون منقوشة على الظهر والوجه. ويلاحظ تنوع ودقة التفاصيل فيها ويظهر فيها ألإله زيوس وكذلك على الوجه يظهر صورة الاسكندر الأكبر.
النقوش
إن الكتابة تعد من أكبر إنجازات الإنسان قبل الإسلام، وسارت فيه المدن والمستوطنات المتحضرة فلا يوجد شعب متحضر ذو حضارة بدون كتابة.
ولقد تم الكشف عن كتابات قديمة منقوشة على الأحجار وهذه الكتابات كانت معروفة في البلاد العربية ومنها المسند الجنوبي الذي عرف هذا الخط في البداية في جنوب الجزيرة العربية حيث كتبت به دولة سبأ ومعين وحضرموت… والخط المسند من أبرز الأقلام السامية وأقدمها، وأقدم نص بالمسند يعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وانتشر هذا الخط في شرق الجزيرة العربية ومن المدن التي وجد فيها هذه النقوش «ثاج» وهذا يدل على قوة التواصل والعلاقات التجارية بين شرق الجزيرة العربية وجنوبها.
وقد ناقش علماء اللغة معنى تسمية هذا الخط بالمسند وعن مدلولها: فهناك من يرى أن كلمة «سند» بمعين، استند على أي استناد الحروف على الفواصل التي تفصل بين كلمة وأخرى. ويكون الفاصل على هيئة خط عمودي مستقيم، وعدد حروف المسند 29 حرفاً كلها صامتة. ومن قاعدة الخط المسند أن يكتب العدد من اليمين إلى اليسار كالقاعدة المتبعة في الكتابة العربية، وقد يكتب السطر الذي يليه أحياناً من اليسار إلى اليمين كالقاعدة المتبعة في الخط اللاتيني ولكن بطريقة معكوسة وهي الطريقة المعروفة في علم الأقلام القديمة بـ (طريقة دوران الثور) وهي الطريقة المعروفة في شبه الجزيرة العربية قديماً. ولا يوجد نقط أو إشارات أو حركات وقد يكتب الحرف المشدد مرتين.
والنقوش التي وجدت في المنطقة الشرقية منها المسند ومنها الآرامي، ولكن المسند كان منتشراً أكثر من غيره، وأطلق «ونيت» و«جام» على نقوش المسند التي وجدت في المنطقة الشرقية بالنقوش الحسائية، وأكثر النقوش عبارة عن شواهد قبور حيث توضع بجانب الميت ويكون فيها تفصيل عن اسم الميت واسم أبيه ولقبه وعشيرته وقبيلته، أمّا المواضيع الأخرى فهي معاملات تجارية، وهي قلة. ولقد ظهرت لنا من النقوش التي وجدت في ثاج معلومات منها الإله تنين، وعشيرة يدعب، وجبسي، وطابت، ومن القبائل تميم، وتنخ «تنوخ» وخذن، وشوذب، ومن الأسماء شفي، وبرجلاء، غذيت، وملكت، وعود …. ومتحف الدمام الإقليمي يحتوي على عدّة نقوش وجدت في ثاج.
ثاج في المصادر القديمة
1) ذكرها راشد بن شهاب اليشكري في قصيدة له جاءت في كتاب «المفضليات»:
بنيتُ بثاج مجدلاً من حجارة
لأجعله عزاً على رغم من رغم
أشم طوالاً يد الطير دونه
له جندل مما أعدت له إرم
ويأوي إليه المستجير من الردى
ويأوي إليه المستعيض من العدم
و«المجدل»: القصر المشرف المحكم البناء، فالشاعر يصف القصر بالطول والقوة والامتناع، وأنه بني من صخر قد هيئ وأصلح من عهد إرم – وهي قبيلة من عاد. وربما كان بناء القصر شيد على آثار عمران قديم، حيث يزعم اليشكري بأن القصر شيد من حجارة كانت قد أعدّت للبناء في عصور أقدم من عصر إنشائه.
2) وفي شرح النقائض، يقول الفرزدق:
ولولا حياء زدت رأسك هزمه
إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
بعيدة أطراف الصدوع كأنها
ركية لقمان الشبيهة بالدخل
وركية لقمان بثأج، وهي مطوية بحجارة.
3) ويقول، ذو الرمة في وصف حمر وحشية:
على ذروة الصلب الذي واجه المعا
سواخط من بعد الرضا للمراتع
فلما رأين الليل والشمس حية
حياة الذي يقضي حشاشه نازع
نحاها لثاج نحوة ثم إنه
توخى بها العينين عيني متالع
4) وفي كتاب «المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة» ص: 620، للحربي (ت 285هـ):
«فإذا خرجت من البصرة تريد البحرين فأول مدينة تدخلها منبر بثاج، على بعد أربعة عشر مرحلة، ساكنها بنو سعد بن زيد مناة بن تميم».
5) وفي كتاب «بلاد العرب» ص: 345، للعمدة الأصفهاني:
«الستار، وفيه أكثر من مئة قرية لأفناءِ سعد ولأمرئ القيس بن زيد، ومن قراها ثاج. وبها سوق….».
6) وفي كتاب «صفة جزيرة العرب» ص: 333، للهمداني (ت 344 هـ):
«وثاج ومتالع ماءان، كل هذه لتميم».
7) وفي كتاب «تهذيب اللغة» ص: 110 / 170، للأزهري (ت 300 هـ):
«وثاج قرية في أعراض البحرين فيها نخل زين».
8) وفي كتاب «معجم البلدان» ص: .. لياقوت الحموي (ت 626 هـ):
«ثاج: بالجيم، قال الغوري: يهمز ولا يهمز: عين من البحرين على ليال، وقال محمد بن إدريس اليمامي: ثاج قرية بالبحرين».
9) وفي كتاب «معجم ما استعجم» ص: .. للبكري (ت 487 هـ):
«ثاج – بالجيم على مثال تاج – قال أبو عبيدة: هو ماءُ لبني الفزع من خثعم من مياه بيشة. قال تميم بن أبي بن مقبل العجلاني:
يا جارتي على ثاج سبيلكما
سير شديداً فلما تعلما خبري
10) ويقول ابن المقرب:
منّا الذي حاز من ثاج إلى قطر
وصير الرمال من مال العدو حمى
11) وأورد الحموي في رسم (المشقر) لعرفطة بن عبد الله المالكي الأسدي قوله:
لقد كنت أشقى بالغرام فشاقني
بليلي على بنيان حمل مقدّر
فقلت وقد زال النهار كوارع
من الثاج، أو من نخل يثرب موقر
أو المكرمات من ابن يا من
دوين الصفا اللائي يحف المشقر
نزار آل عبد الجبار
عيون السيح في صفوى
من القصص التي أذكرها وأنا صغير، أن أرض شبه الجزيرة العربية كانت تغطيها الأشجار وأن المسافر من اليمن إلى الشام في فصل الصيف لا يستطيع أن يرى الشمس طوال طريقه من كثرة الأشجار فيه بسبب وفرة المياه في ذلك الطريق.
فإن كان غرب شبه الجزيرة بهذا الوصف فما بالك بشرقها الذي تحدثت الكتب القديمة والحديثة عن وفرة المياه فيه حتى أن البعض عدها أنهاراً على غرار نهري دجلة والفرات وهذا الوصف لحد ما صحيح إذا أمعنا النظر في غزارة المياه وكثرة عدد العيون فيها مثل عيون الأحساء ومنطقة القطيف، وقد شاهدت على أرض الواقع، وقد أشار الإغريق الأوائل إلى نهر يصب عند منتصف ساحل الخليج، وقد أشار بطليموس إلى هذا النهر باسم نهر «لاريس» وقال: إن منبع هذا النهر يقع بالقرب من بلدة إسمها «لاثا».
وفي عام 1561م أشار جاستا ليدي إلى وجود هذا النهر في نفس المكان وقال: إن مصبه يقع على الخليج جنوب البحرين، وفي عام 1712م قال مول في خريطته: إن النهر يعرف باسم نهر «أفنان»)[257](. وحسب اعتقادي أن المقصود باسم أفنان هي سبخة أفنان المعروفة لدى الأقدمين والمتأخرين من المؤرخين والجغرافيين العرب وغيرهم، وأن مؤلفي أطلس المياه يعتقدون أن الوصف الذي أشار إليه الإغريق يمكن أن ينطبق على الأحساء، وعذرهم معهم، لأنهم لم يشاهدوا مياه القطيف أيام قوتها وغزارتها، وسوف آتي بوصف لنهر الداروش وما يتفرع عنه عند ذكرنا لنهر محلم عين الداروش كما تعرف الآن، وأعتقد أن مؤلفي أطلس المياه كانوا مصيبين حين قالوا: إن الجغرافيين الإغريق كانوا دقيقين نسبياً في رسم صورة نهر يصب في الخليج العربي بالقرب من القطيف)[258](.
في أوائل ربيع عام 1973م التقيت في بعض الدول العربية مواطناً من دولة من شرق آسيا، وأخذنا نتبادل أطراف الحديث حتى توصلنا إلى شحة المياه في منطقة الخليج العربي، وكان نظيري يصغي إلي بهدوء حتى ذكرت له بضع مواقع عيون الماء السيح التي عرفتها وقد جفت وانطمس رسمها ولم يعد أحد يعرف مواقعها، ولم يدر بخلدي أن مستمعي خبير في المياه الجوفية.
وفي نهاية حديثي قال: وهل أنت مقتنع أن منطقتكم غارت مياهها، ولم تعد إلى طبيعتها في أي يوم من الأيام؟ فكان جوابي: نعم، فبادر بالقول: أنت مخطئ، إن المياه مازالت موجودة في الأرض، ومنطقتكم غنية بها، وإن سبب غور المياه فيها يعود إلى استنزاف البترول منها، حيث أفقدها الضغط في باطن الأرض الذي كان هو الدافع إلى تفجير عيون المياه عندكم بغزارة، ولدينا ألف دليل ودليل على ذلك ونحن نعرفها في بلادنا أكثر منكم، فلو أن البترول توقف لمدة ثلاث سنوات فقط لعادت المياه إلى مجاريها.
وفي هذه الأسطر سوف أذكر بعض العيون التي كانت تجري وتروي مساحات واسعة من الأرض الزراعية وقد عفا عليها الزمن وأصبحت من الأساطير القديمة ولا يعرف عنها الجيل الجديد شيئاً.
من الأمور المؤكدة ومنذ القدم أن منطقة شرق الجزيرة العربية كانت تعج بالأنهار، وأن مياهها تصب في نهاية المطاف في الخليج، وكانت عيون السيح هي الرافد الأول لهذه الأنهار، ومياه العيون تأتي من غرب ووسط الجزيرة العربية، يؤكد هذا الربط الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب، ص306، ونقلها عنه الأستاذ حمد الجاسر في معجم المنطقة الشرقية (البحرين قديماً) ومصدر هذا القول أهل الأفلاج وسوف نأتي على ذكر القصة في مسار عرضنا إلى عين الداروش، وحديثنا في هذه الأيام عن الداروش أو غيرها من العيون ما هو سوى شعوذة قديمة أو أسطورة من أساطير الأولين ما أنزل اللَّه بها من سلطان في رأي أبنائنا.
عين محلم ونهر محلم، عين الصفا ونهر الصفا، أسماء ذكرها الأقدمون من رحالة وجغرافيين ومؤرخين، غير أنهم لم يعطوا تحديداً لها يزيل الشك باليقين، والذي أجمع عليه أنها تقع في شرق الجزيرة العربية، ولولا ورود هذه الأسماء في الشعر القديم، لما استطاع إنسان في العصر الحديث تحديد مكانها، وقال بعض المحدثين: إن هذه الأسماء كلها تعبر عن اسم واحد (عين الداروش) في صفوى القديمة.
وبما أنني أحد أبناء هذه المنطقة لا أفضل أن تمضي أيامي دون أن أدلي بدلوي، فإن كنت مصيباً فهذا ما أتمناه وإن كان العكس أطلب السماح وذلك بعد أن نورد نبذة من أقوال من سبق ذكرهم.
أ – عين محلم
قال ياقوت الحموي: عين محلم بضم أوله وفتح ثانيه وكسر اللام المشددة ثم ميم، يجوز أن يكون من حلمة البعير إذا نزعت عنه الحلم، والمحلم: الذي يفعل ذلك، هو اسم رجل نسبة العين إليه في رأي الأزهري، قال الكلبي: محلم بن عبدالله زوج هجر بنت المكفف من الجرامقة، وقال صاحب العين: محلم نهر بالبحرين، وقال أبو منصور: محلم عين فوارة بالبحرين وما رأيت عيناً أكثر ماءً منها، وماؤها حار في منبعها فإذا برد فهو ماء عذب، ولهذه العين إذا جرت في نهرها خلج كثيرة منها تسقي نخيل جواثا وعسلج وقريات من قرى هجر)[259](. وقال: خبال بن شبة بن غيث بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن قطيعة بن عبس، جاهلي:
بني جزيمة نحن أصل لوائكم
وأقلكم يوم الطعان جبانا
كانت لنا كرم المواطن عادة
تصل السيوف إذا قصرن خطانا
وبهن أيام المشقر والصفا
ومحلم يبكين على قتلانا
وقال الأعشى:
نحن غداة العين يوم قطيمة
منعنا بني شيبان شرب محلم
والحفصي أيضاً: محلم بالبحرين هو نهر لعبد القيس، وقال عبدالله بن السبط:
سقيت المطايا ماء دجلة بعدما
شربنا بفيض من خليج محلم)[260](
وقبيلة محلم من العرب الذين أسهموا في حرب يوم ذي قار سنة 606م أو 610م، وكان لهم باع طويلة في تحديد مسارها، وبهذا يقول (عمرو بن الأسود) في ذلك اليوم:
لما سمعت نداء مرة قد علا
وبني ربيعة في الغبار الأقتم
ومحلماً يمشون تحت لوائهم
والموت تحت لواء آل محلم)[261](
وبما أنه لم يحدث إجماع على تحديد سنة وقوعها كذلك في مسببات حدوثها، ومن شاء الزيادة عليه بكتاب الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي للدكتور عفيف عبدالرحمن.
وذكر الكلبي عن الشرقي: إنما سميت عين هجر بهجر بنت المكفف، وكانت من العرب المتعربة، وكان زوجها محلم بن عبدالله صاحب النهر الذي بالبحرين، يقال له نهر محلم، وعين محلم. وقال: السري والصفا بالقصر نهران يتخلجان من نهر محلم الذي بالبحرين يسقي قرى هجر كلها)[262](.
قال لبيد:
سحقاً بمنسعة الصفا وسرية
عم نواعم بينهن كروم
وقال أيضاً:
فرحنا كأن الناديات عن الصفا
مزارعها والكارعات الحوامل
بذي شطب أحداجهم إذ تحملوا
وحث الحداة الناجيات الزوامل)[263](
ومما قاله الهمداني: إذا أجملنا أرض البحرين وهي أرض المشقر فهي هجر مدينتها العظمى والعقير والقطيف والأحساء ومحلم نهرهم، وأضاف قائلاً: والبحرين إنما سميت البحرين من أجل نهرها محلم ونهر عين الجريب)[264](.
مما أوجزناه في ما تقدم من أقوال الجغرافيين والمؤرخين في الصدر الأول الإسلامي نقول: مع أنهم لم يحددوا المكان الذي يقع فيه نهر وعين محلم، غير أنهم متفقون على أنه موجود في المنطقة التي عرفت فيما مضى بالبحرين، وهي المنطقة الممتدة من عمان جنوباً حتى البصرة شمالاً. أما جغرافيو الإغريق فقد كانوا دقيقين نسبياً في تحديد رسم صورة نهر يصب في الخليج العربي بالقرب من القطيف. أما مؤرخو أواخر القرن العشرين فقد ذكروه أيضاً، غير أن بعضهم التبس عليه الحال وحدد مكانه في منطقة الأحساء الحالية، معتمداً في ذلك على مشاهداته الذاتية وقال: إن وصف نهر محلم من الممكن أن ينطبق على عين أم سبعة بالأحساء، وأضاف: عين أم سبعة هي أولى ما ينطبق عليه أوصاف ذلك النهر، والأمر لا يزال بحاجة إلى التعمق في البحث.
وقال الأستاذ عبدالله أحمد شباط: إن وصف نهر الصفا ينطبق على العين الحارة.
وما أظن أن الأستاذ إلا واقع في الخطأ الذي سبق أن وقع فيه غيره)[265](.
وقال آخر: نهر محلم أو عين محلم هي الداروش)[266](. وأنا من هذا الرأي. سمعت من الكثير من أهل صفوى والقطيف والعوامية من المسنين يقولون: على بعد 6 كلم كانوا يسمعون خرير ماء العين التي تسمى الآن الداروش التي يتفرع منها سبعة أنهر، وهي شهيرة بقوتها وغزارة ينابيعها.
وقال آخرون: نهر الصفا هو نهر الداروش. أما أنا فأعتقد أن نهر الصفا هو أحد أنهر الداروش والذي يعرف عند أهل صفوى باسم نهر قميح، وسوف يأتي ذكره فيما بعد. يقول ياقوت الحموي: الصفا نهر بالبحرين يتخلج من عين محلم. كما قال ابن الفقيه: الصفا قصبة هجر، ويوم الصفا يوم من أيام العرب، قال جرير:
تركتم بوادي رحرحان نساءكم
ويوم الصفا لاقيتم الشعب أوعرا
وقال آخر:
نبئت أهلك أصعدوا من ذي الصفا
سقياً لذلك من فويق صعدا
وصفا بلد: هضبة ململمة من بلاد تميم، وقال الشاعر:
خليلي للتسليم بين عنيزة
وبين صفا بلد ألا تقفان)[267](
وقال ذو الرمة:
خليلي مدا الطرف حتى تبينا
أضعن بعلباء الصفا أم نخيلها
فقالا: على شك نرى النخل أو نرى
لميَّة ضعنا باللوى نستحيلها
فقلت: أعيد الطرف ما كان منبتا
من النخل خيشوم الصفا وأميلها)[268](
وقال امرؤ القيس:
فشبهتهم في الأل لما تكمشوا
حدائق دوم أو سفينا مقيرا
أو المكرعات من نخيل ابن يامن
دوين الصفا اللائي يلين المشقرا
سوامق جبار أثيث فروعه
وعالين قنواناً من البسر أحمرا
إن النخيل الذي ذكره ذو الرمة في شعره على حافتي النهر قد شاهدته، وبقاياه لم تزل إلا في أواخر الثمانينات من هذا القرن، وفي ذكر العين الذي هو أحد أسماء الداروش، الذي عرفت به يقول الدكتور جواد علي: هجر نسبة إلى هجر بنت المكفف وكانت من العماليق والعرب المتعربة، وكان زوجها محلم بن عبدالله صاحب النهر الذي بالبحرين، ويقال له نهر محلم، وهناك عين ماء عرفت بعين هجر وبعين محلم، وقال كذلك: بين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له العين. وقال ابن الفقيه: وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له العين. وفي صفة جزيرة العرب: والبحرين إنما سميت البحرين من أجل نهرها محلم، ولنهر عين الجريب)[269](.
وقال الأخطل:
تسلسل فيها جدول من محلم
فلو زعزعتها الريح كادت تميلها
وأورد الدكتور سامي سعيد الأحمد ما يلي في كتابه الخليج العربي من أقدم الأزمنة حتى التحرير العربي: وربما يكون إخنم بالواقع هو نهر محلم عند بني عبد القيس في البحرين، وقال: المشقر هو حصن حياله حصن يقال له (الصقه) بتشديد وفتح الصاد وبينهما نهر يقال له محلم، بتشديد اللام، وكان الذي بنى المشقر بضم الميم وفتح الشين وتشديد القاف، رجل من أساورة كسرى يقال له (بسك بن ماهبوز) كان كسرى وجهه لبنائه)[270](.
والآن جاء دور ما يرويه الأجداد من أهل صفوى ويردد شفاها وما ذكره الهمداني في صفة جزيرة العرب، ولو أن الروايتين تختلفان في شكل الساقط ومكانه وموقع خروجه غير أنهما يلتقيان في الجوهر، وهذا ما يؤكد أن عين الداروش هي نهر محلم المذكور في الكتب.
الهمداني: ولبني جعدة سيحان يقال لأحدهما الرفادي والآخر الأطلس، وأما سيح قشير فاسمه إسحق، فأما الرفادي فإن مخرجه من عين يقال لها (عين ابن أصمع) ومن عين يقال لها (عين الزباء) مختلطتين، وأما الأطلس فإن مخرجه من عين يقال لها (عين الناقة)، ويقول أهل الفلج في اشتقاق هذا الاسم من امرأة مرت بها على ناقة لها فتقحمت بها الناقة في جوف العين فخرج بعد ذلك سوارها بنهر محلم بهجر بالبحرين، ومحلم نهر عظيم يقال إن تبعاً نزل عليه فهاله، ويقال إنه في أرض العرب بمنزلة نهر بلخ في أرض العجم، وسائر بني جعدة ببلد يقال له أكمة به النخيل والزرع والآبار والحصون)[271](.
أما رواية الأجداد في صفوى فتقول: إن بدوياً سقطت منه باكورة في عين أم سبعة في الأحساء وخرجت في عين الداروش)[272](.
ب- الداروش
أكثر المؤرخون والأدباء من ذكر عين محلم أو نهر محلم، كما يسميه البعض، ونحن في هذه الأسطر لن نأتي إلا باليسير منها حتى لا نثقل على القارئ، وبهذا لن نعطي الموضوع حقه مكتفين بالتلميح على ضوء القاعدة (خير الكلام ما قل ودل).
وعلى هذا النبع أطلقت عدة أسماء منها: عين محلم، ونهر محلم، والصفا، والعين، والداروش، وهذا الاسم هو الذي شاع واستمر حتى يومنا هذا.
عين محلم
بضم أوله وفتح ثانيه وكسر اللام المشددة ثم الميم، يجوز أن يكون من الحلم وهو مفعل أي الذي يعلم الحلم غيره، ويجوز أن يكون من حلمت البعير إذا نزعت عنه الحم، والمحلم: الذي يفعل ذلك، وهو اسم رجل نسبت العين إليه في رأي الأزهري)[273](.
الداروش
بعد الدال المفتوحة ألف فراء مضمومة فواو ساكنة فشين معجمة، هي من أعظم عيون منطقة القطيف في صفوى، ويرى بعضهم أن الاسم فارسي، وأن العين سميت باسم (دارا) الملك الفارسي)[274](.
وداروش أجود ينبوع في كل واحة القطيف، وقد روى هو وينبوع العتيقة كل أراضي صفوا على بعد ربع ميل جنوب قرية صفوى)[275](.
هذا ما ذكره لويمر في دليل الخليج، وليس كل ما جاء به لويمر صحيحاً وأخطاؤه كثيرة.
ليس مهماً أن تكون الداروش أو عين أم سبعة هي عين محلم أو نهر محلم، والمهم أن تكون الأجيال القادمة على صلة بتراثها الذي اندثر وأصبح حلماً لا يذكره إلا قلة من الناس.
وصف ميداني للعيون
1 ـ الداروش
إن الوصف الذي سنورده في هذه الصفحات، لا يعبر عن وضعها في وقت كتابة هذا التقرير، بل لما قبل أربعين سنة مضت حيث هذا السرد لم يوضع إلا في عام 1989م.
المساحة: تقدر مساحة العين الإجمالية بـ( 525م2)، وهي ليست ذات أبعاد مستاوية، ومساحة المنبع تقدر بـ(64م2)، ويقع في الركن الجنوبي الشرقي من العين، وإجمالي فوهاتها سبع أكبرها الواقعة في الركن الجنوبي الغربي، وتبلغ نسبة المياه المتدفقة منها 60000 – 75000 جالون في الدقيقة الواحدة، وتسيل المياه في سبعة أنهر أكبرها نهر قميح الذي على ما أعتقد أنه نهر الصفا الذي كثر الحديث عنه في أمهات الكتب، وسمي بهذا الاسم نظراً لصفاء مائه وغزارته.
ومياه هذه العين حارة للغاية خاصة في فصل الشتاء فكلما زادت نسبة البرودة في الجو ارتفعت درجة حرارة الماء حيث يبلغ ارتفاع أبخرتها إلى علو ثلاثة أمتار، وتميل إلى البرودة في فصل الصيف.
ومن الجدير بالذكر أن مؤلف كتاب واحة الأحساء قدر نسبة المياه التي تنتجها عين أم سبعة في الأحساء بـ(20000) جالون في الدقيقة وذلك عام 1952م)[276](.
الأنهار التي تجري من العين
أ – الصفا (قميح) وهو أكبرها، ويقع في الركن الشمالي الغربي من العين وسوف نأتي بوصف لجزء منه لأنه يصعب على أي كان أن يأتي بوصف كلي له أو لغيره من الأنهار.
ب- شلال العوسجي ويقع في الركن الشمالي الشرقي مائلاً نحو الجنوب وهو ثاني الأنهر.
جـ- سليسل: في المرتبة الثالثة، ويقع في اتجاه الشمال مائلاً نحو الشرق.
د – مضر: في المرتبة الرابعة في الاتجاه الجنوبي الغربي.
هـ- المسلميات: في اتجاه الشرق منحرفاً شمالاً قليلاً.
و – الطفوف: وهو السادس في الترتيب، ويتخذ الاتجاه الجنوبي الشرقي.
ز – الغراريف: وهو أصغر حجماً، ويقع في منتصف حوض العين تقريباً من ناحية الشرق.
ويشكل كل نهر منها بعد ابتعاده عن منبعه شبكة غاية في التعقيد من الترع والقنوات، يصعب على الإنسان تتبعها، ومن المؤسف حقاً أنه لم يقم أحد بذلك، وهي تشبه في تشابكها جذور النخلة، وإن وصفها في وقتنا الراهن لهو أكثر استحالة من السابق حيث إن كل معالمها قد درست وأصبحت في خبر كان، مما يبعث في النفس الألم والحسرة.
1 ـ نهر الصفا
سوف نقتصر في حديثنا على نهر الصفا حيث هو الوحيد الذي بقي محفوراً في الذاكرة، لما له من قيمة كبرى عند كل أهالي صفوى الذين شاهدوه، أما من لم يره فعذره مقبول. ويبلغ طوله التقريبي بكافة كسراته من نقطة بدايته بالركن الشمالي الغربي من حوض العين إلى منطقة الجوايز ما يقارب 2 كلم و 125م، وبعمق يتراوح بين المتر والمتر والنصف، وعرض ما بين الأربعة أمتار والمترين، وعن تكوينه انظر الرسم.
أما القنوات أو الترع التي على جانبيه فعددها 13 قناة، وذلك بعد استثناء الجوايز وهي ثلاث تشكل كل منها عدة قنوات بما فيها النهر قد امتحت ولم يعد أي أحد أن يميز موقع أي منها، وكل المزارع التي كانت على يمين ويسار النهر قد تحولت إلى مساكن، والتي بقيت من دون بناء هي أشبه بالصحراء بعد أن كان الطير لا يستطيع أن يطير فيها، ولو عاد للحياة من أفنى عمره في زرع النخيل، لمات في الحال هماً وغماً من سوء ما يرى.
ومن الجدير بالذكر أنني زرت عين أم سبعة في الأحساء عدة مرات أولها عام 1374هـ، وآخرها عام 1395هـ، وتتبعت قنواتها لمسافات بعيدة، وسألت العديد من الفلاحين هناك عن عدد القنوات التي تسيل فيها المياه، فيكادون أن يكونوا متفقين على أنها من 10 – 15 قناة. ويذكر بعض المؤرخين أن الأحساء كان بها ما يقرب من أربعين عين ماء متصلة ببعضها البعض بواسطة قنوات تحت الأرض ولا تذهب قطرة ماء من دون الاستفادة منها، وذلك أيام حكم القرامطة)[277](.
2- شلال العوسجي
وهو ثاني نهر يشتق من الداروش، يوقع في الاتجاه الشمالي الشرقي من المنبع، ويمتد من الشمال إلى الجنوب بنحو 26م ثم يتجه إلى الشرق مكوناً نصف دائرة حتى يصل إلى مسافة تتراوح بين 4 – 6 أمتار، ثم يتفرع إلى خمس قنوات، وكل قناة من هذه القنوات تتفرع هي الأخرى إلى عدة قنوات إلى أن تلتقي آخر الأخر في منطقة الدبية وتفرغ مياهها في البحر.
3- سليسل
ثالث نهر أو قناة تتفرع من الداروش من حيث العرض والعمق، وعلى بعد 2 كلم تتفرع منه خمس قنوات كلها تأخذ باتجاه الشرق والشمال الشرقي والجنوب الشرقي، وتأخذ أشكالاً متعرجة حتى تلتقي آخر الأمر في شرقي صفوى «الدبية» وتفرغ المياه في البحر، وموقع هذا النهر في شمال العين.
4- مضر
يقع في الركن الجنوبي الشرقي من المنبع وتسقي مياهه بعض منطقة الطفوف ومن ثم يتفرع إلى شعبتين واحدة تتجه شرقاً والأخرى جنوباً، وتخلط مياهها بمياه الطفوف.
5- الطفوف
وتعتبر هذه القناة هي النهر الرابع من حيث غزارة المياه والسعة، وما يكاد يتعدى جنوب مسجد العباس عليه السلام وهو من المساجد القديمة في صفوى، حتى يتفرع إلى شعبتين: واحدة باتجاه الشرق والأخرى باتجاه الجنوب، وأخيراً تفرغ مياهها في كل من قنوات العين الجنوبية والعتيقة.
6- المسلميات
هذا المجرى يخترق منطقة الشريه في وسطها على ما أتذكر ويفرغ مياهه آخر الأمر في نهر العوسجي وبعض ترع سليسل.
7- الغراريف
مياهها تقتصر على غرافة الزهراء الواقعة شرق المسجد المعروف بمسجد الزهراء أو العين الشرقية الواقعة على يمين نهر العوسجي، وهذه القناة تنساب فيها مياه الداروش وتقع شرق المنبع مباشرة.
وإضافة إلى هذه الأنهر السبعة التي تسيل فيها مياه العين هناك قصرة بالقرب من التنور «المنبع» شرقاً، تستخدم عندما يراد غوص العين بهدف تخفيف ضغط الماء.
2- عين العتيقة
تقع في الجنوب وتأخذ في الانحراف نحو الشرق من الداروش، وتبتعد عنها بحوالي 1.5 كلم، وعن البلدة القديمة بما يعادل 2 كلم، ويأخذ حوضها بالامتداد من الشرق نحو الغرب بطول 150م وعرض 60م، ومنبعها يقع في أول الثلث الأخير من الشرق، وتسير مياهها في أربعة اتجاهات:
الأول: نهر بالركن الجنوبي الغربي من حوض العين، وكان مقاماً عليه حمام، لم أر منه غير جزء من الجدار الشمالي، وكذلك بعض أساسات جداريه الشرقي والغربي (انظر الصورة)، وفي شمال غرب الحمام يوجد مستراح عبارة عن عريش، سقفه وجداره الغربي معمول من سعف النخيل، وأساسات العريش مبنية من الجص والحجارة، مقابلاً حوض العين.
الثاني: عبارة عن قناة بالقرب من الركن الشمالي الغربي من الحوض، تسقي مزارع النخيل من الجهة الشمالية والغربية، والتي تعلو في مستواها على نهري مضر والطفوف القادمين من الداروش.
الثالث: ترعة في ركنها الشمالي الشرقي، ومياهها تنحدر نحو الشرق فيما يشبه الشلال، فيأخذ في جريانه طريقاً نحو الجنوب والشرق مائلاً نحو الشمال قليلاً.
الرابع: في الركن الجنوبي الشرقي، وتوجد قصرة كما هو الحال بالنسبة لها عند غواصيها.
هذا الموجز عن العين التي عرفت بما بعد باسم الوسيطة أو الوسطى ينطبق على الفترة ما قبل أوائل الستينات، أما وقتنا الحاضر فهي خبر بلا عين فهي مستنقع ترفع منه المياه بواسطة آلات الشفط، وقد أطلق عليها بعض أهالي صفوى اسم (عين بن ثاني) وآخرون يقولون (عين قرين) أو (حمام قرين) نسبة إلى أبي حسين علي قرين الفلاح الذي كان يدير أملاك ابن ثاني بالتأجير إلى الغير أو عن طريق استصلاحها بنفسه. ويذكر أن ابن ثاني اشترى هذه الأملاك من عبدالله القصيبي.
وقد ورد ذكر هذه العين في معجم المنطقة الشرقية (البحرين قديماً) نقلاً عن كتاب دليل الخليج حيث قال: تعتمد صفواء عليها والداروش في الري)[278](.
3- عين الجنوبية
لم أجد لها ذكر فيما اطلعت عليه من مراجع، ويذكر أنه كان يطلق عليها اسم عين النسوان)[279](، وقد يكون اسم الجنوبية متأخراً.
ويمتد حوضها من الجنوب إلى الشمال، وهي أخفض عين في صفوى، ويضرب بها المثل: «عين الجنوبية تسقي البعيد وتخلي القريب»، لارتفاع مستوى مزارع النخيل من حولها عن مستوى حوضها.
طولها من الشمال إلى الجنوب ما يقرب من 40م، ومن الشرق إلى الغرب ما يقرب من 15م، وبهذا تكون مساحتها الإجمالية 600م2، ولها قناتان: الأولى في اتجاه الجنوب مشاد عليها حمام، يؤمه كل أبناء المنطقة، ويتفرع عنها عدة قنوات إلى مسافات بعيدة جداً ثم تنتهي إلى البحر في نهاية الشوط، أما القناة الثانية فتقع في الركن الشمالي الشرقي وينطبق عليها ما ينطبق على القناة الأولى باستثناء الحمام.
4- عين الصولية
لم أر لها أي ذكر فيما اطلعت عليه، ورأيتها لأول مرة قبل ما يقرب من أربعين عاماً، حينما انتقلت ملكية نخل الصولية إلى المرحوم علي بن محمد آل سيف وحفر بها بئراً ارتوازية، والعين المذكورة أشبه ما تكون بالمستنقع، ومن المحتمل أن يكون رسمها الآن قد طمس، وتبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 120م2.
وتقع الصولية جنوب غرب العين الجنوبية وتبعد عنها في حدود 1كم، ولا تسقي غير منطقتها، وقد تحولت معظم منطقة الصولية إلى مساكن.
5- عين السبخة
تقع في الجنوب من الصولية لا يفصل بينهما في وقتنا الحاضر غير شارع، تحد جنوباً بالعوامية وشرقاً البحر وغرباً منطقة المزار يفصل بينهما الطريق المتجه إلى القطيف ولاجام وشمالاً الصولية، على بعد 4 كلم جنوب غرب الداروش، والعين تقع في الوقت الحاضر شمال خط الزيت القادم من بقيق إلى ميناء رأس تنورة، وسمعت من عبدالله محمد ارهين يقول: إنه شاهد آثار العين كما رأى آثار بقايا أشجار الرمان بالقرب منها، وأضاف قائلاً: إن بالقرب منها باتجاه الجنوب الشرقي آثار مسجد قديم كان الغواصون يتخذونه مكاناً للقياهم عندما يريدون الذهاب إلى الغوص، وعرفت باسم عين الغاصة.
وفيما مضى إذا أراد أهل صفوى أن يصفوا إنساناً بالحماقة قالوا: زراع السبخة، ولهذا المثل قصة يروونها ملخصها:
جاء أحد المزارعين وقال لزوجته: إذا عملت مزرعة في السبخة، توصلين لي الغذاء هناك؟ فردت الزوجة بالرفض، وأعاد الزوج حديثه الأول بل توصليه، وأجابت الزوجة بنفس الجواب.
فما كان من الزوج غير ضرب زوجته بعصا غليظة عدة ضربات على رأسها حتى ماتت، وأتخذ بعد ذلك مثلاً، ولم يعد أحد الآن يذكره إلا ما ندر.
والسبخة بالسين وليست بالصاد: أرض تكثر في تربتها الأملاح، وتكون رطبة على مدار السنة تزداد في فصل الشتاء، لوقوعها غالباً قرب السواحل والمواقع المنخفضة التي تتجمع فيها السيول من فضلات العيون والأمطار، وهذا هو حال سبختنا حالياً.
6- عين لقميطي
تقع في الجنوب الشرقي من منطقة المزار شمال الطريق القادم من لاجام إلى صفوى، وشمال غرب جبل القوم الواقع شمال العوامية، وتبعد عنه بحوالي 2 كم، ذكر لي ذلك عبدالله محمد ارهين. وهي من الأعين التي لم تدرس إلا في وقت متأخر ولم أطلع على أي ذكر لها في أي مصدر، وإن آخر من استثمرها هو المدعو محمد أبو عامر القحطاني.
7- عين الحزم
تقع شمال غرب خزان مياه صفوى القديم، الواقع شمال بيت السيد محمد هاشم العلوي، ذكر لي ذلك السيد حيدر السيد علي أسعد السادة، وإن آخر من حاول بعثها هو المرحوم الحاج علي بن سليمان آل داوود غير أن زحف الرمال كان أقوى منه فطمرتها الرمال، وبعدها كانت وفاته فنسيت ولم يعد أحد يذكرها أو يعرفها)[280](.
8- عين خويلد
اشتهر هذا المكان بالطين الأصفر الذي كان يستخدم في غسل الملابس قبل استقدام الصابون، ولعل عين خويلد هي التي كانت تعرف سابقاً بعين «شقم» أو «الشقب» شمال غرب صفوى بما يقرب 4.5 كلم، وجاء في معجم المنطقة الشرقية (البحرين سابقاً): شقم على بعد 3 أميال شمال غرب من صفوى في واحة القطيف)[281](.
9- عين المسيبة
وتقع في الشمال الغربي من صفوى على بعد 6 كلم، وهي من العيون التي عاشت حتى وقت متأخر من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وفي وقتنا الحالي لم يعد أي أحد يعرف مكانها، ومما عرفته عن هذه المنطقة أن رسوم قبور كانت بها ولم تمتح حتى أوائل منتصف القرن العشرين، ذكر ذلك حسن صالح بن صلاح.
10- عين جاوان
تقع جاوان في الشمال الغربي من صفوى على بعد 6 كلم، أما العين فلا أحد يعرف مكانها بالتحديد، ومن المكتشفات التي عثر عليها في هذه المنطقة، والتي اكتشفت عن طريق الصدفة سنة 1939م وقت إنشاء مدينة رأس تنورة، ولولا هذه المكتشفات في جاوان لأصبحت مثل غيرها من المناطق التي هي في عداد النسيان. وعين جاوان من العيون التي طمست منذ زمن بعيد؛ هذا ما توحي به صحراء جاوان التي تغطت مواقعها الأثرية بالرمال المتكونة على هيئة تلال وصخور صلداء)[282](.
11- عين المزار
من الأسماء التي أطلقت على شط العذار وسط المزار، وذلك لغزارة مياهها، وأعطى المتأخرون من أهل صفوى اسم الرملة السوداء على البقعة الواقعة فيها العين، والأحرى بهم أن يطلقوا عليها اسم الرملة الخضراء لكثرة الأشجار بها والتي بقيت لوقت قريب بادية للعيان، وتقع العين شمال شرق مدفن أحد الأمراء العيونيين، والذي رثاه علي بن المقرب العيوني بقوله:
ولابد لي من وقفة قبل رحلة
أذيل بها دمعي فينهل وابله
على جدث أضحى به المجد ثاوياً
بحيث يَرى شطَّ العذارى مقابله
لأسأل ذلك القبر هل غير البلى
محاسن مجد غيبتها جنادله)[283](
وهذا الأمير قتل غيلة وهو يستظل تحت شجرة بالقرب من العين، وأهل المنطقة يطلقون اسم المزار على الجبانة والمقبرة، وحدود المزار في الوقت الحالي جنوب وطبا ملاصقة لها شرقاً يفصلها عن السبخة الشارع القادم من صفوى إلى القطيف جنوباً العوامية يفصلهما عن بعض الشارع الذاهب إلى لاجام من صفوى، غرباً الخترشية وكانت متصلة بها؛ أما الآن فيعزلهما عن بعض الشارع القادم من الجبيل إلى الظهران.
12- عين الجعيمة
تقع في الشمال الشرقي من جاوان، وعلى بعد ما يقرب من 3 كلم، وتبعد عن صفوى بما يساوي 12 كلم، وليس في مقدار أي من كان في هذه الأيام أن يحدد مكانها بالضبط، وقبل خمس سنوات في يوم 8/2/ 1993م، ذهبت إلى حيث توجد المزارع الآن وسالت عنها أحد الفلاحين هناك، فكان جوابه أنه لا يعرف عن هذه العين شيئاً، ثم أردف قائلاً: قبل سنتين جاء بعض البدو من الحفر وسألوا نفس السؤال.
وحسب ما نمي إلى علمي أن آخر من استغلها (أمير رحيمة) تركي بن عطيشان، وهذا القول يدل على أنها لم تطمس إلا من زمن قصير وقصير جداً.
قال الأستاذ الجاسر: جعيمة على بعد 8 أميال من الشمال الشرقي من صفوى، في واحة القطيف، وعلى بعد حوالي ميل من البحر، وعلى نفس المسافة من الشاطئ الشمالي لخليج القطيف.
وهذا على ما أظن نقلاً عن دليل الخليج، وهذا التحديد خاطئ لأن جعيمة تقع في الشمال الغربي من صفوى، وما أكثر الأخطاء في دليل الخليج.
ومن الذين سكنوها في صدر الإسلام وحوالي سنة 826هـ الضبيات فخد من الخوالد)[284](.
13- عين صفوى
هذه العين التي سميت بلدة جونان باسمها (صفوى)، تقع في الشمال الغربي من صفوى على بعد 8 كم شمالاً مثل ما حددها الأستاذ الجاسر وقال: عين صفوى من أشهر عيون منطقة القطيف، وقد سميت باسمها بلدة صفوى)[285](، وهذا الاحتمال وارد بعد أن اختفت العين من الوجود.
في يوم 25/ 10/ 1988م أوقفني سلمان حسن المسلم وهو من العارفين بالمنطقة نظراً لارتباطه بالبدو بتجارة الأغنام، على منخفض بين تلين من الرمال السود وقال: هذا هو موقع عين صفوى، وكانت تربة المنخفض بها على السطح ما يشبه تربة أرض السبخ والرطوبة بادية عليها.
14- عين شعاب
مازالت حية ترزق ومن المرجح أن تنضب بعد فترة وجيزة من السنين، وهذا ما لاحظته بنفسي على حالة العين.
وتقع العين في القسم الشمالي الشرقي من قرية شعاب وتبعد عن صفوى قرابة 16 كلم، وأعتقد أن عين أم عريش هي عين شعاب.
قال الجاسر عنها: أم عريش على بعد 14 ميلاً إلى الغرب من ناحية الشمال من صفوى في واحة القطيف)[286](. وهذا الوصف يطابق موقع شعاب.
15- عين دويليب
تقع في الشرق من صفوى على بعد 3 كم وسط النخيل غربي ما يعرف بمنطقة الدبية كما يقول أهل صفوى، وفي هذه الأيام تدخل عين دويليب مرحلة الكهولة المتأخرة، ومن المرجح أن تكون بعد سنين قليلة خبر بعد عين، كما هو الحال لسابقتها من العيون وليس بها الآن سوى مجرى واحد من الركن الجنوبي الشرقي من العين وتذهب مياهها إلى البحر ولا يستفاد منها في أي شيء إلا ما ندر عندما ترفع المياه بالماطور (شفاط الماء)، وتكاد تكون أنزل عين في صفوى بعد العين الجنوبية، وهذا هو سر بقائها حتى الآن على شكل مستنقع، وهي من أقدم العيون في المنطقة.
ولم أعثر على أي ذكر لها في المراجع الجغرافية وقد تكون مسجلة باسم آخر غير دويليب لأن الاسم جديد أطلقه أهل صفوى حديثاً، ومن آثار دويليب أيضاً مسجدها المعروف باسم الجبل وموقعه في الركن الجنوبي الغربي من العين، ولم أر منه غير أساساته، وأخيراً بلغني أنه أعيد بناؤه لكني لم أتأكد من ذلك بنفسي كما حدث لمسجد المويلي.
16- عين اسعيده
لم أر أي ذكر لها في المصادر التي بين يدي، وقد تكون عرفت قديماً باسم آخر، وهي تقع في الشمال الغربي من بلدة صفوى على بعد ما يعادل 30 كلم، وتقع في الجنوب الغربي من أم الجرار وعلى بعد 21 كلم، ذكر لي ذلك ناصر المسلم، وقد زرتها مع أحد أبناء أبو معن ولا يتناهى إلى ذاكرتي اسمه في الوقت الحالي، واسعيده بالتصغير كما يقول أهل صفوى.
17- عين البمبري
يسميها أهل صفوى أم البمبري، وتقع في الشمال الغربي من صفوى على بعد 25 كلم، ولم أجد لها ذكراً في المصادر العربية ولا غيرها.
18- عين الشقب
في أم الساهك يقولون السقب وفي صفوى الشقب، وتقع في الشمال الغربي من صفوى وعلى بعد 4.5 كم، وهي عين جارية حتى الآن، ويسميها دليل الخليج «شقم» ولعل الشقب هو الأصح في التسميات، وهو ماء يقع شمال بلدة صفوى بجوارها بمنطقة القطيف.
19- عين الخشكاري
في الشمال الغربي من صفوى على بعد 10 كلم، وكانت تجري حتى عام 1969م، ولا ذكر لها في المصادر الجغرافية، ولعلها العين المعروفة في وقتنا الحاضر بعين حمامة، وهي من العيون التي مازالت آثارها باقية لحد الآن.
20- عين العرضمية
في الشمال الغربي من صفوى على بعد 12 كلم تقريباً، وهي من مياه البيضاء، وقد اندثرت بعد حفر الآبار الارتوازية.
21- عين عرقوبة
يطلق عليها أهالي صفوى عين عرقوب بحذف التاء، وتقع في الشمال الغربي من صفوى وعلى مسافة تقدر بـ(28 كلم)، وإن هذه العين ما تزال تجري غير أنها ضعيفة لغاية أنها تهدد بالتوقف، وقد زرتها مع سعيد سعد القحطاني، وورد ذكرها في معجم المنطقة الشرقية باسم عرقوبة.
22- عين أبو اشميلة
على اسم الحشرة المعروفة بهذا الاسم بالتصغير، فتنطق أبو اشميلة بدلاً من أبو شملة، وتقع في الشمال من صفوى ببعد يترواح بين 9 – 9.5 كلم.
23- عين أم عريش
تقع على مسافة تتراوح بين 21 – 22 كلم في الشمال الغربي من صفوى وتعد من مياه البيضاء، ولعل الاسم جاء من وجود عريش كان مقاماً بجوارها، وهذا كثيراً ما يحدث في المناطق الزراعية التي تسقى سيحاً.
24- عين قضباء
لم أستطع تحديد موقع هذه العين، غير أني أظن أنه من الأسماء التي كانت تطلق على عين الصبيغاوي حيث إن ماءها عندما يكون حاراً يميل إلى الملوحة أكثر من باقي العيون في صفوى. وقد قال الأصمعي: إنما سميت البحرين لأنها عينان بينهما مسيرة ثلاث: إحداهما ملحم، والأخرى قضباء وهي خبيثة الماء على إحداهما هجر، والأخرى قطيف وهي الخط)[287](. إن كلمة هجر تطلق على البلدة المعروفة باسم هجر في أيامنا، بل كانت تطلق على كل تجمع سكاني مثلها مثل المضارب البدوية.
25- عين كوكب الشحم
يسميها أهل صفوى بـ (عين الجواجب) حيث يبدلون الكاف بالجيم الفارسية التي يوضع تحتها ثلاث نقاط بدلاً من الجيم العربية التي لا تكون إلا بنقطة واحدة.
وتقع هذه العين في الشمال من صفوى على بعد 12 كلم، ومياهها كانت جارية حتى 2/4/ 1988م.
26- عين العباء
في الشمال الغربي من صفوى وعلى بعد 12 كلم، وفي شمال غرب أم الساهك بـ(9 كلم)، وشمال بلدة أبو معن بـ(4 كلم)، وقد هجرها سكنتها ولم يعودوا يأتون إليها إلا في فصل الصيف، وقبل مدة لا تزيد على ثلاثين عاماً كان سكانها يقيمون بها طول أيام السنة، وتعد من أهم المناطق التاريخية، ويذكر المؤرخون: أنه في السنة 287هـ أرسل المعتضد العباس بن عمر الغنوي في جيش لمقاتلة القرامطة فقابل أبا سعيد القرمطي ودارت بينهما معركة بالسبخة المعروفة بـ«أفن»، وأفن ماء ونخل، وطول هذه السبخة سبعة أميال، فكانت الغلبة للقرمطي علي العباسي.
وحينما سألت عنها قبل عشر سنوات، وأعدت الكرة قبل منتصف عام 1997م كان الجواب نفسه الماء من العين نضب ولا يمكن رفعه إلا بالشفط، وقد كانت مياهها غزيرة وتسقي مساحات واسعة جداً، وتحظى بشهرة كبيرة جداً.
27- عين العضرومية
في الشمال الغربي من صفوى على بعد 12 كلم، وهي من العيون القديمة التي نضبت مياهها ولم يعد أحد من أبناء صفوى يعرف عنها شيئاً.
28- عين وسط الديرة القديمة
ذكر لي أحد الأشخاص أنه كان في وسط الديرة عين ماء سيح غير أنه لم يعرف اسمها، إلا أنه ذكر بيتين دخلت العين فناءهما يرجعان إلى كل من عائلة عبدالباقي الموسى والثاني إلى السيد محمد السيد حسن السادة.
خلال الزيارة التي قمت بها إلى منطقة شعاب في 7/ 2/1983م التقيت في الشرق منه ببعض العاملين بأرامكو يغلب على كلامهم أنهم من أم الساهك، ودار الحديث حول عيون الماء في تلك البرية فذكروا بعض آبار المياه وفي جملة الحديث قال أحدهم وقد عرّف عن نفسه باسم «مشبب عايض»: إنه يوجد في الشرق من اسعيد عين ماء تعود ملكيتها إلى ابن جمعة تعرف بعين الثوير- وابن جمعة هذا ليس العائلة التي حكمت القطيف بل هو من ساكني صفوى- وكان بها نخل وزروع مختلفة الأشكال. ولما استخبرته عن مصدره قال: يذكره كبار السن عندنا، ولما استقصيت في صفوى عن ابن جمعة علمت إنها من العوائل التي انقرضت.
وتقع العين على بعد 15 كلم في الشمال الغربي من صفوى، ولا أظن أنه يوجد أحد من صفوى يعرف موقعها على وجه التحديد أو التقريب حيث إن العين قد دفنت أسوة بباقي العيون في المنطقة والتي عفت عليها السنون.
أحمد مكي الغانم
ولشعراء هذه المنطقة المعاصرين شعر فيها نذكر هنا قصيدة منه وهي في الأصل ملحمة شعرية للشاعر عبد الله الجشي يؤرخ فيها للخليج منذ أبعد العصور حتى هذا العصر نأخذ منها:
الحمد لله الذي قد جلّ عنْ
وصف وقد فات العقول والفطن
ثم الصلاة للميامين الأولى
على جميع خلقه قد فضلا
والمصطفين قبل خلق آدم
بل قبل خلق كوننا والعالم
قد جاء عنهم من الإيمان
محبة الإنسان للأوطان
لذالكم عزمت برّاً بالوطن
تأليف تاريخ له جد حسن
حدودها
يحدّها من جهة الشرق الخضم
وهو لفارس نمى منذ القدم
وفي شمالها حدود البصرة
وكم لأهلها لها من هجرة
وفي جنوب غربها اليمامة
من قطر نجد موطن الإمامة
وفي الجنوب قطر الأزد
وتلك في عمان شبه الحدّ
تتبعه جزائر وسط الخضم
أهمها أوال دارين القدم
تاريخها
قد كانت البحرين مذ كان الزمن
وقبل أن تأهل نجد وعدن
كذا ذوو الآثار طراً قرروا
من بعدما قد نقبوا وفكروا
وأوردوا من بعد ذاك أنها
أصل الحضارات فكل دونها
ففي شواطيها الحياة ازدهرت
وفي شواطيها القلاع نشرت
وشرعت كنعان فيها للأمم
قانون سعى في الحياة ونظم
مرافئها
وسيطرت على البحار وامتطت
غاربها وبالتجارة احتظت
حتى اغتدت في ذاك مضرب المثل
وزادها النجاح جداً وأمل
وكان ذاك قبل أربعينا
قرناً من الهجرة أو خمسينا
بذاك قالت طبقات الأرض
على أصول العلم دون فرض
بجد نبت وبفتح المقبرة
وسط أوال والعقول النيّرة
تلك التي قد درست أثارها
ثم بذاك أصدرت قرارها
في (لندن) مدرسة الآثار
قالت بفينيقية الآثار
وقائد الاسكندر المشهور
أيد هذا القول بالحضور
من قبل ميلاد المسيح الأطهر
بأمر مولى عصره الاسكندر
(وهيرودوط) جاء في تأريخه
تأييد ذاك القول عن شيوخه
موطن املاك أهلها
موطن أملاكهم الجرعاءُ
وهي القطيف الآن والصفاءُ
وشرّفت (دارين) بالهياكل
هياكل الآلهة الأوائل
وعُطّرت بالمسك (عشتروتُ)
من مسك (دارين) وذي (تاروتُ)
وخصصت أوال بالمقابر
فكم بها للقوم من حفائر
وهاجروا لسوريا من قبل أن
يولد عيسى بقرون زدن عن
عشرين قرناً عندما قد شيدوا
صوراً وصدراً وجبيلاً أوجدوا
وتلك أسماء مرافئ السفن
في الوطن المهجور بل أسماء المدن
على الخليج
وابتدؤوا الهجرة من جرعائه
وواصلوا السير إلى أحسائه
إلى هنا ينتهي ما نظمه الأستاذ الجشي أو على الأقل المعثور عليه منها.
وقال علي بن رمضان:
يا خط يا وطن الكرام ألا اسمعي
ماذا يقول فتاك ذاك الألمعي
يا خط إنك تربة محبوبة
وهواك ملؤ حشاشتي والأضلع
يا أرض سكنى الغابرين ومن مضى
من أهل ودي أنتِ أكرم موضع
بلد قضيت به الشبيبة والصبا
ومرحت في أكنافها والأربع
بلد عليّ من المحتم مدحها
هل كيف لا وبها حماي ومرتعي
بلد يعز علي حقاً هجرها
هل كيف أهجرها وفيها مربعي
يا خط يا وطن الكرام ألا اسمعي
ماذا يقول فتاك ذاك الألمعي
كم قد شرفت بسادة وأماجدٍ
من حجة للمسلمين ومرجع
كالسيد الورع المقدّس ماجد
ذي العز والإجلال وسط المجمعِ
أو كالعليين الخنيزيين من
رفعا القطيف عن الحضيض الأوضع
نشرا المعارف والعلوم وفقها
في الدين كل فتى له قلب يعي
أو كابن معتوق التقي ومن سما
فضلاً على هام السماك الأرقعِ
ومحمد النمر الإمام الآية
العلم الطبيب الشاعر المتوسع
قد عاش منقذ أمة ومفيدها
علماً ومالاً كالربيع الممرع
والحجة الحسن العلي البدر ربّ
الفقه والشعر الهزير اللوذعي
وعلي ابن الشيخ أحمد عابد
الخبار ذاك الطيع ابن الطيع
وشقيقه السامي سليمان الحجى
ومبارك وبنيه من هم في التقى
والفضل كانوا كالنجوم اللمعِ
والشيخ أحمد نجل طوق من رقى
في ذروة العلياء أرقى موضع
والشيخ عبدالله صاحب (تحفة الأبرار)
ذي النسب الأغرّ الأنصعِ
من آل عمران الأولى سبقوا إلى
سكنى القطيف وعمروا الأربعِ
والشيخ إبراهيم من هو عند أهل
الفقه قدماً بالقطيفي قد وعي
وحسين السامي بن راشد صاحب
الكتب الحسان فقف هنا واسترجعِ
مغارات الجبل تصنع منحوتات طبيعية
وهكذا يمضي في ملحمته فينتقل إلى «أصاحب الفضيلة» ثم «الشعراء» ثم «النوابع» من قدامى أهل القطيف، ويتبعه بالحديث عن أعلام القطيف في الوقت الحاضر من علماء وشعراء وخطباء وشخصيات.
جبل القارة في الأحساء
مر الحديث عنه في بحث (الأحساء) ونعيد ذكره هنا بتفاصيل أوسع مكتوبة بقلم: محمد الجلواح:
قبل الإبحار في عالم «جبل القارة» أقدم نبذة تعريفية عن الأحساء… الأرض التي يغفو عليها هذا الجبل العجيب فاتحاً قلبه للجميع.
بداية يبرز اختلاف طفيف بين المؤرخين في معنى كلمة الأحساء التي تنطق على وزن: أجواء، وأبناء، وأنباء، وأحشاء ـ فإذا أمطرت السماء بقي الماء على الأرض الصلبة فيجده الباحث بسهولة. وفريق آخر ـ وهم قلّة ـ يقول إن الحسي معناه الينبوع. يتفق الفريقان على أن الأحساء اتخذت اسمها من أدوات الماء وعوامله وعناصره وإفرازاته وتدفق الينابيع ووفرتها من دون الحاجة إلى آلات الاستخراج، وبرهان ذلك ما تشتهر به الأحساء إلى اليوم من وجود تلك الينابيع والعيون.
والأحساء اسم يطلق في الوقت الحاضر على واحة خضراء تضم أربع مدن رئيسية معروفة هي: الهفوف ـ حاضرة الواحة ـ والمبرز والعمران، والعيون. وحوالي خمسين قرية يتمتع أغلبها بمعظم ملامح المدينة من حيث التخطيط والخدمات والكثافات السكانية.
وتقع الأحساء في الجزء الجنوبي للساحل الغربي من الخليج وعلى بعد حوالي 40 كلم من أقرب نقطة من البحر، حيث ميناء العقير التاريخي. وتبعد عن مدينة الدمام ـ حاضرة المنطقة الشرقية ـ بنحو 150 كلم شمالاً، وبنحو 340 كلم عن العاصمة الرياض شرقاً، وبنحو 150 كلم عن المركز الحدودي سلوى جنوباً باتجاه دولة قطر.
ويوجد في الأحساء التي أصبحت الآن محافظة، ضمن النطاق الإداري لإمارة المنطقة الشرقية في المملكة حوالي 50 قرية ـ كما ذكرت ـ وعدد من المعالم الأثرية والتاريخية والسياحية والأسواق الشعبية.
ومن أبرز تلك القرى: الحليلة، والجبيل، والمقدام، والشعبة والبطالية، والقرين، والكلابية، والجفر، والطرف، والقارة ـ التي يقع فيها جبل القارة الشهير ـ موضوع بحثنا هذا.
جبل القارة… فانوس للدخول فيه
يقع جبل القارة في الأحساء على بعد 14 كلم إلى الشرق من مدينة الهفوف ـ حاضرة الأحساء وسط مساحة نخيلية وزراعية خضراء وجميلة بطول نحو 2 كيلومتر، وارتفاع 680 قدماً فوق سطح البحر، وبعرض 1328 متراً تقريباً. وتشكل مساحة قاعدته حوالي 1400 هكتار، ويتكون من صخور رسوبية، ويمتاز شهرة بوجود مغارات عدة أو غيران (جمع غار) وكهوف تختلف في مساحتها وشكلها وطرق الوصول إليها، ويميل إلى الحمرة قليلاً.
ولهذا فإن جبل القارة لا يعرف النوم ولا الأبواب الموصدة، فهو مفتوح للزيارة في كل وقت، وتستقبل بلدة القارة بصفة خاصة والأحساء بصفة عامة الزوار كافة بكل رحابة صدر!
كهوف الجبل… اقتراب وديع
تأتي أهمية كهوف جبل القارة، من كونها تنعم بجو بارد في فصل الصيف، ودافئ في فصل الشتاء، كما تمتاز بخلوها من الحيوانات والحشرات على أنواعها المختلفة، وبخاصة تلك المغارات، والمغارات التي يطرقها الإنسان، وبذلك يكون جبل القارة من أكثر الجبال أماناً في العالم، ويضاف إلى ذلك، الجمال الساحر الذي تظهره الأسقف الجبلية لتلك الكهوف، إذ انها تتكوّن من قطع جبلية صغيرة وكثيرة ملتصقة بعضها ببعض بشكل يظهر وكأنها آيلة للسقوط (!) إلا أنها تبقى مشدودة وممسوكة مع مرور الأيام والأعوام مظللة كهوفها، وحارسة لطرقها.
ومن الملاحظ أن كتب التاريخ لم تتطرّق لدور جبل القارة في العصور المتقدمة، إلا ان المعلومات المتوفرة تفيد بأن قبائل عربية متنقلة سكنت سفح هذا الجبل، واستمتعت بجوه الجميل الطبيعي، واتخذت من ارتفاعه مرصداً طبيعياً لمراقبة الأعداء والغزاة، وقطّاع الطرق، ثم تكاثرت تلك القبائل واستقرت في أماكنها، واتسع نطاق عمرانها فتكوّن على أثر ذلك الاستقرار قيام القرى التي تحيط اليوم بالجبل وهي: القارة، التي تحيط بمعظم مساحة الجبل، وهي من أكبر قرى الأحساء، ومن وفد المعنى اللغوي للكلمة ـ الجبل اتخذ اسمه… كما سيأتي ـ ثم قرى التويشير، والدالوة، والتهيمية التي تحيط بأجزاء صغيرة منها الجبل، وتشرف على جزء من جهته الخلفية.
الطقس… والتسمية
يرى كثير من المؤرخين والجيولوجيين والباحثين أن سبب حالة الطقس في الداخل المعاكسة للطقس الخارجي يعود لوجود مظاهر مختلفة على طول حافات الجبل من نتاج عوامل التعرية، حيث توجد فتحات وأخاديد عميقة. وتركت تلك العوامل هنا وهناك فتحات كرؤية تنتهي بفتحات مستقيمة ودقيقة في معظم أجزاء المغارات الخارجيّة، كما أدّت تلك العوامل في أماكنها العديدة إلى تكوين مغارات طبيعية مختلفة العمق داخل الطبقة السفلى لجوانب الجبل، ويزداد عمق هذه المغارات عندما تسقط كتلة صخرية كبيرة من الطبقة العليا الأقل تآكلاً أمام الكهف فيؤدي ذلك ـ إلى جانب عمق هذه المغارات ودوران الهواء ـ إلى جعلها باردة جداً في الصيف في جوانب الكهف.
ويرى الشيخ حمد الجاسر في معجمه الجغرافي أن سبب برودة الجبل ناشئة من وقوعه أسفل الواحة حيث تتسرب مياهها الجوفية، كما أنه يتكون من صخور عظيمة تحجب حرارة الشمس عن الوصول إلى داخله، فيمر الهواء في مغاراته المظللة فيصل (أي الهواء) إلى أسفل الغيران الباردة أصلاً.
أما دفء الشتاء فيؤدي تساقط الصخور في تلك المغارات إلى توقف دوران الهواء شتاء، وقذفها (أي الحرارة) إلى داخل الكهف فينشأ الدفء… في ذلك مع دوران الهواء… داخل الكهوف.
هذا وتصل درجة الحرارة في عزّ الصيف داخل أبرد المغارات، التي يطلق عليها أبناء القارة «الفريز»، نحو ثماني درجات مئوية، بينما يسجل ارتفاع الحرارة في الخارج، في الوقت نفسه، 46 درجة أو حتى 50 درجة.
وعندما تبحث عن تاريخ تسمية هذا الجبل باسم «جبل القارة» فإن أول ما يواجهنا هو بحر اللغة. فالمعنى اللغوي لكلمة «القارة» هو الذي يقودنا إلى كنه التسمية، فالعديد من المعاجم اللغوية يبيّن أن هذه الكلمة معناها: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، وغير متصل بجبال أخرى.
جانب من سفح الجبل المطلّ على بلدة القارة
الكهوف… اقتراب أكثر
قد يكون من المدهش أن الكثير من مرتادي كهوف جبل القارة لا يعرف عنها شيئاً وذلك لوجود عدد كبير منها لا يعرفها إلا أبناء القارة أنفسهم ففي هذه المغارات كان أهالي القارة يقضون أوقاتهم وينامون. وكانت حافلة وعامرة حتى أواسط العام 1398هـ، (1978م).
ومن أهم وأبرز هذه الكهوف والغيران: «غار الناقة» الذي يحتوي على كهوف كثيرة على شكل غرف طبيعية، وهو الأبرد بالنسبة إلى الغيران الأخرى، وكانت كل مجموعة من الأصدقاء أو الأقارب يتّخِذون منها مكاناً يكون خاصاً بهم. وفي هذا الغار مكان يعرف بـ«المِعْظَمة»، لعظم برودته، كما أن فيه «الثلاجة» التي كان مرتادوها يستخدمون البطانيات المضاعفة للوقاية من البرد في داخلها، وفي داخل «الثلاجة» مكان صغير أبرد من الثلاجة، أطلق عليه أهل القارة الفريز، ولا يمكن النوم أو الجلوس فيه لأن جسم الإنسان يرتعش من البرد في داخله منذ اللحظات الأولى، وهي لا تزال موجودة، وقد لا يصدّق القراء ذلك، ولكني أقول ذلك على مسؤوليتي.. لأني عايشت ذلك، وما ذكرته واقع من دون مبالغة.
ومن غيران الجبل الأخرى غار العيد، وهو غار اتخذه كبار السن في البلدة استراحة لهم، وذلك لأن فتحاته واسعة ولا يحتاج إلى الإضاءة للدخول- إلى أغلب مغاراته – وبه أماكن واسعة وذات تنسيق هندسي طبيعي على شكل صالات مناسبة لأن تكون قاعة عرض مسرحي أو صالة فنون تشكيلية تشبه تكويناتها المسارح الرومانية، ربما كان هذا الغار مسرحاً لأحداث عسكرية ماضية، لأن أثار الرصاص لا تزال موجودة فيه ويتوسط «غار العيد» غار آخر يسمى «غار طاهر»، نسبة لاسم والدي الذي كان يعلم الصبيان القرآن الكريم فيه، كما أن هناك غيران أخرى لجبل القارة أطلق عليها أسماء من تواصلوا إليها أو اكتشفوها أو من اتخذوها مكاناً لهم، مثل: غار عزيز نسبة إلى الشيخ عبد العزيز الجزيري وغار غفور، وغار مهدي، وغار الميهوب..وغيرها..
أما الجهة الخلفية من الجبل، التي قامت بلدية الأحساء بإمدادها ببعض الخدمات فيسمونها «المغارة» وتمتاز بطرقها وغيرانها الشاهقة الباردة.
وكنا نقضي صيفنا في تلك الأيام داخل الجبل ونستمتع بطقس طبيعي غير «تكنولوجي» وذلك في الجهة الأمامية المطلة على قرية القارة.
ولهذا ترى من المألوف عودة أهل القارة وبعض القرى المجاورة في أيام الصيف من الجبل وهم على رؤوسهم بطانياتهم المستخدمة داخل الجبل فراشاً وغطاءً.
ونظراً لاختلاف حجم طرق هذه المغارات فقد يحتاج إلى من يدخلها إلى أن يمشي منحنياً، أو أن يسير على جنب، أو يمشي على ركبتيه أو يزحف على بطنه إلى جانب ضرورة وجود مصباح يدوي يستضيء به، إذ إن بعض تلك المغارات التي قد لا تتجاوز بعض مداخلها 60سم حالكة الظلمة.
ومن المعروف أن جبل القارة كان أيضاً محطة ومصيف واستراحة لكبار العائلات وأبرزها في الأحساء والمنطقة الشرقية حتى ما قبل ثلاثة عقود من الآن، بالإضافة إلى أهالي القارة، والقرى المجاورة، ولقد جاء في إحدى مقاطع قصيدة «الملحمة الشعبية الكبرى» ما يشير إلى ذلك، في قول الشاعر:
والحَطَبْ لاجا الشتا صبح مثل (مَيوَة) الصيف
والجبل في القيض نعمة، ويا حلو جوه اللطيف
لا مكيف يهدر ابراسي ويخلني عليل
ولا دفاية تخلي الغرفة مخنوقة بالليل!
جبل القارة… اليوم
قامت بلدية محافظة الأحساء بإنارة وتعبيد إحدى الجهات الخلفية للجبل المسماة بـ«المغارة» بالأسفلة وإنارتها وهي تمتاز بمغاراتها الشاهقة الارتفاع والامتدادية الطول والمسافة، ولكنها محدودة العمق، بحيث يكون الطريق إليها سهلاً ومعروفاً لدى كل زائريها عبر مغاراتها الباردة العجيبة.
كما قامت البلدية بوضع مصاعد عامة، وأخرى خاصة بالمعاقين وعدد من المقاعد وألعاب الأطفال البسيطة، ومواقف وما يحتاجه السائح من بعض الخدمات الأولية والبسيطة التي مضى عليها أكثر من عشرين عاماً، والتي لا تواكب النهضة السعودية الحالية أبداً ولا تجاري حجم وتاريخ وأهمية المنطقة وكثافة سكانها ولا مكانة الجبل نفسه.
فلا زال الجبل يحتاج إلى الكثير الكثير من الاهتمام والخدمات والمعطيات السياحية التي تجعل منه نقطة توقف بارزة في المنطقة.
وأنني إذ اهمس ذلك بصورة دافئة وحزينة ومؤلمة إلى من يعنيهم الأمر في كل القطاعات الحكومية لأدعو في الوقت نفسه كل رموز القطاع الخاص أن يغرفوا من هذا الكنز لاستثماره وتعميم الفائدة لهم وللمواطن والمقيم.
كما أدعو في الوقت نفسه كل من يقرأ هذه الحروف أن لا تفوته زيارة هذا الجبل، صيفاً أو شتاءً، والذي يعدّه الكثيرون بحق: أعجوبة ثامنة من عجائب الدنيا السبع لاعتقادهم بأنه لا زال بكراً في اكتشاف الكثير من أسراره ومكنوناته بالإضافة إلى طقسه البديع.
أ ـ إيضاحات أبيات الشعر.
لاجا: إذا جاء.
ميوه: كلمة فارسية يستخدمها الخليجيون ومعناها… فاكهة
القيض: الصيف
يهدر: من الهدير.
منظومة الخليل النحوية
في تاريخ التراث العربي اللغوي ظهرت منظومات نحوية كثيرة، توالى تأليف تلك المنظومات منذ نشأة النحو العربي، مصاحباً لتلك الفترة التي عاشها الخليل والتي بدأ فيها علم النحو يأخذ شكلاً أشبه بالعلم المتكامل والذي نضج على يد عالم النحو الأكبر سيبويه تلميذ الخليل. ولعل توالي تأليف هذه المنظومات منذ أيام الخليل إلى أيامنا هذه أيام الشاعر العماني السمائلي (أبو سرور) )[288]( لم ينقطع، واستمر هذا التوالي بطيئاً مرة وسريعاً مرة أخرى، حنا التاريخ على بعضها فظهرت واشتهرت بين الدارسين وأصبحت مضرب المثل، مثل ألفية ابن مالك وألفية ابن معط وألفية السيوطي، وجار التاريخ على بعضها وتخلى عنه فظلت حبيسة بين أحضان المخطوطات القديمة تحنو عليها الأوراق وتستأثر بها وكأن الإفلات من بين طيات هذه المخطوطات جريمة للبشرية، وقد تمثل هذا النوع من المنظومات التي لم تأخذ حظها من الظهور في المنظومة النحوية التي كتبها الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري والتي تجسدت فيها ميزات عدة منها:
1 ـ كونها أول منظومة نحوية كتبت، في تاريخ النحو العربي.
2ـ نستطيع من خلالها التأريخ لكثير من المصطلحات النحوية التي حملها تاريخ النحو العربي لنا نحن المتأخرين الحريصين على معرفة الكثير عن نشأة النحو والتأريخ له.
3 ـ معرفة كنه وطبيعية التأليف النحوي في تلك الفترة المتقدمة نسبياً في تاريخ هذا العلم.
4 ـ تحمل لنا ريادة مدرسة البصرة وسبقها للمدرسة الكوفية المتأخرة عنها، وتوضح كيف أن البصرة لها اليد الطولى والنصيب الأوفى في تأصيل هذا العلم وبناء منهج متكامل له.
وهناك ميزات أخرى ستحملها الدراسة الفنية لهذه القصيدة من خلال الدراسة التي أقوم بها لهذه القصيدة. فالموقف هنا ليس موقف الكلام عن ميزات هذه القصيدة، لأننا ـ فقط – سنقوم بالتعريف بها وتحقيق نسبتها إلى الخليل.
أما النوع الثالث من المنظومات النحوية فهو الذي كتب وضاع أو احترق ولم يعرف إلاّ عنوانه، فقد امتلأت كتب التراجم والتاريخ بهذا النوع والإشارة إليه دون معرفة أين هو؟ أو ذلك النوع الذي ما زال في الطريق إلى الظهور ومثل هذا ما يفعله الشاعر (أبو سرور) فقد ألف منظومته النحوية (ألفية أبي سرور النحوية ) ولم يقدمها حتى الآن نظراً لأنه سيقوم بشرحها اولاً ثم يقدمها للقارىء فيما بعد.
أولاً: وصف محام لمنظومة الخليل
جاءت منظومة الخليل النحوية في 293 بيتاً من النظم الذي اقترب من الشعر في لغته الرقيقة. وصاغها الخليل على وزن عروضي يسمى “بحر الكامل التام” الصحيح العروض والضرب وتفعيلات هذا الوزن تأتي على الصورة التالية:
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ضمت الكثير من أبواب النحو العربي وتركت القليل منها، جاءت مقدمتها التي وصلت إلى 26 بيتا تمهيداً للقارىء وتوطئة نفسية له بدلاً من الدخول إلى النحو مباشرة. يقول في أولها:
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
حمدًا يكون مبلغي رضوانه
وبه أصير إلى النجاة وأقرب
وعلى النبي محمد من ربه
صلواته وسلام ربي الأطيب
إني نظمت قصيدة حبرتها
فيها كلام مؤنّق وتأدب
لذوي المروءة والعقول ولم أكن
إلا إلى أمثالهم أتقرب
عربية لا عيب في أبياتها
مثل القناة أقيم فيها الأكعب
تزهو بها الفصحا عند نشيدها
عجباً ويطوق عندها المتأدب
إلى أن وصل إلى نهاية المقدمة وبداية الموضوع النحوي الأول قائلاً:
فإذا نطقت فلا تكن لحّانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
النحو رفع في الكلام وبعضه
خفض وبعض في التكلم ينصب
إلى أن وصل الخليل إلى نهاية القصيدة فقال:
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاقصد إذا ما عمّت في آذيه
فالقصد أبلغ في الأمور وأذرب
فاستغن أنت ببعضه عن بعضه
وصن الذي علمت لا يتشعب
وبين المقدمة والنهاية عالج أموراً نحوية كثيرة بأسلوب يتسم بالسهولة والابتعاد عن التعقيد جاء متسقاً مع سهولة عرض القضايا النحوية فكأنه رجل عصري يعيش معنا الآن بأسلوبه الذي يصل إلى متلقيه سريعاً وابتعاده عن الجدل النحوي.
ثانياً: نسخ المخطوطة
من خلال البحث والتنقيب بين صفحات المخطوطات المختلفة وخاصة المجاميع منها. استطعت العثور على عشر نسخ مخطوطة من قصيدة الخليل بن أحمد في النحو، كتبت كلها بخطوط مخالفة، من هذه النسخ ثماني نسخ كانت ضمن مجاميع ضمّتها مكتبة دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. هذه النسخ هي:
1 ـ نسخة رقم 2988 ورمز لها بالرهز (أ).
2 ـ نسخة رقم 3122 ورمز لها بالرهز (ب).
3 ـ نسخة رقم 3072 ورمز لها بالرمز (ج).
4 ـ نسخة رقم 3371 ورمز لها بالرمز (د).
5 ـ نسخة رقم 3245 ورمز لها بالرمز (هـ).
6 ـ نسخة رقم 1974 ورمز لها بالرمز (و).
7 ـ نسخة رقم 2318 ورمز لها بالرمز (ز).
8 ـ نسخة رقم 3058 ورمز لها بالرمز (ح).
والنسختان الأخرىان وجدتا في مكتبتين خاصتين، هاتان النسختان هما:
9 ـ نسخة رقم 434 (نحو) بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب = عمان ورمّز لها بالرمز (ط ).
10 ـ نسخة بمكتبة الفاضل سالم بن أحمد بن سليمان الحارثي في ولاية القابل بسلطنة عمان ورمز لها بالرمز(ي).
وقال الخليل بن أحمد:
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
حمداً يكون مبلغي رضوانه
وبه أصير إلى النجاة وأقرب
وعلى النبي محمد من ربه
صلواته وسلام ربي الأطيب
إني نظمت قصيدة حبرتها
فيها كلام مؤنّق وتأدب
لذوي المروءة والعقول ولم أكن
إلا إلى أمثالهم أتقرب
عربية لا عيب في أبياتها
مثل القناة أقيم فيها الأكعب
تزهو بها الفصحا عند نشيدها
عجباً ويطرق عندها المتأدب
وعلامة المتأدبين منيرة
لا مثل من لم يكتنفه مؤدب
يا من يعيب على الفصاحة أهلها
إن التتابع في الفهاهة أعيب
إن الفصاحة غير شك فاعلمن
مما يزيدك حظوة ويقرب
والناس أعداء لما لم يعلموا
فتراهم من كل فج يجلب
يتغامزون إذا نطقت لديهم
وتكاد لولا دفع ربك تحصب
يتعجبون من الصواب ركاكة
وخطاهم في لفظهم هو أعجب
الصفحة الأولى من النسخة (أ):
ثالثاً: تحقيق نسبة هذه المنظوهة إلى الخليل
من المؤكد أن هذه المنظومة النحوية لم تأخذ حقها في الظهور ولم تشتهر عل الساحة النحوية شهرة غيرها من المنظومات النحوية الأخرى التي جاءت بعدها في عصور تالية، ولعل ذلك يثير بعض التساؤلات عن أسباب خفاء هذه المنظومة حتى هذا الوقت المتأخر في حقل الدراسات النحوية واللغوية. هل تخوف الدارسون من فكرة نسبتها للخليل؟ وهو من هو في حقل الدراسات النحوية واللغوية؟ هل ظلّت طول كل هذا الزمن مغمورة لا يعرف من أمرها شيء؟ ولم تصل إليها أيدي الدارسين فظلت في خدرها لم يقترب منها أحد أم هل عزف عنها الدارسون لأسباب فنية أخرى؟
لا شك أن البحث والتنقيب داخل المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصة أو العامة، وعدم تمكن عناوين هذه المخطوطات من خداع القارىء المثابر الذي يتوقع أن يجد عنواناً مخالفاً للمضمون أو مضموناً مخالفاً للعنوان، أو يجد مجموعاً به عدة مخطوطات وضع له عنوان لمخطوطة واحدة من هذا المجموع، أقول لا شك إن كل هذا يمكن أن يكشف النقاب عن الكثير من المفاجآت سلباً أو إيجاباً لو كانت محاولات الكشف جادة تتسم بالصبر والدأب.
ولعل تلك المثابرة هي التي كشفت النقاب عن هذه المنظومة المنسوبة إلى الخليل. فقد وجدت عشر نسخ مخطوطة لها. كل هذه النسخ ضمن مجاميع مخطوطة، سواء بالمكتبات الخاصة أو العامة وربما كان هذا مدخلاً مهماً للإجابة عن السؤال: لماذا لم تكتشف منظومة الخليل النحوية من قبل؟
فلقد كانت نسخ هذه المنظومة مطمورة ضمن مجاميع مخطوطة. هذه المجاميع احتوت في معظمها على نصوص مهمة، بعضها أأأأشعار للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والشافعي والبوصيري، وبعضها نحوي لقدامى النحاة وبعضها منظومات نحوية أو نصوص لغوية كمثلثات قطرب أو اللخمي… إلخ ومن الواضح الاهتمام بأمر هذه المجاميع من قبل أصحابها، والعناية بنسخها عن طريق نساخ متخصصين، وبل ومراجعتها أحياناً على نسخ أصلية أقدم للوصول إلى نص صحيح. والملاحظ أنني لم أجد نسخة واحدة في مخطوطة مستقلة من نص المنظومة، على الرغم من الاهتمام بأمر الخليل بن أحمد وأعماله بشكل لافت للنظر. ويبدو أن ذلك كان سبباً قوياً في عدم الكشف عنها أو الاهتمام بأمرها حتى الآن وربما كان السبب استصغاراً لحجمها بالقياس للمنظومات النحوية الأخرى التي تصل إلى ألف بيت أو يزيد، وربما كان السبب الشك في صحة نسبتها إلى الخليل بن أحمد، إذ كيف تكون هذه المنظومة كتبت في القرن الثاني الهجري ولم تظهر للنور حتى الآن؟
كل هذا دار في خلدي وأنا بين الإقبال مرة والإحجام مرات على تحقيقها إلى أن عثرت على نص لخلف الأحمر)[289]( الذي كان معاصراً للخليل، وكانت وفاته بعد وفاة الخليل بعشر سنوات تقريباً. هذا النص يشير إلى تلك المنظومة النحوية للخليل، بل وينقل بيتين من تلك المنظومة مستشهداً بهما على قضية نحوية نراها في نص خلف الأحمر الذي يقول فيه تحت عنوان «باب حروف النسق» يقول خلف الأحمر عن هذه الحروف في كتابه «مقدمة في النحو»)[290](.
فنسق بها، فإذا أتيت برفع ثم نسقت بشيء من حروف التنسيق رددت على الأول «أي عطفت على الأول» وكذلك إذا نصبت وخفضت ثم أتيت بحروف النسق رددت على الأول. وحروف النسق خمسة. وتسمى حروف العطف. وقد ذكرها الخليل بن أحمد في قصيدته في النحو، وهي قول الشاعر:
فانسق وصل بالواو قولك كله
وبلا وثم وأو، فليست تصعب
الفاء ناسقة كذلك عندنا
وسبيلها رحب المذاهب مشعب
وهذان البيتان يحملان رقمي 157، 158 من منظومة الخليل النحوية، وإن كانت كلمة القافية في البيت الأول جاءت على أشكال متنوعة فمرة «تعقب» ويكون القصد منها أن (أو) ليست للتعقيب مثل ثم الواقعة قبلها مباشرة، ومرة جاءت «تعصب» وجاء التركيب «ولست تعصب» أي لست متشدداً عند استخدام حروف العطف هذه، ومرة جاءت «ولست تغضب» من الغضب… إلخ.
وهذه كلها أشكال متغايرة جاءت باختلاف النسخ وكلها جاءت في شكل اختلافات يسيرة لا تمثل خللاً في صلب القضية موطن الحديث، وفي نهاية الأمر قد تأكد وجود البيتين في منظومة الخليل التي أشار اليها خلف الأحمر، بل وجاءت تحت عنوان «باب النسق» في قصيدة الخليل الذي قال تحت هذا الباب مباشرة:
وإذا نسقت اسما على اسم قبله
أعطيته إعراب ما هو معرب
وانسق وقل بالوار…
والفاء ناسقة…
فتقول حدثنا هشام وغيره
ما قال عوف أو حسين الكاتب
واستمر الخليل في التمثيل لحروف العطف رفعاً ونصباً وجراً حتى البيت رقم 162 من المنظومة.
لعل تساؤلاً ملحاً يطرح نفسه بقوة أمامنا الآن، هذا التساؤل مفاده هو: كيف نعتمد على أقوال وأخبار خلف الأحمر وقد كثر اتهام المؤرخين له بالانتحال والوضع ونقل الأخبار غير الموثوق بصحتها؟ ألا يمكن أن يكون ذكر خلف الأحمر لهذه المنظومة النحوية ونسبتها للخليل على لسانه مثاراً للشك في تلك النسبة؟ حيث يتّهم في أخباره وأشعاره ونسبتها إلى أصحابها.
وللإجابة على هذا أنه يمكن أن يكون لهذا السؤال وجاهته ومجاله لو أن الأمر كان متعلقاً بأبيات أو بقصيدة لها غرض آخر، مثل المدح أو الذم أو ذكر يوم من أيام العرب أو ذكر مثالب قبيلة ما أو إثبات نسبة ما لبعض الأشخاص أو غير ذلك من الأشياء التي يمكن أن تكون مثاراً للوضع والانتحال، إن ثبت ذلك عن خلف الأحمر، أما وأن الأمر متعلق بقصيدة نحوية ليس الغرض منها اجتماعياً أو سياسياً أو مدحاً أو ذماً، فإن أمر الشك لا مجال له هنا والسؤال القابل الذي يطرح نفسه في وجه هذا الشك هو لماذا يتخيل أحد أسبابا غير حقيقية لخلف الأحمر كانت عاملاً على نسبة هذه القصيدة للخليل بن أحمد؟ وأي أسباب هذه تلك التي تجعل خلف الأحمر حريصاً على نسبة هذه القصيدة للخليل غير الحقيقة في وجود هذه النسبة؟
وإذا كان هناك من يشك في رواية خلف الأحمر للإشعار فإن هناك أيضاً من يثبت له الثقة والنزاهة يقول صلاح الدين الصفدي عن خلف)[291]( مكن راوية ثقة علامة يسلك الأصمعي طريقه ويحذو حذوه حتى قيل؛ هو معلم الأصمعي، وهو والأصمعي فتقا المعاني وأوضحا المذاهب وبينا المعالم، بل أن الزركلي ينقل قول معمر بن المثنى إن خلف الأحمر معلم الأصمعي ومعلم أهل البصرة)[292]( ولا شك أن كل هذه شهادات علمية جيدة في حق خلف واذا كان خلف ينتحل الشعر على بعض العرب فربما كان ذلك في بداية حياته وكان يقلّد القدماء ليحاكي ألفاظهم، يقول الصفدي)[293](… «ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء وينحلها أعيان الشعراء والخليل بن أحمد كان معاصراً له فقد توفي خلف عام 180هـ 796م ـ تقريباً ـ على حد تعبير الزركلي في الإعلام )[294]( بالإضافة إلى أن ألفاظ القصيدة لا تشابه ألفاظ القدماء فقد عبرت عن الخليل خير تعبير وتساوقت مع أشعاره الأخرى في ألفاظها ومعانيها.
أما انتحال خلف الشعر الذي أشار إليه المؤرخون، فربما قد تم لفترة محدودة في مقتبل حياته. أقلع عن ذلك وتنسّك وأعلن عن كل شيء انتحله ولنقرأ هذا النص المنقول عن ابي الطيب اللغوي)[295]( حيث يقول: «كان خلف الأحمر يصنع الشعر وينسبه إلى العرب فلم يعرف ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك العظماء مالاً عظيماً على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه فأبى ذلك وقال: قد مضى لي فيه ما لا أحتاج أن أزيد عليه وكان قد قرأ أهل الكوفة عليه أشعارهم فكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، فما نسك خرج إلى أهل الكوفة يعرفهم الأشعار التي أدخلها في أشعار الناس».
إن تنسّكه وختمه القرآن كل يوم وليلة ورفضه لعرض بعض الملوك وإصراره على إخبار الناس بما انتحله لتوبة صادقة وصارت بعد ذلك حياته أقرب إلى الثقة منه إلى الانتحال، ولهذا يبقى ما ورد في كتابه «مقدمة في النحو» عن نسبة المنظومة النحوية إلى الخليل بن أحمد يقيناً لا يرقى إليه شك إذ لو كانت القصيدة ليست للخليل لكان أعلن ذلك للناس أو حذفها من كتابه، لأنه كان يشير إلى المنحول المسموع فما بالنا بالمكتوب لديه، ولا أظن أن كتابه قد اشتهر وخرج إلى الناس في حياته، ولو كان ذلك قد تم لكان قد أعلن انتحال هذه القصيدة أيضاً على الخليل، أن الانتحال في رأيي لا يكون في نسبة قصيدة نحوية لصاحبها ولا أظن أن في الأمر شيئاً آخر غير الحقيقة في هذه النسبة.
ولعل فيما يلي ـ إضافة إلى قول خلف الأحمر ـ لدليلاً على صحة نسبة المنظومة للخليل.
1 ـ وجود عشر نسخ من نص المنظومة المنسوبة للخليل، بخطوط لنساخ مختلفين بعضها في دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة الثقافة والتراث القومي بسلطنة عمان، وبعضها في مكتبات خاصة مثل نسخة السيد محمد أحمد البوسعيدي ونسخة مكتبة الفاضل سالم بن حمد بن سليمان الحارثي بالمضيرب بشرقية عمان.
2 ـ نسبت القصيدة في النسخ السابقة إلى الخليل بن أحمد، باستثناء النسخة (ب) التي لم يذكر ناسخها نسبتها إلى أحد، والملاحظ أيضاً أن قصيدة الخليل في النسخة (ب) لم تنسب لغير الخليل، فربما سقط من الناسخ ذكر مؤلفها نسياناً وعلى هذا يلاحظ أن أحداً لم ينسبها لغير الخليل بن أحمد ولم يشك أحد من النساخ في تلك النسبة. وما ورد في نهاية النسخة (أ) من نص منظومة الخليل لا يعد من هذا القبيل. يقول الناسخ في نهاية منظمومة الخليل: «تمّت قصيدة الخليل بن أحمد العروضي رحمة الله عليه وعلى جميع المسلمين والمسلمات آمين وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلّم تسليماً، تم معروضاً على حسب الطاقة والإمكان والله أعلم بصحته»، فقد كان الناسخ أميناً مع نفسه وكان حريصاً في مجموعه الذي ضمّ منظومة الخليل أن يقول تلك العبارة أو قريباً منها حتى تبرأ ذمته، بل ذكر صراحة في مرة من المرات أن مخطوطه الذي نسخه عرض على نسخة من بعض النسخ» وهذا يظهر أمانته التي اقتضت منه تلك العبارة «والله أعلم بصحته» إذ لو كان يشك في تلك النسبة ما كان قد نسب المنظومة إلى الخليل بن أحمد صراحة في أولها، والقصد أن الله أعلم بصحة النص المقدم الذي نسخه.
3 ـ لم أجد أحداً من النساخ أو من غير النسّاخ يشك في صحة نسبة هذه المنظومة إلى الخليل بن أحمد إلا ما ورد على لسان الدكتور إبراهيم السامرائي عندما كان يتكلم عن المصطلحات النحوية في كتابه «المدارس النحوية» وتوقف أمام مصطلح النسق. نجده يقول)[296](: «النسق من مصطلحات الخليل، فقد جاء في «مقدمة في النحو»)[297]( أن للخليل قصيدة في النحو، جاء فيها بيتان يتحدث فيهما عن النسق وحروفه، مستعملاً كلمة النسق، وهما:
فانسق وصل بالوار قولك كله
وبلا وثم واو فليست تعقب)[298](
الفاء ناسقة كذلك عندنا
وسبلها)[299]( رحب المذاهب مشعب
وإذا صحّت هذه الأبيات، ولا أراها تصح، فالذي يعنينا أن النسق قديم، وقد التزم به الكوفيون كما استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق.
ولست أدري بالمقصود بصحة هذه الأبيات عند الدكتور السامرائي؟ هل يكون المقصود بصحة الأبيات صحة دلالتها على القضية المستشهد لها؟ أم يكون المقصود صحة نسبة هذه الأبيات على سبيل حذف المضاف من كلام الدكتور السامرائي، مع ملاحظة أنه كان من الأفضل ألاّ يترك هذا الأمر غامضاً بحذف المضاف لما يترتب عليه من أحكام.
وبتأمل كلام الدكتور السامرائي نقول: لو كان المقصود بالكلام دلالته وصحته لكان هو المسؤول عن ذلك، لأنه نقل الكلام خطأ من كتاب خلف الأحمر فأدى ذلك إلى الإخلال بموسيقى البيت الثاني، وعدم انسجام المعنى في البيت الأول (تقعب)، ولو كان القصد عدم صحة نسبة الأبيات إلى الخليل فلم يقدم لنا دليلاً على شكله، فما أسهل أن ينفي الإنسان شيئاً دون تعليل، علاوة على أنه استشهد بالأبيات على قضية استخدام البصريين ـ ومنهم الخليل ـ لكلمة النسق قائلاً: «استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق» وفي هذا اعتراف له بأنها قصيدة الخليل وكأن كل همّه كان في إثبات وجود مصطلح النسق عند البصريين. ويبدو أن الدكتور السامرائي لم يشأ أن يتعب نفسه في التأكد من استخدام الخليل لهذا المصطلح. ولو توجه إلى كتاب الجمل الذي حققه الدكتور فخر الدين قباوة، والذي نسب إلى الخليل لكان قد وجد هذا المصطلح يتردد كثيراً على لسان الخليل في كتابه «الجمل»)[300](.
4 ـ لعل تعليق الأستاذ «عز الدين التنوخي» الذي حقق كتاب خلف الأحمر «مقدمة في النحو» يحمل دلالة خاصة على ما نحن فيه. فعندما أشار خلف الأحمر إلى حروف العطف قال: «وقد ذكرها الخليل بن أحمد في قصيدته في النحو، وهي قول الشاعر… إلخ» حينئذٍ يعلق عزالدين التنوخي على «قول الشاعر» قائلاً)[301](: «وصواب التعبير أن يقال (وهي قوله) لعودة التعبير على متقدم ولعله أراد أن يشير إلى أن الخليل كان شاعراً، وكان بالفعل شاعراً، والنحاة لا يذكرون ان له قصيدة في النحو، وإن كانت كتب المصنفين، لا تذكر بأجمعها في إثبات مصنفاتهم، فعلى هذا تكون هذه القصيدة ـ إن صحّت نسبتها ـ هي من جملة ما ضاع من كتب الخليل».
هذا النص – على قصره يكشف عما يلي:
(أ) إن كتب المصنفين لا تذكر بأجمعها في إثبات مصنفاتهم، وعلى هذا فلا غرابة أن يكون للخليل تلك القصيدة النحوية دون أن تذكرها الكتب، وبالتالي دون نسبتها إليه.
(ب) ضياع جزء كبير من مؤلفات الخليل، وهذا واضح أيضاً من خلال كتب التراجم والسير ومعاجم المؤلفين، وبهذا يمكن أن تكون تلك القصيدة النحوية قد طمرت حبيسة المجاميع اللغوية وغير اللغوية حتى كشف عنها الستار.
(ج) تكشف هذه القصيدة عن شاعرية الخليل بن أحمد العميقة بأمثلتها الغزلية ومعانيها الرقيقة وابتعادها عن الأسلوب الجاف الذي يحكم المنظومات النحوية غالباً مما يجعلنا نميل إلى تسميتها «قصيدة» لا «منظومة» ولعل هذا ما جعلها مطمورة ضمن أعمال الخليل الشعرية دون اهتمام من النحاة بها حيث أنها دالة على شاعريته لا على كونه ناظماً أو قائلاً منظومة نحوية.
(هـ) من الأدلة الواردة التي تثبت صحة نسبة هذه القصيدة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي ما قاله صاحب كتاب «إتحاف الأعيان”)[302]( من إن للخليل عدّة أشعار منها البيتان والثلاثة ومنها أكثر من ذلك، ثم قال: «ومن نظمه قصيدة في النحو أولها:
الحمد لله الحميد بمنّه
أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب
حمداً يكون مبلغي رضوانه
وبه أصير إلى النجاة وأقرب
واستمر المؤلف في ذكر قصيدة الخليل حتى البيت رقم 26 الذي يقول فيه الخليل:
فإذا نطقت فلا تكن لحانة
فيظل يسخر من كلامك معرب
ثم قال بعد هذا البيت مباشرة)[303]( عن قصيدة الخليل النحوية:
وهي أطول من هذا يقول في آخرها:
النحو بحر ليس يدرك قعره
وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاستغن أنت ببعضه عن بعضه
وصن الذي علمت لا يتشعب
واستمر في ذكر ما جاء عن الخليل، من أشعار أخرى مثل قوله:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى
إذ رحل الجيران عند الغروب
اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا
ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرة
تفتر مثل أقاحي الغروب
ولعل ذكر منظومة الخليل النحوية ضمن أشعاره في المؤلفات المختلفة لدليل على ما سبق وقلناه من أن ذلك كان سبباً في عدم ظهور وكشف هذه المنظومة الشعرية للخليل، وأيضاً فإن النص الوارد في كتاب «إتحاف الأعيان» لدليل على صحة نسبة هذه القصيدة للخليل بن أحمد دون شك في تلك النسبة.
رابعاً: الخليل وقطرب
لقد ذكر الخليل في منظومته النحوية (قطرباً))[304]( النحوي لا على سبيل التمثيل، بل ان ذكره تجاوز ذلك فقد ذكر الخليل رأياً لقطرب في باب «التاء الأصلية وغير الأصلية» أي ما آخره ألف وتاء دالاً على الجمع حيث يشير الخليل إلى أنه إذا كانت التاء زائدة فإنها تنصب بالخفض (بالكسرة) وهو المعروف لدينا جميعاً بجمع المؤنث السالم مثل: عمّات جمع عمّة. أما إذا كانت التاء زائدة فإن نصبها يكون بالفتحة وقد عبر الخليل عن الأولى بقوله: «فخفض نصبها» في قوله)[305](:
والتاء إن زادت فخفض نصبها
ما عن طريق الخفض عنها مهرب
فتقول إن بنات عمك خرد
بيض الوجوه، كأنهن الربرب
أما الثانية – وهي التاء الزائدة ـ فقد عبر عنها بالنصب فقط مشيراً إلى أن «قطرباً» ـ كذلك – ينصبها يقول الخليل)[306](:
ودخلت أبيات الكرام فأكرموا
زروي وبشوا في الحديث وقربوا
وسمعت أصواتاً فجئت مبادراً
والقوم قد شهروا السيوف وأجلبوا
فنصبت لما أن أتت أصلية
وكذاك ينصبها أخونا قطرب
ويمكن أن يكون الأمر لا إشكال فيه لو أنه ذكر «قطرباً» في تمثيل لقاعدة ما، أما وأن الأمر هو نسبة رأي إليه فإن الإشكال واقع من هذه الزاوية. وهنا تثور في الذهن أسئلة كثيرة، إذ كيف يذكر الخليل (قطرباً) وهو ـ أي قطرب ـ لم يتتلمذ على يديه؟ بل أنه تتلمذ على يد أحد تلاميذ الخليل وهو سيبويه، ألا يمكن أن يكون ذكر الخليل لقطرب مدعاة لأن نشك في نسبة هذه القصيدة للخليل وأنها منحولة عليه، فلم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ أية علاقة بين الخليل وقطرب، إضافة إلى ذلك أن الخليل مات قبل موت قطرب بإحدى وثلاثين سنة، هذا على شهرة تلك الرواية التي تذكر أن وفاة الخليل كانت عام 175هـ)[307]( ـ ووفاة قطرب كانت عام 206هـ)[308]( ـ فكيف يذكر الخليل «قطرباً» مع وجود هذا الفارق الزمني بينهما ـ ويظل يقين نسبة القصيدة إلى الخليل قائماً، وهذا موطن التشكك الذي يهدم فكرة أن تكون هذه القصيدة من عمل الخليل.
ساورتني شكوك كثيرة، وأنا في بادىء أمر تحقيق نسبة هذه القصيدة عندما كنت أعيد قراءة هذا البيت وأسترجع تواريخ الوفاة بشكل خاص لكل من الخليل وقطرب وتلاميذ الخليل، لكن تأمل هذه التواريخ جيداً والاطلاع على طبيعة الحياة في البصرة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى عوامل أخرى، منها أمور نصية، كل هذا هو الذي فك طلاسم المشكلة وأضاء الطريق، بل وأضاف إلي كثيراً من الراحة لتحقيق نسبة هذه القصيدة إلى الخليل، ولنتتبع مراحل هذا التحقيق فيما يلي:
يشير صاحب كتاب الأعلام، إلى أن وفاة قطرب كانت سنة 206 هـ ـ 821م)[309]( على الرأي الأشهر، وكتب التراجم لم تشر إلى أنه تتلمذ على يد الخليل بن أحمد، لكنها تشير إلى أنه تتلمذ على يد سيبويه، وسيبويه تتلمذ على يد الخليل، والخليل توفي عام 175 هـ ـ كما أوردنا سلفاً ـ وإذا كان الأمر كذلك فلا لقاء متخيلاً بين الخليل وقطرب، بل ليست هناك علاقة علمية مباشرة بينهما متخيلة أو مجسدة، والحقيقة أن المتأمل في حياة تلاميذ الخليل يمكن أن يستنبط أشياء مهمة تغير مجرى التخيل أو التصور الذي يطرأ على الذهن من أول وهلة.
إن كتب التراجم تشير إلى أن النضر بن شميل بن مالك بن عمرو التميمي النحوي البصري الثقة كان من تلاميذ الخليل)[310](، بل أن بعض الكتب تشير إلى أنه كان من أصحاب الخليل)[311]( أما عن وفاته فيقول ابن خلكان)[312]( عنه: «وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين وقيل في أولها وقيل سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان» والنظر القريب والمقارنة يؤكدان ذلك التقارب الشديد بين وفاة قطرب (206/هـ) ووفاة النضر بين شميل (204هـ) أي ليس بينهما سوى عامين فقط بالنسبة لتاريخ الوفاة. ولم تذكر كتب التراجم عن الأول أاأأأأأأنهأنه تتلمذ أو قابل الخليل، والثاني ذكر عنه أنه تتلمذ على يد الخليل وكان صديقاً له. والسؤال الذي يواجهنا بشدة هو هل يمكن أن يكون العامان فرقاً زمنياً كبيراً إلى هذا الحد الذي يجعل النضر بن شميل تلميذاً للخليل وصديقاً له، ويجعل قطرباً بعيداً عن الخليل فلا صداقة ولا ذكر ولا معرفة إطلاقاً؟ أعتقد أن العامين ليس لهما هذا التأثير الكبير، وإنما لا بد من وجود شيء ما جعل المؤرخين يقفون من قطرب موقفاً سلبياً بصمتهم عن تلك العلاقة بين الخليل وقطرب وخاصة إذا تأملنا ما يلي:
(أ) امتلأت كتب التراجم والتاريخ عن أن سيبويه قد تتلمذ على يد الخليل وأن الأول كان أنجب تلاميذه على الإطلاق وعلى ما تذكره كتب التراجم توفي سيبويه عام 161 هـ أو 177 هـ)[313](…إلخ.. وقيل غير ذلك. أي كانت وفاته قبل الخليل (وهو مستبعد) أو بعد الخليل بزمن يسير (وهو الاقرب إلى المنطق) وذكرت الكتب أيضاً أن قطرباً كان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من تلاميذه فقال له: «ما أنت إلا قطرب ليل فبقى عليه هذا اللقب»)[314](.
واستمرار قطرب في التبكير إلى سيبويه يحتاج إلى زمن ليس بالقليل حتى يشعر به سيبويه ويطلق عليه هذا اللقب، وهذا يدل أيضاً على حرص قطرب على تحصيل العلم منذ صغر سنه إذا أضفنا إلى ذلك وجود قطرب في بصرة الخليل حيث كان الخليل ملء العين والسمع فلنا أن نتخيل سعي قطرب للأخذ من علم الخليل وأن الخليل كان عالماً به عارفاً إياه، وأن ذكر الخليل لقطرب ليس مستغرباً.
(ب) والخليل نفسه ذكر سيبويه في نص من نصوصه التي نسبت إليه محققة، فقد ورد في كتاب الجمل في النحو)[315]( تصنيف الخليل بن أحمد الفراهيدي في باب جمل الواوات عندما كان الخليل يتكلم عن واو الإقحام وذكر قول الله تعالى)[316](: ﴿إنَّ الّذينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبيلِ اللهِ﴾ وأن معناه: يصدون، والواو فيه إقحام. قال الخليل: «ومثله قول الله عز وجل)[317](: ﴿فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ(103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يا إبْرَاهِيمَ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيَا﴾ معناه: ناديناه والواو حشو على ما ذكر سيبويه النحوي» هكذا ذكر الخليل تلميذه سيبويه)[318]( ونسب رأياً له ولا ضير في أن يذكر الأستاذ تلميذه، ولهذا فذكر الخليل لقطرب لا يدعو إلى الدهشة إذا تأكد لنا حرص قطرب على العلم والتبكير إليه وشغفه به فليس من المعقول أن يعيش بالبصرة في تلك الفترة ولا يقابل الخليل أو لا يأخذ منه شفاهة ولهذا نجد ابن خلكان يقول عن قطرب إنه «أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين»)[319]( ترى من هم هؤلاء العلماء؟ لا ندري!! وأيضاً لا ندري لم سر هذا التجاهل لتلك العلاقة العلمية المنطقية، وإذا كان ابو محمد اليزيدي بن المغيرة العدوي قد توفي متزامناً مع قطرب كما يذكر ابن خلكان سنة 202 هـ)[320]( ولكنه «أخذ عن الخليل من اللغة أمراً عظيماً وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له»)[321](، أقول إذا كان «اليزيدي» تتلمذ على يد الخليل وأخذ عنه من اللغة أمراً عظيماً، بل عاش معه فترة اكتشافه لعلم العروض، وكانت وفاته متزامنة مع قطرب. أفلا يكون الأمر مثيراً أن تجاهلت كتب التراجم شأن تلك العلاقة.
(جـ) من الملاحظ أن قطرباً قد اهتم ببعض الموضوعات التي اهتم بها الخليل فتذكر الكتب)[322]( أن له كتاب القوافي وكتاب العلل في النحو والخليل كان من أوائل النحاة الذين اهتموا بالعلة إن لم يكن أولهم على الإطلاق. يقول أبو القاسم الزجاجي)[323](: «وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد، سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام وقد صحّت عنده حكمة بانيها…» وعلّق الزجاجي في نهاية نص الخليل قائلاً: «وهذا كلام مستقيم وانصاف من الخليل رحمة الله عليه».
وإذا كان ـ على ما يبدو من الخبر السابق ـ أن الخليل أول من تحدث عن العلة، وقطرب أول من ألّف عنها كتاباً مستقلاً. ألا يمكن أن يكون هذا تأثيراً مباشراً من أستاذه الخليل؟ ومثل هذا ايضاً يقال عن علم القوافي الذي كان أول من تحدث عنه وكان قطرب من أوائل ـ إن لم يكن أول ـ من ألّف كتاباً عنه ألا يكون الأمر منطقياً عندما نقول إنه تأثير من الخليل مباشر على قطرب؟
ونضيف إلى ما سبق كثرة مؤلفات قطرب إلى حد لافت للنظر ويمكن أن تؤدي هذه الكثرة إلى التأكيد على وجود سر ما في تجاهل كتب التراجم لعرض حياة قطرب تفصيلاً، فقطرب «له من التصانيف كتاب معاني القرآن وكتاب الاشتقاق وكتاب القوافي وكتاب النوادر وكتاب الأزمنة وكتاب الفرق وكتاب الأصوات وكتاب الصفات وكتاب العلل في النحو وكتاب الأضداد وكتاب خلق الفرس، وكتاب خلق الإنسان وكتاب غريب الحديث وكتاب الهمز، وفعل وأفعل والرد على الملحدين في تشابه القرآن وغير ذلك»)[324](.
ولعل فيما مضى أدلّة على عدم الغرابة في أن يذكر الخليل قطرباً وينسب رأياً ما له مما يؤدي ـ في نهاية الأمر إلى القول بأن ذكر قطرب في المنظومة النحوية للخليل لا يمثل مشكلة ما في نسبتها إليه أو التشكك في تلك النسبة.
أحمد عفيفي
من لا يحضره الفقيه (كتاب)
تأليف: الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ.
ترجمه النجاشي بقوله: «محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي. أبو جعفر، نزيل الريّ شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع من شيوخ الطائفة وهو حدث السن، وله كتب كثيرة، أخبرني بجميع كتبه وقرأت بعضها على والدي علي بن أحمد بن العباس النجاشي (رض) وقال لي: أجازني جميع كتبه لما سمعنا منه ببغداد، ومات (رض) بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة»)[325](.
وقال الطوسي: «كان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار. لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف… أخبرنا بجميع كتبه ورواياته جماعة من أصحابنا، منهم: الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان وأبو عبدالله الحسين بن عبيدالله وأبو الحسين جعفر بن الحسن بن حسكة القمي وأبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني. كلهم عنه»)[326](.
وقال في الرجال في باب من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام: «جليل القدر، حفظة، بصير بالفقه والأخبار والرجال، وله مصنفات وروى عنه التلعكبري»)[327](.
وقال العلاّمة الحلي (ت/726): «شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن. كان جليلاً، حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف، مات بالري سنة 381هـ»)[328](.
وقال السيد بحر العلوم (ت/1212): «أبو جعفر شيخ مشايخ الشيعة، وركن من أركان الشريعة، رئيس المحدثين، والصدوق فيما يرويه عن الأئمة الصادقين عليهم السلام، ولد بدعاء صاحب الأمر ونال بذلك عظيم الفضل والفخر، ووصفه الإمام عليه السلام في التوقيع الخارج عن ناحيته المقدسة بأنه: فقيه خير مبارك ينفع الله به»)[329](.
من مؤلفاته:
1 ـ علل الشرائع.
2 ـ وعيون أخبار الرضا عليه السلام.
3 ـ والأمالي.
4 ـ والخصال.
5 ـ وثواب الأعمال.
وقد ترجم المؤلف: السيد حسن الخرسان ترجمة مبسوطة طبعت في مقدمة الجزء الأول طبعة سنة 1377هـ.
وكتاب من لا يحضره الفقيه وصفه شيخنا الشيخ آغا بزرك بقوله: «أحد الأصول الأربعة للشيعة المعتمد عليها عندهم، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، مصنّف نحو 300 كتاب. والمتوفى سنة 381، وهو أربعة أجزاء. أحصيت أبوابها بـ (636) أو (666) باباً. وأحاديثها بـ (5998) حديثاً. أوله: اللهم إني أحمدك وأشكرك وأؤمن بك وأتوكل عليك…
طبع على الحجر في بمبئي وطبع في إيران سنة 1325، وأحصي من روى عنهم في الفقيه في 510 رجال.
وقال: «إحصاء المجلدات والأبواب والأحاديث والمسانيد والمراسيل على ما هو المنقول عن خط شيخنا البهائي، هكذا صورته:
المجلد
المجلد الأول
المجلد الثاني
المجلد الثالث
المجلد الرابع
المجموع
أبوابه
87، 288، 173، 178 المجموع: 666
أحاديثه 8/16، 1667، 1810، 903، المجموع: 5998
مسانيدها 777، 1094، 1295، 777، المجموع: 3943
مراسيلها 841، 573، 515، 126 المجموع: 2055)[330](.
وصفه السيد بحر العلوم بقوله: «أحد الكتب التي هي في الاشتهار والاعتبار كالشمس في رابعة النهار»)[331](.
وقال المحدث النوري: «ومن الأصحاب من يذهب إلى ترجيح أحاديث الفقيه على غيره من الكتب الأربعة نظراً إلى زيادة حفظ الصدوق وحسن ضبطه وتثبته في الرواية، وتأخر كتابه عن الكافي وضمانه فيه بصحة ما يورده، وإن لم يقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووا، وإنما يورد فيه ما يفتى به ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربه»)[332](.
نسخ الكتاب
وللكتاب نسخ كثيرة قيل عنها: «وله نسخ خطية قديمة عليها خطوط العلماء، منها: النسخة الموجودة في كربلاء عند الشيخ محمد علي القمي بخط والد الشيخ الطريحي، وهو الشيخ محمد علي بن طريح بن خفاجي بن فياض بن جمعة بن خميس بن جمعة، فرغ من نسخها سنة 1036، وقرأه فيه وصححه ولده الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، وكتب على ظهره إجازة لولده الشيخ صفي الدين بن فخر الدين في يوم الجمعة من جمادى الثانية 1072 من نسخة موجودة في مكتبة الحسينية في النجف، والجزء الأول من نسخة الفقيه عند السيد مصطفى الصفائي، بقلم الميرزا علي السلطان، فرغ منه في شعبان سنة 981 وقفها الكاتب في التاريخ المذكور كسائر كتبه، فيظهر أنه من العلماء وصاحب المكتبة أوقفها لتكون صدقة جارية بعده»)[333](.
ومن نسخه المخطوطة التي رأيتها نسخة كتبت في حياة الميرزا محمد الآسترابادي (ت/1028) مستنسخة عن نسخة مؤرخة سنة 681هـ في مكتبة مانشستر برقم 543، وقد طبع الكتاب مكرراً في لكهنو الهند سنة 1300هـ وتبريز سنة 1332هـ وطهران سنة 1372هـ والنجف سنة 1377هـ.
من تواريخ حياته
ونستخلص من تواريخ حياة المؤلف ما يلي:
عام 347 كان في الريّ، والمشهد، ونيسابور.
وفي عام 352 ورد بغداد، ويظهر أنه جال جولة لزيارة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد ونيسابور في طريقه إليها وثم إلى بغداد 354 في طريقه إلى الحج، وطبيعي أنه يرجع إلى موطنه الري.
ثم في عام 372 يظهر أنه أخذ جولة أخرى إلى تركستان وتوران، قال السيد صدر الدين في حواشي منتهى المقال: «ذكر الصدوق في الباب 11 من العيون أنه سمع من محمد بن بكر ابن النقاش بالكوفة في سنة 350، وفي الباب 26 حدّثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي بالكوفة سنة 354 وهو يؤيد ما ذكر من التاريخ لكن في الباب 6: حدّثنا أبو الحسن علي بن ثابت البردانسي بمدينة السلام يعني بغداد سنة 352، وفي عدة أبواب: حدّثنا عبدالله بن عبدون بنيسابور في شعبان سنة 352 فكأنه رحل عن نيسابور بعد هذا الحديث إلى بغداد في تلك السنة ثم خرج عنها وعاد إليها سنة 55 لكن لعل التاريخ اثنين وخمسين أوفق بعبارة حدث السن، فإن كونه حدث السن لا يلائم روايته عن أبيه، وقد ملئت كتبه؛ لأن أباه (رض) مات سنة 329، ولا أقل من أن يكون عمر الصدوق (رض) خمس عشرة سنة فصاعداً، وهذا يقتضي أن يكون عمره وقت قدومه بغداد نيفاً وأربعون سنة ولمثله لا يقال: حدث السن»)[334](.
وقال الصدر: الظاهر أن مراد النجاشي أنه كان بالنسبة إلى شيوخ الطائفة الذين سمعوا منه حدث السن، وبعبارة أخرى سمع منه شيوخ الطائفة مع أنه أصغر سناً، والغالب أن يكون السامع أحدث بالنسبة إلى الشيخ لا العكس»)[335](.
وقد أشار الصدوق نفسه في كتابه الأمالي إلى دعاء الصاحب عليه السلام بقوله: «وحدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (رض) بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله عزّ وجلّ أن يرزقه ولداً ذكراً. قال: فسألته فانهى ذلك فأخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين وأنه سيلد له ولد مبارك فينفعه الله عزّ وجلّ به وبعده أولاد.
قال أبو جعفر محمد بن علي بن الأسود (رض) وسألته في أمر نفسي أن يدعو الله لي أن يرزقني ولداً ذكراً فلم يجبني إليه وقال: ليس إلى هذا سبيل. قال: فولد لعلي بن الحسين عليه السلام محمد بن علي وبعده أولاد، ولم يلد لي شيء.
قال مصنف هذا الكتاب (رض) كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود (رض) كثيراً ما يقول لي إذا رآني اختلف إلى مجالس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض)، وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم، وأنت ولدت بدعاء الإمام عليه السلام»)[336](.
وأبوه أبو الحسين علي الذي كان من تلامذة سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي وعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي، له مكاتبة مع الإمام الحسن العسكري عليه السلام (ت/260) وصفه فيها بقوله عليه السلام: «شيخي ومعتمدي وفقيهي أبو الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته وجعل من صلبك أولاد صالحين برحمته»)[337](.
وقبره في قم
ونقل ابن النديم في الفهرست ص 277 أن لأبيه مائتا كتاب ولم يذكر تلف الكتب ولكن من حسن الحظ وجود الابن، لروايته من أبيه بالرغم من صغر سنه، فإنه ولد 305 ووالده توفي 328 فخلال الخمسة عشر عاماً أخذ الشيء الكثير من والده. وتوفي الشيخ الصدوق سنة 381 وقبره مزار عليه قبة عظيمة عمّرها السلطان فتح علي شاه. وقبره مزار عام بين طهران وعبد العظيم. ويعرف بـ «ابن بابويه» يدفن الصالحون موتاهم في فناه.
أسلوب التأليف
قال الصدوق في مقدمة من لا يحضره الفقيه: «أما بعد، فإنه لما ساقني القضاء إلى بلاد الغربة، وحصلني القدر منها بأرض بلخ من قصبة إيلاق، وردها الشريف الدين أبو عبدالله المعروف بنعمة، وهو محمد بن الحسن بن إسحاق بن الحسين بن الحسين بن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فدام بمجالسته سروري، وانشرح بمذاكرته صدري، وعظم بمودته تشرفي: لأخلاق قد جمعها إلى شرفه من ستر وصلاح، وسكينة ووقار، وديانة وعفاف، وتقوى وإخبات، فذاكرني بكتاب صنفه محمد بن زكريا المتطبب الرازي. وترجمه بكتاب (من لا يحضره الطبيب) وذكر أنه شافٍ في معناه، وسألني أن أصنف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام، والشرائع والأحكام موفياً على جميع ما صنفت في معناه وأترجمه بكتاب (من لا يحضره الفقيه) ليكون إليه مرجعه، وعليه معتمده، وبه أخذه، ويشترك في أجره من ينظر فيه وينسخه ويعمل بمودعه، هذا مع نسخه لأكثر ما صحبني من مصنفاتي وسماعه لها وروايتها عني، ووقوفه على جملتها وهي مائتا كتاب وخمسة وأربعون كتاباً، فأجبته أدام الله توفيقه إلى ذلك، لأني وجدته أهلاً له، وصنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته. وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي، وكتب الحسين بن سعيد ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبدالله، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، ونوادر محمد بن أبي عمير، وكتب المحاسن لأحمد بن أبي عبدالله البرقي، ورسالة أبي إليّ وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشائخي وأسلافي رضي الله عنهم، وبالغت في ذلك جهدي، مستعيناً بالله، ومتوكلاً عليه، ومستغفراً من التقصير، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل»)[338](.
ونستنتج من المقدمة أموراً:
أولاً: أنه استجاب للطلب الموجه إليه من رجل اختبر صدقه في الطلب العلم.
ثانياً: أن الصدوق (قدس سره) كان يصحب مؤلفاته معه وسمعها الشريف.
ثالثاً: أن قصده في هذا التأليف حذف الأسانيد لئلا يضخم حجم الكتاب.
رابعاً: أنه لم يقصد الاستقصاء في إيراد «جميع ما رووه» بل الاختصار.
خامساً: أنه اقتصر على إيراد ما يفتي به ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة.
سادساً: أنه استخرجها من كتب مشهورة مثل ببعضها.
سابعاً: أنه أحال في طريقه إلى فهرس الكتب التي رواها مشايخه.
قطعية الصدور
وذهب جمع إلى قطعية روايات الفقيه استناداً إلى ما قاله الشيخ الصدوق في مقدمته من لا يحضره الفقيه، وقد أوجز السيد الخوئي في الجواب، حيث قال: «إن إخبار الشيخ الصدوق عن صحة روايته وحجيته أخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجة في حق غيره»)[339](.
ويزيد الكتاب ميزة أسلوب الصدوق بكثرة المشايخ ودقة النقد والاختيار. قال الصدر (ت/1354): «يظهر من التقي في اللوامع والروضة وهما شرحي الفقيه العربي والفارسي: أن الذين روى عنهم الصدوق في الفقيه تقرب من خمسمائة وعشرة رجال، وذلك أنه ذكر في الروضة في أول المجلد الأول: أن الذين ذكر رواية عنهم في الفهرست أربعمائة رجل إلا ثلاثة أو أربعة، وذكر في آخر المجلد الأخير من اللوامع ـ وهو شرح الفهرست ـ إن الذين روى عنهم الصدوق [في الفقيه ولم يذكرهم في الفهرست مائة وعشرون، والذين ذكرهم في الفهرست ولم يرو عنهم] في الفقيه عشرة ثم الذين أكثر الرواية عنهم جماعة». وذكرهم بتفصيل)[340](.
قال الجلالي: ولكثرة مشايخ الصدوق ربما قال: عدة من أصحابنا عن أبي عبدالله، ولم يبيّن في المشيخة طريقه وغرضه الإشارة إلى التفوق والكثرة العددية.
وفي المشيخة أكثر الرواية عن أبيه، ويقع في طريق 215 راوياً، ومحمد بن الحسن أحمد بن الوليد ويقع في طريق 50 راوياً، ومحمد بن علي ماجيلويه ويقع في طريق 39 راوياً، وهؤلاء لهم أكثر عدد في الطريق، ثم يأتي من دونهم في العدد.
هذا، وقد اعتمد الصدوق الاعتماد المطلق على شيخه ابن الوليد خاصة، وقرأ عليه، بل تابع حكمه بصحة الحديث وضعفه من دون نقاش، قال الصدوق: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض الله عنه) سيئ الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي راوي هذا الحديث. وإني أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنه في كتاب الرحمة، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي»)[341](.
وقال أيضاً: «وأما خبر صلاة يوم غدير والثواب المذكور فيه لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة، وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ قدس الله روحه ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح»)[342](.
قال الصدر: «لم يزد الصدوق على رواية سبعة أحاديث عن الكليني (قدس سره) كما يستفاد من شرح المشيخة للتقي المجلسي. فافهم»)[343](.
نقد الفقيه
وانتقد الفيض الكاشاني (ت/1091) في الوافي أسلوب الصدوق بعد أن شرحه بما لفظه: «وأما رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي عطر الله مرقده فدأبه في كتاب (من لا يحضره الفقيه) ترك أكثر السند والاقتصار في الأغلب على ذكر الراوي الذي أخذ عن المعصوم فقط، أو مع من يروي عنه، ثم أنه ذكر في آخر الكتاب طريقه المتصل بذلك الراوي، ولم يخل بذلك إلا نادراً، كإخلاله بطريقه إلى بريد بن معاوية العجلي وإلى يحيى بن سعيد الأهوازي»)[344](.
وعن الكتاب قال: «وأما الفقيه: فهو كالكافي، في أكثر ذلك، مع خلوه من الأصول، وقصوره عن كثير من الأبواب والفصول. وربما يشبه الحديث فيه بكلامه، ويشبه كلامه في ذيل الحديث بتمامه، وربما يرسل الحديث إرسالاً، ويهمل الإسناد إهمالاً»)[345](.
محمد حسين الحسيني الجلالي
منهاج الصلاح
كتاب للعلاّمة الحلي
الباب الحادي عشر منه
الباب الحادي عشر هو آخر أبواب كتاب [منهاج الصلاح]. وكان العلامة الحلي قد اختصر كتاب [مصباح المتهجد] للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 هجرية بالتماس من الوزير محمد بن محمد القوهدي في عشرة أبواب وأضاف إليه في الباب الحادي عشر ما لا بد منه لعامة المكلفين من مسائل أصول الدين وجعل عنوانه [الباب الحادي عشر فيما يجب على عامة المكلفين من معرفة أصول الدين] ولما كان هذا الباب جامعاً لمسائل أصول عقائد الدين في سبعة فصول من إثبات وجود الباري تعالى والعدل والنبوة العامة ونبوة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم وإثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم إمامة الأئمة الأحد عشر والمعاد والشفاعة وكانت حاجة الناس إليه أكثر من سائر الأبواب أفرده بالنسخ والتدوين والتكثير وصار كتاباً مستقلاً واتجهت إليه أنظار العلماء والمتكلمين والمحققين فكتبوا عليه شروحاً وحواشي وتعليقات ما لا يحصى نذكر بإيجاز أشهرها وهي كما يلي:
1 ـ شرح الشيخ أبي عبدالله المقداد السيوري الحلي المتوفى سنة 821 هجرية واسمه (النافع يوم الحشر في شرح باب الحادي عشر) طبع الطبعة الأولى في سنة 1301 هجرية ثم أعيد طبعه مكرراً وترجم إلى الفارسية بواسطة ميرزا علي الشهرستاني وطبعت الترجمة الفارسية في سنة 1325 هجرية وتكرر طبعها.
2 ـ شرح الشيخ محمد بن أحمد المعروف بخواجكي الشيرازي فرغ منه سنة 952هجرية.
3 ـ شرح الأمير أبي الفتح الشريفي المتوفى سنة 976 هجرية واسمه (مفتاح اللباب) ويقال (مفتاح الباب) وله أيضاً شرح فارسي فرغ منه في سنة 957 هجرية.
4 ـ شرح الشيخ خضر الجبلرودي اسمه [جامع الدرر] وله شرح آخر مختصر اسمه [مفتاح الغرر] فرغ من تأليفه سنة 836 هجرية.
5 ـ شرح السيد شاه طاهر الحسيني الكاشاني من تلاميذ المحقق الخفري من أعلام القرن التاسع.
6 ـ شرح الشيخ محمد بن علي بن أبي جمهور الإحسائي اسمه [معين الفكر] وله شرح ثاني ملخص باسم [معين المعين].
7 ـ شرح الميرزا إبراهيم بن كاشف الدين اليزدي كان حياً في سنة 1063 هجرية.
8 ـ شرح الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي المتوفى سنة 1121 هجرية.
9 ـ شرح السيد شكر الله بن جمشيد الحسيني السبزواري فرغ منه سنة 1197 هجرية.
10 ـ شرح الشيخ صفي الدين الطريحي واسمه [مطالع النظر].
11 ـ شرح الشيخ عبد الوحيد الجيلاني الاسترآبادي تلميذ الشيخ البهائي المتوفى سنة 1030هجرية.
12 ـ شرح السيد دلدار علي النقوي الهندي المتوفى سنة 1235 هجرية.
13 ـ شرح الشيخ سليمان بن أحمد القطيفي واسمه [إرشاد البشر].
14 ـ شرح الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري المتوفى سنة 1271 هجرية والنسخة بخط المؤلف من مخطوطات كاتب هذه السطور.
15 ـ شرح الشيخ محمد بن علي الإصبعي البحراني.
16 ـ شرح الشيخ محمد بن علي بن يوسف المقشاعي.
17 ـ شرح السيد صدر الدين بن محمد باقر الرضوي القمي.
18 ـ شرح الشيخ ميرزا علي آقا التبريزي المتوفى سنة 1340 هجرية.
19 ـ شرح الشيخ طاهر ابن الشيخ عبد علي ابن الشيخ طاهر الحجامي النجفي المتوفى 1357 هجرية.
20 ـ شرح الشيخ محمد رضا الغراوي المعاصر واسمه [الزاد المدّخر].
وهناك جملة من الترجمات الفارسية والأردوية والتركية وتعليقات يطول ذكرها. كما حققه في السنوات الأخيرة الدكتور مهدي المحقق وطبعه مع شرحين مهمين.
عبد الحسين الصالحي
منية المريد
في آداب المفيد والمستفيد
كتاب للشهيد الثاني زين الدين بن علي
كتاب «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد» لزين الدين بن علي (الشهيد الثاني). أحد الإبداعات العلمية في التراث الإسلامي التي احتضنتها يد العناية؛ فضمنت لها البقاء. وذلك لمقدمات ذاتية انطوى عليها هذا المؤلَّف.
وتحاول هذه الدراسة أن تسهم في تقديم معرفة بالنظرية التربوية الإسلامية كما قدَّمها، على مستويي التنظير والتطبيق، الشيخ زين الدين بن علي (911 هـ 965هـ)، المعروف بـ«الشهيد الثاني». في كتابه «منية المريد في ادب المفيد والمستفيد»)[346](.
أول ما ينبغي التوقُّف عنده، في ما يتعلق بهذا الكتاب، موقع مؤلفه ودوره في عملية تحصيل المعرفة وبذلها في عصره، ويمكن بيان ذلك كما يأتي:
1- ينتمي الشيخ زين الدين إلى أسرة علمية مارس أبناؤها التعلُّم والتعليم زمناً طويلاً، وأسهموا في إرساء أصول وقواعد (آداب) في هذا المجال، ما جعله يلقَّب بـ «ابن الحجَّة»، وما جعل أسرته تعرف باسم «سلسلة الذهب»، وذلك لأن العلم تسلسل في هذه الأسرة زمناً طويلاً.
2- رحل الشيخ في طلب العلم في بلده: جبل عامل، وفي البلاد المجاورة: دمشق ومصر وبيت المقدس وغيرها، وأفاد من مدارس هذه البلاد وشيوخها…، فمن المعروف، على سبيل المثال، أنَّه تتلمذ على جماعة من علماء مصر خلال سنتي 942 و943هـ، ولمدَّة ثمانية عشر شهراً تقريباً، وأنه استفاد من علمهم وخبرتهم وطرائقهم، ومما يدل على ذلك قوله: «فالواجب على المعلم إذا وجد من الطَّالب نشاطاً وقوة على تعدد الدرس، ولم يقدر على تحصيل غرضه بنفسه، أن يرشده ابتداءً إلى من يقرأ عليه درساً آخر، فإن ذلك من تمام النَّصيحة ورعاية حفظ الأمانة. وهذا أمر اتفق لي مع بعض مشايخي بمصر أحسن الله جزاءه». ويؤكد ما نذهب إليه ما يقوله السيد محسن الأمين في هذا الصدد، ومنه: «ضمَّ ما وجده نافعاً من طريقتهم مما لم يتوسَّع فيه الإمامية إلى طريقة الإمامية كالدراية والشُّروح المزجية وتمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع الأحكام الشرعية». وهذا يدل على أن الشيخ زين الدين كان عالماً كبيراً، متجرداً لتحصيل العلم وبذله، بغية تحقيق مشروع إسلامي توحيدي، من طريق امتلاك أفضل الطرق الملائمة لذلك، وهذا ما سوف يتأكَّد لنا في ما يأتي من فقرات هذه الدراسة.
3- امتلك معرفةً عميقة وشاملة بعلوم عصره جميعها، علاوة على خبرة طويلة في تعلُّم هذه العلوم وتعليمها، ما جعله الأكثر مقدرة على التأليف في هذا المجال. يقول السيد محسن الأمين في هذا الصدد: «وأعطي تدريس المدرسة النورية في بعلبك، ولم يحتج إلى شهادة قاضي صيدا كما كان معمولاً عليه في ذلك الوقت، ولا يمكن أخذ التدريس بدونه؛ وذلك بسبب تأليفه خلال ثمانية عشر يوماً رسالة في عشر مسائل من مشكلات العلوم… فأقام فيها [أي في المدرسة النورية] خمس سنين يدرِّس في المذاهب الخمسة، ويعاشر كل فرقة بمقتضى مذهبهم. والحق أن ذلك اقتدار عظيم وعلو همَّة ما عليه من مزيد، لا سيما مع شدَّة الخوف في تلك الأعصار بسبب التعصُّبات المذهبية».
4- نذر نفسه لأداء مهمة تحصيل العلم وبذله، فمن المعروف، علاوة على ممارسته التعليم، أنه ألَّف سبعين كتاباً ورسالة، وكتب مئة كتاب بخطِّه، في زمن عصيب أطلق عليه اسم «زمن الخوف»، ومن الشهادات المعاصرة التي تفيد ذلك نذكر:
أ- كتب محمود بن محمد بن علي بن حمزة اللاهجاني تلميذ الشهيد الثاني: «أن الشارح قد كتب الجزء الثالث وما بعده [من كتاب المسالك] حينما كان متخفياً من أعدائه كما قال هو نفسه: مع تراكم صروف الحدثان وكان خوفاً منهم يلوذ من جبل إلى جبل ومن قرية إلى قرية…».
ب ـ كتب ابن العودي، تلميذ الشهيد الثاني: «وكان في منزلي بجزّين متخفياً من الأعداء ليلة الاثنين حادي عشر شهر صفر956هـ»، «وهذا التاريخ [سنة 955هـ] كان خاتمة أوقات الأمان والسلامة من الحدثان…».
ج- كتب علي بن محمد بن الحسن ابن الشهيد الثاني: «… كان في ما بقي، بعد الفتور الأول، ما يزيد على مئة كتاب بخط جدِّي الشيخ زين الدين رحمه الله».
وقد واصل سعيه إلى أن استشهد في سبيل ما نذر له نفسه.
5- امتلك مؤهّلات المعلم ـ المربّي الناجح على مختلف المستويات، وفي سبيل بيان ذلك نذكر بعض ما يذكره المؤرّخون في هذا الصدد:
– «اذا نظر الناظر في وجهه، وسمع لفظه العذب لم تسمح نفسه بمفارقته، وتسلَّى عن كل شيء بمخاطبته، وتملى العيون من مهابته، وتبتهج القلوب لجلالته».
– كان «حائزاً صفات الكمال متفرّداً منها بما لا يشاركه فيه غيره… حسنةً من حسنات الزمان، فقيهاً محدثاً أصولياً.. لم يقرأ علماً من العلوم حتى قرأ فيه كتاباً أو أكثر».
كتب ابن العودي في تسويغ كتابته رسالته: «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشيخ زين الدين الشهيد»: «…شيخنا ومولانا ومرجعنا ومقتدانا، ومنقذنا من الجهالة وهادينا، ومرشدنا إلى الخيرات ومربينا، بديع زمانه ونادرة أوانه، وفريد عصره وغرة دهره، الشيخ الإمام الفاضل، والحبر العالم العامل، والنحرير المحقّق الكامل، خلاصة الفضلاء المحققين، وزبدة العلماء المدققين…». ووصفه صدر المتألّهين في شرحه لأصول الكافي بأنه «ناهج مسلك الورع واليقين، وقدوة المجتهدين».
ولعل هذا ما جعل قدومه إلى البلاد، كما يقول السيد محسن الأمين «كرحمة نازلة، أو غيوث هاطلة، ازدحم عليه أولو العلم كأنّ أبواب العلم كانت مقفلة. ففتحت، وسوقه كانت كاسدة فربحت».
6- اهتم بموضوع التعلُّم والتعليم والتربية اهتماماً بالغاً، فتفرَّد بالتأليف فيه، يقول السيد محسن الأمين في هذا الصدد: «وتفرَّد بالتأليف في مواضيع لم يطرقها غيره، أو طرقها ولم يستوف الكلام فيها، مثل آداب المعلم والمتعلِّم، فقد سبقه إلى ذلك المحقّق الطوسي، فصنَّف فيه رسالة صغيرة لا تبلّ الغليل، وألَّف فيه كتاباً هو منية المريد، فلم يبق معها منية لمريد…». وممَّا يدل على اهتمامه الشديد بهذا الموضوع أنه كان قد كتب كتابين آخرين في هذا المجال هما: «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلِّم» و«منار القاصدين في أسرار معالم الدِّين»، وأنّه لخَّص «منية المريد» في كتاب سمّاه «بغية المريد»، وهذه الكتب مفقودة.
7- أولى الشيخ اهتماماً خاصاً بالأبناء وتربيتهم، والدليل على ذلك تأليفه كتاب «مسكن الفؤاد» الذي يفيد، علاوة على حبِّ الشيخ للأبناء وحرصه على تنشئتهم خير تنشئة، أنَّه يحث على الصَّبر لدى فقدهم رضى بقضاء الله سبحانه وتعالى.
8- ويمكن لتساؤل السيد محسن الأمين الآتي أن يرسم ملامح شخصية الشيخ زين الدين، يقول السيد الأمين :
«وما ظنّك برجل من اعظم العلماء وأكابر الفقهاء يحرس الكرم ليلاً، ويطالع الدروس. وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة، وكرمه الذي كان له في جُبع معروف محله إلى الآن. ويحتطب لعياله ليلاً ويشتغل بالتجارة أحياناً… ويباشر بناء داره ومسجده الذي هو إلى جانبها في قرية جبع، وقد رأيتهما، وداره مفتوحة للضيوف والواردين وغيرهم يخدمهم بنفسه».
يمثل كتاب «منية المريد…» ثمرة معرفة الشيخ زين الدين وخبرته في مجال التعلُّم والتعليم والتربية، وقد كان له، ومنذ تأليفه، أهمية وفعَّالية كبريان، يشهد بذلك كثير من العلماء، ومن هذه الشهادات نذكر:
– كتب ابن العودي: «مجلَّد مشتمل على مهمات جليلة وفوائد نبيلة تحمل على غاية الانبعاث والترغيب في اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل والتحلِّي بشيم الأخيار والعلماء والأسرار».
– وكتب الميرزا الشيرازي الكبير: «ما أحرى بأهل العلم أن يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب الشريف وأن يتأدبوا بالآداب المذكورة فيه».
– وكتب السيد محسن الأمين : «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد مشتمل على آداب وفوائد جليلة، وهو نعم المهذَّب لأخلاق الطلاّب لمن عمل به».
– وكتب الشيخ عبدالله الماقاني: «… فإن كل عمل من غير آدابه غير ممدوح ولا مستحسن، ومن أهم ما هناك إكرام العلماءالعاملين».
– وكتب صدر المتألِّهين: «… وتركنا سائر الآداب الحسيَّة والوظائف الفعلية تعويلاً على المذكور في كتب الأخلاق وغيرها كرسالة… وأخرى لزين الملة والدين».
– وكتب علي أصغر حكمت ما ترجمته: «لعل كثيراً من الذين افتتنوا بظواهر الحضارة الأوروبية الحديثة… يظلّون غافلين عن العلوم والفنون الشرقية الإسلامية التي كان عظماؤنا طوال القرون المتوالية قد تتبعوها واستقصوها وبحثوا عنها وقرأوا فيها وخلَّفوا في شأنها كتباً كثيرة. وعلى خلاف هولاء نرى هواة العلوم والمعارف في أصقاع بلاد الغرب ينظرون إلى بلاد الشرق كأنها خرائب مليئة بكنوز العلوم والفنون الدَّفينة… فمن ذلك ما اتفق لي أن تحدث إليّ أحد فضلاء الغرب عن كتاب «منية المريد» فأثّر كلامه فيّ، فحصلت على نسخة منه، وقرأته فوجدته كنزاً مشحوناً من جواهر الحكم والمعارف مليئاً من لآلىء الآداب والفضائل…» .
وقد نظم الشيخ عبد الرحيم بن محمد علي التستري (ت 1313هـ) «منية المريد» في 1250 بيتاً من النظم سمَّاها «محاسن الاداب»، فرغ من نظمها سنة 1290هـ، ومنها:
… سمَّيتها «محاسن الآداب»
للطالبين من أولي الألباب
حوت لباب «منية المريد»
وهو كتاب شيخنا الشهيد
وهذا النَّظم يفيد أن هذا الكتاب كان كتاباً تعليمياً ينظم ليسهل تعلُّمه وحفظه.
هذه شهادات تفيد أن هذا الكتاب كان من الكتب التعليمية أو من الكتب التي يواظب طلاّب العلم على قراءتها ليتأدَّبوا بآدابه، وأن عالماً كبيراً كصدر المتألِّهين أحال إليه ولم يؤلِّف في موضوعه لأنه وجد فيه الكفاية، وهذا يعود إلى كونه «كنزاً من جواهر الحكمة والمعرفة ولآلىء الآداب والفضائل…». ولأهميته هذه تنبغي العودة إليه لمعرفة ما قدَّمه أحد كبارنا في مجال لا يزال إنتاجنا فيه، في الغالب، مرتهناً إلى النظريات الغربية.
يفيد عنوان الكتاب أن الشيخ زين الدين قدَّم ما يتمناه مريد تحصيل المعرفة وبذلها من آداب هذين الصنيعين، أي من أحكام وشروط وأخلاق… ولا تفوتنا الإشارة إلى إيحاءات كلمة «مريد» المستقاة من عالم الصوفية، فهو من يسعى إلى بلوغ المرتبة العليا في مجاله، وهو أدب المفيد والمستفيد هنا. ويمكن أن نفهم المقصود بكلمة «أدب» عندما نعلم أن عملية التعلُّم والتعليم كانت تسمى قديماً «التأديب»، وأن ما ينبغي أن يتوافر لها لتتمّ على أفضل وجه كان يسمى الآداب، ومنه النصوص المستخدمة في هذا السبيل، فسميت أدباً. واليوم نحن نعرف أن عملية التعلُّم والتعليم لا تقتصر على تقديم المعرفة من معلِّم وتحصيلها من متعلِّم، وإنما تتعدى ذلك إلى أمرين: أولهما إتاحة الفرص للمتعلِّم كي يتمكن من تحصيل المعرفة بنفسه، وثانيهما الإسهام في تكوين شخصية قادرة وفاعلة. وهذا ما يطلق عليه اسم «التربية» في مقابل التعليم: تكوين الشخصية الفاعلة في مقابل التَّلقين.
فالتربية عملية شاملة تفضي إلى تكوين شخصية الإنسان من مختلف النواحي: الجسمية والعقلية والخلقية والفاعلية، أما التعليم فهو نقل العلم: المعرفة إلى الإنسان، فهو بوصفه هذا وسيلة من وسائل التربية.
وعندما يتحدَّث الشيخ زين الدين عن «أدب المفيد والمستفيد» فإن رؤيته تصنَّف في الاتجاه الذي يعنى بالتربية في مقابل الاتجاه الذي يعنى بالتعليم.
ولعلَّ تقرير الشيخ زين الدين أن العلم لا يؤخذ من الكتب وإنما من الشيوخ يؤكد ما أشار إليه في عنوان كتابه، فالكتب تقدِّم المعلومات، والشيوخ يقدِّمون المعرفة الموظَّفة في تكوين شخصية الإنسان الممتلكة كفايات ومهارات تتيح لها أن تكون قادرة وفاعلة.
وهذا هو موضوع الكتاب كما يقدِّمه الشيخ زين الدين، فبعد أن يقرِّر أن «كمال الإنسان إنما هو بالعلم» يستدرك بـ «لكن» فيقول: «لكن ليس جميع العلم يوجب الزُّلفى، ولا تحصيله كيف اتفق يثمر الرضا، بل لتحصيله شرائط ولترتيبه ضوابط، وللمتلبس به آداب ووظائف، ولطلبه أوضاع ومعارف، لا بد لمن أراد شيئاً منه من الوقوف عليها، والرجوع في مطلوبه إليها، لئلا يضيع سعيه ولا يخمد جدُّه». ثم يقرِّر الموضوع فيقول: «وقد وفَّق الله سبحانه، بمنّه وكرمه، في ما خرج من كتابنا الموسوم بـ«منارالقاصدين في أسرار معالم الدين» لتفصيل جملة شريفة من هذه الأحكام مغنية لمن وقف عليها من الأنام، وقد رأينا في هذه الرسالة إفراد نبذة من شرائط العلم وآدابه وما يتبع ذلك من وظائفه…».
وهكذا فلتحصيل العلم شرائط وآداب، وله بعد أن يُحصَّل وظائف وآداب، وهذا ما ينبغي أن يتدبَّره كلٌّ من المفيد والمستفيد ليصل إلى بغيته، وهو ما يبحثه الشيخ زين الدين في هذا الكتاب.
يهدف البحث في شرائط تحصيل العلم وآدابه، وما يتبع ذلك من وظائف إلى تحقيق ما يأتي:
1- تحقيق الهدف من العلم: يطلب العلم ليس لذاته، وإنما لهدف آخر هو ثمرته وغايته المعتبرة. ومعرفة الشرائط والآداب، موضوع الكتاب، هي التي تمكّن هذا الطالب من تحقيق الهدف وبلوغ الغاية، يقول الشيخ في افتتاحية الكتاب: «وكم رأينا بغاة هذا العلم الشريف دأبوا في تحصيله، وأجهدوا نفوسهم في طلبه ونيله، ثم بعضهم لم يجد لذلك الطلب ثمرة ولا حصل منه على غاية معتبرة…»، ثم يقول في خاتمة الكتاب: «وهذه العلوم بمنزلة الآلات القريبة أو البعيدة للعمل، كما حقَّقناه في الباب الاول…»، فالعمل هو ثمرة العلم وغايته المعتبرة.
2- تسهيل تحصيل العلم وجعل المتعلِّم، المتأدِّب بآداب هذه الرؤية، يحصِّل في برهةٍ يسيرة قليلة أضعاف ما حصّله سواه في مدة مديدة طويلة.
3- الإسهام في تكوين شخصية إنسان عالم يسعى إلى بلوغ الكمال من دون شيء يمنعه عن ذلك، فيصدق عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخشى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَماء﴾ [فاطر، 35/28].
في النظريات التربوية الحديثة يبدأ المنظّرون البحث بالكلام على فلسفة النظرية، أو المنظور الذي يكشف لها الكون وأشياءه وقضاياه. وقد فعل الشيخ زين الدين ذلك، فصدرت رؤيته من منظور إلى الكون عميق وشامل تكونه العقيدة الإسلامية. يرى الشيخ، من هذا المنظور، «أن الله، سبحانه، جعل العلم هو السبب الكلي لخلق هذا العالم العِلوي والسُّفلي طرّا…»؛ وذلك مايتبيَّنه الشيخ من قوله تعالى في محكم الكتاب الكريم: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ [العلق، 96/ 1ـ 5]. فيقول: «فتأمّل كيف افتتح كتابه الكريم المجيد الذي ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت، 41/42] – بنعمة الإيجاد، ثم أردفها بنعمة العلم، فلو كان ثم منَّة، أو توجد نعمةٌ بعد نعمة الإيجاد هي أعلى من العلم لما خصَّه الله تعالى بذلك…». فبالعلم يرقى الإنسان من «علقة»، وهي أخسُّ الأشياء، إلى صيرورته عالماً، وهي أشرف المراتب.
فما ينبغي على الإنسان هو أن يسعى، بعد أن أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد، إلى تحصيل النِّعمة التي تليها، وهي تعلُّم ما لم يعلمه، أي ما علَّمه إياه الله بغية أن يرقى إلى الكمال، فيكون من أولي العلم الذين يقرنهم الله تعالى بذاته وبالملائكة، في الآية الكريمة: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إله إلاَّ هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾[آل عمران، 3/18]. وهذه الشهادة التي يتيحها العلم هي الهدف منه، ولهذا، وبه، كان علم التوحيد أساس كل علم ومدار كل معرفة.
ويؤكد الشيخ ما يراه من منظوره العقدي في غير مكان من كتابه، ففي صدد امتياز الإنسان بالقوَّة الموجبة لتحصيل العلوم وباستعمال العلم في ما خلق له، يقول مخاطباً هذا الإنسان:
«إن امتيازك عن سائر جنسك من الحيوانات ليس إلا بهذه القوة العاقلة التي خصَّك الله بها من بينها، المميِّزة بين الخطأ والصَّواب، الموجبة لتحصيل العلوم النافعة لك في هذه الدَّار وفي دار المآب، فقعودك عن استعمالها في ما خُلِقْت له، وانهماكك في مهلكك من المأكل والمشرب، وغيرهما من الأعمال التي يشاركك فيها سائر الحيوانات حتى الديدان والخنافس ـ فإنها تأكل وتشرب وتجمع القوت وتتناكح وتتوالد ـ مع أنك قادر على أن تصير من جملة الملائكة، المقرَّبين باستعمال قوتك في العلم والعمل، بل أعظم من الملائكة عين الخسران المبين».
ويمكن تركيز فلسفة هذه الرؤية كما يأتي: أن الله، سبحانه وتعالى، خلق الإنسان من علق، كما خلق سائر الحيوانات التي تشاركه في الأكل والشرب وجمع القوت والتَّناكح والولادة، وميَّزه منها، بعد نعمة الإيجاد، بقوة عاقلة موجبة لتحصيل العلم خصه بها، فإن استعملها في تحصيل العلم والعمل به، وهي النعمة الأخرى التي تلي نعمة الإيجاد، ارتقى إلى الكمال، فغدا من أولي العلم الذين يقرنهم الله، سبحانه وتعالى، بذاته وبالملائكة… والسَّعي في سبيل هذا الكمال سَفَرٌ بين حالتي الإنسان: «ما لم يعلم» و «علم ما علمه إياه الله سبحانه»، وهذا السَّفر طويل وشاق… وبغية أن يغدو سهلاً ومفضياً إلى الهدف كانت هذه الرسالة «منية المريد…»، أي منية المسافر في درب الكمال…
حكمت طبيعة الرؤية منهج بيانها، فاتَّبع الشيخ منهجاً استنباطياً، فالشرائط والوظائف التي يتحدث عنها، وكما يقول: «مستنبطة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والائمة عليهم السلام وكلام أساطين الحكمة والدين والعلماء الراسخين» وهي مفيدة ليس لأي شخص، وإنما لذلك القادر على التميُّز باستخدام القوة التي خصَّه الله بها ليصير من حائزي مرتبة الكمال، أي لمن يتدبَّرها بعد أن ينقشها على صحائف خاطرة. وشروط الإفادة (القراءة والفهم والتَدبُّر والعمل) تنتظم في سياق الإسهام في تكوين شخصية الإنسان الذي يسعى إلى امتلاك نعمة العلم التي ترتقي بصاحبها إلى مرتبة الكمال.
يفيد ما سبق أن الرقي بالإنسان ـ المريد بلوغ الكمال هو محور هذه الرؤية، إذ أنَّ شرائط تحصيل العلم وبذله ووظائفه تهدف إلى تحقيق هذا الرقي. وهذا ما يخلص إليه قارىء كتاب «منية المريد» ومتدبّره. فالسَّاعي في سفر الكمال ينبغي عليه: 1- أن يتطهّر على مختلف المستويات: النية والوعي والجهد، فيخلص في ذلك كله لله تعالى، 2- أن يمتلك الأهلية اللاَّزمة والكافية على مختلف المستويات أيضاً: معرفة وقدرة ومهارة ووقتاً ومظهراً وزياً، 3- أن يجتهد إلى درجة الانقطاع للعلم…، 4- أن يصون العلم فيبذله لطالبه، ولا يوظِّفه في خدمة صاحب سلطان، ولا يبذله لمن لا يستحقُّ، أو في مكان لا يلائمه، 5- أن يوفِّر المناخ التعليمي الملائم على مختلف المستويات: المجلس، المعلِّم، المتعلِّم، مادة التعليم، البرنامج، الطَّرائق، العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم… 6- أن يكون الغرض من طلب العلم العمل به، فلا يكون هناك انفصال بين المعرفة والفعل، وبذلك كله يتحقق للمريد، في سفره الطويل والشاق، أن يصل إلى رقيّه وكماله.
وفي ما يأتي نقدم، على سبيل المثال، ما يفيد ما ذهبنا اليه:
«أول ما يجب عليهما [المعلم والمتعلِّم] إخلاص النية لله تعالى في طلبه وبذله، فإن مدار الأعمال على النيات».
ويستنبط هذا من آيات قرآنية وأحاديث شريفة كثيرة، نذكر منها:
ـ ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾[البينة 98/5]. ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ [الزمر39/2 و3].
– قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السُّفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس اليه، أو يأخذ به من الأمراء» (سنن الدَّارمي، 1/103). «ما ازداد عبدٌ علماً فازداد في الدنيا رغبةً إلا ازداد من الله بعداً» (شرح المهذب، 1/40 – سنن الدّارمي، 1/107).
«وهذه العلوم بمنزلة الآلات القريبة أو البعيدة للعمل. وما أجهل وأخسر وأحمق من يتعلم صنعة لينتفع بها في أمر معاشه، ثم يصرف عمره ويجعل كدّه في تحصيل آلاتها من غير أن يشتغل بها اشتغالاً يحصل به الغرض منها».
– قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به» (الترغيب والترهيب، 1/127). «إنّي لا أتخوَّف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوَّف عليكم منافقاً عليم اللسان يقول ماتعرفون ويعمل ما تنكرون» (الترغيب والترهيب، 1/127، كنز العمال، 10/199).
– عن ابي عبدالله عليه السلام: «إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا» (الكافي، 1/44، كتاب فضل العلم، باب استعمال الحديث، حديث 3) «من كان فعله لقوله موافقاً فأنت له بالشهادة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً، فإنما ذلك مستودع» (الكافي، 1/45).
وهكذا يبدو الفارق بين ذلك العالم المريد بلوغ الكمال، وذلك العالم عليم اللّسان المستودع.
– ويصف الله، سبحانه وتعالى، العالم التَّارك لعلمه «عليم اللِّسان/المستودع» في الآيتين الكريمتين:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تتركه يلهث﴾[الأعراف، 7/176] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا﴾ [الجمعة، 62/5].
إن يكن الشيخ قد استخدم المنهج الاستنباطي في بيان رويته، فذلك يعود إلى طبيعة الرُّؤية نفسها وإلى موقعه العلمي، فالرُّؤية هي رؤية العقيدة الإسلامية إلى هذا الموضوع، وصاحبها عالم إسلامي مجتهد، وطبيعي أن يعود إلى مصادر هذه الرؤية الأساس ليستنبط منها أحكام الموضوع الذي يبحث فيه وشروطه ووظائفه، غير أنه لم يكتف، عندما يقتضي الأمر بالاستنباط، وإنما كان يتعدَّى ذلك إلى الإقناع العقلي ـ الجدل من نحو أوَّل، وإلى استقراء الواقعين: التاريخي والحياتي من نحو ثانٍ، وأقام من ذلك كلّه كتاباً محكم البناء يتجلَّى فيه نظر عميق إلى الأمور يتبيَّن جوهر كل منها وفكر منظم ومنطق صارم.
فالكتاب يتالف من افتتاحية ومقدمة ومن أبواب أربعة وخاتمة وتتمة، وكلُّ باب يقسم إلى أقسام وكل قسم إلى أنواع، وفي النَّوع أمور، وتتفرَّع من بعض الأمور فصول.. ولكل مكوِّن من مكوّنات الكتاب وظيفته في البناء، فالافتتاحية، على سبيل المثال، تتحدّث عن تسويغ بحث الموضوع: كمال الإنسان بالعلم، ليس كل علم يحقق الكمال، لا بد من شرائط ووظائف، من الضروري معرفة هذه الشرائط والوظائف، ليتم الكمال، وهذا ما يسوِّغ بحث الموضوع ويبيِّن مشروعيته وأهميته، والتتمة تبدو كأنها ما يعرف، اليوم، بـ «الملحق»؛ إذ أنها تقدِّم نصائح مهمَّة لطلاَّب العلوم…
والبحث، في ذلك كلِّه، يؤدّى بلغة علميَّة بسيطة سهلة متينة في آن، دقيقة الأداء تبلغ المراد بسهولة، ليس من إيجاز مخل أو إطناب ممل أو استطراد مشتِّت.
والواضح أنَّ الشيخ يملك عنان البحث، فينشىء مساراً تنتظم فيه العناصر بإحكام لتؤدِّي الدلالة، فيتطرَّق إلى المسألة، ويتناول منها ما يتعلَّق بموضوع الكتاب فحسب، ويصرِّح بذلك، وهذا يمثِّل منهجيَّة واضحة صارمة تحدِّد هدفها وتمضي إليه، ومن الأمثلة الدَّالة على ذلك نذكر:
يقول الشيخ عن آداب المعلِّم في درسه: «وهي أمور: الأول: أن لا يخرج إلى الدرس إلاَّ كامل الأهبة، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللِّباس، والهيئة والنظافة في الثوب والبدن، ويختار له البياض، فإنَّه أفضل لباساً… وقد اشتمل كتاب الزَّي والتجمُّل والمروءة من كتاب الكافي على الأخبار الصحيحة في هذا الباب بما لا مزيد عليه، ويخرج التعرُّض له عن موضوع الرِّسالة».
وإذا لاحظ أن هناك تكراراً، كما في أمر حسن النيَّة، يقول: «لكن أعيد هنا ليُنَبَّه على كونه من أسباب التَّحصيل، وهناك من أسباب الفائدة الأخرؤية».
ويترك الاستقصاء إن رأى أن ذلك يخرجه عن موضوع الرسالة ويعمد إلى الاختيار من موضوع عام لا دخل له بالباب الذي يبحثه ما يناسب المقام وله مدخل واضح في أصل الرسالة.
وهذا جميعه يدلّ على أن الشيخ كان يمتلك قدرات الباحث الناجح ومهاراته فتمثّلت رؤيته في كتاب محكم البناء تُنْشِئه منهجية علمية صارمة.
الرؤية شاملة، نظرية وتطبيقية
تشمل رؤية الشيخ مختلف مجالات عملية تحصيل العلم ومكوّناتها، فيبحث في مختلف صنوف التعلُّم والتعليم: آداب المعلم والمتعلم، آداب الفتوى: المفتي والمستفتي، المناظرة وشروطها وآدابها وآفاقها…، ثم يبحث في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم، وفي مواد التعليم وبرمجتها من خلال الكلام على أقسام العلوم الشرعية وما تتوقف عليه من العلوم العقلية والأدبية ومراتب أحكام العلم الشرعي وما ألحق به وترتيب العلوم بالنظر إلى المتعلّم… كما أن قارئ الكتاب يمكن أن يتبيّن طرائق تعليم رأى الشيخ ضرورة اتّباعها.
وإن تكن هذه الرؤية تصدر عن منظور فلسفي/ عقدي إلى الكون، أو عن رؤية نظرية شاملة متماسكة، فإنّها تعنى في الوقت نفسه بمختلف عناصر عملية تحصيل العلم الأساسية والجزئية والتفصيلية، ما يجعلها رؤية تشمل مختلف عناصر عملية تحصيل العلم من نحوٍ أول، ورؤية نظرية تطبيقية، في آن، من نحو ثانٍ.
وإن كنا قد تحدثنا عن المبدأ العام النظري، فإننا سنشير إلى بعض التفاصيل التطبيقية، على سبيل المثال: قال الشيخ: من آداب المعلم في درسه: «… أن يتحرّى تفهيم الدرس بأيسر الطُّرق، وأعذب ما يمكنه من الألفاظ… أن لا يطول مجلسه تطويلاً يملّهم… ولا يقصّره تقصيراً يخل ببعض تقريره أو ضبطه أو فهمه… أن لا يشتغل بالدرس وبه ما يزعجه ويشوش فكره… أن لا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين من دخان أو غبار أو صوت مزعج أو شمس موجبة للحر الشديد.. أن يصون مجلسه عن اللَّغط، فإن الغلط تحت اللَّغط… أن يلازم الإرفاق بهم (طلابه) في خطابهم… وهو من أهم الآداب إذا سئل عن شيءٍ لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا أعرفه، أو لا أتحققه أو لا أدري أو حتى أراجع النظر في ذلك… أن ينصب لهم نقيباً فطناً كيِّساً يرتب الحاضرين…».
وهذه أمور تعليمية تفصيلية تتعلَّق بطرق التعليم، وتوفير شروط نجاحه على مستوى المعلِّم الناجح والمجلس الأفضل وضبط العملية التعليمية والتعامل مع الطلاَّب… الخ.
وفي الباب الرَّابع من الكتاب، وعنوانه: «في آداب الكتابة والكتب التي هي آلة العلم» وما يتعلَّق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها وعاريتها، وغير ذلك. يجد القارىء، في هذا الباب أحكاماً عامة ومبادىء نظرية، ومن ثمَّ قواعد وشرائط تفصيلية تفيد أن الشيخ كان عالماً مجتهداً من نحو أول، وخبيراً قديراً في شوون الكتابة، وتعود عنايته الكبرى بهذه الشؤون إلى المنظور العقدي الذي يرى منه إلى مختلف أمور الوجود، فالكتابة، من هذا المنظور «من أجل المطالب الدينية… وهي، في زماننا هذا، بالنسبة إلى الكتاب والسنّة موصوفة بالوجوب مطلقاً…». يقرِّر الشيخ هذا الوجوب، ويشرحه فقهياً، ثم يتحدث عن موقع الكتابة ودورها وأهميتها، فيذكر بمبدأ الإخلاص، ويقول: «يجب على الكاتب إخلاص النيَّة لله تعالى في كتابته،كما يجب إخلاصها في طلبه العلم، لأنها عبادة وضرب من تحصيل العلم وحفظه…»، ويضيف «أن ثواب الكتابة ربما زاد على ثواب العلم في بعض الموارد بسبب كثرة الانتفاع به ودوامه، ومن هنا جاء تفضيل مداد العلماء على دماء الشهداء…
وانطلاقاً من هذه الرؤية تحدث عن مختلف أمور الكتابة والكتب: وجوب تحصيلها، حفظها، شروط إعارتها والنسخ منها والقراءة فيها وترتيبها في أماكن حفظها، وخصَّص للخط غير فقرة، ومن نماذج عنايته بالأمور التفصيلية التطبيقية نذكر:
– «… وإذا نسخ منه، بإذن صاحبه أو ناظره، فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه ولا يضع المحبرة عليه، ولا يمر بالقلم الممدود فوق الكتابة».
– إذا نسخ من الكتاب، أو طالعه، فلا يضعه على الأرض مفروشاً منشوراً، بل يجعله بين كتابين مثلاً، أو كرسي على الوجه المعروف، لئلا يسرع تقطيع حُبُلَه وورقه وجلده».
– «لا يهتم المشتغل بالعلم بالمبالغة في حسن الخط، وإنما يهتم بصحَّته وتصحيحه… ينبغي ألّا يقرمط الحروف ويأتي بها مشتبهة بغيرها بل يعطي كل حرف حقَّه… لا ينبغي أن يكون القلم صلباً جداً فيمنع سرعة الجري أو رخواً فيتسرع إليه الحفا…».
قد نقول: إن كثيراً من هذه الأحكام لم تعد ذات أهمية بحلول الطباعة محلّ النسخ، وهذا صحيح، لكن هذه الأحكام تمثِّل، من نحو أوَّل، وثيقة تاريخية ذات أهمية كبرى في تطوُّر الحضارة: الكتابة وإنتاج الكتب وحفظها والتعليم… ومن نحو ثانٍ مبادىء يمكن أن تستقى منها أحكام خاصَّة بالطِّباعة وبما يستجد من وسائل، ومن نحو ثالث مبادىء ينبغي أن نتعلَّمها نحن وأبناءنا لنجيد التعامل مع الكتب، والكتابة، وبخاصة أن علم الخط لم يعد ذا أهمية في مدارسنا الحديثة.
قسَّم الشيخ زين الدين المادَّة التعليمية – العلوم إلى قسمين: أوَّلهما العلوم الشرعية الأصلية، وثانيهما العلوم الفرعية، أو ما يتوقف على العلوم الأصلية من العلوم العقلية والأدبية.
والعلوم الشرعية الأصلية أربعة: علم الكلام وعلم الكتاب العزيز وعلم الأحاديث النبوية وعلم الأحكام الشرعية المعبَّر عنها بالفقه، فأما علم الكلام، ويعبَّر عنه بأصول الدِّين، فهو أساس العلوم الشرعية وقاعدتها، فبه يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته، أما علم الكتاب، فقد استقرّ فيه الاصطلاح على ثلاثة فنون قد أفردت بالتصنيف وأطلق عليها اسم العلم: أحدها علم التجويد وثانيها علم القراءة وثالثها علم التفسير.
أما علم الحديث فهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفةً حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم، وهو ضربان: رواية ودراية، فالأول العلم بما ذكر، والثاني: وهو المراد بعلم الحديث عند الإطلاق، وهو علم يعرف به معاني ما ذكر ومتنه وطرقه وصحيحه وسقيمه، وما يحتاج إليه من شروط الرواية وأصناف المرويَّات ليعرف المقبول منه والمردود ليعمل به أو يُتجنّب. أما الفقه فأصله، في اللغة، الفهم أو فهم الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من نصِّه أم استنباطاً منه.
والعلوم الفرعية هي التي تتوقَّف معرفة العلوم الشرعية عليها فهي: المنطق، النحو، التصريف، الاشتقاق، اللغة، المعاني، البيان، البديع، لغة العرب، أصول الفقه، علم الرّجال، فهذه عشرة علوم ترجع بحسب ما استقر عليه تدوين العلماء إلى ثمانية، فإن علم الاشتقاق قد أدرج في أصول الفقه غالباً وفي بعض العلوم العربية، وعلوم المعاني والبيان والبديع قد صارت علماً واحداً في أكثر الكتب الموضوعة لها، والتصريف داخل على النحو في أكثر الكتب.
وبقي علوم أُخر بعضها محرَّم مطلقاً كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة وكل ما يترتب عليه إثارة الشكوك، وبعضها محرَّم على وجه دون آخر كأحكام النجوم والرمل، فإنه يحرَّم تعلمها مع اعتقاد تأثيرها وتحقيق وقوعها ومباح مع اعتقاد كون الأمر مستنداً إلى الله تعالى…
وباقي العلوم، من الطبيعي والرّياضي والصناعي أكثره موصوف بالإباحة بالنظر إلى ذاته..
طالب هذه العلوم اثنان:
أوَّلهما من كان تعلّمه في ابتداء أمره وريعان شبابه، ومن هو أهل لهذه العلوم وله استعداد لتحصيلها ونفس قابلة لفهمها.
وثانيهما، القاصر عن درك هذا المقام، الممنوع بالمعوِّقات عن الوصول إلى هذا المرام. ويقدِّم الشيخ زين الدين برنامجاً للطالب الأوَّل ويسوّغه، وملخَّص هذا البرنامج:
1- حفظ كتاب الله تعالى وتجويده على الوجه المعتبر.
2- تعلم العلوم العربية: التصريف والنحو وبقية العلوم العربية.
3- المنطق
4- علم الكلام
5- أصول الفقه
6- علم دراية الحديث
7- قراءة الحديث بالرواية والتفسير والبحث والتصحيح
8- البحث في الآيات القرآنية المتعلقة بالآيات الشرعية
9- قراءة الكتب الفقهية: كتاب في مطالبه ورؤوس مسائله ومصطلحات الفقهاء وقواعدهم، وآخر في البحث والاستدلال واستنباط الفرع من أصله الخ… ويلاحظ الشيخ أن هذا العلم لا يستفاد إلاّ من أفواه المشايخ بخلاف غيره من العلوم.
10- تفسير الكتاب العزيز بأسره، ويلاحظ، هنا، أن وصول الطالب إلى هذه المرحلة يقتضي منه أن لا يقتصر على ما استخرجه المفسِّرون بأنظارهم فيه، بل يكثر من التفكُّر في معانيه، ويصفِّي نفسه للتطلُّع على خوافيه…
11- مطالعة كتب الحكمة من الطبيعي والرياضي والحكمة العملية… وما تحتاجه الحياة الدنيا من علوم لمن أراد التَّرقي وتكميل النَّفس..
12- العلوم الحقيقية والفنون الحقية فإنها لباب هذه العلوم ونتيجة كل معلوم، وبها يصل الطالب إلى درجة المقربين ويحصل على مقاعد الواصلين، ويدعو الشيخ أن يوصله الله ومخاطبه «الى ذلك الجناب، إنه كريم وهَّاب».
ويقدِّم الشيخ برنامجاً للطالب الثاني فيرى أن هذا يمكن أن يقتصر من هذه العلوم على ما يمكنه الوصول إليه متدرّجاً…، فان لم يكن له بد من الاقتصار فلا أقلّ من الاكتفاء بالعلوم الشرعية والأحكام الدينية، وإن ضاق الوقت أو ضعفت النفس عن ذلك فالفقه أولى من الجميع.
ثم، «فاذا فرغ عمَّا خلق له من العلوم فليشتغل بالعمل الذي هو زبدة العلم وعلة الخلق».
ويمكن للقارىء أن يلاحظ، في صدد المادة التعليمية وبرمجتها، ما يأتي:
1- تحكُّم الرؤية العقدية الإسلامية إلى العلم ووظيفته بالمادة التعليمية وبرمجتها…، فالعلوم شرعيَّة أصلية وفرعية مساعدة، ومحرَّمة ومباحة تقتضيها ضرورات الحياة.
2- مراعاة إمكانات طالب العلم لدى تصنيف الطلاَّب، فعلوم لمن هو أهل لها وله استعداد لتحصيلها ونفس قابلة لفهمها، وعلوم للقاصر عن درك هذا المقام.
3- دقَّة التقسيم والبرمجة.
4- التدرُّج من الأسهل فالسهل فالصَّعب فالأصعب..
5- تسويغ التقسيم والبرمجة، فعلى سبيل المثال يقول: إن طالب العلم إذا فرغ من حفظ القرآن الكريم الذي يمثِّل «مفتاحاً صالحاً ومعيناً ناجحاً، وليستنير القلب به، ويستعد بسببه إلى درك باقي العلوم»، «اشتغل بتعلُّم العلوم العربيَّة، فإنها أوَّل آلات الفهم، وأعظم أسباب العلم الشرعي، فيقرأ أولاً علم التصريف، ويتدرَّج في كتبه من الأسهل إلى الأصعب، والأصغر إلى الأكبر حتى يتقنه ويحيط به علماً».
6- تحصيل العلم وامتلاكه، ثم إنتاج المعرفة وابداعها.
7- في العلم ما لا يستفاد إلاّ من أفواه الشيوخ، فهؤلاء لا يقدّمون المعرفة فحسب، وإنما التأديب/ التربية، وسبل تحصيل المعرفة وإنتاجها، أي تكوين الشخصية.
ونرى، في ختام هذه القراءة، أن نركِّز بعض المعطيات التي تتيح لنا طرح فرضيَّة للنِّقاش في ضوء ما يتوافر لنا من معلومات:
1- سعى الشيخ زين الدين، وهو العالم الشيعي، إلى أن يحصل العلم على أيدي شيوخ المذاهب الإسلامية الأخرى…
2- عقد صلات علمية وشخصية وطيدة مع عدد من علماء هذه المذاهب، وليس بعيداً عن الصواب القول: إنه تباحث معهم في أمور خلافيّة.
3- أفاد من تعلّمه ذاك وصلاته تلك على غير مستوى، كما ذكرنا آنفاً.
4- سافر إلى اسطمبول، مقر السلطنة، وتمكَّن نتيجة علاقاته وإمكاناته العلمية من الحصول على إجازة بالتعليم في المدرسة النورية في بعلبك، ولتلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد على التعليم في مدرسة أخرى، ومن دون أن يحصل أي منهما على موافقة قاضي صيدا، وهي شرط كان لازماً للتدريس آنذاك. وقد مارس التعليم على المذاهب الخمسة ونجح في ذلك.
5- لم يلبث أن عاش مدَّة من الزمن متخفياً، وفي خوفٍ على دمه (سنة 955هـ كانت خاتمة أوقات الأمان).
6- أرسل قاضي صيدا في طلبه، وهو مختفٍ في كرم له في جُبَع، فأنكر أهل القرية وجوده، وللتخلُّص من الطَّلب رحل إلى الحج، فتابع القاضي سعيه، فقدم شكوى إلى السلطان تفيد أن الشيخ يشيع البدع، فأرسل هذا في طلبه ليحقِّق في الأمر، فتابع القاضي الأمر، ما أدَّى إلى أن يقتل الشيخ، وهو في طريقه إلى اسطنبول، حيث كان سيتم التحقيق معه.
7- تمكَّن أصدقاء الشيخ، في ما بعد، من قتل قاتله.
هل تتيح لنا هذه المعطيات طرح الفرضية الآتية للنقاش:
إنّ الشيخ زين الدين كان صاحب مشروع إسلامي توحيدي يتيح للعامليين الإماميين الخروج من «المَعْزَل» الذي فرض عليهم، والحوار مع أصحاب المذاهب الأخرى، وقد سعى في سبيل تنفيذ هذا المشروع، وكان تفرّده بالتأليف في المجال التربوي ينتظم في سياق السّعي إلى تحقيق هدفه من خلال بلورة نظرية إسلامية تربوية شاملة، وقد تمكن من تحقيق شيء من النَّجاح بمساعدة عدد من العلماء المستنيرين، ما أثار غضب قوى متعصّبة يمثلها قاضي صيدا آنذاك وخوفها، فسعت إلى قتله، ونجحت في ذلك، ما أدى إلى وأد مشروعه، وهذا ما كان يحدث كلَّما حاول عامليٍّ أن يخرج من «المَعْزَل» حاملاً مشروعاً توحيدياً، ما عدا الخروج الفعَّال إلى إيران. ومما يلاحظ أنَّ الباحثين في الفكر الديني الخلاَّق لا يرون إلى جهود علماء جبل عامل، فعندما يطرح صقر أبو فخر في مقالة له عنوانها: «لماذا لم ينشأ في لبنان فكر ديني خلاَّق؟»: «ما السر في عدم نشوء مراكز دينية ثقافية ذات فاعلية وحضور يتعدَّى في تأثيره البلد الواحد إلى رحاب عالمية؟»، نعلم أنَّه لم يطَّلع على المركزالديني الثقافي في جبل عامل الذي كان ذا فاعلية منذ أوائل القرن السادس الهجري، وحبَّذا لو تستلهم رؤية الشيخ زين الدين ليعود إلى فاعليته تلك.
د. عبد المجيد زراقط
المهدية
ـ 1 ـ
لقد بادر الخليفة الأول الفاطمي عبدالله المهدي بإنشاء مدينة المهدية، وذلك في مطلع القرن الرابع الهجري فقد كان يقدر قيمة وأهمية العامل البحري في المستقبل من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية وذلك من حيث تجريد الحملات العسكرية على الروم في جزر الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط وعلى السواحل الأوروبية وضد الأمويين في الأندلس، والعباسيين في المشرق خاصة. وأنه كان يريد إنشاء أمبراطورية قوية يكون بيدها زمام المبادرة ولذا رأى من الضروري أن تكون عاصمة دولته مدينة بحرية، حتى تصبح مركزاً لانطلاق الجيوش شرقاً وغرباً كما تكون أيضاً مركزاً تجارياً هاماً. ومن ثم تلعب دورها كاملاً في مجال الاقتصاد من حيث تصدير البضائع واستيرادها بحيث تقوم بدور حيوي في عملية التبادل التجاري إلى جانب النشاط العسكري، وبالفعل حينما تم بناؤها انتقل مركز الثقل إليها من القيروان. وأصبحت عاصمة الدولة وقاعدة عسكرية هامة برية وبحرية ومركزاً تجارياً ممتازاً وملجأ من ثورات البربر.
لقد شرع عبيد الله المهدي في إنشاء عاصمته الجديدة سنة 300هـ (914م) على ما ذهب إليه جمهور الباحثين)[347](. وقد خرج بنفسه للبحث عن مكان منيع لهذا الغرض. وبإمكاننا أن نستنتج بأن مكان بنائها كان مأهولاً من قبل والغالب أنه كان أحد المراكز الرومانية وتوجد الآن بهذا المكان حفر في الصخور على الساحل الشرقي للمدينة على شكل قبور والغالب أنها كانت قبوراً فينيقية أو رومانية)[348](. ويمتاز المكان الذي بنيت فيه العاصمة الجديدة للخلافة الفاطمية بحصانة طبيعية فهو عبارة عن لسان من الأرض داخل في البحر شبهه البعض «بكف متصلة بزند» حيث يحيط البحر به من جميع جهاته ما عدا الجانب الغربي)[349](. ولا شك أن بناءها في ذلك المكان الحصين يدل على مدى بعد نظر عبيد الله المهدي. وقد أطلق عليها اسم البيضاء أيضاً)[350](. وبذل كل ما في وسعه ليجعلها بمثابة قلعة منيعة الجانب على من رام غزوها)[351](.
وبالرغم من حصانتها الطبيعية كما ذكرنا، فإن المهدي أمعن في اتقانها، وإحكام بنائها حتى أن القاضي النعمان، يقول عنها: «وكانت من أعجب الآثار، بناها بالحجارة وبوّبها بأبواب الحديد المحض»)[352](. وذكر ابن حوقل أيضاً أنه لم ير في معمور الأرض شبيهاً ولا نظيراً لبابها الرئيسي)[353](. وقد استغرق بناؤها ثماني سنوات حيث كمل سورها سنة 305هـ (919م) وتمّت الأشغال بها سنة 308هـ/ 922م لقد استقر المهدي بها ونقل إليها مختلف المصالح الإدارية وذلك في شهر شوال)[354](. وبقيت عاصمة الخلافة إلى أن تولى الأمر إسماعيل المنصور فبنى عاصمة جديدة في المنصورية)[355](. وانتقل إليها وبذلك قل شأن المهدية)[356](.
لقد نوّه كثير من المؤلفين بحصانة المهدية، ومناعتها وكثرة مرافقها واعتناء المهدي بها حيث أكثر فيها من بناء الدور والقصور وجعل أبوابها من الحديد الخالص وملأ مخازنها بمختلف المؤن وحفر فيها مواجل الماء حتى بلغت ثلاثمائة وستين ماجلاً غير ما يجري إليها في قناة جلبه إليها من قرية ميالش)[357](. وذلك على اعتبار أن سكانها يستهلكون كل يوم ماجلاً واحداً ولا شك أن هذا نهاية في حسن التدبير وبعد النظر أما إبارها فماؤها غير عذب. وبفضل حصانتها وكثرة ما بها من المؤن صمدت في وجه حصار صاحب الحمار)[358](.
وبالرغم من حصانتها فإن المهدي أحاطها بسور محكم وصفه ابن حوقل بقوله: «ولها سور من حجارة وله بابان ليس لهما فيما رأيته من الأرض شبيه ولا نظير غير البابين اللذين على سور الرافقة)[359](. وعلى مثالهما عملا ومثل شكلهما اتخذا»)[360](.
كما وصف هذا السور أيضاً بالعظمة والعلو: «وعليها سور محكم كأعظم ما يكون يمشي عليه فارسان»)[361](. وهناك من ذهب إلى أبعد من هذا حيث قال بأنه يسير عليه ستة فرسان)[362](. ويبدو أن هذا الخبر مبالغ فيه. ولكن إذا ما كان عرضه مساوياً لعرض حائط الباب الذي لا يزال قائماً ويسمى «بالسقيفة الكحلاء» فيحتمل أن يكون ذلك صحيحاً)[363](.
ولم يبق لهذا السور الآن أي أثر، وبالإضافة إلى حصانة هذا السور وإحكام بنائه فإن المهدي جعل به مختلف وسائل الدفاع وذلك حسب الوصف الذي نقله مرسيه عن مرمول في كتابه «الوصف العام لإفريقية» DESCRIPTION GENERALE D’AFRICA )[364](.
أما بالنسبة إلى باب المهدية الرئيسي فقد نوّه كثير من الباحثين بضخامته ومتانته، واتقان صنعه ويتكون من مصراعين مصنوعين من الحديد الخالص، لفق بعضه على بعض وزن كل واحد منهما مائة قنطار، وطوله ثلاثون شبراً)[365](. وهناك من قال بأن للمهدية أكثر من باب واحد. قال البكري: «ولمدينتها بابا حديد لا خشب فيهما زنة كل باب ألف قنطار في كل مسمار من مساميرها ستة أرطال»)[366](. كما قال الإدريسي أيضاً: «وعليها بابان من حديد وليس في معمور الأرض مثلها صنعة ورشاقة، وهما من عجائبها»)[367](. ولكن يحتمل أن كلاًّ من البكري والإدريسي يقصد بالبابين المصراعين. غير أن الحموي ذكر أن لها بابين بأربعة مصاريع لكل باب دهليز يحمل خمسمائة فارس)[368](. ولكن حسبما ذكره مرسيه عن مرمول MARMOL فإن للمهدية باباً رئيسياً واحداً يدار على الزجاج ليسهل فتحه وغلقه وقد صنع باب زويلة بالقاهرة على شاكلته. وتوجد بالإضافة إلى ذلك أبواب أخرى صغيرة ذات مصراعين أيضاً)[369](.
وهناك من ذكر بأن باب المهدية الرئيسي صنع بتوجيهات من عبيد الله المهدي فهو الذي أمر بجعل صفائح من حديد مصمتة، ثم وضعت فيها المسامير ولما بقيت تتقلقل أمر الصناع بإيقاد النار تحتها حتى التهبت فاتصلت المسامير بالصفائح فصارت كلها قطعة واحدة)[370](. وإذا كان هذا الخبر صحيحاً فإنه يدل على أن عبيد الله المهدي كان يتدخل في كل شيء وله خبرة حتى بأمور البناء وتوجد على هذا الباب صور الأسود فكل مصراع عليه صورة أسدين متقابلتين، يحمل كل منهما عصا بأظافره ومثل هذه الصور ترمز إلى القوة والشجاعة.
وبعد ما تم بناء المهدية أصبحت مركز النشاط السياسي والتجاري، حيث راجت فيها التجارة، وتدفقت عليها الأموال وكثرت فيها البضائع وتنوعت وأصبحت محطة للتصدير والاستيراد براً وبحراً إلى بلاد المشرق والأندلس، وبلاد الروم، بالإضافة إلى القوافل التجارية بينها وبين مختلف مناطق المغرب، وبذلك أصبحت محط أنظار أرباب الثروة والمال. قال الإدريسي بهذا الصدد: «وإليها تجلب البضائع الكثيرة بقناطير الأموال على مر الأيام… وكانت فيما سلف المسافر إليها كثير والبضائع إليها مجلوبة من سائر البلاد والأقطار والأمتعة والمتاجر بها نافقة وفيها بائعه..» )[371](.
وبما أنها عاصمة الخلافة فإن وسائل الحضارة تركزت فيها أكثر من غيرها. ويدل على ذلك كثرة ما بها من الحمامات والخانات وتنوع وسائل الترف والأناقة وحسن المظهر حتى وجدت فيها طبقان مذهبة كما كان أهلها حسان الوجوه نظاف الثياب)[372](.
لقد اشتملت المهدية على عدة مرافق مدنية وعسكرية وإدارية ودينية وفي مقدمة المرافق المدينة، قصر عبيد الله المهدي، وقصر ولي عهده أبي القاسم اللذان اختار لهما المهدي موقعاً استراتيجياً من المدينة فقصره يقع غرب المرسى وتفتح أبوابه نحو الغرب أما قصر أبي القاسم فيقع إلى الغرب منه وشرق دار المحاسبات وتفتح أبوابه إلى الشرق، وبذلك يتقابل القصران وتفصلهما عن بعضهما مسافة تقدر بنحو عشرة أمتار يمكن أن نطلق عليها اسم «بين القصرين» ويبعد قصر المهدي عن باب المهدية الرئيسي بنحو رمية سهم. ومن هنا تتجلى أهمية موقعه الدفاعي حيث يمكن لحراسه أن يراقبوا منه الباب الرئيسي للمدينة، ويقاوموا العدو المهاجم دون أن يبرحوا أماكنهم.
إن قصر المهدي مبني بالاجر والجص ولا تزال آثاره قائمة وقد رسمت على جداره صورة أسد كما رسم على حائطه أيضاً قوس ونبل صوب الشرق، ولا شك أن ذلك يرمز إلى أنه سيتجه بفتوحاته نحو الشرق وينشر فيه نفوذه. ويشبه هذا القصر في شكله القلاع العسكرية، وسمك أساس جداره أوسع من الجدار ذاته. قال البكري عنه: «وقصر عبيدالله المهدي كبير سربي المباني بابه غربي وقصر أبي القاسم بإزائه بابه شرقي»)[373](.
ومن جهة أخرى فإن بقايا آثار قصر المهدي لا توجد بها الرسوم والزركشة بالدرجة التي توجد ببقايا قصور بني الأغلب برقادة مما يدل على أن المهدي لم ينغمس في البذخ والترف بالدرجة التي انغمس بها بنو الأغلب ورغم ذلك فهناك ما يدل على أن مهندسي الفاطميين المعماريين، تفننوا في تزيين وتجميل قصر المهدي.
إن قصر المهدي توجد به عدة أبهاء وممرات وقاعات تختلف في مساحاتها. ولا شك أن بعضها للاجتماعات العامة وبعضها الآخر للاستقبالات والمصالح المتعددة حيث يجب الاعتراف بمهارة البنّائين الذين أتقنوا بناءه وأحكموه، ومما يلاحظ على كل من القصرين موقعهما الدفاعي الممتاز، وقد استعمل قصر المهدي مركزاً للجيش في العهد التركي، كما استعمل مركزاً للدرك في عهد الاحتلال الفرنسي)[374](.
ولما بنى جوهر الصقلي القاهرة جعل قصر المعز إلى الشرق، وقصر ابنه العزيز إلى الغرب منه حيث راعى في ذلك موقع كل من قصري المهدي وأبي القاسم)[375](. الأمر الذي يدلنا على أنه اقتدى في تخطيطه للقاهرة بمدينة المهدية.
ومن مرافق المهدية أيضاً مسجدها الرئيسي ويقع، جنوب غرب دار المحاسبات التي تفصل بينه وبين قصر أبي القاسم. ويبدو لي أن حجمه قريب من حجم مسجد عقبة بن نافع بالقيروان سواء في ذلك سعة الصحن أو قاعة الصلاة. ويتكون حرمه من فناء وقاعة للصلاة. وشكل الفناء مستطيل حيث يبلغ طوله خمسين متراً وعرضه تسعة وثلاثين متراً)[376](. أما بيت الصلاة فهي أصغر منه فطوله ثمانون خطوة، وعرضها أربع وثلاثون خطوة.
لقد أدخلت على مسجد المهدية إصلاحات وترميمات طغت على شكله الأصلي غير أنه لم يدخل عليه تغيير جوهري سواء في حجمه أو في مختلف مرافقه فقد أدخلت عليه ترميمات في سنة 1280هـ (1814م) )[377]( كما أدخلت عليه إصلاحات أيضاً في السنوات الأخيرة وتوجد به ستون نافذة لدخول الشمس والهواء فأربعون على جانبه، وعشرون في قبته، كما توجد به أربع وستون سارية تكون ثمانية صفوف حيث تقسم بيت الصلاة إلى تسعة ممرات باتجاه القبلة، كما تكون من جهة أخرى سبعة صفوف من اليمين إلى اليسار. وبذلك يتكون بينها في هذا الاتجاه ثمانية ممرات، وهناك ساريتان صغيرتان على جانبي المحراب الذي توجد به رموز لأشعة الشمس ذات خمسة وتسعة أعمدة وشكل وردة من ثلاثة فروع، وفي فئة المحراب أيضاً أحد عشر برجاً، وتسع أسطوانات رأسية، حيث يلاحظ أن كل هذه الرموز الموجودة بالمحراب فردية.
ومن جهة أخرى فإنه يوجد في كل زاوية من زوايا المسجد الأربع خزان لماء المطر على شكل أسطواني وكل خزّان مفتوح من السطح لتنسكب فيه مياه الأمطار وذلك بقصد الاستفادة منها عند الحجة ولا شك أن هذا يدل على مدى بعد نظر عبيد الله المهدي. وهذه الخزانات مبنية بطين محروق مخلوط بالرمل والجص والرماد، وفي نفس الوقت فهو مغطّى بطبقة أخرى محروقة مما جعل بناءه على غاية من القوة والصلابة ولا تزال هذه الخزانات على حالها.
ومما يلفت النظر إلى مسجد المهدية هو عدم وجود مئذنة به أصلاً ولم نجد تفسيراً لهذا وربما ذلك راجع إلى أن المهدي تجنب وجودها حتى لا يشبه مسجده في هذه الناحية بالكنائس. كما أن مدخل هذا المسجد منخفض، حيث إن من أراد الدخول إليه يجب عليه أن ينزل لأن بابه منحدر وهذا عكس ما عليه عامة المساجد فالداخل إليها يجب أن يصعد أثناء دخوله والغالب أن ذلك أصل وضعه، لأن آثار قصر أبي القاسم إلى الشرق منه توجد في مكان مرتفع فهل هذا راجع إلى وعورة المنطقة أم أنه عملية مقصودة لغرض من الأغراض؟
والملاحظ أيضاً أن الباب الأوسط لبيت الصلاة أعلى وأوسع من بقية ألأبواب الجانبية الأخرى حيث يظهر للناظر وكأنه قوس بصر كما أن السقف الذي يلي هذا الباب أعلى أيضاً من غيره. والسواري التي على جانبي هذا الممر باتجاه المحراب أكثر سمكاً من غيرها، وأكثر عدداً أيضاً، فهي أربع بينما غيرها اثنتان فقط.
ومن المرافق العسكرية والصناعية بالمهدية مرساها الذي يوجد شرق قصر عبيدالله المهدي وهو عبارة عن حوض قائم الزوايا صنعته يد الإنسان في الصخور، ويتصل بالبحر بواسطة ممر. ولا تزال معالمه قائمة وتوجد حوله الآن مقبرة حديثة)[378](.
لقد كان هذا المرسى مركزاً للرسو والإقلاع، ومكاناً ممتازاً للنشاط التجاري، والعسكري، والمنطقة الأولى لصناعة السفن. ويقول عنها البكري ـ: «وهي مرفأ لسفن الإسكندرية والشام وصقلية والأندلس وغيرها. ومرساها منقور في حجر صلد ييسع ثلاثين مركباً… ودار الصناعة بشرق قصر عبيد الله تسع أكثر من مائتي شيني»)[379](. وعلى هذا فهي محطة استراتيجية لرسو السفن وانطلاقها على اختلاف أحجامها وأنواعها كما أنها أيضاً مكان هام لبناء السفن ومركز تجاري حساس ولا شك أنه يوجد بها صناعات أخرى على اعتبار أنها مكان لجلب وتصدير مختلف المواد الأولية، والمنتوجات الصناعية.
وبالإضافة إلى سعتها فإنها على غاية من الحصانة والمناعة لأنها منقورة، في حجر صلد كما سبق وعلى طرفي مدخلها برجان تجمع بينهما سلسلة حديد. كما يجمع بينهما قوس تمر تحته السفن وما زال شكل هذا القوس قائماً وقد استعملت هذه السلسلة بمثابة بوابة لها، وبإمكان حرّاسها فتحها وغلقها، وذلك خوفاً من غارات الروم)[380](.
وزيادة على هذه الحصانة الطبيعية فإن عبيدالله المهدي حصنها بسور المدينة أيضاً. كما توجد مراكز للحراسة البحرية حولها. ويذكر مرسيه أنه يوجد تشابه بين برجي مرسى المهدية وبين بعض حصون المغرب ومنارة الإسكندرية، الأمر الذي يدلنا على أن المهدي تأثر في تحسينها بمختلف الثغور والحصون البحرية في المغرب ومصر. وذكر أن تصميماً لهذا المرسى يرجع إلى سنة 1554م أورده سميت SEMET في كتابه المهدية MAHDIA يدلنا على أنها كانت مدعمة من الخارج بدعامات وتحصينات مختلفة)[381](.
ولمصلحة عسكرية دفاعية راعى عبيدالله المهدي بعداً معيناً بين المرسى ووسط المدينة حيث تقدر المسافة الفاصلة بينهما برمية سهم. ويقول البكري بهذا الصدد: «وعرض المدخل إلى المهدية من القبلة إلى الجوف قدر غلوة…» )[382](. ولا شك أن المقصود من ذلك حتى يمكن مقاومة المهاجم لها من وسط المدينة وشأنه في هذا كشأنه في مراعاة بعد باب المهدية الرئيسي عن قصره كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
ويمثل مكان مرسى المهدية خليجاً هاماً لرسو السفن وحمايتها من العدو ومن الرياح أيضاً وقد لعبت يد الإنسان دورها في هذا المجال حيث يمكن القول بأن جزءاً كبيراً منها نقر في حجر صلد حتى أصبحت على ما هي عليه)[383](. وحصانتها هذه هي التي جعلت الروم يتجنبون مهاجمتها وذكر ابن عذاري بهذا الصدد ما نصه: «وبها دار صنعة الإنشاء العجيبة يخرج الجفن معموراً من خلف السور فلا يعلم به أحد حتى يفاجئ العدو القاصد فيحيط به فلا يقر بها العدو لأجل ذلك»)[384](. وتوجد بها دهاليز ومخازن للماء والطعام ومختلف أنواع العتاد الحربي)[385](.
وبالرغم من حصانة المهدية كما ذكرنا فإن الخليفة الأول جعلها مقراً لإقامته ولرجال دولته وضباطه، وجنوده بالإضافة إلى مختلف المصالح الإدارية وكان أمر سنة 305هـ (919م) بإنشاء ضاحية بالقيروان أطلق عليها اسم القاسمية انتقل إليها التجار وأهل الصناعات. وأمر أن تبنى ضاحية خاصة ليسكن فيها عامة الناس، وهي المسماة بزويلة، نسبة إلى إحدى القبائل البربرية. وأحاطها بسور وأبواب وجعل عليها حراساً وتقع غرب المهدية وتبعد عنها بنحو رمية سهم فهي ربض لها، وقد بناها بالحجر وأحكم بناءها وجعل خارج سورها من الناحية الغربية خندقاً كبيراً لتستقر فيه مياه الأمطار. ولا شك أنه اتخذه كحاجز في وجه العدو المهاجم في وقت الحرب والاستفادة من مائه في أغراض أخرى وفي وقت السلم.
وكان الناس في النهار يقصدون المهدية التي توجد فيها دكاكينهم ومحلاتهم التجارية ليمارسوا مختلف مهنهم وبالليل يعودون إلى أسرهم بزويلة.
الدكتور مرمول محمد الصالح
المهدية
ـ 2 ـ
قصبة المهدية العتيقة من موقعها المرتفع على هضبة صخرية على الضفة اليسرى لمصب نهر سبو في المحيط الأطلسي، تقف شاهدة على أحداث تاريخية لمواجهة المغرب للغزاة الأجانب من قرطاجيين ورومان وبرتغاليين وإسبان وفرنسيين. تبدو القصبة العتيقة التي لا تبعد عن العاصمة الرباط إلا أربعة وثلاثين كيلومتراً محاطة بسور عالٍ حفرت دونه خنادق عميقة، وعلى السور الشمالي المنعرج المواجه للنهر يبرز برجان دفاعيان مزودان كوات مقوسة مخصصة للمدافع بناهماه الإسبان أثناء احتلالهم للقلعة في القرن الرابع عشر الميلادي.
ويذهب محمد سعيد سوسان في مؤلفه «قصبة المهدية» في وصفه للمعالم الحالية لهذه القصبة ليجول مداخل القصبة وأركانها المختلفة، ويتوقف عند الباب الجديد القائم جهة الشرق وهو المدخل الرئيسي للقصبة الذي يتميز بطابعه المغربي العريق، إذ بني على غرار الأبواب الدفاعية الموحدية والمرينية، ويرتفع إلى جانبيه برجان ضخمان للمراقبة والدفاع.
وجاء هذا الباب الشرقي مواجهاً للبر بأمر من السلطان العلوي مولاي إسماعيل في أواخر القرن السابع عشر الميلادي ويعد من أجمل مآثر قصبة المهدية. وصمد هذا الباب منذ تشييده في تلك الفترة في حال جيدة رغم تعرض المنطقة لزلزال مدمر في سنة 1755، إلى أن سقطت عليه قذائف القوات الفرنسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1942، فتهدم نصفه العلوي وأعيد بناء الجزء المنهار في ما بعد.
وأنت داخل القصبة، وقبل أن «تحلق» في حدائقها الخلفية، تكتشف على يسارك ممرات ودهاليز ومخازن للمؤن ومستودعات الأسلحة وصهاريج، تصميماتها شاهدة على غنى الهندسة المغربية المتمثلة في الأعمدة الرخامية والعقود المخصصة والأقواس المقرنصة، والجدران المرصعة بالزليج والمنقوشة بصناعات الجبس والخشب، وأنت تسير نحو الوسط على أرض مغروسة بالزليج الملون، تطل عليه نافورة ماء بديعة تتوسط فناء المنزل، وفي جوار هذه البناية تجد تجمعاً يضم مسجداً وحماماً ومدرسة لم يبق منها إلا أجزاء من جدران متهدمة.
وتصادفك على اليسار ساحة مكشوفة فيها حجرات ضيقة اصطفت على جوانبها حوانيت للباعة يبدو أنها ضيقة استعملت أيضاً ثكنة للجنود. كما تفاجأ في أقصى الجنوب ببناية غريبة الشكل يفضي مدخلها الضيق إلى قاعة يرتفع لها سقف مقبب تخترقه في مركزه قناة واسعة مفتوحة إلى السماء، وهذا التصميم يثير فضول الزائر حول الغاية التي أنشئت من أجلها هذه البناية التي يرجع بناؤها للإسبان، لكن المؤلف محمد سعيد يستدل من شكلها أنها ربما كانت مخزناً للبارود يلقى به من الفتحة العلوية ويسحب عند الحاجة من الدهليز الأرضي.
وإذا حاولت البحث في أصل القصبة العتيقة، تحار بين تسميات متعددة تعاقبت بتعاقب الحقب والعصور، وترشدك أقدم الوثائق إلى مدينة أسست بهذا الموقع في عهد الفينيقيين عرفت باسم «تيماتيريون» Thymateriona. ويسافر بنا محمد سعيد إلى فترة قديمة ترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد حين قام البحار القرطاجي حنون Hannon برحلة شهيرة إلى ساحل إفريقيا الغربي على رأس مركب تحمل ثلاثين ألف شخص قصد البحث عن طريق سوق الذهب وتشييد مدن على هذا الساحل. ويستدل البحار القرطاجي في ما دونه عن هذه الرحلة أنه اجتاز أعمدة هرقل على مضيق جبل طارق وأسس بلداً سماه Hymaterion، ويظهر ان المدينة انقرضت إذ لم يعد لها ذكر في الوثائق القديمة، إلا أن موقعها صار يعرف بعد الاحتلال الروماني لشمال غرب المغرب باسم «سبور Subura».
وعلى أرض الواقع لا تعثر على أي أثر فينيقي أو قرطاجي أو روماني عند مصب نهر سبو الذي وصفه الرحالة في تلك الفترة بنهر عظيم للملاحة، لكنك تجد على ضفته اليسرى آثاراً بارزة لمدينة رومانية هي «تيموسيدة Thamusidaa» وإلى الداخل آثار «بناسة Banasaa» المدينة الفينيقية التي أعاد الرومان بناءها.
وفي المقابل، لم يتوقف المؤلف في العثور في المصادر التاريخية القديمة قبل القرن العاشر الميلادي، على أي ذكر لتجمع سكّاني على مصب نهر سبو، لكنه وجد إشارة لذلك في مؤلَّف «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» الذي يرجع إلى سنة 1154 للجغرافي المغربي الشريف الإدريسي. وشكّلت قصبة المهدية العتيقة محور خطط ممنهجة متتالية تعارضت حولها مصالح الغزاة الأجانب الذين كانوا يبحثون عن تحصين مواقعهم، خصوصاً في القرن السادس عشر الميلادي حين برزت مدينة المعمورة الواقعة على مصب نهر سبو كمركز تجاري حيوي ونشيط ومنفذ إلى سهل الغرب الغني مما كان يثير أطماع الأوروبيين واهتمامهم.
ومع مطلع القرن السابع عشر الميلادي، استقر القراصنة من مختلف الجنسيات، خصوصاً من إنكلترا وهولندا في المدينة مستغلين الفوضى العارمة التي عرفها المغرب في تلك الفترة نتيجة التنازع على الملك وتقلّص نفوذ السلطان وانتشار الفتن والاضطرابات. وأحكم القراصنة سيطرتهم على المعمورة تحت قيادة قبطان إنكليزي يدعى هنري مانوارينغ في الفترة ما بين 1610 و1614، وصاروا يشكّلون خطراً حقيقياً في الطريق التجاري المؤدّي إلى الهند.
وللدفاع عن مصالحهم، بدأت انكلترا وإسبانيا والبرتغال تقدم عروضاً للتفاوض مع زعيم القراصنة دون التوصل إلى نتائج مرضية.
ولجأت هولندا إلى توقيع معاهدة تحالف مع السلطان السعدي مولاي زيدان في حزيران (يونيو) 1912 للتصدي لأي هجوم يشنّه الإسبان الذين كانوا يسعون نحو احتلال أهم الثغور المغربية لضمان حرية مرور بواخرهم التجارية. واستطاعوا في آب (أغسطس) 1914 الاستيلاء على قلعة المعمورة وشرعوا في تحصينها وغيّروا اسمها إلى سان ميكيل دواولتراما. ولم تفلح ست غزوات على عهد السلطان مولاي زيدان في تحرير المعمورة إلا في أواخر القرن السابع عشر حين تم ضرب حصار شديد دام بضعة أشهر. واستسلم الحاكم الإسباني للقلعة دون خوان بينالوسي بعد حضور السلطان العلوي مولاي إسماعيل شخصياً وأطلق عليها آنذاك المولى إسماعيل إسماً جديداً «المهدية».
وهكذا تدهور نشاط المهدية إلى أن اضمحل بمغادرة تجارها إلى العاصمة الرباط، لكن نصب قصبة المهدية ظل صامداً يذكر بمحطات ولادة واستحضار حضارات متنوعة.
إقبال إلهامي
المهدية اليوم
المهدية الآن إحدى معتمديات ولاية سوسة بالجمهورية التونسية وهي عاصمة لحوالي خمسين ألف نسمة أما سكان المدينة نفسها فكانوا سنة 1973 حوالي ثمانية وعشرين ألفاً والمهدية غنية بأشجار الزيتون والحبوب والذرة البعلية والمسقية كما تشتهر، بالصيد البحري أيضاً وهي مدينة على الطراز العصري نظيفة الشوارع والمباني، يوحي مظهرها بأنها ذات ماضٍ مجيد وأنها كانت عاصمة لدولة قوية عزيزة الجانب ورغم أهميتها التاريخية فلا يوجد بها متحف وما عثر عليه من آثارها نقل إلى متحف القيروان.
المهذّب البارع
في شرح المختصر النافع
تأليف: الشيخ جمال الدين أبي العبّاس أحمد بن محمد بن فهد الحلّي (757 ـ 841 هجرية).
هو شرح لكتاب «المختصر النافع» في فقه الشيعة، للمحقّق الحلّي أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي (602 ـ 676هـ) أورد في كلّ مسألة أقوال علماء الشيعة وأدلّة كلّ قول، وبيّن الخلاف في كلّ مسألة خلافية، وغيرها ممّا يتعلّق بتلك البحوث.
المهذب في الفقه
تأليف: ابن البرّاج، القاضي عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البرّاج الشامي، قاضي طرابلس، المتوفى بها سنة 481هـ، فقيه الإمامية ووجه الأصحاب، كان تلميذ الشريف المرتضى والشيخ الطوسي.
الكتاب من أمهات المتون الفقهية.
المهناوية
تقع مدينة المهناوية على بعد 40 كلم عن مركز محافظة الديوانية (العراق) وبحدود 20 كلم عن قضاء الشامية الذي تعتبر هذه المدينة من توابعه ـ وعن النجف بحدود 60 كلم.
نشأت هذه المدينة على هيئة قرية صغيرة على تلٍ يدعى تل كوير على شكل تجمع سكاني عشائري خاص بعشائر آل فتلة، لذا ينسب أول سوق تم إنشاؤه على الجهة اليمنى من نهر الجيجان إلى الشيخ عبادي آل حسين شيخ عشائر آل فتله. يرجع أصل تسميتها إلى شخص يدعى ناصر المهنا من عشيرة الخزاعل «أو مهنا الهيس»، ذلك لأن هذا الرجل حفر نهراً من نهر السبل القديم «نهر الحلة ـ الديوانية» فحمل النهر اسم المهناوية كذلك حملت المدينة نفس الاسم، إذ يعتبر نهر المهناوية أقدم بكثير من نهر الجيجان الذي قامت بحفره عشائر آل فتله.
تتميز مدينة المهناوية بالتركيبة الاجتماعية العشائرية المتباينة وتعتبر واحدة من مواطن عشائر آل فتله، فالزائر لهذه المدينة يشاهد العادات والتقاليد العشائرية بارزة من خلال مضايفها الكثيرة وكرم أهلها، وشجاعتهم ومواقفهم البطولية حيث شهدت لهم الانتفاضة الشعبانية حيث كان لأبناء هذه المنطقة الدور الفعّال في هذه الثورة المباركة.
ومن قبل قاوموا الدولة العثمانية عندما اتّبعت سياسة التتريك وكذلك قاتلوا الإنكليز عام 1916 عندما دخلوا العراق.
ولهم الدور الكبير في ثورة العشرين على الإنكليز.
من الناحية الاقتصادية، تعتبر هذه المنطقة من المناطق الزراعية المشهورة لما تتميز به من أرض بالغة الخصوبة وتحتضنها المياه. لذا اشتهرت بزراعة الشلب والحنطة والشعير والنخيل ولهذا رتّبت نفسها بطريقة تجارية اقتصادية خاصة.
أبرز معالمها الجمالية وثرواتها المائية النهران المتوازيان «الجيجان» و«المهناوية».
وتقع المدينة على نهر الجيجان المتفرع من نهر الشامية الذي تسكن الناحية على يساره، حيث إن موقعها المتوسط والقريب من العديد من المدن والمحافظات أكسبها نوعاً من الفعاليات والنشاط التجاري والاقتصادي.
عباس السلطاني
المهياريات)[386](
وهي قصائد نظمها مهيار الديلمي في أهل البيت عليهم السلام نأخذ بعضها فيما يلي:
قال يرثي أمير المؤمنين عليّاً وولده الحسين عليهما السلام، ويذكر مناقبهما:
يزوِّر عن «حسناء» زورة خائف
تعرُّضُ طيفٍ آخرَ الليل طائفِ
فأشبهها لم تغدُ مسكاً لناشقٍ
كما عوّدت ولا رحيقاً لراشفِ
قصيَّة دارٍ قرَّبَ النومُ شخصَها
ومانعة أهدى سلامَ مساعِف
ألينُ وتُغرى بالإباء كأنما
تبَرُّ بهجراني أليّة حالِف
و«بالغور» للناسين عهديَ منزلٌ
حنانيك من شاتٍ لديه وصائفِ
أغالط فيه سائلاً لا جهالةً
فأسأل عنه وهو بادي المعارِف
ويعذلني في الدار صحبي كأنني
على عَرَصات الحبّ أولُ واقفِ
خليليَّ إن حالت – ولم أرض – بيننا
طِوالُ الفيافي أو عِراض التنائِف،
فلا زُرَّ ذاك السُّجفُ إلا لكاشفٍ
ولا تمَّ ذاك البدر إلا لكاسفِ
فإن خفتما شوقي فقد تأمنانِهِ
بخاتلةٍ بين القنا والمخاوف
بصفراء لو حلَّت قديماً لشاربٍ
لضنَّتْ فما حلَّتْ فتاةً لقاطفِ
يطوف بها من آل «كسرى» مقرطقٌ)[387](
يحدث عنها من ملوك الطوائفِ
سقى الحسنُ حمراءَ السلافةِ خدَّه
فأنبع نبتاً)[388]( أخضرا في السوائفِ)[389](
وأحلفُ أنَّى شُعشعتْ لي بكفِّه
سلوتُ سوى همِّ لقلبي محالفِ
عصيت على الأيام أن ينتزعنه
بنهِنى عذولٍ أو خداعِ ملاطفِ
جوىً كلما استخفي ليخمدَ هاجه
سنا بارقٍ من أرض «كُوفَانَ» خاطفِ
يذكّرني مثوَى «عليّ» كأنني
سمعت بذاك الرزء صيحة هاتفِ
ركبت القوافي ردف شوقي مطيّةً
تخُبُّ بجاري دمعيَ المترادفِ
إلى غايةٍ من مدحه إن بلغتها
هزأتُ بأذيال الرياح العواصفِ
وما أنا من تلك المفازةِ مدركٌ
بنفسي ولو عرَّضتُها للمتالف
ولكن تؤدّى الشهدَ إصبعُ ذائقٍ
وتعلَقُ ريحَ المسك راحةُ دائفِ)[390](
بنفسيَ من كانت مع الله نفسُه
إذا قلَّ يومَ الحق مَن لم يجازفِ
إذا ما عزوا ديناً فآخرُ عابدٍ
وإن قسموا دنيا فأوّلُ عائفِ
كفى «يوم بدر» شاهداً «وهوازن»
لمستأخرين عنهما ومزاحِف
«وخيبر» ذات الباب)[391]( وهي ثقيلة الـ
ـمرام على أيدي الخطوب الخفائفِ
أبا «حَسَنٍ» إن أنكروا الحقَّ [واضحاً])[392](
على أنه والله إنكارُ عارفِ
فإلا سعى للبين أخمصُ بازلٍ
وإلاّ سمت للنعل إصبعُ خاصفِ
وإلا كما كنت ابنَ عمِّ ووالياً
وصهراً وصِنواً كان من لا يقارفِ)[393](
أخصَّك بالتفضيل إلا لعلمه)[394](
بعجزهمُ عن بعض تلك المواقف
نوى الغدرَ أقوامٌ فخانوك بعدّه
وما آنِفٌ في الغدر إلا كسالِف
وهبهم سَفاهاً صحّحوا فيك قولَهُ
فهل دفعوا ما عنده في المصاحفِ
سلام على الاسلام بعدك إنهم
يسومونه بالجَور خُطّةَ خاسِف
وجدّدها «بالطّفِّ»)[395]( بابنك عصبةٌ
أباحوا لذاك القرف)[396]( حكة قارف
يعز على «محمد» بابن بنته
صبيبُ دمٍ من بين جنبيك واكفِ
أجازوك حقّاً في الخلافة غادروا
جوامع)[397]( منه في رقاب الخلائفِ
أيا عاطشاً في مصرَعٍ لو شهِدتُهُ
سقيتك فيه من دموعي الذوارفِ
سقى غُلّتي بحر بقبرك إنني
على غير إلمامٍ به غير آسفِ
وأهدَى إليه الزائرون تحيّتي
لأشرُفَ إن عيني له لم تشارفِ
وعادوا فذرّوا بين جنبيّ تربة
شفائيَ مما استحقبوا)[398]( في المخاوفِ
أُسِرّ لمن والاك حبَّ موافقٍ
وأُبدِي لمن عاداك سبَّ مخالفِ
دعيٌّ سعَى سَعْيَ الأُسودِ وقد مشى
سواه إليها أمسِ مشَى الخوالفِ)[399](
وأغرى بك الحسادَ أنك لم تكن
على صنم فيما روَوْه بعاكفِ
وكم حاسدٍ لي ودَّ لو لم يعش ولم
أُنابِلهُ)[400]( في تأبينكم وأسايفِ)[401](
تصرّفتُ في مدحيكُمُ فتركته
يَعضُّ على الكفِّ عضَّ الصوارفِ)[402](
هواكم هو الدنيا وأعلم أنه
يبيِّضُ يومَ الحشر سودَ الصحائفِ
وقال:
مشين لنا بين مِيلٍ وهِيفِ
فقل في قناةٍ وقل في نزيفِ)[403](
على كلّ غصنٍ ثمارُ الشبا
بِ من مجتنيه دواني القُطوفِ
ومن عجب الحسن أنّ الثقيـ
ل منه يُدِلُّ بحمل الخفيفِ
خليليَّ ما خُبرُ ما تُبصرا
ن بين خلاخيلها والشُّنوفِ)[404](
سلاني به فالجمال اسمه
ومعناه مفسدةٌ للعفيفِ
أمن «عربيّةَ» تحت الظلام
تولُّجُ ذاك الخيالِ المطيفِ؟
سرى عينها أو شبيهاً)[405]( فكا
د يفضحُ نوميَ بين الضيوفِ
نعم ودعا ذكرَ عهدِ الصبا
سيلقاه قلبي بعهدٍ ضعيفِ
«بآل عليِّ» صروفُ الزمان
بسطنَ لساني لذمّ الصروفِ
مصابي على بعد داري بهم
مصابُ الأليف بفقد الأليفِ
وليس صديقيَ غير الحزين
ليوم «الحسين» وغيرَ الأسوفِ)[406](
هو الغصن كان كميناً فهبَّ
لدى «كربلاء» بريحٍ عصوفِ
قتيلٌ به ثار غِلُّ النفوس
كما نغر)[407]( الجرحَ حكُّ القروف)[408](
نسوا جدَّه عند عهدٍ قريب
وتالدَهُ مَعَ حقِّ طريفِ
فطاروا له حاملين النِّفاقَ
بأجنحةٍ غِشُّها في الحفيفِ)[409](
يعزُّ على ارتقاءُ المنون
إلى جبلٍ منك عالٍ منيفِ
ووجهك ذاك الأغرُّ التريبُ)[410](
يُشهَّرُ وهو على الشمس موفي
وأنت ـ وغن دافعوك ـ الإمامُ
وكان أبوك برغم الأنوفِ
ومن جمع الدينَ في يوم «بدرٍ»
«وأُحْدٍ» بتفريقِ تلك الصفوفِ
وهدَمَ في الله أصنامَهم
بمرآى عيونٍ عليها عُكوفِ
أغير أبيك إمام الهدى
ضياء النديَّ هزبر العزيفِ)[411](
تفلَّلَ سيفٌ به ضرَّجوك
لسوّدَ خِزياً وجوهَ السيوفِ
أمرَّ بفيَّ عليك الزلالُ
وآلم جِلدِيَ وقعُ الشُّفوفِ)[412](
أتحمِلُ فقدَك ذاك العظيمَ
جوارحُ جسمِيَ هذا الضعيفِ؟
ولهفي عليك مقالُ الخبيـ
ـر: إنك تُبرِدُ حرّ اللهيفِ)[413](
أنشرُك ما حملَ الزائرو
ن أم المسكُ خالط تُرَب الطُّفوفِ)[414](؟
كأن ضريحك زهرُ الربيـ
ـع هبَّت عليه نسيمُ الخريفِ
أُحبّكُمُ ما سعى طائفٌ
وحنَّتْ)[415]( مطوَّقةٌ في الهُتوفِ
وإن كنتُ من «فارس» فالشريـ
ـفُ معتلِقٌ ودُّهُ بالشريفِ
ركبتُ ـ على من يعاديكُمُ
ويفسُدُ تفضيلكم بالوقوفِ ـ،
سوابقَ من مدحكم لم أَهَبْ
صُعوبةَ ريِّضها)[416]( والقَطوفُ)[417](
تُقَطِّرُ)[418]( غيرِيَ أصلابُها
وتَزلَقُ أكفالُها بالرديفِ)[419](
وقال يصف مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام والمدافعة له عن حقه:
هل بعد مفترَق الأظعانِ مجتمَعُ
أم هل زمانٌ بهم قد فات يُرتَجَعُ؟
تحمّلوا تسعُ البيداءُ ركبَهُمُ
ويحمل القلبُ فيهم فوق ما يَسعُ
مغرِّبين هُمُ والشمسَ، قد ألفوا
ألا تغيب مغيباً حيثما طلعوا
شاكين للبين أجفاناً وأفئدةً
مفجَّعين به أمثالَ ما فَجعوا
تخطو بهم فاتراتٌ في أزمَّتها
أعناقها تحت إكراه النوى خُضُعُ
تشتاق «نعمان» لا ترضى بروضته
داراً ولو طاب مصطافٌ ومرتَبعُ
فداء وافين تمشي الوافياتُ بهم
دمعٌ دمٌ وحشاً في إثرهم قِطَعُ
الليلُ بعدهُمُ كالفجر متّصلٌ
ما شاء والنومُ مثلُ الوصل منقطِعُ
ليت الذي أصاخوا يوم صاح بهم
داعى النوى: ثوِّروا، صَمّوا كما سمِعوا
أوليتَ ما أخذَ التوديعُ من جسدي
قضَى عليَّ فللتعذيبِ ما يدعُ
وعاذلٍ لجَّ أعصيه ويأمرني
فيهم وأهرب منه وهو يتّبعُ
يقول: نفسَك فاحفظها فإن لها
حقاً وإن علاقاتِ الهوى حدَعُ
روّح حشاك ببَرد اليأس تسلُ به،
ما قيل في الحب إلا إنه طمعُ
والدهر لونان والدنيا مقلَّبة
الآن يعلم قلبٌ كيف يرتدعُ
هذي قضايا «رسول الله» مهمَلةٌ
غدراً وشمُل «رسول الله» منصدِعُ
والناس للعدِ ما لاقَوا وما قربوا
وللخيانة ما غابوا وما شَسَعوا)[420](
وآلُهُ وهُمُ آل الإله وهم
رعاة ذا الدين ضيموا بعده ورُعُوا
ميثاقه فيهمُ ملقى وأمّته
معْ من بغاهم وعاداهم له شِيعُ
تضاع بيعتُه يومَ «الغدير»)[421]( لهم
بعد الرضا وتحاط)[422]( الرومُ والبِيعُ
مقسَّمين بأيمانٍ همُ جَذبوا
ببوعها وبأسياف همُ طَبعوا
ما بين ناشرِ حبلٍ أمسِ أبرمه
تُعدُّ مسنونةً من بعده البِدعُ
وبين مقتنصٍ بالمكر يخدعه
عن آجلٍ عاجلٌ حلوٌ فينخدعُ
وقائل)[423]( لي: «عليٌّ» كان وارثّهُ
بالنصَّ منه، فهل أعطَوه أم منعوا؟
فقلت: كانت هَناتٌ لستُ أذكرها
يجزي بها اللهُ أقواماً بما صنعوا
أبلغ رجالاً إذا سمَّيتهم عُرِفوا
لهم وجوهٌ من الشحناء تُمتقعُ
توافقوا وقناةُ الدين مائلةٌ
فحين قامت تلاحَوا فيه واقترعوا
أطاعَ أوّلهُم في الغدر ثانيَهم
وجاء ثالثُهم يقفوا ويتَّبِعُ
قفوا على نظرٍ في الحقّ نفرضه
والعقلُ يفصلُ والمحجوجُ ينقطعُ
بأيّ حكمٍ بنوه يتبعونكُمُ
وفخركم أنكم صحبٌ له تَبَعُ
وكيف ضاقت على الأهلين تربتُهُ
وللأجانب من جنبيه مضطجَعُ
وفيم صيّرتم الإجماعُ حجّتكم
والناسُ ما اتفقوا طوداً ولا اجتمعوا
أمرُ «عليِّ» بعيدٌ من مشورتِهِ
مستكرَهٌ فيه «والعبّاس» يمتنعُ
وتدّعيه «قريشٌ» بالقرابة والـ
ـأنصارُ لا رُفُعٌ فيه ولا وُضُعُ
فأيّ خُلفٍ كخُلفٍ كان بينَكُمُ
لولا تُلفَّقُ أخبارٌ وتُصطنَعُ
واسألْهُم «يوم خَمّ» بعد ما عقدوا
له الولايةَ لِمْ خانوا ولِمْ خَلَعوا
قولٌ صحيحٌ ونياتٌ بها نَغَلٌ)[424](
لا ينفع السيفَ صَقْلٌ تحت طَبَعُ)[425](
إنكارُهم يا أميرَ المؤمنين لها
بعد اعترافهمُ عارٌ بِهِ ادرعوا
ونكثهم بك ميلاً عن وصيّتهم
شرعٌ لعمرك ثانٍ بعده شرعوا
تركتَ أمراً ولو طالبته لدرتْ
معاطسٌ راغمته كيف تُجتدَعُ
صبرت تحفظ أمرَ الله ما اطرحوا
ذَبّاً عن الدين فاسيتقظت إذ [هجعوا] )[426](
ليشرقنّ بحلو اليوم مُرّ غدٍ
إذا حصدت)[427]( لهم في الحشر ما زرعوا
جاهدتُ فيك بقولي يوم تختصم الـ
ـأبطالُ إذ فات سيفي يومَ تمتصِعُ)[428](
إن اللسانَ لوصّالٌ إلى طُرُقٍ
في القلب لا تهتديها الذُّبَّلُ الشُّرُعُ
آباي في «فارس» والدين دينُكُمُ
حقاً لقد طاب لي أُسٌّ ومرتبَعُ
ما زلت مذ يَفعتْ سنّي ألوذ بكم
ـ حتى محا حقُّكم شكّي ـ وأنتجعُ
وقد مضتْ فُرُطاتٌ)[429]( إن كفلتَ بها
فرّقتُ)[430]( عن صُحفِي البأس الذي جمعوا
«سلمان» فيها شفيعي وهو منك إذا الـ
ـآباء عندك في أبنائهم شفعوا
فكن بها منقذاً من هول مطَّلَعي
غداً وأنت من «الأعراف»)[431]( مطَّلِعُ
سوَّلتُ نفسي غروراً إن ضمنتُ لها
إني بذخرٍ سوى حبّيك أنتفعُ
وقال يرثي أهلَ البيت:
لو كنتُ دانيتُ المودَّة قاصيا
ردَّ الحبائبُ يوم بِنَّ فُؤاديا
علَّمنني غدرَ الهوى وتركنني
أتخيَّلُ العنقاءَ خِلاًّ وافيا
أَعطين بُعدَ «النَّوْبَهار» خليطَهم
حتّى لقينَ به «سُهيلَ» يمانيا
وسبقنَ طيَّتها الشّمال كأنّما
خلَّفنها خلفَ الأيانقِ حادِيا
وطلَعن في ليلٍ يُضلّ وسكرةُ الـ
ـتَّفريق توهِمينهِ نوراً هاديا
وعَدَدنَ أيام الشبابِ كواملا
وُنظِرنَ آرام الصريم جواريا
وثنينَ أجياداً تُرينَك أنّه
من أجلِها تُسمَّى النساءُ غوانيا
متكلِّمات بالأنامل أبرز الـ
ـجاديُّ عاطلّها لعينك حاليا
من كلِّ مفهمةٍ ولم تنطِقْ ولم
أُنصِتْ ولكن كنتُ عنها واعيا
عنهنَّ صُنْ نفساً فأكرمُ عاشقٍ
من عزَّ مقترباً وأسمح نائيا
واحذرْ مداجاةَ العذول فربّما
أشعرتّه جَلداً فظنَّك ساليا
بيني وبين الصبر أنِّي ذاكر
أيامَ كان الهمَّ قلبِي ناسيا
أدْمِي بسنِّي أخرياتِ أناملي
نظراً إلى زمنٍ طرحتُ ورائيا
ومحاسن آلت مقابحُ عيشتي
ألا تَرُدَّ بهنَّ أمسِ الماضيا
كنَّ الخيالَ وَفَى لعيني ليلُهُ
عَرَضاً فنمتُ له فخانَ لياليا
وعليَّ للرفقاءِ في طلب العلا
والجاعلين لها الخطارَ مَراقيا
نفسٌ مذلّلةٌ لمَا عزَّت به
تُغذَى شميمَ الريح زاداً كافيا
ومهنَّدٌ لو رمتُ ماءَ فِرِنده
تحتَ الهجيرةِ ظامئاً لسقانيا
ومعوَّداتٌ طيَّ كلِّ تنوفةٍ
ما سار فيها البرقُ إلا كابيا
متعرّفاتٌ بالدماء كأنما
ضَفَّرن من عَذَبِ الرماح نواصيا
وبحيِّ «آلش محمّدٍ» إطراؤه
مِدَحاً وميّتهم رضاه مراثيا
هذا لهم، والقومُ لا قومي هُمُ
جنساً، وعُقُرُ ديارهم لا داريا
إلا المحبّة، فالكريمُ بطبعه
يجدُ الكرامَ الأبعدين أدانيا
يا «طالبيِّين» اشتفَى من دائه الـ
ـمجدُ الذي عدِم الدواء الشافيا
بالضاربين قبابَهم عَرْضَ الفلا
عقل الركائب ذاهباً أو جائيا
شرعوا المحجّة للرشاد وأرخصوا
ما كان من ثمن البصائر غاليا
وأمّا وسيّدهم «عليِّ» قولةٌ
تَشجي العدوَّ وتُبهج المتواليا
لقد ابتنى شرفاً لهم لو رامه
«زحلٌ» بباعٍ كان عنه عاليا
وأفادهم رِقَّ الأنام بوقفةٍ
في الرَّوع بات بها عليهم واليا
ما استدرك الإنكارَ منهم ساخطٌ
إلا وكان بها هنالك راضيا
أضحوا أصادقَه فلمّا سادهم
حسدوا فأمسَوا نادمين أعاديا
فارحم عدوَّك ما أفادك ظاهراً
نصحاً وعالجَ فيك خِلاًّ خافيا
وهَبِ «الغديرَ» أبَوْ عليه قبولَه
نهياً؟ فقل: عُدّوا سواه مساعيا
«بدراً» و«أُحداً» أختها من بعدها
و«حُنينَ» وقَّاراً بهنَّ فصاليا
والصخرة الصمَّاء أخفى تحتها
ماءً وغير يديه لم يك ساقيا
وتدبَّروا خبرَ اليهود «بخيبرٍ»
وارضُوا «بمرحبَ» وهو خصمٌ قاضيا
هل كان ذاك الحِصنُ يَرهبُ هادماً
أو كان ذاك البابُ يفرَقُ داحيا
وتفكَّروا في أمرِ «عمروٍ» أولاً
وتفكّروا في أمرِ «عمروٍ» ثانيا
أسدانِ كانا من فرائس سيفِه
ولقلَّما هابا سواه مدانيا
ورجال «ضبَّة» عاقدي حُجُزاتهم
يوم «البُصَيرة» من «مَعيِينَ» تفانيا
ضُغِموا بنابٍ واحد ولطالما آز
دردوا أراقمَ قبلها وأفاعيا
ولخَطبُ «صِفِّينٍ» أجلُّ وعندك الـ
ـخَبرُ اليقينُ إذا سألتَ «مُعاويا»
لم يعتصم بالمكر إلا عالماً
أن ليس إن صدَقَ الكريهةَ ناجيا
خلع الأمانةَ فارتَدى بمعرَّةٍ
وسَمتْ جباهَ التابعين مخازيا
وأحقُّ بالتمييز عند «محمَّدٍ»
من كان ساميَ منكِبيه راقيا
وأبرُّهم من كان عنه مُوَقِّيا
حَوباءَهُ فوق الفراش وفاديا
قسماً لقد عظُم المصابُ لأنه
اضحى الإمامُ عن الأئمة ثاويا
وبنفسِيَ القمران غابا بعده
هذاك مسموماً وهذا صاديا
ما إن لَقُوا إلا غلاظَةَ مُحقَدٍ
منهم وقلباً بالضغائن قاسيا
أصِلُ التحيةَ بالقريب مزارُهُ
منهم وأبعثُها تزور القاصيا
وأُجِلُّهم عن أن أقول: سقاهُمُ
غيثٌ تجلّل حيث حلُّوا كافيا
هل يبلُغنَّك يا «أبا الحَسن» الذي
جُوزيتُ فيك وكان ضِدَّ جزائيا
من معشرٍّ لمّا مدحتُك غِظتُهم
فتناوشوا عِرضي وشانوا شانيا
اسمع ـ ليُنصفَني انتقامُك ـ إنهم
بالجَوْرِ راضوني فجئتُك شاكيا
لما رأوا ما غاظ منّي شنَّعوا
حاشاك أنِّي قلتُ فيك مداجيا
لا كانَ إلا ميِّتاً ميثاقُهُ
مَن سرَّه أن كان بعدك باقيا
والله ينصبُ لعنّه وعذابَهُ
من قال فيك ومن يقولُ مُرائيا
والحقُّ لم أطلب بمدحك شكرَهم
فيسوءني أن يجعلوه مِرائيا
بالقرب منك يهُون عندي منهُمُ
مَن كان بَرّاً بي فأصبح جافيا
وبرغمهم لأُسيِّرنْها شُرَّداً
ولأتبِعنْ منها بديئاً تاليا
غُرّاً، أقُدُّ من الجبال معانيا
فيها، وألتقطُ النجومَ قوافيا
شكراً لصنعك عند «فارسَ» أُسرتي
وبما سلمتَ تفاؤلاً وأياديا
وتعصُّباً ومودَّة لك صيَّرا
في حبّك الشيعيَّ من إخوانيا
وقال يمدح أهلَ البيت عليهم السلام:
سلا مَن سلا: مَن بنا استبدلا
وكيف محا الآخرُ الأوّلا!
وأيّ هوىً حادث العهد أمـ
ـس أنساه ذاك الهوى المُحوِلا؟
وأين المواثيقُ، والعاذلاتُ
يضيق عليهنّ أن تعذُلا؟
أكانت أضاليلَ وعدِ الزما
ن أم حُلُمَ الليلِ ثم انجلى؟
وممّا جرى الدمعُ فيه سؤا
لُ من تاه بالحسن أن يُسألا
أقول «برامةَ»: يا صاحبيَّ
مَعاجاً ـ وإن فعلاً ـ: أجملا
قفا لعليل فإنّ الوقوفَ
وإن هو لم يشفهِ عَلَّلا
بغربيّ «وجرةَ» ينشُدنَه
وإن زادنا صلةً منزلا
وحسناء لو أنصفتْ حسنَها
لكان من القُبح أن تبخَلا
رأت هجرَها مرخِصاً من دمي
على النأي عِلقاً قديماً غلا
ورُبَّتَ واشٍ بها منبضٍ
أسابقه الردَّ أن يُنبلا
رأى ودَّها طللا ممحلا
فلفَّق ما شاء أن يَمحَلا
وألسنة كأعالي الرماح
رددتُ، وقد شُرعتْ ذُبَّلا
ويأبى «لحسناءَ» إن أقبلت
تعرُّضَها قمراً مقبلا
سقى الله «ليلاتنا بالغويـ
ـر» فيما أعلَّ وما أنهلا،
حياً كلّما أسبلت مقلةٌ
ـ حنيناً له ـ عبرةً أسبلا
وخَصَّ، وإن لم تعد، ليلةً
خلت فالكرى بعدها ما حلا
وفَى الطيفُ فيها بميعاده
وكان تعوّد أن يمطُلا
فما كان أقصرَ ليلي به
وما كان لو لم يزر أطولا
مساحبُ قصَّر عنّي المشيـ
ـبُ ما كان منها الصِّبا ذيَّلا
ستصرفني نزوات الهمو
م بالأرَب الجِدِّ أن أهزِلا
وتنحتُ من طرَفي زفرةً
مباردها تأكل المُنصُلا
وأُغرى بتأبين آل النبـ
ـيّ إن نسّبَ الشعرُ أو غزّلا
بنفسي نجومَهم المخمَداتِ
ويأبى الهدى غير أن تُشعَلا
وأجسامَ نور لهم في الصعيـ
ـد تملؤه فيضيء الملا
ببطن الثرى حملُ ما لم تُطِقْ
على ظهرها الأرضُ أن تحمِلا
تفيض فكانت ندًى أبحرا
وتهوي فكانت عُلاًّ أجبُلا
سل المتحدّي بهم في الفخا
ر، أين سمت شُرفات العلا
بمن بأهل الله أعداءَه
فكان الرسولُ بهم أبهلا؟
وهذا الكتابُ وإعجازُه
على مَنْ؟ وفي بيت مَنْ؟ نُزِّلا
«وبدرٌ» و«بدرٌ» به الدِّينُ تـ
ـمَّ، من كان فيه جميلَ البلا؟
ومن نام قومٌ سواه وقام؟
ومن كان أفقَهَ أو أعدلا؟
بمن فُصِلَ الحكم يوم «الحنين»
فطبَّق في ذلك المَفْصِلا؟
مساعٍ أطيلُ بتفصيلها
كفى معجزاً ذكرها مجمَلا
يميناً لقد سُلّط الملحِدون
على الحقّ أو كاد أن يُبطلا
فلولا ضمانٌ لنا في الطهور
قضى جدّلُ القول أن نخجلا
أألله يا قومُ، يقضي «النبيُّ»
مطاعاً فيُعصَى وما غُسِّلا!
ويوصِي فنخرُصُ دعوى عليـ
ـه في تركه دينَه مهمَلا!
ويجتمعون على زعمهم
وينبيك «سعدٌ» بما أَشكلا
فيُعقِب إجماعُهم أن يبيـ
ـت مفضولُهم يقدُمُ الأفضلا
وأن يُنزعَ الأمرُ من أهله
لأنّ «عليّاً» له أُهِّلا
وساروا يحطّون في آله
بظلمهمُ كلكلا كلكلا
تدبّ عقاربُ من كيدهم
فتفنيهمُ أوّلاً أوّلا
أضاليلُ ساقت مصابَ «الحسين»
وما قبلَ ذاك وما قد تلا
«أميَّةُ» لابسةٌ عارَها
وإن خَفِيَ الثارُ أو حُصِّلا
فيومُ «السقيفة» يا بن النبـ
ـيّ طرّق يومَك في «كربلا»
وغصبُ أبيك على حقِّه
وأمِّك حَسَّنَ أن تُقتَلا
أيا راكباً ظهرَ مجدولةٍ
تُخالُ إذا انبسطت أجدلا،
شأت أربَعَ الريح في أربَعٍ
إذا ما انتشرن طوين الفلا،
إذا وَكَّلتْ طَرفها بالسما
ء خِيل بإدراكها وُكِّلا،
فعزَّت غزالتَها غُرّةً
وطالت غزال الفلا أيطلا،
كطيّك في منتهىً واحد
ـ لتُدرِكَ «يثربَ» ـ أو مرقلا،
فَصلْ ناجيا وعليَّ الأمانُ
لمن كان في حاجةٍ مُوصَلا،
تحمَّلْ رسالةَ صبٍّ حملتَ
فناد بها «أحمدَ» المرسَلا
وحيِّ وقُلْ: يا نبيَّ الهدى
تأشَّب نهجُك واستوغلا
قضيتَ فأرمضنا ما قضيتَ
وشرعُك قد تمَّ واستكملا
فرامَ ابنُ عمّك فيما سننـ
ـتَ أن يتقبَّل أو يَمثُلا
فخانك فيه من الغادريـ
ـين من غير الحقَّ أو بدّلا
ومدّت «أميَّةُ» أعناقها
وقد هُوّن الخطبُ واستُسهلا
فنال «ابن عفّانَ» ما لم يكن
يُظنّ، وما نال بل نُوِّلا
فقرَّ، وأنعمُ عيش يكو
ن من قبله خَشِنا قُلْقُلا
وقلّبها «أردشيريّة»
فحرَّق فيها بما أشعلا
وساروا فساقوه أو أوردوه
حياضَ الردى منهلاً منهلا
ولما امتطاها «عليٌّ» أخو
ك رَدَّ إلى الحقّ فاستُثقِلا
وجاؤوا يسومونَه القاتلين
وهم قد ولُوا ذلك المقتَلا
وكانت هَنأةٌ وأنت الخصيمُ
غداً، والمعاجَلُ من أُمهِلا
لكم آل «ياسين» مدحى صفا
وودّى حلا وفؤادي خلا
وعندي لأعدائكم نافذا
تُ قولِيَ [ما] صاحبَ المِقولا
إذا ضاق بالسير ذرعُ الرفيق
ملأتُ بهنّ فروجَ الملا
فواقرُ من كلّ سهمٍ، تكون
له كلٌّ جارحةٍ مقتَلا
وهلاَّ ونهجُ طريقِ النجاة
بكم لاح لي بعد ما أشكلا؟
ركبتُ لكم لُقَمى فاستننتُ
وكنتُ أخابطه مَجَهَلا
وفُكَّ من الشِّرك أسرى وكا
ن غُلاًّ على مَنكبِي مُقفلا
أو إليكُمُ ما جرت مزنةٌ
وما اصطخب الرعد أو جلجلا
وأبرأُ ممن يعاديكُمُ
فإن البراءةَ أصلُ الولا
ومولاكُمُ لا يخاف العقابَ
فكونوا له في غدٍ موئلا
وقال يرثي أهل البيت عليهم السلام:
في الظباء الغادين أمسِ غزالُ
قال عنه ما لا يقول الخيالُ
طارقٌ يزعم الفراقَ عتاباً
ويرينا أنّ الملالَ دلالُ
لم يزل يخدع البصيرةَ حتّى
سرّنا ما يقول وهو مُحالُ
لا عدمتُ الآحلامَ كم نوَّلتْني
من منيعٍ صعب عليه النوالُ
لم تنغَّصْ وعدا بمطلّ، ولم يو
جِبْ له منَّةً عليّ الوصالُ
فلليلي الطويل شكري، ودِينُ الـ
ـعشق أن تُكرَه الليالي الطّوالُ
لمن الظُّعنُ غاصبتنا جَمالا؟
حبذا ما مشت به الأجمالُ!
كانفاتٍ بيضاءَ دلَّ عليها
أنّها الشمس أنّها لا تُنالُ
جمحَ الشوقُ بالخليع فأهلاً
بحليمٍ له السلوُّ عِقالُ
كنتُ منه أيّامَ مرتعُ لذَّا
تي خصيبٌ وماءُ عيشي زُلالُ
حيث ضِلعي مع الشباب وسَمعي
غَرَضٌ لا تصيبه العُذَالُ
يا نديميّ كنتما فافترقنا
فاسلواني، لكلّ شيء زوالُ
لِيَ في الشيب صارفٌ ومن الحُز
نِ على «آل أحمدٍ» إشغالُ
معشر الرشد والهدى، حَكَمَ البغـ
ـيُ عليهم ـ سفاهةً ـ والضلالُ
ودعاة الله استجابت رجالُ
لهمُ ثم بُدِّلوا فاستحالوا
حَمَلوها يومَ «الفعيلة» أوزا
راً تخفُّ الجبالُ وهي ثِقالُ
ثم جاؤوا من بعدها يستقيلو
نَ، وهيهات عثرةٌ لا تقالُ!
يا لها سوءةً إذا «أحمدٌ» قا
م غدا ًبينهم فقال وقالوا!
ربعُ همّي عليهمُ طلَلٌ با
قٍ، وتَبلَى الهمومُ والأطلالُ
يا لَقومٍ إذ يقتلون «عليّاً»
وهو للمَحْل فيهمُ قّتّالُ
ويُسِرُّون بُغضَهُ وهو لا تُقـ
ـبَلُ إلاّ بحبّه الأعمالُ
وتُحالُ الأخمارُ والله يدري
كيف كانت يومَ «الغدير» تُحالُ
ولسِبطين تابعَيه فمسمو
مٌ عليه ثرى «البقيعِ» يُهالُ،
درسوا قَبره ليَخفَى عن الز
وَّارِ هيهات! كيف يخفَى الهلالُ!
وشهيدٍ «بالطَّفّ» أبكى السموا
تِ وكادت له تزول الجبالُ
يا غليلي له وقد حُرِّمَ الما
ءُ عليه وهو الشرابُ الحلالُ
قُطِعتْ وُصله «النبيِّ» بأن تُقـ
ـطَعَ من آل بيته الأوصالُ
لم تُنجِّ الكهولَ سنٌ ولا الشـ
ـبَّانَ زهدٌ ولا نجا الأطفالُ
لهفَ نفسي يا آل «طه» عليكم
لهفةً كسبُها جوًى وخبالُ
وقليلٌ لكم ضلوعِي تَهتـ
ـزُّ مع الوجد أو دموعي تُذالُ
كان هذا كذا وودّي لكم حسـ
ـب ومالي في الدّين بعد ُاتصالُ
وطروسي سودٌ فكيف بِيَ الآ
نَ ومنكم بياضُها ولاصِّقالُ
حبّكم كان فكَّ أسرى من الشِّر
ك وفي منكبي له أغلالُ
كم تزمّلتُ بالمذلّة حتى
قمتُ في ثوب عزّكم أختالُ
بركاتٌ لكم محت من فؤادي
ما أمَلَّ الضلالَ عمٌّ وخالُ
ولقد كنتُ عالِماً أن إقبا
لي بمدحي عليكُمُ إقبالُ
لكُمُ من ثنايَ ما ساعَدَ العمـ
ـرُ فمنه الإبطاء والإعجالُ
وعليكم في الحشر رُجحانُ ميزا
ني بخيرٍ لو يُحصَرُ المِثقالُ
ويقيني أنْ سوفَ تصدُقُ آما
لي بكم يومَ تكذِب الآمالُ
وقال يذكر مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وما مُني به من أعدائه:
إن كنتَ ممّن يلُج «الوادي» فسلْ
بين البيوت عن فؤادي: ما فعلْ
وهلْ رأيتَ ـ والغريبُ ما ترى ـ
واجدَ جسمٍ قلبُه منه يضِلْ؟
وقل لغزلان «النقا»: مات الهوى
وطُلِّقتْ بعدكُمُ بنتُ الغزلْ
وعادَ عنكنَّ يخيبُ قانصٌ
مدَّ الحِبالاتِ لكُنّ فاحتُبِلْ
يا من يرى قتلَى السيوفِ حُظِرتْ
دماؤُهم، الله في قتلى المقَلْ
ما عند سكّان «مِنّى» في رجُلٍ
سباه ظبيٌ وهو في ألفِ رَجُلْ
دافعَ عن صفحته شوكُ القنا
وجرحته أعينُ السِّربِ النُّجُلْ
دمٌ حرامٌ للأخِ المسلِم في
أرضٍ حرامٍ، يالَ «نُعْمٍ» كيف حلْ؟!
قلتِ: شكا، فأين دعوى صبره!
كُرِّي اللحاظَ واسئلي عن الخَبلْ
عنَّ هواكِ فأذلَّ جَلَدي
والحبُّ مارقَّ له الجَلْدُ وذَلْ
من دلَّ مسراكِ عليّ في الدجى!
هيهات في وجهك بدرٌ لا يَدُلّ
رُمتِ الجمال فملكتِ عنوةً
أعناقَ ما دقَّ من الحسن وجلْ
لواحظاً علَّمَت الضربَ الظُّبا
على قوامٍ علَّم الطعنَ الأسلْ
يا من رأى «بحاجرٍ» مجاليا
من حيثُ ما استقبله فهي قِبَلْ
إذا مررتَ بالقباب من «قُبا»
مرفوعةً وقد هوت شمسُ الأُصُلْ
فقل لأقمارِ السماء: اختمري
فحلَبةُ الحسن لأقمارِ الكِلَلْ
أين ليالينا على «الخيف» وهل
يردُّ عيشاً بالحمى قولُك: هَلْ؟
ما كنّ إلا حُلُماً روّعه الـ
ـصُّبحُ وظِلاًّ كالشباب فانتقل
ما جمعتْ قطّ الشبابَ والغنى
يدُ امرئ ولا المشيبَ والجذَلْ
يا ليت ما سوّد أيّام الصِّبا
أعدى بياضاً في العذارين نزلْ
ما خلتُ سوداءَ بياضي نصَلتْ
حتى ذوى أسودُ رأسي فنصَلْ
طارقة من الزمان أخذتْ
أواخرَ العيش بفَرطات الأُوَلْ
قد أنذرتْ مبيضَّة أن حذَّرتْ
وطقَ الشيبُ بنصحٍ لو قُبِلْ
ودلَّ ما حطَّ عليك من سِنِّي
عمرك أنَّ الحظَّ فيما قد رحلْ
كم عِبرةٍ وأنت من عظاتها
ملتفتٌ تتبع شيطانَ الأملْ
ما بين يمناك وبين أختها
إلا كما بين مناك والأجلْ
فاعمل من اليوم لما تلقى غدا
أو لا فقل خيراً تُوفَّقْ للعملْ
ورِدْ خفيف الظهر حوضَ أُسرةٍ
إن ثَقَّلوا الميزانَ في الخيرِ ثَقُلْ
أُشددْ يداً بحبِّ آل «أحمدٍ»
فإنه عقدة فوزٍ لا تُحَلُّ
وابعث لهم مراثيا ومِدَحا
صفوةَ ما راض الضميرُ ونَخَلْ
عقائلاً تصان بابتذالها
وشارداتٍ وهي للساري عُقُلْ
تحملُ من فضلهمُ ما نهضتْ
بحمله أقوى المصاعيبِ الذُّلُلْ
موسومةٍ في جبَهاتِ الخيلِ أو
معلَّقاتٍ فوق أعجازِ الإبلْ
تنثو العلاء سيِّداً فسيّدا
عنهم وتنعى بطلاً بعدَ بَطَلْ
الطيِّبون أُزُراً تحت الدجى
الكائنون وَزَرا يومَ الوَجَلْ
والمنعمون والثرى مقطِّبٌ
[من جدبه] والعامُ غضابنُ أزِلْ
خير مصلِّ مَلَكاً وبشَراً
وحافياً داس الثرى ومنتعِلْ
همْ وأبوهم شرفاً وأمّهم
أكرمُ من تحوى السماءُ وتُظِلْ
لا طلقاء منعَمٌ عليهمُ
ولا يحارون إذا الناصر قَلْ
يستشعرون «الله أعلى في الورى»
وغيرُهم شِعاره «أُعلُ هُبَلْ»
لم يتزخرفْ وثَنٌ لعابدٍ
منهم يُزيغ قلبَه ولا يُضِلْ
ولا سرى عرقُ الإماء فيهمُ
خبائث ليست مَريئات الأُكُلْ
يا راكباً تحمله «عِيديَّةٌ»
مهوِيَّة الظهر بعضَّات الرَّحَلْ،
ليس لها من الوجا منتصرٌ
إذا شكا غاربُها حَيفَ الإطِلْ،
تشربُ خِمساً وتُجِرُّ رِعيَها
والماءُ عِدّ والنباتُ مكتهلْ،
إذا اقتضت راكبَها تعريسةً
سوّفَها الفجرَ ومنَّاها الطَّفَلْ،
عرِّج بروضاتِ «الغَرِيِّ» سائفاً
أزكى ثرًى وواطئاً أعلى محلْ
وأدِّ عني مبلغاً تحيَّتي
خيرَ «الوصيِّين» أخا خيرِ الرسُلْ
سمعاً «أميرَ المؤمنين» إنها
كنايةٌ لم تك فيها منتحِلْ
ما «لقريشٍ» ما ذقتك عهدَها
ودامجتك ودَّها على دّخلْ!
وطالبتك عن قديم غِلِّها
بعد أخيك بالتِّراتِ والذَّحَلْ
وكيفَ ضمُّوا أمرَهم واجتمعوا
فاستوزروا الرأيَ وأنتَ منعزلْ!
وليس فيهم قادحٌ بريبةٍ
فيك ولا قاضٍ عليك بوهَلْ
ولا تُعَدُّ بينهم مَنقبَةٌ
إلا لك التفصيلُ منها والجُمَلْ
وما لقومٍ نافقوا «محمداً»
عمرَ الحياة وبَغوا فيه الغِيَلْ!
فما لهم عادوا وقد ولِيتَهمْ
فذكروا تلك الحزازاتِ الأُوَلْ!
وبايعوك عن خداعٍ، كلُّهم
باسطُ كَفٍّ تحتها قلبٌ نغِلْ
ضرورة ذاك، كما عاهد مَن
عاهدَ منهم «أحمدا» ثمَّ نَكَلْ
ثم قسمتَ بالسَّواء بينهم
فعظُم الخطبُ عليهم وثقُلْ
فشُحِذَتْ تلك الظُّبا وحُفرَتْ
تلك الزُّبى وأُضرمَتْ تلك الشُّعَلْ
مواقفٌ في الغدر يكفي سُبَّةٌ
منها وعاراً لهمُ «يومُ الجَملْ»
يا ليت شعري عن أكفٍّ أرهفتْ
لك المواضي وانتحتك بالذُّبُلْ
واحتطبتْ تبغيك بالشرّ، على
أيّ اعتذارٍ في المَعاد تتّكلْ؟!
أنسيَتْ صفقتّها أمسِ على
يديك ألاّ غيرٌ ولا بدّلْ؟
وللقتيل يُلزِمون دمَه
ـ وفيهم القاتلُ ـ غيرَ من قتَلْ
حتى إذا دارت رحى بغيهمُ
عليهمُ وسبقَ السيفُ العذَلْ،
وأنجز النَّكثُ العذابَ فيهمُ
بعد اعتزالٍ منهمُ بما مُطِلْ،
عاذوا بعفوِ ماجدٍ معوّدٍ
للصبر حمّالٍ لهم على العللْ
فنجَّت البقيا عليهم من نجا
وأكلَ الحديدُ منهم من أكلْ
عاديتُ فيك الناسَ لم أحفل بهم
حتى رموني عن يدٍ إلا الأقلْ
تفرَّغوا يعترقون غيبةً
لحمى وفي مدحك عنهم لي شُغُلْ
عدلتُ أن تَرضَى بأن يسخَطَ مَن
تُقلُّه الأرضُ عليّ فاعتدلْ
ولو يُشَقّ البحرُ ثمّ يلتقي
فلقاه فوقي في هواك لم أُبَلْ
علاقةً بي لكُمُ سابقةً
لمجدِ «سَلمانَ» إليكم تتّصلْ
ضاربةٌ في حبّكم عروقُها
ضربَ فحولِ الشَّوْلِ في النوق البُزُلْ
تضمُّني من طَرَفي في حبلكم
مودّةٌ شاخت ودِينٌ مقتبِلْ
لذاكُمُ أُرسلُها نوافذاً،
لأمِّ مَن لا يتّقيهنَّ الهَبَلْ
يمرُقن زُرقاً من يدي حدائدا
تُنحَى أعاديكم بها وتُنْتَبَلْ
صوائباً إمّا رميتُ عنكُمُ
وربما أخطأ رامٍ من «ثُعَلْ»
وقال يمدح أهل البيت:
بكى النارَ سَتْراً على المَوْقِدِ
وغار يغالطُ في المُنجِدِ
أحبَّ وصان فوَرَّى هوًى
أضلَّ، وخاف فلم يَنشُد؟
بعيد الإصاخة عن عاذلٍ
غنيُّ التفرّدِ عن مُسعدِ
حمولٌ على القلب وهو الضعيفُ
صبورٌ عن الماء وهو الصَّدِي
وقورٌ وما الخُرقُ من حازمٍ
متى ما يَرُحْ شيبُه يغتدي
ويا قلبُ إن قادك الغانياتُ
فكم رسَنٍ فيك لم ينقدِ
أفقْ فكأني بها قد أمرَّ
بأفواهها العذْبُ من مَوْردي
وسُوِّدَ ما ابيضَّ من ودّها
بما بيَّ الدهرُ من أسودي
وما الشيبُ أولُ غدرِ الزمان
بَلَى من عوائده العوَّدِ
لَحَا الله حظّي كما لا يجودُ
بما أستحقّ وكم أجتدي
وكم أتعلَّلُ عيشَ السقيم
أذمَّمُ يومي وأرجُو غدي
لئن نام دهرِيَ دون المُنَى
وأصبح عن نَيلها مُقعِدي
ولم أك أحمَدُ أفعالَه
فلى أُسوةٌ ببني «أحمدِ»
بخير الورى وبنى خيرهم
إذا وَلَدُ الخيرِ لم يُولَدِ
وأكرِم حيّ على الأرض قام
ومَيْتٍ توسّد في مَلحَدِ
وبيتٍ تَقَاصَرُ عنه البيوتُ
وطال عَلِيًّا على الفرقَدِ
تحومُ الملائكُ من حولِه
ويُصبحُ للوَحْي دارَ النَّدي
ألا سَلْ «قريشاً» ولُمْ منهُمُ
مَن استوجَبَ اللومَ أو فنِّدِ
وقل: ما لكم بعد طول الضلا
ل لم تشكروا نعمة المرشدِ؟
أتاكم على فترةٍ فاستقام
بكم جائرين عن المقصدِ
وولَّى حميداً إلى ربّه
ومَن سَنَّ ما سنَّهُ يُحمَدِ
وقد جعلَ الأمرَ من بعده
«لحيدَرَ» بالخبر المُسنَدِ
وسمَّاه مولًى بإقرارِ مَنْ
لو اتَّبعَ الحقَّ لم يَجْحَدِ
فملتم بها ـ حسدَ ـ الفضل ـ عنه
ومن يكُ خيرَ الورى يُحسَدِ
وقلتم: بذاك قضى الاجتماعُ
ألا إنما الحقُّ للمفرَدِ
وإرثُ «عليٍّ» لأولاده
إذا آيةُ الإرثِ لم تُفسَد
فمن قاعدٍ منهُمُ خائف
ومن ثائر قامَ لم يُسعَد
تَسلَّطُ بغياً أكفُّ النفا
ق منهم على سيِّدٍ سيِّدِ
وما صُرِفوا عن مقام الصلاةِ
ولا عُنِّفوا في بُنَى المسجِدِ
أبوهم وأمهُمُ مَن علمـ
ـتَ فانقُصْ مَفاخِرَهم أو زِدِ
أرى الدِّينَ من بعدِ يوم «الحسين»
عليلاً له الموتُ بالمَرصدِ
وما الشِّرك لله من قبله
إذا أنت قستَ بمستبعَدِ
وما آل «حربٍ» جَنَوا إنما
أعادوا الضلال على من بُدِي
سيعلم مَن «فاطمٌ» خصمُهُ
بأيّ نكالٍ غداً يرتدي
ومَنْ ساء «أحمدَ» يا سِبطَهُ
فباءَ بقتلك، ماذا يدي؟
فداؤك نفسي ومَنْ لي بذا
ك لو أن مولًى بعبدٍ فُدِي
ولَيتَ دمي ما سَقَى الأرض منك
يقوتُ الرَّدى وأكون الرَّدِي
وليتَ سَبقتُ فكنتُ الشهيدَ
أمامَك يا صاحبَ المَشهَدِ
عسى الدهرُ يَشفِي غداً من عدا
ك قلبَ مَغيظٍ بهم مُكمَدِ
عسى سطوةُ الحقّ تعلو المُحالَ
عسى يُغلَبُ النقصُ بالسؤدُدِ
وقد فَعَل الله لكنني
أرى كبِدي بعدُ لم تبرُدِ
بسمعي لقائمكم دعوةٌ
يُلبِّي لها كلُّ مستنجَدِ
أنا العبدُ والاكُمُ عَقدُهُ
إذا القولُ بالقلبِ لم يُعقَدِ
وفيكم ودادي وديني معاً
وإن كان في «فارسٍ» مولدي
خَصَمْتُ ضلالي بكم فاهتديتُ
ولولاكُمُ لم أكن أهتدي
وجرّدتموني وقد كنتُ في
يد الشِّرك كالصارم المغمَّدِ
ولا زال شعرِيَ من نائحٍ
يُنَقَّل فيكم إلى مُنشِدِ
وما فاتني نصرُكم باللسان
إذا فاتني نصرُكم باليدِ
المواليا
اخترع هذا الفن واسط، وله وزن واحد، من بحر البسيط ـ مستفعلن فعلن مستفعلن فعل ـ ويتكون من بيتين لهما أربع قواف على روي واحد. ففي هذا الموالي:
أغنت وأفنت كفوفك في الندى والحرب
في البعد والقرب من في الشرق ومن في الغرب
وفيض وجودك وسيفك في العطا والضرب
ذا فرّج الكرب وذا رمى في القلوب الكرب
نجد أن الروي، وهو حرف الباء متفق في الأجزاء الأربعة كلها في الكلمات: الحرب، الغرب، الضرب، الكرب.
ونظموا فيه باللفظ القوي الجزل في الغزل والمديح والصناعات وأغراض القريض الأخرى، كقولهم في الغزل:
ما بين أكناف راكس من حمى التثليم
شرقي حزوي لبا زات القضا ترسيم
ودون آرام رامه يسبق التسليم
نبل يشق المرابر من لحاظ الريم
وقولهم في المديح:
أضحت أنوف القنا ترعف وبيض الهند
تضحك وتنتحب الهامات خوفاً عند
لقا سنان ابن عاصم مطعم الأفرند
لحم الحجاج ومن أعيا أساة السند
وكان يجوز فيه الإعراب واللحن. وليس معنى هذا أنه يجوز جمع الاثنين في موالي واحد، كما هو الحال في الزجل المزنم، فهذا عيب كبير في الموالي وإنما يجوز أن يكون هناك موالي معرب وموالي خال من الإعراب.
ولم يزل كذلك حتى اقتبسه أهل بغداد فلطفوه ونمّقوه ورققوه وحذفوا الإعراب منه واعتمدوا على سهولة اللفظ ورشاقة المعنى، ونظموا الجد والهزل حتى شاع في الأمصار وانتشر في البلاد وتداوله كل الناس واشتهر باسم البغداديين ونسب إليهم فقيل موالي بغدادي:
وسمي بهذا الاسم لأنه كان يتداوله العبيد والفلاحون لسهولة تناوله وقصره، فكانوا يتغنون به على النخيل وعند سقي المياه ويقولون في آخر كل صوت ـ مع الترنيم ـ يا مواليا، إشارة إلى أسيادهم فغلب ذلك الاسم عليه وعرف به.
وهو يشارك الزجل في اللحن، وإبدال بعض الحروف ببعضها. ويختص دون الزجل بالإمالة خصوصاً في حروف القافية كقولهم:
أي من سرد الهوى يلعب على فيرد
ومن جعلني مثل للشيرد والويرد
مو أقدر أصبر على شيطانك الميرد
ولا ممكن غضب خيره جرد بيرد
فالقافية هنا ممالة الألف في (فيرد والويرد والميرد وبيرد) وأصلها (فارد والوارد والمارد وبارد).
وقد أورد الشاعر الشيعي صفي الدين الحلي في كتابه (العاطل الحالي) من موالياته (واحداً وعشرين صوتاً)، جعلها ثلاثة أقسام:
الأول في الجزل القوي، وسار فيه سيرة المتقدمين قبل أن يلطفه أهل بغداد، وله في هذا النوع سبعة أصوات واحد في الحماسة وستة في المدح. قال في الحماسة:
إن أقتم النقع كنا الضاربين الهام
وإن أفاضوا الحجى كنا ذوي الأفهام
وما برحنا بإرث الفضل والإلهام
تطوى الخناجر لنا أو بعقد الإبهام
وفي المدح:
يا طاعن الخيل والأبطال قد غارت
والمخضب الأرض والأمواه قد غارت
هواطل النجب من كفيك قد غارت
والشهب من شهادت طلعتك قد غابت
أما القسم الثاني ففي الصناعات المشكلة، وهو ثلاثة أصوات، منها صوت فتح كل كلمة منه بحرف من حروف المعجم:
أي بدرتم ثقل جورك حصل خسري
دع ذاك ردّ زمن سعدي شفا صدري
ضدي طمع ظن عجزي غار في قهري
كم لج مذ نلت وصلك هات لا يدي
والقسم الثالث في الرقيق على طريقة المتأخرين، وهو أحد عشر صوتاً الغزل والتهنئة والعتاب والهجاء: قال في الغزل:
قالت وقد طاوعت أمري وزال الغدر
ووجهها في الدجى خجل لنور البدر
ما ريت ملاح مثلك حاز هذا القدر
تجذف بخنّ سفينة وأنت فوق الصدر
وقد أخلى الصفي موالياته من الإعراب، لكنه ميزه بسهولة اللفظ ورقته، واتّبع كل الشروط اللازمة في هذا الفن كما وضعها مخترعوه، فالصوت يتكوّن من بيتين وله أربع قوافٍ على روي واحد، وقد جعله كله في بحر البسيط إلى غير ذلك من مميزات ما أوجبه المتقدمون.
(راجع: الزجل)
ويمكن القول إن المواليا من أغاني الأنباط القديمة الذين سكنوا أرض السواد العراق، «وإنما سمي بهذا لأن الواسطيين لما اختعرعوه وكان سهل التناول لقصره ثم تعلمه عبيدهم المتسلمون بساتبهم والفعول، والمعامرة والأبارون فكانوا يغنون به في رؤوس النخيل وعلى سقى المياه ويقولون في آخر كل صوت مع الترنم «يا مواليا» إشارة إلى ساداتهم فغلب عليه هذا الاسم وعرف به»)[432](.
ولما وصل المواليا البغاددة كان فصيحاً وغير ملحون ورققوا ودققوا وحذفوا الإعراب واعتمدوا سهولة اللفظ ورشاقة المعنى ونظموا فيه الجد والهزل والرقيق الجزل حتى عرف بهم دون مخترعيه، ونسب إليهم وليسوا بمبتدعيه ثم شاع في الأمصار وتداوله الناس في الأسفار)[433](.
وقد وصل المواليا الديار المصرية في القرن السادس الهجري وكان أول شاعر نظم فيه هو ابن الفارض المتوفى سنة 632هـ و«سار هذا الفن على لسان المصريين بحيث شمل الأغراض التي تطرقت إليها الفنون الأخرى، وبلغوا قمة النظم فيه في القرون التي تلت القرن السادس»)[434]( وطوروا المواليا من الرباعي إلى الخماسي «الأعرج» ثم إلى النعماني وهو السباعي وفي بغداد يسمى الزهيري.
ومن المواليا الرباعي:
لما تبدت تردت حلة الأنوار
وحين مادت أبادت قامت الخطار
ومذ تغنت تغنت عندها الأوتار)[435](
ومن الخماسي:
وحق يا بدر ن أنزل أنا جيلك
إن لم تجيني لحد البيت أنا جيلك
كم بت سهران طول الليل أناجي لك
يا بدر يكفي جفا شمت عذالي
وإن رمت لك جيل على قدك أنا جيلك
ومن النعماني إلى السباعي أو الزهيري:
لولو ثغورك برك وأمرصع بليلهن
وجناتها من الحيا ما تنشف بليلهن
ناديتها واصلي وعواذلي بليلهن
أمتي تجيني وجفني من الدمع ينشف
قالت أجيلك بليله مظلمه ما نشاف
صمت البدر في الدجى ما يختفي ينشاف
قالت: أهل الذوايت واختفي بليلهن
ومن الزهيري:
الدهر لا تامنه غدار فاتنه
وكل وكت ماكو وفه للكلب فاتنه
لا تامنه لو زرعلك ورد فاتنه
أيست منه وضكت أثمار زرعه صبر
مديت طرفي لجيد أعداي لنه صبر
ناديت ياهل العكل مالراي كالوا صبر
كلت الصبر وين والأيام فاتنه
والزهيري العراقي لا يختلف كثيراً عن النماني المصري، إذ ان كلاهما يتكون من سبعة أغصان، ولكن الزهيري يتضمن في قفله الأخير أي «الرباط» آية قرآنية أو مثل أو حكمة أو قول مما قالته العرب.
ومن ذلك هذا الزهيري:
نار الغضا بالضماير زاد واطيها
وعلى المعالي شمخ بالجور واطيها
دار الجفت خلتي يا رب واطيها
هيهات روحي ترد وتعود لاجنها
ونياب غدر الومن لحشاي لاجنها
يا ريت ربعي تهم بمهمتي لاجنها
«ما تحرك النار إلا رجل واطيها»
ووراء كل زهيري حكاية أو حادث يثير الشاعر فينظم به معبرا ًعن حالته النفسية وكانت العجائز تقص القصة على أحفادهن وفي ختام القصة تقرأ الزهيري ومن ذلك، أن رجلاً ارتكب جريمة وهرب، واستمر هارباً مدة طويلة، وكان له صديق اسمه «سعد» يموِّنه بالطعام والمصروفات فضجر من هذه الحالة وأخبر عنه السلطات فمسكوه وعندها قال الجاني:
ومرافجي حين ما ضجن وساجاتي
ودواي عزمي كضن منهن وساجاتي
يمته يعود الهنا وحدي وساجاتي
ورافج أم الطرب واطرب وناملها
والروح لو تستتر من بعد الأناملها
لو اختبر يا سعد ما جنت أناملها
سهران ليلي وراسي بين ساجاتي
وكانت القاصّة تردد هذه المواليا بعد هذا الزهيري فتقول:
يا نايم الليل فاتك ركب ساجاتك
لو تسهر الليل ما جان المضى فاتك
مروا عليك الذي يكضون حاجاتك
لكوك نايم وأتاري النوم عاداتك)[436](.
الموحدون
ـ 1ـ
هي دولة نشأت أول امرها في المغرب ووصلت حدودها من طرابلس شرقاً إلى مشارف المحيط الأطلسي من الأشبونة إلى ما يعرف اليوم بالسنغال ثم امتدت في الأندلس وقد قامت على أسس شيعية إذا لم تكن واضحة كل الوضوح فهي صريحة كل الصراحة. ويمكن القول إنها كانت على منهج شيعي خاص بها. ولا يبدو التشيع عند الموحدين كما يبدو في شعر شعرائهم الذي لا يختلف عن أي شعر شيعي آخر.
ومنشئ هذه الدولة هو أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن تومرت)[437]( الملقب بالمهدي، وينسب إلى قبيلة هرغة)[438](، في أقصى المغرب. وهذه القبيلة تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. وقد أورد ابن خلكان نسب ابن تومرت قائلاً: «ووجدت في كتاب النسيب الشريف العابد بخط أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته».
ثم ينقل النسب متبدئاً بمحمد بن تومرت ومنتهياً بالحسن عليه السلام.
وكان ابن تومرت نفسه يذيل رسائله بتوقيعه بهذه العبارة: «محمد بن عبدالله العربي القرشي الحسني الفاطمي».
وعن ذلك يقول عبدالله علي علام صاحب كتاب «الدعوة الموحدية بالمغرب»: «وقد أثبت المؤرخون أن (ابن تومرت) بربري ينتهي إلى قبيلة مصمودة، وليس في ذلك من شك إذ لم نصادف نصاً لابن تومرت أو لأنصاره من المؤرخين ينفي هذه الحقيقة، بل الأمر على عكس ذلك، فقد أثبت التاريخ أن ابن تومرت كان يعتزّ بقبيلته الصغرى (هرغة) وبقبيلته الكبرى (مصمودة). وفي الوقت ذاته يسمي ابن تومرت نفسه محمد بن عبدالله العربي القرشي الحسني الفاطمي ويكتب لنفسه نسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا شك أن ذلك مما يوقع ظاهره في لبس، وربما كان هذا اللبس السطحي مما حمل بعض المؤرخين على تكذيب نسبته النبوية ثم طفقوا يخترعون التعليلات لتبرير وجهة نظرهم.
وقد كفانا ابن خلدون مؤنة التعب في بحث هذا اللبس السطحي، إذ يقول في ختام نسبة ابن تومرت النبوية: (… ابن عطاء بن رباح بن محمد بن ولد سليمان بن عبدالله بن الحسن «المثني» ابن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي إدريس الأكبر الواقع نسب كثير من بنيه في المصامدة وأهل سوس).
وذكر ابن نخيل في سليمان أنه لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس ونزل تلمسان وافترق ولده في المغرب ثم يقرر ابن خلدون رأياً لطائفة أخرى من المؤرخين قائلاً: (وقيل بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب وأن رباحاً الذي في عمود هذا النسب إنما هو ابن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن).
ثم يبدي ابن خلدون رأيه في هذه الأقوال قائلاً: «وعلى الأمرين فإن نسبه (أي ابن تومرت) الطالبي وقع في هرغة من قبائل المصامدة ووشجت عروقه فيهم، والتحم بعصبيتهم، فلبس جلدتهم وانتسب لنسبتهم، وصار في عدادهم».
ومعنى هذا الكلام أن الحسنيين الأشراف حينما أتيح لهم أن يؤسسوا دولة بالمغرب بفضل إدريس بن الحسن «المثنى» بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مؤسس الدولة الإدريسية الشريفة كانت هذه الدولة الحسنية لهم متنفساً، وكان المغرب لهم مرتعاً خصيباً ومجالاً سعيداً، فانتشروا في أرجائه وانبثوا في قبائله، فأكسبوا تلك القبائل شرف النسبة النبوية واكتسبوا منعتها وقوتها وعصبيتها، فلبسوا جلدة هذه القبائل وانتسبوا بنسبتهم وصاروا في عدادهم، فليس إذاً في الأمر تناقض بين كون ابن تومرت مصمودي وقرشي، فهو مصمودي القبيلة وقرشي النسب.
وقد أيّد هذا الرأي عبد الحميد العبادي إذ يقول: «ولكنه (أي ابن تومرت) كان في الأصل من أحفاد العلويين الأدارسة الذين اندمجوا في البربر… وتخلقوا بأخلاقهم وتطبعوا بطباعهم. فهو عربي الأصل بربري الطباع والأخلاق.
(انتهى ما ذكره علام).
وقد بدأ ابن تومرت أمره أولاً بدعوة إصلاحية دينية واتخذ لقب المهدي ثم ثار على المرابطين ولما توفي ـ وكان قد أوصى بخلافته لعبد المؤمن بن علي القيسي ـ استطاع خليفته أن يقضي على بقايا المرابطين وأن يقيم على أنقاضهم دولة الموحدين وأن يوحد إفريقيا الشمالية كلها حيث قضى على سلطة النرمنديين في تونس واستخلصها منهم سنة 555هـ (1160م) وأخضع أمراء الطوائف المستبدين وأصبح ملكه ينبسط من أقصى ليبيا إلى المحيط الأطلنطي فالأندلس.. وقد جهد الموحدون في إنجاد الأندلس في مقاومتها للإسبان معركة (الأرك) التي انتصروا فيها على الإسبان انتصاراً عظيماً عاد إلى الأذهان ذكريات معركة الزلاقة.
وقد تماسكت جبهة الأندلس بعد تضحيات كثيرة أيام خلفاء الموحدين الثلاثة الأول، ثم تداعت على أيام الرابع منهم وهو محمد الناصر بن أبي يعقوب يوسف المنصور (595 ـ 611هـ/ 1199 ـ 1215م) وظهر هذا التداعي في صورة انهيار سريع بعد معركة (العقاب)، وقد كانت قاصمة الظهر لدولة الموحدين في الأندلس والمغرب أيضاً.
وإليك فيما يلي أقوال بعض المؤرخين المحدثين عن الموحدين:
قال محمد عبدالله عنان:
بلغت الدولة الموحدية الكبرى، التي قامت بالمغرب والأندلس على أساس ـ دعوة المهدي محمد بن تومرت ذروة عظمتها وقوتها في عهد الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، الذي تولى الخلافة منذ سنة 580هـ/ 1184م حتى وفاته سنة 595هـ/ 1199م وكان ألمع حادث في عهده، انتصاره الباهر في موقعة الأرك العظيمة على جيوش قشتالة في سنة 591هـ/ 1194م في الأندلس.
وقد قامت دعوة المهدي بن تومرت على نظرية دينية أخلاقية اجتماعية هي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو كان خلال رحلته الدراسية بالمشرق يتّخذ من هذه النظرية شعاره أينما حل، ففي سنة 511هـ اخترق محمد بن تومرت مصر للمرة الثانية في طريق عودته إلى المغرب، ونزل بالإسكندرية وأقام بها حيناً يتلقى دروسه على يد العلامة أبي بكر الطرطوشي. وهنا نشط إلى بث دعوته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتد في ذلك، وخرج من القول إلى الفعل، بالتعرض للناس وزجرهم حتى حدث من جراء ذلك شغب قيل إنه كان سبباً في حمل الوالي على نفي ابن تومرت من المدينة. وعلى أي حال فقد غادر ابن تومرت مصر وثغرها، وهو يحمل عن الحياة الاجتماعية المصرية، وما يتخللها من ضروب البدع، وعن المجتمع المصري، وما يجنح إليه من ضروب المتعة والرفاهية، واللهو والمرح، أسوأ الفكر، وأقسى الأحكام.
وشاء القدر أن يكتب الظفر لدعوة ابن تومرت، وأن تقوم الدولة الموحدية بالمغرب، وشعارها التوحيد، وإحياء الشريعة ومحاربة البدع، على أنقاض الدولة المرابطية التي دمغتها دعوة المهدي بالإغراق في الضلال ومخالفة أحكام الكتاب والسنّة، والخروج على شريعة الإسلام.
وكان الخليفة يعقوب المنصور، وهو ثالث الخلفاء الموحدين، بعد جده الخليفة عبد المؤمن بن علي، وأبيه الخليفة أبي يعقوب يوسف، يجمع إلى عظمة السلطان السياسي رسوخ العقيدة، وشدة الحرص على أحكام الشريعة وسنّتها، وبالرغم من أنه لم يكن من الغلاة في تقدير تراث المهدي بن تومرت وتعاليمه وقد أحدث ما يمكن أن يسمى انقلاباً حقيقياً في ميدان المذهب والعقيدة في الدولة الموحدية فإنه كان يتشدد في تطبيق أحكام الشريعة على حقيقتها، وفي الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود حتى في أهله وعشيرته، وكان يذهب في ذلك إلى حدود بعيدة، حتى قيل إنه عاقب على شرب الخمر بالقتل، وكان يشدّد في إلزام الناس بإقامة الصلوات الخمس، ويأمر بالمناداة عليها، ويعاقب على تركها.
وقال عبدالله علي علام: وهذه الدعوة (الموحدية) كما كشفت عن حقيقتها عدة دعوات، فهي دعوة إصلاحية إسلامية تتمثل في التزام ابن تومرت القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لبّى نداء ربه. وهي دعوة فكرية ثقافية تتمثل في نشره المذهب التوحيدي الكلامي الجديد، محطماً بذلك هذا الحصار الحديدي الذي ضربه المرابطون وفقهاؤهم على الفكر المغربي حيناً من الدهر. وهي دعوة إصلاحية إنسانية شاملة.
وقال حسن حسني عبد الوهاب:
دام استيلاء النرمند على مدائن الساحل التونسي إثني عشر عاماً، وفي أثناء تلك المدة التحق الحسن بن علي آخر امراء الصنهاجيين بالمغرب الأقصى واستغاث بخليفة الموحدين الطائر الصيت (عبد المؤمن بن علي)، ورغبه في إنقاذ إفريقيا من يد الإفرنج النرمنديين. واستجاب عبد المؤمن لنداء الحسن الصنهاجي وهيأ جيشاً عرمرماً وأسطولاً ضخماً قصد بهما إفريقيا وابتدأ يفتح المدائن الواحدة تلو الأخرى. وفي أقل من عام واحد قضى على أمراء الطوائف المستبدين بالنواحي كما رهس الأعراب الهلاليين في ضواحي البلاد وأخضد شوكتهم فانضموا طائعين، وانخرط جلهم في سلك جنوده، وتقدم إلى المهدية (عاصمة البلاد آنذاك) فحاصرها براً وبحراً إلى أن أفتكها من يد الإفرنج ودخلها منصوراً سنة 555هـ/1160م وهكذا تم لعبد المؤمن امتلاك سائر البلاد، وأصبح ملكه ينبسط على المغرب كله من أقصى ولاية طرابلس إلى المحيط الأطلنطي ويدخل في ذلك جزيرة الأندلس مما لم يتم لأحد سواه.
وقال محمد بن تاويت:
«نهضت الدولة الموحدية على حلم عظيم أرادت أن تحققه بكل عزم وفي كل ميدان، ذلكم الحلم هو الثورة على كل شيء، الثورة على الأوضاع السياسية والاجتماعية الثورة على مناحي التفكير في العقائد والأحكام والعلوم عامة، الثورة بالتجديد في كل شيء، وبإعادة صرح الدولة الإسلامية الكبرى قوياً شامخاً عظيماً مهيباً».
ثم يقول الكاتب:
وتنظر في منهاج العلوم، فتجد المنهج الأولي منه يحتاج إلى ثورة عارمة، فيعهدون إلى ابن مضاء، وإذا به يحمل راية الثورة على منهج النحاة ويؤلف كتابه المعروف، وهذا الفقه كان قد وصل إلى مرحلته الراكدة وأغلق أبوابه على الفكر الإسلامي ثم أغلق نوافذه فاختنق به من كان على رمق من الحياة، فجاء الموحدون وحطموا أو حاولوا أن يحطموا هذا السجن، وقالوا بالانطلاق، أجل الانطلاق والعتق والتحرر من كل قول وكل مذهب والاعتصام بالمنبع الاول الكتاب والسنّة، فألفت التآليف العديدة، ولم يكونوا كذلك في ظاهرية أو حزمية بالحرف بل كانوا إلى جانب الفكرة عمليين يربون النشء على هذا التحرر كما يربونه على القوة والجهاد في سبيل العقيدة والدين.
هذه مبادئ أجملها الناس فيما وسموا به ثورة ابن تومرت ولكن ابن تومرت وثورته بعد هذا في حاجة إلى دراسات ودراسات لم ينته إليها الدارسون حتى الآن، وكل ما يمكن أن يقال إن الرجل بدأ بالعمل تلاه الظهور بالفكرة على عكس ما عهد في غيره.
وعلى كل حال فالثورة الجذرية حاصلة، وتدعيم الثورة لا بد له من إيمان قوي وثقة عميقة وطاعة متفانية لهذا القائم بالثورة وبهذا الزعيم في الفداء، وفي هذا الداعي إلى خلق المعجزات، فنأخذ إذن بمذهب الشيعة القائم على الإيمان بالحق الإلهي والطاعة لمن تحقق بذلك والثقة بالمصير فهو خالد خلود الدهر وهو وارث الأرض وهو الحبل الذي لا ينفصم عراه. إلا أن هؤلاء لم يركنوا إلى التشيع ركوناً نظرياً يرجع إلى الماضي فيحسب عليه ويطمح إلى المستقبل فيغرق في حلمه ويبقى بين الماضي وبين المستقبل يدفعه هذا ويجذبه ذاك)[439](. وإنما أراد ابن تومرت أن يري للأصحاب هذه الحقيقة عياناً، ففعل فيها ما فعل ووفق في فعلته القاسية، فكان النصر حليفاً وكانت دولة الموحدين تهدر بالعظمة وتجيش بالقوة، فلا يحدها البحار الهائجة ولا الجبال الماردة ولا الصحارى الشاسعة.
من المعلوم أن الدولة الموحدية كانت أول دولة مغربية، حرصت على الشعر يقال فيها، والمدح يسجل مفاخرها.
لقد كان الموحدون مفتونين بالعظمة مأخوذين بها في كل شيء ومن تلك تسميتهم لأنفسهم بالخلفاء ومن تلك العظمة الماثلة لنا حتى الآن في مبانيهم بالمغرب وغيره، وكذلك وجدناهم مسحورين بهذه العظمة في تلك الأمداح التي تصلصل بأجراسها، وتطغى بمعانيها طغياناً لا حد له، ولكنه في ذوق يستسيغه وسياج من الحكمة يحيطه.
وقال كاتب في مجلة «دعوة الحق» المغربية وهو يتحدث عن الموحدين. وقد فقدنا اسم هذا الكاتب في المسودات، ونرجح أنه محمد بن تاويت نفسه:
«وقيام الدولة في المغرب على هذه الأسس الدينية شيء معهود فيه» إلى أن يقول: «ثم الدولة الموحدية المجددة المجتهدة، ثم المرينية المالكية المتزمتة، ثم الوطاسية المجاهدة، فالسعدية القائمة على فكرة الأحقية لآل البيت في الخلافة.
ثم يسترسل الكاتب في الحديث عن الموحدين قائلاً:
«وكما كان من أولئك العلماء الذين رحلوا إلى الشرق، ومن قامت على يده هذه الدولة كذلك كان منهم من قامت على يده دولة أطاحتها وعملت على مخالفتها في كل شيء، لم تكن هذه مالكية مقلدة بل كانت متحررة، في ميل إلى التشيع أحرقت كتب الفروع وأحيت كتاب الأحياء لم ترتبط بالخلافة العباسية، وادّعت أنها صاحبة الخلافة الإسلامية، ونظرت إلى الشرق نظرة الشره إلى طعام شهي، فقال شاعرها يخاطب أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن:
ستملك أرض مصر والعراقا
وتجري نحوك الدنيا استباقا)[440](
ثم قال إبنه يعقوب المنصور وقد حدث عن مصر، «نحن إن شاء الله مطهروها»، ويحلم بالإسكندرية، فيبني ـ كما يقال ـ الرباط على غرارها، ويمدح الشاعر إبنه محمد الناصر، بقصيدة يقول فيها:
فكيف بمصر والعراق وعندكم حديث عن استيلائكم غير مظنون
.
وهكذا كان الموحدون يفكرون في اقامة خلافة اسلامية موحدة، ويتجهون في الشرق نحو الاتجاه الذي اتخذه الفاطميون فيما قبل، فوصلوا الى برقة)) ،
ثم يتحدث الكاتب عن مقاومة العباسيين للموحدين مستغلين وجود صلاح الدين في مصر:
“… في حروب كانت تؤرثها الدولة العباسية ايضاً،اذ كانت هذه قد استمالت اليها ابن غانية ،فبعث هذا اليها بابنه مع كاتبه عبد البر فرسان، معلناً الطاعة للخليفة الناصر بن المستضتئ وطالباً الخلع والاعلام السوداء فمنحه الخليفة العباسي لقب امير المسلمين الذي كان العباسيون يمنحونه أسلافه فيما قبل، وكتب الى صلاح الدين الذي كان انذاك يدعو لبني العباس، بان يناصره على خصومه الموحدين،
لقد امتثل صلاح الدين، فجرد جيشاً تحت قيادة قراقوش، وبوزبا من اتباع تقي الدين ابن اخيه، فاتجه هؤلاء صوب افريقيا لخوض المعركة، الى جانب ابن غانية ومن معه من الأعراب، فكان ذلك وانتهى بانتصار الموحدين واستسلام جيش صلاح الدين وابن اخيه. ثم رأى الموحدون بصائب نظرهم أن يستغلوا هؤلاء الغز الذين حاربهم بهم صلاح الدين، فانخرطوا في جيشهم مع قائدهم قراقوش، كما كان اولئك الأعراب قد انخرطوا في جيشهم النظامي ايضاً،وكانت الخطة ان يقذفوا بهم في اتون الحروب كما سنرى،وقد واجه هؤلاء العرب عندما قضى على دولة بني حماد، يستميلهم بشاعره الجراوي، الذي كتب اليهم بقصيدة يقول فيها:
أحاطت بغايا العلا والمفاخر
على قدم الدنيا هلال بن عامر
فإذا ما انتهوا إلى المغرب ، بعث بهم إلى الاندلس يحاربون الإسبان، كما حصل في موقعة انتصروا فيها، فقال شاعر الدولة الجراوي يخاطب عبد المؤمن:
لو راء موسى ما فعلت وطارق
زريا بما لهما من الآثار
أتممت ما قد أملوه ففاتهم
من مصر دين الواحد القهار
بعراب خيل فوقهن أعارب
من كل مقتحم على الأخطار
أكرم بهن قبائلاً أقلالها
في الحرب يغنيها عن الأكثار
وانظر إذا اصطفت كتائبها إلى
ما تحمد الكتاب في الأسطار
لو أنها نصرت «علياً» لم ترد
خيل ابن حرب ساحة الأنبار
هم أظهروه مع النبي وواجب
أن يتّبعوا الأظهار بالإظهار
وقد ذكر عبد الواحد المراكشي أنه في سنة 83 أو 82 يعني بعد الخمس المائة ورد البلاد الغز من مصر وفيهم مملوك يسمى قراقوش كان مملوكاً لتقي الدين ابن أخي الملك الناصر، ورجل يسمى شعبان من أمراء الغز، ومن أجناد المصريين رجل يعرف بالقاضي عماد الدين فأحسن يعقوب نزلهم، وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين، إذ كان هؤلاء يأخذون «الجامكية» ثلاث مرات في السنة، ولكن «جامكية» الغز كانت في كل شهر، وزيادة على ذلك فقد اقطع أعيانهم إقطاعاً كأقطاع الموحدين أو أوسع، ثم وصف شعبان بأنه لطيف الحس ذكي النفس، حسن المحاضرة طيب العشرة، على حظ عظيم من الأدب، وقدرة فائقة على نقده، وكان يقرض شيئاً من الشعر، وربما ندرت له الأبيات الجيدة.
إذن لم يكن هؤلاء رجال حرب فقط، بل كان منهم العلماء، مثل القاضي عماد الدين المذكور، ومثل شعبان الذي يصفه المراكشي، وبذلك يكون هؤلاء من روافد الشرق العربي، كما كان سفير صلاح الدين إلى المنصور الموحدي، وهو عبد الرحمن بن منقذ، الأمير الشامي والأديب الشاعر، الذي مدح المنصور بقصيدة قدمها بين يديه، فنالت منه الإعجاب وأثابه عليها بجائزة سنية، كما كان تقي الدين بن حموية السرخسي الخراساني الأصل الذي وفد على المنصور وأقام في المغرب أربع سنوات سجل في رحلته عنه كثيراً من المعلومات.
وعلى هذا فإن الاتصال بالمشرق كان قوياً على عهد الموحدين، كان اتصالاً جغرافياً على الحدود المصرية، واتصالاً كذلك بجلب هؤلاء العرب الذين توقفوا عند إفريقيا، واتصالاً بهذه الوفود التي كانت تفد عليهم من الشرق، ثم بهذه الدعاية التي كان رجالهم يبثونها لهم بالمشرق، إلى جانب أولئك العلماء الذين توجهوا إليه من مثل الشريف الإدريسي، وعبد الواحد المراكشي وأبي موسى الجزولي، وعلي بن يقظان السبتي الطبيب، وأبي الخطاب عمر بن دحية السبتي، وأخيه عثمان أبي عمرو، وإبراهيم بن يحيى بن حافظ المكناسي وأبي زكريا يحيى بن معط، وابن الأشير الصنهاجي وعبد الرحيم بن طلحة الأنصاري السبتي، وعبد الحق بن سليمان القيسي التلمساني ويونس بن يوسف الجذمي، من قصر عبد الكريم، ومحمد بن إبراهيم البقار الفاسي، ومحمد التميمي الفاسي.
كما ورد على المغرب من المشرق سوى من ذكر علماء آخرون، مثل عمر بن مودود السلماسي، ويحيى بن عبد الرحمن القيسي الدمشقي المعروف بالأصبهاني، ومحمد بن يحيى الخزرجي المصري.
وإذا كنا نهمل من هذه العلاقات، تلك التي تتمثل في الحجاج المغاربة، لعدم انحصارها وكونها غير خاصة ببلد دون بلد من العالم الإسلامي. فإننا لا نهمل شيئاً ذا بال في هذا الحج، ذلك أنه قد تأسس في عهد الموحدين، موكب رسمي كانت له ولا شك رسالة متعددة النواحي في هذا الاتصال المستمر. وقد عرف هذا الوفد بالركب الصالح، نسبة إلى مؤسسة الشيخ أبي محمد صالح المتوفى سنة إحدى وثلاثين وست مائة، وبنيت لهذه الغايات رباطات ينزلها الحجاج من آسفي إلى الحجاز فيستقبلهم أصحاب الشيخ المكلفون بذلك حتى في مصر والشام وبذلك استقر غير واحد من ولد الشيخ بالشرق قيمين على ما فيه من رباطاته، منهم إبنه عبد العزيز بمصر إلى ان توفي بها، ثم حفيده إبراهيم بن أحمد بالإسكندرية، ثم ولد هذا أحمد، وقد بقي رباط الإسكنريدية، إلى أن نزل به أبو سالم العياشي عام أربع وسبعين وألف.
ولما سقطت دولة الموحدين بقيام دولة المرينيين، كان الاتصال بين المغرب الأقصى والمشرق، مستمراً بنفس الوسائل التي كان عليها أيام الموحدين، فالدولة تتجه إلى الشرق فتصل إلى تونس في امتدادها، والعلاقات تربط بينها وبين المماليك وركب الحجاج يشق طريقه في هيئة رسمية، وغالباً ما يكون موضوع السفارات بين الدولتين، ثم رحلات العلماء في نشاطها الدائب.
كان الموحدون قد دعوا إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وأحرقوا كتب الفروع، واستمر الحال على عهدهم، سائداً فيه هذا النمط من التحرر الفقهي (أو الأخذ بالمذهب الظاهري، كما يرى بعضهم) إلى أن كانت دولة المرينيين التي قضت على هذه الحركة المباركة، ورجعت بالناس إلى مذهب مالك، ثم يقول الكاتب:
نعود إلى استعراضنا لهذه العلاقة بين المغرب والمشرق. فنجدها، وقد دالت دولة بني مرين فبني وطاس، تستمر على عهد السعديين، الذين هم أنفسهم أتوا إلى المغرب من المشرق، إذ كان أهل درعة أتوا بجدهم المولى زيدان بن أحمد من الحجاز في أواخر القرن السابع أو أوائل الثامن، تبركاً به كما يقال، فتكون دولتهم ثانية الدول العلوية التي تأسست بالمغرب الأقصى.
أدب الموحدين الشيعي
ويقول محمد بن تاويت وهو يتحدث عن الأدب في عهد الموحدين:
«هذا ما يتصل بالناحية الفنية وهناك ناحية مذهبية أعني بها المذهب الشيعي، ولا شك أن الشعراء في ذلك اعتمدوا كلياً على ابن هانئ ولكن اعتمادهم لم يكن متطرفاً كما اعتمدوا كذلك على مبادئ شيعية متطرفة إلا أنهم لم يفهموا خطر تطرفها أو فهموه وأخذوا بجانب منه دون الرجوع به إلى أصل المذهب فيه، فالشاعر الجراوي)[441]) له قصائد تبدو فيها معالم التشيع كقوله فيها مادحاً عبد المؤمن:
لو أنها نصرت علياً لم ترد
خيل ابن حرب ساحة الأنبار
هم أظهروه مع النبي وواجب
أن يتّبعوا الأظهار بالإظهار
ملئت به الدنيا صفاء بعدما
ملئت من الأقذار والإكدار
ومن قصائده ملحمة في رثاء الحسين وهي لا تختلف عن تلك المراثي التي نعرفها للشيعة تقرأ صبيحة يوم عاشوراء إلا بهذا العبث حيث بنى إعجازها على إعجاز معلقة امرئ القيس ونظمها للمنصور الموحدي فقال فيها:
ألا يا رسول الله صدري توهجا
لمصرع سبط في الدماء تضرجا
فعطلت جيد اليأس من حلية الرجا
فتعساً لأقوام يريدون لي نجا
يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ويقول:
أقول لحزن في الحسين تأكدا
تملك فؤادي متهماً فيه منجدا
ولو غير هذا الرزء راح أو اغتدى
لناديته قبل الوصول مرددا
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
ويقول:
وركب إذا جاراهم البرق يعثر
تذكرت فيهم كربلا فتحيروا
وغيداء لا تدري الأسى كيف يخطر
بثثت لها ما كنت بالطف أضمر
فألهيتها عن ذي تمائم محول
ويقول:
أما لعهود الهاشميين حافظ
السبط يوم للرسالة غائظ
على ثكله قلب الكريم محافظ
فيا مهجتي إني على السبط فائظ
فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي
ويقول:
أيا فاسقاً قاد الغرور شكائمه
فأورد في صدر الحسين صوارمه
تهيأ ليوم الحشر تجرع علاقمه
فما لك منجى من خصومة فاطمه
وما إن أرى عنك العماية تنجلي
ومن الشعر الموحدي الحاوي على مصطلحات شيعية قول إسماعيل بن محمد الشواش:
لقد رضيت فيك الخلافة (مرتضى)
لما أوجبت فيك الديانة (مجتبى)
الموحدون
ـ 2ـ
الموحدون كانوا في بادئ أمرهم طائفة دينية إصلاحية، كونها محمد المهدي بن تومرت المغربي السوسي المصمودي الهرغي في مستهل القرن السادس الهجري، ويتفق المؤرخون على أن مولده كان في الثلث الأخير من القرن الخامس للهجرة ولكنهم يختلفون في تحديد السنة، لأن ابن تومرت ولد في قبيلة جبلية، وقلما يعني سكان هذه البلاد بتدوين ميلاد أبنائهم خاصة من قبائل السوس لانتشار الأمية فيما بينهم.
وينحدر ابن تومرت من أسرة بربرية من قبيلة هرغة إحدى بطون قبيلة مصمودة الكبرى التي تعتبر أكثر القبائل البربرية عدداً وأشدها بأساً وكانت أسرة ابن تومرت تسكن قرية (إيجلي أو إيكلين) ولها لهجات لاسم واحد)[442](.
أما عبد المؤمن بن علي فينتسب إلى أسرة بربرية قروية تنتمي إلى قبيلة كومية الزناتية. ولد في قرية (تاجرا) من أعمال مدينة تلمسان إحدى مدن المغرب الأوسط والجزائر ـ حيث كانت تعيش قبيلة كومية في المنطقة المحصورة بين البحر المتوسط وتلمسان، أما مولده فلم يتفق المؤرخون عليه مثلما حصل لأستاذه، للسبب نفسه وهو ندرة التدوين في بيئته القرؤية وإنما حصروها في الخمس عشرة سنة الأخيرة من القرن الخامس الهجري، واختلف المؤرخون في نسبه، ولكن المرجع أنه بربري، تلقى علومه الأولية في تلمسان، وكان من أساتذته ابن صاحب الصلاة، وعبد السلام البرنسي إمام عصره في علوم الفقه، والحديث والتفسير والكلام، وكان يود متابعة دراسته في المشرق، وشاءت الظروف أن يلتقي بأستاذه ابن تومرت السوسي في قرية يقال لها (ملالة) من أحواز بجاية، ولزم ابن تومرت يطلب العلم على يديه ويشاركه في دعوته إلى التوحيد الكلامي ببلاد المغرب، ويعاني معه مرارة الحرمان والتقشف ومطاردة الحكّام، ويمتشق معه الحسام في حرب المرابطين، ثم يخلفه في قيادة الموحدين، ليكمل الجهاد وينشئ دولة الموحدين، ومما يدل على بعد نظره وعلو نفسه إلى المجد، ما جرى بينه وبين وزيره أبي جعفر بن عطية من محاورة في أحد مجالسه كشفت عن مزاجه الحربي وحبه لرؤية الجند وهم متنكبون أسلحتهم، وتجلّت عبقريته وحسن إدارته بتعديل نظام مجالس العشرة والخمسين والسبعين التي أنشأها المهدي.
أما من الناحية العسكرية فقد أدخل على هيكلها القبلي تغيرات طفيفة فجعل قبيلته كومية تأتي في المرتبة الثانية بعد هرغة قبيلة المهدي، وعمل على ضم القبائل العربية إلى جانب الجيش الموحدي ليستعين في حربه للفرنجة بالأندلس وينسبون إليه قصيدة دعاهم فيها إلى الجهاد قال:
أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل
ما قودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل
ومنها:
بني العم من عليا هلال بن عامر
وما جمعت من باسل وابن باسل
وضم ما تبقى من أفراد الفرقة الرومية التي كانت في الجيش المرابطي لجيشه وأطلق عليهم بني فرخان وهي على ما يبدو تحريف كلمة (إيفرخان) ومعناها بالشلحية المغربية أكروخ (الشاب).
أما البيذق فيرى أن كلمة (إيفرخان) بمعنى مرتزقة النصارى وهذه الكلمة منحوتة من كلمة (Farfanes) التي أطلقت في إسبانيا بعد ذلك بزمن على أعقاب النصارى الذين أعيدوا إلى بلادهم، وممن انضم إلى الجيش الموحدي قبائل الغز بقيادة قراقوش وبلغ عدد الجيش الموحدي أيام الخليفة عبد المؤمن عند إعلانه الجهاد ضد الفرنجة بالأندلس نصف مليون جندي، وإليه ينسب نظام التربيع في القتال، وهو عبارة عن أربعة صفوف على شكل مربع وفي القلب القائد أو الخليفة الذي كثيراً ما كان يقود المعارك بنفسه، تحيط به هالة من الفرسان وأفراد الحرس الخاص الذين اتصفوا بالشجاعة والإقدام وحسن الإخلاص للخليفة.
وعرف عن الخليفة عبد المؤمن استخدام المرونة في القتال وخاصة مع القبائل المتمرسة فيه، ففي سنة 529هـ/ 1134م خرج لغزو بني بيغر في جبال تينمل لكنه فوجئ بتخطيط حربي من قبلهم أثار الذعر في صفوف الموحدين، فقد وضعوا حطباً على ظهور الجمال وأضرموا فيها النيران ودفعوها مذعورة في صفوف الموحدين، وهجموا إثر الجمال فهزموا الموحدين، مما اضطر عبد المؤمن إلى الاستعانة برجال من الموحدين تربطهم ببعض رجالها روابط المودة والصداقة مما ساعده على جذبهم إلى صفوف الموحدين.
وفي عام 531هـ/ 1136م خرج إلى المنطقة نفسها لغزو أراضي جدميوة، فاعترضه الجيش المرابطي بقيادة الأبرتير الروسي وهزمه، لكنه تمكّن من قتله فيما بعد في معركة أخرى دارت بينهما في سنة 539هـ/ 1144م.
ومما تميز به الخليفة عبد المؤمن عن سواه ابتكاره تأسيس المدارس المعدّة لتخريج رجال السياسة وقادة الجيش والأسطول في مدينة مراكش، فكان يجمع الأولاد الصغار من مختلف أبناء القبائل المغربية خاصة قبائل المصامدة، مع من يأتي من أبناء المدن الأندلسية وبخاصة من مدينتي إشبيلية وقرطبة، ثم يقوم بتقسيمهم إلى فئات حسب أعمارهم فتراهم وكأنهم أبناء ليلة واحدة، ثم يعمد إلى تدريبهم على فنون الحرب المختلفة كالطعن بالحراب والرمي بالقوس والسهام والمبارزة وركوب الخيل والركض، وتعلم السباحة والقيام بمناورة بحرية وكأنها حرب حقيقية في قصره الواقع في الحي المعروف بأكدال (المنتزه) وأعد فيها طائفة من السفن الكبيرة والصغيرة ليتمرنوا فيها على التجذيف وقيادة السفن والوثب على سفن العدو ومزاولة التمارين البدنية التي تقتضيها الخدمة البحرية، وكان تعليمهم على نفقة الدولة، وكان أولاده البالغ عددهم ثلاثة عشر يتعلمون معهم، وقد أشار عليه أشياخ الموحدين بتولية أولاده في الولايات، لكنه تظاهر بالامتناع ثم وافق، وأوكلهم إلى كتاب يقومون بتدريبهم على أساليب الحكم والإدارة بعد أن نما فيهم الخصال الحميدة لهيئوهم لقيادة الأمة بعد موته.
والملاحظ أن المسميات المستخدمة في الجيش الموحدي كان لكل واحد منها مدلوله الخاص به، فالمرتزقة هم الجند النظاميون الذين يتلقون رزقاً ثابتاً ودائماً، أما الحشود فهم على العكس من ذلك يجندون لحملة معينة، وأما المتطوعة، فهم الذين يعتمدون على الغنائم والمنح الإكرامية، وهم الذين التحقوا في الجيش بأعداد كبيرة أو قليلة لتأدية فريضة الجهاد.
وكلمة الجند عند الموحدين تطلق في العادة على المحترفين الذين يتلقون مرتباتهم أيام السلم والحرب، بما فيهم الجند الأجانب من العبيد أو الصقالية الذين كان ولاؤهم للسلطان لأن الأجنبي لم تكن له جماعة تنصره إن هو فكر في شق عصا الطاعة، وبالتالي كان من مصلحته أن يكرس نفسه لخدمة سيده السلطان، وكان من مصلحة السلطان أن يجزيه على هذا الولاء، وأن يكون في الجند عناصر متباينة غير مندمجة مع بعضها لإثارة المنافسة فيما بينها في الحرب وفي الولاء للسلطان.
أما عن الإقطاعات والجرايات، فقد حذا الموحدون حذو المرابطين، وأصبح إقطاع الأراضي طريقة متّبعة عند سلاطين المغرب من بعدهم.
واهتم الخلفاء الموحدون ببث العيون في صفوف جيش العدو لتثبيط همم أفراده، وفي بث العيون في صفوف جندهم، وما ديوان التمييز إلا وسيلة من الوسائل التي يتعرف بها الخليفة على مدى إخلاص الأفراد في الجيش من عدم إخلاصهم خاصة في بداية تكوين الدولة.
أما عن الأسلحة، فكان من أبرزها القنا الطوال أو الطوارق المانعة، والدرق اللمطية، والأحربة، والمخالي ـ المقالع ـ التي يرمى بها الحجارة وقوس الرجل، إلى جانب المطايا وأهمها الخيل.
التحصينات
اهتم عبد المؤمن بوسائل الدفاع الساحلية لمنع نزول الصليبيين الأراضي المغربية فأنشأ القصور، والقلاع، والرباطات ذات المناور أو الطلائع التي تشعل النار على قممها ليلاً وينبعث منها الدخان نهاراً لإنذار الأهالي في حالة وقوع غارة بحرية معادية. هذا إلى جانب استخدام الطبول الضخمة للغرض نفسه، وهي تقابل الأبواق عند الفرنجة ومن أمثلة تلك الحصون نذكر رباط تيط على ساحل المحيط الأطلسي جنوب الجديدة (مازيغان) بنحو 12 كم ويعود بناء هذا الحصن إلى منتصف القرن السادس للهجرة الثاني عشر للميلاد أما قصبة الوادية الحالية الواقعة على ساحل المحيط الأطلسي، والتي سماها بالمهدية تخليداً لاسم أستاذه المهدي بن تومرت، والتي أجرى لها الماء في قادوس تحت الأرض من عين عبولة التي تقع في جنوب غرب الرباط بنحو تسعة عشر كيلومتراً، فكان قد ربطها بمدينة سلا المقابلة لها بجسر من السفن المشدود بعضها ببعض بالسلاسل عبر وادي الرمان (أبو الرقراق) حاليا، وعليها ألواح خشبية كي تمر عليها الجيوش والمعدات المتجهة إلى إسبانيا والملاحظ أن آثار الساقية المتفرعة عنها ما زالت باقية للآن.
وكان الخليفة عبد المؤمن قد نقش على الباب الشرقي لهذه القصبة الآية الكريمة التي ترمز إلى جهاد العدو ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيم (10) تؤمنون بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ﴾.
ومن أبرز أعمال الخليفة عبد المؤمن العسكرية التي خلدت ذكراه، المدينة البحرية الحصينة التي بناها على سفح جبل طارق سنة 555هـ/ 1160م وسماها مدينة الفتح لتكون قاعدة عسكرية كبرى لتجمعات جيوشه القادمة من المغرب، ومنذ ذلك الحين صار جبل طارق يعرف بجبل الفتح، وقد قام ببناء القلعة البحرية عدد كبير من العمال والبنائين الأندلسيين. ومن الطريف أنه حينما تم بناء مدينة الفتح، ركب الخليفة عبد المؤمن سفينة من سفن أسطوله وطاف بها حول جبل طارق ليتفقد حصون المدينة الجديدة، ويعاين أحوال البناء فيها، وهذا ما فعله في مدينة المهدية بالطواف حول أسوارها قبل الاستيلاء عليها.
واهتم الخليفة أبو يعقوب يوسف اهتمام أبيه بالتحصينات وأولاها أهمية خاصة، فقام بتحصين مدينة إشبيلية، وعقد على واديها الكبير جسراً من السفن يمتد إلى بلدة أطريانه Triana إحدى حواضر إشبيلية لإجازة الجيوش الإسلامية المتجهة نحو الغرب، وقد بدأ العمل به في شهر صفر سنة 567هـ/ 1171م تحت إشراف الخليفة أبي يعقوب وأمر بأن تكون جيوش النجدة المتجهة إلى مدينة بطليوس المهددة من قبل العدو هي أول الجيوش التي تعبر هذا الجسر، كذلك أمر عامله على إشبيليه أبا داود يلول بن جلد أسن، ببناء سور حصين على قصبة المدينة بحيث يشمل مسجد المدينة ودار صناعة السفن المسماة بالقطائع والمتصلة بسور القصبة المطل على الوادي والمنتهي بباب الكحل المطل على سفن الوادي، هذا إلى جانب بناء القسم الداخلي والخارجي للقصبة مع ترميم أسوارها المطلة على الوادي وترميم ثغورها الخارجية.
ولم يقتصر التحصين على مدينة إشبيلية بل تعداها إلى المدن الواقعة على الجهة الغربية الساحلية، يقول ابن صاحب الصلا ة بهذا الخصوص: وهو الذي حمى بطليوس من الكفر وابتنى لها قصبتها الشاهقة المانعة، وسرب الماء إليها من الوادي فقطع العدو أمله عنها بما أشحنها من الآلات والعدد من الأسلحة والرجال المنتخبة.
الأسطول
وجّه الخليفة عبد المؤمن عنايته نحو إنشاء وتعمير المراسي ودور الصناعة المنتشرة على طول السواحل المغربية والأندلسية ساعده في ذلك توفر المواد الخام من بلاد العدوتين من خشب وحديد، وقد أنتجت دور الصناعة في عام 557هـ/ 1162م في العدوتين أربعمائة قطعة، منها في وهران وهنين وتونس مائة قطعة، وفي مراسي الأندلس ثمانون قطعة وإلى جانب دور الصناعة المذكورة كانت توجد دار صناعة في قصر معمورة التي كانت تبنى فيها مراكب النقل التي يسافر عليها الجنود ومعداتهم إلى الأندلس، ووجدت دار صناعة كبيرة في المكان المسمى اليوم باسم الحبالات (بضم الحاء وتشديد الباء) شرقي فاس عند ملتقى وادي فاس بوادي سبو، وكانت تنشأ بها القوارب والسفن الصغيرة ثم تنساب إلى وادي سبو، وتصعد فيه حتى مصبه في المحيط الأطلسي، وقد أنشأ هذا المصنع الخليفة عبد المؤمن عندما عزم على فتح المهدية 552هـ/ 1157م.
ومن مهام القطع البحرية إلى جانب المعارك الحربية، نقل المعدّات وآلات الحصار والتعاون مع القوات البرية في الهجوم على الثغور الساحلية البرتغالية، وكثيرا ًما أدّت مهامها بنجاح. وكان من أبرز أعمالها استرداد مدينة شلب (Silves) والاستيلاء على القاعدة البحرية الهامة قصر أبي دانس (Alcacardesal)، وكان من مهامها حراسة ثمار النصر في المعارك البرية خوفاً من ضياعها، فكانت تقوم على حراسة المضيف وحماية المواصلات ونقل الحشود والمعدات والرقاصين ـ عمال البريد. بين العدوتين، ومما يدل على تفوق البحرية الموحدية، خطاب ألفونسو الثامن إلى الخليفة المنصور يطلب منه إرسال المراكب والشواني والطرائد والشلنديات لكي تحمل جنده إلى بر العدوة لقتال الخليفة المنصور، شأنه في ذلك شأن الإذفنس الذي طلب من الأمير المرابطي مثل هذا الطلب أو مجيء الأمبرالية، واجتاز الأمير يوسف بحر الزقاق، ولقّنه درساً قاسياً تمثل في معركة الزلاقة، كما يروي أحد المغاربة وهو ابن سعيد المغربي المتوفى في القرن السابع للهجرة عن دور المغاربة كفنيين وجند في الأسطول المصري، وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على تفوق البحرية المغربية الأندلسية آنذاك.
والملاحظ أن الأسطول الموحدي كان موضع إطراء الشعراء ومديحهم، وكانت قصائدهم تنشد في المناسبات السياسية أو الحربية، وهذا ما أعطاها قيمة تاريخية إلى جانب قيمتها الأدبية، ومثال ذلك القصائد التي أنشدت بمناسبة زيارة الخليفة عبد المؤمن للقاعدة البحرية (مدينة الفتح) التي بناها على جبل طارق سنة 555هـ/ 1160م وحسبنا أن نقتبس منها بعض الأبيات مثل قول الشاعر القرشي القرطبي المعروف بالطليق:
يرمي بهم ظهر طرف بطن سابحة
فالبر في شغل والبحر في صخب
وفي هذه المناسبة أيضاً قال الشاعر الأندلسي أبو عبدالله الرصافي:
تسنم الفلك من شط المجاز وقد
نودين: يا خير أفلاك العلاسيري
فسرن يحملن أمر الله من ملك
بالله منتصر في الله منصور
وعرفت بعض القطع بخفتها وسرعة حركتها، وقد أطلق عليها بالأغربة الطيارة، وفي اللقاء الذي تم بين إبني الخليفة عبد المؤمن، السيد أبي حفص عمر بن عبد المؤمن صاحب مراكش الذي خرج متجهاً نحو الجزيرة الخضراء للقاء أخيه أمير إشبيلية أبي السعيد قال ابن حربون قصيدته المشهورة التي وصف فيها منظر القطع البحرية الراسية في جبل طارق عند لقائهما قال:
يا من رأى الفلك على الموج طافية
كما كفأت قباباً وسطها العمد
ينساب منهن في أعلى غواربه
أساود سكنت أجوافها أسد
وقال الفقيه أبو محمد المالقي قصيدة يصف فيها الموكب البحري للخليفة أبي يعقوب يوسف عند دخوله الأندلس سنة 580هـ/ 1184م، قال:
أو راكب فوق متن الماء مرتفق
كانه قيصر والقلع أكليل
فالبر كالبحر تستن أدرعها
والبحر كالبر إذ يصطف أسطول
وأورد المقري أبياتاً عديدة في وصف الأسطول الموحدي نقلاً عن شعراء عديدين أمثال ابن الآبار البلنسي، وأبي عمرو يزيد بن عبدالله اللخمي الإشبيلي وغيرهما.
وكان من أبرز قواد الأسطول الموحدي غانم بن مردانيش (106) Mardanish وأخواه أبو القمر هلال، وأبو العلا، وعبدالله بن جامع، وأبو العباس الصقلي الذين خاضوا معارك بحرية شرسة مع القائد البرتغالي (فواس روبيهنو)، ودخلت عناصر أجنبية تولت قيادة البحرية الموحدية، أمثال البحار القديم دي روجيه الثاني الصقلي (107) Roger 11 وبالجملة بذل الموحدون جهوداً مشكورة في توحيد المغرب العربي، وفي مساعدة إخوانهم الأندلسيين من غزوات الإسبان، ولو أن العلاقة فيما بينهما لم تكن في المستوى المطلوب، بسبب الخلاف المذهبي مما أضعف الثقة وعدم التقارب بينهما إلا للضرورة.
أما الحفصيون، فهم ينتسبون إلى أبي حفص عمر بن يحيى بن عبدالله العمري الهنتاتي الملقب بأزناج شيخ جبل المصامدة وكبير قومه فيه وهو الذي دعاهم إلى اتباع المهدي بن تومرت عندما أعلن مهديته سنة 515هـ/ 1121م، وكان يعد من العشرة المقربين عند المهدي وله مكانة خاصة عنده إذ يأتي بعد عبد المؤمن في المنزلة، وإليه يعود تأسيس الدولة الحفصية التي تأسست بتونس على أثر انهيار دولة الموحدين على يد المرينيين في المغرب سنة 668هـ وسلك الأمراء الحفصيون ملك الدولة الموحدية في سياستهم الحربية لفكرة نظام التربيع في القتال والجوسسة، وتنويع العناصر في الجيش.
أما عن الجوسسة، فلم يقتصر عملها على مراقبة الجيش الحفصي بل تعدّاه إلى بث العيون في المغرب المريني خاصة أيام السلطان أبي زكريا يحيى الأول، فكانوا يختلطون بالناس على مختلف طبقاتهم ليعرفوا أسرارهم وأسرار دولتهم، وينقلوها بدورهم إلى مصلحة المخابرات في الجيش الحفصي.
لكن هذا النظام أصابه الانحراف والفساد خاصة في أواخر الدولة، ففي زمن السلطان أبي فارس عبد العزيز حدث أن أفشى أحد القواد العسكريين بعض الأسرار العسكرية إلى الكاتولنيين في أثناء حرب السلطان معهم سنة 833هـ /1429م وكادوا يقضون على السطان وحاشيته لولا شجاعة بعض أفراد الجيش وتداركهم للأمر وكان للجيش الحفصي مجلس حربي مهمته البت في الأمور الحربية الحاسمة كإعلان الحرب أو الهدنة أو بناء المنشآت العسكرية أو ما شابه ذلك من الأمور الحربية الأخرى، أما عناصر الجيش، فكانت تتألف من الموحدين الذين أسسوا الدولة، ومن الأندلسيين، ومن قبائل زناته المنضمة إليهم فقد برز فيها رجال عرفوا بالشجاعة والمهارة في الحرب، ومن قبائل العرب التي وفدت إلى تونس في عهدهم أو القبائل القديمة التي كانت بتونس أيام الخليفة عبد المؤمن، بالإضافة إلى ألف فارس من المماليك الأتراك الذين ابتيعوا من مصر، ومن الفرنج وهم العلوج الذين لا يطمئن السلطان لأحد سواهم، ومنهم ينتقي الفرق الخاصة به (المسماة بعبيد السلطان) والتي تلبس الجلاليب البيضاء، وتتمنطق بالسيوف، وتحمل العلم الأبيض المسمى (بالعمل المنصور) وكان لكل قبيلة من القبائل الداخلة في الجيش سجل خاص بها يسجل فيه الرجال المحاربون من أبنائها، وكان السلاطين يسقطون من السجل من لم يكن له أصل ثابت في هذه القبائل.
أما طبقات الجند، فكانت تقسم إلى سبع طباقت:
الطبقة الأولى: وتتألف من أشياخ الموحدين الكبار، وهم بقايا أتباع المهدي بن تومرت، ويقابلهم أمراء الألفية عند المماليك بمصر.
الطبقة الثانية: وتتألف من أشياخ الموحدين الصغار، ويقابلهم أمراء المئات عند المماليك بمصر.
الطبقة الثالثة: الوقافون، وهم طبقتان: وقافون كبار ووقافون صغار، وكلهم يقفون بين يدي السلطان في أوقات جلوسه وخاصة عند النظر في المظالم ويسكنون معه في القصبة (القلعة).
الطبقة الرابعة: عامة الجند.
الطبقة الخامسة: الجند من قبائل العرب.
الطبقة السادسة: الصبيان، وهم جماعة من الشبان مختصون في خدمة السلطان.
الطبقة السابعة: الجند من الإفرنج ويعبر عنهم بالعلوج.
أما عن عدد العساكر، فيبلغ عشرة آلاف فيهم عدد كبير من عرب البادية لهم صولة وجولة ومكانة عند السلطان.
أما عن أعطياتهم، فكان لهم ديوان يسمى بديوان العطاء، يعطي كل رجل من رجال القبائل المحاربة كسوة تقدر بثلاثين ديناراً سنوياً، ويمنح شيوخ القبائل وخاصّة العربية منها إقطاعات تتناسب مساحتها مع عدد رجال القبيلة المحاربة مع الدولة في أيام الحرب، وقد يصدر السلطان مرسوماً يعفي هذه الإقطاعات من الضرائب حرصاً منه على مودة المشايخ لمساعدتهم إياه في إخماد الفتن الداخلية أو الحروب الخارجية.
أما عن أعطيات كبار الموحدين، فكانوا يقومون بزراعة قطع من الأرض، يأخذون عشر إنتاجها، ويعطى كل واحد منهم زيادة على هذا العطاء حرث عشرة أزواج من البقر، كل زوج بشعبتين، وكل شعبة عبارة عن رأسين من البقر، فيكون لكل واحد منهم عشرون فداناً أي ما يساوي أربعين رأساً من رؤوس البقر، ولهم مع ذلك راتب يفرق عليهم أربع مرات في السنة، يسمونه بالبركات، ففي عيد الفطر تفرقة، وعيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول تفرقة، وفي رجب تفرقة، ويعطى كل واحد منهم في كل تفرقة أربعين ديناراً مسماة (ما يعادل ثلاثمائة درهم من الدراهم العتيقة، وأما السلطان فيأخذ كواحد منهم حرث خمس من البقر، أي نصف ما للأشياخ الكبار، وأما البركات، فللأشياخ الصغار مقدار ما للأشياخ الكبار، ولعامة الأشياخ، سواء الكبار منهم أو الصغار، والوقافين والجند شيء آخر يفرقه السلطان عليهم يسمى (بالمواساة)، وهي غلة تفرق عليهم عند موسم جمعها ووضعها في الإهراءات (المخازن) الخاصة بها، وشيء ثالث يقال له (الإحسان)، وهو مبلغ مالي يفرق عليهم، وسواء كانت المواساة أو الإحسان فكلاهما يفرق عليهم جميعاً من السنة للسنة حسبما يرى السلطان وحسب درجات الناس عنده، فمقادير العطاء متفاوتة بتفاوت الدرجات بين مشايخ القبائل ومزاويرهم. وأما الجند الغرباء المنضمون للجيش في غير عصبة الموحدين كالأندلسيين وغيرهم فينفردون بأعطيات خاصة دون غيرهم من الموحدين، أما لباس الجند: فيمتاز عن لباس عامة الناس بصغر العمائم، وضيق في لباس الثياب المفصلة من أنسجة الجوخ والصوف والقطن.
وأما الخلع والتشريف في الدولة، فقد جرت العادة على أن من يتولى أمراً من الأمور أن يعطى حلة أو كسوة من القماش غير مخيطة ولا مفصلة يتصرف فيها كيفما شاء.
الدكتور صالح محمد فياض أبو ديان
الموحدون والفكر
وقال محمد عبدالله عنان في كتابه (نهاية الأندلس): (في ظل دولة الموحدين التي خلفت دولة المرابطين في حكم الأندلس، انتعشت الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسي. وقد نشأ الموحدون كالمرابطين في جهاد الخشونة والتقشف، ولكنهم كانوا أوسع أفقاً وأكثر قبولاً لثمار التمدن وكان لدولتهم بالأخص صبغة علمية ودينية، إذ كان مؤسسها المهدي بن تومرت من أئمة التفكير الديني وأبدى خلفاؤه عبد المؤمن وبنوه اهتماماً بالعلوم والفنون وأطلقت حرية التفكير والبحث، وكانت قد صفدت في عهد المرابطين، وأفرج عن كتب الغزالي وغيره من مفكري المشرق، وكانت قد طوردت ومنعت في أيامهم بالمغرب والأندلس.
وفي تلك الفترة بالذات أعني في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجري، بلغ التفكير الأندلسي ذروة النضوج وتفجرت ينابيع النبوغ، وظهرت طائفة من أعظم أقطاب العلم والأدب. وكان في طليعة أقطاب العلم في هذا العصر بنو زهر الأشبيليون، وعميدهم الوزير والطبيب الأشهر أبو العلاء بن زهر، ثم ولده عبد الملك بن زهر المتوفى سنة 564هـ (1168م) وهو المعروف باللاتينية باسم Avenzoar ويعتبر ابن زهر أعظم طبيب ومشخص في العصور الوسطى بعد أبي بكر الرازي، ويعتبر ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس، ويعتبر كتابه (التيسير) من أعظم مراجع الطب في العصور، وكان لمؤلفاته التي ترجمت كغيرها إلى اللاتينية في عصر مبكر، أثر عظيم في مسير البحوث الطبية في أوروبا وظهر إلى جانب هؤلاء عدد من أقطاب الفلاسفة، مثل أبي بكر بن طفيل الوادي آشى المتوفى سنة 571هـ (1176م) وهو صاحب رسالة حي بن يقظان الشهيرة، والإمام الفيلسوف أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفى سنة 594هـ (1198م) والرئيس موسى بن ميمون اليهودي القرطبي المتوفى سنة 206هـ (1205م) وازدهرت المعاهد العلمية أيام الموحدين بالمغرب والأندلس. وكانت المعاهد الأندلسية في إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية، يومئذٍ مجمع العلوم والمعارف الرفيعة في تلك العصور. وكانت مقصد الطلاب من كل فج، وكانت مزودة بالمكتبات التي تضم أنفس الكتب والمصنفات في مختلف العلوم والفنون.
وكذلك تقدمت الزراعة والصناعة والتجارة في عهد الموحدين وازدهرت الزراعة بنوع خاص وارتقت أساليبها الفنية وتنوعت المحاصيل وانتشرت زراعة الفاكهة في أحواز إشبيلية وبلنسية، وتقدمت الصناعات الحربية والمدنية ولا سيما صناعة الأقمشة الممتازة والصناعات الجلدية وصناعة الورق وغيرها. وازدهرت التجارة وعم الرخاء. وكانت ثغور الأندلس مثل بلنسية ودانية وإشبيلية والمرية ومالقة من أعظم مراكز التجارة الخارجية في هذا العصر.
ولما اضمحل شأن الموحدين وضعف أمرهم في المغرب والأندلس في أوائل القرن السابع الهجري واجتاحت الثورة معظم القواعد والثغور الأندلسية ونهض المتغلبون يتنافسون في اجتناء أسلاب الدولة الزاهية شعرت إسبانيا بدنو الفرصة السانحة لاقتطاع ما يمكن اقتطاعه من أطراف الأندلس الممزقة. وبدأت قواعد الأندلس التالدة تسقط تباعاً في يد الإسبان وشغلت الأندلس بمحنتها الغامرة وانصرفت إلى متابعة الجهاد ومدافعة المغيرين عليها بكل ما وسعت، فانكمشت فنون السلم وتضاءلت دولة التفكير والأدب وإن كانت المحنة قد أذكت لوعة الشعر.
أسطول الموحدين
وعن أسطول الموحدين يتحدث محمد أحمد العربي: كان من حسن طالع الموحدين أنهم تمكّنوا في مدة قصيرة من وضع نهاية للمقاومة المضادة في المغرب والشمال الإفريقي كما كان من حسن طالعهم أنهم استطاعوا توحيد كلمة الجيش بعد أن تفرقت تلك الكلمة مدة طويلة بين أمراء وشيوخ المرابطين وبعد أن كان كل عامل أو ثائر يجد كامل السهولة في استمالة بعض القواد وإعلان العصيان في مختلف نواحي المغرب، وكان من حسن طالعهم أخيراً أن البلاد نعمت ولأمد طويل بالاستقرار والهدوء مما سمح بالتوسع في تنظيم الدولة سياسياً وإدارياً وتزويدها بالقوة الحربية في البحر والبر.
ويذهب ابن خلدون في مقدمته إلى أن العناية بالأسطول في عهد الموحدين لم تظهر إلا على عهد الأمير عبد المؤمن بن علي، ويظهر أن هذا المؤرخ يعني بالعناية شروع الأسطول في ملاحمه المشهورة التي قفزت إلى الطليعة. والدليل على ذلك أن ابن خلدون يقرر بأن أساطيل المسلمين وصلت في عهد الأمير إلى ما لم تصل إليه من قبل ولا من بعد، وذلك من ناحية جودة الصناعة واتقان الحيل الهندسية والعلم بالشؤون البحرية.
وفي هذا العهد كانت المدن الواقعة على البحر في المغرب والأندلس والشمال الإفريقي تعج بالحركة والنشاط، وكمثال على ذلك نورد نصاً نقله الناصري عن جذوة الاقتباس وعلق عليه وهو يخص ترسانة مدينة سلا: «دار الصناعة المذكورة في هذا الخبر هي الدار التي كان تصنع بها الأساطيل البحرية والمراكب الجهادية، يجلب إليها العود من غاية المعمورة فتصنع هناك ثم ترسل في الوادي وكان ذلك من الأمر المهم في دولة الموحدين» وباستقصاء الأحداث العظيمة التي جرت أبان ولاية الموحدين لا نجد ما يشير إلى أي انكسار مني به أسطولهم باستثناء معركة بحرية واحدة جرت في عرض مياه البرتغال وكانت القوة فيها غير متكافئة. ففي عهد عبد المؤمن بن علي وقع تطهير سواحل البحر المتوسط من أية قوات بحرية معادية وانتزع من النورمانديين مدينة المهدية.
أما المعركة التاريخية الكبرى فإنها وقعت بسواحل طرطوشة بين الكاطالونيين وحلفائهم الفرنسيين والإيطاليين وقراصنة الجزر الشرقية الخاضعة للصقالبة، وبين أسطول الموحدين، وكان عدد قطع أسطول الأعداء 200 مقابل 80 قطعة مغربية هي أسطول الشرق. إن التفوق العددي كانت تقابله النوعية والتدريب والتصميم.
وفي السجلات البحرية التاريخية التي تحفل بها المتاحف والخزائن الخاصة بألمانيا وهولندا وإنكلترا نقرأ الشيء الكثير عن الأسطول المغربي في القرن الثاني عشر الميلادي. وحيث إن تلك الوثائق تعزز عادة بالخرائط التوضيحية البحرية، فنحن نجد خرائط ذلك الوقت وقد أشير إلى شمال إفريقيا بالدوائر والخطاطيف إشارة إلى تمركز الثقل البحري في هذه الجهة، وتفوق المغاربة على غيرهم من الأمم في ميدان بناء الترسانات وسائر أنواع المراكب المقاتلة.
غير أننا نبادر إلى القول ـ ما دمنا في صدد أهمية ومكانة الموحدين في هذا الجانب من جوانب العظمة في تاريخ العالم ـ بأن الأسطول الموحدي لم يوجد من العدم كما كان الشأن في الدولة المرابطية التي لم تكن تملك حتى ما يمكنها من حصار مدينة مغربية كسبته، تلك المدينة التي بقيت أكثر من نصف قرن ممتنعة عنهم ومنشقة عن حكمهم.
فمن الحقائق أن أساطيل المرابطين انتقلت برمتها وانتقلت معها أحواضها وذخيرتها وبحارتها إلى الموحدين، أي أن الأمر يتعلق بأكثر من 120 قطعة بحرية أغلبها من النوع الجبار كالحراقات التي تحمل المجانيق والكور والنفط المشتعل والمسطحات التي تشبه من حيث الشكل والوظيفة بوارج الجيب الحديثة، والطرادات التي تستعمل في الهجوم على الصقالي والأبراج وتلاحق مراكب الأعداء وأخيراً الشواني وهي عبارة عن قلاع ضخمة فوق سطح الماء.
ولقد عزف أبو عبدالله بن ميمون القائد الأعلى وآمر الأسطول عن الدخول في الخلاف المرابطي الموحدي بل انتظر حتى انكشف الوضع بينهما عن تغلب الأخرىن وثم انحاز إلى صفهم حفاظاً على هذه الإدارة القوية والهامة التي تقع عليها وحدها واجب مدافعة الدول الأوروبية وكبح جماحها.
ولقد حذا بقية رؤساء البحر حذو رئيسهم وأطاعوا أمره بالتزام الحياد التام ثم انضموا إلى الأسرة الحاكمة الجديدة.
ومن أهم الأحواض البحرية: دار الصناعة بقصر مصمودة، وهي مختصة بالمراكب المسطحة الضخمة الصالحة للقتال ولنقل الجنود في نفس الوقت. وترسانة سبتة لترميم وإصلاح السفن، وأحواض باديس ووهران وطنجة والمهدية بتونس وعنابة.
ولم يكتف الموحدون بتوسيع وترميم الترسانات والموانئ القديمة فحسب بل أسسوا ربطاً وأضافوا إليها حيّزاً بحرياً أقاموا عليه دور الصناعة. ونذكر على سبيل المثال مدينة المهدية القريبة من مدينة القنيطرة الحالية، فهذه المدينة أسسها بنو يفرن وتخربت على يد البورغواطيين، أدرك السلطان يعقوب أهميتها الكبرى كمفتاح لوادي سبو وطريقاً مفتوحا نحو سهل الغرب بل ونحو فاس فأمر ببنائها من جديد وأنزل بها قبائل بني رياح المشهورة بقوة شكيمتها، وكانت ترسانتها مما يجب أن يفخر به تاريخ المغرب من حيث جدة الآلات وبراعة المهندسين وكثرة اليد العاملة. وعلاوة على ذلك، وبالإضافة إلى حوض التدريب والاختبار الذي هيأه الموحدون بمراكش لتدريب وامتحان البحارة كانت المهدية الميدان الرئيسي لما يسمى اليوم بالمناورات.
ويبرز في ميدان أهمية الأسطول الموحدي جانب آخر له وزنه وقيمته وهو المتعلق بالقيادة، وقائد الأسطول الذي خلف ابن ميمون هو عبدالله بن سليمان الذي كان يجلسه أمراء الموحدين إلى جانبهم في المجالس الرسمية والاستعراضات لما كانوا يعلقونه من أهمية على دوره الخطير في مراقبة العمل في الأحواض والإشراف على التدريب وقيادة المراكب الجهادية.
وفي عهد أبي يعقونب تولى القيادة أحمد الصقلي، وهو تونسي الأصل من مواليد مدينة جربة، وقد أسره الإيطاليون في إحدى هجوماتهم على ساحل تونس وأخذوه أسيراً، وكان من أكفأ البحارة في التاريخ الوسيط حسب شهادات المؤرخين الطليان. وله مواقف عظيمة في محاربة الأساطيل العدوة في البحر الأبيض المتوسط وساحل البرتغال. وإلى حنكته وقوة شكيمته يرجع الفضل في دفع خطر بني غانية الذين ظلوا متشبثين بالدعوة المرابطية أكثر من خمسين سنة متحصنين في جزر البليار الواقعة بين فرنسا وإسبانيا.
وكان هناك نظام خاص للأسطول في العهد الموحدي يختلف قليلاً عما كان موجوداً من قبل ذلك أنه بالإضافة إلى رؤساء المراكب وضباط الفرق والقائد العام الذي يعود إليه إصدار الأوامر، كان يوجد منصب سام ذو صبغة سياسية يحمل إسم «المشرف الأكبر».
وكان المشرف الأكبر يرافق الأسطول ويكون همزة وصل بينه وبين قادة الجيش الأخرىن. ومن أشهر المشرفين العامين في الفترة التي نؤرخ لها: محمد بن إبراهيم بن جامع الذي صاحب الأسطول الذي استردّ مدينة بجاية من يد بني غانية، وناب عن أمير المغرب في قبول استسلام حاميتها. ثم محمد بن عطوش وأبو العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن على ما ذكره مصدر وحيد وهو المعجب لعبد الواحد المركشي.
إن هذه الانتكاسة لم تكن لتخلو من فائدة، ذلك أن الموحدين حسنوا فيما بعد من أسلوب عملياتهم وأعادوا تنظيم قواتهم وتغيير أماكن تجمعات الأسطول. وقد أتت تلك التغيرات كلها بسرعة. ففي عهد السلطان عبد المؤمن بن علي وقع تطهير سواحل البحر المتوسط من أية قوات بحرية معادية، وافتتحت المهدية عاصمة تونس.
لقد أثبت هذا الأسطول وجوده وسجل أروع الانتصارات، وحقق لنفسه التفوق لمدة طويلة.
الموحدون وبنو هلال
ونترك الكلام هنا للأستاذ أمين توفيق الطيبي:
أدرك سلاطين الموحدين منذ البداية القيمة القتالية لقبائل العرب الهلالية، فحرصوا على توجيهها للجهاد معهم في الأندلس، ويكونون في الوقت ذاته قد تخلّصوا من شغب تلك القبائل عليهم متعاونة ـ كما حدث أكثر من مرة ـ مع القائمين على دولة الموحدين، كبني غانية من فل المرابطين في جزيرة يورقة، وقراقوش الغُزي في أطراف إفريقيا، مغتنمين فرصة بعدهم عن عاصمة الدولة الموحدية في مدينة مراكش، وانشغال الموحدين في المغرب الأقصى والأندلس.
فبعد أن فرغ أول سلاطين الموحدين عبد المؤمن بن علي من تحرير مدينة المهدية من الاحتلال النورماني سنة 555هـ/ 1160م. «جمع أمراء العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقيا وقال لهم: قد وجبت علينا نصرة الإسلام، فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس، واستولوا على كثير من البلاد التي كانت بأيدي المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم. فبكُم فتحت البلاد أول الإسلام وبكم يُدفع العدو منها الآن، ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة، يجاهدون في سبيل الله. فأجابوا بالسمع والطاعة». ويذكر المؤرخ الموحدي ابن صاحب الصلاة أن الأمير أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كان ينتظر بفارغ الصبر في إشبيلية وصول المدد إليه من المغرب، فعلم أن والده في أحواز فاس «وقد استاق في أتباعه من العرب بني رياح وبني جشم وبني عدي (من بني هلال) وقبائلهم ما يضيق بهم الفضا، على عدد الذباب وعدد الحصى».
وعلى أثر قيام الثائر ابن مردنيش على الموحدين ومحاولته الاستقلال في شرق الأندلس بمعاونة النصارى، وصل الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي إلى سلا على ساحل المغرب، وقال ليوسف بن سليمان ـ من أصحاب مهدي الموحدين ابن تومرت ـ ركّب لي العرب. ركّب لي منهم أربعة عشر ألفاً وأعطيك البشارة. فركبها حتى خاطفت العرب على الخيل، ودخل عليه يوسف بن سليمان بالبشارة.
ولما أراد عبد المؤمن الجواز إلى الأندلس، استنفر أهل المغرب عامة، فكان فيمن استنفره العرب الذين كانوا بشرق الجزائر من قبائل بني هلال بن عامر «فكتب إليهم رسالة يستنفرهم إلى الغزو بجزيرة الأندلس، وأمر أن تكتب في آخرها أبيات قالها ـ رحمه الله ـ في ذلك المعنى، ومنها:
أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل
وقودوا إلى الهيجاء جُرد الصواهل
وقوموا لنصر الدين قومة ثائر
وشدوا على الأعداء شدة صائل
بني العمّ من عُليا هلال بن عامر
وما جمعت من باسل وابن باسل
تعالوا فقد شدّت إلى الغزو نيّة
عواقبها منصورة بالأوائل
فاستجاب له منهم جمع ضخم، فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتَّبهم فيها، فجعل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في نواحي إشبيلية مما يلي مدينة شريش وأعمالها، فهم بها باقون إلى وقتنا هذا ـ وهو سنة 621هـ (1224م) ـ وقد انتشر من نسلهم بتلك المواضع خلق كثير، وزاد فيهم أبو يعقوب وأبو يوسف (الثاني والثالث من خلفاء الموحدين)، فبالجزيرة اليوم من العرب من زغبة ورياح وجشم بن بكر وغيرهم نحو من خمسة آلاف فارس سوى الرجالة».
وفي وقعة الجلاب قرب مدينة مُرسية بشرق الأندلس (560هـ/ 1165م)، وفيها هزم الموحدون ابن مردنيش وجموعه من الإفرنج، استشهد سبعة من شيوخ العرب. ويذكر ابن خلدون أن مُقاتلة العرب في تلك الوقعة كانوا من زُغبة ورياح والأبثج.
ولما عزم ثاني سلاطين الموحدين يوسف بن عبد المؤمن على الغزو في الأندلس سنة 566هـ، استدعى العرب وخاطبهم بهذه القصيدة يُحرِّضهم إلى الجهاد، ويستدعيهم إلى الغزوة العظمى، ويصفهم فيها بما هم فيه من الشهامة والزعامة، ويستقر بهم بالقربى التي تجمعهم في قيس عيلان، وأنهم السيف الماضي في نصر الدين وحمايته، وهي من قول أب طُلَيل، نجتزئ منها الأبيات التالية:
أقيموا صدور الخيل نحو المغارب
لغزو الأعادي واقتناء الرغائب
ألا فابعثوها همة عربية
تحفلُّ بأطراف القنا والقواضب
أفرسان قَيس من هلال بن عامر
وما جمعت من طاعن ومضارب
بكم نُصر الإسلام بدءاً فنصره
عليكم، وهذا عوده جدُّ واجب
فقوموا بما قامت أوائلكم به
ولا تغفلوا إحياء تلك المناقب
فاستجابت له القبائل العربية في إفريقيا والزاب والقيروان، وكان عدد الخيل الواصلة من إفريقيا أربعة آلاف فارس، ومن تلمسان ونظرها ألف فارس. ويقول ابن خلدون إن يوم قدومهم على الخليفة في مراكش «كان يوماً مشهوداً، فأعرضهم وسائر عسكرهم، ونهض إلى الأندلس».
ويذكر ابن أبي زرع الفاسي أنه وفد على الخليفة في مراكش سنة 577هـ أبو سرحان مسعود بن سلطان الرياحي في جيش عظيم من وجوه رياح برسم الخدمة.
وفي إحدى الرسائل الرسمية الموحدية المؤرخة في منتصف شوال 576هـ/ 4 آذار 1181م، من إنشاء الكاتب أبي الفضل بن طاهر بن محشرة، إلى الطلبة الموحدين والشيوخ والأعيان والكافة بقرطبة، أن أشياخ العرب وأعيانهم من جميع قبائل رياح جُمعوا «وعُرِّفوا أن الغرض منهم إنما هو غزو الروم الذين بجزيرة الأندلس… وندبوا إلى أن ينفروا إلى ذلك بقضهم وقضيضهم… ونفروا إليه بجملتهم من غير استثناء… ولم يبق من جموع رياح كلها ـ على اختلاف قبائلها وتعدد عشائرها واتساع أفخاذها وعمائرها ـ إلا من حضر ذلك من أعيانهم… وكلُّهم أظهر من جميل البدار… وما أقرُّ العيون وشرح الصدور وملأ بالبشرى القلوب». وتضيف الرسالة أنه قد تم ترحيلهم جملة بأنفسهم وأهليهم وأولادهم، «وكل رجا أن يُختم عمله بالرباط في تلك الجزيرة، تحسباً على الله بنفسه».
ولما اعتزم الخليفة يوسف بن عبد المؤمن على معاودة الجهاد في الأندلس سنة 579هـ، ونهض إلى سلا، وافاه بها أبو محمد بن أبي إسحاق بن جامع من إفريقيا بحشود العرب. وأمر الخليفة الناس بالجواز «فجازت قبائل العرب أولاً، ثم قبائل زناتة من قبائل المصامدة… ثم جازت جيوش الموحدين والأغزاز».
ولما سقطت مدينة شلب بغرب الأندلس في يد صاحب البرتغال بمساعدة الصليبيين سنة 586هـ/ 1190م، جهّز أبو يوسف يعقوب المنصور حملة كبرى لاسترداد المدينة «فاستشرنا الموحدين ـ أعزهم الله ـ وأخوانهم العرب ـ وفقهم الله ـ … فبادر كلهم بنيات صادقة وعزائم إلى اغتنام الأجور مسابقة». ويذكر أبي زرع الفاسي أن المنصور سيَّر في تلك الحملة جيشاً من الموحّدين ومعهم جمع كثير من العرب، ففتح بهم أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها، وهي شلب وباجة ويابر وقصر أبي دانس.
إن أكبر غزوات أبي يعقوب المنصور الغزوة التي تكلّلت بالظفر في وقعة الأرك Alarcos سنة 591هـ/ 1195م على حلف كبير على راسه صاحب قشتالة، وكان لقبائل العرب الهلالية دور في إحراز ذلك النصر العظيم يذكره ابن أبي زرع إذ يقول: «فكان أول من جاز البحر قبائل العرب ثم قبائل زناتة». وقبل اللقاء، استشار المنصور رؤساء القبائل «إتباعاً لأمر الله تعالى، واقتداءً بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم… فدعا أولاً أشياخ الموحدين، ثم أشياخ العرب، ثم أشياخ زناتة». ثم عقد الرايات لأمراء القبائل، لكل أمير راية. ولما لزمت كل قبيلة رايتها «خرج جرمون بن رياح أمير العرب يمشي بين صفوف المسلمين، ويقوي قلوب المجاهدين، ويتلو هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إِنّ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرُكُمْ وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَكُم﴾.
وأقبلت قبائل العرب والأغزاز فأحاطت بالنصارى. لما انسحب النصارى إلى الربوة ليعتصموا بها، حيل بينهم وبينها، فرجعوا إلى أعقابهم، فرجعت عليهم العرب والأغزاز فطحنوهم طحناً، وأفنوهم عن آخرهم، وأسرعت خيل العرب إلى أمير المؤمنين… وقالوا له: «قد هزم الله تعالى العدوّ».
من هم بنو هلال)[443](
كان قدوم قبائل بني هلال وبني سُليم إلى إفريقيا (تونس) ثم إلى باقي بلاد المغرب من مصر في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي على أثر القطيعة التي حدثت بين صاحب إفريقيا (البلاد التونسية) الأمير الزيري المعز بن باديس وبين الخليفة المستنصر الفاطمي في مصر. وبعد وقوع الهزيمة بجيش المعز بن باديس في وقعة جبل حيدران سنة 444هـ/ 1052م، سرعان ما اجتاحت قبائلهم سائر إفريقيا، وأقام رؤساؤهم إمارات مستقلة لهم في قابس وصفاقس والقيروان وباجة وقرطاج وبنزرت. أما المعز بن باديس، فقد انتقل إلى المهدية على الساحل من القيروان ولم تعد سلطته تتجاوز الشرطي الساحلي القريب من المهدية. ومع ذلك، فإن سوء العلاقات بين رؤساء قبائل بني هلال وبين الأمراء الزيريين لم يحل دون مبادرة هذه القبائل الوافدة من المشرق إلى المشاركة في التصدي لغزوات الروم على مدن ساحل إفريقيا، كما حدث عند تعرض المهدية ذاتها لهجوم جنوى بيزي كبير العام 480هـ/ 1087م، وفي التصدي للنورمان القادمين من صقلية في حصن الديماس ـ قرب المهدية ـ العام 517هـ/ 1122م، وفي التصدي لهم كذلك في طرابلس الغرب العام 537هـ/ 1142م، ما يدحض التهمة التي نسبها بعض الباحثين المحدثين لهذه القبائل من ضعف في شعورها الديني.
ولم يمض أكثر من قرن على وصول القبائل الهلالية حتى كانت هذه القبائل قد استقرّت في المغربين الأدنى والأوسط على حساب الدولتين الصنهاجيتين في المهدية وبجاية. ولما قامت دولة الموحدين في المغرب الأقصى في منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي أدرك سلاطينها منذ البداية القيمة القتالية لقبائل العرب الهلالية، فحرصوا على توجيهها للجهاد معهم في الأندلس التي كان يحيق بها خطر كبير من جانب ممالك قشتالة وأرغون والبرتغال. والمصادر العربية التاريخية حافلة بأخبار الدور الذي قامت به قبائل بني هلال في الجهاد في الأندلس إلى جانب الموحدين، وهي أخبار تشهد بشجاعتهم واستماتتهم في القتال ذوداً عن المسلمين وديارهم.
وكان لقدوم العرب الهلاليين إلى المغرب ـ تغريبتهم ـ آثار اقتصادية واجتماعية وعرقية ولغوية عميقة في كافة أقطار الشمال الإفريقي، وسوف نقتصر في هذه الدراسة على الحديث عن دورهم في الجهاد ضد الروم والإفرنج دفاعاً عن أرض الإسلام والمسلمين استناداً ـ في المقام الأول ـ إلى المصادر العربية، كما سنستشهد ـ بالنسبة إلى حملة المهدية ـ بمصدر لاتيني فريد.
جهاد الهلاليين في إفريقيا
في سنة 480هـ/ 1087م هاجم أسطول جنوى بيزي كبير عاصمة الزيريين المهدية وربطها زويلة، فطلع جنود الروم ـ كما يقول ابن الأثير ـ إلى البر ونهبوا وخربوا وأحرقوا، ودخلوا زويلة ونهبوها، وكانت عساكر الأمير تميم بن المعز غائبة عنها في قتال الخارجين عن طاعته. لقد كانت البابوية دون شك من وراء هذه الحملة التي سبقت أولى الحملات الصليبية في المشرق بعشر سنوات، وعرّج المحاربون ـ ومعظمهم من جنوة وبيزة ـ على روما للحج والتبرك بزيارة كنيسة القديس بطرس. إن المصدر الرئيسي والمعاصر لأخبار حملة المهدية قصيدة باللغة اللاتينية تُعرف بقصيدة نصر البيزيين Carmen in Victorian Pisanorum نظمها صاحبها ـ وهو أحد رجال الدين ـ في خريف سنة 1087م، أي بعيد عودة الأسطول المشارك في حملة المهدية، وكلها تمجيد لما حققته الحملة من تقتيل للمسلمين في جزيرة قوصرة (بنطلارية) والمهدية وزويلة، وما ظفرت به من أسلاب وغنائم. إلا أن ما يهمّنا في هذا المقام ما تشتمل عليه القصيدة من تنويه وإشادة بالدور الذي قامت به القبائل العربية الهلالية في التصدي للمغيرين على المهدية، على رغم العداء القائم آنذاك بينها وبين صاحب المهدية الأمير تميم بن المعز بن باديس. ففي القصيدة إثنا عشر بيتاً يتحدث فيها صاحب القصيدة ـ وهو شاهد عيان شارك في الحملة ـ عن أسلوب قتال العرب الهلالية، وفروسيتهم، وتصدّيهم للغزاة في زويلة كراً وفراً. وفي ما يلي نورد ترجمة عربية لهذه الأبيات من اللاتينية:
بينما كانوا (الروم) ينظرون إلى وفرة الغنائم
إذ بالقبائل العربية (الهلالية) تدخل زويلة
ويجري فرسانهم بسرعة تفوق سرعة الريح الشرقية
كانوا مهرة محنّكين في النظر إلى الوراء أثناء فرّهم
وهم أثناء فرّهم أسرعُ في قتل أعدائهم
إنهم أسرع من كافة البشر في الالتفاف في دوائر
ممتطين جياداً ضامرة يوجّهونها بأجسامهم
احتل مائة ألفٍ من هؤلاء البواسل زويلة
المدينة التي أخلاها البيزيون
وتدفق هؤلاء العرب نحو الساحل وملؤوا الشواطئ
وأوقعوا هزيمة ببقية البيزيين الذين كانوا يحرسون المرسى.
إن نجاح حملة المهدية كان لأسباب أوردها التجاني، من أهمها «مفاجأة الروم دون استعداد لهم، وأخذ أهبّة للقائهم، وخلو كافة الناس من الأسلحة والعُدد. وقصر الأسوار وتهدمها»، فضلاً عن ضخامة الحملة التي كانت تضمّ ما بين 300 و400 قطعة بحرية، وقد استوفى وصف الحملة أبو الحسن علي بن الحداد في قصيدة طويلة أورد التجاني بعض أبياتها، ومنها:
غزا حمانا العدوُّ في عدد
همُ الدَبَى كثرةً أو النفف
عشرون ألفاً ونصفها ائتلفوا
من كل أوْبٍ لبئسما ائتلفوا
جاؤوا على غرة إلى نفر
قد جهلوا في الحروب ما عرفوا
وهم من العيش في بُلهنية
وليس للدهر أعين طرف
في سفن كالجبال ليس لها
إلا من السمر والظبى شعف
وكان للقبائل العربية دور مرموق في الهزيمة التي ألحقت بالنورمان من جزيرة صقلية في جزيرة الأحاسي وقصر الديماس في صيف سنة 517هـ/ 1122م إذ ما أن نزل قسم كبير من عسكر النورمان إلى البر في جزيرة الأحاسي حتى تصدّت لهم طائفة من العرب والأجناد «وكشفوا من كان بها من الروم عن مواضعهم، وقتلوا منهم قوماً وانتهبوا بعض أسلحتهم». وأحاط العرب بقصر الديماس ـ وكان قد اعتصم به نحو مائة من جند النورمان ـ إلى أن نفد ما في الحصن من ماء وطعام فخرج النورمان من الحصن «فتخطفتهم سيوف الأعراب وقتلوا عن آخرهم». ويذكر ابن الأثير أن صاحب المهدية الأمير الزيري الحسن بن علي استنفر المقاتلة لحماية المهدية «فأتاه من أهل البلاد ومن العرب جمع كثير». ويضيف ابن الأثير أنه لما نزل النورمان الحصن المعروف بالديماس قاتلتهم طائفة من العرب كانوا هناك.
وأشاد كبير شعراء صقلية عبد الجبار بن حمديس بانتصار المسلمين في قهر الديماس. فقال في قصيدة يمتدح فيها الحسن بن علي:
فسلْ عنهم الديماس تسمع حديثهم
فهم بالمواضي في جزيرته جزر
وقال في قصيدة أخرى:
ولو نظم الديماس منثور هامهم
لقد جيد القصر منه سخابا
ونوّه الأمير الزيري بدور القبائل العربية في إحراز النصر ودفع عادية النورمان، فهو يقول في أحد كتبه: «فاستظهرنا باستقدام قبائل العرب المطيفة بنا، فأقبلوا أفواجاً أفواجاً، وجاؤوا مجيء السيل يعتلج اعتلاجاً ويتدفق أمواجاً، وكلهم على نيات في الجهاد خالصة، وعزمات غير مترددة في مواقف الموت ولا ناكصة.
وعلى أثر نزول عسكر النورمان إلى البر في جزيرة الأحاسي تسرع إليهم من جندنا ومن انضاف إليهم من العرب المجندة لنا طائفة أوسعت أعداء الله طعناً وضرباً، وملأت قلوبهم خوفاً ورعباً…
وبعد احتلال النورمان حصن الديماس تسربت العرب إليهم من كل فج…».
وفي سنة 537هـ/ 1142م تعرضت مدينة طرابلس الغرب لهجوم النورمان من البحر. وكاد النورمان أن يستولوا على المدينة في صيف ذلك العام لولا النجدة السريعة والحاسمة التي وصلت إلى المدينة المحاصرة، من القبائل العربية الهلالية (زغبة التي كانت قد استقرت في أحواز طرابلس الغرب). ويحدثنا ابن الأثير عن ذلك فيقول: «وفي هذه السنة (537هـ) سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها… وعلّقوا الكلاليب في سور البلد ونقبوه. فلما كان الغد، وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد، فقوي أهل طرابلس بهم، فخرجوا إلى الأسطول. فحملوا عليهم حملة منكرة، فانهزموا هزيمة فاحشة، وقتل منهم خلق كثير، ولحق الباقون بالأسطول، وتركوا ألأسلحة والأثقال والدواب والآلات، فنهبها العرب وأهل البلد، ورجع الفرنج إلى صقلية».
كان النورمان ـ بحلول العام 548هـ/ 1153م ـ قد احتلوا المهدية ومعظم مدن ساحل إفريقيا، فيما عدا مدينة تونس ومدينة أو مدينتين أخريين. يقول ابن أبي دينار القيرواني إن صاحب صقلية ـ وهو رجار الثاني ـ «نازل قلعة إقليبية فلم يقدر عليها لتجمع أكثر العرب فيها».
إن للرواية التي يوردها ابن الأثير عن رفض القبائل العربية الهلالية القاطع تلقي معونة من غير المسلمين ضد سلطان مسلم مغزى كبيراً. ففي سنة 548هـ/ 1153م استولى سلطان الموحدين عبد المؤمن بن علي على بجاية منهياً بذلك دولة بني حماد أصحاب القلعة، فأنفت قبائل بني هلال النازلة في شرق الجزائر من الخضوع لسلطان الموحدين، كما أنها كانت تخشى أن يقوم الموحدون بترحيلهم جملة من بلاد المغرب، فعقدت لذلك العزم على الوقوف في وجههم. يقول ابن الأثير: «واتصل الخبر بالملك رجار الفرنجي ـ صاحب صقلية ـ فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد، وجبارة بن كامل، وحسن بن ثعلب، وعيسى بن حسن، وغيرهم يحثهم على لقاء عبد المؤمن، ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن، فشكروه وقالوا: ما بنا حاجة إلى نجدته، ولا نستعين بغير المسلمين».
جهاد بني هلال في الأندلس
قبل قيام دولة الموحدين
إن أخبار قدوم بني هلال إلى إفريقيا وأخبار إقدامهم وبلائهم في القتال كانت قد وصلت إلى بلاد الأندلس ولما يمض أكثر من خمس وثلاثين سنة على وصولهم من مصر. ولما ازداد خطر صاحب قشتالة ألفونس السادس على ممالك الطوائف في الأندلس بعد أخذه طليطلة، اجتمع مشايخ قرطبة سنة 479هـ/ 1086م بالقاضي عبدالله بن أدهم. وعرضوا عليه الكتابة إلى عرب إفريقيا مستغيثين بهم حتى إذا «وصلوا إلينا قاسمناهم أموالهم وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله. قال القاضي: نخاف إذا وصلوا إلينا يخربون بلادنا كما فعلوا بإفريقيا… والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا». إن هذه الرواية التي يوردها كل من ابن الأثير والتنويري ينبغي ـ في رأينا ـ أن تؤخذ بتحفظ وحذر شديدين. ففي سنة 479هـ/ 1086م كان المرابطون أتموا سيطرتم على المغرب الاقصى وغرب الجزائر، وكانوا وعدوا بنصرة أهل الأندلس بمجرد أن يتحقق لهم ذلك. ثم أن القاضي ابن أدهم ـ كسائر فقهاء الأندلس ـ كان يميل إلى المرابطين ويتطلع إلى مجيئهم لما تناهى إلى الأندلس من تقريبهم للفقهاء وتعظيمهم لهم، كما أن المعتمد بن عباد ـ صاحب إشبيلية وقرطبة ـ كان على علم بما حل بالإمارتين الصنهاجيتين في القيروان وقلعة بني حماد على أيدي بني هلال. فكان يخشى بطبيعة الحال أن يحل به المصير نفسه لو تم استدعاء تلك القبائل إلى الأندلس. ثم أن سمعة القبائل الهلالية في الأندلس كانت قد شوهتها الروايات المغرضة والمبالغ فيها كثيراً التي أذاعها النازحون عن بلاد بني زيري في القيروان إلى الأندلس كابن شرف والحصري والحلواني، والتي نجد صداها في التراجم التي عقدها ابن بسام الشنتريني لهؤلاء الأدباء، وفي الفصل الذي أورده عن قدوم العرب الهلالية إلى إفريقيا اعتماداً على تلك الروايات المضللة.
ومهما يكن من أمر، فإن مجرد تفكير زعماء الأندلس باستصراخ بني هلال لهو دليل في حد ذاته على أن أخبار كفايتهم القتالية ورغبتهم في المشاركة في الجهاد ضد الروم كانت قد ذاعت في الأندلس بعد فترة قصيرة من وصولهم إلى المغرب. إن الباحث في تاريخ المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي يلاحظ تشابهاً كبيراً بين العرب الهلالية وبين المرابطين. فكلاهما جماعتان متزامنتان من الرحل الأشداء ذوي البأس والمراس قدمتا من أطراف الصحراء وقامتا بدور خطير في تاريخ الشمال الإفريقي والأندلس لتلك الحقبة. إلا أنه في حين أن المرابطين قيض لهم زعامة روحية تمثلت في المصلح عبدالله بن ياسين، وزعامة سياسية موحدة تمثلت في أمراء المرابطين من لمتونة، وعلى رأسهم يوسف بن تاشفين، فتمكنوا بفضلهما من تحقيق وحدة الصف والعمل، فإن بني هلال افتقروا إلى مثل تلك الوحدة والزعامة، ما بدد جهودهم وفرق صفوفهم، وجعلهم عرضة للاستغلال من قِبل أمراء شمال إفريقيا لخدمة أغراض هؤلاء الأمراء الخاصة.
أحرز المرابطون في جهادهم في الأندلس انتصارات «باهرة» كانتصارهم في وقعة الزلاقة سنة 479هـ/ 1086م في عهد يوسف بن تاشفين، وفي وقعة إقليش سنة 501هـ/ 1108م في عهد إبنه وخلفه علي بن يوسف، وكانت جيوش المسلمين تضم عناصر من المرابطين وأخرى من الأندلسيين، إلا أن مما يلفت النظر أن عناصر من العرب الهلاليين شاركت هي الأخرى في وقعة إقليش مما يدل على أن بعض العرب الهلاليين انخرط في جيوش المرابطين المجاهدة في الأندلس منذ مطلع القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. ويُشار إلى هؤلاء العرب في رسالة لأبي الفضل جعفر بن شرف كتبها عن الأمير تميم بن يوسف بن تاشفين قائد الحملة إلى اخيه أمير المسلمين علي بن يوسف في فتح حصن إقليش، شمال قرطبة، حين يقول: «فبرز فارس من العرب، فطعن فارساً منهم (الروم) فأذراه من مركبه، ورماه بين يدي موكبه، فانتهج، ما ارتج، وانفتح المبهم وأفصح المعجم…». ويصف المؤرخ الموحدي ابن القطان وقعة إقليش بأنها «من غر الوقائع وجليلها… واستشهد في هذه الوقعة الإمام الجزولي… وجماعة من الأعيان والعربان رحمهم الله تعالى».
ونترك الكلام هنا للأستاذ محمد الطويل حجاج:
لقد كان عبد الرحمن بن خلدون قاسياً فيما كتبه عن القبائل العربية النازحة في العهد الفاطمي من مصر إلى إفريقيا، ومنها إلى باقي بلدان المغرب ولعل ابن خلدون محق في صب جام غضبه على هاته المجموعات البشرية التي شبه انتشارها في المنطقة كانتشار الجراد الجائع.
فهو محق في غضبه لأنه شاهد أو سمع وقرأ عن مدى الجبروت والقهر الذي مارسته القبائل الهلالية ضد سكان إفريقيا وخاصة في المناطق الجنوبية. إلا أنه لم يدرك أن الأمر طبيعي في تلك الفترة، خاصة بعد تفكك الدولة والأمببراطورية الموحدية، وضعف الدويلات الموروثة عنها، فدخلت القبائل المختلفة في صراع بينها، فهو إذن صراع العصر صراع العصبيات، ومثل هذا الغضب لا يجد تفسيره إلا في كون ابن خلدون من الفئات المتحضرة (أصحاب المدن) والتي ترى في البداوة نوعا ًمن الهمجية مع أنه في كتاباته قد دخل هذا الصراع من قوانين الحياة: البداوة ضد الحضارة والخشونة ضد الليونة أو اللطافة، وقد يكون الرجل قد أسس نظرياته المتضمنة لقوانين العمران انطلاقاً من تأثره وموقعه الاجتماعي، لسنا الآن بصدد الحديث عن ابن خلدون وكتاباته، فقد قتل الرجل بحثاً وتحليلاً ونقداً، ولكن الحديث عن القبائل العربية في المغرب لا بد وأن يجرنا إلى ابن خلدون لأنه من بين المؤرخين الذي أفاضوا الحديث في الموضوع، ولأن العديد من الكتاب المتطفلين والحاقدين قد استغلوا أقواله ونسجوا حولها نظريات وآراء وتحليلات، ذهبت إلى حد اعتبار القبائل العربية الداخلة إلى المغرب الأقصى، مسؤولة عن تدهوره وتأخره عن الركب الحضاري العالمي، من هنا وجدتني مضطراً للعودة إلى موضع القبائل العربية في انتظار أن نعيد دراستنا وأبحاثنا في الموضوع على ضوء المستجدات العلمية، ولا نكتفي بما قيل أو كتب منذ أزيد من قرن أو أن نبقى رافعين الشعار الديماغوجي: «أن ما يقال قد قيل».
القبائل العربية التي دخلت المغرب كانت على موجتين رئيسيتين:
ـ الموجة الهلالية.
ـ الموجة المعقلية.
التفريق بينهما ضروري وأكيد، ليس للفارق الزمني الفاصل بينهما وحسب، بل ولاختلاف الموجتين من حيث الأصل والأهداف والنتائج. وسنركز اهتمامنا هنا على الموجة الأولى على أن نعود في مناسبة لاحقة للموجة الثانية، لقد قيل إن القبائل الهلالية، أثارت الشغب والفوضى والتخريب في إفريقيا وشغلت المخزن الموحدي عن القيام بمهام الجهاد في الأندلس، وقيل كذلك إن الخليفة الموحدي يعقوب المنصور هو الذي جلب هذه القبائل (الخلط ـ سفيان ورياح) إلى المغرب ليضعها تحت مراقبته وليخلص إفريقيا (تونس وشرق الجزائر) من شرورهم وفسادهم، وذلك ابتداءً من أواخر القرن 6هـ، 12م. وقد كثرت الكتابات بعد ذلك عن دور هذه الاتحاديات القبلية في المغرب، ومعظم تلك الكتابات تقليدية وغير تقليدية غير معاصرة للفترة، تبحثها الكتابات الاستعمارية التي ركزت على الجوانب السلبية معتمدة في ذلك على المصادر التقليدية. ومن بينها (كتاب العبر لإبن خلدون)، ولم يتطرق أحد إلى إنصاف هذه المجموعات البشرية وأن يقول «ما لها وما عليها»، إلا أصوات قليلة جداً، وخجولة، لم تستطع أن تعيد الأمور إلى نصابها. ومما قيل في هذا الصدد: إن القبائل الهلالية لم تدخل المغرب غازية أو مهاجمة، بل دخلت بإذن من المخزن الموحدي، وإن تمردهم واضطرابهم جاء بعد ضعف هذا المخزن، وتصدع قيادته، وإنهم لم يكونوا أكثر شأناً في ذلك من باقي القبائل الأخرى وتركز على الجوانب الإيجابية، إلا أن تغطيتها للموضوع كانت سطحية وتفتقر إلى النظرة العلمية المتعمقة، وكلها كتابات تحتاج أن نقف عندها مطولاً، حتى لا نترك هذا المجال مفتوحاً ليخوض فيه الخائضون، سواء كانوا مسلحين بما يلزم من المعرفة أو بدونها.
ما أود أن أضيفه في هذه العودة إلى موضوع القبائل العربية ودخولها المغرب، أن هذه القبائل ـ جيء بها ـ أو جاءت إلى المغرب في عهد يعقوب المنصور بالذات، وليس في عهد من سبقوه من الخلفاء لأهداف متعددة، محددة أهمها أهداف اقتصادية بالأساس. فالخليفة الموحدي سار منذ توليه أمر المخزن الموحدي على نهج أسلافه في الاهتمام بتطوير الاقتصاد المغربي المرتكز على الفلاحة، وتقدّمه والعمل خاصة على الزيادة المضطردة في الإنتاج. وقد كانت للخلفاء الموحدين مشاريع تندرج في هذا الاتجاه وتبلورت بشكل جلي وطموح في عهد يعقوب المنصور. وبما أن الدولة الموحدية كعصبية لمصامدة الجبل، استطاعت التغلب على غيرها وخاصة على منافسها الأقرب وخصومها من ذويها، ونعني مصامدة السهل، في تامسنا، ودكالة؛ وبما أن السهلين المذكورين يعتبران من أوسع سهول المغرب وأخصبها، وقد لعبا الدور الأساسي في إ نتاج العديد من المواد الفلاحية، وخاصة الحبوب، فإن القضاء على مصامدة السهل تطلب من المخزن الموحدي اتّباع ما يعرف عسكرياً اليوم «بسياسة الأرض المحروقة». فنتج عنها إفراغ المنطقة من سكانها، وتوقف استغلال السهلين وبالتالي انخفاض في مستوى الإنتاج الفلاحي في وقت كان المخزن في أمس الحاجة إلى الزيادة في الإنتاج لمواجهة الاستهلاك المتزايد للحبوب وغيرها من المنتجات الفلاحية، وقت السلم، ومضاعفة الاستهلاك وتعبئة المنتوج في أوقات الحرب، بل أن مداخيل المخزن الموحدي ارتكزت أساساً على الإنتاج الفلاحي. ففي معظم الأراضي الفلاحية اعتبر المخزن نفسه شريكاً للفلاحين تختلف نسبة نصيبه من منطقة إلى اخرى. وحسب المنتوج، وتتراوح عادة ما بين الثلث والنصف، ومحاولة منه لتعويض الخسارة الكبيرة التي لحقت بمداخيله وبالاحتياط من الحبوب خاصة، قام الخليفة يعقوب المنصور بمشروعين كبيرين:
ـ أولهما: استغلال المجال استغلالاً لم يسبق إليه أحد من قبله، وذلك بإقامة السدود الكبرى على الأنهار لسقي السهول الجافة، وشبه الجافة المجاورة لها بعد استصلاح الأراضي وتمهيدها إلى غير ذلك من الأعمال التي يمكن أن تندرج ضمن «الأشغال الكبرى» للمخزن. وقد أنجز فعلاً مشروع كبير همّ منطقة الحوز، وبالذات سهل البحيرة، وعرف المشروع تاريخياً باسم الساقية اليعقوبية، انطلاقاً من إقامة سد كبير على الوادي الأخضر ـ أحد روافد نهر تاساوت ـ، وكانت للخليفة طموحات أخرى بإقامة مشاريع مماثلة لسقي سهل سايس والهبط باستغلال مياه نهر سبو ووادي سغود (لكوس).
ـ ثانيهما: إنزال القبائل العربية الهلالية في السهول الخصبة (تامسنا ـ دكالة) وإلصاقهم بالأرض، اعتقاداً منه أن للبيئة والمجال دوراً كبيراً في التأثير على السكان، وأن توطين القبائل الهلالية بالمنطقة يكفي لتحويلهم من الترحال إلى الاستقرار وإدخال تغيير جذري على نمط عيشهم باعتمادهم على الزراعة إلى جانب تربية المواشي والرعي، أي أنه كان يريد من خلال مشروعه استغلال الطاقة العربية المتفجرة لإعادة استغلال السهلين الكبيرين والعودة بالإنتاج الفلاحي فيهما إلى سالف عهده.
نجح يعقوب المنصور في مشروعه الأول، ولا تزال آثاره تذكر به، ولم يتوفق في مشروعه الثاني، على الأقل في المدى القريب ـ حتى أنه بعض المصادر نسبت إليه اعترافاً بذلك، جاء في تلك الاعترافات، أن يعقوب المنصور ندم في حياته على ثلاث: (1) إطلاق سراح أسرى معركة الأرك بالأندلس، وهو يعلم أنهم سينتقمون. (2) إدخال القبائل العربية إلى المغرب، وهو يعلم أنهم أهل شر وفساد. (3) بناء مدينة الرباط وإنفاق الأموال لتعميرها ولم تعمر بعد. ما يهمنا هو الاعتراف الثاني، الذي استغلته الكتابات الاستعمارية والدراسات المتحيزة لتعزز به ما جاء عند ابن خلدون، ورغم أننا لا نثق كثيراً بما أجري على لسان يعقوب المنصور من كلام لا يصمد أمام النقد التاريخي لعدة أسباب ليس من موضوعنا الخوض فيها الآن، فإن ما جاء عن القبائل العربية ليس بصحيح، خاصة وأن الخليفة الموحدي هو الذي أدخلهم وحدد لهم أماكن نزولهم، فلم يتجاوزوها ولم يحاولوا العودة إلى إفريقيا كما فعلوا في عهد جده، فكان انضباطهم مضرب الأمثال وكذلك شجاعتهم ومشاركتهم الحاسمة في المعارك والحروب التي خاضها المغاربة جميعاً ضد المسيحيين. فأين الشر والفساد الذي حاول البعض جعله غريزة في القبائل العربية؟ التسلسل التاريخي يفيد أن الاضطرابات والشرور التي تحدث عنها ابن خلدون وتأثر بها في تونس وغيرها ترجع إلى فترة الضعف الموحدي، أي إلى فترة تفكك الأمبراطورية الموحدية، ولم يكن للقبائل العربية في المغرب دور متميز في هذه الفترة، بل كانت كباقي العصبيات الأخرى (صنهاجة ـ زناتة ـ مصمودة) في صراع من أجل البقاء والدفاع عن النفس، وكان من جهة أخرى صراعاً بين القبائل تغذيه القيادة الموحدية المتطاحنة: عرب ضد بربر، بربر ضد بربر، عرب وبربر ضد عرب، عرب وبربر ضد بربر. أي أن التحالفات تعقدت واختلطت الأوراق.
الذين يقولون بدور العرب في تدهور البلاد مبالغون ويركزون على نقطتين أساسيتين:
1 ـ عدم استقرارهم في المناطق التي أعطيت لهم.
2 ـ جمود نمط عيشهم «الرعي والترحال» وعدم تأثرهم بالبيئة.
بالنسبة للنقطة الأولى، يبدو أن عدم استقرارهم لم يكن اختياراً منهم، ولا ناتج عن إرادة وقرار جماعي، بل جاء نتيجة لظرفية سياسية واجتماعية انقلبت فيها موازين القوى واختلطت فيها التحالفات والحسابات، تداخلت فلم تكن لأية قبيلة أو تحالف القوة والقدرة على حسم الموقف لصالحها فتلجأ حسب ميزان القوى إما إلى البروز على الساحة أو الالتجاء إلى الأماكن الآمنة، مثل هذه الوضعية لا تساعد على الاستقرار، بل إن القبائل المستقرة قد تحوّلت إلى اللااستقرار. فالمسألة لا تتعلق بالقبائل العربية وحدها، بل شملت قبائل مغربية أخرى.
النقطة الثانية والمتعلقة بعدم التكيف مع البيئة واستغلال معطيات المجال، أيضاً هذه المسألة مرتبطة بالأولى ولا تقتصر على القبائل العربية وحدها بل شملت وعبر التاريخ قبائل أخرى. فالقبائل الزناتية النازحة من المغرب الأوسط إلى المغرب الأقصى منذ بداية الفتح الإسلامي لم تستطع الاستقرار والتكيف مع المجال إلا بعد مدة ليست باليسيرة، والعصبية الصنهاجية المتغلبة في العهد المرابطي ـ وحتى الملثمون الحاكمون ـ لم يتكيفوا مع المجال بسرعة، فقد استمرت حياتهم على النمط القديم حيناً من الدهر قبل أن يستقروا ويصبحوا مزارعين. ولما جاءت القبائل الهلالية إلى المغرب كان هؤلاء (الزناتيون والصنهاجيون) لا يزالون يقومون بالرحلتين بين الجبل والسهل. فالنمط السائد هو النجعة. لذلك جاءت القبائل العربية لتسير في نفس الاتجاه. فكانت تنتقل داخل المجال المحدد لها ما بين مراعيه الخصبة في مرحلة أولى، ثم جمعت في مرحلة ثانية ما بين زراعة الحبوب والرعي، فأصبحت لها رحلتان. نحو «لعزيب» وهو المرعى (غابة أو أرض معشوشبة)، وما بين المرس، وهي الأراضي الزراعية والمتوفرة على مخازن الحبوب (مطامير). وقد استمر هذا النشاط في المغرب إلى بداية القرن العشرين، بل لا تزال بعض بقاياه موجودة حتى اليوم. ورغم تأخر هذا النمط نسبياً عن فترات سابقة خاصة في سهلي تامسنا ودكالة، فقد استطاع أن يعيد لهما جزءاً كبيراً من دورهما في الإنتاج الوطني، بل ان إنتاجهما كان متنوعاً وغزيراً خلال التاريخ الحديث والمعاصر، وخاصة في القرن التاسع عشر، مما جعل الأجانب يتهافتون على خيرات المنطقة، وتتكالب القوى الإمبريالية الناشئة على المغرب. فأين نحن من قولة ابن خلدون التي حرّفت عما أريد بها وأصبحت على ألسنة العامة «إذا عربت خربت» ثم أليست هذه العودة ضرورية لإثارة الانتباه إلى هذا الموضوع وغيره من المواضيع التي علينا أن نعود إليها، ليس في عجالة كما فعلت في هذا المقال، بل في إطار أوسع، وعلى أكثر من مستوى.
«الحُفّاظ»: نموذج النخبة السياسية
في العصر الموحدي
ونترك الكلام هنا للأستاذ محمد العربي:
يعتبر البحث في تاريخ النخب في مغرب «العصر الوسيط» من أصعب مواضيع التاريخ الاجتماعي على الإطلاق، فإضافة إلى طبيعة المصادر التي تتميز بالقلة والغموض… فإن البحث يصطدم بصعوبات منهجية أخرى، تتلخص في وجود نمط لصور اجتماعية جاهزة، فرضتها الدراسات المعاصرة والمقالات العديدة، كتلك التي تحدد شكل ونموذج النخب قبل البحث فيها وبناءً على ذلك تكوّنت لدينا أسئلة مرجعية أولية، مما حتم علينا طرح بعض منها في البداية، شكلية، لكنها ضرورية:
ـ هل يمكن اعتبار كل فئة اجتماعية متميزة «نخبة» في عصرها؟
ـ هل تخضع «النخب» في ظهورها لمقاييس العصر الذي عاشت فيه؟
ـ هل الأدوار التي تلعبها كافية لتحديد نشأتها؟
إن طرح مثل هذه الأسئلة/ النمط المستخرجة من القراءات الحديثة مبعثة الرغبة في الوضوح المنهجي؛ لأن كل محاولة تهدف إلى تلمس أجوبة شافية عن مثل هذه الأسئلة/ النمط، في الحقب السالفة، كتلك التي تهمنا وهي الفترة الموحدية، ستجعل المهتم يتقيد بها وبالتالي يسقط أحياناً في فخ التوفيق، بسبب وحدة الموضوع، بين نظرته الحالية للنخبة بجميع أصنافها، وبين نظرة تاريخية مصدرية عقيمة غير واضحة، لشكل «النخب» في العصر الموحدي مثلاً. فمحاولة التوفيق هنا، غير منطقية من الناحية المنهجية، ومستحيلة إلا في حدود الاستفادة طبعاً.
لذلك سنبدأ بوضع أسئلة «تقليدية»، ستصاحبنا طوال تحليلنا لهذا الموضوع:
كيف ظهرت النخب في العصر الموحدي؟ هل النخبة تخضع لمميزات الزمان والمكان؟
وبالتالي هل كانت هناك مقاييس اجتماعية/ سياسية موحدية…؟
ـ مرحلة التأسيس/ مرحلة تكوين «النخبة»
يصعب علينا منذ البداية إعطاء مفهوم خاص بالنخبة في مغرب «العصر الوسيط»، لأن في ذلك نوعاً من الجواب عن تلك الأسئلة/ النمط، بل كل ما يمكن قوله إن المجتمع في العصر الوسيط، كانت له آليات وأدوات اجتماعية كافية للتمييز بين فئاته وتحديد الفروق الاجتماعية والسياسية بحسب دور الفرد في المجتمع: هل ينتمي إلى علية القوم أم إلى العلماء أم إلى الرعاع… فماذا عن النخبة السياسية في هاته الحقبة؟
الظاهر هو أن الدول الناشئة في المغرب الاقصى، منذ نهاية القرن الأول الهجري، سعت منذ تأسيسها، إلى تكوين «نخبها» الإدارية والسياسية الخاصة بها، انطلاقاً من النماذج السائدة في المجتمع الإسلامي آنئذٍ، لتحمل إيديولوجية الدعوة وتدافع عنها، لذا أخذ هؤلاء، في بعض الأحيان، شكل أتباع بحسب فترات التكوين السياسي للدعوة الناشئة: فالخوارج مثلاً عند قدومهم إلى المغرب الأقصى في القرن الأول الهجري، خلقوا عدة خلايا لتكوين أتباعهم، وكذلك الشأن بالنسبة لباقي الدعوة الدينية التي ظهرت منذئذٍ، فأصبح من اللازم حقاً تنظيم هؤلاء «الأتباع» باعتبارهم سند الدعوة، ومنح بعضهم امتيازات إدارية أو عسكرية.
في بعض الأحيان كان يظهر على الدولة/ الدعوة عجز في حالة عدم تكوين أو وجود فئة اجتماعية متميزة، تؤمن للدولة استمرارها:
فالدولة الإدريسية، بعد تأسيسها، وجدت نفسها في حاجة ماسة إلى من يسندها محليا، فاستقر رأي إدريس على أن شكل الدولة، لا يمكنه أن يكتمل إلا بخلق هذه الفئة، التي استقدمها وقدّمها على سائر العناصر الاجتماعية الأخرى بل ومنحها من الامتيازات والسلطات الإدارية والسياسية، ما جعلها صاحبة الحل والعقد وقتئذٍ، وهذه أمور جرت بها عادة الدول الناشئة في المغرب الأقصى في عهد المرابطين، وفي عهد الموحدين.
المهدي بن تومرت/ تكوين «النخبة» ـ الأتباع
سوف لا نسعى إلى توضيح مراحل تأسيس الدولة الموحدية، بالقدر الذي سوف نقف عند جهود ابن تومرت في تكوين فئة اجتماعية وإدارية متميزة.
لقد أرسى ابن تومرت الدعائم والأسس الاجتماعية للدعوة الموحدية، فخلق أجهزة ونظماً إدارية، حشر فيها الفئات المتميزة للمجتمع المصمودي، ووضع مقاييس معتمدة لولوج شخص ما لتلك المجالس:
فاقتصر مجلس العشرة على المقربين من أشياخ القبائل أي من قبيلة هرغة، وبعض «الأجانب» أو الغرباء الذين صحبوه في رحلة العودة من المشرق.
في حين ضم مجلس الخمسين كل أشياخ قبائل مصمودة، التي انضمت إلى الدعوة وشاركت فيها، فأصبح هذان المجلسان يقومان بدور الناشر والمدافع عن الدعوة من خلال دفاع الأعضاء عن الامتيازات والمكانة التي أصبحت لهم داخل الهرم الموحدي.
وبغض النظر عن الصراعات والخلافات الناشئة عن اصطدام هذه الفئة فيما بينها، وهذا شيء طبيعي بالنظر إلى مقاييسنا الحالية في الصراع على النفوذ والجاه، فإن اختيار هذه الفئة لتنضم إلى الدعوة وتحديد دورها، من شأنه أن يعزز التطور التاريخي لتكون الدولة، الذي يتجلى في بحثها الدائم عن فئة اجتماعية متميزة تسندها.
فإذا أمعنا النظر في سلسلة الأحداث المتتالية للمرحلة التومرتية، نجد أن الأمور كانت واضحة في ذهن مؤسسها، ذلك أن تكوين المجالس: عشرة، خمسين، سبعين! ما هو إلا من قبيل البحث عن نظم محلية/ تقليدية، تعوض النقص الحاصل في التنظيم السياسي العام، الذي غالباً ما كان يصطدم بعدم وجود أوعية وقوالب اجتماعية/ تنظيمية تحشر فيها هذه الفئات الاجتماعية بعد اختيارها.
بخلاف وقتنا الحاضر، الذي له من الإمكانيات والخانات الاجتماعية بالقدر الكافي، بفعل التطور الاقتصادي، ما تجعله قادراً على اختزال كل ذلك في تراتبية مصلحية/ تسلقية!
إذن، كان عهد ابن تومرت، عهد تأسيس لفئة اجتماعية متميزة منظمة سياسياً، تربطها مصالح مادية معنوية، تغذيها الإيديولوجية التومرتية في سبيل الدفع بها نحو تحقيق المشروع السياسي الكبير، وهو تكوين الدولة القوية المتماسكة.
ـ من أشياخ المجالس إلى «الحفاظ» الجدد
لا تذكر المصادر التاريخية عدد أعضاء هذه المجالس الباقين، بعد توسيع الرقعة الجغرافية للدولة الموحدية وقضائها على الدولة المرابطية، وبالتالي لا تشير إلى أعضاء جدد، مما يؤكد أنه لم يقع أي تغيير في هذه المجالس، كما أنه لم يتم تعويض النقص الحاصل في العدد من جرّاء الوفاة أو «الاستشهاد». فالأسماء المعروفة المصنفة في الهيئات المذكورة أبان المرحلة التومرتية، هي التي ظلّت تلعب دوراً هاماً على المستويين الإداري والعسكري، بل تكوّنت أسر منهم داخل الدولة، فرضت نفوذها وهيبتها، فتوارثت المناصب الإدارية، وهكذا ظل الأشياخ الأوائل/ المؤسسون، يمارسون أدوارهم من خلال التنظيمات/ التقليدية الأولى رغم النقص الذي حصل في عدد الأعضاء والذي عوّض بشكل عفوي وتلقائي بأعضاء من هيئات أخرى: كأهل الدار الذين انتقل بعضهم إلى الجماعة والبعض الآخر إلى أهل خمسين، الشيء الذي دفع عبد المؤمن إلى القيام بإصلاح هيكلي، حتى تتمكن الدولة من توسيع الرقعة الاجتماعية لنخبتها الجديدة.
استهدفت هذه الإصلاحات، إعادة النظر في التنظيم الاجتماعي والإداري الذي وضعه ابن تومرت في مرحلة التأسيس، دون أن يثير حفيظة المصامدة، مستغلاً من جهة، فرصة وفاة أغلب أعضاء المجالس المذكورة، ومن جهة أخرى ليضع حداً لنفوذ الأعضاء الباقين، وبالتالي حتى لا يتم ملء هذه المجالس بشكل عفوي وتلقائي، فتقلّص من سلطته؛ وفي المقابل سيمكنه هذا الإجراء، الحد من النفوذ السياسي لقبائل المصامدة في الدولة.
هذا الدافع الأخير، هو الأكثر وضوحاً في توجهات عبد المؤمن الإصلاحية الجديدة، ذلك أن طغيان نفوذ الأشياخ المصامدة والتعدّي على سلطته، ظهر بشكل جلي، خلال المرحلة الممتدة بين سنة 526هـ و544هـ، لذلك وضع خطة تهدف في الأخير إلى خلق نخبة جديدة للمرحلة المقبلة.
بدأ هذه الخطة بتقسيم الموحدين إلى ثلاث فئات سياسية واجتماعية بحسب أسبقيتهم للدعوة، دون اعتبار للتنظيمات التومرتية الأولى، تفيدنا الرسالة رقم 12 الموجهة من عبد المؤمن إلى طلبة تلمسان، في إلقاء المزيد من الضوء على هذا التقسيم الجديد:
ـ فالفئة الأولى: وهم السابقون الأولون إلى الدعوة إلى غاية موقعة البحيرة.
ـ الفئة الثانية: الداخلون تحت طاعة الموحدين إلى غاية سنة 539هـ.
ـ الفئة الثالثة: الداخلون في طاعة الموحدين بعد سنة 541هـ.
إن أهم ما يمكن ملاحظته، هو أن الفئة الأولى هي المستهدفة من هذا التقسيم، بحيث جعل الانتماء للدولة الموحدية يخضع للمراحل الزمنية، وبذلك تنقضي علاقة المجالس بشكل غير مباشر، بالسلطة والنفوذ، لتخضع كل الفئات الاجتماعية التابعة للدولة الموحدية للتصنيف الجديد الذي شمل فئات عريضة من المجتمع المغربي آنذاك، وهذا واضح مما تحويه الفئتين الباقيتين، الذي لا ينسجم مع حجم وقوة العدد الضئيل الباقي في الفئة الأولى.
وهكذا، عزز عبد المؤمن قراره السابق، بأن خلق للدولة الموحدية، «نخبتها» الجديدة، وهو أمر غالباً ما يبدو ثانوياً في حالة استقرار الدولة، وبالتالي لا يثير اهتمام الدارسين.
لقد شعر عبد المؤمن بعد وقوع سلسلة من الأحداث المؤلمة في بلاد الأندلس، من جراء سوء المعاملة التي لقيها الأندلسيون، من طرف قادة وعمّال ينتمون إلى فئة الأشياخ الأوائل؛ بضرورة الإسراع باستبدالهم بولاة جدد من فئة «الحفاظ»، لتسكين روعة أهل الأندلس عامة، وكسب ثقتهم من جديد.
فمعالجة عبد المؤمن لهذا الأمر، جعله يدرك أهمية «تكوين» نخبة قادرة على تسيير الشؤون الإدارية والسياسية العامة.
فأصبح التفكير جاداً، بعد أحداث مدينة إشبيلية وعواقبها السلبية على الدولة الموحدية، وبعد أن امتدت رقعة الدولة الموحدية إلى إفريقيا وبلاد الأندلس، في تكوين فئة من «الحفّاظ» لتكون رهن إشارة الدولة الموحدية في نسقها الجديد، لذا سهر عبد المؤمن بنفسه على تكوين هذه الفئة، ويقول صاحب الحلل الموشية:
«وربى عبد المؤمن الحفاظ بحفظ كتاب الموطأ وهو كتاب أعز ما يطلب، وغير ذلك من تواليف المهدي. وكان يدخلهم في كل يوم جمعة بعد الصلاة داخل القصر، فيجتمع الحفّاظ فيه، وهم نحو ثلاثة آلاف، كأنهم أبناء ليلة من المصامدة وغيرهم، قصد بهم سرعة الحفظ والتربية على ما يريده.
فيأخذهم يوماً بتعليم الركوب، ويوماً بالرمي بالقوس، ويوماً بالعوم في بحيرة صنعها خارج بستانه… ويوماً يأخذهم بأن يجذفوا على قوارب وزواريق صنعها لهم في تلك البحيرة. فتأدّبوا بهذه الآداب تارة بالعطاء وتارة بالأدب. وكانت نفقتهم وسائر مؤونتهم من عنده، وخيلهم وعِددهم كذلك.
ولما كمل له هذا المراد فيهم عزل بهم الأشياخ المصامدة عن ولاية الأعمال والرياسة، وقال: العلماء أولى منكم، فسلّموا لهم، وأبقاهم معهم في المشورة».
ولم يكتف عبد المؤمن باختيار «الحفّاظ» من أبناء العاصمة مراكش، بل طلب أن تمدّه بلاد الأندلس وباقي جهات المغرب الكبير، بالأبناء النجباء، «فاستدعى الصبيان الصغار… من أبناء إشبيلية، وقرطبة، وفاس وتلمسان إلى الحضرة العلية ليعلمهم ويحفظهم القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فانتخب الأولاد النجباء الحفاظ من كل بلد.. فكان عدد منه توجه من إشبيلية خمسين صبياً».
وابن القطان في إحدى إشاراته كذلك، يعطينا فكرة عن مواد الدراسة ومدّة التكوين، وبالتالي تاريخ تكوين أبناء غير موحدين، الذي يقول عنه إنه انتهت مدّته في الوقت الذي عيّن فيه السيد أبا يعقوب المنصور يوسف والياً على إشبيلية سنة 551هـ، وهي ستة أشهر كاملة، فبعث الصبيان والحفاظ معه إلى آبائهم.
يبدو بعد ذلك، أن تكوين «الحفاظ» (أي المحافظين على ممتلكات ومكاسب الدولة)، قد أعطى نتائجه الهامة على المستويين الإداري والعسكري، وكذلك على المستوى التنظيمي.
فعبد المؤمن هدف إلى خلق جيل جديد من الأطر ذوي التكوين العالي، ليتناسب مع ظروف تطور الدولة الموحدية في المرحلة الجديدة، بعد اتساع رقعتها الجغرافية، وما سهره بنفسه على تكوين هؤلاء الحفّاظ إلا دليل على الأهمية التي ستكتسبها هذه الفئة الاجتماعية، فيما بعد.
نستطيع القول إذن: إن الدولة الموحدية في عهد عبد المؤمن استطاعت أن تخلق وتكون فئة اجتماعية جديدة «الحفاظ»، الذين اختيروا من أبناء جميع الموحدين الداخلين في طاعة الدولة بعد سنة 524هـ، وعلى الأخص من أبناء الجماعة وأهل خمسين، ليتولوا تسيير شؤون الدولة إدارياً وسياسياً، فأصبح «الحفاظ/ النخبة» منذ عهد عبد المؤمن الفئة التي تستعين بها الدولة طوال فترة حكمها السياسي؛ وقد سبقت الإشارة، إلى أن عبد المؤمن بادر إلى تعيين ولاة جدد من فئة «الحفاظ» بعد أحداث الأندلس، فنراه عين لأول مرة حفاظاً على مدينتي إشبيلية وقرطبة، وهم: أبو محمد عبدالله بن أبي حفص، وأبو زيد عبد الرحمن بن يكيت، اللذان أبليا البلاء الحسن في استرجاع الحصون التابعة للمدينتين من أيدي النصارى… فتم إقرارهما في مناصبهما إلى أن توفيا وهما يدافعان عن جهاتهما.
ومن جهة أخرى، كان طبيعي جداً أن تخلف هذه الإصلاحات والتغييرات، لدى باقي الفئات المهمشة قصداً، خاصة أشياخ المجالس التقليدية التومرتية، رغبة في التخلص من عبد المؤمن، والتي ظهرت بشكل واضح خلال المدة الممتدة بين سنة 548هـ و555هـ. فأدرك عبد المؤمن اهميتها وقيمتها، فترك العاصمة مراكش وانتقل إلى سلا، حتى اعتقد أنها ستصبح عاصمة للدولة. وقراءة متأنية للمصادر، تفسر ذلك: فقد ظلّت هناك نواة من الأشياخ، سواء من بقايا أيت أمغار أم من قبائل شتى المنتمية لأهل الدار، تريد التخلص من عبد المؤمن دون تحديد للزمان والمكان.
واستشعر عبد المؤمن أنه أصبح مستهدفاً من قِبل الأشياخ/ النخبة الأولى، فبادر بعد فشل محاولات القضاء عليه، إلى استقدام أهل جلدته، قبيلة كومية، يستند عليهم ويشدّون ظهره، الذين رتبهم، بعد وصولهم، في الطبقة الثانية، وجعلهم من قبيلة تينملل، وقربهم في نفسه، وجعلهم بطانته يركبون في ظهره، ويقفون على رأسه ويمشون بين يديه إذا خرج.
فالظاهر إذن، هو أن قبيلة كومية، وحسب جل المؤرخين، ستكون عصبة قبلية لعبد المؤمن، في حين أنها ستكون في نفس الوقت، معيناً جديداً «للنخب» التقليدية للدولة الموحدية على غرار القبائل المصمودية. لذلك نستطيع أن نميز بين القبائل داخل الهرم القبلي، وامتيازاتها في التنظيم الاجماعي الموحدي العام، وبين تكوين «النخب/ الجديدة» للدولة في إطار توجهاتها الجديدة.
نماذج من فئة «الحفّاظ»
لقد ظهرت نتائج سياسة عبد المؤمن ـ كما سبقت الإشارة إلى ذلك ـ في تكوين «نخبة الدولة»، في بلاد الأندلس على الخصوص كما ظهرت نتائجها بشكل واضح في عهد إبنه أبي يعقوب يوسف ابتداءً من سنة 558هـ، الذي سير شؤون دولته بفئة «الحفاظ»، وأبناء الأشياخ الذين نشؤوا بدار أمير المؤمنين وكّونوا أسراً لهم في الدولة الموحدية. ولما تداعت الدولة ودب فيها الضعف، كان أحد أسباب ذلك هو الاستغناء عن الاستمرار في تكوين هذه الفئة بعد مطلع القرن السابع الهجري.
فبعد وفاة عبد المؤمن، استمر أبو يعقوب يوسف على نهج أبيه، فقدم أخاه أبو سعيد على «الحفاظ» جميعاً مع القيام بمهمة ولاية غرناطة، نظراً للأهمية التي أصبح يكتسيها هؤلاء داخل جهاز الدولة، قصد تأطيرهم وإخضاعهم لعملية التمييز باستمرار، في إطار سياسة التمييز التي تبنتها الدولة الموحدية منذ ظهورها.
وقد تقلّب هؤلاء الحفاظ في مناصب عليا داخل جهاز الدولة الموحدية، فمنهم من ولي ولاية بأكملها، ومنهم من كان مكلفاً بمهام عسكرية (برية وبحرية)، والبعض الآخر عيّن على خط المواجهة مع النصارى.
ويمثل أبو عبدالله محمد بن إبراهيم، نموذج الحافظ الذي كوّنته الدولة الموحدية من أبناء الموحدين، للاستجابة للتطورات الجديدة في ميادين التسيير الإداري والعسكري، ويقول ابن صاحب الصلاة في شأنه إن بني عبد المؤمن «اهتبلوا به وساووه في رتبه وخلطوه بأنفسهم وجعلوه من أبناء أشياخ الجماعة…».
وفي جهة أخرى يورد ابن صاحب الصلاة معلومات عن ثقافته وتكوينه: «وكان من أحد علية أبناء الجماعة في الرياسة والسياسة، يحفظ القرآن برواياته وموطأ المهدي وعقائده، مع مشاركة في الأدب ومطالعة على كتب التواريخ، وهمّة عالية في الكتب واقتنائها وانتساخها حتى اجتمعت له منها خزانة عظيمة عالية الفنون».
وفي شأن مهامه، فإضافة إلى ولاية إشبيلية سنة 561هـ، عيّن قائداً عسكرياً على ناحيتها، وظل كذلك إلى أن ولّي أمر غرناطة سنة 562هـ، ثم طلب في مراكش سنة 564هـ مع باقي ولاة الأندلس، وظل هناك، إلى ان انتقل من جديد مع الخليفة أبي يعقوب إلى الأندلس ولازمه خلال معاركه إلى أن توفي سنة 569هـ.
إلى جانب أبي عبدالله ظهرت مشاركة حفاظ آخرين في الدولة، أمثال: أبو يحيى بن أبي حفص، وإسحاق بن جامع، ويوسف بن وانودين، وأبي يعقوب يوسف بن تيجيت… واللائحة طويلة.
أما نموذجنا الثاني فسيكون هو أبو عبدالله محمد بن يوسف بن وانودين، الذي نشأ «أحسن منشأ على الطهارة الدينية، وتلاوة كتاب الله تعالى مع العقائد المهدوية، وعرض الموطأ في المجلس السامي بمحضر أمير المؤمنين وعلية الناس وقربه كثيراً، مع صغر سنه، فزادت نجابته وعلت مكانته وقدمه قائداً على العسكر وأصحبه مع نفسه في الغزوات والحركات. وحضر معه فتح بجاية والمهدية وسائر الفتوحات وكان بطلاً شجاعاً ذا نجدة وشهامة وله الوقائع المشهورة والمشاهدة المذكورة.
كما اضطلع في عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف بمهام عسكرية داخل بلاد الأندلس، ثم عيّنه شيخاً لابنه أبي يوسف الذي أصبح مقدماً على العسكر سنة 572هـ. قدم على عسكر إشبيلية سنة 577هـ، بسبب توالي تكالب النصارى في نواحي يابرة. فتمكّن من ضبط البلاد المجاورة لإشبيلية والحفاظ عليها ومنعها عليهم، بل أنه تأهّب لملاحقتهم بعد ذلك، ووصل بقوته إلى مدينة طلبيوة، التي لم تعرف قدوم جيوش المسلمين منذ أزيد من 70 سنة، ففتحها.
فسر أمير المؤمنين بهذا الفتح غاية السرور، وعاقب كل من تخلّف من الأجناد، وحرمهم من العطاء حتى تابوا واستغفروا.
وكلفه الخليفة بعد ذلك، بمهمة توزيع الميرة على حصون المسلمين المواجهة للنصارى بعد سنة 579هـ، وهي من أصعب المهام التي نجح فيها، لأن القافلة التي قادها تتكون من آلاف الدواب، إضافة إلى الأخطار التي كانت تحدق بهم وهم على مشارف بلاد النصارى.
غير أن نهاية ابن وانودين تختلف عن بقية الحفاظ الأخرىن، أو أشياخ الدولة الجدد، فرغم أنه قدم خدمات جمة للدولة الموحدية من خلال المهام التي أسندت إليه عسكرية كانت أم مدنية، فسرعان ما غضب عليه الخليفة لأتفه الأسباب، لأنه لم يخرج للقائه، والحقيقة أن الخليفة قد غصّ بالانتصارات المتوالية التي أحرزها ابن وانودين دون بقية الأشياخ والسادة، فنكل به ونفاه إلى إفريقيا.
أما نموجنا الثالث فهو «الحافظ» أبو عبدالله أبو علي بن عمر تمصيلت التنميلي، الذي ظهرت نباهته العسكرية في بلاد الأندلس بعد سنة 560هـ. بعد ذلك عيّنه الخليفة أبو يعقوب يوسف للقيام بمهمة تمثيل الموحدين عسكرياً في بلاد النصارى، في إطار مساعدة حليفهم «فرديناند II» صاحب ترجاله الذي قدم بنفسه إلى مراكش لهذا الغرض، فأبلى البلاء الحسن في القتال إلى جانب «فرديناند رودريكز» ملك ليون، ضد الكونت «نونيو دي لارا»، حاكم طليطلة والمسيطر على ابن أخيه الملك الصبي «ألفونسو النبيل» ملك قشتالة.
وشكّل المخوحدون القادمون صحبة أبي علي عمر، مع فرديناند، جيوش ليون مدة خمسة شهور، حققوا خلالها انتصارات عديدة على خصومهم، ثم عاد أبو علي إلى الأندلس، وعيّن على مدينة باجة وعزل عنها سنة 567هـ، وعاد إليها مرة أخرى، بطلب من أهلها بعد سنة 571هـ، إلى أن هاجمها ابن الرنك سنة 574هـ وقتل أهلها وأبو علي في مقدمتهم.
وهكذا مثلت هذه الفئة القليلة من «الحفاظ»، نموذج «النخبة الجديدة»، التي توختها الدولة الموحدية لنفسها، في عهد عبد المؤمن وبنيه، خاصة وأنهم نجحوا في انتقائها وانتخابها اجتماعياً وسياسياً. وما يؤكد ذلك هو اختفاء دور فئة الأشياخ الأوائل في هذه الفترة أي إلى غاية العقد الثاني من بداية القرن السابع الهجري، وتذكر المصادر أن آخر شيخ من أهل الجماعة/ المؤسسين وهو أبو حفص عمر الهنتاتي توفي بالطاعون الذي ضرب مراكش سنة 571هـ فلا غرابة بعد ذلك، إن واجهت الدولة الموحدية مشاكل سياسية وتنظيمية وإدارية، إن هي أهملت الاستمرار في تكوين واستقطاب هذه النخبة أو التفريط فيها. فقراءة سريعة لأحداث الدولة الموحدية بعد سنة 610هـ، خاصة تلك المرتبطة بفئة الأشياخ بجميع أصنافهم، تفيدنا أن الاهتمام بتكوين هذه الفئة سيقل مع مرور الزمن، وسببه يعود إلى تطور المجتمع الموحدي اجتماعياً واقتصادياً، فانعكس تأثير ذلك على مفهوم «النخب»، ونشير هنا على الخصوص، إلى تكوين أسر قوية استحوذت على المناصب العليا في الدولة، وهو في نظرنا ـ وإن كان يمثل نموذجاً آخر للنخب/ الأسر ـ يعد نوعاً من التطور التلقائي للنخب، ونتيجة حتمية لما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية للدولة الموحدية وبالتالي فهو يساير التحولات الجديدة بحسب ما اختارت به الدولة نخبتها في أول وهلة.
وحتى تتضح الصورة أكثر، سنتناول في القسم الثاني من هذا التحليل، نموذجين من ألأسر التي تكوّنت في كنف الدولة الموحدية وهما: أسرتي بني وانودين وبني جامع، اللتان شكّلتا إلى جانب أسر عديدة، كأسرة بني يدر وأسرة بني يوجان وأسرة بني يكيت، قوة سياسية واجتماعية، نمت شيئاً فشيئاً وظهرت في شكل نخبة متميزة، داخل جهاز الدولة، وهذا ما يفسر ـ بشكل من الأشكال في مرحلة الانهيار ارتباط دور هذه الأسر، بالأحداث التي عرفتها مرحلة الضعف السياسي!!
أسرة بني جامع
ارتبط بنو جامع بالدولة الموحدية في مراكش، وهي لا زالت على شكل دعوة إصلاحية يقودها ابن تومرت مع بعض أصحابه، حيث التقى إبراهيم بن جامع ـ جد أسرة بني جامع ـ بمحمد بن تومرت في مراكش، عندما كان يريد الاستقرار بها، ليحترف صناعة النحاس، مهاجر إليها من بلاد الأندلس: «ولا نملك غير رواية المراكشي في شأن لقاء إبراهيم بن جامع بمحمد بن تومرت التي يفهم منها أن أبا إسحاق إبراهيم بن جامع كان يبحث عن تعويض مادي ومعنوي لغربته فوجد في صحبته لابن تومرت ما يخفف عنه ذلك. فتعرف بابن تومرت، فكان من أصحابه، فهو محدود فيهم، ولد له أولاد نالوا في الدولة حظوة وجاهاً متسعاً، وقد ظل أبو إسحاق إبراهيم بن جامع معدوداً من أصحاب ابن تومرت ضمن أهل داره في فئة الغرباء، ويحظى بمرتبة شيخ. وللأسف لا تطلعنا المصادر عن نشاط هذا الشيخ طيلة الفترة الفاصلة ما بين سنة 514هـ وسنة 540هـ، عندما ظهر الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع من جديد في أحداث فتح مدينة تلمسان، حيث تركه عبد المؤمن على حصارها.
ويضيف الناصري، أن إبراهيم بن جامع تمكّن من فتح تلمسان، ولما كمل له ذلك ارتحل إلى عبد المؤمن فاتصل به وهو محاصر لفاس، وفي الطريق اعترضه المخضب بن عسكر شيخ بني مرين ونالوا منه ومن رفقته، وكانت معه أموال لمتونة وذخيرتهم التي استولى عليها عبد المؤمن بوهران، وكان ابن جامع ذاهباً بها إلى تينمل فاعترضه بنو مرين وانتزعوها منه، فكتب عبد المؤمن إلى عامله على تلمسان يوسف بن وانودين يأمره أن يجهز العساكر إلى بني مرين، ولما كمل فتح عبد المؤمن لمدينة فاس ولي عليها إبراهيم بن جامع إلى جانب مشرفها عبدالله بن خيار الجياني. غير أن البيذق الذي شارك في الأحداث، يؤكد أن عبد المؤمن ترك على مدينة فاس محمد بن يحيى الكدميوي بعد افتتاحها سنة 540هـ.
ولم تذكر المصادر التاريخية إبراهيم بن جامع بعد ذلك، أي منذ أحداث حصار مدينة فاس سنة 540هـ، سوى أنه كان يعيش في قصر الخليفة مكرماً كما عاش في دار شيخهم المهدي.
وأهم ما يميز هذه الفترة، هو دور إبراهيم بن جامع المحدود داخل الدولة الموحدية، المبني على الموالاة والتأييد المطلق لمبادئ الموحدين باعتباره غريباً عنهم، وقد جلب له دوره هذا الاحترام والتقدير التامين من لدن بني عبد المؤمن، فكان أن نال أولاده بعد ذلك في الدولة حظوة وجاهاً متّسعاً. ثم أنه من الصعب حصر أبناء إبراهيم بن جامع من بعده، بسبب عدم ذكر بعضهم في المصادر من جهة، وسبب اختلاط أسمائهم بأسماء الحفدة والأبناء لدرجة أن عبد الواحد المراكشي ترك المسألة غامضة عند ذكره لأسرة بني جامع.
واعتماداً على رواية البيذق، فإن أحد أبناء إبراهيم بن جامع كان تولى الإشراف على الأشغال لإتمام بناء ساقية غبولة ليصل الماء إلى مدينة سلا، وإتمام قصر عبد المؤمن برباط الفتح، وقد كان عبد المؤمن مشرفا ًبنفسه على الأشغال، عندما كلف عبد الحق بن إبراهيم بن جامع للإشراف على إتمام بنائها، بعد أن عزم التوجّه لفتح بجاية سنة 546هـ.
واستمر نفوذ أسرة بني جامع يتقوى داخل الدولة الموحدية إلى أن عيّن ابن إبراهيم بن جامع، وهو أبو العلاء إدريس بن جامع، وزيراً سنة 561هـ، من طرف الأمير أبي يعقوب يوسف بعد أن كان يجلس بين يدي أخيه أبي حفص، وكان أخوه عبدالله بن جامع، يشتغل بأسطول الدولة الموحدية بسبتة وأصبح رئيساً له منذ أسر قائده غانم بن مردنيش وأخيه أبي العلاء في البرتغال سنة 576هـ، وافتداهما عبدالله بن جامع من يد البرتغال بفضل انتصاره في معركة رأس «اسبكل» جنوبي أشبونة سنة 577هـ.
على أن ابن صاحب الصلاة يشير إلى أن أبا محمد عبدالله بن أبي إسحاق بن جامع كان صاحب سبتة منذ سنة 561هـ، وقائداً لأسطولها، ويؤكد صاحب المعجب، أن عبدالله بن جامع كان يتولى في إمارة أبي يعقوب يوسف مدينة سبتة وجهاتها، زيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم، فلم يزل كذلك إلى أن مات ـ أظن أمير المؤمنين أبا يعقوب قتله.
وقد سبق لابن عذاري أن ذكر نشاطين آخرين لأبي محمد عبدالله بن جامع قبل توليته الأسطول في جميع البلاد بعد أسر غانم بن مردنيش، فقد كلّفه الخليفة بمهام ديبلوماسية سنة 570هـ إلى جانب ابن عزون وأبي زكريا الكومي إلى البيبوج الذين حملوا له هدية من الخليفة أبي يعقوب يوسف فيها «منت منظوم بالجوهر» اعترافاً له من الخليفة الموحدي بالعناية التي أولاها لعسكر الموحدين ـ الذي وجده فيه أبو علي عمر بن تيمصيلت وأبو علي عمران موسى بن حمو الصنهاجي ـ الذين أعانوه على القضاء على القمط نونه صاحب طليطلة.
كما توجه فيما بعد في مهمة إلى إفريقيا وذلك سنة 579هـ عندما كان الخليفة الموحدي يستعد للحركة إلى بلاد الأندلس، لإطلاعه على الأحوال بها، وعند رجوعه، عرفه أن إفريقيا في نهاية العافية، وأن العرب قد سمعوا بالحركة المباركة ففروا بأهليهم، وأثناء مقام أبي محمد عبدالله بن جامع بالحضرة، كان يشارك أخاه الوزير في مهامه، ويذكر ابن صاحب الصلاة أنه كان يرتب مع أخيه الدخول بالناس على الخليفة بعد شفائه من مرضه سنة 566هـ، كما صحب موكب الخليفة بعد ذلك إلى بلاد الأندلس، فبعثه الخيلفة سنة 568هـ في حملة لغزو بلاد النصارى محملاً بالميرة إلى ثغر بطليوس.
وظهر بعد ذلك أن أبا عبدالله بن جامع قد بقي قائداً للأسطول الموحدي في عهد يعقوب المنصور الموحدي، وهو الذي تحرك بالأسطول الموحدي من سبتة في اتجاه الجزائر لملاقاة ابن غانية سنة 581هـ، ويورد ابن عذاري ذلك بقوله «وتحركت الأساطيل من سبتة على احتفال من أشكالها وانتقاء من قوادها ورجالها، وعليها أبو محمد بن أبي إسحاق بن جامع وأبو محمد بن عطوش الكومي والقائد أبو العباس الصقلي، ومن دونهم من الرؤساء الأعيان، والأنجاد الشجعان، والكل تحت رعي الشيخ أبي محمد عبدالله بن جامع وإلى نظره وتحت ما يراه من نهيه وأمره.
ولا نعلم شيئاً كثيراً عن نشاطه بعد ذلك سوى ما كان لإبنه أبي سعيد عثمان وزير الخليفة الناصر لدين الله.
غير أن أهم منصب تقلّده بنو جامع قبل أبي سعيد عثمان، كان مع أبي العلاء إدريس بن جامع الذي عيّنه المير أبو يعقوب يوسف وزيراً له، وكان قبل ذلك يجلس بين يديه أخيه أبي حفص معاوناً له أيام أبيه عبد المؤمن، ثم وزر أبو حفص لأخيه أبي يعقوب يوسف مدة عامين، واختصّ بعدها بمهام أخرى سامية، فانفرد ابن جامع هذا بالوزارة. ويورد ابن عذاري أحوال الدولة العامة بعد هذا التعيين وفي هذه السنة 560هـ اختصّ الأمير أبو يعقوب بوزارته أبا العلاء إدريس بن جامع وقربه وأحبه، فظهرت في هذه المدة للناس في أحواله منه وبه دلائل اليمن واتصال العدل والفضل والأمن يسير الراكب حيث شاء من بلاد العدوة في طرقها من جبلها وسهلها، أمناً في نفسه وماله لا يخاف إلا الله تعالى وأحسن لمن وفد إليه واستغاث به من أجناد الأندلس المضاعين والمأسورين ففداهم بماله واعطاهم الخيول وآلات الحرب والكسوة الرفيعة وأوصل البركة للموحدين وللناس المقيمين معه وطلبة الحضرة الوافدين عليه في كل شهر على التوالي والاستمرار واستبان فضله وعد له في الأقطار نوراً من الأنوار، وقد خدم أبو العلاء إدريس دولة الموحدين بطاعة وبإخلاص خلال المدة الممتدة ما بين 561هـ، و573هـ، فكان دوره كبيراً في تدبير شؤو الدولة عندما مرض الخليفة بعد سنة 565هـ و566هـ فكان يتولى الاتصال به وهو مريض، وزيره أبو العلاء إدريس بن جامع، يعلمه بالمخاطبات الواصلة والأخبار المسلية السارة المتجاملة المطمئنة، ويحجب عنه الأمور المكدرة، حتى أن هناك من الوفود من بقي مدة سنة 566هـ، على حال ضيقة في الحضرة ليعرض حاله على الخليفة والوزير يعدهم ويسليهم كل يوم إلى أن خفّ الخليفة من مرضه وشفي، فجلس ودخل عليه أشياخ الموحدين وأشياخ طلبة الحضر والوزير أبو العلاء إدريس ابن أبي إسحاق وأخوه أبو محمد عبدالله، قائمان بترتيب الدخول بالناس».
كما ظهر الوزير ابن جامع في عدة نشاطات أخرى حضرها إلى جانب الخليفة، فعندما احتفل الأمير بعودة أخيه أبي حفص من الأندلس سنة 561هـ، كان الوزير إدريس راجلاً لصق ركابه ماشياً يحدثه (الأمير)، ويصدر الأمير أوامره، فينفذها الوزير ثم يرجع إليه، كذا الشأن عندما استقبل الخليفة العرب الوافدين عليه من إفريقيا، وبشكل عام، كان الوزير إدريس مدير الحال الشريفة لا يصدر شيء إلا عن رأيه ولا ينجز الأشياء إلا عن شفاعته وسعيه، ويذكر ابن صاحب الصلاة أنه خلال مدة إقامة الخليفة أبي يعقوب يوسف بإشبيلية ـ التي دامت حوالي خمس سنوات ـ اضطلع الوزير أبو العلاء إدريس مع إبنه يحيى بالإشراف على إنجاز الأشغال العمرانية العظيمة بالمدينة، كبناء القنطرة على الوادي الكبير، وإنشاء القصور المعروفة بـ«البحيرة» (فكانا يلازمان الجلوس للإشراف على العمل من شروق الشمس إلى المساء. وقد لازم يحيى أباه وساعده في مهامه، كما شارك يحيى بن إدريس في حملة موحدية ضد «الكونت خمينو» صاحب قشتالة، وهو الذي حمل رأس «الكونت خمينو» إل الخليفة أبي يعقوب يوسف المقيم بإشبيلية، في ظرف يومين بعد مرحلة شاقة من قلعة رباح.
غير أن الوزير ابن جامع بدأت تظهر عليه مظاهر التسلط والانحراف والبغي والطغيان، بعد أن سخّر كل طاقاته لخدمة الدولة الموحدية، فاضطر الخليفة إلى نكبه مع بنيه ليتخلص منهم، وكان لهم في الوزارة خمسة عشرة سنة، وأقاموا بمدينة ماردة مغربين مهجورين ستة أعوام إلى أن مات أبو يعقوب في غزوة شنترين، ثم لما استخلف أبو يوسف عفا عنهم وعن سواهم، ويورد ابن عذاري رواية أخرى يفهم منها أن الخليفة أبا يعقوب يوسف هو الذي عفا عن الوزير وأبنائه غداة استعداده لمعركة شنترين سنة 580هـ، حينما رغبوا من الخليفة أن يأذن لهم في حضور هذه الغزوة فأذن لهم في الحين ومشوا في جملة المجاهدين. ويدخل إجراء أبي يعقوب هذا في إطار الحد من نفوذ الأسر الجديدة التي استطالت واستحكمت في الدولة الموحدية (كأسرة الوزير أبي العلاء وأسرة ابن حيون الكومي وغيرهما…) ومن جهة أخرى للحد من سطو موظفي الدولة الكبار على أموال الخزينة، الذي عانت منه الدولة الموحدية بعد اتساع رقعتها وانتظام خراجها.
أسرة بني وانودين
اختلفت بداية بني وانودين في الدعوة الموحدية عن أسرة بني جامع، فإذا كان هؤلاء غرباء عن المنطقة، فإن بني وانودين ينتمون إلى قبيلة هنتاتة المصمودية، التي انتقلت مع أشياخها، ومن بينهم وانودين بن يصميلت الهنتاتي، إلى جهة هرغة عندما سمعت بخبر وجود الإمام المهدي بتلك الجبال، وللأسف فإن وانودين ابن يصميلت غير مصنف في طبقات الموحدين، والظاهر إذن هو أن اختيار أشياخ هنتاتة للدعوة الموحدية ضد الدولة المرابطية قد أعطى لأسرها (بني وانودين، بني حفص، بني يوجان…) مكانة واحتراماً جدير بها، فأصبح بنو وانودين يلعبون دوراً عسكرياً هاماً داخل الدولة الموحدية.
فأبو يعقوب يوسف بن وانودين، الذي يصنّفه البيذق في قبيلة هنتاتة، كان أحد القواد العسكريين البارزين في الجيش الموحدي غداة فتح شرق المغرب الاقصى والمغرب الأوسط، فقد كلّف بعد مقتل علي يوسف بن تاشفين 537هـ، بقيادة الفرقة العسكرية الثالثة مع ابن زجو وابن ييومور وتوجهوا إلى جبل مديونة وجهة تلمسان، حيث التقى يوسف بأبي بكر بن الجوهر من لمتونة ومحمد بن يحيى بن فانو فغزاهما يوسف في خندق الجمريسا بوادي الزيتون، وشارك ابن وانودين بفرقته العسكرية الثالثة فيما بعد مع باقي الموحدين في الغارات التي قاموا بها على بلاد بني عبد الواد وبني يلومي الزناتيين، فكثرت الغنائم عليهم من جراء هذه الغارات على بلاد بني يلومي وغيرهم، فوجهوهم إلى الخليفة عبد المؤمن فخرج عليهم الزناتيون وأخذوا الغنائم الموجهة إلى الأمير عبد المؤمن وقتلوا كل من مكان معها من بني ومانو المساندين للحركة الموحدية، بينما يوسف بن وانودين، الذي كان يصحب هذه الغنائم: «تحصن مع من كان معه من الموحدين بجبل هنالك، وظل به إلى أن وصل عبد المؤمن بعساكر الموحدين إلى نواحي تلمسان وافتتحها، وولى على المدينة، سليمان بن محمد بن وانودين الهنتاتي، ورحل إلى منازلة فاس.
وبقي يوسف بن وانودين على قيادة إحدى الفرق العسكرية الموحدية في جهة الشرق، إلى أن أرسل عبد المؤمن بن علي في طلبه لما ثارت عليه القبائل وقامت الثورات، فأرسل الكتب لكل بلد. وجاءت العساكر من كل مكان، جاء يوسف بن وانودين، بعساكر الشرق وسلاطينهم… غير أنه لما وصل إلى فاس مرض بها ومات في طريق القلعة ودفن بها.
على أن بني وانودين لم ينته دورهم في الدولة الموحدية بوفاة أبي يعقوب يوسف بن وانودين حوالى سنة 543هـ، قد تولى أحدهم سليمان بن محمد بن وانودين الهنتاتي، ولاية تلمسان سنة 540هـ، وظل بها إلى حركة عبد المؤمن على بجاية سنة 547هـ، حين «خاطب عامله على تلمسان وهو ابن وانودين يأمره بمنع التجار المسافرين من التصرف والتحرك إلى إفريقيا براً وبحراً لأجل الأخبار، بانتقال المسافرين والتجار، فامتثل ذلك والتزم الأمر في فعله هناك، واستمرت ولاية سليمان بن وانودين على مدينة تلمسان إلى سنة 549هـ، عندما عين عبد المؤمن ابنه السيد الأعلى أبا حفص على المدينة، مما يحمل على الاعتقاد أن سليمان هذا قد لقي مصرعه في هذه الحملة.
في حين يشير البيذق إلى أن عبدالله بن وانودين صهر أمير المؤمنين هو الذي توفي في الحملة على إفريقيا على مقربة من سطيف بسبب نزاع دار بينه وبين يصلاسن بن المعز، حين أمرهما الخليفة بالخروج إلى العرب هناك، فتنازع القائدان بينهما بسبب المصاهرة التي تربط عبدالله بن وانودين بالخليفة عبد المؤمن، والتي رأى فيها يصلاسن تقليصاً لدوره ونفوذه، فاحتدم النقاش، وهرب عنه يصلاسن وأفرده، فأخذه العرب وقتلوه وقد كان أبو محمد عبدالله بن وانودين هذا معدوداً في الأشياخ الذين التحقوا بالدعوة بعد التمييز وعددهم تسعة أشياخ، إضافة إلى أولاد الشيخ أبي عمران موسى بن يركان.
ويوجد من بينهم إثنان من أبناء وانودين، إضافة إلى أبي محمد عبدالله المذكور، وهما أبو الطاهر تميم بن وانودين الهنتاتي، وأخوه محمد عبد الحق بن وانودين الهنتاتي، هذا الأخير الذي استوزره السيد الأعلى أبو حفص غداة تعيينه على ولاية تلمسان سنة 549هـ.
كما حضر إلى جانب أخيه أبي طاهر بن وانودين في محاكمة الوزير عبد السلام الكومي بسبب تشكي الناس من ظلمه وتعديه، فمثلاً موقف الأِشياخ في هذه الجلسة وأخذ أبو محمد عبد الحق الكلمة وسط الأشياخ وطلبة الحضر والقاضي والخليفة، لدعم التهمة الموجهة للوزير المذكور، وهي تضييعه لمال المخزن، ووقوفه في وجه سلطة ونفوذ الأشياخ، ورغم توسط أبي عبدالله محمد بن وانودين لدى عمه عبد الحق وتميم، وأوصاهما أن لا يزيدا في الشهادة على الوزير عبد السلام الكومي، لأنه كان من بعض أصحابه، فإن جوابهما كان واضحاً بقولهما: «والله لئن لم تترك يدك عنه لنقتلنك».
على ان أقوى شخص في أسرة بني وانودين في هذه الفترة، هو أبو عبدالله محمد بن وانودين المذكور سابقاً، الذي انتهى نشاطه العسكري بنكبة الخليفة أبي يعقوب يوسف له.
غير أن أسرة بني وانودين ظلت محتفظة بنفوذها داخل فئة الأشياخ القواد، حيث ذكر لهم صاحب المن بالإمامة عدة نشاطات عسكرية هامة في الأندلس والمغرب، إلا أن دورهم السلبي سوف يظهر بشكل واضح في بداية تفكك السلطة المركزية الموحدية.
وهكذا، أصبح من الواضح أن الدول في «العصر الوسيط»، كانت تسعى إلى تكوين نخبها، وهو أمر مرتبط بمرحلة التأسيس التي تفترض وجود أتباع، وهذا شأن الأمويين في الأندلس والأدارسة والفاطميين وكذلك المرابطين، لأن بناء الدولة آنئذ كان يقتضي إضافة إلى الدعوة الدينية، إيجاد عصب قبلي يسند المشروع السياسي ويقويه.
غير أن الموحدين طوروا طرق التعامل مع كيفية اختيار «النخب»، فابن تومرت اقتبس من التنظيمات المحلية بعض المجالس، التي اختار لها أعضاء من الفئات الاجتماعية المتميزة في قبائلها.
وفي ما بعد، لما أصبح مجال الدولة الموحدية يشمل جهات جغرافية وثقافية متنوعة، ظهرت الحاجة إلى نوع من الأطر المكوّنة، فأدرك عبد المؤمن ان أشياخ المجالس التومرتية لا يمكنهم القيام بالمهام التي تتطلبها المرحلة الجديدة، فبدلهم بنخبة جديدة.
وقد حققت هذه النخبة ما كان منتظراً منها، غير أن المصادر التاريخية لا تسعفنا في فهم كثير من جوانب نشاط هذه الفئة اجتماعياً، وبالتالي دورها الطبيعي في المجتمع الموحدي، بغض الناظر عن دورها السياسي.
لذلك فنحن لا زلنا في حاجة ماسة إلى مزيد من البحث والتقصي في الحقب السالفة، في مثل هذه المواضيع التاريخية الدقيقة، التي قد تساعدنا على تعميق فهم الجوانب التي نتوخى توضيحها وتحقيق الهدف الذي نصبو إليه.
موريشس
تقع جزيرة موريشس شرقي إفريقيا في المحيط الهندي، وأقرب جزيرة إليها جزيرة ريينون ومدغشقر وتبلغ مساحتها 1.000 كم مربع والجزيرة كلها مناطق زراعية غنية.
وبلغ عدد السكان حسب تقرير الحكومة لعام 1972 إلى ما يلي:
مجموع عدد السكان: 830,606.
المسلمون منهم: 137,798.
البهائيون منهم: 3,000.
القاديانيون منهم: 1,500.
المسيحيون منهم: 230,487.
الهندوكيون منهم: 437,395.
الصينيون منهم: 24,996.
والباقي أقوام آخرون وتبلغ نسبة المسلمين 18% من مجموع السكان ولغتهم الرسمية الإنكليزية والفرنسية، واللغة المستعملة فيما بينهم في الأسواق والمحافل والبيوت هي اللغة المحلية كرزلي الشبيهة بالفرنسية، ولكنها لا تكتب، ويعرف أكثر المسلمين اللغة الأردوية كما يعرف أكثر الهندوكيين اللغة الهندية ويوجد بين المسلمين بعض الشيعة من أصل هندي.
وأهم مدنها (بورت لويس) Port Lauis عاصمة البلاد وهي للميناء، ثم (كيوربيب) Curepipe وهي واقعة في وسط الجزيرة على رأس سلسلة الجبال، فهي من أجمل البلاد وأبرزها، ثم (روزهل) Rose Hill.
وأول من اكتشف هذه الجزيرة ووصل إليها هم العرب، ولكنهم لم يلبثوا فيها طويلاً، ثم جاء الهولنديون ومكثوا قليلاً ورجعوا، ثم دخل الفرنسيون وعمّروا الجزيرة وأحسنوا تعميرها، وحكموا طويلاً، ووصل عدد قليل من المسلمين الهنديين إلى الجزيرة أيام حكومتهم في عام 1751م، ولما رأى الإنجليز خيرات الجزيرة الوفيرة طمعوا فيها واحتلوها وطردوا منها الفرنسيين عام 1810م، وفي أيام حكومتهم جاء عدد كبير من المسلمين الهنديين، وكان أكثرهم عمالاً كما كان عدد قليل منهم تجاراً، وبهؤلاء العمال والتجار دخل الإسلام أول مرة إلى الجزيرة. وامتدت حكومة بريطانيا إلى أن استقلت الجزيرة عنها عام 1968.
ويوجد في الجزيرة 90 مسجداً منها 9 مساجد في العاصمة (بورت لويس)، وتوجد مع كل مسجد مدرسة صغيرة لتعليم قراءة القرآن الكريم بدون فهم المعاني.
وقد نشأت عام 1960م حركة الدعوة الإسلامية في الشباب المسلمين باسم «الدائرة الإسلامية» Islamic Circle قام بها داعية باكستاني وبدأت في عملها بجريدة «المنار الأسبوعية» Minavet ثم استوردت الدائرة من الخارج الكتب المهمة في الدعوة الإسلامية في اللغات المختلفة، ووزّعتها في الشبان المسلمين، وتقوم الدائرة بترجمة الكتب الدينية الصغيرة الحجم إلى اللغة الفرنسية التي هي لغة رسمية في الجزيرة، والتي هي أكثر رواجاً وانتشاراً في الجزيرة من اللغات الأخرى، وفيما يختص باقتصاديات الجزيرة، فإن السكر يحتل مكان الصدارة، وهذه البضاعة ثروة رئيسية لأهاليها، وتزرع الأرض بنسبة 50% من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة، وينتج قصب السكر بنسبة 90% بالإضافة إلى ذلك فإن الجزيرة تنتج الشاي والتبغ والبطاطس والخضروات الأخرى ويصدر السكر إلى المملكة المتحدة وهونغ كونغ وجنوبي إفريقيا وماليزيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة ولكن هذه التجارة منحصرة في أيدي البيض وهم يمتلكون 23 مصنعاً.
وفي 31 تموز سنة 1972م زار الحجاز وكيل وزارة الخارجية والسياحة عبد الرزاق عبد الكريم فصرح في جدّة قائلاً:
إن المسلمين يمثلون 16 بالمائة من السكان ويبلغ تعدادهم 130 ألف نسمة تقريباً وهم حريصون على تنشئة أبنائهم على تعاليم الدين الحنيف ويشتركون في الحكم فمنهم وزيران في الحكومة ثلاثة وكلاء وزارات ويعمل المسلمون على الحفاظ على التقاليد الإسلامية ويجتمعون في المناسبات والأعياد الإسلامية.
موسوعة البرغاني في الفقه
موسوعة البرغاني في فقه الشيعة المسماة بـ«غنيمة المعاد في شرح الإرشاد لشيخ الفقهاء المفسرين الشيخ محمد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفى سنة 1271هـ. إن هذا السفر من أنفع الموسوعات الفقهية التي انتهت إلينا من تراث القرن الثالث عشر الهجري وثمرة طيبة من ثمار ذلك العصر تحقيقاً وتنقيحاً فهي تنبئ عن تبحّر المؤلف وتبريز كتابه على كل ما سبقه من التآليف الفقهية وسعة اطّلاعه على الأخبار وتتبعه للآثار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام فكانت مرجعاً للمحققين ومصدراً يعوّل عليه مراجع الشيعة وفقهائهم في الفتوى من بدء تأليف الكتاب حتى العصر الحاضر واشتهرت هذه الموسوعة في القرن الثالث عشر للهجرة على نطاق واسع ووصفها صاحب المآثر والآثار فقال: (… والمولى محمد صالح من أجل المجتهدين في العصر القاجاري وله تصانيف في الفقه والأخبار من أشهر الكتب الفقهية المعروفة اليوم…)([444](. وعبر عن هذا الكتاب صاحب (روضات الجنات) بقوله: (…الحاج مولانا محمد تقي والحاج مولانا محمد صالح البرغانيان القزوينيان المعاصران… ولهم كتب كثيرة في الفقه والأصول مثل شرحيهما الكبيرين المعروفين في البلاد على (الشرايع) و(الإرشاد) وغير ذلك من المصنفات الجياد…)([445](.
وكانت هذه الموسوعة من الركائز التي اعتمد عليها الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر. إن هذه الموسوعة تشتمل على جميع أبواب الفقه من الطهارات إلى الديات وهي فقه استدلالي روائي يظهر منه قوة حجة المؤلف وقدرته على استدلال المسائل الفقهية وله آراء جريئة في الفقه الشيعي لم نجدها عند أصحابنا من قبل، منها فتواه بعدم حرمة حلق اللحية فقد فنّد جميع المستندات التي استدل بها علماؤنا حين ذهبوا إلى حرمة حلق اللحية ثم ذكر فتواه فقال: (… أقول الأجود عندي عدم حرمة حلق اللحية للأصل عدم نهوض الأخبار لتخصيصه بحيث يصح الاعتماد عليه سنداً ودلالة. نعم لا شبهة في أولوية الترك بل هو يكره بالكراهة المغلظة والله العالم)([446](.
يقع هذا الأثر النفيس في أربعة عشر مجلداً كبيراً جزأها كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي إلى ثلاثين جزءاً لأنه يتعذر إخراج المجلد في جزء واحد لكبر حجمه وحققته وقدمت له مقدمة مفصلة في خمس وسبعين صفحة وطبع منه حتى اليوم ستة أجزاء والجزء السادس في الصلاة وآخره في بحث (الأذان والإقامة) والعمل مستمر في سائر الأجزاء المتبقية.
شرع المؤلف بتأليف هذه الموسوعة من المجلد الثالث في الصلاة وانتهى من تأليفه في منتصف ليلة الخميس 28 ربيع الثاني سنة 1223 هجرية ثم شرع بتأليف الثاني أيضاً في الصلاة وفرغ منه ليلة الخميس 17 شوال سنة 1225 هجرية ثم شرع بتأليف الجزء الرابع في الصلاة أيضاً وانتهى من تأليفه في عصر يوم السبت 10 جمادي الثانية سنة 1227 هجرية وانتهى من تأليف المجلد الخامس في كربلاء في شهر صفر سنة 1229 هجرية ثم انتهى من المجلد السادس في الصلاة سنة 1230 هجرية ثم شرع بتأليف الجزء الأول في الطهارات وفرغ من تأليفه في مدينة قزوين يوم 8 رجب سنة 1231 وانتهى من تأليف الجزء الرابع عشر وهو المجلد الأخير من موسوعته في مدينة قزوين في شهر رمضان المبارك سنة 1242 وكان عمله المتواصل في هذه الموسوعة تسعة عشر عاماً بدون انقطاع.
وحين انتشرت هذه الموسوعة في عصره كان لها صداها العظيم في المحافل العلمية والمجامع الدينية والحوزات الشيعية في العالم ويحكى عن الشيخ جعفر صاحب (كشف الغطاء) المتوفى سنة 1228 والسيد علي صاحب (الرياض) المتوفى سنة 1231 أنهما كانا يصرّحان بأنها أجلّ موسوعة في الفقه الجعفري كتبت في عصرهما مع العلم بأنه لم يتم في حياة هذين العلمين إلا بعض الأجزاء.
وينقل عن المحقق القمي الميرزا أبو القاسم صاحب (القوانين) المتوفى سنة 1231 ما يقرب من هذا الكلام ويقال عن شريف العلماء والسيد إبراهيم القزويني صاحب (الضوابط) وشيخ الطائفة الشيخ مرتضى الأنصاري إنهم كانوا يقولون: من أراد إحكام الحلال والحرام فليراجع (غنيمة المعاد) ففيها الكفاية عن غيرها من الكتب الفقهية.
كما وصل إلى المصنف عشرات التقاريض والقصائد من أعاظم علماء عصره وفحول الشعراء في ذلك الزمن منها قصيدة ذكرها والدي في الجزء الأول من كتابه الغرر والدرر والمخطوط وإليك هي:
أسحر أم دقيق من معاني
ودرّ ام فصيح من بيان
بديع من معانٍ في بيانٍ
بديع في المعاني والبيان
ألا يا طالباً لكتاب علم
جليل لا شبيه له وثاني
لقد قالوا مثاني العلم سبعاً
ألم تر أنها صارت ثمان
فإن تغنم سواه لدى حياة
فها هو للمعاد وللجنان
فدم واسلم مؤلفُهُ بعزٍ
وفخرٍ دائم أمد الزّمان
إن نسخ هذه المسوعة كثيرة وشائعة في أكثر المكتبات العامة والخاصة ونسخة الأصل بخط المصنف من مخطوطات مكتبة كاتب هذه السطور عبد الحسين الصالحي في قزوين وعندنا أيضاً نسخة مكررة عليها حواشٍ بخط المؤلف.
عبد الحسين الصالحي
الموسيقى
كتاب للفارابي
تشكلت هذه الرسالة من كتابين، في الكتاب الأول تحدث الفارابي عن المباحث التالية:
أ ـ المدخل الذي حكمه حكم المقدمة، ويتشكل من مقالتين، تحدث في هذا القسم حول فلسفة الموسيقى.
ب ـ الفن، ويشتمل على مسألتين، بحث فيه المسائل التالية: الصوت ـ الأبعاد، الأجناس، الجموع ـ الأغاني ـ المقامات ـ الإيقاع.
ج ـ في القسم الثاني من هذا القسم بحث في قواعد وأصول تأليف الألحان أو صناعة اللحن.
الكتاب الثاني يشتمل على أربعة مقالات، لم يعثر عليه حتى الآن.
بحث الفارابي في كتابه هذا نظرية الموسيقى من وجهة نظر الفيزياء والرياضيات، ودخل في بحثه مفصلاً في معرفة الأصوات (أكوستيك) مع المحاسبات الفيزيائية، وطرح بعض المطالب التي ما زالت مدار بحث الفيزياء اليوم.
«لاند» طبع الفصل الخاص بالآلات الموسيقية في ليدن عام 1883م وذلك بمناسبة انعقاد المجمع العالمي السادس للأوسط.
«لاند» قام بنفسه مستقلاً بطبع هذا القسم تحت عنوان «البحث في خطوات العرب» في ليدن وأرفقه بترجدمة فرنسية عام 1884م.
طبع المتن العربي المنقح مرفقاً بشرح وتفسير لـ«الغطاس عبد الملك خشبة» و«الدكتور محمد الحنفي»، وقد طبعه دار الكاتب العربي بالقاهرة عام 1967م.
«رودجولف أرلانزه» طبع المتن الكامل المترجم إلى الفرنسية في باريس عام 1930 ـ 1935م. وقد جدّد طبعه مراراً.
قسم من طبعات «أرلانزه» الفرنسية ترجم إلى اللغة الفارسية طبع في نشرة رسالة الأونيسكو السنة 1352هـ. ش، العدد 47، ص 31 ـ 34.
«الدكتور مهدي بركشلي» ترجم قطعات من كتاب الموسيقى الكبير إلى اللغة الفارسية، وأقدم على تجزئتها وتحليلها علماً.
ونقلت قطعات منه إلى اللغات الألمانية، اللاتينية، الأسبانية، الهولندية.
الموصل
ـ 1ـ
تعتبر الموصل أهم المدن في شمالي العراق، وتقع في سهل فسيح جميل، وكان يحيط بها سور متين على شكل مثلث غير منتظم يبلغ محيطه زهاء عشرة آلاف متر، وتتخلله عشرة أبواب ذوات أسماء خاصة ومعروفة لدى الأهلين وقد تهدم وصار أثراً بعد عين إلا بعض أقسام منه، وكان يطوف بهذا السور خندق واسع تحول إليه مياه دجلة إذا اقترب منها عدو أو أراد أحد بها سوءاً فردمته البلدية وحوّلته إلى حلقة من الحدائق والشوارع والبنايات الحديثة، على أن عمران المدينة لم يبق منحصراً ضمن السور فقد شيّدت في ظاهرها البيوت الكثيرة والقصور الأنيقة والأنزال العديدة على الأساليب الحديثة والهندسة العصرية الرائعة، ويقع هذا العمران الجديد في شمالي المدينة وفي جنوبيها، أما الأبنية التي في جهتها الغربية فأكثرها قروي في غاية البساطة ولا سيمها ما لاصق منه بقايا السور وعلى هذا فهي تجمع بين الحديث والقديم.
وكانت شوارع المدينة ضيقة غير نظيفة، لا ينفذ إليها النور الكافي ولا تعرف التهوية الصحية فنشطت الحكومة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى لتوسيع أزقّتها ورفع الضيق عن سكانها ففتح الوالي سليمان نظيف باشا جادتين واسعتين تقطع إحداهما المدينة من جنوبيها إلى شماليها وتسمى «جادة النبي جرجيس» وتقطعها الثانية في وسطها من الشرق إلى الغرب وتسمى «جادة نينوى» فلما كنت سنة 1360هـ (1940م) شرعت البلدية في فتح جادة ثالثة تشق المدينة من شماليها إلى جنوبيها وسميت «شارع الفاروق» مضافاً إلى شوارعها العرضية الأخرى فأقام الأهلون على هذه الشوارع وعلى الجادتين المذكورتين الأبنية الفخمة والعمارات الشاهقة والمخازن المزخرفة، ونسقت البلدية فيها الحدائق الجميلة وساحات الألعاب الواسعة بعد أن عبدت وفرشت بالقار وأنيرت بالأضواء الكهربية.
وتبنى البيوت والمساكن في «الموصل» بالجص والرخام الضارب إلى الزرقة، وتزين بالحلان، ويستخرج الرخام والحلان من مقالع مجاورة يعرفها أهل الخبرة والصناعة وهم قلما يستعملون الأخشاب فيها، لذلك كانت المدينة في مأمن من الحريق الذي يحدث في سائر البلدان على أن وجود الرخام في الأبنية يجعلها ذات تأثير شديد في المناخ لأنه يمتص حر القيظ وقر الشتاء بسرعة فائقة ثم يُشع حراً وبرداً شديدين، وهذا ما حدا بالموسرين الذين أنشؤوا القصور والبنايات العصرية أن يستعينوا ببعض المواد الإنشائية الأخرى ليلطفوا الجو والمناخ في منازلهم علاوة على الأقبية «السراديب» فيها.
وقد شرع في العمارة على الجانب الأيسر من دجلة فأقيمت القصور الشامخة ونسقت الحدائق الواسعة أما القصور الفخمة والعمارات الجليلة التي أنشئت في محلة «الدواسة» فمن أجمل ما تقع عليه العين في هذه المدينة. وأما المحطة الكبرى فقد سبقت شهرتها المدن التي يمر بها قطار الشرق السريع لأنها تعدّ من أفخم وأشهر المحطات في الشرقين الأدنى والأوسط فقد شيدت من الحجارة البيض، وهي تشتمل على دوائر ومكاتب وغرف واسعة منظمة تطل على شارع فسيح جديد يقال له شارع الفاروق.
وفي الموصل جسر حديدي ثابت هو من الجسور الحديدية المهمة في العراق، وكان لها جسر خشبي حجري يستعمل أيام هبوط الماء إلا انه هدم في السنوات الأخيرة ورفعت أخشابه.
وتتمتع «الموصل» بمركز تجاري ممتاز وشهرة عالمية معروفة، فقد اشتهرت في القرون الوسطى بصنع الأقمشة المختلفة وبصمها ولا سيما الثوب المعروف بالموسلين «الموصلي» في أسواق الغرب ومع أن فتح قناة السويس ذهبت بخطورتها التجارية وحدد نشاطها في هذا المضمار فهي تصدر كميات من الحبوب والأرز والمواشي والأصواف والجلود والزيوت والمنسوجات المحلية كما تنتج كميات لا يستهان بها من الحاصلات الجبلية كالجوز واللوز والفستق والبندق والعفص والتين والزبيب.
وللموصل طابع خاص في شكل الأجناس المتباينة التي تختلف إلى مقاهيها وتجوب أسواقها وشوارعها، يؤمّها الكرد من الجبال والعرب من البادية والنساطرة واليزيديون وغيرهم من سائر الأطراف المجاورة في حلل فضفاضة وألوان زاهية.
وفيها قبر الشاعر أبي تمام الطائي المتوفى حوالي عام 231هـ (845م) والطغرائي المتوفى نحو عام 513هـ (1119م) وابن الطقطقي المتوفى في حدود سنة 709هـ (1309م) وابن شداد المتوفى سنة 632هـ (1234م) وعز الدين ابن الأثير المؤرخ المشهور صاحب الكامل المتوفى عام 630هـ (1232م) وغيرهم.
لقّبت بأم الربيعين لأن الأعشاب تنبت في أرضها المشهورة بالخصب مرتين في السنة إحداهما في الكانونين عند مجيء الوسمي والثانية في آذار وهو الربيع الحقيقي([447](ولقّبت بـ«الخضراء» لأنها تلبس وقت مجيء المطر حلة سندسية من «الخضرة» يزينها ورد وزهر مختلفاً ألوانه، ولقبت بـ«الحدباء» «لاحتداب في دجلتها واعوجاج في جريانها» على راي ياقوت وعزاه ابن بطوطة إلى «قلعتها المعروفة بالحدباء»)[448])وجاراه في ذلك صاحب «نهل الأولياء»([449]) بقوله: «إنها سميت بذلك لانحداب أرضها لأن البيوت والمحال فيها لم تقع على مستوى أرضها بل بعضها على نشزٍ وقلاع وبعضها في منخفض من الأرض» وأيّد صاحب «تاريخ الموصل» هذا الاحتمال فقال: «إذ يرى اليوم حدب المدينة في جهتها الشرقية اي في محلة القلعة وهي على نشزٍ مرتفع من أرضها»([450]) أما وجه تسميتها بـ«الفيحاء» فلسعتها وقت تشييدها. قال أبو الحسن السري بن أحمد الرفاء الشاعر الموصلي يتشوقها:
سقى ربى الموصل الفيحاء من بلد
جود من المزن يحكي جود أهليها
أأندب العيش فيها أم أنوح على
أيامها أم أعزى في لياليها
أرض يحنّ إليها من يفارقها
ويحمد العيش فيها من يدانيها
وكانت وفاة السري في سنة نيف وستين وثلاثمائة ببغداد وقيل سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وأربعين وثلاثمائة»([451](.
وبأعلى «الموصل» عين كبريت تنبع في لحف تل صغير يشرف على دجلة يغتسل فيها المصابون بالأمراض الجلدية فينالون منها شفاء غير منكر، وعلى مسافة 24 كيلومتراً من جنوبيها العين المشهورة «حمام علي» فيها المياه الكبريتية الحارة التي تحبب إلى الناس الاغتسال فيها في مواسم مخصوصة من السنة، ومن هذين العينين ومن عيون أخرى كثيرة يستخرج القار فيستخدم في سبل متعددة.
ومدينة «الموصل» قديمة جداً يتّصل تاريخها الأول بالقرون الأولى، يوم كانت شهرة «نينوى» التي ازدهرت فيها الحضارة قبل آلاف من السنين تطبق الخافقين فقد كانت «الموصل» قبل أن يفتتحها المسلمون «مدينة صغيرة أو قصبة يسميها الكتبة الآراميون الحصن العبوري»)[452]) أي القلعة القائمة على الضفة الأخرى من النهر قبالة «نينوى» ويرى اليوم في «الموصل» موضع يسمى «القليعات» وهو نشز من الأرض يقع في شرقي المدينة قد يكون موضع ذلك الحصن القديم لإشرافه على دجلة، والظاهر انه أقدم عمران في هذه المدينة ثم سميت في عهد الفرس «نوأردشير» فلما افتتحها خالد بن الوليد عام 20 للهجرة (640م) أسكن فيها القبائل التي كانت تصحبه من الحجاز ومنهم الخزرجيون والأزد وبنو تميم، وقد «ولّى عمر بن الخطاب عتبة بن فرقد السلمي الموصل سنة عشرين فقاتل أهل نينوى فأخذ حصنها وهو الشرقي عنوة وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية والإذن لمن أراد الجلاء في الجلاء… ثم أن عمر بن الخطاب عزل عتبة عن الموصل وولاّها هرثمة بن عرقجة البارقي وكان بها الحصن وبيع النصارى ومنازل لهم قليلة عند تلك البيع ومحلة اليهود فمصّرها فأنزل العرب منازلهم واختطّ لهم ثم بنى المسجد الجامع»)[453]) وقد عمر الخزرجيون مسجداً لهم في هذه الحاضرة يسميه الأهلون إلى اليوم مسجد خزرج اقاموا منازلهم في المحلة التي تعرف إلى اليوم بالمحلة الخزرجية)[454]) فلم تزل «الموصل» في تقدم وتوسع حتى أصبحت من المدن المشهورة فلما كانت خلافة هشام ابن عبد الملك عام 105هـ (723م) بعث إليها عاملاً «الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم» فنظم أمورها وبنى له داراً زخرفها بالتصاوير ونقشها «بالساج والرخام والفصوص الملونة»)[455]) فكانت اول دار مزخرفة تشاد فيها. فلما كانت خلافة المنصور العباسي سار إليها الخليفة في عام 143هـ (760م) وأقام بها مدة بنى في غضونها قصراً منيفاً. وفي السنة التالية لمبايعة الرشيد أي سنة 171هـ (787م) ظهر الصحصح الخارجي بالجزيرة فأفسد فيها)[456]) فاضطر الخليفة أن يرسل إليه من يطرده عنها. ثم تناوبت عليها الفتن والإحن حتى كانت خلافة المعتز سنة 252هـ (866م) فظهر آمر شرطة الموصل، مساور بن عبد الحميد البجلي، عام 254هـ (868م) وصار يطلب «الحديثة» فخرج عليه حمدان الحمداني فلم ينل منها منالاً حاسماً)[457]) فلما صارت الخلافة إلى المعتمد في سنة 256هـ (869م) أودع أمر الموصل إلى أستاكين من أكابر القواد الترك فسار إليها عام 259هـ (872م) وقضى على مساور الخارجي، ثم صارت الولاية إلى محمد بن أبي الساج عامل الجزيرة ثم إلى غيره فغيره حتى ملكها الحمدانيون)[458]) واستقلوا بها ثم وسعوا نطاق ملكهم وحكمهم إلى ديار بكر والجزيرة، فلما كانت سنة 367هـ (977م) قرض البويهيون دولتهم بعد أن دامت أربعاً وسبعين سنة ثم ملكها بنو عقيل ويقال لهم بنو المقلد وآل المسيب فلبثوا فيها مائة سنة ثم تولاها بعدهم السلجوقيون الترك فحكموها 32 عاماً فالأتابكيون فحكموها مائة سنة وستة أعوام فبدر الدين لؤلؤ، وفي زمانه بلغت حضارة الموصل وعمرانها مبلغاً عظيماً، فلما انقرضت الدولة العباسية سنة 656هـ (1257م) دخلت «الموصل» ضمن أملاك المغول ثم ضبطها تيمور لنك فحسن الطويل فلما كانت سنة 914هـ (1508م) دخلت في حوزة الصفويين الإيرانيين وفي عام 941هـ (1534م) انتقلت إلى العثمانيين وفي عام 1032هـ (1622م) استولى عليها الفرس مرة ثانية لكنها سرعان ما عادت إلى العثمانيين بعد عشرين عاماً فلبثت في حوزتهم إلى عام 1337هـ حيث دخلتها الجيوش البريطانية في 3 تشرين الثاني 1918م وانتقلت إلى الحكومة الوطنية التي قامت في العراق في 18 ذي الحجة سنة 1339هـ و23 آب سنة 1921م.
عبد الرزاق الحسني
الموصل العاصمة الشيعية العربية[459](♣)
كانت الموصل عاصمة لدولتين عربيتين شيعيتين هما الدولة الحمدانية والدولة العقيلية وقد تقدم الحديث عنهما فلا نعيده هنا.
وفي ناصر الدولة الحمداني أمير الموصل يقول السري الرفاء من قصيدة:
لحظت ربيع ربيعنا آمالنا
فغدت ركائبنا إليه قواصدا
يحملن للحسن بن عبدالله في
حر الحديث مآثرا ومحامدا
بدع إذا انتظم الثناء عقودها
كانت لأعناق الملوك قلائدا
قل للأمير أبي محمد الذي
أضحى له المجد المؤثل حامدا
أما الوفود فإنهم قد عاينوا
قبل الربيع بك الربيع الوافدا
يغشون من شرق البلاد وغربها
بالموصل الزهراء أروع ماجدا
خشعت له إن باعتها صادرا
وتبسّمت لما أتاها واردا
فكأنما حل الربيع ربوعها
فكسا السهولة والحزون مجاسدا
أجرت يداه بها الندى فكأنما
أجرى بساحتها الفرات الباردا
ملك إذا ما كان بادئ نعمة
ألفيته عجلاً إليها عائدا
متفرد من رأيه بعزائم
لو أنهن طلعن كن فراقدا
وخلائق كالروض في رأد الضحى
تدني إليه أقاصيا وأباعدا
يستنصرون على الزمان إذا اعتدى
من لا يزال على الزمان مساعدا
جذلان ليس من المكارم صابراً
يقظان ليس عن الكريهة حائدا
خلق يسر الناظرين ومنطق
أبداً يفيد السامعين فوائدا
إن أصبحت تزهى بك الدنيا فقد
أصبحت للدنيا شهاباً واقدا
ولبست مجدك بالصوارم والقنا
والنجم لست تراه إلا صاعدا
وللسري الرفا أيضاً من قصيدة يجمع فيها بين مدح ناصر الدولة في الموصل وأخيه سيف الدولة في حلب:
رأى من أخيك الشام أكرم شيمة
وأصدق برق في المحول يشام
هي الدولة الغراء شمر منكما
يضم عداها ناصر وحسام
فطوراً لكم في العيش رحب منازل
وطوراً لكم بين السيوف زحام
الشبك في الموصل
قال رشيد البندر:
تمتاز الموصل، وبعدها كركوك، عن غيرها من المناطق العراقية الأخرى بكثرة تعدد أعراق وديانات ومذاهب سكّانها، فهي تحتضن تقريباً التنوع العراقي كافة، ففيها العرب والأكراد والآشوريون والكلدان والسريان ومختلف الديانات من مسلمين ومسيحيين ويزيديين ويهود، إضافة إلى المذاهب والطرق الصوفية والزوايا والتكايا المختلفة، وحتى بقايا من الزرادشتية وما يُعرف بالديانة الشمسية. ومما لا شك فيه أن هذا التجاور في المكان والاختلاط اليومي بين هذه التكوينات أفرز العديد من التأثيرات والتداخلات، وبالنتيجة لا يمكن أن يبقى التكوين العرقي أو الديني أو المذهبي صافي الانحدار واللغة والعقيدة والممارسة الطقسية. وقد يحتم هذا التداخل النزوع إلى اعتقادات أخرى ربما تختلف اختلافاً كلياً عن الكيان الأصل، وهذا الأمر يفرض نفسه كواقع لا يملك الناس التحكم فيه، وليس من أماني أتباع هذا التكوين أو ذاك هو الانشطار عن الأصل والاستقلال بكيان مختلف. كذلك للجغرافية دورها في التأثير في طبائع الناس بجبلهم على أخلاقيات محددة، فطبائع الناس في العزلة الجبلية هي غير طبائعهم في الامتداد الصحراوي أو السهول والأهوار، ففي كل مكان من هذه الأمكنة ينشأ تراث اجتماعي أخلاقي، يؤثر في مفاهيم الناس الدينية والمذهبية والعرقية.
إن البحث في مجال الأعراق والملل يحتاج إلى الحياد أكثر من أي مجال آخر، وذلك لحساسية هذا الموضوع كونه يتعلق بتاريخ وشرائع وطقوس تجتمع كلها في النسيج الاجتماعي لهذا العرق أو تلك الملة. وهذا الحياد ما زال مفقوداً في أغلب ما كُتب قديماً وحديثاً، فكيف إذا اختلط مع نقص الحياد أمور أخرى منها فقر المعلومات واعتماد الشفوية من لسان العابرين. هذا ما حصل تماماً مع كيان كردي عراقي يقطن شمال شرق الموصل، تعامل معه الباحثون والمؤرخون بطرق مختلفة منها محاولة سلخه عن انتمائه القومي والعرقي أو فصله عن انتمائه الديني الإسلامي.
يتردد اسم الشبك كثيراً، مرة كتكوين قومي عراقي وأخرى تركي أو فارسي، ومرة ديانة مستقلة لها جذورها الزرادشتية واليزيدية، والغالب يعده من الغلاة (العليلاهية) من دون أن يلتفتوا إلى انقسام الشبك المذهبي الشيعي والسني كباقي الشعوب والقبائل الإسلامية. كتب عن الشبك بشكل عابر مؤرخون أكراد وعرب ورحالة غربيون مستشرقون. ومن هؤلاء المؤرخ الكردي محمد أمين زكي الذي ذكرهم في كتابه «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان» (1/28) بقوله: «توجد في لواء الموصل طائفة أخرى تذكر بأسماء (شارلي وباجوان والشاباك) فهذه الطائفة أيضاً بأقسامها الثلاثة كردية بحتة، ويؤيد هذا أيضاً تقرير عصبة الأمم حيث ينص في صفحة (60) نحلة خاصة». وذكرهم من الغربيين (ستيفن همسلي لونكريك) أحد ضباط الحملة البريطانية على العراق في كتابه «العراق الحديث» اعتقد خطأ منذ العشرينات ذوبان التكوينات العراقية في المجتمع العربي، وذلك عند حديثه عن التركمان العراقيين ـ بقوله: «ويصدق هذا الشيء على طائفة الشبك الصغيرة التي تعيش وتتحدث بلهجة كردية محلية، على ضفاف دجلة جنوبي الموصل، والمعتقد أنهم يمثلون الطراز الهرطقي (أبدعة أو الانحراف في الدين أو المذهب) من الشيعة»)[460](. وكتب عن الشبك أيضاً المستشرق ف. مينورسكي قائلاً: «الشبك طائفة إسلامية كردية الأصل تقطن في ولاية الموصل… ولهم صلة قرابة بجيرانهم اليزيدية، وهم يحضرون اجتماعات هؤلاء ويزورون مزاراتهم… والعهدة على الأب أنستانس ماري الكرملي»)[461](. وللأب الكرملي تعود العديد من الأحكام الخاطئة. فله يعود فضل تعميم مفردة «عبدة الشيطان» ـ التي أطلقها العثمانيون على يزيديين ـ وتداولها في البحوث والدراسات، وله كتابات متعددة حول مذاهب إسلامية عراقية منها الصوفية والشيعية أطلق عليها تسمية أديان، كقوله في مقاله «الشبك» المنشور في مجلة «المقتطف» المصرية 59/1921: «ديانتهم مجهولة، ولعلهم هم أيضاً يجهلونها». وكذلك جعل عنوان مقاله حول الصارلية والباجوران والشبك، المنشور في مجلة «المشرق» اللبنانية 5/1902 «تفكهة الأذهان في تعريف ثلاثة أديان».
والدراسات الغربية التي اعتمدت تلك المعلومات والأحكام أصبحت هي الأخرى من المصادر الرئيسية في دراسات أكاديمية حديثة، تناولت الشبك ككيان عرقي وديني مستقل. ومن هذه الدراسات دراسة آمال فينوغرادوف بعنوان «حالة الشبك» المنشورة في مجلة «الأثنولوجي الأميركي» (1974) ورد فيها: «تكون الشبك أصلاً من الاعتقادات الدينية والفقهية… وتشمل اعتقاداتهم واحتفالاتهم الأخوة الصفوية، المبنية على حركة أهل الحق». وفي مكان آخر من هذه الدراسة ذكر الشبك محل القزلباشية (كلمة تركية تعني الأحمر وتشير إلى جماعة من الجيش الصفوي، كانوا يعصبون رؤوسهم بعصابة حمراء) كأتراك وكعلاقة بالصفويين، وذلك باعتبارهم: «من بقايا الصفوية والتي بدأت في القرن الرابع عشر في غرب آذربيجان، ووصلت إلى بلاد فارس سنة 1502 في عهد الشاه إسماعيل الصفوي».
ومن الكتب التي تناولت موضوع الشبك بتوسع وباعتماد على معلومات الكرملي وإرشاداته كتاب «الشبك من فرق الغلاة في العراق» لأحمد حامد الصراف، ألّفه العام 1938 كمحاضرة ألقيت في نادي القلم العراقي، ثم طبعت ببغداد ككتاب العام 1954. وأحمد الصراف كان مدّعياً عاماً بالموصل خلال الثلاثينات، ومن وظيفته هذه تعرف على شخص شبكي ومنه استل معلوماته الخاصة بالطقوس والعادات والتقاليد، والتي هي اجتماعية أكثر منها دينية أو مذهبية. وأصبح هذا الكتاب مصدراً شبه رئيسي للعديد من الباحثين في المجتمع الكردي عموماً أو الشبكي خصوصاً كأصل ولغة وعقائد. والنتيجة التي يخرج بها مؤلف كتاب الشبك» هو أن عقائدهم خليطة من الزرادشتية واليزيدية والمسيحية وحتى اليهودية (من المعلوم أن هناك أكراداً يهوداً شملتهم حركة التهجير إلى فلسطين)، وبما أن الكتاب لا يعتمد أسساً علمية في البحث فإن مؤلفه ناقض نفسه غير مرة، فمن جهة يقول: «الشبك جماعات من الأتراك»)[462](، ثم يعود فيقول: «أما أصل الشبك فإنه لم يقطع فيه حتى الآن، إنهم من عنصر كردي أم من عنصر تركي»)[463]) كذلك يضع خمسة احتمالات لأصلهم القومي بين أن يكونوا أكراداً أو آذريين (الآذرية لغة تركمان العراق التي تختلف عن اللغة التركية بأمور)، والاحتمالات الثلاثة الأخرى أن يكونوا أتراكاً دخلوا إلى العراق بثلاث طرق مختلفة. ولكن الصراف الذي أكّد في أول الأمر على تركية الشبك، ينفي كل احتمالاته حين يصف الاحتمالين الأولين بالضعف، والثالث بعديم البينة، والرابع بفقير البرهان، والخامس بأنه يعوزه الدليل. ويذكر الصراف في كتابه «الشبك» أدعية وابتهالات يطلق عليها اسم كتاب «الشبك المقدس»، وبهذا أشار إليهم كديانة لا عشيرة كردية تدين بالإسلام على مذهبين شيعي وسني كباقي الأكراد. وكتاب الشبك الذي سماه الصراف بالكتاب المقدس هو كتاب «المناقب» وهذه التسمية لا تشير إلى كونه كتابا مقدساً بل تُشير إلى ذكر كرامات الأئمة والأولياء الصالحين الذين يعتقد بكرامتهم كل شيعة العراق وغيرهم. ويصف الصراف هذا الكتاب بقوله: «يحتوي على حوار في آداب الطريقة بين الشيخ صدر الدين وبين قطب العارفين الشيخ صفي الأردبيلي، ويُعد كتاب المناقب من الكتب المقدسة ويعرف عندهم بالبرخ (البويوروق) أي ما يتفضل به»)[464](. وهذا الكتاب كما يبدو من أسماء شيوخ الطريقة هو من كتب القزلباشية لا الشبك، وسيتضح ذلك لاحقا. وزين الصراف كتابه عن الشبك بصورة لأماكن مقدسة يزيدية ذات القباب المخروطية، بينما للشبك مساجد إسوة بباقي المسلمين. ومع أن حالة الشبك الدينية كحالة الأكراد الأخرين أو العرب والتركمان، فإن المعلومات الشفوية التي هي من مصادر كتاب الصراف تقول: إنهم لا يصلون ولا يصومون ولا يزكّون ولا يحجّون، وتنطبق عليهم طقوس اليزيديين والمسيحيين كالاعتراف والتناول والاحتفال بعيد رأس السنة، وتسمية شيخهم أو الكبير فيهم بالبابا.
أما المؤرخ عباس العزاوي في كتابه «الكاكائية» الصادر ببغداد عام 1949 فيعترف بإسلام الشبك، ويعدهم من الفرق المغالية. وقد ورد ذلك بقوله: «هؤلاء الشبك من الطوائف المعروفة بغلوها في العراق، وتسكن في أنحاء الموصل، والمشتهرة كالكاكائية في لواء كركوك، فلا تقل عنها. واختلف في أصلها، وتدّعي أنها من الأنحاء الجنوبية من إيران، ويغلب الظن أنها من شبنكارة»)[465](. كذلك يشابه العزاوي بين الشبك والقزلباشية، مع إشارته إلى التماثل بينهما: «وكتبهم عين كتبهم». فمن هي القزلباشية وما هي صلتها بالمنطقة، وكيف رحلت أحداث هجرتهم ونسبت كتاريخ إلى الشبك؟ قد نجد عند مصطفى جواد توضيحاً لذلك، في مقال «النصيرية والقزلباشية كان قد كتبه في مجلة «لغة العرب» (الجزء 6 السنة 1931) أي قبل تأليف الصراف والعزاوي عن الشبك والقزلباش.
يقول مصطفى جواد: «والذي عندنا إن القزلباشية كانوا من السنية، ولكون هذه البدعة ابتدعت في إيران، سمي الترك قزلباش وسموا بلاد إيران بلاد القزلباش، وخلاصة أمرهم أن الشيخ صفي الدين الأردبيلي، جد شاه إسماعيل ابن الشيخ حيدر، كان صاحب زاوية في أردبيل، وله سلسلة من المشايخ، أخذ عن الشيخ زاهد الكيلاني، وتنتهي إجازته بوسائط إلى أحمد الغزالي وهو سني مشهور. وكان الشاه إسماعيل في لاهجان في بيت صائغ يقال له نجم زركر، وبلاد لاهجان فيها كثير من الفرق، كالرافضة والحرورية… فتعلم منهم شاه إسماعيل في صغره مذهب الرفض، فإن آباءه كان شعارهم مذهب السنّة، ولم يظهر الرفض غيره، فالقزلباشية كانوا من السنّة لا من الرافضة». اما كيف تبعت هذه الجماعة التركية الصفويين الفرس، على رغم الحروب المستمرة بين الدولتين، فيشير إلى ذلك مصطفى جواد: بأن تيمورلنك بعد عودته من بلاد الروم قام بزيارة لصدر الدين موسى، أحد أجداد إسماعيل الصفوي، فطلب منه صدر الدين إطلاق سراح كل الأسرى الروم (كانت البلاد التركية تسمى بلاد الروم)، وبعد أن نُفذ هذا الطلب، صار أهل الروم يتبعون صدر الدين وجميع المشايخ الأردبيليين من ذريته حتى إسماعيل الصفوي، وكانوا جماعة مهمة في جيشه، ثم قطنوا منطقة الموصل وغيرها خلال تبادل المواقع في الحروب بين العثمانيين والصفويين، ومن القرى القزلباشية المخالطة لقرى الشبك هي: تيس خراب كبير، تيس خراب صغير، وهؤلاء القزلباش من عشيرة البيّات. بهذا يكون القزلباش أتراكاً وليس الشبك.
ظلّت المعلومات التي وردت حول الشبك في كتابات الأب الكرملي وكتابي العزاوي «الكاكائية» و«العراق بين احتلالين» وكتاب الصراف «الشبك» تبعث في دراسات ومقالات كثيرة عن عشائر الشبك، كان آخرها على حد علمي مقال حول «الشبك» نُشر في مجلة «الثقافة الجديدة العراقية 11/1990، ومقال: «تنوع أكراد العراق» نُشر في مجلة «أبواب» اللبنانية 3/1994 ثم كتاب «عرب وأكراد» لمنذر الموصللي الصادر عن دار الغصون ـ بيروت، طبعته الثالثة 1995. وورد في هذا الكتاب ما نصه: «تاريخ الشاباك القزلباش مجهول وهم أكراد، لكن بعض الباحثين يزعمون أنهم أتراك، وذلك بسبب كثرة التعابير التركية في لغتهم». ثم ينقل مؤلف الكتاب ما ورد في المصادر السابقة نصاً من دون أن يُشير إليها. إن تلك الكتابات التي أوردنا عناوينها، على رغم الجهد المبذول في بعضها، لم تأخذ بنظر الاعتبار سيئات المؤلفات المذكورة التي مر على تأليفها أكثر من أربعين عاماً، كذلك لم يحسب كتابها حسابات النعرات المذهبية التي كان بعض أولئك المؤلفين متأثراً بها إلى حد كبير. كذلك لم تأخذ تلك الكتابات واقع الشبك الحالي بل وواقع المنطقة كلها، والعلاقة بين طوائفها كأكراد مسلمين وغيرهم، وإنما كتبوا عن الشبك ككيان قومي مستقل على رغم اعترافهم بكرديته، وككيان مذهبي مستقل عن الأكراد من مذهبي السنّة والشيعة.
ومن الكتابات الكردية الشبكية الشحيحة جداً يأتي المقال الوافي الذي كتبه شاخه وإن شبك بعنوان «الشبك: دراسة تاريخية لغوية» والذي عبّر به كاتبه عن ذاته ككردي ومسلم، بعد أن حاول الآخرون كثيراً تتريكه أو تعريبه، أو تأسيس تعاليم ديانة جديدة له لا يفقه منها شيئاً، وربما استطاع في مقاله هذا إيصال صوته لمن يُريد البحث عن الحقيقة. من خلال مقدمة المقال يبدو القلق واضحاً على شاخه وأن تأثراً من كتابة تاريخ أهله (الشبك) القومي والديني، والذي تورطت به كتابات عدة، فنقرأ في مقدمة مقاله: «إن الدافع لكتابة هذا البحث هو تناقض البحوث والآراء حول أصل الشبك، وانتمائهم اللغوي وديانتهم، وكذلك بعض الآراء غير العلمية من قبل المؤرخين والباحثين وبعض المستشرقين»)[466](. وينفي شاخه أن يكون الشبك هم أتباع نادر شاه الصفوي الغُلاة، برواية أنهم كانوا تخلفوا عن جيش الصفوي خلال محاصرته للموصل مدة أربعين يوماً في إحدى الحروب. ثم يتحدث عن أصل القزلباش برواية مقاربة إلى رواية مصطفى جواد من دون أن يثشير إليه في مصادره. كذلك ينفي علاقة الشبك بمذهب الصارلية والكاكائية، ولا يجمعهم مع الشبك غير المحيط الجغرافي الواحد، والتعامل اليومي بحكم الجيرة. وينتهي بعد تقديم أدلة ينتصر بها لرأيه إلى: «أن الشبك ليسوا بصارلية ولا هم بقزلباش، وإنما ديانتهم كديانة بقية المسلمين، بمذهبيها السنّي والشيعي»)[467](.
وبعد نفي الصلة الجوهرية بين الشبك من جهة والقزلباشية والصارلية كطوائف عليلاهية إسوة بما يعرف بالحقة أو مذهب أهل الحق، نمر مروراً سريعاً في الحديث عن الصلة بين الشبك والبكتاشية، وهي طريقة صوفية أسسها بكتاش ولي، ولعبت دوراً ملموساً في الحكم العثماني بتأسيس ما يسمى بالإنكشارية، ولم تنته تكياتها إلا بعد ظهور الدولة التركية الحديثة. والحديث عن هذه الصلة شائع شفاهية أكثر مما هو مدون. وعباس العزاوي في حديثه عن البكتاشية يذكر الطوائف القريبة منه من دون أن يسمي الشبك منها كالعليلاهية، والكاكائية، والقزلباشية، والبابوات. بينما يذكر الصراف في كتابه السابق الذكر هذه الصلة بقوله: «وقد ظهر لي من التتبع والتنقيب أن عقيدة الشبك عقيدة بكتاشية قزلباشية، مع وجود فرق يسير، فعوائد الشبك وأوابدهم تكاد تكون بكتاشية محضة)[468](. ويبدو الأمر ملتبساً جداً في أن تكون البكتاشية من تعداد العليلاهية، وهي متعارضة مذهبياً مع الدولة العثمانية، فكيف الحال والبكتاشيون كانوا بمثابة أئمة الإنكشارية وهي قوى الأمن العثمانية، والرواية تقول إن البكتاشية: «لم تُعرف قبل دخول العثمانيين بغداد سنة 941هـ»)[469](. لكن العزاوي يعد الكثير من تكايا البكتاشية بمدينتي النجف وكربلاء، ويتولاها شخصيات من آل الدده (يقال إنها تعني لقباً تركياً بمعنى الأخ الأكبر). وتُعرف إحدى تكايا كربلاء بتكية الددوات، ويُقال إن الددوات بالأصل أتراك ن أهل السنّة تحولوا بعد قدومهم إلى العراق إلى شيعة إمامية. وحتى لا نميل عن صلب الموضوع الذي نحن بصدده نترك موضوع البكتاشية وإشكاليتها المذهبية وغيرها من الطوائف إلى مجالات أخرى)[470](.
الواضح تاريخياً أن الشبك ما هم إلا عشائر كردية ربما تأثرت منهم مجموعة بالمذاهب والديانات المحيطة، ودخل بعضهم في التكايا والطرق الصوفية، ويقيم الشيعة منهم مآتم في عاشوراء ويلبسون السواد ويزورون العتبات المقدسة بالنجف وكربلاء وسامراء، ويدفعهم الحب والافتتان بشخصية علي بن أبي طالب والأئمة الأخرىن عليهم السلام من صلبه إلى الدعاء والتوسل بهم، وهذا ما يفعله الكثيرون في العالم الإسلامي، وقد التبس على الباحثين والمهتمين فقاموا بتبديل المواقع بينهم وبين القزلباشية والبكتاشية والصارلية وأهل الحق اعتماداً على تأثر متبادل بين هذه الأطراف.
يفتخر الشبكيون بكرديتهم، وقد قاوموا كبقية الأكراد محاولات كثيرة حاولتها السلطات في اعتبارهم عرباً، كتهجير قسم من العائلات الشبكية سنة 1975 ثم تهجير قرى بكاملها إلى مجمعات قسرية لغرض تعريبهم (1988 ـ 1989). وقبل ذلك كانت السلطة سجلتهم خلال تعداد 1977 عرباً. يتكلم الشبك لهجة كردية تحتفظ بالكثير من الألفاظ الكردية القديمة، إضافة إلى تأثير المحيط الدولي بهم من وجود ألفاظ فارسية أو تركية أو عربية، وعن ذلك يقول شبكي آخر في تعقيب على مقال نشرته «الثقافة الجديدة» العراقية: «إن اللغة التي يتحدث بها الشبك كردية لا تقل نسبة مفرداتها عن 70 في المائة من المفردات التي ينطقها أكراد شمال العراق، إن لم نقل أكثر من ذلك». وتذكر المصادر أن لهجة الشبك هي اللهجة الكردية الباجلانية وهي أحد فروع اللهجة الكورانية. وعن علاقة الشبك بمنطقة كردستان فيمكن تحديدها من خلال تحديد الأصل الكردي وتواجده القديم في المنطقة والذي سمّأه اليونانيون بالكردوخي (الأكراد)، وذكر ذلك المؤرخ اليوناني زينفون (401ق.م) بقوله: «شمالاً (شمال نهر دجلة) عبر الجبال يؤدي إلى الكردوحي… إن هؤلاء الناس يعيشون في الجبال، وهم محاربون شجعان وليسوا خاضعين للملك الفارسي»)[471](.
وهناك إحصاءات عدة عن الشبك منها التقديرات الإنكليزية القديمة بعشرة آلاف نسمة، وحسب الإحصاء العراقي العام 1947 (جمعاً من اليزيديين) 33 ألف نسمة، وحسب الإحصاء العراقي الرسمي 1977 بلغت نفوسهم 58 ألف نسمة. ومن الملفت للنظر أن الدليل العراقي للعام 1936 وإحصاءات أخرى لم تذكر الشبك بالاسم، على اعتبار أنهم أكراد مسلمون، فليست هناك تفاصيل خاصة بالعشائر عربية كانت أم كردية. لكن جمعهم إحصاء 1947 مع اليزيديين يؤكد الرأي الرسمي المعتمد على البحوث والدراسات المذكورة سلفاً على أنهم من ديانة أخرى غير الديانة الإسلامية. وكذلك ذكرهم منفصلين عن الأكراد في إحصاء 1977 تأكيداً على أنهم عرب وليسوا أكراداً.
رأي كاظم عرفات
على أن (كاظم عرفات) علّق على موضوع الشبك بما يلي:
غالبية «الشبك» العظمى شيعة إمامية حيث تصل نسبة الشيعة إلى 95%، باستثناء قريتين أو ثلاث من السنّة. أما تأثرهم بالطريقة البكداشية (وليس المذهب البكداشي كما ذكر الكاتب) فإن جميع شيعة الموصل من التركمان والشبك كانوا على الطريقة البكداشية إلى الأربعينات من هذا القرن. والفضل في تشيعهم يعود إلى جهود بعض المجتهدين وعلى رأسهم السيد جعفر الأعرجي حيث كان الرائد في هذا المجال.
أنا شخصياً أعرف «الشبك» وقراهم وعاداتهم وتقاليدهم ورجالاتهم ولغتهم وهم بعيدون عن اليزيدية أكثر من جميع الأقليات. فاليزيدية أقرب إلى الأكراد والعرب منهم للشبك، لأن اليزيدية يجيدون التكلم بالكردية والعربية ولا يستطيعون التكلم أو حتى معاشرة «الشبك» ولم يكن لهم أي اتصال معهم، ولا أحد يستطيع إثبات ذلك. ودمجهم في إحصائيات عام 1947 مع اليزيدية، ليست صادرة عن نيات حسنة.
وملاحظة أخرى على ذكر الباحث بأن «الشبك» يحتفلون بأعياد نوروز. فهذا غير صحيح، وأنا بينهم وأعرف الحقيقة، وحالهم هنا كحال جميع الشيعة الإمامية، يذهبون إلى زيارة أئمتهم الأطهار بمناسبة أعياد نوروز، أي لا يحرقون النار ولا يتعايدون بهذه المناسبة، وهذه مخصوصة على الأكراد، وأن الغالبية العظمى من «الشبك» ترفض كونهم أكراداً ما عدا القسم المنتمي إلى المذهب السني وهم من عشيرة البجوان، وهناك ادعاء قوي بأنهم من بقايا الجيش الإيراني الذي حاصر مدينة الموصل أيام الدولة الصفوية.
وفي إحصائية عام 1977، هناك تعليمات رسمية من قبل السلطات بأن العراق يتكون من قوميتين فقط، العرب وألأكراد، وأنا أحد الأشخاص الذين اعتبرت قوميتهم عربية رغم كوني تركمانياً، ومثلي مئات الألوف من التركمان والشبك ممن اعتبرت قوميتهم عربية أو كردية رغم أنوفهم وهذا ما سبب المشاكل للشبك بالذات، حيث إن الذين اعتبروا أكراداً سيقوا إلى المناطق الشمالية وهدمت بيوتهم. وإذا أراد الباحث فإنني مستعد لذكر بعض القرى وأسماء الأشخاص والعوائل التي أبعدت وهدمت بيوتها.
البكتاشية
ورد ذكر (البكتاشية) في بحث رشيد البندر المتقدم. وللتعريف بالبكتاشية ننشر هذه الدراسة عنهم مكتوبة بقلم الدكتور محمد موفاكو، على أننا لا نتبنى ما ورد فيها عن عقيدة البكتاشية، فالحقائق عن العقائد لا تؤخذ إلا من أصحاب تلك العقائد. ويهمنا في بحث الكاتب ما جاء فيه عن الجانب التاريخي:
لم يتح للبكتاشية أن تنتشر في العالم العربي كما انتشرت في مناطق أخرى، ولهذا بقي الاحتكاك بها نظرياً ولم يتخذ طابعاً حياتياً. إلا ان هذا لا يعني أن البكتاشية لم تحظ بطوائف من المهتمين والمهاجمين والمدافعين في الشرق العربي. علينا أن نضيف بأنه لاعتبارات عديدة، سيكون خط الدراسة موجهاً إلى ألبانيا، المكان الذي يمكن اعتباره مهداً وقبراً للبكتاشية في امتدادها البلقاني.
إذا تركنا الحديث لمؤرخ اكتفى بتسمية نفسه أحد علماء القسطنطينية يحدثنا عن البكتاشية، سنجد أن أي بكتاشي قد يجد صعوبة في التعرف الفوري على بكتاشيته، فالبكتاشية عند هذا المؤرخ هي أكبر الطوائف المشغولة بإضلال المسلمين، كذلك فإن البكتاشية ليست ضالة بل مشركة، ولما لم تستطع إضلال اليهود والنصارى اشتغلت بإضلال المسلمين. ويؤكد هذا المؤرخ على أن البكتاشية هي امتداد للحركة القرمطية، وأن أحد رجال هذه الحركة المسمى (علي الأعلى) هبط تكية الحاج بكتاش الولي في الأناضول وتلبسه أو ألبسه عقيدته زوراً وبهتاناً.
ما سبق ليس إلا عينة من تفاسير جاءت لاحقة للتصفية التي حلت بالبكتاشية في القرن 19 في تركيا. إن ذلك الذي يمكن تسميته بالتطعيم النظري الذي جاء البكتاشية من الخارج لا يحتاج إلى رد. لقد كان هذا مجرد نموذج لما حدث آنذاك في أوساط الطوائف المتمردة. ولن يكون من المتاح هنا تتبع خطوط هذا التنظيم النظري من الخارج، وإنما سنحاول فقط ـ في انتظار فرصة أخرى ـ أن نتابع ما طرأ على جناح الحركة البكتاشية من تطورات، لدى اقتحامها لوسط بشري جديد ونقصد الوسط الألباني في البلقان.
البكتاشية انتقلت إلى البلقان، بعد انتقال الإسلام واستقراره في هذه المنطقة من العالم. ولكي نستطيع أن نتفهم النمو اللاحق للبكتاشية هنا، علينا أن نأخذ في عين الاعتبار جملة من الظروف التي أحاطت بدخول الإسلام إلى البلقان. فالإسلام الذي تغلغل هنا لم يكن نقياً، بل مجملاً ومشوباً بترسبات طارئة، علقت به خلال مسيرته إلى البلقان. كذلك فإن الإسسلام فتح البلقان ديناً ودولة واستوطنه ديناً ودولة. وهذه المسافة بين دين ـ ودولة كانت مصونة. فالمركز كان يرى في كل معارضة للدولة هي رفض لدين الدولة المعلن. وهذا الموقف ستجد البكتاشية نفسها فيه حين تتحول إلى حركة معارضة. وأخيراً، فإن الإسلام تغلغل في منطقة حبلى بالآلام والصراعات، منطقة تبحث عن مهدي يفك لها آلامها. وجاء الإسلام ليحمل معه شحنة من عالم آخر، زرعت الشك فيما هو سائد، وساهمت في إبراز موجة جديدة إلى السطح.
هذه الموجة جاءت تحت ضغط التَّماسات والاحتكاكات بين تيارات تمثل شتى الشيع والنحل وتحولت، كامتداد لهذا الوسط أو كانقلاب عليه، إلى تربة صالحة لإنعاش أيديولوجية تصالحية، تستند إلى ما هو سائد وترفض ما هو سائد. في مثل هذا يشار إلى حركة مصطفى بركليجي 1415، تلك التي كادت أن تسيطر على البلقان. والتي أراد منها صاحبها نبذ التشيع بين الناس، وإلغاء الملكية الفردية، وإشاعة كل ما يحيط بالإنسان ما عدا النساء. كذلك تجدر الإشارة إلى حركة راهب كوستور في القرن 17، أي في القرن الذي بدأ فيه انتعاش البكتاشية في البلقان. لقد نادى هذا الراهب بدين تصالحي بين الإسلام والمسيحية، يعتمد على خليط منتخب ومتجانس من الديانتين. إلا ان هذه الدعوة جوبهت برفض الطرفين، اللذين حاول توحيدهما. فقد كفرته الكنيسة من ناحيتها وطردته من حظيرتها، كما أن السلطة التركية لم تتقاعس عن مقاومته وملاحقته.
هذه الظروف تتيح لنا أن نتفهم كيف أن البكتاشية، حين انتقلت إلى البلقان، وجدت وسطاً مهيئاً للاحتفال بها.
لقد انتشرت البكتاشية في ألبانيا كما لم تنتشر في أي مكان في البلقان أو في العالم. ويرتبط دخول البكتاشية إلى ألبانيا بشخصية غريبة هي سرسم علي ديديا الألباني الذي عاش في نهاية القرن 15 وحتى منتصف القرن 16. وتشير المعلومات إلى أنه كان وزيراً للسلطان سليمان القانوني (1520 ـ 1566) إلا أنه انسحب من البلاط في لحظة زهد، واعتنق البكتاشية ليعيش بعدها كدرويش في تكية الحاج بكتاش الولي. وفي عام 1550 أصبح الشيخ الأكبر في هذه التكية قبل أن يتوفى في عام 1569، وقد أوصى بكل ثروته لبناء تكية في مسقط رأسه الألباني في تيتوفا Titova إلا أن هذه البكتاشية، التي تسربت إلى ألبانيا في منتصف القرن 16، كانت مجرد امتداد للبكتاشية في طورها التركي، الذي تبدى منذ القرن 13 في الأقاليم المتاخمة للحدود في الأناضول، حيث تعايشت هناك الوثنية والمسيحية بالإضافة إلى دخول الإسلام اللاحق. وقد بقيت البكتاشية مادة خام لفترة من الزمن في ألبانيا.
ثم قامت بتفسير العبادات والتكاليف الشرعية على طريقتها الخاصة، فقد أحلت العضو من تأدية التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وغيرها. كما حللت المحرمات. وفي مقابل هذا أقامت البكتاشية تكاليفها ومؤسستها الخاصة بها. التكية، التي خلت من وجود القبلة. فاجتماعات الذكر والتذكير للمراتب المختلفة، التي تنوب عن الصلاة، كانت تتخذ شكل الدائرة، بحيث يقابل كل إنسان وجه إنسان آخر. وفي هذا يحتج البكتاشيون على الاتجاه إلى قبلة معينة «إذ ليس لك أفضل من أن تقابل أو توجه ذاتك نحو إنسان آخر». وعلى ما يبدو، لقد شجعت هذه الأمور بالإضافة إلى مناداة البكتاشية بوحدة الوجود، على دخول قطاع من المسلمين. ذلك الذي بقيت فيه رواسب المسيحية حيث وجدوا في البكتاشية حلاً نوعياً يمكنهم من الجمع بين مسيحيتهم السابقة وإسلامهم المعلن.
مع هذا بقيت البكتاشية مجرد اتجاه إخواني لم يقترب بعد من السلطة ومشاكلها. إلا أن البكتاشية سرعان ما ستشهد تطوراً حاسماً في العقد الثالث من القرن 19، ذلك الذي شهدت فيه البكتاشية تحولاً حاسماً في اتجاهين: سقوطاً في تركيا وانبعاثاً في ألبانيا.
ويرتبط انبعاث البكتاشية في هذه المرحلة بوجه ألباني بارز هو الباب كمال الدين شميمي ويذكر عنه أنه كان أستاذاً في مدرسة سنية قبل أن يتحول للبكتاشية، وقد عاش لفترة في تكية الحاج بكتاش ثم عاد مع رفيق له إلى مدينة كرويا Kruja الألبانية. حيث أقاما هناك تكية للتبشير وقد تجول بعدها طولاً وعرضاً في ألبانيا للتبشير بالبكتاشية. قبل أن يحالفه الحظ في ألبانيا الجنوبية. حين أعلن علي باشا تبلانا A.P. Tepelana بكتاشيته على يد كمال الدين.
ويمكن أن يؤخذ اعتناق علي باشا للبكتاشية على كونه يشكل انعطافاً ذا مغزى بالنسبة للبكتاشية في تطورها اللاحق الأيديولوجي والتنظيمي. فمن المعروف أن علي باشا عمل على توطيد إدارة محلية تعترف بسلطته في ألبانيا الجنوبية والوسطى، ومن ثم دخل في صراع مع السلطة التركية لانتزاع اعتراف من اسطنبول بالكيان الألباني. وربما يكون علي باشا قد وجد في البكتاشية، التي تنادي بالثأر من السلطة التركية، احتياطاً له يمكنه من أن يعلن حربا ًقومية ودينية في آن واحد ضد اسطنبول. ومن هنا يمكن اعتبار علي باشا أول من استثمر البكتاشية في خدمة الميل القومي الألباني الذي يهدف إلى الانفصال عن تركيا. ومن الطبيعي حينئذٍ أن تشهد البكتاشية تفتحها الألباني في عهد علي باشا، إذ نجد أن التكايا البكتاشية أخذت من حينها تغطي المدن الألبانية هنا وهناك في ألبانيا الجنوبية أولاً، ومن ثم صعوداً نحو الوسط والشمال. وقد هدف هذا الانتشار إذن إلى تشكيل قاعدة شعبية مناهضة للسلطة التركية.
إلا ان علي باشا هزم أخيراً في 1822 أمام الجيوش التركية التي أحاطت به من كل جانب، وقد أعقب هزيمة علي باشا قيام السلطان التركي بإجراء تصفية عنيفة للبكتاشية. وعلى حين أن تصفية البكتاشية جاءت قاصمة في تركيا، تمكنت البكتاشية في ألبانيا من أن تنقذ نفسها بالتجائها إلى الجبال، قبل أن تعود ثانية مستغلة ضعف السلطة التركية.
لقد أدى بطش السلطة التركية بالبكتاشية في ألبانيا إلى صدع عميق بين الطرفين، إذ أن تكفير السلطة التركية للبكتاشية واعتراضها على انتساب البكتاشية للدين الرسمي للدولة وبالتالي مقاومتها للبكتاشية أينما كانت، دفع بالبكتاشية إلى ان تجد نفسها في المعارضة، بل وفي زعامة المعارضة، التي استعادت من حينها زمام المبادرة للمقاومة الطويلة للوجود التركي. لقد أدى هذا أيضاً إلى أن تشهد البكتاشية تفتحاً ألبانياً، بحيث تتميز به تماماً عن البكتاشية التركية. وقد جاء هذا التحول في لحظة أخذ فيها الحس القومي الألباني يطغى على كل شيء، مع وضوح خطر تقسيم وابتلاع الأراضي الألبانية.
لقد أنتج هذا الشعور بالخطر جيلاً جديداً من البكتاشيين، الذين ارتبطت مصالحهم أكثر فأكثر بحركة الاستقلال القومي، وبالتالي أرادوا للبكتاشية أن تأخذ قلباً وقالباً ألبانيين، كي تتمكن من قيادة حركة الاستقلال القومي. ومن هذا الجيل يمكن الإشارة إلى الأخوة فراشري Frasheri (نعيم ـ سامي ـ عبدل).
لقد عمل نعيم فراشري (1846 ـ 1900) كثيرا ًعلى إقناع الآباء البكتاشيين في أن الألبانيين بحاجة إلى شيخ أكبر ألباني يتلقى منه الآباء تعاليمهم، لا أن يذهبوا إلى تكية الحاج بكتاش التركية لكي ينالوا من هناك التوجيهات والتعليمات. كذلك فإن ن. فراشري ساهم في إعطاء الإيديولوجية البكتاشية امتداداً اجتماعياً. يتناول ما هو معلق من المشاكل الاجتماعية. بحيث يسمح بتحول البكتاشية إلى إيديولوجية معاصرة لوقتها، إلى إيديولوجية الثورة البرجوازية القومية.
أما عبدل فراشري Abdul Frasheri فقد حاول من ناحية أخرى أن يضمن للبكتاشية وجوداً في زعامة الانتفاضة المسلحة التي كانت على وشك أن تنطلق مع عام 1878. وقد أدّى اقتراب انعقاد مؤتمر برلين حينئذٍ إلى تعاظم الخوف من ابتلاع جديد للأراضي الألبانية. ولذلك عقد زعماء الحركة القومية تحالف بريزرن Lidhja E Prizrinit في 10 يونيو (حزيران) 1878 لدرء خطر التقسيم. وقد زرع فراشري بعد انفضاض جلسة 10 حزيران عدداً من التكايا البارزة. وتمكن بمساعدة بابا علوش من استمالة غالبية الآباء البكتاشية إلى إيديولوجية معاصرة لوقتها إلى الانضمام للانتفاضة المسلحة.
وقد ساهم أيضاً سامي فراشري (1850 ـ 1903) بدوره في تحويل البكتاشية عن سكتها الضيقة. وبالتالي في تعبئتها بمادة أيديولوجية جديدة. تمثل في روحها تطلعات البرجوازية الألبانية الناهضة. ويبدو هذا في كتاب س. فراشري الشهير «ألبانيا: ماذا كانت وما هي اليوم وكيف ستكون؟» 1897، الذي أراده س. فراشري أن يكون برنامج عمل لحركة الاستقلال القومي. ففي هذا الكتاب تبدو بكتاشية سامي الألبانية التي امتصت منها الآن الروح الدينية، في الفصل المتعلق بتنظيم الأديان في ألبانيا المقبلة. في هذا الفصل يستعرض س. فراشري تنظيم الأديان حيث ينتهي إلى أن يربطها بوزارة المعارف أو العدل، ويضيف س. فراشري في موضع آخر أن رؤساء الأديان في ألبانيا، أي المفتي الأكبر للمسلمين والبطريرك للأرثوذوكسيين ورئيس الأساقفة للكاثوليكيين سيكونون موضع احترام، ولكن لن يتدخلوا إلا في أمور العقيدة».
لقد كدنا نغفل هنا أن هذا التطور الإيديولوجي للبكتاشية الألبانية، جاء موازياً لتطور آخر لحق البكتاشية، في امتدادها الألباني، من الناحية التنظيمية، فالبكتاية، في طورها التركي، لم تكن أكثر من إخوانية، على حين أن البكتاشية، في تفتحها الألباني، ستتحول إلى حزب سياسي له تطلعاته في سيبيل سلطة ودولة خاصة به. ولقد كان من الطبيعي أن تتخذ البكتاشية هنا طابع الحزب المراتبي، الذي تتدرج فيه رتبة العضو ودرجته تبعاً لأقدميته ونسبة ولائه والتزامه. وقد اتخذ تدرج المراتب هنا الشكل التالي: عاشق ـ محب ـ درويش ـ مجرد (متفرغ في التعبير الحزبي الحديث) ـ بابا ـ خليفة ـ مساعدة الشيخ الأكبر ـ الشيخ الأكبر.
ولقد دخلت البكتاشية هنا بعد اكتمال تطورها الأول. في معركة أخرى لتوضيح ذاتها، ألا وهي معركة اللغة والأبجدية. لقد اتخذت البكتاشية منذ البدء موقفاً صارماً فيما يتعلق بالتمسك باللغة الألبانية وعدم استبدالها بالتركية. كذلك فإن البكتاشية ساهمت بدورها في معركة اختيار الأبجدية الألبانية. والمثير أن الآباء البكتاشيين رحبوا لفترة بالأبجدية العربية، إلا أنهم عادوا وانقلبوا عليها وطالبوا عوضاً عن ذلك بالأبجدية اللاتينية. وبقوا متمسكين بإصرار على ذلك إلى أن سادت الأبجدية اللاتينية. وقد تم هذا طبعاً بعد التطور الأيديولوجي الذي لحق البكتاشية هنا والذي رأيناه سابقاً.
وعلى نطاق آخر، تمكّنت البكتاشية أن تزيد درجة نفوذها بعد قيامها بالتعاون مع حركة «تركيا الفتاة»، في اتجاه قلب السلطان عبد الحميد الثاني. وقد كان هذا التعاون مرشحاً للبروز وذلك للتقارب بين الحركتين. ولا سيما أن بعض زعماء «تركيا الفتاة» (لعت باشا ـ أحمد رضا..) كانوا ينتمون إلى البكتاشية..
ولكن مع هذا الانتصار الذي حققه الطرفان في ثورة 1908، فإن البكتاشية ستجد نفسها مقصرة عن الوصول إلى الإمساك بالسلطة واستخدامها لصالحها. وفي جملة ظروف لاحقة عصفت بألبانيا، اندفعت كافة القوى السياسية الألبانية، ومن جملتها البكتاشية، إلى أن تصيغ تحالفاً سريعاً أعلنت بواسطته استقلال ألبانيا في 28 تشرين الثاني 1912، ذلك الذي بقي معلقاً إلى أن اعترفت به الدول الكبرى في 13 يوليو (تموز) 1913.
ومع أن الدستور المؤقت لم يتناول صراحة وضع البكتاشية في ألبانيا، إلا أن الخط الدستوري الذي نتج عن مؤتمر لوشني 1920 اعترف بالبكتاشية كطائفة مستقلة. وقد سن حينئذٍ هذا المؤتمر تقليداً يقضي بإنشاء مجلس أعلى يحمل مهام رئاسة الدولة، وقد نص هذا التقليد على انتخاب أربعة أعضاء يمثلون الطوائف الأربع المعترف بها في ألبانيا وقتئذٍ: الطائفة الإسلامية، البكتاشية، الكاثوليكية، الأرثوذكسية. والإحصائية الوحيدة التي في أيدينا تشير إلى ان عدد البكتاشيين، غداة هذا الاعتراف، وصل إلى 300 ألف. أي ما يعادل 25% من سكان ألبانيا في ذلك الوقت.
محمد موفاكو
أستاذ في فرع الاستشراق
جامعة برشتنا ـ كوسوفو
الحاج بكتاش ولي
والطريقة البكتاشية
وعن هذا الموضوع كتب توفيق سبحاني وقاسم أنصاري في منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية لجامعة تبريز ما تعريبه عن الفارسية وما قلناه عن عقيدة البكتاشية في المقال السابق نقوله هنا:
إن المعلومات عن الحاج بكتاش ولي محدودة ومقرونة بأساطير ليس لها قيمة تاريخية، وهذا ما يجعل الوصول إلى الحقائق صعباً.
إسمه ولي وهو من أهالي مدينة نيسابور، والده السيد إبراهيم الثاني ووالدته خانم إبنة الشيخ أحمد أحد علماء مدينة نيسابور. قالوا إنه وُلد في نيسابور وسُمّي أيضاً بالبكتاش الرومي. يقول بعضهم إنه وُلد سنة 605 هجرية، والبعض الآخر يقول سنة 645 وجماعة أخرى تقول إنه وُلد سنة 646 هجرية. يُقال إنه كان من كبار العرفاء والصوفية وهو من السادات الكاظمية، تتلمذ على الشيخ لقمان الخراساني واقتبس الأنوار الباطنية منه ويعتقد بعضهم أنه «شبه أسطورة». ويعتقد البعض الآخر أنه «مشوب بالأسطورة».
كتبوا عنه أنه ذهب في البداية إلى الخواجة أحمد اليسوي وبأمرٍ من مرشده ذهب إلى بدخشان واشتغل بالجهاد هناك ثم عاد إلى خراسان ومنها سافر إلى النجف وبقي هناك أربعين يوماً ثم ذهب منها إلى مكة المكرمة ومن مكة إلى بيت المقدس وزار المسجد الأقصى وتربة الأنبياء ثم سافر إلى دمشق وحلب ثم منها إلى بلاد الروم)[472]( وأقام فيها. يقول بعضهم إنه توفي سنة 697هـ والبعض الآخر يقول إنه توفي سنة 738 وتقول جماعة أخرى إنه توفي سنة 740 وجاء في مصدر واحد أنه توفي سنة 669. أما المصادر الاخرى فقد ذكرت الأرقام نفسها التي ذكرناها ولم تعطنا معلومات إضافية جديدة.
لا يخفى أن من المناطق الجغرافية التي كانت مكان وعيه وتدريسه وتعليمه وازدهار طريقته في آسيا الوسطى هي منطقة الأناضول أي القسم الأكبر من تركيا الحالية. وعلى هذا الأساس فمنذ القدم جرت تحقيقات ودراسات في تلك الديار حول حياة هذا الرجل وشخصيته وطريقته. وأن تلك التحقيقات كانت بالغة الأهمية والاعتبار لمعرفة تاريخ حياة هذه الشخصية الإيرانية. من أقدم المصادر التي أشارت إلى الحاج بكتاش هو كتاب «مناقب العارفين» تأليف أحمد الأفلاكي الددة، كتبها بين السنوات من 718هـ إلى 754هـ عن حياة المولوي جلال الدين الرومي وأسرته.
يقول الأفلاكي إن الحاج بكتاش كان معاصراً للمولوي (جلال الدين الرومي).
يقول عاشق باشازاده ـ علاء الدين علي ـ من المتصوفة ومن الشخصيات التاريخية الهامة المولود في مدينة (آماسية) التي كانت مكان إقامة الحاج بكتاش فترة من الزمن ـ يقول إن مولد الحاج بكتاش كان في خراسان ويقول إنه جاء من خراسان إلى سيواس وإن شقيقه «نتش؟» استشهد في هذه المدينة وإن الحاج بكتاش توجّه من هناك إلى آماسية ومدينة القير.
يقولون أن نَسَبه كبقية أصحاب الطريقة يتصل بالرسول الأكرم. وقد قلنا من قبل إنه من ذرية الإمام الكاظم (المتوفى سنة 183 هجرية). وكونه من أهالي خراسان يؤكد أنه من الطائفة الملامتية. وكان تلميذ الخواجة أحمد اليسوي.
تختلف المصادر المختلفة في تاريخ ميلاد وتاريخ وفاة الحاج بكتاش. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كتبه الأفلاكي لقدمه وإذا قبلنا أن الأفلاكي يتبع أسلوب المؤرخين الأخرىن ويشير ويتحدث في كتابه عن الذين ماتوا، يبدو أن الحاج بكتاش توفي قبل سنة 718 هجرية سنة تأليف كتاب مناقب العارفين وأن سنة 738 هجرية التي يعتبرها بعضهم سنة وفاة الحاج بكتاش هي من تصانيف الحروفية لتكون مساوية في حساب الجمل مع كلمة «بكتاشية» إذاً فإن سنة وفاته قد تكون في 669 هجرية أو بعدها ببضع سنوات. وأن سنة ميلاده حسب قول نهاد سامي قد تكون سنة 605 هجرية وهي أقرب إلى الحقيقة. وبهذا فإن الحاج بكتاش يكون قد عاش 64 سنة. ولا توجد وثيقة تؤكد لنا أن الحاج بكتاش هو مؤسس الطريقة، ويقال إنه من «البابائية» ومن أتباع «الوفائية» [وهي من الفرق المتفرعة عن الشاذلية في مصر].
في تلك الأيام كانوا يسمّون أتباع كل شيخ كبير باسم ذلك الشيخ. كما أن أتباع «البابا الياس» كانوا يسمونهم «البابائية» وأتباع «الصاري صالتق» بـ «الصالتقية» وأتباع «برك بابا» بـ«البركية» وكذلك أتباع «يونس أمره» بـ «الأمرية». وربما كانوا يسمون أتباع الحاج بكتاش في البداية بـ «البكتاشية» وأن هذه التسمية أطلقت على تأسيس هذه الطريقة.
إن شخصية الحاج بكتاش التاريخية وتاريخ تأسيس الطريقة البكتاشية والأراضي التي انتشرت فيها وكذلك ماهية هذه الطريقة قد تبينت بعد التحقيقات الوافية التي تمت بهذا الشأن. وإثر الدراسات والتحقيقات التي أجراها ج ـ جاكوب أثبتت عدم صحة نظريات بعض العلماء الغربيين.
إن هذه الطريقة نشأت في الأمبراطورية العثمانية في القرن الثامن الهجري وكانت في القرون بين التاسع والثالث عشر الهجرية تتمتع بنفوذ ديني وسياسي واسع ولكنها اضمحلت في عهد السلطان العثماني محمود الثاني مع جمعية «اليني جري» ثم عادت وبدأت نشاطاتها في عهد السلطان عبد العزيز واستمرت في نشاطاتها إلى ان ألفت الجمهورية التركية الطرائق في البلاد.
في القرن الثامن الهجري تشاهد الطريقة البكتاشية تزاول نشاطاتها جنباً إلى جنب الطرق الأخرى مثل الحيدرية والقلندرية والإبدالية. وكانت هذه الطريقة في القرنين التاسع والعاشر الهجريين العقيدة الرسمية «اليني جري»، وبعد أن كسبت نفوذها وقدرتها أصبحت رسمياً مشمولة بالدعم الحكومي وسُمّيت بأسماء مختلفة وانضمّت إليها الفرق الباطنية الأخرى التي لا تختلف عنها في المبادئ والعقائد. انتشرت هذه الطريقة في القرن الثامن الهجري في الأناضول الغربي بين الجنود والمقاتلين والجماعة التي كانت تسمى «مجاهدي الروم». وانتشرت في البلقان بواسطة الفاتحين في الأمبراطورية العثمانية. وعن طريق سواحل تونا انتشرت في ألبانيا وفيما بعد تأسست لها خانقاهات كثيرة في تلك البلاد. إن هذا الانتشار لعب دوراً هاماً في اعتناق سكان شبه جزيرة البلقان الإسلام وكذلك في انتشار وازدهار الطرق الأخرى. وتشير المصادر التاريخية والأدبية والرحلات إلى أن مرشدي أصحاب البدع مثل صاري صالتق وعثمان بابا قاموا بنشاطات واسعة في نشر الطريقة البكتاشية وأن أوليا الكلبي جمع وسجَل بعض أعمالهم وعاداتهم التي تلقاها من أفواه الناس ومن بعض كتب المناقب. وتشير كتابات الجلبي إلى انه في القرن الحادي عشر الهجري دخل جماعة من الدراويش المبشرين، الذين لم تكن بينهم وبين بكتاش والبكتاشية صلة ـ دخلوا خانقاهات البكتاشية وفي القرن نفسه انتشرت الطريقة البكتاشية في أغلب بلدان الأمبراطورية العثمانية لا سيما في الأناضول والروم الشرقية وانتشرت في ألبانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين. وعلى هذا الأساس يجب القول إن النظرية التي كانت تعتبر حتى الآن صحيحة وهي أن البكتاشية انتشرت في ألبانيا بواسطة «تبه دلنلي علي باشا» لا أساس لها من الصحة. إن بطلان هذه النظرية أصبح مؤكداً بعد انتشار كتاب أوليا الجلبي. إن الطريقة البكتاشية لم تزدهر في شبه جزيرة البلقان وبصورة عامة وراء حدود الأناضول كما كان المتوقع لها والسبب في عدم ازدهارها ربما كان لأنها طريقة تركية لذلك انتشرت في العراق ومصر بين الأتراك الموجودين فيهما وبسبب عدم التناسق مع العادات والتقاليد في البلدان الأخرى فإنها لم تزدهر بين الناس مثل الطرق الأخرى. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الحاج بكتاش وكان من أتباع الباب إسحاق فإنه يمكننا القول إنه كان يبشّر بالعقائد الباطنية.
إن المصادر الموجودة والقريبة من عصره والشروط الدينية في ذلك العصر والازدهار الذي حققته البكتاشية في العصور الأخرى تؤكد هذه النظرية، ومما ذكروا عن علاقات الحاج بكتاش مع أوائل السلاطين العثمانيين والتأثير الذي تركه بصفته مرشداً لتشكيل جماعة «اليني جري» كلها من ابتداعات القرن التاسع الهجري وهي من الناحية التاريخية لا حقيقة لها. وأن هذه الرواية التي تقول إنه تنبأ بمجيء العثمانيين إلى السلطة وبشّر بها وإنه ألبس عثمان الغازي السيف ووضع التاج على رأسه كلها من ابتداعات منتصف القرن التاسع الهجري بعد أن كسبت البكتاشية القدرة داخل الأمبراطورية العثمانية فهي كلها مزيفة.
إن جميع شرائع وأركان ومبادئ الطريقة البكتاشية قد تكوّنت في القرن التاسع الهجري وقبل «باليم سلطان» المؤسس الثاني للبكتاشية. وأن الإدعاء القائل بأن عقائد الحروفية في القرن المذكور قد اندمجت مع عقائد البكتاشية وأن ماهية هذه الطريقة قد تبدلت وأصبحت عقيدة باطنية بعضها مقبول وبعضها مرفوض. علماً بأن الحروفية)[473]( كانت منتشرة في جميع أنحاء الأناضول في القرن التاسع الهجري وأن نفوذها امتد حتى إلى بلاط السلاطين في عهد السلطان مراد الثاني وبداية حكومة السلطان محمد الفاتح. إلا أنه بعد أن قرر محمود باشا الوزير وفخر الدين العجمي ملاحقة الحروفيين بشدة اندمجت الحروفية بالبكتاشية للمحافظة على كيانها وبعد هذا الدمج استمرت بالدعاية لعقائدها والعمل على نشرها. وبعد محاولة اغتيال السلطان بايزيد الثاني بدأت الحكومة بملاحقة الدراويش الذين كانوا يسمن Torlak أو TSLK بشدة وأدّت هذه الملاحقة إلى ان تنضم هذه الفرقة إلى البكتاشية أيضاً. وبسهولة يمكن الحدس والاستنتاج أنه قبل هذه الحوادث قد تكون فرق مختلفة أخرى قد انضمت إلى الفرقة البكتاشية. كان للطريقة البكتاشية منذ تأسيسها ماهية إبداعية وكانت لا تختلف مع الفرق الأخرى من الناحية العقائدية. وإذا كان بعضهم يدّعي بأن البكتاشية كسبت هذه الخصائص من الحروفية فإن مثل هذا الادعاء من الناحية التاريخية غير مقبول ومرفوض تماماً.
ذكرنا أن المرحلة الثانية للبكتاشية بدأت مع «باليم سلطان» (المتوفى سنة 922 هجرية). إن هذا الرجل البارز الذي يعتبره البكتاشيون حقاً المؤسس الثاني لطريقتهم، قد أوجد بدعاً في شريعة هذه الطريقة وبمبادئها وأعطى تنظيماً خاصاً للشؤون الداخلية في الخانقاهات كما أعطى الجماعات الصغيرة التي كانت آنذاك تعيش في زي طوائف مذهبية في أطراف الخانقاهات الموجودة في القرى والقصبات ـ أعطاها تنظيماً على شكل مجموعات دراويش عُزّاب على أن لا يتزوج هؤلاء الدراويش أبداً وأن يعيشوا في الخانقاه ومن أجل أن يعرفوا بأنهم العُزّاب كانوا يعلقون حلقات حديدية في آذانهم ورغم أن شريعة هؤلاء الدراويش العُزّاب كانت في البداية تشبه شريعة الرهبان المسيحيين فإنه يمكن مشاهدة ذلك وقبل هذا في الطريقة القلندرية التي كانت لها علاقات كثيرة مع البكتاشية كما يمكن مشاهدة نماذج من أفكارهم الصوفية بين الزهاد في القرون الإسلامية الأولى.
على أي حال فإنه بعد الإصلاحات التي أنجزها باليم سلطان، حصلت منافسة عنيفة بين المشايخ الذين كانوا يعتبرون أنفسهم من ذرية الحاج بكتاش (وأصبح إسمهم بعد ذلك الجلبية) وبين الجماعة التي كانت تعتبر نفسها من أتباع طريقة الحاج بكتاش ومن أتباعه الحقيقيين وكانوا يرفضون الإصلاحات التي قام بها باليم سلطان وكان هؤلاء يسمون (البابا). إن طوائف القزلباش المقيمة في الأناضول وفي روم إيلي كانت تتبع بصدق جميع المبادئ الشرعية للتشيع وكانت بينهم وبين الجلبية وحدة وتضامن قويان. ولكن خانقاهات «البابا» كانت المراكز الرئيسية للطريقة وكانت السلطة والنفوذ في يدها في المدن والقصبات وفي العصور التالية عجزت الخانقاهات عن المحافظة على أنظمتها القديمة وتبعثرت وتأسست مكانها خانقاهات كان منصب الشيخ فيها وراثياً ينتقل من الأب إلى الإبن.
الطريقة البكتاشية حالها حال الطرائق الباطنية الأخرى كانت منتشرة وموزعة لا في مراكز التسنن الكبرى وفي الطرق السنية بل كانت تستفيد من دعايات قوية جداً بين القرويين وبين القبائل الرُحّل وبين الطوائف التي تعيش على الحدود وهي التي كانت إلى حدٍ ما بعيدة عن التأثر السُنّي. إن هذه الطريقة لم يكن لديها ملاك قاطع واضح منسجم كي يكون لها انتشار ناجح أو كي تحصل على أتباع لطريقتها في مجالات مختلفة بل على العكس كانت قد جعلت ملاك دعاياتها خليطاً من العقائد الغامضة والكلية والقابلة للتفسير وإذا نظرنا نظرة اهتمام إلى الأوضاع الدينية في الأناضول وفي روم إيلي والحوادث الجارية بين الباطنيين في القرون السابعة حتى التاسعة الهجرية من مختلف نواحيها ندرك أن كل طريقة ترغب في أن تجمع حولها أتباعاً يكونون ملتزمين بنوع من الأصول لها روح واسع سمح بحيث لا تبدو هذه الأصول غريبة على أصحاب العقائد المختلفة. إن سبب انتشار البكتاشية منذ تأسيسها بين جماعة من المسلمين والمسيحيين البسطاء هو هذا السبب. وباعتبار البكتاشية أيضاً عقيدة دينية كانت تلائم نفسها مع الزمان وحصلت على ماهية تسمى ابن الوقت.
يمكننا في هذه الطريقة مشاهدة علامات مختلفة من الأديان والطرق الأخرى. مثل أنواع التطرف الباطني الذي يسميه علماء الكلام الإسلاميون (الغلو)، والتعابير الصوفية للطائفة التي تسمى القلندرية الذين اقتبسوا عقائدهم من الطائفة الملامتية في خراسان ومفهومها البسيط وهو وحدة الوجود تلك التي ظهرت بتأثير محي الدين العربي في الأناضول في القرن السابع الهجري، وعلامات الشمنيزم التركي التي كانت منشرة بين القبائل التركية الرحالة وكذلك معتقدات الحروفية من القرن التاسع وما بعده. تشاهد هذه العلامات كلها بوضوح في الطريقة البكتاشية. إن هذه العقائد المختلفة التي تشكل مبادئ وأصول الطريقة البكتاشية لم تظهر على شكل مجموعة متناسقة وثابتة وكانت دائماً على شكل مزيج من العقائد غير المنسجمة.
إن سرّ نجاح البكتاشية، حالها في ذلك كحال بقية الطرائق الباطنية هو تقسيمها إلى مراتب ومناصب مختلفة وحسب معلومات كل سالك توجد تعليمات وأوامر معينة ولكل مريد معيار خاص حسب إدراكه ولياقته وأهليته وأن هذا الاضطراب والتشتت قد مُزج بشكل من الغموض في المبادئ الثلاثة «الله ومحمد وعلي» وفي بعض تطرفاتهم ما يجعلهم يقتربون من طائفة «العلي اللاهية».
إن بعضهم يدّعي وجود نوع من التشابه في العقائد المحلية بين البكتاشية والقزلباش ولكن هذا الادّعاء غير صحيح كما أن ما يعتقده بعضهم من أن البكتاشية متأثرة بالمسيحية نظراً لوجود بكتاشيين من أصول مسيحي ونظراً للتشابه بين الشريعة والآداب والتقاليد البكتاشية والمسيحية، هو إغراق في الخطأ.
بقيت كتب من البكتاشية يكشف محتواها بعض النقاط في هذا المجال. يُنسب إلى الحاج بكتاش كتاب باللغة العربية إسمه «المقالات». وأصل الكتاب غير موجود وربما كان قد فُقد ولكن حسب الترجمات الموجودة عن هذا الكتاب فإن الكتاب يحتوي على أربع فصول وهي: فصل الشريعة وفصل الطريقة وفصل الحقيقة وفصل المعرفة. وفي كل فصل يتحدث المؤلف عن الموت، أحوال الضمير، التصوف، الزاهد العارف والمُحب. كما يثني على منزلة الإنسان ومرتبته. خلال ترجمة الكتاب لا تجد من مبادئ البكتاشية وشريعتها أو بالأحرى مبادئ «البابائية» إلاّ قليلاً. أقدم التأليفات التي توجد فيها مبادئ البكتاشية هي الكتب التي تسمى «أركان نامه» ومن الناحية الزمنية فإن أقدمها ليس قبل القرن العاشر الهجري. وعدا كتب «الأركان نامه» فهناك كتاب مؤلفه مجهول ولكن نوع الخط والورق يعود إل القرن الثامن الهجري. وهذا الكتاب هو خلاصة «المقالات» وفيه معلومات عن الخرقة، شريعة السقاية، شدّ الزنار، التكبيرات الأربع، الأذان، اللّبد. وفي الترجمة الشعرية التي أجراها سعيد أمره من كتاب المقالات توجد بعض المعلومات عن هذه الطريقة. ويبدو من محتويات هذه الرسالة أن الأركان والمبادئ الأولية للبكتاشية تشبه مبادئ الفرقة «(الإلهية)، وهم من (العلي اللاهية) المتطرفين [من أتباع آهي أورن]. ويظهر أن البكتاشية في بداية تأسيسها قد وقعت تحت تأثير الإلهية.
امتزاج الشريعة البكتاشية مع الطائفة التي كانت تسمى «أبدال الروم» توجد في المصادر التاريخية حيث كانوا يسمون البكتاشية بـ«أبدال بكتاشي». وتوجد الحكاية التالية في كتاب «ولاية نامه» الذي تم تأليفه في سنة 844 هجرية:
ذهب الحاج بكتاش ذات يوم لزيارة مرقد «السيد غازي» [شيخ طريقة أبدال الروم]. وقف أمام قبره ونظر إلى مزار السيد وقال: السلام عليك يا أيها العظيم من أسرتي. وسمع جواباً يقول: عليك السلام يا مدينة العلم.
إن هذه الكتابات والحكايات تؤكد العلاقات بين الأبدال والبكتاشية. ووجدنا في بعض كتب «ولايت نامه» العلاقات بين الآهية والحاج بكتاش. وتوجد في ولايت نامه معلومات عن شدّ عصابة الله أكبر، الخرقة، تقصير شعر الرأس التي تستعمل في مراسيم البيعة.
«خليل وحدتي ددة بابا» المتوفى سنة 1060 هجرية الذي عاش أكثر من 90 سنة وكان في البداية من أنصار وأتباع «سرسم علي بابا» والتحق في سنة 1038 بالطريقة البكتاشية يصف في أحد أشعاره سُنة الضروب الأربعة الموجودة في شريعة البكتاشية وهي من شعارات القلندرية. أن سُنة الضروب الأربعة موجودة أيضاً في الكتاب المعروف باسم «مناقب الخواجة جهان ونتيجة الروح المنسوب إلى «واحدي» والذي تم تأليفه في الأيام الأولى من شهر صفر سنة 929 هجرية. «كما يقول سوز أبدال» المولود سنة 800 هجرية أنه يشير في إحدى أشعاره في كتاب «رسالة دلكشا» إلى وجود التشابه بين سُنة تحليق الشعر في الطريقة القلندرية والطريقة البكتاشية. وقد يبدو أن الطريقتين اكتسبتا هذه العقيدة من الآية الشريفة «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحارم إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً». ولكن كما يبدو من كتاب «مناقب الخواجة جهان ونتيجة الروح» أن الأبدال والقلندرية، الحيدرية والجامية، الأدهمية والشمسية، تشبه البكتاشية تماماً من ناحية العقيدة والتقاليد والشكل الظاهري بحيث إنه منذ القرن الحادي عشر وما بعد ذلك فإن جميع هذه الطرائق كسبت إسم البكتاشية. وأن البكتاشية عن هذا الطريق ورثت جميع عقائد الفرق المذكورة.
إذا كان قطب الدين حيدر الذي يتحدث البكتاشية عنه بكثرة هو نفس قطب الدين الحيدري الذي أسس إحدى فرق الطريقة القلندرية وتوفي سنة 618 هجرية فيتضح مدى الصلة بين القلندرية والبكتاشية وأن هذه العلاقة بلغت إلى درجة بحيث إن أسماء هاتين الفرقتين تأتي مترادفة الواحدة مع الأخرى في العصور التالية.
إن البكتاشية ينسبون تدوين مبادئ طريقتهم إلى باليم سلطان ويعتبرونه ثاني شيخ لهذه الطريقة. إن هذه المبادئ تتكون من مزج عقائد الفرق المذكورة والخلط مع عقائد الفرقة الحروفية. «الترجمان» الذي يُقرأ في مراسيم «سُنة الجمع» متأثر من «فتوت نامه» المعمولة والجارية في طريقة «الإلهية». «ترجمان المصباح أو السراج» هو أحد أنواع أشعار عماد الدين النسيمي. «ترجمان المقام» يشير إلى عقائد الحروفية. وأن جميع هذه المبادئ تذكرنا بعقائد العليلاهيين المتطرفة.
هناك أدلة تؤكد أن الشريعة البابائية المستوحاة من المبادئ والشريعة الملامتية خاصة ملامتية خراسان، قد وافق عليها الحاج بكتاش وقبلها وبعد مرور فترة طويلة من الزمن امتزجت مع مبادئ التكايا وتأثرت من عقائد الفرق الأخرى وترعرت ونمت وازدهرت أضيفت إليها زوائد أخرى وظهرت بصورة أساسية في عهد باليم سلطان أي منذ القرن التاسع الهجري.
يبدو من ولايت نامه وسلسلة نامه البكتاشية أن هذه الطريقة وبعد الحاج بكتاش وصلت إلى الجلبيين وأن باليم سلطان هو أيضاً من الجلبيين. كان بين الحاج بكتاش وباليم سلطان أربعة أشخاص. بعد باليم سلطان، أخوه «قلندر جلبي» قُتل في عهد السلطان سليمان القانوني سنة 935 هجرية بسبب إثارة ثاني تمرد للبابائية. وبعد هذا الحادث فقد الخانقاه نفوذه المعنوي فترة من الزمن. وبعد ثلاث وعشرين سنة من وفاة قلندر جلبي تأسس في خانقاه الحاج بكتاش وبالتعاون مع الجلبيين منصب أو درجة باسم «ددة بابا» وأضيفت هذه الدرجة وهذا المقام إلى هذه الطريقة بواسطة أحد أتباع باليم سلطان واسه «سرسم علي بابا». وأثر هذه التعدية فإن أمور الأوقاف انتقلت إلى الجلبيين مرة أخرى ولكن الـ«ددة بابا» كانوا يحتلون أعلى منصب في هذه الطريقة. ويمكن القول بان هذا النظام متأثر بالطريقة المولوية. وعلى هذا الأساس فإن السلطة المركزية في الطريقة البكتاشية انقسمت منذ القرن العاشر الهجري إلى قسمين.
أي أن المبادئ التي كان قد وضعها باليم سلطان وفصل بها العلويين عن البكتاشيين والدده بابائية أكمل الجلبيون فصلها. إن العلاقات بين الجلبيين والددة بابائية كانت في بعض الأحيان ودّية ولكنها على الأغلب كانت عدائية. إن الذين كانوا يصلون إلى درجة «الجلبي» يجب أن يكسبوا الإجازة لخلافة البكتاشية من الددة بابائية. وأن العلويين الذين كانوا ساذجين ولهم عقائد خرافية وكانوا تحت تأثير الصوفيين ولا يعترفون بالسلاطين العثمانيين حكاماً شرعيين وكانوا يتّبعون الجلبين والددة بابائية. أي بعبارة أخرى كانوا يحافظون على المبادئ القديمة ولكن البكتاشيين ما كانوا يعترفون بهم وكانوا يعتبرون أنفسهم الأتباع الحقيقيين للحاج بكتاش. منذ الزمن الذي قَبِل فيه اليني جري الطريقة البكتاشية وقاموا بالفتن والاضطراب دافع البكتاشية عنهم، ولكن السلطان حمود الثاني قضى على اليني جري وبدد البكتاشية وشنق جماعة من كبار الطريقة ونفى جماعة أخرى من البلاد وهدم الخانقاهات الجديدة وأجلس شيوخ النقشبندية في الخانقاهات القديمة وألغى الطريقة البكتاشية ولكن البكتاشية حصلوا على إجازات من شيوخ النقشبندية ووجدوا أسهل الطرق ليصبحوا شيوخاً في خانقاهات البكتاشية. وبعد السلطان محمود الثاني نُسي أمر الإلغاء تماماً وأصبح البكتاشية أحد فروع النقشبندية. وبعد مدة من الزمن، تدهورت العلاقات بين «أحمد الدين الجلبي» وبين «البابائية» ولهذا أعلن نفسه الوريث المعنوي للحاج بكتاش بل وأعلن أنه من سلالة الحاج بكتاش وأرسل مبعوثين إلى العلويين وكسب تلك الجماعة من الددة الذين لا يعتنون بمنصب الجلبيين وبهذا زاد في نفوذه. وعن هذا الطريق انقسم البكتاشية والعلوية إلى شعبة «الددة» أو كما يقول الجلبيون إلى شعبة «القاجار» وشعبة الجلبيين ـ أو كما يقول عنهم أتباع الددة أنهم مرتدّون ـ انقسموا إلى شعبة البكتاشية وسبق أن قلنا إن الحكومة التركية أغلقت في سنة 1925م جميع الخانقاهات والتكايا في البلاد كما أن الحكومة السورية أعلنت إلغاء التكايا. إلا أن خانقاهات البكتاشية لا زالت موجودة في مصر وألبانيا.
خانقاهات البكتاشية
كما هو الحال في الطريقة المولوية، ففي الطريقة البكتاشية يلعب تأسيس الخانقاه للشيخ دوراً هاماً في تعريف الطريقة بأنها طريقة منتظمة ومتناسقة. وأقدم خانقاه للبكتاشية هو الخانقاه الموجود في قرية «قره أويوك» أو «حاجيم» (الحاج بكتاش الحالية). أما تاريخ إنشائه فغير معلوم. ويبدو من ولايت نامه أنه عند وفاة الحاج بكتاش كان هناك خانقاه بسيط، وقد بنى السلطان بايزيد الأول قبة من الرصاص فوق مزار الحاج بكتاش وبنى السلطان مراد الثاني إلى جواره خانقاهاً ومسجداً. ومن الآثار التاريخية في متحف أنقرة طاسة أوقفها رجل يسمى «قليج أبدال» على بقعة الحاج بكتاش في غرة ذي القعدة سنة 925 هجرية. إن هذه العبارات مكتوبة على حاشية الطاسة، وتاريخ الكتابات الموجودة في المقبرة تعود إلى سنة 925 إلى 968 هجرية وعلى هذا الأساس فإن الخانقاه قد يكون أنشئ في القرن العاشر الهجري بعد باليم سلطان وبعد كتابة مبادئ البكتاشية. ولا شك أن الخانقاهات الأوائل لم تكن مثل الخانقاهات التي أنشئت فيما بعد. في خانقاه البكتاشية التي يسميها أتباع هذه الطريقة بـ«الحضرة» وأمام إثني عشر مقاماً الموجودة في «الميدان» [بيت السماح] يوجد إثني عشر بيتاً تغيرت فيما بعد إلى ثمانية بيوت حسب الترتيب التالي:
بيت المؤونة، بيت الحساء، بيت الخبز، بيت الضيافة، بيت الحصان، بيت البستان، بستان الددة، بيت باليم. ولكل بيت شيخ أو بابا. وكان الدراويش تحت إدارة البابا، والباباوات كانوا تحت إدارة «الددة بابا». وفي سنة 1826 ميلادية أُلغيت «بابائية الميدان أو (الددة بابائية) وحلّت محلها بابائية بيت المؤونة. ومن حيث المقام والمرتبة فإن بابا بيت المؤونة أقل من مرتبة الددة بابا ويعتبر نائبه وفي القديم وبعد وفاة الددة بابا كان يحل مكانه. إن هذا النظام كان خاصاً لخانقاه الحاج بكتاش أما في الخانقاهات الأخرى فكان يوجد بابا واحد فقط. أما دراويش الخانقاهات فإنهم حسب كفاءتهم كانوا يقومون بوظائف مثل: الزعامة، صاحب الميدان، القهوجي، صاحب الحساء، صاحب المؤونة… وإذا كان عدد الدراويش في الخانقاه كثيراً فإن كل واحد من المسؤولين المذكورين كان له خادم وإذا كان عددهم قليلاً فإن درويشاً واحداً كان يقوم بعدة وظائف. وبعض الخانقاهات كانت خاصة بالدراويش العُزّب. وبين الخانقاهات فإن أكبرها كان خانقاه الحاج بكتاش وخانقاه كربلاء وخانقاه كايقوسوز في مصر وخانقاه ديمتوقة وكان مكان كرسي الخليفة. إن تأسيس الخانقاه كان تابعاً لبعض الأصول ولكن في العصور التالية زالت هذه المحدودية بحيث كل مُجاز يصل إلى منصب البابائية وبإمكانه أن يكون لديه خانقاه أو يجعل من بيته خانقاهاً.
نظام الطريقة
توجد في الطريقة البكتاشية خمسة مناصب أو درجات، المنصب الأول هو «المحب». كل عاشق [العاشق الإنسان الذي يريد ان يدخل إلى الطريقة] ملتزم بالبكتاش ومخلص للبابا يسمى محباً. والمحب له الحق أن يشترك في الاجتماعات العامة.
المنصب الثاني هو منصب «الدرويش» الرجل الذي يعترف بالدروشة ويدخل إلى الخانقاه ويخدم الدراويش فترة من الزمن ويضع الطاقية على رأسه يسمى درويشاً. ويُعهد إلى الدرويش في المرحلة الأولى من خدمته، واجب التسويق والشراء ورعي المواشي. وبعد انتهاء الخدمة إذا أبرز كفاءة تعقد مراسم الجمع الدرويشي وفي هذه المراسم يُلبّس المحب الخرقة الدرويشية.
المنصب الثالث، هو منصب «البابا»: في حالة الحاجة إلى هذا المنصب وإثر مراجعة المحبين للددة بابا وتقديم طلب مكتوب من قبل المحبين على شكل الطومار الموقع من قبل المحبين إلى الخليفة، فإن الدرويش الذي تجتمع فيه الشروط ترفع درجته إلى منصب «البابا» ويتسلم رخصة عن ذلك. وإذا كان البابا من ذرية الرسول يشد على قبعته منديلاً أخضر اللون وإذا لم يكن من ذرية الرسول يشيد على قبعته منديلاً أبيض اللون ثم يكون واجبه تربية المحب والدرويش ولكن لا يسمح له ترفيع درجة الدرويش إلى منصب «البابائية». لأن إعطاء هذا المنصب خاص بالخليفة فقط.
المنصب الرابع هو منصب التجرد أو العزوبية. الدرويش أو البابا غير المتزوج يعترف بأنه أعزب وحسب شريعة القلندرية يحلق شعر رأسه ويثقب أذنه اليمنى ويلبس لباس التجرد والعزوبية ويشترك في مراسيم جماعة العزّاب ولا يجوز لأحد عدا العزّاب أن يشترك في هذه المراسيم.
العزّاب يضعون في آذانهم قُرطاً من الفضة أو النحاس المنقوش ولا يتزوجون ويجعلون أنفسهم وقفاً على الطريقة. وكانت مراسيم التجرد والعزوبية في البداية تقام فقط في خانقاه الحاج بكتاش وخانقاه كربلاء وخانقاه باليم سلطان. أُذن الأعزب تثقب على عتبة خانقاه الحاج بكتاش أو داخل مقبرة باليم سلطان أو في الساحة الخارجية من خانقاه كربلاء.
المنصب الخامس، هو منصب الخلافة: أن كل بابا يقدم طلباً إلى أحد الخلفاء ويُقبل هذا الطلب أو عند الضرورة يُرسل إلى البابا ترخيص ومعه سراج وراية وعلامة وبساط. يذبحون خروفاً في مراسيم خاصة يحضرها المحبّون والدراويش والبابائية والعزّاب ولكن في مراسيم جماعة الخلافة يذبحون أربعين خروفاً. وقد قللت هذه الكمية في الأزمنة التالية في هذه المراسيم، إلى خروف واحد بدلاً من أربعين خروفاً. الخليفة يشد على طاقيته أو قبعته منديلاً أسود اللون بإمكانه أن يُعلّم المحب والدرويش وأن يرفع درجة الدراويش الجديرين إلى درجة «البابا». في هذه الطريقة وعند الضرورة والحاجة بإمكان ثلاثة بابائية عُزّب وبترخيص مُوَقّع من قبلهم ان يرفعوا درجة «البابا» إلى منصب الخليفة. ولكن نظراً لعدم الحاجة إليها فإنها لم تطبّق حتى الآن. الراغب بالدخول إلى الطريقة يذبح حيواناً ثم يدفع نفقات الليلة التي تقام فيها المراسيم. وعند غروب الشمس يدخل إلى غرفة كبيرة تسمى «الميدان» ويجلس إلى جانب (الماجان) ويسمى مقام العاشق. والبكتاشية حسب تقدمهم في السلوك ـ لا حسب أعمارهم ـ يدخلون في الميدان.
البابا يقرأ «الصلوات نامه» وهذه التعويذة تحتوي على أسماء الأئمة الاثني عشر. ثم يدعو العاشق إلى جانبه ويتحدث إليه عن مشاكل الطريقة والثوب الناري… ويعلن العاشق موافقته وولاءه ثم يطرح البابا سؤالاً على العاشق عن إسم المرشد الذي يختاره لإرشاده فيذكر العاشق إسم المرشد. ويأمر البابا العاشق بأن يحترم المرشد ثم يقبّل العاشق رُكبة المرشد. ويأمر المرشد العاشق بالجلوس في مكانه. ثم يأمر البابا مسؤول السراج أن يشعل الشموع المنصوبة على الكرسي. وخلال إشعال الشموع ينشد مسؤول السراج بعض الأشعار. وهذه الكلمات يسمونها «الترجمان». في هذه الأثناء يخرج المرشد مع مريده ـ العاشق ـ من الميدان. ويتوضأ ويأمر المريد أن يتوضأ أيضاً، ويصنع المرشد خيطاً مفتولاً من صوف الخروف الذي ذبحوه في نفس اليوم على عنق المريد ويضع اليد اليمنى للمريد في يده اليمنى ثم يدخلان ثانية إلى الميدان، ويقف الإثنان في وسط الغرفة وتسمى هذه النقطة «الدار» وبعد أن يحصل على الإجازة من البابا والحاضرين يقدم التحية إلى الأبواب الأربعة وهم أصحاب الطريقة وشيوخ الشريعة وملوك الحقيقة ورجال المعرفة. ثم يأخذ المرشد، العاشق إلى البابا وهنا يطلب البابا من العاشق أن لا يفعل الأعمال الرديئة وأن يحفظ السر وأن يصون يديه ولسانه وأن يترك الشهوة. ويلقّنه قائلاً: إن مذهبك المذهب الجعفري ومرشدك هو النبي محمد وزعيمك هو علي وشيخ طريقتك هو الحاج بكتاش الولي. ثم يضع طاقية على رأسه ثم يعقد ثلاث عُقد على الحبل الموجود على عنق العاشق. عُقدتان علامة على ان العاشق يجب أن يكون مالك يده ولسانه. والعقدة الثالثة هي علامة امتناعه عن الشهوات لأنها تبعد السالك عن فعل الحرام وتسوقه نحو طلب الحلال. إن هذه العقدة أخف العقد الثلاث. وعندما يشد البابا العُقد يقول: «أدخل، واطلب من رضا مرشدك». في هذه الأثناء يأتي بالعاشق ـ الذي أصبح الآن عضواً في الطريقة وكسب إسم المحب ـ إلى وسط الغرفة ويقرأ عليه «ترجمان الإقرار»، ويحمل المريد على أن يؤدي تحيته واحترامه لمقام الشيخ وللدار والموقد والبابا ومحل الشموع وللذين يجلسون يميناً وشمالاً، وإذا كان العدد قليلاً يجب أن يؤدي تحيته واحترامه لهم فرداً فرداً وإذا كان عددهم كثيراً يؤدي احترامه للجميع. وبعد أداء التحية يُجلس المريد في المكان الذي خُصص له. ويؤدي المرشد له التحية فيرد المريد على تحيته، ثم يقدمون الشراب المحلى بالسكر للحاضرين، فيشرب كل سالك جرعة واحدة. ثم يحمل المرشد أو أحد الحاضرين مكنسةً ويبدأ بالكنس من تحت أقدام البابا. وبهذا تنتهي مراسيم الدخول إلى الطريقة. ثم يفرشون البساط ويبدأ الكلام، وفرش البساط أو السُفرة يكون مصحوباً بالطرب والغناء وتسمى سفرة المحبة وتستمر حتى ساعة متأخرة من الليل.
الصوم عندهم عشرة أيام فقط وهي الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم. وفي تلك الأيام لا يشربون الماء أبداً ويطفئون ظمأهم بتناول الأشياء الرطبة ويجتنبون أكل اللحوم والأطعمة الحيوانية.
الملابس التي تستعملها البكتاشية
القبعة (التاج): كان للبكتاشية خمسة أنواع من القبعات: أقدمها كانت قبعة لها درزان في الأعلى ودرزان في الأسفل، وهي مصنوعة من قطعتي قماش وقمتها رفيعة جداً.
وقد شوهد نموذج من هذه القبعة (التاج) في إحدى المزارات في اسطنبول وفي منمنمة منسوبة إلى «كايقو سوز أبدال». في القسم الأعلى من هذه القبعة في المنمنمة توجد دروز كثيرة. إن هذه القبعة (التاج) تشبه إلى حد ما القبعة المنسوبة إلى شمس التبريزي الموجودة في متحف مولانا في (قونية). والفرق بينهما هو أن قبعة شمس مطموسة في الأعلى قليلاً. وأمام وخلف القبعة (التاج) مكتوب كملة التوحيد، ولم يشاهد مثل هذه القبعة منذ القرن العاشر الهجري وربما تكون أقدم قبعة (تاج) للبكتاشية.
النوع الثاني، القبعة المعروفة باسم (الألف الخراساني). يتألف القسم العلوي من أربع قطع من القماش وقمتها رفيعة، والقسم الأسفل مصنوع من أربع قطع من القماش على شكل مثلثات واثنتي عشرة قطعة قماش أخرى. والقماش من الصوف السميك ويمكن مشاهدة هذا النوع من القبعات في مزارين في اسطنبول.
النوع الثالث: ويسمى (الألف الأصيل). وهو من درزين في القمة وأربعة دروز في القسم الأسفل. توجد من هذه القبعات في قرية «مرديونلى كوى» في اسطنبول ومزار «صالح بابا» في «أدرنه كابي» في اسطنبول.
النوع الرابع: (القبعة الحسينية والجلالية): قمة هذه القبعة من إثني عشر درزاً والقسم الأسفل بينهما هو أن حاشية قبعة القلندرية غير مخيطة ولا توجد عقدة في قمتها. إن هذه القبعة كانت تصنع مثل القبة ولكن فيما بعد بدؤوا يصنعونها في القوالب.
النوع الخامس: القبعة الأدهمية. قمة هذه القبعة والقسم الأسفل منها لهما أربعة دروز والبكتاشية المتزوجون هم الذين يضعون هذه القبعة على رؤوسهم. والدراويش لا يضعون المنديل حول قبعتهم أما البابائية فيضعون الشناشيل عليها.
حجر (صخرة) التسليم: من الأشياء الأخرى هو حجر أو (صخرة) التسليم. وهي صخرة جانباها رفيعان جداً بحيث يمكن ثقبها وهذه الصخرة مدورة يضعون خيطاً في الثقبين ويعلقونها على عنقهم بحيث تقع على صدورهم. يمكن مشاهدة صخرة أو حجر التسليم على مزار البكتاشية. كانوا يصنعون هذه الصخرة من صخور النجف الكهربية أو من صخور حاج بكتاش أو من صخور أوركوپ التي يسميها البكتاشية «حجر باليم».
الحزام أو (النطاق): هو حزام عريض وسميك القسم الأمامي مكسوّ بالصوف ويوجد قيطان في أحد جانبيه وكانوا يشدّون القيطان فوق الحزام.
الحبة: هي أحجار بأشكال منتظمة مصنوعة من حجارة النجف ملفوفة في سلسلة ويوجد كُلاّب على السلسلة تُعلّق السلسلة بواسطة هذا الكُلاّب على القميص أو الجبة. في الجانب الأيمن من هذه السلسلة توجد سبعة أحجار وفي الجانب الأيسر أيضاً سبعة أحجار ومجموعها أربع عشرة صخرة كان يعلقها البكتاشية على عنقهم رمزاً بأنهم زاروا الأربعة عشر معصوماً.
القنبرية: حجر أو عقيق بيضوي رأسها سميك تقريباً إذا كانت من الحجر فمن صخور باليم وإذا كانت من العقيق فمن عقيق النجف. تُشد على الخاصرة بواسطة ربطة بمحاذاة الصرّة.
البالمنك: حجر أكبر من حجر التسليم يعلّق على الخاصرة بواسطة ربطة بمحاذاة المعدة تماماً.
الربطة: خيط من صوف الغنم المذبوح في المراسم يعلق بالعنق.
الجلبند: محفظة من الجلد تشدّ على الخاصرة ومكتوب عليها عبارة: بابا علي.
الأشياء الأخرى: خرقة البكتاشية كمثيلتها في الطرائق الأخرى، بدون ياقة أو طوق ولا تختلف عن بقية الخرق. حذاؤهم يسمى «الجمجمة» وفي الرحلات يحملون طيراً ذا رأسين (أو رأس واحد) أو في يدهم نفير من قرن الحيوان، كشكول من خشب الجوز الهندي وعليه سلسلة يحملونه معهم، سكيناً وشوكة وكل هذه الأشياء يسمونها «الوصلة».
الأدب البكتاشي
ينابيع الأدب البكتاشي فياضة وغنية. ويبدأ هذا الأدب من القرن الثامن الهجري مع «سعيد أمره»، وبعد قرنين ظهر شاعر قدير «كايقو سوزابدا» وأخيراً فإن «الشيخ سلطان أبدال». ومريده «كل همت» بإنشادهم أشعار معنوية كاملة أوصلوا الأدب البكتاشي إلى عصره المتعالي. الأدب في العصور التالية هو تقريباً تكرار المضامين السابقة. ولم تجر دراسة كاملة لأدب البكتاشية رغم أنه استمر حتى يومنا هذا وأخرج شعراء كثيرين من مدرسته.
البكتاشية يستهزئون بالصوفية والمؤلفات تشرح عقائد البكتاشية مع مصطلحات خاصة لهذه الفرقة وتتحدث عن مناقب كبار شخصيات الطريقة وخلال بيانهم عن الأفكار والعقائد المتطرفة يعطون لأنفسهم صفة مستقلة. ورغم وجود التشابه بين أشعار العلويين والبكتاشية ولكن بالنسبة للخصائص المتعلقة بالشريعة والمبادئ فإن أدب كل من هاتين الفرقتين منفصلة عن أدب الأخرى. ولكن في حالة دراسته بتعمق بعنوان «الأدب العلوي ـ البكتاشي» فإن النتيجة تكون أكمل وأصح. ومن جهة أخرى لا يمكن مزج الأدب الحروفي مع الأدب البكتاشي.
شاع بين الناس أمثال وحكم وحكايات باسم البكتاشية، يمكن مطالعة هذه الأمثال والحكم والحكايات مع تغيير طفيف في أشعار فريد الدين العطار وجلال الدين المولوي. لهذا السبب فإن الكثير من أمثال وحكايات البكتاشية ليست خاصة بهذه الفرقة بل مقتبسة من فرق ولغات مختلفة حول «المقالات الغيبية والكلمات العينية»: توجد نسخة باسم «المقالات الغيبية والكلمات العينية» منسوبة إلى الحاج بكتاش الولي الخراساني في المكتبة المركزية ومركز وثائق جامعة طهران تحت رقم 3451. خطها بالنسخ المتوسط الجديد. في 88 ورقة و176 صفحة.
وهو كتاب يحتوي على رسالتين:
الرسالة الأولى هي «المقالات الغيبية والكلمات العينية» في 34 ورقة و68 صفحة والثانية «رسالة الفوائد» بالشعر والنثر وهي من تقريرات ومقالات الحاج بكتاش ولي الخراساني، جمعها أحد تلاميذه ومريديه بعد وفاته. نهاية الرسالة الثانية ناقصة والنسخة ليس فيها تاريخ كتابتها ولكن يبدو أنها تعود للقرن الثالث عشر أو أوائل القرن الرابع عشر. الرسالة الأولى كاملة وتوجد في حواشيها عبارات بخط النسخ والنستعليق وعبارة «الذكر الآخر» مكتوبة في جميع حواشي الصفحات. والكتاب هو نثر ولكن توجد في بعض صفحاته حسب الموضوع، أشعار من المولوي وسعدي وشعراء آخرين كما فيها آيات قرآنية وأحاديث كثيرة.
نموذج من كتاب «المقالات الغيبية والكلمات العينية»
«إعلم أن الأشياء التي خلقها الله تعالى في السماوات والأرض قد خلقها في ضميرك أيضاً. فخلق العرش في السماء وخلق الهمة والعزم في ذاتك. وهو أكبر من العرش آلاف المرات. وخلق الجنة في السماء وخلق الفؤاد في جسمك وهو أحسن من الجنة آلاف المرات. حيث إن الجنة مكان الشهوة وأن الفؤاد محل المعرفة وخازن الجنة رضوان وخازن فؤادك هو الرحمن. خلق الجحيم في الأرض وخلق الشهوة والأهواء في جسمك. وخلق القمر في السماء وخلق العقل في جسمك، القمر يزيد وينقص وعقلك يزيد وينقص. وخلق الشمس في السماء وخلق المعرفة في ضميرك. الشمس تسطع على الجن والإنس ومعرفتك تسطع على العرش والكرسي. خلق البحار في العالم وخلق في الباطن الأسرار. وقال: ﴿وَفي أَنْفُسِكُم أَفَلاَ تُبْصِرُون﴾ أي الذي تبحثون عنه هو في أنفسكم ولكن ما الفائدة لا ترونه ولا تعرفونه».
ضريح بكتاشي
في عمق أوروبا الوسطى
يعتبر ضريح كل بابا Gull Baba الواقع على سفح تلة بودابست (المجر) أبعد الأماكن الإسلامية في عمق أوروبا الوسطى. وتوفي الدرويش كل بابا في بودابست في الثاني من أيلول (سبتمبر) 1541م، بعد أيام من احتلال السلطان سليمان الكبير قلعة بودابست. والدرويش أحد أتباع الطريقة البكداشية (البكتاشية) التي يستعمل أتباعها الوردة رمزاً لهم، ومعنى اسم كل بابا في التركية هو أبو الورد. وكان العثمانيون قد وصلوا إلى تخوم الأراضي المجرية في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وتمكن السلطان سليمان الكبير على رأس جيش بلغ نحو 80 ألف رجل من تسديد ضربة موجعة للجيش المجري وحلفائهم (البالغ عددهم 25 ألف مقاتل) في معركة موهاتش صيف عام 1526. بذلك انفتحت الطريق أمام العثمانيين لاحتلال أراضٍ واسعة من المجر وتهديد فيينا. لكن تحرر المجر من العثمانين لم يجلب الحرية، وعانت المجر من الاحتلال العثماني كثيراً، إذ حلت السيطرة النمسوية مكان الاحتلال العثماني وحكمت عائلة هابسبورغ لقرون. وبعد تحرر بودابست تحول الضريح والتكية كنيسة تحت ادارة اليسوعيين.
وضريح الشاعر الدرويش بناء إسلامي من الحجر مثمن الأضلاع تعلوه قبة من النحاس، شيّد خلال حكم الوالي العثماني محمد يحيى باشا زادة في الفترة الواقعة بين 1543 و1548، وأُلحقت به تكية لاحقاً. يذكر الرحالة التركي الشهير أوليا جلبي الضريح في كتاباته، وأقام جلبي في بودابست خلال العام 1663 وكتب عنها واصفاً الضريح وقصر الملك ماتياش كورفينوس المعروف باسم التفاحة الحمراء، وجامع سليمان خان وهو كنيسة ماتياش الشهيرة في القلعة، وحولها العثمانيون مسجداً. (والمنطقة التي يقع فيها الضريح تعج بالآثار التي يعود بعضها إلى فترة الحكم العثماني، منها حمامات معدنية حارة عمومية، وشوارع لا تزال تحتفظ بذكرى تلك الفترة مثل شارع المسجد أو ساحة التربة. وتطل على الدانوب بمنظر بانورامي رائع، ويمكن رؤية بناية البرلمان المجري بوضوح على الجانب الآخر للنهر، في بشت).
وقد جدد الضريح في 1885، وبنيت حوله فيلاّ في ثمانينات القرن التاسع عشر، لكنها دمّرت جزئياً خلال الحرب العالمية الثانية، فكانت هي التي حمت الضريح الذي لم يدمر لحسن الحظ. وهدّت البناية المدمرة المهجرة في بداية سبعينات القرن العشرين لتبدأ خطط إعادة إعمار الضريح وما حوله.
وضع في الضريح نعش رمزي، وتوزعت على جدرانه أوانٍ خزفية تحمل أسماء الله الحسنى والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وبعض الآيات القرآنية الكريمة، في حين زرعت حول الضريح الزهور الحمر (الورد الدمشقي أو الجوري)، وتجري المياه لتصب في حوضين جرياً على العادة الإسلامية لتوفير مياه الوضوء، وزيّنت الجدران بالقاشاني الملون المصنوع في تركيا، وكتبت عليه آيات قرآنية كريمة. ويحيط بالضريح من جانبين صفان من الأعمدة الشرقية الرشيقة البديعة، لتزيد المكان جمالاً وجلالاً. وإلى جانب الضريح نجد مقهى تركياً، حيث يتمكن الزائر من تناول المرطبات أو الشاي والقهوة. ابتدأت المرحلة الأولى من ترميمات الضريح في العام 1996، وافتتح لفترة قبل أن يغلق العام 2000 لإجراء المزيد من أعمال التجديد. واشتركت الحكومتان التركية والمجرية في توفير المبالغ اللازمة لأعمال الصيانة. وافتتح الموقع الأثري في الحادي والعشرين من حزيران سنة 2000. وبلغت كلفة العمل في آخر مرحلة 120 مليون فورنت (نحو 350 ألف دولار).
وتشير التقديرات إلى أن 200 ألف زائر من تركيا قاموا بزيارة الضريح خلال العام الماضي وحده، وهم بذلك يستمرون في تقليد قديم لزيارة أبعد الأضرحة في وسط أوروبا. وكان المسلمون في البوسنة يزورون الضريح باستمرار عندما كانت البوسنة جزءاً من الأمبراطورية النمسوية – المجرية، وتحت ادارة التاج المجري تحديداً، وذلك لغاية نهاية الحرب العالمية الأولى.
الموصل
ـ 2 ـ
تقع مدينة الموصل إلى الشمال من مدينة بغداد وتبعد عنها بحوالي 400 كلم، وهي مدينة موغلة في القدم تحيط بها مجموعة أطلال لأشهر المدن الأثرية في شمال العراق وهي آشور ونينوى ونمرود وخرسباد والحضر. وتعد من أهم مدن «الجزيرة» المحصورة بين نهري دجلة والفرات، وهي الأراضي المشتركة بين العراق وسوريا. ومن أبرز مدنها الأخرى سنجار وآمد وحران والرقة ورأس العين وديار بكر.
حظيت الموصل باهتمام المؤرخين الذين دوّنوا عنها العديد من المصنفات والكتب التي تتناول تاريخها والدول التي تعاقبت على حكمها. ويعزى هذا الاهتمام إلى الدور البارز الذي لعبته الموصل ومناطق الجزيرة الأخرى التابعة لها على مسرح الأحداث السياسية منذ تحرير الموصل سنة 16هـ (637م) في عهد خلافة عمر بن الخطاب، وكذلك خلال العهود الإسلامية التالية في العراق. ومما جعل للموصل أهميتها البالغة موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل التجارية بين الشام والعراق وهي الطريق الموازية لنهر دجلة، ولذلك اتخذت الموصل منطلقاً للجيوش الإسلامية الزاحفة إلى الأناضول وآذربيجان والجزيرة.
وازدهرت الموصل في العهد الأموي وشيدت فيها مساجد مهمة ما زالت ماثلة إلى يومنا هذا. وازداد الاهتمام بها في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية الذي أنشأ جسراً وبنى قلعة فيها، واتسعت الموصل في عهده اتساعاً كبيراً حتى أنه حاول اتخاذها عاصمة لخلافته.
وفي العصر العباسي الأول كانت الموصل تحت الحكم العباسي المباشر حتى سنة 292هـ (900م)، إلا أنها بعد هذا التاريخ وحتى انتهاء الخلافة العباسية بسقوط بغداد سنة 656هـ (1258م) على يد المغول، شهدت قيام كيانات سياسية من الحمدانيين والعقيليين وخضعت لنفوذ السلاجقة وولاتهم الأتابكة من بني زنكي، ومن أشهر حكامها في تلك الفترة بدر الدين لؤلؤ 615 ـ 658هـ/ (1218 ـ 1259م).
وأوردت المصادر التاريخية تسميات عدة اشتهرت بها الموصل يجمع أغلبها عن القول إن التسمية مشتقة من المكان الذي يوصل بين موضعين أو أكثر فهي تصل بين العراق والشام والجزيرة وآذربيجان. وسمّاها العرب الآراميون بـ(الحصن العبوري) كما سميت بـ(الحدباء). وهناك من يقول إن هذا الاسم أطلق عليها لاعوجاج نهر دجلة عندها واحتداب الأرض الواقعة عليها. ويقول آخرون إن هذا الاسم أطلق عليها نسبة إلى مئذنة الحدباء الشهيرة القائمة في جامع النوري الذي يقع وسط مدينة الموصل. وكذلك وصفت الموصل بـ(البيضاء) و(الفيحاء) و(الخضراء) أحياناً لاخضرار بقاعها الجميلة بعد سقوط الأمطار، ولقبت كذلك بـ(أم الربيعين) والربيعان أحدهما في الكانونين والآخر في آذار وهو الربيع الحقيقي.
أما أبرز المساجد القديمة في الموصل والتي ما زالت عمارتها شاخصة إلى يومنا هذا:
ـ جامع المصفى.
ـ جامع النوري.
ـ الجامع المجاهدي.
ـ جامع النبي يونس.
ـ جامع النبي جرجيس
يعد جامع المصفى أقدم جامع أقيم في مدينة الموصل. ويعتبر أحد أهم الجوامع التاريخية الإسلامية في المدينة. ويقع في منطقة رأس الكور بمحلة الكوازين إلى الشمال الشرقي. وتعود عمارته إلى العهود الإسلامية الأولى. ويعرف اليوم باسم جامع المصفى نسبة إلى الحاج مصفى الذهب الذي جدده العام 1255هـ (1839م)، ولم يبق من معالمه القديمة سوى المئذنة التي تعود إلى العهد الأتابكي وتبعد عنه بحوالي 150 متراً، وتعرف حالياً بمئذنة أو منارة الكوازين.
شيد الجامع من قبل عتبة بن فرقد السلمي العام 17 هـ (638م) بعد فتح الموصل في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وتم تجديده وترميمه مرات عدة وفي فترات زمنية مختلفة، فقد جدده مروان بن محمد الأموي حين تولى ولاية الموصل في أوائل المائة الثانية بعد الهجرة وشيّد فيه مئذنة. ووسع من قبل الخليفة العباسي المهدي العام 167هـ (783م)، إذ أضاف إليه الأسواق التي كانت حوله. ثم أعيد تجديده في العهد الأتابكي العام 454هـ (1061م)، وصار يعرف بالجامع العتيق. وآخر تجديد له كان من قبل مديرية الأوقاف العامة العام 1344هـ (1925م).
جامع النوري (الجامع الكبير)
يقع جامع النوري في وسط مدينة الموصل، ويشغل مساحة من الأرض شبه منحرفة تبلغ 7100 متر مربع. وسمي بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسه الملك الأتابكي نور الدين محمود بن زنكي، مؤسس الدولة الزنكية في الموصل العام 568هـ (1173م). وسمي أيضاً بالجامع الكبير، واشتهر بمئذنته الحدباء التي أصبحت رمزاً لمدينة الموصل وطغت شهرتها على شهرة الجامع نفسه.
شيّد الجامع بالطابوق (الآجر) والجص، وبناؤه متين وجدرانه ضخمة مكسية بالجص من الداخل والخارج. يتألف من مصلى مستطيل الشكل يحتل الجزء الجنوبي الغربي من البناء طوله 20 متراً وعرضه 7.15 متر، وصحنه (الفناء المكشوف) واسع ومئذنته تحتل الركن الشمالي الشرقي، والمصلى يتكون من قسمين: مصلى شتوي مغلق يتصل بالمصلى الصيفي بباب يقع على الخط المحوري للمحراب الذي يتوسط جدار القبلة، والمصلى الصيفي ينفتح على الصحن الواسع. وهذا التخطيط اقتضته الظروف المناخية في الموصل، ويتميز مصلى جامع النوري بقبته ومحرابه والتشكيلات الزخرفية التي تزين جدرانه من الداخل.
قبة الجامع مرتفعة نسبياً، تجلس على مربع يتقدم المحراب، وهي مزدوجة نصف كرؤية، وتجلس من الداخل على رقبة أسطوانية، ومخروطة مضلعة من الخارج، ويتوسط محراب الجامع جدار القبلة، وهو عبارة عن قطعة واحدة من رخام أزرق، حفرت عليه الزخارف المتنوعة وشريط مزين بالآيات القرآنية الكريمة والنصوص التذكارية، نقشت كلها بخط كوفي جميل على أرضية من الزخارف النباتية الرائعة. وكانت جدران المصلى مزينة بتشكيلات زخرفية محفورة على الجص تـتجـسد فيها الروعة والإتقان، وتعرض أكثر هذه الزخارف للتلف نتيجة الإهمال وعدم الصيانة.
استخدمت في تكوين الأشكال الزخرفية طريقة قص ونجر الطابوق (الآجر) بأشكال معينة من أجل الحصول على تشكيلات زخرفية جميلة ودقيقة زين بها جسم المئذنة. وتعد هذه التشكيلات من أهم خصائص العمارة الإسلامية.
الجامع المجاهدي
يقع على شاطئ نهر دجلة، جنوب مدينة الموصل ويبعد عن باب الطوب مركز المدينة بـ 500 متر. وبني الجامع العام 575 هـ (1180 م). وسمي بالمجاهدي نسبة إلى مؤسسه مجاهد الدين قيماز، وكان يعرف بهذا الاسم إلى القرن التاسع للهجرة وعرف أيضاً بجامع الربض لأنه يقع في الربض الأسفل من مدينة الموصل. وفي القرون المتأخرة صار يعرف بجامع الخضر لاعتقاد العامة من أهل الموصل بأن للخضر مقاماً به. وسمي أيضاً بالجامع الأحمر لأن مصلاه كان مصبوغاً باللون الأحمر. ويعتبر الجامع المجاهدي مع الجامع الأموي والجامع النوري أكبر ثلاثة جوامع في حينها في مدينة الموصل. تبلغ مساحة الجامع حوالي 2100 متر مربع، وهو يشمل الأقسام التالية: المصلى يقع في الجهة الجنوبية من الجامع ومساحته حوالي 265 متراً مربعاً. وأمامه أروقة حديثة البناء، عرضها 4 أمتار وتحيط بفناء الجامع من جهتيه الغربية والجنوبية غرف بنيت مؤخراً لسكنى العاملين في الجامع. وفي الجهة الشمالية من الجامع أروقة حديثة البناء أيضاً وفي بعضها بيت الوضوء. أما الجهة الشرقية من الفناء، وهي التي تطل على نهر دجلة، خالية من أي بناء.
المنارة الحدباء في الموصل
وفي الوقت الحاضر للجامع بابان، أحدهما في الجهة الجنوبية من الجامع وهو من الأبواب التي فتحت مؤخراً، والباب الثاني يقع في الجهة الغربية من الجامع وهو من الأبواب التي فتحها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. أما الباب الرئيسي فكان في الجهة الشمالية من الجامع، وهذا هو الباب الأصلي للجامع الذي كان على عهد مجاهد الدين قيماز.
أما المصلى فيتألف من ثلاثة أقسام: القسم الأول هو الذي تعلوه القبة القديمة التي بناها مجاهد الدين وفيه المحراب القديم وهو البناء الوحيد الذي بقي من بناء مجاهد الدين قيماز وتبلغ مساحته (9.50 × 8.50 متر) .
والقبة مبنية من الطابوق (الآجر) وتستند من الداخل إلى مقرنصات، على شكل نصف كرة وكانت القبة من الخارج والداخل مكسية بزخارف وكتابات قرآنية، ولكنها طمست جميعها تحت الجص. القيشاني الأزرق، مزخرفة في الوقت الحاضر بزخارف هندسية، وهي حديثة العهد.
جامع النبي يونس
يعتبر جامع النبي يونس أحد أهم المعالم المعمارية الإسلامية في مدينة الموصل، ويقع في منطقة نينوى في الجهة اليسرى من نهر دجلة مقابل مدينة الموصل القديمة على تل النوبة الأثري الآشوري بجانب دير (يونان بن أمتاي) المعروف لدى المسلمين بالنبي يونس أو (ذا النون) كما ورد ذكره في القرآن الكريم .
وشيّد الجامع على طبقات معمارية قديمة يعود بعضها إلى العهد الآشوري، وأقيم في موقعه بعد الفتح الإسلامي لمدينة الموصل بعض المباني الدينية التي تحولت على مرّ الزمن إلى مبنى الجامع الحالي.
يتألف مبنى الجامع من بنايتين تفصل بينهما طريق عرضه 6 أمتار، البناية الأولى تتكون من بيت الوضوء، أما البناية الثانية فتتكون من المصلى والصحن (الفناء المكشوف) وفيها مدرسة تعرف بـ (المدرسة اليونسية). يتميز الجامع باتساعه، ومن أقدم معالمه الأثرية التي تعود إلى العهود الإسلامية الأولى المحاريب الرخامية المزينة بزخارف جميلة ومختلفة وبكتابات تتضمن آيات قرآنية كريمة وأسماء الشخصيات التي قامت ببعض التجديدات والترميمات للجامع .
وجدد الجامع العام 1341 هـ (1922م) وشيّدت له مئذنة شامخة على الطراز المعماري الإسلامي، كما تم إكساء الجامع وتغليفه من الخارج بطابوق الحلان وهو نوع من أنواع الحجر، وكذلك أضيفت أبنية خدمية أخرى له.
د. رؤوف الأنصاري
جامع النبي جرجيس
ليس هناك من ذكر لأول تأسيس جامع النبي جرجيس، إلا أنه من المساجد القديمة في الموصل. كان أول أمره مسجداً صغيراً، وعلى مرّ العصور أخذ بالتوسع، وصار يعرف بمشهد النبي جرجيس. وفي القرن الثامن للهجرة أضيف إلى المشهد أقسام أخرى، واتخذ جامعاً عرف بجامع النبي جرجيس، ونجد لمصلى الجامع شكلاً خاصاً تظهر فيه آثار ما أضيف إليه من أبنية من مختلف العصور بحيث اتخذ شكلاً يخالف الشكل المستطيل لمصليات الجوامع. والأدوار التي مرّت على هذا المسجد حتى صار جامعاً هي:
1 ـ مسجد النبي:
هناك ذكر لمسجد كان يعرف بمسجد النبي، وأقدم ذكر له يرجع إلى أوائل القرن الثالث الهجري، والمقصود بهذا المسجد، مسجد النبي جرجيس وقد استمر ذكر مسجد النبي إلى القرن السادس للهجرة، وبعد هذا التاريخ تنقطع عنا أخبار مسجد النبي ونجد ذكراً لمشهد النبي جرجيس.
2 ـ مشهد النبي جرجيس:
غير معلوم من اتخذ هذا المشهد للنبي جرجيس، في مسجد النبي المتقدم الذكر. وأقدم نص يشير إلى وجود المشهد يرجع إلى أواخر القرن السادس للهجرة. فقد جاء في روضة الناظرين» في معرض الحديث عن الشيخ عبد الملك بن حماد الكناني الموصلي المتوفى سنة 571هـ «توفي معمراً بالموصل ودفن في مشهد النبي جرجيس عليه السلام».
هذا أقدم نص صريح على وجود مشهد للنبي جرجيس في الموصل. وفي سنة 580هـ (1184م) زار المشهد المذكور ابن جبير الرحالة الأندلسي المشهور وقال فيه: «وخصّ الله هذه البلدة بتربة مقدسة فيها مشهد جرجيس (عليه السلام)، وقد بني فيه مسجد، وقبره في زاوية من أحد بيوت المسجد…».
وذكر هذا أيضاً القزويني في «آثار البلاد» عند كلامه عن الموصل قال: «وفي المدينة نفسها مشهد جرجيس النبي». إن النصوص التي قدمناها تذكر وجود مشهد في الموصل، يسمى مشهد النبي جرجيس، وأن للنبي جرجيس قبراً في إحدى غرف المشهد، وفي المشهد مسجد للصلاة، وكان هذا إلى أواخر القرن الثامن للهجرة.
3 ـ جامع النبي جرجيس:
وفي سنة 796هـ (1393م) استولى تيمور لنك على مدينة الموصل، فدمرها وقتل أكثر أهلها، وعمّر جامع النبي يونس، ووسّع مشهد النبي جرجيس واتخذه جامعاً، وبنى قبة فوق قبر النبي جرجيس (الحضرة) ووضع صندوقاً فوق القبر. كما أنه وسع المصلى، وصار يعرف من ذلك الوقت بجامع النبي جرجيس.
المصلى: وهو يتألف من ثلاثة أقسام:
أ ـ الجناح الذي تحت القبة وفيه المنبر والمحراب الرئيسي، وهو أقدم أقسام الجامع، إذ كان في مسجد النبي، ومشهد النبي في ما بعد. كان الحاج حسين باشا الجليلي قد هدم أكثر أقسام الجامع ومنها هذا القسم، وذلك سنة 1147هـ (1734م) وأعاد بناءه مع جناح الحنفية وذلك في السنوات 1147هـ و1148 و1152هـ. وفي سنة 1328هـ (1910م) كانت حالة المصلى غير مرضية، فقد تصدّع أكثر أقسامه بما فيه القبة. ولذا فإن المتولي هدم القبة والمصلى وأعاد بناءهما. والقبة كبيرة مرتفعة على شكل نصف كرة، داخلها مزيّن بزخارف على شكل أقواس كبيرة متقاطعة مع بعضها، وخارجها مزيّن بزخارف خشنة بالآجر المصبوغ باللون الأخضر، وهي في حالة جيدة. وأما المحراب فهو يعود إلى قرون قبل هذه الفترة تعلوه مناشير ثلاثية، بعضها مزخرف بما يشبه المقرنصات، وعلى جانبيه أسطوانتان يعلوهما قوس، وهو من المحاريب الغنية بزخارفها.
ب ـ مصلى الحنفية:
يقع شرق المصلى السالف الذكر، وهو من الأقسام المضافة إلى الجامع، كما أنه خالٍ من الكتابات والتواريخ. وفي هذا القسم أساطين من المرمر مزينة تيجانها بزخارف هندسية. أما المحراب الذي في المصلى، فهو خالٍ من التاريخ، وهو محراب بسيط ليس فيه ما يستوقف النظر، إلا ثلاثة أغصان محفورة في صدره، فيها أزهار كبيرة تشبه زهرة اللوتس.
ج ـ مصلى الشافعية:
أما مصلى الشافعية فيقع شمال الحضرة منفصلاً عن المصلى القديم وهو مستطيل الشكل، لا يتناسب طوله مع عرضه، وكان طريقاً بلحف الجامع، وفي سنة 1148هـ (1735م) اتخذه الحاج حسين باشا الجليلي مصلى للشافعية كما هو مكتوب باللغة التركية على لوح مثبّت داخل المصلى. وفي سنة 1332هـ جدد المتولي سقف هذا الجناح، ولم يزل على ما هو عليه اليوم.
د ـ الحضرة:
وهي أقدم أبنية الجامع وتتألف من غرفتين: الغرفة الأولى، وهي بسيطة ليس فيها ما يستحق الذكر، ويستدل من وضع بنائها أن بعض جدرانها قد رمّمت قبل سنوات، ورفع مستوى أرضها عن الغرفة التي تؤدي إليها، والتي فيها القبر، بمقدار متر واحد. أما سقفها فقد جدّد مع تجديد الغرفة الثانية سنة 1284هـ (1867م).
الغرفة الثانية، تقع غرب الغرفة الأولى، ينزل إليها بأربع درجات، وفيها قبر النبي جرجيس، يحيط بها من جوانبها الأربعة على ارتفاع مترين آجر أخضر اللون يليه قطع صفراء، ثم يليه في أعلاه شريط الآجر مكتوب عليه البسملة وآية الكرسي.
ويلي هذا من أعلاه شريط آخر مكتوب بالجبس «بسم الله الرحمن الرحيم.(هو) الله (الذي) لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم» سنة 1284هـ.
كان الحاج حسين باشا الجليلي قد جدّد بناء الحضرة في سنتي 1148هـ (1735م) و1149هـ عندما جدّد أكثر أقسام الجامع.
يقول العمري في «منهل الأولياء»: «وفي سنة 1149 كان الوزير المرحوم الحاج حسين باشا الجليلي والياً على الموصل فهدم جميع الرواقات والقباب حتى قبة الحضرة المنورة الشريفة، وأنشأها تعميراً جديداً رائقاً، محكّم البناء، ثابت الوضع، وصرف عليه من المال جملة عظيمة، فهذا البناء الموجود الآن أثره (وهو سنة 1201هـ) فهو الصدقة الجارية والخيرات الوفيرة». وعلى هذا فإن الحاج حسين باشا الجليلي جدّد قبة الحضرة مع كافة أقسام الجامع.
وجُدّد بناؤها أيضاً في سنة 1284هـ (1867م) كما يستدلّ من الكتابة حولها، وما زالت هذه العمارة مع الكتابة التي عليها باقية إلى اليوم.
إن القبة التي فوق القبر مشوّهة غير متقنة البناء، وأن الحاج حسين باشا الجليلي كان قد أعاد بناءها على ما كانت عليه سابقاً. ولكن الترميمات التي حدثت فيما بعد شوّهت المقرنصات الداخلية التي كانت في الحضرة مع زخارفها.
وفي وسط الحضرة قبر النبي جرجيس، وهو من المرمر الأزرق الغامق، طوله 2.70م وعرضه 1.40م وارتفاعه 1.37 متر. وقد نحت بجوانبه الأربعة ألواح مستطيلة الشكل أعلاها على شكل قوس. داخل هذه الألواح نقوش هندسية وزخارف نباتية جميلة دقيقة الصنع، تمثل أغصاناً متشابكة تنتهي بما يشبه أزهار الزنبق، وكلها نافرة منحوتة على المرمر نفسه الذي يحيط بالصندوق.
وفوق هذه الألواح كتابة نافرة بالخط النسخي، منحوتة حول القبر، تبدأ من عند الرأس وتحيط بالقبر، وهي البسملة وآية الكرسي.
والقبر خالٍ من التاريخ. والمرجح أنه من صناعة القرن الثامن الهجري، أي من عهد تيمور لنك حينما عمّر الجامع وبنى قبة الحضرة، فإنه اتّخذ هذا الصندوق من المرمر فوق القبر.
ومن أهم آثار الحضرة الباب الخشب الذي كان في مدخل الغرفة الأولى، وهو من الأبواب الجميلة الدقيقة الصنع التي وجدت في الموصل، خالٍ من التاريخ، ويستدلّ من نوع زخارفه والكتابات الكوفية التي عليه، أنه يعود إلى القرن السادس للهجرة. والباب من خشب الدلب، يتألف من مصراعين مساحة كل منهما (2.22 × 0.61م) ويتألف من خمس حشوات، ثلاث منها موضوعة بصورة أفقية مساحة كل منها (36 × 12 سم) والحشوتان الأخريان كبيرتان، موضوعتان بصورة عمودية، مساحة كل منهما (57 × 36 سم) وتضم كل حشوة إطاراً يحيط بحشوة أخرى أصغر منها حجماً. وقوام زخرفة الباب رسوم نباتية دقيقة نافرة متشابكة مع بعضها ومتناظرة، وعلى الباب كتابات بالخط الكوفي المزخرف.
لا ندري متى بنيت أول منارة في هذا الجامع؟ وفي أواخر القرن الثالث عشر للهجرة كان في الجامع منارة متداعية البنيان، فهدمها المتولي محمد شريف آغا ابن عبد الرحمن آغا، وأعاد بناء المنارة الحالية على الأسس السابقة وذلك في سنة 1270هـ (1853م) والمنارة تجاور الباب الغربي للجامع، وهي مبنية من حجر الحلان على طراز المنائر التركية، متوسطة الارتفاع، تشاهد من سائر أنحاء المدينة، ولذا فإن المؤذنين في كل جوامع الموصل يتّبعون التوقيت الذي يكون في هذا الجامع، والموقت يحمل علماً أخضر ويدور حول حوض المنارة كلما حان وقت الصلاة، وذلك في الأوقات الخمسة، وفي الظلام كان يحمل معه مصباحاً يدور به حول المنارة.
وفي سنة 1944 حدثت هزّة أرضية في الموصل فتصدّع القسم الأعلى من المنارة، وسقط بعضه، فأصلحه المتولي السيد عبد الرحمن ابن السيد آصف المتولي وأعاد بناءه.
الأيزيديون لا اليزيديون
بين الأديان التي ورد فيما تقدم من القول إن لها وجوداً في الموصل ـ ورد ذكر (اليزيدية). وقد كتب الأستاذ رشيد الخيون تعليقاً على كتاب صدر للدكتور خليل جندي سمّاهم فيه (الأيزيدية)، لا اليزيدية، وهذا رأي في اليزيدية لا بد من تسجيله:
في ظل ظروف العراق الحالية للقلق أكثر من مبرر، ولعل درجة هذا القلق تكون أكثر لدى عصبة لا يتجاوز عدد أفرادها العشرين ألف، مع أن تاريخها ضارب في عمق الزمان، حفرت وجودها في جبال الموصل، وزرعت أضرحتها في بطن وادي شيخان، ودعت بانتساب نبوخذ نصّر لها، واتصلت بماء زمزم بمكة بقناة سرية.
الأيزيدية كما ورد في الكتاب الذي بين أيدينا وغيره من التكوينات العراقية التي تعرّضت للقهر الجماعي، فالحكم العثماني سعى إلى قلعها من الوجود، ونصوص الفتاوى تشهد على ذلك. أما كثرة الإشاعات وما ينسب إليها من عبادات وعقائد، غير صحيحة، مرجعها الجهل بعقيدتها وطقوسها من قبل المحيط، وكما يقال الإنسان عدو ما يجهل.
يبحث الجيل الحالي من الأيزيديين، خارج العراق، عن مسلمات جديدة للتواصل مع ديانته، التي أصبحت أرضها المقدسة بعيدة، ومحكومة بوضع آخر، إضافة إلى صعوبة أداء الفرائض الدينية بالطريقة القديمة، فالأيزيدي اليوم لم يعد مكانه كردستان الجنوبي فقط. ولعلّ الحال واحدة بالنسبة للصابئة المندائيين، فلم تعد سكّانهم على ضفاف الأنهار وفي الأهوار، حيث الماء العذب.
وما يقوم به الأيزيديون الشباب في المنافي الأوروبية، من تأسيس جمعيات وتنظيم ندوات وإصدار مجلات لا يلبي حاجة الأيزيدي الدينية، فزيارة الأضرحة وتلبية الشعائر الدينية فيها شرط أساسي في تحقيقها، لكن الذي حققته تلك النشاطات هو فتح الأيزيدية على العالم، فالأوروبيون القلائل المختصون بتاريخ وميثولوجيا هذا الدين لم تظهر دراساتهم إلى القارئ الأيزيدي أو القارئ العربي، فما زالت مركونة في المعاهد الأكاديمية.
ولعلّ أول اعتراف رسمي بوجود الديانة الأيزيدية، وتعريفها للعراقيين عامة، ورد في «الدليل العراقي 1936»، رغم أن الدليل نفسه حذف الآشوريين من بين تكوينات المجتمع العراقي الأخرى، والسبب كانت انتفاضتهم المسلحة، والحملة التي جرّدتها الدولة ضدهم. وكان حظ الأيزيديين أن يصدر الدليل الرسمي المذكور في وقت لم تكن الدولة غاضبة منهم. كذلك وردت كتابات عديدة عنهم في مجلة «لغة العرب» في العشرينيات والثلاثينيات، وكانت مفيدة ومثيرة رغم ما ورد فيها من أغاليط. ثم صدرت عنهم كتب تاريخية عديدة ثبتت ما يُشاع بين الناس، ومنها كتب المؤرخين عبد الرزاق الحسني وعباس العزاوي.
ومن أسباب ما يحيط الأيزيدية من غموض وتشكيك هو مجتمعهم المغلق، فكثيراً ما كانوا يبتعدون عن أتباع الأديان الاخرى، ويحذرون من تأثيرها، ومع ذلك تأثروا بالمحيط الديني فأخذوا من الإسلام والمسيحية مع الحفاظ على هويتهم الأيزيدية.
ما زالت هذه الديانة تعرف خطأ عند الجمهور العراقي باليزيدية، وربما كان حذف حرف الألف، بالبداية، تسهيلاً للّفظ، ثم عُلل بنسبتهم إلى يزيد بن معاوية، أو يزيد بن أنيسة الخارجي. وحقيقة الإسم كما يراه أيزيديون ومختصون بهذه الديانة من الأجانب أنه مفردة سومرية (ثي، زي، دي) وتعني: الذين يمشون على الطريق الصحيح وغير الملوثين» وهناك مفردات يستخدمها الأيزيديون تؤكد المعنى المذكور.
إن إشكالية التسمية جعلت بعض الكتّاب يربط بينهم وبين الزيدية باليمن، وبينهم وبين يزيدية الخوارج. وهناك من الكتّاب من أوهمه كتاب «ذيل الملل والنحل» لمحقق «الملل والنحل» محمد سيد كيلاني، فنسب المعلومات التي وردت فيه إلى الشهرستاني مباشرة. والحقيقة أن الشهرستاني عندما كتب عن اليزيدية لا يعني الديانة القديمة (الأيزيدية) وإنما عن أتباع يزيد بن أنيسة الخارجي، مع ما فيها من إشارة لدين قديم. قال الشهرستاني: أصحاب يزيد بن أنيسة، الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية فإنه يتولاهم. وزعم أن الله تعالى سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتاباً قد كتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة. لكن المحقق الكيلاني، خلاف آخرين، كتب مشككاً لا واثقاً في الروايات والمعلومات المتداولة حول الأيزيدية، مع اعترافه بتوحيدهم الديني.
لم تظهر حول الأيزيدية أي معلومات في تواريخ الملل والنحل الشاملة، للفرق الإسلامية والأديان الأخرى، مثل الفهرست للنديم، والمُغني للقاضي عبد الجبار، والملل والنحل للشهرستاني، وتلخيص البيان في ذكر فرق أهل الأديان للفخري وغيرها. ما عدا ما أشارت إليه كتب تراجم الرجال والأنساب في سياق ترجمتها للصوفي الشيخ عادي، وكانت إشارة عابرة.
لقد رد الدكتور خليل جندي في كتابه، الذي نحن بصدده، على المعلومات غير الدقيقة حول ديانته بتأليف كتابه «نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية»، محاولاً طيلة خمسة وعشرين عاماً تقصي الآثار والطقوس والاصول الاجتماعية.
ويشعر القارئ حال الإطلاع على مقدمة الكتاب بقلق المؤلف الذي عبّر به عن قلق ديانة محصورة بمحيط جغرافي واجتماعي مدى زمن طويل، فالأيزيدية من الديانات غير التبشيرية، والمتمسكة بالمكان، ورد في المقدمة: «هل ستتمكن الديانة الأيزيدية من الديمومة والحياة بنفس ميكانيزمها وآليتها القديمة، وتحافظ على كيانها الذي ما برحت أن حافظت عليه عبر آلاف السنين».
إن الديانة الأيزيدية ببساطة ديانة موحدة، ساهمت في تكوينها عدة عناصر مشتركة ما بين الدين والميثولوجيا، واعتمدت في الحفاظ على وجودها بالانغلاق على نفسها، فالعلاقة الدينية علاقة وراثية من والدين أيزيديين، ولا تساهل في الزواج من الأديان الأخرى.
والأمر هنا لا يفسر بتعالي أيزيدي على الأديان الأخرى بقدر ما هو الخوف من الضياع، نقول ذلك رغم أن هناك ما يدل على وجود اعتقاد أيزيدي على شاكلة مقولة «شعب الله المختار».
إن الاعتراف بوجود هذا الكيان الديني يبرره التاريخ والشراكة بالوطن، وما يتضمنه هذا الدين من طقوس وتشريعات لا تتعارض مع عقائد الأديان المحيطة. لقد أرهقت الأيزيديين حملات التنكيل، والقتل الجماعي، وكثيراً ما حملت رؤوس قتلاهم إلى العاصمة التركية، وكثيراً ما شنّت عليهم حملات عسكرية رداً على رفضهم التجنيد الإجباري، والعائق كان شعائرهم الدينية التي لا يجوز ممارستها أمام الغير، كإجراء بدأ احترازي، ثم تحول إلى عادة أو شرط ديني. ولعل قرار وزارة التربية في حكومة إقليم كردستان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1996 القاضي بتعليم «الأيزدياتي» في المناطق ذات الكثافة الأيزيدية العالية كان الأول من نوعه في تاريخ العراق، ويشير إلى بادرة التعايش بين طوائف وأديان الوطن الواحد.
و«الأيزدياتي» هو منهاج خاص بالعقيدة الأيزيدية للمرحلة الابتدائية، السنوات الست الأولى، وقد قامت الحكومة المذكورة بطباعة ست آلاف نسخة من الكتاب المدرسي المذكور.
يحتوي كتاب «نحو معرفة حقيقية الأيزيدية» على أربعة أٌسام ومقدمة، تستعرض قصة الديانة كاملة، وهي: الأيزيدية وميثولوجيا الشعوب، والأسماء الدينية المقدسة، وفكرة طاووس ملك. والعقيدة الأيزيدية، والطقوس والمحرمات والأعياد، والتراث الروحي. والعبادات من الصلاة والأدعية. ولهجة الأيزيديين الكردية وعشائرهم وأماكن سكناهم، وزواجهن.
الميثولوجيا والبيروني
لسنا نقصد هنا أن نكتب عن تاريخ هذا العلم بكثير من الدقة، أو نشير إلى جميع أعمال البيروني، وإنما نحاول أن نشير إشارة إجمالية إلى ماضي هذا العلم ومنزلة البيروني في توجيهه نحو مساره الواقعي.
وفي المقدمة ينبغي أن نقول بأن الحضارات انتقلت منذ بدء التاريخ من الشرق إلى اليونان ثم انتقلت من جديد من الاسكندرية وأثينا إلى إيران فيما قبل الإسلام، وعادت مرة أُخرى لتنقل من البلدان الإسلامية إلى اوروبا ومن أوروبا إلى بلدان العالم، وكان انتقال العلوم والثقافات الإسلامية إلى أوروبا عن طريق الحروب الصليبية وعن طريق الأندلس.
وقد انتشر في أوروبا نوع جديد من التحقيق الأكاديمي من خلال العلوم الإسلامية المتطورة، ويرتكز هذا النوع الجديد على حضارات للبلدان القديمة ذات الثقافات التاريخية الأصيلة، مثل حضارة الهند وإيران ومصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين وسومر وأكد وغيرها.
ولو لاحظنا الآثار العلمية القديمة للاحظنا أن علماءنا هم مؤسسو الحضارة القائمة الآن، وكذلك ينبغي أن ندرك أن نفوذ الحضارة الإسلامية في أوروبا وكذلك انتشار طرق التحقيق الحديثة فيها يعود لبعض العلماء من أمثال محمد بن زكريا الرازي والبيروني وابن سينا وابن الهيثم والخوارزمي وغياث الدين الكاشاني ومسكويه وكثير غيرهم ويظهر مدى التفاوت الكبير بين ما أخذته أوروبا من حضارة إيران والرومان واليونان والهند وسائر الحضارات القديمة وما أخذته من الحضارة الإسلامية.
وقد كتبت السيدوة كواشون ـ وهي محققة فرنسية كتبت الكثير عن مؤلفات ابن سينا وقارنت أفكاره بأفكار أرسطو ـ في كتابها عن ابن سينا. إن ابن سينا عرف في أوروبا قبل أرسطو بمائة وخمسين سنة ونشرت فيها مؤلفاته.
ومن هذا ندرك أن معرفة أرسطو وأفلاطون وسائر فلاسفة ومحققي البلدان القديمة من سبقوا الإسلام، إنما جاءت من خلال نفوذ الحضارة الإسلامية التي كانت حصيلة جهود جميع علماء الإسلام من كل شعوبه.
وإذا كانت الأسس المنطقية قد حصلت من خلال كشف العلاقة بين الاستقراء والقياس والنسب العقلية لمختلف القضايا، وبلورت هذه الأسس الفكر البشري في شكل خاص لقرون متمادية واستحوذت على العقول البشرية لفترات طويلة وهي بعد ذلك كله من المفاخر الخالدة لليونانيين، فليس ثمة شك أن الميثولوجيا أو علم المنهج أو علم استخدام المنطق في العلوم المختلفة أو معرفة الأسلوب الكفيل بتوظيف العقل لاكتشاف العلاقات الموجودة في الطبيعة وكيان الانسان وجميع المواضيع التي ترتبط بالحقيقات العلمية التي يمكن أن تساهم في تكامل المعارف البشرية وتؤدي إلى معرفة الإنسان لنفسه ولمحيطه وبيئته وإلى النتائج التالية:
1 ـ زيادة قوة التمييز والتشخيص والتصنيف والتحليل فيما يخص العلاقات بين الظواهر المختلفة.
2 ـ اتخاذ أسلوب عقلي ونفسي دقيق فيما يتعلق بالظواهر الخاصة التي تخضع للتحقيق.
3 ـ إيجاد أبعاد جديدة للقدرة البشرية على فك أسرار الخلق. نقول إن الميثولوجيا كانت حصيلة جهود وأتعاب علماء مثل البيروني وابن خلدون ـ على غرار علم الاجتماع ـ قبل ان تكون حصيلة جهود أوكست كنت- Auguste Comte- ومساعي البيروني قبل أن تكون حصيلة جهود المحدثين من العلماء.
ونؤكد بأن تدوين الميثولوجيا يعد من مختصات حضارة الإسلام وخصوصاً أبو الريحان البيروني، قبل أن يكون من الإنتاجات الفكرية لكلود برنارد ودكارت.
وإذا قارنا حجم المعارف التي أثرت في أوروبا من حضارات اليونان والهند والإسكندرية، والتي اختلطت مع بعضها في المجتمعات الإسلامية، وأمكن الوصول إليها في عصر ازدهار هذه الحضارة إذا قارنا هذه المعارف مع تلك التي نقلها الأوروبيون من ثقافات اليونان والهند وغيرها، رأينا أن الأوروبيين لم يتصلوا بصورة مباشرة بتلك الحضارات إلا من خلال بعض الأسماء القليلة والكتب المحددة. وإضافة إلى ذلك فإن الكثير من الكتب اليونانية قد ضاعت متونها الأصلية ولم يبق منها إلا الترجمة العربية، ولأجل أن نثبت ذلك بالأدلة القاطعة، يجدر بنا أن نورد بحثاً دقيقاً وتفصيلاً لذكر تلك الكتب وهذا ما لا يتسع له المجال هنا، وإذا كانت ثمة اكتشافات جديدة حصلت على أيدي الأوروبيين، فإنما كان ذلك في مجال الفنون الجميلة والنحت والبناء والفنون المعمارية، وكل ذلك لم يكن المسلمون يعنون كثيراً في بحثه بحثاً علمياً، رغم أن المسلمين أضافوا إلى التراث اليوناني كثيراً فيما يخص العلوم الموسيقية، حيث تخطى الفارابي اليونانيين في هذا المجال وبرز بصورة تثير الإعجاب.
وإذا طالعنا أسس هذا العلم (الميثولوجيا) وقوانينه في البيروني من خلال مجموعة آثاره العلمية، فلا مناص من إنصافه كأحد المؤسسين لهذا العلم، حيث كان يحقق ويحلل بمنتهى الدقة في جميع المجالات التي يتناولها العلم الجديد.
وكان يستند في جميع المجالات إلى أقوى الأدلة، ويعمد إلى النقد والتحليل والمقارنة بين الآراء المتنوعة، وينتهج الحيادية التامة في الإصغاء إلى هذه الآراء، ولا يعني بأي عقيدة مهما كانت لكون حاملها صاحب نفوذ أو صاحب شهرة، وكان اهتمامه ينصب على التجربة والمقارنة بين مختلف النظريات معتمداً في ذلك على تحقيقه الشخصي ودقته الكبيرة، والمراجع المتنوعة، وهو إلى ذلك يدخل في أعماله هذه المحاسبة وعوامل الزمان والمكان والحرارة والبرودة وسائر العوامل الأخرى التي لها ارتباط مباشر في التغييرات، وبلغ البيروني في كل ذلك وفي استعمال القوانين الرياضية في القياسات واكتشاف العلاقات بين الظواهر المختلفة وإعطاء التعريفات للأمور التي تشترك فيها العلوم المختلفة كـ(الواحد) مثلاً وكثير من الأمور الأخرى مثل رصد السماء وملاحظة خواص الفلزات والنباتات والتعمق في خصائص الشعوب وقياس الأطوال والأعراض الجغرافية للبلدان وبحث تقاليد وأعراف الناس والتحقيق في أديان وتقاويم وأعياد ومعتقدات الأمم، أقول قد بلغ البيروني في كل ذلك شأواً بعيداً حتى أصبح ذكره على لسان العامة والخاصة، وأكثر هذه الأمور هي من أصول الميثولوجيا.
ويشاهد في جميع تصانيفه ومحاسباته وقياساته نوع من روح الوحدة والتنسيق، ويتبادر لذهن المرء أن البيروني لم يتخصص في مجال معين، بل نشط في إرساء دعائم الميثولوجيا في جميع العلوم ولم يتوان لحظة في سعيه هذا.
وقد عارض البيروني منطق أرسطو، وأوضح مواطن الضعف والوهن في هندسة إقليدس من خلال تحقيقاته المتواصلة حولها، بالرغم من احترامه لها، وأوجد مقدمات الهندسة غير الإقليديسية التي انتهجها فيما بعد نصير الدين الطوسي.
وأخضع للتحقيق أساليب الأسلاف مثل الرازي، واستفاد من النواحي الإيجابية منها في إيجاد الطرق الأصولية للعلم، وأجرى تعديلات على النواحي السلبية منها، ويمكن أن نتعرف على مدى قدرته وتمكّنه من العلوم والأساليب العلمية في التحقيق واستناده إلى الأصول الدقيقة في ذلك من خلال مباحثاته مع ابن سينا وما كُتبه الضخمة التي تعد من أكبر النتاجات البشرية، إلا حصيلة هذه الأساليب العقلائية والعلمائية.
وتظهر أهمية تعريف (الواحد) جلية، إذا عرفنا أن هذا التعريف يدخل في الحسابات التي تعتمدها العلوم المختلفة، من النجوم والكيمياء وجميع الفروع الفيزيائية مثل السينماتيك والميكانيك والكهرباء، وحتى الفيزياء الذرية والنووية، ومن ثم نرى أبا الريحان البيروني يولي هذا التعريف اهتماماً خاصاً في الباب الثاني من (التفهيم).
ويترجم الإنجيلي رمزي رايت Ramzy Wright كلمة قضايا الهندسة إلى Proposition وليس: (in view of the ract that geometrical proposition)، ويشير أبو الريحان إلى الاختيار في انتخاب «الواحد» وهو ما يتوافق مع المفاهيم الجديدة للواحد في حساب الكمية.
ونكتفي بهذا القدر في هذه المقالة، إذ يتطلب تحليل القدرة العلمية للبيروني ومقارنتها مع رؤى ابن سينا ومهارة الأول في المحاسبات، بحوثاً مستقلة بذاتها، ويستلزم مقارنة تعريفه للواحد مع تعريف أرسطو ونيوتن مقالة أخرى.
ونحاول فيما يلي أن نذكر باختصار بعض أحوال البيروني وبعض آثاره:)[474](
ولد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في عام 362هـ أي في عام 973 وتوفي في الثاني من رجب عام 440 أو 442هـ أي عام 1048 (أو 1050م) وهو معاصر لابن سينا (980-1037 م) وابن الهيثم (965 ـ 1039م) وابن يونس (أبي الحسن علي ابن أبي سعيد عبد الرحمن بن يونس المتوفى في القاهرة عام 1009م) وعلي بن عيسى (في النصف الثاني من القرن الحادي عشر) والكرخي (أبي بكر محمد بن الحسن الحاسب المتوفى في بغداد عام 1019م وابن جبريول أو ابن جبريل.
ولهذا العالم الكبير العديد من التحقيقات في مختلف المجالات مثل الهندسة والمثلثات والنجوم والحساب ودراسة الهند والخرائط وعلم الأديان التطبيقي ورصد الكواكب وكذلك في الطبيعيات والفيزياء والتخمين التقريبي لسرعة النور وألأشعة اللامرئية للشمس، والحركة العامة للمادة والكثير من العلوم الأخرى مثل النباتات والأدوية والمجوهرات وغيرها. وكانت أسماء مؤلفاته سطوراً من ذهب في سجل العلوم.
ويضع (سارتن) البيروني ـ في مقدمته لتاريخ العلم: (Introduction to History of Science, Copy Right, 1972 Reprinted 1945, 1950, 1953) ـ في عداد طالس (625 إلى 545 قبل الميلاد) وفيثاغورث وأبرخس (الذي عاش قبل بطليموس) وأفلاطون وإقليدس وبطليموس وجالينوس. وجعله من أصحاب عصور العلوم البشرية، وأفرد له في كتابه عهداً خاصاً.
استدراكات:
1 ـ هناك شك في صحة انتساب الترجمة الفارسية للتفهيم، إلى البيروني.
2 ـ هناك اختلاف بين العلماء حول عدد آثار البيروني.
3 ـ من جملة مؤاخذات البيروني للرازي. اكتفاؤه من استخدام الرياضيات في تحقيقاته العلمية بقدر حاجته وعدم ذهابه إلى أبعد من ذلك، ورغم احترامه للرازي، إلا أنه كتب مدافعاً عن الهندسة في كتابه استخراج الأوتار ـ الذي يبدو أنه كتبه لأحد تلامذته ـ حيث يقول إن اعتقاد الرازي بعدم جدوى التحقيقات الهندسية، إنما هو نقص في التحقيقات الفلسفية لديه، ثم يلمح بالقول: «لم يزل الناس أعداء ما جهلوا».
4 ـ ليس من السهل البحث الدقيق في القيمة الحقيقية لآثار ومؤلفات البيروني، إلا إذا توفرت دراسة شاملة لجميع هذه المؤلفات وكذلك دراسة دوره في العلوم والفلسفة والحكمة العالمية، من خلال تحقيق شامل، وتعاون بين المحققين في برنامج منظم، يشمل ترجمة آثاره إلى لغة عالمية من أجل إيجاد تاريخ علمي عالمي دقيق.
5 ـ من خلال التفحص في النسخة العربية للتفهيم ومطابقتها مع النسخة الفارسية، يظهر جلياً أن عبارة قضايا الهندسة، ينبغي أن تترجم بالإنجليزية إلى Geometrical Theorems وليس Geometrical Proposition حيث تظهر العبارة الأخيرة غير دقيقة إذا قورنت مع النص العربي.
6 ـ يقصد بمعارضة البيروني لمنطق أرسطو هو عدم قبوله التام للمنطق الصوري لأرسطو في كشف الحقائق. والذي استعمله مؤيدوه أكثر مما ينبغي، ومنهم ابن سينا، وفي الحقيقة فإن هذا الأسلوب يوناني بحت يعتمد الفكر المجرّد في الوصول إلى الحقائق أكثر من التمعّن في واقعية وحقيقة الأمور. وقد رفض هذا الأسلوب في نفس عرض أرسطو، ثم من قبل بعض أتباع فكر أرسطو مثل تؤفر.
7 ـ لم نقصد في عبارتنا أن البيروني أرسى قواعد أساليب التحقيق في العلوم، أنه أخرج علوم النجوم والكيمياء والأحياء والاجتماع من الدائرة الفلسفية، كما فعل ذلك فيما بعد كل من غاليلو ولاقوازييه وكلود برنارد وأكوست كنت، وإنما قصدنا أنه سلك أسلوباً شاملاً في تلك التحقيقات، وقد اهتمّ كبار العلماء فيما بعد بهذا الأسلوب حتى امتاز أسلوب التحقيق في العلم عنه في الفلسفة.
8 ـ على الرغم من كون نالينو يعتقد في بحثه حول علم الفلك أن رأي البيروني هو عبارة عن خليط من آراء شتى وليس تحقيق متكامل، إلا أنه يشير إلى المقام الشامخ الذي احتلّه البيروني حيث قال مرة بصراحة ـ خلال حديثه عن قانون المسعودي ـ إن هذا الكتاب القيم ليس له مثيل (علم الفلك، ص 48، ترجمه إلى الفارسية السيد آرام)، ويقول مرة اخرى ملمحاً: على الرغم من أن المسلمين تبعوا أرسطو في تقسيمه لفروع العلوم، إلا أن أكثر الفلاسفة العرب رفضوا أسلوب أرسطو في تقسيمه هذا. (علم الفلك المترجم.. ص 26 وص 37).
9 ـ لو فرضنا أن غاليلو ونيوتن لم يغيرا الحدود السابقة لعلم النجوم ولم يبدلا الهندسة إلى الرياضيات والفيزياء، فمن الطبيعي أن علم النجوم لم يكن ليبلغ المكانة الشامخة التي بلغها اليوم.
وفي اعتقادنا أن هذه المسألة لفتت انتباه البيروني من قبل، حيث يقول: «لأن قضايا الهندسة تستعمل وخاصة في حساب التنجيم بالحساب» (التفهيم.. النسخة العربية). وينبغي أن نعتبر رأي الكاتب هذا أساس علم النجوم في مؤلفاته، من خلال دراسة ما كتبه في حساب المثلثات والمثلثات الكروية والقسم الذي يرتبط بهذه المواضيع في قانون المسعودي.
10 ـ لا يفهم من النقطة السادسة أن ابن سينا كان تابعاً مطلقاً لآراء أرسطو، بل ان الكثير من المحققين يرون خلاف ذلك، ويؤيد هذا الرأي الكثير من المحققين الأجانب ومنهم صاحب المقدمة التي كتبت للترجمة اللاتينية للشفاء.
11 ـ لم يكن الاختلاف بين ابن سينا وأبو الريحان البيروني عميقاً، إلا في ما يتعلق بالأمور التجريبية والمحاسبات الفلكية، ويعزى هذا الاختلاف إلى ممارسات البيروني في المحاسبات الفلكية وتعمق الشيخ في الحقائق النظرية للحكمة.
هوشنك مير مطهري
ميزان العقول
في كشف أسرار غوامض حقائق
علم المعقول
كتاب لمحمد بن يونس الظويهري المتوفى سنة 1230هـ والذي كان يعيش في العراق في حالة فقر مدقع وشقاء)[475]) ومع ذلك أخرج أكثر من خمسين كتاباً في شتى العلوم كالمنطق والرياضيات وغيرها من العلوم التي لا يحسنها فقهاء عصره.
وأكثر مؤلفاته موجودة في مكتبات النجف الخاصة.
ومن بينها:
1 ـ كتاب ميزان العقول في كشف أسرار غوامض حقائق مسائل علم المعقول. يقع في جزأين. الأول منهما في المطالب التصورية، والثاني في المطالب التصديقية، صنف الجزء الأول في محلة الجامعين في الحلة في الثاني من شهر شوال سنة 1220هـ وفرغ منه ضحى يوم الاثنين 26 ذي الحجة سنة 1220هـ، وشرع في تصنيف الجزء الثاني في نفس التأريخ وفرغ منه في ضحى يوم الاثنين 29 صفر سنة 1221هـ. وقدم له مؤلفه مقدمة قيمة ذكر فيها فوائد علم المنطق والأشخاص الذين كتبوا فيه ثم الأسباب التي دعته إلى تأليفه، وترجم فيها لنفسه ووصف العصر الذي عاش فيه وصفاً دقيقاً.
2 ـ كتاب براهين العقول في كشف أسرار أئمة المعقول والمنقول. وهو شرح لتهذيب الوصول إلى علم الأصول، تصنيف العلاّمة الحلي حامل للمتن بـ(قال أقول) يقع في مجلدين ضخمين صنفه سنة 1229هـ.
3 ـ البحر المحيط في أصول الفقه يقع في ثلاثة مجلدات فرغ من مجلده الأول سنة 1200هـ وفرغ من الثاني سنة 1201هـ.
4 ـ مختلف الأنظار ومطرح الأفكار ستة مجلدات في الأصول.
5 ـ حجة الخصام في أصول الأحكام ثلاثة مجلدات.
6 ـ منية اللبيب في شرح التهذيب.
7 ـ موقظ الراقدين ومنبه الغافلين في المواعظ يقع في مجلدين صنفه سنة 1228هـ.
8 ـ الحجر الدامغ للعصاة سيما تاركي الصلاة ومانعي الزكاة صنّفه سنة 1212هـ.
9 ـ حياة القلوب في المواعظ والإرشاد صنّفه سنة 1226هـ.
10 ـ سرور الواعظين وذكرى للناظرين والسامعين. رسالة شعرية أكثرها من نظمه، أخذ معانيها من القرآن الكريم والأخبار صنّفه سنة 1227هـ.
11 ـ شرح الأمثال العامية التي كانت شائعة في عصره.
12 ـ إنارة العقول. فرغ من تأليفه يوم الجمعة 8 شوال سنة 1211هـ.
13 ـ فلك النجاة. فرغ من تصنيفه في شهر رجب سنة 1212هـ.
14 ـ مناظرات. كتاب ردود مجلد واحد.
15 ـ العروة الوثقة في شرح كتاب الشرائع في الفقه في عدة أجزاء ضخمة.
16 ـ شرح العلويات السبع لابن أبي الحديد.
17 ـ الجمانة البحرية (في اللغة) مادته مختصرة من بعض الكتب.
18 ـ شرح خلاصة الحساب للشيخ البهائي، فرغ من تصنيفه ضحى يوم الاثنين 13 رمضان سنة 1218هـ.
19 ـ بغية الصياد في معرفة الصائد والاصطياد، رسالة ألّفها لوالي بغداد سليمان باشا القتيل.
20 ـ منهاج الأحكام في شرح درة السيد مهدي الطباطبائي.
21 ـ أنيس الناظر في حكايات الأوائل والأواخر.
22 ـ مجموع. يضم. طائفة من الكتب والقصائد التي راسل بها أعيان ووجهاء عصره، وهذا المجموع، يعتبر أحسن وثيقة تاريخية بالنسبة إلى العصر الذي عاش فيه الكاتب، والعيب الوحيد في هذه الرسائل أنها غير مؤرّخة وهي لا تخلو من بعض الاصطلاحات العامية والكلمات الدخيلة، كما أن الكاتب قد جمع في بعضها بين الجد والهزل. توجد نسخة الأصل التي هي بخط الكاتب في مكتبة آل الجزائري في النجف، وهي ناقصة من أولها وآخرها والباقي منها (220) صفحة، وخطها سقيم.
ميسلون
موضع غربي دمشق على الطريق الذاهبة إلى بيروت وفي هضباته جرت في 24 تموز سنة 1920 المعركة التاريخية بين الجيش الفرنسي الزاحف بأمر الجنرال غورو وقيادة الجنرال غوابيه وبين جمهور عربي خرج يدافع عن دمشق بقيادة يوسف العظمة الذي استشهد في المعركة مما نفصله فيما يلي:
كان المؤتمر السوري المنعقد في دمشق قد قرر في 8 آذار سنة 1920 إعلان استقلال سوريا وملكية الملك فيصل بن الحسين. فكان ذلك حافزاً للفرنسيين لأن يسرعوا في تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية بالاستيلاء على ما لم يستولوا عليه بعد من سوريا. ففي اليوم الرابع عشر من تموز سنة 1920 أرسل الجنرال غورو إلى الملك فيصل إنذاراً خاطب فيه الملك فصيل بوصفه قائد جيش الحجاز، واعتبره محتلاً لسوريا، وسمى القوات السورية القوات الشريفية والمؤتمر السوري مجلساً يحكم باسم حكومة ودولة لم يُعترف بوجودهما.
واشترط الجنرال تنفيذ بنود الإنذار قبل الثامن عشر من تموز (يوليه)، وبدأت جيوشه خلال ذلك استعدادها للزحف من لبنان.
وفيما يلي نص ما طلب الجنرال غورو تنفيذه:
1 ـ التصرف بسكة رياق ـ حلب الحديدية لإجراء النقليات التي تأمر بها السلطة الفرنسية ويؤمن هذا التصرف بأن يراقب مفوضون عسكريون فرنسيون جميع ما ينقل في محطات رياق وبعلبك وحمص وحماه وحلب تعضدهم قوة مسلحة مخصصة للمحافظة على المحطة واحتلال مدينة حلب التي هي نقطة مواصلات هامة لا يسعنا أن نتركها تسقط في يد الترك.
2 ـ قبول الانتداب الفرنسي.
إن هذا الانتداب يحترم استقلال اهالي سوريا ولا يناقض مبدأ الحكم بسلطة سورية تستمد قوتها من إدارة الشعب ولا يتضمن سوى معاونة بشكل مساعدة وتعاون مع الدولة المنتدبة دون أن يتّخذ مطلقاً شكل استعمار أو إلحاق أو إدارة تنفذ رأساً.
3 ـ قبول الورق السوري.
تصبح هذه العملة عملة وطنية في المنطقة الشرقية فتلغى جميع الأحكام المتعلقة بالبنك السوري في المنطقة الشرقية.
تأديب المجرمين الذين كانوا أشد عداء لفرنسا.
هذه الشروط تقدم جملة يجب قبولها جملة أيضاً بلا أدنى فرق خلال أربعة أيام تبتدئ من نصف ليل 15 تموز ـ يوليه (أي 14 منه الساعة 12 ليلاً) وتنتهي في 17 منه الساعة 24 (أي الساعة 12 ليلاً).
«فإذا جاءني علم من سموكم قبل هذا الموعد بقبول هذه الشروط فيجب أن تكون قد صدرت أوامركم في الوقت نفسه إلى المراجع اللازمة لكي لا تعارض جنودي الزاحفة لاحتلال المواقع المعينة، ثم أن قبول الشرط الثاني والثالث والرابع يجب أن يؤيد رسمياً قبل 18 منه، أما تنفيذها بالتمام فيكون قبل 31 منه الساعة 24 (نصف الليل).
وإذا كان سموكم الملكي لا يشعرني في الوقت اللازم بقبول هذه الشروط أتشرف بأن أبلغه أن الحكومة الفرنسية تكون مطلقة اليد في العمل. وفي هذه الحالة لا أستطيع أن أؤكد أن الحكومة الفرنسية تكتفي بهذه الضمانات المعتدلة.
ولا تقع على فرنسا تبعة المصائب التي تحل بالبلاد فهي قد برهنت على تساهلها من زمن طويل وفي الآونة الأخيرة، فحكومة دمشق هي التي تتحمل جميع أعباء مسؤولية فصل الخطاب الذي لا أنظر إليه إلا آسفاً ولكني مستعد له بمتانة لا تتزعزع».
وعصفت الحيرة إثر ذلك بالحكومة في دمشق، واستولى القلق على أفراد الشعب، واضطرب الملك فيصل، ورأى يوسف العظمة أن يقاتل السوريون دفاعاً عن الاستقلال..
ولكن ما كاد الأمر يبحث جدياً في مجلس الوزراء حتى قال ياسين الهاشمي وهو قائد منطقة دمشق، إنه لا يستطيع النهوض بأعباء الدفاع عن هذه المنطقة، لأن الجيش أضعف من القيام بهذه المهمة.
واعترف يوسف العظمة بأن الجيش ضعيف غير قادر على النهوض بالأعباء الجسام، ولكنه أصر على ضرورة القتال.
وكان مجموع القوى العامة للجيش السوري يومذاك ثمانية آلاف جندي موزعين في دمشق وحلب ودرعا، وكانت الأسلحة التي تملكها هذه القوى تتألف من 15 ألف بندقية مختلفة الطراز لكل منها 250 خرطوشة فقط، ونحو 50 مدفعاً عيار 7.5 و4 مدافع من عيار 10.5 ولكل مدفع 50 قنبلة، وكان من أثر هذا كله أن اضطربت دمشق وهاج الناس وقامت المظاهرات مطالبة بالدفاع حتى الموت، إلا أن ذلك لم يمنع الحكومة من قبول الإنذار في 17 تموز بعد أن استوثقت من فقدان العتاد وضعف الجيش فأشارت على الملك بقبوله.
ووجد فيصل نفسه أمام الأمر الواقع، فأبرق إلى الجنرال غورو في الثامن عشر من تموز (يوليه) مبلغاً إياه قبول شروط الانذار، أملاً في إنقاذ دمشق من الاحتلال، ولكن الجنرال لم يلبث أن أجاب في اليوم التالي بصلف الفاتح المتعسف أنه ليس المقصود من مذكرة 14 تموز (يوليه) قبولها بل تنفيذ أحكامها بأعمال رسمية تجري قبل 18 تموز على أن يتم تنفيذ ما ورد فيها قبل نهاية الشهر، وبما أنه قد مدد الأجل 24 ساعة إجابة لطلب الملك فإنه قد يكون محقاً إذا لم يمددها مرة أخرى قبل أن يتلقى نبأ القبول من الملك رسمياً وفعليا!.. وأضاف الجنرال قائلاً: «ولكي أدع لكم وقتاً كافياً لقبول المطالب وتنفيذها فقد قررت أن لا تتحرك جيوشي قبل 21 تموز عند منتصف الليل!».
وكانت الحكومة بعد أن وافقت على قبول الإنذار، قد بدأت بتنفيذ أحكامه، فأصدرت أمرها إلى قطعات الجيش العربي بالانسحاب من جميع المواقع والحصون التي كان معسكراً فيها، والانتقال إلى العاصمة استعداداً لتسريحها، وقد بدأ تسريح الجنود فعلاً، وسرح الكثيرون منهم من المواقع التي يعسكرون فيها، فضاعف ذلك من هياج الشعب، واستياء الهيئات الوطنية، ووقعت حوادث شغب لا مبرر لها.
واحتج فيصل من جديد، ورفض غورو الاحتجاج، وكتب إليه يطلب منه الموافقة على شروط جديدة بالإضافة إلى الشروط التي وردت في الإنذار)[476](.
نابلس
وحينئذٍ أدرك الملك فيصل أن الجنرال مصر على أن يدخل دمشق، وأن كل شروطه ليست إلا ذرائع يريد الاحتجاج بإخلالها لتنفيذ خطته الباغية، وكبر عليه أن يعطي فرنسا مجالاً للزعم بأنها دخلت عاصمة سوريا برضاء أهلها، فأشار على حكومته بأن تعلن قرارها باستعمال السلاح لمقاومة العدوان.
وبادرت الحكو مة فأبقت ما لم يكن قد تم تسريحه من قوى الجيش، وأمرت القوى المنسحبة من مجدل عنجر بالتوقف في المواقع التي وصلت إليها. وأسرعت قيادة الدرك والجيش فجمعت فريقاً من الجنود الذين كانوا قد سرّحوا، وأرسلت كل ما أمكن جمعه من قوى إلى ميسلون للدفاع فيها عن دمشق، ولكن كان من الواضح أن القوة العربية المنظمة كانت قد تضعضعت، ولم يبق هناك متسع من الوقت لجمع شملها وإعادة تنظيمها!
وكان ليل الثالث والعشرين من تموز 1920 آخر موعد عينه الجنرال للدخول إلى دمشق. وكان كل ما استطاعت السلطات السورية حشده في ميسلون جيشاً قليل العدد لا يبلغ المئات ولا يملك من الذخيرة الحربية إلا اليسير، وعدداً من المتطوعين، مسلحين بأسلحة مختلفة ينقصها العتاد. بالإضافة إلى كوكبة من الهجّانة الحجازيين.
وفي صباح 24 تموز زحف الجيش الفرنسي بدبابته وطائراته ومصفحاته، فاستقبله يوسف العظمة بتلك الشراذم ووقف في الطليعة يحرض ويقاتل، ولم يلبث أن استشهد ومشى الفرنسيون إلى دمشق.
وقد شارك في معركة ميسلون عصبة من أبناء جبل عامل الذين كانوا قد لجؤوا إلى دمشق بعد معاركهم مع الفرنسيين (راجع: الثورة العربية).
ميشوداغ
جبال تقع في شمال بحيرة أرمية (إيران) تمتد من الغرب إلى الشرق وتفصل بين سهلي مرند وتبريز المهمين. وتدعى أعلى قمة في هذه المرتفعات علمدار حيث ترتفع 3200م عن سطح البحر.
نابلس
نابلس واحدة من أقدم مدن العالم شيّدها الكنعانيون تحت إسم «شكيم» أي «الكتف»، لأنها بنيت على سفح جبل عيبال (كتف الجبل). وذكرها العهد القديم باسمها الكنعاني هذا، فيما وردت في العهد الجديد باسم «سوخار». وكان أهلها يدعونها «مابورثا» أو «مامورتا» تحريفاً لكلمة «ماباركثا» الآرامية، ومعناها «مدينة البركات». أما اسمها الحالي فهو ما بقي من الاسم اليوناني «نيابوليس» أي المدينة الجديدة.
تقع نابلس في وسط فلسطين يحدها شمالاً مدينة جنين، وجنوباً بيت المقدس، وشرقاً نهر الأردن، وغرباً قيسارية وأرسوف. وهي مدينة مستطيلة قليلة العرضن تقع في وادٍ خصب، لا يزيد عرضه على 600 متر، بين جبلي عيبال شمالاً وجرزيم جنوباً. وتبعد عن البحر البيض المتوسط شرقاً بمقدار 42 كيلومتراً، وعن بيت المقدس شمالاً بـ69 كيلومتراً، وعن عمان غرباً مسافة 114 كيلومتراً.
واشتهرت المدينة بسبب الأهمية الكبرى لموقعها، لأنها محط رحال القوافل القادمة من الشرق، والذاهبة إلى البحر في الغرب، أو القادمة من الجنوب إلى الشمال. وكانت هذه القوافل مضطرة للمرور بنابلس كونها تشغل الممر الضيق الواصل بين غور الأردن والبحر المتوسط وقد التفت المؤرخون القدامى إلى أهمية هذا الموقع، فأشار المقدسي البشاري في «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» إلى أن «نابلس في الجبال، كثيرة الزيتون، يسمونها دمشق الصغرى، وهي في وادٍ قد ضغطها جبلان». وذكرها القزويني في «آثار البلاد وأخبار العباد» فقال «مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين، مستطيلة لا عرض لها».
غير أن الجبلين لم يوفرا الأمان لأهل نابلس. وهذا ما لاحظه المؤرخ الصليبي برخاد في «وصف البلاد المقدسة» بقوله: «إنها بين جبلين، جميلة، مليئة بالخيرات، لكنها غير محصنة، ومن الصعب تحصينها، وإذا هاجمها الأعداء من باب فليس أمام أهلها إلا أن يهربوا من الباب الآخر».
وتبعت نابلس، لفترات طويلة، مدينة القدس في التقسيمات الإدارية، وكانت كذلك عندما وصل الصليبيون إلى القدس في حزيران (يونيو) 1099، وهي في قبضة الفاطميين المنهكين جراء صراعاتهم الطويلة والمريرة ضد السلاجقة، فتمكن الفرنجة من احتلال سواحل بلاد الشام. وفي هذه الأثناء والصليبيون لم يدخلوا القدس بعد، بعث سكان مدينة نابلس وفداً إلى الصليبيين للتفاوض معه بشأن تسليم مدينتهم من دون قتال، فالتقوا الملك جودفري، واتفقوا معه. وبعد الاستيلاء على القدس، توجه الأميران تانكرد ويوستاش إلى نابلس، فدخلوها من دون أية مقاومة، ولم يحوزا شيئاً من الغنائم، على رغم ثراء المدينة وأهلها، لأن هؤلاء أخفوا ثرواتهم، وكل ما يملكون خوفاً من استيلاء الصليبيين عليها.
وبقيت نابلس تابعة للقائد تانكرد ضمن إمارته المعروفة باسم إمارة الجليل التي ضمت مدناً مهمة مثل حيفا وطبرية والناصرة وبيسان… إلى أن توفي الملك جودفري، واستدعي شقيقه بلدوين الأول حاكم إمارة الرها لخلافته كملك لمملكة بيت المقدس، كما انتقل تانكرد إلى إمارة إنطاكية بعد وقوع خاله بوهيمند في الأسر. وبقرار من بلدوين الأول أصبحت نابلس إقطاعية لأسرة ميللي الصليبية ابتداء من العام 1108، وحتى العام 1611 عندما عادت إلى سيطرة الملك بلدوين الثالث، إلى أن أقطعها خليفته الملك عموري لمريم كومنينا إبنة أخ الأمبراطور البيزنطي مانويل كومنين، بعد زواجه منها في العام 1167. وبقي حال نابلس على ما هو عليه حتى وفاة عموري في العام 1174، إذ تزوجت كومنينا، بعد ثلاث سنوات تقريباً من باليان دي أبلين، فانتقلت إقطاعية نابلس إليه.
وعند هزيمة الصليبيين في معكرة حطّين في العام 1187، وصلت أنباء الهزيمة إلى سكان نابلس الصليبيين فغادر عدد كبير من الإقطاعية، وعلى رأسهم الملكة مريم كومنينا وأولادها، في حين كان زوجها باليان يقاتل إلى جانب الملك جاي وإثر فرار قادة الإقطاعية هاجم الفلاحون من سكان قرى وضياع نابلس المسلمين المدينة، واقتحموا بيوت الصليبيين المهجورة، وغنموا ما وجدوه من الذخائر والمتاع وتمكّنوا من بسط سيطرتهم على مباني ومنشآت مدينة نابلس الواقعة في الوادي قبل وصول القوات الإسلامية إليها.
ولما سيطرت القوات الإسلامية على طبرية وعكا، مضى حسام الدين محمد بن لاجين (لاشين) صوب نابلس لفتحها وتطهيرها من بقايا الصليبيين.
وفوجئ حسام الدين عند وصوله إلى نابلس بأنها خالية من سكانها الصليبيين، باستثناء من لجأ منهم إلى قلعتها: فحاصر القلعة، وجد في حصارها، إلا أنها امتنعت عليه، ودافعت حاميتها عنها ببسالة، فشدد الحصار عليها، وهاجمها بعناد، فاضطر الصليبيون، في نهاية الأمر إلى طلب الأمان، وتسليم القلعة. وحين استتبت الأمور لحسام الدين أرسل بعض فرقه للسيطرة على قرى نابلس وضياعها التي كانت بمثابة قلاع تحيط بالمدينة من جميع الجهات لإقرار الأوضاع فيها، وتنظيم شؤونها وتطهيرها من بقايا الصليبيين الذين ربما لجؤوا إلى الكهوف والوديان والأماكن المهجورة.
كان سكان نابلس، في هذه الحقبة، «أخلاطاً من العرب والعجم والسامريين»، هذا بالإضافة إلى الأتراك السلاجقة الذين سكنوا البلاد قبيل وصول الصليبيين. وخلال فترة الصراع الإسلامي ـ الصليبي استقرت جماعات من «الفرنجة» في مدينة نابلس، بلغ عددهم نحو 500 نسمة، عدا من استقر منهم في القرى المحيطة بها. وحضر هؤلاء إلى الأراضي المقدسة في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/ الخامس الهجري، وكان معظمهم من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. وبعد طرد الصليبيين من نابلس وقراها استقر فيها بعض العائلات الكردية والأيوبية والمملوكية.
ويلتفت المؤلف إلى تأثر الصليبيين ببعض عادات أهل البلاد وتقاليدهم، إذ اهتموا بالطابع الشرقي لملابسهم فجعلوها فضفاضة، زاهية الألوان، موشاة بالتطريزات والحرائر. واستخدم بعض نسائهن الحجاب «لا على سبيل الوقار والحشمة، بل خوفاً على الطلاء والمساحيق التي تغطي وجوههن».
وأولى الصليبيون اهتماماً خاصاً بالنظام القضائي في نابلس نظراً إلى اختلاف الطوائف والفئات التي تتشكل منها مملكة بيت المقدس، ومن ضمنها إقطاعية نابلس. ولهذا ظهرت المحكمة العليا التي يجتمع فيها الملك بكبار الإقطاعيين، وتتمثل فيها الكنيسة وجماعات الفرسان الرهبانية، ومملثون لرعايا المدن الإيطالية التجارية باعتبارهم كياناً مهماً في المملكة ولهم مصالح مهمة في كثير من مدنها. واتسعت اختصاتصات هذه المحكمة مع الوقت، فأصبحت بمثابة هيئة تشريعية لا بد من موافقتها على أي قانون أو تشريع جديد، والفصل في ما ينشأ من خلافات بين الأمراء كما كان لها رأي مسموع في توجيه السياسة العامة للمملكة.
وانتشرت المحاكم الوطنية (المحلية) في مختلف إقطاعيات المملكة ومنها نابلس، وكانت تختص بالقضايا المتعلقة بالسكان الأصليين. غير أن هؤلاء سرعان ما ألغوا هذا النظام وشكّلوا محاكم المدن التي يرأس كل واحدة منها موظف فرنجي يساعده ستة محلفين، أربعة من السكان واثنان من الصليبيين.
وتأثرت الحياة الثقافية في البلاد كلها بالاحتلال الصليبي. إذ قتل الصليبيون عدداً كبيراً من العلماء والفقهاء والزهّاد عند استيلائهم على القدس. وارتكبوا مجازر عدة في مختلف المدن التي اجتاحوها. ومن المرجح أن عدداً من علماء نابلس غادرها عند اقتراب الصليبيين منها، فضلاً عمّن غادرها بعد دخولهم إليها. واهتم العلماء الباقون بتعليم قراءة القرآن الكريم، وحفظ الحديث، والتفقه في الشؤون الدينية. وحرضوا الناس على مقاومة الصليبيين وترك العمل في أراضيهم.
وعن التشيع في نابلس نقول إن صاحب (خطط الشام) نقل عن المقدسي قوله في مذاهب الشام في القرن الرابع الهجري: «وأهل طبريا ونصف نابلس وقدس وأكثر عمان شيعة».
«أما اليوم فليس فيها أحد من الشيعة».
نابلس
ـ 2 ـ
مدينة نابلس من أقدم المدن الفلسطينية تاريخاً وحضارة ومن أقدم مدن العالم، ورد ذكرها في كتب العهد القديم، وتحتل موقعاً متوسطاً أكسبها أهمية وشهرة.
تقع نابلس، التي يطلق عليها «دمشق الصغرى» نظراً للتشابه الكبير بين المدينتين، في منطقة غنية بينابيع المياه العذبة وسط فلسطين في وادٍ مستطيل بين جبلي عيبال وجرزيم، وتشتمل في موقعها على الغور والسهول والجبال، التي عرفت باسم «الديار النابلسية»، وهذه تمتد غرباً إلى مدينة طولكرم وشرقاً حتى نهر الأردن وشمالاً حتى سهل مرج ابن عامر وجنوباً حتى جبال القدس.
ذكرت التوراة مدينة نابلس باسم «شكيم» حيث نزلها إبراهيم عليه السلام بعدما هاجر من بابل في بلاد الرافدين إلى مكان يدعى «بلوط مرة»، أي بلاطة، من أرض كنعان في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. اتخذ يعقوب «إسرائيل» عليه السلام من نابلس موطناً له وبنى فيها مذبحاً وحفر بئراً لا يزال يدعى بئر يعقوب في مخيم بلاطة.
تأسست مدينة نابلس على يد القبائل الكنعانية، في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد فوق تل بلاطة، الواقع شرقي نابلس الحالية ودعوها باسم «شكيم» (المكان المرتفع أو الكثيف). مع بداية الألف الثاني قبل الميلاد أصبحت شكيم دولة مدنية حسب النظام السياسي الذي اتّبعه الكنعانيون في ذلك الوقت. وفي بدايات القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأت نابلس تفقد طابعها الكنعاني لتصبح على مر الحقب التاريخية التالية عرضة لغزوات شعوب غريبة عنها، حيث غزيت من قبل القبائل العبرية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ثم من ألآشوريين فالبابليين ثم الفرس وسقطت بأيدي الرومان الذين قاموا بهدمها للمرة الأخيرة سنة 63 ق. م. وبنوا مدينة جديدة سنة 67م إلى الغرب منها قليلاً أسموها نيابوليس «المدينة الجديدة» ومنه لفظ نابلس الحالية. وفي سنة 634م تم فتحها على أيدي المسلمين فدخلت حقبة جديدة من تاريخها خلال العهود الإسلامية الثقافية المختلفة لتقع تحت الاحتلال الصليبي ثم ليتم تحريرها على أيدي الأيوبيين ليحكمها بعد ذلك المماليك ثم الأتراك العثمانيون الذين اشتهرت في عهدهم بردّها الغزو الفرنسي بقيادة بونابارت.
تقع بالقرب من نابلس (سبسطية)، المدينة الشهيرة بآثارها الرومانية، وفيها توجد أصغر طائفة دينية في العالم هي الطائفة السامرية، التي تملك أقدم نسخة من التوراة على وجه الأرض. وهذه الطائفة ذات تاريخ موغل في القدم حافل بأحداث هائلة.
بلغ عدد سكان المدينة العام 1922 حوالي 15947نسمة والعام 1945 حوالي 23300نسمة وبلغ العام 1967م بعد الاحتلال الإسرائيلي، وفق الإحصاء الإسرائيلي، حوالي 61050نسمة بما فيها مخيمات اللاجئين. ارتفع العدد إلى 106900 نسمة في العام 1987 وتقدر مساحتها العمرانية بـ(127) ألف دونم. وكانت نابلس تشكل ثقلاً اقتصادياً مهماً قبل الاحتلال، كانت من أهم مدن الضفة الغربية والشرقية لنهر الأردن. ونتيجة لسياسات الاحتلال التي تقوم على تدمير الاقتصاد الوطني تعرضت الصناعات الكبيرة فيها إلى التراجع وهبوط مستوى إنتاجها. وأهمها صناعات النسيج والجلود والكيماويات والصناعات المعدنية.
وتعد الطائفة السامرية التي تقيم على جبل جرزيم من بقايا شعب قديم منحدر من مملكة إسرائيل الشمالية قبل ثلاث آلاف سنة ونيف.
لم يفقدوا هويتهم كشعب قائم بحد ذاته وتمثلهم الآن أصغر وأقدم طائفة موجودة في العالم.
ويرجع تاريخ السامريين إلى عهد الملك سليمان (92 قبل الميلاد) ويبلغ عددهم الآن قرابة 625 نسمة، نصفهم يسكن الجبل الجنوبي من مدينة نابلس (جرزيم) والقسم الآخر في مدينة حولون قرب تل أبيب.
ولأبناء هذه الطائفة تقاليد خاصة فيما يتعلق بالصلاة والزواج والطعام والميراث والتقويم ولديهم متحف يروي قصة كفاحهم عبر الزمن يحتوي على مخطوطات نادرة تستقطب الباحثين والدارسين.
وتتوسط نابلس حالياً، البلدة القديمة التي تحتفظ ببنيانها القديم الأثري بالرغم من تقدم الزمن وعمليات الإعمار، التي شهدتها في العهدين المملوكي والعثماني، من إقامة مباني عامة وحمامات وأسواق ما تزال ماثلة إلى يومنا هذا.
يلاحظ في واجهات المباني القائمة استعمال أنواع وأحجام من الحجر خارجة عن المعتاد في الأبنية المجاورة والمماثلة وهذا ناتج بالدرجة الأولى إلى إعادة استعمال الأحجار من مواقع أثرية.
ربما يكون ما قام به الرومان عند تأسيس مدينة نيابوليس، من هدم مدينة شكيم الكنعانية ونقل حجارتها لبناء مدينتهم، الأساس الذي اتبعته الأمم اللاحقة بهدم ما هو قائم وإعادة استعمال الأحجار لبناء الجديد لكن التغيرات الجوهرية التي حصلت على العمارة التقليدية في نابلس القديمة تجعل تحديد هويتها بحثاً صعباً يحتاج إلى دلائل من المبنى نفسه تاريخه وطرازه المعماري.
ولعبت نابلس دوراً بارزاً في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بدايات القرن العشرين، وأطلق عليها مدينة جبل النار لدورها في مقارعة الجيش الإنكليزي وإيقاع خسائر فادحة في صفوفه كما أنها شهدت العديد من الانتفاضات والمؤتمرات الرافضة للوجود البريطاني في فلسطين.
وبعد قيام الدولة العبرية المحتلة على الجزء الأكبر من فلسطين في العام 1948 سجلت مشاركة واسعة في مقاومة الوجود الصهيوني في فلسطين وقدمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى في سبيل ذلك واحتضنت آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين فقدوا ديارهم بسبب الاحتلال.
تكثر دور العبادة في مدينة نابلس، التي شهدت بناء عشرات المساجد منذ مطلع القرن الحالي حيث يزيد عددها حالياً عن ستين مسجداً يعود بعضها لعصور قديمة.
يتميز النابلسيون بممارستم التجارة والصناعة وتعد مدينتهم أهم مركز صناعي في فلسطين وتعتمد منتجاتهم على المواد الخام المحلية وأهمها الزيوت النباتية والصابون والجلود والحلويات ومواد البناء كما تمتاز بشهرة فائقة بالصابون النابلسي، الذي تفتخر بجودته واعتماده على زيت الزيتون النقي في تركيبه وتطلبه جميع الأسواق في الشرق الأوسط وتم حصر 65 مصنعاً للصابون فيها. وحاول المحتل الإسرائيلي سرقة العلامة التجارية المشهورة لنابلس.
من أشهر عائلات نابلس: طوقان، عبد الهادي، زعيتر، الشكعة، النابلسي، المصري، كنعان، النمر، شاهين، الطاهر. ومن أشهر شخصياتها: الشاعر إبراهيم طوقان وأخته الشاعرة فدوى. والكاتبان المفكران عادل زعيتر وأخوه أكرم والسياسي المناضل عوني عبد الهادي.
وتحتضن المدينة جامعة النجاح الوطنية كبرى الجامعات الفلسطينية ويزيد عدد طلبتها عن 12 ألف طالب أسست العام 1977 بعد أن كانت مدرسة ثانوية منذ العام 1917. للجامعة دور بارز في الحركة الوطنية الفلسطينية إلى جانب مساهمتها في الحركة الأكاديمية والأدبية الفلسطينية والعربية.
تحتضن نابلس كما أسلفنا عشرات المواقع الأثرية والتاريخية ومن أهمها:
1 ـ تل بلاطة (نابلس القديمة ـ شكيم) ويقع شرقي المدينة ويتميز بتحصيناته الكنعانية القوية حيث تظهر بقايا أكثر من سور وبوابة شرقية وأخرى غربية وبقايا معبد كنعاني في الوسط.
2 ـ كنيسة بئر يعقوب ـ تقع جوار مقام النبي يوسف قرب بلاطة، شرقي نابلس وقد أسست في القرن الرابع الميلادي وتهدمت وأعيد بناؤها أكثر من مرة وتجري حالياً ترميمات عليها من قبل القائمين على شؤونها.
3 ـ المسرح ـ يقع في حي كشيكة رأي العين وقد أسس في القرن الثالث الميلادي للعروض الثقافية ثم أهمل واندثر في القرن الرابع الميلادي ليتم اكتشافه العام 1985.
4 ـ المدرج ـ يقع وسط المدينة مقابل مستشفى الوطني وقد أسس في القرن الثالث الميلادي كحلبة للمصارعة بين الإنسان والحيوان.
5 ـ معبد جوبيتر ـ يقع في تل الرأس في جبل الطور. وأسس كمعبد للإله جوبيتر في القرن الثاني للميلاد وتم اكتشافه العام 1930م.
6 ـ كنيسة مريم العذراء ـ تقع على جبل الطور وأقيمت في القرن السادس الميلادي على أنقاض معبد سامري وتم اكتشافها العام 1940 ويجري حالياً توسيع الحفريات من قِبل سلطة الاحتلال الإسرائيلي.
7 ـ الجامع الكبير ـ يقع وسط البلدة القديمة وهو من أكبر جوامع المدينة وأقدمها وأصله كنيسة بيزنطية بنيت في موقعها كنيسة صليبية العام 1167 ثم حوّلت إلى جامع بعد تحرير المدينة من الصليبيين العام 1187.
8 ـ جامع الخضراء ـ يقع في الطرف الغربي من حارة الياسمينة والموقع قديم جداً أقيمت فيه كنيسة صليبية في عهد الاحتلال الصليبي حولت إلى مسجد العام 1187 ثم أعيد بناؤها في العهد المملوكي.
9 ـ مقام الشيخ غانم ـ يقع في جبل الطور وهو مقام إسلامي يعود للعهد الأيوبي دفن فيه الشيخ عبدالله بن غانم العام 1309م.
10 ـ مجموعة من الحمامات التركية القديمة. أهمها حمام السمرة وحمام الجديدة اللذان ما زالا يعملان حتى الآن ويقصدهما السياح والمواطنون بشكل كثيف وتقام فيهما الحفلات التراثية وحفلات زفة العرسان التقليدية.
11 ـ خان التجار (سوق القماش) ـ يقع وسط البلدة القديمة ويعود للعهد التركي العثماني وهو يمثل بؤرة النشاط التجاري والسياحي في المدينة.
الناصريات
كتاب للشريف المرتضى
طبع في إيران سنة 1276هـ ضمن كتاب «الجوامع الفقهية»، تشتمل على (207) مسائل بين فقهية وعقائدية، وهي شرح ونقد وتسديد لفقه جده «الحسن الأطروش»، صاحب «الديلم»، و«طبرستان».
وأهمية الكتاب ترجع إلى سببين: تاريخي، يكشف عن مذهب الناصر ودعوته في بلاد الديلم ـ ومذهبه محل خلاف في كتب الرجال ــ، وعلمي، فإن فيه دراسة مقارنة بين مختلف المذاهب وبخاصة المذهبان: الزيدي، والإمامي الاثني عشري.
ويظهر مما ورد في هذه الرسالة من أسماء مؤلفاته الأخرى أنها جاءت متأخرة عن تأليف تلك المؤلفات، فمن تلك المؤلفات: كتاب «الخلاف» و«مسائل أصول الفقه» و«العدد» و«تنزيه الأنبياء».
نبراس الضياء (كتاب)
ـ نبراس الضياء في إثبات جدوى الدعاء، تأليف محمد باقر الميرداماد، تحقيق: حامد ناجي الأصفهاني.
ميرداماد، أحد حكماء العصر الصفوي البارزين سعى إلى مزج ودمج مبادئ الحكمة المشائية بالمظاهر والتجليات الإشراقية، وتنم آثاره الفلسفية عن طول باعه في ميدان العلوم والمعارف الإسلامية، وتدور الرسالة الحالية حول مسألة البداء والدعاء وهي من أهم مؤلفات ميرداماد الكلامية.
النبطية الفوقا
كانت النبطية «الفوقا» في المراحل التاريخية التي تلت العصور الوسطى منبعاً لعلماء جبل عامل تضاهي جباع وجزين ومشغرة وعيناثا، خرج منها العديد من العلماء، بهذا القول عرّف السيد محسن الأمين النبطية الفوقا، وتحدث عن أهمية الحركة العلمية الناشطة التي عرفتها بلاد جبل عامل بشكل عام، والنبطية الفوقا بشكل خاص، وهنا لا بد من التوقف والتأمل لمعرفة مضمون رأي السيد محسن الأمين ، ومعرفة رواد الحركة العلمية وأعلامها الذين انطلقوا من مدرسة تلك القرية الصغيرة.
النبطية الفوقا قرية من أعمال بلاد الشقيف، كانت تتأرجح بتبعيتها الإدارية في المدى التاريخي الوسيط والحديث بين بانياس وعكا وصفد وفي أحيان أخرى تتبع صيدا. عرفت في القرن التاسع الهجري ـ السادس عشر الميلادي باسم النبطية العليا، وبعده باسم النبطية الصغرى. أهملها الباحثون المحدثون وتناساها أو سها عنها المهتمون بدراسة تاريخ جبل عامل، وفي طليعة الأسباب الغموض الذي كاد يطال تاريخ جبل عامل بكامله في مراحل كثيرة من التاريخ. وإذا كان الأمر كذلك فكيف بقرية صغيرة إذا ما أهمل ذكرها وتبعثرت المعلومات حولها فجاءت على شكل نتف في بعض المصادر ـ رغم ندرتها ـ وفضلاً عن ذلك، فإن معظم المهتمين بالدراسات الحضارية الفكرية منها والثقافية في بلاد جبل عامل وجهوا أعمالهم البحثية ـ على قلّتها ـ إلى المدن والمناطق التي طالتها أو جرت حولها أحداث وتطورات معينة خلال القرن التاسع عشر وعشية القرن العشرين، متجاوزين الالتفات إلى الأحداث التي عرفتها النبطية الفوقا خلال حكم مقدمية جزين الشيعية في العصور الوسطى وقائدها الشيخ محمد بن مكي ـ الشهيد الأول ـ ومعركة الشهداء التي جرت على أرض القرية (1383) والقضاء على حركة الردة والتمرد التي قادها الشيخ محمد اليالوشي ضد مقدمية جزين بتحريض المماليك يومذاك. وكان من إفرازات تلك المرحلة أن حركة علمية وثقافية انطلقت فيها جعلتها في طليعة البلدات والقرى في جبل عامل ومركزاً علمياً ناشطاً ساهم في نهضة الحركة العلمية عبر مدرستها التي شمخت فكانت في الأيام السالفة منبعاً لعلماء جبل عامل ضاهت غيرها من مدارس المنطقة. وتخرج فيها علماء ورجال دين وأدباء ومؤلفون طافوا العالم الإسلامي وأفادوا من علومهم أنّى حلوا، مما جعل لبلاد جبل عامل شهرة جالت العالم الإسلامي. وكان اسم النبطية الفوقا «العليا» يقرن بالإجلال والتكريم، وللتمييز حمل كل علم من أعلامها بالإضافة إلى إسمه كنية «النباطي». وعلى قاعدة الترجيح شبه المؤكد يمكن القول إن مدرسة النبطية الفوقا كانت تستقبل طلابها خلال القرن العاشر الهجري ـ السابع عشر الميلادي، وكانت تزدهر بعمرانها فضمت بين جنباتها خيرة من المعلمين أمثال الشيخ يونس النباطي، وحافلة بطلابها الذين تخرجوا أو علموا فيها أمثال الشيخ علي بن يونس النباطي. ومواد التدريس فيها كانت تشمل الفقه والأصول والحكمة الإشراقية والكلام والتوحيد والمنطق والفلسفة القديمة، عدا العلوم العربية كالنحو والصرف والبيان واللغة، ودروس الفقه والأصول وكان بعضهم يدرس علم الهيئة والحساب والجبر. واستمر ازدهارها حتى كانت فترة حكم الجزّار في عكا وتسلطه على رجال العلم والعلماء «الشيعة» فتراجعت الحركة العلمية في شتى أنحاء جبل عامل، وتعقب الجزار أعلام البلاد وعلماءها قتلاً وسجناً ونفياً وتشتت شملهم في الأقطار، وصادر مؤلفاتهم وآثارهم العلمية، فكان لأفران عكا من المؤلفات والمخطوطات النادرة ما أشغلها بالوقود، ولم ينج منها سوى ما تمكّن بعضهم من حمله عند نزوحه عن جبل عامل. وبعد هلاك الجزار عادت الحركة العلمية إلى الانبعاث من جديد وأعيد التعليم في مدرسة النبطية الفوقا على يد أسرة رائدة في العلم والعلماء هي أسرة آل نور الدين فأصلحوا البناء المدرسي ووسّعوه واستقبلوا الطلاّب وأمنوا المدرسين ووفروا الأقوات والإقامة. وحملت ـ يومذاك ـ اسم المدرسة «النورية» نسبة إلى آل نور الدين، وكان آخر العلماء الذين أشرفوا على إدارتها ومسؤوليتها الكاملة عالم جليل هو «السيد محمد علي نور الدين». وبوفاته عام 1907 بدأ زمن ضعفت فيه الهمة وقلّت الرغبة وانصرف الناس عن طلب العلم بعد ما ضربت الكوارث الاقتصادية والاجتماعية مخيمها في بلاد جبل عامل فأهملت المدرسة النورية وتراجعت وتلاشى وجودها.
ومهما يكن الأمر فإن لمدرسة النبطية الفوقا، عبر كل الذين شاركوا في نشاطها، الأثر العلمي والثقافي الرائد في تاريخ الحركة العلمية في جبل عامل بل في أرجاء العالم الإسلامي قاطبة ومن أهمهم نذكر:
ـ الشيخ أحمد بن سليمان النباطي، كان عالماً فاضلاً محققاً ماهراً صالحاً شاعراً، يروي عنه الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني إجازة وقرأ عليه، وهو يروي عن الشهيد الثاني «الشيخ زين الدين»، عاصر المحقق الكركي «الشيخ علي بن عبد العالي»، وهو من أجداد الشيخ الفقيه أحمد بن الحسين النباطي، والجد الأعلى للشيخ سليمان بن الحسين النباطي، وأحد أساتيذ الجد الأعلى لأسرة شرف الدين. كان سنة 984 ـ 1576 لا يزال حياً.
ـ الشيخ أحمد بن موسى النباطي، والد الشيخ علي النباطي، كان فاضلاً صالحاً عابداً، ارتحل عن «النبطية الفوقا» إلى العراق فسكن النجف ومات بها. لم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ أحمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن سليمان العاملي النباطي، كان عالماً فاضلاً أديباً صالحاً عابداً ورعاً، عاصر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي «صاحب أمل الآمل المتوفى سنة 1104، قرأ على الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن ابن الشهيد الثاني وغيره. وقرأ في مكة على السيد نور الدين العاملي. توفي في قرية «النبطية الفوقا» سنة 1079 ـ 1668.
ـ الشيخ بهاء بن علي النباطي، كان من الفضلاء الصالحين وفقيهاً غادر «النبطية الفوقا» إلى العراق وسكن النجف، ثم انتقل إلى الحلّة ومات بها، لم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ حسن بن سليمان بن الحسين بن محمد بن أحمد بن سليمان العاملي النباطي، كان فاضلاً صالحاً، عاصر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة 1104 ـ 1192.
ـ الشيخ حسن الفتوني النباطي، كان فاضلاً فقيهاً صالحاً صدوقاً، معاصراً للشهيد الثاني «زين الدين» المتوفى سنة 953 ـ 1546.
ـ الشيخ حسن بن عبد النبي بن علي بن أحمد بن محمد العاملي النباطي، كان فاضلاً فقيهاً عالماً أديباً شاعراً. قرأ على ابن عمه الشيخ حسن بن زين الدين «الشهيد الثاني» وعلى أبيه بحسب رواية «الحر العاملي»، وذلك في مدرسة النبطية الفوقا. وقد وجدت «رقعة» بخط يده كتب عليها حديث للإمام الصادق قال: «إنما سمي البليغ بليغاً لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه». لم يذكر ولم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ زين العابدين بن محمد بن سليمان العاملي النباطي، كان فاضلاً عابداً زاهداً ورعاً فقيهاً محققاً جليل القدر، من تلاميذه الشيخ محمد الحر العاملي (صاحب أمل الآمل) ت/1104، والشيخ حسن بن زين الدين «الشهيد الثاني» ت/1104، والشيخ عبد العزيز بن الحسن العاملي ت/1176. لم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي النباطي، قرأ على والده الشيخ يونس النباطي العينفجوري في النبطية الفوقا، كان عالماً فاضلاً محققاً مدققاً شاعراً أديباً متبحراً. له كتب عديدة عمّت العالم الإسلامي ـ يومذاك ـ أهمها: «الصراط المستقيم إلى مستحق التقديم»، ورسالة في المنطق سماها «اللمعة» و«مختصر المختلف» و«مختصر مجمع البيان» و«مختصر الصحاح» وأن كتب المختصر تتضمن ما يزيد على عشرين ألف بيت، و«رسالة في الكلام»، و«رسالة في الإمامة» وغيرها. وقد وجدت له بخط يده مجموعة رسائل نفيسة. توفي في النبطية الفوقا ودفن فيها، ويظن أن القبرين الملازمين ـ حتى اليوم ـ لمكان المدرسة «النورية» في النبطية الفوقا يضمان رفاته ورفاة والده. وكانت وفاته سنة 877 ـ 1472.
ـ الشيخ سليمان بن الحسين بن محمد بن أحمد بن سليمان العاملي النباطي، قرأ على والده الشيخ الحسين بن محمد، وعلى بعض أعمامه وعلماء عصره حتى كمل في العلوم الإسلامية، عاصره في مرحلة التحصيل العلمي في النبطية الفوقا كل من أخيه الشيخ أحمد بن حسين والشيخ محمد بن الحر العاملي. توفي والده وهو في الثالثة والأربعين، فقام مقام أبيه في المرجعية بالأحكام، أدّى فريضة الحج سنة 1078 وعاد مريضاً، في سنة 1080 ـ 1696.
ـ الشيخ عبد النبي بن أحمد العاملي النباطي، كان عالماً فاضلاً جليلاً فقيهاً، ارتحل عن النبطية الفوقا إلى بلاد الشرق، واستقر في الهند، وعاصر قاضي حيدر آباد الركن، توفي هناك، ولم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ عبد النبي بن علي النباطي، وهو أخو الشيخ زين الدين المشتهر بالشهيد الثاني (في تاريخ الشيعة)، كان فاضلاً فقيهاً صالحاً عابداً ورعاً شاعراً أديباً، روى عن أخيه وعن الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، يروي عنه ولده الشيخ حسن بن عبد النبي، لم يعرف تاريخ وفاته.
ـ الشيخ علي بن أحمد بن موسى العاملي النباطي، كان فاضلاً صالحاً عاصر الشيخ محمد بن الحر العاملي، سكن أصفهان، لم تشر المصادر إلى تاريخ وفاته.
ومن رواد الحركة العلمية والثقافية والدينية التي حمل مسؤوليتها آل نور الدين في النبطية الفوقا، نذكر:
ـ السيد حيدر نور الدين الموسوي العاملي النباطي، وكان عالماً فاضلاً عابداً زاهداً، كان من علماء القرن الثاني عشر ـ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، كانت إقامته في النبطية «الفوقا»، فوض بالمرجعية لأهل تلك المنطقة ومعظم جبل عامل، عاصره وشاركه في المسؤوليات الدينية والتعليمية السيد حسن نور الدين أنجب أولاداً وأحفاداً علماء ذاع صيتهم، ومنهم:
ـ السيد محمد علي نور الدين الذي كان له الدور الرائد في دعم المدرسة «النورية» في النبطية الفوقا، ساهم في إدارتها وتمويلها ورعاية طلابها، وآخر كوكبة من «طلابها» الذين تعلموا فيها الشيخ عبدالله والشيخ محمد الحر والشيخ رشيد قعون الزبديني المتوفى في النجف 1899، والشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ضاهر والشيخ علي مروة، والشيخ جواد سبيتي، والشيخ حسين محمد صفا، واليسد علي جواد فحص، ومحمد جابر صفا، وغيرهم. وقد تسلّم السيد محمد علي نور الدين المرجعية في بلاد الشقيف، توفي سنة 1907. وبوفاته تراجع العمل التعليمي في المدرسة النورية وتلاشى، وقبيل وفاته انتقل التعليم إلى النبطية التحتا بتشجيع السيد حسن يوسف بن مكي الذي أسس المدرسة الحميدية عشية القرن العشرين (1891).
ـ السيد مهدي نور الدين وهو أخو السيد محمد علي نور الدين، شارك في التعليم والتوجيه، غادر النبطية الفوقا إلى العراق وسكن النجف الأشرف ومات فيها، لم يعرف تاريخ وفاته.
ـ السيد عبد الحسين بن السيد إبراهيم نور الدين، صاحب كتاب «الكلمات» وغيره من المؤلفات المخطوطة، توفي 1950 ودفن في النبطية الفوقا.
وبعد، يمكن القول إن الحركة العلمية التي عرفتها النبطية الفوقا عبر روادها قد ضاهت مثيلاتها من بلاد جبل عامل في الزمن الغابر.
د. محمد يوسف غندور
نُـبُّـل
بلدة تبعد عن مدينة حلب حوالى 24 كلم ويبلغ عدد نفوسها حوالي عشرين ألفاً، جميع سكانها من الشيعة وفيهم من ينتمون في نسبهم إلى بني زُهرة الشهيرين في حلب، ويعرفون اليوم بآل محيي الدين ويبلغ عددهم حوالى 500 نسمة.
ومن بين البلدات الشيعية التابعة لحلب: بلدة (الزهراء) التي تبعد عن مدينة إدلب حوالي 20 كلم ويبلغ عدد نفوسها 13 ألف نفس كلهم من الشيعة. ومن البلدات الشيعية في شمالي سوريا بلدة (الفوعة) التي تبعد عن مدينة إدلب حوالي عشرة كلم ويبلغ عدد نفوسها حوالي عشرين ألف نفس، وبين سكانها يوجد بقايا من بني زهرة وهم يحملون أسماء عدة أسر.
وعلى ذكر بني زُهرة نقول: إنهم ظلّوا يعرفون في حلب حتى ما قبل مائتي سنة ثم ذابوا في المحيط فلا يعرف منهم اليوم أحد. وفي حلب اليوم زقاق يسمى زقاق الزهراوي، وهو منسوب إليهم لأن دورهم كانت فيه، كذلك يوجد في حلب بستان كبير كان يعرف ببستان الزهراوي، وهو يعرف اليوم عند العامة ببستان الزهرا. وقد تحول قسم كبير منه إلى بنايات سكنية.
وعدا بلدة الفوعة التابعة لأدلب توجد هنواك بلدة شيعية أخرى تتبع أدلب جميع سكانها من الشيعة هي بلدة (كفريا) التي تبعد عن أدلب 16 كلم ويبلغ عدد سكانها حوالي اثني عشر ألف نفس.
أما بلدة (معرة مصرين) التي تبعد عن أدلب خمسة كلم ويبلغ عدد سكانها حوالى مائة ألف نفس فإن عدد الشيعة فيها لا يتجاوز ربع السكان وهم يسكنون جميعاً حياً من أحيائها.
النجف الأشرف
ـ 1 ـ
لمدينة النجف ثلاثة أسماء: النجف، الغري الغريين، المشهد، والاسم الغالب هو النجف، أما الغري فقد عرف قديماً، وهو غير متداول اليوم، وأما المشهد فأكثر ما يعرف في العراق.
النجف المدينة
(النجف) تعني شيئين اثنين تعني مدينة كاملة وتعني في نفس الوقت معهداً جامعياً. ولتداخل المدينة في المعهد والمعهد في المدينة صارت الكلمة تدل عليهما كليهما معاً. ومن هنا صار لزاماً على الدارسين أن لا يفصلوا أحدهما عن الآخر وأن يتحدثوا عن الأول حين يتحدثون عن الثاني لترابط حياتيهما ترابطاً تاماً وانسجامهما انسجاماً كاملاً.
موقع النجف
تقع مدينة النجف على حافة الهضبة الغربية من العراق، وتبعد عن فرات الكوفة ما يقرب من عشرة كيلومترات من غربي الكوفة في مرتفع يطل من الشمال والشرق على منبسط فسيح تغمره القباب والشواهد في مقبرة لا تدرك العين مدى اتساعها ويطل من الغرب والجنوب على وادٍ رحب ربما كان فيما غبر من أزمان التاريخ الأبعد بحيرة جفت ونضبت.
ولارتفاع النجف وأطلالها على الرحاب والسهول كانت أيام الساسانيين والمناذرة والعباسيين منتزهاً يقصدونه في الربيع، ويشير إلى بعض ذلك المسعودي في مروج الذهب وهو يتحدث عن الحيرة قائلاً: وكانت قصور العباسيين مشرفة على النجف، يتنزهون بها أيام الربيع.
وللشعراء الكثير من الشعر في النجف غير البعيدة عن الماء والخضراء في الكوفة من ذلك قول محمد الحِمّاني:
فيا أسفي على النجف المعرّى
وأودية منورة الأقاحي
وما بسط الخورنق من رياض
مفجرة بأفنية فساح
وواأسفا على القناص تغدو
خرائطها على مجرى الوشاح
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
ما إن رأى الناس في سهل ولا جبل
أصفى هواء ولا أعذى من النجف
كأن تربته مسك يفوح به
أو عنبر دافه العطار في صدف
حفت ببر وبحر من جوانبها
فالبر في طرف والبحر في طرف
وبين ذاك بساتين يسيح بها
نهر يسيل يجاري سيله القصف
وما يزال نسيم من أياً منه
يأتيك منها بريّاً روضة أُنف
نلقاك منه قبيل الصبح رائحة
تشفي السقيم إذا أشفى على التلف
لو حلّه مدنف يرجو الشفاء به
إذاً شفاه من الأسقام والدنف
والصيد منه قريب إن هممت به
يأتيك مؤتلفاً في زي مختلف
ولبعض أهل الكوفة:
وبالنجف الجاري إذا زرت أهله
مهاً مهملات ما عليهن سائس
خرجن بحب اللهو في غير ريبة
عفائف باغي اللهو منهن آيس
يردن إذا ما الشمس لم يخش حرها
ظلال بساتين جناهن يابس
إذا الحر آذاهن لذن بغينة
كما لاذ بالظل الظباء الكوانس
لهن إذا استعرضتهن عشية
على ضفة النهر المليح مجالس
يفوح عليك المسك منها وإن تقف
تحدث وليست بينهن وساوس
ولكن نقيات من اللؤم والخنا
إذا ابتذّ عن أبشارهن الملابس
وقال العالم الشاعر المعاصر النجفي الشيخ محمد جواد الجزائري عندما كان معتقلاً في سجن الإنكليز بعد ثورة النجف عليهم سنة 1336 هجرية. وهي الثورة التي سبقت الثورة الكبرى:
خَلّيا عنّي ذكر المُصَلّى
إنّ لي عَن مَربع الغيد شُغْلا
وَاكُرا وادي (الغَريّين) وادي (النجـ
ـف) الأعلى ومَنْ فيهِ حَلاَ
واذكُرا لي ما بِهِ مِنْ رُبوعٍ
وَانشدا أخبارَها واستمِلاّ
واسألا الركبان عَنْهُ وَقُولا
أَلكُمْ عَهْدٌ بأهْلِيهِ أم لا؟
يا خَليليّ انشدا لي رُبُوعاً
ضمنَت مِنِّي فَرْعاً وَأًصْلا
أنا لا أَسْلوا (الغَريّين) يَوماً
إنّ لي بَيْن مَغانيه أَهلا
أَوقَدوا نار وَغى لَيْسَ تُطْفَى
أَو يَنَالُ الشعبُ عرشاً مُعَلّى
أنا إن غَيّبَني الأسرُ عَنْها
مُوثَقاً جِسمي قَيداً وَغلاّ
طاوِياً قَلبي مِمّا دَهَاني
حرقاً لَوْ حَلّت الصخر فُلاّ
فَلَقَدْ جَرَّدْتُها عَزَمَاتٍ
ماضياتٍ قَدْ أَبَتْ أَنْ تَذلاّ
وَأَثَرْتُ الحَرْب صَوناً لِعَليا
ها وَوَفّيْتُها ذماماً وإلا
كيف تكونت النجف
إذا صح أن تكون النجف متنزهاً أيام الربيع فلم يكن ليصح أن تكون مدينة، ولو أن الخيار كان بيد من اختاروها مدينة لما اختاروها أبداً فليس من المعقول أن يختار الحصيف مدينة على مرتفع عاطش لا نبع يسقيه ولا عين ترويه، ولا وسيلة يومذاك، لتصعد بالماء إليه من الوهاد والسهول.
ولكن النجف فرضت نفسها مدينة فرضاً، فقد شاء لها القدر أن يحمل إليها في ليلة من الليالي جثمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيدفن فيها سراً ويعمي القبر إلا عن الأبناء والأحباب. وللإمعان في السرية اختيرت بقعة منعزلة في مرتفع من مرتفعات ضهر الكوفة الذي كان يعرف بالنجف، ودفن فيها الجثمان في بقعة وسط منها بين ربوات ثلاث فيها.
وربما استنتج من بعض ما أورده الطبري في تاريخه والأصفهاني في مقاتل الطالبيين أنه كان في النجف أيام المنصور قرية عامرة، لا في مكان القبر ولكن في مكان ما من رقعة النجف الرحبة. وإذا صح هذا الاستنتاج فربما كان دليلاً على ان الزائرين القليلين العارفين بحقيقة القبر كانوا السبب في بناء تلك القرية وأنها إنما بنيت لهم ولأمثالهم من الوافدين ليجدوا فيها المأوى والمأكل والمشرب في صحراء لا مأوى فيها ولا مأكل ولا مشرب.
تطور النجف
إذن السنة 170 للهجرة هي مولد النجف الأول مكاناً فيه بناء وفيه ناس ظاهرون، ولم يكد هذا المولد يعلن عن نفسه حتى كانت النجف تستقبل يوماً بعد يوم أفواجاً من الناس تلتقي على غير موعد حول القبر الذي شغفت بنزيله. والذين طالما أمضَّهم الخوف على أنفسهم من زيارة قبر علي(ع) عادوا اليوم يزحفون بالمئات إلى ذلك القبر بعد أن أمنوا على أنفسهم وزال ما كانوا يحذرون، والذين طالما ودوا لو جاوروا القبر الحبيب وجدوا اليوم بغيتهم فجاوروه مغتبطين، وتتالى البناء وتتابع العمران ولم يجئ القرن الرابع الهجري حتى كانت النجف قد أصبحت مدينة عامرة. وفي القرنين السابع والثامن الهجريين أي في نحو القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين كانت النجف قد غدت مدينة من أمهات مدن العراق وكانت المدارس والمساجد والمعاهد أبرز ما فيها.
مرقد الامام علي عليه السلام في النجف الأشرف
ولعل من المفيد أن نشير إلى ما وصفها به الرحالة ابن بطوطة حين زارها في أواسط القرن الرابع الهجري فقال عنها: «ثم رحلنا ونزلنا مشهد علي بن أبي طالب بالنجف وهي مدينة حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقّالين والطبّاخين والخبّازين ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة».
النجف مركز فكري إسلامي عالمي
تعد مدينة النجف الأشرف في العراق من أهم المراكز العلمية الإسلامية في العالم، فمنذ أن أرسى قواعد الدرس الديني فيها محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ، لا تزال ـ حتى الآن ـ مركزاً مهماً من مراكز الإشعاع الفكري الديني في العالم.
وقد تخصصت الدراسة العلمية في هذا المركز الديني بفكر أهل البيت عليهم السلام في العقيدة والفقه وسائر العلوم الإسلامية الأخرى كالتفسير والحديث وعلم الكلام، والمعارف التي تلتقي معها كالفلسفة وعلم المنطق.
وساهمت متعاضدة مع لداتها الأخرى من المراكز الإسلامية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي في الإضافات الفكرية الجيدة، والتطوير لما هو أفضل وأنفع.
وفي أحضان هذه الأم العلمية ولد الأدب النجفي العربي وترعرع ونما شعراً ونثراً.
وإذا عدنا نلتمس الأسلوب لهذا الأدب، والمنهج لذلك العلم، فلا نعدو أن نرى ـ وبوضوح ـ الأسلوب والمنهج التاليين:
1 ـ الأسلوب
وأريد به أسلوب التعبير في الكتابات الأدبية والأخرى العلمية.
أ ـ ففي الكتابات العلمية: لأنها لم تخرج كثيراً عن الدوران حول المقررات الدراسية موادّ وكتباً: تعريفاً وتعليقاً وتحشية وشرحاً، جاء أسلوبها في التعبير متأثراً بمنهجها في الفكر حيث ضغط العبارة بما قد يؤدي ـ في أكثر الأحيان ـ إلى الغموض في أداء المعنى المقصود منها، وربما إلى التعقيد الذي يحتاج إلى تفكيك العبارة وتحليل معانيها.
ويعود هذا ـ كما سنتبينه ـ إلى اعتماد المناهج العقلية في التعليم والكتابة (المنهج الفلسفي والمنهج الكلامي والمنهج المنطقي).
ب ـ أمّا النتاج الأدبي فقد كان الأدباء النجفيون يعنون كثيراً بتقديس اللفظة تقديساً يدعو كثيراً إلى الاهتمام الكبير بالمحسنات البديعية التي تدعو هي الأخرى بدورها إلى توليد العبارة من العبارة لا للتأكيد وإنما للتحسين والتجميل.
وفي هذه الأجواء وبين موسيقى الألفاظ المتأتية من السجع والتوليد تضيع الفكرة، وقد تستعصي عن أن يصطادها القارئ.
ولا أراني بحاجة إلى سوق الأمثلة لذلك، لأن هذا النمط من الأسلوب ظاهرة أدبية بيّنة.
2 ـ المنهج
وأعني به الطريقة في البحث العلمي التي كانت تنتهج في التدريس والتأليف.
ولأن الإمامية من فرق المسلمين العقائدية التي عرفت باتباع العقل في مجال العقيدة في مقابلة الفرق الاسلامية السلفية التي عرفت باتباع النقل.
ولأن علم الكلام أقدم العلوم الإسلامية وجوداً في عالم الفكر الإسلامي فلم يسبقه إلاّ الفقه والرواية والتفسير في بداياتها.
ومن المعلوم المفروغ منه أن علم الكلام عقلاني المنهج، أي أنه يعتمد المبادئ العقلية، أو قل: الكليات العقلية في مجال البحث، ومن أقدم من بحث في الفكر الكلامي هم الإمامية والمعتزلة، إن هذا العلم كان قد أثّر على الجو العلمي آنذاك، وأثرى بمعطياته الساحة الفكرية، وتمثل هذا وبوضوح في علم أصول الفقه الذي اعتمد المنطلقات العقلية في طرح أفكاره وتأسيس قواعده.
لهذا وأمثاله كان المنهج المتبع في الدراسات الدينية في النجف الأشرف هو المنهج الكلامي.
ومن المعلوم أيضاً أن المنهج الكلامي بعد شيوع الفلسفة، وانتشار علم المنطق في الأوساط العلمية الإسلامية في العصر العباسي تأثر بهما، وبعلم المنطق بشكل خاص، حيث اتخذ العلماء المسلمون من علم المنطق المنهج العام في البحوث العلمية الدينية.
وللتفاعل بين علم الكلام وعلم المنطق والفلسفة الإلهية في الفكر الإسلامي في مراكز الدراسات الدينية كان المنهج الذي استقر واعتمد في الدرس الديني هو المنهج العقلي، والذي يطلق عليه عنوان المنهج الفلسفي أحياناً، وأحياناً المنهج المنطقي، وثالثة المنهج الكلامي، وهو في واقعه منهج تكاملي تولد من هذه المعارف الثلاث.
وقد بقي الحال على هذا حتى منتصف القرن الهجري الماضي حيث انتشرت الجامعات في البلدان العربية والإسلامية وكانت تتبع في البحث المناهج العلمية الحديثة وفي التعبير الأسلوب العلمي، وحيث انبثقت النهضة الأدبية العربية الحديثة التي تختلف عن الالتزام باستعمال المحسنات البديعية في الأسلوب الأدبي.
ولعوامل أخرى رأى غير واحد من أبناء الحوزة العلمية في النجف الأشرف أن يكون للحوزة العلمية نصيب من هذا الجديد في الأسلوب أدبياً وعلمياً، وفي المنهج علمياً، فكان لشعراء جمعية الرابطة الأدبية في النجف دور رائد في تجديد أسلوب الشعر النجفي وكذلك كان لعلماء وشعراء جمعية منتدى النشر في النجف دور آخر في إدخال الأسلوب العلمي في الكتابات العلمية، والأسلوب الأدبي الحديث في الكتابات النثرية والأخرى الشعرية.
المدرسة الشيعية قبل مدرسة النجف)[478](
مدرسة قم والري
هي أول مدرسة ظهرت، وقد كانت مرتعاً لكبار العلماء والمحدثين، ولعل ما ذكره الشيخ المجلسي الأول (ت 1070هـ) في شرحه على من لا يحضره الفقيه ـ بالفارسية ـ أن في زمان علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329هـ) كان في قم من المحدثين مائتا ألف رجل)[479]) كافٍ للتدليل على ضخامة هذه المدرسة.
وقد يكون من أسباب انتقال مدرسة أهل البيت عليهم السلام من العراق إلى إيران هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من الحكّام، فقد كانوا يطاردون مَن يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الأذى والتهمة، فالتجأ فقهاء الشيعة وعلماؤهم إلى قم والري، ووجدوا في هاتين البلدتين ركناً آمناً يطمئنون إليه لنشر فقه أهل البيت عليهم السلام وحديثهم)[480](.
وقد امتازت هذه المدرسة بكثرة التأليفات التي دوّنت الحديث وبوّبته إلى أبواب الفقه فوفرت الكثير على العلماء والفقهاء. غير أن هذه المدرسة لم تقتصر على الفقهاء الرواة وحسب، بل ظهر إلى جانب هذا الاتجاه مسلك آخر تبنّاه ابن أبي عقيل ـ وهو معاصر للصدوق الأب (ت 329هـ) ـ وابن جنيد (ت 381هـ) ـ المعاصر للصدوق الابن (ت 381هـ) ومن مشايخ الشيخ المفيد ـ وقد حكي عن ابن جنيد قوله بالقياس فتركت لذلك كتبه ولم يعوّل عليها)[481](.
مدرسة بغداد
كانت بغداد حاضرة العالم الإسلامي، وانتشرت
وما من شك أن هذا الاختلاط الذي حدث بين المذاهب الإسلامية وتنقل الطلبة بين حلقات الدروس المختلفة لا بد أن يترك أثره في واقع البحث والتدريس عبر المناقشات وتبادل الآراء، ولعل هذا ما حدا بعلماء هذه المدرسة إلى التفكير جدياً في طرح ما يبين أصول المذهب وأدلتهم على الأحكام الفرعية التي يطرحونها مع خطوات جديدة في طرح الآراء الأخرى إلى جانب آرائهم ومحاولة المقارنة فيما بينها، وهو ما يصطلح عليه بالفقه المقارن، فقد كان من ابتكارات هذه المدرسة كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي و«الانتصار» للسيد المرتضى (ت 436هـ) وهما فاتحة الطريق إلى الفقه المقارن الذي توسع فيما بعد على يد العلاّمة الحلّي ومن تلاه.
مدرسة الحلة
وبعد رحيل الشيخ الطوسي (ت 460هـ) وجمود الحركة الفقهية في النجف تصدى الشيخ محمد بن إدريس الحلّي (ت 598هـ) لهذه الحالة عبر كتابه الموسوم بـ«السرائر» وقد كان لهذا العالم الجليل الأثر الأساس في ازدهار مدرسة الحلة وجاء بعده من أتمّ صرحها كالمحقق الحلّي (ت 676هـ) والعلاّمة الحلّي (ت 726هـ) وفخر المحققين (ت 771هـ) وبقيت مزدهرة بعد هؤلاء الأعلام حتى أفل نجمها.
ولعل ما خلفه أولئك الأفذاذ يكشف ما أسدوه من خدمة وما أثروا به المكتبة الإمامية نظماً ودقة وشمولية وسعة، فيكفي أن يكون كتاب «شرائع الإسلام» للمحقق الحلّي قد ألقى بظلاله وفرض نفسه على الحوزات العلمية منذ زمن المحقّق وحتى يومنا هذا، ولم يتفق هذا لكتاب فقهي إلاّ نادراً، وقد تميز بسهولة ألفاظه وحسن عبارته وجودة تنظيمه.
وأمّا العلاّمة الحلّي فإنه في سعة تأليفاته أشهر من نار على علم، وقد تناولت شتى المجالات، فعلى منوال خلاف الشيخ كتب «تذكرة الفقهاء» في سعته ومناقشته لآراء المذاهب الإسلامية، وضمن الإطار الشيعي كتب «مختلف الشيعة» ذاكراً الآراء المختلفة في الفروع، وفي الرجال والعقيدة وغير ذلك من المجالات المختلفة.
مدرسة كربلاء
وقد كانت الحوزة العلمية فيها قديمة يدل على ذلك نزول الشيخ الطوسي فيها حين هجرته من بغداد ولقائه حميد النينوي الحائري (ت 310هـ)، غير أن ازدهارها بدأ حين نزلها أحمد بن فهد الحلّي (ت 841هـ) وبقيت على حالها مدة وكان ازدهارها ثانياً في زمن محمد باقر بن محمد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (ت 1208هـ) والشيخ يوسف بن أحمد البحراني (ت 1186هـ) حيث كانت ميداناً لفرسان الأخبارية والأصولية حتى تم النصر للأصوليين على يد البهبهاني الذي أرسل تلامذته إلى مختلف الحواضر العلمية ـ ومنها النجف ـ ليقوموا بدوره الذي أدّاه في كربلاء وقد بقي ازدهارها حتى زمن شريف العلماء محمد شريف بن حسن المازندراني (ت 1245هـ) وبانتقال تلامذته إلى النجف بدأت رحلة ازدهارها المتأخرة. (انتهى).
النجف المدرسة
إذا كانت المدينة قد بدأت بهذا التدرج فإن النجف المدرسة قد بدأت متأخرة عن هذا بما لا يقل عن ثلاثة قرون. ففي العام (448هـ) أي في نحو النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي نزح إليها من بغداد كبير علماء الشيعة في ذلك العهد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسين الطوسي إثر فتنة طائفية أثارها السلجوقيون في مفتتح حكمهم في العراق، وكان من آثارها الهجوم على دار الشيخ الطوسي ونهب كتبه وإحراق كرسيه الذي كان يجلس عليه للتدريس، وإحراق مكتبات أخرى أهمها المكتبة الكبرى التي أنشئت في عهد البويهيين والتي قال عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان: «لم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها» ـ مما رأى الشيخ معه أن لا مقام له في بغداد بعد هذا. فارتحل إلى النجف، فكان ذلك بداية عهد جديد في حياة هذه المدينة التي أخذت منذ ذلك العهد تتحول من مدينة ومزار إلى جامعة كبرى.
قبل الطوسي
ويبدو أنه كان للنجف قبل الطوسي شأن علمي وكان يقصدها الناس للدراسة على علمائها المجاورين فيها فمنذ أوائل القرن الثالث للهجرة نرى أسماء علمية بارزة تنسب للنجف مثل شرف الدين بن علي النجفي وأحمد بن عبدالله الغروي وابن شهريار. كما أن هناك إجازات علمية تحمل إسم النجف. ثم نرى أن المؤرخين يذكرون أن عضد الدولة البويهي حين زيارته للنجف سنة 371هـ وزّع أموالاً على الفقهاء والفقراء ومعنى هذا أنه كان فيها جمهور من الفقهاء خفيت عنا أخبارهم وضاعت فيما ضاع من أخبار النجف الكثيرة، ومعنى هذا أيضاً أنه كان قبلهم فيها فقهاء وظل بعدهم فيها فقهاء ولكي يشير المؤرخون إلى وجود الفقهاء فيها حين زيارة عضد الدولة لا بد من أن يكون هؤلاء الفقهاء حصيلة دراسات متصلة من عهد لا نستطيع تحديده تحديداً دقيقاً لقلة ما بأيدينا من المصادر.
على أنه من البديهي أن تكون النجف بعد ابتداء شأنها كمدينة، قد ابتدأت في نفس الوقت ترث الكوفة علمياً ودراسياً، فكونها ضاحية من ضواحي الكوفة، وكونها أضحت مهوى قلوب المؤمنين وموضع هجرتهم وكون الكوفة صاحبة ذاك الشأن العلمي الرفيع ـ كل ذلك أهل النجف لوراثة تدريجية انتهت أخيراً إلى ذوبان الكوفة في النجف ذوباناً تاماً.
لذلك كان من الطبيعي أن يكون للنجف شأن علمي دراسي قبل رحيل الشيخ الطوسي إليها. ولكن الشأن تبلور بوصول الشيخ وتطور إلى تنظيم جعل منها مقصد الطالبين من كل مكان.
ولا يفوتنا أن الشيخ لم يهاجر إليها وحده، فمن المعلوم أنه كان له في بغداد حلقة تتلقى العلم عليه تتلوها حلقات تتلقى العلم على تلاميذه. ومن المؤكد أن جل هؤلاء إن لم يكونوا كلهم قد انتقلوا بانتقال الشيخ ونظموا أمر الدرس تنظيماً دقيقاً دخلت فيه النجف في طور جديد من أهم أطوارها.
محمد بن حسن الطوسي
مؤسس مدرسة النجف الكبرى
ولد في طوس من مدن خراسان عام (385هـ) هاجر إلى بغداد سنة (408) بغية الدراسة، وكانت يومه من أهم الحواضر العلمية في العالم الإسلامي لما تتمتع به من مركز سياسي كان العامل الأهم في تكوين وسعة الحياة العلمية والدراسية فيها، وبخاصة أيام حكم البويهيين الذين عاصرهم الطوسي مدة إقامته في بغداد، كما سنراه عند حديثنا عن المكتبة التي أنشأها وزير بهاء الدولة البويهي.
ولازم (الشيخ المفيد) المرجع الأعلى للشيعة ومتكلمهم الأكبر آنذاك، يتَّلمذ على يده، ويحضر مجلس درسه، حتى توفي سنة (413) فلازم تلميذه والقائم بمسؤولية المرجعية والزعامة العلمية والدينية مقامه (السيد المرتضى علم الهدى) يحضر تحت كرسي درسه ويتّلمذ عليه، إلى ان توفي عام (436).
فاستقل الشيخ الطوسي بمهمة الزعامة وبأعباء المرجعية العليا فكان له كرسي الدرس وهو إشارة الزعامة المطلقة حينذاك.
ومن ملازمة وتلمذة الشيخ الطوسي على هذين العلمين (المفيد والمرتضى) نستطيع أن نتعرف على أنها العامل الأهم في تكوين وصياغة شخصيته العلمية، وفي إعطائه أو حصوله على منصب المرجعية العليا، ورتبة الزعامة العلمية المطلقة… يضاف إلى ذلك مواهبه التي أهلته ودفعته إلى تسلّم هذا المقام.
وكان ينزل جانب الكرخ من بغداد إذ كانت منزل الشيعة وملتقى علمائهم ومثقفيهم، وفيها (المكتبة) التي أنشأها أبو نصر (سابور بن أرد شير) وزير بهاء الدولة البويهي، والتي كانت من مهمات دور العلم يومذاك، يقول ياقوت الحموي: «لم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة».
وربما كانت ـ بالإضافة إلى كونها مرجعاً للتأليف والدراسة مدرسة مهمة لبث ونشر الفكرة ا لإسلامية المستمدة من منبعها الأصيل (مذهب أهل البيت عليهم السلام).
وبقي في بغداد حتى هجوم السلاجقة عليها بقيادة (طغرل بيك) عام (447) حيث قاموا بحرق ونهب المنازل والمؤسسات في جانب الكرخ، وكان من بين ما أحرقوه المكتبة ـ مارة الذكر ـ فأفقدوا الأمة الإسلامية تراثاً ثقافياً ذا أهمية كبرى، كما أحرقوا مكتبته وكرسي تدريسه، ونهبت داره، وضيق الخناق عليه، وهذا مما دفعه إلى أن يهرب بأفكاره إلى (النجف) عام (449هـ).
وربما كان اختياره النجف مهجراً لضمان حريته الفكرية، ولوجود نواة للحركة العلمية فيها ـ ولأنها من العتبات المقدسة باحتوائها مرقد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ولأنه يستطيع أن يجعل منها مركزاً للحركة العلمية، ومنطلقاً لأفكاره وآرائه، فيستعيد بذلك مكانة الشيعة الثقافية والاجتماعية التي فقدوها في بغداد على أيدي السلاجقة، فكان أن تأسست جامعة النجف بفضل جهوده.
فقد كان انطلاقة الحياة العلمية فيها، في حركتها وروحانيتها، وفي أصالتها وعمقها، وفي بعدها وشمولها وكان الكلمة الأولى في اندفاعتها الرسالية، والحجر الأساس في مختلف بنياتها الثقافية والاجتماعية.
كان ـ بكلمة واحدة ـ الإمام المفكر، والقائد اليقظ في شؤونها.
وربما كانت هذه نتائج خبرته التي أفادها من معاصرته لزعامة شيخه المفيد وزعامة سيده المرتضى ومن تجارب زعامته في بغداد.
وقد تميز إلى جانب تزعمه حركة الدراسة في جامعة النجف وإدارة شؤونها منذ بدء تأسيسها بأعمال ضمنت لها الاستمرار والتقدم وأهمها ما يلي:
1 ـ تطويره ـ فيما اعتقد ـ في مناهج وطرائق البحث والدراسة في العلوم المتعارف دراستها في الجامعة، وفي إبداع الآراء في مختلف مجالات الدراسة العالية، أمثال: التفسير والحديث والرجال والفقه وأصوله.
2 ـ تربيته تلامذته تربية أهلتهم للمهمة التي كان يعدهم لها وهي القيام بمسؤولية استمرار الجامعة وتقدم الحركة الدراسية فيها ونلمس تطويره بوضوح في مؤلفاته في العلوم المذكورة:
أ ـ ففي التفسير: نستجلي النتيجة المذكورة في كتابه (التبيان في تفسير القرآن) فـ«هو أول تفسير جمع فيه مؤلفه أنواع علوم القرآن، وقد أشار إلى فهرس مطوياته في ديباجته ووصفه بقوله: (لم يعمل مثله) واعترف بذلك امام المفسرين (أمين الإسلام الطبرسي) في مقدمة كتابه الجليل (مجمع البيان في تفسير القرآن) فقال: إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، وقد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها ولا تنسيقها دون تحقيقها، وهو القدوة استضيء بأنواره، واطأ مواقع آثاره».
ب ـ وفي الحديث: في كتابيه (تهذيب الأحكام) و(الاستبصار) اللذين هما من الكتب الأربعة المعتبرة والمصادر الأولى للحديث عند الشيعة… ولعلنا نلمس تطويره أكثر وضوحاً في (الاستبصار) الذي ضمنه ما اختلف فيه من الأخبار، مع تعليقه عليها بالجمع والتوفيق بينهما حسبما يرتأيه مما ينطبق على قواعد وأصول الجمع بين الأخبار المختلف فيها.
جـ ـ وفي الرجال: في كتابه المعنون بـ (رجال الشيخ الطوسي) ونستوضح تطويره في هذا العلم ـ الذي يصنف فيه عادة الرجال إلى طبقات ـ في تفصيله بين من يروي عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وبين من لم يرو عنهم، بخلاف كتب الرجال التي سبقته فإنها لم تصنف الرواة هذا التصنيف… وهو شيء له أهمية في مجال تقييم أسانيد الأخبار. بالإضافة إلى جوانب أخرى تذكر في مظانها من مقدمات كتب الرجال.
ونستوضحه ـ أيضاً ـ في كتابه المعروف بـ(الفهرست) أو (فهرست الشيخ) في «عقدة لكل اسم مشترك أو مختلف باباً من أوله إلى آخره»… وهو شيء له أهميته أيضاً في معرفة وتقييم رواة الحديث.
د ـ وفي أصول الفقه: في كتابه (عدة الأصول) الذي ساهم فيه بمهمة تطوير أصول الفقه من دور اعتماد قواعده في استنباط الأحكام بشكلها الابتدائي الأخذ بالتكامل إلى دور البحث والتأليف الذي ابتدأ بشيخه (المفيد)… يقول السيد بحر العلوم في تقييم كتاب (عدة الأصول) مقارناً إياه بما سبقه من كتب: «وهو أحسن كتاب صنّف في الأصول».
هـ ـ وفي الفقه: في كتابه (النهاية) الذي يُعد من أجل كتب الفقه، نستجلي ذلك في اتخاذه محور البحث والتدريس والشرح حتى ألف (المحقق الحلي) كتابه (شرائع الإسلام) فحل محله ـ شأن ما نراه اليوم في الدراسة الفقهية في جامعة النجف بالنسبة إلى (العروة الوثقى) للسيد الطباطبائي اليزدي.
وفي كتابه (الخلاف) نلاحظ ذلك في ذكره المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، وبيانه قيمة الرأي في المسألة في ضوء ما يتوصل إليه من نقد الأدلة نقداً علمياً.
وربما كان (الخلاف) أول كتاب خلافي عند الشيعة.
وفي كتابه (المبسوط) نرى ذلك في سعته وشموله لأبواب الفقه، وفي أصالة وعمق استدلاله…
وهو أهم كتاب يمثل التطور الذي وصل إليه الفقه زمن الشيخ الطوسي في تنقيحه «من حيث الموضوعات والمسائل، فإن كل مسألة تذكر فيها الفتوى أولاً ثم يعقبها دليلها، ففي ذلك العصر كانوا لا يكتفون بذكر ما ورد في الأخبار من الكليات، بل ذكروا تفرعاتها ومصاديقها المتكثرة التي تستفاد من تلك الأدلة فصار الفقه جامعاً لجميع المسائل مع أدلتها منقحة نسبياً بينما لم تكن هذه الطريقة معهودة قبل ذلك»… يقول في مقدمته: «فإني لا أزال أسمع بمعاشر مخالفينا من المتفقهين والمنتمين إلى علم الفروع يستحقرون فيه أصحابنا الإمامية ويستهزئون… إلى أن قال: وهذا جهل منهم بمذهبنا، وقلة تأمل لأصولنا ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا، منصوص عليه تلويحاً من أئمتنا… ثم قال في آخر كلامه: فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد يجمع كتب الفقه فصلها الفقهاء وهو نحو من ثلاثين أو ثمانين كتاباً، أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ».
ونلمس أثر تربيته في تلامذته، فيما تمتمع به من عناية تربوية فهو عندما يحاضر لا يكتفي بإلقاء الموضوع أو عرضه فقط، وإنما كان يهيئ من تلامذته مشاركين يجاولونه ميدان التفكير والتحقيق مما جعله يفرض احترامه ـ بصفته عالماً ـ فرضاً، وبخاصة في مجالات الفقه والحديث، الذي أضفى عليه هالة من التقديس لمنهجه الفقهي ولطريقته في الحديث والرجال ولآرائه من قبل تلامذته تقديساً بلغ حد عدم الجرأة على مخالفة طريقته وآرائه فـ«قد قيل: إن كتبه المعروفة في الفقه والحديث لعظم مكانتها خدرت العقول وسدت عليها منافذ التفكير في نقدها قرابة قرن»… وقيل أنهم لقبوا بـ(المقلدين) نظراً لالتزامهم منهج الشيخ الطوسي وعدم خروجهم على آرائه».
واستمر هذا الجمود في الذهنية الفقهية بعد الشيخ الطوسي، الذي كاد أن ينهي إلى غلق باب الاجتهاد عند الشيعة حتى أيام (الشيخ محمد بن إدريس الحلي) صاحب كتاب (السرائر) الذي التفت إلى ذلك فشن حملة من النقد العنيف على منهج وطريقة الشيخ الطوسي، فكانت أيامه فاتحة عهد جديد في الفقه الشيعي وبداية دور تميز «بالبحث الاستدلالي حول المسائل الفقهية».
يقول الشيخ ابن إدريس ـ بعد نقده جمود الذهنية الفقهية في تلكم الفترة، عارضاً منهجه الفقهي ـ في مقدمة كتابه (السرائر) «فاعتقادي فيه (أي في السرائر) أنه أجود ما صنف في فنه، وأسبقه لإيفاء سنه، وأذهبه في طريق البحث والدليل والنظر، لا الرواية الضعيفة والخبر، فإني تحريت فيه التحقيق، وتنكبت ذلك عن طريق، فإن الحق لا يعدو أربع طرق: أمّا كتاب الله سبحانه، أو سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة المتيقن عليها، أو الإجماع أو دليل العقل، فإذا فقد الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحققين الباحثين عن أخذ الشريعة التمسك بدليل العقل، فإنها مبتغاه وموكولة إليه».
وربما يفاد من عبارته هذه: أنه أول من أوضح مكانة العقل في مجال التشريع، ونادى إلى اعتباره مصدراً من مصادر التشريع، وبيّن مرتبته في تسلسل المصادر الأربعة، حيث يأتي دور الرجوع إليه عند فقدان الأدلة الثلاثة الأخرى «فكان له الفضل في فتح أبواب التطور للفقه الإسلامي حيث دعا إلى التمسك بالأدلة العقلية، بينما كان الاعتماد في الأعصار السابقة (قبله) على النص».
خلف الشيخ الطوسي مؤلفات كثيرة، عرفنا فيما تقدم مدى تطويره وأثره فيها في المنهج والفكرة.
يضاف إليه: ظاهرة أخرى قد «لا توجد فيما عداها من مؤلفات السلف (وهي كونها) المنبع الأول والمصدر الوحيد لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادتهم وكونوا كتبهم، (وكونها) حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة وأصول الأصحاب».
وربما كان توفر مؤلفاته على هذه الميزة بسبب ظروفه الخاصة التي هيأت له المراجع الأصلية والوافية لمختلف العلوم التي ألّف ودوّن فيها، فقد كانت مكتبة أستاذه (المرتضى) في متناوله، وهي من أهم خزائن الكتب في بغداد آنذاك حيث كانت تضم (ثمانين ألف) كتاب، وكانت مكتبة (سابور) ـ المتقدمة الذكر ـ في متناوله أيضاً، ورأينا أنها «كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلفيها أو بلاغاتهم».
يضاف إليه: مركزه في الزعامة الذي يوفر ـ عادة ـ لأمثاله الإمكانيات الكافية للحصول على وسائل التأليف والتدوين المتطلبة.
6 ـ وأهم مؤلفاته
1 ـ الأبواب، ويسمى (رجال شيخ الطائفة) وهو المعروف بـ(رجال الشيخ).
2 ـ اختيار الرجال… مهذب رجال الكشي.
3 ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار.
4 ـ الأمالي (ويسمى المجالس)… في الحديث.
5 ـ التبيان في تفسير القرآن.
6 ـ تلخيص الشافي… في الإمامة.
7 ـ تهذيب الأحكام… في الحديث.
8 ـ الخلاف… في الفقه.
9 ـ العدة… في أصول الفقه.
10 ـ الغيبة… في غيبة الإمامة المنتصر عليه السلام.
11 ـ الفهرست… في الرجال.
12 ـ المبسوط… في فقه الشيعة.
13 ـ مصباح المتهجد… في الأدعية والأعمال.
14 ـ المفصح… في الإمامة.
15 ـ النهاية… في الفقه.
وقد طبع منها عدة طبعات في إيران والعراق والهند.
أمّا مشايخه ـ غير المفيد والمرتضى ـ وتلامذته فكثيرون، يرجع في التعرف عليهم إلى من أرخ لهم من باحثي سيرته.
توفي في النجف الأشرف يوم (22) من شهر محرم الحرام عام (460)، ودفن في داره حسب وصيته ثم حولت مسجداً وفق وصيته أيضاً.
ولا يزال المسجد يعرف باسه وهو يضم مرقده المطهر.
د. عبد الهادي الفضلي
بعد الطوسي
ويستمر ذلك حتى القرن السابع الهجري وإذا بمدينة الحلة تغدو هي البديل من النجف، وإذا بها مقر كبار علماء الشيعة ومقر تدريسهم على أن النجف ظلت محتفظة بطابعها العلمي وظل فيها من العلماء والفقهاء من يملؤون فيها فراغاً لا بد من إملائه. ويبدو من الغرابة بمكان أن يتحول التدريس من النجف إلى الحلة، وأن يستبدل العلماء المقام في الحلة بالمقام في النجف ويتراءى لي أن التعليل الصحيح لذلك هو جفاف الحياة في النجف وقسوة العيش فيها، لا ماء ولا شجر، بل حرور متصل معظم الشهور لا يلطفه ظل ولا يخففه نسيم أما الماء فأعز شيء فيها ولا بد من نقله من مسافات بعيدة في قرب السقائين، وماذا تغني تلك القرب وماذا تسد من حاجة!!
ولقد تحايل الناس للتخلص من هذه الحياة العنيفة فاتخذوا أسطحة المنازل مناماً لهم طيلة شهور الحر وحفروا في الأرض سراديب عميقة قد يصل بعضها إلى سبعين درجة تحت الأرض، وقد يكون بعضها أكثر من طابق واحد، لتكون لهم مقاماً في النهار حين تغلي الأرض بحرارة الشمس.
والذين ولدوا وعاشوا في النجف لا بد لهم من الرضى بذلك ولكن هناك ألوف الطلاّب الوافدين إليها من الظلال الوارفة والمياه الروية والنسائم البليلة من إيران وجبل عامل وأفغانستان أو غيرها من البلاد التي قد تشاطر النجف حرها أو تزيد عليه ولكنها لا تشاطرها القحولة ونضوب المياه كالهند والسند والبحرين ومدن الخليج الأخرى.
ويبدو أنه من هنا انطلقت فكرة نقل التدريس إلى مدينة الحلة التي يشقها نهر الفرات وتحيط بها الحدائق والبساتين. وما دامت النجف قريبة فإن القلوب الظامئة لزيارة قبر الإمام تستطيع وهي في الحلة أن تتجه إليه وتستطيع أن تنتقل بأجسادها بين شهر وشهر للاستماع بجواره.
ولكن الأمر ما لبث أن عاد إلى أصله وعادت النجف دار العلم والتدريس. على أن الحال لم تستقر بها استقراراً تاماً بل ظلّت بين مد وجزر إلى أن جاء عهد ورثت فيه مدينة كربلاء كلا المدينتين النجف والحلة ويبدو أن السر في ذلك هو أن كربلاء تجمع إليها ما في المدينتين ففيها ضريح البطل الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وفيها الظلال والماء. وظلت كربلاء معهد الشيعة الأكبر حتى مطلع القرن الثالث عشر الهجري. وبانتقال السيد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم من كربلاء إلى النجف استقر الأمر في النجف استقراراً كاملاً كان من أكبر دعائمه شخصية السيد مهدي نفسه بما تحلّت به من سجايا وفضائل جعلت منه عالماً فذاً بين العلماء القادة ثم اعقبه تلميذه الشيخ جعفر فزاد الأمر إحكاماً وعادت النجف مدرسة الشيعة الكبرى ومعهدهم الأول ودار هجرتهم العلمية حتى اليوم.
يقول الشبيبي: ما زالت النجف من أكبر عواصم العلم للشيعة وهي أكبرها منذ نحو قرنين، وما انفكت من أول ما خططت مأوى كثير من فقهاء الشيعة، ومتصوفيهم وزهادهم وما عبّر عليها عصر خلت فيه من عالم أو أديب، غير أن لها عصوراً معروفة حج إليه الناس فيها من أجل التعلم والتفقه، ورأس على رأس كل عصر منها إمام واحد أو أكثر من مشاهير أئمة الشيعة ومخرجيهم أقدمها عصر أبي جعفر الطوسي على أثر هجرته إلى النجف وإقرائه فيها الناس وشدهم الرحال إليه في منتصف القرن الخامس.. ثم عصر أبي علي الطوسي ابن أبي جعفر وقد خلف أباه ثمة في الأقراء وعاصره جماعة من أصحاب أبيه.. ثم عصر عماد الدين الطبري النجفي تلميذ أبي علي الطوسي في منتصف القرن السادس وفي هذا العصر زاحمت الحلة السيفية النجف من الجهة العلمية وصارت إليها رحلة الشيعة نحو ثلاثة قرون ففتر الناس عن الرحلة إلى النجف من تلك الجهة مدة طويلة أي من منتصف القرن السادس حيث عصر ابن إدريس وسديد الدين الحمصي في الحلة إلى منتصف القرن التاسع حيث عصر ابن فهد الحلي فيها وهو آخر عصورها المشرقة، فكان الشأن الأكبر للحلة في خلال ذلك. على أن النجف ظهر فيها طوال هذه الفترة طائفة من العلماء المشاهير سواء كانوا ممن أخرجتهم المدينة أو ممن جاوروا فيها حتى جاز لنا أن نطلق عليها (علماء الفترة في النجف). ثم لما هرمت الحلة وانقضى عهدها العلمي عادت النجف فاستقلت مرة أخرى بالعلم والرحلة إليه، واتصلت أو كادت حلقات عصورها العلمية من أول القرن العاشر ـ أي منذ سنة 900 تقريباً إلى الآن ـ فكان أولها عصر الشيخ علي بن عبد العال الكركي المحقق المشهور ومعاصره الشيخ إبراهيم القطيفي… ثم عصر الشيخ الأردبيلي الزاهد وصاحبه الملا عبدالله اليزدي.. ثم عصر الشيخ عبد النبي الجزائري.. ثم عصر الشيخ حسام الدين النجفي فعصر الشيخ فخر الدين الطريحي.. ثم عصر أبي الحسن الشريف ومعاصريه فعصر الفتوني فعصر الطباطبائي فعصر الشيخ جعفر الكبير فعصر ابن الشيخ فعصر صاحب الجواهر فعصر الشيخ مرتضى الأنصاري فعصر تلامذة الأنصاري وغيرهم.. فهذه حلقات هذه السلسلة من العصور الآخذ بعضها بأطراف بعض وقد تكوّنت في أثنائها أشهر الأسر المعروفة بالعلم والأدب كآل الخمائسي وآل الطريحي وآل الجزائري وآل محيي الدين وآل البلاغي وآل الطباطبائي وآل الشيخ جعفر وآل النحوي وآل الأعسم وآل الجواهر وآل القزويني وآل قطفان وآل الشيخ راضي وسواهم من البيوتات المعروفة والمندرسة.
النجف
ـ 2ـ
تقع النجف في أطراف الصحراء الغربية من العراق، غرب مدينة الكوفة، وفي الجنوب الغربي من بغداد التي تبعد عنها حوالي 160 كلم. وتعتبر النجف اليوم إحدى أشهر المدن المقدسة في العراق وأقدسها، والتي لم يكن لها أثر يذكر في التاريخ إلا بعد استشهاد الإمام علي(ع) سنة 40 هـ. ودفنه فيها. فقد ذكر اللغويون في مادة «نجف» معاني عديدة، غير أنهم أجمعوا على أنها سميت بهذا الاسم لأنها مرتفعة كالمسناة تمنع الماء من أن يعلو منازل الكوفة وعماراتها. وسميت النجف «بالغري» و«الذكوات البيض»، وهي ربوات ثلاث معروفة في النجف حتى اليوم.
كانت زمن العباسيين ضاحية صغيرة نشأت حول قبر الإمام علي عليه السلام بعد أن بنى الخليفة العباسي هارون الرشيد (170هـ/ 786م) مشهداً حول القبر اتخذه من الآجر الأبيض. ثم أحاطت بالمشهد دور العلويين وغيرهم من المهاجرين إليها. وفي عام 371/ 982 أقام عضد الدولة البويهي على قبر الإمام علي عليه السلام عمارة عظيمة كان لها سدنة وخزان.
وقد تطورت إلى مدينة عامرة ذات شأن كبير ذكرها المؤرخون والرحالة وأطنب في ذكرها الشعراء والكتّاب، بعد أن أصبحت مدينة جامعة للعلم والأدب والمعرفة، وكان يؤمّها كثير من الزوار وطلبة العلم. وقد أقام الوزير البويهي ابن سهلان سنة 400هـ/1010م سوراً يحيط بالمشهد)[483](.
ومنذ عام 461هـ/ 1068م أخذت النجف بالنمو والازدهار بعد أن قصدها أبو جعفر محمد بن الحسن المعروف «بالعلامة الطوسي» 385 ـ 460هـ/ 995 ـ 1067م وكان قد ترك بغداد حين اضطهده طغرل بك السلجوقي وأحرق كتبه. وكان السلاجقة الأتراك أول من بدأ بتكريس المذهب الواحد بشكل واضح وتأسيس مدارس الدولة وتحويل كثير من العلماء والفقهاء إلى موظفين في دائرة الأوقاف الرسمية.
غير أن رحيل الشيخ الطوسي إلى النجف شكل بداية لتأسيس المدرسة الفقهية على المذهب الشيعي بشكل منتظم. وسرعان ما أصبح هذا الشيخ من أكبر الفقهاء المجتهدين المجددين عند الشيعة، ولقب «بشيخ الطائفة».
ومن ذلك التاريخ تحولت مدينة النجف إلى حاضرة علمية وثقافية وأصبحت مركزاً رئيسياً للمرجعية الدينية والحوزة العلمية عند الشيعة في منتصف القرن الخامس للهجرة ـ الحادي عشر للميلاد. وقد قدم الشيخ الطوسي للحركة العلمية فيها طابعاً «أكاديمياً» جديداً ومتميزاً وتحولت «الحوزة العلمية» إلى مركز علمي كبير لدراسة الفقه الإسلامي، وهاجر إليها عدد كبير من طلاب العلم والأدب من مختلف الأقطار العربية والإسلامية.
غير أن موقع النجف ومركزها العلمي وحركتها الفكرية أخذت بالركود بعد وفاة الشيخ الطوسي، وبخاصة بعد ظهور الحلة كمركز علمي. وكان ذلك إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة بعد أن تكاملت عناصر الانتقال إليها في أوائل القرن السابع للهجرة ـ الثالث عشر للميلاد.
ومع أن المصادر العلمية لا تعطينا صورة واضحة عن أسباب ركود الحركة العلمية في النجف بعد وفاة الشيخ الطوسي، غير أننا نرى، بأن من أسباب تحوُّل الاهتمام بها هو موقعها الجغرافي ووضعها الاقتصادي ـ السياسي المتغير من زمان إلى آخر، وذلك بسبب نقص المياه من جهة، ووقوعها على حافة الصحراء الغربية من جهة أخرى، وهذا ما كان يعرضها لغزوات القبائل البدوية المتكررة.
وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي كان الشاه إسماعيل الصفوي أول من وجه الاهتمام إلى النجف عند زيارته لها عام 1508م، في محاولة لإعادة الاعتبار لها، فأمر بإصلاح قناة المدينة القديمة التي كانت ترفدها بالماء. ومن ذلك الحين سميت القناة «بنهر الشاه». كما قام الشاه طهامسب، الذي زار النجف في عام 1527م، بشق قناة أخرى لنقل الماء من نهر الحلة إليها أيضاً.
غير أن الجهود التي بذلت لإيصال الماء إليها لم تحل المشكلة تماماً، ففي أواخر القرن السادس عشر مرت بأزمة اقتصادية حادة بسبب شحة الماء في القنوات، ما سبب انحسار عدد الزوار إليها، فأمر الوالي إبراهيم باشا بتطهيرها ثانية.
ومنذ بداية القرن التاسع عشر أخذ الوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي للنجف بالتحسن التدريجي وبخاصة، بعد إنجاز قناة الهندية التي وفرت المياه بشكل منتظم إلى المدينة وساعدتها إلى التطور والنمو. وفي الواقع، فقد لعبت قناة الهندية دوراً هاماً وتأثيراً كبيراًعلى العلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية مع الوسط والجنوب وبخاصة، مع العشائر العراقية المحيطة بها والتي أخذت، منذ ذلك الحين، بالتحول إلى التشيع.
وكانت قناة الهندية قد شقّت عام 1803 وبمساهمة مالية قدرها 500 ألف روبية، قدمها وزير مملكة (أود) الأول حسن رضا خان الهندي خلال الثمانينات في القرن الثامن عشر لنقل الماء إلى النجف. وسرعان ما ظهر تأثيرها الاقتصادي على تطور مدينة النجف، وازدهارها الحضاري خلال القرن التاسع عشر، بعد أن أحدثت تغيرات كبيرة في علاقتها مع وسط ووجنوب العراق، حيث تفرعت القناة عن الفرات، عند منطقة المسيب، وتحولت بالتدريج إلى نهر يمتد حوالي 73 ميلاً قبل أن يصب في بحيرة النجف.
وساعد فتح قناة الهندية أيضاً على استقرار عدد كبير من القبائل البدوية المتنقلة واستيطانها على امتداد القناة، التي كان لها تأثير واضح في نمو مدينتي النجف وكربلاء، إلى جانب تطورهما إلى أسواق تجارية للقبائل البدوية المتنقلة على أطراف الصحراء الغربية، وبخاصة بعد جفاف نهر الحِلّة في بداية القرن التاسع عشر.
وظهر تأثير القناة بوضوح، في انتشار حقول الرز على امتداد القناة، بين طويريج والكوفة من جهة، وفي منطقة الشامية والسماوة، القريبة من النجف، من جهتة أخرى.
هذه العوامل مجتمعة مكنت النجف، في مطلع هذا القرن، في أن تتخذ لها موقعاً متميزاً، وأن تمارس تأثيراً دينياً واجتماعياً ـ سياسياً كبيراً، بحيث تخطى تأثيرها، في أحيان كثيرة حدود العراق السياسية، مثلما ساهمت مساهمة فعّالة في تأسيس الدولة العراقية الحديثة وفي قيادة الحركة الوطنية، في حركة الجهاد وثورة العشرين، وكان أول حزب وطني تأسس في العراق عام 1918، انطلق من النجف.
ويتوسط مدينة النجف جامع ومرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي يمتناز بفخامته وطراز بنائه المعماري، وهو من أهم الجوامع والمراقد المقدسة في العراق.
وكان البناء الذي أقامه عضد الدولة البويهي على قبر الإمام علي قد جدد، وكذلك الضريح في العهد المغولي ـ الأيلخاني، وأصبح بالشكل الذي هو عليه الآن، كما تم إكساء القبة والمئذنتين بالذهب سنة 1156هـ/ 1743م، كما تم صنع صندوق جديد للقبر مشبك وبشكل فني جميل.
ويتكون جامع وضريح الإمام علي عليه السلام من مبنى مربع الشكل طول ضلعه 110 أمتار ويحتوي على الحضرة والصحن وسور ضخم، إلى جانب عدد من المساجد والأواوين والغرف. وتتميز الحضرة بارتفاع جدرانها وقببها العالية المكسوة بالذهب والتي يبلغ ارتفاعها 35 متراً، مثلما ترتفع مآذنها الذهبية العالية. ويتوسط بناء الحضرة مرقد الإمام علي عليه السلام، الذي يصل إليه الزائر عن طريق أربعة أبواب كبيرة تتوسط الجدران وتصلها بالرواق المحيط بالضريح الذي يبلغ عرضه خمسة أمتار وترتفع جدرانه بارتفاع جدران المبنى. أما سقف الحضرة والرواق فهو عبارة عن أقبية وقباب صغيرة ذات نوافذ وأقواس مزينة بالمرمر والقاشاني ومزخرفة بآيات قرآنية بشكل فني جميل. ويتصل الرواق بالصحن الكبير عن طريق خمسة أبواب كبيرة على هيئة أواوين تخترق الجدران من الجهة الشمالية والشرقية والجنوبية، ومن أبرزها إيوان الذهب الذي يتوسط الجدار الجنوبي ويمتاز بمقرنصاته العنقودية الجميلة المطلية بالذهب.
وقد شجعت الظروف الاقتصادية والاجتماعية ـ السياسية في القرن التاسع عشر، وبخاصة فتح قناة الهندية وما وفرته من إمكانية وظروف ساعدت على ازدهار النجف، بوصفها المركز الشيعي الأول في العالم الإسلامي، وتعزيز موقعها في نشر الفكر الشيعي في خارج العراق وداخله.
كما ساعد النجف في ذلك استقرارها النسبي، لبعدها عن الأطماع الأوروبية من جهة، وانتهاء الصراع الإيراني ـ العثماني على العراق من جهة أخرى، وبخاصة بعد توقيع معاهدة أرضروم الأولى عام 1823، وعدم تعرضها لهجمات الوهابيين ـ كما حدث لكربلاء ـ إضافة إلى تدفق الأموال عليها من الحقوق الشرعية من جميع أنحاء العالم الإسلامي.
وإلى جانب دور النجف ونشاطاتها في المحافظة على التراث العربي ـ الإسلامي وحماية اللغة العربية وتطويرها، كانت الحركة العلمية والثقافية فيها دؤوبة ومستمرة، حيث شكّلت المدارس الدينية (الحوزات العلمية) التي يشرف عليها المجتهدون، عصب الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وجزءاً لا ينفصل عن طابع المدينة وهويتها.
وقد تطورت المدارس الدينية فيها بحيث أصبحت، في أوائل القرن العشرين، أكثر من عشرين مدرسة، واحدة منها فقط كانت توفر سكناً لحوالي 500 طالب كما تجاوز عدد طلبة العلوم الدينية عام 1918 عشرة آلاف.
وكانت النجف لفترات طويلة موطن المرجعية الدينية العليا للمسلمين الشيعة، التي ارتبط بها عدد من المجتهدين والعلماء والطلبة والوكلاء والحوزات العلمية والوعاظ وخطباء المجالس الحسينية وغيرهم.
النجف
ـ 3 ـ
نشأة مدرسة النجف الكبرى
يمكن القول: إن الشيخ أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي، هو أول من أرسى الدعائم المتينة لأكاديمية علمية تعنى بكل العلوم الإسلامية في النجف الأشرف، كان ذلك بعد أن تعرّض للاعتداء وأحرقت داره ومكتبته في بغداد، فاضطر للهجرة إلى مشهد أمير المؤمنين عليه السلام عام 448هـ.
لقد كانت الحياة العلمية للشيخ الطوسي تشكّل حلقة الوصل بين مدرستين ومرحلتين مهمتين من مدارس علوم أهل البيت عليهم السلام، فإنّه ترعرع وتعلم في ربوع مدرسة بغداد، واحتضنه أول الأمر الشيخ المفيد لمدة خمس سنوات، ثم تحول بعد وفاة شيخه هذا عام 413هـ إلى تلميذه الشريف المرتضى، ولازم الحضور تحت منبره، وعُني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتمّ به أكثر من سائر تلاميذه، وعيّن له في كل شهر إثني عشر ديناراً، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة، حتى توفي الشريف المرتضى سنة 436هـ)[484](، فاستقل هو بعده بالأستاذية، وأضحى إمام الشيعة وشيخهم المقدم على غيره، وصارت داره في محلة الكرخ ببغداد موئلاً للعلماء والباحثين والطلاب، يتوافدون عليه من كل حدب وصوب لينهلون من نمير علمه، حتى بلغ عدد تلامذته ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة، ومن العامة عدداً غفيراً)[485](. واستقل بأستاذية علم الكلام، فجعل له الخليفة العباسي القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد كرسيّ الكلام والإفادة، وقد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في علومه وتفوّق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدراً أو يفضل عليه علماً، فكان هو المتعين لذلك الشرف)[486](.
وكان الشيخ الطوسي كما وصفه العلامة الحلي: «شيخ الشيعة، قدس الله روحه، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق عارف بالأخبار، والرجال، والفقه، والأصول، والكلام، والأدب، وجميع الفضائل تُنسب إليه، صنف في كل فنون الإسلام، وهو المُهذّب للعقائد في الأصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل»)[487](.
ومكث الشيخ الطوسي ببغداد مواصلاً عمله العلمي في البحث والتدريس إلى أن ورد بغداد عام 447هـ طغرل بيك السلجوقي، فسقطت بغداد بيده، فأثار الفتنة الطائفية بين السنّة والشيعة، وأمر بإحراق مكتبة وزير بهاء الدولة البويهي (سابور بن أردشير) المسماة بدار العلم، وكانت هذه المكتبة من أهم دور الكتب التي تضم ما يزيد على عشرة آلاف كتاب من نفائس التراث الإسلامي آنذاك، حيث شيّدها على غرار (بيت الحكمة) الذي بناه هارون الرشيد، ووصفها ياقوت الحموي بقوله: «كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها، كانت كلها خطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة»)[488](.
ولن تقف الفتنة عند إحراق هذه المكتبة الثمينة، بل توسعت لتلتهم التراث الذي حفظه الشيخ الطوسي في مكتبته الخاصة، فقد ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة 449هـ «وفي صفر في هذه السنة، كُبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد فيها من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجق بيض، كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع»)[489](.
ولما بلغت الأمور هذا الحد اضطر الشيخ الطوسي لأن يُهاجر إلى النجف، وعندما هبط النجف بادر إلى تأسيس مدرسة علمية جديدة تهتم بتدريس وصيانة تراث أهل البيت عليهم السلام، وآنئذٍ بدأت مرحلة جديدة من مراحل مدارس العلوم الإٍسلامية عند الشيعة، بعد أن اضمحل نشاط مدرسة بغداد بهجرته، فقد كانت هجرته محطة فاصلة بين مدرستين خُتمت بها مدرسة بغداد لتبدأ مدرسة النجف.
وهكذا دشّن الطوسي العهد الجديد بالتدريس والتأليف، فكانت لحظة وصوله النجف هي الحد الذي يعيّن بداية تأريخ الدراسة الواسعة لفروع المعارف الإسلامية كافة، تلك البداية التي بدأ بها الانفتاح على التدريس والتأليف في علم الكلام ومختلف حقول المعقول الإسلامي، وهو ما نراه في الآثار الكلامية العديدة التي تركها لنا، فضلاً عن اعتماده أدوات المنطق وآليات البحث الفلسفي في مؤلفاته الأصولية والفقهية، فقد «نحى نحو ابن رشد وغيره من المشائين المسلمين، وواصل الاستدلال بالأقيسة المنطقية الصورية، باذلاً جهده في سلامة الأدلة، حرصاً على ما ألّفه المتكلمون قبل إمام الحرمين، الذين كانوا يظنون أن المدلول يبطل ببطلان دليله»)[490](.
إنّ تفحص تراث الشيخ الطوسي يكشف عن ارتسام المنحى العقلي في أسلوب الاستدلال البرهاني الذي يغور في مباحث شتى لديه، وإن كان يتجلى متدفقاً في المباحث الكلامية خاصة، وعلى هذا يلزم إعداد عمل مستأنفٍ لبيان البحث المنطقي والفلسفي في مؤلفاته، ولذا سنقتصر هنا على تعداد سريع لآثاره الكلامية خاصة وهي كما يلي:
1 ـ أصول العقائد، ذكره في كتابه الفهرست (ص 161)، معبراً عنه بقوله: كتاب في الأصول كبير، خرج منه الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل.
2 ـ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد: وهو فيما يجب على العباد من أصول العقائد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار، طبع في طهران سنة (1400هـ)([491](.
3 ـ تلخيص الشافي في الإمامة: أصله لأستاذه الشريف المرتضى علم الهدى، وقد قام هو بتلخيصه، طبع التلخيص في نهاية الشافي في طهران سنة (1301هـ)([492](.
4 ـ تمهيد الأصول: وهو شرح لكتاب «جمل العلم والعمل» لأستاذه الشريف المرتضى، لم يخرج منه إلاّ ما يتعلق بالأصول، كما أشار في الفهرست (ص 161)، وطبع في طهران بتحقيق عبد المحسن مشكاة الديني، سنة (1362ش)([493](.
5 ـ رياضة العقول: وهو شرح لكتابه «مقدمة في المدخل إلى علم الكلام»، كما أشار هو إلى ذلك في الفهرست ص (161)([494](.
6 ـ كتاب ما لا يسع المكلف الإخلال به([495](.
7 ـ ما يعلل وما لا يعلل([496]( ذكره هو في الفهرست ( ص 161).
8- المسائل في الفرق بين النبي والامام: ذكرها في الفهرست (ص 161).
9- المسائل الرازية في الوعيد: وهي خمس عشرة مسألة، وردت من الري الى استاذه الشريف المرتضى فأجاب عنها، وأجاب عنها الشيخ الظوسي أيضاً، ذكرها في الفهرست (ص 161)
10 ـ المفصح في الإمامة: طبع في قم بتحقيق الشيخ رضا استادي([497](.
11 ـ مقدمة في المدخل إلى علم الكلام: وصفها في الفهرست (ص 161) بقوله: «لم يعمل مثلها»، طُبعت في قم بتصحيح محمد تقي دانش بزوه([498](.
هذا ما وقفنا عليه من التراث الكلامي للشيخ الطوسي، وهو تراث ليس بقليل، ولا سيما إذا وضعناه بمحاذاة ما أتحفنا به الشيخ من آثار خالدة متنوعة في مختلف مناحي المعارف الإسلامية.
مدرسة النجف بعد الشيخ الطوسي
في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة 460هـ انطفأ النور الذي تدفق مدة اثنتي عشرة سنة في النجف الأشرف، وازدلفت إليه العلماء والطلاب، تقتبس من فيوضاته الكريمة، وأقفرت بغيابه هذه الأكاديمية الفتية، فاهتزت أركانها، وبدى للناظر غور مائها واضمحلال حياتها يوماً بعد يوم إثر غيابه، وإن كان مَنْ خلفوه من تلامذته ـ وعلى رأسهم ولده الشيخ أبو علي الحسن ـ قد حاولوا مواصلة الطريق وحراسة حوزة أستاذهم، لكن مقام الشيخ الطوسي وموسوعيته وغزارة إنتاجه أتعبت تلامذته عن تقصّي أثره واللحاق به.
وكان الشيخ أبو علي الحسن بن أبي جعفر الطوسي من أبرز تلامذة أبيه الذين استوعبوا تراثه، وامتدت بهم مدرسته، فقد «صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي رضي الله عنه» بعد غياب أبيه، بحسب ما وصفه ابن حجر العسقلاني([499](.
وتشير بعض القرائن التأريخية إلى بقائه حياً حتى سنة 515هـ([500](، وبعد وفاته تعهّد عمادة مدرسة النجف الأشرف ولده الشيخ محمد ابن أبي علي الحسن ابن أبي جعفر محمد الطوسي، الذي عزز المركز العلمي للنجف فازدلفت إليه طلاب العلوم الشرعية من مختلف نواحي العراق، كما أكد ذلك ابن العماد الحنبلي في ترجمته له في حوادث سنة أربعين وخمسمائة بقوله:
«وفيها أبو الحسن محمّد بن الحسن أبو عليّ ابن أبي جعفر الطوسي، شيخ الشيعة وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كلّ جانب إلى العراق، وحملوا إليه، وكان ورعاً عالماً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني. وقال العماد الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه»([501](.
وقد ظل هذا الشيخ قيّماً على مدرسة جدّه حتى توفي عام 540هـ وبوفاته طويت صفحة مشرقة من تأريخ ازدهار الدرس الشرعي في النجف الأشرف، استمرت ما يقارب القرن من الزمان (448 ـ 540 هـ)، انتظم فيها عدد كبير من التلاميذ في حلقات الدرس، وأضحت منطلقاً لتأسيس مدارس جديدة عند الشيعة في الحقبة التالية، كانت أعظمها مدرسة الحلة التي اضطلع بإرساء قواعدها العلاّمة الشهير محمّد بن إدريس الحلي صاحب «السرائر» المولد سنة 543هـ والمنتسب إلى شيخ الطائفة الطوسي من جهة الأُم.
ولا يمكن الجزم أنّ مدرسة النجف توقفت تماماً في العصر اللاحق، لوجود إشارات في بعض الكتب المؤلفة آنذاك من كتب التراجم وغيرها تنص على تحرير بعض إجازات الرواية في المشهد الغروي المقدس([502](، مما يدلّ على امتداد الحركة العلمية في مدرسة النجف ، وإن كانت بصورة محدودة.
بيد أنّه لا يلوح لنا أثر مهم في المعقول والعرفان كإنتاج لهذه المدرسة بعد شيخ الطائفة الطوسي حتى النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، عندما حط رحاله في النجف السيّد حيدر ابن تاج الدين عليّ پاد شاه الآملي أبرز مؤسسي الحكمة العرفانية عند الشيعة، بعد أن طاف عدة بلدان في رحلة علمية تواصلت من بداية حياته «إلى مدة ثلاثين سنة أو قريب منها»([503]( كما حكى لنا هو ذلك في حديثه عن نفسه وبيان حاله من ابتداء مراحل السلوك إلى حين الوصول، وما ارتسم من معالم تجربته الروحية، وتلقيه للعلوم اللدنية دون الكسبية في نهاية المطاف، حيث يقول:
«وبالجملة حتى بعد مدة وصلت إلى بغداد بطريق آخر، وزرت المشاهد المقدسة من مشهد أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام، ومشهد الحسين، وموسى والجواد، وسُر مَن رأى عليهم السلام وجاورتهم سنة كاملة، ثم توجّهت إلى الكعبة بقصد الحجّ مجرداً فقيراً من عدم التمكن الصوري، وزرت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأربعة(عليهم السلام بالمدينة، ورجعت إلى العراق وسكنت المشهد المقدس الغروي سلام الله على مشرفه، واشتغلت بالرياضة والخلوة والطاعة والعبادة، وطلب العلوم الحقيقية اللدنية الإرثية دون الكسبية التعليمية، ولم يكن هناك أحد يعرف هذا القسم، وكان هناك شخص عارف كامل خامل الذكر بين الناس، ولي من أولياء الله، اسمه عبد الرحمن القدسي، فقرأت عليه أوّلاً كتاب منازل السائرين مع شرحه، ثم كتاب فصوص الحكم مع شرحه، ثم رسائل أُخر، ومضى على هذا زمان، وكشف لي ببركة هذا وببركة المجاورة، والتوجه إلى حضرة الحقّ وحضرة الأئمّة عليهم السلام، أكثر كتب التصوف من المطولات والمختصرات، وكتبت عليها شروحاً وحواشي كما ذكرت في صدر هذا الكتاب [يعني تفسير المحيط الأعظم] مفصلاً، وصنفت بعد ذلك الكتب المذكورة في الفهرست وهي قريبة إلى عشرين أو أربعة وعشرين كتاباً، وذلك في مدة أربع وعشرين سنة وكان آخر تلك الكتب هذا التأويل [أي تفسير المحيط الأعظم]» ([504](.
يؤرّخ السيّد حيدر الآملي في هذا النص لأخصب مرحلة من مراحل الإنتاج الغزير في حياته، وهي المرحلة التي بدأت مع هجرته إلى النجف الأشرف وتلمذه على القدسي ومجاورته لقبر أميرالمؤمنين عليه السلام، وكان ذلك في سنة احدى وخمسين وسبعمائة من الهجرة([505](، فقد استلهم مؤلفاته من بركات تلمذه على الولي عبد الرحمن القدسي، ومجاورة المشهد الغروي المقدس في النجف، وقد عبر عن تدفق الفيوضات على قلبه بحيث أضحى «المشهد المقدس الغروي الذي هو مشهد مولانا وسيّدنا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، موجب الفتح للفتوحات الغيبية على قلبي إجمالاً، ثم تفصيلاً… ففاض على قلبي من الله تعالى ومن حضراته الغيبية في هذه المدة، غير ما قلته من «تأويل القرآن» و «شرح الفصوص»، من المعاني والمعارف والحقائق والدقائق التي لا يمكن تفصيلها بوجه من الوجوه، لأنّها من كلمات الله غير القابلة للحصر والعد والانتهاء والانقطاع»([506](. ومكث الآملي في النجف مجاوراً المشهد المقدس ما يزيد على ثلاثين سنة، كما أشار إلى ذلك في شرحه لفصوص الحكم قائلاً: «فشرعت في شرحه … وهذا كان بعد مجاورتي بالمشهد المقدس ثلاثين سنة على الوجه المذكور. وكان ابتدائي فيه سنة إحدى وثمانين وسبعمائة من الهجرة، والانتهاء منه سنة اثنين وثمانين وسبعمائة»([507](.
وفي هذا الضوء يمكن القول إنّ النصف الثاني من القرن الثامن شهد ازدهاراً مجدداً في مدرسة النجف، أُتيح لها معه هذه المرة أن تساهم بفعالية مشهودة في تأسيس الحكمة العرفانية عند الشيعة على يد السيّد حيدر الآملي، وربّما كان عبد الرحمن القدسي أُستاذ الآملي صاحب الحظ الأوفر في ذلك، وإن كنا لا نعرف الكثير عن حياته، لكن يمكن معرفة ما بلغه هذا الرجل من موقع علمي شامخ في هذا الفن من خلال تصديه لتدريس أدق المتون العرفانية، وما شهد به تلميذه الآملي بما أفاضه عليه من معارف.
لقد كان للقدسي دور أساسي في توجيه الآملي، وتيسير مباحث العرفاء له، وإعداده لمهمة غير عادية سيضطلع فيها لاحقاً، بإنجاز طائفة من أهم مؤلفات الحكمة العرفانية الأُولى في التراث الشيعي، وهذا ما يتجلى لنا بوضوح في إجازته لتلميذه الآملي التي جاء فيها:
«أمّا بعد، فقد قرأ عليَّ السيّد الإمام الهمام، العالم الكامل، قطب الموحدين، زبدة المتبحرين، كهف الحاج والمعتمرين، المخصوص بعناية ربّ العالمين، السيّد ركن الحقّ والملّة والدين، حيدر بن تاج الدين عليّ پادشاه الحسيني الآملي أدام الله ظله، كتاب فصوص الحكم لمحيي الدين بن العربي قدّس الله سرّه مع شرح للقيصري، وكتاب منازل السائرين للشيخ أبي إسماعيل الهروي رحمة الله عليه مع شرح لعفيف الدين التلمساني رحمة الله عليه، قراءة مرضية، تشهد بفضله وفطنته، وكان استفادتي منه أكثر من إفادتي له، وكان ذلك بالمشهد الغروي سلام الله على مشرفه، سلخ رجب المرجب من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكتب الفقير إلى الله تعالى عبدالرحمن بن أحمد القدسي تجاوز الله عن سيئاته»([508](.
استطاع السيّد حيدر الآملي أن يكتب ما مجموعه ستة وعشرين كتاباً ورسالة، تنتظم بمجموعها في محاولة لإعادة تدوين الحكمة العرفانية لمن سبقه، ولا سيما الشيخ محيي الدين بن العربي، في إطار تأويل تراث أهل البيت عليهم السلام، وتأويل القرآن الكريم الذي تمثل في كتابه الموسوم بـ «المحيط الأعظم والطود الأشم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم»، والذي رتبه كما ذكر: (على سبعة مجلدات كبار، بإزاء تأويل الشيخ الأعظم نجم الدين الرازي المعروف بـ «دايه» فإنّه رتّب كتابه على ستة مجلدات كبار، بعد تسميته بـ «بحر الحقائق ومنبع الدقائق»، ونحن أردنا أن يكون لنا تفسير على قرنه من كلّ الوجوه، وبمقتضى الحديث الوارد فيه أيضاً: «أنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً، إلى سبعة أبطن»، وبمقتضى اشتماله أي القرآن الكريم على السبعات المعلومة، وغير ذلك ممّا أوجب ترتيبه عليها) ([509](.
وتعتبر محاولة الآملي هذه أوّل أوسع محاولة لترسيخ المنحى التأويلي في التراث الشيعي، وقد مهّد هذا المنحى لولادة اتجاه متميز بعد أقل من قرنين، ثم تعاظم دور هذا الاتجاه لدى الشيعة بمرور الزمان، ولم تجهضه الردود المتنوعة التي أطلقها المحدثون والفقهاء والمتكلمون من الشيعة، الذين أصرّ الكثير منهم على شجب هذا المنهج في تفسير القرآن الكريم، وفهم المأثور عن الرسول وأهل البيت صلوات الله عليهم. وبغض النطر عن مدى صحة هذا المنهج وصواب المنحى الذي تدور حوله أعمال الآملي، ودقة تعبيره عن هدى الوحي الإلهي فإنّه يمكن اعتبار «الانتاج العقلي لشيخ آمل، السيّد حيدر بن عليّ بن حيدر العلوي الحسيني، من قمم التفكير الإسلامي في القرن الثامن للهجرة؛ فمؤلفاته التي حفظها لنا الزمن وأمكن الاطّلاع على بعضها، تصور نضوج الحكمة العرفانية في الإسلام، وانتظامها سائر النشاط الفكري والديني على السواء»([510](.
إنّ الفضاء الذي انتشرت في آفاقه الآثار التي تركها الآملي جغرافياً وزمنياً، ارتسم فيه الدور التأسيسي لبيئة النجف، في إثراء التجربة الروحية عند الشيعة، ذلك أنّ مدرسة النجف لم يغر ماؤها بعد ارتحال الفقه والحديث إلى الحلة، وإنّما أتمت عملها باستئناف مهمة جديدة لم تتعهدها الحلة ولا أيّة مدرسة لعلوم الدين عند الشيعة آنذاك، فأزاحت ما تكدّس من الحجب والكدورات في عالم الظاهر، وغطست بعيداً تغور نحو الباطن، متدلية من الشريعة إلى الطريقة، لتكتشف في نهاية المطاف الحقيقة فتصل إلى ملاذها المفقود، لأنّ «الشريعة والطريقة والحقيقة، أسماء مترادفة الدلالة على حقيقة واحدة، التي هي حقيقة الشرع المحمّدي باعتبارات مختلفة، وليس بين هذه المراتب مغايرة أصلا في الحقيقة، لأنّ الشرع كاللوزة مثلاً المشتملة على القشر واللب، ولبّ اللبّ، فالقشر كالشريعة الظاهرة، واللب كالطريقة الباطنة، ولبّ اللبّ كالحقيقة الباطنة للباطن، واللوزة جامعة للكلّ، كما قيل في الصلوات ومراتبها المترتبة عليها: الصلاة خدمة، وقربة، ووصلة; فالخدمة هي الشريعة، والقربة هي الطريقة، والوصلة هي الحقيقة، واسم الصلاة جامع للكلّ. وقيل أيضاً: الشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقوم بأمره، والحقيقة أن تقوم به»([511](.
إنّ تبلور هذا المنحى في مسار الفكر الشيعي، تسبب في تداعي تفسيرات واستفهامات مختلفة، كانت تنثال عبر عدة قرون حتى عصرنا الراهن، وهي بمجموعها وإن لم تصدر عن رؤية واحدة، لكنها تتوحّد في تفكيك عناصر الفكر الشيعي وإحالة بعضها إلى ثقافات أُخرى خارج البيئة الإسلامية.
وقد راح ضحية هذا المنهج ذي النظرة الأُحادية في قراءة الموروث الإسلامي عند الشيعة مكونات أساسية في هذا الموروث، عندما اختزل بعضهم التشيع بنزعة غنوصية باطنية ظهرت في الإسلام، مثلما هو الحال في بعض الاتجاهات الشاذة والمنحرفة في التأريخ الإسلامي، فيما حاول آخرون أن يطابقوا بين التشيع والتصوف، أو النظر إليه باعتباره نظاماً عرفانياً ليس إلاّ([512](. وذهب عن هؤلاء أنّ التشيع تجلى في البرهان والبيان والعرفان، فهو «وجهة نظر تجلّت في مختلف فروع الثقافة الإسلامية ومجالاتها، في الفقه والحديث، وفي التفسير والكلام، وفي التصوف والفلسفة، ولذا فإنّه من الخطأ أن ينظر إلى التشيع أو إلى التسنن بوصفهما نظامين عرفانيين لا غير، ففي التشيع ـ كما في التسنن ـ بيان وعرفان وبرهان، إذا كان لنا أن نأخذ بمصطلحات الجابري، وليس العرفان حكراً على الشيعة من دون أهل السنّة»([513](.
إنّ القراءة الموضوعية لتراث الشيعة، تقضي أن نلاحظ مكونات هذا التراث بمجموعها كمنظومة متواشجة متسقة، يتمم ويغذي بعضها بعضاً، تتعانق كلها في تأليف هذا التراث، ولا ينفي أحدها الآخر، فلا يصح أن نضحي بالعقل لصالح المضمون الروحي ولا العكس، وبهذه الرؤية سنجد الحكمة العرفانية للتشيع ليست إلاّ تعبيراً عميقاً عن الثراء الروحي في الإسلام، وحينئذٍ سنعرف أنّ «للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة، التي وهبت هذا الدين البقاء قوياً غنياً قادراً على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدّها تمرّداً وقلقاً… ومن الغريب أنّ الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، ناحية الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة، الذي قامت به الشيعة، والعلة في هذا أنّ الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب، مع أنّه ليس إلاّ واحداً منها»([514](.
تراث المعقول في النجف بعد القرن الثامن
لا تتوفر لدينا معلومات كافية تفصح عن مسار مدرسة النجف في القرون التالية للقرن الثامن الهجري، لنعرف من الذي خلّفه السيّد حيدر الآملي هناك لتعليم حكمته العرفانية، ولكن نستطيع أن نطمئن إلى أنّ هذه المدرسة لم تنطفىء تماماً في العصور اللاحقة، وإن اضمحل دورها كثيراً بعد ظهور مراكز أُخرى عند الشيعة شاع فيها تعاطي المعقول والحكمة العرفانية خاصة، كما نجد ذلك في شيراز وأصفهان… وغيرها، إلاّ أنّ هذا الضمور لم يستمر أكثر من ثلاثة قرون، بعد أن استعادت مدرسة النجف دورها من جديد على يد متألهين كبار كالمولى حسين قلي الهمداني … وغيره ـ كما سنشير إلى ذلك لاحقاً ـ وإن كانت مدرسة النجف الأشرف لم تقفر تماماً من تعاطي دراسة المعقول والتأليف فيه في القرن التاسع الهجري، فمثلاً مكث الفيلسوف المعروف جلال الدين الدواني المتوفى سنة 907هـ زمناً هناك عقيب زيارته لأميرالمؤمنين عليه السلام، قرأ عليه فيها الفقيه حسن الفتال النجفي كتاب «حكمة الإشراق» للسهروردي، وألّف كتابه «الزوراء» هناك الذي جمع فيه بين الحكمة البحتة والذوقية في طريق إثبات الواجب([515](.
وفي القرن العاشر يمكن أن نعثر على مظاهر حركة ونشاط واضح في دراسة المعقول والتصنيف فيه في مدرسة النجف، فمثلاً كان الملا عبد الله اليزدي المتوفى سنة 981هـ أحد الأساتذة المعروفين وقتئذٍ في هذا الفن في النجف، فكان الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني «صاحب كتاب معالم الدين»، والسيّد محمّد ابن السيّد أبي الحسن الموسوي العاملي «صاحب كتاب المدارك» ممن قرأ عليه المعقول فيها([516](، مضافاً إلى أنّه ترك مؤلفات عديدة في هذا الفن من أشهرها الكتاب المعروف في الحوزات العلمية بـ «حاشية ملا عبدالله»، وهي حاشية على كتاب «التهذيب» في المنطق للتفتازاني، فرغ منها في أواخر ذي القعدة سنة 967هـ في المشهد الغروي المقدس([517])، وأصبحت منذ ذلك الحين حتى اليوم منهجاً متعارفاً للمبتدئين في دراسة المنطق في الحوزات العلمية.
ومن آثاره الأُخرى: «حاشية على شرح الشمسية»، وهي حاشية على الحاشية القديمة للدواني على شرح الشمسية وعلى حاشية السيّد على شرح الشمسية في المنطق، و«شرح العجالة» وهو حاشية على حاشية الدواني أيضاً على تهذيب المنطق، و «حاشية على الحاشية القديمة الجلالية على الشرح الجديد للتجريد»، و«حاشية على الحاشية القديمة الجلالية على شرح المطالع»، و«شرح فارسي لتهذيب المنطق»، و«حاشية على بحث الموضوع من تهذيب المنطق»، و«حاشية على مبحث الجواهر من شرح التجريد»… وغيرها([518](.
وبعد وفاة الملا عبدالله اليزدي عُرف الأمير فيض الله الحسيني النجفي ـ كان حياً سنة 1013 هـ ـ من المهتمين بالمعقول، حيث كانت له «تعليقات على إلهيات شرح التجريد»([519](. ولكن بعد أكثر من قرن من هذا التأريخ (أي في القرن الثاني عشر) يظهر في النجف حكيم متكلم خبير في معظم الفنون، وهو الشيخ محمّد مهدي بن أبي ذر النراقي (1128 ـ 1209 هـ ) الذي ترك آثاراً مهمة في الفقه، والأُصول، والأخلاق، والهيئة، فإنّ آثاره في المعقول كانت من أهم مؤلفات المعقول التي أنجزتها الحوزة العلمية في النجف آنذاك، وقد عُرف منها «شرح الإلهيات من كتاب الشفاء»، و«جامع الأفكار في الإلهيات»، و«قرة العيون في أحكام الوجود»، و«اللمعات العرشية في حكمة الإشراق»، و«اللمعة» وهو مختصر اللمعات، و«الكلمات الوجيزة» وهو مختصر اللمعات، و«أنيس الموحدين» وهو من أواخر تصنيفاته في المعقول، لم تتم إلاّ نبذ من الأُمور العامة والطبيعيات منه، … وغيرها([520](.
كذلك ظهر في هذا القرن عالم آخر من تلامذة السيّد مهدي بحر العلوم، وهو محمّد بن عليّ بن محمد بن محمّد حسين المتوفى سنة 1220 هـ كان له اهتمام بارز بالحكمة والكلام وأنجز بعض الآثار في ذلك، منها «تحفة الأنام في شرح منظومة الكلام»، و«منظومة في الكلام»([521](.
ومنذ منتصف القرن الثالث عشر تنامت مظاهر الاهتمام بالمعقول في مدرسة النجف الأشرف، ودبّ النشاط بالتدريج في دراسته والتأليف فيه، كما يبتدى لنا من بعض المؤلفات التي صنّفها أعلام هذه الفترة، فمثلاً كتب يعقوب البارفروشي المازندراني المتوفى بعد سنة 1274هـ «حاشية على الأسفار»([522](، كذلك صنف محمّد حسين اليزدي الأردستاني المتوفى سنة 1273هـ مجموعة مؤلفات في المعقول، منها: «القسطاس المستقيم في المنطق» و«المكيال القويم في الميزان» و«تعليقة على حاشية ملا عبدالله على التهذيب»([523](.
وذهب بعضهم إلى أن ما تضمنه كتاب «جواهر الكلام» مما يتعلق بالعلوم العقلية هو من إنجاز الملا باقر التركي النجفي المتوفى سنة (1273هـ) الذي كان بارعاً في العلوم العقلية والرياضية، وكان من خاصة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر([524](.
وممن عاشوا في هذه الفترة محمّد حرز الدين (1193 ـ 1277هـ)، وقد اشتهر ببراعته في المنطق، ومن آثاره في ذلك «حاشية في المنطق» و «شرح الشمسية» لقطب الدين الرازي([525](.
وممن امتاز في هذه الفترة بخبرة في المنطق والعلوم العقلية موسى الأحسائي الهجري الفلاحي (1239 ـ 1289هـ)، الذي ألّف منظومة في المنطق أسماها «الباكورة» طُبعت في النجف الأشرف سنة 1329 هـ ([526](.
وكان محمّد تقي الگلپايگاني النجفي (1218 ـ 1298 هـ) من أعلام محققي هذه الفترة في الفلسفة والكلام، وله بعض الآثار في ذلك، منها «منتخب شرح الهداية» و«شرح أصول الكافي» و«رسالة في علم الكلام»([527](.
أدوار مدرسة النجف الفلسفية
بعد تطوافنا عبر عدة قرون في أرجاء مدرسة النجف العقلية، ووقوفنا على بعض آثار أعلامها في المعقول، يلوح لنا أنّ الاهتمام بالمعقول اقترن بالاهتمام بالرياضيات، والهيئة، والطب، والكيمياء… وغيرها مما يشتمل عليه التراث العلمي، بيد أنّ هذه الاهتمامات كانت تدور في نسق مناهج البحث المتداولة في التراث، ولم يُقدّر لها أن تتواصل مع حركة تطور الاكتشافات العلمية الواسعة في حقل الطبيعة في أوروبا وقتئذٍ، كيما تفيد من أدوات وأساليب البحث العلمي الجديدة.
وهذا يعود لعدة أسباب من أهمّها:
إنّ النجف حاضرة تُعنى بالدرس الشرعي، وإن كانت دائرة هذا الدرس تمتد عند القدماء لتستوعب شيئاً من مساحة التراث العلمي، فضلاً عن افتقار الدارس للمعرفة باللغات الأوروبية، وبدائية وسائل الاتصال آنئذٍ بين البلدان.
أمّا في حقل المعقول فأوضح ما نراه في تلك القرون، هو شيوع دراسة المنطق وعلم الكلام والتأليف فيهما، بينما لا نعثر إلاّ على تجارب محدودة في التأليف والدراسة في الفلسفة والعرفان، خلافاً لما نراه في القرون الرابع عشر الهجري، فإنّ الدور الجديد لمدرسة النجف الفلسفية بدأ بالعرفان مع المولى حسين قلي الهمداني، وإن كان البُعد النظري في هذا العرفان ظل متوارياً لدى الهمداني وتلامذته وراء تجربتهم الصارمة في الارتياض الروحي.
ثم تبدّت بالتدريج مظاهر الاهتمام بالفلسفة، وبرز الوجه النظري للعرفان بعد تعاطي دراسة متونه المشهورة، واقترن في هذا الدور العرفان النظري بالفلسفة، وبتعبير أدق تبلورت مناشط دارسي المعقول في النجف في النصف الأول من القرن الرابع عشر في مدرسة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي، ولما كان العرفان النظري، خصوصاً تراث الشيخ محيي الدين بن عربي، أحد المنابع الرئيسية التي استقى منها الشيرازي أُسس مدرسته، كان من اللازم العودة إلى تلك المنابع والإحاطة بمعالمها، بموازاة دراسة الحكمة المتعالية.
في هذا الضوء يمكن القول إنّ مدرسة النجف الفلسفية مرّت بعدّة أدوار، نستطيع أن نحدّدها بما يلي:
الدور الأول:
ويبدأ هذا الدور بوفود الشيخ الطوسي إلى النجف وتأسيسه لمدرستها العلمية في العقد الخامس من القرن الخامس الهجري، ويمتد بعد وفاة الطوسي سنة 460هـ بامتداد تلامذته في هذه المدرسة.
وقد اتسم هذا الدور بالاهتمام بعلم الكلام وظهور عدة مؤلفات للشيخ الطوسي فيه.
الدور الثاني:
لا يمكن الجزم بتحديد تأريخ دقيق لبدء هذا الدور، ولكن يعتبر النصف الثاني من القرن الثامن الهجري عصر ازدهار هذا المقطع من أدوار تطور الحكمة في مدرسة النجف، ففي سنة 751 هـ هبط السيّد حيدر الآملي النجف، ومكث فترة طويلة هناك تعلّم فيها الحكمة العرفانية على يد شيخه عبدالرحمن القدسي، ثم عكف متفرغاً لتدوين أعماله، التي ولدت في ثناياها الحكمة العرفانية عند الشيعة الإمامية.
ولذلك أضحى العرفان النظري أو الحكمة العرفانية هو السمة المميزة التي اتسم بها هذا الدور من أدوار مدرسة النجف الفلسفية، وقد تزامن ذلك مع نضوب الدرس الشرعي في مدرسة النجف، وازدهار مدرسة الحلة وظهور فقهاء كبار فيها ساهموا بإثراء الفقه الجعفري أُفقياً ورأسياً، كابن إدريس، والمحقق الحلي، والعلاّمة الحلي… وغيرهم. وكان السيّد حيدر الآملي تتلمذ على فخر المحققين في الدرس الشرعي بمدرسة الحلة قبل قدومه النجف.
من هنا لم يسجل التأريخ بروز أسماء أُخرى في مدرسة النجف واصلت تجربة الآملي في القرن التالي، فلم يتجاوز دور الحكمة العرفانية القرن الثامن، ولم يتمدد زمنياً على مدة طويلة، لأنّنا لا نعرف سوى حيدر الآملي، وقبله شيخه عبد الرحمن القدسي الذي تحدّث هو عنه، من الأعلام المختصين بهذا الفن.
الدور الثالث:
لا تسعفنا المصادر المتوفرة بمعلومات توضح أحوال مدرسة النجف في القرن التاسع، بيد أنّ هناك أكثر من دليل على حضور نشاط غير عادي لدراسة المعقول منذ القرن العاشر فما بعد، لمعت فيه بعض الأسماء المشار إليها فيما سبق.
وانصبّ اهتمام هؤلاء على تدريس المنطق والتأليف فيه، مضافاً إلى علم الكلام والفلسفة أحياناً، وأصبحت مشاغل الباحثين في المعقول في هذا الدور لا تقتصر على ذلك، بل تقترن بالرياضيات، والهيئة، وأشياء أُخرى تتعلق بالتراث العلمي، مثل الطب وغيره أيضاً.
وزحف هذا الدور على القرون التالية للعاشر أيضاً، فامتد ليشمل القرن الحادي عشر والثاني عشر ومعظم الثالث عشر.
الدور الرابع:
يبدأ هذا الدور في نهاية القرن الثالث عشر بحضور سلسلة أساتذة متألهين في النجف الأشرف، عُرفوا بالارتياض الروحي وتهذيب النفس، وصاروا إثر بلوغهم مقامات متقدمة في مراتب السلوك على أعتاب مرحلة جديدة تزاوج فيها المعقول بالعرفان العملي، بل تجلّى العرفان العملي كصيغة خاصة تلوّنت فيها شخصيات من يتعاطون دراسة الحكمة.
ويمكن اعتبار السيّد عليّ الشوشتري أوّل حلقة في هذه السلسلة، والذي كان معاصراً للشيخ مرتضى الأنصاري، وكان يتبادل معه حضور الدروس، ففيما يحضر هو درس الفقه والأُصول عند الشيخ، التزم الشيخ الأنصاري بحضور دروس السيّد الشوشتري الأسبوعية في الأخلاق وتهذيب النفس.
وبعد ستة أشهر من وفاة الشيخ الأنصاري يلتحق به السيّد عليّ الشوشتري، بيد أنّه قبل وفاته يكتب رسالة إلى حسين قلي الهمذاني يوعز له فيها بالتوجّه نحو مقامات تهذيب النفس ويرشده إلى المنهج الربّاني للسير والسلوك، علماً بأنّ الهمذاني كان من الذين استلهموا من نمير السيّد الشوشتري قبل سنوات من وفاة الشيخ الأنصاري، وبذلك أضحى الهمذاني خليفته في مدرسته السلوكية، وأفلح في تربية طائفة كبيرة من التلاميذ، من أبرزهم الميرزا جواد الملكي التبريزي، والسيّد أحمد الكربلائي، والسيّد محمّد سعيد الحبوبي، والشيخ محمّد البهاري الذين امتدت وانتشرت بهم المدرسة السلوكية للمولى حسين قلي الهمذاني بعد وفاته سنة 1311 هـ، فمثلاً جاء بعد السيّد أحمد الكربلائي تلميذه الميرزا عليّ القاضي التبريزي، ومن بعد الأخير تلميذه السيّد محمّد حسين الطباطبائي([528](.
وعلى هذا يمكن تحديد بداية الدور الرابع والأخير لمدرسة النجف الفلسفية بهبوط السيّد الشوشتري وتلميذه المولى الهمذاني النجف، وانشغالهم بالارتياض الروحي، والدعوة لتهذيب النفس، وتأكيدهم على تعليم الأخلاق والتربية السلوكية، أمّا الجيل الذي جاء من بعدهم فبدأ يتعاطى تعليم الحكمة المتعالية مضافاً إلى مواصلة منحى تهذيب النفس والسير والسلوك السابق، وبرز من جديد الاهتمام بالمتون المتعارفة للعرفان النظري بعد أن اختفى ذلك لقرون عديدة منذ نهاية القرن الثامن. ولأجل أن تتكشف لنا أبعاد الصورة التي تمخّض عنها تطور الدرس الفلسفي في النجف، نوجز فترات الدور الرابع والملامح المميزة لكلّ فترة من هذه الفترات، كما يلي:
1 ـ الفترة الأُولى:
كان العرفان العملي هو المنحى السائد في هذه الفترة، حيث أشرنا إلى تمحور جهود الشوشتري وتلميذه الهمذاني حول السير والسلوك، وفي فضاء هذه المدرسة السلوكية تخرجت طائفة من معلمي الأخلاق والعرفان العملي المشهورين.
وفي هذه الفترة لا نجد حضوراً واضحاً لدراسة الفلسفة ومتون العرفان النظري، والمكوث سنوات عديدة في شرح عباراتها وتفكيك رموزها كما جرى في الفترة التالية، ومع خبرة المولى حسين قلي الهمذاني العميقة في مدرسة الحكمة المتعالية التي تلقاها على يد ملا هادي السبزواري لكن انصبّ اهتمامه على التربية، والتزكية، ورسم برنامج السير إلى الله تعالى، وبيان منازله.
2 ـ الفترة الثانية:
تواصلت عملية التربية والتزكية مع تلامذة الهمذاني، وانتشرت الدعوة لها زمانياً ومكانياً عبر هؤلاء التلاميذ وتلامذتهم، وأصبحت تعاليمهم التربوية منهاجاً يهتدي به السائرون إلى الله تعالى، بيد أنّ الدرس الفلسفي أخذ ينتشر ويتعاظم الاهتمام به في هذه الفترة، وقد تبلور هذا الدرس في منهج محدد، بعد أن مكث قروناً عديدة يتذبذب في غير نسق واحد، فإنّه كان يطغى علم الكلام فيما تغيب الفلسفة في بعض أشواطه، وفي شوط آخر يسود العرفان النظري فيما يغيب ما سواه، وفي شوط ثالث يتذبذب الموقف بين خيارات متنوعة لا تمثل مدرسة بذاتها.
لقد اختطت المدرسة الفلسفية النجفية لنفسها مساراً تبنته في هذه الفترة، تمثَّل في اتخاذ تراث صدر الدين الشيرازي ومدرسته الفلسفية (مدرسة الحكمة المتعالية) منهجاً للدرس الفلسفي، مضافاً إلى شيء من تراث مدرسة الحكمة العرفانية لابن عربي.
ويعود تبني المدرسة الفلسفية في النجف لهذا المنهج إلى وفود بعض أساتذة الفلسفة من ايران، مثل محمّد باقر الاصطهباناتي والسيّد حسين البادكوبي، ممن تلقوا ذلك من مجموعة أساتذة بارعين للحكمة المتعالية والعرفان النظري في طهران، منهم: محمّد رضا قمشئي، وعليّ المدرس، وأبو الحسن جلوه… وغيرهم.
وكان هذا الاتجاه في دراسة المعقول قد شاع لدى دارسي الفلسفة في ايران قبل ذلك بفترة طويلة.
3 ـ الفترة الثالثة:
منذ منتصف القرن التاسع عشر جرت محاولات من قبل بعض الدارسين في العالم الإسلامي، ممن ابتعثوا إلى أوروبا، للتبشير بالفلسفة الأوروبية والدعوة إلى نقلها وتبني مناهجها، وفي بداية القرن العشرين حاول بعض المترجمين نقل بعض المؤلفات الفلسفية للعربية والفارسية، ثم اتسع نطاق عملية النقل بمرور الزمن، وتأسّست لأجلها مؤسسات ومراكز متخصصة ذات صبغة أكاديمية تُنفق عليها الجامعات ووزارات المعارف والتعليم العالي، وسياسية تنفق عليها بعض الأحزاب والفعاليات السياسية، ولا سيما الماركسية منها؛ فتمخّضت بانتشار هذه الفلسفة وذيوع نظرياتها إرهاصات وإشكالات عقائدية وفكرية عمّت مساحات واسعة من المثقفين والطلاب، واخترقت أروقة الحوزات العلمية.
فوجد دارسو الفلسفة في الحوزة أنفسهم أمام تحد كبير لا يسعهم الوقوف منه موقف المتفرّج، لأنّه سيلتهم إيمان الناس وخصوصاً الناشئة، فاستجابت لهذا التحدي طائفة منهم، وانكبّوا على دراسة ما تُرجم من الفلسفة الأوروبية والمادية منها بالذات، ثم عملوا على تحليلها وتفكيك عناصرها الأساسية ونقدها والكشف عمّا تنطوي عليه من تهافت.
لقد أنجز الدرس الفلسفي في النجف في هذه الفترة وظيفة مزدوجة، ففي الوقت الذي تواصلت فيه دراسة المتون التقليدية للحكمة المتعالية والعرفان النظري، عُني بعض دارسي الفلسفة بدراسة الفلسفة المادية ونقدها، عبر المؤلفات الكثيرة التي تناولت هذه المسألة، بدءاً بمؤلفات الشيخ محمّد جواد البلاغي، والسيّد محمّد حسين الطباطبائي، حتى مؤلفات السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر.
وبعبارة أُخرى كانت الفلسفة تجري عبر قناتين في الحوزة العلمية في النجف، في القناة الأُولى يستمر النسق التقليدي في الدرس الفلسفي، فيما ترفد القناة الثانية الوعي العقائدي للمسلمين بعناصر القوة والثبات، وتسلّحه بمقوّمات الصمود والتحدّي، أي أنّها كانت ذات وظيفة دفاعية وقائية من خلال قناتها الأخيرة.
وبلغت مدرسة المعقول في النجف ذروة تطورها وإبداعها في مشروع السيّد الشهيد الصدر: «الأُسس المنطقية للاستقراء» الذي أنجز فيه اكتشاف وصياغة مذهب جديد في تفسير كيفية نمو المعرفة البشرية وتوالدها، عبر عن اتجاه آخر في تفسير المعرفة، غير ما كان معروفاً في المذهبين التجريبي والعقلي؛ وتعد ولادة هذا المذهب الذي اصطلح عليه الشهيد الصدر «المذهب الذاتي للمعرفة» أعظم انجاز تمخّض عنه الدرس الفلسفي في النجف في هذه الفترة، وإن لم يكتشف ويعرف لدى الباحثين المختصين إلاّ بشكل محدود جداً حتى الآن. وبكلمة أُخرى: أنّ هناك عدة ظواهر تميّز بها هذا العصر من تأريخ مدرسة النجف الفلسفية، من أبرزها:
أ ـ هيمنة الفكر الفلسفي لصدر الدين الشيرازي على حلقات الدرس الفلسفي، وانبساط أفكاره الفلسفية على الحياة العقلية بكافة مناشطها، وإزاحته لما تبقى من تعاط لتراث المدرسة المشائية الفلسفي وغيره.
ب ـ بلغ التفاعل بين المنطق والفلسفة من جهة وأُصول الفقه من جهة أُخرى ذروته في هذا العصر، وتجاوز كلّ العصور السابقة، بعد أن انطبعت الحياة العقلية عند الشيعة بأفكار ومباني مدرسة الحكمة المتعالية للشيرازي، التي تمازجت مع سائر حقول العلوم الشرعية بدرجات متفاوتة، لكنها سجّلت حضوراً في البحث الأُصولي تفوق على درجة تواجدها في أي علم آخر. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح منذ بداية المرحلة الحديثة في تطور علم الأُصول التي افتتحها الشيخ مرتضى الأنصاري، وانتهت إلى مديات قصوى على يد الشيخ محمّد حسين الأصفهاني المعروف بالمكپاني المتوفى سنة 1361 هـ .
هذا مضافاً إلى زحف المنطق والفلسفة على الفقه، والتفسير، بل قد نعثر على نفوذ لهما في علوم الحديث.
وهذا الإسراف في استعارة مفاهيم وقواعد المنطق والفلسفة واستخدامها في هذه العلوم، لا يمكن أن يتخلص من أكثر من إشكالية منهجية، تجعل التوسع في تداول تلك القواعد في علوم الشريعة مورداً لعدة أسئلة منها:
أنّ بعض مفاهيم وقواعد المنطق والفلسفة ليست مورداً لقبول المختصين وإجماعهم على صحّتها وصواب استخدامها، فطالما وجدنا في قبال مبانٍ أساسية من يقول بخلافها، فبينما تبتني فلسفة الشيرازي على أصالة الوجود، ينكر فلاسفة آخرون هذه المسألة ويلتزمون القول بأصالة الماهية… وهكذا في مسائل أُخرى غيرها، فكيف يصحّ اعتماد مثل هذه المسائل بهذا الشكل الواسع وبناء نظريات مهمّة في أصول الفقه وغيره من العلوم الشرعية عليها؟
وهب أنّها كانت صحيحة ومبرهنة ومورداً لإجماع الفلاسفة وعلماء المعقول، فهل أنّ مجالها هو نفس مجال تلك العلوم، أم أنّ استخدامها في حقل علوم الشريعة هو استخدام لأدوات معرفية خارج إطار حقلها الحقيقي.
ج ـ التعرف على الفلسفة الأوروبية الحديثة، واكتشاف مسالكها المادية، وقد تمحور الاهتمام بالمذهب التجريبي والاتجاه المادي في هذه الفلسفة لمناقضتها للميتافيزيقيا والإيمان بالغيب. ولم يقتصر الاهتمام على هذه الفلسفة بل تجاوزها إلى قراءة الآراء الجديدة في الفكر الغربي في العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، فكانت نظرية تطوّر الأحياء لعالم الأحياء البريطاني (تشارلز دارون) أحد أهمّ مشاغل المهتمين بالفكر الأوروبي الحديث في الحوزة العلمية في هذا العصر، وتنادى غير واحد لنقضها والرد عليها، كما نلاحظ ذلك لدى الشيخ محمّد جواد البلاغي وغيره، وكان السيّد عبد الأعلى السبزواري آخر من كتب نقداً لهذه النظرية اشتمل عليه تفسير «مواهب الرحمن»([529](.
كذلك طال الموقف النقدي آراء بعض علماء الاجتماع والاقتصاد الغربيين، مثلما نرى في رد السيّد محمّد حسين الطباطبائي على رائد علم الاجتماع الغربي (أوغست كونت) في «الميزان»، ورد السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر على نظرية المادية التأريخية لـ (كارل ماركس) في «اقتصادنا»، وغيرهم.
وتعود البواكير الأُولى للتعرف على الفكر الغربي في الحوزة العلمية في النجف إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري، حيث كانت تصل النجف وقتئذ بعض الدوريات المصرية مثل «المقتطف» و «الهلال» وغيرها، ممن كانت تُعنى بترجمة بعض كتابات المفكرين الأوروبيين والكتابة عن آرائهم، فاكتشف النجفيون تيارات الفكر الغربي بالتدريج عبر هذه القنوات.
د ـ ساهمت مدرسة النجف الفلسفية في هذا العصر بأعمال فلسفية أساسية اضطلعت بدور رائد في نقض الشبهات والإشكالات العقائدية، وسعت لبيان رؤية كونية إيمانية مبرهنة، بغية تحصين عقائد المسلمين من الانهيار أمام تلك الشبهات.
كذلك نهضت هذه المدرسة بإبداع جديد في منطق الاستقراء ـ كما أشرنا ـ انتقلت فيه دراسات المعقول فيها من حالة الشروح والحواشي، بل والدفاع عن العقيدة إلى حالة تأسيس وصياغة اتجاه جديد في تفسير المعرفة البشرية وتوالدها.
التفاعل بين الفلسفة والعلوم الشرعية
نعني بالعلوم الشرعية ما يشمل الفقه وأُصول الفقه، والتفسير وعلوم القرآن، وعلوم الحديث التي تُدرَس في الحوزة العلمية، فإنّ هذه العلوم تعرضت بمجموعها لاختراقات غير محدودة من العلوم العقلية، وبلغ تمازجها أحياناً بالمعقول أن صارت مركباً لا يمكن فرز عناصره المتمازجة المكوّنة له بسهولة، بل سنجد لو أمعنا النظر أنّ البنية الأساسية لهذه العلوم تتواشج لبناتها طبقاً لمقولات العلوم العقلية لا سيما المنطق منها، وتكاد تكون هذه المسألة قانوناً شاملاً ينبسط على تمام العلوم الشرعية المتعارفة في الحوزة العلمية، ولا تشذ من ذلك حتى أعمال الاتجاهات المناوئة للمعقول، التي دعت للتفكيك بين علوم الدين البحتة ومسائل المعقول. ففي مباحث أصول الفقه كما في مباحث الفقه والتفسير، وربما علوم الحديث، نعثر على مساحات تستنسخ البحث الفلسفي أحياناً، عبر استعارة مفهوماته ومصطلحاته، فتتأسس فيها المواقف في ضوء رؤية الفلسفة، وإن كانت هذه المساحات تتفاوت سعة وضيقاً، فربما استطالت مستوعبة الكثير من المباحث، ونفذت في التفاصيل الجزئية، عندما يكون الباحث من المهتمين بالشأن الفلسفي.
إنّ عملية رصد تغلغل البحث الفلسفي عند الفقهاء والأُصوليين، والمفسرين في النجف الأشرف تتطلب بحثاً واسعاً مستأنفاً، لا يمكن أن نستوعبه في هذه الصفحات المحدودة، بيد أنّ ذلك لا يمنعنا من الإشارة السريعة إلى نماذج من هنا وهناك تموضعت في مدونات مشهورة من التفسير([530]( وأُصول الفقه مثلاً، من خلال قراءة كتاب واحد أو أكثر والإشارة إلى ما اشتمل عليه من مباحث فلسفية.
البحث الفلسفي في أصول الفقه
تمازج علم أصول الفقه منذ نشأته بمقولات المعقول، وتوغلت مسائل المنطق وعلم الكلام والفلسفة في مصنفاته الأُولى، وربما طفحت تلك المسائل إلى درجة خرجت فيها مصنفات أصول الفقه عن الغرض الأصلي لهذا العلم، فقد كتب السيّد المرتضى أنّ علم الأُصول (شرد من قانون أصول الفقه وأُسلوبها، وتعدّاها كثيراً وتخطّاها، فتكلم على حدّ العلم والظن وكيف يولد النظر العلم، والفرق بين وجوب المسبب عن السبب، وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى العادة، وما تختلف العادة وتتفق، والشروط التي يعلم بها كون خطابه تعالى دالاً على الأحكام وخطاب الرسول صلى الله عليه واله وسلم، والفرق بين خطابيهما بحيث يفترقان أو يجتمعان، إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص للكلام في أصول الدين دون أصول الفقه) ([531](.
وقد انطلقت أصوات في أزمنة متتالية تدعو للتفكيك بين البحث الأُصولي وبحوث المعقول، كانت أعنفها صرخة الحركة الإخبارية في القرن العاشر الهجري، كما نجد ذلك في كتاب «الفوائد المدنية» لمحمّد أمين الاسترآبادي المتوفى سنة 1023 هـ ، ومحاولات المحدثين الإخباريين الذين جاؤوا من بعده في تدوين أصول فقه لا يستند على معطيات المعقول، وإنّما يستلهم السنّة الشريفة المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، كما ادّعوا ذلك.
وفي هذا العصر سعى بعض العلماء لإحياء دعوة المحدثين الإخباريين، بأدوات أُخرى ومنهج جديد يقوم على التفكيك بين علوم الشريعة بأسرها والعلوم العقلية، فذهب هذا الموقف إلى مدى أقصى مما ذهب إليه الإخباريون في دعوتهم لاستبدال علم أصول الفقه بأُصول متلقاة من الأخبار مباشرة، إذ يدعو رواد المدرسة التفكيكية إلى تنقية تمام العلوم الإسلامية التي محورها القرآن الكريم والسنّة الشريفة من آثار المعرفة البشرية لا سيما المنطق والفلسفة([532](.
ومن المعلوم أنّ مثل هذه الدعوات بالرغم من غيرتها على الشريعة، واحتجاجها على مناهج أتباع المعقول في إسرافهم باستخدام آليات المنطق والفلسفة في الاستدلال الشرعي، بيد أن ادّعاء الحصول على علوم شرعية خالصة نقية من دون أن تتأثر بروح العصر المنجزة في فضائه الخاص، ونزعات الباحث وثقافته الخاصة ورؤيته الكونية، ومجموعة العوامل الأُخرى البيئية المحيطة بالباحث، أنّ هذا الادعاء لا تنهض التجربة بالبرهنة عليه، ولا يمكن التأكد من مصادقيته في ضوء ما هو منجز من معرفة دينية. ولا نريد أن نستطرد في بحث هذه المسألة، فإنّ لتفصيل القول فيها محلاً آخر.
على أية حال فمع كلّ هذه النداءات، وما استتبعها من معارك وسجالات فكرية لم تتوقف حتى هذه اللحظة اختراقات المعقول لأُصول الفقه، فإنّ تراث المعقول خصوصاً الفلسفة بدأ يتعاظم نفوذه في علم الأُصول ويتغلغل إلى شتى مباحثه في الشوط الأخير من أشواط تطور هذا العلم، وبلغ ذلك مداه الأقصى على يد الشيخ محمّد حسين الأصفهاني المعروف بالكمپاني المتوفى سنة 1361 هـ، والذي يعدّ من أبرز العارفين بالفلسفة في الحقبة الأخيرة في النجف الأشرف، إذ وصفه تلميذه الشيخ محمّد رضا المظفر بأنّه (من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلاّ في فترات متباعدة، لولا أنّ شيخنا غلب عليه الفقه والأُصول وانقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة) ([533](.
ويعتبر كتابه «نهاية الدراية في شرح الكفاية»([534]( أهم مصنف أُصولي تجلى فيه تفاعل الفلسفة وأُصول الفقه في النجف أخيراً. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى أمثلة محدودة من البحث الفلسفي في هذا الكتاب.
ففي السطر الأول من «نهاية الدراية» يبدأ الأصفهاني ببيان حقيقة موضوع العلم، تبعاً لأُستاذه الآخوند محمّد كاظم الخراساني صاحب المتن «كفاية الأُصول»، معتمداً في بيانه على ما أفاد علماء المعقول، في التفريق بين العرض الذاتي والعرض الغريب، وأنّ موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، ثم يغور في تشعبات الأقوال وحججها، فيذكر ما أفاده صدر الدين الشيرازي في الأسفار «الأربعة 1: 33»، ثم يعطف عليه بما قرره ملا هادي السبزواري لبيان الشيرازي حول هذه المسألة في حاشيته على «الشواهد الربوبية ص 410»، ويواصل بحث الموضوع مستعيناً بأدوات البحث الفلسفي، حتى يخيّل للقارىء وهو في غمرة البحث كأنّه متناً من متون الفلسفة المبهمة([535](.
ثم يشير إلى قاعدة «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد» في سياق بحثه حول موضوع العلم، وكيفية الاستدلال بهذه القاعدة على (أنّ العلم عبارة عن مجموع قضايا مشتتة، يجمعها الاشتراك في غرض خاص، دوّن لأجله علم مخصوص، فلا محالة ينتهي الأمر إلى جهة جامعة بين تلك القضايا موضوعاً ومحمولاً، والموضوع الجامع لموضوعات القضايا موضوع العلم، والمحمول الجامع لمحمولاتها محموله… وأ نّه لا برهان على اقتضاء وحدة الغرض لوحدة القضايا موضوعاً ومحمولاً، إلاّ أنّ الأُمور المتباينة لا تؤثر أثراً واحداً بالسنخ، وأنّ وحدة الموضوع أو وحدة المحمول تقتضي وحدة الجزء الآخر) ([536](. ويعقّب على ذلك موضحاً (أنّ البرهان المزبور لا يجري إلاّ في الواحد بالحقيقة، لا الواحد بالعنوان، وما نحن فيه من قبيل الثاني، بداهة أنّ صون اللسان عن الخطأ في المقال ـ في علم النحو مثلاً ـ ليس واحداً بالحقيقة والذات، بل بالعنوان، فلا يكشف عن جهة وحدة ذاتية حقيقية) ([537](.
وفي موضوع المعنى الحرفي نراه يتكىء على مقولة أُخرى من مقولات الفلسفة حين يبين حقيقة المعنى الحرفي والفرق بينه وبين المعنى الاسمي، فهو لا يفسر الفرق بينهما على أساس الفرق بين الجوهر والعرض كما فعل آخرون، وإنّما يرجعه إلى الوجود المحمولي والوجود الرابط، فوجود المعنى الاسمي وجود في نفسه (وجود محمولي)، ووجود المعنى الحرفي لا في نفسه أي بغيره (وجود رابط) بمعنى أنّه يقوم بالربط بين معنيين، وليس له وجود مستقل ثالث غير وجود المعنيين المترابطين، فهو موجود بوجودهما.
وهنا يميز بين الوجود الرابط الوجود الرابطي، فيعتبر وجود العرض وجوداً رابطياً، بمعنى أنّ وجود العرض وإن كان قائماً بالغير (بالجوهر) لكن ذلك لا ينافي الوجود النفسي، (فالعرض من أنحاء الموجود في نفسه، مع أنّ وجوده في نفسه عن وجوده لغيره… وأنّ حقيقة النسبة لا توجد في الخارج إلاّ بتبع وجود المنتسبين من دون نفسية واستقلال أصلاً، فهي متقومة في ذاتها بالمنتسبين، لا في وجودها فقط. بخلاف العرض، فإنّ ذاته غير متقومة بموضوعه بل لزوم القيام بموضوعه ذاتي وجوده، فإنّ وجوده في نفسه وجوده لموضوعه)([538](.
وفي المبحث ذاته يلجأ الأصفهاني لاستعارة مفاد الهليات المركبة أي بمعنى ثبوت شيء لشيء، ومفاد الهليات البسيطة أي بمعنى ثبوت الشيء، عندما يريد بيان عدم اختلاف جميع أنحاء النسب والتدليل على أنّ الوجود الرابط في ثبوت شيء لشيء أو ثبوت الشيء لا يختلف([539](. ثم يستخدم مسألة الحمل الأولي والحمل الشايع للتمييز بين المعاني الحرفية والأسماء الموازية لها([540](.
ويتكرر تداول مصطلحات الفلسفة ومقولاتها في مباحث كتاب «نهاية الدراية» بأسرها، فلا تختص بذلك مباحث الألفاظ دون سواها، وإنّما هيمنت النزعة الفلسفية لدى الشيخ الأصفهاني على كلّ بحث تناوله، فاصطبغت المسائل الأُصولية في كتابه بصبغة فلسفية عميقة، تتكشف بوضوح من المسألة الأُولى فيه حتى الأخيرة، فمثلما وجدناه يستعين بأدوات البحث الفلسفي في أوّل بحث يطرقه في الكتاب، يستمر باعتماد هذا الأسلوب في البحث في معظم المسائل الأُخرى إلى خاتمة الكتاب حيث نلتقي بحشد واسع لآليات منهج البحث الفلسفي لديه، ففي البحث اللغوي الذي يستند على المواضعات العرفية، ولا علاقة له بمقولات الفلسفة وقوانين المنطق، يسعى المؤلف لإقصاء قوانين العرف ومواضعاته التي يتأسس عليها، ويصطنع له مرتكزات أُخرى يستعيرها من الفلسفة والمنطق، فمثلاً عندما يريد اكتشاف مدلول اسم الجنس ومعرفة نحو دلالة اللفظ المطلق على معناه المجرد من القيد، يغور هذا الباحث الأُصولي في مقدمة يتعرف فيها على أنحاء لحاظ الماهية وما يميز كلّ واحد منها عن الآخر، ثم بعد ذلك يعود متسائلاً: هل أنّ اسم الجنس مثل كلمة «رجل» موضوع للحاظ الماهية بشرط شيء، أم بشرط لا، أم لا بشرط؟ وإذا كانت كلمة رجل موضوعة للماهية اللابشرط، فهل أ نّها موضوعة للماهية اللابشرط القسمي أو المقسمي؟.
إنّ مثل هذه البحوث تسننزف جهداً ووقتاً هائلاً من طلاّب ومدرسي أصول الفقه، لا سيما في مباحث الألفاظ، مع أنّ مباحث الألفاظ تعود لحقل آخر يتمثل بفقه اللغة، وفلسفة اللغة، وعلم الدلالة، وعلم النص، وقد استطاعت دراسات اللغة في الغرب اليوم تخطي مسافات طويلة في تطورها وتكاملها، منذ توظيف المعطيات العلمية الحديثة لمؤسس علم اللغة الحديث العالم اللغوي السويسري المعروف فرديناند دي سوسيور.
إنّ ترك مباحث اللغة ترقد تحت سلطة الفلسفة والمنطق، واستعارة منهج البحث الفلسفي وأدواته في تحديد مداليل الألفاظ، جعل هذه المباحث تتحرك في مدارات مسدودة لا تتخطاها، لأنّ الفضاء الخاص للغة ومكوّناتها لا يتطابق مع فضاء البحث الفلسفي، ولم تقتصر هذه الإشكالية على مباحث الألفاظ وإنّما امتدت لتنفذ إلى مختلف المباحث، مما جعل البحث الأُصولي يتخطّى فضاءه الخاص ويجول في آفاق رؤية الفلاسفة وتأملاتهم التجريدية البعيدة عن ذوق العرف ومواضعاته.
تجدر الإشارة إلى أنّ الشيخ محمّد حسين الأصفهاني لم يبتدع هذه الطريقة في البحث الأُصولي، ولم يكن كتابه «نهاية الدراية» هو الوحيد الذي توشح بصيغة فلسفية، وإنّما يمثل هذا الكتاب النموذج الأوضح للتفاعل بين أصول الفقه والفلسفة في مدرسة النجف الأشرف، وإلاّ فإنّ أي مصنّف آخر في علم الأُصول تنبسط في مباحثه مصطلحات الفلسفة ونظرياتها.
ويبدو أنّ الفلسفة تمارس دوراً تعطيلياً بالنسبة لتطور تجربة البحث الأُصولي في الاتجاه الصحيح، فمتى أصبح حضور الفلسفة أكثف يكون أثرها أخطر في اصطناع مسارات افتراضية موهومة للبحث الأُصولي، تنزلق به بعيداً عن مساره الخاص، وتنأى به بالتدريج عن وظيفته في رفد عملية الاستدلال الفقهي بما تتطلبه من قواعد، ينبغي أن تتجدد في ضوء تطور الفقه واستجابته لمتطلبات المجتمع والدولة المتنوعة.
إلى هنا نكتفي بهذه الإشارات السريعة لبيان التفاعل بين الفلسفة وأُصول الفقه، على أنّ الفلسفة والمعقول بصورة أعم سجّلت حضوراً بدرجات أدنى في الفقه وعلم الحديث، ويمكن مراجعة بعض النماذج الواضحة لذلك فيما يتكرر عبر عملية الاستدلال في علوم الشريعة بمجموعها من برهاني الدور والتسلسل، بل يمكن القول إنّ الاستدلال الفقهي يجري من خلال قنوات القياس الأرسطي بأشكاله المعروفة، ولا نراه يتعدّاها، بيد أنّ السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر أدخل عنصراً جديداً في الاستدلال الشرعي في البحث الأُصولي والفقهي وحتى الرجالي، يعتمد على ما أشاده في كتابه «الأُسس المنطقية للاستقراء» من حساب الاحتمالات، ويعتبر استخدام حساب الاحتمالات لأوّل مرة بهذا الشكل في مثل هذه المباحث وتطبيقه في موارد مختلفة، من إبداعات الشهيد الصدر([541](.
مصير مدرسة النجف الفلسفية
تعرضت دراسات المعقول عامة والفلسفة خاصة لضربات عنيفة من بعض الفقهاء في النجف لا سيما في القرن الرابع عشر الهجري، مما أدّى إلى بلبلة الآراء والمواقف إزاء من يتعاطى هذه الدراسات، فسعى بعض أساتذة المعقول المعروفين إلى هجر تدريس هذا الفن والانصراف منه إلى تدريس الفقه والأُصول، كيما يبرهنوا على مقدرتهم في تدريس العلوم الشرعية، ويتحرّروا من أسر الفاقة والحرمان الذي يطارد كلّ من يعنى بالفلسفة، فمثلاً يحكي لنا السيّد النجفي القوچاني المتوفى سنة 1363هـ، أنّ أُستاذه في الفلسفة محمّد باقر الاصطهباناني([542]( قال له: (إنّ همي منحصر الآن في تدريس الفقه والأُصول بعد نهاية الشهر المبارك ـ يعني رمضان ـ شريطة أن تعينني بعزيمتك، فأنا قد اكتسبت من تدريسي للفلسفة اسم «الحكيم» الذي هو مرتبة اللاأبالية وانعدام الديانة والعلم، ولهذا السبب ابتليت لسنين بالعزلة والفقر والحرمان والديون، بينما أنا في الفقه والأُصول مساوٍ على الأقل للآخوند ـ يقصد محمّد كاظم الخراساني ـ والسيّد محمّد كاظم اليزدي، وغيرهما ممن لهم المقام العالي، إن لم أكن أفضل. وكلّ ما حدث لي كان بسبب تركي لتدريس الفقه والأُصول) ([543](، وفي موضع آخر يحكي القوچاني عن أحد تلامذته أنّه عندما وجهه لدراسة الفلسفة امتنع، ثم ذهب إلى السيّد كاظم اليزدي الذي كان أبرز المراجع في عصره ليستفتيه في ذلك، فلما التقاه يقول: (التقيت بالسيّد اليزدي وسألته عن رأيه بقراءتي للفلسفة بمقدار يمكنني من معرفة مصطلحاتها، فقال لي: لا ينبغي أن تدرسها إذ موضوعاتها ليست حقّاً ولا باطلاً صرفاً، فإن لم تسقط في الضلالة فإنّك ستضيع عمرك على الأقل، ولهذا فأنا أعتبرها حراماً) ([544](.
لقد توارث هذا الموقف غير واحد من الفقهاء المتأخرين، وانتشر أثر ذلك سجال ومعارك كلامية صاخبة، ظلّت لمدة طويلة مختبئة، فجهر بها خصوم الفلسفة، بعد ذيوع مثل هذه الفتاوى. بيد أن ضراوة الهجوم على الفلسفة ومريديها، لم يطح بحياة الدرس الفلسفي في النجف، ولم يوقف تعاطي تراث الفلاسفة، والاهتمام بدراسته وتدوين الشروح والحواشي حوله، ففي أحلك الظروف لم يتعطل الدرس الفلسفي وإنّما كان يختبىء لفترة داخل غرف سرية في المدارس أو البيوت متوارياً عن سلاح الفتاوى، ثم ينبثق من جديد ويسجل حضوراً نشطاً في حلقات الدرس عند أول فرصة تهدأ فيها عواصف الإرهاب العلمي.
ومن الملفت للنظر أنّه بالرغم من التشديد والمواجهة القاسية لدارسي الفلسفة فإنّ شعلة الدرس الفلسفي لم تنطفىء في النجف، وأضحت مدرسة النجف الفلسفية هي المدرسة الأُم التي شع منها الدرس الفلسفي في هذا العصر إلى حواضر مهمة في العالم الإسلامي، فأوقد فيها جذوة المنحى العقلي في التفكير، وأشاع تداول دراسة الفلسفة، مثلما فعل السيّد جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني، فإنّه بعد أن مكث تلميذاً في النجف لأربع سنوات هاجر إلى مصر فاهتم بتعليم الفلسفة هناك، وتأسست على يديه حركة نشطة برز فيها مجموعة من تلامذته كالشيخ محمّد عبده، كانت تعنى بفن المعقول عناية خاصة، كما يؤكد ذلك أحمد أمين بقوله: (ولما جاء جمال الدين الأفغاني مصر في عهدنا الحديث، وكان فيه نزعة تشيع، وقد تعلم الفلسفة الإسلامية بهذه الأقطار الفارسية، كان هو الذي نشر هذه الحركة في مصر) ([545](.
وكان الدرس الفلسفي قد ازدهر في الحوزة العلمية بقم بعد ورود السيّد محمّد حسين الطباطبائي إليها، وهو الذي تعلم الفلسفة في مدرسة النجف عند أساتذة من أبرزهم السيّد حسين البادكوبي. ومما لا شك فيه أنّ النهضة المعاصرة في دراسة الفلسفة في قم وكافة المؤسسات التعليمية في إيران يعود السهم الأوفر فيها للجهود الهائلة التي أنفقها العلاّمة الطباطبائي في إعداد جيل متمرس من أساتذة الفلسفة توزع بين الجامعات والحوزات العلمية، كالشهيد الشيخ مرتضى المطهري، والسيّد جلال الدين الآشتياني، والشيخ عبدالله جوادي آملي، والشيخ حسن زاده آملي، والشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي… وغيرهم.
ومما يتميز به الدرس الفلسفي في الحوزات العلمية (في النجف الأشرف وايران أنّ لدراسة الفلسفة سنداً يصل أساتذة الفلسفة إلى أصحاب الآراء الفلسفية، وبذلك يدركون حقائقها، ويكتشفون رموزها، فنحن بحكم سند الدراسة المتصل إلى ابن سينا مثلاً ندرس آراءه ونكشف رموزها، كما لو كنا ندرسها من ابن سينا نفسه، وهذه المزية مفقودة في مصر وغيرها) ([546](.
علوم الحكمة في الحوزة
في مطلع القرن الرابع عشر الهجري
تعرّضت دراسة علوم الحكمة للهجر في القرون الأخيرة في الحوزات العلمية، ولجأ بعض دارسي هذه العلوم لتعاطيها سراً بعيداً عن أُولئك الذين يحاربونهم ويُلصقون بهم شتى النعوت والأوصاف، كما يحكي ذلك السيّد النجفي القوچاني المتوفى سنة 1363هـ في كتابه «سياحة في الشرق» الذي يصوّر فيه الحياة الداخلية لطلاب العلوم الإسلامية، فيكتب عن تجربته في دراسة بعض كتب المعقول في مشهد: «درسنا شرح المطالع وشرح التجريد بصورة سرّية، حيث كنا نذهب قبل آذان الفجر إلى المدرسة الجديدة الواقعة خلف مسجد (گوهرشاد) لندرس هناك، ونعود والوقت ما يزال ظلاماً أيضاً، إذ أنّ علماء وطلاب مدينة مشهد كانوا في الغالب يرون أنفسهم منزّهين عن كتب الفلسفة التي كانوا يرون فيها بأسرها كتباً للضلال، فإن رأوا نسخة من كتاب «المثنوي» في حجرة أحدهم اعتقدوا بكفره. وكانوا يرون أنّ كتب الفلسفة نجسة، ولا يمسّون بأيديهم غلافها حتى لو كانت جافة، بل يرون أنّها أكثر نجاسة من جلد الكلب والخنزير… فقد كانوا يلجؤون إلى إشاعة أمثال تلك الافتراءات و(الناس أعداء ما جهلوا)، بينما الحقيقة: أنّ لب الفلسفة هو توحيد ذات وصفات وأفعال الحقّ تعالى، وذلك أصل الدين، وقد قيل: «إنّ أوّل الدين معرفته»، فإذا كان ذلك هو الكفر فما هو الدين إذن»([547](.
كان هذا اللون من التفكير هو السائد في الحوزات العلمية وقتئذٍ، لذلك أعرض غير واحد من الحكماء وأساتذة علوم الحكمة عن تدريسها أمام الملأ، بل سعى بعضهم سعياً حثيثاً بالتظاهر بتدريس الفقه والأُصول بعد شيوع تقليد حوزوي خاطىء يخصّ وصف العالم في الحوزة بمدرّس هذين العلمين، فخرجت الحوزة العلمية من كونها جامعة تستوعب جميع العلوم الإسلامية إلى كلّية فقهية([548](.
ولم يقتصر الموقف السلبي من علوم الحكمة على حوزتي مشهد والنجف وإنّما سبقتهما بذلك قم، فمنذ صدر الدين الشيرازي اشتدّ الموقف المناوىء للفلسفة، ممّا اضطرّ الشيرازي أن يختار له منفى في قرية (كهك) ويظل معتكفاً فيه على التأمّل الفلسفي والتأليف مدّة عشر سنوات تجلّت له فيها الكثير من الحقائق الفلسفية والذوقية التي ذكرها في كتابه «الأسفار الأربعة»، وتواصل هذا الموقف في فترات لاحقة وربّما ترسّخ بشدّة في العصر الحديث، فقد أشار الإمام الخميني إلى أنّ تعلّم (الفلسفة والعرفان كان يُعدّ ذنباً وشركاً) ([549](، وحينما كان يُدرّس الفلسفة آنذاك في قم أبدى البعض مواقف متصلّبة لا أخلاقية إزاءه، ومن هذه المواقف كما يقول: إنّه في «مدرسة الفيضية تناول ابني الصغير المرحوم مصطفى وعاءً وشرب منه الماء فقام أحدهم وطهّر الوعاء لأنّني كنت أُدرّس الفلسفة»([550](.
في هذه البيئة دشّن السيّد الطباطبائي اللبنات الأساسية لمشروعه الجديد في تعليم التفسير وعلوم الحكمة، ومع معرفته الدقيقة بما يكتنف مهمّته من عقبات، غير أنّه أصرّ على المضيّ قدماً في عمله حتى قطف الثمرة في نهاية المطاف.
يؤرّخ السيّد الطباطبائي لبعض المواقف التي اصطدم بها لمّا بدأ تدريس كتاب «الأسفار الأربعة» بعد وفوده إلى قم مباشرة قائلاً: «عندما جئت من تبريز إلى قم بدأت درس «الأسفار» وتجمّع عدد يقارب المائة من التلامذة لحضور هذا الدرس، أمر السيّد البروجردي بقطع راتب التلامذة القادمين الذين يحضرون درس الأسفار، وعندما بلغني الخبر تحيّرت، فماذا أفعل؟ فإذا قُطع راتب هؤلاء التلامذة القادمين إلى الحوزة من مدن بعيدة، وليس لديهم مورد رزق سوى هذا الراتب، فماذا يفعلون؟ وإذا تركت تدريس الأسفار لأجل ذلك، فإن هذه تمثّل ضربة قاضية للوضع العلمي والعقيدي للتلامذة، وفي اليوم نفسه أو بعده بيوم جاءني الحاج أحمد خادم السيّد البروجردي إلى المنزل بهذه الرسالة من السيّد، وهي أنّه يقول: حينما كنّا شباباً، كنّا ندرس «الأسفار» عند المرحوم جهانگيزخان([551]( ونحن مجموعة صغيرة وبشكل سرّي، وأمّا الدرس العلني للأسفار في الحوزة الرسمية فإنّه غير صالح بأيّ شكل من الأشكال، ولا بدّ أن يُترك، فقلت له: أرجو أن تقول للسيّد البروجردي، نحن أيضاً درسنا هذه الدروس الرسمية المتعارفة كالفقه والأُصول، ونحن مستعدّون لتدريسها وتشكيل حلقات دراسية خاصّة بها، ولسنا أقلّ من الأخرىن في هذا المضمار. غير أنّي لما وفدت إلى قم من تبريز كان هدفي فقط تصحيح عقائد الطلاب على أساس الحقّ، ونقض العقائد المادّية الباطلة، ويومذاك حينما كان يذهب السيّد البروجردي بشكل سرّي إلى درس المرحوم جهانگيزخان، كان الناس والطلاب بحمد الله مؤمنين وذوي نيّات طاهرة، ولم تكن هناك حاجة لتأسيس حلقات دروس علنية للأسفار، أمّا اليوم فإنّ كلّ طالب يرد إلى قم يحمل معه سلّة من الشبهات والإشكالات، وعلى هذا لابدّ أن نعمل على إعداد الطلاب هذا اليوم، عبر تعليمهم الفلسفة الإسلامية الحقّة، ودحض المذاهب المادية والمثالية، من هنا لا يمكن أن أتخلّى عن تدريس الأسفار. غير أنّي في الوقت نفسه أعتقد بأنّ السيّد البروجردي حاكماً شرعياً فإذا حَكَم بترك تدريس الأسفار، فسيكون الموقف من هذه المسألة بنحو آخر»([552](. وبعد أن ذهب الحاج أحمد إلى السيّد البروجردي حاملاً رسالة السيّد الطباطبائي حصل تحوّل واضح في موقف البروجردي وانصرف عن قراره السابق الذي حاول فيه أن يحظر تدريس الفلسفة في قم، حيث أفاد الطباطبائي: «أنّ السيّد البروجردي لم يعارضه بعد ذلك، وأنّه واصل تدريس مؤلّفات الفلسفة المعروفة كالشفاء والأسفار لسنوات مديدة. وأنّ السيّد البروجردي كان يحترمه، وكتعبير عن تقديره له بعث له في أحد الأيام بهدية نفيسة هي عبارة عن أحسن وأصحّ طبعة للقرآن الكريم»([553](.
عبد الجبار الرفاعي
تأسس الحوزة العلمية
في النجف
لفهم المعاني القرآنية، كان لزاماً أن تبدأ اهتمامات الفكر الإسلامي الشيعي بما يسمونه العلوم النقلية، كاللغة والحديث والتاريخ والأنساب. ولهذا ركزت الدراسات الشيعية الأولى وما زالت تركز على وعي التراث العربي والتفقه العميق بعلوم النحو والصرف والبلاغة. والتمكّن من معرفة تاريخ العرب ونظم الحياة القبلية والاجتماعية.
وكان الهدف من وراء ذلك، استخدام هذه المعرفة في البراهين والحجج. ثم انتقل الفكر الشيعي من مرحلة الآداب الإنسانية، إلى العلوم العقلية التي عززت دور التفكير في وعي العلوم الدينية.
ويعطي التراث الشيعي للعلماء دوراً أساسياً في قيادة المجتمع والدولة، على الرغم من وجود الخليفة المعترف به، فضلاً عن الملك والسلطان والوالي ورئيس الجمهورية. ويتردد على شفاه الدارسين الشيعة، منذ مراحلهم الأولى، صدى عدد من الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تكريم العلماء ومبايعتهم قيادة المجتمع، ومنها: «الفقهاء أمناء الرسل».. و«أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول علماء أمتي كسائر الأنبياء من قبلي»… و«العلماء خلفاء الأنبياء»… و«العلماء ورثة الأنبياء والفقهاء حصون الإسلام، كحصن سور المدينة لها»…
لكن أعظم دور ـ على مستوى الحياة السياسية ـ إنما يعطيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام للعلماء. فقد روي أنه قال:
«الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك».
وهذا يفترض أن الفقهاء والمعدمين وهم معظم طلاب الدراسات الفقهية في المراكز العلمية الشيعية سيحملون معهم شحنة من الكبرياء العلمي بسبب الدور الذي يمنحه التشيع لهذه الفئة. لكنه ليس افتراضاً مطلقاً، مع انه يجعل العالم بمنزلة فوق منزلة الملوك والسلاطين. ومن هنا كانت الفرصة مهيأة لتلك المشكلة الدائمة في الصراع، بين فقهاء التشيع وسلاطين الزمان الجائرين، فضلاً عن غيرها من أسباب الصراع. من جانب آخر فإن نظام الاجتهاد الشيعي من شأنه أن يجعل عملية الإبداع حيوية ومستمرة ومتطورة. ذلك أن الشيعة لا تجيز التقليد الابتدائي عن المجتهد الميت. والشخص الذي لا يعلم مسألة ما عن طريق الاجتهاد، فإنه وفقاً لوظيفته الدينية يجب أن يقلد المجتهد. ولا يستطيع الرجوع إلى فتوى المجتهد المتوفى، ما لم يكن قد قلّد في هذه المسألة مجتهداً حياً، وبعد وفاة المرجع والمقلد، بقي على تقليده. وهذه المسألة هي إحدى العوامل المهمة التي تجعل الفقه الإسلامي الشيعي، يمتاز بالحيوية فيسعى جماعة للحصول على درجة الاجتهاد، والتحقيق في المسائل الفقهية. إن أهمية نظام الاجتهاد الحر في الإبداع الفكري، ستبدو عظيمة للغاية، حين يقرر علماء في المذاهب الإسلامية الأخرى، حصر الاجتهاد وكذا التقليد في أئمة المذاهب الأربعة.
وسيبدو دور الفكر الإسلامي الشيعي أساسياً وخطيراً لمنع التدهور في الدراسات الفلسفية الإسلامية في أعقاب فتح السلاجقة الأتراك العراق واحتلالهم بغداد، والذين طاردوا حتى الإبادة الفرق الإسلامية. واحتجوا على تلك الحرية التي كان الإسلاميون خارج مذهب الخلافة يتمتعون بها. فوضعوا السيف في الإسماعيلية والإمامية والمعتزلة ثم انتقلوا إلى الأشاعرة، وهم فرقة كبيرة من أهل السنّة. ولأول مرة في تاريخ بغداد يجري الاحتفال الرسمي، وقبل سقوط بغداد بقرنين، بإحراق كتب الفلاسفة والمناطقة والعلماء ككتاب الشفاء لابن سينا، وكتاب الهيئة لابن الهيثم، ورسائل إخوان الصفا.
ولتكريس فكرة الرأي الواحد والمذهب الواحد، بدأ السلاجقة الأتراك ولأول مرة في تاريخ التعليم الإسلامي، بتأسيس مدارس الدولة، فصار الناس يشعرون بصبغة حكومية يراد بها السيطرة على العلماء. وأن لا يكون العلم حراً. فعُدَّ هذا أول تدخل في أمور العلم.
في ذلك الوقت بالذات انتقل فلاسفة الإسلام الشيعي خارج بغداد السلجوقية، ناشدين الحرية على مشارف الصحراء. فتأسست الحوزة العلمية في النجف منتصف القرن الخامس الهجري. لتستقبل طلاب الدراسات الدينية وفقاً لمنهج الاجتهاد المفتوح. وبهذا أنقذ مفكرو التشيع جزءاً من الفكر الإسلامي من أن يسقط في حمأة الجمود.
يقول الدكتور علي الوردي يصف النجف: شهدت النجف ابتداء من عام 1821 أعظم عصور ازدهارها العلمي فشيّدت فيها المدارس الدينية الكبيرة. وصار كل طالب علم في إيران، أو في غيرها من البلاد الشيعية، يطمح أن يهاجر إلى النجف لكي يكمل دروسه العالية فيها. وقد تجاوز عدد طلابها عشرة آلاف طالب. فكان فيهم الإيراني والتركي والهندي والتبتي والأفغاني والبحراني والعاملي والإحسائي علاوة على العراقي. ومن المؤسف أن لا يُدخل الباحثون العرب في تاريخ الفكر الاسلامي النجف والدراسات العليا فيها ضمن النشاط الفكري في الفترة المظلمة. دون أن ينتبهوا إلى أن الفكر الإسلامي الشيعي، لم يتأثر كثيراً من عصور الانحطاط([554](. وتكفي الإشارة إلى أن أعظم فلاسفة الإسلام الشيعي كانوا قد ظهروا في الفترة التي رافقت أو أعقبت سقوط بغداد، كالفيلسوف الإسلامي الكبير محمد صدر الدين، الملقب بالملا صدرا، أو صدر المتألهين، الذي استطاع أن يحقق إنجازاً علمياً عبقرياً سابقاً لعصره، بإثبات نظرية الحركة الجوهرية.
وكان معظم فلاسفة الإسلام قد استسلموا لفكرة تدهور العصور. وكان المؤرخون قد سمّوا مجدداً على رأس كل قرن، ثم توفوا عند المائة العاشرة، أي عند العصر المملوكي، وسيطرة آل عثمان. فلم يذكروا للاجتهاد والتجديد علماً، ولم يشيروا إلى أثر في حياة الأمة الفكرية للتجديد والاجتهاد. إذ ذاك وهذا هو الجانب المهمل من تارخي الفلسفة الإسلامية، كانت الدراسات الفقهية في مراكز التشيع لا سيما في النجف، قد قطعت مراحل كبيرة في حقول الإبداع والاجتهاد([555](.
خزائن الكتب في النجف
إن الجاليات والرواد الهابطين على المدرسة النجفية من بلاد إيران والهند وآذربيجان وما وراء النهر والقوقاز وجبل عامل والخليج وبعض نواحي اليمن كانوا يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية. وأهمها أمهات الكتب المخطوطة من كتب الفلسفة والرياضيات والأدب والفلك والتاريخ والمسالك والممالك، وقد كان رواد العلم وطلابه يسكنون على الغالب المدرسة العلوية الكبرى «الصحن»، ومنهم المقيم في غيرها من المدارس والدور الخاصة، وكان لهم نقيب ينظم شؤونهم، وكانت في المدرسة العلوية خزانة كتب نفيسة. تجمعت مما يحمله المهاجرون، وكانوا بعدما يتزودون بزاد العلم، ويعتزمون العودة إلى أوطانهم يتركون ما حملوه من نفائس الكتب، وما ألفوه من رسائل وأطروحات في خزانة المدرسة العلوية محبسة على طلاّبها، وأول من أسس المكتبة العلوية الصدر الكفي المعروف بالآوي الذي أوصى ابن أخيه بشراء الكتب، وجعلها وقفاً على طلاب النجف وسنحت له الفرصة بالإكثار من شراء الكتب.
إن بغداد أصيبت بغلاء وقحط فباعت خزائن الكتب للغلة، وأكثر البيع كان على النجفيين.. وقد ذكر الواعون من النجفيين أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات الألوف من الكتب بما فيها من نسخ القرآن الأثرية وكتب الأدعية والأوراد، وقد فرقت يد الحدثان تلك النفائس، ولم يبق اليوم إلا ما يقارب الأربعمائة نسخة، وقد وقفت بنفسي على كتاب علم المنطق كان في بيت أحد الفضلاء من النجفيين كتب على ظهره ما نصه:
«هذا كتاب من كتب الخزانة العلوية».
ولما صارت النجف محطة علمية، انتشرت فيها المدارس والمكتبات، ونشأت فيها بيوت كثيرة للكتب أولع بجمعها رجال عرفوا بذلك الشغف، وبذلوا الجهد والمال عاكفين على الحصول عليها من مظانها، فتيسر لهم من نفائسها ما كوّن الخزائن، مثل:
مكتبة الشيخ علي وولده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ومكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء ومكتبة محمد باقر التستري ومكتبة المحدث النوري ومكتبة السيد محمد آل بحر العلوم ومكتبة السيد جعفر آل بحر العلوم ومكتبة السيد هاشم آل بحر العلوم ومكتبة الشيخ الخونساري ومكتبة السيد محمد اليزدي ومكتبة الشيخ محمد السماوي ومكتبة السيد رضا الحكيم ومكتبة السيد أبو الحسن الأصفهاني وكثير غيرها…
ولعشاق الكتب نوادر كثيرة في وادي غرامهم هذا منها أني دخلت على أحد هؤلاء الغلاة في هذا المذهب، وهو الشيخ علي آل كاشف الغطاء في مكتبته الصغرى التي اقتصرت على ما ورقه بيده، ونسخ بخطه فوجدته جالساً على الأرض، وأمامه طاولة صغيرة عليها كتاب مفتوح، ومحبرة، وقد شد على عضده مساطر خفيفة من الخشب شداً محكماً يمنع الرعشة التي في يده لأنه شيخ وهنت قواه، وقد شارف على التسعين من عمره، وكان لابساً ثوباً سميكاً خصص للكتابة تراه مخططاً بألوان من مسح القلم ورذاذه، وكان في يده قلم من الخيزران القوي، وكان مشغولاً بالنسخ فسألته عن عمر ذلك الثوب قال بأن عمره يناهز السبعين عاماً وهو عندي أطيب من الغلالة التي يصفها الشاعر:
كأذيال خود أقبلت في غلالة
مصبغة والبعض أقصر من بعض
ومن نوادره أنه كان يكتب تراجم العلماء والأدباء في مجموعة أسماها: طبقات الشيعة، واتفق أن خرج إلى الجامع عند بزوغ الفجر، وصادف في طريقه أحد الفضلاء يفاجئه بنبأ وفاة أحد المشاهير من حملة العلم والأدب وجعل يعزيه لأنه من سراة قوم الشيخ، وكان يعزه. فما أجفل للنبأ ولا استرجع بل قاطع المخبر بقوله: لقد تزين كتاب الطبقات بخير ترجمة وترك اتجاهه إلى المسجد راجعاً إلى بيته، وإلى مكتبه وكتب تاريخ الوفاة.
ومن نوادره ما حدث له في الآستانة مع جلواز من جلاوزة السلطان المرهوب عبد الحميد (1822 ـ 1918) لقد شغف الشيخ بجمع الكتب والتوفر على الاطلاع، واقتناء النفيس منها الأمر الذي حمله على التطوف في البلاد الإسلامية، فجاء الحجاز ومصر وسوريا وجبل عامل وبلاد فارس والهند والترك، وتردد في الآستانة على بيوت الكتب وتزود منها واستفاد، وكان ينسخ بقلمه ما يعجبه من المخطوطات، فيرفعه إلى رف مكتبته الكبرى، ومن ذلك كتاب شرح أبي تمام على مهاجاة جرير والأخطل، وقد كان بخط مغربي قديم ومعمّى فعكف على فهمه وتهجئته حتى أتقنه، وبدأ ينسخه، وعندما بلغ الصفحة الأخيرة إذ هو بجلواز السلطان يبلغه بعنف لزوم حضوره حالاً في الباب العالي أي في بلاط السلطان، وكان ذلك التبليغ رهيباً يشعر بالخوف من المغبة لأن الناس يعرفون أن مثل هذا ينبئ بأن أحد الجواسيس المبثوثين بكثرة قد وشى بذلك المجلوب، وقد حان وقت الحساب، وهلع كل من كان حول الشيخ، وجفل من ذلك الطلب إلا الشيخ الذي رفع رأسه باعتزاز قائلاً للجلواز هيهات لا ألبي الطلب قبل أن أتم هذه الصفحة، ولو قامت القيامة وغضب الجلواز وثابر الشيخ على الاستنساخ، وما كان من الحاضرين غير الإشفاق على الشيخ والتوسل إلى الجلواز، والتمهل عليه حتى يتم كتابة الصفحة، وهكذا يتم الشيخ ويتأبط النسخة كاملة ويقول للجلواز هيا… ولما شخص إلى الباب العالي أبلغ بلزوم مغادرة الآستانة إلى العراق.
ومن نوادر هؤلاء الصرعى في حب الكتب كان الشيخ الجليل النوري وقد أعياه الطلب لكتاب، وصدفةً عثر عليه في السوق، وقد عرضته امرأة للبيع، وصادف فراغ كيسه من النقود، فوقف وسط السوق بالقرب من تلك المرأة، وأمسك بيده على الكتاب حرصاً، وصار لا يستطيع أن ينقل خطوة، وخلع عباءة نفيسة كانت عليه، ودفعها إلى المنادي، فباعها له بثمن بخس، وسلم للمرأة ثمن الكتاب ومشى في السوق والطريق بدون عباءة، وهي مشية لا تتناسب وأمثاله من رجالات الفضيلة. ولكنه كان مزهواً بها لامتلاكه الكتاب.
ومن النوادر أن شيخاً من شيوخ الأدب يظهر أنه كان رقيق الدين عرض علي شراء كتب مخطوطة كان عليها شارة التحبيس فقلت له كيف تبيع الوقف المحبس فقال إني أرى الملكية في الكتاب لأن المؤلف يريد بث المعرفة وإشاعة أفكاره وما ملكية الكتاب إلا استيعابه قراءة فقط وعليه فالكتاب لا يملك، أما الثمن المبذول، فهو عوض عن قراءته فقط، ولما كانت القاعدة الفقهية لا وقف إلا في ملك، فمن الغلط أن يقال هذا الكتاب وقف، وقريب من هذا الرأي ما ذهب إليه جماعة من ذوي الفضل إيثاراً وتسبيلاً للمنفعة في كتبهم لكل من يريد الاستفادة بقراءتها قائلين إن غلة الكتاب قراءته وزكاة تلك الغلة إعارته، ويعاكس هذا الرأي من يوصد باب مكتبته في وجوه الطلاب شحة، وكثير أولئك الذين يقبضون على الكتب قبضة الشحيح، اتفق لي وأنا صبي أن ألح على ضنين بالكتب ومكتبته التي صفت فيها الكتب النفيسة وراء أبواب من الزجاج، وكانت المكتبة مفروشة بالطنافس والسجاد الإيراني الممتاز، فوجدت صاحب المكتبة جالساً على طراحة في زاوية تلك المكتبة وهو كفيف البصر، وإلى جنبه قارئ يتلو عليه، وعندما سمع نقرة اضطرب انزعاجاً، واستفهم بارتباك، ولم تهدأ روعته حتى عرف أنها الصدفة، ولم يحدث شيء، ويدور الزمن، ويموت ذلك الجمّاعة ويريد ورّاثه حمل ما في المكتبة إلى معرض الكتب للبيع، فيستعين بي وبرفيق لي لنعرفه بالمهم من تلك النفائس، وتثمينها وعند دخولي المكتبة تدهشني العظة حيث وجدتها شعثاء موحشة، قد فارقت رونقها وكان التراب فراشها، والغبرة تعلو خزاناتها، ومدّ لنا حصيراً جلسنا فوقه وكان رفيقي لا يعلم بما يخالجني وبينما نحن منهمكون باستعراض بعض الكتب المبثوثة في تلك المزبلة لا المكتبة إذا برجة تهز الغرفة فحوّلت بصري ووجدت أحد الورثة قد وضع سلماً خشبياً، وصعد عليه واضعاً يده وراء المنضدة من الكتب يدفعها لتطيح على الأرض لأنه تعب من تناولها كتاباً كتاباً فتذكرت ذلك الكفيف، وفزته من نقرة على الباب، وكيف أربكته، وقلت من لي به يسمع، ويشاهد ما فعله هذا العبث البطر. هذا طرف من البحث عن خزائن المشهد العلوي.
علي الشرقي
التدريس في النجف
ونترك الكلام هنا للدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي:
اصطلح في النجف على تقسيم الدراسات إلى ثلاث مراحل: المقدمات والسطوح والخارج. وهذا اصطلاح في التسمية لا أحسب أنه معروف في غير النجف وها نحن نوضح هذه المراحل فيما يلي:
1 ـ المقدمات: ويريدون بها دراسة النحو والصرف وعلوم البلاغة والمنطق. وكأنهم أرادوا أن دراسة هذه العلوم هي مقدمة للدخول فيما يقصدون إليه من التخصص في الفقه وأصوله. ولا يزال يتبع في تدريس هذه العلوم الكتب القديمة المعروفة مثل شرح قطر الندى لابن هشام وشرح ألفية ابن مالك ومغني اللبيب في النحو والشمسية وغيرها في المنطق. فالنجف في هذه الكتب تشارك الأزهر الذي لا يزال يعول عليها في تدريس النحو، وربما اختلفت الجامعتان في الشارح ففي النجف يختارون في ألفية ابن مالك شرح ابن الناظم وربما اختاروا في الأزهر غيره من الشروح.
ولا بد من القول إن هذه المرحلة الدراسية تقوم على أساس فردي بمعنى أن طالباً واحداً ـ أو أكثر من واحد بحيث قلما زاد العدد على سبعة وتندر زيادته على عشرة وأكثر ندوة زيادته على عشرين ـ أن طالباً واحداً أو أكثر يختارون مدرساً من بين من هم أعلى دراسة منهم فيتلقون عليه دراسة واحد من هذه العلوم جالسين على الأرض بين يدي الأستاذ ـ وأقل ما تستغرقه مدة الدرس نصف ساعة وأكثر ما تستغرقه ساعة واحدة. وللطالب حرية المناقشة والأخذ والرد بقدر ما تسمح مواهبه وتحصيله والعلوم التي عددناها آنفاً هي إلزامية في هذه المرحلة والملزم هو التلميذ نفسه، وقد يضاف إليها علوم أخرى كالعلوم الرياضية والعروض والبديع والنصوص الأدبية. وهذا يقرره الطالب نفسه.
2 ـ السطوح: ويراد بها دراسة متون الكتب في الفقه الاستدلالي وأصول الفقه. ويمكن القول إن التدريس في هذه المرحلة يقوم هو أيضاً على أساس فردي والتلميذ أو التلاميذ هم الذين يختارون الأستاذ كما في المرحلة الأولى. وهنا تختلف الكتب في النجف عنها في الأزهر. فكتب النجف التي تدرس في هذه المرحلة كتب خاصة بها، وأهمها: معالم الأصول وقوانين الأصول ورسائل الشيخ الأنصاري وكفاية الأصول. هذا في أصول الفقه.
أما في الفقه الاستدلالي فأشهرها شرح اللمعة ثم كتاب المسالك ورياض العلماء ثم المكاسب. ودراسة الفقه الاستدلالي وأصول الفقه إلزامية في هذه المرحلة، ولكن يرى بعض الطلاب دراسة علم الكلام والحديث والفلسفة والتفسير أيضاً.
على أنه إذا لم تكن دراسة التفسير إلزامية فلأن معظم الآيات ستمر خلال الدراسة ولا بد في هذه الحالة من تفسيرها وشرحها، وكذلك القول في الحديث فهو والتفسير يرافقان الطالب في مراحل دراسته كلها، فيدرك أنواع الحديث وأقسامه واصطلاحاته والجرح والتعديل وما إلى ذلك.
هاتان المرحلتان هما اللتان تكونان الطالب وتعدانه ليكون (مجتهداً) وقد يستغرق اجتياز الطالب لهما العشر السنين أو أكثر من ذلك. وهما أشق مراحل دراسته وطالما تساقط الطلاب فيهما فتوقفوا، ومضى البارعون المجدون منهم، وهكذا لا يصل إلى مرحلة (الخارج) في الأغلب إلا القلة المتفوقة الصابرة.
3 ـ بحث الخارج: هذه المرحلة بعكس المرحلتين السابقتين لا تكون الإجماعية، وذلك أن عدداً كبيراً من الطلاب الذين أنهوا دراسة المرحلتين السابقتين يلتقون حول واحد من كبار المجتهدين فيحاضرهم ارتجالاً في الأصول أو في الفقه فيعرض عليهم المسألة شارحاً لها شرحاً مستفيضاً يبرز فيه جميع الآراء الإسلامية ومذاهبها، ثم يناقش تلك الآراء مناقشة دقيقة كما يناقش أدلتها، ثم يدلي هو برأيه في المسألة عارضاً دليله على ما ارتآه. وإذا كنا قد قلنا إن طلاب هذه الدروس هم ممن أنهوا المرحتلين الأوليتين، أي ممن أصبحوا على أبواب الاجتهاد، فربما كان طلاّبها أيضاً من المجتهدين أنفسهم إذا كان الأستاذ من الأعلام المتفوقين الذين يستفيد من دروسهم حتى المجتهدون، كما حدث في دروس الإمام العظيم أستاذ الأساتيذ الشيخ محمد كاظم الخراساني الذي كان يلتقي في حلقة تدريسه فريق من المجتهدين يستمعون إليه ويأخذون عنه (توفي سنة 1329هـ).
وما قلناه عن المرحلتين السابقتين نقوله هنا عن هذه المرحلة من إن اختيار الأستاذ يعود للطالب نفسه، لذلك نرى أن ازدحام الطلاب وتجمهرهم يتبع شهرة المدرس في طريقة تدريسه وعمق أفكاره وسعة علمه.
وإذا كنا قد عددنا الكتب المقررة في المرحلتين السابقتين فإننا لا نعدد هنا كتباً، إذ أن التدريس هنا لا يعتمد على كتاب خاص ما عدا ما يمكن أن يعين الطلاب على المراجعة.
ومما تمتاز به هذه المرحلة هو إطلاق حرية المناقشة للطلاّب على أوسع الأبواب فترى الطلاب يناقشون الآراء والنظريات مع الأستاذ مناقشة الند للند فيتعودون الثقة بأنفسهم والاعتماد على آرائهم لأنهم سيكونون في المستقبل مرجعاً للناس.
والذي يصغي للمناقشات في تلك الدروس يعلم أنها فريدة في أسلوب التدريس العلمي بما فيها من حرية وعمق ودقة وبما تنطوي عليه من توجيه رائع وسعة آفاق وتشجيع مما لا أحسب أن له نظيراً في أي تدريس جامعي آخر ولا بد أن تكون كذلك لأنها تعد الرجال لينالوا أضخم إجازة علمية هي إجازة (الاجتهاد)، فليس يسيراً أن يصبح العالم مجتهداً.
أين تعقد الدروس
ربما تبادر للذهن أن هناك قاعات للدرس وكليات للمحاضرات، مع أنه لا شيء من ذلك في النجف فمكان الدرس غير محدد، فربما كان في بيت الأستاذ نفسه على أنه كثيراً ما يكون في المساجد الرحبة البعيدة عن الضجيج، فيجلس الطلاب على الأرض متحلقين حول الأستاذ، فإذا كثر عددهم اتسعت صفوفهم غير نظيمة واضطر الأستاذ لأن يجلس على المنبر ليسمع صوته إلى أقصى الحضور، ولعل التجديد الوحيد الذي دخل على هذا التدريس هو أن الأساتذة صاروا يستعملون مكبرات الصوت ليوصلوا أصواتهم إلى أبعد طلاب بلا جهد ولا عياء.
مدارس النجف
وإذا كان مكان التدريس كما ذكرنا فما شأن هذه الدور العديدة التي تحمل إسم المدارس في النجف؟ أجل أن في النجف بضع عشرة مدرسة تحمل أسماء مختلفة أكثرها يشير إلى إسم مشيدها، ولكن هذه المدارس ليست في الأًصل للتدريس بل بمثابة (الأقسام الداخلية) في المدارس الحديثة، معدّة لسكن الطلاب الغرباء عن النجف يسكنونها بلا عوض. وقد يتخذ بعضها مكاناً لتدريس بعض الدروس.
ونترك الكلام هنا للدكتور عبد الهادي الفضلي ليحدثنا عن التدريس في النجف في هذا العصر:
الحوزة العلمية تعني مركز التعلمي الديني ذا الطريقة القديمة، الذي يعتمد الحلقة في شكل حضور الطلاب للدرس، وشرح العبارة في أسلوب تعليم الأستاذ لمادة الدرس.
وتجربتي ـ موضوع البحث ـ كانت مع الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف، واستغرقت المدة الزمنية من سنة 1368هـ إلى سنة 1391هـ.
يرجع تاريخ نشوء هذه الحوزة إلى القرن الرابع الهجري، يوم عاش الشيعة وجودهم العلمي المميز والبارز في عهد حكم آل بويه (334هـ ـ 447هـ) الذي امتد لمدة 113 عاماً. وتوسع تمركزهم في مدينة النجف الأشرف لمجاورة مرقد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والاستمداد من بركة روحانيته، والاستظلال بقدسية هذا البطل العلمي العظيم.
وبرّزت في وجودها تستقطب الطلاب من مختلف أنحاء العالم الشيعي، وتُوزّع خريجيها على جميع بلدان الشيعة في القرن الخامس الهجري يوم تزعمها شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)، فقد ذكر تاريخياً أن هذا الشيخ العظيم خرّج من تحت كرسي درسه أكثر من ثلاثمائة مجتهد.
واستمرت من بعده بين مد وجزر، وانطلاق وجمود، حتى الحقبة الزمنية التي ذكرتها ميدان تجربتي، حيث بلغت فيها أعلى مستويات عصرها الذهبي ـ كما سنتبين هذا فيما بعد ـ .
والوضع الدراسي الذي كانت عليه الحوزة العلمية النجفية في هذه الحقبة من الزمن كالتالي:
1 ـ المراحل الدراسية
كانت المراحل الدراسية في هذه الحوزة ثلاثاً، هي:
1 ـ مرحلة المقدمات:
وتدرس فيها العلوم التي تعتبر مقدمة للتخصص في الفقه وهي:
ـ علوم اللغة العربية:
ـ علم الصرف:
ـ والكتب المقررة فيه: مراح الأرواح، شرح النظام على شافية ابن الحاجب.
ـ علم النحو:
والكتب المقررة فيه: الأجرومية، شرح قطر الندى، شرح ألفية ابن مالك لابن الناظم، أو ابن عقيل، أو السيوطي، مغنى اللبيب لابن هشام الأنصاري.
ـ علوم البلاغة:
والكتب المقررة فيها: مختصر المعاني، المطول، وكلاهما للتفتازاني.
ـ العلوم العقلية:
ـ علم المنطق:
والكتب المقررة فيه: حاشية ملا عبدالله على التهذيب، شرح الشمسية للقزويني.
ـ علم الكلام:
والكتب المقررة فيه: شرح الباب الحادي عشر للمقداد السيوري، كشف الرماد في شرح تجريد الاعتقاد للعلاّمة الحلبي.
ـ الفلسفة الإلهية:
والكتب المقررة فيها: شرح منظومة السبزواري في المنطق والحكمة، كتاب الحكمة المتعالية المعروف بالأسفار لملا صدرا.
2 ـ مرحلة السطوح:
ـ علم أصول الفقه:
يدرس هذا العلم في هذه المرحلة بمستوى بين العرض والاستدلال بما يمهد للانتقال للمرحلة الثالثة.
والكتب المتعارف دراستها فيه هي: المعالم للعاملي، القوانين للقمي، الكناية للآخوند، الرسائل للأنصاري.
ـ علم الفقه:
ويدرس هذا العلم أيضاً بمستوى البين بين وللهدف نفسه.
والكتب التي تدرس فيه، هي: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيدين، المكاسب للأنصاري.
3 ـ مرحلة البحث الخارج:
وسمي بذلك لأن الدراسة فيه تعتمد طريقة المحاضرة، أي أن الدرس فيها يكون خارج الكتاب.
ويدرس في هذه المرحلة أيضاً أصول الفقه، والفقه، ولكن بمستوى الاستدلال.
وأشهر أساتذة البحث الخارج في علم أصول الفقه في هذه الحقبة، العلماء التالية أسماؤهم: الشيخ حسين الحلي، السيد محمود الشاهرودي، السيد عبد الأعلى السبزواري، الميرزا حسن البجنوردي، السيد أبو القاسم الخوئي، الميرزا باقر الزنجاني، الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، الشيخ محمد تقي آل الشيخ راضي، الميرزا هاشم الآملي، السيد علي الثاني، الشيخ محمد رضا المظفر، السيد يوسف الحكيم، السيد محمد الروحاني، السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد تقي الحكيم، السيد نصرالله المستنبط.
وأشهر أساتذة البحث الخارج في علم الفقه العلماء التالية أسماؤهم: الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا آل ياسين، السيد محسن الحكيم، الشيخ حسين الحلي، السيد محمود الشاهرودي، السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي، الشيخ محمد حسن المظفر، السيد محمد جواد التبريزي، السيد عبدالله الشيرازي، السيد عبد الأعلى السبزواري، السيد محمد البغدادي، السيد آغا الآصطهباناتي، الشيخ مرتضى آل ياسين، السيد أبو القاسم الخوئي، السيد محمد تقي بحر العلوم، السيد حسين الجماعي، السيد علي الغاني، السيد محمد باقر الشخص، الشيخ محمد تقي آل صادق، الشيخ محمد تقي الفقيه، الشيخ محمد تقي آل الشيخ راضي، الشيخ حسن الخاقاني، السيد جمال الكلبايكاني، الميرزا حسن البجنوردي، الشيخ عبد الكريم الجزائري، السيد محمد باقر الصدر. السيد محمد الروحاني، الشيخ حمد تقي الجواهري.
طريقة التدريس
وكانت طريقة التدريس في هذه الحوزة العلمية تختلف باختلاف المرحلة، ففي مرحلتي المقدمات والسطوح تعتمد على شرح العبارة، يقرأ الأستاذ سطراً أو أسطراً من الكتاب، ثم يقوم بالشرح، ويستخلص الطالب الفكرة التي هي موضوع الدرس من خلال الشرح، وكثيراً ما يستطرد الأستاذ خلال شرحه لتوضيح قاعدة أو بيان إشكال، أو رد إشكال، بما يرتفع في غالبه إلى محاكمة العبارة، ونقد الفكرة لتوضيحها عن طريق التحليل والتعليل.
وفي مرحلة البحث الخارج تعتمد على أسلوب المحاضرة، ويبدأ الأستاذ أولاً بتحرير المسألة (تحديد وبيان الموضوع)، ثم عرض الآراء فيها، فاستعراض أدلة الآراء فمناقشتها ومحاكمتها، ثم الانتهاء إلى النتيجة المطلوبة، إمّا بتبني أحد الآراء أو الإتيان برأي جديد.
وفي زمن قبيل هذه الحقبة كان علم أصول الفقه قد نضج على أيدي أساتذة المدارس الثلاث المتعاصرة، وهي مدرسة العراقي ومدرسة الأصفهاني ومدرسة النائيني التي صبت جميعها في محيط أبرز تلامذتها من أساتذة هذه الحقبة الزمنية موضوع المقال، وكان قد برز من بينهم السيد الخوئي فكانت مدرسته التكاملية التي جمعت بين هذه المدارس الثلاث، فحولت منها مدرسة تكاملية، ولم يشأ الوضع بعده أن ينجب مدرسة أخرى.
وكل ما جدّ في مجال أصول الفقه هو التعديل في التبويب والتغيير في أسلوب وطريقة العرض.
ولعل كتاب السيد السبزواري (تهذيب الأصول) يعرب عن هذا النضج وبدء طور التغيير للخلوص إلى الخلاصة وطرح الزائد والاقتصار على المفيد.
وأما في مجال الفقه فقد نضج في طريقة الاستدلال بعد استقرار المدرسة الأصولية على يد الوحيد البهبهاني، وذلك بتأليف كتاب الرياض للسيد الطباطبائي وتأليف كتاب الجواهر للشيخ النجفي وكتاب مفتاح الكرامة للسيد العاملي، ولم يجدّ له جديد في هذه الحقبة إلا بمحاولة التغيير في طريقة العرض.
ومن أهم السمات التي تميزت بها الدراسة في مرحلة البحث الخارج، هي: الأصالة في الرأي، والعمق في البحث، والشمولية في الاستعراض، والاستقلالية في الخلوص إلى النتيجة.
تمويلها
تعتمد الحوزة العلمية في تمويلها ومصروفاتها لرواتب الأساتذة والطلبة وشؤونها الأخرى على ما يعرف بالحقوق المالية الشرعية التي يدفعها أتباع المذهب إلى مراجع التقليد.
النقد
وشأن التعليم في هذه الحوزة العلمية شأن التعليم في المراكز والمعاهد العلمية الأخرى، فيه الخصائص المميزة والظواهر المرغوب فيها، وفي الوقت نفسه لا يخلو من ملاحظات توجه إليه، ومآخذ تسجل عليه.
ومما سمعته من هذا في شأن التعليم الحوزوي النجفي في هذه الحقبة الزمنية، وكنت أشارك في طرحه أيضاً يتلخص في النقاط التالية:
ـ في مرحلتي المقدمات والسطوح:
وأهم ما كان يسجل عليهما من مآخذ، هو:
1 ـ الجمود على المواد العلمية الموروثة، وعدم محاولة إضافة مواد أخرى لها دخل مباشر في المساعدة على التخصص في الفقه، أمثال:
أ ـ أصول علم الحديث.
ب ـ أصول علم الرجال.
ج ـ تاريخ الحياة الاجتماعية للمسلمين في عصر التشريع لما لها من دور فاعل في التالي:
ـ الكشف عن القرائن التي كانت تصحب نصوص التشريع.
ـ إلقاء الضوء لتوضيح موضوعات الأحكام آنذاك بما يساعد على فهم النص الشرعي، والمقارنة بين طبيعة الموضوع آنذاك وما يماثله في عصور ما بعد التشريع.
ـ معرفة أساليب التعبير وطريقة البيان آنذاك، ودخالتها في المساعدة على فهم مؤدى النص من الوضوح بمكان البداهة.
د ـ معرفة واقع الحياة الاجتماعية المعاصرة، لأنها تساعد الفقيه مساعدة كبيرة جداً على فهم طبيعة الحياة ومتطلباتها ومستجداتها التي سيتعامل معها في إصدار الفتاوى وإعطاء الأحكام.
هـ ـ مبادئ العلوم الحديثة من اجتماعية وطبيعية ورياضيات وما إليها. وبخاصة للطالب الذي لم يدرس الدراسة النظامية في مراحلها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، لما لهذه من المساعدة على فهم الحياة المعاصرة.
2 ـ الجمود على المقررات (الكتب) العلمية الموروثة، والدعوة إلى تغييرها، لأنها لا تحمل بين دفتيها ما تطور إليه العلم في المنهج والفكر والأسلوب، فلم تعد تكفي لتلبية حاجة الفقيه في مجال الاستنباط، وليس بمقدورها ملء الساحة العلمية بالمطلوب.
… بالإضافة إلى أن فيها ما لا علاقة له بمادة العلم لمقرر وأوضح هذا بإعطاء بعض الأمثلة ولتكن من مادة (أصول الفقه) لما لهذه المادة من أهمية في مجال التخصص الفقهي وذلك باشتمالها على أعلى نسبة من القواعد التي يحتاج الفقيه إلى استخدامها في مجال الاجتهاد واستخلاص أو استنباط الحكم من دليله ومصدره.
وكذلك لتكن محتويات كتاب ـ (كفاية الأصول) للآخوند الخراساني مستقى الأمثلة التي أريد ذكرها كشواهد على ذلك وأيضاً لما لها من أهمية علمية في عالم الحوزات الدينية لأنها تعتبر بمثابة القمة في تسلسل الكتب الأصولية المقررة.
فأول موضوع نلتقيه في هذا الكتاب الجليل هو (مبحث موضوع العلم) مطلقاً وذلك لينطلق المؤلف بعد تحديد موضوع العلم إلى تطبيقه هنا وتحديد موضوع علم أصول الفقه على هدي ما انتهى إليه من نتيجة. وهذا يعني ـ تعليمياً تربوياً ومنهجياً ـ الخلط بين المادة المنطقية والمادة الأصولية وذلك لأن البحث عن تحديد موضوع العلم من بحوث وموضوعات علم المنطق لأنه العلم الذي كان يقوم قديماً وقبل استقلال مادة مناهج البحث عنه بدراسة هذا الموضوع.
فالمفروض أن لا يثار بحثه في علم أصول الفقه، وكل ما ينبغي أن يقوم به الباحث الأصولي هو الرجوع إلى علم المنطق وتبني الرأي الذي يختاره في المسألة ويتخذ منه المبدأ الذي يطبقه على موضوعه في علم أصول الفقه وهو تحديد موضوع علم أصول الفقه.
ومن المستغرب أن بعض نتائج البحث في مسألة تحديد موضوع العلم هي أنه لا يوجد لعلم أصول الفقه موضوع، وهذا يعني أنه لا يسوغ لنا أن نطلق عليه عنوان علم.
ثم بعد هذا نلتقي في الكتاب المشار إليه موضوع (الوضع) الذي يراد به نشأة اللغة. وأيضاً هذا الموضوع هو ألآخر لا علاقة له بعلم أصول الفقه وإنما هو من موضوعات تاريخ اللغة أو علم اللغة العام. يضاف إليه أننا في علم أصول الفقه نضع القواعد لدراسة نصوص الكتاب والسنّة وهي نصوص عربية لها خصائصها ومميزاتها في الأسلوب والأداء. فالذي ينبغي أن يرسم خطة بحث هنا هو أن ندرس دلالة الألفاظ العربية في إطار المصطلحات اللغوية المعروفة وهي النص والظاهر والأظهر والمؤول والمجمل والخ، وكيفية التعامل معها لفهم دلالاتها ومؤدياتها. وفي وسط مباحث الألفاظ وفي عنوان البحث اللغوي فيها نلتقي بمسألة من مسائل العقيدة التي تدرس في الفلسفة الإلهية وعلم الكلام وهي مسألة اتحاد الطلب والإرادة، وهي ومن غير ريب مسألة استطرادية حقها إن كان لها علاقة بمادة هذا العلم أن يشار إليها وفي الهامش إشارة مختصرة وإلا فلا مجال لذكرها إطلاقاً.
وباختصار لو رجعنا إلى كتب الفقه الاستدلالية كالرياض والمسالك والمستند والجواهر وأمثالها وتتبعنا وبدقة القواعد الأصولية المستخدمة فيها، ثم وبعد استخلاصها منها ووضعها في قائمة نقوم بمقارنة بينها وبين محتويات كتاب الكفاية رأينا أن جملة مما يذكر في الكفاية لا علاقة له بالاستنباط والاجتهاد وأن جملة مما له علاقة بالاجتهاد والاستنباط غير موجود في الكفاية، ولأقل هو غير موجود وبعنوانه وباحتواء كل أطرافه كقاعدة الظهور وقاعدة الجمع العرفي والدلالي.
وإلى جانب هذه الأمثلة أمثلة أخرى في الكتاب المذكور وفي غيره من مقررات الدرس الحوزوي.
وفيما ذكرته إلماح وإيضاح وافيان.
3 ـ الجمود على طريقة شرح العبارة في التدريس، لأنها بقدر ما لها من محاسن في تفتيح الآفاق الذهنية بواسطة ما يجري فيها من تحليل وتعليل ونقد واختيار، ومن ثم تنمية الموهبة الفكرية، وإثراء المعلومات، عليها من المآخذ كضياع أو بعثرة الفكرة موضوع الدرس في هذا الوسط من المعلومات المختلفة التي أفرزتها محاولة شرح العبارة في محورها وحول قطبها، فكثيراً ما يهتم الطالب بهذه المعلومات التي لها ارتباط بفك العبارة أكثر منه بكثير من الارتباط بالفكرة موضوع الدرس.
ـ مرحلة البحث الخارج
وأهم ما كان يلاحظ هنا:
1 ـ الجمود على طريقة شرح المتون، فقد قام العرف في هذه الحوزة على اعتماد متن فقهي معين، وإدارة البحث الخارج فيه وحوله، يقرأ الفقيه الأستاذ المسألة في الكتاب ثم يبحث في الدليل.
والكتب الفقهية التي تعارف القوم على جعلها مثار البحث الخارج ومداره هي: المكاسب للشيخ الأنصاري، وشرائع الإسلام للمحقق الحلي، والمختصر النافع له أيضاً، وتبصرة المعلمين للعلاّمة الحلّي، والعروة الوثقى للسيد اليزدي، ووسيلة النجاة للسيد الأصفهاني.
والمأخوذ على هذا هو أن خارج هذه المتون مسائل مهمة ـ وقد تكون كثيرة ـ فمن المطلوب منهجياً أن تكون موضع بحث ودراسة، كما أن في هذه المتون المذكورة مسائل ليس هناك حاجة لبحثها ودراستها.
2 ـ الجمود على ما في هذه المتون من موضوعات، فإن مما يفوت على الفقيه وطلاّبه أن يبحثوا ما يستجد من قضايا هي أولى بالبحث، لأنها مما تعم به البلوى، ولأنها أصبحت من أساسيات الحياة المعاصرة، وهي أمثال: البنوك والشركات الحديثة وغيرهما.
ومما كان يلاحظ على الوضع التعليمي في الحوزة عدم وجود شروط فيها للقبول، وكذلك لا امتحان فيها للقبول، كما أنه لا امتحان فيها لمعرفة مستوى الطالب.
وقد حفزت هذه النظرة الناقدة للتعليم في هذه الحوزة عدداً من أبنائها الواعين لمتطلبات الحياة المعاصرة بما يتغير فيها ويستجد، والمتطلعين إلى مستقبل أفضل لها إلى الدعوة لتحديث الحوزة.
وكان من نتائج هذه الدعوة أن أسست كلية الفقه، ومدرسة العلوم الإسلامية.
ومما يؤسف عليه ويؤسى له أن الكلية منيت بسبب ضغط الوضع السياسي العراقي بعزلها عن الحوزة، ومن ثم بعدم تحقيق أهدافها المتوخاة من تأسيسها.
أما الدورة أو المدرسة فقد انتهى أمر وجودها، وأيضاً بسبب ضغط الوضع السياسي العراقي.
وكذلك كان من نتائج هذه الدعوة أن أُلّفت بعض الكتب لتحل محل القديم، منها:
ـ في علم المنطق: كتاب (المنطق)، وكتاب (خلاصة المنطق).
ـ وفي علم أصول الفقه: كتاب (أصول الفقه) وكتاب (الأصول العامة للفقه المقارن) وكتاب (المعالم الجديدة) وكتاب (دروس في علم الأصول) و(مبادئ أصول الفقه).
كما كان من نتائجها ـ وهو مهم جداً ـ أن عقد الشيخ حسين الحلي درساً خاصاً لبحث المسائل المستحدثة، وقام تلميذه السيد عز الدين بحر العلوم بكتابتها تحت إشرافه، ثم نشرها بعنوان (بحوث فقهية).
الدكتور عبد الهادي الفضلي
وزيادة في إيضاح البحث الخارج ننشر كلمة لمحمد العزبادي:
البحث الخارج هو عنوان لأعلى مرحلة تدريسية في الحوزة العلمية تسبقها مراحل يمكن أن يعبّر عنها بأنها بحث الداخل، وإن لم يطلق عليها هذا المصطلح ولكنه في واقعه بمقابل مصطلح بحث الخارج فتعبير الداخل والخارج هنا منظور فيه المنهج المقرر الذي تدور حوله رحى الأبحاث. فإذا كان المنهج المقرر كتاباً معيناً يسير المدرس في ضوئه ويتقيد به في تدريسه، وبالتالي هو منحصر في داخل هذا الكتاب، فإن هذا البحث يسمى بحث الداخل. ومن الواضح أن استعمال عبارة بحث خارج مقصود منه أنه (بحث خارج الكتاب) لكن اختصاراً يقال: بحث خارج، مع حذف المضاف إليه (الكتاب)، والمقصود بالكتاب هو الكتاب المقرر في مرحلة الداخل (مرحلة ما قبل الخارج). فيقال: (البحث الخارج) يعني البحث الذي يقع خارج الكتاب. فمرحلة البحث الخارج تعني البحث غير المقيد بكتاب معين لكنها تتبنى منهجية معينة.
مرحلة بحث الداخل إذا صح التعبير عنها تشتمل على ثلاث مراحل فرعية هي: المقدمات والسطوح والسطوح العليا، التي تليها مرحلة البحث الخارج، التي تشكل المرحلة التدريسية الرابعة في الحوزة.
في مرحلة المقدمات يدرس الطالب العلوم التي يتوقف عليها الفقه والأصول من قبيل علم المنطق وعلوم اللغة العربية المختلفة مضافاً إلى علم الدراية وما شاكل ذلك من أوليات في الفقه والأصول والعقائد. أما في مرحلة السطوح فيدرس الطالب الديني مواداً مقررة معينة أيضاً في الفقه والأصول ثم يدخل مرحلة السطوح العليا التي هي مرحلة تدريس كتاب الكفاية للشيخ الآخوند الخراساني وكتاب الرسائل للشيخ الأنصاري وكلاهما من كتب الأصول أما كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري فهو في الفقه.
وربما لا يُفصل في مرحلة السطوح بين عليا وغير عليا فيطلق على كليهما (مرحلة السطوح) لكننا هنا فصلنا بينهما للتوضيح فقط. فالطالب في الفقه يبدأ بدراسة كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي ثم ينتقل إلى اللمعتين: اللمعة الدمشقية للشهيد الأول وشرحها للشهيد الثاني ثم ينتقل إلى مرحلة المكاسب.
كما يمكن أن يندرج كتاب شرائع الإسلام ككتاب يدرس في مرحلة المقدمات أما كتابي اللمعتين فيندرج في مرحلة السطوح العادية ويندرج كتاب المكاسب في مرحلة السطوح العليا كما يوجد مثل هذا التسلسل بالنسبة إلى علم أصول الفقه.
قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن كل مرحلة في هذه المراحل قتد تنقضي مثلاً في سنة أو سنتين لكن الأمر ليس كذلك فليس بالضرورة أن يجتازها الطالب في سنة واحدة، فقد تطول أو تقصر بحسب عوامل منها طبيعة المرحلة وكونها مقدمات أو سطوح عادية أو سطوح عليا… فلكل مرحلة مدة معينة وهي تعتمد على الجهد الذي يبذله الأستاذ فقد يطيل الشرح أو يختصره، كما تعتمد على الجهد الذي يبذله الطالب في استيعاب المادة وطبيعة الكتاب المقرر أحياناً. فمثلاً قد يدرس الطالب كتاب (الرياض) بدل المكاسب ولكل من الكتابين مدة معينة.
مرحلة البحث الخارج تشكل أطول المراحل الدراسية لأنها هي المرحلة التي يعرض فيها المدرس النظريات العلمية المختلفة في المسألة المعينة ثم يتناول نقد ما يحتاج إلى النقد، ثم يختار الرأي المناسب ويقيم الدليل عليه، ويدفع الإشكالات المحتملة أو المثارة في كل مسألة.
يقتصر دور الطالب في مرحلة السطوح على الاستماع إلى المادة واستيعابها ليتمكن من بلوغ مرحلة النقاش عندما يصل إلى مرحلة الخارج. فمرحلة ما قبل الخارج يكون دور الأستاذ فيها هو دور الشارح لما عنده من بحث الغير فهو يعرض نظرية الغير ويشرحها ويوضح المصطلحات. أما في مرحلة الخارج فإن دور الأستاذ ينصرف إلى النقد مع العرض واختيار الرأي.
فالأستاذ في البحث الخارج حينما ينقد النظريات الأخرى يتعرض في المقابل لنقد طلبته الذين يكونون بين مفند ومؤيد وبين مستشكل فإن البحث يغنى من خلال النقاش الدائر، وقد يستمتن الأستاذ رأي الطالب فيبني عليه.
فالإشكال في الحقيقة أشبه بالفايروس إذا لم تتغلب عليه فإنه يتغلب على الفكرة ويفسدها فلا يمكن أن تتبنى الفكرة إذا لم تدفع الأشكال، وأي فكرة من الوجهة العملية لا بد لاستقرارها من إقامة الدليل علهيا ودفع الإشكال عنها.
بالنسبة إلى المتن الذي يعتمده أستاذ البحث الخارج نلاحظ أنّ هنالك نصاً معيناً يتضمن مسائل ذلك العلم الذي يخوض فيه ليكون منهجاً لعنونة المسائل وبحثها لا كتاباً يتقيد المدرس ببحث الموجود فيه. فمثلاً: مدرس البحث الخارج قد يعتمد كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي فيستفيد منه على مستوى التسلسل النصّي القانوني الموجود في الكتاب، أمّا على مستوى نظريات صاحب الشرائع فإنه يناقشها كما يناقش نظريات الأخرىن يتبنى بعضها ويرفض البعض الآخر.
بينما في مرحلة ما قبل الخارج يتقيد المدرس بالمتن والشرح والنظرية الموجودة في الكتاب.
إذن في الوقت الذي لا يتأطر أو يتقيد المدرّس في مرحلة البحث الخارج بكتاب معين فإنه يسير على ضوء متن معين.
والطالب والأستاذ عليهما أن يجتازا مرحلة ما قبل الخارج هذا تعليماً وذاك تعلماً، لكي يستطيعا الخوض في هذه المرحلة، وهذا يعني أنه لا بد للمدرس أن يكون قد درّس ما قبل الخارج بنجاح حتى ينتقل إلى التدريس في مرحلة الخارج بحيث يمتلك القدرة على نقد النظريات بالشكل العلمي المقرر في أصول ذلك العلم وتبني رأي مع إقامة الدليل عليه ودفع الإشكال عنه. وفي العرف الحوزوي لا يتصدى للتدريس في مرحلة الخارج إلا مجتهد أو مراهق للاجتهاد. والاعتراف بأستاذ بحث الخارج وتكريس أستاذيته يتمان إما كتابة بأن تكتب له إجازة الاجتهاد من بعض الفقهاء المعترف بفقاهتهم في الحوزة العلمية وإما شفاهة بأن تقرر له إجازة الاجتهاد في مجالس هؤلاء الفقهاء وحضورهم والغالب أن يتم التكريس والاعتراف بصورة عملية دون أي وثيقة شفوية أو مكتوبة عندما تعامل حلقة درسه على أنها حلقة بحث خارج لتمييزها عن باقي حلقات الدرس، وهذا يشكل اعترافاً ضمنياً من بقية علماء الحوزة بمستواه العلمي، خصوصاً من خلال نوعية ومستوى فضل الطلاب الذين يحضرون تلك الحلقة، وبالتالي لا بد أن يكون أستاذ البحث الخارج قد مرَّ بجميع العلوم التي يتوقف عليها درس الخارج فلا بد أن يكون قد أتقن دورة كاملة في المنطق والبلاغة والدراية والكلام وهكذا بقية العلوم الأخرى مضافاً إلى المراحل الفقهية والأصولية السابقة على مرحلة الخارج.
تقوم الدراسة في مرحلة البحث الخارج على مادتي الفقه والأصول وفي بعض الأحيان يدرس تفسير القرآن وعلومه والعقائد. لكن الملاك في بلوغ مرحلة الاجتهاد هو الاجتهاد في (الفقه والأصول). ومن المعتاد في هذه المرحلة أن يبدأ المدرس بتحرير المسألة أو ما يُعبر عنه بتحرير محل النزاع ـ بيان المسألة أو القضية أو الفكرة موضوعة البحث ـ ثم حصر موضوع النزاع وبيان الوجوه المحتملة في المسألة، وذكر أقوال الفقهاء السابقين والمعاصرين، وعادةً يركز على أشهرهم وبخاصة أصحاب المدارس التأسيسية منهم. ففي الأصول تتميز مدرسة النائيني والأصفهاني والعراقي والكفائي والخوئي حيث تُستعرض آراؤهم ونظرياتهم ثم يُبين ما عليها من ملاحظات إن وجدت.
ولا يحصل الاجتهاد، بما هو استفراغ الوسع وبذل أقصى الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي، إلا بالمرور بكل النظريات المعتدّ بها والتي لها دور في تبني هذا الرأي أم ذاك. إذ لا بدّ من الناحية العلمية والشرعية أن يسبر الدارس جميع الآراء حتى يصل إلى حالة الاستقرار والاطمئنان في معرفة حكم الله واستنباط الحكم الشرعي. وبالتالي فإن استعراض الأقوال مسألة ليست كمالية في البحث، بل لازمة لإبراء الذمة المترتبة على قضية استفراغ الوسع التي بدونها لا يكون اجتهاداً. والاجتهاد كما يتوقف على أدوات علمية فإنه يتطلب استعراض أقوال الأخرىن وجهدهم. وأحكام المجتهد أحكام ظاهرية لا أحكام واقعية مُسلّمة ولكنها مُقرَّة وممضاة من قبل الشارع لأنها أحيلت على الفقهاء المجتهدين.
وليس من وظيفة المدرس مرحلة البحث الخارج شرح المصطلح لأنه يُفترض فيمن وصل إلى هذه المرحلة أن يكون قد اطّلع على شروح المصطلحات الخاصة بعلمي الأصول والفقه.
قد يسأل سائل ما هو موقع الدراسة في مرحلة الخارج قياساً إلى الدراسات الأكاديمية الموازية كالدكتوراه مثلاً؟
وهناك رأي يقول، ويتبناه كاتب هذه السطور: إن الطالب الحوزوي المجدّ والمحصّل المشتغل والذي أتقن جميع مراحله الدراسية وبلغ مرحلة الخارج يستحق درجة تعادل درجة الماجستير في الجامعات الحديثة. علماً أن الدرجة الحوزوية المتقنة تفوق بكثير الدرجة الأكاديمية، فعندما نقول يعادل الماجستير فهذا لتقريب، الصورة فقط.
أما بالنسبة إلى المدرس فإن مرحلة الخارج مرحلة تطبيقية لكل ما درسه الطالب وما درّسه الأستاذ وتطول وتقصر فهي أشبه بالمختبر يجرب فيه الباحث الأصولي أو الفقيه كل ما مرّ عليه من دراسات وأقوال ونظريات وفي مرحلة بحث الخارج يستحق صاحبها إذا كان متقناً في أدنى درجة ما لا يقل عن درجة الدكتوراه.
نعم: قد يكون هناك شرط أساسي فيمن يُمنح الماجستير أو الدكتوراه وهو أن يقدم بحثاً، تشرف عليه لجنة معينة ثم تُقدم درجة علمية لذلك البحث.
أما في الحوزة العلمية فإن المدرس لكي تختبر جدارته وكفاءته إما أن يُقدم بحثاً مكتوباً وإما أن يقدم بحثاً شفوياً من خلال اللقاءات الشفوية والمحاضرات فيكتشف أنه قد بلغ مرحلة الاجتهاد أو مرحلة ما دون الاجتهاد، فوضعه العلمي يشخّص من خلال الكتابة أو من خلال المناقشة الشفوية وعلى هذا الأساس نجد أن بعض مدرسي البحث الخارج ليس لهم كتب ولكنهم مجتهدون.
لتطوير بحث الخارج لا بد من أخذ المقترحات التالية بنظر الاعتبار:
1 ـ اختزال المادة العلمية بحذف كثير من الموضوعات التي لا ترجى منها ثمرة عملية وإن كانت تساهم في تعميق الذهنية العلمية الصرفة.
وهناك مئات من المسائل التي تجمع الوصفين العلمي والعملي وتضمينها في البحث الخارج يقصر المسافة على الطالب.
2 ـ أن يكون تدريس مرحلة الخارج أوسع دائرة من الفقه والأصول بأن يضاف إليه الدراسات القرآنية والعقائدية والأخلاقية.
وفي الدراسات الفقهية حبذا لو تكون هناك مقارنة بالقانون الوضعي، فالقانون الموجود في البلدان العربية والإسلامية بشكل عام أو في العالم لا يقل أهمية وخطراً عن وجهات نظر بعض المذاهب ربما القديمة أو البائدة التي تشكل مشكلة لنا ولكنها تبحث وينظر فيها.
كما يمكن التساؤل هنا عن سبب عدم إدراج الدراسات التخصصية كالاقتصاد، أو النظام السياسي الإسلامي وما شاكل ذلك في بحث الخارج.
3 ـ لا بد للفقيه من الرجوع إلى أهل الخبرة في موضوعات مسائله ولا أقصد بذلك الموضوعات المستنبطة فإن تحديدها يُرجع فيه الشارع كالكر مثلاً فهو من الموضوعات المستنبطة أما ما عدا ذلك فإن الفقيه يستأنس بآراء أهل الخبرة للتوصل إلى موضوعات الأحكام الشرعية، وإذا لم تكن بحاجة إلى تخصص فيكفي فيها العرف العام والفقيه واحد من أهل العرف.
المرجع الأعلى
تتفرد النجف بشيء لا مثيل له في أي بقعة من بقاع العالم ذلك أن فيها دائماً مرجعاً أعلى للشيعة هو في الأصل مجتهد من كبار المجتهدين أجمعت الكلمة على الإذعان لرئاسته ومرجعيته. وإلى هنا والأمر متعارف في كل مكان، ولكن غير المتعارف هو طريقة الوصول إلى هذا الإذعان!
فنحن نعلم أن المراجع الدينية في العالم سواء كانت إسلامية أو مسيحية يتم اختيارها بإحدى طريقتين: إما طريقة الانتخاب (البابا مثلاً)، أو طريقة التعيين (شيخ الأزهر مثلاً). أما في النجف فلا انتخاب ولا تعيين، ومع ذلك فهناك أبداً خلف للسلف الراحل!.. فكيف يتم ذلك؟.
الطريقة النجفية تضمن عدم وصول غير الأصلح، فلا مجال للمداخلات والدهاء الشخصي للوصول إلى كسب الأصوات، ولا مجال للزلفى والتوسل لضمان التعيين، بل هناك الكفاءات الشخصية وحدها التي تفرض نفسها فرضاً. ويشترط في هذه الكفاءة أن تجمع إلى التميز بالعلم التميز بالفكر والعقل والتميز بالاستقامة والأخلاق. وهذه صفات لا يمكن مخادعة الناس بها على طول السنين، وهكذا يتبين للخاصة والعامة سيرة كل مجتهد واضحة جلية ويبدؤون في حياة المرجع الحي يرشحون في أنفسهم من يصلح بعده خلفاً له. فإذا مات المرجع كانت النفوس كلها ملتقية على الاقتداء بمجتهد معين دون أن تجتمع وتقرر وتعين أو تنتخب. ولا يشعر المجتمع إلا وقد اعتلى السدة من كَفُؤَ لها، مختاراً اختياراً طبيعياً باعثه الأول صفات المجتهد وسجاياه وفضائله وبذلك يتحرر المرجع من أن يكون مديناً في منصبه لفريق انتخبه أو لسلطة عينته. ولا بد من ألإشارة إلى أن هذا الاختيار الطبيعي لا تقيده جنسية المرشح، وما دام الإسلام عالمياً فيمكن أن يكون المرجع عربياً أو إيرانياً أو غير ذلك، ولا نعلم أنه وصل إلى هذا المنصب الأعلى أحد من غير هذين العنصرين فلم يصل إليه مثلاً هندي أو بورمي أو تبتي أو قفقاسي أو أفغاني أو باكستاني، والسبب في ذلك أن غير العرب والإيرانيين لا يقيمون في النجف بعد إنهاء دراساتهم، بل يعودون إلى بلادهم ويصبحون فيها مراجع محلية كغيرهم من العرب والإيرانيين العائدين إلى أوطانهم. ويظل في النجف فريق من المتفوقين العرب والإيرانيين ويمتد الزمن ببعضهم وتؤهله كفاءته للمرجعية العامة.
مواقف للنجف
النجف ككل محيط ديني فيه المتزمت الجامد المتمسك بالقشور وفيه الكَيّس النيّر المتمسك باللباب ولكن العجيب في النجف أنها كانت دائماً طليعة الحركات التحررية، ونستطيع أن نعدد من مواقفها، الموقف الذي وقفته من المعارك الدستورية في صراع الشعوب الإسلامية من أجل إلغاء الملكية المطلقة، فبالرغم من وجود بعض النزعات الاستبدادية، فإن قادة العلماء في النجف بما لهم من نفوذ روحي هم الذين حركوا الشعب الإيراني للمطالبة بالدستور، وهم الذين وجهوا الثورة حتى فاز الشعب بإلغاء الملكية المطلقة.
وقبل ذلك قاد المرجع الأعلى السيد محمد حسن الشيرازي الحركة الوطنية في إيران في مقره في العراق حين علم بإعطاء امتياز التبغ لشركة إنكليزية بشروط مجحفة بحقوق الشعب فأفتى بتحريم استعمال «التنباك» الذي كان اعتماد الشركة عليه فامتنع الشعب كله عن تدخينه فاضطرت الشركة للتنازل عن الامتياز.
وفي مطلع الحرب العالمية الأولى، قبل انكشاف نوايا الاتحاديين وقبل استفحال دعوتهم الطورانية العنصرية رأى مجتهدو النجف في الهجوم الإنكليزي على العراق هجوماً أجنبياً على وطنهم فأفتوا بالجهاد فتنادى الشعب وراءهم يقوده المجتهد السيد محمد سعيد الحبوبي ومعه كتائب العلماء وطلاّب النجف مدججين بالسلاح ومشوا إلى ساحات القتال في معارك (الشعبية) وغيرها.
وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق وإعلان الانتداب دعا المرجع الأعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب فهب العراق حاملاً السلاح وكانت الثورة العراقية الكبرى التي أرغمت الإنكليز على إعلان الحكم الوطني، ومات الشيخ الشيرازي والثورة مضطرمة فقادها خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة.
النجف والأدب
النجف في الأصل دار للفقه وأصول الفقه وما يرتبط بهذين العلمين من علوم لا بد منها في دراستهما، وإذا كانت تعني باللغة العربية وعلومها فلأن ذلك لا بد منه لدراسة الفقه وأصوله، ولكن العجيب من أمر النجف أنها جاءت وكأنما هي مهيأة لإعداد الشعراء وصقل قرائحهم وكشف مواهبهم ودفعهم في معارج التفوق. ولم يقتصر ذلك على عصر دون عصر فتاريخ النجف حافل بنوابغ الشعر في كل العصور، بل نحن نستطيع أن نقرر أنه إذا كانت كل البلاد العربية قد عرفت ما اصطلح على تسميته بعصر الانحطاط في الشعر، حيث عاد الشعر العربي هذراً سخيفاً فإن النجف وما يرتبط بالنجف لم تعرف هذا الدور من أدوار انحطاط الشعر العربي، بل ظل فيها الشعر أصيلاً قوياً يترقرق عاطفة ويشع ديباجة ويجلجل أسلوباً ويسمو منهجاً ويعلو صدقاً.
بل أن ما يقوله مؤرخو الأدب العربي وما يقرره مدرسوه من انعدام الشعر العربي الملحمي أو القصصي هو غير صحيح بالنسبة إلى شعر المدرسة النجفية على الأقل، وحين نقول شعر المدرسة النجفية فإنما نعني بذلك شعر جميع المناطق العربية التي تأثرت بتوجيه النجف كالبحرين والأحساء والقطيف وجبل عامل فالشعر في هذه النواحي وغيرها من مثيلاتها لم ينحدر أبداً في أصالته وصدقه وديباجته، على اختلاف بين ناحية وأخرى وعلى تفوق في النجف نفسها.
ومرد ذلك إلى أن الإجادة في الشعر والإبداع فيه تتطلب إلى جانب الموهبة عاطفة جياشة صادقة وتجربة موقظة مثيرة ومحيطاً مشجعاً دافعاً ولم يتيسر ذلك لقطر ما تيسر للنجف وللبلاد التي تأثرت بمدرستها وتوجيهها.
فالموهبة قد تكون موجودة في كل مكان ولكن العوامل الأخرى ضعف أمرها بشتى الأسباب وبما رافق الحياة العربية من سيطرة غير عربية فقدت معها الموهبة الشعرية ما يمكن أن يثيرها ويصقلها. وكان الأمر غير ذلك في المدرسة النجفية الشعرية فالعاطفة جيّاشة مخلصة أبداً، يحركها حب علي بن أبي طالب والإعجاب بشمائله وتهزها بطولة الحسين بن علي واستشهاده، وتثيرها الدماء المطلولة في ميادين الشرف والإيثار والتضحيات: دماء آل بيت محمد… والتجربة حاضرة أبداً تجربة التحمس لتلك البطولات والتأسي بتلك النوائب والانغمار في تيارها انغماراً يجعل الشاعر قطعة من جوهرها وجزء من مراميها فيعيشها وكأنما هو في عصرها وواحد من المشاركين فيها…
والمحيط مشجع دافع أبداً، فالألوف شغوفة بالتحلق حول منبر الشعر المبدع في وصف عليّ وهو يحمي الإسلام بقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق أو إبادة رؤوس الشرك في بدر واحد وخيبر. والنفوس متلهفة للشعر يشيد بمثالية عليّ الشامخة وعبقريته المتفوقة. والجماهير محتشدة لسماع القصائد الواصفة ليوم كربلاء يوم البطولات الفذّة.
المحيط كله يدفع الشاعر دفعاً للإبداع والإجادة والشاعر يشعر دائماً أن قلوب الملايين تصفق له إن لم تصفق له أكفها.
كل ذلك جعل من شعر مدرسة النجف شعراً أصيلاً في كل دور من أدوارها. وحين يجيد الشعراء في هذه الموضوعات المعينة فإنهم سيجيدون حتماً في غيرها.
ولم يقتصر الشعر على طبقة خاصة اتخذته علماً لها بل تعداها حتى إلى المراجع الدينية العليا فرأينا فيها من يهلهل الشعر رقيقاً عذباً وينظمه جميلاً حلواً وحسبنا من ذلك المجتهد المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي، ومن قبله مربي العلماء السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي وغيرهما عشرات.
لقد قلت إن الشعر الملحمي لا ينقص الشعر العربي كما اصطلح على القول بذلك مؤرخو الآداب العربية ومدرسوها، فالمدرسة النجفية أخرجت فيمن أخرجت شعراء لملاحم، ولا نقدم شاهداً إلا الملحمة التي اشتهرت باسم (الأزرية) نسبة لناظمها الشاعر كاظم الأزري، فهي بحق ملحمة الشعر العربي. وإذا كانت الإلياذة ملحمة التاريخ الإغريقي، والشاهنامة ملحمة التاريخ الفارسي، فإن الأزرية ملحمة تاريخ علي بن أبي طالب وابنه الحسين وجميع آل البيت عليهم السلام.
النجف
ـ 4 ـ
يولي المسلمون الشيعة احتراماً دينياً عميقاً لمدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. والأبرز بين هذه المدن مدينتا النجف وكربلاء اللتان يرتبط مصيرهما بالتوازي على مر القرون بالرغم من وجود نوع من التنافس بينهما على المستوى العلمي وكذلك الاقتصادي الذي أحياناً ما يتّخذ صفة أكثر صراعية بصدد الهيمنة الدينية والاستئثار الاقتصادي.
إذا كانت مدينة النجف قد خسرت قديماً موقعها العلمي الذي كانت تتمتع به ـ منذ انتقال الشيخ الطوسي إلهيا في القرن الحادي عشر الميلادي ـ عندما تحول مركز العلم الشيعي من النجف إلى الحلة أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، ثم إلى كربلاء منذ الثلث الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، فلقد بدأت مدينة النجف إرهاصات نهضتها الحديثة منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبدايات القرن التاسع عشر الميلادي بفضل عدد من كبار المجتهدين مثل محمد مهدي بحر العلوم المتوفى عام 1797م وجعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812م. ولم تفقد النجف بعد ذلك موقعها القيادي حتى في منتصف القرن العشرين.
تجمع مصادر المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين على الربط بين ازدهار مدينة النجف في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين وبين احتفاظها بهويتها الإسلامية الشيعية العربية المستقلة. ولا غرو في ذلك ومدينة النجف ـ التي كانت في أغلب الأحيان في تلك الفترة مقر المجتهد الشيعي الأكبر وتمارس دوراً دينياً وسياسياً هاماً يتخطى حدودها وحدود العراق ـ هي الحاضنة لمرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فهي تتلقى التبرعات الدينية والخاصة من أنحاء العالم الشيعي وتجتذب الزوار إلى عتباتها المقدسة.
لقد تغيرت حظوظ النجف على مر العصور، ولعل موقعها الجغرافي كان العامل الرئيسي في ذلك ـ بالطبع بالتفاعل مع التاريخ السياسي لهذه المدينة ـ فهي بحكم بعدها عن نهر الفرات من جهة وموقعها على مشارف الصحراء من جهة أخرى، كانت دائماً رهينة غياب الإمدادات المنتظمة من الماء من جهة وانكشافها للغزوات المتكررة للعشائر البدوية من جهة أخرى. ففي ظل الدولة الصفوية وبالرغم من تنظيف قناة المدينة القديمة وشق قناة أخرى في أواخر العشرينات من القرن السادس عشر الميلادي عانت النجف من شحّة الماء لترسّب الغرين في هاتين القناتين وغيرهما وانخفضت نسبة الزوار ورحل عنها سكانها حتى أنه لم يبق فيها إلا ثلاثون داراً في أواخر القرن السادس عشر بعد أن كانت مأهولة بثلاثة آلاف دار([556](.
ولعل من العوامل التي ساعدت على تطور وضع النجف في بداية القرن التاسع عشر شق قناة الهندية عام 1803م التي أعطت دفعة قوية لوضع النجف الاقتصادي والاجتماعي، بتوفير الماء لأعداد هائلة من الزوار، وتضافر مع ذلك التحسن النسبي في العلاقات الإيرانية العثمانية بعد معاهدة أرضروم الأولى بعد حرب 1821 ـ 1823م العثمانية الإيرانية مما ساعد مجتهدي النجف على جعلها المركز الأكاديمي الشيعي الرئيسي منذ أربعينيات القرن التاسع عشر على حساب كربلاء. كما يمكننا أن نقول إن هذين العاملين كان لهما عظيم الأثر على العلاقات بين النجف والعشائر المحيطة والتعجيل باستقرار هذه العشائر من جهة وتشيعها أيضاً.
ويفسر موقع النجف خلف الكوفة العمق العربي القديم لهذه المدينة. كما أن موقعها على حافة الصحراء يفسر التأثيرات العشائرية العربية الحديثة على التكوين البشري لسكان النجف الذي كان يتألف في النصف الأول من القرن التاسع عشر من أغلبية عربية وكان الفارسيون يشكّلون نسبة الثلث مع وجود أقلية هندية. بيد أن عدد سكان النجف كان يتضاعف مرتين على الأقل في مواسم الزيارة وتتنوع تكويناتها البشرية وفقاً لمصادر الزيارة الخارجية والداخلية.
وتظل النجف وكربلاء المركزين الرئيسيين للحضور العلمي وللتواجد السياسي والاجتماعي الشيعي الحاصل على استقلال ذاتي. بينما كان مصير مدينة الكاظمية هو ضمها إدارياً إلى ولاية بغداد. أما سامراء التي فقدت أهميتها منذ أن كفّت عن كونها العاصمة العباسية في أواخر القرن التاسع فقد عرفت حركة إحياء وقتية على أثر انتقال السيد محمد حسن الشيرازي من النجف إليها عام 1875م، لكنها سرعان ما انتكست بعد وفاة الشيرازي 1895م ورحيل تلاميذه الكبار إلى النجف بشكل رئيسي أولاً ثم إلى كربلاء.
لقد كان للموقع الجغرافي والعلمي الديني الخاص لكل من النجف وكربلاء دور حاسم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد عمليات توطين العشائر وتحول مربّو الإبل إلى مزارعين، كما شهد أيضاً حركات تمرد هذه العشائر على السلطة العثمانية. ويعتمد هذا الدور المصلحة المشتركة للمدينتين المقدستين في تأمين الزيارة للعتبات المقدسة وتدفق التبرعات الخيرية بل وتعظيم ذلك كله بنشر المذهب الشيعي لدى هذه العشائر لتكون قاعدة محلية عربية جديدة للزيارة والعوائد المختلفة.
ولقد نما الدور الديني العلمي والسياسي لمدينة النجف على مدى تقلبات تاريخ العراق في القرن العشرين سواء في مواجهة القوى الوهابية أم سياسات السلطة الإيرانية والعثمانية ثم الاحتلال البريطاني.
ويمكننا أن نقول إن النجف وكربلاء كانتا في هذه الفترة من تاريخ التشكيل الاجتماعي والسياسي لجنوب العراق ووسطه بمثابة المرجعية التي توجه وتنظم حركة السير في مجتمع متشظٍ تحطّمت بنيته التقليدية الاجتماعية والثقافية، وتمكنتا بالتالي من تشكيل نظام اجتماعي جديد يقوم على دور الأشراف أو السادة الذين كانوا يمثلون حلقات الوصل الجديدة بين الشيوخ ورجال العشائر وقاموا بوظيفة الوسطاء بين الجماعات المتخاصمة فضلاً عن دورهم الأساسي في تشييع العشائر البدوية.
لقد تضافرت العوامل ـ خاصة بعد الاحتلال الأفغاني لأصفهان عام 1722م وسقوط الدولة الصفوية وهجرة العلماء الفرس إلى العراق ـ من أجل استعادة النجف لموقعها العلمي الديني باعتبارها المركز الأكاديمي الشيعي الأول في العصر الحديث. ويعتبر علماء الشيعة في مدارس النجف أنفسهم ورثة الطوسي عبر سلسلة تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين.
وكما ذكرنا آنفاً، بدأت النجف نهضتها الحديثة في زمن المجتهدين السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى عام 1797م والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812م والمجتهد محمد شريف المازندراني المتوفى عام 1813م([557]( ولم تفقد النجف موقعها القيادي حتى النصف الأول من القرن العشرين…
لقد صاحب حركة النهضة العلمية للنجف اتساع قاعدتها الاقتصادية منذ أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر وتم تكريس ذلك كلّه بالاعتراف بالشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1864 بوصفه المجتهد الشيعي الأكبر.
لكن سياق الضغوط السياسية والاقتصادية والضعف المتوالي الذي أصاب المدينة من جراء هذه الضغوط انتهى بظهور مدينة قم ـ التي بدأ نجمها في الصعود منذ عام 1923م ـ والتي عزّزت موقعها على حساب النجف خاصة بعد وفاة المجتهد الأكبر ـ الذي كان يقيم في النجف ـ السيد أبو الحسن الأصفهاني عام 1946م وبروز السيد حسين البروجردي في قم كمجتهد أكبر واعتباره مرجع التقليد الأوحد. ولم يستمر في النجف بعد ذلك إلاّ قلة من كبار المجتهدين مثل السيد محسن الحكيم المتوفى عام 1970م والسيد أبو القاسم الخوئي المتوفى عام 1992م.
ومن الجدير بالذكر أن مدارس النجف لم تكن تعد علماء الدين فقط وإنما أنجبت جيلاً من الشخصيات الأدبية التي درست بها مثل محمد رضا الشبيبي ومحمد مهدي الجواهري وعلي الشرقي، فكانت هذه المدارس مراكز للفكر الديني والسياسي والأدبي على السواء، وهي بذلك شاركت بشكل أو بآخر في تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
لقد تضاءل دور مدارس النجف وتناقص عدد طلابها في ظل الحكم البعثي وازداد ذلك بعد الثورة الإسلامية في إيران 1978 ـ 1979م، لتتبوأ قم منذ ذلك الوقت مركز الصدارة الأكاديمية وفي ميادين الدعوة والوعظ والطباعة والنشر، بينما تحتفظ النجف بحوزتها العلمية الشيعية. بيد أنه من الصعب التنبؤ بمصير النجف العلمي الديني والسياسي لأنه من الصعب تقدير الآثار التي تركتها حملات القمع من قبل الدولة والنظام السياسي ضد كل من النجف وكربلاء وغيرهما.
بيد أنّه ربّ ضارة نافعة، وربما كانت حالة تشرد علماء النجف الأشرف وتشتتهم في مختلف أرجاء المعمورة وعلى وجه الخصوص في عواصم أوروبا ومدن أمريكا مناسبة لتجديد الفكر الإسلامي الشيعي وإضفاء صفات إنسانية عالمية عليه.
زيارة الأجانب:
يذكر العديد من الزوار والرحالة أنّ الإيرانيين والهنود كانوا يمثلون غالبية الزوار ووصل عددهم في أواخر القرن التاسع عشر إلى 100 ألف زائر، وكانوا يتوجهون إلى الكاظمية وبغداد ثم إلى سامراء وبعد ذلك إلى كربلاء والنجف. وكان تدفق الزوار الأجانب أشبه بنمط السياحة الدينية يوفر دخلاً لأصحاب الخانات والخدّام المقيمين الذين يستقبلون الزوار ويتلون الصلوات لهم([558](.
ويمكن التعرف على تفاصيل هذه الخدمات فيما كتبته الليدي دروار التي زارت النجف عام 1922م في كتابها «Lady E.S. Stevens Drower, By Tigris and Euphrates, London 1923» وكذلك في تقرير جون بيترز عن زيارته للنجف وكربلاء في كتابه «John Peters, Nippur or Exploration and Adventures on the Euphrates, 2nd Ed, New York 1898».
وكانت النجف وكذلك كربلاء تمثلان علاجاً روحياً قائماً على تجربة الرحلة الانتقالية الشاقة والوصول إلى مراقد علي وأهل البيت عليهم السلام التي تمثل بقبابها الذهبية واحات الأمل المرتجى.
الزيارة الداخلية
وإذا كانت الزيارة الخارجية تساعد على تعزيز أواصر الارتباط بين مدن العتبات المقدسة والشيعة في الخارج فإنّ الزيارات الداخلية لأضرحة الأئمة لعبت دوراً هاماً على مستوى تنظيم نوع من الكيان السياسي بين رجال القبائل المتوطنين وتعميق الشعور الديني بين رجال العشائر المتشيعين وربط الطقوس والقيم التي تحكم الزيارات بالأنساق الاجتماعية والثقافية في فترات التحول الاجتماعي في وسط العراق وجنوبه وتثبيتها وإعادة تجديدها.
هذا فضلاً عن الأهمية الاقتصادية لهذه الزيارات الداخلية، فكانت النجف قادرة على اجتذاب ما يقارب 150 ألف زائر كل عام أحياناً، وكذلك كربلاء.
قبر علي عليه السلام
في عهد الرشيد أنشئ على القبر رواق عقدت عليه قبة، وفي اواخر القرن الثالث جاء محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالداعي الصغير ملك طبرستان فبنى على القبر حائطاً، وفي سنة 338 هجرية بنى عمر بن يحيى قبة بيضاء على المشهد العلوي، وتجمعت حول المشهد بيوت للمجاورين من الشيعة وفي أواخر القرن الرابع انبعثت الإمارات الشيعية وتكاثرت العمارة حول المشهد وجاءت إمارة آل بويه وعزم عضد الدولة البويهي على إقامة أعظم عمارة للنجف فبذل الأموال الطائلة وجلب البنائين ومواد البناء والصناع وأهل الخبرة ونقل الأخشاب والصخور من أماكن عديدة وأنشأ قريباً من المكان المعروف ببئر ملاحة مصاهر للطاباق والجص وكان ينقل ماء الشرب على ظهور الجمال ثم حفر قناة للماء تصعد من الفرات إلى النجف وهي اليوم موجودة تعرف بقناة آل بويه وأنهض رواقاً عالياً عقد عليه قبة بيضاء وأقام عضد الدولة أمام الرواق بهواً كان يجلس فيه متأدباً لقضاء الحوائج وفي هذا البهو وتحت الرواق عقدت حفلة للتدشين تلك الحفلة التاريخية التي حضرها الأمراء والنقباء والعلماء وهناك ألقى الحسين بن الحجاج قصيدته المشهورة.
وأقام الغرف والإيوانات وأنشأ داراً للضيافة وبذل الطعام للزائرين ثلاثة أيام وأجرى الجرايات وبث العطاء للذين ينوون الإقامة والمجاورة وتمكثت عمارة عضد الدولة إلى أواخر القرن الثامن للهجرة ثم كانت تجدد وترمم من قبل بعض النابهين وفي أوائل القرن الحادي عشر أقيمت هذه العمارة الماثلة اليوم وهي العمارة الصفوية وتمهيداً لذكرها نذكر طرفاً عن رواق عمران بن شاهين الخفاجي من أهالي «الجامدة» إحدى قرى البطائح في كور واسط وقد كان أميراً للبطائح وخرج على السطلة فناجزه عضد الدولة واستولى على إمارته ونجا عمران بنفسه وتشدد عضد الدولة في طلبه ولما حضر عضد الدولة إلى النجف لتدشين العمارة التي أقامها عزم عمران على الاستسلام في ذلك المشهد متوسلاً بكرامة صاحبه للعفو ونذر أن ينشئ رواقاً عظيماً لذلك المشهد فجاء وألقى بنفسه في أحضان عضد الدولة ورعى عضد الدولة حرمة ذلك المشهد فعفا عنه ويمضي عمران بالوفاء لنذره ويبني رواقاً متصلاً بالقبة المنيفة ولكن السلطان الصفوي هدم قسماً من ذلك الرواق وألحقه بالصحن حتى تتم دورة العمارة وتحسن هندستها وقيل إن سبب الهدم هو انحراف الصحن الأمر الذي أوجد تفاوتاً بين قبلة الصحن وقبلة الروضة وبذلك الهدم والتغيير استقامت القبلتان، وكان الصحن ينتهي قريباً من الباب المعروف بباب الطوسي وما وراء ذلك كان رواق عمران فهدم السلطان قسماً منه واشترى ما حوله من دور وأقام هذه العمارة الماثلة اليوم وعند تبليط الصحن في عصرنا ظهرت بعض البيوت وبعض القبور القديمة منها بيت يقع في الجهة الشرقية للصحن وتحت التبليط القديم كان هناك تبليط بالقاشاني الأزرق مأزرة جدرانه بالقاشاني وفيه ثلاث دكاك نقش على إحداها هذا قبر (أويس) ويظهر أنه من أولاد هولاكو كما يقولون إنه قتل ونقل ودفن في النجف وعلى القبر الثاني نقش إسم امرأة (ريانده) أما القبر الثالث فيظهر أنه قبر طفل.
سبق وذكرنا قطع رواق عمران عن القبة وهو اليوم يعرف بمسجد عمران ويظهر أن باب مسجد عمران شرع أخيراً في دهليز باب الطوسي حيث توجد على ذلك الباب كتابة قديمة على حجارة مؤرخة 770 هجرية وبما أن شروع هذا الباب متأخر عن هذا التاريخ بكثير فيلوح أن هذه الكتابة كانت فوق مقبرة بمكان هذا الباب فقد روي وجود مقبرة هناك تحتوي على ثلاثة قبور أحدها للأمير نجيب الدين أحمد والثاني قبر إبنه محمود المهابادي وإلى عهدنا يذكر محمود المهابادي هناك والثالث قبر زوجة محمود (سعيدة) من عائلة ملكية فارسية من ملوك الطوائف في عهد المغول عاصمتها (مها آباد) أي عمارة القمر.
تجديد عمارة المكان وكنوزه
يصف ابن بطوطة عمارة النجف في عام 726 للهجرة بأنها أحسن مدن العراق عمارة وأكثرها ناساً وينوه عن بسالة النجفيين ونخوتهم ويذكر عدداً من أسواق النجف ويذكر القبر الشريف بإزائه المدارس والزوايا ويذكر الصحن باسم مدرسة عظيمة يسكنها الطلاب والصوفية ويذكر الباب الذي يدخل منه إلى الروضة وعليه الحجاب ويذكر أن عتبة الباب والعضادتين من الفضة وأن الروضة مفروشة بالبسط الحريرية وفيها قناديل من ذهب وفضة ويذكر أن في الوسط مصطبة مربعة مكسوة بالخشب وعليه صفائح من الذهب المسمور بمسامير فضية وقد غطت الخشب حتى لا يكاد يظهر وارتفاع المصطبة قرابة أربعة أمتار وفوقها ثلاثة قبور بينها طسوت من الذهب والفضة فيها ماء الورد ومقادير من المسك وغيره من أنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك الطيب ويمر بها على وجهه ويذكر أن للقبة باباً آخر وهو مثل الأول عتبته وعضاداتاه وعليه ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحريرية الحسان كما أن حيطانه وسقفه مستورة بالحرير وله أربعة أبواب ويظهر أن هذا المسجد هو رواق عمران بن شاهين قبل أن يقتطع كما أنه يذكر عن خزانة الروضة بما هي عليها اليوم ويذكر أنه كل ما يرد إلى الروضة من ذهب وفضة يضعه النقيب في الخزانة. ويقول هي خزانة عظيمة فيها من الأموال ما لا يحصى.
إن العمارة التي ذكرها ابن بطوطة هي غير العمارة الماثلة الآن لأنه يصف ما كان في القرن الثامن للهجرة وعمارة اليوم خططت في أوائل القرن الحادي عشر على عهد الصفويين وأولهم الشاه عباس الأول عندما زار العتبات فأمر بتجديد القبة العلوية ووسع الحرم وجلب المهندسين والفعلة ووجد حول النجف معدناً للصخر في غاية الصفاء فاقتلع منه ما يلزم لتلك العمارة ودام العمل ثلاث سنين. ثم أن المشهد عمر ورمم وجدد مراراً عديدة ومن المجددين محمود وأشرف الأفغانيان ونادر شاه والعثمانيون والقاجاريون كل هؤلاء خدموا النجف بالبذل والهدايا والنفائس والقناديل الذهبية والأحجار الكريمة والطنافس والسجاد والكتب الأثرية والقرائين الخطية وقد نشأ من ذلك وجود أربع خزائن أهمها الخزانة التي كانت موضوعة في مكان تحت الأرض في حجرة بجنب المنارة الجنوبية وفي هذه الخزانة النفائس العظيمة وأكثرها من هدية نادر شاه منها خمسة قناديل مثبتة بفصوص ثمينة ذهبية فوق الضريح المقدس وفي الخزانة مجمر من ذهب وضع فيه ستة أحجار من الياقوت الأحمر تشع وتلتهب كأنها الجمر، وفيها عقد كبير من الماس كتب عليه (نادر) وفيها فصوص وأحجار ولآلئ وقد نقلت هذه النفائس من النجف إلى الكاظمية في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة خوفاً عليها من الوهّابيين الذين استفحل أمرهم واستطار شرهم في جزيرة العرب وطفوف الجزيرة في العقد الثاني من القرن الثالث عشر وبقيت في الكاظمية أربع سنوات يقوم عليها الحرس وقد حملتها أربعة طوابير من الجنود العثمانية ولعلهم أول جنود للعثمانيين دخلوا النجف ثم أعيدت تلك الذخائر إلى محلها ولم تفتح هذه الخزانة إلا مرتين فقط الأولى عندما زار العتبات السلطان ناصر الدين القاجاري في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة حيث صدرت الإرادة الملكية بأن تفتح له تلك الخزانة وكانت لا تفتح إلا بإرادة ملكية، فجاء ناصر الدين ومعه خبير بالأحجار النفيسة والأثريات ومعه أحد العلماء وهو السيد علي آل بحر العلوم ومعهم الخازن وبعد أن اطلع عليه أمر بغلقها، ومرة أخرى فتحت على يد متصرف كربلاء صالح جبر ومعه ممثل من العلماء وخبير والخازن وبعد الوقوف على ما فيها نقلت بكل تحفظ واحتياط إلى داخل الروضة وشقت لها سارية من السواري وأتى بصندوق حديدي كبير وبمقدار من القطن المعقم فلفت تلك النفائس ووضعت مرتبة في ذلك الصندوق بعد أن سجل ما فيه ووقع الحاضرون على ذلك السجل الذي أودع ذلك الصندوق إلى جنب السجل الموقع من قبل ناصر الدين شاه ورفاقه وسد الصندوق وسدت السارية، أما الخزانة الثانية ففي الضريح نفسه وفيها كثير من النفائس والأحجار والخزانة الثالثة في الرواق مما يلي الرأس الشريف يكثر فيها السجاد والرابعة في بيت صغير من الصحن في الوجه القبلي كانت تكثر فيها الكتب من المخطوطات.. هذا عدا عما في الحضرة من القناديل الذهبية المعلقة الكثيرة العدد.
ولما ذهَّبَ نادر شاه قبة أمير المؤمنين عليه السلام سنة 1155 قال السيد نصرالله الحائري قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام ويؤرخ التذهيب وهي:
إذا ضامك الدهر يوماً وجارا
فلذ بحمى أمنع الخلق جارا
علي العلي وصنو النبي
وغيث الورى وغوث الحيارى
هزبر النزال وبحر النوال
وشمس الكمال التي لا توارى
إلى أن يقول في وصف القبة:
هي الشمس لكنها مرقد
لظل المهيمن جل اقتدارا
هي الشمس لكنها لا تغيب
ولا يحسد الليل فيها النهارا
هي الشمس والشهب في ضمنها
قناديلها ليس تخشى استتارا
عروس تجلّت بوردية
ولم ترض غير الدراري نثارا
فها هي في تربها والشعاع
جلاها لعينيك دراً صغارا
بدت تحت أحمر فانوسها
لنا شمعة نورها لا يوارى
هو الشمع ما أحتاج للقط قط
ولا النفخ أطفأه مذ أنارا
ملائكة العرش حفت به
فراش ولم تبغ عنه مطارا
هي الترس ذهب ثم استظل
به فارس ليس يخفى افتقارا
وياقوتة خرطت خيمة
على ملك فاق كسرى ودارا
وحق عقيق حوى جوهرا
تخطى الجبال وعام البحارا
ولم يتّخذ غير عرش الإله
له معدناً وكفاه فخارا
حميا الجنان له نشوة
تسر النفوس وتنفي الخمارا
إذا رشقتها عيون الوفود
تراهم سكارى وما هم سكارى
عجبت لها إذ حوت يذبلا
وبحراً بيوم الندى لا يجارى
وكنت أفكر في التبر لم
غلا قيمة وتسامى فخارا
إلى أن بدا فوقها يخطف النـ
ـواظر مهما بدا واستنارا
وما يبلغ التبر من قبة
بها عالم الملك زاد افتخارا
ومذ كان صاحبها للآله
يداً أبداً نعمة واقتدارا
يد الله فوق أيديهم
بدت فوق سر طوقها لا توارى
وقد رفعت فوق سرطوقها
تشير إلى وافديها جهارا
هلموا إلى من يفيض اللهى
ويردي العدى ويفك الأسارى
وتدعو آله السما بالهنا
لمن زار أعتابها واستجارا
قد اتصلت بذراع النجوم
وقد صافحتها الثريا جهارا
وكف الخضيب لها قد عنا
غداة اختفى وهي تبدو نهارا
قلائدها الشهب والنجم قد
غدا أشنفها والهلال السوارا
وبالآي خوف عيون الأنام
ممنطقة قد بدت كالعذارى
غلت في السمو فظن الجهول
بأن لها عند كيوان ثارا
وكيف وكيوان والنيرات
بها من صروف الزمان استجارا
ترى لوفود الندى حولها
طافاً بأركانها واعتمارا
وفي قصر غمدان بأن القصور
غداة تجلّت وأن عز دارا
ومهما بدا طاق إيوانها
أرانا الآله هلالاً أنارا
لعين ذكاء غدا حاجباً
بنور أحال الليالي نهارا
هلال السماء له حاسد
لذلك دق وأبدى اصفرارا
هلال لصوم وفطر غدا
لهذا يسر ويسمو فخارا
له طاق كسرى غدا خاضعاً
وقد شق من غيظه حين غارا
ولما بدا لي المناران في
حماها الذي في العلى لا يبارى
هما الهرمان بمصر الفخار
أبانا عجائب ليست تمارى
عموداً صباح ولكن هما
معاً صادقان لنا إن أنارا
أحاطت بها حجرات بها
نقوش بزينتها لا توارى
لأطلس أفلاكها فاخرت
بموشى برد به الطرف حارا
أزاهر روض ولكنها
أبت منة السجب إلا اضطرارا
فثغر الأقاحي بها ضاحك
وإن لم يرق جفن مزن قطارا
ونرجسها طرفه لا يزال
يلاحظ للحب ذاك المزارا
كوشي الحباب وكالوشم في
معاصم بيض جلتها العذارى
وقد أخجلت أرماً فاغتدت
محجبة لا تميط الخمارا
بها الآي تتلى وتحيي العلوم
فيشفى غليل القلوب الحيارى
هي النار نار الكليم التي
عليها الهدى قد تبدّت جهارا
تبدّى سناها عيناً فأرخـ
ـت آنست من جانب الطور نارا
المكتبة العلوية
إن الجاليات والروّاد الهابطين على النجف من بلاد إيران والهند وآذربيجان وما وراء النهر والقوقاز وجبل عامل والخليج وبعض نواحي اليمن كانوا يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية وأهمها أمهات الكتب المخطوطة من كتب الفلسفة والرياضيات والأدب والفلك والتاريخ والمسالك والممالك وقد كان رواد العلم وطلاّبه يسكنون على الأغلب المدرسة العلوية الكبرى «الصحن» ومنهم المقيم في غيرها من المدارس والدور الخاصة وكان لهم نقيب ينظم شؤونهم وكانت في المدرسة العلوية خزانة كتب نفيسة تجمّعت مما يحمله المهاجرون وكانوا بعد ما يتزودون بزاد العلم ويعتزمون العودة إلى أوطانهم يتركون ما حملوه من نفائس الكتب وما ألّفوه من رسائل وأطروحات في خزانة المدرسة العلوية موقوفة على طلاّبها، وأول من أسس المكتبة العلوية الصدر الكفي المعروف بالآوي الذي أوصى ابن أخيه بشراء الكتب وجعلها وقفاً على طلاّب النجف وسنحت له الفرصة بالإكثار في شراء الكتب أنّ بغداد أصيبت بغلاء وقحط فباعت خزائن الكتب للغلة وأكثر البيع كان على النجفيين وقد ذكر الواعون من النجفيين أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات ألوف من الكتب بما فيها نسخ القرآن الأثرية وكتب الأدعية والأوراد. وقد فرقت يد الحدثان تلك النفائس ولم يبق اليوم إلا ما يقارب الأربعمائة نسخة وقد وقفت بنفسي على كتاب في علم المنطق كان في بيت أحد الفضلاء من النجفيين كتب على ظهره ما نصه:
«هذا كتاب من كتب الخزانة العلوية».
ولما صارت النجف محطة علمية للعلماء انتشرت فيها المدارس والمكتبات ونشأت فيها بيوت كثيرة للكتب ولع بجمعها رجال عرفوا بذلك الشغف وبذلوا الجهد والمال عاكفين على الحصول عليها من مظانها فتيسر لهم من نفائسها ما كون الخزائن، مثل مكتبة الشيخ علي وولده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ومكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء ومكتبة محمد الباقر التوستري ومكتبة المحدث النوري ومكتبة السيد محمد آل بحر العلوم ومكتبة السيد جعفر آل بحر العلوم ومكتبة السيد هاشم آل بحر العلوم ومكتبة الشيخ الخونساري، ومكتبة السيد محمد اليزدي ومكتبة الشيخ محمد السماوي ومكتبة السيد رضا الحكيم ومكتبة السيد أبو الحسن الأصفهاني ومكتبة السيد محسن الحكيم في هذه السنين الأخيرة أسس الشيخ عبد الحسين الأميني مكتبة كبرى سماها مكتبة أمير المؤمنين، تعتبر اليوم من المكتبات العالمية.
أبواب صحن المقام
لم يكن للصحن أولاً أكثر من بابين: باب الحضرة وهو الذي ذكره ابن بطوطة، وباب الطوسي وهو الذي ينتهي إلى دار الطوسي وفي عام 1279 للهجرة فتح الباب المعروف بالباب السلطاني لأنه فتح للسلطان ناصر الدين القاجاري عند زيارته للنجف ويعرف أيضاً بباب الفرج، وأما الباب القبلي الواقع في الجهة الجنوبية للصحن فقد فتح سنة 1291 للهجرة في عهد متصرف الحلة شبلي باشا يوم كانت النجف تابعة إلى إدارة الحلة وخامس الأبواب الباب المعروف بباب القيصرية في الجهة الشرقية للصحن فتح في أواخر القرن الثالث عشر وقريباً منه فتح في العقد السابع من القرن الرابع عشر للهجرة الباب النافذ إلى مسجد الحضرة.
المقام في وضعه الحاضر
بناية فخمة نفيسة تاريخية تسمى «صحناً» وهي عمارة ذات قاعة مربعة غير تامة التربيع وذات طابقين كلها مقطعة بإيوانات وفي كل إيوان بيت صغير يفصل كل إيوان عن إيوان ساريتان كل واحدة بعرض متر أو يزيد قليلاً وارتفاعها عشرة امتار أو ما يزيد قليلاً يعقد بين الساريتين قوسان: القوس الأول وفوقه عصابة من القاشاني البديع بعرض نصف متر لسقف الطابق الأول. والقوس الثاني: وفوقه عصابة من القاشاني لسقف الطابق الثاني وعصابة هذا القوس عليها كتابة بالقاشاني لبعض الآيات القرآنية وقد كتب بالقاشاني الأبيض المرشوش بالقلم النسقي البديع كتابة نفيسة وتسمى هذه العصابة في الريازة النجيفة (الكتيبة) وهكذا تقوم عمارة الصحن إيوان وبيت وسارية على سارية يمنطقها من الوسط نطاق من القاشاني بعرض نصف المتر وتعصبها من الأعلى كتيبة بعرض نصف المتر تقريباً إلا قسماً من الجهة الغربية يشكل طاقاً يمتد من ظهر الحرم ومسانداً له على امتداده وذلك الطاق لا يستوعب الجهة الغربية كلها بل يستوعب في الجنوب مسافة أربعة إيوانات ومثلها في الشمال الغربي ويوجد للصحن أربعة إيوانات ذات طابق واحد كبيرة وشاهقة ينعقد على كل واحد منها قوس من القاشاني مطوي بشكل لإطار وبجنب ذلك الإطار إطاران من القاشاني المكتوب بآي القرآن واحد منها يقع في الجهة الشمالية وهو مقتطع من رواق عمران بن شاهين وقد رمّز عليه كتابة بالقاشاني بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعمُرُ مَسَاجِدَ الله﴾.
ويقابله الإيوان الثاني وهو أيضاً مقتطع من رواق عمران ويسمى إيوان العلماء والثالث في الجهة الجنوبية وقد دفن فيه السيد محمد سعيد الحبوبي فأصبح معروفاً باسمه ويقابله الرابع وهو في ظهر الحرم وفي أعلاه الميزاب الذهبي ويسمى إيوان مرزاب الذهب.
ومما بسطنا تعرف أن الصحن حصار عالٍ تحيط به الإيوانات والحجر وقاعته المكشوفة مثله ويكمل دورته طاق معقود في الجهة الغربية وأرض الصحن مبلطة بالصخر الصافي وقد قطع قطعاً هندسية وحيطانه مؤزرة إلى ارتفاع مترين بذلك الصخر وما عدا ذلك الارتفاع قد كسي بالقاشاني الملون بألوان بديعة تمثل روضاً من رياض الفن قد أبدعت فيه ريشة المصور ومنقاشه فكم خط ذلك المبدع أزهاراً وتقاسيم وخطوطاً وتخريماً وريازة عليها جمال الصناعة وجلال العلم وهيبة الدين كل هذه قد اجتمعت وامتزجت فكوّنت مادة لذلك التصوير ورشاشاً لذلك القلم وأصباغاً ودهاناً لتلك الريشة وفي ذلك الصحن قامت بجلال ووقار قبة ذهبية قد أفرغت بأبهى صورة معقودة على بناية مهمة بديعة الهيئة أنيقة الوضع تسمى (الحضرة) وتسمى (الروضة) وحقاً أنها روضة صناعية أو معجزة الفن أنها تاريخية خالدة في فن البناء والريازة والهندسة بناية جليلة جميلة قامت بشكل إيوانات أربعة عالية عقد على كل إيوان إطار وقوس وفوق تلك الإطارات والأقواس عقدت القبة المنيفة تاج الجزيرة الذهبي.
وفي وسط تلك الروضة دائرة من المرمر الأبيض بارتفاع شبرين تقريباً وهذا الدائر يحمل الشباك الفضي ووراء هذا الشباك شباك آخر من الفولاذ يحيط بصندوق من الخشب النفيس المعروف (بالخاتم) وهذا الصندوق يشعر بالرمز المقدس لعرين الأسد أمير المؤمنين عليه السلام ويسمى (الضريح) وبين الشباكين فاصلة بمقدار متر وهناك باب فضي لا يفتح إلا بوجه كبير من الملوك والعلماء يدخل إلى ذلك الممر الفاصل وفي باطن القبلة المنيفة نطاق من كتابة لآيات من القرآن كتبت بالميناء وما عدا هذه الكتابة فكل باطن القبة منقوش بالفسيفساء نقشاً بديعاً بلغ حد الإعجاز ولتلك الروضة أربعة أبواب من الفضة وباب ذهبي حديث والروضة والأروقة الأربعة ممردة وتوجد ستائر حريرية مقصبة تؤزر بها الروضة والأروقة والإيوان أيام الاحتفالات وتوجد أنواع الكسوة للصندوق والشباك المحيط به.
وتوجد في الروضة قناديل من ذهب بعضها منبت وفي الروضة كثير من الهدايا القديمة والحديثة ونفائس من الفصوص والسيوف المذهبة والساعات والأحجاب والمسارج ونسخ القرآن المخطوطة بالخطوط الأثرية وفيها من النفائس سجاد بديع غاية في الإبداع قد نسج من الإبريسيم ولباب الصوف يقيس في الطول أكثر من مترين تقريباً وأكثر من المتر بقليل في العرض وقد وضع بشكل محراب المصلي وله إطار مكتوب نسجاً بآية الكرسي وبأحسن خط وفي أعلاه نسجت صورة أسد يرمز بها إلى أمير المؤمنين عليه السلام. وعلى الجانبين نسجوا إحدى عشرة صورة يرمزون بها إلى الأئمة من أولاده وأحفاده ونسجوا على ذلك السجاد سورتي الحمد والتوحيد والتسبيحات التي ترد في الصلوات والتشهد والتسليم فيها أربع قطع من السجاد النفيس المنسوج من الإبريسيم وهي عمل بعض الأميرات الصفويات وقد نسجن تواقيعهن وتواريخ النسج وفيها نسخة للقرآن الكريم بخط الأمير إسماعيل الصفوي بتاريخ 991 للهجرة وعليها غلاف أفرغ من ماء الذهب المذاب وقد نبت بالأحجار ونسخة ثانية على كرسي العاج المرصع بالحجر الثمين وقد لفّ بثوب من الاستبرق موشى بأسلاك الذهب في فن خارق وصناعة بارعة وغلاف ملون بالفسيفساء والميناء وهو غاية في جودة الخط بالقلم النسخي وثالثة على كرسي مبرقع وهي بتلك النفاسة التي نوهنا عنها وعلى هذه النسخة تفسير بالفارسية وقد استخدم في كتابتها وتنقيحها كثير من الأصباغ ومحلول الذهب فكانت من أبدع الآثار الخطية، فأنت ترى أن تلك الروضة روضة فنية، أنها بيت آثار وخزانة تاريخ لو نسق ما فيها من تحف وصفف لكانت من أبدع دور الآثار في الشرق. إنها جنة للذوق وفردوس للفن، تخرج من تلك الروضة إلى أربعة أروقة تحيط بجوانبها وقد مردت جدران الأروقة وسقوفها وتأزرت بالصخر الفاخر ومنه تبلطت أرضها وفي الأروقة خمسة أبواب منها الباب الواقع في جهة الجنوب يسمى باب المراد لأنه فتح للسلطان مراد العثماني عند زيارته للنجف وفي وجه الحرم بهو يرتفع عن قاعة الصحن بمرقاتين ويسميه النجفيون (طارمة) وفيه أربعة بيوت صغيرة وإيوان كسروي يسمى إيوان الذهب وفي وسط الإيوان باب فضي يدخل منه إلى الرواق وهو الباب الذي ذكره ابن بطوطة وما زال حتى اليوم عليه نص الزيارة التي ذكرها تتلى من قبل الزائرين وهذا الإيوان والبهو هما اللذان أنشأهما عضد الدولة البويهي أو أنهما بمكان ما أنشأ وترى هذا الإيوان مع وجه البهو مما يلي الحرم مؤزراً بالصخر الفاخر وقد كسي ما فوق ذلك الإزار بالذهب وتمنطقه كتابة ذهبية كتب فيها آي القرآن وقطع من الشعر الفارسي وفي وسطه تتدلى سلسلة ذهبية وإلى جانب الإيوان قامت مأذنتان مكسوتان بالذهب ناهضتان إلى السماء في ذلك الجو الديني كأنهما عنقان ذهبيان شخصتا إلى السماء عزة وافتخاراً وبين المأذنتين جلست تلك القبة الذهبية المتوهجة كأنها شعلة مقدسة على جبل من ذهب أو نار الكليم تلوح في الوادي المقدس قامت توقد النجف وواديه شمس من ذهب يتكسر عليها نور الشمس فما ألطف ذلك العالم المتكوّن من النور والذهب وما أبهى القبة المنورة والمئذنتان والإيوان ووجه البهو إذا سالت عليها أشعة شمس الصباح متمرغة بتراب أعتاب تلك القبة المقدسة وأخيراً نور المشهد بمصابيح الكهرباء فامتد بين المأذنتين سمط منظوم من كواكب وجعلوا في أعلى القبة طوقاً من المصابيح ما أروع المنظر وما أجله وأجمله حتى كأن تلك الكومة من النور مشعل يشع في الفضاء. وبقاعة الصحن من الجهة الشرقية كانت مسرجة كللوها بالمصابيح على شكل مخروطي إذا أسرجت تريك عنقوداً من نور قد هبطت به ملائكة الذوق من فردوس اللطف وهذا الذي مر عليك ذكره كله من بذل نادر شاه في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة وتلك السلسلة الذهبية المعلقة في وسط الإيوان الذهبي هي السلسلة التي ربط بها نادر شاه عنقه وأمر أن يسحب إلى ذلك الحرم خاشعاً ضارعاً وأبقى هذه السلسلة ذكرى لذلك الانقياد…
وقبالة الإيوان على الباب الشرقي نصبت ساعة كبيرة ذات صفحات أربع بيض معلمة بأرقام سود وعليها برنس من الذهب وأجراسها تدق في كل ربع ساعة ولها رنين في ذلك الجو الديني يتموج مع أصوات المبتهلين ونبرات الداعين فكأنه رنين ابتهال الزمان في ذلك المكان المقدس ولتلك الساعة الفخمة المرتفعة الصلبة الأجراس رنين يطبق أرجاء النجف فهي ميقات النجف كله لا ميقات المشهد فقط وليست هذه أول ساعة نصبت هناك فقبلها كانت ساعة ولكن فضلت هذه ورفعت تلك، وقد استرعى الأذهان موقع ذلك الباب الكبير القديم فأقاموا عليه قوساً من القاشاني المطوي والمفتول طرائق طرائق بكل لطف وإبداع يحيط به إطار قاشاني مكتوب بآي القرآن الكريم وبالقلم النسخي البديع وفي أعلى ذلك الإيوان عصابة من القاشاني المكتوب وفي داخل الإيوان إطار ذهبي ونطاق قد كتب بمحلول الذهب فما أجمل ذلك الوجه وما أبدع قسماته البهية وما أروع ذلك البنا ءالذي يضيء حجارة ويضوع طينة. وفي الصحن أربع عمارات مستقلة ولكنها داخلة فيه أولاً: المدرسة المعروفة بمدرسة الصحن الواقعة في الجهة الشمالية وثانياً: جامع كبير يسمى مسجد الحضرة شرقي الصحن ثم يقابل هذا المسجد عمارة ضخمة تسمى التكية وهي زاوية للغرباء من الصوفية خصوصاً فرقة (البكتاشية) ولها جراية من غلة إقطاعية زراعية قريبة من الكوفة وعليها موكل بالصرف ورابعاً: جامع في جهة التكية وهو بناء صفوي يسمى مسجد الجمعة.
وادي السلام
مقبرة النجف
في النجف أكبر مقبرة إسلامية وأقدم مقبرة تاريخية هي وادي السلام. ووادي السلام ليس مقبرة للنجف وحدها ولا للعراق وحده بل لكثير من البلاد كإيران والهند والباكستان والكويت وجبل عامل وأقطار أخرى فإن كثير من عظماء هذه الأقطار تنقل جنائزهم إلى النجف الأشرف. وفي وادي السلام لا يشعر الإنسان أنه في مقبرة بل يشعر أنه يقف على أطلال العالم وخرائب الدنيا ويشعر بصمت عميق غمر الملوك والرعايا ويرى قبوراً دارسة وقبوراً مائلة للانهدام وقبوراً جديدة، والقبور بين قبر عليه دكة تختلف صغراً وكبراً، وآخر حوله سور يختلف سعة وارتفاعاً، وثالث عليه بنية والبنيات قد تكون ذات فخامة وإتقان تشبه داراً من أحسن الدور يقيم فيها شخص يقرأ القرآن في أوقات معينة ويتقاضى راتباً من ذوي العلاقة، ويوجد في تلك المقابر وغيرها ماء مبذول لمن يحتاج يسمونه (سبيلاً) ويوجد في بعض المقابر حدائق حسنة.
وكثير من المقابر عليها قباب تختلف كبراً وصغراً ولوناً وتصميماً وكثير من هذه القبور تاريخي، وعلى كل قبر إلا ما شذ صخرة نحت عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وبعض المميزات الأخرى وكل مدينة أو قبيلة لها جانب تختص به لا يشاركها فيه غيرها، والصخور التي نقش عليها الاسم بين صخر طبيعي بسيط وبين صخر من الرخام الجيد وبين آخر وبين بلاط صناعي يسمونه (كاشي).
وقد كتب عليها كتابة بلون لا يزول وكثيراً ما قرأنا على تلك الألواح قطعة من الشعر الجيد باللغة الفصحى أو العامية قد يتضمن تاريخاً في بعض فقراته وهو بين رثاء، للميت ومدح وعظة، ولو تقصد إنسان جمعه لتجمع لديه الشيء الكثير منه، ولكن أدب القبور ليس له حظ من الحياة، ولذا لم يعن فيه عشاق الأدب. وفي وادي السلام تتزاحم أجيال وفيه يقول الشيخ علي الشرقي من قصيدة:
سل الحجر الصوان والأثر العادي
خليلي كم جيل قد احتضن الوادي
فيا صيحة الأجيال فيه إذا دعت
ملايين آباء ملايين أولاد
ثلاثون جيلاً قد ثوت في قرارة
تزاحم في عرب وفرس وأكراد
عبرت على الوادي وسفت عجاجة
فكم من بلاد في الغبار وكم ناد
ووادي السلام متنزه النجفيين حيث يخرج إليه كثير من الناس في الأماسي لا سيما ليلة الجمعة لقراءة الفاتحة وتفقد قبور أحبائهم.
وصف المقبرة
وتربة المقبرة تربة رملية نقية ناعمة، هذا ما يخص القسم الأعلى منها، أما القسم الذي يلي ذلك بحوالي عشرين سنتيمتراً، فعبارة عن منطقة صخرية متكونة من صخور رملية قوية تسمح لحفر اللحود فيها بصورة عمودية، وتسمح لإدخال الإنسان في مكان قد حفر بصورة أفقية وبطول المتوفى. وقد تبقى الصخور والتربة محافظة على تماسكها ولكن بعد مدة ينهدم ما يحيط بالتجويف الأفقي الراقد فيها المتوفى فتضيع معالم التجويف.
وتتصف المقبرة بالجفاف التام، لأنها جزء من المنطقة الصحراوية الجافة. فهي لهذا بقعة ذات رمال وصخور رملية نقية لا تظهر فيها أية رائحة مما نسميها بالعفونة أو ما يدل عليها. والحقيقة أن الكثير من أهالي النجف يتركون المدينة وأزقتها الضيقة وشوارعها المزدحمة الصاخبة بضجيج الناس والسيارات، ليتجولوا خلال شوارع المقبرة الملتوية أو بين القبور، ويشموا هواءها الزكي العذب من فضائها الرحب.
سراديب الدفن التي
تحتويها المقبرة
السرداب حفر واسع وعميق يحفره الإنسان عمودياً في الأرض ثم يبني له جدراناً وسلماً وأخيراً يسقفه بعد أن يترك له فتحتات لدخول النور والهواء، وسراديب الدفن في مقبرة النجف هذه كثيرة جداً والظاهر أنها تتكشف قرب الشارع الملتوي، وفي الأماكن التي يكثر عليها الذهاب والإياب.
ويتراوح عمقها بين الثلاثة أمتار أو أربعة أو عشرة حسب مقدرة الطالب، وعادة تضم هذه السراديب أموات العائلة التي عملت مشتركة على تشييدها، ويمكن وصف هذا النوع من السراديب بأنها تتكون من طابقين أو ثلاثة طوابق وكل واحد من هذه الطوابق يضم صفاً من اللحود التي يبلغ عددها في كل صف حوالي الخمسة أو الثمانية. وبعض السراديب المخصصة للدفن عميق جداً واللحود فيها ضمن جدرانها أما أرض السرداب فمبلطة كفناء أو ساحة، وقد يدفن فيها أحياناً.
ومن السراديب ما هو مسقوف سقفاً عادياً، بينما بعضها بنيت عليها بنايات عالية تضم عدة غرف، هي مكان يجلس فيه الزائرون من ذوي الفقداء وأصدقائهم، وتعزل عادة غرفة خاصة بالرجل الملازم للبناية ولقارئ القرآن يومياً عند القبر، بأجور زهيدة.
ومن السراديب ما بقي مهجوراً دون بناء وقد يكون خطراً على الزائرين أثناء تجوالهم في المقبرة.
أما الفتحات التي خصصت في داخل السرداب لتكون لحوداً، فتكون بمجموعها ما يشبه خلية النحل تغلق كل فتحة بعد أن يدفن فيها إنسان وهذا النوع من السراديب أو القبور شائع في مقبرة النجف. وقد زاد الميل إلى حفر وبناء السراديب من قبل كثير من العوائل المتمكنة في الآونة الأخيرة، بشكل منقطع النظير حتى غدا عددها يبلغ المئات قديمها وحديثها.
هذا الطراز من القبور والإكثار منه يمكن تبريره بعدة أمور منها زيادة وصايا الذين قرب أجلهم بأن يدفن في السرداب مثلاً، وشيء آخر هو رغبة الأحياء في حفظ قبور أمواتهم من الاندثار مرقداً معداً لهم يدفنون فيها بعد موتهم.
الدفن في المنازل
يمكن أن يستنتج المرء بأن الأكثرية من منازل مدينة النجف مبنية على قبور قديمة لأن الأرض التي تحيط قبر علي عليه السلام كانت مكاناً للدفن ثم اختطّ بعضها منازل للسكنى. وقد ذكر البناؤون بأن كثيراً من منازل النجف القديمة التي هدموها لغرض إعادة بنائها من جديد والشروع بحفر سراديب جديدة لها يتخلص بها ساكنوها من حر الصيف وهوائه اللافح وجدوا في الأرض لحوداً كثيرة. والدفن لا يزال جارياً في كثير من المنازل، ويتم ذلك بأن يعزل صاحب الدار حيّزاً من داره يكون مقبرة له ولعائلته وكثيراً منهم يحفر سرداباً خاصاً فيه ويبني فوقه قبة بينما يجعل البعض مقبرة منفصلة عن منزله، لتكون أشبه ما تكون بالمسجد، والذي ينظر من فوق مرتفع أو سطح عالٍ إلى مدينة النجف يشاهد قبباً خضراء وزرقاء متناثرة وأكثرها من جانب المدينة الغربي «محلة العمارة» حيث تبرز هذه الظاهرة وقد أدى فتح الشوارع الجديدة إلى هدم وطمر كثير من سراديب الدفن في المنازل.
وأعتقد أن الدافع الذي دعا بعض الأشخاص وحثهم على أن يوصوا في حياتهم بأن يدفنوا في منازلهم بعد موتهم، هو رغبتهم في دوام قبورهم وتخلصها من الاندثار إلى أمد بعيداً جداً، وقد يضاف إلى ذلك رغبتهم في أن يكونوا بين ظهراني ذويهم، وفي كنف من دارهم.
الصحن والدفن فيه
كانت أرض الصحن وعرة لكثرة ما فيها من قبور ومحاريب وكانت سائر المحاريب ظاهرة على وجه الأرض وفي سنة 1206 طمست ساحة الصحن وعملت السراديب الخاصة بالدفن، وبلطت أرض الصحن بالصخر المرمر، والتصليحات في ساحة الصحن جارية والدفن فيه جار لحد الآن.
وفي سور الصحن عدد من الإيوانات في كل إيوان حجرة، أعدت لتكون مقبرة وقد دفن عدد كبير من المشاهير في هذه الحجرات.
البيوت التراثية في النجف
قال الدكتور رؤوف الأنصاري:
تعتبر مدينة النجف الأشرف من المدن الدينية المشهورة في العالم الإسلامي، وتقع على الحافة الجنوبية للصحراء الغربية في العراق على بعد 10 كلم إلى الغرب من الكوفة ونهر الفرات مشرفة على منخفض النجف، وتبعد عن مدينة بغداد بحوالي 160 كلم إلى الجنوب الغربي منها. واكتسبت أهميتها التاريخية والدينية عبر الزمن احتضان ثراها رفات الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وباعتبارها كانت وما زالت أحد أهم المراكز العلمية والأدبية لقرون عدة في العالم الإسلامي.
يتميز التخطيط العمراني لمدينة النجف منذ نشوئها العام 170هـ (786م) بكثافة البيوت التي تمركزت بصورة رئيسية حول جامع ومرقد الإمام علي عليه السلام، ويعود ذلك إلى العلاقة الروحية التي تربط الناس بالجامع، وتزداد كثافة البيوت كلما اقتربت منه وتقل كلما ابتعدت عنه. ولذلك نلاحظ أن أكثر البيوت متلاصقة، أما الممرات والأزقّة المؤدية إلى هذه البيوت فتكون أكثر الأحيان ملتوية وذات أشكال متعرجة، وقد تنتهي بنهايات مسدودة لا مخارج لها ومن الأسباب الموجبة لاتّباع هذا التخطيط في ذلك الوقت ـ كما يبدو ـ عمق الروابط الاجتماعية والحفاظ على أمن المدينة من عمليات السطو والاعتداء وكذلك اتقاء البرد القارص والحر الشديد.
والبيوت في النجف تحمل صفات وخصائص البيوت العربية والإسلامية المنسجمة مع التقاليد الاجتماعية. وكما يقول جون ورن: «تتميز حياة المسلمين التقليدية بالفصل التام بين حياتهم العامة والخاصة وكذلك بين الرجل والمرأة». وتحتوي البيوت التراثية في النجف على مجموعة من عناصر معمارية أساسية أهمها:
الساحة الداخلية المكشوفة (الحوش).
البيوت التراثية في النجف، شأنها شأن البيوت في المدن العراقية الأخرى، تتميز بخصائص تخطيطية وإنشائية ذات طابع معماري واحد يتمثل في إحلال الساحة الداخلية المكشوفة التي يطلق عليها بالعامية (الحوش) المكان الأول في التخطيط، وتأتي الغرف السكنية وبقية المرافق والمداخل والممرات لتأخذ مكانها حول تلك الساحة.
ومن الواضح تماماً أنه تقليد بنائي عراقي قديم تعود بداياته إلى فترة العهد البابلي القديم (مطلع الألف الثاني قبل الميلاد) حيث عثر على بقايا دور سكنية في أحد أحياء مدينة أور الأثرية في جنوب العراق. تظهر الساحة الوسطية المكشوفة في مقدمة العناصر التصميمية. وتعتبر هذه الساحة أيضاً من أهم مميزات عمارة المساكن التراثية في البلدات الإسلامية.
وعلى رغم التأثيرات الواضحة التي تركتها تقاليد فنون العمارة الفارسية والتركية والهندية في البيوت النجفية، إلا أن التخطيط الأساسي لها لم يصبه التغيير خلال عصور مختلفة، بل ظل محافظاً على طابعه التقليدي الذي يشبه إلى حد بعيد الطراز المعماري الحيري (نسبة إلى مدينة الحيرة القريبة من النجف) وهو الطراز المعماري السائد آنذاك وتكاد هذه البيوت أن تكون شبيهة إلى حد كبير مع البيوت القديمة في مدن وسط العراق وجنوبه من جهة التصميم الهندسي ومواد البناء والزخارف.
ويختلف البيت النجفي في مساحته باختلاف المراتب الاجتماعية للناس، فتتكون البيوت عادة من ساحة مكشوفة تبدأ بمجالس الضيوف ومرافقها وتقع في مقدمة البيت وتعرف بـ«البراني» ثم تنتقل إلى الغرف المخصصة لأفراد العائلة والمرافق الملحقة بها وتحيط بالساحة المكشوفة ويطلق عليها «الدخلاني»، ويتراوح شكل الساحة المكشوفة ما بين المربع والمستطيل.
وتعتبر الساحة الوسطية قاعة مكشوفة ومحجوبة عن الأنظار في آن واحد، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه في توزيع الإضاءة الطبيعية للغرف المحيطة بها. وتطل الشبابيك الواسعة لهذه الغرف على الساحة الوسطية فتكون في هذه الحال واجهات لغرف الطابق الأول، وتتحقق عن طريقها الإضاءة والتهوية الطبيعيتان. ويتم عادة تبليط أرضية الساحة الداخلية المكشوفة بالطابوق (الآجر) المسطح المعروف بـ(الفرشي). وينعزل السكن عن الشارع أو الزقاق في مثل هذا التكوين الإنشائي الذي يحقق ضمن مساحات قليلة مرافق كافية لسكن عائلي متعدد الأشخاص.
المجاز (المدخل المنكسر)
ومن الخصائص المميزة للبيوت التراثية في النجف وجود المدخل المنكسر المعروف بـ«المجاز» الذي يوصل المدخل أو «الباب» بالساحة الداخلية المكشوفة (الحوش).
وهو ابتكار إسلامي ظهر للمرة الأولى في دار الإمارة في مدينة الكوفة العام 17هـ (638م) وكذلك في بعض دور سامراء العباسية، وكان يستهدف غرضاً اجتماعياً بحتاً يتلازم والتقاليد الإسلامية، وهو عزل فضاء الساحة الداخلية المكشوفة عن الشارع أو الزقاق، وترطيب الهواء عبر اختراقه للمجاز.
الإيوان (الطارمة)
ومن العناصر الأساسية في تصميم البيت النجفي توفير ما يسمى بالإيوان أو (الطارمة). وهو بناء له ثلاثة جدران وسقف ويكون مكشوفاً من واجهته الأمامية الملة على الصحن (الفناء المكشوف). ومن المرجح أن الأواوين عرفت في العراق منذ عصور قديمة في شمال مدينة الموصل، ثم ظهرت بعد ذلك في العصر الإسلامي، كدار الإمارة في الكوفة وقصر الشعيبة قرب البصرة وقصر المنصور في بغداد وبيوت قصر الأخيضر الشهير الذي يعود بناؤه إلى بداية العصر العباسي ويقع بالقرب من كربلاء.
وتستعمل الطارمة في الطابق الأرضي للنوم صيفاً في حال عدم وجود السرداب، وكذلك لتناول وجبات الطعام وشرب الشاي.
الخصائص الإنشائية
ومن الخصائص التي امتاز بها البيت النجفي بصورة عامة ارتفاع سقف غرف الطابق الأول بحيث لا يتجاوز أربعة امتار. وهناك مميزات إنشائية أخرى منها كثرة الشبابيك في الطابق الأول وارتفاعها خصوصاً في الواجهات التي تطل على الأزقة والشوارع، وكذلك الرفوف (الروازين) المتعددة من الداخل لتخفيف سماكة الجدار والاستفادة منها كدواليب أو لاستعمالات أخرى. وارتفاع الغرف في الطابق الأول يحقق في بعض الأحيان وجود طابق وسطي توجد فيه غرف صغيرة تستعمل للخزن. وأمام غرف الطابق الأول ممر يطل على الفناء المكشوف يتقدمه حاجز من الخشب أو الحديد ذو زخارف جميلة وبارتفاع متر واحد تقريباً يطلق عليه المجحر أو (الدرابزين).
واستعملت في البيوت النجفية مواد بناء خفيفة في تسقيف الطابق الأول كالخشب والقوغ (جذوع شجر الحور) وخشب جذوع النخيل وحصران القصب (البواري) وغيرها، وذلك للتغلب على مشاكل الثقل في كتل البناء. أما ارتفاع الطابق الأرضي فيكون عادة أقل من الطابق الأول، ويتميز أيضاً بنوافذه التي تكون في الغالب فوق مستوى النظر وهي تطل على الأزقة والشوارع.
السرداب
ويتميز البيت النجفي بوجود مكان للراحة والاستقرار يطلق عليه السرداب، وهو اصطلاح فارسي مؤلف من مقطعين (سرد) أي بارد و(آب) أي ماء، وتقضي فيه العائلة ساعات طويلة في أيام الصيف الحارة. ويتصف بجدرانه السميكة وانخفاض مستوى أرضيته عن مستوى أرضية البيت، وقد يصل انخفاضه في بعض الأحيان إلى عشرين متراً ما يساعد في حمايته من الحرارة الشديدة في فصل الصيف.
ومن الظواهر المألوفة في البيوت النجفية أن بعض السراديب فيها يتصل ببعضها الآخر، وجاء ذلك نتيجة الروابط الأسرية العميقة بين أبناء المدينة. وفي بعض البيوت يوجد أكثر من سرداب واحد.
وتجري تهوية السرداب بواسطة فتحات صغيرة جانبية تكون عادة في مستوى أرضية الساحة الداخلية المكشوفة، وكذلك من أبواب المدخل والدرجات (السلالم) المؤدية إليه. وهناك مجار عمودية للتهوية عبارة عن فتحات داخل الجدار وفوهتها في أعلى السطح تنقل الهواء من الأعلى عبر هذه الفتحات إلى مستوى منخفض في أرضية السرداب فيساعد الماء الذي يرش على أرضية السرداب بترطيب الهواء الخارجي الجاف الآتي من السطح عبر هذه الفتحات، وتسمى هذه الفتحات أو المجاري العمودية بالملقف الهوائي، ويطلق عليه محلياً (البادكير) وهي كلمة فارسية مؤلفة من مقطعين (باد) أي هواء و(كير) أي جالب أو ساحب.
وفي أكثر الأحيان يتم بناء السرداب من عقود وقباب مبنية من الطابوق (الآجر) والجص، أما الأرضية فتبلط عادة بالآجر المسطح (الطابوق الفرشي) وهي تحتفظ بالرطوبة والبرودة عن طريق رشها بالماء باستمرار. وفي الشتاء تستعمل السراديب مخزناً لحفظ الحبوب والغلال وبعض الحاجيات المنزلية الأخرى.
المساند الخشبية (الدلك)
وتستعمل في البيوت النجفية أعمدة الخشب التي تسند الممرات في الطابق الأول، وفي بعض الأحيان تسند الطارمات والغرف في الطابق الأول أيضاً. وتنتهي هذه الأعمدة بتاج مقرنص متدرج يساعد في تقليل مقطع الجسر الخشبي الذي يعلو عدداً من هذه الأعمدة.
مواد البناء المحلية
ومن أهم المواد الأولية المصنعة محلياً والمستعملة في بناء البيوت النجفية الطابوق الطيني المفخور (الآجر) الذي يعتبر العنصر الرئيسي في البناء، وذلك لوفرة مادته الأولية ولسهولة صناعته وكذلك استخدامه في البناء وقلة تكلفته. ويمتاز أيضاً بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة على عزل الحرارة والصوت.
أما عملية تماسك الطابوق (الآجر)، فتعتمد بالدرجة الأولى على مادة محلية أخرى هي الجص، ولهذه المادة ميزات خاصة لها أثر كبير في عمليات البناء، كونها تمتلك قابلية عالية على الجفاف بسرعة فائقة بعد انتهاء البناء مباشرة.
وساعدت هذه المواصفات في بناء القباب والأقبية والعقود (الأقواس) من دون الحاجة إلى استعمال القوالب الخشبية. واستعمل في أسس بناء البيوت النجفية مخلوط مسحوق النورة والرماد كمانع للرطوبة، وتستعمل في الأساسات (كسر) من الطابوق (الآجر) الخضراوي المصخرج.
ومن المواد الأخرى المستعملة القير (القار الأسود) كمانع للرطوبة في تغليف جدران الأسس وأحواض المياه وبعض مصاريف المجاري، وكذلك فرشه على السطوح قبل تبليطها لمنع تسرب المياه والرطوبة إلى الطوابق السفلية.
الإكساءات والزخارف
تستعمل مادتا الجبص والبورق في الإكساءات الداخلية في تبييض الجدران لإعطائها وجهاً مصقولاً يستغنى به عن اللبخ (البلاستر) ودهان الجدران.
ولم تقتصر الزخارف الهندسية والبنائية في البيوت النجفية على الآجر والجبص، بل شملت الأعمال الخشبية في البناء، وأظهر النجارون براعة في الدقة والمهارة في الأعمال الخشبية للأبواب والمشبكات والنوافذ الزجاجية التي تطل على الساحة الداخلية المكشوفة، والمزينة بنقوش جميلة رائعة ومطعمة بقطع صغيرة من الزجاج الملون، ويمكن فتح قسم من هذه الشبابيك لدخول الضوء والهواء إلى الغرفة.
ومن الظواهر المألوفة في البيوت النجفية التراثية ما يعرف بالشناشيل (المشربيات) وهي الشارفات البارزة من مستوى البناء في غرف الطابق الأول، إذ يكون بناء هذه الشرفة من الخشب وتكون ذات زخارف رائعة بدلاً من الآجر والحديد للتغلب على مشاكل الثقل في توسعة البناء، وكذلك مساعدة الخشب في تحقيق برودة الجو الداخلي للغرفة، وتوفير مظلة طويلة يحتمي بها المشاة من شمس الصيف وأمطار الشتاء.
ومن الظواهر المألوفة الأخرى في البيوت النجفية ما يعرف بالأرسي (الشبابيك الخشبية المزخرفة) التي تفتح وتغلق برفعها إلى الأعلى والأسفل. وتتخلل الأرسي أحياناً الأبجوارات وهي شبابيك صغيرة شبيهة بالأبواب تغطيها مقاطع من الخشب المائل المشبك لدخول الهواء وحجب النور.
مدارس النجف
النجف الأشرف هي الامتداد الطبيعي للكوفة عاصمة الخلافة الإسلامية أيام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وكانت ولا تزال مركزاً للإشعاع الحضاري والثقافي والديني ولقرون عدة على رغم تعرضها في السنوات الأخيرة للكثير من الظلم والاضطهاد والإهمال المتعمد ومحاولات تعطيل دورها الديني والحضاري المتميز.
وكانت هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف من العاصمة العباسية بغداد، أواسط القرن الخامس الهجري، إيذاناً بتأسيس جامعة علمية إسلامية فيها تضم العديد من المدارس والمعاهد الدينية وإن كانت قبل ذلك مسكناً لبعض العلماء وزهادهم الذين فضلوا جوار مرقد الإمام علي عليه السلام بعد ظهور أمره في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وذلك سنة 170هـ (786م) وبناء قبته البيضاء من قبله.
وبعد سقوط وتدمير بغداد على يد المغول (الإيلخانيين) سنة 656هـ (1258م) قدر للنجف ـ جنبا ًإلى جنب مع الجامعة العلمية الإسلامية في مدينة الحلة ـ أن تلعب دوراً روحياً وثقافياً للعراق ومناطق عدة من العالم الإسلامي، وأصبحت داراً للعلم لفقهاء المسلمين من جميع مواطن سكناهم.
وكان أهم ما تميزت به مدينة النجف والمدن الدينية الأخرى في العراق ـ كربلاء والكاظمية وسامراء ـ الدراسات الدينية ذات الطابع التقليدي القديم في طريقة التدريس المسماة بنظام الحلقات وهذه الطريقة كانت ولا تزال معتمدة في معظم الحوزات العلمية في المدن الإسلامية.
وكانت الدراسات تتخذ من بعض الجوامع والمساجد في المدينة، كجامع الهندي ومسجد الترك وجامع الطوسي ومسجد الخضراء، وفي صحن وغرف وأروقة الروضة الحيدرية (جامع ومرقد الإمام علي)، أماكن لها. وكذلك في بيوت كبار العلماء التي غالباً ما كانت تضم قاعات وغرفاً كبيرة أعدت لهذا الغرض.
وتخرج عن طريق هذه الدراسات الكثير من العلماء والفقهاء والمراجع ممن تخصصوا في الفقه والأصول والفلسفة والطب والفلك والنحو والأدب وعلوم القرآن.
وأدّى تطور الحركة الفكرية والدينية في القرن الثاني عشر الهجري واتساعها، إضافة إلى توافد الكثير من الطلاب على مدينة النجف، إلى انتشار المدارس العلمية الدينية فيها حتى قاربت الأربعين مدرسة ومعهداً، وكانت بمثابة جامعة إسلامية كبيرة ومعظمها يحتوي على غرف لسكنى الطلبة أيضاً، وشيّدت من قبل مراجع دينية في مراحل زمنية مختلفة وسميت بأسمائهم، كمدرسة كاشف الغطاء ومدرسة اليزدي ومدارس الآخوند ومدرسة الخليلي وغيرها.
وشيّدت مدارس إسلامية أخرى من قبل بعض البلدان الإسلامية لجالياتها التي كانت توفدها إلى هذه المدينة لدراسة العلوم الدينية، كالمدرسة الهندية والمدرسة الأفغانية والمدارس اللبنانية ومدرسة الترك (البادكوبة) الأذربيجانية. وكانت لهذه المدارس والمعاهد الدينية خصائصها وطابعها المعماري المتميز من حيث استقلال البناء وهندسته وإلحاق الأقسام الداخلية للطلبة وتطور مناهج الدراسة فيها، وكانت تختلف عن حلقات المساجد والجلسات العلمية في بيوت العلماء. فصارت هي المكان المخصص للدراسة، كما كان يخصص مكان للسكان في وحدة معمارية وإدارية متكاملة.
أما أسلوب الدراسة في المدارس والمعاهد العلمية في النجف فكان يواكب التطور في المقررات، وحاجتها لإدخال بعض المفردات والعلوم المعاصرة في مناهجها، وكانت تمد الأقطار الإسلامية بالكثير من الكوادر العلمية الإسلامية المتفتحة.
ومن المقررات التي كانت تدرس فيها: علوم القرآن، والبلاغة، والحديث، والفقه المقارن، وعلم الكلام، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأدب، والعروض، والتاريخ، والاقتصاد، واللغة الإنكليزية، وكذلك بعض العلوم الطبيعية والرياضية كالفلك والهندسة والحساب، بالإضافة إلى أصول الفقه والعقائد واللغة العربية. ثم تمّ تأسيس «كلية الفقه» التي اعترفت بها وزارة المعارف العراقية، وتطورت المناهج في هذه الكلية فأنشأت قسماً عالياً لمنح شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية وكادت أن تنشئ قسماً للدكتوراه، لولا تدخل النظام القائم. والمدارس والمعاهد الإسلامية في مدينة النجف تحمل صفات وخصائص معمارية متميزة تتناسب مع الهدف الذي أنشئت من أجله.
ويمثل تخطيطها طرازاً معمارياً معروفاً في العراق يعرف بالطراز الحيري نسبة إلى مدينة الحيرة عاصمة المناذرة قرب الكوفة والتي قامت النجف على أعتابها. وهذا الطراز يتمثل بإحلال الصحن (الفناء المكشوف) المكان الأول في التخطيط وتأتي الأروقة المسقوفة المكشوفة والقاعات والغرف والمصلى والممرات والمداخل لتحتل مكانها حول تلك الساحة التي تتجه إليها كل مرافق البناء. وهذا التنسيق المتّبع في بناء المدارس الإسلامية يشير إلى النظام في المباني الإسلامية وإلى أسلوب التخطيط المعماري الذي أكّدته البيئة ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
وفي أكثر الأحيان يتوسط الصحن حوض فيه نافورة ماء يستعمل أحياناً للوضوء. أما الواجهات الخارجية فتقتصر على الأبواب المؤدية إلى الداخل وأحياناً توجد فيها بعض الشبابيك التي غالباً ما تكون فوق مستوى النظر. واستخدمت في الواجهات الخارجية لمعظم المدارس والمعاهد الإسلامية في النجف تشكيلات زخرفية من الآجر وعلى مساحات معينة من الجدران بحيث أضفت مسحة جمالية رائعة على هذه الأبنية. واستعمل الطابوق (الآجر) والجص في البناء وتم تزيين الجدران الداخلية المطلة على الفناء المكشوف بزخارف آجرية وجصية وقاشانية ملونة تتخللها كتابات من الآيات القرآنية الكريمة. وكذلك الزخارف الخشبية المتنوعة التي تغطي الشبابيك والمطعمة بقطع صغيرة من الزجاج الملون.
وتتميز غالبية أبنية المدارس في النجف بوجود السراديب فيها وهي منخفضة عن مستوى أرضيتها بأمتار عدة وينزل عليها بواسطة سلالم (درجات)، ويتحول السكن في الصيف من وسط المدرسة إلى هذه السراديب، وتتم فيها المطالعة وتناول طعام الغداء وقد تمسي في الصيف ملاذاً للطلاب يقضون فيها الليل أحياناً، وذلك عند اجتياح العواصف الرملية المدينة. ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 أنشئت مجموعة من المدارس الحكومية أخذت على عاتقها تعليم أبناء النجف جنباً إلى جنب مع المدارس والمعاهد الإسلامية.
أما أشهر المدارس العلمية الإسلامية في النجف فهي:
* مدرسة المقداد السيوري (السليمية)
تعتبر هذه المدرسة إحدى أقدم مدارس النجف، وكانت تسمى بمدرسة المقداد السيوري نسبة إلى بانيها الأول الشيخ جمال الدين أبي عبدالله المقداد السيوري الأسدي الحلي المتوفى سنة 828هـ (1425م).
وقد أعيد بناؤها سنة 1250هـ (1834م) من قِبل سليم خان الشيرازي ونسبت إليه وسميت بعد ذلك بالمدرسة السليمية. وتقع في سوق المشراق إحدى محلات (حارات) مدينة النجف مقابل مسجد الصاغة المعروف، وهي صغيرة الحجم لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع، وتحتوي على عشر غرف.
* مدرسة الشيخ عبدالله
يعود تاريخ بناء هذه المدرسة إلى منتصف القرن العاشر الهجري وتعتبر من المدارس القديمة في المدينة. وعرفت بكونها أحد أهم المعاهد العلمية، وتنسب إلى الشيخ عبدالله وهو ابن شهاب الدين اليزدي، وكان من كبار العلماء آنذاك. أما موقعها فقد كان في محلة المشراق.
* المدرسة الغرؤية
تأسست في أوائل القرن الحادي عشر الهجري وقبل مدرسة الصحن الكبرى، ويعود بناؤها إلى عهد الشاه عباس الصفوي الأول، وكانت تقع في الجهة الشمالية من صحن الروضة الحيدرية. وفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري تهدمت جدرانها فأعيد بناؤها من جديد من قِبل السيد هاشم زيني وذكل سنة 1350هـ (1931م) وجعلها دار ضيافة ومنزلاً للزوار.
* مدرسة الصحن الكبرى
وكانت هذه المدرسة جزءاً من صحن الروضة الحيدرية، وحين زار الشاه صفي الدين حفيد الشاه عباس الصفوي مدينة النجف سنة 1042هـ (1633م)، أمر بتوسيع صحن الروضة الحيدرية، حيث شيّدت غرف للدراسة تحيط بالصحن موزعة على طابقين تتقدمها الأواوين التي تعلوها الأقواس المدببة وزينت بالبلاط القاشاني الجميل. وأعد الطابق الأرضي للدراسة أما الطابق الأول فقد خصص لسكن طلاب العلوم الدينية. ويشغل غرف هذه المدرسة اليوم من لهم ارتباط بخدمة زوار الروضة الحيدرية.
وتنتشر في أرجاء النجف الكثير من المدارس الأخرى منها: مدرسة الصور، مدرسة المعتمد، المدرسة المهدية، مدرسة القوام، مدرسة الإيرواني، مدرسة الميرزا حسن الشيرازي، مدرسة الحاج ميرزا حسين الخليلي الكبرى، مدرسة البخاري، مدرسة الشربياني، مدرسة الخراساني الكبرى، مدرسة القزويني، مدرسة البادكوبي، مدرسة السيد كاظم اليزدي، مدرسة الآخوند الوسطى، مدرسة البروجردي الكبرى، كلية الفقه، مدرسة السيد عبدالله الشيرازي، مدرسة الهندي، مدرسة الآخوند الصغرى، المدرسة الطاهرية، مدرسة البروجردي الصغيرة، مدرسة العامليين، مدرسة الخليلي الصغرى، مدرسة الرحباوي، مدرسة الجوهرجي، مدرسة جامعة النجف الدينية، مدرسة عبد العزيز البغداي، مدرسة الأفغانيين، مدرسة اليزدي الثانية، مدرسة الحكيم، مدرسة الكلباسي، المدرسة الرشدية العثمانية، المدرسة العلوية، المدرسة المرتضوية، مدرسة الغري الأهلية… وغيرها من المدارس العلمية الدينية القديمة والحديثة.
الدكتور رؤوف محمد علي الأنصاري
- () مقدمة بنياد حكمت سبزواري: بروفسور توشي هيكو ايزوتسو، ص 25 طهران مؤسسة مطالعات الإسلامية جامعة مك كيل فرع طهران سنة 1360 هجرية. ↑
- () انظر ترجمته في مستدركات أعيان الشيعة. ↑
- () السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني: رسائل ومقالات فلسفي، ص 179 طهران سنة 1409 هجرية منشورات الزهراء. ↑
- () الأخوان الإلهيون. ↑
- () أنظر مجلة الحوزة القمية السنة الحادي عشر العدد إحدى وستون (61)، ص 203 ـ 209. ↑
- () السيد جلال الدين الآشتياني: مقدمة الشواهد الربوبية، ص 111 ـ 113 منشورات جامعة مشهد الطبعة الأولى مشهد سنة 1346هـ.ش. ↑
- () ميرزا محمد التنكابني: قصص العلماء ص 25 الطبعة الحجرية طهران سنة 1304 هجرية. ↑
- () نفس المصدر، ص 265. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج11، ص30 بيروت دار الأضواء. ↑
- () السيد محمد باقر الخوانساري روضات الجنات، ج1، ص 91 ـ 92 طهران مكتبة إسماعيليان سنة 1390هـ. ↑
- () الميرزا محمد التنكابني: قصص العلماء، ص 26، طهران الطبعة الحجرية، 1304 هجرية ↑
- () نفس المصدر، ص 26. ↑
- () الشيخ آغا بزرك الطهراني: الكرام البررة، ج1، ص 89 الطبعة الأولى. ↑
- () نفس المصدر، ج2، ص 154. ↑
- () هو أبو نصر أحمد بن محمد بن مسعود الوبري الحنفي شارح مختصر الطحاوي. كان متكلماً، شرح نهج البلاغة شرحاً موجزاً مقتصراً على حل مشكله وتوضيح غامضه، وأفاد منه من بعده. ويبدو أنه بقي إلى القرن الثامن حيث اعتمده ابن العتائقي في شرحه. ↑
- () حكاه عنه ياقوت في معجم الأدباء 5/208. ↑
- () وفخر الملك قتل سنة 500هـ بالاتفاق. ↑
- () وقد أثنى عليه فيه، في ص 473 ـ 476، فملأ أربع صحائف في الثناء عليه وبالغ في إطرائه وقال: «لولا مكارمه ولطائفه لم أتنسم من شواهق التصانيف الرياح، ولم أخفض للعلم الجناح، ولم أشم البرق، ولم أفضل على الغرب والشرق، ولم أؤلّف الكلم، ولم أستنزل درّ سحائب المحابر، ولم أستنزف درر أصداف الدفاتر، ولم أركب أثباج المنابر، ولكني بحبائه حبيت… ولولا مناقبه ومناقب أسلافه النقباء الأشراف لما بقي في خراسان من يحمل قلماً، ويظهر كلماً… فهو ـ أدام الله علوّه ـ أحيا من العلوم رمماً، ورعى للعلماء ذمما…». ↑
- () كذا عند الصفدي والذهبي، ويؤيده السجع، وعند ياقوت: الأمانات. ↑
- () وعند الصفدي: الانتصار على الأشرار، مجلدان. ↑
- () جاء ذلك في عنوان الصفحة (141) من مخطوطة الخزانة الظاهرية وهي نسخة المصنف. ↑
- () راجع عن المؤلف بحث: الحوادث الجامعة. ↑
- () جاء في آخر هذه النسخة من الكامل ما نصه: «آخر الكتاب الموسوم بالكامل لابن الأثير في التاريخ والحمد لله حق حمده وصلاته على رسوله. كتبه المحتاج إلى رحمة ربه عبد الرزاق بن محمد ـ لا أحمد كما جاء في المعجم ـ بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي الشيباني المعروف بالفوطي عفا الله عنه لسنة إحدى وتسعين وستمائة بمحروسة مدينة السلام حماها الله مع سائر بلاد الإسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل»، ووصف مؤلف فهرست المخطوطات العربية الموجودة في المكتبة الأهلية بباريس نسخة من الكامل لابن الأثير تبتدئ من سنة 339 وتنتهي في سنة 620 فقال: «كتابتها دقيقة ولكنها بديعة للغاية متصل بعضها ببعض بقلم ابن الفوطي محمد بن أحمد الشيباني وكان خطاطاً شهيراً أنجزه سنة 694». هذا ما جاء في الفهرست المذكور، ولدينا نموذج من نسخة كتاب الأحكام بخط ابن الفوطي خطها دقيق متصل بعضه ببعض ينطبق عليه الوصف المذكور كما ستراه في موقعه من هذا الكتاب. ↑
- () انظر (4/130)، وانظر ما قاله عن قاضي سمنان الذي رآه في سوق الكتب سنة 722 أي قبل وفاته بسنة واحدة (4/136)، وانظر ما قاله عن قطب الدين يحيى بن محمود الجامي ثم النيسابوري شيخ خراسان وهو صوفي قدم إلى العراق سنة 72 أي قبل وفاة المؤلف بثلاث سنوات وبعد الفراغ من تسويد المعجم بثماني سنوات (4/235) ومثل ذلك ما قاله عن ابن تغلب البغدادي من الكتاب المعاصرين له وهذا نصه «رأيته سنة 720 وهو من الكتاب المتصرفين» (5/677) وقال في ترجمة فخر الدين السندسي الحلي ما نصه «قدم بغداد سنة 716 واجتمعت بخدمته وسألته عن مولده فذكر لي أنه ولد سنة 692 وجده لأمه شيخنا نجم الدين جعفر بن محمد بن نما» فهذه الترجمة من التراجم التي ألحقها بمعجمه بعد الفراغ من تسويده بأربع سنوات وهو إذ ذاك يحبو إلى الثمانين ومثل هذا النشاط في البحث والتأليف نادر في المؤلفين والمؤرخين. ↑
- () قال في ترجمة أحد معارفه من الأتراك ما يأتي «كان شاباً كيساً عاقلاً مليح الصورة» المعجم (5/166) وراجع الصفحة الآتية من الجزء المذكور (5/565) وفيها يقول: «كان (سوسيان) في غاية الحسن والجمال» وفي الجزء (5/656) عن بهرام شاه «أمير جميل الشكل حسن الصورة» وراجع 585 و594 و635 حيث تجد فيها عبارات تنم عن تقدير الجمال والصورة الجميلة. ↑
- () قال سبط ابن الجوزي في حوادث سنة 617 ما يأتي «فيها قتل آقباش بن عبدالله الناصري اشتراه الخليفة وهو ابن خمس عشرة سنة بخمسة آلاف دينار ولم يكن بالعراق أجمل صورة منه ولم يكن يفارقه ولما ترعرع ولاه إمارة الحج والحرمين»، هذا ما قاله سبط ابن الجوزي ويلي ذلك فصل يتضمن ذكر الحادثة التي قتل فيها هذا المملوك الناصري وكيفية قتله في مكة وحزن الخليفة البالغ عليه، ومن الطريف أن سبط ابن الجوزي غمز الخليفة ودار الخلافة على الاكتفاء بالحزن المجرد في هذه الحادثة التي قتل فيها أمير الركب العراقي والحجاج العراقيون فقال: (لم يخرج للقاء الحاج وأدخل الكوس والعلم في الليل لم تنتطح فيه عنزان وقد كان أولى أن تتناطح الكباش «أنظر مرآة الزمان ط حيدر آباد (8/610 ـ 611). ↑
- () من الأمثلة على ذلك ما جاء في ترجمة مثبتة في معجمه هذا نصها: «قوام الدين محمد بن عزيز بن علي القاضي الرئيس صنف له أفضل الدين الكاشي الحكيم كتاب مدارج الكمال إلى معارج الجلال» وقد قرأ ابن الفوطي على نسخة من الكتاب بيتين في مدح المؤلف المذكور من إنشاء نصير الدين الطوسي (أنظر/4 ال) من نسخة المصنف. ↑
- () من هذه الأمثلة ما جاء في كلامه عن أحد المحدثين وهذا نصه: «قوام الدين نصر بن موسى الواسطي المحدث عنده ديوان عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد بخطه حدث عنه شيخنا بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي» (4/139) وقال في ترجمة قوام الدين يحيى بن أبي الفضل المفسر ما نصه: «له التفسير الجامع للفقه والمعاني في عشرين مجلداً رأيته في خزانة مولانا نصير الدين وله تصانيف» (4/161)، وقال في ترجمة لأحد معارفه الذين رآهم في أرجان من بلاد أذربيجان ما هذا نصه: «كتبت له نسخة من مشيخة شيخنا كمال الدين عبد العزيز المراغي قاضي سراو» (5/592) وقال في آخر ترجمة أحد أمراء البطائح: «رأيت للبطائح تاريخاً حسناً صنفه القاضي المذاري» (4/119) وهي جملة معترضة تدل على ولعه بالتاريخ وشدة طلبه للكتب المصنفة فيه. والخلاصة: أكثر ابن الفوطي من غشيان دور الكتب للمطالعة والنسخ والبحث عن الكتب النفيسة النادرة والنقل عنها وإذا نقل عن كتاب غني بالإشارة إلى دار الكتب التي يوجد فيها كثير من الأحيان. ↑
- () قال في مراصد الاطلاع: «الجعفرية منسوبة محلة كبيرة مشهورة في الجانب الشرقي من بغداد، ولمحلة الجعفرية المذكورة ذكر في الجامع المختصر لابن الساعي (9/46، 48، 49) وهي متصلة بمحلة سوق السلطان ومن رأي بعض الباحثين أنه هو السوق الذي يسمى اليوم عند البغداديين «سوق الميدان» وهذا مشكل لأنه بعيد عن نهر المعلى والجعفرية ومن رأينا أن سوق السلطان الوارد ذكره في الجامع المختصر كان من أسواق محلة نهر المعلى أو ما إليها. قال ابن الفوطي في ترجمة قطب الدين أبي الوفا عبد القادر بن محيي الدين محمد بن نصر بن عبد الرزاق الجيلي ـ من أحفاد الشيخ عبد القادر الجيلي ـ وأثنى عليه كثيراً إلى أن قال: «ولما دخلت بغداد وسكنت بمشهد البرمة وتقرأ أيضاً البرية من محلة الجعفرية تردد إلي» فالجعفرية على هذا غير بعيدة عن محلة سوق السلطان، ويكثر ذكر هذا السوق في تاريخ بغداد، وفي تعيين موقعه أقوال والغالب أنه سوق لا يبعد كثيراً عن محلة سوق السلطان، ويكثر ذكر هذا السوق في تاريخ بغداد، وفي تعيين موقعه أقوال والغالب أنه سوق لا يبعد كثيراً عن محلة دار الخلافة، وورد ذكر سوق السلطان أيضاً في أخبار سنة 637 من الحوادث الجامعة إذ أنشأ الجند محلة مما يلي هذه السوق وقد خربت هذه المحلة المجاورة لسوق السلطان في حادثة طغيان دجلة وغرق بغداد سنة 641، قال في الحوادث: «وجرف ـ يعني الماء ـ محلة استبجدها الغرباء من الجند بظاهر سوق السلطان وراء جامع المدينة وانتقل أهلها إلى وراء السد وصليت الجمعة على جرف الخندق مما يلي دار المسناة» هذا ما ورد في الحوادث ويقول بعض الباحثين: إن دار المسناة داخلة الآن في قلعة الميدان وعلى هذا يكون موقع سوق السلطان الوارد في هذه الفقرة قريباً من محلة الميدان وباب المعظم والسور. هذا ويمكن التوفيق بين هذه الآراء بأن اسم «سوق السلطان» أطلق على أكثر من سوق واحد في بغداد. وفي مراصد الاطلاع في مادة (آجر) ما يأتي «آجر باسم الذي يبنى فيه اسم جنس للآجرة ينسب إليه درب الآجر محلة من محال نهر طابق ببغداد في الجانب الغربي ينسب إليها أبو بكر الآجري ونهر المعلى ودرب الآجر بالجعفرية عامر آخر، هذا ما جاء في مراصد الاطلاع، ويستفاد من الفقرة الأخيرة أن محلة الجعفرية كانت غير بعيدة من محلة «السنك» و«المربعة» في الوقت الحاضر، ولم تكن هذه المحلة مجاورة لمحلة الميدان كما ظن بعض الباحثين لأن نهر المعلى من أنهار بغداد الذي يخترق دار الخلافة قال في مراصد الاطلاع أيضاً: نهر المعلى هو اليوم «صدر المائة الثامنة» أعظم وأشهر محلة ببغداد وفيها دار ا لخلافة وهو «يعني نهر المعلى» نهر يدخل من باب بمرو باق إلى الآن يستمد من الخالص فيسير تحت الأرض حتى يدخل دار الخلافة وهو المسمى بالفردوس منسوب إلى المعلى بن طريف، قلت (والقول لصاحب المراصد) ولا أثر له الآن والمحلة المذكورة هي من عقد الحديد إلى عقد المصطنع في الشارع الأعظم من الريحانيين وباب النوبي إلى جامع القصر إلى العقدين وفيه السوق والدكاكين. ↑
- () (4/132) وهي مدرسة أنشأها السلطان المغولي خدابندة وكان قوامها عدداً من المضارب والخيام تأوي إليها الطلبة والمدرسون، وقد عينت لهم الجرايات وكانوا يرحلون برحيل السلطان خدابندة وينزلون بنزوله، ولها أيضاً ذكر في بعض كتب العلامة الحلي جمال الدين، وقد وجد في بعض كتبه أنها أنجزت في هذه المدرسة السيارة. ↑
- () من الألقاب الطريفة (المرضي) عدة ألقاب. (المرهف) عدة ألقاب مرهف الدولة المزكي. المستقيم. المعقل. معلم الكرم. معلم الخيل. معوذ الحكماء. معوذ الفتيان. مغزل الذهب. مفتي الحرمين. مفتي المساكين. مفتي الأئمة. مفتي العراقيين. مفتي الملوك. المفك. المفيد عدة ألقا، مقطع النجد. ملك الشرف. المميز منجد الدولة. منهب الورق. كسر الذهب. الكظيم. كلب الجنة. كلمة الله. كليم الله. كوكب الدين. كوكب الصبح. لسان العرب. ماء السماء. الماجد. الماحي. مأوى الصعاليك. مبيد المشركين. الملقن. المجاب. المجيب. المرصع. المزمل. المزين المستهام. معدن الذهب. المعلم. المعين. مغيث المسلمين. المقدام. مقطع الجذم. مقلد الذهب. مكلم الذئب. المنتظر مؤتم الأشبال. عكة العسل. الكظيم. كلب الجنة. كلمة الله. نجي الله. كمال العراقيين. ↑
- () خرج من المعرة العديد من شعراء الشيعة ترى تراجمهم في موسوعة (أعيان الشيعة)، وفي الطليعة منهم أبو العلاء القائل:أليس قريشكم قتلت حسيناوكان على خلافتكم يزيد
↑ - () ينسب إلى «كَشْ» (بفتح الكاف وتشديد الشين) من قرى جرجان ويقول آخر، من بلاد ما وراء النهر. ↑
- () اختيار الرجال طبع بمباي/99. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/16. ↑
- () ملحق بالنسخة الحديثة التي جمعت وطبعت من اختيار الرجال، التي جمعها وصححها ونقحها العالم المتتبع الحاج ميرزا حسن مصطفوي، فهرست كامل مبسوط للأعلام يشتمل على جميع من ذكر من الرجال سيان من ترجم لهم ومن لم يترجم لهم، ولا شك في أنه إنتاج قيم لجهد وعناء كبير، شكر الله سعيه. كما أن السيد موسى الزنجاني هو الآخر قد أعد فهرستاً للأعلام المترجم لها، إلاّ أنه لم يطبع لا مع أي من الكتب الرجالية ولا على حدة، فلم يتوفر لاستفادة المراجعين. هذا، ويوجد مع الطبعة الجديدة الأخرى أيضاً التي اشتهرت أخيراً في النجف بتصحيح وتحشية السيد أحمد الحسيني، فهرست بالأسماء والكنى والألقاب، وفهرست على حدة لأسماء النساء وكناهن وألقابهن، وفهرست للموضوعات المتفرقة. ↑
- () قاموس الرجال، ج1/32. ↑
- () فرج المهموم طبع النجف/ 130. ↑
- () الفهرست/190. ↑
- () لتفصيل هذه الموارد، أرجع إلى: قاموس الرجال، ج1/33. ↑
- () يقيم مولى عناية الله القهبائي أيضاً أدلة أخرى على هذا المطلب، وإن كانت غالباً قاصرة عن إفادة المدعي. للتفصيل ارجع إلى: قاموس الرجال، ج1/34. ↑
- () على هذا النحو: أنه أولاً ينقل هذه العبارة من العلامة: «روى الكشي عن جعفر بن أحمد بن أيوب بن صفوان…» (ما يتعلق بخالد البجلي) ثم يقول: هذا الحديث علاوة على عدم دلالته على التوثيق والمدح، سنده مجهول مضطرب، لأن الشيخ في كتاب الاختيار أورد السند بهذه الصورة ولكن السند في كتاب الكشي بهذه الصورة عن جعفر بن أحمد عن جعفر بن بشير» إلخ: «قاموس الرجال، ج1/36». ↑
- () بضم الكاف، معرب «كوهباني» نسبة إلى «كوهباية» يا «كوهبايا» من محال أصفهان. وهو من تلامذة الشيخ البهائي وله عدة تآليف في علم الرجال. ↑
- () ارجع إلى القاموس، ج1/36 ـ 37. ↑
- () فهرست النجاشي، طبع طهران (مركز نشر الكتاب) 288. ↑
- () قاموس الرجال، ج8/321. ↑
- () صفحة 32. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/43 ـ 44. ↑
- () الفهرست/167. ↑
- () رجال النجاشي/277. ↑
- () معالم العلماء/91 والعبارة هكذا: «وله معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين». ↑
- () الفهرست/59.. ↑
- () نقلاً عن الكلباسي في «سماء المقال»/47. ↑
- () ج1/15. ↑
- () يستنبط من جملة «اختيار معرفة الرجال» التي انتخبت عنواناً لكتاب الشيخ في الطبعة الأخيرة المصححة الكاملة، أن مصححها كان يعرف اسم أصل كتاب الكشي. فكان طبيعياً أن يطلق على كتاب الشيخ اسم «اختيار معرفة الرجال» باعتباره انتخاباً واختياراً منه. على أن في هذه التسمية مسامحتين: إحداهما بالنسبة لأصل كتاب الكشي، وهو «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» لا «معرفة الرجال» والأخرى بالنسبة إلى اختيار الشيخ المذكور في جميع المدارك المعتبرة باسم «اختيار الرجال» لا اختيار معرفة الرجال. ↑
- () ابن شهرآشوب في كتابه الآخر «مناقب آل أبي طالب» يذكر كتاب الكشي باسم «معرفة الرجال» ج4/147. ولكن الظاهر أن منظوره هو تلخيص الشيخ لا أصل الكتاب، لأنه يقول: «معرفة الرجال عن الكشي عن أبي بصير». ↑
- () منهم المحدث القمي في الكنى والألقاب، ج3/116 طبع النجف. ↑
- () التاريخ المذكور سنة فراغه من تأليف كتابه المشهور «مجمع الرجال» وليس لدينا بعد هذا التاريخ أية معلومات عن حاله، كما أننا لم نحصل على تاريخ دقيق لوفاته. ↑
- () لمزيد من التفصيل وتحقيق هذه الموارد ارجع إلى قاموس الرجال، ج1/46. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 281 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () ثبت هذا الكتاب برقم 279 في المجلد الرابع من الذريعة. ↑
- () يعرف بـ«الرجال الكبير» تأليف ميرزا محمد الأسترابادي المتوفى 1026 أو 1028. ↑
- () سماء المقال/ 30. ↑
- () لمزيد من التفصيل ارجع إلى سماء المقال / 30 ـ 31. ↑
- () الذريعة، ج10/81. ↑
- () من هذا الكتاب نسختان في مكتبة استان قدس في مشهد برقمي 3625 3603…. 13…. ↑
- () مقدمة رجال الشيخ، طبع النجف/ 81. ↑
- () سماء المقال/ 26. ↑
- (*) مما يذكر أن الملك محمد الخامس ملك المغرب المجاهد الذي ناضل المستعمرين الفرنسيين أروع نضال حتى أنزلوه عن عرشه ونفوه مع أسرته إلى جزيرة (مدغسكر). ثم اضطروا إلى إعادته إلى أرضه معززاً مكرماً بعد أن واصل الشعب المغربي ثوراته عليهم غضباً لما جرى على زعيمه ومليكه. إن هذا الملك العظيم قام بعد استقلال المغرب بجولة في البلاد العربية، ولما زار النجف طلب إلى مرافقيه العراقيين أن يعدّوا له مقداراً من تراب النجف لينقله معه إلى المغرب كي يوضع في قبره عند وفاته.ولما زار دمشق رفض أن يزور الجامع الأموي وقال: لا أزور مكاناً شتم فيه جدي علي بن أبي طالب. ↑
- () ص 10 نشر ليفي بروفال نصال، وص 82 ـ 83 مجلة تطوان العددان 3 ـ 4 سنة 1958 ـ 1959. ↑
- () مجلد تطوان العدد التاسع 1964 ص 127 ـ 128. ↑
- () ج2، ص 586 ـ 587. ↑
- () دي طرازي: 21/588. ↑
- () ج2/ 613 ـ 4، ص 31 ـ 34. ↑
- () كشف الظنون: ج2 ضلع 1026. ↑
- () جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج4، ص 157. ↑
- () ص 217. ↑
- () ص 434. ↑
- () ص 76 ـ 79. ↑
- () رقم ك 1061، بالخزانة العامة بالرباط. ↑
- () تعتبر القرويين من أقدم الجامعات الإفريقية. إذ بدئ بإنشائها سنة 245هـ وكان المسؤول عن تسييرها قديماً قاضي المدينة. وكانت المواد الدراسية في البداية ترتبط بالدين واللغة العربية من فقه وتفسير وأدب إلخ. وعرفت هذه الجامعة نشاطاً عظيماً في مختلف فروع المعرفة أيام الموحدين والمرينيين ثم الأشراف السعديين. وعاشت القرويين منذ البداية على نظام الوقف الذي اتسعت موارده بعد المرابطين خاصة. أي بعد أن سادت الروح الدينية والعلمية في أوساط أهل فاس خاصة، وعلى العموم فقد كان العلماء متطوعين يلقون دروسهم بينما يشتغلون خارج القرويين بوظائف معينة كالعدالة والكتابة والقضاء. وفي عهد المرينيين بنيت مدارس كثيرة لإيواء الطلاب وجهزت خزائن تعين الطلاب على تحصيل العلم. كما أسست خزانة عظيمة في مسجد القرويين في عهد بني مرين.وبني مسجد القرويين في عهد يحيى بن محمد الإدريسي بتبرع أم البنين فاطمة بنت محمد الفهري بموروث إفادته من أبيها. وقد أقيم هذا المسجد الجامع على أرض فضاء كانت ملكاً لإدريس الأول. وقد أصبح مركز علم ودراسة من يوم إنشائه. ↑
- () في أيام العلويين بدأ إدخال النظام على القرويين بتقرير الكتب والمواد الدراسية أيام السلطان محمد بن عبدالله. كما أنشئت المطبعة الحجرية التي ساعدت كثيراً على نشر الكتب في مختلف العلوم والفنون، وذلك في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن. أما في العصر الحاضر فقد أدخل في سنة 1931م إصلاح جديد على القرويين بتقسيم مراحل الدراسة فيها إلى ابتدائي وثانوي ونهائي في مقابل تجريدها من كل صبغة علمية حديثة، فلم يعد يدرس بها سوى مواد الفقه واللغة حتى إذا كانت سنة 1942م عين أول مدير للقرويين درس على الطريقة العصرية إلى جانب الطريقة التقليدية، فوضع نظاماً دقيقاً للامتحانات والمواد والكتب المقررة، وإن ظل الإصلاح شكلياً لا جوهرياً. وفي سنة 1957م وضعت اللجنة الملكية لإصلاح التعليم برنامجاً ينبني على توحيد مواد الدراسة ومناهجها في مختلف معاهد المغرب. ولكن لم يدخل هذا التوحيد في مرحلة التطبيق إلا بعد إنشاء المجلس الأعلى للتربية الوطنية الذي خلف اللجنة الملكية السابق ذكرها، حيث أصبح التخصيص يبدأ في السنوات الثلاث الأخيرة من المرحلة الثانوية. ومنذ سنة 1931 والصراع قائم بين المحافظين من علماء الدين والمسؤولين عن شؤون التعليم عن متطرفين ومعتدلين، ونقطة الخلاف هي إعطاء أهمية أكثر للعلوم الدينية، أو مسايرة القرويين لكل مناهج التعليم العصري إلى أن اصبحت القرويين مجرد جامعة إسلامية حديثة. ↑
- () تعرف هذه المفازة اليوم ـ بـ«دشت لوط» أي مفازة لوط. ويعرف ما فيها من مستنقعات ملحة وسباخ بـ«دشت كوبر» [بوزن: صغير]. ويطلق أحياناً اسم كوبر على المفازة بأجمعها أيضاً. أما اشتقاق اسم لوط وكوبر، فغير معروف. ↑
- () الجمازات: واحدتها الجمازة. وهي ناقة تعدو الجمزى. والجمزى نوع من العدو السريع كالوثوب. ↑
- () هي ما يشمل اليوم سوريا وفلسطين ولبنان والأردن. ↑
- () هو من أعلام شباب العرب في العهد العثماني الأخير، علماً وفكراً وحماسة ووطنية، وُلِد في بيروت سنة 1308 (1891) وفيها درس، واشترك مع فؤاد حنتس بإصدار جريدة المفيد يومية فكانت أول صحيفة في بلاد الشام تبث الفكرة العربية وتدعو إلى وعي العرب، وبالرغم من مناوأة السلطات لها فقد صمدت ولم تزلزل. ثم ذهب عبد الغني إلى باريس لمتابعة الدراسة فدخل مدرسة الصحافة وتخصص في السياسة الدولية. وفي باريس التقى برفاقه الطلاب العرب من أركان الداعين إلى المؤتمر العربي كما كان سكرتيراً للجنة الداعية إليه. وكان كما وصفه أحد الكُتاب: «روح المؤتمر المتأججة وشعلته المتوقدة». وفي الجلسة الأولى للمؤتمر المنعقدة في 8 حزيران سنة 1913 (1330هـ) خطب عبد الغني خطاباً مفصلاً كان أبلغ وأوضح وأصرح ما قيل في المؤتمر.ولما أنهى تحصيله وعاد إلى بيروت ـ وكان فؤاد حنتس قد توفى ـ عاود إصدار المفيد بشراكة عارف الشهابي. وفي بدء الحرب العالمية الأولى نقلاها إلى دمشق. ولما تمادت الحرب وأبرز الاتحاديون الأتراك نواياهم، وبدأ جمال باشا يتحفز للانقضاض على رجال العرب، أدرك عبد الغني ما يُراد به وبإخوانه، ففر مع زميله الشهابي وعمر حمد وتوفيق البساط إلى البادية ولجأوا إلى نوري الشعلان شيخ عربان الرولة، فخاف نوري نقمة الحكومة فنصحهم حفيده نواف بمتابعة السفر إلى الحجاز فأعطاهم نواف هجناً وأرسل معهم أحد رجاله مزوداً إلى شهاب الفقير شيخ عشيرة الفقراء التي تخيم بين تبوك ومداين صالح يوصيه بهم ويطلب منه إيصالهم إلى المدينة. ويظهر أن شهاب طمع بالهجن فخوفهم من الطريق وبيّن لهم بعد المسافة ووعرة المسالك بين تبوك والمدينة عدا الأخطار التي سيتعرضون لها أثناء الطريق، وحسّن لهم الذهاب للمدينة في القطار فقبلوا بذلك فأرسل معهم أحد رجاله إلى محطة «الدار الحمراء» فأركبهم في القطار الحجازي.ولما وصل القطار إلى محطة مداين صالح أطل عبد الغني العريسي وعارف الشهابي من نافذة المركبة، وكانوا بالملابس البدوية مطلقي لحاهم، وصادف وجود الدكتور أحمد حلمي الترك في المحطة وهو تركي الأصل وُلد في دمشق وسكن في محلة الميدان وكان من أطباء الخط الحجازي، فلما رآهما عرف عارف الشهابي ـ بالرغم من تغيير قيافته ـ لأنه كان رفيقه في المدرسة بدمشق وتعرف على عبد الغني العريسي. وكان معه في المحطة ضابط في الجيش فأخبره بالأمر، ثم أخبر مدير الناحية هناك، وهذا قبض على الأربعة وأخبر جمال باشا بذلك وبعد أخذ إفادتهم أرسلوا مخفورين إلى دمشق ثم لعاليه للديوان العرفي، وقد أنعم على الدكتور أحمد حلمي بوسام عثماني. أما الأربعة فقد حوكموا وعذب عبد الغني أشد التعذيب وحكم عليهم بالموت شنقاً ونفذ الحكم فيهم مع القافلة الثانية في 6 أيار 1916 أما الدكتور أحمد حلمي فقد نزح عن سورية عندما احتلتها جيوش الحلفاء خوفاً من الانتقام.
كان عبد الغني كاتباً رشيق الأسلوب جريئاً. ومن آثاره كتاب «البنين» ترجمة عن الفرنسية و«المختار من ثمرات الحياة» اختاره من شعر حسن حسين الطويراني. ↑
- () توفى فؤاد حنتس سنة 1911 فحل محله شريكاً في المفيد: عارف الشهابي. ↑
- () راجع ترجمة سعيد حيدر في (مستدركات أعيان الشيعة). أمّا يوسف فلم نستطع أن نجمع له ترجمة مستوفاة آملين أن نوفق لذلك. ↑
- () راجع بعض التفاصيل عن ذلك في ترجمة سعيد حيدر في (مستدركات أعيان الشيعة). وعدا السجناء الثلاثة كان هناك آخرون حُكموا بمدد أقل. ↑
- () هو الذي خلف الجنرال غورو. ↑
- () البرهان في أصول الفقه، ج2: ص 913 ـ 937. ↑
- () المستصفى في علم الأصول، ج1: ص 286. ↑
- () نفس المصدر، ص 289 ـ 290. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام، ج3: ص 394. ↑
- () مقاصد الشريعة عند الإمام الشاطبي، ص 83. ↑
- () الفتاوى، ج32: ص 234. ↑
- () الموافقات في أصول الشريعة، ج2. ↑
- () المجددون في الإسلام في القرن الأول إلى القرن الرابع عشر، ص 309. ↑
- () الموافقات، ج1: ص 12. ↑
- () الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج15: ص 312 ـ 314. ↑
- () نفس المصدر، ص 313 ـ 334. ↑
- () القواعد والفوائد، ج1: ص 30. ↑
- () التنقيح الرائع، ج1: ص 14 ـ 15. ↑
- () الفوائد الحائرية، ص 145 ـ 151. ↑
- () تجريد الأصول، ص 99. ↑
- () الأرائك، ص 135. ↑
- () المدخل إلى عذب المنهل، ص 174 ـ 188. ↑
- () مجلة (كانون وكلا) ـ العدد 64 ـ سنة 1338 ش [1959م]، ص 8 ـ 12. ↑
- () أصول الفقه، محمد رضا المظفر، ص 162 ـ 180. ↑
- () جواهر الكلام، ج2: ص 129. ↑
- () سورة النحل، الآية: 44. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 73. ↑
- () وسائل الشيعة، ج2: ص 929، الحديث 11. ↑
- () المصدر نفسه، ج3: ص 289، الحديث 11. ↑
- () المصدر نفسه، ج6: ص 5، الحديث 7. ↑
- () المصدر نفسه، ج12: ص 425، الحديث 11. ↑
- () المصدر نفسه، ج17: ص 534، الحديث 7. ↑
- () المصدر نفسه، ج18: ص 370، الحديث 8. ↑
- () المصدر نفسه، ج1: ص 179، الحديث 10. ↑
- () وسائل الشيعة، ج15: ص 111، الحديث 5. ↑
- () المصدر نفسه، ج17: ص 169، الحديث 1. ↑
- () المصدر نفسه، ص 262، الحديث 16. ↑
- () المصدر نفسه، ج19: ص 117، الحديث 3. ↑
- () تهذيب الأحكام، ج10، ص 40. ↑
- () مقدمة أي بر فقه شيعة [مدخل إلى فقه الشيعة] ص 34 ـ 37. ↑
- () مثل: السنة اذا قيست محق الدين. المحاسن، ج1: ص 214؛ الكافي، ج1: ص 57؛ وسائل الشيعة، ج18: ص 25؛ بحار الأنوار، ج104: ص 405. إن دين الله لا يصاب بالقياس. الكافي، ج1: ص 57؛ المحاسن، ج1: 211. ↑
- () مثل: إن دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول. كما الدين وإتمام النعمة، ص 324؛ بحار الأنوار، ج2: ص 302. ↑
- () كتاب الطهارة، ص 143. ↑
- () إرشاد الطالب، ج1. ↑
- () كتاب الخمس، الشيخ المنتظري، ص 140. ↑
- () المصدر نفسه، ص 141. ↑
- () صحيفة نور [صحيفة النور، الأعمال والخطابات والرسائل الكاملة للإمام الخميني]، ج21: ص 91. ↑
- () تحرير الوسيلة، ج2: ص 535. ↑
- () وسائل الشيعة، ج19: ص 95، الحديث 1. ↑
- () المصدر نفسه، الحديث 3. ↑
- () فقه الإمام الصادق (ع)، ج4: ص 236. ↑
- () جواهر الكلام، ج5: ص 103. ↑
- () المصدر نفسه، ج38: ص 335. ↑
- () المصدر نفسه، ج8: ص 300. ↑
- () مباني العروة، كتاب النكاح، ج2: ص 115. ↑
- () التنقيح، ج5: ص 289؛ تحرير الوسيلة، ج1: ص 31. ↑
- () الحدائق الناضرة، ج5: ص 442. ↑
- () جواهر الكلام، ج14: ص 340. ↑
- () المصدر نفسه، ج22: ص 473. ↑
- () الاجتهاد والحياة، ص 44 ـ 45. ↑
- () المصدر نفس، ص 45. ↑
- () المصدر نفسه، ص 21. ↑
- () المصدر نفسه، ص 22. ↑
- () فقه الإمام الصادق، ج3: ص 158. ↑
- () المصدر نفسه، ج1: ص 244. ↑
- () المصدر نفسه، ج2: ص 19 ـ 20. ↑
- () كيهان انديشه [عالم الفكر]، العدد 29، ص 39 ـ 40. ↑
- () المصدر نفسه، ص 40. ↑
- () ختم نبوت [ختم النبوة] ص 77 ـ 78. ↑
- () المدرسة القرآنية، ص 31 ـ 32. ↑
- () اقتصادنا، ص 279. ↑
- () المصدر نفسه، ص 372. ↑
- () الموافقات، ج1: ص 9. ↑
- () نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص 70. ↑
- () مجموعة مأخذ شناسي زماني ومكاني [مجموعة مصادر الزمان والمكان] ج5، 16، 17، 24، 25، 45؛ أيضاً فصلية نقد ونظر، العدد1؛ ورسالة ماجستير بعنوان «تنقيع المناط» مدرسة الشهيد مطهري. وترجمة كتاب «نظرية المقاصد الشرعية عند الإمام الشاطبي» إلى الفارسية في الحوزة العلمية بمدينة قُم من قبل مركز الدراسات والأبحاث الإسلامي. ↑
- () الاجتهاد والحياة، ص 47 ـ 48. ↑
- () المصدر نفسه، ص 24 ـ 25. ↑
- () سجن سليمان. ↑
- () عرش سليمان. ↑
- () اسم قوم عاشوا في إيران قديماً. ↑
- () كنز سليمان. ↑
- () عرش سليمان هو عرش جمشيد آخر. ↑
- () أبحاث عرش سليمان. ↑
- () فرهنك جغرافيائي، ج5، ص 262. ↑
- () سورة الرحمن، الآيتان: 27 و28. ↑
- () سورة القصص، الآية: 88. ↑
- () منطقة جغتو تقع بالقرب من نهر جغتو (نهر «رزينه رود» الحالي). ↑
- () لاحظ فيما يتعلق بالحكام المكريين، كتاب (شرفنامه) تأليف الأمير شرف الدين البدليسي، ط. الأزهر، ص 372. ↑
- () حبيب السير، تأليف خواندمير، ج3، ط سريي، ص 483. ↑
- () شرفنامه، ص 373. ↑
- () انظر: شرفنامه، ص 381. ↑
- () (عالم آراي عباسي)، تأليف إسكندر بيك، ط. أمير كبير، ج2، الصفحات: 782 ـ 811 ـ 865، بتلخيص، بسير. ↑
- () عملة ذهبية كانت رائجة في إيران زمن الملك أشرف القاجاري وزنها 18 حمصة. ↑
- () لاحظ فيما يتعلق بقلعة قمجي خان مقالة السيد بابك راد في مجلة (باستانشناسي) العدد3، صيف 1348. ↑
- () أي لتكن بعيداً أو ابتعد. ↑
- () سورة الأنعام. ↑
- () سورة الشورى. ↑
- () لسان العرب في مادة بلد. ↑
- () سورة البلد. ↑
- () سورة التين. ↑
- () مجمع البيان للطبرسي سورة البلد، ص 492. ↑
- () سورة البقرة. ↑
- () التبيان في تفسير القرآن سورة البقرة ص 457. ↑
- () سورة إبراهيم. ↑
- () سورة النمل. ↑
- () مجمع البيان سورة النمل، ص 237. ↑
- () سورة القصص. ↑
- () سورة العنكبوت. ↑
- () سورة الحج. ↑
- () سورة الأنفال. ↑
- () سورة قريش. ↑
- () سورة الحج. ↑
- () سورة الطور. ↑
- () سورة البقرة. ↑
- () سورة البقرة. ↑
- () سورة المائدة، الآية 96. ↑
- () سورة المائدة، الآية 98. ↑
- () سورة التوبة. ↑
- () سورة الفتح. ↑
- () سورة الفتح. ↑
- () سورة الحج. ↑
- () سويقة: اسم لأكثر من موضع في الحجاز والمقصود هنا بسويقة: حي كان في مكة المكرمة إلى الشمال من المسجد الحرام فيه كان منزله، ولكن دخل مؤخراً هذا الحي في التوسعة للمسجد الحرام. ↑
- () أجياد: موضع إلى الغرب من جبل الصفا بمكة المكرمة. ↑
- () المأزمين: (بلفظ التثنية): موضع بين المشعروعرفة. ↑
- () محمد بيومي مهران، مقدمة السيرة النبوية الشريفة، ص 15. ↑
- () الزبير بن بكار الموفقيات، ص 331 ـ 334. ↑
- () أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج 19، ص 59. ↑
- () فقه السيرة، ص 38. ↑
- () له كتاب «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير». ↑
- () ولد في النمسا عام 1813، وتوفي في ألمانيا 1881. ↑
- () حياة محمد وتعاليمه، ص ص ـ هـ. ↑
- () حياة محمد وتعاليمه، ص هـ ـ و . ↑
- () ولد في بلجيكا عام 1862. وجاء إلى بيروت في صباه، وتعلم في الكلية اليسوعية في بيروت، بعد أن قضى حياة الرهبنة في دير لليسوعيين في جبل لبنان. درس الخطابة واللغات، وعمل كأستاذ للتاريخ الإسلامي في «معهد الدراسات الشرقية» في بيروت. راجع موسوعة المستشرقين للدكتور عبد الرحمن بدوي. ↑
- () راجع موسوعة المستشرقين، ص 504. ↑
- () راجع ترجمته في (أعيان الشيعة). ↑
- () تأسست هذه الجمعية وكانت سرية في الآستانة بتاريخ أيلول 1912 من قبل الدكاترة إسماعيل الصفار وداود الدبولني وعدد من الشبان والضباط العراقيين والدمشقيين والفلسطينيين كمسلم بك العطار وأحمد عزت الأعظمي ومصطفى الحسيني وكثير من الطلبة بالمدارس العليا وكان القصد من تأسيسها تقوية الرابطة بين طلبة المدارس العليا وتوجيه جهودهم إلى انتشال أمتهم من الدرك المهين الذي وصلت إليه وكان اسم الجمعية يرمز إلى العلم النجدي الأخضر لأن أفكار العرب ـ حسب قول الأعظمي ـ كانت متجهة إلى ابن سعود الإمام يحيى. ↑
- () حكم عليه جمال باشا فيما بعد بالنفي 7 سنوات إلى الأناضول حيث توفي هناك. ↑
- () كان ذلك بعد سنة 1912 بصورة خاصة إذ كان رجالات الاتحاديين كطلعت وجمال يحضرون الحفلات بعد أن جرى الاتفاق على حقوق العرب. ↑
- () كان من أروع هذه الحفلات حفلة افتتاح المنتدى 8 ـ 2 ـ 1910 حيث حضرها رجالات العرب السياسيون في الآستانة وخطب بعضهم فيها ثم ألقى أحد الشعراء العرب قصيدة رائعة جاء فيها:وإن تكن عربي الأًصل لا كذبافمت لإحياء مجد كان للعرب
دع المجامع ي لهو وفي طرب
واجعل مقرك هذا المنتدى الأدبي
واختتم الحفلة الموسيقي البارع وديع صبرا العربي اللبناني يعزف النشيد العربي الوطني على البيانو وكان قد لحنه بالاشتراك مع بعض طلبة العرب ثم ترنموا بنشيد وطني من تأليف الشاعر اللبناني حليم دموس. ↑
- () الخلاصة: 45. ↑
- () منتهى المطلب: 4. ↑
- () ذكر مرسيه في كتابه L’Architecture Musulmane P.80 أنها تقع جنوب القيروان وهذا مخالف لموقع خرائبها الآن التي تقع غرب القيروان. وهذا ما ذكره ابن حوقل صورة الأرض ص 74 ورسمها، ح. ح عبد الوهاب على خريطة تونس الأثرية غرب القيروان أيضاً. ↑
- () ابن عذارى، 1: 219 العقباني التلمساني، بغية الناظر، ص 14. ↑
- () أخبار ملوك بني عبيد، ص 23 ـ E.I.T. 3 (Art. El- Mansour – Ismail) P.273. ↑
- () Marcais – Ibid. P.79. ↑
- () نشأ أبو يزيد مخلد بن كيداد في مدينة توزر أكبر مدن بلاد الجريد وهو من زناتة ينتمي إلى (الكاهنة) التي وقعت حجر عثرة أمام المسلمين الأوائل حيناً من الزمن، واعتنق منذ صغره مذهب الخوارج الذي يقضي بتكفير المسلمين واستباحة أموالهم والخروج على ملوكهم. وانتقل أبو يزيد إلى تاهرت حاضرة المغرب الأوسط وأخذ يعلم الصبية فيها ثم فر إلى (نفوس) حين خرج أبو عبدالله الشيعي قاصداً سلجماسة لتخليص المهدي، واتخذ من تعليم الصبية وسيلة نشر مذهبه، واستقامت له الأمور منذ أواخر عهد المهدي، وزاد خطره بعد وفاته وساعدته قبائل نفوس والزاب والمغرب الأقصى، واستولى على مدن كثيرة، وأصبح خطراً يهدد كيان الفاطميين حتى قارب مدينة المهدية، وأغار على المهدية نفسها، وبلغ أوج عظمته سنة 333، وكان يركب حماراً فسمي (صاحب الحمار) وتسمى أيضاً شيخ المؤمنين.وقد استعان الخليفة (القائم) بقائده زيري بن مناد زعيم قبيلة صنهاجة، واتخذ مدينة (المحمدية) مركزاً يوجه منه ضرباته إلى جيوش أبي يزيد الذي لم يلبث أن تركه كثير من أنصاره ولم يبق معه سوى قبيلة هوارة وبني كملان. واضطر إلى الارتداد عن مدينة المهدية إلى القيروان، غير أن أهلها امتنعوا عليه فاضطر إلى التقهقر مع من بقي معه، فهلك كثير منهم.ولما ولي المنصور الخلافة بعد القائم قوي مركزه كثيراً بانضمام صنهاجة إلى الفاطميين وتمكن من هزيمة أبي يزيد، وطارده في الصحراء، ثم قبض عليه وساقه إلى المهدية فمات بها متأثراً بجراحه وذلك سنة 336هـ.
والحق أن هذه الثورة كادت تقضي على نشاط الفاطميين السياسي والحربي معاً فشلّت أيديهم وحالت دون تحقيق تدبيرهم لفتح مصر وأثرت في موارد الدولة الفاطمية. وقضى الخليفة الفاطمي المنصور البقية الباقية من خلافته في إصلاح ما أفسده أبو يزيد وإعادة تنظيم بلاده. ↑
- () ابن حوقل 840 ابن حماد 230 ابن عذارى 10: 219 العقباني التلمساني. ↑
- () وصف أفريقية، ص 80 ↑
- () القزويني، ص 94، حسن إبراهيم وآخر، عبيدالله المهدي 206. ↑
- () ابن حوقل، ص 73. ↑
- () البكري المغرب، ص 24 ح. ح. عبد الوهاب بساط العقيق ص 25، 30. ↑
- () ابن حماد، ص 24 ابن عذارى 1: 219. ↑
- () MARCAIS-L’ARCITECTURE MUSULMANE, P. 79. ↑
- () ابن حماد، ص 29. ↑
- () ح.ح. عبد الوهاب، خلاصة تاريخ تونس، ص 100. البكري المغرب، ص 25. ↑
- () ذكرى الحموي أن كلمة الخورنق تدل على عدة معان: فهي تدل على بلد بالمغرب وتطلق أيضاً على قرية تبعد عن بلخ بنصف فرسخ، كما تدل على قصر بظاهر الحيرة بناه مهندس رومي يقال له سنمار للنعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة… ونقل عن ابن الكلبي أنها تدل على قصر بناه أحد ملوك فارس (معجم البلدان 2: 401، 402). ↑
- () أخبار ملوك بني عبيد، ص 23، 24، 47. ↑
- () وصف أفريقية، ص 80، حسن حسني عبد الوهاب، بساط العقيق، ص 28، 29، 30. ↑
- () MARCAIS – L’Architecture Musulmane- P.81. ↑
- () يوجد بخرائب المنصورية قطعة من سارية غليظة، لا يزال الناس يعتقدون فيها الخير حيث يتقربون إليها بالبخور، ويطلونها بالحناء، ويوقدون لها الشموع، ويتصدقون عندها ويتناقل العامة أن السلطة الفرنسية أثناء احتلالها لتونس أرادت نقلها إلى مكان آخر ولما شرعت في نشرها بالمنشار، إلى أجزاء جرى الدم منها فتركتها. وهذا دليل على أن آثار التشيع لا تزال في أوساط العامة بالقيروان إلى اليوم. كما أن المرأة حين يأتيها المخاض تستغيث بعلي بن أبي طالب عليه السلام. ↑
- (*) يرى القارئ بحثاً مستقلاً في حرف (الألف) عن الأحساء، ومثله في حرف (القاف) عن القطيف.ولقد أسفرت البحوث العلمية المعاصرة التي أجريت في شبه الجزيرة العربية أن عهد الاستيطان البشري في الجزيرة العربية يعود إلى أقدم العصور، وأن المكتشفات الجديدة حول مناطق المستوطنات الحجرية القديمة وتحديداً في شرق وجنوب ما سمي بالمملكة السعودية لتعكس خلفية عميقة عن ماضي الاستقرار المعيشي على هذه الأراضي. وحيث اتضح أن تلك المستوطنات يرجع تاريخها إلى حوالي 40 ألف سنة ويكاد يكون الاستقرار الإنساني في المنطقة الشرقية أكثر وضوحاً من أي جزء آخر من المملكة حيث قربها وتوسطها بين مراكز الحضارات القديمة كحضارة الهند وفارس شرقاً وحضارة اليمن في الجنوب وحضارة وادي الرافدين شمالاً وحضارة وادي النيل غرباً. ويتضح من أطلال المستوطنات المنتشرة في المنطقة الشرقية التي يعود زمنياً إلى أكثر من ألف عام سبقت قيام سومر وكذلك كانت المنطقة مهداً لشعوب أخرى كالفينيقيين والسومريين والكلدانيين الذين هاجروا إلى خارج الجزيرة في فترات متعاقبة وكونوا حضارات مختلفة في مختلف أرجاء الشرق القديم وهذا شاهد قوي على عطاءات الجزيرة العربية. ويدعم هذا الرأي أو هذا الاتجاه شواهد تاريخية وعرقية ولغوية تدعم هذا الاتجاه. ↑
- () والفترة الهلينستية تؤرخ من موت الاسكندر المقدوني 323 ق.م وحتى سقوط الاسكندرية على يد الرومان سنة 30 ق.م. وهو العصر التي امتزجت الحضارة الهلينية الأغريقية بالحضارات الشرقية ـ والهلينستية تسمية أطلقها المؤرخ الألماني «يوهان دويسن» DROYSEN JOHAN عام 1836. ↑
- () باحث آثار دنمركي. ↑
- () من مواقع الجبيل الأثرية الذي يعود إلى الفترة الهلينستية وهو من المواني المهمة التي تعود إلى الفترة السابقة، وربما كان أحد الموانئ الجرهائية التي تخدم المواقع الأثرية الداخلية في منطقة شرقي الجزيرة العربية مثل: ثاج والحناءة. ↑
- () مدينة أثرية مهمة جداً واسمها القديم «قرية وهي عاصمة دولة كِندا، تقع جنوب غربي مدينة الرياض على مسافة سبعمائة كيلومتر وتشرف على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي. وتقع على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة العربية وشمالها وشمالها الشرقي، وتعد من أكبرالمدن القوافلية في الجزيرة العربية وخارجها وتعود آثارها إلى ما قبل الإسلام، ويجري فيها جامعة الملك سعود بالرياض قسم الآثار» عمليات تنقيبيه سنوية منذ عام 1393هـ ومستمرة حتى الآن، ومن آثار الفاو العمارة «المنازل المتكاملة والسوق والقصور والمعبد والمذبح والمقابر والكتابات والرسومات الفنية. للمزيد من المعلومات الرجوع إلى كتاب: صورة للحضارة العربية في المملكة العربية السعودية ـ بقلم د. عبد الرحمن الطيب الأنصاري ـ 1402هـ. ↑
- () من أهم المدن الحضارية القديمة والأثرية، لقد كانت تربط بين شمال الجزيرة العربية بجنوبها منذ أقدم الأزمنة وأهم آثارها: الأخدود والقرية القديمة وبقايا أسوار موجودة على شكل مبانٍ وأنقاض تحمل رسومات فنية، كانت نجران أبرشية للنصارى قبل ظهور الإسلام وتعد من أغنى المناطق بالآثار، وقد جاء اسم نجران في عدد من النقوش السبئية. ↑
- () الحناءة: من المواقع الأثرية التي تعود إلى فترة ثاج، وربما توازي آثار الحناءة آثار ثاج. ↑
- () السبخة: أرض مالحة. ↑
- () من أكبر المدن الأثرية الشمالية للجزيرة العربية وإن لم تكن أكبرها وتعود إلى فترة ما قبل الإسلام بكثير ومن آثارها الهامة «حجر تيماء» الموجود في متحف بباريس وهو يحمل النقش الآرامي الشهير والذي يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ↑
- () مدائن صالح: أو «الحجر» من المواقع الأثرية وتقع على مسافة 11 كيلومتر شمال شرقي العلا ويعتقد أن أصحاب الحجر هم قوم ثمود وتعتبر مدائن صالح من أروع المناطق الأثرية في المملكة وعاش فيها الأنباط، وأهم آثار مدائن صالح الكتابات الثمودية والعمارة الرائعة المتمثلة في واجهات المقابر الصخرية الضخمة وهي خليط من عدة حضارات. ↑
- () عين جاوان أو جونان: وتقع جاوان شمال مدينة صفوى بنحو ستة كيلومترات بمحافظة القطيف ولقد ذكرت في المعاجم الجغرافية القديمة، وهي من المواقع الأثرية والتي تعود إلى الفترة الهلينستية ولقد كشف بطريق الصدفة على ضريح عام 1952م وقد كشف في الوقع على شواهد كتابية بخط المند وعملات، وللمزيد من المعلومات عن الضريح أنظر: مجلة المنهل 1375هـ/ 1956م 546: 17 ـ 553 «العثور على ضريح من عهد الجاهلية في المنطقة الشرقية». فيدريكو شمد فيدال. ↑
- () التنبيه والأشراف، ص 357. معجم المنطقة الشرقية، ج 1، ص 164. ↑
- () أطلس المياه، إعداد وزارة الزراعة والمياه، الرياض، عام 1984م، ص 16. ↑
- () معجم البلدان، ج 4، ص 203. صفة جزيرة العرب، ص 281 ـ 317. ↑
- () البلدان، ص 76/5. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 4، ص 212. ↑
- () الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي، ص 158. ↑
- () البلدان، ص 452/5 ـ ش ص 1830/4. ↑
- () ديوان لبيد، ص 117. ↑
- () صفة جزر العرب، ص 317. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ص 1581 ـ 1586. صفحات من تاريخ الأحساء، ص 53. ↑
- () محمد سعيد المسلم، ساحل الذهب الأسود، ص 54 ـ 55. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ج 3، ص 973. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ج 3، ص 974. ↑
- () ديوان امرؤ القيس، تحقيق حنا الفاخوري، بيروت، الطبعة الأولى، ص 331. ↑
- () صفة جزيرة العرب، ص 481، معجم المنطقة الشرقية، ص 390، تاريخ العرب المفصل قبل الإسلام، ص 204. ↑
- () صفة جزيرة العرب، ص 316. ↑
- () باكورة: عصا في أحد طرفيها قطعة من الحديد أو النحاس يستعملها البدو بشكل دائم في الصحارى وخاصة في الليل. ↑
- () صفة جزيرة العرب، ص 281 ـ 317. ↑
- () داروش: يقال إن أصلها فارسي مأخوذة من كلمة داريوش، أضيفت الحروف الدالة على النسبة. معجم المنطقة الشرقية ج 2، ص 659، ج 3، ص 1225. ↑
- () هذا القول خطأ وسوف يتضح ذلك من خلال ما سنورده من العيون التي لم ترد في دليل الخليج وكذلك معجم الجاسر البحرين قديماً. ↑
- () واحة الأحساء، ص 158. ↑
- () عبد العزيز الدغيتر، سمعته منه في عام 1971م. ↑
- () دليل الخليج العربي ومعجم المنطقة الشرقية (سبق ذكرهما). ↑
- () المرحوم السيد هاشم بن علوي الشرفاء. ↑
- () السيد حيدر السيد علي أسعد 15/2/1995م. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية (البحرين سابقاً) ج 1 ص 264. ↑
- () راجع جاوان، الفصل الأول. ↑
- () ديوان ابن المقرب، ص 330 ـ 331. ↑
- () الواحة، العدد 3، 1416هـ. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ج 3، ص 1228. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ج 3، ص 921. ↑
- () معجم المنطقة الشرقية، ج 2، ص 921. ↑
- () أبو سرور ميد بن عبدالله بن حميد بن سرور الجامعي، رجل سنّة وفقيه عمّاني من مؤلفاته كتاب الفقه في إطار الأدب، قصيدة رائية في النحو، ديوان شعر. له «ألفية في النحو» لم تطبع بعد، ويقوم بشرحها الآن. ↑
- () خلف الأحمر هو أبو محرز مولى بلال بن أبي بردة راوية عالم بالأدب شاعر من أهل البصرة له ديوان شعر وكتاب جبال العرب وكتاب مقدمة في النحو. ↑
- () كتاب «مقدمة في النحو» لخلف الأحمر 180هـ، ص 85 ـ 86، تحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مطبوعات مديرية إحياء التراث القديم ـ دمشق 1381هـ/ 1961م. ↑
- () الوافي بالوفيات 13/354. ↑
- () الأعلام للزركلي 2/310. ↑
- () الوافي بالوفيات 13/354. ↑
- () الأعلام 2/310 وانظر الوافي بالوفيات 13/353. ↑
- () الوافي بالوفيات 13/355. ↑
- () في كتابه «المدارس النحوية» أسطورة وواقع ص 135/136، دار الفكر ـ الأردن ـ عمان، الطبعة الأولى 1987م. ↑
- () يقصد كتاب خلف الأحمر. ↑
- () تلاحظ كلمة القافية «تقعب» التي جاءت مخالفة لما جاء في كتاب خلف الأحمر نفسه وكل نسخ المخطوطة فقد وردت الكلمة «تعقب». ↑
- () وردت كلمة «وسبلها» بدلاً من وسبيلها، والأولى خطأ لأنها تؤدي إلى الإخلال بموسيقى البيت، وهي أيضاً مخالفة لما جاء في كتاب خلف «مقدمة في النحو» وكذلك لما ورد في جميع نسخ المخطوطة. ↑
- () نسب هذا الكتاب إلى الخليل بن أحمد وقد قرأت جزءاً من هذا الكتاب مخطوطاً أثناء زيارتي للمكتبة السليمانية عام 1994م باستانبول في تركيا وقد ورد جزء من هذا الكتاب بعنوان «جملة الآلات الإعرابية في النحو» وقد طبع كتاب «الجمل في النحو العربي» تصنيف الخليل بن أحمد الفراهيدي تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الثانية 1407هـ/1987م.وقد ورد هذا المصطلح في مواضع كثيرة نذكر موضعاً واحداً على سبيل المثال. يقول الخليل ص 285 و286 تحت عنوان (واو العطف وإن شئت قلت واو النسق): «وكل واو تعطف بها آخر الاسم على الأول أو آخر الفعل على الأول (أو آخر الظرف على الأول) فهي واو العطف، مثل قولك: كلمت زيداً ومحمداً، ورأيت عمراً وبكراً نصبت (زيداً) بإيقاع الفعل عليه، ونصبت محمداً، لأنك نسقته بالواو على زيد، وهو مفعول به» والملاحظ هذا التناسق والتوافق بين ما ورد في منظومة الخليل وما ورد على لسانه في كتابه «الجمل في النحو العربي». ↑
- () هامش صفحة رقم 86 من كتاب «مقدمة في النحو». ↑
- () إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان: تأليف الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، الطبعة الأولى 1413هـ/1992م الجزء الأول. ↑
- () السابق نفسه. ↑
- () هو محمد بن المستنير بن أحمد أبو علي الشهير بقطرب، نحوي عالم بالأدب واللغة من أهل البصرة من الموالي، وهو أول من وضع المثلث في اللغة، أخذ الأدب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين، وكان حريصاً على الاشتغال بالعلم والتعلم، وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلاميذ، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، فبقي عليه هذا اللقب، وقطرب إسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر، توفي سنة 206هـ.انظر الأعلام للزركلي 7/95، وفيات الأعيان لابن خلكان 4/312 تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت 1969م. وانظر في معنى قطرب معجم «العين» للخليل بن أحمد 5/257 دار ومكتبة الهلال، سلسلة المعاجم والفهارس تحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي والدكتور مهدي المخزومي. ↑
- () البيتان 86 ـ 87 من المنظومة النحوية للخليل. ↑
- () الأبيات من 89 ـ 91. ↑
- () وفيات الأعيان 2/248، إتحاف الأعيان 1/67 أعلام العرب 69، تأليف عبد الصاحب عمران الدجيلي، الطبعة الثانية، مطبعة النعمان، النجف 1386هـ/ 1966م. ↑
- () الأعلام 7/9. وفيات الأعيان 4/312. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () هو أبو الحسن النضر بن شميل المازني التميمي أخذ عن الخليل ويقال إنه أقام بالبادية أربعين سنة، وهو أول من أظهر السنّة بمرو وخراسان وقد غلبت عليه اللغة وله فيها كتاب الصفات وله أيضاً المدخل إلى كتاب العين وغريب الحديث والمصادر. توفي سنة 203هـ، أنظر وفيات الأعيان 5/379 مراتب النحويين 68. ↑
- () وفيات الأعيان 5/379. ↑
- () السابق 5/404. ↑
- () السابق 3/464. ↑
- () السابق 4/312. ↑
- () ص 288. ↑
- () سورة الحج، الآية: 25. ↑
- () سورة الصافات، الآيات: 103 ـ 105. ↑
- () أنظر رأي سيبويه في الكتاب 3/163 وقد علّق عليه سيبويه على الآية الكريمة ﴿ونَادَيناه أن﴾ قائلاً: «كأنه قال عز وجل: ناديناه أنك قد صدقت الرؤيا يا إبراهيم». ↑
- () ؟؟؟؟؟؟؟؟؟. ↑
- () ؟؟؟؟؟؟؟؟؟. ↑
- () ؟؟؟؟؟؟؟؟؟. ↑
- () الأعلام 7/95 وفيات الأعيان 4/312. ↑
- () الإيضاح في علل النحو تحقيق الدكتور مازن المبارك، دار النفائس ـ بيروت، الطبعة الخامسة 1406هـ/1987م. ↑
- () الأعلام 7/95 وفيات الأعيان 4/312. ↑
- () رجال النجاشي 2: 311 ـ 316. ↑
- () رجال الشيخ: 495، وانظر نقد الرجال: 322. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 3: 292 ـ 293. ↑
- () الفهرست للطوسي: 238 ط/ 1417 الترجمة 710. ↑
- () رجال العلاّمة الحلي: 147. ↑
- () الذريعة: 22: 233. ↑
- () المستدرك: 3: 547. ↑
- () رجال السيد بحر العلوم 3: 299. ↑
- () الذريعة 22: 233. ↑
- () راجع: منتهى المقال (الطبعة الحجرية): ونهاية الدراية: 578. ↑
- () إكمال الدين: 468، ط/ النجف 1389. ↑
- () نهاية الدراية: 578. ↑
- () لؤلؤة البحرين: 384. ↑
- () مقدمة «من لا يحضره الفقيه» 1: 1 ـ 5 ظ/ النجف: 1377. ↑
- () معجم رجال الحديث 1: 106. ↑
- () راجع نهاية الدراية: 552 وما بعدها، وما بين المعقوفتين لم يرد في الطبعة الحديثة 1417هـ، أنظر الطبعة ومادة [يعني ما تقدمت النسخ] السابقة ص 227. ↑
- () العيون 2: 3، باب ما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار المنثورة، ذيل الحديث 45. ↑
- () الفقيه: 2 باب صوم التطوع وثوابه من الأيام المتفرقة، ذيل الحديث. ↑
- () أنظر نهاية الدراية: 557. ↑
- () الوافي 1: 31. ↑
- () الوافي 1: 5. ↑
- () مرت في بحث (استنبول) ترجمة مفصلة له. ↑
- () يرى ابن الأثير (6: 151) أن عبيد الله المهدي بدأ في بنائها سنة 303هـ ولكن الرأي القائل بأنه شرع في بنائها سنة 300هـ/ 914م أرجح لأنه رأي جمهور الباحثين. انظر البكري ص 30، 31 القزويني، ص 226، 227، الحموي 5: 229، 230 ابن عذارى، 1: 169، 207 حسن حسني. عبد الوهاب، خلاصة تاريخ تونس، ص 96. ↑
- () Marçaus-l’Architecture Muslmane, p.78-79. ↑
- () القاضي النعمان افتتاح الدعوة، ص 275. ابن الأثير، 6: 151. القزويني، ص 226. الحموي 5: 230، 231. ↑
- () القاضي النعمان، افتتاح الدعوة، ص 275. ↑
- () MARCAIS-IBID. p.897. ↑
- () افتتاح الدعوة، ص 275. ↑
- () صورة الأرض، ص 73. ↑
- () القاضي النعمان، افتتاح الدعوة، ص 275. البكري المغرب ص 30. ↑
- () ابن حوقل، ص 74. ابن حماد، ص 23. ابن عذارى، 1: 219. ↑
- () قال المهدي حين تمّ بناء المهدية: اليوم أمنت على الفاطميات. ↑
- () تقع شمال غرب المهدية، أنظر كتاب المغرب، للبكري، ص 29 وخارطة تونس الأثرية، ح.ح عبد الوهاب. ↑
- () القاضي النعمان، افتتاح الدعوة، ص 275. ابن جوقل، ص 73. البكري المغرب، ص 29. الإدريسي، ص 79. ابن الأثير، 6: 151. القزويني، ص 227. رحلة التجاني، ص 323، 327. لسان الدين ابن الخطيب، أعمال الأعلام (القسم الخاص بالمغرب) ص 50 وعن صاحب الحمار راجع المنصورية. ↑
- () حسبما يفهم مما ذكره الحموي فالمقصود بالرافقة هنا هي الرقة بالعراق (معجم البلدان: 3، 57 وذكر مرسيه أن البعض شبه باب المهدية بباب الرقة وهي من آثار حضارة ما بين النهرين أنظر:L’ARCHITECTURE MUSULMANE-p.90. ↑
- () صورة الأرض، ص 73. البكري، المغرب، ص 31. ↑
- () MARCAIS-IBID.p.91. ↑
- () الحموي معجم البلدان، 5: 229. MARCAIS-IBID. p. 89. ↑
- () E.I.T.3 (Art. F.L. MAHDIA) p. 189. ↑
- () L’ARCHITECTURE MUSULMANE.p.90-91. ↑
- () ابن الأثير، 6: 151. القزويني، ص 227. ↑
- () المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 31. ↑
- () وصف إفريقيا، ص 79. ↑
- () معجم البلدان، 5: 230. ↑
- () MARCAIS-IBID. p.91. ↑
- () رحلة التجاني، ص 221، 222. ↑
- () وصف إفريقيا، ص 79 ابن حوقل، ص 73. ↑
- () الإدريسي، 79. ↑
- () المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 30. ↑
- () MARCAIS-L’ARCHITECTURE MUSULMANE- p71-79.. ↑
- () IBID. P.79.. ↑
- ()MARCAIS-L’ARCHITECTURE MUSULMANE- p.70. ↑
- () Ibid. p.70.. ↑
- () MARCAIS-L’ARCHITECTURE MUSULMANE. P.91. ↑
- () المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 30. ابن الأثير 6: 151. ↑
- () البكري، ص 30. ↑
- () MARCAIS-L’ARCHITECTURE MUSULMANE. P.91. ↑
- () المغرب ص 30 يقال غلا بالسهم يغلو به رماه إلى أقصى نهايته. ↑
- () ابن الأثير 6: 151. القزويني آثار البلاد، ص 226، 227. ↑
- () البيان المغرب، 1؛ 207. ↑
- () MARCAIS-L’ARCHITECTURE MUSULMANE. P.91. ↑
- () مرت دراسة عن صاحب (المهياريات). ↑
- () مقرطق: لابس القرطق وهو قباء ذو طاق واحد. ↑
- () يريد بالنبت: العذار، وفي الأصل «بيننا». ↑
- () السوائف جمع سائفة وهي قطعة من اللحم. ↑
- () الدائف: الخالط الذي يخلط المسك بغيره من الطيب. ↑
- () يشير الشاعر إلى وقعة خيبر حين خرج لها علي عليه السلام وقد ضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده فوجد باباً اتخذه ترساً وما زال حامله حتى انتصر على اليهود. ↑
- () هذه الكلمة ليست بالأصل وقد رجّحناها على كلمات كثيرة وردت بالخاطر. ↑
- () يقارف: يقارب ويداني. ↑
- () الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو ظاهر من السياق. ↑
- () الطفّ: شاطئ الفرات الذي قتل به الحسين عليه السلام. ↑
- () القرف: البغي. ↑
- () الجوامع: الأغلال. ↑
- () استحقبوا: ادّخروا. ↑
- () الخوالف: النساء. ↑
- () أنابله: أرميه بالنبل. ↑
- () أسايف: أجالد بالسيف. ↑
- () الصوارف: جمع صارف وهو الناب. ↑
- () النزيف: السكران. ↑
- () الشنوف: جمع شنف وهو القرط يعلق بأعلى الأذن. ↑
- () في الأصل «سبها». ↑
- () الأسوف: السريع الحزن الرقيق القلب. ↑
- () نغر: أسال وفي الأل «نفر». ↑
- () القروف: جمع قرف وهو القشرة تعلو الجرح. ↑
- () الحفيف: صوت أجنحة الطائر. ↑
- () التريب: المعفر بالتراب. ↑
- () العزيف: صوت الرمال إذا هبّت عليها الرياح. ↑
- () الشفوف: جمع شِفّ وهو الثوب الرقيق. ↑
- () اللهيف: المظلوم يستغيث ويتحسر.. ↑
- () الطفوف: جمع طف وهو الشاطئ، وقد قتل الحسين بطفّ الفرات. ↑
- () في الأصل «وجنت». ↑
- () الريض: الدابة أول ما تراض وهي صعبة. ↑
- () التطوف: الدابة التي تسيء السير وتبطئ. ↑
- () تقطر: تلقى الإنسان على قطره وهو كاثبته وعجزه، والكاثبة: أعلى الظهر. ↑
- () الرديف: الراكب خلف الراكب. ↑
- () شسعوا: بعدوا. ↑
- () الغدير: هو غدير خم بين مكة والمدينة: وفيه خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». ↑
- () في الأًصل «وتخاط». ↑
- () في الأصل «وقابل». ↑
- () النغل: الضغن وسوء النية. ↑
- () الطبع: الصدأ. ↑
- () ليست بالأصل. ↑
- () في الأصل «حضذف». ↑
- () تمتصع: تتجالد بالسيف. ↑
- () في الأصل «فرطاب». ↑
- () في الأصل «فرق». ↑
- () الأعراف: سور بين الجنة والنار. ↑
- () الراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء ج1، ص 348. ↑
- () العاطل الحالي والمرخص الغالي ص 134. ↑
- () الدكتور رضا القريشي/ الموالي ص 55. ↑
- () الدر المكنون في سبعة فنون، ورقة 158. ↑
- () ابن الجوزي/ المنتظم في تارخي الملوك والأمم ج 10، ص 285. ↑
- () ولد سنة 485هـ (1092م) وتوفي سنة 524هـ (1130م) قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) وهو يترجم للغزالي: ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب (رياض الأفهام) في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب (رياض الأفهام) في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه سر العالمين وكشف ما في الدارين قال في حديث: «من كانت مولاه فعلي مولاه» إن عمر قال لعلي بخ بخ بخ أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا (إلى آخر ما قال). ثم يقول الذهبي: والظاهر أنه (الغزالي) رجع عنه (أي قوله السابق). إن لم يكن هذا وضع هذا وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تتطبب، وقال في أوله: إنه قرأه عليه محمد بن تومرت المغربي سراً بالنظامية، قال: وتوسمت فيه الملك (ج 19، ص 328).وهنا أمور مهمة أشار إليها الذهبي لا بد لنا من الوقوف عندها. منها: أن الغزالي كان مقراً بما جرى في غدير خم ويقول عمر لعلي ما قال ومنها أن ابن تومرت الشيعي، إنما درس على الغزالي هذا الموضوع، موضوع غدير خم ولما كان الذهبي لا يعجبه ذلك فقد علق على ما ورد في كتاب (الرياض) لسبط ابن الجوزي ما علق. ↑
- () هرغة: قبيلة كبرى كانت تحتل المنطقة الممتدة جنوب مراكش على ضفاف الأطلس الكبير شرق تارودانت وقد اندثر هذا الاسم وحلّ محله عدد من أسماء القبائل المتساكنة هناك. ↑
- () هذه الآراء للكاتب في التشيع لا تعطي صورة عن حقيقة التشيع، بل هي مما علق في ذهن الكاتب مما كتبه غير المتعمقين في فهم التشيع «ح». ↑
- () وقال أبو العباس الجراوي:سينظم السعد مصراً في ممالكهحتى تدوخ منها خيله حلبا
إلى العراق إلى أقصى الحجاز إلى
أقصى خراسان يلقي جيشه الرعبا
↑ - () أحمد بن عبد السلام الجراوي الزناتي شاعر الخلافة الموحدية وصاحب المكانة الأدبية الرفيعة في عهد الموحدين. ولد في العقد الثالث من القرن السادس الهجري وتوفي سنة 609 في إشبيلية عن سن عالية.اتصل بالخليفة عبد المؤمن الموحدي فأعجب به الخليفة الأديب وقال له وهو معه في جبل طارق: «يا أبا العباس إنا نباهي بك أهل الأندلس».انقطع الجراوي لمدح الخلفاء الموحدين فكان شاعرهم على عهد عبد المؤمن ثم إبنه يوسف ثم إبن هذا يعقوب فابنه محمد الناصر، وشخصيته تتجلى في مدح هؤلاء الخلفاء قبل كل شيء. فلقد قضى من حياته في تلك الأمداح نيفاً وخمسين سنة سجل فيها مواقفه من الحروب والفتوح وغيرها.
ومع أن تلك المدة المديدة التي قضاها في مدح الموحدين تقضي بأن يكون له دواوين من الشعر فإنه لم يصل إلينا من شعره إلا القليل. وقد ذكر له ابن الأبار ديوان شعر رآه. وعدا عن مدائحه في الموحدين فقد طرق معظم أبواب الشعر المعروفة من هجاء وغزل ووصف. وقد جمع منتخبات شعرية على مثال منتخبات «حماسة» أبي تمام عُرفت «بالحماسة المغربية» وسمّاها هو «صفوة الأدب ونخبة كلام العرب» منها نسخة خطية مختصرة في اسطنبول.
ويقول صاحبا كتاب «الأدب المغربي»: من المؤكد أن نجم الشاعر بدأ يخبو منذ أيام يعقوب المنصور، ذلك أن تلك النغمة التي كانت تطرب عبد المؤمن ثم إبنه يوسف لم يعد يعقوب يطرب لها بل أنه عمل على إخفاتها بلباقة. ثم إن عصر المنصور بالذات كان قد فتح فيه قصر الخلافة على مصراعي أبوابه للأندلسيين من فلاسفة وعلماء وكتّاب وشعراء، فزاحم هؤلاء بالخصوص شاعرنا الجراوي بعد ما كانوا يعجزون عن هذه المزاحمة أيام عبد المؤمن بالخصوص فرأيناه يقول له قولته السالفة. أما الآن فها هو يعقوب ينصت إلى قصيدة شاعر أندلسي هو «ابن مجبر» ثم يتجه إلى شاعرنا فيقول له: سلّم يا أبا العباس وأبو العباس كان لا يسلم لأحد.
ولكن الزمن كفيل بهد كبريائه فوجدناه أيام الناصر يشكو زمانه فيقول: تعساً لطول العمر الذي أخّرني لمعاشرة هؤلاء الأنذال. ↑
- () راجع عن نسبه العلوي ما ذكر في موضع آخر. ↑
- () بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن من قيس عيلان من عدنان، لا يختلف النسّابون في ذلك. أما بلادهم فكانت تمتد في عالية نجد مستطيلة من الجنوب حيث توجد حرّة بني هلال المعروفة الآن باسم حرّة البقوم الواقعة غرب رنية وشمالاً إلى حرّة كشب المعروفة في عالية نجد ومن مناهلهم وبلادهم: ↑
- () الميرزا محمد حسن خان اعتماد السلطنة: المآثر والآثار ص 144، الطبعة الحجرية الأولى طهران سنة 1306 هجرية. ↑
- () السيد محمد باقر الخوانساري: روضات الجنات، ج 4، ص 403، قم مكتبة إسماعيليان، سنة 1391 هجرية. ↑
- () أنظر موسوعة البرغاني من فقه الشيعة: تحقيق عبد الحسين الصالحي، الجزء الثاني، صفحة 335، طبع طهران الطبعة الأولى. ↑
- () القس سليمان في «تاريخ الموصل» ص 57، من المجلد الأول.. ↑
- () ابن بطوطة 1 ـ 148. ↑
- () كتاب لا يزال مخطوطاً وهو لمحمد أمين العمري. ↑
- () القس سليمان صائغ، ج 1، ص 57. ↑
- () ابن خالكان، ج 1ن ص 204. ↑
- () تاريخ الموصل، ج 1، ص 40. ↑
- () البلاذري ص 326 من الطبعة المصرية. ↑
- () تاريخ الموصل، ج 1، ص 51. ↑
- () ابن الأثير، ص 49 من المجلد الخامس. ↑
- () ابن الأثير، ص 38 من المجلد السادس ↑
- () ابن الأثير، ص 180 من المجلد السابع ↑
- () أصل الحمدانيين من تغلب أعظم بطون ربيعة. ↑
- (♣) للسيد المرتضى ثلاث رسائل باسم: (المسائل الموصلية: الأولى: ثلاث مسائل: في الاعتماد والوعيد والقياس، ولا أعرف نسخة لها، ولكن أحال عليها السيد كثيراً في كتبه. وردت إليه وهو في سن مبكر.الثانية: وهي تسع مسائل فقهية أكثرها يتصل بما تفرد به الإمامية أو ظن انفرادهم به من مسائل الفقه، وأكثر مسائلها مطروق في كتابه «الناصريات». تقع في 7 صفحات، كل صحيفة 22 سطراً، كل سطر 25 كلمة. لها نسخة عندي ونسخة في «مكتبة الرضا».الثالثة: تقع في 109 مسألة، صفحاتها 36 صحيفة، كل صحيفة 26 سطراً، وهي على الأكثر فقهية، تشبه رسالة «الانتصار». أحال فيها السيد علي «المسائل التبّانية»، كما يظهر من المقدمة، وعلى «المسائل الموصلية الأولى» كما يظهر من المسألة الخامسة والثلاثين والمسألة السادسة والخمسين، كما أحال على «المسائل الموصلية الثانية» أنظر المسألة الخامسة.
لها نسخة مخطوطة في «مكتبة الإمام الرضا»، يرجع تاريخ كتابتها إلى سنة 676. ولديّ نسخة منها بخط الشيخ آغا بزرك.
وتعود اهميتها إلى دلالتها على مدى انتشار التشيّع في الموصل والجزيرة في القرن الرابع ، وعلى مدى اليقظة العقلية لدى الشيعة. ↑
- () ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث (1900 ـ 1950) ترجمة جعفر الخياط 1/30. ↑
- () ف. مينورسكي الشبك، المعلمة الإسلامية، ترجمة مير بصري، عن الشبك 230. ↑
- () أحمد حامد الصراف، الشبك 2. ↑
- () المصدر نفسه، 11. ↑
- () المصدر نفسه، 145. ↑
- () عباس العزاوي، الكاكائية 95. ويعد محمد أمين زكي في كتابه «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان» 2/131 الشبانكارة أو الشوانكارة من إمارات إيران الكردية (412 ـ 658هـ) وكان لرؤسائها صلة جيدة بالدولة البويهية، وإذا تأكدت هذه الصلة وتأكتدت ايضا صلة الشبك الحاليين بإمارة الشبانكارة سيكون أصل التشيع عند قسم من الشبكيين غير غامض، وبعيداً عن الصفويين والقزلباش. ↑
- () شاخه وان الشبكن الشبك دراسة تاريخية، مجلة سه رهلدان، أربيل 1955 (103 ـ 123). ↑
- () المصدر نفسه ص 114. ↑
- () الصراف، الشبك 45. ↑
- () عباس العزاوي، العراق بين احتلالين 4/154. ↑
- () تأتي دراسات عن البكتاشية مكملة لهذا البحث. ↑
- () صلاح سعدالله، لغة الكرد وتاريخهم ـ بغداد 1989، مقتبس من كتاب زينفون «الحملة الفارسية». ↑
- () المقصود ببلاد الروم: الأناضول (آسيا الوسطى). ↑
- () هم أتباع فضل الله الأسترآبادي. وسموا بالحروفية لأنهم يرون أن الحروف هي المظهر الباطني والعرفاني لأدوار دوران العالم. وأن حروف الألف باء هي العلامات الباطنية للخطوط وأشكال صورة الإنسان.إن أهم كشف كان يدّعيه فضل الله هو معرفته بمعاني الحروف وبواطنها. وكان يدّعي أن المعاني الباطنية لحروف كلمات القرآن تظهر عليه.وله تعاليم تخرجه عن الإسلام لما فيها من الغلو.
ولد فضل الله في استرآباد سنة 740هـ وكان والده قاضي قضاة المدينة، وبعد وفاة والده تولى هو القضاء. ويصفه بعض المؤرخين بأن حياته مثيرة مليئة بالأحداث لا سيما البدع التي وضعها في آخر حياته وكانت سبب قتله على يدي ميرانشاه بن تيمورلنك سنة 796هـ ولا توجد في مصادر العصر التيموري وبعده معلومات كثيرة عن الفرقة الحروفية، غير أن بعض المستشرقين المعاصرين قاموا بدراسات هامة عن عقائد هذه الفرقة ومسيرتها التاريخية، منهم المستشرق الروسي إيليا وليوج بطروشفسكي. والمستشرق الألماني هلموت ريتر.
وكتب فضل الله مؤلفات منها: جاودان نامه، ومحبت نامه، وعرش نامه. وقد أبرز في تلك المؤلفات عقائده الغالية الشاذة.
وقد حاول إدخال تيمورلنك في عقيدته، ولكن تيمور أعرض عنه إلى أن كان مقتله على يد ميرانشاه بن تيمور. وبعد مقتله اضمحلت الحروفية في خراسان وفي إيران، وهرب دعاتها وخلفاء فضل الله إلى البلاد العثمانية وتغلغلوا في الأناضول في صفوف الدراويش وفي البكتاشيين. ↑
- () راجع ترجمة مفصلة للبيروني في موسوعة (أعيان الشيعة). ↑
- () وصف حياته وفقره بأرجوزة مطلعها:أنا الفتى ابن يونس الفقيروقوته الكرّاث والشعير
↑ - () انتدب الملك فيصل ساطع الحصري لمقابلة الجنرال غورو في عاليه ومطالبته بإيقاف زحف الجيش الفرنسي على سوريا ما دامت قد قبلت شروط الإنذار وبدأت بتنفيذها فعلا، فقدم غورو شروطاً جديدة منها إقامة بعثة فرنسية في دمشق يكون لها حق الإشراف على الشؤون المالية والإدارية والاقتصادية والتربوية والعسكرية، وقد وافقت الوزارة على قبول هذا الإنذار الجديد ورفضه الملك فيصل. ↑
- () ويرى بعضهم أن أول من أظهر القبر هو المنصور. ↑
- () هذا الفصل مكتوب بقلم: غياث آل طعمة. ↑
- () حسن الخرسان: مقدمة مَن لا يحضره الفقيه، ص: د. (ونقول): إن في هذا القول الكثير من المبالغة. ولكن مهما كان قدر المبالغة فيه فإنه يدل على حقيقة واقعيته. (ح). ↑
- () محمد مهدي الآصفي: مقدمة الروضة البهية، ص :43. ↑
- () الطوسي: الفهرست، ص 134/ تسلسل 590. ↑
- () عبد الهادي الفضلي: تاريخ التشريع الإسلامي، ص 262 ـ 263. ↑
- () محمد مكي، المدخل إلى حضارة العصر العباسي، مصدر سابق ص 128. ↑
- () الطهراني، الشيخ آقا بزرك. حياة الشيخ الطوسي 1: 8 ـ 9.منشورة في مقدمة “النهاية ونكتها”للشيخ الطوسي-قم-جماعة المدرسسين في الحوزة العلمية. ↑
- () المصدر السابق 1: 9. ↑
- () المصدر السابق 1: 9. ↑
- () الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر. رجال العلامة الحلي: 148. تصحيح: السيد حمد صادق بحر العلوم ـ النجف ـ المطبعة الحيدرية. ↑
- () ياقوت الحموي: معجم البلدان 2: 342، ومحمد كرد علي، خطط الشام 6: 185. ↑
- () ابن الجوزي. المنتظم في تأريخ الملوك والأمم 8: 179. ↑
- () الفاسي، علال. المدرسة الكلامية: آثار الشيخ الطوسي وآراؤه الخاصة بهذا العلم. بحث مقدم في المؤتمر الألفي. ↑
- () الرفاعي، عبد الجبار. معظم المطبوعات العربية في إيران: 126 ـ طهران ـ وزارة الثقافة والإرشاد، ص 65. ↑
- () المصدر السابق: 135. ↑
- () المصدر السابق: 135. ↑
- () النجاشي، مصدر سابق: 403. ↑
- () النجاشي. مصدر سابق: 403. ↑
- () المصدر السابق: 403. ↑
- () الرفاعي، عبد الجبار. مصدر سابق: 165. ↑
- () المصدر السابق: 166. ↑
- () ابن حجر العسقلاني. لسان الميزان، 2: 250. ↑
- () الطهراني، الشيخ آقا بزرك. مصدر سابق: 58. ↑
- () المصدر السابق: 59، عن: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 4: 126 ـ 127. ↑
- () أورد هذه الإشارات الشيخ الطهراني في طبقات أعلام الشيعة. القرن السادس والسابع والثامن. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم 1: 529، تحقيق السيد محسن الموسوي التبريزي ـ طهران ـ وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط 1، 1414هـ. ↑
- () المصدر السابق: 531. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. المقدمات من كتاب نص النصوص: 536. تصحيح هنري كربين وعثمان يحيى ـ طهران ـ انتشارات طوس، 1367ش. ↑
- () المصدر السابق: 534، 536. ↑
- () المصدر السابق: 537. ↑
- () المصدر السابق: 535. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. المقدمات من كتاب نص النصوص: 12. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. جامع الأسرار ومنبع الأنوار: 1. تصحيح هنري كربين وعثمان يحيى. طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنكي، 1368ش. من تصدير عثمان يحيى. ↑
- () الآملي، السيد حيدر. تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: 227 ـ 228. ↑
- () ذهب إلى ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين كالدكتور محمد عابد الجابري في ثلاثيته «نقد العقل العربي»، وغيره. ↑
- () حرب، علي. مداخلات: 17. بيروت، دار الحداثة. ↑
- () بدوي، د. عبد الرحمن. شخصيات قلقة في الإسلام: 2 ـ القاهرة ـ دار النهضة العربية 1964م. ↑
- () الطهراني، آقا بزرك. الضياء اللامع في القرن التاسع: 38. تحقيق: علي نقي منزوي ـ طهران ـ جامعة طهران. والذريعة 12: 63. ↑
- () حرز الدين، محمد. معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء 2: 6 ـ قم ـ مكتبة السيد المرعشي النجفي، 1405هـ. ↑
- () المصدر السابق: 7. ↑
- () آل محبوبة، الشيخ جعفر. ماضي النجف وحاضرها 3: 386. بيروت، دار الأضواء، ط 2، 1406 ـ 1986م ↑
- () الأميني، د. محمد هادي. معجم الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام 1: 309 ـ بيروت ـ ط 2، 1413هـ ـ 1986م. ↑
- () النراقي، ملا مهدي. شرح الآلهيات من كتاب الشفاء: 25. باهتمام د. مهدي محقق ـ طهران ـ 1365ش. ↑
- () الأميني، محمد هادي. مصدر سابق 2: 641. ↑
- () المصدر السابق 3: 1138. ↑
- () المصدر السابق 1: 104. ↑
- () حرز الدين، محمد. معارف الرجال 1: 125 ـ 126. ↑
- () الأمين ي، محمد هادي، مصدر سابق 1: 406. ↑
- () حرز الدين، محمد. مصدر سابق 3: 41 ـ 44. ↑
- () المصدر السابق 2: 211 ـ 213. ↑
- () الطهراني، محمد حسين. رسالة لُبّ اللباب في سير سلوك أولي الألباب: 122 ـ 124. ترجمة عباس نور الدين. بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1412هـ. ↑
- () السبزواري، السيد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن 1: 221 ـ 224 ـ قم ـ مؤسسة المنارن 1414هـ. ↑
- () لاحظ: البحث الفلسفي في تفسير الميزان، في الفصل الرابع من هذا الكتاب. ↑
- () السيد المرتضى، علم الهدى علي بن الحسين الموسوي. الذريعة إلى أصول الشريعة. تصحيح: أبو القاسم كرجي. جامعة طهران: 1363 ش، 1: 2. ↑
- () حكيمي، محمد رضا. المدرسة التفكيكية، سلسلة كتاب قضايا إسلامية معاصرة، 1419هـ. ↑
- () مقدمة الشيخ المظفر لكتاب: تحفة الحكيم. للأصفهاني، ص 5. ↑
- () صدر الكتاب اخيرا في ستة اجزاء بتحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث في قم. ↑
- () الأصفهاني، محمد حسين. نهاية الدراية في شرح الكفاية. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1: 19 ـ 27. ↑
- () المصدر السابق: 1: 34. ↑
- () المصدر السابق: 1: 34. ↑
- () المصدر السابق: 1: 52. ↑
- () ن.م، 1: 53. ↑
- () المصدر السابق: 1: 53. ↑
- () لاحظ بعض هذه الموارد في:أ ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، للشهيد الصدر 3: 419، 424، 4: 295، 355.ب ـ مباحث الأُصول: للشهيد الصدر، تقرير السيّد كاظم الحائري ج 2: ق 2: 230، 497، 506.
ج ـ كتاب الخمس، للسيّد محمود الهاشمي 1: 189.
د ـ كتاب القضاء للسيّد كاظم الحائري 531، 781. ↑
- () الشهيد الشيخ محمّد باقر الاصطهباناتي فقيه، حكيم، محقّق في العلوم العقلية والنقلية، تتلمذ في المعقول للحكيم المعروف محمّد رضا القمشي في طهران، وقصد سامراء فحضر دروس الميرزا محمّد حسن الشيرازي، ثم هاجر إلى النجف الأشرف وتمحّض لتدريس علوم الحكمة، كان أحد مؤسّسي مدرسة النجف الفلسفية الحديثة، عاش منزوياً محروماً فقيراً في النجف إثر تخصّصه بتدريس العلوم العقلية، فاضطرّ أخيراً للهجرة منها إلى شيراز، وقتل فيها غيلة سنة (1326 هـ) .من تلامذته الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمّد حسين الأصفهاني، والأخير أُستاذ العلاّمة الطباطبائي. لمعرفة تفاصيل حياته أُنظر:أ ـ الطهراني، آقا بزرگ. نقباء البشر 1: 212 ـ 213.
ب ـ الأمين ، السيّد محسن. أعيان الشيعة 9: 187.
ج ـ السيّد النجفي القوچاني. سياحة في الشرق: 229 ـ 236.
د ـ الرفاعي، عبدالجبار. تطوّر الدرس الفلسفي في النجف الأشرف. في: موسوعة النجف الأشرف. ج 8: ص 78 ـ 79. ↑
- () السيد النجفي القوجاني. سياحة في الشرق. ترجمة: يوسف الهادي. بيروت: دار البلاغة 1992م، ص 231. ↑
- () المصدر السابق، ص 342. ↑
- () أمين، أحمد. ضحى الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، 1: 190 ـ 191. ↑
- () هويدي، محمد رشيد، صفحة من رحلات الإمام الزنجاني وخطبه، النجف: مطبعة الغري، 1947م، ص 424. ↑
- () السيد النجفي القوجاني، سياحة في الشرق: 65، ترجمة: يوسف الهادي. ↑
- () المطهري، الشهيد مرتضى. الاجتهاد في الإسلام: 58، ترجمة: جعفر صادق الخليلي. ↑
- () بيان الإمام الخميني في 15 رجب 1409هـ. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () جهانگيزخان قشقائي، حكيم متألّه، ولد سنة (1243 هـ) وتوفي في أصفهان سنة (1328 هـ)، من أبرز أساتذة الفلسفة في أصفهان في القرن الثالث عشر الهجري. من تلامذته في الفلسفة الشيخ آقا ضياء العراقي، والسيّد أبو الحسن الأصفهاني، والسيّد حسين البروجردي، والميرزا محمّد عليّ الشاه آبادي، والسيّد جمال الدين الگلپايگاني، وغيرهم. ↑
- () الطهراني، السيد محمد حسين. مهرتابان: 60 ـ 62. ↑
- () المصدر السابق: 62. ↑
- () احتفظت مراكز الفكر الإسلامي الشيعي في العراق بنوع من حرية النشر في أعقاب حملة إبادة أصحاب الرأي من فقهاء المذاهب الإسلامية التي شنّها السلاجقة، وهاجر على أثرها أئمة الفقه الإسلامي الشيعي إلى النجف واقاموا أوسع مركز للدراسات الفقهية والفلسفية والأدبية، وقد اختفت معاهد التعليم العباسي في معظم أرجاء البلاد الإسلامية واستمرت في النجف وكربلاء والكاظمية حتى السبعينات من هذا القرن ايام تسلط من سموا أنفسهم (حزب البعث) وعلى رأسهم الطاغية السفاح صدام حسين. إذ بدأت حملة شبيهة بحملة السلاجقة لإبادة أصحاب الرأي الآخر، وانتهت بتعطيل الدراسات في هذه المراكز بعد ألف عام.وبهذا خسر التراث العربي في ظل سلطة قومية. تلك الصلة التاريخية الحية التي تربطه وشريحة من الأجيال المعاصرة بنظام التعليم العباسي المعروف في عصر المأمون. حيث يتعرب «الأعاجم» من الطلبة الدارسين، وخسر العراق موقعاً ريادياً في حركة الفكر الإسلامي العربي. ↑
- () قال الدكتور محمد فاضل الجمالي:«ومع مرور الزمن ترسّخت معتقداتي أننا في النجف نملك (منجماً) من المثقفين، يجب أن يستكشف ليتعرّف عليه العالم ويقدّره، ويتبنّى بعض مظاهره.لقد درست أغلب نظم التعليم الجامعي في (الغرب) وزرت الجامعات (الألمانية) و(البريطانية) و(الفرنسية) وجامعة (أكسفورد) و(كامبردج) وتلقيت التعليم في الجامعات (الأميركية) إلا أنه ما من جامعة من هذه الجامعات حتى الجامعات (الألمانية) تستطيع أن تفخر في حرية التعليم بما يضاهي حرية التعليم والأصالة اللتين تطبعان شخصية المنتسبين إليها بطابعها المتميز في جامعة النجف، والنظام التعليمي العام لا يخضع لنفوذ الدولة ولا يموّل من قبلها، فبالرغم من وجود 24 مدرسة علمية لا توجد هيئة خارجية أو سلطة تسيطر عليها، أو تقوم بإدارتها.
وقال: إن النجف أشبه ما تكون بـ(نافورة) كبيرة يمكن لأي شخص أن يتقرب إليها، ويعبّ منها ما يستطيع ما دام لديه اهتمام.
وقال: إن أي شخص يذهب للإقامة في النجف فإنه يذهب لغرض تحصيل منفعته، فالتعليم لا يهدف إلى أي دوافع خارجية سوى الصلاح الديني والتقوى، وخدمة الأغراض الإلهية، فلهذا فالطالب في النجف يجمع بين التقوى وطلب العلم.
وتتميز الدراسة في النجف بأنها تستند على القناعة والزهد ولا صلة للطالب بحياة الترف. ↑
- () أنظر العريضة النجفية التي أحالها سنان باشا الحاكم العثماني إلى السلطان مراد الثالث في «يعقوب سركيس: مباحث عراقية، ج 2/ ص: 58 ـ 60، بغداد 1948م، 1988م». كما أن القناة التي شقّها الشاه عباس الأول من الحلة إلى النجف حوالي 1623م جفّت هي الأخرى بعد زمن «الحلي: تاريخ، ج 1/ ص 119». ↑
- () كان شريف العلماء المازندراني في كربلاء المقدسة وتوفي فيها، ثم انتقل تلامذته إلى النجف الأشرف فبدأت بهم نهضتها الجديدة. ↑
- () أديب الملك: سفر نامه أديب الملك بعتبات «دليل الزائرين» طهران 1273 ش/ 1985م، ص 113 ـ 114. وحاجي بيرزاده، سفر نامه حاجي بيرزاده، تحقيق حافظ فرمايان، طهران 1963م. ↑